{"ً":{"ٌ":30121,"ٍ":"القول المسدد في شرح رسالة الإمام أحمد","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"shamela","files":["30121/qmsd.pdf"]},"ّ":"الكتاب: القول المسدد في شرح رسالة الإمام أحمد إلى الإمام مسدد بن مسرهد\nومعه: الرأي المسدد في صحة نسبة رسالة الإمام أحمد بن حنبل إلى الإمام مسدد بن مسرهد.\nالمؤلف: محمد بن خليفة بن علي التميمي\nاعتنى به وأعده للنشر: عبد الجبار بن عبد العظيم بن محمد آل ماجد\nالناشر: (دار الأماجد - الناشر المتميز) (الرياض - السعودية)\nالطبعة: الأولى، ١٤٤٤ هـ - ٢٠٢٣ م\nعدد الصفحات: ٧٢٤\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":1083,"ٕ":1,"ٖ":1781462454,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مقدمة","level":1,"page":1},{"title":"المبحث الأول: من ذكر هذه الرسالة من العلماء","level":2,"page":5},{"title":"المطلب الأول: من أورد نص هذه الرسالة.","level":3,"page":5},{"title":"المطلب الثاني: من أشار إلى ذكر هذه الرسالة","level":3,"page":8},{"title":"المبحث الثاني: أسانيدها.","level":2,"page":12},{"title":"السند الأول: ما ذكره ابن أبي يعلى في الطبقات","level":3,"page":12},{"title":"السند الثاني: ما ذكره ابن الجوزي في مناقب الإمام أحمد.","level":3,"page":13},{"title":"السند الثالث: ما أشار شيخ الإسلام ابن تيمية فيما ذكره في مجموع الفتاوى","level":3,"page":14},{"title":"السند الرابع: ما جاء في مختصر الحجة على تارك المحجة وللأسف أن هذا السند حذفه مختصر كتاب الحجة على تارك المحجة","level":3,"page":14},{"title":"المبحث الثالث: صحة نسبة هذه الرسالة إلى الإمام أحمد","level":2,"page":15},{"title":"المطلب الأول: قول من يقول بصحة نسبتها إلى الإمام أحمد.","level":3,"page":15},{"title":"المطلب الثاني: من طعن في صحة نسبتها.","level":3,"page":17},{"title":"المبحث الرابع: طبعاتها.","level":2,"page":36},{"title":"مقدمة المؤلف","level":1,"page":38},{"title":"أهمية العلم والعلماء","level":1,"page":40},{"title":"ما ورد عن السلف في أهمية العلم والعلماء","level":1,"page":45},{"title":"أهل القرآن هم العالمون به العاملون بما فيه","level":1,"page":57},{"title":"الحث على التمسك بالسنة والتحذير من البدع","level":1,"page":59},{"title":"المصدر الأول من مصادر التشريع: القرآن الكريم","level":1,"page":66},{"title":"القرآن كلام الله عزوجل، منه بدأ وإليه يعود","level":1,"page":66},{"title":"ادعاء القول بأن القرآن مخلوق؛ جرم عظيم وذنب كبير","level":1,"page":67},{"title":"المصدر الثاني من مصادر التشريع: سنة النبي ﷺ","level":1,"page":68},{"title":"علاقة السنة بالمصدر الأول الذي هو القرآن تسير وفق الأوجه التالية","level":1,"page":84},{"title":"البيان من النبي ﷺ على أقسام","level":1,"page":86},{"title":"من هو الجهم بن صفوان، وبيان حاله","level":1,"page":92},{"title":"اسمه وكنيته ونسبه","level":2,"page":92},{"title":"بلده ونسبته","level":2,"page":94},{"title":"بدع الجهم","level":2,"page":108},{"title":"خلاصة ما كان يدعو إليه الجهم بن صفوان","level":2,"page":115},{"title":"الجهمية افترقت ثلاث فرق","level":2,"page":120},{"title":"تاريخ هذه المقالة","level":2,"page":121},{"title":"أقسام الجهمية في مسألة: إن الله لم يكلم موسى تكليما، ولا يتكلم","level":2,"page":121},{"title":"مذهب أئمة الحديث والسنة: أن الله تعالى لم يزل متكلما، إذا شاء، ومتى شاء، وكيف شاء، وهو يتكلم بصوت يسمع","level":1,"page":123},{"title":"بيان بطلان قول الجهمية إذا خلق الله كلاما في غيره صار هو المتكلم به","level":1,"page":124},{"title":"مسألة: القول: لفظي بالقرآن مخلوق أو غير مخلوق","level":1,"page":131},{"title":"الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص","level":1,"page":139},{"title":"الجانب الأول: الجانب اللغوي","level":2,"page":139},{"title":"الترادف التام ممتنع بين التصديق والإيمان من عدة وجوه","level":3,"page":140},{"title":"من المعلوم أن كلام الله وشرعه إنما هو خبر وأمر","level":3,"page":142},{"title":"الجانب الثاني: المعنى الشرعي للإيمان","level":2,"page":144},{"title":"الجانب الثالث: دلالة اسم الإيمان","level":2,"page":148},{"title":"الجانب الرابع: أقوال الناس في مسمى الإيمان","level":2,"page":152},{"title":"أدلة زيادة الإيمان ونقصانه","level":1,"page":156},{"title":"أقوال السلف الصالح في زيادة الإيمان ونقصانه","level":1,"page":162},{"title":"الأقوال المخالفة لقول أهل السنة والجماعة في مسألة زيادة الإيمان ونقصانه","level":1,"page":163},{"title":"ثمرة الخلاف في مسألة زيادة الإيمان ونقصانه","level":1,"page":172},{"title":"حكم مرتكب الكبيرة","level":1,"page":173},{"title":"مسألة مراتب الدين","level":1,"page":182},{"title":"مذهب الخوارج والمعتزلة في أن الإيمان كل واحد لا يتجزأ؛ إذا ذهب بعضه ذهب كله، وأنه لا يقبل التبعض","level":1,"page":194},{"title":"الشيعة الروافض شعارهم الطعن في سائر الصحابة عدا بعض آل البيت، وغلاتهم من السبئية والبيانية وغيرهم قد حكم علماء الإسلام عليهم بالردة والخروج من الدين بالكلية","level":1,"page":197},{"title":"الطائفة الأولى: الغلاة: المدعون لإلهية علي","level":2,"page":199},{"title":"الطائفة الثانية: السابة: الذين يسبون أبا بكر وعمر","level":2,"page":200},{"title":"الطائفة الثالثة: المفضلة: الذين يفضلونه على أبي بكر وعمر","level":2,"page":200},{"title":"الإيمان بالقضاء والقدر","level":1,"page":205},{"title":"تعددت الأقوال في الفرق بين القضاء والقدر","level":1,"page":205},{"title":"الواجب في معرفة القدر يتمحور على أمرين أساسيين","level":1,"page":212},{"title":"أدلة القدر","level":2,"page":222},{"title":"مراتب القدر","level":2,"page":223},{"title":"المرتبة الأولى: العلم","level":3,"page":223},{"title":"المرتبة الثانية: الكتابة","level":3,"page":224},{"title":"المرتبة الثالثة: المشيئة","level":3,"page":225},{"title":"المرتبة الرابعة: الخلق","level":3,"page":225},{"title":"أنواع التقدير","level":1,"page":225},{"title":"الإيمان بالجنة والنار","level":1,"page":230},{"title":"المسألة الأولى: وجود النار في الحياة الدنيا","level":2,"page":241},{"title":"المسألة الثانية: مكان النار","level":2,"page":243},{"title":"المسألة الثالثة: أبدية النار","level":2,"page":247},{"title":"من عقيدة أهل السنة والجماعة: أنهم يؤمنون بأن أهل الإيمان يرون ربهم يوم القيامة","level":1,"page":251},{"title":"تنبيهات مهمة تتعلق بمسألة الرؤية","level":1,"page":254},{"title":"أولا: رؤية الله في الدنيا يقظة","level":2,"page":255},{"title":"ثانيا: رؤية الله عزوجل في المنام","level":2,"page":257},{"title":"ثالثا: رؤية الله عزوجل في الآخرة","level":2,"page":259},{"title":"أ- رؤية المؤمنين لربهم جل وعلا","level":3,"page":260},{"title":"ب- رؤية الكفار والمنافقين لربهم جل وعلا","level":3,"page":262},{"title":"رؤية النبي ﷺ ربه ليلة المعراج","level":1,"page":263},{"title":"أنواع شفاعات النبي ﷺ يوم القيامة","level":1,"page":266},{"title":"الشفاعة الأولى: الشفاعة العظمى","level":2,"page":267},{"title":"الشفاعة الثانية: هي لمن يصبر على لأواء المدينة وشدتها","level":2,"page":274},{"title":"الشفاعة الثالثة: الشفاعة لمن يموت بالمدينة","level":2,"page":278},{"title":"الشفاعة الرابعة: الشفاعة في دخول الجنة بغير حساب","level":2,"page":279},{"title":"الشفاعة الخامسة: الشفاعة فيمن قال \"لا إله إلا الله\" خالصا من قلبه","level":2,"page":281},{"title":"الشفاعة السادسة: الشفاعة في أهل الكبائر من أمته ﷺ","level":2,"page":282},{"title":"الشفاعة السابعة: الشفاعة في رفع الدرجات","level":2,"page":284},{"title":"الشفاعة الثامنة: الشفاعة للخروج من النار","level":2,"page":286},{"title":"الشفاعة التاسعة: الشفاعة التي يجتمع فيها الله جل وعلا والنبيون والملائكة والمؤمنون","level":2,"page":287},{"title":"الشفاعة العاشرة: الشفاعة في عمه أبي طالب في تخفيف العذاب عنه","level":2,"page":294},{"title":"الصراط حق","level":1,"page":306},{"title":"الميزان حق","level":1,"page":311},{"title":"معنى الميزان في اللغة","level":1,"page":311},{"title":"الأدلة على ثبوت الميزان","level":1,"page":314},{"title":"معنى الميزان في الشرع","level":1,"page":317},{"title":"صفات الميزان","level":1,"page":318},{"title":"خلاف العلماء في الميزان: هل هو واحد أم متعدد؟","level":1,"page":318},{"title":"الأقوال في الموزون","level":1,"page":329},{"title":"كيفية وزن الأعمال","level":1,"page":334},{"title":"الأنبياء حق","level":1,"page":336},{"title":"معنى النبوة والرسالة","level":1,"page":336},{"title":"حكم الإيمان بالأنبياء","level":1,"page":342},{"title":"تعريف الإيمان بالنبي صل الله عليه وسلم","level":2,"page":343},{"title":"عقيدة المسلمين في عيسى ﵇","level":1,"page":347},{"title":"أدلة نزول عيسى ﵇","level":1,"page":351},{"title":"الأحاديث في نزول عيسى ﵇ متواترة","level":1,"page":358},{"title":"الحكمة في نزول عيسى ﵇ دون غيره","level":1,"page":364},{"title":"بماذا يحكم عيسى ﵇؟","level":1,"page":366},{"title":"انتشار الأمن وظهور البركات في عهده ﵇","level":1,"page":369},{"title":"مدة بقائه بعد نزوله ثم وفاته","level":1,"page":371},{"title":"الإيمان بالحوض","level":1,"page":373},{"title":"الشفاعة","level":1,"page":376},{"title":"معنى الشفاعة في اللغة","level":1,"page":376},{"title":"معنى الشفاعة في خطاب الشارع","level":2,"page":379},{"title":"أنواع الشفاعة","level":2,"page":379},{"title":"١ - الشفاعة المنفية","level":2,"page":379},{"title":"٢ - الشفاعة المثبتة","level":2,"page":383},{"title":"الإيمان بالعرش والكرسي","level":1,"page":390},{"title":"الأدلة على إثبات العرش","level":1,"page":390},{"title":"قول السلف في تعريف العرش","level":1,"page":396},{"title":"صفات العرش","level":1,"page":397},{"title":"أقوال المخالفين في إثبات العرش","level":1,"page":402},{"title":"الأقوال في الكرسي","level":1,"page":411},{"title":"القول الأول: أن المراد بالكرسي: العلم","level":2,"page":411},{"title":"القول الثاني: أن المراد بالكرسي: هو العرش نفسه","level":2,"page":412},{"title":"القول الثالث: أن المراد بالكرسي قدرته التي يمسك بها السموات والأرض","level":2,"page":416},{"title":"القول الرابع: أن الكرسي هو الفلك الثامن، أو ما يسمونه: فلك البروج، أو فلك الكواكب الثوابت","level":2,"page":416},{"title":"القول الخامس: إن الكرسي جسم عظيم مخلوق بين يدي العرش، والعرش أعظم منه، وهو موضع القدمين للبارئ ﷿","level":2,"page":416},{"title":"الإيمان بمنكر ونكير","level":1,"page":421},{"title":"الإيمان بعذاب القبر","level":1,"page":428},{"title":"فتنة القبر","level":1,"page":431},{"title":"الإيمان بملك الموت أنه يقبض الأرواح","level":1,"page":440},{"title":"الإيمان بالنفخ في الصور","level":1,"page":450},{"title":"الصور الذي ينفخ فيه","level":1,"page":450},{"title":"النافخ في الصور","level":1,"page":451},{"title":"اليوم الذي يكون فيه النفخة","level":1,"page":452},{"title":"كم مرة ينفخ في الصور؟","level":1,"page":452},{"title":"الذين لا يصعقون عند النفخ في الصور","level":1,"page":457},{"title":"شرح قول المصنف: \"وأن القبر الذي بالمدينة قبر محمد ﷺ\"","level":1,"page":464},{"title":"المسألة الأولى: دفنه ﷺ","level":2,"page":464},{"title":"المسألة الثانية: شبهة هل دفن النبي ﷺ في مسجده الشريف؟","level":2,"page":466},{"title":"المسألة الثالثة: مسألة جواز السلام على النبي ﷺ عند حجرته","level":2,"page":469},{"title":"المسألة الرابعة: تخصيص السلام أو الصلاة على النبي ﷺ بالمكان القريب من الحجرة","level":2,"page":475},{"title":"المسألة الخامسة والذين أجازوا السلام عليه عند الحجرة للغرباء اختلفوا: كيف يسلم عليه؟ هل تستقبل الحجرة أم القبلة؟","level":2,"page":478},{"title":"المسألة السادسة: والسلف كلهم متفقون على أن الزائر لا يسأله شيئا ولا يطلب منه ما يطلب في حياته ويطلب منه يوم القيامة","level":2,"page":479},{"title":"المسألة السابعة: ولا يجوز السجود للحجرة ولا الطواف بها؛ بل هو كفر بإجماع المسلمين","level":2,"page":479},{"title":"المسألة الثامنة: أبو بكر وعمر ﵄ دفنا في حجرة عائشة ﵂","level":2,"page":480},{"title":"قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن","level":1,"page":487},{"title":"شبهة تأويل الأصابع بالقدرة","level":1,"page":489},{"title":"الدجال خارج في هذه الأمة لا محالة","level":1,"page":491},{"title":"معنى المسيح","level":1,"page":491},{"title":"معنى الدجال","level":1,"page":492},{"title":"صفة الدجال والأحاديث الواردة في ذلك","level":1,"page":492},{"title":"مكان خروج الدجال","level":1,"page":498},{"title":"الأماكن التي لا يدخلها الدجال","level":1,"page":499},{"title":"أتباع الدجال","level":1,"page":500},{"title":"فتنة الدجال","level":1,"page":501},{"title":"الوقاية من فتنة الدجال","level":1,"page":503},{"title":"هلاك الدجال","level":1,"page":506},{"title":"الرد على من أنكر حقيقة المسيح الدجال","level":1,"page":508},{"title":"الحذر من البدع","level":1,"page":513},{"title":"الشيء المبتدع يطلق على أمرين","level":1,"page":514},{"title":"المفاضلة بين أصحاب النبي ﵃","level":1,"page":518},{"title":"ذكر تفاضل الأربعة (أبو بكر وعمر وعثمان وعلي) رضوان الله عليهم","level":1,"page":520},{"title":"المفاضلة بين عثمان وعلي ﵄","level":1,"page":528},{"title":"من عقيدة أهل السنة والجماعة أنهم يقولون نشهد بالجنة لمن شهد له النبي صل الله عليه وسلم منهم","level":1,"page":536},{"title":"من شهد النبي ﷺ له بالجنة شهدنا له بالجنة","level":1,"page":541},{"title":"أولا: أقسام الشهادة","level":2,"page":541},{"title":"ثانيا: مسألة الشهادة لمعين بجنة أو نار","level":2,"page":542},{"title":"رفع اليدين في الصلاة له عدة مواطن","level":1,"page":555},{"title":"الموطن الأول: رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام","level":2,"page":555},{"title":"الموطن الثاني: رفع اليدين عند الركوع والرفع منه","level":2,"page":557},{"title":"الموطن الثالث: رفع اليدين عند القيام من التشهد الأول","level":2,"page":559},{"title":"الحكمة في رفع اليدين","level":1,"page":562},{"title":"الجهر بـ\"آمين عند قول الإمام: \"ولا الضالين\"","level":1,"page":563},{"title":"الصلاة على الميت المسلم فرض كفاية","level":1,"page":567},{"title":"الخروج مع كل إمام في غزوة وحجة","level":1,"page":571},{"title":"حكم الصلاة خلف الفساق","level":1,"page":575},{"title":"الصلاة خلف المبتدع","level":1,"page":577},{"title":"من سمات أهل السنة أنهم يدعون للسلطان بالصلاح","level":1,"page":585},{"title":"من معتقد أهل السنة والجماعة: أن من كان من أهل القبلة لا يشهد له بالجنة ولا يشهد له بالنار، لكن نرجو للمحسن ونخاف على المسيء، إلا من شهد له الرسول صل الله عليه وسلم","level":1,"page":591},{"title":"معتقد أهل السنة في أسماء الله وصفاته يقوم على أساس الإيمان بكل ما وردت به نصوص القرآن والسنة الصحيحة إثباتا ونفيا","level":1,"page":604},{"title":"احذروا الجدال مع أصحاب الأهواء","level":1,"page":609},{"title":"الجدال ينقسم إلى قسمين: ١ - الجدال المحمود","level":2,"page":609},{"title":"٢ - الجدال المذموم","level":3,"page":610},{"title":"من أصول أهل السنة والجماعة: سلامة قلوبهم تجاه أصحاب النبي","level":1,"page":617},{"title":"لا تشاور أحدا من أهل البدع في دينك، ولا ترافقه في سفرك","level":1,"page":623},{"title":"مضرة البدع وهدمها للدين","level":1,"page":634},{"title":"البدعة أحب إلى إبليس من المعصية","level":1,"page":636},{"title":"البدعة لا يتاب منها بخلاف المعصية فإنه قد يتاب منها","level":1,"page":637},{"title":"المبتدع يرى الحق باطلا ويرى الباطل حقا","level":1,"page":638},{"title":"البدعة ضررها متعد للغير إذا كان المبتدع داعيا لبدعته، بخلاف المعصية، فإن ضررها على صاحبها","level":1,"page":639},{"title":"أهمية التحذير من المجالسة والاستماع لأهل البدع والأهواء","level":1,"page":643},{"title":"الأمور التي يجب مراعاتها في أمر الهجر","level":1,"page":647},{"title":"لا نكاح إلا بولي وخاطب وشاهدي عدل","level":1,"page":651},{"title":"متعة النساء حرام إلى يوم القيامة","level":1,"page":656},{"title":"استدل الرافضة لإباحة المتعة بما لا يصلح دليلا","level":1,"page":657},{"title":"قول جمهور العلماء في مسألة الطلاق: أن من طلق امرأته ثلاثا حرمت عليه، ولا تحل له حتى تنكح زوجا غيره","level":1,"page":663},{"title":"تعريف الطلاق","level":2,"page":663},{"title":"أنواع الطلاق","level":2,"page":664},{"title":"أنواع الطلاق باعتبار الرجعة وعدمها","level":1,"page":666},{"title":"التكبير على الجنائز أربع","level":1,"page":668},{"title":"المسح على الخفين","level":1,"page":670},{"title":"صلاة الليل والنهار مثنى مثنى","level":1,"page":675},{"title":"لا صلاة بعد العيد","level":1,"page":676},{"title":"حكم تحية المسجد","level":1,"page":679},{"title":"الوتر ركعة","level":1,"page":685},{"title":"إفراد الإقامة وتثنية الأذان","level":1,"page":696},{"title":"قلوب أهل السنة نقية تجاه حملة ميراث النبوة من العلماء الصادقين والدعاة المخلصين والمقتفين لآثار النبي الأمين ﷺ","level":1,"page":702}],"ٛ":{"1,5":1,"1,6":2,"1,7":3,"1,8":4,"1,9":5,"1,10":6,"1,11":7,"1,12":8,"1,13":9,"1,14":10,"1,15":11,"1,16":12,"1,17":13,"1,18":14,"1,19":15,"1,20":16,"1,21":17,"1,22":18,"1,23":19,"1,24":20,"1,25":21,"1,26":22,"1,27":23,"1,28":24,"1,29":25,"1,30":26,"1,31":27,"1,32":28,"1,33":29,"1,34":30,"1,35":31,"1,36":32,"1,37":33,"1,38":34,"1,39":35,"1,40":36,"1,41":37,"1,45":38,"1,46":39,"1,47":40,"1,48":41,"1,49":42,"1,50":43,"1,51":44,"1,52":45,"1,53":46,"1,54":47,"1,55":48,"1,56":49,"1,57":50,"1,58":51,"1,59":52,"1,60":53,"1,61":54,"1,62":55,"1,63":56,"1,64":57,"1,65":58,"1,66":59,"1,67":60,"1,68":61,"1,69":62,"1,70":63,"1,71":64,"1,72":65,"1,73":66,"1,74":67,"1,75":68,"1,76":69,"1,77":70,"1,78":71,"1,79":72,"1,80":73,"1,81":74,"1,82":75,"1,83":76,"1,84":77,"1,85":78,"1,86":79,"1,87":80,"1,88":81,"1,89":82,"1,90":83,"1,91":84,"1,92":85,"1,93":86,"1,94":87,"1,95":88,"1,96":89,"1,97":90,"1,98":91,"1,99":92,"1,100":93,"1,101":94,"1,102":95,"1,103":96,"1,104":97,"1,105":98,"1,106":99,"1,107":100,"1,108":101,"1,109":102,"1,110":103,"1,111":104,"1,112":105,"1,113":106,"1,114":107,"1,115":108,"1,116":109,"1,117":110,"1,118":111,"1,119":112,"1,120":113,"1,121":114,"1,122":115,"1,123":116,"1,124":117,"1,125":118,"1,126":119,"1,127":120,"1,128":121,"1,129":122,"1,130":123,"1,131":124,"1,132":125,"1,133":126,"1,134":127,"1,135":128,"1,136":129,"1,137":130,"1,138":131,"1,139":132,"1,140":133,"1,141":134,"1,142":135,"1,143":136,"1,144":137,"1,145":138,"1,146":139,"1,147":140,"1,148":141,"1,149":142,"1,150":143,"1,151":144,"1,152":145,"1,153":146,"1,154":147,"1,155":148,"1,156":149,"1,157":150,"1,158":151,"1,159":152,"1,160":153,"1,161":154,"1,162":155,"1,163":156,"1,164":157,"1,165":158,"1,166":159,"1,167":160,"1,168":161,"1,169":162,"1,170":163,"1,171":164,"1,172":165,"1,173":166,"1,174":167,"1,175":168,"1,176":169,"1,177":170,"1,178":171,"1,179":172,"1,180":173,"1,181":174,"1,182":175,"1,183":176,"1,184":177,"1,185":178,"1,186":179,"1,187":180,"1,188":181,"1,189":182,"1,190":183,"1,191":184,"1,192":185,"1,193":186,"1,194":187,"1,195":188,"1,196":189,"1,197":190,"1,198":191,"1,199":192,"1,200":193,"1,201":194,"1,202":195,"1,203":196,"1,204":197,"1,205":198,"1,206":199,"1,207":200,"1,208":201,"1,209":202,"1,210":203,"1,211":204,"1,212":205,"1,213":206,"1,214":207,"1,215":208,"1,216":209,"1,217":210,"1,218":211,"1,219":212,"1,220":213,"1,221":214,"1,222":215,"1,223":216,"1,224":217,"1,225":218,"1,226":219,"1,227":220,"1,228":221,"1,229":222,"1,230":223,"1,231":224,"1,232":225,"1,233":226,"1,234":227,"1,235":228,"1,236":229,"1,237":230,"1,238":231,"1,239":232,"1,240":233,"1,241":234,"1,242":235,"1,243":236,"1,244":237,"1,245":238,"1,246":239,"1,247":240,"1,248":241,"1,249":242,"1,250":243,"1,251":244,"1,252":245,"1,253":246,"1,254":247,"1,255":248,"1,256":249,"1,257":250,"1,258":251,"1,259":252,"1,260":253,"1,261":254,"1,262":255,"1,263":256,"1,264":257,"1,265":258,"1,266":259,"1,267":260,"1,268":261,"1,269":262,"1,270":263,"1,271":264,"1,272":265,"1,273":266,"1,274":267,"1,275":268,"1,276":269,"1,277":270,"1,278":271,"1,279":272,"1,280":273,"1,281":274,"1,282":275,"1,283":276,"1,284":277,"1,285":278,"1,286":279,"1,287":280,"1,288":281,"1,289":282,"1,290":283,"1,291":284,"1,292":285,"1,293":286,"1,294":287,"1,295":288,"1,296":289,"1,297":290,"1,298":291,"1,299":292,"1,300":293,"1,301":294,"1,302":295,"1,303":296,"1,304":297,"1,305":298,"1,306":299,"1,307":300,"1,308":301,"1,309":302,"1,310":303,"1,311":304,"1,312":305,"1,313":306,"1,314":307,"1,315":308,"1,316":309,"1,317":310,"1,318":311,"1,319":312,"1,320":313,"1,321":314,"1,322":315,"1,323":316,"1,324":317,"1,325":318,"1,326":319,"1,327":320,"1,328":321,"1,329":322,"1,330":323,"1,331":324,"1,332":325,"1,333":326,"1,334":327,"1,335":328,"1,336":329,"1,337":330,"1,338":331,"1,339":332,"1,340":333,"1,341":334,"1,342":335,"1,343":336,"1,344":337,"1,345":338,"1,346":339,"1,347":340,"1,348":341,"1,349":342,"1,350":343,"1,351":344,"1,352":345,"1,353":346,"1,354":347,"1,355":348,"1,356":349,"1,357":350,"1,358":351,"1,359":352,"1,360":353,"1,361":354,"1,362":355,"1,363":356,"1,364":357,"1,365":358,"1,366":359,"1,367":360,"1,368":361,"1,369":362,"1,370":363,"1,371":364,"1,372":365,"1,373":366,"1,374":367,"1,375":368,"1,376":369,"1,377":370,"1,378":371,"1,379":372,"1,380":373,"1,381":374,"1,382":375,"1,383":376,"1,384":377,"1,385":378,"1,386":379,"1,387":380,"1,388":381,"1,389":382,"1,390":383,"1,391":384,"1,392":385,"1,393":386,"1,394":387,"1,395":388,"1,396":389,"1,397":390,"1,398":391,"1,399":392,"1,400":393,"1,401":394,"1,402":395,"1,403":396,"1,404":397,"1,405":398,"1,406":399,"1,407":400,"1,408":401,"1,409":402,"1,410":403,"1,411":404,"1,412":405,"1,413":406,"1,414":407,"1,415":408,"1,416":409,"1,417":410,"1,418":411,"1,419":412,"1,420":413,"1,421":414,"1,422":415,"1,423":416,"1,424":417,"1,425":418,"1,426":419,"1,427":420,"1,428":421,"1,429":422,"1,430":423,"1,431":424,"1,432":425,"1,433":426,"1,434":427,"1,435":428,"1,436":429,"1,437":430,"1,438":431,"1,439":432,"1,440":433,"1,441":434,"1,442":435,"1,443":436,"1,444":437,"1,445":438,"1,446":439,"1,447":440,"1,448":441,"1,449":442,"1,450":443,"1,451":444,"1,452":445,"1,453":446,"1,454":447,"1,455":448,"1,456":449,"1,457":450,"1,458":451,"1,459":452,"1,460":453,"1,461":454,"1,462":455,"1,463":456,"1,464":457,"1,465":458,"1,466":459,"1,467":460,"1,468":461,"1,469":462,"1,470":463,"1,471":464,"1,472":465,"1,473":466,"1,474":467,"1,475":468,"1,476":469,"1,477":470,"1,478":471,"1,479":472,"1,480":473,"1,481":474,"1,482":475,"1,483":476,"1,484":477,"1,485":478,"1,486":479,"1,487":480,"1,488":481,"1,489":482,"1,490":483,"1,491":484,"1,492":485,"1,493":486,"1,494":487,"1,495":488,"1,496":489,"1,497":490,"1,498":491,"1,499":492,"1,500":493,"1,501":494,"1,502":495,"1,503":496,"1,504":497,"1,505":498,"1,506":499,"1,507":500,"1,508":501,"1,509":502,"1,510":503,"1,511":504,"1,512":505,"1,513":506,"1,514":507,"1,515":508,"1,516":509,"1,517":510,"1,518":511,"1,519":512,"1,520":513,"1,521":514,"1,522":515,"1,523":516,"1,524":517,"1,525":518,"1,526":519,"1,527":520,"1,528":521,"1,529":522,"1,530":523,"1,531":524,"1,532":525,"1,533":526,"1,534":527,"1,535":528,"1,536":529,"1,537":530,"1,538":531,"1,539":532,"1,540":533,"1,541":534,"1,542":535,"1,543":536,"1,544":537,"1,545":538,"1,546":539,"1,547":540,"1,548":541,"1,549":542,"1,550":543,"1,551":544,"1,552":545,"1,553":546,"1,554":547,"1,555":548,"1,556":549,"1,557":550,"1,558":551,"1,559":552,"1,560":553,"1,561":554,"1,562":555,"1,563":556,"1,564":557,"1,565":558,"1,566":559,"1,567":560,"1,568":561,"1,569":562,"1,570":563,"1,571":564,"1,572":565,"1,573":566,"1,574":567,"1,575":568,"1,576":569,"1,577":570,"1,578":571,"1,579":572,"1,580":573,"1,581":574,"1,582":575,"1,583":576,"1,584":577,"1,585":578,"1,586":579,"1,587":580,"1,588":581,"1,589":582,"1,590":583,"1,591":584,"1,592":585,"1,593":586,"1,594":587,"1,595":588,"1,596":589,"1,597":590,"1,598":591,"1,599":592,"1,600":593,"1,601":594,"1,602":595,"1,603":596,"1,604":597,"1,605":598,"1,606":599,"1,607":600,"1,608":601,"1,609":602,"1,610":603,"1,611":604,"1,612":605,"1,613":606,"1,614":607,"1,615":608,"1,616":609,"1,617":610,"1,618":611,"1,619":612,"1,620":613,"1,621":614,"1,622":615,"1,623":616,"1,624":617,"1,625":618,"1,626":619,"1,627":620,"1,628":621,"1,629":622,"1,630":623,"1,631":624,"1,632":625,"1,633":626,"1,634":627,"1,635":628,"1,636":629,"1,637":630,"1,638":631,"1,639":632,"1,640":633,"1,641":634,"1,642":635,"1,643":636,"1,644":637,"1,645":638,"1,646":639,"1,647":640,"1,648":641,"1,649":642,"1,650":643,"1,651":644,"1,652":645,"1,653":646,"1,654":647,"1,655":648,"1,656":649,"1,657":650,"1,658":651,"1,659":652,"1,660":653,"1,661":654,"1,662":655,"1,663":656,"1,664":657,"1,665":658,"1,666":659,"1,667":660,"1,668":661,"1,669":662,"1,670":663,"1,671":664,"1,672":665,"1,673":666,"1,674":667,"1,675":668,"1,676":669,"1,677":670,"1,678":671,"1,679":672,"1,680":673,"1,681":674,"1,682":675,"1,683":676,"1,684":677,"1,685":678,"1,686":679,"1,687":680,"1,688":681,"1,689":682,"1,690":683,"1,691":684,"1,692":685,"1,693":686,"1,694":687,"1,695":688,"1,696":689,"1,697":690,"1,698":691,"1,699":692,"1,700":693,"1,701":694,"1,702":695,"1,703":696,"1,704":697,"1,705":698,"1,706":699,"1,707":700,"1,708":701,"1,709":702,"1,710":703,"1,711":704},"ٜ":{"1":[5,711]},"ٝ":["1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,494","1,495","1,496","1,497","1,498","1,499","1,500","1,501","1,502","1,503","1,504","1,505","1,506","1,507","1,508","1,509","1,510","1,511","1,512","1,513","1,514","1,515","1,516","1,517","1,518","1,519","1,520","1,521","1,522","1,523","1,524","1,525","1,526","1,527","1,528","1,529","1,530","1,531","1,532","1,533","1,534","1,535","1,536","1,537","1,538","1,539","1,540","1,541","1,542","1,543","1,544","1,545","1,546","1,547","1,548","1,549","1,550","1,551","1,552","1,553","1,554","1,555","1,556","1,557","1,558","1,559","1,560","1,561","1,562","1,563","1,564","1,565","1,566","1,567","1,568","1,569","1,570","1,571","1,572","1,573","1,574","1,575","1,576","1,577","1,578","1,579","1,580","1,581","1,582","1,583","1,584","1,585","1,586","1,587","1,588","1,589","1,590","1,591","1,592","1,593","1,594","1,595","1,596","1,597","1,598","1,599","1,600","1,601","1,602","1,603","1,604","1,605","1,606","1,607","1,608","1,609","1,610","1,611","1,612","1,613","1,614","1,615","1,616","1,617","1,618","1,619","1,620","1,621","1,622","1,623","1,624","1,625","1,626","1,627","1,628","1,629","1,630","1,631","1,632","1,633","1,634","1,635","1,636","1,637","1,638","1,639","1,640","1,641","1,642","1,643","1,644","1,645","1,646","1,647","1,648","1,649","1,650","1,651","1,652","1,653","1,654","1,655","1,656","1,657","1,658","1,659","1,660","1,661","1,662","1,663","1,664","1,665","1,666","1,667","1,668","1,669","1,670","1,671","1,672","1,673","1,674","1,675","1,676","1,677","1,678","1,679","1,680","1,681","1,682","1,683","1,684","1,685","1,686","1,687","1,688","1,689","1,690","1,691","1,692","1,693","1,694","1,695","1,696","1,697","1,698","1,699","1,700","1,701","1,702","1,703","1,704","1,705","1,706","1,707","1,708","1,709","1,710","1,711"],"ٞ":{"1":[1],"5":[2,3],"8":[4],"12":[5,6],"13":[7],"14":[8,9],"15":[10,11],"17":[12],"36":[13],"38":[14],"40":[15],"45":[16],"57":[17],"59":[18],"66":[19,20],"67":[21],"68":[22],"84":[23],"86":[24],"92":[25,26],"94":[27],"108":[28],"115":[29],"120":[30],"121":[31,32],"123":[33],"124":[34],"131":[35],"139":[36,37],"140":[38],"142":[39],"144":[40],"148":[41],"152":[42],"156":[43],"162":[44],"163":[45],"172":[46],"173":[47],"182":[48],"194":[49],"197":[50],"199":[51],"200":[52,53],"205":[54,55],"212":[56],"222":[57],"223":[58,59],"224":[60],"225":[61,62,63],"230":[64],"241":[65],"243":[66],"247":[67],"251":[68],"254":[69],"255":[70],"257":[71],"259":[72],"260":[73],"262":[74],"263":[75],"266":[76],"267":[77],"274":[78],"278":[79],"279":[80],"281":[81],"282":[82],"284":[83],"286":[84],"287":[85],"294":[86],"306":[87],"311":[88,89],"314":[90],"317":[91],"318":[92,93],"329":[94],"334":[95],"336":[96,97],"342":[98],"343":[99],"347":[100],"351":[101],"358":[102],"364":[103],"366":[104],"369":[105],"371":[106],"373":[107],"376":[108,109],"379":[110,111,112],"383":[113],"390":[114,115],"396":[116],"397":[117],"402":[118],"411":[119,120],"412":[121],"416":[122,123,124],"421":[125],"428":[126],"431":[127],"440":[128],"450":[129,130],"451":[131],"452":[132,133],"457":[134],"464":[135,136],"466":[137],"469":[138],"475":[139],"478":[140],"479":[141,142],"480":[143],"487":[144],"489":[145],"491":[146,147],"492":[148,149],"498":[150],"499":[151],"500":[152],"501":[153],"503":[154],"506":[155],"508":[156],"513":[157],"514":[158],"518":[159],"520":[160],"528":[161],"536":[162],"541":[163,164],"542":[165],"555":[166,167],"557":[168],"559":[169],"562":[170],"563":[171],"567":[172],"571":[173],"575":[174],"577":[175],"585":[176],"591":[177],"604":[178],"609":[179,180],"610":[181],"617":[182],"623":[183],"634":[184],"636":[185],"637":[186],"638":[187],"639":[188],"643":[189],"647":[190],"651":[191],"656":[192],"657":[193],"663":[194,195],"664":[196],"666":[197],"668":[198],"670":[199],"675":[200],"676":[201],"679":[202],"685":[203],"696":[204],"702":[205]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"﷽\nإنَّ الحمد لله نحمده، ونَستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيِّئات أعمالنا، مَنْ يَهده الله فلا مضلَّ له، ومَن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أنْ لا إله إلا الله وحْده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢].\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١].\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١].\n\nأمَّا بعدُ:\nفإنَّ أصدق الحديث كتاب الله، وأحسنَ الهَدْي هدي محمدٍ، وشرَّ الأُمُور مُحدثاتها، وكلَّ مُحدثة بدعة، وكلَّ بدعة ضلالة، وكلَّ ضلالة في النار.\nفهذا شرح في سلسلة شروح متون في العقيدة حوت على مجمل مسائل الاعتقاد أسميتها \"سلسلة فقه الاعتقاد\"، فقد عقدت العزم بعد عون الله على شرح تلك المتون، ومن بين ما من الله علي بإتمامه:\n\"إتحاف القارئ بشرح شرح السنة\" للإمام البربهاري\".","vol":"1","page":5},{"text":"و\"تمام المنة في شرح أصول السنة\" للإمام أحمد بن حنبل.\nوهذا الشرح الثالث وهو \"القول المسدد في شرح رسالة الإمام أحمد بن حنبل إلى الإمام مسدد بن مسرهد\".\nفقد حوى المتن على جملة من مسائل الاعتقاد أحببت بيانها وتوضيحها.\nوقد سلكت في هذه الشروح مسلك البسط والتوسع في بيان المسائل وليس مسلك التعليق المختصر، كما قد وقفت عليه عند بعض من تناول هذه المتون بالتعليق، وذلك لقناعتي بأن غالب من يطلع على هذه الشروح هم من المبتدئين من الطلبة، وهذا الصنف لديه الرغبة والهمة في معرفة ما يتعلق بهذه المسائل من تفاصيل وتفريعات، كما أن للتعليق بابه الذي يصلح له فهو يصلح لمن يسلك مسلك قراءة بعض الكتب على بعض العلماء ومن ثم التعليق المختصر على مواطن من تلك الكتب، وأما شرح الكتب فله بابه الذي يتميز به، وللأسف الشديد أن البعض لا يفرق بين الأمرين.\nوقد عرف الإمام أحمد-رحمه الله تعالى، ورَضِي عنه-بأن له كُتبًا ومُصنَّفات كثيرة؛ إمَّا أنه قد كتَبها خصِّيصًا لأبواب معينة، أو كُتِبت من خلال سؤالات أصحابه، وسُمِّيت بمسمَّيات شتَّى.\nومن تلك الرسائل رسالة الإمام أحمد بن حنبل إلى لمُسدد (^١) بْن مسرهد.\n_________\n(^١) مُسَدَّدُ بنُ مُسَرْهَدِ بنِ مُسَرْبَلٍ الأَسَدِيُّ الإِمَامُ، الحَافِظُ، الحُجَّةُ، أَبُو الحَسَنِ الأَسَدِيُّ، البَصْرِيُّ، أَحَدُ أَعْلَامِ الحَدِيْثِ.","vol":"1","page":6},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\nوُلِدَ: فِي حُدُوْدِ الخَمْسِيْنَ وَمائَةٍ، ومات سنة ثمان وعشرين ومائتين. (سير أعلام النبلاء: ٩/ ١٥ - ١٧).\nقال الذهبي: \"فأما ما ذكر أبو علي منصور بن عبد الله الخالدي من نسب مسدد. فقال: هو مسدد بن مسرهد بن مسربل بن مغربل بن مرعبل بن أرندل بن سرندل بن ماسك بن مستورد، فهذا لا يعتمد عليه لأن الخالدي غير ثقة\" تاريخ الإسلام (١٦/ ٤٠٦).\nوقال الذهبي: \"قال أبو حاتم الرازي: أحاديث مسدد، عن يحيى بن سعيد، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، كأنها الدنانير، كأنك تسمعها من النبي ﷺ. وصدق أبو حاتم\" تاريخ الإسلام (١٦/ ٤٠٦).\nوقال ابن محرز: \"سمعت يحيى بن معين وسئل عن مسدد فقال: كان-ما علمت-رجلا كريما، قال لي يحيى بن سعيد: لو آثرت أن أدع كتبي عند أحد إذا خرجت إلى مكة، وضعتها عند مسدد\". (معرفة الرجال ١/ ٨٦ رقم ٢٩٨ و٢/ ١٣٧، ١٣٨ رقم ٤٣٢).\nوقال ابن عدي: \"يقال إن يحيى الحماني أول من صنف المسند بالكوفة، وأول من صنف المسند بالبصرة مسدد، وأول من صنف المسند بمصر أسد السنة\" الكامل ٧/ ٢٦٩٤، ٢٦٩٥.\nقال ابن ناصر الدين: \"كان حافظا حجة من الثقات وأحد الأئمة المصنفين الأثبات\" التبيان لبديعة البيان (١/ ٣٥٤).\nوانظر ترجمته في التاريخ الكبير (٨/ ٧٢)؛ والتاريخ الصغير (٢/ ٣٥٧، ٣٥٨)؛ وطبقات ابن سعد (٧/ ٣٠٧)؛ والكنى والأسماء لمسلم (ص ١٠١)؛ والجرح والتعديل (٨/ ٤٣٨)؛ وتاريخ خليفة (ص ٤٧٩)؛ وتاريخ الثقات (ص ٤٢٥: ١٥٦٠)؛ والثقات (٩/ ٢٠٠)؛ والجمع بين رجال الصحيحين (٢/ ٥٢٢: ٢٠٣٤)؛ والإكمال (٧/ ٢٤٩)؛ والمعجم المشتمل (ص ٢٨٩: ١٠٣٨)؛ وطبقات الحنابلة (١/ ٣٤١ - ٣٤٥)؛ والوافي بالوفيات (٢٤/ ١٢٩ - ١٣٠)؛ وتهذيب الكمال (٣/ ١٣٢٠)؛ والسير (١٠/ ٥٩١)؛ وتذكرة الحفاظ (٢/ ٤٢١)؛ والكاشف (٣/ ١٣٦: ٥٤٨١)؛ والعبر (١/ ٣١٧)؛ =","vol":"1","page":7},{"text":"وقد أحببت أن أقدم بين يدي شرح هذه الرسالة بمقدمة أسميتها\n\"الرأي المسدد في صحة نسبة رسالة الإمام أحمد بن حنبل إلى الإمام مسدد بن مسرهد\".\nوقسمت المقدمة إلى المباحث الآتية:\n_________\n= والمعين (ص ٩١)؛ ودول الإسلام (ص ١٢٣)؛ وشرح علل الترمذي (١/ ٣٩)؛ والبداية والنهاية (١٠/ ٣٠١)؛ والشذرات (٢/ ٦٦)؛ وتهذيب التهذيب (١٠/ ١٠٧)؛ والتقريب (ص ٥٢٨ [٦٥٩٨])؛ والهدي (ص ٦)؛ والخلاصة (٣/ ٧٩)؛ والرسالة (ص ٦٢)؛ وكشف الظنون (ص ١٦٨٤)؛ وهدية العارفين (ص ٤٢٨)؛ وتاج العروس (٢/ ٣٧٦)؛ والأعلام (٧/ ٢١٥)؛ ومعجم المؤلفين (١٢/ ٢٢٤).","vol":"1","page":8},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2>المبحث الأول: من ذكر هذه الرسالة من العلماء</span>\nوفيه ثلاثة مطالب:\n\n<span data-type='title' id=toc-3>المطلب الأول: من أورد نص هذه الرسالة.</span>\nوورد نصها في عدد من المراجع:\nوأرتبهم بحسب الترتيب الزمني فأقدم من ذكر نص هذه الرسالة:\n١. أبو عبد الله عبيد الله بن محمد بن بطة العكبري الحنبلي ﵀ (المتوفى: ٣٨٧) (^١) في كتابه \"الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية\" المعروف بالإبانة الكبرى حسبما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ حيث قال: «وأما رسالة أحمد بن حنبل إلى مسدد بن مسرهد؛ فهي مشهورة عند أهل الحديث والسنة … وقد ذكرها أبو عبد الله بن بطة (المتوفى: ٣٨٧ هـ) في كتاب الإبانة (^٢).\nولكنها غير موجودة في النسخة المطبوعة من كتاب الإبانة الكبرى.\n_________\n(^١) انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (١٦/ ٥٢٩).\n(^٢) شرح حديث النزول صمن مجموع الفتاوى ٥/ ٣٩٦.","vol":"1","page":9},{"text":"٢. وأورد نصها كاملًا ابن أبي يعلى (المتوفى: ٤٥٨ هـ) في «طبقات الحنابلة، في ترجمة مسدد (^١)، بسنده عن طريق ابن بطة (^٢).\n٣. كما أورد نص الرسالة كاملًا الإمام نصر بن إبراهيم المقدسي (المتوفى: ٤٩٠ هـ) كما في \"مختصر الحجة على تارك المحجة\". (^٣) وقد قام مختصر كتاب الحجة بحذف أسانيد الكتاب وإلا فالرسالة رواها المؤلف بإسنادها حيث قال صاحب المختصر: \" وقد قصرت الهمم عن حفظ أسانيده بشغلها وشهواتها ودنياها، فاستخرت الله تعالى بحذف أسانيده، مقتصرًا على من من الصحابة أو التابعين رواها\" وقال في آخر الكتاب \"هذا ما تيسر لي من اختصار كتاب الحجة نفعني الله تعالى به\" (^٤).\n٤. وأورد نص الرسالة أبو الفرج ابن الجوزي-﵀ (المتوفى: ٥٩٧ هـ) بسنده في كتابه \"مناقب الإمام أحمد\" (^٥).\n٥. وأورد نصها برهان الدين إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن محمد بن مفلح الراميني المقدسي الصالحي الحنبلي (المتوفى: ٨٨٤ هـ) في \"المقصد الأرشد\n_________\n(^١) / ٣٤١.\n(^٢) (١/ ٣٤١).\n(^٣) (٢/ ٣٦٦ - ٣٧٩).\n(^٤) انظر القسم الدراسي من تحقيق كتاب مختصر الحجة على تارك المحجة (١/ ١٤٦).\n(^٥)","vol":"1","page":10},{"text":"في ذكر أصحاب الإمام أحمد\". (^١) ولم يذكر إسنادًا لهذه الرواية، ومن خلال مقابلة النص يظهر أنه اعتمد على نسخة طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى.\n٦. وأورد نصها أبو اليمن العليمي (المتوفى: ٩٢٨ هـ) في \"المنهج الأحمد في تراجم أصحاب الإمام أحمد\" (^٢)، وفيما يظهر من خلال مقابلة النص أنه نقله عن ابن الجوزي أو المقدسي صاحب مختصر الحجة على تارك المحجة، وإن لم يشر لذلك.\n٧. وأورد نصها نعمان خير الدين بن محمود بن عبد الله بن محمد الآلوسي (المتوفى: ١٣١٧ هـ) في \"جلاء العينين في محاكمة الأحمدين\" نقلًا عن ابن الجوزي. (^٣)\n٨. وأورد نصها عبد القادر بن أحمد بن مصطفى بن عبد الرحيم بن محمد بدران (المتوفى: ١٣٤٦ هـ)، في \"المدخل إلى مذهب أحمد\" وقال: \"وفي الأصول التي نقلنا عنها خلاف في بعض المسائل بحيث توجد المسألة في رواية ابن الجوزي ولم توجد فيما نقله صاحب المقصد وقد ضممنا زيادة بعض إلى بعض\". وقد علق على بعض المسائل الواردة في هذه الرسالة. (^٤)\n_________\n(^١) (٣/ ٢٤ - ٢٨).\n(^٢) (١/ ٨١).\n(^٣)\n(^٤) كتاب المدخل إلى مذهب الإمام أحمد لابن بدران، ص: ٥٨.","vol":"1","page":11},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4>المطلب الثاني: من أشار إلى ذكر هذه الرسالة</span>\nجاء ذكر هذه الرسالة عند جمع من العلماء إما بنقل نصوص منها أو الإشارة إليها وممن ذكر هذه الرسالة ونقل بعضًا منها:\n• القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين بن محمد بن خلف ابن الفراء (المتوفى: ٤٥٨ هـ) في كتابه إبطال التأويلات حيث قال: (وقد قال أحمد في رسالته إلى مسدد: إن الله ﷿ ينزل في كل ليلة إلى السماء الدنيا ولا يخلو من العرش. فقد صرح أحمد بالقول إن العرش لا يخلو منه) (^١).\n• محمد بن محمد (أبي يعلى) بن الحسين بن محمد أبو الحسين ابن الفراء، المعروف ابن أبي يعلى (المتوفى: ٥٢٦ هـ) في كتابه \"المسائل التي حلف عليها أحمد بن حنبل\". (^٢)\n• ابن القيم أبو عبد الله شمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد بن حريز الزرعي (المتوفى: ٧٥١ هـ) في كتابه: \"إعلام الموقعين\" حيث نقل نقلًا عن ابن أبي يعلى فقال: \"وذكر أحمد في \"رسالته إلى مسدد\": \"ولا عينٌ تطرف بعد النبي-ﷺ-خير من أبي بكر، ولا بعد أبي بكر عين تطرف خير من عمر، ولا بعد عمر عين تطرف خير من عثمان، ولا بعد عثمان عين تطرف خير من علي بن أبي طالب ﵁، ثم قال أحمد: هم واللَّه الخلفاء\n_________\n(^١) إبطال التأويلات (١/ ٢٦١).\n(^٢) كتاب المسائل التي حلف عليها أحمد بن حنبل لابن أبي يعلى ص: (٧٣).","vol":"1","page":12},{"text":"الراشدون المهديون\" (^١).\n• وابن تيمية تَقِيُّ الدِّينِ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْحَلِيمِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ النُّمَيْرِيُّ الْحَرَّانِيُّ (المتوفى: ٧٢٨ هـ) في كتابه \"منهاج السنة\" فقد ذكر قطعة منها فقال: \"ونقلوه عن أحمد بن حنبل في رسالته إلى مسدد [يقول]: \"وهم متفقون على أن الله ليس كمثله شيء، وأنه لا يعلم كيف ينزل، ولا تمثل صفاته بصفات خلقه\" (^٢)، وإن كان هذا النص لم يرد ذكره في بقية الكتب التي ذكرت نص الرسالة.\nوكذلك في مجموع الفتاوى (^٣) كما سيأتي الإشارة إليه.\n• والزركلي في الأعلام، وقال: \"كتب إلى الإمام أحمد بن حنبل، يسأله عما وقع الناس فيه من الفتنة في القدر والرفض والاعتزال وخلق القرآن والإرجاء، فأجابه ابن حنبل برسالة في نحو أربع صفحات. جمعت وأوعت\" (^٤).\nالمطلب الثالث: مخطوطات الرسالة.\nوهناك مخطوطتان بعنوان: رسالة إلى مسدد بن مسرهد للإمام أحمد بن حنبل مذكورة في كتاب خزانة التراث وهو من إصدارات مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية بالرياض. وهذه بياناتها.\n_________\n(^١) إعلام الموقعين (٦/ ٦٢).\n(^٢) منهاج السنة: ٢/ ٢٣٩.\n(^٣) مجموع الفتاوى ٥/ ٣٩٥.\n(^٤) الأعلام للزركلي (٧/ ٢١٥).","vol":"1","page":13},{"text":"رقم التسلسل: ٦٢١٤٧\nالفن: عقائد\nعنوان المخطوطة: رسالة إلى مسدد بن مسرهد.\nاسم المؤلف: ابن حنبل، أحمد بن محمد بن حنبل.\nتاريخ وفاة المؤلف: ٢٤١ هـ.\nالقرن: ٣ هـ.\nمصدر التواجد: بروكلمان ٣/ ٣١١ (ع)\nالمكتبة: التيمورية (ضمن دار الكتب المصرية)\nالبلد: مصر.\nالمدينة: القاهرة.\nرقم الحفظ في المكتبة: ٣٥٤ حديث\nمصدر التواجد: بروكلمان ٣/ ٣١١ (ع)\nالمكتبة: بوهار.\nالبلد: الهند.\nالمدينة: بوهار.\nرقم الحفظ في المكتبة: ٢٦٧/ ٢.\nوقد حاولت الحصول على نسخ هاتين المخطوطتين عن طريق بعض","vol":"1","page":14},{"text":"المعتنين بالمكتبات ولكن دون نتيجة، حيث أبلغني بعض الباحثين أن نسخة التيمورية بدار الكتب المصرية غير موجودة بحسب الرقم الذي ذكره بروكلمان، وأما النسخة الهندية فقد اطلعت على فهرس موجود في قسم المخطوطات بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة للمكتبة الوطنية بكلكتا بالهند والتي يوجد فيها مكتبة بوهار ولكن الفهرس لا يوجد منه سوى المجلد الثاني ولا توجد فيه معلومات عن النسخة المذكورة، ولم أوفق إلى من يرشدني إلى معلومات عنها.","vol":"1","page":15},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5>المبحث الثاني: أسانيدها.</span>\nلهذه الرسالة أربعة أسانيد:\n\n<span data-type='title' id=toc-6>السند الأول: ما ذكره ابن أبي يعلى في الطبقات:</span>\nقال: \"أنبأنا علي (^١) عن ابن بطة (^٢)، حدثني علي بن أحمد المقري المراغي (^٣)، حدثنا محمد بن جعفر بن محمد السونديني (^٤)، حدثنا علي بن محمد بن موسى الحافظ المعروف بابن المعدل (^٥)، حدثنا أحمد بن محمد\n_________\n(^١) هو أبو القاسم، عليّ بن أحمد بن محمد بن عليّ، البُسْريّ، البغداديّ، البنْدار. [المتوفى: ٤٧٤ هـ] قال عنه أبو سعْد السَّمعانيّ: \"كان شيخًا صالحًا، ثقة، فهمًا، عالمًا، عُمّر، وحدَّث بالكثير\". انظر: تاريخ الإسلام (١٠/ ٣٧٠).\n(^٢) ابن بطة هو الإمام الحنبلي المشهور أبو عبد الله عبيد الله العكبري صاحب الإبانة الكبرى، توفي سنة (٣٨٧) هـ تاريخ بغداد ١٠/ ٣٧١، وسير أعلام النبلاء: (٥/ ٥٢٩).\n(^٣) أبو القاسم، علي بن أحمد بن محمد بن الحسن، الخزاعي، المراغي. [المتوفى: ٤١١ هـ] لم يذكر بجرح ولا تعديل. انظر: القند في ذكر أخبار سمرقند (٤/ ١٨).\n(^٤) لم أقف على ترجمته.\n(^٥) أبو الحسن، علي بن محمد بن موسى التمار، البصري. قال عنه ابن عساكر: \"الحافظ\". انظر: تاريخ دمشق (١٦/ ٤٢٣).","vol":"1","page":16},{"text":"التميمي الزرندي (^١) (^٢)، قال: لما أشكل علي مسدد بن مسرهد أمر الفتنة … كتب إلى أحمد بن حنبل … \" (^٣)\n\n<span data-type='title' id=toc-7>السند الثاني: ما ذكره ابن الجوزي في مناقب الإمام أحمد.</span>\nقال: أخبرنا عبد الملك بن أبي القاسم (^٤) قال: أخبرنا عبد الله بن محمد الأنصاري (^٥)، قال: أخبرنا أبو يعقوب الحافظ (^٦) قال: أخبرنا محمد بن أحمد بن\n_________\n(^١) زرند: بفتح أوله وثانيه، ونون ساكنة، ودال مهملة: بليدة بين أصبهان وساوه؛ وزرند أيضا: مدينة قديمة كبيرة من أعيان مدن كرمان، بينها وبين جواسير أربعة أيام. انظر معجم البلدان لياقوت الحموي (٢/ ١٣٨).\n(^٢) ورد اسمه في سند الطبقات (أحمد بن محمد التميمي الزرندي) وفي مناقب الإمام أحمد (أبو بكر أحمد بن محمد البردعي التميمي) وفي سند ابن النحاس (أَحْمَد بْنِ مُحَمَّدٍ البردعي التَّمِيمِيِّ)، أبو بكر، أحمد بن محمد، البرديجي، التميمي، قال عنه ياقوت الحموي: \"الحافظ\". انظر: تاريخ دمشق (٥٥/ ١٤٦)، وتكملة الإكمال (١/ ٥١٥)، ومعجم البلدان (١/ ٣٣٤).\n(^٣) (١/ ٣٤٢).\n(^٤) أبو الفتح، عبد الملك بن عبد الله بن أبي سهل بن القاسم، الكروخي، الهروي. [المتوفى: ٥٤٨ هـ] قال ابن السمعاني: \"شيخ، صالح، دين، خير، حسن السيرة، صدوق، ثقة\". انظر: تاريخ بغداد (١١/ ٩٢٢). ووصفه الذهبي: \"الشيخ الإمام الثقة\"، توفي سنة (٥٤٨) سير أعلام النبلاء ٢٠/ ٢٧٣.\n(^٥) شيخ الإسلام، أبو إسماعيل، عبد الله بن محمد بن علي بن محمد، الأنصاري، الهروي. المعروف بناصر السنة، [المتوفى: ٤٨١ هـ]. انظر ترجمته: تاريخ الإسلام (١٠/ ٤٨٩). والسير (١٨/ ٥٠٣).\n(^٦) أبو يعقوب الحافظ هو إسحاق بن إبراهيم بن محمد القراب، محدث هراة، وصفه الذهبي: \"الشيخ الإمام الحافظ الكبير\"، توفي سنة (٤٢٩ هـ) السير ١٧/ ٥٧٠.","vol":"1","page":17},{"text":"الفضل (^١) قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن بشر بن بكر (^٢) قال. حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد البردعي التميمي قال: لما أشكل على مسدد … \" (^٣)\n\n<span data-type='title' id=toc-8>السند الثالث: ما أشار شيخ الإسلام ابن تيمية فيما ذكره في مجموع الفتاوى </span>(٥/ ٤١٤)، نقلًا عن ابن مندة حيث قال: \"أَخْرَجَهُ أَبُو سَعِيدٍ النَّقَّاشُ فِي \"أَقْوَالِ أَهْلِ السُّنَّةِ\" عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْمَرْوَزِي (^٤) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ الدِّينَوَرِيّ (^٥) عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَد بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى عَنْ أَحْمَد بْنِ مُحَمَّدٍ البردعي التَّمِيمِيِّ\n<span data-type='title' id=toc-9>السند الرابع: ما جاء في مختصر الحجة على تارك المحجة وللأسف أن هذا السند حذفه مختصر كتاب الحجة على تارك المحجة </span>ولم يترك منه إلا \"قال الحافظ أبو الحسن علي بن محمد البردعي\" (^٦). ولعله أن يتيسر من يجد أصل الكتاب أو من نقل منه ليظهر هذا السند بتمامه.\n_________\n(^١) محمد بن أحمد بن الفضل. لم يذكر بجرح ولا تعديل. انظر: معجم البلدان (١/ ٣٣٤).\n(^٢) الببني. وصفه الفيروزآبادي: \"المحدث\". انظر: تكملة الإكمال (١/ ٥١٥)، ومعجم البلدان (١/ ٣٣٤)، والقاموس (ص: ١٥٢١).\n(^٣) (مناقب الإمام أحمد ٢١٦).\n(^٤) لم أقف على ترجمته.\n(^٥) أبو الفضل، الدينوري المقرئ. [المتوفى: ٣٩٥ هـ]. لم يذكر بجرح ولا تعديل. انظر: تاريخ دمشق (٥١/ ٢٦١).\n(^٦) انظر: مختصر الحجة على تارك المحجة (٢/ ٣٦٦).","vol":"1","page":18},{"text":"<span data-type='title' id=toc-10>المبحث الثالث: صحة نسبة هذه الرسالة إلى الإمام أحمد</span>\nوفيه مطلبان:\n\n<span data-type='title' id=toc-11>المطلب الأول: قول من يقول بصحة نسبتها إلى الإمام أحمد.</span>\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية في شرح حديث النزول عند الكلام عن هذه الرواية: \"وَأَمَّا رِسَالَةُ أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ إلَى مُسَدَّدِ بْنِ مسرهد فَهِيَ مَشْهُورَةٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالسُّنَّةِ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَد وَغَيْرِهِمْ تَلَقَّوْهَا بِالْقَبُولِ، وَقَدْ ذَكَرَهَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ بَطَّةَ فِي كِتَابِ\" الْإِبَانَةِ\"، وَاعْتَمَدَ عَلَيْهَا غَيْرُ وَاحِدٍ كَالْقَاضِي أَبِي يَعْلَى وَكَتَبَهَا بِخَطِّهِ. (^١) \"\nوحسبك بهذه الشهادة من ابن تيمية فهذه شهادة من عالم من علماء هذا الفن، يفقهها من يفهم مراده منها.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"فإذا كان الشيء مشهورًا عند أهل الفن، وقد تعددت طرقه فهذا مما يرجع إليه أهل العلم بخلاف غيره\" (^٢)\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٥/ ٣٩٥.\n(^٢) تلخيص كتاب الاستغاثة المعروف بالرد على البكري ص ١٦ - ١٧. ط: الدار العلمية، الهند.","vol":"1","page":19},{"text":"فهذه معايير يبينها ابن تيمية لقبول بعض الروايات:\n١ - أن يكون الشيء مشهورًا عند أهل الفن.\n٢ - تعدد طرقه.\nوقد أكد ابن تيمية تحقق شرط الشهرة بقوله نصًا: \"مَشْهُورَةٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالسُّنَّةِ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَد وَغَيْرِهِمْ تَلَقَّوْهَا بِالْقَبُولِ\".\n٢ - وأما الشرط الثاني الذي ذكره شيخ الإسلام فهو \"تعدد الطرق\" فهذا ما يجده من يتتبع طرق هذه الرسالة مع الروايات الأخرى المتشابهة معها، فهذه الرواية جاءت من عدة طرق كما سيأتي، كما أن نص هذه الرواية متقارب إلى حد كبير مع رواية عبدوس بن مالك، ورواية الحسن بن إسماعيل الربعي، ورواية محمد بن عوف الطائي، ورواية مُحَمَّد بن حبيب الأندراني؛ مع اختلاف في النص من حيث الطول والقصر واختلاف بعض العبارات.\nفهي بهذا-كما ذكر شيخ الإسلام-تكون معتبرة عند أهل الفن، ولا يضرها كونها مرسلة أو منقطعة أو غير ذلك من العلل التي يمكن اعتبارها سببًا في رد الأحاديث المرفوعة، ومن المعلوم أن الأخبار التاريخية يتسامح فيها بما لا يتسامح فيه فيما يتصل بالسنة، ويا ليت بعض الباحثين يمعنوا النظر في معايير الفنين فن الحديث وفن التاريخ. فلكل واحد منهما قواعد وضوابط تخصه.\nقال ابن تيمية ﵀: \"فعلماء الدين أكثر ما يحررون النقل فيما نقل عن النبي ﷺ لأنه واجب القبول أو فيما ينقل عن الصحابة، وأما","vol":"1","page":20},{"text":"الإسرائيليات ونحوها فهم لا يكترثون بضبطها ولا بأحوال نقلها\" (^١).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"قال الإمام أحمد \"ثلاثة علوم ليس لها أصول: المغازي والملاحم والتفسير\" وفي لفظ \"ليس لها أسانيد\" ومعنى ذلك أن الغالب عليها أنها مرسلة ومنقطعة، فإذا كان الشيء مشهورًا عند أهل الفن وقد تعددت طرقه فهذا مما يرجع إليه أهل العلم بخلاف غيره\" (^٢).\nوما كان ينبغي لمن اطلع على كلام شيخ الإسلام في شأن هذه الرسالة-والذي هو شهادة واضحة جلية تؤكد صحتها وسلامتها من الطعن-أن يشكك أو يطعن في ثبوتها وسلامتها.\n\n<span data-type='title' id=toc-12>المطلب الثاني: من طعن في صحة نسبتها.</span>\nطعن بعض المتقدمين والمعاصرين في هذه الرسالة سندًا ومتنًا، ومن أولئك المتقدمين أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ منده.\nوقد تبعه على هذا الرأي من المعاصرين عدد من الباحثين منهم الباحث الدكتور عبد العزيز الحميدي في كتابه براءة الأئمة الأربعة من مسائل المتكلمين المبتدعة. عند حديثه عن رسالة الإمام أحمد إلى مسدد بن مسرهد البصري (^٣)؛ ووافقه على ذلك الدكتور عبد الله الدميجي في تحقيقه لمجموعة رسائل\n_________\n(^١) الرد على البكري ص ٢٠.\n(^٢) \"تلخيص كتاب الاستغاثة المعروف بالرد على البكري\" ص ١٦ - ١٧. ط: الدار العلمية، الهند.\n(^٣) كتاب براءة الأئمة الأربعة من مسائل المتكلمين المبتدعة (١/ ١٠٠ - ١٠٥).","vol":"1","page":21},{"text":"الشيخ أبي بكر خوقير (^١) حيث قال: \"وفي صحة نسبتها للإمام أحمد نظر باعتبار سندها، وباعتبار ما تضمنته من عقائد مخالفة للمشهور عن أحمد\"؛ وأحال إلى ما ذكره الدكتور عبد العزيز الحميدي في كتابه براءة الأئمة الأربعة من مسائل المتكلمين المبتدعة.\nولا شك أن كلام المعاصرين تابع لكلام ابن مندة ومستمد منه.\nالجواب على ذلك:\nلكي يسهل الفهم على الناظر في هذه المسألة يحسن التعرف على أن الطعن في هذه الرسالة جاء من جهتين\nالجهة الأولى: الطعن في سندها.\nوالجهة الثانية الطعن في متنها.\nأما الطعن في سندها:\nقال ابن تيمية: \"ومنهم من أنكر ما روي عن أحمد في رسالته إلى مسدد وقال: راويها عن أحمد مجهول لا يعرف في أصحاب أحمد من اسمه أحمد بن محمد البردعي\" (^٢).\nإلى أن قال: \"وزعم عبد الرحمن أن هذا اللفظ لفظ منكر في الحديث عنهما\n_________\n(^١) انظر: مجموعة رسائل الشيخ أبي بكر خوقير (انظر: ص ٥١٢ حاشية رقم: ١).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٥/ ٣٨٠).","vol":"1","page":22},{"text":"وعن غيرهما وحكمه عند أهل الأثر حكم حديث منكر، وقال: أحمد بن محمد البردعي مجهول لا يعرف في أصحاب أحمد من اسمه \" أحمد بن محمد \": فيمن روى عن أحمد بن محمد بن حنبل كأحمد بن محمد بن هانئ وأبي بكر الأثرم وأحمد بن محمد بن الحجاج وأبي بكر المروذي (^١) وأحمد بن محمد بن عيسى البراني القاضي وأحمد بن محمد الصائغ وأحمد بن محمد بن غالب القاص غلام خليل وأحمد بن محمد بن مزيد الوراق. وزاد ابن الجوزي: أحمد بن محمد بن خالد أبا بكر القاضي وأحمد بن خالد أبا العباس البراني وأحمد بن محمد بن عبد الله بن صدقة وأحمد بن محمد بن عبد الله بن صالح الأسدي وأحمد بن محمد بن عبد الحميد الكوفي وأحمد بن محمد بن يحيى الكحال وأحمد بن محمد بن البخاري وأحمد بن محمد بن بطة وذكر أحمد بن الحسن أبا الحسن الترمذي؛ وأحمد بن سعيد وقيل: أبو الأشعبة الترمذي. وذكر في المحمدين: محمد بن إسماعيل الترمذي قال: ولم يعد هذا فيمن روى عن مسدد أيضا\" (^٢).\nوقال في موطن أخر: \"وقد صنف أبو القاسم عبد الرحمن بن منده في ذلك مصنفا وزيف قول من قال: إنه ينزل ولا يخلو منه العرش وضعف ما نقل في\n_________\n(^١) قال الشيخ ناصر بن حمد الفهد (ص ٥٢): \"الواو مقحمة بين اسم الأثرم وكنيته، وبين اسم المروذي وكنيته، وصواب العبارة (كأحمد بن محمد بن هانئ أبي الأثرم وأحمد بن محمد الحجاج أبي بكر المروذي\".\n(^٢) مجموع الفتاوى (٥/ ٣٨١ - ٣٨٢).","vol":"1","page":23},{"text":"ذلك عن أحمد في رسالة مسدد وقال: إنها مكذوبة على أحمد وتكلم على راويها البردعي أحمد بن محمد وقال: إنه مجهول لا يعرف في أصحاب أحمد\" (^١).\nوالجواب على ذلك من وجوه\nأولًا: أن الناقل لهذه النصوص هو شيخ الإسلام ابن تيمية ويلاحظ أن ابن تيمية لم يتبنى هذا الرأي وإنما حكاه عن قائلة، وقد سبق ذكر رأيه في الرسالة وأنه لم يسلم لابن منده طعنه في سند هذه الرواية، بل دافع عنها وقال: وأما \"رسالة أحمد بن حنبل\" إلى مسدد بن مسرهد فهي مشهورة عند أهل الحديث والسنة من أصحاب أحمد وغيرهم تلقوها بالقبول وقد ذكرها أبو عبد الله بن بطة في كتاب \" الإبانة \" واعتمد عليها غير واحد كالقاضي أبي يعلى وكتبها بخطه\" (^٢)\nولو كان لدى شيخ الإسلام ابن تيمية نظر في رسالة الإمام أحمد إلى مسدد لذكر ذلك، فقد ذكر عند ذكره لرسالة الاصطخري ما نصه: \"ويروى هذا الكلام عن أحمد نفسه في رسالة أحمد بن سعيد الاصطخري عنه-إن صحت-\" (^٣) فذكر مسألة النظر في صحة سند هذه الرسالة وأشار إليها باستدراكه بقوله: \"إن صحت\".\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى: (٥/ ١٣١ - ١٣٢).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٥/ ٣٩٦).\n(^٣) انظر: اقتضاء الصراط المستقيم (ص: ٤٢١).","vol":"1","page":24},{"text":"ثانيًا: أن هذه الرسالة مرت على صيارفة الفن ومنهم:\n١. ابن بطة وهو الإمام الحنبلي المشهور أبو عبد الله عبيد الله العكبري صاحب الإبانة الكبرى، (المتوفي: ٣٨٧) هـ.\n٢. أبو سعيد محمد بن علي بن عمرو النقاش الأصبهاني الحنبلي، الإمام الحافظ من أئمة الحديث، قال عنه الذهبي كان من أئمة الأثر، وقال الصفدي كان من الثقات المشهورين، (المتوفي ٤١٤ هـ).\n٣. الحافظ أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم بن محمد القراب، محدث هراة، الذي وصفه الذهبي بقوله: \"الشيخ الإمام الحافظ الكبير\"، (المتوفي: ٤٢٩ هـ).\n٤. القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين بن محمد بن خلف ابن الفراء (المتوفى: ٤٥٨ هـ) في كتابه إبطال التأويلات.\n٥. شيخ الإسلام، أبو إسماعيل، عبد الله بن محمد بن علي بن محمد، الأنصاري، الهروي. المعروف بناصر السنة، (المتوفى: ٤٨١ هـ).\n٦. شيخ الإسلام أبو الفتح نصر بن إبراهيم بن نصر بن إبراهيم بن داود النابلسي المقدسي الشافعي (المتوفى: ٤٩٠ هـ). وقد ذكر نص الرسالة في كتابه \"الحجة على تارك المحجة\".\n٧. القاضي أبو الحسين محمد بن محمد (أبي يعلى) بن الحسين بن محمد أبو الحسين ابن الفراء، المعروف ابن أبي يعلى، وهو ابن أبي يعلى","vol":"1","page":25},{"text":"الحنبلي. (المتوفى: ٥٢٦ هـ).\n٨. الإمام جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي. (المتوفى: ٥٩٧ هـ).\n٩. الإمام تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام النميري الحراني (المتوفى: ٧٢٨ هـ)، كما تقدم النقل عنه.\n١٠. الإمام أَبُو عَبْدِ الله شَمْسُ الدَّينَ مُحَمَّدُ بْنْ أَبِي بَكرِ بْنْ أَيُّوبَ بْنِ سَعْدِ بْنِ حرَيزْ الزُّرْعِيَّ ابن قيم الجوزية (المتوفى: ٧٥١ هـ). فقد أشار إليها في كتابه أعلام الموقعين.\nولم يشكك واحد منهم في صحة نسبة الرسالة بل على العكس من ذلك تلقوها بالقبول. ونقلوها بكاملها أو بأخذ نصوص منها والاستشهاد بها.\nثالثًا: لو نظرنا إلى كلام العلماء في شخصية الطاعن فهو أبو القاسم، عبد الرحمن بن محمد بن إسحق بن منده العبدي الأصبهاني (^١)، ابن الحافظ المعروف، كان شديدًا في السنة، لكنه أفرط في تشدده حتى توهم في التجسيم. كانت ولادته في أصبهان سنة ٣٨١ هـ، وتوفي فيها (ت ٤٧٠ هـ) من أهم مؤلفاته: أخبار أصبهان.\nقال الذهبي عنه: \"أطلق عبارات بدَّعه بعضهم بها، الله يسامحه، وكان زَعِرًا\n_________\n(^١) ينظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء (١٨/ ٣٤٩)، طبقات الحنابلة (٢/ ٢٤٢)، شذرات الذهب (٣/ ٣٣٧).","vol":"1","page":26},{"text":"على من خالفه، فيه خارجية، وله محاسن، وهو في تواليفه حاطب ليل، يروي الغث والسمين، وينظم رديء الخرز مع الدر الثمين (^١) \".\nقال عنه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، فقال: \"وكذلك ما يجمعه عبد الرحمن بن منده -مع أنه أكثر الناس حديثا-، لكن يروي شيئًا كثيرًا من الأحاديث الضعيفة، ولا يميز بين الصحيح والضعيف، وربما جمع بابًا وكلّ أحاديثه ضعيفة، كأحاديث أكل الطين وغيرها، وهو يروي عن أبي علي الأهوازي، وقد وقع ما رواه من الغرائب الموضوعة إلى حسن بن عدي، فبنى على ذلك عقائد باطلة وادعى أن الله يرى في الدنيا عيانا. ثم الذين يقولون بهذا من أتباعه يكفرون من خالفهم. وهذا كما تقدم من فعل أهل البدع كما فعلت الخوارج. \" (^٢).\nوقال الذهبي: \"وقال شيخ الإسلام عبد الله بن محمد الأنصاري: (كانت مضرته في الإسلام أكثر من منفعته) (^٣)\nقال ابن رجب: (وهذا ليس بقادح-إن صح-فإن الأنصاري والتيمي وأمثالهما يقدحون بأدنى شيء ينكرونه من مواضع النزاع، كما هجر التيمي عبد الجليل الحافظ على قوله: (ينزل بالذات)، وهو في الحقيقة يوافقه في اعتقاده، لكن أنكر إطلاق اللفظ لعدم ورود الأثر به) اه (^٤).\n_________\n(^١) سير أعلام النبلاء (١٨/ ٣٥٤).\n(^٢) مجموع الفتاوى (١٦/ ٤٣٤).\n(^٣) انظر تذكرة الحفاظ (٣/ ١١٥٦)\n(^٤) وذيل طبقات الحنابلة (١/ ٢٦).","vol":"1","page":27},{"text":"رابعًا: أن ما يتمسك به من شكك في صحة الرسالة من أن مدارها على شخص مجهول وهو أحمد بن محمد التميمي الزرندي، فهذا الأمر لم يجهله شيخ الإسلام ابن تيمية بل ذكره نصًا ومع ذلك لم يأخذ به ولم يجعله سببًا لرد الرسالة أو الطعن فيها بل على العكس من ذلك دافع عنها وقال بصحتها.\nخامسًا: أم الطعن في الرسالة من حيث المتن.\nفالرد عليه من وجهين:\nالوجه الأول: أنه لا وجود لهذه العبارة في متن الرسالة.\nفقول ابن مندة \"ثمَّ ذَكَرَ فِيهَا؛ وَيَنْزِلُ اللَّهُ إلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا وَلَا يَخْلُو مِنْهُ الْعَرْشُ\" هذا النص لا وجود له في جميع النسخ التي وقفت عليها لرسالة الإمام أحمد لمسدد ولا يدرى من أين أتى ابن مندة بهذا النص.\nفهذا النص لا وجود له في رسائل الإمام أحمد فهو غير موجود في رسالة الإمام أحمد إلى مسدد بن مسرهد في جميع مواردها التي تقدم ذكره، ولا حتى في رسالة عبدوس بن مالك الواردة في طبقات الحنابلة (^١)، ولا في برواية الحسن بن إسماعيل الربعي الواردة في طبقات الحنابلة (^٢)، ولا في رواية محمد بن عوف الطائي الواردة في طبقات الحنابلة (^٣)، ولا في رواية: مُحَمَّد بن حبيب الأندراني الواردة في طبقات الحنابلة (^٤)، ولا في برواية: أحمد بن جعفر\n_________\n(^١) طبقات الحنابلة: (١/ ٢٤١ - ٢٤٦).\n(^٢) طبقات الحنابلة: (١/ ١٣٠ - ١٣١)\n(^٣) طبقات الحنابلة: (١/ ٣١١ - ٣١٣).\n(^٤) طبقات الحنابلة: (١/ ٢٩٤ - ٢٩٥).","vol":"1","page":28},{"text":"الإصطخرى الواردة في طبقات الحنابلة (^١).\nوإن كان القاضي أبو يعلى ذكره في كتابه \"إبطال التأويلات\" حيث قال: (وقد قال أحمد في رسالته إلى مسدد: إن الله ﷿ ينزل في كل ليلة إلى السماء الدنيا ولا يخلو من العرش. فقد صرح أحمد بالقول إن العرش لا يخلو منه) (^٢).\nولكن ما نقله ابن تيمية في مسألة النزول عن الإمام أحمد نصه: \"ونقلوه عن أحمد بن حنبل في رسالته إلى مسدد [يقول]: \"وهم متفقون على أن الله ليس كمثله شيء، وأنه لا يعلم كيف ينزل، ولا تمثل صفاته بصفات خلقه\" (^٣)\nوليس فيه ذكر خلو العرش، أما بقية الروايات التي نقلت لنا الرسالة بتمامها فليس فيها ذكر لمسالة النزول أصلًا.\nبل أوضح شيخ الإسلام ابن تيمية أنه لم ينقل على أحد من الأئمة المعروفين بالسنة بإسناد صحيح ولا ضعيف أن العرش يخلو منه (^٤).\nالوجه الثاني: أن عبارة \"خلو العرش\" لا ترتقي لأن تكون سببًا لرد الرسالة \"باعتبار أن ما تضمنته من عقائد مخالفة للمشهور عن أحمد\" كما يفهم من كلام ابن منده وكما ذكره بعض الباحثين.\n_________\n(^١) طبقات الحنابلة: (١/ ٢٤ - ٣٦).\n(^٢) إبطال التأويلات (١/ ٢٦١).\n(^٣) منهاج السنة: ٢/ ٢٣٩.\n(^٤) شرح حديث النزول (ص ٢٠١).","vol":"1","page":29},{"text":"فمسألة هل يخلو العرش منه حال نزوله لأهل السنة فيها ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: ينزل ويخلو منه العرش (^١)\nوهو قول طائفة من أهل الحديث (^٢).\nالقول الثاني: ينزل ولا يخلو منه العرش (^٣)\nوهو قول جمهور أهل الحديث (^٤).\nومنهم الإمام أحمد، وإسحاق بن راهويه، وحماد بن زيد، وعثمان بن سعيد الدارمي وغيرهم (^٥).\nالقول الثالث: نثبت نزولًا، ولا نعقل معناه هل هو بزوال أو بغير زوال.\nوهذا قول ابن بطة، والحافظ عبد الغني المقدسي وغيرهما (^٦).\nأما القول الأول: وهو أنه ينزل ويخلو منه العرش، فمن قال به: أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق بن منده (^٧) (^٨).\n_________\n(^١) شرح حديث النزول (ص ١٦١، ٢٠١). مختصر الصواعق (٢/ ٢٥٣).\n(^٢) شرح حديث النزول (ص ٢٠١).\n(^٣) شرح حديث النزول (ص ١٦١، ٢٠١). مختصر الصواعق (٢/ ٢٥٣).\n(^٤) شرح حديث النزول (ص ٢٠١)، ومنهاج السنة (٢/ ٦٣٨).\n(^٥) مجموع الفتاوى (٥/ ٣٧٥).\n(^٦) شرح حديث النزول (ص ١٦١). مختصر الصواعق (٢/ ٢٥٤).\n(^٧) شرح حديث النزول (ص ٢٠١).\n(^٨) عبد الرحمن بن محمد بن إسحاق بن منده العبدي الأصبهاني، =","vol":"1","page":30},{"text":"قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وقد صنف أبو القاسم عبد الرحمن بن أبي عبد الله بن محمد بن منده، مصنفًا في الإنكار على من قال لا يخلو منه العرش وسماه \"الرد على من زعم أن الله في كل مكان، وعلى من زعم أن الله ليس له مكان، وعلى من تأول النزول على غير النزول) (^١).\nوقد لخص شيخ الإسلام جملة ما احتج به أبو القاسم ابن منده وبين أنه احتج بأحاديث النزول، وببعض أقوال السلف العامة كقولهم (يفعل ما يشاء) وذكر بعض اعتراضاته على بعض النقول الواردة عن الأئمة (^٢).\nوأوضح شيخ الإسلام ابن تيمية أنه لم ينقل على أحد من الأئمة المعروفين بالسنة بإسناد صحيح ولا ضعيف أن العرش يخلو منه (^٣).\n_________\n= قال عنه الذهبي: (الحافظ العالم المحدث)، وقال عنه إسماعيل التيمي كما في طبقات الحنابلة: (خالف أباه في مسائل وأعرض عنه مشايخ الوقت)، وقال شيخ الإسلام عبد الله بن محمد الأنصاري: (كانت مضرته في الإسلام أكثر من منفعته)، وقال ابن رجب: (وهذا ليس بقادح-إن صح-فإن الأنصاري والتيمي وأمثالهما يقدحون بأدنى شيء ينكرونه من مواضع النزاع، كما هجر التيمي عبد الجليل الحافظ على قوله: (ينزل بالذات)، وهو في الحقيقة يوافقه في اعتقاده، لكن أنكر إطلاق اللفظ لعدم ورود الأثر به) اه.\nتوفي سنة (٤٧٠ هـ). انظر تذكرة الحفاظ (٣/ ١١٥٦)، وذيل طبقات الحنابلة (١/ ٢٦).\n\nوتذكرة الحفاظ (٣/ ١١٥٦)، وذيل طبقات الحنابلة (١/ ٢٦).\n(^١) شرح حديث النزول (ص ١٦١ - ١٦٢).\n(^٢) شرح حديث النزول (ص ١٦١ - ٢٠١).\n(^٣) شرح حديث النزول (ص ٢٠١).","vol":"1","page":31},{"text":"وذكر أن كلام أبو القاسم بن منده من جنس كلام طائفة تظن أنه لا يمكن إلا أحد القولين:\n١ قول من يقول: إنه ينزل نزولًا يخلو منه العرش.\n٢ وقول من يقول: ما ثم نزول أصلًا، كقول من يقول: ليس له فعل يقوم بذاته واختياره.\nوهاتان الطائفتان ليس عندهما نزول إلا النزول الذي يوصف به أجساد العباد الذي يقتضي تفريغ مكان وشغل آخر.\nثم منهم من ينفي النزول عنه، وينزهه عن مثل ذلك.\nومنهم من أثبت له نزولًا من هذا الجنس، يقتضي تفريغ مكان وشغل آخر (^١).\nوالقول بخلو العرش حال نزوله مرتبط (^٢) بمسألة: هل يقال في النزول والإتيان والمجيء إنه بحركة وانتقال؟\nوقد اختلف أصحاب الإمام أحمد وغيرهم من المنتسبين إلى السنة والحديث في المسألة على ثلاثة أقوال ذكرها القاضي أبو يعلى في كتاب \"اختلاف الروايتين والوجهين\" (^٣)، وهذه الأقوال هي:\n_________\n(^١) شرح حديث النزول (ص ٢٠١).\n(^٢) ربط شيخ الإسلام بين المسألتين في شرح حديث النزول (ص ٢١٠ - ٢١١)، وكذا ابن القيم كما في مختصر الصواعق (٢/ ٢٥٣).\n(^٣) قام الدكتور سعود بن عبد العزيز الخلف بتحقيق الجزء المتعلق بمسائل أصول الديانات من كتاب \"الروايتين والوجهين\"، وطبعته مكتبة أضواء السلف. وانظر المسألة (ص ٥٢ - ٥٧) من الكتاب المذكور.","vol":"1","page":32},{"text":"١ - أنه نزول انتقال وهو قول أبي عبد الله بن حامد.\n٢ - أنه نزول بغير انتقال وهو قول أبي الحسن التميمي وأهل بيته، وأن معناه: قدرته (^١).\n٣ - الإمساك عن القول في المسألة، وهو قول أبي عبد الله بن بطة (^٢) وغيره. ثم هؤلاء فيهم من يقف عن إثبات اللفظ مع الموافقة على المعنى وهو قول كثير منهم، ومنهم من يمسك عن إثبات المعنى وعن اللفظ (^٣).\nوالذي يخصنا من الأقوال الثلاثة قول ابن حامد الذي ذهب إلى أنه نزول انتقال وقال لأن هذا حقيقة النزول عند العرب، وهو نظير قوله في الاستواء بمعنى قعد.\nقال القاضي أبو يعلى: (فذهب شيخنا أبو عبد الله -يعني ابن حامد-أنه نزول انتقال، وقال: لأن هذا حقيقة النزول عند العرب، وهذا نظير قوله في\n_________\n(^١) انظر الرد على هذا القول في مختصر الصواعق (٢/ ٢٥٩ - ٢٦٢).\n(^٢) قال ابن بطة: (فنقول كما قال: (ينزل ربنا ﷿ ولا نقول: إنه يزول، بل ينزل كيف يشاء، ولا نصف نزوله، ولا نحده، ولا نقول إن نزوله زواله). انظر المختار من الإبانة (ص ٢٤٠).\n(^٣) شرح حديث النزول (ص ٢١٠ - ٢١١). مختصر الصواعق (٢/ ٢٥٣ - ٢٥٤).","vol":"1","page":33},{"text":"الاستواء، يعني قعد، وهذا على ظاهر حديث عبادة بن الصامت (^١)، ولأن أكثر ما في هذا أنه من صفات الحدث في حقنا، وهذا لا يوجب كونه في حقه محدثًا، كما الاستواء على العرش، هو موصوف به مع اختلافنا في صفته، وإن كان هذا الاستواء لم يكن موصوفًا به في القدم، وكذلك نقول تكلم بحرف وصوت، وإن كان هذا يوجب الحدث في صفاتنا، ولا يوجبه في حقه، كذلك النزول) (^٢).\nوقال ابن القيم ﵀: (أما قول ابن حامد أنه نزول انتقال فهو موافق لقول من يقول يخلو منه العرش، والذي حمله على هذا إثبات النزول حقيقة، وأن حقيقته لا تثبت إلا بالانتقال، ورأى أنه ليس في العقل ولا في النقل ما يحيل الانتقال عليه، فإنه كالمجيء والإتيان والذهاب والهبوط، وهذه أنواع الفعل اللازم القائم به، كما أن الخلق، والرزق، والإماتة، والإحياء، والقبض، والبسط أنواع للفعل المتعدي، وهو سبحانه موصوف بالنوعين، وقد يجمعهما كقوله ﴿خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش﴾ [الأعراف ٥٤].\nوالانتقال جنس لأنواع المجيء، والإتيان، والنزول، والهبوط، والصعود، والدنو، والتدلي ونحوها؛ وإثبات النوع مع نفي جنسه جمع بين النقيضين.\nقالوا: وليس في القول بلازم النزول والمجيء والإتيان والاستواء والصعود محذور ألبتة ولا يستلزم ذلك نقصًا، ولا سلب كمال، بل هو الكمال نفسه،\n_________\n(^١) يعني بحديث عبادة بن الصامت الذي فيه «ثم يعلو ﵎ على كرسيه».\n(^٢) كتاب اختلاف الروايتين والوجهين-مسائل من أصول الديانات- (ص ٥٥).","vol":"1","page":34},{"text":"وهذه الأفعال كمال ومدح، فهي حق دل عليه النقل ولازم الحق حق) (^١).\nالقول الثاني: أنه ينزل ولا يخلو منه العرش\nوهذا القول ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أنه قول جمهور أهل الحديث (^٢).\nوقال: (ونقل ذلك عن الإمام أحمد بن حنبل في رسالته إلى مسدد، وعن إسحاق بن راهويه، وحماد بن زيد، وعثمان بن سعيد الدارمي وغيرهم) (^٣).\nقال القاضي أبو يعلى: (وقد قال أحمد في رسالته إلى مسدد: إن الله ﷿ ينزل في كل ليلة إلى السماء الدنيا ولا يخلو من العرش. فقد صرح أحمد بالقول إن العرش لا يخلو منه) (^٤).\nوسأل بشر بن السري حماد بن زيد، فقال: (يا أبا إسماعيل الحديث الذي جاء «ينزل ربنا إلى السماء الدنيا». يتحول من مكان إلى مكان؟ فسكت حماد بن زيد، ثم قال: هو في مكانه يقرب من خلقه كيف يشاء) (^٥).\n_________\n(^١) مختصر الصواعق (٢/ ٢٥٤ - ٢٥٥).\n(^٢) شرح حديث النزول (ص ٢٠١)، ومنهاج السنة (٢/ ٦٣٨).\n(^٣) المصدر السابق (ص ١٤٩).\n(^٤) إبطال التأويلات (١/ ٢٦١).\n(^٥) أخرجه العقيلي في الضعفاء (١/ ١٤٣). وأخرجه ابن بطة في الإبانة، كما في المختار من الإبانة (ص ٢٠٣ - ٢٠٤، برقم ١٥٨). وأورده ابن تيمية في شرح حديث النزول (ص ١٥٠ - ١٥١)، وفي درء تعارض العقل والنقل (٢/ ٢٤)، وفي الأصفهانية (ص ٢٥)، وعزاه للخلال في السنة وابن بطة في الإبانة.","vol":"1","page":35},{"text":"وقال إسحاق بن راهويه: (دخلت على عبد الله بن طاهر، فقال: ما هذه الأحاديث التي تروونها؟\nقلت: أي شيء أصلح الله الأمير؟\nقال: تروون أن الله ينزل إلى السماء الدنيا.\nقلت: نعم، رواه الثقات الذين يروون الأحكام.\nقال: أينزل ويدع عرشه؟\nقال: فقلت: يقدر أن ينزل من غير أن يخلو العرش منه؟\nقال: نعم.\nقلت: ولم تتكلم في هذا؟) (^١).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية عن قول إسحاق وقول حماد بن زيد: (وهذه والتي قبلها حكايتان صحيحتان رواتهما ثقات، فحماد بن زيد يقول: هو في مكانه، يقرب من خلقه كيف يشاء، فأثبت قربه مع كونه فوق عرشه.\nوعبد الله بن طاهر وهو من خيار من ولي الأمر بخراسان كان يعرف أن الله فوق العرش، وأشكل عليه أنه ينزل، لتوهمه أن ذلك يقتضي أن يخلو منه العرش، فأقره الإمام إسحاق على أنه فوق العرش، وقال له: يقدر أن ينزل من\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ٣٨٦) مختصرًا. وأخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٣/ ٤٥٢). وأورده ابن تيمية في شرح حديث النزول (ص ١٥٢) وصحح إسناده.","vol":"1","page":36},{"text":"غير أن يخلو منه العرش؟ فقال له الأمير: نعم. فقال له إسحاق: لم تتكلم في هذا؟\nيقول: فإذا كان قادرًا على ذلك لم يلزم من نزوله خلو العرش منه، فلا يجوز أن يعترض على النزول بأنه يلزم منه خلو العرش، وكان هذا أهون من اعتراض من يقول: ليس فوق العرش شيء، فينكر هذا وهذا) (^١).\nالقول الثالث: من يقول نثبت نزولًا ولا نعقل معناه، هل هو بزوال أو بغير زوال.\nوهذ القول قال به ابن بطة (^٢)، وعبد الغني المقدسي (^٣)، وغيرهما.\nقال ابن بطة: (فنقول كما قال: «ينزل ربنا عزو جل». ولا نقول: إنه يزول، بل ينزل كيف يشاء، لا نصف نزوله ولا نحده، ولا نقول: إن نزوله زواله).\nوروى بسنده عن حنبل بن إسحاق قال: (قلت لأبي عبد الله: ينزل الله تعالى إلى سماء الدنيا؟\nقال: نعم.\nقلت: نزوله بعلمه أم بماذا؟\nقال: فقال لي: اسكت عن هذا، وغضب غضبًا شديدًا، وقال: مالك ولهذا؟\n_________\n(^١) شرح حديث النزول (ص ١٥٣).\n(^٢) انظر المختار من الإبانة (ص ٢٤٠). ومجموع الفتاوى (٥/ ٤٠٢).\n(^٣) شرح حديث النزول (ص ١٦١).","vol":"1","page":37},{"text":"أمض الحديث كما روي بلا كيف) (^١).\nوقال القاضي أبو يعلى: (وحكى شيخنا-يعني ابن حامد-عن طائفة أخرى من أصحابنا أنهم قالوا: نثبت نزولًا لا يعقل معناه هل هو زوال أو بغير زوال، كما جاء الخبر، ومثل هذا ليس يمتنع في صفاته، كما يثبت له ذاتًا ينفي عنها ماهيتها، وهذه الطريقة هي المذهب، وقد نص أحمد عليها في مواضع) (^٢). وذكر الأثر الذي ذكره ابن بطة عن حنبل.\nقال ابن القيم ﵀: (وأما الذين أمسكوا عن الأمرين وقالوا: لا نقول يتحرك وينتقل، ولا ننفي ذلك عنه، فهم أسعد بالصواب والاتباع، فإنهم نطقوا بما نطق به النص، وسكتوا عما سكت عنه، وتظهر صحة هذه الطريقة ظهورًا تامًا فيما إذا كانت الألفاظ التي سكت عنها النص مجملة، محتملة المعنيين صحيح وفاسد، كلفظ (الحركة)، و(الانتقال)، و(الحوادث)، و(العلة)، و(التغير)، و(التركيب)، ونحو ذلك من الألفاظ التي تحتها حق وباطل.\nفهذه لا تقبل مطلقًا، ولا ترد مطلقًا، فإن الله سبحانه لم يثبت لنفسه هذه المسميات، ولم ينفيها عنه، فمن أثبتها مطلقًا فقد أخطأ، ومن نفاها مطلقًا فقد أخطأ، فإن معانيها منقسمة إلى ما يمتنع إثباته لله، وما يجب إثباته له.\nفإن الانتقال يراد به:\n١ - انتقال الجسم والعرض من مكان هو محتاج إليه إلى مكان آخر يحتاج\n_________\n(^١) المختار من الإبانة (ص ٢٤٠ - ٢٤٢).\n(^٢) كتاب الروايتين والوجهين (ص ٥٦ - ٥٧).","vol":"1","page":38},{"text":"إليه. وهو يمتنع إثباته للرب ﵎، وكذلك الحركة إذا أريد بها هذا المعنى امتنع إثباتها لله تعالى.\n٢ - ويراد بالحركة والانتقال حركة الفاعل من كونه غير فاعل إلى كونه فاعلًا، وانتقاله أيضًا من كونه غير فاعل إلى كونه فاعلًا، فهذا المعنى حق في نفسه لا يعقل كون الفاعل فاعلًا إلا به فنفيه عن الفاعل نفي لحقيقة الفعل وتعطيل له.\n٣ - وقد يراد بالحركة والانتقال ما هو أعم من ذلك، وهو فعل يقوم بذات الفاعل يتعلق بالمكان الذي قصد له وأراد إيقاع الفعل بنفسه فيه.\nوقد دل القرآن والسنة والإجماع على أنه سبحانه يجيء يوم القيامة، وينزل لفصل القضاء بين عباده، ويأتي في ظلل من الغمام والملائكة، وينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا، وينزل عشية عرفة، وينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة، وينزل إلى أهل الجنة، وهذه أفعال يفعلها بنفسه في هذه الأمكنة فلا يجوز نفيها عنه بنفي الحركة والنقلة المختصة بالمخلوقين، فإنها ليست من لوازم أفعاله المختصة به، فمن كان من لوازم أفعاله لم يجز نفيه عنه، وما كان من خصائص الخلق لم يجز إثباته له.\nوحركة الحي من لوازم ذاته، ولا فرق بين الحي والميت إلا بالحركة والشعور، فكل حي متحرك بالإرادة وله شعور فنفي الحركة عنه كنفي الشعور، وذلك يستلزم نفي الحياة) (^١).\n_________\n(^١) مختصر الصواعق (٢/ ٢٥٧ - ٢٥٨).","vol":"1","page":39},{"text":"<span data-type='title' id=toc-13>المبحث الرابع: طبعاتها.</span>\nطبعت الرسالة عدة طبعات ضمن عدد من المجاميع منها:\n١ - طبعت ضمن مجموع شذرات البلاتين من طيبات كلمات سلفنا الصالحين بتحقيق الشيخ محمد حامد الفقي والرسالة ضمن مجموع الجزء الأول من ص ٧٩ - ٨٤. وقد اعتمد الفقي في طبع هذه الرسالة على ما ورد في طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى حيث قال في مقدمة ذكر للرسالة ما نصه: \"قال القاضي أبو الحسين محمد بن القاضي أبي يعلى محمد بن الحسين بن الفراء (المتوفى سنة ٥٢٦ هـ) في طبقات الحنابلة في ترجمة مسدد بن مسرهد بن مسربل\" ثم ذكر نص الرسالة.\n٢ - طبعت ضمن \"الجامع في عقائد ورسائل أهل السنة والأثر\" جمعه واعتنى به عادل بن عبد الله آل حمدان الغامدي. وعنون لها بعنوان \"أصول السنة رواية مسدد بن مسرهد\" انظر: (ص ٣٥٩ - ٣٧١).\nواعتمد في تحقيق نصها على ما ورد في طبقات الحنابلة وجعلها هي الأصل، وقابلها بما ورد في مناقب الإمام أحمد، وكتاب مختصر الحجة","vol":"1","page":40},{"text":"على تارك المحجة لأبي الفتح المقدسي.\n٣ - وطبعت ضمن مجموع بعنوان جمهرة عقائد أئمة السلف وحوى هذا المجموع على خمسة وأربعين مَتنًا في العقيدة السلفية (عقيدة أهل السُّنة والجماعة). وقام بجمعها وضبط نصوصها محمد محب الدين أبو زيد نشر مكتبة التوعية الإسلامية مصر.\nوالرسالة المذكورة حملت رقم التسلسل (١٥) وجاءت بعنوان \"عقيدة الإمام أجمد بن حنبل رواية الزرندي عنه\".\nواقتصر جهد الجامع على ضبط النص مع تعليقات يسيرة ولَم يشر إلى مصادر التي اعتمد عليها في ضبط النص.\n٤ - وقام الباحث خالد السكران التميمي بتحقيق النص بحسب ما توفر له من طبعات الرسالة، ونشر ذلك بدون ذكر الحواشي على موقع الألوكة، وقد تواصلت معه وزودني بنسخة من عمله في ضبط نصها، وأفد بأنه لم يقم بطبع الرسالة، وقد اعتمد في ضبط نصها على ما ورد في طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى، ومناقب الإمام أحمد لابن الجوزي، والمقصد الأرشد لابن مفلح، والمنهج الأحمد للعليمي.؟\nفهذا جملة ما وقفت عليه بعد بذل الجهد والتحري وسؤال من لهم اهتمام بنشر كلام الإمام أحمد بن حنبل-رحمه الله تعالى-.","vol":"1","page":41},{"text":"﷽\nقال المصنف-رحمه الله تعالى-:\n\"الحمد لله الذي جعل في كل زمان بقايا من أهل العلم، يدعون من ضل إلى الهدى، وينهون عن الردى، يحيون بكتاب الله تعالى الموتى، وبسنة رسول الله-ﷺ-أهل الجهالة والردى (^١)، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من ضال تائه قد هدوه، فما أحسن آثارهم على الناس.\nينفون عن دين الله ﷿ تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الضالين (^٢) الذين عقدوا ألوية البدع، وأطلقوا عنان الفتنة [مختلفين في الكتاب] (^٣) يقولون على الله وفي الله، -تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا- وفي كتابه بغير علم فنعوذ بالله من كل فتنة مضلة، وصلى الله على محمد [النبي وآله وسلم تسليما (^٤)]. (^٥).\n_________\n(^١) في مختصر الحجة على تارك المحجة ٢/ ٣٦٦ (والعمى).\n(^٢) عبارة (وتأويل الضالين) ليست موجودة في كتاب مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص (٢٢٤).\n(^٣) عبارة (مختلفين في الكتاب) ساقطة من طبقات الحنابلة، والإضافة من كتاب مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص (٢٢٤)، ومختصر الحجة على تارك المحجة (٢/ ٣٦٧).\n(^٤) ما بين المعكوفتين مضافة من كتاب مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص (٢٢٥)، وموجودة كذلك في كتاب المنهج الأحمد في تراجم أصحاب الإمام أحمد ١/ ١٦٧.\n(^٥) مقدمة هذه الرسالة وردت كذلك في كتاب الرد على الزنادقة والجهمية للإمام أحمد بن حنبل، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"ويروي نحو هذه الخطبة عن عمر بن الخطاب رضي =","vol":"1","page":45},{"text":"أما بعد،\n-وفقنا الله وإياكم لما فيه طاعته (^١) وجنبنا وإياكم ما فيه سخطه (^٢) واستعملنا وإياكم عمل [الخاشعين له] (^٣) العارفين به الخائفين منه (^٤). . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الله تعالي عنه، كما ذكر ذلك محمد بن وضاح في كتاب الحوادث والبدع\". انظر درء تعارض العقل والتنقل (١/ ١٩). وقد ذكر ابن وضاح (١) في مقدمة كتابه (البدع والنهي عنها) (ص ١) قطعة منها على أنها من كلام عمر بن الخطاب ﵁ فقد روى ابن وضاح بسنده قال: نا أسد قال: نا رجل يقال له: يوسف ثقة، عن أبي عبد الله الواسطي رفعه إلى عمر بن الخطاب أنه قال: \"الحمد لله الذي امتن على العباد بأن يجعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم، يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، ويحيون بكتاب الله أهل العمى، كم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وضال تائه قد هدوه، بذلوا دماءهم وأموالهم دون هلكة العباد، فما أحسن أثرهم على الناس، وأقبح أثر الناس عليهم، يقتلونهم في سالف الدهر إلى يومنا هذا بالحدود ونحوها، فما نسيهم ربك ﴿وما كان ربك نسيا﴾ [مريم: ٦٤] جعل قصصهم هدى، وأخبر عن حسن مقالتهم، فلا تقصر عنهم؛ فإنهم في منزلة رفيعة، وإن أصابتهم الوضيعة \". وابن وضاح صاحب كتاب (البدع) معاصر للإمام أحمد، يعرف كتابه أيضا بكتاب (الحوادث والبدع) وهو محمد بن وضاح بن بزيع أبو عبد الله مولى عبد الرحمن بن معاوية بن هشام، محدث من أهل قرطبة، ولد سنة (١٩٩ هـ وتوفي سنة ٢٨٦ هـ.\n(^١) في مناقب الإمام أحمد ص (٢٢٥) (لكل ما فيه رضاه) بدلًا من (لما فيه طاعته).\n(^٢) في مناقب الإمام أحمد ص (٢٢٥) (وجنبنا وإياكم كل ما فيه سخطه) بدلًا من (وجنبنا وإياكم ما فيه سخطه).\n(^٣) ما بين المعكوفتين مضافة من كتاب مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص (٢٢٥).\n(^٤) عبارة (الخائفين منه) ساقطة من مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي.","vol":"1","page":46},{"text":"إنه (^١) المسئول (^٢) ذلك\".\n<hr><s0>\n\nنبه المصنف إلى أهمية العلم والعلماء وبين أن الله نفع بالعلماء في نشر الدين وتبليغه والدفاع عنه، وقد دلت النصوص على أن الله رفع من شأن العلم وأهله فالنصوص كثيرة في القرآن والسنة تؤكد على ذلك وتدل عليه.\n\nومما ورد في القرآن:\n• قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣]\n• وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩]\n• وقال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [الحجرات: ١١]\nقال ابن القيم-رحمه الله تعالى-: \"إن العلم يرفع صاحبه في الدنيا والآخرة ما لا يرفعه المُلْك ولا المال ولا غيرهما، فالعلم يزيد الشريف شرفًا ويرفع العبد المملوك حتى يجلسه مجالس الملوك كما ثبت في الصحيح من حديث الزهري عن أبي الطفيل أن نافع بن عبد الحارث أتى عمر بن الخطاب بعسفان، وكان عمر استعمله على أهل مكة، فقال له عمر: من استخلفت على أهل الوادي قال:\n_________\n(^١) في مناقب الإمام أحمد ص (٢٢٥) (فإنه).\n(^٢) في ومختصر الحجة على تارك المحجة (٢/ ٣٦٧). (المتولي).","vol":"1","page":47},{"text":"استخلفت عليهم ابن أبزى، فقال من ابن أبزى؟ فقال: رجل من موالينا، فقال عمر: استخلفت عليهم مولى. فقال: إنه قارئ لكتاب الله عالم بالفرائض، فقال عمر: أما إن نبيكم ﷺ قد قال: \"إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضع به آخرين\" (^١)\nوقال أبو العالية: \"كنت آتي ابن عباس وهو على سريره وحوله قريش فيأخذ بيدي فيجلسني معه على السرير فتغامز بي قريش، ففطن لهم ابن عباس، فقال: كذا هذا العلم يزيد الشريف شرفًا ويجلس المملوك على الأسرة\" (^٢)\n• وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء﴾ [فاطر: ٢٨] فإن أهل العلم وطلبته هم أهل الخشية كما شهد الله بذلك\n• وقال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ١٨]\nقال ابن القيم: \"استشهد -سبحانه-بأولي العلم على أجل مشهود عليه وهو توحيده، فقال: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ وهذا يدل على فضل العلم وأهله من وجوه:\nأحدها: استشهادهم دون غيرهم من البشر\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب صلاة المسافرين ٢٦٩\n(^٢) مفتاح دار السعادة ١/ ١٦٤","vol":"1","page":48},{"text":"والثاني: اقتران شهادتهم بشهادته\nوالثالث: اقترانها بشهادة الملائكة\nوالرابع: أن في ضمن هذا تزكيتهم وتعديلهم، فإن الله لا يستشهد من خلقه إلا العدول.\nوالخامس: أنه وصفهم بكونهم أولي العلم وهذا يدل على اختصاصهم به وأنهم أهله وأصحابه ليس بمستعار لهم\nوالسادس: أنه-سبحانه-استشهد بنفسه وهو أجل شاهد ثم بخيار خلقه وهم الملائكة والعلماء من عباده ويكفيهم بهذا فضلًا وشرفًا\" (^١)\n• وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾.\nقال ابن القيم: \"وكفى بهذا شرفًا للعلم أن أمر نبيه أن يسأله المزيد منه\" (^٢).\nومما ورد في السّنّة\n• قوله ﷺ: \" العلماء ورثة الأنبياء \" (^٣)\nفالله-سبحانه-جعل العلماء وكلاءَ وأمناءَ على دينه ووحيه وارتضاهم لحفظه والقيام به والذبِّ عنه، وناهيك بها منزلة شريفة ومنقبة عظيمة\n_________\n(^١) مفتاح دار السعادة ١/ ٤٨ - ٤٩\n(^٢) نفس المصدر ١/ ٥٠.\n(^٣) أخرجه أبو داود (٣٦٤١) والترمذي (٢٦٨٢)، وحسنه الألباني في «المشكاة» (٢١٢).","vol":"1","page":49},{"text":"قال ابن القيم: \"قوله: \"إن العلماء ورثة الأنبياء\" هذا من أعظم المناقب لأهل العلم فإن الأنبياء خير خلق الله، فورثتهم خير الخلق بعدهم، ولما كان كل موروث ينتقل ميراثه إلى ورثته إذ هم الذين يقومون مقامه من بعده، ولم يكن بعد الرسل من يقوم مقامهم في تبليغ ما أرسلوا به إلا العلماء كانوا أحق الناس بميراثهم، وفي هذا تنبيه على أنهم أقرب الناس إليهم فإن الميراث إنما يكون لأقرب الناس إلى الموروث، وهذا كما أنه ثابت في ميراث الدينار والدرهم فكذلك هو في ميراث النبوة والله يختص برحمته من يشاء\" (^١)\n• قال ﷺ: \"من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين\" (^٢)\n• وقال ﷺ: \"من سلك طريقًا يلتمس به علمًا سهل الله به طريقًا إلى الجنة وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم لرضى الله عنه، وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض حتى الحيتان في جوف الماء، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا وإنما ورَّثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافٍ\" (^٣)\nقال بدر الدين بن جماعة: \"اعلم أنه لا رتبة فوق رتبة من تشتغل الملائكة\n_________\n(^١) مفتاح دار السعادة ١/ ٦٦\n(^٢) أخرجه البخاري في صحيحه (رقم ٧١)، ومسلم في صحيحه (رقم ١٠٣٧)\n(^٣) أخرجه أبو داود (رقم ٣٦٤١ و٣٦٤٢)، وابن ماجه (رقم ٢٢٣)، والدارمي (١/ ٩٨)، وابن عبد البر (ص ٣٧، ٣٨، ٣٩، ٤١)، وأحمد في المسند (١٩٦٥) والحديث حسن بشواهده. انظر: الفتح (١/ ١٦٠).","vol":"1","page":50},{"text":"وغيرهم بالاستغفار والدعاء له، وتضع له أجنحتها، وإنه لينافس في دعاء الرجل الصالح أو من يظن صلاحه فكيف بدعاء الملائكة، وقد اختلف في معنى وضع أجنحتها، فقيل: التواضع له، وقيل: النزول عنده والحضور معه، وقيل: التوقير والتعظيم له\" (^١)\n• وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله مالًا فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها\" (^٢)\nقال ابن القيم: \"فأخبر ﷺ أنه لا ينبغي لأحد أن يحسد أحدًا يعني: حسد غبطة، ويتمنى مثل حاله من غير أن يتمنى زوال نعمة الله عنه إلا في واحدة من هاتين الخصلتين، وهي الإحسان إلى الناس بعلمه أو ماله، وما عدا هذين فلا ينبغي غبطته ولا تمني مثل حاله لقلة منفعة الناس به\" (^٣)\n• وقال ﷺ: \"إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا\" قالوا يا رسول الله وما رياض الجنة؟ قال: \"حلق الذكر\" (^٤)\n• وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: \"إذا مات ابن آدم\n_________\n(^١) تذكرة السامع والمتكلم ص ٨\n(^٢) أخرجه البخاري في صحيحه ١٣/ ٥٠٢ (مع الفتح) برقم ٧٥٢٩. ومسلم في صحيحه برقم ٨١٥\n(^٣) مفتاح دار السعادة ١/ ٦٢\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد في المسند ٣/ ١٥٠، والترمذي في سننه كتاب الدعوات، باب ٨٣، ٥/ ٥٣٢ ح ٣٥١٠. وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه من حديث ثابت عن أنس","vol":"1","page":51},{"text":"انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتقع به أو ولد صالح يدعو له\" (^١)\nقال ابن القيم ﵀: \"وهذا من أعظم الأدلة على شرف العلم وفضله وعظم ثمرته، وإن ثوابه يصل إلى الرجل بعد موته ما دام ينتفع به، فكأنه حي لم ينقطع علمه، مع ما له من حياة الذكر والثناء، فجريان أجره عليه إذا انقطع عن الناس ثواب أعمالهم حياة ثانية\" (^٢).\nومما ورد عن السلف:\n• فعن علي-﵁-قال: \"كفى بالعلم شرفًا أن يدعيه من لا يحسنه، ويفرح به إذا نسب إليه، وكفى بالجهل ذمًا أن يتبرأ منه من هو فيه\" (^٣)\n• وكان عبد الله بن مسعود-﵁-يقول إذا رأى الشباب يطلبون العلم: \"مرحبًا بينابيع الحكمة ومصابيح الظُّلَم جدد القلوب حلس البيوت ريحان كل قبيلة\". (^٤)\n• قال أبو الدرداء: \"لو أن العالم طلب العلم لازداد علمًا وما نقص العلم شيئًا.\nولو أن الجاهل طلب العلم لوجد العلم قائمًا.\nفمالي أراكم شبعًا\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في صحيحه ١٦٣١\n(^٢) مفتاح دار السعادة ١/ ١٧٥.\n(^٣) تذكرة السامع ص ١٠\n(^٤) جامع بيان العلم وفضله (١/ ٢٣٢ رقم ٢٥٧)","vol":"1","page":52},{"text":"من الطعام جياعًا من العلم\" (^١).\n• وقال وهب بن منبه: \"يتشعب من العلم الشرف وإن كان صاحبه دنيًا، والعز وإن كان مهينًا، والقرب وإن كان قصيًا، والغنى وإن كان فقيرًا، والمهابة وإن كان وضيعًا\" (^٢)\n• وقال سفيان بن عيينة: \"أرفع الناس عند الله منزلة من كان بين الله وبين عباده وهم الأنبياء والعلماء\"\n• وقال أيضًا: \"لم يعط أحد في الدنيا شيئًا أفضل من النبوة، وما بعد النبوة شيء أفضل من العلم والفقه\" فقيل: عمن هذا؟ قال: \"عن الفقهاء كلهم\" (^٣)\n• وعن سفيان الثوري والشافعي قالا: \"ليس بعد الفرائض أفضل من طلب العلم\" (^٤)\n• وقال بدر الدين بن جماعة: \"إن الاشتغال بالعلم لله أفضل من نوافل العبادات البدنية من صلاة وصيام وتسبيح ودعاء ونحو ذلك، لأن نفع العلم يعم صاحبه والناس، والنوافل البدنية مقصورة على صاحبها، ولأن العلم مصحح لغيره من العبادات فهي تفتقر إليه وتتوقف عليه ولا يتوقف هو عليها، ولأن العلماء ورثة الأنبياء-عليهم الصلاة والتسليم-وليس ذلك للمتعبدين،\n_________\n(^١) جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر ١/ ٦٠٢.\n(^٢) تذكرة السامع ص ١٠.\n(^٣) نفس المصدر ص ١١\n(^٤) جامع بيان العلم وفضله (١/ ١٢٣ - ١٢٤ رقم ١١٨، ١١٩، ١٢٠)","vol":"1","page":53},{"text":"ولأن طاعة العالم واجبة على غيره فيه، ولأن العلم يبقى أثره بعد موت صاحبه، وغيره من النوافل تنقطع بموت صاحبها، ولأن في بقاء العلم إحياء الشريعة وحفظ معالم الملة\" (^١)\n• قال ابن تيمية: «أهل السنة يموتون ويحيا ذكرهم، وأهل البدعة يموتون ويموت ذكرهم؛ لأن أهل السنة أحيوا ما جاء به الرسول ﷺ فكان لهم نصيب من قوله: ﴿ورفعنا لك ذكرك﴾، وأهل البدعة شنئوا ما جاء به الرسول فكان لهم نصيب من قوله: ﴿إن شانئك هو الأبتر﴾» (^٢)\n• وقال ابن القيم: \"السعادة الحقيقية هي سعادة العلم النًّافِعِ ثَمَرَتُهُ، فإنها هي الباقية على تقلب الأحوال، والمصاحبة للعبد في جميع أسفاره وفي دوره الثلاثة أعني: دار الدنيا ودار البرزخ ودار القرار، وبها يرتقي معارج الفضل ودرجات الكمال.\nوإنما رغب أكثر الخلق عن اكتساب هذه السعادة وتحصيلها وعورة طريقها ومرارة مباديها وتعب تحصيلها، وأنها لا تنال إلا عن جد من التعب، فإنها لا تحصل إلا بالجد المحض\" (٥).\n• قال ابن الجوزي: \"ولقد دخل إبليس على طائفة من المتزهدين بآفات، أعظمها أنه صرفهم عن العلم، فكأنه شرع في إطفاء المصباح ليسرق في الظلمة، حتى إنه أخذ قومًا من كبار العلماء، فسلك بهم من ذلك ما ينهى عنه\n_________\n(^١) تذكرة السامع ص ١٣.\n(^٢) مجموع الفتاوى ١٦/ ٥٢٨","vol":"1","page":54},{"text":"العلم.\nفرأيت أبا حامد الطوسي (الغزالي) يحكي عن نفسه في بعض مصنفاته، قال: شاورت متبوعًا مقدمًا من الصوفية في المواظبة على تلاوة القرآن؟ فمنعني منه! وقال: السبيل أن تقطع علائقك من الدنيا بالكلية، بحيث لا يلتفت قلبك إلى أهل وولد ومال وعلم، بل تصير إلى حالة يستوي عندك وجود ذلك وعدمه، ثم تخلو بنفسك في زاوية، فتقتصر من العبادة على الفرائض والرواتب، وتجلس فارغ القلب، ولا تزال تقول: الله، الله، إلى أن تنتهي إلى حالة، لو تركت تحريك اللسان، رأيت كأن الكلمة جارية على لسانك، ثم تنظر ما يفتح عليك مما فتح مثله على الأنبياء والأولياء!!\nقلت: وهذا أمر لا أتعجب أنا فيه من الموصي به؛ وإنما أتعجب من الذي قبله مع معرفته وفهمه!! وهل يقطع الطريق بالإعراض عن تلاوة القرآن؟! وهل فتح للأنبياء ما فتح بمجاهدتهم ورياضتهم؟! وهل يوثق بما يظهر من هذه المسالك؟! ثم ما الذي يفتح؟! أثم اطلاع على علم الغيب؟ أم هو وحي؟!\nفهذا كله من تلاعب إبليس بالقوم، وربما كان ما يتخايل لهم من أثر الماليخوليا أو من إبليس.\nفعليك بالعلم، وانظر في سير السلف، هل فعل أحد منهم من هذا شيئًا أو أمر به؟! وإنما تشاغلوا بالقرآن والعلم، فدلهم على إصلاح البواطن وتصفيتها. نسأل الله ﷿ علمًا نافعًا، ودفعًا للعدو مانعًا، إنه قادر\" (^١).\nفالله-سبحانه-جعل العلماء وكلاءَ وأمناءَ على دينه ووحيه وارتضاهم لحفظه\n_________\n(^١) صيد الخاطر ١/ ٣٥٥.","vol":"1","page":55},{"text":"والقيام به والذبِّ عنه، وناهيك بها منزلة شريفة ومنقبة عظيمة\nولهذه النصوص وغيرها كانت قلوب أهل السنة نقية تجاه حَمَلة ميراث النبوة من العلماء الصَّادقين والدُّعاة المخلصين والمقتفين للآثار النبي الأمين ﷺ؛ لأن النبي ﷺ قال: «العلماء ورثة الأنبياء، وإنَّ الأنبياء لم يُورثوا دينارًا ولا درهمًا، وَرَّثوا العلم؛ فمَن أَخَذَه أَخَذَ بحظٍّ وافرٍ» (^١).\nوقد عرف عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى حرصه على نشر السنة والحث على التمسك بها، وهذا الحرص توارثه أتباعه من بعده وفي هذا يقول ابن تيمية-﵀: \"وأهل البدع في غير الحنبلية أكثر منهم في الحنبلية بوجوه كثيرة، لأن نصوص أحمد في تفاصيل السنة ونفى البدع أكثر من غيره بكثير\" (^٢).\nوهذه المقدمة من كلام الإمام أحمد وردت كذلك في كتابه الرد على الزنادقة والجهمية فيما شكت فيه من متشابه القرآن وتأولته على غير تأويله.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: \"ولهذا قال الإمام أحمد في أول ما كتبه في الرد على الزنادقة والجهمية فيما شكت فيه من متشابه القرآن وتأولته على غير تأويله، مما كتبه في حبسه قال في أوله: \"الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم يدعون من ضلَّ إلي الهدى ويبصرون\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٣٦٤١) والترمذي (٢٦٨٢)، وحسنه الألباني في «المشكاة» (٢١٢).\n(^٢) مجموع الفتاوى ٢٠/ ١٨٦.","vol":"1","page":56},{"text":"منهم على الأذى يحيون بكتاب الله الموتى، ويبصرون بنور الله أهل العمي، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من تائه ضالٍّ قد هدوه، فما أحسن أثرهم على الناس وأقبح أثر الناس عليهم! ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين الذين عقدوا ألوية البدعة، وأطلقوا عنان الفتنة، فهم مختلفون في الكتاب مخالفون للكتاب، متفقون على مخالفة الكتاب، يقولون على الله وفي الله وفي كتاب الله بغير علم، يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم فنعوذ بالله من فتن المضلين\" (^١)\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في تعليقه على كلام الإمام أحمد ﵀: \"المبتدعة يستعملون ألفاظ الكتاب والسنة واللغة ولكن يقصدون بها معاني أخر.\nوالمقصود هنا قوله: \"يتكلمون بالمتشابه من الكلام ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم\" (^٢) وهذا الكلام المتشابه الذي يخدعون به جهال الناس هو الذي يتضمن الألفاظ المتشابهة المجملة، التي يعارضون بها نصوص الكتاب والسنة، وتلك الألفاظ تكون موجودة مستعملة في الكتاب والسنة وكلام الناس، لكن بمعانً أُخر غير المعاني التي قصدوها هم بها، فيقصدون هم\n_________\n(^١) الرد على الزنادقة والجهمية للإمام أحمد ص ١/ ٦. ومجموع الفتاوى ج ١/ ٣ وج ٤/ ٢١٧ وج ١١/ ٤٣٥، وج ١٥/ ٢٨٤ وج ١٧/ ٣٠٠ ومنهاج السنة ج ٥/ ٢٧٣.\n(^٢) الرد على الزنادقة والجهمية للإمام أحمد بن حنبل ﵀-ص ١٧٣ - ١٧٤.","vol":"1","page":57},{"text":"بها معاني أخر، فيحصل الاشتباه والإجمال\" (^١)\nوقول المصنف: \"ينفون عن دين الله ﷿ تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الضالين الذين عقدوا ألوية البدع وأطلقوا عنان الفتنة يقولون على الله وفي الله، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا وفي كتابه بغير علم فنعوذ بالله من كل فتنة مضلة، وصلى الله على محمد\".\nقيض الله لهذه الأمة علماء أجلاء حملوا هذا العلم وبلغوه ونافحوا عنه ودافعوا عنه حتى يصل للناس صافيًا نقيًا لا تشوبه شائبة، ومما لا يخفى أنه في كل زمان ومكان هناك أعداء لهذا الدين حالوا بكل وسيلة إلى إبطاله والتشكيك فيه والخوض في نصوص بألوان من الباطل تناولت أصوله وتقريراته وحملته في محاولات شتى تهدف للصد عنه وإبطاله، ولكن الله حافظ هذا الدين بحفظه ببقاء أصوله وتسخير صيارفة هذا العلم من العلماء الربانيين الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه وما بدلوا تبديلا، فخاض هؤلاء العلماء الأجلاء معاركة شرسة لا هوادة فيها مع أهل الزيغ والباطل فصدوا باطلهم وردوا ما جاؤا به من أراء فاسدة وبدع مضلة فبقوا -بحمد الله- متمسكين بكتاب الله وسنة نبيه-ﷺ-وبما كان عليه السلف الصالح من الصحابة والتابعين مؤكدين بذلك ثبات هذا الدين وكماله واستمراره إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.\nوقد كان شغل هؤلاء العلماء المتمسكون بنصوص الكتاب والسنة هو رد\n_________\n(^١) درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية (١/ ٢٢٢) (٦/ ١٩٢)","vol":"1","page":58},{"text":"الناس إلى هذين الأصلين، مع عرض الأقوال الباطلة على النصوص لبيان زيف تلك الأقوال وفسادها.\nيقول ابن أبي العز: «ولا شكَّ أن مشايخ المعتزلة وغيرهم من أهل البدع معترفون بأن اعتقادهم في التوحيد والصفات والقدر لم يتلقوه لا عن كتاب ولا عن سنة، ولا عن أئمة الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وإنما يزعمون أن عقلهم دلَّهم عليه». ولا ريب أن عقيدة لم يأخذها صاحبها لا من الكتاب ولا من السنة، ولا من فهم أئمة الصحابة والتابعين لا ريب أنها عقيدة إبليسيَّة مستقاة من منهج إبليسيٍّ، ليست بأفضل من عقيدة أبي جهل وأضرابه كما قال الحافظ الذهبي: «وإذا رأيت المتكلم المبتدع يقول دعنا من الكتاب وأحاديث الآحاد وهات العقل فاعلم أنه أبو جهل» (^١).\nومعلوم أن أراء المخالفين للكتاب والسنة هي أراء باطلة لا تخرج عن أحد هذه الأصناف التي قال عنها ابن القيم: \"الرَّأْيُ الْبَاطِلُ أَنْوَاعٌ:\nأَحَدُهَا: الرَّأْيُ الْمُخَالِفُ لِلنَّصِّ، وَهَذَا مِمَّا يُعْلَمُ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ فَسَادُهُ وَبُطْلَانُهُ، وَلَا تَحِلُّ الْفُتْيَا بِهِ وَلَا الْقَضَاءُ، وَإِنْ وَقَعَ فِيهِ مَنْ وَقَعَ بِنَوْعِ تَأْوِيلٍ وَتَقْلِيدٍ.\nالنَّوْعُ الثَّانِي: هُوَ الْكَلَامُ فِي الدِّينِ بِالْخَرْصِ وَالظَّنِّ، مَعَ التَّفْرِيطِ وَالتَّقْصِيرِ\n_________\n(^١) سير أعلام النبلاء ٤/ ٤٧٢","vol":"1","page":59},{"text":"فِي مَعْرِفَةِ النُّصُوصِ وَفَهْمِهَا وَاسْتِنْبَاطِ الْأَحْكَامِ مِنْهَا، فَإِنَّ مَنْ جَهِلَهَا وَقَاسَ بِرَأْيِهِ فِيمَا سُئِلَ عَنْهُ بِغَيْرِ عِلْمٍ، بَلْ لِمُجَرَّدِ قَدْرٍ جَامِعٍ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ أَلْحَقَ أَحَدَهُمَا بِالْآخَرِ، أَوْ لِمُجَرَّدِ قَدْرِ فَارِقٍ يَرَاهُ بَيْنَهُمَا يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا فِي الْحُكْمِ، مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى النُّصُوصِ وَالْآثَارِ؛ فَقَدْ وَقَعَ فِي الرَّأْيِ الْمَذْمُومِ الْبَاطِلِ.\nالنَّوْعُ الثَّالِثُ: الرَّأْيُ الْمُتَضَمِّنُ تَعْطِيلَ أَسْمَاءِ الرَّبِّ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ بِالْمَقَايِيسِ الْبَاطِلَةِ الَّتِي وَضَعَهَا أَهْلُ الْبِدَعِ وَالضَّلَالِ مِنْ الْجَهْمِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَالْقَدَرِيَّةِ وَمَنْ ضَاهَاهُمْ، حَيْثُ اسْتَعْمَلَ أَهْلُهُ قِيَاسَاتِهِمْ الْفَاسِدَةَ وَآرَاءَهُمْ الْبَاطِلَةَ وَشُبَهَهُمْ الدَّاحِضَةَ فِي رَدِّ النُّصُوصِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ؛ فَرَدُّوا لِأَجْلِهَا أَلْفَاظَ النُّصُوصِ الَّتِي وَجَدُوا السَّبِيلَ إلَى تَكْذِيبِ رُوَاتِهَا وَتَخْطِئَتِهِمْ، وَمَعَانِي النُّصُوصِ الَّتِي لَمْ يَجِدُوا إلَى رَدِّ أَلْفَاظِهَا سَبِيلًا، فَقَابَلُوا النَّوْعَ الْأَوَّلَ بِالتَّكْذِيبِ، وَالنَّوْعَ الثَّانِيَ بِالتَّحْرِيفِ وَالتَّأْوِيلِ، فَأَنْكَرُوا لِذَلِكَ رُؤْيَةَ الْمُؤْمِنِينَ لِرَبِّهِمْ فِي الْآخِرَةِ، وَأَنْكَرُوا كَلَامَهُ وَتَكْلِيمَهُ لِعِبَادِهِ، وَأَنْكَرُوا مُبَايَنَتَهُ لِلْعَالَمِ، وَاسْتِوَاءَهُ عَلَى عَرْشِهِ، وَعُلُوَّهُ عَلَى \"الْمَخْلُوقَاتِ، وَعُمُومَ قُدْرَتِهِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، بَلْ أَخْرَجُوا أَفْعَالَ عِبَادِهِ مِنْ الْمَلَائِكَةِ وَالْأَنْبِيَاءِ وَالْجِنِّ وَالْإِنْسِ عَنْ تَعَلُّقِ قُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ وَتَكْوِينِهِ لَهَا، وَنَفَوْا لِأَجْلِهَا حَقَائِقَ مَا أَخْبَرَ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ وَأَخْبَرَ بِهِ رَسُولُهُ مِنْ صِفَاتِ كَمَالِهِ وَنُعُوتِ جَلَالِهِ؛ وَحَرَّفُوا لِأَجْلِهَا النُّصُوصَ عَنْ مَوَاضِعِهَا، وَأَخْرَجُوهَا عَنْ مَعَانِيهَا وَحَقَائِقِهَا بِالرَّأْيِ الْمُجَرَّدِ الَّذِي حَقِيقَتُهُ أَنَّهُ ذُبَالَةُ الْأَذْهَانِ وَنُخَالَةُ الْأَفْكَارِ وَعُفَارَةُ الْآرَاءِ وَوَسَاوِسُ الصُّدُورِ، فَمَلَئُوا بِهِ الْأَوْرَاقَ سَوَادًا، وَالْقُلُوبَ شُكُوكًا، وَالْعَالَمَ فَسَادًا،","vol":"1","page":60},{"text":"وَكُلُّ مَنْ لَهُ مَسْكَةٌ مِنْ عَقْلٍ يَعْلَمُ أَنَّ فَسَادَ الْعَالَمِ وَخَرَابِهِ إنَّمَا نَشَأَ \"مِنْ تَقْدِيمِ الرَّأْيِ عَلَى الْوَحْيِ، وَالْهَوَى عَلَى الْعَقْلِ، وَمَا اسْتَحْكَمَ هَذَانِ الْأَصْلَانِ الْفَاسِدَانِ فِي قَلْبٍ إلَّا اسْتَحْكَمَ هَلَاكُهُ، وَفِي أُمَّةٍ إلَّا فَسَدَ أَمْرُهَا أَتَمَّ فَسَادٍ، فَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ كَمْ نُفِيَ بِهَذِهِ الْآرَاءِ مِنْ حَقٍّ، وَأُثْبِتَ بِهَا مِنْ بَاطِلٍ، وَأُمِيتَ بِهَا مِنْ هُدًى، وَأُحْيِيَ بِهَا مِنْ ضَلَالَةٍ؟ وَكَمْ هُدِمَ بِهَا مِنْ مَعْقِلِ الْإِيمَانِ، وَعُمِّرَ بِهَا مِنْ دِينِ الشَّيْطَانِ؟ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ هُمْ أَهْلُ هَذِهِ الْآرَاءِ الَّذِينَ لَا سَمْعَ لَهُمْ وَلَا عَقْلَ، بَلْ هُمْ شَرٌّ مِنْ الْحُمُرِ، وَهُمْ الَّذِينَ يَقُولُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠].\nالنَّوْعُ الرَّابِعُ: الرَّأْيُ الَّذِي أُحْدِثَتْ بِهِ الْبِدَعُ، وَغُيِّرَتْ بِهِ السُّنَنُ، وَعَمَّ بِهِ الْبَلَاءُ، وَتَرَبَّى عَلَيْهِ الصَّغِيرُ، وَهَرَمَ فِيهِ الْكَبِيرُ.\nفَهَذِهِ الْأَنْوَاعُ الْأَرْبَعَةُ مِنْ الرَّأْيِ الَّذِي اتَّفَقَ سَلَفُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا عَلَى ذَمِّهِ وَإِخْرَاجِهِ مِنْ الدِّينِ.\nوالنَّوْعُ الْخَامِسُ: مَا ذَكَرَهُ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ \"جُمْهُورِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الرَّأْيَ الْمَذْمُومَ فِي هَذِهِ الْآثَارِ عَنْ النَّبِيِّ-ﷺ-وَعَنْ أَصْحَابِهِ وَالتَّابِعِينَ-﵃-أَنَّهُ الْقَوْلُ فِي أَحْكَامِ شَرَائِعِ الدِّينِ بِالِاسْتِحْسَانِ وَالظُّنُونِ، وَالِاشْتِغَالُ بِحِفْظِ الْمُعْضِلَاتِ وَالْأُغْلُوطَاتِ وَرَدِّ الْفُرُوعِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ قِيَاسًا، دُونَ رَدِّهَا عَلَى أُصُولِهَا وَالنَّظَرِ فِي عِلَلِهَا وَاعْتِبَارِهَا، فَاسْتُعْمِلَ فِيهَا الرَّأْيُ قَبْلَ أَنْ","vol":"1","page":61},{"text":"يَنْزِلَ، وَفُرِّعَتْ وَشُقِّقَتْ قَبْلَ أَنْ تَقَعَ، وَتُكُلِّمَ فِيهَا قَبْلَ أَنْ تَكُونَ بِالرَّأْيِ الْمُضَارِعِ لِلظَّنِّ، قَالُوا: وَفِي الِاشْتِغَالِ بِهَذَا وَالِاسْتِغْرَاقِ فِيهِ تَعْطِيلُ السُّنَنِ، وَالْبَعْثُ عَلَى جَهْلِهَا، وَتَرْكُ الْوُقُوفِ عَلَى مَا يَلْزَمُ الْوُقُوفَ عَلَيْهِ مِنْهَا وَمِنْ كِتَابِ اللَّهِ ﷿ وَمَعَانِيهِ، احْتَجُّوا عَلَى مَا ذَهَبُوا إلَيْهِ بِأَشْيَاءَ، ثُمَّ ذَكَرَ مِنْ طَرِيقِ أَسَدِ بْنِ مُوسَى ثنا شَرِيكٌ عَنْ لَيْثٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: لَا تَسْأَلُوا عَمَّا لَمْ يَكُنْ؛ فَإِنِّي سَمِعْت عُمَرَ يَلْعَنُ مَنْ يَسْأَلُ عَمَّا لَمْ يَكُنْ، ثُمَّ ذَكَرَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى الرَّازِيّ ثنا عِيسَى بْنُ يُونُسَ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ\" (^١)\nفأهلُ الباطل جاؤوا بأصول عقلية، هم ابتدأوها ابتداءً، هذه الأصول العقلية رتَّبُّوا عليها قواعد، ورتِّبوا لها نتائج، وما تفرع عن الباطل فهو باطل.\nوقول المصنف: \"يقولون على الله وفي الله، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا وفي كتابه بغير علم\"\nعد الله ﷿ المحرمات في قوله ﷿: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣].\nفجعل التقول على الله ﷿ أخطر من الشرك، فقال العلماء: إن الله تعالى\n_________\n(^١) إعلام الموقعين عن رب العالمين ١/ ٥٤ - ٥٦.","vol":"1","page":62},{"text":"في هذه الآية تدرج في المحرمات من الأدنى إلى الأعلى، فكان أعلاها وأخطرها أن نتقول على الله تعالى بغير علم، فالذي يخوض بفكره في ذات الله تعالى يكون قد وقع في أشد الأمور خطرا.\nقال ابن القيم: \"قال الله تعالى في المحرم لذاته ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ﴿ثم انتقل منه إلى ما هو أعظم منه فقال﴾ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ﴿، ثم انتقل منه إلى ما هو أعظم منه فقال﴾ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا ﴿، ثم انتقل منه إلى ما هو أعظم منه فقال﴾ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾، فهذا أعظم المحرمات عند الله وأشدها إثمًا فإنه يتضمن الكذب على الله، ونسبته إلى ما لا يليق به، وتغيير دينه وتبديله، ونفي ما أثبته، وإثبات ما نفاه، وتحقيق ما أبطله، وإبطال ما حققه، وعداوة من والاه، وموالاة من عاداه، وحب ما أبغضه، وبغض ما أحبه، ووصفه بما لا يليق به في ذاته وصفاته وأقواله وأفعاله؛ فليس في أجناس المحرمات أعظم عند الله منه ولا أشد إثمًا، وهو أصل الشرك والكفر ووعليه أسست البدع والضلالات فكل بدعة مضلة في الدين أساسها القول على الله بلا علم، ولهذا اشتد نكير السلف والأئمة لها وصاحوا بأهلها من أقطار الأرض، وحذروا فتنتهم أشد التحذير وبالغوا في ذلك ما لم يبالغوا مثله في إنكار الفواحش والظلم والعدوان إذ مضرة البدع وهدمها للدين ومنافاتها له أشد) (^١).\n_________\n(^١) مدارج السالكين ٢/ ٣٧٢.","vol":"1","page":63},{"text":"قال ابن القيم: \"فذنوب أهل البدع كلها داخلة تحت قوله تعالى﴾ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا ﴿\" (^١)\nوقول المصنف: \"أما بعد وفقنا الله وإياكم لما فيه طاعته وجنبنا وإياكم ما فيه سخطه واستعملنا وإياكم عمل العارفين به الخائفين منه إنه المسئول ذلك\".\n\nفيه تأكيد على أنه لابد من العلم والعمل معًا وفي هذا المعنى يقول ابن القيم-رحمه الله تعالى-<span data-type='title' id=toc-17>\"أهل القرآن هم العالمون به العاملون بما فيه </span>وإن لم يحفظوه، وأما من حفظه ولم يفهمه ولم يعمل بما فيه فليس من أهله\" (^٢).\nقال بعض السلف: \"كنا نستعين على حفظ العلم بالعمل به\". وقال بعض السلف أيضًا: \"العلم يهتف بالعمل فإن أجابه حل وإلا ارتحل\" (^٣)\nفالعمل به من أعظم أسباب حفظه، وثباته، وترك العمل به إضاعة له.\nقال ابن تيمية ﵀: \"من عرف ما أمر الله به، وما نهى عنه وعمل بذلك\n_________\n(^١) مدارج السالكين ٢/ ٣٧٥.\n(^٢) زاد المعاد ١/ ٣٢٧.\n(^٣) جامع بيان العلم وفضله ١/ ٧٠٧ رقم ١٢٧٤.","vol":"1","page":64},{"text":"فهو الولي لله وإن لم يقرأ القرآن كله، وإن لم يحسن أن يفتي الناس، ويقضي بينهم\" (^١)\nقال الإمام ابن كثير ﵀: \"لا تتم العبادة إلا بالخوف والرجاء، فبالخوف ينكف عن المعاصي، وبالرجاء يكثر من الطاعات\" (^٢).\n_________\n(^١) مختصر الفتاوى المصرية، ١/ ٥٥٩.\n(^٢) تفسير القرآن العظيم ٣/ ٦٦.","vol":"1","page":65},{"text":"قال المصنف-رحمه الله تعالى-:\n\"أوصيكم ونفسي بتقوى الله العظيم، ولزوم السنة [والجماعة] (^١).\nفقد علمتم ما حل بمن خالفها، وما جاء فيمن اتبعها، [فإنه] (^٢) بلغنا عن النبي ﷺ-أنه قال: \"إن الله-﷿-ليدخل العبد الجنة بالسنة يتمسك بها\" (^٣).\n<hr><s0>\n\n\n<span data-type='title' id=toc-18>الحث على التمسك بالسنة والتحذير من البدع </span>هو وصية النبي ﷺ ووصية السلف الصالح من بعده من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين ومن جاء بعدهم،\n_________\n(^١) ما بين المعكوفتين موجودة في مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص: (٢٢٥) ومختصر الحجة على تارك المحجة (٢/ ٣٦٧).\n(^٢) ما بين المعكوفتين موجودة في مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص: (٢٢٥) ومختصر الحجة على تارك المحجة (٢/ ٣٦٨).\n(^٣) تخريج الحديث:\n• أورده المصنف الإمام أحمد هنا بلاغا (٣/ ٣٩).\n• وأخرجه ابن بطة في الإبانة الكبرى (١/ ٣٤٣ - ٣٤٤ رقم ٢١٥) عن أَبي حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ رَجَا، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أَيُّوبَ عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْمِحْوَرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الصَّاغَانِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو صَالِحٍ، كَاتِبُ اللَّيْثِ، قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مُسْلِمٍ اللَّخْمِيِّ، مِنْ أَهْلِ الشَّامِ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ لَيُدْخِلُ الْعَبْدَ الْجَنَّةَ بِالسُّنَّةِ يَتَمَسَّكُ بِهَا». =","vol":"1","page":66},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وأورده الشاطبي في \" الاعتصام \" (١/ ٥١) وعزاه إلى ابن وهب مرسلًا.\nوسند ابن بطة ضعيف لإرساله، وفيه أبو صالح المصري عبد الله بن صالح كاتب الليث صدوق كثير الغلط ثبت في كتابه وكانت فيه غفلة، كما في تقريب التهذيب. (١/ ٥٠١)، (وقال ابن حبان كان في نفسه صدوقا إنما وقعت المناكير في حديثه من قبل جار له فسمعت ابن خزيمة يقول: كان له جار كان بينه وبينه عداوة، كان يضع الحديث على شيخ أبي صالح ويكتبه بخط يشبه خط عبد الله ويرميه في داره بين كتبه، فيتوهم عبد الله أنه خطه، فيحدث به). كما في ميزان الاعتدال في نقد الرجال للذهبي. (٤/ ١٢٢ رقم ٤٣٨٨).\nوقال ابن حبان: هو منكر الحديث جدا، يروي عن الأثبات ما ليس من أحاديث الثقات كما في البدر المنير في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الشرح الكبير لابن الملقن (٣/ ٤٤٢).\nوله شاهد من مسند عائشة، وزيد بن أرقم ﵁ رضي الله، وأنس بن مالك عنهم:\nفأما حديث عائشة\n• فأخرجه الدارقطني في الأفراد (ص: ١١٤) برقم: (٥٢)، ومن طريقه ابن الجوزي في العلل المتناهية (١/ ١٩٩ - ٢٠٠) برقم: (٣١٣)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٠/ ١٤٥)، والرافعي في التدوين في أخبار قزوين (٢/ ٢٤٢) من طريق محمد بن حماد المصيصي، عن سعيد بن رحمة، عن محمد بن شهيب بن شابور، عن عمر مولى عفرة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عنها ﵂، قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: \" مَنْ تَمَسَّكَ بِالسُّنَّةِ دَخَلَ الْجَنَّةَ \"، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا السُّنَّةُ؟ فَقَالَ: \"حُبُّ أَبِيكَ وَصَاحِبِهِ\".\nقال الدارقطني: \"هذا حديث غريب من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، وهو غريب من حديث عمر مولى غفرة، عن هشام، لم نكتبه إلا عن هذا الشيخ، بهذا الإسناد\".\nوعمر مولى غفرة هو: بن عبد الله المدني ضعيف وكان كثير الإرسال كما في تقريب التهذيب - (١/ ٧٢١)، وفيه سعيد بن رحمة، قال ابن حبان: لا يجوز أن يحتج به لمخالفته الأثبات كما في ميزان الاعتدال في نقد الرجال- (٣/ ١٩٩ رقم ٣١٧٥ (٣٧١٤ ت).","vol":"1","page":67},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وأورده السيوطي في الجامع الصغير من حديث البشير النذير. (٢/ ٣٢٣ رقم ٨٦٠٣) ورمز له بالضعف وضعف إسناده المناوي عند شرحه في التيسير بشرح الجامع الصغير (٢/ ٧٩٦) وضعفه الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة (٦/ ٢٥٠ - ٢٥٢ رقم ٢٧٢٧).\nوأما حديث زيد بن أرقم ﵁ فروي على وجهين:\nالوجه الأول:\n• أخرجه ابن بطة في الإبانة الكبرى (١/ ٣٠٨ - ٣٠٩) من طريق عمر بن إبراهيم الهاشمي، عن موسى بن يسار، عن أبي معن الهمداني، عن زيد بن أرقم، قال: قال رسول الله ﷺ: «من تمسك بسنتي وثبت نجا، ومن أفرط مرق، ومن خالف هلك».\nالوجه الثاني:\n• أخرجه الهروي في ذم الكلام وأهله (٤/ ٢٨٦) برقم: (٧٤٤) من طريق ابن بطة المتقدم موقوفًا على زيد بن أرقم.\nوفي سنده عمر بن إبراهيم الهاشمي أحد المتروكين، قال الدارقطني: كان كذابا يضع الحديث، وقال ابن حبان روى عن الثقات ما لم يحدثوا به قط لا يجوز الاحتجاج بخبره، وقال أبو بكر الخطيب كان غير ثقة يروي المناكير عن الأثبات) كما في الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي (٢/ ٢٠٤ رقم ٢٤٣٧).\nوأما حديث أنس بن مالك ﵁:\n• أخرجه الطبراني في الأوسط (٩/ ١٦٨) برقم: (٩٤٣٩) من طريق أبو جعفر النفيلي، حدثني عاصم بن سعيد، عن معبد بن خالد، عن أنس بن مالك قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ-ﷺ: «مَنْ أَحْيَا سُنَّتِي فَقَدْ أَحَبَّنِي، وَمَنْ أَحَبَّنِي كَانَ مَعِي فِي الْجَنَّةِ» \".\n• وأخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (١/ ٥٨) برقم: (٨) من طريق كثير بن عبيد، ومحمد بن المصفى الحمصي، عن بقية بن وليد، عن عاصم به.","vol":"1","page":68},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وأخرجه ابن شاهين في الترغيب في فضائل الأعمال (ص: ١٥٢) برقم: (٥٢٧).\n• وأخرجه ابن بطة في الإبانة الكبرى (١/ ٢١٠) برقم: (٥١) من طريق دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ، ثنا بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ سَعِيدٍ، حَدَّثَنِي ابْنٌ لِأَنَسٍ، عَنْ أَنَسٍ به.\n• وأخرجه العقيلي في الضعفاء الكبير (٢/ ١٩٦) برقم: (١٦٠٥) من طريق إسحاق بن راهويه، قال: حدثنا بقية بن الوليد به.\n• وأخرجه العقيلي في الضعفاء الكبير (٤/ ٤٤٦) برقم: (٤٥٦٠) من طريق نعيم بن حماد، قال: حدثنا بقية، عن عياض بن سعيد المازني، قال: حدثني سعيد بن خالد بن أنس بن مالك، عن أنس بن مالك به.\nونعيم بن حماد صدوق يخطئ كثيرًا، فقيه عارف بالفرائض، كما قال الحافظ في تقريب التهذيب (١/ ١٠٠٦). فخالف الثقات عن بقية بن وليد في رواية العقيلي.\nوالطريقان: عاصم بن سعيد عن معبد بن خالد، عن أنس. وعاصم بن سعيد، عن خالد بن أنس، عن انس محفوظان؛ لرواية الثقات عنهما.\nلكن معبد بن خالد، وخالد بن أنس مجهولان كما قال ابن حجر. تقريب التهذيب (١/ ٩٥٧)، ولسان الميزان (٢/ ٣٧٣).\nوعاصم بن سعيد قال عنه العقيلي: \"مجهول بالنقل\". ينظر: لسان الميزان (٤/ ٣٦٨).\nفعلى ما سبق أن هذا الحديث لا يصح.\nقال الحافظ ابن حجر \"خالد بن أنس عن أنس بن مالك لا يعرف وحديثه منكر جدا\". لسان الميزان (٢/ ٣٧٣).\nخلاصة الحكم:\nفعلى ضوء ما سبق أن الحديث لا يصح لفظه، لكن معناه صحيح.","vol":"1","page":69},{"text":"فعن العرباض بن سارية (^١) ﵁ قال: \"وعظنا رسول الله ﷺ موعظة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون. فقلنا: يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا. قال: «أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد، وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة» (^٢).\nفوصية النبي ﷺ لأصحابه ولأمته من بعدهم هي أن يتمسكوا بما سنه من أحكام وتشريعات أشد التمسك وأن يحذروا الابتداع في الدين وحكم على تلك المحدثات بالضلال والانحراف عن الطريق الذي رسمه.\nوقد رسم النبي ﷺ في هذا الحديث ركيزتين أساسيتين في هذا الدين هما:\n١ - الاتباع.\n_________\n(^١) العرباض بن سارية السلمي أبو نجيح، صحابي مشهور من أهل الصفة، مات سنة خمس وسبعين للهجرة وقيل قبل ذلك. الإصابة (٢/ ٤٦٦).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٤/ ١٢٦، ١٢٧). وأخرجه أبو داود في سننه، كتاب السنة: باب في لزوم السنة (٥/ ١٣، ١٥) ح ٤٦٠٧، وأخرجه الترمذي في سننه، كتاب العلم: باب في الأخذ بالسنة واجتناب البدعة (٥/ ٤٤) ح ٢٦٧٦ وقال: هذا حديث حسن صحيح وابن ماجة في سننه، في المقدمة: باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين (١/ ١٦). وابن حبان في صحيحه (١/ ١٣٩) والحاكم في المستدرك (١/ ٩٦) وصححه ووافقه الذهبي، والآجري في الشريعة (٤٦، ٤٧)، والدارمي في سننه، باب اتباع السنة (١/ ٤٤، ٤٥) وقال الألباني: سنده صحيح، وصححه جماعة منهم الضياء المقدسي في اتباع السنن واجتناب البدع، انظر: مشكاة المصابيح (١/ ٥٨) ح ١٦٥.","vol":"1","page":70},{"text":"٢ - ترك الابتداع.\nولقد سار الصحابة رضوان الله عليهم على هذه الوصية النبوية وعملوا بها، فلم يحيدوا عن سنته ﷺ، بل عملوا بها ونقلوها للأمة المحمدية من بعدهم كما سمعوها منه ﷺ وكذلك فقد كانوا أشد الناس تمسكا بسنته، وأشدهم محاربة للابتداع، في الدين، وقد كان في هذا صلاحهم وفلاحهم ونجاتهم ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح أولها.\nومن المؤسف أن بعضًا من المسلمين في وقتنا الحاضر قد اختلت عندهم كلا الركيزتين فتركوا الاتباع والاقتداء بسنة النبي ﷺ حتى أصبحت السنة عندهم أمرا مستغربا مستنكرا لجهلهم بها وبعدهم عنها واستبدلوا بذلك البدع التي لا أصل لها ولا دليل عليها من كتاب الله وسنة نبيه ﷺ، فاتخذوها دينا يدينون به فانعكست بذلك الموازين لديهم فأصبحوا يرون الحق باطلا والباطل حقا، والمعروف منكرا والمنكر معروفا، وما ذلك إلا لكونهم لم يعرفوا من الإسلام إلا اسمه ولا من الدين إلا رسمه بسبب ما هم عليه من قلة العلم وعدم معرفتهم بالسنة.\nفأين هؤلاء من وصية المصطفى ﷺ بأن يتبعوا ولا يبتدعوا.\nوالبدعة تكون:\nإما باعتقاد خلاف الحق، الذي بعث الله به رسوله وأنزل به كتابه. وهذه هي البدعة الاعتقادية، أو القولية، ومنشؤها من القول على الله بلا علم. وهذا","vol":"1","page":71},{"text":"من أعظم المحرمات، بل هو-كما يقول ابن القيم-أعظمها. كما قال الله تعالى: ﴿قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾ [الأعراف: ٣٣].\nوإما أن تكون بالتعبد الله تعالى بما لم يشرعه من الأوضاع والرسوم المحدثة في الدين، كما قال تعالى: ﴿أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله﴾ [الشورى: ٢١]. وفي الحديث: \"إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة\".\nورد عن الإمام أحمد عدة نصوص في الحث على اتباع السنة ومنها قوله: \"أصول السنة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ والاقتداء بهم وترك البدع وكل بدعة فهي ضلالة، وترك الخصومات والجلوس مع أصحاب الأهواء، وترك المراء والجدال والخصومات في الدين.\nوالسنة عندنا آثار رسول الله ﷺ، والسنة تفسر القرآن وهي دلائل القرآن، وليس في السنة قياس، ولا تضرب لها الأمثال ولا تدرك بالعقول ولا الأهواء إنما هي الاتباع وترك الهوى\" (^١).\nوقال أيضا: \"الاتباع أن يتبع الرجل ما جاء عن النبي ﷺ وأصحابه ثم هو بعد مع التابعين مخير\" (^٢).\n_________\n(^١) السنة للالكائي (١/ ١٥٦).\n(^٢) إيقاظ همم أولي الأبصار (ص ١١٣).","vol":"1","page":72},{"text":"قال المصنف-رحمه الله تعالى-:\n\"فآمركم (^١) أن لا تؤثروا على القرآن شيئًا، فإنه كلام الله-﷿-وما تكلم الله به فليس بمخلوق، وما أخبر به عن القرون الماضية فغير مخلوق وما في اللوح المحفوظ [فغير مخلوق (^٢)]، وما في المصاحف وتلاوة الناس وكيفما قرئ وكيفما يوصف فهو كلام الله غير مخلوق (^٣) فمن قال: مخلوق فهو كافر بالله العظيم، ومن لم يكفره فهو كافر\".\n<hr><s0>\n\n\nيؤمنُ أهل السنة بأن<span data-type='title' id=toc-20> القرآن كلامُ الله ﷿، منه بدأ وإليه يعود،</span> وأن هذا كلام الله بحرفٍ وصوتٍ مسموعين وأن الله ﷾ أسمعه جبريل، وجبريل أبلغه محمد ﷺ، وأن الكلام هو كلام الله ﷿.\nوجاءَ أهلُ الباطل فأنكروا وقالوا إن كلامَ الله مخلوق، وجاءَ مَنْ قال إن القرآن حكاية عن كلامِ الله، أو عبارة عن كلامِ الله، وزعم مَنْ زعم أن الله تعالى لم يتكلم بهذا القرآن.\n_________\n(^١) في مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص: (٢٢٥) (وأمركم) ومختصر الحجة على تارك المحجة (٢/ ٣٦٨).\n(^٢) ما بين معكوفتين من كتاب مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص: (٢٢٥).\n(^٣) عبارة (وما في المصاحف وتلاوة الناس وكيفما قرئ وكيفما يوصف فهو كلام الله غير مخلوق)، ساقطة من كتاب مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص: (٢٢٥).","vol":"1","page":73},{"text":"ونصوصُ القرآن واضحة بأنه كلامه ﷾ (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللّهِ) [التوبة الآية: ٦] فهذا الكلام كلامه ﷾، منه بدأ، تكلم به حقيقةً، ونثبتُ صفة الكلام لله ﷿ كما أثبتها لنفسه وكما أثبتها له رسوله ﷺ، وأن الله ﷾ لكلامه صوت كما جاءَ في النصوص، وأنه بحرف وصوت مسموعين، وأنه ﷾ يتكلم بما شاء متى شاء كيف شاء ﷾، وأن القرآن كلامُ الله تعالى غيرُ مخلوق.\nفالقرآن كلام الله، ليس ككلام البشر، وقد توعَّد الله من وصَف القرآن بأنه ككلام البشر، توعَّده بالنار فقال تعالى: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ * سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر: ٢٥، ٢٦]، فإن كان كلام البشر مخلوقًا لهم، فكلام الله ليس مخلوقًا له، إنما هو صفةٌ من صفاته سبحانه.\nوقد تولى كِبْر مسألة القول بخلق القرآن: الجهميةُ والمعتزلة النفاة للصفات.\nوادعاء القول بأن القرآن مخلوق، هو جرم عظيم وذنب كبير، لسببين:\nالأول: أن هذا الادِّعاءَ قولٌ على الله بغير علم، وجعل الله القولَ عليه بغير علم فوق الشرك؛ قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣].","vol":"1","page":74},{"text":"فجعل القول على الله بلا علم فوق الشرك.\nالثاني: أنه كذب على الله؛ قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ [الزمر: ٦٠]؛ فهو متوعَّدٌ بأن يسودَّ وجهُه يوم القيامة، نعوذ بالله.\nومعنى افتراء الجهمية والمعتزلة هذا: أن الله لم يكن قبل ذلك متكلمًا، ثم تكلم، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا.\nومذهب أئمَّة الحديث والسنَّة: أن الله تعالى لم يَزل متكلِّمًا، إذا شاء، ومتى شاء، وكيف شاء، وهو يتكلَّمُ بصوت يُسمَع، وأن نوع الكلام قديم، وإن لم يكن الصوت المعين قديمًا.\nوقد أثبت الله الكلام لنفسه، خلافًا لما يعتقده الضالون، فقال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، وكذلك أثبته لنفسه في الآخرة بعد دخول أهل الجنة؛ فعن جابر ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «بَيْنا أهلُ الجنة في نعيم إذ سطَع لهم نور، فرفعوا أبصارهم، فإذا الربُّ ﷻ قد أشرَف عليهم من فوقهم، فقال: السلام عليكم يا أهل الجنة …»؛ الحديثَ (^١).\nوبوَّب البخاري في «صحيحه» على ذلك فقال: «باب كلام الرب ﵎ مع\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (١٨٤)، وابن أبي الدنيا في «صفة الجنة» (٩٨) باختلاف يسير، والبزار كما في «مجمع الزوائد» للهيثمي (٧/ ١٠١) واللفظ له.","vol":"1","page":75},{"text":"أهل الجنة» (^١)، وقال لأهل النار: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨].\nوهذه مسألة من كبريات مسائلِ باب الصفات؛ فأكبرُ مسألتين في باب الأسماء والصفات ركَّز عليها أعداءُ الإسلام تركيزًا شديدًا\n• مسألةُ العلو.\n• ومسألةُ الكلام.\nلأنهم إذا أبطلوا كونَ القرآن كلام الله أبطلوا حقيقةَ الوحي، وإذا أبطلوا علوَّ الله تعالى أبطلوا وجوده، فهذه غايتهم وهدفهم الذي يريدون أن يصلوا إليه.\nلأن أعظم ركيزتين لدى الفلاسفة هما:\n١. أن العلمَ مصدره الإنسان.\nوغي هذا تكذيب للوحي.\n٢. وأن المعلومات والعلوم محصورةٌ في المحسوس المشاهَد.\nوفي هذا إنكار للغيب وأعظم الغيب هو الله.\nفلذلك وقفوا وقفةً خبيثة، وهجموا هجمةً شرسة ضد هاتين الصفتين، فإذا كنا نقول إنهم يزعمون أن العلوم مصدرها الإنسان، ونحن نقول إن العلم الشرعي مصدره الوحي فلمَّا هؤلاء يلغونَ أن الله تكلم حقيقة، ويشكَّكُّون في أن هناك وحي وقالوا: هذه عبارة محمد؛ أو عبارة جبريل، وأن الله ما تكلم\n_________\n(^١) «صحيح البخاري» (٩/ ١٥١).","vol":"1","page":76},{"text":"حقيقة.\nلأنهم إذا أسقطوا الوحي وقطعوا عليك طريق الوحي فسيتساوى قولُ محمد مع قولِ أي بشرٍ من الناس.\nفتسلَّط أعداءُ الله على باب الصفات من أجلِ أن يشكِّكُّوا في كلامِ الله وأن يشكِّكُّوا في وجودِ الله وذلك بإنكارهم بأن يكون القرآن كلامُ الله حقيقة، وإنكارهم لعلو الله ﷿.\nفوقفَ أهلُ السنَّة موقفًا عظيمًا صلبًا حتى إنه كما هو معلوم في زمن فتنةَ القولِ بخلقِ القرآن، فقام المأمون وهو كان من المعتزلة ويتبنَّى قول المعتزلة، فعذَّب مَنْ عذَّب من العلماء وفصَلَهم عن وظائفهم وسجنهم وقام بتعذيبهم لأجلِ أن يرفعَ هذا الشعار؛ أن القرآنَ مخلوق وأنه ليس كلامُ الله حقيقة.\nصفة الكلام تأتي-من حيث الأهمية-بعد صفة العُلو لله ﷾؛ لذلك اهتم بها أئمة السلف، وأكدوا على ثُبوتها لله تعالى حقيقة، وأوردوا في ذلك أدلة كثيرة، ودفعوا شبهات المعطلة من الجهمية والمعتزلة ومَن دَار في فَلَكهم القائلين بأنَّ الله خلق القرآن في غيره، وردوا كذلك على الكلَّابية الذين قالوا: القرآن حكاية عن كلام الله، وردوا-أيضًا-على الأشاعرة الذين قالوا: القرآن عبارة عن كلام الله.\nفالمعطلة أرادوا بقولهم هذا: إسقاط قيمة الوحي؛ ليصبح لدى الناس خلل في اتباع الوحي، فأهل السنة يؤمنون بأن أول مصدر للتشريع هو وحي الله تعالى إلى رسوله ﷺ، أي: كلامه بحروفه ومعانيه، وأن الله تعالى قاله بحرف وصوت.","vol":"1","page":77},{"text":"ومن أركان الإيمان السِّتة: الإيمانُ بالكُتُبِ التي أنزلها اللهُ، كما دلَّ على ذلك قولُه ﷾: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١٣٦]، وكذلك جاء في حديث جبريل ﵇، وفيه: «الإيمان، قال: «أن تُؤمن باللهِ، ومَلائكتِه، وكُتُبِه، ورُسُلِه، واليومِ الآخِر، وتُؤمن بالقَدَرِ؛ خَيْرِه وشَرِّه» (^١).\nومن الإيمانِ بالكتب: الإيمانُ بِأَنَّ القرآنَ كلامُ اللهِ.\nوالقرآنُ في الأصل: مصدر قرأ قراءة وقرآنًا؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾، أي: قراءته، فهو مَصدر على وزن فُعلان-بالضم-كالغُفران والشُّكران (^٢).\nوفي الاصطلاح هو: «كلام الله المُنَزَّل على خاتم الأنبياء والمرسلين محمد ﷺ، المُعجز بلفظه ومعناه، المكتوب في المصاحف، المَنقول إلينا بالتواتر، المُتعبد بتلاوته، المَبدوء بسورة الفاتحة، المُختتم بسورة الناس» (^٣).\nوالقرآنُ كلامُ الله، وهو صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ ﷿؛ قال تَعَالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٠) من حديث أبي هريرة ﵁، ومسلم (٨) من حديث ابن عمر ﵄.\n(^٢) انظر: «لسان العرب» (١/ ١٢٩)، و«مناهل العرفان» للزرقاني (١/ ٧).\n(^٣) انظر: «مناهل العرفان» (١/ ١٠ - ١٣)، و«مباحث في علوم القرآن» لمناع القطان (ص ٢٠ - ٢١)، ط ٥، مؤسسة الرسالة، بيروت.","vol":"1","page":78},{"text":"الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦]، وروي عن جَابِر بن عبد الله ﵄ أنه قَالَ: «كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يَعْرِضُ نَفسَهُ فِي المَوْسِمِ؛ فَيَقُولُ: «أَلَا رَجُلٍ يَحْمِلُنِي إلَى قَوْمِهِ؛ لِأُبَلِّغَ كَلَامَ رَبِّي» (^١).\nوَالذِي عَلَيهِ إِجماعُ السَّلفِ الصَّالحِ مِنَ الصَّحابةِ ﵃ وَالتَّابعِينَ لَهم بِإحسَانٍ: أَنَّ القرانَ كلامُ اللهِ غَيرُ مَخلوقٍ؛ حُرُوفه وَمَعَانِيه، مُنَزَّلٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ؛ نَزَلَ بِهِ جِبريلُ ﵇ إِلَى نَبِيِّنَا ﷺ.\nوقالَ شيخُ الإسلامِ ابن تيمية ﵀: «وَمَذْهَبُ سَلَفِ الأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا وَخَلَفِهَا: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَمِعَ القُرْآنَ مِنْ جِبْرِيلَ، وَجِبْرِيلُ سَمِعَهُ مِنْ اللَّهِ ﷿» (^٢).\nثم قال: «الآثار مُتواترة عنهم-أي: عن الصحابة والتابعين-بأنهم كانوا يقولون: القرآن كلام الله، ولمَّا ظهر مَنْ قال: إنه مخلوق، قالوا ردًّا لكلامه: إنه غير مخلوق، ولم يريدوا بذلك أنه مُفترى، كما ظنه بعض الناس؛ فإن أحدًا من المسلمين لم يَقل: إنه مفترى، بل هذا كفر ظاهر يَعلمه كل مسلم، وإنَّما قالوا: إنه مخلوق خلقه الله في غيره، فرَدَّ السلف هذا القول، كما تواترت الآثار عنهم\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٤٧٣٤)، والترمذي (٢٩٢٥)، وابن ماجه (٢٠١)، والحاكم (٢/ ٦٦٩) وصححه، من حديث أبي هريرة ﵁، وقال في «المجمع» (٦/ ٣٥): «رجاله ثقات».\n(^٢) «مجموع الفتاوى» (٥/ ٢٣٣).","vol":"1","page":79},{"text":"بذلك، وصنفوا في ذلك مصنفات متعددة، وقالوا: «منه بدأ وإليه يعود».\nوأوَّل مَنْ عُرف أنه قال: مخلوق-الجعد بن درهم وصاحبه الجهم بن صفوان.\nوأول مَنْ عُرف أنه قال: هو قديم عبد الله بن سعيد بن كلاب، ثم افترق الذين شاركوه في هذا القول؛ فمنهم مَنْ قال: الكلام معنى واحد قائم بذات الرَّبِّ، ومعنى القرآن كله والتوراة والإنجيل وسائر كتب الله وكلامه هو ذلك المعنى الواحد الذي لا يَتعدد ولا يتبعض، والقرآن العربي لم يتكلم الله به، بل هو مخلوق خلقه في غيره.\nوقال جمهور العقلاء: هذا القول معلوم الفساد بالاضطرار؛ فإنَّه مِنْ المعلوم بصريح العقل أن معنى (آية الكرسي) ليس معنى (آية الدَّيْن)، ولا معنى ﴿قل هو الله أحد﴾ معنى ﴿تبت يدا أبي لهب وتب﴾؛ فكيف بمعاني كلام الله كله في الكتب المنزلة وخطابه لملائكته وحسابه لعباده يوم القيامة وغير ذلك من كلامه؟!\nومنهم مَنْ قال: هو حروف، أو حروف وأصوات قديمة أزلية لازمة لذاته لم يَزل ولا يزال موصوفًا بها.\nوكلا الحزبين يقول: إن الله تعالى لا يتكلم بمشيئته وقدرته، وإنه لم يزل ولا يزال يقول: يا نوح، يا إبراهيم، يا أيها المزمل، يا أيها المدثر، ولم يقل أحد من السلف بواحد من القولين، ولم يقل أحدٌ من السلف: إنَّ هذا القرآن عبارة","vol":"1","page":80},{"text":"عن كلام الله، ولا حكاية له، ولا قال أحد منهم: إن لفظي بالقرآن قديم أو غير مخلوق، فضلًا عن أن يقول: إن صوتي به قديم أو غير مخلوق؛ بل كانوا يقولون بما دلَّ عليه الكتاب والسنة من أن هذا القرآن كلام الله، والناس يَقرءونه بأصواتهم، ويكتبونه بمدادهم، وما بين اللوحين كلام الله، وكلام الله غير مَخلوق» (^١).\nوأما المعتزلة والجهمية فقالوا: القرآن كلام الله مخلوق؛ فهم أضافوا الكلام إلى الله من باب إضافة الوصف على حد قولهم: (ناقة الله).\nومن المتفلسفة مَنْ يزعم أن المعاني والحروف تأليفه؛ لكنها فاضت عليه كما يفيض العلم على غيره من العلماء.\nوقال شيخُ الإسلام: «وَاَلَّذِي اتَّفَقَ عَلَيْهِ السَّلَفُ وَالأَئِمَّةُ: أَنَّ القُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ مُنَزَّلٌ غَيْرُ مَخْلُوقٍ مِنْهُ بَدَأَ وَإِلَيْهِ يَعُودُ، وَإِنَّمَا قَالَ السَّلَفُ: «مِنْهُ بَدَأَ» لِأَنَّ الجَهْمِيَّة-مِنْ المُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ-كَانُوا يَقُولُونَ: إنَّهُ خَلَقَ الكَلَامَ فِي المَحَلِّ. فَقَالَ السَّلَفُ: «مِنْهُ بَدَأَ». أَيْ: هُوَ المُتَكَلِّمُ بِهِ؛ فَمِنْهُ بَدَأَ، لَا مِنْ بَعْضِ المَخْلُوقَاتِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الزمر: ١]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ [السجدة: ١٣]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾ [سبأ: ٦]، وقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل: ١٠٢].\n_________\n(^١) «مجموع الفتاوى» (١٢/ ٣٠١، ٣٠٢).","vol":"1","page":81},{"text":"وَمَعْنَى قَوْلِهِمْ: «إلَيْهِ يَعُودُ»: أَنَّهُ يُرْفَعُ مِنْ الصُّدُورِ وَالمَصَاحِفِ؛ فَلَا يَبْقَى فِي الصُّدُورِ مِنْهُ آيَةٌ وَلَا مِنْهُ حَرْفٌ، كَمَا جَاءَ فِي عِدَّةِ آثارٍ» (^١).\nوأمَّا قوله ﵀: «وَأَنَّ هَذَا القُرْآنَ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ هُوَ كَلَامُ اللَّهِ حَقِيقَةً، لَا كَلَام غَيْرِهِ» فيريدُ به شيخُ الإسلامِ: أنَّ اللهَ تكلَّمَ بالقرآنِ حقيقةً، وَأَنَّهُ لَيسَ بِكَلَامِ جبريل، وَلَا كلامِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ.\nوفي قوله ﵀: «وَلَا يَجُوزُ إطْلَاقُ القَوْلِ بِأَنَّهُ حِكَايَةٌ عَنْ كَلَامِ اللَّهِ أَوْ عِبَارَةٌ» يُشير به إِلَى الكُلَّابيَّة الذينَ قالوا: إِنَّهُ حكايةٌ، وَإِلَى الأشاعرةِ الذينَ قالوا: إِنَّهُ عبارةٌ، فالكُلَّابيَّة والأشاعرةُ متفقونَ عَلَى أنَّ هَذَا القرآنَ الذي بَينَ أيدينَا ليسَ كلامَ اللهِ، بَلْ هُوَ إِمَّا حِكَاية أَوْ عبارَة؛ فَالأشاعرةُ يقولونَ: إِنَّ اللهَ عَبَّرَ عن كلامِهِ النفسِيِّ بحروفٍ وَأصواتٍ مخلوقةٍ.\nوالكُلَابيَّة يقولونَ: إنَّ القرآنَ معنى قائم بذاتِ اللهِ، وأنَّهُ لا يُسْمَعُ عَلَى الحقيقةِ، والحروفُ والأصواتُ حكايةٌ لَهُ ودالَّةٌ عَلَيهِ، كَمَا يَحْكِي الصَّدَى كلامَ المتكلِّمِ.\nوقوله ﵀: «بَلْ إذَا قَرَأَهُ النَّاسُ أَوْ كَتَبُوهُ فِي المَصَاحِفِ لَمْ يَخْرُجْ بِذَلِكَ عَنْ أَنْ يَكُونَ كَلَامَ اللَّهِ حَقِيقَةً؛ فَإِنَّ الكَلَامَ إنَّمَا يُضَافُ حَقِيقَةً إلَى مَنْ قَالَهُ مُبْتَدِئًا، لَا إِلَى مَنْ قَالَهُ مُبَلِّغًا مُؤَدِّيًا» - يريدُ به شيخُ الإسلامِ ﵀: أنَّ القرآنَ-وإن حُفِظَ في الصُّدورِ، أو تُلِي\n_________\n(^١) «مجموع الفتاوى» (٦/ ٥٢٨، ٥٢٩).","vol":"1","page":82},{"text":"بالألسنِ، أو كُتِبَ في المَصاحفِ، أو سُمِعَ بالآذانِ-فإنَّ ذلكَ لا يُخرجُهُ عن كونِهِ كلام اللهِ وإن بلغهُ الرسولُ المَلَكِي جبريلُ للرَّسولِ البشريِّ محمَّدٍ ﷺ، وبلغَهُ نبينا محمَّد ﷺ لأُمَّتِهِ، فإنَّ الكلامَ إنَّما يُضَافُ حقيقةً إلى مَنْ قالَهُ مُبتدئًا، لا إِلَى مَنْ قالَهُ مُبَلِّغًا مُؤَدِّيًا.\nقال العلَّامةُ ابنُ عُثَيمين ﵀: «قوله: «هو كلامُ الله؛ حُرُوفه ومَعانيه» -هذا مذهبُ أهلِ السُّنَّة والجَمَاعَة. قالوا: إنَّ اللهَ-تَعَالَى-تَكَلَّمَ بالقرآنِ بِحُرُوفِهِ وَمَعانِيهِ.\nوقوله: «ليس كلامُ الله الحُرُوفُ دون المعاني». وهذا مذهبُ المعتزلَةِ وَالجهميَّةِ؛ لِأَنَّهُم يقولونَ: إِنَّ الكلامَ ليسَ معنًى يقومُ بذاتِ اللهِ، بل هُوَ شيءٌ مِنْ مَخلوقَاتِهِ؛ كَالسماءِ والأرضِ والناقةِ والبيتِ، وما أشبهَ ذلكَ؛ فليسَ معنًى قائمًا فِي نفسِهِ، فكلامُ اللهِ حروفٌ خَلَقهَا اللهُ ﷿، وَسَمَّاها كلامًا، كَمَا خَلَقَ الناقةَ، وسمَّاهَا ناقة اللهِ، وَكَمَا خَلَق البيتَ، وَسَمَّاه بَيت اللهِ.\nوَلِهَذَا كانَ الكلامُ عندَ الجهميَّةِ والمعتزِلَةِ هُوَ الحروفُ؛ لِأَنَّ كلامَ اللهِ عندَهُم عبارةٌ عَنْ حروفٍ وأصواتٍ خَلَقَهَا اللهُ ﷿، وَنَسَبَهَا إِلَيهِ تَشريفًا وَتَعظِيمًا.\nقوله: «ولا المَعاني دون الحُرُوف»:\nوَهَذَا مَذهَبُ الكُلَابيَّةِ وَالأشعَرِيَّةِ؛ فَكَلامُ اللهِ عِنْدَهُمْ مَعنًى فِي نَفسِهِ، ثُمَّ خَلَقَ أَصوَاتًا وَحُرُوفًا تَدُلُّ عَلَى هَذَا المَعنَى؛ إِمَّا عِبَارة أَوْ حِكَايَة.\nواعلم أنَّ ابنَ القيِّمِ ﵀ ذَكرَ أَنَّنَا إِذَا أَنكَرنَا أَنَّ اللهَ يتكلَّمُ فَقَد أَبطَلنَا الشَّرعَ والقَدَر.","vol":"1","page":83},{"text":"أَمَّا الشرعُ؛ فَلِأَنَّ الرِّسالاتِ إِنَّمَا جَاءَت بِالوَحي، وَالوَحي كَلامٌ مُبَلَّغٌ إِلَى المُرْسَلِ إِلَيهِ، فَإِذَا نَفَينَا الكلامَ انتفَى الوحيُ، وإذا انتَفَى الوَحيُ انتَفَى الشرعُ.","vol":"1","page":84},{"text":"قال المصنف-رحمه الله تعالى-:\n\"ثم من بعد كتاب الله سنة النبي-ﷺ-والحديث عنه، وعن المهديين أصحاب النبي-ﷺ والتابعين من بعدهم] (^١)، والتصديق بما جاءت به الرسل، واتباع [السنة نجاة (^٢)] وهي التي نقلها أهل العلم كابرًا عن كابر\".\n<hr><s0>\n\nبعد بين المصنف المصدر الأول من مصادر التشريع الذي هو القرآن الكريم ذكر هنا المصدر الثاني من مصادر التشريع ألا وهو سنة النبي ﷺ، فلم يمت النبي ﷺ إلا وقد علم الأمة كل ما تحتاج إليه من أمر دينها، فقد بين ووضح حتى أنه في حجة الوداع أشهد الناس فقال: «اللَّهُمَّ إِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ» (^٣)، فقالوا: بلى، فكان النبي ﷺ يرفع أصبعه السبابة إلى السماء فيقول: اللهم اشهد اللهم اشهد اللهم اشهد ثلاثًا» فقد بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة فيقول: وقال ﷺ: «تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ» (^٤)،\n_________\n(^١) ما بين معكوفتين موجودة في كتاب مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص (٢٢٥).\n(^٢) مابين المعكوفتين مأخوذ من ومختصر الحجة على تارك المحجة (٢/ ٣٦٩) وفي الطبقات (سنة النجاة).\n(^٣) انظر صحيح البخاري كِتَابُ المَغَازِي، بَابُ حَجَّةِ الوَدَاعِ، برقم (٤٤٠٦)، ومسلم كِتَابُ الْقَسَامَةِ وَالْمُحَارِبِينَ وَالْقِصَاصِ وَالدِّيَاتِ، بَابُ تَغْلِيظِ تَحْرِيمِ الدِّمَاءِ وَالْأَعْرَاضِ وَالْأَمْوَالِ (١٦٧٩)، والإمام أحمد في المسند أَوَّلُ مُسْنَدِ الْبَصْرِيِّينَ (٢٠٣٨٦)، والدارمي (١٩٥٧).\n(^٤) تقدم تخريجه، انظر صفحة رقم (٧).","vol":"1","page":85},{"text":"ويقول: «إنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبيٌّ قَبْلِي إِلاَّ كَانَ حَقًّا عَلَيْهِ»، أي واجبًا عليه «أَنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلَى خَيْرِ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ وَيُنْذِرَهُمْ شَرَّ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ» (^١).\nهذا كلامه ﷺ، أخبر أنه قد بين ووضح وبلغ، فهل يُعقل أنه ترك هذا الباب ولم يوضح ما يجب فيه ولم يبين ما يجب اعتقاده فيه؟ هذا محال، وأصحابه ﷺ شهدوا بأن النبي ﷺ قد علمهم وبلغهم وأفهمهم أمور دينهم حتى يقول أبو ذر: \"لَقَدْ تَرَكَنَا مُحَمَّدٌ ﷺ، وَمَا يُحَرِّكُ طَائِرٌ جَنَاحَيْهِ فِي السَّمَاءِ إِلَّا أَذْكَرَنَا مِنْهُ عِلْمًا \" (^٢) بمعنى أن النبي ﷺ كان يبين لهم كل شيء.\nوقال عمر: \"قَامَ فينا رسولُ اللَّهِ ﷺ-مَقَاما، فَأخبَرَنَا عنْ بَدءِ الخَلقِ حتى دَخَلَ أهلُ الجنةِ مَنَازِلَهُم، وأهلُ النَّارِ منازِلَهم \" (^٣) أي تحدث من بدء الخليقة إلى دخول الناس إلى الجنة وإلى النار. \"حَفِظَ ذَلِكَ مَنْ حَفِظَهُ، وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ\".\nويقول الإمام أبو عبد الله محمد بن أبي زمنين \"ت: ٣٩٩ هـ\": \"اعلم رحمك الله أن السنة دليل القرآن، وأنها لا تدرك بالقياس، ولا تؤخذ بالعقول، وإنما\n_________\n(^١) انظر صحيح مسلم كِتَابُ الْإِمَارَةِ، بَابُ الْأَمْرِ بالْوَفَاءِ بِبَيْعَةِ الْخُلَفَاءِ، الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ، برقم (١٨٤٤)، وابن ماجه (٣٩٥٦)، والنسائي (٤١٩١)، والإمام أحمد في المسند مُسْنَدُ الْمُكْثِرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ (٦٧٩٣).\n(^٢) انظر مسند الإمام أحمد مُسْنَدُ الْأَنْصَارِ برقم (٢١٣٦١)، قال الشيخ شعيب الأرنؤوط في حاشية المسند الجزء (٣٥) صفحة (٢٩٠): حديث حسن.\n(^٣) انظر صحيح البخاري كِتَابُ بَدْءِ الخَلْقِ، بَابُ مَا جَاءَ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧]، برقم (٣١٩٢).","vol":"1","page":86},{"text":"هي في الاتباع للأئمة، ولما مشى عليه جمهور هذه الأمة\" (^١)\nويقول الإمام أبو نصر السجزي \"ت ٤٤٤ هـ\": \"ولا خلاف بين العقلاء في أن سنة رسول الله ﷺ لا تعلم بالعقل، وإنما تعلم بالنقل\" (^٢).\nوقال: \" … فكل مدع للسنة يجب أن يطالب بالنقل الصحيح بما يقوله فإن أتى بذلك علم صدقه، وقبل قوله، وإن لم يتمكن من نقل ما يقوله عن السلف، علم أنه محدث زائغ\" (^٣).\nوقال أبو المظفر السمعاني \"٤٨٩ هـ\": \" … فلابد من تعرف ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه، وليس طريق معرفتنا إلا النقل، فيجب الرجوع إلى ذلك … \" (^٤).\nوأجمع سلف الأمة وأئمتها على وجوب الأخذ بسنة المصطفى ﷺ والتمسك بها في كل الجوانب واتباع ما جاء به ﷺ اعتقادا وقولا وعملا. والتحذير من مخالفة السنة والابتداع فيها وتقديم الهوى والرأي عليها.\nفقد بعث الله ﵎ رسوله ﷺ بالرسالة الجامعة الخاتمة ألا وهي رسالة الإسلام التي ارتضاها ﷿ لتكون دينا ومنهاجا، يسير عليه الجن\n_________\n(^١) أصول السنة (١/ ٢٠).\n(^٢) الرد على من أنكر الحرف والصوت (ص ٩٩).\n(^٣) الرد على من أنكر الحرف والصوت (ص ١١).\n(^٤) الانتصار لأهل الحديث (ص ١٦٥).","vol":"1","page":87},{"text":"والإنس في حياتهم الدنيا حتى يتم لهم صلاح معاشهم الذي هم فيه، ومعادهم الذي سيصيرون إليه.\nولقد شاء ﵎ أن يجعل لهذه الرسالة مصدرين للتلقي هما:\n١ - القرآن الكريم، ٢ - السنة النبوية.\nفالقرآن الكريم هو المصدر التشريعي الأول في الإسلام وهو كلام الله المنزل على رسوله ﷺ بواسطة جبريل ﵇.\nوالسنة هي المصدر الثاني لأنها مبينة لأحكامه موضحة لإبهامه ومخصصة لعمومه ومقيدة لإطلاقه وشارحة لأحكامه وأهدافه.\nقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (^١).\nوقال تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (^٢).\nفالرسول ﷺ كما خص بالوحي المتلو وهو القرآن الكريم كذلك خص بالوحي غير المتلو وهو السنة التي لا مندوحة عن اتباعها.\nقال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾. وقال ﷺ: \"ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه\" (^٣).\n_________\n(^١) الآية (٤٤) من سورة النحل.\n(^٢) الآية (٦٤) من سورة النحل.\n(^٣) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب السنة: باب في لزوم السنة (٥/ ١٠) ح ٤٦٠٤ وأخرجه الإمام أحمد في المسند (٢/ ٢٤٣).","vol":"1","page":88},{"text":"وبناء على ذلك فإن القرآن والسنة هما المنهلان العظيمان اللذان تستقي منهما الأمة المسلمة عقيدتها وشريعتها وكل ما فيه صلاح شؤونها في دنياها وآخرتها وهما المنهاج والنبراس الذي سار عليه السلف من الصحابة والتابعين ومن جاء بعدهم، في طاعتهم واتباعهم للنبي ﷺ، وذلك لاعتقادهم أن النبي ﷺ قد جاء بهذين الأصلين وحيا من عند الله ﷿، كما أنه أمر باتباعهما والأخذ بما فيهما اعتقادا وقولا وعملا. قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾، فهم من هذا المنطلق التزموا وتمسكوا بالقرآن والسنة وتلقوهما بالقبول والتسليم والإيمان والتعظيم فأحلوا حلالهما وحرموا حرامهما واتخذوا منهما منهجا لجميع شؤونهم وأحوالهم يرجعون إليه امتثالا لنداء الله حيث قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾.\nقال ابن القيم: \"إن الناس أجمعوا أن الرد إلى الله سبحانه هو الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول ﷺ هو الرد إليه نفسه في حياته وإلى سنته بعد وفاته\" (^١).\nومن هذين الأصلين-الكتاب والسنة-استقى السلف المسلك القويم والمنهج السليم الذي ساروا عليه في طاعتهم واتباعهم لرسولهم ونبيهم محمد ﷺ\n_________\n(^١) إعلام الموقعين (١/ ٤٩، ٥٥).","vol":"1","page":89},{"text":"وهذا المنهج يمكن تلخيصه في النقاط الرئيسية التالية:\nأولا: اتباع القرآن الكريم:\nفالقرآن الكريم هو كلام الله المنزل على نبيه محمد ﷺ وحيا بواسطة جبريل ﵇، والذي تولى الله ﷾ حفظه بقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (^١).\nكما جعله نظاما ومنهجا يهتدي به عباده المؤمنون كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ (^٢).\nولقد اعتنى السلف بكتاب الله ﷿ فحفظوه في صدورهم ومصاحفهم وصاروا يتلونه آناء الليل وأطراف النهار، وينفذون أحكامه وشرائعه جيلا بعد جيل في جميع جوانب حياتهم الفردية، والاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية، وغيرها من الأمور الدنيوية والأخروية.\nكما تفرغ عبر القرون ثلة من خيارهم لدراسته وتفسيره واستنباط أحكامه ومعرفة ناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، والاعتبار بدعوته وقصصه، ووعظه وإرشاداته وأمثاله.\nوهذا الموقف من السلف الصالح يمثل مظهرا من مظاهر التأسي والاقتداء بما كان عليه النبي ﷺ، كما يعد تطبيقا عمليا لما أوصى به ﵊ أمته حيث قال: \"تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله … \" (^٣)\n_________\n(^١) الآية (٩) من سورة الحجر.\n(^٢) الآية (٢) من سورة البقرة.\n(^٣) تفدم تخريجه ص ١٢٠","vol":"1","page":90},{"text":"ثانيا: اتباع سنته ﷺ والعمل بها:\nفلقد أوجب الله على العباد طاعة رسوله ﷺ واتباعه ولقد عمل السلف بما أوجبه الله تعالى فأخذوا بسنة نبيهم ﷺ وعملوا بها أمرا ونهيا وخبرا، فكانت أقواله وأفعاله وتقريراته هي المصدر الثاني بعد كتاب الله ﷿ الذي تستقي منه الأمة أحكامها وتشريعاتها في شتى شؤون حياتها. ويعتقد السلف أن للسنة استقلاليتها في تشريع الأحكام وهي كالقرآن في تحليل الحلال وتحريم الحرام، فالأحكام التي سكت القرآن عن بيان حكمها وورد في السنة بيانها، فإن السلف يعملون بهذه الأحكام ويأخذون بها، ولا يرون أن هناك تعارضا البتة بين الأصلين.\nكما يعتقد السلف أن علاقة السنة بالمصدر الأول الذي هو القرآن تسير وفق الأوجه الثلاثة التالية:\n١ - أن تكون السنة موافقة للقرآن من كل وجه، فيكون توارد القرآن والسنة على الحكم الواحد من باب توارد الأدلة وتضافرها وذلك مثل الأحاديث التي تفيد وجوب الصلاة والزكاة والحج والصوم من غير تعرض لشرائطها وأركانها.\n٢ - أن تكون بيانا لما أريد بالقرآن وتفسيرا له، وذلك مثل الأحاديث التي فصلت أحكام وهيئات الصلاة والصيام والحج والبيوع والمعاملات التي وردت مجملة في القرآن، وهذا القسم هو أغلب ما في السنة وأكثرها ورودا.\n٣ - أن تكون موجبة لحكم سكت القرآن على إيجابه، أو محرمة لما سكت عن تحريمه، كالأحاديث التي أثبتت حرمة الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها،","vol":"1","page":91},{"text":"وأحكام الشفعة وغير ذلك.\nفالسنة الصحيحة لا تخرج عن هذه الضوابط، كما أنها لا تعارض القرآن بوجه ما، فما كان منها زائدا على القرآن فهو تشريع مبتدأ من النبي ﷺ تجب طاعته فيه ولا تحل معصيته، وليس هذا تقديما لها على كتاب الله، بل امتثال لما أمر الله به من طاعة رسوله التي أمر الله بها على جهة الاستقلال فقال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ وقال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ فهذه الطاعة المأمورون بها هي طاعة مختصة به ﷺ (^١)، ويجب علينا العمل بها.\nفالسلف يؤمنون \"بأن الله سبحانه نصَّب رسول الله ﷺ منصب المبلغ المبين عنه، فكل ما شرعه للأمة فهو بيان منه عن الله أن هذا شرعه ودينه، ولا فرق بين ما يبلغه عنه من كلامه المتلو ومن وحيه الذي هو نظير كلامه في وجوب الاتباع، ومخالفة هذا كمخالفة هذا.\nفعلى سبيل المثال فإن الله أمرنا بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان، ثم جاء البيان عن رسوله ﷺ بمقادير ذلك وصفاته وشروطه، فوجب على الأمة قبوله، إذ هو تفصيل لما أمر الله به، كما يجب علينا قبول الأصل المفصل، وهكذا أمر الله سبحانه بطاعته وطاعة رسوله، فإذا أمر\n_________\n(^١) إعلام الموقعين (٢/ ٣٠٧، ٣٠٨).","vol":"1","page":92},{"text":"الرسول بأمر، كان تفصيلا وبيانا للطاعة المأمور بها، وكان فرض قبوله كفرض قبول الأصل المفصل، ولا فرق بينهما، و<span data-type='title' id=toc-24>البيان من النبي ﷺ على أقسام:</span>\nأحدها: بيان نفس الوحي بظهوره على لسانه بعد أن كان خفيا.\nالثاني: بيان معناه وتفسيره لمن احتاج إلى ذلك كما بين أن الظلم المذكور في قوله ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ (^١) هو الشرك وأن الحساب اليسير هو العرض وأن الخيط الأبيض والأسود هما بياض الليل وسواد النهار.\nالثالث: بيانه بالفعل كما بين أوقات الصلاة للسائل بفعله.\nالرابع: بيان ما سئل عنه من الأحكام التي ليست في القرآن فنزل القرآن ببيانها، كما سئل عن قذف الزوجة فجاء القرآن باللعان ونظائره.\nالخامس: بيان ما سئل عنه بالوحي وإن لم يكن قرآنا، كما سئل عن رجل أحرم في جبة بعدما تضمخ بالخلوق فجاء الوحي بأن ينزع عنه الجبة ويغسل أثر الخلوق.\nالسادس: بيانه للأحكام بالسنة ابتداءً من غير سؤال، كما حرم عليهم لحوم الحمر، والمتعة، وصيد المدينة، ونكاح المرأة على عمتها وخالتها وأمثال ذلك.\nالسابع: بيانه للأمة جواز الشيء بفعله هو له، وعدم نهيهم عن التأسي به.\nالثامن: بيان جواز الشيء بإقراره لهم على فعله وهو يشاهده، أو يعلمهم يفعلونه.\n_________\n(^١) الآية (٨٢) من سورة الأنعام.","vol":"1","page":93},{"text":"التاسع: بيانه إباحة الشيء عفوا بالسكوت عن تحريمه وإن لم يأذن فيه نطقا.\nالعاشر: أن يحكم القرآن بإيجاب شيء أو تحريمه أو إباحته ويكون لذلك الحكم شروط وموانع وقيود وأوقات مخصوصة وأحوال وأوصاف، فيحيل الرب ﷾ على رسوله في بيانها كقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ (^١) فالحل موقوف على شروط النكاح وانتفاء موانعه وحضور وقته وأهلية المحل\" (^٢).\nومن هذا المفهوم والتصور الواضح لأهمية السنة ومكانتها ودورها في التشريع انطلقت أفعال السلف مترجمة لهذا التصور فكان من تلك الأفعال أن اعتنى السلف بالسنة فتضافرت جهود العلماء من لدن الصحابة والتابعين على حفظ السنة والعناية بها وصيانتها فحظيت منذ ذلك الحين بسياج من الحماية منقطع النظير، وقد اتبع الصحابة في ذلك كل سبيل يحفظ للسنة نورها وصفاءها، وكان من ذلك التحري والتثبت في روايتها خشية الوقوع في الخطأ وخوفا من أن يتسرب إليها التصحيف والتحريف، بل إن بعضهم فضل الإقلال من الرواية. قال ابن قتيبة: \"كان عمر شديد الإنكار على من أكثر الرواية أو أتى بخبر الحكم لا شاهد له عليه، وكان يأمرهم بأن يقلوا من الرواية يريد بذلك أن لا\n_________\n(^١) الآية (٢٤) من سورة النساء.\n(^٢) أعلام الموقعين (٢/ ٣١٤، ٣١٥).","vol":"1","page":94},{"text":"يتسمع الناس فيها ويدخلها الشوب ويقع التدليس والكذب من المنافق والفاجر والأعرابي. وكان كثير من جلة الصحابة وأهل الخاصة برسول الله ﷺ كأبي بكر والزبير وأبي عبيدة والعباس بن عبد المطلب يقلون الرواية عنه بل كان بعضهم لا يكاد يروي شيئا كسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة\" (^١).\nولقد تبعهم من بعدهم من التابعين ومن بعدهم على ذلك.\nوكما احتاط السلف في التحديث احتاطوا وتثبتوا كذلك في قبول الأخبار عن رسول الله ﷺ، قال الذهبي: \"كان أبو بكر ﵁ أول من احتاط في قبول الأخبار، فروى ابن شهاب عن قبيصة بن ذؤيب أن الجدة جاءت إلى أبي بكر تلتمس أن تورث فقال: لا أجد لك في كتاب الله شيئا وما علمت أن رسول الله ﷺ ذكر لك شيئا، ثم سأل الناس فقام المغيرة وقال: سمعت رسول الله ﷺ يعطيها السدس. فقال: هل معك غيرك؟، فشهد محمد بن مسلمة بمثل ذلك فأنفذه لها أبو بكر ﵁\".\nواستشار عمر بن الخطاب ﵁ الناس في إملاص المرأة (^٢)، فقال المغيرة بن شعبة: شهدت النبي ﷺ قضى فيه بغرة عبد أو أمة.\n_________\n(^١) كتاب تأويل مختلف الحديث، لابن قتيبة الدينوري (ص ٣٠).\n(^٢) هو أن تزلق الجنين قبل وقت الولادة. النهاية (٤/ ٣٥٦).","vol":"1","page":95},{"text":"فقال عمر: ائتني بمن يشهد معك. قال فشهد له محمد بن مسلمة (^١).\nوحدث لعمر مثل هذه الحادثة مع كثير من الصحابة منهم أبي بن كعب وأبو موسى وفي رواية: قال عمر لأبي موسى: \"أما إني لم أتهمك ولكن خشيت أن يتقول الناس على رسول الله ﷺ\" (^٢).\nوعن علي ﵁ قال: كنت إذا سمعت من رسول الله ﷺ حديثا نفعني الله بما شاء منه وإذا حدثني عنه غيري استحلفته فإذا حلف لي صدقته … \" (^٣)\nوهذا التثبت من الصحابة رضوان الله عليهم كان الحامل لهم عليه هو ألا يسترسل الناس في رواية الحديث ويتساهلوا فيه من غير تحر وتثبت كاف فيقعوا في الكذب على رسول الله ﷺ من حيث شعروا أو لم يشعروا، ويدلك على ذلك قول عمر بن الخطاب لأبي موسى الأشعري: \"أما إني لم أتهمك ولكن خشيت أن يتقول الناس على رسول الله ﷺ\".\nوهذه الشواهد عن ثلاثة من الخلفاء الراشدين تترجم حرصهم وجهودهم في المحافظة على السنة بأن لا يشوبها ما ليس منها.\nوقد تتابعت الجهود من الصحابة ومن جاء بعدهم على حفظ السنة وحمايتها\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب القسامة، باب دية الجنين (٥/ ١١١، ١١٢).\n(^٢) أخرجه الإمام مالك في الموطأ (٢/ ٩٦٤).\n(^٣) أخرجه أحمد في مسنده (١/ ٢)، وأخرجه ابن ماجة في سننه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها: باب ما جاء في أن الصلاة كفارة (١/ ٤٤٦) ح ١٣٩٥.","vol":"1","page":96},{"text":"إلى أن قعدت القواعد ووضعت الضوابط التي يعرف بها قوة الحديث أو وهنه وكان من تلك الضوابط علم إسناد الحديث فقد اعتني بهذا الجانب منذ وقت مبكر، واهتم به العلماء حتى جعلوه من الدين قال عبد الله بن المبارك (^١): \"الإسناد من الدين، لولا الإسناد لقال من شاء ما شاء\"، وقال: \"بيننا وبين القوم قوائم\" يعني الإسناد (^٢).\nولقد اشتغل علماء الحديث بنقد الرواة وبيان حالهم ومن تقبل روايته ومن لا تقبل من خلال دراسة الراوي سيرة وتاريخا ومعتقدا وسلوكا، ولم تأخذهم في ذلك لومة لائم، وقد قيل ليحي بن سعيد القطان: \"أما تخشى أن يكون هؤلاء الذين تركت حديثهم خصماءك عند الله يوم القيامة؟، فقال: لأن يكون هؤلاء خصمي أحب إلي من أن يكون خصمي رسول الله ﷺ يقول: لِمَ لَمْ تذُبَّ الكذب عن حديثي\" (^٣).\nوهذه لمحة وإشارة لما بذله السلف من جهود في حفظ السنة والذب عنها\n_________\n(^١) عبد الله بن المبارك المروزي، الإمام الحافظ، شيخ الإسلام، كان ثقة، مأمونا، حجة، كثير الحديث، مات سنة ١٨١ هـ. تهذيب التهذيب (٥/ ٣٨٢ - ٣٨٩).\n(^٢) السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي للدكتور مصطفى السباعي (ص ٩٢).\n(^٣) السنة ومكانتها (ص ٩٣).","vol":"1","page":97},{"text":"لتبقى منهلا صافيا تستقي منه الأمة أمور دينها ودنياها وآخرتها حتى يتحقق لها اتباع رسولها محمد ﷺ الذي أمر الله بالاقتداء به والسير على نهجه والطاعة له في كل ما جاء به ﷺ.\nثالثا: ثم يلي الكتاب والسنة: فيما يجب التسليم له من أصول ما كان في معناهما بدليل جامع والمراد بذلك الإجماع والقياس الجلي الذي لا يصادم النص الشرعي.\nقال الشافعي: \"الحجة كتاب الله وسنة رسوله ﷺ واتفاق الأئمة\".\nوقال أيضا: \"والعلم طبقات، الأولى: الكتاب والسنة الثابتة ثم الإجماع فيما ليس في كتاب ولا سنة.\nالثالثة: أن يقول الصحابي فلا يعلم له مخالف من الصحابة.\nالرابعة: اختلاف الصحابة.\nالخامسة: القياس\" (^١).\n_________\n(^١) أعلام الموقعين (٢/ ٢٤٨).","vol":"1","page":98},{"text":"قال المصنف-رحمه الله تعالى-:\n\"واحذروا رأي جهم فإنه صاحب رأي وكلام (^١) وخصومات\"\n<hr><s0>\n\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"ظهر جهم بن صفوان من ناحية المشرق من ترمذ، ومنها ظهر رأي جهم. ولهذا كان علماء السنة والحديث بالمشرق أكثر كلامًا في رد مذهب جهم من أهل الحجاز، مثل إبراهيم بن طهمان، وخارجة بن مصعب، ومثل عبد الله بن المبارك، وأمثالهم وقد تكلم في ذمهم ابن الماجشون، وغيرهما وكذلك الأوزاعي، وحماد بن زيد وغيرهم\". (^٢)\nوقد ظهر الجهم في آخر دولة بني أمية. وقد قتل في بعض الحروب (^٣) سنة (١٢٨ هـ).\n\n<span data-type='title' id=toc-26>اسمه وكنيته ونسبه </span>(^٤)\nاتفق جميع من ذكره على اسمه واسم أبيه، وأنه (جهم بن صفوان) (^٥)، إلا\n_________\n(^١) لفظة (وكلام) غير موجودة في كتاب مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص: (٢٢٥).\n(^٢) مجموع الفتاوى ١٤/ ٣٥١.\n(^٣) مجموع الفتاوى ١٣/ ١٨٢.\n(^٤) المصدر كتاب مقالات الجهم بن صفوان وأثرها على الفرق الإسلامية\n(^٥) انظر على سبيل المثال: تاريخ الطبري (٧/ ٣٣٠)، والوافي بالوفيات للصفدي (١١/ ١٦٠ - ١٦١)، والبداية والنهاية لابن كثير (٩/ ٤٣٩)، وميزان الاعتدال للذهبي (١/ ٤٢٦).","vol":"1","page":99},{"text":"أن بعضهم أضافوا (ال) قبل اسمه، فجعلوه «الجهم بن صفوان» (^١). والأمر في هذا واسع، حيث إن بعض الأسماء العربية تجوز فيها إضافة (ال) قبلها، مثل (حسن) و(الحسن)، و(حسين) و(الحسين).\nولم يذكر نسبه بعد أبيه، ولعل السبب في ذلك أن الجهم كان من العجم، ومن المعروف عنهم -إلى يومنا هذا-أنهم لا يهتمون بحفظ أنسابهم كما هو موجود عند العرب.\nإلا أن يوسف بن موسي (^٢)، ذكر أن الجعد بن درهم هو أبو الجهم أو جده، حيث قال: «أتعرف الجعد؟ هو أبو الجهم أو جده (شك الراوي) الذي شك في الله أربعين صباحًا») (^٣)، ولا شك أن هذا ليس بصحيح، فهو قول شاذ يخالف أقوال جميع العلماء الآخرين، حيث\nاتفقوا على أن الجعد شيخ الجهم، وليس أبا له. ويمكن أن تحمل كلمة (الأبوة) على غير معناها الحقيقي، فلعله قصد أن الجهم أخذ عن الجعد ولازمه ملازمة الابن لأبيه، والله أعلم.\nكما اتفق جميع من ذكر كنيته على أنها «أبو محرز (^٤). ويظهر أنه كان\n_________\n(^١) مثل الذهبي في تاريخ الإسلام (حوادث ووفيات سنة ١٢١ - ١٤٠، ص ٦٥).\n(^٢) هو: يوسف بن موسي بن راشد القطان، أبو يعقوب الكوفي، من شيوخ البخاري والترمذي. وثقه غير واحد من أهل العلم. توفي سنة ٢٠٣ هـ. انظر: تهذيب التهذيب (٤/ ٤٦٢).\n(^٣) السنة للخلال (٥/ ٨٨)، والرد على الجهمية لابن بطة (٢/ ١٢١).\n(^٤) انظر على سبيل المثال: تاريخ الطبري (٧/ ٣٣٠)، والفصل لابن حزم (٤/ ٢٩٩)، ولسان الميزان لابن حجر (٢/ ٣٩٩).","vol":"1","page":100},{"text":"مشهورًا بهذه الكنية، لأنه لما قتل صاح الناس: «قتل أبو محرز» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-27>بلده ونسبته </span>(^٢)\nكان الجهم بن صفوان من الموالي، حيث ذكرت بعض المصادر أنه مولي لبني راسب، ولا يوجد خلاف في هذا (^٣). والأغلب في الولاء أنه ولاء عتق، وقد يكون ولاء إسلام\nوالراسبي: «بفتح الراء وسكون الألف وكسر السين المهملة وفي آخرها باء موحدة» (^٤)، إما نسبة إلى بني راسب، «وهي قبيلة نزلت البصرة … وراسب هو ابن ميدغان بن مالك بن نصر بن الأزد، بطن من الأزد» (^٥)، أو إلى راسب بن الخزرج بن جدة بن جرم بن ربان، رجل جاهلي، بنوه بطن من جرم من القحطانية. وهذا الثاني هو الذي رجحه ابن الأثير حيث قال: «ينسب إليه جهم بن صفوان رأس الجهمية» (^٦).\n_________\n(^١) تاريخ الطبري (٧/ ٣٣٠).\n(^٢) المصدر كتاب مقالات الجهم بن صفوان وأثرها على الفرق الإسلامية ١/ ٧٠ - ٧٤\n(^٣) انظر: تاريخ الطبري، (٧/ ٣٣٠)، والفصل لابن حزم، (٤/ ٢٩٦)، وتاريخ الإسلام للذهبي (حوادث ووفيات سنة ١٢١ - ١٤٠، ص. ٦٥)، والبداية والنهاية لابن كثير، (٩/ ٤٣٩)، ولسان الميزان، لابن حجر (٢/ ٣٥٠)\n(^٤) اللباب في تهذيب الأنساب لابن الأثير (٢/ ٧).\n(^٥) اللباب في تهذيب الأنساب لابن الأثير (٢/ ٧).\n(^٦) اللباب في تهذيب الأنساب لابن الأثير (٢/ ٧).","vol":"1","page":101},{"text":"واختلف العلماء في بلده، فنسبه ابن حزم، والذهبي، وابن حجر وجماعة (^١) إلى (سمرقند) (^٢).\nوقال مقاتل بن سليمان، وأبو إسماعيل الهروي، وعبد القادر الجيلاني وفخر الدين الرازي، والمقريزي وغيرهم (^٣) أنه من (أهل ترمذ) (^٤). كما نقل اللالكائي من كتاب ابن أبي حاتم عن أبي معاذ خلف بن سليمان البلخي أنه قال: «كان جهم على معبر ترمذ (^٥)، وذكر الصفدي أن بدعته ظهرت في ترمذ (^٦)\nوهذا الذي جزم به شيخ الإسلام ابن تيمية أيضا حيث قال: «ثم ظهر جهم\n_________\n(^١) انظر: الفصل، لابن حزم (٤/ ٢٩٦)، وميزان الاعتدال، للذهبي (١/ ٤٢٦)، ولسان الميزان، لابن حجر (٢/ ٣٤٩).\n(^٢) سمرقند: بلد معروف في بلاد ما رواء النهر، وتقع شمال مدينة (ترمذ).\nانظر: معجم البلدان، للحموي (٣/ ٦٦). ومدينة سمرقند تقع حالية في أوزبكستان.\n(^٣) الإبانة لابن بطة، كتاب الرد على الجهمية (٢/ ٨٧ - ٨٩)، وذم الكلام وأهله للهروي (٥/ ١٢٠)، والغنية للجيلاني (ص ١١٨)، واعتقاد فرق المسلمين والمشركين للرازي (ص ١٠٣)، والخطط للمقريزي (٢/ ٣٤٦).\n(^٤) ترمذ: بكسر التاء على المشهور، وقيل بفتحها، وقيل بضمها، مدينة مشهورة راكبة على نهر جيحون من جانبه الشرقي. انظر: معجم البلدان، اللحموي (١/ ٤٤٠). وتقع حالية بين حدود أوزبكستان وأفغانستان.\n(^٥) شرح أصول الاعتقاد (٣/ ٤٢٤).\n(^٦) الوافي بالوفيات (١١/ ١٩٠ - ١٩١).","vol":"1","page":102},{"text":"بن صفوان من ناحية المشرق، من ترمذ» (^١).\nوتردد ابن كثير في نسبته، فقال إنه (الخزري) (^٢)، وقيل: الترمذي (^٣). ولم أقف على من نسبه إلى (الخزر) غير ابن كثير (^٤).\nونسبه السمعاني (^٥) إلى مدينة بلخ (^٦)، كما نسب إلى الكوفة (^٧)، وإلى مرو (^٨).\nونقل الخلال بسند فيه مجاهيل عن الإمام أحمد أنه قال: سمعت بعض ولد ساسان يقول: سمعت جهما يقول: «أنا من حران من قدار» (^٩).\nويلاحظ أن أكثر هذه المدن متقاربة بعضها من بعض، مثل: ترمذ، وسمرقند،\n_________\n(^١) مجموع فتاوى شيخ الإسلام (١٩/ ٣٠١).\n(^٢) الخزر: هو بلاد الترك خلف باب الأبواب، المعروف بالدربند، وهو اسم إقليم أيضا، كما هو اسم مملكة. انظر: معجم البلدان للحموي (٢/ ٢٣١). وهو يقع حاليا في وسط روسيا.\n(^٣) البداية والنهاية (٩/ ٤٠٥).\n(^٤) قال الدكتور ياسر قاضي: ربما وقع هنا خطأ مطبعي، وأراد أن يقول إنه (جزري) الأصل، فإذا كان\nهذا، فلعله التبس عليه أمر الجعد، فهو الذي كان جزري الأصل. انظر: ذم الكلام وأهله للهروي (٥/ ١٢٠).\n(^٥) انظر: الأنساب للسمعاني (١/ ٤٧٨).\n(^٦) بلخ: مدينة مشهورة بخراسان، بينها وبين ترمذ اثنا عشر فرسخا. انظر: معجم البلدان (١/ ٣٧٨). وتقع حالية في أفغانستان.\n(^٧) انظر: شرح أصول الاعتقاد للالكائي (٣/ ٤٣٤).\n(^٨) انظر: الغنية للجيلاني (ص. ١١٨).\n(^٩) السنة للخلال (٥/ ٨٣).","vol":"1","page":103},{"text":"وبلخ، فكلها في شمال شرقي خراسان.\n\"والذي يظهر أنه ولد في سمرقند، ثم انتقل إلى ترمذ، وذلك أن بعض المصادر ذكرت أنه نفي إلى ترمذ (^١)، والعادة أن الرجل لا ينفى إلى بلده، ثم إن أكثر المصادر نسبته إلى سمرقند.\nفالجمع بين النسبين أن يقال: إنه من سمرقند، ولكن نشأ في ترمذ، لذلك ظهرت بدعته فيها كما صرح بذلك غير واحد من أهل العلم. \" (^٢)\nنشأته (^٣):\nلم تذكر كتب التاريخ معلومات عن نشأته، ولا عن أبويه أو طفولته ولكن بالاستقراء بعض المدن التي زارها.\nفمما سبق علمنا أن له علاقة بمدينتي سمرقند وترمذ، بل ظهر أول أمره في ترمذ (^٤)، ونفي إليها (^٥).\nوذكر عنه أنه أقام ببلخ مدة من الزمن، يصلي في مسجد مقاتل بن سليمان ويتناظر معه (^٦)، وأنه زار الكوفة ولقي شيخه الجعد\n_________\n(^١) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (٩/ ٤٠٥).\n(^٢) مقالات الجهم بن صفوان ١/ ٧٢ - ٧٣.\n(^٣) المصدر كتاب مقالات الجهم بن صفوان وأثرها على الفرق الإسلامية ١/ ٧٦ - ٨٢\n(^٤) الملل والنحل للشهرستاني (١/ ٧٣)، والوافي بالوفيات للصفدي (١١/ ١٩١ - ١٩٠).\n(^٥) البداية والنهاية لابن كثير (٩/ ٤٠٥).\n(^٦) نفس المصدر (٩/ ٤٠٥).","vol":"1","page":104},{"text":"أول ما لقيه هناك (^١). كما نعلم من سيرته مع الحارث بن سريج أنه ذهب إلى مرو (^٢)، حيث قتل هناك.\nولم أجد من نص على تاريخ بدء دعوته، ولكن ذكر شيخ الإسلام أن «ظهور جهم (كان) بخراسان في خلافة هشام بن عبد الملك» (^٣)، يعني بين سنة ١٠٥ - ١٢٠\nعلمه (^٤)\nعاش الجهم بن صفوان في فترة مبكرة من تاريخ الإسلام، حيث كان التابعون والعلماء متوافرين، ولكنه أعرض عن العلم تماما، وآثر علم الكلام والفلسفة على علم الكتاب والسنة.\nوقد شهد غير واحد من أهل العلم على جهله، وعلى أنه لم يجالس العلماء قط، فقال عبد العزيز بن أبي سلمة: «إن كلام جهم صفة بلا معني، وبناء بلا أساس، ولم يعد قط من أهل العلم.\n_________\n(^١) نفس المصدر (٩/ ٤٠٥).\n(^٢) مرو: وتعرف بمرو الشاهجان، أشهر مدن خراسان وقصبتها، يتخللها أنهار كثيرة. انظر: معجم البلدان للحموي (٤/ ٢٠٣). وتقع حاليا في تركمنستان.\n(^٣) مجموع فتاوى شيخ الإسلام (٢٠/ ٣٠٢).\n(^٤) المصدر: كتاب مقالات الجهم بن صفوان ١/ ٩٥","vol":"1","page":105},{"text":"ولقد سئل جهم عن رجل طلق امرأته قبل أن يدخل بها، فقال: عليها العدة. فخالف كتاب الله بجهله، وقال سبحانه: (ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها ٤ [الأحزاب: ٤٩]. (^١)\nوقال أيوب بن أبي تميمة: «كان جهم فيما بلغنا لا يعرف بفقه ولا ورع ولا صلاح، أعطي لسانا منكرًا فكان يجادل ويقول برأيه» (^٢).\nوقال مقاتل بن سليمان: «إن جهما والله ما حج هذا البيت قط ولا جالس العلماء، وإنما كان رجلا أعطى لساناُ» (^٣).\nوقال الذهبي، ونقله عنه الحافظ ابن حجر: «وما علمته روي شيئًا» (^٤).\nولم يكن الجهم معرضا عن علم الوحي فحسب، بل كان مقبلا على علم الكلام، ناظرًا فيه، داعية إليه. ذكر ابن أبي حاتم عن أبي معاذ خلف بن سليمان البلخي أنه قال: «كان جهم على معبر ترمذ، وكان رجلا كوفي الأصل، فصيح اللسان، لم يكن له علم ولا مجالسة الأهل العلم. كان تكلم كلام المتكلمين …» (^٥).\n_________\n(^١) خلق أفعال العباد للبخاري (ص ١١).\n(^٢) ذكره شيخ الإسلام في التسعينية (١/ ٢٤٠).\n(^٣) السنة للخلال (٥/ ٨٥)، ومسائل الإمام أحمد لأبي داود (ص ٢٦٩)، وتاريخ بغداد للخطيب البغدادي (١٣/ ١٦١)، وتاريخ دمشق لابن عساكر. (٦٠/ ١٢٠).\n(^٤) ميزان الاعتدال (١/ ٤٢٦)، و: لسان الميزان (٢/ ٣٤٩).\n(^٥) شرح أصول الاعتقاد للالكائي (٣/ ٤٢٤).","vol":"1","page":106},{"text":"ويكفي للدلالة على موقفه من العلم موقفه من كتاب الله ﷿، فقد قال أبو نعيم البلخي: «كان رجل من أهل مرو صديقًا لجهم (وفي رواية: وكان خاصًا به)، ثم قطعه وجفاه (وفي رواية: ثم تركهـ وجعل يهتف بكفره)، فقيل له: لم جفوته؟ فقال: جاء منه ما لا يحتمل، قرأت عليه يومًا آية كذا وكذا نسيها الراوي -فقال: ما كان أظرف محمدًا (وفي رواية زيادة: حين قالها)، فاحتملتها. ثم قرأ سورة طه فلما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، قال: أما والله لو وجدت سبيلا إلى حكها، لحككتها من المصحف، فاحتملتها. ثم قرأ القصص، فلما انتهى إلى ذكر موسى قال: ما هذا؟ ذكر قصة في موضع فلم يتمها، ثم ذكر ههنا فلم يتمها، ثم رمى بالمصحف من حجره برجليه، فوثب عليه».\nوفي رواية: «جمع يديه ورجليه ثم دفع المصحف، ثم قال: أي شيء هذا؟ ذكره هاهنا فلم يتم ذكره، وذكره ثم فلم يتم ذكره».\nوفي رواية ثالثة: «دفع المصحف بيديه جميعا من حجره، فرمي به أبعد ما يقدر عليه، ودفعه برجله» (^١).\nولأجل هذه الأفعال القبيحة وغيرها، نسبه أهل العلم إلى الكفر والزندقة.\nومع هذا الجهل المركب، كتب جهم كتابا في بيان عقيدته والرد على مقاتل بن سليمان، فذكر ابن عساكر أن مقاتل بن سليمان كان يقص في جامع مرو،\n_________\n(^١) خلق أفعال العباد للبخاري (ص ٢٠)، والرواية الثانية في الرد على الجهمية لابن بطة (٢/ ٩٢). قال الألباني في مختصر العلو (ص ١٩٢) وسنده صحيح.","vol":"1","page":107},{"text":"فقدم عليه جهم وجلس إليه، ثم وقعت العصبية بينهما، فوضع كل واحد منهما على الآخر كتابا ينقض على صاحبه (^١).\nكما ذكرت بعض المصادر أنه ألف كتابا في نفي الصفات -ولعله هو الكتاب نفسه في الرد على مقاتل، أو كتاب آخر (^٢).\nكما ذكر عبد الله بن أحمد أثرا فيه إشارة إلى أن الجهم كان يؤلف في خراسان ويرسل كتاباته إلى الآخرين يدعو إلى مقالاته (^٣).\nوقد كتب بعض أتباعه كلامه كذلك، فقال الإمام أحمد: «كتب إلي ذاك المغازلي بكتاب فيه كلام جهم (^٤).\nوذكر في ترجمة إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى أنه كان قدرية جهمية، وأنه أعطى نعيم بن حماد كتابا فيه رأي جهم، فدفع إليه كتاب جهم، فمزقه نعيم وطرحه (^٥).\nوكان الجهم يقف في المساجد ويدعو الناس إلى قوله في التعطيل، فروي عن مكي بن إبراهيم أنه قال: «رأيته في مسجد بلخ، يقول بتعطيل الله\n_________\n(^١) تاريخ دمشق (٦٠/ ١٢٠)، ويغلب على الظن أن كتابه هذا كان في الصفات، حيث خالفه مقاتل في هذه المسألة.\n(^٢) الغنية للجيلاني (ص ١١٨).\n(^٣) انظر: كتاب السنة (١/ ١٨٣).\n(^٤) السنة للخلال (٥/ ١٤٥).\n(^٥) انظر: الكامل لابن عدي (١/ ٢٢١)، وفي التهذيب لابن حجر أن إبراهيم هذا توفي سنة ١٨٤ هـ (تهذيب التهذيب، ١/ ٨٤).","vol":"1","page":108},{"text":"عن عرشه وأن العرش منه خال» (^١).\nوقيل: إن واصل بن عطاء أرسل حفص بن سالم إلى ترمذ لمناظرة جهم بن صفوان، فناظره «فقطعه، فرجع إلى قول أهل الحق يقصد المعتزلة، فلما عاد حفص إلى البصرة، رجع جهم إلى قول الباطل» (^٢).\nوقد ثبت أن الجهم خالف أهل السنة في مسائل كثيرة، أوصلها الإمام أحمد إلى سبعين مسألة. نقل الخلال عن إسحاق بن عيسى البار أنه قال: «قدم علينا رجل من صور، معرف بالصوري، متكلم، حسن الهيئة كأنه راهب، فأعجبنا أمره، ثم إنما لقي سائل فجعل يقول لنا: الإيمان مخلوق، والزكاة مخلوق، والحج مخلوق، والجهاد مخلوق. فجعلنا لا ندري ما نرد عليه، فأتينا عبد الواهب الوراق، فقصصنا عليه أمره، فقال: ما أدري ما هذا؟ ائتوا أبا عبد الله أحمد بن حنبل، فإنه جهبذ هذا الأمر.\nقال: فأتينا أبا عبد الله، فأخبرناه بما أخبرنا عبد الوهاب من المسائل التي ألقاها علينا. فقال لنا أبو عبد الله: «هذه مسائل الجهم بن صفوان، وهي سبعون مسألة، اذهبوا فاطردوا هذا من عندكم (^٣).\n_________\n(^١) تاريخ الإسلام للذهبي (حوادث سنة ١٢١ - ١٤٠ هـ، ص ٦٧).\n(^٢) فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة للقاضي عبد الجبار (ص ١٩٣)، والمنية والأمل لابن المرتضى (ص ١٩).\n(^٣) انظر: السنة (٥/ ٩٣)","vol":"1","page":109},{"text":"إذا ثبت أن الجهم ابتدع أقوالا كثيرة، ولكن الذي وصلنا منه أقل من هذا بكثير، ولله تعالى حكم بالغة في ذلك، والله أعلى وأعلم.\nومما نعرف عنه أنه كان رجلا فصيحًا، فعن مقاتل أنه قال في الجهم: إنما كان رجلا أعطي لسانا (^١).\nونقل اللالكائي عن كتاب ابن أبي حاتم عن أبي معاذ خلف بن سليمان البلخي أنه قال: «كان جهم على معبر ترمذ، وكان رجلا كوفي الأصل، فصيح اللسان» (^٢).\nوقال أيوب بن أبي تميمة: «كان جهم فيما بلغنا لا يعرف بفقه ولا ورع ولا صلاح، أعطي لسانا منكرًا فكان يجادل ويقول برأيه» (^٣).\nووصفه غير واحد من أهل العلم بأنه كان ذا أدب ونظر وذكاء وفكر وجدال ومراء (^٤).\nوهذا النوع من دعاة الضلال وصفهم شيخ الإسلام في هذه الفتوى بقوله: \" أوتوا ذكاء وما أوتوا زكاءً، وأعطوا فهومًا وما أعطوا علومًا، وأعطوا سمعًا وأبصارًا وأفئدة ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُم مِّن شَيْءٍ إِذْ كَانُوا\n_________\n(^١) الرد على الجهمية لابن بطة (٢/ ٩٠)، ومسائل أحمد لأبي دواد (ص ٢٦٩).\n(^٢) شرح أصول الاعتقاد (٣/ ٤٢٤).\n(^٣) ذكره شيخ الإسلام في التسعينية (١/ ٢٤٠).\n(^٤) الوافي بالوفيات للصفدي (١١/ ١٦٠ - ١٦١)، وتاريخ الإسلام للذهبي (حوادث سنة ١٢١ - ١٤٠ هـ، ص ٦٦).","vol":"1","page":110},{"text":"يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ الله وَحَاقَ بِهِمْ مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُون﴾ [الأحقاف: ٢٦].\nهذا، وقد ذكرت بعض المصادر أن جهما كانت له زوجة تدعو إلى القول بخلق القرآن، اسمها زهرة، كما ترك ولدًا نهج نهجه وكان من الدعاة إلى خلق القرآن، وهو محمد بن الجهم بن صفوان.\nقال أبو إسماعيل الهروي: إن جهما كان يدعو إليه (يعني القول بخلق القرآن) الرجال، وامرأته زهرة تدعو إليه النساء، حتى استهويا خلقا من خلق الله كثيرًا» (^١).\nوعن مكي بن إبراهيم أنه قال: «دخلت امرأة جهم على امرأتي أم إبراهيم -وكانت امرأة ديدانية تبدو أسنانها-فقالت: يا أم إبراهيم! إن زوجك هذا الذي يحدث عن العرش، العرش، من نجره؟ فقالت لها: نجره الذي نجر أسنانك هذه!! (^٢).\nوعن الأصمعي أنه قال: «قدمت امرأة جهم، فقال رجل عندها: الله على عرشه، فقالت: محدود على محدود». فقال الأصمعي: «هي كافرة بهذه المقالة» (^٣).\nوكان لابنه محمد منصب عند الخليفة العباسي المأمون، فذكر الكناني:\n_________\n(^١) ذم الكلام وأهله (٥/ ١٢٠).\n(^٢) الرد على الجهمية لابن بطة (٣/ ١٨٩).\n(^٣) مختصر العلو للذهبي، اختصار الألباني (ص ١٧٠، أثر ١٨٩).","vol":"1","page":111},{"text":"«وكان الناس في ذلك الزمان في أمر عظيم، ومنع الفقهاء والمحدثون والمذكرون والدعاؤون من القعود في الجامعين ببغداد، وفي غيرهما من سائر المواضع، إلا بشرًا المريسي، ومحمد بن الجهم بن صفوان (وفي نسخة زيادة: الذي به تعرف الجهمية)، ومن كان موافقة لهما على مذهبهما، فإنهم كانوا يقعدون ويجتمع الناس إليهم، فيعلمونهم الكفر والضلال» (^١) وكان محمد هذا يحضر مجالس المأمون ويدعو إلى بدعته، ويناظر من حضر مجالس المأمون من علماء أهل السنة؟ (^٢)\nوقد ذكر هذا الرجل في بعض المصادر الأخرى (^٣).\nوكان أتباعه في حياته محدودين، فقد ذكر ابن كلاب في كتابه الصفات أنه لم يكن للجهم سوى خمسين أتباعه، وقيل: بل رجلان فقط) (^٤).\nشيخه وسلسلة إسناد مقالاته (^٥)\nاشتهر بين العلماء أن الجهم كان تلميذا للجعد بن درهم، ومن خاصته\n_________\n(^١) كتاب الحيدة (ص ٤).\n(^٢) انظر: نفس المصدر (ص ٥، و٣٦، و١٢٣).\n(^٣) انطر: تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة (ص ٤٥، وص ٥٠)، حيث قال عنه: «ثم نصير إلى محمد بن الجهم البرمكي، فنجد مصحفه كتب أرستطاطاليس، في الكون والفساد والكيان، وحدود المنطق بها، يقطع دهره ولا يصوم شهر رمضان لأنه -فيما ذكر-لا يقدر على الصوم …».\n(^٤) نقله من كتاب ابن فورك شيخ الإسلام في درء التعارض (٦/ ١٩٤)، بينما في مجموع الفتاوي (٥/ ٣٢٠) قيل إنهما رجلان فقط.\n(^٥) المصدر: كتاب مقالات الجهم بن صفوان وأثرها على الفرق الإسلامية ١/ ٧٦ - ٨٢","vol":"1","page":112},{"text":"بحيث لم يشتهر بين تلاميذ الجعد سواه.\nقال البخاري: «قال قتيبة بن سعيد: بلغني أن جهمًا كان يأخذ الكلام من الجعد بن درهم» (^١)، فالجعد إذا هو الشيخ الأساسي للجهم بن صفوان.\nوذكر بعض المؤرخين أن الجهم لقي الجعد في الكوفة، بعد ما هرب الجعد من بني أمية، حيث نص ابن كثير أن الجعد «أقام بدمشق حتى أظهر القول بخلق القرآن، فطلبته بنو أمية فهرب منهم فسكن الكوفة، فلقيه فيها الجهم بن صفوان فتقلد هذا القول منه» (^٢).\nيقول شيخ الإسلام: «فإن جهما أول من ظهرت عنه بدعة نفي الأسماء والصفات، وبالغ في نفي ذلك، فله في هذه البدعة مزية المبالغة في النفي والابتداء بكثرة إظهار ذلك والدعوة إليه، وإن كان الجعد بن درهم قد سبقه إلى بعض ذلك» (^٣).\nوبين شيخ الإسلام أن «… أصل قولهم هذا مأخوذ من المشركين والصابئة من البراهمة والمتفلسفة ومبتدعة أهل الكتاب الذين يزعمون أن الرب ليس له صفة ثبوتية أصلًا» (^٤).\n_________\n(^١) خلق أفعال العباد للبخاري (ص ٨)، وذكره كذلك السمعاني في الأنساب (١/ ٤٦٨).\n(^٢) البداية والنهاية (٩/ ٤٠٥).\n(^٣) مجموع فتاوى شيخ الإسلام (١٢/ ١١٩).\n(^٤) مجموع فتاوى ابن تيمية (١٠/ ٩٧).","vol":"1","page":113},{"text":"وذكر في موضع آخر أن إسناد جهم في مقالاته متلقي من الصابئة الفلاسفة، والمشركين البراهمة، واليهود السحرة (^١).\nمقتله (^٢)\nتاريخ قتله: قتل الجهم بن صفوان، يوم الثلاثاء، التاسع عشر من شهر جمادى الآخرة، سنة ثمان وعشرين ومائة من الهجرة. ويؤخذ يوم وتاريخ قتله من الأحداث التي صاحبت القتال الذي حصل بين الحارث بن سريج ونصر ابن سيار، فنعلم أن القتال بدأ يوم الاثنين، ٢٨ جمادى الآخرة، ١٢٨ هـ (^٣)، واستمر القتال إلى اليوم الثاني، حيث انهزم فريق الحارث، ودخل سلم معسكره، وأسر الجهم وقتله في ذلك اليوم.\nمكان قتله: قتل بخراسان، خارج سور مدينة مرو، على شط نهر بلخ. لأن معسكر الحارث كان خارج سور مدينة مرو، ولما انهزم الحارث، دخل سلم معسكره وأسر فيه الجهم بن صفوان، ثم قتله سلم على شط النهر (^٤).\n_________\n(^١) انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (٦/ ٥١).\n(^٢) المصدر: كتاب مقالات الجهم بن صفوان (١/ ١٠٩ - ١١٥)\n(^٣) ذكر هذا التاريخ الطبري في تاريخه (٧/ ٣٣٣)، وابن الأثير في الكامل. (٤/ ٣٤٨).\n(^٤) تاريخ الطبري (٧/ ٣٣٥)، وكذلك نقل الزركلي من كتاب (الحور العين) أن الجهم قتل في مرو على شط نهر بلخ (انظر: الأعلام، ٢/ ١٤١). وذكر المكان أيضا اللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (١/ ٣٤٤)، والأشعري في مقالات الإسلاميين (ص ٢٨٠)، والشهرستاني في الملل والنحل (١/ ٧٣).","vol":"1","page":114},{"text":"<span data-type='title' id=toc-28>بدع الجهم</span>\nإن جهم بن صفوان -كغيره من أهل البدع -لم يعط الكتاب والسنة حقهما، بل استدل بآيات متشابهات، وأول القرآن على غير تأويله (^١)، وحرفه عن مواضعه.\nولا غرو في ذلك، فإنه كان يزعم أن القرآن مخلوق، وهو قول يتوصل به إلى إنكار الوحي، والحط من علو مرتبة القرآن وهيبته في النفس\".\nلذا بني مقالته في الصفات على آيات ثلاث فقط، وأهمل الآلاف من الآيات المحكمات، وأول هذه الآيات المتشابهات على غير تأويلها. يقول الإمام أحمد عنه أنه «وجد ثلاث آيات في كتاب الله ﷿ من المتشابه، قوله: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) [الشوري: ١١]، وقوله: (وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ)» [الأنعام: ٣]، وقوله تعالى: (لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ) [الأنعام: ١٠٣). فبنى أصل كلامه على هذه الثلاث الآيات، ووضع دين الجهمية، … وتأول كتاب الله على غير تأويله» (^٢).\nويكفي للدلالة على موقفه من الكتاب العزيز ما رواه غير واحد من علماء السلف بأسانيدهم عن أبي نعيم البلخي أنه\n_________\n(^١) انظر كلام الإمام أحمد هذا في رده على الجهمية (ص ١٠٨).\n(^٢) الرد على الجهمية (ص ١٠٢ - ١٠٨)، ورواه ابن بطة في الإبانة، كتاب الرد على الجهمية (٢/ ٨٧ - ٨٩)، مع اختلاف يسير في بعض ألفاظه.","vol":"1","page":115},{"text":"قال: «كان رجل من أهل مرو صديقًا لجهم (وفي رواية: وكأن خاض به)، ثم قطعه وجفاه (وفي رواية: ثم تركهـ وجعل يهتف بكفره)، فقيل له: لم جفوته؟\nفقال: جاء منه ما لا يحتمل، قرأت عليه يوما آية كذا وكذا -نسيها الراوي -فقال: ما كان أظرف محمدا (وفي رواية زيادة: حين قالها)، فاحتملتها.\nثم قرأ سورة طه فلما قال: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) [طه: ٥]، قال: أما والله لو وجدت سبيلا إلى حكها، لحككتها من المصحف، فاحتملتها.\nثم قرأ القصص، فلما انتهى إلى ذكر موسى قال: ما هذا؟ ذكر قصة في موضع فلم يتمها، ثم ذكرها ههنا فلم يتمها، ثم رمى بالمصحف من حجره برجليه، فوثب عليه.\nوفي رواية: «جمع يديه ورجليه ثم دفع المصحف، ثم قال: أي شيء هذا؟ ذكره ها هنا فلم يتم ذكره، وذكره ثم فلم يتم ذكره».\nوفي رواية ثالثة: «دفع المصحف بيديه جميعا من حجره، فرمي به أبعد ما يقدر عليه، ودفعه برجله» (^١).\nبل تجاسر على القول بأن القرآن غير محفوظ.\nفعن زر بن صالح السدوسي أنه قال: «لقيت جهما فقلت: هل نطق الرب؟\n_________\n(^١) خلق أفعال العباد للبخاري (ص ٢٠)، والرد على الجهمية لابن بطة (٢/ ٩٢)، والسنة لعبد الله بن أحمد (١/ ١٩٧). قال الألباني في مختصر العلو (ص ١٩٢): وسنده صحيح، وقد سبق ذكره.","vol":"1","page":116},{"text":"قال: لا.\nقلت: فينطق؟\nقال: لا.\nفقلت: فمن يقول (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ)، ومن يرد عليه و(لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ) [غافر: ١٦]؟\nفقال: لا أدري، زادوا في هذا القرآن ونقصوا» (^١).\nفالقرآن عنده كلام مخلوق مبدل محرف، فما عسى يكون قيمته عنده حينئذ؟\nوإذا كان هذا موقفه من كلام رب البرية، هل يحتاج بعد ذلك لبيان موقفه من كلام أصدق البشرية ورسول رب الأرض والسموات؟\nولقد نص الإمام أحمد على أن الجهم … كذب بأحاديث رسول الله ﷺ (^٢). ولما بلغ الإمام أحمد قول أحدهم: «لو ترك أصحاب الحديث عشرة أحاديث -يعني التي في الرؤية»، قال أحمد: «كأنه نزع إلى رأي جهم (^٣)، وفيه\n_________\n(^١) ذم الكلام وأهله، للهروي (٥/ ١٢٧، أثر ١٤٥٣)، وذكره شيخ الإسلام في التسعينية (١/ ٢٤١).\n(^٢) الرد على الجهمية والزنادقة (ص ١٠٤).\n(^٣) سير أعلام النبلاء للذهبي (١٠/ ٤٥٥).","vol":"1","page":117},{"text":"إشارة إلى أن الجهم كان ينكر الأحاديث.\nولم يعرف عنه استشهاد واحد منه بحديث رسول الله -صحيح أو ضعيف أو موضوع -للمقالات التي ذهب إليها.\nويدل على جهله المركب شهادة علماء الحديث فيه، فقد سئل جهم عن رجل طلق امرأته قبل أن يدخل بها، فقال: عليها العدة (^١)، وهذا جهل واضح بكتاب الله تعالى إذ يقول سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا) [الأحزاب: ٤٩].\nوشهد عليه علماء الحديث أنه لا يعرف بفقه ولا ورع ولا صلاح (^٢)، وعرف عنه أنه لم يجالس العلماء، ولا روي شيئا من الأحاديث (^٣).\nوالذي يعرض عن المصدرين الأساسين سيقع حتما في مخالفة السلف الصالح وإجماع المسلمين، كما نص غير واحد من علماء الإسلام على ذلك. وقد بين كثير من العلماء مخالفة جهم لإجماع المسلمين (^٤)، بل ومخالفة\n_________\n(^١) خلق أفعال العباد للبخاري (ص ١١).\n(^٢) ذكره شيخ الإسلام في التسعينية (١/ ٢٩٠).\n(^٣) السنة للخلال (٥/ ٨٥)، ومسائل الإمام أحمد لأبي داود (ص ٢٩٩)، وتاريخ بغداد للخطيب البغدادي (١٣/ ١٩١)، وتاريخ دمشق لابن عساكر (٤٠/ ١٢٠).\n(^٤) ميزان الاعتدال للذهبي، (١/ ٤٣٦)، ولسان الميزان لابن حجر (٢/ ٣٤٩).","vol":"1","page":118},{"text":"جماهير العقلاء من الأولين والآخرين (^١).\nفهذه الأمور -أعني الإعراض عن الكتاب والسنة وسلف الأمة-يجتمع فيها جميع أهل البدع على خلاف بينهم في درجة ومستوى مخالفتهم لهذه الأصول (^٢).\nغير أن الذي ابتدعه جهم بن صفوان وأختص به من بين سائر الفرق قبله هو معارضة النصوص بما يزعم أنه عقل. فقد بين ابن القيم أن الجهمية هم أول من عارض السمعيات بالعقليات من بين الطوائف.\nفالشيعة، والخوارج، والقدرية، والمرجئة، مع أنهم ابتعدوا عن النور الذي كان عليه أوائل الأمة، إلا أنهم لم يفارقوه بالكلية، بل كانوا للنصوص معظمين، وبها مستدلين، ولها على العقول والآراء مقدمين، ولم يدع أحد منهم أن عنده عقليات تعارض النصوص، وإنما أتوا من سوء الفهم للنصوص، «فلما كثرت الجهمية في أواخر عصر التابعين، كانوا هم أول من عارض الوحي بالرأي … وأولهم شيخهم الجعد بن درهم»، إلى أن قال: «… وأصل طريقهم أن الذي أخبرت به الرسل قد عارضه العقل، وإذا تعارض العقل والنقل، قدمنا العقل. قالوا: نحن أنصار العقل، الداعون إليه، المخاصمون له، المتحاكمون إليه … إلخ (^٣).\n_________\n(^١) انظر مثلا: رد الدارمي على بشر المريسي (ص ٢٢٣)، والشريعة للآجري (١/ ٢٣٢)، ومجموع فتاوى شيخ الإسلام (٤/ ٥).\n(^٢) انظر: درء التعارض لابن تيمية (٣/ ٥١).\n(^٣) انظر: الصواعق المرسلة (٣/ ١٠٧ - ١٠٩).","vol":"1","page":119},{"text":"وقال ابن تيمية: «ومعلوم أن عصر الصحابة وكبار التابعين لم يكن فيه من يعارض النصوص بالعقليات، فإن الخوارج والشيعة حدثوا في آخر خلافة علي، والمرجئة والقدرية حدثوا في أواخر عصر الصحابة، وهؤلاء كانوا ينتحلون النصوص ويستدلون بها على قولهم، لا يدعون أنهم عندهم عقليات تعارض النصوص. ولكن لما حدثت الجهمية في أواخر عصر التابعين، كانوا هم المعارضين للنصوص برأيهم، ومع هذا فكانوا قليلين مقموعين في الأمة، وأولهم الجعد بن درهم …» (^١)\nكما ذكر ابن القيم أن جميع الفرق الإسلامية قبل الجهمية، إذا تؤملت أصولهم، وجدت أنها كلها متفقة على تقديم الوحي على العقل، فلم يؤسسوا مقالاتهم على ما أسسها المتكلمون، من تقديم عقولهم على نصوص الوحي (^٢).\nويؤيد هذا ما حكاه الشهرستاني والصفدي عن الجهم أنه موافق للمعتزلة في إيجاب المعارف بالعقل قبل ورود الشرع (^٣).\n_________\n(^١) انظر: درء التعارض (٥/ ٢٤٤).\n(^٢) انظر: الصواعق المرسلة لابن القيم (٣/ ٨٢١).\n(^٣) الملل والنحل (١/ ٧٤)، و: الوافي بالوفيات (١١/ ١٩٠ - ١٩١).\nوهذه الجملة تحتمل معاني عدة:\nالأول: القول بالتحسين والتقبيح العقليين، كما هو قول المعتزلة.\nالثاني: وجوب معرفة الله تعالى بالعقل، بمعنى أن من لم يعرف الله قبل ورود الشرع فهو آثم ويستحق العذاب. وهذا هو أقوى الاحتمالات، لأن مسألة وجوب معرفة الله تعالى، أهو عقلي أم شرعي؟ من أشهر مسائل علم الكلام.\nالثالث: أن هذه الجملة تشير إلى منهج جهم العام في تقديم العقل على النقل. وهذا، وإن كان أضعف من الاحتمال الأول والثاني، إلا أنه لازمه.\nالرابع: حصول معرفة الله تعالى بالعقل، بمعنى أن معرفة الله تعالى أمر عقلي. وهذا الرابع -وإن كان يقول به الجهم-إلا أنه ليس مراد الشهرستاني، بدليل أنه قال إن جهما (موافق للمعتزلة) في هذا الأمر، مخالف للأشعرية، كما يدل السياق على ذلك. فالأشاعرة وافقوا المعتزلة في قولهم إن معرفة الله تعالى أمر عقلي، ولكنهم خالفوهم في وجوب المعرفة: هل هو شرعي أم عقلي؟ فثبت أن هذا المعنى الرابع ليس مرادًا للشهرستاني، والله أعلم.","vol":"1","page":120},{"text":"كما يدل على منهجه هذا: مقالاته الكثيرة التي ليس عليها أدني دليل لا من الكتاب ولا من السنة، بل كلها مبنية على ما يزعمه أصول عقلية، وهي في الحقيقة أصول يونانية جاهلية.\nفمثلا قوله في الإيمان وأنه مجرد المعرفة، وأخذه بدليل الأعراض وحدوث الأجسام، إنكاره ما ورد من الكتاب والسنة من الأسماء والصفات، وإنكاره الشفاعة، وعذاب القبر، والصراط، وإنكاره للملائكة، وغير ذلك من عقائده، يدل دلالة واضحة بأنه لم يكن يهتم بنصوص الكتاب والسنة، ولا يعطي لهما وزنة، بل جميع هذه الأقوال مبنية على أصول فاسدة وأقوال مستوردة.\nفشأن جهم كشأن من بعده من أرباب الكلام المتبعين له، «ومعلوم أن أئمة الجهمية النفاة والمعتزلة وأمثالهم من أبعد الناس عن العلم بمعاني القرآن والأخبار وأقوال السلف، وتجد أئمتهم من أبعد الناس عن الاستدلال بالكتاب والسنة.","vol":"1","page":121},{"text":"وإنما عمدتهم في الشرعيات على ما يظنونه إجماعا، مع كثرة خطئهم فيما يظنونه إجماعًا، وليس بإجماع. وعمدتهم في أصول الدين على ما يظنونه عقليات، وهي جهليات» (^١).\nفخلاصة القول إن الجهم كان يدعو لأمور منها:\n١ - إنكار الأسماء والصفات.\nفالجهم بن صفوان أنكر الأسماء والصفات.\n٢ - قوله بأن الإيمان هو المعرفة.\nفقد كان في مسائل الإيمان على الإرجاء يقول: \"إن الإيمان هو مجرد المعرفة\" (^٢).\n٣ - القول بفناء الجنة والنار.\nكذلك كان يدعو للقول بفناء الجنة والنار معًا.\n٤ - القول بالجبر في باب القدر.\nفقد كان كذلك جبريًا في باب القدر، يقول: \"إن العبد مجبور\" (^٣).\nوالمعتزلة كانوا في الصفِّ المقابل إذ ذاك لأنهم يقولون بمقالة القدرية،\n_________\n(^١) من كلام شيخ الإسلام في درء التعارض (٧/ ٢٩).\n(^٢) انظر كتاب سير اعلام النبلاء الجزء السادس، صفحة (٢٧).\n(^٣) انظر كتاب الملل والنحل الجزء الأول، صفحة (٨٥).","vol":"1","page":122},{"text":"أي إنكار قدرة الله ﷾، وأما الجهم فهو ينكر قدرة العبد ويقول: إن العبد مجبور على فعله، والناس في القدر ثلاثة: إما أن يكونوا قدرية، أو جبرية، أو أهل السنة والجماعة.\nفالجبرية الذين ينكرون قدرة العبد ويقولون: إن العبد مجبور على فعله وهذا قول الجهمية، أتباع جهم.\nوالقدرية الذين يقولون: إن الله ﷾ ليس له قدرة ولا تصرُّف في فعل العبد وإنما العبد هو الذي يخلق فعل نفسه، وليس لله تعالى قدرة أو تصرُّف في فعل العبد، فهم في مقابل الجهمية إذ ذاك.\nفهذه أشهر ما عند الجهم من المقالات، ومقالات الجهم كان لها أتباعها، وكان أتباعها في المشرق جهة خرسان.\nلذلك كان أئمة السنة في المشرق أقوالهم وآثارهم أكثر في مسائل الجهمية من العلماء في الشام، أو العلماء في الحجاز، أو علماء السنة كذلك في مصر وغيرها؛ لأن ظهور المقالة كان في جهة المشرق جهة خرسان. ولذلك كان تأثر الأحناف بهذه المقالة أكثر من تأثر غيرهم في ذلك الحين، حتى أن بشر المريسي كان من الحنفية ولذلك أبو يوسف تلميذ أبي حنيفة عنَّف بشرًا وحاكمه على مقولته هذه.\nفكان تأثر الأحناف بهذه المقالة باعتبار أن ظهورها كان في المشرق، وكان لمذهب أبي حنيفة قبولًا في ذلك الاتجاه أي في خرسان.","vol":"1","page":123},{"text":"فالمعتزلة في ذلك الحين لم يكونوا بعد قد تأثروا بمقالة الجهمية في نفي الصفات، ولذلك فإن العلماء إذا نسبوا هذه المقالة قالوا: مقالة الجهمية.\nومقالة التجهم تشمل: أتباع الجهم الجهمية، والمعتزلة، والكلابية، والأشاعرة، والماتريدية.\nإذًا كما أن أهل الإرجاء خمسة، فإن أهل التجهم خمسة. فلذلك لفظ الجهمية تارة يراد به معنىً عامًّا يشمل كل من قال بنفي الصفات، فيدخل في ذلك أتباع الجهم، والمعتزلة، والكلابية، والأشاعرة، والماتريدية، وتارة يراد به الجهمية المحضة.\nفعلى المعنى الأول يقسمونهم إلى ثلاثة أقسام:\nالقسم الأول: الغالية أتباع الجهم.\nالقسم الثاني: المعتزلة.\nالقسم الثالث: الصفاتية.\nأو يقسمونهم إلى ثلاث درجات:\nالدرجة الأولى: الغالية ويراد بهم أتباع الجهم؛ لأن هؤلاء يقولون بإنكار جميع الأسماء والصفات، لا يثبتون اسمًا، فالجهم يقول: \"إن الله لا يسمَّى بشيء\" (^١)،\n_________\n(^١) انظر كتاب العرش للذهبي الجزء الأول، صفحة (٧٨).","vol":"1","page":124},{"text":"وهناك قول آخر يقول فيه: \"إن الله يسمَّى باسمين فقط: الخالق، والقادر\" (^١)؛ لأنه يزعم أن هذين الاسمين ليس فيهما تشبيه، باعتبار أنه جبري فبالتالي يرى أن القدرة أمر يختص له الخالق، وأن العبد لا قدرة له ولا اختيار، فيقول: لأن الله تعالى يتفرد بالخلق والقدرة، فبالتالي لا تشبيه في هذين الاسمين فلا مانع من ذلك.\nفهو تارة يقول: إن الله لا يسمَّى بشيء، وتارة يجيز اسمين فقط وهما الخالق والقادر، وأما الصفات فإنه ينفيها جميعًا، ينفي جميع الصفات، فلذلك يقال عنهم: الغالية.\nوالدرجة الثانية: وهم المعتزلة وتعطيلهم أقل درجة، لأنهم يقتصرون على نفي الصفات، ويثبتون الأسماء، وإن كان ينبغي أن تفهم أن إثباتهم للأسماء إنما هو إثبات شكلي، لأنهم يثبتون ألفاظها وينفون معانيها، وهم يقولون: سميع بلا سمع، ويثبتون الأسماء إثباتًا شكليًّا وينفون الصفات.\nالدرجة الثالثة: هم الصفاتية، وإذا قيل: الصفاتية، فإن هذا المصطلح يعني الكلابية، والأشاعرة، والماتريدية.\nوهؤلاء ينقسمون إلى قسمين:\nالقسم الأول: الكلابية ومعهم قدماء الأشاعرة، وإثباتهم أكثر من إثبات المتأخرين، فهم يثبتون الصفات ما عدا الصفات الاختيارية، صفات الأفعال مثل: النزول، والاستواء، والغضب، والرضا، والضحك، وغير ذلك هذه يحرِّفونها، وأما الصفات الذاتية فإنهم يثبتونها.\n_________\n(^١) انظر كتاب العرش للذهبي الجزء الأول، صفحة (٨٢).","vol":"1","page":125},{"text":"القسم الثاني: متأخرو الأشاعرة لأن الأشاعرة ينقسمون إلى قسمين: متقدمين، ومتأخرين. فمن طبقة الجويني ومن بعده كالغزالي والرازي، إلى يومنا هذا هؤلاء هم المتأخرون الذين يقولون بإثبات سبع صفات فقط، ونفي ما عدا السبع.\nولذلك لو جمعت بين كتاب للبيهقي وكتاب للجويني أو الغزالي أو الرازي، تجد أن إثبات البيهقي وهو من قدماء الأشاعرة أكثر بكثير مما عند الجويني أو الغزالي أو الرازي لأن المتأخرين كانوا أكثر قربًا إلى المعتزلة، فلذلك نفيهم كان أكثر وأكثر، هؤلاء المتأخرون كانوا أكثر قربًا إلى المعتزلة، فلذلك هم في النفي أكثر. أما المتقدمون من الأشاعرة فكانوا أقرب إلى أهل السنة فلذلك كان إثباتهم أكثر.\nفهذا من حيث إطلاق لفظ الجهمية، فتارة يراد به جميع من قال بنفي الصفات، فلفظ الجهمية كلفظة الإرجاء، يشمل عددًا من الفرق وهي خمسة، كما أن الإرجاء خمسة. فإذا قيل الجهمية على هذا، فإن المقصود به المقالة، وفرقٌ بين المقالة والفرقة، فالمقالة قد يشترك فيها أكثر من طائفة، والفرقة تختص بطائفة معينة لها عدد من الأقوال والمقالات.\nوالجهمية استمرت مقالاتهم حتى القرن الخامس الهجري تقريبًا، كان يذكرون أنه ما يزال منهم في المشرق من يقول بمقالتهم، وكان آخر ما ذكر في ذلك أنها كانت في نهاوند إلى أن تلاشت ودخل أتباعها في الأشعرية، هذا أخر ما ذكر عن تاريخ الجهمية. فهذا يعني أنه كان لهم وجود.","vol":"1","page":126},{"text":"قال المصنف-رحمه الله تعالى-:\n\n\"[وأما الجهمية (^١)] فقد أجمع من أدركنا من أهل العلم [أنهم قالوا] (^٢)<span data-type='title' id=toc-30> الجهمية افترقت ثلاث فرق.</span>\nفقالت طائفة منهم القرآن كلام الله [وهو] (^٣) مخلوق.\nوقالت طائفة القرآن كلام الله وسكتت وهي الواقفة الملعونة (^٤).\nوقال بعضهم ألفاظنا بالقرآن مخلوقة.\nفكل هؤلاء جهمية كفار يستتابون فإن تابوا وإلا قتلوا (^٥) وأجمع من أدركنا من أهل العلم أن من هذه مقالته-إن لم يتب-لم يناكح، ولا يجوز قضاؤه، ولا تؤكل ذبيحته (^٦) \".\n<hr><s0>\n\nويمكن تفصيل القول في هذه المسألة من خلال النقاط الآتية:\n_________\n(^١) ما بين معكوفتين من كتاب مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص (٢٢٥) ومختصر الحجة على تارك المحجة (٢/ ٣٦٩).\n(^٢) ما بين معكوفتين من كتاب مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص (٢٢٥).\n(^٣) ما بين معكوفتين من كتاب مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص (٢٢٥).\n(^٤) في كتاب مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص (٢٢٦) ومختصر الحجة على تارك المحجة (٢/ ٣٦٩). (وقال بعضهم: القرآن كلام الله، وسكت وهم الواقفة).\n(^٥) نص عبارة كتاب مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص (٢٢٦) (فهؤلاء كلهم جهمية).\n(^٦) نص عبارة كتاب مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص (٢٢٦) (وأجمعوا على أن من كان هذا قوله، فحكمه إن لم يتب، لم تحل ذبيحته ولا تجوز قضاياه). وفي مختصر الحجة على تارك المحجة (٢/ ٣٦٧) (وأجمعوا على أن من هذا قوله فحكمه-إن لم يتب-لم تحل ذبيحته حتى يتوب، ولا يناكح، ولا يجوز قضاؤه).","vol":"1","page":127},{"text":"النقطة الأولى:<span data-type='title' id=toc-31> تاريخ هذه المقالة.</span>\nوأول من قال هذه المقالة في الإسلام الجعد بن درهم فضحى به خالد بن عبد الله القسري يوم أضحى، فإنه خطب الناس فقال في خطبته: ضحوا أيها الناس، تقبل الله ضحاياكم فإني مضحٍ بالجعد بن درهم، إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلًا، ولم يكلم موسى تكليمًا، تعالى الله عما يقول الجعد علوًا كبيرًا. ثم نزل فذبحه. وكان ذلك في زمن التابعين فشكروا ذلك.\nوأخذ هذه المقالة عنه جهم بن صفوان وقتله بخراسان سلمة بن أحور، وإليه نسبت هذه المقالة التي تسمى مقالة الجهمية، وهي نفي صفات الله تعالى، فإنهم يقولون: إن الله لا يرى في الآخرة ولا يكلم عباده، وأنه ليس له علم ولا حياة ولا قدرة ونحو ذلك من الصفات، ويقولون القرآن مخلوق.\nووافق الجهم على ذلك المعتزلة أصحاب عمرو بن عبيد وضموا إليها بدعًا أخرى في القدر وغيره، لكن المعتزلة يقولون إن الله كلم موسى حقيقة وتكلم حقيقة، لكن حقيقة ذلك عندهم أنه خلق كلامًا في غيره إما في شجرة وإما في هواء وإما في غير ذلك من غير أن يقوم بذات الله عندهم كلام ولا علم ولا قدرة ولا رحمة ولا مشيئة ولا حياة ولا شيء من الصفات.\nالنقطة الثانية: أقسام الجهمية في هذه المسألة.\nوالجهمية ينقسمون إلى قسمين من حيث التصريح بحقيقة هذا القول من عدمه:","vol":"1","page":128},{"text":"القسم الأول: تارة يبوحون بحقيقة القول، فيقولون: أن الله لم يكلم موسى تكليمًا ولا يتكلم.\nالقسم الثاني: وتارة لا يظهرون هذا اللفظ لما فيه من الشناعة المخالفة لدين الإسلام واليهود والنصارى، فيقرون باللفظ ولكن يقرنونه بأنه خلق في غيره كلامًا.\nوقد تولى كِبْر مسألة القول بخلق القرآن: الجهميةُ والمعتزلة النفاة للصفات.\nوادعاء القول بأن القرآن مخلوق، هو جرم عظيم وذنب كبير، لسببين:\nالأول: أن هذا الادِّعاءَ قولٌ على الله بغير علم، وجعل الله القولَ عليه بغير علم فوق الشرك؛ قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣].\nفجعل القول على الله بلا علم فوق الشرك.\nالثاني: أنه كذب على الله؛ قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ [الزمر: ٦٠]؛ فهو متوعَّدٌ بأن يسودَّ وجهُه يوم القيامة، نعوذ بالله.\nومعنى افتراء الجهمية والمعتزلة هذا: أن الله لم يكن قبل ذلك متكلمًا، ثم تكلم، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا.","vol":"1","page":129},{"text":"النقطة الثالثة: قول أهل السنة في المسألة.\n\n<span data-type='title' id=toc-33>مذهب أئمَّة الحديث والسنَّة: أن الله تعالى لم يَزل متكلِّمًا، إذا شاء، ومتى شاء، وكيف شاء، وهو يتكلَّمُ بصوت يُسمَع،</span> وأن نوع الكلام قديم، وإن لم يكن الصوت المعين قديمًا.\nوقد أثبت الله الكلام لنفسه، خلافًا لما يعتقده الضالون، فقال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، وكذلك أثبته لنفسه في الآخرة بعد دخول أهل الجنة؛ فعن جابر ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «بَيْنا أهلُ الجنة في نعيم إذ سطَع لهم نور، فرفعوا أبصارهم، فإذا الربُّ ﷻ قد أشرَف عليهم من فوقهم، فقال: السلام عليكم يا أهل الجنة …»؛ الحديثَ (^١).\nوبوَّب البخاري في «صحيحه» على ذلك فقال: «باب كلام الرب ﵎ مع أهل الجنة» (^٢)، وقال لأهل النار: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨].\n\"فأئمة الدين كلهم متفقون على ما جاء به الكتاب والسنة واتفق عليه سلف الأمة من أن الله كلم موسى تكليمًا، وأن القرآن كلام الله غير مخلوق، كما\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (١٨٤)، وابن أبي الدنيا في «صفة الجنة» (٩٨) باختلاف يسير، والبزار كما في «مجمع الزوائد» للهيثمي (٧/ ١٠١) واللفظ له.\n(^٢) «صحيح البخاري» (٩/ ١٥١).","vol":"1","page":130},{"text":"تواترت به الأحاديث عن النبي ﷺ وأن لله علمًا وقدرة ونحو ذلك.\nوأما إطلاق القول بأن الله لم يكلم موسى فهذه مناقضة لنص القرآن فهو أعظم من القول بأن القرآن مخلوق، وهذا بلا ريب يستتاب فإن تاب وإلا قتل، فإنه أنكر نص القرآن، وبذلك أفتى الأئمة والسلف في مثله، والذي يقول القرآن مخلوق فهو في المعنى موافق له فلذلك كفره السلف.\nومعنى كلام هؤلاء السلف ﵃: إن من قال أن كلام الله مخلوق خلقه في الشجرة أو غيرها كما قال هذا الجهمي المعتزلي المسؤول عنه، كان حقيقة قوله أن الشجرة هي التي قالت لموسى (إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي)] طه: ١٤ [ومن قال هذا مخلوق قال ذلك، فهذا المخلوق عنده كفرعون الذي قال: أنا ربكم الأعلى، كلاهما مخلوق، وكلاهما قال ذلك، فإن كان قول فرعون كفرًا فقول هؤلاء أيضًا كفر.\nولا ريب أن قول هؤلاء يؤول إلى قول فرعون وإن كانوا لا يفهمون ذلك، فإن فرعون كذب موسى فيما أخبر به: من أن ربه هو الأعلى، وأنه كلمه كما قال تعالى: (وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحًا لعلي أبلغ الأسباب، أسباب السموات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبًا)] غافر: ٣٦ - ٣٧ [وهو قد كذب موسى في أن الله كلمه، ولكن هؤلاء يقولون إذا خلق كلامًا في غيره صار هو المتكلم به وذلك باطل وضلال من وجوه كثيرة:","vol":"1","page":131},{"text":"أحدها: أن الله سبحانه أنطق الأشياء كلها نطقًا معتادًا ونطقًا خارجًا عن المعتاد،\nقال تعالى: (اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون)] يس: ٦٥ [\nوقال تعالى: (حتى إذا ما جاؤوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون، وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء)] فصلت: ٢٠ - ٢١. [\nوقال تعالى: (يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون)] النور: ٢٤ [\nوقد قال تعالى: (إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق)] ص: ١٨ [وقد ثبت أن الحصى كان يسبح في يد النبي ﷺ، وأن الحجر كان يسلم عليه، وأمثال ذلك من إنطاق الجمادات، فلو كان إذا خلق كلامًا في غيره كان هو المتكلم به كان هذا كله كلام الله تعالى، ويكون قد كلم من سمع هذا الكلام كما كلم موسى بن عمران، بل قد ثبت أن الله خالق أفعال العباد، فكل ناطق فالله خالق نطقه وكلامه فلو كان متكلمًا بما خلقه من الكلام لكان كل كلام في الوجود كلامه حتى كلام إبليس والكفار وغيرهم، وهذا تقوله غلاة الجهمية كابن عربي وأمثاله يقولون:\nوكل كلام في الوجود كلامه … سواء علينا نثره ونظامه\nوهكذا أشباه هؤلاء من غلاة المشبهة الذين يقولون: إن كلام الآدميين غير","vol":"1","page":132},{"text":"مخلوق، فإن كل واحد من الطائفتين يجعلون كلام المخلوق بمنزلة كلام الخالق فأولئك يجعلون الجميع مخلوقًا وأن الجميع كلام الله، وهؤلاء يجعلون الجميع كلام الله وهو غير مخلوق، ولهذا كان قد حصل اتصال بين شيخ الجهمية الحلولية وشيخ المشبهة الحلولية بسبب هذه البدع وأمثالها من المنكرات المخالفة لدين الإسلام سلط الله أعداء الدين فإن الله يقول: (ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز، الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور)] الحج: ٤٠ - ٤١ [وأي معروف أعظم من الإيمان بالله وأسمائه وآياته؟ وأي منكر أعظم من الإلحاد في أسماء الله وآياته؟\nالوجه الثاني: أن يقال لهؤلاء الضالين: ما خلقه الله في غيره من الكلام وسائر الصفات فإنما يعود حكمه على ذلك المحل لا على غيره، فإذا خلق الله في بعض الأجسام حركة أو طعمًا أو لونًا أو ريحًا كان ذلك الجسم هو المتحرك المتلون المطعوم، وإذا خلق بمحل حياة أو علمًا أو قدرة أو إرادة أو كلامًا كان ذلك المحل هو الحي العالم القادر المريد المتكلم، فإذا خلق كلامًا في الشجرة أو في غيرها من الأجسام كان ذلك الجسم هو المتكلم بذلك الكلام، كما لو خلق فيه إرادة أو حياةً أو علمًا، ولا يكون الله هو المتكلم به، كما إذا خلق فيه حياة أو قدرة أو سمعًا أو بصرًا كان ذلك المحل هو الحي به والقادر به والسميع به والبصير به، فكما أنه سبحانه لا يجوز أن يكون متصفًا بما خلقه من الصفات المشروطة بالحياة وغير المشروطة بالحياة، فلا يكون هو","vol":"1","page":133},{"text":"المتحرك بما خلقه في غيره من الحركات، ولا المصوت بما خلقه في غيره من الأصوات ولا سمعه ولا بصره وقدرته ما خلقه في غيره من السمع والبصر والقدرة فكذلك لا يكون كلامه ما خلقه في غيره من الكلام ولا يكون متكلمًا بذلك الكلام.\nالوجه الثالث: أن الاسم المشتق من معنى لا يتحقق بدون ذلك المعنى، فاسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة وأفعال التفضيل يمتنع ثبوت معناها دون معنى المصدر التي هي مشتقة منه، والناس متفقون على أنه لا يكون متحرك ولا متكلم إلا بحركة وكلام، فلا يكون مريد إلا بإرادة، وكذلك لا يكون عالم إلا بعلم ولا قادر إلا بقدرة ونحو ذلك.\nثم هذه الأسماء المشتقة من المصدر إنما يسمى بها من قام به مسمى المصدر، فإنما يسمى بالحي من قامت به الحياة، وبالمتحرك من قامت به الحركة، وبالعالم من قام به العلم، وبالقادر من قامت به القدرة، فأما من لم يقم به مسمى المصدر فيمتنع أن يسمى باسم الفاعل ونحوه من الصفات، وهذا معلوم بالاعتبار في جميع النظائر، وذلك لأن اسم الفاعل ونحوه من المشتقات هو مركب يدل على الذات وعلى الصفة والمركب يمتنع تحققه بدون تحقق مفرداته، وهذا كما أنه ثابت في الأسماء المشتقة فكذلك في الأفعال مثل تكلم وكلم ويتكلم وعلم ويعلم وسمع ويسمع ورأى ويرى ونحو ذلك سواء، قيل أن الفعل مشتق من المصدر أو المصدر مشتق من الفعل، لا نزاع بين الناس أن فاعل الفعل هو فاعل المصدر، فإذا قيل كلم أو علم أو تكلم أو","vol":"1","page":134},{"text":"تعلم ففاعل التكليم والتعليم هو المكلم والمعلم، وكذلك التعلم والتكلم، والفاعل هو الذي قام به المصدر الذي هو التكليم والتعليم والتكلم والتعلم، فإذا قيل: تكلم فلان أو كلم فلان فلانًا ففلان هو المتكلم والمكلم، فقوله تعالى: وكلم الله موسى تكليمًا] النساء: ١٦٤ [وقوله): تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله، ورفع بعضهم درجات)] البقرة: ٢٥٣ [وقوله: (ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه)] الأعراف: ١٤٣ [يقتضي أن الله هو المكلم، فكما يمتنع أن يقال: هو المتكلم بكلام قائم بغيره يمتنع أن يقال كلم بكلام قائم بغيره فهذه ثلاثة أوجه:\nأحدها: أنه يلزم الجهمية على قولهم أن يكون كل كلام خلقه الله كلامًا له إذ لا معنى لكون القرآن كلام الله إلا كونه خلقه، وكل من فعل كلامًا ولو في غيره كان متكلمًا به عندهم، وليس للكلام عندهم مدلول يقوم بذات الرب تعالى لو كان مدلولا قائمًا يدل لكونه خلق صوتًا في محل والدليل يجب طرده فيجب أن يكون كل صوت يخلقه له كذلك وهم يجوزون أن يكون الصوت المخلوق على جميع الصفات، فلا يبقى فرق بين الصوت الذي هو كلام الله تعالى على قولهم والصوت الذي هو ليس بكلام.","vol":"1","page":135},{"text":"الثاني: أن الصفة إذا قامت بمحل كالعلم والقدرة والكلام والحركة عاد حكمه إلى ذلك المحل ولا يعود حكمه إلى غيره.\nالثالث: أنه مشتق المصدر منه اسم الفاعل والصفة المشبهة به ونحو ذلك ولا يشتق ذلك لغيره وهذا كله بين ظاهر وهو ما يبين قول السلف والأئمة أن من قال أن الله خلق كلامًا في غيره لزمه أن يكون حكم التكلم عائدًا إلى ذلك المحل لا إلى الله.\nالرابع: أن الله أكد تكليم موسى بالمصدر فقال تكليمًا، قال غير واحد من العلماء: التوكيد بالمصدر ينفي المجاز، لئلا يظن أنه أرسل إليه رسولًا أو كتب إليه كتابًا بل كلمه منه إليه.\nوالخامس: أن الله فضل موسى بتكليمه إياه على غيره ممن لم يكلمه وقال (وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيًا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولًا)] الشورى: ٥١ [الآية، فكان تكليم موسى من وراء الحجاب، وقال (يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي)] الأعراف: ١٤٤ [وقال (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإْسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا)] النساء: ١٦٣ - ١٦٤]، والوحي هو ما نزله الله على قلوب الأنبياء بلا واسطة فلو كان تكليمه","vol":"1","page":136},{"text":"لموسى إنما هو صوت خلقه في الهواء لكان وحي الأنبياء أفضل منه، لأن أولئك عرفوا المعنى المقصود بلا واسطة، وموسى إنما عرفه بواسطة، ولهذا كان غلاة الجهمية من الاتحادية ونحوهم يدعون أن ما يحصل لهم من الإلهام أفضل مما حصل لموسى بن عمران وهذا من أعظم الكفر باتفاق المسلمين.\nولما فهم السلف حقيقة مذهب هؤلاء وأنه يقتضي تعطيل الرسالة فإن الرسل إنما بعثوا ليبلغوا كلام الله، بل يقتضي تعطيل التوحيد، فإن من لا يتكلم ولا يقوم به علم ولا حياة هو كالموات، بل من لا تقوم به الصفات فهو عدم محض إذ ذات لا صفة لها إنما يمكن تقديرها في الذهن لا في الخارج كتقدير وجود مطلق لا يتعين ولا يتخصص.\nفكان قول هؤلاء مضاهيًا لقول المتفلسفة الدهرية الذين يجعلون وجود الرب وجودًا مطلقًا بشرط الإطلاق لا صفة له، وقد علم أن المطلق بشرط الإطلاق لا يوجد إلا في الذهن، وهؤلاء الدهرية ينكرون أيضًا حقيقة تكليمه لموسى ويقولون إنما هو فيض فاض عليه من العقل الفعال، وهكذا يقولون في الوحي إلى جميع الأنبياء وحقيقة قولهم إن القرآن قول البشر لكنه صدر عن نفس صافية شريفة، وإذا كانت المعتزلة خيرًا من هؤلاء وقد كفر السلف من يقول بقولهم فكيف هؤلاء؟ وكلام السلف والأئمة في مثل هؤلاء لا يحصى قال حرب بن إسماعيل الكرماني: سمعت إسحاق بن راهويه يقول:","vol":"1","page":137},{"text":"بين أهل العلم اختلاف أن القرآن كلام الله وليس بمخلوق، وكيف يكون شيء من الرب عز ذكره مخلوقًا؟ ولو كان كما قالوا لزمهم أن يقولوا علم الله وقدرته ومشيئته مخلوقة، فإن قالوا ذلك لزمهم أن يقولوا كان الله تبارك اسمه ولا علم ولا قدرة ولا مشيئة، وهو الكفر المحض الواضح لم يزل الله عالمًا متكلمًا له المشيئة في خلقه، والقرآن كلام الله وليس بمخلوق فمن زعم أنه مخلوق فهو كافر.\nوهذه المسألة في أصول أهل الإيمان والسنة التي فارقوا بها الجهمية من المعتزلة والفلاسفة ونحوهم، والكلام عليها مبسوط في غير هذا الموضع والله أعلم \" (^١)\n\nالنقطة الرابعة:<span data-type='title' id=toc-35> مسالة القول لفظي بالقرآن مخلوق أو غير مخلوق.</span>\nأصل النزاع في المسألة:\nمسألة خلق القرآن حدثت في زمن محنة الجهمية والفتنة المشهورة فهي وليدة هذه الفتنة ومنها نشأ النزاع فيها هل الإيمان مخلوق أم لا؟\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ لما سئل: هل الإيمان مخلوق أم غير مخلوق؟\n(فالجواب أن هذه المسألة نشأ النزاع فيها لما ظهرت محنة الجهمية في\n_________\n(^١) المصدر: مجموعة الرسائل والمسائل لابن تيمية - ١/ ٤٧٤","vol":"1","page":138},{"text":"القرآن هل هو مخلوق أم غير مخلوق؟ وهي محنة الإمام أحمد وغيره من علماء المسلمين، وقد جرت بها أمور يطول وصفها هنا، لكن لما ظهر القول بأن القرآن كلام الله غير مخلوق، وأطفأ الله نار الجهمية المعطلة.\nصارت طائفة يقولون: إن كلام الله الذي أنزله مخلوق، ويعبرون عن ذلك باللفظ، فصاروا يقولون ألفاظنا بالقرآن مخلوقة، أو تلاوتنا أو قراءتنا مخلوقة، وليس مقصودهم مجرد كلامهم وحركاتهم بل يدخلون فيه نفس كلام الله الذي نقرؤه بأصواتنا وحركاتنا.\nوعارضهم طائفة أخرى فقالوا: ألفاظنا بالقرآن غير مخلوقة.\nفرد الإمام أحمد على الطائفتين وقال: من قال: لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي ومن قال غير مخلوق فهو مبتدع. وتكلم الناس حينئذ بالإيمان فقالت طائفة: الإيمان مخلوق وأدرجوا في ذلك ما تكلم الله به من الإيمان مثل (قول لا إله إلا الله)، فصار مقتضى قولهم أن هذه الكلمة مخلوقة، ولم يتكلم الله بها، فبدع الإمام أحمد هؤلاء، وقال: قال النبي ﷺ:» الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها: قول لا إله إلا الله (^١) «أفيكون قول لا إله إلا الله مخلوقا؟.\nومراده أن من قال: إن ألفاظنا وتلاوتنا وقراءتنا للقرآن مخلوقة، كان\n_________\n(^١) رواه البخاري (٩) ومسلم (٣٥)","vol":"1","page":139},{"text":"مقتضى كلامه أن الله لم يتكلم بالقرآن الذي أنزله. وأن القرآن المنزل ليس هو كلام الله) (^١)\nوقال ﵀: (وإذا قال: الإيمان مخلوق أو غير مخلوق؟ قيل له: ما تريد (بالإيمان)؟ أتريد شيئا من صفات الله وكلامه، كقول (لا إله إلا الله) و(إيمانه) الذي دل عليه اسمه المؤمن، فهو غير مخلوق. أو تريد شيئا من أفعال العباد وصفاتهم فالعباد كلهم مخلوقون، وجميع أفعالهم وصفاتهم مخلوقة، ولا يكون للعبد المحدث المخلوق صفة قديمة غير مخلوقة، ولا يقول هذا من يتصور ما يقول، فإذا حصل الاستفسار والتفصيل ظهر الهدى وبان السبيل، وقد قيل أكثر اختلاف العقلاء من جهة اشتراك الأسماء، وأمثالها مما كثر فيه تنازع الناس بالنفي والإثبات إذا فصل فيها الخطاب، ظهر الخطأ من الصواب.\nوالواجب على الخلق أن ما أثبته الكتاب والسنة أثبتوه، وما نفاه الكتاب والسنة نفوه، وما لم ينطق به الكتاب والسنة لا بنفي ولا إثبات استفصلوا فيه قول القائل: فمن أثبت ما أثبته الله ورسوله، فقد أصاب، ومن نفى ما نفاه الله ورسوله فقد أصاب، ومن أثبت ما نفاه الله أو نفى ما أثبته الله فقد لبس دين الحق بالباطل، فيجب أن يفصل ما في كلامه من حق أو باطل، فيتبع الحق ويترك الباطل، وكل من خالف الكتاب والسنة فإنه مخالف أيضا لصريح المعقول، فإن العقل الصريح لا يخالف النقل الصحيح، كما أن المنقول عن\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٧/ ٦٥٥","vol":"1","page":140},{"text":"الأنبياء ﵈ لا يخالف بعضه بعضا، ولكن كثيرا من الناس يظن تناقض ذلك، وهؤلاء من الذين اختلفوا في الكتاب ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [البقرة الآية: ١٧٦]، ونسأل الله أن يهدينا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم عليهم من الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا) (^١)\nقال الإمام أحمد-﵁: من قال: الإيمان مخلوق كفر، ومن قال: غير مخلوق ابتدع. فقيل: بالوقف مطلقا، وقيل: أقواله قديمة وأفعاله مخلوقة. قال ابن حمدان في نهاية المبتدئين: وهو أصح، ونقله عن ابن أبي موسى وغيره. ونقل الإمام الحافظ ابن رجب في طبقات الأصحاب في ترجمة الحافظ عبد الغني المقدسي-قدس الله روحه -ما لفظه قال: روي عن إمامنا أحمد-﵁-أنه قال: من قال: الإيمان مخلوق فهو كافر، ومن قال: قديم فهو مبتدع.\nقال الحافظ عبد الغني: وإنما كفر من قال بخلقه؛ لأن الصلاة من الإيمان، وهي تشتمل على قراءة وتسبيح وذكر الله-﷿-ومن قال بخلق ذلك كفر، وتشتمل على قيام وقعود وحركة وسكون ومن قال بقدم ذلك ابتدع. انتهى بحروفه، والله-تعالى-الموفق) (^٢)\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٧/ ٦٦٤\n(^٢) لوامع الأنوار البهية ١/ ٤٤٦","vol":"1","page":141},{"text":"وأما مسألة: هل اللفظ بالقرآن مخلوق أو لا؟ هل يجوز أن يقول القائل: لفظي بالقرآن مخلوق؟\nفاللفظ يأتي بمعنى: التلفظ، ويأتي بمعنى الملفوظ؛ هل هو الملفوظ الخارج، أو حركة اللسان التلفظ؟\nفمعلوم أنه إن أريد الأول وهو التلفظ: فالتلفظ من أفعال العبد، وأفعال العباد مخلوقة.\nوإن عُني باللفظ الملفوظ فالملفوظ هو القرآن.\nلهذا صارت الكلمة محتملة، واستعمال المحتملات في العقيدة بدعة؛ فإنه لا يجوز أن تستعمل مثل هذه العبارة التي قد تحتمل شيئًا آخر؛ فيفهم الناس منها فهمًا غير سليم.\nولهذا كان الإمام أحمد يقول: «مَنْ قال: لفظي بالقرآن مخلوق فهو مبتدع، ومن قال: لفظي بالقرآن غير مخلوق فهو مبتدع أيضًا»؛ لأنها تحتمل هذه وهذه، وقد سكت السلف عن الإطلاق؛ لأنَّ الألفاظ المحتملة فيما يتصل بذات الله جل وعلا أو صفاته أو أفعاله أو أمور العقيدة والغيبيات لا يجوز استعمالها، وينهى عنها.\nولهذا قال ابن القيم ﵀:\nوَعَلَيْكَ بِالتَّفْصِيلِ وَالتَّبْيِينِ فَالْ … إِطْلَاقُ وَالإِجْمَالُ دُونَ بَيَانِ","vol":"1","page":142},{"text":"قَدْ أَفْسَدَا هَذَا الوُجُودَ وَخَبَّطَا ال … أَذْهَانَ وَالآرَاءَ كُلَّ زَمَانِ (^١)\nومعلوم أنه ثَمَّ فرق ما بين التلاوة وبين المتلو، وما بين الدراسة والمدروس، وما بين القراءة والمقروء، فكما قال أئمة السلف: الصوت صوت القاري والكلام كلام الباري جل وعلا، فالجهة منفكة لا تلازم بين التلاوة والمتلو؛ لأن التلاوة فِعل العبد والمتلو كلام الله جل وعلا، ولهذا بدَّع السلف من قال: لفظي بالقرآن مخلوق؛ لأن كلمة (لفظي) تحتمل أن يكون المراد التلفظ الذي هو عمل العبد؛ فتكون الكلمة صحيحة، وأما الملفوظ فهو كلام الحق جل وعلا فليس بمخلوق.\nلذا استعمل هذه اللفظة بعض أهل البدع والاعتزال والجهمية ليستروا قولهم بخلق القرآن؛ فاستعملوا قولًا محتملًا حتى لا يقعوا في المساءلة والعقاب.\nوقد رأي الإمام أحمد وبعض الأئمة أنه لا يُقال: اللفظ بالقرآن مخلوق، ولا يقال: غير مخلوق؛ لأن الكلام هنا محتمل، فعندما يقول القائل: لفظي بالقرآن مخلوق، فهل يقصد به القرآن الذي هو كلام الله تعالى، أو يقصد فعل المخلوق؟\nفإن قال: اللفظ بالقرآن غير مخلوق، فقد لا يقصد هنا كلام الله تعالى، وإنما يقصد كلامه هو، وهذا خطأ؛ لأن نطق الإنسان مخلوق، فالمسألة تكون\n_________\n(^١) انظر: «الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية» لابن القيم.","vol":"1","page":143},{"text":"محتملة، فمن هذا الباب باب منع الإمام أحمد والأئمة من أهل السنة أن يُقال: لفظي القرآن مخلوق أو غير مخلوق؛ لأن هذا اللفظ محتمل.\nبينما ينص الإمام البخاري وبعض أهل السنة على أن اللفظ بالقرآن الذي هو نطق الإنسان مخلوق، فإذًا فَصَّلوا وبيَّنوا أنه إذا قصد النطق فهذا مخلوق، وإذا قصد الأصل الذي هو كلام الله ﷾ الملفوظ، فهذا غير مخلوق.\nوحدثت في هذه المسألة فتنة للبخاري، أثارها عليه شيخه محمد بن يحيى الذهلي، ودافع عنه ابن القيم في كتابه «الصواعق»، وقال: «إن البخاري في هذه المسألة أقعد وبيَّن ووضَّح وفصَّل في هذه المسألة، وتشنيع الذهلي عليه هذا من باب الغيرة والحسد الذي بين الشيخ وتلميذه؛ لأن البخاريَّ تفوق عليه.\nفالمسألة محل خلاف، مثل مسألة الاسم والمسمَّى؛ لأن المخرج فيهما واحد؛ لأن كِلا المسألتين تعودان إلى صفة الكلام، والكلام: صفة من صفات الله ﷾ غير مخلوق، وبناء على ذلك ترتَّب خلاف في مسألة اللفظ وفي مسألة الاسم والمسمى؛ لأن أسماء الله تعالى من كلامه، والقرآن من كلامه ﷿، فحصل خلاف في هذه المسألة بناءً على ذلك.\n\"وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في رجل قال: إن الله لم يكلم موسى تكليمًا، وإنما خلق الكلام والصوت في الشجرة وموسى ﵇ سمع من الشجرة لا من الله، وأن الله ﷿ لم يكلم جبريل بالقرآن وإنما أخذه من اللوح المحفوظ، فهل هو على الصواب أم لا؟","vol":"1","page":144},{"text":"فأجاب: الحمد الله، ليس هذا على الصواب، بل هذا ضال مفتر كاذب باتفاق سلف الأمة وأئمتها، بل هو كافر يجب أن يستتاب فإن تاب وإلا قتل، وإذا قال لا أكذب بلفظ القرآن وهو قوله (وكلم الله موسى تكليمًا) بل أقر بأن هذا اللفظ حق لكن، فإن هؤلاء هم الجهمية الذين اتفق السلف والأئمة على أنهم من شر أهل الأهواء والبدع حتى أخرجهم كثير من الأئمة عن الثنتين والسبعين فرقة.\nوهذه المسألة في أصول أهل الإيمان والسنة التي فارقوا بها الجهمية من المعتزلة والفلاسفة ونحوهم، والكلام عليها مبسوط في غير هذا الموضع والله أعلم \" (^١)\n_________\n(^١) المصدر: مجموعة الرسائل والمسائل لابن تيمية - ١/ ٤٧٤","vol":"1","page":145},{"text":"قال المصنف-رحمه الله تعالى-:\n\n\"و<span data-type='title' id=toc-36>الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص،</span> زيادته إذا أحسنت، ونقصانه إذا أسأت\".\n<hr><s0>\n\nهذه المسألة يوردها العلماء ضمن مسائل الأسماء، ويحسن تناول هذه المسألة من خلال الجوانب الآتية:\n\n<span data-type='title' id=toc-37>الجانب الأول: الجانب اللغوي.</span>\nأ-المعنى اللغوي لكلمة \"آمن\":\nالإيمان مصدر آمن يؤمن إيمانا فهو مؤمن\nأ-فيرى جمع من أهل اللغة أن الإيمان في اللغة معناه: التصديق وقد حكوا الإجماع على ذلك قال الأزهري: \"واتفق أهل العلم من اللغويين وغيرهم أن الإيمان معناه التصديق\" (^١).\nواستدلوا لذلك بقوله تعالى حكاية عن إخوة يوسف لأبيهم ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ (^٢) فقالوا معناه ما أنت بمصدق لنا (^٣).\n٢ - أما علماء السلف (^٤) فيقولون إن الإيمان يأتي في اللغة لمعنيين هما:\nأ-بمعنى صدق به وذلك إذا عدي بالباء كما في قوله تعالى ﴿آمَنَ\n_________\n(^١) تهذيب اللغة (٥/ ٥١٣).\n(^٢) الآية (٧) من سورة يوسف.\n(^٣) لسان العرب لابن منظور، مادة آمن (١٣/ ٢٣).\n(^٤) شرح العقيدة الأصفهانية لشيخ الإسلام ابن تيمية (ص ١٤٣).","vol":"1","page":146},{"text":"الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ …﴾ الآية (^١) أي صدق الرسول (^٢).\nب-وبمعنى أقر له وذلك إذا عدي باللام كما في قوله تعالى ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾، وقوله تعالى ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوط﴾ (^٣).\nوقد اعترض السلف على حصر أهل اللغة لمعنى الإيمان بالتصديق فقط وقالوا: \"إن الإيمان وإن كان يتضمن التصديق فليس هو مجرد التصديق، وإنما هو الإقرار (^٤) والطمأنينة أيضا\" (^٥) واستدل السلف لقولهم بالأمور التالية:\n\nأولًا: إن<span data-type='title' id=toc-38> الترادف التام ممتنع بين التصديق والإيمان من عدة وجوه،</span> يوضحها الجدول التالي:\nالإيمان … التصديق\n-إن كلمة آمن تتعدى بالباء وباللام وقد تقدم التمثيل لذلك.\n-إن كلمة آمن تتضمن ثلاثة معان هي: الأمن، والتصديق، والأمانة.\n-إن لفظ الإيمان لا يستعمل إلا في\n_________\n(^١) الآية (٢٨٥) من سورة البقرة.\n(^٢) تفسير القرطبي (٣/ ٤٢٥).\n(^٣) الآية (٦) من سورة العنكبوت.\n(^٤) الإقرار: متضمن لمعنيين هما: قول القلب الذي هو التصديق. وعمل القلب الذي هو الانقياد. مجموع الفتاوى (٧/ ٦٣٨ - ٦٣٩).\n(^٥) الصارم المسلول لابن تيمية (ص ٥١٩).","vol":"1","page":147},{"text":"الخبر عن الغائب لأن فيه أصل معنى الأمن والائتمان وهذا إنما يكون في الخبر عن الغائب، فلا يقال لمن قال طلعت الشمس آمنا له وإنما يقال صدقناه ولهذا لم يأت في القرآن وغيره لفظ آمن له إلا في الخبر عن الغائب.\n-إن لفظ الإيمان ضده الكفر، والكفر لا يختص بالتكذيب فقط بل هو أعم منه، إذ يمكن أن يكون مخالفة ومعاداة بلا تكذيب ومع ذلك يسمى كفرا كما لو قال شخص: أنا أعلم أنك صادق، ولكن لا أتبعك بل أعاديك وأبغضك وأخالفك، فهذا كفر أعظم.\n-أما كلمة \"صدق\" فلا تتعدى باللام فلا يقال \"صدق له\" إنما يقال \"صدق به\" فهي تتعدى بالباء وبنفسها فيقال صدقه .... -أما كلمة صدق فلا تتضمن معنى الأمن والأمانة.\n-أما لفظ التصديق فيستعمل في كل مخبر عن مشاهد أو غيب، فمن قال السماء فوقنا، قيل له: صدقت.\n-أما لفظ التصديق ضده التكذيب فقط.","vol":"1","page":148},{"text":"وبهذا يتبين عدم الترادف التام بين اللفظين، وأن الإيمان ليس التصديق فقط (^١) كما أن الكفر ليس التكذيب فقط.\n\nثانيًا:<span data-type='title' id=toc-39> من المعلوم أن كلام الله وشرعه إنما هو خبر وأمر.</span>\nفالخبر: يستوجب تصديق الخبر.\nوالأمر يستوجب الانقياد له والاستسلام، وهو عمل في القلب، جماعه: الخضوع والانقياد للأمر، وإن لم يفعل المأمور به.\nفإذا قوبل الخبر بالتصديق، والأمر بالانقياد، فقد حصل أصل الإيمان في القلب وهو \"الطمأنينة والإقرار\" فإن اشتقاقه من الأمن الذي هو القرار والطمأنينة، وذلك إنما يحصل إذا استقر في القلب التصديق والانقياد. فلو فُسِّر الإيمان بالتصديق فقط، كما قال أهل اللغة، فإن التصديق إنما يعرض للجزء الأول من الشرع فقط الذي هو الخبر، ولا يعرض للجزء الثاني وهو الأمر، لأن الأمر ليس فيه تصديق من حيث هو أمر.\nومن المعلوم أن إبليس لم يكفر بسبب عدم تصديقه، فإنه سمع أمر الله فلم يكذب رسولا، ولكن لم ينقد للأمر ولم يخضع له، واستكبر عن الطاعة فصار كافرا، قال تعالى: ﴿إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ البقرة: ٣٤، فسماه الله كافرا وسلب عنه وصف الإيمان لاستكباره وعدم انقياده لأمر الله له بالسجود لآدم.\n_________\n(^١) انظر شرح العقيدة الطحاوية (ص ٣٨٠ - ٣٨١).","vol":"1","page":149},{"text":"لازم القول بأن الإيمان مجرد التصديق فقط.\nوهذا موضع زاغ فيه خلق من الخلف تخيل لهم أن الإيمان ليس في الأصل إلا التصديق، ثم يرون مثل إبليس وفرعون مما لم يصدر عنه تكذيب أو صدر عنه تكذيب باللسان لا بالقلب وكفره من أغلظ الكفر فيتحيرون.\nومثل هؤلاء القوم لو أنهم هُدوا لما هُدي إليه السلف الصالح لعلموا أن الإيمان قول وعمل أعني في الأصل قولا في القلب، وعملا في القلب، فإن الإيمان بحسب كلام الله ورسالته-وكلام الله ورسالته يتضمن أخباره وأوامره-فيصدق القلب أخباره تصديقا يوجب حالا في القلب بحسب المصدق به، والتصديق هو من نوع العلم والقول، وينقاد لأمره ويستسلم، وهذا الانقياد والاستسلام هو من نوع الإرادة والعمل، ولا يكون مؤمنا إلا بمجموع الأمرين فمتى ترك الانقياد كان مستكبرا فصار من الكافرين وإن كان مصدقا، لأن الكفر أعم من التكذيب، فالكفر يكون تكذيبا وجهلا، ويكون استكبارا وظلما، ولهذا لم يوصف إبليس إلا بالكفر والاستكبار دون التكذيب، ولهذا كان كفر من يعلم مثل اليهود ونحوهم من جنس كفر إبليس، وكان كفر من يجهل مثل النصارى ونحوهم ضلالا وهو \"الجهل\" ألا ترى أن نفرا من اليهود جاءوا إلى النبي ﷺ وسألوه عن أشياء، فأخبرهم، فقالوا: نشهد أنك نبي، ولم يتبعوه، وكذلك هرقل وغيره، فلم ينفعهم هذا العلم وهذا التصديق.\nألا ترى أن من صدق الرسول بأن ما جاء به هو رسالة الله، وقد تضمنت خبرا وأمرا، فإنه يحتاج إلى مقام ثان، وهو تصديق خبر الله وانقياده لأمر الله،","vol":"1","page":150},{"text":"فإذا قال: \"أشهد أن لا إله إلا الله\" فهذه الشهادة تتضمن تصديق خبره والانقياد لأمره. \"وأشهد أن محمدا رسول الله\" تضمنت تصديق الرسول فيما جاء به من عند الله.\nفبمجموع هاتين الشهادتين يتم الإقرار.\nفلما كان التصديق لا بد منه في كلا الشهادتين-وهو الذي يتلقى الرسالة بالقبول-ظن من ظن أنه أصل لجميع الإيمان وغفل عن أن الأصل الآخر لا بد منه وهو الانقياد، وإلا فقد يصدق الرسول، ظاهرا وباطنا ثم يمتنع من الانقياد للأمر، إذ غايته في تصديق الرسول أن يكون بمنزلة من سمع الرسالة من الله سبحانه كإبليس\" (^١).\nثالثا: ما استدل به أهل اللغة على أن معنى الإيمان في قوله تعالى ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ هو التصديق غير مسلم.\nإذ يرى علماء السلف أن تفسيرها ب \"أقررت\" أقرب من تفسيرها ب \" صدقت \" وذلك لأن لفظ \"آمن\" متى عُدّي باللام يكون بمعنى \"أقر\" وليس بمعنى \"صدق\"، إذ لا يكون بمعنى صدق إلا إذا عُدّي بالباء أو بنفسه.\n\n<span data-type='title' id=toc-40>الجانب الثاني: المعنى الشرعي للإيمان:</span>\nتنوعت عبارات السلف في تعريف الإيمان:\nأ-فتارة يقولون: الإيمان قول وعمل.\n_________\n(^١) الصارم المسلول (ص ٥١٩ - ٥٢٠) بتصرف.","vol":"1","page":151},{"text":"٢ - وتارة يقولون: هو قول وعمل ونية.\n٣ - وتارة يقولون: هو قول وعمل ونية واتباع سنة. (^١)\n٤ - وتارة يقولون: الإيمان: قول اللسان، واعتقاد بالقلب، وعمل بالجوارح يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية (^٢).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية بعد أن أورد التعريفات الثلاثة الأول: \"وكل هذا صحيح\" (^٣) وعلل ذلك بقوله (^٤):\n\"فمن قال إن الإيمان قول وعمل فمرداه قول اللسان والقلب وعمل القلب والجوارح\".\nوقول اللسان وعمل الجوارح معروفان.\nوأما المقصود من قول القلب: فهو إقراره ومعرفته وتصديقه.\nوأما عمله: فهو انقياده لما صدق به.\nومن عبر عن الإيمان بهذا التعريف ليس مراده كل قول أو عمل وإنما المراد ما كان مشروعا من الأقوال والأعمال.\nكما أن تعبير بعض السلف بهذه العبارة في تعريف الإيمان إنما جاء في\n_________\n(^١) هذه التعريفات الثلاثة أوردها شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه الإيمان. انظر (ص ١٦٢).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٧/ ٦٤٢).\n(^٣) كتاب الإيمان لشيخ الإسلام ابن تيمية (ص ١٦٢).\n(^٤) كلام شيخ الإسلام نقلته بتصرف من كتابه الإيمان (ص ١٦٢ - ١٦٣).","vol":"1","page":152},{"text":"معرض الرد على المرجئة (^١) الذين جعلوه قولا فقط، فقال بعض السلف ردا عليهم: بل قول وعمل (^٢).\nوأما من عرفه بقوله هو قول وعمل ونية، فمقصوده بزيادة لفظ \"ونية\": أن القول يتناول الاعتقاد وقول اللسان.\nوأما العمل فقد لا يفهم منه النية فزاد ذلك (^٣).\nوأما من عرفه بأنه قول وعمل ونية واتباع سنة، فقد زاد لفظة \"واتباع سنة\" لأن ذلك كله لا يكون محبوبا لله إلا باتباع السنة (^٤).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وقد سئل سهل بن عبد الله التستري عن\n_________\n(^١) المرجئة هم الذين أرجأوا العمل عن مسمى الإيمان وهم خمس طوائف سيأتي ذكرهم.\n(^٢) قال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"الناس لهم في مسمى الكلام والقول عند الإطلاق أربعة أقوال:\nا-فالذي عليه السلف والفقهاء والجمهور أنه يتناول اللفظ والمعنى جميعا.\n٢ - وقيل: بل مسماه اللفظ، والمعنى ليس جزء مسماه بل هو مدلول مسماه، وهذا قول كثير من أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم وطائفة من المنتسبين الى السنة، وهو قول النحاة لأن صناعتهم متعلقة بالألفاظ.\n٣ - وقيل: مسماه هو المعنى وإطلاق الكلام على اللفظ مجاز لأنه دال عليه وهذا قول ابن كلاب ومن اتبعه.\n٤ - وقيل: بل هو مشترك بين اللفظ والمعنى وهو قول بعض المتأخرين من الكلابية ولهم قول ثالث يروى عن أبي الحسن أنه مجاز في كلام الله حقيقة في كلام الآدميين\" كتاب الإيمان (ص ١٦٢).\n(^٣) كتاب الإيمان (ص ١٦٣).\n(^٤) كتاب الإيمان (ص ١٦٣).","vol":"1","page":153},{"text":"الإيمان ما هو؟، فقال: قول وعمل ونية واتباع سنة.\nلأن الإيمان إذا كان قولا بلا عمل فهو كفر.\nوإذا كان قولا وعملا بلا نية فهو نفاق.\nوإذا كان قولا وعملا ونية بلا سنة فهو بدعة (^١).\nوأجمع التعاريف الواردة وأشملها هو: أن الإيمان قول اللسان واعتقاد بالجنان وعمل الجوارح يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.\nوهذا التعريف هو الذي يميز قول السلف في مسمى الإيمان عن قول غيرهم من الفرق (^٢) ولهذا كان هذا التعريف هو أجمع التعاريف الواردة عن\n_________\n(^١) كتاب الإيمان (ص ١٦٣).\n(^٢) الذين خالفوا السلف في مسمى الإيمان هم:\nأ-المرجئة بطوائفهم الخمس:\nا-الجهمية: وقالوا الإيمان هو معرفة القلب فقط: أى المعرفة الفطرية التي هي المعرفة بربوبية الله.\n٢ - الأشاعرة: وقالوا الإيمان هو التصديق فقط أي التصديق بما جاء به النبي ﷺ من عند الله.\n٣ - الماتريدية: وقولهم في الإيمان مثل قول الأشاعرة.\n٤ - الكرامية: قالوا الإيمان قول باللسان فقط.\n٥ - مرجئة الأحناف (أو مرجئة الفقهاء) قالوا: الإيمان قول باللسان وتصديق بالجنان. وهو قول الكلابية. وكل هذه الطوائف الخمسة أخرجت العمل عن الإيمان.\nب-الخوارج: قالوا الإيمان قول واعتقاد وعمل ولكنهم يكفرون من أخل بشيء من هذه الثلاثة ويقولون بأنه كافر في الدنيا وفي الآخرة خالد في النار.\nج-المعتزلة: وقالوا بقول الخوارج إلا أنهم يقولون إنه في الدنيا في منزلة بين منزلتين بمعنى أنه ليس بمؤمن ولا كافر، واتفقوا معهم في باقي الأمور.\nانظر تفاصيل هذه الأقوال: في كتاب الإيمان لابن تيمية، والجزء السابع من مجموع الفتاوى، وشرح العقيدة الطحاوية (ص ٣٧٣ - ٣٩٢) وكتاب النبوات (ص ١٩٩).","vol":"1","page":154},{"text":"السلف وأكثرها دقة في بيان قولهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-41>الجانب الثالث: دلالة اسم الإيمان:</span>\nتتحدد دلالة اسم \"الإيمان\" بحسب سياق الكلام الذي تستعمل فيه هذه اللفظة فلفظ \"الإيمان\" إما أن يستعمل:\nأ-مطلقا: أي يذكر مطلقا عن لفظ \"العمل\" و\"الإسلام\".\n٢ - أو مقيدا: فتارة يقرن بالعمل الصالح، وتارة يقرن بالإسلام.\nفإذا استعمل مطلقا: \"فجميع ما يحبه الله ورسوله من أقوال العبد وأعماله الباطنة والظاهرة، يدخل في مسمى الإيمان عند عامة السلف والأئمة-من الصحابة والتابعين وتابعيهم-الذين يجعلون الإيمان قولا وعملا، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، ويدخلون جميع الطاعات-فرضها ونفلها-في مسماه\" (^١).\nويلاحظ هنا أن لفظ \"الإيمان\" على هذا الاستعمال يكون مرادفا للفظ \"العبادة\" والعبادة كما هو معروف هي: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٧/ ٦٤٢).","vol":"1","page":155},{"text":"الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة.\nومن استعمال الشارع للفظ الإيمان بهذا المعنى ما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «الإيمان بضع وسبعون شعبة أو بضع وستون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان» \" (^١).\nفالإيمان في هذا الحديث شمل جميع أمور الدين بما في ذلك أمور الإسلام. ومن هذا الاستعمال أيضا ما جاء في حديث عبد الله بن عباس ﵄: أن وفد عبد القيس لما أتوا النبي ﷺ أمرهم بأربع ونهاهم عن أربع: \"أمرهم بالإيمان بالله وحده، قال: أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟، قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وأن تعطوا من المغنم خمس … \" الحديث (^٢).\nفلفظ الإيمان استعمل في الحديث مطلقا فدخل فيه الأمور الظاهرة مع أنها من أمور الإسلام كما جاء في حديث جبريل المشهور.\nوأما إذا استعمل اسم الإيمان مقيدا كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ (^٣)، وقوله ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، باب أمور الدين. انظر: فتح الباري (١/ ٥١) ح ٩ وأخرجه مسلم-واللفظ له-كتاب الإيمان، باب شعب الإيمان (١/ ٤٦).\n(^٢) أخرجه البخاري في صحيحه واللفظ له: كتاب الإيمان، باب أداء الخمس من الإيمان. انظر: فتح الباري (١/ ١٢٩) ح ٥٣، وأخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الإيمان، باب الأمر بالإيمان بالله ورسوله وشرائع الدين والدعاء إليه (١/ ٣٥ - ٣٦).\n(^٣) الآية (٧٧) من سورة البقرة وغيرها.","vol":"1","page":156},{"text":"يَتَّقُونَ﴾ (^١).\nوقول النبي ﷺ في حديث جبريل المشهور: \"الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره \" (^٢).\nفهنا قد يقال: إنه متناول لذلك وإن عطف ذلك عليه من باب عطف الخاص على العام كقوله تعالى: ﴿وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ (^٣)، وقوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَم﴾ الآية (^٤).\nوقد يقال إن دلالة الاسم تنوعت بالإفراد والاقتران كلفظ الفقير والمسكين، فإن أحدهما إذا أفرد تناول الآخر، وإذا جمع بينهما كانا صنفين: كما في آية الصدقة، ولا ريب أن فروع الإيمان مع أصوله كالمعطوفين، وهي مع جميعه كالبعض مع الكل\" (^٥).\nقلت: إن القول بأن عطف ذلك عليه من باب عطف الخاص على العام ينطبق على الآية وهي قوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، وقوله تعالى ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾.\nوالقول بأن دلالة الاسم تنوعت بالإفراد والاقتران ينطبق على حديث جبريل حيث ذكر الإسلام والإيمان فأصبح كل واحد منهما يختص بأمور\n_________\n(^١) الآية (٦٣) من سورة يونس.\n(^٢) أخرجه بهذا اللفظ مسلم في صحيحه: كتاب الإيمان، باب الإيمان ما هو وبيان خصاله (١/ ٢٩). والحديث أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الإيمان، باب سؤال جبريل بلفظ: \"الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته، ولقائه، ورسله، وتؤمن بالبعث\". انظر: فتح الباري (١/ ١١٤)، ح ٥٠.\n(^٣) الآية (٩٨) من سورة البقرة.\n(^٤) الآية (٧) من سورة الأحزاب.\n(^٥) الفتاوى (٧/ ٦٤٧ - ٦٤٨).","vol":"1","page":157},{"text":"معينة فالإسلام اختص بالأمور الظاهرية، والإيمان اختص بالأمور الاعتقادية الباطنية.\n\"فلفظ الإسلام والإيمان إذا أفرد كل واحد من الاسمين دخل في مسمى الآخر إما تضمنا وإما لزوما، ودخوله فيه تضمنا أظهر، وكون أحدهما لا يدخل في الآخر عند الاقتران لا يدل على أنه لا يدخل فيه عند انفراد الآخر، وهذه قاعدة جليلة من أحاط بها زالت عنه إشكالات كثيرة أشكلت على كثير من الناس\" (^١).\nخلاصة القول:\nإن اسم الإيمان إذا أفرد: تناول جميع أمور الدين الظاهرة والباطنة كما في حديث الشعب.\nوإذا اقترن اسم الإيمان مع الإسلام دل الإيمان على الأمور الباطنة ودل الإسلام على أمور الدين الظاهرة كما في حديث جبريل.\nوإذا اقترن العمل مع الإيمان: فهو من باب عطف الخاص على العام (^٢)\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٧/ ٦٤٧ - ٦٤٨).\n(^٢) قال شارح الطحاوية: \"اعلم أن عطف الشيء على الشيء يقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه مع الاشتراك في الحكم الذي ذكر لهما، والمغايرة على مراتب:\nا-أعلاها: أن يكونا متباينين ليس أحدهما هو الآخر، ولا جزءا منه، ولا بينهما تلازم، كقوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ الآية (١) من سورة الأنعام، وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ﴾ الآية (٣) من سورة آل عمران، وهذا هو الغالب.\n٢ - ويليه: أن يكون منهما تلازم، كقوله تعالى: ﴿وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ الآية (٤٢) من سورة البقرة، وقال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ الآية (٩٢) من سورة المائدة.\n٣ - الثالث: عطف بعض الشيء عليه كقوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ الآية (٢٣٨) من سورة البقرة، وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَال﴾ الآية (٢٣٨) من سورة البقرة وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْك﴾ الآية (٧) من سورة الأحزاب، وفى مثل هذا وجهان: أحدهما: أن يكون داخلا في الأول، فيكون مذكورا مرتين. والثاني: أن عطفه عليه يقتضي أنه ليس داخلا فيه هنا وإن كان داخلا فيه منفردا كما قيل في لفظ \"الفقراء والمساكين\" ونحوهما، تتنوع دلالته بالإفراد والاقتران.\n٤ - الرابع: عطف الشيء على الشيء لاختلاف الصفتين، كقوله تعالى: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ الآية (٣) من سورة غافر. شرح العقيدة الطحاوية (ص ٣٨٧ - ٣٨٨).","vol":"1","page":158},{"text":"كما في قوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-42>الجانب الرابع: أقوال الناس في مسمى الإيمان.</span>\nاختلف الناس في مسألة مسمى الإيمان:\nفهناك من قال: \"إن الإيمان قول واعتقاد وعمل يزيد وينقص\" (^١).\nوهناك من قال: \"إن الإيمان قول واعتقاد وعمل لكن لا يزيد ولا ينقص\" (^٢).\nوهناك من قال: \"إن الإيمان هو المعرفة\" (^٣).\n_________\n(^١) انظر كتاب الإيمان للقاسم بن سلام صفحة (١٠) و(٤٤).\n(^٢) انظر كتاب التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع صفحة (٤٣)، وكتاب الملل والنحل، الجزء الأول، صفحة (١٤١).\n(^٣) انظر كتاب السنة لعبد الله بن أحمد الجزء الأول صفحة (٣٠٥).","vol":"1","page":159},{"text":"وهناك من قال: \"إن الإيمان قول اللسان\" (^١).\nوهناك من قال: \"إن الإيمان هو التصديق\" (^٢).\nوهناك من قال: \"إن الإيمان هو التصديق والقول\" (^٣).\nهذه جملة أقوال، والمسألة تحتاج إلى شيءٍ من البيان والتوضيح والبسط.\nونأتي أولًا إلى قول أهل السنة وهو ما أورده المصنف هنا، حيث قال: \" والإيمان قول وعمل يزيد وينقص زيادته إذا أحسنت ونقصانه إذا أسأت\".\nفإن الناظر إلى هذا الإنسان باعتبار ما يجب عليه تجاه ما أخبر الله به وما أمر الله تعالى به؛ فنصوص الشرع لا تخرج عن أمرين: إما أخبارٌ وإما أوامر، فالأخبار حقها التصديق بأن تُصدق بها، والأوامر حقها أن تعمل بها، كما جاء في الحديث \"إذا أمرتكم بأمرٍ فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن نهيٍ فانتهوا\" (^٤).\nفأنت مأمور بأن تتبع، وأن تعمل بهذه الأوامر بحسب ما يأتي من حكمٍ عليها، فهذه الأمور أي الوحي تأتي لهذا الإنسان، وأول ما تأتي إليه في\n_________\n(^١) انظر كتاب الإيمان لابن تيمية صفحة (٣٠٣)، وكتاب الرَّوضُ البَاسمْ في الذِّبِّ عَنْ سُنَّةِ أبي القَاسِم الجزء الأول، صفحة (٢٤٠).\n(^٢) انظر كتاب رسالة السجزي إلى أهل زبيد في الرد على من أنكر الحرف والصوت صفحة (٢٧٣).\n(^٣) انظر كتاب الفقه الأكبر صفحة (٥٥)، وكتاب لوامع الأنوار البهية الجزء الأول، صفحة (٤١٦).\n(^٤) رواه البخاري (٤/ ٤٢٢) ومسلم (٧/ ٩١) وأحمد (٢/ ٢٥٨).","vol":"1","page":160},{"text":"باطنه؛ لأنه لابد وأن يعلم أن الصلاة مثلًا ركنٌ من أركان الإسلام، ثم إذا جئت إلى الصلاة تجد أن منها فرائض ومنها نوافل، ثم أن هذه النوافل منها سنن رواتب ومنها غير ذلك، فهذا أول ما يقابله بالعلم.\nفإذًا هذا الإيمان سيخاطب هذا الباطن في الإنسان، وأول ما يخاطب أن يصدق بما أخبر الله به.\nوالثاني: أن ينقاد لأمر الله، فلابد أن يحصل الانقياد والتسليم لأوامر الله، فليس لك حق الاعتراض أن تقول: لا بدل خمس صلوات نجعلها ثلاثة أو نجعلها ستة، فهي خمس صلوات في اليوم الليلة لابد من أدائها في أوقاتها، فأصبح عليه أن يصدق وعليه أن ينقاد.\nومعلوم أن هنا ثلاثة أحوال:\nالقلب، والقلب يشمل أمرين:\nيشمل جانب العلم، ويشمل جانب الإرادة هذا القلب.\nوالجانب الثاني: جانب اللسان.\nوالجانب الثالث: جانب الجوارح.\nفهناك قول القلب، وعمل القلب، وقول اللسان، وعمل اللسان، وهناك عمل الجوارح فهذه خمسة، فإذا جئت إلى قول القلب فهذا هو العلم الذي هو التصديق فعليه أن يعلم هذه الأشياء ويصدق بها، هذا الواجب الأول على القلب، والقلب هو الباطن، والباطن مجموع الأمرين وهذه هي العقيدة.","vol":"1","page":161},{"text":"لذلك قال المصنف: \"الإيمان قولٌ وعمل\"، فالقول هنا هو العلم والتصديق، تعلم وتصدق، هذا واجبٌ على الإنسان لكي يكون مؤمنًا، وهذا وحده لا يكفي فلو قال قائل: أنا أعلم أن الصلوات خمس وهي كذا وكذا وهيئتها كذا لكن لن أصلي، فهو بهذا لا يكون مؤمنًا إذ لابد من الجانب الثاني.\nوالجانب الثاني: هو انقياد القلب، فهذه الإرادة لابد أن تنقاد لهذه الأخبار وهذه الأوامر، ولذلك يأتي عمل القلب، والقلب أعماله كثيرة، منها مثلًا الإخلاص، والمحبة، والخوف، والرجاء، والتوكل، والإنابة، والخشية، والتقوى، ولذلك النبي ﷺ لما ذكر التقوى قال: «التقوى هاهنا التقوى هاهنا التقوى هاهنا وأشار بيده على صدره» (^١)، فهذه أعمال القلوب، وهي التي تنطلق إلى سائر الجوارح\nوأما قول اللسان وعمل اللسان، فقول اللسان جعله العلماء النطق بالشهادتين لأن هذا هو الفيصل بين الإسلام والكفر، «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله» (^٢)، فأول ما يدخل الإنسان في الإسلام يُطالب بعد تطهره يطالب بالنطق بالشهادتين، فهذا يسميه العلماء: قول اللسان، فجعلوه في النطق بالشهادتين.\n_________\n(^١) انظر صحيح مسلم كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم ظلم المسلم وخذله واحتقاره ودمه وعرضه وماله برقم (٢٥٦٥)، وأحمد (٧٦٧٠).\n(^٢) انظر صحيح البخاري كتاب الإيمان، باب فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم برقم (٢٥)، ومسلم كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ويؤمنوا بجميع ما جاء به النبي ﷺ وأن من فعل ذلك عصم نفسه وماله إلا بحقها ووكلت سريرته إلى الله تعالى وقتال من منع الزكاة أو غيرها من حقوق الإسلام واهتمام الإمام بشعائر الإسلام، برقم (٢٥).","vol":"1","page":162},{"text":"وأما عمل اللسان: فمنه قراءة القرآن وتلاوته، وذكر الله ﷿، والتسبيح، والتهليل هذا كله عمل اللسان.\nوأما أعمال الجوارح، فمنها الركوع والسجود والصوم والجهاد وغض البصر وغيرها فهذه أعمال الجوارح، وهذا بكله هو الذي يُسمى إيمانًا عند أهل السنة.\nوأما قول المصنف: \"يزيد وينقص \"\nفأهل السنة يؤمنون أن الإيمان يزيد وينقص، ومن الأدلة على ذلك:\n\nأولًا:<span data-type='title' id=toc-43> أدلة زيادة الإيمان ونقصانه </span>من القرآن (^١).\nلقد جاء في كتاب الله ﷿ نصوص كثيرة تدل على زيادة الإيمان ونقصانه وأن أهله متفاضلون فيه بعضهم أكمل إيمانًا من بعض، فمنهم السابق بالخيرات، ومنهم المقتصد، ومنهم الظالم لنفسه، منهم المحسن، ومنهم المؤمن، ومنهم المسلم، ليسوا في الدين سواء في مرتبة واحدة، بل فضل الله بعضهم على بعض ورفع بعضهم فوق بعض درجات.\nوقبل الشروع في ذكر هذه الأدلة القرآنية الدالة على زيادة الإيمان ونقصانه أودّ التنبيه على نقطة هامة، وهي:\nأن كل دليل دلّ على زيادة الإيمان فهو يدل على نقصانه، وكذا العكس، فما\n_________\n(^١) المصدر: كتاب زيادة الإيمان ونقصانه وحكم الاستثناء فيه للدكتور عبد الرزاق البدر ص ٣٥","vol":"1","page":163},{"text":"دل على نقصان الإيمان فهو يدل على زيادته، فالآيات التي أوردها هنا وظاهرها الدلالة على زيادة الإيمان فقط، فهي تدل على نقص الإيمان باللزوم، وذلك لأن الزيادة تستلزم النقص، ولأن ما جاز عليه الزيادة جاز عليه النقص، ولأن الزيادة لا تكون إلا عن نقص.\nولهذا فإنا نجد أهل العلم كثيرًا ما يستشهدون بأدلة زيادة الإيمان على نقصانه وكذا العكس للأسباب المتقدمة، وتأمل-مثالًا على ذلك-صنيع البخاري في صحيحه فقد أورد بعض الآيات المصرحة بزيادة الإيمان في باب زيادة الإيمان ونقصانه مستدلًا بها على الزيادة والنقصان معًا.\nقال الإمام أحمد ﵀: \"إن كان قبل زيادته-أي الإيمان-تامًا فكما يزيد كذا ينقص\" (^١).\nفمن الأدلة:\n• قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣. [\n• وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: ٢ [\n• وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤].\n_________\n(^١) رواه الخلال في السنة (٢/ ٦٨٨، ح ١٠٣٠).","vol":"1","page":164},{"text":"• وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا رَأى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٢. [\n• وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: ٤].\n• وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر: ٣١].\n• وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ﴾ [محمد: ١٧].\nثانيًا: الأدلة من السنة على زيادة الإيمان ونقصانه:\n• حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه فيها أبصارهم وهو مؤمن\" (^١).\n• حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة فأفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان\" (^٢)\nففي هذا الحديث \"بيان أن الإيمان الشرعي اسم لمعنى ذي شعب وأجزاء،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥/ ١١٩، ١٠/ ٣٠، ١٢/ ٥٨، ١٢/ ١٤ فتح)، ومسلم (٢/ ٤١ نووي).\n(^٢) أخرجه البخاري (١/ ٥١ فتح) ومسلم (٢/ ٦ نووي) وهذا لفظ مسلم.","vol":"1","page":165},{"text":"له أعلى وأدنى، فالاسم يتعلق ببعضها كما يتعلق-بكلها، والحقيقة تقتضي جميع شعبها وتستوفي جملة أجزائها، كالصلاة الشرعية لها شعب وأجزاء، والاسم يتعلق ببعضها كما يتعلق بكلها، والحقيقة تقتضي جميع أجزائها وتستوفيها\" (^١).\nوهذه الشعب متفاوتة ليست على درجة واحدة في الفضل، بل بعضها أفضل من بعض، كما هو ظاهر لفظ الحديث في قوله: \"أعلاها \"وقوله: \"أدناها\"، فشعب الإيمان منها ما يزول الإيمان بزوالها إجماعًا كشعبة الشهادتين، ومنها ما لا يزول بزوالها إجماعًا كترك إماطة الأذى عن الطريق، وبينهما شعب متفاوتة تفاوتًا عظيمًا منها ما يقرب من شعبة الشهادتين، ومنها ما يقرب من شعبة إماطة الأذى\" (^٢).\nوقال الشيخ العلامة ابن سعدي بعد ذكره لحديث أبي هريرة: \"وهذا صريح في أن الإيمان يزيد وينقص بحسب زيادة هذه الشرائع والشعب، واتصاف العبد بها أو عدمه، ومن المعلوم أن الناس يتفاوتون فيها تفاوتًا كثيرًا، فمن زعم أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص فقد خالف الحس، مع مخالفته لنصوص الشرع كما ترى\" (^٣).\n• حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا إيمان لمن لا أمانة له\" (^٤).\n_________\n(^١) معالم السنن للخطابي (٧/ ٤٣، ٤٤).\n(^٢) شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز (ص ٣٢٢).\n(^٣) التوضيح والبيان لشجرة الإيمان (ص ١٤).\n(^٤) أخرجه أحمد في المسند (٣/ ١٣٥)، وابن أبي شيبة في مصنفه (١١/ ١١) وفي الإيمان (ص ٥)، وابن حبان في صحيحه (١/ ٢٠٨ الإحسان)، والبغوي في شرح السنة (١/ ٧٥)؛ وقال البغوي: \"هذا حديث حسن\"؛ وصححه الألباني في تحقيقه للإيمان لابن أبي شيبة.","vol":"1","page":166},{"text":"فهذا الحديث دليل على أن من لا أمانة له، فقد نقص فيه شيء من واجبات هذا الدين، فيذهب عنه كمال الإيمان الواجب وتمامه، ويكون بذلك مؤمنًا ناقص الإيمان (^١).\nيوضح الاستدلال بهذا الحديث ويبينه ما جاء عن عروة بن الزبير ﵀ أنه قال: \"ما نقصت أمانة عبد قط إلا نقص إيمانه\" (^٢)، فنقص الأمانة في العبد دليل على نقص الإيمان وضعفه فيه\n• ولهذا لما سئل الإمام أحمد ﵀ مرة عن نقصان الإيمان احتج بهذا، قال الفضل بن زياد سمعت أبا عبد الله وسئل عن نقص الإيمان فقال: حدثنا وكيع عن سفيان عن هشام بن عروة عن أبيه قال: \"ما انتقصت أمانة رجل إلا نقص إيمانه\" (^٣).\n• حديث أبي سعيد الخدري ﵁، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: \"من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع\n_________\n(^١) انظر الفتاوى (١١/ ٦٥٣).\n(^٢) رواه ابن أبي شيبة في المصنف (١١/ ١٢) وفي الإيمان (ص ٦)، وعبد الله في السنة (١/ ٣٦٨) والخلال في السنة (ق ١٥٩/ ب) والآجري في الشريعة (ص ١١٨) والبيهقي في الشعب (١/ ١٩٧)، وابن بطة في الإبانة (برقم: ١١٤١).\n(^٣) رواه الخلال في السنة (برقم: ٧٨٩)، والآجري في الشريعة (ص ١١٨)، وابن بطة في الإبانة (برقم ١١٤٨).","vol":"1","page":167},{"text":"فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان\" (^١).\nفبين النبي ﷺ في هذا الحديث مراتب إنكار المنكر، وأنه حسب الاستطاعة فإما أن يغير باليد أو باللسان أو بالقلب، بمعنى يكرهه بقلبه، وهذه المراتب الثلاث للإنكار يقوم بها المكلف على قدر استطاعته، ولا شك أن المرتبة الأخيرة باستطاعة جميع المكلفين، فمن رأى المنكر ولم يكرهه بقلبه وهو يعلم أنه منكر فإن هذا يكون علامة على ضعف إيمانه.\nوقد احتج بهذا الحديث على زيادة الإيمان ونقصانه وتفاضل أهله فيه النسائيُ في سننه فبوب له ب\"باب تفاضل أهل الإيمان\" (^٢).\nوابن منده في كتابه الإيمان فقال: \"ذكر خبر يدل على أن الإيمان قول باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالأركان يزيد وينقص\" (^٣) ثم ذكر حديث أبي سعيد ﵁.\nوبوب له النووي في شرحه لمسلم ب \"باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان، وأن الإيمان يزيد وينقص … \" (^٤).\n_________\n(^١) رواه مسلم (٢/ ٢٢ نووي).\n(^٢) سنن النسائي (٨/ ١١).\n(^٣) الإيمان لابن منده (٢/ ٣٤١).\n(^٤) شرح صحيح مسلم للنووي (٢/ ٢١) وانظر مجموعة الرسائل والمسائل لابن تيمية (٣/ ٣٤٣).","vol":"1","page":168},{"text":"ثالثًا:<span data-type='title' id=toc-44> أقوال السلف الصالح في زيادة الإيمان ونقصانه </span>(^١)\nلقد جاء عن السلف الصالح آثار كثيرة قرروا فيها ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ من حجج ودلالات على زيادة الإيمان ونقصانه، فبينوا ﵏ أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وكثرة العبادة والمداومة عليها، وينقص باللهو والغفلة والمعصية والتقصير في فعل الطاعة، بل لقد حكى إجماعهم واتفاقهم على ذلك غير واحد من أهل العلم.\nقال يحيى بن سعيد القطان: \"ما أدركت أحدًا من أصحابنا، إلا على سنتنا في الإيمان، ويقولون: الإيمان يزيد وينقص (^٢).\nوقال الإمام عبد الرزاق الصنعاني ﵀: \"لقيت اثنين وستين شيخًا، … فذكر عددًا منهم ثم قال: كلهم يقولون: \"الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص\" (^٣).\nوقال الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام: \"هذه تسمية من كان يقول الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، … فسمى أكثر من مائة وثلاثين رجلًا من أهل العلم من الصحابة وغيرهم .. ثم قال: هؤلاء كلهم يقولون الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، وهو قول أهل السنة، والمعمول به عندنا\" (^٤).\n_________\n(^١) المصدر: كتاب زيادة الإيمان ونقصانه ص ١٠٦ - ١٠٧.\n(^٢) رواه ابن هاني في مسائل الإمام أحمد (٢/ ١٦٢) وذكر نحوه الذهبي في السير (٩/ ١٧٩) في ترجمة يحيى بن سعيد.\n(^٣) رواه اللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (٥/ ٩٥٨ ح ١٧٣٧).\n(^٤) رواه ابن بطة في الإبانة (٢/ ٨١٤ برقم: ١١١٧) وذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب الإيمان (ص ٢٩٣ - ٢٩٥).","vol":"1","page":169},{"text":"وقال إمام أهل السنة والجماعة أحمد بن حنبل ﵀: \"أجمع سبعون رجلًا من التابعين وأئمة المسلمين وفقهاء الأمصار على أن السنة التي توفي عليها رسول الله ﷺ. فذكر أمورًا منها: الإيمان قول وعمل، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية\" (^١).\nوقال أمير المؤمنين في الحديث أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري ﵀: \"لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار فما رأيت أحدًا يختلف في أن الإيمان قول وعمل، ويزيد وينقص\" (^٢).\n\nرابعًا:<span data-type='title' id=toc-45> الأقوال المخالفة لقول أهل السنة والجماعة في مسألة زيادة الإيمان ونقصانه.</span>\nالقول الأول: قول من قال الإيمان يزيد وتوقف في النقصان.\nجاء عن الإمام مالك رحمه الله تعالى في مسألة زيادة الإيمان ونقصانه روايتان، قال في إحداهما: إن الإيمان يزيد أما النقصان فتوقف فيه وطلب من السائل أن يكف عن السؤال عنه، لأنه لم يجد عليه دليلًا من كتاب الله.\n_________\n(^١) رواه ابن الجوزي في مناقب الإمام أحمد (ص ٢٢٨) وابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة (١/ ١٣٠) بلفظ أجمع تسعون … إلخ.\n(^٢) ذكره الحافظ ابن حجر في الفتح (١/ ٤٧)، والزبيدي في إتحاف السادة المتقين (٢/ ٢٥٦) وعزواه للالكائي في السنة، وصححا إسناده، قلت: وهو في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي \"المطبوع\" (٥/ ٨٨٩ رقم: ١٥٩٧) بنحوه، وليس فيه \"ويزيد وينقص\"، فلعل هذه اللفظة سقطت من المطبوع، أو أن الحافظ والزبيدي اطلعا على نسخة اشتملت على ما حكياه.","vol":"1","page":170},{"text":"أما الرواية الأخرى: فقد جاءت عنه من طرق متعددة صحيحة، قال فيها: إن الإيمان يزيد وينقص، كقول أهل السنة والجماعة سواء (^١).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وكان بعض الفقهاء من أتباع التابعين لم يوافقوا في إطلاق النقصان عليه. لأنهم وجدوا ذكر الزيادة في القران، ولم يجدوا ذكر النقص، وهذا إحدى الروايتين عن مالك\" (^٢).\nالقول الثاني: قول من قال الإيمان يزيد ولا ينقص.\nوهذا قول طائفة من الأشاعرة، رواية عن أبي حنيفة، والغسانية، النجارية، الإباضية.\nأما قول الطائفة من الأشاعرة: فقد أشار إليه البغدادي في \"أصول الدين\" فقال: \"وأما من قال: إنه التصديق (^٣) بالقلب فقد منعوا من النقصان فيه، واختلفوا في زيادته فمنهم من منعها ومنهم من أجازها\" (^٤).\nوأما الرواية عن أبي حنيفة: أن الإيمان يزيد ولا ينقص، فقد ذكرها غير واحد ممن كتب في المقالات، من طريق غسان وغيره عن أبي حنيفة ﵀.\nقال الأشعري: \"فأما غسان وأكثر أصحاب أبي حنيفة فإنهم يحكون عن\n_________\n(^١) انظر: كتاب زيادة الإيمان ونقصانه ص: ٢٧٧ - ٢٩٠ وقد ناقش هذا القول بالتفصيل.\n(^٢) الفتاوى (٧/ ٥٠٦).\n(^٣) القول بأن الإيمان هو التصديق هو قول الأشاعرة.\n(^٤) أصول الدين (ص ٢٥٢).","vol":"1","page":171},{"text":"أسلافهم أن الإيمان هو الإقرار والمحبة لله والتعظيم له والهيبة منه وترك الاستخفاف بحقه وأنه يزيد ولا ينقص\" (^١).\nوقال الزبيدي: \"وحكى غسان وجماعة من أصحاب أبي حنيفة أنه يزيد ولا ينقص\" (^٢)\nوأما الغسانية: فقد ذكر البغدادي عن الغسانية، وهم أتباع غسان المرجئ أن من أقوالهم إن الإيمان يزيد ولا ينقص، ثم قال: \"وزعم غسان هذا في كتابه أن قوله في هذا الكتاب كقول أبي حنيفة\" (^٣).\nوأما النجارية: فلهم أصول باطلة جانبوا فيها الحق وفارقوه منها: قولهم إن الإيمان يزيد ولا ينقص، وقد حكى ذلك عنهم غير واحد ممن كتب في مقالات الفرق كالأشعري والإسفرايني والبغدادي وغيرهم (^٤).\nوأما الأباضيه: فقد ذكر أبو محمد عبد الله بن حميد السالمي من الأباضية في كتابه مشارق أنوار العقول: \"الإيمان بالمعنى الشرعي الذي هو أداء الواجبات مطلقًا ليس ينقص نظرًا إلى إيمان كل مؤمن، فإنه في ذاته غير\n_________\n(^١) مقالات الإسلاميين (ص ١٣٩).\n(^٢) إتحاف السادة المتقين (٢/ ٢٥٦).\n(^٣) الفرق بين الفرق (ص ٢٠٣). وانظر: انظر مقالات الإسلاميين للأشعري (ص ١٣٩)، والتبصير في الدين للإسفراييني (ص ٩٨)، والفرق بين الفرق للبغدادي (ص ٢٠٣).\n(^٤) انظر مقالات الإسلاميين (ص ١٣٦) والتبصير في الدين (ص ١٠١)، والفرق بين الفرق (ص ٢٠٨) والفتاوى لابن تيمية (٧/ ٥٤٦).","vol":"1","page":172},{"text":"متفاوت بالنسبة إلى إيمان غيره\" (^١)\nالقول الثالث: قول من قال الإيمان لا يزيد ولا ينقص.\nلقد قال بهذا القول طوائف كثيرة من أهل الكلام والإرجاء، والتجهم، وممن نسب له هذا القول:\nأبو حنيفة وأصحابه:\nلقد اشتهر عن الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى وغفر له أنه يقول بأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، واستفاض هذا عنه، بحيث لا يدع مجالًا للشك أو التردد في نسبته إليه، ويمكن أن أبرز أهم الأسباب المؤكدة لصحة نسبة هذا القول إليه في النقاط التالية:\n١ - إن عامة كتب الفرق والمقالات تنسب هذا القول إليه، كالمقالات لأبي الحسن الأشعري، والفَرْق بين الفِرَق للبغدادي، والمِلَلْ والنِحَلْ للشهرستاني، وغيرها (^٢).\n٢ - إن الكتب المؤلفة في العقيدة والمنسوبة إلى أبي حنيفة ﵀ تذكر هذا القول، كالفقه الأكبر، وكتاب العالم والمتعلم، والوسيطين الصغير والكبير والوصية ورسالته إلى البتي (^٣).\n_________\n(^١) مشارق الأنوار (ص ٣٥ - ٣٦).\n(^٢) المقالات (ص ١٣٩)، الفَرْق بين الفِرَق (ص ٢٠٣)، ونقله عنه الزبيدي في الإتحاف (٢/ ٢٦٥)، الملل والنحل (١/ ١٤١).\n(^٣) انظر فيض الباري للكشميري (١/ ٥٩).","vol":"1","page":173},{"text":"وهذه الكتب إن لم يصح نسبتها جميعًا إليه، فلا بد أن يصح نسبة بعضها أو واحد منها على أقل تقدير إليه، وعلى كل إن لم يصح لا هذا ولا ذاك فإن هذه الكتب مطبوعة متداولة، وقد احتفى بها الأحناف شرحًا ونشرًا ونقلًا، فهي عند عامتهم مسلم بما فيها، وقد شرح بعضها شروح مطولة عديدة، ونقل منها نقولٌ متكاثرة، واعتمد على ما فيها من عقائد (^١).\nوممن قال بهذا القول: الجهمية.\nومن مقولاتهم الفاسدة وآرائهم المنحرفة زعمهم أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص ولا يتفاضل أهله فيه.\nقال الأشعري: \"وزعمت الجهمية أن الإيمان لا يتبعض ولا يتفاضل أهله فيه\" (^٢).\nوقال الشهرستاني: \"قال أي الجهم: والإيمان لا يتبعض أي لا ينقسم إلى عقد وقول وعمل، قال: ولا يتفاضل أهله فيه، فإيمان الأنبياء وإيمان الأمة على نمط واحد، إذ المعارف لا تتفاضل \" (^٣).\nوجهم وأتباعه إنما قالوا بهذا القول لأن الإيمان عندهم مجرد التصديق، فمن صدق بقلبه فهو عندهم مؤمن كامل الإيمان وإن تكلم بالكفر، وسب الله\n_________\n(^١) انظر كتاب زيادة الإيمان ونقصانه ص ٣١٨. ٣١٩\n(^٢) المقالات (ص ١٣٢).\n(^٣) الملل والنحل (١/ ٨٨).","vol":"1","page":174},{"text":"ورسوله ﷺ وسخر بالدين، وأحل المحرمات، وفعل غير ذلك من الأمور التي هي كفر بواح.\nوالتصديق عندهم يتساوى فيه العباد، ولا يقبل الزيادة والنقصان فهو إما أن يعدم وإما أن يوجد، ولا يقبل التبعض، فإذا ذهب بعضه ذهب كله، ولا يتفاضل الناس فيه، فإيمان الملائكة والأنبياء والصديقين وإيمان فساق الأمة وأهل الخنا والفجور سواء (^١).\nوممن قال بهذا القول: الخوارج والمعتزلة:\nذهبت الخوارج والمعتزلة مذهب أهل السنة والجماعة في تعريف الإيمان من حيث إنه شامل للأعمال والأقوال والاعتقادات، إلا أنهم فارقوا أهل السنة والجماعة بقولهم إن الإيمان كل واحد لا يتجزأ إذا ذهب بعضه ذهب كله، وأنه لا يقبل التبعض.\nومن هنا كان الإخلال بالأعمال وارتكاب الكبائر عندهم مخرجًا من الإيمان كلية، على خلاف بينهم في تسميته كافرًا، فالخوارج قطعوا بكفره، ونازعهم المعتزلة في الاسم وقالوا نحن لا نسميه مؤمنًا ولا كافرًا، وإنما هو في منزلة بين المنزلتين أي: بين منزلة الإيمان والكفر، وإن كانوا قد اتفقوا جميعًا أنه يوم القيامة خالد مخلد في نار جهنم (^٢).\n_________\n(^١) انظر مجموع الفتاوى (٧/ ٥٨٢).\n(^٢) انظر الفتاوى (٧/ ٢٢٣، ٢٥٧) وشرح العقيدة الأصفهانية لابن تيمية (ص ١٣٧).","vol":"1","page":175},{"text":"قال شيخ الإسلام: \"قالت الخوارج والمعتزلة قد علمنا يقينًا أن الأعمال من الإيمان فمن تركها فقد ترك بعض الإيمان، وإذا زال بعضه زال جميعه؛ لأن الإيمان لا يتبعض ولا يكون في العبد إيمان ونفاق، فيكون أصحاب الذنوب مخلدين في النار إذ كان ليس معهم من الإيمان شيء\" (^١).\nوأصل غلط هؤلاء ومنشأ ضلالهم كما قال شيخ الإسلام: \"أنهم ظنوا أن الشخص الواحد لا يكون مستحقًا للثواب والعقاب والوعد والوعيد والحمد والذم، بل إما لهذا وإما لهذا فأحبطوا جميع حسناته بالكبيرة التي فعلها، وقالوا: \"الإيمان هو الطاعة فيزول بزوال بعض الطاعة، ثم تنازعوا هل يخلفه الكفر على القولين ووافقتهم المرجئة والجهمية على أن الإيمان يزول كله بزوال شيء منه، وأنه لا يتبعض ولا يتفاضل فلا يزيد ولا ينقص وقالوا إن إيمان الفساق كإيمان الأنبياء والمؤمنين\" (^٢).\nفهذه الشبهة هي التي أفسدت على هؤلاء قولهم، بل وعلى جميع المرجئة، كما قال شيخ الإسلام: \"وإنما أوقع هؤلاء كلهم أي المرجئة بأقسامهم-ما أوقع الخوارج والمعتزلة في ظنهم أن الإيمان لا يتبعض بل إذا ذهب بعضه ذهب كله، ومذهب أهل السنة والجماعة أنه يتبعض وأنه ينقص ولا يزول جميعه\" (^٣).\n_________\n(^١) الفتاوى (١٣/ ٤٨).\n(^٢) شرح العقيدة الأصفهانية (ص ١٣٧، ١٣٨)، وانظر الفتاوى (٧/ ٤٠٤).\n(^٣) شرح العقيدة الأصفهانية (ص ١٤٣، ١٤٤).","vol":"1","page":176},{"text":"وقال شيخ الإسلام: \"وجماع شبهتهم في ذلك أن الحقيقة المركبة تزول بزوال بعض أجزائها كالعشرة فإنه إذا زال بعضها لم تبق عشرة، وكذلك الأجسام كالسكنجبين (^١) إذا زال أحد جزئيه خرج عن كونه سكنجبين، قالوا فإذا كان الإيمان مركبًا من أقوال وأعمال ظاهرة وباطنة لزم زواله بزوال بعضها\" (^٢).\nوممن قال بهذا القول: الأشاعرة والماتريدية:\nلقد ذهب جمهور الأشاعرة وجميع الماتريدية إلى أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، لشبه عقلية وأدلة نظرية، وذهب بعض الأشاعرة إلى أن الإيمان يزيد وينقص (^٣).\nقال الزبيدي: \"وقال أبو حنيفة وأصحابه لا يزيد الإيمان ولا ينقص واختاره أبو منصور الماتريدي ومن الأشاعرة إمام الحرمين وجمع كثير\" (^٤).\nوقال ابن أبي شريف الحنفي: \"وهذا القول-أي أن الإيمان لا يزيد\n_________\n(^١) السكنجبين: شراب مركب من حامض وحلوا-معرب-فارسيته: سركا انكبين انظر المعجم الوسيط (١/ ٤٤٠).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٧/ ٥١١).\n(^٣) انظر شرح مسلم للنووي (١/ ١٤٨)، وفتح الباري لابن حجر (١/ ٤٦)، وعمدة القاري للعيني (١/ ١٣٦) وتحفة القاري \"للكاندهلوي\" (ص ٤٤) مجموع \"شروح البخاري\" (١/ ١١٢)، النبراس شرح العقائد (ص ٤٠٢)، المسامرة شرح المسايرة (ص ٣٦٧)، أصول الدين للبغدادي (ص ٢٥٢)، وأصول الدين للبزدوي (ص ١٥٣)، والاقتصاد للغزالي (ص ٢٠٨)، والمواقف للإيجي (ص ٣٨٨)، والإنصاف للباقلاني (ص ٨٦)، والإرشاد للجويني (ص ٣٣٥) وغيرها.\n(^٤) إتحاف السادة المتقين (٢/ ٢٥٦).","vol":"1","page":177},{"text":"ولا ينقص-اختاره من الأشاعرة أمام الحرمين وجمع كثير، وذهب عامتهم أي أكثر الأشاعرة إلى زيادته ونقصانه\" (^١).\nوقال الفرهاري: \"مذهب الإمام أبي حنيفة ﵀ والمتكلمين من أهل السنة أنه لا يزيد ولا ينقص\" (^٢).\nفالماتريدية لهم قول واحد في المسألة وهو أن الإيمان غير قابل للزيادة والنقصان، وأما الأشاعرة فلهم في المسألة قولان: فجمهورهم على أنه لا يقبل الزيادة والنقصان، وذهب بعضهم إلى أنه يقبلهما، والأشاعرة يعرفون الإيمان بأنه التصديق وحده، فلا يدخل فيه القول والعمل، فبحثهم هنا هو في التصديق هل يقبل الزيادة والنقصان أو لا؟\nفالذين قالوا لا يزيد ولا ينقص فبناء على أن الإيمان هو التصديق اليقيني الغير قابل للتفاوت، فإن نقص فنقصه شك وكفر، ولشبه أخرى.\nومن قال منهم يزيد وينقص فللقطع بأن تصديق آحاد الأمة ليس كتصديق النبي ﷺ، واختاره النووي وعزاه التفتازاني في شرح العقائد لبعض المحققين وقال في المواقف إنه الحق (^٣)\n_________\n(^١) المسامرة (ص ٣٦٧).\n(^٢) النبراس شرح العقائد (ص ٤٠٢).\n(^٣) انظر شرح مسلم للنووي (١/ ١٤٢) وشرح العقائد النسفية للتفتازاني (ص ١٢٦) والمواقف للأيجي (ص ٣٨٨) وانظر إرشاد الساري للقسطلاني (١/ ١١٢) ضمن مجموع شروح البخاري.","vol":"1","page":178},{"text":"خامسًا:<span data-type='title' id=toc-46> ثمرة الخلاف في مسألة زيادة الإيمان ونقصانه.</span>\nفمسائل الأسماء لها تناول معين لدى الفرق، ومسائل الأحكام لها تناول معين لدى الفرق، وهذه مسائل يطول شرحها لكن لعل ما أشرنا إليه يُبين ما مدى صفاء عقيدة أهل السنة وأن والإيمان عندهم قولٌ واعتقادٌ وعمل يزيد وينقص، زيادته بالطاعات ونقصانه بالمعاصي.\nوزيادة الإيمان ونقصانه أمر يراه الإنسان من نفسه، فقد يكون حاله اليوم من الإيمان أحسن من حاله في الأمس، أو قد يكون حاله في الأمس أحسن من حاله في هذا اليوم، فالإيمان فيه زيادة ونقص، فيزيد إلى ما شاء الله، وينقص أحيانًا حتى يزول هذا الإيمان ولا يبقى منه شيء، ويُصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرا.","vol":"1","page":179},{"text":"قال المصنف-﵀:\n\"ويخرج الرجل من الإيمان إلى الإسلام، [فإن تاب رجع إلى الإيمان] (^١)، ولا يخرجه من الإسلام شيء إلا الشرك بالله العظيم أو يرد فريضة من فرائض الله-﷿-جاحدًا بها، فإن تركها كسلا أو تهاونا، (^٢) كان في مشيئة الله إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه\".\n<hr><s0>\n\nالقول إن الإيمان يزيد وينقص في اعتقاد أهل السنة والجماعة، يترتب عليه بعض الأمور في مسائل الأحكام، فهذه المسألة مرتبطة بمسألتين:\nالأولى:<span data-type='title' id=toc-47> حكم مرتكب الكبيرة.</span>\n\nفالقول بزيادة الإيمان ونقصانه له تعلق بمسألة حكم مرتكب الكبيرة، فأهل السنة لا يرون تكفير مرتكب الكبيرة دون الشرك الأكبر، ويقولون إن صاحب الكبيرة مؤمن بإيمانه فاسق بمعصيته فلا يسلبون عنه اسم الإيمان بالكلية.\nقال شيخُ الإسلام ابن تيمِيَّة ﵀: «وهم-أهل السُّنَّة-في باب الأسماء والأحكام والوَعْد والوَعِيد وسَطٌ بين الوَعِيدية الذين يَجعلون أهلَ الكبائر من\n_________\n(^١) ما بين معكوفتين من كتاب مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص (٢٢٦) ومختصر الحجة على تارك المحجة (٢/ ٣٧٠).\n(^٢) في كتاب مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص (٢٢٦). (فإن تركها تهاونا بها وكسلا).","vol":"1","page":180},{"text":"المسلمين مُخلَّدين في النار، ويُخرجونهم من الإيمان بالكُليَّة، ويُكذِّبون بشفاعة النَّبي ﷺ.\nوبين المُرْجِئة الذين يقولون: إيمان الفُسَّاق مثل إيمان الأنبياء، والأعمال الصَّالحات ليست من الدِّين والإيمان، ويُكذِّبون بالوعيد والعِقاب بالكُليَّة.\nفيُؤمِن أهل السُّنَّة والجَمَاعَة بأن فُسَّاق المسلمين معهم بعضُ الإيمان وأصلُه، وليس معهم جميعُ الإيمان الواجِب الذي يَستوجبون به الجنة، وأنهم لا يُخلَّدون في النار؛ بل يَخرج منها من كان في قلبه مِثقالُ حبَّة من إيمان أو مِثْقال خَرْدَلة من إيمان، وأن النَّبي ﷺ ادَّخَر شفاعَتهُ لأهل الكبائِر من أمَّته» (^١).\nفأهلُ السُّنَّة والجماعة لا يُوجِبون العذابَ في حقِّ كلِّ مَنْ أتى كبيرةً، ولا يَشهدون لمُسلم بعَيْنِه بالنار لأَجْلِ كبيرةٍ واحدة عَمِلَها، بل يجوزُ عندهم أن صاحِبَ الكبيرة يُدخِلُه اللهُ الجنةَ بلا عذابٍ؛ إما لحَسناتٍ تَمْحُو كبيرتَه منه أو من غيره، وإما لمَصائِبَ كفَّرَتْها عنه، وإما لدُعاءٍ مُستَجاب منه أو من غيره فيه، وإما لغير ذلك\" (^٢).\nفهم بذلك قد توسطوا بين المفرطين من المرجئة الذين قالوا: لا يضر مع الإيمان ذنب، كما لا ينفع مع الكفر طاعة، وبين الوعيدية (الخوارج والمعتزلة)؛ فالخوارج يقولون: هو كافر في الدنيا، والمعتزلة يقولون: هو في منزلة بين\n_________\n(^١) «مَجموع الفَتاوى» (٣/ ٣٧٤ - ٣٧٥).\n(^٢) انظر «مَجموع الفَتاوى» (١٢/ ٤٧٩ - ٤٨٣).","vol":"1","page":181},{"text":"المنزلتين، ويتفقون على أنه في الآخرة خالد مخلد في النار.\n\"ولما كان ديدن أهل السنة هو السنة هو التمسك بكتاب الله ﷿، وسنة رسوله ﷺ، والقول بما دلَّا عليه وأَدَّيا إليه؛ فقد جاء قولهم في هذا الباب وسطًا بين إفراط الخوارج وأهل الاعتزال وتفريط أهل الإرجاء\" (^١).\nفالإيمان عند المعتزلة والخوارج: قولٌ وعمل وعقيدة، ولكنه لا يزيد ولا ينقص، وعندهم أن الإنسان إذا ترك واجبًا؛ فإنه يكون خارجًا من الدين.\nوالمعتزلة لا يدخلونه في الكفر، والخوارج يدخلونه في الكفر ويخرجونه من الدين، أما المعتزلة فهم يقولون: هو في منزلة بين المنزلتين: لا مؤمن ولا كافر.\nفالمعتزلةُ قالوا: إنَّ أصحابَ الكبائرِ لا مُسلمونَ ولا كفارَ، بل هم في منزلةٍ بينَ المَنزلتينِ، واتَّفقوا معَ الخوارجِ في الحكمِ الأُخرويِّ على صاحبِ الكبيرةِ: أنَّهُ مُخَلَّدٌ في النارِ.\nوهذه أول بدعة ظهرت في الإسلام، وإنما أحدثوا هذا المُعتقد من سوء فهمهم للقرآن، فلم يقصدوا معارضته، لكن فهموا منه ما لم يدل عليه؛ فظنوا أنه يوجب تكفير أرباب الذنوب (^٢).\n_________\n(^١) «وسطية أهل السنة بين الفرق (رسالة دكتوراه)، لمحمد با كريم، (ص ٣٣٣)، دار الراية، الطبعة الأولى، ١٤١٥ هـ -١٩٩٤ م.\n(^٢) انظر: «مَجموع الفَتاوى» (١٣/ ٣٠).","vol":"1","page":182},{"text":"وأما الإيمان عند المرجئة: فشيءٌ واحد لا يتفاوت، بل إيمان أفسق الناس مثل إيمان جبريل بلا فرق، وإيمان أهل السماء وأهل الأرض عندهم سواء، ولا يكون زائدًا ولا ناقصًا، وأخرجوا جميع الأعمال من الإيمان.\nقال المصنف في «مَجموع الفَتاوى»: «تنازَع النَّاس في الأسماء والأحكام؛ أي: في أسماء الدِّين، مثل: مُسلِمٍ ومُؤمِنٍ وكافِرٍ وفاسِقٍ، وفي أحكام هؤلاء في الدُّنيا والآخرة، فالمُعتَزِلة وافَقوا الخَوارِجَ على حُكْمِهم في الآخِرَة دون الدُّنيا؛ فلم يَستَحِلُّوا مِنْ دمائِهم وأموالهم ما استَحَلَّتْهُ الخوارجُ، وفي الأسماء أحدَثوا المَنزِلةَ بين المَنْزِلتينِ، وهذه خاصَّة المُعتَزِلة التي انفَردوا بها، وسائِرُ أقوالهم قد شارَكهم فيها غيرُهم» (^١).\nوَأَمَّا أَهْلُ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الإِيمَانَ وَالدِّينَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ.\nفجاء اعتقاد أهل السنة والجماعة وسط بين هؤلاء وهؤلاء؛ فالإيمان عندهم قول وعمل واعتقاد، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية؛ فتوسطوا بذلك بين المرجئة الذين أخرجوا العمل عن مسمى الإيمان، والخوارج والمعتزلة الذين أنكروا زيادة الإيمان ونقصانه.\nفهم وَسَطٌ بينَ الخوارجِ والمُعتزلةِ، وبينَ المُرجئةِ والجهميَّةِ.\n«وأهلُ السُّنَّةِ نَقاوةُ المسلمين، فهم خير الناس للناس» (^٢)، وأسعدُ النَّاسِ\n_________\n(^١) «مَجموع الفَتاوى» (١٣/ ٣٨).\n(^٢) من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية عن أهل السنة، كما في «منهاج السنة» (٥/ ١٥٨).","vol":"1","page":183},{"text":"بالحقِّ وأرحمهم بالخلق؛ فإنَّهم لم يُكَفِّروا أهلَ القِبْلَةِ بارتكابِ الكبائرِ، وإنَّما قالوا: مرتكب الكبيرة مؤمنٌ ناقصُ الإيمانِ، فهوَ مؤمنٌ بإيمانِهِ وفاسقٌ بمعصيتِهِ؛ فلم يُعطوهُ الإيمانَ المطلقَ، ولم يسلبوهُ مطلقَ الإيمانِ، ولم يَحكموا على الفاسقِ بأنَّهُ مُخَلَّدٌ في النارِ يومَ القيامةِ، بل قالوا: إنَّ مُرتكبي الكبائرِ من أهلِ القِبْلَةِ في مشيئةِ اللهِ يومَ القيامةِ؛ إن شاءَ عَفَا عنهم وأدخلَهُم الجنَّةَ بلا عذابٍ، وإن شاءَ عذَّبَهُم على قَدْرِ ذنوبِهِم، ثمَّ أدخلهمُ الجنَّةَ؛ كما قالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨].\nومِن المعلوم: أنَّ أهل السنة يرون أن الإيمان قول وعمل؛ قول القلب وقول اللسان، وعمل القلب وعمل اللسان، وعمل الجوارح، ويريدون بقول القلب: التصديق الذي هو العلم.\nوالعقيدة يُراد بها الباطن، والباطن في أصله هو مجموع الأمرين؛ أي: مجموع الفِكر والنَّظر الذي يكون في العقل، ومجموع الإرادة والعمل الذي يكون في الصَّدر، فلا بد للقلب من واجبين هما: (جانب العلم، وجانب العمل)، ففي باب الإيمان لا بد من العلم بالله، وهذا قول القلب. ولا بد من عمل القلب الذي هو (الإقرار والانقياد)، ومن ذلك: الحُب والرَّجاء والخوف والتقوى والإنابة …\nوكالإيمان بكتاب الله؛ فهو إمَّا أخبار وإما أوامر، فالأخبار حقُّها التصديق، والأوامر حقُّها العمل.","vol":"1","page":184},{"text":"وعليه لكي نكون مؤمنين بالله: أن نكون مُصَدِّقين أوَّلًا بما أخبر، ثم مُتَّبعين لما أَمَرَ ﷾.\nونجمع بين قول القلب الذي هو العِلم، وقول اللسان الذي هو النُّطق بالشهادتين.\nوقد تعارف العلماء على أن المقصود بقول اللسان: هو النطق بالشَّهادتين، كما قال رسولنا ﷺ: «أُمِرْتُ أن أُقاتل الناسَ حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمَن قال: لا إله إلا الله، فقد عَصم مِنِّي نفسَه ومالَه إلا بحقِّه، وحسابُه على الله» (^١).\nوعمل القلب: هو الأعمال القلبية التي مجموعها (الإقرار والانقياد)، ومن ذلك الحب والخوف والرجاء والإنابة والتقوى …\nوعمل اللسان: الطاعات اللسانية من ذِكر الله وقراءة القرآن والدعوة إلى الله ونحو ذلك.\nوعمل الجوارح: هو المعلوم من أركان الإسلام من صلاة وصيام وحج وسائر الطاعات التي تكون متعلقة بالبدن.\nثم أهل السنة يَرون أن الإيمانَ يَزيد وينقص؛ فقد قال ﷺ: «الإيمانُ بِضْعٌ وسَبعون-أو بِضع وستون-شُعبة، فأفضلها قول: لا إله إلا الله،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٩٤٦) ومسلم (٢١) من حديث أبي هريرة؟.","vol":"1","page":185},{"text":"وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شُعبة من الإيمان» (^١).\nفعلى هذا فإن كلَّ الطاعات تُسَمَّى إيمانًا؛ فالصلاة تسمى إيمانًا؛ فعن البراء؟: «أنَّ رسول الله ﷺ صَلَّى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرًا، أو سبعة عشر شهرًا، وكان يُعجبه أن تكون قِبلته قِبَلَ البيت، وأنَّه صَلَّى، أو صلاها، صلاة العصر وصلى معه قوم، فخرج رجلٌ ممن كان صلى معه فمَرَّ على أهل المسجد وهم راكعون، قال: أشهد بالله، لقد صَلَّيْتُ مع النبي ﷺ قِبَلَ مَكَّة؛ فَدَاروا كما هُمْ قِبَلَ البيت، وكان الذي مات على القبلة قبل أن تُحَوَّل قِبَلَ البيت رجالٌ قُتِلوا، لَم نَدْرِ ما نقول فيهم؛ فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٤٣]» (^٢).\nقال الإمام مالك ﵀: «أهل الذنوب مُؤمنون مُذنبون وقد سَمَّى الله تعالى العمل إيمانًا، وقال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ يريد صلاتَكم إلى بيت المقدس» (^٣).\nوالوضوء يسمى إيمانًا؛ ففي الحديث: «الطُّهورُ شَطْرُ الإيمان» (^٤)، أي: نصف الإيمان؛ لأنه نصف الصلاة.\nوهكذا، فكل الطاعات تسمى إيمانًا.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٣٥) من حديث أبي هريرة؟.\n(^٢) أخرجه البخاري (٤٤٨٦).\n(^٣) «موطأ مالك» (١/ ٢٥٥ - الأعظمي).\n(^٤) أخرجه مسلم (٢٢٣).","vol":"1","page":186},{"text":"والإيمانُ شُعَبٌ، كما سبق في الحديث، ومِن شُعب الإيمان ما لو زالت لزال الإيمان؛ فمثلًا (لا إله إلا الله) لو زالت لزال إيمان العبد.\nوهناك شُعبة لو زالت لما زال الإيمان؛ كإماطة الأذى، فإن لم يفعل العبد ذلك ما زال إيمانُه، ولكن قد يكون هذا نقصًا في الإيمان، فعلى هذا قال ﷺ: «أدناها»، و«أعلاها»، فهي شُعَبٌ متفاوتة، وبقدر التزام العبد بتلك الطاعات يكون ذلك سببًا في زيادة إيمانه، والعكس بالعكس.\nوفي المُقابل فالكفر شُعَبٌ، وكل المعاصي تسمى كفرًا، وإن كان هناك كفر دون كفر، إلا أن كل معصية فهي شُعبة من شعب الكفر.\nفأهل السنة يَفترقون عن غيرهم بمسائل مهمة؛ ومنها: أن الإيمان يزيد وينقص؛ يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.\nومن الأدلة على زيادة الإيمان: قوله ﷾: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: ٤]، وقوله جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد: ١٧].\nومن الأدلة على نُقصان الإيمان: عن أبي سعيد الخدري؟، قال: «خرج رسول الله ﷺ في أضحى أو فطر إلى المصلى، فمر على النساء، فقال: «يا معشر النساء تَصَدَّقن؛ فإني أُريتكن أكثر أهل النار». فقلن: وبم يا رسول الله؟ قال: «تُكثرن اللعن، وتَكفرن العَشير، ما رأيتُ مِنْ ناقصات عقل ودين أذهبَ لِلُبِّ الرجل الحازم مِنْ إحداكن»، قلن: وما نُقصان ديننا وعقلنا","vol":"1","page":187},{"text":"يا رسول الله؟ قال: «أَليس شهادة المرأة مِثل نِصف شهادة الرجل». قلن: بلى، قال: «فذلك من نقصان عقلها، أليس إذا حاضت لم تُصَلِّ ولم تَصُمْ؟». قلن: بلى، قال: «فذلك مِنْ نقصان دينها» (^١).\nفبَيَّن النبيُّ ﷺ أن النقصان يقع في الدين (الإيمان)، كما يقع في العقل.\nثم أهلُ السنة يستثنون في الإيمان؛ لأن الإيمان هو فِعل كل الواجبات ولا يَدَّعي إنسان أنه قد فعل كلَّ الواجبات، فلا يُزَكِّي نفسه، فيصح إذًا الاستثناء في الإيمان لا على سبيل الشك، وإنما على سبيل عدم تزكية النفس، فيقول: أنا مؤمن إن شاء الله.\nوكذلك يَرى أهلُ السنة أن العبد قد يجتمع فيه إيمان وكفر، وقد يجتمع فيه إيمان ونفاق، وإن كان هناك كفر دون كفر ونفاق دون نفاق.\nفتجد الرجل يصلي ويصوم وقد يكذب ويسرق، فهذا إن دلَّ فإنما يدل على أنه قد يجتمع فيه الإيمان وشُعبة من شُعَب الكفر؛ لذا تراه على جملة من الطاعات وكذلك يكون متلبسًا بجملة من المعاصي، فيجتمع فيه الإيمان والكفر غير المخرج من الملة (أي: كفر دون كفر).\nولذلك كان الصَّحابة يخشون على أنفسهم النفاق؛ فعمر-﵁-يسأل حذيفة-﵁-وهو أمين سِرِّ رسول الله ﷺ: «أَنْشُدُكَ اللهَ، هل سَمَّانِي\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٠٤) واللفظ له، وأخرجه مسلم (٧٩) من حديث ابن عمر ﵄.","vol":"1","page":188},{"text":"لك رَسُولُ اللهِ. يعني في المنافقين! فيقول: لا، ولا أزَكِّي بعدك أحدًا» (^١).\nفالنفاق على نوعين: أكبر وأصغر.\nفالأكبر: هو الكفر التام الذي يُبطنه صاحبه.\nوالأصغر بأن يكون في قلب صاحبه مادة إيمان ومادة كفر؛ وعلى حسب قُربه من أحدهما يُختم له به؛ نسأل الله العافية من الكفر والنفاق، ونسأله الوفاة على الإيمان!\n\nوالمسألة الثانية:<span data-type='title' id=toc-48> مسألة مراتب الدين.</span>\nفقد ثَبت فِي «الصَّحِيح» أَنَّ جِبْرِيل لما جَاءَ إِلَى النَّبِي ﷺ فِي صُورَة أَعْرَابِي وسَأَلَهُ عَنْ الإِسْلَام قَالَ: «الإِسْلَامُ: أَنْ تشهد أَنْ لَا إِلَه إِلَّا الله وأَن مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، وتقيمَ الصَّلَاةَ، وتؤتي الزَّكَاة، وتصوم رَمَضَانَ، وتحجَّ البَيْتَ إِنْ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلا». قَالَ: فَمَا الإِيمَان؟ قَالَ: «أَنْ تؤمن بِاللَّه ومَلَائِكَته وكُتُبه ورُسُله والبَعث بعد المَوْتِ، وتؤمن بِالقدرِ؛ خَيره وشره». قَالَ: فَمَا الإِحْسَان؟ قَالَ: «أَنْ تعبدَ الله كَأَنَّك ترَاهُ، فَإِنْ لم تكن ترَاهُ فَإِنَّهُ يراك»، ثمَّ قَالَ فِي آخر الحَدِيث: «هَذَا جِبْرِيلُ جَاءَكُم يُعَلِّمُكم دينَكُمْ»، فَجعل هَذَا كُلَّه مِنْ الدَّين».\nفحديث جبريل هذا تَضَمَّن مراتبَ الدِّين، وهي: (الإسلام، والإيمان، والإحسان)، وفيه خص النبي ﷺ الإسلام بالأمور الظاهرة، وخَصَّ الإيمان بالأمور الباطنة، وجعل الإحسانَ مجموعَ الأمرين؛ لأن الإحسان في\n_________\n(^١) أخرجه ابنُ أبي شيبة في «مصنفه» (٧/ ٤٨١)، والخَلَّال في «السُّنَّة» (١٣١٤).","vol":"1","page":189},{"text":"اللغة: الإتقان، والمراد هنا: إتقان الظاهر والباطن.\nوالإسلام يطلق أحيانًا ويُراد به جميع الدِّين، كما في قوله تعالى: ﴿إنَّ الدين عند الله الإسلام﴾ [آل عمران: ١٩]، ويُطلق تارة ويُراد به الأمور الظاهرة، كما في هذا الحديث حيث قال: «الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله …»، إلخ.\nوالإيمان كذلك يُطلق ويراد به جميع الدِّين، كما في حديث: «الإيمانُ بِضْعٌ وسَبعون شُعبة …»، ويُطلق الإيمان ويراد به: الأمور الباطنة، كما هنا في حديث جبريل حيث قال ﷺ: «الإيمان: أن تُؤمن بالله وملائكته وكُتُبه ورسله …».\nفلفظ الإسلام والإيمان إذا ذُكِرا معًا افترقا؛ فصار للإسلام معنى خاص، وللإيمان معنى خاص، كما هنا في حديث جبريل ﵇؛ فالإسلام خاص بالأعمال الظاهرة، والإيمان خاص بما يتعلق بأعمال القلوب.\nأما إذا ذُكِر الإسلام وحده أو الإيمان وحده؛ فإنَّ أحدهما يدخل في الآخر؛ لهذا يقول أهل العلم: «إنَّهما إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا»؛ فالإيمان عند أهل السنة والجماعة: هو عملٌ بالأركان، وقول باللسان، وتصديق بالجَنان، ويدخل فيه الإسلام؛ يكون قولًا باللسان وعملًا بالأركان وتصديقًا بالجنان؛ إذا ذكر وحده\" (^١).\n_________\n(^١) انظر: «المنتقى من فتاوى الفوزان» أول المجلد الثاني، أول فتاوى الإيمان.","vol":"1","page":190},{"text":"ففيما يتعلق بدخول الإنسان إلى هذا الدين متى ينتقل في مراتب الدين؛ لأن مراتب الدين ثلاثة: الإسلام، الإيمان، الإحسان، فهي عبارة عن ثلاث دوائر أول دائرة فيه هي الإسلام، ثم هناك دائرة أضيق منها هي الإيمان، ويعني هذا الضيق أن من هو مؤمن هو مسلم، ولكن ليس بالضرورة من كان مسلمًا أن يكون مؤمنا، ثم تأتي الدائرة الأضيق هي دائرة الإحسان؛ لأن الإحسان فحواه ومعناه أن تُتقن الظاهر والباطن، فعندما أقول أحسنت بمعنى أتقنت فالإحسان إتقان الظاهر والباطن، فإذا أُتقن الظاهر والباطن فهذه مرتبة عليا، فكل مسلم مؤمن مسلم، ولكن ليس كل مؤمن محسن، قد يكون محسن وقد لا يكون محسنا، فهذه عقيدة أهل السنة والجماعة في هذه المسألة.\nكما أنه مرتبط بتفاضل الناس في إيمانهم وتفاضل درجاتهم في الآخرة إلى غير ذلك من المسائل ذات الصلة.\nوقول المصنف: \"فإن تركها كسلا أو تهاونا كان في مشيئة الله إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه\".\nقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ: \"الإيمان مركب، من قول وعمل، والقول قسمان: قول القلب، وهو: اعتقاده; وقول اللسان، وهو: التكلم بكلمة الإسلام; والعمل قسمان: عمل القلب، وهو: قصده، واختياره، ومحبته، ورضاه، وتصديقه; وعمل الجوارح، كالصلاة، والزكاة، والحج، والجهاد، ونحو ذلك من الأعمال الظاهرة؛ فإذا زال تصديق القلب، ورضاه، ومحبته لله، وصدقه، زال الإيمان بالكلية; وإذا زال شيء من","vol":"1","page":191},{"text":"الأعمال، كالصلاة، والحج، والجهاد، مع بقاء تصديق القلب، وقبوله، فهذا محل خلاف، هل يزول الإيمان بالكلية، إذا ترك أحد الأركان الإسلامية، كالصلاة، والحج، والزكاة، والصيام، أو لا يزول؟ وهل يكفر تاركه أو لا يكفر؟ وهل يفرق بين الصلاة، وغيرها، أو لا يفرق؟\nفأهل السنة مجمعون على أنه لا بد من عمل القلب، الذي هو: محبته، ورضاه، وانقياده؛ والمرجئة، تقول: يكفي التصديق فقط، ويكون به مؤمنا; والخلاف، في أعمال الجوارح، هل يكفر، أو لا يكفر؟ واقع بين أهل السنة؛\nوالمعروف عند السلف: تكفير من ترك أحد المباني الإسلامية، كالصلاة، والزكاة، والصيام، والحج.\nوالقول الثاني: أنه لا يكفر إلا من جحدها.\nوالثالث: الفرق بين الصلاة، وغيرها.\nوهذه الأقوال، معروفة.\nوكذلك المعاصي والذنوب، التي هي فعل المحظورات، فرقوا فيها: بين ما يصادم أصل الإسلام، وينافيه، وما دون ذلك؛ وبين ما سماه الشارع كفرا، وما لم يسمه؛ هذا ما عليه أهل الأثر، المتمسكون بسنة رسول الله ﷺ وأدلة هذا مبسوطة في أماكنها\". (^١)\nوتعد الصلاة من أهم العبادات وأوجبها وأفرضها ومسألة ترك الصلاة\n_________\n(^١) الدرر السنية في الأجوبة النجدية ١/ ٤٧٩.","vol":"1","page":192},{"text":"لها أحوال بينها العلماء ومن تلك الأحوال:\nمن ترك الصلاة متعمدًا حتى خرج وقتها فهذه الصورة من صور الترك وردت في السنة والآثار ما يبين حكمها ومن ذلك:\n• قوله ﷺ \"العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر\" (^١)\n• وفي المسند: \" من ترك الصلاة متعمدًا فقد برئت منه الذمة\" (^٢)\n• وقوله: \"بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة\" (^٣)\n• وقال عمر بن الخطاب-﵁ -يقول: \"لاحظ في الإسلام لمن ترك الصلاة \" (^٤)\n• وقال عبد الله بن شقيق يقول: \"كان أصحاب رسول الله ﷺ-لا يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة \" (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه النسائي (١/ ٢٣١) والترمذي (٧/ ٣٦٨ - تحفة) وابن ماجه (١٠٧٩) عن بريدة ﵁.\n(^٢) أخرجه أحمد (٥/ ٢٣٨) وابن ماجه (٢/ ١٣٣٩)، وأنظر: التلخيص الحبير (٢/ ١٤٨).\n(^٣) رواه مسلم (١/ ٨٨). وقد ذكر شيخ الإسلام-﵀-الفرق بين الكفر المعرف بأل والكفر المنكر في الاقتضاء (ص: ٢٠٧) قلت: الكفر المعرف هو الأكبر، وهو المعهود في ألفاظ الشارع وألسنة الصحابة.\n(^٤) رواه مالك في الموطأ (١/ ٣٩) وعبد الرزاق (٣/ ١٢٥) وغيرهم. وحظ: نكرة في سياق النفي، فلا حظ قليل ولا كثير في الإسلام لمن ترك الصلاة.\n(^٥) رواه الترمذي (٧/ ٣٧٠) وغيره.","vol":"1","page":193},{"text":"وهذا القول قال به جملة من العلماء من عصر الصحابة إلى يومنا هذا ومن النقول الواردة في ذلك:\nقال أبو محمد بن حزم: \"وقد جاء عن عمر، ومعاذ، وعبد الرحمن بن عوف، ومعاذ بن جبل، وأبي هريرة، وغيرهم من الصحابة-﵃-أن من ترك صلاة فرض واحدةً متعمدًا حتى يخرج وقتها فهو كافر مرتد (^١) \" (^٢).\nوقال الحافظ المنذري: \"وقد ذهب جماعة من الصحابة ومن بعدهم إلى تكفير من ترك الصلاة متعمدًا لتركها حتى يخرج جميع وقتها، منهم عمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، ومعاذ بن جبل، وجابر بن عبد الله، وأبو الدرداء-﵃، ومن غير الصحابة أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعبد الله ابن المبارك، والنخعي، والحكم بن عتيبة، وأيوب السختياني، وأبو داود الطيالسي، وأبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب وغيرهم ﵀\" (^٣) أ. هـ.\nقال ابن رجب: \"ظاهر كلام أحمد وغيره من الأئمة الذين يرون كفر تارك الصلاة: أن من تركها كفر بخروج الوقت عليه، ولم يعتبروا أن يستتاب، ولا أن يُدعى إليها وعليه يدل كلام المتقدمين من أصحابنا، لقوله ﷺ: \"بين\n_________\n(^١) جاء التنصيص على التكفير بترك صلاة واحدة عند عبد بن حميد (٣/ ٢٤) برقم (١٠٤١)، ولكن سندها ضعيف من أجل الصنعاني عمر بن زيد.\n(^٢) المحلى (٢/ ٢٤٢).\n(^٣) الترغيب والترهيب (١/ ٣٩٤).","vol":"1","page":194},{"text":"الرجل وبين الكفر ترك الصلاة (^١) \".\nواختاره كفره أيضًا: ابن حبيب من المالكية، والعز بن عبد السلام من الشافعية (^٢)، وغيرهم. ولفيف من أئمة الدعوة السلفية المباركة (^٣)، ومن آخرهم العلامة الجليل سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ (^٤)، والشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين (٤)، والشيخ عبد الرزاق عفيفي، والشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين، والشيخ عبد الله بن غديان، والشيخ عبد الله بن قعود (^٥)، وغيرهم كثير (^٦).\nبل أفتى العلماء بأنَّ من أخر الصلاة وفوَّتَها عن وقتها الذي أمر الله بإيقاعها فيه عمدًا لم يقبلها الله منه بعد خروج وقتها، ولا تصح منه، ولا تبرأ ذمته منها.\nوقال ابن حزم: \"من تعمَّد ترك الصَّلاة حتى خرج وقتها، فهذا لا يقدر على قضائها أبدًا، فليكثر من فعل الخير وصلاة التطوُّع؛ ليثقل ميزانه يوم القيامة، ولْيَتُب وليستغفر الله ﷿\". (^٧)\n_________\n(^١) حاشية العنقري على الروض المربع (١/ ١٢٢) وحاشية ابن قاسم على الروض أيضًا (١/ ٤٢٥).\n(^٢) انظر الدرر السنية: ٤/ ١٠٣.\n(^٣) انظر الدرر السنية: ٨/ ١٨٨.\n(^٤) انظر حاشية على فتح الباري: ٢/ ٢٧٥.\n(^٥) وفتاواهم بمجلة البحوث وغيرها لا تحصر.\n(^٦) المصدر: الإنباه إلى حكم تارك الصلاة عبد الله بن مانع الروقي ص ٤٧ - ٤٩.\n(^٧) \"المحلى\" (٢/ ٢٣٥).","vol":"1","page":195},{"text":"وقال شيخ الإسلام ابن تيميَّة: \"تارك الصلاة عمدًا لا يشرع له قضاؤها، ولا تصحُّ منه، بل يكثر من التطوُّع، وكذا الصوم، وهو قول طائفة من السَّلف؛ كأبي عبد الرحمن صاحب الشافعي، وداود وأتباعه، وليس في الأدلة ما يُخالف هذا بل يوافقه\". (^١)\nوقال ابن رجب: \"المعذور إنَّما أمره بالقضاء؛ لأنَّه جعل قضاءه كفَّارة له، والعامد ليس القضاء كفَّارة له؛ فإنه عاصٍ تلزمه التوبة من ذنبه بالاتِّفاق … والعامد لم يأتِ نصٌّ بأن القضاء كفَّارة له، بل ولا يدل عليه النظر؛ لأنَّه عاصٍ آثم يَحتاج إلى توبة، كقاتل العمد، وحالف اليمين الغموس … وقد نص الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله: على أن المصلي لغير الوقت كالتارك للصلاة في استتابته وقتله، فكيف يؤمر بفعل صلاة حكمها حكم ترك الصلاة؟ … ولا يُعرف عن أحد من الصَّحابة في وجوب القضاء على العامد شيء، بل ولم أجد صريحًا عن التابعين-أيضًا-فيه شيئًا، إلا عن النخعي، وقد وردت آثارٌ كثيرة عن السَّلف في تارك الصلاة عمدًا أنَّه لا تقبل منه صلاة، كما رُوي عن الصديق ﵁\". (^٢)\nقال ابن القيِّم ﵀ في مقرِّرًا لهذه المسألة: \"ما وقته أوسع من فعله كالصلاة فِعْلُه في وَقْته شرطٌ في كَوْنه عبادة مأمورًا بها، فإنَّه إنَّما أمر به على هذه الصِّفة، فلا تكون عبادة على غيرها … فما أَمَر الله به في الوقت، فتَرْكُه\n_________\n(^١) \"الاختيارات\" (ص: ٣٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٥/ ١٣٣ - ١٣٩).","vol":"1","page":196},{"text":"المأمورَ حتَّى فات وقته لم يُمكن فعله بعدَ الوقت شرعًا؛ ولهذا لا يُمكن فعل الجُمُعة بعد خروج وَقْتها، ولا الوقوف بعرفة بعد وقته … ولا مشروع إلاَّ ما شرعه الله ورسوله، وهو سبحانه ما شرع فِعْلَ الصلاة والصِّيام والحج إلاَّ في أوقات مُختصة به، فإذا فاتت تلك الأوقات لم تكن مشروعة، ولم يشرع الله سبحانه فعل الجمعة يوم السبت، ولا الوقوف بعرفة في اليوم العاشر، ولا الحج في غير أشهره.\nومن أخَّر صلاة النهار، فصلاَّها بالليل أو صلاة الليل، فصلاَّها بالنَّهار، فهذا الذي فعله غير الذي أمر به وغير ما شرعه الله ورسوله، فلا يكون صحيحًا ولا مقبولًا …\nوالله سبحانه قد جعل لكلِّ صلاة وقتًا محدودَ الأول والآخر، ولم يأذن في فعلها قبل دخول وقتها، ولا بعد خُرُوج وقتها، والمفعول قبل الوقت وبعده أمرٌ غير المشروع، فلو كان الوقت ليس شرطًا في صِحَّتها، لكان لا فرق في الصِّحة بين فعلها قبل الوقت وبعده؛ لأنَّ كلتا الصَّلاتين صلاَّها في غير وقتها، فكيف قبلت من هذا المفرِّط بالتفويت، ولم تقبل من المفرط بالتعجيل؟!\nوقد أمر الله سبحانه المسلمين حال مواجهة عدوِّهم أن يصلوا صلاةَ الخوف، فيقصروا من أركانها، ويفعلوا فيها الأفعالَ الكثيرة، ويستدبروا فيها القبلة، ويسلمون قبل الإمام، بل يصلُّون رجالًا وركبانًا، حتَّى لو لم يُمكنهم إلا الإيماء، أَتَوا بها على دوابِّهم إلى غير القبلة في وقتها، ولو قبلت منهم في غير وقتها وصحَّت، لجاز لهم تأخيرها إلى وقت الأمن وإمكان الإتيان بها، وهذا","vol":"1","page":197},{"text":"يدل على أنَّها بعد خروج وقتها لا تكون جائزة ولا مقبولة منهم مع العُذر الذي أصابهم في سبيله وجهاد أعدائه، فكيف تقبل من صحيحٍ مقيمٍ لا عذر له الْبَتَّةَ وهو يسمع داعيَ الله جهرة، فيدعها حتى يخرج وقتها، ثم يصليها في غير الوقت؟! وكذلك لم يفسح في تأخيرها عن وقتها للمريض، بل أمره أنْ يصلي على جنبه بغير قيام ولا ركوع ولا سجود إذا عَجَز عن ذلك، ولو كانت تقبل منه وتصح في غير وقتها، لجاز تأخيرها إلى زمن الصِّحَّة.\nفأخبرونا: أيُّ كتابٍ أو سنة أو أَثَرٍ عن صاحب نطق بأنَّ من أخر الصلاة وفوَّتَها عن وقتها الذي أمر الله بإيقاعها فيه عمدًا يقبلها الله منه بعد خروج وقتها، وتصح منه، وتبرأ ذمته منها، ويثاب عليها ثواب من أدَّى فريضته؟! هذا والله ما لا سبيلَ لكم إليه البتة، حتَّى تقوم الساعة ونحن نُوجِد لكم عن أصحاب رسول الله مثل ما قلناه وخلاف قولكم.\nفصل: في قول أبي بكر الصديق الذي لم يُعلَم أن أحدًا من الصحابة أنكره عليه؛ قال عبد الله بن المبارك: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد عن زيد: أن أبا بكر قال لعمر بن الخطاب: إنِّي موصيك بوصية إنْ حفظتها: إنَّ لله حقًّا بالنهار لا يقبله باللَّيل، وحقًّا بالليل لا يقبله بالنَّهار … فهذا أبو بكر قال: إنَّ الله لا يقبل عَمَل النهار بالليل، ولا عمل الليل بالنَّهار، ومن يُخالفنا بهذه المسألة يقولون بخلاف هذا صريحًا، وأنَّه يقبل صلاةَ العشاءِ الآخرة وقت الهاجرة، ويقبل صلاةَ العصر نصف النَّهار … فهذا قول أبي بكر،","vol":"1","page":198},{"text":"وعمر، وابنه عبد الله، وسعد بن أبي وقاص، وسلمان الفارسي، وعبد الله بن مسعود، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، وبديل العقيلي، ومحمد بن سيرين، ومطرف بن عبد الله، وعمر بن عبد العزيز ﵃ وغيره\" (^١).\nقال شيخ الإسلام ابن تيميَّة: \"تارك الصلاة عمدًا لا يشرع له قضاؤها، ولا تصحُّ منه، بل يكثر من التطوُّع، وكذا الصوم، وهو قول طائفة من السَّلف؛ كأبي عبد الرحمن صاحب الشافعي، وداود وأتباعه، وليس في الأدلة ما يُخالف هذا بل يوافقه\". (^٢)\nوقال ابن حزم: \"من تعمَّد ترك الصَّلاة حتى خرج وقتها، فهذا لا يقدر على قضائها أبدًا، فليكثر من فعل الخير وصلاة التطوُّع؛ ليثقل ميزانه يوم القيامة، ولْيَتُب وليستغفر الله ﷿\". (^٣)\nوقال ابن رجب: \"المعذور إنَّما أمره بالقضاء؛ لأنَّه جعل قضاءه كفَّارة له، والعامد ليس القضاء كفَّارة له؛ فإنه عاصٍ تلزمه التوبة من ذنبه بالاتِّفاق … والعامد لم يأتِ نصٌّ بأن القضاء كفَّارة له، بل ولا يدل عليه النظر؛ لأنَّه عاصٍ آثم يَحتاج إلى توبة، كقاتل العمد، وحالف اليمين الغموس … وقد نص الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله: على أن المصلي لغير الوقت كالتارك للصلاة في استتابته وقتله، فكيف يؤمر بفعل صلاة حكمها حكم ترك الصلاة؟ …\n_________\n(^١) كتاب الصَّلاة وحكم تاركها (ص: ٧٣ - ٨٠).\n(^٢) \"الاختيارات\" (ص: ٣٤).\n(^٣) \"المحلى\" (٢/ ٢٣٥).","vol":"1","page":199},{"text":"ولا يُعرف عن أحد من الصَّحابة في وجوب القضاء على العامد شيء، بل ولم أجد صريحًا عن التابعين-أيضًا-فيه شيئًا، إلا عن النخعي، وقد وردت آثارٌ كثيرة عن السَّلف في تارك الصلاة عمدًا أنَّه لا تقبل منه صلاة، كما رُوي عن الصديق ﵁\". (^١)\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ١٣٣ - ١٣٩).","vol":"1","page":200},{"text":"قال المصنف-رحمه الله تعالى-:\n\"وأما المعتزلة الملعونة (^١) فقد أجمع من أدركنا من أهل العلم أنهم يكفرون بالذنب، ومن كان منهم كذلك فقد زعم أن آدم كان كافرًا، وأن إخوة يوسف حين كذبوا أباهم يعقوب كانوا كفارًا، وأجمعت المعتزلة أن من سرق حبة فهو كافر تبين منه امرأته ويستأنف الحج إن كان حج؛ فهؤلاء الذين يقولون بهذه المقالة كفار لا يناكحون ولا تقبل شهادتهم\" (^٢).\n<hr><s0>\n\nذهبت الخوارج والمعتزلة مذهب أهل السنة والجماعة في تعريف الإيمان إلى إنه شامل للأعمال والأقوال والاعتقادات، إلا أنهم فارقوا أهل السنة والجماعة بقولهم إن الإيمان كل واحد لا يتجزأ إذا ذهب بعضه ذهب كله، وأنه لا يقبل التبعض.\nومن هنا كان الإخلال بالأعمال وارتكاب الكبائر عندهم مخرجًا من الإيمان كلية، على خلاف بينهم في تسميته كافرًا، فالخوارج قطعوا بكفره،\n_________\n(^١) كلمة (الملعونة) غير مذكورة في مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص: (٢٢٦) ولا ومختصر الحجة على تارك المحجة (٢/ ٣٧١).\n(^٢) في كتاب مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص (٢٢٦) وفي مختصر الحجة على تارك المحجة (٢/ ٣٧١). العبارة: (وحكمهم أن لا يكلموا ولا تؤكل ذبائحهم حتى يتوبوا). بدلًا من (لا يناكحون ولا تقبل شهادتهم).","vol":"1","page":201},{"text":"ونازعهم المعتزلة في الاسم وقالوا نحن لا نسميه مؤمنًا ولا كافرًا، وإنما هو في منزلة بين المنزلتين أي: بين منزلة الإيمان والكفر، وإن كانوا قد اتفقوا جميعًا أنه يوم القيامة خالد مخلد في نار جهنم (^١).\nقال شيخ الإسلام: \"قالت الخوارج والمعتزلة قد علمنا يقينًا أن الأعمال من الإيمان فمن تركها فقد ترك بعض الإيمان، وإذا زال بعضه زال جميعه؛ لأن الإيمان لا يتبعض ولا يكون في العبد إيمان ونفاق، فيكون أصحاب الذنوب مخلدين في النار إذ كان ليس معهم من الإيمان شيء\" (^٢).\nوأصل غلط هؤلاء ومنشأ ضلالهم كما قال شيخ الإسلام: \"أنهم ظنوا أن الشخص الواحد لا يكون مستحقًا للثواب والعقاب والوعد والوعيد والحمد والذم، بل إما لهذا وإما لهذا فأحبطوا جميع حسناته بالكبيرة التي فعلها، وقالوا: \"الإيمان هو الطاعة فيزول بزوال بعض الطاعة، ثم تنازعوا هل يخلفه الكفر على القولين ووافقتهم المرجئة والجهمية على أن الإيمان يزول كله بزوال شيء منه، وأنه لا يتبعض ولا يتفاضل فلا يزيد ولا ينقص وقالوا إن إيمان الفساق كإيمان الأنبياء والمؤمنين\" (^٣).\nفهذه الشبهة هي التي أفسدت على هؤلاء قولهم، بل وعلى جميع المرجئة،\n_________\n(^١) انظر الفتاوى (٧/ ٢٢٣، ٢٥٧) وشرح العقيدة الأصفهانية لابن تيمية (ص ١٣٧).\n(^٢) الفتاوى (١٣/ ٤٨).\n(^٣) شرح العقيدة الأصفهانية (ص ١٣٧، ١٣٨)، وانظر الفتاوى (٧/ ٤٠٤).","vol":"1","page":202},{"text":"كما قال شيخ الإسلام: \"وإنما أوقع هؤلاء كلهم أي المرجئة بأقسامهم-ما أوقع الخوارج والمعتزلة في ظنهم أن الإيمان لا يتبعض بل إذا ذهب بعضه ذهب كله، ومذهب أهل السنة والجماعة أنه يتبعض وأنه ينقص ولا يزول جميعه\" (^١).\nوقال شيخ الإسلام: \"وجماع شبهتهم في ذلك أن الحقيقة المركبة تزول بزوال بعض أجزائها كالعشرة فإنه إذا زال بعضها لم تبق عشرة، وكذلك الأجسام كالسكنجبين (^٢) إذا زال أحد جزئيه خرج عن كونه سكنجبين، قالوا فإذا كان الإيمان مركبًا من أقوال وأعمال ظاهرة وباطنة لزم زواله بزوال بعضها\" (^٣).\n_________\n(^١) شرح العقيدة الأصفهانية (ص ١٤٣، ١٤٤).\n(^٢) السكنجبين: شراب مركب من حامض وحلوا-معرب-فارسيته: سركا انكبين انظر المعجم الوسيط (١/ ٤٤٠).\n(^٣) مجموع الفتاوى (٧/ ٥١١).","vol":"1","page":203},{"text":"قال المصنف-رحمه الله تعالى-:\nوأما الرافضة فقد أجمع من أدركنا من أهل العلم أنهم قالوا: إن علي بن أبي طالب أفضل من أبي بكر الصديق، وأن إسلام علي كان أقدم من إسلام أبي بكر؛ فمن زعم أن علي بن أبي طالب أفضل من أبي بكر فقد رد الكتاب والسنة لقول الله ﷿ ﴿محمد رسول الله والذين معه﴾ فقدم الله أبا بكر بعد النبي ﷺ (^١) -\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n(^١)  وفي فضائل الصحابة للإمام أحمد بن حنبل ١/ ٤٣٤.\nحَدَّثَنَا الْحَسَنُ قثنا لُؤْلُؤُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَبُو بَكْرٍ الْعَوْفِيُّ قَالَ: نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ عَلِيٍّ فِي قَوْلِهِ ﷿: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾، قَالَ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الفتح: ٢٩] أَبُو بَكْرٍ، ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ عُمَرُ، ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩] عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾، طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ، ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَسَعْدٌ، ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزِّرَاعَ﴾ الْمُؤْمِنُونَ الْمُحِبُّونَ لَهُمْ، ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ الْمُبْغِضُونَ لَهُمْ، ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ٢٩. \" [\nوقال السيوطي في الدر المنثور: (٧/ ٥٤٤). \"وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه والقلظي وَأحمد بن مُحَمَّد الزُّهْرِيّ فِي فَضَائِل الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة والشيرازي فِي الألقاب عَنْ ابْن عَبَّاس ﵄ ﴿مُحَمَّد رَسُول الله وَالَّذين مَعَه﴾ أَبُو بكر ﴿أشداء على الْكفَّار﴾ عمر ﴿رحماء بَينهم﴾ عُثْمَان ﴿تراهم ركعا سجدا﴾ عَليّ ﴿يَبْتَغُونَ فضلا من الله ورضوانًا﴾ طَلْحَة وَالزُّبَيْر ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوههم من أثر السُّجُود﴾ عبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَسعد بن أبي وَقاص وَأَبُو عُبَيْدَة بن الْجراح ﴿وَمثلهمْ فِي الإِنجيل كزرعٍ أخرج شطأه فآزره﴾ بِأبي بكر ﴿فاستغلظ﴾ بعمر ﴿فَاسْتَوَى على سوقه﴾ بعثمان ﴿يعجب الزراع ليغيظ بهم الْكفَّار﴾ بعلي ﴿وعد الله الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات﴾ جَمِيع أَصْحَاب مُحَمَّد ﷺ\nوقال السمعاني في التفسير ٥/ ٢١٠ \"وَقَوله: ﴿يعجب الزراع﴾ أَي: الحراث. وَهَذَا كُله ضرب مثل النَّبِي وَأَصْحَابه، وَذكر صفتهمْ وَمَا قوى الله بهم النَّبِي وَنَصره بهم.\nوَعَنْ جَعْفَر بن مُحَمَّد الصَّادِق قَالَ: ﴿وَالَّذين مَعَه﴾ أَبُو بكر ﴿أشداء على الْكفَّار﴾ عمر ﴿رحماء بَينهم﴾ عُثْمَان) ﴿تراهم ركعا سجدا﴾ عَليّ ﵃ ﴿يَبْتَغُونَ فضلا من الله ورضوانا﴾ الْعشْرَة.\nوَقَوله: ﴿كزرع﴾ مُحَمَّد ﴿أخرج شطأه﴾ أَبُو بكر ﴿فآزره﴾ بعمر ﴿فاستغلظ﴾ بعثمان ﴿فَاسْتَوَى على سوقه﴾ بعلي ﵃ أَجْمَعِينَ، وَهَذَا قَول غَرِيب ذكره النقاش، وَالْمُخْتَار وَالْمَشْهُور هُوَ القَوْل الأول، أَنْ الْآيَة فِي جَمِيع أَصْحَاب النَّبِي من غير تعْيين، وَعَلِيهِ الْمُفَسِّرُونَ.\nقال الإمام الزبير بن أحمد ان سليمان الزبيري الشافعي المتوفى سنة ٣١٧ للهجرة.\nأخير هذه الأمة بعد نبيها صلوات الله عليه وسلامه أبو بكر الصديق ثم عمر الفاروق ثم عثمان ذو النورين ثم علي المرتضى رضوان الله عليهم، وهم الخلفاء الراشدون المهديون بعد رسول الله ﷺ.\nقال الله تعالى ﴿محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء وبينهم تراهم ركعًا سجدًا يبتغون فضلًا من الله ورضوانًا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطئه ﴿\nهو النبي ﷺ ﴿فأزره﴾ أبو بكر الصديق، ﴿فاستغلظ فاستوى﴾ عمر بن الخطاب، ﴿يعجب الزراع﴾ عثمان بن عفان، ﴿ليغيظ بهم الكفار﴾ هو علي بن أبي طالب ﵃: كذلك قال المفسرون\". انظر جمهرة عقائد أئمة السلف صفحة ٢٩١","vol":"1","page":204},{"text":"[ولم يقدم عليًا] (^١)، وقال النبي-ﷺ: «لو كنت متخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا، ولكن الله قد اتخذ صاحبكم خليلًا ولا نبي بعدي»، ومن زعم أن إسلام علي أقدم من إسلام أبي بكر فقد كذب (^٢)، لأن أول من أسلم\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n(^١)  ما بين معكوفتين من كتاب مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص: (٢٢٧).\n(^٢) في كتاب مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص: (٢٢٧) ومختصر الحجة على تارك المحجة (٢/ ٣٧١). (فقد أخطأ).","vol":"1","page":205},{"text":"[أبو بكر] (^١)، وهو يومئذ ابن خمس وثلاثين سنة، وعلي ابن سبع سنين لم تجر عليه الأحكام والفرائض والحدود\".\n<hr><s0>\n\nأما الشيعة فشعارهم الطعن في سائر الصحابة-عدا بعض آل البيت-وغلاتهم من السبئية والبيانية وغيرهم قد حكم علماء الإسلام عليهم بالردة والخروج من الدين بالكلية.\nوالإمامية منهم ادعت ردة أكثر الصحابة بعد النبي ﷺ.\nومقالة الشيعة حدثت في خلافة علي ﵁ (٣٥ - ٤٠ هـ) لكن أصحابها كانوا مختفين بقولهم لا يظهرونه لعلي وشيعته، بل كانوا ثلاث طوائف.\nالطائفة الأولى:\n\"الغلاة\" المدعين لإلهية علي، وهؤلاء لما ظهر عليهم أحرقهم بالنار، فإنه خرج ذات يوم فسجدوا له، فقال لهم: ما هذا؟ فقالوا: أنت هو. قال: من أنا؟ قالوا: أنت الله الذي لا إله إلا هو. فقال: ويحكم هذا كفر فارجعوا عنه وإلا ضربت أعناقكم، فصنعوا به في اليوم الثاني والثالث كذلك، فأخرهم ثلاثة أيام -لأن المرتد يستتاب ثلاثة أيام-فلما لم يرجعوا أمر بأخاديد من نار فخدت عند باب كنده، وقذفهم في تلك النار، وروى عنه أنه قال:\n_________\n(^١) ما بين معكوفتين من كتاب مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص: (٢٢٧) ومختصر الحجة على تارك المحجة (٢/ ٣٧١). وفي الطبقات عبارة: (عبد الله بن عثمان عتيق ابن أبي قحافة).","vol":"1","page":206},{"text":"لما رأيت الأمر أمرًا منكرًا/ أججت ناري ودعوت قنبرًا\n\nو<span data-type='title' id=toc-52>الطائفة الثانية:\n\"السابة\" الذين يسبون أبا بكر وعمر،</span> فإن عليًا لما بلغه ذلك طلب ابن السوداء الذي بلغه ذلك عنه، وقيل إنه أراد قتله فهرب منه إلى أرض قرقيسيا أي ما تسمى اليوم (قرغيزيا).\nو<span data-type='title' id=toc-53>الطائفة الثالثة:\n\"المفضلة\" الذين يفضلونه على أبي بكر وعمر،</span> فأمر بجلدهم، فقد روى عنه\nأنه قال: \"فلا أوتي بأحد يفضلني على أبي بكر وعمر إلا ضربته حد المفتري\".\nوقد تواتر عنه أنه كان يقول على منبر الكوفة: \"خير هذه الأمة بعد نبيها أبوبكر\nثم عمر، روى هذا عنه من أكثر من ثمانين وجهًا ورواه البخاري (^١) وغيره)\nقال الهروي: (وأما فتنة قصب السلف [أي الرفض] فإن الكوفة دارها التي حرفتها، ثم طار في الأفاق شررها، واستطار فيها ضررها، وإنما هاجتها أحلام فيها ضيق، وأشربتها قلوب فيها حمق، ولها عروق خفية، السلامة للقلوب في ترك إظهار بعضها، وأربابها أحمق خلق الله تعالى، عرضت تساوى بين علي بن أبي طالب وأبي بكر وعمر، ثم أخذت تفضله عليهما وتخاصمهما وتضلهما وتوليه حقهما، ثم جاءت تعدله بالمصطفى ﷺ وتشركه في\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب فضائل أصحاب النبي ﷺ، باب حدثنا الحميدي وعبد الله. ٥/ ٧","vol":"1","page":207},{"text":"وحي السماء، ثم خطأت جبريل ﵇ في نزوله، فخلّت الأمة من النبوة، وأحوجتها إلى علي ﵁، ثم ادعت له الإلهية ثم ادعتها لولده.\nقال الإمام المطلبي: \"لو كانوا دوابًا لكانوا حُمُرًا، ولو \"كانوا طيرًا لكانوا رخمًا\". (^١)\nفاستظهرت بهؤلاء الغالية أرباب القلوب المريضة، فتظاهرت على قصب السلف الذين هم الناقلون وفيهم قانون الدين والملة، فهؤلاء الذين قالوا في السلف الصالح بالقول السيئ أرادوا القدح في الناقل لأن القدح في الناقل إبطال المنقول، فأرادوا إبطال الشرع الذي نقلوا، وإنما تعلقوا بعلي بن أبي طالب تسلحًا.\nومنذ أن ظهر التشيع واليهود (^٢) والمجوس (^٣) يوقدون ناره تحت دعوى أن للرسول ﷺ وصيًا هو علي بن أبي طالب، ولكن الصحابة تمالؤا على ظلمه وكتمان الوصية على حد زعمهم الكاذب.\n\"ولم يزل التشيع يتطور بتطرفه وتشيعه، حتى صار ملجأً لكل من يريد أن يحارب الإسلام والمسلمين، فقد دخل في الرافضة أهل الزندقة والإلحاد من \"النصيرية\" و\"الإسماعيلية\" وأمثالهم من الملاحدة \"القرامطة\" وغيرهم ممن كان\n_________\n(^١) منهاج السنة ١/ ٣٠٧، ٣٠٨، مجموع الفتاوى ١٣/ ٣٣، ٣٤.\n(^٢) انظر كتاب بذل المجهود في إثبات مشابهة الرافضة لليهود، لعبد الله الجميلي.\n(^٣) انظر كتاب «وجاء دور المجوس» لعبد الله الغريب.","vol":"1","page":208},{"text":"بخراسان والعراق والشام وغير ذلك. (^١)\n\"ولم يزل الرفض يبتعد بأهله عن الدين والعقل والفطرة إلى يومنا هذا. (^٢)\nوالمسائل المتعلقة بالمفاضلة بين أصحاب النبي ﷺ يذكرها العلماء دائمًا توطئة لمسائل الخلافة والإمامة.\nومسألة تفضيل أبي بكر وعمر وعثمان ﵃ على باقي الصحابة، ويدخل فيها كذلك مسألة تفضيل عثمان على علي، أهل السنة يعتقدون فيها بأن خير هذه الأمة بعد النبي ﷺ أبو بكر وعمر وعثمان، ثم علي وطلحة والزبير وسعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة بن الجراح، ثم بعد ذلك يأتي بقية العشرة، ثم يأتي بعد هذا أهل بدر، ثم يأتي بعد ذلك أهل بيعة شجرة الرضوان، ثم بعد ذلك يأتي أهل الفتح فتح مكة ثم بعد ذلك يتوالى الفضل بحسب أقدمية ذلك الذي أسلم من الصحابة. وسيأتي مزيد بيان لهذه المسألة في شرح كلام المصنف المتعلق بها.\nوقول المصنف عن الرافضة: \"وأما الرافضة فقد أجمع من أدركنا من أهل العلم أنهم قالوا: إن علي بن أبي طالب أفضل من أبي بكر الصديق، وأن إسلام علي كان أقدم من إسلام أبي بكر\"\nروى الإمام أحمد بسنده عن ابن سيرين قال: \"أول من أسلم من الرجال\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٢٨/ ٥٢٨.\n(^٢) شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري ١/ ١٠.","vol":"1","page":209},{"text":"أبو بكر، وأول من أسلم من النساء خديجة\" (^١).\nوروى عن إبراهيم قال: \"أول من أسلم أبو بكر\" (^٢).\nوروى الخلال بسنده عن ابن عطاء، عن أبيه، قال: «أول من أسلم من الرجال أبو بكر الصديق ﵁» (^٣).\nقال السخاوي: \"وجمع ابن عبد البر بين الاختلاف في ذلك بالنسبة إلى أبي بكر وعلي بأن الصحيح أن أبا بكر أول من أظهر إسلامه، ثم روي عن محمد بن كعب القرظي أن عليا أخفى إسلامه من أبيه أبي طالب، وأظهر أبو بكر إسلامه؛ ولذلك شبه على الناس. ونحوه قول شيخنا في قول عمار: «رأيت النبي-ﷺ-وما معه إلا خمسة أعبد وامرأتان وأبو بكر» (^٤)، مراده ممن أظهر إسلامه، وإلا فقد كان حينئذ جماعة ممن أسلم، لكنهم كانوا يخفونه من أقاربهم.\nوكذا قال ابن إسحاق: أول من آمن خديجة، ثم علي.\n_________\n(^١) فضائل الصحابة للإمام أحمد ١/ ٢٢٧ برقم (٢٧٢).\n(^٢) فضائل الصحابة للإمام أحمد ١/ ٢٢٧ برقم (٢٧٣).\n(^٣) السنة للخلال ٢/ ٣٧٧ برقم (٥٢٣).\n(^٤) أخرجه البخاري في صحيحه رقم (٣٦٦٠). وفي هذا الحديثِ يُخبِرُ عمَّارُ بنُ ياسرٍ ﵁ وكان منَ السَّابقين الأوَّلين في الإسلامِ أنَّه رأى النَّبيَّ ﷺ ولم يَكُنْ أسلَمَ معه إلَّا خمسةُ أعبُدٍ، يعني: خَمسةٌ منَ العَبيدِ المَمْلوكين حِينئذٍ، وامرأتانِ وأبو بكرٍ، وكان أبو بكرٍ هو أوَّلَ مَنْ أسلمَ منَ الرِّجالِ الأحرارِ البالِغين.","vol":"1","page":210},{"text":"قال: فكان أول ذكر آمن، وهو ابن عشر سنين، ثم زيد، فكان أول ذكر أسلم بعد علي، ثم أبو بكر فأظهر إسلامه ودعا إلى الله، فأسلم بدعائه عثمان والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وطلحة، فكأن هؤلاء النفر الثمانية أسبق الناس بالإسلام. وقيل فيما نقله أبو الحسن المسعودي عن بعضهم: أولهم إسلاما بلال; لحديث عمرو بن عبسة الماضي.\nوقد جمع ابن الصلاح بين هذه الأقوال فقال: والأورع أن يقال: أول من أسلم من الرجال الأحرار أبو بكر، ومن الصبيان علي، ومن النساء خديجة، ومن الموالي زيد، ومن العبيد بلال. وهو أحسن ما قيل؛ لاجتماع الأقوال به. على أنه قد سبق به ما عدا بلالا، فذكر ابن قتيبة أن إسحاق ابن راهويه ذكر الاختلاف في أول من أسلم، فقال: الخبر في كل ذلك صحيح، أما أول من أسلم من النساء فخديجة، وأما أول من أسلم من الرجال فأبو بكر، وأما أول من أسلم من الموالي فزيد، وأما أول من أسلم من الصبيان فعلي\" (^١).\n_________\n(^١) فتح المغيث بشرح ألفية الحديث ٤/ ١٢٥ - ١٢٦.","vol":"1","page":211},{"text":"قال المصنف-رحمه الله تعالى-:\n\"ونؤمن بالقضاء والقدر خيره وشره وحلوه ومره [من الله] (^١) \"\n<hr><s0>\n\nقوله: \"ونؤمن بالقضاء والقدر\".\n\n<span data-type='title' id=toc-55>تعددت الأقوال في الفرق بين القضاء والقدر:</span>\nالقول الأول: ذهب بعض العلماء إلى أن القضاء والقدر مترادفان.\nوهذا موافق لقول بعض أئمة اللغة الذين فسروا القدر بالقضاء، قال الفيروزآبادي:\nالقدر: \"القضاء والحكم\". (^٢)\nالقول الثاني: وذهب آخرون من العلماء إلى التفريق بينهما.\nولكن اختلفوا في أيهما أعم وأسبق\nفمنهم من ذهب إلى أن القضاء سابق على القدر.\nفقال:\nالقضاء: هو ما علمه الله وحكم به في الأزل.\nوالقدر: هو وجود المخلوقات موافقة لهذا العلم والحكم.\nقال الحافظ ابن حجر: \"قال العلماء:\nالقضاء: هو الحكم الكلي الإجمالي\n_________\n(^١) ما بين معكوفتين من كتاب مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص: (٢٢٧) ومختصر الحجة على تارك المحجة (٢/ ٣٧٢).\n(^٢) \"القاموس\" المحيط (ص ٥٩١).","vol":"1","page":212},{"text":"في الأزل.\nوالقدر: جزئيات ذلك الحكم وتفاصيله\". (^١)\nوقال في موضع آخر: \"\nالقضاء: الحكم بالكليات على سبيل الإجمال في الأزل.\nوالقدر: الحكم بوقوع الجزئيات التي لتلك الكليات على سبيل التفصيل\" (^٢)\nوقال الجرجاني \"\nالقدر: خروج الممكنات من العدم إلى الوجود، واحدا بعد واحد، مطابقا للقضاء.\nوالقضاء في الأزل، والقدر فيما لا يزال.\nوالفرق بين القدر والقضاء: هو أن\nالقضاء: وجود جميع الموجودات في اللوح المحفوظ مجتمعة.\nوالقدر: وجودها متفرقة في الأعيان بعد حصول شرائطها\". (^٣)\nومن العلماء فريق آخر عكس هذا القول، فجعلوا القدر سابقا على القضاء:\nفالقدر: هو الحكم السابق الأزلي.\nوالقضاء: هو الخلق.\nقال الراغب الأصفهاني: \"والقضاء من الله تعالى أخص من القدر؛ لأنه الفصل بين التقدير، فالقدر هو التقدير، والقضاء هو الفصل والقطع.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١١/ ٤٧٧)\n(^٢) (١١/ ١٤٩).\n(^٣) \"التعريفات\" (ص ١٧٤).","vol":"1","page":213},{"text":"وقد ذكر بعض العلماء أن القدر بمنزلة المُعَدِّ للكيل، والقضاء بمنزلة الكيل، ويشهد لذلك قوله تعالى: (وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا)، وقوله: (كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا)، وقوله: (وَقُضِيَ الأَمْرُ). أي فصل، تنبيهًا أنه صار بحيث لا يمكن تلافيه \". (^١)\nالقول الثالث: ومن العلماء من اختار أنهما بمعنى واحد إذا افترقا، فإذا اجتمعا في عبارة واحدة: صار لكل واحد منهما معنى.\nقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: \"\nالقدر في اللغة؛ بمعنى: التقدير؛ قال تعالى: (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ) [القمر: ٤٩]، وقال تعالى: (فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ) [المرسلات: ٢٣].\nوأما القضاء؛ فهو في اللغة: الحكم.\nولهذا نقول: إن القضاء والقدر متباينان إن اجتمعا، ومترادفان إن تفرقا؛ على حد قول العلماء: هما كلمتان: إن اجتمعتا افترقتا، وإن افترقتا اجتمعتا.\nفإذا قيل: هذا قدر الله؛ فهو شامل للقضاء، أما إذا ذكرا جميعًا؛ فلكل واحد منهما معنى.\nفالتقدير: هو ما قدره الله تعالى في الأزل أن يكون في خلقه.\nوأما القضاء؛ فهو ما قضى به الله ﷾ في خلقه من إيجاد أو إعدام أو تغيير، وعلى هذا يكون التقدير سابقًا.\n_________\n(^١) \"المفردات\" (ص ٦٧٥).","vol":"1","page":214},{"text":"فإن قال قائل: متى قلنا: إن القضاء هو ما يقضيه الله ﷾ في خلقه من إيجاد أو إعدام أو تغيير، وإن القدر سابق عليه إذا اجتمعا؛ فإن هذا يعارض قوله تعالى: (وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا) [الفرقان: ٢]؛ فإن هذه الآية ظاهرها أن التقدير بعد الخلق؟\nفالجواب على ذلك من أحد وجهين:\n- إما أن نقول: إن هذا من باب الترتيب الذكري لا المعنوي، وإنما قدم الخلق على التقدير لتتناسب رؤوس الآيات.\nألم تر إلى أن موسى أفضل من هارون، لكن قدم هارون عليه في سورة طه في قوله تعالى عن السحرة: (فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى) [طه: ٧٠]؛ لتتناسب رؤوس الآيات.\nوهذا لا يدل على أن المتأخر في اللفظ متأخر في الرتبة.\n-أو نقول: إن التقدير هنا بمعنى التسوية؛ أي: خلقه على قدر معين؛ كقوله تعالى: (الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى) [الأعلى: ٢]؛ فيكون التقدير بمعنى التسوية.\nوهذا المعنى أقرب من الأول؛ لأنه يطابق تمامًا لقوله تعالى: (الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى)؛ فلا إشكال\". (^١)\nوالخلاصة: أن الخطب في هذه المسألة يسير جدا، وليس وراءها كبير فائدة، ولا تتعلق بعمل ولا اعتقاد، وغاية ما فيها اختلاف في التعريف، ولا دليل\n_________\n(^١) \"شرح العقيدة الواسطية\" (٢/ ١٨٩).","vol":"1","page":215},{"text":"من الكتاب والسنة يفصل فيها، والمهم هو الإيمان بهذا الركن العظيم من أركان الإيمان، والتصديق به.\nقال الخطابي ﵀ بعد أن ذكر أن القدر هو التقدير السابق وأن القضاء هو الخلق، قال: \"جماع القول في هذا الباب -أي القضاء والقدر-أنهما أمران لا ينفك أحدهما عن الآخر؛ لأن أحدهما بمنزلة الأساس، والآخر بمنزلة البناء، فمن رام الفصل بينهما فقد رام هدم البناء ونقضه\" (^١) انتهى.\nوقال الشيخ عبد الرحمن المحمود: \"لا فائدة من هذا الخلاف؛ لأنه قد وقع الاتفاق على أن أحدهما يطلق على الآخر … فلا مشاحة من تعريف أحدهما بما يدل عليه الآخر\". (^٢)\nوعلى المسلم أن يتيقن أن كل شيء بقضاء الله وقدره، فالآجال والأعمار والذوات والأشخاص والصفات والحركة والسكون والأفعال وكل شيء قد قضاه الله وقدره وكتبه في اللوح المحفوظ، قال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩].\nفلا بد للمسلم أن يؤمن بقضاء الله وقدره في كل شيء، وأن الله قد علم\n_________\n(^١) \"معالم السنن\" (٢/ ٣٢٣)\n(^٢) \"القضاء والقدر في ضوء الكتاب والسنة\" (ص ٤٤).","vol":"1","page":216},{"text":"الأشياء قبل كونها، وكتبها في اللوح المحفوظ، وأراد كل شيء في هذا الوجود قضاءً وقدرًا، وخلق كل شيء في هذا الوجود.\nوالإيمان بالقدر أحد أركان الإيمان الستة، وقد ورد ذكر القدر في القرآن ومنه ما جاء في قوله تعالى: ﴿إنا كل شيء خلقناه بقدر﴾ [القمر: ٤٩]. وقوله تعالى: ﴿وكان أمر الله قدرا مقدورا﴾ [الأحزاب: ٣٨].\nالقَدَرُ في اللغة: التقديرُ، وهو مصدرٌ، يقال: قَدَرتُ الشيءَ أَقْدُرُه قَدْرًا وقَدَرًا إذا أحَطْتُ بمقداره، والقَدَرُ: وقتُ الشيءِ أو مكانُه المقدَّرُ له، ويُطْلَقُ القَدَرُ على القضاء الذي يقضي به اللهُ على عِبَادِه، وجمعُه أقدارٌ. (^١)\nقال الأزهريُّ: «قال الليث: القَدَرُ: القضاءُ الموفَّق، يقال: قدَّر اللهُ هذا تقديرًا، قال: وإذا وافَقَ الشيءُ الشيءَ قلتَ: جاء قَدَرُه» (^٢).\nوَقَدَرُ اللهِ تَعَالَى هُوَ: تَعَلُّقُ عِلْمِهِ وَإِرَادَتِهِ أَزَلًا بِالكَائِنَاتِ كُلِّهَا قَبْلَ وُجُودِهَا؛ فَلَا حَادِثَ إِلَّا وَقَدْ قَدَّرَهُ اللهُ تَعَالَى، أَيْ: سَبَقَ بِهِ عِلْمُهُ وَتَقَدَّمَتْ بِهِ إِرَادَتُهُ؛ فَكُلُّ حَادِثٍ فَهُوَ حَادِثٌ عَلَى وَفْقِ مَا سَبَقَ بِهِ عِلْمُ اللهِ وَمَضَتْ بِهِ إِرَادَتُهُ\nوالإيمانُ بالقَدَرِ ركنٌ عظيمٌ مِنْ أركانِ الإسلام، لا يَصِحُّ إيمانُ المسلمِ إلَّا بتحقيقه، وقد انعقد إجماعُ السلفِ قاطبةً ومَن بَعْدَهم مِنْ أئمَّةِ السنَّةِ العدولِ\n_________\n(^١) انظر: «لسان العرب» لابن منظور (١١/ ٥٥)، «المعجم الوسيط» (٢/ ٧١٨)، «فتح الباري» لابن حجر (١/ ١١٨).\n(^٢) «تهذيب اللغة» (٩/ ٣٧).","vol":"1","page":217},{"text":"الأثباتِ على وجوبِ الإيمان بالقَدَر، وأنَّ الأمور كُلَّها: خيرَها وشرَّها، نَفْعَها وضَرَّها بتقديرِ الله تعالى، قال عبدُ الغنيِّ المقدسيُّ ﵀ في: «وأَجْمَعَ أئمَّةُ السلفِ مِنْ أهل الإسلام على الإيمانِ بالقَدَرِ خيرِه وشرِّه، حُلْوِه ومُرِّه، قليلِه وكثيرِه، بقضاءِ الله وقَدَرِه، لا يكون شيءٌ إلَّا بإرادته، ولا يجري خيرٌ وشرٌّ إلَّا بمَشيئته، خَلَقَ مَنْ شاءَ للسعادة واستعمله بها فضلًا، وخَلَقَ مَنْ أراد للشقاء واستعمله به عدلًا؛ فهو سرٌّ استأثر به، وعِلْمٌ حَجَبَه عن خَلْقِه، ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]، قال اللهُ ﷿ ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ﴾ [الأعراف: ١٧٩]، وقال-تعالى-: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣]، وقال-﷿ ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩ [\" (^١).\nوأكَّد ابنُ تيمية ﵀ هذا الإجماعَ بقوله: \"وأمَّا السلفُ والأئمَّةُ كما أنهم مُتَّفِقون على الإيمانِ بالقَدَر، وأنه ما شاءَ كان وما لم يَشَأْ لم يكن، وأنه خالِقُ كُلِّ شيءٍ مِنْ أفعال العباد وغيرِها، وهُمْ مُتَّفِقون على إثباتِ أَمْرِه ونَهْيِه، ووَعْدِه ووَعِيدِه، وأنه لا حُجَّةَ لأَحَدٍ على الله في تركِ مأمورٍ ولا فعلِ محظورٍ؛ فهُمْ أيضًا مُتَّفِقون على أنَّ اللهَ حكيمٌ رحيمٌ، وأنه أَحْكَمُ الحاكمين وأَرْحَمُ الراحمين\" (^٢).\n_________\n(^١) الاقتصاد في الاعتقاد) ١٥١ (.\n(^٢) «مجموع الفتاوى» (٨/ ٤٦٦).","vol":"1","page":218},{"text":"والواجبُ في معرفةِ القَدَر الذي هو الإيمانُ بتَقَدُّمِ عِلْمِ الله بما يكون مِنْ أسباب الخَلْق، وصدورِ جميعِ المخلوقات عن تقديرٍ منه يَتَمَحْوَرُ على أمرين أساسيَّيْن وهُما:\nالأوَّل: وجوبُ الإيمانِ بالقَدَر، والإقرارِ بجميعه، والاعتمادِ في معرفته على الكتاب والسنَّة، والحذرِ مِنْ الاعتماد على نظرِ العقل والقياس المحض.\nالثاني: التسليمُ بقضاءِ الله وقَدَرِه، وتركُ التنقير والبحث عن القَدَرِ والتعمُّقِ في التفكير فيه والنظر، واجتنابُ السؤالِ عنه والمُناظَرةِ عليه والخصومةِ به؛ «لأنَّ القَدَرَ سِرٌّ مِنْ سِرِّ الله ﷿، بل الإيمان بما جَرَتْ به المَقاديرُ مِنْ خيرٍ أو شرٍّ واجبٌ على العباد أَنْ يُؤْمِنوا به، ثمَّ لا يأمن العبدُ أَنْ يبحث عن القَدَرِ فيُكذِّبَ بمَقاديرِ اللهِ الجاريةِ على العباد؛ فيَضِلَّ عن طريقِ الحقِّ … هذا مذهبُ المسلمين، وليس لأَحَدٍ على الله ﷿ حجَّةٌ، بل لله الحجَّةُ على خَلْقه، قال اللهُ ﷿: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البَالِغَةُ فَلَو شَاءَ لَهَدَاكُم أَجمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٩]» (^١)\nولهذا نَهَى النبيُّ ﷺ عن التنقير والبحثِ عن القَدَرِ وعَدَمِ التوقُّف عند بابِه في قوله ﷺ: «… وَإِذَا ذُكِرَ القَدَرُ فَأَمْسِكُوا» (^٢)\nوقوله: \"خيره وشره\" هذا اللفظ ورد في قوله ﷺ عندما سأله\n_________\n(^١) «الشريعة» للآجُرِّي (٢/ ٧٠٢)، وانظر: «الإبانة» لابن بطَّة، الكتاب الثاني: القَدَر، المجلَّد (١/ ٢٤٦).\n(^٢) أخرجه الطبرانيُّ في «المعجم الكبير» (١٠/ ١٩٨)، وأبو نُعَيْمٍ في «الحِلْية» (٤/ ١٠٨)، مِنْ حديثِ ابنِ مسعودٍ ﵁ مرفوعًا. وهذا الطريقُ حسَّنه ابنُ حجرٍ في «الفتح» (١١/ ٤٧٧)، وله طُرُقٌ أخرى صحَّحه الألبانيُّ بمجموعها، انظر: «السلسلة الصحيحة» (١/ ٤٢ - ٤٦).","vol":"1","page":219},{"text":"جبريل ﵇ عن الإيمان: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره» (^١)\nوالحديثُ دَلَّ دلالةً ظاهرةً على مذهبِ أهلِ السنَّةِ في إثباتِ القَدَرِ ووجوبِ الإيمانِ بجميعِ المَقادير: خيرِها وشرِّها، حُلْوِها ومُرِّها، نَفْعِها وضرِّها، قليلِها وكثيرِها، وأنه واقعٌ مِنْ الله تعالى على العباد في الوقت الذي أراد أَنْ يَقَعَ، لا يَتقدَّمُ الوقتَ ولا يَتأخَّرُ على ما سَبَقَ بذلك في علمِ الله، تجري الواقعاتُ بقضاءِ اللهِ وقَدَرِه، وتحت تصرُّفه وإرادته؛ فما شاءَ كان وما لم يَشَأْ لم يكن، وما أصابَ العبدَ لم يكن لِيُخْطِئَه وما أَخطأَهُ لم يكن لِيُصيبَه، وما تَقَدَّمَ لم يكن لِيتأخَّرَ وما تَأخَّرَ لم يكن لِيَتَقدَّمَ؛ فلا مانِعَ لِمَا أعطى ولا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعَ، ولا يكون في مُلْكِه إلَّا ما يُريدُ، وهو سبحانه غيرُ ظلَّامٍ للعبيد.\nوقوله: \"وحلوه ومره\" وجاء في لفظ:» أن تؤمن بالقدر خيره وشره، حلوه ومره. «بزيادة حلوه ومره، قد جاءت في عدة أحاديث:\nفمنها حديث عمر الطويل في قصة جبريل، وأصل الحديث في الصحيح، ولكن هذه الزيادة عند ابن حبان. (^٢)\n_________\n(^١) رواه مسلم (٨).\n(^٢) رواه ابن حبان في صحيحه، (١/ ٣٩٠)، مِنْ حديثِ عبد الله بنِ عمر عن أبيه ﵄. وعلق عليه الشيخ الالباني في التعليقات الحسان: ١٦٨ - صحيح.","vol":"1","page":220},{"text":"وحديث ابن عمر عند ابن أبي شيبة (^١) والبيهقي والطبراني، والسنة لابن أبي عاصم. (^٢) وكذلك في حديث جبريل الطويل، وحديث عبد الله بن عمرو عند الطبراني في الأوسط (^٣)، وحديث عدي بن حاتم عند ابن ماجه (^٤)، وحديث أنس عند ابن النجار (^٥).\nوقال الحافظ ابن حجر \"إنها من باب التقرير بالإبدال، يعني أنها وردت لتأكيد المعنى\" (^٦).\nويمكن أن يقال: إن لفظ خيره وشره أعم من حلوه ومره، فهو من باب\n_________\n(^١) الإيمان لابن أبي شيبة: ١١٩، وقال الألباني صحيح ورجاله ثقات لكنه في صحيح مسلم من طرق أخرى.\n(^٢) تخريج كتاب السنة ١٧٢ وقال الألباني: إسناده ضعيف.\n(^٣) المعجم الأوسط للطبراني ٣/ ١١٢، وقال لم يرو هذا الحديث عن مقاتل إلا عمر تفرد به محمد بن يعلى، وأورده ابن الوزير اليماني في العواصم والقواصم: ٦/ ٢٩٠، وقال: رجاله موثقون.\n(^٤) أخرجه ابن ماجة (٨٧) والطبراني (١٧/ ٨١) (١٨٢)، انظر: مجمع الزوائد: ٩/ ٤٠٦، والحديث فيه عبد الأعلى بن أبي المساور وهو متروك، وقال الألباني ضعيف جدًا (ضعيف ابن ماجة: ١٧) وقال أيضًا في تخريج كتاب السنة لابن أبي عاصم: ١٣٥ إسناده ضعيف جدًا.\n(^٥) أورده الذهبي في سير أعلام النبلاء: ٨/ ٢٨٧، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٣/ ٢٠٨)، وأبو طاهر السلفي في الطيوريات (٢٩٧).\n(^٦) فتح الباري: (١/ ١١٨).","vol":"1","page":221},{"text":"ذكر الخاص بعد العام، وذلك لأن الخير قد يكون مرًا، والشر قد يكون حلوًا، قال تعالى: (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ)] البقرة: ٢١٦].\nوقال ابن القيم: \"الفرق بين كون القدر خيرًا شرًا وكونه حلوًا ومرًا قيل الحلاوة والمرارة تعود إلى مباشرة الأسباب في العاجل، والخير والشر يرجع إلى حسن العاقبة وسوئها فهو حلو ومر في مبدأه وأوله، وخير وشر في منتهاه وعاقبته، وقد أجرى الله سبحانه سنته وعادته أن حلاوة الأسباب في العاجل تعقب المرارة في الآجل، ومرارتها تعقب الحلاوة فحلو الدنيا مر الآخرة ومر الدنيا حلو الآخرة، وقد اقتضت حكمته سبحانه أن جعل اللذات تثمر الآلام والآلام تثمر اللذات، والقضاء والقدر منتظم لذلك انتظاما لا يخرج عنه شيء البتة.\nوالشر مرجعه إلى الآلام وأسبابها، والخير مرجعه إلى اللذات وأسبابها، والخير المطلوب هو اللذات الدائمة، والشر المرهوب هو الآلام الدائمة، فأسباب هذه الشرور وإن اشتملت على لذة ما وأسباب تلك الخيرات وإن اشتملت على ألم ما، فألم تعقبه اللذة الدائمة أولى بالإيثار والتحمل من لذة يعقبها الألم الدائم، فلذة ساعة في جنب ألم طويل كلا لذة وألم ساعة في جنب لذة طويلة كلا ألم (^١). \"\n_________\n(^١) شفاء العليل لابن القيم - ٢/ ٧٣٣.","vol":"1","page":222},{"text":"ويجدرُ التنبيهُ والإشارةُ إلى أنَّ وَصْفَ القَدَرِ بالشرِّ واقعٌ في مفعولات الله-تعالى-ومقدوراتِه المُنْفَصِلةِ عنه التي لا يَتَّصِفُ بها، دون أفعاله القائمةِ به؛ فأفعالُ الله -تعالى-كُلُّها خيرٌ وحكمةٌ؛ ولهذا قال ﷺ: «وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ» (^١)\nقال ابن القيم ﵀: \"معنى قول السلف من أصول الإيمان: الإيمان بالقدر خيره وشره حلوه ومره … أن القدر لا شر فيه بوجه من الوجوه فإنه علم الله وقدرته وكتابه ومشيئته وذلك خير محض وكمال من كل وجه فالشر ليس إلى الرب تعالى بوجه من الوجوه لا في ذاته ولا في أسمائه ولا في صفاته ولا في أفعاله وإنما يدخل الشر الجزئي الإضافي في المقضي المقدر ويكون شرا بالنسبة إلى محل وخيرا بالنسبة إلى محل آخر وقد يكون خيرا بالنسبة إلى المحل القائم به من وجه كما هو شر له من وجه بل هذا هو الغالب.\nوهذا كالقصاص وإقامة الحدود وقتل الكفار فإنه شر بالنسبة إليهم لا من كل وجه بل من وجه دون وجه وخير بالنسبة إلى غيرهم لما فيه من مصلحة الزجر والنكال ودفع الناس بعضهم ببعض وكذلك الآلام والأمراض وإن كانت شرورا من وجه فهي خيرات من وجوه عديدة …\nفالخير والشر من جنس اللذة والألم والنفع والضرر وذلك في المقضي المقدر لا في نفس صفة الرب وفعله القائم به فإن قطع يد السارق شر مؤلم\n_________\n(^١) جزءٌ مِنْ حديثٍ رواهُ مسلمٌ في \"صلاة المسافرين وقَصْرِها\"٦/ ٥٧ - ٦٠) بابُ صلاةِ النبيِّ ﷺ ودعائِه في الليل، مِنْ حديثِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ ﵁.","vol":"1","page":223},{"text":"ضار له وأما قضاء الرب ذلك وتقديره عليه فعدل خير وحكمة ومصلحة …\nفي امتناع إطلاق القول نفيا وإثباتا أن الرب تعالى مريد للشر وفاعل له\nهذا موضع خلاف اختلف فيه مثبتو القدر ونفاته:\nفقال النفاة: لا يجوز أن يقال إن الله سبحانه مريد للشر أو فاعل له قالوا لا يريد الشر وفاعله شرير هذا هو المعروف لغة وعقلا وشرعا كما أن الظالم فاعل الظلم والفاجر فاعل الفجور ومريده والرب يتعالى ويتنزه عن ثبوت معاني أسماء السوء له فإن أسمائه كلها حسنى وأفعاله كلها خير فيستحيل أن يريد الشر فالشر ليس بإرادته ولا بفعله قالوا وقد قام الدليل على أن فعله سبحانه غير مفعوله والشر ليس بفعل له فلا يكون مفعولا له.\nوقابلهم الجبرية فقالوا بل الرب سبحانه يريد الشر ويفعله قالوا لأن الشر موجود فلا بد له من خالق ولا خالق إلا الله وهو سبحانه إنما يخلق بإرادته فكل مخلوق فهو مراد له وهو فعله ووافقوا إخوانهم على أن الفعل عين المفعول والخلق نفس المخلوق ثم قالوا والشر مخلوق له ومفعول فهو فعله وخلقه وواقع بإرادته قالوا وإنما لم يطلق القول إنه يريد الشر ويفعل الشر أدبا لفظيا فقط كما لا يطلق القول بأنه رب الكلاب والخنازير ويطلق القول بأنه رب كل شيء وخالقه قالوا وأما قولكم أن الشرير مريد الشر وفاعله فجوابه من وجهين:\nأحدهما: إنما يمنع ذلك بأن الشرير من قام به الشر وفعل الشر لم يقم","vol":"1","page":224},{"text":"بذات الرب فإن أفعاله لا تقوم به إذ هي نفس مفعولاته وإنما هي قائمة بالخلق وكذلك اشتقت لهم منها الأسماء كالفاجر والفاسق والمصلي والحاج والصائم ونحوها.\nالجواب الثاني: أن أسماء الله تعالى توقيفية ولم يسم نفسه إلا بأحسن الأسماء قالوا والرب تعالى أعظم من أن يكون في ملكه مالا يريده ولا يخلقه فإنه الغالب غير المغلوب.\nوتحقيق القول في ذلك: أنه يمتنع اطلاق إرادة الشر عليه وفعله نفيا وإثباتا في إطلاق لفظ الإرادة والفعل من إبهام المعنى الباطل ونفي المعنى الصحيح فإن الإرادة تطلق بمعنى المشيئة وبمعنى المحبة والرضا فالأول كقوله إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ وقوله: وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ وقوله: (وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً) والثاني: كقوله: (وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ) وقوله: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) فالإرادة بالمعنى الأول تستلزم وقوع المراد ولا تستلزم محبته والرضا به وبالمعنى الثاني لا تستلزم وقوع المراد وتستلزم محبته فإنها لا تنقسم بل كل ما أراده من أفعاله فهو محبوب مرضي له ففرق بين إرادة أفعاله وإرادة مفعولاته فإن أفعاله خير كلها وعدل ومصلحة وحكمة لا شر فيها بوجه من الوجوه وأما مفعولاته فهي مورد الانقسام وهذا إنما يتحقق على قول أهل","vol":"1","page":225},{"text":"السنة أن الفعل غير المفعول والخلق غير المخلوق كما هو الموافق للعقول والفطر واللغة ودلالة القرآن والحديث وإجماع أهل السنة كما حكاه البغوي في شرح السنة عنهم وعلى هذا فهاهنا إرادتان ومرادان إرادة أن يفعل ومرادها فعله القائم به وإرادة أن يفعل عبده ومرادها مفعوله المنفصل عنه وليسا بمتلازمين فقد يريد من عبده أن يفعل ولا يريد من نفسه إعانته على الفعل وتوفيقه له وصرف موانعه عنه كما أراد من إبليس أن يسجد لآدم ولم يرد من نفسه أن يعينه على السجود ويوفقه له ويثبت قلبه عليه ويصرفه إليه ولو أراد ذلك منه لسجد له لا محالة وقوله فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ إخباره عن إرادته لفعله لا لأفعال عبيده وهذا الفعل والإرادة لا ينقسم إلى خير وشر كما تقدم وعلى هذا فإذا قيل هو مريد للشر أوهم أنه محب له راض به وإذا قيل أنه لم يرده أوهم أنه لم يخلقه ولا كونه وكلاهما باطل ولذلك إذا قيل أن الشر فعله أو أنه يفعل الشر أوهم أن الشر فعله القائم به وهذا محال وإذا قيل لم يفعله أو ليس بفعل له أوهم أنه لم يخلقه ولم يكونه وهذا محال فأنظر ما في إطلاق هذه الألفاظ في النفي والإثبات من الحق والباطل الذي يتبين بالاستفصال والتفصيل وأن الصواب في هذا الباب ما دل عليه القرآن والسنة من أن الشر لا يضاف إلى الرب تعالى لا وصفا ولا فعلا ولا يتسمى باسمه بوجه من الوجوه وإنما يدخل في مفعولاته بطريق العموم كقوله تعالى (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ)] الفلق: ١ - ٢ [فما هاهنا موصولة","vol":"1","page":226},{"text":"أو مصدرية والمصدر بمعنى المفعول أي من شر الذي خلقه أو من شر مخلوقه وقد يحذف فاعله كقوله حكاية عن مؤمني الجن (وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا)] الجن: ١٠ [وقد يسند إلى محله القائم به كقول إبراهيم الخليل (الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ)] الشعراء: ٧٨ - ٨٠]، وقول الخضر (أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا)] الكهف: ٧٩ [وقال في بلوغ الغلامين (فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا)] الكهف: ٨٢ [وقد جمع الأنواع الثلاثة في الفاتحة في قوله (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ)] الفاتحة: ٦ - ٧ [والله تعالى إنما نسب إلى نفسه الخير دون الشر فقال تعالى (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)] آل عمران: ٢٦ [وأخطأ من قال المعنى بيدك الخير والشر لثلاثة أوجه:\nأحدها: أنه ليس في اللفظ ما يدل على إرادة هذا المحذوف بل ترك ذكره قصدا أو بيانا أنه ليس بمراد.\nالثاني: أن الذي بيد الله تعالى نوعان فضل وعدل كما في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ:» يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة سحاء","vol":"1","page":227},{"text":"الليل والنهار أرأيتم ما أنفق منذ خلق الخلق فإنه لم يغض ما في يمينه وبيده الأخرى القسط يخفض ويرفع» (^١) فالفضل لإحدى اليدين والعدل للأخرى وكلاهما خير لا شر فيه بوجه.\nالثالث: أن قول النبي ﷺ: «لبيك وسعديك والخير في يديك والشر ليس إليك» (^٢) كالتفسير للآية ففرق بين الخير والشر وجعل أحدهما في يدي الرب سبحانه وقطع إضافة الآخر إليه مع إثبات عموم خلقه لكل شيء. (^٣)\nفجميع الخلق مربوبون لله واقعون تحت قدرته ومشيئته لا يخرجون عن ذلك بأي حال من الأحوال.\nالإيمان بالقدر خيره وشره، هو أصلٌ مِنْ أُصُول اعتقادِ أهل السُّنَّة والجَمَاعَة، وركنٌ مِنْ أركان الإيمان.\nقال العلَّامة ابنُ القيِّم ﵀: «إنَّ أهمَّ ما يَجب معرفتُه على المُكَلَّف النَّبيل فضلًا عن الفاضل الجليل ما وَرَدَ في القضاء والقَدَر والحِكمة والتَّعليل، فهو مِنْ أَسْنَى المقاصد، والإيمانُ به قُطْب رَحَى التَّوحيد ونِظامه، ومبدأُ الدِّين المُبين وخِتامه، فهو أحدُ أركان الإيمان وقاعدة أساس الإحسان التي يَرجع إليها ويَدور في\n_________\n(^١) رواه البخاري (٧٤١١)، ومسلم (١٩٣).\n(^٢) رواه مسلم (٧٧١).\n(^٣) المصدر: شفاء العليل لابن القيم - ٢/ ٧٣٣.","vol":"1","page":228},{"text":"جميع تصاريفه عليها، فالعدلُ قِوَام المُلك، والحِكمة مَظهر الحمد، والتَّوحيد مُتضمن لنهاية الحِكمة وكمال النِّعمة، ولا إله إلا الله وحده لا شريكَ له، له المُلك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير؛ فبالقدرة والحكمة ظَهَر خَلْقُه وشَرعه المُبين؛ ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤]» (^١).\nوهو عند أهل السُّنَّة والجَمَاعَة: قُدرة الله وعِلمه ومَشيئته وخَلقه وكتابته، فلا تتحرك ذَرَّةٌ فما فوقها إلا بمشيئته وعِلمه وقُدرته (^٢).\n\nومن<span data-type='title' id=toc-57> أدلة القَدَر:</span>\nقوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ﴿[الزمر: ٦٢]، وقوله جل وعلا: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]، وقوله ﷿: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق: ١ - ٢].\nوحديثُ جِبريل لمَّا سأل رسولَ الله ﷺ عن الإيمان، فقال له رسولُ الله ﷺ: «أن تُؤمن باللهِ ومَلائكته وكُتُبه ورُسله واليوم الآخر، وتُؤمن بالقَدَر؛ خَيره وشَرِّه» (^٣).\nونحن نعلم أن ما في هذا الكون مسخرٌ ومخلوقٌ من الله ﷾، فالله ﷿ كما قال: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾،\n_________\n(^١) مُقَدِّمة كتابه «شِفاء العَليل» (ص ٣).\n(^٢) انظر: «شفاء العليل» لابن القَيِّم (ص ١١٤).\n(^٣) أخرجه البخاري (٥٠) من حديث أبي هريرة ﵁، ومسلم (٨) من حديث عبد الله بن عمر ﵄.","vol":"1","page":229},{"text":"ونحن نؤمن بأن الإيمان بالقدر ركنٌ من أركان الإيمان، والقدر له أربع مراتب:\n\n<span data-type='title' id=toc-59>المرتبة الأولى: العلم.</span>\nوالمرتبة الثانية: الكتابة.\nوالمرتبة الثالثة: المشيئة.\nوالمرتبة الرابعة: الخلق.\nفالمرتبة الأولى: مرتبة العلم.\nفيجب أن تعلم وتوقن بأن الله ﷾ علم الأشياء قبل خلقها، وعلم ما سيكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون، فالله ﷾ قد أحاط بكل شيءٍ علما، ولذلك لما ذكر الله تعالى الخلق استدل به على العلم والقدرة ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢]، ثم قال بعدها: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾.\nفتأمل السياق في الحديث عن الخلق، الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن هذا حديث عن الخلق، لكنه دلالة على أمرين هم؟ لتعلموا أن الله على كل شيء قدير، فالخلق دليل على القدر، فكيف يخلق من لا يقدر، فهل الذي لا يقدر يستطيع أن يخلق؟ فبما أنه هو الخالق فهو قادر، وكيف يخلق ما لا يعلم؟ فبالتالي استشهد بخلقه على قدرته وعلى علمه، لذلك قال: ﴿لتعلموا أن الله","vol":"1","page":230},{"text":"على كل شيءٍ قدير وأن الله قد أحاط بكل شيءٍ علما﴾.\nفالله ﷾ علم الأشياء قبل خلقها، وهو ﷾ يعلم ما سيكون، بل ما لم يكن لو كان كيف يكون، فالله ﷾ عندما ذكر أصحاب النار قال عنهم: ﴿ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه﴾، فلو أُخرج أهل النار من النار وعادوا إلى الدنيا لعادوا إلى كفرهم.\nفِإذًا يعلم مالم يكن لو كان كيف يكون، فعلمه ﷾ محيطٌ بكل شيء، وكان أول من أنكره القدرية فأنكروا علم الله السابق، فزعم القدرية الأوائل أن الله ﷾ لا يعلم الأشياء قبل وقوعها، فهذا أول حال القدرية، ثم إن القدرية بعد ذلك تراجعوا عن إنكار العلم السابق وأثبتوا العلم السابق، ولكن أنكروا قدرة الله في فعل العبد، فالله ﷾ علم الأشياء قبل كونها.\nوأما المرتبة الثانية: فهي أن الله كتب ذلك في اللوح المحفوظ.\nفعندما خلق الله القلم قال له أكتب، قال: وما أكتب؟ قال: اكتب كل شيء، فأمره بكتابة كل شيء، كما ورد في حديث عبادة بن الصامت قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، قال: رب ماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة … \" الحديث\" (^١).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في مسنده (٥/ ٣١٧). وأبو داود في سننه (٥/ ٧٦، رقم ٤٧٠٠). الترمذي في سننه (٥/ ٤٢٤، رقم ٣٣١٩).","vol":"1","page":231},{"text":"و<span data-type='title' id=toc-61>المرتبة الثالثة: المشيئة </span>فالله ﷾ كما قال: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾، فمشيئة الله ﷿ نافذة وتامة وواقعة ولا يقع في هذا الكون ما لا يشاء ﷾،\nو<span data-type='title' id=toc-62>المرتبة الرابعة: الخلق </span>كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾، وكما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦]، فهو ﷾ خالق الأشياء.\nفإذًا لابد أن نؤمن بأن من مراتب القدر العلم السابق، وأن الله ﷾ أحاط بكل شيءٍ علما، فلابد من الايقان بذلك واعتقاد ذلك، وأن الذي قال إن الله لا يعلم فقد كفر بالله العظيم.\n\nوأما<span data-type='title' id=toc-63> أنواع التقدير:</span>\nفقد ذكر ابنُ القيِّم أقسامَ التَّقدير الخمسة، وأَوْضَحَها بأدلَّتِها، وهي باختصار:\nالتقدير الأول: تقدير المَقادير قبل خَلق السَّماوات والأرض، وهو التقدير العام الشَّامل لكل شيءٍ في اللوح المحفوظ، وقد سبق ذِكر بعض الأدلة عليه.\nالتقدير الثاني: تقدير الرَّبِّ-﵎-شقاوة العِباد وسَعادتهم وأرزاقهم وآجالهم وأعمالهم قبل خَلْقِهم، وهو تقديرٌ ثَان بعد التقدير الأَوَّل، فعن عِمران بن حُصين قال: «قيل: يا رسول الله، عُلِمَ أهلُ الجَنَّة من أهل النَّار؟ فقال: «نَعَمْ». قيل: فَفِيم يعملُ العاملون؟ قال: «كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ له» (^١).\nالتقدير الثالث: المُتَعَلِّق بالجنين وهو في بطن أُمِّه، وهو تقدير شقاوته وسعادته ورزقه وأجله وعمله؛ فعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٥٥١) ومسلم (٢٦٤٩) واللفظ له.","vol":"1","page":232},{"text":"حَدَّثنا رسولُ الله ﷺ وهو الصَّادقُ المَصدوقُ: «إنَّ أحدَكم ليُجمع خَلْقُه في بَطن أُمِّه أربعين يومًا، ثُمَّ يكون في ذلك علقةً مثل ذلك، ثُمَّ يكون في ذلك مُضغةً مثل ذلك، ثُمَّ يُرسل اللهُ إليه المَلك؛ فيَنفخ فيه الرُّوح، ويُؤمر بأربع كلماتٍ؛ بكتبِ رزقِه وأجلِه وعملِه وشقي أو سعيد، فوالذي لا إلهَ غيرُه، إنَّ أحدَكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتَّى ما يكون بينه وبينها إلَّا ذراع فيَسبق عليه الكتابُ فيَعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإنَّ أحدَكم لَيعمل بعمل أهلِ النَّار حتى ما يكون بينه وبينها إلَّا ذِرَاع فيَسبق عليه الكتابُ فيَعمل بعمل أهلِ الجَنَّة فيَدخلها» (^١).\nالتقدير الرابع: التقدير في ليلة القَدْر؛ قال الله تعالى: ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٢٠٨) ومسلم (٢٦٤٣).","vol":"1","page":233},{"text":"[الدخان: ١ - ٥].\nقال أبو عبد الرَّحمن السُّلَمِيُّ: «يُقَدِّر أمرَ السَّنَة كلها في ليلة القَدْر»، وهذا هو الصَّحيح: أنَّ القَدْر مَصدر قَدَرَ الشيء يَقْدُرُهُ قَدْرًا، فهي ليلة الحُكم والتقدير.\nالتقدير الخامس: التقدير اليَومي؛ قال تَعَالى: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩].\nقال مجاهدٌ والكلبيُّ وعُبيد بن عمير وأبو ميسرة وعطاء ومقاتل: «مِنْ شأنِه: أن يُحيي ويُميت، ويَرزق ويَمنع، ويَنصر، ويُعزُّ ويُذلُّ، ويَفك عانيًا، ويَشفي مريضًا، ويجيب داعيًا، ويُعطي سائلًا، ويَتوب على قومٍ، ويكشف كربًا، ويَغفر ذنبًا، ويضع أقوامًا، ويَرفع آخرين. دخل كلامُ بعضهم في بعض …».\nإلى أن قال ابن القَيِّم ﵀: «فهذا تقديرٌ يوميٌّ، والذي قبله تقديرٌ حَوْلِيٌّ، والذي قبلَه تقديرٌ عُمري عند تَعَلُّق النَّفس به، والذي قبله كذلك عند أَوَّل تخليقه، وكونه مضغة، والذي قبله تقديرٌ سَابق على وجوده، لكن بعد خلق السماوات والأرض، والذي قبله تقديرٌ سابقٌ على خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكل واحد من هذه التقادير كالتفصيل من التقدير السابق، وفي ذلك الدليل على عِلم الرَّبِّ وقُدرته وحكمته، وزيادة التعريف لملائكته وعباده المؤمنين بنفسِه وأسمائه» (^١).\n_________\n(^١) «شفاء العليل» (ص ٣١ - ٤٩).","vol":"1","page":234},{"text":"قال الإمامُ النَّوويُّ ﵀: «واعلم أنَّ مَذهبَ أهلِ الحَقِّ إثباتُ القَدَر، ومعناه: أنَّ الله-﵎-قَدَّر الأشياء في القِدَم، وعَلِمَ-سبحانه-أنَّها ستقع في أوقاتٍ معلومة عنده ﷿، وعلى صفاتٍ مخصوصة؛ فهي تقع على حسب ما قَدَّرها ﷿، وأنكرت القدرية هذا، وزعمت أنه ﷿ لم يُقَدِّرها، ولم يتقدم علمُه ﷿ بها، وأنَّها مُستأنفة العلم، أي: إنَّما يَعلمها-سبحانه-بعد وقوعِها، وكذبوا على الله ﷾ وجَلَّ عن أقوالهم الباطلة علوًّا كبيرًا.\nوسُمِّيت هذه الفرقةُ قدريَّة؛ لإنكارهم القَدَر؛ قال أصحابُ المَقالات من المُتَكَلِّمين: وقد انقرضت القدريةُ القائلون بهذا القول الشَّنيع الباطل، ولم يَبق أحدٌ من أهل القِبلة عليه، وصارت القدريةُ في الأزمان المتأخرة تَعتقد إثبات القَدَر، لكن يقولون: الخير من الله، والشَّرُّ مِنْ غيره» (^١).\nوالمؤمن يؤمن بكل ما قضاه الله ﷿ وقدره خيرًا أو شر حلوًا أو مر فهو يؤمن به ويرضى به من الله ﷾.\nثم قد علم الله ما العباد عاملون وإلى ما هم سائرون ولا يخرجون من علم الله ﷿، ولا يكون في الأراضين ولا في السموات وإلا ما علم الله ﷿ وهذا قد تقدم بأنه أحد مراتب القدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك ولا خالق مع الله ﷿.\nفالله ﷾ خالق كل شيء، فكذب القدرية الذين قالوا: إن العبد يخلق\n_________\n(^١) «شرح النووي على مسلم» (١/ ١٥٤).","vol":"1","page":235},{"text":"فعله؛ فالعبد لا يخلق فعله، والله تعالى خالق كل شيء، لكن الله ﷿ شاء وأراد ﷿ أن يكون لهذا العبد فعل، وأن يكون لهذا العبد مشيئة، وذلك الفعل وتلك المشيئة لا تخرج عن كونها خلق الله ﷿ ولا تخرج عن إرادة الله ﷿ ومشيئته ﷾.\nونؤمن مع ذلك أن الله تعالى جعل للعبد اختيارًا وقدرة بهما يكون الفعل،\nوالاعتقاد أن الله تعالى أرسل ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾، ولولا أن فعل العبد يقع بإرادته واختياره ما بطلت حجته جل وعلا على الناس بإرسال رسله.","vol":"1","page":236},{"text":"قال المصنف-رحمه الله تعالى-:\n\"وأن الله خلق الجنة قبل الخلق، وخلق لها أهلًا، ونعيمها دائم ومن زعم أنه يبيد من الجنة شيء فهو كافر\".\n<hr><s0>\n\n\nعلى المسلم<span data-type='title' id=toc-64> الإيمان بالجنة والنار،</span> فهما يدخلان ضمن الإيمان باليوم الآخر الذي هو أصل من أصول الإيمان، فمن أركان الإيمان: الإيمان باليوم الآخر وما يكون فيه من البعث، أي: أن الله يبعث الأجساد ويحاسب الخلائق، والإيمان بالميزان والصراط والجنة والنار، فمن أنكر وجود الجنة أو أنكر النار كفر؛ لأنه مكذب لله.\n• قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ لَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ) [البقرة: ٢٥]﴾ [لقمان: ٨]،\n• وقال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ﴾ [فاطر: ٣٦]، فمن أنكر الجنة أو النار فقد كذب الله، ومن كذب الله كفر.\nقول المصنف: \" قبل الخلق \".\nيشير المصنف هنا إلى قول أهل السنة والجماعة: أن الجنة والنار الآن مخلوقتان دائمتان لا تفنيان.\nقال الإمام ابن القيم: \"يذكر السلف في عقائدهم أن الجنة والنار مخلوقتان ويذكر من صنف في المقالات أن هذه مقالة أهل السنة والحديث","vol":"1","page":237},{"text":"قاطبة لا يختلفون.\nفيها قال أبو الحسن الأشعري في كتاب مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين: \"جملة ما عليه أصحاب الحديث وأهل السنة الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله وما جاء من عند الله وما رواه الثقات عن رسول الله لا يردّون من ذلك شيئا\" .... \"ويقرون أن الجنة والنار مخلوقتان\" قال ابن القيم بعد أن ساق كلام الأشعري \"والمقصود حكايته عن جميع أهل السنة والحديث أن الجنة والنار مخلوقتان\" (^١).\nأدلتهم:\nوقد دل على ذلك من القرآن:\n• قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ [النجم: ١٣ - ١٥] وقد رأى النبي ﷺ سدرة المنتهى ورأى عندها جنة المأوى كما في الصحيحين من حديث أنس في قصة الإسراء وفي آخره: \"ثم أنطلق بي جبريل حتى انتهى إلى سدرة المنتهى فغشيها ألوان لا أدرى ما هي قال ثم دخلت الجنة فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ وإذا ترابها المسك\" (^٢).\n• وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: \"إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن\n_________\n(^١) حادي الأرواح: ص ١١ - ١٥\n(^٢) أخرجه البخاري في صحيحه (٣١٦٤) ومسلم في صحيحه (١٦٣) واللفظ للبخاري.","vol":"1","page":238},{"text":"كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة وإن كان من أهل النار فمن أهل النار فيقال هذا مقعدك حتى يبعثك الله تعالى يوم القيامة\" (^١).\n• وفي المسند وصحيح الحاكم وابن حبان وغيرهم من حديث البراء ابن عازب قال خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة رجل من الأنصار فذكر الحديث بطوله وفيه \"فينادي مناد من السماء أن صدق عبدي فأفرشوه من الجنة وألبسوه من الجنة وافتحوا له بابا إلى الجنة، قال: فيأتيه من روحها وطيبها \" (^٢) وذكر الحديث.\n• وفي الصحيحين من حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: \"إِنَّ العَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ، وَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ، أَتَاهُ مَلَكَانِ فَيُقْعِدَانِهِ، فَيَقُولَانِ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في مسنده (٤/ ٢٨٧، ٢٨٨، ٢٩٥، ٢٩٧) وأبو داود (٣٢١٢، ٤٧٥٣، ٤٧٥٤) والنسائي (٤/ ٧٨) وابن ماجه (١٥٤٨) و(١٥٤٩) والحاكم (١/ ٩٣) رقم (١٠٧) وأبو عوانة كما في (إتحاف المهرة) (٢/ ٤٥٩) وابن منده في الإيمان (١٠٦٤) والبيهقي في إثبات عذاب القبر رقم (٢١) و(٤٣) وغيرهم.\nمن طريق زاذان عن البراء بن عازب فذكره.\nوالحديث صححه: أبو عوانة وابن منده والحاكم والبيهقي وابن القيم وغيرهم.\nقال ابن القيم في الروح، ص (٩١): (هذا حديث ثابت مشهور مستفيض، صححه جماعة من الحفاظ، ولا نعلم أحدا من أئمة الحديث طعن فيه، بل رووه في كتبهم وتلقوه بالقبول، وجعلوه أصلا من أصول الدين في عذاب القبر ونعيمه، ومسألة منكر ونكير، وقبض الأرواح وصعودها إلى بين يدي الله، ثم رجوعها إلى القبر).\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (١٣٠٨)، ومسلم برقم (٢٨٧٠) واللفظ لمسلم.","vol":"1","page":239},{"text":"الرَّجُلِ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، فَأَمَّا المُؤْمِنُ، فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، فَيُقَالُ لَهُ: انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ قَدْ أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِهِ مَقْعَدًا مِنَ الجَنَّةِ، فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا\" (^١).\n• وفي صحيح أبي عوانة الاسفرايني وسنن أبي داود من حديث البراء بن عازب الطويل في قبض الروح \"ثم يفتح له باب من الجنة وباب من النار فيقال هذا كان منزلك لو عصيت الله تعالى أبدلك الله به هذا فإذا رأى ما في الجنة قال رب عجل قيام الساعة كيما أرجع إلى أهلي ومالي فيقال أسكن\" (^٢).\n• وفي مسند البزار وغيره من حديث أبي سعيد قال شهدنا مع النبي ﷺ جنازة فقال رسول الله ﷺ: \" أيها الناس إن هذه الأمة تبتلى في قبورها فإذا دفن الإنسان وتفرق عنه أصحابه جاءه ملك في يده مطراق فأقعده فقال ما تقول في هذا الرجل يعني محمدا ﷺ فإن كان مؤمنا قال أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده رسوله فيقولون له صدقت ثم يفتح له باب إلى النار فيقولون هذا كان منزلك لو كفرت بربك فأما إذا آمنت به فهذا منزلك فيفتح له باب إلى الجنة فيريد أن ينهض إلى الجنة فيقولون له اسكن \" (^٣). وذكر الحديث.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢/ ٩٨) برقم (١٣٧٤)، ومسلم (٤/ ٢٢٠٠) برقم (٢٨٧٠) واللفظ للبخاري.\n(^٢) أخرجه أبو عوانة في صحيحه كما في إتحاف المهرة لابن حجر (٢/ ٤٥٩)، وأبو داود برقم (٤٧٥٣). ولعل هذا لفظ أبي عوانة في صحيحه، والحديث تقدم الكلام عليه مختصرًا.\n(^٣) أخرجه أحمد النسخ (٣/ ٣ - ٤) والبزار كما في (كشف الأستار) رقم (٨٧٢) وابن أبي عاصم في (السنة) رقم (٨٦٥)، والطبري في تفسيره (١٣/ ٢١٤)، والبيهقي في (إثبات عذاب القبر) رقم (٣١)، من طريق عباد بن راشد البصري عن داود بن أبي هند عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري فذكره.\nوقد تفرد به عباد وهو صدوق له أوهام، عن خاله داود بن أبي هند مرفوعا.\nوقال البزار: (لا نعلمه عن أبي سعيد إلا بهذا الإسناد، وهذا من أغرب ما كان يسأل عنه الحسين وابن معمر).\nوقد خولف عباد، خالفه مسلمة بن علقمة فأوقفه.\nفرواه عن داود بن أبي هند عن أبي نضرة عن أبي سعيد قال: فذكر نحوا من حديث عباد بن راشد ولم يرفعه.","vol":"1","page":240},{"text":"• وفي صحيح مسلم عن عائشة قالت خسفت الشمس في حياة رسول الله ﷺ فذكرت الحديث إلى أن قالت ثم قام فخطب الناس فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال: \" أن الشمس والقمر آيتان من آيات الله تعالى لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتموهما فافزعوا إلى الصلاة \" (^١).\nوقال رسول الله ﷺ: \"رأيت في مقامي هذا كل شيء وعدتم حتى لقد رأيتني آخذ قطفًا من الجنة حين رأيتموني أقدم ولقد رأيت جهنم يحطم بعضها حين رأيتموني تأخرت \" (^٢).\n• وفي الصحيحين واللفظ للبخاري عن عبد الله بن عباس قال: انخسفت الشمس على عهد رسول الله فذكر الحديث وفيه\n_________\n(^١) رقم (٩٠١)، وهو عند البخاري أيضا رقم (٩٩٧، ١١٥٤).\n(^٢) أخرجه البخاري رقم (٣٥٨)، ومسلم رقم (٩٠٧).","vol":"1","page":241},{"text":"قال: \"إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم ذلك فاذكروا الله \". فقالوا يا رسول الله ﷺ: رأيناك تناولت شيئا في مقامك ثم رأيناك تكعكعت فقال: \"إني رأيت الجنة وتناولت عنقودا ولو أصبته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا ورأيت النار فلم أر منظرا كاليوم قط أفظع ورأيت أكثر أهلها النساء. قالوا بم يا رسول قال: \"بكفرهن\" قيل: أيكفرن بالله قال: \"يكفرن العشير ويكفرن الإحسان لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله ثم رأت منك شيئا قالت ما رأيت منك خيرا قط\" (^١).\n• وفي صحيح البخاري عن أسماء بنت أبي بكر عن النبي ﷺ في صلاة الخسوف قال: \" قد دنت مني الجنة حتى لو اجترأت عليها لجئتكم بقطاف من قطافها ودنت مني النار حتى قلت أي رب وأنا معهم فإذا امرأة حسبت أنه قال تخدشها هرة قلت ما شأن هذه قالوا حبستها حتى ماتت جوعا لا أطعمتها ولا أرسلتها تأكل\" (^٢).\nالمعتزلة أنكروا خلقهما الآن، فقالوا: الجنة والنار لم تخلقا بعد، ولكن سوف يخلقهما الله تعالى يوم القيامة، أما الآن فلا توجد جنة ولا نار.\nوقال الملطي في التنبيه والرد: \"ومن فضائح الفوطي وبدعه قوله إن الجنة والنار ليستا بمخلوقتين الآن وإن كل من قال إنهما مخلوقتان الآن فهو كافر.\n_________\n(^١) صحيح البخاري رقم (٧١٢).\n(^٢) رقم (٩٠٤) - (٩).","vol":"1","page":242},{"text":"وهذا القول منه زيادة منه على ضلالة المعتزلة، لأن المعتزلة لا يكفرون من قال بوجودهما وإن كانوا ينكرون وجودهما الآن\" (^١).\nقال عَبْد القَاهر البَغْدادي: \"الفضيحة السَّابِعَة من فضائح الفوطي قَوْله بتكفير من قَالَ إن الْجنَّة وَالنَّار مخلوقتان، وأخلافه من الْمُعْتَزلَة شكوا في وجودهَا الْيَوْم وَلم يَقُولُوا بتكفير من قَالَ إنهما مخلوقان والمثبتون لخلقهما يكفرون من أنكرهما ويقسمون بِاللَّه تَعَالَى أن من أنكرهما لَا يدْخل الْجنَّة وَلَا ينجو من النَّار\" (^٢).\nشبهتهم: سبب هذا القول إن المعتزلة يعملون عقولهم في مقابلة النصوص، فيعارضون النصوص بعقولهم، وهذا من جهلهم ومن ضلالهم، فهم يقولون: لو قلنا إن الجنة والنار مخلوقتان الآن لصار خلقهما عبثًا؛ لأنهما مخلوقتان وليس فيهما أحد، والعبث محال على الله، فتنزيهًا لله نقول: لا توجد جنة ولا نار الآن؛ لكن يخلقهما الله يوم القيامة حين ينتفع المؤمنون بالجنة ويكون الكفرة في النار.\nويجاب عليهم:\nأولًا: قولكم هذا من أبطل الباطل؛ لأن الله تعالى أثبتهما، ونحن نصدق الله\n_________\n(^١) التنبيه والرد: (ص ٣١).\n(^٢) الفرق بين الفرق ص ١٤٩، وانظر: التبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية عن الفرق الهالكين: (ص ٢٣، وص ٣٨)","vol":"1","page":243},{"text":"ونؤمن بالله، فقد أخبر تعالى أنهما موجودتان، قال عن الجنة: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، وقال عن النار: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤]، فهي مرصدة معدة مهيأة.\nثانيًا: أن خلق الجنة وخلق النار الآن وإعدادهما أبلغ في الزجر وأبلغ في التشديد، فإذا علم العاصي أن النار معدة الآن صار أبلغ في الزجر، وإذا علم المطيع أن الجنة معدة صار أبلغ في الشوق.\nثالثًا: نقول: من قال إن خلقهما الآن عبث؟ فالجنة فيها الولدان، وفيها الحور، وأرواح المؤمنين تتنعم في الجنة، وأرواح الشهداء تنعم فيها، كما جاء في الحديث: (أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تسرح في الجنة وترد أنهارها، وتأكل من ثمارها، حتى يرجعها الله إلى أجسادها)، والمؤمن إذا مات نقلت روحه إلى الجنة على هيئة نسمة طائر يعلق في الجنة حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثون.\n• ونعلم أن المؤمن يفتح له باب إلى الجنة فيأتيه من نعيمها، والكافر يفتح له باب إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها.\n• إذًا هناك حكمة وفائدة من خلقهما الآن، فهذا من جهل المعتزلة وضلالهم، حيث إنهم عارضوا النصوص بأفهامهم وآرائهم الفاسدة.","vol":"1","page":244},{"text":"وقول المصنف: \"وخلق لها أهلًا\" يذكر غير واحد من العلماء هذه المسألة بعينها في كتب الاعتقاد ومن هؤلاء الإمام الطحاوي حيث يقول: \"وقد علم الله تَعَالَى فيما لم يزل عدد من يدخل الجنة، وعدد من يدخل النار، جملة واحدة، فلا يزاد في ذلك العدد ولا ينقص منه، وكذلك أفعالهم فيما علم منهم أن يفعلوه\" (^١).\nقَالَ ابن أبي العز شارح العقيدة الطحاوية رحمه الله تعالى:\n\"قال الله تَعَالَى: «إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ» [الأنفال: ٧٥] «وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا» [الأحزاب: ٤٠] فالله تَعَالَى موصوف بأنه بكل شيء عليم أزلا وأبدًا، لم يتقدم علمه بالأشياء جهالة «وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا» [مريم: ٦٤] وعن عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِب ﵁ قال: ﴿كنا في جنازة في بقيع الغرقد فأتانا رَسُول الله ﷺ فقعد وقعدنا حوله، ومعه مخصرة، فنكس رأسه فجعل ينكت بمخصرته ثُمَّ قَالَ: ما من نفس منفوسة إلا وقد كتب الله مكانها من الجنة والنَّار وإلا قد كُتبت شقية أو سعيدة، قَالَ: فَقَالَ رجل: يا رَسُول الله أفلا نمكث عَلَى كتابنا وندع العمل؟ فقَالَ: من كَانَ من أهل السعادة فسيصير إِلَى عمل أهل السعادة، ومن كَانَ من أهل الشقاوة فسيصير إِلَى عمل أهل الشقاوة، ثُمَّ قَالَ: اعملوا فكل ميسَّر لما خلق له، أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة، ثُمَّ قرأ: «فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى\n_________\n(^١) شرح العقيدة الطحاوية ١/ ٣١٧","vol":"1","page":245},{"text":"وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى» [الليل: ٥ - ١٠]﴾ خرجاه في الصحيحين\" (^١)\nوقد أنكر الفلاسفة علم الله بالجزئيات قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:\n\"وَقَدْ يَقُولُونَ: إنَّهُ تَعَالَى يَعْلَمُ الْكُلِّيَّاتِ دُونَ الْجُزْئِيَّاتِ؛ فَإِنَّهُ إنَّمَا يَعْلَمُهَا عَلَى وَجْهٍ كُلِّيٍّ وَيَقُولُونَ مَعَ ذَلِكَ: إنَّهُ يَعْلَمُ نَفْسَهُ وَيَعْلَمُ مَا يَفْعَلُهُ.\nوَقَوْلُهُمْ يَعْلَمُ نَفْسَهُ وَمَفْعُولَاتِهِ حَقٌّ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ لَكِنْ قَوْلُهُمْ مَعَ ذَلِكَ: إنَّهُ لَا يَعْلَمُ الْأَعْيَانَ الْمُعَيَّنَةَ جَهْلٌ وَتَنَاقُضٌ فَإِنَّ نَفْسَهُ الْمُقَدَّسَةَ مُعَيَّنَةٌ وَالْأَفْلَاكُ مُعَيَّنَةٌ وَكُلُّ مَوْجُودٍ مُعَيَّنٌ.\nفَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الْمُعَيَّنَاتِ لَمْ يَعْلَمْ شَيْئًا مِنْ الْمَوْجُودَاتِ إذْ الْكُلِّيَّاتُ إنَّمَا تَكُونُ كُلِّيَّاتٍ فِي الْأَذْهَانِ لَا فِي الْأَعْيَانِ فَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ إلَّا الْكُلِّيَّاتِ لَمْ يَعْلَمْ شَيْئًا مِنْ الْمَوْجُودَاتِ.\nتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا. \" (^٢)\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وهؤلاء المتفلسفة الدهرية عندهم أن الله لا يفعل شيئًا بمشيئته ولا يجيب دعاء الداعي بل ولا يعلم الجزئيات ولا يعرف هذا الداعي من هذا الداعي ولا يعرف إبراهيم من موسى من محمد وغيرهم\n_________\n(^١) شرح العقيدة الطحاوية ١/ ٣١٧.\n(^٢) مجموع الفتاوى ١٢/ ٥٩٥.","vol":"1","page":246},{"text":"بأعيانهم من رسله بل منهم من ينكر علمه مطلقا كأرسطو وأتباعه ومنهم من يقول إنما يعلم الكليات كابن سينا وأمثاله\" (^١).\n_________\n(^١) الجواب الصحيح ١/. ١١٤","vol":"1","page":247},{"text":"قال المصنف-رحمه الله تعالى-:\n\"وخلق النار قبل خلق الخلق وخلق لها أهلًا، وعذابها دائم\".\n<hr><s0>\n\n\n<span data-type='title' id=toc-65>المسألة الأولى: وجود النار في الحياة الدنيا.</span>\nويدل على ذلك:\nمن القرآن:\nقد ذكر الله تعالى في كتابه في مواضع كثيرة يتعسر حدها ويفوت عدها ووصفها. وأخبر بها على لسان نبيه، ونعتها فقال عز من قائل (^١):\n• (فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين) (البقرة: ٢٤).\n• وقال: «واتقوا النار التي أعدت للكافرين) (آل عمران: ١٣١).\n• وقال: (إنا أعتدنا للظالمين نارًا أحاط بهم سرادقها) الكهف: ٢٩).\n• وقال: (إنا أعتدنا جهنم للكافرين نزلا) (الكهف: ١٠٢).\n• وقال: «وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرًا) (الفرقان: ١١).\n• وقال تعالى: (أغرقوا فأدخلوا نارًا) (نوح: ٢٠).\nومن السنة:\n• ما ورد في الصحيحين من حديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله\n_________\n(^١) المصدر: يقظة أولي الاعتبار: ص ٥١.","vol":"1","page":248},{"text":"قال: «إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، يقال هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة» (^١)،\n• وفيهما أيضا: «أن النبي ﷺ رأى في صلاة الكسوف النار فلم ير منظرًا أفظع من ذلك» (^٢).\n• وفي البخاري عن عمران بن حصين عن النبي الله قال: «اطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء»، وفيه دلالة على وجودها حال اطلاعه (^٣)، ورواه الترمذي والنسائي أيضا (^٤).\n• وفي الصحيح (باب صفة النار وأنها مخلوقة الآن) وعن أبي ذر عن النبي ﷺ \"أبردوا بالصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم\" (^٥).\n• وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله من اشتكت النار إلى ربها فقالت رب أكل بعضي بعض فأذن لها بنفسين نفس في الشتاء ونفس في الصيف فأشد ما تجدون من الحر وأشد ما تجدون من\n_________\n(^١) البخاري (١٣٧٩)، ومسلم (٢٨٦٦).\n(^٢) رواه البخاري (١٠٥٢) (٤٣١)، ومسلم (٩٠٧) عن ابن عباس.\n(^٣) يقظة أولي الاعتبار ص ٥٢.\n(^٤) هو ضمن الحديث السابق. ورواه البخاري (٣٢٤١، ٥١٩٨، ٦٤٤٩، ٦٥٤٦ رواه الترمذي (٢٦٠٣)، والنسائي في الكبري (٩٢٥٩)\n(^٥) رواه البخاري (٥٣٩) (٦٢٩) عن أبي ذر.","vol":"1","page":249},{"text":"الزمهرير» رواه البخاري\" (^١) أي: من ذلك التنفس.\n• وعن ابن عباس وابن عمر ﵃ قال قال رسول الله ﷺ: «الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء» رواه البخاري\" (^٢)، وفي رواية \"من فور جهنم رواه عن رافع بن خديج (^٣).\nوكل ذلك يفيد وجود النار الآن (^٤)، وفي مسند أحمد وسنن أبي داود والنسائي من حديث ابن عمر ﵄: \"ولقد أدنيت النار مني حتى جعلت أتقيها خشية أن تغشاكم\"، الحديث (^٥) وفي صحيح مسلم من حديث أنس ﵁ قال: «لو رأيتم ما رأيت لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرًا، قالوا: وما رأيت يا رسول الله؟ قال: رأيت الجنة والنار\" (^٦)\n\n<span data-type='title' id=toc-66>المسألة الثانية: مكان النار.</span>\nوقد اختلف في هذه المسألة على عدة أقوال (^٧):\n_________\n(^١) ورواه (٥٣٦، ٥٣٣، ٥٣٤) عن أبي هريرة.\n(^٢) رواه (٣٢٦٤، ٥٧٢٣) عن ابن عمر.\n(^٣) رواه (٥٧٢٦، ٣٢٦٢) عن رافع.\n(^٤) يقظة أولي الاعتبار ص ٥٣.\n(^٥) رواه الإمام أحمد (٢/ ١٥٩)، والنسائي في الكبري (٣/ ١٣٧١٣٨)، وابن خزيمة (٩٠١)، وابن حبان (٢٨٣٨) بسند صحيح عن ابن عمر.\n(^٦) أخرجه مسلم (٤٢٦).\n(^٧) ذكر هذه الأقوال صاحب كتاب يقظة أولي الاعتبار ص ٦٢ - ٦٧.","vol":"1","page":250},{"text":"القول الأول: أن مكانها في الأرض تحت الأرض السابعة.\nالقول الثاني: أن جهنم على الأرض والله أعلم بموضعها على الأرض.\nالقول الثالث: أن مكان النار حاليًا تحت الأرض السابعة السفلى، ويوم القيامة تبرز وتظهر، قال تعالى: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى﴾ [النازعات: ٣٦]، أي في السماء السابعة التي تظهر للناس.\nالقول الرابع: أن مكانها في السماء.\nالقول الخامس: التوقف في المسألة وأنه لم يرد نص صريح في مكانها\nوقد استدل من قال إن مكانها في الأرض:\n• ما جاء في الحديث: (يُجاء يوم القيامة بجهنم لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها) (^١)، وتسجر البحار وتكون جزءًا من جهنم، نسأل الله السلامة والعافية.\n• وقد روى الحاكم وصححه ووافقه الذهبي عن عبد الله بن سلام ﵁ قال: إن أكرم خليقة الله عليه أبو القاسم ﷺ، وإن الجنة في السماء والنار في الأرض (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في صحيحه (٢٨٤٢).\n(^٢) رواه الحاكم (٤/ ٦١٢)، والحارث (٩٣٠ - بغية) والبيهقي في الشعب (٣٦٦)","vol":"1","page":251},{"text":"• وروى أبو الشيخ في كتابه العظمة: عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: الجنة في السماء السابعة العليا، والنار في الأرض السابعة السفلى (^١).\n• وقال ابن رجب في التخويف من النار: الباب الخامس في ذكر مكان جهنم: روى عطية عن ابن عباس قال: الجنة في السماء السابعة ويجعلها الله حيث يشاء يوم القيامة وجهنم في الأرض السابعة. أخرجه أبو نعيم. (^٢)\n• وخرج ابن منده من حديث أبي يحيى القتات عن مجاهد قال: قلت لابن عباس: أين الجنة؟ قال: فوق سبع سموات. قلت: فأين النار؟ قال: تحت سبع أبحر مطبقة (^٣).\n• وروى البيهقي بإسناد فيه ضعف عن أبي الذعراء عن ابن مسعود قال: الجنة في السماء السابعة العليا، والنار في الأرض السابعة السفلى، ثم قرأ: إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ ﴿المطففين: ١٨﴾ إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ ﴿المطففين: ٧﴾. وخرجه ابن مندة، وعنده: فإذا كان يوم القيامة جعلها الله حيث شاء،\n• وقال محمد بن عبد الله بن أبي يعقوب عن بشر بن شغاف عن عبد الله بن سلام قال: إن الجنة في السماء وإن النار في الأرض. خرجه ابن خزيمة وابن أبي الدنيا،\n_________\n(^١) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٦٠٠).\n(^٢) التخويف من النار ص ٦٢.\n(^٣) عزاه في الفيض (٣/ ٣٦٠) لابن عباس، وعزاه لابن منده ابن رجب في التخويف من النار (ص ٧٢).","vol":"1","page":252},{"text":"وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن قتادة قال: كانوا يقولون إن الجنة في السموات السبع، وإن جهنم لفي الأرضين السبع.\n• وروى ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد: وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ ﴿الذاريات: ٢٢﴾. قال: الجنة في السماء،\n• وقد استدل بعضهم لهذا بأن الله تعالى أخبر أن الكفار يعرضون على النار غدوًا وعشيًا يعني في مدة البرزخ وأخبر أنه لا تفتح لهم أبواب السماء، فدل على أن النار في الأرض، وقال تعالى: إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ ﴿المطففين: ٧﴾. اه\n• قال ابن الجوزي في المنتظم: ومما يدل على أن النار في الأرض حديث أبي هريرة قال: كنا عند رسول الله ﷺ يومًا فسمعنا وجبة فقال النبي ﷺ: \"أتدرون ما هذا؟ قلنا: الله أعلم. قال: هذا حجر أرسل في جهنم منذ سبعين خريفًا، فالآن انتهى إلى قعرها. \" انفرد بإخراجه مسلم.\nفإن قيل كيف تكون جهنم في الأرض، وقد رآها رسول الله ﷺ ليلة المعراج فجوابه من وجهين:\nأحدهما: أنه رآها في الأرض في طريقه إلى بيت المقدس، وقد روينا عن ابن الصامت أنه رؤي على سور بيت المقدس الشرقي يبكي، فقيل له في ذلك، فقال ههنا رسول الله ﷺ أخبرنا أنه رأى جهنم.\nوالثاني: أنه لا يمتنع في القدرة أن يرى جهنم في الأرض وهو في السماء، وقد بدى له المقدس وهو بمكة فوصفه للقوم.","vol":"1","page":253},{"text":"<span data-type='title' id=toc-67>المسألة الثالثة: أبدية النار.</span>\nقال ابن أبي العز في شرح العقيدة الطحاوية: \"وَأَمَّا أَبَدِيَّةُ النَّارِ وَدَوَامُهَا، فَلِلنَّاسِ فِي ذَلِكَ ثَمَانِيَةُ أَقْوَالٍ:\nأَحَدُهَا: أَنَّ مَنْ دَخَلَهَا لَا يَخْرُجُ مِنْهَا أَبَدَ الْآبَادِ، وَهَذَا قَوْلُ الْخَوَارِجِ وَالْمُعْتَزِلَةِ.\nوَالثَّانِي: أَنَّ أَهْلَهَا يُعَذَّبُونَ فِيهَا، ثُمَّ تَنْقَلِبُ طَبِيعَتُهُمْ وَتَبْقَى طَبِيعَةً نَارِيَّةً يَتَلَذَّذُونَ بِهَا لِمُوَافَقَتِهَا لِطَبْعِهِمْ! وَهَذَا قَوْلُ إِمَامِ الِاتِّحَادِيَّةِ ابْنِ عَرَبِيٍّ الطَّائِيِّ!!\nالثَّالِثُ: أَنَّ أَهْلَهَا يُعَذَّبُونَ فِيهَا إِلَى وَقْتٍ مَحْدُودٍ، ثُمَّ يَخْرُجُونَ مِنْهَا، وَيَخْلُفُهُمْ فِيهَا قَوْمٌ آخَرُونَ، وَهَذَا الْقَوْلُ حَكَاهُ الْيَهُودُ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وَأَكْذَبَهُمْ فِيهِ، وَقَدْ أَكْذَبَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى، فَقَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: \" ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ-بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٨٠ - ٨١].\nالرَّابِعُ: يَخْرُجُونَ مِنْهَا، وَتَبْقَى عَلَى حَالِهَا لَيْسَ فِيهَا أَحَدٌ.\nالْخَامِسُ: أَنَّهَا تَفْنَى بِنَفْسِهَا، لِأَنَّهَا حَادِثَةٌ وَمَا ثَبَتَ حُدُوثُهُ اسْتَحَالَ بَقَاؤُهُ!! وَهَذَا قَوْلُ الْجَهْمِ وَشِيعَتِهِ، وَلَا فَرْقَ عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، كَمَا تَقَدَّمَ.\nالسَّادِسُ: تَفْنَى حَرَكَاتُ أَهْلِهَا وَيَصِيرُونَ جَمَادًا، لَا يُحِسُّونَ بِأَلَمٍ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي الْهُذَيْلِ الْعَلَّافِ.","vol":"1","page":254},{"text":"السَّابِعُ: أَنَّ اللَّهَ يُخْرِجُ مِنْهَا مَنْ يَشَاءُ، كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ، ثُمَّ يُبْقِيهَا شَيْئًا، ثُمَّ يُفْنِيهَا، فَإِنَّهُ جَعَلَ لَهَا أَمَدًا تَنْتَهِي إِلَيْهِ.\nالثَّامِنُ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُخْرِجُ مِنْهَا مَنْ شَاءَ، كَمَا وَرَدَ فِي السُّنَّةِ، وَيَبْقَى فِيهَا الْكُفَّارُ، بَقَاءً لَا انْقِضَاءَ لَهُ\" (^١).\nوهذا ما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة، ومن ذلك:\n• قوله تعالى عن أهل النار: (إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقًا *إلا طريق جهنم خالدين فيها أبدًا) [النساء: ١٦٨ - ١٦٩]\n• وقوله: (إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيرًا* خالدين فيها أبدًا) [الأحزاب: ٦٣ - ٦٥].\n• وقوله: (ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا) [الجن: ٢٣]\n• وقوله: (إن المجرمين في عذاب جهنم خالدون* لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون) [الزخرف: ٧٤ - ٧٥]\nقال ابن أبي العز في شرح العقيدة الطحاوية: \"وَقَوْلُهُ: \"لَا تَفْنَيَانِ أَبَدًا وَلَا تَبِيدَانِ \"-هَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ الْأَئِمَّةِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ. وَقَالَ بِبَقَاءِ الْجَنَّةِ وَبِفَنَاءِ النَّارِ جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، وَالْقَوْلَانِ مَذْكُورَانِ فِي كَثِيرٍ مِنْ كُتُبِ التَّفْسِيرِ وَغَيْرِهَا.\n_________\n(^١) شرح العقيدة الطحاوية ١/ ٦٢٤. ٦٢٥.","vol":"1","page":255},{"text":"وَقَالَ بِفَنَاءِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ الْجَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ إِمَامُ الْمُعَطِّلَةِ، وَلَيْسَ لَهُ سَلَفٌ قَطُّ، لَا مِنَ الصَّحَابَةِ وَلَا مِنَ التَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ، وَلَا مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ. وَأَنْكَرَهُ عَلَيْهِ عَامَّةُ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَكَفَّرُوهُ بِهِ، وَصَاحُوا بِهِ وَبِأَتْبَاعِهِ مِنْ أَقْطَارِ الْأَرْضِ. وَهَذَا قَالَهُ لِأَصْلِهِ الْفَاسِدِ الَّذِي اعْتَقَدَهُ، وَهُوَ امْتِنَاعُ وُجُودِ مَا لَا يَتَنَاهَى مِنَ الْحَوَادِثِ! وَهُوَ عُمْدَةُ أَهْلِ الْكَلَامِ الْمَذْمُومِ، الَّتِي اسْتَدَلُّوا بِهَا عَلَى حُدُوثِ الْأَجْسَامِ، وَحُدُوثِ مَا لَمْ يَخْلُ مِنَ الْحَوَادِثِ، وَجَعَلُوا ذَلِكَ عُمْدَتَهُمْ فِي حُدُوثِ الْعَالَمِ. فَرَأَى الْجَهْمُ أَنَّ مَا يَمْنَعُ مِنْ حَوَادِثَ لَا أَوَّلَ لَهَا فِي الْمَاضِي، يَمْنَعُهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ! فَدَوَامُ الْفِعْلِ عِنْدَهُ عَلَى الرَّبِّ فِي الْمُسْتَقْبَلِ مُمْتَنِعٌ، كَمَا هُوَ مُمْتَنِعٌ عِنْدَهُ عَلَيْهِ فِي الْمَاضِي! وَأَبُو الْهُذَيْلِ الْعَلَّافُ شَيْخُ الْمُعْتَزِلَةِ، وَافَقَهُ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ، لَكِنْ قَالَ: إِنَّ هَذَا يَقْتَضِي فَنَاءَ الْحَرَكَاتِ، فَقَالَ بِفَنَاءِ حَرَكَاتِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، حَتَّى يَصِيرُوا فِي سُكُونٍ دَائِمٍ، لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى حَرَكَةٍ!! وَقَدْ تَقَدَّمَ الْإِشَارَةُ إِلَى اخْتِلَافِ النَّاسِ فِي تَسَلْسُلِ الْحَوَادِثِ فِي الْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَلِ، وَهِيَ مَسْأَلَةُ دَوَامِ فَاعِلِيَّةِ الرَّبِّ تَعَالَى، وَهُوَ لَمْ يَزَلْ رَبًّا قَادِرًا فَعَّالًا لِمَا يُرِيدُ، فَإِنَّهُ لَمْ يَزَلْ حَيًّا عَلِيمًا قَدِيرًا. وَمِنَ الْمُحَالِ أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ مُمْتَنِعًا عَلَيْهِ لِذَاتِهِ، ثُمَّ يَنْقَلِبُ فَيَصِيرُ مُمْكِنًا لِذَاتِهِ، مِنْ غَيْرِ تَجَدُّدِ شَيْءٍ، وَلَيْسَ لِلْأَوَّلِ حَدٌّ مَحْدُودٌ حَتَّى يَصِيرَ الْفِعْلُ مُمْكِنًا لَهُ عِنْدَ ذَلِكَ الْحَدِّ، وَيَكُونُ قَبْلَهُ مُمْتَنِعًا عَلَيْهِ. فَهَذَا الْقَوْلُ تَصَوُّرُهُ كَافٍ فِي الْجَزْمِ بِفَسَادِهِ.","vol":"1","page":256},{"text":"فَأَمَّا أَبَدِيَّةُ الْجَنَّةِ، وَأَنَّهَا لَا تَفْنَى وَلَا تَبِيدُ، فَهَذَا مِمَّا يُعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ أَخْبَرَ بِهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هُودٍ: ١٠٨] أَيْ غَيْرَ مَقْطُوعٍ، وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٨] \" (^١).\n_________\n(^١) شرح العقيدة الطحاوية ٢/ ٦٢٠ - ٦٢٢.","vol":"1","page":257},{"text":"قال المصنف-رحمه الله تعالى-:\n\"وأن أهل الجنة يرون ربهم [بأبصارهم] (^١)، لا محالة\".\n<hr><s0>\n\n\n<span data-type='title' id=toc-68>من عقيدة أهل السنة والجماعة أنهم يؤمنون بأن أهلَ الإيمان يرون ربهم يومَ القيامة </span>كما وردت الأدلة بذلك\nفمن القرآن:\n• قوله تعالى: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ) [يونس: ٢٦] فقد فسرت الحسنى بالجنة والزيادة بالنظر إلى وجه الله الكريم، قال القرطبي: (وقد ورد هذا عن أبي بكر الصديق وعلي بن أبي طالب في راوية وحذيفة وعبادة بن الصامت وكعب بن عجرة وأبي موسى وصهيب وابن عباس في رواية وهو قول جماعة من التابعين وهو الصحيح في الباب. وروى مسلم في صحيحه عن صهيب عن النبي ﷺ قال:» إذا دخل أهل الجنة الجنة قال الله ﵎ تريدون شيئا أزيدكم فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟! ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟! قال\n_________\n(^١) ما بين معكوفتين مذكورة في كتاب مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص: (٢٢٧) ومختصر الحجة على تارك المحجة (٢/ ٣٧٣).","vol":"1","page":258},{"text":"فيكشف الحجاب فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم ﷿. وفي رواية ثم تلا (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ) (^١). (^٢)\n• قوله تعالى: (لَهُمْ مَا يَشَاؤُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ) [ق: ٣٥] فقد فسر المزيد في هذه الآية بأنه النظر إلى الله تعالى كالآية السابقة.\nقال ابن كثير: (إن المزيد الذي يتفضل الله به على عباده فوق ما يشاءون هو ظهوره تعالى لهم). (^٣)\nوبهذا فسر الآية ابن جرير الطبري والقرطبي وغيرهما ودلالتها عن الرؤية كالآية السابقة.\n• قوله تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) [القيامة: ٢٢ - ٢٣] ووجه الاستدلال بالآية على الجواز ما نقل من أن (نَاظِرَةٌ) أي رائية رؤية بصرية يوم القيامة كما قال أهل السنة والجماعة.\nقال أبو الحسن الأشعري: \"قال الله ﷿: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ) [القيامة: ٢٢ [يعني: مشرقة) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) [القيامة: ٢٣] يعنى: رائية، ولا يجوز أن يكون بمعنى نظر التفكر والاعتبار لأن الآخرة ليست بدار الاعتبار، ولا يجوز أن يكون عني نظر\n_________\n(^١) رواه مسلم (١٨١).\n(^٢) تفسير القرطبي ٨/ ٣٣٠.\n(^٣) تفسير ابن كثير ٦/ ٤٠٨.","vol":"1","page":259},{"text":"الانتظار لأن النظر إذا ذكر مع ذكر الوجه فمعناه نظر العينين اللتين في الوجه\". (^١)\nالأدلة من السنة:\nأخبرَ بذلك النبي ﷺ: «إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلةَ البدر، لا تُضامُّون في رؤيته» (^٢).\nوعن جرير بن عبد الله قال: قال النبي ﷺ: «إنكم سترون ربكم عيانا» (^٣).\nقال ابن القيم (وأما الأحاديث عن النبي ﷺ وأصحابه الدالة على الرؤية فمتواترة رواها عنه أبو بكر الصديق، وأبو هريرة، وأبو سعيد الخدري، وجرير بن عبد الله البجلي، وصهيب بن سنان الرومي، وعبد الله بن مسعود الهذلي، وعلي بن أبي طالب، وأبو موسى الأشعري، وعدي بن حاتم الطائي، وأنس بن مالك الأنصاري، وبريدة بن الخصيب الأسلمي، وأبو رزين العقيلي، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وأبو أمامة الباهلي، وزيد بن ثابت، وعمار بن ياسر، وعائشة أم المؤمنين، وعبد الله بن عمر، وعمارة بن رويبة، وسلمان الفارسي، وحذيفة بن اليمان، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمرو بن\n_________\n(^١) الإبانة عن أصول الديانة ص ١٢.\n(^٢) انظر صحيح البخاري كِتَابُ التَّوْحِيدِ، بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣]، برقم (٧٤٣٩)، وابن ماجه (١٧٩)، والإمام أحمد في المسند مُسْنَدُ الْمُكْثِرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ (١١١٢٠).\n(^٣) رواه البخاري ٧٤٣٥.","vol":"1","page":260},{"text":"العاص وحديثه موقوف، وأبي بن كعب، وكعب بن عجرة، وفضالة بن عبيد وحديثه موقوف، ورجل من أصحاب النبي ﷺ غير مسمى. فهناك سياق أحاديثهم من الصحاح والمسانيد والسنن وتلقها بالقبول والتسليم، وانشراح الصدر لا بالتحريف والتبديل وضيق الطعن ولا تكذب بها فمن كذب بها لم يكن إلى وجه ربه من الناظرين وكان عنه يوم القيامة من المحجوبين) (^١) ثم ذكر بعد ذلك سياق الأحاديث بكاملها.\nتنبيهات مهمة:\nبعد شرح ما يتعلق بالنص الذي جاء في كلام المصنف يجدر التنبيه على أمور مهمة تتعلق بمسألة الرؤية، فمسألة رؤية الله ﷿ مُتشعبة؛ إذ تشتمل على المسائل الآتية:\n• ما يتعلق برؤيته ﷾ في الدنيا عيانًا.\n• ورؤيته جل وعلا منامًا.\n• ورؤية النبي ﷺ لربِّه ليلة المعراج.\n• ورؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة وفي الجنة.\n• وكذلك رؤية المنافقين والكافرين له ﷻ يوم القيامة.\nومسألة رؤية الله يُلحقها العلماء بباب الصِّفات، مع أن البحث في رؤية\n_________\n(^١) حادي الأرواح ص ٢٣١","vol":"1","page":261},{"text":"العبد لربه وليس العكس، ولكنهم يُلحقونها بباب الصفات.\nوأعطي نبذة عن هذه المسائل فأقول:\n\n<span data-type='title' id=toc-70>أولًا: رؤية الله في الدنيا يقظة.</span>\nرؤية الله في الدنيا يقظة غير واقعة شرعًا، وغير مُمكنة، وقد اتفقت الأمةُ على أن الله تعالى لا يراه أحدٌ في الدنيا بعينه، ولم ينازعوا في ذلك إلا ما شَذَّ من بعض غُلاة الصُّوفية؛ فقد زعموا أنه يجوز رؤية الله في الدنيا، وأنه يَزورهم ويَزورونه في الحضرة الإلهية ويَرَوْنه (^١)، وهؤلاء لا عبرة بخلافهم؛ إذ كله كذب ودجل.\nومَن ادَّعى رؤية الله في الدنيا بعيني رأسه فدعواه باطلة باتفاق أهل السنة والجماعة، وهو ضالٌّ.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية-﵀-في ردِّه على مَنْ زعم رؤية الله في الدنيا يقظة: «مَنْ قال من الناس: إن الأولياء أو غيرهم يرى الله بعينه في الدنيا فهو مبتدع ضالٌّ، مُخالف للكتاب والسنة، وإجماع سلف الأمة، لا سيما إذا ادَّعوا أنهم أفضل مِنْ موسى، فإن هؤلاء يُستتابون، فإن تابوا وإلا قُتلوا» (^٢).\nوقد بَيَّن-﵀-علة عدم إمكان رؤية الله في الدنيا بالعين، حيث قال: «وإنَّما لم نَره في الدنيا لعجز أبصارنا، لا لامتناع الرؤيا، فهذه الشمس إذا حدق\n_________\n(^١) «المِلل والنِّحَل» للشَّهرستاني (١/ ١٠٥).\n(^٢) «مجموع الفتاوى» (٧/ ١٠٤).","vol":"1","page":262},{"text":"الرائي البصر في شعاعها ضعف عن رؤيتها لا لامتناع في ذات المرئي، بل لعجز الرَّائي، فإذا كان في الدار الآخرة أكمل الله قُوى الآدميين حتى أطاقهم رؤيته، ولهذا لما تجلى الله للجبل خَرَّ موسى صعقًا، قال: سبحانك! تُبت إليك، وأنا أول المؤمنين بأنَّه لا يراك حيٌّ إلا مات، ولا يابس إلا تَدَهْدَه، ولهذا كان البشر يَعجزون عن رؤية المَلَك في صورته إلَّا مَنْ أيده الله، كما أيَّد نبينا ﷺ (^١).\nوالأدلة التي استند عليها أهل السنة في إجماعهم على عدم وقوع رؤية الله في الدنيا يقظة-كثيرة؛ منها:\nقول النبي ﷺ كما في «صحيح مسلم»: «تَعَلَّمُوا أنَّه لن يرى أحدٌ مِنكم ربه-﷿-حتى يَموت» (^٢)، فهو صريح في عدم وقوع الرؤية البصرية لأحد من الناس لله جل وعلا في هذه الدار الدنيا حتى ولو كان نبيًّا؛ لأن الله-جل وعلا-قد مَنع موسى-﵇-مِنْ أن يَرَاه، وهو أحد أُولي العزم من الرسل، فكيف بمن دونه مِنْ سائر المؤمنين؟! فإن الله-جل وعلا-لما قال له موسى: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] قال: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣] فمنعه من أن يراه، وفي قوله: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ أي: لما تجلى الله للجبل تدكدك ولم يَثبت، فكيف يَثبت البشر الضعيف؟!\n_________\n(^١) «منهاج السنة النبوية» (٢/ ٣٣٢).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٩٣١) من حديث عبد الله بن عمر ﵁.","vol":"1","page":263},{"text":"<span data-type='title' id=toc-71>ثانيًا: رؤية الله-﷿-في المنام.</span>\nذهب جمهور العلماء إلى جواز رؤية الله في المنام، وأنها قد تقع صحيحة، بل ذكر القاضي عياض-﵀-اتفاق العلماء على هذه المسألة؛ فقال: «ولم يختلف العلماء في جواز صحة رؤية الله في المنام» (^١).\nوقال الإمام البَغوي ﵀: «رؤية الله في المنام جائزة؛ قال معاذ عن النبي ﷺ: «إني نَعست فرأيت ربِّي»، وتكون رؤيته-جَلَّت قُدرته-ظهور العدل والفرج والخصب والخير لأهل ذلك الموضع، فإن رآه فوعد له جنة، أو مغفرة، أو نجاة من النار، فقوله حق، ووعده صدق، وإن رآه ينظر إليه فهو رحمته، وإن رآه معرضًا عنه فهو تحذير من الذنوب؛ لقوله ﷾: ﴿أُوْلَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ﴾ [آل عمران: ٧٧]، وإن أعطاه شيئًا من متاع الدنيا فأخذه، فهو بلاء ومحن وأسقام تصيب بدنه، يَعظم بها أجرُه، لا يَزال يضطرب فيها حتى يُؤديه إلى الرحمة، وحسن العاقبة» (^٢).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (ومن رأى الله-﷿-في المنام فإنَّه يراه في صورة من الصور بحسب حال الرَّائي؛ إن كان صالحًا رآه في صورة حسنة، ولهذا رآه النبي ﷺ في أحسن صورة …» (^٣).\nوقال في موضع آخر: «وقد يرى المؤمن ربه في المنام في صورة متنوعة على\n_________\n(^١) «إكمال المُعْلِم بفوائد مُسلم» (٧/ ٢٢٠) ط. دار الوفاء.\n(^٢) «شرح السنة» (١٢/ ٢٢٧، ٢٢٨).\n(^٣) «مجموع الفتاوى» (٥/ ٢٥١).","vol":"1","page":264},{"text":"قدر إيمانه ويقينه، فإذا كان إيمانه صحيحًا لم يره إلا في صورة حسنة، وإذا كان في إيمانه نقص رأى ما يُشبه إيمانه، ورؤيا المنام لها حكم غير رؤيا الحقيقة في اليقظة، ولها تعبير وتأويل لما فيها من الأمثال المضروبة للحقائق …» (^١).\nوقال الإمام ابن كثير ﵀ عند تفسير قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [ص: ٦٩]: فأمَّا الحديث الذي رواه الإمام أحمد: «… فإذا أنا بربي-﷿-في أحسن صورة، فقال: يا محمد، أتدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري يا رب». أعادها ثلاثًا، «فرأيته وضع كفه بين كتفي حتى وجدت برد أنامله بين صدري، فتجلى لي كل شيء وعرفتُ …»، فهو حديث المنام المَشهور، ومَن جعله يقظة فقد غَلط، وهو في السُّنن من طرق» (^٢).\nثالثًا: رؤية الله-﷿-في الآخرة.\nوهذه المسألة تقدم الحديث عنها في بداية شرح كلام المصنف عن رؤية الله، وقد حاول المعتزلة إنكارها ورد النصوص الواردة فيها، وقد أجاب أهل السنة على شبههم وبينوا أن رؤية الله في الآخرة جائزة عقلًا وواقعة شرعًا، ولا يَرِد على هذا قوله تعالى: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، فقد استدل به المعتزلة على نفي الرؤية مطلقًا، مع أن المراد بالآية ليس نفي الرؤية، وإنما المراد نفي الإدراك؛ لأنها سِيقت مساق المدح، ولو كان المراد\n_________\n(^١) «مجموع الفتاوى» (٣/ ٣٩٠).\n(^٢) «تفسير ابن كثير» (٧/ ٨١).","vol":"1","page":265},{"text":"نفي الرؤية لما كان في ذلك مدح؛ لأن المعدوم هو الذي لا يُرَى، والكمال في إثبات الرؤية هو نفي الإدراك؛ لأن النفي المحض لا يأتي في صفات الله، وإنما الذي يأتي هو النفي الذي يستلزم إثبات ضده من الكمال.\nفالمعنى: أنه يُرى ولا يحاط به رؤيةً، ف ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾؛ لكمال عظمته، كما أنه يُعلم ولا يُحاط به علمًا لكمال عظمته، و﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾؛ لكمال قوته واقتداره، وهكذا.\nوقد ورد عن بعض السلف أن الآية تفيد نفي الرؤية في الدنيا، فروى ابن كثير عن إسماعيل بن علية في قول الله تعالى: ﴿لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار﴾ أنه قال: «هذا في الدنيا».\nوقد ذهب الآخرون إلى أن هذا النفي العام لرؤية جميع الأبصار له ﷾ مُخَصَّصٌ بما ثبت من رؤية المؤمنين له جل وعلا في الآخرة. (^١)\nوقال ابنُ القيِّم ﵀: \"دلَّ الكتابُ والسنَّةُ المُتواتِرَةُ وَإجماعُ الصَّحابةِ وأئمةُ أهلِ الإسلامِ والحديثِ عَلَى أَنَّ اللهَ يُرى يومَ القيامَةِ بِالأبصارِ عِيَانًا، كَمَا يُرى القَمَرُ ليلةَ البدرِ صَحْوًا، وَكَمَا تُرى الشَّمسُ في الظَّهيرة، فَإِنْ كَانَ مَا أَخبَرَ به اللهُ وَرَسُوله عنه من ذلك حَقِيقَةً-وإنَّ له والله حقَّ الحقيقة-فَلَا يُمكِنُ أن يَروهُ إِلَّا مِنْ فَوقِهم؛ لاستِحَالَةِ أَنْ يَروهُ أسفل منهم، أو مِنْ خلفهم، أَوْ أمامهم، وَنَحو ذَلِكَ …، فلَا يَجتَمِعُ فِي قَلبِ العبد بعد الاطلاع عَلَى هَذِهِ الأَحَادِيث\n_________\n(^١) انظر: «تفسير ابن كثير» (٣/ ٣٠٩).","vol":"1","page":266},{"text":"وَفَهِمَ مَعنَاهَا إنكارُها والشهادةُ بِأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ أَبَدًا» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-73>أ-رؤية المؤمنين لربِّهم جل وعلا:</span>\nبَيَّن المصنفُ ﵀ هنا أنه قَدْ دَخَلَ فِي الإيمانِ باللهِ وَكُتبِهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسلِهِ: الإيمانُ بِأَنَّ المُؤمِنِينَ يرونَهُ ﷾ يومَ القيامةِ؛ فَمَنِ لَم يُؤمن بِأَنَّهُ-سبحانه-يُرَى يومَ القيامةِ فَقَد رَدَّ أَدِلَّةَ الكتابِ والسُّنَّةِ، وَخَالَفَ مَا عَلَيهِ سَلفُ الأُمَّةِ وَأَئِمَّتها، وَلَم يُؤمن بِاللهِ وَمَلائكتِهِ وكتبِهِ وَرسلِهِ.\nفالله ﷾ سيخص المؤمنين بمزيد من الإنعام يوم القيامة، وهو رؤيته جل وعلا، فقد روى أبو هريرة ﵁ أن ناسًا قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربَّنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله: «هَلْ تُضَارُّون في رؤية القمر ليلة البدر؟». قالوا: لا يا رسول الله. قال: «هل تُضارون في الشَّمس ليس دونها سحاب؟». قالوا: لا. قال: «فإنَّكم ترونه كذلك …»، الحديث (^٢).\nوسيخصهم في الجنة بأعظم نعمة أنعم عليهم بها؛ ألا وهي تشريفهم وإكرامهم بالنظر إلى وجهه الكريم في جنة عدن، كما قال تعالى: ﴿وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣].\nوقال تعالى عن الكافرين: ﴿كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون﴾ [المطففين: ١٥].\n_________\n(^١) «حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح» (ص ٣٤٢).\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٠٨٨) ومسلم (٢٦٧).","vol":"1","page":267},{"text":"قال الإمامُ الشافعيُّ: «فَدَلَّ هذا على أنَّ المؤمنين لا يُحجبون عنه ﵎».\nوقال جل شأنه: ﴿لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد﴾ [ق: ٣٥].\nفالمزيد هنا هو: النَّظر إلى وجه الله ﷿، كما فسَّره بذلك علي وأنس بن مالك ﵄.\nوقال سبحانه: ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ [يونس: ٢٦].\nفالحسنى: الجنة، والزيادة: هي النظر إلى وجه الله الكريم، كما فَسَّرها بذلك رسول الله ﷺ بقوله: «إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ قَالَ: يَقُولُ اللَّهُ ﵎: تُرِيدُونَ شَيْئًا أَزِيدُكُمْ! فَيَقُولُونَ: أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا؟ أَلَمْ تُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ وَتُنَجِّنَا مِنْ النَّارِ؟ قَالَ: فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ، فَمَا اعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِم مِنْ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ ﷿، وهي الزيادة، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾» (^١).\nقال الإمام ابن كثير ﵀: «وأمَّا السنة، فقد تواترت الأخبار عن أبي سعيد، وأبي هريرة، وأنس، وجرير، وصهيب، وبلال، وغير واحد من الصحابة عن النبي ﷺ: أن المؤمنين يرون الله في الدار الآخرة في العرصات، وفي روضات الجنات، جعلنا الله تعالى منهم بمنه وكرمه. آمين (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٦٦) من حديث صُهَيْبٍ ﵁.\n(^٢) «تفسير ابن كثير» (٣/ ٣٠٩).","vol":"1","page":268},{"text":"<span data-type='title' id=toc-74>ب-رؤية الكفار والمنافقين لربِّهم جل وعلا:</span>\nأَمَّا الكفارُ والمُنَافِقِينَ، فَقَد ذكر شيخُ الإسلام أنَّ الناسَ قد تَنَازَعَوا في ذلك على ثَلَاثَةِ أَقوالٍ؛ فقال: «فَأَمَّا مَسْأَلَةُ رُؤْيَةِ الكُفَّارِ فَأَوَّلُ مَا انْتَشَرَ الكَلَامُ فِيهَا، وَتَنَازَعَ النَّاسُ فِيهَا-فِيمَا بَلَغَنَا-بَعْدَ ثَلَاثمِائَةِ سَنَةٍ مِنْ الهِجْرَةِ، وَأَمْسَكَ عَنْ الكَلَامِ فِي هَذَا قَوْمٌ مِنْ العُلَمَاءِ، وَتَكَلَّمَ فِيهَا آخَرُونَ؛ فَاخْتَلَفُوا فِيهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ، مَعَ أَنِّي مَا عَلِمْت أَنَّ أُولَئِكَ المُخْتَلِفِينَ فِيهَا تَلَاعَنُوا وَلَا تَهَاجَرُوا فِيهَا؛ إذْ فِي الفِرَقِ الثَّلَاثَةِ قَوْمٌ فِيهِمْ فَضْلٌ، وَهُمْ أَصْحَابُ سُنَّةٍ».\nثم قال ﵀: «وَالأَقْوَالُ الثَّلَاثَةُ فِي (رُؤْيَة الكُفَّارِ):\nأَحَدُهَا: أَنَّ الكُفَّارَ لَا يَرَوْنَ رَبَّهُمْ بِحَالِ؛ لَا المُظْهِرُ لِلكُفْرِ، وَلَا المُسِرُّ لَهُ، وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ العُلَمَاءِ المُتَأَخِّرِينَ، وَعَلَيْهِ يَدُلُّ عُمُومُ كَلَامِ المُتَقَدِّمِينَ، وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ أَصْحَابِ الإِمَامِ أَحْمَد وَغَيْرِهِمْ.\nالثَّانِي: أَنَّهُ يَرَاهُ مَنْ أَظْهَرَ التَّوْحِيدَ مِنْ مُؤْمِنِي هَذِهِ الأُمَّةِ، وَمُنَافِقِيهَا، وَغَبَرَاتٍ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، وَذَلِكَ فِي عَرْصَةِ القِيَامَةِ، ثُمَّ يَحْتَجِبُ عَنْ المُنَافِقِينَ، فَلَا يَرَوْنَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ بْنِ خُزَيْمَة مِنْ أَئِمَّةِ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَقَدْ ذَكَرَ القَاضِي أَبُو يَعْلَى نَحْوَهُ فِي حَدِيثِ إتْيَانِهِ-﷿-لَهُمْ فِي المَوْقِفِ؛ الحَدِيث المَشْهُور.\nالثَّالِثُ: أَنَّ الكُفَّارَ يَرَوْنَهُ رُؤْيَةَ تَعْرِيفٍ وَتَعْذِيبٍ؛ كَاللِّصِّ إذَا رَأَى السُّلطَانَ، ثُمَّ يَحْتَجِبُ عَنْهُمْ؛ لِيَعْظُمَ عَذَابُهُمْ، وَيَشْتَدَّ عِقَابُهُمْ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي الحَسَنِ بْنِ سَالِمٍ وَأَصْحَابِهِ، وَقَوْلِ غَيْرِهِمْ؛ وَهُمْ فِي الأُصُولِ مُنْتَسِبُونَ إلَى الإِمَامِ أَحْمَد بْنِ","vol":"1","page":269},{"text":"حَنْبَلٍ، وَإِلَى سَهْل بْنِ عَبْدِ اللَّهِ التَّسْتري» (^١).\nوممَّن رَجَّحَ رؤيَةَ الكُفَّارِ وَالمُنَافِقِينَ للهِ فِي عَرَصاتِ القيامةِ العَلَّامةُ ابنُ القيِّم ﵀ فِي «حادي الأرواح» (ص ٢٦٢).\nأما أهل الكفر فكما قالَ الله ﷾ عنهم: (كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُون) [المطفِّفين: ١٥]، فيُحجبون عن رؤية الله ﷿، ولا شك أن أعظم عطاءٍ يُعطاه المؤمن؛ النظرُ إلى وجهه الكريم.\nولذلك أحد الصحابة لما سمعَ ذلك قال: (لن نعدِم من ربٍ يضحكُ خيرا) (^٢) فالله ﷾ سيتجلَّى لعباده المؤمنين وسيرونه، وهذه الرؤية منها ما يكون في عرصاتِ يوم القيامة، ومنها ما يكون بعد دخولهم الجنة.\nفمن عقيدةِ أهلِ السنَّةِ والجماعة أن رؤية الله ﷿ ثابتة بنصوصِ القرآن والسنَّة، فنؤمنُ بها ونصدِّقُ بها كما أخبرت بذلك النصوص.\n\n<span data-type='title' id=toc-75>رؤية النبي ﷺ ربه ليلة المعراج.</span>\nبعد اتفاق أهل السنة والجماعة على أن الله تعالى لا يراه أحد في الدنيا يقظة فقد اختلفوا في رؤية نبينا ﷺ ربه ليلة المعراج.\nرؤية النبي ﷺ لربه في ليلة المعراج فقد وقع الخلاف فيها بين أحد قولين:\n_________\n(^١) «مجموع الفتاوى» (٦/ ٤٨٦).\n(^٢) انظر سنن ابن ماجه برقم (١٨١)، والإمام أحمد في المسند مُسْنَدُ الْمَدَنِيِّينَ (١٦١٨٧)، ذكره الشيخ الالباني في السلسلة الصحيحة الجزء السادس، صفحة (٧٣٢)، وضعفه الأرنؤوط كما في المسند.","vol":"1","page":270},{"text":"إما إنكار هذه الرؤيا وأنها لم تقع.\nوإما إثباتها ولكن على أنها رؤية بالقلب، وليست رؤية بالعين، فقد حصل الاختلاف بين الصحابة في هذه المسألة، فعائشة-﵂-ومن معها لم يثبتوا هذه الرؤية.\nوابن عباس أثبتها، ولكن رواية عند عباس بين أن تكون مطلقة حيث قال: \"رأى محمد ربه\" ومقيده بقوله: \"رأى محمد ربه بقلبه\" (^١)\nوالصواب: كما يرى شيخ الإسلام بن تيمية أن الرؤيا وقعت بالقلب ولم تقع بالعين.\nقال الإمام ابن القيم: «حكى عثمان بن سعيد الدارمي في كتاب (الرؤية) له: إجماع الصحابة على أنه لم ير ربه ليلة المعراج، وبعضهم استثنى ابن عباس فيمن قال ذلك، وشيخنا-أي: ابن تيمية-يقول: ليس ذلك بخلاف في الحقيقة، فإن ابن عباس لم يقل: رآه بعيني رأسه، وعليه اعتمد أحمد في إحدى الروايتين حيث قال: إنه-ﷺ-رآه ﷿، ولم يقل: بعيني رأسه، ولفظ أحمد لفظ ابن عباس ﵄، ويدل على صحة ما قال شيخنا في معنى حديث أبي ذر-﵁ عن النبي-ﷺ-في الحديث الآخر: «حجابُه النُّورُ» (^٢)، فهذا النور هو-والله\n_________\n(^١) انظر صحيح مسلم كِتَابُ الْإِيمَانَ، بَابُ مَعْنَى قَوْلِ اللهُ ﷿: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم: ١٣]، وَهَلْ رَأَى النَّبِيُّ ﷺ رَبَّهُ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ، برقم (١٧٦)، والترمذي (٣٢٨١) وقال عقبه هذا حديث حسن، والإمام أحمد في المسند مِنْ مُسْنَدِ بَنِي هَاشِمٍ (١٩٥٦).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٧٩) من حديث أبي موسى ﵁.","vol":"1","page":271},{"text":"أعلم-النور المذكور في حديث أبي ذر-﵁: «رأيتُ نُورًا» \" (^١) (^٢).\nوهو ما رجَّحه-أيضًا-شيخ الإسلام في «مجموع الفتاوى»، حيث قال ﵀: «ولم يتنازعوا إلا في النبي-ﷺ-خاصة مع أن جماهير الأئمة على أنَّه لم يَره بعينه في الدنيا، وعلى هذا دَلَّت الآثار الصحيحة الثابتة النبي-ﷺ-والصحابة وأئمة المسلمين، ولم يثبت عن ابن عباس ولا عن الإمام أحمد وأمثالهما أنهم قالوا: إن محمدًا رأى ربه بعينه، بل الثابت عنهم:\nإمَّا إطلاق الرؤية.\nوإمَّا تقييدها بالفؤاد.\nوليس في شيء من أحاديث المعراج الثابتة أنه رآه بعينه، وقوله: «أتاني البارحةَ رَبِّي في أحسن صورة» (^٣) الحديث الذي رواه الترمذي وغيره إنما كان بالمدينة في المنام هكذا جاء مفسرًا) (^٤).\nفحملوا الآثار المُطلقة الواردة في الرؤية؛ كأثر ابن عباس: «رأى محمدٌ ربَّه» على الرؤية القلبية، وحملوا الآثار النافية للرؤية؛ كأثر عائشة-﵂-على الرؤية البصرية؛ لأنه-من خلال التَّتبع-لم يَرِد عن أحد منهم أنه قال: رآه بعينه، وعليه فلا تعارض بين هذه النصوص.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٧٨) من حديث أبي ذر ﵁.\n(^٢) «اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية» (١/ ٣).\n(^٣) أخرجه الترمذي (٣١٥٧)، وأحمد (٣٣٠٤) وغيرهما، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٥٩).\n(^٤) «مجموع الفتاوى» (١/ ١٦٩).","vol":"1","page":272},{"text":"قال المصنف-رحمه الله تعالى-:\n\"وأن الله يخرج أقوامًا من النار بشفاعة محمد-ﷺ\" (^١).\n<hr><s0>\n\nجاء في إثبات الشفاعة أحاديث كثيرة عن النبي ﷺ بلغت حد التواتر، وصرحت هذه الأحاديث بأنه يدخل النار جملة من أهل الكبائر، من أهل التوحيد، مؤمنون موحدون، لكن دخلوا النار بذنوب ومعاص ارتكبوها ولم يتوبوا منها.\n\n<span data-type='title' id=toc-76>أنواع شفاعات النبي ﷺ يوم القيامة.</span>\nاختلف أهل العلم في عدد شفاعات النبي ﷺ يوم القيامة (^٢)،\n_________\n(^١) هذه الفقرة تقدمت على التي قبلها في كتاب مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص: (٢٢٧).\n(^٢) وقال الرملي: \"فهو ﷺ الشفيع يوم القيامة قال ﷺ: «أنا أول شافع وأول مشفع»، وله شفاعات:\nأعظمها: في تعجيل الحساب والإراحة من هول الموقف حين يفزعون إليه بعد الأنبياء، وهي مختصة به بالإجماع، وهي المراد بالمقام المحمود في قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾ [الإسراء الآية: ٧٩]، وهو المقام الذي يحمده فيه الأولون والآخرون.\nالثانية: في إدخال قوم الجنة بغير حساب ولا عقاب.\nقال القاضي عياض والنووي وغيرهما: وهي مختصة به؛ قال بعضهم والعجب ممن توقف في هذه الخصوصية وقال: لا دليل عليها، إذ الدليل عليها الإجماع على أن هذه الأمور لا تدرك بالعقل ولم يرد النقل إلا في حقه، والأصل العدم والبقاء على ما كان.\nالثالثة: في أناس استحقوا دخول النار فلا يدخلونها.\nقال القاضي عياض وغيره ويشركه فيها من يشاء الله، وتردد النووي في ذلك؛ قال السبكي: لأنه لم يرد تصريح بذلك ولا بنفيه. قال: وهي في إجازة الصراط بعد وضعه، ويلزم منها النجاة من النار.\nالرابعة: في إخراج من أدخل النار من الموحدين وفي قلبه مثقال ذرة من إيمان وهي مختصة به.\nالخامسة: في إخراج من أدخل النار من الموحدين غير هؤلاء، ويشاركه فيها الأنبياء والملائكة والمؤمنون.\nالسادسة: في زيادة الدرجات في الجنة لأهلها، وجوز النووي اختصاصها به.\nالسابعة: في تخفيف العذاب عن بعض الكفار كأبي طالب.\nومن شفاعاته أنه يشفع لمن مات بالمدينة، رواه الترمذي وصححه، وأن يشفع في التخفيف من عذاب القبر». غاية البيان شرح زبد ابن رسلان لمحمد الرملي الأنصاري ص ١٣.","vol":"1","page":273},{"text":"فبعضهم أوصلها إلى عشر شفاعات وهو الراجح-إن شاء الله-لما تدل عليه الأحاديث الصحيحة وتقوم عليه الأدلة وهي كما يلي:\nالأولى: الشفاعة العظمى: وهي في فصل الموقف بعد دلالة الرسل عليه واعتذارهم عنها.\n• فعن أبي هريرة ﵁ قال: أتي رسول الله ﷺ يومًا بلحم فرفع إليه الذراع وكانت تعجبه فنهس منها نهسة فقال: «أنا سيد الناس يوم القيامة وهل تدرون بم ذاك؟ يجمع الله يوم القيامة الأولين والآخرين في صعيد واحد فيسمعهم الداعي وينفذهم البصر وتدنو الشمس فيبلغ الناس من الغم والكرب مالا يطيقون ومالا يحتملون.\nفيقول بعض الناس لبعض: ألا ترون ما أنتم فيه ألا ترون","vol":"1","page":274},{"text":"ما قد بلغكم ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟\nفيقول بعض الناس لبعض: ائتوا آدم فيأتون آدم فيقولون يا آدم أنت أبو البشر خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأمر الملائكة فسجدوا لك اشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه ألا ترى إلى ما قد بلغنا.\nفيقول آدم: إن ربي غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وإنه نهاني عن الشجرة فعصيته نفسي، نفسي اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى نوح.\nفيأتون نوحًا فيقولون: يا نوح أنت أول الرسل إلى الأرض وسماك الله عبدا شكورا اشفع لنا إلى ربك ألا ترى ما نحن فيه ألا ترى ما قد بلغنا.\nفيقول لهم: إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله وإنه قد كانت لي دعوة دعوت بها على قومي نفسي، نفسي اذهبوا إلى إبراهيم ﷺ.\nفيأتون إبراهيم فيقولون: أنت نبي الله وخليله من أهل الأرض اشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه ألا ترى إلى ما قد بلغنا.\nفيقول لهم إبراهيم: إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولا يغضب بعده مثله وذكر كذباته نفسي، نفسي اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى موسى.\nفيأتون موسى ﷺ فيقولون: يا موسى أنت رسول الله فضلك الله","vol":"1","page":275},{"text":"برسالاته وبتكليمه على الناس اشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه ألا ترى ما قد بلغنا.\nفيقول لهم موسى ﷺ: إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله وإني قتلت نفسًا لم أو مر بقتلها نفسي، نفسي اذهبوا إلى عيسى ﷺ.\nيأتون عيسى فيقولون: يا عيسى أنت رسول الله وكلمت الناس في المهد وكلمة منه ألقاها إلى مريم وروح منه فاشفع لنا إلى ربك ألا ترى ما نحن فيه ألا ترى ما قد بلغنا.\nفيقول لهم عيسى ﷺ: إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله ولم يذكر له ذنبا نفسي، نفسي اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى محمد ﷺ.\nفيأتوني فيقولون: يا محمد أنت رسول الله وخاتم الأنبياء وغفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر اشفع لنا إلى ربك ألا ترى ما نحن فيه ألا ترى ما قد بلغنا. فانطلق فآتي تحت العرش فأقع ساجدا لربي، ثم يفتح الله علي ويلهمني من محامده وحسن الثناء عليه شيئا لم يفتحه لأحد قبلي، ثم يقال: يا محمد ارفع رأسك سل تعطه اشفع تشفع، فأرفع رأسي فأقول: يا رب أمتي، أمتي فيقال يا محمد أدخل الجنة من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من","vol":"1","page":276},{"text":"أبواب الجنة وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب، والذي نفس محمد بيده إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة لكما بين مكة وهجر أو كما بين مكة وبصرى» (^١)\n• وعن أنس أن النبي ﷺ قال: «يجمع الله المؤمنين يوم القيامة كذلك فيقولون: لو استشفعنا إلى ربنا حتى يريحنا من مكاننا هذا.\nفيأتون آدم فيقولون: يا آدم أما ترى الناس خلقك الله بيده وأسجد لك ملائكته وعلمك أسماء كل شيء اشفع لنا إلى ربنا حتى يريحنا من مكاننا هذا.\nفيقول: لست هناك، ويذكر لهم خطيئته التي أصاب، ولكن ائتوا نوحا فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض.\nفيأتون نوحا فيقول: لست هناكم، ويذكر خطيئته التي أصاب، ولكن ائتوا إبراهيم خليل الرحمن.\nفيأتون إبراهيم فيقول: لست هناكم، ويذكر لهم خطاياه التي أصابها، ولكن ائتوا موسى عبدا آتاه الله التوراة وكلمه تكليما.\nفيأتون موسى فيقول: لست هناكم، ويذكر لهم خطيئته التي أصاب، ولكن ائتوا عيسى عبد الله ورسوله وكلمته وروحه.\nفيأتون عيسى فيقول: لست هناكم، ولكن ائتوا محمدا ﷺ عبدا غفر\n_________\n(^١) أخرجه البخاري رقم (٣١٦٢) ٣/ ١٢١٥، ورقم (٤٤٣٥) ٤/ ١٧٤٥، ومسلم رقم (١٩٤) ١/ ١٨٤ - ١٨٥ واللفظ له، والنسائي في السنن الكبرى رقم (١١٢٨٦) ٦/ ٣٧٨، وأحمد رقم (٩٦٢١) ٢/ ٤٣٥، والترمذي رقم (٢٤٣٤) ٤/ ٦٢٢، وأخرجه البخاري أيضًا من حديث أنس بن مالك رقم (٧٠٠٢) ٦/ ٢٧٠٨، ومن حديث ابن عمر رقم (٤٤٤١) ٤/ ١٧٤٨.","vol":"1","page":277},{"text":"له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.\n• فيأتونني فأنطلق فأستأذن على ربي فيؤذن لي عليه، فإذا رأيت ربي وقعت له ساجدا فيدعني ما شاء الله أن يدعني ثم يقال: لي ارفع محمد وقل يسمع وسل تعطه واشفع تشفع، فأحمد ربي بمحامد علمنيها ثم أشفع فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة، ثم أرجع فإذا رأيت ربي وقعت ساجدا فيدعني ما شاء الله أن يدعني ثم يقال: ارفع محمد وقل يسمع وسل تعطه واشفع تشفع، فأحمد ربي بمحامد علمنيها ربي، ثم أشفع فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة، ثم أرجع فإذا رأيت ربي وقعت ساجدا فيدعني ما شاء الله أن يدعني ثم يقال: ارفع محمد قل يسمع وسل تعطه واشفع تشفع، فأحمد ربي بمحامد علمنيها، ثم أشفع فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة، ثم أرجع فأقول: يا رب ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن ووجب عليه الخلود؛ قال النبي ﷺ: «يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة، ثم يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن برة، ثم يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه ما يزن من الخير ذرة» (^١)\n• وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لكل نبي دعوة فأريد إن شاء الله أن أختبئ دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري رقم (٤٤) ١/ ٢٤، ورقم (٦٩٧٥) ٦/ ٢٦٩٥ - ٢٦٩٦، ومسلم رقم (١٩٣) ١/ ١٨٢، والنسائي في السنن الكبرى رقم (١١٢٤٣) ٦/ ٣٦٤، وابن ماجه رقم (٤٣١٢) ٢/ ١٤٤٢، وأحمد رقم (١٢١٧٤) ٣/ ١١٦، وابن حبان رقم (٧٤٨٤) ١٦/ ٥٢٨.\n(^٢) أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة رقم (٧٠٣٦) ٦/ ٢٧١٨، ورقم (٥٩٤٥) ٥/ ٢٣٢٣، ومسلم رقم (١٩٨ - ١٩٩) ١/ ١٨٨ وزاد فهي: نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا\".","vol":"1","page":278},{"text":"• وعن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: «كل نبي سأل سؤلا، أو قال لكل نبي دعوة قد دعا بها فاستجيب، فجعلت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة». (^١)\n• وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة (^٢)، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع\n_________\n(^١) أخرجه البخاري رقم (٥٩٤٦) ٥/ ٢٣٢٣، ومسلم رقم (٢٠٠) ١/ ١٩٠.\n(^٢) وقال النووي: \"قوله ﷺ: «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع، وأول مشفع».\nقال الهروي: «السيد»: هو الذي يفوق قومه في الخير.\nوقال غيره: هو الذي يفزع إليه في النوائب والشدائد فيقوم بأمرهم ويتحمل عنهم مكارههم ويدفعها عنهم.\nوأما قوله ﷺ يوم القيامة-مع أنه سيدهم في الدنيا والآخرة-فسبب التقييد أن في يوم القيامة يظهر سؤدده لكل أحد ولا يبقى ممانع ولا معاند ونحوه، بخلاف الدنيا فقد نازعه ذلك فيها ملوك الكفار وزعماء المشركين وهذا التقييد قريب من معنى قوله تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر الآية: ١٦]، مع أن الملك له سبحانه قبل ذلك لكن كان في الدنيا من يدعى الملك أو من يضاف إليه مجازا فانقطع كل ذلك في الآخرة.\nقال العلماء وقوله: ﷺ «أنا سيد ولد آدم» لم يقله فخرًا بل صرح بنفي الفخر في غير مسلم في الحديث المشهور: «أنا سيد ولد أدم ولا فخر»، وإنما قاله لوجهين:\nأحدهما: امتثال قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى الآية: ١١].\nوالثاني: أنه من البيان الذي يجب عليه تبليغه إلى أمته ليعرفوه ويعتقدوه ويعملوا بمقتضاه ويوقروه ﷺ بما تقتضي مرتبته كما أمرهم الله تعالى. وهذا الحديث دليل لتفضيله ﷺ على الخلق كلهم لأن مذهب أهل السنة أن الآدميين أفضل من الملائكة، وهو أفضل الآدميين وغيرهم.\nوأما الحديث الآخر «لا تفضلوا بين الأنبياء» فجوابه من خمسة أوجه:\nأحدهما: أنه ﷺ قاله قبل أن يعلم أنه سيد ولد آدم فلما علم أخبر به.\nوالثاني: قاله أدبا وتواضعا.\nوالثالث: أن النهي إنما هو عن تفضيل يؤدي إلى تنقيص المفضول.\nوالرابع: إنما نهي عن تفضيل يؤدي إلى الخصومة والفتنة كما هو المشهور في سبب الحديث.\nوالخامس: أن النهي مختص بالتفضيل في نفس النبوة فلا تفاضل فيها، وإنما التفاضل بالخصائص وفضائل أخرى.\nولا بد من اعتقاد التفضيل فقد قال الله تعالي: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة الآية: ٢٥٣] \". (شرح النووي على صحيح مسلم ١٥/ ٣٧ - ٣٨).","vol":"1","page":279},{"text":"وأول مشفع (^١) (^٢)\nقال ابن عبد البر: \"في قوله ﷺ «فاختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة». وفي هذا الحديث إثبات الشفاعة وهو ركن من أركان اعتقاد أهل السنة، وهم مجمعون أن تأويل قول الله ﷿:﴾ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ\n_________\n(^١) قوله ﷺ: «وأول شافع وأول مشفع»، إنما ذكر الثاني لأنه قد يشفع اثنان فيشفع الثاني منهما قبل الأول، والله أعلم\". شرح النووي على صحيح مسلم ١٥/ ٣٧ - ٣٨.\n(^٢) أخرجه مسلم رقم (٢٢٧٨) ٤/ ١٧٨٢، وأبو داود رقم (٤٦٧٣) ٤/ ٢١٨، وأحمد رقم (١٠٩٨٥) ٢/ ٥٤٠، وابن أبي شيبة رقم (٣١٧٢٨) ٦/ ٣١٧، ورقم (٣٥٨٤٩) ٧/ ٢٥٧، ومن حديث أبي سعيد عند ابن ماجه رقم (٤٣٠٨) ٢/ ١٤٤٠، والترمذي من حديثه رقم (٣٦١٥) ٥/ ٥٧٨، ورقم (٣١٤٨) ٥/ ٣٠٨، وابن حبان من حديث واثلة بن الأسقع رقم (٦٢٤٢) ١٤/ ١٣٥، ورقم (٦٤٧٥) ١٤/ ٣٩٢ بلفظ: إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل واصطفى قريشا من كنانة واصطفى بني هاشم من قريش واصطفاني من بني هاشم فأنا سيد ولد آدم ولا فخر وأول من تنشق عنه الأرض وأول شافع وأول مشفع\"، والدارمي من حديث جابر بن عبد الله رقم (٤٩) ١/ ٤٠ ولفظه: \" أنا قائد المرسلين ولا فخر وأنا خاتم النبيين ولا فخر وأنا أول شافع وأول مشفع ولا فخر\".","vol":"1","page":280},{"text":"مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾ [الإسراء الآية: ٧٩]، المقام المحمود هو شفاعته ﷺ في المذنبين من أمته، ولا أعلم في هذا مخالفًا إلا شيئًا رويته عن مجاهد، وقد روي عنه خلافه على ما عليه الجماعة فصار إجماعًا منهم والحمد لله\". (^١)\n\n<span data-type='title' id=toc-78>الشفاعة الثانية هي: لمن يصبر على لأواء المدينة (^٢) وشدتها:</span>\nوقد جاءت الأحاديث الصحيحة في الترغيب في الصبر على لأواء المدينة وشدتها وأن ذلك من موجبات شفاعته ﷺ فمنها:\n• عن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من صبر على لأوائها (^٣) وشدتها كنت له شفيعًا\n_________\n(^١) الاستذكار لابن عبد البر ٢/ ٥٢٠، وانظر: نظم المتناثر للكتاني ص ٢٣٥.\n(^٢) للمدينة النبوية مكانة كبيرة، فهي مهاجر النبي ﷺ، ومهبط الوحي، ومأرز الإيمان، وهي: سيدة البلدان، وعاصمة الإسلام، ودار السلام، وقد اختارها الله ﷾ لنبيه ﷺ دار هجرة ومقام، فعلى المسلم أن يختارها لنفسه ويتقيد فيها بشرع الله ﷿ وبالآداب الشرعية، والأخلاق الحميدة، وليحذر كل الحذر من المخالفات فيها وفي غيرها، وقد خص النبي ﷺ من يصبر على لأوائها وشدتها بشفاعة، وكذلك خص من يموت فيها بشفاعة.\n(^٣) قال الزرقاني: قال المازري: \" «اللأواء» الجوع وشدة المكسب، وضمير شدتها يحتمل أن يعود على اللأواء، ويحتمل أن يعود على المدينة.\nقال الأبي: الحديث خرج مخرج الحث على سكناها، فمن لزم سكناها داخل في ذلك، ولو لم تلحقه لأواء، لأن التعليل بالغالب والمظنة لا يضر فيه التخلف في بعض الصور كتعليل القصر بمشقة السفر فإن الملك يقصر وإن لم تلحقه مشقة لوجود السفر\".\nشرح الزرقاني على الموطأ ٤/ ٢٧٣.","vol":"1","page":281},{"text":"أو شهيدًا (^١)\n_________\n(^١) قال القاضي عياض: \"قوله: «كنت له شهيدًا أو شفيعًا يوم القيامة»، كذا جاء في هذا الكتاب قيل هو على الشك، ويبعد عندي، لأن هذا الحديث رواه نحو العشرة من أصحاب النبي ﷺ بهذا اللفظ، ويبعد تطابقهم فيه على الشك، والأشبه أنه صحيح وأن أو للتقسيم، فيكون شهيدًا لبعضهم، شفيعًا للآخرين، أما شهيدًا لمن مات في حياته كما قال ﷺ، أما أنا شهيد على هؤلاء، وشفيعًا لمن مات بعده؛ أو شهيدًا على المطيعين، شفيعًا للعاصين، وشهادته لهم بأنهم ماتوا على الإسلام ووفوا بما عاهدوا الله عليه. أو تكون أو بمعنى الواو فيختص أهل المدينة بمجموع الشهادة والشفاعة وغيرهم بمجرد الشفاعة، قال: وهذه خصوصية زائدة على الشفاعة للمذنبين أو للعالمين في القيمة وعلى شهادته على جميع الأمة وقد قال ﷺ في شهداء أحد «أنا شهيد على هؤلاء»، فيكون لتخصيصهم بهذا كله مزيد أو زيادة منزلة وحظوة.\nقال: وقد يكون أو بمعنى الواو فيكون لأهل المدينة شفيعًا وشهيدًا. قال: وقد روى: «إلا كنت له شهيدًا أو له شفيعًا». قال وإذا جعلنا أو للشك كما قاله المشايخ فإن كانت اللفظة الصحيحة شهيدًا اندفع الاعتراض لأنها زائدة على الشفاعة المدخرة المجردة لغيره، وإن كانت اللفظة الصحيحة شفيعًا فاختصاص أهل المدينة بهذا مع ما جاء من عمومها وادخارها لجميع الأمة أن هذه شفاعة أخرى غير العامة التي هي لإخراج أمته من النار ومعافاة بعضهم منها بشفاعته ﷺ في القيامة، وتكون هذه الشفاعة لأهل المدينة بزيادة الدرجات، أو تخفيف الحساب، أو بما شاء الله من ذلك أو بإكرامهم يوم القيامة بأنواع من الكرامة كإيوائهم إلى ظل العرش، أو كونهم في روح وعلى منابر، أو الإسراع بهم إلى الجنة، أو غير ذلك من خصوص الكرامات الواردة لبعضهم دون بعض والله أعلم\".\nمشارق الأنوار للقاضي عياض ٢/ ٢٥٨، وشرح النووي على صحيح مسلم ٩/ ١٣٦، والديباج على مسلم للسيوطي ٣/ ٤٠٧، وتحفة الأحوذي للمباركفوري ١٠/ ٢٨٧ \".","vol":"1","page":282},{"text":"يوم القيامة» (^١)\n• وعن يحنس مولى الزبير أخبره أنه كان جالسًا عند عبد الله بن عمر في الفتنة فأتته مولاة له تسلم عليه فقالت إني أردت الخروج يا أبا عبد الرحمن اشتد علينا الزمان فقال لها عبد الله اقعدي لكاع فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول لا يصبر على لأوائها وشدتها أحد إلا كنت له شهيدًا أو شفيعًا يوم القيامة. (^٢).\n• وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يصبر على لأواء المدينة وشدتها أحد من أمتي إلا كنت له شفيعًا يوم القيامة أو شهيدًا» (^٣).\n• وعن أبي سعيد مولى المهري أنه جاء أبا سعيد الخدري ليالي الحرة فاستشاره في الجلاء من المدينة وشكا إليه أسعارها وكثرة عياله، وأخبره أن لا صبر له على جهد المدينة ولأوائها فقال له: ويحك لا آمرك بذلك، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يصبر أحد على لأوائها فيموت إلا كنت له شفيعًا أو شهيدًا يوم القيامة إذا كان مسلمًا (^٤).\n• وعن أسماء بنت عميس ﵂ أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يصبر على لأواء المدينة وشدتها أحد إلا كنت له شهيدًا أو شفيعًا\n_________\n(^١) أخرجه مسلم رقم (١٣٧٧) ٢/ ١٠٠٤، ومالك في الموطأ رقم (١٥٦٩) ٢/ ٨٨٥، وأحمد رقم (٦٠٠١) ٢/ ١١٩، ورقم (٦١٧٤) ٢/ ١٣٣، ورقم (٥٩٣٥) ٢/ ١١٣، ورقم (٦٤٤٠) ٢/ ١٥٥، والترمذي رقم (٣٩١٨) ٥/ ٧١٩، والنسائي في السنن الكبرى رقم (٤٢٨١) ٢/ ٤٨٧، وأبو نعيم في المسند المستخرج على صحيح مسلم رقم (٣١٨٨ - ٣١٨٩) ٤/ ٤٥ - ٤٦، وأبو عوانة رقم (٣٧٤١ - ٣٧٤٢) ٢/ ٤٣٨.\n(^٢) أخرجه مسلم رقم (١٣٧٧) ٢/ ١٠٠٤، ومالك في الموطأ رقم (١٥٦٩) ٢/ ٨٨٥، وأحمد رقم (٦٠٠١) ٢/ ١١٩، ورقم (٦١٧٤) ٢/ ١٣٣، ورقم (٥٩٣٥) ٢/ ١١٣، ورقم (٦٤٤٠) ٢/ ١٥٥، والترمذي رقم (٣٩١٨) ٥/ ٧١٩، والنسائي في السنن الكبرى رقم (٤٢٨١) ٢/ ٤٨٧، وأبو نعيم في المسند المستخرج على صحيح مسلم رقم (٣١٨٨ - ٣١٨٩) ٤/ ٤٥ - ٤٦.\n(^٣) أخرجه مسلم رقم (١٣٧٨) ٢/ ١٠٠٤، والترمذي رقم (٣٩٢٤) ٥/ ٧٢٢، وابن حبان رقم (٣٧٣٩ - ٣٧٤٠) ٩/ ٥٦، وأحمد رقم (٩٦٦٨) ٢/ ٤٣٩، ورقم (٨٤٣٩) ٢/ ٣٣٨، ورقم (٧٨٥٢) ٢/ ٢٨٧، ورقم (٨٤٩٧) ٢/ ٣٤٣، ورقم (٩١٥٠) ٢/ ٣٩٧، والحميدي في مسنده رقم (١١٦٧) ٢/ ٤٩٢، وأبو عوانة رقم (٣٧٤٣ - ٣٧٤٤) ٢/ ٤٣٨، وأبو يعلى رقم (٦٤٨٧) ١١/ ٣٧٢.\n(^٤) أخرجه مسلم رقم (١٣٧٤) ٢/ ١٠٠٢، والنسائي في السنن الكبرى رقم (٤٢٨٠) ٢/ ٤٨٧، وأحمد رقم (١١٢٦٤) ٣/ ٢٩، ورقم (١١٦٧٧) ٣/ ٦٩، ورقم (١١٥٧١) ٣/ ٥٨، وأبو يعلى رقم (١٢٦٦) ٢/ ٤٥٥.","vol":"1","page":283},{"text":"يوم القيامة. (^١).\n• وعن عامر بن سعد عن أبيه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:» إني أحرم ما بين لابتي المدينة أن يقطع عضاهها أو يقتل صيدها» وقال: «المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، لا يدعها أحد رغبة عنها إلا أبدل الله فيها من هو خير منه، ولا يثبت أحد على لأوائها وجهدها إلا كنت له شفيعًا أو شهيدًا يوم القيامة» (^٢)\n• وعن أفلح مولى أبي أيوب الأنصاري ﵁ أنه مر بزيد بن ثابت وأبي أيوب وهما قاعدان عند مسجد الجنائز فقال أحدهما لصاحبه: تذكر حديثًا حدثناه رسول الله ﷺ في هذا المجلس الذي نحن فيه؟ قال: نعم عن المدينة سمعته وهو يزعم أنه «سيأتي على الناس زمان يفتح فيه فتحات الأرض، فيخرج إليها رجال يصيبون رخاء وعيشا وطعاما فيمرون على إخوان لهم حجاجًا أو عمارًا فيقولون: ما يقيمكم في لأواء العيش وشدة الجوع» قال رسول الله ﷺ: «فذاهب وقاعد» حتى قالها مرارًا «والمدينة خير لهم، لا يثبت بها أحد فيصبر على لأوائها وشدتها حتى يموت إلا كنت له يوم القيامة شهيدًا أو شفيعًا \" (^٣)\n_________\n(^١) أخرجه أحمد رقم (٢٧١٣٠) ٦/ ٣٦٩، والنسائي في السنن الكبرى رقم (٤٢٨٢) ٢/ ٤٨٧، والطبراني في الكبير رقم (٣٧٣) ٢٤/ ١٤١، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني رقم (٣١٤٧) ٥/ ٤٥٧، وأخرجه عبد الرزاق من حديث عروة بن الزبير رقم (١٧١٦٣) ٩/ ٢٦٦.\n(^٢) أخرجه مسلم رقم (١٣٦٣) ٢/ ٩٩٢، وأحمد رقم (١٥٧٣) ١/ ١٨١، والنسائي في السنن الكبرى رقم (٤٢٧٩) ٢/ ٤٨٦، وعبد بن حميد في مسنده رقم (١٥٣) ١/ ٨١، والبيهقي في السنن الكبرى رقم (٩٧٤١) ٥/ ١٩٧.\n(^٣) أخرجه الطبراني في الكبير رقم (٣٩٨٥) ٤/ ١٥٣، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٣/ ٣٠٠ وقال: رواه الطبراني في الكبير ورجاله ثقات، والمنذري في الترغيب والترهيب ٢/ ١٤٦ وقال: رواه الطبراني في الكبير بإسناد جيد ورواته ثقات، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب رقم (١١٩٢).","vol":"1","page":284},{"text":"<span data-type='title' id=toc-79>الشفاعة الثالثة: الشفاعة لمن يموت بالمدينة </span>(^١).\nوقد جاءت الأحاديث الصحيحة في الترغيب في الموت بالمدينة وأن ذلك من موجبات شفاعته ﷺ، ومنها:\n• عن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من استطاع منكم أن يموت بالمدينة فليمت بالمدينة (^٢) فإني أشفع لمن يموت\n_________\n(^١) وقال ابن الملقن: \"الشفاعة السابعة وهي الشفاعة لمن مات بالمدينة لما روى الترمذي وصححه عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: «من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت بها فإني أشفع لمن مات بها»، نبه على هذه والتي قبلها القاضي عياض في الإكمال.\nوفي صحيح مسلم من حديث سعد بن أبي وقاص رفعه «لا يثبت أحد على لأوائها وجهدها إلا كنت له شفيعا أو شهيدا يوم القيامة»، فهذه شفاعة أخرى خاصة بأهل المدينة، وكذلك الشهادة زائدة على شهادته للأمة، وقد قال ﵊ في شهداء أحد «أنا شهيد على هؤلاء» غاية السول في خصائص الرسول ﷺ لابن الملقن ص ٢٦٥)\n(^٢) وقال المناوي: \" «من استطاع» أي: قدر، «أن يموت بالمدينة» أي: أن يقيم فيها حتى يدركه الموت، «فليمت بها» أي: فليقم بها حتى يموت فهو تحريض على لزوم الإقامة بها ليتأتى له أن يموت بها إطلاقا للمسبب على سببه كما في قوله: ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾ [البقرة الآية: ١٣٢]، «فإني أشفع لمن يموت بها» أي: أخصه بشفاعة غير العامة زيادة في الكرامة، وأخذ منه حجة الإسلام ندب الإقامة بها مع رعاية حرمتها وحرمة ساكنيها.\nوقال ابن الحاج: حثه على محاولة ذلك بالاستطاعة التي هي بذل المجهود في ذلك فيه زيادة اعتناء بها ففيه دليل على تمييزها على مكة في الفضل لإفراده إياها بالذكر هنا\".\nقال السمهودي: \"وفيه بشرى للساكن بها بالموت على الإسلام لاختصاص الشفاعة بالمسلمين وكفى بها مزية فكل من مات بها فهو مبشر بذلك ويظهر أن من مات بغيرها ثم نقل ودفن بها يكون له حظ من هذه الشفاعة ولم أره نصًا\" فيض القدير شرح الجامع الصغير للمناوي ٦/ ٥٣\nوقال المباركفوري: \"قوله: «من استطاع» أي: قدر، «أن يموت بالمدينة» أي: يقيم بها حتى يدركه الموت ثمت، «فليمت بها» أي: فليقم بها حتى يموت فهو حث على لزوم الإقامة بها «فإني أشفع لمن يموت بها» أي: أخصه بشفاعتي غير العامة زيادة في إكرامه، قال الطيبي أمر له بالموت بها وليس ذلك من استطاعته بل هو إلى الله تعالى لكنه أمر بلزومها والإقامة بها بحيث لا يفارقها فيكون ذلك سببا لأن يموت فيها فأطلق المسبب وأراد السبب كقوله تعالى: ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾ [البقرة الآية: ١٣٢] تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي للمباركفوري ١٠/ ٢٨٦.","vol":"1","page":285},{"text":"بها\" (^١).\n• وعن صفية بنت أبي عبيد ﵂ أنها قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول:» من استطاع منكم أن يموت بالمدينة فليمت فإنه من مات بها كنت له شهيدًا أو شفيعًا يوم القيامة» (^٢)\n\n<span data-type='title' id=toc-80>الشفاعة الرابعة: الشفاعة في دخول الجنة بغير حساب.</span>\n• عن ابن عباس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا بغير حساب هم الذين لا يسترقون ولا يتطيرون وعلى\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي رقم (٣٩١٧) ٥/ ٧١٩ وحسنه، وابن ماجه رقم (٣١١٢) ٢/ ١٠٣٩ ولفظه\" فإني أشهد لمن مات بها\"، وأحمد رقم (٥٨١٨) ٢/ ١٠٤، وابن أبي شيبة رقم (٣٢٤٢١) ٦/ ٤٠٥، وابن حبان رقم (٣٧٤١) ٩/ ٥٧، والبيهقي في شعب الإيمان رقم (٤١٨٥ - ٤١٨٦) ٣/ ٤٩٨، والهيثمي في موارد الظمآن رقم (١٠٣١) ١/ ٢٥٥، وصححه الألباني في صحيح الجامع رقم (٦٠١٥)، وفي صحيح الترمذي (٣٩١٧)، وفي صحيح الترغيب رقم (١١٩٣ - ١١٩٧)، وفي السلسلة الصحيحة رقم (٢٩٢٨).\n(^٢) أخرجه النسائي في السنن الكبرى رقم (٤٢٨٥) ٢/ ٤٨٨، وابن حبان رقم (٣٧٤٢) ٩/ ٥٨، والطبراني في الكبير رقم (٨٢٣) ٢٤/ ٣٣١، ورقم (٤٥٨) ٢٥/ ١٨٦، ورقم (٨٢٣) ٢٤/ ٣٣١، ورقم (٨٢٥) ٢٤/ ٣٣٢، والبيهقي في شعب الإيمان رقم (٤١٨٢) ٣/ ٤٩٧، وعنده من حديث سبيعة الأسلمية رقم (٤١٨٤) ٣/ ٤٩٨، والهيثمي في موارد الظمآن رقم (١٠٣٢) ١/ ٢٥٥، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني رقم (٣٢١٤) ٦/ ٣٢، ورقم (٣١٩٤) ٦/ ١٧، ورقم (٣٣٨٢) ٦/ ١٥٤، وعنده من حديث سبيعة الأسلمية رقم (٣٢٧٥) ٦/ ٦٥، وأخرجه الطبراني من حديثها رقم (٧٤٧) ٢٤/ ٢٩٤، وابن حجر في المطالب العالية من حديثها رقم (١٣١٧) ٧/ ١٤٦ وقال: هذا حديث معروف من هذا الوجه، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٣/ ٣٠٦ وقال: رواه الطبراني في الكبير وإسناده حسن ورجاله رجال الصحيح خلا شيخ الطبراني، وقال عن حديث سبيعة الأسلمية رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح خلا عبد الله بن عكرمة وقد ذكره ابن أبي حاتم وروى عنه جماعة ولم يتكلم فيه أحد بسوء، والحديث صححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب رقم (١١٩٤ - ١١٩٧).","vol":"1","page":286},{"text":"ربهم يتوكلون\" (^١).\n• وعن سهل بن سعد ﵁ قال: قال النبي ﷺ: «ليدخلن الجنة من أمتي سبعون ألفا أو سبعمائة ألف شك في أحدهما متماسكين أخذ بعضهم ببعض حتى يدخل أولهم وأخرهم الجنة، ووجوههم على ضوء القمر ليلة البدر» (^٢).\n• وعن عمران بن حصين ﵁ قال: قال نبي الله ﷺ: «يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا بغير حساب». قالوا ومن هم يا رسول الله قال: «هم الذين لا يكتوون ولا يسترقون وعلى ربهم يتوكلون». فقام عكاشة فقال ادع الله أن يجعلني منهم قال: «أنت منهم». قال: فقام رجل فقال يا نبي الله ادع الله أن يجعلني منهم قال: «سبقك بها عكاشة» (^٣).\n• وعن أبي هريرة ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يدخل من أمتي زمرة هم سبعون ألفا تضيء وجوههم إضاءة القمر ليلة البدر» قال أبو هريرة فقام عكاشة بن محصن الأسدي يرفع نمرة عليه فقال: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم فقال رسول الله ﷺ: «اللهم اجعله منهم» ثم قام رجل من الأنصار فقال يا رسول الله ادع الله أن يجعلني\n_________\n(^١) أخرجه البخاري رقم (٦١٠٧) ٥/ ٢٣٧٥، ورقم (٥٣٧٨) ٥/ ٢١٥٧، ورقم (٥٤٢٠) ٥/ ٢١٧٠، ورقم (٦١٧٥) ٥/ ٢٣٩٦، ومسلم رقم (٢٢٠) ١/ ٢٠٠.\n(^٢) أخرجه البخاري رقم (٦١٧٧) ٥/ ٢٣٩٦، ومسلم رقم (٢١٩) ١/ ١٩٨.\n(^٣) أخرجه مسلم رقم (٢١٨) ١/ ١٩٨.","vol":"1","page":287},{"text":"منهم فقال رسول الله ﷺ: «سبقك بها عكاشة» (^١)\n\n<span data-type='title' id=toc-81>الشفاعة الخامسة: الشفاعة فيمن قال لا إله إلا الله خالصًا من قلبه.</span>\n• عن أبي هريرة ﵁ أنه قال قيل يا رسول الله من أسعد الناس (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري رقم (٥٤٧٤) ٥/ ٢١٨٩، ومسلم رقم (٢١٦) ١/ ١٩٧.\n(^٢) قال العيني: \"قوله «من أسعد الناس» أسعد أفعل والسعد هو اليمن تقول منه سعد يومنا يسعد سعودًا والسعودة خلاف النحوسة والسعادة خلاف الشقاوة تقول منه سعد الرجل بالكسر فهو سعيد مثال سلم فهو سليم وسعد على ما لم يسم فاعله فهو مسعود فإن قلت أسعد هنا من أي الباب قلت من الباب الثاني وهو من باب فعل يفعل بالكسر في الماضي والفتح في الغابر والأول من باب فعل يفعل بالفتح في الماضي والضم في الغابر فإن قلت أفعل التفضيل يدل على الشركة والمشرك والمنافق لا سعادة لهما قلت أسعد ههنا بمعنى سعيد يعني سعيد الناس كقولهم الناقص والأشج أعدلا بني مروان يعني عادلا بني مروان ويجوز أن يكون على معناه الحقيقي المشهور والتفضيل بحسب المراتب أي هو أسعد ممن لم يكن في هذه المرتبة من الإخلاص المؤكد البالغ غايته وكثير من الناس يحصل له سعد بشفاعته لكن المؤمن المخلص أكثر سعادة بها فإن النبي ﷺ يشفع في الخلق بإراحتهم من هول الموقف ويشفع في بعض الكفار بتخفيف العذاب كما صح في حق أبي طالب ويشفع في بعض المؤمنين بالخروج من النار بعد أن دخلوها وفي بعضهم بعدم دخولها بعد أن يستوجبوا دخولها وفي بعضهم بدخول الجنة بغير حساب وفي بعضهم برفع الدرجات فيها فظهر الاشتراك في مطلق السعادة بالشفاعة وأن أسعدهم بها المؤمن المخلص قوله بشفاعتك الشفاعة مشتقة من الشفع وهو ضم الشيء إلى مثله كأن المشفوع له كان فردًا فجعله الشفيع شفعًا بضم نفسه إليه والشفاعة الضم إلى آخر معاونًا له وأكثر ما يستعمل في انضمام من هو أعلى مرتبة إلى من هو أدنى وقال ابن بطال فيه دليل على أن الشفاعة إنما تكون في أهل الإخلاص خاصة وهم أهل التوحيد وهذا موافق لقوله ﵊ لكل نبي دعوة وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة فهي نائلة إن شاء الله تعالى من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئًا.\nقلت: هذا الحديث مع غيره من الآيات والأحاديث الواردة في الباب الجارية مجرى القطع دليل على ثبوت الشفاعة\" عمدة القاري للعيني ٢/ ١٢٧ - ١٢٨.","vol":"1","page":288},{"text":"بشفاعتك يوم القيامة قال رسول الله ﷺ: «لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك لما رأيت من حرصك على الحديث أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلا الله خالصًا من قلبه أو نفسه» (^١).\n• وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ قال: «يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة، ثم يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن برة، ثم يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن ذرة» (^٢).\nالشفاعة السادسة: الشفاعة في أهل الكبائر من أمته.\n• عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري رقم (٩٩) ١/ ٤٩، ورقم (٦٢٠١) ٥/ ٢٤٠٢، وأحمد رقم (٨٨٤٥) ٢/ ٣٧٣، والنسائي في السنن الكبرى رقم (٥٨٤٢) ٣/ ٤٢٦، وابن حبان رقم (٦٤٦٦) ١٤/ ٣٨٤، والحاكم في المستدرك رقم (٢٣٣) ١/ ١٤١.\n(^٢) أخرجه البخاري رقم (٤٤) ١/ ٢٤، ورقم (٦٩٧٥) ٦/ ٢٦٩٥ - ٢٦٩٦، ومسلم رقم (١٩٣) ١/ ١٨٢، والنسائي في السنن الكبرى رقم (١١٢٤٣) ٦/ ٣٦٤، وابن ماجه رقم (٤٣١٢) ٢/ ١٤٤٢، وأحمد رقم (١٢١٧٤) ٣/ ١١٦، وابن حبان رقم (٧٤٨٤) ١٦/ ٥٢٨.\n(^٣) أخرجه أبو داود رقم (٤٧٣٩) ٤/ ٢٣٦، والترمذي رقم (٢٤٣٥ - ٢٤٣٦) ٤/ ٦٢٥ وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب، وأحمد رقم (١٣٢٤٥) ٣/ ٢١٣، وابن حبان رقم (٦٤٦٧) ١٤/ ٣٨٦، رقم (٦٤٦٨) ١٤/ ٣٨٧، والطيالسي رقم (١٦٦٩) ص ٢٣٣ من حديث جابر، وأبو يعلى رقم (٣٢٨٤) ٦/ ٤٠، ورقم (٤١٠٥) ٧/ ١٣٩، ورقم (٤١١٥) ٧/ ١٤٧، والطبراني الكبير رقم (٧٤٩) ١/ ٢٥٨، ورقم (١١٤٥٤) ١١/ ١٨٩، وفي الأوسط رقم (٤٧١٣) ٥/ ٧٥، ورقم (٥٩٤٢) ٦/ ١٠٦، ورقم (٨٥١٨) ٨/ ٢٤١، وفي الصغير رقم (٤٤٨) ١/ ٢٧٢، وعنده من حديث ابن عباس في الكبير رقم (١١٤٥٤) ١١/ ١٨٩، والحاكم في المستدرك رقم (٢٢٨ - ٢٣٠) ١/ ١٣٩ - ١٤٠، وعنده من حديث جابر بن عبد الله رقم (٢٣١ - ٢٣٢) ١/ ١٣٩ - ١٤٠، ورقم (٣٤٤٢) ٢/ ٤١٤ وقال أيضًا: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، والضياء المقدسي في الأحاديث المختارة رقم (١٦٢٢ - ١٦٢٣) ٥/ ٢١، ورقم (١٧٩٢) ٥/ ١٧١، رقم (٢٠٤٧) ٦/ ٦٧، ورقم (٢٣١٢ - ١٣١٣) ٦/ ٢٩٤، وقال: إسناده صحيح، والبيهقي في السنن الكبرى رقم (١٥٦١٦) ٨/ ١٧، ورقم (٢٠٥٦٣) ١٠/ ١٩٠، والهيثمي في موارد الظمآن رقم (٢٥٩٦) ١/ ٦٤٥، وفي زوائد مسند الحارث رقم (١١٣٢) ٢/ ١٠٠٩، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود رقم (٤٧٣٩) ٤/ ٢٣٦، وفي صحيح سنن الترمذي رقم (٢٤٣٥ - ٢٤٣٦) ٤/ ٦٢٥، وفي صحيح الجامع رقم (٣٧١٤)، وفي صحيح الترغيب والترهيب رقم (٣٦٤٩)، وفي ظلال الجنة رقم (٨٣١).","vol":"1","page":289},{"text":"• وعن ابن عمر رضي الله عنمها قال: \" كنا نمسك عن الاستغفار لأهل الكبائر حتى سمعنا رسول الله ﷺ يقول:﴾ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ﴿قال: «إني ادخرت دعوتي شفاعة لأهل الكبائر من أمتي».\nقال: فأمسكنا عن كثير مما كان في أنفسنا ثم نطقنا بعد ورجونا لهم (^١).\n• وعن أسماء بنت عميس أنها قالت يا رسول ادع الله أن يجعلني ممن تشفع له يوم القيامة فقال لها رسول الله ﷺ: «إذن تخمشك النار فإن شفاعتي لكل هالك من أمتي تخمشه النار» (^٢)\nقال ابن عباس رض الله عنهما: \"السابق بالخيرات يدخل الجنة بغير حساب، والمقتصد يدخل الجنة برحمة الله، والظالم لنفسه وأصحاب الأعراف يدخلون الجنة بشفاعة محمد ﷺ\" (^٣)\nوقال جابر بن عبد الله ﵁: \"من لم يكن من أهل الكبائر فما له\n_________\n(^١) أخرجه أبو يعلى رقم (٥٨١٣) ١٠/ ١٨٥، ورقم (١٩٨) ١/ ١٧٢، وابن أبي عاصم السنة رقم (٨٣٠) ٢/ ٣٩٨، واللالكائي في اعتقاد أهل السنة رقم (٢٠٠١) ٦/ ١٠٧٣، والبيهقي في الاعتقاد ص ١٨٩، والطبراني في الأوسط رقم (٥٩٤٢) ٦/ ١٠٦ وقال: لم يرو هذا الحديث عن أيوب السختياني إلا حرب بن سريج تفرد به شيبان، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٧/ ٥، ١٠/ ٢١١، ٣٧٨ وقال: رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح غير حرب بن سريج وهو ثقة، ورواه البزار وإسناده جيد، ورواه الطبراني في الأوسط وفيه حرب بن سريج وقد وثقه غير واحد وفيه ضعف وبقية رجاله رجال الصحيح، وحسنه الألباني في ظلال الجنة رقم (٨٣٠).\n(^٢) أخرجه ابن عبد البر في التمهيد ١٩/ ٦٧، وذكره العراقي في طرح التثريب في شرح التقريب ٣/ ١١١.\n(^٣) أخرجه الطبراني في الكبير رقم (١١٤٥٤) ١١/ ١٨٩، وذكره ابن كثير في التفسير ٣/ ٥٥٦، ولشوكاني في فتح القدير ٤/ ٣٥٢.","vol":"1","page":290},{"text":"وللشفاعة (^١) \" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-83>الشفاعة السابعة: الشفاعة في رفع الدرجات.</span>\n• عن أم سلمة ﵂ قالت: دخل رسول الله ﷺ على أبي سلمة وقد شق بصره فأغمضه ثم قال: «إن الروح إذا قبض تبعه البصر» فضج ناس من أهله فقال: «لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون». ثم قال: «اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين واخلفه\n_________\n(^١) قال القاضي عياض: \"وقد عرف بالنقل المستفيض سؤال السلف الصالح ﵃ شفاعة نبينا ﷺ ورغبتهم فيها وعلى هذا لا يلتفت إلى قول من قال إنه يكره أن يسأل الإنسان الله تعالى أن يرزقه شفاعة محمد ﷺ لكونها لا تكون إلا للمذنبين فإنها قد تكون كما قدمنا لتخفيف الحساب وزيادة الدرجات ثم كل عاقل معترف بالتقصير محتاج إلى العفو غير معتد بعمله مشفق من أن يكون من الهالكين ويلزم هذا القائل ألا يدعو بالمغفرة والرحمة لأنها لأصحاب الذنوب وهذا كله خلاف ما عرف من دعاء السلف والخلف\"\nشرح النووي على صحيح مسلم ٣/ ٣٦، والأذكار للنووي ص ٣٠٧، وتفسير القرطبي ١٠/ ٣١٠، وفتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر ١١/ ٤٦٢، وطرح التثريب في شرح التقريب للعراقي ٣/ ١١١، وعمدة القاري شرح صحيح البخاري للعيني ٢/ ١٢٨.\nوقال المباركفوري: \"فماله وللشفاعة يعني لا حاجة له إلى الشفاعة لوضع الكبائر والعفو عنها لعدمها، وأما ما دون الكبائر من الذنوب فيكفرها الطاعات نعم له حاجة إلى الشفاعة لرفع الدرجات\" تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي للمباركفوري ٧/ ١٠٩.\n(^٢) أخرجه الترمذي وحسنه رقم (٢٤٣٦) ٤/ ٦٢٥، والطيالسي رقم (١٦٦٩) ص ٢٣٣، والحاكم رقم (٢٣٢) ١/ ١٤٠، وأبو نعيم ٣/ ٢٠١، وابن عبد البر في التمهيد ١٩/ ٦٩، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي رقم (٢٤٣٥ - ٢٤٣٦) ٤/ ٦٢٥.","vol":"1","page":291},{"text":"في عقبة في الغابرين واغفر لنا وله يا رب العالمين وأفسح له في قبره ونور له فيه» (^١).\n• وعن أبي موسى ﵁ قال لما فرغ النبي ﷺ من حنين بعث أبا عامر على جيش إلى أوطاس فلقي دريد بن الصمة فقتل دريد وهزم الله أصحابه قال أبو موسى وبعثني مع أبي عامر فرمي أبو عامر في ركبته رماه جشمي بسهم فأثبته في ركبته فانتهيت إليه فقلت يا عم من رماك فأشار إلى أبي موسى فقال ذاك قاتلي الذي رماني فقصدت له فلحقته فلما رآني ولى فاتبعته وجعلت أقول له ألا تستحي ألا تثبت فكف فاختلفنا ضربتين بالسيف فقتلته ثم قلت لأبي عامر قتل الله صاحبك قال فانزع هذا السهم فنزعته فنزا منه الماء قال يا بن أخي أقرئ النبي ﷺ السلام وقل له استغفر لي واستخلفني أبو عامر على الناس فمكث يسيرًا ثم مات فرجعت فدخلت على النبي ﷺ في بيته على سرير مرمل وعليه فراش قد أثر رمال السرير بظهره وجنبيه فأخبرته بخبرنا وخبر أبي عامر وقال قل له استغفر لي فدعا بماء فتوضأ ثم رفع يديه فقال: \" اللهم اغفر لعبيد أبي عامر ورأيت بياض إبطيه ثم قال اللهم اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك من الناس فقلت ولي فاستغفر فقال اللهم اغفر لعبد الله بن قيس ذنبه وأدخله يوم القيامة مدخلًا كريمًا قال أبو بردة إحداهما لأبي عامر والأخرى لأبي موسى (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه مسلم رقم (٩٢٠) ٢/ ٦٣٤، وأبو داود رقم (٣١١٨) ٣/ ١٩٠، والنسائي في السنن الكبرى رقم (٨٢٨٥) ٥/ ٧٧، وأحمد رقم (٢٦٥٨٥) ٦/ ٢٩٧ وأبو يعلى رقم (٧٠٣٠) ١٢/ ٤٥٨، وابن حبان رقم (٧٠٤١) ١٥/ ٥١٥، وأبو نعيم في المسند المستخرج على صحيح مسلم رقم (٢٠٥٩) ٣/ ٨، والطبراني في الكبير رقم (٧١٢) ٢٣/ ٣١٤، وفي مسند الشاميين رقم (٢١٤٣) ٣/ ٢٢٩، والبيهقي في الكبرى رقم (٦٣٩٨) ٣/ ٣٨٤، وفي السنن الصغرى رقم (١٠٦١) ٣/ ٩، وفي معرفة السنن والآثار رقم (٢٠٥٧) ٣/ ١٢٢.\n(^٢) أخرجه البخاري رقم (٤٠٦٨) ٤/ ١٥٧١، ورقم (٦٠٢٠) ٥/ ٢٣٤٥، ومسلم رقم (٢٤٩٨) ٤/ ١٩٤٣، والنسائي في السنن الكبرى رقم (٨٧٨١) ٥/ ٢٤٠، وابن حبان رقم (٧١٩٨) ١٦/ ١٧١.","vol":"1","page":292},{"text":"• وعن أبي هريرة ﵁ قال: \"أنا أعلم الناس بشفاعة محمد ﷺ يوم القيامة قال فتداك الناس عليه فقالوا أيه يرحمك الله قال يقول: «اللهم اغفر لكل عبد مسلم لقيك مؤمن بي لا يشرك بك\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-84>الشفاعة الثامنة: الشفاعة للخروج من النار.</span>\n• عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله يخرج قومًا من النار بالشفاعة» (^٢)\n• وعن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: «يخرج قوم من النار بعد ما مسهم منها سفع فيدخلون الجنة فيسميهم أهل الجنة الجهنميين» (^٣).\n• وعن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن قومًا يخرجون من النار يحترقون فيها إلا دارات وجوههم حتى يدخلون الجنة» (^٤).\n• وعن عمران بن حصين ﵄ عن النبي ﷺ قال: «يخرج قوم من النار بشفاعة محمد ﷺ فيدخلون الجنة يسمون الجهنميين». (^٥)\n_________\n(^١) أخرجه أحمد رقم (١٠٤٧٨) ٢/ ٤٩٩، ورقم (٩٨٥١) ٢/ ٤٥٤.\n(^٢) أخرجه البخاري رقم (٦١٩٠) ٥/ ٢٣٩٩، ومسلم رقم (١٩١ - ١٩٢) ١/ ١٧٨.\n(^٣) أخرجه البخاري رقم (٦١٩١) ٥/ ٢٣٩٩، ومسلم رقم (١٩١) ١/ ١٧٩، وأخرجه أيضًا مسلم رقم (١٩١) ١/ ١٧٩ من حديث جابر.\n(^٤) أخرجه مسلم رقم (١٩١) ١/ ١٧٨، وأحمد رقم (١٤٨٧٠) ٣/ ٣٥٥، وأخرجه الطيالسي رقم (١٧٠٣) ص ٢٣٦ بلفظ: «إن قومًا يخرجون من النار بالشفاعة».\n(^٥) أخرجه البخاري رقم (٦١٩٨) ٥/ ٢٤٠١، وأحمد رقم (١٩٩١١) ٤/ ٤٣٤، وأبو داود رقم (٤٧٤٠) ٤/ ٢٣٦، والبزار رقم (٣٥٨٥) ٩/ ٦٠، والطبراني في الكبير رقم (٢٨٧) ١٨/ ١٣٧، والروياني في مسنده رقم (٩٠) ١/ ١٠٩.","vol":"1","page":293},{"text":"• وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا أزال أشفع لأمتي حتى يقال يا محمد أخرج من النار من في قلبه وزن شعيرة إلى أن قال فيقال يا محمد أخرج مَنْ في قلبه مقدار جناح بعوضة من إيمان» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-85>الشفاعة التاسعة: الشفاعة التي يجتمع فيها الله جل وعلا والنبيون والملائكة والمؤمنون.</span>\n• عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قلنا يا رسول الله: هل نرى ربنا يوم القيامة؟\nقال: «هل تضارون في رؤية الشمس والقمر إذا كانت صحوا». قلنا: لا.\nقال: «فإنكم لا تضارون في رؤية ربكم يومئذ إلا كما تضارون في رؤيتهما».\nثم قال: «ينادي مناد ليذهب كل قوم إلى ما كانوا يعبدون، فيذهب أصحاب الصليب مع صليبهم، وأصحاب الأوثان مع أوثانهم، وأصحاب كل آلهة مع آلهتهم، حتى يبقى من كان يعبد الله من بر أو فاجر وغبرات من أهل الكتاب، ثم يؤتى بجهنم تعرض كأنها سراب، فيقال لليهود: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد عزير بن الله. فيقال: كذبتم، لم يكن لله صاحبة ولا ولد، فما تريدون؟ قالوا: نريد أن تسقينا؛ فيقال: اشربوا فيتساقطون في جهنم. ثم يقال للنصارى: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: كنا نعبد المسيح ابن الله. فيقال: كذبتم، لم يكن لله صاحبة ولا ولد؛ فما تريدون؟ فيقولون: نريد أن تسقينا. فيقال: اشربوا، فيتساقطون في جهنم. حتى يبقى من كان يعبد الله من بر\n_________\n(^١) أخرجه ابن حجر في المطالب العالية رقم (٤٥٧٦) ١٨/ ٥٨٩.","vol":"1","page":294},{"text":"أو فاجر، فيقال لهم: ما يحبسكم وقد ذهب الناس. فيقولون: فارقناهم ونحن أحوج منا إليه اليوم، وإنا سمعنا مناديًا ينادي ليلحق كل قوم بما كانوا يعبدون، وإنما ننتظر ربنا. قال: فيأتيهم الجبار في صورة غير صورته التي رأوه فيها أول مرة؛ فيقول: أنا ربكم. فيقولون: أنت ربنا، فلا يكلمه إلا الأنبياء. فيقول: هل بينكم وبينه آية تعرفونه. فيقولون: الساق. فيكشف عن ساقه، فيسجد له كل مؤمن؛ ويبقى من كان يسجد لله رياء وسمعة، فيذهب كيما يسجد فيعود ظهره طبقا واحدا؛ ثم يؤتى بالجسر فيجعل بين ظهري جهنم». قلنا: يا رسول الله وما الجسر؟ قال: «مدحضة مزلة عليه خطاطيف وكلاليب وحسكة مفلطحة لها شكوة عقيفة تكون بنجد يقال لها السعدان؛ المؤمن عليها كالطرف وكالبرق وكالريح وكأجاويد الخيل والركاب، فناج مسلم، وناج مخدوش، ومكدوس في نار جهنم، حتى يمر آخرهم يسحب سحبا، فما أنتم بأشد لي مناشدة في الحق قد تبين لكم من المؤمن يومئذ للجبار، وإذا رأوا أنهم قد نجوا في إخوانهم يقولون: ربنا إخواننا كانوا يصلون معنا ويصومون معنا ويعملون معنا. فيقول الله تعالى: اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من إيمان فأخرجوه، ويحرم الله صورهم على النار، فيأتونهم وبعضهم قد غاب في النار إلى قدمه، وإلى أنصاف ساقيه، فيخرجون من عرفوا ثم يعودون. فيقول: اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار فأخرجوه؛ فيخرجون من عرفوا ثم يعودون. فيقول: اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال","vol":"1","page":295},{"text":"ذرة من إيمان فأخرجوه؛ فيخرجون من عرفوا».\nقال أبو سعيد فإن لم تصدقوني فاقرؤوا ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ [النساء الآية: ٤٠]، «فيشفع النبيون والملائكة والمؤمنون فيقول الجبار: بقيت شفاعتي فيقبض قبضة من النار فيخرج أقواما قد امتحشوا فيلقون في نهر بأفواه الجنة يقال له ماء الحياة، فينبتون في حافتيه كما تنبت الحبة في حميل السيل قد رأيتموها إلى جانب الصخرة إلى جانب الشجرة فما كان إلى الشمس منها كان أخضر وما كان منها إلى الظل كان أبيض فيخرجون كأنهم اللؤلؤ فيجعل في رقابهم الخواتيم؛ فيدخلون الجنة. فيقول أهل الجنة هؤلاء عتقاء الرحمن أدخلهم الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه فيقال لهم لكم ما رأيتم ومثله معه» (^١).\n• وعن أبي هريرة ﵁ أن الناس قالوا: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله ﷺ: «هل تضارون في القمر ليلة البدر». قالوا: لا يا رسول الله. قال: «فهل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب». قالوا: لا يا رسول الله. قال: «فإنكم ترونه، كذلك يجمع الله الناس يوم القيامة فيقول: من كان يعبد شيئًا فليتبعه، فيتبع من كان يعبد الشمس، الشمس ويتبع من كان يعبد القمر، القمر، ويتبع من كان يعبد الطواغيت، الطواغيت، وتبقى هذه الأمة\n_________\n(^١) أخرجه البخاري رقم (٧٠٠١) ٦/ ٢٧٠٦، ومسلم رقم (١٨٣) ١/ ١٦٧، والطيالسي رقم (٢١٧٩) ص ٢٨٩، وأبو نعيم المسند المستخرج على صحيح مسلم رقم (٤٥٨) ١/ ٢٤٨، والدارقطني في رؤية الله رقم (١٠) ص ٣٠، وأبو عوانة في مسنده رقم (٤٤٩) ١/ ١٥٥.","vol":"1","page":296},{"text":"فيها شافعوها أو منافقوها». شك إبراهيم «فيأتيهم الله فيقول: أنا ربكم، فيقولون: هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا فإذا جاءنا ربنا عرفناه. فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون فيقول: أنا ربكم فيقولون: أنت ربنا فيتبعونه، ويضرب الصراط بين ظهري جهنم فأكون أنا وأمتي أول من يجيزها، ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل، ودعوى الرسل يومئذ اللهم سلم، سلم، وفي جهنم كلاليب مثل شوك السعدان هل رأيتم السعدان» قالوا: نعم يا رسول الله. قال: «فإنها مثل شوك السعدان غير أنه لا يعلم ما قدر عظمها إلا الله تخطف الناس بأعمالهم، فمنهم المؤمن يبقى بعمله، أو الموبق بعمله، أو الموثق بعمله، ومنهم المخردل أو المجازى، أو نحوه، ثم يتجلى، حتى إذا فرغ الله من القضاء بين العباد وأراد أن يخرج برحمته من أراد من أهل النار أمر الملائكة أن يخرجوا من النار من كان لا يشرك بالله شيئا ممن أراد الله أن يرحمه ممن يشهد أن لا إله إلا الله فيعرفونهم في النار بأثر السجود تأكل النار بن آدم إلا أثر السجود حرم الله على النار أن تأكل أثر السجود، فيخرجون من النار قد امتحشوا، فيصب عليهم ماء الحياة فينبتون تحته كما تنبت الحبة في حميل السيل، ثم يفرغ الله من القضاء بين العباد ويبقى رجل مقبل بوجهه على النار هو آخر أهل النار دخولًا الجنة؛ فيقول: أي رب اصرف وجهي عن النار فإنه قد قشبني ريحها وأحرقني ذكاؤها، فيدعو الله بما شاء أن يدعوه. ثم يقول الله: هل عسيت إن أعطيت ذلك أن تسألني غيره. فيقول: لا، وعزتك لا أسألك غيره، ويعطي ربه من عهود ومواثيق ما شاء؛ فيصرف الله وجهه عن النار فإذا","vol":"1","page":297},{"text":"أقبل على الجنة ورآها سكت ما شاء الله إن يسكت ثم يقول أي رب قدمني إلى باب الجنة. فيقول الله له: ألست قد أعطيت عهودك ومواثيقك أن لا تسألني غير الذي أعطيت أبدا، ويلك يا بن آدم ما أغدرك. فيقول: أي رب ويدعو الله. حتى يقول: هل عسيت إن أعطيت ذلك أن تسأل غيره. فيقول: لا وعزتك لا أسألك غيره. ويعطي ما شاء من عهود ومواثيق فيقدمه إلى باب الجنة فإذا قام إلى باب الجنة انفهقت له الجنة فرأى ما فيها من الحبرة والسرور، فيسكت ما شاء الله أن يسكت. ثم يقول: أي رب أدخلني الجنة. فيقول الله: ألست قد أعطيت عهودك ومواثيقك أن لا تسأل غير ما أعطيت، فيقول: ويلك يا بن آدم ما أغدرك. فيقول: أي رب لا أكونن أشقى خلقك؛ فلا يزال يدعو حتى يضحك الله منه، فإذا ضحك منه قال له ادخل الجنة، فإذا دخلها قال الله له: تمنه. فسأل ربه وتمنى حتى إن الله ليذكره يقول: كذا وكذا حتى انقطعت به الأماني. قال الله: ذلك لك ومثله معه». وفي لفظ «وعشرة أمثاله معه» (^١)\n• وفي المسند من حديث أبي سعيد مرفوعًا: \"ثم يشفع الأنبياء في كل من كان يشهد أن لا إله إلا الله مخلصًا، فيخرجونهم منها، قال: ثم يتحنن الله برحمته على من فيها فما يترك فيها عبدًا في قلبه مثقال حبة من إيمان إلا أخرجه منها\" (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري رقم (٧٠٠٠) ٦/ ٢٧٠٤ - ٢٧٠٥، ومسلم رقم (١٨٢) ١/ ١٦٣، وأحمد رقم (٧٧٠٣) ٢/ ٢٧٥، ورقم (٧٩١٤) ٢/ ٢٩٣، ورقم (١٠٩١٩) ٢/ ٥٣٣، والنسائي في السنن الكبرى رقم (١١٤٨٨) ٦/ ٤٥٧، وابن حبان رقم (٧٤٢٩) ١٦/ ٤٥٠، وعبد الرزاق رقم (٢٠٨٥٦) ١١/ ٤٠٧.\n(^٢) رواه أحمد في مسنده: (١١٠٩٦) قال الشيخ مقبل: \"الحديث بهذا السند حسن\" انظر الشفاعة للوادعي: (١/ ١١٩).","vol":"1","page":298},{"text":"• وعن أبي سعيد ﵁ قال: \"فيقول الله ﷿: شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين\" (^١)\n• وأخرج الإمام أحمد من مسند أبي بكر الصديق في إثبات شفاعة الصالحين والمؤمنين قوله ﷺ: «ثم يقال: ادعوا الأنبياء، فيشفعون، ثم يقال: ادعوا الصديقين، فيشفعون، ثم يقال: ادعوا الشهداء فيشفعون (^٢). (^٣)\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٨٣).\n(^٢) ويدخل في ذلك الصديقون والشهداء والصالحون.\nأي وكذلك الصديقون يشفعون، الصديق: على وزن فِعِّيل، وهو من قوي تصديقه وإيمانه بالله، فأحرق بقوة تصديقه الشبهات والشهوات، وفي مقدمتهم الصديق الأكبر أبو بكر ﵁.\nودرجة الصديق أعلى من الشهداء، كما في حديث: «أثبت أحد، فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان»، فالترتيب مقصود.\nثم درجة الشهداء:\nالشهيد: هو الذي بذل نفسه رخيصة في سبيل الله، لإعلاء كلمة الله، فإنه بذل أغلى ما يملك وهي نفسه التي بين جنبيه، فقاتل أعداء الله، لإعلاء كلمة الله.\nثم درجة الصالحين:\nالصالحون: على تفاوتهم فيما بينهم،\n١ - منهم السابقون، وهي أعلى الدرجات، وهم الذين داوموا على الفرائض والنوافل، وتركوا المحرمات والمكروهات،\n٢ - ومنهم المقتصدون، وهم الذين اقتصروا على أداء الفرائض وترك المحرمات، ولم يفعلوا النوافل وقد يفعلون بعض المكروهات.\n٣ - ومنهم الظالمون لأنفسهم، والظالمون لأنفسهم موحدون مؤمنون، لكنهم قصروا في بعض الواجبات، أو فعلوا بعض المحرمات، فهؤلاء عندهم أصل الصلاح وأصل التقوى، فينفعهم هذا الصلاح والتقوى في عدم الخلود في النار، ولكنهم قد يدخلون النار ويعذبون، لكن في النهاية مآلهم إلى الجنة والسلامة.\n(^٣) رواه أحمد (١/ ٤) (١٥)، والبزار (١/ ١٤٩) (٧٦)، وابن أبى عاصم (٨١٢)، وأبو يعلى (١/ ٥٦) (٥٦)، وابن حبان (١٤/ ٣٩٣) (٦٤٧٦). قال ابن القيم في «حادي الأرواح» (٢٥٥): متواتر، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٣٧٧): رواه أحمد وأبو يعلى بنحوه والبزار ورجالهم ثقات، وصحح إسناده أحمد شاكر في تحقيقه للمسند (١/ ٢٩).","vol":"1","page":299},{"text":"• وكذا حديث أبي بكرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: «يحمل الناس على الصراط، فينجي الله من شاء برحمته ثم يؤذن للملائكة، والنبيين، والشهداء، والصديقين فيشفعون» الحديث (^١).\nكما ثبت أيضًا حصول شفاعة المؤمنين لإخوانهم قبل يوم القيامة، وذلك في الدنيا، وهي استشفاعهم إلى الله تعالى في الصلاة على من مات منهم بالرحمة والغفران والتجاوز.\n• فعن عائشة عن النبي ﷺ: «ما من ميت تصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة كلهم يشفعون له إلا شفعوا فيه» (^٢)\n• وعن عبد الله بن عباس «أنه مات ابن له بقديد أو بعسفان فقال: يا كريب، انظر ما اجتمع له الناس، قال: فخرجت، فإذا ناس قد\n_________\n(^١) رواه أحمد (٥/ ٤٣) (٢٠٤٥٧)، والطبراني في «المعجم الصغير» (٢/ ١٤٢) (٩٢٩)، وابن أبي عاصم في «السنة» (ص: ٨٣٧). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٣٦٢): رجاله رجال الصحيح، وقال السيوطي في «البدور السافرة» (٢٥١): إسناده صحيح.\n(^٢) رواه مسلم (٩٤٧).","vol":"1","page":300},{"text":"اجتمعوا له، فأخبرته، فقال: تقول: هم أربعون؟ قال: نعم، قال: فأخرجوه فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلًا لا يشركون بالله شيئًا إلا شفعهم فيه». (^١)\nوتمام الحديث عن ابن ماجه: «ما من أربعين من مؤمن يشفعون لمؤمن إلا شفعهم الله فيه» (^٢)\n• وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من صلى عليه مائة من المسلمين غفر له» (^٣)\n\n<span data-type='title' id=toc-86>الشفاعة العاشرة: الشفاعة في عمه أبي طالب في تخفيف العذاب عنه </span>(^٤).\n_________\n(^١) رواه مسلم (٩٤٨).\n(^٢) رواه ابن ماجه (١٢١٩). وصححه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه».\n(^٣) رواه ابن ماجه (١٢١٨). قال البوصيري في «زوائد ابن ماجه» (١/ ٢٢٨): هذا إسناد صحيح رجاله رجال الصحيحين، وقال العيني في «عمدة القاري» (٨/ ١٦٧): إسناده صحيح، وصححه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»، وقال الوادعي في «الشفاعة» (ص: ٢٨٥): رجاله رجال الصحيح وهو على شرط الشيخين.\n(^٤) وقع الخلاف في توجيه هذه المسألة:\nقال ابن تيمية: \"هذا نص صحيح صريح لشفاعته في بعض الكفار أن يخفف عنه العذاب بل في أن يجعل أهون أهل النار عذابًا كما في الصحيح أيضا عن ابن عباس أن رسول الله قال: أهون أهل النار عذابًا أبو طالب وهو منتعل بنعلين يغلى منهما دماغه\". مجموع الفتاوى لابن تيمية ١/ ١١٧.\nوقال القاضي عياض: \"قوله في أبي طالب لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة على سبيل التجوز لأن الله قد نهى عن الاستغفار لمثله وأعلمه أنه لا تنفعهم شفاعة الشافعين لا يشفع فيهم ولا لهم شفعاء وأنها شفاعة بالحال أي بركتي وكونه من سببي فيخفف عنه ويكون في ضحضاح من نار كما جاء في الحديث وهو الشيء القليل منه وضحضاح الماء الذي على وجه الأرض \" مشارق الأنوار للقاضي عياض ٢/ ٢٥٦.\nوقال العيني: \"قوله: لعله تنفعه شفاعتي قيل يشكل هذا بقوله تعالى: ﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر الآية: ٤٨].\nوأجيب: بأنه خص فلذلك عدُّوه من خصائص النبي ﷺ.\nوقيل: جزاء الكافر من العذاب يقع على كفره وعلى معاصيه فيجوز أن الله تعالى يضع عن بعض الكفار بعض جزاء معاصيه تطييبًا لقلب الشافع لا ثوابًا للكافر لأن حسناته صارت بموته على كفره هباء منثورًا\". عمدة القاري للعيني ٢٣/ ١٢٦.","vol":"1","page":301},{"text":"• عن العباس بن عبد المطلب ﵁ أنه قال للنبي ﷺ: \"ما أغنيت عن عمك فإنه كان يحوطك ويغضب لك قال: «هو في ضحضاح (^١) من نار ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار» \". (^٢)\n_________\n(^١) قوله: «في ضحضاح» بإعجام الضادين وإهمال الحاءين ما رقّ من الماء على وجه الأرض إلى نحو الكعبين فاستعير للنار قوله يغلي منه أم دماغه وأم الدماغ أصله وما به قوامه وقيل الهامة وقيل جلدة رقيقة تحيط بالدماغ\". عمدة القاري للعيني ٢٣/ ١٢٦.\nوقال ابن الجوزي: \"قال ابن الأنباري الضحضاح القليل من العذاب، والعرب تسمى الماء القليل ضحضاحًا قيل لأعرابي: إن فلانًا يدعي الفضل عليك، فقال: لو وقع في ضحضاح مني لغرق أي في القليل من مياهي.\nوقال غيره: الضحضاح ما يبلغ الكعبين وكل ما رق من الماء على وجه الأرض فهو ضحضاح\". كشف المشكل لابن الجوزي رقم (١٧٧٠) ٣/ ١٥٣.\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٦٧٠) ٣/ ١٤٠٨، ورقم (٥٨٥٥) ٥/ ٢٢٩٣ ومسلم رقم (٢٠٩) ١/ ١٩٤، وأحمد رقم (١٧٦٣) ١/ ٢٠٦، ورقم (١٧٨٩) ١/ ٢١٠، وابن أبي شيبة رقم (٣٤١٥٨) ٧/ ٥٣، وعبد الرزاق رقم (٩٩٣٩) ٦/ ٤١.","vol":"1","page":302},{"text":"• وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه سمع النبي ﷺ وذكر عنده عمه فقال لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه، وفي لفظ تغلي منه أم دماغه\" (^١).\nولله بعد ذلك تفضل كثير فيمن يشاء فيخرج برحمته بقية أهل التوحيد الذين لم يشفع فيهم، كما جاء ذلك صريحا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَمَّا أَهْلُ النَّارِ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُهَا، فَإِنَّهُمْ لَا يَمُوتُونَ فِيهَا وَلَا يَحْيَوْنَ، وَلَكِنْ نَاسٌ أَصَابَتْهُمُ النَّارُ بِذُنُوبِهِمْ-أَوْ قَالَ بِخَطَايَاهُمْ-فَأَمَاتَهُمْ إِمَاتَةً حَتَّى إِذَا كَانُوا فَحْمًا، أُذِنَ بِالشَّفَاعَةِ، فَجِيءَ بِهِمْ ضَبَائِرَ (^٢) ضَبَائِرَ، فَبُثُّوا عَلَى أَنْهَارِ الْجَنَّةِ، ثُمَّ قِيلَ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، أَفِيضُوا عَلَيْهِمْ، فَيَنْبُتُونَ نَبَاتَ الْحِبَّةِ تَكُونُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ» (^٣)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري رقم (٣٦٧٢) ٣/ ١٤٠٩، ورقم (٦١٩٦) ٥/ ٢٤٠٠، ومسلم رقم (٢١٠) ١/ ١٩٤، وأحمد رقم (١١٤٨٨) ٣/ ٥٠، ورقم (١١٠٧٣) ٣/ ٨، ورقم (١١٥٣٧) ٣/ ٥٥، وابن حبان رقم (٦٢٧١) ١٤/ ١٦٨.\n(^٢) قال محمد فؤاد عبد الباقي: (منصوب على الحال وهو جمع ضبارة بفتح الضاد وكسرها أشهرها الكسر ويقال فيها أيضا إضبارة قال أهل اللغة الضبائر جماعات في تفرقة (فبثوا) معناه فرقوا) انظر مسلم في صحيحه (١/ ١٧٢)\n(^٣) أخرجه مسلم في صحيحه (١/ ١٧٢)","vol":"1","page":303},{"text":"قال المصنف-رحمه الله تعالى-:\n\"وأن الله كلم موسى تكليمًا\".\n<hr><s0>\n\nيشير المصنف ﵀ إلى ما جاء في:\nقوله تعالى: (وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ) الأعراف: ١٤٣.\nوقوله تعالى: (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا) النساء: ١٦٤.\nوقوله تعالى (يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي)] الأعراف: ١٤٤ [\nلا شك أن الله ﷾ كلم موسى، وموسى كليم الله ﷿، وتكليمه كان يوم الطور، وأن موسى سمع كلام الله ﷾ بصوت وقع في مسامعه، وهذا الكلام من الله ﷿ لموسى، ومن قال غير ذلك فقد كفر بالله العظيم، فنحن نؤمن بأن الله ﷾ يتكلم وأن كلامه بحرفٍ وصوتٍ مسموعين وأن الله ﷾ شاء أن يُسمع موسى كلامه، فلذلك موسى كليم الله ﷿.","vol":"1","page":304},{"text":"قال المصنف-رحمه الله تعالى-:\n\"واتخذ إبراهيم خليلا\".\n<hr><s0>\n\nيشير المصنف إلى ما ورد في قوله الله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ سورة النساء آية (١٢٥).\nوعن جندب بن عبد الله البجلي أنه قال: سمعت النبي-ﷺ-قبل أن يموت بخمس، وهو يقول: (إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله قد اتخذني خليلا، كما اتخذ إبراهيم خليلا، ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلًا) (^١).\nقال شارح العقيدة الطحاوية: \"قوله: (ونقول: إن الله اتخذ إبراهيم خليلا، وكلم الله موسى تكليما، إيمانا وتصديقا وتسليما).\nش: قال تعالى: ﴿واتخذ الله إبراهيم خليلا﴾ (النساء: ١٢٥) وقال تعالى: ﴿وكلم الله موسى تكليما﴾.\nالخلة: كمال المحبة. وأنكرت الجهمية حقيقة المحبة من الجانبين، زعما منهم أن المحبة لا تكون إلا لمناسبة بين المحب والمحبوب، وأنه لا مناسبة بين القديم والمحدث توجب المحبة!\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٢١٦)","vol":"1","page":305},{"text":"وكذلك أنكروا حقيقة التكليم، كما تقدم، وكان أول من ابتدع هذا في الإسلام هو الجعد بن درهم، في أوائل المائة الثانية فضحى به خالد بن عبد الله القسري أمير العراق والمشرق بواسط، خطب الناس يوم الأضحى فقال: أيها الناس ضحوا، تقبل الله ضحاياكم، فإني مضح بالجعد بن درهم، إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا، ولم يكلم موسى تكليما، ثم نزل فذبحه، وكان ذلك بفتوى أهل زمانه من علماء التابعين ﵃، فجزاه الله عن الدين وأهله خيرا.\nوأخذ هذا المذهب عن الجعد -الجهم بن صفوان (^١)، فأظهره وناظر عليه، وإليه أضيف قول \"الجهمية\". فقتله سلم بن أحوز أمير خراسان بها، ثم انتقل ذلك إلى المعتزلة أتباع عمرو بن عبيد، وظهر قولهم في أثناء خلافة المأمون، حتى امتحن أئمة الإسلام، ودعوهم إلى الموافقة لهم على ذلك. وأصل هذا مأخوذ عن المشركين والصابئة، وهم ينكرون أن يكون إبراهيم خليلا، وموسى كليما؛ لأن الخلة هي كمال المحبة المستغرقة للمحب، كما قيل:\nقد تخللت مسلك الروح مني … ولذا سمي الخليل خليلا\nولكن محبته وخلته كما يليق به تعالى، كسائر صفاته. ويشهد لما دلت عليه الآية الكريمة ما ثبت في الصحيح عن أبي سعيد\n_________\n(^١) التاريخ الكبير (١/ ٦٤ رقم ١٤٣)، خلق أفعال العباد للبخاري كلاهما (١/ ٢٩ رقم ٣)","vol":"1","page":306},{"text":"الخدري، عن النبي ﷺ، قال: «لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن صاحبكم خليل الله»، يعني نفسه.\nوفي رواية: «إني أبرأ إلى كل خليل من خلته، ولو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا».\nوفي رواية: «إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا».\nفبين ﷺ أنه لا يصلح له أن يتخذ من المخلوقين خليلا. وأنه لو أمكن ذلك لكان أحق الناس به أبو بكر الصديق. مع أنه ﷺ قد وصف نفسه بأنه يحب أشخاصا، «كقوله لمعاذ: والله إني لأحبك». وكذلك قوله للأنصار. وكان زيد بن حارثة حب رسول الله ﷺ، وابنه أسامة حبه. وأمثال ذلك. «وقال له عمرو بن العاص: أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة، قال: فمن الرجال؟ قال: أبوها»، فعلم أن الخلة أخص من مطلق المحبة، والمحبوب بها لكمالها يكون محبوبا لذاته، لا لشيء آخر، إذ المحبوب لغيره هو مؤخر في الحب عن ذلك الغير، ومن كمالها لا تقبل الشركة [ولا] المزاحمة، لتخللها المحب، ففيها كمال التوحيد وكمال الحب. ولذلك لما اتخذ الله إبراهيم خليلا، وكان إبراهيم قد سأل ربه أن يهب له ولدا صالحا، فوهب له إسماعيل، فأخذ هذا الولد شعبة من قلبه، فغار الخليل على قلب خليله أن يكون فيه مكان لغيره، فامتحنه به بذبحه، ليظهر سر الخلة","vol":"1","page":307},{"text":"في تقديمه محبة خليله على محبة ولده، فلما استسلم لأمر ربه، وعزم على فعله، وظهر سلطان الخلة في الإقدام على ذبح الولد إيثارا لمحبة خليله على محبته، نسخ الله ذلك عنه، وفداه بالذبح العظيم؛ لأن المصلحة في الذبح كانت ناشئة من العزم وتوطين النفس على ما أمر، فلما حصلت هذه المصلحة عاد الذبح مفسدة، فنسخ في حقه، وصارت الذبائح والقرابين من الهدايا والضحايا سنة في أتباعه إلى يوم القيامة\" (^١).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وكان الجعد بن درهم من أهل حران، وكان فيهم بقايا من الصابئين والفلاسفة -خصوم إبراهيم الخليل ﵇-فلهذا أنكر تكليم موسى وخلة إبراهيم، موافقة لفرعون ونمرود، بناءً على أصل هؤلاء النفاة، وهو أن الرب تعالى لا يقوم به كلام، ولا يقوم به محبة لغيره، فقتله المسلمون، ثم انتشرت مقالته فيمن ضل من هذا الوجه. والمحبة متضمنة للإرادة، ومسألة الكلام والإرادة ضل فيهما طوائف). (^٢)\nوقال ﵀: (وكان أول من أنكر المحبة الجعد بن درهم، فضحى به خالد بن عبد الله القسري، وقال: «ضحوا تقبل الله ضحاياكم فإني مضح بالجعد بن درهم، إنه زعم أن الله لم يكلم موسى تكليمًا، ولا اتخذ إبراهيم خليلًا تعالى الله عما يقول الجعد علوًا كبيرًا» ثم نزل فذبحه. فإن الخلة من توابع المحبة، فمن كان من أصله أن الله لا يُحِبُ ولا يُحَبُ،\n_________\n(^١) شرح العقيدة الطحاوية (٢/ ٢٠٢ - ٢٠٦).\n(^٢) درء تعارض العقل والنقل ٧/ ١٧٥، ١٧٦، وانظر منهاج السنة ٣/ ١٦٥، ١٦٦.","vol":"1","page":308},{"text":"لم يكن للخلة عنده معنى. (^١)\n: هِيَ كَمَال المحبَّة المستلزمة من العَبْد كَمَال العُبُودِيَّة لله، ومن الربِّ سُبْحَانَهُ كَمَال الربوبية لِعِبَادِهِ الَّذين يُحِبُّهُمْ ويُحِبُّونَهُ.\nولَفظ العُبُودِيَّة يتَضَمَّن كَمَالَ الذُّلِّ وكَمَالَ الحبّ؛ فَإِنَّهُم يَقُولُونَ: قلب مُتَيَّم، إِذا كَانَ متعبدًا للمحبوب. والمتيم: المتعبد، وتيم الله: عبد الله، وهَذَا-على الكَمَال-حصل لإِبْرَاهِيمَ ومُحَمَّدٍ صَلَّى الله عَلَيْهِمَا وسَلَّم.\nولِهَذَا لم يكن لَهُ ﷺ من أهل الأَرْض خَلِيل؛ إِذْ الخُلَّة لَا تحْتَمل الشِّركَة؛ فَإِنَّهُ كَمَا قيل فِي المَعْنى:\nقد تخللت مَسْلَك الرُّوح مني … وبِذَا سُمِّي الخَلِيل خَلِيلًا (^٢)\nبِخِلَاف أصل الحبِّ؛ فَإِنَّهُ ﷺ قد قَالَ فِي الحَدِيث الصَّحِيح فِي الحَسَن وأُسَامَة: «اللَّهُمَّ إني أُحِبُّهما؛ فأَحبَّهما وأحبَّ مَنْ يُحبهما» (^٣)، وسَأَلَهُ عَمْرو بن العَاصِ: أَيُّ النَّاس أحبُّ إِلَيْك؟ قَالَ: «عَائِشَة». قَالَ: فَمِنْ\n_________\n(^١) منهاج السنة ٥/ ٣٢١، ٣٢٢، وانظر كتاب: مدارج السالكين ١/ ٩٢.\n(^٢) البيت لبَشَّار بن بُرد، وهو من البحر التام. انظر: «ديوانه» (ص ٩٧٩).\n(^٣) الحديث الذي أخرجه البخاري (٣٧٣٥): عن أسامة بن زيد ﵄، حَدَّث عن النبي ﷺ أنه كان يأخذه والحسن، فيقول: «اللهم أحبَّهما؛ فإني أُحبهما». وأما بلفظ المصنف فأخرجه الترمذي (٣٧٦٩) في حق الحسن والحسين، بلفظ: «اللهم إني أُحِبُّهما فأَحِبَّهما وأَحِبَّ مَنْ يُحبهما»، من حديث أسامة بن زيد ﵄، وصححه الألباني في «صحيح الترمذي» (٢٩٦٦).","vol":"1","page":309},{"text":"الرِّجَال؟ قَالَ: «أَبوهَا» (^١). وقَالَ لعَليٍّ؟: «لَأُعْطيَن الرَّايَة غَدًا رجلًا يُحبُّ اللهَ ورَسُولَه، ويُحِبُّهُ الله ورَسُوله» (^٢). وأمثال ذَلِك كثير.\nوقد أخبر تَعَالَى أَنه ﴿يحبُّ المُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ٧٦]، و﴿يُحب المُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤]، و﴿يُحب المقسطين﴾ [المائدة: ٤٢]، و﴿يُحب التوابين ويُحب المتطهرين﴾ [البقرة: ٢٢٢]، و﴿يُحب الَّذين يُقَاتلُون فِي سَبيله صفا كَأَنَّهُمْ بُنيان مرصوص﴾ [الصف: ٤]، وقَالَ: ﴿فَسَوف يَأْتِي الله بِقوم يُحِبهُمْ ويُحِبُّونَهُ﴾ [المَائِدَة: ٥٤]؛ فقد أخبر بمحبته لِعِبَادِهِ المُؤمنِينَ ومحبة المُؤمنِينَ لَهُ، حَتَّى قَالَ: ﴿والَّذين آمنُوا أَشد حُبًّا لله﴾ [البَقَرَة: ١٦٥].\nأمَّا الخلَّة فخاصَّة، وقَول بعض النَّاس: إِنْ مُحَمَّدًا حبيب الله، وإِبْرَاهِيم خَلِيل الله، وظنه أَنْ المحبَّة فَوق الخلَّة؛ قَول ضَعِيف؛ فَإِنْ مُحَمَّدًا-أَيْضًا-خَلِيل الله، كَمَا ثَبت ذَلِك فِي الأَحَادِيث الصَّحِيحَة المستفيضة.\nوكَانَ رَسُول الله ﷺ يحب المُؤمنِينَ الَّذين يُحِبُّهُمْ الله؛ لِأَنَّهُ أكمل النَّاس محبَّة لله، وأحقهم بِأَنْ يحب مَا يُحِبهُ الله، ويبغض مَا يبغضه الله، والخلة لَيْسَ لغير الله فِيهَا نصيب، بل قَالَ: «لَو كنتُ متخذًا من أهل الأَرْض خَلِيلًا لاتَّخذت أَبَا بكر خَلِيلًا» (^٣) -علم مزِيد مرتبَة الخلَّة على مُطلق المحبَّة.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٦٦٢) ومسلم (٢٣٨٤) من حديث عمرو بن العاص ﵄.\n(^٢) أخرجه البخاري (٤٢١٠) ومسلم (٢٤٠٦) من حديث سهل بن سعد ﵁.\n(^٣) أخرجه مسلم (٥٣٢) من حديث جندب ﵁ وقد تقدم.","vol":"1","page":310},{"text":"والمَقْصُود: هُو أَنْ الخلَّة والمحبة لله: تَحْقِيق عبوديته، وإِنَّمَا يغلط من يغلط فِي هَذِه من حَيْثُ يتوهمون أَنَّ العُبُودِيَّة مُجَرّد ذلٍّ وخضوع فَقَط، لَا محبَّة مَعَه، وأَن المحبَّة فِيهَا انبساط فِي الأَهْواء أَوْ إدلال لَا تَحتمله الربوبية، ولِهَذَا يُذكر عَنْ ذِي النُّون: أَنهم تكلمُوا عِنْده فِي مَسْأَلَة المحبَّة؛ فَقَالَ: «أَمْسكُوا عَنْ هَذِه المَسْأَلَة لَا تسمعها النُّفُوس فتدَّعيها».\nونعلم أن إيمان أهل السنة بالصفات إيمان وجود، فإن كانت الخلة أو المحبة أمورًا شعورية وأكثر منها أمورًا حسية، فإن تعريف هذه الصفات هكذا إنما هو بالنسبة لاتصاف المخلوقين بها، ولا يعني أن يكون هذا هو تعريفها في حق الخالق ﷾؛ وإنما يكون إثباتها للخالق إثبات وجود لا إثبات كيف.\nوقال شارح الطحاوية: \"ثبت له ﷺ أعلى مراتب المحبة، وهي الخلة، كما صح عنه ﷺ أنه قال: «إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا. وقال: ولو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن صاحبكم خليل الرحمن». والحديثان في الصحيح وهما يبطلان قول من قال: الخلة لإبراهيم والمحبة لمحمد، فإبراهيم خليل الله ومحمد حبيبه. وفي الصحيح أيضا: «إني أبرأ إلى كل خليل من خلته». والمحبة قد ثبتت لغيره. قال تعالى: ﴿والله يحب المحسنين﴾. ﴿فإن الله يحب المتقين﴾. ﴿إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين﴾ \" (^١).\n_________\n(^١) شرح الطحاوية لابن أبي العز (١/ ٣١٣).","vol":"1","page":311},{"text":"وقال ابن تيمية: \"ونعتقد أن الله تعالى اتخذ إبراهيم خليلا واتخذ نبينا محمدا ﷺ خليلا وحبيبا والخلة لهما منه على خلاف ما قاله المعتزلة: إن الخلة الفقر والحاجة. إلى أن قال: \" والخلة والمحبة صفتان لله هو موصوف بهما ولا تدخل أوصافه تحت التكييف والتشبيه وصفات الخلق من المحبة والخلة جائز عليها الكيف؛ فأما صفاته تعالى فمعلومة في العلم وموجودة في التعريف قد انتفي عنهما التشبيه فالإيمان به واجب واسم الكيفية عن ذلك ساقط\" (^١).\n_________\n(^١) العقيدة الحموية الكبرى (١/ ٥٨).","vol":"1","page":312},{"text":"قال المصنف-رحمه الله تعالى-:\n\"و<span data-type='title' id=toc-87>الصراط حق\".</span>\n<hr><s0>\n\n\nقال ابن القيم-﵀: \"ولا ريب أن كل من له التفات إلى سنة رسول الله صلى الله وعليه وسلم واعتناء بها يشهدون شهادة جازمة أن المؤمنين يرون ربهم عيانا يوم القيامة، وإن قومًا من أهل التوحيد يدخلون النار ثم يخرجون منها بالشفاعة، وأن الصراط حق، وتكليم الله لعباده يوم القيامة كذلك\" (^١)\nوروي عن الإمام سفيان بن عيينة في اعتقاده قوله: السنة عشرة فمن كن فيه فقد استكمل السنة ومن ترك منها شيئا فقد ترك السنة: إثبات القدر وتقديم أبي بكر وعمر والحوض والشفاعة والميزان والصراط والإيمان قول وعمل والقرآن كلام الله وعذاب القبر والبعث يوم القيامة ولا تقطعوا بالشهادة على مسلم. (^٢)\nوقال شيخ الاسلام: \"إذا ثبتت الرسالة ثبت ما أخبر به الرسول مما ينكره بعض أهل البدع كعذاب القبر وسؤال منكر ونكير وكالصراط والشفاعة\" (^٣).\nحديث أبي بكرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: «يحمل\n_________\n(^١) \"مختصر الصواعق للموصلي\" ٤٨٠.\n(^٢) رواه الإمام اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (١/ ١٥٦)\n(^٣) الأصفهانية (٢/ ٢١٤).","vol":"1","page":313},{"text":"الناس على الصراط، فينجي الله من شاء برحمته ثم يؤذن للملائكة، والنبيين، والشهداء، والصديقين فيشفعون» الحديث (^١).\nالصِّراط: جِسر منصوب على مَتن جهنم بين الجَنَّة والنَّار، يَمُرُّ النَّاسُ عليه على قَدْرِ أعمالِهم.\nقال السفاريني ﵀: «والصراط شرعًا: جِسر ممدود على مَتن جهنم يَرده الأولون والآخرون، فهو قنطرة جهنم بين الجنة والنار، وخُلِق مِنْ حين خُلِقت جهنم» (^٢).\nوفي قوله ﷾: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: ٧١، ٧٢].\nقال الشيخ السعدي: «هذا خطابٌ لسائر الخلائق؛ بَرِّهم وفاجرهم، ومؤمنهم وكافرهم: أنَّه ما منهم مِنْ أحدٍ إلا سيرد النار حكمًا حَتمه الله على نفسه، وأوعد به عباده، فلا بد مِنْ نفوذه، ولا محيد عن وقوعه» (^٣).\nفالناس سيردون جهنم؛ لأنَّ الصراط مَنصوب على مَتْنِها.\n_________\n(^١) رواه أحمد (٥/ ٤٣) (٢٠٤٥٧)، والطبراني في «المعجم الصغير» (٢/ ١٤٢) (٩٢٩)، وابن أبي عاصم في «السنة» (ص: ٨٣٧). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٣٦٢): رجاله رجال الصحيح، وقال السيوطي في «البدور السافرة» (٢٥١): إسناده صحيح.\n(^٢) لوامع الأنوار البهية» للسفاريني (٢/ ١٨٩).\n(^٣) «تفسير السعدي» (٥٨٠).","vol":"1","page":314},{"text":"وتختلف أحوال الناس في المرور عليه، كما جاء عن ابن مسعود ﵁: أن النبي ﷺ قال: «يَرِدُ الناس النَّارَ، ثم يَصدرون عنها بأعمالهم؛ فأولهم كلمح البَرق، ثم كالرِّيح، ثم كحُضْر الفرس (^١)، ثم كالرَّاكب في رَحْلِه، ثم كَشَدِّ الرَّجل ثم كمَشيه» (^٢).\nوقد جاء في وصفه أنه: صراطٌ دقيق جدًّا، فعن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه قال: «بَلغني أنَّ الجسر أدق من الشعرة، وأحَدُّ من السيف» (^٣).\nوالصِّراط مِنْ عرصات وأهوال يوم القيامة، وأول مَنْ يجوز عليه: النبيُّ ﷺ وأمته؛ فعن أبي هريرة ﵁: «… ويُضْرَبُ الصِّراط بين ظَهْري جَهَنَّم فأكونُ أنا وأُمَّتي أَوَّل مَنْ يُجيزها، ولا يتكلم يومئذ إلَّا الرُّسل، ودَعوى الرُّسل يَومئذ: اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ، وفي جهنم كلاليب مِثل شَوْك السَّعدان؛ هل رأيتم السَّعدان؟»، قالوا: نَعم يا رسول الله. قال: «فإنَّها مِثل شَوك السَّعدان غَير أنَّه لا يَعلم قَدْرَ عِظَمِها إلَّا الله ﷿، تَخطف النَّاسَ بأعمالهم، فمَنهم المُوبق بعملِه، والمُوثق بعمله، ومنهم المُخَرْدَل والمُجَازَى» (^٤).\n_________\n(^١) أي: جريه، وهو العَدْوُ الشَّديد.\n(^٢) أخرجه الترمذي (٣١٥٩)، والدارمي (٢٨٥٢)، وقال: «حديث حسن»، وصححه الألباني في «صحيح الترمذي» (٢٥٢٦).\n(^٣) أخرجه مسلم (١٨٣).\n(^٤) أخرجه البخاري (٧٤٣٧) ومسلم (١٨٢).","vol":"1","page":315},{"text":"قال الإمامُ القرطبيُّ رحمه الله تعالى: «فَتَفَكَّر الآن فيما يَحِلُّ بك من الفَزع بفؤادك إذا رأيتَ الصِّراط ودِقَّتَه، ثُمَّ وَقَعَ بصرُك على سَوَادِ جَهنم من تحته، ثم قَرَعَ سَمْعَك شَهِيقُ النارِ وتَغَيُّظُها، وقد كُلِّفْت أن تَمشي على الصِّراط مع ضَعف حالك، واضطراب قلبِك، وتَزَلزُلِ قَدَمِك، وثِقَل ظَهْرك بالأوزار المانعة لك مِنْ المَشي على بساط الأرض فضلًا عن حِدَّة الصِّراط، فكيف بك إذا وَضَعْتَ عليه إحدى رِجليك فَأَحْسَسْتَ بِحِدَّتِه، واضطررت إلى أن تَرفع القَدَم الثاني، والخلائق بين يديك يَزِلُّون ويَعثرون، وتتناولهم زبانيةُ النَّار بالخطاطيف والكلاليب، وأنت تنظر إليهم كيف ينكسون فَتَسْفُل إلى جهة النار رُءوسهم، وتَعْلُو أَرْجُلُهم؛ فَيَا له مِنْ مَنظر ما أَفْظَعَه! ومُرْتَقًى ما أَصْعَبَه! ومَجاز ما أَضْيَقَه!» (^١).\nومع كل هذا فالمؤمن يمر عليه مرورًا سريعًا جدًّا.\nولذلك لا بد أن يعلم الإنسان أنه إذا أراد اجتياز الصراط إلى الجنة: أنه مطالب بمجاهدة نفسه في هذه الحياة؛ للثبات على منهج الله، وعليه النظر فيما هو مُقدم عليه من هذه الأهوال؛ قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر: ١٨]؛ وإذا كان الإنسان يحتاط جدًّا في سفر الدنيا وخاصة إذا سَمِع أن فيه مشقة، وأنه قد يُصيبه العنت فيه-فماذا قَدَّم ليوم القيامة وما فيه من كربات وأهوال؟\n_________\n(^١) «التذكرة» (ص ٢٨٩).","vol":"1","page":316},{"text":"وليحاسب نفسه هنا: لماذا هذه الغشاوة التي على عينيه، ولماذا هذه الغفلة التي في قلبه عن هذا المصير المحتوم؟! ولماذا الركون إلى الدنيا وعدم استثمار الأنفاس فيما ينفع وينجي في هذا اليوم؟!\nفكيف يوقن العبد بهذه الحقائق ومع ذلك يفرط في جنب الله؟!\nولماذا لا يجتهد في تحصيل مرضاة الله؟!\nوليعلم كل امرئ أن نفسه إن لم يشغلها بالحق شغلته بالباطل، وأن الله قد أعطاه قوة كامنة في نفسه؛ إمَّا أن يُوجهها للخير، وإما أن يوجهها للشر، ولا ينفعه يوم القيامة إلا ما قَدَّمه من أعمال صالحة في هذه الحياة صار قلبه بها سليمًا؛ كما قال الله ﷾ عن الخليل إبراهيم ﵇: ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٧ - ٨٩].\nفعلى حسب حال المؤمن هنا من التنافس في فعل الخيرات، والمسارعة إلى مغفرة الله-سيكون حاله في الآخرة على الصراط؛ فمن استقام على صراط الله (منهجه) في الدنيا-ثَبَّته الله على الصراط المنصوب على ظهر جهنم؛ فاللهم ثَبِّتنا وسَلِّمنا دنيا وآخرة.","vol":"1","page":317},{"text":"قال المصنف-﵀:\n\n\"و<span data-type='title' id=toc-88>الميزان حق\"</span> (^١).\n<hr><s0>\n\nفي هذا النص مسائل:\n\nالمسألة الأولى:<span data-type='title' id=toc-89> معنى الميزان في اللغة </span>(^٢):\n• أصل الكلمة:\nأصله من مِوْزان؛ انقلبت الواو ياء لكسر ما قبلها، وجمعه موازين.\nقال الجوهري رحمه الله تعالى: \" … وأصله مِوْزانٌ، انقلبت الواو ياءً لكسر ما قبلها … ووزنتُ الشيء وزنًا وزِنَة، ويقال: وَزَنْتُ فلانًا ووَزَنْتُ لفلان، قال تعالى: ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: ٣]، وهذا يزن درهمًا\" (^٣).\n• وزنها وتصاريفها: الميزان مأخوذ من (وزن)، (يزن)، (وزنًا)، و(زنةً)، وأصله (مِوزَان) انقلبت الواو ياءً لكسر ما قبلها فصار (ميزان)، ويتعدَّى باللام وبدونها.\n_________\n(^١) في مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص: (٢٢٧) ومختصر الحجة (٣٧٣) تقدمت هذه الفقرة على التي قبلها.\n(^٢) المصدر: الحياة الآخرة للدكتور غالب العواجي ٢/ ١٠٨٣\n(^٣) \"الصحاح للجوهري، مادة: (وزن)، (٦/ ٢٢١٣).","vol":"1","page":318},{"text":"قال ابن فارس رحمه الله تعالى: \"الْوَاوُ وَالزَّاءُ وَالنُّونُ: بِنَاءٌ يَدُلُّ عَلَى تَعْدِيلٍ وَاسْتِقَامَةٍ: وَوَزَنْتُ الشَّيْءَ وَزْنًا، وَالزِّنَةُ قَدْرُ وَزْنِ الشَّيْءِ، وَالْأَصْلُ وَزْنَةٌ … وَهَذَا يُوَازِنُ ذَلِكَ، أَيْ: هُوَ مُحَاذِيهِ، وَوَزِينُ الرَّأْيِ: مُعْتَدِلُهُ، وَهُوَ رَاجِحُ الْوَزْنِ: إِذَا نَسَبُوهُ إِلَى رَجَاحَةِ الرَّأْيِ وَشِدَّةِ الْعَقْلِ\" (^١).\n• معانيها:\nقال الليث: (الوزن ثقل شيء بشيء مثله) (^٢).\nوالميزان: اسم للآلة التي يوزن بها الأشياء، أو هو ما تُقَدَّرُ به الأشياء خفةً وثقلًا.\nوقد أطلقت لفظة الوزن والميزان على عدة معان:\nالمعنى الأول: فهو يطلق ويراد به بيان قدر الشيء وقيمته، أو خسة الشيء وسقوطه، كما قال تعالى: فلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا [الكهف: ١٠٥].\nقال ابن الأعرابي: العرب تقول: (ما لفلان عندنا وزن أي قدر؛ لخسته، ويقال: وزن الشيء إذا قدره، وزن ثمر النخيل إذا خرصه) (^٣).\nالمعنى الثاني: أن الميزان يأتي في باب اللغة مرادًا به الميزان ذي الكفات.\nالمعنى الثالث: ويأتي مرادًا به العدل أيضًا.\n_________\n(^١) \"معجم مقاييس اللغة\"؛ لأحمد بن فارس مادة: (و-ز-ن)، (٦/ ١٠٧).\n(^٢) لسان العرب ١٥/ ٢٠٦\n(^٣) \"تهذيب اللغة\"؛ للأزهري، مادة: (و-ز-ن)، (١٣/ ١٧٥).","vol":"1","page":319},{"text":"المعنى الرابع: كما يأتي ويراد به الكتاب الذي فيه أعمال الخلق.\nثم قال: وهذا كله في باب اللغة والاحتجاج سائغ (^١).\nوقال الراغب: الوزن معرفة قدر الشيء … والمتعارف في الوزن عند العامة ما يقدر بالقسط والقبان. (^٢)\nثم ذكر بعض الآيات التي تدل على أنه يأتي مرادًا به المعادلة في جميع ما يتحراه الإنسان من الأفعال والأقوال، مثل قوله تعالى: وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ. [الشعراء: ١٨٢]، وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ [الرحمن: ٩].\nوأنه يأتي بمعنى العدل في محاسبة الناس، كما قال تعالى: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ [الأنبياء: ٤٧].\n• استعمالاتها:\nأما الميزان؛ فهو: (الآلة التي يوزن بها الأشياء) ويجمع على: موازين.\n(وجائز أن يقال للميزان الواحد - بأوزانه وجميع آلته - الموازين، قال الله ﷿: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ [الأنبياء: ٤٧] يريد نضع الميزان ذا القسط. وسيأتي تفصيل هذا.\nوجاء إطلاق الموازين على الأعمال:\nكما قال تعالى: (وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ\n_________\n(^١) \"تهذيب اللغة\"؛ للأزهري، مادة: (وز ن)، (١٣/ ١٧٥).\n(^٢) المفردات في غريب القرآن\"؛ للراغب الأصفهاني، (ص ٨٦٨).","vol":"1","page":320},{"text":"الْمُفْلِحُونَ) [الأعراف: ٨]\nقال الأزهري: (أراد والله أعلم-: فمن ثقلت أعماله التي هي حسناته).\nوذكر الراغب: (أن مجيء الميزان على صيغة الجمع تارة، ومجيئه تارة أخرى بالإفراد فإنما هو باعتبار المحاسب والمحاسبين، فمجيئه بلفظ الواحد اعتبارًا بالمحاسب، ومجيئه بالجمع اعتبارًا بالمحاسبين)\n\nالمسألة الثانية:<span data-type='title' id=toc-90> الأدلة على ثبوت الميزان.</span>\nأولًا: الأدلة من القرآن:\nومن أدلة الكتاب العزيز:\n• وقوله:﴾ وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ ﴿[الأعراف: ٨، ٩].\n• وقال جل وعلا: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧].\n• وقال ﷿: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩)﴾ [القارعة: ٦ - ٩]، وغير ذلك.\nثانيًا: الأدلة من السنة:\n• عن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسولَ الله-ﷺ-قال: «كَلِمَتان خَفِيفتان على اللِّسان، ثَقِيلتان في المِيزان، حَبِيبتان إلى الرَّحمن: سُبحان الله وبحمده،","vol":"1","page":321},{"text":"سبحان الله العظيم» (^١).\n• وعن أبي هريرة ﵁ أيضًا: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «إنَّه لَيُؤتى بالرَّجل العَظيم السَّمين يوم القيامة لا يَزن عند الله جناح بَعُوضة، وقال: اقْرءوا إن شئتم: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥]» (^٢).\n• وعن عبد الله بن عُمر أنَّ رسولَ الله-ﷺ-قال: «إنَّ الله سَيُخَلِّصُ رجلًا من أُمَّتي على رُءوس الخَلائق يوم القيامة، فَيَنْشُر عليه تِسعة وتِسعين سِجلًّا، كُلُّ سِجِلٍّ مَدَّ البَصر، ثُمَّ يقول له: أَتُنْكِر مِنْ هذا شيئًا؟ أَظَلَمَتك كَتَبَتي الحَافظون؟ قال: لا يا رب. فيقول: أَلَكَ عُذْرٌ أو حَسَنة؟ فيهيب الرجل، فيقول: لا يا رب، فيقول: بلى، إنَّ لك عندنا حسنة واحدة، لا ظُلم عليك؛ فَتُخرج له بطاقةٌ فيها أشهدُ أن لا إله إلا الله وأن مُحَمَّدًا رسولُ الله. فيقول: أَحْضِروه. فيقول: يا رب، وما هذه البطاقة مع هذه السِّجلات؟ فيُقال: إنَّك لا تُظلم. قال: فَتُوضع السِّجلات في كِفَّة والبطاقة في كِفَّة، قال: فَطاشت السِّجلات، وثَقُلت البِطاقة، ولا يَثْقُل شيءٌ بِسمِ الله الرَّحمنِ الرَّحيمِ» (^٣).\n• وعن ابن مسعود ﵁: أنَّه كان يَجني سِوَاكًا من الأَرَاك، وكان دقيقَ السَّاقين، فَجَعَلت الرِّيح تَكفؤه، فَضَحِك القومُ مِنه، فقال رسولُ الله-ﷺ:» مِمَّ تَضْحَكُون؟ «. قالوا: يا نَبِيَّ الله مِنْ دِقَّة سَاقيه. فقال:» والَّذي نَفْسِي بيدِه لَهُما\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٤٠٦) ومسلم (٢٦٩٤)\n(^٢) أخرجه البخاري (٤٧٢٩) ومسلم (٢٧٨٥).\n(^٣) أخرجه أحمد في «مسنده» (٢/ ٢١٣) (٦٩٩٤)، والترمذي (٢٦٣٩)، وصححه الألباني في «الصحيحة» (١٣٥).","vol":"1","page":322},{"text":"أثقلُ في المِيزان مِنْ أُحُدٍ» (^١).\n• وعن أبي مالكٍ الأشعريِّ ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ-ﷺ: «الطُّهورُ شَطْرُ الإيمانِ، والحمدُ للهِ تَمْلَأُ المِيزانَ» (^٢).\nثالثًا: دليل الإجماع:\nفقد أجمع السلف على ثبوت ذلك.\nقال ابن حجر: قال أبو إسحاق الزجاج: أجمع أهل السنة على الإيمان بالميزان، وأن أعمال العباد توزن به يوم القيامة، وأنكرت المعتزلة الميزان، وقالوا: هو عبارة عن العدل، فخالفوا الكتاب والسنة؛ لأن الله أخبر أنه يضع الموازين لوزن الأعمال؛ ليرى العباد أعمالهم ممثلةً ليكونوا على أنفسهم شهداء.\nقال القرطبي: «قد بلغت أحاديثه-أي: الميزان-مبلغ التواتر، وانعقد إجماع أهل الحق من المسلمين عليه» (^٣).\n• وقال في موضع آخر: «أَجْمَع أكابرُ مُحَقِّقي هذه الأمة من أهل السُّنَّة بأنَّ الإيمان بثبوت الوزن والميزان حقٌّ واجبٌ وفَرْضٌ لازبٌ لِثُبوته، وعدم\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في «مسنده» (١/ ١١٤) (٩٢٠)، وابن حبان في «صحيحه» (٧٠٦٩)، وصححه الألباني في «الصحيحة» (٢٧٥٠).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٢٣).\n(^٣) «لوامع الأنوار البهية» (٢/ ١٨٤، ١٨٥).","vol":"1","page":323},{"text":"استحالة ذلك عقلًا» (^١).\n• قال السفاريني رحمه الله تعالى: \"فَقَدْ دَلَّتِ الْآثَارُ عَلَى أَنَّهُ مِيزَانٌ حَقِيقِيٌّ ذُو كِفَّتَيْنِ وَلِسَانٍ … وَقَدْ بَلَغَتْ أَحَادِيثُهُ مَبْلَغَ التَّوَاتُرِ، وَانْعَقَدَ إِجْمَاعُ أَهْلِ الْحَقِّ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْه\" (^٢)\n\nالمسألة الثالثة:<span data-type='title' id=toc-91> معنى الميزان في الشرع.</span>\nالميزان في الشرع: هو ما يضعُه الله يوم القيامة لوزن أعمال العباد.\nوالميزان الذي تُوزن بِهِ الأعمال هو: ميزان حسيٌّ حقيقي، له كفتان، وفي بعض الروايات: \"ولسان\"، والميزان عند أهل السنة ميزانٌ حقيقي توزن به أعمال العباد، وخالف في هذا القول المعتزلة وقلة قليلةٌ من أهل السنة.\nأقوال علماء الأمة:\n• قال السَّفارينيُّ: «قال علماؤنا كغيرهم: نُؤمن بأن الميزان الذي تُوزن به الحسنات والسيئات حقٌّ، قالوا: وله لسان وكفتان تُوزن به صحائف الأعمال؛ قال ابن عباس ﵄: تُوزن الحسنات في أحسن صورة، والسيئات في أقبح صورة.\n• قال العلامة الشيخ مرعي في «بهجته»: الصحيح: أنَّ المراد بالميزان: الميزان الحقيقي لا مجرد العدل، خلافًا لبعضهم.\n_________\n(^١) «لوائح الأنوار السنية» (٢/ ١٧٩).\n(^٢) لوامع الأنوار البهية (٢/ ١٨٥).","vol":"1","page":324},{"text":"• وقال القرطبي في «تذكرته»: «قال العلماء: إذا انقضى الحساب كان بعده وزن الأعمال؛ لأن الوزن للجزاء، فينبغي أن يكون بعد المحاسبة لتقرير الأعمال، والوزن لإظهار مقاديرها؛ ليكون الجزاء بحسبها». (^١)\nالذين خالفوا قول الجمهور في الميزان:\nقال ابن فورك: أنكرت المعتزلة الميزان، بناء منهم على أن الأعراض يستحيل وزنها؛ إذ لا تُقَوَّم بأنفسها. قال: وروى بعض المتكلمين عن ابن عباس: \"أن الله تعالى يقلب الأعراض أجسامًا، فيزنها\"، وقد ذهب بعض السلف إلى أن الميزان بمعنى العدل والقضاء، وعَزَا الطبري القول بذلك إلى مجاهد، والراجح ما ذهب إليه الجمهور، وهو أن الميزان ميزان حقيقي توزنُ بِهِ أعمالُ العباد. (^٢)\n\nالمسألة الرابعة:<span data-type='title' id=toc-92> صفات الميزان.</span>\nالواقع أن العلماء لم يتفقوا على إثبات أوصاف الميزان-وقد تقدمت الإشارة إلى بعض الجوانب في وجوب الإيمان بالميزان، ومواقف الناس في ذلك-وأما خلافهم في ثبوت صفاته فقد انقسموا إلى فريقين:\n١ - أما الفريق الأول: فهم المثبتون لصفات الميزان الحسية، من أن له كفتين … إلى آخر أوصافه، وهؤلاء وإن أثبتوا هذا لكنهم يرجعون صفة تلك الكفات\n_________\n(^١) «لوامع الأنوار البهية» (٢/ ١٨٤، ١٨٥).\n(^٢) انظر: التذكرة (ص ٣٠٩).","vol":"1","page":325},{"text":"واللسان إلى علم الله تعالى.\n٢ - أما الفريق الآخر: فهم النافون لتلك الصفات.\nوسنذكر رأي الفريقين فيما يلي: -\n(١) المثبتون لصفات الميزان:\nيثبت هؤلاء-وهم جمهور العلماء-أن الميزان له كفتان حسيتان مشاهدتان، وله لسان كذلك.\nيقررون هذه الحقيقة غير ملتفتين إلى من تشمئز قلوبهم من سماعها، لعدم قبول عقولهم لها، وعدم تفهم ما ورد عن المصطفى ﷺ في ذلك. ذلك أن الحق ضالة المؤمن، وما ورد به الشرع هو الذي ينبغي أن يقدم على هوى النفس وحكم العقل.\nوسنذكر فيما يلي بعض أقوال هؤلاء كأمثلة على ثبوت ما ذكرنا.\nقال القرطبي-ردًّا على من ينكر الميزان، ويؤول الوزن بأنه من ضرب المثل، وأن الوزن يراد به العدل والقضاء-قال: (وهذا مجاز. وليس بشيء، وإن كان شائعًا في اللغة - للسنة الثابتة في الميزان الحقيقي، ووصفه بكفتين ولسان، وأن كل كفة منها طباق السموات والأرض) (^١).\nويعزو القرطبي إلى ابن عباس أنه قال: (توزن الحسنات والسيئات في ميزان له كفتان ولسان) (^٢).\n_________\n(^١) التذكرة، ص ٣٧٨.\n(^٢) التذكرة، ص ٣٧٨.","vol":"1","page":326},{"text":"وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس أنه قال: (الميزان له لسان وكفتان، يوزن فيه الحسنات والسيئات، فيؤتى بالحسنات في أحسن صورة فتوضع في كفة الميزان، فتثقل على السيئات؛ فتؤخذ فتوضع في الجنة … ويؤتى بالسيئات في أقبح صورة فتوضع في كفة الميزان فتخف …) (^١).\nويقول ابن قدامة: (والميزان له كفتان ولسان، توزن به الأعمال، فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ [المؤمنون: ١٠٢، ١٠٣]) (^٢).\nويقول أبو الحسن الأشعري في معرض بيانه لاختلاف الناس في الميزان ومبينًا رأي أهل السنة: فقال أهل الحق: (له لسان وكفتان، توزن في إحدى كفتيه الحسنات وفي الأخرى السيئات، فمن رجحت حسناته؛ دخل الجنة، ومن رجحت سيئاته دخل النار، ومن تساوت حسناته وسيئاته، تفضل الله عليه فأدخله الجنة) (^٣).\nويثبت ابن كثير أن للميزان كفتين حسيتين، ويستدل على هذا من السنة بحديث صاحب البطاقة المشهور وغيره من الأحاديث (^٤).\nوأخرج الطبري عن ابن جريج قال: قال لي عمرو بن دينار: (قوله: وَالْوَزْنُ\n_________\n(^١) الدر المنثور، (٣/ ٧٠)\n(^٢) ابن قدامة في لمعة الاعتقاد، ص ٣٣.\n(^٣) المقالات، (٢/ ١٦٤)\n(^٤) النهاية، (٢/ ٢٤).","vol":"1","page":327},{"text":"يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ [الأعراف: ٨] قال: إنا نرى ميزانًا وكفتين، سمعت عبيد بن عمير يقول: يجعل الرجل العظيم الطويل في الميزان، ثم لا يقوم بجناح ذباب) (^١). وهو القول الذي رجحه الطبري أيضًا.\nويقول ابن أبي العز: (والذي دلت عليه السنة: أن ميزان الأعمال له كفتان حسيتان مشاهدتان) (^٢).\nوقال أبو إسحاق الزجاج - كما نقل عنه الحافظ ابن حجر: (أجمع أهل السنة على الإيمان بالميزان، وأن أعمال العباد توزن يوم القيامة، وأن الميزان له لسان وكفتان، ويميل بالأعمال) (^٣).\nويقول السفاريني: (فقد دلت الآثار على أنه ميزان حقيقي ذو كفتين ولسان، كما قال ابن عباس، والحسن البصري، وصرح بذلك علماؤنا، والأشعرية وغيرهم، وقد بلغت أحاديثه مبلغ التواتر، وانعقد إجماع أهل الحق من المسلمين عليه) (^٤).\nويقول البرديسي: (وانعقد الإجماع على أنه ميزان حسي له كفتان ولسان يوضع فيه صحف أعمال العباد ليظهر الرابح والخاسر) (^٥).\n_________\n(^١) جامع البيان، (٨/ ١٢٣).\n(^٢) الطحاوية، ص ٤٧٢.\n(^٣) نقله عنه الحافظ ابن حجر في، فتح الباري، (١٣/ ٥٣٨).\n(^٤) لوامع الأنوار، (٢/ ١٥٢).\n(^٥) تكملة شرح الصدور، ص ١٤.","vol":"1","page":328},{"text":"ويروى من طريق عبد الملك بن أبي سليمان أنه قال: (ذكر الميزان عند الحسن فقال: له لسان وكفتان) (^١).\nوعن سليمان قال: (يوضع الميزان وله كفتان، لو وضع في إحداهما السموات والأرض ومن فيهن لوسعته) (^٢).\nويقول الهراس: (وهناك تنصب الموازين فتوزن بها أعمال العباد، وهي موازين حقيقية كل ميزان منها له لسان وكفتان، ويقلب الله أعمال العباد - وهي أعراض - أجسامًا لها ثقل، فتوضع الحسنات في كفة والسيئات في كفة) (^٣).\nونقتصر في إثبات أن الميزان له لسان وكفتان على ما قدمناه من ذكر أقوال العلماء.\nوبهذا يتبين أن أهل الحق - أهل السنة والجماعة - يثبتون حقيقة الميزان على ضوء ما جاء في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ، لا يتأولون معناه، ولا يردون ما جاء في وصفه، ويقولون: الله وحده هو الذي يعلم قدرهما وكيفيتهما.\nإذ لو لم يكن له لسان وكفتان؛ بل هو بمعنى العدل والقضاء كما ذهب إليه بعض العلماء، لو لم يكن كذلك لما وصف في السنة النبوية بأن له لسانا وكفتين، وأنه يخف ويثقل؛ إذ العدل لا يقال فيه تلك الصفات، فصح أنه ميزان\n_________\n(^١) تفسير المنار، (٨/ ٣٢٢).\n(^٢) فتح الباري، (١٣/ ٥٣٩).\n(^٣) شرح العقيدة الواسطية، (ص ١٢٣).","vol":"1","page":329},{"text":"حقيقي يزن الله فيه أعمال العباد، فمن رجحت حسناته على سيئاته دخل الجنة، ومن رجحت سيئاته على حسناته دخل النار، على ما علم من مذهب السلف.\nوإذ كنا نثبت صفات الميزان على ضوء ما جاء به الشرع فإنه لا ينبغي أن نتكلف فنثبت له أوصافًا تحتاج إلى إثبات من الشارع، أو نستند إلى أخبار لم تثبت، فإن الغلو في هذا مذموم.\nوكمثال على هذا: ما يذهب إليه بعض الناس من أن كفتي الميزان من ذهب (^١).\nأو القول بأن كفة الحسنات من نور، وكفة السيئات من ظلام (^٢).\nأو أن كفة الحسنات عن يمين العرش مقابل الجنة، وكفة السيئات عن يسار العرش مقابل النار (^٣).\nأو ما يقال إن صاحب الميزان يوم القيامة هو جبريل ﵇ (^٤).\nفتلك المسائل كلها تحتاج لإثباتها - فضلًا عن اعتقادها - إلى نص صحيح، فإن بعض العلماء يتساهل فيما يقرره من هذه المسائل، مثل ما يرويه السفاريني بصيغة التضعيف-يروى- (أن داود ﵇ سأل ربه أن يريه الميزان، فلما رآه\n_________\n(^١) الفصل لابن حزم، (٤/ ٦٥).\n(^٢) التذكرة، ص ٣١٣.\n(^٣) التذكرة، ص ٣١٤، وعزاه إلى الترمذي الحكيم.\n(^٤) أخرجه الطبري في (جامع البيان) (٨/ ١٢٣) عن الحارث، قال: ثنا عبد العزيز قال: ثنا يوسف بن صهيب، عن موسى بن بلال ابن يحيى، عن حذيفة.","vol":"1","page":330},{"text":"غشي عليه، فلما أفاق قال: إلهي من ذا الذي يقدر يملأ كفة حسناته؟ فقال: إذا رضيت عن عبدي ملأتها بتمرة) (^١).\nأو ما يذكره عن عبد الله بن سلام ﵁-غير معزو إلى أحد-أنه قال: (ميزان رب العالمين ينصب للجن والإنس، يستقبل به العرش، إحدى كفتيه على الجنة، والأخرى على جهنم، لو وضعت السموات والأرض في إحداهما لوسعتهن، وجبريل آخذ بعمود ينظر إلى لسانه) (^٢).\nوكذا ما يروى عن عمر مرفوعًا: «من كبر تكبيرة في سبيل الله، كانت صخرة في ميزانه أثقل من السموات السبع وما فيهن وما تحتهن، وأعطاه الله بها رضوانه الأكبر، وجمع بينه وبين محمد وإبراهيم والمرسلين في دار الجلال: ينظر إلى الله بكرة وعشيًا» (^٣).\nوفي رواية أخرى عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «من كبر تكبيرة على ساحل البحر، كان في ميزانه صخرة، قيل: يا رسول الله، وما قدرها؟ قال: تملأ ما بين السموات والأرض» (^٤).\nويقول السفاريني: (ظواهر الآثار وأقوال العلماء: أن كيفية الوزن في\n_________\n(^١) ذكره السفاريني في (لوامع الأنوار) (٢/ ١٨٤) وعزاه إلى الرازي والثعلبي\n(^٢) لوامع الأنوار، (٢/ ١٨٤) ولم يعزه إلى أحد.\n(^٣) قال السيوطي في (اللآلئ المصنوعة): (قال ابن حبان لا أصل له، وإسحاق يأتي بالموضوعات عن الثقات، قلت-وكذا قال الدارقطني في (غرائب مالك) إنه موضوع (٢/ ١٣٧).\n(^٤) قال ابن عدي: (هذا ما وضعه النخعي، وزيد ليس بشيء) (اللآلئ المصنوعة) (٢/ ١٣٧).","vol":"1","page":331},{"text":"الآخرة-خفة وثقلًا-مثل كيفيته في الدنيا، ما ثقل نزل إلى أسفل ثم يرفع إلى عليين، وما خف طاش إلى أعلى ثم نزل إلى سجين، وبه صرح جموع، منهم القرطبي).\nوقال بعض المتأخرين بل الصفة مختلفة، وأن عمل المؤمن إذا رجح صعد وسفلت سيئته، والكافر تسفل كفته لخلو الأخرى عن الحسنات، ثم تلا قوله تعالى: (وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ([فاطر: ١٠].\nوذكر بعضهم في صفة الوزن: أن تجعل جميع أعمال العباد في الميزان في مرة واحدة، كل الحسنات في كفة النور، وهي يمين العرش جهة الجنة، والسيئات في كفة الظلمة، وهي عن يسار جهة النار، ويخلق الله لكل إنسان علمًا ضروريًا يدرك به خفة أعماله وثقلها.\nوقيل: بل علامة الرجحان عمود نور يقوم في كفة الحسنات حتى يكسو كفة السيئات، وعلامة الخفة عمود ظلمة يقوم من كفة السيئات حتى يكسو كفة الحسنات، لكل أحد (^١) والظاهر أن هذه الكيفيات كلها تحتاج إلى إثبات، فهي مسألة غيبية، والله تعالى له القدرة على ما يشاء.\n٢ - النافون لصفات الميزان:\nوهؤلاء قالوا بعكس ما قاله الفريق الأول، حيث أحجموا عن وصف\n_________\n(^١) لوامع الأنوار (٢/ ١٨٨ - ١٨٩).","vol":"1","page":332},{"text":"الميزان بالأوصاف التي تقدمت، واكتفوا بإثبات أن هناك ميزانًا فقط.\n١ - يقول محمد رشيد رضا في نفي تلك الصفات وفي رده على الزجاج: (وإذا لم يكن في الصحيحين ولا في كتب السنة المعتمدة حديث صحيح مرفوع في صفة الميزان، ولا في أن له كفتين ولسانًا، فلا تغتر بقول الزجاج أن هذا مما أجمع عليه أهل السنة، فإن كثيرًا من المصنفين يتساهلون بإطلاق كلمة الإجماع ولاسيما غير الحفاظ المتقنين، والزجاج ليس منهم، ويتساهلون في عزو كل ما يوجد في كتب أهل السنة إلى جماعتهم، وإن لم يعرف له أصل من السلف، ولا اتفق عليه الخلف منهم، وهذه المسألة مما اختلف فيه السلف والخلف كما علمت) (^١).\nوقال أيضًا: (والأصل الذي عليه سلف الأمة في الإيمان بعالم الغيب: أن كل ما ثبت من أخباره في الكتاب والسنة فهو حق لا ريب فيه، نؤمن به، ولا نحكم رأينا في صفته وكيفيته، فنؤمن إذا بأن في الأخرة وزنًا للأعمال قطعًا، ونرجع أنه بميزان يليق بذلك العالم، ويوزن به الإيمان، والأخلاق، والأعمال، ولا نبحث عن صورته وكيفيته، ولا عن كفتيه - إن صح الحديث فيهما - كما صوره الشعراني في ميزانه) (^٢).\nوالواقع أن ما قاله محمد رشيد رضا - من إنكار أن يكون هناك أي إشارة إلى أن الميزان له كفتان من السنة - غير مسلم فقد جاء في السنة بعض الأحاديث\n_________\n(^١) تفسير، المنار، (٨/ ٣٢٢).\n(^٢) تفسير المنار، (٨/ ٣٢٣).","vol":"1","page":333},{"text":"التي تدل على وزن العمل ووزن العامل وكما أخرج البخاري: «يؤتي بالرجل فيوضع في كفة» (^١) وكقوله أيضًا: «فطاشت السجلات وثقلت البطاقة» (^٢). وغيرها من الأحاديث التي قدمنا ذكرها، وفيها إشارة إلى إثبات أن ميزان الأعمال له كفتان.\nثم إن إثبات أن الميزان له كفتان لم يقل به الزجاج وحده، بل هو ما عليه الأئمة الذين قدمنا ذكر أقوالهم.\n٢ - ما علقه الدكتور طه محمد الزيني على ترجمة ابن كثير في إثبات أن للميزان كفتين حسيتين بقوله: (لا يوجد دليل قاطع في القرآن ولا في الحديث على أن كفتي ميزان الحساب يوم القيامة حسيتان - أي يدركان بإحدى الحواس الخمس، وأقرب الحواس إلى إدراك الكفتين اللمس باليد - بل كل ما في القرآن والحديث يحتمل أن يكون الوزن معنويًا، بل هو الأرجح؛ لأن الأعمال يوم القيامة أكثرها معنوي يقرب إلى الأذهان بتشبيهه بالحسيات) (^٣).\n_________\n(^١) الحديث رواه أحمد (٢٢١/ ٢) (٧٠٦٦) قال الهيثمي في (مجمع الزوائد) (١٠/ ٨٢) رواه الترمذي باختصار، رواه أحمد وفيه بن لهيعة وحديثه حسن، وبقية رجاله رجال الصحيح، وقال أحمد شاكر في (مسند أحمد) (١٢/ ٢٤): إسناده صحيح.\n(^٢) الحديث رواه الترمذي (٢٦٣٩)، وابن ماجه (٣٤٨٨) وأحمد (٢/ ٢١٣) (٦٩٩٤)، والحاكم (١/ ٤٦) من حديث ابن عمرو ﵄، قال الترمذي: حسن غريب، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح لم يخرج في الصحيحين، وهو على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، وقال البغوي في (شرح السنة) (٧/ ٤٩٠) حسن غريب.\n(^٣) النهاية، (٢/ ٩١).","vol":"1","page":334},{"text":"وهذا القول من الدكتور طه الزيني يعتبر بعيدًا عما قرره العلماء، ومخالفًا لما جاءت به السنة في وزن الأعمال، وليس ما يذكره من أعمال يوم القيامة من الأشياء المتخيلة التي يشبه فيها المعنوي بالحسي. فإن القول بهذا يفتح بابًا خطيرًا من التشكيك في أمور الآخرة، وينبغي على من يقول بهذا أن يعيد النظر فيه. (٢٩)\nالمسألة السادسة: خلاف العلماء في الميزان هل هو واحد أم متعدد:\nوقد اختلف العلماء في وحدة الميزان وتعدُّده على مذهبين:\nالمذهب الأول: القائلون بتعدد الميزان:\nقال الحسن البصري رحمه الله تعالى: \"بلغني أن لكل أحد يوم القيامة ميزانًا على حدة\" (^١).\nوقال بعضهم: الأظهر إثبات موازين يوم القيامة لا ميزان واحد؛ لقوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧]، وقوله: ﴿فمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ [الأعراف: ٨].\nوقالوا: وعلى هذا فلا يبعد أن يكون لأفعال القلوب ميزان، ولأفعال الجوارح ميزان، ولما يتعلق بالقول ميزان.\nالمذهب الثاني: القائلون بوحدة الميزان:\nفذهب هؤلاء إلى أن لكل فرد ميزانًا خاصًّا به أو لكل عمل ميزان خاص\n_________\n(^١) أورده ابن عطية في تفسيره المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، (٢/ ٣٧٦)، ونسبه إلى الحسن البصري رحمه الله تعالى.","vol":"1","page":335},{"text":"به؛ لقوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧].\nوأجابوا عن جمع كلمة (الموازين) في الآية: إلى أن الميزان واحد، وأن الجمع في الآية إنما هو باعتبار تعدُّد الأعمال أو الأشخاص.\nوقد رجَّح ابن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى بعد حكايته الخلاف أن الميزان واحد، وقال: \"والذي يترجح أنه ميزان واحد، ولا يشكل بكثرة من يوزن عمله؛ لأن أحوال القيامة لا تكيَّف بأحوال الدنيا\" (^١).\nوحَسَّنَ السفاريني رحمه الله تعالى القول بوحدة الميزان بعد ذكر الإجابة عن جمع كلمة (الموازين) في الآية بقوله: \"وَهُوَ حَسَنٌ\" (^٢).\nومن المعاصرين الذين يرون هذا القول الشيخ العثيمين رحمه الله تعالى في الجواب عن سؤال عن وحدة الميزان وتعدده، فقال-بعد ذكر الخلاف بين أهل العلم-: \"الذي يظهر-والله أعلم-أن الميزان واحد، لكنه متعدد باعتبار الموزون\" (^٣).\n\nالمسألة السابعة:<span data-type='title' id=toc-94> الأقوال في الموزون:</span>\nاختلف أهل العلم في الموزون في ذلك اليوم على أقوال:\n_________\n(^١) \"فتح الباري شرح صحيح البخاري\"؛ لابن حجر العسقلاني، (١٣/ ٥٣٨).\n(^٢) لوامع الأنوار البهية للسفاريني، (٢/ ١٨٦).\n(^٣) مجموع فتاوى ورسائل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين. (٢/ ٤٤)، جمع وترتيب: فهد بن ناصر بن إبراهيم السليمان.","vol":"1","page":336},{"text":"القول الأول: أن الذي يوزن في ذلك اليوم الأعمال نفسها، وأنها تجسم فتوضع في الميزان.\nأدلته: ويدل لذلك:\n• حديث أبي هريرة ﵁ في (الصحيح) قال: قال رسول الله ﷺ: «كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم» (^١).\n• وقد دلت نصوص كثيرة على أن الأعمال تأتي في يوم القيامة في صورةٍ الله أعلم بها، فمن ذلك: مجيء القرآن شافعًا لأصحابه في يوم القيامة، وأن البقرة وآل عمران تأتيان كأنهما غمامتان أو غيايتان، أو فرقان من طير صواف تحاجّان عن أصحابهما. ففي (صحيح مسلم) عن أبي أمامة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اقرؤوا القرآن، فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه. اقرؤوا الزهراوين: البقرة وسورة آل عمران، فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان، أو غيايتان، أو فرقان من طير صواف تحاجان عن أصحابهما» (^٢). وروى مسلم أيضًا عن النواس بن سمعان قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يؤتى بالقرآن يوم القيامة وأهله الذين كانوا يعملون به،\n_________\n(^١) رواه البخاري (٦٤٠٦)، ومسلم (٢٦٩٤).\n(^٢) رواه مسلم (٨٠٤).","vol":"1","page":337},{"text":"تقدمه سورة البقرة وآل عمران، كأنهما غمامتان، أو ظلتان بينهما شرق، أو كأنهما فرقان من طير صواف تحاجان عن صاحبهما». (^١)\nالقائلين به: هذا القول رجَّحه ابن حجر العسقلاني ونصره، فقال: والصحيح أن الأعمال هي التي توزن، وقد أخرج أبو داود والترمذي، وصححه ابن حبان عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ قال: «ما يوضع في الميزان يوم القيامة أثقل من حسن الخلق» (^٢).\nالقول الثاني: أن الذي يوزن هو العامل نفسه.\nأدلته: فقد دلَّت النصوص على أن العباد يوزنون في يوم القيامة، فيثقلون في الميزان أو يخفون بمقدار إيمانهم، لا بضخامة أجسامهم، وكثرة ما عليهم من لحم ودهن، ففي (صحيح البخاري) عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: «إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة، وقال: اقرؤوا: فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا [الكهف: ١٠٥]» (^٣).\n_________\n(^١) رواه مسلم (٨٠٥).\n(^٢) رواه أبو داود (٤٧٩٩)، والترمذي (٢٠٠٣)، وابن حبان (٢/ ٢٣٠) والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الترمذي: هذا حديث غريب من هذا الوجه. وقال الألباني في (صحيح سنن أبي داود): صحيح.\n(^٣) رواه البخاري (٤٧٢٩)، ومسلم (٢٧٨٥).","vol":"1","page":338},{"text":"ويؤتى بالرجل النحيف الضعيف دقيق الساقين فإذا به يزن الجبال، روى أحمد في (مسنده)، عن زر بن حبيش عن ابن مسعود، «أنه كان رقيق الساقين، فجعلت الريح تلقيه، فضحك القوم منه، فقال رسول الله ﷺ: مم تضحكون؟ قالوا: يا نبي الله من رقة ساقيه. قال: والذي نفسي بيده لهما أثقل في الميزان من أحد» (^١).\nالقول الثالث: أن الذي يوزن إنما هو صحائف الأعمال.\nأدلته: فقد روى الترمذي في (سننه) عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله سيخلص رجلًا من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فينشر له تسعة وتسعين سجلًا، كل سجل مثل مد البصر، ثم يقول: أتنكر من هذا شيئاَ؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا يا رب، فيقول: ألك عذر؟ فيقول: لا يا رب. فيقول الله تعالى: بلى، إن لك عندنا حسنة، فإنه لا ظلم اليوم، فتخرج بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، فيقول: احضر وزنك فيقول: يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقول: فإنك لا تظلم، فتوضع السجلات في كفة، والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات، وثقلت البطاقة، ولا يثقل مع اسم الله شيء» (^٢).\n_________\n(^١) رواه أحمد (١/ ٤٢٠) (٣٩٩١)، وقال أحمد شاكر في مسند أحمد (٦/ ٣٩): إسناده صحيح، وقال الألباني في (السلسلة الصحيحة) (٢٧٥٠): إسناده حسن وهو صحيح بطرقه الكثيرة.\n(^٢) رواه الترمذي (٢٦٣٩)، والحديث رواه ابن ماجه (٤٣٠٠)، وأحمد (٢/ ٢١٣) والحاكم (١/ ٤٦) قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح لم يخرج في (الصحيحين) وهو صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، وقال الألباني في السلسلة الصحيحة (١٣٥): وهو كما قالا.","vol":"1","page":339},{"text":"القائلين به: وقد مال القرطبي إلى هذا القول، فقال: والصحيح أن الموازين تثقل بالكتب فيها الأعمال مكتوبة، وبها تخف، قال ابن عمر: توزن صحائف الأعمال، وإذا ثبت هذا فالصحف أجسام، فيجعل الله تعالى: رجحان إحدى الكفتين على الأخرى دليلًا على كثرة أعماله بإدخاله الجنة أو النار. وقال السفاريني: والحق أن الموزون صحائف الأعمال، وصححه ابن عبد البر والقرطبي وغيرهما، وصوبه الشيخ مرعي في (بهجته)، وذهب إليه جمهور من المفسرين، وحكاه ابن عطية عن أبي المعالي.\nالقول الرابع: أن الذي يوزن هو العامل وعمله وصحف أعماله.\nأدلته: فقد دلت النصوص التي سقناها على أن كل واحد من هذه الثلاثة يوزن، ولم تنف النصوص المثبتة لوزن الواحد منها أن غيره لا يوزن، فيكون مقتضى الجمع بين النصوص إثبات الوزن للثلاثة المذكورة جميعها. وهذا ما رجحه الشيخ حافظ الحكمي فقال: والذي استظهر من النصوص - والله أعلم - أن العامل وعمله وصحيفة عمله - كل ذلك يوزن، لأن الأحاديث التي في بيان القرآن، قد وردت بكل ذلك، ولا منافاة بينها،","vol":"1","page":340},{"text":"ويدل كذلك ما رواه أحمد - رحمه الله تعالى: - عن عبد الله بن عمرو في قصة صاحب البطاقة بلفظ: قال: قال رسول الله: «توضع الموازين يوم القيامة، فيؤتى بالرجل، فيوضع في كفة، ويوضع ما أحصي عليه، فيمايل به الميزان. قال: فيبعث به إلى النار. قال: فإذا أدبر، إذ صائح من عند الرحمن-﷿-يقول: لا تعجلوا، فإنه قد بقي له، فيؤتى ببطاقة فيها لا إله إلا الله، فتوضع مع الرجل في كفة، حتى يميل به الميزان» (^١) فهذا الحديث يدل على أن العبد يوضع هو وحسناته وصحيفتها في كفة وسيئاته مع صحيفتها في الكفة الأخرى، وهذا غاية الجمع بين ما تفرق ذكره في سائر أحاديث الوزن، ولله الحمد والمنة.\n\nالمسألة السادسة:<span data-type='title' id=toc-95> كيفية وزن الأعمال</span>\nقال الإمام القرطبي ﵀: «قال علماؤنا ﵏: الناس في الآخرة ثلاث طبقات:\n• متقون لا كبائر لهم.\n• ومخلطون وهم الذين يوافون بالفواحش والكبائر.\n• والثالث: الكفار.\n_________\n(^١) رواه أحمد (٢/ ٢٢١) (٧٠٦٦)، قال الهيثمي في (مجمع الزوائد) (١٠/ ٨٢): رواه الترمذي باختصار، رواه أحمد وفيه ابن لهيعة وحديثه حسن، وبقية رجاله رجال الصحيح، وقال أحمد شاكر في (مسند أحمد) (١٢/ ٢٤): إسناده صحيح.","vol":"1","page":341},{"text":"فأمَّا المتقون: فإن حسناتهم تُوضع في الكفة النيرة، وصغائرهم-إن كانت لهم الكفة الأخرى-فلا يجعل الله لتلك الصغائر وزنًا، وتثقل الكفة النيرة حتى لا تَبرح، وترتفع المظلمة ارتفاع الفارغ الخالي.\nوأمَّا المخلطون: فحسناتهم توضع في الكفة النيرة، وسيئاتهم في الكفة المظلمة، فيكون لكبائرهم ثقل، فإن كانت الحسنات أثقل ولو بصؤابة دخل الجنة، وإن كانت السيئات أثقل ولو بصؤابة دخل النار إلا أن يغفر الله، وإن تساويا كان من أصحاب الأعراف على ما يأتي، هذا إن كانت للكبائر فيما بينه وبين الله، وأما إن كانت عليه تبعات وكانت له حسنات كثيرة فإنه ينقص من ثواب حسناته بقدر جزاء السيئات؛ لكثرة ما عليه من التبعات؛ فيُحمل عليه مِنْ أوزار مَنْ ظلمه، ثم يُعَذَّب على الجميع. هذا ما تقتضيه الأخبارُ» (^١).\nوأمَّا الكفار: فلا تُوزن أعمالهم؛ إذ لا حسنات لهم، وما قَدَّموه مِنْ عمل نافع في الدنيا فإنَّهم يجازون به في الدنيا كذلك؛ قال الله ﷾: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٥، ١٦]، فيُوفون جزاء أعمالهم النافعة في الدنيا، وأما في الآخرة فليس لهم فيها نصيب من الحسنات والأجر، وإنما يجازون بكفرهم.\n_________\n(^١) «التذكرة» للقرطبي (ص ٣٦٠).","vol":"1","page":342},{"text":"قال المصنف-﵀:\n\n\"و<span data-type='title' id=toc-96>الأنبياء حق\".</span>\n<hr><s0>\n\nالإيمان بالأنبياء والرسل أصل من أصول الدين، وأصل من أصول الإيمان، والإيمان، فلا يصح الإيمان إلا به، فمن آمن بالأنبياء كلهم وأنكر واحدًا منهم فقط كفر وكذلك الأمر في الرسل.\n• قال الله تعالى في آية البر: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: ١٧٧]، هذه خمسة أصول، والأصل السادس جاء في قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩].\n• وفي حديث جبرائيل المشهور عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ بَارِزًا يَوْمًا لِلنَّاسِ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: مَا الإِيمَانُ؟ قَالَ: «الإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَبِلِقَائِهِ، وَرُسُلِهِ وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ» (^١).\nوفي هذا النص مسائل:\n\n•<span data-type='title' id=toc-97> معنى النبوة والرسالة</span>\nجمع الله لنبيه محمد ﷺ بين النبوة والرسالة قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠].\n_________\n(^١) رواه البخاري في صحيحه (١/ ١٩)","vol":"1","page":343},{"text":"أ-معنى النبي لغة وشرعا:\n• النبوة في اللغة العربية: (^١) مشتقة إما من:\n• (النبأ)\n• أو (النباوة)\n• أو (النبوة)\n• أو (النبي)\n١ - فإذا كانت مأخوذة من (النبأ): فتكون بمعنى الإخبار، لأن النبأ هو الخبر.\n٢ - وإذا كانت مأخوذة من (النباوة أو النبوة): فتكون بمعنى الرفعة والعلو، لأن (النباوة أو النبوة: هي الشيء المرتفع).\n٣ - أما إذا كانت مأخوذة من (النبي) بدون همز: فيكون معناها الطريق إلى الله ﷿ لأن معنى \"النبي\" الطريق.\nولو نظرنا إلى النبوة الشرعية لوجدنا أنها تشمل كل هذه المعاني إذ النبوة إخبار عن الله ﷿، وهي رفعة لصاحبها لما فيها من التشريف والتكريم، وهي الطريق الموصلة إلى الله سبحانه.\n• أما النبوة في اصطلاح الشرع: \" فهي خبر خاص يكرم الله ﷿ به أحدا من عباده فيميزه عن غيره بإيحائه إليه ويوقفه به على شريعته بما فيها من أمر ونهي ووعظ وإرشاد ووعد ووعيد (^٢).\n_________\n(^١) انظر: لسان العرب مادة \"نبأ\" (١/ ١٦٢ - ١٦٣)، ومعجم مقاييس اللغة (٥/ ٣٨٤، ٣٨٥).\n(^٢) شعب الإيمان للبيهقي، الباب الثاني من شعب الإيمان (ص ٢٧٥) رسالة ماجستير في الجامعة الإسلامية بتحقيق فالح بن ثاني.","vol":"1","page":344},{"text":"أما النبي فقد اختلف العلماء في تعريفه:\n• فمنهم من قال: هو الذي أوحى الله إليه بشرع (^١) ليعمل به ولم يؤمر بتبليغه.\n• فمنهم من قال: هو الذي أوحى الله إليه أن يدعو الناس إلى شريعة رسول قبل (^٢).\n• ومنهم من قال: هو الذي أوحى الله إليه وأخبره بأمره ونهيه وخبره، ويعمل بشريعة رسول قبله بين قوم مؤمنين (^٣).\nوهذا هو الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ولعله هو أرجح الأقوال وأسلمها من الاعتراض.\nفقد اعترض على القول الأول بأنه غير صحيح لأن قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ﴾ [الحج: ٥٢]. يدل على أن كلا منهما مرسل وأنهما مع ذلك بينهما تغاير (^٤) وكذلك مما يؤكد كون الأنبياء مأمورين بتبليغ قومهم ما أوحي إليهم والحكم بينهم بذلك ما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: \"كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي وإنه لا نبي بعدي … \" الحديث (^٥).\n_________\n(^١) المصدر السابق (ص ٢٧٥)، وشرح العقيدة الطحاوية (ص ١٦٧).\n(^٢) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشيخ محمد الأمين الشنقيطي (٥/ ٧٣٥).\n(^٣) كتاب النبوات لشيخ الإسلام ابن تيمية (ص ٢٥٥).\n(^٤) أضواء البيان (٥/ ٧٣٥).\n(^٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأنبياء: باب ما ذكر عن بني إسرائيل. انظر: فتح الباري (٦/ ٤٩٥) ح ٣٤٥٥. وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة: باب الأمر بالوفاء ببيعة الخلفاء الأول فالأول (٦/ ١٧).","vol":"1","page":345},{"text":"أي تتولى أمورهم كما تفعل الأمراء والولاة بالرعية. والسياسة: القيام على الشيء بما يصلحه (^١).\nوقد اعترض على القول الثاني بأن الضابط الذي ذكروه لا يستقيم فيوسف ﵇ كان رسولا وكان على شريعة إبراهيم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا﴾ [غافر: ٣٤].\nوكذلك داود وسليمان ﵉ كانا رسولين وكانا على شريعة التوراة قال تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا، وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٣ - ١٦٤].\n٤ - معنى الرسول لغة وشرعا:\nالرسول لغة:\n• إما مأخوذ من الرِّسل.\nوالرِّسل: هو الانبعاث على تؤدة. يقال: ناقة رسله: أي سهلة السير، وإبل مراسيل: منبعثة انبعاثا سهلا. ولفظ الرسل متضمن لمعنى الرفق ومعنى الانبعاث.\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث (٢/ ٤٢١).","vol":"1","page":346},{"text":"فإذا تصور منه معنى الرفق يقال على رسلك إذا أمرته بالرفق. وإذا تصور منه معنى الانبعاث يقال إبل مراسيل أي منبعثة.\nولفظ الرسول اشتق من المعنى الثاني أي الانبعاث.\nفالرسول على هذا الاشتقاق هو المنبعث (^١)\n• وإما مأخوذ من الرَّسْل\nوهو التتابع فيقال جاءت الإبل رَسْلا أي متتابعة، ويقال جاءوا أرْسَالًا: أي متتابعين.\nومعنى الرسول على هذا الاشتقاق: هو الذي يتابع أخبار الذي بعثه (^٢).\nولو نظرنا إلى كلا الاشتقاقين فإنا نجد أن لفظ الرسول في اصطلاح الشرع يدل عليهما فالرسول مبعوث من قبل الله، وهو كذلك يتابع أخبار الوحي المنزل إليه من الله تعالى.\nولفظ الرسول تارة يقال للقول المُتَحَمَّل كقول الشاعر:\nألا بلِّغ أبا حفص رسولا\nوتارة لمُتَحَمِّل القول والرسالة (^٣)\n• والرسول في الشرع: عرف بعدة تعريفات:\n• فمن العلماء من عرفه بقوله: هو الذي أوحى الله إليه بخبر وأمره بتبليغه\n_________\n(^١) المفردات في غريب القرآن تأليف أبي القاسم حسين محمد المعروف بالراغب الأصفهاني (ص ١٩٥) مادة \"رسل\".\n(^٢) المصدر السابق (ص ١٩٥) ولسان العرب مادة \"رسل\" (١١/ ٢٨٤).\n(^٣) المصدر السابق (ص ١٩٥) ولسان العرب مادة \"رسل\" (١١/ ٢٨٤).","vol":"1","page":347},{"text":"للناس، وهؤلاء فرقوا بينه وبين النبي بأن النبي أوحي إليه بخبر ولم يؤمر بتبليغه (^١).\n• ومنهم من عرفه بقوله: هو الذي أنزل إليه كتاب وشرع مستقل مع المعجزة التي تثبت بها نبوته.\nوقالوا: إن النبي هو الذي لم ينزل إليه كتاب وإنما أوحي إليه أن يدعو الناس إلى شريعة رسول قبله (^٢).\n• ومنهم من قال: إن الرسول هو الذي ينبئه الله ثم يأمره أن يبلغ رسالته إلى من خالف أمره أي إلى قوم كافرين.\nأما النبي فهو من أوحى الله إليه وأخبره بأمره ونهيه وخبره، ويعمل بشريعة رسول قبله بين قوم مؤمنين بهما.\nوهذا ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية، واستشهد لذلك بأن نوحا ﵇ كان هو أول رسول بعث إلى أهل الأرض وكان أول شرك بالله قد وقع في قومه.\nوقد كان قبل نوح أنبياء كشيث وإدريس ﵉ وقبلهما آدم كان نبيا مكلما، وقد كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام وكان\n_________\n(^١) شعب الإيمان للبيهقي (ص ٢٧٥ - ٢٧٦) بتحقيق فلاح بن ثاني، وشرح العقيدة الطحاوية (ص ١٦٧).\n(^٢) أضواء البيان (٥/ ٧٣٥).","vol":"1","page":348},{"text":"المبعوثون في هذه القرون أنبياء فقط (^١).\nوهذا القول الثالث هو أرجح الأقوال.\nأما القول الأول فهو غير مسلم كما سبق وإن وضحت في الكلام على معنى النبي. وكذا الأمر بالنسبة للقول للثاني فليس من شرط الرسول أن يأتي بشريعة جديدة كما تقدم ذكر ذلك.\n\n•<span data-type='title' id=toc-98> حكم الإيمان بالأنبياء.</span>\nوأما الأنبياء والمرسلون، فعلينا الإيمان بمن سمى الله تعالى: في كتابه من رسله، والإيمان بأن الله تعالى: أرسل رسلًا سواهم وأنبياء، لا يعلم أسماءهم وعددهم إلا الله تعالى الذي أرسلهم. فعلينا الإيمان بهم جملة لأنه لم يأت في عددهم نص.\n• وقد قال تعالى: (وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ) [النساء: ١٦٤].\n• وقال تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُم مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَنْ لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ) [غافر: ٧٨].\nوعلينا الإيمان بأنهم بلغوا جميع ما أرسلوا به على ما أمرهم الله به، وأنهم بينوه بيانًا لا يسع أحدًا ممن أرسلوا إليه جهله، ولا يحل خلافه.\n_________\n(^١) النبوات (ص ٢٥٥ - ٢٥٦).","vol":"1","page":349},{"text":"• قال تعالى: (فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ ([النحل: ٣٥].\n• قال تعالى: (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ) [النحل: ٨٢]\n• قال تعالى: (وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ ([النور: ٥٤].\n• قال تعالى: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ) [التغابن: ١٢].\nوأما أولو العزم من الرسل. فقد قيل فيهم أقوال أحسنها: ما نقله البغوي وغيره عن ابن عباس وقتادة أنهم: \"نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد، صلوات الله وسلامه عليهم. قال: وهم المذكورون في قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ [الأحزاب: ٧].\nوفي قوله تعالى: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ [الشورى: ١٣] \" (^١)\n• تعريف الإيمان بالنبي ﷺ\n\"الإيمان بالرسول: هو تصديقه وطاعته واتباع شريعته\" (^٢).\nوهذه الأمور هي الركائز التي يقوم عليها الإيمان بالنبي ﷺ وعن بيان هذه الأمور مطلوبة عند الإيمان به بالنبي ﷺ.\nقال العلماء:\n_________\n(^١) انظر: تفسير البغوي: ٧/ ٢٧٢\n(^٢) كتاب اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم (ص ٩٢).","vol":"1","page":350},{"text":"أ-أما تصديقه ﷺ فيتعلق به أمران عظيمان:\nأحدهما: إثبات نبوته وصدقه فيما بلغه عن الله، وهذا مختص به ﷺ (^١).\nويندرج تحت هذا الإثبات والتصديق عدة أمور منها:\n١ - الإيمان بعموم رسالته إلى كافة الثقلين إنسهم وجنهم.\n٢ - الإيمان بكونه خاتم النبيين ورسالته خاتمة الرسالات.\n٣ - الإيمان بكون رسالته ناسخة لما قبلها من الشرائع.\n٤ - الإيمان بأنه ﷺ قد بلغ الرسالة وأكملها وأدى الأمانة ونصح لأمته حتى تركهم على البيضاء ليلها كنهارها.\n٥ - الإيمان بعصمته ﷺ.\n٦ - الإيمان بماله من حقوق خلاف ما تقدم ذكره كمحبته وتعظيمه ﷺ. (^٢)\nالثاني: \"تصديقه فيما جاء به، وأن ما جاء به من عند الله حق يجب اتباعه. وهذا يجب عليه ﷺ وعلى كل أحد\" (^٣).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٥/ ٩١).\n(^٢) لمعرفة تفاصيل هذه الحقوق انظر كتاب: حقوق النبي ﷺ.\n(^٣) مجموع الفتاوى (١٥/ ٩١).","vol":"1","page":351},{"text":"فيجب تصديق النبي ﷺ جميع ما أخبر به عن الله ﷿، من أنباء ما قد سبق وأخبار ما سيأتي، وفيما أحل من حلال وحرّم من حرام، والإيمان بأن ذلك كله من عند الله ﷿، قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم ٣: ٤].\nقال شارح العقيدة الطحاوية: \"يجب على كل أحد أن يؤمن بما جاء به الرسول إيمانا عامًا، ولا ريب أن معرفة ما جاء به الرسول ﷺ على التفصيل فرض على الكفاية\" (^١).\nب-طاعته واتباع شريعته:\nإن الإيمان بالرسول ﷺ كما يتضمن تصديقه فيما جاء به فهو يتضمن كذلك العزم على العمل بما جاء به وهذه هي الركيزة الثانية من ركائز الإيمان به ﷺ.\nوهي تعني: الانقياد له ﷺ وذلك بفعل ما أمر به واجتناب ما نهى عنه وزجر امتثالا لقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [لحشر: ٧]. فيجب على الخلق اتباع شريعته والالتزام بسنته مع الرضا بما قضاه والتسليم له، والاعتقاد الجازم أن طاعته هي طاعة لله وأن معصيته معصية لله لأنه هو الواسطة بين الله وبين الثقلين في التبليغ.\n_________\n(^١) شرح العقيدة الطحاوية (ص ٦٦).","vol":"1","page":352},{"text":"قال شيخ الإسلام ابن تيمية: \" يجب على الخلق الإقرار (^١) بما جاء به النبي ﷺ فما جاء به القرآن العزيز أو السنة المعلومة وجب على الخلق الإقرار به جملة وتفصيلا عند العلم بالتفصيل، فلا يكون الرجل مؤمنا حتى يقر بما جاء به النبي ﷺ وهو تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فمن شهد أنه رسول الله شهد أنه صادق فيما يخبر به عن الله تعالى فإن هذا حقيقة الشهادة بالرسالة\" (^٢).\n_________\n(^١) يقول ابن تيمية في بيان معنى الإقرار: \"إن الإيمان هو الإقرار لا مجرد التصديق، والإقرار ضمن قول القلب الذي هو التصديق وعمل القلب الذي هو الانقياد\". مجموع الفتاوى (٧/ ٦٣٨، ٦٣٩).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٥/ ١٥٤).","vol":"1","page":353},{"text":"قال المصنف-﵀:\n\"وعيسى بن مريم رسول الله وكلمته\" (^١).\n<hr><s0>\n\n\n<span data-type='title' id=toc-100>عقيدة المسلمين في عيسى ﵇</span>-تتلخص فيما يلي (^٢):\nأنه عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه، قال الله تعالى:﴾ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ ﴿[النساء: ١٧١]. وقال ﷺ: «من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق، والنار حق؛ أدخله الله الجنة على ما كان من العمل» (^٣).\nفقوله: عبد الله: رد على الغالين، وقوله: ورسوله: رد على الجافين، ومعنى: كلمته: أي: كن؛ فعيسى خلق بكن، وليس هو كن.\nوقوله: وكلمته، وروح منه. ليس معنى ذلك أنه جزء من الله؛ لأن ما أضيف\n_________\n(^١) في مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص: ٢٢٧ ومخت ٢ ر الحجة (٢/ ٣٧٣) (وعيسى بن مريم عبد الله ورسوله).\n(^٢) المصدر: موقع الدرر السنية، موسوعة الأديان، فصل بعنوان عقيدة المسلمين في عيسى ﵇.\n(^٣) رواه البخاري (٣٤٣٥)، ومسلم (٢٨).","vol":"1","page":354},{"text":"إلى الله أو جاء بلفظ: منه. فإنه على وجهين:\nأ-إن كان عينًا قائمة بنفسها فهو مملوك له، والإضافة من باب إضافة الشيء إلى مالكه أو المخلوق إلى خالقه، وقد تقتضي تلك الإضافة تشريفًا كناقة الله، ورسول الله، وبيت الله، وكليم الله، وقد لا تقتضي تشريفًا مثل أرض الله، وسماء الله.\nب-وإن كان المضاف إلى الله عينًا غير قائمة بنفسها فهي صفة من صفات الله مثل: سمع الله، يد الله، كلام الله.\nوقوله: منه: أي: مخلوقة منه صادرة من عنده.\nأنه ولد من غير أب كما خُلق آدم من غير أب ولا أم:﴾ إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُون ﴿[آل عمران: ٥٩].\nأنه أحد أولي العزم من الرسل، قال الله ﷿:﴾ وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا ﴿[الأحزاب: ٧].\nأنه عبد ليس له من خصائص الربوبية والألوهية شيء:﴾ إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ ﴿[الزخرف: ٥٩].\nأن الله أظهر على يديه المعجزات والآيات، كإحياء الموتى، وإبراء الأكمه، وكلامه وهو في المهد صبيًّا.","vol":"1","page":355},{"text":"أنه دعا قومه إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ودعاهم إلى العقيدة الصحيحة، والأخلاق القويمة:﴾ إِنَّ اللّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ ﴿[آل عمران: ٥١].\nأنه بشَّر بنبوة محمد ﷺ:﴾ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ ﴿[الصف: ٦].\nأنه ليس بينه وبين محمد-عليهما الصلاة والسلام-نبي؛ لقوله تعالى:﴾ مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ ﴿[الصف: ٦].\nأنه لم يصلب ولم يقتل، بل رفعه الله إليه، كما قال تعالى:﴾ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ ﴿[آل عمران: ٥٥]، وكما قال: وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا بَلْ رَفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا [النساء: ١٥٧، ١٥٨].\nصفة نزوله ﵇ (^١):\nبعد خروج الدَّجَّال، وإفساده في الأرض، يبعث الله عيسى ﵇، فينزل إلى الأرض، ويكون نزوله عند المنارة البيضاء شرقي دمشق الشام، وعليه مهرودتان (^٢)، واضعًا كفيه على أجنحة ملكين، إذا طأطأ رأسه قطر، وإذا رفعه\n_________\n(^١) المصدر: المادة المتعلقة بنزول المسيح منقولة من كتاب أشراط الساعة ليوسف الوابل، ص ٣٣٧ - ٣٦٤\n(^٢) (مهردوتان): روي بالدال المهملة والذال المعجمة، والمهملة أكثر، والمعنى: لابس مهرودتين؛ أي: ثوبين مصبوغين بورس ثم زعفران.\nانظر: \"شرح النووي لمسلم\" (١٨/ ٦٧)، و\"لسان العرب\" (٣/ ٤٣٥)؛ و\"النهاية في غريب الحديث\" (٥/ ٢٥٨).","vol":"1","page":356},{"text":"تحدر منه جمان كاللؤلؤ، ولا يحل لكافر يجد ريح نفسه إلا مات، ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه.\nويكون نزوله على الطائفة المنصورة، التي تقاتل على الحق، وتكون مجتمعة لقتال الدَّجَّال، فينزل وقت إقامة الصلاة، يصلي خلف أمير تلك الطائفة.\nقال ابن كثير: \"هذا هو الأشهر في موضع نزوله أنه على المنار البيضاء الشرقية بدمشق، وقد رأيت في بعض الكتب أنه ينزل على المنارة البيضاء شرقي جامع دمشق، فلعل هذا هو المحفوظ … وليس بدمشق منارة تعرف بالشرقية سوى التي إلى جانب الجامع الأموي بدمشق من شرقية، وهذا هو الأنسب والأليق؛ لأنه ينزل وقد أقيمت الصلاة، فيقول له إمام المسلمين: يا روح الله! تقدم. فيقول: تقدم أنت؛ فإنه أقيمت لك. وفي رواية: بعضكم على بعض أمراء؛ تكرمة الله هذه الأمة (^١) (^٢).\nوذكر ابن كثير أنه في زمنه سنة إحدى وأربعين وسبع مئة جدَّد المسلمون منارة من حجارة بيض، وكان بناؤها من أموال النصارى الذين حرقوا المنارة\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\"، كتاب الإيمان، باب بيان نزول عيسى بن مريم حاكمًا بشريعة نبينا محمد ﷺ، (٢/ ١٩٣ - ١٩٤ - مع شرح النووي).\n(^٢) \"النهاية/ الفتن والملاحم\" (١/ ١٤٤ - ١٤٥)، تحقيق د. طه زيني.","vol":"1","page":357},{"text":"التي كانت مكانها، ولعل هذا يكون من دلائل النبوة الظاهرة، حيث قيض الله بناء هذه المنارة من أموال النصارى، لينزل عيسى بن مريم عليها، فيقتل الخنزير، ويكسر الصليب، ولا يقبل منهم جزية، ولكن من أسلم وإلا قتل، وكذلك غيرهم من الكفار (^١).\nففي حديث النواس بن سمعان الطويل في ذكر خروج الدَّجَّال ثم نزول عيسى ﵇ قال ﷺ: \"إذا بعث الله المسيح بن مريم، فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق، بين مهرودتين، واضعًا كفيه على أجنحة ملكين، إذا طأطأ رأسه قطر، وإذا رفعه تحدر منه جمان كاللؤلؤ، فلا يحل لكافر يجد ريح نفسه إلا مات، ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه، فيطلبه - أي: يطلب الدَّجَّال - حتى يدركه بباب لد، فيقتله، ثم يأتي عيسى بن مريم قوم قد عصمهم الله منه، فيمسح وجوههم، ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة\" (^٢).\n* أدلة نزوله ﵇:\nنزول عيسى ﵇ في آخر الزمان ثابت في الكتاب والسنة الصحيحة المتواترة، وذلك علامة من علامات السَّاعة الكبرى.\nأ-أدلة نزوله من القرآن الكريم:\n١ - قال الله تعالى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧)﴾ إلى\n_________\n(^١) انظر: \"النهاية/ الفتن والملاحم\" (١/ ١٤٥).\n(^٢) \"صحيح مسلم\"، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب ذكر الدجال، (١٨/ ٦٧ - ٦٨ - مع شرح النووي).","vol":"1","page":358},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ [الزخرف: ٥٧ - ٦١].\nفهذه الآيات جاءت في الكلام على عيسى ﵇، وجاء في آخرها قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ [الزخرف: ٦١]؛ أي: نزول عيسى ﵇ قبل يوم القيامة علامة على قرب السَّاعة، ويدلُّ على ذلك القراءة الأخرى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾؛ بفتح العين واللام؛ \"أي: علامة وأمارة على قيام السَّاعة، وهذه القراءة مروية عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما من أئمة التفسير\" (^١).\nوروى الإمام أحمد بسنده إلى ابن عباس ﵄ في تفسير هذه الآية: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾؛ قال: \"هو خروج عيسى بن مريم ﵇ قبل يوم القيامة\" (^٢).\nوقال الحافظ ابن كثير: \"الصحيح أنه - أي: الضمير - عائد على عيسى؛ فإن السياق في ذكره\" (^٣).\nواستبعد أن يكون معنى الآية: ما بعث به عيسى ﵇ من إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص وغير ذلك من ذوي الأسقام.\nوأبعد من ذلك ما روي عن بعض العلماء أن الضمير في ﴿وَإِنَّهُ﴾ عائد على القرآن الكريم (^٤).\n_________\n(^١) \"تفسير القرطبي\" (١٦/ ١٠٥)، وانظر: \"تفسير الطبري\" (٢٥/ ٩٠ - ٩١).\n(^٢) مسند أحمد\" (٤/ ٣٢٩) (ح ٢٩٢١)، تحقيق أحمد شاكر، وقال: \"إسناده صحيح\".\n(^٣) \"تفسير ابن كثير\" (٧/ ٢٢٢).\n(^٤) انظر: \"تفسير ابن كثير\" (٧/ ٢٢٣).","vol":"1","page":359},{"text":"٢ - وقال تعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩)﴾ [النساء: ١٥٧ - ١٥٩].\nفهذه الآيات؛ كما أنها تدلُّ على أن اليهود لم يقتلوا عيسى ﵇، ولم يصلبوه، بل رفعه الله إلى السماء؛ كما في قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥].\nفإنها تدلُّ على أن من أهل الكتاب من سيؤمن بعيسى ﵇ آخر الزمان، وذلك عند نزوله (^١) وقبل وموته؛ كما جاءت بذلك الأحاديث المتواترة الصحيحة.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية في جوابه لسؤال وجه إليه عن وفاة عيسى ورفعه: \"الحمد لله، عيسى ﵇ حي، وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: \"ينزل فيكم ابن مريم حكمًا عدلًا وإماماَ مقسطًا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية (^٢)، وثبت في الصحيح عنه أنه ينزل على المنارة البيضاء شرقي دمشق، وأنه\n_________\n(^١) نزولًا حقيقيًا، وليس المراد بنزوله وحكمه في الأرض في آخر الزمان كناية عن غلبة روحه وسر رسالته على الناس بما غلب عليها من الأمر بالرحمة والمحبة والسلم. والأخذ بمقاصد الشريعة دون الوقوف عند ظواهرها؛ فإن ذلك مخالف للأحاديث المتواترة في أنه ينزل بروحه وجسده كما رفع بروحه وجسده ﵇.\n(^٢) انظر كلام الشيخ محمد عبده في: \"تفسير المنار\" (٣/ ٣١٧).","vol":"1","page":360},{"text":"يقتل الدَّجَّال، ومن فارقت روحه جسده؛ لم ينزل جسده من السماء، وإذا أحيي؛ فإنه يقوم من قبره.\nوأما قوله تعالى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران: ٥٥]؛ فهذا دليل على أنه لم يعن بذلك الموت، إذ لو أراد بذلك الموت؛ لكان عيسى في ذلك كسائر المؤمنين؛ فإن الله يقبض أرواحهم، ويعرج بها إلى السماء، فعلم أن ليس في ذلك خاصية، وكذلك قوله: ﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، ولو كان قد فارقت روحه جسده؛ لكان بدنه في الأرض كبدن سائر الأنبياء، أو غيره من الأنبياء.\nوقد قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٧ - ١٥٨]، فقوله هنا: ﴿بلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ يبين أنه رفع بدنه وروحه؛ كما ثبت في الصحيح أنه ينزل ببدنه وروحه، إذ لو أريد موته؛ لقال: وما قتلوه وما صلبوه، بل مات …\nولهذا قال من قال من العلماء: إني متوفيك؛ أي قابضك؛ أي: قابض روحك وبدنك؛ يقال: توفيت الحساب واستوفيته.\nولفظ (التوفي) لا يقتضي نفسه توفي الروح دون البدن، ولا توفيهما جميعًا؛ إلا بقرينة منفصلة.","vol":"1","page":361},{"text":"وقد يراد به توفي النوم؛ كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر: ٤٢]، وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام: ٦٠]، وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ [الأنعام: ٦١] \" (^١).\nوليس الكلام في هنا عن رفع عيسى ﵇، وإنما جاء ذكر ذلك لبيان أنه رفع ببدنه وروحه، وأنه حي الآن في السماء، وسينزل في آخر الزمان، ويؤمن به من كان موجودًا من أهل الكتاب؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء: ١٥٩].\nقال ابن جرير: \"حدثنا ابن بشار؛ قال: حدثنا سفيان عن أبي حصين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾؛ قال: قبل موت عيسى بن مريم\" (^٢).\nقال ابن كثير: \"وهذا إسناد صحيح\" (^٣).\nثم قال ابن جرير بعد سياقه للأقوال في معنى هذه الآية: \"وأولى الأقوال بالصحة قول من قال: تأويل ذلك: وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بعيسى قبل موت عيسى\" (^٤).\n_________\n(^١) \"مجموع الفتاوى\" (٤/ ٣٢٢ - ٣٢٣).\n(^٢) \"تفسير الطبري\" (٦/ ١٨).\n(^٣) \"النهاية/ الفتن والملاحم\" (١/ ١٣١). وأثر ابن عباس صححه أيضًا ابن حجر في \"الفتح\" (٦/ ٤٩٢).\n(^٤) \"تفسير الطبري\" (٦/ ١٢).","vol":"1","page":362},{"text":"وروى بسنده عن الحسن البصري أنه قال: \"قبل موت عيسى، والله إنه الآن حي عند الله، ولكن إذا نزل آمنوا به أجمعون\" (^١).\nوقال ابن كثير: \"ولا شك أن هذا الذي قاله ابن جرير هو الصحيح؛ لأنه المقصود من سياق الآي في تقرير بطلان ما ادعته اليهود من قتل عيسى وصلبه وتسليم من سلم لهم من النصارى الجهلة ذلك، فأخبر الله أنه لم يكن الأمر كذلك، وإنما شبه لهم، فقتلوا الشبيه وهم لا يتبينون ذلك، ثم إنه رفع إليه، وإنه باقٍ حي، وأنه سينزل قبل يوم القيامة؛ كما دلَّت على ذلك الأحاديث المتواترة\" (^٢).\nوذكر أنه روي عن ابن عباس وغيره أنه أعاد الضمير في قوله: ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ ﴿على أهل الكتاب، وقال: \"إن ذلك لو صح لما كان منافيًا لهذا، ولكن الصحيح في المعنى والإسناد ما ذكرناه\" (^٣).\nب-أدلة نزوله من السنة المطهرة:\nالأدلَّة من السنة على نزول عيسى ﵇ كثيرة ومتواترة، سبق ذكر بعضها، وسأذكر هنا بعضًا منها خشية الإطالة:\n١ - فمنها ما رواه الشيخان عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"والذي نفسي بيده؛ ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكمًا\n_________\n(^١) \"تفسير الطبري\" (١/ ١٨).\n(^٢) \"تفسير ابن كثير\" (٢/ ٤١٥)\n(^٣) \"النهاية/ الفتن والملاحم\" (١/ ١٣٧).","vol":"1","page":363},{"text":"عدلًا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الحرب، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد، حتى تكون السجدة الواحدة خيرًا من الدُّنيا وما فيها\".\nثم يقول أبو هريرة: \"واقرؤوا إن شئتم:﴾ وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ﴿(١٥٩) (^١).\nوهذا تفسير من أبي هريرة ﵁ لهذه الآية بأن المراد بها أن من أهل الكتاب من سيؤمن بعيسى ﵇ قبل موته، وذلك عند نزوله آخر الزمان؛ كما سبق بيانه.\n٢ - وروى الشيخان أيضًا عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"كيف أنتم إذا أنزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم؟! \" (^٢).\n٣ - وروى مسلم عن جابر ﵁؛ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: \"لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق، ظاهرين إلى يوم القيامة؛ قال: فينزل عيسى ابن مريم ﷺ، فيقول أميرهم: صل بنا. فيقول: لا؛ إن بعضكم على بعض أمراء؛ تكرمة الله هذه الأمة\" (^٣).\n٤ - وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: \"الأنبياء إخوة لعلات، أمهاتهم شتى ودينهم واحد، وإني أولى الناس بعيسى\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\"، كتاب أحاديث الأنبياء، باب نزول عيسى بن مريم  u، (٦/ ٤٩٠ - ٤٩١ - مع الفتح)، و\"صحيح مسلم\"، باب نزول عيسى بن مريم  r  حاكمًا (٢/ ١٨٩ - ١٩١ - مع شرح النووي).\n(^٢) \"صحيح البخاري\"، كتاب أحاديث الأنبياء، باب نزول عيسى بن مريم حاكمًا، (٢/ ١٩٣ - مع شرح النووي).\n(^٣) \"صحيح مسلم\"، باب نزول عيسى بن مريم  r  حاكمًا، (٢/ ١٩٣ - ١٩٤ - مع شرح النووي).","vol":"1","page":364},{"text":"ابن مريم؛ لأنه لم يكن بيني وبينه نبي، وإنه نازل، فإذا رأيتموه؛ فاعرفوه\" (^١).\n\n*<span data-type='title' id=toc-102> الأحاديث في نزول عيسى ﵇ متواترة:</span>\nجاءت الأحاديث الواردة في نزول عيسى ﵇ في الصحاح والسنن والمسانيد وغيرها من دواوين السنة، وهي تدلُّ دلالة صريحة على ثبوت نزول عيسى ﵇ في آخر الزمان، ولا حجة لمن ردها، أو قال: إنها أحاديث آحاد لا تقوم بها الحجة، أو: إن نزوله ليس عقيدة من عقائد المسلمين التي يجب عليهم أن يؤمنوا بها (^٢)؛ لأنه إذا ثبت الحديث؛ وجب الإيمان به، وتصديق ما أخبر به الصادق المصدوق ﷺ، ولا يجوز لنا رد قوله؛ لكونه حديث آحاد؛ لأن هذه حجة واهية، فأحاديث الآحاد إذا صحت؛ وجب تصديق ما فيها،\n_________\n(^١) \"مسند أحمد\" (٢/ ٤٠٦ - بهامشه منتخب الكنز). والحديث صحيح. انظر: هامش \"عمدة التفسير\" (٤/ ٣٦)، تحقيق الشيخ أحمد شاكر. وصدر هذا الحديث رواه: البخاري (٦/ ٤٧٨ - مع الفتح)، ورواه الحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ٥٩٥)، وقال: \"هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه\"، ووافقه الذهبي.\n(^٢) انظر كتاب: \"الفتاوى\" (ص ٥٩ - ٨٢) للشيخ محمود شلتوت، طبع دار الشروق، ط ٨، عام (١٣٩٥ هـ)، بيروت؛ فإنه ﵀ أنكر فيه على من قال برفع عيسى ﵇ ببدنه، وأيضًا أنكر نزوله في آخر الزمان، ورد الأحاديث الواردة في ذلك، وقال: إنه لا حجة فيها؛ لأنها أحاديث آحاد!! ومسألة رفع عيسى وهل هو ببدنه أو بروحه مسألة خلافية بين العلماء، ولكن الحق أنه رفع ببدنه وروحه؛ كما ذهب إلى ذلك جمهور المفسرين؛ كالطبري، والقرطبي، وابن تيمية، وابن كثير، وغيرهم من العلماء.\nانظر: \"تفسير الطبري\" (٣/ ٢٩١)، و\"تفسير القرطبي\" (٤/ ١٠٠)، و\"مجموع الفتاوى\" لابن تيمية (٤/ ٣٢٢ - ٣٢٣)، و\"تفسير ابن كثير\" (٢/ ٤٠٥).","vol":"1","page":365},{"text":"وإذا قلنا: إن حديث الآحاد ليس بحجة؛ فإننا نرد كثيرًا من أحاديث رسول الله ﷺ، ويكون ما قاله ﵊ عبثًا لا معنى له، كيف والعلماء قد نصوا على تواتر الأحاديث في نزول عيسى ﵇؟!\nوسأذكر هنا طائفة من أقوالهم:\nقال ابن جرير الطبري - بعد ذكره الخلاف في معنى وفاة عيسى-: \"وأولى هذه الأقوال بالصحة عندنا قول من قال: \"معنى ذلك: إني قابضك من الأرض، ورافعك إلى\"؛ لتواتر الأخبار عن رسول الله ﷺ أنه قال: ينزل عيسى بن مريم فيقتل الدَّجَّال\" (^١).\nثم ساق بعض الأحاديث الواردة في نزوله.\nوقال ابن كثير: \"تواترت الأحاديث عن رسول الله ﷺ أنه أخبر بنزول عيسى ﵇ قبل يوم القيامة إمامًا عادلًا وحكمًا مقسطًا (^٢) \".\nثم ذكر أكثر من ثمانية عشر حديثًا في نزوله.\nوقال صديق حسن: \"الأحاديث في نزوله ﵇ كثيرة، ذكر الشوكاني منها تسعة وعشرين حديثًا؛ ما بين صحيح، وحسن، وضعيف منجبر، منها ما هو مذكور في أحاديث الدَّجَّال … ومنها ما هو مذكور في أحاديث المنتظر، وتنضم إلى ذلك أيضًا الآثار الواردة عن الصحابة، فلها حكم الرفع، إذ لا مجال\n_________\n(^١) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٢٩١).\n(^٢) \"تفسير ابن كثير\" (٧/ ٢٢٣).","vol":"1","page":366},{"text":"للاجتهاد في ذلك\".\nثم ساقها وقال: \"جميع ما سقناه بالغ حد التواتر كما لا يخفى على من له فضل اطلاع\" (^١).\nوقال الغماري: \"وقد ثبت القول بنزول عيسى ﵇ من غير واحد من الصحابة والتابعين وأتباعهم والأئمة والعلماء من سائر المذاهب على ممر الزمان إلى وقتنا هذا\" (^٢).\nوقال: \"تواتر هذا تواترًا لا شك فيه، بحيث لا يصح أن ينكره إلا الجهلة الأغبياء؛ كالقاديانية ومن نحا نحوهم؛ لأنه نقل بطريق جمع عن جمع، حتى استقر في كتب السنة التي وصلت إلينا تواترًا بتلقي جيل عن جيل\" (^٣).\nوقد ذكر من رواه من الصحابة، فعد أكثر من خمسة وعشرين صحابيًا، رواه عنهم أكثر من ثلاثين تابعيًا، ثم رواه تابعو التابعين بأكثر من هذا العدد … وهكذا حتى أخرجه الأئمة في كتب السنة، ومنها المسانيد؛ ك \"مسند\" الطيالسي، وإسحاق بن راهويه، وأحمد بن حنبل، وعثمان بن أبي شيبة، وأبي يعلى، والبزار، والديلمي، ومن أصحاب الصحاح: البخاري، ومسلم، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، وأبو عوانة، والإسماعيلين والضياء المقدسي، وغيرهم،\n_________\n(^١) \"الإذاعة\" (ص ١٦٠).\n(^٢) \"عقيدة أهل الإسلام في نزول عيسى  u\" (ص ١٢).\n(^٣) \"عقيدة أهل الإسلام في نزول عيسى \"  u (ص ٥)","vol":"1","page":367},{"text":"ورواه أصحاب الجوامع، والمصنفات، والسنن، والتفسير بالمأثور، والمعاجم، والأجزاء، والغرائب، والمعجزات، والطبقات، والملاحم.\nوممن جمع الأحاديث في نزول عيسى ﵇ الشيخ محمد أنور شاه الكشميري في كتابه \"التصريح بما تواتر في نزول المسيح\"، فذكر أكثر من سبعين حديثًا\nوقال صاحب \"عون المعبود شرح سنن أبي داود\": \"تواترت الأخبار عن النبي ﷺ في نزول عيسى بن مريم ﷺ من السماء بجسده العنصري إلى الأرض عند قرب السَّاعة، وهذا هو مذهب أهل السنة\" (^١).\nوقال الشيخ أحمد شاكر: \"نزول عيسى ﵇ في آخر الزمان مما لم يختلف فيه المسلمون؛ لورود الأخبار الصحاح عن النبي ﷺ بذلك، وهذا معلوم من الدين بالضرورة، لا يؤمن من أنكره (^٢) \".\nوقال في تعليقه على \"مسند الإمام أحمد\": \"وقد لعب المجددون أو المجردون في عصرنا الذي نحيا فيه بهذه الأحاديث الدالَّة صراحة على نزول عيسى بن مريم ﵇ في آخر الزمان، قبل انقضاء الحياة الدُّنيا، بالتأويل المنطوي على الإنكار تارة، وبالإنكار الصريح أخرى! ذلك أنهم - في حقيقة\n_________\n(^١) \"عون المعبود\" (١١/ ٤٥٧) لأبي الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي.\n(^٢) من حاشية \"تفسير الطبري\" (٦/ ٤٦٠)، تخريج الشيخ أحمد شاكر، وتحقيق محمود شاكر، مطبعة دار المعارف، مصر.","vol":"1","page":368},{"text":"أمرهم - لا يؤمنون بالغيب، أو لا يكادون يؤمنون، وهي أحاديث متواترة المعنى في مجموعها، يعلم مضمون ما فيها من الدين بالضرورة، فلا يجديهم الإنكار ولا التأويل\" (^١).\nوقال الشيخ محمد ناصر الدين الألباني: \"اعلم أن أحاديث الدَّجَّال ونزول عيسى ﵇ متواترة، يجب الإيمان بها، ولا تعتر بمن يدعي فيها أنها أحاديث آحاد؛ فإنهم جهال بهذا العلم، وليس فيهم من تتبع طرقها، ولو فعل؛ لوجدها متواترة؛ كما شهد بذلك أئمة هذا العلم؛ كالحافظ ابن حجر.\nومن المؤسف حقًا أن يتجرأ البعض على الكلام فيما ليس من اختصاصهم، لا سيما والأمر دين وعقيدة\" (^٢).\nونزول عيسى ﵇ ذكره طائفة من العلماء في عقيدة أهل السنة والجماعة، وأنه ينزل لقتل الدَّجَّال قبحه الله.\nقال الإمام أحمد بن حنبل ﵀: \"أصول السنة عندنا: التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ، والاقتداء بهم، وترك البدع، وكل بدعة فهي ضلالة\" (^٣).\nثم ذكر جملة من عقيدة أهل السنة، ثم قال: \"والإيمان أن المسيح الدَّجَّال\n_________\n(^١) \"حاشية مسند الإمام أحمد\" (١٢/ ٢٥٧).\n(^٢) \"حاشية شرح العقيدة الطحاوية\" (ص ٥٦٥) بتخريج الشيخ محمد ناصر الدين الألباني محدث الشام.\n(^٣) أصول السنة للإمام أحمد بن حنبل ص ١٤.","vol":"1","page":369},{"text":"خارج مكتوب بين عينيه (كافر)، والأحاديث التي جاءت فيه، والإيمان بأن ذلك كائن، وأن عيسى ينزل فيقتله بباب لد (^١) \".\nوقال أبو الحسن الأشعري ﵀ في سرده لعقيدة أهل الحديث والسنة: \"الإقرار بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، وما جاء من عند الله، وما رواه الثقات عن رسول الله ﷺ، لا يردون من ذلك شيئًا … ويصدقون بخروج الدَّجَّال، وأن عيسى يقتله\".\nثم قال في آخر كلامه: \"وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول، وإليه نذهب\" (^٢)\nوقال الطحاوي: \"ونؤمن بأشراط السَّاعة؛ من خروج الدَّجَّال، ونزول عيسى ابن مريم ﵇ من السماء\" (^٣).\nوقال القاضي عياض: \"نزول عيسى وقتله الدَّجَّال حق وصحيح عند أهل السنة للأحاديث الصحيحة في ذلك، وليس في العقل ولا في الشرع ما يبطله فوجب إثباته\" (^٤).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"والمسيح ﷺ وعلى سائر\n_________\n(^١) \"طبقات الحنابلة\" (١/ ٢٤١ - ٢٤٣) للقاضي الحسن بن محمد بن أبي يعلى، طبع دار المعرفة للنشر، بيروت.\n(^٢) \"مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين\" (١/ ٣٤٥ - ٣٤٨)، تحقيق الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد، الطبعة الثانية، (١٣٨٩ هـ)، طبع مكتبة النهضة المصرية، القاهرة.\n(^٣) \"شرح العقيدة الطحاوية\" (ص ٥٦٤)، تحقيق الألباني.\n(^٤) \"شرح صحيح مسلم\" (١٨/ ٧٥).","vol":"1","page":370},{"text":"ا لنبيين لا بد أن ينزل إلى الأرض .... كما ثبت في الأحاديث الصحيحة، ولهذا كان في السماء الثانية، مع أنه أفضل من يوسف وإدريس وهارون؛ لأنه يريد النزول إلى الأرض قبل يوم القيامة؛ بخلاف غيره، وآدم كان في سماء الدُّنيا؛ لأن نسم بنيه تعرض عليه\" (^١).\n\n*<span data-type='title' id=toc-103> الحكمة في نزول عيسى ﵇ دون غيره:</span>\nتلمس بعض العلماء الحكمة في نزول عيسى ﵇، في آخر الزمان دون غيره من الأنبياء، ولهم في ذلك عدة أقوال:\n١ - الرد على اليهود في زعمهم أنهم قتلوا عيسى ﵇، فبين الله تعالى كذبهم، وأنه الذي يقتلهم ويقتل رئيسهم الدَّجَّال، كما سبق بيان ذلك في الكلام على قتال اليهود (^٢).\nورجح الحافظ ابن حجر هذا القول على غيره (^٣).\n٢ - إن عيسى ﵇ وجد في الإنجيل فضل أمة محمد كما في قوله تعالى: ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾ [الفتح: ٢٩]، فدعا الله أن يجعله منهم، فاستجاب الله دعاءه، وأبقاه حتى ينزل آخر الزمان مجددًا لأمر الإسلام.\nقال الإمام مالك ﵀: \"بلغني أن النصارى كانوا إذا رأوا الصحابة الذين فتحوا الشام يقولون: والله لهؤلاء خير من الحواريين فيما بلغنا\" (^٤).\n_________\n(^١) \"مجموع الفتاوى\" (٤/ ٣٢٩) لابن تيمية.\n(^٢) (ص ١٩١).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٦/ ٤٩٣).\n(^٤) \"تفسير ابن كثير\" (٧/ ٣٤٣).","vol":"1","page":371},{"text":"وقال ابن كثير: \"وصدقوا في ذلك؛ فإن هذه الأمة معظمة في الكتب المتقدمة والأخبار المتداولة\" (^١).\nوقد ترجم الإمام الذهبي لعيسى ﵇ في كتابه \"تجريد أسماء الصحابة\"، فقال: \"عيسى ابن مريم ﵇: صحابي، ونبي؛ فإنه رأى النبي ﷺ ليلة الإسراء، وسلم عليه، فهو آخر الصحابة موتًا\" (^٢).\n٣ - إن نزول عيسى ﵇ من السماء؛ لدنو أجله، ليدفن في الأرض، إذ ليس لمخلوق من التراب أن يموت في غيرها، فيوافق نزوله خروج الدَّجَّال، فيقتله عيسى ﵇.\n٤ - إنه ينزل مكذبًا للنصارى، فيظهر زيفهم في دعواهم الأباطيل، ويهلك الله الملل كلها في زمنه إلا الإسلام؛ فإنه يكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية.\n٥ - إن خصوصيته بهذه الأمور المذكورة لقول النبي ﷺ: \"أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم، ليس بيني وبينه نبي\" (^٣).\nفرسول الله ﷺ أخص الناس به، وأقربهم إليه؛ فإن عيسى بشر أن رسول الله ﷺ يأتي من بعده، ودعا الخلق إلى تصديقه والإيمان به (^٤)؛\n_________\n(^١) \"تفسير ابن كثير\" (٧/ ٣٤٣).\n(^٢) تجريد أسماء الصحابة\" (١/ ٤٣٢).\n(^٣) \"صحيح البخاري\" (٦/ ٤٧٧ - ٤٧٨ - مع الفتح)، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله: [وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذْ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا] [مريم: ١٦]، و\"صحيح مسلم\" (١٥/ ١١٩ - مع شرح النووي)، كتاب الفضائل، باب فضائل عيسى ﵇.\n(^٤) انظر: \"المنهاج في شعب الإيمان\" (١/ ٢٤٢ - ٢٤٥) للحليمي، و\"التذكرة\" للقرطبي (ص ٦٧٩)، و\"فتح الباري\" (٦/ ٤٩٣)، وكتاب \"التصريح بما تواتر في نزول المسيح\" (ص ٩٤) تعليق الشيخ عبد الفتاح أبي غدة.","vol":"1","page":372},{"text":"كما في قوله تعالى: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦]. وفي الحديث: قالوا: يا رسول الله! أخبرنا عن نفسك؟ قال: \"نعم؛ أنا دعوة أبي أبراهيم وبشرى أخي عيسى\" (^١).\n\n*<span data-type='title' id=toc-104> بماذا يحكم عيسى ﵇؟</span>\nيحكم عيسى ﵇ بالشريعة المحمدية، ويكون من أتباع محمد ﷺ؛ فإنه لا ينزل بشرع جديد؛ لأن دين الإسلام خاتم الأديان، وباقٍ إلى قيام السَّاعة، لا ينسخ، فيكون عيسى ﵇ حاكمًا من حكام هذه الأمة، ومجددًا لأمر الإسلام، إذ لا نبي بعد محمد ﷺ.\nروى الإمام مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"كيف أنتم إذا نزل فيكم ابن مريم فأمكم منكم؟! \".\nفقلت (القائل الوليد بن مسلم) لابن أبي ذئب: إن الأوزاعي حدثنا عن\n_________\n(^١) رواه ابن إسحاق في \"السيرة\". انظر: \"تهذيب سيرة ابن هشام\" (ص ٤٥) لعبد السلام هارون، طبعة المجمع العلمي العربي الإسلامي، منشورات محمد الداية، بيروت. قال ابن كثير في إسناده: \"هذا إسناد جيد\"، وروى له شواهد من وجوه أخر، رواها الإمام أحمد في \"المسند\". \"تفسير ابن كثير\" (٨/ ١٣٦)، و\"مسند الإمام أحمد\" (٤/ ١٢٧، ٥/ ٢٦٢ - بهامشه منتخب الكنز).","vol":"1","page":373},{"text":"الزهري عن نافع عن أبي هريرة: \"وإمامكم منكم\". قال ابن أبي ذئب: تدري ما أمامكم منكم؟ قلت: تخبرني؟ قال: فأمكم بكتاب ربكم ﵎ وسنة نبيكم ﷺ. (^١)\nوعن جابر بن عبد الله ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق، ظاهرين إلى يوم القيامة\". قال: \"فينزل عيسى بن مريم ﷺ، فيقول أميرهم: تعال صل بنا. فيقول: لا؛ إن بعضكم على بعض أمراء؛ تكرمة الله هذه الأمة\" (^٢).\nقال القرطبي: \"ذهب قوم إلى أنه بنزول عيسى ﵇ يرتفع التكليف؛ لئلا يكون رسولَا إلى أهل ذلك الزمان؛ يأمرهم عن الله تعالى، وهذا (يعني: كونه رسولًا بعد محمد) أمر مردود بقوله تعالى: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠]، وقوله ﵊: \"لا نبي بعدي\" (^٣)، وقوله: \"وأنا العاقب\" (^٤)؛ يريد آخر الأنبياء وخاتمهم.\nوإذا كان ذلك؛ فلا يجوز أن يتوهم أن عيسى ينزل نبيًا بشريعة متجددة غير شريعة محمد نبينا ﷺ، بل إذا نزل؛ فإنه يكون يومئذٍ من أتباع محمد ﷺ؛ كما أخبر ﷺ، حيث قال لعمر: \"لو كان موسى حيًا؛ ما\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\"، كتاب الإيمان باب بيان نزول عيسى بن مريم حاكمًا، (٢/ ١٩٣ - مع شرح النووي).\n(^٢) \"صحيح مسلم\"، (٢/ ١٩٣ - ١٩٤ - مع شرح النووي).\n(^٣) \"صحيح مسلم\"، كتاب الفضائل، باب في أسمائه  r، (١٥/ ١٠٤ - مع شرح النووي).\n(^٤) \"صحيح البخاري\"، كتاب التفسير، [باب يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ] [الصف: ٦]، (٨/ ٦٤٠ - ٦٤١ - مع الفتح).","vol":"1","page":374},{"text":"وسعه إلا اتباعي\" (^١)، فينزل وقد علم بأمر الله تعالى له في السماء قبل أن ينزل ما يحتاج إليه من علم هذه الشريعة للحكم به بين الناس، والعمل به في نفسه، فيجتمع المؤمنون عند ذلك إليه، ويحكمونه على أنفسهم … ولأن تعطيل الحكم غير جائز، وأيضًا؛ فإن بقاء الدُّنيا إنما يكون بمقتضى التكليف إلى أن لا يقال في الأرض: الله، الله\" (^٢).\nوالذي يدلُّ على بقاء التكليف بعد نزول عيسى ﵇ صلاته مع المسلمين، وحجه، وجهاده للكفار.\nفأما صلاته؛ فقد سبق في الأحاديث ذكر ذلك.\nوكذلك قتاله للكفار وأتباع الدَّجَّال.\nوأما حجه؛ ففي \"صحيح مسلم\" عن حنظلة الأسلمي؛ قال: سمعت أبي هريرة ﵁ يحدث عن النبي ﷺ؛ قال: \"والذي نفسي بيده؛ ليهلن ابن مريم\n_________\n(^١) \"مسند الإمام أحمد\" (٣/ ٣٨٧ - بهامشه منتخب الكنز).\nقال ابن حجر: \"رجاله موثقون؛ إلا أن في مجالد (أحد رواة الحديث) ضعفًا\". \"فتح الباري\" (١٣/ ٣٣٤).\nوقد رواه عبد الرزاق في \"المصنف\" (١٠/ ٣١٣ - ٣١٤)، تحقيق حبيب الرحمن الأعظمي.\nومجالد هو مجالد بن سعيد بن عمير الهمداني الكوفي، روى له مسلم مقرونًا بغيره، قال في ابن حجر: \"صدوق\".\nانظر: \"تهذيب التهذيب\" (١٠/ ٣٩ - ٤١).\n(^٢) \"التذكرة\" (ص ٦٧٧ - ٦٧٨).","vol":"1","page":375},{"text":"بفج الروحاء (^١) حاجًا أو معتمرًا، أو ليثنينهما\" (^٢)؛ أي: يجمع بين الحج والعمرة.\nوأما وضع عيسى للجزية عن الكفار -مع أنها مشروعة في الإسلام قبل نزوله ﵇؛ فليس هذا ناسخًا لحكم الجزية جاء به عيسى شرعًا جديدًا؛ فإن مشروعية أخذ الجزية مقيد بنزول عيسى ﵇ بأخبار نبينا محمد ﷺ، فهو المبين للنسخ (^٣) بقوله لنا: \"والله لينزلن ابن مريم حكمًا عدلًا، فليكسرن الصليب، وليقتلن الخنزير، وليضعن الجزية (^٤) \".\n\n*<span data-type='title' id=toc-105> انتشار الأمن وظهور البركات في عهده ﵇:</span>\nوزمن عيسى ﵇ زمن أمن وسلام ورخاء، يرسل الله فيه المطر العزيز، وتخرج الأرض ثمرتها وبركتها، ويفيض المال، وتذهب الشحناء والتباغض والتحاسد.\nفقد جاء في حديث النواس بن سمعان الطويل في ذكر الدَّجَّال ونزول عيسى وخروج يأجوج ومأجوج في زمن عيسى ﵇ ودعائه عليهم وهلاكهم، وفيه\n_________\n(^١) (فج الروحاء): موضع بين مكة والمدينة، سلكه النبي ﷺ إلى بدر وإلى مكة عام الفتح وفي الحج.\nانظر: \"النهاية في غريب الحديث\" (٣/ ٤١٢)، و\"معجم البلدان\" (٤/ ٢٣٦).\n(^٢) \"صحيح مسلم بشرح النووي\"، كتاب الحج، باب جواز التمتع في الحج والقرآن، (٨/ ٢٣٤ - مع شرح النووي).\n(^٣) انظر: \"فتح الباري\" (٦/ ٤٩٢).\n(^٤) \"صحيح مسلم\"، باب نزول عيسى  u  حاكمًا، (٢/ ٢٩٢)، مع شرح النووي).","vol":"1","page":376},{"text":"قوله ﷺ: \"ثم يرسل الله مطرًا لا يكن منه بيت مدر ولا وبر، فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلفة (^١)، ثم يقال للأرض: أنبتي ثمرتك، وردي بركتك، فيومئذ تأكل العصابة من الرمانة، ويستظلون بقحفها، ويبارك في الرسل (^٢)، حتى إن اللقحة من الإبل لتكفي الفئام من الناس، واللقحة من البقر لتكفي القبيلة من الناس، واللقحة من الغنم لتكفي الفخذ من الناس\" (^٣).\nوروى الإمام أحمد عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: \"والأنبياء إخوة لعلات (^٤)؛ أمهاتهم شتى، ودينهم واحد، وأنا أولى الناس بعيسى بن مريم؛ لأنه لم يكن بيني وبينه نبي، وإنه نازل … فيهلك الله في زمانه المسيح الدَّجَّال، وتقع الأمنة على الأرض حتى ترتع الأسود مع الإبل، والنمار مع البقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الصبيان بالحيات لا تضرهم\" (^٥).\nوروى الإمام مسلم عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ: \"والله لينزلن عيسى بن مريم حكمًا وعادلًا. وليضعن الجزية،\n_________\n(^١) (الزلفة): روي بفتح الزاي واللام والقاف وروي بالفاء، وكلها صحيحة، ومعناه كالمرآة شبه الأرض بها لصفائها ونظافتها. انظر: \"شرح النووي لمسلم\" (١٨/ ٦٩).\n(^٢) (الرسل): بكسر الراء وإسكان السين هو اللبن.\nانظر: \"شرح النووي لمسلم\" (١٨/ ٦٩).\n(^٣) \"صحيح مسلم\"، كتاب الفتن، باب ذكر الدجال، (١٨/ ٦٣ - ٧٠ - مع شرح النووي).\n(^٤) (إخوة لعلات): علات: بفتح العين المهملة، وتشديد اللام. وأولاد العلات: الذين أمهاتهم مختلفة وأبوهم واحد؛ أي: أن إيمان الأنبياء واحد وشرائعهم مختلفة.\nانظر: \"النهاية في غريب الحديث\" (٣/ ٢٩١)، و\"تفسير الطبري\" (٦/ ٤٦٠)، تعليق محمود شاكر، وتخريج أحمد شاكر.\n(^٥) مسند أحمد\" (٢/ ٤٠٦ - بهامشه منتخب الكنز).\nقال ابن حجر: \"سنده صحيح\". \"فتح الباري\" (٦/ ٤٩٣).","vol":"1","page":377},{"text":"ولتتركن القلاص (^١) فلا يسعى عليها، ولتذهبن الشحناء والتباغض والتحاسد، وليدعون إلى المال؛ فلا يقبله أحد\" (^٢).\nقال النووي: \"ومعناه أن يزهد الناس فيها-أي: الإبل - ولا يرغب في اقتنائها؛ لكثرة الأموال، وقلة الآمال، وعدم الحاجة، والعلم بقرب القيامة. وإنما ذكرت القلاص؛ لكونها أشرف الإبل، التي هي أنفس الأموال عند العرب، وهو شبيه بمعنى قول الله ﷿: ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (٤)﴾ [التكوير: ٤]، ومعنى: \"لا يسعى عليها\": لا يعتنى بها\" (^٣).\nوذهب القاضي عياض إلى أن المعنى: أي: لا تطلب زكاتها إذ لا يوجد من يقبلها.\nوأنكر هذا القول النووي (^٤).\n\n*<span data-type='title' id=toc-106> مدة بقائه بعد نزوله ثم وفاته:</span>\nوأما مدة بقاء عيسى ﵇ في الأرض بعد نزوله؛ فقد جاء في بعض الروايات أنه يمكث سبع سنين، وفي بعضها أربعين سنة.\nففي رواية الإمام مسلم عن عبد الله بن عمرو ﵄: \"فيبعث الله عيسى\n_________\n(^١) (القلاص): بكسر القاف، جمع قلوص بفتح القاف، وهي الناقة الشابة.\nانظر: \"النهاية في غريب الحديث\" (٤/ ١٠٠)، و\"شرح النووي لمسلم\" (٢: ١٩٢).\n(^٢) \"صحيح مسلم\"، باب نزول عيسى، (٢/ ١٩٢ مع شرح النووي).\n(^٣) \"شرح النووي لمسلم\" (٢/ ١٩٢).\n(^٤) انظر: \"شرح النووي لمسلم\" (٢/ ١٩٢).","vol":"1","page":378},{"text":"بن مريم … ثم يمكث الناس سبع سنين ليس بين اثنين عداوة، ثم يرسل الله ريحًا باردة من قبل الشام، فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذر ة من خير أو إيمان إلا قبضته\" (^١)\nوفي رواية الإمام أحمد وأبي داود: \"فيمكث في الأرض أربعين سنة، ثم يتوفى، ويصلي عليه المسلمون\" (^٢).\nوكلا هاتين الروايتين صحيحة، وهذا مشكل؛ إلا أن تحمل رواية السبع سنين على مدَّة إقامته بعد نزوله، ويكون ذلك مضافًا إلى مُكثِه في الأرض قبل رفعه إلى السماء، وكان عمره إذ ذاك ثلاثًا وثلاثين سنة على المشهور (^٣).\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\"، باب ذكر الدجال، (١٨/ ٧٥ - ٧٦ - مع شرح النووي)\n(^٢) \"مسند الإمام أحمد\" (٢/ ٤٠٦ - بهامشه منتخب الكنز).\nقال ابن حجر: \"صحيح\" (٦/ ٩٤٣).\nو\"سنن أبي داود\"، كتاب الملاحم، باب خروج الدجال، (١١/ ٤٥٦ - مع عون المعبود).\n(^٣) انظر: \"النهاية/ الفتن والملاحم\" (١/ ١٤٦)، تحقيق د. طه زيني.","vol":"1","page":379},{"text":"قال المصنف-﵀:\n\n\"و<span data-type='title' id=toc-107>الإيمان بالحوض\".</span>\n<hr><s0>\n\nهذا الحوضُ المورود الذي أَعطاه الله لنبيه محمد ﷺ، كما قال: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: ١ - ٣].\nقال الإمامُ القرطبيُّ: «والصَّحيح: أنَّ للنبي ﷺ حَوْضَيْن:\nأحدهما: في المَوقف قبل الصِّراط.\nوالثَّاني: في الجَنَّة.\nوكلاهما يُسَمَّى كوثرًا» (^١).\nوقد جاءت أحاديث كثيرة في وصفه؛ منها:\n• عن أبي عُبيدة أنه سأل عائشة ﵂ عن قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَر﴾ [الكوثر: ١]، فقالت: «نهرٌ أُعطيه نَبِيُّكم ﷺ؛ شاطئاه عليه دُرٌّ مُجَوَّف، آنيته كَعَدد النُّجوم» (^٢).\n• وعن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «بينما أنا أسيرُ في\n_________\n(^١) «التذكرة» (ص ٣٦٢).\n(^٢) أخرجه البخاري (٤٩٦٥).","vol":"1","page":380},{"text":"الجَنَّة إذ أنا بنهرٍ حافتاه قِباب الدُّرِّ المُجَوَّف. قلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثرُ الذي أعطاك رَبُّك، فإذا طِينُه-أو طِيبُه-مِسك أذفر» (^١).\nومن الأحاديث التي ورد فيها ذكر الحوض:\n• عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: \"ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة، ومنبري على حوضي\" (^٢).\n• وقوله ﷺ للأنصار: «اصبروا حتى تلقوني على الحوض» (^٣).\nقال شيخُ الإسلامِ رحمه الله تعالى: «خَصَّ الله نَبيَّه ﷺ أنَّه أعطاه الكوثر، وهو من الخير الكثير الذي آتاه اللهُ في الدُّنيا والآخرة؛ فمما أعطاه في الدُّنيا الهُدى والنَّصر والتأييد وقُرَّة العَين والنَّفس وشرح الصدر، ونَعَّم قلبَه بذكرِه وحُبِّه بحيث لا يُشبه نعيمُه نعيمَ الدُّنيا البتة، وأعطاه في الآخِرَة الوسيلةَ والمقامَ المحمودَ، وجعلَه أَوَّلَ مَنْ يُفتح له ولأمته باب الجنة، وأعطاه في الآخِرَة لواءَ الحمد والحوض العظيم في موقف القيامة، إلى غير ذلك» (^٤).\nوقد حكم جمعٌ من أهل العلم بتواتر السُّنَّة في ذلك، قال ابن أبي العِزِّ: «الأحاديث الواردة في ذِكر الحوض تَبلغُ حَدَّ التواتر؛\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٥٨١).\n(^٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل المدينة، باب ١٢. انظر: فتح الباري (٤/ ٩٩) ح ١٨٨٨، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب ما بين القبر والمنبر روضة من رياض الجنة (٤/ ١٢٣).\n(^٣) انظر صحيح البخاري كتاب الجزية، باب مَا أَقْطَعَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ البَحْرَيْنِ، وَمَا وَعَدَ مِنْ مَالِ البَحْرَيْنِ وَالجِزْيَةِ، وَلِمَنْ يُقْسَمُ الفَيْءُ وَالجِزْيَةُ، برقم (٣١٦٣)، ومسلم كتاب الزكاة، بَابُ إِعْطَاءِ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ وَتَصَبُّرِ مَنْ قَوِيَ إِيمَانُهُ برقم (١٠٥٩)، والإمام أحمد في المسند مسند المكثرين من الصحابة (١٣٣٤٧).\n(^٤) «مجموع الفتاوى» (١٦/ ٥٢٧ - ٥٢٨)، بتصرف يسير.","vol":"1","page":381},{"text":"رَوَاها من الصَّحابة بضعٌ وثلاثون صحابياًّ، ولقد استقصى طرقَها شيخُنا عمادُ الدِّين ابنُ كثير-تَغَمَّدَه اللهُ برحمتِه في آخر «تاريخه الكبير» (^١).\nوروي عن الإمام سفيان بن عيينة في اعتقاده قوله: السنة عشرة فمن كن فيه فقد استكمل السنة ومن ترك منها شيئا فقد ترك السنة: إثبات القدر وتقديم أبي بكر وعمر والحوض والشفاعة والميزان والصراط والإيمان قول وعمل والقرآن كلام الله وعذاب القبر والبعث يوم القيامة ولا تقطعوا بالشهادة على مسلم. (^٢)\n_________\n(^١) «شرح الطحاوية» (ص ٢٢٧).\n(^٢) رواه الإمام اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (١/ ١٥٦)","vol":"1","page":382},{"text":"قال المصنف-رحمه الله تعالى-:\n\"و<span data-type='title' id=toc-108>الشفاعة\".</span>\n<hr><s0>\n\nتقدم الكلام على مسألة أنواع شفاعات النبي ﷺ يوم القيامة عند قول المصنف: \"وأن الله يخرج أقوامًا من النار بشفاعة محمد-ﷺ\"\n\nوأما الحديث عن الشفاعة نفسها فيمكن إجماله في الأمور الآتية:\nأ-أما الشفاعة فمعناها في اللغة:\nقال صاحب اللسان: \"شفع لي يشفع، شفاعة، وتشفع: طلب.\nوروي عن المبرد وثعلب أنهما قالا في قوله تعالى ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ (^١) قالا: الشفاعة الدعاء ههنا.\nوالشفاعة كلام الشفيع للملك في حاجة يسألها لغيره.\nوشفع إليه: في معنى طلب إليه.\nوالشافع: الطالب لغيره يتشفع به إلى المطلوب.\nيقال: تشفعت بفلان إلى فلان فشفعني فيه.\nواسم الطالب: شفيع.\nواستشفعته إلى فلان: أي سألته أن يشفع لي إليه.\n_________\n(^١) الآية (٢٥٥) من سورة البقرة.","vol":"1","page":383},{"text":"وتشفعت إليه في فلان: فشفعني فيه تشفيعًا\" (^١).\nويتضح من النقل السابق ما يلي:\n١ - أن معنى الشفاعة في اللغة: الدعاء والطلب.\n٢ - أن الشفاعة لها أركان أربعة:\n١ - الطلب ٢ - المشفع فيه أي صاحب الحاجة، ٣ - الشافع أو الشفيع، ٤ - المشفوع إليه.\nوهذه الأركان الأربعة مذكورة في كلام صاحب اللسان حيث قال:\n\"الشفاعة، كلام الشفيع للملك في حاجة يسألها للغير\" فهناك:\n١ - شفيع، ٢ - ملك، ٣ - حاجة، ٤ - وغير.\n٣ - أن الشفاعة في لغة العرب لابد فيها من طلب الشافع للسائل، فيطلب له ما يطلب من المسئول المدعو المشفوع إليه.\nقال صاحب اللسان: \"الشافع الطالب لغيره، واسم الطالب: شفيع. وهذا\n_________\n(^١) لسان العرب (٨/ ١٨٤) مادة شفع.","vol":"1","page":384},{"text":"لا يكون إلا بوجود الشافع وحضوره. وأما الاستشفاع بمن لم يشفع للسائل ولا طلب له حاجة ليس هذا استشفاعا في اللغة\".\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"كثير من العامة يقولون لمن توسل في دعائه بنبي أو غيره: قد تشفع به. من غير أن يكون المتشفع به شفع له ولا دعا له، بل قد يكون غائبا لم يسمع كلام ولا شفع له. وهذا ليس هو لغة النبي ﷺ وأصحابه وعلماء الأمة بل ولا هو لغة العرب. فان الاستشفاع: طلب الشفاعة. والشافع: هو الذي يشفع للسائل فيطلب له ما يطلب من المسئول المدعو المشفوع إليه. وأما الاستشفاع بمن لم يشفع للسائل ولا طلب له حاجة بل وقد لا يعلم بسؤاله، فليس هذا استشفاعا لا في اللغة ولا في كلام من يدري ما يقول. نعم هذا سؤال به، ودعاؤه، ليس هو استشفاعا به\" (^١).\nفالشفاعة في لغة العرب ولغة النبي ﷺ وأصحابه رضوان الله عليهم، لابد فيها من \"طلب الشافع\" وهذا لا يكون إلا بوجوده وحضوره.\nوأما توسل الشخص في دعائه بنبي أو غيره، وتسمية بعض المبتدعة لهذا استشفاعا أي سؤالا بالشافع، وصاروا يقولون: استشفع به فيشفعك، أي يجيب سؤالك به، فهذا من تغيير معني الشفاعة في اللغة والشرع، وأصحابه أرادوا أن يغيروا اللغة كما غيروا الشريعة.\n_________\n(^١) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ص ١٥١ - ١٥٢).","vol":"1","page":385},{"text":"ب-<span data-type='title' id=toc-110>معنى الشفاعة في خطاب الشارع:</span>\nمعنى الشفاعة في استعمال الشارع هو الدعاء كما ورد في وضع اللغة فمما ورد في ذلك مما رواه أبو هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول في صلاته على الجنازة: \"اللهم أنت ربها وأنت خالقها وأنت هديتها للإسلام، وأنت قبضت روحها، وأنت أعلم بسرها وعلانيتها جئنا شفعاء فاغفر لها\" (^١).\nوعن أنس وعائشة عن النبي ﷺ قال: \"ما من ميت يصلى عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة كلهم يشفعون له إلا شفعوا فيه\" (^٢).\nهذا وقد جاءت النصوص الشرعية بذكر نوعين من الشفاعة:\n\nالنوع الأول: الشفاعة المنفية.\nالنوع الثاني: الشفاعة المثبتة.\nأما النوع الأول: أي الشفاعة المنفية.\nفإنه لما كان المشركون في قديم الزمان وحديثه إنما وقعوا في الشرك لتعلقهم بأذيال الشفاعة كما قال تعالى ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد في المسند (٢/ ٣٤٥، ٣٦٣).\n(^٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنائز، باب من صلى عليه مائة شفعوا فيه: (٣/ ٥٢، ٥٣).","vol":"1","page":386},{"text":"يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ (^١).\nوقال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (^٢).\nفقد نفي الله هذه الشفاعة ونزه نفسه عنها، ونفي أن يكون للخلق من دونه من ولى أو شفيع كما قال تعالى ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (^٣).\nوقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ (^٤).\nوهذه الشفاعة المنفية هي الشفاعة المعروفة عند الناس عند الإطلاق وهي أن يشفع الشفيع إلى غيره ابتداء فيقبل شفاعته\" (^٥).\nوأصحاب هذه الشفاعة المنفية جعلوا وسائط بين الله وبين خلقه -كالحجاب الذي لن الملك ورعيته-بحيث يكون أولئك الوسائط هم الذين يرفعون إلى الله حوائج خلقه، فهم يعتقدون أن الله إنما يهدي عباده ويرزقهم بتوسطهم، فالخلق يسألونهم وهم يسألون الله كما أن الوسائط عند الملوك: يسألون الملوك حوائج الناس، لقربهم منهم، والناس يسألونهم أدبًا منهم أن يباشروا سؤال الملك أو لأن طلبه من الوسائط أنفع لهم من طلبهم من الملك لكونهم أقرب\n_________\n(^١) الآية (١٨) من سورة يونس.\n(^٢) الآية (٣) من سورة الزمر.\n(^٣) الآيتان (٤٣، ٤٤) من سورة الزمر.\n(^٤) الآية (٤) من سورة السجدة.\n(^٥) مجموع الفتاوى (١/ ١١٨).","vol":"1","page":387},{"text":"إلى الملك من الطالب للحوائج.\nفمن أثبتهم وسائط على هذا الوجه: فهو مشرك، يجب أن يستتاب فإن تاب وإلا قتل.\nوهؤلاء مشبهون لله، شبهوا المخلوق بالخالق، وجعلوا لله أندادًا وفي القرآن الكريم من الرد على هؤلاء ما لا يتسع المجال لذكره ههنا.\nومعلوم أن الوسائط التي بين الملوك وبين الناس، يكونون على أحد وجوه ثلاثة:\n١ - إما لإخبارهم من أحوال الناس مما لا يعرفونه.\nأو أن يكون الملك عاجزا عن تدبير رعيته ودفع أعدائه إلا بأعوان يعينونه، فلابد له من أنصار وأعوان لذله وعجزه.\n٢ - وإما أن يكون الملك ليس مريدا لنفع رعيته، والإحسان إليهم ورحمتهم إلا بمحرك يحركه من خارج.\nفإذا خاطب الملك من ينصحه، ويعظمه، أو من يدل عليه، بحيث يكون يرجوه أو يخافه: تحركت إرادة الملك وهمته في قضاء حوائج رعيته إما لما حصل في قلبه من كلام الناصح الواعظ المشير، وإما لما يحصل من الرغبة أو الرهبة من كلام المدل عليه.\nوكل هذه الأمور ممتنعة في حق الله تعالى.\nفمن قال إن الله لا يعلم أحوال عباده حتى يخبره بذلك بعض الملائكة","vol":"1","page":388},{"text":"أو الأنبياء أو غيرهم فهو كافر.\nبل هو سبحانه يعلم السر وأخفي، ولا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء وهو السميع البصير.\nقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ﴾ (^١) وقال تعالى: ﴿وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ﴾ (^٢). والله سبحانه ليس له ظهير، ولا ولى من الذل.\nقال تعالى ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ (^٣).\nوقال تعالى ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ (^٤).\nوكل ما في الوجود من الأسباب فهو خالقه، وربه ومليكه، فهو الغني عن كل ما سواه، وكل ما سواه فقير إليه، بخلاف الملوك المحتاجين إلى ظهرائهم وهم في الحقيقة شركاؤهم في الملك.\nوالله تعالى ليس له شريك في الملك، بل لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.\nوهو سبحانه رب كل شيء ومليكه، وهو أرحم بعباده من الوالدة بولدها، وكل الأشياء إنما تكون بمشيئته فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.\nوهو سبحانه لا يرجو أحدا ولا يخافه، ولا يحتاج إلى أحد بل هو الغني قال تعالى: ﴿أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ\n_________\n(^١) الآية (٥) من سورة آل عمران.\n(^٢) الآية (٣٨) من سورة إبراهيم.\n(^٣) الآية (٢٢) من سورة سبأ.\n(^٤) الآية (١١١) من سورة الإسراء.","vol":"1","page":389},{"text":"الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ﴾ (^١).\nفالمشركون يتخذون شفعاء من جنس ما يعهدونه من الشفاعة عند ملوكهم.\nقال تعالى ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (^٢).\nوقال تعالى ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ (^٣).\nوأخبر عن المشركين أنهم قالوا ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (^٤) (^٥) فالمشرك يقصد فيما يشرك به:\n١ - أن يشفع له عند الله.\n٢ - أن يتقرب بعبادته إلى الله.\nوهذا بعينه هو ما يوجد عند عباد القبور نعوذ بالله من حالهم.\n\nوأما الشفاعة المثبتة: فهي الشفاعة الشرعية المخالفة لما عليه المشركون.\nوهي التي أخبر الله تعالى أنها لا تنفع إلا بشرطين:\nالأول: إذنه سبحانه للشافع أن يشفع.\n_________\n(^١) الآية (٦٦) من سورة يونس.\n(^٢) الآية (١٨) من سورة يونس.\n(^٣) الآية (٢٨) من سورة الأحقاف.\n(^٤) الآية (٣) من سورة الزمر.\n(^٥) مجموع الفتاوى (١/ ١٢٦ - ١٢٩) بتصرف.","vol":"1","page":390},{"text":"الثاني: رضاه سبحانه عن المشفوع له.\nقال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ (^١).\nوقال تعالى: ﴿لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ (^٢).\nوقال تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى﴾ (^٣).\nوقال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ (^٤).\nوهذه الشفاعة منها ما هو في الدنيا. ومنها ما هو في يوم القيامة. والشفاعة كما سبق وأن ذكرنا هي: الدعاء.\nولا ريب أن دعاء الخلق بعضهم لبعض نافع والله قد أمر بذلك.\nفمشروع أن يدعو الأعلى للأدنى والأدنى للأعلى.\nولقد كان الصحابة يستشفعون بالنبي ﷺ في الاستسقاء ويطلبون منه الدعاء، بل وكذلك بعده استسقى عمر والمسلمون بالعباس عمه، وهذا من الشفاعة في الدنيا.\nوفي يوم القيامة يطلب الناس الشفاعة من الأنبياء ومحمد ﷺ وهو سيد الشفعاء، وله شفاعات يختص بها.\nولكن لابد في هذه الشفاعة من الشرطين السابقين أي إذن الله للشافع ورضاه عن المشفوع له.\n_________\n(^١) الآية (٢٥٥) من سورة البقرة.\n(^٢) الآية (٢٦) من سورة النجم.\n(^٣) الآية (٢٨) من سورة الأنبياء.\n(^٤) الآية (١٠٩) من سورة طه.","vol":"1","page":391},{"text":"فالداعي الشافع ليس له أن يدعو ويشفع إلا بإذن الله في ذلك، فلا يشفع شفاعة نهي عنها: كالشفاعة للمشركين والدعاء لهم بالمغفرة قال تعالى ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ (^١).\nوقال تعالى في حق المنافقين ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ (^٢).\nوقال تعالى ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (^٣).\nوشرط الرضي غير متحقق في المشفوع له مع أن الشافع هنا هو خير الخلق وأعظمهم قدرا عند الله تعالى. وقد قال تعالى ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (^٤) أي المعتدين في الدعاء.\nومن الاعتداء في الدعاء: أن يسأل العبد ما لم يكن الرب ليفعله مثل: أن يسأله منازل الأنبياء وليس منهم، أو مغفرة المشركين ونحو ذلك، أو يسأله ما فيه معصية الله كإعانته على الكفر والفسوق والعصيان.\nفالشفيع الذي أذن الله له في الشفاعة: شفاعته في الدعاء الذي ليس فيه عدوان.\nوالأنبياء لو سأل أحدهم دعاء لا يصلح له لا يقر عليه، فإنهم معصومون أن يقروا على ذلك.\n_________\n(^١) الآية (١١٣) من سورة التوبة.\n(^٢) الآية (٦) من سورة المنافقون.\n(^٣) الآية (٨٠) من سورة التوبة.\n(^٤) الآية (٥٥) من سورة الأعراف.","vol":"1","page":392},{"text":"كما قال نوح ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ﴾ (^١) قال تعالى ﴿قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ (^٢).\n﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (^٣).\nوكل داع شافع، دعا الله سبحانه وشفع: فلا يكون دعاؤه وشفاعته إلا بقضاء الله وقدره ومشيئته، فهو الذي يجيب الدعاء من جملة الأسباب التي قدرها الله ﷾.\nوإذا كان كذلك: فالالتفات إلى الأسباب بالكلية شرك في التوحيد ومحو الأسباب أن تكون أسبابًا نقص في العقل.\nوالإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع، بل العبد يجب أن يكون توكله ودعاؤه وسؤاله ورغبته إلى الله ﷾ والله يقدر له من الأسباب من دعاء الخلق وغيرهم ما شاء.\nفالدعاء للغير، ينتفع به الداعي، والمدعو له، وإن كان الداعي دون المدعو في الدرجة والمنزلة.\nفدعاء المؤمن لأخيه ينتفع به الداعي والمدعو له.\nفمن قال لغيره أدع لي وقصد انتفاعهما جميعا بذلك كان هو وأخوه متعاونين على البر والتقوى. فهو نبه المسئول وأشار عليه بما ينفعهما، بمنزلة من يأمر غيره ببر وتقوى، فيثاب المأمور على فعله، والآمر أيضا يثاب مثل ثوابه\n_________\n(^١) الآية (٤٥) من سورة هود.\n(^٢) الآية (٤٦) من سورة هود.\n(^٣) الآية (٤٧) من سورة هود.","vol":"1","page":393},{"text":"لكونه دعا إليه. وقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: \"دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة، عند رأسه ملك موكل كلما دعا لأخيه قال الملك الموكل به آمين ولك بمثل\" (^١).\nوعند النظر في نصوص الشرع الواردة في شفاعة النبي ﷺ نجد أن هناك شفاعة أخروية له في يوم القيامة، وشفاعة دنيوية في حياته.\nأما الشفاعة الأخروية: فقد أجمع المسلمون على أن النبي ﷺ يشفع للخلق يوم القيامة بعد أن يسأله الناس ذلك، وبعد أن يأذن الله له في الشفاعة.\nثم إن أهل السنة والجماعة متفقون على ما اتفق عليه الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، واستفاضت به السنن من أنه ﷺ يشفع لأهل الكبائر من أمته ويشفع لعموم الخلق.\nفله ﷺ شفاعات يختص بها لا يشركه فيها أحد، وشفاعات فيها وغيره من الأنبياء والصالحين سواء، ولكن ما له فيها أفضل مما لغيره، فإنه ﷺ أفضل الخلق وأكرمهم على ربه ﷿، وله من الفضائل التي ميزه الله بها على سائر النبيين ومن ذلك المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون، وأحاديث الشفاعة كثيرة متواترة منها في الصحيح أحاديث متعددة،\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب فضل الدعاء للمسلمين بظهر الغيب (٨/ ٨٦).","vol":"1","page":394},{"text":"وفي السنن والمسانيد مما يكثر عدده.\nأما الشفاعة الدنيوية (التي كانت في حياته)، فقد أجمع أهل العلم على أن الصحابة كانوا يستشفعون به ويتوسلون به في حياته بحضرته. كما ثبت في أحاديث الاستسقاء، وهذا الاستشفاع هو طلب للدعاء منه، فإنه كان يدعو للمستشفع والناس يدعون معه، كما جاء في الحديث الثابت في الاستسقاء أن المسلمين لما أجدبوا على عهد النبي ﷺ دخل عليه أعرابي فقال: يا رسول الله هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادع الله يغيثنا. فرفع النبي ﷺ يديه وقال: \"اللهم أغثنا اللهم أغثنا اللهم أغثنا\" (^١).\nفهذا يبين أن معنى الاستشفاع بالنبي ﷺ هو استشفاع بدعائه وشفاعته. وهذا ما فهمه الصحابة وعملوا به بعد وفاة النبي ﷺ فعمر بن الخطاب استسقى بالعباس بن عبد المطلب وقال \"اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا\" (^٢). وكذلك معاوية بن أبي سفيان -لما أجدب الناس بالشام-استسقى بيزيد بن الأسود الجرشي (^٣) فقال: \"اللهم إنا نستشفع ونتوسل بخيارنا، يا يزيد ارفع\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الاستسقاء، باب الاستسقاء في المسجد الجامع. انظر: فتح الباري (٢/ ٥٠١) ح ١٠١٣.\n(^٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الاستسقاء، باب سؤال الناس الإمام الاستسقاء إذا قحطوا انظر فتح الباري (٢/ ٤٩٤) ح ١٠١٠\n(^٣) يزيد بن الاسود الجرشي أبو الأسود، من سادة التابعين أسلم في حياة النبي ﷺ، وكان من العباد الخشن وقصته مع معاوية تدل على فضله وصلاحه، توفي سنة ٧١ هـ.\nالإصابة (٣/ ٦٣٤) وسبر أعلام النبلاء (٤/ ١٣٦ - ١٣٧).","vol":"1","page":395},{"text":"يديك \"فرفع يديه ودعا، ودعا الناس حتى سقوا\" (^١).\nفهم لم يستسقوا ولم يتوسلوا ولم يستشفعوا في هذه الحال بالنبي ﷺ لا عند قبره ولا غير قبره، بل عدلوا إلى البدل كالعباس وكيزيد.\nفجعلوا هذا بدلا عن ذلك لما تعذر أن يتوسلوا به على الوجه المشروع الذي كانوا يفعلونه.\nوقد كان من الممكن أن يأتوا إلى قبره فيتوسلوا ويستشفعوا به ويقولوا في دعائهم في الصحراء بالجاه ونحو ذلك من الألفاظ التي تتضمن القسم بالمخلوق على الله ﷿ أو السؤال به، فيقولون نسألك أو نقسم عليك أو نستشفع عليك أو نستشفع بنبيك أو جاه نبيك، ونحو ذلك مما يفعله بعض الناس.\nولكنهم لم ينقل عنهم أنهم توسلوا أو استشفعوا بمثل هذه العبارات فهذا يؤكد ويبرهن على أن التوسل بالذات في حضور الشخص أو مغيبة أو بعد موته أمر لم يشرعه لهم الشارع ولم يكن معروفا عندهم.\n_________\n(^١) أورده ابن حجر في الإصابة (٣/ ٦٣٤) وقال: \"أخرجه أبو زرعة الدمشقي ويعقوب بن سفيان في تاريخيهما بسند صحيح\" وأورده الذهبي في سير أعلام النبلاء (٤/ ١٣٧) وابن كثير في البداية (٨/ ٣٢٤).","vol":"1","page":396},{"text":"قال المصنف-﵀:\n\nو<span data-type='title' id=toc-114>الإيمان بالعرش والكرسي </span>(^١).\n<hr><s0>\n\nقول المصنف: «والإيمان بالعرش».\nوفيه مسائل:\n\nأولًا:<span data-type='title' id=toc-115> الأدلة على إثبات العرش.</span>\nالأدلة القرآنية على إثبات العرش.\nلقد جاء ذكر عرش الرحمن في القرآن الكريم في واحد وعشرين موضعًا:\n١ - قال تعالى ﴿إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثًا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين﴾ [الأعراف ٥٤]\n٢ - وقال تعالى ﴿فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم﴾ [التوبة ١٢٩].\n٣ - وقال تعالى ﴿إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه ذلكم الله ربكم فاعبدوه أفلا تذكرون﴾ [يونس ٣].\n_________\n(^١) ما بين معكوفتين مأخوذ من كتاب مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي، ص: (٢٢٧).","vol":"1","page":397},{"text":"٤ - وقال تعالى ﴿وهو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملًا﴾ [هود ٧].\n٥ - وقال تعالى ﴿الله الذي رفع السموات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى﴾ [الرعد ٢].\n٦ - وقال تعالى ﴿قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا﴾ [الإسراء ٤٢].\n٧ - وقال تعالى ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ [طه ٥].\n٨ - وقال تعالى ﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون﴾ [الأنبياء ٢٢].\n٩ - وقال تعالى ﴿قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم﴾ [المؤمنون ٨٦].\n١٠ - وقال تعالى ﴿فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم﴾ [المؤمنون ١١٦].\n١١ - وقال تعالى ﴿الذي خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش الرحمن فاسأل به خبيرا﴾ [الفرقان ٥٩].\n١٢ - وقال تعالى ﴿الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم﴾ [النمل ٢٦].\n١٣ - وقال تعالى ﴿الله الذي خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش مالكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون﴾ [السجدة ٤].","vol":"1","page":398},{"text":"١٤ - وقال تعالى ﴿وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين﴾ [الزمر ٧٥].\n١٥ - وقال تعالى ﴿الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلماُ فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم﴾ [غافر ٧].\n١٦ - وقال تعالى ﴿رفيع الدرجات ذو العرش يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر يوم التلاق﴾ [غافر ١٦].\n١٧ - وقال تعالى ﴿سبحان رب السموات والأرض رب العرش عما يصفون﴾ [الزخرف ٨٢].\n١٨ - وقال تعالى ﴿هو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصير﴾ [الحديد ٤].\n١٩ - وقال تعالى ﴿والملك على أرجائها ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية﴾ [الحاقة ١٧].\n٢٠ - وقال تعالى ﴿ذو قوة عن ذي العرش مكين﴾ [التكوير ٢٠].\n٢١ - وقال تعالى ﴿ذو العرش المجيد﴾ [البروج ١٥].\nالأدلة من السنة على إثبات العرش\nأورد الذهبي ﵀-في كتابه \"العرش\" جملة طيبة من الأحاديث والآثار الواردة في العرش وصفته، وفي هذا المبحث لن نذكر تلك الأحاديث والآثار التي أوردها لأنها ستأتي، وإنما سنورد ههنا بعض الأحاديث الصحيحة في","vol":"1","page":399},{"text":"العرش وصفته والتي لم يذكرها الذهبي في كتابه، وهذه الأحاديث كثيرًا ما يوردها السلف في كتبهم ويستدلون بها لما فيها من الصحة والقوة ولما فيها من الصفات الدالة على عرش الخالق ﷾.\n١ - فقد جاء في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «بينا رسول الله ﷺ جالس، جاء يهودي فقال: يا أبا القاسم ضرب وجهي رجل من أصحابك، فقال: من؟ قال: رجل من الأنصار، قال: ادعوه، فقال: أضربته؟ فقال: سمعته بالسوق يحلف والذي اصطفى موسى على البشر، قلت: أي خبيث على محمد ﷺ، فأخذتني غضبة فضربت وجهه، فقال النبي ﷺ: لا تخيروا بين الأنبياء فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من تنشق عنه الأرض، فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أكان صعق أم حوسب بصعقته الأولى» (^١).\nوالشاهد لنا من هذا الحديث قوله: «فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش»، حيث أن للعرش قوائم، ولم يرد في الشرع تحديد عدد لها، وهذا الحديث هو من أقوى الأدلة على أن العرش ليس المراد به الملك أو الفلك التاسع.\n٢ - وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه (٥/ ٧٠ مع الفتح) كتاب الخصومات باب ما يذكر في الأشخاص والخصومة بين المسلم واليهودي.\nومسام في صحيحه (٤/ ١٠١ - ١٠٢) كتاب الفضائل.","vol":"1","page":400},{"text":"بخمسين ألف سنة، قال: وعرشه على الماء» (^١).\nوفي الحديث دلالة واضحة على أن العرش كان مخلوقًا على الماء قبل خلق السموات.\n٣ - وفي الصحيحين عن ابن عباس ﵄ قال: كان النبي ﷺ يقول عن الكرب: «لا إله إلا الله العليم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض ورب العرش الكريم\" (^٢).\n٤ - وعن ابن عباس عن جويرية أن النبي ﷺ خرج من عندها بكرة حين صلى الصبح وهي في مسجدها ثم رجع بعد أن أضحى وهي جالسة فقال: «ما زلت على الحال التي فارقتك عليها»، قالت: نعم، قال النبي ﷺ: «لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن، سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته» (^٣).\nقال ابن تيمية: (فهذا يبين أن زنة العرش أثقل الأوزان) (^٤).\n٥ - وعن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ قال: «أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش أن ما بين شحمة أذنه إلى\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في القدر (٨/ ٥١).\n(^٢) أخرجه البخاري في التوحيد، باب وكان عرشه على الماء، واللفظ له. فتح الباري (١٣/ ٤٠٥).\nومسلم في الذكر والدعاء (٨/ ٨٥).\n(^٣) أخرجه مسلم في الذكر (٨/ ٨٣) واللفظ له.\nوأخرجه أبو داود في تخريج أبواب الوتر، باب التسبيح بالحصى (٢/ ١٧١).\nوأخرجه الترمذي في الدعوات، وقال: (حديث حسن صحيح). (٥/ ٥٥٦).\n(^٤) الرسالة العرشية (ص ٨).","vol":"1","page":401},{"text":"عاتقه مسيرة سبعمائة عام\" (^١).\n٦ - وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من آمن بالله ورسوله، وأقام الصلاة، وصام رمضان، كان حقًا على الله أن يدخله الجنة، هاجر في سبيل الله أو جلس في أرضه التي ولد فيها، قالوا: يا رسول الله أفلا ننبئ الناس بذلك؟ قال: إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله، كل درجتين ما بينهما كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فسلوه الفردوس، فإنه وسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة» (^٢).\n٧ - وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: «الرحم معلقة بالعرش تقول من وصلني وصله الله ومن قطعني قطعه الله» (^٣).\n٨ - وعن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لأبي ذر حين غربت الشمس: «أتدري أين تذهب؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش، فتستأذن فيؤذن لها، ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها، وتستأذن فلا يؤذن لها، فيقال لها: ارجعي من حيث جئتي فتطلع من مغربها،\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب السنة، باب في الجهمية (٥/ ٩٦، ح ٤٧٢٧).\nأورده ابن كثير في تفسير (٤/ ٤١٤) وعزاه لابن أبي حاتم وقال: (إسناده جيد ورجاله كلهم ثقات).\n(^٢) أخرجه البخاري في التوحيد، باب وكان عرشه على الماء. فتح الباري (١٣/ ٤٠٤).\n(^٣) أخرجه مسلم في البر والصلة (٨/ ٧).","vol":"1","page":402},{"text":"فذلك قوله تعالى ﴿والشمس تجري لمستقر لها، ذلك تقدير العزيز العليم﴾» (^١).\n٩ - وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لما قضى الله الخلق كتب في كتابه، فهو عنده فوق العرش إن رحمتي غلبت غضبي» (^٢).\n١٠ - وعن معاذ بن جبل ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «المتحابون في الله يظلهم الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله» (^٣).\n\nثانيًا:<span data-type='title' id=toc-116> قول السلف في تعريف العرش.</span>\nقال الطبري عند قوله تعالى: ﴿وترى الملائكة حافين من حول العرش﴾ [الزمر ٧٥] (يعني بالعرش: السرير)، ثم ذكر بسنده عن السدي في تفسير هذه الآية قوله: (محدقين حول العرش قال: العرش: السرير) (^٤).\nوقال الطبري في موضع آخر ﴿ذو العرش﴾ [غافر ١٥] يقول: (ذو السرير المحيط بما دونه) (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في المغازي، باب صفة الشمس والقمر. فتح الباري (٦/ ٢٩٧).\n(^٢) أخرجه البخاري في بدء خلق، باب ما جاء في قوله تعالى ﴿وهو يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه﴾. فتح الباري (٦/ ٢٨٧).\nوأخرجه مسلم في التوبة، باب في سعة رحمة الله أنها سبقت غضبه. (٨/ ٩٥).\n(^٣) أخرجه أحمد في المسند (٥/ ٢٢٩، ٢٣٦، ٢٣٧).\nوابن حبان (٢٥١٠).\nوالحاكم (٤/ ١٦٩ - ١٧٠).\nوابن المبارك في الزهد (ص ٧١٥) من طريقين صحيحين عنه.\n(^٤) تفسير الطبري (٢٤/ ٣٧ - ٣٨).\n(^٥) تفسير الطبري (٢٤/ ٤٩).","vol":"1","page":403},{"text":"وقال البيهقي: (وأقاويل أهل التفسير على أن العرش هو السرير وأنه جسم مجسم خلقه الله وأمر ملائكته بحمله وتعبدهم بتعظيمه والطواف به كما خلق في الأرض بيتًا وأمر بني آدم بالطواف به واستقباله في الصلاة، وفي الآيات والأحاديث والأثار دلالة واضحة على ما ذهبوا إليه) (^١).\nوقال أيضًا: (العرش هو السرير المشهور فيما بين العقلاء) (^٢).\nوقال ابن كثير: (هو سرير ذو قوائم تحمله الملائكة وهو كالقبة على العالم، وهو سقف المخلوقات) (^٣).\nوقال الذهبي -بعد أن ذكر سرر أهل الجنة-: (فما الظن بالعرش العظيم الذي اتخذه العلي العظيم لنفسه في ارتفاعه وسعته، وقوائمه وماهيته وحملته، والكروبيين الحافين من حوله، وحسنه ورونقه وقيمته، فقد ورد أنه من ياقوتة حمراء) (^٤).\n\nثالثًا:<span data-type='title' id=toc-117> صفات العرش.</span>\nوهذا الذي ذكره الطبري والبيهقي وابن كثير والذهبي في تعريف العرش، هو الذي جاءت به الآيات والأحاديث والآثار، وهو ما ذهب إليه سلف الأمة وأئمتها في عرش الله، فهم يعتقدون أن عرش الرحمن هو:\n_________\n(^١) الأسماء والصفات (٢/ ٢٧٢).\n(^٢) الاعتقاد (١١٢).\n(^٣) البداية (١/ ١٢).\n(^٤) العلو (ص ٥٧).","vol":"1","page":404},{"text":"• سرير:\nقال ابن قتيبة: (وطلبوا للعرش معنى غير السرير، والعلماء في اللغة لا يعرفون للعرش معنى إلا السرير، وما عرش من السقوف وأشباهها، قال أمية بن أبي الصلت:\nمجدوا الله وهو للمجد أهل … ربنا في السماء أمسى كبيرا\nبالبناء الأعلى الذي سبق الن … اس وسوى فوق السماء سريرا\nشرجعًا لا يناله بصر العي … ن ترى دونه الملائك صورا) (^١)\nوقال ابن كثير: (العرش في اللغة عبارة عن السرير الذي للملك، كما قال تعالى ﴿ولها عرش عظيم﴾ [النمل ٢٣]. وليس هو فلكًا ولا تفهم منه العرب ذلك، والقرآن إنما نزل بلغة العرب، فهو سرير ذو قوائم …) (^٢).\n• وأنه ذو قوائم:\nقال شارح الطحاوية: (قد ثبت في الشرع أن له قوائم تحمله الملائكة، كما قال ﷺ: «فإن الناس يصعقون، فأكون أول من يفيق، فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور» (^٣). (^٤).\n_________\n(^١) الاختلاف في اللفظ (ص ٢٤٠).\n(^٢) البداية (١/ ١١ - ١٢).\n(^٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الخصومات، باب ما يذكر في الأشخاص والخصومة بين المسلم واليهودي. انظر فتح الباري (٥/ ٧٠).\nومسلم في صحيحه، كتاب الفضائل (٤/ ١٠١ - ١٠٢).\n(^٤) شرح العقيدة الطحاوية (ص ٣١٠ - ٣١١).","vol":"1","page":405},{"text":"• وأنه مخلوق:\nقال الحافظ ابن حجر: (قوله ﴿وهو رب العرش العظيم﴾ [التوبة ١٢٩]، إشارة إلى أن العرش مربوب، وكل مربوب مخلوق … وفي إثبات القوائم للعرش دلالة على أنه جسم مركب له أبعاض وأجزاء، والجسم المؤلف محدث مخلوق) (^١).\n• وأن الله سبحانه قد أمر ملائكته بحمله وتعبدهم بتعظيمه:\nقال تعالى: ﴿الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم﴾ [غافر ٧]، وقال تعالى ﴿ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذٍ ثمانية﴾ [الحاقة ١٧].\nوعن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ أنه قال: «أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش، إن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام» (^٢).\n• وهو أعلى المخلوقات، وأعظمها، وسقفها، وهو كالقبة على العالم وما تحته بالنسبة إليه كحلقة في فلاة:\nقال أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أبي زمنين في كتابه \"أصول السنة\": (ومن قول أهل السنة أن الله ﷿ خلق العرش واختصه بالعلو والارتفاع فوق جميع ما خلق …) (^٣).\n_________\n(^١) فتح الباري (١٣/ ٤٠٥).\n(^٢) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب السنة، باب في الجهمية (٥/ ٩٦، ح ٤٧٢٧).\nأورده ابن كثير في تفسير (٤/ ٤١٤) وعزاه لابن أبي حاتم وقال: (إسناده جيد ورجاله كلهم ثقات).\n(^٣) أصول السنة (ص ٨٨).","vol":"1","page":406},{"text":"قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وأما العرش فإنه مقبب، لما روي في السنن لأبي داود عن جبير بن مطعم قال: «أتى رسول الله ﷺ أعرابي فقال: يا رسول جهدت الأنفس، وجاع العيال -وذكر الحديث إلى أن قال رسول الله ﷺ: إن الله على عرشه وإن عرشه على سمواته وأرضه كهكذا» (^١) وقال بأصابعه مثل القبة … وفي علوه قوله ﷺ: «إذا\n_________\n(^١) الحديث أخرجه كذلك الدارمي في الرد على بشر المريسي (ص ٤٤٧). وابن أبي عاصم في السنة (١/ ٢٥٢). وابن خزيمة في التوحيد (١/ ٢٣٩ - ٢٤٠، ح ١٤٧). والطبراني في المعجم الكبير (٢/ ١٣٢، برقم ١٥٤٧). وأبو الشيخ في العظمة (٢/ ٥٥٤ - ٥٥٦، ح ١٩٨). والدارقطني في الصفات (ص ٥١، ح ٣٨). وابن منده في التوحيد (١/ ١٨٨، برقم ٦٤٣). واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٣/ ٣٩٤). والبيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ٣١٧ - ٣١٨، ح ٨٨٣).\nوقد تكلم بعض الأئمة على هذا الحديث: فقال الذهبي في العلو (ص ٣٩): \"هذا الحديث غريب جدًا فرد، وابن إسحاق حجة في المغازي إذا أسند، وله مناكير وعجائب، فالله أعلم أقال النبي ﷺ هذا أم لا؟ وأما الله فليس كمثله شيء ﷻ، وتقدست أسماؤه ولا إله غيره\" انتهى كلامه. واستغربه الحافظ ابن كثير في تفسير آية الكرسي من تفسيره (١/ ٣١٠). ثم إن في إسناده اختلافًا.\nهذا وقد تكلم ابن القيم في تهذيب السنن (٧/ ٩٥ - ١١٧) بكلام طويل نصر فيه تصحيح الحديث، ورد المطاعن التي طعن بها هذا الحديث، وبخاصة عن ابن إسحاق.\nوالصواب أن هذا الحديث بهذا الإسناد ضعيف، ولا سيما أن جبير بن محمد قال فيه الحافظ ابن حجر: \"مقبول\" يعني إذا توبع ولم يتابع هنا.\nالتعليق: منهج السلف في إيراد مثل هذه الأحاديث التي في إسنادها مقال إنما هو من باب التأكيد لا من باب التأييد، وهذا الحديث إنما ساقه الكثير من السلف لما فيه من تواتر علو الله تعالى فوق عرشه مما يوافق آيات القرآن والأحاديث الصحيحة\".","vol":"1","page":407},{"text":"سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنه وسط الجنة وأعلاها وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة\" (^١).\nفقد تبين بهذه الأحاديث أنه أعلى المخلوقات، وسقفها، وأنه مقبب …) (^٢).\nوفي حديث أبي ذر المشهور قال: قلت يا رسول الله أيما أنزل عليك أعظم؟ قال: «آية الكرسي، ثم قال: يا أبا ذر ما السموات السبع مع الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على الحلقة\" (^٣).\nوهذا القول للسلف في عرش الله هو ما جاءت به الآيات والأحاديث الصحيحة، وقد كان سلف الأمة وأئمتها دائمًا يصرحون بذلك في كتبهم عند\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحيه، كتاب التوحيد، باب ﴿وكان عرشه على الماء﴾. انظر فتح الباري (١٣/ ٤٠٤).\n(^٢) الفتاوى (٥/ ١٥١).\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة في كتاب العرش رقم (٥٨).\nوابن حبان في صحيحه (١/ ٧٦ - ٧٩).\nوأبو الشيخ في العظمة (٢/ ٦٤٨ - ٦٤٩، ح ٢٥٩).\nوأبو نعيم في الحلية (١/ ١٦٦).\nوالبيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ٣٠٠ - ٣٠١، ح ٨٦٢).\nوللحديث أيضًا طرق أخرى ذكرها الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة رقم (١٠٩)، وقال: (وجملة القول إن الحديث بهذه الطرق صحيح)، وصححه أيضًا في تعليقه على شرح العقيدة الطحاوية (ص ٣١٢)، وتخريجه لأحاديث كتاب \"ما دل عليه القرآن مما يعضد الهيئة الجديدة القويمة البرهان\" للألوسي (ص ١٤٠).\nوقد نقل الحافظ ابن حجر في فتح الباري (١٣/ ٤١١) عن ابن حبان تصحيح الحديث وقال: (وله شاهد عن مجاهد أخرجه سعيد بن منصور في تفسيره بسند صحيح عنه).","vol":"1","page":408},{"text":"الحديث عن هذه المسألة.\nوقد وافقهم في هذا القول في عرش الله الكلابية، والكرامية، ومتقدمو الأشاعرة، وبعض الجهمية، والمعتزلة (^١).\nرابعًا: أقوال المخالفين\nالقول الأول:\nما زعمه طائفة من الجهمية، والمعتزلة، والماتريدية (^٢)، وعامة متأخري الأشاعرة (^٣)، من أن معنى العرش في قوله تعالى ﴿الرحمن على العرش استوى﴾، هو الملك.\nقال الدارمي في كتابه \"الرد على الجهمية\": (باب الإيمان بالعرش وهو أحد ما أنكرته المعطلة. فادعت هذه العصابة أنهم يؤمنون بالعرش ويقرون به، فقلت لبعضهم: ما إيمانكم به إلا كإيمان ﴿الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم﴾ [المائدة ٤١]، وكالذين ﴿إذا لقوا الذين ءامنوا قالوا آمنا، وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزؤون﴾ [البقرة ١٤]،\n_________\n(^١) شرح أصول الخمسة (ص ٢٢٦)، أصول الدين للبغدادي (ص ١١٢)، الفرق بين الفرق (ص ٢١٥ - ٢١٦)، شرح جوهرة التوحيد (ص ١٨١)، نقض التأسيس (١/ ٣٩٦، ٢/ ١٤ - ١٥).\n(^٢) هم أتباع أبو منصور، محمد بن محمد الماتريدي، السمرقندي.\nانظر قولهم في هذه المسألة في \"تأويلات أهل السنة\" للماتريدي (١/ ٨٥).\n(^٣) التبصير في الدين للإسفراييني (١٥٨).","vol":"1","page":409},{"text":"أتقرون أن لله عرشًا معلومًا، موصوفًا فوق السماء السابعة، تحمله الملائكة، والله فوقه كما وصف نفسه، بائن من خلقه! فأبى أن يقر به كذلك، وتردد في الجواب وخلط ولم يصرح.\nقال أبو سعيد: فقال لي زعيم منهم كبير: لا، ولكن لما خلق الله الخلق يعني السموات والأرض وما فيهن سمى ذلك كله عرشًا له، واستوى على جميع ذلك كله) (^١).\nوقال ابن تيمية -في سياق كلامه على حملة العرش-: (ثم إن قوله تعالى ﴿الذين يحملون العرش ومن حوله﴾ [غافر ٧]، وقوله ﴿ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية﴾ [الحاقة ١٧]، يوجب أن لله عرشًا يحمل، يوجب أن ذلك العرش ليس هو الملك، كما تقوله طائفة من الجهمية) (^٢).\nوقال الزمخشري: (إنه لما كان الاستواء على العرش وهو سرير الملك مما يرادف الملك جعلوه كناية عن الملك، فقالو: استوى فلان على العرش يريدون ملك، وإن لم يقعد على السرير البتة، وقالوه أيضًا في شهرته في ذلك المعنى ومساواته ملك في مؤداه، وإن كان أشرح، وأبسط، وأدل، على صورة الأمر) (^٣).\nوقال البغدادي: (والصحيح عندنا تأويل العرش في هذه الآية على معنى\n_________\n(^١) الرد على الجهمية (ص ١٢ - ١٣).\n(^٢) نقض تأسيس الجهمية\n(^٣) الكشاف (٢/ ٥٣٠).","vol":"1","page":410},{"text":"الملك، كأنه أراد أن الملك ما استوى لأحد غيره، وهذا التأويل مأخوذ من قول العرب: ثُلَ عرش فلان، إذا ذهب ملكه، قال متمم بن نويرة في هذا المعنى:\nعروشٌ تفانوا بعد عز وأمة … هووا بعد ما نالوا السلامة والبقا\nوأراد بالعروش، ملوكًا انقرضوا.\nوقال سعيد بن زائدة الخزاعي في النعمان بن المنذر:\nقد نال عرشًا لم ينله حائل … جن ولا إنس ولا ديار\nوأراد بالعرش، الملك والسلطان.\nوقال النابغة:\nبعد ابن جفنة وابن هاتك عرشه … والحارثين يؤمنون فلاحا\nوأراد بهاتك عرش ابن جفنة سالب ملكه، فصح بهذا تأويل العرش على الملك في آية الاستواء على ما بيناه) (^١).\nالرد عليهم:\nما ذهب إليه هؤلاء المخالفون من تفسير معنى العرش الوارد في الآيات بمعنى الملك، إنما هو تأويل باطلٌ، وصرف للفظ عن معناه إلى معنى آخر لا يحتمله.\n_________\n(^١) أصول الدين (ص ١١٢). وانظر أيضًا التفسير الكبير للرازي (١٤/ ١١٥)، وروح المعاني (١١/ ٦٥).","vol":"1","page":411},{"text":"والمتأمل لهذا القول يرى ما فيه من التلبيس والمخالفة.\nفقد سبق أن ذكرنا في المبحث اللغوي لكلمة (عرش)، أن لهذه الكلمة عدة معاني في اللغة العربية، ومن المعلوم أن معرفة المعنى المراد من تلك المعاني لهذه الكلمة أو غيرها، إنما يتحدد بحسب سياق الكلمة وبحسب ما أضيفت إليه، وليس في سياق الآيات ما يثبت صحة ما ذهبوا إليه، كما أن ما استدل به هؤلاء المخالفون من الأبيات الشعرية ليس إلا دليلا على أن الملك هو من المعاني اللغوية لكلمة (عرش)، وهذا أمر لا خلاف فيه، وهذا الاستدلال يماثل ما لو استدللنا على أن من معاني كلمة العرش: السقف، بقوله تعالى ﴿وهي خاوية على عروشها﴾ [البقرة ٢٥٩]، فليس في هذه الأبيات أي إشارة لا من قريب ولا من بعيد على أن الملك هو المعنى المراد في الآيات الواردة في العرش، بل إن المتأمل للآيات والأحاديث الواردة في هذه المسألة يرى أنها تدل دلالة واضحة وصريحة على أن المراد بالعرش هو ذلك المخلوق العظيم الذي خلقه الله تعالى فوق العالم كله، ثم استوى عليه بعد أن خلق السموات والأرض، وكذلك ترد على هؤلاء المخالفين زعمهم الباطل الذي هو في الحقيقة تحريف لكلام الله.\nفيا ترى ماذا يصنع ذلك المخالف الذي يزعم أن العرش إنما هو كناية عن الملك والسلطان بقوله تعالى ﴿وكان عرشه على الماء﴾ [هود ٧]، هل يزعم أن الملك كان على الماء؟","vol":"1","page":412},{"text":"وكذلك ماذا يصنع بقوله تعالى ﴿ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية﴾ [الحاقة ١٧]، أيقول: ويحمل ملكه يومئذ ثمانية؟\nوقوله ﷺ: «فإذا موسى آخذ بقائمة من قوائم العرش\" (^١). أيقول آخذ بقائمة من قوائم الملك؟ وكذا قوله ﷺ: «اهتز عرش الرحمن\" (^٢)، أيقول: اهتز ملكه وسلطانه؟\nالقول الثاني:\nزعم طائفة من الفلاسفة أن العرش فلك مستدير من جميع الجوانب محيط بالعالم من كل جهة، وهو محدود الجهات، وربما سموه الفلك الأطلس، أو الفلك التاسع، أو الأثير، أو الفلك الأعلى (^٣).\nوفي ذلك يقول ابن سينا في رسالته \" إثبات النبوات وتأويل رموزهم وأمثالهم\": (ومن السهل عليك أن تفهم كيف أن العرش بنص القرآن يحمله ثمانية، فهذه الثمانية هي: الثمانية أفلاك التي تحت هذا الفلك المحيط) (^٤).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في (ص ٧).\n(^٢) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٢/ ٣٧١).\nوأحمد في المسند (٣/ ٣١٦)، وفي فضائل الصحابة (٢/ ٨١٨).\nوالبخاري في صحيحه، كتاب مناقب الأنصار، باب مناقب سعد بن معاذ ﵁، مثله. فتح الباري (٧/ ١٢٢ - ١٢٣).\nومسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة (٧/ ١٥٠).\nوابن ماجة في سننه، المقدمة (١/ ٥٦).\n(^٣) البداية (١/ ١١)، الرسالة العرشية (ص ٢)، مفردات (ص ٣٢٩)، روح المعاني (٢٤/ ٤٥).\n(^٤) نقلًا عن كتاب \"ابن سينا بين الدين والفلسفة\" (ص ١٣٧ - ١٣٩).","vol":"1","page":413},{"text":"الرد عليهم:\nإن المتأمل لكلام هؤلاء الفلاسفة كابن سينا وأمثاله يرى مدى انحرافهم، حتى أنهم وصلوا إلى درجة اعتقادهم أنه لا موجود إلا ما علموه.\nولهذا كان هؤلاء الذين عرفوا ما عرفته الفلاسفة إذا سمعوا إخبار الأنبياء بالملائكة والعرش والكرسي والجنة والنار، صاروا حائرين ومتأولين لكلام الأنبياء على ما عرفوه وعلى ما تعلموه، وإن كان هذا التأويل لا دليل لهم عليه سوى ظنهم الفاسد بأنه لا موجود إلا ما عرفوه، فقالوا العرش هو: الفلك التاسع، والكرسي هو: الفلك الثامن، فنفوا ما ليس لهم به علم (^١) فانطبق عليهم قوله تعالى ﴿بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله﴾ [يونس ٣٩].\nوقد ثبت أنه ليس لهؤلاء دليل يتمسكون به لا من الشرع ولا من العقل، وأن الذي دفعهم إلى هذا القول هو أنهم نظروا في علم الهيئة وعلوم الفلسفة فرأوا أن الأفلاك تسعة، وأن التاسع وهو الأطلس محيط بها ومستدير كاستدارتها وهو الذي يحركها الحركة الشوقية، وأن لكل فلك حركة تخصه غير هذه الحركة العامة، ثم سمعوا في أخبار الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ذكر عرش الله، وذكر السموات السبع، فقالوا بطريق الظن أن العرش هو الفلك التاسع، لاعتقادهم أنه ليس وراء التاسع شيء، إما مطلقًا وإما أنه ليس وراءه مخلوق (^٢).\n_________\n(^١) الفتاوى (١٧/ ٣٣٥ - ٣٣٦).\n(^٢) الرسالة العرشية (ص ٢ - ٣).","vol":"1","page":414},{"text":"وهم معترفون بأنه لم يقم لديهم دليل عقلي على صحة قولهم هذا، وفي ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (إن أئمة الفلاسفة مصرحون بأنه لم يقم عندهم دليل على أن الأفلاك هي تسعة فقط، بل يجوز أن تكون أكثر من ذلك، ولكن دلتهم الحركات المختلفة والكسوفات ونحو ذلك على ما ذكروه، ومالم يكن لهم دليل على ثبوته فهم لا يعلمون ثبوته ولا انتفاءه.\nمثال ذلك: أنهم علموا أن هذا الكوكب تحت هذا بأن السفلي يكسف العلوي من غير عكس، فاستدلوا بذلك على أنه من فلك فوقه، كما استدلوا بالحركات المختلفة على أن الأفلاك مختلفة حتى جعلوا في الفلك الواحد عدة أفلاك، كفلك التدوير وغيره، فأما ما كان موجودًا فوق هذا ولم يكن لهم ما يستدلون به على ثبوته، فهم لا يعلمون نفيه ولا إثباته بطريقهم … وإذا كان هؤلاء ليس عندهم ما ينفي وجود شيء أخر فوق الأفلاك التسعة، كان الجزم بأن ما أخبرت به الرسل من أن العرش هو الفلك التاسع رجمًا بالغيب وقولًا بلا علم) (^١).\nومع عدم وجود الدليل العقلي عند هؤلاء على صحة زعمهم فكذلك الأدلة الشرعية ترد زعمهم هذا وتبطله.\nوقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في معرض رده على هؤلاء الفلاسفة المتكلمين في رسالته العرشية أن الآيات والأحاديث قد دلت على أن العرش\n_________\n(^١) الرسالة العرشية (ص ٢).","vol":"1","page":415},{"text":"مباين لغيره من المخلوقات وأن الله قد اختصه وميزه بأمور كثيرة منها، أن له حملة يحملونه اليوم ويوم القيامة، وأن الله قد أخبر بوجوده قبل خلق السموات والأرض وقبل وجود الأفلاك وأن الله سبحانه تمدح نفسه بأنه ذو العرش، ووصف العرش بأنه مجيد، وعظيم، وكريم، فكل هذه الميزات والخصائص تبطل قول المنازع لأنه يقول بأن نسبة الفلك الأعلى إلى ما دونه كنسبة الآخر إلى ما دونه، ذلك لأنه لو كان العرش من جنس الأفلاك لكان إلى ما دونه كنسبة الآخر إلى ما دونه، وهذا لا يوجب خروجه عن الجنس وتخصيصه بالذكر (^١).\nكما أن مما يدل على فساد قولهم ما ثبت في الشرع من أن للعرش قوائم وأنه يهتز، ومعلوم أن الأفلاك مستديرة وليس لها قوائم، كما أنها متحركة دائمًا بحركة متشابهة لا تتغير، كما ثبت أيضًا أن العرش أثقل الأوزان، وهم يقولون إن الفلك لا ثقيل ولا خفيف (^٢).\nفعلم مما تقدم انتفاء الدليل العقلي عند هؤلاء كما علم مخالفتهم للأدلة الشرعية وإبطالها لأقوالهم، ويضاف إلى هذا مخالفتهم للغة العرب، فالعرب لا تفهم من كلمة العرش هذا المعنى ولا هو مستعمل في لغتها، والقرآن إنما نزل بما يفهمون.\nوبعد هذا كله لا تبقى أدنى شبهة في فساد هذا القول وبطلانه والله أعلم.\n_________\n(^١) المصدر السابق (ص ٣ - ٧).\n(^٢) جلاء العينين في محاكمة الأحمدين (ص ٣٦٣).","vol":"1","page":416},{"text":"وقول المصنف:] والكرسي].\nجاء ذكر الكرسي في موضع واحد في القرآن الكريم وهو قوله تعالى ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السموات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السموات والأرض ولا يؤوده حفظهما وهو العلي العظيم﴾ [البقرة ٢٥٥].\nوهذه الآية هي أفضل الآي، وقد سميت بآية الكرسي، وقد تضمنت العديد من المعاني، قال ابن القيم في شرحها: (ففي آية الكرسي ذكر الحياة التي هي أصل جميع الصفات، وذكر معها قيوميته المقتضية لدوامه وبقائه وانتفاء الآفات جميعها عنه، ومنها النوم والسنة والعجز وغيرها، ثم ذكر كمال ملكه، ثم عقبه بذكر وحدانيته في ملكه وأنه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، ثم ذكر سعة علمه وإحاطته، ثم عقبه بأنه لا سبيل للخلق إلى علم شيء من الأشياء إلا بعد مشيئته لهم أن يعلموه، ثم ذكر سعة كرسيه منبهًا على سعته سبحانه وعظمته وعلوه، وذلك توطئة بين يدي علوه وعظمته، ثم أخبر عن كمال اقتداره وحفظه للعالم العلوي والسفلي من غير اكتراث ولا مشقة ولا تعب) (^١).\nوأما الأحاديث والآثار الواردة في الكرسي فهي كثيرة جدًا.\n_________\n(^١) انظر مختصر الصواعق (١/ ٢٨٨).","vol":"1","page":417},{"text":"وقد تعددت الأقوال واختلفت في الكرسي كما تعددت واختلفت من قبل في العرش. و<span data-type='title' id=toc-119>الأقوال في الكرسي </span>هي:\n<span data-type='title' id=toc-120>القول الأول:\nأن المراد بالكرسي: العلم.</span>\nوهذا القول هو قول الجهمية (^١)، فقد أولوا الكرسي بمعنى العلم كما أولوا العرش بمعنى الملك، وكل ذلك فرارًا منهم عن إثبات علو الله واستوائه على عرشه وقد استدلوا بما روي عن ابن عباس ﵄ في تفسير قوله تعالى ﴿وسع كرسيه السموات والأرض﴾، قال: (كرسيه علمه) (^٢).\nوهذا القول قد رجحه الطبري بقوله: (وأما الذي يدل على صحته ظاهر القرآن، فقول ابن عباس الذي رواه جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد ابن جبير عنه\n_________\n(^١) انظر التنبيه والرد (ص ١٠٤)، والكشاف (١/ ٣٨٥ - ٣٨٦)، ومجموع الفتاوى (٥/ ٦٠)، والرد على بشر المريسي (ص ٧١)، وتفسير روح المعاني (٣/ ١٠).\n(^٢) أخرجه الطبري في تفسيره (٣/ ٩).\nوعبد الله بن الإمام أحمد في كتاب السنة (٢/ ١٦٧).\nوابن منده في الرد على الجهمية (ص ٤٥).\nوأورده ابن كثير في تفسيره (١/ ٣٠٩)، وعزاه إلى ابن أبي حاتم وجميعهم من طريق مطرف عن جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير عنه، وهو حديث غير صحيح.\nوقال الدارمي: (هو من رواية جعفر الأحمر، وليس جعفر ممن يعتمد على روايته إذا قد خالفه الرواة المتقنون).\nوقال ابن منده: (لم يتابع عليه جعفر وليس هو بالقوي في سعيد بن جبير).","vol":"1","page":418},{"text":"أنه قال: هو علمه) (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-121>القول الثاني:\nأن المراد بالكرسي هو العرش نفسه.</span>\nوهذا القول مروي عن الحسن البصري، فقد روى ابن جرير بسنده عن جويبر عن الضحاك قال: كان الحسن يقول: (الكرسي هو العرش)، وقد مال ابن جرير إلى هذا القول (^٢)، واعتمد في ذلك على حديث عبد الله بن خليفة قال: أتت امرأة إلى النبي ﷺ فقالت: أدع الله أن يدخلني الجنة، فعظم الرب تعالى ذكره، ثم قال: «إن كرسيه وسع السموات والأرض وإنه ليقعد عليه فما يفضل منه مقدار أربع أصابع، ثم قال بأصابعه فجمعها: وإن له أطيط كأطيط الرحل الجديد إذا ركب من ثقله\" (^٣).\n_________\n(^١) تفسير الطبري (٣/ ١١).\n(^٢) في كلام ابن جرير في هذه المسألة تناقض، فقد ذكر أولًا أن هذا القول هو أولى بتأويل الآية، ثم نقض كلامه فقال: (أما الذي يدل على صحته ظاهر القرآن فقول ابن عباس أنه علم الله سبحانه)، وقد تكلم محمود شاكر في تعليقه على تفسير الطبري على هذا التناقض وبين عدم أرجحية كلا القولين. انظر تفسير الطبري (٥/ ٤٠١) طبعة دار المعارف المصرية.\n(^٣) أخرجه الدارمي في الرد على المريسي (ص ٧٤)، مرسلا. وابن أبي عاصم في السنة (١/ ٢٥١ - ٢٥٢، برقم ٥٧٤). وعبد الله بن أحمد في السنة (١/ ٣٠١، ح ٥٨٥) موقوفا من قول عمر. وابن جرير في تفسيره (٣/ ١١) من طريق عبد الله بن أبي الزناد، قال: ثنا يحي بن أبي بكير، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق عن عبد الله بن خليفة الهمداني، عن عمر. وقد أخرجه ابن خزيمة في كتاب التوحيد (١/ ٢٤٤، ٢٤٥ برقم ١٥٠) وقال: \"وقد روى إسرائيل عن أبي إسحاق عن عبد الله بن خليفة أظنه عن عمر \"-وذكره. وقال: حدثنا، يعقوب بن إبراهيم الدورقي، قال حدثنا يحي بن أبي بكير، قال: ثنا إسرائيل، قال أبو بكر: =","vol":"1","page":419},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ما أدري، الشك والظن أنه عن عمر، هو من يحي بن أبي بكير، أم من إسرائيل. قد رواه وكيع بن الجراح مرسلًا ليس فيه ذكر عمر لا بيقين ولا ظن، وليس هذا الخبر من شرطنا، لأنه غير متصل الإسناد، لسنا نحتج في هذا الجنس من العلم بالمراسيل المنقطعات\" اه. والبزار في مسنده (١/ ٤٥٧، برقم ٣٢٥). وأخرجه الدارقطني في الصفات (ص ٤٨) موقوفا. وابن بطة في الإبانة (كتاب الرد على الجهمية) (٣/ ١٧٨ - ١٨٠). والخطيب في تاريخه (٨/ ٥٢) مرسلا. وأورده ابن الجوزي في العلل المتناهية (١/ ٥) وقال بعد سياقه للحديث: \"هذا حديث لا يصح عن رسول الله ﷺ وإسناده مضطرب جدًا، وعبد الله بن خليفة ليس من الصحابة، فتارة يرويه ابن خليفة عن عمر، عن رسول الله ﷺ، وتارة يقفه على عمر، وتارة يوقف على ابن خليفة\" اه. وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٨٤) وقال: \"رواه البزار ورجاله رجال الصحيح\". وأورده ابن كثير في تفسيره (١/ ٣١٠) وعزاه للبزار في مسنده، وعبد بن حميد، وابن جرير في تفسيرهما، والطبراني، وابن أبي عاصم في كتاب السنة لهما، والحافظ الضياء في كتاب المختارة. وقال ابن كثير: \"من حديث أبي إسحاق السبيعي، عن عبد الله بن خليفة وليس بذاك المشهور، وفي سماعه من عمر نظر، ثم منهم من يرويه عن عمر موقوفًا، ومنهم من يرويه عن عمر مرسلًا، ومنهم من يزيد في متنه زيادة غريبة ومنهم من يحذفها\" اه.\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"حديث عبد الله بن خليفة المشهور الذي يروى عن عمر عن النبي ﷺ، وقد رواه أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي في \"مختاره\". وطائفة من أهل الحديث ترده لاضطرابه، كما فعل ذلك أبو بكر الإسماعيلي، وابن الجوزي، وغيرهم. لكن أكثر أهل السنة قبلوه. وفيه قال \"إن عرشه\" أو \"كرسيه\" \"وسع السموات والأرض، وإنه يجلس عليه فما يفضل منه قدر أربع أصابع\" أو \"فما يفضل منه إلا قدر أربع أصابع\" \"وإنه ليئط به أطيط الرحل الجديد براكبه\". ولفظ (الأطيط) قد جاء في حديث جبير بن مطعم. الذي رواه أبو داود في السنن. وابن =","vol":"1","page":420},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= عساكر عمل فيه جزءًا، وجعل عمدة الطعن في ابن إسحاق. والحديث قد رواه علماء السنة كأحمد، وأبي داود، وغيرهما، وليس فيه إلا ما له شاهد من رواية أخرى. ولفظ \"الأطيط\" قد جاء في غيره. وحديث ابن خليفة رواه الإمام أحمد وغيره مختصرًا، وذكر أنه حدث به وكيع. لكن كثيرًا ممن رواه رووه بقوله: \"إنه ما يفضل منه إلا أربع أصابع\"، فجعل العرش يفضل منه أربعة أصابع. واعتقد القاضي، وابن الزاغوني، ونحوهما، صحة هذا اللفظ، فأمروه وتكلموا على معناه بأن ذلك القدر لا يحصل عليه الاستواء. وذكر عن ابن العايذ أنه قال: \"هو موضع جلوس محمد ﷺ\". والحديث قد رواه ابن جرير الطبري في تفسيره وغيره، ولفظه \"وإنه ليجلس عليه، فما يفضل منه قدر أربع أصابع\" بالنفي. فلو لم يكن في الحديث إلا اختلاف الروايتين -هذه تنفي ما أثبتت هذه-. ولا يمكن مع ذلك الجزم بأن رسول الله ﷺ أراد الإثبات، وأنه يفضل من العرش أربع أصابع لا يستوي عليها الرب. وهذا معنى غريب ليس له قط شاهد في شيء من الروايات. بل هو يقتضي أن يكون العرش أعظم من الرب وأكبر. وهذا باطل، مخالف للكتاب والسنة، وللعقل. ويقتضي أيضًا أنه إنما عرف عظمة الرب بتعظيم العرش المخلوق وقد جعل العرش أعظم منه. فما عظم الرب إلا بالمقايسة بمخلوق وهو أعظم من الرب. وهذا معنى فاسد، مخالف لما علم من الكتاب والسنة والعقل. فإن طريقة القرآن في ذلك أن يبين عظمة الرب، فإنه أعظم من كل ما يعلم عظمته. فيذكر عظمة المخلوقات ويبين أن الرب أعظم منها. كما في الحديث الآخر الذي في سنن أبي داود، والترمذي، وغيرهما (حديث الأطيط) لما قال الأعرابي: \"إنا نستشفع بالله عليك، ونستشفع بك على الله تعالى، فسبح رسول الله ﷺ حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه ثم قال: \"ويحك! أتدري ما تقول؟ أتدري ما الله؟ شأن الله أعظم من ذلك. إن عرشه على سمواته هكذا\" -وقال بيده مثل القبة-\"وإنه ليأط به أطيط الرحل الجديد براكبه\". فبين عظمة العرش، وأنه فوق السموات مثل القبة. ثم بين تصاغره لعظمة الله، وأنه يأط به أطيط الرحل الجديد براكبه، فهذا فيه تعظيم العرش، وفيه أن الرب أعظم من ذلك كما في الصحيحين عن =","vol":"1","page":421},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= النبي ﷺ قال: \"أتعجبون من غيرة سعد! لأنا أغير منه، والله أغير مني\". وقال: \"لا أحد أغير من الله. من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن\". ومثل هذا كثير. وهذا وغيره يدل على أن الصواب في روايته النفي، وأنه ذكر عظمة العرش، وأنه مع هذه العظمة فالرب مستوٍ عليه كله لا يفضل منه قدر أربعة أصابع. وهذه غاية ما يقدر به في المساحة من أعضاء الإنسان، كما يقدر في الميزان قدره فيقال: (ما في السماء قدر كف سحابًا). فإن الناس يقدرون الممسوح بالباع والذراع، وأصغر ما عندهم الكف. فإذا أرادوا نفي القليل والكثير قدروا به، فقالوا: (ما في السماء قدر كف سحابًا)، كما يقولون في النفي العام ﴿إِنَّ الله لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَةٍ﴾ و﴿لَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِير﴾، ونحو ذلك. فبين الرسول ﷺ أنه لا يفضل من العرش شيء ولا هذا القدر اليسير الذي هو أيسر ما يقدر به وهو أربعة أصابع. وهذا معنى صحيح موافق للغة العرب، وموافق لما دل عليه الكتاب والسنة، موافق لطريقة بيان الرسول ﷺ، له شواهد. فهو الذي يجزم بأنه في الحديث. ومن قال: (ما يفضل إلا مقدار أربع أصابع) فما فهموا هذا المعنى، فظنوا أنه استثنى، فاستثنوا، فغلطوا. وإنما هو توكيد للنفي وتحقيق للنفي العام. وإلا فأي حكمة في كون العرش يبقى منه قدر أربع أصابع خالية، وتلك الأصابع أصابع من الناس، والمفهوم من هذا أصابع الإنسان. فما بال هذا القدر اليسير لم يستو الرب عليه؟ والعرش صغير في عظمة الله تعالى. وقد جاء حديث رواه ابن أبي حاتم في قوله ﴿لَا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ لمعناه شواهد تدل على هذا فينبغي أن نعتبر الحديث، فنطابق بين الكتاب والسنة. فهذا هذا والله أعلم. قال حدثنا أبو زرعة، ثنا منجاب بن الحارث، أنبأ بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله ﷺ في قوله تعالى ﴿لَا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾، قال: \"لو أن الجن والإنس والشياطين والملائكة منذ خلقوا إلى أن فنوا، صفوا صفًا واحدًا ما أحاطوا بالله أبدًا\". وهذا له شواهد، مثل ما في الصحاح في تفسير قوله تعالى ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾، قال ابن عباس: \"ما السموات السبع والأراضون السبع ومن فيهن في يد الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم\". ومعلوم أن العرش لا يبلغ هذا، فإن له حملة وله حول. قال تعالى ﴿اَلذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ﴾ \". اه. مجموع الفتاوى (١٦/ ٤٣٤ - ٤٣٩). وانظر المسألة كذلك في منهاج السنة (٢/ ٦٢٨ - ٦٣١).","vol":"1","page":422},{"text":"<span data-type='title' id=toc-122>القول الثالث:\nأن المراد بالكرسي قدرته التي يمسك بها السموات والأرض </span>(^١)، ويقول هؤلاء: أن العرب تسمي أصل كل شيء الكرسي، كقولك: اجعل لهذا الحائط كرسيًا، أي اجعل له ما يعمده ويمسكه (^٢).\n<span data-type='title' id=toc-123>القول الرابع:\nأن الكرسي هو الفلك الثامن، أو ما يسمونه فلك البروج، أو فلك الكواكب الثوابت </span>(^٣).\nوقد قال بهذا القول بعض المتكلمين في علم الهيئة من الفلاسفة المنسوبين للمسلمين كابن سينا وغيره وهؤلاء هم الذين قالوا أن العرش هو الفلك التاسع.\n\n<span data-type='title' id=toc-124>القول الخامس:\nإن الكرسي جسم عظيم مخلوق بين يدي العرش، والعرش أعظم منه، وهو موضع القدمين للبارئ ﷿ </span>(^٤).\nوهذا القول هو مذهب السلف من الصحابة والتابعين ومن سار على نهجهم\n_________\n(^١) انظر تفسير القرطبي (٣/ ٢٧٦)، تهذيب اللغة (١٠/ ٥٣)، أقاويل الثقات في تأويل آيات الأسماء والصفات (ص ١١٦)، لسان العرب (٦/ ١٩٤).\n(^٢) تفسير القرطبي (٣/ ٢٧٦)، غرائب القرآن ورغائب الفرقان (٣/ ١٨)\n(^٣) كتاب الكليات (٤/ ١٢٢)، البداية والنهاية (١/ ١٤)، تفسير ابن كثير (١/ ٣١٠).\n(^٤) الفتاوى (٥/ ٥٤)، تفسير ابن كثير (١/ ٣٠٩)، أقاويل الثقات (١١٦)، الأسماء والصفات (٥١٠)، شرح العقيدة الطحاوية (ص ٣١٣).","vol":"1","page":423},{"text":"واقتدى بسنتهم، وهذا هو ما دل عليه القرآن والسنة والإجماع ولغة العرب التي نزل القرآن بها.\nفالأحاديث والآثار الثابتة على هذا وبينته بيانًا واضحًا لا يدعو إلى الشك أو الارتياب، ومن تلك الأحاديث والآثار:\nحديث أبي ذر الغفاري ﵁ قال: دخلت المسجد الحرام فرأيت رسول الله ﷺ وحده فجلست إليه، فقلت يا رسول الله: أيما أنزل عليك أفضل؟ قال: «آية الكرسي، وما السموات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة\" (^١).\nوقال الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (رقم ١٠٩) بعد أن سرد الطرق لهذا الحديث: (وجملة القول إن الحديث بهذه الطرق صحيح، والحديث خرج مخرج التفسير لقوله تعالى ﴿وسع كرسيه السموات والأرض﴾ وهو صريح في كون الكرسي أعظم المخلوقات بعد العرش، وأنه قائم بنفسه وليس شيئًا معنويًا وفيه رد على من تأوله بمعنى الملك وسعة السلطان).\nوأيضًا ما جاء عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى ﴿وسع كرسيه السموات والأرض﴾، قال: (الكرسي موضع القدمين، والعرش لا يقدر قدره أحد) (^٢).\nوهذا ثابت عن ابن عباس في تفسير معنى الكرسي الوارد في الآية، وهذا\n_________\n(^١) تقدم تخريجه ص ٢٤٦.\n(^٢) تقدم تخريجه قريبًا.","vol":"1","page":424},{"text":"القول في الكرسي نقل عن كثير من الصحابة والتابعين منهم ابن مسعود (^١)، وأبو موسى الأشعري (^٢)، ومجاهد (^٣)، وغيرهم، ولذلك فقد ذكر كثير من العلماء أن هذا القول في الكرسي قد حصل عليه إجماع السلف.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (الكرسي ثابت بالكتاب والسنة وإجماع السلف) (^٤)، وقال شارح العقيدة الطحاوية: (وإنما هو -الكرسي-كما قال غير واحد من السلف بين يدي العرش كالمرقاة إليه) (^٥).\n_________\n(^١) تقدم تخريج الأثر الوارد عنه.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة في كتاب العرش برقم (٦٠).\nوعبد الله بن أحمد في السنة (ص ٧٠، ١٤٣) عن أبيه.\nوابن جرير في تفسيره (٣/ ٩) عن علي بن مسلم الطوسي.\nوابن منده في الرد على الجهمية (ص ٤٦) عن علي بن مسلم.\nوالبيهقي في الأسماء والصفات (ص ٥٠٩ - ٥١٠) عن هارون بن عبد الله.\nكلهم عن عبد الصمد بن عبد الوارث به.\nوأورده الذهبي في العلو (ص ٨٤).\nوقال الألباني في مختصر العلو (ص ١٢٣ - ١٢٤): (رجاله كلهم ثقات معروفون).\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة في كتاب العرش برقم (٤٥).\nوالدارمي في الرد على بشر المريسي (ص ٧٤).\nوعبد الله بن أحمد في السنة (ص ٧١).\nوالبيهقي في الأسماء والصفات (ص ٥١١).\nوأورده الذهبي في العلو (ص ٩٤).\nوأورده ابن حجر في فتح الباري (١٣/ ٤١١) وقال: (أخرجه سعيد بن منصور في تفسيره بسند صحيح عنه.\n(^٤) الفتاوى (٦/ ٥٨٤).\n(^٥) شرح العقيدة الطحاوية (ص ٣١٣).","vol":"1","page":425},{"text":"وقال محمد بن عبد الله بن زمنين: (ومن قول أهل السنة أن الكرسي بين يدي العرش وأنه موضع القدمين) (^١).\nوقال القرطبي: (والذي تقتضيه الأحاديث أن الكرسي مخلوق بين يدي العرش، والعرش أعظم منه) (^٢).\nكما أن أهل اللغة لا يعرفون معنى الكرسي غير هذا المعنى، قال الزجاج: (والذي نعرفه من الكرسي في اللغة: الشيء الذي يعتمد ويجلس عليه، فهذا يدل على أن الكرسي عظيم دونه السموات والأرض) (^٣).\nوقال ثعلب: (الكرسي ما تعرفه العرب من كراسي الملوك) (^٤).\nومن هذا كله يتبين لنا مدى صحة هذا القول وموافقته للكتاب والسنة وإجماع الأمة ومطابقته لما جاء في لغة العرب وأما الأقوال الأخرى فهي أقوال باطلة ومخالفة لما عليه جمهور أهل السنة من سلف الأمة وخلفها.\nوأما ما استدل به أهل القول الأول من قول ابن عباس، فهو غير صحيح كما بيناه في تخريجه، والصحيح عن ابن عباس هو قوله: (الكرسي موضع القدمين ....)، وهذه رواية اتفق أهل العلم على صحتها.\nوأما القول الثاني: إن الكرسي هو العرش نفسه، فلم يثبت عن الحسن\n_________\n(^١) أصول السنة (ص ٩٦).\n(^٢) تفسير القرطبي (٣/ ٢٧٦).\n(^٣) تهذيب اللغة (١٠/ ٥٣).\n(^٤) تهذيب اللغة (١٠/ ٥٣).","vol":"1","page":426},{"text":"البصري، لأن في اسناده جوبير وهو متفق على ضعفه، وقال فيه الحافظ ابن حجر: (ضعيف جدًا).\nوقال ابن كثير: (رواه ابن جرير من طريق جوبير، وهو ضعيف، وهذا لا يصح عن الحسن بل الصحيح عنه وعن غيره من الصحابة والتابعين أنه غيره) (^١).\nوقال البيهقي عند الكلام على هذا القول: (هذا ليس بمرضي، والذي تقتضيه الأحاديث أن الكرسي مخلوق بين يدي العرش، والعرش أعظم منه) (^٢).\nومساندة ابن جرير الطبري لهذا القول غير صحيحة، لأن حديث عبد الله ابن خليفة ضعيف كما تقدم.\nأما القول الثالث: فهو قول مخالف لما دلت عليه الأحاديث والآثار، ومخالف لما عليه الجمهور من أهل السنة والجماعة ومخالف للغة العربية، وهو تأويل باطل ترده الأحاديث، وهو أيضًا تكذيب بالكرسي، وتكذيب للأحاديث الصحيحة التي دلت على وجود الكرسي.\nوأما القول الرابع: فيكفي في إثبات بطلانه أن جماعة من أنفسهم ردوا عليهم هذا القول كما ذكره ابن كثير وبالإضافة إلى ذلك فإن أصحاب هذا القول ليس لديهم أي دليل على قولهم هذا كما سبق وأن بيناه في قولهم في العرش.\n_________\n(^١) البداية والنهاية (١/ ١٣).\n(^٢) الأسماء والصفات.","vol":"1","page":427},{"text":"قال المصنف-﵀:\n\"والإيمان بمكر ونكير\" (^١).\n<hr><s0>\n\nمنكر ونكير هما ملكان جاء وصفهما في السنة بأنهما أسودان أزرقان، يأتيان العبد في قبره فيقعدانه ويسألانه من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فأما المؤمن فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبي محمد ﷺ، فينعم في قبره. وأما الكافر فلا يحار جوابا، فيضرب بمرزبة من حديد يصيح منها صيحة يسمعها كل من يليه إلا الثقلين.\nالأدلة على ذلك.\nالأحاديث الواردة في الملكين متلقاة عند أهل العلم بالقبول، قال ابن أبي عاصم: وفي المساءلة أخبار ثابتة، والأخبار التي في المساءلة في القبر منكر ونكير أخبار ثابتة توجب العلم، فنرغب إلى الله أن يثبتنا في قبورنا عند مسألة منكر ونكير بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة\" (^٢).\nوقد ورد في بعض الأحاديث ذكر الملكين دون ذكر اسمهما، من ذلك:\nفي حديث أنس ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: «إِنَّ الْعَبْدَ إذا وُضِعَ\n_________\n(^١) هذه العبارة غير موجودة في كتاب مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ومختصر الحجة.\n(^٢) السنة: (ص ٤١٩ - ٤٢٠ (.","vol":"1","page":428},{"text":"في قَبْرِهِ وَتَوَلَّى عنه أَصْحَابُهُ، وَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ، أَتَاهُ مَلَكَانِ، فَيُقْعِدَانِهِ فَيَقُولَانِ: ما كُنْتَ تَقُولُ في هذا الرَّجُلِ؟ لِمُحَمَّدٍ ﷺ. فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فيقول: أَشْهَدُ أَنَّهُ عبد اللَّهِ وَرَسُولُهُ …» (^١).\n• وفي الصحيحين من حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: \"إِنَّ العَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ، وَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ، أَتَاهُ مَلَكَانِ فَيُقْعِدَانِهِ، فَيَقُولَانِ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، فَأَمَّا المُؤْمِنُ، فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، فَيُقَالُ لَهُ: انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ قَدْ أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِهِ مَقْعَدًا مِنَ الجَنَّةِ، فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا\" (^٢).\n• وفي مسند البزار وغيره من حديث أبي سعيد قال شهدنا مع النبي ﷺ جنازة فقال رسول الله ﷺ: \" أيها الناس إن هذه الأمة تبتلى في قبورها فإذا دفن الإنسان وتفرق عنه أصحابه جاءه ملك في يده مطراق فأقعده فقال ما تقول في هذا الرجل يعني محمدا ﷺ فإن كان مؤمنا قال أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده رسوله فيقولون له صدقت ثم يفتح له باب إلى النار فيقولون هذا كان منزلك لو كفرت بربك فأما إذا آمنت به فهذا منزلك فيفتح له باب إلى الجنة فيريد أن ينهض إلى الجنة فيقولون له اسكن \" (^٣). وذكر الحديث.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٣٣٨)، ومسلم (٢٨٧٠).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢/ ٩٨) برقم (١٣٧٤)، ومسلم (٤/ ٢٢٠٠) برقم (٢٨٧٠) واللفظ للبخاري.\n(^٣) أخرجه أحمد النسخ (٣/ ٣ - ٤) والبزار كما في (كشف الأستار) رقم (٨٧٢) وابن أبي عاصم في (السنة) رقم (٨٦٥)، والطبري في تفسيره (١٣/ ٢١٤)، والبيهقي في (إثبات عذاب القبر) رقم (٣١)، من طريق عباد بن راشد البصري عن داود بن أبي هند عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري فذكره.\nوقد تفرد به عباد وهو صدوق له أوهام، عن خاله داود بن أبي هند مرفوعا.\nوقال البزار: (لا نعلمه عن أبي سعيد إلا بهذا الإسناد، وهذا من أغرب ما كان يسأل عنه الحسين وابن معمر).\nوقد خولف عباد، خالفه مسلمة بن علقمة فأوقفه.\nفرواه عن داود بن أبي هند عن أبي نضرة عن أبي سعيد قال: فذكر نحوا من حديث عباد بن راشد ولم يرفعه.","vol":"1","page":429},{"text":"وقد ورد في الحديث والآثار ذكر اسميهما، من ذلك:\n• أما الحديث.\nفمن الأحاديث الواردة في هذا: ما رواه أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: «إذا قبر الميت-أو قال: أحدكم-أتاه ملكان أسودان أزرقان، يقال لأحدهما: المنكر، والآخر: النكير. فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول ما كان يقول: هو عبد الله ورسوله. أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله. فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول هذا …» (^١). (^٢)\nوحديث أبي هريرة الذي عند الترمذي وغيره، وذكرهما يتقوى كما لا يخفى بالطريق التي عند الطبراني في المعجم الأوسط (٤٦٢٩)، وفيها ابن لهيعة\n_________\n(^١) رواه الترمذي (١٠٧١)، وابن أبي عاصم في (السنة) (٨٦٤). قال الترمذي: حسن غريب. وحسنه ابن حجر في «هداية الرواة» (١/ ١١٥) -كما أشار إلى ذلك في المقدمة -. وكذلك الألباني في «صحيح سنن الترمذي».\n(^٢) المصدر: تذكرة المؤتسي شرح عقيدة الحافظ عبد الغني المقدسي لعبد الرزاق بن عبد المحسن البدر، ص ٢٨٩.","vol":"1","page":430},{"text":"وموسى ابن جبير الحذاء، وهذا الأخير وثقه ابن حبان وقال: يخطئ ويخالف، وفي ابن لهيعة كلام معروف، وباقي رجاله ثقات، فتسمية الملكين حسن بمجموع الطريقين،\n• وأما الآثار.\nهذا بالإضافة أن تسميتهما وردت في أخبار أخرى مرسلة وموقوفة، وهي:\n١ - مرسل عطاء بن أبي رباح: أخرجه الحارث بن أبي أسامة في مسنده (زوائده رقم ٢٨١)، والآجري في الشريعة (رقم ٨٦١ - دار الوطن) والبيهقي في إثبات عذاب القبر (رقم ١٠٣) من طريق إبراهيم بن سعد عن أبيه عن عطاء بن يسار قال: قال رسول الله ﷺ لعمر بن الخطاب ﵁: \"يا عمر كيف بك إذا أنت مت، فانطلق أهلك فقاسوا لك ثلاثة أذرع وشبر في ذراع وشبر، ثم رجعوا إليك فغسلوك وكفنوك وحنطوك، ثم احتملوك حتى يضعوك فيه، ثم يهيلوا عليه التراب، فإذا انصرفوا عنك أتاك فتانا القبر منكر ونكير أصواتهما كالرعد القاصف، وأبصارهما مثل البرق الخاطف، فتلتلاك وثرثراك وهوّلاك، فكيف بك عند ذلك يا عمر؟ \"، قال: يا رسول الله ومعي عقلي؟، قال: \"نعم\"، قال: \"إذا أكفيكهما\".\n٢ - مرسل عمرو بن دينار المكي: عند عبد الرزاق في المصنف (٣/ ٥٨٢ - ٥٨٣) بسند صحيح عنه، ولفظه","vol":"1","page":431},{"text":"نحو الذي قبله، وذكر تسمية الملكين عن عبيد بن عمير.\nفلا شك أن مجموع هذه الطرق يعطي قوة لتسمية الملكين، والله أعلم.\n• أقوال العلماء.\nوقد ذكر جملة من أئمة السلف عبارة (منكر ونكير) وممن ذكره هذه العبارة:\nما ورد عن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين من ذلك:\nما أخرجه ابن أبي شيبة والبيهقي من طريق غندر عن شعبة عن يعلى بن عطاء عن تميم بن غيلان بن سلمة قال: (جاء رجل إلى أبي الدرداء وهو مريض) … إلى أن قال أبو الدرداء: «ثم جاءك ملكان أسودان أزرقان جعدان أسماؤهما منكر ونكير …» (^١)\nومما ورد عن علماء السلف\nما ورد أن أبا عبيد القاسم بن سلام سأل الإمام أحمد عنهما فقال: \"هذه اللفظة (منكر ونكير) تقول هذا أو تقول ملكين؟، قال: نقول منكر ونكير\n_________\n(^١) المصنف (٣/ ٥٣) (٧/ ١١٤)، والبيهقي في إثبات عذاب القبر (١/ ١٣٣)، وهذا اسناد رجاله ثقات، وتميم بن غيلان بن سلمة ترجمه البخاري في التاريخ الكبير (٢/ ١٥٣)، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٢/ ٤٤١)، وابن حبان في الثقات (٤/ ٨٦)، وهو ثقفي وروى عنه غير يعلى بن عطاء: ابن جريج وعبد العزيز بن أبي رواد، وما أحسبه سمع أبا الدرداء، والله أعلم.","vol":"1","page":432},{"text":"وهما ملكان\" (^١)\nوقال أبو بكر الاسماعيلي: \"ويؤمنون بمسألة منكر ونكير على ما ثبت به الخبر عن رسول الله ﷺ\" (^٢).\nوقال أبي بكر بن أبي عاصم: \"وفي المساءلة أخبار ثابتة والأخبار التي في المساءلة في القبر منكر ونكير أخبار ثابتة توجب العلم\". (^٣)\nوقال شيخ الاسلام: \"إذا ثبتت الرسالة ثبت ما أخبر به الرسول مما ينكره بعض أهل البدع كعذاب القبر وسؤال منكر ونكير وكالصراط والشفاعة\" (^٤).\nوقال الإمام الطحاوي: (وبعذاب القبر لمن كان له أهلًا وسؤال منكر ونكير في قبره عن ربه ودينه ونبيه ..) (^٥). (^٦)\n_________\n(^١) طبقات ابي يعلى ١/ ٥٥.\n(^٢) اعتقاد أئمة الحديث (٧٠).\n(^٣) كتاب السنة (ص ٤١٩ - ٤٢٠).\n(^٤) الأصفهانية (٢/ ٢١٤).\n(^٥) العقيدة الطحاوية (٥٠).\n(^٦) وانظر في ذلك كلام البربهاري في السنة (٣٧)، وصديق حسن خان في قطف الثمر في بيان عقيدة أهل الأثر (١٣٣)، وابن قدامة في لمعة الاعتقاد (٢٦)، ومرعي الكرمي في أقاويل الثقات في تأويل الأسماء والصفات والآيات المحكمات (٢١٣)، والكلاباذي في التعرف لمذهب أهل التصوف (٥٧)، وابن عساكر في تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الإمام أبي الحسن الأشعري (٣٠٥).","vol":"1","page":433},{"text":"وأما ما ورد في تفصيل صفة الملكين، وأن أعينهما مثل قدور النحاس، وأنيابهما مثل صياصي البقر، وأصواتهما مثل الرعد، ونحو ذلك أحاديث لا تصح. (^١)\n_________\n(^١) انظر السلسلة الضعيفة (٣٥٨٥).","vol":"1","page":434},{"text":"قال المصنف-﵀:\n\"وعذاب القبر\" (^١).\n<hr><s0>\n\nوقد دلَّ على سؤال القبر وما يكون فيه من نَعيم أو عذاب-بعض الآيات والسُّنَّة المُتواترة وكذلك إجماع أهل السُّنَّة والجَمَاعَة.\nأمَّا دلالة القرآن: فمنها:\n• قوله تعالى في قصة آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَاب﴾ [غافر: ٤٦].\nقال الحافظ ابن كثير: «وهذه الآية أصلٌ كبير في استدلال أهل السنة على عذاب البرزخ في القبور» (^٢).\nوقال العلامة الفوزان: «هذا في البرزخ قبل الآخرة؛ يُعرضون على النَّار صباحًا ومساء إلى أن تقوم الساعة، وهذا دليلٌ على عذاب القبر، والعياذ بالله، ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦] هذه ثلاثة عقوبات:\nالأولى: أنَّ الله أغرقهم ومحاهم عن آخرهم في لحظة واحدة.\nالثاني: أنَّهم يُعَذَّبون في البرزخ إلى أن تقوم الساعة.\n_________\n(^١) هذه العبارة غير موجودة في كتاب مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ومختصر الحجة.\n(^٢) «تفسير ابن كثير» (٧/ ١٤٦).","vol":"1","page":435},{"text":"الثَّالثة: أنهم إذا بعثوا يوم القيامة يدخلون أشد العذاب، والعياذ بالله» (^١).\n• ومنها: قوله تعالى: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيم﴾ [التوبة: ١٠١].\nقال ابنُ تيمِيَّة: «قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ العُلَمَاءِ: المَرَّةُ الأُولَى فِي الدُّنْيَا، وَالثَّانِيَةُ فِي البَرْزَخِ، ﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيم﴾ فِي الآخِرَةِ» (^٢).\n• ومنها: وقوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾.\nوهذا خطابٌ لهم عند الَموت، وقد أخبر الملائكة-وهم الصادقون-أنَّهم حينئذ يُجزون عذاب الهون، ولو تأخَّر عنهم ذلك إلى انقضاء الدنيا؛ لما صَحَّ أن يقال لهم: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ﴾؛ فدل على أنَّ المراد به عذاب القبر (^٣).\nوأمَّا السُّنَّة: فإنها متواترةٌ في ذلك، كما قال الحافظُ ابنُ رَجَب رحمه الله تعالى: «وقد تَوَاتَرَت الأحاديثُ في عذاب القبر» (^٤).\nوقال ابنُ أبي العِزِّ رحمه الله تعالى: «وقد تواترت الأخبارُ عن رسول الله ﷺ\n_________\n(^١) «شرح الأصول الثلاثة» (ص ٥١)، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، ١٤٢٧ هـ -٢٠٠٦ م.\n(^٢) «مجموع الفتاوى» (٤/ ٢٦٦).\n(^٣) انظر: «الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد» صالح الفوزان (ص ٢٧٥)، دار ابن الجوزي، الطبعة الرابعة، ١٤٢٠ هـ-١٩٩٩ م.\n(^٤) «أهوال القبور» (ص ٤٣).","vol":"1","page":436},{"text":"في ثُبُوت عذاب القبر ونعيمه لِمَنْ كان أهلًا» (^١).\nوأمَّا الإجماعُ:\n• فقد قال ابن تيمِيَّة رحمه الله تعالى: «فَاعْلَمْ أَنَّ مَذْهَبَ سَلَفِ الأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا: أَنَّ المَيِّتَ إذَا مَاتَ يَكُونُ فِي نَعِيمٍ أَوْ عَذَابٍ» (^٢).\n• وقال أيضًا: «العَذَابُ وَالنَّعِيمُ عَلَى النَّفْسِ وَالبَدَنِ جَمِيعًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ» (^٣).\n• وقال ابن القيِّم رحمه الله تعالى: «وَهَذَا كَمَا أنه مُقْتَضى السُّنَّة الصَّحِيحَة فَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَين أهل السُّنَّة.\nقَالَ المروزي: قَالَ أَبُو عبد الله: عَذَاب القَبْر حقٌّ، لَا يُنكره إِلَّا ضالٌّ أَوْ مُضِلٌّ» (^٤).\nوالإنسانُ بمجرد موتِه يدخل فِي اليومِ الآخرِ بالنِّسبة له، وَلِهَذَا يُقَالُ: مَنْ مَاتَ قَامَت قِيَامَتُهُ.\nوقد ذكر شيخُ الإسلامِ رحمه الله تعالى هُنَا مَسأَلَتَينِ عَظيمَتَينِ:\nالأولى: فِتنَةُ القَبر، والثانية: مَا يَكُونُ بَعدَ تِلكَ الفِتنَةِ مِنْ نَعِيمٍ أَوْ عَذَابٍ.\n_________\n(^١) «شرح الطَّحاوية» (ص ٣٩٩).\n(^٢) «مجموع الفتاوى» (٤/ ٢٨٤).\n(^٣) «مجموع الفتاوى» (٤/ ٢٨٢).\n(^٤) «الروح» (ص ٥٧).","vol":"1","page":437},{"text":"المَسأَلَةُ الأُولى:<span data-type='title' id=toc-127> فِتنَةُ القَبر:</span>\nقَالَ شَيخُ الإسلامِ ابن تيمِيَّة رحمه الله تعالى: «وَأَمَّا الفِتْنَةُ فِي القُبُورِ فَهِيَ الِامْتِحَانُ وَالِاخْتِبَارُ لِلمَيِّتِ حِينَ يَسْأَلُهُ المَلَكَانِ» (^١).\nوقَد رَوَت أَسمَاءُ بِنت أَبِي بَكر ﵄ أَنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّهُ قَدْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي القُبُورِ قَرِيبًا، أَوْ مِثْل فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ» (^٢).\nوعن عثمانَ بن عفَّان ﵁ قالَ: كَانَ النَّبيُّ ﷺ إِذَا فَرغَ مِنْ دَفنِ الميتِ وَقَفَ عليهِ، فَقَالَ: «اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ، وَسَلُوا لَهُ التَّثْبِيتَ؛ فَإِنَّهُ الآنَ يُسْأَلُ» (^٣).\nوَعَنْ أَبِي هُريرَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسولُ اللهِ ﷺ يدعُو: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَمِنْ عَذَابِ النَّارِ، وَمِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا وَالمَمَاتِ، وَمِنْ فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ» (^٤).\nوعن البرَاءِ بنِ عَازب ﵁ عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: «إِنَّ العَبدَ المُؤمِنَ فِي قَبْرِهِ تُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ؛ فَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللهُ. فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: دِينِيَ الإِسْلَامُ.\n_________\n(^١) «مجموع الفتاوى» (٤/ ٢٥٧).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٨٤) ومسلم (٩٠٥).\n(^٣) أخرجه أبو داود (٣٢٢١)، والحاكم في «المستدرك» (١/ ٥٢٦) (١٣٧٢)، وصححه الألباني في «صحيح الترغيب والترهيب» (٣٥١١).\n(^٤) أخرجه البخاري (١٣٧٧) ومسلم (٥٨٨).","vol":"1","page":438},{"text":"فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ فَيَقُولُ: هُوَ رَسُولُ اللهِ ﷺ. فَيَقُولَانِ لَهُ: وَمَا عِلْمُكَ؟ فَيَقُولُ: قَرَأْتُ كِتَابَ اللهِ؛ فَآمَنْتُ بِهِ، وَصَدَّقْتُ به …».\nإِلَى أَنْ قَالَ فِي العَبدِ الكَافِرِ: «فتُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ، وَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ، فَيُجْلِسَانِهِ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: هَاه هَاه، لَا أَدْرِي! فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: هَاه هَاهْ، لَا أَدْرِي! فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ فَيَقُولُ: هَاه هَاه، لَا أَدْرِي» (^١).\nوَغَيرِ ذَلِكَ مِنَ الأَحَادِيثِ التي بَلَغَت مَبلَغَ التَّوَاتُرِ.\nقَالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تيمِيَّة رحمه الله تعالى: «وَقَدْ تَوَاتَرَت الأَحَادِيثُ عَنْ النَّبِي ﷺ فِي هَذِهِ الفِتْنَةِ مِنْ حَدِيثِ البَراءِ بْنِ عَازِبٍ، وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَغَيْرِهِمْ ﵃» (^٢).\nوَقوله: «مَنْ رَبُّك؟ وَمَا دِينُك؟ وَمَنْ نَبِيُّك؟» هَذِهِ الأسئلة الثلاثة الِتي تُوَجَّهُ للمَيِّتِ فِي قَبرِهِ؛ قال العلَّامةُ ابنُ عُثَيمين رحمه الله تعالى: «يَعنِي: مَنْ رَبُّكَ الذِي خَلَقَكَ وَتعبدُهُ وَتَخصُّهُ بِالعِبَادَةِ؟ لِأَجلِ أَنْ تَنتَظِمَ هَذِهِ الكَلمةُ توحيد الربوبيَّةِ، وَتوحيد الألوهيَّةِ.\nو«المُرتاب»: الشَّاكُّ والمُنافقُ وشبههمَا،\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في «المسند» (٤/ ٢٨٧) (١٨٥٥٧)، وأبو داود (٤٧٥٣)، وصححه الألباني في «المشكاة» (١٦٣٠).\n(^٢) «مجموع الفتاوى» (٤/ ٢٥٧).","vol":"1","page":439},{"text":"«فَيَقُولُ: هَاه هَاه؛ لَا أَدْري، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلتُهُ»، يعني: لم يَلجِ الإيمانُ قلبَهُ، وإنَّمَا كانَ يقولُ كما يقولُ النَّاسُ مِنْ غيرِ أن يَصِلَ الإيمانُ إلى قلبِهِ.\nوَتَأَمَّل قولَهُ: «هاه هاه» كأنَّ شيئًا غَابَ عنهُ يريدُ أن يَتذكرَه، وَهَذا أشدُّ في التَّحَسُّرِ أن يتخيَّلَ أنَّهُ يَعْرِفُ الجوابَ، ولكن يُحالُ بينهُ وبينهُ، ويقولُ: «هاه هاه»، ثمَّ يقولُ: «سمعتُ الناسَ يقولونَ شيئًا فقلتُهُ»، وَلَا يقولُ: رَبِّيَ الله، وَلَا ديني الإسلام، وَلَا نَبِيِّ محمَّد؛ لأَنَّهُ فِي الدُّنيا مُرتابٌ شاكٌّ.\nهذا إِذَا سُئِلَ فِي قَبرِهِ وَصَارَ أحوج مَا يكونُ إِلَى الجَوَابِ الصَّوَابِ يَعجزُ، وَيَقولُ: «لَا أدري سَمِعتُ النَّاسَ يقولونَ شَيئًا فقلتُهُ».\nإِذًا؛ إيمانُه قولٌ فَقَط» (^١).\nوقولُ شيخِ الإسلامِ-رحمه الله تعالى-: «فَيُضرِبُ بِمرزَبَّةٍ مِنْ حديدٍ؛ فيصيحَ صحيةً يسمعهَا كُلُّ شيءٍ إِلَّا الإنسان، وَلَو سَمِعَها لصعقَ» -يُشير إلى حديث أنس ﵇ وفيه: «وأمَّا المُنافق والكافر فيُقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري كنتُ أقول ما يقول الناس، فيقال: لا دَرَيْتَ ولا تَلَيْتَ، ويُضرب بمطارقَ من حديد ضربةً؛ فيَصِيحُ صَيحةً يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيهِ غَيرَ الثَّقَلينِ» (^٢)، والثَّقلان: هُمْ الإنسُ والجنُّ.\n_________\n(^١) انظر: «شرح الواسطِيَّة» (ص ٤٨٠ - ٤٨٢).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٣٧٤) من حديث أنس ﵁.","vol":"1","page":440},{"text":"قالَ ابنُ عُثَيمين رحمه الله تعالى: «فيُضرب»: يَعني الذِي لم يُجِب، سواء كانَ الكافرَ أو المنافقَ، والضارب لَهُ المَلَكَانِ اللذانِ يَسألانِهِ.\nوالمرزبَّةُ: هِيَ مِطرقةٌ مِنْ حَدِيدٍ، وَقَدْ وَرَدَ فِي بعضِ الرواياتِ: أَنَّهُ لَوِ اجتَمَعَ عَلَيهَا أَهلُ مِنى مَا أَقَلُّوها، فَإِذَا ضُرِب يَصيح صيحةً يَسمعها كلُّ شيء إلا الإنسان، أي: صِياحًا مَسموعًا يَسمعه كلُّ شيء يكون حوله مِمَّا يسمع صوته، وليس كلُّ شيء في أقطار الدُّنيا يَسمعه، وأحيانًا يتأثر به ما يسمعه كما مَرَّ النَّبيُّ ﷺ بِأَقْبُر للمُشركين على بَغْلَتِه، فَحَادت به حتى كادت تُلقيه؛ لأنَّها سَمِعت أصواتَهم يُعَذَّبون.\nقوله: «إلا الإنسان»، وقد سبق أنَّ في الحديث إلا الثَّقلين. يعني: أنه لا يَسمع هذا الصِّياح، وذلك لحكمٍ عظيمة منها:\nأولًا: ما أشار إليه النبي ﷺ بقوله: «لَوْلَا أَنْ لَا تَدَافَنُوا لَدَعَوْتُ اللهَ أَنْ يُسْمِعَكُمْ عَذَابَ القَبْرِ» (^١).\nثانيًا: أنَّ في إخفاء ذلك سترًا للميت.\nثالثًا: أنَّ فيه عدم إزعاج لأهله؛ لأنَّ أهلَه إذا سَمعوا مَيِّتَهم يُعَذَّب ويَصيح لم يَسْتَقِرَّ لهم قَرَارٌ.\nرابعًا: عدم تَخْجِيل أهله؛ لأنَّ النَّاس يقولون: هذا ولدُكم، هذا أبوكم، هذا أخوكم، وما أشبه ذلك.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٨٦٨) من حديث أنس.","vol":"1","page":441},{"text":"خامسًا: أننا قد نَهْلِك؛ لأنَّها صيحة ليست هينة، بل صيحة قد تُوجب أن تسقط القلوب من مَعاليقها، فيموت الإنسان، أو يُغشى عليه.\nسادسًا: لو سَمِع النَّاسُ صُرَاخ هؤلاء المُعَذَّبين لكان الإيمانُ بعذاب القبر من باب الإيمان بالشهادة لا من باب الإيمان بالغيب، وحينئذ تَفُوت مصلحة الامتحان؛ لأنَّ النَّاس سوف يُؤمنون بما شاهدوه قطعًا، لكن إذا كان غائبًا عنهم ولم يعلموا به إلَّا عن طريق الخبر صار من باب الإيمان بالغيب» (^١).\nوإذ كان الموت بداية آخرة الإنسان وقيامته الصغرى تبدأ بالموت فأول منازل الآخرة هو القبر، وهو ما يُسمى البرزخ؛ لأنه مرحلة بين الدنيا والبعث والآخرة.\nفنؤمن بالقبر عذابه ونعيمه في هذا كما جاءت بهذه النصوص، فمن عقيدة أهل السنة إيمانهم بنعيم القبر وعذابه، وأشار المصنف هنا إلى عذاب القبر، فجاء من جاء من المعتزلة ونحوهم من أنكر عذاب القبر وهو أمرٌ ثابت بنص الكتاب وبنص السنة كما هو معلوم.\nفالإنسان إذا دُفن في قبره فهو بمجرد أن يتولى أهله ويذهب يسمع قرع نعالهم فيأتيه ملكان فيقعدانه ويسألانه من ربك من دينك ومن نبيك؟ فهذه أسئلة يُسألها فإذا كان مؤمنًا وفق للجواب، وهذا قول الله ﷿: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾\n_________\n(^١) «شرح الواسِطيَّة» (ص ٤٨٢، ٤٨٣).","vol":"1","page":442},{"text":"[إبراهيم الآية: ٢٧]، فالمؤمن يثبت ويجيب، والمنافق والكافر يقول ها ها لا أدري (^١).\nوهذا العذاب أي سؤال القبر وما يتعلق بنعيمه وعذابه أمرٌ قد ثبتت به النصوص، فلابد لكل مؤمن وكل صاحب سنة أن يؤمن ويستعد لهذا اليوم، سيذهب المال، ويذهب الأهل وتبقى أنت في هذه الوحشة، وفي هذه الظلمة، لا ينفعك في هذا المقام إلا إيمانك بالله ﷿، فعند ذلك إما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار.\nوللقبر ضمة تختلف فيها أضلاع الإنسان، ولو نجا من هذه الضمة أحد كما قال النبي ﷺ: «لنجا منها سعد» (^٢)، ومعلوم من هو سعد الذي اهتز له عرش الرحمن عند موته، «اهتز عرش الرحمن لموت سعد» (^٣)، ومع ذلك ما نجا من هذه الضمة التي تلحق الناس، وقيل أنه لا يستثنى من ذلك إلا الأنبياء في هذا الأمر.\nفهذه أول مراحل الحياة الآخرة حياة البرزخ وعذاب القبر ونعيمه، ثم بعد ذلك يأتي البعث.\n• فعَن الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «وَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ فَيَقُولَانِ لَهُ مَنْ رَبُّكَ فَيَقُولُ رَبِّيَ اللَّهُ فَيَقُولَانِ لَهُ مَا دِينُكَ فَيَقُولُ ديني الْإِسْلَام فَيَقُولَانِ لَهُ مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ قَالَ فَيَقُول هُوَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَيَقُولَانِ وَمَا يُدْرِيكَ فَيَقُولُ قَرَأْتُ كِتَابَ اللَّهِ فَآمَنْتُ بِهِ وَصَدَّقْتُ زَاد فِي حَدِيث جرير فَذَلِك قَول الله ﷿ (يثبت الله الَّذين آمنُوا بالْقَوْل الثَّابِت) الْآيَة ثمَّ اتفقَا قَالَ فينادي مُنَاد من السَّمَاء أَنْ قد صدق عَبدِي فأفرشوه مِنَ الْجَنَّةِ وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى الْجَنَّةِ وألبسوه من الْجنَّة قَالَ فيأتيه من روحها وطيبها قَالَ وَيفتح لَهُ فِيهَا مد بَصَره عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٤٧٥٣) واللفظ له، والنسائي (٢٠٠١)، وابن ماجه (١٥٤٩) مختصرًا، وأحمد (١٨٥٥٧) باختلاف يسير\n(^٢) انظر مسند الإمام أحمد برقم (٢٤٢٨٣)، قال الشيخ الألباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته (: ٤٣٥) صحيح، وصححه الشيخ شعيب الأرنؤوط في المسند.\n(^٣) صحيح البخاري (٣٨٠٣).","vol":"1","page":443},{"text":"جَنَازَةِ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَانْتَهَيْنَا إِلَى الْقَبْرِ وَلَمَّا يُلْحَدْ، فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ كَأَنَّمَا عَلَى رُءُوسِنَا الطَّيْرُ، وَفِي يَدِهِ عُودٌ يَنْكُتُ بِهِ فِي الْأَرْضِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: «اسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ» مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا، زَادَ فِي حَدِيثِ جَرِيرٍ «هَاهُنَا» وَقَالَ: \" وَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ خَفْقَ نِعَالِهِمْ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ حِينَ يُقَالُ لَهُ: يَا هَذَا، مَنْ رَبُّكَ وَمَا دِينُكَ وَمَنْ نَبِيُّكَ؟ \" قَالَ هَنَّادٌ: قَالَ: \" وَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ فَيَقُولَانِ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللَّهُ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: دِينِيَ الْإِسْلَامُ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ \" قَالَ: \" فَيَقُولُ: هُوَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ [ص: ٢٤٠]، فَيَقُولَانِ: وَمَا يُدْرِيكَ؟ فَيَقُولُ: قَرَأْتُ كِتَابَ اللَّهِ فَآمَنْتُ بِهِ وَصَدَّقْتُ «زَادَ فِي حَدِيثِ جَرِيرٍ» فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ ﷿ ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [إبراهيم: ٢٧] \" الْآيَةُ-ثُمَّ اتَّفَقَا-قَالَ: \" فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ: أَنْ قَدْ صَدَقَ عَبْدِي، فَأَفْرِشُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى الْجَنَّةِ، وَأَلْبِسُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ \" قَالَ: «فَيَأْتِيهِ مِنْ رَوْحِهَا وَطِيبِهَا» قَالَ: «وَيُفْتَحُ لَهُ فِيهَا مَدَّ بَصَرِهِ» قَالَ: «وَإِنَّ الْكَافِرَ» فَذَكَرَ مَوْتَهُ قَالَ: \" وَتُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ، وَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ فَيَقُولَانِ: لَهُ مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ هَاهْ، لَا أَدْرِي، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ، لَا أَدْرِي، فَيَقُولَانِ: مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ، لَا أَدْرِي، فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ: أَنْ كَذَبَ، فَأَفْرِشُوهُ مِنَ النَّارِ، وَأَلْبِسُوهُ مِنَ النَّارِ، وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى النَّارِ \" قَالَ: «فَيَأْتِيهِ مِنْ حَرِّهَا وَسَمُومِهَا» قَالَ: «وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ حَتَّى تَخْتَلِفَ فِيهِ أَضْلَاعُهُ» زَادَ فِي حَدِيثِ جَرِيرٍ قَالَ: «ثُمَّ يُقَيَّضُ لَهُ أَعْمَى أَبْكَمُ مَعَهُ مِرْزَبَّةٌ مِنْ حَدِيدٍ لَوْ ضُرِبَ بِهَا جَبَلٌ لَصَارَ تُرَابًا» قَالَ: «فَيَضْرِبُهُ بِهَا ضَرْبَةً يَسْمَعُهَا مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ إِلَّا الثَّقَلَيْنِ فَيَصِيرُ تُرَابًا» قَالَ: «ثُمَّ تُعَادُ فِيهِ الرُّوحُ» (^١)\n_________\n(^١) رواه أبو داود في سننه (٤/ ٢٣٩) (٤٧٥٣) وصححه الشيخ الألباني انظر (١/ ٤٧).","vol":"1","page":444},{"text":"• وعن أم المؤمنين عائشة زوج النبي ﷺ: أن رسول الله ﷺ كان يدعو في الصلاة: \"اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَفِتْنَةِ الْمَمَاتِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ\" (^١).\n• وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \" إِذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ، يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ\" (^٢).\n• قال الإمام أحمد بن حنبل: \" .. وأن هذه الأمة تفتن في قبورها، وتسأل عن الإيمان والإسلام، ومن ربه ومن نبيه، ويأتيه منكر ونكير، كيف شاء وكيف أراد .. \" (^٣).\n• وورد أن أبا عبيد القاسم بن سلام سأل الإمام أحمد عنهما فقال: \"هذه اللفظة (منكر ونكير) تقول هذا أو تقول ملكين؟، قال: نقول منكر ونكير وهما ملكان\" (^٤)\n• وقال أبوبكر الاسماعيلي: \"ويؤمنون بمسألة منكر ونكير على ما ثبت به الخبر عن رسول الله ﷺ\" (^٥).\n_________\n(^١) (صحيح البخاري) كتاب الأذان، باب الدعاء قبل السلام، (٢/ ٣١٧ - مع الفتح) و(صحيح مسلم) كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب التعوذ من عذاب القبر وعذاب جهنم، (٥/ ٨٧ - مع شرح النووي).\n(^٢) (صحيح البخاري)، كتاب الدعوات، باب التعوذ من عذاب القبر، (١١/ ١٧٤ - مع الفتح).\n(^٣) أصول السنة (٣١).\n(^٤) طبقات ابي يعلى ١/ ٥٥.\n(^٥) اعتقاد أئمة الحديث (٧٠).","vol":"1","page":445},{"text":"• وقال أبي بكر بن أبي عاصم: \"وفي المساءلة أخبار ثابتة والأخبار التي في المساءلة في القبر منكر ونكير أخبار ثابتة توجب العلم\". (^١)\n• وقال الإمام الطحاوي: (وبعذاب القبر لمن كان له أهلًا وسؤال منكر ونكير في قبره عن ربه ودينه ونبيه ..) (^٢). (^٣)\n• وقال شيخ الاسلام: \"إذا ثبتت الرسالة ثبت ما أخبر به الرسول مما ينكره بعض أهل البدع كعذاب القبر وسؤال منكر ونكير وكالصراط والشفاعة\" (^٤).\nوالإنسانُ بمجرد موتِه يدخل فِي اليومِ الآخرِ بالنِّسبة له، وَلِهَذَا يُقَالُ: مَنْ مَاتَ قَامَت قِيَامَتُهُ.\n_________\n(^١) كتاب السنة (ص ٤١٩ - ٤٢٠).\n(^٢) العقيدة الطحاوية (٥٠).\n(^٣) وانظر في ذلك كلام البربهاري في السنة (٣٧)، وصديق حسن خان في قطف الثمر في بيان عقيدة أهل الأثر (١٣٣)، وابن قدامة في لمعة الاعتقاد (٢٦)، ومرعي الكرمي في أقاويل الثقات في تأويل الأسماء والصفات والآيات المحكمات (٢١٣)، والكلاباذي في التعرف لمذهب أهل التصوف (٥٧)، وابن عساكر في تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الإمام أبي الحسن الأشعري (٣٠٥).\n(^٤) الأصفهانية (٢/ ٢١٤).","vol":"1","page":446},{"text":"قال المصنف-﵀:\n\n\"و<span data-type='title' id=toc-128>الإيمان بملك الموت [أنه] (^١) يقبض الأرواح\".</span>\n<hr><s0>\n\nوردت النصوص بذكر ملك الموت وأنه يقوم بنزع الروح،\nفمن القرآن:\nقال تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ [السجدة: ١١].\nوقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ. ثُمَّ رُدُّوا إلى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الأنعام: ٦١]،\nوقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الأنفال: ٥٠]،\nوقال تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٢٨ - ٣٢] وغيرها من الآيات.\n_________\n(^١) ما بين معكوفتين مأخوذة من مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص: (٢٢٧) ومختصر الحجة (٢/ ٣٧٣).","vol":"1","page":447},{"text":"ومن السنة:\nما ورد عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي جِنَازَةِ رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ فَانْتَهَيْنَا إِلَى الْقَبْرِ وَلَمَّا يُلْحَدْ فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ وَكَأَنَّ عَلَى رؤوسنا الطَّيْرَ وَفِي يَدِهِ عُودٌ يَنْكُتُ فِي الْأَرْضِ فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ اسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا … ثمَّ ذكر صفة قبض روح المؤمن ونعيمه في القبر ثم قال-: وَإِنَّ الْعَبْدَ الْكَافِرَ إِذَا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ مِنْ الدُّنْيَا وَإِقْبَالٍ مِنْ الآخِرَةِ نَزَلَ إِلَيْهِ مِنْ السَّمَاءِ مَلائِكَةٌ سُودُ الْوُجُوهِ مَعَهُمْ الْمُسُوحُ فَيَجْلِسُونَ مِنْهُ مَدَّ الْبَصَرِ ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ الْمَوْتِ حَتَّى يَجْلِسَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَيَقُولُ أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْخَبِيثَةُ اخْرُجِي إِلَى سَخَطٍ مِنْ اللَّهِ وَغَضَبٍ قَالَ فَتُفَرَّقُ فِي جَسَدِهِ فَيَنْتَزِعُهَا كَمَا يُنْتَزَعُ السَّفُّودُ مِنْ الصُّوفِ الْمَبْلُولِ فَيَأْخُذُهَا فَإِذَا أَخَذَهَا لَمْ يَدَعُوهَا فِي يَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ حَتَّى يَجْعَلُوهَا فِي تِلْكَ الْمُسُوحِ وَيَخْرُجُ مِنْهَا كَأَنْتَنِ رِيحِ جِيفَةٍ وُجِدَتْ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ فَيَصْعَدُونَ بِهَا فَلَا يَمُرُّونَ بِهَا عَلَى مَلإٍ مِنْ الْمَلائِكَةِ إِلا قَالُوا مَا هَذَا الرُّوحُ الْخَبِيثُ فَيَقُولُونَ فُلانُ بْنُ فُلَانٍ بِأَقْبَحِ أَسْمَائِهِ الَّتِي كَانَ يُسَمَّى بِهَا فِي الدُّنْيَا حَتَّى يُنْتَهَى بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيُسْتَفْتَحُ لَهُ فَلا يُفْتَحُ لَهُ ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ فَيَقُولُ اللَّهُ ﷿ اكْتُبُوا كِتَابَهُ فِي سِجِّينٍ فِي الأَرْضِ السُّفْلَى فَتُطْرَحُ رُوحُهُ طَرْحًا ثُمَّ قَرَأَ: (وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنْ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي","vol":"1","page":448},{"text":"بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ) فَتُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ وَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ فَيَقُولانِ لَهُ مَنْ رَبُّكَ فَيَقُولُ هَاهْ هَاهْ لا أَدْرِي فَيَقُولانِ لَهُ مَا دِينُكَ فَيَقُولُ هَاهْ هَاهْ لا أَدْرِي فَيَقُولانِ لَهُ مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ فَيَقُولُ هَاهْ هَاهْ لا أَدْرِي فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنْ السَّمَاءِ أَنْ كَذَبَ فَافْرِشُوا لَهُ مِنْ النَّارِ وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى النَّارِ فَيَأْتِيهِ مِنْ حَرِّهَا وَسَمُومِهَا وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ حَتَّى تَخْتَلِفَ فِيهِ أَضْلاعُهُ ثُمَّ يُقَيَّضُ لَهُ أَعْمَى أَبْكَمُ مَعَهُ مِرْزَبَّةٌ مِنْ حَدِيدٍ لَوْ ضُرِبَ بِهَا جَبَلٌ لَصَارَ تُرَابًا قَالَ فَيَضْرِبُهُ بِهَا ضَرْبَةً يَسْمَعُهَا مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ إِلا الثَّقَلَيْنِ فَيَصِيرُ تُرَابًا قَالَ ثُمَّ تُعَادُ فِيهِ الرُّوحُ وَيَأْتِيهِ رَجُلٌ قَبِيحُ الْوَجْهِ قَبِيحُ الثِّيَابِ مُنْتِنُ الرِّيحِ فَيَقُولُ أَبْشِرْ بِالَّذِي يَسُوءُكَ هَذَا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ فَيَقُولُ مَنْ أَنْتَ فَوَجْهُكَ الْوَجْهُ يَجِيءُ بِالشَّرِّ فَيَقُولُ أَنَا عَمَلُكَ الْخَبِيثُ فَيَقُولُ رَبِّ لا تُقِمْ السَّاعَةَ» (^١).\nاشتهر أن اسم ملك الموت عزرائيل، إلا أنه لم ترد تسمية ملك الموت بهذا الاسم في القرآن الكريم ولا في السنة النبوية الصحيحة، وإنما ورد ذلك في بعض الآثار والتي قد تكون من الإسرائيليات.\nوعلى هذا، لا ينبغي الجزم بالنفي ولا بالإثبات، فلا نثبت أن اسم ملك الموت عزرائيل، ولا ننفي ذلك، بل نفوض الأمر إلى الله تعالى ونسميه بما سماه الله تعالى به \"مللك الموت\"\n_________\n(^١) رواه أحمد (١٧٨٠٣) وأبو داود (٤٧٥٣)، والحديث: صححه الشيخ الألباني في \" أحكام الجنائز \" (ص ١٥٦).","vol":"1","page":449},{"text":"قال الله تعالى: (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ) السجدة/ ١١.\nقال ابن كثير: \"وأما ملك الموت فليس بمصرح باسمه في القرآن، ولا في الأحاديث الصحاح، وقد جاء تسميته في بعض الآثار بعزرائيل، والله أعلم.\nوقد قال الله تعالى: (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ) السجدة/ ١١\" (^١).\nوقال السندي: لم يرد في تسميته حديث مرفوع اه.\nوقال المناوي بعد أن ذكر أن ملك الموت اشتهر أن اسمه عزرائيل، قال:\n\"ولم أقف على تسميته بذلك في الخبر\" (^٢)\nوقال الشيخ ابن عثيمين: \" (ملك الموت): وقد اشتهر أن اسمه (عزرائيل)، لكنه لم يصح، إنما ورد هذا في آثار إسرائيلية لا توجب أن نؤمن بهذا الاسم، فنسمي من وُكِّل بالموت ب (ملك الموت) كما سماه الله ﷿ في قوله: (قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون) اه\" (^٣).\n_________\n(^١) \"البداية والنهاية\" (١/ ٤٩)\n(^٢) \"فيض القدير\" (٣/ ٣٢)\n(^٣) \"فتاوى ابن عثيمين\" (٣/ ١٦١).","vol":"1","page":450},{"text":"قال المصنف-﵀:\n\"ثم ترد في الأجساد في القبور فيسألون عن الإيمان والتوحيد\" (^١).\n<hr><s0>\n\nقَالَ ابن تيمِيَّة رحمه الله تعالى: «وَأَمَّا الفِتْنَةُ فِي القُبُورِ فَهِيَ الِامْتِحَانُ وَالِاخْتِبَارُ لِلمَيِّتِ حِينَ يَسْأَلُهُ المَلَكَانِ» (^٢).\nوأما الأدلة على فتنة القبر.\nقَالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تيمِيَّة رحمه الله تعالى: «وَقَدْ تَوَاتَرَت الأَحَادِيثُ عَنْ النَّبِي ﷺ فِي هَذِهِ الفِتْنَةِ مِنْ حَدِيثِ البَراءِ بْنِ عَازِبٍ، وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَغَيْرِهِمْ ﵃» (^٣).\n• رَوَت أَسمَاءُ بِنت أَبِي بَكر ﵄ أَنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّهُ قَدْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي القُبُورِ قَرِيبًا، أَوْ مِثْل فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ» (^٤).\n• وعن عثمانَ بن عفَّان ﵁ قالَ: كَانَ النَّبيُّ ﷺ إِذَا فَرغَ مِنْ دَفنِ الميتِ وَقَفَ عليهِ، فَقَالَ: «اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ، وَسَلُوا لَهُ التَّثْبِيتَ؛ فَإِنَّهُ\n_________\n(^١) هذه العبارة غير موجودة في كتاب مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي.\n(^٢) «مجموع الفتاوى» (٤/ ٢٥٧).\n(^٣) «مجموع الفتاوى» (٤/ ٢٥٧).\n(^٤) أخرجه البخاري (١٨٤) ومسلم (٩٠٥).","vol":"1","page":451},{"text":"الآنَ يُسْأَلُ» (^١).\n• وَعَنْ أَبِي هُريرَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسولُ اللهِ ﷺ يدعُو: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَمِنْ عَذَابِ النَّارِ، وَمِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا وَالمَمَاتِ، وَمِنْ فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ» (^٢).\n• وعن البرَاءِ بنِ عَازب ﵁ عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: «إِنَّ العَبدَ المُؤمِنَ فِي قَبْرِهِ تُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ؛ فَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللهُ. فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: دِينِيَ الإِسْلَامُ. فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ فَيَقُولُ: هُوَ رَسُولُ اللهِ ﷺ. فَيَقُولَانِ لَهُ: وَمَا عِلْمُكَ؟ فَيَقُولُ: قَرَأْتُ كِتَابَ اللهِ؛ فَآمَنْتُ بِهِ، وَصَدَّقْتُ به …».\nإِلَى أَنْ قَالَ فِي العَبدِ الكَافِرِ: «فتُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ، وَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ، فَيُجْلِسَانِهِ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: هَاه هَاه، لَا أَدْرِي! فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: هَاه هَاهْ، لَا أَدْرِي! فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ فَيَقُولُ: هَاه هَاه، لَا أَدْرِي» (^٣).\nوَغَيرِ ذَلِكَ مِنَ الأَحَادِيثِ التي بَلَغَت مَبلَغَ التَّوَاتُرِ.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٣٢٢١)، والحاكم في «المستدرك» (١/ ٥٢٦) (١٣٧٢)، وصححه الألباني في «صحيح الترغيب والترهيب» (٣٥١١).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٣٧٧) ومسلم (٥٨٨).\n(^٣) أخرجه أحمد في «المسند» (٤/ ٢٨٧) (١٨٥٥٧)، وأبو داود (٤٧٥٣)، وصححه الألباني في «المشكاة» (١٦٣٠).","vol":"1","page":452},{"text":"وقولُ شيخِ الإسلامِ-رحمه الله تعالى-: «فَيُضرِبُ بِمرزَبَّةٍ مِنْ حديدٍ؛ فيصيحَ صحيةً يسمعهَا كُلُّ شيءٍ إِلَّا الإنسان، وَلَو سَمِعَها لصعقَ» يُشير إلى حديث أنس ﵇ وفيه: «وأمَّا المُنافق والكافر فيُقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري كنتُ أقول ما يقول الناس، فيقال: لا دَرَيْتَ ولا تَلَيْتَ، ويُضرب بمطارقَ من حديد ضربةً؛ فيَصِيحُ صَيحةً يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيهِ غَيرَ الثَّقَلينِ» (^١)، والثَّقلان: هُمْ الإنسُ والجنُّ.\nقالَ ابنُ عُثَيمين رحمه الله تعالى: «فيُضرب»: يَعني الذِي لم يُجِب، سواء كانَ الكافرَ أو المنافقَ، والضارب لَهُ المَلَكَانِ اللذانِ يَسألانِهِ.\nوالمرزبَّةُ: هِيَ مِطرقةٌ مِنْ حَدِيدٍ، وَقَدْ وَرَدَ فِي بعضِ الرواياتِ: أَنَّهُ لَوِ اجتَمَعَ عَلَيهَا أَهلُ مِنى مَا أَقَلُّوها، فَإِذَا ضُرِب يَصيح صيحةً يَسمعها كلُّ شيء إلا الإنسان، أي: صِياحًا مَسموعًا يَسمعه كلُّ شيء يكون حوله مِمَّا يسمع صوته، وليس كلُّ شيء في أقطار الدُّنيا يَسمعه، وأحيانًا يتأثر به ما يسمعه كما مَرَّ النَّبيُّ ﷺ بِأَقْبُر للمُشركين على بَغْلَتِه، فَحَادت به حتى كادت تُلقيه؛ لأنَّها سَمِعت أصواتَهم يُعَذَّبون.\nقوله: «إلا الإنسان»، وقد سبق أنَّ في الحديث إلا الثَّقلين. يعني: أنه لا يَسمع هذا الصِّياح، وذلك لحكمٍ عظيمة منها:\nأولًا: ما أشار إليه النبي ﷺ بقوله: «لَوْلَا أَنْ لَا تَدَافَنُوا لَدَعَوْتُ اللهَ أَنْ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٣٧٤) من حديث أنس ﵁.","vol":"1","page":453},{"text":"يُسْمِعَكُمْ عَذَابَ القَبْرِ» (^١).\nثانيًا: أنَّ في إخفاء ذلك سترًا للميت.\nثالثًا: أنَّ فيه عدم إزعاج لأهله؛ لأنَّ أهلَه إذا سَمعوا مَيِّتَهم يُعَذَّب ويَصيح لم يَسْتَقِرَّ لهم قَرَارٌ.\nرابعًا: عدم تَخْجِيل أهله؛ لأنَّ النَّاس يقولون: هذا ولدُكم، هذا أبوكم، هذا أخوكم، وما أشبه ذلك.\nخامسًا: أننا قد نَهْلِك؛ لأنَّها صيحة ليست هينة، بل صيحة قد تُوجب أن تسقط القلوب من مَعاليقها، فيموت الإنسان، أو يُغشى عليه.\nسادسًا: لو سَمِع النَّاسُ صُرَاخ هؤلاء المُعَذَّبين لكان الإيمانُ بعذاب القبر من باب الإيمان بالشهادة لا من باب الإيمان بالغيب، وحينئذ تَفُوت مصلحة الامتحان؛ لأنَّ النَّاس سوف يُؤمنون بما شاهدوه قطعًا، لكن إذا كان غائبًا عنهم ولم يعلموا به إلَّا عن طريق الخبر صار من باب الإيمان بالغيب» (^٢).\nوَقوله: «مَنْ رَبُّك؟ وَمَا دِينُك؟ وَمَنْ نَبِيُّك؟» هَذِهِ الأسئلة الثلاثة الِتي تُوَجَّهُ للمَيِّتِ فِي قَبرِهِ؛ قال العلَّامةُ ابنُ عُثَيمين رحمه الله تعالى: «يَعنِي: مَنْ رَبُّكَ الذِي خَلَقَكَ وَتعبدُهُ وَتَخصُّهُ بِالعِبَادَةِ؟ لِأَجلِ أَنْ تَنتَظِمَ هَذِهِ الكَلمةُ توحيد الربوبيَّةِ، وَتوحيد الألوهيَّةِ.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٨٦٨) من حديث أنس.\n(^٢) «شرح الواسِطيَّة» (ص ٤٨٢، ٤٨٣).","vol":"1","page":454},{"text":"و«المُرتاب»: الشَّاكُّ والمُنافقُ وشبههمَا، «فَيَقُولُ: هَاه هَاه؛ لَا أَدْري، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلتُهُ»، يعني: لم يَلجِ الإيمانُ قلبَهُ، وإنَّمَا كانَ يقولُ كما يقولُ النَّاسُ مِنْ غيرِ أن يَصِلَ الإيمانُ إلى قلبِهِ.\nوَتَأَمَّل قولَهُ: «هاه هاه» كأنَّ شيئًا غَابَ عنهُ يريدُ أن يَتذكرَه، وَهَذا أشدُّ في التَّحَسُّرِ أن يتخيَّلَ أنَّهُ يَعْرِفُ الجوابَ، ولكن يُحالُ بينهُ وبينهُ، ويقولُ: «هاه هاه»، ثمَّ يقولُ: «سمعتُ الناسَ يقولونَ شيئًا فقلتُهُ»، وَلَا يقولُ: رَبِّيَ الله، وَلَا ديني الإسلام، وَلَا نَبِيِّ محمَّد؛ لأَنَّهُ فِي الدُّنيا مُرتابٌ شاكٌّ.\nهذا إِذَا سُئِلَ فِي قَبرِهِ وَصَارَ أحوج مَا يكونُ إِلَى الجَوَابِ الصَّوَابِ يَعجزُ، وَيَقولُ: «لَا أدري سَمِعتُ النَّاسَ يقولونَ شَيئًا فقلتُهُ».\nإِذًا؛ إيمانُه قولٌ فَقَط» (^١).\nوللناس في سؤال منكر ونكير: هل هو خاص بهذه الأمة أم لا ثلاثة أقوال: الثالث: التوقف، وهو قول جماعة، منهم: أبو عمر بن عبد البر، فقال: وفي حديث زيد بن ثابت عن النبي ﷺ، قال: «إن هذه الأمة تبتلى في قبورها» (^٢)، منهم من يرويه: تُسأل (^٣)، وعلى هذا اللفظ يحتمل أن تكون هذه\n_________\n(^١) انظر: «شرح الواسطِيَّة» (ص ٤٨٠ - ٤٨٢).\n(^٢) رواه مسلم (٢٨٦٧).\n(^٣) رواه الطبري في «تفسيره» (١٦/ ٦٠٠ - ٦٠١) عن الربيع، وأبي قتادة، وغيرهما. وعزاه ابن عبد البر في «التمهيد» (٢٢/ ٢٥٤) لابن أبي شيبة، وقال: وقال ابن أبي شيبة: تُسأل في قبورها. ولم أجده في «مصنفه» إنما روى الحديث (٣/ ٥٠) كما في «صحيح مسلم» -حيث رواه مسلم من طريق ابن أبي شيبة أصلًا- «إن هذه الأمة تبتلى في قبورها …».","vol":"1","page":455},{"text":"الأمة قد خصت بذلك، وهذا أمر لا يقطع به، ويظهر عدم الاختصاص، والله أعلم\" (^١). (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «التمهيد» (٢٢/ ٢٥٣).\n(^٢) المصدر: شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي، ٢/ ٥٨١","vol":"1","page":456},{"text":"قال المصنف-﵀:\n\n\"و<span data-type='title' id=toc-129>الإيمان بالنفخ في الصور،</span> والصور قرن ينفخ فيه إسرافيل\" (^١).\n<hr><s0>\n\nقال تعالى: (ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله) [الزمر: ٦٨].\nوفي الحديث: \"ثم ينفخ في الصور، فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتا، ورفع ليتا (^٢)، قال: وأول من يسمعه رجل يلوط حوض إبله. قال: فيصعق ويصعق الناس\" (^٣)\n\n<span data-type='title' id=toc-130>الصور الذي ينفخ فيه</span>\nالصور في لغة العرب القرن، وقد سئل الرسول ﷺ عن الصور، ففسره بما تعرفه العرب من كلامها، ففي سنن الترمذي وسنن أبي داود، وسنن ابن حبان، ومسند أحمد، ومستدرك الحاكم، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: جاء أعرابي\n_________\n(^١) ورد في مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص: (٢٢٧) بعبارة (بالنفخ في الصور، والصور قرن ينفخ فيه إسرافيل).\n(^٢) أصغى: أمال: والليت: صفحة العنق.\n(^٣) صحيح مسلم، كتاب الفتن: باب خروج الدجال: (٤/ ٢٢٩٥) ورقمه: ٢٩٤٠","vol":"1","page":457},{"text":"إلى النبي ﷺ فقال: \" ما الصور؟ قال: الصور قرن ينفخ فيه\" (١) قال الحاكم: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي، وقال الترمذي فيه: حديث حسن صحيح\n\n<span data-type='title' id=toc-131>النافخ في الصور</span>\nقال ابن حجر العسقلاني: \"اشتهر أن صاحب الصور إسرافيل ﵇، ونقل فيه الحليمي الإجماع، ووقع التصريح به في حديث وهب ابن منبه، وفي حديث أبي سعيد عند البيهقي، وفي حديث أبي هريرة عند ابن مردويه، وكذا في حديث الصور الطويل\" (^١).\nوقد أخبرنا الرسول ﷺ أن صاحب الصور مستعد دائما للنفخ فيه منذ أن خلقه الله تعالى، ففي مستدرك الحاكم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \" إن طرف صاحب الصور منذ وكل به مستعد ينظر نحو العرش، مخافة أن يؤمر قبل أن يرتد إليه طرفه، كأن عينيه كوكبان دريان \" قال الحاكم: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي (^٢).\nروى ابن المبارك في الزهد، والترمذي في سننه، وأبو نعيم في الحلية، وأبو يعلى في مسنده، وابن حبان في صحيحه، والحاكم في المستدرك، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: \" كيف أنعم،\n_________\n(^١) فتح الباري: (١١/ ٣٦٨).\n(^٢) سلسلة الأحاديث الصحيحة: (٣/ ٦٥)، ورقمه: ١٠٧٨.","vol":"1","page":458},{"text":"وقد التقم صاحب القرن القرن، وحنى جبهته، وأصغى سمعه، ينتظر أن يؤمر أن ينفخ، فينفخ. قال المسلمون: فكيف نقول يا رسول الله؟ قال: قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، توكلنا على الله ربنا \" وقال الترمذي: حديث حسن، وقد ذكر الشيخ ناصر رواته من الصحابة وطرقه ومتابعاته وشواهده في «سلسلة الأحاديث الصحيحة» بما يدل على صحته (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-132>اليوم الذي يكون فيه النفخة.</span>\nأخبر الرسول ﷺ أن الساعة تقوم في يوم الجمعة، وفيها يبعث العباد أيضا، فعن أوس بن أوس قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا علي من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة علي\" (^٢) \".\n\n<span data-type='title' id=toc-133>كم مرة ينفخ في الصور؟</span> (^٣)\nالذي يظهر أن إسرافيل ينفخ في الصور مرتين، الأولى يحصل بها الصعق، والثانية يحصل بها البعث،\n_________\n(^١) سلسلة الأحاديث الصحيحة: (٣/ ٦٦)، ورقمه: ١٠٧٩.\n(^٢) رواه أبو داود، والنسائي، وابن ماجة، والدارمي، والبيهقي في «الدعوات الكبير» انظر: مشكاة المصابيح: (١/ ٤٣٠)، ورقمه: (١٣٦١)، وقال -محقق المشكاة: إسناده عند أبي داود صحيح، وصححه جماعة.\n(^٣) المصدر: القيامة الكبرى (١/ ١٦)","vol":"1","page":459},{"text":"قال تعالى: (ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون) [الزمر: ٦٨].\nوقد سمى القرآن النفخة الأولى بالراجفة، والنفخة الثانية بالرادفة، قال تعالى: (يوم ترجف الراجفة-تتبعها الرادفة) [النازعات: ٦ - ٧].\nوفي موضع آخر سمى الأولى بالصيحة، وصرح بالنفخ بالصور في الثانية، قال تعالى: (ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون -فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون-ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون) [يس: ٤٩ - ٥١].\nوقد جاءت الأحاديث النبوية مصرحة بالنفختين، ففي صحيح البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: \" ما بين النفختين أربعون \". قالوا: يا أبا هريرة، أربعون يوما؟ قال: أبيت. قالوا: أربعون شهرا؟ قال: أبيت، قالوا: أربعون سنة؟ قال: أبيت\" (^١).\nوفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: \" ثم ينفخ في الصور، فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتا، ورفع ليتا (^٢)، فأول من يسمعه رجل يلوط حوض إبله، قال: فيصعق، ويصعق الناس، ثم\n_________\n(^١) رواه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، تفسير سورة الزمر، فتح الباري: (١١/ ٥٥١) ورواه مسلم في صحيحه: (٤/ ٢٢٧٠)، ورقمه ٢٩٥٥.\n(^٢) الليت: صفحة العنق، وإصغاؤه: إمالته.","vol":"1","page":460},{"text":"يرسل الله -أو قال: ينزل الله مطرا، كأنه الطل، أو الظل، (نعمان (^١) الشاك) فتنبت منه أجساد الناس، ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون \" (^٢).\nوأخرج البيهقي بسند قوي عن ابن مسعود موقوفا: \"ثم يقوم ملك الصور بين السماء والأرض، فينفخ فيه، والصور قرن، فلا يبقى خلق في السماوات ولا في الأرض إلا مات إلا من شاء ربك، ثم يكون بين النفختين ما شاء الله أن يكون\" (^٣)\nوروى أوس بن أوس الثقفي عن الرسول ﷺ قال: \"إن أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه الصعقة وفيه النفخة\" (^٤)، وقد أخرجه أبو داود والنسائي وأحمد وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم (^٥).\nوقد رجح هذا الذي دلت عليه هذه الآيات والأحاديث التي سقناها جمع من أهل العلم، منهم القرطبي (^٦)، وابن حجر العسقلاني (^٧).\nوذهب جمع من أهل العلم إلى أنها ثلاث نفخات، وهي نفخة الفزع،\n_________\n(^١) هو نعمان بن سالم أحد رواة هذا الحديث.\n(^٢) رواه مسلم: (٤/ ٢٢٥٨)، ورقمه: ٢٩٤٠.\n(^٣) فتح الباري: (١١/ ٣٧٠).\n(^٤) فتح الباري: (١١/ ٣٧٠).\n(^٥) فتح الباري: (١١/ ٣٧٠).\n(^٦) التذكرة للقرطبي: ١٨٣، ١٨٤.\n(^٧) فتح الباري: (١١/ ٣٦٩).","vol":"1","page":461},{"text":"ونفخة الصعق، ونفخة البعث.\nوممن ذهب هذا المذهب ابن العربي (^١)، وابن تيمية (^٢)، وابن كثير (^٣)، والسفاريني (^٤)، وحجة من ذهب هذا المذهب أن الله ذكر نفخة الفزع في قوله: (ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله) [النمل: ٨٧].\nكما احتجوا ببعض الأحاديث التي نصت على أن النفخات ثلاث، كحديث الصور، وهو حديث طويل، أخرجه الطبري، وفيه: \"ثم ينفخ في الصور ثلاث نفخات: نفخة الفزع، ونفخة الصعق، ونفخة القيام لرب العالمين\" (^٥).\nأما استدلالهم بالآية التي تذكر نفخة الفزع فليست صريحة ........\nيقول ابن حجر رحمه الله تعالى: \"ولا يلزم من مغايرة الصعق الفزع أن لا يحصلا معا من النفخة الأولى \" (^٦)، وجاء في تذكرة القرطبي: \" ونفخة الفزع هي نفخة الصعق، لأن الأمرين\n_________\n(^١) فتاوي شيخ الإسلام: (٤/ ٢٦٠).\n(^٢) فتح الباري: (١١/ ٣٦٩) تذكرة القرطبي: ص ١٨٤.\n(^٣) النهاية لابن كثير: (١/ ٢٥٣).\n(^٤) لوامع الأنوار البهية: (٢/ ١٦١).\n(^٥) فتح الباري: (١١/ ٣٦٩).\n(^٦) فتح الباري: (١١/ ٣٦٩).","vol":"1","page":462},{"text":"لازمين لها، أي: فزعوا فزعا ماتوا منه \" (^١). (^٢)\nأما حديث الصور فهو حديث ضعيف مضطرب كما يقول الحجة في علم الحديث ابن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى، ونقل تضعيفه عن البيهقي (^٣).\nوذهب ابن حزم رحمه الله تعالى إلى: \"أن نفخات يوم القيامة أربع: الأولى نفخة إماتة، والثانية نفخة إحياء، يقوم بها كل ميت، وينشرون من القبور، ويجمعون للحساب.\nوالثالثة: نفخة فزع وصعق، يفيقون منها كالمغشي عليه، لا يموت منها أحد.\nوالرابعة: نفخة إفاقة من ذلك الغشى\" (^٤).\nقال ابن حجر بعد أن حكى مقالة ابن حزم: \"هذا الذي ذكره من كون الثنتين أربعا ليس بواضح، بل هما نفختان فقط، ووقع التغاير في كل واحد منهما باعتبار من يستمعهما، فالأولى يموت فيها كل من كان حيا، ويغشى على من لم يمت ممن استثنى الله. والثانية: يعيش بها من مات، ويفيق بها من غشي\n_________\n(^١) تذكرة القرطبي: ١٨٤.\n(^٢) القيامة الكبرى (١/ ١٧).\n(^٣) فتح الباري: (١١/ ٣٦٩).\n(^٤) فتح الباري: (٦/ ٤٤٦).","vol":"1","page":463},{"text":"عليه، والله أعلم\" (^١). (^٢)\n\n<span data-type='title' id=toc-134>الذين لا يصعقون عند النفخ في الصور </span>(^٣):\nأخبرنا الباري جل وعلا أن بعض من في السماوات ومن في الأرض لا يصعقون عندما يصعق من في السماوات ومن في الأرض (ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله) [الزمر: ٦٨].\nوقد اختلف العلماء في تعيين الذين عناهم الحق بالاستثناء في قوله: (إلا من شاء الله).\n١ - فذهب ابن حزم إلى أنهم جميع الملائكة، لأن الملائكة في اعتقاده أرواح لا أرواح فيها، فلا يموتون أصلا (^٤).\nوهذا الذي ذهب إليه من أن الملائكة لا يموتون لا يسلم له، فالملائكة خلق من خلق الله ﵎، وهم عبيد مربوبون مقهورون، خلقهم، وهو قادر على إماتتهم وإحيائهم، وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ من غير وجه، وعن غير واحد من الصحابة أنه قال: \" إن الله إذا تكلم بالوحي أخذ الملائكة منه مثل الغشى \"، وفي رواية: \" إذا سمعت الملائكة كلامه صعقوا \"\n_________\n(^١) فتح الباري: (٦/ ٤٤٦).\n(^٢) انظر: القيامة الكبرى (١/ ١٨).\n(^٣) المصدر: القيامة الكبرى (١/ ١٨ - ١٩).\n(^٤) فتح الباري: (٦/ ٣٧١).","vol":"1","page":464},{"text":"فأخبر في هذا الحديث أنهم يصعقون صعق الغشي، فإذا جاز عليهم صعق الغشي، جاز عليهم صعق الموت \" (^١).\n٢ - وذهب مقاتل وغيره إلى أنهم جبرائيل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت (^٢).\nوأضاف إليه بعض أهل العلم حملة العرش (^٣).\nوصحة هذا متوقف على أحاديث رووها، وأهل العلم بالحديث لا يصححون مثلها (^٤).\n٣ - وذهب الإمام أحمد بن حنبل ﵀ إلى أن المراد بهم الذين في الجنة من الحور العين والولدان، وأضاف إليهم أبو إسحاق بن شاقلا من الحنابلة، والضحاك بن مزاحم: خزان الجنة والنار، وما فيها من الحيات والعقارب (^٥).\nيقول ابن تيمية رحمه الله تعالى: \"وأما الاستثناء فهو متناول لما في الجنة من الحور العين، فإن الجنة ليس فيها موت \" (^٦).\n٤ - وقد جنح القرطبي صاحب (المفهم إلى شرح مسلم) إلى أن المراد\n_________\n(^١) راجع مجموع فتاوي شيخ الإسلام: (٤/ ٢٦٠).\n(^٢) الروح لابن القيم: ص ٥٠، وفتح الباري: (٦/ ٣٧١).\n(^٣) فتح الباري: (٦/ ٣٧١).\n(^٤) راجع فتح الباري: (٦/ ٣٧١).\n(^٥) الروح لابن القيم: ص ٥٠، وفتح الباري: (٦/ ٣٧١).\n(^٦) مجموع فتاوى شيخ الإسلام: (٤/ ٢٦١).","vol":"1","page":465},{"text":"بهم الأموات كلهم، لكونهم لا إحساس لهم، فلا يصعقون (^١)\nوما ذهب إليه أبو العباس صحيح إذا فسرنا الصعق بالموت، فإن الإنسان يموت مرة واحدة، قال تعالى: (لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى) [الدخان: ٥٦].\nوقد عقد ابن القيم في كتابه: «الروح» فصلا بين فيه أن أهل العلم قد اختلفوا في موت الأرواح عند النفخ في الصور.\nوالذي رجحه ابن القيم أن موت الأرواح هو مفارقتها للأجساد، وخروجها منها، ورد قول الذين قالوا بفناء الأرواح وزوالها، لأن النصوص دلت على أن الأرواح تبقى في البرزخ معذبة أو منعمة (^٢).\nأما إذا فسرنا الصعق بالغشي، فإن الأرواح تصعق بهذا المعنى ولا تكون داخلة فيمن استثنى الله ﵎، فإن الإنسان قد يسمع أو يرى ما يفزعه، فيصعق، كما وقع لموسى عندما رأى الجبل قد زال من مكانه (وخر موسى صعقا) [الأعراف: ١٤٣].\nوقد جاء هذا المعنى صريحا في بعض النصوص، … قال رسول الله ﷺ: \" لا تخيروني على موسى، فإن الناس يصعقون فأكون أول من يفيق، فإذا موسى باطش\n_________\n(^١) فتح الباري: (٦/ ٣٧٠).\n(^٢) الروح، لابن القيم: ص ٤٩.","vol":"1","page":466},{"text":"بجانب العرش، فلا أدري أكان فيمن صعق فأفاق قبلي، أو كان ممن استثنى الله \" (^١) .........\nوهذا الحديث صريح في أن الموتى يصعقون، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن الذي يصعق صعق غشي هم الشهداء دون غيرهم من الأموات، وأضاف إليهم آخرون من الأنبياء (^٢).\nوذهب إلى أن الشهداء والأنبياء يصعقون صعق غشي البيهقي فقال في صعق الأنبياء: \"ووجهه عندي أنهم أحياء عند ربهم كالشهداء، فإذا نفخ في الصور النفخة الأولى صعقوا، ثم لا يكون ذلك موتا في جميع معانيه، إلا في ذهاب الاستشعار، وقد جوز النبي ﷺ أن يكون موسى ممن استثنى الله، فإن كان منهم فإنه لا يذهب استشعاره في تلك الحالة بسبب ما وقع في صعقة الطور \" (^٣)\nوقد نقل عن ابن عباس وأبي هريرة وسعيد بن جبير أن الأنبياء والشهداء من الذين استثناهم الله (^٤)، وعزاه ابن حجر إلى البيهقي (^٥)، فإن كان المراد استثناؤهم من الموت فإن هذا حق، وإن كان المراد استثناؤهم من الصعق الذي\n_________\n(^١) صحيح البخاري، كتاب التفسير، تفسير سورة الزمر، فتح الباري: (٨/ ٥٥١).\n(^٢) القيامة الكبرى (١/ ٢٠).\n(^٣) تذكرة القرطبي: ١٦٩.\n(^٤) الروح لابن القيم: ٥٠.\n(^٥) فتح الباري: (١١/ ٣٧١).","vol":"1","page":467},{"text":"يصيب الأموات كما دل عليه حديث موسى فالأمر ليس كذلك (^١).\nوذهب بعض أهل العلم إلى أن الأولى بالمسلم التوقف في تعيين الذين استثناهم الله، لأنه لم يصح في ذلك نص يدل على المراد.\nقال القرطبي صاحب التذكرة: \"قال شيخنا أبو العباس: والصحيح أنه لم يرد في تعيينهم خبر صحيح، والكل محتمل\" (^٢).\nوقال ابن تيمية: \" وأما الاستثناء فهو متناول لمن في الجنة من الحور العين، فإن الجنة ليس فيها موت، ومتناول لغيرهم، ولا يمكن الجزم بكل ما استثناه الله، فإن الله أطلق في كتابه. والنبي ﷺ قد توقف في موسى، وهل هو داخل في الاستثناء فيمن استثناه الله أم لا؟\nفإذا كان النبي ﷺ لم يخبر بكل من استثنى الله، لم يمكننا نحن أن نجزم بذلك، وصار هذا مثل العلم بوقت الساعة وأعيان الأنبياء، وأمثال ذلك مما لم يخبر الله به، وهذا العلم لا ينال إلا بالخبر، والله أعلم \" (^٣).\nونقل القرطبي عن الحليمي أنه أبى أن يكون المستثنون هم حملة العرش أو جبرائيل وميكائيل وملك الموت، أو الولدان والحور العين في الجنة، أو موسى، ثم بين سر إنكاره لهذا فقال: \" أما الأول، فإن حملة العرش ليسوا من\n_________\n(^١) القيامة الكبرى (١/ ٢١).\n(^٢) التذكرة: ص ١٦٧.\n(^٣) مجموع فتاوي شيخ الإسلام: (٤/ ٢٦١).","vol":"1","page":468},{"text":"سكان السماوات ولا الأرض، لأن العرش فوق السماوات كلها، فكيف يكون حملته في السماوات. وأما جبرائيل وميكائيل وملك الموت فمن الصافين المسبحين حول العرش، وإذا كان العرش فوق السماوات، لم يكن الاصطفاف حوله في السماوات. وكذلك القول الثاني لأن الولدان والحور العين في الجنان، والجنان وإن كان بعضها أرفع من بعض، فإن جميعها فوق السماوات ودون العرش، وهي بانفرادها عالم مخلوق للبقاء، فلا شك أنها بمعزل عما خلق الله تعالى للفناء، وصرفه إلى موسى لا وجه له، لأنه قد مات بالحقيقة، فلا يموت عند نفخ الصور ثانية \" (^١). (^٢)\nورد قول الذين قالوا المستثنون هم الأموات: \" لأن الاستثناء إنما يكون لمن يمكن دخوله في الجملة، فأما من لا يمكن دخوله في الجملة فيها، فلا معنى لاستثنائه منها، والذين ماتوا قبل نفخ الصور ليسوا بفرض أن يصعقوا فلا وجه لاستثنائهم \" (^٣).\nوقال القاضي عياض: يحتمل أن يكون المراد بهذه صعقة فزع بعد النشر، حين تنشق السماوات والأرض فتستقل الأحاديث والآيات والله أعلم \" (^٤).\n_________\n(^١) التذكرة للقرطبي: ص ١٦٨.\n(^٢) القيامة الكبرى (١/ ٢٢).\n(^٣) التذكرة: ص ١٦٨.\n(^٤) التذكرة: ص ١٦٨.","vol":"1","page":469},{"text":"وقد جزم ابن القيم رحمه الله تعالى بأن الصعقة التي تحدث عنها الرسول ﷺ، هي صعقة تكون بعد البعث، وهي المراد بقوله تعالى: (فذرهم حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون) [الطور: ٤٥]. (^١) والله أعلم بالصواب (^٢)\n_________\n(^١) الروح: ص ٥٢.\n(^٢) القيامة الكبرى (١/ ٢٣).","vol":"1","page":470},{"text":"قال المصنف-﵀:\n\"وأن القبر الذي بالمدينة قبر محمد ﷺ-معه أبو بكر وعمر\".\n<hr><s0>\n\nقول المصنف: \"وأن القبر الذي بالمدينة قبر محمد ﷺ\"\nوهنا يجدر التنبيه إلى عدة مسائل:\n\n<span data-type='title' id=toc-136>المسألة الأولى: دفنه ﷺ.</span>\nروى مالك في الموطأ \"أنه بلغه أن رسول الله ﷺ توفي يوم الاثنين، ودفن يوم الثلاثاء، وصلى الناس عليه أفذاذًا لا يؤمهم أحد، فقال ناس يدفن عند المنبر، وقال ءاخرون: يدفن بالبقيع، فجاء أبو بكر الصديق فقال سمعت رسول الله يقول ما دفن نبي قط إلا في مكانه الذي توفي فيه (^١)، فحفر له فيه، فلما كان عند غسله أرادوا نزع قميصه فسمعوا صوتا يقول: لا تنزعوا القميص، فغسّل وهو عليه، ثم حفروا له تحت فراشه ودفنوه ﷺ\" (^٢).\nوكان موتُه ﷺ يومَ الاثنينِ، وكان دفنُه في آخِرِ اللَّيلِ مِنْ ليلةِ الثُّلاثاءِ أو معَ الصُّبحِ، وقيل: دُفِن ليلةَ الأربِعاءِ.\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (١٠١٨)، والمروزي في «مسند أبي بكر الصديق» (٤٣) واللفظ لهما، وأبو يعلى (٤٥) بنحوه.\n(^٢) الموطأ ٢/ ٣٢٣. ت: الأعظمي.","vol":"1","page":471},{"text":"قال ابن كثير: \"الصحيح المشهور عند الجمهور أنه-ﷺ تُوفي يوم الاثنين ودُفن يوم الأربعاء\" (^١)\nقال ابن إسحاق: \"وحدثني عبد الله بن أبي بكر، عن امرأته فاطمة بنت عُمارة، عن عمرة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زُرارة، عن عائشة-﵂-قالت: دفن رسول الله في جوف الليل من ليلة الأربعاء. (^٢) \"\nوروى ابن سعد (^٣) وابن ماجه (^٤)، والبيهقي (^٥) وأبو يعلى (^٦) عن ابن عبَّاس-﵄-قال: لمَّا فُرغ من جهاز رسول الله-ﷺ-يوم الثلاثاء وُضع على سريره في بيته وقد كان المسلمون اختلفوا في دفنه، فقال قائل: ندفنه مع أصحابه بالبقيع، وقال قائل: ادفنوه في مسجده، فقال أبوبكر: سمعت رسول الله-ﷺ-يقول: (ما قُبض نبيُّ إلا دفن حيثُ قُبض) (^٧) فرُفع فراش رسول الله-ﷺ-الذي تُوفي عليه فحفروا له تحته\".\nقال الطبري: (فلما فُرغ من جهاز رسول الله-ﷺ-يوم الثلاثاء، وُضع\n_________\n(^١) البداية والنهاية (٥/ ٢٣٧).\n(^٢) سيرة ابن هشام (٤/ ٣١٥) تحقيق عمر عبد السلام تدمري.\n(^٣) طبقات ابن سعد (١/ ٢٢٣).\n(^٤) سنن ابن ماجه (١٦٢٨)\n(^٥) الدلائل (٧/ ٢٦٠)\n(^٦) مسند أبي بكر (٧٨).\n(^٧) سنن ابن ماجه، كتاب الجنائز، باب ما جاء في دفن النبي ﷺ-وضعفه الألباني في ضعيف ابن ماجة رقم (٣٢١).","vol":"1","page":472},{"text":"في سريره في بيته، وقد كان المسلمون اختلفوا في دفنه. فقال قائل: ندفنه في مسجده، وقال قائل: بل ندفنه مع أصحابه، فقال أبوبكر: إني سمعت رسول الله-ﷺ-يقول: (ما قُبض نبي إلا دُفن حيثُ يقبض)، فرفع فراش رسول الله-ﷺ-الذي تُوفي عليه، فحُفر له تحته، ثم دخل الناس على رسول الله-ﷺ-يصلّون عليه أرسالًا، دخل الرجال حتى إذا فرغوا أُدخل النساء حتى إذا فرغ النساء أُدخل الصبيان، ولم يؤم الناسَ على رسول الله-ﷺ-أحد) (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-137>المسألة الثانية: شبهة هل دُفن النبي-ﷺ-في مسجده الشريف؟</span>\nفالجواب: أن هذا وإن كان هو المشاهد اليوم، فإنه لم يكن كذلك في عهد الصحابة-﵃، فإنه لما مات-ﷺ، دفنوه في حجرة عائشة التي كانت بجانب مسجده، وكان يفصل بينهما جدار فيه باب، كان-ﷺ-يخرج منه إلى المسجد، وهذا أمر معروف مقطوع به عند العلماء ولا خلاف في ذلك بينهم، والصحابة-﵃-حينما دفنوه-ﷺ-في الحجرة، إنما فعلوا ذلك كي لا يتمكن أحد بعدهم من اتخاذ قبره مسجدًا، لقوله-﵊-من حديث عائشة-﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ-في مرضه الذي لم يقم منه: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد). قالت: فلولا ذاك أُبرز قبره غير أنه خشي أن يُتخذ مسجدًا) (^٢)\n_________\n(^١) تاريخ الطبري (٣/ ٢١٣).\n(^٢) البخاري، الفتح، (٣/ ١٥٦) رقم (١٣٣٠) كتاب الجنائز، باب ما يكره من اتخاذ المساجد قبورًا.","vol":"1","page":473},{"text":"ولكن وقع بعدهم ما يكن في حسبانهم! ذلك أن الوليد بن عبد الملك أمر سنة ثمان وثمانين بتوسيع المسجد النبوي وإضافة حجر أزواج رسول الله-ﷺ-إليه، فأدخل فيه الحجرة النبوية حجرة عائشة، فصار القبر بذلك في المسجد (^١).\nقال \"العلامة الحافظ محمد بن عبد الهادي\" في \"الصارم المنكي\" ص (١٣٦): \"وإنما أُدخلت الحجرة في المسجد في خلافة الوليد بن عبد الملك بعد موت عامة الصحابة الذين كانوا بالمدينة، وكان من آخرهم موتًا جابر بن عبد الله، وتُوفي في خلافة عبد الملك، فإنه تُوفي سنة ثمان وسبعين، والوليد تولىَّ سنة ست وثمانين، وتُوفي سنة ست وتسعين، فكان بناء المسجد وإدخال الحجرة فيه فيما بين ذلك.\nقال \"الشيخ الألباني\": وإنما لم يُسمِّ الحافظُ ابن عبد الهادي السنة التي وقع فيها ذلك  o  لأنها لم ترد في رواية ثابتة على طريقة المحدثين، وما نقلناه عن ابن جرير هو من رواية الواقدي وهو متهم، ورواية ابن أبي شيبة الآتية في كلام \"الحافظ ابن عبد الهادي\" مدارها على مجاهيل وهم عن مجهول! كما هو ظاهر، فلا حجة في شيء من ذلك، وإنما العمدة على اتفاق المؤرخين على أن إدخال الحجرة إلى المسجد كان في ولاية الوليد. قال \"محمد بن عبد الهادي\"، وقد ذكر أبو زيد عمر بن شُبَّة النميري في كتاب\n_________\n(^١) راجع: تاريخ ابن جرير (٥/ ٢٢٢ - ٢٢٣). وتاريخ ابن كثير (٩/ ٧٤ - ٧٥).","vol":"1","page":474},{"text":"(أخبار المدينة) مدينة رسول الله-ﷺ-عن أشياخه عمن حدثوا عنه أن عمر بن عبد العزيز لما كان نائبًا للوليد على المدينة في سنة إحدى وتسعين هدم المسجد وبناه بالحجارة المنقوشة وعمل سقفه بالساج، وماء الذهب، وهدم حجرات أزواج النبي ﷺ فأدخلها في المسجد أو دخل القبر فيه.\nيتبين لنا مما أوردناه أن القبر الشريف إنما أُدخل المسجد النبوي حين لم يكن في المدينة أحد من الصحابة، وأن ذلك كان على خلاف غرضهم الذي رموا إليه حين دفنوه في حجرته-ﷺ، فلا يجوز لمسلم بعد أن عرف هذه الحقيقة أن يحتج بما وقع بعد الصحابة، لأنه مخالف للأحاديث الصحيحة وما فهم الصحابة والأئمة منها كما سبق بيانه، وهو مخالف أيضًا لصنيع عمر، وعثمان حين وسعا المسجد ولم يدخلا القبر فيه، ولهذا نقطع بخطأ ما فعله الوليد بن عبد الملك عفا الله عنه، ولئن كان مضطرًا إلى توسيع المسجد، فإنه كان باستطاعته أن يوسعه من الجهات الأخرى دون أن يتعرض للحجرة الشريفة، وقد أشار عمر بن الخطاب إلى هذا النوع من الخطأ حين قام هو-﵁-بتوسيع المسجد من الجهات الأخرى، ولم يتعرض للحجرة، بل قال: (إنه لا سبيل عليها) (^١). فأشار-﵁-إلى المحذور الذي يترتب من جراء هدمها وضمها إلى المسجد.\nومع هذه المخالفة الصريحة للأحاديث المتقدمة وسنة الخلفاء الراشدين،\n_________\n(^١) انظر طبقات ابن سعد (٤/ ٢١) وغيره.","vol":"1","page":475},{"text":"فإن المخالفين لما أدخلوا القبر النبوي في المسجد الشريف احتاطوا للأمر شيئًا ما، فحاولوا تقليل المخالفة ما أمكنهم. قال النووي: (ولما احتاجت الصحابة والتابعون إلى الزيادة في مسجد رسول الله-ﷺ-حين كثر المسلمون، وامتدت الزيادة إلى أن دخلت بيوت أمهات المؤمنين فيه، ومنها حجرة عائشة-﵂-مدفن رسول الله-ﷺ -وصاحبيه أبي بكر وعمر-﵄-بنوا على القبر حيطانًا مرتفعة مستديرة حوله، لئلا يظهر في المسجد فيصلي إليه العوام، ويؤدي إلى المحذور، ثم بنوا جدارين من ركني القبر الشماليين وحرفوهما حتى التقيا، حتى لا يتمكن أحد من استقبال القبر) (^١).\nونقل \"الحافظ ابن رجب\" في (الفتح) نحوه عن القرطبي كما في (الكواكب) (^٢) وذكر \"ابن تيمية\" في (الجواب الباهر) (^٣): (أن الحجرة لما أدخلت إلى المسجد سُد بابها، وبني عليها حائط آخر، صيانة له-ﷺ-أن يتخذ بيته عيدًا، وقبره وثنًا) (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-138>المسألة الثالثة: مسألة جواز السلام على النبي ﷺ عند حجرته.</span>\nفمما أفتى به الإمام مالك من جواز السلام على النبي ﷺ عند\n_________\n(^١) (شرح مسلم) (٥/ ١٤).\n(^٢) (٦٥/ ٩١/ ١).\n(^٣) الجواب الباهر: (٢/ ٩).\n(^٤) نقلًا من كتاب: تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد (٥٨ - ٦٨) ط: المكتب الإسلامي.","vol":"1","page":476},{"text":"حجرته التي دفن فيها وذلك لمن قدم من سفر هو ما أفتي به باقي الأئمة الأربعة.\nوقد احتجوا بفعل ابن عمر كما احتج به مالك (^١).\nومنهم من احتج بحديث \"ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه¬ السلام\" (^٢).\nفقد اعتمد الإمام أحمد في زيارة قبره المكرم على هذا الحديث. وعن أحمد أخذ ذلك أبو داود (^٣) فلم يذكر في زيارة قبره المكرم غير هذا الحديث وترجم عليه: \"باب زيارة القبر\" (^٤).\nفهذا الحديث هو عمدة الإمام أحمد وأبي داود وأمثالهم وهو غاية ما عندهم في هذا الباب عن النبي ﷺ إلا أن دلالة الحديث على المقصود فيها نزاع وتفصيل (^٥).\n_________\n(^١) الرد على الأخنائي (ص ١٣٧ - ١٣٨).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد في المسند (٢/ ٥٢٧).\nوأخرجه أبو داود في سننه، كتاب المناسك، باب زيارة القبور (٢/ ٥٣٤) ح ٤١ - ٢٠، وعزاه السخاوي في القول البديع (ص ١٦١) إلى الطبراني والبيهقي أيضا والحديث لا يسلم من مقال في إسناده. قال ابن عبد الهادي: أما المقال في إسناده فمن جهة تفرد أبي صخر به عن ابن قسيط عن أبي هريرة. ولم يتابع ابن قسيط أحد في روايته عن أبي هريرة ولا تابع أبا صخر أحد في روايته عن ابن قسيط. الصارم المنكي (ص ٢٥٠) وحميد بن زياد أبو صخر، و-يزيد بن عبد الله بن قسيط فيهما كلام قال ابن عبد الهادي: وأبو صخر حميد بن زياد قد اختلف الأئمة في عدالته والاحتجاج بخبره مع الاضطراب في اسمه وكنيته واسم أبيه، فما تفرد به من الحديث ولم يتابعه عليه أحد لا ينهض إلى درجة الصحة بل يستشهد به ويعتبر به. انتهي كلامه.\nوهذا الحديث مما تفرد به كما سبق بيانه من كلام ابن عبد الهادي. وقد ذكر ابن عبد الهادي أقوال أئمة الجرح والتعديل في كل من حميد بن زياد أبي صخر ويزيد بن عبد الله بن قسيط وقال في نهاية نقله والحديث إسناده مقارب وهو صالح أن يكون متابعا لغيره عاضدًا له والله أعلم. الصارم المنكي (ص ٢٥٩).\n(^٣) سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد الأزدي، السجستاني أبو داود، مصنف السنن وغيرها، ثقة حافظ من بار العلماء وأئمة الحديث، مات سنة خمس وسبعين ومائتين. تهذيب التهذيب (٤/ ١٦٩ - ١٧٣).\n(^٤) مجموع الفتاوى (٢٧/ ٣٣٠).\n(^٥) قال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"ولو أريد إثبات سنة لرسول الله ﷺ بمثل هذا الحديث لكان هذا مختلفا فيه، فالنزاع في إسناده ودلالة متنه\". الرد على الأخنائي (ص ٢٠٣).\nوقال ابن عبد الهادي: \"وهذا الحديث لا يسلم من مقال في إسناده ونزاع في دلالته \"وقد تقدم الكلام على إسناده (وأما نزاع في دلالة الحديث فمن جهة احتمال لفظه فإن قوله: \"ما من أحد يسلم علي\" يحتمل أن يكون المراد به عند قبره ما فهمه جماعة من الأئمة ويحتمل أن يكون معناه على العموم وأنه لا فرق في ذلك بين القريب والبعيد وهذا هو ظاهر الحديث وهو الموافق للأحاديث المشهورة. الرد على السبكي (ص ٢٥٩)","vol":"1","page":477},{"text":"فليس في لفظ الحديث المعروف في السنن والمسند (عند قبري) مع أن الذين احتجوا بهذا الحديث قالوا إن هذا هو المراد، ولم يرد على كل مسلم عليه في شرق الأرض وغربها مع أن المعنى أي أنه يرد على كل مسلم في شرق الأرض وغربها إن كان هو المراد بطل الاستدلال بالحديث من كل وجه على اختصاص تلك البقعة بالسلام.\nوإن كان المراد بالسلام في الحديث هو السلام عليه عند قبره كما فهمه عامة العلماء، فهل يدخل فيه من سلم من خارج الحجرة؟\nفهذا مما تنازع فيه الناس، وقد توزعوا في دلالته.\nفمن الناس من يقول هذا إنما يتناول من سلم عليه عند قبره كما كانوا يدخلون الحجرة في زمن عائشة ﵂ فيسلمون على النبي ﷺ فكان يرد عليهم فأولئك سلموا عليه عند قبره وكان يرد عليهم (^١).\n_________\n(^١) هذا على قول من خص الحديث على السلام القريب وقالوا إنما هو فيمن سلم عليه من قريب والقريب أن يكون في بيته، فإن لم يحد بذلك لم يبق له حد محدود من جهة الشرع. الرد على الأخنائي (ص ١٧٠)","vol":"1","page":478},{"text":"وهذا السلام عليه عند قبره كان مشروعا لما كان ممكنا بدخول من يدخل على عائشة ﵂.\nوقالوا: فأما من كان في المسجد فهؤلاء لم يسلموا عليه عند قبره بل سلامهم عليه كالسلام عليه إذا دخل المسلم المسجد وخرج منه.\nوالذين استدلوا بهذا الحديث على اختصاص تلك البقعة بالسلام جعلوه متناولًا لمن سلم عليه من داخل الحجرة أو من خارجها.\nوقد اعترض على من احتج بهذا الحديث \"ما من أحد يسلم علي الا رد الله علي روحي حتى أرد عليه¬ السلام\" على استحباب السلام للقادم عند الحجرة.\nفقيل: إن هذا الحديث لو دل على استحباب السلام عليه من المسجد لما اتفق الصحابة على ترك ذلك، ولم يفرق في ذلك بين القادم من السفر وغيره؟\nفقد اتفق الصحابة ابن عمر وغيره على أنه لا يستحب لأهل المدينة الوقوف عند القبر للسلام إذا دخلوا وخرجوا بل يكره ذلك، فلما اتفقوا على ترك ذلك مع تيسره علم أنه غير مستحب بل لو كان جائزا لفعله بعضهم وبهذا يتبين ضعف حجة من احتج بالحديث على استحباب السلام عليه من المسجد.\nولهذا كان أكثر السلف لا يفرقون بين الغرباء وأهل المدينة ولا بين حال السفر وغيره فإن استحباب هذا لهؤلاء وكراهته لهؤلاء حكم شرعي يفتقر إلى دليل شرعي ولا يمكن لأحد أن ينقل عن النبي ﷺ أنه شرع لأهل المدينة الإتيان عند الوداع للقبر وشرع لهم ولغيرهم ذلك عند القدوم من سفر، وشرع للغرباء تكرر ذلك كلما دخلوا المسجد وخرجوا منه، ولم يشرع","vol":"1","page":479},{"text":"ذلك لأهل المدينة، فمثل هذه الشريعة ليس منقولا عن النبي ﷺ ولا عن خلفائه ولا هو معروف من عمل الصحابة وإنما نقل عن ابن عمر السلام عند القدوم من السفر، وليس هذا من عمل الخلفاء وأكابر الصحابة، كما كان ابن عمر يتحرى الصلاة والنزول والمرور حيث حل ونزل وعبر النبي ﷺ في السفر، وجمهور الصحابة لم يكونوا يصنعون ذلك بل أبوه عمر كان ينهي عن مثل ذلك فعن المعرور بن سويد عن عمر قال: خرجنا معه في حجة حجها فقرأ بنا في صلاة الفجر ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل، ولإيلاف قريش في الثانية، فلما رجع من حجه رأى الناس ابتدروا المسجد فقال: \"ما هذا؟ فقالوا مسجد صلى فيه رسول الله ﷺ فقال: وهذا ملة أهل الكتاب قبلكم اتخذوا آثار أنبيائهم بيعا، من عرضت له منكم فيه الصلاة فليصل ومن لم تعرض له فليمض\" (^١) (^٢). ومن استدل بهذا الحديث من العلماء ذكر أنه يرد على القريب وخصوا الجواز للمسافر القادم أو المقيم المسافر.\nوليس في الحديث ما يدل على التخصيص، ذلك أنه يمتنع أن يقال إنه يرد على هؤلاء ولا يرد على أحد من أهل المدينة المقيمين فيها، فيمتنع أن يكون المعنى من سلم منكم يا أهل المدينة لم أرد عليه ما دمتم مقيمين بها فإن\n_________\n(^١) عزاه شيخ الإسلام إلى سنن سعيد بن منصور. انظر: الرد على الأخنائي (ص ١٦٩، ١٧٠).\n(^٢) الرد على الأخنائي (ص ١٦٩، ١٧٠) بتصرف.","vol":"1","page":480},{"text":"المقام بها هو غالب أوقاتهم، وليس في الحديث تخصيص، ولا روي عن النبي ﷺ ما يدل على ذلك.\nيبين هذا: أن الحجرة لما كانت مفتوحة وكانوا يدخلون على عائشة لبعض الأمور ويسلمون عليه إنما كان يرد عليهم إذا سلموا.\nفإن قيل: إنه لم يكن يرد عليهم فهذا تعطل للحديث.\nوإن قيل: كان يرد عليهم من هناك، ولا يرد إذا سلموا من خارج فقد ظهر الفرق.\nوإن قيل: بل هو يرد على الجميع فحينئذ إن كان رده لا يقتضي استحباب هذا السلام بطل الاستدلال به.\nوإن كان رده يقتضي الاستحباب وهو من سلم من خارج، لزم أن يستحب لأهل المدينة السلام كلما دخلوا المسجد وخرجوا وهو خلاف ما أجمع عليه الصحابة والتابعون لهم بإحسان وخلاف قول المفرقين (^١) -أي بين أهل المدينة والغرباء-الذين استدلوا بهذا الحديث.\nهذا ولم يعتمد الأئمة لا الأربعة ولا غير الأربعة على شيء من الأحاديث التي يرويها البعض في زيارة قبره ﷺ كحديث \"من زارني في مماتي فكأنما زارني في حياتي\".\nوحديث: \"من زارني وزار أبي في عام واحد ضمنت له على الله الجنة\" ونحو\n_________\n(^١) الرد على الأخنائي (ص ١٧٦، ١٧٧).","vol":"1","page":481},{"text":"ذلك فإن هذه الأحاديث وأمثالها لم روها أحد من أئمة الإسلام ولم يعتمدوا عليها، ولم يروها لا أهل الصحاح ولا أهل السنن التي يعتمد عليها كأبي داود والنسائي لأنها ضعيفة بل موضوعة كما قد بين العلماء الكلام عليها\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-139>المسألة الرابعة: تخصيص السلام أو الصلاة على النبي ﷺ بالمكان القريب من الحجرة.</span>\nأما تخصيص السلام أو الصلاة على النبي ﷺ بالمكان القريب من الحجرة فهذا محل النزاع.\nوللعلماء في ذلك ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: منهم من ذكر استحباب السلام أو الصلاة والسلام عليه إذا دخل المسجد، ثم بعد أن يصلي في المسجد استحب أيضًا أن يأتي إلى الحجرة ويصلي ويسلم كما ذكر ذلك طائفة من أصحاب مالك والشافعي وأحمد.\nالقول الثاني: ومنهم من لم يذكر إلا النوع الثاني فقط أي أنه يأتي إلى الحجرة ويصلي ويسلم.\nالقول الثالث: ومنهم من لم يذكروا إلا النوع الأول فقط أي السلام أو الصلاة والسلام عليه عند دخول المسجد، وفي التشهد في الصلاة وهذا ما ذكره كثير من السلف. (^٢)\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢٧/ ٣٨٥، ٦٣٨) بتصرف\n(^٢) الرد على الأخنائي (ص ١٤٢).","vol":"1","page":482},{"text":"فهذا النوع الأول-أي السلام عند دخول المسجد-هو المشروع لأهل البلد وللغرباء في هذا المسجد وغير هذا المسجد.\nوأما النوع الثاني-أي السلام عليه عند الحجرة-فهو الذي فرق من استحبه بين أهل البلد والغرباء سواء فعله مع الأول أو مجردا عنه فاستحبوه للغرباء دون أهل البلد، محتجين على ذلك بفعل ابن عمر ﵄.\nوفي هذا الاستحباب نظر \"لأن الأمر إذا فعله من الصحابة الواحد والاثنان والثلاثة وأكثر، دون غيرهم كان غايته أن يثبت به التسويغ بحيث يكون هذا مانعا من دعوى الإجماع على خلافه، بل يكون كسائر المسائل التي يساغ فيها الاجتهاد، أما أن يجعل من سنة الرسول وشريعته وحكمه ما لم تدل عليه سنته لكون بعض السلف فعل ذلك فهذا لا يجوز (^١).\nفالأولى في هذه المسألة أن يقال: إن فعل ابن عمر إنما يدل على التسويغ بحيث يكون فعل من فعل ذلك اقتداء بفعل بعض الصحابة لم يبتدع شيئا من عنده.\nأما أن يقال إن فعل هذا عبادة وطاعة يشرع فعلها احتجاجا بفعل بعض الصحابة-ولا سيما إذا عرف أن جمهور الصحابة لم يكونوا يفعلون ذلك-فلا يكفي الاحتجاج بفعل بعض الصحابة على استحبابه بل الأمر يحتاج إلى دليل شرعي.\n_________\n(^١) الرد على الأخنائي (ص ١٧٧ - ١٧٨).","vol":"1","page":483},{"text":"قال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وأما أن يقال إن الرسول ندب إلى ذلك ورغب فيه وجعله عبادة وطاعة يشرع فعلها، فهذا يحتاج إلى دليل شرعي ولا يكفي في ذلك فعل بعض السلف.\nولا يجوز أن يقال إن الله ورسوله يحب ذلك أو يكرهه، وإنه سن ذلك وشرعه، أو نهي عن ذلك وكرهه، ونحو ذلك إلا بدليل يدل على ذلك لا سيما إذا عرف أن جمهور أصحابه لم يكونوا يفعلون ذلك.\nفيقال: لو كان ندبهم إلى ذلك وأحبه لهم لفعلوه فإنهم كانوا أحرص الناس على الخير، ونظائر هذا متعددة والله أعلم\" (^١).\nوفي الوقت ذاته لا يقال: انعقد إجماعهم (^٢) على تركه فيبدع من فعله مع أنه قد ثبت فعله من بعض الصحابة كما ثبت من فعل ابن عمر ﵄.\nهذا فيما يتعلق بالسلام عليه عند حجرته للقادم من السفر.\nأما الشخص المقيم فلم يستحب أحد من علماء السلف أن يأتي أحد إلى الحجرة للسلام أو الصلاة، بل هو منهي عنه لأن في تخصيص الحجرة للصلاة والسلام بهذه الصورة جعلا لها عيدا، وكذلك فإن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان لم يكونوا يفعلون ذلك. وقد تقدم نقل كلام الإمام مالك في هذه المسألة بعينها وكيف أنه كره ذلك لأن السلف لم يكونوا يفعلون ذلك وقال ﵀: \"لن يصلح آخر هذه\n_________\n(^١) الرد على الأخنائي (ص ١٧٩).\n(^٢) قال شيخ الإسلام ابن تيمية وإذا فعله من الصحابة الواحد والاثنان والثلاثة وأكثر دون غيرهم كان غايته أن يثبت به التسويغ بحيث يكون مانعًا من دعوى الإجماع.","vol":"1","page":484},{"text":"الأمة إلا بما صلح أولها\". (^١)\nفوقوف أهل المدينة بالقبر من البدع التي لم يفعلها الصحابة، وهذه الزيارة منهي عنها لقوله ﷺ: \"لا تتخذوا قبري عيدا وصلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني\" وروي مثل ذلك في السلام عليه، فعلم أنه يكره تخصيص تلك البقعة بالصلاة والسلام بل يصلى ويسلم في جميع المواضع وذلك واصل إليه فمثل هذه الزيارة بدعة منهي عنها.\n\n<span data-type='title' id=toc-140>المسألة الخامسة:\nوالذين أجازوا السلام عليه عند الحجرة للغرباء اختلفوا كيف يسلم عليه هل تستقبل الحجرة أم القبلة؟</span> على قولين:\nالقول الأول: فالأكثرون يقولون يستقبل الحجرة كمالك والشافعي وأحمد.\nالقول الثاني: وأبو حنيفة يقول يستقبل القبلة ويجعل الحجرة عن يساره في قول وخلفه في قول.\nلأن الحجرة النبوية لما كانت خارجة عن المسجد لم يكن يمكن أحدا أن يستقبل وجهه ﷺ، ويستدبر القبلة، كما صار ذلك ممكنا بعد دخولها في المسجد، بل كان إن استقبل القبلة صارت عن يساره، وحينئذ فإن كانوا يستقبلونه ويستدبرون الغرب فقول الأكثرين أرجح وإن كانوا يستقبلون القبلة حينئذ ويجعلون الحجرة عن يسارهم فقول أبي حنيفة أرجح\" (^٢).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢٧/ ٣٨٦).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٢٧/ ٣٣٠).","vol":"1","page":485},{"text":"<span data-type='title' id=toc-141>المسألة السادسة:\nوالسلف كلهم متفقون على أن الزائر لا يسأله شيئا ولا يطلب منه ما يطلب في حياته ويطلب منه يوم القيامة </span>لا شفاعة ولا استغفار ولا غير ذلك.\nوإنما كان نزاعهم في الوقوف للدعاء له والسلام عليه (^١).\nفقد تكلم السلف في الدعاء للرسول ﷺ عند قبره\n١ - فمنهم من نهي عن الوقوف للدعاء له دون السلام عليه.\n٢ - ومنهم من رخص في الدعاء له والسلام عليه.\n٣ - ومنهم من نهي عن الدعاء له والسلام عليه (^٢) (أي عند قبره).\n\n<span data-type='title' id=toc-142>المسألة السابعة:\nولا يجوز السجود للحجرة ولا الطواف بها بل هو كفر بإجماع المسلمين </span>(^٣)\nبل ولا الصلاة إليها لما ثبت في صحيح مسلم من أبي مرثد الغنوي أنه قال ﷺ: \"لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها\" (^٤).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"والصلاة إلى الحجرة والتمسح بها وإلصاق\n_________\n(^١) الرد على الأخنائي (ص ١٦٦).\n(^٢) الرد على الأخنائي (ص ١٦٣).\n(^٣) الرد على الأخنائي (ص ١٧٧، ٢١٥).\n(^٤) تقدم تخريجه ص ٥٨٩.","vol":"1","page":486},{"text":"البطن بها وغير ذلك مما يفعله الجهال منهي عنه باتفاق المسلمين\" (^١).\nقال أبو بكر الأثرم (^٢) قلت لأبي عبد الله-يعني أحمد بن حنبل-: قبر النبي ﷺ يلمس ويتمسح به؟ فقال: ما أعرف هذا. قلت لأبي عبد الله: إنهم يلصقون بطونهم بجدار القبر. وقلت له: ورأيت أهل العلم من أهل المدينة لا يمسونه، ويقيمون ناحية فيسلمون. فقال أبو عبد الله: نعم، وهكذا كان ابن عمر يفعل. ثم قال أبو عبد الله: بأبي وأمي ﷺ\" (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-143>المسألة الثامنة:\nأبو بكر وعمر ﵄ دُفنا في حجرة عائشة-﵂</span>-فبالتالي رأى من رأى من العلماء أن مَنْ جاءَ يسلِّم على النبي ﷺ عند حجرته فإنه يأتي ويسلِّم عليهما، والمسألة فيها قولان:\nالقول الأول:\nفقد رأى من رأى من العلماء هذا جائزا اقتداء بمن فعل ذلك من الصحابة رضوان الله عليهم وابن عمر كان يسلم ثم ينصرف، ولا يقف، يقول: السلام عليك\n_________\n(^١) الرد على الأخنائي (ص ٢٢٩).\n(^٢) أحمد بن محمد بن هانئ الطائي ويقال الكلبي، أبو بكر الأثرم ثقة حافظ، صاحب تصانيف، روى عن أحمد بن حنبل وتفقه عليه، وسأله عن المسائل والعلل، توفي سنة ٢٦١ هـ، وقيل بعدها. تهذيب التهذيب (١/ ٧٨ - ٧٩).\n(^٣) الرد على الأخنائي (ص ١٧٨).","vol":"1","page":487},{"text":"يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبت ثم ينصرف (^١). وكان يفعل ذلك إذا قدم من سفر أو أراده.\nفعن عبد الله بن دينار (^٢) قال رأوا ابن عمر إذا قدم من سفر دخل المسجد فقال: السلام عليك يا رسول الله، السلام على أبي بكر، السلام على أبي، ويصلى ركعتين (^٣).\nوفي رواية عنه أنه قال: \"رأيت عبد الله بن عمر يقف على قبر النبي ﷺ ويصلي على النبي ﷺ وأبي بكر وعمر ﵄\" (^٤).\nوفي المصنف لابن أبي شيبة بسنده عن نافع عن ابن عمر أنه كان إذا أراد أن يخرج دخل المسجد فصلى ثم أتى قبر النبي ﷺ فقال: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبتاه ثم يأخذ وجهه، وكان إذا قدم من سفر يفعل ذلك قبل أن يدخل منزله (^٥).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢٧/ ٤٠٠).\n(^٢) عبد الله بن دينار العدوي مولاهم أبو عبد الرحمن المدني، مولى ابن عمر، ثقة من الرابعة، مات سنة سبع وعشرين ومائة. تهذيب التهذيب (٥/ ٢٠١ - ٢٠٣).\n(^٣) أخرجه إسماعيل القاضي (ص ٤١) ح ٩٩ وقال الألباني: إسناده موقوف صحيح.\n(^٤) أخرجه إسماعيل القاضي (ص ٤١) ح ٩٨ وقال الألباني: إسناده موقوف صحيح وهو في الموطأ ح ٣٩٧ برواية يحيى بن يحيى الليثي بهذا اللفظ، ومن طريقه رواه البيهقي (٥/ ٢٤٥).\n(^٥) المصنف (٣/ ٣٤١).","vol":"1","page":488},{"text":"وفي المصنف لعبد الرزاق (^١) عن معمر (^٢) عن أيوب (^٣) عن نافع (^٤) قال: كان ابن عمر إذا قدم من سفر أتى قبر النبي ﷺ فقال السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبتاه.\nالقول الثاني:\nهناك من السلف من يقول: أنه لم يثبت عن النبي ﷺ نص ثابت صحيح في هذه المسألة، يأمر فيه الأمة بالإتيان إلى قبره للسلام عليه، كما ورد ذلك في شأن السلام عليه في التشهد وعند دخول المساجد والخروج منها، وكذلك فإن الذي كان عليه فعل جمهور الصحابة من بعده ﷺ هو عدم الإتيان للقبر للسلام، ولا تخصيصه بأي عمل من الأعمال.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وجمهور الصحابة كانوا يدخلون المسجد ويصلون فيه على النبي ﷺ، ولا يسلمون عليه عند الخروج من المدينة\n_________\n(^١) عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميري، مولاهم، أبو بكر الصنعاني ثقة، حافظ، مصنف شهير مات سنة إحدى عشر ومائتين. تهذيب التهذيب (٦/ ٣١٠ - ٣١٥).\n(^٢) معمر بن راشد الأزدي الحداني مولاهم، البصري، نزيل اليمن ثقة، ثبت فاضل، أخرج له الجماعة، مات سنة أربع وخمسين ومائة. تهذيب التهذيب (١/ ٢٤٣ - ٢٤٦).\n(^٣) هو: أبو بكر أيوب بن أبي تميمة السختياني بفتح السين-نسبة إلى عمل السختيان وبيعه-وهي الجلود الضأنية-قال ابن سعد: \"كان أيوب ثقة ثبتًا في الحديث جامعًا عدلًا ورعًا كثير العلم حجة\"، توفي سنة ١٣١ هـ. انظر: الطبقات (٧/ ٢٤٦)، واللباب (٢/ ١٠٨).\n(^٤) هو نافع مولى ابن عمر وقد تقدم ترجمته.","vol":"1","page":489},{"text":"وعند القدوم من السفر، بل يدخلون المسجد فيصلون فيه ويسلمون على النبي ﷺ ولا يأتون القبر، ومقصود بعضهم التحية\" (^١)\nوعلى هذا سار كثير من السلف من بعدهم. روى ابن أبي شيبة (^٢) في المصنف (^٣) عن خالد بن الحارث (^٤) قال سئل هشام (^٥) أكان عروة (^٦) يأتي قبر النبي ﷺ فيسلم عليه؟ قال: لا.\nوعن نوح بن يزيد قال: أخبرنا أبو إسحاق يعني إبراهيم بن سعد قال: ما رأيت أبي قط يأتي قبر النبي ﷺ، وكان يكره إتيانه\" (^٧).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢٧/ ٤١٤).\n(^٢) عبد الله بن محمد بن ابراهيم بن أبي شيبة، أبو بكر، الكوفي، ثقة حافظ صاحب تصانيف، ومن أشهر كتبه المصنفة، توفى سنة ٢٣٥ هـ. تهذيب التهذيب (٦/ ٢ - ٤).\n(^٣) (٣/ ٣٤١).\n(^٤) خالد بن الحارث بن عبيد الهجيمي، أبو عثمان البصري، ثقة ثبت، من الثامنة، مات سنة ست وثمانين ومائة. تهذيب التهذيب (٣/ ٨٣ - ٨٤).\n(^٥) هشام بن عروة بن الزبير بن العوام الأسدي، ثقة، فقيه ربما دلس من الخامسة، مات سنة خمس أو ست وأربعين ومائة. تهذيب التهذيب (١١/ ٤٨ - ٥١)\n(^٦) هو عروة بن الزبير وقد تقدم ترجمته ص ٥٢٨.\n(^٧) الرد على الأخنائي (ص ٢٦٨). وقال شيخ الإسلام بعد إيراده لهذا الأثر وعزوه إلى أبي الحسن علي بن عمر القزويني في أماليه ما نصه: \"ونوح بن يزيد بن سيار المؤدب هذا الراوي عن ابراهيم ابن سعد هو ثقة معروف بصحبة ابراهيم وله اختصاص به روى عنه أحمد بن حنبل وأبو داود وغيرهما قال أبو بكر الأثرم: ذكر لي أبو عبد الله نوح بن يزيد المؤدب فقال هذا شيخ كبير أخرج =","vol":"1","page":490},{"text":"قال معمر: فذكرت ذلك-أي فعل ابن عمر-لعبيد الله بن عمر (^١) فقال: \"لا نعلم أحدا من أصحاب النبي ﷺ فعل ذلك (^٢).\n_________\n= أبي كتاب إبراهيم بن سعد فرأيت فيه ألفاظا وقال محمد بن المثنى: سألت أحمد بن حنبل عنه فقال: اكتب عنه فإنه ثقة حج مع إبراهيم بن سعد وكان يؤدب ولده. وذكره ابن حبان في الثقات. وأما إبراهيم بن سعد فهو من أكابر علماء المدينة وأكثرهم علما وأوثقهم وكان قد خرج الى بغداد روى عنه الناس: أحمد بن حنبل وطبقته، ومن سعة علمه روى عنه الليث بن سعد وهو أقدم وأجل منه. وأما أبوه سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري الذي ذكر عنه ابنه إبراهيم أنه قال: ما رأيت أبي قط أتى قبر النبي ﷺ وكان يكره إتيانه وهو من أفضل أهل المدينة في زمن التابعين ومن أصلحهم وأعبدهم، وكان قاضي المدينة في زمن التابعين في زمن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق وأمثاله … توفي سنة ست وعشرين ومائة … وقد أدرك بالمدينة جابر بن عبد الله وسهل بن سعد الساعدي وغيرهما من الصحابة، ورأى كبار التابعين مثل سعيد بن المسيب وسائر الفقهاء السبعة، ومعلوم أنه لم يكن ليخالفهم فيما اتفقوا عليه، بل قد يخالف ابن عمر، فإن ما نقله عنه ابنه يقتضي أنه كان ﷺ يأتيه لا عند السفر ولا غيره بل يكره إتيانه مطلقا كما كان جمهور الصحابة على ذلك لما فهموا من نهيه ﷺ عن ذلك وأنه أمر بالصلاة والسلام عليه في كل زمان ومكان … مع أن سعد بن إبراهيم هذا في دينه وعبادته وصيامه وتلاوته للقرآن بحيث كان يختم باليوم والليلة كثيرا.\nوأبو الحسن علي بن عمر القزويني وغيره من أهل العلم والذين ذكروا هذه الآثار عن الصحابة والتابعين وتابعيهم ليبينوا للناس كيف كان السلف يفعلون في مثل ذلك\". الرد على الأخنائي (ص ٢٦٨، ٢٧٠).\n(^١) عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، أبو عثمان القرشي العدوي ثم العمري المدني، إمام، مجود، حافظ، ثقة ثبت، من صغار التابعين، مات سنة بضع وأربعين ومائة. سير أعلام النبلاء (٦/ ٣٠٤ - ٣٠٧).\n(^٢) المصنف لعبد الرزاق (٣/ ٥٧٦) ح ٦٧٢٤ =","vol":"1","page":491},{"text":"وقول المصنف: \"معه أبو بكر وعمر\".\nأي دفنا معه ﷺ، وأما عن قصة دفنهما معه فقد رغب أبو بكر وعمر ﵄ أن يُدفنا قرب النبي ﷺ، فلبّت عائشة ﵂ ذلك، وباركته، وسارعت بالاستجابة له، وآثرت به على نفسها.\nفقد أخرج الطبري بسنده عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَ عُرْوَةَ وَالْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ يَقُولانِ: أَوْصَى أَبُو بَكْرٍ عَائِشَةَ أَنْ يُدْفَنَ إِلَى جَنْبِ النَّبِيِّ ﷺ،\n_________\n= قال الشيخ ربيع بن هادي المدخلي بعد أن أورد هذا الأثر في تعليقه على كتاب شيخ الإسلام ابن تيمية قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ص ١٢٨ - ١٢٩) أقول: يستفاد من قول عبيد الله ابن عمر الإمام المدني، الثقة الثبت. أن الصحابة الكرام وفيهم الخلفاء الراشدون ما كانوا يأتون قبر النبي ﷺ إلا ما كان من عبد الله بن عمر ﵄ إذا قدم من سفر. مع حبهم الشديد لرسول الله وإكرامهم إياه وطاعتهم وانقياد\" فهلا آن للأمة الإسلامية أن تتوب إلى رشدها، فتتبع هؤلاء العظماء والفقهاء النبلاء، وإننا على ثقة أنهم ما وقفوا جميعا هذا الموقف إلا على أساس متين، وصراط مستقيم من العلم النبوي الصحيح، وعلى إدراك واع لمقاصد الشريعة وأهدافها.\nإنه ما كان ذلك منهم مع حبهم الشديد الصادق لرسول الله ﷺ تنفيذا لتوجيهاته الكريمة مثل قوله: \"لا تتخذوا قبري عيدا\" ومثل قوله: \"اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد\" ومثل قوله ﷺ: \"لعنة الله على ليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد\". تنفيذا لهذه التوجيهات العظيمة الهادفة إلى حماية التوحيد وصيانة العقيدة الاسلامية من شوائب الغلو، الضلال الذي وقع فيه أهل الكتاب كان ذلك الموقف الواعي الرشيد من الصحابة الكرام وعلى رأسهم الخلفاء الراشدون والفقهاء المبرزون مثل زيد ين ثابت وابن مسعود وابن عباس وأبي بن كعب وغيرهم من علماء الصحابة وعظمائها وساداتها … \".","vol":"1","page":492},{"text":"فَلَمَّا تُوُفِّيَ حُفِرَ لَهُ، وَجُعِلَ رَأْسُهُ عِنْدَ كَتِفَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ \" (^١).\nوأما عمر بن الخطاب ﵁ فقد التمس ذلك من عائشة، واهتم لذلك خشية أن لا تأذن.\nوعن عمر بن الخطاب أنه أمر ابنه عبد الله وهو في فراش موته بعدما طُعِن: (انْطَلِقْ إِلَى عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ فَقُلْ: يَقْرَأُ عَلَيْكِ عُمَرُ السَّلَامَ، وَلَا تَقُلْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ؛ فَإِنِّي لَسْتُ الْيَوْمَ لِلْمُؤْمِنِينَ أَمِيرًا، وَقُلْ يَسْتَأْذِنُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَنْ يُدْفَنَ مَعَ صَاحِبَيْهِ، فَسَلَّمَ وَاسْتَأْذَنَ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهَا فَوَجَدَهَا قَاعِدَةً تَبْكِي، فَقَالَ: يَقْرَأُ عَلَيْكِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ السَّلَامَ، وَيَسْتَأْذِنُ أَنْ يُدْفَنَ مَعَ صَاحِبَيْهِ، فَقَالَتْ: كُنْتُ أُرِيدُهُ لِنَفْسِي، وَلَأُوثِرَنَّ بِهِ الْيَوْمَ عَلَى نَفْسِي.\nفَلَمَّا أَقْبَلَ قِيلَ: هَذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ قَدْ جَاءَ! قَالَ ارْفَعُونِي، فَأَسْنَدَهُ رَجُلٌ إِلَيْهِ، فَقَالَ: مَا لَدَيْكَ؟ قَالَ: الَّذِي تُحِبُّ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! أَذِنَتْ.\nقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، مَا كَانَ مِنْ شَيْءٍ أَهَمُّ إِلَيَّ مِنْ ذَلِكَ) (^٢).\nوالرغبة في الدفن قرب الصالحين أمر شائع، معروف لدى أهل الصلاح، رغب فيه الكثير من السلف والخلف.\nفكيف بمجاورة سيد المرسلين وخير البرية أجمعين، صلى الله عليه وعلى آله وسلم.\nقال ابن بطال: \"وإنما استأذنها عمر في ذلك ورغب إليها فيه، لأن الموضع كان بيتها، وكان لها فيه حق، وكان لها أن تؤثر به نفسها لذلك، فآثرت به عمر.\n_________\n(^١) الطبري: (٣/ ٤٢٢).\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٧٠٠).","vol":"1","page":493},{"text":"قال المصنف-﵀:\n\"و<span data-type='title' id=toc-144>قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن\".</span>\n<hr><s0>\n\n\nوالدليل على ذلك ما ورد من قول رسول الله ﷺ: «قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن» (^١)\nوعن عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله ﷺ: \"قلبُ ابنِ آدَمَ بين إصبعَينِ مِنْ أصابعِ الجبَّارِ ﷿، إذا شاءَ أنْ يُقلِّبَه قلَّبَه، فكان يُكثِرُ أنْ يقولَ: يا مُصرِّفَ القلوبِ\" (^٢).\nوعن أنس بن مالك ﵁ قال: \"كانَ رسولُ اللَّهِ ﷺ يُكْثِرُ أن يقولَ: «اللَّهمَّ ثبِّتْ قلبي على دينِكَ»، فقالَ رجلٌ: يا رسولَ اللَّهِ تخافُ علينا وقد آمنَّا بِكَ وصدَّقناكَ بما جئتَ بِهِ، فقالَ: «إنَّ القُلوبَ بينَ إصبعينِ من أصابعِ الرَّحمنِ ﷿ يقلِّبُها» (^٣).\nقال يونس بن عبد الأعلى المصري: سمعت أبا عبد الله محمد بن إدريس الشافعي يقول وقد سئل عن صفات الله وما ينبغي أن يؤمن به، فقال: \"لله ﵎\n_________\n(^١) انظر: صحيح مسلم كتاب القدر، بَابُ تَصْرِيفِ اللهِ تَعَالَى الْقُلُوبَ كَيْفَ شَاءَ، برقم (٢٦٥٤)، والإمام أحمد في المسند مسند المكثرين من الصحابة (٦٦١٠).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٦٥٤)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٧٧٣٩)، وأحمد (٦٦١٠) واللفظ له\n(^٣) أخرجه الترمذي (٢١٤٠)، وأحمد (١٣٦٩٦) بنحوه، وابن ماجه (٣٨٣٤) واللفظ له.","vol":"1","page":494},{"text":"أسماء وصفات جاء بها كتابه، وأخبر بها نبيه ﷺ أمته … وأنَّ له إصبعًا؛ بقول النبي ﷺ: «ما من قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن ﷿»، فإن هذه المعاني التي وصف الله بها نفسه ووصفه بها رسوله ﷺ مما لا يُدرك حقيقته بالفكر والرويَّة\" (^١)\nقال الإمام الطبري: \"وأن له أصابع، لقول النبي ﷺ: «ما من قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن …» (١٧).\nإلى أن قال: \"فإن كان الخبر الوارد بذلك خبرًا تقوم به الحجة مقام المشاهدة والسماع، وجبت الدينونة على سماعه بحقيقته في الشهادة عليه بأن ذلك جاء به الخبر، نحو شهادته على حقيقة ما عاين وسمع … \".\nإلى أن قال: \"فإن قال لنا قائل: فما الصواب في معاني هذه الصفات التي ذكرت، وجاء ببعضها كتاب الله ﷿ ووحيه، وجاء ببعضها رسول الله ﷺ؟ قيل: الصواب من هذا القول عندنا: أن نثبت حقائقها على ما نعرف من جهة الإثبات ونفي التشبيه، كما نفي عن نفسه جل ثناؤه فقال لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى: ١١] … \".\nإلى أن قال: \"فنثبت كل هذه المعاني التي ذكرنا أنها جاءت بها الأخبار والكتاب والتنزيل على ما يعقل من حقيقة الإثبات، وننفي عنه التشبيه\"\n_________\n(^١) طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى (١/ ٢٨٣ - ٢٨٤).","vol":"1","page":495},{"text":"جاءت النصوص ببيان أن هناك قبضة وأن هناك يمين، ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]، وجاء إثبات الأصابع وجاء إثبات الكف، كل هذا في النصوص واضح على أنها يدٌ حقيقية، فهذه التأويلات كلها يعني تأويلات قبيحة وواضحة البطلان، لكن من كان لا بصيرة له ولا علم له ستروج عليه هذه الأقوال\" (^١).\nوقال الإمام أبو الحسن الأشعري: \"وندين الله-﷿-بأنه يقلب القلوب بين أصبعين من أصابعه، وأنه سبحانه يضع السماوات على أصبع، والأرضين على أصبع، كما جاءت الرواية عن رسول الله ﷺ من غير تكييف\" (^٢).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وأما قوله: (قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن)، فإنه ليس في ظاهره أن القلب متصل بالأصابع، ولا مماس لها، ولا أنها في جوفه. ولا في قول القائل: هذا بين يدَيّ. ما يقتضي مباشرته ليديه. وإذا قيل: ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ لم يقتض أن يكون مماسًا للسماء والأرض. ونظائر هذا كثيرة\" (^٣).\n\nوأما<span data-type='title' id=toc-145> شبهة تأويل الأصابع بالقدرة:</span> فقد زعم الجهمية وبعض الأشاعرة أن المراد بالأصابع هنا: القدرة (^٤).\n_________\n(^١) «التبصير في الدين» (١٣٤ - ١٤٢).\n(^٢) الإبانة عن أصول الديانة (ص: ٢٦ - ٢٧).\n(^٣) الرسالة التدمرية (ص: ٧٣). وينظر: بيان تلبيس الجهمية (٦/ ٢٤٤ - ٢٤٨)، ففيه مزيد بيان.\n(^٤) ينظر: نقض الإمام عثمان الدارمي على بشر المريسي (١/ ٣٦٩)، وقواعد الاعتقاد للغزالي (ص: ١٦٧)، وإيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل لابن جماعة (ص: ٩٩).","vol":"1","page":496},{"text":"الجواب عن هذه الشبهة:\nيردُّ على هذه الشبهة من وجهين (^١):\nالأول: أن هذا التأويل خارج عن جميع اللغات فضلًا عن لغة العرب الذي نزل بها الكتاب العزيز، فلا يُعرف في اللغة العربية تأويل الإصبع بالقدرة.\nالثاني: إنما هي قدرة واحِدة قد كفَتِ الأشياءَ كلَّها وملأتها واستنطقتها، فكيف صارت للقلوب من بين الأشياء قدرتان؟! ومما يبطلُ هذا التأويلَ: أن الإصبع في الحديث مثنَّاة» إصبعين من أصابع الرحمن. «\nوأما حكايةُ التأويل لهذا الحديث عن الإمام أحمد: فقد حكى أبو حامد الغزاليُّ أنه سمع بعضَ الحنابلة يقول: إن الإمامَ أحمدَ حسَم باب التأويل إلا لثلاثة ألفاظ؛ ومنها قوله ﷺ: «قلب المؤمِن بين إصبعين من أصابع الرحمن» (^٢)\nفالجواب عن هذه الحكاية: أن هذه الحكاية لا تصحُّ، ولم تنقل بإسنادٍ صحيح عن الإمام أحمد؛ وقد ردَّها شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله: \"فهذه الحكايةُ كذبٌ على أحمد، لم ينقُلها أحد عنه بإسناد؛ ولا يعرف أحدٌ من أصحابه نقلَ ذلك عنه، وهذا الحنبليُّ الذي ذكر عنه أبو حامد مجهولٌ لا يعرف، لا علمُه بما قال، ولا صِدقُه فيما قال\" (^٣).\n_________\n(^١) نقض الإمام عثمان الدارمي على بشر المريسي (١/ ٣٦٩ - ٣٧٠).\n(^٢) قواعد العقائد (ص: ١٣٥ (.\n(^٣) مجموع الفتاوى (٥/ ٣٩٨).","vol":"1","page":497},{"text":"قال المصنف-﵀:\n\nو<span data-type='title' id=toc-146>الدجال خارج في هذه الأمة لا محالة </span>وينزل عيسى بن مريم [إلى الأرض] (^١) فيقتله بباب لد (^٢) \".\n<hr><s0>\n\n\n<span data-type='title' id=toc-147>معنى المسيح </span>(^٣):\nذكر العلماء ما يزيد عن خمسين قولًا في معنى\" المسيح \" (^٤). وقالوا إن هذا اللفظ يطلق على الصدّيق وعلى الضلّيل الكذاب، فالمسيح عيسى ابن مريم الصدّيق، مسيح الهدى، يبرئ الأكمه والأبرص، ويحي الموتى بإذن الله.\nوالمسيح الدجال هو الضلّيل الكذاب، مسيح الضلالة يفتن الناس بما يعطاه من الآيات كإنزال المطر وإحياء الأرض بالنبات وغيرهما من الخوارق.\n_________\n(^١) ما بين معكوفتين مأخوذ من كتاب مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص: (٢٢٨) وفي مختصر الحجة (٢/ ٣٧٣) (من السماء).\n(^٢) لد فرية قرب بيت المقدس من نواحي فلسطين \"معجم البلدان\" (٥/ ١٥).\n(^٣) المصدر: أشراط الساعة ليوسف الوابل ص ٢٧٥\n(^٤) ذكر أبو عبد الله القرطبي ثلاثة وعشرين قولًا في اشتقاق هذا اللفظ انظر: التذكرة (ص ٦٧٩)، وأوصلها صاحب القاموس، إلى خمسين قولًا انظر: «ترتيب القاموس» (٤/ ٢٣٩)، وذكر صاحب القاموس، أنه أورد هذه الأقوال في كتابه «شرح مشارق الأنوار، وغيره.","vol":"1","page":498},{"text":"فخلق الله المسيحين أحدهما ضد الآخر.\nوقال العلماء في سبب تسمية الدجال بالمسيح: أن إحدى عينيه ممسوحة، وقيل: لأنه يمسح الأرض في أربعين يومًا.\nوالقول الأول هو الراجح، لما جاء في الحديث عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: \"الدَّجَّالُ مَمْسُوحُ الْعَيْنِ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافِرٌ .. \" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-148>معنى الدجال </span>(^٢):\nالدَّجل: هو الخلط والتلبيس، يقال دَجَلَ إذا لبّس ومَوَّهَ، والدجال: المُمَوِّه الكذاب، الذي يُكثِر من الكذب والتلبيس.\nولفظة\" الدجال\" أصبحت عَلَمًَا على المسيح الأعور الكذاب، وسمي الدجال دجالًا: لأنه يغطي على الناس كفره بكذبه وتمويهه وتلبيسه عليهم (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-149>صفة الدجال والأحاديث الواردة في ذلك </span>(^٤):\nالدجال رجل من بني آدم، له صفات كثيرة جاءت بها الأحاديث لتعريف الناس به، وتحذيرهم من شره، حتى إذا خرج عرفه المؤمنون فلا يفتنون به، بل\n_________\n(^١) رواه مسلم برقم ٥٢٢١.\n(^٢) المصدر: أشراط الساعة ليوسف الوابل ص ٢٧٥ - ٢٧٧.\n(^٣) لسان العرب، (١١/ ٢٣٦ - ٢٣٧)، و«ترتيب القاموس، (٢/ ١٥٢).\n(^٤) المصدر: أشراط الساعة ليوسف الوابل ص ٢٧٧ - ٢٨٣.","vol":"1","page":499},{"text":"يكونون على علم بصفاته التي أخبر بها الصادق ﷺ وهذه الصفات تميزه عن غيره من الناس، فلا يغتر به إلا الجاهل الذي سبقت عليه الشقوة. نسأل الله العافية.\nومن هذه الصفات: (^١)\nأنه رجل شاب أحمر، قصير، أفحج جعد الرأس، أجلى الجبهة، عريض النحر، ممسوح العين اليمنى، وهذه العين ليست بناتئة-منتفخة وبارزة-ولا جحراء-غائرة-كأنها عنبة طافئة.\nوعينه اليسرى عليها ظفرة-لحمة تنبت عند المآقي-غليظة. ومكتوب بين عينيه\" ك ف ر\" بالحروف المقطعة، أو\" كافر\" بدون تقطيع، يقرؤها كل مسلم، كاتب وغير كاتب.\nومن صفاته أنه عقيم لا يولد له.\nوهذه بعض الأحاديث الصحيحة التي جاء فيها ذكر صفاته السابقة وهي من الأدلة على ظهور الدجال:\n١ - عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: \" بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُنِي أَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ فَإِذَا رَجُلٌ آدَمُ سَبْطُ الشَّعَرِ بَيْنَ رَجُلَيْنِ يَنْطُفُ رَأْسُهُ مَاءً فَقُلْتُ مَنْ هَذَا قَالُوا ابْنُ مَرْيَمَ. فَذَهَبْتُ أَلْتَفِتُ فَإِذَا رَجُلٌ أَحْمَرُ جَسِيمٌ جَعْدُ الرَّأْسِ أَعْوَرُ الْعَيْنِ الْيُمْنَى كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ قُلْتُ مَنْ هَذَا قَالُوا هَذَا\n_________\n(^١) المصدر: أشراط الساعة ليوسف الوابل ص ٢٧٧.","vol":"1","page":500},{"text":"الدَّجَّالُ، أَقْرَبُ النَّاسِ بِهِ شَبَهًا ابْنُ قَطَنٍ\" (^١) وَابْنُ قَطَنٍ رَجُلٌ مِنْ بَنِي الْمُصْطَلِقِ مِنْ خُزَاعَةَ.\n٢ - وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ ذكر الدجال بين ظهراني الناس فقال: \" إِنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِأَعْوَرَ، أَلا إِنَّ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ أَعْوَرُ الْعَيْنِ الْيُمْنَى كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ. \" (^٢).\n٣ - وفي الحديث الطويل الذي رواه النواس بن سمعان ﵁ قال: \" ذكر رسول الله ﷺ الدجال ذات غَدَاةٍ فَخَفَّضَ فِيهِ وَرَفَّعَ حَتَّى ظَنَنَّاهُ فِي طَائِفَةِ النَّخْلِ. \" فقال في وصف الدجال: \"إِنَّهُ شَابٌّ قَطَطٌ-شديد جعودة الشعر-عَيْنُهُ طَافِئَةٌ كَأَنِّي أُشَبِّهُهُ بِعَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قَطَنٍ\" (^٣)\n٤ - وعن عبادة بن الصامت ﵁: قال رسول الله ﷺ: \" إِنِّي قَدْ حَدَّثْتُكُمْ عَنْ الدَّجَّالِ حَتَّى خَشِيتُ أَنْ لا تَعْقِلُوا، إِنَّ مَسِيحَ الدَّجَّالِ رَجُلٌ قَصِيرٌ أَفْحَجُ جَعْدٌ أَعْوَرُ مَطْمُوسُ الْعَيْنِ لَيْسَ بِنَاتِئَةٍ وَلا حَجْرَاءَ فَإِنْ أُلْبِسَ عَلَيْكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ\" (^٤)\n٥ - وفي حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"وَأَمَّا\n_________\n(^١) (صحيح البخاري)، كتاب الفتن، باب ذكر الدجال، (١٣/ ٩٠ - مع الفتح)، وصحيح مسلم كتاب الإيمان، باب ذكر المسيح ابن مريم ﵇ والمسيح الدجال، (٢/ ٢٣٧ - مع شرح النووي).\n(^٢) (صحيح البخاري)، كتاب الفتن، باب ذكر الدجال، (١٣/ ٩٠ - مع شرح الفتح)، و(صحيح مسلم) كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب ذكر الدجال، (١٨/ ٥٩ - مع شرح النووي).\n(^٣) (صحيح مسلم) كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب ذكر الدجال، (١٨/ ٦٥ - مع شرح النووي).\n(^٤) (سنن أبي داود) (١١/ ٤٤٣ - عون المعبود) والحديث صحيح، انظر: (صحيح ا لجامع الصغير) (٢/ ٣١٧ - ٣١٨) (ح ٢٤٥٥).","vol":"1","page":501},{"text":"مَسِيحُ الضَّلالَةِ فَإِنَّهُ أَعْوَرُ الْعَيْنِ أَجْلَى الْجَبْهَةِ عَرِيضُ النَّحْرِ فِيهِ دَفَأٌ-إنحناء-\". (^١)\n٦ - وفي حديث حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \" الدَّجَّالُ أَعْوَرُ الْعَيْنِ الْيُسْرَى، جُفَالُ الشَّعَرِ-كَثِيرُهُ-مَعَهُ جَنَّةٌ وَنَارٌ فَنَارُهُ جَنَّةٌ وَجَنَّتُهُ نَارٌ\" (^٢)\n٧ - وفي حديث أنس ﵁: قال النبي ﷺ: \" مَا بُعِثَ نَبِيٌّ إِلا أَنْذَرَ أُمَّتَهُ الأَعْوَرَ الْكَذَّابَ أَلا إِنَّهُ أَعْوَرُ وَإِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ وَإِنَّ بَيْنَ عَيْنَيْهِ مَكْتُوبٌ كَافِرٌ\" (^٣)، وفي رواية: \" وَمَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ ك ف ر\" (^٤)، وفي رواية عن حذيفة: \" يَقْرَؤُهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ كَاتِبٍ وَغَيْرِ كَاتِبٍ\" (^٥)\nوهذه الكتابة حقيقية على ظاهرها، ولا يشكل رؤية بعض الناس لهذه الكتابة دون بعض، وقراءة الأمي لها \" وذلك أن الإدراك في البصر يخلقه الله للعبد كيف شاء ومتى شاء، فهذا يراه المؤمن بعين بصره، وإن كان لا يعرف الكتابة، ولا يراه الكافر ولو كان يعرف الكتابة، كما يرى المؤمن الأدلة بعين\n_________\n(^١) (مسند الإمام أحمد) (١٥/ ٢٨ - ٣٠) تحقيق وشرح أحمد شاكر، وقال: (إسناده صحيح)، وحسنه ابن كثير، انظر النهاية/ الفتن والملاحم) (١/ ١٣٠)، تحقيق د. طه زيني.\n(^٢) (صحيح مسلم) كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب ذكر الدجال، (١٨/ ٦٠ - ٦١ مع شرح النووي).\n(^٣) (صحيح البخاري)، كتاب الفتن باب ذكر الدجال، (١٣/ ٩١ - مع الفتح) و(صحيح مسلم) كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب ذكر الدجال، (١٨/ ٥٩ - مع شرح النووي).\n(^٤) (صحيح مسلم) كتاب الفتن باب ذكر الدجال، (١٨/ ٥٩ - مع شرح النووي).\n(^٥) صحيح مسلم، (١٨/ ٦١ - مع شرح النووي).","vol":"1","page":502},{"text":"بصيرته ولا يراه الكافر فيخلق الله للمؤمن الإدراك دون تعلّم، لأن ذلك الزمن تنخرق فيه العادات\" (^١)\nومختصر الجواب عن الإشكال أنّ الله على كلّ شيء قدير فهو قادر على أن يري هذه الكتابة بعض الناس دون بعض وقادر على أن يجعل الأمّي يقرؤها.\nقال النووي: \"الصحيح الذي عليه المحققون أن هذه الكتابة على ظاهرها، وأنها كتابة حقيقية جعلها الله آية وعلامة من جملة العلامات القاطعة بكفره وكذبه وإبطاله يظهرها الله لكل مسلم كاتب وغير كاتب، ويخفيها عمن أراد شقاوته وفتنته، ولا امتناع في ذلك\" (^٢)\n٨ - ومن صفاته أيضًا ما جاء في حديث فاطمة بنت قيس ﵂ في قصة الجسّاسة، وفيه قال تميم الداري ﵁: \" فَانْطَلَقْنَا سِرَاعًا حَتَّى دَخَلْنَا الدَّيْرَ فَإِذَا فِيهِ أَعْظَمُ إِنْسَانٍ رَأَيْنَاهُ قَطُّ خَلْقًا وَأَشَدُّهُ وِثَاقًا\" (^٣)\n٩ - وفتنته عظيمة جدا لدرجة أنه ليس بين خلق آدم إلى قيام الساعة فتنة أكبر من فتنة المسيح الدجال كما جاء وفي حديث عمران بن حصين ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \" مَا بَيْنَ خَلْقِ آدَمَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ\n_________\n(^١) فتح الباري لابن حجر العسقلاني (١٣/ ١٠٠).\n(^٢) شرح النووي لصحيح مسلم (١٨/ ٦٠).\n(^٣) (صحيح مسلم)، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب قصة الجساسة، (١٨/ ٨١ - مع شرح النووي).","vol":"1","page":503},{"text":"خَلْقٌ أَكْبَرُ مِنْ الدَّجَّالِ\" (^١). وفي رواية أحمد عَنْ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ الأَنْصَارِيِّ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: \"مَا بَيْنَ خَلْقِ آدَمَ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ فِتْنَةٌ أَكْبَرُ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ\" (^٢).\n١٠ - وأمّا أن الدجال لا يُولَدُ له فلما جاء في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ في قصته مع ابن صياد، فقد قال لأبي سعيد: \"أَلَسْتَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّهُ لا يُولَدُ لَهُ؟ قَالَ قُلْتُ: بَلَى. \" (^٣).\nوالملاحظ في الروايات السابقة أن في بعضها وصف عينه اليمنى بالعور وفي بعضها وصف عينه اليسرى بالعور، وكل الروايات صحيحة، وقد جمع بعض أهل العلم بين هذه الروايات، فقال القاضي عياض: \"أن عيني الدجال كلتيهما معيبة، لأن الروايات كلها صحيحة، وتكون العين اليمنى هي العين المطموسة والممسوحة، العوراء الطافئة-بالهمز-التي ذهب نورها كما في حديث ابن عمر. وتكون العين اليسرى: التي عليها ظفرة غليظة وطافية-بلا همز-معيبة أيضًا \". فهو أعور العين اليمنى واليسرى معًا، فكل واحدة منها عوراء أي معيبة، فإن\n_________\n(^١) (صحيح مسلم) كتاب الفتن، باب في بقية من أحاديث الدجال، (١٨/ ٨٦ - ٨٧ مع شرح النووي).\n(^٢) مسند الإمام أحمد ١٥٨٣١.\n(^٣) (صحيح مسلم)، كتاب الفتن، باب ذكر ابن صياد، (١٨/ ٥٠ - شرح النووي).","vol":"1","page":504},{"text":"الأعور من كل شيء المعيب، لا سيما ما يختص بالعين، فكلتا عيني الدجال معيبة عوراء، إحداهما بذهابهما والأخرى بعيبها.\nووافق القاضي عياض على هذا الجمع النووي، ورجحه القرطبي.\n\n<span data-type='title' id=toc-150>مكان خروج الدجال </span>(^١):\nيخرج الدجال من جهة المشرق من خراسان، من يهودية أصبهان، ثم يسير في الأرض فلا يترك بلدًا إلا دخله، إلا مكة والمدينة، فلا يستطيع دخولهما لأن الملائكة تحرسهما.\n• ففي حديث فاطمة بنت قيس أن النبي ﷺ قال في الدجال: \" أَلا إِنَّهُ فِي بَحْرِ الشَّأْمِ أَوْ بَحْرِ الْيَمَنِ لا بَلْ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ مَا هُوَ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ مَا هُوَ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ مَا هُوَ وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى الْمَشْرِقِ\" (^٢).\n• وعن أبي بكر الصديق ﵁ قال: حدّثنا رسول الله ﷺ قال: \" الدَّجَّالُ يَخْرُجُ مِنْ أَرْضٍ بِالْمَشْرِقِ يُقَالُ لَهَا خُرَاسَانُ\" (^٣).\n• وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \" يَخْرُجُ الدَّجَّالُ مِنْ يَهُودِيَّةِ أَصْبَهَانَ مَعَهُ سَبْعُونَ أَلْفًا مِنْ الْيَهُودِ عَلَيْهِمْ التِّيجَانُ\" (^٤).\n_________\n(^١) المصدر: أشراط الساعة ليوسف الوابل، ص ٢٩٦ - ٢٩٧.\n(^٢) (صحيح مسلم) (١٨/ ٨٣ - مع شرح النووي).\n(^٣) (جامع الترمذي) باب ما جاء من أين يخرج الدجال؟ (٦/ ٤٩٥ - مع تحفة الأحوذي). قال الألباني (صحيح)، (صحيح الجامع الصغير) (٣/ ١٥٠) (ح ٣٣٩٨).\n(^٤) (الفتح الرباني ترتيب مسند أحمد) (٢٤/ ٧٣)، قال ابن حجر: (صحيح): (فتح الباري) (١٣/ ٣٢٨).","vol":"1","page":505},{"text":"<span data-type='title' id=toc-151>الأماكن التي لا يدخلها الدجال </span>(^١):\nحرم على الدجال دخول مكة والمدينة حين يخرج في آخر الزمان، لورود الأحاديث الصحيحة بذلك، وأما ما سوى ذلك من البلدان فإن الدجال سيدخلها واحدًا بعد الآخر.\n• جاء في حديث فاطمة بنت قيس ﵂ أن الدجّال قال: \"وَإِنِّي أُوشِكُ أَنْ يُؤْذَنَ لِي فِي الْخُرُوجِ، فَأَخْرُجَ فَأَسِيرَ فِي الأَرْضِ فَلا أَدَعَ قَرْيَةً إِلا هَبَطْتُهَا فِي أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، غَيْرَ مَكَّةَ وَطَيْبَةَ فَهُمَا مُحَرَّمَتَانِ عَلَيَّ كِلْتَاهُمَا كُلَّمَا أَرَدْتُ أَنْ أَدْخُلَ وَاحِدَةً أَوْ وَاحِدًا مِنْهُمَا اسْتَقْبَلَنِي مَلَكٌ بِيَدِهِ السَّيْفُ صَلْتًا يَصُدُّنِي عَنْهَا، وَإِنَّ عَلَى كُلِّ نَقْبٍ مِنْهَا مَلائِكَةً يَحْرُسُونَهَا\" (^٢).\nوثبت أيضًا أن الدجال لا يدخل مسجد الطور، والمسجد الأقصى.\n• لما روي من حديث جنادة بن أبي أمية الأزدي قال: أتيت رجلًا من أصحاب النبي ﷺ فقلت له: حَدِّثْنِي حَدِيثًا سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الدَّجَّالِ، فذكر الحديث وقال: \" وَإِنَّهُ يَلْبَثُ فِيكُمْ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا يَرِدُ فِيهَا كُلَّ مَنْهَلٍ إِلا أَرْبَعَ مَسَاجِدَ مَسْجِدَ الْحَرَامِ وَمَسْجِدَ الْمَدِينَةِ وَالطُّورِ وَمَسْجِدَ الأَقْصَى \" (^٣).\n_________\n(^١) المصدر: أشراط الساعة ليوسف الوابل، ص ٣٠٩.\n(^٢) (صحيح مسلم)، كتاب الفتن، وأشراط الساعة، باب قصة الجساسة، (١٨/ ٨٣ - مع شرح النووي).\n(^٣) (الفتح الرباني) (٢٤/ ٧٦) ترتيب الساعاتي)، قال الهيثمي: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح، (مجمع الزوائد) (٧/ ٣٤٣)، وقال ابن حجر: (رجاله ثقات ٩، (فتح الباري) (١٣/ ١٠٥).","vol":"1","page":506},{"text":"<span data-type='title' id=toc-152>أتْباع الدجال </span>(^١):\nأكثر أتباع الدجال من اليهود والعجم والترك، وأخلاط من الناس غالبهم الأعراب والنساء.\n• فعن أنس بن مالك ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: \"يَتْبَعُ الدَّجَّالَ مِنْ يَهُودِ أَصْبَهَانَ سَبْعُونَ أَلْفًا عَلَيْهِمْ الطَّيَالِسَةُ\" (^٢).\nوالطيالسة: كساء غليظ مخطط.\n• وفي رواية للإمام أحمد: \"سَبْعُونَ أَلْفًا مِنْ الْيَهُودِ عَلَيْهِمْ التِّيجَانُ\" (^٣).\n• وجاء في حديث أبي بكر السابق: \" يَتْبَعُهُ أَقْوَامٌ كَأَنَّ وُجُوهَهُمْ الْمَجَانُّ الْمُطْرَقَةُ\" (^٤).\nوأما كون الأعراب يتبعون الدجال، فلأن الجهل غالب عليهم، أما النساء لسرعة تأثرهن وغلبة الجهل عليهن.\n• جاء في الحديث عن ابن عمر ﵄ قال: قال النبي ﷺ: \" يَنْزِلُ الدَّجَّالُ فِي هَذِهِ السَّبَخَةِ بِمَرِّ قَنَاةَ-وادٍ بالمدينة-فَيَكُونُ أَكْثَرَ مَنْ يَخْرُجُ إِلَيْهِ\n_________\n(^١) المصدر: أشراط الساعة ليوسف الوابل، ص ٣١١.\n(^٢) (صحيح مسلم) كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب في بقية من أحاديث الدجال، (١٨/ ٨٥ - ٨٦ - مع شرح النووي).\n(^٣) (الفتح الرباني ترتيب المسند) (٢٤/ ٧٣) والحديث صحيح، انظر: (فتح الباري) (١٣/ ٢٣٨).\n(^٤) رواه الترمذي برقم ٢١٣٦.","vol":"1","page":507},{"text":"النِّسَاءُ، حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيَرْجِعُ إِلَى حَمِيمِهِ وَإِلَى أُمِّهِ وَابْنَتِهِ وَأُخْتِهِ وَعَمَّتِهِ فَيُوثِقُهَا رِبَاطًا مَخَافَةَ أَنْ تَخْرُجَ إِلَيْهِ\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-153>فتنة الدجال </span>(^٢):\nفتنة الدجال أعظم الفتن منذ خلق الله آدم إلى قيام الساعة، وذلك بسبب ما يخلق الله معه من الخوارق العظيمة التي تبهر العقول وتحير الألباب.\nفقد ورد أن معه جنة ونارًا، جنته ناره وناره جنته، وأن معه أنهار الماء وجبال الخبز، ويأمر السماء أن تمطر فتمطر، والأرض أن تنبت فتنبت، وتتبعه كنوز الأرض، ويقطع الأرض بسرعة عظيمة كسرعة الغيث استدبرته الريح، إلى غير ذلك من الخوارق. وكل ذلك جاءت به الأحاديث الصحيحة.\n• فعن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"الدَّجَّالُ أَعْوَرُ الْعَيْنِ الْيُسْرَى، جُفَالُ الشَّعَرِ-كَثِيرُهُ-مَعَهُ جَنَّةٌ وَنَارٌ فَنَارُهُ جَنَّةٌ وَجَنَّتُهُ نَارٌ\" (^٣).\n• وعن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"لأنَا أَعْلَمُ بِمَا مَعَ الدَّجَّالِ مِنْهُ: مَعَهُ نَهْرَانِ يَجْرِيَانِ أَحَدُهُمَا رَأْيَ الْعَيْنِ مَاءٌ أَبْيَضُ وَالآخَرُ رَأْيَ الْعَيْنِ نَارٌ تَأَجَّجُ، فَإِمَّا أَدْرَكَنَّ أَحَدٌ فَلْيَأْتِ النَّهْرَ الَّذِي يَرَاهُ نَارًا وَلْيُغَمِّضْ ثُمَّ لْيُطَأْطِئْ رَأْسَهُ فَيَشْرَبَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مَاءٌ بَارِدٌ\" (^٤).\n_________\n(^١) (مسند أحمد) (٧/ ١٩٠) (ح ٥٣٥٣) تحقيق أحمد شاكر، وقال: (إسناده صحيح).\n(^٢) المصدر: أشراط الساعة ليوسف الوابل، ص ٣١٣.\n(^٣) (صحيح مسلم) كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب ذكر الدجال، (١٨/ ٦٠ - ٦١ - مع شرح النووي).\n(^٤) (صحيح مسلم) كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب ذكر الدجال، (١٨/ ٦٠ - ٦١ - مع شرح النووي) ..","vol":"1","page":508},{"text":"• وجاء في حديث النواس بن سمعان ﵁ في ذكر الدجال: أن الصحابة قالوا: \"يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا لَبْثُهُ فِي الأَرْضِ؟ قَالَ: أَرْبَعُونَ يَوْمًا؛ يَوْمٌ كَسَنَةٍ وَيَوْمٌ كَشَهْرٍ وَيَوْمٌ كَجُمُعَةٍ وَسَائِرُ أَيَّامِهِ كَأَيَّامِكُمْ\". قالوا: وَمَا إِسْرَاعُهُ فِي الأَرْضِ؟ قَالَ: \"كَالْغَيْثِ اسْتَدْبَرَتْهُ الرِّيحُ. فَيَأْتِي عَلَى الْقَوْمِ فَيَدْعُوهُمْ فَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَجِيبُونَ لَهُ، فَيَأْمُرُ السَّمَاءَ فَتُمْطِرُ، وَالأَرْضَ فَتُنْبِتُ، فَتَرُوحُ عَلَيْهِمْ سَارِحَتُهُمْ-الماشية-أَطْوَلَ مَا كَانَتْ ذُرًا-الأعالي والأسنمة-وَأَسْبَغَهُ ضُرُوعًا، وَأَمَدَّهُ خَوَاصِرَ-كناية عن الامتلاء وكثرة الأكل-. ثُمَّ يَأْتِي الْقَوْمَ فَيَدْعُوهُمْ فَيَرُدُّونَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ فَيَنْصَرِفُ عَنْهُمْ فَيُصْبِحُونَ مُمْحِلِينَ لَيْسَ بِأَيْدِيهِمْ شَيْءٌ مِنْ أَمْوَالِهِمْ. وَيَمُرُّ بِالْخَرِبَةِ فَيَقُولُ لَهَا أَخْرِجِي كُنُوزَكِ فَتَتْبَعُهُ كُنُوزُهَا كَيَعَاسِيبِ النَّحْلِ. ثُمَّ يَدْعُو رَجُلا مُمْتَلِئًا شَبَابًا فَيَضْرِبُهُ بِالسَّيْفِ فَيَقْطَعُهُ جَزْلَتَيْنِ رَمْيَةَ الْغَرَضِ ثُمَّ يَدْعُوهُ فَيُقْبِلُ وَيَتَهَلَّلُ وَجْهُهُ يَضْحَكُ\" (^١).\n• وجاء في رواية البخاري عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن هذا الرجل الذي يقتله الدجال من خيار الناس أو خير الناس، يخرج إلى الدجال من مدينة رسول الله ﷺ فيقول للدجال: \"أَشْهَدُ أَنَّكَ الدَّجَّالُ الَّذِي حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَدِيثَهُ. فَيَقُولُ الدَّجَّالُ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ قَتَلْتُ هَذَا ثُمَّ أَحْيَيْتُهُ هَلْ تَشُكُّونَ فِي الأَمْرِ؟ فَيَقُولُونَ لا. فَيَقْتُلُهُ ثُمَّ يُحْيِيهِ، فَيَقُولُ: وَاللَّهِ مَا كُنْتُ فِيكَ أَشَدَّ بَصِيرَةً مِنِّي الْيَوْمَ، فَيُرِيدُ الدَّجَّالُ أَنْ يَقْتُلَهُ فَلا يُسَلَّطُ عَلَيْهِ\" (^٢).\n_________\n(^١) (صحيح مسلم) كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب ذكر الدجال، (١٨/ ٦٥ - ٦٦ - مع شرح النووي.\n(^٢) (صحيح البخاري)، كتاب الفتن، باب لا يدخل الدجال المدينة، (١٣/ ١٠١ - مع الفتح).","vol":"1","page":509},{"text":"• وفي حديث أبي أمامة الباهلي ﵁ قال النبي ﷺ عن الدجال: \"وَإِنَّ مِنْ فِتْنَتِهِ أَنْ يَقُولَ لأَعْرَابِيٍّ أَرَأَيْتَ إِنْ بَعَثْتُ لَكَ أَبَاكَ وَأُمَّكَ أَتَشْهَدُ أَنِّي رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ. فَيَتَمَثَّلُ لَهُ شَيْطَانَانِ فِي صُورَةِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ فَيَقُولانِ يَا بُنَيَّ اتَّبِعْهُ فَإِنَّهُ رَبُّكَ\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-154>الوقاية من فتنة الدجال </span>(^٢):\nأرشد النبي ﷺ أمته إلى ما يعصمها من فتنة المسيح الدجال، فقد ترك أمته على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك. فلم يدع خيرًا إلا دل أمته عليه ولا شرًا إلا حذرها منه، ومن جملة ما حذّر منه: فتنة المسيح الدجال لأنها أعظم فتنة تواجهها الأمة إلى قيام الساعة، وكان كل نبي ينذر أمته الأعور الدجال، واختص محمد ﷺ بزيادة التحذير والإنذار، وقد بين الله له كثيرًا من صفات الدجال ليُحذِّرَ أمته فإنه خارج في هذه الأمة لا محالة، لأنها آخر الأمم ومحمد ﷺ خاتم النبيين. وهذه بعض الإرشادات النبوية التي أرشد إليها المصطفى ﷺ أمته لتنجو من هذه الفتنة العظيمة:\nالتمسك بالإسلام، والتسلح بسلاح الإيمان ومعرفة أسماء الله وصفاته الحسنى التي لا يشاركه فيها أحد، فيعلم أن الدجال بشر يأكل ويشرب، وأن الله تعالى منزه عن ذلك، وأن الدجال أعور والله ليس بأعور، وأنه لا أحد يرى ربه\n_________\n(^١) رواه ابن ماجه برقم ٤٠٦٧. وصححه الألباني (صحيح الجامع الصغير/ حديث رقم ٧٧٥٢).\n(^٢) المصدر: أشراط الساعة ليوسف الوابل، ص ٣٢٥.","vol":"1","page":510},{"text":"حتى يموت والدجال يراه الناس عند خروجه مؤمنهم وكافرهم.\nالتعوذ من فتنة الدجال، وخاصة في الصلاة، وقد وردت بذلك الأحاديث الصحيحة، منها:\n• ما روي عن أم المؤمنين عائشة زوج النبي ﷺ: أن رسول الله ﷺ كان يدعو في الصلاة: \"اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَفِتْنَةِ الْمَمَاتِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ\" (^١).\n• وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إِذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ، يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ\" (^٢).\nحفظ آيات من سورة الكهف، فقد أمر النبي ﷺ بقراءة فواتح سورة الكهف على الدجال، وفي بعض الروايات خواتيمها، وذلك بقراءة عشر آيات من أولها أو آخرها. ومن الأحاديث الواردة في ذلك:\n• حديث النواس بن سمعان الطويل، وفيه قوله: \" فَمَنْ أَدْرَكَهُ مِنْكُمْ فَلْيَقْرَأْ عَلَيْهِ فَوَاتِحَ سُورَةِ الْكَهْفِ\" (^٣).\n_________\n(^١) (صحيح البخاري) كتاب الأذان، باب الدعاء قبل السلام، (٢/ ٣١٧ - مع الفتح) و(صحيح مسلم) كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب التعوذ من عذاب القبر وعذاب جهنم، (٥/ ٨٧ - مع شرح النووي).\n(^٢) (صحيح البخاري)، كتاب الدعوات، باب التعوذ من عذاب القبر، (١١/ ١٧٤ - مع الفتح).\n(^٣) (صحيح مسلم) كتاب الفتن، باب ذكر الدجال، (١٨/ ٦٥ - مع شرح النووي).","vol":"1","page":511},{"text":"• وعن أبي الدرداء ﵁ أن النبي ﷺ قال: \"مَنْ حَفِظَ عَشْرَ آيَاتٍ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ الْكَهْف عُصِمَ مِنْ الدَّجَّالِ\" أي: من فتنته، قال مسلم: قال شعبة: \" مِنْ آخِرِ الْكَهْفِ وقَالَ هَمَّامٌ مِنْ أَوَّلِ الْكَهْف\" (^١).\nقال النووي: \"سَبَب ذَلِكَ مَا فِي أَوَّلهَا مِنْ الْعَجَائِب وَالآيَات، فَمَنْ تَدَبَّرَهَا لَمْ يُفْتَتَن بِالدَّجَّالِ، وَكَذَا فِي آخِرهَا قَوْله تَعَالَى: (أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا.) \" (^٢).\nوهذا من خصوصيات سورة الكهف فقد جاءت الأحاديث بالحث على قراءتها وخاصة في يوم الجمعة، فعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: \" إِنَّ مَنْ قَرَأَ سُوْرَةَ الْكَهْفِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَضَاءَ لَهُ مِنَ الْنُّوْرِ مَا بَيْنَ الْجُمُعَتَيْنِ\" (^٣).\nولا شك أن سورة الكهف لها شأن عظيم، ففيها من الآيات الباهرات كقصة أصحاب الكهف وقصة موسى مع الخضر وقصة ذي القرنين وبناءه للسد العظيم حائلًا دون يأجوج ومأجوج، وإثبات البعث والنشور والنفخ في الصور، وبيان الأخسرين أعمالًا وهم الذين يحسبون أنهم على الهدى وهم على الضلالة والعمى.\n_________\n(^١) (صحيح مسلم) كتاب صلاة المسافرين، باب فضل سورة الكهف، وآية الكرسي (٦/ ٩٢ - ٩٣ - مع شرح النووي).\n(^٢) (شرح النووي لمسلم) (٦/ ٩٣).\n(^٣) رواه الحاكم في المستدرك (٢/ ٣٦٨) وقال: (هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه)، وصححه الألباني (صحيح الجامع الصغير/ حديث رقم ٦٣٤٦).","vol":"1","page":512},{"text":"فينبغي لكل مسلم أن يحرص على قراءة هذه السورة وحفظها وترديدها وخاصة في خير يوم طلعت عليه الشمس، وهو يوم الجمعة.\nالفرار من الدجال والابتعاد منه (^١).\nوالأفضل سكنى مكة والمدينة، والأماكن التي لا يدخلها الدجال، فينبغي للمسلم إذا خرج الدجال أن يبتعد منه وذلك لما معه من الشبهات والخوارق العظيمة التي يجريها الله على يديه فتنة للناس، فإنه يأتيه الرجل وهو يظن في نفسه الإيمان والثبات فيتبع الدجال، نسأل الله أن يعيذنا من فتنته وجميع المسلمين.\n• فعن عمران بن حصين ﵁ عن النبي ﷺ قال: \" مَنْ سَمِعَ بِالدَّجَّالِ فَلْيَنْأَ-يبتعد-مِنْهُ، فَإِنَّ الرَّجُلَ يَأْتِيهِ يَتَّبِعُهُ وَهُوَ يَحْسِبُ أَنَّهُ صَادِقٌ بِمَا يُبْعَثُ بِهِ مِنْ الشُّبُهَاتِ \" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-155>هلاك الدجال </span>(^٣):\nيكون هلاك الدجال على يدي المسيح عيسى بن مريم ﵇، كما دلت على ذلك الأحاديث الصحيحة، وذلك الدجال يظهر على الأرض ويكثر أتباعه\n_________\n(^١) المصدر: أشراط الساعة ليوسف الوابل، ص ٣٢٩.\n(^٢) (الفتح الرباني) (٢٤/ ٧٤) و(سنن أبي داود) (١١/ ٢٤٢) مع عونا المعبود، و(مستدرك الحاكم) (٤/ ٥٣١).\n(^٣) المصدر: أشراط الساعة ليوسف الوابل، ص ٣٣٣.","vol":"1","page":513},{"text":"وتعم فتنته، ولا ينجو منها إلا قلة من المؤمنين. وعند ذلك ينزل عيسى بن مريم ﵇ على المنارة الشرقية بدمشق، ويلتف حوله عباد الله المؤمنين، فيسير بهم قاصدًا المسيح الدجال، ويكون الدجال عند نزول عيسى ﵇ متوجهًا نحو بيت المقدس، فيلحق به عيسى عند باب\" لُد\"-بلدة في فلسطين قرب بيت المقدس-، فإذا رآه الدجال ذاب كما يذوب الملح في الماء، فيقول له عيسى ﵇: \" إن لي فيك ربة لن تفوتني\" فيتداركه عيسى فيقتله بحربته، وينهزم اتباعه فيتبعهم المؤمنون فيقتلونهم حتى يقول الشجر والحجر: يا مسلم يا عبد الله، هذا يهودي خلفي تعال فاقتله، إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود.\nوإليك بعض الأحاديث الواردة في هلاك الدجال وأتباعه:\n• فعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: \" يَخْرُجُ الدَّجَّالُ فِي أُمَّتِي فَيَمْكُثُ أَرْبَعِينَ. \" فذكر الحديث، وفيه: \" فَيَبْعَثُ اللَّهُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ كَأَنَّهُ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ فَيَطْلُبُهُ فَيُهْلِكُهُ \" (^١).\n• وعن مجمع بن جارية الأنصاري ﵁ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \" يَقْتُلُ ابْنُ مَرْيَمَ الدَّجَّالَ بِبَابِ لُدٍّ \" (^٢).\n• وعن النواس بن سمعان ﵁ حديثًا طويلًا عن الدجال، وفيه قصة نزول عيسى وقتله للدجال، وفيه قوله ﷺ: \"فَلا يَحِلُّ لِكَافِرٍ يَجِدُ رِيحَ نَفَسِهِ إِلا مَاتَ وَنَفَسُهُ يَنْتَهِي\n_________\n(^١) (صحيح مسلم) كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب ذكر الدجال، (١٨/ ٧٥ - ٧٦ - مع شرح النووي).\n(^٢) (الفتح الرباني ترتيب مسند أحمد) (٢٤/ ٨٣) والترمذي (٦/ ٥١٣ - ٥١٤ - مع تحفة الأحوذي).","vol":"1","page":514},{"text":"حَيْثُ يَنْتَهِي طَرْفُهُ فَيَطْلُبُهُ حَتَّى يُدْرِكَهُ بِبَابِ لُدٍّ فَيَقْتُلُهُ\" (^١).\n• وعن جابر بن عبد الله ﵄ أنه قال: \" قال رسول الله ﷺ: \"يَخْرُجُ الدَّجَّالُ فِي خَفْقَةٍ مِنْ الدِّينِ وَإِدْبَارٍ مِنْ الْعِلْمِ\" فذكر الحديث وفيه: \" ثُمَّ يَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ فَيُنَادِي مِنْ السَّحَرِ فَيَقُولُ يَا أَيُّهَا النَّاسُ مَا يَمْنَعُكُمْ أَنْ تَخْرُجُوا إِلَى الْكَذَّابِ الْخَبِيثِ فَيَقُولُونَ هَذَا رَجُلٌ جِنِّيٌّ فَيَنْطَلِقُونَ فَإِذَا هُمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ﷺ فَتُقَامُ الصَّلاةُ فَيُقَالُ لَهُ تَقَدَّمْ يَا رُوحَ اللَّهِ فَيَقُولُ لِيَتَقَدَّمْ إِمَامُكُمْ فَلْيُصَلِّ بِكُمْ فَإِذَا صَلَّى صَلاةَ الصُّبْحِ خَرَجُوا إِلَيْهِ قَالَ فَحِينَ يَرَى الْكَذَّابُ يَنْمَاثُ كَمَا يَنْمَاثُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ فَيَمْشِي إِلَيْهِ فَيَقْتُلُهُ حَتَّى إِنَّ الشَّجَرَةَ وَالْحَجَرَ يُنَادِي يَا رُوحَ اللَّهِ هَذَا يَهُودِيٌّ فَلا يَتْرُكُ مِمَّنْ كَانَ يَتْبَعُهُ أَحَدًا إِلا قَتَلَهُ\" (^٢).\nوبقتله-لعنه الله-تنتهي فتنته العظيمة، وينجي الله الذين آمنوا من شره وشر أتباعه على يدي روح الله وكلمته عيسى بن مريم ﵇ وأتباعه المؤمنين ولله الحمد والمنة.\n\n<span data-type='title' id=toc-156>الرد على من أنكر حقيقة المسيح الدجال</span>\nقال الشيخ حمود التويجري: \"وأما خروج الدجال فقد جاء فيه أكثر من مائة وتسعين حديثا من الصحاح والحسان، وقد تواترت الأحاديث في خروج\n_________\n(^١) (صحيح مسلم) كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب ذكر الدجال، (١٨/ ٦٧ - ٦٨ مع شرح النووي).\n(^٢) (الفتح الرباني ترتيب مسند أحمد)، (٢٤/ ٨٥ - ٨٦) قال الهيثمي: (رواه أحمد بإسنادين رجال أحدهما رجال الصحيح)، انظر: (مجمع الزوائد) (٧/ ٣٤٤).","vol":"1","page":515},{"text":"الدجال من وجوه متعددة، ولو لم يكن منها سوى الأمر بالاستعاذة من فتنة الدجال في كل صلاة لكان ذلك كافيا في إثبات خروجه، والرد على من أنكر ذلك.\nوقد أنكرت طوائف كثيرة من الخوارج والجهمية وبعض المعتزلة خروج الدجال بالكلية، وردوا الأحاديث الواردة فيه، ذكر ذلك ابن كثير في النهاية قال: وخرجوا بذلك عن حيز العلماء لردهم ما تواترت به الأخبار الصحيحة عن رسول الله-ﷺ، وذكر النووي في شرح مسلم: \"أن مذهب أهل السنة وجميع المحدثين والفقهاء والنظار إثبات خروج الدجال خلافا لمن أنكره من الخوارج والجهمية وبعض المعتزلة\" (^١).\nوقد تبع الخوارج والجهمية والمعتزلة على إنكار خروج الدجال كثير من المنتسبين إلى العلم في زماننا وقبله بزمان، وأنكر بعضهم كثيرا من أشراط الساعة مما هو ثابت عن النبي-ﷺ، وبعضهم يتأولها على ما يوافق عقليته الفاسدة، ولو كان الذين أشرنا إليهم أهل علم على الحقيقة لما ردوا شيئًا من الأحاديث الثابتة عن النبي-ﷺ، ولكانوا يقابلونها بالرضا والقبول والتسليم. \" (^٢)\n_________\n(^١) انظر شرح النووي لمسلم ١٨/ ٥٨ - ٥٩، وفتح الباري ١٣/ ١٠٥.\n(^٢) إقامة البرهان ص ٦ - ٧","vol":"1","page":516},{"text":"قال الدكتور يوسف الوابل: \"ما تقدم من الأحاديث يدل على تواتر خروج الدجال في آخر الزمان، وأنه شخص حقيقة، يعطيه الله ما شاء من الخوارق العظيمة.\nوقد ذهب الشيخ محمد عبده إلى أن الدجال رمز للخرافات والدجل والقبائح (^١)، وتبعه الشيخ أبو عبية، فذهب إلى أن الدجال رمز لاستشراء الباطل، وليس رجلا من بني آدم، وهذا التأويل صرف للأحاديث عن ظاهرها بدون قرينة!!\nوإليك ما قاله الشيخ أبو عبية في تعليقه على أحاديث الدجال؛ قال: \"اختلاف ما روي من الأحاديث في مكان ظهور الأجال، وزمان ظهوره، وهل هو ابن صياد أم غيره؟ يشير إلى أن المقصود بالدجال الرمز إلى الشر، واستعلائه، وصولته جبروته، واستشراء خطرة، واستفحال ضرره في بعض الأزمنة، وتطاير أذاه في كثير من الأمكنة، بما يتيسر له من وسائل التمكن والانتشار والفتنة بعض الوقت، إلى أن تنطفئ جذوته، وتموت جمرته سلطان الحق، وكلمة الله: (إن الباطل كان زهوقا) [الإسراء: ٨١] \" (^٢).\nويقول أيضا: أليس الأولى أن يفهم من الدجال أنه رمز الشر والبهتان\n_________\n(^١) انظر: تفسير المنار» (٣١٧٣).\n(^٢) «النهاية المس والملاحم (١/ ١١٨ - ١١٩)، تحقيق الشيخ محمد فهيم أبو عبية.","vol":"1","page":517},{"text":"والإفك .. إلخ (^١)\nويرد على هذه الأقوال بأن الأحاديث صريحة في أن الدجال رجل بعينه، وليس هناك ما يدل على أنه رمز للخرافات والدجل والباطل، وليس في الروايات اختلاف ولا تعارض، وقد سبق الجمع بينها، وأن أول ما يخرج الدجال من أصبهان من جهة خراسان. وكلها في جهة المشرق، وما قيل عن ابن صياد هل هو الدجال أم غيره؟ وذكر العلماء الأقوال في ذلك.\nوإذا تبين هذا، وأن الروايات ليس فيها اضطراب ولا من حيث مكان خروجه، ولا من حيث زمان ظهوره؛ لم يكن هناك ما يدعو إلى ما ذهبا إليه، لا سيما مع ما جاء من صفاته التي نبهت عليها الأحاديث، والتي تدل دون ارتكاب تجوز لا داعي له على أنه شخص حقيقة.\nوأيضا؛ فأبو عبية متناقض في تعليقاته على الأحاديث الواردة في الدجال في كتاب الفتن والملاحم، لابن كثير؛ فإنه يعلق على قول النبي ﷺ: «إنه مكتوب بين عينيه (كافر)؛ يقرؤه من كره عمله، أو يقرؤه كل مؤمن». وقوله: «تعلموا أنه لن يرى أحد منكم ربه حتى يموت».\nيقول أبو عبية: \"وهذا يقرر كذب الدجال في دعواه الربوبية قبحه الله، وأتم عليه غضبه ولعنه\" (^٢)\n_________\n(^١) النهاية الفتن والملاحم (١/ ١٥٢).\n(^٢) النهاية الفتن والملاحم (١/ ٨٩).","vol":"1","page":518},{"text":"فهو هنا يرى أن الدجال إنسان حقيقة، يدعي الربوبية، ويدعو عليه بالغضب واللعنة، وفي موضع آخر ينفي أن يكون هناك دجال على الحقيقة، وإنما هو رمز للشر والفتنة!!\nولا شك أن هذا تناقض واضح منه.\nوأرجو أن لا ينطبق على هؤلاء المنكرين لظهور الدجال قوله ﷺ: «إنه سيكون من بعدكم قوم يكذبون بالرجم، وبالدجال، وبالشفاعة، وبعذاب القبر، وبقوم يخرجون من النار بعدما امتحشوا» (^١) (^٢)\n_________\n(^١) مسند أحمد (١/ ٢٢٣)، تحقيق أحمد شاكر، وقال إسناده صحيح.\n(^٢) أشراط الساعة ليوسف الوابل، ص ٣١٥. ٣١٧.","vol":"1","page":519},{"text":"قال المصنف-﵀:\n\"وما أنكرت العلماء من [أهل السنة (^١)] فهو منكر، واحذروا البدع كلها\".\n<hr><s0>\n\nبعد أن بيَّن المصنِّف-رحمه الله تعالى-وجوبَ لزوم السنَّة، وأن طريقَ السنَّة هو لزومُ طريقِ أصحابِ النبي ﷺ، فمَن أرادَ الاستقامةَ على شرع الله ﷿ وعلى دينِ الإسلام فعليه بالتمسكِ بسنَّة النبي ﷺ وذلك إنما يكون بما كان عليه فهمُ السلفِ الصالح من الصحابةِ والتابعين وتابعي التابعين.\nذكرَ المصنِّف هنا ما يقابل السنَّة وهي البدعة، والبدعة في أصل اللغة: الشيء المبتدَع هو الشيء المخترَع على غيرِ أثرٍ سابق (^٢)؛ أو على غير مثالٍ سابق، ومن هذا المعنى قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٩] فالنبي ﷺ لم يكن أولَّ الرسل وإنما قد كان من قبله عددٌ كبيرٌ من أنبياءِ الله ورسله صلوات الله وسلامه عليهم.\nوهكذا قول الله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [البقرة: ١١٧] أي أن الله ﷿ خلقَ السماواتِ والأرض على غيرِ مثالٍ سابق، فهذا معنى البدعة في اللغة.\n_________\n(^١) في طبقات الحنابلة (من الشبهة) والتصويب من كتاب مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص: (٢٢٨) ومختصر الحجة (٢/ ٣٧٤).\n(^٢) انظر الاعتصام للشاطبي (١/ ٣٦٧)","vol":"1","page":520},{"text":"و<span data-type='title' id=toc-158>الشيء المبتدَع يطلق على أمرين:</span>\nالأمر الأول: أمرٌ مبتدَع في أمور الدنيا كالمخترَعات التي يخترعها البشر في مصالحِ دنياهم.\nوالأمرُ الثاني: الأمر المبتَدع في أمر الدين.\nفما يتعلق بأمرِ مصالح الناس من مخترَعاتهم كوسائلِ تنقلاتهم وما يتعلق بمساكنهم، وما يتعلق بأدواتهم ونحو ذلك؛ فهذا لا شأنَ له بهذا الأمر، وإنما الكلامُ هنا عن الابتداعِ في الدين.\nومعلومٌ أن الابتداعَ في الدين أمرٌ محرَّم، والنبي ﷺ حذرنا وقال: «وإياكم ومحدَثات الأمور فإن كل محدَثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة» (^١) فما استثنى النبي ﷺ شيئًا من البدع، ولا حجةَ لقائلٍ في قول عمر ﵁ في شأنِ التراويح: \"نعمتُ البدعةُ هي\" (^٢).\nفالتراويح لم تكن أمرًا على غيرِ مثالٍ سابق فقد صلى النبي ﷺ بأصحابه التراويح ولكن النبي ﷺ رأفةً ورحمةً بأمته لم يستمر بهم خشيةَ أن تُفرَضَ عليهم، فالتراويح لم تكن أمرًا مبتدَعًا من الناحية الشرعية واستعمال عمر لهذه اللفظة إنما هو استعمالٌ من حيث المعنى اللغوي لا أكثر (^٣).\n_________\n(^١) انظر: مسند الإمام أحمد، مسند الشاميين، حديث العرباض بن سارية ﵁، حديث رقم ١٦٨١٣، وقال الشيخ الألباني حديث صحيح في السلسلة الصحيحة الصفحة أو الرقم ٢٧٣٥/ ٥٢٦.\n(^٢) انظر: موطأ مالك، كتاب الصلاة في رمضان، باب: ما جاء في قيام رمضان، حديث رقم ٢٤٩ وأخرجه البخاري بلفظ نعم البدعة هذه، في كتاب التراويح، باب من قام رمضان، برقم ١٨٨٠.\n(^٣) انظر الفتاوى الكبرى لابن تيمية (٢/ ٩٢)، والشاطبي في الاعتصام (١/ ٢٥٠).","vol":"1","page":521},{"text":"فالبدع منهيٌّ عنها جملةً وتفصيلًا، وكما قال النبي ﷺ: «من أحدثَ في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ (^١)، والناسَ لم يبتدعوا بدعةً قط حتى تركوا من السنَّةِ مثلها، فهذا هو الواقع المعايَش؛ أنه ما أُحيِيت بدعة إلا وأُمِيتَت سنَّة، والإنسان عليه أن يسألَ نفسه هل استطعنا أن نقومَ بالواجباتِ كما ينبغي وبسنن النبي ﷺ كما كان ينبغي وبقيَ عندنا فضلا وزيادة من الوقتِ والجهد لنبحثَ عن زيادة على تلك الواجبات وتلك السنن؟!.\nأعتقد أن جواب كل واحدٍ منّا أننا على تقصيرٍ كبير في شأن الواجبات وتفريطٍ أكبر في شأنِ السنن والنوافل، والواحدُ منَّا لو تأملَّ في صلاة الفريضة كيف أدَّاها وكيف صلَّاها لبكى على حاله وعلى نفسه من تقصيره في أدائها وبالتالي هل الناس استطاعوا أن يؤدُّوا الواجبات والسنن لينتقلوا بعد ذلك إلى أمورٍ أخرى؟\nفما بالك إذا كان إحياءُ البدعة حتمًا ولابد أن يكونَ في مقابله إماتةٌ للسنَّة، فأولئك الذين يبتدعون في الأذكار بعد الصلوات كالذكر الجماعي؛ لما انشغلوا أو شغلوا تلك الأوقات بأذكارٍ جماعية كان هذا في مقابل إماتةِ السنَّة التي كان عليها النبي ﷺ في ذكره بعد الصلاة.\n_________\n(^١) انظر: صحيح البخاري كتاب الصلح، باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود، حديث رقم ٢٥١٢","vol":"1","page":522},{"text":"فما داموا شغلوا تلك الأوقات بتلك البدع كان في مقابل ذلك إماتةٌ للسنَّة، وهكذا فقِسْ؛ كلما أُحيِيَت بدعة أُمِيتَ في مقابلها سنَّة فهذا مما يدل على أن من شرِّ هذه البدع ومن خطرها أن فيها إماتةٌ للسنَّة، ويصلُ الحال ببعضهم إلى أن يرى السنَّةَ بدعة والبدعةَ سنَّة لأنه ألِفَ البدعة ونشأ عليها ولما يُؤتَّى إليه بأمرٍ من السنَّة ينكره ويرى أنه هو البدعة فتنقلبُ عنده الموازين. (^١)\nوالحث على التمسك بالسنة والتحذير من البدع هو وصية النبي ﷺ ووصية السلف الصالح من بعده من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين ومن جاء بعدهم، فعن العرباض بن سارية (^٢) ﵁ قال: \"وعظنا رسول الله ﷺ موعظة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون. فقلنا: يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا. قال: «أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد، وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة» (^٣).\nفوصية النبي ﷺ لأصحابه ولأمته من بعدهم هي أن يتمسكوا بما\n_________\n(^١) انظر الاعتصام للشاطبي (١/ ٣٠)\n(^٢) العرباض بن سارية السلمي أبو نجيح، صحابي مشهور من أهل الصفة، مات سنة خمس وسبعين للهجرة وقيل قبل ذلك. الإصابة (٢/ ٤٦٦).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٤/ ١٢٦، ١٢٧). وأخرجه أبو داود في سننه، كتاب السنة: باب في لزوم السنة (٥/ ١٣، ١٥) ح ٤٦٠٧، وأخرجه الترمذي في سننه، كتاب العلم: باب في الأخذ بالسنة واجتناب البدعة (٥/ ٤٤) ح ٢٦٧٦ وقال: هذا حديث حسن صحيح وابن ماجة في سننه، في المقدمة: باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين (١/ ١٦). وابن حبان في صحيحه (١/ ١٣٩) والحاكم في المستدرك (١/ ٩٦) وصححه ووافقه الذهبي، والآجري في الشريعة (٤٦، ٤٧)، والدارمي في سننه، باب اتباع السنة (١/ ٤٤، ٤٥) وقال الألباني: سنده صحيح، وصححه جماعة منهم الضياء المقدسي في اتباع السنن واجتناب البدع، انظر: مشكاة المصابيح (١/ ٥٨) ح ١٦٥.","vol":"1","page":523},{"text":"سنه من أحكام وتشريعات أشد التمسك وأن يحذروا الابتداع في الدين وحكم على تلك المحدثات بالضلال والانحراف عن الطريق الذي رسمه.\nوقد رسم النبي ﷺ في هذا الحديث ركيزتين أساسيتين في هذا الدين هما:\n١ - الاتباع.\n٢ - ترك الابتداع.\nولقد سار الصحابة رضوان الله عليهم على هذه الوصية النبوية وعملوا بها، فلم يحيدوا عن سنته ﷺ، بل عملوا بها ونقلوها للأمة المحمدية من بعدهم كما سمعوها منه ﷺ وكذلك فقد كانوا أشد الناس تمسكا بسنته، وأشدهم محاربة للابتداع، في الدين، وقد كان في هذا صلاحهم وفلاحهم ونجاتهم ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح أولها.\nومن المؤسف أن كثيرا من المسلمين في وقتنا الحاضر قد اختلت عندهم كلا الركيزتين فتركوا الاتباع والاقتداء بسنة النبي ﷺ حتى أصبحت السنة عندهم أمرا مستغربا مستنكرا لجهلهم بها وبعدهم عنها واستبدلوا بذلك البدع التي لا أصل لها ولا دليل عليها من كتاب الله وسنة نبيه ﷺ، فاتخذوها دينا يدينون به فانعكست بذلك الموازين لديهم فأصبحوا يرون الحق باطلا والباطل حقا، والمعروف منكرا والمنكر معروفا، وما ذلك إلا لكونهم لم يعرفوا من الإسلام إلا اسمه ولا من الدين إلا رسمه بسبب ما هم عليه من قلة العلم وعدم معرفتهم بالسنة.\nفأين هؤلاء من وصية المصطفى ﷺ بأن يتبعوا ولا يبتدعوا.","vol":"1","page":524},{"text":"قال المصنف-رحمه الله تعالى-:\n\"ولا عين نظرت (^١) بعد النبي ﷺ-خيرًا من أبي بكر الصديق ﵁، ولا بعد أبي بكر عين نظرت خيرًا من عمر، ولا بعد عمر عين نظرت خيرًا من عثمان، ولا بعد عثمان بن عفان عين نظرت خيرًا من علي بن أبي طالب ﵃ أجمعين؛ [قال أحمد: كنا نقول أبو بكر وعمر وعثمان ونسكت عن علي حين صح لنا حديث ابن عمر بالتفضيل (^٢)].\nقال أحمد: هم والله الخلفاء الراشدون المهديون\".\n<hr><s0>\n\nأولًا: هذه المسائل المتعلقة بالمفاضلة بين أصحاب النبي ﷺ يذكرها العلماء دائمًا توطئة لمسائل الخلافة والإمامة.\nفمسألة تفضيل أبو بكر وعمر وعثمان ﵃ على باقي الصحابة، ويدخل فيها مسألة تفضيل عثمان على علي.\nوأهل السنة يعتقدون بأن خير هذه الأمة بعد النبي ﷺ أبو بكر\n_________\n(^١) في كتاب مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص: (٢٢٨) ومختصر الحجة (٢/ ٣٧٤) نص العبارة: (ولا عين تطرف بعد النبي أفضل من أبي بكر، ولا بعد أبي بكر عين تطرف أفضل من عمر، ولا بعد عمر عين تطرف أفضل من عثمان\".\n(^٢) ما بين معكوفتين مأخوذ من كتاب مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص: (٢٢٨).","vol":"1","page":525},{"text":"وعمر وعثمان، ثم علي وطلحة والزبير وسعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة بن الجراح، ثم بعد ذلك يأتي بقية العشرة، ثم يأتي بعد هذا أهل بدر، ثم يأتي بعد ذلك أهل بيعة شجرة الرضوان، ثم بعد ذلك يأتي أهل الفتح فتح مكة ثم بعد ذلك يتوالى الفضل بحسب أقدمية ذلك الذي أسلم من الصحابة.\nقال شيخ الإسلام بن تيمية ﵀: «ويقرُّون بما تَوَاتَرَ به النَّقْلُ عن أميرِ المؤمنينَ عليِّ بْنِ أبي طالبٍ ﵁ وغيرِه، مِنْ أَنَّ خَيْرَ هذه الأُمَّةِ بعد نَبِيِّهَا: أبو بكرٍ، ثُمَّ عُمَرُ، ويثُلِّثُونَ بِعُثْمَان، ويُرَبِّعُونَ بِعَلِيٍّ ﵃ أجمعين، كما دلَّت عليه الآثارُ» (^١).\nوقد أجمع الصحابة على تقديم عثمان في البيعة، وإن كان بعض السلف قد اختلفوا في التفضيل بين عثمان وعلي-فإنهم لم يختلفوا في الترتيب في البيعة للخلافة، وكل مَنْ خالف الترتيب في الخلافة فإنه من أهل البدع.\nوترتيب أهل السنة: (أبو بكرٍ، ثُمَّ عُمَرُ، ويثُلِّثُونَ بِعُثْمَان، ويُرَبِّعُونَ بِعَلِيٍّ ﵃ أجمعين).\nوإن كان ثَمَّ خلاف في التفضيل بين عثمان وعليٍّ، ولكنه لا يترتب عليه أي أثر في الانتساب لأهل السنة؛ «فقدَّم قومٌ عثمانَ، وسكتوا، وربَّعوا بعليٍّ، وقدَّم قومٌ عليًّا، وقومٌ توقَّفوا، لكن استقرَّ أمرُ أهلُ السُّنَّة على تقديم عُثْمَان ثم عليٍّ.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٢/ ٩١.","vol":"1","page":526},{"text":"ثانيًا: ذكر تفاضل الأربعة رضوان الله عليهم. (^١)\nأجمع الصحابة رضوان الله عليهم على تفضيل أبي بكر وتقديمه على سائر الصحابة ثم تفضيل عمر بعده على عثمان ثم عثمان بعد عمر على من بعده رضوان الله عليهم، وكانوا يتحدثون بذلك في زمن النبي ﷺ وهو يسمعهم فلا ينكره، ثم أجمعوا على تقديم علي بعد عثمان فقدموه وبايعوه بالخلافة.\nفالصحابة مجمعون على تفضيل أبي بكر على عمر ثم عمر على عثمان ثم عثمان على علي ﵃ أجمعين، وتفضيل أبي بكر على عمر بلا خلاف.\nقال الشافعي ﵀: «ما اختلف أحد من الصحابة والتابعين في تفضيل أبي بكر وعمر وتقديمهما على جميع الصحابة وإنما اختلف من اختلف منهم في علي وعثمان». قال البيهقي-بعد ذكره قول الشافعي هذا بسنده-: «وروينا عن جماعة من التابعين وأتباعهم نحو هذا (^٢) وقال يحيى بن سعيد القطان: «من أدركت من أصحاب النبي والتابعين لم يختلفوا في أبي بكر وعمر وفضلهما إنما كان الاختلاف في علي وعثمان (^٣)\n_________\n(^١) المصدر: مباحث المفاضلة في العقيدة: ص ٢٥٢ - ٢٦٤.\n(^٢) الاعتقاد ٣٦٩.\n(^٣) شرح أصول اعتقاد أهل السنة ٧/ ١٣٦٧.","vol":"1","page":527},{"text":"والخلاف الذي وقع في ذلك خلاف يسير، وما وقع إلا في المفاضلة بينهما، وتقديم أحدهما على الآخر في الفضل دون الخلافة، فإنهم مجمعون بلا خلاف على تقديم عثمان علي علي في الخلافة، وعلى صحة الخلافتين، ثم إن ذاك الخلاف قد انقضى واستقر أمر أهل السنة على تفضيل عثمان علي علي ورجع بعض من قال بتقديم علي إلى تقديم عثمان، يقول ابن تيمية ﵀: «مع أن بعض أهل السنة كانوا قد اختلفوا في عثمان وعلي ﵄ بعد اتفاقهم على تقديم أبي بكر وعمر، أيهما أفضل، فقدم قوم عثمان وسكتوا وربعوا بعلي، وقدم قوم عليا، وقوم توقفوا)، قال: «لكن استقر أمر أهل السنة على تقديم عثمان علي علي، وإن كانت هذه المسألة-مسألة عثمان وعلي-ليست من الأصول التي يضلل المخالف فيها عند جمهور أهل السنة، لكن التي يضلل فيها هي مسألة الخلافة، وذلك أنهم يؤمنون أن الخليفة بعد رسول الله ﷺ أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، ومن طعن في خلافة أحد من هؤلاء فهو أضل من حمار أهله» (^١).\nقال ابن حجر: «الإجماع انعقد بأخره بين أهل السنة أن ترتيبهم في الفضل كترتيبهم في الخلافة» (^٢).\nوروى ابن عبد البر بسنده أن مالكا سئل: من تقدم بعد رسول الله؟\n_________\n(^١) العقيدة الواسطية-ضمن المجموعة العلمية السعودية-ص ٨٦.\n(^٢) فتح الباري ٧/ ٣٤.","vol":"1","page":528},{"text":"قال أقدم أبا بكر وعمر ولم يزد على هذا. وروى أيضا قول مالك: «ليس من أمر الناس الذين مضوا عليه أن يفاضلوا بين الناس (^١)\nولقد روى الخلال بسنده عن أيوب السختياني أنه قال: «دخلت المدينة والناس متوافرون القاسم بن محمد وسليمان وغيرهما فما رأيت أحدا يختلف في تقديم أبي بكر وعمر وعثمان (^٢).\nهذا، وقد ذكر ابن حزم (^٣) عن بعض السلف من الصحابة وغيرهم سمى بعضهم، أن منهم من قال: أفضل الناس بعد النبي ﷺ جعفر بن أبي طالب ومنهم من قال وبعد جعفر حمزة، وأن منهم من قال إن أفضل الناس بعد النبي ﷺ عبد الله بن مسعود، وغير ذلك مما ذكره ابن حزم عن بعض السلف من غير أن يذكر إسنادًا؛ لما رواه عنهم، وقد قال ابن تيمية ﵀: «وأما ما يحكي عن بعض المتقدمين من تقديم جعفر وتقديم طلحة أو نحو ذلك فذلك في أمور مخصوصة لا تقديمًا عامًا وكذلك ما ينقل عن بعضهم في علي (^٤).\nويشهد لما قاله ابن تيمية من كلام ابن حزم نفسه فقد حمل ما ورد عن\n_________\n(^١) الانتقاء ٣٠، ٣٩.\n(^٢) السنة ص ٤٠٣.\n(^٣) انظر الفصل ٤/ ١١١\n(^٤) منهاج السنة ٢٢/ ٧٤.","vol":"1","page":529},{"text":"أم سلمة ﵂ في ذكرها زوجها قبل النبي ﷺ على أنه مذهبها في التفضيل، قال: «وروينا عن أم سلمة أم المؤمنين ﵂ أنها تذكرت الفضل ومن هو خير فقالت: ومن هو خير من أبي سلمة أول بيت هاجر إلى رسول الله ﷺ (^١)، والمروي عن أم سلمة في ذلك ما جاء في سياق قصة زواجها بالنبي ﷺ من قولها: «فلما توفي أبو سلمة استرجعت وقلت اللهم أجرني في مصيبتي واخلفني خيرا منه، قال: «ثم رجعت إلى نفسي قلت: من أين لي خير من أبي سلمة، فلما انقضت عدتي استأذن علي رسول الله ﷺ، فذكرت قصة خطبة النبي لها ثم زواجها منه ﷺ حتى قولها: «فقد أبدلني الله بأبي سلمة خيرًا منه رسول الله ﷺ (^٢) وحمل ما ورد في هذه الرواية عن أم سلمة أنه مذهبها وقولها في أفضل الناس بعد رسول الله-كما حمله ابن حزم-عجيب غاية العجب، ولقد وردت أحاديث في تفضيل أعيان من الصحابة كل واحد في أمر مخصوص كما في حديث: «أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في أمر الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل وأفرضهم زيد بن ثابت وأقرؤهم أبي ولكل أمة أمين وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن\n_________\n(^١) الفصل ٤/ ١١١.\n(^٢) أخرجه أحمد في المسند ٤/ ٢٧، ٢٨، ٦/ ٣١٣، ٣١٧، ٣٢١، والحاكم ٤/ ١٦، وصححه ووافقه الذهبي، وانظر الفتح الرباني ٢١/ ٦٧، ٦٨، وأصله في صحيح مسلم ٢/ ٦٣٣.","vol":"1","page":530},{"text":"الجراح (^١) ونحو ذلك من الأحاديث ومن قال من السلف مثلا أفرض الصحابة زيد فليس هذا قول منه بأنه أفضل الصحابة بعد النبي وإن توهم الواهم ذلك.\nوقد روى الذهبي بسنده عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: وما احتذى النعال ولا ركب المطايا ولا ركب الكور رجل أفضل من جعفر». ثم قال الذهبي: «هذا ثابت عن أبي هريرة، ولا ينبغي أن يزعم زاعم أن مذهبه: أن جعفرًا أفضل من أبي بكر وعمر، فإن هذا الإطلاق ليس هو على عمومه، بل يخرج منه الأنبياء والمرسلون، فالظاهر أن أبا هريرة لم يقصد أن يدخل أبي بكر ولا عمر ﵃» (^٢).\nومن قبيل ما ذكره ابن تيمية ﵀ ما حكاه الخطابي عن بعض المتأخرين إذ قال: «وللمتأخرين في هذا مذاهب، منهم من قال بتقديم أبي بكر من جهة الصحابة وبتقديم علي من جهة القرابة» قال: وكان بعض مشايخنا يقول: أبو بكر خير وعلي أفضل قال: وباب الخيرية غير باب الفضيلة، قال: وهذا كما تقول: إن الحر الهاشمي أفضل من العبد الرومي والحبشي، وقد يكون العبد الحبشي خيرًا من هاشمي في معنى الطاعة لله والمنفعة للناس، فباب الخيرية متعد وباب الفضيلة لازم (^٣)\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي ٥/ ٦٢٣، وابن ماجه ١/ ٢٥٥، وأحمد في المسند ٣/ ١٨٤، ٢٨١.\n(^٢) السير ١٤/ ٥٠٦.\n(^٣) معالم السنن -بهامش المختصر- ٧/ ١٨، ١٩.","vol":"1","page":531},{"text":"وهذا الذي حكاه الخطابي هو في معنى ما تقرر من أنه قد تكون في المفضول فضيلة لا توجد في الفاضل من غير أن ينال ذلك من تفضيل الفاضل على المفضول، والله أعلم.\nوكان ابن عبد البر قال: «اختلف السلف أيضا في تفضيل علي وأبي بكر» (^١) قال الزركشي: «قد غلط في ذلك ووهم» (^٢) كيف وهو نفسه ممن نقل اجتماع السلف والخلف على أن عليا أفضل الناس بعد عثمان (^٣).\nفالصحابة مجمعون على تفضيل أبي بكر على عمر ثم عمر على عثمان ثم عثمان على علي ﵃ أجمعين، ولقد اتفق-الناس-الصحابة وغيرهم-بعد مقتل عمر ﵁ على تفضيل عثمان، حكى هذا الاتفاق صاحب رسول الله صلى عليه وسلم، عبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن مسعود ﵄، أما عبد الرحمن فقد قال في قصة بيعة عثمان ﵁ لما اختاره للخلافة بعد عمر: «أما بعد، يا علي إني قد نظرت في أمر الناس فلم أرهم يعدلون بعثمان (^٤)\n_________\n(^١) الاستيعاب -بهامش الإصابة ٣/ ٥٢.\n(^٢) الإجابة ص ٥٤.\n(^٣) انظر الاستيعاب ٣/ ٥٢.\n(^٤) أخرجه البخاري انظره مع الفتح ١٣/ ١٩٤، وقد كان عبد الرحمن ﵁ قد اجتهد غاية الاجتهاد قال ابن كثير في الباعث الحثيث ص ١٥٥: «حتى سأل النساء في خدورهن والصبيان في المكاتب فلم يرهم يعدلون بعثمان أحدًا.","vol":"1","page":532},{"text":"وكان قد قال ﵁ قبل ذلك للشيخين عثمان وعلي ﵄ حين التشاور: «أفتجعلونه- (يعني أمر الاختيار) -إلي والله على أن لا آلو عن أفضلكم» (^١)\nوقال عبد الله بن مسعود ﵁ لما استخلف عثمان: «أمرنا خير من بقي ولم نأل» (^٢)\nوقال ﵁: «إنا اجتمعنا أصحاب محمد فلم نأل عن خيرنا ذي فوق فبايعنا أمير المؤمنين عثمان». (^٣)\nوقال الإمام أحمد: «لم يكن بين أصحاب رسول الله اختلاف أن عثمان أفضل من علي» (^٤).\nومضى اعتقاد أهل السنة والجماعة على ذلك إلا ما كان من خلاف يسير في المفاضلة بين عثمان وعلي أيهما أفضل؟ بعد أن أجمعوا على تقديم أبي بكر\n_________\n(^١) أخرجه البخاري انظره مع الفتح ٧/ ٦١.\n(^٢) أخرجه أحمد في فضائل الصحابة ١/ ٤٦١، قال المحقق: «إسناده صحيح، وابن سعد في الطبقات ٣/ ٦٣، والفسوي في المعرفة والتاريخ ٢/ ٧٦٠، والخلال في السنة ص ٣٨، وقال الهيثمي في المجمع ٩/ ٨٨: «رواه الطبراني بأسانيد ورجال أحدها رجال الصحيح، وأخرجه اللالكائي في الشرح ٧/ ١٣٤٢.\n(^٣) أخرجه أحمد في فضائل الصحابة ١/ ٢٩٦، ٤٦٣، قال المحقق في ص ٢٩٦: «رجال الإسناد ثقات، وقال في ص ٤٦٧: «إسناده حسن، وأخرجه ابن سعد في الطبقات ٣/ ٦٣، والفسوي في المعرفة والتاريخ ٢/ ٧٦١، وأخرجه اللالكائي في الشرح. ٧/ ١٣٤٢.\n(^٤) السنة للخلال ٣٩٢.","vol":"1","page":533},{"text":"وعمر عليهما في الفضل بلا خلاف.\nوتفضيل أبي بكر على عمر بلا خلاف.\nقال الشافعي ﵀: «ما اختلف أحد من الصحابة والتابعين في تفضيل أبي بكر وعمر وتقديمهما على جميع الصحابة وإنما اختلف من اختلف منهم في علي وعثمان». قال البيهقي-بعد ذكره قول الشافعي هذا بسنده-: «وروينا عن جماعة من التابعين وأتباعهم نحو هذا (^١) وقال يحيى بن سعيد القطان: «من أدركت من أصحاب النبي والتابعين لم يختلفوا في أبي بكر وعمر وفضلهما إنما كان الاختلاف في علي وعثمان (^٢) والخلاف الذي وقع في ذلك خلاف يسير، وما وقع إلا في المفاضلة بينهما، وتقديم أحدهما على الآخر في الفضل دون الخلافة، فإنهم مجمعون بلا خلاف على تقديم عثمان علي علي في الخلافة، وعلى صحة الخلافتين، ثم إن ذاك الخلاف قد انقضى واستقر أمر أهل السنة على تفضيل عثمان علي علي ورجع بعض من قال بتقديم علي إلى تقديم عثمان.\nيقول ابن تيمية ﵀: «مع أن بعض أهل السنة كانوا قد اختلفوا في عثمان وعلي ﵄ بعد اتفاقهم على تقديم أبي بكر وعمر، أيهما أفضل،\n_________\n(^١) الاعتقاد ٣٦٩.\n(^٢) شرح أصول اعتقاد أهل السنة ٧/ ١٣٦٧.","vol":"1","page":534},{"text":"فقدم قوم عثمان وسكتوا وربعوا بعلي، وقدم قوم عليا، وقوم توقفوا)، قال: «لكن استقر أمر أهل السنة على تقديم عثمان علي علي، وإن كانت هذه المسألة-مسألة عثمان وعلي-ليست من الأصول التي يضلل المخالف فيها عند جمهور أهل السنة، لكن التي يضلل فيها هي مسألة الخلافة، وذلك أنهم يؤمنون أن الخليفة بعد رسول الله ﷺ أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، ومن طعن في خلافة أحد من هؤلاء فهو أضل من حمار أهله» (^١).\nوقال ابن عبد البر بعد ذكره للخلاف الواقع بين أهل السنة في المفاضلة بين عثمان وعلي: «وأهل السنة اليوم على ما ذكرت لك من تقديم أبي بكر في الفضل على عمر وتقديم عمر على عثمان وتقديم عثمان على علي ﵃» (^٢)\nوقال ابن الصلاح: «وتقديم عثمان هو الذي استقرت عليه مذاهب أصحاب الحديث والسنة (^٣)»\nقال ابن حجر: «الإجماع انعقد بأخره بين أهل السنة أن ترتيبهم في الفضل كترتيبهم في الخلافة» (^٤).\nوحاصل ما كان عليه أهل السنة في المفاضلة بين عثمان وعلي قبل انعقاد إجماعهم على تفضيل عثمان ثلاثة مذاهب:\n_________\n(^١) العقيدة الواسطية-ضمن المجموعة العلمية السعودية-ص ٨٦.\n(^٢) الاستيعاب -بهامش الإصابة-٣/ ٥٤.\n(^٣) المقدمة ص ١٩٩.\n(^٤) فتح الباري ٧/ ٣٤.","vol":"1","page":535},{"text":"الأول: تفضيل عثمان ثم علي-وكان مذهب الجمهور.\nالثاني: تفضيل علي ثم عثمان-وكان قد ظهر في أهل الكوفة.\nالثالث: التوقف عن المفاضلة بينهما، وكان قد ظهر في أهل المدينة.\nفالمذهب الأول: هو الذي كان عليه عامة أهل السنة كما قال ابن عبد البر (^١) والخطابي (^٢)، وابن حجر (^٣) وغيرهم، وفي هؤلاء من توقف في التفضيل عند عثمان فقال بتفضيل عثمان بعد عمر وسكت على ذلك، مع اعتقاده بالتربيع بعلي، وإنما قصد بالتوقف عند عثمان الاقتداء بحدث ابن عمر المتقدم، وهم لا يقدمون على علي أحدًا بعد الثلاثة، ومن هؤلاء أحمد بن حنبل، وصرح ﵀ بأن التوقف عند عثمان إنما هو عمل بحديث ابن عمر فقال: نقول أبو بكر وعمر وعثمان ونسكت، على حديث ابن عمر» (^٤)\nوقال ﵀: «فإن قال قائل من بعد عثمان؟ قلت: علي (^٥) وقال ﵀ لمن سأله عمن قال: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، قال: «أذهب إليه، ويعجبني أن أقول أبو بكر وعمر وعثمان وأسكت، وإن قال رجل: وعلي، لم أعنفه، ولا يعجبني هذا القول.\n_________\n(^١) الاستيعاب ٣/ ٥٤.\n(^٢) معالم السنن -بهامش المختصر -٧/ ١٨.\n(^٣) فتح الباري ٧/ ١١.\n(^٤) السنة للخلال ص ٣٩٧.\n(^٥) السنة للخلال ص ٤. ٥.","vol":"1","page":536},{"text":"قال ابن عمر: أبو بكر وعمر وعثمان، ونترك أصحاب رسول الله له لا نفضل بينهم (^١) وقال ﵀: «من وقف على عثمان ولم يربع بعلي فهو على غير السنة» (^٢).\nوهذا المسلك مروي عن جماعة من أئمة أهل السنة كيحيي بن معين وبشر بن الحارث ويزيد بن زريع ومحمد بن عبيد وعبد الله بن المبارك، وغيرهم (^٣)، وسبق بيان أن ما ورد في حديث ابن عمر من السكوت عن علي متأول بأمور منها أن الإجماع المنعقد على تقديم علي بعد عثمان إنما حدث بعد الزمن الذي قيده ابن عمر.\nوأما المذهب الثاني: وهو تفضيل علي ثم عثمان بعد أبي بكر وعمر فهو كان مذهب عامة أهل الكوفة، قال الخطابي: «ذهب أكثر أهل الكوفة إلى تقديمه-يعني عليا-على عثمان ﵄ قال: «وحدثني محمد بن هاشم حدثنا أبو يحيى بن أبي ميسرة عن عبد الصمد قال: قلت لسفيان الثوري: «ما قولك في التفضيل؟ فقال: أهل السنة من أهل الكوفة يقولون: أبو بكر وعمر وعلي وعثمان، وأهل السنة من أهل البصرة يقولون: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃، قلت: فما تقول أنت؟\n_________\n(^١) السنة للخلال ص ٤. ٥.\n(^٢) طبقات الحنابلة ١/ ٣١٣.\n(^٣) انظر السنة للخلال ٣٩٧، ٤٠٠، ٤٠٢، ٤٠٣، ٤١٠، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة ٧/ ١٣٨٩، ١٣٩٢، ١٣٦٩.","vol":"1","page":537},{"text":"قال: أنا رجل كوفي، قال الخطابي: «قلت: وقد ثبت عن سفيان أنه قال في آخر قوليه: «أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃» (^١)، وكما رجع سفيان الثوري رجع غيره من أهل الكوفة. كما قال ابن تيمية ﵀: «إن سفيان الثوري وطائفة من الكوفة رجحوا عليًا ثم عثمان، ثم رجع عن ذلك سفيان وغيره» (^٢)\nوقال ابن حجر: «ذهب بعض السلف إلى تقديم علي على عثمان، وممن قال به سفيان الثوري، ويقال إنه رجع عنه، وقال به ابن خزيمة وطائفة قبله وبعده (^٣) هذا، وقد روى الخلال بسنده عن يحيي بن سعيد القطان أنه قال: «كان رأي سفيان الثوري: أبو بكر وعمر ثم يقف» (^٤) وكان التوقف مذهب يحيى بن سعيد وقال الإمام أحمد: «بلغني أن يحيى كان يقف عند ذكر عمر» قال: «وكان يأخذه من سفيان» (^٥) يعني الثوري، فلا أدري متى كان التوقف من سفيان؟ والله أعلم.\n_________\n(^١) معالم السنن-بهامش المختصر -٧/ ١٨.\n(^٢) الفتاوي ٤/ ٤٢٦؛ وانظر منهاج السنة ٢/ ٧٣، ٧٤.\n(^٣) فتح الباري ٧/ ١٦ وانظر الباعث الحثيث ص ١٥٦.\n(^٤) السنة ٣٧/ ٣ وقال المحقق: إسناده صحيح».\n(^٥) رواه الخلال بسنده في السنة ص ٣٧٢، وقال المحقق وإسناده صحيح).","vol":"1","page":538},{"text":"وأما المذهب الثالث: وهو التوقف عن المفاضلة بينهم، فهو رواية عن مالك، ففي المدونة قال ابن القاسم: «وسألت مالكا عن خير الناس بعد نبيهم صلوات الله وسلامه عليه، فقال: أبو بكر ثم قال: أو في ذلك شك؟ قال ابن القاسم: فقلت لمالك: فعلي وعثمان أيهما أفضل فقال: ما أدركت أحدا ممن أقتدي به يفضل أحدهما على صاحبه-يعني عليا وعثمان-ويرى الكف عنهما» (^١)\nوروى ابن عبد البر بسنده أن مالكا سئل: من تقدم بعد رسول الله؟ قال أقدم أبا بكر وعمر ولم يزد على هذا. وروى أيضا قول مالك: «ليس من أمر الناس الذين مضوا عليه أن يفاضلوا بين الناس» (^٢) وروى اللالكائي بسنده أن مالكا سئل عن علي وعثمان فقال: «ما أدركت أحدًا ممن يقتدى به إلا وهو يرى الكف عنهما، يريد التفضيل بينهما، فقيل له: فأبو بكر وعمر فقال: ليس في أبي بكر وعمر شك، يريد أنهما أفضل من غيرهما» (^٣)، وقد ذكر ابن تيمية أن مالكًا رجع عن التوقف إلى تفضيل عثمان ثم علي فقال: «أما عثمان وعلي فكان طائفة من أهل المدينة يتوقفون فيهما وهي\n_________\n(^١) المدونة ٦/ ٤٥١.\n(^٢) الانتقاء ٣٠، ٣٩.\n(^٣) شرح أصول الاعتقاد ٧/ ٣٦٨.","vol":"1","page":539},{"text":"إحدى الروايتين عن مالك» (^١)\nوقال في موضع آخر: «وبعض أهل المدينة توقف في عثمان وعلي، وهي إحدى الروايتين عن مالك، لكن الرواية الأخرى عنه تقديم عثمان علي علي كما هو مذهب سائر الأئمة» (^٢)\nوقد اعتمد ابن رشد في كلام له تقديم عثمان ثم علي في مذهب مالك وقال: «وقيل: إنه الذي رجع إليه مالك بعد أن وقف في عثمان وعلي، فلم يفضل أحدهما على صاحبه على ظاهر ما وقع في كتاب الديات من المدونة» قال ابن رشد: «على أنه كلام محتمل للتأويل» (^٣)\nوذكر السيوطي أنه قد حكى القاضي عياض عن الإمام مالك أنه رجع عن التوقف إلى تفضيل عثمان، قال القرطبي: وهو الأصح إن شاء الله (^٤) ولعل من وافق مالكا على التوقف قبل الرجوع يكون قد رجع إلى تفضيل عثمان على علي كما رجع مالك موافقة له في الرجوع بعد موافقته في التوقف، ولقد روى الخلال بسنده عن أيوب السختياني أنه قال: «دخلت المدينة والناس متوافرون القاسم بن محمد وسليمان وغيرهما فما رأيت أحدًا\n_________\n(^١) منهاج السنة ٢/ ٧٣.\n(^٢) الفتاوي ٤/ ٤٢٦.\n(^٣) الجامع من المقدمات ١٧٤ وانظر حاشية المحقق رقم (٣).\n(^٤) تدريب الراوي ٢/ ٢٢٣، وانظر لوامع الأنوار ٢/ ٣٥٦.","vol":"1","page":540},{"text":"يختلف في تقديم أبي بكر وعمر وعثمان (^١).\nوتوقف في المفاضلة بين عثمان وعلي من غير أهل المدينة يحيى بن سعيد القطان من أهل البصرة وقد استغرب عبد الرحمن بن مهدي ذلك فقال ليحيى: «بمن تقتدي في هذا وأهل البصرة ليس هذا قولهم؟!» (^٢) وذكر ابن حجر أن يحيى القطان تبع مالكا في التوقف (^٣)، ولكن قد سبق قبل قليل قول الإمام أحمد أن يحيى أخذ التوقف عن سفيان الثوري، ويحيى قد حكى هذا القول عن سفيان فقد أخرج الخلال أن يحيى بن معين قال: «قال يحيى بن سعيد: كان رأي سفيان الثوري: أبو بكر وعمر ثم يقف، قال يحيى بن معين: «وهو رأي يحيى بن سعيد» (^٤) كأنه يشير إلى أن ذلك منه موافقة سفيان فيما رواه عنه. والله أعلم.\nوالحاصل أن ما روي عن أئمة السلف من تقديم علي على عثمان أو التوقف فيهما قد رجعوا عنه واستقر مذهب أهل السنة على تفضيل عثمان ثم علي.\nوهذا هو المذهب الحق الذي لا يجوز العدول عنه لثبوته بالأدلة الشرعية من السنة والإجماع وسبق بيانهما من حديث ابن عمر وإجماع الصحابة على تقديم عثمان بعد أبي بكر وعمر وجميع ذلك ثابت صحيح كما تقدم،\n_________\n(^١) السنة ص ٤٠٣.\n(^٢) السنة للخلال ص ٣٧٢، ٣٧٣.\n(^٣) فتح الباري ٧/ ١٦.\n(^٤) السنة ص. ٣٧٣.","vol":"1","page":541},{"text":"ولذلك قال الإمام أحمد: «كل من قدم عليًا ثم عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار (^١) وكذلك قال حماد بن زيد (^٢) وروي نحو ذلك عن جماعة من الأئمة كسفيان الثوري والدارقطني وغيرهم (^٣).\nحتى إن الأئمة قد تكلموا في تبديع من يقدم عليًا على عثمان على قولين (^٤).\nوروي عن بعضهم أنه قال: من قدم عليًا على عثمان فعليه لعنة الله، وبعضهم قال: فهو أحمق (^٥).\n_________\n(^١) السنة للخلال ص ٣٩٢.\n(^٢) شرح أصول الاعتقاد ٧/ ١٣٧٠.\n(^٣) انظر السنة للخلال ٣٧٠، و٣٩٢ والفتاوى ٤/ ٤٢٢، ٤٢٦، ٤٢٨.\n(^٤) انظر السنة للخلال هي ٣٨٠ - ٨٣٢، والفتاوى ٤/ ٤٢٦.\n(^٥) انظر شرح أصول الاعتقاد ٧/ ١٣٧٠.","vol":"1","page":542},{"text":"قال المصنف-﵀:\n\"وأن نشهد للعشرة بالجنة وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف الزهري وأبو عبيدة بن الجراح\".\n<hr><s0>\n\nمن عقيدة أهل السنة والجماعة أنهم يقولون: \"نشهد بالجنة لمن شهد له النبي ﷺ منهم؛ فقد شهد ﷺ للعشرة؛ فقال: «أبو بكر في الجنة، وعمرُ في الجنة، وعليٌّ في الجنة، وعثمان في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وسعد بن أبي وقاص في الجنة، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل في الجنة، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة» (^١).\nوشهد ﷺ لثابت بن قيس بالحنة؛ فعن أنس بن مالك؟ أنه قال: «لما نزلت هذه الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي﴾ [الحجرات: ٢] إلى آخر الآية، جلس ثابت بن قيس في بيته، وقال: أنا مِنْ أهل النار، واحتبس عن النبي ﷺ، فسأل النبي ﷺ سعد بن معاذ، فقال: «يا أبا عمرو، ما شأنُ ثابت؟ اشتكى؟». قال سعد: إنه لجاري، وما علمتُ له بشكوى، قال: فأتاه سعد، فذكر له قول رسول الله ﷺ، فقال ثابت:\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في «مسنده» (١٦٧٥) والترمذي (٣٧٤٧)، وصححه الألباني في «صحيح الترمذي» (٢٩٤٦).","vol":"1","page":543},{"text":"أُنْزِلَت هذه الآية، ولقد علمتم أني مِنْ أرفعكم صوتًا على رسول الله ﷺ، فأنا مِنْ أهل النار، فذكر ذلك سعدٌ للنبي ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: «بل هو مِنْ أهلِ الجَنَّة» (^١).\nوشهد ﷺ لعُكَّاشة بن محصن ﵁ أنه من السَّبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حسابٍ (^٢).\nوشهد ﷺ لبلالٍ بالجنة؛ فعن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال لبلال عند صلاة الفجر: «يا بلال، حَدِّثني بأرجى عمل عملتَه في الإسلام؛ فإني سمعتُ دَفَّ نَعليك (^٣) بين يدي في الجنَّة!». قال: ما عملت عملًا أرجى عندي: أني لم أتطهر طهورًا-في ساعة ليل أو نهار-إلَّا صَلَّيت بذلك الطهور ما كُتِب لي أن أُصَلِّي» (^٤).\nوبشَّر ﷺ خديجة بنت خويلد ببيت في الجنة مِنْ قَصب؛ لا صخب، فيه ولا نصب (^٥).\nوقال ﷺ لعائشة ﵂: «أَنتِ زوجتي في الدنيا والآخرة» (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١١٩).\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٧٥٢) ومسلم (٢٢٠) من حديث ابن عباس ﵄.\n(^٣) أي: حركة نعليه وصوتهما في الأرض.\n(^٤) أخرجه البخاري (١١٤٩).\n(^٥) أخرجه البخاري (٣٨١٩) ومسلم (٢٤٣٣) من حديث عبد الله بن أبي أوفى ﵁. أخرجه البخاري (٣٨١٩) ومسلم (٢٤٣٣) من حديث عبد الله بن أبي أوفى ﵁.\n(^٦) أخرجه ابن حبان في «صحيحه» (٧٠٩٥)، من حديث عائشة ﵂، وصححه الألباني في «التعليقات الحسان» (٧٠٥٣).","vol":"1","page":544},{"text":"وشهد ﷺ لغيرهم من الصحابة.\nفكلُّ مَنْ ثبت أنَّ النبي ﷺ قد شهد لهم بالجنة-فإننا نشهد لهم كذلك.\nقال ابن كثير: \"وفي هذا وأمثاله دلالة على أنه لا يقطع لمعين بالجنة إلا الذي نص الشارع على تعيينهم كالعشرة، وابن سلام، والعميصاء، وبلال، وسراقة، وعبد الله بن عمرو بن حرام والد جابر، والقراء السبعين الذين قتلوا ببئر معونة، وزيد بن حارثة، وجعفر، وابن رواحة، وما أشبه هؤلاء ﵃\" (^١). ومثله قال العيني في العمدة.\nوقد بوب عليه البيهقي: \"باب لا يشهد لأحد بجنة ولا نار إلاّ لمن شهد له رسول الله ﷺ بها\" (^٢).\nوقال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب: \"لا أحد يشهد لأحد بالجنة أو النار إلا من ثبت له ذلك. وأهل السنة والجماعة لا يشهدون لِمُعَيَّنٍ بالجنة إلا لمن شهد له رسول الله ﷺ بأنه من أهل الجنة، كالعشرة وغيرهم من الصحابة ﵃، الذين ثبتت الأحاديث في تعيينهم أنهم من أهل الجنة\" (^٣).\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير: (٤/ ١٥٦).\n(^٢) (الكبرى ٤/ ٧٦).\n(^٣) جواب أهل السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والزيدية (٢٠٦).","vol":"1","page":545},{"text":"جاء في تكملة المجموع شرح المهذب: \"من ثبت عليه منهم أن يكفر من شهد له النبي ﷺ بالجنة من العشرة وغيرهم فهو كافر\" (^١)\nنص الرسول-ﷺ-نصًا صريحًا على أن عشرة من أصحابه من أهل الجنة، ففي (مسند أحمد)، و(سنن الترمذي) عن عبد الرحمن بن عوف عن النبي ﷺ-قال: «أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وسعد بن أبي وقاص في الجنة، وسعيد بن زيد في الجنة، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة». (^٢) وإسناده صحيح\nوروى الحديث الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه والضياء في المختارة عن سعيد بن زيد بلفظ فيه شيء من الاختلاف عن سابقه، ولفظه: «عشرة في الجنة: النبي في الجنة، وأبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير بن العوام في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وسعيد بن زيد في الجنة». (^٣) وإسناده صحيح.)\n_________\n(^١) تكملة المجموع شرح المهذب: (٢/ ٢٦). وانظر: حاشية ابن عابدين (١/ ٢١٨).\n(^٢) رواه الترمذي (٣٧٤٧)، وأحمد (١/ ١٩٣) (١٦٧٥). وحسنه ابن حجر في «هداية الرواة» (٥/ ٤٣٦) -كما ذكر في مقدمته-. وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد» (٣/ ١٣٦): إسناده صحيح. وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح.\n(^٣) رواه أبو داود (٤٦٤٩)، وابن ماجه (١٣٣)، وأحمد (١/ ١٨٨) (١٦٣١). والحديث سكت عنه أبو داود. وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد» (١/ ١١٠): إسناده صحيح. وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: صحيح.","vol":"1","page":546},{"text":"فأَهْلَ السُّنَّةِ يَشْهَدُونَ أَنَّ الْعَشَرَةَ فِي الْجَنَّةِ، قال ابن كثير: \"لا يقطع لمعين بالجنة إلا الذي نص الشارع على تعيينهم كالعشرة، وابن سلام، والعميصاء، وبلال، وسراقة، وعبد الله بن عمرو بن حرام والد جابر، والقراء السبعين الذين قتلوا ببئر معونة، وزيد بن حارثة، وجعفر، وابن رواحة، وما أشبه هؤلاء ﵃\" (^١).\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير: (٤/ ١٥٦).","vol":"1","page":547},{"text":"قال المصنف-﵀:\n\n\"و<span data-type='title' id=toc-163>من شهد النبي ﷺ-له بالجنة شهدنا له بالجنة\".</span>\n<hr><s0>\n\n\n<span data-type='title' id=toc-164>أولًا: أقسام الشهادة.</span>\nيقسم أهل السنة الشهادة إلى قسمين عامة وخاصة:\nفالعامة: أنَّهُمْ يَجْزِمُونَ بِالنَّجَاةِ لِكُلِّ مَنِ اتَّقَى اللَّهَ، كَمَا نَطَقَ بِهِ الْقُرْآنُ.\nوالخاصة: هي المعلقة بشخص، مثل أن نشهد لشخص معين بأنه في الجنة أو لشخص معين بأنه في النار، فلا نعيّن إلا ما عيّنه الله أو رسوله.\n• قال شيخ الإسلام ابنن تيمية: \"اعْتِقَادُ أَهْلِ السُّنَّةِ أنَّهُمْ يَجْزِمُونَ بِالنَّجَاةِ لِكُلِّ مَنِ اتَّقَى اللَّهَ، كَمَا نَطَقَ بِهِ الْقُرْآنُ. وَإِنَّمَا يَتَوَقَّفُونَ فِي الشَّخْصِ الْمُعَيَّنِ لِعَدَمِ الْعِلْمِ بِدُخُولِهِ فِي الْمُتَّقِينَ، فَإِنَّهُ إِذَا عُلِمَ أَنَّهُ مَاتَ عَلَى التَّقْوَى عُلِمَ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ. وَلِهَذَا يَشْهَدُونَ بِالْجَنَّةِ لِمَنْ شَهِدَ لَهُ الرَّسُولُ [صَلَّى للَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] وَلَهُمْ فِيمَنِ اسْتَفَاضَ فِي النَّاسِ حُسْنُ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ قَوْلَانِ\" (^١).\n• قال الشيخ ابن عثيمين: \"الشهادة بالجنة أو بالنار ليس للعقل فيها مدخل فهي موقوفة على الشرع فمن شهد له الشارع بذلك؛ شهدنا له، ومن لا؛ فلا، لكننا نرجو للمحسن، ونخاف على المسيء،\n_________\n(^١) منهاج السنة ٣/ ٤٩٦ - ٤٩٧","vol":"1","page":548},{"text":"وتنقسم الشهادة إلى قسمين عامة وخاصة:\nفالعامة: هي المعلقة بالوصف، مثل أن نشهد لكل مؤمن بأنه في الجنة، أو لكل كافر بأنه في النار، أو نحو ذلك من الأوصاف التي جعلها الشارع سببًا لدخول الجنة.\nوالخاصة: هي المعلقة بشخص، مثل أن نشهد لشخص معين بأنه في الجنة أو لشخص معين بأنه في النار، فلا نعيّن إلا ما عيّنه الله أو رسوله. \"اه (^١)\n\n<span data-type='title' id=toc-165>ثانيًا: مسألة الشهادة لمعين بجنة أو نار.</span>\nفمن معتقد أهل السنة والجماعة أن من كان من أهل القبلة لا يشهد له بالجنة ولا يشهد له بالنار، لكن نرجو للمحسن ونخاف على المسيء، إلا من شهد له الرسول ﷺ.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"إِنَّمَا قَدْ نَقِفُ فِي الشَّخْصِ الْمُعَيَّنِ؛ فَلَا نَشْهَدُ لَهُ بِجَنَّةٍ وَلَا نَارٍ إِلَّا عَنْ عِلْمٍ، لِأَنَّ حَقِيقَةَ بَاطِنِهِ وَمَا مَاتَ عَلَيْهِ لَا نُحِيطُ بِهِ، لَكِنْ نَرْجُو لِلْمُحْسِنِ وَنَخَافُ عَلَى الْمُسِيءِ.\nوأهل السنة لَهُمْ فِي الشَّهَادَةِ بِالْجَنَّةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ:\nالقول الأول: مِنْهُمْ مَنْ لَا يَشْهَدُ بِالْجَنَّةِ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْأَنْبِيَاءِ. وَهَذَا قَوْلُ مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ وَالْأَوْزَاعِيِّ.\n_________\n(^١) شرح اللمعة (ص ١٤٤).","vol":"1","page":549},{"text":"وَالقول الثَّانِي: أَنَّهُ يَشْهَدُ بِالْجَنَّةِ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ جَاءَ فِيهِ نَصٌّ. وَهَذَا قَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ. \" (^١).\nوقد استدل لهذا القول:\n-حديث الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: \"إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة\"، وهذا في حديث الذي قتل نفسه بعد أن أثنى عليه الناس.\n-الحديث الآخر: \"إن الرجل منكم ليعمل حتى ما يكون بينه وبين الجنة إلا ذراع فيسبق عليه كتابه فيعمل بعمل أهل النار ويعمل حتى ما يكون بينه وبين النار إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة\" (^٢). والشاهد من هذه الأحاديث أن خاتمة السوء لا تؤمن فكيف يقطع للرجل بالجنة؟\n-حديث أبي هريرة في الصحيح قال خرجنا مع رسول الله ﷺ يوم خيبر فلم نغنم ذهبا ولا فضة إلا الأموال والثياب والمتاع فأهدى رجل من بني الضبيب يقال له رفاعة بن زيد لرسول الله ﷺ غلاما يقال له مدعم فوجه رسول الله ﷺ إلى وادي القرى حتى إذا كان بوادي\n_________\n(^١) انظر المسألة في منهاج السنة: ٣/ ٤٩٧ - ٥٠٠.\n(^٢) أخرجه البخاري: (٣٢٠٨)، ومسلم: (٢٦٤٣).","vol":"1","page":550},{"text":"القرى بينما مدعم يحط رحلًا لرسول الله ﷺ إذا سهم عائر فقتله فقال الناس هنيئا له الجنة فقال رسول الله ﷺ كلا والذي نفسي بيده إن الشملة التي أخذها يوم خيبر من المغانم لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه نارا\" (^١).\nفهذا مع شهادة الناس له بالجنة بين النبي ﷺ أن حقيقة حاله على خلاف ما شهد له به.\n-حديث أم العلاء في البخاري قالت: \"سكن عندنا عثمان بن مظعون فاشتكى فمرضناه حتى إذا توفي وجعلناه في ثيابه دخل علينا رسول الله ﷺ فقلت رحمة الله عليك أبا السائب فشهادتي عليك لقد أكرمك الله فقال لي النبي ﷺ وما يدريك أن الله أكرمه فقلت لا أدري بأبي أنت وأمي يا رسول الله فقال رسول الله ﷺ أما عثمان فقد جاءه والله اليقين وإني لأرجو له الخير والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل به قالت فوالله لا أزكي أحدا بعده أبدا وأحزنني ذلك قالت فنمت فأريت لعثمان عينا تجري فجئت إلى رسول الله ﷺ فأخبرته فقال ذاك عمله\" (^٢)، والشاهد من الحديث نص وإقرار، أما النص فالقصة وما وجه به النبي ﷺ فيها، وأما الإقرار فلقولها لا أزكي أحدًا بعده.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري: (٦٣٢٩).\n(^٢) أخرجه البخاري: (٢٥٤١)","vol":"1","page":551},{"text":"وهذا كالصريح في النهي، قال ابن كثير: \"وفي هذا وأمثاله دلالة على أنه لا يقطع لمعين بالجنة إلا الذي نص الشارع على تعيينهم كالعشرة، وابن سلام، والعميصاء، وبلال، وسراقة، وعبد الله بن عمرو بن حرام والد جابر، والقراء السبعين الذين قتلوا ببئر معونة، وزيد بن حارثة، وجعفر، وابن رواحة، وما أشبه هؤلاء ﵃\" (^١). ومثله قال العيني في العمدة.\nوقد بوب عليه البيهقي: \"باب لا يشهد لأحد بجنة ولا نار إلاّ لمن شهد له رسول الله ﷺ بها\" (^٢).\nهذا مع أن عثمان بن مظعون (أبو السائب) ﵁ بدري قال الله له اصنع ما شئت فقد غفرت لك، ورُوى أنه لمّا مات دخل عليه النبي محمد فقبَّله، وقال»: رَحِمَكَ اللَّهُ يَا عُثْمَانُ، مَا أَصَبْتَ مِنَ الدُّنْيَا وَلا أَصَابَتْ مِنْكَ «. (^٣) ورأت زوجته أم العلاء في منامها عينًا تجري له؛ فذكرت ذلك للنبي فقال»: ذَاكَ عَمَلُهُ «(^٤)، وقد روي أنه قبله وسالت دموعه، وهو أول من دفن بالبقيع ومع ذلك يقول: \"وما يدريك؟! وإني لأرجو له الخير والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل به\".\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير: (٤/ ١٥٦).\n(^٢) (الكبرى ٤/ ٧٦).\n(^٣) حلية الأولياء ح (٣٢٦).\n(^٤) حلية الأولياء ح (٣٢٢).","vol":"1","page":552},{"text":"وممن نقل عنه القول في هذه المسألة من العلماء:\n• ما روي عن الإمام سفيان بن عيينة في اعتقاده قوله: السنة عشرة فمن كن فيه فقد استكمل السنة ومن ترك منها شيئا فقد ترك السنة: إثبات القدر وتقديم أبي بكر وعمر والحوض والشفاعة والميزان والصراط والإيمان قول وعمل والقرآن كلام الله وعذاب القبر والبعث يوم القيامة ولا تقطعوا بالشهادة على مسلم. (^١)\n• ونقل عن الإمام أحمد فيمن خرج عليه اللصوص والخوارج قال: \"وإن قتل هذا في تلك الحال وهو يدفع عن نفسه وماله رجوت له الشهادة كما جاء في الأحاديث (^٢).\n• وقال الإمام أحمد: \"ولا نشهد على أهل القبلة بعمل يعمله بجنة ولا نار، نرجو للصالح ونخاف عليه ونخاف على المسيء المذنب، ونرجو له رحمة الله\". اه (^٣)\n• وهي عين كلمة علي بن المديني كما وروى عن سفيان الثوري قوله: \"يا شعيب بن حرب لا ينفعك ما كتبت لك حتى لا تشهد لأحد بجنة ولا نار إلا للعشرة الذين شهد لهم رسول الله،\n_________\n(^١) رواه الإمام اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (١/ ١٥٦)\n(^٢) اعتقاد الإمام أحمد (١/ ١٦١)\n(^٣) أصول السنة (ص ٥٠)","vol":"1","page":553},{"text":"وكلهم من قريش\". اه (^١)\n• وقال الإمام أبو عمرو الداني: \"ومن قولهم: أن لا ينزل أحد من أهل القبلة جنة ولا نارا إلا من ورد التوقيف بتنزيله، وجاء الخبر من الله ﵎، ورسوله عن عاقبة أمره\". (^٢)\n• وقال الإمام أبو عثمان الصابوني: \"ويعتقد ويشهد أصحاب الحديث أن عواقب العباد مبهمة لا يدري أحد بم يُختم له، ولا يحكمون لواحد بعينه أنه من أهل الجنة، ولا يحكمون على أحد بعينه أنه من أهل النار؛ لأن ذلك مغيّب عنهم لا يعرفون على ما يموت عليه الإنسان، أعلى الإسلام أم على الكفر. \" (^٣)\n• وقال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب: \"لا أحد يشهد لأحد بالجنة أو النار إلا من ثبت له ذلك. وأهل السنة والجماعة لا يشهدون لِمُعَيَّنٍ بالجنة إلا لمن شهد له رسول الله ﷺ بأنه من أهل الجنة، كالعشرة وغيرهم من الصحابة ﵃، الذين ثبتت الأحاديث في تعيينهم أنهم من أهل الجنة. وأما مَنْ سواهم فلا يشهدون له بذلك، ولكنهم يرجون لجميع المؤمنين دخول الجنة، ويخافون على مَنْ أذنب من النار، ولا يقطعون لمعين بأنه من أهل الجنة أو من أهل النار إلا من ثبت له ذلك\". اه (^٤).\n_________\n(^١) اعتقاد أهل السنة للالكائي (١/ ١٦٢).\n(^٢) الرسالة الوافية (ص ٩٦)\n(^٣) اعتقاد أصحاب الحديث (ص ٩٦).\n(^٤) جواب أهل السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والزيدية (٢٠٦).","vol":"1","page":554},{"text":"فهذا مذهب جمهور أهل السنة كما ترى.\nوَالقول الثَّالِثُ: يَشْهَدُ بِالْجَنَّةِ لِهَؤُلَاءِ وَلِمَنْ شَهِدَ لَهُ الْمُؤْمِنُونَ. كَمَا قَالَ النَّبِيُّ-ﷺ: \" «أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ» \" (^١).\nوَقَالَ: \" «يُوشِكُ أَنْ تَعْلَمُوا أَهْلَ الْجَنَّةِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ \" قَالُوا: بِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: \" بِالثَّنَاءِ الْحَسَنِ وَالثَّنَاءِ السَّيِّئِ»؛ «أَنْتُمْ شُهَدَاءُ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ» (^٢).\nفَأَخْبَرَ أَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يُعْلَمُ بِهِ أَهْلُ الْجَنَّةِ وَأَهْلُ النَّارِ. وَكَانَ أَبُو ثَوْرٍ يَقُولُ: \" أَشْهَدُ أَنَّ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ فِي الْجَنَّةِ \" وَيَحْتَجُّ بِهَذَا\" (^٣).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وَالْقَوْلُ بِكَوْنِ الرَّجُلِ الْمُعَيَّنِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ قَدْ يَكُونُ سَبَبُهُ:\n• إِخْبَارَ الْمَعْصُومِ، فأَهْلَ السُّنَّةِ يَشْهَدُونَ أَنَّ الْعَشَرَةَ فِي الْجَنَّةِ (^٤)، وَيَشْهَدُونَ «أَنَّ اللَّهَ قَالَ لِأَهْلِ بَدْرٍ: \" «اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ» (^٥).\nبَلْ يَقُولُونَ: إِنَّهُ \" «لَا يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ» \"، كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ-ﷺ.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٣٦٧)، ومسلم (٩٤٩).\n(^٢) أخرجه أحمد (٣٩/ ٥٠٤)، وقال الشيخ شعيب: «حديث صحيح».\n(^٣) «منهاج السنة» (٥/ ٢٩٥).\n(^٤) أخرجه البخاري (٣٠٠٧)، ومسلم (٢٤٩٤).\n(^٥) أخرجه أبو داود (٤٦٥٣)، والترمذي (٣٨٦٠)، وقال: «هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ»، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود».","vol":"1","page":555},{"text":"فَهَؤُلَاءِ أَكْثَرُ مِنْ أَلْفٍ وَأَرْبَعِمِائَةِ إِمَامٍ لِأَهْلِ السُّنَّةِ، يَشْهَدُونَ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ النَّارَ مِنْهُمْ أَحَدٌ، وَهِيَ شَهَادَةٌ بِعِلْمٍ كَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ.\n• وَقَدْ يَكُونُ سَبَبُهُ تَوَاطُؤَ شَهَادَاتِ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ هُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ. كَمَا فِي الصَّحِيحِ «عَنِ النَّبِيِّ-ﷺ-أَنَّهُ مُرَّ عَلَيْهِ بِجِنَازَةٍ، فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْرًا فَقَالَ: \"وَجَبَتْ وَجَبَتْ\". وَمُرَّ عَلَيْهِ بِجِنَازَةٍ، فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا: شَرًّا فَقَالَ: \"وَجَبَتْ وَجَبَتْ\". فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا قَوْلُكَ: وَجَبَتْ وَجَبَتْ؟ قَالَ: «هَذِهِ الْجِنَازَةُ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهَا خَيْرًا، فَقُلْتُ: وَجَبَتْ لَهَا الْجَنَّةُ. وَهَذِهِ الْجِنَازَةُ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهَا شَرًّا، فَقُلْتُ: \"وَجَبَتْ لَهَا النَّارُ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ\"» (^١).\nوَفِي الْمُسْنَدِ عَنِ النَّبِيِّ-ﷺ-أَنَّهُ قَالَ: «يُوشِكُ أَنْ تَعْلَمُوا أَهْلَ الْجَنَّةِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ» قَالُوا: بِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «بِالثَّنَاءِ الْحَسَنِ وَالثَّنَاءِ السَّيِّئِ» (^٢)\n• وَقَدْ يَكُونُ سَبَبُ ذَلِكَ تَوَاطُؤُ رُؤْيَا الْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّ النَّبِيَّ-ﷺ-قَالَ: \" «لَمْ يَبْقَ بَعْدِي مِنَ النُّبُوَّةِ إِلَّا الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ، يَرَاهَا الرَّجُلُ الْمُؤْمِنُ الصَّالِحُ أَوْ تُرَى لَهُ» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٩٤٩).\n(^٢) أخرجه أحمد (١٥٤٣٩)، قال الشيخ شعيب: «حديث صحيح».\n(^٣) الْحَدِيثُ-مَعَ اخْتِلَافٍ فِي الْأَلْفَاظِ-عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ-﵁-فِي: الْبُخَارِيِّ ٩/ ٣١ (كِتَابُ التَّعْبِيرِ، بَابُ الْمُبَشِّرَاتِ)، وَجَاءَ جُزْءٌ مِنْ حَدِيثٍ آخَرَ بِنَفْسِ الْمَعْنَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ-﵄-فِي مُسْلِمٍ ١/ ٣٤٨ (كِتَابُ الصَّلَاةِ، بَابٌ فِي الدُّعَاءِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ)، سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ ١/ ٣٢١ (كِتَابُ الصَّلَاةِ، بَابٌ فِي الدُّعَاءِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ)، سُنَنِ النَّسَائِيِّ ٨/ ١٤٨ (كِتَابُ التَّطْبِيقِ، بَابُ تَعْظِيمِ الرَّبِّ فِي الرُّكُوعِ)، سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ ٢/ ١٢٨٣ (كِتَابُ تَعْبِيرِ الرُّؤْيَا، بَابُ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةِ يَرَاهَا الْمُسْلِمُ أَوْ تُرَى لَهُ)، الْمُسْنَدِ (ط. الْمَعَارِفِ) ٣/ ٢٧٥.","vol":"1","page":556},{"text":"وَسُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [سُورَةُ يُونُسَ: ٦٤] قَالَ: «هِيَ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الرَّجُلُ الصَّالِحُ أَوْ تُرَى لَهُ» (^١).\nوَقَدْ فَسَّرَهَا أَيْضًا بِثَنَاءِ الْمُؤْمِنِينَ، «فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الرَّجُلُ يَعْمَلُ لْعَمَلَ لِنَفْسِهِ فَيَحْمَدُهُ النَّاسُ عَلَيْهِ. فَقَالَ: «تِلْكَ عَاجِلُ بُشْرَى الْمُؤْمِنِ» (^٢).\nوَالرُّؤْيَا قَدْ تَكُونُ مِنَ اللَّهِ، وَقَدْ تَكُونُ مِنْ حَدِيثِ النَّفْسِ، وَقَدْ تَكُونُ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا تَوَاطَأَتْ رُؤْيَا الْمُؤْمِنِينَ عَلَى أَمْرٍ كَانَ حَقًّا، كَمَا إِذَا تَوَاطَأَتْ رِوَايَاتُهُمْ أَوْ رَأْيُهُمْ فَإِنَّ الْوَاحِدَ قَدْ يَغْلَطُ أَوْ يَكْذِبُ، وَقَدْ يُخْطِئُ فِي الرَّأْيِ، أَوْ يَتَعَمَّدُ الْبَاطِلَ، فَإِذَا اجْتَمَعُوا لَمْ يَجْتَمِعُوا عَلَى ضَلَالَةٍ، وَإِذَا تَوَاتَرَتِ الرِّوَايَاتُ أَوْرَثَتِ الْعِلْمَ، وَكَذَلِكَ الرُّؤْيَ قَالَ: النَّبِيُّ-ﷺ: «أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ\n_________\n(^١) الْحَدِيثُ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ وَعُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ-﵄-فِي سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ ٣/ ٣٦٤ - ٣٦٥ (كِتَابُ الرُّؤْيَا، بَابُ ذَهَبَتِ النُّبُوَّةُ وَبَقِيَتِ الْمُبَشِّرَاتُ)، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ: وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَتَكَرَّرَ هَذَا الْحَدِيثُ: ٤/ ٣٥٠ (كِتَابُ التَّفْسِيرِ، وَمِنْ سُورَةِ يُونُسَ)، سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ ٢/ ١٢٨٣ (كِتَابُ تَعْبِيرِ الرُّؤْيَا، بَابُ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةِ)\n(^٢) الْحَدِيثُ-مَعَ اخْتِلَافٍ فِي الْأَلْفَاظِ-عَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ-﵁-فِي مُسْلِمٍ ٤/ ٢٠٣٤ - ٢٠٣٥ (كِتَابُ الْبِرِّ وَالصِّلَةِ وَالْآدَابِ، بَابُ إِذَا أُثْنِيَ عَلَى الصَّالِحِ فَهِيَ بُشْرَى وَلَا تَضُرُّ)، سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ ٢/ ١٤١٢ (كِتَابُ الزُّهْدِ، بَابُ الثَّنَاءِ الْحَسَنِ)، الْمُسْنَدِ (ط. الْحَلَبِيِّ) ٥/ ١٥٦، ١٥٧، ١٦٨.","vol":"1","page":557},{"text":"عَلَى أَنَّهَا فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مُتَحَرِّيَهَا، فَلْيَتَحَرَّهَا فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ» (^١) \" (^٢)\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وكذلك من أجمعت الأمة على الثناء عليه فإننا نشهد له بالجنة فمثلا الإمام أحمد ﵀ الشافعي أبو حنيفة مالك سفيان الثوري سفيان بن عيينة وغيرهم من الأئمة أجمعت الأمة على الثناء عليهم فنشهد لهم بأنهم من أهل الجنة. شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أجمع الناس بالثناء عليه إلا من شذ ومن شذ، شذ في النار يشهد له بالجنة على هذا الرأي. \" اه (^٣) والله أعلم.\nوقد أجيب على أدلة هذا القول بأن الحديث الأول يفيد أن شهادة المؤمنون\n_________\n(^١) الْحَدِيثُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ-﵄، فِي الْبُخَارِيِّ ٣/ ٤٦ (كِتَابُ فَضْلِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، بَابُ الْتِمَاسِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ)، مُسْلِمٍ ٢/ ٨٢٢ (كِتَابُ الصِّيَامِ، بَابُ فَضْلِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ)، الْمُوَطَّأِ ١/ ٣٢١ (كِتَابُ الِاعْتِكَافِ، بَابُ مَا جَاءَ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ)، الْمُسْنَدِ (ط. الْمَعَارِفِ) ٦/ ٢٣١.\n(^٢) منهاج السنة: ٣/ ٤٩٧ - ٥٠٠.\n(^٣) لعل الشيخ ابن عثيمين-رحمه الله تعالى-ذكره بالمعنى وهذا نصه قال ابن تيمية: (وَمَعَ هَذَا يُمكن الْعلم بذلك للْوَلِيّ نَفسه وَلغيره وَلكنه قَلِيل وَلَا يجوز لَهُمْ الْقطع على ذَلِك فَمن ثبتَتْ ولَايَته بِالنَّصِّ وَأَنه من أهل الْجنَّة كالعشرة وَغَيرهم فعامة أهل السّنة يشْهدُونَ لَهُ بِمَا شهد لَهُ بِهِ النَّص، وَأما من شاع لَهُ لِسَان صدق فِي الْأمة بِحَيْثُ اتّفقت الْأمة على الثَّنَاء عَلَيْهِ فَهَلْ يشْهد لَهُ بذلك هَذَا فِيهِ نزاع بَين أهل السّنة وَالْأَشْبَه أَنْ يشْهد لَهُ بذلك هَذَا فِي الْأَمر الْعَام) دقائق التفسير الجامع لتفسير ابن تيمية (٢/ ٢٢١).","vol":"1","page":558},{"text":"لبعضهم بالخير والصلاح توجب نفعه وصلاحه في الآخرة، ولا يجزم بها على العموم، فإحسان الظن بالمسلمين هو الأصل ولكن هذا لا يبنى عليه يقين بمآله.\nوهنا فائدة مهمة على قوله: \"وجبت وجبت\" وهي على الصحيح من التحقيق والجزم، فقيل إنها من خصائصه ﷺ، ولا يجزم بها لغيره لأنها غيب، ولعل نبينا اطلع على ذلك بطريق الوحي. واختار هذا القول ابن التين.\nويرده قول عمر لها أيضا لجنازة مرت عليه، كما في الصحيح.\nوفي معناها أيضا قال الإمام الطحاوي:\n(وجه ذلك عندنا والله أعلم أن الشهادة بالخير لمن شهد له به ستر من الله ﷿ عليه في الدنيا ومن ستره الله ﷿ في الدنيا لم يرفع عنه ستره في الآخرة) اه (^١)\nومما قيل في معناها أيضا: أن انطلاق الألسنة بالثناء الحسن علامة على وجوب الجنة للمثنى عليه به، وليست جزما على الغيب. والله أعلم.\nأما الحديث الثاني: فهو أصرح في بيان المقصود لقوله: «يوشك» وقوله: «بالثناء الحسن والثناء السيئ» يعني ما هو إلا ثناء على الظاهر لا يجزم له على الحقيقة بالجنة أو النار، فيخلص من هذا أن الكلمة على الرجاء والتمني وليست على التحقيق والتألي.\nومن الخلاف: هل هذا خاص بزمن الصحابة أم أنه عاما للمؤمنين في كل زمان؟\n_________\n(^١) بيان مشكل الآثار (٨/ ١٠٨)","vol":"1","page":559},{"text":"الصحيح المختار: أنه عام ولكن في غير زمن الصحابة يحتاج إلى الإجماع.\nوعليه فرأي الجمهور هو الصواب، وهو أنه لا يشهد لأحد بأنه من أهل الجنة أو من أهل النار إلا إذا ورد نص أو إجماع.\nوأعني بالإجماع هنا ما يراد به حكم الجماعة المسلمة في وقت ما على المعين بأنه من أهل الجنة، فهو من أهل الجنة إن شاء الله تعالى حسب الظاهر للمسلمين وقتئذ ولا يقطع به جزما لأنه ضرب من الغيب، لذلك نصوب من يقول: هو من أهل الجنة إن شاء الله تعالى.\nوعلى هذا: لا يصح الاستثناء للمعين بالشهادة فنقول هو شهيد إن شاء الله، للنهي الوارد فيما ذكرنا أعلاه، وإنما نقول نرجو له الشهادة أو نقول كما علمنا عمر: من فعل كذا فهو شهيد عن عُمَرَ أَنَّهُ خَطَبَ فَقَالَ تَقُولُونَ فِي مَغَازِيكُمْ فُلَانٌ شَهِيدٌ وَمَاتَ فَلَانٌ شَهِيدًا وَلَعَلَّهُ قَدْ يَكُونُ قَدْ أَوْقَرَ رَاحِلَتَهُ أَلَا لَا تَقُولُوا ذَلِكُمْ وَلَكِنْ قُولُوا كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ مَاتَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ قُتِلَ فَهُوَ شَهِيدٌ\" (^١).\nوخلاصة القول: هذه المسألة من مسائل الأسماء والأحكام، فليس لك أن تشهد لمعين أنه من أهل الجنة أو من أهل النار، لأنك لا تدري ماذا يُختم له،\n_________\n(^١) انظر فتح الباري لابن حجر (٦/ ٩٠).","vol":"1","page":560},{"text":"فقد يُصبح المرء مسلمًا ويُمسي كافرًا يمسي كافرًا ويصبح مؤمنًا، فلا يُدرى ما هي خاتمة كل أحدٍ منا، ولذلك كان من الدعاء: اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك.\nفقد ترى الرجل على معصية وعلى شر، وعلى حالٍ لا يرضي الله ﷿ لكن قد يُختم له بخاتمة حسنة، فقد يتوب فيتوب الله عليه، فلذلك لا نشهد لأحدٍ بعينه بجنة أو نار، لكن نرجو للمحسن الخير ونخاف على المسيء، فإنك لا تدري بما يُختم له عند الموت ترجو له رحمة الله وتخاف عليه ذنوبه، فترجو إذا كان على خير أن يُختم له بخير، وإن كان على شر أن يُختم له إن شاء الله تعالى بتوبة.","vol":"1","page":561},{"text":"قال المصنف-﵀:\n\"ورفع اليدين في الصلاة زيادة في الحسنات\".\n<hr><s0>\n\n\n<span data-type='title' id=toc-166>رفع اليدين في الصلاة له عدة مواطن.</span>\n<span data-type='title' id=toc-167>الموطن الأول: رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام.</span>\nوهذا محل إجماع عند العلماء. ورفعُ اليدينِ عند تكبيرةِ الإحرامِ سنَّةٌ (^١)، وذلك باتِّفاقِ المذاهبِ الفِقهيَّةِ الأربعةِ: الحنفيَّةِ (^٢)، والمالكيَّةِ (^٣)، والشافعيَّةِ (^٤)، والحنابلةِ (^٥)، وحُكِيَ الإجماعُ على ذلك (^٦).\n_________\n(^١) قال القرطبيُّ: (وأمَّا رفْعُ اليدينِ فليس بواجبٍ عند جماعة العلماء وعامَّة الفقهاءِ؛ لحديث أبي هريرة، وحديث رفاعة بن رافع، وقال داود وبعض أصحابه بوجوب ذلك عند تكبيرةِ الإحرام، وقال بعض أصحابه: الرَّفْعُ عند الإحرام، وعند الركوع، وعند الرَّفع من الركوع: واجبٌ، وإن مَنْ لم يَرْفَع يديه فصلاته باطِلَة، وهو قولُ الحُميديِّ، ورواية عن الأوزاعي). «تفسير القرطبي» (١/ ١٧١).\n(^٢) «تبيين الحقائق» للزيلعي (١/ ١٠٦)، وينظر: «بدائع الصنائع» للكاساني (١/ ٢٠٧).\n(^٣) «الشرح الكبير» للدردير (١/ ٤١٨)، «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (١/ ٣٢٣).\n(^٤) «روضة الطالبين» للنووي (١/ ٢٣١)، «مغني المحتاج» للشربيني (١/ ١٥٢).\n(^٥) «كشاف القناع» للبهوتي (١/ ٣٣٢)، وينظر: «المغني» لابن قدامة (١/ ٣٣٩).\n(^٦) قال ابنُ المنذِر: (أجمع كلُّ مَنْ نحفظ عنه من أهل العلم على أن النبي ﷺ كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة، وإن من السنَّة أن يرفع المرء يديه إذا افتتح الصلاة) «الأوسط» (٣/ ٣٠٠). وقال الماوردي: (أمَّا رفع اليدين في تكبيرة الإحرام فمسنونٌ باتفاق) «الحاوي الكبير» (٢/ ٩٨). وقال النَّوويُّ: (أجمعتِ الأمَّةُ على استحباب رفْع اليدين عند تكبيرة الإحرام، واختلفوا فيما سواها). «شرح النَّووي على مسلم» (٤/ ٩٥). وقال ابنُ قُدامة: (لا نعلم خلافًا في استحباب رفع اليدين عند افتتاح الصلاة، وقال ابنُ المنذِر: لا يختلف أهل العلم في أنَّ النبيَّ ﷺ كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة). «المغني» (١/ ٣٣٩). لكن حكى النَّووي خلافًا فقال: (أجمعتِ الأمَّةُ على استحباب رفع اليدين في تكبيرة الإحرام، ونقل ابن المنذر وغيرُه الإجماعَ فيه، ونقَل العبدريُّ عن الزيديَّة أنَّه لا يرفعُ يديه عند الإحرام، والزيديةُ لا يُعتدُّ بهم في الإجماعِ، ونقَل المتولي عن بعض العلماء أنَّه أوجَبَ الرَّفْعَ، ورأيتُ أنَّ فيما علق من فتاوى القفال أنَّ الإمامَ البارع في الحديث والفقه أبا الحسن أحمد بن سيار المروزي من متقدِّمي أصحابنا في طبقة المزني قال: إذا لم يرفَعْ يديه لتكبيرةِ الإِحرامِ لا تصحُّ صلاتُه؛ لأنَّها واجبة، فوجَبَ الرَّفع، بخلاف باقي التكبيراتِ؛ لا يجب الرَّفْعُ لها؛ لأنَّها غيرُ واجبةٍ، وهذا الذي قاله مردودٌ بإجماع مَنْ قبْله). «المجموع» (٣/ ٣٠٥). وقال أيضًا: (وأجمَعوا على أنَّه لا يجبُ شيءٌ من الرفع، وحُكِي عن داودَ إيجابُه عند تكبيرةِ الإحرام، وبهذا قال الإمام أبو الحسن أحمد بن سيار السياري من أصحابِنا أصحابِ الوجوهِ، وقد حكيتُه عنه في شرح المهذب، وفي تهذيب اللغات) «شرح النَّووي على مسلم» (٤/ ٩٥).","vol":"1","page":562},{"text":"والدليل مِنْ السُّنَّة:\nعن سالمِ بنِ عبدِ اللهِ، عن أبيه: «أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كان يرفَعُ يديه حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ إذا افتَتَح الصَّلاةَ، وإذا كبَّرَ للرُّكوعِ، وإذا رفَعَ رأسَه مِنْ الرُّكوعِ رفَعَهما كذلك أيضًا، وقال: سمِعَ اللهُ لِمَنْ حمِده، ربَّنا ولك الحمدُ، وكان لا يفعَلُ ذلك","vol":"1","page":563},{"text":"في السُّجودِ» (^١).\nوقال النووي: \"أجمعت الأمة على استحباب رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام واختلفوا فيما سواها\"\" (^٢).\nوقال ابن تيمية: \"الأمة متفقة على أنه يرفع اليدين مع تكبيرة الافتتاح\" (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-168>الموطن الثاني: رفعُ اليدينِ عند الرُّكوعِ والرَّفعِ منه</span>\nفالرَّفعُ عندَ الرُّكوعِ والرَّفعِ منه سنَّةٌ (^٤)، وهذا مذهبُ الشافعيَّةِ (^٥)، والحنابلةِ (^٦)، ومذهبُ مالكٍ في إحدى الرِّوايتينِ عنه (^٧)، وبه قال أكثَرُ العلماءِ مِنْ الصَّحابةِ\n_________\n(^١) رواه البخاري (٧٣٥)، ومسلم (٣٩٠).\n(^٢) فتح الباري (٢/ ٢٢٢).\n(^٣) الفتاوى الكبرى (٢/ ١٠٤).\n(^٤) قال ابنُ تَيميَّة: (وأمَّا رفْع الأيدي عند الركوعِ وعند الرفعِ بمِثل رَفْعِها عند الاستفتاحِ، فذلك مشروعٌ باتِّفاق المسلمين) «مجموع الفتاوى» (٢٢/ ٥٦٢).\n(^٥) «المجموع» للنووي (٣/ ٣٩٩)، «روضة الطالبين» للنووي (١/ ٢٥١).\n(^٦) «كشاف القناع» للبهوتي (١/ ٣٤٦)، وينظر: «المغني» لابن قدامة (١/ ٣٥٨).\n(^٧) قال أبو الوليد الباجي: (وأمَّا الموضِعُ الثاني فعند الانحطاطِ للرُّكوعِ، وعند الرَّفعِ منه؛ رَوى ابن القاسم عن مالك المنعَ منه، وبه قال أبو حنيفة، ورَوى ابن وهب وأشهب عنه الرفع، وبه قال الشافعي) «المنتقى» (١/ ١٤٢). وقال ابنُ قُدامة: (\"ويرفع يديه كرَفْعِه الأوَّل\"، يعني: يرفعهما إلى حَذْوِ مَنْكِبيه، أو إلى فروعِ أُذنيه، كفِعله عند تكبيرةِ الإحرامِ، ويكون ابتداءُ رفعه عند ابتداءِ تكبيرِه، وانتهاؤُه عند انتهائه، وبهذا قال ابن عمر، وابن عبَّاس، وجابر، وأبو هريرة، وابن الزُّبير، وأنس، والحسن، وعطاء، وطاووس، ومجاهد، وسالم، وسعيد بن جبير، وغيرهم من التابعين، وهو مذهب ابن المبارك، والشَّافعي، وإسحاق، ومالك-في إحدى الرِّوايتينِ عنه). «المغني» (١/ ٣٥٨).","vol":"1","page":564},{"text":"والتَّابعين ومَن بعدَهم (^١).\nالأدلَّةُ مِنْ السُّنَّة:\n١ - عن محمَّدِ بنِ عمرِو بنِ عطاءٍ قال: «سمِعْتُ أبا حُمَيدٍ السَّاعديَّ في عشَرةٍ مِنْ أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ، فيهم أبو قَتادةَ، فقال أبو حُمَيدٍ: أنا أعلَمُكم بصلاةِ رسولِ اللهِ ﷺ، قالوا: فلِمَ؟ فواللهِ ما كنتَ بأكثرِنا تبِعةً ولا أقدَمِنا له صُحبةً! قال: بلى، قالوا: فاعرِضْ! فقال: كان رسولُ اللهِ ﷺ إذا قام إلى الصَّلاةِ يرفَعُ يديه حتَّى يحاذيَ بهما مَنْكِبَيْهِ، ثم يكبِّرُ حتَّى يقِرَّ كلُّ عَظْمٍ في موضِعِه معتدلًا، ثم يقرأُ ثم يكبِّرُ فيرفَعُ يديه حتَّى يحاذيَ بهما مَنْكِبَيْهِ، ثم يركَعُ ويضَعُ راحتَيْهِ على رُكبتيه ثم يعتدِلُ، فلا يصُبُّ رأسَه ولا يُقنِعُ، ثم يرفَعُ رأسَه فيقولُ: سمِعَ اللهُ لِمَنْ حمِده، ثم يرفَعُ يديه حتَّى يحاذيَ مَنْكِبَيْهِ، وذكَر الحديثَ، وفيه: ثم إذا قام مِنْ الرَّكعتينِ كبَّرَ ورفَع يدَيْه حتَّى يحاذيَ بهما مَنْكِبَيْهِ\n_________\n(^١) قال النَّوويُّ: (\"وأمَّا\" رفعُهما في تكبيرةِ الركوعِ وفي الرفع منه، فمذهبنا: أنَّه سنَّةٌ فيهما، وبه قال أكثرُ العلماء من الصَّحابة والتابعين ومَن بعدَهم؛ حكاه الترمذيُّ عن ابن عمر، وابن عباس، وجابر، وأنس، وابن الزبير، وأبي هريرة، وغيرهم من الصحابة ﵃، وعن جماعةٍ من التابعين، منهم: طاوس، وعطاء، ومجاهد، والحسن، وسالم بن عبد الله، وسعيد بن جُبَير، ونافع، وغيرهم، وعن ابن المبارك، وأحمد، وإسحاق، وحكاه ابن المنذر عن أكثر هؤلاء، وعن أبي سعيد الخدري، والليث بن سعد، وأبي ثور، قال: ونقَله الحسن البصريُّ عن الصَّحابة رضي الله تعالى عنهم، قال: وقال الأوزاعيُّ: أجمَعَ عليه علماء الحجاز والشام والبصرة، وحكاه ابن وهب عن مالك، قال ابنُ المنذِر: وبه قال الإمامُ أبو عبد الله البخاري) «المجموع» (٣/ ٣٩٩).","vol":"1","page":565},{"text":"كما كبَّرَ عند افتتاحِ الصَّلاةِ، ثم يصنَعُ ذلك في بقيَّةِ صلاتِه، - وذكَر باقيَ الحديثِ - قالوا - صدَقْتَ، هكذا كان يُصلِّي» (^١).\n٢ - عن سالمِ بنِ عبدِ اللهِ، عن أبيه: «أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كان يرفَعُ يديه حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ إذا افتَتَح الصَّلاةَ، وإذا كبَّرَ للرُّكوعِ، وإذا رفَع رأسَه من الرُّكوعِ رفَعهما كذلك أيضًا، وقال: سمِع اللهُ لِمَنْ حمِده، ربَّنا ولك الحمدُ، وكان لا يفعَلُ ذلك في السُّجودِ» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-169>الموطن الثالث: رفعُ اليدينِ عند القيامِ من التشهُّدِ الأوَّلِ.</span>\nيُندَبُ رفعُ اليدينِ عند القيامِ مِنْ التشهُّدِ الأوَّلِ، وهذا وجهٌ للشافعيَّةِ (^٣)، واختاره النَّوويُّ (^٤)، وروايةٌ عن أحمدَ (^٥) اختارَها ابنُ تيميَّةَ (^٦)،\n_________\n(^١) رواه أبو داود (٧٣٠)، والترمذي (٣٠٤)، وابن ماجه (٨٧٧). قال الترمذيُّ: حسن صحيح. وقال البزار في «البحر الزخار» (٩/ ١٦٢): لا نعلَمُه يُروى بأحسنَ من هذا الإسنادِ. واحتجَّ به ابن حزم في «المحلى» (٤/ ٩١)، وصحَّحه ابن العربي في «عارضة الأحوذي» (١/ ٣٣٩)، وقال ابن عساكر في «معجم الشيوخ» (٢/ ٩٤٢): حسنٌ صحيح. وصحَّحه موفَّق الدين ابن قدامة في «الكافي» (١/ ١٣٥)، والنَّووي في «المجموع» (٣/ ٤٠٦)، وابن القيم في «تهذيب السنن» (٢/ ٤١٦) وقال: متلقًّى بالقَبول لا عِلَّة له. وقال أحمد شاكر في «شرح سنن الترمذي» (٢/ ١٠٥): له طرق. وصحَّحه الألباني في «صحيح سنن الترمذي» (٣٠٤ (.\n(^٢) رواه البخاري (٧٣٥)، ومسلم (٣٩٠).\n(^٣) «المجموع» للنووي (٣/ ٤٤٧)، «روضة الطالبين» للنووي (١/ ٢٦٦، ٢٦٧).\n(^٤) قال النَّوويُّ: (وقال آخرون من أصحابنا: يستحبُّ الرفع إذا قام من التشهُّد الأوَّل، وهذا هو الصوابُ) «المجموع» (٣/ ٤٤٧ (.\n(^٥) الفروع» لابن مفلح (٢/ ٢١١)، «الإنصاف» للمرداوي (٢/ ٦٤).\n(^٦) قال المرداويُّ: (وعنه يرفعهما، اختاره المجد، والشيخ تقيُّ الدِّين، وصاحب الفائق، وابن عبدوس في تذكرته، قال في الفروع: وهو أظهرُ) «الإنصاف» (٢/ ٦٤. (","vol":"1","page":566},{"text":"وابنُ مُفلِحٍ (^١)، والمَرداويُّ، وغيرُهم (^٢)، وهو قولُ بعضِ المحدِّثينَ (^٣).\nالدَّليلُ مِنْ السُّنَّة:\nعن أبي حُمَيدٍ السَّاعديِّ، قال: سَمِعتُه يحَدِّثُ قال: «كان النبيُّ ﷺ إذا قام من السَّجدَتينِ كبَّرَ، ورفَعَ يَدَيه حتى يحاذِيَ بهما مَنكِبَيه، كما صنعَ حين افتتَحَ الصَّلاةَ» (^٤).\nلا يُشرَعُ رفعُ اليدينِ في غيرِ المواضعِ المذكورةِ (^٥).\n_________\n(^١) قال ابنُ مفلح: (ثم ينهضُ في ثلاثية أو رُباعية مكبِّرًا (و) «وفاقا للأئمة الثلاثة»، لا بعدَ قيامه (م) «خلافا لمالك»، ولا يرفع يديه (و) «وفاقا للأئمة الثلاثة»، وعنه بلى. اختاره صاحب المحرر، وحفيدُه، وشيخُنا، وهي أظهر) «الفروع» (٢/ ٢١١ (.\n(^٢) قال المرداويُّ: (وعنه يرفعهما، اختاره المجدُ، والشيخ تقي الدِّين، وصاحب الفائق، وابن عبدوس في تذكرته، قال في الفروع: وهو أظهر، قلت: وهو الصَّواب؛ فإنه قد صحَّ عنه عليه أفضل الصلاة والسلام أنه كان يرفع يديه إذا قام من التشهُّد الأول؛ رواه البخاري وغيره، وهو من المفردات) «الإنصاف» (٢/ ٦٤).\n(^٣) قال النَّووي في استحباب الرفْع إذا قام من التشهُّد الأول: (ممن قال به من أصحابنا: ابن المنذر، وأبو علي الطبري، وأبو بكر البيهقي، وصاحب التهذيب فيه وفي شرح السنَّة، وغيرهم، وهو مذهب البخاريِّ وغيره من المحدِّثين) «المجموع) (٣/ ٤٤٧). ويُنظر: «صحيح البخاري» (١/ ١٤٨) باب رفع اليدين إذا قام من الركعتين قبل حديث (٧٣٩)، «الأوسط» لابن المنذر (٢/ ٣٠٧، ٣٦٩)، «السنن الكبرى» للبيهقي (٢/ ١٩٦).\n(^٤) رواه أبو داود (٧٣٠)، والترمذي (٣٠٤)، والنسائي (١١٨١) واللفظ له، وابن ماجه (٨٦٢) قال الترمذي (٣٠٤): حسن صحيح، وصححه البيهقي في «السنن الصغرى» (١/ ١٦٠)، وابن العربي في «عارضة الأحوذي» (١/ ٣٣٩)، وابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (٢٢/ ٤٥٣)، وابن القيم في «تهذيب السنن» (٢/ ٤١٦)، والألباني في «صحيح الترمذي» (٣٠٤)\n(^٥) قال ابن عُثَيمين: (المواضع الأربعة: عند تكبيرة الإحرام، وعند الركوع، وعند الرفع من الركوع، وعند القيام من التشهد الأول؛ فهذه المواضع صح بها الحديث عن رسول الله ﷺ من حديث ابن عمر ﵄: أن النبيَّ ﷺ: \"كان يرفع يديه إذا كبَّر للصلاة، وإذا كبَّر للركوع، وإذا قال: سمِع الله لمن حمده، وإذا قام من التشهُّد الأوَّلِ، قال: وكان لا يفعل ذلك في السُّجود\"، فهذه المواضع صحَّ بها الحديثُ عن رسول الله ﷺ، أمَّا ما عداها فلم يثْبُت عن النبيِّ ﷺ أنَّه كان يرفَعُ يديه، لا إذا سجد، ولا إذا قام من السجود، وعلى هذا فلا يُسَنُّ للإنسانِ أن يرفع يديه إذا سجد، ولا إذا قام من السُّجود) «مجموع فتاوى ورسائل العُثَيمين» (١٣/ ٧٠).","vol":"1","page":567},{"text":"وقال ابن تيمية: \"وأما رفع اليدين في كل تكبيرة حتى في السجود، فليست هي السنة التي كان النبي ﷺ يفعلها، ولكن الأمة متفقة على أنه يرفع اليدين مع تكبيرة الافتتاح\" (^١).\nوقول المصنف: \"ورفع اليدين في الصلاة زيادة في الحسنات\".\nقال عقبة بن عامر: \"له بكل إشارة عشر حسنات\" (^٢).\nوكان عبد الله بن عمر يقول: \"لكل شيء زينة وزينة الصلاة التكبير ورفع\n_________\n(^١) الفتاوى الكبرى (٢/ ١٠٤).\n(^٢) رواه الطبراني ١٧/ ٢٩٧ من طريق أبي عبد الرحمن المقرئ، عن ابن لهيعة به بلفظ: يكتب في كل إشارة يشيرها الرجل بيده في الصلاة بكل أصبع حسنة أو درجة قال الهيثمي في \"المجمع\" ٢/ ١٠٣: رواه الطبراني وإسناده حسن.\nوقال الألباني في \"الصحيحة\" (٣٢٨٦): إسناده صحيح. اه، وقد روي مرفوعا، رواه المؤمل بن إهاب في \"جزئه\" ص ٩٨ (٢٦) بلفظ: \"في كل إشارة في الصلاة عشر حسنات\".\nوأخرجه ابن عبد البر في التمهيد (٩/ ٢٥٥)، وشرح الزرقاني على الموطأ (١/ ٢٢٨)، وأورده ابن تيمية في الفتاوى الكبرى (٢/ ١٠٤). وابن حجر في التلخيص الحبير ٢/ ٦٢٢.","vol":"1","page":568},{"text":"الأيدي فيها\" (^١).\nوعن النعمان بن أبي عياش قال: \"كان يقال لكل شيء زينة وزينة الصلاة رفع الأيدي عند الافتتاح وحين يريد أن يركع وحين يريد أن يرفع\" (^٢).\nوقال ابن سيرين: \"الرفع من تمام الصلاة\" (^٣).\n\nوأما عن<span data-type='title' id=toc-170> الحكمة في رفع اليدين</span>\nوقال النووي: \"اختلفت عبارات العلماء في الحكمة في رفع اليدين:\nفقال الشافعي: ﵁ فعلته اعظاما لله تعالى واتباعا لرسول الله ﷺ.\nوقال غيره: هو استكانة واستسلام وانقياد وكان الأسير إذا غلب مد يديه علامة للاستسلام. وقيل: هو اشارة إلى استعظام ما دخل فيه.\nوقيل: اشارة إلى طرح أمور الدنيا والإقبال بكليته على الصلاة ومناجاة ربه ﷾ كما تضمن ذلك قوله الله أكبر فيطابق فعله قوله.\nوقيل: إشارة إلى دخوله في الصلاة وهذا الأخير مختص بالرفع لتكبيرة الاحرام.\nوقيل غير ذلك وفي أكثرها نظر والله أعلم\" (^٤).\n_________\n(^١) التمهيد لابن عبد البر: ٩/ ٢٢٥.\n(^٢) التمهيد لابن عبد البر: ٩/ ٢٢٥.\n(^٣) رواه البخاري في جزء \"رفع اليدين في الصلاة\" ص ٩٧ (٨٥).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (٤/ ٩٦).","vol":"1","page":569},{"text":"قال المصنف-﵀:\n\n\"و<span data-type='title' id=toc-171>الجهر بآمين عند قول الإمام \"ولا الضالين\".</span>\n<hr><s0>\n\nالتَّأمينُ سنَّةٌ مؤكَّدةٌ بعد قراءةِ الفاتحةِ (^١)، ويُسرُّ بها في الصَّلاةِ السِّريَّةُ، ويجهرُ بها في الجَهريَّةِ، ويؤمِّنُ فيها مع الإمامِ، وهو مذهبُ الشافعيَّةِ (^٢)،\n_________\n(^١) قال النَّوويُّ: (قد اجتمعَتِ الأمةُ على أنَّ المنفَرِدَ يؤمِّن، وكذلك الإمامُ والمأمومُ في الصلاة السِّرية، وكذلك قال الجمهورُ في الجهرية). «شرح النَّووي على مسلم» (٤/ ١٣٠). قال ابن عبد البرِّ: (قولُه في حديث سُمَيٍّ: «إذا قال الإمام: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ، فقولوا: آمينَ»، ولا خلافَ أنَّه لا تأمين في الصلاة في غير هذا الموضع) «الاستذكار» (١/ ٤٧٤). وخالف الحنفية فقالوا: السنَّة المخافَتَة في الجهرية. يُنظر: «بدائع الصنائع» للكاساني (١/ ٢٧٠). أما مذهَبُ المالكية فلا يُنْدَبُ عندهم للإمامِ التأمينُ في الصلاة الجهرية، ويُنْدَبُ للمأموم إن سَمِعَ قراءة الإمام: قال الخرشي: (\"ص\" وتأمينُ فَذٍّ مطلقًا وإمامٍ بِسِرٍّ ومأمومٍ بِسِرٍّ أو جَهْر إن سَمِعَه على الأظهر وإسرارهم به (ش) أي إنَّه يندَبُ على المذهب تأمينُ الفَذِّ، أي: قولُه آمين عقب (ولا الضالين) في قراءته سواءٌ كانت قراءةُ الصلاةِ سرًّا أو جهرًا كما يُندَب للإمامِ التأمين على قراءته في السِّرِّية وكذا مأمومُه، وأمَّا في الجهرية فلا يُندَب للإمامِ ويندب للمأموم إن سَمِعَ قراءة الإمام؛ لأنَّه مُؤَمِّن حينئذ على دعائِه، فإن لم يَسْمَعْه فلا؛ على الأظهر عند ابن رشد) «شرح مختصر خليل» (١/ ٢٨٢)، وينظر: «منح الجليل» لابن عليش (١/ ٢٥٩).\n(^٢) (المجموع» للنووي (٣/ ٣٦٨، ٣٧١)، وينظر: «أسنى المطالب» لزكريا الأنصاري (١/ ١٥٤).","vol":"1","page":570},{"text":"والحنابلةِ (^١)، وبه قال جمهورُ أهلِ العِلمِ (^٢)، وعامَّةُ أهلِ الحديثِ (^٣).\nالأدلَّة:\nأوَّلًا: من السُّنَّة\nعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (إذا أمن الإمام فأمنوا فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه) (^٤)\nوَجْهُ الدَّلالَةِ:\nأنَّه لولا جهرُه بالتَّأمينِ لَمَا أمكَنَ المأمومَ أنْ يؤمِّنَ معه ويوافِقَه في التَّأمينِ (^٥).\n_________\n(^١) «كشاف القناع» للبهوتي (١/ ٣٣٩)، وينظر: «المغني» لابن قدامة (١/ ٣٥٢).\n(^٢) قال النَّوويُّ: (ذكرنا أن مذهبَنا استحبابُه للإمام والمأموم والمنفرد، وأن الإمام والمنفرد يَجهران به، وكذا المأموم على الأصح، وحكى القاضي أبو الطيِّب والعبدري الجهرَ به لجمعهم، عن طاوس، وأحمد، وإسحاق، وابن خزيمة، وابن المنذر، وداود، وهو مذهبُ ابنِ الزبير) «المجموع» (٣/ ٣٧٣). وقال ابنُ رجب: (دلَّ هذا الحديثُ على أنَّ الإمام والمأمومين يؤمِّنون جميعًا، وهذا قول جمهور أهل العلم، رُوي عن أبي بكر، وعمر، وابن عمر، وأبي هريرة، وقال عطاءٌ: لقد كنت أسمعُ الأئمة يقولون على إثر أم القرآن: آمين، هم أنفسهم ومَن وراءهم، حتى إن للمسجد للجةً، وبهذا قال الثوري، وأبو حنيفة، والأوزاعي، وابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو عبيد، وهو رواية المدنيِّين عن مالك، واختيارُهم). «فتح الباري» (٤/ ٤٩٢).\n(^٣) قال ابنُ رجب: (اختلفوا في الجهر بها على ثلاثة أقوال: أحدها: يجهر بها الإمام ومَن خلفه، وهو قولُ عطاءٍ، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وابن أبي شيبة، وعامةُ أهل الحديث). «فتح الباري» (٤/ ٤٩٣)، وينظر: «الاستذكار» لابن عبد البر (١/ ٤٧٥).\n(^٤) أخرجه البخاري (١/ ٢٧٠) رقم (٧٤٧)، ومسلم (٢/ ١٧)، رقم (٩٤٢) في صحيحهما.\n(^٥) «إعلام الموقعين» لابن القيم (٢/ ٣٩٦)، «فتح الباري» لابن رجب (٤/ ٤٩٣).","vol":"1","page":571},{"text":"وعن وائل بن حجر، قال: «كان رسول الله ﷺ إذا قرأ ﴿ولا الضالين﴾ قال: آمين ورفع بها صوته» (^١).\nثانيًا: مِنْ الآثارِ\nعن ابنِ جُرَيجٍ قال: قلتُ لعطاءٍ: أكان ابنُ الزُّبيرِ يؤمِّنُ على أثرِ أمِّ القرآنِ؟ قال: نعم، ويؤمِّنُ مَنْ وراءَهُ، حتَّى إنَّ للمسجدِ للَجَّةً (^٢).\nثالثًا: أنَّ التَّأمينَ تابعٌ للفاتحةِ، فكان حُكمُه حُكمَها في الجهرِ؛ كالسُّورةِ (^٣).\nقال النووي: \"في هذه الأحاديث استحباب التأمين عقب الفاتحة للإمام والمأموم والمنفرد وأنه ينبغي أن يكون تأمين المأموم مع تأمين الإمام لا قبله ولا بعده لقوله ﷺ وإذا قال ولا الضالين فقولوا آمين وأما رواية إذا أمن فأمنوا فمعناها إذا أراد التأمين\" (^٤) أه\n_________\n(^١) سنن أبي داود (١/ ٣٥١) (رقم ٩٣٠)، وأخرجه الترمذي في جامعه (٢/ ٢٧) رقم (٢٥٠) وحسنه ثم قال: (وبه يقول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين ومن بعدهم يرون أن الرجل يرفع صوته بالتأمين ولا يخفيها وبه يقول الشافعي وأحمد وإسحق.\n(^٢) أخرجه البخاري معلقًا بصيغة الجزم قبل حديث (٧٨٠) مختصرًا، وأخرجه موصولًا عبد الرزاق في «المصنف» (٢٦٤٠)، وابن حزم في «المحلى» (٣/ ٢٦٤). صحح إسناده الألباني في «أصل صفة الصلاة» (١/ ٣٨٠).\n(^٣) «المجموع» للنووي (٣/ ٣٦٨).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (٤/ ١٣٠).","vol":"1","page":572},{"text":"وقوله: \"بآمين\"\nمعناها: اللهم استجب، وعلى هذا؛ فهي اسم فعل دعاء، واسم الفعل ما كان فيه معنى الفعل دون حروفه.\nهلم: اسم فعل؛ لأنه بمعنى أقبل. «صه» اسم فعل بمعنى اصمت. فأحيانا أقول «صه»، وأحيانا أقول «صه»، وبينهما فرق، فإن قلت: «صه» فمعناها اسكت عن كل شيء، إن قلت: «صه» فمعناها اسكت عن كلام معين.\nقال الفقهاء: فإن شدد الميم في «آمين» بطلت الصلاة؛ لأن معناها حينئذ «قاصدين»؛ ولهذا قالوا: يحرم أن يشدد الميم، وتبطل الصلاة؛ لأنه أتى بكلام من جنس كلام المخلوقين\" (^١).\n_________\n(^١) الشرح الممتع على زاد المستقنع لابن عثيمين (٣/ ٢٣).","vol":"1","page":573},{"text":"قال المصنف-﵀:\n\"والصلاة على من مات من أهل هذه القبلة وحسابهم على الله ﷿\" (^١).\n<hr><s0>\n\n\n<span data-type='title' id=toc-172>الصلاة على الميت المسلم فرض كفاية،</span> متى قام بها البعض سقطت عن الآخرين، وأهل المعاصي من المسلمين يُصَلَّى عليهم كسائر المسلمين.\nقال ابن عبد البر ﵀: \"أجمع المسلمون على أنه لا يجوز ترك الصلاة على المسلمين المذنبين من أجل ذنوبهم، وإن كانوا أصحاب كبائر\" (^٢)\nقال الخرقي: \"ولا يصلي الإمام على الغال ولا على من قتل نفسه\"\nوقال ابن قدامة شارحًا ذلك: \"الغال هو الذي يكتم الغنيمة أو بعضها ليأخذه لنفسه ويختص به، فهذا لا يصلي عليه الإمام ولا على من قتل نفسه متعمدًا، ويصلي عليه سائر الناس، نص عليهما أحمد\" (^٣)\nفنصلي حتى على المرجوم وعلى الزاني والزانية والذي قتل نفسه كما هو\n_________\n(^١) هذه الجملة تأخر ذكرها في كتاب مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي حيث وردت في ص: (٢٢٩) مع جملة (والصلاة خلف كل بر وفاجر. وصلاة الجمعة، وصلاة العيدين، والصلاة على من مات من أهل القبلة وحسابهم على الله، والخروج مع كل إمام خرج في غزوة أو حجة).\n(^٢) \"الاستذكار\" (٣/ ٢٩).\n(^٣) المغني ٢/ ٤١٥.","vol":"1","page":574},{"text":"الراجح وغيره من أهل القبلة وكذا السكران كل ذلك تُصلى عليهم صلاة الجنازة.\nفهم بذنوبهم أهل كبيرة من الكبائر لكن هذه الكبيرة لا توجب خروجهم عن الإسلام كما هو الراجح.\nيقول الإمام البخاري (٢٥٦ هـ): \"المعاصي من أمر الجاهلية، ولا يكفر صاحبها بارتكابها إلا بالشرك\". (^١)\nويقول الإمام أبو إبراهيم المزني (٢٦٤ هـ): \"والمؤمنون في الإيمان يتفاضلون، وبصالح الأعمال هم متزايدون، ولا يخرجون بالذنوب من الإيمان، ولا يكفرون بركوب كبيرة ولا عصيان\". (^٢)\nويقول الطحاوي (٣٢١ هـ): \"وأهل الكبائر في النار لا يخلدون، إذا ماتوا وهم موحدون، وإن لم يكونوا تائبين، بعد أن لقوا الله عارفين مؤمنين، وهم في مشيئته وحكمه، إن شاء غفر لهم وعفا عنهم بفضله\". (^٣)\nويقول أبو بكر الإسماعيلي (٣٧١ هـ): \"ويقولون [يعني: أهل الحديث أهل السنة والجماعة]: إن أحدًا من أهل التوحيد ومن يصلي إلى قبلة المسلمين، لو ارتكب ذنبًا، أو ذنوبًا كثيرة، صغائر، أو كبائر، مع الإقامة على التوحيد لله\n_________\n(^١) صحيح البخاري (١/ ١٥).\n(^٢) شرح السنة للمزني (ص: ٧٨).\n(^٣) متن الطحاوية (ص: ٦٥ - ٦٦).","vol":"1","page":575},{"text":"والإقرار بما التزمه وقبله الله، فإنه لا يكفر به، ويرجون له المغفرة، قال تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨ [\" (^١)\nويقول أبو الحسين الملطي (٣٧٧ هـ): \"وأنه من آمن بالله ورسله وكتبه ودينه، وأحل الحلال وحرم الحرام، ثم أصاب في إيمانه كبيرة، فإنه فاسق، لا يخرجه ذنبه من الإيمان إلى الكفر، ولا يدخله في الإيمان على التفرد\". (^٢)\nيقول النووي: \"إجماع أهل الحق على أن الزاني والسارق والقاتل، وغيرهم من أصحاب الكبائر غير الشرك، لا يكفرون بذلك، بل هم مؤمنون ناقصو الإيمان، إن تابوا سقطت عقوبتهم، وإن ماتوا مصرين على الكبائر كانوا في المشيئة، فإن شاء الله تعالى عفا عنهم، وأدخلهم الجنة أولًا، وإن شاء عذبهم، ثم أدخلهم الجنة\". (^٣)\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية عن عقيدة أهل السنة: \"ولا يَسْلِبُونَ الفَاسِقَ المِلِّيَّ الإِسْلَامَ بالكُلِّيَّةِ، ولا يُخَلِّدُونَهُ في النَّارِ كما تَقُولُهُ المُعْتَزِلَةُ\" (^٤)\nويقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب (١٢٨٥ هـ): \"إن كان للموحد ذنوب لم يتب منها حصل له من الأمن والاهتداء بحسب توحيده،\n_________\n(^١) اعتقاد أئمة الحديث (ص: ٦٤).\n(^٢) التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع (ص: ٣٦).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٢/ ٤١ - ٤٢).\n(^٤) مجموع الفتاوى ٣/ ١٠٠.","vol":"1","page":576},{"text":"وفاته منه بقدر معصيته، كما قال: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٣٢]، فالظالم لنفسه هو الذي خلط عملًا صالحًا وآخر سيئًا، فهو تحت مشيئة الله إن شاء غفر له، وإن شاء أخذه بذنبه ونجاه بتوحيده من الخلود في النار. \" (^١)\n_________\n(^١) كتاب التوحيد وقرة عيون الموحدين في تحقيق دعوة الأنبياء والمرسلين (ص: ١٣).","vol":"1","page":577},{"text":"قال المصنف-﵀:\n\n\"و<span data-type='title' id=toc-173>الخروج مع كل إمام في غزوة وحجة\"</span> (^١)\n<hr><s0>\n\nقال محمد بن أبي زمنين (^٢) ﵀: \"ومن قول أهل السنة أن الحج والجهاد مع كل بر أو فاجر من السنة والحق، وقد فرض الله الحج فقال: (والله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا)] آل عمران: ٩٧]، وأعلمنا بفضل الجهاد في غير موضع من كتابه، وقد علم أحوال الولاة الذين لا يقوم الحج والجهاد إلا بهم، فلم يشترط ولم يبين وما كان ربك نسيا\" (^٣).\nوقال قوام السنة الأصفهاني: «والجهاد ماض منذ بعث الله نبيه إلى آخر عصابة تقاتل الدجال» (^٤).\nكما قرر ذلك علي بن المديني (^٥)، والطحاوية (^٦)، وابن بطة (^٧)،\n_________\n(^١) هذه الجملة تأخر ذكرها في كتاب مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي إلى ص: (٢٢٩).\n(^٢) أبو عبد الله محمد بن أبي زمنين الأندلسي، شيخ قرطبة، صاحب جد وإخلاص، ومجانبة\nللأمراء، وله مصنفات، توفي سنة ٣٩٩ هـ. انظر الديباج المذهب ٢/ ٢٣٢، وسير أعلام النبلاء\n١٧/ ١٨٩.\n(^٣) أصول الدين لابن أبي زمنين ص ٢٨٨.\n(^٤) الحجة ٢/ ٢٩١.\n(^٥) انظر: أصول السنة للالكائي ١/ ١٩٧.\n(^٦) انظر شرح الطحاوية ٢/ ٥٥٥.\n(^٧) انظر الإبانة الصغري ص ٢٧٨.","vol":"1","page":578},{"text":"والصابوني (^١)، وابن قدامة (^٢)، وابن تيمية (^٣)، وغيرهم.\nوقد حكى محمد بن حبيب مفاسد ترك الغزو مع أئمة الجور فقال: «سمعت أهل العلم يقولون: لا بأس بالجهاد مع الولاة، وإن لم يضعوا الخمس موضعه، وإن لم يوفوا بعهد إن عاهدوا، ولو عملوا ما عملوا، ولو جاز للناس ترك الغزو معهم بسوء حالهم لاستذل الإسلام، وتخيفت أطرافه، واستبيح حريمه، ولعلى الشرك وأهله» (^٤).\nويريد المصنف هنا أن يميز بين مذهب أهل السنة وبين قول الرافضة الذين عطلوا الجهاد، وعطلوا صلاة الجمعة بدعوى أنها لا تصح إلا بعد خروج المهدي المنتظر على حد زعمهم.\nفشيوخ الشيعة يقولون: \"إن صلاة الجمعة لا تجب عليهم حتى يخرج مهديهم المزعوم من سردابه لكي يصلي بهم\" (^٥).\nوشيوخ الشيعة يقولون: \"إن الجهاد قبل خروج المهدي المنتظر حرام كحرمة الميتة والدم ولحم الخنزير\" (^٦).\n_________\n(^١) انظر: عقيدة السلف الصابوني ص ٢٩٤.\n(^٢) انظر لمعة الاعتقاد ص ٣٧.\n(^٣) انظر: مجموع الفتاوي ٢٨/ ٢٩٠، ٣٠/ ٣٨.\n(^٤) أخرجه ابن أبي زمنين في أصول السنة ص ٢٨٩.\n(^٥) انظر مفتاح الكرامة في شرح قواعد العلامة لمحمد جواد العاملي ج ٢/ ٦٩ كتاب الصلاة.\n(^٦) انظر كتاب فروع الكافي ج ٥/ ٧٨٧.","vol":"1","page":579},{"text":"قال ابن تيمية ﵀: \"ومن أصول أهل السنة والجماعة أنهم يصلون الجمع والأعياد والجماعات-لا يدعون الجمعة والجماعة كما فعل أهل البدع من الرافضة وغيرهم-فإن كان الإمام مستورًا لم يظهر منه بدعة ولا فجور صُلّي خلفه الجمعة والجماعة باتفاق الأئمة الأربعة وغيرهم من أئمة المسلمين\".\nقال ابن تيمية: \"وَمَنْ أَنْكَرَ مَذْهَبَ الرَّوَافِضِ وَهُوَ لَا يُصَلِّي الْجُمُعَةَ وَالْجَمَاعَةَ بَلْ يُكَفِّرُ الْمُسْلِمِينَ فَقَدْ وَقَعَ فِي مِثْلِ مَذْهَبِ الرَّوَافِضِ فَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَا أَنْكَرَهُ أَهْلُ السُّنَّةِ عَلَيْهِمْ تَرْكُهُمْ الْجُمُعَةَ وَالْجَمَاعَةَ وَتَكْفِيرَ الْجُمْهُورِ\" (^١)\nوالرافضة كانوا يقولون لا جهاد حتى يخرج الرضا من آل محمد، فقد جاء في فروع الكافي عن أبي عبد الله جعفر الصادق قال: \"القتال مع غير الإمام المفترض طاعته حرام مثل الميتة والدم ولحم الخنزير\" (^٢)\nوقد أحدث الخميني تغييرًا في المذهب الرافضي، فقرر أن للولي الفقيه جميع ما للإمام من الوظائف والأعمال إلا البداءة بالجهاد فهو من وظائف المهدي، ثم تناقض الخميني فجعل الجهاد منوطًا بجيش جمهوريته. (^٣)\nأما الخوارج فيجمعون على وجوب الخروج على الإمام الجائر (^٤) فكيف\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى: ٢٣/ ٣٥٤.\n(^٢) الكافي ١/ ٣٣٤، وانظر مختصر التحفة الاثنى عشرية ص ٢٢١.\n(^٣) انظر: أصول الشيعة للقفاري: ٣/ ١١٧٢؛ المصدر: مسائل الفروع الواردة في مصنفات العقيدة: ص: ٣٤.\n(^٤) الفرق بين الفرق، ص ٧٣.","vol":"1","page":580},{"text":"يجاهدون معه؟ بل كانوا يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان. (^١)\nقال ابن حزم: \"جميع فرق الضلالة لم يجر الله على أيديهم خيرًا، ولا فتح الله بهم من بلاد الكفر قرية، ولا رفعوا للإسلام راية، وما زالوا يسعون في قلب نظام المسلمين، ويفرقون كلمة المؤمنين، ويسلون السيف على أهل الدين، ويسعون في الأرض مفسدين، أما الخوارج والشيعة فأمرهم في هذا أشهر من أن يتكلف ذكره\" (^٢)\n_________\n(^١) مسائل الفروع الواردة في مصنفات العقيدة: ص: ٣٤.\n(^٢) الفصل: ٥/ ٩٨.","vol":"1","page":581},{"text":"قال المصنف-﵀:\n[والصلاة خلف كل بر وفاجر (^١)] والصلاة خلفهم صلاة الجمعة والعيدين\" (^٢).\n<hr><s0>\n\nوفيه مسائل:\n\nأولًا:<span data-type='title' id=toc-174> حكم الصلاة خلف الفساق.</span>\nعند أهل السنة أنه يصلى خلف كل بر وفاجر، هذا هو الصواب، فأنت تصلي خلف الأمراء وتجاهد معهم وإن كانوا أهل معاصي، وتصلي خلف أئمة المساجد وإن كان فيهم معصية.\nوفي صحيح البخاري: أن عبد الله بن عمر ﵁ كان يصلي خلف الحجاج بن يوسف الثقفي، وكذا أنس بن مالك، وكان الحجاج فاسقًا ظالمًا.\nقال النووي: «وأما صلاة ابن عمر خلف الحجاج بن يوسف فثابتة في «صحيح البخاري»» (^٣).\n_________\n(^١) ما بين معكوفتين مأخوذ من كتاب مناقب الإمام أحمد، ص: (٢٢٩).\n(^٢) هذه الجملة تأخر ذكرها في كتاب مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي إلى ص: (٢٢٩) ونص العبارة (والصلاة خلف كل بر وفاجر. وصلاة الجمعة، وصلاة العيدين).\n(^٣) «المجموع» (٤/ ٢٢٢)، وكذا ابن الملقن في «البدر المنير» (٤/ ٥٢٠)، والحافظ ابن حجر في «التلخيص الحبير» (٢/ ٤٣).","vol":"1","page":582},{"text":"روى البخاري في صحيحه قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمٍ قَالَ: كَتَبَ عَبْدُ الْمَلِكِ إِلَى الْحَجَّاجِ «أَنْ لَا يُخَالِفَ ابْنَ عُمَرَ فِي الْحَجِّ»، فَجَاءَ ابْنُ عُمَرَ ﵁ وَأَنَا مَعَهُ يَوْمَ عَرَفَةَ حِينَ زَالَتْ الشَّمْسُ فَصَاحَ عِنْدَ سُرَادِقِ الْحَجَّاجِ فَخَرَجَ وَعَلَيْهِ مِلْحَفَةٌ مُعَصْفَرَةٌ، فَقَالَ: «مَا لَكَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟»، فَقَالَ: «الرَّوَاحَ إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ السُّنَّةَ»، قَالَ: «هَذِهِ السَّاعَةَ؟!»، قَالَ: «نَعَمْ»، قَالَ: «فَأَنْظِرْنِي حَتَّى أُفِيضَ عَلَى رَأْسِي ثُمَّ أَخْرُجُ»، فَنَزَلَ حَتَّى خَرَجَ الْحَجَّاجُ فَسَارَ بَيْنِي وَبَيْنَ أَبِي، فَقُلْتُ: «إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ السُّنَّةَ فَاقْصُرْ الْخُطْبَةَ وَعَجِّلْ الْوُقُوفَ»، فَجَعَلَ يَنْظُرُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: «صَدَقَ» (^١).\nقال ابن حجر: «وَفِيهِ: صِحَّةُ الصَّلَاةِ خَلْفَ الْفَاسِقِ» (^٢).\nوروى ابن أبي شيبة في «المصنف» عن عُمَيْرِ بن هَانِئٍ قال: شَهدت ابن عمر والحجاج مُحَاصِرٌ ابن الزبير، فكان منزل ابن عمر بينهما، فكان ربما حضر الصلاة مع هؤلاء، وربما حضر الصلاة مع هؤلاء» (^٣).\nوفي صحيح البخاري أيضًا، أن ﷺ قال: \"يصلون لكم، فإن أصابوا فلكم ولهم، وأن أخطأوا فلكم وعليهم\" (^٤).\nوقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يصلون خلف من يعرفون فجوره كما صلى\n_________\n(^١) «صحيح البخاري» رقم (١٦٦٠)\n(^٢) «فتح الباري» لابن حجر (٣/ ٥١٢).\n(^٣) «المصنف» (٢/ ١٥٢) قال ابن حجر: «إسناده صحيح». «المطالب العالية» (٣/ ٧٠٢).\n(^٤) صحيح البخاري مع فتح الباري ٢/ ٣٢٩.","vol":"1","page":583},{"text":"عبد الله بن مسعود وغيره من الصحابة خلف الوليد بن عقبة بن أبي معيط (^١)، وكان قد يشرب الخمر وصلى مرة الصبح أربعًا وجلده عثمان بن عفان على ذلك (^٢)، فمثل هذه الأمور أهل السنة وأصحاب النبي ﷺ لنا فيهم الأسوة والقدوة، فهم أسوتنا وقدوتنا.\n\nثانيًا:<span data-type='title' id=toc-175> الصلاة خلف المبتدع.</span>\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (وكان الصحابة والتابعون يصلون خلف ابن أبي عبيد وكان متهمًا بالإلحاد وداعيًا إلى الضلال) (^٣).\nوسار التابعون ومن تبعهم بإحسان من أئمة السلف على هذا، فقرروه قولًا وفعلًا، فمن ذلك:\nما جاء عن الأعمش ﵀ أنه قال: (كان كبار أصحاب عبد الله -يعني ابن مسعود-يصلون الجمعة مع المختار ويحتسبون بها) (^٤).\nوقد كان أبو وائل ﵀ يصلي الجمعة مع المختار بن أبي عبيد (^٥).\n_________\n(^١) الحديث رواه أحمد (١/ ٤٥٠) (٤٢٩٨، والطبراني (٩/ ٢٩٩) (٩٥٢٠). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١/ ٣٢٩): رواه أحمد والطبراني في الكبير ورجاله ثقات، وصحح إسناده أحمد شاكر في تحقيقه للمسند (٦/ ١٤٦).\n(^٢) رواه أحمد (١/ ١٤٤) (١٢٢٩)، والبيهقي (٨/ ٣١٨) (١٧٩٨٥). قال شعيب الأرناؤوط محقق «المسند»: إسناده صحيح على شرط مسلم.\n(^٣) مجموع الفتاوى ٣/ ٢٨١\n(^٤) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» (١/ ٤٧٥) برقم (٥٤٩٧)، وابن أبي زمنين في «أصول الستة» ص ٢٨٤ برقم (٢١٠).\n(^٥) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» (١/ ٤٧٥) برقم (٥٤٩٧)، وَعَبَد الرزاق في «المصنف» (٢/ ٣٨٦) برقم (٣٧٩٨).","vol":"1","page":584},{"text":"وعن الحسن ﵀ أنه سئل عن الصلاة خلف صاحب البدعة، فقال الحسن: (صل خلفه، وعليه بدعته) (^١).\nوعن الحكم بن عطية ﵀ أنه قال: سألت الحسن وقلت: رجل من الخوارج يؤمنا، أنصلي خلفه؟ قال: (نعم، قد أم الناس من هو شر منه) (^٢).\nوعن ابن وضاح ﵀: قال: سألت الحارث بن مسكين: هل ندع الصلاة خلف أهل البدع؟ فقال: (أما الجمعة خاصة فلا، وأما غيرها من الصلاة فنعم) (^٣).\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (وأما الصلاة خلف أهل الأهواء والبدع، وخلف أهل الفجور، ففيه نزاع مشهور وتفصيل ليس هذا موضع بسطه.\nولكن أوسط الأقوال في هؤلاء أن تقديم الواحد من هؤلاء في الإمامة، لا يجوز مع القدرة على غيره، فإن من كان مظهرًا للفجور أو البدع يجب الإنكار عليه ونهيه عن ذلك، وأقل مراتب الإنكار هجره لينتهي عن فجوره وبدعته، ولهذا فرق جمهور الأئمة بين الداعية وغير الداعية، فإن الداعية أظهر المنكر فاستحق الإنكار عليه، بخلاف الساكت فإنه بمنزلة من أسر بالذنب، فهذا لا ينكر عليه في الظاهر، فإن الخطيئة إذا خفيت لم تضر إلا صاحبها، ولكن إذا\n_________\n(^١) (صحيح البخاري كتاب الأذان ٥٦) وقال: باب إمامة المفتون والمبتدع. وَعَلَّقَ قَوْل الحسن: (صلِّ وعليه بدْعَتُهُ).\n(^٢) رواه ابن أبي زمنين في «أصول الستة» ص ٢٨٤ برقم (٢١١).\n(^٣) رواه ابن أبي زمنين في «أصول الستة» ص ٢٨٤ برقم (٢١٢).","vol":"1","page":585},{"text":"أعلن فلم تنكر ضرت العامة، ولهذا كان المنافقون تقبل منهم علانيتهم، وتوكل سرائرهم إلى الله تعالى بخلاف من أظهر الكفر) (^١)\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"وَلَوْ عَلِمَ الْمَأْمُومُ أَنَّ الإِمَامَ مُبْتَدِعٌ يَدْعُو إلَى بِدْعَتِهِ، أَوْ فَاسِقٌ ظَاهِرُ الْفِسْقِ، وَهُوَ الإِمَامُ الرَّاتِبُ الَّذِي لا تُمْكِنُ الصَّلاةُ إلا خَلْفَهُ، كَإِمَامِ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ، وَالإِمَامِ فِي صَلاةِ الْحَجِّ بِعَرَفَةَ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْمَأْمُومَ يُصَلِّي خَلْفَهُ عِنْدَ عَامَّةِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَد وَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِمْ.\nوَلِهَذَا قَالُوا فِي الْعَقَائِدِ: إنَّهُ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ وَالْعِيدَ خَلْفَ كُلِّ إمَامٍ بَرًّا كَانَ أَوْ فَاجِرًا.\nوَكَذَلِكَ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْقَرْيَةِ إلا إمَامٌ وَاحِدٌ، فَإِنَّهَا تُصَلَّى خَلْفَهُ الْجَمَاعَاتُ؛ فَإِنَّ الصَّلاةَ فِي جَمَاعَةٍ خَيْرٌ مِنْ صَلاةِ الرَّجُلِ وَحْدَهُ، وَإِنْ كَانَ الإِمَامُ فَاسِقًا. هَذَا مَذْهَبُ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ: أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ وَالشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِمَا، بَلْ الْجَمَاعَةُ وَاجِبَةٌ عَلَى الأَعْيَانِ فِي ظَاهِرِ مَذْهَبِ أَحْمَد.\nوَمَنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ وَالْجَمَاعَةَ خَلْفَ الإِمَامِ الْفَاجِرِ فَهُوَ مُبْتَدِعٌ عِنْدَ الإِمَامِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ مِنْ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ.\nوَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُصَلِّيهَا وَلا يُعِيدُهَا؛ فَإِنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يُصَلُّونَ الْجُمُعَةَ وَالْجَمَاعَةَ خَلْفَ الأَئِمَّةِ الْفُجَّارِ وَلا يُعِيدُونَ، كَمَا كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُصَلِّي خَلْفَ\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٢٣/. ٣٤٢","vol":"1","page":586},{"text":"الْحَجَّاجِ، وَابْنُ مَسْعُودٍ وَغَيْرُهُ يُصَلُّونَ خَلْفَ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ وَكَانَ يَشْرَبُ الْخَمْرَ؛ حَتَّى إنَّهُ صَلَّى بِهِمْ مَرَّةً الصُّبْحَ أَرْبَعًا، ثُمَّ قَالَ: أَزِيدُكُمْ؟ فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: مَا زِلْنَا مَعَك مُنْذُ الْيَوْمَ فِي زِيَادَةٍ!! وَلِهَذَا رَفَعُوهُ إلَى عُثْمَان …\nوَالْفَاسِقُ وَالْمُبْتَدِعُ صَلاتُهُ فِي نَفْسِهِ صَحِيحَةٌ؛ فَإِذَا صَلَّى الْمَأْمُومُ خَلْفَهُ لَمْ تَبْطُلْ صَلاتُهُ، لَكِنْ إنَّمَا كَرِهَ مَنْ كَرِهَ الصَّلاةَ خَلْفَهُ لأَنَّ الأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَاجِبٌ، وَمِنْ ذَلِكَ [يعني: ومن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر] أَنَّ مَنْ أَظْهَرَ بِدْعَةً أَوْ فُجُورًا لا يُرَتَّبُ إمَامًا لِلْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ التَّعْزِيرَ حَتَّى يَتُوبَ فَإِذَا أَمْكَنَ هَجْرُهُ حَتَّى يَتُوبَ كَانَ حَسَنًا وَإِذَا كَانَ بَعْضُ النَّاسِ إذَا تَرَكَ الصَّلاةَ خَلْفَهُ وَصَلَّى خَلْفَ غَيْرِهِ أُثِرَ ذَلِكَ حَتَّى يَتُوبَ أَوْ يُعْزَلَ أَوْ يَنْتَهِيَ النَّاسُ عَنْ مِثْلِ ذَنْبِهِ. فَمِثْلُ هَذَا إذَا تَرَكَ الصَّلاةَ خَلْفَهُ كَانَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ وَلَمْ يَفُتْ الْمَأْمُومَ جُمُعَةٌ وَلا جَمَاعَةٌ. وَأَمَّا إذَا كَانَ تَرَكَ الصَّلاةَ يَفُوتُ الْمَأْمُومَ الْجُمُعَةُ وَالْجَمَاعَةُ فَهُنَا لا يَتْرُكُ الصَّلاةَ خَلْفَهُمْ إلا مُبْتَدِعٌ مُخَالِفٌ لِلصَّحَابَةِ ﵃.\nوَكَذَلِكَ إذَا كَانَ الإِمَامُ قَدْ رَتَّبَهُ وُلاةُ الأُمُورِ، وَلَمْ يَكُنْ فِي تَرْكِ الصَّلاةِ خَلْفَهُ مَصْلَحَةٌ، فَهُنَا لَيْسَ عَلَيْهِ تَرْكُ الصَّلاةِ خَلْفَهُ، بَلْ الصَّلَاةُ خَلْفَ الإِمَامِ الأَفْضَلِ أَفْضَلُ\" (^١).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"فالواجب على المسلم إذا صار في مدينة من مدائن المسلمين أن يصلي معهم الجمعة والجماعة ويوالي المؤمنين، ولا يعاديهم، وإن رأى بعضهم ضالًا أو غاويًا وأمكن أن يهديه ويرشده فعل ذلك، وإلا فلا يكلف\n_________\n(^١) انظر: مجموع الفتاوى: ٢٣/ ٣٥٢ - ٣٥٤.","vol":"1","page":587},{"text":"الله نفسًا إلا وسعها، وإذا كان قادرًا على أن يولي في إمامة المسلمين الأفضل ولاه، وإن قدر أن يمنع من أظهر البدع والفجور منعه.\nوإن لم يقدر على ذلك فالصلاة خلف الأعلم بكتاب الله وسنة نبيه والأسبق إلى طاعة الله ورسوله أفضل، كما قال النبي-ﷺ-في الحديث الصحيح: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا سواء فأقدمهم هجره، فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سنًا\" (^١).\nوإن كان في هجره لمظهر البدعة والفجور مصلحة راجحة هجره، كما هجر النبي-ﷺ-الثلاثة الذين خُلِّفُوا حتى تاب الله عليهم، وأما إذا وُلِّي غيره بغير إذنه، وليس في ترك الصلاة خلفه مصلحة شرعية كان تفويت هذه الجمعة والجماعة جهلًا وضلالًا، وكان قد رَدَّ بدعة ببدعة) (^٢).\nوخلاصة القول: أن أكثر العلماء يرون جواز الصلاة خلف المبتدع على التفصيل الذي قدمناه، ومنهم من منعها وأبطلها وقال بوجوب إعادتها، وممن رجح صحة الصلاة: الإمام البخاري وابن حجر وابن تيمية، ومن المعاصرين الشيخ ابن باز-﵀-وهو يفصل بين من كانت بدعته شركية كفرية وبين من ليس كذلك فيقول: (تصح الصلاة خلف المبتدع وخلف المسبل إزاره وغيرهما من العصاة في أصح قولي العلماء، ما لم تكن\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في صحيحه ١٠٧٩.\n(^٢) مجموع الفتاوى (٣/ ٢٨٦).","vol":"1","page":588},{"text":"البدعة مكفرة لصاحبها، فإن كانت مكفرة له كالجهمي ونحوه ممن بدعتهم تخرجهم عن دائرة الإسلام، فلا تصح الصلاة خلفهم، ولكن يجب على المسئولين أن يختاروا للإمامة من هو سليم من البدعة والفسق، مرضي السيرة؛ لأن الإمامة أمانة عظيمة، القائم بها قدوة للمسلمين، فلا يجوز أن يتولاها أهل البدع والفسق مع القدرة على تولية غيرهم).\nوالعلماء ذكروا تفاصيل كثيرة تتعلق بالتفريق بين الصلوات العادية وبين صلاة الجمعة والعيدين ويوم عرفة، والتفريق بين من كان مستور الحال ومن هو مجاهر بفسقه أو بدعته، وبين من بدعته مكفرة وبين من هو دون ذلك، وبين من كان هذا المسجد هو الوحيد في ذلك المكان وبين من بإمكانه أن يصلي في مسجد غيره إلى غير ذلك من التفاصيل التي يصعب إيرادها في مثل هذا الشرح.\nقال سفيان الثوري في عقيدته: «يا شعيب، لا ينفعك حتى ترى الصلاة خلف بر وفاجر.\nقال شعيب: فقلت لسفيان: يا أبا عبد الله! الصلاة كلها؟\nقال: لا؛ ولكن صلاة الجمعة والعيدين، صل خلف من أدركت، وأما سائر ذلك فأنت مخير، لا تصل إلا خلف من تثق به وتعلم أنه من أهل السنة والجماعة\" (^١)\n_________\n(^١) أخرجه اللالكائي ١/ ١٥٤.","vol":"1","page":589},{"text":"وجاء في اعتقاد الإمام أحمد بن حنبل: «وصلاة الجمعة خلفه-أي خلف إمام المسلمين-وخلف من ولي جائزة تامة ركعتين، من أعادهما فهو مبتدع تارك للأثر مخالف للسنة …» (^١).\nومما قاله سهل بن عبد الله التستري في اعتقاده: «ولا يترك الجماعة خلف كل وال جائر أو عدل» (^٢).\nكما قرر ذلك أبو الحسن الأشعري (^٣)، وابن بطة (^٤)، وقوام السنة الأصفهاني (^٥).\nوهذه المسألة قد دلت عليها الأدلة من الكتاب والسنة الصحيحة، كما أن في تقريرها مجانبة لطوائف المبتدعة لا سيما الرافضة حيث يشترط الرافضة وجود الإمام الغائب لأداء صلاة الجمعة. (^٦) كما وضحه ابن تيمية بقوله: \"والرافضة لا يصلون إلا خلف المعصوم، ولا معصوم عندهم، وهذا لا يوجد في سائر الفرق أكثر مما يوجد في الرافضة، فسائر أهل البدع سواهم لا يصلون الجمعة والجماعة إلا خلف أصحابهم، كما هو دين الخوارج والمعتزلة وغيرهم،\n_________\n(^١) أخرجه اللالكائي ١/ ١٩١، وانظر اعتقاد علي بن المديني في أصول السنة للالكائي ١/ ١٩٨.\n(^٢) أخرجه اللالكائي ١/ ١٨٣.\n(^٣) الإبانة ص ٧١.\n(^٤) الإبانة الصغرى ص ٢٧٨.\n(^٥) الحجة في بيان الحجة ٢/ ٤٧٧.\n(^٦) انظر مختصر التحفة الاثنى عشرية ص ٢١٨، وفقه الإمامية للسالوس ص ٢٠٢.","vol":"1","page":590},{"text":"وأما أنهم لا يصلون ذلك بحال فهذا ليس إلا للرافضة» (^١).\nومما يحسن إلحاقه بهذه المسألة (^٢): ما قرره ابن تيمية من مشروعية الفصل بين الفرض والنفل في صلاة الجمعة، لما جاء في الحديث الصحيح أنه ﷺ «نهى أن توصل صلاة بصلاة حتى يفصل بينهما بقيام أو كلام» (^٣) ثم علل ابن تيمية ذلك بقوله: «فإن كثيرا من أهل البدع لا ينوون الجمعة بل ينوون الظهر، ويظهرون أنهم سلموا، وما سلموا، فيصلون ظهرة، ويظن الظان أنهم يصلون السنة، فإذا حصل التمييز بين الفرض والتفل كان في هذا منع لهذه البدعة» (^٤).\n_________\n(^١) منهاج السنة ٥/ ١٧٠.\n(^٢) المصدر: مسائل الفروع الواردة في مصنفات العقيدة.\n(^٣) أخرجه مسلم ٢/ ١٠١، وأحمد ٤/ ٩٠، وأبو داود ١/ ٢٠٨.\n(^٤) مجموع الفتاوى ٢٤/ ٢٠٣.","vol":"1","page":591},{"text":"قال المصنف-رحمه الله تعالى-:\n[والدعاء لأئمة المسلمين بالصلاح، ولا تخرج عليهم بالسيف، ولا تقاتل في الفتنة] (^١).\n<hr><s0>\n\n\n<span data-type='title' id=toc-176>من سمات أهل السنة أنهم يدعون للسلطان بالصلاح:</span>\nقال الإمام عبد الله بن المبارك ﵀: \"مَنْ قال: الصلاة خلفَ كُلِّ برٍّ وفاجرٍ، والجهاد مَعَ كُلِّ خليفةٍ، ولم يرَ الخروجَ على السلطان بالسيف، ودعا لهم بالصلاح، فقد خَرَجَ من قول الخوارج أوله وآخره\". (^٢)\nوقال الإمام إسماعيل الصابوني ﵀: \"ويرى أصحاب الحديث: الجمعة، والعيدين، وغيرهما من الصلوات، خلف كلِّ إمام مسلم، برًَّا كان أو فاجرًا، ويرون جهاد الكفرة معهم وإن كانوا جورة فجرة، ويرون الدُّعاء لهم بالإصلاح والتوفيق والصلاح.\nولا يرون الخروج عليهم بالسيف، وإن رأوا منهم العُدول عن العدل إلى الجور والحيف\" (^٣).\n_________\n(^١) ما بين معكوفتين مأخوذ من كتاب مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي، ص: (٢٢٨). ومختصر الحجة (٢/ ٣٧٦).\n(^٢) شرح السنة للبربهاري ص ١٣٢ رقم ١٥٩.\n(^٣) عقيدة السلف وأصحاب الحديث ص ٢٩٤.","vol":"1","page":592},{"text":"وقال أبو جعفر الطحاوي ﵀: \"ولا نرى الخروجَ على أئمتنا وولاةِ أُمورنا وإن جارُوا، ولا ندعُو عليهم، ولا ننزعُ يدًا من طاعتهم، ونرى طاعَتهم من طاعة الله ﷿ فريضةً ما لم يأمروا بمعصيةٍ، وندعُو لهم بالصلاح والمعافاة\". (^١)\nوقال الخلال ﵀: \"أخبرنا أبو بكر المروذي قال: سمعتُ أبا عبد الله وذكَرَ الخليفة المتوكل ﵀ فقال: إني لأدعو له بالصلاح والعافية، وقال: لإن حَدَثَ به حَدَثٌ لتنظرنَّ ما يحلُّ بالإسلام\" (^٢).\nوقال الإمام أحمد بن حنبل ﵀: \"وإني لأرى طاعةَ أميرِ المؤمنين في السرِّ والعلانيةِ، وفي عُسري ويُسري، ومَنشطي ومكرهي، وأثرةٍ عليَّ، وإني لأدعو اللهَ له بالتسديدِ والتوفيقِ في الليلِ والنهارِ\". (^٣)\nوقال البيهقي ﵀: \"قال أبو عثمان ﵀: فانصح للسلطان، وأكثر له من الدُّعاء بالصلاح والرَّشاد، بالقول والعمل والحكم، فإنهم إذا صلحوا صلح العباد بصلاحهم، وإياك أن تدعو عليهم باللعنة، فيزدادوا شرًَّا، ويزداد البلاء على المسلمين، ولكن ادع لهم بالتوبة، فيتركوا الشرّ، فيرتفع البلاء عن المؤمنين\" (^٤).\n_________\n(^١) شرح العقيدة الطحاوية ٢/ ٥٤٠.\n(^٢) السنة ١/ ٨٤ ح ١٦ (أول كتاب المسند: ما يُبتدأ به من طاعة الإمام، وترك الخروج عليه، وغير ذلك (. وقال المحقق الزهراني: (إسناد هذا الأثر صحيح).\n(^٣) البداية والنهاية ١٤/ ٤١٣.\n(^٤) شعب الإيمان للبيهقي ٦/ ٢٦ رقم ٧٤٠١ (فصل في نصيحة الولاة ووعظهم).","vol":"1","page":593},{"text":"وقال أبو عمر بن الصلاح ﵀: \"والنصيحة لأئمة المسلمين: أي لخلفائهم وقادتهم: معاونتهم على الحقِّ وطاعتهم فيه، وتنبيههم وتذكيرهم في رفقٍ ولُطفٍ، ومجانبة الخروج عليهم، والدُّعاء لهم بالتوفيق، وحث الأغيار على ذلك\" (^١).\nوقال النووي عن حكم الدُّعاء لولاة أمور المسلمين في خطبة الجمعة: \"الدُّعاءُ لأئمة المسلمين وولاة أُمورهم بالصلاح والإعانة على الحقِّ والقيام بالعدل ونحو ذلك، ولجيوش الإسلام، فمستحبٌ بالاتفاق\". (^٢)\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"ولهذا كان السلف كالفضيل بن عياض، وأحمد بن حنبل، وسهل بن عبد الله التستري، وغيرهم، يُعظِّمون قدرَ نعمة الله به -أي بالسلطان-ويرون الدُّعاءَ له ومناصحته من أعظم ما يتقرَّبون به إلى الله تعالى، مع عدم الطمَع في ماله ورئاسته، ولا لخشية منه، ولا لمعاونته على الإثم والعدوان\" (^٣).\nفإذا كنت صاحبَ سنَّة فاحفظ لسانك عن مثلِ هذا الحال، وإذا كان هناك أمر فادعو الله ﷿ أن يصلحَ من شأنه وأن يصلحَ من حاله، فنعمةُ السلطان استتابُ للأمن الذي هو من أعظم النعم التي يمنُّ الله ﷿ بها عليك، ومن أعظمها أن الله ﷿ منَّ عليك أن تأتي وتصلي مع الجماعة فبالتالي حفظُ\n_________\n(^١) صيانة صحيح مسلم ص ٢٢٤.\n(^٢) المجموع شرح المهذب ٤/ ٣٩١.\n(^٣) السياسة الشرعية ص ٢٣٣ - ٢٣٤.","vol":"1","page":594},{"text":"جانبِ السلطان ليس نفاقًا، وليس كما يدعي أهل الأهواء في كلامهم وإنما هو أمرٌ واجبٌ دينًا؛ أنت تدينُ الله به.\nواعلم أن من سمات أهل البدع أنهم يدعون على السلطان، فإذا رأيت الرجل يدعو على السلطان أو يتتبع السلطان فاعلم أنه صاحب هوى وهذا الوصف ليسَ من حالِ أهلِ السنَّة ولو انتسبَ هذا الشخص لأهلِ السنَّة فحاله هذه خلافُ السنَّة، وهذا حالُ الخوارج والمعتزلة الذين من سماتهم التتبعِ والدعاءِ على السلاطين ونحو ذلك.\nوقال الإمام الآجري ﵀: \"قد ذكرت من التحذير من مذاهب الخوارج ما فيه بلاغ لمن عصمه الله تعالى، عن مذهب الخوارج، ولم ير رأيهم، وصبر على جور الأئمة، وحيف الأمراء، ولم يخرج عليهم بسيفه، وسأل الله تعالى كشف الظلم عنه، وعن المسلمين، ودعا للولاة بالصلاح، وحج معهم، وجاهد معهم كل عدو للمسلمين وصلى معهم الجمعة والعيدين، فإن أمروه بطاعة فأمكنه أطاعهم، وإن لم يمكنه اعتذر إليهم، وإن أمروه بمعصية لم يطعهم، وإذا دارت الفتن بينهم لزم بيته وكف لسانه ويده، ولم يهو ما هم فيه، ولم يعن على فتنة، فمن كان هذا وصفه كان على الصراط المستقيم إن شاء الله\" (^١).\nفالواجبُ عليك إذا رأيت من سلطانك ما يخالف الشرع أن تناصحه نصيحةَ سر، لا تبدأ في تقليب الناس عليه، ولا تذكر في ذلك مساوئه، وإنما يجب ويتعيَّن عليك الدعاء له بالصلاح.\n_________\n(^١) «الشريعة» ص ٣٥.","vol":"1","page":595},{"text":"قال الشيخ صالح الفوزان: \"لا يجوز الدُّعاء عليهم: لأن هذا خروجٌ معنوي، مثل الخروج عليهم بالسلاح، وكونه دعا عليهم لأنه لا يرى ولايتهم، فالواجب الدعاء لهم بالهدى والصلاح، لا الدعاء عليهم، فهذا أصل من أصول أهل السنة والجماعة، فإذا رأيتَ أحدًا يدعو على ولاة الأمور فاعلم أنه ضالٌ في عقيدته، وليس على منهج السلف، وبعض الناس قد يتخذ هذا من باب الغيرة والغضب لله ﷿، لكنها غيرة وغضب في غير محلهما، لأنهم إذا زالوا حصلت المفاسد. والإمام أحمد صَبَرَ في المحنة، ولم يثبت عنه أنه دعا عليهم أو تكلَّم فيهم، بل صبر، وكانت العاقبة له، هذا مذهب أهل السنة والجماعة، فالذين يدعون على ولاة أمور المسلمين ليسوا على مذهب أهل السنة والجماعة، وكذلك الذين لا يدعون لهم، وهذا علامة أن عندهم انحرافًا عن عقيدة أهل السنة والجماعة، وبعضهم يُنكر على الذين يدعون في خطبة الجمعة لولاة الأمور، ويقولون: هذه مداهنة، هذا نفاق، هذا تزلف، سبحان الله! هذا مذهب أهل السنة والجماعة، بل من السنة الدعاء لولاة الأمور؛ لأنهم إذا صلحوا صلح الناس، فأنت تدعو لهم بالصلاح والهداية والخير، وإن كان عندهم شرّ، فهم ما داموا على الإسلام فعندهم خير، فما داموا يُحكِّمون الشرع، ويُقيمون الحدود، ويصونون الأمن، ويمنعون العدوان عن المسلمين، ويكفون الكفار عنهم، فهذا خير عظيم، فيُدعى لهم من أجل ذلك، وما عندهم من المعاصي والفسق، فهذا إثمه عليهم، ولكن عندهم خير أعظم، ويُدعى لهم بالاستقامة والصلاح، فهذا","vol":"1","page":596},{"text":"مذهب أهل السنة والجماعة، أما مذهب أهل الضلال وأهل الجهل، فيرون هذا من المداهنة والتزلُّف، ولا يدعون لهم، بل يدعون عليهم.\nوالغيرة ليست في الدعاء عليهم، فإن كنت تريد الخير فادعُ لهم بالصلاح والخير، فالله قادرٌ على هدايتهم وردهم إلى الحق، فأنت هل يئست من هدايتهم؟ هذا قنوط من رحمة الله، وأيضًا الدعاء لهم من النصيحة. فهذا أصل عظيم يجب التنبه له، وبخاصة في هذه الأزمنة\". (^١)\n_________\n(^١) التعليقات المختصرة على متن العقيدة الطحاوية ص ١٧١ - ١٧٣.","vol":"1","page":597},{"text":"قال المصنف-رحمه الله تعالى-:\n[ولا تتألى على أحد من المسلمين أن تقول: فلان في الجنة وفلان في النار، إلا العشرة الذين شهد لهم النبي ﷺ بالجنة (^١)]\n<hr><s0>\n\nمن معتقد أهل السنة والجماعة أن من كان من أهل القبلة لا يشهد له بالجنة ولا يشهد له بالنار، لكن نرجو للمحسن ونخاف على المسيء، إلا من شهد له الرسول ﷺ.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"إِنَّمَا قَدْ نَقِفُ فِي الشَّخْصِ الْمُعَيَّنِ؛ فَلَا نَشْهَدُ لَهُ بِجَنَّةٍ وَلَا نَارٍ إِلَّا عَنْ عِلْمٍ، لِأَنَّ حَقِيقَةَ بَاطِنِهِ وَمَا مَاتَ عَلَيْهِ لَا نُحِيطُ بِهِ، لَكِنْ نَرْجُو لِلْمُحْسِنِ وَنَخَافُ عَلَى الْمُسِيءِ.\nوأهل السنة لَهُمْ فِي الشَّهَادَةِ بِالْجَنَّةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ:\nالقول الأول: مِنْهُمْ مَنْ لَا يَشْهَدُ بِالْجَنَّةِ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْأَنْبِيَاءِ. وَهَذَا قَوْلُ مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ وَالْأَوْزَاعِيِّ.\nوَالقول الثَّانِي: أَنَّهُ يَشْهَدُ بِالْجَنَّةِ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ جَاءَ فِيهِ نَصٌّ. وَهَذَا قَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ. \" (^٢).\n_________\n(^١) هذه الجملة ساقطة من نسخة طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى وهي مأخوذة من مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص: (٢٢٨).\n(^٢) انظر المسألة في منهاج السنة: ٣/ ٤٩٧ - ٥٠٠.","vol":"1","page":598},{"text":"وقد استدل لهذا القول:\n-حديث الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: \"إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة\"، وهذا في حديث الذي قتل نفسه بعد أن أثنى عليه الناس.\n-الحديث الآخر: \"إن الرجل منكم ليعمل حتى ما يكون بينه وبين الجنة إلا ذراع فيسبق عليه كتابه فيعمل بعمل أهل النار ويعمل حتى ما يكون بينه وبين النار إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة\" (^١). والشاهد من هذه الأحاديث أن خاتمة السوء لا تؤمن فكيف يقطع للرجل بالجنة؟\n-حديث أبي هريرة في الصحيح قال خرجنا مع رسول الله ﷺ يوم خيبر فلم نغنم ذهبا ولا فضة إلا الأموال والثياب والمتاع فأهدى رجل من بني الضبيب يقال له رفاعة بن زيد لرسول الله ﷺ غلاما يقال له مدعم فوجه رسول الله ﷺ إلى وادي القرى حتى إذا كان بوادي القرى بينما مدعم يحط رحلًا لرسول الله ﷺ إذا سهم عائر فقتله فقال الناس هنيئا له الجنة فقال رسول الله ﷺ كلا والذي نفسي بيده إن\n_________\n(^١) أخرجه البخاري: (٣٢٠٨)، ومسلم: (٢٦٤٣).","vol":"1","page":599},{"text":"الشملة التي أخذها يوم خيبر من المغانم لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه نارا\" (^١).\nفهذا مع شهادة الناس له بالجنة بين النبي ﷺ أن حقيقة حاله على خلاف ما شهد له به.\n-حديث أم العلاء في البخاري قالت: \"سكن عندنا عثمان بن مظعون فاشتكى فمرضناه حتى إذا توفي وجعلناه في ثيابه دخل علينا رسول الله ﷺ فقلت رحمة الله عليك أبا السائب فشهادتي عليك لقد أكرمك الله فقال لي النبي ﷺ وما يدريك أن الله أكرمه فقلت لا أدري بأبي أنت وأمي يا رسول الله فقال رسول الله ﷺ أما عثمان فقد جاءه والله اليقين وإني لأرجو له الخير والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل به قالت فوالله لا أزكي أحدا بعده أبدا وأحزنني ذلك قالت فنمت فأريت لعثمان عينا تجري فجئت إلى رسول الله ﷺ فأخبرته فقال ذاك عمله\" (^٢)، والشاهد من الحديث نص وإقرار، أما النص فالقصة وما وجه به النبي ﷺ فيها، وأما الإقرار فلقولها لا أزكي أحدًا بعده.\nوهذا كالصريح في النهي، قال ابن كثير: \"وفي هذا وأمثاله دلالة على أنه لا يقطع لمعين بالجنة إلا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري: (٦٣٢٩).\n(^٢) أخرجه البخاري: (٢٥٤١)","vol":"1","page":600},{"text":"الذي نص الشارع على تعيينهم كالعشرة، وابن سلام، والعميصاء، وبلال، وسراقة، وعبد الله بن عمرو بن حرام والد جابر/ والقراء السبعين الذين قتلوا ببئر معونة، وزيد بن حارثة، وجعفر، وابن رواحة، وما أشبه هؤلاء ﵃\" (^١). ومثله قال العيني في العمدة.\nوقد بوب عليه البيهقي: \"باب لا يشهد لأحد بجنة ولا نار إلاّ لمن شهد له رسول الله ﷺ بها\" (^٢).\nهذا مع أن عثمان بن مظعون (أبو السائب) ﵁ بدري قال الله له اصنع ما شئت فقد غفرت لك، وروي أن رسول الله ﷺ السلف الصالح يوم مات زينب، وقد روي أنه قبله وسالت دموعه، وهو أول من دفن بالبقيع ومع ذلك يقول: \"وما يدريك؟! وإني لأرجو له الخير والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل به\".\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير: (٤/ ١٥٦).\n(^٢) (الكبرى ٤/ ٧٦).","vol":"1","page":601},{"text":"وممن نقل عنه القول في هذه المسألة من العلماء:\n• ما روي عن الإمام سفيان بن عيينة في اعتقاده قوله: السنة عشرة فمن كن فيه فقد استكمل السنة ومن ترك منها شيئا فقد ترك السنة: إثبات القدر وتقديم أبي بكر وعمر والحوض والشفاعة والميزان والصراط والإيمان قول وعمل والقرآن كلام الله وعذاب القبر والبعث يوم القيامة ولا تقطعوا بالشهادة على مسلم. (^١)\n• ونقل عن الإمام أحمد فيمن خرج عليه اللصوص والخوارج قال: \"وإن قتل هذا في تلك الحال وهو يدفع عن نفسه وماله رجوت له الشهادة كما جاء في الأحاديث (^٢).\n• وقال الإمام أحمد: \"ولا نشهد على أهل القبلة بعمل يعمله بجنة ولا نار، نرجو للصالح ونخاف عليه ونخاف على المسيء المذنب، ونرجو له رحمة الله\". اه (^٣)\n• وهي عين كلمة علي بن المديني كما وروى عن سفيان الثوري قوله: \"يا شعيب بن حرب لا ينفعك ما كتبت لك حتى لا تشهد لأحد بجنة ولا نار إلا للعشرة الذين شهد لهم رسول الله\n_________\n(^١) رواه الإمام اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (١/ ١٥٦)\n(^٢) اعتقاد الإمام أحمد (١/ ١٦١)\n(^٣) أصول السنة (ص ٥٠)","vol":"1","page":602},{"text":"وكلهم من قريش\". اه (^١)\n• وقال الإمام أبو عمرو الداني: \"ومن قولهم: أن لا ينزل أحد من أهل القبلة جنة ولا نارا إلا من ورد التوقيف بتنزيله، وجاء الخبر من الله ﵎، ورسوله عن عاقبة أمره\". (^٢)\n• وقال الإمام أبو عثمان الصابوني: \"ويعتقد ويشهد أصحاب الحديث أن عواقب العباد مبهمة لا يدري أحد بم يُختم له، ولا يحكمون لواحد بعينه أنه من أهل الجنة، ولا يحكمون على أحد بعينه أنه من أهل النار؛ لأن ذلك مغيّب عنهم لا يعرفون على ما يموت عليه الإنسان، أعلى الإسلام أم على الكفر. \" (^٣)\n• وقال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب: \"لا أحد يشهد لأحد بالجنة أو النار إلا من ثبت له ذلك. وأهل السنة والجماعة لا يشهدون لِمُعَيَّنٍ بالجنة إلا لمن شهد له رسول الله ﷺ بأنه من أهل الجنة، كالعشرة وغيرهم من الصحابة ﵃، الذين ثبتت الأحاديث في تعيينهم أنهم من أهل الجنة. وأما مَنْ سواهم فلا يشهدون له بذلك، ولكنهم يرجون لجميع المؤمنين دخول الجنة، ويخافون على مَنْ أذنب من النار، ولا يقطعون لمعين بأنه من أهل الجنة أو من أهل النار إلا من ثبت له ذلك\". اه (^٤).\n_________\n(^١) اعتقاد أهل السنة للالكائي (١/ ١٦٢).\n(^٢) الرسالة الوافية (ص ٩٦)\n(^٣) اعتقاد أصحاب الحديث (ص ٩٦).\n(^٤) جواب أهل السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والزيدية (٢٠٦).","vol":"1","page":603},{"text":"فهذا مذهب جمهور أهل السنة كما ترى.\nوَالقول الثَّالِثُ: يَشْهَدُ بِالْجَنَّةِ لِهَؤُلَاءِ وَلِمَنْ شَهِدَ لَهُ الْمُؤْمِنُونَ. كَمَا قَالَ النَّبِيُّ-ﷺ: \" «أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ» \". وَقَالَ: \" «يُوشِكُ أَنْ تَعْلَمُوا أَهْلَ الْجَنَّةِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ \" قَالُوا: بِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: \" بِالثَّنَاءِ الْحَسَنِ وَالثَّنَاءِ السَّيِّئِ» \" (^١) فَأَخْبَرَ أَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يُعْلَمُ بِهِ أَهْلُ الْجَنَّةِ وَأَهْلُ النَّارِ. وَكَانَ أَبُو ثَوْرٍ يَقُولُ: \"أَشْهَدُ أَنَّ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ فِي الْجَنَّةِ \" وَيَحْتَجُّ بِهَذَا\" (^٢).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وَالْقَوْلُ بِكَوْنِ الرَّجُلِ الْمُعَيَّنِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ قَدْ يَكُونُ سَبَبُهُ:\n• إِخْبَارَ الْمَعْصُومِ، فأَهْلَ السُّنَّةِ يَشْهَدُونَ أَنَّ الْعَشَرَةَ فِي الْجَنَّةِ (^٣)، وَيَشْهَدُونَ «أَنَّ اللَّهَ قَالَ لِأَهْلِ بَدْرٍ: \" «اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ» (^٤).\nبَلْ يَقُولُونَ: إِنَّهُ \" «لَا يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ» \"، كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ-ﷺ (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٣٦٧)، ومسلم (٩٤٩).\n(^٢) أخرجه أحمد (٣٩/ ٥٠٤)، وقال الشيخ شعيب: «حديث صحيح».\n(^٣) «منهاج السنة» (٥/ ٢٩٥).\n(^٤) أخرجه البخاري (٣٠٠٧)، ومسلم (٢٤٩٤).\n(^٥) أخرجه أبو داود (٤٦٥٣)، والترمذي (٣٨٦٠)، وقال: «هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ»، وصححه الألباني في \"صحيح أبي داود\".","vol":"1","page":604},{"text":"فَهَؤُلَاءِ أَكْثَرُ مِنْ أَلْفٍ وَأَرْبَعِمِائَةِ إِمَامٍ لِأَهْلِ السُّنَّةِ، يَشْهَدُونَ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ النَّارَ مِنْهُمْ أَحَدٌ، وَهِيَ شَهَادَةٌ بِعِلْمٍ كَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ.\n• وَقَدْ يَكُونُ سَبَبُهُ تَوَاطُؤَ شَهَادَاتِ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ هُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ. كَمَا فِي الصَّحِيحِ «عَنِ النَّبِيِّ-ﷺ-أَنَّهُ مُرَّ عَلَيْهِ بِجِنَازَةٍ، فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْرًا فَقَالَ: \"وَجَبَتْ وَجَبَتْ\". وَمُرَّ عَلَيْهِ بِجِنَازَةٍ، فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا: شَرًّا فَقَالَ: \" وَجَبَتْ وَجَبَتْ \". فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا قَوْلُكَ: وَجَبَتْ وَجَبَتْ؟ قَالَ: \"هَذِهِ الْجِنَازَةُ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهَا خَيْرًا، فَقُلْتُ: وَجَبَتْ لَهَا الْجَنَّةُ. وَهَذِهِ الْجِنَازَةُ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهَا شَرًّا، فَقُلْتُ: \" وَجَبَتْ لَهَا النَّارُ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ\"» (^١).\nوَفِي الْمُسْنَدِ «عَنِ النَّبِيِّ-ﷺ-أَنَّهُ قَالَ: \" يُوشِكُ أَنْ تَعْلَمُوا أَهْلَ الْجَنَّةِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ \" قَالُوا: بِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: \" بِالثَّنَاءِ الْحَسَنِ وَالثَّنَاءِ السَّيِّئِ» (^٢)\n• وَقَدْ يَكُونُ سَبَبُ ذَلِكَ تَوَاطُؤُ رُؤْيَا الْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّ النَّبِيَّ-ﷺ-قَالَ: \" «لَمْ يَبْقَ بَعْدِي مِنَ النُّبُوَّةِ إِلَّا الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ، يَرَاهَا الرَّجُلُ الْمُؤْمِنُ الصَّالِحُ أَوْ تُرَى لَهُ» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٩٤٩).\n(^٢) الْحَدِيثُ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي زُهَيْرٍ الثَّقَفِيِّ عَنْ أَبِيهِ-﵁-فِي: سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ ٢/ ١٤١١ (كِتَابُ الزُّهْدِ، بَابُ الثَّنَاءِ الْحَسَنِ)، وَقَالَ الْمُعَلِّقُ فِي الزَّوَائِدِ: إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، رِجَالُهُ ثِقَاتٌ، وَلَيْسَ لِأَبِي زُهَيْرٍ هَذَا عَنِ ابْنِ مَاجَهْ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ، وَلَيْسَ لَهُ شَيْءٌ فِي بَقِيَّةِ الْكُتُبِ السِّتَّةِ، وَالْحَدِيثُ فِي الْمُسْنَدِ (ط. الْحَلَبِيِّ) ٣/ ٤١٦، ٦/ ٤٦٧.\n(^٣) الْحَدِيثُ-مَعَ اخْتِلَافٍ فِي الْأَلْفَاظِ-عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ-﵁-فِي: الْبُخَارِيِّ ٩/ ٣١ (كِتَابُ =","vol":"1","page":605},{"text":"«وَسُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [سُورَةُ يُونُسَ: ٦٤] قَالَ: \"هِيَ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الرَّجُلُ الصَّالِحُ أَوْ تُرَى لَهُ\" (^١).\nوَقَدْ فَسَّرَهَا أَيْضًا بِثَنَاءِ الْمُؤْمِنِينَ، «فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الرَّجُلُ يَعْمَلُ لْعَمَلَ لِنَفْسِهِ فَيَحْمَدُهُ النَّاسُ عَلَيْهِ. فَقَالَ: \" تِلْكَ عَاجِلُ بُشْرَى الْمُؤْمِنِ» (^٢).\nوَالرُّؤْيَا قَدْ تَكُونُ مِنَ اللَّهِ، وَقَدْ تَكُونُ مِنْ حَدِيثِ النَّفْسِ، وَقَدْ تَكُونُ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا تَوَاطَأَتْ رُؤْيَا الْمُؤْمِنِينَ عَلَى أَمْرٍ كَانَ حَقًّا، كَمَا إِذَا تَوَاطَأَتْ رِوَايَاتُهُمْ أَوْ رَأْيُهُمْ فَإِنَّ الْوَاحِدَ قَدْ يَغْلَطُ أَوْ يَكْذِبُ، وَقَدْ يُخْطِئُ فِي الرَّأْيِ، أَوْ يَتَعَمَّدُ الْبَاطِلَ، فَإِذَا اجْتَمَعُوا لَمْ يَجْتَمِعُوا عَلَى ضَلَالَةٍ، وَإِذَا تَوَاتَرَتِ الرِّوَايَاتُ أَوْرَثَتِ الْعِلْمَ، وَكَذَلِكَ الرُّؤْيَ قَالَ: النَّبِيُّ-ﷺ: \" «أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ\n_________\n=التَّعْبِيرِ، بَابُ الْمُبَشِّرَاتِ)، وَجَاءَ جُزْءٌ مِنْ حَدِيثٍ آخَرَ بِنَفْسِ الْمَعْنَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ-﵄-فِي مُسْلِمٍ ١/ ٣٤٨ (كِتَابُ الصَّلَاةِ، بَابٌ فِي الدُّعَاءِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ)، سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ ١/ ٣٢١ (كِتَابُ الصَّلَاةِ، بَابٌ فِي الدُّعَاءِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ)، سُنَنِ النَّسَائِيِّ ٨/ ١٤٨ (كِتَابُ التَّطْبِيقِ، بَابُ تَعْظِيمِ الرَّبِّ فِي الرُّكُوعِ)، سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ ٢/ ١٢٨٣ (كِتَابُ تَعْبِيرِ الرُّؤْيَا، بَابُ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةِ يَرَاهَا الْمُسْلِمُ أَوْ تُرَى لَهُ)، الْمُسْنَدِ (ط. الْمَعَارِفِ) ٣/ ٢٧٥.\n(^١) الْحَدِيثُ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ وَعُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ-﵄-فِي سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ ٣/ ٣٦٤ - ٣٦٥ (كِتَابُ الرُّؤْيَا، بَابُ ذَهَبَتِ النُّبُوَّةُ وَبَقِيَتِ الْمُبَشِّرَاتُ)، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ: وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَتَكَرَّرَ هَذَا الْحَدِيثُ: ٤/ ٣٥٠ (كِتَابُ التَّفْسِيرِ، وَمِنْ سُورَةِ يُونُسَ)، سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ ٢/ ١٢٨٣ (كِتَابُ تَعْبِيرِ الرُّؤْيَا، بَابُ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةِ)\n(^٢) الْحَدِيثُ-مَعَ اخْتِلَافٍ فِي الْأَلْفَاظِ-عَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ-﵁-فِي مُسْلِمٍ ٤/ ٢٠٣٤ - ٢٠٣٥ (كِتَابُ الْبِرِّ وَالصِّلَةِ وَالْآدَابِ، بَابُ إِذَا أُثْنِيَ عَلَى الصَّالِحِ فَهِيَ بُشْرَى وَلَا تَضُرُّ)، سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ ٢/ ١٤١٢ (كِتَابُ الزُّهْدِ، بَابُ الثَّنَاءِ الْحَسَنِ)، الْمُسْنَدِ (ط. الْحَلَبِيِّ) ٥/ ١٥٦، ١٥٧، ١٦٨.","vol":"1","page":606},{"text":"تَوَاطَأَتْ عَلَى أَنَّهَا فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مُتَحَرِّيَهَا، فَلْيَتَحَرَّهَا فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ» (^١) \" (^٢)\nكما قال ابن عثيمين رحمه الله تعالى (^٣)\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وكذلك من أجمعت الأمة على الثناء عليه فإننا نشهد له بالجنة فمثلا الإمام أحمد ﵀ الشافعي أبو حنيفة مالك سفيان الثوري سفيان بن عيينة وغيرهم من الأئمة أجمعت الأمة على الثناء عليهم فنشهد لهم بأنهم من أهل الجنة. شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أجمع الناس بالثناء عليه إلا من شذ ومن شذ، شذ في النار يشهد له بالجنة على هذا الرأي. \" اه (^٤) والله أعلم.\nوقد أجيب على أدلة هذا القول بأن الحديث الأول يفيد أن شهادة المؤمنون\n_________\n(^١) الْحَدِيثُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ-﵄، فِي الْبُخَارِيِّ ٣/ ٤٦ (كِتَابُ فَضْلِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، بَابُ الْتِمَاسِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ)، مُسْلِمٍ ٢/ ٨٢٢ (كِتَابُ الصِّيَامِ، بَابُ فَضْلِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ)، الْمُوَطَّأِ ١/ ٣٢١ (كِتَابُ الِاعْتِكَافِ، بَابُ مَا جَاءَ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ)، الْمُسْنَدِ (ط. الْمَعَارِفِ) ٦/ ٢٣١.\n(^٢) منهاج السنة: ٣/ ٤٩٧ - ٥٠٠.\n(^٣) مجموع فتاوى ورسائل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين (٣/ ١١٧).\n(^٤) لعل الشيخ ابن عثيمين-رحمه الله تعالى-ذكره بالمعنى وهذا نصه قال ابن تيمية: (وَمَعَ هَذَا يُمكن الْعلم بذلك للْوَلِيّ نَفسه وَلغيره وَلكنه قَلِيل وَلَا يجوز لَهُمْ الْقطع على ذَلِك فَمن ثبتَتْ ولَايَته بِالنَّصِّ وَأَنه من أهل الْجنَّة كالعشرة وَغَيرهم فعامة أهل السّنة يشْهدُونَ لَهُ بِمَا شهد لَهُ بِهِ النَّص، وَأما من شاع لَهُ لِسَان صدق فِي الْأمة بِحَيْثُ اتّفقت الْأمة على الثَّنَاء عَلَيْهِ فَهَلْ يشْهد لَهُ بذلك هَذَا فِيهِ نزاع بَين أهل السّنة وَالْأَشْبَه أَنْ يشْهد لَهُ بذلك هَذَا فِي الْأَمر الْعَام) دقائق التفسير الجامع لتفسير ابن تيمية (٢/ ٢٢١).","vol":"1","page":607},{"text":"لبعضهم بالخير والصلاح توجب نفعه وصلاحه في الآخرة، ولا يجزم بها على العموم، فإحسان الظن بالمسلمين هو الأصل ولكن هذا لا يبنى عليه يقين بمآله.\nوهنا فائدة مهمة على قوله: \"وجبت وجبت\" وهي على الصحيح من التحقيق والجزم، فقيل إنها من خصائصه ﷺ، ولا يجزم بها لغيره لأنها غيب، ولعل نبينا اطلع على ذلك بطريق الوحي. واختار هذا القول ابن التين.\nويرده قول عمر لها أيضا لجنازة مرت عليه، كما في الصحيح.\nوفي معناها أيضا قال الإمام الطحاوي:\n(وجه ذلك عندنا والله أعلم أن الشهادة بالخير لمن شهد له به ستر من الله ﷿ عليه في الدنيا ومن ستره الله ﷿ في الدنيا لم يرفع عنه ستره في الآخرة) اه (^١)\nومما قيل في معناها أيضا: أن انطلاق الألسنة بالثناء الحسن علامة على وجوب الجنة للمثنى عليه به، وليست جزما على الغيب. والله أعلم.\nأما الحديث الثاني: فهو أصرح في بيان المقصود لقوله: (يوشك) وقوله: (بالثناء الحسن والثناء السيئ) يعني ما هو إلا ثناء على الظاهر لا يجزم له على الحقيقة بالجنة أو النار، فيخلص من هذا أن الكلمة على الرجاء والتمني وليست على التحقيق والتألي.\n_________\n(^١) بيان مشكل الآثار (٨/ ١٠٨)","vol":"1","page":608},{"text":"ومن الخلاف: هل هذا خاص بزمن الصحابة أم أنه عاما للمؤمنين في كل زمان؟\nالصحيح المختار: أنه عام ولكن في غير زمن الصحابة يحتاج إلى الإجماع.\nوعليه فرأي الجمهور هو الصواب، وهو أنه لا يشهد لأحد بأنه من أهل الجنة أو من أهل النار إلا إذا ورد نص أو إجماع.\nوأعني بالإجماع هنا ما يراد به حكم الجماعة المسلمة في وقت ما على المعين بأنه من أهل الجنة، فهو من أهل الجنة إن شاء الله تعالى حسب الظاهر للمسلمين وقتئذ ولا يقطع به جزما لأنه ضرب من الغيب، لذلك نصوب من يقول: هو من أهل الجنة إن شاء الله تعالى.\nوعلى هذا: لا يصح الاستثناء للمعين بالشهادة فنقول هو شهيد إن شاء الله، للنهي الوارد فيما ذكرنا أعلاه، وإنما نقول نرجو له الشهادة أو نقول كما علمنا عمر: من فعل كذا فهو شهيد عن عُمَرَ أَنَّهُ خَطَبَ فَقَالَ تَقُولُونَ فِي مَغَازِيكُمْ فُلَانٌ شَهِيدٌ وَمَاتَ فَلَانٌ شَهِيدًا وَلَعَلَّهُ قَدْ يَكُونُ قَدْ أَوْقَرَ رَاحِلَتَهُ أَلَا لَا تَقُولُوا ذَلِكُمْ وَلَكِنْ قُولُوا كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ مَاتَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ قُتِلَ فَهُوَ شَهِيدٌ\" (^١).\nوخلاصة القول: هذه المسألة من مسائل الأسماء والأحكام، فمن كان من أهل الإسلام فلا تشهد له بعمل خيرٍ ولا شر\"، فليس لنا أن\n_________\n(^١) انظر فتح الباري لابن حجر (٦/ ٩٠).","vol":"1","page":609},{"text":"تشهد لمعين أنه من أهل الجنة أو من أهل النار، لأننا لا ندري ماذا يُختم له، فقد يُصبح المرء مسلمًا ويُمسي كافرًا يمسي كافرًا ويصبح مؤمنًا، فلا يُدرى ما هي خاتمة كل أحدٍ منا، ولذلك كان من الدعاء: اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك.\nفقد ترى الرجل على معصية وعلى شر، وعلى حالٍ لا يرضي الله ﷿ لكن قد يُختم له بخاتمة حسنة، فقد يتوب فيتوب الله عليه، فلذلك لا نشهد لأحدٍ بعينه بجنة أو نار، لكن نرجو للمحسن الخير ونخاف على المسيء، فإنك لا تدري بما يُختم له عند الموت ترجو له رحمة الله وتخاف عليه ذنوبه، فترجو إذا كان على خير أن يُختم له بخير، وإن كان على شر أن يُختم له إن شاء الله تعالى بتوبة.","vol":"1","page":610},{"text":"قال المصنف-رحمه الله تعالى-:\n[وأن الله سميع عليم] (^١) [وصفوا الله بما وصف به نفسه، وانفوا عن الله ما نفاه عن نفسه] (^٢).\n<hr><s0>\n\n\n<span data-type='title' id=toc-178>معتقد أهل السنة في أسماء الله وصفاته، يقوم على أساس الإيمان بكل ما وردت به نصوص القرآن والسنة الصحيحة إثباتًا ونفيًا،</span> فهم بذلك:\n١ يسمون الله بما سمى به نفسه في كتابه، أو على لسان رسوله ﷺ، لا يزيدون على ذلك ولا ينقصون منه.\n٢ ويثبتون لله ﷿ ويصفونه بما وصف به نفسه في كتابه، أو على لسان رسوله ﷺ من غير تحريف (^٣)، ولا تعطيل (^٤)، ومن غير تكييف (^٥)،\n_________\n(^١) ما بين معكوفتين مأخوذ من مختصر الحجة (٢/ ٣٧٦).\n(^٢) هذه الجملة ساقطة من نسخة طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى وهي مأخوذة من مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص: (٢٢٨). وجاء في منهاج السنة لابن تيمية قطعة منها: \"ونقلوه عن أحمد بن حنبل في رسالته إلى مسدد [يقول]: \"وهم متفقون على أن الله ليس كمثله شيء، وأنه لا يعلم كيف ينزل، ولا تمثل صفاته بصفات خلقه\".\n(^٣) التحريف لغة: التغير والتبديل. والتحريف في باب الأسماء والصفات هو: تغيير ألفاظ نصوص الأسماء والصفات أو معانيها عن مراد الله بها.\n(^٤) التعطيل لغة: مأخوذ من العطل الذي هو الخلو والفراغ والترك، والتعطيل في باب الأسماء والصفات هو: نفي أسماء الله وصفاته أو بعضها.\n(^٥) التكييف لغة: جعل الشيء على هيئة معينة معلومة، والتكييف في صفات الله هو: الخوض في كنه وهيئة الصفات التي أثبتها الله لنفسه.","vol":"1","page":611},{"text":"ولا تمثيل (^١).\n٣ وينفون عن الله ما نفاه عن نفسه في كتابه، أو على لسان رسوله محمد ﷺ، مع اعتقاد أن الله موصوف بكمال ضد ذلك الأمر المنفي.\nفأهل السنة سلكوا في هذا الباب منهج القرآن والسنة الصحيحة، فكل اسم أو صفة لله ﷾ وردت في الكتاب والسنة الصحيحة فهي من قبيل الإثبات فيجب بذلك إثباتها.\nوأما النفي فهو أن ينفى عن الله ﷿ كل ما يضاد كماله من أنواع العيوب والنقائص مع وجوب اعتقاد ثبوت كمال ضد ذلك المنفي.\nقال الإمام أحمد: (لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ لا نتجاوز القرآن والسنة).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وطريقة سلف الأمة وأئمتها أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله ﷺ، من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل، إثبات بلا تمثيل، وتنزيه بلا تعطيل، إثبات الصفات ونفي مماثلة المخلوقات\n_________\n(^١) التمثيل لغة: من المثيل وهو الند والنظير، والتمثيل في باب الأسماء والصفات هو: الاعتقاد في صفات الخالق أنها مثل صفات المخلوق.\nراجع في معاني هذه الألفاظ ما ذكرته في كتاب \"معتقد أهل السنة والجماعة في توحيد الأسماء والصفات\" (ص ٧٠ - ٨١).","vol":"1","page":612},{"text":"قال تعالى ﴿ليس كمثله شيء﴾ (^١) فهذا رد على الممثلة\n﴿وهو السميع البصير﴾ رد على المعطلة.\nوقولهم في الصفات مبني على أصلين:\nأحدهما: أن الله ﷾ منزه عن صفات النقص مطلقًا كالسِنَةِ، والنوم، والعجز، والجهل، وغير ذلك.\nوالثاني: أنه متصف بصفات الكمال التي لا نقص فيها، على وجه الاختصاص بما له من الصفات، فلا يماثله شيء من المخلوقات في شيء من الصفات) (^٢).\nويمكن إجمال معتقد أهل السنة في أسماء الله في النقاط التالية:\n١ الإيمان بثبوت الأسماء الحسنى الواردة في القرآن والسنة، من غير زيادة ولا نقصان.\n٢ الإيمان بأن الله هو الذي يسمي نفسه، ولا يسميه أحد من خلقه، فالله ﷿ هو الذي تكلم بهذه الأسماء، وأسماؤه منه، وليست محدثة مخلوقة كما يزعم الجهمية، والمعتزلة، والكلابية، والأشاعرة، والماتريدية.\n٣ الإيمان بأن هذه الأسماء دالة على معانٍ في غاية الكمال، فهي أعلام وأوصاف، وليست كالأعلام الجامدة التي لم توضع باعتبار معانيها، كما يزعم المعتزلة.\n_________\n(^١) الآية ١١ من سورة الشورى.\n(^٢) منهاج السنة (٢/ ٥٢٣).","vol":"1","page":613},{"text":"٤ احترام معاني تلك الأسماء، وحفظ ما لها من حرمة في هذا الجانب، وعدم التعرض لتلك المعاني بالتحريف والتعطيل كما هو شأن أهل الكلام.\n٥ الإيمان بما تقتضيه تلك الأسماء من الآثار وما ترتب عليها من الأحكام (^١).\n(ويمكن إجمال معتقد أهل السنة في صفات الله في النقاط التالية:\n١ إثبات تلك الصفات لله ﷿ حقيقةً على الوجه اللائق به، وأن لا تعامل بالنفي والإنكار.\n٢ أن لا يتعدى بها اسمها الخاص الذي سماها الله به، بل يحترم الاسم كما يحترم الصفة، فلا يعطل الصفة، ولا يغير اسمها ويعيرها اسمًا آخر. كما تسمي الجهمية المعطلة سمعه، وبصره، وقدرته، وحياته، وكلامه أعراضًا. ويسمون وجهه ويديه وقدمه -سبحانه-جوارح وأبعاضًا، ويسمون حكمته وغاية فعله المطلوبة: عللًا وأعراضًا. ويسمون أفعاله القائمة به: حوادث. ويسمون علوه على خلقه واستواءه على عرشه: تحيزًا. ويتواصون بهذا المكر الكُبَّار إلى نفي ما دل عليه الوحي والعقل والفطرة، وآثار الصنعة من صفاته. فيسعون بهذه الأسماء التي سموها هم وأباؤهم على نفي صفاته وحقائق أسمائه.\n٣ عدم تشبيهها بما للمخلوق. فإن الله سبحانه ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله.\n_________\n(^١) انظر تفاصيل هذه المسألة في كتاب \"معتقد أهل السنة والجماعة في أسماء الله الحسنى\".","vol":"1","page":614},{"text":"٤ اليأس من إدراك كنهها وكيفيتها. فالعقل قد يئس من تعرف كنه الصفة وكيفيتها. فإنه لا يعلم كيف الله إلا الله، وهذا معنى قول السلف (بلا كيف) أي بلا كيف يعقله البشر فإن من لا تعلم حقيقة ذاته وماهيته، كيف تعرف كيفية نعوته وصفاته؟ ولا يقدح ذلك في الإيمان بها، معروفة معانيها، فالكيفية وراء ذلك) (^١).\n٥ الإيمان بما تقتضيه تلك الصفات من الآثار وما يترتب عليها من الأحكام.\nوقد بسطت معتقد أهل السنة والجماعة في أسماء الله وصفاته كتاب معتقد أهل السنة والجماعة في توحيد الأسماء والصفات، فمن أراد الاستزادة والتوسع فليرجع إليه.\n_________\n(^١) انظر مدارج السالكين (٣/ ٣٥٨ - ٣٥٩).","vol":"1","page":615},{"text":"قال المصنف-رحمه الله تعالى-:\n\n[و<span data-type='title' id=toc-179>احذروا الجدال مع أصحاب الأهواء]</span> (^١).\n<hr><s0>\n\n\n<span data-type='title' id=toc-180>الجدال ينقسم إلى قسمين:\n١ - الجدال المحمود:</span>\nوهو الذي يكون الغرض منه تقرير الحقِّ، وإظهاره بإقامة الأدلة والبراهين على صدقه، وقد جاءت نصوص تأمر بهذا النوع من الجدال، وقد أمر الله نبيه ﷺ بهذا الجدال في قوله تعالى: ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل: ١٢٥]. وقال جلَّ في علاه: وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ [العنكبوت: ٤٦].\nوقال النبي ﷺ: «جاهدوا المشركين بأموالكم، وأنفسكم، وألسنتكم» (^٢).\n_________\n(^١) هذه الجملة ساقطة من نسخة طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى وهي مأخوذة من مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص: (٢٢٨) ووردت في مختصر الحجة (٢/ ٣٧٦) بلفظ (واحذروا الأهواء والجدال والخصومات لأصحاب الأهواء).\n(^٢) رواه أبو داود (٢٥٠٤)، والنسائي (٣٠٩٦)، وأحمد (٣/ ١٢٤) (١٢٢٦٨]. قال الحاكم صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، وصححه ابن حزم في «أصول الأحكام ١/ ٢٧». وصحح إسناده النووي في رياض الصالحين ص ٤٣٧.","vol":"1","page":616},{"text":"وقد حصل هذا النوع من الجدال بين عبد الله بن عباس ﵄ وبين الخوارج زمن علي بن أبي طالب بأمر علي، فأقام عليهم الحجة وإفحامهم، فرجع عن هذه البدعة خلق كثير (^١). وكذلك مجادلة أحمد بن حنبل للمعتزلة، ومجادلات ابن تيمية لأهل البدع.\n\n<span data-type='title' id=toc-181>٢ - الجدال المذموم:</span>\nهو الجدال الذي يكون غرضه تقرير الباطل بعد ظهور الحقِّ، وطلب المال والجاه، وقد جاءت الكثير من النصوص والآثار التي حذَّرت من هذا النوع من الجدال ونهت عنه، ومن هذه النصوص:\nقوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ [الحج: ٣].\nوقوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُّنِيرٍ [الحج: ٨].\n_________\n(^١) رواه النسائي في «السنن الكبرى» (٥/ ١٦٥) (٨٥٧٥)، والطبراني (١٠/ ٢٥٧)  (10598)، والحاكم (2/ 164) واللفظ له، والبيهقي (8/ 179) (17186). وصحح إسناده ابن تيمية في «منهاج السنة» (8/ 530)، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (6/ 242): رجاله رجال الصحيح، وحسنه الوادعي في «الصحيح المسند» (711).","vol":"1","page":617},{"text":"وقوله سبحانه: مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلاَّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ [غافر: ٤].\nوقال ﷺ: «المراء في القرآن كفر» (^١).\nوقال ابن عثيمين: (المجادلة والمناظرة نوعان:\nالنوع الأول: مجادلة مماراة: يماري بذلك السفهاء، ويجاري العلماء، ويريد أن ينتصر قوله؛ فهذه مذمومة.\nالنوع الثاني: مجادلة لإثبات الحق وإن كان عليه؛ فهذه محمودة مأمور بها) (^٢).\nوقال الكرماني: (الجدال: هو الخصام، ومنه قبيح وحسن وأحسن؛ فما كان للفرائض فهو أحسن، وما كان للمستحبات فهو حسن، وما كان لغير ذلك فهو قبيح) (^٣).\nفهذه الخصومات وهذا الجدل وهذا المِراء أمرٌ محدَث لا يُوجِد إلا الشك في القلوب ويبعِد عن الحق، ومهما حصل من نفع منه في بعض الأحيان، فهو\n_________\n(^١) رواه أبو داود (٤٦٠٣)، وأحمد (٢/ ٣٠٠) (٧٩٧٦)، وابن حبان (١/ ٢٧٥) (٧٤). صححه النووي في «التبيان» (٢٠٦)، وحسنه ابن القيم في «تهذيب السنن» (١٢/ ٣٥٣)، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٦٦٨٧)\n(^٢) العلم ص ١٦٤.\n(^٣) فتح الباري لابن حجر ١١/ ٣١٤","vol":"1","page":618},{"text":"يسير لكن شره وفير، وقد يقول هؤلاء: نحن نخاصم به أهل الباطل، الذي لا يؤمن بالقرآن والسنَّة، وهذه حجة باطلة فهؤلاء لا الإسلام نصروا ولا الباطل كسروا، فالقرآن، خاطب الكفار وخاطب المشركين وخاطب أهل الكتاب، خاطبهم بقال الله وقال الرسول، وفيه من الحجج والبراهين ما يكفي لبيان الحق ودفع الباطل، ففي القرآن والسنَّة من الأدلة العقلية واليقينية ما يغني ويشفي ولسنا بحاجة إلى فلسفةٍ ولا إلى علم كلام.\nفالمجادلة والمناظرة لأهل البدع: فإن الأصل فيها كما تقدم عدم مجادلتهم ومناظرتهم لكن هذا الأصل له استثناء حيث ورد عن السلف أنهم ناظروا أهل البدع والأهواء، وفي شأن هذا الأمر يفصل الأمر لنا شيخ الإسلام ابن تيمية فيقول: \"ولعل الراجح في المسألة أن الأمر يختلف باختلاف المَصْلَحَةِ.\n١ - فإن كان الخصم في مقام دعوة الناس إلى قوله وإلزام الناس بها أمكن أن يقال له: لا يجب على أحد أن يجيب داعيًا إلا إلى ما دعا إليه رسول الله ﷺ، فما لم يثبت أن الرسول دعا الخلق إليه لم يكن على الناس إجابة من دعا إليه، ولا له دعوة الناس إلى ذلك، ولو قدر أن ذلك المعنى حق.\nوهذه الطريق تكون أصلح إذا لَبَّسَ مُلَبِّسٌ منهم على ولاة الأمور، وأدخلوه في بدعتهم، كما فعلت الجهمية بمن لبسوا عليه من الخلفاء حتى أدخلوه في بدعتهم من القول بخلق القرآن وغير ذلك، فكان من أحسن مناظرتهم أن يقال:","vol":"1","page":619},{"text":"إئتونا بكتاب أو سنة حتى نجيبكم إلى ذلك وإلا فلسنا نجيبكم إلى ما لم يدل عليه الكتاب والسنة.\nوهذا لأن الناس لا يفصل بينهم النزاع إلا كتاب منزل من السماء، وإذا ردوا إلى عقولهم فلكل واحد منهم عقل، وهؤلاء المختلفون يدعي أحدهم أن العقل أدَّاه إلى علم ضروري ينازعه فيه الآخر، فلهذا لا يجوز أن يجعل الحاكم بين الأمة في موارد النزاع إلا الكتاب والسنة.\nوبهذا ناظر الإمام أحمد الجهمية لما دعوه إلى المحنة، وصار يطالبهم بدلالة الكتاب والسنة على قولهم.\nفلما ذكروا حججهم كقوله تعالى: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام ١٠٢]، وقوله: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء ٢]، وقول النبي ﷺ: \"تجيء البقرة وآل عمران\"، وأمثال ذلك من الأحاديث.\nأجابهم عن هذه الحجج بما بين به أنها لا تدل على مطلوبهم.\nولما قالوا: ما تقول في القرآن أهو الله أو غير الله؟ عارضهم بالعلم فقال: ما تقولون في العلم أهو الله أو غير الله؟ ولما ناظره أبو عيسى محمد بن عيسى برغوث-وكان من أحذقهم بالكلام-ألزمه التجسيم، وأنه إذا أثبت لله كلامًا غير مخلوق لزم أن يكون جسمًا.\nفأجابه الإمام أحمد: بأن هذا اللفظ لا يُدرى مقصود المتكلم به، وليس له","vol":"1","page":620},{"text":"أصل في الكتاب والسنة والإجماع، فليس لأحد أن يلزم الناس أن ينطقوا به ولا بمدلوله.\nوأخبره أني أقول: هو أحد، صمد، لم يلد ولم يلد، ولم يكن له كفوًا أحد، فبين أني لا أقول هو جسم ولا ليس بجسم، لأن كلا الأمرين بدعة محدثة في الإسلام، فليست هذه من الحجج الشرعية التي يجب على الناس إجابة من دعا إلى موجبها، فإن الناس إنما عليهم إجابة الرسول فيما دعاهم إليه وإجابة من دعاهم إليه رسول الله ﷺ، لا إجابة من دعاهم إلى قول مبتدع، ومقصود المتكلم بها مجمل لا يُعرف إلا بعد الاستفصال والاستفسار، فلا هي معروفة في الشرع، ولا معروفة بالعقل إن لم يستفسر المتكلم بها.\nفهذه المناظرة ونحوها هي التي تصلح إذا كان المناظر داعيًا.\n٢ - وأما إذا كان المناظر معارضًا للشرع بما يذكره، أو ممن لا يمكن أن يرد إلى الشريعة.\nمثل من لا يلتزم الإسلام ويدعو الناس إلى ما يزعمه من العقليات أو ممن يدَّعي أن الشرع خاطب الجمهور، وأن المعقول الصريح يدل على باطن يخالف الشرع، ونحو ذلك.\nأو كان الرجل ممن عرضت له شبهة من كلام هؤلاء.\nفهؤلاء لابد في مخاطبتهم من الكلام على المعاني التي يدعونها إما:\n١ - بألفاظهم.","vol":"1","page":621},{"text":"٢ - وإما بألفاظ يوافقون على أنها تقوم مقام ألفاظهم.\nوحينئذ يقال لهم الكلام إما:\nأ-أن يكون في الألفاظ.\nب-وإما أن يكون في المعاني.\nج-وإما أن يكون فيهما.\nفإن كان الكلام في المعاني المجردة من غير تقييد بلفظ كما تسلكه المتفلسفة ونحوهم ممن لا يتقيد في أسماء الله وصفاته بالشرائع بل يسميه علة وعاشقًا ومعشوقًا ونحو ذلك.\nفهؤلاء إن أمكن نقل معانيهم إلى العبارة الشرعية كان حسنًا.\nوإن لم يمكن مخاطبتهم إلا بلغتهم، فبيان ضلالهم ودفع صيالهم عن الإسلام بلغتهم أولى من الإمساك عن ذلك لأجل مجرد اللفظ. كما لو جاء جيش كفار ولا يمكن دفع شرهم عن المسلمين إلا بلبس ثيابهم، فدفعهم بلبس ثيابهم خير من ترك الكفار يجولون في خلال الديار خوفًا من التشبه بهم في الثياب.\nوأما إذا كان الكلام مع من قد يتقيد بالشريعة.\nفإنه يقال له: إطلاق هذه الألفاظ نفيًا وإثباتًا بدعة، وفي كل منها تلبيس وإيهام، فلابد من الاستفسار والاستفصال؛ أو الامتناع عن إطلاق كلا الأمرين في النفي والإثبات.","vol":"1","page":622},{"text":"وقد ظن طائفة من الناس أن ذم السلف والأئمة للكلام إنما لمجرد ما فيه من الاصطلاحات المحدثة كلفظ (الجوهر) و(الجسم) و(العرض)، وقالوا: إن مثل هذا لا يقتضي الذم، كما لو أحدث الناس آنية يحتاجون إليها، أو سلاحًا يحتاجون إليه لمقاتلة العدو، وقد ذكر هذا صاحب الإحياء وغيره.\nوليس الأمر كذلك: بل ذمهم للكلام لفساد معناه أعظم من ذمهم لحدوث الألفاظ، فذموه لاشتماله على معان باطلة مخالفة للكتاب والسنة، ومخالفته للعقل الصريح، ولكن علامة بطلانها مخالفتها للكتاب والسنة، وكل ما خالف الكتاب والسنة فهو باطل قطعًا. ثم من الناس من يعلم بطلانه بعقله، ومنهم من لا يعلم ذلك.\nوأيضًا: فإن المناظرة بالألفاظ المحدثة المجملة المبتدعة المحتملة للحق والباطل إذا أثبتها أحد المتناظرين ونفاها الآخر كان كلاهما مخطئًا، وأكثر اختلاف العقلاء من جهة اشتراك الأسماء، وفي ذلك من فساد العقل والدين ما لا يعلمه إلا الله.\nفإذا رد الناس ما تنازعوا فيه إلى الكتاب والسنة فالمعاني الصحيحة ثابتة فيهما، والمحق يمكنه بيان ما يقوله من الحق بالكتاب والسنة (^١).\nوقال ابن عثيمين: \"المجادلة والمناظرة نوعان:\nالنوع الأول: مجادلة مماراة: يماري بذلك السفهاء، ويجاري العلماء، ويريد أن ينتصر قوله؛ فهذه مذمومة.\nالنوع الثاني: مجادلة لإثبات الحق وإن كان عليه؛ فهذه محمودة مأمور بها (^٢).\nوقال الكرماني: \"الجدال: هو الخصام، ومنه قبيح وحسن وأحسن؛ فما كان للفرائض فهو أحسن، وما كان للمستحبات فهو حسن، وما كان لغير ذلك فهو قبيح\" (^٣).\nفهذه الخصومات وهذا الجدل وهذا المِراء أمرٌ محدَث لا يُوجِد إلا الشك في القلوب ويبعِد عن الحق، ومهما حصل من نفع منه في بعض الأحيان، فهو يسير لكن شره وفير، وقد يقول هؤلاء: نحن نخاصم به أهل الباطل، الذي لا يؤمن بالقرآن والسنَّة، وهذه حجة باطلة فهؤلاء لا الإسلام نصروا ولا الباطل كسروا، فالقرآن، خاطب الكفار وخاطب المشركين وخاطب أهل الكتاب، خاطبهم بقال الله وقال الرسول، وفيه من الحجج والبراهين ما يكفي لبيان الحق ودفع الباطل، ففي القرآن والسنَّة من الأدلة العقلية واليقينية ما يغني ويشفي ولسنا بحاجة إلى فلسفةٍ ولا إلى علم كلام.\n_________\n(^١) انظر: درء تعارض العقل والنقل (١/ ٢٢٨ - ٢٣٣).\n(^٢) العلم ص ١٦٤.\n(^٣) فتح الباري لابن حجر ١١/ ٣١٤.","vol":"1","page":623},{"text":"قال المصنف-رحمه الله تعالى-:\n\"والكف عن مساوئ أصحاب رسول الله ﷺ-تحدثوا بفضائلهم وأمسكوا عما شجر بينهم\".\n<hr><s0>\n\n\n<span data-type='title' id=toc-182>من أصول أهل السُّنَّة والجماعة: سلامةَ قلوبهم تجاه أصحاب النبي </span>ﷺ، وذلك لأنهم حَمَلة ميراث النبوة، فهم علماء هذه الأمة وخيرها وأبرُّها، كما قال عنهم ابن مسعود ﵁: «مَنْ كان منكم مستنًّا، فليستنَّ بمَن قد مات؛ فإنَّ الحيَّ لا يُؤمن عليه الفتنة. أولئك أصحاب محمد، أبرُّ هذه الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلُّها تكلفًا؛ قومٌ اختارهم الله لصحبة نبيِّه، وإقامة دينه؛ فاعرفوا لهم حقَّهم، وتمسَّكوا بهديهم؛ فإنَّهم كانوا على الهُدى المستقيم» (^١).\nوقد عَلَّق شيخُ الإسلام ابن تيمية ﵀ على هذا الأثر؛ فقال: «وقول عبد الله بن مسعود: «كانوا أبرَّ هذه الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا»: كلامٌ جامع، بيَّن فيه حُسن قَصدهم، ونيَّاتهم ببر القلوب، وبيَّن فيه كمال المعرفة، ودقتها بعمق العلم، وبيَّن فيه تيسير ذلك عليهم، وامتناعهم من القول بلا علم بقلة التكلف … وهم أفضل الأمة الوسط الشهداء على الناس، الذين\n_________\n(^١) أخرجه ابن عبد البرَّ في «جامع بيان العلم وفضله» (٢/ ٩٤٧)، والبغوي في «شرح السنة» (١/ ٢١٤)، مع اختلاف يسير في الألفاظ.","vol":"1","page":624},{"text":"هداهم الله لما اختُلف فيه من الحق بإذنه، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم؛ فليسوا مِنْ المغضوب عليهم الذين يتبعون أهواءهم، ولا من الضالين الجاهلين … بل لهم كمال العلم، وكمال القصد؛ إذ لو لم يكن كذلك للزم أن لا تكون هذه الأمةُ خيرَ الأمم، وأن لا يكونوا خيرَ الأمة، وكلاهما خلاف الكتاب والسُّنَّة.\nوأيضًا فالاعتبار العقليُّ يدلُّ على ذلك؛ فإنَّ مَنْ تأمَّل أمة محمد ﷺ، وتأمل أحوال اليهود والنصارى والصابئين والمجوس والمشركين-تبيَّن له مِنْ فضيلة هذه الأمة على سائر الأمم في العلم النافع والعمل الصالح ما يضيق هذا الموضع عن بسطه.\nوالصحابة أكمل الأمة في ذلك بدلالة الكتاب والسنة والإجماع والاعتبار، ولهذا لا تجد أحدًا من أعيان الأمة إلا وهو معترف بفضل الصحابة عليه وعلى أمثاله، وتَجد مَنْ ينازع في ذلك كالرافضة من أجهل الناس. ولهذا لا يُوجد في أئمة الفقه الذين يُرجع إليهم رافضي، ولا في أئمة الحديث، ولا في أئمة الزهد والعبادة، ولا في الجيوش المؤيدة المنصورة جيش رافضي، ولا في المُلوك الذين نصروا الإسلام وأقاموه وجاهدوا عدوَّه مَنْ هو رافضي، ولا في الوزراء الذين لهم سِيرة محمودة مَنْ هو رافضي …» (^١).\nفالله جل وعلا قد اختار هؤلاء الصفوة لصحبة نبيه ﷺ، واختارهم\n_________\n(^١) منهاج السنة النبوية» (٢/ ٧٩ - ٨١).","vol":"1","page":625},{"text":"لإقامة دينه؛ فحفظوا لنا القرآن وحفظوا سنة النبي ﵊، وما انحسروا في المدينة، وإنما جاهدوا في سبيل نشر هذا الدِّين في ربوع الأرض، وانطلقوا يُبَلِّغون دين الله، وقد بلغ الإسلام في عهدهم مبلغًا عظيمًا، حتى إن بعضهم تُوفي عند أسوار القسطنطينية؛ كأبي أيوب الأنصاري ﵁، مع أنها لم تفتح إلا في زمن العثمانيين.\nفالصحابة فازوا بخيرية الصحبة، فكان لهم السبق في الإيمان والفضل وجلالة القَدْر، وحمل ميراث النبوة وتبليغه، والجهاد في سبيله؛ فكانوا فرسانًا بالنهار رهبانًا بالليل.\nولذلك أهل السنة-والحمد لله-قلوبهم سليمة دائمًا من الغل أو الحقد والحسد تِجاه الصَّحب والآل؛ لأن الله ﷾ قد زكَّى المهاجرين والأنصار ومَن جاءوا بعدهم مُستغفرين لهم؛ فقال جل وعلا: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠].\nوكذلك قلوب أهل السنة نقية تجاه حَمَلة ميراث النبوة من العلماء الصَّادقين والدُّعاة المخلصين والمقتفين للآثار النبي الأمين ﷺ؛ لأن","vol":"1","page":626},{"text":"النبي ﷺ قال: «العلماء ورثة الأنبياء، وإنَّ الأنبياء لم يُورثوا دينارًا ولا درهمًا، وَرَّثوا العلم؛ فمَن أَخَذَه أَخَذَ بحظٍّ وافرٍ» (^١).\nوأمَّا أهل الباطل فديدنهم بُغض أصحاب النبي ﷺ وبُغض حملة شريعته؛ لأنهم مخالفون لهم، وهم مُبغضون ناقمون على مخالفيهم حتى ولو كانوا في ذات فِرقتهم؛ فقد يحكمون بكفرهم وتبديعهم وتفسيقهم؛ إذا خالفوا نهجهم ولو يسيرًا.\nأمَّا أهل السنة فقلوبهم تلهج-دائمًا-بالثناء والترضي على أصحاب النبي ﷺ، «ويَقْبَلُونَ ما جاء به الكتابُ والسُّنَّةُ والإجماعُ من فضائلِهِم ومَرَاتِبِهِم».\nومن ذلك ما جاء في قول الله ﷿: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ٢٩].\nوقوله جل وعلا: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رضي الله عنهم وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾،\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٣٦٤١) والترمذي (٢٦٨٢)، وحسنه الألباني في «المشكاة» (٢١٢).","vol":"1","page":627},{"text":"فقد أخبر الله-تعالى-في هذه الآية أنه رضي عن هؤلاء رضًا مطلقًا، ورَضي عمن بعدهم رضًا مقيدًا، وهو شرط اتباعهم بإحسان؛ قال الإمام ابن كثير ﵀: «فقد أخبر اللهُ العظيم أنَّه قد رضي عن السَّابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، فيا ويل مَنْ أبغضهم أو سَبَّهم أو أبغض-أو سَبَّ-بَعضهم، ولا سيما سيد الصحابة بعد الرسول وخَيرهم وأفضلهم-أعني الصديق الأكبر والخليفة الأعظم-أبا بكر بن أبي قحافة ﵁، فإن الطائفة المخذولة من الرافضة يُعادون أفضل الصحابة ويُبغضونهم ويسبونهم؛ عياذًا بالله من ذلك. وهذا يدل على أن عقولهم معكوسة وقلوبهم منكوسة، فأين هؤلاء من الإيمان بالقرآن إذ يسبون مَنْ قدم الله ذكرهم ورفع شأنهم.\nوأمَّا أهل السنة فإنهم يَترضون عنهم، ويَسبون مَنْ سَبَّه اللهُ ورسولُه، ويُوالون مَنْ يُوالي الله، ويُعادون مَنْ يعادي الله، وهم مُتَّبعون لا مُبتدعون، ويَقتدون ولا يَبتدئون، ولهذا هم حزبُ الله المُفلحون وعباده المؤمنون» (^١).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥].\nوالمراد ب ﴿المؤمنين﴾ في الآية: أصحاب النبي ﷺ؛ فتوعد الله مَنْ اتبع غير سبيلهم بعذاب جهنم، ووعد مُتبعهم بإحسان بالرِّضوان في قوله جل وعلا:\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير» (٤/ ٢٠٣).","vol":"1","page":628},{"text":"﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رضي الله عنهم وَرَضُوا عَنْهُ﴾.\nوقد شهد لهم النبي ﷺ بأنهم في أعلى درجات الإيمان والفضل والمنزلة، فقال: «لا تسبُّوا أصحابي، لا تسبُّوا أصحابي، فوالذي نفسي بيدِه لو أنَّ أحدَكم أنفق مثل أُحُدٍ ذهبًا، ما أدرك مُدَّ أحدهم، ولا نصيفَه» (^١).\nوهم في الفضل متفاوتون؛ فمن أنفق قبل الفتح (صُلح الحديبية) لا يستوي مع مَنْ أنفق بعده، وكذلك المهاجرون مُقَدَّمون على الأنصار، ويأتون في الفضل على مراتب؛ فأهل بدر، ثم أهل بيعة الرِّضوان، ثم من جاء بعدُ.\nوقد جاء في فضل أهل بدر؛ قوله ﷺ: «لعلَّ اللهَ اطَّلع إلى أهل بدر، فقال: اعملوا ما شِئتم، فقد وَجَبت لكم الجنة-أو-فقد غفرتُ لكم» (^٢)، وقال الله-جل وعلا-عن أهل بيعة الرضوان: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ١٨]، وكانوا أكثر من ألف وأربعمائة.\nونشهد بالجنة لمن شهد له النبي ﷺ منهم؛ فقد شهد ﷺ للعشرة؛ فقال: «أبو بكر في الجنة، وعمرُ في الجنة، وعليٌّ في الجنة، وعثمان في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وسعد بن أبي وقاص في الجنة، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل في\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٦٧٣) من حديث أبي سعيد الخدري؟، ومسلم (٤٦٥٨) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٩٨٣) ومسلم (٢٤٩٤) من حديث علي بن أبي طالب ﵁.","vol":"1","page":629},{"text":"الجنة، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة» (^١).\nوشهد ﷺ لثابت بن قيس بالحنة؛ فعن أنس بن مالك؟ أنه قال: «لما نزلت هذه الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي﴾ [الحجرات: ٢] إلى آخر الآية، جلس ثابت بن قيس في بيته، وقال: أنا مِنْ أهل النار، واحتبس عن النبي ﷺ، فسأل النبي ﷺ سعد بن معاذ، فقال: «يا أبا عمرو، ما شأنُ ثابت؟ اشتكى؟». قال سعد: إنه لجاري، وما علمتُ له بشكوى، قال: فأتاه سعد، فذكر له قول رسول الله ﷺ، فقال ثابت: أُنْزِلَت هذه الآية، ولقد علمتم أني مِنْ أرفعكم صوتًا على رسول الله ﷺ، فأنا مِنْ أهل النار، فذكر ذلك سعدٌ للنبي ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: «بل هو مِنْ أهلِ الجَنَّة» (^٢).\nوشهد ﷺ لعُكَّاشة بن محصن ﵁ أنه من السَّبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حسابٍ (^٣).\nوشهد ﷺ لبلالٍ بالجنة؛ فعن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال لبلال عند صلاة الفجر: «يا بلال، حَدِّثني بأرجى عمل عملتَه في الإسلام؛ فإني سمعتُ دَفَّ نَعليك (^٤) بين يدي في الجنَّة!». قال: ما عملت\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في «مسنده» (١٦٧٥) والترمذي (٣٧٤٧)، وصححه الألباني في «صحيح الترمذي» (٢٩٤٦).\n(^٢) أخرجه مسلم (١١٩).\n(^٣) أخرجه البخاري (٥٧٥٢) ومسلم (٢٢٠) من حديث ابن عباس ﵄.\n(^٤) أي: حركة نعليه وصوتهما في الأرض.","vol":"1","page":630},{"text":"عملًا أرجى عندي: أني لم أتطهر طهورًا-في ساعة ليل أو نهار-إلَّا صَلَّيت بذلك الطهور ما كُتِب لي أن أُصَلِّي» (^١).\nوبشَّر ﷺ خديجة بنت خويلد ببيت في الجنة مِنْ قَصب؛ لا صخب، فيه ولا نصب (^٢).\nوقال ﷺ لعائشة ﵂: «أَنتِ زوجتي في الدنيا والآخرة» (^٣).\nوشهد ﷺ لغيرهم من الصحابة.\nفكلُّ مَنْ ثبت أنَّ النبي ﷺ قد شهد لهم بالجنة-فإننا نشهد لهم كذلك.\nفلا شك أن الصحابة لهم قدم سبقٍ في الإسلام، وكما قال النبي ﷺ في شأنهم: «لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مُد أحدهم ولا نصيفه» (^٤)، فلو جاء أحد ممن بعدهم بمثل أحد ذهبًا وأن لك هذا وأنفقته ما بلغت هذا المقدار من فضلهم، لم تبلغه لا المد ولا حتى النصيف مما أعطاهم الله ﷾.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١١٤٩).\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٨١٩) ومسلم (٢٤٣٣) من حديث عبد الله بن أبي أوفى ﵁. أخرجه البخاري (٣٨١٩) ومسلم (٢٤٣٣) من حديث عبد الله بن أبي أوفى ﵁.\n(^٣) أخرجه ابن حبان في «صحيحه» (٧٠٩٥)، من حديث عائشة ﵂، وصححه الألباني في «التعليقات الحسان» (٧٠٥٣).\n(^٤) انظر صحيح البخاري كتاب المناقب، باب قول النبي ﷺ لو كنت متخذا خليلا، برقم (٣٦٧٣)، ومسلم كتاب فضائل الصحابة ﵁، باب تحريم سب الصحابة ﵃، برقم (٢٥٤١)، وأبو داود (٤٦٥٨)، والترمذي (٣٨٦١) وقال عقبه حديث حسن صحيح، وأحمد (١١٠٧٩).","vol":"1","page":631},{"text":"ولذلك قال النبي ﷺ: «خير الناس قرني» (^١)، فأعطاهم الخيرية، ونحن من جاء بعدهم ليس لنا إلا أن نترضى عليهم.\nربنا ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا، فهؤلاء الذين سبقونا بالإيمان وسبقونا بالفضل، وسبقونا بالنصرة، وسبقونا الذود عن حياض الإسلام، وكذلك هم نقلة لكتاب الله، وذلك كونهم دلونا لهذا الخير فلهم أُجورنا وأجر من عمل بهذا العمل إلى يوم القيامة، وكما قال بعض السلف: \"من طعن في أصحاب النبي ﷺ فمراده ليس أعيانهم\" (^٢) أعيانهم عند الله ﷿ قدرهم ومكانتهم ومنزلتهم.\nلكن أراد هذا الطاعن أن يطعن في النقلة ليطعن في هذا الدين، هؤلاء هم النقلة هؤلاء هم الحفظة الذين نقلوا لك كلام الله ﷿ وكلام رسوله ﷺ، فإذا أنت طعنت في الناقل فإنما تقصد الطعن في المنقول، والمنقول ما هو؟ كتاب الله ﷿ وسنة نبيه ﷺ، فإذا شُككت في الناقل فهذا التشكيك القصد منه التشكيك في المنقول، والمنقول هو كلام الله ﷿ وكلام رسوله ﷺ.\nمن جمع هذا القرآن؟ من حفظه وقدمه لهذه الأمة؟ أليسوا هم أصحاب النبي ﷺ، فإذا شككت في عدالتهم وشككت في أمانتهم فعند ذلك ما\n_________\n(^١) انظر صحيح البخاري كتاب الرقاق، باب ما يحذر من زهرة الدنيا والتنافس فيها، برقم (٦٤٢٩)، ومسلم كتاب فضائل الصحابة، باب فضل الصحابة رضي الله تعالى عنهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، برقم (٢٥٣٦)، والترمذي (٣٨٥٩)، وابن ماجه (٢٣٦٢)، وأحمد (٣٥٨٣).\n(^٢) انظر الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي صفحة (٤٩).","vol":"1","page":632},{"text":"بقي قيمة لكتاب الله ولا سنة رسوله ﷺ، وبالتالي فإن صاحب السنة ليس لديه مشكلة مع القرآن، ولا مع السنة، فهو يؤمن بأن القرآن محفوظ، وأن القرآن كامل وليس فيه نقص وليس فيه تحريف، ويعرف أن الذين نقلوا وحفظوه عدول.\nلكن عند أولئك الذين طعنوا في أصحاب النبي ﷺ كل المشكلة، فعندهم مشكلة مع القرآن فهم يرون أن فيه حذفًا، ويرون أن فيه تحريفًا، ويرون أن وفيه زيادة إلى غير ذلك، فالمشكلة مشكلتهم هم.\nفكما قال قائل لما سئل، لماذا أنت تحولت من عقيدة الرافضة إلى عقيدة أهل السنة والجماعة؟ قال: لماذا لا أتحول وقد أصبحت والحمد لله مرتاحًا للقرآن أؤمن وأعتقد به، ومطمئن بأنه كامل؛ وأن نقلته عدول، وأصبحت والحمد لله آمن على ديني، لأنه إذا كان أولئك لا يستحقون الجنة فعقلًا كيف أستحقها، فإذا كان أبو بكر وعمر لا يستحقون الجنة فكيف أنا أستحق الجنة.\nفلماذا لا أكون على عقيدة أهل السنة، والحمد لله أهل السنة إذ ليس عندهم أي إشكال مع أحد من الصحابة فكلهم عدول، وكلهم على فضل، وكلهم على خير، وكلهم على منزلة وعلى مكانة، يترضون عليهم جميعًا، وتجد أن أسماءهم، وأسماء آبائهم، وأسماء أبنائهم، وأسماء إخوانهم، وأبناء عمومتهم تشمل جميع أسماء أصحاب النبي ﷺ دون تفريق.\nفيتسمون بجميع أسماء الصحابة، لا نستثني منهم أحدًا، فكل أسمائهم","vol":"1","page":633},{"text":"مقبولة لديهم ويفتخرون بذلك، فصاحب السنة بحمد الله تعالى ليس عنده أي غلٍ أو حقدٍ أو تحاملٍ على أي أحد منهم بل الإقرار بالفضل والترضي والاعتراف بالقيمة والمنزلة والمكانة التي أعطاهم الله إياها، وكيف لا يكون ذلك والله تعالى قد زكاهم، ونبيه ﷺ قد زكاهم، ألم يقل ﷿: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠]، فالله رضي عنهم، ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨].\nقال الإمام الشعبي: «ولليهود والنصارى فضيلةٌ على الرَّافضة في خصلتين: سئل اليهود: مَنْ خير أهل مِلَّتكم؟ فقالوا: أصحاب موسى. وسئلت النصارى، فقالوا: أصحاب عيسى. وسئلت الرافضة: مَنْ شَرُّ أهل مِلتكم؟ فقالوا: أصحاب محمد. أَمَرَهم بالاستغفار لهم فشَتَموهم» (^١).\nفهذا والله من الخذلان، ولكن حقيقة طعن هؤلاء إنما هو الطعن في الدين، فأرادوا الطعن في الدين من خلال الطعن في النقلة الذين نقلوا لك هذا الدين.\nفاعرف لأصحاب النبي ﷺ حقهم، وقدرهم، وهذا الذي عمل به أهل السنة، ودونوه جملة وتفصيلا، ولذلك ذكروا من فضائل أصحاب النبي ﷺ جملة، وذكروا من فضائل أعيانهم واحدًا واحدا، فكيف ينقم من ينقم على\n_________\n(^١) «العقد الفريد» لابن عبد ربه (٢/ ٢٤٩، ٢٥٠)، دار الكتب العلمية-بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤٠٤ هـ.","vol":"1","page":634},{"text":"أبي بكر، هل لأنه من صدق النبي ﷺ، أو لأنه هاجر معه، أو لأنه وقف تلك المواقف في خدمة الإسلام، وكيف من ينقم من ينقم على عمر ﵁ وهو الذي-بعد فضل الله ﷿-انتشر الإسلام على يديه شرقًا وغربًا وبلغت الفتوحات في عهده ما لم تبلغه في زمنٍ من الأزمان.\nفقلوب أهل السنة سليمة سالمة لأصحاب النبي ﷺ نحفظ لهم الحق ونحفظ لهم الفضل، ونحفظ لهم القدر، ونترضى عليهم ونترحم عليهم، ونعرف أن فضلهم على هذه الأمة لا يمكن أن يوازيه شيء.\nهذه العقيدة السليمة الصافية ليست العقيدة التي تصب حقدًا وغلًا على أفضل هذه الأمة بعد نبيها ﷺ.\nوعن عبد الله بن نافع: سمعت مالك بن أنس يقول: \"لو أن العبد ارتكب الكبائر بعد أن لا يشرك بالله شيئا ثم نجا من هذه الأهواء والبدع والتناول لأصحاب رسول الله أرجو أن يكون في أعلا درجة الفردوس مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا وذلك أن كل كبيرة فيما بين العبد وبين الله ﷿ فهو منه على رجاء وكل هوى ليس منه على رجاء إنما يهوي بصاحبه في نار جهنم من مات على السنة فليبشر من مات على السنة فليبشر من مات على السنة فليبشر\" (^١)\nوقال مالك بن أنس: \"لو لقي الله رجل بملء الأرض ذنوبا ثم لقي الله\n_________\n(^١) ذم الكلام وأهله للهروي ٤/ ١١٩ - ١٢٠، رقم ٨٧٩، ومناقب مالك للزواوي ص ٨٥.","vol":"1","page":635},{"text":"بالسنة لكان في الجنة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا\" (^١).\nالآثار الواردة عن الإمام مالك في توقير الصحابة، وذم من أبغضهم وخالفهم من الروافض والخوارج كثيرة ومن ذلك على سبيل المثال:\nقال مالك بن أنس ﵀: \"من شتم النبي ﷺ قتل، ومن شتم أصحابه أُدِّب. \" (^٢)\nقال مالك ﵁: \"إنما هؤلاء قوم أرادوا القدح في النبي ﷺ فلم يمكنهم ذلك فقدحوا في أصحابه حتى يقال: رجل سوء كان له أصحاب سوء ولو كان رجلا صالحا كان أصحابه صالحين\" (^٣)\nقَال مالك ﵀: \"من شَتَم أَحَدًا من أَصْحَاب النَّبِيّ ﷺ أَبَا بَكْر أَوْ عُمَر أَوْ عُثْمَان أَوْ مُعَاوِيَة أَوْ عَمْرَو بن الْعَاص فَإِنْ قَال كَانُوا عَلَى ضَلال وَكُفْر قُتِل وَإِنْ شَتَمَهُم بِغَيْر هَذَا من مُشَاتَمَة النَّاس نُكِّل نَكَالًا شَدِيدًا. \" (^٤)\nقال مالك: \"مَنْ غَاظَهُ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ فَهُوَ كَافِرٌ قَال اللَّه تَعَالَى (لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ) \". وقال عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ، عَنْ مَالِكٍ، قَالَ «مَنِ انْتَقَصَ أَحَدًا مِنْ\n_________\n(^١) (ذم الكلام وأهله للهروي ٤/ ١٢١ - ١٢٢ - رقم ٨٨١).\n(^٢) الشفا للقاضي عياض ج ٢ ص ٣٠٨، ومناقب مالك للزواوي ص ٨٣.\n(^٣) الصارم المسلول لابن تيمية ص ٥٨٠.\n(^٤) الشفا للقاضي عياض ج ٢ ص ٣٠٨.","vol":"1","page":636},{"text":"أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَلَيْسَ لَهُ مِنَ الْفَيْءِ شَيْءٌ». \" (^١)\nوموقفُ أهل السنَّة مما وقع بين أصحابِ النبي ﷺ؛ هو الكَف وعدم الخوض في هذه المسألة.\nونعرفُ أن لهؤلاءِ-رضوان الله عليهم أجمعين-السبقِ والفضلِ والمكانة والمنزلة ما يكون-بحمد الله تعالى-أضعاف ما قد يقع منهم من خطأ أو زلل، فإذا الله ﷿ منَّ عليك أن لا تكون في تلك الأمور في حينها فكُفَّ عن ذكرِ هذه الأمور بلسانك.\nولهذا نترحم على جميع الصحابة والآل ونترضى عنهم، كما أثنى الله جل وعلا عليهم، ونتولاهم جميعًا.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وأهل السنة وسط في بابِ أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ بينَ الرَّافضةِ والخَوَارجِ».\nفالرَّافضة: هم الذين غلوا في عليٍّ ﵁ وأهل البيت، ونصبوا العداوة لجمهور الصحابة كالثَّلاثة، وعائشة وحفصة وطلحة والزبير وفضلاء المهاجرين والأنصار، وكفَّروهم ومَن تولاهم، وكفَّروا مَنْ قاتل عليًّا، حتى وصل بهم الأمر إلى أن كفروا جُلَّ الصحابة إلا نفر يسير جدًّا.\nوأما الخوارج فقابلوا الرَّوافض؛ فكفروا عليًّا ومعاوية ومن معهما من الصحابة بعد التحكيم، وقاتلوهم، واستحلوا دماءهم وأموالهم.\n_________\n(^١) مسند الموطأ للجوهري ص ١١١.","vol":"1","page":637},{"text":"والنواصب: هم الذين نصبوا العداوة لعليٍّ ومَن والاه، وهم الذين استحلوا قتله بعد أن كفروه، وقتله أحد رءوسهم، وهو عبد الرحمن بن ملجم المرادي.\nأما أهل السنة والجماعة فهداهم الله تعالى للحق والصواب، فلم يغلوا في علي وأهل البيت، ولم ينصبوا العداوة للصحابة رضوان الله عليهم، ولم يكفّروهم، ولم يفعلوا كما فعل النواصب من عداوة أهل البيت. بل يعترفون بحق الجميع وفضلهم، ويوالونهم، ويكفون عن الخوض فيما جرى بينهم، ويترحَّمون على جميع الصحابة، فكانوا وسطًا بين غلو الرافضة وجفاء الخوارج (^١).\n_________\n(^١) انظر «الكواشف الجلية عن معاني الواسطية» لعبد العزيز السلمان (٥٠٥ - ٥٠٨)، المملكة العربية السعودية، رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، الطبعة الحادية عشرة، ١٤٠٢ هـ.","vol":"1","page":638},{"text":"قال المصنف-﵀:\nولا تشاور أحدًا من أهل البدع في دينك ولا ترافقه في سفرك.\n<hr><s0>\n\nاشتد تحذير أهل السنة من أهل البدع أكثر من تحذيرهم ونكيرهم على أصحاب الكبائر.\nومن الآثار الواردة في ذلك:\nقال يوسف ابن أسباط: \"ما أبالي سألتُ صاحب بدعة عن ديني، أو زنيت\" (^١).\nوقال أبو إدريس الخولاني: \"لإن أرى في المسجد نارًا لا أستطيع إطفاءها أحب إلي من أن أرى فيه بدعة لا أستطيع تغييرها\" (^٢)\nوعَنْ هِشَامٍ، قَالَ: كَانَ الْحَسَنُ وَمُحَمَّدٌ يَقُولَانِ: \"لَا تُجَالِسُوا أَصْحَابَ الْأَهْوَاءِ، وَلَا تُجَادِلُوهُمْ، وَلَا تَسْمَعُوا مِنْهُمْ\" (^٣).\n_________\n(^١) الإبانة الكبرى، لابن بطة: ٢/ ٤٥٩.\n(^٢) رواه محمد بن نصر المروزي في السنة ص: (٣٢)، وقد نقله عنه الشاطبي في الاعتصام (١/ ٨٢).\n(^٣) \"الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية ومجانبة الفرق المذمومة\" لابن بطة في \"باب التحذير من صحبة قوم يمرضون القلوب ويفسدون الإيمان\" رقم: (٤٠٠).","vol":"1","page":639},{"text":"قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: يَكُونُ مَجْلِسُكَ مَعَ الْمَسَاكِينِ، وَإِيَّاكَ أَنْ تَجْلِسَ مَعَ صَاحِبِ بِدْعَةٍ\" (^١).\nوعن سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ جَدَّتِي أَسْمَاءَ تُحَدِّثُ قَالَتْ: دَخَلَ رَجُلَانِ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ فَقَالَا: يَا أَبَا بَكْرٍ نُحَدِّثُكَ بِحَدِيثٍ قَالَ: لا، قَالَا: فَنَقْرَأُ عَلَيْكَ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ قَالَ: لَا، لِتَقُومَانِ عَنِّي، أَوْ لَأَقُومَنَّ\" (^٢).\nوعن سَلَّامُ بْنُ أَبِي مُطِيعٍ، أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ الْأَهْوَاءِ قَالَ لِأَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ: يَا أَبَا بَكْرٍ أَسْأَلُكَ عَنْ كَلِمَةٍ، قَالَ أَيُّوبُ وَجَعَلَ يُشِيرُ بِإِصْبَعَيْهِ: وَلَا نِصْفَ كَلِمَة، وَلَا نِصْفَ كَلِمَةٍ\" (^٣).\nقَالَ مُسْلِمُ بْنُ يَسَارٍ: لَا تُمَكِّنُ صَاحِبَ بِدْعَةٍ مِنْ سَمْعِكَ فَيَصُبُّ، فِيهَا مَا لَا تَقْدِرُ أَنْ تُخْرِجَهُ مِنْ قَلْبِكَ\" (^٤).\n_________\n(^١) \"الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية ومجانبة الفرق المذمومة\" لابن بطة في \"باب التحذير من صحبة قوم يمرضون القلوب ويفسدون الإيمان\" رقم: (٤٥٧).\n(^٢) \"الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية ومجانبة الفرق المذمومة\" لابن بطة في \"باب التحذير من صحبة قوم يمرضون القلوب ويفسدون الإيمان\" رقم: (٤٠٣).\n(^٣) الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية ومجانبة الفرق المذمومة\" لابن بطة في \"باب التحذير من صحبة قوم يمرضون القلوب ويفسدون الإيمان\" رقم: (٤٠٧).\n(^٤) \"الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية ومجانبة الفرق المذمومة\" لابن بطة في \"باب التحذير من صحبة قوم يمرضون القلوب ويفسدون الإيمان\" رقم: (٤٤١).","vol":"1","page":640},{"text":"وقال سفيان الثوري ﵀: \"من سمع مبتدعًا لم ينفعه الله بما سمع، ومن صافحه فقد نقض الإسلام عروةً عروةً\" (^١).\nقال الإمام مالك: \"وكان يقال لا تُمكن زائغ القلب من أذنيك فإنك ما تدري ما يعلمك من ذلك\" (^٢).\nولتأصيل هذه المسألة يمكن استقراء جملة من الأسباب لذلك منها:\nأولًا: أن لهذا التفريق بين المعصية له ما يدل عليه من السنة فقد أمر النبي ﷺ بقتال الخوارج المبتدعين مع كثرة صلاتهم وصيامهم وقراءتهم، ونهى عن الخروج على أئمة الظلم وأمر بالصبر عليهم.\nوكان يجلد رجلا يشرب الخمر فلعنه رجل، فقال: لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله.\n\nثانيًا:<span data-type='title' id=toc-184> مضرة البدع وهدمها للدين </span>ومنافاتها له أشد من المعاصي ولذلك كانت أعظم المحرمات التي حرمها الله.\nقال ابن القيم: \"قال الله تعالى في المحرم لذاته (قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن) ثم انتقل منه إلى ما هو أعظم منه فقال (والإثم والبغي بغير الحق) ثم انتقل منه إلى ما هو أعظم منه فقال (وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) فهذا أعظم المحرمات عند الله وأشدها إثمًا فإنه يتضمن الكذب على الله،\n_________\n(^١) الأمر بالاتباع، للسيوطي،) ص: ١٩).\n(^٢) الجامع في السنن والآداب والمغازي والتاريخ لابن أبي زيد القيرواني ١/ ١١٩.","vol":"1","page":641},{"text":"ونسبته إلى ما لا يليق به، وتغيير دينه وتبديله، ونفي ما أثبته، وإثبات ما نفاه، وتحقيق ما أبطله، وإبطال ما حققه، وعداوة من والاه، وموالاة من عاداه، وحب ما أبغضه، وبغض ما أحبه، ووصفه بما لا يليق به في ذاته وصفاته وأقواله وأفعاله؛ فليس في أجناس المحرمات أعظم عند الله منه ولا أشد إثمًا، وهو أصل الشرك والكفر ووعليه أسست البدع والضلالات فكل بدعة مضلة في الدين أساسها القول على الله بلا علم، ولهذا اشتد نكير السلف والأئمة لها وصاحوا بأهلها من أقطار الأرض، وحذروا فتنتهم أشد التحذير وبالغوا في ذلك ما لم يبالغوا مثله في إنكار الفواحش والظلم والعدوان إذ مضرة البدع وهدمها للدين ومنافاتها له أشد) (^١).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"ومثل أئمة البدع من أهل المقالات المخالفة للكتاب والسنة أو العبادات المخالفة للكتاب والسنة فإن بيان حالهم وتحذير الأمة منهم واجب باتفاق المسلمين حتى قيل لأحمد بن حنبل الرجل يصوم ويصلى ويعتكف أحب اليك أو يتكلم في أهل البدع فقال إذا قام وصلى واعتكف فإنما هو لنفسه وإذا تكلم في أهل البدع فإنما هو للمسلمين هذا أفضل فبين أن نفع هذا عام للمسلمين في دينهم من جنس الجهاد في سبيل الله إذ تطهير سبيل الله ودينه ومنهاجه وشرعته ودفع بغى هؤلاء وعدوانهم على ذلك\n_________\n(^١) مدارج السالكين ٢/ ٣٧٢.","vol":"1","page":642},{"text":"واجب على الكفاية باتفاق المسلمين ولولا من يقيمه الله لدفع ضرر هؤلاء لفسد الدين وكان فساده أعظم من فساد استيلاء العدو من أهل الحرب فإن هؤلاء إذا استولوا لم يفسدوا القلوب وما فيها من الدين إلا تبعا وأما أولئك فهم يفسدون القلوب ابتداء .. \" (^١)\nثالثًا: أن<span data-type='title' id=toc-185> البدعة أحب إلى إبليس من المعصية.</span>\n\nوقد أُثِر عن سفيان الثوري قال: \"البدعة أحب إلى إبليس من المعصية، المعصية يُتاب منها والبدعة لا يُتاب منها\" (^٢).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"ولهذا كان السلف يقولون: البدعة أحب إلى إبليس من المعصية؛ لأن المعصية يتاب منها والبدعة لا يتاب منها. \" (^٣)\nومعلوم أن مرتكب الكبيرة والمعصية يعلم أنه يفعل الحرام ويخشى أن ينزل به العذاب بسبب ما ارتكب في حق الله ﷿، مع ما يعقب ذلك من الندم والشعور بالذنب الذي يلازمه بقية حياته مع رجاء التوبة والاستغفار من تلك المعصية، بخلاف المبتدع فإنه لا يشعر بذلك كله بل إنه يتعبد ببدعته التي يدعو إليها فتعتقد أنها تقربه إلى الله وتزيد من حسناته في حين أنها تغضب الله منه وتزيد من ذنوبه وهو لا يعلم ذلك؛ بل إنها عمل حابط وباطل ومردد\n_________\n(^١) الفتاوي ٢٨/ ٢٣١.\n(^٢) التحفة العراقية في الأعمال القلبية صفحة (١٢).\n(^٣) درء التعارض ٣/ ٣٨٥.","vol":"1","page":643},{"text":"وفي الحديث قال الرسول ﷺ: \"كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار\" (^١) وقال ﷺ: \"من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد\". (^٢)\n\nرابعًا: أن<span data-type='title' id=toc-186> البدعة لا يتاب منها بخلاف المعصية فإنه قد يتاب منها.</span>\nوسُئِلَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ-﵀-عَنْ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ: «أَنَّ اللَّهَ احْتَجَرَ التَّوْبَةَ عَنْ كُلِّ صَاحِبِ بِدْعَةٍ» (^٣) وَحَجْرُ التَّوْبَةِ إيش مَعْنَاهُ؟ قَالَ أَحْمَدُ: لَا يُوَفَّقُ، وَلَا يُيَسَّرُ صَاحِبُ بِدْعَةٍ (^٤).\nقال ابن القيم: \"فذنوب أهل البدع كلها داخلة تحت قوله تعالى﴾ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا ﴿فلا تتحقق التوبة منه إلا بالتوبة من البدع وأنى بالتوبة منها لمن لم يعلم أنها بدعة أو يظنها سنة فهو يدعو إليها ويحض\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٤/ ١٢٦، ١٢٧). وأخرجه أبو داود في سننه، كتاب السنة: باب في لزوم السنة (٥/ ١٣، ١٥) ح ٤٦٠٧، وأخرجه الترمذي في سننه، كتاب العلم: باب في الأخذ بالسنة واجتناب البدعة (٥/ ٤٤) ح ٢٦٧٦ وقال: هذا حديث حسن صحيح وابن ماجة في سننه، في المقدمة: باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين (١/ ١٦). وابن حبان في صحيحه (١/ ١٣٩)، والحاكم في المستدرك (١/ ٩٦) وصححه ووافقه الذهبي، والآجري في الشريعة (٤٦، ٤٧)، والدارمي في سننه، باب اتباع السنة (١/ ٤٤، ٤٥) وقال الألباني: سنده صحيح، وصححه جماعة منهم الضياء المقدسي في اتباع السنن واجتناب البدع، انظر: مشكاة المصابيح (١/ ٥٨) ح ١٦٥.\n(^٢) أخرجه بهذا اللفظ مسلم في صحيحه، كتاب الأقضية: باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور (٥/ ١٣٢) وفي رواية: \"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد\" وهذه الرواية أخرجها البخاري في صحيحه، كتاب الصلح: باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود. فتح الباري (٥/ ٣٠١) ح ٢٦٩٧.\n(^٣) رواه إسحاق في مسنده، والطبراني في الأوسط) ٤٢٠٢)، والبيهقي في الشعب (٩٠١١) بلفظ: \" إن الله حجب التوبة عن صاحب كل بدعة\"، والهروي في «ذم الكلام وأهله» (٥/ ١٥٣)، وابن عبد الهادي في «جمع الجيوش والدساتر على ابن عساكر» (١٢٠)، قال فيه الهيثمي في مجمع الزوائد: (١٠/ ١٨٩) \"ورواه الطبراني في الأوسط، ورجاله رجال الصحيح غير هارون بن موسى الفروي، وهو: ثقة، وقال المنذري في «الترغيب والترهيب» (١/ ٨٦): رواه الطبراني وإسناده حسن. وصححه الألباني في الصحيحة (١٦٢٠). والحديث رواه-أيضًا-: البيهقي في «الشعب» (٦٨٤٦) و(٩٠١٠)، وابن أبي عاصم في «السنة» (٣٧)، وابن وضاح في «البدع» (١٤٦)، وابن عدي في «الكامل» (٧/ ٥٠٥)، وابن الجوزي في «العلل المتناهية» (٢١١)، و(٢١٢).\n(^٤) غذاء الألباب شرح منظومة الآداب ٢/ ٤٥٧","vol":"1","page":644},{"text":"عليها فلا تنكشف لهذا ذنوبه التي تجب عليه التوبة منها إلا بتضلعه من السنة وكثرة اطلاعه عليها ودوام البحث عنها والتفتيش عليها ولا ترى صاحب بدعة كذلك أبدًا، فإن السنة بالذات تمحق البدعة ولا تقوم لها وإذا طلعت شمسها في قلب العبد قطعت من قلبه ضباب كل بدعة وأزالت ظلمة كل ضلالة إذ لا سلطان للظلمة مع سلطان الشمس ولا يرى العبد الفرق بين السنة والبدعة ويعينه على الخروج من ظلمتها إلى نور السنة إلا المتابعة والهجرة بقلبه كل وقت إلى الله بالاستعانة والإخلاص وصدق اللجوء إلى الله والهجرة إلى رسوله بالحرص على الوصول إلى أقواله وأعماله وهديه وسنته فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن هاجر إلى غير ذلك فهو حظه ونصيبه في الدنيا والآخرة والله المستعان\" (^١)\n\nخامسًا: أن<span data-type='title' id=toc-187> المبتدع يرى الحق باطلًا ويرى الباطل حقًا</span>\nقال شيخ الإسلام معقبًا على قصة ذو الخويصرة التميمي (^٢): \"فهذا المبتدع الجاهل لما ظن أن ما فعله الرسول ليس بعدل كان ظنه كاذبا وكان\n_________\n(^١) مدارج السالكين ٢/ ٣٧٥.\n(^٢) جاءه ذو الخويصرة التميمي وبين عينيه أثر السجود فقال: يا محمد اعدل فإنك لم تعدل فقال: ويحك ومن يعدل إذا لم أعدل؟ لقد خبت وخسرت إن لم أعدل ثم قال: يخرج من ضئضئ هذا أقوام يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية أينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة\" رواه البخاري (٤٣٥١) ومسلم (١٠٦٤).","vol":"1","page":645},{"text":"في إنكاره ظالما، وهذا حال كل مبتدع نفى ما أثبته الله تعالى أو أثبت ما نفاه الله أو اعتقد حسن ما لم يحسنه الله أو قبح ما لم يكرهه الله فاعتقادهم خطأ وكلامهم كذب وإرادتهم هوى، فهم أهل شبهات في آرائهم وأهواء في إرادتهم ..» (^١).\n\nسادسًا: أن<span data-type='title' id=toc-188> البدعة ضررها متعد للغير إذا كان المبتدع داعيًا لبدعته بخلاف المعصية فإن ضررها على صاحبها.</span>\nولذلك فإن من العلماء من اشترط في توبة المبتدع أن يتوب من بدعته أن يعترف بأن ما عليه بدعة، قال السفاريني: \"وتوبة المبتدع أن يعترف بأن ما عليه بدعة. قال في الشرح: فأما البدعة فالتوبة منها بالاعتراف بها، والرجوع عنها، واعتقاد ضد ما كان يعتقد منها.\nوفي الرعاية: من كفر ببدعة قبلت توبته على الأصح، وقيل إن اعترف بها وإلا فلا.\nقال الإمام أحمد في رواية المروذي في الرجل يشهد عليه بالبدعة فيجحد: ليست له توبة إنما التوبة لمن أعترف فأما من جحد فلا توبة له.\nوفي إرشاد ابن عقيل الرجل إذا دعا إلى بدعة ثم ندم على ما كان، وقد ضل به خلق كثير وتفرقوا في البلاد وماتوا فإن توبته صحيحة إذا وجدت\n_________\n(^١) درء التعارض ٣/ ٣٨٥.","vol":"1","page":646},{"text":"الشرائط، ويجوز أن يغفر الله له ويقبل توبته ويسقط ذنب من ضل به بأن يرحمه ويرحمهم، وبه قال أكثر العلماء خلافا لبعض أصحاب الإمام أحمد وهو أبو إسحاق بن شاقلا، وهو مذهب الربيع بن نافع، وأنها لا تقبل، ثم احتج بالأثر الاسرائيلي الذي فيه: «فكف من أضللت، وبحديث «من سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى بوم القيامة» (^١) \" (^٢)\nمن المتقرر في النصوص الشرعية أن المرءُ يشابِهُ صَديقَه وصاحِبَه في سِيرتِه وعادتِه؛ فهوَ مؤثِّرٌ في الأخلاقِ والسلوكِ والتصرُّفاتِ، ونظرةِ الناسِ إلى كلٍّ مِنهما من خلالِ مَعرفتِهم بأحوالِ الصَّاحبِ، كما جاء في الحديث: «الرجلُ على دينِ خليلِه فلينظرْ أحدُكم من يُخالِلُ» (^٣)\nوجاء في الحديث عن أبي سعيد الخدري: «لا تُصاحِبْ إلَّا مُؤمِنًا، ولا يأكُلْ طعامَكَ إلَّا تَقِيٌّ» (^٤)\nومن هذا الأصل جاء تحذير المصنف من مصاحبة من يصاحب المبتدع ويجالسه، فهو داخل في حكمه.\n_________\n(^١) رواه مسلم رقم ١٠١٧\n(^٢) غذاء الألباب ٢/ ٤٥٦.\n(^٣) أخرجه أبو داود (٤٨٣٣)، والترمذي (٢٣٧٨)، وأحمد (٨٣٩٨). وقال الألباني في صحيح أبي داود: حسن.\n(^٤) أخرجه ابن حبان في صحيحه، انظر: تخريج صحيح ابن حبان (٥٦٠)، وانظر: تخريج شرح السنة (٣٤٨٤).","vol":"1","page":647},{"text":"والآثار الواردة في التحذير من مجالسة أهل البدع والأهواء كثيرة جدًا في كتب أهل السنة، من حيث الأصل، قال الإمام البغوي: \"وقد مضت الصحابة والتابعون وأتباعهم، وعلماء السنة على هذا مجمعين متفقين على معاداة أهل البدعة، ومهاجرتهم\" (^١).\nقال الشاطبي: \"فإن الإيواء يجامع التوقير، ووجه ذلك ظاهر؛ لأن المشي إليه والتوقير له تعظيمٌ له لأجل بدعته؛ وقد علمنا أن الشرع يأمر بزجره وإهانته وإذلاله بما هو أشد من هذا كالضرب والقتل، فصار توقيره صدودًا عن العمل بشرع الإسلام، وإقبالًا على ما يضاده وينافيه، والإسلام لا ينهدم إلا بترك العمل به، والعمل بما ينافيه\" (^٢).\nوالتحذير يشمل أمورًا منها:\n١ - مجالستهم.\n٢ - مجادلتهم.\n٣ - الاستماع إليهم.\n٤ - مصاهرتهم (^٣).\n_________\n(^١) \"شرح السنة\" (١/ ٢٢٧).\n(^٢) (الاعتصام) (١/ ٨٥).\n(^٣) عن ابن سيرين قال: \"تزوج عمران بن حطان خارجية وقال سأردها قال فصرفته إلى مذهبها\". سير أعلام النبلاء: (٤/ ٢١٣).","vol":"1","page":648},{"text":"٥ - مؤاخاتهم.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية-﵀: \"فالمصاحبة والمصاهرة والمؤاخاة لا تجوز إلا مع أهل طاعة الله تعالى على مراد الله\" (^١)\n\"والهجر الشرعي نوعان:\nأحدهما: بمعنى الترك للمنكرات.\nوالثاني: بمعنى العقوبة عليها.\nفالنوع الأول: هو المذكور في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨]، فهذا يراد به أنه لا يشهد المنكرات لغير حاجة مثل قوم يشربون الخمر يجلس عندهم، وقوم دعوا إلى وليمة فيها خمر وزمر لا يجيب دعوتهم، وأمثال ذلك …\nالنوع الثاني: الهجر على وجه التأديب، وهو هجر من يظهر المنكرات، يهجر حتى يتوب منها، كما هجر النبي ﷺ والمسلمون الثلاثة الذين خلفوا حتى أنزل الله توبتهم، حين ظهر منهم ترك الجهاد المتعين عليهم بغير عذر\" (^٢).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٥/ ٣٢٧).\n(^٢) «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ٢٠).","vol":"1","page":649},{"text":"والتحذير من المجالسة والاستماع لأهل البدع والأهواء فجاء لأسباب منها:\nأولًا: أن المجالسة قد تكون سببًا للدخول في بدع أهل الأهواء وضلالاتهم.\nلأنه في مقابل كل بدعة تهدم سنة، وفي هذا المعنى يقول شيخ الإسلام أيضًا: \"من أسباب هذه الاعتقادات والأحوال الفاسدة الخروج عن الشِّرعة والمنهاج الذي بعث به الرسول ﷺ إلينا، فإن البدع هي مبادئ الكفر ومظان الكفر، كما أن السنن المشروعة هي مظاهر الإيمان، ومقوية للإيمان، فإنه يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية\" (^١).\nثانيًا: وأنها سبب لدخول الشبه والشكوك.\nفعَنْ أَبِي قِلَابَةَ، قَالَ: \"لَا تُجَالِسُوا أَصْحَابَ الْأَهْوَاءِ، فَإِنِّي لَا آمَنُ أَنْ يَغْمِسُوكُمْ فِي ضَلَالَتِهِمْ، أَوْ يَلْبِسُوا عَلَيْكُمْ بَعْضَ مَا تَعْرِفُونَ\" (^٢).\nوعَنْ عَمْرِو ابْنِ قَيْسٍ، قَالَ: كَانَ يُقَالُ: \"لَا تُجَالِسْ صَاحِبَ زَيْغٍ، فَيُزِيغَ قَلْبَكَ\" (^٣).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٠/ ٥٦٥).\n(^٢) \"الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية ومجانبة الفرق المذمومة\" لابن بطة في \"باب التحذير من صحبة قوم يمرضون القلوب ويفسدون الإيمان\" رقم: (٣٦٩).\n(^٣) \"الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية ومجانبة الفرق المذمومة\" لابن بطة في \"باب التحذير من صحبة قوم يمرضون القلوب ويفسدون الإيمان\" رقم: (٣٧١).","vol":"1","page":650},{"text":"ثالثًا: أنها ممرضة للقلوب.\nوعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: \"لَا تُجَالِسْ أَهْلَ الْأَهْوَاءِ، فَإِنَّ مُجَالَسَتَهُمْ مُمْرِضَةٌ لِلْقُلُوبِ\" (^١).\nوعَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: \"لَا تُجَالِسُوا أَهْلَ الْأَهْوَاءِ، فَإِنَّ مُجَالَسَتَهُمْ مُمْرِضَةٌ لِلْقُلُوبِ\" (^٢).\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية: \"الشرائع أغذية القلوب، فمتى اغتذت القلوب بالبدع لم يبق فيها فضل للسنن، فتكون بمنزلة من اغتذى بالطعام الخبيث\" (^٣).\nرابعًا: أن في ذلك مساواة بين الحق والباطل.\nقِيلَ لِلْأَوْزَاعِيِّ: إِنَّ رَجُلًا يَقُولُ: أَنَا أُجَالِسُ أَهْلَ السُّنَّةِ، وَأُجَالِسُ أَهْلَ الْبِدَع، فَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: \"هَذَا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يُسَاوِيَ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ\" (^٤).\nخامسًا: أن المجالسة تدل على المجانسة.\n_________\n(^١) \"الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية ومجانبة الفرق المذمومة\" لابن بطة في \"باب التحذير من صحبة قوم يمرضون القلوب ويفسدون الإيمان\" رقم: (٣٧٦).\n(^٢) \"الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية ومجانبة الفرق المذمومة\" لابن بطة في \"باب التحذير من صحبة قوم يمرضون القلوب ويفسدون الإيمان\" رقم: (٣٧٨).\n(^٣) اقتضاء الصراط المستقيم (١/ ٢٨١).\n(^٤) \"الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية ومجانبة الفرق المذمومة\" لابن بطة في \"باب التحذير من صحبة قوم يمرضون القلوب ويفسدون الإيمان\" رقم: (٤٣٥).","vol":"1","page":651},{"text":"قَالَ اللَّهُ ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾ [آل عمران: ١١٨].\nوقال رسول الله ﷺ: «المرء مع من أحب» (^١).\nوقال رسول الله ﷺ: «المرء على دين خليله» (^٢).\nوعن يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ الْقَطَّانَ، يَقُولُ لَمَّا قَدِمَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ الْبَصْرَةَ: جَعَلَ يَنْظُرُ إِلَى أَمْرِ الرَّبِيعِ يَعْنِي ابْنَ صُبَيْحٍ، وَقَدْرَهُ عِنْدَ النَّاسِ، سَأَلَ: أَيُّ شَيْءٍ مَذْهَبُهُ؟ قَالُوا: مَا مَذْهَبُهُ إِلَّا السُّنَّةُ قَالَ: مَنْ بِطَانَتُهُ؟ قَالُوا: أَهْلُ الْقَدَرِ قَالَ: هُوَ قَدَرِيٌّ\" (^٣).\nوقال الْفُضَيْلَ ابْنَ عِيَاضٍ: \"الْأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ، فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ، وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَف، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ صَاحِبُ سُنَّةٍ يُمَالِي صَاحِبَ بِدْعَةٍ إِلَّا مِنَ النِّفَاقِ\" (^٤).\nقال الخطابي ﵀ في شرح سنن أبي داود عند شرحه لقوله ﷺ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري حديث (٦١٦٨)، ومسلم حديث (٢٦٤٠).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد حديث (٨٠٢٨)، وأبو داود حديث (٤٨٣٣)، والترمذي حديث (٢٣٧٨).\n(^٣) \"الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية ومجانبة الفرق المذمومة\" لابن بطة في \"باب التحذير من صحبة قوم يمرضون القلوب ويفسدون الإيمان\" رقم: (٤٢٦).\n(^٤) \"الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية ومجانبة الفرق المذمومة\" لابن بطة في \"باب التحذير من صحبة قوم يمرضون القلوب ويفسدون الإيمان\" رقم: (٤٣٤).","vol":"1","page":652},{"text":"«لا تصاحب إلا مؤمنًا ولا يأكل طعامك إلا تقي» (^١) وإنما حذر من صحبة من ليس بتقي وزجر عن مخالطته ومؤاكلته فإن المطاعمة توقع الألفة والمودة في القلوب يقول: لا تؤالف من ليس من أهل التقوى والورع ولا تتخذه جليسًا تطاعمه وتنادمه\". اه (^٢)\nوقال في شرح حديث «الأرواح جنود مجندة» (^٣): يقول ﷺ: \"إن الأجساد التي فيها الأرواح تلتقي في الدنيا فتأتلف وتختلف على حسب ما جعلت عليه من التشاكل أو التنافر في بدء الخلقة ولذلك ترى البَر الخير يحب شكله ويحن إلى قربه وينفر عن ضده، وكذلك الرَّهِق الفاجر يألف شِكله ويستحسن فعله وينحرف عن ضده\". اه (^٤)\nوهذا هو الأصل في التعامل مع أهل البدع ولكن الهجر له ضوابطه الشرعية المبنية على رعاية المصالح ودرء المفاسد، وهذا مما يختلف باختلاف البدعة نفسها، واختلاف مبتدعها، واختلاف أحوال الهاجرين، واختلاف المكان والقوة والضعف، والقلة والكثرة، فلا بد من مراعاة كل هذا.\n_________\n(^١) رواه الترمذي في كتاب الزهد من سننه، باب ما جاء في صحبة المؤمنين ٤/ ٦٠٠ (٢٣٩٥)، وقال: \"هذا حديث حسن إنما نعرفه من هذا الوجه\"، ورواه ابن حبان في صحيحه ٢/ ٣١٤، والإمام أحمد ٣/ ٣٨، وأبو داود في سننه ٤/ ٢٥٩، والدارمي ٢/ ١٤٠، والحاكم وصححه في المستدرك ٤/ ١٤٣، والطبراني في الأوسط ٣/ ٢٧٧، وأبو يعلى في مسنده ٢/ ٤٨٤، والبيهقي في الشعب ٧/ ٤٢، والمزي في تهذيب الكمال ١٠/ ١٧١، وغيرهم.\n(^٢) معالم السنن ط/ حلب (٤/ ١١٥).\n(^٣) صحيح البخاري: (٣٣٣٦)، صحيح مسلم: (٢٦٣٨).\n(^٤) معالم السنن (٤/ ١١٥).","vol":"1","page":653},{"text":"فمن<span data-type='title' id=toc-190> الأمور التي يجب مراعاتها في أمر الهجر:</span>\nالأمر الأول: مراعاة حال الهاجرين\nومن ذلك ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال: \"وهذا الهجر يختلف باختلاف الهاجرين في قوتهم وضعفهم وقلتهم وكثرتهم فإن المقصود به-يعني الهجر-زجر المهجور وتأديبه، ورجوع العامة عن مثل حاله، فإن كانت المصلحة في ذلك راجحة بحيث يفضي هجره إلى ضعف الشر وخفيته كان مشروعًا، وإن كان لا المهجور ولا غيره يرتدع بذلك، بل يزيد الشر، والهاجر ضعيف بحيث يكون مفسدة ذلك راجحة على مصلحته لم يشرع الهجر؛ بل يكون التأليف لبعض الناس أنفع من الهجر، والهجر لبعض الناس أنفع من التأليف … وجواب الأئمة كأحمد وغيره في هذا الباب مبني على هذا الأصل، ولهذا كان يفرق بين الأماكن التي كثرت فيها البدع -كما كثر القدَر في البصرة والتنجيم بخراسان والتشيع بالكوفة- وبين ما ليس كذلك، ويفرق بين الأئمة المطاعين وغيرهم، وإذا عرف مقصود الشريعة سلك في حصوله أوصل الطرق إليه\" (^١)\nالأمر الثاني: التفريق بين من يدعو لبدعته وبين من لا يدعو لبدعته.\nفيستثنى في أمر المجالسة والاستماع عند بعض العلماء ما لو كان ذلك الشخص لديه بعض العلم الصحيح ولم يكن في ذات الوقت داعيًا لبدعته.\n_________\n(^١) «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ٢٠٣).","vol":"1","page":654},{"text":"قال الذهبي: \"وعن الحسن بن الربيع قال: كنا نسمع من عبد الوارث، فإذا أقيمت الصلاة ذهبنا، فلم نصل خلفه.\nقال: وقيل لعبد الله بن المبارك: كيف رويت عن عبد الوارث، وتركت عمرو بن عبيد؟ قال: إن عمرًا كان داعيا. ومع هذا، فحديثه في الكتب الستة\" (^١)\nوأما إذا كان داعيا لبدعته فيقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"إنّ الدعاة إلى البدع لا تقبل شهادتهم، ولا يصلى خلفهم، ولا يؤخذ عنهم العلم\" (^٢)\nالأمر الثالث: أن بعض أهل البدع قد يحمد من وجه ويذم من وجه.\nفلكل أحد حسناته وسيئاته كما قرره شيخ الإسلام ابن تيميّة ﵀ في قوله: \"إذا اجتمع في الرجل الواحد خير وشر، وفجور وطاعة ومعصية، سنة وبدعة، استحق من الموالاة بقدر ما فيه من الخير، واستحق من المعاداة بقدر ما فيه من الشر، فيجتمع في الشخص الواحد موجبات الإكرام والإهانة، فيجتمع له من هذا ومن هذا، كاللص الفقير نقطع يده لسرقته، ويُعطى من بيت المال ما يكفي حاجته، هذا هو الأصل الذي اتفق عليه أهل السنّة والجماعة. (^٣) \"\nوقال ابن تيمية ﵀: \"ومن سلك طريق الاعتدال عظم من يستحق التعظيم وأحبه ووالاه وأعطى الحق حقه، فيعظم الحق ويرحم الخلق، ويعلم أن الرجل الواحد تكون له حسنات وسيئات، فيحمد ويذم، ويثاب ويعاقب،\n_________\n(^١) سير أعلام النبلاء ٨/ ٣٠١ - ٣٠٤.\n(^٢) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية: (٢٨/ ٢٠٥).\n(^٣) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية: (٢٨/ ٢٠٩).","vol":"1","page":655},{"text":"ويحب من وجه ويبغض من وجه، هذا هو مذهب أهل السنة والجماعة خلافا للخوارج والمعتزلة ومن وافقهم\". (^١)\nوقال شارح الطحاوية: \"والحب والبغض بحسب ما فيهم من خصال الخير والشر، فإن العبد يجتمع فيه سبب الولاية وسبب العداوة، والحب والبغض، فيكون محبوبا من وجه مبغوضا من وجه، والحكم للغالب. (^٢) \"\nالأمر الرابع: أن أنواع الهجر ثلاثة:\nالأول: الهجر ديانة، أي: الهجر لحق الله تعالى، وهو من عمل أهل التقوى، في هجر السيئة، وهجر فاعلها، مبتدعًا أو عاصيًا.\nوهذا النوع من الهجر على قسمين:\nالقسم الأول: هجر ترك: بمعنى هجر السيئات، وهجر قرناء السوء الذين تضره صحبتهم إلا لحاجة أو مصلحة راجحة، قال الله تعالى: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: ٥]، وقال سبحانه: ﴿وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ [المزمل: ١٠]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨]،\n_________\n(^١) منهاج السنة النبوية ٤/ ٥٤٣.\n(^٢) شرح العقيدة الطحاوية: ٢/ ٥٤٧.","vol":"1","page":656},{"text":"وقال تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٠]، وفي الحديث أن النبي ﷺ قال: «المهاجر من هجر ما نهى الله عنه» [أخرجه البخاري في الإيمان.].\nالقسم الثاني: هجر تعزير: وهذا من العقوبات الشرعية التبصيرية التي يوقعها المسلم على المبتدعة على وجه التأديب، في دائرة الضوابط الشرعية للهجر حتى يتوب المبتدع ويفيء.\nوهذا النوع بقسميه من أصول الاعتقاد، والأمر فيه أمر إيجاب في أصل الشرع، ومباحثه في كتب السنن والتوحيد والاعتقاد وغيرها.\nالنوع الثاني: الهجر لاستصلاح أمر دنيوي، أي الهجر لحق العبد، وفيه جاءت أحاديث الهجر بما دون ثلاث ليال، رواها جماعة من الصحابة ﵃ بأسانيد في الصحيحين وغيرها، وجميعها تفيد أن الشرع لم يرخص بهذا النوع من الهجر بين المسلمين إلا بما دون ثلاث ليال. وليس هو مجال حديثنا.\nالنوع الثالث: الهجر قضاء، وهو من العقوبات التعزيرية للمعتدين، وهذا يبحثه الفقهاء في باب التعزير. (^١)\n_________\n(^١) من رسالة (هجر المبتدع)، بتصرف.","vol":"1","page":657},{"text":"قال المصنف-رحمه الله تعالى-:\n\n\"و<span data-type='title' id=toc-191>لا نكاح إلا بولي وخاطب وشاهدي عدل\".</span>\n<hr><s0>\n\nأشار المصنف هنا إلى حديث: «لا يحلُّ نكاحٌ إلا بوليٍّ وصداقٍ وشاهدَي عدلٍ» (^١).\nوقد تضمن الحديث بعض شروط عقد النكاح وهي:\n١ - الولي.\n٢ - وشاهدين عدل.\n٣ - والصداق الذي هو المهر.\nولعقد النكاح مجموعةٌ من الأركان التي لا يُنعقد إلا بها، وقد اختلف الفقهاء في عدد تلك الأركان، فمنهم من جعلها ركنًا واحدًا، ومنهم من جعلها أكثر من ذلك. ومن تلك الأركان:\nصِيغَة العقد: وهو الرُّكنُ الوحيد المُجمَع عليه بين فقهاء المذاهب بما\n_________\n(^١) رواه الألباني، في إرواء الغليل، عن الحسن البصري، الصفحة أو الرقم: ٦/ ٢٦٠، مرسل ورجاله ثقات رجال مسلم.","vol":"1","page":658},{"text":"فيهم: أبو حنيفة، وتَتَكوَّنُ الصّيغة من الإيجاب والقَبول،\nفالإيجاب: هو ما يَصدر من العاقد الأول سواء كان الزوج أو الزوجة أو وليّيهما أو وكيليهما.\nوالقَبول: هو ما يصدر من العاقد الثّاني كذلك وهما فيهما سواء، ويتحقّق الإيجاب والقبول باللّفظ، أي الكلام الذي به يَدلّ ويُعبّر فيه العاقد عن رغبته من إجراء العقد (^١).\nالمَهر أو الصَّداق: وهو رُكنٌ من أركان عقد النّكاح عند الجمهور وشرطٌ له عند الحنفيّة، والدّليل عليه القرآن والسُّنة النبوية والإجماع.\nودليله من القرآن: قوله تعالى: (وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ)، [النساء، آية: ٤].\nوأما السُنّة: فقول الرّسول ﵊: (الْتمسْ ولَو خاتمًا مِنْ حديدٍ) (^٢)، وذلك يَدُلُّ على اشتراطه، كما قال الرّسول ﵊: (لا يحلُّ نكاحٌ إلا بوليٍّ وصداقٍ وشاهدَي عدلٍ) (^٣).\n_________\n(^١) الفقه الإسلامي وأدلته لوهبة الزحيلي (الطبعة الرابعة)، دمشق: دار الفكر، صفحة ٢٩٤٣، جزء ٤. بتصرّف.\n(^٢) رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن سهل بن سعد الساعدي، الصفحة أو الرقم: ٥١٣٥.\n(^٣) رواه الألباني، في إرواء الغليل، عن الحسن البصري، الصفحة أو الرقم: ٦/ ٢٦٠، مرسل ورجاله ثقات رجال مسلم.","vol":"1","page":659},{"text":"وأما الإجماع: فقد انعقد الإجماع على ذلك، فلا يَجوز التَّراضي على إسقاط المهر من العقد. (^١)\nالعاقِدان: وهما الزَّوج والزّوجة، وكلٌ منهما ركنٌ مُستقلّ بذاته، فلا ينعقد الزّواج بأحدهما فقط إلا إن وُجِد الآخر، ويُشتَرَطُ في الزّوجة أن تكون خاليةً من مَوانِع الزواج الشرعيّة، ومنها مثلًا أن تَكون مُتَزَوِّجَة بغيره، أو مُعْتَدَّة من طلاق لغيره، أو مُطلَّقة منه ثلاث طلقات ما لم تُحَلَّل، أو مُرتَدة، أو مَجوسية، أو وثَنِيَّة، أو أَمَة (عَبْدَةً) والنَّاكِحُ حُر، أو تَكونَ مَحْرَمًا له، أو زوجةً خامِسَة، أو يَكونُ مُتَزوِّجًا بأخِتها وغيرها ممّن لا يجمع بينه وبينها، أو تكون مُحْرِمَةً بحجّ أو عمرة. (^٢)\nالشُّهود: فلا يَنْعَقِدُ النِّكاح إلا بِحُضُور شاهدين من الرجال أو بحضور رجلٍ وامرأتين، ويشترط فيهما أن يكونا مُسلمين بالِغَين عاقِلين حُرَّيْن عَدلَين سَميعَيْن بَصيرَين عارِفَين لِسان المُتَعاقِدَيْن (^٣).\nالوَلِيّ: فَلَا يَصح النِّكاح إِلَّا بولِي، لقَوْله تَعَالَى: (فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ)، [البقرة، آية: ٢٣٢] وقيل إن هذه الآية سبب نزولها: (أن أختَ مَعقِلِ بنِ يَسارٍ طلَّقَها زوجُها، فتَركها حتى انقَضَتْ عِدَّتُها فخطَبها، فأبَى مَعقِلٌ، فنزَلَتْ: (فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ\n_________\n(^١) روضة المستبين في شرح كتاب التلقين لأبي محمد القرشي (الطبعة الأولى)، صفحة ٧٤٤، جزء ١. بتصرّف.\n(^٢) روضة الطالبين وعمدة المفتين للنووي (الطبعة الثالثة)، بيروت: المكتب الإسلامي، صفحة ٤٣، جزء ٧. بتصرّف.\n(^٣) روضة الطالبين وعمدة المفتين للنووي (الطبعة الثالثة)، بيروت: المكتب الإسلامي، صفحة ٤٣، جزء ٧. بتصرّف.","vol":"1","page":660},{"text":"يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ) [البقرة، آية: ٢٣٢]). (^١) وَعَنْ عَائِشَة ﵂ أَنْ النَّبِي ﷺ قَالَ: (أَيّمَا امْرَأَة نَكَحَت بِغَيْر إِذن وَليهَا فنكاحها بَاطِل ثَلَاثًا). (^٢) فَلَا تَصِحُّ عبارَة الْمَرْأَة فِي عقد الزواج سواءً كان ذلك إِيجَابًا أم قبولًا، فَلا يجوز للمرأة البكر أن تزوّج نَفسهَا بنفسها حتى إن أذن لها الولي بذلك، وَلَا يجوز أن يزوّجها أحد غير وليها لَا بِولَايَة وَلَا بوكالة. (^٣)\nوالوَليُّ لُغةً: هو القَريبُ، مِنَ الوَلْيِ، وهو القُربُ، ووَلِيَ الأمرَ: إذا قام به، وتولَّى الأمرَ، أي: تقَلَّدَه، وتولَّى فُلانًا: اتَّخَذه وليًّا. (^٤)\nوالوَليُّ اصْطِلاحًا: مَنْ له ولايةُ التصَرُّفِ في المالِ والنَّفسِ جَميعًا (^٥).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية-﵀: \"وإذا رضيت رجلًا، وكان كفئا لها، وجب علي وليها-كالأب ثم الأخ ثم العم-أن يزوجها به، فإن عضلها أو امتنع عن تزويجها زوجها الولي الأبعد منه، أو الحاكم بغير إذنه باتفاق العلماء، فليس للولي أن يجبرها على نكاح من لا ترضاه، ولا يعضلها عن نكاح من ترضاه إذا\n_________\n(^١) رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن الحسن البصري، الصفحة أو الرقم: ٤٥٢٩.\n(^٢) رواه الإمام الشافعي، في الأم، عن عائشة أم المؤمنين ﵂، الصفحة أو الرقم: ٨/ ٦١١، صحيح.\n(^٣) كفاية الأخيار في حل غاية الاختصار لأبي بكر الحسيني (الطبعة الأولى)، دمشق: دار الخير، صفحة ٢٥٦، جزء ١. بتصرّف.\n(^٤) «تهذيب اللغة» للأزهري (١٥/ ٣٢٣)، «لسان العرب» لابن منظور (١٥/ ٤٠٧، ٤١١).\n(^٥) المبسوط» للسرخسي (٤/ ١٩٦ (.","vol":"1","page":661},{"text":"كان كفئًا باتفاق الأئمة وإنما يجبرها ويعضلها أهل الجاهلية والظلمة الذين يزوجون نساءهم لمن يختارونه لغرض، لا لمصلحة المرأة، ويكرهونها على ذلك أو يخجلونها حتى تفعل، ويعضلونها عن نكاح من يكون كفئا لها العداوة أو غرض، وهذا كله من عمل الجاهلية والظلم والعدوان، وهو مما حرمه الله ورسوله ﷺ، واتفق المسلمون على تحريمه، وأوجب الله على أولياء النساء أن ينظروا في مصلحتهن، لا في أهوائهم كسائر الأولياء والوكلاء ممن تصرف لغيره، فإنه يقصد مصلحة من تصرف له، لا يقصد هواه، فإن هذا من الأمانة التي أمر الله أن تؤدي إلى أهلها فقال تعالى: (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل)،] النساء: ٥٨ [\". (^١)\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى: ٣٢/ ٥٢.","vol":"1","page":662},{"text":"قال المصنف-رحمه الله تعالى-:\n\"والمتعة حرام إلى يوم القيامة. \"\n<hr><s0>\n\nالمتعة المقصود بها هنا هي متعة النساء لأن لفظ المتعة يطلق كذلك على متعة الحج باعتبار أن الحج له ثلاث صيغ إما الإفراد، وإما القران، وإما التمتع.\nوالأصل في الزواج الاستمرار والدوام، وقد جعل الله تعالى الزواج من آياته التي تدعو إلى التفكر والتأمل، وجعل تعالى بين الزوجين المودة والرحمة، وجعل الزوجة سكنًا للزوج، ورغَّب في إنجاب الذرية، وجعل للمرأة عدة وميراثًا، وكل ذلك منتفٍ في هذا النكاح المحرَّم.\nوالزواج المؤقت - وهو زواج المتعة - كان مباحًا في أول الإسلام ثم نُسخت الإباحة، وصار محرَّمًا إلى يوم الدين.\nفعن علي ﵁: \"أن رسول الله صلى الله وسلم نهى عن نكاح المتعة، وعن لحوم الحمر الأهلية زمن خيبر\". وفي رواية: \"نهى عن متعة النساء يوم خيبر، وعن لحوم الحمر الإنسية. (^١) \"\n_________\n(^١) رواه البخاري (٣٩٧٩)، ومسلم (١٤٠٧).","vol":"1","page":663},{"text":"وعن الربيع بن سبرة الجهني أن أباه حدثه أنه كان مع رسول الله ﷺ فقال: \"يا أيها الناس إني قد كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيله ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئًا. (^١) \"\nوالمرأة المتمتع بها عند الرافضة -الشيعة وهم الذين يقولون بجوازه- ليست زوجة ولا أمَة، وقد قال تعالى: (والذين هم لفروجهم حافظون. إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين)] المؤمنون: ٥ - ٧ [\n\nوقد<span data-type='title' id=toc-193> استدل الرافضة لإباحة المتعة بما لا يصلح دليلًا </span>ومنه:\nأ. قول الله تعالى:) فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة)] النساء: ٢٤. [\nفقالوا: إن في الآية دليلًا على إباحة المتعة، وقد جعلوا قوله تعالى أجورهن قرينة على أن المراد بقوله استمتعتم هو المتعة.\nوالرد على هذا: أن الله تعالى ذكر قبلها ما يحرم على الرجل نكاحه من النساء، ثم ذكر ما يحل له في هذه الآية، وأمر بإعطاء المرأة المزوَّجة مهرها.\nوقد عبَّر عن لذة الزواج هنا بالاستمتاع، ومثله ما جاء في السنَّة من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: \"المرأة كالضِّلَع إن أقمتَها\n_________\n(^١) رواه مسلم (١٤٠٦).","vol":"1","page":664},{"text":"كسرتَها،\nوإن استمتعتَ بها استمتعتَ بها وفيها عوج\" (^١)\nوقد عبَّر عن المهر هنا بالأجر، وليس المراد به المال الذي يُدفع للمتمتَّع بها في عقد المتعة، وقد جاء في كتاب الله تعالى تسمية المهر أجرًا في موضع آخر وهو قوله:) يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن)، فتبيَّن أنه ليس في الآية دليل ولا قرينة على إباحة المتعة.\nولو قلنا تنزلاًّ بدلالة الآية على إباحة المتعة فإننا نقول إنها منسوخة بما ثبت في السنة الصحيحة من تحريم المتعة إلى يوم القيامة.\nب. ما روي عن بعض الصحابة من تجويزها وخاصة ابن عباس.\nوالرد: هذا من اتباع الرافضة لأهوائهم فإنهم يكفرون أصحاب النبي ﵃ ثم تراهم يستدلون بفعلهم هنا، وفي غيره من المواضع.\nفأما من ثبت عنه القول بالجواز فهم ممن لم يبلغهم نص التحريم، وقد رد الصحابة ﵃ (ومنهم علي بن أبي طالب وعبد الله بن الزبير) على ابن عباس في قوله بإباحة المتعة.\nفعن علي أنه سمع ابن عباس يليِّن في متعة النساء فقال: \"مهلا يا ابن عباس فإن رسول الله ﷺ نهى عنها يوم خيبر وعن لحوم الحمر الإنسية\" (^٢).\n_________\n(^١) رواه البخاري (٤٨٨٩) ومسلم (١٤٦٨).\n(^٢) رواه مسلم (١٤٠٧).","vol":"1","page":665},{"text":"فالمتعة حرام، بحيث إن الإنسان يستحل المرأة في مدة محدودة معلومة، من يوم أو يومين أو شهر أو شهرين يحدد بداية ونهاية لهذا الأمر.\nقال ابن بطة: \"ومن السنة أن يعلم أن المتعة حرام إلى يوم القيامة\" (^١).\nوقال قوام السنة الأصفهاني: \"ومتعة النساء حرام إلى يوم القيامة\" (^٢).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «فالروايات المستفيضة المتواترة متواطئة على أنه حرم المتعة بعد إحلالها» (^٣).\nوجاء تقرير حرمة نكاح المتعة خلافًا للروافض الذين يزعمون أن متعة النساء خير العبادات وأفضل القربات، ويوردون في فضائلها أخبارا كثيرة موضوعة ومفتراة. (^٤)\nوقد حكي الإجماع على تحريم نكاح المتعة غير واحد من الأئمة، كما بينه الحافظ ابن حجر بقوله: \"قال ابن المنذر: لا أعلم اليوم أحدا يجيزها إلا بعض الروافض، ولا معتمد لقول يخالف كتاب الله وسنة رسوله.\nوقال عياض: ثم وقع الإجماع من جميع العلماء على تحريمها إلا الروافض.\n_________\n(^١) الإبانة الصغري ص ٢٩٠.\n(^٢) الحجة ٢/ ٣٨ = باختصار، وانظر: ٢/ ٢٩٩.\n(^٣) منهاج السنة النبوية ٤/ ١٩٠.\n(^٤) مختصر التحفة الاثنى عشرية ص ٢٢٧.","vol":"1","page":666},{"text":"وقال الخطابي: تحريم المتعة كالإجماع إلا عن بعض الشيعة، ولا يصح على قاعدتهم في الرجوع في المختلفات إلى علي وآل بيته؛ فقد صح عن علي أنها نسخت، ونقل البيهقي عن جعفر بن محمد أنه سئل عن المتعة، فقال: هي الزنا بعينه.\nوقال القرطبي: الروايات كلها متفقة على أن زمن إباحة المتعة لم يطل وأنه حرم، ثم أجمع السلف والخلف على تحريمها إلا من لا يلتفت إليه من الروافض\" (^١).\nولا تتوقف مخازي الرافضة عند حد فهم يحلون ما حرم الله ويحرمون ما أحل الله ومن بعض صور حالهم:\nقال ابن تيمية عن أولئك الروافض: \"وهؤلاء يحرمون نكاح نسائهم-أي نساء أهل الكتاب-وأكل ذبائحهم، وهذا ليس من أقوال أحد من أئمة المسلمين المشهورين بالفتيا، ولا من أقوال أتباعهم، وهو خطا مخالف للكتاب والسنة والإجماع القديم\" (^٢).\nوأباح جمهور السلف الصالح نكاح المحصنات من أهل الكتاب، كما جاء في قوله تعالى: (وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم) [المائدة: ٥] وحرم الرافضة ما أحل الله فمنعوا نكاح الكتابيات.\n_________\n(^١) فتح الباري ٩/ ١٧٣.\n(^٢) مجموع الفتاوي ٣٥/ ٢١٣، وانظر: ٣٢/ ١٨١.","vol":"1","page":667},{"text":"ومع أن الرافضة حرموا نكاح الكتابيات، إلا أنهم غلب عليهم الإباحية والفجور، فقارنوا عارية الفرج والزنا باسم المتعة، وأباحوا وطء الناس النساء في أدبارهن كما هو مقرر في كتبهم. (^١)\nوعندهم ما يسمى كذلك نكاح الاستبضاع: وهي أن يأذن الرجل لزوجه أن تُمكِّن من نفسها رجلًا معينًا، ويسمى كذلك إعارة الفرج: وهو مزيج من أنكحة الجاهلية وأنكحة مجوسية وبوذية، وهو نكاح ابتدعه الشيعة بغرض عفة المرأة في حال سفر زوجها، وهو أن الرجل إذا أراد السفر أودع زوجته عند أحد أقاربه أو أصدقائه تقيم معه يستمتع بها، ويحدد له الزوج حدود الاستمتاع، إما استمتاع كامل ومعاشرة كمعاشرة الأزواج، وإما استمتاع دون الفرج، ولا يحل له تعدى الحدود التي حددها الزوج، وإذا ما تعدى الصديق أو القريب تلك الحدود يكون خائنا للأمانة ويدخل في دائرة الحرام حيث المبرر لهذا النكاح أنه حصن للزوجة وضمان للرجل أن زوجته لم تخنه!!\nوهذا الحرام بعينه والعياذ بالله فأهل السنة-بحمد الله تعالى-من الله ﷿ عليهم بحفظ أعراضهم وبحفظ أنسابهم وهذا كله حرام.\nوهذا أحد الأنكحة التي كانت موجودة قبل الإسلام، وجاء الإسلام فحرمها،\nوقد ذكرت السيدة عائشة أمُّ المؤمنين-﵂-أربعةً منها، فعن عروة بن الزبير أن عائشة زوجَ النبي ﷺ أخبرته «أَنَّ النِّكَاحَ\n_________\n(^١) انظر أصول الشيعة للقفاري ٣/ ١٢٣.","vol":"1","page":668},{"text":"فِي الجَاهِلِيَّةِ كَانَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَنْحَاءٍ:\nفَنِكَاحٌ مِنْهَا نِكَاحُ النَّاسِ اليَوْمَ: يَخْطُبُ الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ وَلِيَّتَهُ أَوِ ابْنَتَهُ، فَيُصْدِقُهَا ثُمَّ يَنْكِحُهَا.\nوَنِكَاحٌ آخَرُ: كَانَ الرَّجُلُ يَقُولُ لِامْرَأَتِهِ إِذَا طَهُرَتْ مِنْ طَمْثِهَا: أَرْسِلِي إِلَى فُلَانٍ فَاسْتَبْضِعِي مِنْهُ، وَيَعْتَزِلُهَا زَوْجُهَا وَلَا يَمَسُّهَا أَبَدًا، حَتَّى يَتَبَيَّنَ حَمْلُهَا مِنْ ذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي تَسْتَبْضِعُ مِنْهُ، فَإِذَا تَبَيَّنَ حَمْلُهَا أَصَابَهَا زَوْجُهَا إِذَا أَحَبَّ، وَإِنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ رَغْبَةً فِي نَجَابَةِ الوَلَدِ، فَكَانَ هَذَا النِّكَاحُ نِكَاحَ الِاسْتِبْضَاعِ.\nوَنِكَاحٌ آخَرُ: يَجْتَمِعُ الرَّهْطُ مَا دُونَ العَشَرَةِ، فَيَدْخُلُونَ عَلَى المَرْأَةِ، كُلُّهُمْ يُصِيبُهَا، فَإِذَا حَمَلَتْ وَوَضَعَتْ، وَمَرَّ عَلَيْهَا لَيَالٍ بَعْدَ أَنْ تَضَعَ حَمْلَهَا، أَرْسَلَتْ إِلَيْهِمْ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ رَجُلٌ مِنْهُمْ أَنْ يَمْتَنِعَ، حَتَّى يَجْتَمِعُوا عِنْدَهَا، تَقُولُ لَهُمْ: قَدْ عَرَفْتُمُ الَّذِي كَانَ مِنْ أَمْرِكُمْ وَقَدْ وَلَدْتُ، فَهُوَ ابْنُكَ يَا فُلَانُ، تُسَمِّي مَنْ أَحَبَّتْ بِاسْمِهِ فَيَلْحَقُ بِهِ وَلَدُهَا، لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَمْتَنِعَ بِهِ الرَّجُلُ.\nوَنِكَاحُ الرَّابِعِ: يَجْتَمِعُ النَّاسُ الكَثِيرُ، فَيَدْخُلُونَ عَلَى المَرْأَةِ، لَا تَمْتَنِعُ مِمَّنْ جَاءَهَا، وَهُنَّ البَغَايَا، كُنَّ يَنْصِبْنَ عَلَى أَبْوَابِهِنَّ رَايَاتٍ تَكُونُ عَلَمًا، فَمَنْ أَرَادَهُنَّ دَخَلَ عَلَيْهِنَّ، فَإِذَا حَمَلَتْ إِحْدَاهُنَّ وَوَضَعَتْ حَمْلَهَا جُمِعُوا لَهَا، وَدَعَوْا لَهُمُ القَافَةَ، ثُمَّ أَلْحَقُوا وَلَدَهَا بِالَّذِي يَرَوْنَ، فَالْتَاطَ بِهِ، وَدُعِيَ ابْنَهُ، لَا يَمْتَنِعُ مِنْ ذَلِكَ. فَلَمَّا بُعِثَ مُحَمَّدٌ ﷺ بِالحَقِّ، هَدَمَ نِكَاحَ الجَاهِلِيَّةِ كُلَّهُ إِلَّا نِكَاحَ النَّاسِ اليَوْمَ\" (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في كتاب النكاح من \"صحيحه\" حديث رقم (٥١٢٧)","vol":"1","page":669},{"text":"قال المصنف-رحمه الله تعالى-:\n\"ومن طلق ثلاثًا في لفظ واحد فقد جهل وحرمت عليه زوجته ولا تحل له أبدًا حتى تنكح زوجًا غيره\" (^١).\n<hr><s0>\n\n\nذكر المصنف<span data-type='title' id=toc-194> قول جمهور العلماء في مسألة الطلاق أن من طلق امرأته ثلاثًا حرمت عليه، ولا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره.</span>\nو<span data-type='title' id=toc-195>تعريف الطلاق</span>\nيُعرّف الطلاق لغةً بما يأتي:\n• التحرّر من الشيء والتحلّل منه: وجمعه: أطلاق، والفعل منه: طَلَقَ، فيُقال: طلق المسجون؛ أي تحرّر من القيد، وطُلّقت المرأة من زوجها؛ أي تحلّلت منه، وخرجت عن عصمته.\n• الانشراح والبسط والعطاء: وذلك حين يُقال: طلق يده بالخير؛ أي بسطها وبذلها للعطاء، وطلقه مالًا؛ أي أعطاه إياه.\nويُعرّف الطلاق اصطلاحًا بأنّه: إزالة عقد النكاح بلفظٍ مخصوصٍ، أو بكلّ لفظٍ يدل عليه.\nوالنكاح الذي يُعتبر به الطلاق هو النكاح الذي وقع صحيحًا بكلّ شروطه\n_________\n(^١) هذه الجملة غير موجودة في كتاب مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ومختصر الحجة.","vol":"1","page":670},{"text":"وأركانه، والأصل فيه أن يكون بيد الزوج وحده، ولذلك جاء في بعض تعاريف الطلاق أنّه قطع النكاح بإرادة الزوج، ويصحّ أن يُنيب ويوكّل غيره بالطلاق، ويصحّ دون إنابةٍ، وذلك للقاضي وحده، (^١) وتحصل الفُرقة بين الزوجين بالخلع أيضًا بناءً على طلب الزوجة أو وليّها إن لم تستطع الاستمرار في علاقتها مع زوجها بالنظر إلى الضوابط المحدّدة والمقرّرة، (^٢) كما قد يقع التفريق بين الزوجين من قِبل القاضي بناءً على عدّة شروطٍ واعتباراتٍ. (^٣)\n\n<span data-type='title' id=toc-196>أنواع الطلاق:</span>\nقسّم الفقهاء الطلاق إلى عدة أنواع؛ وذلك بعدّة اعتباراتٍ، وتفصيل ذلك فيما يأتي: (^٤) باعتبار الحِلّ والحُرمة يُقسم الطلاق من حيث موافقته للسنة وعدم موافقته إلى طلاقٌ سني وطلاقٌ بدعيّ، وفيما يأتي تفصيل كلّ واحدٍ منهما: (^٥)\nالطلاق السنيّ: وهو الطلاق الذي يقع وفق الضوابط والشروط التي وضعها الإسلام، وهذه الشروط هي: أن يقع بطلقةٍ واحدةٍ،\n_________\n(^١) انظر: الموسوعة الفقهية (الطبعة الأولى)، الكويت: دار الصفوة، صفحة ٥، جزء ٢٩. بتصرّف.\n(^٢) انظر: \"الخلع تعريفه وطريقته لمحمد صالح المنجد\" \"،  www.islamqa.info،  اطّلع عليه بتاريخ ٢ - ١٠ - ٢٠١٩. بتصرّف.\n(^٣) \"قانون الأحوال الشخصية\"،  www.aliftaa.jo،  اطّلع عليه بتاريخ ٢ - ١٠ - ٢٠١٩. بتصرّف.\n(^٤) \"أقسام الطلاق \"، لفارس العزاوي،  www.alukah.net،  اطّلع عليه بتاريخ ٢١/ ٩/ ٢٠١٩.\n(^٥) فقه السنة لسيد سابق (الطبعة الأولى)، القاهرة: دار الحديث، صفحة ٦٣٩/ ٦٤٠.","vol":"1","page":671},{"text":"وفي طُهرٍ لم يُجامع الرجل فيه زوجته، وتكمُن الحكمة من هذه الشروط بإعطاء الزوج فرصةً لمراجعة زوجته؛ فيطلّقها مرةً يعقبها رجعة.\nوأمّا الحكمة من عدم طلاقها حين الحيض؛ لئلا تطول مدة العدة عليها، إذ إنّ مدة الحيض لا تُحسب من العدة، فيكون الطلاق إضرارًا بالزوجة.\nوالدليل على طلاق السنة قول الله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ)، [الطلاق، آية: ١] كما حُرّم طلاق الرجل لزوجته في الطهر الذي جامعها فيه؛ إذ إنّها لا تعلم إن كانت حاملًا أم لا، وبالتالي فإنّها لا تعلم إن كانت ستعتدّ بالأقراء أم بوضع الحمل.\nالطلاق البدعي: وهو الطلاق المُخالف للضوابط والشروط التي وضعها الشارع للطلاق، كأن يطلق الرجل زوجته ثلاثًا بلفظٍ واحدٍ، أو مُتفرقات ولكن في مجلسٍ واحدٍ، أو كأن يُطلّقها حال الحيض أو النفاس، أو في طهر جامعها فيه، وقد أجمع العلماء على تحريم هذا النوع من الطلاق، وأنّ صاحبه آثم، وقد اختلف الفقهاء في وقوعه، وذهبوا في ذلك إلى قولين:\nالقول الأول: ذهب الجمهور من العلماء إلى وقوع الطلاق البدعي، واستدلّوا بعموم الآيات التي تتحدّث عن الطلاق، وقالوا بأنّ العموم يشمل الطلاق البدعي، واستدلوا أيضًا بأمر النبي-﵇-لابن عمر أن يراجع","vol":"1","page":672},{"text":"زوجته التي طلّقها وهي حائض.\nالقول الثاني: ذهب كلٌّ من عبد الله بن عمر وسعيد بن المسيب وطاووس وابن تيمية وابن القيم والظاهرية إلى عدم وقوع الطلاق البدعي، واستدلّوا بأن عموم الآيات التي تتحدث عن الطلاق لا يشملها الطلاق البدعي؛ لأنّه ليس من الطلاق الذي أذن الله به بل أمر بخلافه. باعتبار الرجعة وعدمها يحرص الإسلام على حفظ العلاقة الزوجية واستمرارها، وفي حال الطلاق فقد أذن الله للرجل بأن يُراجع امرأته ويردّها إلى عصمته في بعض الحالات،\n\nوفيما يأتي تفصيل<span data-type='title' id=toc-197> أنواع الطلاق باعتبار الرجعة وعدمها:</span> (^١)\nالطلاق الرجعي: وهو الطلاق الذي يجوز معه الزوج أن يُرجع زوجته إلى عصمته خلال فترة العدة بعد الطلقة الأولى والثانية دون عقدٍ جديدٍ. (^٢)\nالطلاق البائن: وهو الطلاق الذي يرفع قيد النكاح على الفور، وتترتب عليه آثار الطلاق في الحال، ويُقسم إلى:\nطلاق بائن بينونة صغرى: وهو الطلاق الذي يقع بعد انتهاء عدة الطلقة الأولى أو الطلقة الثانية، ويكون الرجوع بعد الطلاق البائن بينونة صغرى بعقدٍ جديدٍ.\n_________\n(^١) الموسوعة الفقهية (الطبعة الأولى)، الكويت: دار الصفوة، صفحة ٢٩ - ٣٠، جزء ٢٩. بتصرّف.\n(^٢) \"الطلاق الرجعي والبائن\"،  www.al-eman.com،  اطّلع عليه بتاريخ ٢ - ١٠ - ٢٠١٩. بتصرّف.","vol":"1","page":673},{"text":"طلاق بائن بينونة كبرى: وهو الطلاق الذي يقع بعد الطلقة الثالثة، ولا يحلّ للزوج مُراجعة زوجته إلّا بعد مُضي العدة، وزواجها برجلٍ غيره وانفصالها عنه بموتٍ أو طلاقٍ، ثُم انقضاء عدّتها، فإذا حصل ذلك جاز للزوج الأول الرجوع إليها بعقدٍ جديدٍ، لقول الله تعالى: (فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ). [البقرة، آية: ٢٣٠].\nوممّا يترتب على المرأة بسبب الفُرقة بينها وبين زوجها العدة الواجبة بأدلة الكتاب والسنة والإجماع، فمن الكتاب قول الله: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ)، [البقرة، آية: ٢٢٨] وقوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا)، [البقرة، آية: ٢٣٤].\nوأمّا من السنة فقول النبي ﵊: «لا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ باللَّهِ واليَومِ الآخِرِ، تُحِدُّ علَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ إلَّا علَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وعَشْرًا». (^١)\n_________\n(^١) رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان، الصفحة أو الرقم: ١٢٨١.","vol":"1","page":674},{"text":"قال المصنف-رحمه الله تعالى-:\n\"و<span data-type='title' id=toc-198>التكبير على الجنائز أربع،</span> فإن كبر خمسا فكبر معه [كفعل علي بن أبي طالب] (^١)، قال: ابن مسعود: \"كبر ما كبر إمامك\" (^٢).\nقال: أحمد خالفني الشافعي وقال إن زاد على أربع تكبيرات أعاد الصلاة واحتج علي بأن النبي ﷺ-صلى على النجاشي فكبر عليه أربع تكبيرات\".\n<hr><s0>\n\n\nثبت في صحيح البخاري: «أن النبي ﷺ نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه وخرج بهم إلى المصلى، فصف بهم وكبر عليه أربع تكبيرات» (^٣) وهذا هو قول جمهور العلماء وهم مالك بن أنس وسفيان الثوري والحسن بن صالح وأحمد بن حنبل والفقهاء كلهم، فهم يرون أن التكبير على الجنائز أربع تكبيرات، ومن العلماء من أجاز خمس تكبيرات أو ستًا أو سبعًا، وقد ثبت أن النبي ﷺ كبر على بعض الجنائز خمس تكبيرات، ولكن الجمهور على أربع،\n_________\n(^١) ما بين معكوفتين مأخوذ من كتاب مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص: (٢٢٩).\n(^٢) رواه الطبراني في الأوسط (٤٠١٩). قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٤٥) \"رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عطاء بن السائب وفيه كلام، وهو حسن الحديث\".\n(^٣) أخرجه البخاري (١٢٤٥) واللفظ له، ومسلم (٩٥١).","vol":"1","page":675},{"text":"قال النووي ﵀: استقرت الشريعة على أربع، وأن هذا كان أولًا، ثم استقرت الشريعة الاقتصار على أربع تكبيرات، والصواب أن المسألة فيها خلاف، لكن الأرجح الذي عليه الجمهور هو الاقتصار على أربع تكبيرات.\nوالمصنف هنا يرجّح أن مسألة التكبير أربع، وهو قول الجمهور، لكن لا يعني أنه هو الصورة الوحيدة للتكبير، فللتكبير صور عديدة فعلها النبي ﷺ لا ينبغي لأحد أن يُنكر على فاعلها، وكل ما ثبت عن النبي ﷺ من صور الأفعال إذا لم يرد له فيها خصوصية أو يرد النسخ فإنها تبقى من صور الفعل الجائزة، مثل صلاة الخوف فلها عدة صور كلها جائزة، وصلاة الكسوف والخسوف لها عدة صور كلها جائزة، وصلاة الاستسقاء لها عدة صور كلها جائزة، وكذلك صلاة الجنازة في تكبيراتها، فالذي عليه جمهور السلف أنها أربع؛ لكن النبي ﷺ فعل غير ذلك فمن زاد فلا حرج عليه.","vol":"1","page":676},{"text":"قال المصنف-رحمه الله تعالى-:\n\"و<span data-type='title' id=toc-199>المسح على الخفين </span>للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن وللمقيم يومًا وليلة\".\n<hr><s0>\n\n\nذكر المصنف المسح على الخفين إشارة إلى الأحكام التي علمت بالقواطع الشرعية أو بالنصوص القطعية ثم أنكرها، من أنكرها، فكل حكم من الأحكام الشرعية-وإن لم يدخل في العقيدة-تواترت به النصوص أو أجمع عليه السلف أو كان دليله صحيحًا ولو لم يتواتر فإن جحده يعتبر من مخالفة العقيدة، فلذلك ذكر السلف المسح على الخفين.\nوقد خالفت فيه الرافضة، كما خالفت في تجويز مسح الرجل بدل الغسل، فردوا السنة وعملوا بعكسها في مقام واحد، وهذا دليل انتكاس عندهم في العقول والأصول، ففي الوقت الذي أنكروا فيه المسح على الخفين أجازوا المسح بدون خفين.\nوهناك طوائف من الخوارج وطوائف من الجهمية وغيرهم أنكروا المسح على الخفين.\nوقال الإمام النووي: \"أجمع من يعتد به في الإجماع على جواز المسح على الخفين في السفر والحضر سواء كان لحاجة أو لغيرها … وإنما أنكرته الشيعة والخوارج ولا يعتد بخلافهم\" (^١)\n_________\n(^١) شرح صحيح مسلم للنووي ٣/ ١٦٠.","vol":"1","page":677},{"text":"وقال ابن تيمية: \"وقد تواترت السنة عن النبي ﷺ بالمسح على الخفين، وبغسل الرجلين، والرافضة تخالف هذه السنة المتواترة، كما تخالف الخوارج نحو ذلك\" (^١)\nوقال في موضع آخر \"وكان سفيان يذكر من السنة المسح على الخفين؛ لأن هذا-أي ترك المسح على الخفين-كان شعارًا للرافضة\" (^٢)\nوالأحاديث في المسح على الخفين متواترة خلافًا للروافض الذين أنكروا المسح على الخفين، فالعلماء يذكرون المسح على الخفين في كتب العقائد للرد على الخوارج والروافض الذين ينكرون المسح على الخفين، وكذلك غسل الرجلين في الوضوء وهم يقولون: إن الواجب مسح ظهور القدمين، فإذا كانت الرجلان مكشوفتين فيمسحونها بعد تبليل أيديهم بالماء، وإذا كان عليهما الخفان وجب خلع الخفين ومسح ظهور القدمين.\nحتى إن الذين نقلوا كيفية الوضوء عن النبي ﷺ قالوا: غسلًا للرجلين المكشوفتين ومسحًا للخفين، وأكثر الذين نقلوا نص الآية وهي قوله ﷿ في سورة المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]،\n_________\n(^١) منهاج السنة النبوية ٤/ ١٧٤.\n(^٢) مجموع الفتاوى ٢٢/ ٤٢٣.","vol":"1","page":678},{"text":"فالآية متواترة؛ لأن القرآن كله متواتر، لكن تواتر كيفية الوضوء غسلًا ومسحًا أقوى من تواتر نص الآية، وذلك أن الصحابة كلهم يتوضؤون، وكلهم شاهدوا غسل الرجلين ومسح الخفين من النبي ﷺ، ومن لم يشاهد النبي ﷺ فقد نقله عن غيره بخلاف نص الآية، فليس كل أحد يحفظ الآية فالبعض يحفظ الآية والبعض لا يحفظها، أما الوضوء فكلهم يتوضئون وليس هناك أحد لا يتوضأ، فالآية متواترة ونقل كيفية الوضوء أقوى تواترًا وأكثر عددًا من الذين نقلوا نص الآية.\nقال الحافظ ابن حجر: \"وَقَدْ تَوَاتَرَتْ الأَخْبَار عَنْ النَّبِيّ ﷺ فِي صِفَة وُضُوئِهِ أَنَّهُ غَسَلَ رِجْلَيْهِ وَهُوَ الْمُبَيِّن لأَمْرِ اللَّه، وَلَمْ يَثْبُت عَنْ أَحَد مِنْ الصَّحَابَة خِلَاف ذَلِكَ إِلا عَنْ عَلِيّ وَابْن عَبَّاس وَأَنَس، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُمْ الرُّجُوع عَنْ ذَلِكَ، قَالَ عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي لَيْلَى: أَجْمَعَ أَصْحَاب رَسُول اللَّه ﷺ عَلَى غَسْل الْقَدَمَيْنِ، رَوَاهُ سَعِيد بْن مَنْصُور\" (^١).\nوأما الآية، وهي قول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْن)] المائدة: ٦]، فإنها لا تدل على جواز مسح الرجلين، وبيان ذلك: أن في الآية قراءتين:\nالأولى: (وَأَرْجُلَكُمْ) بنصب اللام، فتكون الأرجل معطوفة على الوجه،\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٣٢٠).","vol":"1","page":679},{"text":"والوجه مغسول، فتكون الأرجل مغسولة أيضًا، فكأن لفظ الآية في الأصل: (اغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وأرجلكم إلى الكعبين وامسحوا برؤوسكم) ولكن أُخِّرَ غسلُ الرجل بعد مسح الرأس للدلالة على أن ترتيب الأعضاء في الوضوء يكون على هذا النحو، غسل الوجه، ثم الأيدي، ثم مسح الرأس، ثم غسل الأرجل\" (^١)\nالقراءة الثانية: (وَأَرْجُلِكُمْ) بكسر اللام، فتكون معطوفة على الرأس، والرأس ممسوح، فتكون الأرجل ممسوحة.\nغير أن السنة بينت أن المسح إنما هو على الخفين أو الجوربين بشروط معروفة في السنة (^٢).\nوبهذا يتبن أن الآية على القراءتين لا تدل على مسح الأرجل، وإنما تدل على وجوب غسل الأرجل، أو مسح الخفين لمن يلبس الخفين.\nوقد ذهب بعض العلماء-على قراءة الجر-إلى أن الحكمة من ذكر المسح في حق الأرجل مع أنها مغسولة إشارة إلى أنه ينبغي الاقتصاد في استعمال الماء عند غسل الرجلين، لأن العادة الإسراف عند غسلهما، فأمرت الآية بالمسح أي بأن يكون الغسل بلا إسراف في الماء.\nقال ابن قدامة: \"ويحتمل أنه أراد بالمسح الغسل الخفيف. قال أبو علي\n_________\n(^١) انظر: \"المجموع\" (١/ ٤٧١).\n(^٢) انظر: \"المجموع\" (١/ ٤٥٠)، \"الاختيارات\" (ص ١٣).","vol":"1","page":680},{"text":"الفارسي: العرب تسمي خفيف الغسل مسحًا، فيقولون: تمسحت للصلاة. أي توضأت \" (^١).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"وفي ذِكر المسح على الرجلين تنبيه على قلة الصب في الرجل فإن السرف يعتاد فيهما كثيرًا\" (^٢)\n_________\n(^١) \"المغني\" (١/ ١٨٦).\n(^٢) \"منهاج السنة\" (٤/ ١٧٤).","vol":"1","page":681},{"text":"قال المصنف رحمه الله تعالى:\n[و<span data-type='title' id=toc-200>صلاة الليل والنهار مثنى مثنى]</span> (^١)\n<hr><s0>\n\nوهذا مذهبُ الجمهور: المالِكيَّة (^٢)، والشافعيَّة (^٣)، والحَنابِلَة (^٤)، وهو قولُ داودَ الظاهريِّ (^٥).\nوذلك لما ورد من حديث عبد الله بن عمر أن رجلًا سئل النبي-ﷺ-عن صلاة الليل، فقال رسول الله-ﷺ «صلاة الليل مثنى مثنى». متفق عليه (^٦).\n_________\n(^١) ما بين معكوفتين مأخوذ من كتاب مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي، ص: (٢٢٩).\n(^٢) «الكافي» لابن عبد البر (١/ ٢٥٧)، وينظر: «بداية المجتهد» لابن رشد (١/ ٢١٧)، «الذخيرة» للقرافي (٢/ ٤٠٢).\n(^٣) «المجموع» للنووي (٤/ ٤٩، ٥١)، وينظر: «الأم» للشافعي (٧/ ١٥٠).\n(^٤) مذهب الحنابلة: صلاة التطوُّع في الليل لا تجوزُ إلَّا مثنى مثنى، والأفضل في تطوُّع النهار كذلك مثنى مثنى، وإن تطوع بأربعٍ في النهار، فلا بأس. «الإقناع» للحجاوي (١/ ١٥٢)، ويُنظر: «المغني» لابن قدامة (٢/ ٩١)، «الشرح الممتع» لابن عثيمين (٤/ ٧٩).\n\n(^٥) قال ابنُ عبد البَرِّ: (اختلف الفقهاءُ في صلاة التطوُّع بالنهار والليل، فقال مالكٌ، والليث بن سعد، والشافعيُّ، وابن أبي ليلى، وأبو يوسف، ومحمَّد بن الحسن: صلاة الليل والنهار مثنى مثنى، وهو قولُ أحمد بن حنبل، وأبي ثور وداود). «الاستذكار» (٢/ ١٠٩).\n(^٦) أخرجه البخاري في كتاب الصلاة، باب ما جاء في الوتر (٢/ ٣٠)، وأخرجه مسلم في كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة الليل مثنى مثنى (١/ ٥١٦).","vol":"1","page":682},{"text":"قال المصنف رحمه الله تعالى:\n\n[و<span data-type='title' id=toc-201>لا صلاة بعد العيد]</span> (^١).\n<hr><s0>\n\nوذلك لما ورد عن عَمرِو بنِ شُعَيبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه: «أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كبَّر في عيدٍ اثنتي عشرةَ تَكبيرةً، سبعًا في الأولى، وخمسًا في الأخرى، ولم يُصلِّ قَبلَها ولا بَعدَها» (^٢).\nوهناك خلاف بين الفقهاء في جواز التنفل قبل صلاة العيد وبعدها يتلخص فيما يلي\nقال المالكية: يكره ذلك قبل صلاة العيد وبعدها إن أديت الصلاة في\n_________\n(^١) ما بين معكوفتين مأخوذ من كتاب مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي، ص: (٢٢٩).\n(^٢) رواه أبو داود (١١٥١)، وابن ماجه (١٢٧٨) مختصرا، وأحمد (٢/ ١٨٠) (٦٦٨٨) واللفظ له. صحَّحه البخاريُّ كما في «تنقيح تحقيق التعليق» لمحمَّد ابن عبد الهادي (٢/ ٨٩)، وقال محمد ابن عبد الهادي في «تنقيح تحقيق التعليق» (٢/ ٨٩): «فيه» عبد الله بن عبد الرحمن الطائفيُّ، روَى له مسلم، وقال يحيى بن معين: صالح، وقال مرَّة: ضعيف، وقال أبو حاتم: ليس بقويٍّ، وذكره ابن حبَّان في الثقات. وقال الذهبيُّ في «تنقيح التحقيق» (١/ ٢٨٦): عبد الله الطائفيُّ من رِجال مسلم، قال النَّسائي: ليس بالقويِّ، وقال الشوكانيُّ في «الدراري المضية» (١١٦): إسناده صالح. وصحَّح إسناده أحمد شاكر في تحقيق «المسند» (١٠/ ١٦٥)، وقال الألباني في «صحيح ابن ماجه» (١٠٦٣): حسن صحيح","vol":"1","page":683},{"text":"الصحراء كما هو السنة، وأما إذا أديت بالمسجد-على خلاف السنة-فلا يكره التنفل لا قبلها ولا بعدها.\nوقال الحنابلة: بكراهة التنفل قبلها وبعدها بأي مكان صليت فيه صلاة العيد، أي في المسجد وغيره.\nوقال الحنفية: يكره قبل صلاة العيد، في المصلَّى وغيره، ويكره بعدها إذا كان في المصلى فقط، أما في البيت فلا يكره.\nوقال الشافعية: بالتفصيل بين الإِمام والمأموم، فيكره للإمام أن يتنفل قبلها وبعدها، سواء أكانت الصلاة في الصحراء أم في غيرها، ولا يكره للمأموم التنفل قبلها مطلقًا، ولا بعدها إن كان ممن لم يسمع الخطبة لصمم أو بُعْدٍ، وإلا كان التنفل له مكروها.\nوسبب الخلاف هو أن الروايات لم يرد فيها أن الرسول ﷺ نهى عن ذلك، وإنما الثابت ما رواه ابن عباس أنه ﵊ لم يصلِّ قبل العيد ولا بعده، فالذين قالوا بالمنع كان دليلهم فعل الرسول لا قوله، والذين قالوا بالجواز استندوا إلى أنه لم يرد نهي عن ذلك، والحكم على الروايات وبيان وجهات النظر في التنفل مشروح في نيل الأوطار للشوكاني\" (^١).\nقال الشيخ ابن عثيمين: \"ومن أحكام صلاة العيد أنه عند كثير من أهل العلم أن الإنسان إذا جاء إلى مصلى العيد قبل حضور الإمام فإنه يجلس\n_________\n(^١) نيل الأوطار للشوكاني ٣/ ٣١٩.","vol":"1","page":684},{"text":"ولا يصلي ركعتين؛ لأن النبي ﷺ صلى العيد ركعتين لم يصل قبلهما ولا بعدهما.\nوذهب بعض أهل العلم إلى أنه إذا جاء فلا يجلس حتى يصلي ركعتين؛ لأن مصلى العيد مسجد، بدليل منع الحيض منه، فثبت له حكم المسجد، فدل على أنه مسجد، وعلى هذا فيدخل في عموم قوله ﵊: (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين). وأما عدم صلاته ﷺ قبلها وبعدها فلأنه إذا حضر بدأ بصلاة العيد.\nإذن يثبت لمصلى العيد تحية المسجد كما تثبت لسائر المساجد، ولأننا لو أخذنا من الحديث أن مسجد العيد ليس له تحية لقلنا: ليس لمسجد الجمعة تحية؛ لأن رسول الله ﷺ كان إذا حضر مسجد الجمعة يخطب ثم يصلي ركعتين، ثم ينصرف ويصلي راتبة الجمعة في بيته، فلم يصل قبلها ولا بعدها.\nوالذي يترجح عندي أن مسجد العيد تصلى فيه ركعتان تحية المسجد، ومع ذلك لا ينكر بعضنا على بعض في هذه المسألة؛ لأنها مسألة خلافية، ولا ينبغي الإنكار في مسائل الخلاف إلا إذا كان النص واضحًا كل الوضوح، فمن صلى لا ننكر عليه، ومن جلس لا ننكر عليه\" (^١).\n_________\n(^١) \"مجموع فتاوى ابن عثيمين\" (١٦/ ٢١٦ - ٢٢٣) باختصار.","vol":"1","page":685},{"text":"قال المصنف رحمه الله تعالى:\n\"وإذا دخلت المسجد فلا تجلس حتى تركع ركعتين تحية المسجد. \"\n<hr><s0>\n\n\nاختلف الفقهاء في<span data-type='title' id=toc-202> حكم تحية المسجد </span>على قولين:\nالأول: أنها سنة، وهو قول الجمهور.\nالثاني: أنها واجبة، وهو قول الظاهرية، ورجحه بعض المتأخرين، وتذكر رواية ضعيفة عند الحنابلة.\nاستدل أصحاب القول الثاني بما يلي:\n١ - حديث أبي قتادة ﵁-أن النبي-ﷺ-قال: (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين) (^١).\nوالأمر للوجوب ما لم يصرفه عنه صارف، ولا صارف يعول عليه.\n٢ - قول جابر-﵁: كنا عند رسول الله ﷺ -يوما فقال: (أدخلت المسجد؟) قلت: نعم. فقال: (أصليت فيه؟) قلت: لا، قال: (فاذهب فاركع ركعتين) (^٢)\n٣ - قال جابر: دخل رجل يوم الجمعة، والنبي ﷺ يخطب، فقال:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" (١/ ٩٦) برقم: (٤٤٤)، ومسلم في \"صحيحه\" (٢/ ١٥٥) برقم: (٧١٤) أخرجه مسلم في \"صحيحه\" (٣/ ١٤ حديث رقم ٨٧٥).\n(^٢) رواه ابن خزيمة، وحسنه الألباني.","vol":"1","page":686},{"text":"(أصليت؟)، قال: لا، قال: (قم فصل ركعتين) (^١).\nفكونه أمره بذلك مع لزوم الإنصات للخطبة دليل على الوجوب.\nواستدل الجمهور بأنه قد جاء ما يصرف هذه الأوامر عن الوجوب، وقد جمعت من ذلك:\n١ - حديث ضمام بن ثعلبة، وفيه: هل علي غيرها؟ قال: (لا، إلا أن تطوع) (^٢).\n٢ - ما رواه جابر بن عبد الله: أن رجلا دخل المسجد يوم الجمعة ورسول الله ﷺ يخطب؛ فجعل يتخطى الناس، فقال رسول الله ﷺ: اجلس فقد آذيت وآنيت. (^٣)\n٣ - عن زيد بن أسلم قال: كان أصحاب النبي-ﷺ -يدخلون المسجد ثم يخرجون ولا يصلون، ورأيت ابن عمر يفعله (^٤).\n٤ - أن المعلوم من هديه-ﷺ-أنه كان يدخل يوم الجمعة فيجلس على المنبر دون أن يصلي ركعتين. فتركها سنة لكل خطيب.\n٥ - حديث أبي واقد الليثي-﵁: بينما رسول الله-ﷺ-في المسجد، فأقبل ثلاثة نفر، فأقبل اثنان إلى رسول الله-ﷺ-وذهب واحد:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" (٢/ ١٢) برقم: (٩٣١)\n(^٢) متفق عليه\n(^٣) سنن ابن ماجه (جزء: ٢ صفحة: ٢٠٥ - ٢٠٦ حديث رقم ١١١٥) وصححه الألباني، لكن في إسناده إسماعيل بن مسلم المكي وهو ضعيف. وجاء من رواية عبد الله بن بسر-﵁-عند أحمد وأبي داود والنسائي وصححه ابن خزيمة، وسكت عنه أبو داود، وما سكت عنه فهو صالح عنده، وقال ابن الملقن في \"البدر المنير\" (٤/ ٦٨١): كل رجاله ثقات لا نعلم فيه جرحا.\n(^٤) رواه ابن أبي شيبة.","vol":"1","page":687},{"text":"فأما أحدهما فرأى فرجة فجلس، وأما الآخر فجلس خلفهم، فلما فرغ رسول الله ﷺ-قال: (ألا أخبركم عن الثلاثة؟ أما أحدهم فأوى إلى الله فآواه الله، وأما الآخر فاستحيا فاستحيا الله منه، وأما الآخر فأعرض فأعرض الله عنه) (^١)\n٦ - سقوطها في بعض الأحوال دليل على أنها غير مقصودة لذاتها، كمن جاء والناس يصلون الفريضة-أو حتى نافلة يسن لها الجماعة كالتراويح-فإنها تسقط عنه هنا، وهو دليل على عدم الوجوب.\n٧ - دعوى الإجماع على سنيتها، والتي نقلها النووي ﵀، وهو ممن لا يعتد بخلاف الظاهرية، وقال الحافظ في \"الفتح\": (واتفق أئمة الفتوى على أن الأمر في ذلك للندب) (^٢).\n=وقد يعترض على بعض الصوارف باعتراضات، منها المقبول ومنها المتكلَّف المردود، لكنّ بعضها كما رأيتَ قويٌّ صالحٌ للاحتجاج به نقلًا وعقلًا.\nفالراجح: أنها سنة مؤكدة.\nفوائد تتعلق بصلاة تحية المسجد:\nوقال الشافعي: \"ومن دخل المسجد على وضوء فلا يجلس حتى يصلي\n_________\n(^١) رواه البخاري.\n(^٢) فتح الباري لابن حجر (١/ ٥٣٧)","vol":"1","page":688},{"text":"ركعتين إن كان وقت يجوز فيه الركوع ومن دخل المسجد ولم يركع الفجر أجزأه لذلك ركعتا الفجر وإن ركع الفجر في بيته ثم أتى المسجد فاختلف فيه فقيل يركع وقيل لا يركع ولا صلاة نافلة بعد الفجر إلا ركعتا الفجر إلى طلوع الشمس\" (^١).\nوسئل شيخ الإسلام ابن تيمية: في الرجل إذا دخل المسجد في وقت النهي: هل يجوز أن يصلي تحية المسجد؟\nفقال: الجواب: الحمد لله.\nهذه المسألة فيها قولان للعلماء، هما روايتان عن أحمد:\nأحدهما: وهو قول أبي حنيفة، ومالك: أنه لا يصليها.\nوالثاني: وهو قول الشافعي، أنه يصليها وهذا أظهر، فإن النبي ﷺ قال ﴿إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين﴾. وهذا أمر يعم جميع الأوقات، ولم يعلم أنه خص منه صورة من الصور: وأما نهيه عن الصلاة بعد طلوع الفجر وبعد غروبها، فقد خص منه صور متعددة.\nمنها قضاء الفوائت، ومنها ركعتا الطواف، ومنها المعادة مع إمام الحي، وغير ذلك.\nوالعام المحفوظ مقدم على العام المخصوص.\nوأيضا: فإن الصلاة وقت الخطبة منهي عنها، كالنهي في هذين الوقتين، أوكد، ثم قد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: ﴿إذا دخل\n_________\n(^١) الرسالة (١/ ٣٥).","vol":"1","page":689},{"text":"أحدكم المسجد والخطيب على المنبر فلا يجلس حتى يصلي ركعتين﴾. فإذا كان قد أمر بالتحية في هذا الوقت، وهو وقت نهي.\nفكذلك الوقت الآخر بطريق الأولى، ولم يختلف قول أحمد في هذا لمجيء السنة الصحيحة به، بخلاف أبي حنيفة ومالك فإن مذهبهما في الموضعين النهي، فإنه لم تبلغهما هذه السنة الصحيحة، والله أعلم\" (^١).\nوقال ابن تيمية: \"وحاجة المسلمين العامة إلى تحية المسجد أعظم منها إلى ركعتي الطواف فإنه يمكن تأخير الطواف بخلاف تحية المسجد فإنها لا تمكن؛ ثم الرجل إذا دخل وقت نهى إن جلس ولم يصل كان مخالفا لأمر النبي ﷺ مفوتا هذه المصلحة إن لم يكن آثما بالمعصية وإن بقى قائما أو امتنع من دخول المسجد فهذا شر عظيم ومن الناس من يصلى سنة الفجر في بيته ثم يأتي إلى المسجد فالذين يكرهون التحية منهم من يقف على باب المسجد حتى يقيم فيدخل يصلى معهم ويحرم نفسه دخول بيت الله في ذلك الوقت الشريف وذكر الله فيه ومنهم من يدخل ويجلس ولا يصلى فيخالف الأمر وهذا ونحوه مما يبين قطعا أن المسلمين مأمورون بالتحية في كل وقت وما زال المسلمون يدخلون المسجد طرفي النهار ولو كانوا منهيين عن تحية المسجد حينئذ لكان هذا مما يظهر نهى الرسول عنه فكيف وهو قد أمرهم إذا دخل أحدهم المسجد والخطيب على المنبر فلا يجلس حتى يصلى ركعتين أليس في أمرهم بها في هذا الوقت تنبيها على غيره من الأوقات. (^٢) \"\n_________\n(^١) الفتاوى الكبرى (٢/ ٢٦٥ - ٢٦٧).\n(^٢) كتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية في الفقه (٢٣/ ١٩٦).","vol":"1","page":690},{"text":"وقال ابن تيمية: \"فنهى رسول الله ﷺ عن اتخاذ هذا المكان (^١) لعبادة الله وحده؛ لئلا يتخذ ذلك ذريعة إلى الشرك بالله. والفعل إذا كان يفضي إلى مفسدة وليس فيه مصلحة راجحة ينهى عنه، كما نهى عن الصلاة في الأوقات الثلاثة لما في ذلك من المفسدة الراجحة، وهو التشبه بالمشركين الذي يفضي إلى الشرك. وليس في قصد الصلاة في تلك الأوقات مصلحة راجحة؛ لإمكان التطوع في غير ذلك من الأوقات.\nولهذا تنازع العلماء في ذوات الأسباب فسوغها كثير منهم في هذه الأوقات، وهو أظهر قولي العلماء؛ لأن النهي إذا كان لسد الذريعة أبيح للمصلحة الراجحة، وفعل ذوات الأسباب يحتاج إليه في هذه الأوقات ويفوت إذا لم يفعل فيها فتفوت مصلحتها، فأبيحت لما فيها من المصلحة الراجحة، بخلاف ما لا سبب له فإنه يمكن فعله في غير هذا الوقت فلا تفوت بالنهي عنه مصلحة راجحة، وفيه مفسدة توجب النهي عنه\" (^٢).\n_________\n(^١) أي القبور.\n(^٢) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (٢/ ٣١).","vol":"1","page":691},{"text":"قال المصنف رحمه الله تعالى:\n\"و<span data-type='title' id=toc-203>الوتر ركعة\".</span>\n<hr><s0>\n\nقال ابن قدامة ﵀: \"الوتر غير واجب وبهذا قال مالك والشافعي. وقال أبو حنيفة: هو واجب \".\nثم قال: \"قال أحمد: من ترك الوتر عمدًا فهو رجل سوء، ولا ينبغي أن تقبل له شهادة، وأراد المبالغة في تأكيده لما قد ورد فيه من الأحاديث في الأمر به، والحث عليه\" (^١).\n\nعن ابن عمر قال قال رسول الله ﷺ: «الوتر ركعة من آخر الليل» (^٢).\nوجاء في روض المربع: \"سنة الوتر: وأقله ركعة واحدة لقوله ﷺ: \"الوتر ركعة من آخر الليل\". رواه مسلم. ولا يكره الوتر بها لثبوته عن عشرة من الصحابة منهم: أبو بكر وعمر وعثمان وعائشة ﵃ وأكثره أي أكثر الوتر إحدى عشرة ركعة يصليها مثنى مثنى أي يسلم من كل اثنتين ويوتر بواحدة لقول عائشة: كان رسول الله ﷺ يصلي بالليل إحدى عشرة\n_________\n(^١) انتهى بتصرف من \"المغني\" (١/ ٨٢٧).\n(^٢) صحيح مسلم (٢/ ١٧٣ حديث رقم ١٧٩٣).","vol":"1","page":692},{"text":"ركعة يوتر منها بواحدة وفي لفظ: يسلم بين كل ركعتين ويوتر بواحدة هذا هو الأفضل. وله أن يسرد عشرا ثم يجلس فيتشهد ولا يسلم ثم يأتي بالركعة الأخيرة ويتشهد ويسلم وإن أوتر بخمس أو سبع سردها ولم يجلس إلا في آخرها لقول أم سلمة: كان رسول الله ﷺ يوتر بسبع وبخمس لا يفصل بينهن بسلام ولا كلام رواه أحمد ومسلم. وإن أوتر بتسع يسرد ثمانية ثم يجلس عقب الركعة الثامنة ويتشهد التشهد الأول ولا يسلم ثم يصلي الركعة التاسعة ويتشهد ويسلم لقول عائشة: ويصلي تسع ركعات لا يجلس فيها إلا في الثامنة فيذكر الله ويحمده ويدعوه وينهض ولا يسلم ثم يقوم فيصلي التاسعة ثم يقعد فيذكر الله ويحمده ويدعوه ثم يسلم تسليما يسمعناه.\nوأدنى الكمال في الوتر ثلاث ركعات بسلامين فيصلي ركعتين ويسلم ثم الثالثة ويسلم لأنه أكثر عملا ويجوز أن يسردها بسلام واحد يقرأ من أوتر بثلاث في الركعة ا لأولى ب سورة سبح وفي الركعة الثانية ب سورة قل يا أيها الكافرون وفي الركعة الثالثة ب سوره الإخلاص بعد الفاتحة\" (^١).\nوعن ابن عمر: أن رجلا سأل رسول الله ﷺ عن صلاة\n_________\n(^١) الروض المربع شرح زاد المستقنع (١/ ٨٤).","vol":"1","page":693},{"text":"الليل فقال رسول الله ﵇ (صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى) وعن نافع أن عبد الله بن عمر كان يسلم بين الركعة والركعتين في الوتر حتى يأمر ببعض حاجته (^١).\nوعن عبد الله بن عمر قال قال النبي ﷺ: (صلاة الليل مثنى مثنى فإذا أردت أن تنصرف فاركع ركعة توتر لك ما صليت)\nقال القاسم ورأينا أناسا منذ أدركنا يوترون بثلاث وإن كلا لواسع أرجو أن لا يكون بشيء منه بأس (^٢).\nقال ابن حجر: \"وروى محمد بن نصر من طريق سعيد بن الحارث أنه سأل بن عمر عن ذلك فقال إذا كنت لا تخاف الصبح ولا النوم فاشفع ثم صل ما بدا لك ثم أوتر وإلا فصل واترك على الذي كنت أوترت، ومن طريق أخرى عن بن عمر أنه سئل عن ذلك فقال أما أنا فأصلي مثنى فإذا انصرفت ركعت ركعة واحدة فقيل أرأيت إن أوترت قبل أن أنام ثم قمت من الليل فشفعت حتى أصبح قال ليس بذلك بأس، واستدل بقوله ﷺ (صل ركعة واحدة) على أن فصل الوتر أفضل من وصله، وتعقب بأنه ليس صريحا في الفصل فيحتمل أن يريد بقوله صل\n_________\n(^١) صحيح البخاري (١/ ٣٣٧ رقم ٩٤٦).\n(^٢) صحيح البخاري (١/ ٣٣٧ رقم ٩٤٨).","vol":"1","page":694},{"text":"ركعة واحدة أي مضافة إلى ركعتين مما مضى.\nواحتج بعض الحنفية لما ذهب إليه من تعيين الوصل والاقتصار على ثلاث بأن الصحابة أجمعوا على أن الوتر بثلاث موصولة حسن جائز واختلفوا فيما عداه قال فأخذنا بما أجمعوا عليه وتركنا ما اختلفوا فيه.\nوتعقبه محمد بن نصر المروزي بما رواه من طريق عراك بن مالك عن أبي هريرة مرفوعا وموقوفا لا توتروا بثلاث تشبهوا بصلاة المغرب وقد صححه الحاكم من طريق عبد الله بن الفضل عن أبي سلمة والأعرج عن أبي هريرة مرفوعا نحوه وإسناده على شرط الشيخين وقد صححه بن حبان والحاكم ومن طريق مقسم عن بن عباس وعائشة كراهية الوتر بثلاث وأخرجه النسائي أيضا وعن سليمان بن يسار أنه كره الثلاث في الوتر وقال لا يشبه التطوع الفريضة فهذه الآثار تقدح في الإجماع الذي نقله وأما قول محمد بن نصر لم نجد عن النبي ﷺ خبرا ثابتا صريحا أنه أوتر بثلاث موصولة نعم ثبت عنه أنه أوتر بثلاث لكن لم يبين الراوي هل هي موصولة أو مفصولة انتهى فيرد عليه ما رواه الحاكم من حديث عائشة أنه كان ﷺ يوتر بثلاث لا يقعد إلا في آخرهن","vol":"1","page":695},{"text":"وروى النسائي من حديث أبي بن كعب نحوه ولفظه يوتر بسبح اسم ربك الأعلى وقل يا أيها الكافرون وقل هو الله أحد ولا يسلم إلا في آخرهن وبين في عدة طرق أن السور الثلاث بثلاث ركعات ويجاب عنه باحتمال أنهما لم يثبتا عنده والجمع بين هذا وبين ما تقدم من النهي عن التشبه بصلاة المغرب أن يحمل النهي على صلاة الثلاث بتشهدين وقد فعله السلف أيضا فروى محمد بن نصر من طريق الحسن أن عمر كان ينهض في الثالثة من الوتر بالتكبير ومن طريق المسور بن مخرمة أن عمر أوتر بثلاث لم يسلم إلا في آخرهن ومن طريق بن طاوس عن أبيه أنه كان يوتر بثلاث لا يقعد بينهن ومن طريق قيس بن سعد عن عطاء وحماد بن زيد عن أيوب مثله وروى محمد بن نصر عن بن مسعود وأنس وأبي العالية أنهم أوتروا بثلاث كالمغرب وكأنهم لم يبلغهم النهى المذكور وسيأتي في هذا الباب قول القاسم بن محمد في تجويز الثلاث ولكن النزاع في تعين ذلك فإن الأخبار الصحيحة تأباه، قوله ﴿توتر له ما قد صلى﴾ استدل به على أن الركعة الأخيرة هي الوتر وأن كل ما تقدمها شفع وادعى بعض الحنفية أن هذا إنما يشرع لمن طرقه الفجر قبل أن يوتر فيكتفي بواحدة لقوله فإذا خشي الصبح فيحتاج إلى دليل تعين","vol":"1","page":696},{"text":"الثلاث وسنذكر ما فيه من رواية القاسم الآتية واستدل به على تعين الشفع قبل الوتر وهو عن المالكية بناء على أن قوله ما قد صلى أي من النفل وحمله من لا يشترط سبق الشفع على ما هو أعم من النفل والفرض وقالوا إن سبق الشفع شرط في الكمال لا في الصحة ويؤيده حديث أبي أيوب مرفوعا الوتر حق فمن شاء أوتر بخمس ومن شاء بثلاث ومن شاء بواحدة أخرجه أبو داود والنسائي وصححه بن حبان والحاكم وصح عن جماعة من الصحابة أنهم أوتروا بواحدة من غير تقدم نفل قبلها ففي كتاب محمد بن نصر وغيره بإسناد صحيح عن السائب بن يزيد أن عثمان قرأ القرآن ليلة في ركعة لم يصل غيرها وسيأتي في المغازي حديث عبد الله بن ثعلبة أن سعدا أوتر بركعة وسيأتي في المناقب عن معاوية أنه أوتر بركعة وأن بن عباس استصوبه وفي كل ذلك رد على بن التين في قوله إن الفقهاء لم يأخذوا بعمل معاوية في ذلك وكأنه أراد فقهاءهم ........ قوله ﴿أن عبد الله بن عمر كان يسلم بين الركعة والركعتين في الوتر حتى يأمر ببعض حاجته﴾ ظاهره أنه كان يصلي الوتر موصولا فإن عرضت له حاجة فصل ثم بنى على ما مضى وفي هذا دفع لقول من قال لا يصح الوتر إلا مفصولا","vol":"1","page":697},{"text":"وأصرح من ذلك ما رواه سعيد بن منصور بإسناد صحيح عن بكر بن عبد الله المزني قال صلى بن عمر ركعتين ثم قال يا غلام أرحل لنا ثم قام فأوتر بركعة وروى الطحاوي من طريق سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه أنه كان يفصل بين شفعه ووتره بتسليمة وأخبر أن النبي ﷺ كان يفعله وإسناده قوي ولم يعتذر الطحاوي عنه إلا باحتمال أن يكون المراد بقوله بتسليمة أي التسليمة التي في التشهد ولا يخفي بعد هذا التأويل والله أعلم\" (^١).\nوعن ابن أبي مليكة قال: أوتر معاوية بعد العشاء بركعة وعنده مولى لابن عباس فأتى ابن عباس\n_________\n(^١) فتح الباري ابن حجر (٢/ ٤٨١ - ٤٨٢).","vol":"1","page":698},{"text":"فقال دعه فإنه صحب رسول الله ﷺ\" (^١).\nقال الحافظ ابن حجر عند شرحه: قوله \"وعنده مولى لابن عباس هو كريب روى ذلك محمد بن نصر المروزي في كتاب الوتر له من طريق بن عيينة عن عبيد الله بن أبي يزيد عن كريب واخرج من طريق علي بن عبد الله بن عباس قال بت مع أبي عند معاوية فرأيته اوتر بركعة فذكرت ذلك لأبي فقال يا بني هو اعلم قوله فقال دعه فيه حذف يدل عليه السياق تقديره فأتى بن عباس فحكى له ذلك فقال له دعه وقوله دعه أي اترك القول فيه والانكار عليه فإنه قد صحب أي فلم يفعل شيئا الا بمستند وفي قوله في الرواية الأخرى أصاب انه فقيه ما يؤيد ذلك ولا التفات إلى قول بن التين ان الوتر بركعة لم يقل به الفقهاء لان الذي نفاه قول الأكثر وثبت فيه عدة أحاديث نعم الأفضل ان يتقدمها شفع واقله ركعتان واختلف أيما الأفضل وصلهما بها أو فصلهما وذهب الكوفيون إلى شرطية وصلهما وان الوتر بركعة لا يجزئ وشهرة ذلك تغني عن الاطالة فيه\" (^٢)\nعن عائشة \"أن رسول الله ﷺ-كان يصلى بالليل إحدى عشرة ركعة يوتر منها بواحدة فإذا فرغ منها اضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن فيصلى ركعتين خفيفتين\" (^٣).\nقال سمعت ابن عمر يحدث أن رسول الله ﷺ-قال «صلاة الليل مثنى مثنى فإذا رأيت أن الصبح يدركك فأوتر بواحدة» (^٤).\nقال ابن تيمية: \"والمسلم قد يترك المستحب إذا كان في فعله فساد راجح\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٣/ ١٣٧٣ رقم ٣٥٥٣).\n(^٢) فتح الباري ابن حجر (٧/ ١٠٤).\n(^٣) في صحيح مسلم، (٢/ ١٦٥ حديث ١٧٥١).\n(^٤) صحيح مسلم (٢/ ١٧٤ حديث رقم ١٧٩٩).","vol":"1","page":699},{"text":"على مصلحته .....\nولذلك استحب الأئمة أحمد وغيره أن يدع الإمام ما هو عنده أفضل، إذا كان فيه تأليف المأمومين، مثل أن يكون عنده فصل الوتر أفضل، بأن يسلم في الشفع، ثم يصلي ركعة الوتر، وهو يؤم قوما لا يرون إلا وصل الوتر، فإذا لم يمكنه أن يتقدم إلى الأفضل كانت المصلحة الحاصلة بموافقته لهم بوصل الوتر أرجح من مصلحة فصله مع كراهتهم للصلاة خلفه.\nوهذا أعدل الأقوال الثلاثة؛ فإن السلف فعلوا هذا وهذا، وكان كلا الفعلين مشهورا بينهم. \" (^١)\n\"وقالوا (^٢) أقل الوتر ركعة وأدنى الكمال ثلاث فجعلوا للكمال أدنى وأعلى وكلاهما في الكمال المسنون لا المفروض\" (^٣).\nوقال ابن تيمية: \"كذلك في (السنن الراتبة) يجعلون (^٤) الوتر ركعة واحدة وان كان قبلها شفع وهذا أصح من قول الكوفيين الذين يقولون لا وتر الا كالمغرب مع ان تجويز كليهما أصح لكن الفصل أفضل من الوصل فقولهم أرجح من قول الكوفيين مطلقا\" (^٥).\nوقال ابن تيمية: \"وأما احتجاج ابن حزم على أن ما دون ركعتين ليس بصلاة\n_________\n(^١) الفتاوى الكبرى لابن تيمية (٢/ ٣٥٥ - ٣٥٦).\n(^٢) يعني الفقهاء.\n(^٣) كتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية في الفقه لابن قاسم (١٩/ ٢٩١).\n(^٤) يعني أهل المدينة.\n(^٥) كتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية في الفقه لابن قاسم (٢٠/ ٣٦٠).","vol":"1","page":700},{"text":"بقوله صلاة الليل والنهار مثنى مثنى فهذا يرويه الأزدي عن علي بن عبد الله البارقي عن بن عمر وهو خلاف ما رواه الثقات المعروفون عن بن عمر فانهم رووا ما في الصحيحين أنه سئل عن صلاة الليل فقال صلاة الليل مثنى مثنى فاذا خفت الفجر فأوتر بواحدة ولهذا ضعف الامام أحمد وغيره من العلماء حديث البارقي ولا يقال هذه زيادة من الثقة فتكون مقبولة لوجوه\nأحدها أن هذا متكلم فيه\nالثاني أن ذلك إذا لم يخالف الجمهور والا فاذا انفرد عن الجمهور ففيه قولان في مذهب أحمد وغيره\nالثالث أن هذا إذا لم يخالف المزيد عليه وهذا الحديث قد ذكر بن عمر أن رجلا سأل النبي عن صلاة الليل فقال صلاة الليل مثنى مثنى فاذا خفت الصبح فأوتر بواحدة ومعلوم أنه لو قال صلاة الليل والنهار مثنى مثنى فاذا خفت الصبح فأوتر بواحدة لم يجز ذلك وانما يجوز اذا ذكر صلاة الليل منفردة كما ثبت في الصحيحين والسائل إنما سأله عن صلاة الليل والنبي وان كان قد يجيب عن أعم مما سئل عنه كما في حديث البحر لما قيل له إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء فإن توضأنا به عطشنا أفنتوضأ من ماء البحر فقال هو الطهور ماؤه الحل ميتته لكن يكون الجواب منتظما كما في هذا الحديث","vol":"1","page":701},{"text":"وهناك إذا ذكر النهار لم يكن الجواب منتظما لأنه ذكر فيه قوله فإذا خفت الصبح فأوتر بواحدة وهذا ثابت في الحديث لا ريب فيه\nفان قيل يحتمل أن يكون هذا قد ذكره النبي في مجلس آخر كلاما مبتدأ لآخر إما لهذا السائل وإما لغيره\nقيل كل من روى عن ابن عمر إنما رواه هكذا فذكروا في أوله السؤال وفي آخره الوتر وليس فيه إلا صلاة الليل وهذا خالفهم فلم يذكر ما في أوله ولا ما في آخره وزاد في وسطه وليس هو من المعروفين بالحفظ والاتقان ولهذا لم يخرج حديثه أهل الصحيح البخاري ومسلم\nوهذه الأمور وما أشبهها متى تأملها اللبيب علم أنه غلط في الحديث وإن لم يعلم ذلك أوجب ريبة قوية تمنع الاحتجاج به على إثبات مثل هذا الأصل العظيم.\nومما يبين ذلك أن الوتر ركعة وهو صلاة وكذلك صلاة الجنازة وغيرها فعلم أن النبي لم يقصد بذلك بيان مسمى الصلاة وتحديدها فإن الحد يطرد وينعكس\nفإن قيل قصد بيان ما يجوز من الصلاة\nقيل ما ذكرتم جائز\" (^١).\n_________\n(^١) كتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية في الفقه (٢١/ ٢٨٩ - ٢٩١).","vol":"1","page":702},{"text":"قال المصنف رحمه الله تعالى:\n\"والإقامة فرادى\".\n<hr><s0>\n\nودليله ما ورد عن أنس قال: أمر بلال أن يشفع الأذان، وأن يوتر الإقامة، قال إسماعيل: فذكرت لأيوب فقال: إلا الإقامة\" (^١).\nقال ابن بطال: \"وقوله: (إلا الإقامة)، هو من قول أيوب وليس من الحديث، قال ابن القصار: وكذلك رواه ابن جريج، عن عطاء، عن أبى محذورة: (أن الرسول علمه الأذان شفعا والإقامة وترا)، ومثله في رواية عبد الله بن زيد، وسعد القرظ، فإن قال الشافعي: قول أيوب: إلا الإقامة زيادة في الحديث والزيادة يجب قبولها، قيل: الزائد أولى ما لم يعارض ما هو أقوى منه، وذلك عمل أهل المدينة وإجماعهم خلف عن سلف على إفراد الإقامة، ومحال أن يذهب عليهم شيء من جهة الرسول-ﷺ-مما يجرى في اليوم والليلة خمس مرات ويعلمه غيرهم، ولو صحت زيادة أيوب وما رواه الكوفيون من تثنية الإقامة؛ لجاز أن يكون ذلك في وقت ما، ثم ترك لعمل أهل المدينة على الآخر الذى استقر الأمر عليه، ولا يجوز أن يظن بهم أنه خالفوا ولا قصدوا العناد، … \" (^٢).\n_________\n(^١) صحيح البخاري (جزء: ١ صفحة: ١٢٥ حديث رقم ٦٠٥)، صحيح مسلم (جزء: ٢ صفحة: ٢ حديث رقم ٣٧٨).\n(^٢) شرح صحيح البخاري لابن بطال (٢/ ٢٣٣).","vol":"1","page":703},{"text":"قال الخطابي: \"مذهب جمهور العلماء والذي جرى به العمل في الحرمين والحجاز والشام واليمن ومصر والمغرب إلى اقصى بلاد الاسلام أن الاقامة فرادى قال الامام أبو سليمان الخطابي رحمه الله تعالى مذهب عامة العلماء أنه يكرر قوله قد قامت الصلاة الا مالكا فان المشهور عنه أنه لا يكررها والله أعلم\nوالحكمة في افراد الاقامة وتثنية الاذان أن الأذان لإعلام الغائبين فيكرر ليكون ابلغ في إعلامهم والإقامة للحاضرين فلا حاجة إلى تكرارها ولهذا قال العلماء يكون رفع الصوت في الإقامة دونه في الأذان وإنما كرر لفظ الإقامة خاصة لأنه مقصود الإقامة والله أعلم.\nفإن قيل قد قلتم إن المختار الذي عليه الجمهور أن الإقامة إحدى عشرة كلمة منها الله أكبر الله أكبر أولًا وآخرًا وهذا تثنية. فالجواب إن هذا وإن كان صورة تثنية فهو بالنسبة إلى الأذان إفراد\" (^١). أه\nوجاء تثنية الإقامة عن أبي محذورة أن النبي ﷺ علمه الأذان تسع عشرة كلمة، والإقامة سبع عشرة كلمة\" (^٢).\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٤/ ٧٨ - ٧٩).\n(^٢) رواه أبو داود في \"سننه\" (١/ ١٩١) برقم: (٥٠٢)، والنسائي في \"المجتبى\" (١/ ١٤٦) برقم: (١/ ٦٢٩)، وابن ماجه في \"سننه (١/ ٤٥٥) برقم: (٧٠٩)، والترمذي في جامعه (جزء: ١ صفحة: ٢٣٤ حديث رقم ١٩٢)، هذا حديث حسن صحيح.\nوأبو محذورة اسمه سمرة بن معير. وقد روي عن أبي محذورة: أنه كان يفرد الإقامة. قال الشيخ الألباني: حسن صحيح.","vol":"1","page":704},{"text":"قال الحافظ: \"وحديث أبي محذورة في تثنية الإقامة مشهور عند النسائي وغيره. انتهى، وحديث أبي محذورة حديث صحيح ساقه الحازمي في الناسخ والمنسوخ وذكر فيه الإقامة مرتين مرتين، وقال: هذا حديث حسن على شرط أبي داود، والترمذي، والنسائي. وسيأتي ما أخرجه عنه الخمسة أن النبي ﷺ علمه الأذان تسع عشرة كلمة والإقامة سبع عشرة، وهو حديث صححه الترمذي وغيره وهو متأخر عن حديث بلال الذي فيه الأمر بإيتار الإقامة لأنه بعد فتح مكة؛ لأن أبا محذورة من مسلمة الفتح وبلالا أمر بإفراد الإقامة أول ما شرع الأذان فيكون ناسخا، وقد روى أبو الشيخ أن بلالا أذن بمنى ورسول الله ﷺ ثم مرتين مرتين وأقام مثل ذلك، إذا عرفت هذا تبين لك أن أحاديث تثنية الإقامة صالحة للاحتجاج بها. وأحاديث إفراد الإقامة وإن كانت أصح منها لكثرة طرقها وكونها في الصحيحين، لكن أحاديث التثنية مشتملة على الزيادة فالمصير إليها لازم لا سيما مع تأخر تاريخ بعضها كما عرفناك.\nوقد ذهب بعض أهل العلم إلى جواز إفراد الإقامة وتثنيتها، قال أبو عمر بن عبد البر: ذهب أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه،","vol":"1","page":705},{"text":"وداود بن علي، ومحمد بن جرير إلى إجازة القول بكل ما روي عن رسول الله ﷺ في ذلك وحملوه على الإباحة والتخيير، قالوا: كل ذلك جائز؛ لأنه قد ثبت عن النبي ﷺ جميع ذلك وعمل به أصحابه، فمن شاء قال \" الله أكبر \" أربعا في أول الأذان ومن شاء ثنى، ومن شاء ثنى الإقامة ومن شاء أفردها إلا قوله \" قد قامت الصلاة \" فإن ذلك مرتان على كل حال، انتهى.\nقلت: ما ذهب إليه الإمام أحمد، وإسحاق بن راهويه وغيرهما من جواز إفراد الإقامة وتثنيتها هو القول الراجح المعول عليه، بل هو المتعين عندي، ولما كانت أحاديث إفراد الإقامة أصح وأثبت من أحاديث تثنيتها لكثرة طرقها وكونها في الصحيحين كان الأخذ بها أولى، وأما قول الشوكاني: \" لكن أحاديث التثنية مشتملة على الزيادة فالمصير إليها لازم \"، ففيه نظر كما لا يخفي على المتأمل\" (^١).\nوقال ابن تيمية: \"وأما الترجيع وتركه وتثنية التكبير وتربيعة وتثنية الإقامة وإفرادها فقد ثبت في صحيح مسلم والسنن حديث أبى محذورة الذى علمه النبي ﷺ الأذان عام فتح مكة وكان الأذان فيه وفي ولده بمكة ثبت أنه علمه الأذان والإقامة وفيه الترجيع وروى في حديثه التكبير مرتين كما في صحيح مسلم وروى أربعا كما في سنن أبى داود وغيره وفي حديثه أنه علمه الإقامة شفعًا\n_________\n(^١) تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي: (١/ ١٧٢).","vol":"1","page":706},{"text":"وثبت في الصحيح عن انس بن مالك قال لما كثر الناس قال تذاكروا أن يعلموا وقت الصلاة بشيء يعرفونه فذكروا أن يوروا نارا أو يضربوا ناقوسا فأمر بلال ان يشفع الأذان ويوتر الإقامة وفي رواية للبخاري (إلا الإقامة)، وفي سنن أبى داود وغيره أن عبد الله بن زيد لما أرى الأذان وأمره النبي أن يلقيه على بلال فألقاه عليه وفيه التكبير أربعا بلا ترجيع.\nوإذا كان كذلك فالصواب مذهب أهل الحديث ومن وافقهم وهو تسويغ كل ما ثبت في ذلك عن النبي لا يكرهون شيئا من ذلك إذ تنوع صفة الأذان والإقامة كتنوع صفة القراءات والتشهدات ونحو ذلك وليس لأحد أن يكره ما سنه رسول الله لأمته.\nوأما من بلغ به الحال إلى الاختلاف والتفرق حتى يوالى ويعادى ويقاتل على مثل هذا ونحوه مما سوغه الله تعالى كما يفعله بعض أهل المشرق فهؤلاء من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا وكذلك ما يقوله بعض الأئمة ولا أحب تسميته من كراهة بعضهم للترجيع وظنهم أن أبا محذورة غلط في نقله وأنه كرره ليحفظه ومن كراهة من خالفهم لشفع الإقامة مع أنهم يختارون أذان أبى محذورة وهؤلاء يختارون إقامته ويكرهون أذانه وهؤلاء يختارون أذانه ويكرهون إقامته فكلاهما قولان متقابلان والوسط أنه لا يكره لا هذا ولا هذا، وإن كان أحمد وغيره من أئمة الحديث يختارون أذان بلال وإقامته لمداومته على ذلك بحضرته فهذا كما يختار بعض القراءات والتشهدات ونحو ذلك","vol":"1","page":707},{"text":"ومن تمام السنة في مثل هذا أن يفعل هذا تارة وهذا تارة وهذا في مكان وهذا في مكان لأن هجر ما وردت به السنة وملازمة غيره قد يفضى إلى أن يجعل السنة بدعة والمستحب واجبا ويفضى ذلك إلى التفرق والاختلاف إذا فعل آخرون الوجه الآخر.\nفيجب على المسلم ان يراعى القواعد الكلية التي فيها الاعتصام بالسنة والجماعة لا سيما في مثل صلاة الجماعة وأصح الناس طريقة في ذلك هم علماء الحديث الذين عرفوا السنة واتبعوها إذ من أئمة الفقه من اعتمد في ذلك على أحاديث ضعيفة، ومنهم من كان عمدته العمل الذي وجده ببلده وجعل ذلك السنة دون ما خالفه مع العلم بأن النبي قد وسع في ذلك وكل سنة\nوربما جعل بعضهم أذان بلال وإقامته ما وجده في بلده إما بالكوفة وإما بالشام وإما بالمدينة وبلال لم يؤذن بعد النبي إلا قليلا وإنما أذن بالمدينة سعد القرظي مؤذن أهل قباء ...................، والإقامة يختار إفرادها مالك والشافعي وأحمد وهو مع ذلك يقول إن تثنيتها سنة والثلاثة أبو حنيفة والشافعي وأحمد يختارون تكرير لفظ الإقامة دون مالك والله أعلم (^١)\n_________\n(^١) كتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية في الفقه (٢٢/ ٦٥ - ٦٩).","vol":"1","page":708},{"text":"قال المصنف رحمه الله تعالى:\n\"وأحبوا أهل السنة على ما كان منهم، أماتنا الله وإياكم على [الإسلام] (^١) والسنة والجماعة، ورزقنا الله وإياكم اتباع (^٢) العلم ووفقنا وإياكم لما يحبه ويرضاه\".\n<hr><s0>\n\n\n<span data-type='title' id=toc-205>قلوب أهل السنة نقية تجاه حَمَلة ميراث النبوة من العلماء الصَّادقين والدُّعاة المخلصين والمقتفين لآثار النبي الأمين ﷺ</span>-؛ لأن النبي ﷺ قال: «العلماء ورثة الأنبياء، وإنَّ الأنبياء لم يُورثوا دينارًا ولا درهمًا، وَرَّثوا العلم؛ فمَن أَخَذَه أَخَذَ بحظٍّ وافرٍ» (^٣).\nوقد دل على وجوب ذلك قوله جل وعلا: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رضي الله عنهم وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾، فقد أخبر الله-تعالى-في هذه الآية أنه رضي عن هؤلاء رضًا مطلقًا، ورَضي عمن بعدهم رضًا مقيدًا، وهو شرط اتباعهم بإحسان.\n_________\n(^١) ما بين معكوفتين مأخوذ من كتاب مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي، ص: (٢٢٩).\n(^٢) كلمة (اتباع) ليست موجودة في كتاب مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي، ص: (٢٢٩) ومختصر الحجة.\n(^٣) أخرجه أبو داود (٣٦٤١) والترمذي (٢٦٨٢)، وحسنه الألباني في «المشكاة» (٢١٢).","vol":"1","page":709},{"text":"قال الإمام ابن كثير ﵀: «فقد أخبر اللهُ العظيم أنَّه قد رضي عن السَّابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، فيا ويل مَنْ أبغضهم أو سَبَّهم أو أبغض-أو سَبَّ-بَعضهم، ولا سيما سيد الصحابة بعد الرسول وخَيرهم وأفضلهم-أعني الصديق الأكبر والخليفة الأعظم-أبا بكر بن أبي قحافة ﵁، فإن الطائفة المخذولة من الرافضة يُعادون أفضل الصحابة ويُبغضونهم ويسبونهم؛ عياذًا بالله من ذلك. وهذا يدل على أن عقولهم معكوسة وقلوبهم منكوسة، فأين هؤلاء من الإيمان بالقرآن إذ يسبون مَنْ قدم الله ذكرهم ورفع شأنهم.\nوأمَّا أهل السنة فإنهم يَترضون عنهم، ويَسبون مَنْ سَبَّه اللهُ ورسولُه، ويُوالون مَنْ يُوالي الله، ويُعادون مَنْ يعادي الله، وهم مُتَّبعون لا مُبتدعون، ويَقتدون ولا يَبتدئون، ولهذا هم حزبُ الله المُفلحون وعباده المؤمنون» (^١).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥].\nوالمراد ب ﴿المؤمنين﴾ في الآية: أصحاب النبي ﷺ؛ فتوعد الله مَنْ اتبع غير سبيلهم بعذاب جهنم، ووعد مُتبعهم بإحسان بالرِّضوان في قوله جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رضي الله عنهم وَرَضُوا عَنْهُ﴾.\nوقال مالك بن أنس: \"لو لقي الله رجل بملء الأرض ذنوبا ثم لقي الله\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير» (٤/ ٢٠٣).","vol":"1","page":710},{"text":"بالسنة لكان في الجنة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا\" (^١).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية-﵀: \"فالمصاحبة والمصاهرة والمؤاخاة لا تجوز إلا مع أهل طاعة الله تعالى على مراد الله\" (^٢)\nوقال ابن تيمية ﵀: \"ومن سلك طريق الاعتدال عظم من يستحق التعظيم وأحبه ووالاه وأعطى الحق حقه، فيعظم الحق ويرحم الخلق، ويعلم أن الرجل الواحد تكون له حسنات وسيئات، فيحمد ويذم، ويثاب ويعاقب، ويحب من وجه ويبغض من وجه، هذا هو مذهب أهل السنة والجماعة خلافا للخوارج والمعتزلة ومن وافقهم\". (^٣)\n\nوبإكمال هذه الفقرة انتهى شرح رسالة الإمام أحمد بن حنبل-﵀-إلى مسدد بن مسرهد-رحمه الله تعالى-.\nوالله أسأل أن ينفع بها كل من قرأها، ومن الله وحده التوفيق والسداد والهداية، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.\n_________\n(^١) (ذم الكلام وأهله للهروي ٤/ ١٢١ - ١٢٢ - رقم ٨٨١).\n(^٢) مجموع الفتاوى (١٥/ ٣٢٧).\n(^٣) منهاج السنة النبوية ٤/ ٥٤٣.","vol":"1","page":711}]}