{"ً":{"ٌ":30133,"ٍ":"الدرة في الحج والعمرة","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"shamela","files":["30133/30133.pdf"]},"ّ":"الكتاب: الدرة في الحج والعمرة\nالمؤلف: أبو عبد الرحمن يحيى بن علي الحجوري\nالناشر: دار كنوز الإسلام - اليمن\nالطبعة: الأولى، ١٤٤٦ هـ\nعدد الصفحات: ٦٠٨\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":3171,"ٕ":19,"ٖ":1781462467,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مقدمة","level":1,"page":1},{"title":"[١] أحكام وآداب قبل الدخول في الحج والعمرة","level":1,"page":3},{"title":"١ - تصحيح النية وإخلاص العبادة لله عزوجل","level":2,"page":3},{"title":"الكلام على فضل حديث: (إنما الأعمال بالنية)","level":3,"page":3},{"title":"لا يقبل عمل المؤمن الصالح إذا لم يقصد به وجه الله عزوجل","level":3,"page":4},{"title":"الرياء ثلاثة أنواع","level":3,"page":6},{"title":"٢ - التوبة","level":2,"page":7},{"title":"شروط التوبة ستة","level":3,"page":8},{"title":"وجوب المبادرة بالتوبة النصوح على كل مذنب","level":3,"page":14},{"title":"من عمل معصية لم يتب منها لا يرجع كيوم ولدته أمه","level":3,"page":14},{"title":"إذا اقترن الحج بتوبة نصوح مشتملة على الشروط الستة","level":3,"page":18},{"title":"٣ - تعلم كيفية أداء الحج والعمرة","level":2,"page":18},{"title":"بيان صحة حديث: (طلب العلم فريضة) وأنه ثابت بطرقه وأصوله","level":3,"page":18},{"title":"العبادة إذا قامت على غير ما جاء به الرسول فهي محدثة مردودة","level":3,"page":19},{"title":"حديث: (من عمل عملا ليس عليه أمرنا) صريح في رد كل البدع والمخترعات","level":3,"page":19},{"title":"٤ - أن تكون نفقة الحج من المال الحلال ولا يسأل الناس أموالهم","level":2,"page":20},{"title":"والحاج من مال حرام فاسق في حجه","level":3,"page":21},{"title":"المسألة حرام على غير المضطر","level":3,"page":24},{"title":"سؤال الناس أموالهم لغير ضرورة يعتبر من الكبائر","level":3,"page":25},{"title":"٥ - اصطحاب الرفقة الصالحة والحذر من رفقه أهل الأهواء في السفر وغيره","level":2,"page":25},{"title":"وأهل الباطل ابتلوا بالجدل","level":3,"page":27},{"title":"بعد السلف ﵏ وتحذيرهم عن الجدال مع أهل الأهواء في الحج وغيره","level":3,"page":27},{"title":"٦ - استحباب الخروج يوم الخميس لمن تيسر له ذلك","level":2,"page":29},{"title":"خروجه ﷺ لحجة الوداع يوم السبت على الصحيح وبيان وهم من قال بغيره","level":3,"page":29},{"title":"ذكر بعض الأوهام التي حصلت في خروجه","level":3,"page":29},{"title":"٧ - استحباب الخروج أول النهار","level":2,"page":34},{"title":"٨ - بركة السفر بالليل","level":2,"page":34},{"title":"٩ - كراهية الوحدة في السفر","level":2,"page":35},{"title":"بيان العلة في كراهية الوحدة في السفر","level":3,"page":35},{"title":"١٠ - توديع المسافر أهله","level":2,"page":37},{"title":"١١ - الأمارة في السفر","level":2,"page":38},{"title":"والحكمه من الإمارة في السفر","level":3,"page":38},{"title":"١٢ - عدم نوم المسافر في جادة الطريق وليكن سيره في السفر حسب راحته وراحة راحلته","level":2,"page":38},{"title":"١٣ - يحرص المسافر على أداء الصلاة جماعة في أوقاتها","level":2,"page":39},{"title":"قصر الرباعية إلى ركعتين في السفر الطويل أو القصير","level":3,"page":41},{"title":"توجيه إشكال في حديث ابن مسعود وابن عمر وفيهما: أن عثمان أتم في السفر","level":3,"page":46},{"title":"المسافر يقصر إذا جاوز بيوت قريته وفي رجوعه حتى يدخلها","level":3,"page":48},{"title":"أهم ما استدل به الجمهور على عدم وجوب القصر في السفر","level":3,"page":50},{"title":"رد من قال بوجوب القصر على استدلال القائلين بعدمه","level":3,"page":52},{"title":"من نوى الإقامة في بلد أربعا فأقل يقصر، ومن نوى أكثر أتم","level":3,"page":56},{"title":"متى يبدأ المسافر في القصر","level":3,"page":58},{"title":"كم المسافة التي تعتبر سفرا","level":3,"page":59},{"title":"القصر في الحج لأهل مكة وغيرهم لأجل السفر وليس لأجل النسك فلا دليل على قصر النسك","level":3,"page":62},{"title":"واختلف العلماء في القصر للحاج بمنى","level":3,"page":63},{"title":"شرعية الجمع بين الصلاتين في السفر","level":3,"page":65},{"title":"الجمع للمسافر بأذان واحد وإقامتين","level":3,"page":65},{"title":"الجمع بعرفة ومزدلفة للمسافر","level":3,"page":66},{"title":"مسألة: لا يشرع جمع الحجاج الصلاتين بمنى","level":3,"page":67},{"title":"١٤ - كراهية التفرق في الشعاب والأودية حال النزول في السفر","level":2,"page":67},{"title":"١٥ - كانوا إذا نزلوا منزلا صلوا نافلة","level":2,"page":68},{"title":"١٦ - إعانة الرفيق","level":2,"page":68},{"title":"١٧ - باب تكبير المسافر إذا صعد، وتسبيحه إذا هبط، والنهي عن المبالغة في رفع الصوت بالتكبير ونحوه بما يشق على صاحبه","level":2,"page":69},{"title":"١٨ - باب استحباب تعجيل المسافر الرجوع إلى أهله إذا قضى حاجته","level":2,"page":70},{"title":"معنى حديث: (السفر قطعة من العذاب)","level":3,"page":71},{"title":"بيان علة الحديث بلفظ: (إذا قضى أحدكم حاجته)","level":3,"page":71},{"title":"بيان علة الحديث بلفظ: (إذا قضى أحدكم حجه)","level":3,"page":72},{"title":"رد ابن عدي لقول الحافظ والذهبي في تصحيحهما للحديث بلفظ: (حجه)","level":3,"page":75},{"title":"١٩ - استحباب القدوم على أهله نهارا وكراهته في الليل إذا لم يعلموا ذلك","level":2,"page":75},{"title":"٢٠ - استحباب ابتداء القادم بالمسجد الذي في جواره وصلاته فيه ركعتين","level":2,"page":75},{"title":"٢١ - تحريم سفر المرأة بغير محرم سواء لحج أو غيره","level":2,"page":76},{"title":"لا تحج المرأة إلا مع محرم","level":3,"page":77},{"title":"باب سقوط الحج عن المرأة التي لا محرم لها","level":3,"page":78},{"title":"لا يجوز سفر المرأة المسلمة في الطائرة ولا غيرها بدون محرم يرافقها في سفرها","level":3,"page":79},{"title":"٢٢ - وصية المسافر والدعاء له","level":2,"page":81},{"title":"٢٣ - التسمية عند الركوب","level":2,"page":81},{"title":"٢٤ - دعاء المسافر إذا استوى على راحلته","level":2,"page":83},{"title":"٢٥ - دعاء دخول القرية","level":2,"page":84},{"title":"٢٦ - دعاء من نزل منزلا","level":2,"page":84},{"title":"٢٧ - استحباب دعاء المسافر وقت السحر وغيره","level":2,"page":84},{"title":"[٢] بداية بناء إبراهيم ﵊ للبيت وكان قبله رابية","level":1,"page":86},{"title":"[٣] فضائل بيت الله الحرام","level":1,"page":92},{"title":"١ - المسجد الحرام قبلة المسلمين","level":2,"page":92},{"title":"نقل الإجماع على وجوب استقبال القبلة عند الصلاة وأنه شرط من شروط صحة الصلاة","level":3,"page":93},{"title":"٢ - تحريم دخول المشركين الحرم المكي","level":2,"page":93},{"title":"نقل الإجماع على منع الكافر من دخول الحرم","level":3,"page":94},{"title":"٣ - تحريم الصد عن المسجد الحرام","level":2,"page":95},{"title":"٤ - عذاب من أراد الإلحاد في المسجد الحرام","level":2,"page":95},{"title":"تعريف الإلحاد في المسجد الحرام","level":3,"page":97},{"title":"وممن قال بأن الإلحاد في المسجد الحرام هو جميع المعاصي","level":3,"page":97},{"title":"ومن الإلحاد في المسجد الحرام: السرقة","level":3,"page":99},{"title":"ومن كبائر الذنوب والإلحاد في المسجد الحرام: تصوير ذوات الأرواح","level":3,"page":100},{"title":"دلالة الأحاديث على تحريم تصوير ذوات الأرواح مما له ظل وما لا ظل له","level":3,"page":104},{"title":"سرد ابن القيم ﵀ لبعض الكبائر منها كبيرة التصوير","level":3,"page":106},{"title":"ومن الإلحاد في الحرم ما يفعله الرافضة في المطاف من رفع الأصوات بنداء الحسين أو علي ﵄","level":3,"page":113},{"title":"٥ - شدة المعاهدة عند البيت","level":2,"page":116},{"title":"٦ - تحريم القتل والقتال بمكة إلا إذا بدأ العدو جاز قتاله فيها","level":2,"page":116},{"title":"من دخل مكة لقتال مباح فإنه لا إحرام عليه","level":3,"page":119},{"title":"القول بان الآية: ﴿ولا تقتلوهم عند المسجد الحرام﴾ منسوخة","level":3,"page":120},{"title":"الطائفة الممتنعة بها من مبايعة الإمام لا تقاتل","level":3,"page":120},{"title":"٧ - المسجد الحرام مسرى الرسول ﷺ","level":2,"page":122},{"title":"الجمع بين الروايات التي فيها: (أنه أسري به من بيته) أو (من الحجر) أو (من بيت أم هانيء)","level":3,"page":123},{"title":"٨ - وجوب تطهير المسجد الحرام للصلاة، والطواف، والاعتكاف","level":2,"page":127},{"title":"اجتهاد حذيفة ﵁ في تخصيص الاعتكاف بالمساجد الثلاثة","level":3,"page":127},{"title":"شرعية الاعتكاف في المساجد كلها وأن الاعتكاف في المساجد الثلاثة أكمل وأفضل","level":3,"page":128},{"title":"٩ - المسجد الحرام بلد آمن","level":2,"page":128},{"title":"ليس من البقاع حرم سوى مكة والمدينة","level":3,"page":130},{"title":"القول بإن: وجا حرم مبني على حديث منكر","level":3,"page":130},{"title":"١٠ - البيت الحرام قيام للناس","level":2,"page":132},{"title":"معنى قوله تعالى: ﴿قياما للناس﴾","level":3,"page":132},{"title":"١١ - عبادة الحج والطواف من خصائص بيت الله","level":2,"page":134},{"title":"١٢ - فضل عمارة المسجد الحرام والسقاية فيه","level":2,"page":134},{"title":"١٣ - المسجد الحرام جعل للعبادة وابتغاء فضل الله ورضوانه فيه","level":2,"page":135},{"title":"١٤ - السعي بين الصفاء والمروة من شعائر الله خلافا لما كان عليه الجاهلية","level":2,"page":135},{"title":"١٥ - من فضائله أنه ليس على المتمتع من أهله هدي","level":2,"page":135},{"title":"١٦ - أول بيت وضع لعبادة الناس، وطوافهم به في الأرض، وما فيه من البركة والهداية","level":2,"page":136},{"title":"١٧ - عبادة المشركين عند بيت الله الصغير والتصفيق بدل الصلاة والذكر","level":2,"page":136},{"title":"١٨ - البيت مثابة المسلمين ومهوى أفئدتهم","level":2,"page":136},{"title":"[٤] مكة أفضل البقاع وأحبها إلى الله ورسوله","level":1,"page":137},{"title":"مكة خير أرض الله على الإطلاق وهي أفضل من المدينة","level":2,"page":137},{"title":"تأييد القول بأفضلية مكة على المدينة","level":2,"page":138},{"title":"[٥] فضل الصلاة بالمسجد الحرام","level":1,"page":139},{"title":"تفضيل الصلاة يشمل الفرض والنفل","level":2,"page":139},{"title":"[٦] لا تشد الرحال إلا لثلاثة مساجد","level":1,"page":140},{"title":"شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة داخل في النهي","level":2,"page":141},{"title":"[٧] النهي عن حمل السلاح بمكة","level":1,"page":144},{"title":"جواز حمل السلاح في مكة للحاجة","level":2,"page":144},{"title":"[٨] الإيمان يأرز إلى مكة والمدينة","level":1,"page":145},{"title":"معنى قوله ﷺ: (يأرز)","level":2,"page":146},{"title":"[٩] الدجال لا يدخل مكة والمدينة","level":1,"page":147},{"title":"[١٠] إهلاك الله لغزاة بيته الحرام","level":1,"page":150},{"title":"الجمع بين ما جاء أن ذا السويقتين يهدم الكعبة وبين ما مضى أنها (لا تغزى)","level":2,"page":152},{"title":"[١١] باب توريث دور مكة، وبيعها وشرائها","level":1,"page":155},{"title":"قول الجمهور بجواز بيع وتأجير دور مكة هو الصواب","level":2,"page":156},{"title":"[١٢] تحريم دخول المشركين حرم مكة","level":1,"page":158},{"title":"المراد بقوله: ﴿فلا يقربوا المسجد الحرام﴾، الحرم كله","level":2,"page":158},{"title":"ولا يجوز لأحد الطواف كاشفا ما بين سرته وركبتيه","level":2,"page":159},{"title":"[١٣] الحج في الأشهر الحرم فيجتمع فيه فضل الزمان والمكان","level":1,"page":160},{"title":"[١٤] المواقيت الزمانية","level":1,"page":162},{"title":"أشهر الحج: شوال وذو القعدة وتسع من ذي الحجة باتفاق","level":2,"page":163},{"title":"يصدق عليها أنها أشهر حج، والحج يكون في بعضها","level":2,"page":163},{"title":"[١٥] باب وجوب الحج لمن استطاع إليه سبيلا","level":1,"page":164},{"title":"من عجز عن الحج لعدم قدرته فإن الحج غير واجب عليه","level":2,"page":164},{"title":"حكم الاقتراض للحج","level":2,"page":164},{"title":"شروط وجوب الحج","level":2,"page":165},{"title":"مسألة: ومن وجد الزاد الذي إما أن يحج به أو يتزوج به فيعف نفسه عن الوقوع فيما حرم الله","level":2,"page":167},{"title":"[١٦] من استطاع الحج وجب عليه على الفور","level":1,"page":168},{"title":"وجوب الحج على الفور لا على التراخي","level":2,"page":169},{"title":"من تمكن من الحج ولم يحج ومات فهو عاص ولا يحكم بكفره","level":2,"page":170},{"title":"[١٧] الحج مرة في العمر ركن من أركان الإسلام","level":1,"page":171},{"title":"تعريف الحج، والأصل في وجوبه","level":2,"page":175},{"title":"[١٨] فضل الحج المبرور","level":1,"page":176},{"title":"معنى الحج المبرور","level":2,"page":177},{"title":"التفاضل بين حج التطوع، والصدقة بمال حج التطوع","level":2,"page":179},{"title":"مسألة: من عليه دين يستغرق ما أعده نفقة لحج الفريضة، وصاحب الدين يطلبه حقه","level":2,"page":179},{"title":"الأعمال التي تسقط الذنوب صغيرها، وكبيرها إذا اقترن معها بتوبة","level":2,"page":182},{"title":"[١٩] فضل المتابعة بين الحج والعمرة","level":1,"page":185},{"title":"العمرة واجبة في العمر مرة كالحج","level":2,"page":187},{"title":"جواز تكرار العمرة في الشهر مرتين","level":2,"page":188},{"title":"[٢٠] الحج والعمرة عن الغير، المسلم","level":1,"page":190},{"title":"هذا الحديث فيه فوائد","level":2,"page":190},{"title":"نيابة المرأة عن المرأة وعن الرجل","level":2,"page":191},{"title":"جواز أخذ النائب نفقة حجه ممن ناب عنه","level":2,"page":191},{"title":"من لم يحج حجة الإسلام ليس له أن يحج عن غيره وإن حج عن غيره لا يحكم ببطلان حجه","level":2,"page":194},{"title":"[٢١] باب الحج بالصغير وأن عليه حجة إذا بلغ","level":1,"page":196},{"title":"لا خلاف بين العلماء في جواز الحج بالصبي ولا يجزئه عن الفريضة","level":2,"page":196},{"title":"مسألة: إذا بلغ الصبي حال إحرامه","level":2,"page":198},{"title":"[٢٢] باب الحج جهاد النساء والضعفة","level":1,"page":199},{"title":"[٢٣] باب الأمر بالرفق","level":1,"page":202},{"title":"تكلف الإسراع في السير ليس من البر","level":2,"page":204},{"title":"[٢٤] إفضال الله تعالى على عباده في الحج","level":1,"page":205},{"title":"[٢٥] المواقيت المكانية للحج والعمرة","level":1,"page":208},{"title":"الإجماع على هذه المواقيت","level":2,"page":210},{"title":"تحريم مجاوزة من أراد النسك الميقات بغير إحرام عمدا، ووجوب رجوعه إلى الميقات الذي مر عليه فيحرم منه","level":2,"page":211},{"title":"الإحرام قبل الميقات","level":2,"page":212},{"title":"ميقات المكي في الحج من مكة وفي العمرة من الحل","level":2,"page":217},{"title":"مريد النسك إذا جاوز الميقات غير محرم ثم رجع فأحرم منه","level":2,"page":219},{"title":"من أين يحرم من مر على ميقاتين؟","level":2,"page":220},{"title":"[٢٦] شرعية الحج المفرد وليس على المفرد والقارن إلا سعي واحد","level":1,"page":222},{"title":"مسألة: لا يشرع في حق المفرد والقارن أكثر من سعي واحد","level":2,"page":222},{"title":"[٢٧] فضل التمتع بالعمرة إلى الحج","level":1,"page":226},{"title":"شرعية الأنساك الثلاثة بالإجماع وأن التمتع أفضلها","level":2,"page":234},{"title":"تعريف الإفراد والقرآن والتمتع","level":2,"page":235},{"title":"شرعية التمتع والقرآن للمكي ولا هدي عليه","level":2,"page":236},{"title":"[٢٨] شرعية اشتراط المحرم إذا خاف حابسا يحبسه من مرض أو غيره","level":1,"page":239},{"title":"فائدة الاشتراط","level":2,"page":240},{"title":"الاشتراط يصح ولو لم يتلفظ به","level":2,"page":241},{"title":"[٢٩] من أحصر بعد إحرامه بحج أو عمرة","level":1,"page":243},{"title":"اختلاف العلماء في معنى الإحصار على قولين","level":2,"page":244},{"title":"الحصر نوعان","level":2,"page":247},{"title":"من حصر عن البيت ولو بعد الوقوف بعرفه","level":2,"page":248},{"title":"من حصر عن طواف الإفاضة فقط وقد رمى وحلق","level":2,"page":249},{"title":"هل على من لم يجد الهدي صيام بدل الهدي؟","level":2,"page":250},{"title":"اختلاف الفقهاء في الهدي والقضاء على من أحصر","level":2,"page":252},{"title":"المحصر لا يسقط عنه الفرض","level":2,"page":255},{"title":"إذا زال الحصر قبل تحلله فعليه إتمام نسكه إلا أن يكون الحج قد فاته فإنه يتحلل","level":2,"page":256},{"title":"الهدي على المحصر","level":2,"page":256},{"title":"المحصر بعدو أو بغيره حكمه واحد يجب عليه هدي الإحصار","level":2,"page":256},{"title":"إن نحر هدي الإحصار يكون حيث أحصر المحرم وحل","level":2,"page":257},{"title":"إن عجز عن هدي الإحصار يسقط عنه","level":2,"page":257},{"title":"من دخل النسك بحج أو عمرة واجب عليه إتمامه","level":2,"page":257},{"title":"[٣٠] الغسل للإحرام، ولدخول مكة، ويوم عرفة، ويوم النحر، وكيف تحرم الحائض والنفساء؟","level":1,"page":258},{"title":"مشروعية الاغتسال عند الإحرام للنساء كما يشرع للرجال","level":2,"page":260},{"title":"استحباب الغسل عند إرادة الإحرام بحج أو عمرة أو بهما","level":2,"page":260},{"title":"الإجماع على أن الإحرام بغير غسل جائز","level":2,"page":261},{"title":"استحباب الاغتسال عند دخول مكة","level":2,"page":261},{"title":"استحباب الاغتسال للوقوف بعرفة","level":2,"page":261},{"title":"استحباب الاغتسال ليوم النحر","level":2,"page":262},{"title":"جواز غسل المحرم رأسه وجسده","level":2,"page":263},{"title":"[٣١] باب ما يجتنب المحرم من اللباس والطيب","level":1,"page":264},{"title":"الطيب من محظورات الإحرام، بالإجماع","level":2,"page":265},{"title":"ومستند هذا الإجماع","level":2,"page":265},{"title":"الحكمة من منع المحرم من الطيب","level":2,"page":266},{"title":"من وقع في ثوبه أو بدنه طيب وهو محرم","level":2,"page":266},{"title":"حكم من لبس لباسا محظورا حال إحرامه جاهلا أو ناسيا","level":2,"page":266},{"title":"شرح حديث ابن عمر ﵄","level":2,"page":269},{"title":"المحظورات السبعة والإجماع على تحريمها حال الإحرام","level":2,"page":270},{"title":"جواز لبس الخفين بحالهما للمحرم، وبيان أن حديث ابن عمر منسوخ","level":2,"page":271},{"title":"[٣٢] المحرم يستظل من الشمس في ركوبه ونزوله","level":1,"page":274},{"title":"جواز تظليل المحرم على رأسه بثوب وغيره","level":2,"page":274},{"title":"لا يظلل رأسه بملاصق","level":2,"page":275},{"title":"الإجماع على أن المحرم ممنوع من تخمير رأسه بخلاف المرأة","level":2,"page":275},{"title":"[٣٣] باب الطيب قبل الإحرام، وبعد التحلل الأول قبل الإفاضة","level":1,"page":276},{"title":"استحباب الطيب عند إرادة الإحرام وأنه لا بأس باستدامته","level":2,"page":276},{"title":"تطيب الرأس واللحية وحيث شاء من جسده","level":2,"page":277},{"title":"التحلل الأول","level":2,"page":277},{"title":"بيان نسخ ما استدل به من كره الطيب قبل الإحرام","level":2,"page":278},{"title":"[٣٤] باب ما جاء في اغتسال المحرم، ودلك رأسه","level":1,"page":282},{"title":"اتفاق العلماء على جواز غسل المحرم رأسه وجسده","level":2,"page":283},{"title":"والهميان، ويقال له: (المنطقة)","level":2,"page":285},{"title":"السواك للمحرم","level":2,"page":287},{"title":"الرخصة في لبس الحلي للمرأة المحرمة","level":2,"page":288},{"title":"الخضاب للمحرمة","level":2,"page":288},{"title":"غسل المحرم ثيابه","level":2,"page":289},{"title":"[٣٥] باب المحرم يؤذيه القمل في رأسه أو تكون به علة","level":1,"page":290},{"title":"الإجماع على منع المحرم من حلق رأسه وجزه لغير علة، وأن له حلقه لعلة","level":2,"page":290},{"title":"الفدية المذكورة على التخيير بين الثلاثة الأنواع وإن اختار الإطعام فنصف صاع على كل مسكين من أي نوع من الطعام","level":2,"page":292},{"title":"الفدية بأنواعها الثلاثة تكون في مكة أو غيرها لعدم الموجب على تعينها بمكان","level":2,"page":293},{"title":"[٣٦] باب الحجامة للمحرم","level":1,"page":295},{"title":"جواز الحجامة في الرأس لعذر ولا فدية عليه لحلق موضعها","level":2,"page":296},{"title":"[٣٧] المحرم يداوي عينه وجراحه","level":1,"page":297},{"title":"للمحرم أن يكتحل إذا احتاج إليه","level":2,"page":297},{"title":"إباحة التداوي بقطع العرق وشبهه وقلع الضرس وما كان من ذلك","level":2,"page":298},{"title":"[٣٨] باب ما يقتل المحرم من الدواب","level":1,"page":299},{"title":"لا خلاف في قتل الفواسق الخمسة في الحل والحرم","level":2,"page":299},{"title":"[٣٩] باب حل صيد البحر للمحرم وصيد البر إذا لم يصده أو لم يصد من أجله","level":1,"page":301},{"title":"[٤٠] جواز أكل الضبع، وإذا صاده المحرم ففديته شاة","level":1,"page":304},{"title":"[٤١] النهي عن زواج المحرم وخطبته","level":1,"page":305},{"title":"الجواب عن حديث ابن عباس ﵁: (أنه ﷺ تزوج ميمونة وهو محرم)","level":2,"page":305},{"title":"[٤٢] كفن المحرم إذا مات في ثوبي إحرامه، ولا يغطى رأسه","level":1,"page":307},{"title":"[٤٣] باب التواضع في الحج والعمرة","level":1,"page":308},{"title":"[٤٤] التكبير والتسبيح والتحميد واستقبال القبلة، قبل الإهلال عند الميقات","level":1,"page":309},{"title":"الأفضل للمحرم أن يحرم إذا انبعثت به راحلته","level":2,"page":310},{"title":"[٤٥] كيفية التلبية ورفع الصوت بها، وفضلها، ومتى يقطعها؟","level":1,"page":311},{"title":"كيفية أخرى من التلبية","level":2,"page":312},{"title":"أما العمرة، فإن المعتمر يلبي إلى أن يبدأ في الطواف","level":2,"page":317},{"title":"[٤٦] رفع الصوت بالتلبية سنة الأنبياء","level":1,"page":319},{"title":"رفع الصوت بالتلبية خاص بالرجال","level":2,"page":322},{"title":"استدمة التلبية حتى يشرع في رمي جمرة العقبة غداة يوم النحر","level":2,"page":323},{"title":"[٤٧] لا ينكر على من خلط التلبية بالتكبير","level":1,"page":325},{"title":"معنى: (لبيك)","level":2,"page":326},{"title":"سببها","level":2,"page":326},{"title":"فضلها","level":2,"page":328},{"title":"[٤٨] من أين يدخل مكة؟ ومن أين يخرج إن تيسر ذلك؟","level":1,"page":329},{"title":"[٤٩] صلاة ركعتي الطواف لكل سبعة أشواط في أي وقت من ليل أو نهار","level":1,"page":330},{"title":"الإجماع على صلاة ركعتي الطواف للمحرم إذا فرغ من طوافه","level":2,"page":332},{"title":"لكل سبوع ركعتين ولا يجزئ عنهما ركعتا الصبح الفريضة ولا الرباعية عن سبوعين","level":2,"page":333},{"title":"[٥٠] الكلام في الطواف، ومن قال: بوجوب الطهارة له","level":1,"page":334},{"title":"لا يحرم الكلام المباح اثناء الطواف","level":2,"page":334},{"title":"إجماع الأئمة على أنه يشرع الوضوء للطواف","level":2,"page":336},{"title":"ليس في المناسك ما تجب له الطهارة إلا الطواف بالبيت","level":2,"page":339},{"title":"[٥١] فضل استلام الحجر وتقبيله أو الإشارة إليه في الطواف مع التكبير حال الإشارة","level":1,"page":340},{"title":"شرح بعض هذه الأحاديث","level":2,"page":342},{"title":"للبيت أربعة أركان اثنان منهما لهما فضيلة","level":2,"page":344},{"title":"السجود على الحجر الأسود وبيان أنه لا يثبت عن النبي ﷺ","level":2,"page":346},{"title":"استلام الركن اليماني دون تقبيله","level":2,"page":348},{"title":"[٥٢] فضل استلام الركنين ومسحهما حال الطواف وحكم المزاحمة في ذلك","level":1,"page":350},{"title":"[٥٣] من كان يرى شرعية شدة المزاحمة لاستلام الركنين","level":1,"page":352},{"title":"[٥٤] من كان يكره شدة المزاحمة على الركنين","level":1,"page":354},{"title":"الأفضل عدم الاستلام عند شدة المزاحمة المؤدية للاذى","level":2,"page":357},{"title":"بعض الأدلة على تحريم أذية المسلم","level":2,"page":357},{"title":"[٥٥] لا يشرع المسح لشيء من البيت إلا للركنين اليمانيين","level":1,"page":359},{"title":"[٥٦] حكم استلام الحجر الأسود في غير طواف","level":1,"page":362},{"title":"لا يشرع تقبيل الحجر الأسود في غير طواف","level":2,"page":363},{"title":"[٥٧] باب الرمل والاضطباع في طواف القدوم","level":1,"page":364},{"title":"معنى الرمل","level":2,"page":367},{"title":"المحافظة على السنة ولو بعد أن زال سبب فعلها","level":2,"page":367},{"title":"معنى الاضطباع","level":2,"page":368},{"title":"[٥٨] الركوب في الطواف والسعي لعذر","level":1,"page":370},{"title":"وجاء في سبب ركوبه ﷺ عدة تعليلات","level":2,"page":372},{"title":"[٥٩] أمر النساء بالابتعاد عن الرجال في الطواف قدر الاستطاعة وعدم المزاحمة عند استلامهن الركن","level":1,"page":373},{"title":"[٦٠] باب الركعتين بعد الطواف وما يقرأ فيهما والصلاة إلى سترة بمكة وغيرها","level":1,"page":375},{"title":"[٦١] باب السترة بمكة وغيرها","level":1,"page":376},{"title":"لا فرق بين مكة وغيرها في مشروعية السترة","level":2,"page":377},{"title":"[٦٢] ركعتا الطواف وقراءة الآية لمن صلاها خلف المقام وقراءة سورتي الكافرين والإخلاص فيها والرجوع لاستلام الركن اليمان إن سهل عليه ذلك","level":1,"page":378},{"title":"اختلفوا في ركعتي الطواف هل هما واجبتان أم سنتان؟","level":2,"page":378},{"title":"واتفقوا على أن الاستلام بعد الصلاة خلف المقام ليس بواجب","level":2,"page":379},{"title":"[٦٣] استحباب الشرب من ماء زمزم والتزود منه وما جاء في فضل من سقى الناس منه","level":1,"page":380},{"title":"ماء زمزم: سيد المياه وأشرفها وأجلها قدرا وهو: (طعام طعم وشفاء سقم)","level":2,"page":382},{"title":"[٦٤] باب وجوب السعي بين الصفا والمروة في الحج والعمرة واستحباب الذكر والدعاء عليهما في كل شوط","level":1,"page":385},{"title":"[٦٥] السعي في الوادي","level":1,"page":389},{"title":"[٦٦] شدة السعي في بطن الوادي بين العلمين لغير المرأة","level":1,"page":390},{"title":"الركبة والسرة ليستا بعورة","level":2,"page":390},{"title":"حكم السعي قبل الطواف","level":2,"page":391},{"title":"السعي بين العلمين مستحب لغير العاجز","level":2,"page":395},{"title":"الإجماع على أن المرأة ليس عليها رمل ولا هرولة في السعي","level":2,"page":395},{"title":"إذا طاف في غير حج أو عمرة فلا رمل","level":2,"page":395},{"title":"من كان من أهل مكة فلا رمل عليه","level":2,"page":395},{"title":"[٦٧] ما جاء أن على المتمتع طوافين وسعيين طواف وسعي لعمرته وطواف وسعي لحجه","level":1,"page":396},{"title":"المفرد ليس عليه إلا سعي واحد","level":2,"page":397},{"title":"[٦٨] باب الحلق والتقصير","level":1,"page":398},{"title":"إجماع العلماء على أن الحلق أفضل من التقصير","level":2,"page":399},{"title":"[٦٩] النهي عن حلاقة القزع","level":1,"page":400},{"title":"إجماع العلماء على كراهة القزع والحكمة في كراهته","level":2,"page":400},{"title":"القزع أربعة أنواع","level":2,"page":401},{"title":"[٧٠] لا يشرع للمرأة أن تحلق رأسها","level":1,"page":402},{"title":"كم تأخذ المحرمة من شعرها؟","level":2,"page":403},{"title":"[٧١] باب ما جاء في البدء بالجهة اليمنى في الحلق أو التقصير","level":1,"page":405},{"title":"[٧٢] إهلال المتمتع بالحج يوم التروية من مكة ومبيته بمنى","level":1,"page":406},{"title":"يوم التروية هو الثامن من ذي الحجة","level":2,"page":407},{"title":"بعض سنن يوم التروية","level":2,"page":407},{"title":"[٧٣] ترك الحاج صيام يوم عرفة، والجمع فيه بين الظهر والعصر جمع تقديم","level":1,"page":409},{"title":"استحباب الفطر للحاج بعرفات يوم عرفة","level":2,"page":409},{"title":"صيام يوم عرفة، يكفر السنة التي قبله، والسنة التي بعده","level":2,"page":410},{"title":"الرد على من قال بتضعيف حديث: صوم يوم عرفة","level":2,"page":412},{"title":"بيان أن الأخبار التي اشتمل عليها الصحيحان مقطوع بصحة أصولها ومتونها","level":2,"page":412},{"title":"اتفاق العلماء على أن أصح الكتب بعد القرآن العزيز، الصحيحان، البخاري ومسلم","level":2,"page":413},{"title":"طعن المضعف للحديث بأنه منقطع","level":2,"page":414},{"title":"إثبات سماع عبد الله بن معبد الزماني البصري من أبي قتادة","level":2,"page":414},{"title":"ذكر بعض أئمه الحديث الذين خرجوا هذا الحديث، واحتجوا به، وصححوه","level":2,"page":418},{"title":"من شواهد الحديث","level":2,"page":419},{"title":"نقل الإجماع على استحباب صيام عرفة لغير الواقف بها على ما تضمنته هذه الأحاديث","level":2,"page":429},{"title":"ومن ضمن محاولات الكاتب الفاشلة لتضعيف هذه الأدلة","level":2,"page":430},{"title":"جواز صيام أيام التشريق لمن لم يجد الهدي ونقل الإجماع عليه","level":2,"page":430},{"title":"جواز صوم يوم الجمعة في الفرض والنفل ما لم يخصها بذلك","level":2,"page":432},{"title":"استحباب الفطر للحاج بعرفات يوم عرفة","level":2,"page":434},{"title":"[٧٤] فضل يوم عرفة، وعدم تطويل خطبة عرفة للتعجيل بالوقوف","level":1,"page":437},{"title":"إثبات صفة الدنو والمباهاة لله تعالى","level":2,"page":439},{"title":"وقد جاء أنه سبحانه ينزل يوم عرفة إلى السماء الدنيا ولم يثبت","level":2,"page":440},{"title":"أيما أفضل: يوم عرفة أو الجمعة أو الفطر أو النحر؟","level":2,"page":441},{"title":"مزية وقفة الجمعة يوم عرفة","level":2,"page":442},{"title":"[٧٥] عدم اعتبار وقوف الحاج يوم عرفة خارج عرفة","level":1,"page":446},{"title":"[٧٦] عرنة ليست من عرفة فالواقف بها لم يقف بعرفة","level":1,"page":447},{"title":"الإجماع على أن عرفة كلها موقف إلا بطن عرنة","level":2,"page":449},{"title":"قول جماهير العلماء: لو وقف ببطن عرنة لم يصح وقوفه","level":2,"page":451},{"title":"نمرة ليست من عرفة","level":2,"page":451},{"title":"مسجد نمرة أوله في عرنة، وآخره في عرفة","level":2,"page":452},{"title":"[٧٧] من أدرك الوقوف بعرفة أدرك الحج وبيان مكانه ووقته ابتداء وانتهاء","level":1,"page":454},{"title":"الإجماع على أن الوقوف بعرفة ركن ولا حج لمن فاته","level":2,"page":455},{"title":"وقت الوقوف ابتداء","level":2,"page":456},{"title":"في هذا الفصل مسائل وآداب للوقوف","level":2,"page":457},{"title":"من وقف وهو مغمي عليه أو مجنون ولم يفق لم يجزئه","level":2,"page":460},{"title":"ومن دخل عرفة نائما حتى خرج منها نائما","level":2,"page":460},{"title":"[٧٨] استحباب استقبال القبلة في الوقوف بعرفة","level":1,"page":461},{"title":"الكعبة قبلة للصلاة وللدعاء","level":2,"page":461},{"title":"الرد على من قال: إن السماء قبلة للدعاء، كما أن الكعبة قبلة للصلاة","level":2,"page":462},{"title":"[٧٩] استحباب رفع اليدين في الدعاء","level":1,"page":463},{"title":"استحاب أهل العلم الإكثار من الدعاء والذكر يوم عرفة","level":2,"page":464},{"title":"جملة مباركة من أدعية القرآن وصحيح السنة","level":2,"page":465},{"title":"من أسباب إجابة الدعاء البدء بحمد الله، والثناء عليه","level":2,"page":465},{"title":"الأدعية من القرآن الكريم","level":2,"page":469},{"title":"الأدعية من صحيح السنة","level":2,"page":472},{"title":"[٨٠] الدفع من عرفات بعد غروب الشمس والأمر بالرفق في السير","level":1,"page":486},{"title":"معنى: العنق والنص","level":2,"page":486},{"title":"أخذ شيء يسير من الليل على هدي رسول الله ﷺ","level":2,"page":487},{"title":"من أفاض قبل الغروب لا دم عليه لعدم الدليل الموجب للدم","level":2,"page":488},{"title":"[٨١] صلاة المغرب والعشاء في مزدلفة جمع تأخير والمبيت بها وذكر الله بها بعد صلاة الصبح إلى قبل طلوع الشمس","level":1,"page":489},{"title":"الإجماع على ترك التطوع بين الصلاتين","level":2,"page":489},{"title":"الإجماع على أن المبيت بمزدلفة ليلة النحر بعد الدفع من عرفات نسك","level":2,"page":491},{"title":"صلاة الوتر وركعتا الصبح لم يكن ﷺ يدعهما في سفر ولا حضر","level":2,"page":491},{"title":"الذكر في مزدلفة مستحب","level":2,"page":492},{"title":"وأما القول: بأن المبيت بمزدلفة ركن، فمبني على زيادة منكرة","level":2,"page":492},{"title":"رد الحافظ ابن حجر على من يقول: إن الوقوف بها ركن لا يتم الحج إلا به","level":2,"page":492},{"title":"[٨٢] الدفع من مزدلفة قبل طلوع الشمس مخالفة للمشركين","level":1,"page":495},{"title":"لا خلاف في أن السنة الدفع قبل طلوع الشمس، ويقف حتى يسفر جدا","level":2,"page":496},{"title":"الإجماع على أن الجمع بين الظهر، والعصر بعرفة، وبين المغرب والعشاء بالمزدلفة سنة","level":2,"page":497},{"title":"إذا فاته الجمع مع الإمام بمزدلفة، فأنه يجمع وحده","level":2,"page":497},{"title":"لو جمع بينهما في وقت المغرب في أرض عرفات أو صلى كل واحدة في وقتها جاز جميع ذلك","level":2,"page":498},{"title":"[٨٣] جواز تقديم الضعفة والصغار ورميهم جمرة العقبة قبل طلوع الشمس، وأن انتظار المتقدمين بالرمي الى بعد طلوع الشمس أفضل","level":1,"page":498},{"title":"والجمع بين هذه الأحاديث","level":2,"page":499},{"title":"[٨٤] باب متى يخرج الحاج من مزدلفة، والتبكير بصلاة الفجر في أول وقتها","level":1,"page":503},{"title":"من ترك المبيت بمزدلفة لزمه دم وصح حجه","level":2,"page":507},{"title":"السنة الدفع قبل طلوع الشمس","level":2,"page":507},{"title":"لم تكن عادته ﷺ أنه يصلي الفجر ساعة بزوغ الفجر، وإنما فعل ذلك بمزدلفة","level":2,"page":507},{"title":"[٨٥] باب قصر الحاج الصلاة الرباعية إلى ركعتين في أيام أعمال الحج الستة كلها وعدم صلاة عيد أو جمعة بها في مشاعر الحج","level":1,"page":509},{"title":"خطبة النبي ﷺ بعرفة قبل الأذان خلافا للجمعة","level":2,"page":509},{"title":"وقفة عرفة في حجة الوداع يوم الجمعة بالإجماع","level":2,"page":509},{"title":"الجمع بين الصلاتين بعرفة ومزدلفة بالاتفاق","level":2,"page":510},{"title":"جمع وقصر أهل مكة مع غيرهم في تلك المشاعر يختص بالحجاج","level":2,"page":510},{"title":"[٨٦] فضل يوم النحر، وأيام التشريق وفضل الإكثار من ذكر الله تعالى فيها","level":1,"page":511},{"title":"يوم القر، يعني: يوم الثاني من يوم النحر","level":2,"page":512},{"title":"توجيه إشكال في قوله تعالى: ﴿ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى﴾","level":2,"page":513},{"title":"أيام منى هي أيام رمي الجمار، وهي: أيام التشريق، وهي الأيام المعدودات","level":2,"page":517},{"title":"[٨٧] الهدي فرضا وتطوعا وجواز الاشتراك في البقرة عن سبعة والبدنة عن سبعة","level":1,"page":518},{"title":"البقرة تجزى عن سبعة والشاة لا يجوز الاشتراك فيها بالإجماع","level":2,"page":519},{"title":"[٨٨] استحباب التطوع بالهدي إلى البيت لغير الحاج والمعتمر ولا يصير بذلك محرما","level":1,"page":521},{"title":"الأكل من هدي التطوع","level":2,"page":522},{"title":"كما يستحب الأكل من الهدي الواجب","level":2,"page":522},{"title":"[٨٩] حصى الجمار وكيف ترمى؟ وقطع التلبية عند رمي جمرة العقبة يوم النحر","level":1,"page":523},{"title":"يستديم التلبية حتى يشرع في رمي جمرة العقبة غداة يوم النحر","level":2,"page":524},{"title":"رمي جمرة العقبة واجب بلا خلاف، ورمي الجمار أيام منى باتفاق المسلمين","level":2,"page":524},{"title":"بماذا يحصل التحلل الأول","level":2,"page":524},{"title":"استحباب أن يجعل مكة عن يساره ومنى عن يمينه، ويستقبل الجمرة","level":2,"page":527},{"title":"الإجماع على أنه من حيث رماها جاز","level":2,"page":527},{"title":"أسباب التحلل، وهي ثلاثة","level":2,"page":527},{"title":"مسألة: يجزئ الرامي بكل ما يسمى حصى","level":2,"page":528},{"title":"من السنة رفع اليدين في الدعاء عند الجمرة","level":2,"page":529},{"title":"استحباب أن يكون حصى الجمار بمثل حصى الخذف","level":2,"page":530},{"title":"الإجماع على أن يوم النحر لا يرمى فيه إلا جمرة العقبة","level":2,"page":533},{"title":"وقت رمي جمرة العقبة على السنة بعد طلوع الشمس إلى وقت الزوال بالإجماع","level":2,"page":533},{"title":"نهاية وقت جواز رمي جمرة العقبة","level":2,"page":533},{"title":"وقت رمي الجمرات في أيام التشريق","level":2,"page":533},{"title":"[٩٠] فضل رمي الجمار وبعض ما يتعلق بها","level":1,"page":534},{"title":"[٩١] من السنة تعليم الحجاج المناسك","level":1,"page":538},{"title":"[٩٢] رمي الجمار والدعاء بعد الجمرتين الوسطى والصغرى","level":1,"page":539},{"title":"خلاصة مدلول هذه الأحاديث","level":2,"page":540},{"title":"[٩٣] الرخصة للرعاء وأصحاب الأعمال اللازمة في المبيت بمنى لياليها: أن يرموا يوما ويدعوا يوما","level":1,"page":545},{"title":"المبيت في منى للحاج غير الذين رخص لهم يعتبر نسك بإجماع الفقهاء","level":2,"page":546},{"title":"الاتفاق على سقوطه للرعاء وأهل السقاية والأعذار","level":2,"page":546},{"title":"وهل يختص الإذن بالسقاية، وبالعباس، أو بغير ذلك من الأوصاف المعتبرة في هذا الحكم؟","level":2,"page":546},{"title":"[٩٤] باب من قدم نسكا على نسك من أعمال يوم النحر الأربعة لا حرج عليه","level":1,"page":548},{"title":"في يوم النحر أربعة أشياء والسنة ترتيبها","level":2,"page":549},{"title":"إذا تعمد ترك سنة الترتيب لغير عذر فالظاهر أنه يأثم على تعمده","level":2,"page":549},{"title":"استحباب الصلاة في مسجد الخيف لمن تيسر له ذلك","level":2,"page":550},{"title":"[٩٥] أنواع الطواف وفضله","level":1,"page":551},{"title":"والأطوفة المشروعة في الحج ثلاثة","level":2,"page":552},{"title":"طواف القدوم للمفرد والقارن، وأما المكي فلا يتصور في حقه طواف قدوم","level":2,"page":553},{"title":"المعتمر لا يتحلل إلا بالطواف والسعي والحلق","level":2,"page":553},{"title":"الطواف من أركان العمرة بالإجماع","level":2,"page":553},{"title":"[٩٦] طواف الإفاضة للقارن وغيره، واستحباب أدائه يوم النحر","level":1,"page":554},{"title":"طواف الإفاضة ركن من أركان الحج بالإجماع","level":2,"page":554},{"title":"المراد بقوله تعالى: ﴿وليطوفوا بالبيت العتيق﴾","level":2,"page":555},{"title":"[٩٧] وجوب طواف الوداع إلا على الحائض والنفساء","level":1,"page":556},{"title":"سقوط طواف الوداع عن الحائض والنفساء بالإجماع","level":2,"page":558},{"title":"وقد اختلفوا هل هو واجب، أم سنة؟","level":2,"page":558},{"title":"[٩٨] جواز العمرة بعد الحج لمن له عذر عن أدائها مع الحج","level":1,"page":559},{"title":"واختلف السلف في جواز الاعتمار في السنة أكثر من مرة","level":2,"page":560},{"title":"[٩٩] باب فضل العمرة في رمضان","level":1,"page":562},{"title":"أفضلية العمرة في رمضان ولا يقتضي اجزاءها عن الفرض","level":2,"page":563},{"title":"معنى قوله: (عمرة في رمضان، تعدل حجة)","level":2,"page":563},{"title":"[١٠٠] الإمتاع ببعض فوائد حديث جابر ﵁ في حجة الوداع","level":1,"page":564},{"title":"دليل تسمية هذه الحجة: (حجة الوداع)","level":2,"page":564},{"title":"نبذ من الثناء عليه","level":2,"page":565},{"title":"سياق الحديث","level":2,"page":565},{"title":"فوائد حديث جابر بن عبد الله في حجة الوداع","level":2,"page":571},{"title":"شرح حديث جابر بن عبد الله في حجة الوداع","level":2,"page":589},{"title":"الطيب للطواف على نسائه لا يمنع الطيب الثاني عند إحرامه","level":2,"page":589},{"title":"السنة الأولى: الإهلال بعد الركوب","level":2,"page":590},{"title":"الجمع بين حديث: (أنه ﷺ أهل من البيداء) و(أنه أهل من عند الشجرة)","level":3,"page":590},{"title":"السنة الثانية: الإهلال مستقبل القبلة","level":2,"page":591},{"title":"السنة الثالثة: التحميد والتسبيح والتكبير قبل الإهلال عند الركوب على الدابة","level":2,"page":591},{"title":"لم يصح في رفع اليدين والدعاء عند رؤية البيت حديث، وصلاة تحية المسجد عند دخول المسجد الحرام محدثة","level":2,"page":593},{"title":"بحث قوله: (ثم نفذ إلى مقام إبراهيم) وبيان أن موضع مقام إبراهيم هو في مكانه الآن من زمن رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا ولم يكن ملصقا بالكعبة","level":2,"page":596}],"ٛ":{"1,5":1,"1,6":2,"1,7":3,"1,8":4,"1,9":5,"1,10":6,"1,11":7,"1,12":8,"1,13":9,"1,14":10,"1,15":11,"1,16":12,"1,17":13,"1,18":14,"1,19":15,"1,20":16,"1,21":17,"1,22":18,"1,23":19,"1,24":20,"1,25":21,"1,26":22,"1,27":23,"1,28":24,"1,29":25,"1,30":26,"1,31":27,"1,32":28,"1,33":29,"1,34":30,"1,35":31,"1,36":32,"1,37":33,"1,38":34,"1,39":35,"1,40":36,"1,41":37,"1,42":38,"1,43":39,"1,44":40,"1,45":41,"1,46":42,"1,47":43,"1,48":44,"1,49":45,"1,50":46,"1,51":47,"1,52":48,"1,53":49,"1,54":50,"1,55":51,"1,56":52,"1,57":53,"1,58":54,"1,59":55,"1,60":56,"1,61":57,"1,62":58,"1,63":59,"1,64":60,"1,65":61,"1,66":62,"1,67":63,"1,68":64,"1,69":65,"1,70":66,"1,71":67,"1,72":68,"1,73":69,"1,74":70,"1,75":71,"1,76":72,"1,77":73,"1,78":74,"1,79":75,"1,80":76,"1,81":77,"1,82":78,"1,83":79,"1,84":80,"1,85":81,"1,86":82,"1,87":83,"1,88":84,"1,89":85,"1,90":86,"1,91":87,"1,92":88,"1,93":89,"1,94":90,"1,95":91,"1,96":92,"1,97":93,"1,98":94,"1,99":95,"1,100":96,"1,101":97,"1,102":98,"1,103":99,"1,104":100,"1,105":101,"1,106":102,"1,107":103,"1,108":104,"1,109":105,"1,110":106,"1,111":107,"1,112":108,"1,113":109,"1,114":110,"1,115":111,"1,116":112,"1,117":113,"1,118":114,"1,119":115,"1,120":116,"1,121":117,"1,122":118,"1,123":119,"1,124":120,"1,125":121,"1,126":122,"1,127":123,"1,128":124,"1,129":125,"1,130":126,"1,131":127,"1,132":128,"1,133":129,"1,134":130,"1,135":131,"1,136":132,"1,137":133,"1,138":134,"1,139":135,"1,140":136,"1,141":137,"1,142":138,"1,143":139,"1,144":140,"1,145":141,"1,146":142,"1,147":143,"1,148":144,"1,149":145,"1,150":146,"1,151":147,"1,152":148,"1,153":149,"1,154":150,"1,155":151,"1,156":152,"1,157":153,"1,158":154,"1,159":155,"1,160":156,"1,161":157,"1,162":158,"1,163":159,"1,164":160,"1,165":161,"1,166":162,"1,167":163,"1,168":164,"1,169":165,"1,170":166,"1,171":167,"1,172":168,"1,173":169,"1,174":170,"1,175":171,"1,176":172,"1,177":173,"1,178":174,"1,179":175,"1,180":176,"1,181":177,"1,182":178,"1,183":179,"1,184":180,"1,185":181,"1,186":182,"1,187":183,"1,188":184,"1,189":185,"1,190":186,"1,191":187,"1,192":188,"1,193":189,"1,194":190,"1,195":191,"1,196":192,"1,197":193,"1,198":194,"1,199":195,"1,200":196,"1,201":197,"1,202":198,"1,203":199,"1,204":200,"1,205":201,"1,206":202,"1,207":203,"1,208":204,"1,209":205,"1,210":206,"1,211":207,"1,212":208,"1,213":209,"1,214":210,"1,215":211,"1,216":212,"1,217":213,"1,218":214,"1,219":215,"1,220":216,"1,221":217,"1,222":218,"1,223":219,"1,224":220,"1,225":221,"1,226":222,"1,227":223,"1,228":224,"1,229":225,"1,230":226,"1,231":227,"1,232":228,"1,233":229,"1,234":230,"1,235":231,"1,236":232,"1,237":233,"1,238":234,"1,239":235,"1,240":236,"1,241":237,"1,242":238,"1,243":239,"1,244":240,"1,245":241,"1,246":242,"1,247":243,"1,248":244,"1,249":245,"1,250":246,"1,251":247,"1,252":248,"1,253":249,"1,254":250,"1,255":251,"1,256":252,"1,257":253,"1,258":254,"1,259":255,"1,260":256,"1,261":257,"1,262":258,"1,263":259,"1,264":260,"1,265":261,"1,266":262,"1,267":263,"1,268":264,"1,269":265,"1,270":266,"1,271":267,"1,272":268,"1,273":269,"1,274":270,"1,275":271,"1,276":272,"1,277":273,"1,278":274,"1,279":275,"1,280":276,"1,281":277,"1,282":278,"1,283":279,"1,284":280,"1,285":281,"1,286":282,"1,287":283,"1,288":284,"1,289":285,"1,290":286,"1,291":287,"1,292":288,"1,293":289,"1,294":290,"1,295":291,"1,296":292,"1,297":293,"1,298":294,"1,299":295,"1,300":296,"1,301":297,"1,302":298,"1,303":299,"1,304":300,"1,305":301,"1,306":302,"1,307":303,"1,308":304,"1,309":305,"1,310":306,"1,311":307,"1,312":308,"1,313":309,"1,314":310,"1,315":311,"1,316":312,"1,317":313,"1,318":314,"1,319":315,"1,320":316,"1,321":317,"1,322":318,"1,323":319,"1,324":320,"1,325":321,"1,326":322,"1,327":323,"1,328":324,"1,329":325,"1,330":326,"1,331":327,"1,332":328,"1,333":329,"1,334":330,"1,335":331,"1,336":332,"1,337":333,"1,338":334,"1,339":335,"1,340":336,"1,341":337,"1,342":338,"1,343":339,"1,344":340,"1,345":341,"1,346":342,"1,347":343,"1,348":344,"1,349":345,"1,350":346,"1,351":347,"1,352":348,"1,353":349,"1,354":350,"1,355":351,"1,356":352,"1,357":353,"1,358":354,"1,359":355,"1,360":356,"1,361":357,"1,362":358,"1,363":359,"1,364":360,"1,365":361,"1,366":362,"1,367":363,"1,368":364,"1,369":365,"1,370":366,"1,371":367,"1,372":368,"1,373":369,"1,374":370,"1,375":371,"1,376":372,"1,377":373,"1,378":374,"1,379":375,"1,380":376,"1,381":377,"1,382":378,"1,383":379,"1,384":380,"1,385":381,"1,386":382,"1,387":383,"1,388":384,"1,389":385,"1,390":386,"1,391":387,"1,392":388,"1,393":389,"1,394":390,"1,395":391,"1,396":392,"1,397":393,"1,398":394,"1,399":395,"1,400":396,"1,401":397,"1,402":398,"1,403":399,"1,404":400,"1,405":401,"1,406":402,"1,407":403,"1,408":404,"1,409":405,"1,410":406,"1,411":407,"1,412":408,"1,413":409,"1,414":410,"1,415":411,"1,416":412,"1,417":413,"1,418":414,"1,419":415,"1,420":416,"1,421":417,"1,422":418,"1,423":419,"1,424":420,"1,425":421,"1,426":422,"1,427":423,"1,428":424,"1,429":425,"1,430":426,"1,431":427,"1,432":428,"1,433":429,"1,434":430,"1,435":431,"1,436":432,"1,437":433,"1,438":434,"1,439":435,"1,440":436,"1,441":437,"1,442":438,"1,443":439,"1,444":440,"1,445":441,"1,446":442,"1,447":443,"1,448":444,"1,449":445,"1,450":446,"1,451":447,"1,452":448,"1,453":449,"1,454":450,"1,455":451,"1,456":452,"1,457":453,"1,458":454,"1,459":455,"1,460":456,"1,461":457,"1,462":458,"1,463":459,"1,464":460,"1,465":461,"1,466":462,"1,467":463,"1,468":464,"1,469":465,"1,470":466,"1,471":467,"1,472":468,"1,473":469,"1,474":470,"1,475":471,"1,476":472,"1,477":473,"1,478":474,"1,479":475,"1,480":476,"1,481":477,"1,482":478,"1,483":479,"1,484":480,"1,485":481,"1,486":482,"1,487":483,"1,488":484,"1,489":485,"1,490":486,"1,491":487,"1,492":488,"1,493":489,"1,494":490,"1,495":491,"1,496":492,"1,497":493,"1,498":494,"1,499":495,"1,500":496,"1,501":497,"1,502":498,"1,503":499,"1,504":500,"1,505":501,"1,506":502,"1,507":503,"1,508":504,"1,509":505,"1,510":506,"1,511":507,"1,512":508,"1,513":509,"1,514":510,"1,515":511,"1,516":512,"1,517":513,"1,518":514,"1,519":515,"1,520":516,"1,521":517,"1,522":518,"1,523":519,"1,524":520,"1,525":521,"1,526":522,"1,527":523,"1,528":524,"1,529":525,"1,530":526,"1,531":527,"1,532":528,"1,533":529,"1,534":530,"1,535":531,"1,536":532,"1,537":533,"1,538":534,"1,539":535,"1,540":536,"1,541":537,"1,542":538,"1,543":539,"1,544":540,"1,545":541,"1,546":542,"1,547":543,"1,548":544,"1,549":545,"1,550":546,"1,551":547,"1,552":548,"1,553":549,"1,554":550,"1,555":551,"1,556":552,"1,557":553,"1,558":554,"1,559":555,"1,560":556,"1,561":557,"1,562":558,"1,563":559,"1,564":560,"1,565":561,"1,566":562,"1,567":563,"1,568":564,"1,569":565,"1,570":566,"1,571":567,"1,572":568,"1,573":569,"1,574":570,"1,575":571,"1,576":572,"1,577":573,"1,578":574,"1,579":575,"1,580":576,"1,581":577,"1,582":578,"1,583":579,"1,584":580,"1,585":581,"1,586":582,"1,587":583,"1,588":584,"1,589":585,"1,590":586,"1,591":587,"1,592":588,"1,593":589,"1,594":590,"1,595":591,"1,596":592,"1,597":593,"1,598":594,"1,599":595,"1,600":596,"1,601":597,"1,602":598,"1,603":599,"1,604":600,"1,605":601,"1,606":602,"1,607":603,"1,608":604},"ٜ":{"1":[5,608]},"ٝ":["1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,494","1,495","1,496","1,497","1,498","1,499","1,500","1,501","1,502","1,503","1,504","1,505","1,506","1,507","1,508","1,509","1,510","1,511","1,512","1,513","1,514","1,515","1,516","1,517","1,518","1,519","1,520","1,521","1,522","1,523","1,524","1,525","1,526","1,527","1,528","1,529","1,530","1,531","1,532","1,533","1,534","1,535","1,536","1,537","1,538","1,539","1,540","1,541","1,542","1,543","1,544","1,545","1,546","1,547","1,548","1,549","1,550","1,551","1,552","1,553","1,554","1,555","1,556","1,557","1,558","1,559","1,560","1,561","1,562","1,563","1,564","1,565","1,566","1,567","1,568","1,569","1,570","1,571","1,572","1,573","1,574","1,575","1,576","1,577","1,578","1,579","1,580","1,581","1,582","1,583","1,584","1,585","1,586","1,587","1,588","1,589","1,590","1,591","1,592","1,593","1,594","1,595","1,596","1,597","1,598","1,599","1,600","1,601","1,602","1,603","1,604","1,605","1,606","1,607","1,608"],"ٞ":{"1":[1],"3":[2,3,4],"4":[5],"6":[6],"7":[7],"8":[8],"14":[9,10],"18":[11,12,13],"19":[14,15],"20":[16],"21":[17],"24":[18],"25":[19,20],"27":[21,22],"29":[23,24,25],"34":[26,27],"35":[28,29],"37":[30],"38":[31,32,33],"39":[34],"41":[35],"46":[36],"48":[37],"50":[38],"52":[39],"56":[40],"58":[41],"59":[42],"62":[43],"63":[44],"65":[45,46],"66":[47],"67":[48,49],"68":[50,51],"69":[52],"70":[53],"71":[54,55],"72":[56],"75":[57,58,59],"76":[60],"77":[61],"78":[62],"79":[63],"81":[64,65],"83":[66],"84":[67,68,69],"86":[70],"92":[71,72],"93":[73,74],"94":[75],"95":[76,77],"97":[78,79],"99":[80],"100":[81],"104":[82],"106":[83],"113":[84],"116":[85,86],"119":[87],"120":[88,89],"122":[90],"123":[91],"127":[92,93],"128":[94,95],"130":[96,97],"132":[98,99],"134":[100,101],"135":[102,103,104],"136":[105,106,107],"137":[108,109],"138":[110],"139":[111,112],"140":[113],"141":[114],"144":[115,116],"145":[117],"146":[118],"147":[119],"150":[120],"152":[121],"155":[122],"156":[123],"158":[124,125],"159":[126],"160":[127],"162":[128],"163":[129,130],"164":[131,132,133],"165":[134],"167":[135],"168":[136],"169":[137],"170":[138],"171":[139],"175":[140],"176":[141],"177":[142],"179":[143,144],"182":[145],"185":[146],"187":[147],"188":[148],"190":[149,150],"191":[151,152],"194":[153],"196":[154,155],"198":[156],"199":[157],"202":[158],"204":[159],"205":[160],"208":[161],"210":[162],"211":[163],"212":[164],"217":[165],"219":[166],"220":[167],"222":[168,169],"226":[170],"234":[171],"235":[172],"236":[173],"239":[174],"240":[175],"241":[176],"243":[177],"244":[178],"247":[179],"248":[180],"249":[181],"250":[182],"252":[183],"255":[184],"256":[185,186,187],"257":[188,189,190],"258":[191],"260":[192,193],"261":[194,195,196],"262":[197],"263":[198],"264":[199],"265":[200,201],"266":[202,203,204],"269":[205],"270":[206],"271":[207],"274":[208,209],"275":[210,211],"276":[212,213],"277":[214,215],"278":[216],"282":[217],"283":[218],"285":[219],"287":[220],"288":[221,222],"289":[223],"290":[224,225],"292":[226],"293":[227],"295":[228],"296":[229],"297":[230,231],"298":[232],"299":[233,234],"301":[235],"304":[236],"305":[237,238],"307":[239],"308":[240],"309":[241],"310":[242],"311":[243],"312":[244],"317":[245],"319":[246],"322":[247],"323":[248],"325":[249],"326":[250,251],"328":[252],"329":[253],"330":[254],"332":[255],"333":[256],"334":[257,258],"336":[259],"339":[260],"340":[261],"342":[262],"344":[263],"346":[264],"348":[265],"350":[266],"352":[267],"354":[268],"357":[269,270],"359":[271],"362":[272],"363":[273],"364":[274],"367":[275,276],"368":[277],"370":[278],"372":[279],"373":[280],"375":[281],"376":[282],"377":[283],"378":[284,285],"379":[286],"380":[287],"382":[288],"385":[289],"389":[290],"390":[291,292],"391":[293],"395":[294,295,296,297],"396":[298],"397":[299],"398":[300],"399":[301],"400":[302,303],"401":[304],"402":[305],"403":[306],"405":[307],"406":[308],"407":[309,310],"409":[311,312],"410":[313],"412":[314,315],"413":[316],"414":[317,318],"418":[319],"419":[320],"429":[321],"430":[322,323],"432":[324],"434":[325],"437":[326],"439":[327],"440":[328],"441":[329],"442":[330],"446":[331],"447":[332],"449":[333],"451":[334,335],"452":[336],"454":[337],"455":[338],"456":[339],"457":[340],"460":[341,342],"461":[343,344],"462":[345],"463":[346],"464":[347],"465":[348,349],"469":[350],"472":[351],"486":[352,353],"487":[354],"488":[355],"489":[356,357],"491":[358,359],"492":[360,361,362],"495":[363],"496":[364],"497":[365,366],"498":[367,368],"499":[369],"503":[370],"507":[371,372,373],"509":[374,375,376],"510":[377,378],"511":[379],"512":[380],"513":[381],"517":[382],"518":[383],"519":[384],"521":[385],"522":[386,387],"523":[388],"524":[389,390,391],"527":[392,393,394],"528":[395],"529":[396],"530":[397],"533":[398,399,400,401],"534":[402],"538":[403],"539":[404],"540":[405],"545":[406],"546":[407,408,409],"548":[410],"549":[411,412],"550":[413],"551":[414],"552":[415],"553":[416,417,418],"554":[419,420],"555":[421],"556":[422],"558":[423,424],"559":[425],"560":[426],"562":[427],"563":[428,429],"564":[430,431],"565":[432,433],"571":[434],"589":[435,436],"590":[437,438],"591":[439,440],"593":[441],"596":[442]},"ٟ":[],"numbers":{"1":86,"2":118,"3":118,"4":118,"5":118,"6":137,"7":139,"8":139,"9":140,"10":140,"11":140,"12":144,"13":145,"14":145,"15":147,"16":147,"17":149,"18":150,"19":151,"20":151,"21":151,"22":155,"23":158,"24":160,"25":162,"26":163,"27":168,"28":171,"29":171,"30":172,"31":172,"32":173,"33":173,"34":174,"35":176,"36":178,"37":178,"38":178,"39":180,"40":180,"41":180,"42":181,"43":185,"44":185,"45":185,"46":186,"47":186,"48":186,"49":187,"50":190,"51":193,"52":193,"53":193,"54":194,"55":196,"56":199,"57":202,"58":203,"59":203,"60":203,"61":204,"62":205,"63":208,"64":209,"65":209,"66":210,"67":222,"68":226,"69":226,"70":227,"71":227,"72":228,"73":228,"74":228,"75":229,"76":230,"77":231,"78":231,"79":231,"80":232,"81":232,"82":232,"83":233,"84":233,"85":239,"86":239,"87":240,"88":247,"89":258,"90":258,"91":259,"92":260,"93":264,"94":267,"95":271,"96":274,"97":276,"98":276,"99":282,"100":290,"101":295,"102":295,"103":295,"104":297,"105":299,"106":299,"107":301,"108":302,"109":302,"110":304,"111":305,"112":307,"113":307,"114":308,"115":308,"116":309,"117":309,"118":310,"119":311,"120":311,"121":316,"122":316,"123":316,"124":317,"125":317,"126":319,"127":321,"128":321,"129":325,"130":325,"131":329,"132":329,"133":329,"134":330,"135":332,"136":333,"137":334,"138":336,"139":338,"140":338,"141":338,"142":340,"143":340,"144":341,"145":341,"146":341,"147":342,"148":342,"149":350,"150":351,"151":352,"152":352,"153":353,"154":354,"155":356,"156":356,"157":357,"158":359,"159":359,"160":360,"161":362,"162":362,"163":363,"164":364,"165":365,"166":365,"167":365,"168":366,"169":366,"170":366,"171":370,"172":370,"173":370,"174":371,"175":371,"176":373,"177":374,"178":375,"179":375,"180":376,"181":378,"182":380,"183":381,"184":381,"185":381,"186":382,"187":385,"188":387,"189":389,"190":390,"191":394,"192":394,"193":394,"194":394,"195":396,"196":397,"197":398,"198":398,"199":399,"200":400,"201":400,"202":402,"203":402,"204":405,"205":405,"206":406,"207":406,"208":407,"209":407,"210":407,"211":409,"212":436,"213":437,"214":438,"215":438,"216":438,"217":439,"218":446,"219":447,"220":448,"221":448,"222":449,"223":454,"224":455,"225":461,"226":463,"227":486,"228":486,"229":487,"230":489,"231":491,"232":495,"233":495,"234":497,"235":497,"236":499,"237":501,"238":501,"239":501,"240":502,"241":506,"242":506,"243":506,"244":509,"245":509,"246":511,"247":516,"248":516,"249":516,"250":517,"251":517,"252":518,"253":519,"254":521,"255":523,"256":523,"257":527,"258":529,"259":530,"260":530,"261":530,"262":532,"263":532,"264":532,"265":533,"266":534,"267":534,"268":535,"269":535,"270":535,"271":535,"272":536,"273":536,"274":536,"275":537,"276":538,"277":539,"278":545,"279":545,"280":545,"281":548,"282":548,"283":552,"284":554,"285":556,"286":557,"287":557,"288":557,"289":558,"290":559,"291":559,"292":562,"293":562,"294":563},"number_max":294,"number_pages":{"86":1,"118":5,"137":6,"139":8,"140":11,"144":12,"145":14,"147":16,"149":17,"150":18,"151":21,"155":22,"158":23,"160":24,"162":25,"163":26,"168":27,"171":29,"172":31,"173":33,"174":34,"176":35,"178":38,"180":41,"181":42,"185":45,"186":48,"187":49,"190":50,"193":53,"194":54,"196":55,"199":56,"202":57,"203":60,"204":61,"205":62,"208":63,"209":65,"210":66,"222":67,"226":69,"227":71,"228":74,"229":75,"230":76,"231":79,"232":82,"233":84,"239":86,"240":87,"247":88,"258":90,"259":91,"260":92,"264":93,"267":94,"271":95,"274":96,"276":98,"282":99,"290":100,"295":103,"297":104,"299":106,"301":107,"302":109,"304":110,"305":111,"307":113,"308":115,"309":117,"310":118,"311":120,"316":123,"317":125,"319":126,"321":128,"325":130,"329":133,"330":134,"332":135,"333":136,"334":137,"336":138,"338":141,"340":143,"341":146,"342":148,"350":149,"351":150,"352":152,"353":153,"354":154,"356":156,"357":157,"359":159,"360":160,"362":162,"363":163,"364":164,"365":167,"366":170,"370":173,"371":175,"373":176,"374":177,"375":179,"376":180,"378":181,"380":182,"381":185,"382":186,"385":187,"387":188,"389":189,"390":190,"394":194,"396":195,"397":196,"398":198,"399":199,"400":201,"402":203,"405":205,"406":207,"407":210,"409":211,"436":212,"437":213,"438":216,"439":217,"446":218,"447":219,"448":221,"449":222,"454":223,"455":224,"461":225,"463":226,"486":228,"487":229,"489":230,"491":231,"495":233,"497":235,"499":236,"501":239,"502":240,"506":243,"509":245,"511":246,"516":249,"517":251,"518":252,"519":253,"521":254,"523":256,"527":257,"529":258,"530":261,"532":264,"533":265,"534":267,"535":271,"536":274,"537":275,"538":276,"539":277,"545":280,"548":282,"552":283,"554":284,"556":285,"557":288,"558":289,"559":291,"562":293,"563":294}},"pages":[{"text":"﷽\n\n<span data-type='title' id=toc-1>مُقَدِّمَة</span>\nالحمد لَّله، الَّذِي أطْعم من الطَّعَام، وَسَقَى من الشَّرَاب، وكسا من العُرِيّ، وَهَدَى من الضَّلَالَة، وبَصَّر من الْعَمى، وَفَضَّل على كثير ممن خلق تَفْضِيلًا، الْحَمد لله رب الْعَالمين، والصلاة والسلام على نبيه ورسوله الأمين.\nأمَّا بَعْد:\n\nفقد يسر الله ﷿ لي بعض البحوث في الحج منها: «تنوير الحوالك في أحكام المناسك»، و«إتحاف الكرام بأجوبة أحكام الزكاة والحج والصيام»، وكان منها في الحج جزء طيب ضمن شرحي على «منتقى ابن الجارود».\nوقصدت إفراد هذا الجزء لرغبة بعض إخواني حفظهم الله، أن يُجمع في ذلك ما يسهل تناوله، ويرجى النفع به - إن شاء الله تعالى - فكان هذا، أسأل الله جَلَّ وَعَلَا أن ينفعني به، وإخواني المسلمين.","vol":"1","page":5},{"text":"وقد رأيت أن أجعل في أوله نبذة: عن أحكام وآداب قبل الدخول في الحج والعمرة، ويليها نبذة عن فضل بيت الله الحرام وعظمته، وبعض أحكامه، فإنَّ كل وافد إليه بحاجة إلى معرفة ذلك، وبالله التوفيق.\nكتبه\nأبو عبد الرحمن يحيى بن علي الحجوري\n٢٥/ شوال/ ١٤٤٥ هـ","vol":"1","page":6},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2>[١]- أحكام وآداب قبل الدخول في الحج والعمرة</span>\n<span data-type='title' id=toc-3>١ - تصحيح النية وإخلاص العبادة لله ﷿:</span>\nقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥]، وقال ﷿: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢)﴾ [الأنعام: ١٦٢]، وقال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَإِنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ» (^١).\nقال الحافظ ابن رجب في «جامع العلوم والحكم» (١/ ٦١): وَهَذَا الْحَدِيثُ أَحَدُ الْأَحَادِيثِ الَّتِي يَدُورُ الدِّينُ عَلَيْهَا، فَرُوِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: هَذَا الْحَدِيثُ ثُلُثُ الْعِلْمِ، وَيَدْخُلُ فِي سَبْعِينَ بَابًا مِنَ الْفِقْهِ.\nوَعَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ قَالَ: أُصُولُ الْإِسْلَامِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحَادِيثَ: حَدِيثُ عُمَرَ: «إِنَّمَا\n_________\n(^١) رواه البخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧)، عن عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵁.","vol":"1","page":7},{"text":"الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ»، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» متفق عليه، وَحَدِيثُ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ: «الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ» متفق عليه. اهـ.\nوقال ﷺ: «إِنَّ اللهَ لَا يَقْبَلُ مِنْ الْعَمَلِ إِلَّا مَا كَانَ لَهُ خَالِصًا وَابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُهُ» (^١).\nقال المنذري ﵀ في «الترغيب والترهيب» رقم (٩): رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيّ، بِإِسْنَاد جيد. اهـ.\nوقال الألباني ﵀ عند هذا الحديث في «الصحيحة» رقم (٥٢): فهذا الحديث وغيره يدل على أن المؤمن لا يقبل منه عمله إذا لم يقصد به وجه الله ﷿، وفي ذلك يقول تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠]، فإذا كان هذا شأن المؤمن فماذا يكون حال الكافر بربه إذا لم يخلص له في عمله؟ الجواب في قول الله ﵎: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ [الفرقان: ٢٣]. اهـ.\nوعَنْ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللهُ بِهِ وَمَنْ يُرَائِي يُرَائِي اللهُ بِهِ» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه النسائي (٣١٤٠)، وهو حديث حسن، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ ﵁.\n(^٢) رواه البخاري (٦٤٩٩)، ومسلم (٢٩٨٧).","vol":"1","page":8},{"text":"قال النووي ﵀ في «شرح مسلم»: قَالَ الْعُلَمَاءُ: مَعْنَاهُ: مَنْ رَايَا بِعَمَلِهِ وَسَمَّعَهُ النَّاسَ لِيُكْرِمُوهُ وَيُعَظِّمُوهُ وَيَعْتَقِدُوا خَيْرَهُ (^١) سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ النَّاسَ وَفَضَحَهُ.\nوَقِيلَ: أَرَاهُ اللَّهُ ثَوَابَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُعْطِيهِ إِيَّاهُ لِيَكُونَ حَسْرَةً عَلَيْهِ.\nوَقِيلَ: مَعْنَاهُ مَنْ أَرَادَ بِعَمَلِهِ النَّاسَ أَسْمَعَهُ اللَّهُ النَّاسَ وَكَانَ ذَلِكَ حَظَّهُ مِنْهُ. اهـ.\nوعنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: قَالَ اللهُ ﵎: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» (^٢).\nقال القرطبي ﵀ في «المفهم» (٦/ ٦١٥): الإشراك في العبادة، وهو الرياء، وهو أن يفعل شيئا من العبادات التي أمر الله تعالى بفعلها له لغير الله، وهذا هو الذي سيق الحديث لبيان تحريمه، وأنه مبطل للأعمال، لهذا أشار بقوله: من عمل عملًا أشرك معي فيه غيري، تركته وشريكه وهذا هو المسمى بالرياء، وهو على الجملة مبطل للأعمال، وضده الإخلاص، وهو من شرط صحَّة العبادات، والقرب. اهـ.\n_________\n(^١) هذا تعريف الرياء، أن يعمل العبد العمل ليراه الناس فيحمدوه على ذلك، ويُكرموه، ويُعظموه، ويعتقدوا خيره، أما إن عمل العمل لله ﷿، وقصده أن يراه الناس فيتعلموا منه، فهذا عمل صالح، وليس برياء؛ لحديث أنَّ النَّبِيَّ ﷺ صلى على المنبر ليراه الناس، وَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا صَنَعْتُ هَذَا لِتَأْتَمُّوا وَلِتَعَلَّمُوا صَلَاتِي»، أخرجه البخاري (٩١٧)، ومسلم (٥٤٤)، والتعليم بالفعل أدلته كثيرة غير هذا.\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٩٨٥).","vol":"1","page":9},{"text":"<span data-type='title' id=toc-6>الرياء ثلاثة أنواع:</span>\nقال ابن رجب في «جامع العلوم والحكم» (١/ ٧٩):\nوَاعْلَمْ أَنَّ الْعَمَلَ لِغَيْرِ اللَّهِ أَقْسَامٌ:\n١ - فَتَارَةً يَكُونُ رِيَاءً مَحْضًا، بِحَيْثُ لَا يُرَادُ بِهِ سِوَى مُرَاآتِ الْمَخْلُوقِينَ لِغَرَضٍ دُنْيَوِيٍّ، كَحَالِ الْمُنَافِقِينَ فِي صَلَاتِهِمْ، كَمَا قَالَ اللَّهُ ﷿: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢)﴾ [النساء: ١٤٢]، وقال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦)﴾ [الماعون: ٤ - ٦]، وَكَذَلِكَ وَصَفَ اللَّهُ تَعَالَى الْكَفَّارَ بِالرِّيَاءِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾ [الأنفال: ٤٧].\nوَهَذَا الرِّيَاءُ الْمَحْضُ لَا يَكَادُ يَصْدُرُ مِنْ مُؤْمِنٍ فِي فَرْضِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ، وَقَدْ يَصْدُرُ فِي الصَّدَقَةِ الْوَاجِبَةِ أَوِ الْحَجِّ، وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ، أَوِ الَّتِي يَتَعَدَّى نَفْعُهَا، فَإِنَّ الْإِخْلَاصَ فِيهَا عَزِيزٌ، وَهَذَا الْعَمَلُ لَا يَشُكُّ مُسْلِمٌ أَنَّهُ حَابِطٌ وَأَنَّ صَاحِبَهُ يَسْتَحِقُّ الْمَقْتَ مِنَ اللَّهِ وَالْعُقُوبَةَ.\n٢ - وَتَارَةً يَكُونُ الْعَمَلُ لِلَّهِ، وَيُشَارِكُهُ الرِّيَاءُ، فَإِنْ شَارَكَهُ مِنْ أَصْلِهِ فَالنُّصُوصُ الصَّحِيحَةُ تَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِهِ وَحُبُوطِهِ، واستدل بهذا الحديث.\n٣ - وَأَمَّا إِنْ كَانَ أَصْلُ الْعَمَلِ لِلَّهِ، ثُمَّ طَرَأَتْ عَلَيْهِ نِيَّةُ الرِّيَاءِ، فَإِنْ كَانَ خَاطِرًا","vol":"1","page":10},{"text":"وَدَفَعَهُ، فَلَا يَضُرُّهُ بِغَيْرِ خِلَافٍ، وَإِنِ اسْتَرْسَلَ مَعَهُ، فَهَلْ يُحْبَطُ بِهِ عَمَلُهُ أَمْ لَا يَضُرُّهُ ذَلِكَ وَيُجَازَى عَلَى أَصْلِ نِيَّتِهِ؟ فِي ذَلِكَ اخْتِلَافٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ مِنَ السَّلَفِ قَدْ حَكَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، وَرَجَّحَا أَنَّ عَمَلَهُ لَا يَبْطُلُ بِذَلِكَ، وَأَنَّهُ يُجَازَى بِنِيَّتِهِ الْأُولَى وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَغَيْرِهِ.\nوَيُسْتَدَلُّ لِهَذَا الْقَوْلِ بِمَا خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي «مَرَاسِيلِهِ» عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ بَنِي سَلَمَةَ كُلَّهُمْ يُقَاتِلُ، فَمِنْهُمْ مَنْ يُقَاتِلُ لِلدُّنْيَا، وَمِنْهُمْ مَنْ يُقَاتِلُ نَجْدَةً، وَمِنْهُمْ مَنْ يُقَاتِلُ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ، فَأَيُّهُمُ الشَّهِيدُ؟ قَالَ: «كُلُّهُمْ إِذَا كَانَ أَصْلُ أَمْرِهِ أَنْ تَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا».\nوَذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ هَذَا الِاخْتِلَافَ إِنَّمَا هُوَ فِي عَمَلٍ يَرْتَبِطُ آخِرُهُ بِأَوَّلِهِ، كَالصَّلَاةِ، وَالصِّيَامِ، وَالْحَجِّ، فَأَمَّا مَا لَا ارْتِبَاطَ فِيهِ كَالْقِرَاءَةِ، وَالذِّكْرِ، وَإِنْفَاقِ الْمَالِ، وَنَشْرِ الْعِلْمِ، فَإِنَّهُ يَنْقَطِعُ بِنِيَّةِ الرِّيَاءِ الطَّارِئَةِ عَلَيْهِ، وَيَحْتَاجُ إِلَى تَجْدِيدِ نِيَّةٍ. فَأَمَّا إِذَا عَمِلَ الْعَمَلَ لِلَّهِ خَالِصًا، ثُمَّ أَلْقَى اللَّهُ لَهُ الثَّنَاءَ الْحَسَنَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ بِذَلِكَ، فَفَرِحَ بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ، وَاسْتَبْشَرَ بِذَلِكَ، لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ. اهـ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7>٢ - التَّوبة:</span>\nقال ابن القيم ﵀ في «مدارج السالكين» (١/ ١٩٦): وَمَنْزِلُ التَّوْبَةِ أَوَّلُ الْمَنَازِلِ، وَأَوْسَطُهَا، وَآخِرُهَا، فَلَا يُفَارِقُهُ الْعَبْدُ وَلَا يَزَالُ فِيهِ إِلَى الْمَمَاتِ، وَإِنِ ارْتَحَلَ إِلَى مَنْزِلٍ آخَرَ ارْتَحَلَ بِهِ، فَالتَّوْبَةُ هِيَ بِدَايَةُ الْعَبْدِ وَنِهَايَتُهُ، وَحَاجَتُهُ إِلَيْهَا فِي النِّهَايَةِ","vol":"1","page":11},{"text":"ضَرُورِيَّةٌ، كَمَا أَنَّ حَاجَتَهُ إِلَيْهَا فِي الْبِدَايَةِ كَذَلِكَ. اهـ.\nقال النووي في «رياض الصالحين» باب (٢): وَقَدْ تَظَاهَرَتْ دَلائِلُ الكتَابِ والسُّنَّةِ، وإجْمَاعِ الأُمَّةِ عَلَى وُجوبِ التَّوبةِ. اهـ.\nقال شيخ الإسلام ﵀ في «الاستقامة» (١/ ٤٦٣): التَّوْبَة هِيَ جماع الرُّجُوع من السَّيِّئَات إِلَى الْحَسَنَات. اهـ.\nوشروطها ستة:\n١ - الإخلاص لله: قال الله ﷿: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (١١)﴾ [الزمر: ١١]، وقال النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (^١)، وعنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: قَالَ اللهُ ﵎: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» (^٢).\n٢ - والندم على فعل الذنب: قال الله ﷿: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧)، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁.\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٩٨٥).","vol":"1","page":12},{"text":"اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٣٥]، وقال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٦)﴾ [القصص: ١٦]، وقال تعالى: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧)﴾ [الأنبياء: ٨٧]، وقال الله تعالى مخبرًا عن ملكة سبأ: ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٤)﴾ [النمل: ٤٤]، وعن عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «النَّدَمُ تَوْبَةٌ» (^١)، وعَنْ بُرَيْدَةَ ﵁، قَالَ: جَاءَ مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، طَهِّرْنِي، فَقَالَ: «وَيْحَكَ، ارْجِعْ فَاسْتَغْفِرِ اللهَ وَتُبْ إِلَيْهِ»، … وفيه: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَقَدْ تَابَ تَوْبَةً لَوْ قُسِمَتْ بَيْنَ أُمَّةٍ لَوَسِعَتْهُمْ».\n٣ - والإقلاع عن الذنب: قال الله ﷿: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]، وقال ﷾: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠)﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٧٠]، وقال\n_________\n(^١) أخرجه أحمد رقم (٤٠١٢)، وهو حديث صحيح.","vol":"1","page":13},{"text":"تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١)﴾ [الحجرات: ١١]، وقال الله تعالى مخبرًا عن ملكة سبأ: ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٤)﴾ [النمل: ٤٤]، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا أَذْنَبَ كَانَتْ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ فِي قَلْبِهِ، فَإِنْ تَابَ وَنَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ، صُقِلَ قَلْبُهُ، وَإِنْ زَادَ زَادَتْ، حَتَّى يَعْلُوَ قَلْبَهُ ذَاكَ الرَّانُ الَّذِي ذَكَرَ اللهُ ﷿ فِي الْقُرْآنِ: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾ [المطففين: ١٤]»، وعَنْ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ ﵁، قَالَ: فَلَمَّا جَعَلَ اللهُ الْإِسْلَامَ فِي قَلْبِي أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ، فَقُلْتُ: ابْسُطْ يَمِينَكَ فَلْأُبَايِعْكَ، فَبَسَطَ يَمِينَهُ … (^١).\n٤ - والعزم على أن لا يعود إلى الذنب: قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [آل عمران: ١٣٥ - ١٣٦]، وقال سبحانه: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠) وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (٧١)﴾ [الفرقان: ٧٠ - ٧١]، وعَنْ أَبِي شَهْمٍ ﵁، قَالَ: كُنْتُ بِالْمَدِينَةِ فَمَرَّتْ بِي جَارِيَةٌ\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٢١).","vol":"1","page":14},{"text":"فَأَخَذْتُ بِكَشْحِهَا فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ، وَهُوَ يُبَايِعُ النَّاسَ، فَقَالَ: «أَلَسْتَ صَاحِبَ الْجَبِيذَةَ»، فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ: لَا أَعُودُ فَبَايِعْنِي (^١).\nوأخرجه أحمد (^٢)، وفي لفظ له، قال: فَأَتَى النَّاسُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُبَايِعُونَهُ، فَأَتَيْتُهُ فَبَسَطْتُ يَدِي لِأُبَايِعَهُ، فَقَبَضَ يَدَهُ، وَقَالَ: «أَمَا إِنَّكَ صَاحِبُ الْجُبَيْذَةِ، أَمْسِ»، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، بَايِعْنِي فَوَاللَّهِ لَا أَعُودُ أَبَدًا، قَالَ: «فَنَعَمْ إِذًا».\n٥ - وأن تكون في وقت قبولها: قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٨)﴾ [النساء: ١٧ - ١٨]، وقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٠٠)﴾ [المؤمنون: ٩٩ - ١٠٠]، وقال سبحانه: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا\n_________\n(^١) تفرد به النسائي من بين أصحاب «الكتب الستة».\n(^٢) في «المسند» (٥/ ٢٩٤)، وهو في «صحيح المفاريد» رقم (٢٠٧).","vol":"1","page":15},{"text":"يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨].\nوعَنْ أَبِي مُوسَى ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «إِنَّ اللهَ ﷿ يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا» (^١).\n٦ - وإذا تعلقت بحق آدمي يشترط التحلل من صاحب ذلك الحق، ورد المظالم إلى أهلها، قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١١)﴾ [النور: ١١]، إلى قوله: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧)﴾ [النور: ١٧]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (١١٢)﴾ [النساء: ١١٢]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١)﴾ [الحجرات: ١١].\nوعَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ، قال: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ، وَأَمْوَالَكُمْ،\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٧٥٩).","vol":"1","page":16},{"text":"وَأَعْرَاضَكُمْ، بَيْنَكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ» (^١)، وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «اتَّقُوا الظُّلْمَ، فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (^٢)، وعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، فِيمَا رَوَى عَنِ اللهِ ﵎ أَنَّهُ قَالَ: «يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا» (^٣)، وعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، فِيمَا رَوَى عَنِ اللهِ ﵎ أَنَّهُ قَالَ: «يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا» (^٤)، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ، قَالَ: «مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ، فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ اليَوْمَ، قَبْلَ أَنْ لَا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ» (^٥)، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ، قَالَ: «لَتُؤَدُّنَّ الْحُقُوقَ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءِ، مِنَ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ» (^٦)، وعَنْ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ ﵁، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ، قَالَ: «يَا عِبَادَ اللَّهِ وَضَعَ اللَّهُ الْحَرَجَ، إِلَّا امْرَءًا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٧)، ومسلم (١٦٧٩).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٤٤٧)، ومسلم (٢٥٧٨).\n(^٣) أخرجه مسلم (٢٥٧٧).\n(^٤) أخرجه مسلم (٢٥٧٧).\n(^٥) أخرجه البخاري (٢٤٤٩).\n(^٦) أخرجه مسلم (٢٥٨٢).","vol":"1","page":17},{"text":"اقترضَ امْرَءًا ظُلْمًا فَذَاكَ الَّذِي حَرِجَ وَهَلَكَ» (^١).\nفيجب على المسلم أن يبادر بالتوبة النَّصوح، وإذا كان بينه وبين أحدٍ مظلمة فليتحلل منها في الدُّنيا، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، كما في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: «مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ الْيَوْمَ قَبْلَ أَنْ لَا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمْ؛ إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ» (^٢).\nوالتوبة مطلوبة من المؤمنين، قال تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١)﴾ [النور: ٣١]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١)﴾ [الحجرات: ١١]، وتوبة الأنبياء لرفع درجاتهم، كما قال ابن تيمية في «جامع الرسائل» (١/ ٢٦٩)، فإن الله تعالى يحب التوبة ويفرح بها ويحب التوابين.\nمن عمل معصية لم يتب منها لا يرجع من حجه كيوم ولدته أمه\nقال النووي في «رياض الصالحين» (٣٣): قَالَ العلماءُ: التَّوْبَةُ وَاجبَةٌ مِنْ كُلِّ ذَنْب … وإنْ كَانَتِ المَعْصِيةُ تَتَعَلقُ بآدَمِيٍّ فَشرطُهَا: أنْ يَبْرَأ مِنْ حَقّ صَاحِبِها، فَإِنْ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في «الأدب المفرد» (٢٩١)، وهو صحيح.\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٤٤٩).","vol":"1","page":18},{"text":"كَانَتْ مالًا أَوْ نَحْوَهُ رَدَّهُ إِلَيْه، وإنْ كَانَتْ حَدَّ قَذْفٍ ونَحْوَهُ مَكَّنَهُ مِنْهُ أَوْ طَلَبَ عَفْوَهُ، وإنْ كَانْت غِيبَةً استَحَلَّهُ مِنْهَا.\nويجِبُ أنْ يَتُوبَ مِنْ جميعِ الذُّنُوبِ، فَإِنْ تَابَ مِنْ بَعْضِها صَحَّتْ تَوْبَتُهُ عِنْدَ أهْلِ الحَقِّ مِنْ ذلِكَ الذَّنْبِ، وبَقِيَ عَلَيهِ البَاقي. وَقَدْ تَظَاهَرَتْ دَلائِلُ الكتَابِ، والسُّنَّةِ، وإجْمَاعِ الأُمَّةِ عَلَى وُجوبِ التَّوبةِ:\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١)﴾ [النور: ٣١]، وَقالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ [هود: ٣]، وَقالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ [التحريم: ٨]، وعَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قالَ: سمِعتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «واللَّه إِنِّي لأَسْتَغْفرُ الله، وَأَتُوبُ إِليْه، في اليَوْمِ، أَكثر مِنْ سَبْعِين مرَّةً» (^١)، رواه البخاري، وعن الأَغَرِّ بْن يَسار المُزنِيِّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «يَا أَيُّها النَّاس تُوبُوا إِلى اللَّهِ واسْتغْفرُوهُ فإِني أَتوبُ في اليَوْمِ مائة مَرَّة» (^٢)، رواه مسلم، وعنْ أبي حَمْزَةَ أَنَس بنِ مَالِكٍ الأَنْصَارِيِّ - خَادِمِ رسولِ الله ﷺ، ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «للَّهُ أَفْرحُ بتْوبةِ عَبْدِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ سقطَ عَلَى بعِيرِهِ وقد أَضلَّهُ في أَرضٍ فَلاةٍ»، متفقٌ\n_________\n(^١) رقم: (٦٣٠٧).\n(^٢) رقم: (٢٧٠٢).","vol":"1","page":19},{"text":"عليه (^١)، وفي رواية لمُسْلمٍ (^٢): «للَّهُ أَشدُّ فَرَحًا بِتَوْبةِ عَبْدِهِ حِين يتُوبُ إِلْيهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى راحِلَتِهِ بِأَرْضٍ فلاةٍ، فانْفلتتْ مِنْهُ وعلَيْها طعامُهُ وشرَابُهُ فأَيِسَ مِنْهَا، فأَتَى شَجَرةً فاضْطَجَعَ في ظِلِّهَا، وقد أَيِسَ مِنْ رَاحِلتِهِ، فَبَيْنما هوَ كَذَلِكَ إِذْ هُوَ بِها قَائِمة عِنْدَهُ، فَأَخذ بِخطامِهَا ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الفَرحِ: اللَّهُمَّ أَنت عبْدِي وأَنا ربُّكَ، أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الفرح» … الخ. اهـ.\nوقال البيهقي في «شعب الإيمان» عند حديث (٦٦٥٩): عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁، فِي قَوْلِهِ ﷿: ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾ [النجم: ٣٢]، قَالَ: زِنَا الْعَيْنِ النَّظَرُ، وَزِنَا الشَّفَتَيْنِ التَّقْبِيلُ، وَزِنَا الْيَدَيْنِ الْبَطْشُ، وَزِنَا الرِّجْلَيْنِ الْمَشْيُ، وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ الْفَرَجُ أَوْ يُكَذِّبُهُ، فَإِنْ صَدَّقَهُ بِفَرْجِهِ كَانَ زَانِيًا، وَإِلَّا فَهُوَ اللَّمَمُ.\nقال البيهقي: قَالَ الْحَلِيمِيُّ ﵀: فَثَبَتَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وجُوبُ التَّوْبَةِ إِلَى اللهِ عَلَى كُلِّ مُذْنِبٍ، وَإِسْرَاعُ الْقَلْبِ وَالْإِنَابَةِ، وَأَنَّ اللهَ ﵎ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ مِنْ عَبْدِهِ وَلَا يَرُدُّهَا عَلَيْهِ، وَالتَّوْبَةُ هِيَ الرَّجْعَةُ. وَمَعْنَى تَابَ إِلَى اللهِ تَعَالَى: أَيْ رَجَعَ إِلَى اللهِ، فَتَرَكَ نُزُوَعَهُ عَنِ الْعِصْيَانِ، وَعَوْدَةٌ إِلَى الطَّاعَةِ رَجْعَةٌ، وَعَبَّرَ عَنْهَا بِالتَّوْبَةِ.\n_________\n(^١) البخاري (٦٣٠٩)، ومسلم (٢٦٧٥).\n(^٢) رقم: (٢٧٤٧).","vol":"1","page":20},{"text":"قَالَ: وَحَدُّ التَّوْبَةِ الْقِطَعُ لِلْمَعْصِيَةِ فِي الْحَالِ إِنْ كَانَتْ دَائِمَةً، وَالنَّدَمُ عَلَى مَا سَلَفَ مِنْهَا، وَالْعَزْمُ عَلَى تَرْكِ الْعُودِ، ثُمَّ إِنْ كَانَ الذَّنْبُ تَرْكَ صَلَاةٍ فَإِنَّ التَّوْبَةَ لَا تَصِحُّ حَتَّى يَنْضَمَّ إِلَى النَّدَمِ قَضَاءُ مَا فَاتَ مِنْهَا، وَهَكَذَا إِنْ كَانَ تَرَكَ صَوْمًا، أَوْ تَفْرِيطًا فِي زَكَاةٍ، إِنْ كَانَ الرَّجُلُ مُثْرِيًا، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ قَتْلَ نَفْسٍ بِغَيْرِ حَقٍّ فَإِنْ تَمَكَّنَ مِنَ الْقِصَاصِ إِنْ كَانَ عَلَيْهِ وَكَانَ مَطْلُوبًا بِهِ، فَإِنْ عُفِيَ عَنْهُ بِمَالٍ وَكَانَ وَاجِدًا لَهُ فَإِنَّهُ يُؤَدِّي مَا عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ قَذْفًا يُوجِبُ الْحَدَّ فَأَنْ يَبْذُلَ ظَهْرَهُ لِلْحَدِّ إِنْ كَانَ مَطْلُوبًا بِهِ، فَإِنْ عُفِيَ عَنْهُ كَفَاهُ النَّدَمُ وَالْعَزْمُ عَلَى تَرْكِ الْعُودِ بِإِخْلَاصٍ.\nوَإِنْ كَانَ حَدًّا مِنْ حُدُودِ اللهِ تَعَالَى فَإِذَا تَابَ إِلَى اللهِ تَعَالَى بِالتَّنَدُّمِ الصَّحِيحِ قَبْلَ أَنْ يُرْفَعَ إِلَى الْإِمَامِ سَقَطَ عَنْهُ الْحَدُّ، وَإِنْ رُفِعَ إِلَى الْإِمَامِ ثُمَّ قَالَ: قَدْ تُبْتُ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الْحَدُّ، وَبَسَطَ الْكَلَامَ فِيهِ، قُلْتُ: وَهُوَ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فِي الْمُحَارِبِينَ.\nوَقَدْ عَلَّقَ الشَّافِعِيُّ ﵀ الْقَوْلَ فِيهِ فِي غَيْرِ الْمُحَارِبِينَ؛ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى إِنَّمَا ذَكَرَ الِاسْتِثْنَاءَ بِالتَّوْبَةِ فِي الْمُحَارِبِينَ دُونَ غَيْرِهِمْ. اهـ.\nقال شيخ الإسلام ﵀: وَمَنْ اعْتَقَدَ أَنَّ الْحَجَّ يُسْقِطُ مَا عَلَيْهِ مِنْ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ فَإِنَّهُ يُسْتَتَابُ بَعْدَ تَعْرِيفِهِ إنْ كَانَ جَاهِلًا، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ، وَلَا يَسْقُطُ حَقُّ الْآدَمِيِّ مِنْ مَالٍ أَوْ عَرَضٍ أَوْ دَمٍ بِالْحَجِّ إجْمَاعًا. اهـ كما في «مجموع الفتاوى» (١٨/ ٣٤١)، و«اختيارات البعلي» (١٧٤).","vol":"1","page":21},{"text":"فإذا اقترن الحج بتوبة نصوح مشتملة على شروطها الستة، هدمت جميع ذنوبه الصغائر والكبائر، وإن لم يقترن بتوبة هدمت جميع ذنوبه التي تاب منها مع حجه ولم تهدم حقوق العباد إلا بالتوبة منها، وهي رد المظالم، والتحلل من المظلوم.\n\n<span data-type='title' id=toc-12>٣ - تعلم كيفية أداء الحج والعمرة:</span>\nقال ابن عبد البر ﵀ في «جامع بيان العلم وفضله» (١/ ٢٣): بَابُ قَوْلِهِ ﷺ: «طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ»، - ثم ذكر الحديث من طرق، وقال (١/ ٥٣) -: الْحَدِيثَ فِي وُجُوبُ طَلَبُ الْعِلْمُ فِي أَسَانِيدِهِ مَقَالٌ لِأَهْلِ الْعِلْمِ بِالنَّقْلِ؛ وَلَكِنَّ مَعْنَاهُ صَحِيحٌ عِنْدَهُمْ. اهـ.\nقُلْتُ: والحديث ثابت بطرقه وأصوله، وممن صححه العلامة الألباني ﵀ في «صحيح الجامع» (٣٩١٣)، ومعناه: أنَّ طلب علم ما يؤدي به المكلف عبادة ربه ﷿ على الوجه الصحيح فريضة على كل مسلم ذكرًا أو أنثى، جنيًّا أو إنسيًّا، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦].\nومن بابه في الصلاة ما أخرجه البخاري في «صحيحه» (^١)، من حديث مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ ﵁، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ، قال: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي»، والمُسِيءُ فِي\n_________\n(^١) رقم: (٦٣١).","vol":"1","page":22},{"text":"صَلَاتِهِ لما صلى على غير هدي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قال له رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ارْجِعْ فَصَلِّ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ» ثَلَاثًا (^١).\nومن بابه في الحج ما أخرجه مسلم في «صحيحه» (^٢)، من حديث جَابِرٍ ﵁ قال، رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَرْمِي عَلَى رَاحِلَتِهِ يَوْمَ النَّحْرِ، وَيَقُولُ: «لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي هَذِهِ».\nوالعبادة إذا قامت على غير ما جاء به رَسُولُ اللَّهِ ﷺ محدثة، مردودة، سواء في الحج والعمرة، أو غيرهما من العبادات؛ لحديث عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ» (^٣).\nوفي لفظ لمسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ».\nقال النووي: وَهَذَا الْحَدِيثُ قَاعِدَةٌ عَظِيمَةٌ مِنْ قَوَاعِدِ الْإِسْلَامِ، وَهُوَ مِنْ جَوَامِعِ كَلِمِهِ ﷺ؛ فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِي رَدِّ كُلِّ الْبِدَعِ وَالْمُخْتَرَعَاتِ، وَفِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ زِيَادَةٌ وَهِيَ، أَنَّهُ قَدْ يُعَانِدُ بَعْضُ الْفَاعِلِينَ فِي بِدْعَةٍ سَبَقَ إِلَيْهَا، فَإِذَا احْتُجَّ عَلَيْهِ بِالرِّوَايَةِ الْأُولَى يَقُولُ: أَنَا مَا أَحْدَثْتُ شَيْئًا، فَيُحْتَجُّ عَلَيْهِ بِالثَّانِيَةِ الَّتِي فِيهَا التَّصْرِيحُ بِرَدِّ كُلِّ\n_________\n(^١) والحديث في البخاري (٧٥٧)، ومسلم (٧٥٧).\n(^٢) رقم (١٢٩٧).\n(^٣) رواه البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨).","vol":"1","page":23},{"text":"الْمُحْدَثَاتِ سَوَاءٌ أَحْدَثَهَا الْفَاعِلُ أَوْ سُبِقَ بِإِحْدَاثِهَا. اهـ.\nوما أحسن ما قاله ابن القيم ﵀ في «مفتاح دار السعادة» (١/ ٤٤٢): في حديث: «طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ»، قال: وهذا وإن كان في سنده حفصُ بن سليمان، وقد ضُعِّف، فمعناه صحيح؛ فإنَّ الإيمان فرضٌ على كلِّ واحد، وهو ماهيَّةٌ مركَّبةٌ من علمٍ وعمل، فلا يتصوَّرُ وجودُ الإيمان إلا بالعلم والعمل.\nثمَّ شرائعُ الإسلام واجبةٌ على كلِّ مسلم، ولا يمكنُ أداؤها إلا بعد معرفتها والعلم بها، واللهُ تعالى أخرجَ عبادَه من بطون أمَّهاتهم لا يعلمون شيئًا، فطلبُ العلم فريضةٌ على كلِّ مسلم. وهل تمكنُ عبادةُ الله التي هي حقُّه على العباد كلِّهم إلا بالعلم؟! وهل يُنالُ العلمُ إلا بطلبه. اهـ.\n\n<span data-type='title' id=toc-16>٤ - أن تكون نفقة الحج من المال الحلال ولا يسأل الناس أموالهم:</span>\nقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٢٦٧)﴾ [البقرة: ٢٦٧]، وقال النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ اللهَ طَيِّبُ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٠١٥).","vol":"1","page":24},{"text":"<span data-type='title' id=toc-17>والحاج من مال حرام فاسق في حجه،</span> والله تعالى يقول: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧]، والفاسق في حجه حتى وإن صح حجه لا يرجع كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّه؛ لحديث: «مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» (^١)، وقال الله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧].\nوعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «كَانَ أَهْلُ الْيَمَنِ يَحُجُّونَ وَلَا يَتَزَوَّدُونَ، وَيَقُولُونَ: نَحْنُ الْمُتَوَكِّلُونَ، فَإِذَا قَدِمُوا مَكَّةَ سَأَلُوا النَّاسَ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧]» (^٢).\nعن أبي عَبْدِ الرحمن عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ ﵁، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، تِسْعَةً أَوْ ثَمَانِيَةً أَوْ سَبْعَةً، فَقَالَ: «أَلَا تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللهِ؟» وَكُنَّا حَدِيثَ عَهْدٍ بِبَيْعَةٍ، فَقُلْنَا: قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَلَا تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللهِ؟» فَقُلْنَا: قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَلَا تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللهِ؟» قَالَ: فَبَسَطْنَا أَيْدِيَنَا، وَقُلْنَا: قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ، فَعَلَامَ نُبَايِعُكَ؟ قَالَ: «عَلَى أَنْ تَعْبُدُوا اللهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَتُطِيعُوا - وَأَسَرَّ كَلِمَةً خَفِيَّةً - وَلَا تَسْأَلُوا النَّاسَ شَيْئًا»، فَلَقَدْ رَأَيْتُ بَعْضَ أُولَئِكَ النَّفَرِ يَسْقُطُ سَوْطُ أَحَدِهِمْ،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٥٢١)، ومسلم (١٣٥٠).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٥٢٣).","vol":"1","page":25},{"text":"فَمَا يَسْأَلُ أَحَدًا يُنَاوِلُهُ إِيَّاهُ (^١).\nعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ، قَالَ: «لَا تَزَالُ الْمَسْأَلَةُ بِأَحَدِكُمْ حَتَّى يَلْقَى اللهَ، وَلَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ» (^٢).\nوعنه، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ، قَالَ: وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَهُوَ يَذْكُرُ الصَّدَقَةَ وَالتَّعَفُّفَ عَنِ الْمَسْأَلَةِ: «الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى، وَالْيَدُ الْعُلْيَا الْمُنْفِقَةُ، وَالسُّفْلَى السَّائِلَةُ» (^٣).\nوعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ سَأَلَ النَّاسَ أَمْوَالَهُمْ تَكَثُّرًا، فَإِنَّمَا يَسْأَلُ جَمْرًا فَلْيَسْتَقِلَّ أَوْ لِيَسْتَكْثِرْ» (^٤).\nوعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ المَسْأَلَةَ كَدٌّ يَكُدُّ بِهَا الرَّجُلُ وَجْهَهُ، إِلَّا أَنْ يَسْأَلَ الرَّجُلُ سُلْطَانًا، أَوْ فِي أَمْرٍ لَا بُدَّ مِنْهُ» (^٥).\nوعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ نَزَلَتْ بِهِ\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٠٣٨).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٤٧٤)، ومسلم (١٠٤٠).\n(^٣) متفق عليه، البخاري (١٤٢٩)، ومسلم (١٠٣٣).\n(^٤) أخرجه مسلم (١٠٤١).\n(^٥) أخرجه الترمذي (٦٨١)، وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وهو كما قال: حديث صحيح.","vol":"1","page":26},{"text":"فَاقَةٌ فَأَنْزَلَهَا بِالنَّاسِ لَمْ تُسَدَّ فَاقَتُهُ، وَمَنْ نَزَلَتْ بِهِ فَاقَةٌ فَأَنْزَلَهَا بِاللَّهِ، فَيُوشِكُ اللَّهُ لَهُ بِرِزْقٍ عَاجِلٍ أَوْ آجِلٍ» (^١)، وقال الترمذي: حَدِيثٌ حَسَنٌ.\nقُلْتُ: وهو كما قال الترمذي: حَدِيثٌ حَسَنٌ، أخرجه أحمد (٣٨٦٩)، وهو في «الصحيحة» (٢٧٨٧) للألباني ﵀.\nوعَنْ ثَوْبَانَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ يَكْفُلُ لِي أَنْ لَا يَسْأَلَ النَّاسَ شَيْئًا، وَأَتَكَفَّلُ لَهُ بِالْجَنَّةِ؟»، فَقَالَ ثَوْبَانُ: أَنَا، فَكَانَ لَا يَسْأَلُ أَحَدًا شَيْئًا (^٢).\nوعَنْ قَبِيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ الْهِلَالِيِّ ﵁، قَالَ: تَحَمَّلْتُ حَمَالَةً، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَسْأَلُهُ فِيهَا، فَقَالَ: «أَقِمْ حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ، فَنَأْمُرَ لَكَ بِهَا»، قَالَ: ثُمَّ قَالَ: «يَا قَبِيصَةُ إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ إِلَّا لِأَحَدِ ثَلَاثَةٍ رَجُلٍ، تَحَمَّلَ حَمَالَةً، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَهَا، ثُمَّ يُمْسِكُ، وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ اجْتَاحَتْ مَالَهُ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ - أَوْ قَالَ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ - وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَقُومَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ: لَقَدْ أَصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ - أَوْ قَالَ: سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ - فَمَا سِوَاهُنَّ مِنَ الْمَسْأَلَةِ يَا\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (١٦٤٥)، والترمذي (٢٣٢٦).\n(^٢) أخرجه أبو داود (١٦٤٣)، وغيره، وهو حديث صحيح مخرج في «الصحيح المسند» لشيخنا ﵀ رقم (١/ ١٥٩).","vol":"1","page":27},{"text":"قَبِيصَةُ سُحْتًا يَأْكُلُهَا صَاحِبُهَا سُحْتًا» (^١).\nقال النووي في «شرح مسلم»، -كتاب الزكاة، تحت بَابِ النَّهْيِ عَنِ الْمَسْأَلَةِ-:\nمَقْصُودُ الْبَابِ، وَأَحَادِيثِهِ النَّهْيُ عَنِ السُّؤَالِ، وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَيْهِ إِذَا لَمْ تَكُنْ ضَرُورَةٌ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي مَسْأَلَةِ الْقَادِرِ عَلَى الْكَسْبِ عَلَى وَجْهَيْنِ أَصَحُّهُمَا: أَنَّهَا حَرَامٌ لِظَاهِرِ الْأَحَادِيثِ، وَالثَّانِي: حَلَالٌ مَعَ الْكَرَاهَةِ بِثَلَاثِ شُرُوطٍ أَنْ لَا يُذِلَّ نَفْسَهُ، وَلَا يُلِحَّ فِي السُّؤَالِ، وَلَا يُؤْذِيَ المسؤول، فَإِنْ فُقِدَ أَحَدُ هَذِهِ الشُّرُوطِ فَهِيَ حَرَامٌ بِالِاتِّفَاقِ. اهـ.\n\nقُلْتُ: الصواب أنَّ<span data-type='title' id=toc-18> المسألة حرام على غير المضطر </span>كما في حديث قبيصة ﵁، والسائل مذل لنفسه، كما في ألفاظ هذه الأحاديث في قوله: «كَدٌّ يَكُدُّ بِهَا الرَّجُلُ وَجْهَهُ»، وقوله: «وَالْيَدُ السُّفْلَى السَّائِلَةُ»، وغيرها.\nقال القرطبي ﵀ في «المفهم» (٣/ ٨٦): وأخذه ﷺ على أصحابه في البيعة: (ألا يسألوا أحدًا شيئًا)، حَملٌ منه على مكارم الأخلاق، والترفع عن تحمّل مِنَن الخلق وتعليم الصبر على مضض الحاجات، والاستغناء عن الناس، وعزّة النفوس. ولما أخذهم بذلك التزموه في جميع الأشياء، وفي كل الأحوال، حتى فيما\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٠٤٤).","vol":"1","page":28},{"text":"لا تلحق فيه مِنَّة، طردًا للباب، وحسمًا للذرائع. اهـ.\nوقد عُدَّ سؤال الناس أموالهم لغير ضرورة من الكبائر:\nقال العلامة ابن حجر الهيتمي في كتابه «الزواجر عن اقتراف الكبائر» (١/ ٣٠٤):\nالْكَبِيرَةُ الثَّانِيَةُ وَالثَّلَاثُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ سُؤَالُ الْغَنِيِّ التَّصَدُّقَ عَلَيْهِ: سُؤَالُ الْغَنِيِّ بِمَالٍ أَوْ كَسْبِ التَّصَدُّقِ عَلَيْهِ طَمَعًا وَتَكَثُّرًا. اهـ.\nوذكر الأدلة على ذلك.\nوقال العلامة ابن عثيمين في «شرح رياض الصالحين» باب (٥٧)، تحت حديث (٥٣٧)، «مَنْ سَأَلَ النَّاسَ أَمْوَالَهُمْ تَكَثُّرًا، فَإِنَّمَا يَسْأَلُ جَمْرَ جَهَنَّمَ»: هذا دليلٌ على أن سؤال الناس بلا حاجة من كبائر الذنوب. اهـ.\nقُلْتُ: الحاجة بابها واسع؛ ولكن حديث قَبِيصَةَ: «إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ إِلَّا لِأَحَدِ ثَلَاثَةٍ …»، وحديث سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ المذكورن في الباب، وفيه: «أَوْ فِي أَمْرٍ لَا بُدَّ مِنْهُ»، يدلان على أنَّ المسألة لا تحل إلا عند الضرورة.\n\n<span data-type='title' id=toc-20>٥ - اصطحاب الرفقة الصالحة والحذر من رفقه أهل الأهواء في السفر وغيره:</span>\nقال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ [الكهف: ٢٨].","vol":"1","page":29},{"text":"عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَثَلُ الجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالسَّوْءِ، كَحَامِلِ المِسْكِ وَنَافِخِ الكِيرِ، فَحَامِلُ المِسْكِ: إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الكِيرِ: إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً» (^١)، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ، قَالَ: «الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ» (^٢).\nوعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ» (^٣)، وفي حديث صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ المُرَادِيِّ ﵁ (^٤)، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «المَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ يَوْمَ القِيَامَةِ».\nعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: تَلَا رَسُولُ اللهِ ﷺ: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٥٣٤)، ومسلم (٢٦٢٨).\n(^٢) أخرجه أَبُو داود (٤٨٣٣)، والترمذي (٢٣٧٨)، وأحمد (٨٤١٧)، وهو حديث صحيح.\n(^٣) أخرجه البخاري (٦١٦٨)، ومسلم (٢٦٤٠).\n(^٤) عند الترمذي (٣٥٣٥)، وأحمد (١٨٠١٩)، وهو مخرج في «الصحيح المسند» لشيخنا ﵀ رقم (٥٠٥).","vol":"1","page":30},{"text":"الْأَلْبَابِ (٧)﴾ [آل عمران: ٧]، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِذَا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ، فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّى اللهُ فَاحْذَرُوهُمْ» (^١).\nوعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ سَمِعَ بِالدَّجَّالِ فَلْيَنْأَ مِنْهُ؛ مَنْ سَمِعَ بِالدَّجَالِ، فَلْيَنْأً مِنْهُ مَنْ سَمِعَ بِالدَّجَالِ، فَلْيَنْأً مِنْهُ، فَإِنَّ الرَّجُلَ يَأْتِيهِ وَهُوَ يَحْسِبُ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ، فَلَا يَزَالُ بِهِ لِمَا مَعَهُ مِنَ الشُّبَهِ حَتَّى يَتَّبِعَهُ» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-21>وأهل الباطل ابتلوا بالجدل</span>\nكما في حديث أَبِي أُمَامَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كَانُوا عَلَيْهِ إِلَّا أُوتُوا الْجَدَلَ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨)﴾ [الزخرف: ٥٨]» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-22>بُعد السلف ﵏ وتحذيرهم عن الجدال مع أهل الأهواء في الحج وغيره</span>\nصح في «مقدمة الدارمي» (٤٠٠)، قال: وكَانَ مُسْلِمُ بْنُ يَسَارٍ، يَقُولُ: إِيَّاكُمْ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٥٤٧)، ومسلم (٢٦٦٥).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٤٣١٩)، وأحمد (٤/ ٤٣١)، وهو صحيح، وخرجه شيخنا ﵀ في «الصحيح المسند» رقم (١٠١٩).\n(^٣) أخرجه الترمذي (٣٢٥٠)، وابن ماجه (٤٨)، وأحمد (٢٢٢٠٤)، من طريق أَبِي غَالِبٍ حَزَوَّرٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ به، وهذا سند حسن مخرج في «الصحيح المسند» لشيخنا ﵀ (٤٧٩).","vol":"1","page":31},{"text":"وَالْمِرَاءَ، فَإِنَّهَا سَاعَةُ جَهْلِ الْعَالِمِ، وَبِهَا يَبْتَغِي الشَّيْطَانُ زَلَّتَهُ.\nوصح في «مقدمة الدارمي» (٣٩٥)، قال: إنَّ أَبا قِلَابَةَ ﵀ كان يقول: لَا تُجَالِسُوا أَهْلَ الْأَهْوَاءِ وَلَا تُجَادِلُوهُمْ، فَإِنِّي لَا آمَنُ أَنْ يَغْمِسُوكُمْ فِي ضَلَالَتِهِمْ، أَوْ يَلْبِسُوا عَلَيْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْرِفُونَ.\nوصح عند الدارمي (٣١٢)، و«الشريعة» للآجري (١١٦): قال عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: مَنْ جَعَلَ دِينَهُ غَرَضًا لِلْخُصُومَاتِ، أَكْثَرَ التَّنَقُّلَ.\nوثبت في «الشريعة» للآجري (١١٨): عَنْ هِشَامٍ يَعْنِي: ابْنَ حَسَّانَ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى الْحَسَنِ فَقَالَ: يَا أَبَا سَعِيدٍ، تَعَالَ حَتَّى أُخَاصِمَكَ فِي الدِّينِ، فَقَالَ الْحَسَنُ: أَمَّا أَنَا فَقَدْ أَبْصَرْتُ دِينِي، فَإِنْ كُنْتَ أَضْلَلْتَ دِينَكَ فَالْتَمِسْهُ.\nوصح في «مقدمة الدارمي» (٤١١) بتحقيقي، و«الشريعة» للآجري (١٢١): عَنْ أَسْمَاءَ بْنِ عُبَيْدٍ، قَالَ: دَخَلَ رَجُلَانِ مِنْ أَصْحَابِ الْأَهْوَاءِ عَلَى ابْنِ سِيرِينَ فَقَالَا: يَا أَبَا بَكْرٍ نُحَدِّثُكَ بِحَدِيثٍ؟ قَالَ: لَا، قَالَا: فَنَقْرَأُ عَلَيْكَ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ؟ قَالَ: لَا، لِتَقُومَانِ عَنِّي أَوْ لَأَقُومَنَّ، قَالَ: فَخَرَجَا، فَقَالَ: بَعْضُ الْقَوْمِ: يَا أَبَا بَكْرٍ، وَمَا كَانَ عَلَيْكَ أَنْ يَقْرَآ عَلَيْكَ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى؟ قَالَ: إِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْرَآ عَلَيَّ آيَةً فَيُحَرِّفَانِهَا، فَيَقِرُّ ذَلِكَ فِي قَلْبِي.\nوصح في «الشريعة» للآجري (١٢٨): عن مُحَمَّدِ بْنِ وَاسِعٍ، قَالَ: رَأَيْتُ","vol":"1","page":32},{"text":"صَفْوَانَ بْنَ مُحْرِزٍ وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَشَبَبَةُ قَرِيبٌ مِنْهُ، يَتَجَادَلُونَ، فَرَأَيْتُهُ يَنْفُضُ ثَوْبَهُ وَقَامَ وَقَالَ: إِنَّمَا أَنْتُمْ جَرَبٌ إِنَّمَا أَنْتُمْ جَرَبٌ.\nوصح في «الشريعة» للآجري (١٣٣): عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: لَا تُجَالِسْ أَهْلَ الْأَهْوَاءِ، فَإِنَّ مُجَالَسَتَهُمْ مَمْرَضَةٌ لِلْقُلُوبِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-23>٦ - استحباب الخروج يوم الخميس لمن تيسر له ذلك:</span>\nعَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، كَانَ يَقُولُ: «لَقَلَّمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْرُجُ، إِذَا خَرَجَ فِي سَفَرٍ إِلَّا يَوْمَ الخَمِيسِ» (^١).\nقُلْتُ: أما خروجه لحجة الوداع فالصحيح أنَّه خرج يوم السبت.\nقوله: «لَقَلَّمَا كَانَ يَخْرُجُ، إِذَا خَرَجَ فِي سَفَرٍ إِلَّا يَوْمَ الخَمِيسِ»، وفيه أنَّ خروجه للأسفار يوم الخميس في الغالب، وأنه في بعض الأسفار خرج من المدينة في غير الخميس، ومنها خروجه لحجة الوداع، الصحيح أنه يوم السبت بعد صلاة الظهر ونبَّه الإمام ابن القيم ﵀ على عدة أوهام حصلت في خروجه هذا، في «زاد المعاد» (٢/ ٢٧٦) - منبهًا على جملة أوهام، ومنها هذا -، قال:\n• فَمِنْهَا: وَهْمٌ لأبي محمد بن حزم فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ حَيْثُ قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٩٤٩).","vol":"1","page":33},{"text":"أَعْلَمَ النَّاسَ وَقْتَ خُرُوجِهِ: «أَنَّ عُمْرَةً فِي رَمَضَانَ تَعْدِلُ حَجَّةً»، وَهَذَا وَهْمٌ ظَاهِرٌ؛ فَإِنَّهُ إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ بَعْدَ رُجُوعِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ مِنْ حَجَّتِهِ، إِذْ قَالَ لأم سنان الأنصارية: «مَا مَنَعَكِ أَنْ تَكُونِي حَجَجْتِ مَعَنَا؟» قَالَتْ: لَمْ يَكُنْ لَنَا إِلَّا نَاضِحَانِ فَحَجَّ أَبُو وَلَدِي وَابْنِي عَلَى نَاضِحٍ، وَتَرَكَ لَنَا نَاضِحًا نَنْضَحُ عَلَيْهِ، قَالَ: «فَإِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فَاعْتَمِرِي، فَإِنَّ عُمْرَةً فِي رَمَضَانَ تَقْضِي حَجَّةً»، هَكَذَا رَوَاهُ مسلم فِي «صَحِيحِهِ».\nوَكَذَلِكَ أَيْضًا، قَالَ هَذَا لأم معقل بَعْدَ رُجُوعِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ، كَمَا رَوَاهُ أبو داود، مِنْ حَدِيثِ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ، عَنْ جَدَّتِهِ أم معقل، قَالَتْ: لَمَّا حَجَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَجَّةَ الْوَدَاعِ وَكَانَ لَنَا جَمَلٌ فَجَعَلَهُ أبو معقل فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَأَصَابَنَا مَرَضٌ، فَهَلَكَ أبو معقل، وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ حَجِّهِ جِئْتُهُ، فَقَالَ: «مَا مَنَعَكِ أَنْ تَخْرُجِي مَعَنَا؟» فَقَالَتْ: لَقَدْ تَهَيَّأْنَا، فَهَلَكَ أبو معقل، وَكَانَ لَنَا جَمَلٌ وَهُوَ الَّذِي نَحُجُّ عَلَيْهِ، فَأَوْصَى بِهِ أبو معقل فِي سَبِيلِ اللَّهِ. قَالَ: «فَهَلَّا خَرَجْتِ عَلَيْهِ؟ فَإِنَّ الْحَجَّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَأَمَّا إِذْ فَاتَتْكِ هَذِهِ الْحَجَّةُ مَعَنَا فَاعْتَمِرِي فِي رَمَضَانَ؛ فَإِنَّهَا كَحَجَّةٍ».\n• وَمِنْهَا: وَهْمٌ آخَرُ لَهُ، وَهُوَ أَنَّ خُرُوجَهُ كَانَ يَوْمَ الْخَمِيسِ لِسِتٍّ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ خَرَجَ لِخَمْسٍ، وَأَنَّ خُرُوجَهُ كَانَ يَوْمَ السَّبْتِ.\n• وَمِنْهَا: وَهْمٌ آخَرُ لِبَعْضِهِمْ، ذَكَرَ الطَّبَرِيُّ فِي «حَجَّةِ الْوَدَاعِ» أَنَّهُ خَرَجَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ. وَالَّذِي حَمَلَهُ عَلَى هَذَا الْوَهْمِ الْقَبِيحِ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ: خَرَجَ","vol":"1","page":34},{"text":"لِسِتٍّ بَقِينَ، فَظَنَّ أَنَّ هَذَا لَا يُمْكِنُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْخُرُوجُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ؛ إِذْ تَمَامُ السِّتِّ يَوْمُ الْأَرْبِعَاءِ، وَأَوَّلُ ذِي الْحِجَّةِ كَانَ يَوْمَ الْخَمِيسِ بِلَا رَيْبٍ، وَهَذَا خَطَأٌ فَاحِشٌ؛ فَإِنَّهُ مِنَ الْمَعْلُومِ الَّذِي لَا رَيْبَ فِيهِ أَنَّهُ صَلَّى الظُّهْرَ يَوْمَ خُرُوجِهِ بِالْمَدِينَةِ أَرْبَعًا، وَالْعَصْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ ثَبَتَ ذَلِكَ فِي «الصَّحِيحَيْنِ».\nوَحَكَى الطَّبَرِيُّ فِي «حَجَّتِهِ» قَوْلًا ثَالِثًا: أَنَّ خُرُوجَهُ كَانَ يَوْمَ السَّبْتِ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْوَاقِدِيِّ، وَهُوَ الْقَوْلُ الَّذِي رَجَّحْنَاهُ أَوَّلًا، لَكِنَّ الْوَاقِدِيَّ وَهِمَ فِي ذَلِكَ ثَلَاثَةَ أَوْهَامٍ:\n• أَحَدُهَا: أَنَّهُ زَعَمَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى يَوْمَ خُرُوجِهِ الظُّهْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ.\n• الْوَهْمُ الثَّانِي: أَنَّهُ أَحْرَمَ ذَلِكَ الْيَوْمَ عَقِيبَ صَلَاةِ الظُّهْرِ، وَإِنَّمَا أَحْرَمَ مِنَ الْغَدِ بَعْدَ أَنْ بَاتَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ.\n• الْوَهْمُ الثَّالِثُ: أَنَّ الْوَقْفَةَ كَانَتْ يَوْمَ السَّبْتِ، وَهَذَا لَمْ يَقُلْهُ غَيْرُهُ، وَهُوَ وَهْمٌ بَيِّنٌ. اهـ.\nوقال ابن كثير في «البداية والنهاية» - في حوادث سنة عشر - (٧/ ٤١٤):\nلَا خِلَافَ أَنَّ أَوَّلَ ذِي الْحِجَّةِ كَانَ يَوْمَ الْخَمِيسِ; لِمَا ثَبَتَ بِالتَّوَاتُرِ وَالْإِجْمَاعِ مِنْ أَنَّهُ، ﵊، وَقَفَ بِعَرَفَةَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَهُوَ تَاسِعُ ذِي الْحِجَّةِ بِلَا نِزَاعٍ، فَلَوْ كَانَ خُرُوجُهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ الرَّابِعَ وَالْعِشْرِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ، لَبَقِيَ فِي الشَّهْرِ سِتُّ لَيَالٍ قَطْعًا; لَيْلَةُ الْجُمُعَةِ، وَالسَّبْتِ، وَالْأَحَدِ، وَالِاثْنَيْنِ، وَالثُّلَاثَاءِ، وَالْأَرْبِعَاءِ،","vol":"1","page":35},{"text":"فَهَذِهِ سِتُّ لَيَالٍ.\nوَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَائِشَةُ، وَجَابِرٌ: إِنَّهُ خَرَجَ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ (^١).\n_________\n(^١) قُلْتُ: بوب النسائي في «سننه» (٢٦٥١): الْوَقْتُ الَّذِي خَرَجَ فِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الْمَدِينَةِ لِلْحَجِّ، وساق حديث عَائِشَةَ ﵂ الذي أخرجه البخاري (١٧٠٩)، ومسلم رقم: (١٢١١)، قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي القَعْدَةِ، لَا نُرَى إِلَّا الحَجَّ، فَلَمَّا دَنَوْنَا مِنْ مَكَّةَ، «أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ إِذَا طَافَ وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ أَنْ يَحِلَّ».\nوأما ما جاء عَنْ عَائِشَةَ ﵂، أنها قَالَتْ: (خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، مُوَافِينَ لِهِلَالِ ذِي الْحِجَّةِ)، فهذا من حديث هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ به، أخرجه البخاري (٣١٧)، ومسلم رقم: (١٢١١/ ١١٥)، وقد وهم فيه عروة في عدة ألفاظ كما في شرح مسلم على الحديث، وتأوله من لم ير وهم عروة في هذه اللفظة وأمثالها في الحديث.\nفقال القرطبي ﵀ في «المفهم» (٣/ ٢٩٨): وقولها في الرواية الأخرى: (خرجنا موافين لهلال ذي الحجة)؛ أي: مطلين عليه ومشرفين. يقال: أوفى على ثنية كذا؛ أي: شارفها، وأطل عليها. ولا يلزم منه أن يكون دخل فيها. وقد دلَّ على صحة هذا: قولها في الرواية الأخرى: (خرجنا مع رسول الله ﷺ لخمس بقين من ذي القعدة)، وكذلك كان. وقَدِم النبي ﷺ مكة لأربع أو خمس من ذي الحجة، فأقام النبي ﷺ في طريقه إلى مكة تسعة أيام، أو عشرة. اهـ.\nقال النووي عند الحديث: (مُوَافِينَ): أَيْ: مُقَارِنِينَ لِاسْتِهْلَالِهِ، وَكَانَ خُرُوجُهُمْ قَبْلَهُ لِخَمْسٍ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، كَمَا صَرَّحَتْ بِهِ فِي رِوَايَةِ عَمْرَةَ. اهـ.\nقال الحافظ ابن حجر في «الفتح» تحت الحديث (١٧٨٦): قَوْلُهُ خَرَجْنَا مُوَافِينَ لِهِلَالِ ذِي الْحِجَّةِ أَيْ قُرْبَ طُلُوعِهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهَا قَالَتْ خَرَجْنَا لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ وَالْخَمْسُ قَرِيبَةٌ مِنْ آخِرِ الشَّهْرِ فَوَافَاهُمُ الْهِلَالُ وَهُمْ فِي الطَّرِيقِ لِأَنَّهُمْ دَخَلُوا مَكَّةَ فِي الرَّابِعِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ. اهـ.","vol":"1","page":36},{"text":"وَتَعَذَّرَ أَنَّهُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ; لِحَدِيثِ أَنَسٍ، فَتَعَيَّنَ عَلَى هَذَا أَنَّهُ، ﵊، خَرَجَ مِنَ الْمَدِينَةِ يَوْمَ السَّبْتِ، وَظَنَّ الرَّاوِي أَنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تَامًّا، فَاتَّفَقَ فِي تِلْكَ السَّنَةِ نُقْصَانُهُ فَانْسَلَخَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ، وَاسْتَهَلَّ شَهْرُ ذِي الْحِجَّةِ لَيْلَةَ الْخَمِيسِ.\nوَيُؤَيِّدُهُ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ جَابِرٍ: لِخَمْسٍ بَقِينَ أَوْ أَرْبَعٍ. وَهَذَا التَّقْرِيرُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ لَا مَحِيدَ عَنْهُ، وَلَا بُدَّ مِنْهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. اهـ.\nقال الحافظ ابن حجر في كِتَابِ المَغَازِي، بَابُ حَجَّةِ الوَدَاعِ قبل حديث (٤٣٩٥):\nوَفِي حَدِيث بن عَبَّاسٍ أَنَّ خُرُوجَهُ مِنَ الْمَدِينَةِ كَانَ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْحَجِّ، وَأَخْرَجَهُ هُوَ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ مثله.\nوَجزم بن حَزْمٍ: بِأَنْ خُرُوجَهُ كَانَ يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ أَوَّلَ ذِي الْحِجَّةِ كَانَ يَوْمَ الْخَمِيسِ قَطْعًا لِمَا ثَبَتَ وَتَوَاتَرَ أَنَّ وُقُوفَهُ بِعَرَفَةَ كَانَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَتَعَيَّنَ أَنَّ أَوَّلَ الشَّهْرِ يَوْمُ الْخَمِيس، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ خُرُوجُهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ بَلْ ظَاهِرُ الْخَبَرِ أَنْ يَكُونَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، لَكِنْ ثَبَتَ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» عَنْ أَنَسٍ: صَلَّيْنَا الظُّهْرَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ أَرْبَعًا وَالْعَصْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ خُرُوجَهُمْ لَمْ يَكُنْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَمَا بَقِيَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ خُرُوجُهُمْ يَوْمَ السَّبْتِ.\nوَيُحْمَلُ قَوْلُ مَنْ قَالَ: (لِخَمْسٍ بَقِينَ) أَيْ: إِنْ كَانَ الشَّهْرُ ثَلَاثِينَ، فَاتَّفَقَ أَنْ جَاءَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ فَيَكُونُ يَوْمُ الْخَمِيسِ أَوَّلَ ذِي الْحِجَّةِ بَعْدَ مُضِيِّ أَرْبَعِ لَيَالٍ لَا","vol":"1","page":37},{"text":"خَمْسٍ، وَبِهَذَا تَتَّفِقُ الْأَخْبَارُ هَكَذَا جَمَعَ الْحَافِظُ عِمَادُ الدِّينِ بْنُ كَثِيرٍ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ.\nوَقَوِيَ هَذَا الْجَمْعُ بِقَوْلِ جَابِرٍ: إِنَّهُ خَرَجَ لِخَمْسٍ بَقَيْنَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ أَوْ أَرْبَعٍ، وَكَانَ دُخُولُهُ ﷺ مَكَّةَ صُبْحَ رَابِعِهِ، كَمَا ثَبَتَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَذَلِكَ يَوْمَ الْأَحَدِ، وَهَذَا يُؤَيِّدُ أَنَّ خُرُوجَهُ مِنَ الْمَدِينَةِ كَانَ يَوْمَ السَّبْتِ، كَمَا تقدم فَيكون مكثه فِي الطَّرِيقِ ثَمَانِ لَيَالٍ. اهـ.\n\n<span data-type='title' id=toc-26>٧ - استحباب الخروج أول النهار:</span>\nوعَنْ صَخْرٍ الْغَامِدِيِّ الصَّحابيِّ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «اللَّهُمَّ بَارِكْ لِأُمَّتِي فِي بُكُورِهَا»، وَكَانَ إِذَا بَعَثَ سَرِيَّةً أَوْ جَيْشًا بَعَثَهُمْ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ، وَكَانَ صَخْرٌ رَجُلًا تَاجِرًا، وَكَانَ يَبْعَثُ تِجَارَتَهُ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ فَأَثْرَى وَكَثُرَ مَالُهُ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-27>٨ - بركة السفر بالليل:</span>\nعن أَنَسٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «عَلَيْكُمْ بِالدُّلْجَةِ، فَإِنَّ الْأَرْضَ تُطْوَى بِاللَّيْلِ» (^٢)، و(الدُّلْجَةُ): هي السير بالليل.\nقال الملا علي القاري في «مرقاة المفاتيح» (٣٩٠٩): وَقَالَ الْمُظْهِرُ: وَالدُّلْجَةُ; أَيْضًا اسْمٌ\n_________\n(^١) أخرجه أَبو داود (٢٦٠٦)، والترمذيُّ (١٢١٢)، وهو حديث حسن.\n(^٢) أخرجه أبو داود (٢٥٧١)، وابن خزيمة (٢٥٥٥)، وهو حديث حسن.","vol":"1","page":38},{"text":"مِنَ ادَّلَجُوا بِفَتْحِ الدَّالِ وَتَشْدِيدِهَا إِذَا سَارُوا آخِرَ اللَّيْلِ، يَعْنِي لَا تَقْنَعُوا بِالسَّيْرِ نَهَارًا بَلْ سِيرُوا بِاللَّيْلِ; أَيْضًا، فَإِنَّهُ يَسْهُلُ حَيْثُ يَظُنُّ الْمَاشِي أَنَّهُ سَارَ قَلِيلًا وَقَدْ سَارَ كَثِيرًا. اهـ.\n\n<span data-type='title' id=toc-28>٩ - كراهية الوحدة في السفر:</span>\nعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي الوَحْدَةِ مَا أَعْلَمُ، مَا سَارَ رَاكِبٌ بِلَيْلٍ وَحْدَهُ»، أخرجه البخاري (^١) في بَابِ السَّيْرِ وَحْدَهُ.\nوبوب البخاري في «صحيحه» بَابُ بَعْثِ النَّبِيِّ ﷺ الزُّبَيْرَ طَلِيعَةً وَحْدَهُ، وساق حديث جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ (^٢): نَدَبَ النَّبِيُّ ﷺ النَّاسَ يَوْمَ الخَنْدَقِ فَانْتَدَبَ الزُّبَيْرُ، ثُمَّ نَدَبَهُمْ فَانْتَدَبَ الزُّبَيْرُ، ثُمَّ نَدَبَهُمْ فَانْتَدَبَ الزُّبَيْرُ، ثَلَاثًا، فَقَالَ: «لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيٌّ وَحَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ».\nوعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الرَّاكِبُ شَيْطَانٌ، وَالرَّاكِبَانِ شَيْطَانَانِ، وَالثَّلَاثَةُ رَكْبٌ» (^٣).\nوجمع الحافظ ابن حجر ﵀ بين هذه الأحاديث في «الفتح» (٢٩٩٨)، فقال:\n_________\n(^١) رقم: (٢٩٩٨).\n(^٢) رقم: (٧٢٦١).\n(^٣) أخرجه الترمذي (١٦٧٤)، وأبو داود (٢٦٠٧)، وأحمد (٦٧٤٨)، وهو حديث حسن.","vol":"1","page":39},{"text":"قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: السَّيْرُ لِمَصْلَحَةِ الْحَرْبِ أَخَصُّ مِنَ السَّفَرِ، وَالْخَبَرُ وَرَدَ فِي السَّفَرِ، فَيُؤْخَذُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ جَوَازُ السَّفَرِ مُنْفَرِدًا لِلضَّرُورَةِ وَالْمَصْلَحَةِ الَّتِي لَا تَنْتَظِمُ إِلَّا بِالِانْفِرَادِ؛ كَإِرْسَالِ الْجَاسُوسِ وَالطَّلِيعَةِ، وَالْكَرَاهَةُ لِمَا عَدَا ذَلِكَ.\nوَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ حَالَةُ الْجَوَازِ مُقَيَّدَةً بِالْحَاجَةِ عِنْدَ الْأَمْنِ وَحَالَةُ الْمَنْعِ مُقَيَّدَةً بِالْخَوْفِ حَيْثُ لَا ضَرُورَةَ. اهـ.\nوحديث ابْنِ عَمْرٍو ﵄ أخرجه ابن خزيمة (^١)، من طريق مُحَمَدِ بْنِ عَجْلَانَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، به، وبوب عليه: بَابُ النَّهْيِ عَنْ سَيْرِ الِاثْنَيْنِ، وَالدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ مَا دُونَ الثَّلَاثِ مِنَ الْمُسَافِرِينَ فَهُمْ عُصَاةٌ، إِذِ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ أَعْلَمَ أَنَّ الْوَاحِدَ شَيْطَانٌ، وَالِاثْنَانِ شَيْطَانَانِ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ: (شَيْطَانٌ) أي: عَاصِي، كَقَوْلِهِ: شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ، وَمَعْنَاهُ: عُصَاةُ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ.\nونقل المناوي في «فيض القدير» رقم (٤٤٩١)، عن الطبري قوله: هذا زجر أدب وإرشاد لما يُخاف على الواحد من الوحشة، وليس بحرام، فالسائر وحده بفلاة، والبائت في بيت وحده لا يأمن من الاستيحاش، سيَّما إن كان ذا فكرة رديئة، أو قلب ضعيف، والحقُّ أن الناس يتفاوتون في ذلك، فوقع الزجرُ لحسم المادة، فيُكره\n_________\n(^١) رقم: (٢٥٧٠).","vol":"1","page":40},{"text":"الانفراد سدًا للباب، والكراهة في الاثنين أخف منها في الواحد. اهـ.\n\n<span data-type='title' id=toc-30>١٠ - توديع المسافر أهله:</span>\nعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا وَدَّعَ رَجُلًا أَخَذَ بِيَدِهِ، فَلَا يَدَعُهَا حَتَّى يَكُونَ الرَّجُلُ هُوَ يَدَعُ يَدَ النَّبِيِّ ﷺ، وَيَقُولُ: «اسْتَوْدِعِ اللَّهَ دِينَكَ وَأَمَانَتَكَ وَآخِرَ عَمَلِكَ» (^١)، وقال الترمذي: وَرُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ. اهـ.\nعن عَبْدِ اللَّهِ الْخَطْمِيِّ ﵁، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَسْتَوْدِعَ الْجَيْشَ قَالَ: «أَسْتَوْدِعُ اللَّهَ دِينَكُمْ وَأَمَانَتَكُمْ وَخَوَاتِيمَ أَعْمَالِكُمْ» (^٢).\nقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ لِرَجُلٍ: تَعَالَ أُوَدِّعْكَ كَمَا وَدَّعَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اسْتَوْدَعْتُكَ اللَّهَ الَّذِي لَا يُضَيِّعُ وَدَائِعَهُ» (^٣).\nوقد جاء عند الطبراني في «الدعاء» (٨٢٣)، تحت بَابِ مَا يَقُولُ الْمُسَافِرُ لِمُخَلِّفِيهِ عِنْدَ الْوَدَاعِ، وابن السني (٥٠٨) تحت بَابِ مَا يَقُولُ لِأَهْلِهِ إِذَا وَدَّعَهُمْ، بلفظ: إِذَا\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢/ ٧)، والترمذي (٣٤٤٢).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٢٦٠١)، وهو حديث صحيح، مخرج في «الصحيح المسند» لشيخنا ﵀ (٨٨٨).\n(^٣) رواه أحمد (٨٦٩٤، ٩٢٣٠)، وأخرجه ابن ماجه (٢٨٢٥)، والنسائي في «عمل اليوم والليلة» (٥٠٨)، وابن السني (٥٠٦).","vol":"1","page":41},{"text":"أَرَدْتَ سَفَرًا أَوْ تَخْرُجُ مَكَانًا تَقُولُ لِأَهْلِكَ: «أَسْتَوْدِعُكُمُ اللَّهَ الَّذِي لَا يُخَيِّبُ وَدَائِعَهُ»، والحديث صحيح، وهو صالح أن يقوله المسافر للمقيم، والمقيم للمسافر.\n\n<span data-type='title' id=toc-31>١١ - الأمارة في السفر:</span>\nوعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وأَبِي هُرَيْرَةَ ﵄، قَالا: قَال أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا خَرَجَ ثَلَاثَةٌ فِي سَفَرٍ فَلْيُؤَمِّرُوا أَحَدَهُمْ» (^١)، وعَنْ بُرَيْدَةَ ﵁، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ، أَوْ سَرِيَّةٍ، أَوْصَاهُ فِي خَاصَّتِهِ بِتَقْوَى اللهِ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-32>والحكمه من الإمارة في السفر،</span> هي: ما قال البغوي ﵀ في «شرح السنة» (١١/ ٢٣): وَإِنَّمَا أَمَرَ بِذَلِكَ، لأَنَّهُمْ إِذَا صَدَرُوا عَنْ رَأْيٍ وَاحِدٍ يَكُونُ ذَلِكَ أَبْعَدَ مِنْ وُقُوعِ الاخْتِلافِ بَيْنَهُمْ. اهـ.\nوقوله: (إذا كانوا ثلاثة): أي: فما فوق، فمفهومه أنَّ الاثنين لا يتأمر أحدهما على الآخر في السفر.\n\n<span data-type='title' id=toc-33>١٢ - عدم نوم المسافر في جادَّة الطريق وليكن سيره في السفر حسب راحته وراحة راحلته:</span>\nعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِذَا سَافَرْتُمْ فِي الْخِصْبِ،\n_________\n(^١) أخرجه أَبُو داود (٢٦٠٨، ٢٦٠٩)، والحديث حسن.\n(^٢) أخرجه مسلم (١٧٣١).","vol":"1","page":42},{"text":"فَأَعْطُوا الْإِبِلَ حَظَّهَا مِنَ الْأَرْضِ، وَإِذَا سَافَرْتُمْ فِي السَّنَةِ، فَأَسْرِعُوا عَلَيْهَا السَّيْرَ، وَإِذَا عَرَّسْتُمْ بِاللَّيْلِ، فَاجْتَنِبُوا الطَّرِيقَ، فَإِنَّهَا مَأْوَى الْهَوَامِّ بِاللَّيْلِ» (^١).\nقال النووي: فيه الْحَثُّ عَلَى الرِّفْقِ بِالدَّوَابِّ وَمُرَاعَاةُ مَصْلَحَتِهَا فَإِنْ سَافَرُوا فِي الْخِصْبِ قَلَّلُوا السَّيْرَ وَتَرَكُوهَا تَرْعَى فِي بَعْضِ النَّهَارِ وَفِي أَثْنَاءِ السَّيْرِ فَتَأْخُذُ حَظَّهَا مِنَ الْأَرْضِ بِمَا تَرْعَاهُ مِنْهَا، وَإِنْ سَافَرُوا فِي الْقَحْطِ عَجَّلُوا السَّيْرَ لِيَصِلُوا الْمَقْصِدَ وَفِيهَا بَقِيَّةٌ مِنْ قُوَّتِهَا، وَلَا يُقَلِّلُوا السَّيْرَ فَيَلْحَقَهَا الضَّرَرُ؛ لِأَنَّهَا لَا تَجِدُ مَا تَرْعَى فَتَضْعُفُ وَيَذْهَبُ نِقْيُهَا، وَرُبَّمَا كَلَّتْ وَوَقَفَتْ. اهـ.\n\n<span data-type='title' id=toc-34>١٣ - يحرص المسافر على أداء الصلاة جماعة في أوقاتها </span>(^٢):\nوعَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا كَانَ فِي سَفَرٍ فَعَرَّسَ بِلَيْلٍ، اضْطَجَعَ عَلَى يَمِينِهِ، وَإِذَا عَرَّسَ قُبَيْلَ الصُّبْحِ نَصَبَ ذِرَاعَهُ،\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٩٢٦).\n(^٢) قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (١٨/ ٣٤١): بَلْ هُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ أَوْكَدُ مِنْ الْحَجِّ بِمَا لَا نِسْبَةَ بَيْنَهُمَا. فَإِنَّ الْحَجَّ يَجِبُ مَرَّةً فِي الْعُمُرِ عَلَى الْمُسْتَطِيعِ وَالنَّبِيُّ ﷺ لَمْ يَحُجَّ بَعْدَ الْهِجْرَةِ إلَّا حَجَّةً وَاحِدَةً وَأَمَّا الصَّلَاةُ فَإِنَّهَا فَرْضٌ عَلَى كُلِّ عَاقِلٍ بَالِغٍ - إلَّا الْحَائِضَ وَالنُّفَسَاءَ - سَوَاءٌ كَانَ صَحِيحًا أَوْ مَرِيضًا آمِنًا أَوْ خَائِفًا غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ نَحْوَ أَرْبَعِينَ رَكْعَةً سَبْعَةَ عَشَرَ فَرِيضَةً وَالسُّنَنُ الرَّوَاتِبُ عَشْرُ رَكَعَاتٍ أَوْ اثْنَتَا عَشْرَةَ رَكْعَةً وَقِيَامُ اللَّيْلِ أَحَدَ عَشَرَ رَكْعَةً أَوْ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً. اهـ.","vol":"1","page":43},{"text":"وَوَضَعَ رَأْسَهُ عَلَى كَفِّهِ» (^١).\nوأخرج مسلم (^٢)، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ حِينَ قَفَلَ مِنْ غَزْوَةِ خَيْبَرَ، سَارَ لَيْلَهُ حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْكَرَى عَرَّسَ، وَقَالَ لِبِلَالٍ: «اكْلَأْ لَنَا اللَّيْلَ»، فَصَلَّى بِلَالٌ مَا قُدِّرَ لَهُ، وَنَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ، فَلَمَّا تَقَارَبَ الْفَجْرُ اسْتَنَدَ بِلَالٌ إِلَى رَاحِلَتِهِ مُوَاجِهَ الْفَجْرِ، فَغَلَبَتْ بِلَالًا عَيْنَاهُ وَهُوَ مُسْتَنِدٌ إِلَى رَاحِلَتِهِ، فَلَمْ يَسْتَيْقِظْ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَلَا بِلَالٌ، وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ حَتَّى ضَرَبَتْهُمُ الشَّمْسُ، فَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَوَّلَهُمُ اسْتِيقَاظًا، فَفَزِعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: «أَيْ بِلَالُ» فَقَالَ بِلَالُ: أَخَذَ بِنَفْسِي الَّذِي أَخَذَ - بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ - بِنَفْسِكَ، قَالَ: «اقْتَادُوا»، فَاقْتَادُوا رَوَاحِلَهُمْ شَيْئًا، ثُمَّ تَوَضَّأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَأَمَرَ بِلَالًا فَأَقَامَ الصَّلَاةَ، فَصَلَّى بِهِمُ الصُّبْحَ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ قَالَ: «مَنْ نَسِيَ الصَّلَاةَ فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا»، فَإِنَّ اللهَ قَالَ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤)﴾ [طه: ١٤]، قَالَ يُونُسُ: وَكَانَ ابْنُ شِهَابٍ: يَقْرَؤُهَا: لِلذِّكْرَى.\nوأخرج مسلم أيضًا عَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ (^٣)، وفيه: فَمَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٦٨٣).\n(^٢) رقم: (٦٨٠).\n(^٣) رقم (٦٨١).","vol":"1","page":44},{"text":"الطَّرِيقِ، فَوَضَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ قَالَ: «احْفَظُوا عَلَيْنَا صَلَاتَنَا»، فَكَانَ أَوَّلَ مَنِ اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَالشَّمْسُ فِي ظَهْرِهِ، قَالَ: فَقُمْنَا فَزِعِينَ، ثُمَّ قَالَ: «ارْكَبُوا»، فَرَكِبْنَا فَسِرْنَا حَتَّى إِذَا ارْتَفَعَتِ الشَّمْسُ نَزَلَ، ثُمَّ دَعَا بِمِيضَأَةٍ كَانَتْ مَعِي فِيهَا شَيْءٌ مِنْ مَاءٍ، قَالَ: فَتَوَضَّأَ مِنْهَا وُضُوءًا دُونَ وُضُوءٍ، قَالَ: وَبَقِيَ فِيهَا شَيْءٌ مَنْ مَاءٍ، ثُمَّ قَالَ لِأَبِي قَتَادَةَ: «احْفَظْ عَلَيْنَا مِيضَأَتَكَ، فَسَيَكُونُ لَهَا نَبَأٌ»، ثُمَّ أَذَّنَ بِلَالٌ بِالصَّلَاةِ، فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى الْغَدَاةَ، فَصَنَعَ كَمَا كَانَ يَصْنَعُ كُلَّ يَوْمٍ، قَالَ: وَرَكِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَرَكِبْنَا مَعَهُ، قَالَ: فَجَعَلَ بَعْضُنَا يَهْمِسُ إِلَى بَعْضٍ مَا كَفَّارَةُ مَا صَنَعْنَا بِتَفْرِيطِنَا فِي صَلَاتِنَا؟ ثُمَّ قَالَ: «أَمَا لَكُمْ فِيَّ أُسْوَةٌ»، ثُمَّ قَالَ: «أَمَا إِنَّهُ لَيْسَ فِيَّ النَّوْمِ تَفْرِيطٌ، إِنَّمَا التَّفْرِيطُ عَلَى مَنْ لَمْ يُصَلِّ الصَّلَاةَ حَتَّى يَجِيءَ وَقْتُ الصَّلَاةَ الْأُخْرَى، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَلْيُصَلِّهَا حِينَ يَنْتَبِهُ لَهَا»، الحديث.\n\n<span data-type='title' id=toc-35>قصر الرباعية إلى ركعتين في السفر الطويل أو القصير</span>\nعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «الصَّلَاةُ أَوَّلُ مَا فُرِضَتْ رَكْعَتَيْنِ، فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ، وَأُتِمَّتْ صَلَاةُ الحَضَرِ»، قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَقُلْتُ لِعُرْوَةَ: مَا بَالُ عَائِشَةَ تُتِمُّ؟ قَالَ: تَأَوَّلَتْ مَا تَأَوَّلَ عُثْمَانُ (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٠٩٠)، ومسلم (٦٨٥).","vol":"1","page":45},{"text":"وعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «فُرِضَتِ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ هَاجَرَ النَّبِيُّ ﷺ فَفُرِضَتْ أَرْبَعًا، وَتُرِكَتْ صَلَاةُ السَّفَرِ عَلَى الأُولَى» (^١).\nوعَنْ عَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: قَالَتْ: «كَانَ أَوَّلَ مَا افْتُرِضَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الصَّلَاةُ: رَكْعَتَانِ رَكْعَتَانِ، إِلَّا الْمَغْرِبَ، فَإِنَّهَا كَانَتْ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَتَمَّ اللَّهُ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْعِشَاءَ الْآخِرَةَ أَرْبَعًا فِي الْحَضَرِ، وَأَقَرَّ الصَّلَاةَ عَلَى فَرْضِهَا الْأَوَّلِ فِي السَّفَرِ» (^٢).\nوعَنْ عُمَرَ ﵁، قَالَ: «صَلَاةُ الْأَضْحَى رَكْعَتَانِ، وَصَلَاةُ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَانِ، وَصَلَاةُ الْفِطْرِ رَكْعَتَانِ، وَصَلَاةُ الْمُسَافِرِ رَكْعَتَانِ تَمَامٌ غَيْرُ قَصْرٍ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ، وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى» (^٣).\nوصححه الألباني ﵀ في «إرواء الغليل» (٦٣٨)؛ إلا أنَّ الروايات الصحيحة عند أحمد رقم (٢٥٧)، وغيره، من طريق سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٩٣٥).\n(^٢) أخرجه أحمد (٢٦٣٣٨)، بسند حسن.\n(^٣) أخرجه ابن ماجه (١٠٦٤)، وابن خزيمة في «صحيحه» (١٤٢٥)، والنسائي في «الكبرى» (٤٠٩٠) في كِتَابِ الصَّلَاةِ، باب عَدَد صَلَاةِ الْفِطْرِ وَصَلَاةِ النَّحْرِ، من طريق مُحَمَّدِ بْنِ بِشْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زِيَادٍ - ابْنُ أَبِي الْجَعْدِ -، عَنْ زُبَيْدٍ الْيَامِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، عَنْ عُمَرُ به، وهذا سند رجاله ثقات.","vol":"1","page":46},{"text":"وعند النسائي في «الكبرى» (٥٧٤)، وغيره، من طريق شُعْبَةَ بْنِ الْحَجَّاجِ.\nوعند ابن ماجه (١٠٦٣)، والنسائي في «المجتبى» (١٤٢١)، من طريق شَرِيكٍ الْقَاضِي.\nثلاثتهم رووا الحديث، عَنْ زُبَيْدٍ الْيَامِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ عُمَرُ به، بغير واسطة كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ.\nورجح الحفاظ رواية: سُفْيَانَ، وشُعْبَةَ، وشَرِيكٍ عَنْ زُبَيْدٍ الْيَامِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ عُمَرُ بدون واسطة كَعْبٍ.\nوقال ابن أبي حاتم في «العلل» (٣٨١): قَالَ أَبِي: الثوريُّ أحفَظُ.\nوقال (٥٨٥): الحديثَ، ليسَ فِيهِ كَعْبٌ، وسُفْيانُ أحفَظُ. اهـ.\nوقال الدارقطني في «العلل» رقم (١٥٠)، - بعد ذكر الخلاف في طرقه -: وَالْمَحْفُوظُ عَنْ زُبَيْدٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ عُمَرَ، وَهُوَ الصَّوَابُ إن شاء الله تعالى. اهـ.\nوقال البزار في «مسنده» رقم (٣٣١): وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ يَزِيدُ بْنُ زِيَادِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ زُبَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، عَنْ عُمَرَ، وَشُعْبَةَ، وَالثَّوْرِيَّ فَلَمْ يَذْكُرَا كَعْبَ بْنَ عُجْرَةَ، وَهُمَا حَافِظَانِ.\nوَيَزِيدُ بْنُ زِيَادٍ فَغَيْرُ حَافَظٍ. اهـ.\nقُلْتُ: فعلم أنَّ الرواية المتصلة بذكر كعب شاذة، تفرد بها يزيد بن زياد، وقد","vol":"1","page":47},{"text":"قال عنه الحافظ في «التقريب»: صدوق. اهـ. والراجح أنه ثقة، وثقه جماعة كما في «التهذيب»؛ لكنه غير حافظ، والثوري وشعبة أرجح من أعداد مثله، فلم تبقَ إلا رواية ابن أبي ليلى عن عمر، وقد اختلف في سماعه من عمر.\nقال ابن المديني: لم يثبت عندنا من جهة صحيحة أن ابن أبي ليلى سمع من عمر، وكان شعبه ينكر أنه سمع من عمر، وقال ابن معين لم يرى عمر. اهـ.\nفقيل له: قوله: سمعت عمر يقول: (صلاة الجمعة ركعتان)، فذكر هذا الحديث، قال: ليس بشيءٍ.\nوسئل أبو حاتم: هل يصح له سماع من عمر، قال: لا. اهـ من «تحفة التحصيل»، لأبي زرعه العراقي.\nوقال النسائي عقب هذا الحديث (١٤٢١): لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عُمَرَ. اهـ.\nوممن أثبت روايته عن عمر، مسلم في «مقدمة صحيحه» في آخر بَاب صِحَّةِ الِاحْتِجَاجِ بِالْحَدِيثِ الْمُعَنْعَنِ، فقال: وَأَسْنَدَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى، وَقَدْ حَفِظَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ. اهـ.\nوأخرج أبو يعلى في «مسنده»: من طريق الْأَعْمَشِ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى، حَدَّثَهُ قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ إِلَى مَكَّةَ، فَاسْتَقْبَلَنَا أَمِيرُ مَكَّةَ نَافِعُ بْنُ عَلْقَمَةَ، وذكر قوله: مَنِ اسْتَخْلَفْتَ عَلَى مَكَّةَ؟، إلى","vol":"1","page":48},{"text":"قوله: «إِنَّ اللَّهَ يَرْفَعُ بِالْقُرْآنِ أَقْوَامًا، وَيَضَعُ بِالْقُرْآنِ أَقْوَامًا» (^١).\nفحاصله: أنه ليس هناك ما يثبت سماع عبد الرحمن بن أبي ليلى، من عمر كما نصَّ عليه الحفاظ.\nوعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «صَلَاةُ السَّفَرِ رَكْعَتَانِ مَنْ خَالَفَ السُّنَّةَ فَقَدْ كَفَرَ» (^٢)، وعَنْ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: مَنْ صَلَّى فِي السَّفَرِ أَرْبَعًا كَانَ كَمَنْ صَلَّى فِي الْحَضَرِ رَكْعَتَيْنِ (^٣)، وعَنْ مُوسَى بْنِ سَلَمَةَ الْهُذَلِيِّ، قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ: كَيْفَ أُصَلِّي إِذَا كُنْتُ بِمَكَّةَ، إِذَا لَمْ أُصَلِّ مَعَ الْإِمَامِ؟ فَقَالَ: «رَكْعَتَيْنِ سُنَّةَ أَبِي الْقَاسِمِ ﷺ» (^٤).\nوعن أَبِي جَمْرَةَ، قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: مَا تَطِيبُ نَفْسِي أَنْ أُصَلِّيَ بِمَكَّةَ\n_________\n(^١) رقم (٢١١)، وأصل الحديث في مسلم (٨١٧)، وأحمد (٢٣٢)، من غير هذه الطريق، أما هذه فضعيفة، فيها عنعنة الأعمش، وهي مخالفة للطريق الصحيحة.\n(^٢) أخرجه ابن المنذر في «الأوسط» (٤/ ٣٣٣) وابن عبد البر في «التمهيد» (٤/ ٤٧٣)، وعبد الرزاق في «المصنف» (٤٢٨١)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار»، بسند صحيح إلى ابن عمر ﵄.\n(^٣) أخرجه ابن المنذر في «الأوسط» (٤/ ٣٨٣)، من طريق حُمَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ الْعُقَيْلِيِّ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، فذكره، وحُمَيْدُ الْعُقَيْلِيُّ: قال أبو زرعة: كوفي لا بأس به كما في ترجمته من «تعجيل المنفعة». وفي ترجمته من «الميزان» للذهبي: قال الدار قطني: لا يستقيم حديثه ولا يحتج به. اهـ. والضَّحَّاكُ بْنُ مُزَاحِمٍ: لم يسمع من ابن عباس كما في «تحفة التحصيل»؛ لكن الأثر صحيح بما بعده.\n(^٤) أخرجه مسلم (٦٨٨).","vol":"1","page":49},{"text":"رَكْعَتَيْنِ، قَالَ: أَفَتَطِيبُ نَفْسُكَ أَنْ تُصَلِّيَ الصُّبْحَ أَرْبَعًا؟ (^١).\nقال الإمام البخاري ﵀ رقم (١١٠٢): حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عِيسَى بْنِ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي: أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ، يَقُولُ: «صَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَكَانَ لَا يَزِيدُ فِي السَّفَرِ عَلَى رَكْعَتَيْنِ، وَأَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ كَذَلِكَ ﵃».\nوأخرجه برقم (١١٠١)، وفيه: قَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄: صَحِبْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَلَمْ أَرَهُ يُسَبِّحُ فِي السَّفَرِ، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: قَالَ اللَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١].\nوأخرجه مسلم، بزيادة: (فَلَمْ يَزِدْ أَحَدٌ مِنْهُم فِي السَّفَرِ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ اللهُ)، وفيه إشكال يظهر في الحديث الذي سنذكره بعده مع توجيهه إن شاء الله.\nقال الإمام البخاري ﵀ (^٢): حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ\n_________\n(^١) أخرجه ابن المنذر في «الأوسط» (٤/ ٣٨٣) رقم (٢٢٢٨)، فقال: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حَمْزَةَ به، وهذا سند صحيح.\nعَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: البغوي الحافظ، وشيخه: مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْفَرَاهِيدِيُّ، وشُعْبَةُ: أمير المؤمنين في الحديث، وأَبُو جَمْرَةَ: هو نصر بن عمران، ثقة، وروايته عن ابن عباس عند الجماعة.\n(^٢) رقم (١٠٨٢)، وأخرجه برقم (١٦٥٧)، ومسلم برقم (٦٩٤).","vol":"1","page":50},{"text":"عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: «صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ، وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ وَمَعَ عُثْمَانَ صَدْرًا مِنْ إِمَارَتِهِ ثُمَّ أَتَمَّهَا».\nوأوضح هذا الإشكال ما أخرجه الإمام البخاري ﵀ رقم (١٠٨٤)، قال: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ، يَقُولُ: صَلَّى بِنَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ﵁ بِمِنًى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، فَقِيلَ: ذَلِكَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁، فَاسْتَرْجَعَ، ثُمَّ قَالَ: «صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ، وَصَلَّيْتُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ، وَصَلَّيْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ»، فَلَيْتَ حَظِّي مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ رَكْعَتَانِ مُتَقَبَّلَتَانِ.\nوأخرجه مسلم رقم (٦٩٥)، زاد أبو داود (١٩٦٠)، فَقِيلَ لابْنِ مَسْعُودٍ: عِبْتَ عَلَى عُثْمَانَ ثُمَّ صَلَّيْتُ أَرْبَعًا، قَالَ: الْخِلَافُ شَرٌّ.\nفبان الإشكال مع رواية ابن عمر الأولى التي فيها: (أنَّ عثمان صلى بمنى ركعتين ركعتين حتى قبض)؛ لأن في روايته الأخرى: (أنه بعد ذلك أتم).\nوفي حديث ابن مسعود أنَّ عثمان صلى أربعًا في منى.\nوقد جمع النووي ﵀ بين هذه الروايات، فقال في شرحه على «صحيح مسلم»: وَتَأَوَّلَ الْعُلَمَاءُ رِوَايَة حديث ابن عمر: أَنَّ عُثْمَانَ لَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى","vol":"1","page":51},{"text":"قَبَضَهُ اللَّهُ، - هذا في السفر، أما في منى فقد كان يقصر من قبل ثم أتم بعد ذلك - وَالرِّوَايَاتُ الْمَشْهُورَةُ بِإِتْمَامِ عُثْمَانَ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْإِتْمَامِ بِمِنًى خَاصَّةً.\nوَقَدْ فَسَّرَ عِمْرَانُ بْنُ الْحُصَيْنِ فِي رِوَايَتِهِ أَنَّ إِتْمَامَ عُثْمَانَ إِنَّمَا كَانَ بِمِنًى وَكَذَا ظَاهِرُ الْأَحَادِيثِ الَّتِي ذَكَرَهَا مُسْلِمٌ. اهـ.\nفتبين أنَّ عثمان ﵁ كان إذا سافر قصر وكان يفعل ذلك حتى قبضه الله، وأنه كان يقصر في منى في أول إمارته ثم بعد ذلك أتم في آخر أمره في منى اجتهادًا منه.\n\n<span data-type='title' id=toc-37>المسافر يقصر إذا جاوز بيوت قريته وفي رجوعه حتى يدخلها</span>\nقال الإمام البخاري ﵀ (^١): حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ، وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: «صَلَّيْتُ الظُّهْرَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ أَرْبَعًا، وَبِذِي الحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ»، واستدل بهذا الحديث أنَّ المسافر يبدأ القصر إذا جاوز بيوت قريته كما سيأتي بعد هذا.\nقال شيخ الإسلام ﵀، - بعد كلام له في القصر -: وَأَمَّا الْقَصْرُ فَكُلُّ الصَّحَابَةِ كَانُوا يَقْصُرُونَ مِنْهُمْ أَهْلُ مَكَّةَ وَغَيْرُ أَهْلِ مَكَّةِ بِمِنًى وَعَرَفَةَ وَغَيْرِهِمَا، وَأَيْضًا فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ قَدْ نَقَلُوا بِالتَّوَاتُرِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُصَلِّ فِي السَّفَرِ إلَّا رَكْعَتَيْنِ\n_________\n(^١) رقم (١٠٨٩)، وأخرجه مسلم رقم (٣٩٠).","vol":"1","page":52},{"text":"وَلَمْ يَنْقُلْ عَنْهُ أَحَدٌ أَنَّهُ صَلَّى أَرْبَعًا قَطُّ وَلَكِنَّ الثَّابِتَ عَنْهُ أَنَّهُ صَامَ فِي السَّفَرِ وَأَفْطَرَ وَكَانَ أَصْحَابُهُ مِنْهُمْ الصَّائِمُ، وَمِنْهُمْ الْمُفْطِرُ. اهـ من «مجموع الفتاوى» (٢٤/ ٨ - ٩).\nقال الإمام ابن القيم ﵀ في «زاد المعاد» (١/ ٤٤٧): وَكَانَ يَقْصُرُ الرُّبَاعِيَّةَ، فَيُصَلِّيهَا رَكْعَتَيْنِ مِنْ حِينِ يَخْرُجُ مُسَافِرًا إِلَى أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْهُ أَنَّهُ أَتَمَّ الرُّبَاعِيَّةَ فِي سَفَرِهِ الْبَتَّةَ، وَأَمَّا حَدِيثُ عائشة: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْصُرُ فِي السَّفَرِ، وَيُتِمُّ، وَيُفْطِرُ، وَيَصُومُ»، فَلَا يَصِحَّ.\nوَسَمِعْتُ شَيْخَ الْإِسْلَامِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ يَقُولُ: هُوَ كَذِبٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ انْتَهَى، وَقَدْ رُوِيَ كَانَ يَقْصُرُ وَتُتِمُّ، الْأَوَّلُ بِالْيَاءِ آخِرِ الْحُرُوفِ، وَالثَّانِي بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْقٍ، وَكَذَلِكَ يُفْطِرُ وَتَصُومُ، أَيْ: تَأْخُذُ هِيَ بِالْعَزِيمَةِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ.\nقَالَ: شَيْخُنَا ابن تيمية: وَهَذَا بَاطِلٌ مَا كَانَتْ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ لِتُخَالِفَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَجَمِيعَ أَصْحَابِهِ، فَتُصَلِّيَ خِلَافَ صَلَاتِهِمْ، كَيْفَ وَالصَّحِيحُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: «إِنَّ اللَّهَ فَرَضَ الصَّلَاةَ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، فَلَمَّا هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ، زِيدَ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ، وَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ»، فَكَيْفَ يُظَنُّ بِهَا مَعَ ذَلِكَ أَنْ تُصَلِّيَ بِخِلَافِ صَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ وَالْمُسْلِمِينَ مَعَهُ.\nقُلْتُ: وَقَدْ أَتَمَّتْ عائشة بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ: إِنَّهَا تَأَوَّلَتْ كَمَا تَأَوَّلَ عثمان، وَإِنَّ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ يَقْصُرُ دَائِمًا، فَرَكَّبَ بَعْضُ الرُّوَاةِ مِنَ","vol":"1","page":53},{"text":"الْحَدِيثَيْنِ حَدِيثًا، وَقَالَ: فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْصُرُ وَتُتِمُّ هِيَ، فَغَلِطَ بَعْضُ الرُّوَاةِ، فَقَالَ: كَانَ يَقْصُرُ وَيُتِمُّ، أَيْ هُوَ.\nوَالتَّأْوِيلُ الَّذِي تَأَوَّلَتْهُ قَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ، فَقِيلَ ظَنَّتْ أَنَّ الْقَصْرَ مَشْرُوطٌ بِالْخَوْفِ فِي السَّفَرِ، فَإِذَا زَالَ الْخَوْفُ زَالَ سَبَبُ الْقَصْرِ، وَهَذَا التَّأْوِيلُ غَيْرُ صَحِيحٍ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَافَرَ آمِنًا وَكَانَ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ. اهـ.\nوقال ابن حزم في «المحلى» مسألة (٥١٢): وَكَوْنُ الصَّلَاة الْمَذْكُورَةِ فِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ فَرْضٌ سَوَاءٌ كَانَ سَفَرَ طَاعَةٍ أَوْ مَعْصِيَةٍ، أَوْ لَا طَاعَةَ وَلَا مَعْصِيَةَ، أَمْنًا كَانَ أَوْ خَوْفًا. اهـ.\nقال الشوكاني ﵀، بعد عرض قول الفريقين في المسألة: وَقَدْ لَاحَ مِنْ مَجْمُوعِ مَا ذَكَرْنَا رُجْحَانُ الْقَوْلِ بِالْوُجُوبِ، وَأَمَّا دَعْوَى أَنَّ التَّمَام أَفْضَلُ فَمَدْفُوعَةٌ بِمُلَازَمَتِهِ ﷺ لِلْقَصْرِ فِي جَمِيعِ أَسْفَارِهِ وَعَدَمِ صُدُورِ التَّمَامِ عَنْهُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَيَبْعُدُ أَنْ يُلَازِمَ ﷺ طُولَ عُمْرِهِ الْمَفْضُولَ وَيَدَعَ الْأَفْضَلَ. اهـ من «نيل الأوطار» (٣/ ٢٠٢).\nقُلْتُ: وبهذا قال عمر بن عبد العزيز، وسفيان الثوري، والحسن بن صالح، والظاهرية أجمعون، وغيرهم ممن يطول الكلام بذكرهم، والمقصود هو معرفة الراجح وقد تبين بهذا أنَّ القصر للمسافر واجب.\n\nوإليك<span data-type='title' id=toc-38> أهم ما استدل به الجمهور على عدم وجوب القصر في السفر،</span> وأنه أفضل من الإتمام فقط:","vol":"1","page":54},{"text":"• قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١]، قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: وَلَا يُسْتَعْمَلُ لَا جُنَاحَ إلَّا فِي الْمُبَاحِ. «المجموع للنووي» (٤/ ٣٣٩).\n• حديث عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁: أنَّ يَعْلَى بْنَ أُمَيَّةَ، قَالَ: قُلْتُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١]، فَقَدْ أَمِنَ النَّاسُ، فَقَالَ: عَجِبْتُ مِمَّا عَجِبْتُ مِنْهُ، فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ «صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللهُ بِهَا عَلَيْكُمْ، فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ» (^١)، قالوا: فالقصر إنما هو صدقة ورخصة وليس بواجب.\n• قالوا: ثبت عن عثمان ﵁ أنه أتم الصلاة بمنى، وصلى خلفه ابن مسعود وغيره، ولو لم يكن الإتمام جائزًا لما أقره أصحاب رسول الله ﷺ على ذلك.\n• قالوا: ثبت من حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ الكَعْبِيّ ﵁، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ، قال: «إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ شَطْرَ الصَّلَاةِ عَنِ الْمُسَافِرِ، وَوَضَعَ الصَّوْمَ الحامل وَالْمُرْضِعِ»، فهذا الحديث يدل أنَّ الله سبحانه إنما خفف للمسافر، فأذن له في القصر تخفيفًا فقط فهو رخصة، كما أنَّ الفطر والمسح على الخفين ثلاثة أيام بلياليهن رخصة للمسافر يجوز له فعله وتركه.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢/ ٥٦٩) «الفتح»، ومسلم (٦٨٦).","vol":"1","page":55},{"text":"• قالوا: وقد جاء من حديث عَائِشَةَ ﵂، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْصُرُ فِي السَّفَرِ وَيُتِمُّ، وَيُفْطِرُ وَيَصُومُ»، وتقدم أنَّه حديث باطل.\nفهذا أهم ما لهم من الأدلة على جواز الإتمام في السفر كما ذكر ذلك النووي في «المجموع»، والشوكاني في «النيل» وغيرهما، ورد من قال بوجوب القصر على استدلالهم بما يلي:\n• أما استدلالهم بالآية: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١]، فالمقصود بالقصر هنا: قصر الصفة في الركوع، والخشوع، والسجود، والتخفيف في القراءة، ونحو ذلك، وتشمل قصر العدد.\nقال ابن القيم ﵀: وَالْآيَةُ قَدِ أُشْكِلَتْ عَلَى عمر وَعَلَى غَيْرِهِ، فَسَأَلَ عَنْهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَجَابَهُ بِالشِّفَاءِ، وَأَنَّ هَذَا صَدَقَةٌ مِنَ اللَّهِ وَشَرْعٌ شَرَعَهُ لِلْأُمَّةِ، وَكَانَ هَذَا بَيَانَ أَنَّ حُكْمَ الْمَفْهُومِ غَيْرُ مُرَادٍ وَأَنَّ الْجُنَاحَ مُرْتَفِعٌ فِي قَصْرِ الصَّلَاةِ عَنِ الْآمِنِ وَالْخَائِفِ، وَغَايَتُهُ أَنَّهُ نَوْعُ تَخْصِيصٍ لِلْمَفْهُومِ أَوْ رَفْعٍ لَهُ، وَقَدْ يُقَالُ: إِنَّ الْآيَةَ اقْتَضَتْ قَصْرًا يَتَنَاوَلُ قَصْرَ الْأَرْكَانِ بِالتَّخْفِيفِ، وَقَصْرَ الْعَدَدِ بِنُقْصَانِ رَكْعَتَيْنِ، وَقُيَّدَ ذَلِكَ بِأَمْرَيْنِ: الضَّرْبِ فِي الْأَرْضِ وَالْخَوْفِ، فَإِذَا وُجِدَ الْأَمْرَانِ أُبِيحَ الْقَصْرَانِ، فَيُصَلُّونَ صَلَاةَ الْخَوْفِ مَقْصُورَةً عَدَدُهَا وَأَرْكَانُهَا، وَإِنِ انْتَفَى الْأَمْرَانِ فَكَانُوا آمِنِينَ مُقِيمِينَ انْتَفَى الْقَصْرَانِ فَيُصَلُّونَ صَلَاةً تَامَّةً كَامِلَةً، وَإِنْ وُجِدَ أَحَدُ السَّبَبَيْنِ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ قَصْرُهُ وَحْدَهُ، فَإِذَا وُجِدَ الْخَوْفُ وَالْإِقَامَةُ قُصِرَتِ الْأَرْكَانُ","vol":"1","page":56},{"text":"وَاسْتُوفِيَ الْعَدَدُ، وَهَذَا نَوْعُ قَصْرٍ، وَلَيْسَ بِالْقَصْرِ الْمُطْلَقِ فِي الْآيَةِ، فَإِنْ وُجِدَ السَّفَرُ وَالْأَمْنُ قُصِرَ الْعَدَدُ وَاسْتُوفِيَ الْأَرْكَانُ، وَسُمِّيَتْ صَلَاةَ أَمْنٍ، وَهَذَا نَوْعُ قَصْرٍ، وَلَيْسَ بِالْقَصْرِ الْمُطْلَقِ. اهـ من «زاد المعاد» (١/ ٤٦٦)، ونقل ملخص البحث الشوكاني في «نيل بالأوطار» (٣/ ٢٠١).\nقال ابن كثير ﵀ بعد ذكر بعض الأحاديث الماضية عندنا، قال: فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ دَالَّةٌ صَرِيحًا عَلَى أَنَّ الْقَصْرَ لَيْسَ مَنْ شَرْطِهِ وُجُودُ الْخَوْفِ؛ وَلِهَذَا قَالَ مَنْ قَالَ مِنَ الْعُلَمَاءِ: إِنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْقَصْرِ هَاهُنَا إِنَّمَا هُوَ قَصْرُ الْكَيْفِيَّةِ لَا الْكَمِّيَّةِ. وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ، وَالضَّحَّاكِ، وَالسُّدِّيِّ. اهـ.\nقُلْتُ: بل وقول عائشة، وابن عباس ﵄ كما في «زاد المعاد»، وعمر، وابن عمر، وجابر بن عبد الله، كلهم ثبت عنهم: أنَّ صلاة السفر ركعتان.\n• وأما حديث عمر ﵁: «صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللهُ بِهَا عَلَيْكُمْ»، ففي الحديث نفسه ما يدل على وجوب قبول هذه الصدقة، فقال في آخره: «فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ».\nقال ابن حزم ﵀ في «المحلى» (٤/ ٢٦٧): أَمَرَ ﵇ بِقَبُولِهَا، فَيَكُونُ مَنْ لَا يَقْبَلُهَا عَاصِيًا. اهـ.\n• وأما كون عثمان ﵁ أتم في منى، فالجواب عنه من وجهين:\nالأول: أن الله سبحانه لم يلزمنا بطاعة أحد من خلقه دون رسول الله ﷺ،","vol":"1","page":57},{"text":"فهو المعصوم دون أفراد أصحابه رضوان الله عليهم، قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، وقال سبحانه: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣]، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [الممتحنة: ٦].\nالثاني: أنَّ عثمان ﵁ قد تأول في إتمامه في منى، واختلفوا في نوع تأويله، فذكر ابن القيم ﵀ ستة تأويلات كلها عليها انتقاد، قال: وأحسن ما اعتذر به عن عثمان ﵁: أَنَّهُ كَانَ قَدْ تَأَهَّلَ بِمِنًى وَالْمُسَافِرُ إِذَا أَقَامَ فِي مَوْضِعٍ، وَتَزَوَّجَ فِيهِ، أَوْ كَانَ لَهُ بِهِ زَوْجَةٌ، أَتَمَّ. اهـ من «زاد المعاد» (١/ ٤٧٠).\nقُلْتُ: وهذا القول جاء فيه حديث ضعيف كما سنبينه إن شاء الله في مسألة من تزوج في مكان أو كان له ببلد زوجة هل يتم، وأحسن منه أن يقال في ذلك إن عثمان ﵁ اجتهد في فهم الآية: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١]، ففهم أنَّ القصر يكون في حالة السفر مع الخوف كما فهمت عائشة منها كذلك، ولم يوافقهما جميع أصحاب رسول الله ﷺ على هذا الفهم، لوجود النصوص المتكاثرة عن رسول الله ﷺ على بيان الآية: أنَّ المراد بها قصر الصفة كما تقدم، فيكون مأجورًا على اجتهاده وبذل وسعه في طلب الحق، ولا يجوز لنا","vol":"1","page":58},{"text":"متابعته على الخطأ بعد وضوح الصواب بأدلته الثابتة.\n• وأما كون أصحاب رسول الله ﷺ أقروه على ذلك، فهذا غير صحيح فقد تقدم حديث ابن مسعود أنه حين صلى عثمان بمنى أربعًا عد ذلك من المصائب، وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، وقال ابن عمر: تفرقت بكم الأهواء، لكن ابن مسعود يقول: الخلاف شر، فيرى أنَّ جمع الكلمة وطاعة ولي الأمر المسلم أوجب من القصر، والنبي ﷺ يقول: «صلوا فَإِنْ أَصَابُوا فَلَكُمْ وَلَهُمْ، وَإِنْ أَخْطَئُوا فَلَكُمْ وَعَلَيْهِمْ»، وليس القصر للمسافر شرطًا في صحة صلاته.\nوقد استدلّه ابن عبد البر للجمهور بوجوب إتمام المسافر خلف المقيم على أنَّ القصر غير واجب، فقال ﵀ في «التمهيد» (٣٤٢): وَفِي إِجْمَاعِ الْجُمْهُورِ مِنَ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ الْمُسَافِرَ إِذَا دَخَلَ فِي صَلَاةِ الْمُقِيمِينَ فَأَدْرَكَ مِنْهَا رَكْعَةً أَنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يُصَلِّيَ أَرْبَعًا، فَلَوْ كَانَ فَرْضُ الْمُسَافِرِ رَكْعَتَيْنِ لَمْ يَنْتَقِلْ فَرْضُهُ إِلَى أَرْبَعٍ، كَمَا أَنَّ الْمُقِيمَ إِذَا دَخَلَ خَلْفَ الْمُسَافِرِ لَمْ يَنْتَقِلْ فَرْضُهُ إلى اثنين، وَهَذَا وَاضِحٌ لِمَنْ تَدَبَّرَ وَأَنْصَفَ. اهـ.\nقُلْتُ: وهذا القول يرد على من رأى أنَّ القصر شرط لصحة الصلاة، فإن أتم بطلت صلاته، وسيأتي بيان أنَّه إن أتمَّ صحة صلاته، وإنما هو واجب تركه ابن مسعود لما هو أوجب منه، وهو طاعة ولي الأمر.","vol":"1","page":59},{"text":"<span data-type='title' id=toc-40>من نوى الإقامة في بلدٍ أربعًا فأقل يقصر، ومن نوى أكثر أتمَّ</span>\nبواب المجد في «منتقى الأخبار» بَابُ أَنَّ مَنْ دَخَلَ بَلَدًا فَنَوَى الْإِقَامَة فِيهِ أَرْبَعًا يَقْصُر، واستدل بحديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: «أَنَّهُ صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إلَى مَكَّةَ فِي الْمَسِيرِ وَالْمُقَامِ بِمَكَّةَ إلَى أَنْ رَجَعُوا رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيُّ فِي «مُسْنَده» (^١).\nقال البوصيري في «إتحاف الخيرة» رقم (١٥٥٧): رِجَالُهُ ثِقَاتٌ. اهـ. إلا أنَّ جَابِرَ بْنَ يَزِيدَ لم يسمع من أبي هريرة ﵁ فهو منقطع.\n(١١٦٥): وَعَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ الْمَدِينَةِ إلَى مَكَّةَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، حَتَّى رَجَعْنَا إلَى الْمَدِينَةِ قُلْتُ: أَقَمْتُمْ بِهَا شَيْئًا؟ قَالَ: أَقَمْنَا بِهَا عَشْرًا» (^٢)، وَلِمُسْلِمٍ بعده: خَرَجْنَا مِنْ الْمَدِينَةِ إلَى الْحَجِّ. ثُمَّ ذَكَرَ مِثْله.\nوَقَالَ أَحْمَدُ: إنَّمَا وَجْه حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّهُ حَسَبُ مُقَام النَّبِيِّ ﷺ بِمَكَّةَ وَمِنًى، وَإِلَّا فَلَا وَجْهَ لَهُ غَيْر هَذَا، وَاحْتُجَّ بِحَدِيثِ جَابِرٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدِمَ مَكَّةَ صَبِيحَةَ رَابِعَةٍ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، فَأَقَامَ بِهَا الرَّابِعَ وَالْخَامِسَ وَالسَّادِسَ وَالسَّابِعَ، وَصَلَّى الصُّبْحَ\n_________\n(^١) رقم (٢٦٩٩).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٠٨١)، ومسلم (٦٩٣) ..","vol":"1","page":60},{"text":"فِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ، ثُمَّ خَرَجَ إلَى مِنًى، وَخَرَجَ مِنْ مَكَّةَ مُتَوَجِّهًا إلَى الْمَدِينَةِ، بَعْدَ أَيَّامَ التَّشْرِيق» وَمَعْنَى ذَلِكَ كُلّه فِي «الصَّحِيحَيْنِ» وَغَيْرهمَا.\nقَوْلُهُ: (رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ) زَادَ الْبَيْهَقِيُّ: «إلَّا الْمَغْرِب».\nقَوْلُهُ: (أَقَمْنَا بِهَا عَشْرًا) هَذَا لَا يُعَارِض حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ الْآتِيَيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا فِي فَتْح مَكَّةَ، وَهَذَا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ. اهـ من «المنتقى مع نيل الأوطار».\nقُلْتُ: وبهذا قال جمهور العلماء.\nقال النووي في «شرحه على مسلم» تحت حديث (٦٩٣): هَذَا مَعْنَاهُ أَنَّهُ أَقَامَ فِي مَكَّةَ وَمَا حَوَالَيْهَا لَا فِي نَفْسِ مَكَّةَ فَقَطْ وَالْمُرَادُ فِي سَفَرِهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَدِمَ مَكَّةَ فِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ فَأَقَامَ بِهَا الْخَامِسَ وَالسَّادِسَ وَالسَّابِعَ وَخَرَجَ مِنْهَا فِي الثَّامِنِ إِلَى مِنًى، وَذَهَبَ إِلَى عَرَفَاتٍ فِي التَّاسِعِ، وَعَادَ إِلَى مِنًى فِي الْعَاشِرِ، فَأَقَامَ بِهَا الْحَادِيَ عَشَرَ وَالثَّانِيَ عَشَرَ، وَنَفَرَ فِي الثَّالِثَ عَشَرَ إِلَى مَكَّةَ وَخَرَجَ مِنْهَا إِلَى الْمَدِينَةِ فِي الرَّابِعَ عَشَرَ.\nفَمُدَّةُ إِقَامَتِهِ ﷺ فِي مَكَّةَ وَحَوَالَيْهَا عَشَرَةَ أَيَّامٍ وَكَانَ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ فِيهَا كُلِّهَا، فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُسَافِرَ إِذَا نَوَى إِقَامَةً دُونَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سِوَى يَوْمَيِ الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ يَقْصُرُ، وَأَنَّ الثَّلَاثَةَ لَيْسَتْ إِقَامَةً؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَقَامَ هُوَ وَالْمُهَاجِرُونَ ثَلَاثًا بِمَكَّةَ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الثَّلَاثَةَ لَيْسَتْ إِقَامَةً شَرْعِيَّةً، وَأَنَّ يَوْمَيِ الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ لَا يُحْسَبَانِ مِنْهَا.","vol":"1","page":61},{"text":"وَبِهَذِهِ الْجُمْلَةِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ، وَفِيهَا خلاف منتشر للسلف. اهـ.\n\n<span data-type='title' id=toc-41>متى يبدأ المسافر في القصر</span>\nتقدم حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ من «الصحيحين» أنه قال: «صلينا مع النَّبِيِّ ﷺ الظُّهْرَ بِالْمَدِينَةِ أَرْبَعًا، وَالعَصْرَ بِذِي الحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ»، وفيه أنَّ المسافر يقصر إذا جاوز بيوت قريته.\nقال ابن المنذر: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ لِمَنْ يُرِيدُ السَّفَرَ أَنْ يَقْصُرَ إِذَا خَرَجَ عَنْ جَمِيعِ بُيُوتِ الْقَرْيَةِ الَّتِي يَخْرُجُ مِنْهَا، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا قَبْلَ الْخُرُوجِ عَنِ الْبُيُوتِ، فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ مُفَارَقَةِ جَمِيعِ الْبُيُوتِ، وَذَهَبَ بَعْضُ الْكُوفِيِّينَ إِلَى أَنَّهُ إِذَا أَرَادَ السَّفَرَ يقصر وَلَوْ كَانَ فِي بيته، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِذَا رَكِبَ قَصَرَ.\nثم رجح القول الأول، واستدل بما ثبت عن علي ﵁ أنَّه كان في سفر فقصر بأصحابه وهم يرون البيوت، ثم رجع من سفره فقصر بهم وهم يرون البيوت (^١).\nوثبت عن ابن عمر ﵄ أنَّه كان يقصر إذا خرج من بيوت المدينة، أخرجه عبد الرزاق في «المصنف» (٢/ ٥٣٠)، من طريقين يشهد أحدهما للآخر.\n_________\n(^١) والأثر علقه البخاري في «صحيحه» (٢/ ٥٦٩) بصيغة الجزم، وأخرجه عبد الرزاق في «المصنف» (٢/ ٥٣٠)، والطحاوي في «معاني الآثار» (١/ ٢٤٣).","vol":"1","page":62},{"text":"قال ابن عبد البر ﵀ في «الاستذكار» (٦/ ٧٧): وَهُوَ مَذْهَبُ جَمَاعَةِ الْعُلَمَاءِ إِلَّا مَنْ شَذَّ. اهـ.\nقُلْتُ: فإذا ثبت أنه إجماع لم يقل بخلافه إلا من شذ، فنقول به باطمئنان أنَّ من أراد السفر لا يشرع له القصر حتى يفارق بيوت قريته التي يسكنها، وإذا رجع يقصر حتى يدخلها ولو كان يراها من بعيد، ويستدل لذلك أيضًا بقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١]، فعلق الله سبحانه القصر بالضرب في الأرض.\nوبهذا استدل النووي في «المجموع» (٤/ ٣٤٦)، قال: وَلَا نَعْلَمُ النَّبِيَّ ﷺ قَصَرَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَسْفَارِهِ إِلَّا بَعْدَ خُرُوجِهِ عَنِ الْمَدِينَةِ. اهـ.\nقال: وَإِنْ اتَّصَلَت حِيطَانُ الْبَسَاتِينِ بِحِيطَانِ الْبَلَدِ فَفَارَقَ بُنْيَانَ الْبَلَدِ قَصَرَ، - ولو اتصلت حيطان البساتين بحيطان بلده -، وبه قال ابن حزم في «المحلى» مسألة (٥١٣).\nقُلْتُ: ولو كانت المدينة واسعة بحيث إذا دخل في طرفها لا يصل إلى بيته إلا بعد نصف ساعة أو نحوها، فالحكم كما تقدم أنَّه إذا خرج لا يقصر حتى يخرج من المدينة كلها، وعند رجوعه يتم، وإن دخل في أطرافها كما تقدم برهان ذلك. والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-42>كم المسافة التي تعتبر سفرًا</span>\nهذه مسألة اختلف فيها اختلافًا شديدًا على نحو عشرين قولًا، حتى قال الإمام","vol":"1","page":63},{"text":"الشوكاني ﵀ في «الدراري» (١٤٤): إنها من المعارك التي تتبلد عندها الأذهان. اهـ.\nونعم لأنها اختلفت فيها الأدلة.\nقال الحافظ في «الفتح» (٢/ ٥٦٧): أَصَحُّ حَدِيثٍ وَرَدَ فِي بَيَانِ ذَلِكَ، حَدِيثَ أَنَسٍ في «صحيح مسلم» رقم (٦٩١): قَالَ: «إنَّ النَّبِيِّ ﷺ إِذَا خَرَجَ مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ أَوْ فَرَاسِخٍ قَصَرَ الصَّلَاةَ ركعتين»، وَحَمَلَهُ مَنْ خَالَفَهُ بعضهم عَلَى أَنَّ هذه الْمسَافَة الَّتِي يبتدأ مِنْهَا الْقَصْرُ، وليس هذا غَايَةُ الْقَصْرِ.\nوكذا حديث أنس في «الصحيحين» أنَّ النبي ﷺ قصر بذي الحليفة، كان هذا في أثناء سفر، ولم يكن هذا غايته.\nقال ابن قدامة في «المغنى» (٣/ ١٠٩): وَالثَّانِي: أَنَّ التَّقْدِيرَ بَابُهُ التَّوْقِيفُ، فَلَا يَجُوزُ الْمَصِيرُ إلَيْهِ بِرَأْيٍ مُجَرَّدٍ، سِيَّمَا وَلَيْسَ لَهُ أَصْلٌ يُرَدُّ إلَيْهِ، وَلَا نَظِيرٌ يُقَاسُ عَلَيْهِ، وَالْحُجَّةُ مَعَ مَنْ أَبَاحَ الْقَصْرَ لِكُلِّ مُسَافِرٍ. اهـ.\nواستدل بعضهم بحديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، المتفق عليه: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، أنَّ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ»، وبوب عليه البخاري في «صحيحه» فقال: بَابٌ: فِي كَمْ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ، قال: وَسَمَّى النَّبِيُّ ﷺ: يَوْمًا وَلَيْلَةً سَفَرًا.\nوعند مسلم: «مَسِيرَةَ يَوْمٍ»، وفي رواية: «مَسِيرَةَ لَيْلَةٍ»، وعند أبي داود، وابن","vol":"1","page":64},{"text":"خزيمة: «لَا تُسَافِرُ امْرَأَةُ بَرِيدًا إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ»، قال ابن خزيمة: الْبَرِيدُ: اثْنَا عَشَرَ مِيلًا.\nقال النووي: «مَسِيرَةُ نِصْفِ يَوْمٍ»، وسند الحديث حسن.\nقال الشوكاني ﵀ في «الدراري»: وليس في هذا الحديث ذكر القصر ولا هو في سياقه والاحتجاج به مجرد تخمين. اهـ.\nوقال صديق حسن خان في «الروضة» (١/ ٣٧٧): وتسمية هذا التقدير سفرًا لا تنافي تسمية ما دونه سفرًا. اهـ.\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (٢٤/ ١٣٤ - ١٣٥): فَالتَّحْدِيدُ بِالْمَسَافَةِ لَا أَصْلَ لَهُ فِي شَرْعٍ وَلَا لُغَةٍ وَلَا عُرْفٍ وَلَا عَقْلٍ. اهـ.\nوقال العلامة ابن القيم ﵀: وَلَمْ يَحُدَّ النَّبِيُّ ﷺ لِأُمَّتِهِ مَسَافَةً مَحْدُودَةً لِلْقَصْرِ وَالْفِطْرِ، بَلْ أَطْلَقَ لَهُمْ ذَلِكَ فِي مُطْلَقِ السَّفَرِ وَالضَّرْبِ فِي الْأَرْضِ، وَأَمَّا مَا يُرْوَى عَنْهُ مِنَ التَّحْدِيدِ بِالْيَوْمِ أَوِ الْيَوْمَيْنِ أَوِ الثَّلَاثَةِ فَلَمْ يَصِحَّ عَنْهُ مِنْهَا شَيْءٌ. اهـ من «زاد المعاد» (١/ ٤٨١).\nقُلْتُ: والحاصل أنَّه لا خلاف بين العلماء أنَّه لا يوجد نصٌّ على تحديد مسافة القصر، وكل ذهب إلى ما يراه أقرب الأدلة، فجمهور أهل الحديث قالوا: لا يصح","vol":"1","page":65},{"text":"القصر إلا في مسيرة مرحلتين وذلك على مضمون حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، أنَّ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ».\nقالوا: فإذا سافر إلى مكان وصل إليه بنصف نهار فهذه مرحلة، وإذا رجع إلى بيته استغرق النصف الثاني فهذه مرحلة فيقصر في مسيرة يوم ذهابًا أو ذهابًا وإيابًا، وقال الظاهرية: إذا سافر ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ قصر على ظاهر حديث أنس على أنه فيه اختلاف بين الميل والفرسخ معلوم.\nوقال ابن حزم: أقل ما ورد القصر فيه بريد فإذا سافر الإنسان بريدًا قصر. اهـ.\nوكل هذه الأقوال ليست ثابتة أمام النقد العلمي، لعدم اعتمادها على نص صريح في التحديد، وأقربها إلى الصواب ما قاله ابن قدامة، وابن تيمية، وابن القيم، وصديق حسن خان، وغيرهم: أنَّه يجب الرجوع إلى ما يصدق عليه مسمى السفر، ومسمى الضرب في الأرض في عرف الأوائل.\n\n<span data-type='title' id=toc-43>القصر في الحج لأهل مكة وغيرهم لأجل السفر وليس لأجل النسك فلا دليل على قصر النسك</span>\nتقدم ذكر عدة أحاديث في باب وجوب القصر على المسافر منها حديث حَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ ﵁، قَالَ: «صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ ﷺ آمَنَ مَا كَانَ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ» (^١)،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٥٦٥)، ومسلم.","vol":"1","page":66},{"text":"وحديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: «صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ، وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ وَمَعَ عُثْمَانَ صَدْرًا مِنْ إِمَارَتِهِ ثُمَّ أَتَمَّهَا» (^١)، وحديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁، قَالَ: «صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ، وَصَلَّيْتُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ، وَصَلَّيْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-44>واختلف العلماء في القصر للحاج بمنى:</span>\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (وَقَدْ كَانَ ﷺ لَمَّا حَجَّ بِالْمُسْلِمِينَ حِجَّةَ الْوَدَاعِ يُصَلِّي بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ إلَى أَنْ رَجَعَ)، وَجَمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِعَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ وَالْمُسْلِمُونَ خَلْفَهُ وَيُصَلِّي بِصَلَاتِهِ أَهْلُ مَكَّةَ وَغَيْرُهُمْ جَمْعًا وَقَصْرًا، وَأَقَامَ بِمِنًى يَوْمَ الْعِيدِ وَأَمَامَ مِنًى يُصَلِّي بِالْمُسْلِمِينَ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ وَالْمُسْلِمُونَ خَلْفَهُ يُصَلِّي بِصَلَاتِهِ أَهْلُ مَكَّةَ وَغَيْرُهُمْ وَكَذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ بَعْدَهُ وَلَمْ يَأْمُرْ النَّبِيُّ ﷺ وَلَا أَبُو بَكْرٍ وَلَا عُمَرُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ أَنْ يُصَلِّيَ أَرْبَعًا لَا بِمِنًى وَلَا بِغَيْرِهَا فَلِهَذَا كَانَ أَصَحُّ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ يَجْمَعُونَ بِعَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ وَيَقْصُرُونَ بِهَا وَبِمِنًى وَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ فُقَهَاءِ الْحِجَازِ.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري رقم (١٠٨٢)، ومسلم (٦٩٤).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٠٨٤)، ومسلم (٦٩٥).","vol":"1","page":67},{"text":"وَقِيلَ: لَا يَقْصُرُونَ وَلَا يَجْمَعُونَ. كَمَا يَقُولُهُ مَنْ يَقُولُهُ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَهُوَ أَضْعَفُ الْأَقْوَالِ.\nوَالصَّوَابُ الْمَقْطُوعُ بِهِ: أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ يَقْصُرُونَ وَيَجْمَعُونَ هُنَاكَ كَمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ هُنَاكَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَخُلَفَائِهِ. اهـ.\nوقال (٢٤/ ١٠) من «المجموع»: وَقَدْ تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِي قَصْرِ أَهْلِ مَكَّةَ خَلْفَهُ:\n• فَقِيلَ: كَانَ ذَلِكَ لِأَجْلِ النُّسُكِ فَلَا يَقْصُرُ الْمُسَافِرُ سَفَرًا قَصِيرًا هُنَاكَ.\n• وَقِيلَ: بَلْ كَانَ ذَلِكَ لِأَجْلِ السَّفَرِ وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ قَالَهُ بَعْضُ أَصْحَابِ أَحْمَد.\nوَالْقَوْلُ الثَّانِي هُوَ الصَّوَابُ، وَهُوَ أَنَّهُمْ قَصَرُوا لِأَجْلِ سَفَرِهِمْ وَلِهَذَا لَمْ يَكُونُوا يَقْصُرُونَ بِمَكَّةَ وَكَانُوا مُحْرِمِينَ وَالْقَصْرُ مُعَلَّقٌ بِالسَّفَرِ وُجُودًا وَعَدَمًا فَلَا يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ إلَّا مُسَافِرٌ وَكُلُّ مُسَافِرٍ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ كَمَا قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ صَلَاةُ الْمُسَافِرِ رَكْعَتَانِ وَصَلَاةُ الْفِطْرِ رَكْعَتَانِ وَصَلَاةُ النَّحْرِ رَكْعَتَانِ وَصَلَاةُ الْجُمْعَةِ رَكْعَتَانِ تَمَامٌ غَيْرُ نَقْصٍ: أَيْ غَيْرُ قَصْرٍ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ ﷺ، وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: «فُرِضَتْ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ زِيدَ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ وَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ».\nوَقَدْ تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ: هَلْ يَخْتَصُّ بِسَفَرٍ دُونَ سَفَرٍ؟ أَمْ يَجُوزُ فِي كُلِّ سَفَرٍ؟ وَأَظْهَرُ الْقَوْلَيْنِ أَنَّهُ يَجُوزُ فِي كُلِّ سَفَرٍ قَصِيرًا كَانَ أَوْ طَوِيلًا كَمَا قَصَرَ أَهْلُ مَكَّةَ خَلْفَ","vol":"1","page":68},{"text":"النَّبِيِّ ﷺ بِعَرَفَةَ وَمِنًى وَبَيْنَ مَكَّةَ وَعَرَفَةَ نَحْوُ بَرِيدٍ. اهـ.\n\n<span data-type='title' id=toc-45>شرعية الجمع بين الصلاتين في السفر</span>\nجمع التأخير بين المغرب والعشاء: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَعْجَلَهُ السَّيْرُ فِي السَّفَرِ، يُؤَخِّرُ صَلَاةَ المَغْرِبِ حَتَّى يَجْمَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ العِشَاءِ»، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ﵄ يَفْعَلُهُ (^١).\nعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ فِي السَّفَرِ»، يَعْنِي المَغْرِبَ وَالعِشَاءَ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-46>الجمع للمسافر بأذان واحد وإقامتين</span>\nعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄، في حديثه الطويل عند مسلم (١٢١٨)، قَالَ: فَخَطَبَ النَّاسَ - ثُمَّ ذكر خطبته، ثُمَّ قَالَ -: ثُمَّ أَذَّنَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ (ركعتين)، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا.\nقال النووي: فِيهِ أَنَّهُ يُشْرَعُ الْجَمْعُ بَيْنَ الظهر والعصر هُنَاكَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ وَقَدْ\n_________\n(^١) رقم: (١٠٩١)، ومسلم رقم: (٧٠٣).\n(^٢) أخرجه البخاري رقم (١١٠٨، ١١١٠)، ومسلم بزيادة: «حِينَ يَغِيبُ الشَّفَقُ»، بعد قوله: «حَتَّى يَجْمَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعِشَاءِ».","vol":"1","page":69},{"text":"أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَيْهِ وَاخْتَلَفُوا فِي سَبَبِهِ فَقِيلَ بِسَبَبِ النُّسُكِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَبَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ هُوَ بِسَبَبِ السَّفَرِ فَمَنْ كَانَ حَاضِرًا أَوْ مُسَافِرًا دُونَ مَرْحَلَتَيْنِ كَأَهْلِ مَكَّةَ لَمْ يَجُزْ لَهُ الْجَمْعُ كَمَا لَا يَجُوزُ لَهُ الْقَصْرُ وَفِيهِ أَنَّ الْجَامِعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ يُصَلِّي الْأُولَى أَوَّلًا وَأَنَّهُ يُؤَذِّنُ لِلْأُولَى وَأَنَّهُ يُقِيمُ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا وَأَنَّهُ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا وَهَذَا كُلُّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عِنْدَنَا. اهـ.\nوقال بعدها: حَتَّى أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ، فَصَلَّى بِهَا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ، وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا شَيْئًا.\nقال النووي: يجمع بينهما بالْمُزْدَلِفَةِ فِي وَقْتِ الْعِشَاءِ وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، قال: وَلَوْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي وَقْتِ الْمَغْرِبِ فِي أَرْضِ عَرَفَاتٍ أَوْ فِي الطَّرِيقِ أَوْ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَصَلَّى كُلَّ وَاحِدَةٍ فِي وَقْتِهَا جَازَ جَمِيعُ ذَلِكَ لَكِنَّهُ خِلَافُ الْأَفْضَلِ. اهـ.\n\n<span data-type='title' id=toc-47>الجمع بعرفة ومزدلفة للمسافر</span>\nقال البخاري ﵀ (٣/ ٥٩٩) رقم (١٦٦٢) بَابُ الجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِعَرَفَةَ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ إِذَا فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ مَعَ الإِمَامِ جَمَعَ بَيْنَهُمَا، وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمٌ، أَنَّ الحَجَّاجَ بْنَ يُوسُفَ، عَامَ نَزَلَ بِابْنِ الزُّبَيْرِ ﵄، سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ ﵁، كَيْفَ تَصْنَعُ فِي المَوْقِفِ يَوْمَ عَرَفَةَ؟ فَقَالَ سَالِمٌ: إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ السُّنَّةَ فَهَجِّرْ بِالصَّلَاةِ يَوْمَ عَرَفَةَ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ","vol":"1","page":70},{"text":"عُمَرَ: «صَدَقَ، إِنَّهُمْ كَانُوا يَجْمَعُونَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالعَصْرِ فِي السُّنَّةِ»، فَقُلْتُ لِسَالِمٍ: أَفَعَلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ فَقَالَ سَالِمٌ: وَهَلْ تَتَّبِعُونَ فِي ذَلِكَ إِلَّا سُنَّتَهُ. اهـ.\n\n<span data-type='title' id=toc-48>مَسْأَلة: لا يشرع جمع الحجاج الصلاتين بمنى.</span>\nلم أجد دليلًا على أنَّ الحاج يجمع بين الصلوات بمنى.\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وَلَمْ يَجْمَعْ بِمِنَى قَبْلَ التَّعْرِيفِ (^١)، وَلَا جَمَعَ بِهَا بَعْدَ التَّعْرِيفِ أَيَّامَ مِنًى بَلْ يُصَلِّي كُلَّ صَلَاةٍ رَكْعَتَيْنِ (^٢). اهـ من «الرسائل والمسائل» للإمام ابن تيمية (٢/ ٢٧٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-49>١٤ - كراهية التفرق في الشعاب والأودية حال النزول في السفر:</span>\nوعَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ ﵁، قَالَ: كَانَ النَّاسُ إِذَا نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْزِلًا تَفَرَّقُوا فِي الشِّعَابِ وَالْأَوْدِيَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ تَفَرُّقَكُمْ فِي هَذِهِ الشِّعَابِ وَالْأَوْدِيَةِ، إِنَّمَا ذَلِكُمْ مِنَ الشَّيْطَانِ»، فَلَمْ يَنْزِلْ بَعْدَ ذَلِكَ مَنْزِلًا إِلَّا انْضَمَّ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، حَتَّى يُقَالَ: لَوْ بُسِطَ عَلَيْهِمْ ثَوْبٌ لَعَمَّهُمْ (^٣).\n_________\n(^١) أي: قبل صعود عرفة.\n(^٢) يعني: يقصر الرباعية.\n(^٣) أخرجه أبو داود (٢٦٢٨)، وأحمد (١٧٧٣٦)، وهو حديث صحيح مخرج في «الصحيح المسند» لشيخنا ﵀ رقم (١٢١١).","vol":"1","page":71},{"text":"<span data-type='title' id=toc-50>١٥ - كانوا إذا نزلوا منزلًا صلوا نافلة:</span>\nوعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: «كُنَّا إِذَا نَزَلْنَا مَنْزِلًا لَا نُسَبِّحُ حَتَّى تُحَلَّ الرِّحَالُ» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-51>١٦ - إعانةِ الرفيقِ:</span>\nعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ «وَاللهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ» (^٢)، وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «خَيْرُ الأَصْحَابِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرُهُمْ لِصَاحِبِهِ، وَخَيْرُ الجِيرَانِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرُهُمْ لِجَارِهِ» (^٣).\nوعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ فِي سَفَرٍ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ عَلَى رَاحِلَةٍ لَهُ، قَالَ: فَجَعَلَ يَصْرِفُ بَصَرَهُ يَمِينًا وَشِمَالًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ، فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا ظَهْرَ لَهُ، وَمَنْ كَانَ لَهُ فَضْلٌ مِنْ زَادٍ، فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا زَادَ لَهُ»، قَالَ: فَذَكَرَ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ مَا ذَكَرَ\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٢٥٥١)، وهو حديث صحيح، كل رجال إسناده ثقات غير حَمْزَةَ بنِ عمر الضَّبِيِّ، قال الحافظ: صدوق، وقد وثقه النسائي. اهـ ..\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٦٩٩).\n(^٣) أخرجه الترمذي (١٩٤٤)، وأحمد (١١/ ١٢٦)، وهو حَدِيثٌ حَسَنٌ.","vol":"1","page":72},{"text":"حَتَّى رَأَيْنَا أَنَّهُ لَا حَقَّ لِأَحَدٍ مِنَّا فِي فَضْلٍ (^١).\nوعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَغْزُوَ، فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، إِنَّ مِنْ إِخْوَانِكُمْ قَوْمًا لَيْسَ لَهُمْ مَالٌ وَلَا عَشِيرَةٌ، فَلْيَضُمَّ أَحَدُكُمْ إِلَيْهِ الرَّجُلَيْنِ أَوِ الثَّلَاثَةِ، فَمَا لِأَحَدِنَا مِنْ ظَهْرٍ يَحْمِلُهُ إِلَّا عُقْبَةٌ كَعُقْبَةِ»، يَعْنِي: أَحَدِهِمْ، قَالَ: فَضَمَمْتُ إِلَيَّ اثْنَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً، قَالَ: مَا لِي إِلَّا عُقْبَةٌ كَعُقْبَةِ أَحَدِهِمْ مِنْ جَمَلِي (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-52>١٧ - باب تكبير المسافر إِذَا صعد، وتسبيحه إذا هبط، والنهي عن المبالغة في رفع الصوتِ بالتكبير ونحوه بما يشق على صاحبه:</span>\nعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄، قَالَ: «كُنَّا إِذَا صَعِدْنَا كَبَّرْنَا، وَإِذَا نَزَلْنَا سَبَّحْنَا» (^٣).\nوعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ وَجُيُوشُهُ إِذَا عَلَوْا الثَّنَايَا كَبَّرُوا، وَإِذَا هَبَطُوا سَبَّحُوا (^٤).\nوعنهُ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا قَفَلَ مِنَ الحَجِّ أَوِ العُمْرَةِ - وَلَا أَعْلَمُهُ إِلَّا قَالَ\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٧٢٨).\n(^٢) أخرجه أَبُو داود (٢٥٣٤)، وأحمد (٢٣/ ١٤٨)، وهو حديث صحيح.\n(^٣) أخرجه البخاري (٢٩٩٣).\n(^٤) أخرجه أَبُو داود (٢٥٩٩).","vol":"1","page":73},{"text":"الغَزْوِ - يَقُولُ كُلَّمَا أَوْفَى عَلَى ثَنِيَّةٍ أَوْ فَدْفَدٍ: كَبَّرَ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ سَاجِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ، صَدَقَ اللَّهُ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ» (^١).\nعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُسَافِرَ فَأَوْصِنِي، قَالَ: «عَلَيْكَ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَالتَّكْبِيرِ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ»، فَلَمَّا أَنْ وَلَّى الرَّجُلُ، قَالَ: «اللَّهُمَّ اطْوِ لَهُ الأَرْضَ، وَهَوِّنْ عَلَيْهِ السَّفَرَ» (^٢).\nوعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ ﵁، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ -، فَكُنَّا إِذَا أَشْرَفْنَا عَلَى وَادٍ، هَلَّلْنَا وَكَبَّرْنَا ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُنَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، إِنَّهُ مَعَكُمْ إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-53>١٨ - باب استحباب تعجيل المسافر الرجوع إِلَى أهله إِذَا قضى حاجته:</span>\nقال الإمام البخاري (^٤) ﵀: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «السَّفَرُ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٣٨٥)، ومسلم (١٣٤٤).\n(^٢) رواه الترمذي (٣٤٤٥).\n(^٣) رواه البخاري (٦٦١٠)، ومسلم (٢٧٠٤).\n(^٤) رقم: (١٨٠٤)، وأخرجه مسلم (١٩٧٢) من طريق مَالِكٍ، عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، به.","vol":"1","page":74},{"text":"قِطْعَةٌ مِنَ العَذَابِ، يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَنَوْمَهُ، فَإِذَا قَضَى نَهْمَتَهُ، فَلْيُعَجِّلْ إِلَى أَهْلِهِ»، وهذا اللفظ الصحيح شامل لسائر الأسفار من حج، وغيره.\nقال النووي في «شرح مسلم»: مَعْنَاهُ: يَمْنَعُهُ كَمَالَهَا وَلَذِيذَهَا لِمَا فِيهِ مِنَ الْمَشَقَّةِ وَالتَّعَبِ، وَمُقَاسَاةِ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ، وَالسُّرَى، وَالْخَوْفِ، وَمُفَارَقَةِ الْأَهْلِ وَالْأَصْحَابِ، وَخُشُونَةِ الْعَيْشِ.\nقَوْلُهُ ﷺ: (فَإِذَا قَضَى أَحَدُكُمْ نَهْمَتَهُ مِنْ وَجْهِهِ فَلْيُعَجِّلْ إِلَى أَهْلِهِ): النَّهْمَةُ بِفَتْحِ النُّونِ وَإِسْكَانِ الْهَاءِ: هِيَ الْحَاجَةُ، وَالْمَقْصُودُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ اسْتِحْبَابُ تَعْجِيلِ الرُّجُوعِ إِلَى الْأَهْلِ بَعْدَ قَضَاءِ شُغْلِهِ، وَلَا يَتَأَخَّرُ بِمَا لَيْسَ لَهُ بِمُهِمٍّ. اهـ.\nوقد جاء هذا الحديث عن عائشة ﵂، بلفظ: «إِذَا قَضَى أَحَدُكُمْ حَاجَتَهُ»، وهو غير محفوظ.\nقال ابن عبد البر في «التمهيد» (١٣/ ٥٦٧): وَقَدْ رَوَاهُ عِصَامُ بْنُ رُوَّادِ بْنِ الْجَرَّاحِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ رَبِيعَةَ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ، وَعَنْ مَالِكٍ، عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ الْعَذَابِ يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَلَذَّتَهُ، (فَإِذَا قَضَى أَحَدُكُمْ حَاجَتَهُ) فَلْيُعَجِّلْ إِلَى أَهْلِهِ».\nحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ","vol":"1","page":75},{"text":"يَزِيدَ بِمَكَّةَ، حَدَّثَنَا عِصَامُ بْنُ رُوَّادِ بْنِ الْجَرَّاحِ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرحمن، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، وَعَنْ سُمَيٍّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁.\nقَالَ أَبُو عمر: الإسناد الأول لمالك، عَنْ رَبِيعَةَ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ، غَيْرُ مَحْفُوظٍ، لَا أَعْلَمُ رَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ، غَيْرَ رُوَّادٍ هَذَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\nوَهُوَ خَطَأٌ، وَلَيْسَ رُوَّادُ بْنُ الْجَرَّاحِ مِمَّنْ يُحْتَجُّ بِهِ، وَلَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ. اهـ.\nقال الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» (٣/ ٦٢٣)، تحت حديث أبي هريرة ﵁ رقم (١٨٠٤): قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ أَخطَأ فِيهِ رواد بن الْجراح. اهـ.\nقُلْتُ: انظر «علل الدارقطني» رقم: (١٩٠٦).\nوجاء عن عائشة ﵂ بلفظ: «إِذَا قَضَى أَحَدُكُمْ حَجَّهُ».\nقال ابن عدي في «الكامل» - في ترجمة محمد بنُ يَزِيدَ أبي بكر المستملي الطرسوسي -: يسرق الحديث ويزيد فيها ويضع. اهـ.\nوذكر جملة من مناكيره، منها:\nحدثنا بن أبي قتيبة، حَدَّثَنا مُحَمد بْنُ يَزِيدَ الْمُسْتَمْلِي، حَدَّثَنا مُبَشِّرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنِ الأَوْزاعِيّ، عَنْ يَحْيى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَنَس، قَال: قَال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ","vol":"1","page":76},{"text":"أَرَادَ أَنْ يَقْوَى عَلَى الصِّيَامِ فَلْيَتَسَحَّرْ وَلْيَقِلْ وَيَشُمَّ طِيبًا، ولَا يُفْطِرْ عَلَى مَاءٍ».\nقال ابن عدي: وهذا يرويه مُحَمد بن عيسى بْن الطباع، عن شُعَيب، ومبشر، عن الأَوْزاعِيّ.\nقال ابن عدي: فادعاه هذا المستملي عَلَى مبشر فرواه عنه، عن الأَوْزاعِيّ. اهـ.\nوقال العلامة الألباني ﵀ في «الضعيفة» (٦٢٠٧): أخرجه ابن عدي في «الكامل» (٦/ ٢٨٢)، والبيهقي في «الشعب» (٣/ ٤٠٩/ ٣٩١٤) من طريق محمد بن يزيد المستملي، حدثنا مبشر بن إسماعيل، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أنس مرفوعًا، أورده ابن عدي في ترجمة المستملي هذا، وقال فيه: يسرق الحديث من الثقات، ويزيد فيها ويضع.\nوقال الخطيب، - وقد ذكر له حديثًا في فضل أبي حنيفة ﵀: هذا خبر باطل، ومحمد بن يزيد متروك. اهـ.\nوساق له ابن عدي هذا الحديث، فقال: حَدَّثَنَا مُحَمد بن عُمَر الديماسي، حَدَّثَنا مُحَمد بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَال رَسُول اللهِ ﷺ: «إِذَا قَضَى أَحَدُكُمْ حَجَّهُ فَلْيُعَجِّلُ الرُّجُوعَ إِلَى أَهْلِهِ».\nقال ابن عدي: وَهَذَا يعرف بأبي مروان العثماني، عَنْ أَنَس بْن عياض سرقه مِنْهُ مُحَمد بْن يزيد وقال: إذا قضى أحدكم حجه، وإِنَّما هُوَ إذا قضى أحدكم سفره. اهـ.","vol":"1","page":77},{"text":"وترجمه الحافظ ابن حجر ﵀ في «لسان الميزان»، وذكر كلام ابن عدي فيه.\nوقال الخطيب: ومحمد بن يزيد، متروك.\nوهذا الحديث في «الصحيحة» للشيخ الألباني ﵀ (١٣٧٩)، قال: أخرجه الدارقطني (٢٨٩)، والحاكم (٧١/ ٤٧٧)، وعنه البيهقي (٥/ ٢٥٩)، من طريق أبي مروان محمد بن عثمان العثماني، حدثنا أبو ضمرة الليثي، عن هشام بن عروة، عن عروة، عن عائشة ﵂، مرفوعًا.\nوقال الحاكم: (صحيح على شرط الشيخين)، ووافقه الذهبي، كذا قالا، والعثماني هذا لم يخرج له الشيخان شيئًا، وفيه كلام يسير.\nفقد أورده الذهبي نفسه في «الضعفاء»، وقال: ثقة له عن أبيه مناكير؛ لكنه ذكر في «الميزان» أن نكارتها من قبل أبيه.\nوقال الحافظ في «التقريب»: صدوق يخطئ. فالحديث حسن على أقل الدرجات.\nقُلْتُ: وتحسينه هذا الحديث ﵀ مبني على ظاهر إسناده، وقد أثبت ابن عدي علة هذه اللفظة: (حَجَّهُ) فأبان أنَّ الحديث من طريق العثماني، بلفظ: «إذا قضى أحدكم سفره»، وسرقه منه محمد بن يزيد المستملي فغير لفظه إلى: «إِذَا قَضَى أَحَدُكُمْ (حَجَّهُ)»، وهو بلفظ: (سفره)، من طريق العثماني، أخرجه أبو نعيم في «تاريخ أصبهان» (٢/ ٥٠).","vol":"1","page":78},{"text":"وكلام ابن عدي ﵀، وإعلاله الواضح للحديث يرد قول الحافظ ابن حجر ﵀ في «فتح الباري»، (٣/ ٦٢٣): (وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ). اهـ. أي: بلفظ: (حَجَّهُ).\nوكذا يرد قول الذهبي ﵀ في «المهذب في اختصار السنن الكبير»، (٨٥٧٩): (قلت: سنده قوي). اهـ. أي: بلفظ: (حَجَّهُ).\nلأن ابن عدي أثبت فيها علة، وأنها من طريق الوضاع المستملي سارق الحديث، والمثبت عنده زيادة علم.\n\n<span data-type='title' id=toc-58>١٩ - استحباب القدوم عَلَى أهله نهارًا وكراهته في الليل إذا لم يعلموا ذلك:</span>\nعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا أَطَالَ أَحَدُكُمُ الغَيْبَةَ فَلَا يَطْرُقْ أَهْلَهُ لَيْلًا» (^١). وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يَطْرُقُ أَهْلَهُ، كَانَ لَا يَدْخُلُ إِلَّا غُدْوَةً أَوْ عَشِيَّةً» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-59>٢٠ - استحباب ابتداء القادم بالمسجد الذي في جواره وصلاته فيه ركعتين:</span>\nعن كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، «أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ، بَدَأَ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٢٤٤)، ومسلم (٧١٥).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٨٠٠)، ومسلم (١٩٢٨).","vol":"1","page":79},{"text":"بِالْمَسْجِدِ فَرَكَعَ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-60>٢١ - تحريم سفر المرأة بغير محرم سواء لحج أو غيره:</span>\nعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، تُسَافِرُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ عَلَيْهَا» (^٢).\nوعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَخْطُبُ يَقُولُ: «لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ، وَلَا تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ»، فَقَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ امْرَأَتِي خَرَجَتْ حَاجَّةً، وَإِنِّي اكْتُتِبْتُ فِي غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا، قَالَ: «انْطَلِقْ فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ» (^٣). وعَنِ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قال: «لا تَحُجُّ امرأةٌ إلا ومعها مَحْرَمٌ» (^٤).\nقال الحافظ ابن حجر ﵀ في «الفتح» - شرح حديث - (١٨٦٢): وَالْمَحْفُوظُ أنه من مراسيل عِكْرِمَةَ. اهـ.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٠٨٨)، ومسلم (٢٧٦٩).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٠٨٨)، ومسلم (١٣٣٩)، وقد جاء هذا الحديث في «الصحيحين»، وغيرهما، عن عدد من الصحابة ﵃.\n(^٣) أخرجه البخاري (١٨٦٢)، ومسلم (١٣٤١).\n(^٤) والحديث بهذا اللفظ مخرج في «السلسلة الصحيحة» رقم (٣٠٦٥).","vol":"1","page":80},{"text":"قُلْتُ: الحج يتضمن السفر، قال تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ [الحج: ٢٧]، وعلى هذا فالمرفوع الصحيح: «وَلَا تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ»، أصل هذا المرسل، فيصح به.\nوقال الطحاوي ﵀ في «شرح معاني الآثار» (٢/ ١١٥): حَدَّثَنَا رَبِيعٌ الْمُؤَذِّنُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنِ اللَّيْثِ، أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ حَدَّثَهُ، عَنْ عَمْرَةَ، أَنَّ عَائِشَةَ ﵂، أُخْبِرَتْ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يُفْتِي أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ، قَالَ: «لَا يَصْلُحُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُسَافِرَ إِلَّا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ»، فَقَالَتْ: «مَا لِكُلِّهِنَّ ذُو مَحْرَمٍ»، فَإِنَّ الْحُجَّةَ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ مَا قَدْ تَوَاتَرَتْ بِهِ الْآثَارُ الَّتِي قَدْ ذَكَرْنَاهَا عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَهِيَ حُجَّةٌ عَلَى كُلِّ مَنْ خَالَفَهَا.\nفَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: إِنَّ الْحَجَّ لَمْ يَدْخُلْ فِي السَّفَرِ الَّذِي نَهَى عَنْهُ فِي تِلْكَ الْآثَارِ فَالْحُجَّةُ عَلَى ذَلِكَ الْقَائِلِ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي بَدَأْنَا بِذِكْرِهِ فِي هَذَا الْبَابِ إِذْ يَقُولُ: خَطَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ «لَا تُسَافِرِ امْرَأَةٌ إِلَّا مَعَ مَحْرَمٍ»، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: إِنِّي أَرَدْتُ أَنْ أَحُجَّ بِامْرَأَتِي وَقَدِ اكْتَتَبْتُ فِي غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا، قَالَ: «احْجُجْ بِامْرَأَتِكَ»، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهَا لَا يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تَحُجَّ إِلَّا بِهِ. اهـ.\n\nونقل بعض هذا الكلام العلامة الألباني ﵀ في «الصحيحة» (٣٠٦٥)، مقرًا له، ثم قال: وبهذا قال الحسن البصري، وطاوس: (أنَّه<span data-type='title' id=toc-61> لا تحج المرأة إلا مع محرم)،</span>","vol":"1","page":81},{"text":"أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (٤/ ٤، ٥) عنهما. اهـ.\nقُلْتُ: وما أحسنَ ما قاله ابن المنذر ﵀ في «الإشراف» (٣/ ١٧٦):\n\n<span data-type='title' id=toc-62>باب سقوط الحج عن المرأة التي لا محرم لها:</span> قال: ثبت أن رسول الله ﷺ، قال: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله ورسوله تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم منها». واختلفوا في وجوب الحج على المرأة التي لا محرم لها: فقالت طائفة: المحرم من السبيل، منهم النخعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي. وقال الحسن البصري: لا تحج إلا مع ذي محرم. وأغفل قوم القول بظاهر الحديث، وشرط كل رجل منهم شرطًا لا حجة معهم فيما اشترطوه.\nقال مالك: تخرج مع جماعة من النساء. وقال الشافعي: تخرج مع ثقة حرة مسلمة. وقال ابن سيرين: تخرج مع رجل من المسلمين لا بأس به. وقال الأوزاعي: تخرج مع قوم عدول، وتتخذ سلمًا تصعد عليه وتنزل، ولا يقر بها رجل إلا ليأخذ برأس البعير ويضع رجله على ذراعه. قال أبو بكر: ظاهر الحديث أولى، ولا يعلم مع هؤلاء حجة توجب ما قالوا. اهـ.\nوقال ابن عبد البر في «الاستذكار» (٨/ ٥٣٣): وَالَّذِي جَمَعَ مَعَانِيَ آثَارِ هَذَا الْحَدِيثِ - عَلَى اخْتِلَافِ أَلْفَاظِهِ - أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ تُمْنَعُ مِنْ كُلِّ سَفَرٍ يُخْشَى عَلَيْهَا فِيهِ الْفِتْنَةُ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ أَوْ زَوْجٍ قَصِيرًا كَانَ السَّفَرُ أَوْ طَوِيلًا، والله أعلم. اهـ.\nوبنحوه كلامه في «التمهيد» (١٣/ ١٨٩).","vol":"1","page":82},{"text":"قال ابن قدامة في «المغني» مسألة رقم (٥٤٠):\nفَمَنْ لَا مَحْرَمَ لَهَا لَا تَكُونُ كَالرَّجُلِ، فَلَا يَجِبُ عَلَيْهَا الْحَجُّ. وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فَقَالَ أَبُو دَاوُد: قُلْت: لِأَحْمَدَ: امْرَأَةٌ مُوسِرَةٌ، لَمْ يَكُنْ لَهَا مَحْرَمٌ، هَلْ يَجِبُ عَلَيْهَا الْحَجُّ؟ قَالَ: لَا.\nوَقَالَ أَيْضًا: الْمَحْرَمُ مِنْ السَّبِيلِ. وَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ، وَالنَّخَعِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ. اهـ.\nوفي «مصنف عبد الرزاق» (^١)، قَالَ: أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ أَبِي هُبَيْرَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: كَتَبَتْ إِلَيْهِ امْرَأَةٌ مِنَ الرَّيِّ تَسْأَلُهُ عَنِ الْحَجِّ مَعَ غَيْرِ ذِي مَحْرَمٍ؟ فَقَالَ: هُوَ مِنَ السَّبِيلِ، فَإِذَا لَمْ تَجِدْ ذَا مَحْرَمٍ فَلَا سَبِيلَ لَهَا.\n\nوقال العلامة ابن باز ﵀ كما في «مجموع فتاواه» (١٦/ ٣٨٣):<span data-type='title' id=toc-63> لا يجوز سفر المرأة المسلمة في الطائرة ولا غيرها بدون محرم يرافقها في سفرها.</span>\nوقال أيضا: المرأة التي تسافر بدون محرم مع حافلة النقل الجماعي آثمة وعلى المرأة المذكورة التوبة إلى الله من ذلك وذلك بالندم على ما وقع منها والعزم الصادق على أن لا تعود لذلك. اهـ.\n_________\n(^١) (٥/ ٣٧٣ ط التأصيل) رقم: (٩٧٢٨).","vol":"1","page":83},{"text":"وسئل العلامة العثيمين ﵀ كما في «مجموع فتاواه» (٢١/ ١٨٣):\nالسؤال (٢٣٥): امرأة تريد السفر إلى جدة للعمرة، وودعها محرم لها من الرياض، وركبت الطائرة واستقبلها في جدة محرم آخر هل يجوز ذلك؟\nفأجاب: هذا حرام عليها، لأنها داخلة في عموم قوله ﷺ: «لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم»، وهذه امرأة سافرت بدون محرم، فصدق عليها الوقوع فيما نهى عنه الرسول ﷺ.\nقد تقول: إنَّ محرمها إذا شيعها إلى المطار واستقبلها المحرم الآخر زال المحذور، والرسول ﵊ ما نهى عن ذلك إلا خوف المحذور.\nفالجواب: أن الرسول ﷺ أطلق النهي قال: «لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم»، فقال رجل: يا رسول الله إن امرأتي خرجت حاجة، وإني أكتتبت في غزوة كذا وكذا، فقال: «انطلق فحج مع امرأتك»، فأمره الرسول ﵊ أن يلغي الغزوة، وأن يذهب مع امرأته. وهل استفصل النبي ﷺ من هذا الرجل، وقال: هل امرأتك آمنة أو غير آمنة؟\nهل قال: معها نساء أو لا؟!\nهل قال: هي عجوز أو شابة؟!\nلم يقل ذلك، فالأصل بقاء اللفظ على عمومه، لا سيما أن قصة هذا الرجل","vol":"1","page":84},{"text":"وقعت مؤيدة للعموم. اهـ.\n\n<span data-type='title' id=toc-64>٢٢ - وصية المسافر والدعاء له:</span>\nعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُسَافِرَ فَأَوْصِنِي، قَالَ: «عَلَيْكَ بِتَقْوَى اللهِ، وَالتَّكْبِيرِ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ»، فَلَمَّا أَنْ وَلَّى الرَّجُلُ، قَالَ: «اللَّهُمَّ اطْوِ لَهُ الأَرْضَ، وَهَوِّنْ عَلَيْهِ السَّفَرَ» (^١).\nووصايا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بتقوى الله لجميع الناس عديدة.\n\n<span data-type='title' id=toc-65>٢٣ - التسمية عند الركوب:</span>\nقال تعالى: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (٤١)﴾ [هود: ٤١]،\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٣٤٤٥)، وابن ماجه (٢٧٧١)، وأحمد (٢/ ٣٢٥)، والنسائي في «عمل اليوم والليلة» (٥٠٥)، وآخرون، من طريق أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ الليثيِّ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ به.\nوأسامة: قال الحافظ: صدوق يهم. اهـ.\nأخرج له مسلم في المتابعات فهو حسن الحديث، إلا إذا علم أنَّه من أوهامه.","vol":"1","page":85},{"text":"عَنِ أَبِي لَاسٍ الْخُزَاعِيِّ ﵁، أنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ بَعِيرٍ إِلَّا فِي ذُرْوَتِهِ شَيْطَانٌ، فَارْكَبُوهُنَّ، وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِنَّ كَمَا أُمِرْتُمْ، ثُمَّ امْتَهِنُوهُنَّ لِأَنْفُسِكُمْ، فَإِنَّمَا يَحْمِلُ اللهُ» (^١)، حديث صحيح لغيره.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في «المسند» (٤/ ٢٢١)، والطبراني في «الكبير» (٢٢/ ٨٣٧)، وابن خزيمة (٢٣٧٧)، والحاكم (١/ ٤٤٤)، والبيهقي (٥/ ٢٥٢)، من طريق مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ ثَوْبَانَ، وَكَانَ ثِقَةً، عَنِ أَبِي لَاسٍ به، وسنده حسن، والحديث صحيح لغيره. ابن إسحاق: صدوق، حسن الحديث، وقد صرح بالتحديث عند أحمد (١٧٩٣٩)، ومحمد بن إبراهيم ابن الحارث: هو التيمي، ثقة أخرج له الجماعة. وعمر بن الحكم ابن ثوبان: روى عنه جمع، وثقه ابن سعد. وفي هذا السند، قال مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ الْحَكَمِ بْنِ ثَوْبَانَ، وَكَانَ ثِقَةً، فالحديث حسن، وهو مخرج في كتابنا «صحيح المفاريد» رقم (٢٣٥).\n• وله شاهد عن علي بن أبي طالب ﵁، أخرجه أبو داود (٢٦٠٢)، والترمذي (٣٤٤٦)، وأحمد (١/ ٩٧، ١١٥، ١٢٨)، والنساء في «اليوم والليلة»، والطبراني في «الدعاء»، وهو حديث حسن.\n• وآخر عن عمر بن الخطاب ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ عَلَى ظَهْرِ كُلِّ بَعِيرٍ شَيْطَانًا، فَإِذَا رَكِبْتُمُوهَا فَقُولُوا: بِسْمِ اللَّهِ»، أخرجه ابن السني في «عمل اليوم الليلة» (٤٩٨)، وفيه: أبو بكر بن أبي مريم: ضعيف، وفيه: عنعنة حبيب بن أبي ثابت: وهو مدلس.\n• وشاهد آخر عن حمزة الأسلمي ﵁، قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «عَلَى ظَهْرِ كُلِّ بَعِيرٍ شَيْطَانٌ، فَإِذَا رَكِبْتُمُوهَا فَسَمُّوا اللَّهَ ﷿» أخرجه أحمد (١٦٠٣٩)، والنسائي في «عمل اليوم الليلة» (٥٠٤)، وابن خزيمة (٢٥٤٦)، وغيرهم، وفيه: أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ اللَّيْثِيُّ: قال الحافظ: صدوق يهم. اهـ. أي: حسن الحديث ما لم يكن من أوهامه، وقد روى له مسلم في الشواهد، وباقي رجال السند ثقات، فهو حديث حسن.\n• وشاهد آخر عن أبي هريرة ﵁ عند ابن خزيمة (١٥٤٧)، والحاكم (١/ ٤٤٤) رقم (١٦٤٣)، مختصرًا.","vol":"1","page":86},{"text":"<span data-type='title' id=toc-66>٢٤ - دعاء المسافر إذا استوى على راحلته:</span>\nعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا اسْتَوَى عَلَى بَعِيرِهِ خَارِجًا إِلَى سَفَرٍ، كَبَّرَ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: «سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا، وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ، وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ، اللهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ فِي سَفَرِنَا هَذَا الْبِرَّ وَالتَّقْوَى، وَمِنَ الْعَمَلِ مَا تَرْضَى، اللهُمَّ هَوِّنْ عَلَيْنَا سَفَرَنَا هَذَا، وَاطْوِ عَنَّا بُعْدَهُ، اللهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ، وَالْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ، اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ، وَكَآبَةِ الْمَنْظَرِ، وَسُوءِ الْمُنْقَلَبِ فِي الْمَالِ وَالْأَهْلِ».\nوَإِذَا رَجَعَ قَالَهُنَّ وَزَادَ فِيهِنَّ: «آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ» (^١).\nوفي الباب عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، بمثل حديث ابْنِ عُمَرَ (^٢)، وعن ابن عباس ﵄ (^٣)، وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَرْجِسَ ﵁، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا سَافَرَ يَتَعَوَّذُ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ، وَكَآبَةِ الْمُنْقَلَبِ، وَالْحَوْرِ بَعْدَ الْكَوْرِ، وَدَعْوَةِ الْمَظْلُومِ، وَسُوءِ الْمَنْظَرِ فِي الْأَهْلِ وَالْمَالِ» (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم رقم: (١٣٤٢).\n(^٢) أخرجه أحمد (٩٢٠٥)، والترمذي (٣٤٣٨)، وغيرهما، وهو حديث حسن لغيره.\n(^٣) عند أحمد (٢٣١١)، من رواية سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، وهي مضطربة؛ لكن الحديث حسن لغيره.\n(^٤) أخرجه مسلم (١٣٤٣).","vol":"1","page":87},{"text":"<span data-type='title' id=toc-67>٢٥ - دعاء دخول القرية:</span>\nعَنْ صُهَيْبٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ، لَمْ يَرَ قَرْيَةً يُرِيدُ دُخُولَهَا إِلَّا قَالَ حِينَ يَرَاهَا: «اللهُمَّ رَبَّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَمَا أَظْلَلْنَ، وَرَبَّ الْأَرَضِينَ وَمَا أَقْلَلْنَ، وَرَبَّ الشَّيَاطِينِ وَمَا أَضْلَلْنَ، وَرَبَّ الرِّيَاحِ وَمَا ذَرَيْنَ، فَإِنَّا نَسْأَلُكَ خَيْرَ هَذِهِ الْقَرْيَةِ، وَخَيْرَ أَهْلِهَا، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ أَهْلِهَا وَشَرِّ مَا فِيهَا» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-68>٢٦ - دعاء من نزل منزلًا:</span>\nعَنْ خَوْلَةَ بِنْتِ حَكِيمٍ السُّلَمِيَّةِ ﵂، تَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ، يَقُولُ: «مَنْ نَزَلَ مَنْزِلًا ثُمَّ قَالَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ، حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-69>٢٧ - استحباب دعاء المسافر وقت السحر وغيره:</span>\nعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا كَانَ فِي سَفَرٍ وَأَسْحَرَ يَقُولُ: «سَمِعَ سَامِعٌ بِحَمْدِ اللهِ وَحُسْنِ بَلَائِهِ عَلَيْنَا، رَبَّنَا صَاحِبْنَا وَأَفْضِلْ عَلَيْنَا، عَائِذًا\n_________\n(^١) أخرجه النسائي في «عمل اليوم والليلة» (٥٤٣، ٥٤٤)، وأخرجه ابن السني (٥٢٥)، تحت بَاب (مَا يَقُولُ إِذَا رَأَى قَرْيَةً يُرِيدُ دُخُولَهَا)، وابن حبان (٢٧٠٩)، والطبراني في «الدعاء» (٨٣٨)، وآخرون، وهو حديث صحيح، رجاله ثقات، وهو في «الصحيح المسند» لشيخنا ﵀ (٥٠٩).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٧٠٨).","vol":"1","page":88},{"text":"بِاللهِ مِنَ النَّارِ» (^١). عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «ثَلَاثُ دَعَوَاتٍ مُسْتَجَابَاتٌ، لَا شَكَّ فِيهِنَّ: دَعْوَةُ الْمَظْلُومِ، وَدَعْوَةُ الْمُسَافِرِ، وَدَعْوَةُ الْوَالِدِ عَلَى وَلَدِهِ» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٧١٨).\n(^٢) أخرجه أحمد (١٥١٠)، وأبو داود (١٥٣٦)، وغيرهما، وهو حديث صحيح بشواهده، وعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ ﵁ عند أحمد في «المسند» (١٧٣٩٩)، وأنس عند البيهقي في «الكبرى» (٣/ ٣٤٥)، والضياء في «المختارة».","vol":"1","page":89},{"text":"<span data-type='title' id=toc-70>[٢]- بداية بناء إبراهيم ﵊ للبيت وكان قبله رابية</span>\nقال الله ﵎: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦)﴾ [آل عمران: ٩٦].\nوقال تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (٣٧)﴾ [إبراهيم: ٣٧].\nوقال تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧)﴾ [البقرة: ١٢٧].\n\n١ - قال الإمام البخاري ﵀ في «صحيحه» (٣٣٦٤): حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ، وَكَثِيرِ بْنِ كَثِيرِ بْنِ المُطَّلِبِ بْنِ أَبِي وَدَاعَةَ، يَزِيدُ أَحَدُهُمَا عَلَى الآخَرِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: أَوَّلَ مَا اتَّخَذَ النِّسَاءُ المِنْطَقَ مِنْ قِبَلِ أُمِّ إِسْمَاعِيلَ، اتَّخَذَتْ","vol":"1","page":90},{"text":"مِنْطَقًا لِتُعَفِّيَ أَثَرَهَا عَلَى سَارَةَ، ثُمَّ جَاءَ بِهَا إِبْرَاهِيمُ وَبِابْنِهَا إِسْمَاعِيلَ وَهِيَ تُرْضِعُهُ، حَتَّى وَضَعَهُمَا عِنْدَ البَيْتِ عِنْدَ دَوْحَةٍ، فَوْقَ زَمْزَمَ فِي أَعْلَى المَسْجِدِ، وَلَيْسَ بِمَكَّةَ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ، وَلَيْسَ بِهَا مَاءٌ، فَوَضَعَهُمَا هُنَالِكَ، وَوَضَعَ عِنْدَهُمَا جِرَابًا فِيهِ تَمْرٌ، وَسِقَاءً فِيهِ مَاءٌ، ثُمَّ قَفَّى إِبْرَاهِيمُ مُنْطَلِقًا، فَتَبِعَتْهُ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ فَقَالَتْ: يَا إِبْرَاهِيمُ، أَيْنَ تَذْهَبُ وَتَتْرُكُنَا بِهَذَا الوَادِي، الَّذِي لَيْسَ فِيهِ إِنْسٌ وَلَا شَيْءٌ؟ فَقَالَتْ لَهُ ذَلِكَ مِرَارًا، وَجَعَلَ لَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهَا، فَقَالَتْ لَهُ: آللَّهُ الَّذِي أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ نَعَمْ، قَالَتْ: إِذَنْ لَا يُضَيِّعُنَا، ثُمَّ رَجَعَتْ.\nفَانْطَلَقَ إِبْرَاهِيمُ حَتَّى إِذَا كَانَ عِنْدَ الثَّنِيَّةِ حَيْثُ لَا يَرَوْنَهُ، اسْتَقْبَلَ بِوَجْهِهِ البَيْتَ، ثُمَّ دَعَا بِهَؤُلَاءِ الكَلِمَاتِ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ: رَبِّ ﴿إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ [إبراهيم: ٣٧]- حَتَّى بَلَغَ - ﴿يَشْكُرُونَ (٣٧)﴾ [إبراهيم: ٣٧].\nوَجَعَلَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ تُرْضِعُ إِسْمَاعِيلَ وَتَشْرَبُ مِنْ ذَلِكَ المَاءِ، حَتَّى إِذَا نَفِدَ مَا فِي السِّقَاءِ عَطِشَتْ وَعَطِشَ ابْنُهَا، وَجَعَلَتْ تَنْظُرُ إِلَيْهِ يَتَلَوَّى، أَوْ قَالَ يَتَلَبَّطُ، فَانْطَلَقَتْ كَرَاهِيَةَ أَنْ تَنْظُرَ إِلَيْهِ، فَوَجَدَتِ الصَّفَا أَقْرَبَ جَبَلٍ فِي الأَرْضِ يَلِيهَا، فَقَامَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَتِ الوَادِيَ تَنْظُرُ هَلْ تَرَى أَحَدًا فَلَمْ تَرَ أَحَدًا، فَهَبَطَتْ مِنَ الصَّفَا حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الوَادِيَ رَفَعَتْ طَرَفَ دِرْعِهَا، ثُمَّ سَعَتْ","vol":"1","page":91},{"text":"سَعْيَ الإِنْسَانِ المَجْهُودِ حَتَّى جَاوَزَتِ الوَادِيَ، ثُمَّ أَتَتِ المَرْوَةَ فَقَامَتْ عَلَيْهَا وَنَظَرَتْ هَلْ تَرَى أَحَدًا فَلَمْ تَرَ أَحَدًا، فَفَعَلَتْ ذَلِكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «فَذَلِكَ سَعْيُ النَّاسِ بَيْنَهُمَا» فَلَمَّا أَشْرَفَتْ عَلَى المَرْوَةِ سَمِعَتْ صَوْتًا، فَقَالَتْ صَهٍ - تُرِيدُ نَفْسَهَا -، ثُمَّ تَسَمَّعَتْ، فَسَمِعَتْ أَيْضًا، فَقَالَتْ: قَدْ أَسْمَعْتَ إِنْ كَانَ عِنْدَكَ غِوَاثٌ، فَإِذَا هِيَ بِالْمَلَكِ عِنْدَ مَوْضِعِ زَمْزَمَ، فَبَحَثَ بِعَقِبِهِ، أَوْ قَالَ بِجَنَاحِهِ، حَتَّى ظَهَرَ المَاءُ، فَجَعَلَتْ تُحَوِّضُهُ وَتَقُولُ بِيَدِهَا هَكَذَا، وَجَعَلَتْ تَغْرِفُ مِنَ المَاءِ فِي سِقَائِهَا وَهُوَ يَفُورُ بَعْدَ مَا تَغْرِفُ.\n\nقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «يَرْحَمُ اللَّهُ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ، لَوْ تَرَكَتْ زَمْزَمَ - أَوْ قَالَ: لَوْ لَمْ تَغْرِفْ مِنَ المَاءِ -، لَكَانَتْ زَمْزَمُ عَيْنًا مَعِينًا».\n\nقَالَ: فَشَرِبَتْ وَأَرْضَعَتْ وَلَدَهَا، فَقَالَ لَهَا المَلَكُ: لَا تَخَافُوا الضَّيْعَةَ، فَإِنَّ هَا هُنَا بَيْتَ اللَّهِ، يَبْنِي هَذَا الغُلَامُ وَأَبُوهُ، وَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَهْلَهُ، وَكَانَ البَيْتُ مُرْتَفِعًا مِنَ الأَرْضِ كَالرَّابِيَةِ، تَأْتِيهِ السُّيُولُ، فَتَأْخُذُ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ، فَكَانَتْ كَذَلِكَ حَتَّى مَرَّتْ بِهِمْ رُفْقَةٌ مِنْ جُرْهُمَ، أَوْ أَهْلُ بَيْتٍ مِنْ جُرْهُمَ، مُقْبِلِينَ مِنْ طَرِيقِ كَدَاءٍ، فَنَزَلُوا فِي أَسْفَلِ مَكَّةَ فَرَأَوْا طَائِرًا عَائِفًا، فَقَالُوا: إِنَّ هَذَا الطَّائِرَ لَيَدُورُ عَلَى مَاءٍ، لَعَهْدُنَا بِهَذَا الوَادِي وَمَا فِيهِ مَاءٌ، فَأَرْسَلُوا جَرِيًّا أَوْ جَرِيَّيْنِ فَإِذَا هُمْ بِالْمَاءِ، فَرَجَعُوا فَأَخْبَرُوهُمْ بِالْمَاءِ فَأَقْبَلُوا، قَالَ: وَأُمُّ","vol":"1","page":92},{"text":"إِسْمَاعِيلَ عِنْدَ المَاءِ، فَقَالُوا: أَتَأْذَنِينَ لَنَا أَنْ نَنْزِلَ عِنْدَكِ؟ فَقَالَتْ: نَعَمْ، وَلَكِنْ لَا حَقَّ لَكُمْ فِي المَاءِ، قَالُوا: نَعَمْ.\nقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «فَأَلْفَى ذَلِكَ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ وَهِيَ تُحِبُّ الإِنْسَ». فَنَزَلُوا وَأَرْسَلُوا إِلَى أَهْلِيهِمْ فَنَزَلُوا مَعَهُمْ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِهَا أَهْلُ أَبْيَاتٍ مِنْهُمْ، وَشَبَّ الغُلَامُ وَتَعَلَّمَ العَرَبِيَّةَ مِنْهُمْ، وَأَنْفَسَهُمْ وَأَعْجَبَهُمْ حِينَ شَبَّ، فَلَمَّا أَدْرَكَ زَوَّجُوهُ امْرَأَةً مِنْهُمْ، وَمَاتَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ، فَجَاءَ إِبْرَاهِيمُ بَعْدَمَا تَزَوَّجَ إِسْمَاعِيلُ يُطَالِعُ تَرِكَتَهُ، فَلَمْ يَجِدْ إِسْمَاعِيلَ، فَسَأَلَ امْرَأَتَهُ عَنْهُ فَقَالَتْ: خَرَجَ يَبْتَغِي لَنَا، ثُمَّ سَأَلَهَا عَنْ عَيْشِهِمْ وَهَيْئَتِهِمْ، فَقَالَتْ نَحْنُ بِشَرٍّ، نَحْنُ فِي ضِيقٍ وَشِدَّةٍ، فَشَكَتْ إِلَيْهِ، قَالَ: فَإِذَا جَاءَ زَوْجُكِ فَاقْرَئِي عَلَيْهِ¬ السَّلَامُ، وَقُولِي لَهُ يُغَيِّرْ عَتَبَةَ بَابِهِ، فَلَمَّا جَاءَ إِسْمَاعِيلُ كَأَنَّهُ آنَسَ شَيْئًا، فَقَالَ: هَلْ جَاءَكُمْ مِنْ أَحَدٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، جَاءَنَا شَيْخٌ كَذَا وَكَذَا، فَسَأَلَنَا عَنْكَ فَأَخْبَرْتُهُ، وَسَأَلَنِي كَيْفَ عَيْشُنَا، فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّا فِي جَهْدٍ وَشِدَّةٍ، قَالَ: فَهَلْ أَوْصَاكِ بِشَيْءٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ¬ السَّلَامَ، وَيَقُولُ غَيِّرْ عَتَبَةَ بَابِكَ، قَالَ: ذَاكِ أَبِي، وَقَدْ أَمَرَنِي أَنْ أُفَارِقَكِ، الحَقِي بِأَهْلِكِ، فَطَلَّقَهَا، وَتَزَوَّجَ مِنْهُمْ أُخْرَى.\nفَلَبِثَ عَنْهُمْ إِبْرَاهِيمُ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ أَتَاهُمْ بَعْدُ فَلَمْ يَجِدْهُ، فَدَخَلَ عَلَى امْرَأَتِهِ فَسَأَلَهَا عَنْهُ، فَقَالَتْ: خَرَجَ يَبْتَغِي لَنَا، قَالَ: كَيْفَ أَنْتُمْ؟ وَسَأَلَهَا عَنْ","vol":"1","page":93},{"text":"عَيْشِهِمْ وَهَيْئَتِهِمْ، فَقَالَتْ: نَحْنُ بِخَيْرٍ وَسَعَةٍ، وَأَثْنَتْ عَلَى اللَّهِ، فَقَالَ: مَا طَعَامُكُمْ؟ قَالَتِ اللَّحْمُ، قَالَ فَمَا شَرَابُكُمْ؟ قَالَتِ المَاءُ. قَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي اللَّحْمِ وَالمَاءِ. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ يَوْمَئِذٍ حَبٌّ، وَلَوْ كَانَ لَهُمْ دَعَا لَهُمْ فِيهِ».\nقَالَ: فَهُمَا لَا يَخْلُو عَلَيْهِمَا أَحَدٌ بِغَيْرِ مَكَّةَ إِلَّا لَمْ يُوَافِقَاهُ، قَالَ: فَإِذَا جَاءَ زَوْجُكِ فَاقْرَئِي عَلَيْهِ¬ السَّلَامُ، وَمُرِيهِ يُثْبِتُ عَتَبَةَ بَابِهِ، فَلَمَّا جَاءَ إِسْمَاعِيلُ قَالَ: هَلْ أَتَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، أَتَانَا شَيْخٌ حَسَنُ الهَيْئَةِ، وَأَثْنَتْ عَلَيْهِ، فَسَأَلَنِي عَنْكَ فَأَخْبَرْتُهُ، فَسَأَلَنِي كَيْفَ عَيْشُنَا فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّا بِخَيْرٍ، قَالَ: فَأَوْصَاكِ بِشَيْءٍ، قَالَتْ: نَعَمْ، هُوَ يَقْرَأُ عَلَيْكَ¬ السَّلَامَ، وَيَأْمُرُكَ أَنْ تُثْبِتَ عَتَبَةَ بَابِكَ، قَالَ: ذَاكِ أَبِي وَأَنْتِ العَتَبَةُ، أَمَرَنِي أَنْ أُمْسِكَكِ.\nثُمَّ لَبِثَ عَنْهُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ جَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِسْمَاعِيلُ يَبْرِي نَبْلًا لَهُ تَحْتَ دَوْحَةٍ قَرِيبًا مِنْ زَمْزَمَ، فَلَمَّا رَآهُ قَامَ إِلَيْهِ، فَصَنَعَا كَمَا يَصْنَعُ الوَالِدُ بِالوَلَدِ وَالوَلَدُ بِالوَالِدِ، ثُمَّ قَالَ يَا إِسْمَاعِيلُ، إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي بِأَمْرٍ، قَالَ: فَاصْنَعْ مَا أَمَرَكَ رَبُّكَ، قَالَ: وَتُعِينُنِي؟ قَالَ: وَأُعِينُكَ، قَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَبْنِيَ هَا هُنَا بَيْتًا، وَأَشَارَ إِلَى أَكَمَةٍ مُرْتَفِعَةٍ عَلَى مَا حَوْلَهَا.\nقَالَ: فَعِنْدَ ذَلِكَ رَفَعَا القَوَاعِدَ مِنَ البَيْتِ، فَجَعَلَ إِسْمَاعِيلُ يَأْتِي بِالحِجَارَةِ","vol":"1","page":94},{"text":"وَإِبْرَاهِيمُ يَبْنِي، حَتَّى إِذَا ارْتَفَعَ البِنَاءُ، جَاءَ بِهَذَا الحَجَرِ فَوَضَعَهُ لَهُ فَقَامَ عَلَيْهِ، وَهُوَ يَبْنِي وَإِسْمَاعِيلُ يُنَاوِلُهُ الحِجَارَةَ، وَهُمَا يَقُولَانِ: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧)﴾ [البقرة: ١٢٧].\nقَالَ: فَجَعَلَا يَبْنِيَانِ حَتَّى يَدُورَا حَوْلَ البَيْتِ، وَهُمَا يَقُولَانِ: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧)﴾ [البقرة: ١٢٧].","vol":"1","page":95},{"text":"<span data-type='title' id=toc-71>[٣]- فضائل بيت اللَّه الحرام</span>\n<span data-type='title' id=toc-72>١ - المسجد الحرام قبلة المسلمين:</span>\nقال الله ﵎: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٤٤)﴾ [البقرة: ١٤٤].\nوقال تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٩) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٠)﴾ [البقرة: ١٤٩ - ١٥٠].\nقال الإمام البخاري ﵀ (٤٤٨٦): حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، سَمِعَ زُهَيْرًا، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ البَرَاءِ ﵁: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى إِلَى بَيْتِ المَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَكَانَ يُعْجِبُهُ أَنْ تَكُونَ قِبْلَتُهُ قِبَلَ البَيْتِ، وَأَنَّهُ","vol":"1","page":96},{"text":"صَلَّى، أَوْ صَلَّاهَا، صَلَاةَ العَصْرِ وَصَلَّى مَعَهُ قَوْمٌ» فَخَرَجَ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ صَلَّى مَعَهُ فَمَرَّ عَلَى أَهْلِ المَسْجِدِ وَهُمْ رَاكِعُونَ، قَالَ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ، لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ قِبَلَ مَكَّةَ، فَدَارُوا كَمَا هُمْ قِبَلَ البَيْتِ، وَكَانَ الَّذِي مَاتَ عَلَى القِبْلَةِ قَبْلَ أَنْ تُحَوَّلَ قِبَلَ البَيْتِ رِجَالٌ قُتِلُوا، لَمْ نَدْرِ مَا نَقُولُ فِيهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾ [البقرة: ١٤٣]. أي: صَلَاتكُمْ.\nقال ابن العربي في «أحكام القرآن» (١/ ٦٢): اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهَا نَزَلَتْ فِيمَنْ مَاتَ وَهُوَ يُصَلِّي إلَى الْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ. اهـ.\nقال شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٢٢/ ٢١٥): وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمُصَلِّي اسْتِقْبَالَ الْقِبْلَةِ فِي الْجُمْلَةِ. اهـ.\nوقال النووي في «المجموع شرح المهذب»: استقبال القبلة شرط في صحة الصلاة، إلى قوله: وهذا لا خلاف بين العلماء فيه من حيث الجملة. اهـ.\nوقال ابن رشد «بداية المجتهد» (١/ ١١٨): اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ التَّوَجُّهَ نَحْوَ الْبَيْتِ شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ الصَّلَاةِ. اهـ.\n\n<span data-type='title' id=toc-74>٢ - تحريم دخول المشركين الحرم المكي:</span>\nقال الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا","vol":"1","page":97},{"text":"الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٨)﴾ [التوبة: ٢٨].\nقال شيخ الإسلام ﵀ في «الجواب الصحيح» (٣/ ١١٩): في قَوْلِهِ: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [التوبة: ٢٨]، يَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ الْكُفَّارِ، أَهْلُ الْكِتَابِ وَغَيْرُهُمْ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ. اهـ.\nقال ابن هبيرة في «إجماع الأئمة الأربعة» (٢/ ٣٣٦): وَاتَّفَقُوا على أَنه يمْنَع الْكَافِر من دُخُول الْحرم. اهـ.\nونقله ابن قاسم في «حاشية الروض المربع» (٤/ ٣١٧).\nقال النووي في «المجموع» (٧/ ٤٦٧): يُمْنَعُ كُلُّ كَافِرٍ مِنْ دُخُولِهِ مُقِيمًا كَانَ أَوْ مَارًّا هَذَا مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ. اهـ.\nقال ابن قدامة في «المغني» (١٣/ ٢٤٥): فَأَمَّا الْحَرَمُ، فَلَيْسَ لَهُمْ دُخُولُهُ بِحَالٍ. اهـ.\nوفي «فتاوى اللجنة الدائمة» المجموعة الأولى (٢/ ١١٦): يحرم على المسلمين أن يمكنوا أي كافر من دخول المسجد الحرام وما حوله من الحرم كله؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨]، الآية. اهـ.","vol":"1","page":98},{"text":"<span data-type='title' id=toc-76>٣ - تحريم الصد عن المسجد الحرام:</span>\nقال الله ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج: ٢٥].\nوقال تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٤)﴾ [الأنفال: ٣٤].\n\n<span data-type='title' id=toc-77>٤ - عذاب من أراد الإلحاد في المسجد الحرام:</span>\nقال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (١) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥)﴾ [الفيل: ١ - ٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٥)﴾ [الحج: ٢٥].\nوعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ، قَالَ: «أَبْغَضُ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ ثَلَاثَةٌ: مُلْحِدٌ فِي الحَرَمِ، وَمُبْتَغٍ فِي الإِسْلَامِ سُنَّةَ الجَاهِلِيَّةِ، وَمُطَّلِبُ دَمِ امْرِئٍ بِغَيْرِ حَقٍّ لِيُهَرِيقَ دَمَهُ» (^١).\nويذكر في الباب حديث عُمَيْرِ بْنِ قَتَادَةَ الليثي ﵁، والدُ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، أَنَّ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٨٨٢).","vol":"1","page":99},{"text":"رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْكَبَائِرُ؟ فَقَالَ: «هُنَّ تِسْعٌ»، فَذَكَرَ مَعْنَاهُ زَادَ: «وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ الْمُسْلِمَيْنِ، وَاسْتِحْلَالُ الْبَيْتِ الْحَرَامِ قِبْلَتِكُمْ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا» (^١).\nقال الإمام أحمد في «مسنده» (٤٠٧١): حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ السُّدِّيِّ، أَنَّهُ سَمِعَ مُرَّةَ، أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ - قَالَ لِي شُعْبَةُ: وَرَفَعَهُ، وَلَا أَرْفَعُهُ لَكَ - يَقُولُ فِي قَوْلِهِ ﷿: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ [الحج: ٢٥]، قَالَ: «لَوْ أَنَّ رَجُلًا هَمَّ فِيهِ بِإِلْحَادٍ وَهُوَ بِعَدَنِ أَبْيَنَ، لَأَذَاقَهُ اللَّهُ ﷿ عَذَابًا أَلِيمًا»، والصواب وقفه، والموقوف صحيح وله حكم الرفع؛ لأن هذا أمر غيبي لا يقال من قبيل الرأي.\nقال ابن كثير في تفسير الآية: قُلْتُ: هَذَا الْإِسْنَادُ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ، وَوَقْفُهُ أَشْبَهُ مِنْ رَفْعِهِ؛ وَلِهَذَا صَمم شُعْبَةُ عَلَى وَقْفه مِنْ كَلَامِ ابْنِ مَسْعُودٍ. وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَسْبَاطٌ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ مُرة، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَوْقُوفًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. اهـ.\nثم ساق آثارًا في معاني (الإلحاد بظلم في الحرم) على أربعة أقوال، لخصها القشيري، كما سيأتي.\nقال ابن كثير: وَهَذِهِ الْآثَارُ، وَإِنْ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ مِنَ الْإِلْحَادِ، ولكنْ\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٢٨٧٥)، وهو حسن.","vol":"1","page":100},{"text":"هُو أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ، بَلْ فِيهَا تَنْبِيهٌ عَلَى مَا هُوَ أَغْلَظُ مِنْهَا. اهـ.\nقُلْتُ: الإلحاد في المسجد الحرام أعم مما ذكر في تلك الآثار التي لخصها أبو نصر القشيري المتوفى (٥١٤ هـ) في «التيسير في التفسير» عند الآية، فقال: والإلحاد: تحريف الشيء وإمالته عن حقيقته، أي: من أمال المسجد الذي جُعِلَ للناس على غير هذا الحكم فصدَّ عنه، وأشرَكَ به ظالمًا واضعًا الشيء غير موضعه، فهو مستحق للعقاب.\nوالإلحاد في الحرم، قيل: الشرك، وقيل: القتل، وقيل: استحلال الحرام، وقيل: احتكار الطعام، واللفظ عام في جميع االمعاصي، ودلت الآية على أنَّ الإرادة للذنب في الحرم يستحق بها العذاب كما يستحق بالعمل، وإن اختلفا في العقوبة. اهـ.\n\n<span data-type='title' id=toc-79>وممن قال بأن الإلحاد في المسجد الحرام هو جميع المعاصي:</span>\n• ابن جر ير الطبري قال: وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ بِالصَّوَابِ الْقَوْلُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، مِنْ أَنَّهُ مَعْنِيُّ بِالظُّلْمِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ كُلُّ مَعْصِيَةٍ لِلَّهِ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ عَمَّ، بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ [الحج: ٢٥]، وَلَمْ يُخَصَّصْ بِهِ ظُلْمٌ دُونَ ظُلْمٍ فِي خَبَرٍ وَلَا عَقْلٍ، فَهُوَ عَلَى عُمُومِهِ. اهـ من «تفسير ابن جرير» (١٦/ ٥١٠).\n• وقال القرطبي ﵀: وَهَذَا الْإِلْحَادُ وَالظُّلْمُ يَجْمَعُ جميع الْمَعَاصِيَ مِنَ الْكُفْرِ إِلَى الصَّغَائِرِ، فَلِعِظَمِ حُرْمَةِ الْمَكَانِ تَوَعَّدَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى نِيَّةِ السَّيِّئَةِ فِيهِ. وَمَنْ نَوَى","vol":"1","page":101},{"text":"سَيِّئَةً وَلَمْ يَعْمَلْهَا لَمْ يُحَاسَبْ عَلَيْهَا إِلَّا فِي مَكَّةَ. هَذَا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَجَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَغَيْرِهِمْ. اهـ من «تفسير القرطبي» (١٢/ ٣٦).\n• قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ [الحج: ٢٥]: أَيْ: يَهُمّ فِيهِ بِأَمْرٍ فَظِيعٍ مِنَ الْمَعَاصِي الْكِبَارِ.\nوَقَوْلُهُ: ﴿بِظُلْمٍ﴾ [الحج: ٢٥]، أَيْ: عَامِدًا قَاصِدًا أَنَّهُ ظُلْمٌ لَيْسَ بِمُتَأَوِّلٍ …\nوَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿بِظُلْمٍ﴾ [الحج: ٢٥]، يَعْمَلُ فِيهِ عَمَلًا سَيِّئًا.\nوَهَذَا مِنْ خُصُوصِيَّةِ الْحَرَمِ أَنَّهُ يعاقَب الْبَادِي فِيهِ الشَّرَّ، إِذَا كَانَ عَازِمًا عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يُوقِعْهُ …، وَهَذِهِ الْآثَارُ، وَإِنْ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ مِنَ الْإِلْحَادِ، ولكنْ هُو أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ، بَلْ فِيهَا تَنْبِيهٌ عَلَى مَا هُوَ أَغْلَظُ مِنْهَا، وَلِهَذَا لَمَّا هَمَّ أَصْحَابُ الْفِيلِ عَلَى تَخْرِيبِ الْبَيْتِ أَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ، ﴿تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥)﴾ [الفيل: ٤ - ٥]، أَيْ: دمَّرهم وَجَعَلَهُمْ عِبْرَةً وَنَكَالًا لِكُلِّ مَنْ أَرَادَهُ بِسُوءٍ. اهـ من «تفسير ابن كثير» (٥/ ٤١١ - ٤١٢).\n• وقال الشنقيطي: الَّذِي يَظْهَرُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ كُلَّ مُخَالَفَةٍ بِتَرْكِ وَاجِبٍ، أَوْ فِعْلِ مُحَرَّمٍ تَدْخُلُ فِي الظُّلْمِ الْمَذْكُورِ، وَأَمَّا الْجَائِزَاتُ كَعِتَابِ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ، أَوْ عَبْدَهُ، فَلَيْسَ مِنَ الْإِلْحَادِ، وَلَا مِنَ الظُّلْمِ.\nوقال: قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: مَنْ هَمَّ أَنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً فِي مَكَّةَ، أَذَاقَهُ اللَّهُ","vol":"1","page":102},{"text":"الْعَذَابَ الْأَلِيمَ بِسَبَبِ هَمِّهِ بِذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْهَا، بِخِلَافِ غَيْرِ الْحَرَمِ الْمَكِّيِّ مِنَ الْبِقَاعِ، فَلَا يُعَاقَبُ فِيهِ بَالْهَمِّ …\nفَهَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ مُخَصِّصَةٌ لِعُمُومِ قَوْلِهِ ﷺ: «وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةٌ» الْحَدِيثَ، وَعَلَيْهِ فَهَذَا التَّخْصِيصُ لِشِدَّةِ التَّغْلِيظِ فِي الْمُخَالَفَةِ فِي الْحَرَمِ الْمَكِّيِّ، وَوَجْهُ هَذَا ظَاهِرٌ … وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى الْإِرَادَةِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ﴾ [الحج: ٢٥]، الْعَزْمُ الْمُصَمِّمُ عَلَى ارْتِكَابِ الذَّنْبِ فِيهِ، وَالْعَزْمُ الْمُصَمِّمُ عَلَى الذَّنْبِ ذَنْبٌ يُعَاقَبُ عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ بِقَاعِ اللَّهِ. اهـ من «أضواء البيان» (٤/ ٤٩٤ - ٤٩٥).\n\nقُلْتُ:<span data-type='title' id=toc-80> ومن الإلحاد في المسجد الحرام: السرقة:</span>\nقال الإمام أحمد في «مسنده»: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄، قَالَ: كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَامَ، وَقُمْنَا مَعَهُ، فَأَطَالَ الْقِيَامَ … - فذكر صلاته ثم قال -: فَرَفَعَ رَأْسَهُ، وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ، وَقَضَى صَلَاتَهُ، فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ ﷿، فَإِذَا كَسَفَ أَحَدُهُمَا، فَافْزَعُوا إِلَى الْمَسَاجِدِ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ عُرِضَتْ عَلَيَّ الْجَنَّةُ، حَتَّى لَوْ أَشَاءُ لَتَعَاطَيْتُ بَعْضَ أَغْصَانِهَا، وَعُرِضَتْ عَلَيَّ النَّارُ، حَتَّى إِنِّي لَأُطْفِئُهَا، خَشْيَةَ أَنْ تَغْشَاكُمْ وَرَأَيْتُ فِيهَا امْرَأَةً مِنْ حِمْيَرَ، سَوْدَاءَ طُوَالَةً، تُعَذَّبُ بِهِرَّةٍ لَهَا، تَرْبِطُهَا، فَلَمْ تُطْعِمْهَا وَلَمْ تَسْقِهَا، وَلَا تَدَعُهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ، كُلَّمَا أَقْبَلَتْ، نَهَشَتْهَا، وَكُلَّمَا أَدْبَرَتْ نَهَشَتْهَا، وَرَأَيْتُ فِيهَا أَخَا بَنِي","vol":"1","page":103},{"text":"دَعْدَعٍ، (وَرَأَيْتُ صَاحِبَ الْمِحْجَنِ مُتَّكِئًا فِي النَّارِ عَلَى مِحْجَنِهِ، كَانَ يَسْرِقُ الْحَاجَّ بِمِحْجَنِهِ، فَإِذَا عَلِمُوا بِهِ قَالَ: لَسْتُ أَنَا أَسْرِقُكُمْ، إِنَّمَا تَعَلَّقَ بِمِحْجَنِي)».\nوالحديث صحيح بشاهده عند ابن حبان (^١)، وفيه تسمية صاحب المحجن الذي كان يسرق الحجيج بمحجنه: أنه عَمْرو بْن حُرْثَانَ الغِفَاري.\nوفي «غوامض المبهمات» لابن بشكوال (٢٨٦)، - تحت حديث جابر ﵁ في صلاة الكسوف - قال: صَاحِبُ المحجن هُوَ عمرَان الْغِفَارِيّ. اهـ.\n\n<span data-type='title' id=toc-81>ومن كبائر الذنوب والإلحاد في المسجد الحرام: تصوير ذوات الأرواح:</span>\n• لأن النَّبِيَّ ﷺ، قَالَ: «إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ القِيَامَةِ المُصَوِّرُونَ» (^٢).\n• ولأنها مضاهاة لخلق الله، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّهَا اشْتَرَتْ نُمْرُقَةً فِيهَا تَصَاوِيرُ، فَلَمَّا رَآهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ قَامَ عَلَى الْبَابِ فَلَمْ يَدْخُلْ، فَعَرَفْتُ، أَوْ فَعُرِفَتْ فِي وَجْهِهِ الْكَرَاهِيَةُ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ أَتُوبُ إِلَى اللهِ وَإِلَى رَسُولِهِ فَمَاذَا أَذْنَبْتُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَا بَالُ هَذِهِ النُّمْرُقَةِ؟» فَقَالَتْ: اشْتَرَيْتُهَا لَكَ، تَقْعُدُ عَلَيْهَا وَتَوَسَّدُهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ يُعَذَّبُونَ، وَيُقَالُ لَهُمْ:\n_________\n(^١) رقم: (١٤/ ٣٤٣)، وهو مخرج في «الصحيح المسند» لشيخنا ﵀ رقم (٩٤٣)، عن عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁.\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٩٥٠)، ومسلم (٢١٠٩).","vol":"1","page":104},{"text":"أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ»، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ الْبَيْتَ الَّذِي فِيهِ الصُّوَرُ لَا تَدْخُلُهُ الْمَلَائِكَةُ» (^١).\nوفي لفظ لها: «إِنَّ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ القِيَامَةِ الَّذِينَ يُصَوِّرُونَ هَذِهِ الصُّوَرَ» (^٢).\nوعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «كُلُّ مُصَوِّرٍ فِي النَّارِ، يَجْعَلُ لَهُ، بِكُلِّ صُورَةٍ صَوَّرَهَا، نَفْسًا فَتُعَذِّبُهُ فِي جَهَنَّمَ»، وقَالَ: «إِنْ كُنْتَ لَا بُدَّ فَاعِلًا، فَاصْنَعِ الشَّجَرَ وَمَا لَا نَفْسَ لَهُ» (^٣).\n• ولأنَّ النَّبِيَّ ﷺ لعن المصورين، ففي البخاري (^٤) عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ ﵁، قَالَ: «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ ثَمَنِ الكَلْبِ وَثَمَنِ الدَّمِ، … وَلَعَنَ المُصَوِّرَ».\n• ولأنَّ المصور يستديم عذابه يوم القيامة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «… وَمَنْ صَوَّرَ صُورَةً عُذِّبَ، وَكُلِّفَ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا، وَلَيْسَ بِنَافِخٍ» (^٥).\nوعن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الَّذِينَ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢١٠٥)، ومسلم (٢١٠٧).\n(^٢) أخرجه البخاري (٦١٠٩)، ومسلم (٢١٠٧/ ٩١).\n(^٣) أخرجه البخاري (٢٢٢٥)، ومسلم (٢١١٠).\n(^٤) رقم: (٢٠٨٦).\n(^٥) أخرجه البخاري (٧٠٤٢).","vol":"1","page":105},{"text":"يَصْنَعُونَ هَذِهِ الصُّوَرَ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، يُقَالُ لَهُمْ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ» (^١).\nوعَنْ مُسْلِمٍ بن صبيحٍ ﵀، قَالَ: كُنَّا مَعَ مَسْرُوقٍ، فِي دَارِ يَسَارِ بْنِ نُمَيْرٍ، فَرَأَى فِي صُفَّتِهِ تَمَاثِيلَ، فَقَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ القِيَامَةِ المُصَوِّرُونَ» (^٢).\nولمسلم (٢١٠٩): «إِنَّ مِنْ أَشَدِّ أَهْلِ النَّارِ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ، عَذَابًا الْمُصَوِّرُونَ».\n• وقال الترمذي: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاوِيَةَ الجُمَحِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «تَخْرُجُ عُنُقٌ مِنَ النَّارِ يَوْمَ القِيَامَةِ لَهَا عَيْنَانِ تُبْصِرَانِ وَأُذُنَانِ تَسْمَعَانِ وَلِسَانٌ يَنْطِقُ، يَقُولُ: إِنِّي وُكِّلْتُ بِثَلَاثَةٍ، بِكُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ، وَبِكُلِّ مَنْ دَعَا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ، وَبِالمُصَوِّرِينَ»، وَفِي البَابِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ.\nقُلْتُ: حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ مخرج في «الصحيحة» للألباني ﵀ (٥١٢)، و«الصحيح المسند» لشيخنا ﵀ رقم (١٤٠٦)؛ لكن قال الترمذي: (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ)، وَقَدْ رَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عَطِيَّةَ، عَنْ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٩٥١)، ومسلم (٢١٠٨).\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٩٥٠)، ومسلم (٢١٠٧).","vol":"1","page":106},{"text":"أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَ هَذَا. وَرَوَى أَشْعَثُ بْنُ سَوَّارٍ، عَنْ عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَهُ. اهـ.\nوأخرجه أحمد (٨٤٣٠)، من طريق عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُسْلِمٍ به.\nوحديث أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أخرجه أحمد (١١٣٥٤).\nقُلْتُ: وأعله الدارقطني في «العلل» (١٩٣٧)، والظاهر ثبوته عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وأَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵄.\nوفي لفظ لهما: «مَنْ صَوَّرَ صُورَةً فِي الدُّنْيَا كُلِّفَ يَوْمَ القِيَامَةِ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ، وَلَيْسَ بِنَافِخٍ».\n• المصور من أظلم الناس، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «قَالَ اللَّهُ ﷿: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي، فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً أَوْ لِيَخْلُقُوا حَبَّةً أَوْ شَعِيرَةً» (^١).\nوقد عدَّ تصوير ذوي الأرواح في الكبائر، الهيتمي في «الزواجر عن اقتراف الكبائر»، الكبيرة (٢٦٨)، والقاضي عياض في «إكمال المعلم» (٦/ ٦٣٨)، والذهبي في الكبائر، وغيرهم.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٥٥٩)، ومسلم (٢١١١).","vol":"1","page":107},{"text":"قال الهيتمي في «الزواجر»: عَدُّ مَا ذُكِرَ كَبِيرَةً هُوَ صَرِيحُ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، وَمِنْ ثَمَّ جَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ وَهُوَ ظَاهِرٌ. اهـ.\n\n<span data-type='title' id=toc-82>دلالة الأحاديث على تحريم تصوير ذوات الأرواح مما له ظل وما لا ظل له</span>\nقال النووي في «شرح مسلم» (٢١٠٤)، من كِتَابِ اللِّبَاسِ وَالزِّينَةِ:\nقَالَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ: تَصْوِيرُ صُورَةِ الْحَيَوَانِ حَرَامٌ شَدِيدُ التَّحْرِيمِ وَهُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ لِأَنَّهُ مُتَوَعَّدٌ عَلَيْهِ بِهَذَا الْوَعِيدِ الشَّدِيدِ الْمَذْكُورِ فِي الْأَحَادِيثِ وَسَوَاءٌ صَنَعَهُ بِمَا يُمْتَهَنُ أَوْ بِغَيْرِهِ فَصَنْعَتُهُ حَرَامٌ بِكُلِّ حَالٍ لِأَنَّ فِيهِ مُضَاهَاةً لِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى وَسَوَاءٌ مَا كَانَ فى ثوب أو بساط أودرهم أَوْ دِينَارٍ أَوْ فَلْسٍ أَوْ إِنَاءٍ أَوْ حَائِطٍ أَوْ غَيْرِهَا وَأَمَّا تَصْوِيرُ صُورَةِ الشَّجَرِ وَرِحَالِ الْإِبِلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَيْسَ فِيهِ صُورَةُ حَيَوَانٍ فَلَيْسَ بِحِرَامٍ.\nولا فرق فى هذا كله بين ماله ظل ومالاظل لَهُ هَذَا تَلْخِيصُ مَذْهَبِنَا فِي الْمَسْأَلَةِ وَبِمَعْنَاهُ قَالَ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ وَهُوَ مَذْهَبُ الثَّوْرِيِّ وَمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِمْ.\nوَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: إِنَّمَا يَنْهَى عَمَّا كَانَ له ظل ولابأس بِالصُّوَرِ الَّتِي لَيْسَ لَهَا ظِلٌّ وَهَذَا مَذْهَبٌ بَاطِلٌ فَإِنَّ السِّتْرَ الَّذِي أَنْكَرَ النَّبِيُّ ﷺ الصُّورَةَ فِيهِ لَا يَشُكُّ أَحَدٌ أَنَّهُ مَذْمُومٌ وَلَيْسَ لِصُورَتِهِ ظِلٌّ مَعَ بَاقِي الْأَحَادِيثِ الْمُطْلَقَةِ فِي كُلِّ صُورَةٍ.","vol":"1","page":108},{"text":"وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: النَّهْيُ فِي الصُّورَةِ عَلَى الْعُمُومِ وَكَذَلِكَ استعمال ماهى فِيهِ وَدُخُولُ الْبَيْتِ الَّذِي هِيَ فِيهِ سَوَاءٌ كانت رقما فى ثوب أو غيررقم وَسَوَاءٌ كَانَتْ فِي حَائِطٍ أَوْ ثَوْبٍ أَوْ بِسَاطٍ مُمْتَهَنٍ أَوْ غَيْرِ مُمْتَهَنٍ عَمَلًا بِظَاهِرِ الأحاديث لاسيما حَدِيثُ النُّمْرُقَةِ الَّذِي ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ، وَهَذَا مَذْهَبٌ قوى. اهـ.\nقال العلامة الشنقيطي ﵀ في «أضواء البيان» (٤/ ٢٩٨)، تحت تفسير قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦)﴾ [الحج: ٢٦]:\nمَسْأَلَةٌ: يُؤْخَذُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُتْرَكَ عِنْدَ بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ قَذَرٌ مِنَ الْأَقْذَارِ، وَلَا نَجَسٌ مِنَ الْأَنْجَاسِ الْمَعْنَوِيَّةِ وَلَا الْحِسِّيَّةِ، فَلَا يُتْرَكُ فِيهِ أَحَدٌ يَرْتَكِبُ مَا لَا يُرْضِي اللَّهَ، وَلَا أَحَدٌ يُلَوِّثُهُ بِقَذَرٍ مِنَ النَّجَاسَاتِ.\n(وَلَا شَكَّ أَنَّ دُخُولَ الْمُصَوِّرِينَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَوْلَ بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ بِآلَاتِ التَّصْوِيرِ يُصَوِّرُونَ بِهَا الطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ - أَنَّ ذَلِكَ مُنَافٍ لِمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ مِنْ تَطْهِيرِ بَيْتِهِ الْحَرَامِ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ، فَانْتِهَاكُ حُرْمَةِ بَيْتِ اللَّهِ بِارْتِكَابِ حُرْمَةِ التَّصْوِيرِ عِنْدَهُ لَا يَجُوزُ; لِأَنَّ تَصْوِيرَ الْإِنْسَانِ دَلَّتِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ عَلَى أَنَّهُ حَرَامٌ، وَظَاهِرُهَا الْعُمُومُ فِي كُلِّ أَنْوَاعِ التَّصْوِيرِ).\nوَلَا شَكَّ أَنَّ ارْتِكَابَ أَيِّ شَيْءٍ حَرَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ مِنَ الْأَقْذَارِ وَالْأَنْجَاسِ الْمَعْنَوِيَّةِ الَّتِي يَلْزَمُ تَطْهِيرُ بَيْتِ اللَّهِ مِنْهَا. وَكَذَلِكَ مَا يَقَعُ فِي الْمَسْجِدِ مِنَ","vol":"1","page":109},{"text":"الْكَلَامِ الْمُخِلِّ بِالدِّينِ وَالتَّوْحِيدِ لَا يَجُوزُ إِقْرَارُ شَيْءٍ مِنْهُ وَلَا تَرْكُهُ.\nوَنَرْجُو اللَّهَ لَنَا وَلِمَنْ وَلَّاهُ اللَّهُ أَمْرَنَا، وَلِإِخْوَانِنَا الْمُسْلِمِينَ التَّوْفِيقَ إِلَى مَا يُرْضِيهِ فِي حَرَمِهِ، وَسَائِرِ بِلَادِهِ، إِنَّهُ قَرِيبٌ مُجِيبٌ. اهـ.\nوسرد ابن القيم ﵀، الكبائر في «إعلام الموقعين» (٥/ ٤٥٩)، فقال: وَسُئِلَ ﷺ عَنْ الْكَبَائِرِ، فَقَالَ: «الْإِشْرَاكُ بِاَللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَقَوْلُ الزُّورِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ، وَالْفِرَارُ يَوْمَ الزَّحْفِ، وَيَمِينُ الْغَمُوسِ، وَقَتْلُ الْإِنْسَانِ وَلَدَهُ خَشْيَةَ أَنْ يَطْعَمَ مِنْهُ، وَالزِّنَا بِحَلِيلَةِ جَارِهِ، وَالسِّحْرُ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ» وَهَذَا مَجْمُوعٌ مِنْ أَحَادِيثَ.\nثم سرد الكبائر، وقصدنا منها ما سيأتي من ذكر تصوير ذوات الأرواح؛ ولكن أعجبني سردها، واختصارها، فرأيت من المفيد ذكر جلها هنا، بما فيها ما أردنا ذكره.\nقال: وَمِنْ الْكَبَائِرِ: تَرْكُ الصَّلَاةِ، وَمَنْعُ الزَّكَاةِ، وَتَرْكُ الْحَجِّ مَعَ الِاسْتِطَاعَةِ، وَالْإِفْطَارُ فِي رَمَضَانَ بِغَيْرِ عُذْرٍ، وَشُرْبُ الْخَمْرِ، وَالسَّرِقَةُ، وَالزِّنَا، وَاللِّوَاطُ، وَالْحُكْمُ بِخِلَافِ الْحَقِّ، وَأَخْذُ الرِّشَا عَلَى الْأَحْكَامِ، وَالْكَذِبُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَالْقَوْلُ عَلَى اللَّهِ بِلَا عِلْمٍ فِي أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ وَأَحْكَامِهِ، وَجُحُودُ مَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ وَوَصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ، وَاعْتِقَادُ أَنَّ كَلَامَهُ وَكَلَامَ رَسُولِهِ لَا يُسْتَفَادُ مِنْهُ يَقِينٌ أَصْلًا، وَأَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِهِ وَكَلَامَ رَسُولِهِ بَاطِلٌ وَخَطَأٌ بَلْ كُفْرٌ وَتَشْبِيهٌ وَضَلَالٌ، وَتَرْكُ مَا جَاءَ بِهِ لِمُجَرَّدِ قَوْلِ غَيْرِهِ، وَتَقْدِيمُ الْخَيَّالِ الْمُسَمَّى بِالْعَقْلِ وَالسِّيَاسَةِ الظَّالِمَةِ وَالْعَقَائِدِ الْبَاطِلَةِ","vol":"1","page":110},{"text":"وَالْآرَاءِ الْفَاسِدَةِ وَالْإِدْرَاكَاتِ وَالْكُشُوفَاتِ الشَّيْطَانِيَّةِ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ ﷺ، وَوَضْعُ الْمُكُوسِ، وَظُلْمُ الرَّعَايَا، وَالِاسْتِئْثَارُ بِالْفَيْءِ، وَالْكِبْرِ، وَالْفَخْرِ، وَالْعُجْبِ، وَالْخُيَلَاءِ، وَالرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ، وَتَقْدِيمُ خَوْفِ الْخَلْقِ عَلَى خَوْفِ الْخَالِقِ، وَمَحَبَّتِهِ عَلَى مَحَبَّةِ الْخَالِقِ، وَرَجَائِهِ عَلَى رَجَائِهِ، وَإِرَادَةُ الْعُلُوِّ فِي الْأَرْضِ وَالْفَسَادِ وَإِنْ لَمْ يَنَلْ ذَلِكَ، وَمِسَبَّةُ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وَقَطْعُ الطَّرِيقِ، وَإِقْرَارُ الرَّجُلِ الْفَاحِشَةَ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ يَعْلَمُ، وَالْمَشْيُ بِالنَّمِيمَةِ، وَتَرْكُ التَّنَزُّهِ مِنْ الْبَوْلِ، وَتَخَنُّثُ الرَّجُلِ وَتَرَجُّلُ الْمَرْأَةِ، وَوَصْلُ شَعْرِ الْمَرْأَةِ وَطَلَبُهَا ذَلِكَ، وَطَلَبُ الْوَصْلِ كَبِيرَةٌ، وَفِعْلُهُ كَبِيرَةٌ، وَالْوَشْمُ وَالِاسْتِيشَامُ، وَالْوَشْرُ وَالِاسْتِيشَارُ وَالنَّمْصُ وَالتَّنْمِيصُ، وَالطَّعْنُ فِي النَّسَبِ، وَبَرَاءَةُ الرَّجُلِ مِنْ أَبِيهِ، وَبَرَاءَةُ الْأَبِ مِنْ ابْنِهِ، وَإِدْخَالُ الْمَرْأَةِ عَلَى زَوْجِهَا وَلَدًا مِنْ غَيْرِهِ، وَالنِّيَاحَةُ، وَلَطْمُ الْخُدُودِ، وَشَقُّ الثِّيَابِ، وَحَلْقُ الْمَرْأَةِ شَعْرَهَا عِنْدَ الْمُصِيبَةِ بِالْمَوْتِ وَغَيْرِهِ، وَتَغْيِيرُ مَنَارِ الْأَرْضِ وَهُوَ أَعْلَامُهَا، وَقَطِيعَةُ الرَّحِمِ، وَالْجَوْرُ فِي الْوَصِيَّةِ، وَحِرْمَانُ الْوَارِثِ حَقَّهُ مِنْ الْمِيرَاثِ، وَأَكْلُ الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ، وَالتَّحْلِيلُ، وَاسْتِحْلَالُ الْمُطَلَّقَةِ بِهِ، وَالتَّحَيُّلُ عَلَى إسْقَاطِ مَا أَوْجَبَ اللَّهُ.\nوَتَحْلِيلُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَهُوَ اسْتِبَاحَةُ مَحَارِمِهِ وَإِسْقَاطُ فَرَائِضِهِ بِالْحِيَلِ، وَبَيْعُ الْحُرِّائْرَ، وَإِبَاقُ الْمَمْلُوكِ مِنْ سَيِّدِهِ، وَنُشُوزُ الْمَرْأَةِ عَلَى زَوْجِهَا، وَكِتْمَانُ الْعِلْمِ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَى إظْهَارِهِ، وَتَعَلُّمُ الْعِلْمِ لِلدُّنْيَا وَالْمُبَاهَاةِ وَالْجَاهِ وَالْعُلُوِّ عَلَى النَّاسِ، وَالْغَدْرُ، وَالْفُجُورُ فِي الْخِصَامِ، وَإِتْيَانُ الْمَرْأَةِ فِي دُبُرِهَا وَفِي مَحِيضِهَا، وَالْمَنُّ بِالصَّدَقَةِ","vol":"1","page":111},{"text":"وَغَيْرِهَا مِنْ عَمَلِ الْخَيْرِ.\nوَإِسَاءَةُ الظَّنِّ بِاَللَّهِ، وَاتِّهَامُهُ فِي أَحْكَامِهِ الْكَوْنِيَّةِ وَالدِّينِيَّةِ، وَالتَّكْذِيبُ بِقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ وَاسْتِوَائِهِ عَلَى عَرْشِهِ وَأَنَّهُ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عُرِجَ بِهِ إلَيْهِ، وَأَنَّهُ رَفَعَ الْمَسِيحِ إلَيْهِ وَأَنَّهُ يَصْعَدُ إلَيْهِ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَأَنَّهُ كَتَبَ كِتَابًا فَهُوَ عِنْدَهُ عَلَى عَرْشِهِ وَأَنَّ رَحْمَتَهُ تَغْلِبُ غَضَبَهُ وَأَنَّهُ يَنْزِلُ كُلَّ لَيْلَةٍ إلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَمْضِيَ شَطْرُ اللَّيْلِ فَيَقُولُ: مَنْ يَسْتَغْفِرنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟ وَأَنَّهُ كَلَّمَ مُوسَى تَكْلِيمًا وَأَنَّهُ تَجَلَّى لِلْجَبَلِ فَجَعَلَهُ دَكًّا وَاِتَّخَذَ إبْرَاهِيمَ خَلِيلًا وَأَنَّهُ نَادَى آدَمَ وَحَوَّاءَ وَنَادَى مُوسَى وَيُنَادِي نَبِيَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَنَّهُ خَلَقَ آدَمَ بِيَدَيْهِ وَأَنَّهُ يَقْبِضُ سَمَاوَاتِهِ بِإِحْدَى يَدَيْهِ وَالْأَرْضَ بِالْيَدِ الْأُخْرَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ.\nوَمِنْهَا: الِاسْتِمَاعُ إلَى حَدِيثِ قَوْمٍ لَا يُحِبُّونَ اسْتِمَاعَهُ، وَتَخْبِيثُ الْمَرْأَةِ عَلَى زَوْجِهَا وَالْعَبْدِ عَلَى سَيِّدِهِ.\n(وَتَصْوِيرُ صُوَرِ الْحَيَوَانِ سَوَاءٌ كَانَ لَهَا ظِلٌّ أَوْ لَمْ يَكُنْ).\nوَأَنْ يُرِيَ عَيْنَيْهِ فِي الْمَنَامِ مَا لَمْ تَرَيَاهُ، وَأَخْذُ الرِّبَا وَإِعْطَاؤُهُ وَالشَّهَادَةُ عَلَيْهِ وَكِتَابَتُهُ، وَشُرْبُ الْخَمْرِ وَعَصْرُهَا وَاعْتِصَارُهَا وَحَمْلُهَا وَبَيْعُهَا وَأَكْلُ ثَمَنِهَا، وَلَعْنُ مَنْ لَمْ يَسْتَحِقَّ اللَّعْنَ، وَإِتْيَانُ الْكَهَنَةِ وَالْمُنَجِّمِينَ وَالْعَرَّافِينَ وَالسَّحَرَةِ وَتَصْدِيقُهُمْ وَالْعَمَلُ بِأَقْوَالِهِمْ، وَالسُّجُودُ لِغَيْرِ اللَّهِ، وَالْحَلِفُ بِغَيْرِهِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَنْ","vol":"1","page":112},{"text":"حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ»، وَقَدْ قَصَّرَ مَا شَاءَ أَنْ يُقَصِّرَ مَنْ قَالَ: إنَّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ، وَصَاحِبُ الشَّرْعِ يَجْعَلُهُ شِرْكًا، فَرُتْبَتُهُ فَوْقَ رُتْبَةِ الْكَبَائِرِ، وَاِتِّخَاذُ الْقُبُورِ مَسَاجِدَ، وَجَعْلُهَا أَوْثَانًا وَأَعْيَادًا يَسْجُدُونَ لَهَا تَارَةً وَيُصَلُّونَ إلَيْهَا تَارَةً وَيَطُوفُونَ بِهَا تَارَةً وَيَعْتَقِدُونَ أَنَّ الدُّعَاءَ عِنْدَهَا أَفْضَلُ مِنْ الدُّعَاءِ فِي بُيُوتِ اللَّهِ الَّتِي شَرَعَ أَنْ يُدْعَى فِيهَا وَيُعْبَدَ وَيُصَلَّى لَهُ وَيُسْجَدُ.\nوَمِنْهَا: مُعَادَاةُ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ، وَإِسْبَالُ الثِّيَابِ مِنْ الْإِزَارِ وَالسَّرَاوِيلِ وَالْعِمَامَةِ وَغَيْرِهَا، وَالتَّبَخْتُرُ فِي الْمَشْيِ، وَاتِّبَاعُ الْهَوَى وَطَاعَةُ الْهَوَى وَطَاعَةُ الشُّحِّ وَالْإِعْجَابُ بِالنَّفْسِ، وَإِضَاعَةُ مَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ وَنَفَقَتُهُ مِنْ أَقَارِبِهِ وَزَوْجَتِهِ وَرَقِيقِهِ وَمَمَالِيكِهِ، وَالذَّبْحُ لِغَيْرِ اللَّهِ، وَهَجْرُ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ سَنَةً كَمَا فِي صَحِيحِ الْحَاكِمِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي خِرَاشٍ الْهُذَلِيِّ السُّلَمِيِّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ: «مَنْ هَجَرَ أَخَاهُ سَنَةً فَهُوَ كَقَتْلِهِ»، وَأَمَّا هَجْرُهُ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ مِنْ الْكَبَائِرِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ دُونَهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.\nوَمِنْهَا: الشَّفَاعَةُ فِي إسْقَاطِ حُدُودِ اللَّهِ، وَفِي الْحَدِيثِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ يَرْفَعُهُ: «مَنْ حَالَتْ شَفَاعَتُهُ دُونَ حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ فَقَدْ ضَادَّ اللَّهَ فِي أَمْرِهِ»، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَغَيْرُهُ، بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ.\nوَمِنْهَا: تَكَلَّمُ الرَّجُلِ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا.\nوَمِنْهَا: أَنْ يَدْعُوَ إلَى بِدْعَةٍ أَوْ ضَلَالَةٍ أَوْ تَرْكِ سُنَّةٍ، بَلْ هَذَا مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ،","vol":"1","page":113},{"text":"وَهُوَ مُضَادَّةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ.\nوَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ الْمُسْتَوْرِدِ بْنِ شَدَّادٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ أَكَلَ بِمُسْلِمٍ أَكْلَةً أَطْعَمَهُ اللَّهُ بِهَا أَكْلَةً مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ قَامَ بِمُسْلِمٍ مَقَامَ سُمْعَةٍ أَقَامَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَقَامَ رِيَاءٍ وَسُمْعَةٍ، وَمَنْ اكْتَسَى بِمُسْلِمٍ ثَوْبًا كَسَاهُ اللَّهُ ثَوْبًا مِنْ نَارٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».\nوَمَعْنَى الْحَدِيثِ: أَنَّهُ تَوَصَّلَ إلَى ذَلِكَ وَتَوَسَّلَ إلَيْهِ بِأَذَى أَخِيهِ الْمُسْلِمِ مِنْ كَذِبٍ عَلَيْهِ أَوْ سُخْرِيَةٍ أَوْ هُمَزَةٍ أَوْ لُمَزَةٍ أَوْ غِيبَةٍ وَالطَّعْنِ عَلَيْهِ وَالِازْدِرَاءِ بِهِ وَالشَّهَادَةِ عَلَيْهِ بِالزُّورِ وَالنَّيْلِ مِنْ عِرْضِهِ عِنْدَ عَدُوِّهِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ وَأَوْقَعَ فِي وَسَطِهِ، وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.\nوَمِنْهَا: التَّبَجُّحُ وَالِافْتِخَارُ بِالْمَعْصِيَةِ بَيْنَ أَصْحَابِهِ وَأَشْكَالِهِ، وَهُوَ الْإِجْهَارُ الَّذِي لَا يُعَافِي اللَّهُ صَاحِبَهُ، وَإِنْ عَافَاهُ مِنْ شَرِّ نَفْسِهِ.\nوَمِنْهَا: أَنْ يَكُونَ لَهُ وَجْهَانِ وَلِسَانَانِ، فَيَأْتِي الْقَوْمَ بِوَجْهٍ وَلِسَانٍ، وَيَأْتِي غَيْرَهُمْ بِوَجْهٍ وَلِسَانٍ آخَرَ.\nوَمِنْهَا: أَنْ يَكُونَ فَاحِشًا بَذِيًّا يَتْرُكُهُ النَّاسُ وَيَحْذَرُونَهُ اتِّقَاءَ فُحْشِهِ.\nوَمِنْهَا: مُخَاصَمَةُ الرَّجُلِ فِي بَاطِلٍ يَعْلَمُ أَنَّهُ بَاطِلٌ، وَدَعْوَاهُ مَا لَيْسَ لَهُ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ.","vol":"1","page":114},{"text":"وَمِنْهَا: أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّهُ مِنْ آلِ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَيْسَ مِنْهُمْ، أَوْ يَدَّعِيَ أَنَّهُ ابْنُ فُلَانٍ وَلَيْسَ بِابْنِهِ، وَفِي «الصَّحِيحَيْنِ»: «مَنْ اُدُّعِيَ إلَى غَيْرِ أَبِيهِ فَالْجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ»، وَفِيهِمَا أَيْضًا: «لَا تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ أَبِيهِ فَهُوَ كَافِرٌ»، وَفِيهِمَا أَيْضًا: «لَيْسَ مِنْ رَجُلٍ اُدُّعِيَ لِغَيْرِ أَبِيهِ وَهُوَ يَعْلَمُهُ إلَّا وَقَدْ كَفَرَ، وَمَنْ ادَّعَى مَا لَيْسَ لَهُ فَلَيْسَ مِنَّا وَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ، وَمَنْ دَعَا رَجُلًا بِالْكُفْرِ أَوْ قَالَ: عَدُوُّ اللَّهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ إلَّا حَارَ عَلَيْهِ».\nفَمِنْ الْكَبَائِرِ تَكْفِيرُ مَنْ لَمْ يُكَفِّرْهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَإِذَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ أَمَرَ بِقِتَالِ الْخَوَارِجِ وَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ شَرُّ قَتْلَى تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ وَأَنَّهُمْ يَمْرُقُونَ مِنْ الْإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمْيَةِ وَدِينُهُمْ تَكْفِيرُ الْمُسْلِمِينَ بِالذُّنُوبِ، فَكَيْفَ مَنْ كَفَّرَهُمْ بِالسُّنَّةِ وَمُخَالَفَةِ آرَاءِ الرِّجَالِ لَهَا وَتَحْكِيمِهَا وَالتَّحَاكُمِ إلَيْهَا؟\nوَمِنْهَا: أَنْ يُحَدِّثَ حَدَثًا فِي الْإِسْلَامِ، أَوْ يُؤْوِيَ مُحْدِثًا وَيَنْصُرَهُ وَيُعِينَهُ، وَفِي «الصَّحِيحَيْنِ»: «مَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا»، وَمِنْ أَعْظَمِ الْحَدَثِ تَعْطِيلُ كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ، وَإِحْدَاثُ مَا خَالَفَهُمَا، وَنَصْرُ مَنْ أَحْدَثَ ذَلِكَ وَالذَّبُّ عَنْهُ، وَمُعَادَاةُ مَنْ دَعَا إلَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ.\nوَمِنْهَا: إحْلَالُ شَعَائِرِ اللَّهِ فِي الْحَرَمِ، وَالْإِحْرَامِ كَقَتْلِ الصَّيْدِ، وَاسْتِحْلَالِ الْقِتَالِ فِي حَرَمِ اللَّهِ.","vol":"1","page":115},{"text":"وَمِنْهَا: لُبْسُ الْحَرِيرِ وَالذَّهَبِ لِلرِّجَالِ، وَاسْتِعْمَالُ أَوَانِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لِلرِّجَالِ.\nوَقَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ، قَالَ: «الطِّيَرَةُ شِرْكٌ»، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْكَبَائِرِ وَأَنْ يَكُونَ دُونَهَا.\nوَمِنْهَا: الْغُلُولُ مِنْ الْغَنِيمَةِ.\nوَمِنْهَا: غِشُّ الْإِمَامِ وَالْوَالِي لِرَعِيَّتِهِ.\nوَمِنْهَا: أَنْ يَتَزَوَّجَ ذَاتَ رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ، أَوْ يَقَعُ عَلَى بَهِيمَةٍ.\nوَمِنْهَا: الْمَكْرُ بِأَخِيهِ الْمُسْلِمِ وَمُخَادَعَتُهُ وَمُضَارَّتُهُ، وَقَدْ قَالَ ﷺ: «مَلْعُونٌ مَنْ مَكَرَ بِمُسْلِمٍ أَوْ ضَارَّ بِهِ».\nوَمِنْهَا: الِاسْتِهَانَةُ بِالْمُصْحَفِ وَإِهْدَارُ حُرْمَتِهِ كَمَا يَفْعَلُهُ مَنْ لَا يَعْتَقِدُ أَنَّ فِيهِ كَلَامَ اللَّهِ مِنْ وَطِئَهُ بِرِجْلِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.\nوَمِنْهَا: أَنْ يُضِلَّ أَعْمَى عَنْ الطَّرِيقِ، وَقَدْ لَعَنَ ﷺ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، فَكَيْفَ بِمَنْ أَضَلَّ عَنْ طَرِيقِ اللَّهِ أَوْ صِرَاطِهِ الْمُسْتَقِيمِ؟ … الخ. اهـ.","vol":"1","page":116},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-84> ومن الإلحاد في الحرم: ما يفعله الرافضة في المطاف من رفع الأصوات بنداء الحسين أو علي ﵄،</span> بقولهم: (واحسيناه، واعلياه)، وإزعاج الحجيج، وأذيتهم بالحسينيات، والمظاهرات، والهتافات في منى وعرفات.\nوقد ذكر شيخنا العلامة مقبل بن هادي الوادعي ﵀ في كتابه: «الإلحاد الخميني في أرض الحرمين»، نبذة من مقاصد تلك المظاهرات، فقال (٥٥): ينبغي أن يعلم أنَّ التظاهر بهذ الكيفية ليس إسلاميًّا، فلا نعلمه ورد عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ أن يخرج جماعة يهتفون بشعار واحد، وليس إلا تقليدًا لأعداء الإسلام، وتشبه بهم، والرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ يقول: «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ».\nأما مقاصده فمنها:\n• التباهي على أهل السنة بالكثرة، وهذا منهيّ عنه، قال الله ﷾: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٤٧)﴾ [الأنفال: ٤٧].\n• ومنها: الإرجاف أيضًا على أهل السنة، وهذا أيضًا منهيّ عنه ومتوعد عليه، قال الله ﷾: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (٦٠) مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (٦١)﴾ [الأحزاب: ٦٠ - ٦١].","vol":"1","page":117},{"text":"• ومنها: التكبر والسخرية، وهذا منهيّ عنه، قال الله ﷾: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١)﴾ [الحجرات: ١١].\nوقال في (ص ٦٦ - ٦٧): فالخميني آلة فتنة، لا نشك أنه عميل لأمريكا ولروسيا، فها هو يستمد قواته منهم، وهو أيضًا عميل لليهود فها هم بقواتهم في لبنان يقصفون المخيمات الفلسطينية، فقد افتضح أمر الرجل.\nوماذا يضر أمريكا أو روسيا الهتاف الخميني؟ تسقط أمريكا، أو تسقط روسيا! وهو ينفذ لهما مخططاتهما.\nولقد أحسن الشيخ محمد بن سالم البيحاني ﵀، إذ يقول:\nهيهات لا ينفع التصفيق ممتلئًا … به الفضاء ولا صوت الهتافات\n(فليحيا) أو (فليمت) لا يستقيم بها … شعب ولا يسقط الجبار والعاتي\nفكم خطيب سمعنا وهو مندفع … وما له أثر ماض ولا آتي\nيا أسكت الله أفواهًا تصيح له … فكم بلينا بتصفيق وأصوات\nولسنا نصدق الخمينى في زعمه أنه يقاطع أمريكا وروسيا، ولم نصدقه في احتجاز الرهائن الأمريكيين، نحن نعلم أنّها عن تمالئ مع أمريكا، ليظهر بطولته عند المسلمين ليثقوا به.","vol":"1","page":118},{"text":"ويشبهها قضية رمي بيت القذافي فهي أيضًا عن تمالئ مع أمريكا ليظهر عداوته لأمريكا، فقد أصبح الزعيم اليوم يظهر الصداقة مع دولة وهو في الباطن يعاديها، ويظهر العداوة لدولة وهو في الباطن يصادقها، ولقد أحسن محمد بن سالم البيحاني ﵀ إذ يقول:\nدولة تدّعي صداقة أخرى … وهي والله ضدها في الحقيقة\nما أظن الحياة إلا خداعًا … يجعل الدولة العدوّ صديقة\nقد بلينا بأجنبيّ شقيّ … يزرع الشر في الشعوب الشقيقة\nلو رجعنا إلى الصواب لعشنا … في سلام وسالمتنا الخليقة\nفالرجل يتظاهر بعداوة أعداء الإسلام، ثم ارتقى به الحال إلى نصب العداوة الحقيقية للمسلمين، فها هو يقول الخبيث: إنه يريد فتح مكة قبل فلسطين، ونحن لا نشك أنه مدفوع من قبل أعداء الإسلام، ولقد أحسن محمد ابن سالم البيحاني ﵀ إذ يقول:\nكل يوم ونحن نسمع عجلًا … يشتم الأبرياء حين يخور\nوإذا قيل: أيها العجل صمتًا … قال: إني بشتم قومي فخور\nألّهتني بعض الطوائف حتى … قدمت لي هباتهم والنذور\nعظّموني فصرت شيئًا عظيمًا … تتهاوى من تحت قرني الصخور\nولا يعرف حقيقة الرجل إلا من قرأ في تاريخ الرافضة وما هم عليه من كيد الإسلام والعداء لأهله.","vol":"1","page":119},{"text":"إلى آخر ما ذكره وما نقله عن شيخ الإسلام، وغيره من إلحاد الرافضة (قاتلهم الله)، وكيدهم للإسلام، والعداء لأهله، تحت هذه الشعارات المكذوبة.\n\n<span data-type='title' id=toc-85>٥ - شدة المعاهدة عند البيت:</span>\nقال الله ﵎: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧)﴾ [التوبة: ٧].\nقال السعدي ﵀ في «تفسيره»: فإنَّ لهم في العهد وخصوصًا في هذا المكان الفاضل حرمة، أوجب أن يراعوا فيها. اهـ.\n\n<span data-type='title' id=toc-86>٦ - تحريم القتل والقتال بمكة إلا إذا بدأ العدو جاز قتاله فيها</span>؛ لقول الله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]:\nقال الله ﵎: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢١٧)﴾ [البقرة: ٢١٧].","vol":"1","page":120},{"text":"وقال الله ﵎: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (١٩١)﴾ [البقرة: ١٩١].","vol":"1","page":121},{"text":"٢ - وعَنِ ابْنِ عَمْرٍ ﵄: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: «يُحِلُّهَا وَيَحُلُّ بِهِ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ، لَوْ وُزِنَتْ ذُنُوبُهُ بِذُنُوبِ الثَّقَلَيْنِ لَوَزَنَتْهَا» (^١).\n\n٣ - وعَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁، أن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ، وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا» (^٢).\n\n٤ - وعَنْ أَبِي شُرَيْحٍ ﵁، أَنَّهُ قَالَ لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ: - وَهُوَ يَبْعَثُ البُعُوثَ إِلَى مَكَّةَ - ائْذَنْ لِي أَيُّهَا الأَمِيرُ، أُحَدِّثْكَ قَوْلًا قَامَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ الغَدَ مِنْ يَوْمِ الفَتْحِ، سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ وَوَعَاهُ قَلْبِي، وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنَايَ حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ: حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ، وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا، وَلَا يَعْضِدَ بِهَا شَجَرَةً، فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ لِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهَا، فَقُولُوا: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لِرَسُولِهِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ، وَإِنَّمَا أَذِنَ لِي فِيهَا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، ثُمَّ عَادَتْ حُرْمَتُهَا اليَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالأَمْسِ، وَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ». فَقِيلَ لِأَبِي شُرَيْحٍ مَا قَالَ عَمْرٌو قَالَ: أَنَا\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٦٨٤٧)، وهو حديث صحيح.\n(^٢) أخرجه البخاري رقم: (٤٤٠٦) ومسلم رقم: (١٦٧٩)، ومثله عن ابن عمر ﵄ أخرجه البخاري رقم: (٤٤٠٣).","vol":"1","page":122},{"text":"أَعْلَمُ مِنْكَ يَا أَبَا شُرَيْحٍ لَا يُعِيذُ عَاصِيًا وَلَا فَارًّا بِدَمٍ وَلَا فَارًّا بِخَرْبَةٍ (^١).\n\n٥ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ افْتَتَحَ مَكَّةَ: «لَا هِجْرَةَ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ، فَانْفِرُوا، فَإِنَّ هَذَا بَلَدٌ حَرَّمَ اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، وَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَإِنَّهُ لَمْ يَحِلَّ القِتَالُ فِيهِ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَمْ يَحِلَّ لِي إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، لَا يُعْضَدُ شَوْكُهُ، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ، وَلَا يَلْتَقِطُ لُقَطَتَهُ إِلَّا مَنْ عَرَّفَهَا، وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهَا»، قَالَ العَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلَّا الإِذْخِرَ فَإِنَّهُ لِقَيْنِهِمْ وَلِبُيُوتِهِمْ، قَالَ: قَالَ: «إِلَّا الإِذْخِرَ» (^٢).\n\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، كما في «شرح العمدة» (١/ ٣٤٩):<span data-type='title' id=toc-87> مَنْ دَخَلَ مَكَّةَ لِقِتَالٍ مُبَاحٍ فَإِنَّهُ لَا إِحْرَامَ عَلَيْهِ،</span> نَصَّ عَلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَإِنَّمَا يَجِيءُ عَلَى أَصْلِنَا إِذَا كَانَ هُنَاكَ بُغَاةٌ أَوْ كُفَّارٌ أَوْ مُرْتَدَّةٌ قَدْ بَدَوْا بِالْقِتَالِ فِيهَا، فَأَمَّا إِذَا لَمْ يَبْدَءُوا بِقِتَالٍ لَمْ يَحِلَّ قِتَالُهُمْ. اهـ.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٠٤)، ومسلم (١٣٥٤).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٨٣٤)، ومسلم (١٣٥٣).","vol":"1","page":123},{"text":"وقال الجصاص في «أحكام القرآن» (١/ ٣١٣): فَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ إنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩١]، منسوخ بقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: هَذَا الْحُكْمُ ثَابِتٌ، لَا يُقَاتَلُ فِي الْحَرَمِ إلَّا مَنْ قَاتَلَ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: «إنَّ مَكَّةَ حَرَامٌ حَرَّمَهَا اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، فَإِنْ تَرَخَّصَ مُتَرَخِّصٌ بِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهَا، فَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لَهُ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ثُمَّ عَادَتْ حَرَامًا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ».\nفَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ حُكْمَ الْآيَةِ بَاقٍ غَيْرُ مَنْسُوخٍ، وَأَنَّهُ لَا يَحِلُّ أَنْ نَبْتَدِئَ فِيهَا بِالْقِتَالِ لِمَنْ لَمْ يُقَاتِلْ. اهـ.\n\nوقال ابن القيم ﵀ في «زاد المعاد» (٣/ ٥٤٥):<span data-type='title' id=toc-89> الطَّائِفَةُ الْمُمْتَنِعَةَ بِهَا مِنْ مُبَايَعَةِ الْإِمَامِ لَا تُقَاتَلُ،</span> لَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ لَهَا تَأْوِيلٌ، كَمَا امْتَنَعَ أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مُبَايَعَةِ يزيد، وَبَايَعُوا ابن الزبير، فَلَمْ يَكُنْ قِتَالُهُمْ وَنَصْبُ الْمَنْجَنِيقِ عَلَيْهِمَا، وَإِحْلَالُ حَرَمِ اللَّهِ جَائِزًا بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ.\nوَإِنَّمَا خَالَفَ فِي ذَلِكَ عَمْرُو بْنُ سَعِيدٍ الْفَاسِقُ وَشِيعَتُهُ، وَعَارَضَ نَصَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِرَأْيِهِ وَهَوَاهُ، فَقَالَ: إِنَّ الْحَرَمَ لَا يُعِيذُ عَاصِيًا، فَيُقَالُ لَهُ: هُوَ لَا يُعِيذُ عَاصِيًا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ وَلَوْ لَمْ يُعِذْهُ مِنْ سَفْكِ دَمِهِ لَمْ يَكُنْ حَرَمًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى","vol":"1","page":124},{"text":"الْآدَمِيِّينَ، وَكَانَ حَرَمًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الطَّيْرِ وَالْحَيَوَانِ الْبَهِيمِ، وَهُوَ لَمْ يَزَلْ يُعِيذُ الْعُصَاةَ مِنْ عَهْدِ إِبْرَاهِيمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ، وَقَامَ الْإِسْلَامُ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنَّمَا لَمْ يُعِذْ مقيس بن صبابة، وابن خطل، وَمَنْ سُمِّيَ مَعَهُمَا، لِأَنَّهُ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ لَمْ يَكُنْ حَرَمًا، بَلْ حِلًّا، فَلَمَّا انْقَضَتْ سَاعَةُ الْحَرْبِ عَادَ إِلَى مَا وُضِعَ عَلَيْهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ.\nوَكَانَتِ الْعَرَبُ فِي جَاهِلِيَّتِهَا يَرَى الرَّجُلُ قَاتِلَ أَبِيهِ، أَوِ ابْنَهُ فِي الْحَرَمِ، فَلَا يَهِيجُهُ، وَكَانَ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ خَاصِّيَّةَ الْحَرَمِ الَّتِي صَارَ بِهَا حَرَمًا، ثُمَّ جَاءَ الْإِسْلَامُ، فَأَكَّدَ ذَلِكَ وَقَوَّاهُ، وَعَلِمَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ مِنَ الْأُمَّةِ مَنْ يَتَأَسَّى بِهِ فِي إِحْلَالِهِ بِالْقِتَالِ وَالْقَتْلِ، فَقَطَعَ الْإِلْحَاقَ، وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: «فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ لِقَتَالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقُولُوا: إِنَّ اللَّهَ أَذِنَ لِرَسُولِهِ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَكَ». اهـ.","vol":"1","page":125},{"text":"<span data-type='title' id=toc-90>٧ - المسجد الحرام مسرى الرسول ﷺ:</span>\nقال الله ﵎: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١)﴾ [الإسراء: ١].\nقال ابن كثير ﵀ في قوله: ﴿مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء: ١]، وَهُوَ مَسْجِدُ مَكَّةَ، ﴿إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ [الإسراء: ١]، وَهُوَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ الَّذِي هُوَ إِيلِيَاءُ، مَعْدِنُ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ لَدُنْ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ؛ وَلِهَذَا جُمِعُوا لَهُ هُنَالِكَ كُلُّهُمْ، فَأمّهم فِي مَحِلّتهم، وَدَارِهِمْ.\nثم ساق حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ الذي أخرجه البخاري (٧٥١٧)، ومسلم (١٦٢)، أنه قال: «أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ مَسْجِدِ الكَعْبَةِ، جَاءَهُ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ وَهُوَ نَائِمٌ فِي المَسْجِدِ الحَرَامِ …، إلى قوله: فَلَمْ يُكَلِّمُوهُ حَتَّى احْتَمَلُوهُ، فَوَضَعُوهُ عِنْدَ بِئْرِ زَمْزَمَ، فَتَوَلَّاهُ مِنْهُمْ جِبْرِيلُ، فَشَقَّ جِبْرِيلُ مَا بَيْنَ نَحْرِهِ إِلَى لَبَّتِهِ حَتَّى فَرَغَ مِنْ صَدْرِهِ وَجَوْفِهِ، فَغَسَلَهُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ بِيَدِهِ، حَتَّى أَنْقَى جَوْفَهُ، ثُمَّ أُتِيَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ فِيهِ تَوْرٌ مِنْ ذَهَبٍ، مَحْشُوًّا إِيمَانًا وَحِكْمَةً، فَحَشَا بِهِ صَدْرَهُ وَلَغَادِيدَهُ - يَعْنِي: عُرُوقَ حَلْقِهِ - ثُمَّ أَطْبَقَهُ ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ» الحديث.\nوعن مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ ﵁، أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ حَدَّثَهُمْ عَنْ لَيْلَةِ أُسْرِيَ بِهِ،","vol":"1","page":126},{"text":"قَالَ: «بَيْنَمَا أَنَا فِي الحَطِيمِ، - وَرُبَّمَا قَالَ: فِي الحِجْرِ - مُضْطَجِعًا إِذْ أَتَانِي آتٍ، فَشَقَّ مَا بَيْنَ هَذِهِ إِلَى هَذِهِ - مِنْ صدره إِلَى شِعْرَتِهِ، وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: مِنْ قَصِّهِ إِلَى شِعْرَتِهِ - فَاسْتَخْرَجَ قَلْبِي، ثُمَّ أُتِيتُ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مَمْلُوءَةٍ إِيمَانًا، فَغُسِلَ قَلْبِي، ثُمَّ حُشِيَ ثُمَّ أُعِيدَ، ثُمَّ أُتِيتُ بِدَابَّةٍ دُونَ البَغْلِ، وَفَوْقَ الحِمَارِ أَبْيَضَ، - فَقَالَ لَهُ الجَارُودُ: هُوَ البُرَاقُ يَا أَبَا حَمْزَةَ؟ قَالَ أَنَسٌ: نَعَمْ - يَضَعُ خَطْوَهُ عِنْدَ أَقْصَى طَرْفِهِ، فَحُمِلْتُ عَلَيْهِ، فَانْطَلَقَ بِي جِبْرِيلُ» (^١). اهـ المراد.\nوجاء عن أَبِي ذَرٍّ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُسْرِيَ بِهِ من بَيْتِه، قَالَ: «فُرِجَ عَنْ سَقْفِ بَيْتِي وَأَنَا بِمَكَّةَ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ ﷺ، فَفَرَجَ صَدْرِي، ثُمَّ غَسَلَهُ بِمَاءِ زَمْزَمَ» (^٢).\nوقد جمع الحافظ ﵀ بين هذه الروايات.\nقال الحافظ ابن حجر في «الفتح» (٧/ ٢٠٤): وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ: «فُرِّجَ سَقْفُ بَيْتِي وَأَنَا بِمَكَّةَ».\nوَفِي رِوَايَةِ الْوَاقِدِيِّ بِأَسَانِيدِهِ: «أَنَّهُ أُسْرِيَ بِهِ مِنْ شِعْبِ أَبِي طَالِبٍ».\nوَفِي حَدِيثِ أُمِّ هَانِئٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ: أَنَّهُ بَاتَ فِي بَيْتِهَا قَالَ فَفَقَدْتُهُ مِنَ اللَّيْلِ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٨٨٧)، واللفظ له، ومسلم (١٦٤).\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٤٩)، ومسلم (١٦٣).","vol":"1","page":127},{"text":"فَقَالَ: «إِنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي».\nوَالْجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الْأَقْوَالِ: أَنَّهُ نَامَ فِي بَيْتِ أُمِّ هَانِئٍ، وَبَيْتُهَا عِنْدَ شِعْبِ أَبِي طَالِبٍ، فَفُرِّجَ سَقْفُ بَيْتِهِ، وَأَضَافَ الْبَيْتَ إِلَيْهِ لِكَوْنِهِ كَانَ يَسْكُنُهُ فَنَزَلَ مِنْهُ الْمَلَكُ فَأَخْرَجَهُ مِنَ الْبَيْتِ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَكَانَ بِهِ مُضْطَجِعًا، وَبِهِ أَثَرُ النُّعَاسِ ثُمَّ أَخْرَجَهُ الْمَلَكُ إِلَى بَابِ الْمَسْجِدِ فَأَرْكَبَهُ الْبُرَاقُ.\nوَقَدْ وَقَعَ فِي مُرْسَلِ الْحَسَنِ عِنْدَ بن إِسْحَاقَ أَنَّ جِبْرِيلَ أَتَاهُ فَأَخْرَجَهُ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَأَرْكَبَهُ الْبُرَاقُ، وَهُوَ يُؤَيِّدُ هَذَا الْجَمْعَ. اهـ.\nوأخذ هذا الجمع العلامة ابن عثيمين في «فتاوى الحرم المكي» (١٤١٣)، فقال: والنبي ﷺ حدث له الإسراء والمعراج في ليلة واحدة، والكلام هنا في أمور: الأمر الأول: أين كان النبي ﷺ حين أسري به وعرج به؟\nنقول كان في مكة وأسري به من الحجر، الحجر الذي في الكعبة وهذا هو معنى قوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء: ١]، أي: من هذا المسجد الذي نحن فيه، من الحجر، ﴿إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ [الإسراء: ١].\nوقد جاء في بعض الروايات، أنه أسري به من بيت أم هانئ، وجمع بين الروايتين الحافظ ابن حجر ﵀: بأنه ﷺ كان نائمًا في بيت أم هانئ ثم انتقل من البيت فنام في الحجر، ثم عرج به من الحجر، وعلى هذا فيكون قوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى","vol":"1","page":128},{"text":"بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء: ١]، أي: هذا المسجد، وليس من بيت أم هانئ، إنما كان أولًا في بيت أم هانئ، ثم انتقل إلى الحجر، فأسري به من هنا، وهذا هو المناسب تمامًا أن يسري به من مسجد إلى مسجد، من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، إذن أسري بالنبي ﷺ وعرج به في أي مكان؟ وهو في مكة من المسجد الحرام من الحجر الذي هو جزء من الكعبة. اهـ.\nقُلْتُ: وهذا واضح في الروايات الصحيحة المرادفة للقرآن أنَّ الإسراء كان من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وليس من بيته، وما جاء أنه فرج سقف بيته مبين بالرواية الأخرى: «أنَّه أخذ إلى الحجر، ونام فيه، وجاءه جبريل فشق صدره وغسله من ماء زمزم وأسري به منه»، فلا حجة فيه، لمن قال: (إنَّ بيت أم هانئ من المسجد الحرام)، لعدم ثبوت هذا القول.\nفقد جاء أنه أسري به من بيت أم هانئ، ولا يثبت:\nأخرج ذلك الطبراني في «الكبير» (٢٤/ ٤٣٢)، من طريق عَبْدِ الْأَعْلَى بْنِ أَبِي الْمُسَاوِرِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ ﵂، قَالَتْ: بَاتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ فِي بَيْتِي فَفَقَدْتُهُ مِنَ اللَّيْلِ، فذكره.\nوعَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ أَبِي الْمُسَاوِرِ:\nقال الهيثمي في «مجمع الزوائد»، عقب هذا الحديث: مَتْرُوكٌ كَذَّابٌ. اهـ.","vol":"1","page":129},{"text":"قُلْتُ: كذبه ابن معين كما في «سؤالات ابن الجنيد» (٤١٥).\nوأخرجه ابن سعد في «الطبقات» (١/ ١٨٣)، والطبري في «التفسير» (١٤/ ٤١٤)، والثعلبي في «تفسيره» (١٦/ ١٧٩)، أخرجه البيهقي في «دلائل النبوة» (٢/ ٤٠٤)، من طريق مُحَمَّدِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ بَاذَانَ، عَنْ أُمِّ هَانِئِ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ ﵂.\nقال ابن كثير في «تفسيره»: الْكَلْبِيُّ مَتْرُوكٌ بِمَرَّةٍ سَاقِطٌ، لَكِنْ رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي عَمْرٍو الشَّيبَانِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أُمِّ هَانِئٍ بِأَبْسَطَ مِنْ هَذَا السِّيَاقِ. اهـ.\nقُلْتُ: أخرجه أبو يعلى في «مسنده»، كما في «المطالب العالية» (٤٢٣١)، وفي «معجمه» (١٠)، وعنه الضياء المقدسي في «فضائل بيت المقدس» (٥٢)، بهذا الإسناد عَنْ أم هَانِيء قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِغَلَسٍ وَأَنَا عَلَى فِرَاشِي فَقَالَ: شَعُرْتُ أَنِّي نِمْتُ اللَّيْلَةَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فذكره.\nقال الذهبي في «تاريخ الإسلام» (٢/ ١٥٦ - ١٥٧): وَهُوَ حَدِيثٌ غَرِيبٌ، الْوَسَاوِسِيُّ ضَعِيفٌ تَفَرَّدَ بِهِ. اهـ.\nقُلْتُ: هو شيخ أبي يعلى ذكره العقيلي في «الضعفاء»، وقال: قال لي البزار: كَانَ يَضَعُ الْحَدِيثَ، وَحَدِيثُهُ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ. اهـ.","vol":"1","page":130},{"text":"وقال الدارقطني في «العلل»: ضعيف. اهـ.\nقال الحافظ في «الإصابة»: وهذا أصحّ من رواية الكلبيّ، فإنّ في روايته من المنكر أنه صلّى العشاء الآخرة والصبح معهم، وإنما فرضت الصّلاة ليلة المعراج، وكذا نومه الليلة في بيت أم هانئ، وإنما نام في المسجد. اهـ. جاء من طرق عن أم هانئ، وكلها واهية بمرة.\n\n<span data-type='title' id=toc-92>٨ - وجوب تطهير المسجد الحرام للصلاة، والطواف، والاعتكاف:</span>\nقال تعالى: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥)﴾ [البقرة: ١٢٥].\nوقال الله ﵎: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦)﴾ [الحج: ٢٦].\nولا شك في فضيلة الاعتكاف في المسجد الحرام ثم في المسجد النبوي ثم في المسجد الأقصى لفضلها، وفضل الصلاة فيها على غيرها من المساجد.\nوقد صحَّ عن حُذَيْفَةَ ﵁ أنه قال: (لَا اعْتِكَافَ إِلَّا فِي هَذِهِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ)، أخرجه عبد الرزاق في «المصنف» (٤/ ٣٤٨) فقال: عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ جَامِعِ بْنِ أَبِي رَاشِدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ، يَقُولُ: قَالَ حُذَيْفَةُ لِعَبْدِ اللهِ: قَوْمٌ عُكُوفٌ بَيْنَ دَارِكَ وَدَارِ أَبِي مُوسَى لَا تَنْهَاهُمْ؟ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللهِ: فَلَعَلَّهُمْ أَصَابُوا","vol":"1","page":131},{"text":"وَأَخْطَأْتَ، وَحَفِظُوا وَنَسِيتَ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ لَا اعْتِكَافَ إِلَّا فِي هَذِهِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ: مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ، وَمَسْجِدِ مَكَّةَ، وَمَسْجِدِ إِيلِيَا. وهذا سند صحيح رجاله ثقات.\nومن طريق سفيان بن عيينة أخرجه البيهقي في «الكبرى» رقم (٨٦٤٩)، والطبراني في «الكبرى» (٩/ ٣٥٠) رقم (٩٥١١)، والطحاوي في «مشكل الآثار».\nوقال الحافظ الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٥٠٨٧): رِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ. اهـ.\nوقال الحافظ ابن حجر في «الفتح»، تحت باب (١) الِاعْتِكَافُ فِي المَسَاجِدِ كُلِّهَا، من «صحيح البخاري»، قال: وَخَصَّهُ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ بِالْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ. اهـ.\nوقد جاء مرفوعًا كما في «الصحيحة» للألباني ﵀ (٢٧٨٦)، والصواب وقفه، ورأي حذيفة ﵁: عدم شرعية الاعتكاف في غير هذه المساجد؛ لكن هذا اجتهاده خالفه فيه جماهير الصحابة ومن بعدهم، فقالوا: بشرعية الاعتكاف في كل المساجد، والاعتكاف في هذه الثلاثة أكمل وأفضل لما تقدم.\nقال ابن هبيرة: وَأَجْمعُوا على أَنه يَصح الِاعْتِكَاف فِي كل مَسْجِد، إِلَّا أَحْمد فَإِنَّهُ قَالَ: لَا يَصح إِلَّا فِي مَسْجِد تُقَام فِيهِ الْجَمَاعَات. اهـ من «إجماع الأربعة» رقم (٧٦٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-95>٩ - المسجد الحرام بلد آمن:</span>\nقال الله ﵎: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ","vol":"1","page":132},{"text":"وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥) وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٢٦)﴾ [البقرة: ١٢٥ - ١٢٦].\nوقال تعالى: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧)﴾ [آل عمران: ٩٧].\nوقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥)﴾ [إبراهيم: ٣٥].\nوقال تعالى: ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٥٧)﴾ [القصص: ٥٧].\nوقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ (٦٧)﴾ [العنكبوت: ٦٧].\nوقال تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا (٢٧)﴾ [الفتح: ٢٧].","vol":"1","page":133},{"text":"قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٢٧/ ١٥):\nوَلَيْسَ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ مَكَانٌ يُسَمَّى (حَرَمًا)، وَلَا بِتُرْبَةِ الْخَلِيلِ، وَلَا بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْبِقَاعِ إلَّا ثَلَاثَةَ أَمَاكِنَ:\n• أَحَدُهَا: هُوَ حَرَمٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ حَرَمُ مَكَّةَ شَرَّفَهَا اللَّهُ تَعَالَى.\n• وَالثَّانِي: حَرَمٌ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ وَهُوَ حَرَمُ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ عِيرٍ إلَى ثَوْرٍ بَرِيدٌ فِي بَرِيدٍ، وَفِيهِ أَحَادِيثُ صَحِيحَةٌ مُسْتَفِيضَةٌ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ.\n• وَالثَّالِثُ: (وَجُّ) وَهُوَ وَادٍ بِالطَّائِفِ. فَإِنَّ هَذَا رُوِيَ فِيهِ حَدِيثٌ رَوَاهُ أَحْمَد فِي الْمُسْنَدِ وَلَيْسَ فِي الصِّحَاحِ، وَلَيْسَ حَرَمًا عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَأَحْمَد ضَعَّفَ الْحَدِيثَ الْمَرْوِيَّ فِيهِ فَلَمْ يَأْخُذْ بِهِ.\nوَأَمَّا مَا سِوَى هَذِهِ الْأَمَاكِنِ الثَّلَاثَةِ فَلَيْسَ حَرَمًا عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ. اهـ.\nقُلْتُ: هذا هو الحديث المذكور، قال الإمام أحمد ﵀ في «المسند» رقم (١٤١٦): حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ - مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ مَخْزُومِيٌّ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِنْسَانَ، قَالَ: وَأَثْنَى عَلَيْهِ خَيْرًا، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: أَقْبَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ لَيْلَةٍ، حَتَّى إِذَا كُنَّا عِنْدَ السِّدْرَةِ، وَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي طَرَفِ الْقَرْنِ الْأَسْوَدِ حَذْوَهَا، فَاسْتَقْبَلَ نَخِبًا بِبَصَرِهِ - يَعْنِي وَادِيًا - ووَقَفَ حَتَّى اتَّفَقَتِ النَّاسُ كُلُّهُمْ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ صَيْدَ وَجٍّ، وَعِضَاهَهُ حَرَمٌ","vol":"1","page":134},{"text":"مُحَرَّمٌ لِلَّهِ»، وَذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِهِ الطَّائِفَ، وَحِصَارِهِ ثَقِيفَ.\nوقال أبو داود ﵀ في «سننه» (٢٠٣٢): حَدَّثَنَا حَامِدُ بْنُ يَحْيَى، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ، به. وهذا حديث ضعيف، ضعفه أحمد كما نقل شيخ الإسلام.\nوقال البخاري في ترجمة مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِنْسَانَ من «التاريخ الكبير» (١/ ١٤٠): وَلَمْ يُتابَع عَلَيْهِ.\nوقال (٥/ ٤٥) في ترجمة عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِنْسَانَ: رَوَى عَنه ابنه مُحَمد، ولم يصح حديثُه. اهـ.\nوقال العقيلي في ترجمة مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِنْسَانَ (٥/ ٣٠٤): وَلَا يُتَابَعُ عَلَيْهِ. اهـ.\nوذكرحديثه هذا الذهبي في ترجمة مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ هذا من مناكيره.\nوقال ابن القطان في «بيان الوهم والإيهام» (٤/ ٣٢٧): وَأَما أَبوهُ فَلَا يعرف. اهـ.\nفعلم بهذا أنَّ القول بأن وجًا حرم مبني على حديث منكر لا يثبت بمثله حكم أنَّه حرم؛ ولهذا كان أكثر العلماء على أنَّه من الحل.\nوقال تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا (٢٧)﴾ [الفتح: ٢٧]، وقال تعالى: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣)﴾ [التين: ٣].","vol":"1","page":135},{"text":"<span data-type='title' id=toc-98>١٠ - البيت الحرام قيام للناس:</span>\nوقال تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٩٧)﴾ [المائدة: ٩٧].\nأخرج الطبري، وابن أبي حاتم (٦٨٥٤)، عند تفسير قول الله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ﴾ [المائدة: ٩٧]، من طريق عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَالِحٍ، قَالَ: حدثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَوْلُهُ: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ﴾ [المائدة: ٩٧]، يَعْنِي: قِيَامًا لِدِينِهِمْ، وَمَعَالِمَ لِحَجِّهِمْ.\nثم قال ابن جرير: وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ وَإِنِ اخْتَلَفَتْ مِنْ قَائِلِهَا أَلْفَاظُهَا، فَإِنْ مَعَانِيَهَا آيِلَةٌ إِلَى مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ: مِنْ أَنَّ الْقِوَامَ لِلشَّيْءِ هُوَ الَّذِي بِهِ صَلَاحُهُ، كَالْمَلِكِ الْأَعْظَمِ قِوَامُ رَعِيَّتِهِ وَمَنْ فِي سُلْطَانِهِ، لِأَنَّهُ مُدَبِّرٌ أَمْرَهُمْ، وَحَاجِزٌ ظَالِمَهُمْ عَنْ مَظْلُومِهِمْ، وَالدَّافِعُ عَنْهُمْ مَكْرُوهَ مَنْ بَغَاهُمْ وَعَادَاهُمْ. وَكَذَلِكَ كَانَتِ الْكَعْبَةُ وَالشَّهْرُ الْحَرَامُ وَالْهَدْي وَالْقَلَائِدُ قِوَامَ أَمْرِ الْعَرَبِ الَّذِي كَانَ بِهِ صَلَاحُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَهِيَ فِي الْإِسْلَامِ لِأَهْلِهِ مَعَالِمَ حَجِّهِمْ وَمَنَاسِكِهِمْ وَمُتَوَجَّهِهِمْ لِصَلَاتِهِمْ وَقِبْلَتِهِمُ الَّتِي بِاسْتِقْبَالِهَا يَتِمُّ فَرْضُهُمْ.","vol":"1","page":136},{"text":"وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَتْ جَمَاعَةُ أَهْلِ التَّأْوِيلِ. اهـ.\nوقال البغوي ﵀ في تفسير هذا الآية: قَوَامًا لَهُمْ فِي أَمْرِ دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ، أَمَّا الدِّينُ لِأَنَّ بِهِ يَقُومُ الْحَجُّ وَالْمَنَاسِكُ، وَأَمَّا الدُّنْيَا فِيمَا يُجْبَى إِلَيْهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ، وَكَانُوا يَأْمَنُونَ فِيهِ مِنَ النَّهَارِ وَالْغَارَةِ فَلَا يَتَعَرَّضُ لَهُمْ أَحَدٌ فِي الْحَرَمِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧].\n﴿وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: ٩٧]، أَرَادَ بِهِ الْأَشْهُرَ الْحُرُمَ وهي ذو العقده وذو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ وَرَجَبٌ، أَرَادَ أَنَّهُ جَعَلَ الْأَشْهُرَ الْحُرُمَ قِيَامًا لِلنَّاسِ يَأْمَنُونَ فِيهَا الْقِتَالَ، ﴿وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ﴾ [المائدة: ٩٧]، أَرَادَ أَنَّهُمْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِتَقْلِيدِ الْهَدْيِ. اهـ.\nوقال السعدي ﵀ في تفسير هذا الآية: يقوم بالقيام بتعظيمه دينُهم ودنياهم، فبذلك يتم إسلامهم، وبه تحط أوزارهم، وتحصل لهم بقصده العطايا الجزيلة، والإحسان الكثير، وبسببه تنفق الأموال، وتتقحم من أجله الأهوال.\nويجتمع فيه من كل فج عميق جميع أجناس المسلمين، فيتعارفون ويستعين بعضهم ببعض، ويتشاورون على المصالح العامة، وتنعقد بينهم الروابط في مصالحهم الدينية والدنيوية، قال تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٢٨]، ومن أجل كون البيت قيامًا للناس قال من قال من العلماء: إن حج","vol":"1","page":137},{"text":"بيت الله فرض كفاية في كل سنة. فلو ترك الناس حجه لأثم كل قادر، بل لو ترك الناس حجه لزال ما به قوامهم، وقامت القيامة. اهـ.\n\n<span data-type='title' id=toc-100>١١ - عبادة الحج والطواف من خصائص بيت الله:</span>\nقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧)﴾ [آل عمران: ٩٧]، قال الله ﵎: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥)﴾ [البقرة: ١٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦)﴾ [الحج: ٢٦]، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩)﴾ [الحج: ٢٩]، وقال تعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٤)﴾ [قريش: ٣ - ٤].\n\n<span data-type='title' id=toc-101>١٢ - فضل عمارة المسجد الحرام والسقاية فيه:</span>\nقال الله ﵎: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٩)﴾ [التوبة: ١٩].","vol":"1","page":138},{"text":"<span data-type='title' id=toc-102>١٣ - المسجد الحرام جعل للعبادة وابتغاء فضل الله ورضوانه فيه:</span>\nقال الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢]، وقال تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٤)﴾ [الأنفال: ٣٤].\n\n<span data-type='title' id=toc-103>١٤ - السعي بين الصفاء والمروة من شعائر الله خلافًا لما كان عليه الجاهلية:</span>\nقال الله ﵎: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨)﴾ [البقرة: ١٥٨].\n\n<span data-type='title' id=toc-104>١٥ - من فضائله أنَّه ليس على المتمتع من أهله هدي:</span>\nقال الله ﵎: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١٩٦)﴾ [البقرة: ١٩٦].","vol":"1","page":139},{"text":"<span data-type='title' id=toc-105>١٦ - أول بيت وضع لعبادة الناس، وطوافهم به في الأرض، وما فيه من البركة والهداية:</span>\nقال الله ﵎: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧)﴾ [آل عمران: ٩٦ - ٩٧].\n١٧ - عبادة المشركين عند بيت الله الصفير والتصفيق بدل الصلاة والذكر:\nقال الله ﵎: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٥)﴾ [الأنفال: ٣٥].\n\n<span data-type='title' id=toc-107>١٨ - البيت مثابة المسلمين ومهوى أفئدتهم:</span>\nقال الله ﵎: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (٣٧)﴾ [إبراهيم: ٣٧].\nوقال تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ١٢٥].\nقال ابن كثير في «تفسيره»: يَثُوبُونَ إِلَيْهِ مِنَ الْبُلْدَانِ كُلِّهَا وَيَأْتُونَهُ، وَمَا أَحْسَنَ مَا قَالَ الشَّاعِرُ:\nجُعِلَ الْبَيْتُ مَثَابًا لَهُمْ … لَيْسَ مِنْهُ الدَّهْرُ يَقْضُونَ الْوَطَرْ","vol":"1","page":140},{"text":"<span data-type='title' id=toc-108>[٤]- مكة أفضل البقاع وأحبها إلى اللَّه ورسوله</span>\n٦ - وعنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ حَمْرَاءَ ﵁، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَاقِفًا عَلَى الحَزْوَرَةِ، فَقَالَ: «وَاللَّهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ، وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ، وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ» (^١).\n\nقال الشوكاني في «نيل الأوطار» (٩/ ٢٣٦): قَوْلُهُ: (إنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ): فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَكَّةَ خَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَأَحَبُّهَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبِذَلِكَ اسْتَدَلَّ مَنْ قَالَ: إنَّهَا أَفْضَلُ مِنْ الْمَدِينَةِ.\nفَقَالَ أَهْلُ مَكَّةَ، وَالْكُوفَةِ، وَالشَّافِعِيُّ، وَابْنُ وَهْبٍ، وَابْنُ حَبِيبٍ الْمَالِكِيَّانِ: إنَّ مَكَّةَ أَفْضَلُ، وَإِلَيْهِ مَالَ الْجُمْهُورُ.\nوَذَهَبَ عُمَرُ، وَبَعْضُ الصَّحَابَةِ، وَمَالِكٌ، وَأَكْثَرُ الْمَدَنِيِّينَ: إلَى أَنَّ الْمَدِينَةَ أَفْضَلُ وَاسْتَدَلَّ الْأَوَّلُونَ بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيٍّ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ.\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٣٩٢٥)، وأحمد (٤/ ٣٠٥)، وغيرهم، وهو حديث صحيح.","vol":"1","page":141},{"text":"قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذَا نَصٌّ فِي مَحَلِّ الْخِلَافِ فَلَا يَنْبَغِي الْعُدُولُ عَنْهُ. اهـ.\nقُلْتُ: ويؤيد القول بأفضلية مكة على المدينة:\n• ما في مكة من الخصائص من فضل الصلاة في الحرم المكي على الحرم المدني، كما في الباب الآتي بعد هذا.\n• وأنها قبلة المسلمين بما فيهم أهل المدينة.\n• وأنه يجب على المسلم حج البيت بها، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧]، الآية.\n• وأنَّ بها بيت الله، ومقام إبراهيم ﵊، وغير ذلك من المرجحات.","vol":"1","page":142},{"text":"<span data-type='title' id=toc-111>[٥]- فضل الصلاة بالمسجد الحرام</span>\n٧ - وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: «صَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ خير مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ» (^١).\n\n٨ - وأخرج أحمد (عن جابر، وعن عبد الله بن الزبير) (^٢) أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قال: «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هذا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْمَسَاجِدِ، إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ وَصَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِئَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ».\nقال النووي في «شرح مسلم» (١٣٩٥): لَا يَخْتَصُّ هَذَا التَّفْضِيلُ بِالصَّلَاةِ فِي هَذَيْنِ الْمَسْجِدَيْنِ بِالْفَرِيضَةِ بَلْ يَعُمُّ الْفَرْضَ وَالنَّفْلَ جَمِيعًا وَبِهِ قَالَ مُطَرَّفٌ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ، وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ: يَخْتَصُّ بِالْفَرْضِ وَهَذَا مُخَالِفٌ إِطْلَاقَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ. اهـ.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١١٩٠)، ومسلم (٣٣٧٤).\n(^٢) عن جابر ﵁ عند أحمد (٣/ ٣٤٣)، رقم (١٤٦٩٤)، وعن عبد الله بن الزبير ﵁ أخرجه أحمد (٤/ ٥٠)، رقم (١٦١١٧)، وكلا الحديثين صحيح لذاته.","vol":"1","page":143},{"text":"<span data-type='title' id=toc-113>[٦]- لا تُشدُّ الرحال إلا لثلاثة مساجد</span>\n٩ - وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄، أنَّ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ خَيْرَ مَا رُكِبَتْ إِلَيْهِ الرَّوَاحِلُ، مَسْجِدِي هَذَا، وَالْبَيْتُ الْعَتِيقُ» (^١).\n\n١٠ - وعن بَصْرَةَ بْنِ أَبِي بَصْرَةَ الْغِفَارِيِّ ﵁، قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا تُعْمَلُ الْمَطِيُّ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: إِلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَإِلَى مَسْجِدِي، وَإِلَى مَسْجِدِ إِيلِيَاءَ - أَوْ - بَيْتِ الْمَقْدِسِ» (^٢).\n\n١١ - وأخرج أحمد (٥/ ٣٦٤)، رقم (٢٣٠٩٠)، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ - عن الدجال -: «لَا يَأْتِي أَرْبَعَةَ مَسَاجِدَ: الْكَعْبَةَ، وَمَسْجِدَ الرَّسُولِ، وَالْمَسْجِدَ الْأَقْصَى، وَالطُّورَ».\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٣/ ٣٥٠)، وعبد بن حميد في «المنتخب» (٣/ ٢٦)، وهو حديث حسن، ويصح بما بعده.\n(^٢) أخرجه أحمد (٦/ ٧)، وهو حديث صحيح.","vol":"1","page":144},{"text":"قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في «الرد على الأخنائي» (١١٤): فإن الصحابة والتابعين والأئمة لم يعرف عنهم نزاع في أن السفر إلى القبور، وآثار الأنبياء داخل في النهي، كالسفر إلى الطور الذي كلّم الله عليه موسى وغيره، وإن كان الله سمّاه الوادي المقدّس، وسمّاه البقعة المباركة، ونحو ذلك، فلم يعرف عن الصحابة نزاع أن هذا وأمثاله داخل في نهي النبيّ ﷺ عن السفر إلى غير المساجد الثلاثة، كما لم يعرف عنهم نزاع أن ذلك منهيّ عنه، وأن قوله: «لا تشدّ الرحال» نهي بصيغة الخبر، كما قد جاء في الصحيح بصيغة النهي، من حديث أبي سعيد الخدريّ عن النبي ﷺ قال: «لا تشدّوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد؛ مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى».\nفالصحابة ومن تبعهم لم يعرف عنهم نزاع أن هذا نهي منه، فإن لفظه ﷺ صريح في النهي، ولم يعرف عنهم نزاع أن النهي متناول للسفر إلى البقاع المعظمة غير المساجد. اهـ.\nقال الألباني ﵀ في «أحكام الجنائز» (١/ ٢٩٣): والخلاصة: إن ما ذهب إليه أبو محمد الجويني الشافعي وغيره من تحريم السفر إلى غير المساجد الثلاثة من المواضع الفاضلة، هو الذي يجب المصير إليه، فلا جرم اختاره كبار العلماء المحققين المعروفين باستقلالهم في الفهم، وتعمقهم في الفقه عن الله ورسوله أمثال شيخي الاسلام ابن تيمية وابن القيم رَحِمَهُم اللَّهُ تعالى، فإن لهم البحوث","vol":"1","page":145},{"text":"والكثيرة النافعة في هذه المسألة الهامة.\nومن هؤلاء الافاضل الشيخ ولي الله الدهلوي، ومن كلامه في ذلك ما قال في «الحجة البالغة» (١/ ١٩٢): كان أهل الجاهلية يقصدون مواضع معظمة بزعمهم يزورونها ويتبركون بها، وفيه من التحريف والفساد ما لا يخفى، فسد ﷺ الفساد، لئلا يلحق غير الشعائر بالشعائر، ولئلا يصير ذريعة لعبادة غير الله، والحق عندي أن القبر، ومحل عبادة ولي من الأولياء، والطور كل ذلك سواء في النهي.\nومما يحسن التنبيه عليه في خاتمة هذا البحث أنه لا يدخل في النهي السفر للتجارة وطلب العلم، فإن السفر إنما هو لطلب تلك الحاجة حيث كانت لا لخصوص المكان، وكذلك السفر لزيارة الأخ في الله فإنه هو المقصود كما قال شيخ الاسلام ابن تيمية في «الفتاوي» (٢/ ١٨٦). اهـ.\nقال ابن باز ﵀ في «مجموع فتاواى ومقالات متنوعة» (٥/ ٣٣٣): وأما شد الرحال لزيارة القبور فلا يجوز، وإنما يشرع لزيارة المساجد الثلاثة خاصة؛ لقوله ﷺ: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى» متفق على صحته، وإذا زار المسلم مسجد النبي ﷺ دخل في ذلك على سبيل التبعية زيارة قبره ﷺ وقبر صاحبيه، وقبور الشهداء وأهل البقيع، وزيارة مسجد قباء.","vol":"1","page":146},{"text":"وقال ﵀: وهكذا القبور الأخرى لو زار مثلا دمشق أو القاهرة أو الرياض أو أي بلد يستحب له زيارة القبور لما فيها من العظة والذكرى والإحسان إلى الموتى بالدعاء لهم والترحم عليهم إذا كانوا مسلمين، فالنبي ﵇ قال: «زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة». اهـ.","vol":"1","page":147},{"text":"<span data-type='title' id=toc-115>[٧]- النهي عن حمل السلاح بمكة</span>\n١٢ - عَنْ جَابِرٍ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «لَا يَحِلُّ لِأَحَدِكُمْ أَنْ يَحْمِلَ بِمَكَّةَ السِّلَاحَ» (^١).\nقال النووي في «شرحه على مسلم»: هَذَا النَّهْيُ إِذَا لَمْ تَكُنْ حَاجَةٌ فَإِنْ كَانَتْ جَازَ هَذَا مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْجَمَاهِيرِ.\nقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: هَذَا مَحْمُولٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى حَمْلِ السِّلَاحِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ وَلَا حَاجَةٍ فَإِنْ كَانَتْ جَازَ.\nقَالَ الْقَاضِي: وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَعَطَاءٍ قَالَ وَكَرِهَهُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ تَمَسُّكًا بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ دُخُولُ النَّبِيِّ ﷺ عَامَ عُمْرَةِ الْقَضَاءِ بِمَا شَرَطَهُ مِنْ السِّلَاحِ فِي الْقِرَابِ وَدُخُولِهِ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ مُتَأَهِّبًا لِلْقِتَالِ. اهـ.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٣٥٦).","vol":"1","page":148},{"text":"<span data-type='title' id=toc-117>[٨]- الإيمان يأرز إلى مكة والمدينة</span>\n١٣ - قال الإمام البخاري ﵀: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: «إِنَّ الإِيمَانَ لَيَأْرِزُ إِلَى المَدِينَةِ كَمَا تَأْرِزُ الحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا» (^١).\n\n١٤ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الْإِسْلَامَ بَدَأَ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ، وَهُوَ يَأْرِزُ بَيْنَ الْمَسْجِدَيْنِ، كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ فِي جُحْرِهَا» (^٢).\nقال النووي ﵀ في «شرح مسلم»: وَقَوْلُهُ ﷺ: (بَيْنَ الْمَسْجِدَيْنِ): أَيْ: مَسْجِدَي مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ. اهـ.\n_________\n(^١) رقم: (١٨٧٦)، وأخرجه مسلم في الإيمان (١٤٧).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٤٦).","vol":"1","page":149},{"text":"وقال الحافظ ابن حجر في «الفتح» (١٧٨٦): أَيْ: إِنَّهَا كَمَا تَنْتَشِرُ مِنْ جُحْرِهَا فِي طَلَبِ مَا تَعِيشُ بِهِ، فَإِذَا رَاعَهَا شَيْءٌ رَجَعَتْ إِلَى جُحْرِهَا، كَذَلِكَ الْإِيمَانُ انْتَشَرَ فِي الْمَدِينَةِ، وَكُلُّ مُؤْمِنٍ لَهُ مِنْ نَفْسِهِ سَائِقٌ إِلَى الْمَدِينَةِ لِمَحَبَّتِهِ فِي النَّبِيِّ ﷺ، فَيَشْمَلُ ذَلِكَ جَمِيعَ الْأَزْمِنَةِ لِأَنَّهُ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ لِلتَّعَلُّمِ مِنْهُ وَفِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَتَابِعيِهِمْ لِلِاقْتِدَاءِ بِهَدْيِهِمْ. اهـ.","vol":"1","page":150},{"text":"<span data-type='title' id=toc-119>[٩]- الدجال لا يدخل مكة والمدينة</span>\n١٥ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «لَيْسَ مِنْ بَلَدٍ إِلَّا سَيَطَؤُهُ الدَّجَّالُ، إِلَّا مَكَّةَ، وَالمَدِينَةَ، لَيْسَ لَهُ مِنْ نِقَابِهَا نَقْبٌ، إِلَّا عَلَيْهِ المَلَائِكَةُ صَافِّينَ يَحْرُسُونَهَا، ثُمَّ تَرْجُفُ المَدِينَةُ بِأَهْلِهَا ثَلَاثَ رَجَفَاتٍ، فَيُخْرِجُ اللَّهُ كُلَّ كَافِرٍ وَمُنَافِقٍ» (^١).\n\n١٦ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، قَالَ: صَحِبْتُ ابْنَ صَائِدٍ إِلَى مَكَّةَ، فَقَالَ لِي: أَمَا قَدْ لَقِيتُ مِنَ النَّاسِ، يَزْعُمُونَ أَنِّي الدَّجَّالُ، أَلَسْتَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ، يَقُولُ: «إِنَّهُ لَا يُولَدُ لَهُ» قَالَ: قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: فَقَدْ وُلِدَ لِي، أَوَلَيْسَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ، يَقُولُ: «لَا يَدْخُلُ الْمَدِينَةَ وَلَا مَكَّةَ» قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: فَقَدْ وُلِدْتُ بِالْمَدِينَةِ، وَهَذَا أَنَا أُرِيدُ مَكَّةَ، قَالَ: ثُمَّ قَالَ لِي فِي آخِرِ قَوْلِهِ: أَمَا، وَاللهِ إِنِّي لَأَعْلَمُ مَوْلِدَهُ وَمَكَانَهُ وَأَيْنَ هُوَ، قَالَ: فَلَبَسَنِي (^٢).\n_________\n(^١) وأخرجه البخاري (١٨٨١)، ومسلم (٢٩٤٣).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٩٢٧)، ومعنى: «فَلَبَسَنِي»: أي: جعلني ألتبس في أمره، وأشك فيه.","vol":"1","page":151},{"text":"قال النووي في «شرحه على مسلم» رقم (٢٩٢٧): وَأَمَّا احْتِجَاجُهُ هو بأنه مسلم والدجال كافر، وبأنه لايولد للدجال وقد ولد له هو، وأن لا يدخل مكة والمدينة وأنَّ بن صَيَّادٍ دَخَلَ الْمَدِينَةَ وَهُوَ مُتَوَجِّهٌ إِلَى مَكَّةَ، فَلَا دَلَالَةَ لَهُ فِيهِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إِنَّمَا أَخْبَرَ عَنْ صِفَاتِهِ وَقْتَ فِتْنَتِهِ وَخُرُوجِهِ فِي الْأَرْضِ، وَمِنَ اشْتِبَاهِ قِصَّتِهِ وَكَوْنِهِ (أَحَدَ الدَّجَاجِلَةِ الْكَذَّابِينَ) قَوْلُهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ: (أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ)، وَدَعْوَاهُ أَنَّهُ يَأْتِيهِ صَادِقٌ وَكَاذِبٌ، وَأَنَّهُ يَرَى عَرْشًا فَوْقَ الماء، وأنه لا يكره أَنْ يَكُونَ هُوَ الدَّجَّالُ، وَأَنَّهُ يَعْرِفُ مَوْضِعَهُ.\nوَقَوْلُهُ: (إِنِّي لَأَعْرِفُهُ وَأَعْرِفُ مَوْلِدَهُ، وَأَيْنَ هُوَ الْآنَ، وَانْتِفَاخُهُ حَتَّى مَلَأَ السِّكَّةَ)، وَأَمَّا إِظْهَارُهُ الْإِسْلَامَ، وَحَجُّهُ، وَجِهَادُهُ، وَإِقْلَاعُهُ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ، فَلَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي أَنَّهُ غَيْرَ الدَّجَّالِ. اهـ.","vol":"1","page":152},{"text":"١٧ - عن عَامِرِ بْنِ شَرَاحِيلَ الشَّعْبِيِّ، أَنَّهُ سَأَلَ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ، أُخْتَ الضَّحَّاكِ بْنِ قَيْسٍ - وَكَانَتْ مِنَ الْمُهَاجِرَاتِ الْأُوَلِ - فَقَالَ: حَدِّثِينِي حَدِيثًا سَمِعْتِيهِ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، لَا تُسْنِدِيهِ إِلَى أَحَدٍ غَيْرِهِ، فَقَالَتْ: لَئِنْ شِئْتَ لَأَفْعَلَنَّ، - فذكرت له قصة زواجها وطلاقها وعدتها ثم قدوم تميم الداري على رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عند انقضاء عدتها، وإخباره له بما رأى هو والقوم الذين كانوا معه في السفينة، وأنهم رأوا المسيح الدجال في جزيرة من جزائر البحر فحادثهم، وقال -: «وَإِنِّي مُخْبِرُكُمْ عَنِّي، إِنِّي أَنَا الْمَسِيحُ، وَإِنِّي أُوشِكُ أَنْ يُؤْذَنَ لِي فِي الْخُرُوجِ، فَأَخْرُجَ فَأَسِيرَ فِي الْأَرْضِ فَلَا أَدَعَ قَرْيَةً إِلَّا هَبَطْتُهَا فِي أَرْبَعِينَ لَيْلَةً غَيْرَ مَكَّةَ وَطَيْبَةَ، فَهُمَا مُحَرَّمَتَانِ عَلَيَّ كِلْتَاهُمَا، كُلَّمَا أَرَدْتُ أَنْ أَدْخُلَ وَاحِدَةً - أَوْ وَاحِدًا - مِنْهُمَا اسْتَقْبَلَنِي مَلَكٌ بِيَدِهِ السَّيْفُ صَلْتًا، يَصُدُّنِي عَنْهَا، وَإِنَّ عَلَى كُلِّ نَقْبٍ مِنْهَا مَلَائِكَةً يَحْرُسُونَهَا»، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَطَعَنَ بِمِخْصَرَتِهِ فِي الْمِنْبَرِ: «هَذِهِ طَيْبَةُ، هَذِهِ طَيْبَةُ، هَذِهِ طَيْبَةُ» - يَعْنِي الْمَدِينَةَ - «أَلَا هَلْ كُنْتُ حَدَّثْتُكُمْ ذَلِكَ؟» فَقَالَ النَّاسُ: نَعَمْ، «فَإِنَّهُ أَعْجَبَنِي حَدِيثُ تَمِيمٍ، أَنَّهُ وَافَقَ الَّذِي كُنْتُ أُحَدِّثُكُمْ عَنْهُ، وَعَنِ الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٩٤٢).","vol":"1","page":153},{"text":"<span data-type='title' id=toc-120>[١٠]- إهلاك اللَّه لغزاة بيته الحرام</span>\nقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (١)﴾ [الفيل: ١]، إلى آخر السورة.\n\n١٨ - وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ خُزَاعَةَ قَتَلُوا رَجُلًا مِنْ بَنِي لَيْثٍ - عَامَ فَتْحِ مَكَّةَ - بِقَتِيلٍ مِنْهُمْ قَتَلُوهُ، فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ، فَرَكِبَ رَاحِلَتَهُ فَخَطَبَ، فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ القَتْلَ، أَوِ الفِيلَ، وَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَالمُؤْمِنِينَ، أَلَا وَإِنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ بَعْدِي، أَلَا وَإِنَّهَا حَلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، أَلَا وَإِنَّهَا سَاعَتِي هَذِهِ حَرَامٌ، لَا يُخْتَلَى شَوْكُهَا، وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلَا تُلْتَقَطُ سَاقِطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ، فَمَنْ قُتِلَ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يُعْقَلَ، وَإِمَّا أَنْ يُقَادَ أَهْلُ القَتِيلِ»، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ اليَمَنِ فَقَالَ: اكْتُبْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: «اكْتُبُوا لِأَبِي فُلَانٍ»، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ: إِلَّا الإِذْخِرَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنَّا نَجْعَلُهُ فِي بُيُوتِنَا وَقُبُورِنَا؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِلَّا الإِذْخِرَ إِلَّا الإِذْخِرَ» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١١٢)، ومسلم رقم: (١٣٥٥)، ومثله عن عبد الله بن عباس ﵄، عند البخاري (١٨٣٤).","vol":"1","page":154},{"text":"١٩ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَغْزُو جَيْشٌ الكَعْبَةَ، فَإِذَا كَانُوا بِبَيْدَاءَ مِنَ الأَرْضِ، يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ» قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ، وَفِيهِمْ أَسْوَاقُهُمْ، وَمَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ؟ قَالَ: «يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ، ثُمَّ يُبْعَثُونَ عَلَى نِيَّاتِهِمْ» (^١).\n\n٢٠ - عَنِ الْحَارِثِ بْنِ مَالِكِ ابْنِ الْبَرْصَاءِ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ يَقُولُ: «لَا تُغْزَى هَذِهِ بَعْدَ الْيَوْمِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ» (^٢).\n\n٢١ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ وَدَعَا لِأَهْلِهَا، وَإِنِّي حَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ كَمَا حَرَّمَ إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ، وَإِنِّي دَعَوْتُ فِي صَاعِهَا وَمُدِّهَا بِمِثْلَيْ مَا دَعَا بِهِ إِبْرَاهِيمُ لِأَهْلِ مَكَّةَ» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢١١٨)، ومسلم (٢٨٨٤)، وأخرجه أحمد (٦/ ٣١٨) عن أمِّ سلمة ﵂ مثله، وهو حديث صحيح.\nوأخرجه النسائي بنحوه رقم: (٢٨٨٠، ٢٨٨١)، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، وهو حديث صحيح مخرج في «الجامع الصحيح» لشيخنا (٤/ ٦٩٥)، ضمن جملة من أحاديث في فضل المسجد الحرام ذكرناها هنا.\n(^٢) أخرجه الترمذي (١٦١١)، وأحمد (٤/ ٣٤٣)، وهو حديث صحيح.\n(^٣) أخرجه البخاري (٢١٢٩)، ومسلم (١٣٦٠).","vol":"1","page":155},{"text":"<span data-type='title' id=toc-121>الجمع بين ما جاء أنَّ ذا السويقتين يهدم الكعبة وبين ما مضى أنها «لا تُغْزَى»</span>\nبوب الإمام البخاري ﵀ في «صحيحه» بَابُ هَدْمِ الكَعْبَةِ، قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «يَغْزُو جَيْشٌ الكَعْبَةَ فَيُخْسَفُ بِهِمْ».\n(١٥٩٥) - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الأَخْنَسِ، حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «كَأَنِّي بِهِ أَسْوَدَ أَفْحَجَ، يَقْلَعُهَا حَجَرًا حَجَرًا».\n(١٥٩٦) - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يُخَرِّبُ الكَعْبَةَ ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ مِنَ الحَبَشَةِ».\nقال الإمام أحمد في «مسنده» (٧٩١٠): حَدَّثَنَا يَزِيدُ، أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَمْعَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، يُخْبِرُ أَبَا قَتَادَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «يُبَايَعُ لِرَجُلٍ مَا بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ، وَلَنْ يَسْتَحِلَّ الْبَيْتَ إِلَّا أَهْلُهُ، فَإِذَا اسْتَحَلُّوهُ فَلَا تَسْأَلْ عَنْ هَلَكَةِ الْعَرَبِ، ثُمَّ تَأْتِي الْحَبَشَةُ فَيُخَرِّبُونَهُ خَرَابًا لَا يَعْمُرُ بَعْدَهُ أَبَدًا، وَهُمُ الَّذِينَ يَسْتَخْرِجُونَ كَنْزَهُ»، وهذا حديث صحيح.\nقال النووي في «شرح مسلم»: ولايعارض هذا قوله تعالى حرما آمنا لِأَنَّ مَعْنَاهُ آمِنًا إِلَى قُرْبِ الْقِيَامَةِ وَخَرَابِ الدُّنْيَا وَقِيلَ يُخَصُّ مِنْهُ قِصَّةُ ذِي السُّوَيْقَتَيْنِ قَالَ الْقَاضِي الْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَظْهَرُ. اهـ.","vol":"1","page":156},{"text":"وقال الحافظ ابن حجر في «الفتح»: قِيلَ: هَذَا الْحَدِيثُ يُخَالِفُ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا﴾ [العنكبوت: ٦٧]؛ وَلِأَنَّ اللَّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الْفِيلَ وَلَمْ يُمَكِّنْ أَصْحَابَهُ مِنْ تَخْرِيبِ الْكَعْبَةِ وَلَمْ تَكُنْ إِذْ ذَاكَ قِبْلَةً فَكَيْفَ يُسَلِّطُ عَلَيْهَا الْحَبَشَةَ بَعْدَ أَنْ صَارَتْ قِبْلَةً لِلْمُسْلِمِينَ؟\nوَأُجِيبَ: بِأَنَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ يَقَعُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ قُرْبَ قِيَامِ السَّاعَةِ حَيْثُ لَا يَبْقَى فِي الْأَرْضِ أَحَدٌ يَقُولُ: (اللَّهُ اللَّهُ) كَمَا ثَبَتَ فِي «صَحِيحِ مُسْلِمٍ»: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لَا يُقَالَ فِي الْأَرْضِ اللَّهُ اللَّهُ».\nوَلِهَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ سَمْعَانَ: «لَا يَعْمُرُ بَعْدَهُ أَبَدًا»، وَقَدْ وَقَعَ قَبْلَ ذَلِكَ فِيهِ مِنَ الْقِتَالِ، وَغَزْوِ أَهْلِ الشَّامِ لَهُ فِي زَمَنِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِ فِي وَقَائِعَ كَثِيرَةٍ مِنْ أَعْظَمِهَا وَقْعَةُ الْقَرَامِطَةِ بَعْدَ الثَّلَاثِمِائَةِ، فَقَتَلُوا مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمَطَافِ مَنْ لَا يُحْصَى كَثْرَةً، وَقَلَعُوا الْحَجَر الْأَسْوَدَ فَحَوَّلُوهُ إِلَى بِلَادِهِمْ ثُمَّ أَعَادُوهُ بَعْدَ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ، ثُمَّ غزى مرَارًا بعد ذَلِك، وكل ذَلِك لَا يُعَارض قَوْله تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا﴾ [العنكبوت: ٦٧]؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا وَقَعَ بِأَيْدِي الْمُسْلِمِينَ، فَهُوَ مُطَابِقٌ لِقَوْلِهِ ﷺ: «وَلَنْ يَسْتَحِلَّ هَذَا الْبَيْتَ إِلَّا أَهْلُهُ»، فَوَقَعَ مَا أَخْبَرَ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ، وَهُوَ مِنْ عَلَامَاتِ نُبُوَّتِهِ، وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى اسْتِمْرَارِ الْأَمْنِ الْمَذْكُورِ فِيهَا، وَالله أعلم. اهـ.\nقُلْتُ: معناه: أنَّ الله أمر شرعًا أنَّ تكون بلدًا آمنًا، وأنَّ اقتراف المخوفات","vol":"1","page":157},{"text":"والمعاصي فيه من الإلحاد فيه بظلم، يعرض صاحبه للعذاب الأليم، وقد يعجله لأناس في الدنيا كما حصل لأصحاب الفيل مع ما ينتظره في الآخرة، وقد يملي لصاحبه ثم يضطره إلى عذاب غليظ، كما يحصل لذي السويقتين حين أذن الله بخراب الدنيا تمكن من هدم الكعبة.","vol":"1","page":158},{"text":"<span data-type='title' id=toc-122>[١١]- بَابُ تَوْرِيثِ دُورِ مَكَّةَ، وَبَيْعِهَا وَشِرَائِهَا</span>\n٢٢ - عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄، أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيْنَ تَنْزِلُ فِي دَارِكَ بِمَكَّةَ؟ فَقَالَ: «وَهَلْ تَرَكَ عَقِيلٌ مِنْ رِبَاعٍ أَوْ دُورٍ»، وَكَانَ عَقِيلٌ وَرِثَ أَبَا طَالِبٍ هُوَ وَطَالِبٌ، وَلَمْ يَرِثْهُ جَعْفَرٌ وَلَا عَلِيٌّ ﵄، شَيْئًا لِأَنَّهُمَا كَانَا مُسْلِمَيْنِ، وَكَانَ عَقِيلٌ وَطَالِبٌ كَافِرَيْنِ، فَكَانَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ ﵁، يَقُولُ: لَا يَرِثُ المُؤْمِنُ الكَافِرَ (^١).\n\nوبوب عليه البخاري: بَابُ تَوْرِيثِ دُورِ مَكَّةَ، وَبَيْعِهَا وَشِرَائِهَا، وَأَنَّ النَّاسَ فِي المَسْجِدِ الحَرَامِ سَوَاءٌ خَاصَّةً، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٥)﴾ [الحج: ٢٥]. اهـ.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٥٨٨)، ومسلم (١٣٥١).","vol":"1","page":159},{"text":"قال الحافظ ابن حجر في «الفتح»: أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ إِلَى تَضْعِيفِ حَدِيثِ عَلْقَمَةَ بْنِ نَضْلَةَ قَالَ: «تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَمَا تُدْعَى رِبَاعُ مَكَّةَ إِلَّا السَّوَائِبَ مَنِ احتاج سكن»، أخرجه بن مَاجَهْ (^١)، وَفِي إِسْنَادِهِ انْقِطَاعٌ وَإِرْسَالٌ.\nوقال ﵀: وَبِالْجَوَازِ قَالَ الْجُمْهُورُ وَاخْتَارَهُ الطَّحَاوِيُّ. أي: يجوز بيع دور مكة.\nوقال ﵀: وَسَيَأْتِي فِي الْبُيُوعِ أَثَرُ عُمَرَ: أَنَّهُ اشْتَرَى دَارًا لِلسِّجْنِ بِمَكَّةَ. وَلَا يُعَارِضُ مَا جَاءَ عَنْ نَافِع، عَنْ بن عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ: أَنَّهُ كَانَ يَنْهَى أَنْ تُغْلَقَ دُورُ مَكَّةَ فِي زَمَنِ الْحَاجِّ، أَخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ (^٢).\nوَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، إِنَّ عُمَرَ قَالَ: (يَا أَهْلَ مَكَّةَ لَا تَتَّخِذُوا لِدُورِكُمْ أَبْوَابًا لِيَنْزِلَ الْبَادِي حَيْثُ شَاءَ) (^٣).\nفَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِكَرَاهَة الْكِرَاءِ رِفْقًا بِالْوُفُودِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ مَنْعُ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، وَإِلَى هَذَا جَنَحَ الْإِمَامُ أَحْمَدَ، وَآخَرُونَ. اهـ.\nقُلْتُ: الأصل ما قاله الجمهور، وهو: جواز بيع وتأجير دور مكة وتوريثها؛\n_________\n(^١) رقم: (٣١٠٧).\n(^٢) وغيره، من طريق نَافِعٍ به، وسنده صحيح.\n(^٣) وهذا سند منقطع بين مجاهد وعمر؛ لكنه من باب الذي قبله فيصح به.","vol":"1","page":160},{"text":"لعموم الأدلة، قال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]؛ ولحديث الباب عند البخاري؛ ولأن معارضه عند ابن ماجه ضعيف؛ والأثر عن عمر مختلف، فلا كراهة في بيعها ولا توريثها ولا إيجارها، والمطلوب الرفق بالإيجار مع جوازه كما جاء عن عمر ﵁.","vol":"1","page":161},{"text":"<span data-type='title' id=toc-124>[١٢]- تحريم دخول المشركين حرم مكة</span>\nقال الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٨)﴾ [التوبة: ٢٨].\n\n٢٣ - عن أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁ بَعَثَهُ فِي الحَجَّةِ الَّتِي أَمَّرَهُ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ حَجَّةِ الوَدَاعِ يَوْمَ النَّحْرِ فِي رَهْطٍ يُؤَذِّنُ فِي النَّاسِ «أَلَا لَا يَحُجُّ بَعْدَ العَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ» (^١).\n\nقال النووي تحت حديث (١٣٤٧): المراد بالمسجد الحرام ها هنا الْحَرَمُ كُلُّهُ فَلَا يُمَكَّنُ مُشْرِكٌ مِنْ دُخُولِ الْحَرَمِ بِحَالٍ حَتَّى لَوْ جَاءَ فِي إرسال رِسَالَةٍ أَوْ أَمْرٍ مُهِمٍّ لَا يُمَكَّنُ مِنَ الدُّخُولِ، بَلْ يَخْرُجُ إِلَيْهِ مَنْ يَقْضِي الْأَمْرَ الْمُتَعَلِّقَ بِهِ، وَلَوْ دَخَلَ خُفْيَةً وَمَرِضَ وَمَاتَ نُبِشَ وَأُخْرِجَ مِنَ الْحَرَمِ. اهـ.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٦٢٢)، ومسلم (١٣٤٧).","vol":"1","page":162},{"text":"وقوله: (وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ): يدخل فيه أنَّه لا يجوز الطواف كاشفًا ما بين سرته وركبتيه، كمن يطوف في سراويل قصير لا يغطي إلا القبل والدبر وفخذاه مكشوفان؛ لحديث «الْفَخِذُ عَوْرَةٌ»، وهو حديث بمجموع طرقه حسن.\nوقد علقه البخاري في «صحيحه»، باب (١٢) من كِتَابِ الصَّلَاةِ، وسقنا طرقه في «جامع الأدلة والترجيحات» (٢٠٥).","vol":"1","page":163},{"text":"<span data-type='title' id=toc-127>[١٣]- الحَجُّ في الأشهر الحرم فيجتمع فيه فضل الزمان والمكان</span>\nقال الله ﵎: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٦].\n\n٢٤ - عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الزَّمَانُ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا: مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثٌ مُتَوَالِيَاتٌ، ذُو القَعْدَةِ، وَذُو الحَجَّةِ، وَالمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ، أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟»، قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ يُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، قَالَ: «أَلَيْسَ ذَا الحَجَّةِ؟»، قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟»، قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، قَالَ: «أَلَيْسَ البَلْدَةَ؟»، قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: «فَأَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟»، قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، قَالَ: «أَلَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ؟»، قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ - قَالَ مُحَمَّدٌ وَأَحْسِبُهُ قَالَ -:","vol":"1","page":164},{"text":"وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، وَسَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، أَلَا فَلَا تَرْجِعُوا بَعْدِي ضُلَّالًا، يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ، أَلَا لِيُبْلِغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ، فَلَعَلَّ بَعْضَ مَنْ يَبْلُغُهُ أَنْ يَكُونَ أَوْعَى لَهُ مِنْ بَعْضِ مَنْ سَمِعَهُ»، - فَكَانَ مُحَمَّدٌ إِذَا ذَكَرَهُ قَالَ: صَدَقَ النَّبِيُّ ﷺ، ثُمَّ قَالَ: «أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٤٤٧)، ومسلم (١٦٧٩).","vol":"1","page":165},{"text":"<span data-type='title' id=toc-128>[١٤]- المواقيت الزمانية</span>\nقال الله ﵎: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩]، قال عامة المفسرين: مَواقِيتُ لِلنَّاسِ، يَعْلَمُونَ بِهَا حَلَّ دَيْنِهِمْ، وَعِدَّةَ نِسَائِهِمْ، وَوَقْتَ حَجِّهِمْ …\nوقال تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٧)﴾ [البقرة: ١٩٧].\n\n٢٥ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي أَشْهُرِ الحَجِّ، وَلَيَالِي الحَجِّ، وَحُرُمِ الحَجِّ، فَنَزَلْنَا بِسَرِفَ، قَالَتْ: فَخَرَجَ إِلَى أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: «مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ مَعَهُ هَدْيٌ، فَأَحَبَّ أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُ الهَدْيُ فَلَا» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٥٦٠).","vol":"1","page":166},{"text":"٢٦ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ العُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الحَجِّ مِنْ أَفْجَرِ الفُجُورِ فِي الأَرْضِ، وَيَجْعَلُونَ المُحَرَّمَ صَفَرًا، وَيَقُولُونَ: إِذَا بَرَا الدَّبَرْ، وَعَفَا الأَثَرْ، وَانْسَلَخَ صَفَرْ، حَلَّتِ العُمْرَةُ لِمَنِ اعْتَمَرْ، قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ صَبِيحَةَ رَابِعَةٍ مُهِلِّينَ بِالحَجِّ فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً، فَتَعَاظَمَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الحِلِّ؟ قَالَ: «الحِلُّ كُلُّهُ» (^١).\n\nقال ابن رشد في «بداية المجتهد» (٢/ ٢٣١): أَمَّا مِيقَاتُ الزَّمَانِ: فَهُوَ مَحْدُودٌ، وَهُوَ شَوَّالٌ، وَذُو الْقِعْدَةِ، وَتِسْعٌ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، بِاتِّفَاقٍ. اهـ.\nونقله النووي في «المجموع» (٧/ ١٣٢)، وغيرهما.\nقُلْتُ: قال الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧]، وهذا جمع يصدق على الثلاثة كلها أنها أشهر حج، والحج يكون في بعضها.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٥٦٤)، ومسلم (١٢٤٠)، وسيأتي في أدلة وجوب التمتع لمن لم يسق الهدي.","vol":"1","page":167},{"text":"<span data-type='title' id=toc-131>[١٥]- باب وجوب الحج لمن استطاع إليه سبيلًا</span>\nقال تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧)﴾ [الحج: ٢٧].\nوقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧)﴾ [آل عمران: ٩٧].\nقال الإمام ابن كثير ﵀ في «تفسيره» (٢/ ٨١): هَذِهِ (الآيَةُ)، آيَةُ وُجُوب الْحَجِّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ. اهـ.\nقُلْتُ: مفهوم الآية أن من عَجَزَ عن الحج لمرضه أو ضعفه وعدم قدرته على أداءه أو لعدم الزاد أو الراحلة أو عدم أمن الطريق: فإن الحج غير واجب عليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-133>حكم الاقتراض للحج</span>\nولا يلزمه أن يقترض ليحج لما صحَّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى ﵁: أَنَّهُ سئل عَنِ الرَّجُلِ يَسْتَقْرِضُ وَيَحُجُّ، قَالَ: يَسْتَرْزِقُ اللهَ وَلَا يَسْتَقْرِضُ، قَالَ: وَكُنَّا نَقُولُ: لَا يَسْتَقْرِضُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ وَفَاءٌ، أخرجه الشافعي في «مسنده» (٥١٠)، في","vol":"1","page":168},{"text":"الحج، والبيهقي في «الكبرى» (٨٧٢٧)، وابن أبي شيبة (١٦٠٩٧)، من طريق سُفْيَانَ الثوري، عَنْ طَارِقِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ ابْنَ أَبِي أَوْفَى ﵁، به.\nوطَارِقُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: هو البجلي الأحمسي، وهو صدوق.\nقال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٧/ ٧٦): لَا يَجِبُ عَلَيْهِ اسْتِقْرَاضُ مَالٍ يَحُجُّ بِهِ بِلَا خِلَافٍ. اهـ.\n\n<span data-type='title' id=toc-134>شروط وجوب الحج</span>\nقال ابن قدامة في «المغني» (٣/ ٢١٣): الْحَجُّ يَجِبُ بِخَمْسِ شُرُطٍ: الْإِسْلَامُ، وَالْعَقْلُ، وَالْبُلُوغُ، وَالْحُرِّيَّةُ، وَالِاسْتِطَاعَةُ، لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا كُلِّهِ اخْتِلَافًا. اهـ.\nوإليك نقل الإجماع على كل واحد منها، إلا المملوك:\nقال ابن رشد في «بداية المجتهد» (٢/ ٢١٥): لَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ أَنَّ مِنْ شَرْطِهِ الْإِسْلَامَ. اهـ. فلا يصح من كافر بلا خلاف.\nوكون الكفار مخاطبون بفروع الشريعة عند جمهور العلماء، لقول الله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤)﴾ [المدثر: ٤٢ - ٤٤]، وقوله: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (٧)﴾ [فصلت: ٦ - ٧]، إلا أنها لا تصح العباد منهم، وإنما يعذبون على كفرهم، وعلى تركها يوم القيامة؛ لقول الله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ","vol":"1","page":169},{"text":"عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ [الفرقان: ٢٣]، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٨٨)﴾ [الأنعام: ٨٨].\nقال القرطبي في «المفهم» في تفسير الآية: وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمُكَلَّفِ قُوتٌ يَتَزَوَّدُهُ فِي الطَّرِيقِ لَمْ يَلْزَمْهُ الْحَجُّ. اهـ.\nوقال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٧/ ٢٠): وَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْحَجُّ عَلَى الْمَجْنُونِ. اهـ.\nقال شيخ الإسلام في «الفتاوى» (٢٦/ ٢١): إذَا اسْتَطَاعَ الْحَجَّ بِالزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ بِالْإِجْمَاعِ.\nوقال في (٨/ ٤٣٩): وأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْعَاجِزِ. اهـ.\nقُلْتُ: وعلى الصحيح أنَّ من الاستطاعة وجود المحرم للمرأة كما تقدم في آداب قبل الدخول في الحج، باب (٢١) من أدلة تحريم سفرها لحج أو غيره إلا مع ذي محرم.\nوقال ابن المنذر في «الإجماع»: أجمعوا على سقوط فرض الحج عن الصبي. اهـ.\nوقوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧)﴾ [آل عمران: ٩٧].\nقال ابن كثير في تفسير الآية: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ: أَيْ: مَنْ","vol":"1","page":170},{"text":"جَحَد فَرِيضَةَ الْحَجِّ فَقَدْ كَفَرَ، وَاللَّهُ غَنِيٌّ عَنْهُ. اهـ.\nقال النووي في «روضة الطالبين» (٢/ ١٤٦): مَنْ جَحَدَ مُجْمَعًا عَلَيْهِ فِيهِ نَصٌّ، وَهُوَ مِنْ أُمُورِ الْإِسْلَامِ الظَّاهِرَةِ الَّتِي يَشْتَرِكُ فِي مَعْرِفَتِهَا الْخَوَاصُّ وَالْعَوَامُّ، كَالصَّلَاةِ، أَوِ الزَّكَاةِ، أَوِ الْحَجِّ، أَوْ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ، أَوِ الزِّنَا، وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَهُوَ كَافِرٌ. اهـ.\n\n<span data-type='title' id=toc-135>مَسْأَلة:\nومن وجد الزاد الذي إما أن يحج به أو يتزوج به فيعف نفسه عن الوقوع فيما حرم الله،</span> قدم الزواج الذي يخاف من تأخيره على نفسه العنت، والفتنة، ليس مستطيعًا للحج إن لم يجد إلا ذلك، أو ما يقوت من يلزمه قوتهم، لحديث «ابْدَأْ بِنَفْسِكَ»، وحديث: «كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَعُولُ».\nقال شيخ الإسلام كما في «المستدرك على الفتاوى» (٤/ ١٤٠): وَإِنْ احْتَاجَ الْإِنْسَانُ إلَى النِّكَاحِ وَخَشِيَ الْعَنَتَ بِتَرْكِهِ قَدَّمَهُ عَلَى الْحَجِّ الْوَاجِبِ، وَإِنْ لَمْ يَخَفْ قَدَّمَ الْحَجَّ. اهـ.","vol":"1","page":171},{"text":"<span data-type='title' id=toc-136>[١٦]- من استطاع الحج وجب عليه على الفور</span>\n٢٧ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ: «مَنْ أَرَادَ الْحَجَّ، فَلْيَتَعَجَّلْ، فَإِنَّهُ قَدْ يَمْرَضُ الْمَرِيضُ، وَتَضِلُّ الضَّالَّةُ، وَتَعْرِضُ الْحَاجَةُ».\nأخرجه أبو داود (١٧٣٢)، وأحمد (١٩٧٤)، وفيه: مِهْرَانُ أَبُو صَفْوَانَ، مجهول، كما في «التقريب».\nوأخرجه أحمد (١٨٣٣، ١٨٣٤)، وابن ماجه رقم (٢٨٨٣)، والبيهقي (٤/ ٣٤٠)، وفيه: أَبُو إِسْرَائِيلَ إِسْمَاعِيلُ بنُ خَليفَةَ:\nقال الحافظ في «التقريب»: صدوق سيء الحفظ. اهـ.\nفالحديث حسنٌ، يندرج تحت قول الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣)﴾ [آل عمران: ١٣٣]، وحديث: «بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي","vol":"1","page":172},{"text":"كَافِرًا، أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا» (^١).\n\nوقد ذكرت بعض أقوال العلماء القائلين: بأنه على الفور، والقائلين: أنه على التراخي في «تنوير الحوالك في أحكام المناسك»، ومنها قول الشنقيطي، قال: أَظْهَرُ الْقَوْلَيْنِ عِنْدِي … أَنَّ<span data-type='title' id=toc-137> وُجُوبَ الْحَجِّ عَلَى الْفَوْرِ لَا عَلَى التَّرَاخِي.</span> اهـ.\nقُلْتُ: ويعضده: ما صَحَّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، أَنَّهُ قَالَ: مَنْ أَطَاقَ الْحَجَّ فَلَمْ يَحُجَّ فَسَوَاءٌ مَاتَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا، أخرجه ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، الآية، وصححه كذلك في «مسند الفاروق» رقم: (٢٩٤).\nوجاء مرفوعًا عن جماعة من الصحابة ولا يصح منها شيء، ولو صح منها شيء لكان محمولًا على ما نقل الإجماع عليه: أنَّ من جحد الحج كفر، وأنَّ من استطاع الحج، ولم يحج جحودًا لوجوبه، لا شك في كفره.\nقال ابن كثير بعد ذكر بعضها عند هذه الآية: وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: هَذَا حَدِيث مُنْكَر، وَقَالَ ابْنُ عَدِيّ: هَذَا الْحَدِيثُ لَيْسَ بِمَحْفُوظٍ. اهـ.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١١٨)، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁.","vol":"1","page":173},{"text":"وانظر بيان ضعف الحديث المرفوع في «التلخيص الحبير» (٤/ ١٥٠٨)، رقم (٣٢٢٣).\nقال ابن حجر في «التلخيص الحبير» (٢/ ٢٢٣): وهو عندهم على سبيل الزجر.\nقال النووي في «شرح المهذب» (٧/ ٧٦): أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ مَنْ تَمَكَّنَ مِنْ الْحَجِّ فَلَمْ يَحُجَّ وَمَاتَ لَا يُحْكَمُ بِكُفْرِهِ بَلْ هُوَ عاص. اهـ.\nقُلْتُ: والحكم عليه بالعصيان نتيجة مخالفته لما أوجب الله عليه، فلو لم يكن واجبًا على الفور لما كان المتأخر عن حجة الإسلام مع القدرة إذا مات على ذلك يموت عاصيًا.","vol":"1","page":174},{"text":"<span data-type='title' id=toc-139>[١٧]- الحج مرة في العمر ركن من أركان الإسلام</span>\n٢٨ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ» (^١).\n\n٢٩ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: كَانَ الفَضْلُ رَدِيفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ مِنْ خَثْعَمَ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا، لَا يَثْبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ، أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: «نَعَمْ»، وَذَلِكَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٨)، ومسلم (١٦).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٥١٣)، ومسلم (١٣٣٤).","vol":"1","page":175},{"text":"٣٠ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ فَرَضَ اللهُ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ، فَحُجُّوا»، فَقَالَ رَجُلٌ: أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَسَكَتَ حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ لَوَجَبَتْ، وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ»، ثُمَّ قَالَ: «ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ» (^١).\n\n٣١ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّ الْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ ﵁، سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الْحَجُّ فِي كُلِّ سَنَةٍ أَوْ مَرَّةً وَاحِدَةً قَالَ: «بَلْ مَرَّةً وَاحِدَةً، فَمَنْ زَادَ فَهُوَ تَطَوُّعٌ» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٣٣٧).\n(^٢) أخرجه أبو داود (١٧٢١)، والنسائي (٢٦١٩)، وابن ماجه (٢٨٨٦)، وأحمد (١/ ٣٥٢)، من طريق الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سِنَانٍ الدُّؤَلِيِّ يَزِيدَ بْنِ أُمَيَّةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، وهذا سند صحيح رجاله ثقات.","vol":"1","page":176},{"text":"٣٢ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ الْحَجُّ فِي كُلِّ عَامٍ قَالَ: «لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ، لَوَجَبَتْ، وَلَوْ وَجَبَتْ، لَمْ تَقُومُوا بِهَا، وَلَوْ لَمْ تَقُومُوا بِهَا، عُذِّبْتُمْ» (^١).\n\n٣٣ - عَنْ جَابِرٍ ﵁، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ، قَالَ: «لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي هَذِهِ» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٢٨٨٥)، بسند صحيح.\n(^٢) أخرجه مسلم (١٢٩٧).","vol":"1","page":177},{"text":"٣٤ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا حَجَّ بِنِسَائِهِ، قَالَ: «إِنَّمَا هِيَ هَذِهِ الْحَجَّةُ، ثُمَّ الْزَمْنَ ظُهُورَ الْحُصْرِ» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٩٧٦٥)، والطيالسي (١٧٥٢)، وأبو يعلى (٧١٥٤)، من طريق ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ صَالِحٍ، مَوْلَى التَّوْأَمَةِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، به.\nوعند أبي يعلى، والطيالسي زيادة: «فَكُنَّ كُلُّهُنَّ يَحْجُجْنَ إِلَّا سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ، وَزَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ، فَإِنَّهُمَا كَانَتَا تَقُولَانِ: وَاللَّهِ لَا تُحَرِّكُنَا دَابَّةٌ بَعْدَ إِذْ سَمِعْنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ». وهذا سند حسنٌ، فإن صَالِحًا، مَوْلَى التَّوْأَمَةِ حديثه حسن إذا كان من رواية من روى عنه قبل اختلاطه، ومنهم محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، وهو هنا من روايته عنه.\nوللحديث شواهد يصح بها:\n• عَنِ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لِأَزْوَاجِهِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: «هَذِهِ ثُمَّ ظُهُورَ الْحُصْرِ»، عند أبي داود (١٧٢٢)، وأحمد (٥/ ٢١٨)، وسنده صحيح، رجاله ثقات غير وَاقِدٍ بنِ أَبِي وَاقِدٍ، وقد اختلف في صحبته.\n• عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂، عند أبي يعلى (٦٨٧٩)، والطبراني في «الكبير» (٢٣/ ٧٠٦)، وسنده حسن.\nوصححه الحافظ ابن حجر في «الفتح» (٤/ ٧٤)، في الحج: بَابُ حَجِّ النِّسَاءِ، قال: «أَذِنَ عُمَرُ ﵁، لِأَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ فِي آخِرِ حَجَّةٍ حَجَّهَا، فَبَعَثَ مَعَهُنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ»، وَكَانَ عُثْمَانُ يُنَادِي أَلَا لَا يَدْنُو أَحَدٌ مِنْهُنَّ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِنَّ، وَهُنَّ فِي الْهَوَادِجِ عَلَى الْإِبِلِ، فَإِذَا نَزَلْنَ أَنْزَلَهُنَّ بِصَدْرِ الشِّعْبِ فَلَمْ يَصْعَدْ إِلَيْهِنَّ أَحَدٌ، وَنَزَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَعُثْمَانُ بِذَنَبِ الشِّعْبِ.\nقال الحافظ: وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ، وَأَحْمَدُ، مِنْ طَرِيقِ وَاقِدِ بْنِ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ عَنْ أَبِيهِ - فذكر الحديث ثم قال: - وَإِسْنَادُ حَدِيثِ أَبِي وَاقِدٍ صَحِيحٌ. اهـ.","vol":"1","page":178},{"text":"قال ابن قدامة في «المغني» في أول كتاب الحج:\nالْحَجُّ فِي اللُّغَةِ: الْقَصْدُ. وَفِي الْحَجِّ لُغَتَانِ: الْحَجُّ وَالْحِجُّ، بِفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِهَا.\nوَالْحَجُّ فِي الشَّرْعِ: اسْمٌ لَأَفْعَالٍ مَخْصُوصَةٍ يَأْتِي ذِكْرُهَا، إنْ شَاءَ اللَّهُ. وَهُوَ أَحَدُ الْأَرْكَانِ الْخَمْسَةِ الَّتِي بُنِيَ عَلَيْهَا الْإِسْلَامُ،\nوَالْأَصْلُ فِي وُجُوبِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ:\nأَمَّا الْكِتَابُ، فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧)﴾ [آل عمران: ٩٧].\nوَأَمَّا السُّنَّةُ: فَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ»، وَذَكَرَ فِيهَا الْحَجَّ، وَرَوَى مُسْلِمٌ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، قَدْ فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ الْحَجَّ، فَحُجُّوا». فِي أَخْبَارٍ كَثِيرَةٍ سِوَى هَذَيْنِ.\nوَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ: عَلَى وُجُوبِ الْحَجِّ عَلَى الْمُسْتَطِيعِ فِي الْعُمْرِ مَرَّةً وَاحِدَةً. اهـ باختصار.","vol":"1","page":179},{"text":"<span data-type='title' id=toc-141>[١٨]- فضل الحج المبرور</span>\nقال الله ﵎: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٧)﴾ [البقرة: ١٩٧].\nوقال تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩)﴾ [الحج: ٢٧ - ٢٩].\n\n٣٥ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ» قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «جِهَادٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «حَجٌّ مَبْرُورٌ» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٩٥٩)، ومسلم (٨٣).","vol":"1","page":180},{"text":"قال القرطبي ﵀ في «المفهم» (٣/ ٤٦٣):\nواختلف في معنى المبرور:\n• فقيل: الذي لا يخالطه شيء من المأثم.\n• وقيل: المتقبَّل.\n• وقيل: الذي لا رياء فيه ولا سُمعَة.\nقلت: وهذه الأقوال كلها متقاربة المعنى، وهو: أنه الحج الذي وفيت أحكامه ووقع موافقًا لما طلب من المكلف على الوجه الأكمل، والله تعالى أعلم. اهـ.","vol":"1","page":181},{"text":"٣٦ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُبْشِيٍّ الْخَثْعَمِيِّ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ: أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «إِيمَانٌ لَا شَكَّ فِيهِ، وَجِهَادٌ لَا غُلُولَ فِيهِ، وَحَجَّةٌ مَبْرُورَةٌ» (^١).\n\n٣٧ - عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ ﵂، أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَرَى الجِهَادَ أَفْضَلَ العَمَلِ، أَفَلَا نُجَاهِدُ؟ قَالَ: «لَا، لَكِنَّ أَفْضَلَ الجِهَادِ حَجٌّ مَبْرُورٌ» (^٢).\n\n٣٨ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ (^٣)، وَلَمْ يَفْسُقْ (^٤)، رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه النسائي (٢٥٢٧)، وأبو داود (١٤٤٩)، وأحمد (١٥٤٠١)، والدارمي (١٤٦٤)، وآخرون، من طريق حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: قَالَ، ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عُثْمَانُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ عَلِيٍّ الْأَزْدِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ اللَّيْثِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُبْشِيٍّ، الحديث بتمامه، ومنه الشاهد هنا، وهو حديث حسن.\n(^٢) أخرجه البخاري (١٥٢٠).\n(^٣) يَرْفُث: من الرفث وهو الجماع، والتعريض به، وذكر ما يفحش من القول.\n(^٤) يَفْسُق: يرتكب محرمًا من المحرمات حال إحرامه، فكل المعاصي فسق؛ لقوله الله تعالى: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠]، فالفسق يشمل ارتكاب الكبائر والصغائر من الذنوب، أشدها الشرك بالله، والرياء، والبدع بشتى أنواعها، وأكل الحرام، والظلم، والزور، وتعمد ارتكاب محظور من محظورات الإحرام، وتعمد معصية ولي الأمر في غير معصية الله، فالفسق في الحج الذي لا يكون صاحبه بارًا في حجه، ولا يرجع كيوم ولدته أمه، بابه واسع يشمل جميع ما ذكرنا وما لم نذكر من المعاصي.\n(^٥) أخرجه البخاري (١٥٢١)، ومسلم (١٣٥٠).","vol":"1","page":182},{"text":"قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «الفتاوى الكبرى» (٥/ ٣٨٢): وَالْحَجُّ عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ أَفْضَلُ مِنْ الصَّدَقَةِ الَّتِي لَيْسَتْ وَاجِبَةً.\nوَأَمَّا إنْ كَانَ لَهُ أَقَارِبُ مَحَاوِيجُ فَالصَّدَقَةُ عَلَيْهِمْ أَفْضَلُ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ هُنَاكَ قَوْمٌ مُضْطَرُّونَ إلَى نَفَقَتِهِ، فَأَمَّا إذَا كَانَ كِلَاهُمَا تَطَوُّعًا فَالْحَجُّ أَفْضَلُ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ مَالِيَّةٌ وَكَذَلِكَ الْأُضْحِيَّةُ وَالْعَقِيقَةُ أَفْضَلُ مِنْ الصَّدَقَةِ بِقِيمَةِ ذَلِكَ، لَكِنْ هَذَا بِشَرْطِ أَنْ يُقِيمَ الْوَاجِبَ فِي الطَّرِيقِ وَيَتْرُكَ الْمُحَرَّمَاتِ وَيُصَلِّيَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ، وَيَصْدُقُ الْحَدِيثَ وَيُؤَدِّي الْأَمَانَةَ وَلَا يَتَعَدَّى عَلَى أَحَدٍ. اهـ.\n\nقُلْتُ: وهذا تفصيل مفيد في<span data-type='title' id=toc-143> التفاضل بين حج التطوع، والصدقة بمال حج التطوع.</span>\nمسألة: وكذا من عليه دين يستغرق ما أعده نفقة لحج الفريضة، وصاحب الدين يطلبه حقه، أنه غير مستطيع، والله تعالى يقول: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧].","vol":"1","page":183},{"text":"٣٩ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ، قَالَ - لِامْرَأَةٍ مِنَ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهَا: أُمُّ سِنَانٍ -: «مَا مَنَعَكِ أَنْ تَكُونِي حَجَجْتِ مَعَنَا؟» قَالَتْ: نَاضِحَانِ كَانَا لِأَبِي فُلَانٍ - زَوْجِهَا - حَجَّ هُوَ وَابْنُهُ عَلَى أَحَدِهِمَا، وَكَانَ الْآخَرُ يَسْقِي عَلَيْهِ غُلَامُنَا، قَالَ: «فَعُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ تَقْضِي حَجَّةً أَوْ حَجَّةً مَعِي» (^١).\n\n٤٠ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «العُمْرَةُ إِلَى العُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالحَجُّ المَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ: إِلَّا الجَنَّةُ» (^٢).\n\n٤١ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَفْدُ اللَّهِ ثَلَاثَةٌ: الْغَازِي، وَالْحَاجُّ، وَالْمُعْتَمِرُ» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٢٥٦/ ٢٢١).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٧٧٣)، ومسلم (١٣٤٩).\n(^٣) أخرجه النسائي (٢٦٢٦)، وابن خزيمة (٢٥١١)، والحاكم (١/ ٤٤١)، والبيهقي في «الكبرى» (٥/ ٢٦٢)، من طريق مَخْرَمَةَ بْنِ بُكَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سُهَيْلٍ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، وهذا سند صحيح.\nومَخْرَمَةُ بْنُ بُكَيْرٍ أثبت سماعه من أَبِيهِ: معن بن عيسى كما في «تحفة التحصيل» لأبي زرعة العراقي، وأخرج له مسلم عن أبيه عدة أحاديث في «صحيحه».","vol":"1","page":184},{"text":"٤٢ - وأخرج مسلم (١٢١)، بسنده عَنِ ابْنِ شِمَاسَةَ الْمَهْرِيِّ، قَالَ: حَضَرْنَا عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ، وَهُوَ فِي سِيَاقَةِ الْمَوْتِ، يَبَكِي طَوِيلًا، وَحَوَّلَ وَجْهَهُ إِلَى الْجِدَارِ، فَجَعَلَ ابْنُهُ يَقُولُ: يَا أَبَتَاهُ، أَمَا بَشَّرَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِكَذَا؟ أَمَا بَشَّرَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِكَذَا؟ قَالَ: فَأَقْبَلَ بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: إِنَّ أَفْضَلَ مَا نُعِدُّ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، إِنِّي قَدْ كُنْتُ عَلَى أَطْبَاقٍ ثَلَاثٍ، لَقَدْ رَأَيْتُنِي وَمَا أَحَدٌ أَشَدَّ بُغْضًا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ مِنِّي، وَلَا أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ أَكُونَ قَدِ اسْتَمْكَنْتُ مِنْهُ، فَقَتَلْتُهُ، فَلَوْ مُتُّ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ لَكُنْتُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَلَمَّا جَعَلَ اللهُ الْإِسْلَامَ فِي قَلْبِي أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ، فَقُلْتُ: ابْسُطْ يَمِينَكَ فَلْأُبَايِعْكَ، فَبَسَطَ يَمِينَهُ، قَالَ: فَقَبَضْتُ يَدِي، قَالَ: «مَا لَكَ يَا عَمْرُو؟» قَالَ: قُلْتُ: أَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِطَ، قَالَ: «تَشْتَرِطُ بِمَاذَا؟» قُلْتُ: أَنْ يُغْفَرَ لِي، قَالَ: «أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ؟ وَأَنَّ الْهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهَا؟ وَأَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ؟»، الحديث.\n\nقال شيخ الإسلام ﵀: وَلَا يَسْقُطُ حَقُّ الْآدَمِيِّ مِنْ مَالٍ أَوْ عَرَضٍ أَوْ دَمٍ بِالْحَجِّ إجْمَاعًا. اهـ. كما في «مجموع الفتاوى» (١٨/ ٣٤١)، و«اختيارات البعلي» (١٧٤)، ثم استدل بحديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ»، وقال:","vol":"1","page":185},{"text":"فَهَذِهِ الْأُمُورُ الَّتِي هِيَ أَعْظَمُ مِنْ الْحَجِّ وَلَكِنَّ الْكَبَائِرَ تُكَفِّرُهَا التَّوْبَةُ مِنْهَا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ. اهـ.\nوقال القرطبي ﵀ في «المفهم» (١/ ٣٢٩): هذه الأعمالَ الثلاثةَ تُسقِطُ الذنوبَ التي تقدَّمَتهَا كلَّها، صغيرَهَا وكبيرها؛ فإنَّ ألفاظَهَا عامَّةٌ خرجَت على سؤالٍ خاصٍّ؛ فإنَّ عَمرًا إنما سأل أن يغفَرَ له ذنوبُهُ السابقةُ بالإسلام، فأُجِيبَ على ذلك؛ فالذنوبُ داخلةٌ في تلك الألفاظِ العامَّةِ قطعًا، وهي بحكم عمومها صالحةٌ لتناوُلِ الحقوقِ الشرعيَّة، والحقوقِ الآدميَّة؛ وقد ثبَتَ ذلك في حَقِّ الكافر الحربيِّ إذا أسلَمَ؛ فإنَّه لا يُطَالَبُ بشيء مِنْ تلك الحقوق، ولو قَتَلَ وأَخَذَ الأموالَ، لم يُقتَصَّ منه بالإجماع، ولو خرجَتِ الأموالُ مِنْ تحت يده، لم يطالَب بشيء منها.\nولو أسلَمَ الحربيُّ وبيده مالُ مسلمٍ؛ عَبِيدٌ، أو عُرُوضٌ، أو عَينٌ؛ فمذهبُ مالك: أنَّه لا يجبُ عليه رَدُّ شيء من ذلك؛ تمسُّكًا بعمومِ هذا الحديث، وبأنَّ للكفَّارِ شبه مِلكٍ فيما حازُوهُ من أموال المسلمين وغيرهم؛ لأنَّ الله تعالى قد نسَبَ لهم أموالًا وأولادًا؛ فقال تعالى: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ﴾ [التوبة: ٥٥].\nوذهَبَ الشافعيُّ: إلى أنَّ ذلك لا يَحِلُّ لهم، وأنَّه يجبُ عليهم ردُّها إلى مَنْ كان يملكها مِنَ المسلمين، وأنَّهم كالغُصَّاب؛ وهذا يُبعِده: أنَّهم لو استَهلَكُوا ذلك في حالةِ كُفرهم ثُمَّ أسلموا، لم يَضمَنوا بالإجماعِ؛ على ما حكاه أبو محمَّدٍ عبدُ الوهَّاب.","vol":"1","page":186},{"text":"فأمَّا أسر المسلمين الأحرارِ: فيجبُ عليهم رفعُ أيديهم عنهم؛ لأنَّ الحُرَّ لا يُملَكُ. وأما مَنْ أسلم مِنْ أهل الذمَّة: فلا يُسقِطُ الإسلامُ عنه حقًّا وجب عليه لأحدٍ مِنْ مالٍ أو دمٍ أو غيرهما؛ لأنَّ أحكام الإسلامِ جاريةٌ عليهم. واستيفاءُ الفروعِ في كتب الفقه. وأما الهجرةُ، والحَجُّ: فلا خلافَ في أنهما لا يُسقِطان إلا الذنوبَ والآثامَ السابقة، وهل يُسقِطان الكبائرَ والصغائر، أو الصغائرَ فقط؟ موضعُ نظرٍ. اهـ.\nقُلْتُ: ذهب جمهور العلماء إلى أنَّ الكبائر لا تسقط إلا بالتوبة، فإن اقترن بالحج والهجرة توبة سقطت الكبائر، وإلا فلا.\nوقال النووي في «شرح مسلم» عند حديث (٢٢٨): «مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»، وَفِي الرواية الأخرى: «إلا غفر لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّلَاةِ الَّتِي تَلِيهَا» وفي الحديث الآخر: «مَنْ تَوَضَّأَ هَكَذَا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَكَانَتْ صَلَاتُهُ وَمَشْيُهُ إِلَى الْمَسْجِدِ نَافِلَةً»، وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ»، وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ»، فَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ كُلُّهَا ذَكَرَهَا مُسْلِمٌ فِي هَذَا الْبَابِ.\nوَقَدْ يُقَالُ: إِذَا كَفَّرَ الْوُضُوءُ فَمَاذَا تُكَفِّرُ الصَّلَاةُ؟ وَإِذَا كَفَّرَتِ الصَّلَاةُ فَمَاذَا تُكَفِّرُ الْجُمُعَاتُ وَرَمَضَانُ؟ وَكَذَلِكَ صَوْمُ يَوْمِ عَرَفَةَ كَفَّارَةُ سَنَتَيْنِ، وَيَوْمُ عَاشُورَاءَ كَفَّارَةُ سَنَةٍ، وَإِذَا وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ؟","vol":"1","page":187},{"text":"وَالْجَوَابُ، مَا أَجَابَهُ الْعُلَمَاءُ: أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ صَالِحٌ لِلتَّكْفِيرِ، فَإِنْ وَجَدَ مَا يُكَفِّرُهُ مِنَ الصَّغَائِرِ كَفَّرَهُ، وَإِنْ لَمْ يُصَادِفْ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً كُتِبَتْ بِهِ حَسَنَاتٌ، وَرُفِعَتْ بِهِ دَرَجَاتٌ، وَإِنْ صَادَفَتْ كَبِيرَةً أَوْ كَبَائِرَ وَلَمْ يُصَادِفْ صَغِيرَةً، رَجَوْنَا أَنْ يُخَفِّفَ مِنَ الْكَبَائِرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. اهـ.","vol":"1","page":188},{"text":"<span data-type='title' id=toc-146>[١٩]- فضل المتابعة بين الحج والعمرة</span>\n٤٣ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «العُمْرَةُ إِلَى العُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالحَجُّ المَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الجَنَّةُ» (^١).\n\n٤٤ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَإِنَّهُمَا: يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ، وَالذُّنُوبَ، كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ» (^٢).\n\n٤٥ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَإِنَّهُمَا تَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَالذَّنُوبَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ، وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَيْسَ لِلْحَجَّةِ الْمَبْرُورَةِ ثَوَابٌ دُونَ الْجَنَّةِ» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٧٧٣)، ومسلم (١٣٤٩).\n(^٢) أخرجه النسائي (٢٦٢٩)، قال ﵀: أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَتَّابٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَزْرَةُ بْنُ ثَابِتٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فذكره، وهذا سند صحيح رجاله ثقات، وأبو عتاب: هو سهل بن حماد، من رجال مسلم، وقد وثقه البزار وليس فيه جرح، فهو ثقة.\n(^٣) أخرجه الترمذي (٨١٠)، والنسائي (٢٦٣٠)، وأحمد (٣٦٦٩)، وابن خزيمة (٢٥١٢)، من طريق أَبِي خَالِدٍ سليمان بن حيان، عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود، وهذا حديث حسن من أجل أبي خالد الأحمر، وعاصم وكلاهما يحسن حديثه، والحديث صحيح بما في الباب.","vol":"1","page":189},{"text":"٤٦ - عَنْ عُمَرَ ﵄، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَإِنَّ مُتَابَعَةً بَيْنَهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَالذُّنُوبَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ الخَبَثَ» (^١).\n\n٤٧ - وعن جابر ﵁، بمثل حديث ابن عباس ﵄ (^٢).\n\n٤٨ - وعَنْ عَامِرِ بن ربيعة ﵁، بمثل لفظ حديث ابن عباس ﵄، بلفظ: «تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَإِنَّ مُتَابَعَةً بَيْنَهُمَا تَزِيدُ فِي الْعُمُرِ وَالرِّزْقِ، وَتَنْفِيَانِ الذُّنُوبَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٢٨٨٧)، وأحمد (١٦٧)، وفيه: عَاصِمُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ العمري فيه ضعف؛ لكن الحديث صحيح بهذه الأربعة الأحاديث التي هو خامسها في الباب.\n(^٢) أخرجه البزار، والطبراني كما في «مجمع الزوائد» (٣/ ٢٧٧)، وهو صحيح لغيره.\n(^٣) أخرجه أحمد في «المسند» (٢٤/ ٤٦٣)، رقم (١٥٦٩٧)، والحديث فيه شريك بن عبد الله النخعي، يرويه عن عاصم وهو بن عبيد الله العمري، وكلاهما ضعيف؛ لكنه صحيح لغيره مما في الباب بما فيه زيادة: «تَزِيدُ فِي الْعُمُرِ وَالرِّزْقِ»، لدخولها في مضمون الأحاديث المذكورة في الباب.\nولحديث «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ»، أخرجه البخاري (٥٩٨٦)، ومسلم (٩٩٨). ومثله حديث عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهَا: «إِنَّهُ مَنْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنَ الرِّفْقِ، فَقَدْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَصِلَةُ الرَّحِمِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ وَحُسْنُ الْجِوَارِ يَعْمُرَانِ الدِّيَارَ، وَيَزِيدَانِ فِي الْأَعْمَارِ»، أخرجه أحمد (٦/ ١٥٩)، رقم (٢٥٢٥٩)، وهو حديث صحيح.\nوفيه وفي حديث أنس قبله شاهد لفقرة: (أنَّ المتابعة بين الحج والعمرة تزيد في العمر)؛ لأنها من الأعمال الصالحة، وكلها من أسباب زيادة العمر والرزق، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾ [الأعراف: ٩٦].","vol":"1","page":190},{"text":"٤٩ - وعَنْ أَبِي رَزِينٍ الْعُقَيْلِيِّ ﵁، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَه: «احْجُجْ عَنْ أَبِيكَ وَاعْتَمِرْ» (^١).\nالشَّرحُ:\n\nوهذا الحديث: دليل الجمهور على أنَّ<span data-type='title' id=toc-147> العمرة واجبة في العمر مرة كالحج،</span> إلا من أوجبها على نفسه بنذر، فيجب الوفاء بهما مع القدرة لأنهما طاعة لله، وفي الحديث: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ».\nقال النووي في «شرحه على مسلم» (١٣٤٩)، على حديث: أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: «العُمْرَةُ إِلَى العُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا»، قال ﵀: وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي وُجُوبِ الْعُمْرَةِ فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَالْجُمْهُورِ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ. اهـ.\nقُلْتُ: ودليل الوجوب الأمر بالحج والعمرة في حديث أَبِي رَزِينٍ الْعُقَيْلِيِّ ﵁، المذكور، وبوب البخاري في «صحيحه» رقم (١٧٧٣) بَابُ وُجُوبِ العُمْرَةِ\n_________\n(^١) وهو حديث صحيح سيأتي تخريجه في الحج عن الغير، وبوب عليه المجد في «المنتقى»، وغير واحد، منهم: شيخنا ﵀ في «جامعه الصحيح» رقم (١٣٣٥)، وجوب العمرة.\nقَالَ الإمام أَحْمَدَ: لَا أَعْلَمُ فِي إِيجَابِ الْعُمْرَةِ حَدِيثًا أَجْوَدَ مِنْ هَذَا، وَلَا أَصَحَّ مِنْهُ. اهـ من «تحفة الأحوذي».","vol":"1","page":191},{"text":"وَفَضْلِهَا، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄: لَيْسَ أَحَدٌ إِلَّا وَعَلَيْهِ حَجَّةٌ، وَعُمْرَةٌ.\nوَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: إِنَّهَا لَقَرِينَتُهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، - وساق الحديث المذكورة هنا -: «الحَجُّ وَالعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا».\nوقال ابن المنذر في «الإشراف» (٣/ ٣٧٥): وقد ذهب أكثر أهل العلم إلى وجوب الحج والعمرة، ثم ذكر أسماء من قال: هي سنة ليست واجبة، وقال: وبالقول الأول أقول. اهـ.\n\n<span data-type='title' id=toc-148>جواز تكرار العمرة في الشهر مرتين</span>\nقال ابن المنذر في «الإشراف» (٣/ ٣٧٧): اعتمرت عائشة بأمر النبي ﷺ في شهر مرتين، عمرة مع قرانها، وعمرة بعد حجها، وقد ثبت أن النبي ﷺ قال العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما. اهـ.\nوقال ابن قدامة في «المغني» تحت مسألة (٥٣٨) في الفصل (١٥): وَلَا بَأْسَ أَنْ يَعْتَمِرَ فِي السَّنَةِ مِرَارًا، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَنَسٍ، وَعَائِشَةَ، وَعَطَاءٍ، وَطَاوُسٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَالشَّافِعِيِّ.\nوَكَرِهَ الْعُمْرَةَ فِي السَّنَةِ مَرَّتَيْنِ الْحَسَنُ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَمَالِكٌ.\nوَقَالَ النَّخَعِيُّ: مَا كَانُوا يَعْتَمِرُونَ فِي السَّنَةِ إلَّا مَرَّةً. وَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَفْعَلْهُ.","vol":"1","page":192},{"text":"وَلَنَا، أَنَّ عَائِشَةَ اعْتَمَرَتْ فِي شَهْرٍ مَرَّتَيْنِ بِأَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ عُمْرَةً مَعَ قِرَانِهَا، وَعُمْرَةً بَعْدَ حَجِّهَا، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الْعُمْرَةُ إلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا»، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\nوَقَالَ عَطَاءٌ: إنْ شَاءَ اعْتَمَرَ فِي كُلِّ شَهْرٍ مَرَّتَيْنِ.\nفَأَمَّا الْإِكْثَارُ مِنْ الِاعْتِمَارِ، وَالْمُوَالَاةُ بَيْنَهُمَا، فَلَا يُسْتَحَبُّ فِي ظَاهِرِ قَوْلِ السَّلَفِ الَّذِي حَكَيْنَاهُ. اهـ من «المغني».","vol":"1","page":193},{"text":"<span data-type='title' id=toc-149>[٢٠]- الحج والعمرة عن الغير المسلم</span>\n٥٠ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: كَانَ الفَضْلُ رَدِيفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ مِنْ خَثْعَمَ، فَجَعَلَ الفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَتَنْظُرُ إِلَيْهِ، وَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ، يَصْرِفُ وَجْهَ الفَضْلِ إِلَى الشِّقِّ الآخَرِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا، لَا يَثْبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ، أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: «نَعَمْ»، وَذَلِكَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ (^١).\n\nالشَّرحُ:\nقال النووي في «شرح مسلم» (١٣٣٤):\n\n<span data-type='title' id=toc-150>هَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ فَوَائِدُ:</span>\n• مِنْهَا جَوَازُ الْإِرْدَافِ عَلَى الدَّابَّةِ إِذَا كَانَتْ مُطِيقَةً.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٥١٣)، ومسلم (١٣٣٤).","vol":"1","page":194},{"text":"• وَجَوَازُ سَمَاعِ صَوْتِ الْأَجْنَبِيَّةِ عِنْدَ الْحَاجَةِ فِي الِاسْتِفْتَاءِ وَالْمُعَامَلَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.\n• وَمِنْهَا تَحْرِيمُ النَّظَرِ إِلَى الْأَجْنَبِيَّةِ.\n• وَمِنْهَا إزالة المنكر باليد لمن أمكنه.\n• ومنها جواز النيابة في الحج عن العاجز الْمَأْيُوسِ مِنْهُ بِهَرَمٍ أَوْ زَمَانَةٍ أَوْ مَوْتٍ.\n• وَمِنْهَا بِرُّ الْوَالِدَيْنِ بِالْقِيَامِ بِمَصَالِحِهِمَا مِنْ قَضَاءِ دَيْنٍ وَخِدْمَةٍ وَنَفَقَةٍ وَحَجٍّ عَنْهُمَا وَغَيْرِ ذَلِكَ.\n• وَمِنْهَا وُجُوبُ الْحَجِّ عَلَى مَنْ هُوَ عَاجِزٌ بِنَفْسِهِ مُسْتَطِيعٌ بِغَيْرِهِ كَوَلَدِهِ. اهـ.\n\n<span data-type='title' id=toc-151>نيابة المرأة عن المرأة وعن الرجل</span>\nقال شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٢٦/ ١٣): يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَحُجَّ عَنْ امْرَأَةٍ أُخْرَى بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ سَوَاءٌ كَانَتْ بِنْتَهَا أَوْ غَيْرَ بِنْتِهَا وَكَذَلِكَ يَجُوزُ أَنْ تَحُجَّ الْمَرْأَةُ عَنْ الرَّجُلِ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَجُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ مَا أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَرْأَةَ الخثعمية أَنْ تَحُجَّ عَنْ أَبِيهَا، مَعَ أَنَّ إحْرَامَ الرَّجُلِ أَكْمَلُ مِنْ إحْرَامِهَا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. اهـ.\n\n<span data-type='title' id=toc-152>جواز أخذ النائب نفقة حجه ممن ناب عنه</span>\nوقال ﵀ (٢٦/ ١٣): فِي الْحَجِّ عَنْ الْمَيِّتِ أَوْ الْمَعْضُوبِ بِمَالِ يَأْخُذُهُ إمَّا نَفَقَةً فَإِنَّهُ جَائِزٌ بِالِاتِّفَاقِ، أَوْ بِالْإِجَارَةِ أَوْ بِالْجَعَالَةِ عَلَى نِزَاعٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ، سَوَاءٌ كَانَ الْمَالُ الْمَحْجُوجُ بِهِ مُوصًى بِهِ لِمُعَيَّنِ أَوْ عَيْنًا مُطْلَقًا أَوْ مَبْذُولًا أَوْ مُخْرَجًا مِنْ صُلْبِ","vol":"1","page":195},{"text":"التَّرِكَةِ؛ فَمِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ مَنْ اسْتَحَبَّ ذَلِكَ، وَقَالَ: هُوَ مِنْ أَطْيَبِ الْمَكَاسِبِ؛ لِأَنَّهُ يَعْمَلُ صَالِحًا وَيَأْكُلُ طَيِّبًا.\nوَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَد أَنَّهُ قَالَ: لَا أَعْرِفُ فِي السَّلَفِ مَنْ كَانَ يَعْمَلُ هَذَا وَعَدَّهُ بِدْعَةً وَكَرِهَهُ. اهـ.","vol":"1","page":196},{"text":"٥١ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ، جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَتْ: إِنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ فَلَمْ تَحُجَّ حَتَّى مَاتَتْ، أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ حُجِّي عَنْهَا، أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ، أَكُنْتِ قَاضِيَةً؟ اقْضُوا اللَّهَ فَاللَّهُ أَحَقُّ بِالوَفَاءِ» (^١).\n\n٥٢ - عَنْ أَبِي رَزِينٍ ﵁، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ، لَا يَسْتَطِيعُ الْحَجَّ، وَلَا الْعُمْرَةَ، وَلَا الظَّعْنَ، قَالَ: «احْجُجْ عَنْ أَبِيكَ وَاعْتَمِرْ» (^٢).\n\n٥٣ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: أَتَى رَجُلٌ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ أُخْتِي قَدْ نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ، وَإِنَّهَا مَاتَتْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَوْ كَانَ عَلَيْهَا دَيْنٌ أَكُنْتَ قَاضِيَهُ» قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «فَاقْضِ اللَّهَ، فَهُوَ أَحَقُّ بِالقَضَاءِ» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٨٥٢).\n(^٢) أخرجه أبو داود (١٥١٣)، والنسائي (٢٦٢٠)، والترمذي (٩٣٠)، وابن ماجه (٢٩٠٦)، وأحمد في «المسند» (٤/ ١٠)، وهو حديث صحيح.\n(^٣) أخرجه البخاري (١٨٥٢).","vol":"1","page":197},{"text":"٥٤ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: لَبَّيْكَ عَنْ شُبْرُمَةَ، قَالَ: «مَنْ شُبْرُمَةُ؟» قَالَ: أَخٌ لِي - أَوْ قَرِيبٌ لِي - قَالَ: «حَجَجْتَ عَنْ نَفْسِكَ؟» قَالَ: لَا، قَالَ: «حُجَّ عَنْ نَفْسِكَ ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ» (^١).\n\nالشَّرحُ:\nقال ابن قدامة في «المغني» (٦/ ٤٥): وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ لِمَنْ لَمْ يَحُجَّ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ أَنْ يَحُجَّ عَنْ غَيْرِهِ، فَإِنْ فَعَلَ وَقَعَ إحْرَامُهُ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ. وَبِهَذَا قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ.\nوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ: يَقَعُ الْحَجُّ بَاطِلًا، وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ عَنْهُ، وَلَا عَنْ غَيْرِهِ.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (١٨١١)، وابن ماجه (٢٩٠٣)، وابن خزيمة (٣٠٣٩)، وابن الجارود (٤٩٩)، وآخرون من طريق عَبْدَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنِ سعيد بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَزْرَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات.\nقال البيهقي؟ في «الكبرى» (٤/ ٣٣٦): هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ، لَيْسَ فِي هَذَا الْبَابِ أَصَحُّ مِنْهُ. اهـ.\nقال الحافظ ابن حجر في «التلخيص الحبير» رقم (٣٢٢٧): قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: رَفْعُهُ خَطَأٌ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا يَثْبُتُ رَفْعُهُ. اهـ.\nورجح رفعه عبد الحق، وابن القطان، وابن الجارود، وابن حبان، والبيهقي، والألباني في «إرواء الغليل» (٩٩٤)، فعلة الوقف غير قادحة في ثبوت رفعه، وقد ثبت مرفوعًا، وموقوفًا.","vol":"1","page":198},{"text":"وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ مِنْ شَرْطِ طَوَافِ الزِّيَارَةِ تَعْيِينُ النِّيَّةِ، فَمَتَى نَوَاهُ لِغَيْرِهِ وَلَمْ يَنْوِ لِنَفْسِهِ، لَمْ يَقَعْ لِنَفْسِهِ، كَذَا الطَّوَافُ حَامِلًا لِغَيْرِهِ لَمْ يَقَعْ عَنْ نَفْسِهِ.\nوَقَالَ الْحَسَنُ، وَإِبْرَاهِيمُ، وَأَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ، وَجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَمَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ أَنْ يَحُجَّ عَنْ غَيْرِهِ مَنْ لَمْ يَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ. وَحُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ مِثْلُ ذَلِكَ.\nوَقَالَ الثَّوْرِيُّ: إنْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى الْحَجِّ عَنْ نَفْسِهِ حَجَّ عَنْ نَفْسِهِ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْحَجِّ عَنْ نَفْسِهِ حَجَّ عَنْ غَيْرِهِ.\nوَاحْتَجُّوا بِأَنَّ الْحَجَّ مِمَّا تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ، فَجَازَ أَنْ يُؤَدِّيَهُ عَنْ غَيْرِهِ مَنْ لَمْ يُسْقِطْ فَرْضَهُ عَنْ نَفْسِهِ، كَالزَّكَاةِ. اهـ.\nقُلْتُ: وهذا القول الأخير هو الصواب، فليس في حديث الباب ما يدل على بطلان حج من لم يحج عن نفسه إن حج عن غيره، إنما فيه أنَّه يجب أن يقدم الحج عن نفسه على حجه عن غيره، وذلك مقيدٌ بأدلة استطاعته الحج عن نفسه المذكورة في هذه الرسالة، فإن عجز عن نفسه لعدم النفقة ووجد سعة يحج عن غيره قبل حجه عن نفسه صح حجه عن غيره.","vol":"1","page":199},{"text":"<span data-type='title' id=toc-154>[٢١]- باب الحج بالصغير وأنَّ عليه حجة إذا بلغ</span>\n٥٥ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ لَقِيَ رَكْبًا بِالرَّوْحَاءِ، فَقَالَ: «مَنِ الْقَوْمُ؟» قَالُوا: الْمُسْلِمُونَ، فَقَالُوا: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: «رَسُولُ اللهِ»، فَرَفَعَتْ إِلَيْهِ امْرَأَةٌ صَبِيًّا، فَقَالَتْ: أَلِهَذَا حَجٌّ؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَلَكِ أَجْرٌ» (^١).\n\nالشَّرحُ:\nقال النووي في شرح هذا الحديث من «صحيح مسلم»: قَالَ الْقَاضِي: لَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي جَوَازِ الْحَجِّ بِالصِّبْيَانِ …\n_________\n(^١) أخرجه مسلم رقم (١٣٣٦)، ومثله ما أخرجه الترمذي رقم (٩٢٤)، وابن ماجه رقم (٢٩١٠)، من طريق أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُوقَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄، قَالَ: رَفَعَتْ امْرَأَةٌ صَبِيًّا لَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلِهَذَا حَجٌّ، قَالَ: «نَعَمْ، وَلَكِ أَجْرٌ». وسنده صحيح.\nوقال الترمذي بعد هذا الحديث: وَقَدْ أَجْمَعَ أَهْلُ العِلْمِ: أَنَّ الصَّبِيَّ إِذَا حَجَّ قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَ فَعَلَيْهِ الحَجُّ إِذَا أَدْرَكَ، لَا تُجْزِئُ عَنْهُ تِلْكَ الحَجَّةُ عَنْ حَجَّةِ الإِسْلَامِ. اهـ.","vol":"1","page":200},{"text":"قال: وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ عَنْ فَرِيضَةِ الْإِسْلَامِ. اهـ.\nقال الإمام ابن حزم ﵀ في «المحلى» مسألة رقم (٩١٥): وَنَسْتَحِبُّ الْحَجَّ بِالصَّبِيِّ وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا جِدًّا أَوْ كَبِيرًا وَلَهُ حَجٌّ وَأَجْرٌ، وَهُوَ تَطَوُّعٌ، وَلِلَّذِي يَحُجُّ بِهِ أَجْرٌ، وَيَجْتَنِبُ مَا يَجْتَنِبُ الْمُحْرِمُ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إنْ وَاقَعَ مِنْ ذَلِكَ مَا لَا يَحِلُّ لَهُ، وَيُطَافُ بِهِ، وَيُرْمَى عَنْهُ الْجِمَارُ إنْ لَمْ يُطِقْ ذَلِكَ، وَيُجْزِي الطَّائِفَ بِهِ طَوَافُهُ ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ، وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يُدَرَّبُوا وَيُعَلَّمُوا الشَّرَائِعَ مِنْ الصَّلَاةِ، وَالصَّوْمِ إذَا أَطَاقُوا ذَلِكَ وَيُجَنَّبُوا الْحَرَامَ كُلَّهُ، وَاَللَّهُ تَعَالَى يَتَفَضَّلُ بِأَنْ يَأْجُرَهُمْ، وَلَا يَكْتُبُ عَلَيْهِمْ إثْمًا حَتَّى يَبْلُغُوا.\nقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَالْحَجُّ عَمَلٌ حَسَنٌ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (٣٠)﴾ [الكهف: ٣٠]، فَإِنْ قِيلَ: لَا نِيَّةَ لِلصَّبِيِّ؟\nقُلْنَا: نَعَمْ، وَلَا تَلْزَمُهُ إنَّمَا تَلْزَمُ النِّيَّةُ الْمُخَاطَبَ الْمَأْمُورَ الْمُكَلَّفَ، وَالصَّبِيُّ لَيْسَ مُخَاطَبًا وَلَا مُكَلَّفًا وَلَا مَأْمُورًا وَإِنَّمَا أَجْرُهُ تَفَضُّلٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى مُجَرَّدٌ عَلَيْهِ كَمَا يَتَفَضَّلُ عَلَى الْمَيِّتِ بَعْدَ مَوْتِهِ وَلَا نِيَّةَ لَهُ وَلَا عَمَلَ بِأَنْ يَأْجُرَهُ بِدُعَاءِ ابْنِهِ لَهُ بَعْدَهُ وَبِمَا يَعْمَلُهُ غَيْرُهُ عَنْهُ مِنْ حَجٍّ، أَوْ صِيَامٍ، أَوْ صَدَقَةٍ، وَلَا فَرْقَ، وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ.\nوَإِذَا الصَّبِيُّ قَدْ رُفِعَ عَنْهُ الْقَلَمُ فَلَا جَزَاءَ عَلَيْهِ فِي صَيْدٍ إنْ قَتَلَهُ فِي الْحَرَمِ أَوْ فِي إحْرَامِهِ، وَلَا فِي حَلْقِ رَأْسِهِ لِأَذًى بِهِ، وَلَا عَنْ تَمَتُّعِهِ، وَلَا لِإِحْصَارِهِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ","vol":"1","page":201},{"text":"مُخَاطَبٍ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَلَوْ لَزِمَهُ هَدْيٌ لَلَزِمَهُ أَنْ يُعَوِّضَ مِنْهُ الصِّيَامَ وَهُوَ فِي الْمُتْعَةِ، وَحَلْقِ الرَّأْسِ، وَجَزَاءِ الصَّيْدِ، وَهُمْ لَا يَقُولُونَ هَذَا وَلَا يَفْسُدُ حَجُّهُ بِشَيْءِ مِمَّا ذَكَرْنَا، إنَّمَا هُوَ مَا عَمِلَ، أَوْ عُمِلَ بِهِ أُجِرَ، وَمَا لَمْ يَعْمَلْ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ، وَقَدْ كَانَ الصِّبْيَانُ يَحْضُرُونَ الصَّلَاةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﵇، صَحَّتْ بِذَلِكَ آثَارٌ كَثِيرَةٌ: كَصَلَاتِهِ بِأُمَامَةَ بِنْتِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَحُضُورِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَعَهُ الصَّلَاةَ، وَسَمَاعِهِ بُكَاءَ الصَّبِيِّ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَيُجْزِي الطَّائِفَ بِهِ طَوَافُهُ عَنْ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ طَائِفٌ وَحَامِلٌ، فَهُمَا عَمَلَانِ مُتَغَايِرَانِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حُكْمٌ، كَمَا هُوَ طَائِفٌ وَرَاكِبٌ، وَلَا فَرْقَ.\nمسألة: فَإِنْ بَلَغَ الصَّبِيُّ فِي حَالِ إحْرَامِهِ لَزِمَهُ أَنْ يُجَدِّدَ إحْرَامًا وَيَشْرَعَ فِي عَمَلِ الْحَجِّ، فَإِنْ فَاتَتْهُ عَرَفَةُ، أَوْ مُزْدَلِفَةُ، فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ وَلَا هَدْيَ عَلَيْهِ وَلَا شَيْءَ.\nأَمَّا تَجْدِيدُهُ الْإِحْرَامَ فَلِأَنَّهُ قَدْ صَارَ مَأْمُورًا بِالْحَجِّ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِ فَلَزِمَهُ أَنْ يَبْتَدِئَهُ؛ لِأَنَّ إحْرَامَهُ الْأَوَّلَ كَانَ تَطَوُّعَا وَالْفَرْضُ أَوْلَى مِنْ التَّطَوُّعِ. اهـ.","vol":"1","page":202},{"text":"<span data-type='title' id=toc-157>[٢٢]- باب الحج جهاد النساء والضعفة</span>\n٥٦ - عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ ﵂، أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَرَى الجِهَادَ أَفْضَلَ العَمَلِ، أَفَلَا نُجَاهِدُ؟ قَالَ: «لَا، لَكِنَّ أَفْضَلَ الجِهَادِ حَجٌّ مَبْرُورٌ» (^١).\n\nوفي لفظ: عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا نَغْزُو وَنُجَاهِدُ مَعَكُمْ؟ فَقَالَ: «لَكِنَّ أَحْسَنَ الجِهَادِ وَأَجْمَلَهُ الحَجُّ، حَجٌّ مَبْرُورٌ»، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَلَا أَدَعُ الحَجَّ بَعْدَ إِذْ سَمِعْتُ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٥٢٠).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٨٦١).","vol":"1","page":203},{"text":"وفي لفظ: عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَى النِّسَاءِ جِهَادٌ؟ قَالَ: «نَعَمْ، عَلَيْهِنَّ جِهَادٌ، لَا قِتَالَ فِيهِ: الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٥٢٠)، وزيادة: «وَالْعُمْرَةُ»، عند أحمد في «المسند» (٦/ ١٦٥)، رقم (٢٥٣٢٢)، وابن ماجه (٢٩٠١)، وابن خزيمة (٣٠٧٤)، وابن أبي شيبة (١٢٧٩٨)، والدارقطني في «سننه» (٢٦٩٠)، وآخرون، من طريق مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ به، وهذا سند رواته ثقات، إلا أنَّ محمد بن فضيل خالف عددًا من الأئمة رووا الحديث عن حَبِيبِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ بهذا السند، ولم يزيدوا لفظة: «وَالْعُمْرَةُ»، منهم: (١) - خالد الواسطي عند البخاري (١٥٢٠)، (٢) - عبد الواحد بن زياد عند البخاري (١٨٦١)، (٣) - سفيان الثوري عند البخاري (٢٨٧٦)، (٤) - جرير بن عبد الحميد عند النسائي (٢٦٢٩)، (٥) - ويزيد بن عطاء عند أحمد (٢٤٤٢٢)، كل هؤلاء الخمسة رووه عن حَبِيبِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ بدون ذكر «وَالْعُمْرَةُ».\nوله شاهد عن أبي هريرة عند أحمد (٩٤٥٩)، والنسائي (٢٦٢٧)، منقطع من طريق مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ ولم يدرك أبا هريرة وانقطاعه أرجح من وصله عند النسائي كما في تخريج «مسند أحمد» فقد ضعفه المحقق بالانقطاع وأنَّ ذكر الواسطة عن محمد بن إبراهيم عن أبي سلمة بن أبي عبد الرحمن عن أبي هريرة، وذكر الواسطة من سعيد بن أبي هلال، وهو صدوق، خالف ابن الحارث الذي رواه عند أحمد وغيره بدون ذكر أبي سلمة بين التيمي وأبي هريرة.\nقال ابن عبد الهادي ﵀ في «تنقيح التحقيق» عقب حديث عائشة: ورواه أحمد، والبخاريُّ، من رواية غير واحد عن حبيب، وليس فيه ذكر العمرة. ورواه أبو هشام الرفاعيُّ عن أبي بكر بن عيَّاش عن حبيب بن أبي عمرة عن عَدِيِّ بن ثابتٍ عن عائشة بنت طلحة، ولم يتابع على ذلك. ورواه أحمد، والبخاريُّ من رواية سفيان عن معاوية بن إسحاق بن طلحة عن عمَّته عائشة، وليس فيه ذكر العمرة. اهـ. ونقله عنه الزيلغي في «نصب الراية» (٣/ ١٤٨) متابعًا له.\nوذكر حديث عائشة ابن كثير في «إرشاد الفقيه» (١/ ٣٠٠) ثم قال: وهذا إسْنادٌ رجالُهُ على شَرْطِ الصحيحِ إلا أنَّ البخاريَّ رَوى هذا الحديثَ من حديثِ الثَّوْري وخالدٍ الطّحّانِ، وعبدِ الواحدِ بنِ زيادٍ ثلاثتِهم عن حَبيبِ بن أبي عَمْرةَ بسندِهِ، وليسَ عندَهُ ذكرُ العُمْرةِ. اهـ.","vol":"1","page":204},{"text":"الشَّرحُ:\nقال الحافظ ابن حجر ﵀ في «الفتح»: وَتَسْمِيَةُ الْحَجِّ جِهَادًا عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَالْمُرَادُ جِهَادُ النَّفْسِ. اهـ.","vol":"1","page":205},{"text":"<span data-type='title' id=toc-158>[٢٣]- باب الأمر بالرفق</span>\nقال الله ﵎: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٧)﴾ [البقرة: ١٩٧].\n\n٥٧ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّهُ دَفَعَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ عَرَفَةَ، فَسَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ وَرَاءَهُ زَجْرًا شَدِيدًا، وَضَرْبًا وَصَوْتًا لِلْإِبِلِ، فَأَشَارَ بِسَوْطِهِ إِلَيْهِمْ، وَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ فَإِنَّ البِرَّ لَيْسَ بِالإِيضَاعِ» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٦٧١).","vol":"1","page":206},{"text":"٥٨ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: أَفَاضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ عَرَفَةَ وَعَلَيْهِ السَّكِينَةُ وَرَدِيفُهُ أُسَامَةُ، وَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ، فَإِنَّ الْبِرَّ لَيْسَ بِإِيجَافِ الْخَيْلِ وَالْإِبِلِ» قَالَ: فَمَا رَأَيْتُهَا رَافِعَةً يَدَيْهَا عَادِيَةً حَتَّى أَتَى جَمْعًا، زَادَ وَهْبٌ ثُمَّ أَرْدَفَ الْفَضْلَ بْنَ الْعَبَّاسِ، وَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ الْبِرَّ لَيْسَ بِإِيجَافِ الْخَيْلِ وَالْإِبِلِ فَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ» قَالَ: فَمَا رَأَيْتُهَا رَافِعَةً يَدَيْهَا حَتَّى أَتَى مِنًى (^١).\n\n٥٩ - عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵁، أنه سُئِلَ كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسِيرُ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ حِينَ دَفَعَ؟ قَالَ: «كَانَ يَسِيرُ العَنَقَ، فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً نَصَّ» (^٢).\n\n٦٠ - ومن طريق هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵁، قَالَ: كُنْتُ رَدِيفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ قَالَ: فَلَمَّا وَقَعَتِ الشَّمْسُ دَفْعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَلَمَّا سَمِعَ حَطْمَةَ النَّاسِ خَلْفَهُ قَالَ: «رُوَيْدًا أَيُّهَا النَّاسُ، عَلَيْكُمُ السَّكِينَةَ، فَإِنَّ الْبِرَّ لَيْسَ بِالْإِيضَاعِ» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (١٩٢٠)، وأحمد (٢٤٢٧)، من طريق الْحَكَمِ، عَنْ مِقْسَمٍ، والحكم لم يسمع من مقسم هذا، والحديث عند النسائي (٣٠٢١)، وأحمد (٣٦/ ٩٠)، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄، من طريق حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، قال: أَخْبَرَنَا قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ به، وهذا سند صحيح.\n(^٢) أخرجه البخاري (١٦٦٦)، ومسلم (١٢٨٦/ ٢٨٣).\n(^٣) أخرجه أحمد في «المسند» (٢١٧٦٠)، وأصله في البخاري (١٦٦٦)، ومسلم (١٢٨٦).","vol":"1","page":207},{"text":"٦١ - عَنْ قُدَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁، قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَرْمِي الجِمَارُ عَلَى نَاقَةٍ لَيْسَ ضَرْبٌ، وَلَا طَرْدٌ، وَلَا إِلَيْكَ إِلَيْكَ» (^١).\n\nقال الحافظ ابن حجر في «الفتح» (١٦٧١)، تحت حديث ابن عباس ﵄ في أول هذا الباب:\nقَوْلُهُ: (عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ): أَيْ: فِي السَّيْرِ، وَالْمُرَادُ السَّيْرُ بِالرِّفْقِ وَعَدَمُ الْمُزَاحَمَةِ.\n\nقَوْلُهُ: (فَإِنَّ الْبِرَّ لَيْسَ بِالْإِيضَاعِ): أَيِ: السَّيْرِ السَّرِيعِ، وَيُقَالُ: هُوَ سَيْرٌ مِثْلُ الْخَبَبِ، فَبَيَّنَ ﷺ أَنَّ<span data-type='title' id=toc-159> تَكَلُّفَ الْإِسْرَاعِ فِي السَّيْرِ لَيْسَ مِنَ الْبِرَّ،</span> أَيْ: مِمَّا يُتَقَرَّبُ بِهِ، وَمِنْ هَذَا أَخَذَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَوْلَهُ لَمَّا خَطَبَ بِعَرَفَةَ: لَيْسَ السَّابِقُ مَنْ سَبَقَ بَعِيرُهُ وَفَرَسُهُ؛ وَلَكِنَّ السَّابِقَ مَنْ غُفِرَ لَهُ، وَقَالَ الْمُهَلَّبُ: إِنَّمَا نَهَاهُمْ عَنِ الْإِسْرَاعِ إِبْقَاءً عَلَيْهِمْ لِئَلَّا يُجْحِفُوا بِأَنْفُسِهِمْ مَعَ بُعْدِ الْمَسَافَةِ. اهـ.\n_________\n(^١) أخرجه النسائي (٣٠٦١)، والترمذي (٩٠٣)، وابن ماجه (٣٠٣٥)، وأحمد (٣/ ٤١٣).\nوحديثه هذا مخرج في كتابنا «صحيح المفاريد» رقم: (١٤٤)، لا نعلم يثبت له غيره.\nوفيه: رَمَى الْجَمْرَةَ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ مِنْ بَطْنِ الْوَادِي.\nوفيه: من طريق راوي هذا الحديث عنه أَيْمَن بْن نَابِلٍ أنه قال: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى نَاقَةٍ يَسْتَلِمُ الْحَجَرَ بِمِحْجَنِهِ.","vol":"1","page":208},{"text":"<span data-type='title' id=toc-160>[٢٤]- إفضال اللَّه تعالى على عباده في الحج</span>\nقال الله ﵎: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج: ٢٨].\n\n٦٢ - عَنْ بِلَالِ بْنِ رَبَاحٍ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ: غَدَاةَ جَمْعٍ «يَا بِلَالُ أَسْكِتِ النَّاسَ» أَوْ «أَنْصِتِ النَّاسَ»، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ تَطَوَّلَ عَلَيْكُمْ فِي جَمْعِكُمْ هَذَا، فَوَهَبَ مُسِيئَكُمْ، لِمُحْسِنِكُمْ، وَأَعْطَى مُحْسِنَكُمْ مَا سَأَلَ، ادْفَعُوا بِاسْمِ اللَّهِ» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٣٠٢٤)، وفيه أبو سلمة الْحِمصِي، مجهول. قال البوصيري في «مصباح الزجاجة»: هَذَا إِسْنَاد ضَعِيف أَبُو سَلمَة هَذَا لَا يعرف اسْمه وَهُوَ مَجْهُول. اهـ.\nقُلْتُ: وله شواهد ضعيفة، بها صححه الألباني ﵀ في «الصحيحة» (١٦٢٤)، منها:\n• حديث عبادة بن الصامت ﵁.\nقال المنذري في «الترغيب والترهيب» (١٨١٩)، وتبعه الهيثمي في «مجمع الزوائد»: فيه راوٍ لم يسم. اهـ.\nوساقه الحافظ في «الذب عن مسند أحمد» (٤٦): مِنْ طَرِيقِ الطَّبَرَانِيّ فِي «مُعْجَمِهِ» عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الدَّبَرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، (عَمَّنْ سَمِعَ قَتَادَةَ)، يَقُولُ: حَدَّثَنَا خِلاسُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ عُبَادَةَ ﵁، به. اهـ. =","vol":"1","page":209},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= والذي سمع قتادة مبهم لا يُدرى ما حاله، فهذا وما قبله لا يقوي بعضهما بعضًا.\n• وجاء عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، في «الموضوعات» لابن الجوزي (٢/ ٢١٣)، وفيه عبد الرحيم بْنُ هَارُونَ كذاب.\n• وله شاهد آخر عَنْ عَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ السُّلَمِيِّ ﵁، وفيه عبد الله بْنُ كِنَانَةَ.\nقال ابن حبان في «المجروحين»: منكر الحديث. اهـ.\nوذكر الذهبي في «الميزان» حديثه هذا في ترجمته، وقال: قال البخاري: لم يصح حديثه. اهـ.\nوقال الحافظ في «التقريب»: مجهول. اهـ.\n• وشاهد عَنْ أَنَسٍ ﵁، وفي سنده: صَالِحٌ الْمُرِّيُّ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسٍ ﵁، فذكر بنحو حديث الباب: ويزيد بن ابان الرقاشي متروك الحديث،\nوله طريق عند المنذري في «الترغيب والترهيب» رقم (١٨٢١)، اختصر سنده، فقال: روى ابن المبارك، عن سفيان الثوري، عن الزبير بن عدي، عن أنس بن مالك ﵁، وفيه: «إنَّ الله ﷿ غفرَ لأهلِ عرفاتٍ، وأَهل المَشْعَر، وضَمِنَ عنهم التبعاتِ»، وفي آخره، قال: فقال عمر بن الخطاب: كثرَ خيرٌ الله وطابَ.\nوالحديث عند العقيلي في «الضعفاء» (٢/ ١٩٧)، وابن عبد البر في «التمهيد» (١/ ١٢٨)، من طريق مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ الْبَرْدَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُوَفَّقٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شَبَّوَيْهِ الْمَرْوَزِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، به. وقال العقيلي في ترجمة شبويه المروزي (٢/ ٢٤٧) رقم (٧٢١): عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ حَدِيثُ مُنْكَرٌ غَيْرُ مَحْفُوظٍ، وساق الحديث كما تقدم. اهـ.\nوخرجه ابن ناصر الدين في «جامع الآثار والسير» (٦/ ٩٦)، والسمعاني في «أدب الإملاء» (٩٧)، من طريق مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ الْمَكِّيِّ، قال: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُوَفَّقِ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا شَبَّوَيْهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ أَبُو أَحْمَدَ الْمَرْوَزِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، به.\nشَبَّوَيْه بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ: مجهول. =","vol":"1","page":210},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= قال الحافظ الذهبي ﵀ في ترجمته من «ميزان الاعتدال»: عن ابن المبارك، فذكر حديثًا منكرًا، ذكره العقيلي. اهـ.\nوكذا الحافظ ابن حجر في «لسان الميزان»، ولم يذكر أحد منهما فيه غير هذا، وزاد ابن حجر: فساق حديثه هذا من «ضعفاء العقيلي».\nوحاصل ذلك: أن الحديث بهذه الطرق الضعيفة وبما يضاف إلى كلمة: «تَطَوَّلَ عَلَيْكُمْ»، وقوله: «وَأَعْطَى مُحْسِنَكُمْ مَا سَأَلَ»، صحيحة بأدلة أخرى منها:\n• كحديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄، عند أحمد (٧٠٨٩)، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ قال: «إِنَّ اللَّهَ ﷿ يُبَاهِي مَلَائِكَتَهُ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ بِأَهْلِ عَرَفَةَ، فَيَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي أَتَوْنِي شُعْثًا غُبْرًا»، وهو حديث صحيح.\n• ومثله حديث عَائِشَةَ ﵂ في مسلم (١٣٤٨)، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ: «مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ، مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو، ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمِ الْمَلَائِكَةَ»، ففيه أنَّ الله يتفضل على أهل عرفة ويباهي بهم ويعتق من النار من أراد عتقه.\nقال ابن الأثير في «النهاية»: وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «تَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الرَّبُّ بفَضْله» أَيْ تَطَوَّلَ.\n• ومنه حديث الحجاج والعمار: «وَفْدُ اللَّهِ دَعَاهُمْ فَأَجَابُوهُ، وَسَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ»، وهو حديث حسن، فبذلك يحسن حديث الباب.\nكما في «سنن ابن ماجه» (٢٨٩٣)، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄.\nوالنسائي (٢٦٢٥)، وابن خزيمة (٢٥١١)، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ النَّبِيّ ﷺ: «وَفْدُ اللَّهِ ثَلَاثَةٌ: الْغَازِي، وَالْحَاجُّ، وَالْمُعْتَمِرُ».\nوعن جابر ﵁ بمثله عند البزار كما في «كشف الأستار» (١١٥٣).\nوقال الهيثمي في «مجمع الزوائد»: رجاله ثقات. اهـ.","vol":"1","page":211},{"text":"<span data-type='title' id=toc-161>[٢٥]- المواقيت المكانية للحج والعمرة</span>\nقال تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧)﴾ [الحج: ٢٧].\n\n٦٣ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: «إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَقَّتَ لِأَهْلِ المَدِينَةِ ذَا الحُلَيْفَةِ، وَلِأَهْلِ الشَّأْمِ الجُحْفَةَ، وَلِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ المَنَازِلِ، وَلِأَهْلِ اليَمَنِ يَلَمْلَمَ، هُنَّ لَهُنَّ، وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهِنَّ مِمَّنْ أَرَادَ الحَجَّ وَالعُمْرَةَ، وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ، فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٥٢٤)، ومسلم (١١٨١).","vol":"1","page":212},{"text":"٦٤ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّ رَجُلًا، قَامَ فِي المَسْجِدِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مِنْ أَيْنَ تَأْمُرُنَا أَنْ نُهِلَّ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يُهِلُّ أَهْلُ المَدِينَةِ مِنْ ذِي الحُلَيْفَةِ، وَيُهِلُّ أَهْلُ الشَّأْمِ مِنَ الجُحْفَةِ، وَيُهِلُّ أَهْلُ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ»، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَيَزْعُمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «وَيُهِلُّ أَهْلُ اليَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ» وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: لَمْ أَفْقَهْ هَذِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (^١).\n\n٦٥ - عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ﵄، يُسْأَلُ عَنِ الْمُهَلِّ فَقَالَ: سَمِعْتُ - أَحْسَبُهُ رَفَعَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «مُهَلُّ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَالطَّرِيقُ الْآخَرُ الْجُحْفَةُ، وَمُهَلُّ أَهْلِ الْعِرَاقِ مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ، وَمُهَلُّ أَهْلِ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ، وَمُهَلُّ أَهْلِ الْيَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري تحت بَاب ذِكْرِ العِلْمِ وَالفُتْيَا فِي المَسْجِدِ (١٣٣)، ومسلم (١١٨٢).\nقال الحافظ ابن حجر: أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ إِلَى الرَّدِّ عَلَى مَنْ تَوَقَّفَ فِيهِ لِمَا يَقَعُ فِي الْمُبَاحَثَةِ مِنْ رَفْعِ الْأَصْوَاتِ فَنَبَّهَ عَلَى الْجَوَازِ، وَالْمُرَادُ بِالْمَسْجِدِ مَسْجِدُ النَّبِيِّ ﷺ وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ السُّؤَالَ عَنْ مَوَاقِيتِ الْحَجِّ كَانَ قبل السّفر من الْمَدِينَة. اهـ.\nقُلْتُ: وفي كلام الحافظ أنَّه فهم من ذلك أنَّ هذه المباحثة ليست في خطبة جمعة.\n(^٢) أخرجه مسلم (١١٨٣)، وقد انتقد كما في «التتبع» للدارقطني (١٧١)، و«التمييز» للإمام مسلم رقم (٩٥)، والحديث صحيح بشواهده في الباب، وعليها الإجماع أنَّ ذات عرق ميقات أهل العراق.","vol":"1","page":213},{"text":"وفي لفظٍ: عَنْ جَابِرٍ ﵁، قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: «مُهَلُّ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَمُهَلُّ أَهْلِ الشَّامِ، مِنَ الْجُحْفَةِ، وَمُهَلُّ أَهْلِ الْيَمَنِ، مِنْ يَلَمْلَمَ، وَمُهَلُّ أَهْلِ نَجْدٍ، مِنْ قَرْنٍ، وَمُهَلُّ أَهْلِ الْمَشْرِقِ مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ» ثُمَّ أَقْبَلَ بِوَجْهِهِ لِلْأُفُقِ، ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ أَقْبِلْ بِقُلُوبِهِمْ».\n\n٦٦ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: «وَقَّتَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ: ذَا الْحُلَيْفَةِ، وَلِأَهْلِ الشَّامِ وَمِصْرَ: الْجُحْفَةَ، وَلِأَهْلِ الْعِرَاقِ: ذَاتَ عِرْقٍ، وَلِأَهْلِ: الْيَمَنِ يَلَمْلَمَ» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-162>الإجماع على هذه المواقيت</span>\nقال أبو القاسم الخرقي: وَمِيقَاتُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَأَهْلِ الشَّامِ وَمِصْرَ وَالْمَغْرِبِ مِنْ الْجُحْفَةِ، وَأَهْلِ الْيَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ، وَأَهْلِ الطَّائِفِ وَنَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ، وَأَهْلِ الْمَشْرِقِ مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ. اهـ.\nقال ابن قدامة في «المغني» (٦/ ٦١): وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَوَاقِيتَ الْمَنْصُوصَ عَلَيْهَا\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (١٧٣٩)، والنسائي (٢٦٥٢)، فيه أَفْلَحُ بْنُ حُمَيْدٍ؛ لكن الحديث أنكر عليه كما ترجمته من «الميزان» للذهبي؛ لكنه صحيح بما في الباب.","vol":"1","page":214},{"text":"الْخَمْسَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا الْخِرَقِيِّ ﵀، وَقَدْ أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَرْبَعَةٍ مِنْهَا، وَهِيَ: ذُو الْحُلَيْفَةِ، وَالْجُحْفَةُ، وَقَرْنٌ، وَيَلَمْلَمُ، وَاتَّفَقَ أَئِمَّةُ النَّقْلِ عَلَى صِحَّةِ الْحَدِيثِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهَا …\nفَأَمَّا ذَاتُ عِرْقٍ فَمِيقَاتُ أَهْلِ الْمَشْرِقِ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.\nوَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ إحْرَامَ الْعِرَاقِيِّ مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ إحْرَامٌ مِنْ الْمِيقَاتِ. وَرُوِيَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ كَانَ يُحْرِمُ مِنْ الْعَقِيقِ، وَاسْتَحْسَنَهُ الشَّافِعِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ.\nوَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَذَاتُ عِرْقٍ مِيقَاتُهُمْ بِإِجْمَاعٍ. اهـ.\n\n<span data-type='title' id=toc-163>تحريم مجاوزة من أراد النسك الميقات بغير إحرام عمدًا، ووجوب رجوعه إلى الميقات الذي مر عليه فيحرم منه</span>\nقال النووي ﵀: قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ: إذَا انْتَهَى الْآفَاقِيُّ إلَى الْمِيقَاتِ وَهُوَ يُرِيدُ الْحَجَّ أَوْ الْعُمْرَةَ أَوْ الْقِرَانَ حَرُمَ عَلَيْهِ مُجَاوَزَتُهُ غَيْرَ مُحْرِمٍ بالاجماع. اهـ من «المجموع» (٧/ ٢٠٦).\nقال ابن قدامة: لَوْ مَرَّ بِمِيقَاتٍ غَيْرِ ذِي الْحُلَيْفَةِ، لَمْ يَجُزْ لَهُ تَجَاوُزُهُ بِغَيْرِ إحْرَامٍ، بِغَيْرِ خِلَافٍ. اهـ من «المغني» (٥/ ٦٥).","vol":"1","page":215},{"text":"<span data-type='title' id=toc-164>الإحرام قبل الميقات</span>\nقال ابن المنذر ﵀ في «الإجماع» (١٧): وأجمعوا على أنَّ من أحرم قبل الميقات أنه محرم. اهـ.\nوقال الخطابي في «معالم السنن» (٢/ ١٤٧): وقد أجمعوا أنه لو أحرم دونها حتى يوافي الميقات محرمًا أجزأه وليس هذا كتحديد مواقيت الصلاة فإنها إنما ضربت حدًا لئلا تقدم الصلاة عليها. اهـ.\nقال ابن قدامة في «المغني» (٥/ ٦٥): لَا خِلَافَ فِي أَنَّ مَنْ أَحْرَمَ قَبْلَ الْمِيقَاتِ يَصِيرُ مُحْرِمًا، تَثْبُتُ فِي حَقِّهِ أَحْكَامُ الْإِحْرَامِ. اهـ.\nقال النووي في «شرح المهذب» (٧/ ٢٠٠): أَجْمَعَ مَنْ يُعْتَدُّ بِهِ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ مِنْ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ الْإِحْرَامُ مِنْ الْمِيقَاتِ وَمِمَّا فَوْقَهُ. اهـ.\nقُلْتُ: في هذه الأحاديث أنَّ النَّبِيَّ ﷺ وقّت هذه المواقيت المكانية، ولو كان خيرًا لفعله النبي ﷺ فقد أحرم من ذي الحليفة كما ثبت في حديث جابر عند مسلم رقم (١٢١٨)، ولو كان النبي ﷺ فعل ذلك لبيان الجواز لما تواطأ أصحابه ﵃ على ذلك، وهم أهل التقوى والفضل والتنافس على الخيرات والمسارعة والمبادرة إليها والاستكثار منها.","vol":"1","page":216},{"text":"وبوب الإمام البخاري ﵀ في كتاب الحج من «صحيحه» الباب الـ (٨): بَابُ مِيقَاتِ أَهْلِ المَدِينَةِ، وَلَا يُهِلُّوا قَبْلَ ذِي الحُلَيْفَةِ.\nوالباب الـ (٣٣): باب: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧]، وَكَرِهَ عُثْمَانُ ﵁، أَنْ يُحْرِمَ مِنْ خُرَاسَانَ، أَوْ كَرْمَانَ.\nوبوب على حديث رقم (١٥٢٢): بَابُ فَرْضِ مَوَاقِيتِ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ، وذكر أنَّ زَيْدَ بْنَ جُبَيْرٍ أَتَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ فقال له: من أين يجوز أن أعتمر؟! قال ابن عمر، قَالَ: «فَرَضَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنًا، وَلِأَهْلِ المَدِينَةِ ذَا الحُلَيْفَةِ، وَلِأَهْلِ الشَّأْمِ الجُحْفَةَ».\nقال الحافظ: وَقد نقل ابن الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ الْإِجْمَاعَ عَلَى الْجَوَازِ، وَفِيهِ نَظَرٌ! فَقَدْ نُقِلَ عَنْ إِسْحَاقَ وَدَاوُدَ وَغَيْرِهِمَا عَدَمُ الْجَوَاز، وَهُوَ ظَاهر جَوَاب بن عُمَرَ، وَيُؤَيِّدُهُ الْقِيَاسُ عَلَى الْمِيقَاتِ الزَّمَانِيِّ، فَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّقَدُّمُ عَلَيْهِ. وَفَرَّقَ الْجُمْهُورُ بَيْنَ الزَّمَانِيِّ وَالْمَكَانِيِّ فَلَمْ يُجِيزُوا التَّقَدُّمَ عَلَى الزَّمَانِيِّ، وَأَجَازُوا فِي الْمَكَانِيِّ. اهـ.\nوقال البغوي في «شرح السنة» (٧/ ٤٢): وَكَرِهَهُ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمُ: الْحَسَنُ، وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ، وَمَالِكٌ، وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَنْكَرَ ذلك عَلَى عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ إِحْرَامَهُ مِنَ الْبَصْرَةِ، وَكَرِهَ عُثْمَانُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ خُرَاسَانَ أَوْ كَرْمَانَ، وَلِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ مَنْ","vol":"1","page":217},{"text":"أَنْ يَعْرِضَ لَهُ مَا يُفْسَدُ بِهِ إِحْرَامُهُ، أَوْ يحرجه لِبُعْدِ الْمَسَافَةِ.\nوَقَالَ أَحْمَدُ: وَجْهُ الْعَمَلِ الْمَوَاقِيتُ، وَكَذَلِكَ قَالَ إِسْحَاقُ. اهـ.\nوقال الخرقي ﵀: (وَالِاخْتِيَارُ أَنْ لَا يُحْرِمَ قَبْلَ مِيقَاتِهِ، فَإِنْ فَعَلَ فَهُوَ مُحْرِمٌ)، وساق بعض أدلة الطرفين التي سنذكرها إن شاء الله.\nوقال الصنعاني في «سبل السلام» (٢/ ٧١١): وَلَوْلَا مَا قِيلَ مِنْ الْإِجْمَاعِ بِجَوَازِ ذَلِكَ لَقُلْنَا: بِتَحْرِيمِهِ؛ لِأَدِلَّةِ التَّوْقِيتِ؛ وَلِأَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى الْمُقَدَّرَاتِ مِنْ الْمَشْرُوعَاتِ كَأَعْدَادِ الصَّلَاةِ، وَرَمْيِ الْجِمَارِ، لَا تُشَرَّعُ كَالنَّقْصِ مِنْهَا. اهـ المراد.\nقُلْتُ: قد علمت أنَّ نقل الإجماع هنا فيه نظر فلا إجماع هنا.\nقال الشوكاني ﵀: فلا يجوز ولا يجزئ فعل الإحرام قبل وقته، وفي غير مكانه، ومن زعم أنه يجوز ذلك أو يجزي لم يقبل منه إلا بدليل، وبهذا نعرف عدم صحة قول المصنف، ويجوز تقديمه عليها. اهـ من «السيل الجرار» (٢/ ١٦٨).\nوقال العلامة الألباني ﵀ ببدعية تعمد الإحرام قبل الميقات في كتابه «حجة الوداع» (ص ١١١).\nواستدل جمهور العلماء على جواز الإحرام من قبل الميقات بما أخرج البيهقي في «الكبرى» (٥/ ٣٠) من طريق جَابِرِ بْنِ نُوحٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ،","vol":"1","page":218},{"text":"عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِهِ ﷿: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، قَالَ: «مَنْ تَمَامِ الحَجِّ أَنْ تُحْرِمَ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِكَ».\nوهو ضعيف؛ فيه جَابِرُ بْنُ نُوحٍ: مترجم في «ميزان الاعتدال» للذهبي، قال ابن معين: ليس بشيء. وقال ابن حبان: لا يحتج به. وذكر الذهبي هذا الحديث من مناكيره. ولم أنظر بقية رجال السند؛ اكتفاء بضعف هذا الراوي.\nوأخرج البيهقي قبل هذا أثر عَلِيٍّ ﵁ من طريق الحاكم في «المستدرك» (٢/ ٢٧٦)، وفيه عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁: مَا قَوْلُهُ: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]؟ قَالَ: (أَنْ تُحْرِمَ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِكَ).\nقال البيهقي: وَفِيهِ نَظَرٌ.\nقُلْتُ: فيه: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ، وهو ضعيف.\nواحتج المجيزون للإحرام قبل الميقات المكاني أيضًا بحديث أم سلمة ﵂ أنها سمعت النبي ﷺ يقول: «مَنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ أَوْ عُمْرَةٍ مِنْ المسْجِدِ الأَقْصَىْ إَلَىْ المسْجِدِ الحَرَامِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، أَوْ وَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ».\nأخرجه أبو داود رقم (١٧٤١)، وابن ماجه رقم (٣٠٠١)، وهو ضعيف فيه حُكَيْمَةَ بِنْتِ أُمَيَّةَ - الراوية عن أم سلمة - مجهولة.","vol":"1","page":219},{"text":"وأعله الحافظ ابن كثير كما في «نيل الأوطار» (٣/ ٢٩٩)، والمنذري في «مختصر السنن» (٢/ ٢٨٠) بالاضطراب، وفيه: عَلِيُّ بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبِي سُفْيَانَ الْأَخْنَسِيُّ، قَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيّ: شَيْخٌ مِنْ شُيُوخِ الْمَدِينَةِ لَيْسَ بِالْمَشْهُورِ.\nواستدل بعضهم بحديث الصُّبَيِّ بْنِ مَعْبَدٍ عند أبي داود رقم (١٧٩٩)، والنسائي في «الكبرى» (٤/ ٤٠): أنه أهل بحج وعمرة فقال له عمر: (هديت للسنة)، وفي بعض ألفاظه عند النسائي: (أنه أحرم بها من العُذَيْب).\nوالعُذَيْب، قيل: الميقات، وهو اسم ماء لبني تميم على مرحلة من الكوفة.\nولكن هذه اللفظة: (أحرم بها من العذيب) غير محفوظة.\nوالحديث عند أحمد رقم (٣٧٩، ٢٥٦، ٢٥٤، ٢٢٧، ١٦٩)، وأبي داود كما تقدم، وأيضًا رقم (١٧٩٨)، وابن ماجه (٢٩٧٠)، والبيهقي (٤/ ٣٥٢)، وغيرهم؛ من طريق الْحَكَمِ، وعَبْدَةَ بْنِ أَبِي لُبَابَةَ، وسَيَّارٍ، ومَنْصُورٍ، والْأَعْمَشِ، وغيرهم، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، قَالَ: قَالَ الصُّبَيُّ بْنُ مَعْبَدٍ: .. إلخ؛ بغير ذكر هذه الزيادة.\nورواه عن مَنْصُورٍ جماعة منهم: سفيان بدونها.\nورواه النسائي من طريق عبد الحميد عن مَنْصُورٍ .. فذكر الحديث بها.\nومنصور ممن روى الحديث عن أبي وائل بدونها، فروايته الموافقة لرواية الجماعة هي المحفوظة، والحديث بدون الزيادة ظاهره الصحة، ثم رأيت الإمام","vol":"1","page":220},{"text":"الدارقطني قد صححه، وأعلَّ بعض طرقه في «العلل» رقم (١٩٢)، فساقها ثم قال: وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وَأَحْسَنُهَا إِسْنَادًا حَدِيثُ مَنْصُورٍ، وَالأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنِ الصَّبِيِّ عَنْ عُمَرَ.\nحاصل ذلك: أنه لم يثبت عن النبي ﷺ في جواز الإحرام قبل الميقات كما تقدم، وخير الهدي هديه ﷺ، وربنا يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣].\nوكون من أحرم قبل الميقات يمر على الميقات أو يحاذيه ناويًا الإحرام، إحرامه صحيح، وعلى ذلك جمهور العلماء لا شك فيه، إلا أنَّه يأثم على تعمد مخالفة سنة رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-165>ميقات المكي في الحج من مكة وفي العمرة من الحل</span>\nوقوله في حديث ابن عباس ﵄: (وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ، - فَمُهَلُّهُ مِنْ أَهْلِهِ - حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ):\nقال النووي في «شرح مسلم» (١١٨١): أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى هَذَا كُلِّهِ. اهـ.\nقُلْتُ: فنقل الإجماع على ثلاثة أمور:\n• الأول: أنَّ من أنشأ الحج والعمرة بعد مجاوزته للميقات حتى لو أنشأ","vol":"1","page":221},{"text":"النسك بعد الميقات بمسافة يسيرة لا يلزمه الرجوع إلى الميقات.\n• الأمر الثاني: أنَّ ميقات المكي بالحج من مكة حيث كان منها؛ لقوله: «فَمُهَلُّهُ مِنْ أَهْلِهِ»، ولا يلزمه الخروج إلى الحل، والأصح أنَّه لا يلزمه أنَّ يهل من المسجد الحرام، وإنما يهل من مسكنه.\n• الثالث: أنَّ المكي إذا أراد العمرة يلزمه الخروج إلى الحل خارج حرم مكة فيهل من الحل ويعتمر.\nقال ابن قدامة في «المغني» (٥/ ٥٩): وَأَهْلُ مَكَّةَ إذَا أَرَادُوا الْعُمْرَةَ، فَمِنْ الْحِلِّ، وَإِذَا أَرَادُوا الْحَجَّ، فَمِنْ مَكَّةَ أَهْلُ مَكَّةَ، مَنْ كَانَ بِهَا، سَوَاءٌ كَانَ مُقِيمًا بِهَا أَوْ غَيْرَ مُقِيمٍ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ أَتَى عَلَى مِيقَاتٍ كَانَ مِيقَاتًا لَهُ، فَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ كَانَ بِمَكَّةَ فَهِيَ مِيقَاتُهُ لِلْحَجِّ؛ وَإِنْ أَرَادَ الْعُمْرَةَ فَمِنْ الْحِلِّ، لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا. اهـ.\nوقال القاضي عياض في «إكمال المعلم» (٤/ ٢٧٤): وأجمع العلماء أن مُهلَّ أهل مكة من مكة بالحج. اهـ.\nقال ابن رشد في «بداية المجتهد» (٢/ ١٠٤): وَلَا خِلَافَ عِنْدِهِمْ أَنَّ الْمَكِّيَّ لَا يُهِلُّ إِلَّا مِنْ جَوْفِ مَكَّةَ إِذَا كَانَ حَاجًّا، وَأَمَّا إِذَا كَانَ مُعْتَمِرًا فَإِنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى الْحِلِّ، ثُمَّ يُحْرِمَ مِنْهُ. اهـ.\nقُلْتُ: فالآفاقي إذا أتى بعمرة لا ينبغي له أن يكرر العمرة في سفرة واحدة إلا","vol":"1","page":222},{"text":"من أهلَّ بحج وعمرة ولم يتمكن من أداء العمرة لعذر يُشْرع له ذلك، كما أذن رسول الله ﷺ لعائشة ﵁، إلا إذا خرج عن أحد المواقيت لغرض ومر على ميقات جاز له أن يعود بعمرة؛ لأنه صار آفاقيًا يدخل تحت حديث ابن عباس ﵄ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ ذكر المواقيت وقال: «هُنَّ لَهُنَّ، وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهِنَّ مِمَّنْ أَرَادَ الحَجَّ وَالعُمْرَةَ، وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ، فَمهله مِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ»، متفق عليه.\nوإنما الذي يُشْرع له الخروج إلى الحل سواء جدة أو غيرها أو قبل ذلك للإتيان بعمرة هو المكي أو من كان دون المواقيت للحديث المذكور.\nوقوله: (حَيْثُ أَنْشَأَ): تشمل الآفاقي إذا جاوز الميقات غير قاصد الحج والعمرة، فلا يرجع إلى الميقات؛ وإنما من حيث أنشاء، ولا يشمل ذلك الآفاقي الخارج إلى جدة أو نحوها لحاجة ثم ينشئ عمرة منها، فلا يشرع له الإحرام من جدة لأنها ليست ميقاتًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-166>مريد النسك إذا جاوز الميقات غير محرم ثم رجع فأحرم منه</span>\nقال ابن قدامة في «المغني» (٥/ ٦٩): مَنْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ مُرِيدًا لِلنُّسُكِ غَيْرَ مُحْرِمٍ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَرْجِعَ إلَيْهِ لِيُحْرِمَ مِنْهُ، إنْ أَمْكَنَهُ، سَوَاءٌ تَجَاوَزَهُ عَالِمًا بِهِ أَوْ جَاهِلًا، عَلِمَ تَحْرِيمَ ذَلِكَ أَوْ جَهِلَهُ.\nفَإِنْ رَجَعَ إلَيْهِ، فَأَحْرَمَ مِنْهُ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. لَا نَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا. اهـ.","vol":"1","page":223},{"text":"<span data-type='title' id=toc-167>من أين يحرم من مر على ميقاتين؟</span>\nقال النووي في «شرح مسلم» تحت رقم (١١٨١): الشَّامِيَّ مَثَلًا إِذَا مَرَّ بِمِيقَاتِ الْمَدِينَةِ فِي ذَهَابِهِ لَزِمَهُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ مِيقَاتِ الْمَدِينَةِ وَلَا يَجُوزُ لَهُ تَأْخِيرُهُ إِلَى مِيقَاتِ الشَّامِ الَّذِي هُوَ الْجُحْفَةُ وكذا الباقي من المواقيت وهذا لاخلاف. اهـ.\nقال ابن قدامة في «المغني» (٥/ ٦٤): وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ فِي الشَّامِيِّ يَمُرُّ بِالْمَدِينَةِ: لَهُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ الْجُحْفَةِ. وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ. اهـ.\nوقال ابن حجر في «فتح الباري» (٣/ ٣٨٦): وَأَطْلَقَ النَّوَوِيُّ الِاتِّفَاق، وَنَفَى الْخِلَافَ فِي شَرْحَيْهِ «لِمُسْلِمٍ» وَ«الْمُهَذَّبِ» فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَلَعَلَّهُ أَرَادَ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَإِلَّا فَالْمَعْرُوفُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ لِلشَّامِيِّ مَثَلًا إِذَا جَاوَزَ ذَا الْحُلَيْفَةِ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ إِلَى مِيقَاتِهِ الْأَصْلِيِّ - وَهُوَ الْجُحْفَةُ - جَازَ لَهُ ذَلِكَ، وَبِهِ قَالَ الْحَنَفِيَّةُ، وَأَبُو ثَوْر. اهـ.\nوقال الشوكاني في «نيل الأوطار» (٤/ ٣٥٠): وَادَّعَى النَّوَوِيُّ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْمَالِكِيَّةَ يَقُولُونَ: يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ الْأَفْضَلُ خِلَافَهُ، وَبِهِ قَالَتْ الْحَنَفِيَّةُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ. اهـ.\nوقد تمسكوا بحديث ابن عباس ﵄، أنَّ النَّبِيّ ﷺ وقت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، وبأن عائشة ﵂ إذا أرادت الحج أحرمت","vol":"1","page":224},{"text":"من ذي الحليفة، وإذا أرادت العمرة أحرمت من الجحفة.\nقُلْتُ: قوله: في الحديث: «وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ»، فيه شرعية إحرام من مر على ميقاتين من أيهما شاء، فاليمني إذا مر على ميقات أهل اليمن ثم مضى إلى المدينة قبل حجه أو عمرته فإن شاء أحرم من ميقات أهل اليمن، وإن شاء أخر إحرامه إلى ذي الحليفة ميقات أهل المدينة، وكذا الشامي إذا مر على ذي الحليفة له أن يحرم منها، وله أنَّ يؤخر إلى الجحفة، والأرفق به تأخيره إلى أقرب ميقات إلى الحرم، لحديث: «مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا، مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٥٦٠)، ومسلم (٢٣٢٧).","vol":"1","page":225},{"text":"<span data-type='title' id=toc-168>[٢٦]- شرعية الحج المفرد وليس على المفرد والقارن إلا سعي واحد</span>\n٦٧ - عَنْ عُرْوَةَ بْنِ مُضَرِّسٍ الطَّائِيِّ ﵁، قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالْمَوْقِفِ يَعْنِي بِجَمْعٍ قُلْتُ: جِئْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مِنْ جَبَلِ طَيِّئٍ أَكْلَلْتُ مَطِيَّتِي وَأَتْعَبْتُ نَفْسِي وَاللَّهِ مَا تَرَكْتُ مِنْ حَبْلٍ إِلَّا وَقَفْتُ عَلَيْهِ فَهَلْ لِي مِنْ حَجٍّ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ أَدْرَكَ مَعَنَا هَذِهِ الصَّلَاةَ، وَأَتَى عَرَفَاتَ، قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ، وَقَضَى تَفَثَهُ» (^١).\nقال ابن قدامة في «المغني» مسألة (٦٥٤)، (٦/ ٣٣٢): وَلَا يُشْرَعُ فِي حَقِّهِ أَكْثَرُ مِنْ سَعْيٍ وَاحِدٍ، بِغَيْرِ خِلَافٍ عَلِمْنَاهُ. اهـ.\nوقال الخرقي: مسألة (٦٦٦): وَلَيْسَ فِي عَمَلِ الْقَارِنِ زِيَادَةٌ عَلَى عَمَلِ الْمُفْرِدِ، إلَّا أَنَّ عَلَيْهِ دَمًا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، آخِرُهَا يَوْمُ عَرَفَةَ، وَسَبْعَةً إذَا رَجَعَ. اهـ.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (١٩٥٠)، والنسائي (٣٠٤٢)، والترمذي (٨٩١)، وابن ماجه (٣٠١٦)، وأحمد (٤/ ١٥)، وهو حديث صحيح، وسيأتي مع حديث عبد الرحمن بن يعمر في باب من أدرك الوقوف بعرفة.","vol":"1","page":226},{"text":"وكما أنَّ القارن عليه سعي واحد سواء قدَّمه بعد طواف القدوم أو أخره بعد طواف الإفاضة فهل عليه طوافان بالبيت أو واحد؟\nوَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: إِنْ ثَبَتَتِ الرِّوَايَةُ أَنَّهُ طَافَ طَوَافَيْنِ فَيُحْمَلُ عَلَى طَوَافِ الْقُدُومِ وَطَوَافِ الْإِفَاضَةِ وَأما السَّعْي مرَّتَيْنِ فَلم يثبت (^١).\nقُلْتُ: نعم تثبت عن جابر في حجة الوداع عند مسلم (١٢١٨) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ طاف طواف القدوم، قال: «حَتَّى إِذَا أَتَيْنَا الْبَيْتَ مَعَهُ، اسْتَلَمَ الرُّكْنَ فَرَمَلَ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا»، الحديث.\nقال النووي في «شرح مسلم»: فِيهِ أَنَّ الْمُحْرِمَ إِذَا دَخَلَ مَكَّةَ قَبْلَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَاتٍ يُسَنُّ لَهُ طَوَافُ الْقُدُومِ وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ. اهـ.\nفعُلم أنَّ النَّبِيَّ ﷺ طاف طواف القدوم مع عمرته ولم يتحلل منها، وطاف طواف الإفاضة يوم النحر لأدلة كثيرة منها:\n• حديث جابر ﵁ هذا، وفيه قال: «ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَأَفَاضَ إِلَى الْبَيْتِ».\n• وأخرج مسلم (١٣٠٨)، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَفَاضَ\n_________\n(^١) أي: عنه أنه سعى مرتين في حجته، انظر «فتح الباري» (٣/ ٤٩٥) تحت رقم (١٦٤٠).","vol":"1","page":227},{"text":"يَوْمَ النَّحْرِ»، وعلقه البخاري تحت بَاب الزِّيَارَةِ يَوْمَ النَّحْرِ.\nوقال الحافظ: وَهُوَ طَوَافُ الْإِفَاضَةِ، وَيُسَمَّى طَوَافَ الصَّدْرِ، وَطَوَافَ الرُّكْنِ. اهـ.\nقال النووي: وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ إِثْبَاتُ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ وَأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ فِعْلُهُ يَوْمَ النَّحْرِ وَأَوَّلَ النَّهَارِ وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ هَذَا الطَّوَافَ وَهُوَ طَوَافُ الْإِفَاضَةِ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ لَا يَصِحُّ الْحَجُّ إِلَّا بِهِ. اهـ.\nقال شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٢٦/ ١٣٨): وَلَيْسَ عَلَى الْمُفْرِدِ إلَّا سَعْيٌ وَاحِدٌ وَكَذَلِكَ الْقَارِنُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ. اهـ.\nقُلْتُ: ودليل ذلك حديث جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ﵄ في مسلم (١٢٧٩)، وفيه: «لَمْ يَطُفِ النَّبِيُّ ﷺ وَلَا أَصْحَابُهُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ إِلَّا طَوَافًا وَاحِدًا»، وأخرجه مسلم (١٢١٥) بلفظ: «لَمْ يَطُفِ النَّبِيُّ ﷺ وَلَا أَصْحَابُهُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ إِلَّا طَوَافًا وَاحِدًا طَوَافَهُ الْأَوَّلَ».\nقال النووي: يَعْنِي: النَّبِيَّ ﷺ وَمَنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِهِ قَارِنًا فَهَؤُلَاءِ لَمْ يَسْعَوْا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً وَأَمَّا مَنْ كَانَ مُتَمَتِّعًا فَإِنَّهُ سَعَى سَعْيَيْنِ سَعْيًا لِعُمْرَتِهِ ثُمَّ سَعْيًا آخَرَ لِحَجِّهِ يَوْمَ النَّحْرِ. اهـ.\nودليل ذلك حديث عَائِشَةَ ﵂، أَنَّهَا قَالَتْ: «فَطَافَ، الَّذِينَ أَهَلُّوا","vol":"1","page":228},{"text":"بِالْعُمْرَةِ، بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ حَلُّوا، ثُمَّ طَافُوا طَوَافًا آخَرَ، بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنًى لِحَجِّهِمْ» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٥٥٦)، ومسلم (١٢١١).","vol":"1","page":229},{"text":"<span data-type='title' id=toc-170>[٢٧]- فضل التمتع بالعمرة إلى الحج</span>\nقال الله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١٩٦)﴾ [البقرة: ١٩٦].\n\n٦٨ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: قَدِمَ عَلِيٌّ ﵁ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ مِنَ اليَمَنِ، فَقَالَ: «بِمَا أَهْلَلْتَ؟» قَالَ: بِمَا أَهَلَّ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ، فَقَالَ: «لَوْلَا أَنَّ مَعِي الهَدْيَ لَأَحْلَلْتُ» (^١).\n\n٦٩ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي القَعْدَةِ، لَا نُرَى إِلَّا الحَجَّ، فَلَمَّا دَنَوْنَا مِنْ مَكَّةَ «أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ إِذَا طَافَ وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ أَنْ يَحِلَّ»، قَالَتْ: فَدُخِلَ عَلَيْنَا يَوْمَ النَّحْرِ بِلَحْمِ بَقَرٍ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ قَالَ: نَحَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَزْوَاجِهِ (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٥٥٨)، ومسلم (١٢٥٠).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٧٠٩)، ومسلم (١٢١١).","vol":"1","page":230},{"text":"٧٠ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ، لَا نُرَى إِلَّا الْحَجَّ، حَتَّى إِذَا قَدِمْنَا وَدَنَوْنَا «أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ أَنْ يَحِلَّ» فَحَلَّ النَّاسُ كُلُّهُمْ، إِلَّا مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ، «دُخِلَ عَلَيْنَا بِلَحْمِ بَقَرٍ، فَقِيلَ: ذَبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَزْوَاجِهِ» (^١).\n\n٧١ - عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: أَتَيْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ﵄ فَسَأَلْنَاهُ عَنْ حَجَّةِ النَّبِيِّ ﷺ. فَحَدَّثَنَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ، قَالَ: «لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقِ الْهَدْيَ وَجَعَلْتُهَا عَمْرَةً، فَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُحْلِلْ وَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً» وَقَدِمَ عَلِيٌّ مِنَ الْيَمَنِ بِهَدْيٍ، وَسَاقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الْمَدِينَةِ هَدْيًا وَإِذَا فَاطِمَةُ قَدْ حَلَّتْ وَلَبِسَتْ ثِيَابًا صَبِيغًا وَاكْتَحَلَتْ، قَالَ عَلِيٌّ: فَانْطَلَقْتُ مُحَرِّشًا أَسْتَفْتِي رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ فَاطِمَةَ لَبِسَتْ ثِيَابًا صَبِيغًا وَاكْتَحَلَتْ وَقَالَتْ: أَمَرَنِي بِهِ أَبِي قَالَ: «صَدَقَتْ، صَدَقَتْ، صَدَقَتْ، أَنَا أَمَرْتُهَا» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٢٩٨١)، وأحمد (٦/ ٢٧٣).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٢١٨)، مطولًا، والنسائي (٢٧١١).","vol":"1","page":231},{"text":"٧٢ - عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁، قَالَ: قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ مُنِيخٌ بِالْبَطْحَاءِ، فَقَالَ: «بِمَ أَهْلَلْتَ؟»، قَالَ، قُلْتُ: أَهْلَلْتُ بِإِهْلَالِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «هَلْ سُقْتَ مِنْ هَدْيٍ؟» قُلْتُ: لَا، قَالَ: «فَطُفْ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ حِلَّ» (^١).\n\n٧٣ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄: أَنَّهُ حَجَّ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ سَاقَ البُدْنَ مَعَهُ، وَقَدْ أَهَلُّوا بِالحَجِّ مُفْرَدًا، فَقَالَ لَهُمْ: «أَحِلُّوا مِنْ إِحْرَامِكُمْ بِطَوَافِ البَيْتِ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، وَقَصِّرُوا، ثُمَّ أَقِيمُوا حَلَالًا، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ فَأَهِلُّوا بِالحَجِّ، وَاجْعَلُوا الَّتِي قَدِمْتُمْ بِهَا مُتْعَةً»، فَقَالُوا: كَيْفَ نَجْعَلُهَا مُتْعَةً، وَقَدْ سَمَّيْنَا الحَجَّ؟ فَقَالَ: «افْعَلُوا مَا أَمَرْتُكُمْ، فَلَوْلَا أَنِّي سُقْتُ الهَدْيَ لَفَعَلْتُ مِثْلَ الَّذِي أَمَرْتُكُمْ، وَلَكِنْ لَا يَحِلُّ مِنِّي حَرَامٌ حَتَّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ» فَفَعَلُوا (^٢).\n\n٧٤ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄، فِي نَاسٍ مَعِي قَالَ: أَهْلَلْنَا، أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ﷺ، بِالْحَجِّ خَالِصًا وَحْدَهُ، قَالَ عَطَاءٌ: قَالَ جَابِرٌ: فَقَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ صُبْحَ رَابِعَةٍ مَضَتْ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، فَأَمَرَنَا أَنْ نَحِلَّ، قَالَ عَطَاءٌ: قَالَ «حِلُّوا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٥٥٩)، ومسلم (١٢٢١).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٥٦٨).","vol":"1","page":232},{"text":"وَأَصِيبُوا النِّسَاءَ»، قَالَ عَطَاءٌ: وَلَمْ يَعْزِمْ عَلَيْهِمْ، وَلَكِنْ أَحَلَّهُنَّ لَهُمْ، فَقُلْنَا: لَمَّا لَمْ يَكُنْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ عَرَفَةَ إِلَّا خَمْسٌ، أَمَرَنَا أَنْ نُفْضِيَ إِلَى نِسَائِنَا، فَنَأْتِيَ عرَفَةَ تَقْطُرُ مَذَاكِيرُنَا الْمَنِيَّ، قَالَ: يَقُولُ جَابِرٌ بِيَدِهِ - كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى قَوْلِهِ بِيَدِهِ يُحَرِّكُهَا - قَالَ: فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ فِينَا، فَقَالَ: «قَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي أَتْقَاكُمْ لِلَّهِ وَأَصْدَقُكُمْ وَأَبَرُّكُمْ، وَلَوْلَا هَدْيِي لَحَلَلْتُ كَمَا تَحِلُّونَ، وَلَوْ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقِ الْهَدْيَ، فَحِلُّوا» فَحَلَلْنَا وَسَمِعْنَا وَأَطَعْنَا، قَالَ عَطَاءٌ: قَالَ جَابِرٌ: فَقَدِمَ عَلِيٌّ مِنْ سِعَايَتِهِ، فَقَالَ: «بِمَ أَهْلَلْتَ؟» قَالَ: بِمَا أَهَلَّ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «فَأَهْدِ وَامْكُثْ حَرَامًا»، قَالَ: وَأَهْدَى لَهُ عَلِيٌّ هَدْيًا، فَقَالَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلِعَامِنَا هَذَا أَمْ لِأَبَدٍ؟ فَقَالَ: «لِأَبَدٍ» (^١).\n\n٧٥ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ العُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الحَجِّ مِنَ الفُجُورِ فِي الأَرْضِ، وَكَانُوا يُسَمُّونَ المُحَرَّمَ صَفَرًا، وَيَقُولُونَ: إِذَا بَرَا الدَّبَرْ، وَعَفَا الأَثَرْ، حَلَّتِ العُمْرَةُ لِمَنِ اعْتَمَرْ، قَالَ: «فَقَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ رَابِعَةً مُهِلِّينَ بِالحَجِّ، وَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الحِلِّ قَالَ: «الحِلُّ كُلُّهُ» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٣٦٧)، ومسلم (١٢١٦).\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٨٣٢)، ومسلم (١٢٤٠).","vol":"1","page":233},{"text":"٧٦ - عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ مُتْعَةِ الحَجِّ، فَقَالَ: أَهَلَّ المُهَاجِرُونَ، وَالأَنْصَارُ، وَأَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ، وَأَهْلَلْنَا، فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اجْعَلُوا إِهْلَالَكُمْ بِالحَجِّ عُمْرَةً، إِلَّا مَنْ قَلَّدَ الهَدْيَ» فَطُفْنَا بِالْبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ، وَأَتَيْنَا النِّسَاءَ، وَلَبِسْنَا الثِّيَابَ، وَقَالَ: «مَنْ قَلَّدَ الهَدْيَ، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ حَتَّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ» ثُمَّ أَمَرَنَا عَشِيَّةَ التَّرْوِيَةِ أَنْ نُهِلَّ بِالحَجِّ، فَإِذَا فَرَغْنَا مِنَ المَنَاسِكِ، جِئْنَا فَطُفْنَا بِالْبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ، فَقَدْ تَمَّ حَجُّنَا وَعَلَيْنَا الهَدْيُ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦]: إِلَى أَمْصَارِكُمْ، الشَّاةُ تَجْزِي، فَجَمَعُوا نُسُكَيْنِ فِي عَامٍ، بَيْنَ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْزَلَهُ فِي كِتَابِهِ، وَسَنَّهُ نَبِيُّهُ ﷺ، وَأَبَاحَهُ لِلنَّاسِ غَيْرَ أَهْلِ مَكَّةَ قَالَ اللَّهُ: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وَأَشْهُرُ الحَجِّ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابهِ: شَوَّالٌ وَذُو القَعْدَةِ وَذُو الحَجَّةِ، فَمَنْ تَمَتَّعَ فِي هَذِهِ الأَشْهُرِ، فَعَلَيْهِ دَمٌ أَوْ صَوْمٌ، وَالرَّفَثُ: الجِمَاعُ، وَالفُسُوقُ: المَعَاصِي، وَالجِدَالُ: المِرَاءُ (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٥٧٢).","vol":"1","page":234},{"text":"٧٧ - عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: «أَهَلَّ النَّبِيُّ ﷺ بِعُمْرَةٍ وَأَهَلَّ أَصْحَابُهُ بِحَجٍّ، فَلَمْ يَحِلَّ النَّبِيُّ ﷺ وَلَا مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَحَلَّ بَقِيَّتُهُمْ»، فَكَانَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ فِيمَنْ سَاقَ الْهَدْيَ فَلَمْ يَحِلَّ، وَكَانَ مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ الْهَدْيُ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ وَرَجُلٌ آخَرُ فَأَحَلَّا (^١).\n\n٧٨ - عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «هَذِهِ عُمْرَةٌ اسْتَمْتَعْنَاهَا، فَمَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ هَدْيٌ، فَلْيَحِلَّ الْحِلَّ كُلَّهُ، فَقَدْ دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ» (^٢).\n\n٧٩ - عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵄، قَالَتْ: خَرَجْنَا مُحْرِمِينَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ، فَلْيَقُمْ عَلَى إِحْرَامِهِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ، فَلْيَحْلِلْ»، فَلَمْ يَكُنْ مَعِي هَدْيٌ فَحَلَلْتُ (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٢٣٩).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٢٤١).\n(^٣) أخرجه مسلم (١٢٣٦).","vol":"1","page":235},{"text":"٨٠ - عَنْ جَابِرٍ ﵄، قَالَ: قَدِمْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِأَرْبَعٍ مَضَيْنَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَحِلُّوا وَاجْعَلُوهَا عُمْرَةً» فَضَاقَتْ بِذَلِكَ صُدُورُنَا، وَكَبُرَ عَلَيْنَا، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَحِلُّوا، فَلَوْلَا الْهَدْيُ الَّذِي مَعِي لَفَعَلْتُ مِثْلَ الَّذِي تَفْعَلُونَ»، فَأَحْلَلْنَا حَتَّى وَطِئْنَا النِّسَاءَ، وَفَعَلْنَا مَا يَفْعَلُ الْحَلَالُ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ، وَجَعَلْنَا مَكَّةَ بِظَهْرٍ لَبَّيْنَا بِالْحَجِّ (^١).\n\n٨١ - عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁، أَنَّهُ كَانَ يُفْتِي بِالْمُتْعَةِ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: رُوَيْدَكَ بِبَعْضِ فُتْيَاكَ، فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي النُّسُكِ بَعْدُ، حَتَّى لَقِيَهُ بَعْدُ، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ عُمَرُ: «قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ فَعَلَهُ وَأَصْحَابُهُ»، وَلَكِنْ كَرِهْتُ أَنْ يَظَلُّوا مُعْرِسِينَ بِهِنَّ فِي الْأَرَاكِ ثُمَّ يَرُوحُونَ فِي الْحَجِّ تَقْطُرُ رُءُوسُهُمْ (^٢).\n\n٨٢ - عَنْ حَفْصَةَ ﵂، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ، أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا بِعُمْرَةٍ، وَلَمْ تَحْلِلْ أَنْتَ مِنْ عُمْرَتِكَ؟ قَالَ: «إِنِّي لَبَّدْتُ رَأْسِي، وَقَلَّدْتُ هَدْيِي، فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه النسائي (٢٩٩٧)، بسند حسن، والحديث صحيح لغيره.\n(^٢) أخرجه البخاري (١٥٥٩)، ومسلم (١٢٢٢).\n(^٣) أخرجه البخاري (١٥٦٦)، ومسلم (١٢٢٩).","vol":"1","page":236},{"text":"٨٣ - عَنْ عِمْرَانَ ﵁، قَالَ: «تَمَتَّعْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَنَزَلَ القُرْآنُ»، قَالَ رَجُلٌ بِرَأْيِهِ مَا شَاءَ (^١).\n\n٨٤ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁، قَالَ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ نَصْرُخُ بِالْحَجِّ صُرَاخًا، فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ أَمَرَنَا أَنْ نَجْعَلَهَا عُمْرَةً إِلَّا مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ، وَرُحْنَا إِلَى مِنًى، أَهْلَلْنَا بِالْحَجِّ» (^٢).\n\nوساق ابن القيم ﵀ في «زاد المعاد» (٢/ ١٧٠) جملة من الأدلة في ذلك، وقال:\nوَفِي «السُّنَنِ»، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵄، خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ فَأَحْرَمْنَا بِالْحَجِّ، فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ قَالَ: «اجْعَلُوا حَجَّكُمْ عُمْرَةً»، فَقَالَ النَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَدْ أَحْرَمْنَا بِالْحَجِّ، فَكَيْفَ نَجْعَلُهَا عُمْرَةً؟ فَقَالَ «انْظُرُوا مَا آمُرُكُمْ بِهِ فَافْعَلُوهُ»، فَرَدَّدُوا عَلَيْهِ الْقَوْلَ، فَغَضِبَ ثُمَّ انْطَلَقَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى عائشة وَهُوَ غَضْبَانُ، فَرَأَتِ الْغَضَبَ فِي وَجْهِهِ، فَقَالَتْ: مَنْ أَغْضَبَكَ، أَغْضَبَهُ اللَّهُ، فَقَالَ:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٥٧١)، ومسلم (١٢٢٦).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٢٤٧).","vol":"1","page":237},{"text":"«وَمَا لِي لَا أَغْضَبُ وَأَنَا آمُرُ أَمْرًا فَلَا يُتَّبَعُ» (^١).\nثم قال: وَنَحْنُ نُشْهِدُ اللَّهَ عَلَيْنَا أَنَّا لَوْ أَحْرَمْنَا بِحَجٍّ لَرَأَيْنَا فَرْضًا عَلَيْنَا فَسْخَهُ إِلَى عُمْرَةٍ تَفَادِيًا مِنْ غَضَبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَاتِّبَاعًا لِأَمْرِهِ. فَوَاللَّهِ مَا نُسِخَ هَذَا فِي حَيَاتِهِ وَلَا بَعْدَهُ، وَلَا صَحَّ حَرْفٌ وَاحِدٌ يُعَارِضُهُ، وَلَا خَصَّ بِهِ أَصْحَابَهُ دُونَ مَنْ بَعْدَهُمْ، بَلْ أَجْرَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَى لِسَانِ سراقة أَنْ يَسْأَلَهُ: هَلْ ذَلِكَ مُخْتَصٌّ بِهِمْ؟ فَأَجَابَ بِأَنَّ ذَلِكَ كَائِنٌ لِأَبَدِ الْأَبَدِ، فَمَا نَدْرِي مَا نُقَدِّمُ عَلَى هَذِهِ الْأَحَادِيثِ، وَهَذَا الْأَمْرُ الْمُؤَكَّدُ الَّذِي غَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى مَنْ خَالَفَهُ.\nوَلِلَّهِ دَرُّ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵀ إِذْ يَقُولُ لسلمة بن شبيب، وَقَدْ قَالَ لَهُ: يَا أبا عبد الله كُلُّ أَمْرِكَ عِنْدِي حَسَنٌ إِلَّا خَلَّةً وَاحِدَةً، قَالَ وَمَا هِيَ؟ قَالَ: تَقُولُ بِفَسْخِ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ. فَقَالَ: يَا سلمة! كُنْتُ أَرَى لَكَ عَقْلًا، عِنْدِي فِي ذَلِكَ أَحَدَ عَشَرَ حَدِيثًا صِحَاحًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أَأَتْرُكُهَا لِقَوْلِكَ؟!\nقُلْتُ: حاصل ما تقدم جواز الأنساك الثلاثة: التمتع، والقران، والإفراد، وأن التمتع لمن أراد الحج والعمرة معًا ولم يسق الهدي واجب؛ ولذلك فهو أفضل\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٤/ ٢٨٦)، قال: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵄، به، وهذا سند رجاله ثقات وأخرجه ابن ماجه (٢٩٨٢)، والنسائي في «عمل اليوم والليلة» (١٨٩)، وهو حديث صحيح لغيره.","vol":"1","page":238},{"text":"الأنساك الثلاثة مع شرعيتها كلها بالإجماع.\nقال الشوكاني في «نيل الأوطار» (٤/ ٣٦٦):\nفِيهِ الْإِذْنُ مِنْهُ ﷺ بِالْحَجِّ إفْرَادًا وَقِرَانًا وَتَمَتُّعًا.\nوَالْإِفْرَادُ: هُوَ الْإِهْلَالُ بِالْحَجِّ وَحْدَهُ وَالِاعْتِمَارُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ أَعْمَالِ الْحَجِّ لِمَنْ شَاءَ، وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ.\nوَالْقِرَانُ: هُوَ الْإِهْلَالُ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ مَعًا، وَهُوَ أَيْضًا مُتَّفَقٌ عَلَى جَوَازِهِ أَوْ الْإِهْلَالِ بِالْعُمْرَةِ، ثُمَّ يَدْخُلُ عَلَيْهَا الْحَجُّ أَوْ عَكْسُهُ.\nوَالتَّمَتُّعُ: هُوَ الِاعْتِمَارُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ التَّحَلُّلُ مِنْ تِلْكَ الْعُمْرَةِ وَالْإِهْلَالُ بِالْحَجِّ فِي تِلْكَ السَّنَةِ، وَيُطْلَقُ التَّمَتُّعُ فِي عُرْفِ السَّلَفِ عَلَى الْقِرَانِ.\nقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَمِنْ التَّمَتُّعِ أَيْضًا الْقِرَانُ، وَمِنْ التَّمَتُّعِ أَيْضًا فَسْخُ الْحَجِّ إلَى الْعُمْرَةِ. انْتَهَى.\nوَقَدْ حَكَى النَّوَوِيُّ فِي «شَرْحِ مُسْلِمٍ» - عند شرح الحديث رقم: (١٢١١) الْإِجْمَاعَ عَلَى جَوَازِ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ، فقال -: واعْلَمْ أَنَّ أَحَادِيثَ الْبَابِ مُتَظَاهِرَةٌ عَلَى جَوَازِ إِفْرَادِ الْحَجِّ عَنِ الْعُمْرَةِ، وَجَوَازِ التَّمَتُّعِ، وَالْقِرَانِ، وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى جَوَازِ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ. اهـ.","vol":"1","page":239},{"text":"<span data-type='title' id=toc-173>شرعية التمتع والقران للمكي ولا هدي عليه</span>\nقال الحافظ ابن حجر في «الفتح» (١٥٧٢): قَوْلُهُ: (فَمَنْ تَمَتَّعَ فِي هَذِهِ الْأَشْهُرِ): لَيْسَ لِهَذَا الْقَيْدِ مَفْهُومٌ؛ لِأَنَّ الَّذِي يَعْتَمِرُ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ لَا يُسَمَّى مُتَمَتِّعًا وَلَا دَمَ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ الْمَكِّيُّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ. اهـ.\nقال الإمام النووي ﵀: مَذْهَبُنَا أَنَّ الْمَكِّيَّ لَا يُكْرَهُ لَهُ التَّمَتُّعُ وَالْقِرَانُ وَإِنْ تَمَتَّعَ لَمْ يَلْزَمْهُ دَمٌ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَدَاوُد …\nوَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِأَنَّ مَا كَانَ مِنْ النُّسُكِ قُرْبَةٌ وَطَاعَةٌ فِي حَقِّ غَيْرِ الْمَكِّيِّ كَانَ قُرْبَةً وَطَاعَةً فِي حَقِّ الْمَكِّيِّ كَالْإِفْرَادِ. اهـ من «المجموع» (٧/ ١٦٩).\nالقول الثاني: أنه لا يشرع للمكي أن يحج قارنًا أو متمتعًا، وإن فعل لزمه دم جبران، وهو مذهب الحنفية، واستدلوا بإدلة:\nقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، قالوا: فجعل التمتع لمن لم يكن أهله حاضري المسحد الحرام على الخصوص (^١).\n_________\n(^١) انظر «المبسوط» للسرخسي (٤/ ١٦٩)، و«بدائع الصنائع» (٢/ ١٦٩) للكاساني.","vol":"1","page":240},{"text":"قد أجاب الإمام النووي ﵀ عن هذه الأدلة، فقال: وَالْجَوَابُ عَنْ الْآيَةِ، أَنَّ مَعْنَاهَا: (فَمَنْ تَمَتَّعَ فَعَلَيْهِ الْهَدْيُ إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ، فَإِنْ كَانَ فَلَا دَمَ)، فَهَذَا ظَاهِرُ الْآيَةِ فَلَا يُعْدَلُ عَنْهُ.\nفَإِنْ قِيلَ: فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]، ولم يقل: (عَلَى مَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ).\nقُلْنَا: اللَّامُ بِمَعْنَى عَلَى كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧]، أَيْ: فَعَلَيْهَا.\nوقَوْله تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ [الرعد: ٢٥]، أَيْ: عَلَيْهِمْ. اهـ من «المجموع» (٧/ ١٦٩).\nوقال الشيقيطي ﵀ في «تفسيره»:\nأَقْرَبُ أَقْوَالِ أَهْلِ الْعِلْمِ عِنْدِي لِلصَّوَابِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ لَهُمْ أَنْ يَتَمَتَّعُوا، وَيَقْرِنُوا وَلَيْسَ عَلَيْهِمْ هَدْيٌ; لِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦]، عَامٌّ بِلَفْظِهِ فِي جَمِيعِ النَّاسِ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، وَغَيْرِهِمْ وَلَا يَجُوزُ تَخْصِيصُ هَذَا الْعُمُومِ، إِلَّا بِمُخَصَّصٍ يَجِبُ الرُّجُوعُ إِلَيْهِ، وَتَخْصِيصُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، لَا يَجِبُ الرُّجُوعُ إِلَيْهِ;","vol":"1","page":241},{"text":"لِاحْتِمَالِ رُجُوعِ الْإِشَارَةِ إِلَى الْهَدْيِ وَالصَّوْمِ، لَا إِلَى التَّمَتُّعِ كَمَا أَوْضَحْنَاهُ، وَأَنَّ الْمَكِّيَّ إِذَا أَرَادَ الْعُمْرَةَ خَرَجَ إِلَى الْحِلِّ فَأَحْرَمَ مِنْهُ. اهـ من «أضواء البيان» (٤/ ٤٩١).\nقال الشيخ ابن باز ﵀: يصح التمتع والقران من أهل مكة وغيرهم؛ لكن ليس على أهل مكة هدي، وإنما الهدي على غيرهم من أهل الآفاق القادمين إلى مكة محرمين بالتمتع أو القرآن. اهـ «مجموع فتاوى ابن باز» (١٧/ ٨٣).","vol":"1","page":242},{"text":"<span data-type='title' id=toc-174>[٢٨]- شرعية اشتراط المحرم إذا خاف حابسًا يحبسه من مرض أو غيره</span>\n٨٥ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى ضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ، فَقَالَ لَهَا: «أَرَدْتِ الْحَجَّ؟» قَالَتْ: وَاللَّهِ، مَا أَجِدُنِي إِلَّا وَجِعَةً، فَقَالَ لَهَا: «حُجِّي وَاشْتَرِطِي، وَقُولِي اللهُمَّ، مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي» (^١).\n\n٨٦ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّ ضُبَاعَةَ بِنْتَ الزُّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ﵂، أَتَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَقَالَتْ: إِنِّي امْرَأَةٌ ثَقِيلَةٌ، وَإِنِّي أُرِيدُ الْحَجَّ، فَمَا تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: «أَهِلِّي بِالْحَجِّ، وَاشْتَرِطِي أَنَّ مَحِلِّي حَيْثُ تَحْبِسُنِي» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٠٨٩)، ومسلم (١٢٠٧).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٢٠٧).","vol":"1","page":243},{"text":"٨٧ - عَنِ ابْنُ عُمَرَ ﵄، - أنه كان يُنْكِرُ الِاشْتِرَاطَ فِي الْحَجِّ - ويَقُولُ: «أَلَيْسَ حَسْبُكُمْ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ إِنْ حُبِسَ أَحَدُكُمْ عَنِ الحَجِّ، طَافَ بِالْبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ، ثُمَّ حَلَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، حَتَّى يَحُجَّ عَامًا قَابِلًا، فَيُهْدِي أَوْ يَصُومُ إِنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا» (^١).\n\nقال الحافظ في «الفتح» عند رقم (١٨١٠): وَصَحَّ الْقَوْلُ بِالِاشْتِرَاطِ عَنْ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعلي، وعمار، وبن مَسْعُودٍ، وَعَائِشَةَ، وَأُمِّ سَلَمَةَ، وَغَيْرِهِمْ مِنَ الصَّحَابَةِ.\nوَلَمْ يَصِحَّ إِنْكَارُهُ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ الا عَنْ بن عُمَرَ. اهـ المراد.\nقال شيخ الإسلام ﵀ كما في «اختيارات البعلي» (١٧٠): وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُحْرِمِ الِاشْتِرَاطُ إنْ كَانَ خَائِفًا وَإِلَّا فَلَا جَمْعًا بَيْنَ الْأَخْبَارِ. اهـ.\n\n<span data-type='title' id=toc-175>فائدة الاشتراط</span>\nقال ابن قدامة في «المغني» (٦/ ٢١٨)، مسألة (٦٠٦): وَإِنْ شَرَطَ فِي ابْتِدَاءِ إحْرَامِهِ أَنْ يَحِلَّ مَتَى مَرِضَ، أَوْ ضَاعَتْ نَفَقَتُهُ، أَوْ نَفِدَتْ، أَوْ نَحْوَهُ، أَوْ قَالَ إنْ حَبَسَنِي حَابِسٌ،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٨١٠).","vol":"1","page":244},{"text":"فَمَحِلِّي حَيْثُ حَبَسَنِي، فَلَهُ الْحِلُّ مَتَى وَجَدَ ذَلِكَ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، لَا هَدْيَ، وَلَا قَضَاءَ، وَلَا غَيْرَهُ. اهـ.\nوقال ابن القيم ﵀ في «تهذيب السنن» (١/ ٣٦٨): يستفيد بالشرط فائدتين:\n• إحداهما جواز الإحلال.\n• والثانية سقوط الدم.\nفإذا لم يكن شرط استفاد بالعذر الإحلال وحده، وثبت وجوب الدم عليه، فتأثير الاشتراط في سقوط الدم. اهـ.\n\n<span data-type='title' id=toc-176>الاشتراط يصح ولو لم يتلفظ به</span>\nقال ابن قدامة في «المغني» مسألة (٥٥٩): فَإِنْ نَوَى الِاشْتِرَاطَ، وَلَمْ يَتَلَفَّظْ بِهِ، احْتَمَلَ أَنْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِعَقْدِ الْإِحْرَامِ، وَالْإِحْرَامُ يَنْعَقِدُ بِالنِّيَّةِ، فَكَذَلِكَ تَابِعُهُ.\nوَاحْتَمَلَ أَنْ يُعْتَبَرَ فِيهِ الْقَوْلُ؛ لِأَنَّهُ اشْتِرَاطٌ فَاعْتُبِرَ فِيهِ الْقَوْلُ، كَالِاشْتِرَاطِ فِي النَّذْر وَالْوَقْفِ وَالِاعْتِكَافِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: (قُولِي مَحِلِّي مِنْ الْأَرْضِ حَيْثُ تَحْبِسُنِي). اهـ.\nقُلْتُ: ذكر ابن قدامة احتمالين: أولهما: أصح؛ لأن الحديث ورد باللفظين: أحدهما: «قُولِي»، والثانية: بلفظ «أَهِلِّي بِالْحَجِّ، وَاشْتَرِطِي أَنَّ مَحِلِّي حَيْثُ تَحْبِسُنِي»،","vol":"1","page":245},{"text":"وليس فيها (قولي)، فيجوز الاشتراط بالنية، لحديث: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ»، والتلفظ بالاشتراط مع الإهلال كأن يقول: (لبيك ومحلي حيث حبستني) أفضل.\nوفي أدلة الاشتراط المذكورة هنا دلالة على أنه لا يشرع أنَّ يقول: (لبيك ومتى شئت أنَّ أحل أحللت)؛ لأن الله ﷿ امر بإتمام الحج والعمرة بعد الدخول فيهما، قال تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وإنما يشرع الاشتراط إن حصل له مانع (حل من إحرامه)، أما لغير عذر فلا يجوز، والشرط فيه باطل لمناقضة مقتضى الإحرام، وهو الإتمام.","vol":"1","page":246},{"text":"<span data-type='title' id=toc-177>[٢٩]- من أحصر بعد إحرامه بحج أو عمرة</span>\nقال تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦].\nقال شيخ الإسلام ﵀ في «شرح عمدة الفقه» (٤/ ٩٩): وَهَذِهِ الْآيَةُ نَزَلَتْ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ سَنَةَ سِتٍّ مِنَ الْهِجْرَةِ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ التَّفْسِيرِ. اهـ.\nقال الحافظ ابن حجر في «الفتح» (٤/ ٤): اتِّفَاقُ أَهْلِ النَّقْلِ عَلَى أَنَّ الْآيَاتِ نَزَلَتْ فِي قِصَّةِ الْحُدَيْبِيَةِ حِينَ صُدَّ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الْبَيْتِ. اهـ.\nقال ابن كثير ﵀ عند تفسير هذه الآية (١/ ٣٩٣): ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦]، أَيْ: صُدِدْتم عَنِ الْوُصُولِ إِلَى الْبَيْتِ وَمُنِعْتُمْ مِنْ إِتْمَامِهِمَا. وَلِهَذَا اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الشُّرُوعَ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ مُلْزِمٌ، سَوَاءٌ قِيلَ: بِوُجُوبِ الْعُمْرَةِ أَوْ بِاسْتِحْبَابِهَا.\nوقال بعدها: وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، ذَكَرُوا أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي سَنَةِ سِتٍّ، أيْ: عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، حِينَ حَالَ الْمُشْرِكُونَ بَيْنَ","vol":"1","page":247},{"text":"رسُول اللَّهِ ﷺ وَبَيْنَ الْوُصُولِ إِلَى الْبَيْتِ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ سورةَ الْفَتْحِ بِكَمَالِهَا، وَأَنْزَلَ لَهُمْ رُخْصَةً: أَنْ يَذْبَحُوا مَا مَعَهُمْ مِنَ الْهَدْيِ وَكَانَ سَبْعِينَ بَدَنَةً، وَأَنْ يَتَحَللوا من إِحْرَامِهِمْ، فَعِنْدَ ذَلِكَ أَمَرَهُمْ ﵇ بِأَنْ يَحْلِقُوا رُؤُوسَهُمْ وَيَتَحَلَّلُوا، فَلَمْ يَفْعَلُوا انْتِظَارًا لِلنَّسْخِ حَتَّى خَرَجَ فَحَلَقَ رَأْسَهُ، فَفَعَلَ النَّاسُ وَكَانَ مِنْهُمْ مَنْ قَصّر رَأْسَهُ وَلَمْ يَحْلِقْهُ، فَلِذَلِكَ قَالَ ﷺ: «رَحِم اللَّهُ المُحَلِّقين»، قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ فِي الثَّالِثَةِ: «وَالْمُقَصِّرِينَ».\n(وَقَدْ كَانُوا اشْتَرَكُوا فِي هَدْيِهِمْ ذَلِكَ، كُلُّ سَبْعَةٍ فِي بَدَنة)، وَكَانُوا أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ، وَكَانَ مَنْزِلُهُمْ بِالْحُدَيْبِيَةِ خَارِجَ الْحَرَمِ، وَقِيلَ: بَلْ كَانُوا عَلَى طَرف الْحَرَمِ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.\nوَلِهَذَا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلْ يُخْتَصُّ الْحَصْرُ بِالْعَدُوِّ، فَلَا يَتَحَلَّلُ إِلَّا مَنْ حَصَرَهُ عَدُو، لَا مَرَضٌ وَلَا غَيْرُهُ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ:\n• فَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله بن يزيد المقري، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ أَبِي نَجِيح وَمُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: لَا حَصْرَ إِلَّا حصرُ الْعَدُوِّ، فَأَمَّا مَنْ أَصَابَهُ مَرَضٌ أَوْ وَجَعٌ أَوْ ضَلَالٌ فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، إِنَّمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦]، فَلَيْسَ الْأَمْنُ حَصْرًا.\nقَالَ: وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَطَاوُسٍ، وَالزُّهْرِيِّ، وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، نَحْوُ ذَلِكَ.","vol":"1","page":248},{"text":"• وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْحَصْرَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ بعدُوّ أَوْ مَرَضٍ أَوْ ضَلَالٍ: وَهُوَ التَّوَهان عَنِ الطَّرِيقِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ.\nقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَجَّاج بْنُ الصوّافُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يقول: «من كُسِر أَوْ عَرِج فَقَدْ حَلَّ، وَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أُخْرَى».\nقَالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ فَقَالَا صَدَقَ. اهـ.\nقال ابن عبد البر في «التمهيد» (٩/ ٤٥٦): الْإِحْصَارُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى وُجُوهٍ مِنْهَا الْحَصْرُ بِالْعَدُوِّ وَمِنْهَا بِالسُّلْطَانِ الْجَائِرِ وَمِنْهَا بِالْمَرَضِ وَشِبْهِهِ وَأَصْلُ الْحَصْرِ فِي اللُّغَةِ الْحَبْسُ وَالْمَنْعُ. اهـ.\nقال القرطبي ﵀ في «تفسيره» الآية (١٩٦) من سورة البقرة: الْإِحْصَارُ: هُوَ الْمَنْعُ مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي تقصده بالعوائق جملة، فـ (جملة) أَيْ: بِأَيِ عُذْرٍ كَانَ، كَانَ حَصْرُ عَدُوٍّ أَوْ جَوْرُ سُلْطَانٍ أَوْ مَرَضٌ أَوْ مَا كَانَ في معناه. اهـ.\nوقال البخاري في كتاب الحج من «صحيحه»: أَبْوَابُ المُحْصَرِ، فذكر الآية ثم قال: الإِحْصَارُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يَحْبِسُهُ. اهـ.\nقال الحافظ ابن حجر ﵀ في «فتح الباري» (٤/ ٣): وَفِي اقْتِصَارِهِ عَلَى تَفْسِيرِ عَطَاءٍ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ اخْتَارَ الْقَوْلَ بِتَعْمِيمِ الْإِحْصَارِ، وَهِيَ مَسْأَلَةُ اخْتِلَافٍ بَيْنَ الصَّحَابَةِ","vol":"1","page":249},{"text":"وَغَيْرِهِمْ، فَقَالَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ: الْإِحْصَارُ مِنْ كُلِّ حَابِسٍ حَبَسَ الْحَاجَّ مِنْ عَدُوٍّ، وَمَرَضٍ، وَغير ذَلِك، حَتَّى أفتى بن مَسْعُود رجلا لدغ: بِأَنَّهُ محصر، أخرجه بن جَرِيرٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْهُ.\nوَقَالَ النَّخَعِيُّ وَالْكُوفِيُّونَ: الْحَصْرُ الْكَسْرُ وَالْمَرَضُ وَالْخَوْفُ وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ حَجَّاجِ بْنِ عَمْرٍو الَّذِي سَنَذْكُرُهُ فِي آخِرِ الْبَابِ، وَأَثَرِ عَطَاءٍ الْمُشَارِ إِلَيْهِ، وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنِ بن جُرَيْجٍ عَنْهُ. اهـ.\nقُلْتُ: وسنده صحيح إلى عطاء، وهذا هو الصواب، القول بعموم الحصر بكل مانع عن إداء المحرم حجه أو عمرته؛ لحديث الحجاج بن عمرو الآتي، ولظاهر الآية.\nقال ابن قدامة في «المغني» تحت مسألة (٦٠٧): وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ التَّحَلُّلَ مِنْ الْحَجِّ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِأَحَدِ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: كَمَالِ أَفْعَالِهِ، أَوْ التَّحَلُّلِ عِنْد الْحَصْرِ، أَوْ بِالْعُذْرِ إذَا شَرَطَ، وَمَا عَدَا هَذَا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَحَلَّلَ بِهِ. اهـ.","vol":"1","page":250},{"text":"٨٨ - عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيِّ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ كُسِرَ أَوْ عَرِجَ فَقَدْ حَلَّ وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ» (^١).\nالشَّرحُ:\n\n<span data-type='title' id=toc-179>الحصر نوعان:</span> حصر بعدو، وحصر بدون عدو، كمن منعه من الوصول إلى الحج أو العمرة مانع مرض أو ذهاب نفقة، ونحوه.\n• فالأول: يتحلل وعليه هدي بالقرآن، والسنة، والإجماع على ذلك.\nقال شيخ الإسلام ﵀ كما في «المجموع» (٢٦/ ٢٢٧): فَالْمُحْصَرُ بِعَدُوِّ لَهُ أَنْ يَتَحَلَّلَ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ. اهـ.\nوقال البغوي في «شرح السنة» (٧/ ٢٨٥): اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْمُحْرِمَ إِذَا أُحْصِرَ عَنِ الْحَجِّ بِعَدُوٍّ، أَنَّهُ يَتَحَلَّلُ، وَعَلَيْهِ هَدْيٌ. اهـ.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (١٨٦٢)، والنسائي (٢٨٦٠)، والترمذي (٩٤٠)، وابن ماجه (٣٠٢٧)، وأحمد (٣/ ٤٥٠)، من طريق عِكْرِمَةَ مولى ابن عباس ﵄، قَالَ: حَدَّثَنِي الْحَجَّاجُ بْنُ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيُّ، فذكره الحافظ المزي في ترجمة حجاج: رَوَى عَنْ: النَّبِيُّ ﷺ «من كسر أو عرج فقد حل وعليه حجة أخرى»، روى له الأربعة هَذَا الْحَدِيث الواحد. اهـ.\nقُلْتُ: ولذلك خرجت حديثه هذا في «صحيح المفاريد» رقم (٣٣)، وهو حديث صحيح.","vol":"1","page":251},{"text":"• والنوع الثاني: المحصر بعذر آخر:\nمن مرض أو تاه في طريقه فلم يصل، وانكسار، ونحوه، حكمه كالأول أيضًا على القول الصحيح؛ للآية، ولهذا الحديث، وهذا قول ابن مسعود ﵁، صح عند ابن شيبة (٤/ ١٣٥)، وصححه ابن حجر كما تقدم، أنه قال: بعمرة من لدغ أنه له التحلل، وهي رواية عن أحمد، وقول عطاء، والنخعي، والثوري، وأصحاب الرأي، والبخاري كما تقدم، وأبي ثور، وعضد هذا القول ابن قدامة في «المغني» (٦/ ١١)، وهو اختيار شيخ الأسلام ابن تيمية كما في «اختيارات» البعلي، قال: وَالْمُحْصَرُ بِمَرَضٍ أَوْ ذَهَابِ نَفَقَةٍ كَالْمُحْصَرِ بِعَدُوِّ. اهـ.\nأي: لهذا الحديث ولدخوله تحت عموم الآية، وممن نقل عنه ابن عباس ﵄ في تفسير الآية، قال: مَنْ أَحْرَمَ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ ثُمَّ حُبِسَ عَنِ الْبَيْتِ بِمَرَضٍ يُجْهِدُهُ أَوْ عَدُوٍّ يَحْبِسُهُ فَعَلَيْهِ ذَبْحُ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَإِنْ كَانَتْ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ فَعَلَيْهِ قَضَاؤُهَا وَإِنْ كَانَتْ حَجَّةً بَعْدَ الْفَرِيضَةِ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ. اهـ من «الفتح» (٤/ ٣)، شرح قوله: أَبْوَابُ المُحْصَرِ.\nقُلْتُ: وهذا رجوع من ابن عباس ﵄ عما ذكر عنه عقب هذا الباب من «الفتح» أنَّه قال: (لَا حَصْرَ إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ عَدُوٌّ)؛ لأنَّه أثبت أنَّ الحصر يكون بالمرض أيضًا.\n\n(وحاصله): أنَّ<span data-type='title' id=toc-180> من حُصر عن البيت ولو بعد الوقوف بعرفه </span>ذبح هديًا بنية","vol":"1","page":252},{"text":"التحلل، أي: في المكان الذي أحصر فيه كما فعل النبي ﷺ نحر هديه حيث أُحصر في الحديبية، وهذا قول الجمهور.\nوأما قوله: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]، فهذا في حق غير المحصر، وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ مُعْتَمِرًا فَحَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ البَيْتِ، فَنَحَرَ هَدْيَهُ، وَحَلَقَ رَأْسَهُ بِالحُدَيْبِيَةِ» (^١).\nوللبخاري (^٢) عَنِ المِسْوَرِ ﵁، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَحَرَ قَبْلَ أَنْ يَحْلِقَ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِذَلِكَ».\n\nو<span data-type='title' id=toc-181>من حُصر عن طواف الإفاضة فقط، وقد رمى وحلق،</span> لم يتحلل حتى يطوف؛ لما روي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّهُ قَالَ: مَنْ حُبِسَ دُونَ الْبَيْتِ بِمَرَضٍ، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَطُوفَ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، أخرجه مالك في «الموطأ».\nوأخرج الإمام مسلم ﵀ في «صحيحه» (^٣)، قال: وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى وَهُوَ الْقَطَّانُ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، حَدَّثَنِي نَافِعٌ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبْدِ اللهِ، وَسَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، كَلَّمَا عَبْدَ اللهِ حِينَ نَزَلَ الْحَجَّاجُ لِقِتَالِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَا: لَا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٧٠١)، وأحمد (٦٠٦٧).\n(^٢) رقم: (١٨١١).\n(^٣) رقم: (١٢٣٠).","vol":"1","page":253},{"text":"يَضُرُّكَ أَنْ لَا تَحُجَّ الْعَامَ، فَإِنَّا نَخْشَى أَنْ يَكُونَ بَيْنَ النَّاسِ قِتَالٌ يُحَالُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْبَيْتِ، قَالَ: فَإِنْ حِيلَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ فَعَلْتُ كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَنَا مَعَهُ، حِينَ حَالَتْ كُفَّارُ قُرَيْشٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ، أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ عُمْرَةً، فَانْطَلَقَ حَتَّى أَتَى ذَا الْحُلَيْفَةِ فَلَبَّى بِالْعُمْرَةِ، ثُمَّ قَالَ: إِنْ خُلِّيَ سَبِيلِي قَضَيْتُ عُمْرَتِي، وَإِنْ حِيلَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ فَعَلْتُ كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَنَا مَعَهُ، ثُمَّ تَلَا: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١].\nومن شرط في ابتداء إحرامه: (أن محلي حيث حبستني) أو قال: (إن مرضت أو عجزت أو ذهبت نفقتي فلي أن أحل)، كان له أن يتحلل متى شاء من غير شيءٍ، إذا وجد شيء من ذلك، ولا هدي عليه لحديث ضباعه ﵂ السابق.\n\n<span data-type='title' id=toc-182>هل على من لم يجد الهدي صيام بدل الهدي؟</span>\nبواب الإمام البخاري ﵀ في أَبْوَابِ المُحْصَرِ، بَابُ مَنْ قَالَ: لَيْسَ عَلَى المُحْصَرِ بَدَلٌ: وَقَالَ رَوْحٌ: عَنْ شِبْلٍ، عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: إِنَّمَا البَدَلُ عَلَى مَنْ نَقَضَ حَجَّهُ بِالتَّلَذُّذِ، فَأَمَّا مَنْ حَبَسَهُ عُذْرٌ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَحِلُّ وَلَا يَرْجِعُ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ وَهُوَ مُحْصَرٌ نَحَرَهُ، إِنْ كَانَ لَا يَسْتَطِيعُ، وَاسْتَطَاعَ أَنْ يَبْعَثَ بِهِ لَمْ يَحِلَّ حَتَّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ.\nوَقَالَ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ: يَنْحَرُ هَدْيَهُ وَيَحْلِقُ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ، وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ بِالحُدَيْبِيَةِ نَحَرُوا وَحَلَقُوا وَحَلُّوا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ قَبْلَ الطَّوَافِ،","vol":"1","page":254},{"text":"وَقَبْلَ أَنْ يَصِلَ الهَدْيُ إِلَى البَيْتِ، ثُمَّ لَمْ يُذْكَرْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ أَحَدًا أَنْ يَقْضُوا شَيْئًا، وَلَا يَعُودُوا لَهُ وَالحُدَيْبِيَةُ خَارِجٌ مِنَ الحَرَمِ. اهـ.\nقال الحافظ: وَقَوْلُهُ: (وَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَبْعَثَ بِهِ لَمْ يَحِلَّ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ): هَذِهِ مَسْأَلَةُ اخْتِلَافٍ بَيْنَ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ:\nفَقَالَ الْجُمْهُورُ: يَذْبَحُ الْمُحْصَرُ الْهَدْيَ حَيْثُ يَحِلُّ سَوَاءٌ كَانَ فِي الْحِلِّ أَوْ فِي الْحَرَمِ.\nوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَذْبَحُهُ إِلَّا فِي الْحَرَمِ، وَفصل آخَرُونَ كَمَا قَالَه بن عَبَّاسٍ هُنَا وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ.\nوقال: فَحَيْثُمَا أُحْصِرَ ذَبَحَ وَحَلَّ، وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ مِنْ قِبَلِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَذْكُرْ قَضَاءً، وَالَّذِي أَعْقِلُهُ فِي أَخْبَارِ أَهْلِ الْمَغَازِي شَبِيهٌ بِمَا ذكرت، لأَنا علمنَا من متواطئ أَحَادِيثِهِمْ أَنَّهُ كَانَ مَعَهُ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ رِجَالٌ مَعْرُوفُونَ ثُمَّ اعْتَمَرَ عُمْرَةَ الْقَضِيَّةِ فَتَخَلَّفَ بَعْضُهُمْ بِالْمَدِينَةِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ فِي نَفْسٍ وَلَا مَالٍ، وَلَوْ لَزِمَهُمُ الْقَضَاءُ لَأَمَرَهُمْ بِأَنْ لَا يَتَخَلَّفُوا عَنْهُ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: إِنَّمَا سُمِّيَتْ عُمْرَةَ الْقَضَاءِ وَالْقَضِيَّةِ لِلْمُقَاضَاةِ الَّتِي وَقَعَتْ بَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ وَبَيْنَ قُرَيْشٍ لَا عَلَى أَنَّهُمْ وَجَبَ عَلَيْهِمْ قَضَاءُ تِلْكَ الْعُمْرَةِ. اهـ.\nوأخرج مالك في «الموطأ» (١/ ٣٨٣) قال: عَنْ نَافِعٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، أَنَّ هَبَّارَ بْنَ الْأَسْوَدِ، جَاءَ يَوْمَ النَّحْرِ، وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَنْحَرُ هَدْيَهُ. فَقَالَ: يَا أَمِيرَ","vol":"1","page":255},{"text":"الْمُؤْمِنِينَ أَخْطَأْنَا الْعِدَّةَ، كُنَّا نَرَى أَنَّ هَذَا الْيَوْمَ يَوْمُ عَرَفَةَ، فَقَالَ عُمَرُ: اذْهَبْ إِلَى مَكَّةَ، فَطُفْ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ. وَانْحَرُوا هَدْيًا إِنْ كَانَ مَعَكُمْ. ثُمَّ احْلِقُوا أَوْ قَصِّرُوا وَارْجِعُوا، فَإِذَا كَانَ عَامٌ قَابِلٌ فَحُجُّوا وَأَهْدُوا، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعَ.\nقَالَ مَالِكٌ: (وَمَنْ قَرَنَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ. ثُمَّ فَاتَهُ الْحَجُّ فَعَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ قَابِلًا، وَيَقْرُنُ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، وَيُهْدِي هَدْيَيْنِ: هَدْيًا لِقِرَانِهِ الْحَجَّ مَعَ الْعُمْرَةِ، وَهَدْيًا لِمَا فَاتَهُ مِنَ الْحَجِّ). اهـ.\nومن طريقه أخرجه البيهقي في «الكبرى» (٥/ ١٧٤ - ١٧٥)، وصححه الألباني في «إرواء الغليل» (١١٣٢)، ونقل: أنَّه أعله البيهقي بالانقطاع بين سليمان وأبي أيوب، وردَّ ذلك كما ردَّه الحافظ في «التلخيص الحبير».\nقال ابن القيم ﵀ في «زاد المعاد» (٣/ ٣٣٤):\nوَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ:\n• أَحَدُهَا: أَنَّ مَنْ أُحْصِرَ عَنِ الْعُمْرَةِ يَلْزَمُهُ الْهَدْيُ وَالْقَضَاءُ، وَهَذَا إِحْدَى الرِّوَايَاتِ عَنْ أحمد، بَلْ أَشْهَرُهَا عَنْهُ.\n• وَالثَّانِي: لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ الْهَدْيُ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، ومالك فِي ظَاهِرِ مَذْهَبِهِ، وَرِوَايَةِ أبي طالب عَنْ أحمد …","vol":"1","page":256},{"text":"وهذا قول الجمهور.\nقال ابن هبيرة في «إجماع الأربعة» (١/ ٢٥٨)، قال: قَالَ أَبُو حنيفَة وَأحمد وَالشَّافِعِيّ: بِوُجُوبِهِ عَلَيْهِ، وَلَا يتَحَلَّل إِلَّا بِهَدي. وَقَالَ مَالك: لَا يجب عَلَيْهِ ويتحلل بِغَيْر هدي. اهـ. ونقله بعضهم إجماعًا كما تقدم أنه يجب عليه هدي.\nقال ابن القيم:\n• وَالثَّالِثُ: يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ، وَلَا هَدْيَ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ أبي حنيفة.\n• وَالرَّابِعُ: لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، وَلَا هَدْيَ، وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَاتِ عَنْ أحمد.\nفَمَنْ أَوْجَبَ عَلَيْهِ الْقَضَاءَ وَالْهَدْيَ، احْتَجَّ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ نَحَرُوا الْهَدْيَ حِينَ صُدُّوا عَنِ الْبَيْتِ، ثُمَّ قَضَوْا مِنْ قَابِلٍ، قَالُوا: وَالْعُمْرَةُ تَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ فِيهَا، وَلَا يَسْقُطُ الْوُجُوبُ إِلَّا بِفِعْلِهَا وَنَحْرِ الْهَدْيِ لِأَجْلِ التَّحَلُّلِ قَبْلَ تَمَامِهَا، وَقَالُوا: وَظَاهِرُ الْآيَةِ يُوجِبُ الْهَدْيَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦].\nوَمَنْ لَمْ يُوجِبْهُمَا قَالُوا: لَمْ يَأْمُرِ النَّبِيُّ ﷺ الَّذِينَ أُحْصِرُوا مَعَهُ بِالْقَضَاءِ، وَلَا أَحَدًا مِنْهُمْ، وَلَا وَقَفَ الْحِلُّ عَلَى نَحْرِهمُ الْهَدْيَ بَلْ أَمَرَهُمْ أَنْ يَحْلِقُوا رُءُوسَهُمْ وَأَمَرَ مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ أَنْ يَنْحَرَ هَدْيَهُ.\nوَمَنْ أَوْجَبَ الْهَدْيَ دُونَ الْقَضَاءِ احْتَجَّ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ","vol":"1","page":257},{"text":"الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦].\nوَمَنْ أَوْجَبَ الْقَضَاءَ دُونَ الْهَدْيِ، احْتَجَّ بِأَنَّ الْعُمْرَةَ تَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ، فَإِذَا أُحْصِرَ جَازَ لَهُ تَأْخِيرُهَا لِعُذْرِ الْإِحْصَارِ، فَإِذَا زَالَ الْحَصْرُ، أَتَى بِهَا بِالْوُجُوبِ السَّابِقِ، وَلَا يُوجِبُ تَخَلُّلُ التَّحَلُّلِ بَيْنَ الْإِحْرَامِ بِهَا أَوَّلًا وَبَيْنَ فِعْلِهَا فِي وَقْتِ الْإِمْكَانِ، شَيْئًا، وَظَاهِرُ الْقُرْآنِ يَرُدُّ هَذَا الْقَوْلَ، وَيُوجِبُ الْهَدْيَ دُونَ الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ الْهَدْيَ هُوَ جَمِيعُ مَا عَلَى الْمُحْصَرِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ يُكْتَفَى بِهِ مِنْهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. اهـ.\nقال ابن قدامة في «المغني» تحت مسألة (٦٠٥): وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَحْصَرَ، إذَا عَجَزَ عَنْ الْهَدْيِ، انْتَقَلَ إلَى صَوْمِ عَشَرَةِ أَيَّامٍ، ثُمَّ حَلَّ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ.\nوَقَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ: لَيْسَ لَهُ بَدَلٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ فِي الْقُرْآنِ.\nوَلَنَا، أَنَّهُ دَمٌ وَاجِبٌ لِلْإِحْرَامِ، فَكَانَ لَهُ بَدَلٌ، كَدَمِ التَّمَتُّعِ وَالطِّيبِ وَاللِّبَاسِ، وَتَرْكُ النَّصِّ عَلَيْهِ لَا يَمْنَعُ قِيَاسَهُ عَلَى غَيْرِهِ فِي ذَلِكَ، وَيَتَعَيَّنُ الِانْتِقَالُ إلَى صِيَامِ عَشَرَةِ أَيَّامٍ، كَبَدَلِ هَدْيِ التَّمَتُّعِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَحَلَّلَ إلَّا بَعْدَ الصِّيَامِ، كَمَا لَا يَتَحَلَّلُ وَاجِدُ الْهَدْيِ إلَّا بِنَحْرِهِ. اهـ.\nوتعقب العلامة العثيمين ﵀ هذا القول في «الشرح الممتع على زاد المستقنع» (٧/ ٤١٦)، فقال:\nقوله: (فَإِنْ فَقَدَه صَامَ عَشَرَةَ أيَّامٍ ثُمَّ حَلَّ): أي: إذا فقد الهدي، صام عشرة أيام ثم","vol":"1","page":258},{"text":"حل، والدليل القياس على هدي التمتع، وهذا القياس فيه نظر من وجهين هما:\n• الأول: أن ظاهر حال الصحابة الذين كانوا مع النبي ﷺ في الحديبية وهم ألف وأربعمائة نفر أنَّ فيهم الفقراء، ولم يرد أن الرسول ﷺ قال لهم: من لم يجد الهدي فليصم عشرة أيام، والأصل براءة الذمة. اهـ.\nوقال ابن حزم ﵀ في «المحلى» مسألة (٨٧٥): وَعَلَيْهِ هَدْيٌ وَلَا بُدَّ، كَمَا قُلْنَا فِي هَدْيِ الْمُتْعَةِ سَوَاءٌ سَوَاءٌ إلَّا أَنَّهُ لَا يُعَوَّضُ مِنْ هَذَا الْهَدْيِ صَوْمٌ وَلَا غَيْرُهُ. اهـ.\nوقال البسام ﵀ في «توضيح الأحكام من بلوغ المرام» (٤٠٦): واختلف العلماء في وجوب الهدي على المحصر: فذهب جمهور العلماء إلى وجوبه، فإن لم يجد صام عشرة أيام، بنية التحلل، والصحيح عدم وجوبه وهو مذهب مالك، وإحدى الروايتين عن أحمد، فإنَّه لم يكن مع كل المحصرين الذين كانوا مع النبي ﷺ هدي، ولم يأمرهم، ولم يوجبه عليهم بل أمرهم بالتحلل مطلقًا.\nواختلف العلماء في وجوب القضاء وعدمه، والراجح عدم وجوبه، ذلك أن الذين كانوا مع النبي ﷺ في عمرة القضاء، أقل من الذين كانوا معه في عمرة الحديبية، فهو لم يأمرهم بالقضاء. اهـ.\n\n<span data-type='title' id=toc-184>المحصر لا يسقط عنه الفرض</span>\nقال شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٢٦/ ٢٢٦): كَالْمُحْصَرِ عَنْ","vol":"1","page":259},{"text":"الْبَيْتِ مُطْلَقًا لِعُذْرِ فَإِنَّهُ يَتَحَلَّلُ مِنْ إحْرَامِهِ وَلَكِنْ لَمْ يَسْقُطْ الْفَرْضُ عَنْهُ بَلْ هُوَ بَاقٍ فِي ذِمَّتِهِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ. اهـ.\nأي: أنه لم يتم حجة الإسلام، فوجب عليه أنَّ يؤديها مرة أخرى حسب استطاعته.\n\n<span data-type='title' id=toc-185>إذا زال الحصر قبل تحلله فعليه إتمام نسكه إلا أن يكون الحج قد فاته فإنه يتحلل</span>\nقال ابن المنذر في «الإجماع»: وأجمعوا على أن من يئس أن يصل إلى البيت، فجاز له أن يحل فلم يفعل حتى خُلي سبيله، أن عليه أن يمضي إلى البيت، وليتم نسكه. اهـ.\n\n<span data-type='title' id=toc-186>الهدي على المحصر</span>\nقال ابن حزم ﵀ في «مراتب الإجماع» (٤٦): وَاتَّفَقُوا على أَنْ ايجاب الْهَدْي فرض على الْمحصر - استنادًا إلى قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]-. اهـ. وتقدم نقل البغوي وغيره الوجوب.\n\n١ - قُلْتُ: وحاصل ذلك بعد ما سبق من النقل، أنَّ<span data-type='title' id=toc-187> المحصر بعدو أو بغيره حكمه واحد يجب عليه هدي الإحصار </span>للآية المذكورة، وفعل النبي ﷺ، وإشراكه أصحابه كل سبعة في بدنة، ولأثر ابن عباس ﵄ المعلق عند البخاري، وللإجماع المنقول على ذلك.","vol":"1","page":260},{"text":"٢ -<span data-type='title' id=toc-188> إنَّ نحر هدي الإحصار يكون حيث أحصر المحرم وحل،</span> كما فعل النبي ﷺ نحر هديه بالحديبية وأما قوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]، أي: حرمها فهذا في غير هدية الإحصار.\n٣ - إنه إن عجز عنه يسقط عنه، لقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وأما إلزامه بصوم عشرة أيام قياسًا على هدي التمتع فغير صحيح، والأدلة والأقوال السابقة تؤيد هذا القول.\n\n٤ - وأنَّ<span data-type='title' id=toc-190> من دخل النسك بحج أو عمرة واجب عليه إتمامه</span>؛ لقول الله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، والنبي ﷺ قضى العمرة التي صُدَّ عنها في يوم الحديبية، في العام السادس، بعمرة القضاء في السابع، ومن تخلف عنها لعجزٍ تسقط عنه لقول الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وعليه يحمل عدم رجوع كل أهل الحديبية لعمرة القضاء لعدم الاستطاعة، ويؤيد هذا حديث الحجاج بن عمرو ﵁، في قوله: «وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ»، وهذا قول الجمهور، وهو الصواب.\nوأما حمل قوله في الحديث: «وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ»: على من لم يحج حجة الإسلام، فغير صحيح؛ لأن حجة الإسلام لمن استطاع إليها سبيلًا، فكيف يلزم بها من أحصر دون غيره.","vol":"1","page":261},{"text":"<span data-type='title' id=toc-191>[٣٠]- الغسل للإحرام، ولدخول مكة، ويوم عرفة، ويوم النحر، وكيف تحرم الحائض والنفساء؟</span>\n٨٩ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّهَا قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَأَهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُهِلَّ بِالْحَجِّ مَعَ الْعُمْرَةِ، ثُمَّ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا»، قَالَتْ: فَقَدِمْتُ مَكَّةَ وَأَنَا حَائِضٌ، لَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ، وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَشَكَوْتُ ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: «انْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ وَدَعِي الْعُمْرَةَ» قَالَتْ: فَفَعَلْتُ (^١).\n\n٩٠ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: نُفِسَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ بِمُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ بِالشَّجَرَةِ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَبَا بَكْرٍ، «يَأْمُرُهَا أَنْ تَغْتَسِلَ وَتُهِلَّ» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٥٥٦)، ومسلم (١٢١١).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٢٠٩)، وفي حديث جابر ﵁ الطويل في مسلم (١٢١٨)، و(١٢١٠)، كذلك: أنَّه أمرها أن تغتسل وتهل.","vol":"1","page":262},{"text":"٩١ - وعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: «مِنَ السُّنَّةِ أَنْ يَغْتَسِلَ الرَّجُلُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُحْرِمَ» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البزار كما في «كشف الأستار» (٢/ ١١)، وسنده صحيح.\nقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٢١٧): وَرِجَالُ الْبَزَّارِ ثِقَاتٌ كُلُّهُمْ. اهـ.\nوالمقصود بـ (السنة) هنا: سنة رسول الله ﷺ فقد أخرج الترمذي (٨٣٠)، وابن خزيمة في «صحيحه» (٢٥٩٥)، وآخرون، من طريق ابْنِ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ تَجَرَّدَ لِإِهْلَالِهِ وَاغْتَسَلَ، وهو حديث حسن بما قبله؛ لأن فيه: عَبْدُ اللهِ بْنُ يَعْقُوبَ الْمَدَنِيُّ: مجهول حال.\nوقال الامام مالك في «الموطأ» رقم (٧٢٨)، أول كِتَابِ الْحَجِّ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄، «كَانَ يَغْتَسِلُ لِإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ، وَلِدُخُولِهِ مَكَّةَ، وَلِوُقُوفِهِ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ»، وهذا سند صحيح.\nوأخرجه البزار كما في «كشف الأستار» (١٠٨٥)، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُحْرِمَ غَسَلَ رَأْسَهُ بِخِطْمِيٍّ وَأُشْنَانٍ، وَدَهَنَهُ بِشَيْءٍ مِنْ زَيْتٍ غَيْرِ كَثِيرٍ.\nوقال الهيثمي: وَإِسْنَادُ الْبَزَّارِ حَسَنٌ. اهـ.\nقُلْتُ: فيه: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْن عَقِيلٍ: فيه ضعف، وأخرجه أحمد (٤١/ ٣٨) من طريقه؛ ولكن هو صحيح لغيره بما في الباب: أنَّه اغتسل لإحرامه، وفي البخاري (١٥٤٥)، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: «انْطَلَقَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ المَدِينَةِ بَعْدَ مَا تَرَجَّلَ، وَادَّهَنَ وَلَبِسَ إِزَارَهُ وَرِدَاءَهُ هُوَ وَأَصْحَابُهُ». اهـ.","vol":"1","page":263},{"text":"٩٢ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ إِذَا أَتَتَا عَلَى الْوَقْتِ تَغْتَسِلَانِ، وَتُحْرِمَانِ وَتَقْضِيَانِ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا غَيْرَ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ» (^١).\n\nالشَّرحُ:\nقال ابن قدامة؟ في «المغني» (٥/ ١٠٨): الِاغْتِسَالُ مَشْرُوعٌ لِلنِّسَاءِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ، كَمَا يُشْرَعُ لِلرِّجَالِ؛ لِأَنَّهُ نُسُكٌ، وَهُوَ فِي حَقِّ الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ آكَدُ؛ لِوُرُودِ الْخَبَرِ فِيهِمَا. اهـ.\nقال النووي في «شرح مسلم» تحت الحديث (١٢٠٩): وَفِيهِ: صِحَّةُ إِحْرَامِ النُّفَسَاءِ وَالْحَائِضِ وَاسْتِحْبَابُ اغْتِسَالِهِمَا لِلْإِحْرَامِ وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَى الْأَمْرِ بِهِ.\nقال: وَالْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ يَصِحُّ مِنْهُمَا جَمِيعُ أَفْعَالِ الْحَجِّ إِلَّا الطَّوَافَ وَرَكْعَتَيْهِ لِقَوْلِهِ ﷺ اصْنَعِي مَا يَصْنَعُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي. اهـ.\nوقال النووي في «المجموع شرح المهذب» (٧/ ٢١٢): اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الْغُسْلُ عِنْدَ إرَادَةِ الْإِحْرَامِ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ بِهِمَا سَوَاءٌ كَانَ إحْرَامُهُ مِنْ الْمِيقَاتِ\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٩٤٥)، وأبو داود (١٧٤٤)، وأحمد (١/ ٣٦٤)، وفيه: خُصَيْف بن عبد الرحمن، عَنْ عِكْرِمَةَ، وَمُجَاهِدٍ، وَعَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، به، وخصيف ضعيف، والحديث صحيح بما في الباب قبله.","vol":"1","page":264},{"text":"الشَّرْعِيِّ أَوْ غَيْرِهِ وَلَا يَجِبُ هَذَا الْغُسْلُ وَإِنَّمَا هُوَ سُنَّةٌ مُتَأَكَّدَةٌ.\nقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ فِي «الْأَشْرَافِ» (٣/ ١٨٤): أَجْمَعَ عَوَامُّ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْإِحْرَامَ بِغَيْرِ غُسْلٍ جَائِزٌ قَالَ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْغُسْلَ لِلْإِحْرَامِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ إلَّا مَا رُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ إذَا نَسِيَ الْغُسْلَ يَغْتَسِلُ إذَا ذَكَرَهُ. اهـ.\nوبوب البخاري في الحَجِّ باب (٣٨): الِاغْتِسَالُ عِنْدَ دُخُولِ مَكَّةَ، وساق عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄، أنه كَانَ يَغْتَسِلُ لدُخُولِ مَكَّةَ، وَيُحَدِّثُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَفْعَلُهُ بعد أن بَاتَ بِذِي طِوًى.\nوقال الحافظ ابن حجر ﵀ في «الفتح» تحت حديث (١٥٧٣): قَالَ ابن الْمُنْذِرِ: الِاغْتِسَالُ عِنْدَ دُخُولِ مَكَّةَ مُسْتَحَبٌّ عِنْدَ جَمِيعِ الْعُلَمَاءِ.\nفاشتمل هذا الباب على استحباب الغسل للإحرام والغسل لدخول مكة لمن بات أو احتاج إلى تكراره بعد الإحرام، أما من اغتسل للإحرام ودخل مكة من حينه فغسل الإحرام يكفيه.\nوأما الاغتسال للوقوف بعرفة فأخرج مالك في «الموطأ» (٧١١): عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، كَانَ يَغْتَسِلُ لِإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ، وَلِدُخُولِهِ مَكَّةَ، وَلِوُقُوفِهِ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ، وسنده صحيح.\nوقد أقرَّ ابنُ عمرَ الحجاجَ على ذلك كما في «صحيح البخاري» (١٦٦٠)، قال","vol":"1","page":265},{"text":"﵀: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، قَالَ: كَتَبَ عَبْدُ المَلِكِ إِلَى الحَجَّاجِ: أَنْ لَا يُخَالِفَ ابْنَ عُمَرَ فِي الحَجِّ، فَجَاءَ ابْنُ عُمَرَ ﵄، وَأَنَا مَعَهُ يَوْمَ عَرَفَةَ حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ، فَصَاحَ عِنْدَ سُرَادِقِ الحَجَّاجِ، فَخَرَجَ وَعَلَيْهِ مِلْحَفَةٌ مُعَصْفَرَةٌ فَقَالَ: مَا لَكَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَقَالَ: «الرَّوَاحَ إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ السُّنَّةَ»، قَالَ: هَذِهِ السَّاعَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَأَنْظِرْنِي حَتَّى أُفِيضَ عَلَى رَأْسِي ثُمَّ أَخْرُجُ، فَنَزَلَ حَتَّى خَرَجَ الحَجَّاجُ فَسَارَ بَيْنِي وَبَيْنَ أَبِي فَقُلْتُ: إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ السُّنَّةَ فَاقْصُرِ الخُطْبَةَ وَعَجِّلِ الوُقُوفَ، فَجَعَلَ يَنْظُرُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: «صَدَقَ».\nقال الحافظ ﵀ في «الفتح» تحت هذا الحديث: قَالَ ابن بَطَّالٍ: وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ، الْغُسْلُ لِلْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ لِقَوْلِ الْحَجَّاجِ لِعَبْدِ اللَّهِ: أَنْظِرْنِي فَانْتَظَرَهُ، وَأَهْلُ الْعِلْمِ يَسْتَحِبُّونَهُ. اهـ.\nوأخرج الشافعي في «المسند» (١/ ٣٨٥)، والبيهقي في «السنن» (٣/ ٢٧٨)، وذكره الحافظ في «المطالب العالية» (٦٩٣)، من طريق شُعْبَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ زَاذَانَ، قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ عَلِيًّا ﵁ عَنِ الْغُسْلِ، فَقَالَ: اغْتَسِلْ كُلَّ يَوْمٍ إِنْ شِئْتَ، فَقَالَ: لَا، الْغُسْلُ الَّذِي هُوَ الْغُسْلُ؟ قَالَ: «يَوْمُ الْجُمُعَةِ، وَيَوْمُ عَرَفَةَ، وَيَوْمُ النَّحْرِ، وَيَوْمُ الْفِطْرِ»، وسنده صحيح.","vol":"1","page":266},{"text":"قُلْتُ: فهذه أغسال مشروعة، آكدها قبل أن يحرم، ثم يليه لدخول مكة مجمع على استحبابها، ثم الغسل يوم عرفة، والرابع عن عليٍّ ﵁ يوم النحر، ولعل هذا بعد حلقه رأسه، وتحلله التحلل الأول، وكلها مستحبة.\nويجوز للمحرم أن يغسل رأسه وجسده متى شاء بالاتفاق، كما سيأتي تحت حديث أبي أيوب ﵁، في باب اغتسال المحرم.","vol":"1","page":267},{"text":"<span data-type='title' id=toc-199>[٣١]- باب ما يجتنب المحرم من اللباس والطيب</span>\n٩٣ - عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى ﵁، أَنَّ يَعْلَى قَالَ لِعُمَرَ ﵁: أَرِنِي النَّبِيَّ ﷺ حِينَ يُوحَى إِلَيْهِ، قَالَ: فَبَيْنَمَا النَّبِيُّ ﷺ بِالْجِعْرَانَةِ، وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ تَرَى فِي رَجُلٍ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ، وَهُوَ مُتَضَمِّخٌ بِطِيبٍ، فَسَكَتَ النَّبِيُّ ﷺ سَاعَةً، فَجَاءَهُ الوَحْيُ، فَأَشَارَ عُمَرُ ﵁ إِلَى يَعْلَى، فَجَاءَ يَعْلَى وَعَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثَوْبٌ قَدْ أُظِلَّ بِهِ، فَأَدْخَلَ رَأْسَهُ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُحْمَرُّ الوَجْهِ، وَهُوَ يَغِطُّ، ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ، فَقَالَ: «أَيْنَ الَّذِي سَأَلَ عَنِ العُمْرَةِ؟» فَأُتِيَ بِرَجُلٍ، فَقَالَ: «اغْسِلِ الطِّيبَ الَّذِي بِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَانْزِعْ عَنْكَ الجُبَّةَ، وَاصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ كَمَا تَصْنَعُ فِي حَجَّتِكَ»، قُلْتُ لِعَطَاءٍ: أَرَادَ الإِنْقَاءَ حِينَ أَمَرَهُ أَنْ يَغْسِلَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ؟ قَالَ: «نَعَمْ» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٥٣٦)، ومسلم (١١٨٠).","vol":"1","page":268},{"text":"قوله: (اغْسِل عنك الطِّيبَ): فيه أنَّ الطيب من محظورات الإحرام، ونقل الإجماع على ذلك.\nقال ابن المنذر في «الإشراف» (٣/ ٢٦١): وأجمع أهل العلم على أن المحرم ممنوع من استعمال الطيب في جميع بدنه. اهـ.\nقال ابن عبد البر في «التمهيد» (٨/ ٥٠): وقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ بَعْدَ أَنْ يُحْرِمَ أَنْ يَمَسَّ شَيْئًا مِنَ الطِّيبِ حَتَّى يَرْمِيَ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ. اهـ.\nقال ابن رشد في «بداية المجتهد» (٢/ ٩٢ - ٩٣): أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الطِّيبَ كُلَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فِي حَالِ إِحْرَامِهِ. اهـ.\n\n<span data-type='title' id=toc-201>ومستند هذا الإجماع:</span> حديث يعلى ﵁ هذا، وحديث ابن عباس الآتي في الذي وقصته ناقته فمات، قال النَّبِيُّ ﷺ: «وَلَا تُحَنِّطُوهُ»، وفي لفظ: «وَلَا تَمَسُّوهُ بِطِيبٍ»، أخرجه البخاري (١٨٥١)، ومسلم (١٢٠٦)، وحديث ابن عمر الآتي بعد هذا، وفيه: «وَلَا ثَوْبًا مَسَّهُ زَعْفَرَانٌ وَلَا وَرْسٌ».\nقال النووي في «شرح مسلم» (١١٧٧): وَالْحِكْمَةُ فِي تَحْرِيمِ الطِّيبِ وَالنِّسَاءِ أَنْ يَبْعُدَ عَنِ التَّرَفُّهِ وَزِينَةِ الدُّنْيَا وَمَلَاذِّهَا وَيَجْتَمِعَ هَمُّهُ لِمَقَاصِدِ الْآخِرَةِ. اهـ.\nوعلى حديث رقم: (١٨٣٩) بوب البخاري ﵀ بَابُ مَا يُنْهَى مِنَ الطِّيبِ","vol":"1","page":269},{"text":"لِلْمُحْرِمِ وَالمُحْرِمَةِ.\nقال الحافظ في «الفتح»: أَيْ أَنَّهُمَا فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ وَلَمْ يَخْتَلِفِ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ.\nوقال: وَالْحِكْمَةُ فِي مَنْعِ الْمُحْرِمِ مِنَ الطِّيبِ أَنَّهُ مِنْ دَوَاعِي الْجِمَاعِ وَمُقَدِّمَاتِهِ الَّتِي تُفْسِدُ الْإِحْرَامَ وَبِأَنَّهُ يُنَافِي حَالَ الْمُحْرِمِ فَإِنَّ الْمُحْرِمَ أَشْعَثُ أَغْبَرُ. اهـ.\nقال النووي في «شرح مسلم» (١١٧٧): وَالْمُرَادُ مَا يُقْصَدُ بِهِ الطِّيبُ وَأَمَّا الْفَوَاكِهُ كَالْأُتْرُجِّ وَالتُّفَّاحِ وَأَزْهَارِ الْبَرَارِي كَالشِّيحِ وَالْقَيْصُومِ وَنَحْوِهِمَا فَلَيْسَ بِحَرَامٍ لِأَنَّهُ لَا يُقْصَدُ لِلطِّيبِ. اهـ.\nقُلْتُ: ومثل ذلك الصابون المعطر الذي ليس له رائحة تعلق بالبدن إنما لإزالة ما يعلق بالبدن، فلا بأس به لأنه لا يقصد للطيب، إنما لإزالة ما علق بالبدن.\n\nو<span data-type='title' id=toc-203>من وقع في ثوبه أو بدنه طيب وهو محرم </span>لا يلزمه إلا غسله حتى تزول رائحته، كما في حديث يعلى ﵁: «اغْسِلِ عنك الطِّيبَ».\nقال الحافظ في «الفتح» (١٥٣٦) عند حديث يعلى ﵁: وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ مَنْ أَصَابَهُ طِيبٌ فِي إِحْرَامِهِ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا ثُمَّ عَلِمَ فَبَادَرَ إِلَى إِزَالَتِهِ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ. اهـ.\n\nقُلْتُ: وكذا<span data-type='title' id=toc-204> حكم من لبس لباسًا محظورًا حال إحرامه جاهلًا أو ناسيًا </span>لا يلزمه إلا خلعه؛ لظاهر الحديث: «اخْلَعْ عَنْكَ الجُبَّةَ»، وليس عليه في ذلك دم.","vol":"1","page":270},{"text":"٩٤ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَاذَا تَأْمُرُنَا أَنْ نَلْبَسَ مِنَ الثِّيَابِ فِي الإِحْرَامِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَا تَلْبَسُوا القَمِيصَ، وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ، وَلَا العَمَائِمَ، وَلَا البَرَانِسَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ لَيْسَتْ لَهُ نَعْلَانِ، فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْ أَسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ، وَلَا تَلْبَسُوا شَيْئًا مَسَّهُ زَعْفَرَانٌ، وَلَا الوَرْسُ، وَلَا تَنْتَقِبِ المَرْأَةُ المُحْرِمَةُ، وَلَا تَلْبَسِ القُفَّازَيْنِ» (^١).\nوقد زعم بعضهم أنَّ هذا كان في خطبة الجمعة التي قيل: إنها سبت سفره، ولم نر من نصَّ على ذلك بدليل ثابت، بل قال الحافظ عقب هذا الحديث:\nوَقَدْ حَكَى الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ النَّيْسَابُورِيِّ أَنَّ فِي رِوَايَة بن جُرَيْجٍ وَاللَّيْثِ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ، وَلَمْ أَرَ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنَ الطُّرُقِ عَنْهُمَا، نَعَمْ أَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ عَطَاءٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ كِلَاهُمَا عَنْ نَافِعٍ عَنِ بن عُمَرَ قَالَ: نَادَى رَجُلٌ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَخْطُبُ بِذَلِكَ الْمَكَانِ، وَأَشَارَ نَافِعٌ إِلَى مُقَدَّمِ الْمَسْجِدِ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَظَهَرَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِالْمَدِينَةِ.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٨٣٨)، ومسلم (١١٧٧).","vol":"1","page":271},{"text":"وَوَقَعَ فِي حَدِيث بن عَبَّاسٍ الْآتِي فِي أَوَاخِرِ الْحَجِّ أَنَّهُ ﷺ خَطَبَ بِذَلِكَ فِي عَرَفَاتٍ فَيحمل على التَّعَدُّد وَيُؤَيِّدهُ أَنْ حَدِيث بن عمر أجَاب بِهِ السَّائِل، وَحَدِيث بن عَبَّاسٍ ابْتَدَأَ بِهِ فِي الْخُطْبَةِ. اهـ من «الفتح».\nقُلْتُ: أثر عمر عند البيهقي في «الكبرى» (٥/ ٤٩)، بسند صحيح، وليس فيه أنَّ هذه كانت خطبة جمعة، فإنَّ خطب النَّبِيِّ ﷺ في غير الجمعة كثير، فقد خطب في حادثة الإفك، وفي وفد مضر.\nوأخرج مسلم (^١)، قال: حَدَّثَنِي أَبُو زَيْدٍ - يَعْنِي عَمْرَو بْنَ أَخْطَبَ -، قَالَ: «صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ الْفَجْرَ، وَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَخَطَبَنَا حَتَّى حَضَرَتِ الظُّهْرُ، فَنَزَلَ فَصَلَّى، ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَخَطَبَنَا حَتَّى حَضَرَتِ الْعَصْرُ، ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى، ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَخَطَبَنَا حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَأَخْبَرَنَا بِمَا كَانَ وَبِمَا هُوَ كَائِنٌ»، فَأَعْلَمُنَا أَحْفَظُنَا. اهـ.\n_________\n(^١) رقم: (٢٨٩٢).","vol":"1","page":272},{"text":"<span data-type='title' id=toc-205>شرح حديث ابن عمر ﵄</span>\nقال النووي في «شرح مسلم» (١١٧٧): قَالَ الْعُلَمَاءُ هَذَا مِنْ بَدِيعِ الْكَلَامِ وَجَزِلِهِ؛ فَإِنَّهُ ﷺ سُئِلَ عَمَّا يَلْبَسُهُ الْمُحْرِمُ فَقَالَ: لَا يَلْبَسُ كَذَا وَكَذَا فَحَصَلَ فِي الْجَوَابِ أَنَّهُ لَا يَلْبَسُ الْمَذْكُورَاتِ، وَيَلْبَسُ مَا سِوَى ذَلِكَ، وَكَانَ التَّصْرِيحُ بِمَا لَا يَلْبَسُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ مُنْحَصِرٌ وَأَمَّا الْمَلْبُوسُ الْجَائِزُ لِلْمُحْرِمِ فَغَيْرُ مُنْحَصِرٍ، فَضُبِطَ الْجَمِيعُ بِقَوْلِهِ ﷺ: لَا يَلْبَسُ كَذَا وَكَذَا، يَعْنِي: وَيَلْبَسُ مَا سِوَاهُ.\nوَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ على أنه لا يجوز للمحرم لبس شئ مِنْ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ وَأَنَّهُ نَبَّهَ بِالْقَمِيصِ وَالسَّرَاوِيلِ عَلَى جَمِيعِ مَا فِي مَعْنَاهُمَا وَهُوَ مَا كَانَ مُحِيطًا أَوْ مَخِيطًا مَعْمُولًا عَلَى قَدْرِ الْبَدَنِ أَوْ قَدْرِ عُضْوٍ مِنْهُ كَالْجَوْشَنِ وَالتُّبَّانِ وَالْقُفَّازِ وَغَيْرِهَا.\nوَنَبَّهَ ﷺ بِالْعَمَائِمِ وَالْبَرَانِسِ عَلَى كُلِّ سَاتِرٍ لِلرَّأْسِ مَخِيطًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ حَتَّى الْعِصَابَةُ فَإِنَّهَا حَرَامٌ فَإِنِ احْتَاجَ إِلَيْهَا لِشَجَّةٍ أَوْ صُدَاعٍ أَوْ غَيْرِهِمَا شَدَّهَا وَلَزِمَتْهُ الْفِدْيَةُ وَنَبَّهَ ﷺ بِالْخِفَافِ عَلَى كُلِّ سَاتِرٍ لِلرِّجْلِ مِنْ مَدَاسٍ، وَجُمْجُمٍ، وَجَوْرَبٍ، وَغَيْرِهَا، وَهَذَا كُلُّهُ حُكْمُ الرِّجَالِ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَيُبَاحُ لَهَا سَتْرُ جَمِيعِ بَدَنِهَا بِكُلِّ سَاتِرٍ مِنْ مَخِيطٍ، وَغَيْرِهِ.\nوقال: قَوْلُهُ ﷺ (وَلَا تَلْبَسُوا مِنَ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ وَلَا الْوَرْسُ) أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى تَحْرِيمِ لِبَاسِهِمَا لِكَوْنِهِمَا طِيبًا.","vol":"1","page":273},{"text":"وقال: (وَمُحَرَّمَاتُ الْإِحْرَامِ سَبْعَةٌ): اللِّبَاسُ بِتَفْصِيلِهِ السَّابِقِ، وَالطِّيبُ، وَإِزَالَةُ الشَّعْرِ، وَالظُّفْرِ، وَدَهْنُ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ، وَعَقْدُ النِّكَاحِ، وَالْجِمَاعِ، وَسَائِرُ الِاسْتِمْتَاعِ حَتَّى الِاسْتِمْنَاءُ، وَالسَّابِعُ إِتْلَافُ الصَّيْدِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. اهـ.\nقُلْتُ: كل هذه السبعة المحظورات مجمع على تحريمها حال الإحرام، وأنَّ المحرم ممنوع منها، الرجال والنساء في ذلك سواء، إلا في اللباس فإن المرأة تحرم في ثيابها ما عدا القفازين.\nوقال ابن المنذر في كتاب الحج من «الإجماع» فقرة (١٤٣): وأجمعوا على أن المحرم ممنوع من: الجماع، وقتل الصيد، والطيب، وبعض اللباس، وأخذ الشعر، وتقليم الأظفار. اهـ.\nوقال ابن هبيرة: أَجمعُوا على أَنْ الْمحرم لَا يعْقد عقد نِكَاح لنَفسِهِ وَلَا لغيره. اهـ.\nقُلْتُ: الخلاف في هذه المسألة مذكور، وإنما نقله ابن هبيرة في «إجماع الأئمة الأربعة» رقم (٨٢٩).\nوقال النووي في «شرح مسلم» (١٤٠٩): قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ: لَا يَصِحُّ نِكَاحُ الْمُحْرِمِ. اهـ.","vol":"1","page":274},{"text":"٩٥ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ لَمْ يَجِدْ إِزَارًا فَلْيَلْبَسْ سَرَاوِيلَ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ»، أخرجه البخاري (١٨٤٣).\n\n* وأخرج مسلم (١١٧٨)، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ مثل حديث ابن عباس ﵄، وليس فيهما: «فَلْيَقْطَعْهُمَا».\n\nالشَّرحُ:\nقال النووي في «شرح مسلم» (١١٧٩): قَالَ أَحْمَدُ: يَجُوزُ لُبْسُ الْخُفَّيْنِ بِحَالِهِمَا ولا يجب قطعهما لحديث بن عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ وَكَانَ أَصْحَابُهُ يَزْعُمُونَ نَسْخَ حَدِيثِ بن عُمَرَ الْمُصَرِّحِ بِقَطْعِهِمَا وَزَعَمُوا أَنَّ قَطْعَهُمَا إِضَاعَةُ مَالٍ.\nوَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَجَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ: لَا يَجُوزُ لُبْسُهُمَا إِلَّا بَعْدَ قَطْعِهِمَا أسفل من الكعبين؛ لحديث بن عمر، قالوا: وحديث بن عَبَّاسٍ، وَجَابِرٍ، مُطْلَقَانِ فَيَجِبُ حَمْلُهُمَا عَلَى الْمَقْطُوعَيْنِ لحديث بن عُمَرَ، فَإِنَّ الْمُطْلَقَ يُحْمَلُ عَلَى الْمُقَيَّدِ وَالزِّيَادَةُ مِنَ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ. وَقَوْلُهُمْ: إِنَّهُ إِضَاعَةُ مَالٍ، لَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الْإِضَاعَةَ إِنَّمَا تَكُونُ فِيمَا نُهِيَ عَنْهُ، وَأَمَّا مَا وَرَدَ الشَّرْعُ بِهِ فَلَيْسَ بِإِضَاعَةٍ بَلْ حَقٍّ يَجِبُ الْإِذْعَانُ لَهُ. اهـ.\nقال ابن قدامة في «المغني» (٦/ ١٣١): قَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْعَجَبُ مِنْ أَحْمَدَ فِي هَذَا، فَإِنَّهُ لَا يَكَادُ يُخَالِفُ سُنَّةً تَبْلُغُهُ، وَقَلَّتْ سُنَّةٌ لَمْ تَبْلُغْهُ. وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ،","vol":"1","page":275},{"text":"وَجَابِرٍ: «مَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ، فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ»، مَعَ قَوْلِ عَلِيٍّ ﵁: قَطْعُ الْخُفَّيْنِ فَسَادٌ، يَلْبَسُهُمَا كَمَا هُمَا. مَعَ مُوَافَقَةِ الْقِيَاسِ، فَإِنَّهُ مَلْبُوسٌ أُبِيحَ لِعَدَمِ غَيْرِهِ، فَأَشْبَهَ السَّرَاوِيلَ، وَقَطْعُهُ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ حَالَةِ الْحَظْرِ، فَإِنَّ لُبْسَ الْمَقْطُوعِ مُحَرَّمٌ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى النَّعْلَيْنِ، كَلُبْسِ الصَّحِيحِ، وَفِيهِ إتْلَافُ مَالِهِ، وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ إضَاعَتِهِ. فَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ، فَقَدْ قِيلَ إنَّ قَوْلَهُ: «وَلْيَقْطَعْهُمَا» مِنْ كَلَامِ نَافِعٍ. كَذَلِكَ رَوَيْنَاهُ فِي «أَمَالِي أَبِي الْقَاسِمِ بْنِ بَشْرَانَ»، بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، أَنَّ نَافِعًا قَالَ بَعْدَ رِوَايَتِهِ لِلْحَدِيثِ: وَلْيَقْطَعْ الْخُفَّيْنِ أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ.\nوَرَوَى ابْنُ أَبِي مُوسَى، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَخَّصَ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَلْبَسَ الْخُفَّيْنِ، وَلَا يَقْطَعَهُمَا»، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُفْتِي بِقَطْعِهِمَا، قَالَتْ صَفِيَّةُ: فَلَمَّا أَخْبَرْته بِهَذَا رَجَعَ (^١).\nوَرَوَى أَبُو حَفْصٍ، فِي شَرْحِهِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، أَنَّهُ طَافَ وَعَلَيْهِ خُفَّانِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: وَالْخُفَّانِ مَعَ الْقَبَاءِ، فَقَالَ: قَدْ لَبِسْتُهُمَا مَعَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْك. يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ (^٢)، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ بِقَطْعِهِمَا مَنْسُوخًا؛ فَإِنَّ\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (١٨٣١) وابن خزيمة (٢٦٨٦) وأحمد رقم: (٢٤٠٦٧)، وهو أثر حسن.\n(^٢) أخرجه أحمد في «المسند» (١٦٦٨)، قال: حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، قَالَ: سَمِعَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁، وهذا سند ضعيف لضعف شريك القاضي، وعاصم.","vol":"1","page":276},{"text":"عَمْرَو بْنَ دِينَارٍ رَوَى الْحَدِيثَيْنِ جَمِيعًا، وَقَالَ: اُنْظُرُوا أَيَّهُمَا كَانَ قَبْلُ.\nقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ النَّيْسَابُورِيُّ: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ قَبْلُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ، قَالَ: «نَادَى رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ، يَعْنِي بِالْمَدِينَةِ، فَكَأَنَّهُ كَانَ قَبْلَ الْإِحْرَامِ».\nوَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَقُولُ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «يَخْطُبُ بِعَرَفَاتٍ، يَقُولُ: مَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ، فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ» (^١)، فَيَدُلُّ عَلَى تَأَخُّرِهِ عَنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فَيَكُونُ نَاسِخًا لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْقَطْعُ وَاجِبًا لَبَيَّنَهُ لِلنَّاسِ، إذْ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ. اهـ.\nوهذا هو الصواب، القول: بنسخ حديث ابن عمر ﵄ لثبوت تقدمه على حديث جابر، وابن عباس ﵃.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٨٤١)، ومسلم (١١٧٨)، ومثله عن جابر ﵁ في مسلم (١١٧٩).","vol":"1","page":277},{"text":"<span data-type='title' id=toc-208>[٣٢]- المحرم يستظل من الشمس في ركوبه ونزوله</span>\n٩٦ - عَنْ أُمِّ الْحُصَيْنِ ﵂، قَالَتْ: حَجَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَجَّةَ الْوَدَاعِ، فَرَأَيْتُهُ حِينَ رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، وَانْصَرَفَ وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ، وَمَعَهُ بِلَالٌ، وَأُسَامَةُ، أَحَدُهُمَا يَقُودُ بِهِ رَاحِلَتَهُ، وَالْآخَرُ رَافِعٌ ثَوْبَهُ عَلَى رَأْسِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنَ الشَّمْسِ (^١).\n\nالشَّرحُ:\n\nقال النووي في «شرح مسلم» (١٢٩٨): وَفِيهِ:<span data-type='title' id=toc-209> جَوَازُ تَظْلِيلِ الْمُحْرِمِ عَلَى رَأْسِهِ بِثَوْبٍ وَغَيْرِهِ </span>وَهُوَ مَذْهَبُنَا، وَمَذْهَبُ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ، سَوَاءٌ كَانَ رَاكِبًا أَوْ نَازِلًا، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَوْ قَعَدَ تَحْتَ خَيْمَةٍ أَوْ سَقْفٍ جَازَ. اهـ.\nقال ابن تيمية كما في «المجموع» (٢١/ ٢٠٧)، و(٢٦/ ١١٢): الْقُعُودِ فِي ظِلٍّ أَوْ سَقْفٍ أَوْ\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٢٩٨).","vol":"1","page":278},{"text":"خَيْمَةٍ أَوْ شَجَرٍ أَوْ ثَوْبٍ يُظَلَّلُ بِهِ؛ فَإِنَّ هَذَا جَائِزٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ. اهـ.\n\n<span data-type='title' id=toc-210>لا يظلل رأسه بملاصق،</span> عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ، إِذْ وَقَعَ عَنْ رَاحِلَتِهِ، فَوَقَصَتْهُ - أَوْ قَالَ: فَأَوْقَصَتْهُ - قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ، وَلَا تُحَنِّطُوهُ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ القِيَامَةِ مُلَبِّيًا» (^١).\nوقال ابن المنذر ﵀ في «الإجماع» رقم (١٥٣): وأجمعوا على أنَّ الْمُحرم ممنوع من تخمير رأسه. اهـ.\nبخلاف المرأة فقد نقل ابن قدامة في «المغني» مسألة (٥٩٠): الإجماع على وجوب تغطية رأسها؛ لأنه عورة، وليس حكمها في ذلك كالرجل.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٢٦٥)، ومسلم (١٢٠٦).","vol":"1","page":279},{"text":"<span data-type='title' id=toc-212>[٣٣]- باب الطيب قبل الإحرام، وبعد التحلل الأول قبل الإفاضة</span>\n٩٧ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: «كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِإِحْرَامِهِ حِينَ يُحْرِمُ، وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ» (^١).\n\n٩٨ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ الطِّيبِ فِي مَفَارِقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مُحْرِمٌ» (^٢).\n\nالشَّرحُ:\n\nقال النووي في «شرح مسلم» (١١٩٠): وَفِيهِ: دَلَالَةٌ عَلَى<span data-type='title' id=toc-213> اسْتِحْبَابِ الطِّيبِ عِنْدَ إِرَادَةِ الْإِحْرَامِ وَأَنَّهُ لَا بَأْسَ بِاسْتِدَامَتِهِ </span>بَعْدَ الْإِحْرَامِ وَإِنَّمَا يَحْرُمُ ابْتِدَاؤُهُ فِي الْإِحْرَامِ وَهَذَا مَذْهَبُنَا وَبِهِ قَالَ خَلَائِقُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَجَمَاهِيرُ الْمُحَدِّثِينَ وَالْفُقَهَاءِ.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٥٣٩)، ومسلم (١٢٩٨).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٥٣٨)، ومسلم (١١٩٠).","vol":"1","page":280},{"text":"وَقَالَ آخَرُونَ بِمَنْعِهِ، وَتَأَوَّلَ هَؤُلَاءِ حَدِيثَ عَائِشَةَ هَذَا عَلَى أَنَّهُ تَطَيَّبَ ثُمَّ اغْتَسَلَ بَعْدَهُ فَذَهَبَ الطِّيبُ قَبْلَ الْإِحْرَامِ.\nوحديث: «ثُمَّ أَصْبَحَ يَنْضَخُ طِيبًا» قالوا: أَثَرُهُ لَا جِرْمُهُ، وهَذَا وَلَا يُوَافَقُ عَلَيْهِ بَلِ الصَّوَابُ مَا قَالَهُ الْجُمْهُورُ أَنَّ الطِّيبَ مُسْتَحَبٌّ لِلْإِحْرَامِ وبَعْدَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَالْحَلْقِ وَقَبْلَ الطَّوَافِ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَالْعُلَمَاءِ كَافَّةً، إِلَّا مَالِكًا كَرِهَهُ قَبْلَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ، وَهُوَ مَحْجُوجٌ بِهَذَا الْحَدِيثِ. اهـ.\n\n<span data-type='title' id=toc-214>تطيب الرأس واللحية وحيث شاء من جسده</span>\nوأخرج مسلم رقم (١١٩٠/ ٤٤): أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُحْرِمَ يَتَطَيَّبُ بِأَطْيَبِ مَا يَجِدُ ثُمَّ أَرَاهُ فِي رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ بَعْدَ ذَلِك.\n\n<span data-type='title' id=toc-215>التحلل الأول</span>\nوقولها: (لِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ):\nقال النووي ﵀: الْمُرَادُ بِهِ طَوَافُ الْإِفَاضَةِ فَفِيهِ دَلَالَةٌ لِاسْتِبَاحَةِ الطِّيبِ بَعْدَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَالْحَلْقِ. اهـ.\nقُلْتُ: ويسمى التحلل الأول، وهو قبل طواف الإفاضة.\nقال النووي ﵀: وقولها: (وَلِحِلِّهِ حِينَ حَلَّ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ): فِيهِ","vol":"1","page":281},{"text":"تَصْرِيحٌ بِأَنَّ التَّحَلُّلَ الْأَوَّلَ يَحْصُلُ بَعْدَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، وَالْحَلْقِ قبل الطواف، وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. اهـ.\nوأما ما أخرجه البخاري رقم (٢٧٠)، ومسلم (١١٩٢): أنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄، سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يَتَطَيَّبُ، ثُمَّ يُصْبِحُ مُحْرِمًا؟ فَقَالَ: مَا أُحِبُّ أَنْ أُصْبِحَ مُحْرِمًا أَنْضَخُ طِيبًا، فقد ردت عليه عائشة ﵂ لما أُخبرت بما قال، بقولها: «أَنَا طَيَّبْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عِنْدَ إِحْرَامِهِ».\nوفي مسلم: (لَأَنْ أَطَّلِيَ بِقَطِرَانٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَفْعَلَ ذَلِكَ). فهذا يدل على أن ابن عمر ﵄ كان يكره الطيب للإحرام وهذا قوله، وقد خالفه غيره من الصحابة، وغيرهم، والصواب مع من خالفه في ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-216>بيان نسخ ما استدل به من كره الطيب قبل الإحرام</span>\nوأما ما أخرجه الإمام البخاري ﵀ رقم (١٧٨٩)، ومسلم (١١٨٠): عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ ﵁، أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ بِالْجِعْرَانَةِ، وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ وَعَلَيْهِ أَثَرُ الخَلُوقِ - أَوْ قَالَ: صُفْرَةٌ -، فَقَالَ: كَيْفَ تَأْمُرُنِي أَنْ أَصْنَعَ فِي عُمْرَتِي؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَسُتِرَ بِثَوْبٍ، وَوَدِدْتُ أَنِّي قَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَقَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ، فَقَالَ عُمَرُ: تَعَالَ أَيَسُرُّكَ أَنْ تَنْظُرَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ الوَحْيَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، فَرَفَعَ طَرَفَ الثَّوْبِ، فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ لَهُ غَطِيطٌ، فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْهُ","vol":"1","page":282},{"text":"قَالَ: «أَيْنَ السَّائِلُ عَنِ العُمْرَةِ؟ اخْلَعْ عَنْكَ الجُبَّةَ، وَاغْسِلْ أَثَرَ الخَلُوقِ عَنْكَ، وَأَنْقِ الصُّفْرَةَ، وَاصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ كَمَا تَصْنَعُ فِي حَجِّكَ».\nقال الحافظ ﵀ في «الفتح» رقم (١٥٣٦): يُسْتدلُّ بِحَدِيثِ يَعْلَى عَلَى مَنْعِ اسْتِدَامَةِ الطِّيبِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ لِلْأَمْرِ بِغَسْلِ أَثَرِهِ مِنَ الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ.\nوَأَجَابَ الْجُمْهُورُ: بِأَنَّ قِصَّةَ يَعْلَى كَانَتْ بِالْجِعِرَّانَةِ كَمَا ثَبَتَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَهِيَ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ بِلَا خِلَافٍ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا طَيَّبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِيَدَيْهَا عِنْدَ إحرامه قبل أن يحرم، وَكَانَ ذَلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ سَنَةَ عَشْرٍ بِلَا خِلَافٍ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ بِالْآخِرِ فَالْآخِرِ مِنَ الْأَمْرِ. اهـ.\nوَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: حَدِيثُ عَائِشَةَ ثَابِتٌ، لَا مَطْعَنَ فِيهِ لِأَحَدٍ، وَإِذَا ثَبَتَتِ السُّنَّةُ اسْتُغْنِيَ بِهَا عَنْ كُلِّ قَوْلٍ، وَهُوَ يُلْزِمُ مَالِكًا؛ لِأَنَّهُ رَوَاهُ. اهـ من «الاعتبار» للحازمي.\nقُلْتُ: ولولا قوله في الحديث في رواية عند البخاري (١٥٣٦)، ومسلم (١١٨٠): (كَيْفَ - تقول - فِي رَجُلٍ أَحْرَمَ فِي جُبَّةٍ، بَعْدَ مَا تَضَمَّخَ بِطِيبٍ؟)، لقلنا: إن قصة يعلى ﵁ محمولة على أنه تطيب بعد لبس الإحرام فأمره النبي ﷺ بذلك الأمر؛ لكن قوله: (أَحْرَمَ بَعْدَ مَا تَضَمَّخَ بِطِيبٍ؟) هذا يدل على أنه تضمخ ثم لبس الإحرام، فهذا نص في النهي عن استدامة الطيب، وتقدم قريبًا أنه يحرم ابتداء","vol":"1","page":283},{"text":"الطيب بعد الإحرام، أما استدامته بعد الإحرام فمستحب لتلك الأدلة المذكورة.\nوهذه اللفظة في حديث يعلى بن أمية ﵁، قال الحازمي في «الاعتبار في الناسخ والمنسوخ» (١٥٠): قَالَ الشَّافِعِيُّ: أَمْرَهُ إِيَّاهُ حِينَ أَمَرَهُ أَنْ يَغْسِلَ الصُّفْرَةَ عَامَ الْجِعِرَّانَةِ - وَهِيَ سَنَةَ ثَمَانٍ - وَكَانَ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ وَهِيَ سَنَةُ عَشْرٍ، فَكَانَ تَطَيُّبُهُ لِإِحْرَامِهِ وَلِحِلِّهِ نَاسِخًا لِأَمْرِهِ الْأَعْرَابِيَّ بِغَسْلِ الصُّفْرَةِ. اهـ.\nوقال الإمام الصنعاني ﵀ في «سبل السلام» (٢/ ٧١٦) بعد أن ذكر حديث يعلى بن أمية، قال: وَالْجَوَابَ: أنَّه كَانَ بِالْجِعْرَانَةِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ ثَمَانٍ، وَقَدْ حَجَّ ﷺ سَنَةَ عَشْرٍ، وَاسْتَدَامَ الطِّيبُ، وَإِنَّمَا يُؤَخَّرُ الْآخِرُ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ نَاسِخًا لِلْأَوَّلِ. اهـ المراد.\nوقد تقدم أن نقل الحافظ هذا الجواب عن الجمهور ﵏.\nوقال ابن عبد البر في «التمهيد» (٨/ ٤٧): قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَكَانَ عَطَاءٌ يَكْرَهُ الطِّيبَ عِنْدَ الْإِحْرَامِ، وَيَقُولُ: إِنْ كَانَ بِهِ شَيْءٌ مِنْهُ فَلْيَغْسِلْهُ وَلِيُنَقِّهِ وَكَانَ يَأْخُذُ بِشَأْنِ صَاحِبِ الْجُبَّةِ.\nقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَكَانَ شَأْنُ صَاحِبِ الْجُبَّةِ قَبْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَالْآخِرُ فَالْآخِرُ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ.\nقال ابن عبد البر: مَذْهَبُ ابْنِ جُرَيْجٍ فِي هَذَا الْبَابِ خِلَافُ مَذْهَبِ عَطَاءٍ","vol":"1","page":284},{"text":"وَحُجَّتُهُ: أَنَّ الْآخِرَ يَنْسَخُ الْأَوَّلَ حُجَّةٌ صَحِيحَةٌ، وَلَا خِلَافَ بَيْنِ جَمَاعَةِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالسِّيَرِ وَالْأَثَرِ أَنَّ قِصَّةَ صَاحِبِ الْجُبَّةِ كَانَتْ عَامَ حُنَيْنٍ بِالْجِعْرَانَةِ سَنَةَ ثَمَانٍ، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ عَامَ حِجَّةِ الْوَدَاعِ وَذَلِكَ سَنَةَ عَشْرٍ، فَإِذَا لَمْ يَصِحَّ الْخُصُوصُ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ - أي: أنَّه خاص بالنبي ﷺ فَالْأَمْرُ فِيهِ وَاضِحٌ جِدًّا، - أي: أنَّه منسوخ بحديث عائشة ﵂. اهـ المراد.","vol":"1","page":285},{"text":"<span data-type='title' id=toc-217>[٣٤]- باب ما جاء في اغتسال المحرم، ودلك رأسه</span>\n٩٩ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُنَيْنٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ العَبَّاسِ، وَالمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ، اخْتَلَفَا بِالأَبْوَاءِ فَقَالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ يَغْسِلُ المُحْرِمُ رَأْسَهُ، وَقَالَ المِسْوَرُ: لَا يَغْسِلُ المُحْرِمُ رَأْسَهُ، فَأَرْسَلَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ العَبَّاسِ إِلَى أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ، فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ بَيْنَ القَرْنَيْنِ، وَهُوَ يُسْتَرُ بِثَوْبٍ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَقُلْتُ: أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُنَيْنٍ، أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ العَبَّاسِ، أَسْأَلُكَ كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ؟ فَوَضَعَ أَبُو أَيُّوبَ يَدَهُ عَلَى الثَّوْبِ، فَطَأْطَأَهُ حَتَّى بَدَا لِي رَأْسُهُ، ثُمَّ قَالَ: لِإِنْسَانٍ يَصُبُّ عَلَيْهِ: اصْبُبْ، فَصَبَّ عَلَى رَأْسِهِ، ثُمَّ حَرَّكَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ، وَقَالَ: «هَكَذَا رَأَيْتُهُ ﷺ يَفْعَلُ» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٨٤٠)، ومسلم (١٢٠٥).","vol":"1","page":286},{"text":"الشَّرحُ:\nبوب البخاري في أبواب جَزَاءِ الصَّيْدِ (١٤) بَابُ الِاغْتِسَالِ لِلْمُحْرِمِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: يَدْخُلُ المُحْرِمُ الحَمَّامَ، وَلَمْ يَرَ ابْنُ عُمَرَ، وَعَائِشَةُ بِالحَكِّ بَأْسًا. اهـ.\nقال النووي في «شرح مسلم» في شرح هذا الحديث: وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى جَوَازِ غَسْلِ الْمُحْرِمِ رَأْسَهُ وَجَسَدَهُ مِنَ الْجَنَابَةِ بَلْ هُوَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ وَأَمَّا غَسْلُهُ تبردا فمذهبنا وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ جَوَازُهُ بِلَا كَرَاهَةٍ وَيَجُوزُ عِنْدَنَا غَسْلُ رَأْسِهِ بِالسِّدْرِ وَالْخَطْمِيِّ بِحَيْثُ لَا يَنْتِفُ شَعْرًا فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَنْتِفْ شَعْرًا.\nوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ: هُوَ حَرَامٌ مُوجِبٌ لِلْفِدْيَةِ. اهـ.\nقُلْتُ: وقول الجمهور هو الصواب، بدليله المذكور، فلا كراهة في غسل المحرم من فوق رأسه بالماء والصابون، وإن سقط مع الغسل بعض الشعر لغير تعمد إزالته، فلا بأس؛ لأن إباحة الغسل من لازمه سقوط شيءٍ من ذلك، ولم يقضِ فيه الشرع بشيءٍ.\nوذكر ابن المنذر في «الإشراف» الخلاف في غسل المحرم رأسه بالسدر، ثم قال:\nوقال أبو ثور: إن فعل ذلك فلا شيء عليه.\nقال أبو بكر: ذلك مباح؛ لأن النبي ﷺ أمرهم أن يغسلوا الميت المحرم بماء","vol":"1","page":287},{"text":"وسدر، وقد أمرهم أن يجنّبوا مما يجتنب المحرم الحيّ، فدلّ ذلك على إباحة غسل الرأس بالسدر للمحرم، والخطمى في معناه. اهـ.\nوبوب البخاري ﵀ باب (١٨)، من كِتَابِ الحَجِّ: بَابُ الطِّيبِ عِنْدَ الإِحْرَامِ، وَمَا يَلْبَسُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُحْرِمَ، وَيَتَرَجَّلَ وَيَدَّهِنَ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: يَشَمُّ المُحْرِمُ الرَّيْحَانَ، وَيَنْظُرُ فِي المِرْآةِ، وَيَتَدَاوَى بِمَا يَأْكُلُ الزَّيْتِ، وَالسَّمْنِ، وَقَالَ عَطَاءٌ: يَتَخَتَّمُ وَيَلْبَسُ الهِمْيَانَ، وَطَافَ ابْنُ عُمَرَ ﵄، وَهُوَ مُحْرِمٌ وَقَدْ حَزَمَ عَلَى بَطْنِهِ بِثَوْبٍ، وَلَمْ تَرَ عَائِشَةُ ﵂ بِالتُّبَّانِ (^١) بَأْسًا، لِلَّذِينَ يَرْحَلُونَ هَوْدَجَهَا. اهـ. وكل هذه آثارٌ ثابته، وأثر عائشة صحيح.\nقال الحافظ في «الفتح» (٣/ ٣٩٧): وَقَدْ وَصَلَ أَثَر عَائِشَة سَعِيد بْن مَنْصُور مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن بْن الْقَاسِم عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَة أَنَّهَا حَجَّتْ وَمَعَهَا غِلْمَان لَهَا وَكَانُوا إِذَا شَدُّوا رَحْلهَا يَبْدُو مِنْهُمْ الشَّيْء فَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يَتَّخِذُوا التَّبَابِين فَيَلْبَسُونَهَا وَهُمْ مُحْرِمُونَ. وَأَخْرَجَهُ مِنْ وَجْه آخَر مُخْتَصَرًا بِلَفْظِ: يَشُدُّونَ هَوْدَجهَا.\nوَفِي هَذَا رَدٌّ عَلَى اِبْن التِّين فِي قَوْله: أَرَادَتْ النِّسَاء؛ لِأَنَّهُنَّ يَلْبَسْنَ الْمَخِيط بِخِلَافِ الرِّجَال، وَكَأَنَّ هَذَا رَأْي رَأَتْهُ عَائِشَة وَإِلَّا فَالْأَكْثَر عَلَى أَنَّهُ لَا فَرْق بَيْنَ\n_________\n(^١) قال ابن الأثير في «النهاية»: التُّبَّانُ: سَرَاوِيلُ صَغِيرٌ يَسْتُرُ الْعَوْرَةَ الْمُغْلَّظَةَ فقط، ويُكثِرُ لُبْسَه الملَاّحُونَ.","vol":"1","page":288},{"text":"التُّبَّان وَالسَّرَاوِيل فِي مَنْعه لِلْمُحْرِمِ. اهـ.\nقُلْتُ: والقول بالمنع من التبان للرجل المحرم هو الصحيح. ولا بأس بلبس الخاتم، والساعة، والنظارة، والكمام على الأنف والفم.\n\n<span data-type='title' id=toc-219>والهميان، ويقال له: المنطقة</span>\nأخرج مالك في «الموطأ» (٧٢١)، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يَقُولُ: فِي الْمِنْطَقَةِ يَلْبَسُهَا الْمُحْرِمُ تَحْتَ ثِيَابِهِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ إِذَا جَعَلَ طَرَفَيْهَا جَمِيعًا سُيُورًا يَعْقِدُ بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ.\nقَالَ مَالِك: وَهَذَا أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَيَّ فِي ذَلِكَ.\nوقال الإمام ابن أبي شيبة ﵀ في «المصنف» (١٥٦٦٩): بَابٌ فِي الْهِمْيَانِ لِلْمُحْرِمِ: حدثنا حَفْصُ بْنُ غِيَاثِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا سُئِلَتْ عَنِ الْهِمْيَانِ لِلْمُحْرِمِ فَقَالَتْ: أَوْثِقْ نَفْسَكَ فِي حِقْوَتِكَ، إسناده صحيح.\nوثبت في هذا الموضع من «مصنف ابن أبي شيبة» جواز لبس الهيمان المنطقة: عن طَاوُسٍ، وسَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، والْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.\nقال الحافظ في «الفتح» تحت حديث (١٨٤٠): قَوْله: (وَقَالَ بن عَبَّاسٍ: يَدْخُلُ الْمُحْرِمُ الْحَمَّامَ): وَصَلَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ، مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْهُ، قَالَ: (الْمُحْرِمُ يَدْخُلُ الْحَمَّامَ، وَيَنْزِعُ ضِرْسَهُ، وَإِذَا انْكَسَرَ ظُفْرُهُ طَرَحَهُ، وَيَقُولُ:","vol":"1","page":289},{"text":"أَمِيطُوا عَنْكُمُ الْأَذَى فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَصْنَعُ بِأَذَاكُمْ شَيْئًا) (^١) …\nقَوْله: (وَلم ير بن عمر وَعَائِشَة بالحك بَأْسًا): أما أثر بن عُمَرَ فَوَصَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ، مِنْ طَرِيقِ أَبِي مِجْلَزٍ قَالَ: رَأَيْت بن عُمَرَ يَحُكُّ رَأْسَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَفَطِنْتُ لَهُ فَإِذَا هُوَ يَحُكُّ بِأَطْرَافِ أَنَامِلِهِ.\nوَأَمَّا أَثَرُ عَائِشَةَ، فَوَصَلَهُ مَالِكٌ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ أَبِي عَلْقَمَةَ، عَنْ أُمِّهِ وَاسْمُهَا مَرْجَانَةُ، سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَسْأَلُ عَنِ الْمُحْرِمِ أَيَحُكُّ جَسَدَهُ؟ قَالَ نَعَمْ وَلْيُشَدِّدْ، وَقَالَتْ عَائِشةُ: لَوْ رُبِطَتْ يَدَايَ وَلَمْ أَجِدْ إِلَّا أَنْ أَحُكَّ بِرِجْلِي لَحَكَكْتُ.\nومناسبة أثر ابن عُمَرَ، وَعَائِشَةَ، لِلتَّرْجَمَةِ بِجَامِعِ مَا بَيْنَ الْغُسْلِ وَالْحَكِّ مِنْ إِزَالَةِ الْأَذَى. اهـ من «الفتح».\nأخرجهما البيهقي في «الكبرى» (٩/ ٤٨٨، ٤٩٠).\nأثر ابن عمر ﵄، أيضًا عند ابن أبي شيبة (١٥١٦٧)، من طريق سُلَيمَانَ\n_________\n(^١) وصله البيهقي (٥/ ٦٢)، والدارقطني (٢/ ٢٣٢)، وابن أبي شيبة في «المصنف»، من طريق أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ به، هذا سند صحيح عنه، ولا مخالف كما في «المحلى» لابن حزم (٧/ ٢٤٨) مسألة رقم (٨٩٣)، فهو إجماع نقله ابن المنذر في «الإجماع» فقره (١٧٥، ١٧٦)، قال: وأجمعوا على أنَّ المحرم ممنوع من أخذ أظفاره، وأجمعوا على أنَّ له أن يزيل عن نفسه ما كان منكسرًا منه. اهـ.","vol":"1","page":290},{"text":"التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ، قَالَ: رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ، فذكره، وهو أثر صحيح.\nوأثر عائشة ﵂، من طريق مالك في «الموطأ» في كِتَابِ الحَجِّ تحت بَاب مَا يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَفْعَلَهُ، قال مالك: عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ أَبِي عَلْقَمَةَ، عَنْ أُمِّهِ أَنَّهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ تُسْأَلُ عَنِ الْمُحْرِمِ. أَيَحُكُّ جَسَدَهُ؟ فَقَالَتْ: نَعَمْ. فَلْيَحْكُكْهُ وَلْيَشْدُدْ، وَلَوْ رُبِطَتْ يَدَايَ، وَلَمْ أَجِدْ إِلَّا رِجْلَيَّ لَحَكَكْتُ، وهو أثر حسن.\nعَلْقَمَةُ: ثقة، وأُمُّهُ: علق لها البخاري في الصِّيَامِ باب (٣٢)، بصيغة الجزم فقال: وَقَالَ بُكَيْرٌ، عَنْ أُمِّ عَلْقَمَةَ: كُنَّا نَحْتَجِمُ عِنْدَ عَائِشَةَ فَلَا تَنْهَى. اهـ.\nووصله البخاري في «تاريخه الكبير» مِنْ طَرِيقِ مَخْرَمَةَ بْنِ بُكَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أُمِّ عَلْقَمَةَ، به.\nوَسُئِلَ مَالِكٌ: عَنِ الرَّجُلِ يَشْتَكِي أُذُنَهُ، أَيَقْطُرُ فِي أُذُنِهِ مِنَ الْبَانِ الَّذِي لَمْ يُطَيَّبْ، وَهُوَ مُحْرِمٌ؟ فَقَالَ: لَا أَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا، وَلَوْ جَعَلَهُ فِي فِيهِ لَمْ أَرَ بِذَلِكَ بَأْسًا، قَالَ مَالِكٌ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يَبُطَّ الْمُحْرِمُ جرَاحَهُ، وَيَفْقَأَ دُمَّلَهُ، وَيَقْطَعَ عِرْقَهُ، إِذَا احْتَاجَ إِلَى ذَلِكَ. اهـ.\nوصح في هذا الباب من «الموطأ» عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أنَّه كَانَ يُقَرِّدُ بَعِيرًا لَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ»، أي: يزيل عنه القُراد.\n\nوقال ابن المنذر في «الإشراف» (٢٥٩): باب<span data-type='title' id=toc-220> السواك للمحرم:</span> ثبت أن رسول الله","vol":"1","page":291},{"text":"ﷺ قال: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء».\nقال أبو بكر: دخل في ذلك المحرم، والصائم في شهر رمضان وغيره، ولا أعلم أحدًا منع السواك.\nوقال في «الإجماع»: وأجمعوا على أنَّ للمحرم أن يستاك. اهـ.\nقُلْتُ: ومثله استعمال الفرشة والمعجون؛ لأنه سواك، والسواك مندوب مطلقًا لحديث: «السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ».\nوقال في (٢٦٢): باب لبس الحلي للمرأة المحرمة:\nقال أبو بكر: رخص في لبس الحلي للمرأة المحرمة عائشة أم المؤمنين، وأحمد، وأصحاب الرأي وقال عطاء: أكره الزينة والحلي للحرام، وكره ذلك الثوري، وأبو ثور. قال أبو بكر: لا يجوز منع المحرم منه بغير حجة.\n\nوقال في (٢٦٣): باب<span data-type='title' id=toc-222> الخضاب للمحرمة:</span> قال أبو بكر: كان مالك، وابن الحسن يكرهان الخضاب للمحرمة، وألزماها الفدية إذا اختضبت بالحناء.\nوقال الشافعي مرة: كذلك إذا ألقت على بدنها، وقال مرةً: لاشيء عليها.\nوقد روينا عن عكرمة أنه قال: كانت عائشة، وأزواج النبي ﷺ يختضبن بالحناء وهن حرم.","vol":"1","page":292},{"text":"قال أبو بكر: ليس على المحرمة في الخضاب شيء.\n\nقال في (٢٦٥): باب<span data-type='title' id=toc-223> غسل المحرم ثيابه:</span>\nقال أبو بكر: كان جابر بن عبد الله، وابن عمر، وابن عباس، وابن جريج، والثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور لا يرون بأسًا أن يغسل المحرم ثيابه، وحكى ذلك أبو ثور عن الكوفي.\nوقال مالك: أكره ذلك إلا أن تصيبه جنابة فغسله بالماء وحده احتسابًا أن يقتل الدواب. قال أبو بكر: لا بأس به.","vol":"1","page":293},{"text":"<span data-type='title' id=toc-224>[٣٥]- باب المحرم يؤذيه القمل في رأسه أو تكون به علة</span>\nقال تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦].\n\n١٠٠ - عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَعَلَّكَ آذَاكَ هَوَامُّكَ»، قَالَ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «احْلِقْ رَأْسَكَ، وَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، أَوْ انْسُكْ بِشَاةٍ» (^١).\n\nالشَّرحُ:\nقال ابن المنذر في «الإجماع» كتاب الحج: وأجمعوا على أنَّ الْمُحرم ممنوع من: حلق رأسه، وجزه، واتلافه بِجز، أو نورة، أو غير ذلك. وأجمعوا على أن له حلق رأسه من علة. وأجمعوا على أن الْمُحرم ممنوع من أخذ أظفاره.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٨١٤)، ومسلم (١٢٠١).","vol":"1","page":294},{"text":"وأجمعوا على أنّ له أن يزيل عن نفسه ما كان منكسرًا عنه. اهـ.\nقُلْتُ: علقه البخاري عن ابن عباس ﵄ قبل (١٨٤٠)، تحت باب (١٤) من أبواب جَزَاءِ الصَّيْدِ، وصح عنه موصولًا عند ابن أبي شيبة، والبيهقي (٥/ ٦٢)، والدارقطني (٢٤٨٠)، من طريق أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: الْمُحْرِمُ يَدْخُلُ الْحَمَّامَ، وَيَنْزِعُ ضِرْسَهُ، وَيَشَمُّ الرَّيْحَانَ، وَإِذَا انْكَسَرَ ظُفْرُهُ طَرَحَهُ، وَيَقُولُ: أَمِيطُوا عَنْكُمُ الْأَذَى فَإِنَّ اللهَ ﷿ لَا يَصْنَعُ بِأَذَاكُمْ شَيْئًا. اهـ.\nوقال ابن المنذر في «الإجماع» كتاب الحج: وأجمعوا على وجوب الفدية على من حلق وهو مُحرم. اهـ.\nقُلْتُ: أطلق ابن المنذر في حق من حلق لعذر أو غيره، وهو الصواب، فليس من محظورات الإحرام مبطل غير الجماع، خلافًا لما قاله ابن حزم في «المحلى» (٧/ ٢٠٣)، مسألة (٨٧٦): وَأَمَّا مَنْ حَلَقَ رَأْسَهُ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ عَالِمًا عَامِدًا بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ، أَوْ حَلَقَ بَعْضَ رَأْسِهِ وَخَلَّى الْبَعْضَ عَالِمًا بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ: فَقَدْ عَصَى اللَّهَ تَعَالَى، وَكُلُّ مَعْصِيَةٍ فُسُوقٌ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْفُسُوقَ يُبْطِلُ الْإِحْرَامَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ - وَلَا شَيْءَ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُوجِبْ الْكَفَّارَةَ إلَّا عَلَى مَنْ حَلَقَ رَأْسَهُ لِمَرَضٍ، أَوْ أَذًى بِهِ فَقَطْ: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (٦٤)﴾ [مريم: ٦٤]. اهـ.","vol":"1","page":295},{"text":"<span data-type='title' id=toc-226>الفدية المذكورة على التخيير بين الثلاثة الأنواع وإن اختار الإطعام فنصف صاع على كل مسكين من أي نوع من الطعام</span>\nقال النووي ﵀ في «شرح مسلم» (١٢٠١): الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ وَالْأَحَادِيثَ مُتَّفِقَةٌ عَلَى أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ، وَهَكَذَا الْحُكْمُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ.\nوَاتَّفَقَ جماهير الْعُلَمَاءُ عَلَى الْقَوْلِ بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ، إِلَّا مَا حُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيِّ أَنَّ نِصْفَ الصَّاعِ لِكُلِّ مِسْكِينٍ إِنَّمَا هُوَ فِي الْحِنْطَةِ فَأَمَّا التَّمْرُ وَالشَّعِيرُ وَغَيْرُهُمَا فَيَجِبُ صَاعٌ لكل مسكين وهذا خلاف نصه ﷺ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ثَلَاثَةَ آصُعٍ مِنْ تَمْرٍ (^١). اهـ.\nوذكر أقوالًا على غير ما دل عليه هذا الحديث، وقال: إنها خلاف نصه ﷺ، وأنه قول مُنَابِذٌ لِلسُّنَّةِ مَرْدُودٌ. اهـ.\nوقال ابن كثير ﵀: وَهُوَ مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، وَعَامَّةُ الْعُلَمَاءِ: أَنَّهُ يُخَيَّر فِي هَذَا الْمَقَامِ، إِنْ شَاءَ صَامَ، وَإِنْ شَاءَ تَصَدَّقُ بفَرق، وَهُوَ ثَلَاثَةٌ آصُعٍ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ نصفُ صَاعٍ، وَهُوَ مُدّان، وَإِنْ شَاءَ ذَبَحَ شَاةً (^٢). اهـ.\n_________\n(^١) عند مسلم (٢٨٨٢).\n(^٢) على من حلق رأسه لعلةٍ.","vol":"1","page":296},{"text":"قال ابن عبد البر في «التمهيد» (٢/ ٢٥٨): وَعَامَّةُ الْآثَارِ عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ وَرَدَتْ بِلَفْظِ التَّخْيِيرِ وَهُوَ نَصُّ الْقُرْآنِ وَعَلَيْهِ مَضَى عَمَلُ الْعُلَمَاءِ فِي كُلِّ الْأَمْصَارِ وَفَتْوَاهُمْ. اهـ.\nوبوب البخاري في «صحيحه» في أَبْوَابِ المُحْصَرِ، باب (٥)، فذكر الآية وقال: وَهُوَ مُخَيَّرٌ، فَأَمَّا الصَّوْمُ فَثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، وذكر الحديث، وبوب بعده على رقم (١٨١٦)، الإِطْعَامُ فِي الفِدْيَةِ نِصْفُ صَاعٍ، وكرر هذا الحديث.\nقال الحافظ: يُشِيرُ بِذَلِكَ إِلَى الرَّدِّ عَلَى مَنْ فَرَّقَ فِي ذَلِك بَين الْقَمْح وَغَيره. اهـ.\nقُلْتُ: حاصل ذلك أنه لا يجوز للمحرم حلق رأسه إلا لعلة فإن حلقه لعلة فعليه فدية وأنه مخير في الفدية بين أحد ما تضمنه الحديث، وإن اختار الإطعام فيكون لستة مساكين ممن يأكلون الطعام لكل مسكين نصف صاع من أي نوع من أنواع الطعام المقتات. ولا بأس بان تكون الفدية بأنواعها الثلاثة في مكة أو غيرها لعدم الموجب لجعلها في مكان معين.\nقال ابن عبد البر في «الاستذكار» (٤/ ٣٨٩): وَلَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّ الصَّوْمَ جَائِزٌ أَنْ يُؤْتَى بِهِ فِي غَيْرِ الْحَرَمِ. اهـ.\nقُلْتُ: وأكثر العلماء على أنَّ الذبح والإطعام كذلك.\nقال الحافظ ابن حجر في «الفتح» (٤/ ١٩): وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْفِدْيَةَ لَا يَتَعَيَّنُ لَهَا","vol":"1","page":297},{"text":"مَكَانٌ وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ التَّابِعِينَ\nوَقَالَ الْحَسَنُ: تَتَعَيَّنُ مَكَّةُ.\nوَقَالَ مُجَاهِدٌ: النُّسُكُ بِمَكَّةَ وَمِنًى وَالْإِطْعَامُ بِمَكَّةَ وَالصِّيَامُ حَيْثُ شَاءَ.\nوَقَرِيبٌ مِنْهُ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ: الدَّمُ وَالْإِطْعَامُ لِأَهْلِ الْحَرَمِ وَالصِّيَامُ حَيْثُ شَاءَ إِذْ لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ لِأَهْلِ الْحَرَمِ، وَأَلْحَقَ بَعْضُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ الْجَهْمِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ الْإِطْعَامَ بِالصِّيَامِ. اهـ.\nوقول أكثر التابعين هو الصواب كما تقدم.","vol":"1","page":298},{"text":"<span data-type='title' id=toc-228>[٣٦]- باب الحجامة للمحرم</span>\n١٠١ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ» (^١).\n\n١٠٢ - عَنِ ابْنِ بُحَيْنَةَ ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ احْتَجَمَ بِطَرِيقِ مَكَّةَ، وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَسَطَ رَأْسِهِ» (^٢).\n\n١٠٣ - عَنْ جَابِرٍ ﵁، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ احْتَجَمَ، وَهُوَ مُحْرِمٌ عَنْ رَهْصَةٍ أَخَذَتْهُ» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٨٣٥)، ومسلم (١٢٠٢).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٢٠٣).\n(^٣) أخرجه ابن ماجه (٣٠٨٢)، أخرجه أحمد في «المسند» (١٤٢٨٠)، والطيالسي (١٧٤٧)، أخرجه أبو داود (٣٨٦٣)، والنسائي في «الكبرى» (٣٨٣١)، وابن خزيمة (٢٦٦٠)، والبيهقي في «الكبرى» (٩/ ٣٣٩)، من طريق أَبِي الزُّبَيْرِ، وهو حديث صحيح بما قبله.\nوفي لفظ: «احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ مِنْ وَثْءٍ كَانَ بِوَرِكِهِ»، قال ابن الأثير في «النهاية»: الوَثْء: وَهْنٌ، دُون الخَلْع والكَسْر. اهـ.\nقال ابن خزيمة (٢٦٦١): فَهَذِهِ الرهصَةُ تُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْوَثْءُ الَّذِي ذُكِرَ. اهـ.","vol":"1","page":299},{"text":"الشَّرحُ:\nبوب البخاري ﵀، بَابُ الحِجَامَةِ لِلْمُحْرِمِ، وَكَوَى ابْنُ عُمَرَ ابْنَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ وَيَتَدَاوَى مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ طِيبٌ، وساق حديث الباب عن ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄.\nقال النووي في «شرح مسلم» عند هذا الحديث: وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ: دَلِيلٌ لِجَوَازِ الْحِجَامَةِ لِلْمُحْرِمِ، وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى جَوَازِهَا لَهُ فِي الرَّأْسِ وَغَيْرِهِ إِذَا كَانَ لَهُ عُذْرٌ فِي ذَلِكَ، وَإِنْ قَطَعَ الشَّعْرَ حِينَئِذٍ لَكِنْ عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ لِقَطْعِ الشَّعْرِ، فَإِنْ لَمْ يَقْطَعْ فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ. اهـ.\nقُلْتُ: الصحيح أنه لا فدية في الحجامة، حتى وإن حلق موضع الحجامة في الرأس، فلم يعلم أنَّ النَّبِيّ ﷺ جعل فدية حين حجم رأسه؛ ولأن الآية: ﴿أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، فيها تقدير: (فحلقه)، وهذا يصدق على أكثره عملًا بالأغلب.\nوبعدم الفدية على من حلق موضع الحجامة من رأسه، قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٢٦/ ١١٦)، والألباني ﵀ في «مناسك الحج والعمرة» (١١)، وسائر التداوي، وضرب الأبر، والجراحات، تبع لهذا التداوي بالحجامة مع شرط موضع المحاجم ولا شيء فيه، وانظر الباب بعد هذا.","vol":"1","page":300},{"text":"<span data-type='title' id=toc-230>[٣٧]- المحرم يداوي عينه وجراحه</span>\n١٠٤ - عَنْ نُبَيْهِ بْنِ وَهْبٍ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِمَلَلٍ، اشْتَكَى عُمَرُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ عَيْنَيْهِ، فَلَمَّا كُنَّا بِالرَّوْحَاءِ اشْتَدَّ وَجَعُهُ فَأَرْسَلَ إِلَى أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ يَسْأَلُهُ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ أَنِ اضْمِدْهُمَا بِالصَّبِرِ، فَإِنَّ عُثْمَانَ ﵁، حَدَّثَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي الرَّجُلِ «إِذَا اشْتَكَى عَيْنَيْهِ، وَهُوَ مُحْرِمٌ ضَمَّدَهُمَا بِالصَّبِرِ» (^١).\nالشَّرحُ:\n\nقال القاضي عياض في «إكمال المعلم» (٤/ ٢١٨): ولا خلاف أن<span data-type='title' id=toc-231> للمحرم أن يكتحل إذا احتاج إليه.</span> اهـ.\nوقال النووي ﵀ في «شرحه على مسلم» (١٢٠٥): وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى جَوَازِ\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٢٠٤).","vol":"1","page":301},{"text":"تَضْمِيدِ الْعَيْنِ وَغَيْرِهَا بِالصَّبِرِ وَنَحْوِهِ مِمَّا لَيْسَ بِطِيبٍ، وَلَا فِدْيَةَ فِي ذَلِكَ، فَإِنِ احْتَاجَ إِلَى مَا فِيهِ طِيبٌ جَازَ لَهُ فعله وعليه الفدية، وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَكْتَحِلَ بِكُحْلٍ لَا طِيبَ فِيهِ إِذَا احْتَاجَ إِلَيْهِ ولا فدية عَلَيْهِ. اهـ.\nقال ابن عبد البر: مَا لَيْسَ بِطِيبٍ فَلَا يَخْتَلِفُ الْعُلَمَاءُ فِي أَنَّهُ مُبَاحٌ وَيَحِلُّ لِلْمُحْرِمِ مُبَاشَرَتُهُ وَالتَّدَاوِي بِهِ.\nوَفِي ذَلِكَ إِبَاحَةُ التَّدَاوِي بِقَطْعِ الْعِرْقِ وَشِبْهِهِ مِنْ بَطِّ الْخُرَاجِ وَفَقْءِ الدُّمَّلِ وَقَلْعِ الضِّرْسِ وَمَا كَانَ مِثْلَ ذَلِكَ كُلِّهِ وَعَلَى ذَلِكَ فَتْوَى جَمَاعَةِ الْفُقَهَاءِ. وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى نَزْعِ الشَّوْكَةِ وَشِبْهِهَا لِلْمُحْرِمِ. اهـ. من «الاستذكار» لابن عبد البر (٤/ ١٦٢).","vol":"1","page":302},{"text":"<span data-type='title' id=toc-233>[٣٨]- باب ما يقتل المُحْرِمُ من الدواب</span>\n١٠٥ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «خَمْسٌ لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ قَتَلَهُنَّ فِي الْحَرَمِ وَالْإِحْرَامِ: الْفَأْرَةُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ» (^١).\n\n١٠٦ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «خَمْسٌ فَوَاسِقُ، يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ: الْحَيَّةُ، وَالْغُرَابُ الْأَبْقَعُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ، وَالْحُدَيَّا» (^٢).\n\nالشَّرحُ:\nقال القرطبي في «المفهم» (٣/ ٢٨٤): قال القاضي أبو الفضل: لا خلاف بين العلماء في استعمال الحديث، وجواز قتل ما ذكر فيه للمحرم. اهـ.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٨٢٦)، مسلم (١١٩٩).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٨٢٩)، مسلم (١١٩٨).","vol":"1","page":303},{"text":"وقال النووي في «شرح مسلم»: وَاتَّفَقَ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى جَوَازِ قَتْلِهِنَّ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ وَالْإِحْرَامِ.\nوَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَقْتُلَ مَا فِي مَعْنَاهُنَّ، قَالَ مَالِكٌ: الْمَعْنَى فِيهِنَّ كَوْنُهُنَّ مُؤْذِيَاتٍ فَكُلُّ مُؤْذٍ يجوز للمحرم قتله وما لا فَلَا. اهـ.","vol":"1","page":304},{"text":"<span data-type='title' id=toc-235>[٣٩]- باب حل صيد البحر للمحرم وصيد البر إذا لم يصده أو لم يصد من أجله</span>\nقال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦].\n\n١٠٧ - عَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁، أَنَّهُمْ كَانُوا فِي مَسِيرٍ لَهُمْ، بَعْضُهُمْ مُحْرِمٌ وَبَعْضُهُمْ لَيْسَ بِمُحْرِمٍ، قَالَ: فَرَأَيْتُ حِمَارَ وَحْشٍ فَرَكِبْتُ فَرَسِي، وَأَخَذْتُ الرُّمْحَ فَاسْتَعَنْتُهُمْ فَأَبَوْا أَنْ يُعِينُونِي، فَاخْتَلَسْتُ سَوْطًا مِنْ بَعْضِهِمْ، فَشَدَدْتُ عَلَى الْحِمَارِ فَأَصَبْتُهُ، فَأَكَلُوا مِنْهُ فَأَشْفَقُوا، قَالَ: فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ، فَقَالَ: «هَلْ أَشَرْتُمْ أَوْ أَعَنْتُمْ؟» قَالُوا: لَا، قَالَ: «فَكُلُوا» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٨٢٣)، ومسلم (١١٩٦).","vol":"1","page":305},{"text":"١٠٨ - عَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْقَاحَةِ، فَمِنَّا الْمُحْرِمُ وَمِنَّا غَيْرُ الْمُحْرِمِ، إِذْ بَصُرْتُ بِأَصْحَابِي يَتَرَاءَوْنَ شَيْئًا، فَنَظَرْتُ فَإِذَا حِمَارُ وَحْشٍ، فَأَسْرَجْتُ فَرَسِي وَأَخَذْتُ رُمْحِي، ثُمَّ رَكِبْتُ فَسَقَطَ مِنِّي سَوْطِي، فَقُلْتُ لِأَصْحَابِي: وَكَانُوا مُحْرِمِينَ: نَاوِلُونِي السَّوْطَ، فَقَالُوا: وَاللهِ، لَا نُعِينُكَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ، فَنَزَلْتُ فَتَنَاوَلْتُهُ، ثُمَّ رَكِبْتُ، فَأَدْرَكْتُ الْحِمَارَ مِنْ خَلْفِهِ وَهُوَ وَرَاءَ أَكَمَةٍ، فَطَعَنْتُهُ بِرُمْحِي فَعَقَرْتُهُ، فَأَتَيْتُ بِهِ أَصْحَابِي، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كُلُوهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا تَأْكُلُوهُ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَمَامَنَا فَحَرَّكْتُ فَرَسِي فَأَدْرَكْتُهُ فَقَالَ: «هُوَ حَلَالٌ، فَكُلُوهُ» (^١).\n\n١٠٩ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «صَيْدُ الْبَرِّ لَكُمْ حَلَالٌ، مَا لَمْ تَصِيدُوهُ أَوْ يُصَدْ لَكُمْ» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٨٢١)، ومسلم (١١٩٦).\n(^٢) أخرجه أبو داود (١٨٥١)، وابن الجارود (٤٣٧)، والنسائي (٢٨٣٠)، والترمذي (٨٤٦)، وأحمد (٣/ ٣٦٢)، وآخرون، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو، عَنْ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، به، وهذا إسناد رجاله ثقات غير أن في «تهذيب التهذيب» نقل عن أبي حاتم قال: المطلب بن عبد الله بن حنطب، لم يسمع من جابر. اهـ.\nوقال الترمذي (٨٤٦): وَالمُطَّلِبُ لَا نَعْرِفُ لَهُ سَمَاعًا مِنْ جَابِرٍ، وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ العِلْمِ: لَا يَرَوْنَ بِالصَّيْدِ لِلْمُحْرِمِ بَأْسًا إِذَا لَمْ يَصْطَدْهُ، أَوْ لَمْ يُصْطَدْ مِنْ أَجْلِهِ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: هَذَا أَحْسَنُ حَدِيثٍ رُوِيَ فِي هَذَا البَابِ وَأَقْيَسُ، وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا. اهـ.\nقُلْتُ: وهو صالح للاحتجاج بغيره مما في الباب، وعلى ذلك قول جمهور العلماء.","vol":"1","page":306},{"text":"قال النووي في «شرح مسلم» (١١٩٦): وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى تَحْرِيمِ الِاصْطِيَادِ - أي: صيد البر - عَلَى الْمُحْرِمِ. اهـ.\nقال الشوكاني في «نيل الأوطار» تحت هذ الحديث (١٩١٦): وَالْحَدِيثُ مِنْ جُمْلَةِ أَدِلَّةِ الْجُمْهُورِ الْقَائِلِينَ: بِأَنَّهُ يَحْرُمُ صَيْدُ الْحَلَالِ عَلَى الْمُحْرِمِ إذَا صَادَهُ لِأَجْلِهِ، وَيَحِلُّ لَهُ إذَا لَمْ يَصِدْهُ لِأَجْلِهِ. اهـ.","vol":"1","page":307},{"text":"<span data-type='title' id=toc-236>[٤٠]- جواز أكل الضبع، وإذا صاده المحرم ففديته شاة</span>\n١١٠ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄، قَالَ: «جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الضَّبُعِ يُصِيبُهُ الْمُحْرِمُ، كَبْشًا، وَجَعَلَهُ مِنَ الصَّيْدِ» (^١).\n\nالشَّرحُ:\nقال الصنعاني في «سبل السلام» رقم (١٣٣٠): فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى حِلِّ أَكْلِ الضَّبُعِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ فَهُوَ مُخَصَّصٌ مِنْ حَدِيثِ تَحْرِيمِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ.\nقَالَ الشَّافِعِيُّ؟: وَمَا زَالَ النَّاسُ يَأْكُلُونَهَا وَيَبِيعُونَهَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ. اهـ.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٣٨٠١)، وابن ماجه (٣٠٨٥)، وأحمد (١٤١٦٥)، وهو حديث صحيح.","vol":"1","page":308},{"text":"<span data-type='title' id=toc-237>[٤١]- النهي عن زواج المحرم وخطبته</span>\n١١١ - عن عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ، وَلَا يُنْكَحُ، وَلَا يَخْطُبُ» (^١).\n\nالشَّرحُ:\nقال النووي في «شرح مسلم» (١٤٠٩): قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ: لَا يَصِحُّ نِكَاحُ الْمُحْرِمِ، وَاعْتَمَدُوا أَحَادِيثَ الْبَابِ.\nوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالْكُوفِيُّونَ: يَصِحُّ نِكَاحُهُ لِحَدِيثِ قِصَّةِ مَيْمُونَةَ.\nوَأَجَابَ الْجُمْهُورُ: عَنْ حَدِيثِ - ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ» أخرجه البخاري (٤٢٥٨)، ومسلم (١٤١٠) - بِأَجْوِبَةٍ:\nأَصَحُّهَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إِنَّمَا تَزَوَّجَهَا حَلَالًا هَكَذَا رَوَاهُ أَكْثَرُ الصَّحَابَةِ.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٤٠٩).","vol":"1","page":309},{"text":"قَالَ الْقَاضِي: وَغَيْرُهُ وَلَمْ يَرْوِ أنه تزوجها محرمًا الا بن عَبَّاسٍ وَحْدَهُ، وَرَوَتْ مَيْمُونَةُ، وَأَبُو رَافِعٍ، وَغَيْرُهُمَا، أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا حَلَالًا، وَهُمْ أَعْرَفُ بِالْقَضِيَّةِ لِتَعَلُّقِهِمْ به، بخلاف بن عباس. اهـ.\nأي: أن ابن عباس ﵄ وهم في قوله: (وهو محرم).\nوقيل: معنى محرم، أي: في الحرم، وهو حلال، كما يقال: منجد لمن في نجد، ومتهم لمن في تهامة.\nوقيل: هذا من خصائص النَّبِيِّ ﷺ، جواز الزَّواج محرمًا، وقيل: غير ذلك.\nوالصواب: أن ابن عباس ﵄ وهم، كما نص على ذلك غير واحد، قال سعيد بن المسيب: وهم ابن عباس ما تزوجها النَّبِيّ ﷺ إلا حلالًا، كذا في «المغني» لابن قدامة (٦/ ١٨٠)، و«الكبرى» للبيهقي (٧/ ٢١٢).\nوسنده إلى سعيد عند البيهقي صحيح.\nقال النووي في «شرح مسلم»: فَلَوْ عَقَدَ لَمْ يَنْعَقِدْ سَوَاءٌ كَانَ الْمُحْرِمُ هُوَ الزَّوْجُ وَالزَّوْجَةُ أَوِ الْعَاقِدُ لَهُمَا بِوِلَايَةٍ أَوْ وَكَالَةٍ فَالنِّكَاحُ بَاطِلٌ فِي كُلِّ ذَلِكَ. اهـ.","vol":"1","page":310},{"text":"<span data-type='title' id=toc-239>[٤٢]- كفن المحرم إذا مات في ثوبي إحرامه، ولا يغطى رأسه</span>\n١١٢ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ، يَقُولُ: «يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ» (^١).\n\n١١٣ - وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ، إِذْ وَقَعَ عَنْ رَاحِلَتِهِ، فَوَقَصَتْهُ - أَوْ قَالَ: فَأَوْقَصَتْهُ - قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ، وَلَا تُحَنِّطُوهُ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ القِيَامَةِ مُلَبِّيًا» (^٢).\n\nقال النووي ﵀ في «شرح مسلم» عند حديث (٢٨٧٨): قَالَ الْعُلَمَاءُ: مَعْنَاهُ: يُبْعَثُ عَلَى الْحَالَةِ الَّتِي مَاتَ عَلَيْهَا وَمِثْلُهُ الْحَدِيثُ الْآخَرُ: ثُمَّ بُعِثُوا عَلَى نِيَّاتِهِمْ. اهـ.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٨٧٨).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٢٦٥)، بَابُ سُنَّةِ المُحْرِمِ إِذَا مَاتَ، ومسلم (١٢٠٦).","vol":"1","page":311},{"text":"<span data-type='title' id=toc-240>[٤٣]- باب التواضع في الحج والعمرة</span>\n١١٤ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ مَعَهَا أَخَاهَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، فَأَعْمَرَهَا مِنَ التَّنْعِيمِ، وَحَمَلَهَا عَلَى قَتَبٍ»، وَقَالَ عُمَرُ ﵁: «شُدُّوا الرِّحَالَ فِي الحَجِّ فَإِنَّهُ أَحَدُ الجِهَادَيْنِ» (^١).\n\n١١٥ - عَنْ ثُمَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ، قَالَ: حَجَّ أَنَسٌ عَلَى رَحْلٍ وَلَمْ يَكُنْ شَحِيحًا، وَحَدَّثَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَجَّ عَلَى رَحْلٍ وَكَانَتْ زَامِلَتَهُ» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٥١٦).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٥١٧).","vol":"1","page":312},{"text":"<span data-type='title' id=toc-241>[٤٤]- التكبير والتسبيح والتحميد واستقبال القبلة، قبل الإهلال عند الميقات</span>\n١١٦ - عَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ مَعَهُ بِالْمَدِينَةِ الظُّهْرَ أَرْبَعًا، وَالعَصْرَ بِذِي الحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ بَاتَ بِهَا حَتَّى أَصْبَحَ، ثُمَّ رَكِبَ حَتَّى اسْتَوَتْ بِهِ عَلَى البَيْدَاءِ، حَمِدَ اللَّهَ وَسَبَّحَ وَكَبَّرَ، ثُمَّ أَهَلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ، وَأَهَلَّ النَّاسُ بِهِمَا (^١).\n\n١١٧ - عَنْ نَافِعٍ، قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄، إِذَا صَلَّى بِالْغَدَاةِ بِذِي الحُلَيْفَةِ أَمَرَ بِرَاحِلَتِهِ فَرُحِلَتْ، ثُمَّ رَكِبَ، فَإِذَا اسْتَوَتْ بِهِ اسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ قَائِمًا، ثُمَّ يُلَبِّي حَتَّى يَبْلُغَ الحَرَمَ، ثُمَّ يُمْسِكُ حَتَّى إِذَا جَاءَ ذَا طُوًى بَاتَ بِهِ حَتَّى يُصْبِحَ، فَإِذَا صَلَّى الغَدَاةَ اغْتَسَلَ (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٥٥١).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٥٥٣).","vol":"1","page":313},{"text":"١١٨ - عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَرْكَبُ رَاحِلَتَهُ بِذِي الحُلَيْفَةِ، ثُمَّ يُهِلُّ حَتَّى تَسْتَوِيَ بِهِ قَائِمَةً» (^١).\n\nالشَّرحُ:\nقال النووي في «شرح مسلم» (١١٨٧): وَفِيه: دَلِيلٌ لِمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَالْجُمْهُورِ: أَنَّ الْأَفْضَلَ أَنْ يُحْرِمَ إِذَا انْبَعَثَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ.\nوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُحْرِمُ عَقِبَ الصَّلَاةِ وَهُوَ جَالِسٌ قَبْلَ رُكُوبِ دَابَّتِهِ وَقَبْلَ قِيَامِهِ وَهُوَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ. اهـ.\nوسيأتي في شرح حديث جابر ﵁ مزيد بيان ذلك إن شاء الله تعالى.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٥١٤)، ومسلم (١١٨٧).","vol":"1","page":314},{"text":"<span data-type='title' id=toc-243>[٤٥]- كيفية التلبية ورفع الصوت بها، وفضلها، ومتى يقطعها؟</span>\nقال الله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج: ٢٨].\n\n١١٩ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ، إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ قَائِمَةً عِنْدَ مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ، أَهَلَّ فَقَالَ: «لَبَّيْكَ اللهُمَّ، لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ، وَالنِّعْمَةَ، لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ»، قَالُوا: وَكَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ ﵄، يَقُولُ: هَذِهِ تَلْبِيَةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ (^١).\n\nوزاد مسلم، قَالَ نَافِعٌ: وَكَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ ﵄ يَزِيدُ مع هذا: لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ بِيَدَيْكَ، لَبَّيْكَ وَالرَّغْبَاءُ إِلَيْكَ وَالْعَمَلُ.\n\n١٢٠ - وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ في حديثه الطويل وهو في مسلم (١٢١٨)، وفيه قال: فَأَهَلَّ بِالتَّوْحِيدِ: «لَبَّيْكَ اللهُمَّ، لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ، وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ»، وَأَهَلَّ النَّاسُ بِهَذَا الَّذِي يُهِلُّونَ بِهِ، فَلَمْ يَرُدَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَيْهِمْ شَيْئًا مِنْهُ، وَلَزِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ تَلْبِيَتَهُ.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٩١٥)، ومسلم (١١٨٤).","vol":"1","page":315},{"text":"<span data-type='title' id=toc-244>كيفية أخرى من التلبية</span>\nالتلبية كيفيات، وهذه كيفية من كيفياتها، أخرج البخاري في «صحيحه» برقم: (١٥٥٠)، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي عَطِيَّةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: إِنِّي لَأَعْلَمُ كَيْفَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُلَبِّي: «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ».\nوكذا أخرجه أحمد تحت هذه الأرقام:\n\n١ - من طريق شُعْبَةَ، رقم: (٢٤٦٩٠، ٢٦٠٦١)، ثقة، حافظ، متقن.\n\n٢ - من طريق سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، رقم: (٢٥٤٨٠)، ثقة، حافظ، فقيه، عابد، إمام، حجة.\n\n٣ - من طريق أَبِي مُعَاوِيَةَ، رقم: (٢٥٩١٨)، ثقة، أحفظ الناس لحديث الأعمش.\n\n٤ - من طريق عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، رقم: (٢٥٩٣٥)، ثقة.\n\n٥ - من طريق رَوْحِ بْنِ عُبَادَةَ، رقم: (٢٦٠٦٢)، ثقة فاضل.\n\n٦ - وعند الطحاوي في «شرح معاني الآثار» (٢/ ١٢٤)، من طريق أَبِي الْأَحْوَصِ سَلَّامِ بْنِ سُلَيْمٍ، ثقة، متقن.\nكما في تراجمهم من «التقريب» للحافظ ابن حجر ﵀، كلهم: عَنِ الْأَعْمَشِ، بلفظ البخاري: «إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ». اهـ.\nوخالفهم: مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلِ بْنِ غَزْوَانَ، وقد قال عنه الحافظ ابن حجر في","vol":"1","page":316},{"text":"«التقريب»: صدوق، عارف، رمي بالتشيع. اهـ.\nوهو عند الإمام أحمد في «مسنده» (٢٤٠٤٠)، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ أَبِي عَطِيَّةَ، قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: إِنِّي لَأَعْلَمُ كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُلَبِّي، قَالَ: ثُمَّ سَمِعْتُهَا تُلَبِّي تَقُولُ: «لَبَّيْكَ اللهُمَّ لَبَّيْكَ …»، - فزاد فيه -: (وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ).\nكما في لفظ حديث ابْنِ عُمَرَ ﵄: عند البخاري (١٥٤٩)، ومسلم (١١٨٤)، وحديث جَابِرِ ﵁ (١٢١٨).\nوبهذا يعلم أنَّ زيادة مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلِ في حديث عائشة ﵂ شاذة، وأنَّ المحفوظ من حديث عائشة الاقتصار من التلبية على: (إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ).\nوأشار إلى شذوذ زيادة مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ، الحافظُ ابن كثير ﵀ في «البداية والنهاية» في حوادث سنة عشر في ذكر حجة الوداع (٧/ ٤٩٥ - ٤٩٧).\nوقال الحافظ ابن رجب ﵀ في «شرح علل الترمذي» (١/ ٤٢١): وقال أحمد أيضًا: في حديث ابن فضيل عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن أبي عطية، عن عائشة في تلبية النبي ﷺ وذكر فيها: «والملك لا شريك لك»، قال أحمد: وهم ابن فضيل في هذه الزيادة، ولا تعرف هذه عن عائشة، إنما تعرف عن ابن عمر، وذكر أن أبا معاوية روى الحديث عن الأعمش بدونها: وخرجه البخاري بدونها أيضًا","vol":"1","page":317},{"text":"من طريق الثوري، عن الأعمش، وقال: تابعه أبو معاوية.\nقال الخلال: أبو عبد الله لا يعبأ بمن خالف أبا معاوية في الأعمش إلا أن يكون الثوري، وذكر أنَّ هذه الزيادة رواها ابن نمير وغيره أيضًا عن الأعمش. اهـ.\nوأخرج مسلم في «صحيحه» (١١٨٥)، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَقُولُونَ: (لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ)، قَالَ: فَيَقُولُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «وَيْلَكُمْ، قَدْ قَدْ» فَيَقُولُونَ: (إِلَّا شَرِيكًا هُوَ لَكَ، تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ، يَقُولُونَ هَذَا وَهُمْ يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ).\nوأخرج ابن أبي شيبة في «مصنفه» (١٣٤٧٢)، قال: حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، وَأَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قَالَ: كَانَتْ تَلْبِيَةُ عُمَرَ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ مَرْغُوبًا أَوْ مَرْهُوبًا، لَبَّيْكَ ذَا النَّعْمَاءِ وَالْفَضْلِ الْحَسَنِ، وهذا سند صحيح، رجاله ثقات، ورواية عروة بن الزبير عن المسور عند الجماعة.\nوعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: كَانَ مِنْ تَلْبِيَةِ النَّبِيِّ ﷺ «لَبَّيْكَ إِلَهَ الْحَقِّ»، أخرجه النسائي (٢٧٥٣)، وابن ماجه (٢٩٢٠)، وابن خزيمة (٢٦٢٣)، والحاكم (١/ ٤٤٩)، وأحمد (٨٤٩٧)، من طريق عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ الْمَاجِشُونِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ، عَنْ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ به، وهذا سند صحيح رجاله ثقات.\nوقال النسائي: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا أَسْنَدَ هَذَا، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ، إِلَّا","vol":"1","page":318},{"text":"عَبْدَ الْعَزِيزِ، رَوَاهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ عَنْهُ مُرْسَلًا. اهـ. لا يضره لأن عبد العزيز الماجشون ثقة.\nوقال أبو حاتم كما في «العلل» لولده (٨١٢): الناسَ عَلَى حَدِيثِ الأعرَج أكثرُ، ويزيدُ بْنُ هَارُونَ ثقةٌ. اهـ. ولم يعل الحديث.\nوأخرج ابن الجارود (٤٧٠)، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ، وَقَفَ بِعَرَفَاتٍ فَلَمَّا قَالَ: «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ»، قَالَ: «إِنَّمَا الْخَيْرُ خَيْرُ الْآخِرَةِ».\nوأخرجه ابن خزيمة (٢٨٣١)، والحاكم (١/ ٤٦٥)، والطبراني في «الأوسط» (٥٤١٩)، من طريق جَمِيلِ بْنِ الْحَسَنِ الْجَهْضَمِيِّ، قال: حَدَّثَنَا مَحْبُوبُ بْنُ الْحَسَنِ، قال: حَدَّثَنَا دَاوُدُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، به.\nوقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٣/ ٢٢٣): وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ. اهـ.\nقُلْتُ: مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ هِلَالٍ الملقب: مَحْبُوبٌ أخرج له البخاري رقم (٧١٥٧) في المتابعات، وضعفه النسائي، وقال أبو حاتم: ليس بقوي، وقال ابن معين: ليس به بأس، فحديثه لا يرتقي للحسن.\nوقد حسنه أيضًا الألباني ﵀ في «الصحيح» (٥/ ١٨٠)، وقال عن محبوب: حسن الحديث، والظاهر أنَّه دون ذلك؛ لكن لم يشتد ضعفه، فلا بأس أن يقوله الحاج أحيانًا.","vol":"1","page":319},{"text":"١٢١ - عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁، قَالَ: قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ مُنِيخٌ بِالْبَطْحَاءِ، فَقَالَ لِي: «أَحَجَجْتَ؟» فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ: «بِمَ أَهْلَلْتَ؟» قَالَ قُلْتُ: لَبَّيْكَ، بِإِهْلَالٍ كَإِهْلَالِ النَّبِيِّ ﷺ (^١).\n\n١٢٢ - عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ﵄، خَرَجَ فِي الْفِتْنَةِ مُعْتَمِرًا وَقَالَ: إِنْ صُدِدْتُ عَنِ الْبَيْتِ صَنَعْنَا كَمَا صَنَعْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَخَرَجَ فَأَهَلَّ بِعُمْرَةٍ وَسَارَ، حَتَّى إِذَا ظَهَرَ عَلَى الْبَيْدَاءِ الْتَفَتَ إِلَى أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: مَا أَمْرُهُمَا إِلَّا وَاحِدٌ، أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ الْحَجَّ مَعَ الْعُمْرَةِ، فَخَرَجَ حَتَّى إِذَا جَاءَ الْبَيْتَ طَافَ بِهِ سَبْعًا، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ سَبْعًا، لَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ، وَرَأَى أَنَّهُ مُجْزِئٌ عَنْهُ، وَأَهْدَى (^٢).\n\n١٢٣ - عن أَنَسٍ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَهَلَّ بِهِمَا جَمِيعًا: «لَبَّيْكَ عُمْرَةً وَحَجًّا، لَبَّيْكَ عُمْرَةً وَحَجًّا» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٥٥٩)، ومسلم (١٢٢١).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٢٣٠)، ومسلم (١٨٠٦).\n(^٣) أخرجه مسلم (١٢٥١).","vol":"1","page":320},{"text":"١٢٤ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَرْدَفَ الفَضْلَ، فَأَخْبَرَ الفَضْلُ: «أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى الجَمْرَةَ» (^١).\n\n١٢٥ - عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁، أَنَّهُ أهَلَّ حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْجَمْرَةِ، وَقال: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَهَلَّ حَتَّى انْتَهَى إِلَيْهَا» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-245>أما العمرة، فإن المعتمر يلبي إلى أن يبدأ في الطواف</span>\nأخرج البخاري (١٥٧٣) بسنده إلى نَافِعٍ، قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ «إِذَا دَخَلَ أَدْنَى الحَرَمِ أَمْسَكَ عَنِ التَّلْبِيَةِ، ثُمَّ يَبِيتُ بِذِي طِوًى، ثُمَّ يُصَلِّي بِهِ الصُّبْحَ، وَيَغْتَسِلُ، وَيُحَدِّثُ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ».\nقال الحافظ: قَوْلُهُ: (كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ) يَحْتَمِلُ أَنَّ الْإِشَارَةَ بِهِ إِلَى الْفِعْلِ الْأَخِيرِ وَهُوَ الْغُسْلُ، وَهُوَ مَقْصُودُ التَّرْجَمَةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهَا إِلَى الْجَمِيعِ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ. اهـ.\nقُلْتُ: مما يرجح أنَّ الإشارة في قوله: (يَفْعَلُه)، إلى غير التلبية، أنَّ البخاري أخرج الحديث بعده بلفظ: «بَاتَ بِذِي طِوًى، حَتَّى أَصْبَحَ، ثُمَّ دَخَلَ مَكَّةَ»، وكذا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٦٨٥)، ومسلم (١٢٨٠).\n(^٢) أخرجه أحمد في «المسند» (١٣٣٤)، بسند حسن، والحديث صحيح لغيره.","vol":"1","page":321},{"text":"لفظ مسلم، ومما يؤيد هذا القول ما قال الإمام أحمد ﵀ رقم: (٦٦٨٥): حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: «اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَ عُمَرٍ، كُلُّ ذَلِكَ يُلَبِّي حَتَّى يَسْتَلِمَ الْحَجَرَ»، هذا حديث ضعيف، فيه حَجَّاج بن أرطأة.\nوله شاهد عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عند أبي داود (١٨١٧)، والترمذي (٩١٩)، والبيهقي في «الكبرى» (٥/ ١٠٥)، من طريق ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يُلَبِّي الْمُعْتَمِرُ حَتَّى يَسْتَلِمَ الْحَجَرَ».\nقال البيهقي: وَلَكِنَّا هِبْنَا رِوَايَتَهُ الْأُولَى لِأَنَّا وَجَدْنَا حُفَّاظَ الْمَكِّيِّينَ يَقِفُونَهُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، قال البيهقي: وَرَفْعُهُ خَطَأٌ. اهـ.\nقُلْتُ: هذا الموقوف مع ما قبله حسن، والعمل عليه عند جمهور العلماء.\nقال الترمذي: وَالعَمَلُ عَلَى هذا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ العِلْمِ. اهـ.\nوقال ابن المنذر في «الإشراف» (٣/ ٣٧٨): قالت طائفة: يقطع التلبية إذا افتتح الطواف، وهو قول أكثر أهل العلم. قال: وقد روينا عن النبي ﷺ أنه كان يلبيّ في العمرة حتى يستلم الحجر، وفي الحج حتى يرمي الجمرة، وبه نقول. اهـ.\nوقال البغوي ﵀ في «شرح السنة» (٧/ ١٨٦): قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُلَبِّي الْمُعْتَمِرُ حَتَّى يَفْتَتِحَ الطَّوَافَ مُسْتَلِمًا وَغَيْرُ مُسْتَلِمٍ. اهـ.","vol":"1","page":322},{"text":"<span data-type='title' id=toc-246>[٤٦]- رفع الصوت بالتلبية سنة الأنبياء</span>\n١٢٦ - قال الإمام مسلم ﵀ (١٦٦)، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَرَّ بِوَادِي الْأَزْرَقِ، فَقَالَ: «أَيُّ وَادٍ هَذَا؟» فَقَالُوا: هَذَا وَادِي الْأَزْرَقِ، قَالَ: «كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى مُوسَى هَابِطًا مِنَ الثَّنِيَّةِ، وَلَهُ جُؤَارٌ إِلَى اللهِ بِالتَّلْبِيَةِ»، ثُمَّ أَتَى عَلَى ثَنِيَّةِ هَرْشَى، فَقَالَ: «أَيُّ ثَنِيَّةٍ هَذِهِ؟» قَالُوا: ثَنِيَّةُ هَرْشَى، قَالَ: «كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى يُونُسَ بْنِ مَتَّى ﵇ عَلَى نَاقَةٍ حَمْرَاءَ جَعْدَةٍ عَلَيْهِ جُبَّةٌ مِنْ صُوفٍ، خِطَامُ نَاقَتِهِ خُلْبَةٌ وَهُوَ يُلَبِّي».\nقال النووي في شرحه على هذا الحديث:\nقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ ﵀: أَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ فِي وَصْفِهِمْ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ ﷺ رَأَى ذَلِكَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ، وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ مُبَيَّنًا فى رواية أبي العالية عن بن عباس، وفى رواية بن الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلَيْسَ فِيهَا ذِكْرُ التَّلْبِيَةِ.\nقَالَ: فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ يَحُجُّونَ وَيُلَبُّونَ وَهُمْ أَمْوَاتٌ وَهُمْ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ وَلَيْسَتْ دَارَ عَمَلٍ؟ فَاعْلَمْ أَنَّ لِلْمَشَايِخِ وَفِيمَا ظَهَرَ لَنَا عَنْ هَذَا أَجْوِبَةً:","vol":"1","page":323},{"text":"• أَحَدُهَا: أَنَّهُمْ كَالشُّهَدَاءِ بَلْ هُمْ أَفْضَلُ مِنْهُمْ، وَالشُّهَدَاءُ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَحُجُّوا وَيُصَلُّوا كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ، وَأَنْ يَتَقَرَّبُوا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِمَا اسْتَطَاعُوا؛ لِأَنَّهُمْ وَإِنْ كَانُوا قَدْ تُوُفُّوا فَهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا الَّتِي هِيَ دَارُ الْعَمَلِ حَتَّى إِذَا فَنِيَتْ مُدَّتُهَا وَتَعَقَّبَتْهَا الْآخِرَةُ الَّتِي هِيَ دَارُ الْجَزَاءِ انْقَطَعَ الْعَمَلُ.\n• الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ عَمَلَ الْآخِرَةِ ذِكْرٌ وَدُعَاءٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾ [يونس: ١٠].\n• الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ هَذِهِ رُؤْيَةُ مَنَامٍ فِي غَيْرِ لَيْلَةِ الْإِسْرَاءِ أَوْ فِي بَعْضِ ليلة الاسراء كما قال فى رواية بن عُمَرَ ﵄ «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رأيتنى أطوف بالكعبة»، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ فِي قِصَّةِ عِيسَى ﷺ.\n• الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنَّهُ ﷺ أُرِيَ أَحْوَالَهُمُ الَّتِي كَانَتْ فِي حَيَاتِهِمْ وَمَثَلُوا لَهُ فِي حَالِ حَيَاتِهِمْ كَيْفَ كَانُوا؟ وَكَيْفَ حَجُّهُمْ وَتَلْبِيَتُهُمْ؟ كَمَا قَالَ ﷺ: «كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى مُوسَى وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى عِيسَى وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى يُونُسَ ﵈».\n• الْوَجْهُ الْخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ أَخْبَرَ عَمَّا أُوحِيَ إِلَيْهِ ﷺ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَا كَانَ مِنْهُمْ وَإِنْ لَمْ يَرَهُمْ رُؤْيَةَ عَيْنٍ هَذَا آخِرُ كَلَامِ الْقَاضِي عِيَاضٍ ﵀، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\nقُلْتُ: هذا الوجه الخامس هو الصواب.\nقَوْلُهُ ﷺ: (لَهُ جُؤَارٌ): بِضَمِّ الْجِيمِ وَبِالْهَمْزِ، وَهُوَ رَفْعُ الصَّوْتِ.\nقَوْلُهُ (ثَنِيَّةَ هَرْشَى): هِيَ بِفَتْحِ الْهَاءِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ وَبِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ مَقْصُورَةُ الْأَلِفِ وَهُوَ جَبَلٌ عَلَى طَرِيقِ الشَّامِ وَالْمَدِينَةِ قَرِيبٌ مِنَ الْجُحْفَةِ. اهـ.","vol":"1","page":324},{"text":"١٢٧ - عَنِ السَّائِبِ بْنِ خَلَّادِ الْأَنْصَارِيِّ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَتَانِي جِبْرِيلُ ﷺ فَأَمَرَنِي أَنْ آمُرَ أَصْحَابِي وَمَنْ مَعِي أَنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالْإِهْلَالِ - أَوْ قَالَ: - بِالتَّلْبِيَةِ» يُرِيدُ أَحَدَهُمَا (^١).\n\n١٢٨ - عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ، أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «الْعَجُّ، وَالثَّجُّ» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (١٨١٤)، والنسائي (٢٧٥٢)، والترمذي (٨٢٩)، وابن ماجه (٢٩٢٢)، وهو حديث صحيح مخرج في «منتقى ابن الجارود» (٤٣٤)، و«مسند أحمد» (٢٧/ ٨٩).\n(^٢) أخرجه الترمذي (٨٢٧)، وابن ماجه (٢٨٩٦)، وهو حديث حسن بشواهده: عن ابن مسعود ﵁ عند أبي يعلى (٥٠٨٣)، وعن ابن عمر ﵄ عند ابن ماجه (٢٨٩٦)، وعن أنس، وعائشة ﵄، وفي كل منها ضعف؛ لكنه يصلح بها للاحتجاج، وهو مخرج في «الصحيحة» للألباني ﵀ (١٥٠٠).\nوالعج: رفع الصوت بالتلبية، والثَّجُّ: سَيلان دِمَاءِ الهدْي وَالْأَضَاحِي، كما في «النهاية»، لابن الأثير.\nقال شيخ الإسلام ﵀ في «شرح العمدة»: قَالَ أَصْحَابُنَا: وَيُسْتَحَبُّ رَفْعُ الصَّوْتِ بِهَا عَلَى حَسَبِ طَاقَتِهِ، وَلَا يَتَحَامَلُ فِي ذَلِكَ بِأَشَدِّ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ فَيَنْقَطِعُ كَالْأَذَانِ. اهـ.","vol":"1","page":325},{"text":"الشَّرحُ:\n\n<span data-type='title' id=toc-247>رفع الصوت بالتلبية خاص بالرجال</span>\nعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ قَالَ: لَا تَرْفَعُ الْمَرْأَةُ صَوْتَهَا بِالتَّلْبِيَةِ، أخرجه الدارقطني (٢/ ٢٩٥)، والبيهقي في «الكبرى» (٥/ ٤٦)، من طريق أَبِي دَاوُدَ الْحَفَرِيِّ عُمَرَ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَيدٍ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ به، وهذا سند صحيح، وعليه الإجماع.\nقال ابن عبد البر في «التمهيد» (١١/ ٨٤): وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ السُّنَّةَ فِي الْمَرْأَةِ أَنْ لَا تَرْفَعَ صَوْتَهَا، وَإِنَّمَا عَلَيْهَا أَنْ تُسْمِعَ نَفْسَهَا، فَخَرَجَتْ مِنْ جُمْلَةِ ظَاهِرِ الْحَدِيثِ، وَخُصَّتْ بِذَلِكَ، وَبَقِيَ الْحَدِيثُ فِي الرِّجَالِ. اهـ.\nقُلْتُ: هذه السنة لهنَّ، فقد استدل البيهقي في «الكبرى» (٥/ ٤٦)، تحت بَابِ الْمَرْأَةِ لَا تَرْفَعُ صَوْتَهَا بِالتَّلْبِيَةِ، لحديث: «إنَّما التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ، وَالتَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ»، أي: أنَّه لا يشرع لها إذا صلت خلف الرجال وسهى الإمام أن تسبح، بل تصفق، استدل ابن عبد البر بهذا الحديث، وأيضًا لم يُعلم بجهر أي إمرأة بالتلبية مع النَّبِيِّ ﷺ في حجة الوداع.\nوالعلة في عدم رفع صوتها بالتلبية، عدم الفتن بصوتها، فإذا كانت المرأة بين النساء ولا يسمع الرجال صوتها، فلها أن تذكر الله سرًّا وجهرًا، والتلبية من","vol":"1","page":326},{"text":"ذكر الله، وقد سبحت عَائِشَةُ ﵂ لما سألتها أسماء ﵂ في صلاة الكسوف، قَالَتْ: آيَةٌ؟ فَقَالَتْ عَائِشَةَ ﵂: سُبْحَانَ اللَّهِ، فدلَّ على منع المرأة من التسبيح عند الرجال، أما عند النساء فلها ذلك، ومثله هنا، والله أعلم، وتركها الرفع مطلقًا أولى.\nقال النووي في «شرح مسلم» (١٢٨١): قَوْلُهُ: (لَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى بَلَغَ الْجَمْرَةَ) دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَسْتَدِيمُ التَّلْبِيَةَ حَتَّى يَشْرَعَ فِي رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ غَدَاةَ يَوْمِ النَّحْرِ، وَهَذَا مَذْهَبُ … جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَفُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ، وَجُمْهُورِ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ: أَنَّهُ يُلَبِّي حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ يَوْمَ عَرَفَةَ وَلَا يُلَبِّي بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْوُقُوفِ وَقَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَبَعْضُ السَّلَفِ يُلَبِّي حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ.\nوَدَلِيلُ الْجُمْهُورِ هَذَا الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ مَعَ الْأَحَادِيثِ بَعْدَهُ وَلَا حُجَّةَ لِلْآخَرِينَ فِي مُخَالَفَتِهَا فَيَتَعَيَّنُ اتِّبَاعَ السُّنَّةِ.\nوَأَمَّا قوله في الرواية الأخرى: (لَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ): فَقَدْ يَحْتَجُّ بِهِ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ لِمَذْهَبِهِمَا، وَيُجِيبُ الْجُمْهُورُ عَنْهُ بِأَنَّ الْمُرَادَ حَتَّى شَرَعَ فِي الرَّمْيِ لِيُجْمَعَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ. اهـ.\nقُلْتُ: وقول الجمهور هذا هو الصواب بأدلته المذكورة.\nوعلى هذا فالتلبية بعد رمي جمرة العقبة يوم النحر محدثة؛ لخروج وقتها.","vol":"1","page":327},{"text":"قال النووي في «شرح المهذب» (٧/ ٢٤٥): وَلَا يُلَبِّي فِي طَوَافِ الْإِفَاضَةِ وَالْوَدَاعِ بِلَا خِلَافٍ لِخُرُوجِ وَقْتِ التَّلْبِيَةِ. اهـ.\nقُلْتُ: ومفاد عموم الحديث المذكور هنا: أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «الْعَجُّ، وَالثَّجُّ»، أنَّ من عجَّ بالتلبية بأي لغة سواء بالعربية أو غيرها، أنَّه أتى بالمشروع.\nقُلْنَا: وهذا عند العجز عن التلفظ بها كما ورد بها الحديث عربية، لقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، ولحديث: «حَوْلَهَا نُدَنْدِنُ»، أما من استطاع التلفظ بها عربية كما في الحديث، فلا يشرع له التلبية بغير العربية، فحديث: «الْعَجُّ»، مبين بغيره مما في الباب من ذكر ألفاظ ذلك العج بالعربية.\nولا يثبت ذكر أو دعاء عند الفراغ من التلبية، أما حديث خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا فَرَغَ مِنْ تَلْبِيَةٍ سَأَلَ اللَّهَ رِضْوَانَهُ وَالْجَنَّةَ، وَاسْتَعَاذَ بِرَحْمَتِهِ مِنَ النَّارِ»، فهو حديث ضعيف، أخرجه البيهقي (٥/ ٤٦)، والدارقطني، وفيه: صَالِحُ بْنُ مُحَمَّدِ الليثيُّ: منكر الحديث، كما في ترجمته من «الميزان» للذهبي.","vol":"1","page":328},{"text":"<span data-type='title' id=toc-249>[٤٧]- لا ينكر على من خلط التلبية بالتكبير</span>\n١٢٩ - عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، أَنَّهُ سُئلَ: كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ فِي هَذَا اليَوْمِ، مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ فَقَالَ: «كَانَ يُهِلُّ مِنَّا المُهِلُّ فَلَا يُنْكِرُ عَلَيْهِ، وَيُكَبِّرُ مِنَّا المُكَبِّرُ فَلَا يُنْكِرُ عَلَيْهِ» (^١).\n\n١٣٠ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄، قَالَ: أَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ التَّلْبِيَةَ مِثْلَ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «وَالنَّاسُ يَزِيدُونَ ذَا الْمَعَارِجِ» وَنَحْوَهُ مِنَ الْكَلَامِ وَالنَّبِيُّ ﷺ يَسْمَعُ فَلَا يَقُولُ لَهُمْ شَيْئًا (^٢).\n\nالشَّرحُ:\nقال النووي في «شرح مسلم» (١٢٨٥): فِيهِ: دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِهِمَا فِي الذَّهَابِ مِنْ مِنًى إِلَى عَرَفَاتٍ يَوْمَ عَرَفَةَ وَالتَّلْبِيَةُ أَفْضَلُ. اهـ.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٦٥٩)، ومسلم (١٢٨٥).\n(^٢) أخرجه أبو داود (١٨١٣)، وهو حديث صحيح.","vol":"1","page":329},{"text":"<span data-type='title' id=toc-250>معنى: (لَبَّيْكَ):</span>\nقال الحافظ ﵀ في «الفتح»: وَعَنِ الْفَرَّاءِ أنَّه مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَصْدَرِ وَأَصْلُهُ: (لَبًّا لَكَ)، فَثُنِّيَ عَلَى التَّأْكِيدِ أَيِ: (إِلْبَابًا بَعْدَ إِلْبَابٍ) وَهَذِهِ التَّثْنِيَةُ لَيْسَتْ حَقِيقِيَّةً، بَلْ هِيَ لِلتَّكْثِيرِ أَوِ الْمُبَالَغَةِ وَمَعْنَاهُ: (إِجَابَةً بَعْدَ إِجَابَة أَوْ إِجَابَة لَازِمَة)، - ثم ذكر الأقوال الأخرى؛ وقال: - وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ وَأَشْهَرُ لِأَنَّ الْمُحْرِمَ مُسْتَجِيبٌ لِدُعَاءِ اللَّهِ إِيَّاهُ فِي حَجِّ بَيْتِهِ. اهـ.\n\n<span data-type='title' id=toc-251>سببها</span>\nقال ابن عبد البر ﵀ في «التمهيد» (٨/ ٨٧): وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: إِنَّ مَعْنَى التَّلْبِيَةِ: إِجَابَةُ إِبْرَاهِيمَ ﵇ حِينَ أَذَّنَ بِالْحَجِّ فِي النَّاسِ.\nذَكَرَ سُنَيْدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ قَابُوسِ بْنِ أَبِي ظَبْيَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: (لَمَّا فَرَغَ إِبْرَاهِيمُ مِنْ بِنَاءِ الْبَيْتِ قِيلَ لَهُ أَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ قَالَ رَبِّ وَمَا يَبْلُغُ صَوْتِي قَالَ أَذِّنْ وَعَلَيَّ الْبَلَاغُ فَنَادَى إِبْرَاهِيمُ أَيُّهَا النَّاسُ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْحَجُّ إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ قَالَ فَسَمِعَهُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَفَلَا تَرَوْنَ النَّاسَ يُجِيبُونَ مِنْ أَقْطَارِ الْبِلَادِ يُلَبُّونَ). اهـ.\nقُلْتُ: وهذا إسناد ضعيف؛ لضعف قابوس بن أبي ظبيان، واحتمال أن يكون إسرائيليًّا؛ لأنه غير مرفوع.","vol":"1","page":330},{"text":"وتابع قابوسًا عطاء بن السائب وعنه ابن غزوان، وهو ممن روى عن عطاء بعد الاختلاط، وتابعه أيضًا أبو عاصم الغنوي، وهو ثقة؛ فالأثر صحيح.\nومن طريق سُفْيَانَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ من قوله، صحيح من طرق.\nوقال ابن عبد البر أيضًا: قَالَ: وَحَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الحج: ٢٧]، قَالَ: قَامَ إِبْرَاهِيمُ عَلَى مَقَامِهِ، فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَجِيبُوا رَبَّكُمْ فَقَالُوا: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، فَمَنْ حَجَّ الْيَوْمَ فَهُوَ مِمَّنْ أَجَابَ إِبْرَاهِيمَ يَوْمَئِذٍ.\nقُلْتُ: وهذا إسناد ضعيف؛ فقد سئل ابن معين: سمع ابن جريج من مجاهد؟ قال: حرفًا أو حرفين في القراءة، لم يسمع غير ذلك، وكذلك قال البرديجي وغيره. اهـ من «تحفة التحصيل».\nوله متابعات في «تفسير ابن جرير» عند الآية يثبت الأثر بها إلى مجاهد.\nولهذا قال الحافظ في «الفتح» (٣/ ٤٠٩) - بعد أن نقل قول ابن عبد البر -: وَهَذَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حَاتِم، بأسانيدهم فِي «تفاسيرهم» عَنْ ابن عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَعَطَاءٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَقَتَادَةَ، وَغَيْرِ وَاحِدٍ، وَالْأَسَانِيدُ إِلَيْهِمْ قَوِيَّةٌ، وَأَقْوَى مَا فِيهِ عَنِ ابن عَبَّاسٍ. اهـ.\nوصححه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في «شرح العمدة» (٤/ ٤١٠).","vol":"1","page":331},{"text":"<span data-type='title' id=toc-252>فضلها</span>\nقال الإمام الترمذي ﵀ (٨٢٨): حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُلَبِّي إِلَّا لَبَّى مَنْ عَنْ يَمِينِهِ، أَوْ عَنْ شِمَالِهِ مِنْ حَجَرٍ، أَوْ شَجَرٍ، أَوْ مَدَرٍ، حَتَّى تَنْقَطِعَ الأَرْضُ مِنْ هَاهُنَا وَهَاهُنَا».\nحَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّعْفَرَانِيُّ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الأَسْوَدِ أَبُو عَمْرٍو البَصْرِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبِيدَةُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ، وهذا حديث صحيح؛ بمتابعة عَبِيدَةُ بْنُ حُمَيْدٍ لإِسْمَاعِيلَ.\nوعَبِيدَةُ بْنُ حُمَيْدٍ: ثقة.","vol":"1","page":332},{"text":"<span data-type='title' id=toc-253>[٤٨]- من أين يدخل مكة؟ ومن أين يخرج إن تيسر ذلك؟</span>\n١٣١ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ مِنْ كَدَاءٍ مِنَ الثَّنِيَّةِ العُلْيَا الَّتِي بِالْبَطْحَاءِ، وَخَرَجَ مِنَ الثَّنِيَّةِ السُّفْلَى» (^١).\n\n١٣٢ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا جَاءَ إِلَى مَكَّةَ دَخَلَ مِنْ أَعْلَاهَا، وَخَرَجَ مِنْ أَسْفَلِهَا» (^٢).\n\n١٣٣ - وأخرج البخاري (^٣)، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَامَ الفَتْحِ مِنْ كَدَاءٍ، وَخَرَجَ مِنْ كُدًا مِنْ أَعْلَى مَكَّةَ».\nقال الحافظ ابن حجر في «الفتح»: لِأَنَّ عروة رَأَى أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِحَتْمٍ لَازِمٍ وَكَانَ رُبَّمَا فَعَلَهُ وَكَثِيرًا مَا يَفْعَلُ غَيْرَهُ بِقَصْدِ التَّيْسِيرِ. اهـ.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٥٧٦)، مسلم (١٢٥٧).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٥٧٧)، مسلم (١٢٥٨).\n(^٣) رقم: (١٥٧٩).","vol":"1","page":333},{"text":"<span data-type='title' id=toc-254>[٤٩]- صلاة ركعتي الطواف لكل سبعة أشواط في أي وقت من ليل أو نهار</span>\n١٣٤ - عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ﵁، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ، قَالَ: «لَا تَمْنَعُوا أَحَدًا يَطُوفُ بِهَذَا الْبَيْتِ وَيُصَلِّي أَيَّ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ»، قَالَ الْفَضْلُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: «يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، لَا تَمْنَعُوا أَحَدًا» (^١).\n\nقال الصنعاني ﵀ في «سبل السلام» (١/ ١٧٠): فَالْجُمْهُورُ عَمِلُوا بِأَحَادِيثِ النَّهْيِ تَرْجِيحًا لِجَانِبِ الْكَرَاهَةِ؛ وَلِأَنَّ أَحَادِيثَ النَّهْيِ ثَابِتَةٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا، وَهِيَ أَرْجَحُ مِنْ غَيْرِهَا.\n_________\n(^١) وهو حديث صحيح، أخرجه أبو داود (١٩٨٤)، والترمذي (٨٦٨)، والنسائي (٢٩٢٤)، وابن ماجه (١٢٥٤)، وأحمد (٤/ ٨٠)، رقم (١٦٧٣٦)، من طريق سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، قال: حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بَابَاهُ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، به، وأبو الزبير مدلس؛ لكنه قد توبع، قال الترمذي: حَدِيثُ جُبَيْرٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَقَدْ رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَابَاهَ. اهـ.\nوأخرجه أحمد (١٦٧٧٤)، والنسائي (٥٨٦)، من طريق ابْنِ جُرَيْجٍ، وسُفْيَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ بَابِيهِ، فذكره.","vol":"1","page":334},{"text":"وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ إلَى الْعَمَلِ بِهَذَا الْحَدِيثِ، قَالُوا: لِأَنَّ أَحَادِيثَ النَّهْيِ قَدْ دَخَلَهَا التَّخْصِيصُ بِالْفَائِتَةِ، وَالنَّوْمِ عَنْهَا، وَالنَّافِلَةِ الَّتِي تُقْضَى، فَضَعَّفُوا جَانِبَ عُمُومِهَا، فَتُخَصَّصُ أَيْضًا بِهَذَا الْحَدِيثِ. وَلَا تُكْرَهُ النَّافِلَةُ بِمَكَّةَ فِي أَيِّ سَاعَةٍ مِنْ السَّاعَاتِ، وَلَيْسَ هَذَا خَاصًّا بِرَكْعَتَيْ الطَّوَافِ. اهـ.\nقُلْتُ: والقول بتخصيص ركعتي الطواف كونها من ذوات الأسباب هو الصواب، كما يدل عليه إنكار عائشة ﵂ في الحديث الآتي بعد هذا.\nوبعدم تعميم الرخصة في كل النوافل في الحرم قال الشوكاني في «النيل» كتاب الصلاة رقم: (٩٩٤)، وآخرون.","vol":"1","page":335},{"text":"١٣٥ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ نَاسًا طَافُوا بِالْبَيْتِ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، ثُمَّ قَعَدُوا إِلَى المُذَكِّرِ، حَتَّى إِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ قَامُوا يُصَلُّونَ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: قَعَدُوا، حَتَّى إِذَا كَانَتِ السَّاعَةُ الَّتِي تُكْرَهُ فِيهَا الصَّلَاةُ، قَامُوا يُصَلُّونَ (^١).\n\nقال النووي في «شرح مسلم» (١٢١٨): أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِكُلِّ طَائِفٍ إِذَا فَرَغَ مِنْ طَوَافِهِ أَنْ يُصَلِّيَ خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ وَاخْتَلَفُوا هَلْ هُمَا واجبتان أم سنتان، أم واجبة في الطواف الواجب، وسنة في المستحب، ونقل بعده عن الجمهور أنَّها سنة. اهـ.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٦٢٨).","vol":"1","page":336},{"text":"١٣٦ - عن عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، قَالَ: رَأَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ يَطُوفُ بَعْدَ الفَجْرِ وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ (^١).\n\nوبوب البخاري (٦٩) من الحج، بَابٌ: صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ لِسُبُوعِهِ رَكْعَتَيْنِ، وَقَالَ نَافِعٌ، كَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يُصَلِّي لِكُلِّ سُبُوعٍ رَكْعَتَيْنِ، وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ: قُلْتُ لِلزُّهْرِيِّ: إِنَّ عَطَاءً يَقُولُ: تُجْزِئُهُ المَكْتُوبَةُ مِنْ رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ؟ فَقَالَ: السُّنَّةُ أَفْضَلُ، لَمْ يَطُفِ النَّبِيُّ ﷺ سُبُوعًا قَطُّ إِلَّا صَلَّى رَكْعَتَيْنِ.\nقُلْتُ: والأصح أنَّه لا يجزئ عنهما ركعتا الصبح الفريضة، أو الرباعية عن سبوعين، بل يصلي ركعتي الطواف بعد المكتوبة؛ لأنها سنة لم تجزئ عنها الفريضة، كركعتي الفجر السنة لم تجزئ عنها فريضة الفجر، انظر «المغني» لابن قدامة (٦/ ٢٤٨).\nبوب البخاري في الحَجِّ باب (٧١)، مَنْ صَلَّى رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ خَارِجًا مِنَ المَسْجِدِ، وساق عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أنها طَافَتْ بِالْبَيْتِ ولَمْ تُصَلِّ حَتَّى خَرَجَتْ.\nقال الحافظ ابن حجر: هَذِهِ التَّرْجَمَةُ مَعْقُودَةٌ لِبَيَانِ إِجْزَاءِ صَلَاةِ رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ أَرَادَ الطَّائِفُ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ خَلْفَ الْمَقَامَ أَفْضَلَ وَهُوَ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ. اهـ.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٦٣٠).","vol":"1","page":337},{"text":"<span data-type='title' id=toc-257>[٥٠]- الكلام في الطواف، ومن قال: بوجوب الطهارة له</span>\n١٣٧ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ وَهُوَ يَطُوفُ بِالكَعْبَةِ بِإِنْسَانٍ رَبَطَ يَدَهُ إِلَى إِنْسَانٍ بِسَيْرٍ - أَوْ بِخَيْطٍ أَوْ بِشَيْءٍ غَيْرِ ذَلِكَ -، فَقَطَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: «قُدْهُ بِيَدِهِ» (^١).\n\nهذا الحديث بوب عليه البخاري ﵀ رقم (١٦٢٠)، في كِتَابِ الْحَجِّ، بَاب: الْكَلَامِ فِي الطَّوَافِ.\nقال الحافظ ابن حجر في «الفتح»: أَيْ: إِبَاحَتِهِ.\nقَالَ بن بَطَّالٍ: فِيهِ الْكَلَامُ فِي الْأُمُور الْوَاجِبَة والمستحبة والمباحة.\nقَالَ بن الْمُنْذِرِ: أَوْلَى مَا شَغَلَ الْمَرْءُ بِهِ نَفْسَهُ فِي الطَّوَافِ ذِكْرُ اللَّهِ، وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ، وَلَا يَحْرُمُ الْكَلَامُ الْمُبَاحُ إِلَّا أَنَّ الذِّكْرَ أَسْلَمُ. اهـ.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٦٢٠).","vol":"1","page":338},{"text":"قُلْتُ: ودليل ذلك حديث عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّمَا جُعِلَ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَرَمْيُ الْجِمَارِ؛ لِإِقَامَةِ ذِكْرِ اللهِ تَعَالَى» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (١٨٩٢)، والترمذي (٩٠٢)، وابن الجارود (٤٥٧)، وأحمد (٦/ ٦٤)، وهو حديث حسن.","vol":"1","page":339},{"text":"١٣٨ - عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ القُرَشِيِّ، أَنَّهُ سَأَلَ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ فَقَالَ: قَدْ حَجَّ النَّبِيُّ ﷺ، فَأَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ ﵂: «أَنَّهُ أَوَّلُ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ حِينَ قَدِمَ أَنَّهُ تَوَضَّأَ، ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةً» (^١).\n\nقال النووي في «شرحه على مسلم» تحت حديث (١٢٣٥): قَوْلُهُ: (أَوَّلُ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ أَنَّهُ تَوَضَّأَ ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ): فِيهِ دَلِيلٌ لِإِثْبَاتِ الْوُضُوءِ لِلطَّوَافِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَعَلَهُ، ثُمَّ قَالَ ﷺ: «لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ».\nوَقَدْ أَجْمَعَتِ الْأَئِمَّةُ عَلَى أَنَّهُ يُشْرَعُ الْوُضُوءُ لِلطَّوَافِ؛ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ وَاجِبٌ وَشَرْطٌ لِصِحَّتِهِ أَمْ لَا؟\nفَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَالْجُمْهُورُ: هُوَ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الطَّوَافِ.\nوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: مُسْتَحَبٌّ لَيْسَ بِشَرْطٍ.\nوَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ: أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مَعَ حَدِيثِ «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» يَقْتَضِيَانِ أَنَّ الطَّوَافَ وَاجِبٌ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَا فَعَلَهُ هُوَ دَاخِلٌ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٦٤١)، تحت بَاب الطَّوَافِ عَلَى وُضُوءٍ، ومسلم (١٢٣٥)، تحت بَاب مَا يَلْزَمُ، مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ.","vol":"1","page":340},{"text":"فِي الْمَنَاسِكِ فَقَدْ أمرنا بأخذ المناسك.\nوفي حديث بن عَبَّاسٍ فِي التِّرْمِذِيِّ، وَغَيْرِهِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ إِلَّا أَنَّ اللَّهَ أَبَاحَ فِيهِ الْكَلَامَ»؛ وَلَكِنَّ رَفْعَهُ ضَعِيفٌ، وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الْحُفَّاظِ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ على بن عَبَّاسٍ، وَتَحْصُلُ بِهِ الدَّلَالَةُ مَعَ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ؛ لِأَنَّهُ قَوْلٌ لِصَحَابِيٍّ انْتَشَرَ، وَإِذَا انْتَشَرَ قَوْلُ الصَّحَابِيِّ بِلَا مُخَالَفَةٍ كَانَ حُجَّةً عَلَى الصَّحِيحِ. اهـ.","vol":"1","page":341},{"text":"١٣٩ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: قَدِمْتُ مَكَّةَ وَأَنَا حَائِضٌ، وَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، قَالَتْ: فَشَكَوْتُ ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: «افْعَلِي كَمَا يَفْعَلُ الحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي» (^١).\n\n١٤٠ - عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الطَّوَافُ حَوْلَ البَيْتِ مِثْلُ الصَّلَاةِ، إِلَّا أَنَّكُمْ تَتَكَلَّمُونَ فِيهِ، فَمَنْ تَكَلَّمَ فِيهِ فَلَا يَتَكَلَّمَنَّ إِلَّا بِخَيْرٍ» (^٢).\n\n١٤١ - عَنْ طَاوُسٍ، عَنْ رَجُلٍ، أَدْرَكَ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ، فَأَقِلُّوا مِنَ الْكَلَامِ» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٦٥٠)، ومسلم (١٢١١)، مطولًا.\n(^٢) أخرجه الترمذي (٩٦٠)، والحاكم (٤٥٩)، وابن خزيمة (٢٧٣٩).\n(^٣) أخرجه النسائي (٢٩٢٢)، وأحمد (٤/ ٦٤)، وعبد الرزاق في «المصنف» (٩٧٨٨)، وتابعه رَوْحٌ، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي حَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ طَاوُسٍ به، قَالَ عَبْدُ اللهِ بن أحمد قَالَ أَبِي: وَلَمْ يَرْفَعْهُ مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، وهذا إسناد رجاله ثقات.\nقال الحافظ في «التلخيص»: الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُبْهَمَ فِيهَا هُوَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ غَيْرُهُ فَلَا يَضُرُّ إبْهَامَ الصَّحَابَةِ. اهـ.\nقال الترمذي (٩٦٠): وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الحَدِيثُ، عَنِ ابْنِ طَاوُوسٍ وَغَيْرِهِ، عَنْ طَاوُوسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا، وَلَا نَعْرِفُهُ مَرْفُوعًا إِلاَّ مِنْ حَدِيثِ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ.\nوَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ العِلْمِ: يَسْتَحِبُّونَ أَنْ لَا يَتَكَلَّمَ الرَّجُلُ فِي الطَّوَافِ إِلاَّ لِحَاجَةٍ، أَوْ بِذِكْرِ اللهِ تَعَالَى، أَوْ مِنَ العِلْمِ. اهـ.","vol":"1","page":342},{"text":"قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٢٦/ ٢٢٠): وَلَيْسَ فِي الْمَنَاسِكِ مَا تَجِبُ لَهُ الطَّهَارَةُ إلَّا الطَّوَافَ فَإِنَّ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ تَجِبُ لَهُ الطَّهَارَةُ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، وَأَمَّا الطَّوَافُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَفِيهِ نِزَاعٌ وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ لَا تَجِبُ لَهُ الطَّهَارَةُ وَمَا سِوَى ذَلِكَ لَا تَجِبُ لَهُ الطَّهَارَةُ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ. اهـ.\nقال ابن المنذر في «الإشراف» (٣/ ٣٦٣): ثبت أنَّ نَبِيَّ الله ﷺ قال لعائشة وقد حاضت وهي محرمة: «اقضي ما يقضي الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت»، مع قوله في قصة صفية: «أحابستنا هي»، ففي ذلك دليل على أنَّ الطواف بالبيت لا يجزئ إلا لطاهر، فمن طاف بالبيت جنبًا، أو على غير وضوء، أو كانت المرأة حائضًا، أو نفساء فهو بمعنى: (من لم يطف)، وهذا قول عامة أهل العلم. اهـ.\nقُلْتُ: إذا انضم إلى هذا الحديث أنَّ الطواف بالبيت صلاة إلى نهيه للمحدثة عن الطواف، كما في هذه الأحاديث مع فعله وأنه لم يطف إلا على طهارة، قوي بذلك قول جمهور العلماء على أنَّه يشترط للطواف الطهارة.","vol":"1","page":343},{"text":"<span data-type='title' id=toc-261>[٥١]- فضل استلام الحجر، وتقبيله أو الإشارة إليه في الطواف مع التكبير حال الإشارة</span>\n١٤٢ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَرْجِسَ، قَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ يُقَبِّلُ الْحَجَرَ، وَيَقُولُ: وَاللَّهِ، إِنِّي لَأُقَبِّلُكَ، وَإِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ، وَأَنَّكَ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَبَّلَكَ مَا قَبَّلْتُكَ (^١).\n\n١٤٣ - عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ ﵁، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ يَقْدَمُ مَكَّةَ «إِذَا اسْتَلَمَ الرُّكْنَ الأَسْوَدَ، أَوَّلَ مَا يَطُوفُ: يَخُبُّ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ مِنَ السَّبْعِ» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٥٩٧)، ومسلم (١٢٧٠).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٦٠٣)، ومسلم (١٢٦١).","vol":"1","page":344},{"text":"١٤٤ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ طَافَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ عَلَى بَعِيرٍ، يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ» (^١).\n\n١٤٥ - عَنْ جَابِرٍ ﵁، قَالَ: «طَافَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالْبَيْتِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ عَلَى رَاحِلَتِهِ يَسْتَلِمُ الْحَجَرَ بِمِحْجَنِهِ، لِأَنْ يَرَاهُ النَّاسُ وَلِيُشْرِفَ وَلِيَسْأَلُوهُ، فَإِنَّ النَّاسَ غَشُوهُ» (^٢).\n\n١٤٦ - عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ، قَالَ: «رَأَيْتُ عُمَرَ قَبَّلَ الْحَجَرَ وَالْتَزَمَهُ، وَقَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِكَ حَفِيًّا» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٦٠٧)، ومسلم (١٢٧٢)، وفي لفظ للبخاري (١٦١٢)، وبوب عليه بَابُ مَنْ أَشَارَ إِلَى الرُّكْنِ إِذَا أَتَى عَلَيْهِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: «طَافَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْبَيْتِ عَلَى بَعِيرٍ، كُلَّمَا أَتَى عَلَى الرُّكْنِ أَشَارَ إِلَيْهِ».\nقال الحافظ ابن حجر في «الفتح» في شرح حديث (١٦٠٧): قَالَ الْجُمْهُورُ: أَنَّ السُّنَّةَ أَنْ يَسْتَلِمَ الرُّكْنَ وَيُقَبِّلَ يَدَهُ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَسْتَلِمَهُ بِيَدِهِ اسْتَلَمَهُ بِشَيْءٍ فِي يَدِهِ، وَقَبَّلَ ذَلِكَ الشَّيْءَ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَشَارَ إِلَيْهِ وَاكْتَفَى بِذَلِكَ. اهـ.\n(^٢) أخرجه مسلم (١٢٧٣).\n(^٣) أخرجه مسلم (١٢٧١).","vol":"1","page":345},{"text":"١٤٧ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «نَزَلَ الحَجَرُ الأَسْوَدُ مِنَ الجَنَّةِ، وَهُوَ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ فَسَوَّدَتْهُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ» (^١).\n\n١٤٨ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الحَجَرِ: «وَاللَّهِ لَيَبْعَثَنَّهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ لَهُ عَيْنَانِ يُبْصِرُ بِهِمَا، وَلِسَانٌ يَنْطِقُ بِهِ، يَشْهَدُ عَلَى مَنْ اسْتَلَمَهُ بِحَقٍّ» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-262>شرح بعض هذه الأحاديث:</span>\nقال المباركفوري «تحفة الأحوذي»: قَوْلُهُ: (وَهُوَ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ)، جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ، «فَسَوَّدَتْهُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ»، قَالَ فِي «الْمِرْقَاةِ»: أَيْ: صَارَتْ ذُنُوبُ بَنِي آدَمَ الَّذِينَ يَمْسَحُونَ الْحَجَرَ سَبَبًا لِسَوَادِهِ وَالْأَظْهَرُ حَمْلُ الْحَدِيثِ عَلَى حَقِيقَتِهِ إِذْ\n_________\n(^١) حديث حسن، أخرجه النسائي (٢٩٣٥)، والترمذي (٨٧٧)، وأحمد (١/ ٣٠٧)، وله شاهد عند أحمد (٢/ ٢١٣)، والترمذي (٨٧٨)، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄.\n(^٢) أخرجه الترمذي (٩٦١)، وابن ماجه (٢٩٤٤)، وأحمد رقم: (٢٧٩٦، ٢٢١٥)، ومواضع أخرى، وابن خزيمة (٢٧٣٥)، وابن حبان (٣٧١٢)، من طريق عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ به، وسنده حسن.\nونقل المباركفوري في شرحه لهذا الحديث: قَوْلُهُ: «يَشْهَدُ عَلَى مَنِ اسْتَلَمَهُ» أي: لِمَنْ اسْتَلَمَهُ، وقَوْلُهُ: «بِحَقٍّ»: أَيْ: إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، وَقيل: متعلق بـ (يشهد)، أي: شهادة حق. اهـ. والمعنيان صحيحان.","vol":"1","page":346},{"text":"لَا مَانِعَ نَقْلًا وَلَا عَقْلًا.\nوَفِي الْحَدِيثِ: «إِذَا أَذْنَبَ الْعَبْدُ نُكِتَتْ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، فَإِذَا أَذْنَبَ نُكِتَتْ فِيهِ نُكْتَةٌ أُخْرَى»، وَهَكَذَا حَتَّى يسود قلبه جميعه وَيَصِيرَ مِمَّنْ قَالَ فِيهِمْ: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾ [المطففين: ١٤]، وَالْحَاصِلُ: أَنَّ الْحَجَرَ بِمَنْزِلَةِ الْمِرْآةِ الْبَيْضَاءِ فِي غَايَةٍ مِنَ الصَّفَاءِ وَيَتَغَيَّرُ بِمُلَاقَاةِ مَا لَا يُنَاسِبُهُ مِنَ الْأَشْيَاءِ حَتَّى يَسْوَدَّ لَهَا جَمِيعُ الْأَجْزَاءِ، وَفِي الْجُمْلَةِ الصُّحْبَةُ لَهَا تَأْثِيرٌ بِإِجْمَاعِ العقلاء. انتهى كلام القارئ باختصار.\nقال الحافظ بن الحجر (٣/ ٤٦٣): وَاعْتَرَضَ بَعْضُ الْمُلْحِدِينَ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ، فَقَالَ: كَيْفَ سَوَّدَتْهُ خَطَايَا الْمُشْرِكِينَ، وَلَمْ تُبَيِّضْهُ طَاعَاتُ أهل التوحيد، وأجيب بما قال بن قُتَيْبَةَ: لَوْ شَاءَ اللَّهُ لَكَانَ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا أَجْرَى اللَّهُ الْعَادَةَ بِأَنَّ السَّوَادَ يَصْبُغُ، وَلَا يَنْصَبِغُ عَلَى الْعَكْسِ مِنَ الْبَيَاضِ.\nوَقَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ: فِي بَقَائِهِ أَسْوَدَ عِبْرَةٌ لِمَنْ لَهُ بَصِيرَةٌ؛ فَإِنَّ الْخَطَايَا إِذَا أَثَّرَتْ فِي الْحَجَرِ الصَّلْدِ فَتَأْثِيرُهَا فِي الْقَلْبِ أَشَدُّ، قَالَ: وَرُوِيَ عن بن عَبَّاسٍ: إِنَّمَا غَيَّرَهُ بِالسَّوَادِ لِئَلَّا يَنْظُرَ أَهْلُ الدُّنْيَا إِلَى زِينَةِ الْجَنَّةِ، فَإِنْ ثَبَتَ فَهَذَا هو الجواب.\nقال الحافظ بن حَجَرٍ: أَخْرَجَهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي فَضَائِلِ مَكَّةَ بِإِسْنَادٍ ضعيف. اهـ.\nقال النووي في «شرح مسلم» (١٢٦٧): وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُمَا: الْيَمَانِيَانِ، لِلتَّغْلِيبِ كَمَا قِيلَ","vol":"1","page":347},{"text":"فِي الْأَبِ وَالْأُمِّ: الْأَبَوَانِ، وَفِي الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ: الْقَمَرَانِ، وَفِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄: الْعُمَرَانِ، وَفِي الْمَاءِ وَالتَّمْرِ: الْأَسْوَدَانِ، وَنَظَائِرُهُ مَشْهُورَةٌ.\nوَأَمَّا قَوْلُهُ: (يَمْسَحُ)، فَمُرَادُهُ يَسْتَلِمُ، وَسَبَقَ بَيَانُ الِاسْتِلَامِ.\nوَاعْلَمْ أَنَّ لِلْبَيْتِ أَرْبَعَةَ أَرْكَانٍ: الرُّكْنُ الْأَسْوَدُ، وَالرُّكْنُ الْيَمَانِيُ، وَيُقَالُ لَهُمَا: الْيَمَانِيَانِ، كَمَا سَبَقَ، وَأَمَّا الرُّكْنَانِ الْآخَرَانِ، فَيُقَالُ لَهُمَا: الشَّامِيَّانِ.\nفَالرُّكْنُ الْأَسْوَدُ فِيهِ، فَضِيلَتَانِ:\n• إِحْدَاهُمَا: كَوْنُهُ عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ ﷺ.\n• وَالثَّانِيَةُ: كَوْنُهُ فِيهِ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ.\nوَأَمَّا الْيَمَانِيُ فَفِيهِ فَضِيلَةٌ وَاحِدَةٌ وَهِيَ كَوْنُهُ عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ.\nوَأَمَّا الرُّكْنَانِ الْآخَرَانِ فَلَيْسَ فِيهِمَا شَيْءٌ مِنْ هَاتَيْنِ الْفَضِيلَتَيْنِ فَلِهَذَا خُصَّ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ بِشَيْئَيْنِ الِاسْتِلَامِ، وَالتَّقْبِيلِ لِلْفَضِيلَتَيْنِ، وَأَمَّا الْيَمَانِيُ فَيَسْتَلِمُهُ وَلَا يُقَبِّلُهُ لِأَنَّ فِيهِ فَضِيلَةً وَاحِدَةً، وَأَمَّا الرُّكْنَانِ الْآخَرَانِ فَلَا يُقَبَّلَانِ وَلَا يُسْتَلَمَانِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\nوَقَدْ أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى اسْتِحْبَابِ اسْتِلَامِ الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ، وَاتَّفَقَ الْجَمَاهِيرُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَمْسَحُ الرُّكْنَيْنِ الْآخَرَيْنِ.\nقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: أَجْمَعَتْ أَئِمَّةُ الْأَمْصَارِ وَالْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُمَا لَا يُسْتَلَمَانِ قَالَ وَإِنَّمَا كَانَ فِيهِ خِلَافٌ لِبَعْضِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَانْقَرَضَ الْخِلَافُ وَأَجْمَعُوا عَلَى","vol":"1","page":348},{"text":"أَنَّهُمَا لَا يُسْتَلَمَانِ.\nقَوْلُهُ: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ لَا يَسْتَلِمُ إِلَّا الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ، وَالرُّكْنَ الْيَمَانِيَ)، يَحْتَجُّ بِهِ الْجُمْهُورُ، فِي أَنَّهُ يَقْتَصِرُ بِالِاسْتِلَامِ فِي الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ عَلَيْهِ دُونَ الرُّكْنِ الَّذِي هُوَ فِيهِ.\nقوله: (رأيت بن عُمَرَ يَسْتَلِمُ الْحَجَرَ بِيَدِهِ ثُمَّ قَبَّلَ يَدَهُ وَقَالَ مَا تَرَكْتُهُ مُنْذُ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُهُ)، فِيهِ اسْتِحْبَابُ تَقْبِيلِ الْيَدِ بَعْدَ اسْتِلَامِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ إِذَا عَجَزَ عَنْ تَقْبِيلِ الْحَجَرِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ عَجَزَ عَنْ تَقْبِيلِ الْحَجَرِ وَإِلَّا فَالْقَادِرُ يُقَبِّلُ الْحَجَرَ وَلَا يَقْتَصِرُ فِي الْيَدِ عَلَى الِاسْتِلَامِ بِهَا، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنَ اسْتِحْبَابِ تَقْبِيلِ الْيَدِ بَعْدَ الِاسْتِلَامِ لِلْعَاجِزِ هُوَ مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ.\nقَوْلُهُ: (قَبَّلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ الْحَجَرَ ثُمَّ قَالَ: أَمْ وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّكَ حَجَرٌ وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ)، وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى: (وَإِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ وَأَنَّكَ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ).\nثم قال النووي: هَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ فَوَائِدُ:\n• مِنْهَا: اسْتِحْبَابُ تَقْبِيلِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ فِي الطَّوَافِ بَعْدَ اسْتِلَامِهِ.\n• وَكَذَا يُسْتَحَبُّ السُّجُودُ عَلَى الْحَجَرِ أَيْضًا بِأَنْ يَضَعَ جَبْهَتَهُ عَلَيْهِ فَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْتَلِمَهُ ثُمَّ يُقَبِّلَهُ ثُمَّ يَضَعَ جَبْهَتَهُ عَلَيْهِ هَذَا مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ وَحَكَاهُ ابْنُ","vol":"1","page":349},{"text":"الْمُنْذِرِ عن عمر بن الخطاب وبن عَبَّاسٍ وَطَاوُسٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ قَالَ: وَبِهِ أَقُولُ، قَالَ: وَقَدْ رُوِّينَا فِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.\nوَانْفَرَدَ مَالِكٌ عَنِ الْعُلَمَاءِ، فَقَالَ: السُّجُودُ عَلَيْهِ بِدْعَةٌ، وَاعْتَرَفَ الْقَاضِي عِيَاضٌ الْمَالِكِيُّ بِشُذُوذِ مَالِكٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَنِ الْعُلَمَاءِ. اهـ.\nوقال ابن المنذر في «الإشراف» (٢٧١):\nباب السجود على الحجر:\nقال أبو بكر: كان عمر بن الخطاب، وابن عباس، يسجدان على الحجر.\nوفعل ذلك طاووس، وبه قال الشافعي، وأحمد بن حنبل.\nوأنكر مالك من بين الناس ذلك وقال: بدعة.\nوبما روى عن عمر، وابن عباس نقول.\nقال أبو بكر: وقد روينا فيه عن النبي ﷺ حديثًا أنه فعل ذلك. اهـ.\nقُلْتُ: أما المرفوع عن عمر فلم يثبت؛ وإنما عن ابن عباس ﵄، وطاوس، أما المرفوع فأخرجه الطيالسي (٢٨)، وابن خزيمة (٢٧١٤)، وأبو يعلى (٢١٩)، والحاكم (١/ ٤٤٥).\nومدار الكلام على ما ذكر الإمام العقيلي في «الضعفاء» (٢٣٠) في ترجمة جَعْفَرِ","vol":"1","page":350},{"text":"بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قال: جَعْفَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ الْحُمَيْدِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ قَبَّلَ الْحَجَرَ ثُمَّ سَجَدَ عَلَيْهِ».\nوَرَوَاهُ أَبُو عَاصِمٍ، وَأَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، عَنْ جَعْفَرٍ، فَقَالَا: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عُمَرَ، مَرْفُوعًا.\nوَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ: أَنَّهُ رَأَى ابْنَ عَبَّاسٍ قَبَّلَ الْحَجَرَ وَسَجَدَ عَلَيْهِ، حَدِيثُ ابْنِ جُرَيْجٍ أَوْلَى. اهـ.\nقُلْتُ: وهذا سند إلى ابن عباس صحيح، موقوفًا عليه؛ ولهذا قال العقيلي: أنه أولى، ونقل الذهبي ﵀ في «ميزان الاعتدال» كلام العقيلي في ترجمة جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ الْحُمَيْدِيِّ هذا، ولم يزد عليه.\nقُلْتُ: وثبت السجود على الحجر عن طاوس بن كيسان عند ابن أبي شيبة في «المصنف» (١٤٩٧٩)، قال: حَدَّثنا وَكِيعٌ، عَنْ حَنْظَلَةَ، قَالَ: رَأَيْتُ طَاوُوسًا فَعَلَهُ، يَعْنِي: سَجَدَ عَلَيهِ. اهـ. وهذا سند صحيح.\nفلا يثبت عن النَّبِيِّ ﷺ كما ترى، ولا عن عمر ﵁ عند الطيالسي، وعنه في «مسند أبي يعلى» رقم (٢١٩)، فإنه من طريق مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، ولم يدرك عمر.","vol":"1","page":351},{"text":"ونقل ابن تيمية في «شرح العمدة» (٥/ ١٥٩)، أنَّه ذكر للإمام أحمد حديث السجود على الحجر فحسنه، واستشهد به شيخ الإسلام بحديث: أنَّ عُمَرَ قَبَّلَ الْحَجَرَ وَالْتَزَمَهُ، وَقَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِكَ حَفِيًّا»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١٢٧١). اهـ.\nقُلْتُ: ولا دلالة فيه على أنَّ النَّبِيَّ ﷺ سجد عليه.\nوالحاصل: أنه لا يثبت عن النَّبِيِّ ﷺ السجود على الحجر الأسود، ولا عن أحد من الصحابة حسب ما مرَّ بنا في بحث هذه المسألة غير ابن عباس، وهذا اجتهاد منه ﵁.\nوقول العلامة الألباني ﵀ في «إرواء الغليل» (٣١٢): (فيبدو من مجموع ما سبق أنَّ السجود على الحجر ثابت مرفوعًا وموقوفًا)، فيه نظر، وخير الهدي هدي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، والسجود عبادة لحديث: «أَنَّكَ لَنْ تَسْجُدَ لِلَّهِ سَجْدَةً إِلَّا رَفَعَ اللهُ لَكَ بِهَا دَرَجَةً، وَحَطَّ عَنْكَ بِهَا خَطِيئَةً»، والعبادة توقيفية.\nقال النووي: وَأَمَّا الرُّكْنُ الْيَمَانِيُ فَيَسْتَلِمُهُ وَلَا يُقَبِّلُهُ، وَأَمَّا قَوْلُ عُمَرَ ﵁: لَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّكَ حَجَرٌ، وَإِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّكَ حجر وأنت لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، فَأَرَادَ بِهِ بَيَانَ الْحَثِّ عَلَى الِاقْتِدَاءِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي تَقْبِيلِهِ وَنَبَّهَ عَلَى أَنَّهُ أولا الِاقْتِدَاءُ بِهِ لَمَا فَعَلَهُ، وَإِنَّمَا قَالَ: وَإِنَّكَ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ لِئَلَّا يَغْتَرَّ بَعْضُ قربى الْعَهْدِ بِالْإِسْلَامِ الَّذِينَ كَانُوا أَلِفُوا عِبَادَةَ الْأَحْجَارِ وتعظيمًا ورجاء نفعها وخوف الضر بِالتَّقْصِيرِ فِي","vol":"1","page":352},{"text":"تَعْظِيمِهَا وَكَانَ الْعَهْدُ قَرِيبًا بِذَلِكَ فَخَافَ عُمَرُ ﵁ أَنْ يَرَاهُ بَعْضُهُمْ يُقَبِّلُهُ وَيَعْتَنِي بِهِ فَيَشْتَبِهَ عَلَيْهِ فَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ بِذَاتِهِ، وَإِنْ كَانَ امْتِثَالُ مَا شَرَعَ فِيهِ يَنْفَعُ بِالْجَزَاءِ وَالثَّوَابِ.\nفَمَعْنَاهُ: أَنَّهُ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى نَفْعٍ وَلَا ضَرٍّ وَأَنَّهُ حَجَرٌ مَخْلُوقٌ كَبَاقِي الْمَخْلُوقَاتِ الَّتِي لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ وَأَشَاعَ عُمَرُ هَذَا فِي الْمَوْسِمِ لِيُشْهَدَ فِي الْبُلْدَانِ ويحفظه عنه أهل الموسم المختلفوا الْأَوْطَانِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. اهـ.","vol":"1","page":353},{"text":"<span data-type='title' id=toc-266>[٥٢]- فضل استلام الركنين ومسحهما حال الطواف وحكم المزاحمة في ذلك</span>\n١٤٩ - عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ لَا يَدَعُ أَنْ يَسْتَلِمَ الْحَجَرَ، وَالرُّكْنَ الْيَمَانِي فِي كُلِّ طَوَافٍ (^١).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٤٦٨٦)، فقال: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنِ ابْنِ أَبِي رَوَّادٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، به.\nومن طريق عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ، أخرجه أبو داود رقم (١٨٧٦)، والنسائي (٢٩٥٠)، وابن خزيمة في «صحيحه» (٢٧٢٣)، والحاكم (١/ ٤٥٦)، والبيهقي.\nوابْنُ أَبِي رَوَّادٍ، قال الحافظ في «التقريب»: صدوق عابد ربما وهم. اهـ.\nوقد أطلق توثيقه جماعة من الأئمة: كالقطان، وابن معين، وأبي حاتم الرازي، فهو ثقة، وإن نزل عن ذلك فصدوق، فالحديث حسن.","vol":"1","page":354},{"text":"١٥٠ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَا أَرَاكَ تَسْتَلِمُ إِلَّا هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ؟ قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ مَسْحَهُمَا: يَحُطَّانِ الْخَطِيئَةَ».\n\nوَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «مَنْ طَافَ سَبْعًا، فَهُوَ كَعِدْلِ رَقَبَةٍ» (^١).\n_________\n(^١) حسن، أخرجه الترمذي (٩٥٩)، والنسائي (٢٩١٩)، وأحمد رقم (٤٤٦٢، ٥٧٠١)، من طريق حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، وهُشَيْمٍ، وهَمَّامِ بْنِ يَحْيَى.\nوأخرجه أبو يعلى (٥٦٨٧)، وابن خزيمة (٢٧٥٣)، من طريق جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ، ومُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ، كلهم عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، أنه سمع أَبَاهُ به.\nوهذا سند حسن، فإنَّ من هؤلاء الرواة عَنْ عَطَاء، حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، وهو ممن سمع من عطاء قبل اختلاطه.","vol":"1","page":355},{"text":"<span data-type='title' id=toc-267>[٥٣]- من كان يرى شرعية شدة المزاحمة لاستلام الركنين</span>\n١٥١ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: مَا تَرَكْتُ اسْتِلَامَ هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَ، وَالْحَجَرَ، مُذْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَسْتَلِمُهُمَا، فِي شِدَّةٍ وَلَا رَخَاءٍ (^١).\n\n١٥٢ - أخرج البخاري ﵀ (^٢): عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَرَبِيٍّ، قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ ابْنَ عُمَرَ ﵄ عَنِ اسْتِلَامِ الْحَجَرِ، فَقَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَسْتَلِمُهُ وَيُقَبِّلُهُ»، قَالَ: قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إِنْ زُحِمْتُ، أَرَأَيْتَ إِنْ غُلِبْتُ؟ قَالَ: اجْعَلْ أَرَأَيْتَ بِالْيَمَنِ، «رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَسْتَلِمُهُ وَيُقَبِّلُهُ».\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٢٦٨).\n(^٢) رقم: (١٦١١).","vol":"1","page":356},{"text":"١٥٣ - وأخرج الفاكهي في «أخبار مكة» (١/ ١٢٨)، والأزرقي في «أخبار مكة» (١/ ٣٣٣): من طريق سُفْيَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي حُرَّةَ الْجَزَرِيُّ، قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَسَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، نُزَاحِمُ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ عَلَى الرُّكْنِ حَتَّى يَسْتَلِمَهُ. قَالَ سُفْيَانُ: وَقَالَ غَيْرُ إِبْرَاهِيمَ: كَانَ سَالِمٌ لَوْ زَاحَمَ الْإِبِلَ لَزَحَمَهَا.\n\nوانظر بقية الآثار في «مصنف عبد الرزاق» (٥/ ٣٤) وما بعدها، و«مصنف ابن أبي شيبة» (٨/ ١٣٥)، وما بعدها.","vol":"1","page":357},{"text":"<span data-type='title' id=toc-268>[٥٤]- من كان يكره شدة المزاحمة على الركنين</span>\n١٥٤ - أخرج الإمام أحمد ﵀ في «مسنده» (١٩٠)، قال: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ الْعَبْدِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ شَيْخًا بِمَكَّةَ فِي إِمَارَةِ الْحَجَّاجِ يُحَدِّثُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ: «يَا عُمَرُ، إِنَّكَ رَجُلٌ قَوِيٌّ، لَا تُزَاحِمْ عَلَى الْحَجَرِ فَتُؤْذِيَ الضَّعِيفَ، إِنْ وَجَدْتَ خَلْوَةً فَاسْتَلِمْهُ، وَإِلَّا (فَاسْتَقْبِلْهُ فَهَلِّلْ وَكَبِّرْ) (^١)».\n\nوخرجه ابن كثير ﵀ في «مسند الفاروق» (١/ ٤٩٨)، من «مسند أحمد»، وقال: إسناده جيد، لكن راويه عن عمرَ مبهم لم يسمَّ، فالله أَعلم به.\nوالغالب أنَّه ثقة جليل، فقد رواه الإمام الشافعي، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ\n_________\n(^١) زيادة: (استقبال الركن والتهليل عند محاذاة الركن) لا تصح في هذا الحديث؛ لحديث ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: «طَافَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْبَيْتِ عَلَى بَعِيرٍ، كُلَّمَا أَتَى عَلَى الرُّكْنِ أَشَارَ إِلَيْهِ … وَكَبَّرَ»، أخرجه البخاري (١٦١٢، ١٦١٣).","vol":"1","page":358},{"text":"أَبِي يَعْفُورٍ العَبدي - واسمه: وَقْدان -، قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا، مِنْ خُزَاعَةَ حِينَ قُتِلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ بِمَكَّةَ - وَكَانَ أَمِيرًا عَلَى مَكَّةَ - يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعُمَرَ ﵁: «يَا أَبَا حَفْصٍ إِنَّكَ رَجُلٌ قَوِيٌّ فَلَا تُزَاحِمْ عَلَى الرُّكْنِ فَإِنَّكَ تُؤْذِي الضَّعِيفَ وَلَكِنْ إِنْ وَجَدْتَ خَلْوَةً فَاسْتَلِمْ وَإِلَّا فَكَبِّرْ وَامْضِ».\nقَالَ سُفْيَانُ: هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ نَافِعِ بْنِ عَبْدِ الْحَارِثِ كَانَ الْحَجَّاجُ اسْتَعْمَلَهُ عَلَيْهَا مُنْصَرَفَهُ مِنْهَا حِينَ قُتِلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ.\nقُلْتُ: وقد كان جليلًا نبيلًا، وكان أحدَ النَّفَر الذين نَدَبَهُم عثمانُ في كتابة المصحف الإمام. اهـ.","vol":"1","page":359},{"text":"١٥٥ - وأخرج النسائي ﵀ في «السنن» (٢٩٣٨)، قال: أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، عَنْ حَنْظَلَةَ قَالَ: رَأَيْتُ طَاوُسًا يَمُرُّ بِالرُّكْنِ فَإِنْ وَجَدَ عَلَيْهِ زِحَامًا مَرَّ وَلَمْ يُزَاحِمْ، وَإِنْ رَآهُ خَالِيًا قَبَّلَهُ ثَلَاثًا. ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ.\n\nوَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ. ثُمَّ قَالَ: «إِنَّكَ حَجَرٌ لَا تَنْفَعُ وَلَا تَضُرُّ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَبَّلَكَ مَا قَبَّلْتُكَ».\n\nثُمَّ قَالَ عُمَرُ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ» (^١).\n\n١٥٦ - وأخرج الفاكهي ﵀ في «أخبار مكة» (١/ ١٢٨)، قال: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ حَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ، عَنْ عَطَاءٍ، أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ دَفْعَ النَّاسِ عَنِ الرُّكْنِ، وَكَانَ يَنْهَى عَنْ ذَلِكَ كَثِيرًا، وَيَقُولُ: إِيَّاكُمْ وَأَذَى الْمُسْلِمِينَ (^٢).\n_________\n(^١) وهذا إسناد صحيح أخرجه البزار (٢٠٨) وصرح الوليد عنده بالإخبار.\n(^٢) وهذا سنده حسن.","vol":"1","page":360},{"text":"١٥٧ - وأخرج الفاكهي ﵀ في «أخبار مكة» (١/ ١٣٢): حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنَا حَكَّامُ بْنُ سَلْمٍ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: تَكْبِيرَةٌ وَلَا أُوذِي مُسْلِمًا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ اسْتِلَامِهِ، يَعْنِي: الرُّكْنَ (^١).\nوهذا القول الأخير: وهو عدم شدة المزاحمة المؤدية إلى الأذى لنفسه أو لغيره، هو الصواب؛ لأن تقبيل الحجر، واستلامه، ومسح الركن مستحب إجماعًا، وأذية المسلم حرام، لعديد من الأدلة، منها:\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: صَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المِنْبَرَ فَنَادَى بِصَوْتٍ رَفِيعٍ، فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ مَنْ أَسْلَمَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يُفْضِ الإِيمَانُ إِلَى قَلْبِهِ، لَا تُؤْذُوا المُسْلِمِينَ وَلَا تُعَيِّرُوهُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ، فَإِنَّهُ مَنْ تَتَبَّعَ عَوْرَةَ أَخِيهِ المُسْلِمِ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ وَلَوْ فِي جَوْفِ رَحْلِهِ»، قَالَ: وَنَظَرَ ابْنُ عُمَرَ يَوْمًا إِلَى البَيْتِ أَوْ إِلَى الكَعْبَةِ، فَقَالَ: مَا أَعْظَمَكِ وَأَعْظَمَ حُرْمَتَكِ، وَالمُؤْمِنُ أَعْظَمُ حُرْمَةً عِنْدَ اللَّهِ مِنْكِ، أخرجه الترمذي (٢٠٣٢)، وهو حديث حسن.\n• وأخرج مسلم في «صحيحه» (١٩١٤): عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ\n_________\n(^١) وهذا سنده حسن.","vol":"1","page":361},{"text":"رَسُولَ اللهِ ﷺ، قَالَ: «إِنَّ شَجَرَةً كَانَتْ تُؤْذِي الْمُسْلِمِينَ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَطَعَهَا، فَدَخَلَ الْجَنَّةَ».\n• وأخرج مسلم (٢٦١٨): عَنْ أَبِي بَرْزَةَ ﵁، قَالَ: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ عَلِّمْنِي شَيْئًا أَنْتَفِعُ بِهِ، قَالَ: «اعْزِلِ الْأَذَى، عَنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ».\nقال النووي في «شرح مسلم»: هَذِهِ الْأَحَادِيثُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْبَابِ ظَاهِرَةٌ فِي فَضْلِ إِزَالَةِ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ سَوَاءٌ كَانَ الْأَذَى شَجَرَةً تُؤْذِي أَوْ غُصْنَ شَوْكٍ أَوْ حَجَرًا يُعْثَرُ بِهِ أَوْ قَذَرًا أَوْ جِيفَةً وَغَيْرَ ذَلِكَ، وَإِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطريق من شعب الايمان كما سبق فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ، وَفِيهِ: التَّنْبِيهُ عَلَى فَضِيلَةِ كُلِّ مَا نَفَعَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَزَالَ عَنْهُمْ ضَرَرًا. اهـ.","vol":"1","page":362},{"text":"<span data-type='title' id=toc-271>[٥٥]- لا يشرع المسح لشيءٍ من البيت إلا للركنين اليمانيين</span>\n١٥٨ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّهُ قَالَ: «لَمْ أَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَمْسَحُ مِنَ الْبَيْتِ، إِلَّا الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ» (^١).\n\n١٥٩ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄، حَتَّى إِذَا أَتَيْنَا الْبَيْتَ مَعَهُ، اسْتَلَمَ الرُّكْنَ فَرَمَلَ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٦٠٩)، ومسلم (١٢٦٧)، وعَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عند الترمذي (٨٥٨)، نحوه.\n(^٢) أخرجه مسلم (١٢١٨).","vol":"1","page":363},{"text":"١٦٠ - بوب البخاري في «صحيحه» (بَابُ مَنْ لَمْ يَسْتَلِمْ إِلَّا الرُّكْنَيْنِ اليَمَانِيَيْنِ)، وقال رقم (١٦٠٨): وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ أَنَّهُ قَالَ: وَمَنْ يَتَّقِي شَيْئًا مِنَ البَيْتِ؟ وَكَانَ مُعَاوِيَةُ يَسْتَلِمُ الأَرْكَانَ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: إِنَّهُ لَا يُسْتَلَمُ هَذَانِ الرُّكْنَانِ، فَقَالَ: لَيْسَ شَيْءٌ مِنَ البَيْتِ مَهْجُورًا (^١)، وَكَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يَسْتَلِمُهُنَّ كُلَّهُنَّ.\n\nقال النووي في «شرح مسلم» عند حديث (١٢٦٧): وَاعْلَمْ أَنَّ لِلْبَيْتِ أَرْبَعَةَ أَرْكَانٍ الرُّكْنُ الْأَسْوَدُ وَالرُّكْنُ الْيَمَانِيُ، وَيُقَالُ لَهُمَا: (الْيَمَانِيَانِ)، وَأَمَّا الرُّكْنَانِ الْآخَرَانِ فَيُقَالُ لَهُمَا: (الشَّامِيَّانِ).\nفَالرُّكْنُ الْأَسْوَدُ فِيهِ فَضِيلَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: كَوْنُهُ عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ ﷺ، وَالثَّانِيَةُ: كَوْنُهُ فِيهِ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ.\n_________\n(^١) ووصله أحمد في «مسنده» رقم (٣٠٧٤)، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، وَالثَّوْرِيُّ، عَنِ ابْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُعَاوِيَةَ، فَكَانَ مُعَاوِيَةُ لَا يَمُرُّ بِرُكْنٍ إِلا اسْتَلَمَهُ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَسْتَلِمُ إِلا الْحَجَرَ وَالْيَمَانِيَّ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: لَيْسَ شَيْءٌ مِنَ البَيْتِ مَهْجُورًا، وسنده حسن.\nأخرجه الترمذي (٨٥٨)، من طريق عَبْدِ الرَّزَّاقِ به، وقال: حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ العِلْمِ: أَنْ لَا يَسْتَلِمَ إِلَّا الحَجَرَ الأَسْوَدَ، وَالرُّكْنَ اليَمَانِيَ. اهـ.","vol":"1","page":364},{"text":"وَأَمَّا الْيَمَانِيُ فَفِيهِ فَضِيلَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهِيَ كَوْنُهُ عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ.\nوَأَمَّا الرُّكْنَانِ الْآخَرَانِ فَلَيْسَ فِيهِمَا شَيْءٌ مِنْ هَاتَيْنِ الْفَضِيلَتَيْنِ، فَلِهَذَا خُصَّ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ بِشَيْئَيْنِ الِاسْتِلَامِ وَالتَّقْبِيلِ لِلْفَضِيلَتَيْنِ، وَأَمَّا الْيَمَانِيُ فَيَسْتَلِمُهُ وَلَا يُقَبِّلُهُ؛ لِأَنَّ فِيهِ فَضِيلَةً وَاحِدَةً، وَأَمَّا الرُّكْنَانِ الْآخَرَانِ فَلَا يُقَبَّلَانِ وَلَا يُسْتَلَمَانِ.\nوَقَدْ أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى اسْتِحْبَابِ اسْتِلَامِ الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ، وَاتَّفَقَ الْجَمَاهِيرُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَمْسَحُ الرُّكْنَيْنِ الْآخَرَيْنِ، وَاسْتَحَبَّهُ بَعْضُ السَّلَفِ، وَمِمَّنْ كَانَ يَقُولُ بِاسْتِلَامِهِمَا الْحَسَنُ والحسين ابنا علي وابن الزُّبَيْرِ، وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَأَبُو الشَّعْثَاءِ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ ﵃.\nقَالَ الْقَاضِي: أَبُو الطَّيِّبِ أَجْمَعَتْ أَئِمَّةُ الْأَمْصَارِ وَالْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُمَا لَا يُسْتَلَمَانِ، قَالَ: وَإِنَّمَا كَانَ فِيهِ خِلَافٌ لِبَعْضِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَانْقَرَضَ الْخِلَافُ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُمَا لَا يُسْتَلَمَانِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. اهـ. وتقدم ذلك.","vol":"1","page":365},{"text":"<span data-type='title' id=toc-272>[٥٦]- حكم استلام الحجر الأسود في غير طواف</span>\n١٦١ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄، قال: «حَتَّى إِذَا أَتَيْنَا الْبَيْتَ مَعَهُ، اسْتَلَمَ الرُّكْنَ فَرَمَلَ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا، ثُمَّ نَفَذَ إِلَى مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ ﵇، فَقَرَأَ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] فَجَعَلَ الْمَقَامَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ، فَكَانَ أَبِي يَقُولُ - وَلَا أَعْلَمُهُ ذَكَرَهُ إِلَّا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: كَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإخلاص: ١]، وَ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ [الكافرون: ١]، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الرُّكْنِ فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ خَرَجَ مِنَ الْبَابِ إِلَى الصَّفَا» (^١).\n\n١٦٢ - وقال أبو يعلى ﵀ في «المسند» (٢٥٩٧): حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ عَطَاءٍ، أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ صَلَّى الْمَغْرِبَ فَسَلَّمَ فِي رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ قَامَ لِيَسْتَلِمَ الرُّكْنَ، فَسَبَّحَ بِهِ الْقَوْمُ فَرَجَعَ فَصَلَّى رَكْعَةً. قَالَ: فَأَتَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ فَأَخْبَرْتُهُ بِذَلِكَ فَقَالَ: «مَا أَمَاطَ عَنْ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٢١٨)، قُلْتُ: وهذا استلام غير طائف؛ لأنه كان بعد فراغه من الطواف وركعتيه.\n(^٢) سنده صحيح، رجاله ثقات، زهير هو ابن حرب، وهمام هو ابن يحيى، وسعيد بن عامر هو الضبعي ثقة.","vol":"1","page":366},{"text":"١٦٣ - قال الأزرقي ﵀ في «أخبار مكة» (٢/ ٧٦): حَدَّثَنِي جَدِّي، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ الْوَرْدِ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ، يَقُولُ: أَوَّلُ مَنِ اسْتَلَمَ الرُّكْنَ الْأَسْوَدَ مِنَ الْأَئِمَّةِ قَبْلَ الصَّلَاةِ وَبَعْدَهَا ابْنُ الزُّبَيْرِ، فَاسْتَحْسَنَتْ ذَلِكَ الْوُلَاةُ بَعْدَهُ فَاتَّبَعَتْهُ (^١).\n\nقُلْتُ: لم يفعل هذا النَّبِيُّ ﷺ بعد الصلوات، ولا اشتهر فعله عن الصحابة وابن الزبير اجتهد فيه، وفعله بعض الأمراء بغير سنة مأثورة، وخير الهدي هدي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فيشرع استلام الحجر بعد ركعتي الطواف للسنة في حديث جابر لمن استطاع فإن لم يستطع فلا يشر إليه، ولا يشرع تقبيله في غير طواف، ولا استلامه بعد الصلوات، والحمد لله.\n_________\n(^١) وهذا سند حسن، عبد الجبار: صدوق، وقد وثق، وابن مليكة هو عبد الله بن عبيد الله مشهور.","vol":"1","page":367},{"text":"<span data-type='title' id=toc-274>[٥٧]- باب الرمل والاضطباع في طواف القدوم </span>(^١)\n١٦٤ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا طَافَ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، أَوَّلَ مَا يَقْدَمُ، فَإِنَّهُ يَسْعَى ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ يَمْشِي أَرْبَعَةً، ثُمَّ يُصَلِّي سَجْدَتَيْنِ» (^٢).\n_________\n(^١) طواف القدوم يتصور في حق القارن، والمفرد إن أحرم من خارج مكة.\nقال النووي: الْمُحْرِمُ بِالْعُمْرَةِ لَا يُتَصَوَّرُ فِي حَقِّهِ طَوَافُ قُدُومٍ، بَلْ إذَا طَافَ لِلْعُمْرَةِ أَجْزَأَهُ عَنْهُمَا وَيَتَضَمَّنُ الْقُدُومَ، كَمَا تُجْزِئُ الصَّلَاةُ الْمَفْرُوضَةُ عَنِ الْفَرِيضَةِ وَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ. اهـ من «شرح المهذب» (٨/ ١٩).\nوهو في العمرة مع الحج أو المفردة ركن من أركانها بلا خلاف، كما في «المحلى» ابن حزم مسألة (٨٣٠)، والمكي ليس عليه إلا طواف الإفاضة فقط بلا خلاف كما في «الاستذكار» لابن عبد البر (٤/ ٢١٧)، وليس عليه وداع ولا قدوم؛ لأنه غير آفاقي، وطواف القدوم مستحب؛ لأن عروة بن مضرس حج ولم يطف طواف قدوم، وقال له النبي ﷺ: «مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ» ولم يأمره بفدية ولا غيرها مقابل عدم طوافه للقدوم.\n(^٢) أخرجه البخاري (١٦١٦)، ومسلم (١٢٦١).","vol":"1","page":368},{"text":"١٦٥ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄، أَنَّهُ قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَمَلَ مِنَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ، حَتَّى انْتَهَى إِلَيْهِ، ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ» (^١).\n\n١٦٦ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: «قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ مَكَّةَ، وَقَدْ وَهَنَتْهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ، قَالَ الْمُشْرِكُونَ: إِنَّهُ يَقْدَمُ عَلَيْكُمْ غَدًا قَوْمٌ قَدْ وَهَنَتْهُمُ الْحُمَّى، وَلَقُوا مِنْهَا شِدَّةً، فَجَلَسُوا مِمَّا يَلِي الْحِجْرَ، وَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَرْمُلُوا ثَلَاثَةَ أَشْوَاطٍ، وَيَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ، لِيَرَى الْمُشْرِكُونَ جَلَدَهُمْ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّ الْحُمَّى قَدْ وَهَنَتْهُمْ، هَؤُلَاءِ أَجْلَدُ مِنْ كَذَا وَكَذَا»، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَلَمْ يَمْنَعْهُ أَنْ يَأْمُرَهُمْ أَنْ يَرْمُلُوا الْأَشْوَاطَ كُلَّهَا، إِلَّا الْإِبْقَاءُ عَلَيْهِمْ (^٢).\n\n١٦٧ - عَنْ نَافِعٍ: «أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄، رَمَلَ مِنَ الْحَجَرِ إِلَى الْحَجَرِ، وَذَكَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَعَلَهُ» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٢٦٣).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٢٦٦).\n(^٣) أخرجه مسلم (١٢٦٢).","vol":"1","page":369},{"text":"١٦٨ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابَهُ اعْتَمَرُوا مِنَ الْجِعْرَانَةِ فَرَمَلُوا بِالْبَيْتِ وَجَعَلُوا أَرْدِيَتَهُمْ تَحْتَ آبَاطِهِمْ قَدْ قَذَفُوهَا عَلَى عَوَاتِقِهِمُ الْيُسْرَى» (^١).\n\n١٦٩ - عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اضْطَبَعَ فَاسْتَلَمَ وَكَبَّرَ، ثُمَّ رَمَلَ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ وَكَانُوا، إِذَا بَلَغُوا الرُّكْنَ الْيَمَانِيَ وَتَغَيَّبُوا مِنْ قُرَيْشٍ مَشَوْا، ثُمَّ يَطْلُعُونَ عَلَيْهِمْ يَرْمُلُونَ، تَقُولُ قُرَيْشٌ: كَأَنَّهُمُ الْغِزْلَانُ»، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: فَكَانَتْ سُنَّةً (^٢).\n\n١٧٠ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَصْحَابِهِ حِينَ أَرَادُوا دُخُولَ مَكَّةَ فِي عُمْرَتِهِ بَعْدَ الْحُدَيْبِيَةِ، «إِنَّ قَوْمَكُمْ غَدًا سَيَرَوْنَكُمْ، فَلَيَرَوُنَّكُمْ جُلْدًا» فَلَمَّا دَخَلُوا الْمَسْجِدَ، اسْتَلَمُوا الرُّكْنَ وَرَمَلُوا وَالنَّبِيُّ ﷺ مَعَهُمْ، حَتَّى إِذَا بَلَغُوا الرُّكْنَ الْيَمَانِيَ، مَشَوْا إِلَى الرُّكْنِ الْأَسْوَدِ، ثُمَّ رَمَلُوا، حَتَّى بَلَغُوا الرُّكْنَ الْيَمَانِيَ، ثُمَّ مَشَوْا إِلَى الرُّكْنِ الْأَسْوَدِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ مَشَى الْأَرْبَعَ (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (١٨٨٤)، وهو حديث حسن.\n(^٢) أخرجه أبو داود (١٨٨٩)، وأصله في البخاري (١٦٠٢).\n(^٣) أخرجه أبو داود (١٨٩٠)، وابن ماجه (٢٩٥٣)، وسنده حسن.","vol":"1","page":370},{"text":"قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٣/ ٣٤٠):<span data-type='title' id=toc-275> مَعْنَى الرَّمَلِ:</span> إسْرَاعُ المَشْىِ مع مُقَارَبَةِ الخَطْوِ من غيرِ وَثْبٍ. وهو سُنَّةٌ في الأشْوَاطِ الثَّلَاثَةِ الأُوَلِ من طَوَافِ القُدُومِ، ولا نَعْلَمُ فيه بين أهْلِ العِلْمِ خِلَافًا. اهـ.\nوأخرج البخاري (١٦٠٥)، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵁ قَالَ لِلرُّكْنِ: «أَمَا وَاللَّهِ، إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَلَمَكَ مَا اسْتَلَمْتُكَ»، فَاسْتَلَمَهُ ثُمَّ قَالَ: فَمَا لَنَا وَلِلرَّمَلِ إِنَّمَا كُنَّا رَاءَيْنَا بِهِ المُشْرِكِينَ وَقَدْ أَهْلَكَهُمُ اللَّهُ، ثُمَّ قَالَ: «شَيْءٌ صَنَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَلَا نُحِبُّ أَنْ نَتْرُكَهُ».\nوأخرج أحمد في «مسنده» رقم (٣١٧)، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: فِيمَ الرَّمَلانُ الْآنَ، وَالْكَشْفُ عَنِ الْمَنَاكِبِ، وَقَدْ أَطَّأَ اللهُ الْإِسْلامَ، وَنَفَى الْكُفْرَ وَأَهْلَهُ، وَمَعَ ذَلِكَ لَا نَدَعُ شَيْئًا كُنَّا نَفْعَلُهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ.\nوهذا سند حسن، رجاله ثقات، غير هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ المدني فيه كلام؛ لكن قال أبو داود كما في ترجمته من «التهذيب»: أثبت الناس في زيد بن أسلم. اهـ.\nوأخرج مسلم في حديث جابر الطويل (١٢١٨) في حجة الوداع، قال: حَتَّى إِذَا أَتَيْنَا الْبَيْتَ مَعَهُ، اسْتَلَمَ الرُّكْنَ فَرَمَلَ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا. اهـ.\n\nوفي هذه الأدلة<span data-type='title' id=toc-276> المحافظة على السنة ولو بعد أن زال سبب فعلها</span>؛ فإن النَّبِيَّ ﷺ","vol":"1","page":371},{"text":"داوم على الاضطباع والرمل في حجة الوداع، بعد أن صارت مكة دار إسلام، وزال عنها المشركون في حجة الوداع، واستمر على ذلك الصحابة ﵃ ومن بعدهم.\nوقال ابن عبد البر في «الاستذكار» (٤/ ١٩٠): لَا أَعْلَمُ خِلَافًا أَنَّ الرَّمَلَ - وَهُوَ الْحَرَكَةُ وَالزِّيَادَةُ فِي الْمَشْيِ - لَا يَكُونُ إِلَّا فِي ثَلَاثَةِ أَطْوَافٍ مِنَ السَّبْعَةِ فِي طَوَافِ دُخُولِ مَكَّةَ خَاصَّةً للِقَادِمِ الْحَاجِّ أو المعتمر. اهـ.\nقال النووي ﵀ في «شرح مسلم» تحت حديث (١٢٦١): فَلَوْ أَخَلَّ بِالرَّمَلِ فِي الثَّلَاثِ الْأُوَلِ من السبع لم يأت به في الْأَرْبَعِ الْأَوَاخِرِ لِأَنَّ السُّنَّةَ فِي الْأَرْبَعِ الْأَخِيرَةِ الْمَشْيُ عَلَى الْعَادَةِ فَلَا يُغَيِّرُهُ وَلَوْ لَمْ يُمْكِنْهُ الرَّمَلُ لِلزَّحْمَةِ أَشَارَ فِي هَيْئَةِ مَشْيِهِ إِلَى صِفَةِ الرَّمَلِ وَلَوْ لَمْ يُمْكِنُهُ الرَّمَلُ بِقُرْبِ الْكَعْبَةِ لِلزَّحْمَةِ وَأَمْكَنَهُ إِذَا تَبَاعَدَ عَنْهَا فَالْأَوْلَى أَنْ يَتَبَاعَدَ وَيَرْمُلَ لِأَنَّ فَضِيلَةَ الرَّمَلِ هَيْئَةٌ لِلْعِبَادَةِ فِي نَفْسِهَا وَالْقُرْبُ مِنَ الْكَعْبَةِ هَيْئَةٌ فِي مَوْضِعِ الْعِبَادَةِ لَا فِي نَفْسِهَا فَكَانَ تَقْدِيمُ مَا تَعَلَّقَ بِنَفْسِهَا أَوْلَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\nوَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الرَّمَلَ لَا يُشْرَعُ لِلنِّسَاءِ كَمَا لَا يُشْرَعُ لَهُنَّ شِدَّةَ السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَلَوْ تَرَكَ الرَّجُلُ الرَّمَلَ حَيْثُ شُرِعَ لَهُ فَهُوَ تَارِكٌ سُنَّةً وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. اهـ.\nقال ابن قدامة في «المغني» (٦/ ٢٣١):\n\nمسألة: قَالَ: (وَيَضْطَبِعُ بِرِدَائِهِ)،<span data-type='title' id=toc-277> مَعْنَى الِاضْطِبَاعِ:</span> أَنْ يَجْعَلَ وَسَطَ الرِّدَاءِ تَحْتَ كَتِفِهِ الْيُمْنَى، وَيَرُدَّ طَرَفَيْهِ عَلَى كَتِفِهِ الْيُسْرَى، وَيُبْقِيَ كَتِفَهُ الْيُمْنَى مَكْشُوفَةً.","vol":"1","page":372},{"text":"وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ الضَّبُعِ، وَهُوَ عَضُدُ الْإِنْسَانِ، افْتِعَالٌ مِنْهُ، وَكَانَ أَصْلُهُ اضْتَبَعَ، فَقَلَبُوا التَّاءَ طَاءً؛ لِأَنَّ التَّاءَ مَتَى وُضِعَتْ بَعْدَ ضَادٍ أَوْ صَادٍ أَوْ طَاءٍ سَاكِنَةٍ قُلِبَتْ طَاءً. وَيُسْتَحَبُّ الِاضْطِبَاعُ فِي طَوَافِ الْقُدُومِ؛ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ، عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ طَافَ مُضْطَبِعًا».\nقُلْتُ: وهو حديث صحيح.\nقال: وَقَدْ ثَبَتَ بِمَا رَوَيْنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ فَعَلُوهُ، وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِاتِّبَاعِهِ، وَقَالَ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]. اهـ.\nوقال الحافظ ابن حجر ﵀ في «الفتح»، تحت تبويب البخاري (٥٧)، من الحج والعمرة: الِاضْطِبَاعُ: وَهِيَ هَيْئَةٌ تُعِينُ عَلَى إِسْرَاعِ الْمَشْيِ … وَهُوَ مُسْتَحَبٌّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ. اهـ.","vol":"1","page":373},{"text":"<span data-type='title' id=toc-278>[٥٨]- الركوب في الطواف والسعي لعذر</span>\nقال الله ﵎: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩)﴾ [الحج: ٢٩].\n\n١٧١ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: «طَافَ النَّبِيُّ ﷺ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ عَلَى بَعِيرٍ، يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ» (^١).\n\n١٧٢ - وعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «طَافَ النَّبِيُّ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ حَوْلَ الْكَعْبَةِ عَلَى بَعِيرِهِ، يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ كَرَاهِيَةَ أَنْ يُضْرَبَ عَنْهُ النَّاسُ» (^٢).\n\n١٧٣ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ طَافَ بِالْبَيْتِ وَهُوَ عَلَى بَعِيرٍ، كُلَّمَا أَتَى عَلَى الرُّكْنِ أَشَارَ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ فِي يَدِهِ، وَكَبَّرَ» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٦٠٧)، ومسلم (١٢٧٢).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٢٧٤).\n(^٣) أخرجه البخاري (١٦٠٧، ١٦٣٢).","vol":"1","page":374},{"text":"١٧٤ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄، قَالَ: «طَافَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالْبَيْتِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ عَلَى رَاحِلَتِهِ يَسْتَلِمُ الْحَجَرَ بِمِحْجَنِهِ، لِأَنْ يَرَاهُ النَّاسُ وَلِيُشْرِفَ وَلِيَسْأَلُوهُ، فَإِنَّ النَّاسَ غَشُوهُ» (^١).\n\n١٧٥ - عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂، قَالَتْ: شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنِّي أَشْتَكِي، فَقَالَ: «طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ» (^٢).\nبوب البخاري (٧٤) من الحج: بَابُ الْمَرِيضِ يَطُوفُ رَاكِبًا، وساق حديث ابن عباس ﵄ في الباب.\nقال النووي في «شرح مسلم»: فِي هَذَا الْحَدِيثِ جَوَازُ الطَّوَافِ رَاكِبًا وَاسْتَدَلَّ بِهِ أَصْحَابُ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ عَلَى طَهَارَةِ بَوْلِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ ذَلِكَ مِنَ الْبَعِيرِ، فَلَوْ كَانَ نَجَسًا لَمَا عَرَّضَ الْمَسْجِدَ لَهُ. اهـ.\nقُلْتُ: وهذا القول هو الصواب، وقد عضد ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية كما في «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٥٢٣)، وما بعدها من عدة وجوه.\n_________\n(^١) رواه مسلم (١٢٧٣).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٦٣٣)، ومسلم (١٢٧٦).","vol":"1","page":375},{"text":"وجاء في سبب ركوبه عدة تعليلات في الحديث:\n• منها: ليراه الناس وليسألوه.\n• ومنها: أنَّه للمرض كما بوب عليه البخاري.\n• ومنها: أنَّهم غشوه وازدحموا عليه.\nقال النووي في شرح الحديث من «مسلم» (١٢٧٣): فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ ﷺ طَافَ رَاكِبًا لِهَذَا كُلِّهِ، وَقِيلَ أَيْضًا: لِبَيَانِ الْجَوَازِ. اهـ.\nوقال ابن قدامة في «المغني» (٣/ ٣٥٨): لَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا فِي صِحَّةِ طَوَافِ الرَّاكِبِ إذَا كَانَ لَهُ عُذْرٌ. اهـ.\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في «المجموع» (٢٦/ ١٨٨): يَجُوزُ الطَّوَافُ رَاكِبًا وَمَحْمُولًا لِلْعُذْرِ بِالنَّصِّ وَاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ. اهـ.\nقُلْتُ: وعلى هذا فالطواف راكبًا يجوز للعذر، ويكره لغير عذر مع صحته لو فعل لغير عذر.\nقال القرطبي في «المفهم» (٣/ ٣٧٩): لا خلاف في جواز طواف المريض راكبًا للعذر، واختلف في طواف من لا عذر له راكبًا، فأجازه قوم؛ منهم ابن المنذر؛ أخذًا بطوافه ﷺ راكبًا. والجمهور على كراهة ذلك ومنعه، متمسكين بظاهر قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩)﴾ [الحج: ٢٩]. اهـ.\nقُلْتُ: وقول الجمهور هو الصواب؛ لأن الأصل في الطواف والسعي عدم الركوب إلا لعذر.","vol":"1","page":376},{"text":"<span data-type='title' id=toc-280>[٥٩]- أمر النساء بالابتعاد عن الرجال في الطواف قدر الاستطاعة وعدم المزاحمة عند استلامهن الركن</span>\n١٧٦ - بوب البخاري ﵀: بَابُ طَوَافِ النِّسَاءِ مَعَ الرِّجَالِ (^١)، قال: وقَالَ لِي عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ: إِذْ مَنَعَ ابْنُ هِشَامٍ النِّسَاءَ الطَّوَافَ مَعَ الرِّجَالِ، قَالَ: كَيْفَ يَمْنَعُهُنَّ؟ وَقَدْ طَافَ نِسَاءُ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ الرِّجَالِ؟ قُلْتُ: أَبَعْدَ الحِجَابِ أَوْ قَبْلُ؟ قَالَ: إِي لَعَمْرِي، لَقَدْ أَدْرَكْتُهُ بَعْدَ الحِجَابِ، قُلْتُ: كَيْفَ يُخَالِطْنَ الرِّجَالَ؟ قَالَ: لَمْ يَكُنَّ يُخَالِطْنَ، كَانَتْ عَائِشَةُ تَطُوفُ حَجْرَةً مِنَ الرِّجَالِ، لَا تُخَالِطُهُمْ، فَقَالَتْ امْرَأَةٌ: انْطَلِقِي نَسْتَلِمْ يَا أُمَّ المُؤْمِنِينَ، قَالَتْ: انْطَلِقِي عَنْكِ.\n_________\n(^١) رقم: (١٦١٨).","vol":"1","page":377},{"text":"١٧٧ - عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنِّي أَشْتَكِي، فَقَالَ: «طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ»، فَطُفْتُ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي إِلَى جَنْبِ البَيْتِ، وَهُوَ يَقْرَأُ بِالطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (^١).\n\nقال النووي في «شرح مسلم»: سُنَّةَ النِّسَاءِ التَّبَاعُدُ عَنِ الرِّجَالِ فِي الطَّوَافِ. اهـ.\nقال القرطبي ﵀ في «المفهم» (٣/ ٣٨١): وإنما أمرها أن تطوف من وراء الناس؛ لأن ذلك سنة طواف النِّساء؛ لئلا يختلطن بالرِّجال. اهـ.\nوقال الحافظ ابن حجر في «الفتح» (١٦١٩): وَإِنَّمَا أَمَرَهَا أَنْ تَطُوفَ مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ لِيَكُونَ أَسْتَرَ لَهَا وَلَا تَقْطَعُ صُفُوفَهُمْ أَيْضًا. اهـ.\nقال ابن عبد البر في «التمهيد» (١٤/ ٢٦٢): الِاسْتِلَامُ لِلرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ عَنْ عَائِشَةَ، وَعَطَاءٍ، وَغَيْرِهِمَا، وَعَلَيْهِ جَمَاعَةُ الْفُقَهَاءِ. اهـ.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٦٣٣)، ومسلم (١٢٧٦).","vol":"1","page":378},{"text":"<span data-type='title' id=toc-281>[٦٠]- باب الركعتين بعد الطواف وما يقرأ فيهما والصلاة إلى سترة بمكة وغيرها</span>\nقال الله ﵎: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥].\n\n١٧٨ - عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: «قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ، فَطَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا، وَصَلَّى خَلْفَ المَقَامِ رَكْعَتَيْنِ» (^١).\n\n١٧٩ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: «اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَطَافَ بِالْبَيْتِ، وَصَلَّى خَلْفَ المَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، وَمَعَهُ مَنْ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ» (^٢).\n\nوقوله: (وَمَعَهُ مَنْ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ):\nدليل على الصلاة إلى سترة في مكة، ولا يترك من يمر بين بين يديه إذا كان في غير مطافهم الذي هم أحق به، ومن بابه الحديث الآتي.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٩٧٣).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٦٠٠).","vol":"1","page":379},{"text":"[٦١]- بوب البخاري ﵀: بَابُ السُّتْرَةِ بِمَكَّةَ وَغَيْرِهَا\n١٨٠ - وقال: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الحَكَمِ، عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ ﵁، قَالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالهَاجِرَةِ، فَصَلَّى بِالْبَطْحَاءِ الظُّهْرَ وَالعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ، وَنَصَبَ بَيْنَ يَدَيْهِ عَنَزَةً وَتَوَضَّأَ»، فَجَعَلَ النَّاسُ يَتَمَسَّحُونَ بِوَضُوئِهِ (^١).\nقال الحافظ ابن حجر في «الفتح»: وَالَّذِي أَظُنُّهُ أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَنْكُتَ عَلَى مَا تَرْجَمَ بِهِ عَبْدُ الرَّزَّاقِ حَيْثُ قَالَ: فِي بَابِ لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ بِمَكَّةَ شَيْءٌ ثُمَّ أَخْرَجَ عَنْ بن جُرَيْجٍ عَنْ كَثِيرِ بْنِ كَثِيرِ بْنِ الْمُطَّلِبِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جِدِّهِ قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ أَيِ النَّاس سُتْرَةٌ».\nوَأَخْرَجَهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ أَيْضًا أَصْحَابُ السُّنَنِ، وَرِجَالُهُ مُوَثَّقُونَ، إِلَّا أَنَّهُ\n_________\n(^١) البخاري (٥٠١).","vol":"1","page":380},{"text":"مَعْلُولٌ، فَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَنْ أَحْمد عَنْ بن عُيَيْنَة قَالَ كَانَ بن جُرَيْجٍ أَخْبَرَنَا بِهِ هَكَذَا، فَلَقِيتُ كَثِيرًا فَقَالَ: لَيْسَ مِنْ أَبِي سَمِعْتُهُ وَلَكِنْ عَنْ بَعْضِ أَهْلِي عَنْ جَدِّي.\n\nفَأَرَادَ الْبُخَارِيُّ التَّنْبِيهَ عَلَى ضَعْفِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَأَنْ<span data-type='title' id=toc-283> لَا فَرْقَ بَيْنَ مَكَّةَ وَغَيْرِهَا فِي مَشْرُوعِيَّةِ السُّتْرَةِ،</span> وَاسْتُدِلَّ عَلَى ذَلِكَ بِحَدِيثِ أَبِي جُحَيْفَةَ وَقَدْ قَدَّمْنَا وَجْهَ الدَّلَالَةِ مِنْهُ.\nوَهَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَأَنْ لَا فَرْقَ فِي مَنْعِ الْمُرُورِ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي بَيْنَ مَكَّةَ، وَغَيْرِهَا. اهـ.","vol":"1","page":381},{"text":"<span data-type='title' id=toc-284>[٦٢]- ركعتا الطواف وقراءة الآية لمن صلاها خلف المقام وقراءة سورتي الكافرين والإخلاص فيها والرجوع لاستلام الركن اليمان إن سهل عليه ذلك</span>\n١٨١ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄، وفيه: ثُمَّ نَفَذَ إِلَى مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ ﵇، فَقَرَأَ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]، فَجَعَلَ الْمَقَامَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ، فَكَانَ أَبِي يَقُولُ - وَلَا أَعْلَمُهُ ذَكَرَهُ إِلَّا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: كَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإخلاص: ١] وَ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ [الكافرون: ١]، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الرُّكْنِ فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ خَرَجَ مِنَ الْبَابِ إِلَى الصَّفَا (^١).\n\nقال النووي في شرحه على هذا الحديث: هَذَا دَلِيلٌ لِمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِكُلِّ طَائِفٍ إِذَا فَرَغَ مِنْ طَوَافِهِ أَنْ يُصَلِّيَ خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ.\nوَاخْتَلَفُوا هَلْ هُمَا واجبتان أم سنتان؟ وَعِنْدَنَا فِيهِ خِلَافٌ، حَاصِلُهُ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ:\n• أَصَحُّهَا: أَنَّهُمَا سُنَّةٌ.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٢١٨).","vol":"1","page":382},{"text":"• وَالثَّانِي: أَنَّهُمَا وَاجِبَتَانِ.\n• وَالثَّالِثُ: إِنْ كَانَ طَوَافًا وَاجِبًا فَوَاجِبَتَانِ وَإِلَّا فَسُنَّتَانِ.\nوقال: (قَوْلُهُ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإخلاص: ١]، وَ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ [الكافرون: ١]: مَعْنَاهُ: قَرَأَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى بَعْدَ الْفَاتِحَةِ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ [الكافرون: ١]، وَفِي الثَّانِيَةِ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإخلاص: ١].\nقال: فِيهِ دَلَالَةٌ لِمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ: إنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلطَّائِفِ طَوَافُ الْقُدُومِ إِذَا فَرَغَ مِنَ الطَّوَافِ وَصَلَاتِهِ خَلْفَ الْمَقَامِ أَنْ يَعُودَ إِلَى الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ فَيَسْتَلِمَهُ ثُمَّ يَخْرُجَ مِنْ بَابِ الصَّفَا لِيَسْعَى، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ هَذَا الِاسْتِلَامَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَإِنَّمَا هُوَ سُنَّةٌ لَوْ تَرَكَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ دَمٌ. اهـ.","vol":"1","page":383},{"text":"<span data-type='title' id=toc-287>[٦٣]- استحباب الشرب من ماء زمزم، والتزود منه، وما جاء في فضل من سقى الناس منه</span>\n١٨٢ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَاءَ إِلَى السِّقَايَةِ فَاسْتَسْقَى، فَقَالَ العَبَّاسُ: يَا فَضْلُ، اذْهَبْ إِلَى أُمِّكَ فَأْتِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِشَرَابٍ مِنْ عِنْدِهَا، فَقَالَ: «اسْقِنِي»، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُمْ يَجْعَلُونَ أَيْدِيَهُمْ فِيهِ، قَالَ: «اسْقِنِي»، فَشَرِبَ مِنْهُ، ثُمَّ أَتَى زَمْزَمَ وَهُمْ يَسْقُونَ وَيَعْمَلُونَ فِيهَا، فَقَالَ: «اعْمَلُوا فَإِنَّكُمْ عَلَى عَمَلٍ صَالِحٍ» ثُمَّ قَالَ: «لَوْلَا أَنْ تُغْلَبُوا لَنَزَلْتُ، حَتَّى أَضَعَ الحَبْلَ عَلَى هَذِهِ»، يَعْنِي: عَاتِقَهُ، وَأَشَارَ إِلَى عَاتِقِهِ (^١).\n\nقال الحافظ ابن حجر ﵀: كَانَ عَبْدُ مَنَافٍ يَحْمِلُ الْمَاءَ فِي الرَّوَايَا وَالْقِرَبِ إِلَى مَكَّةَ، وَيَسْكُبُهُ فِي حِيَاضٍ مِنْ أَدَمٍ بِفِنَاءِ الْكَعْبَةِ لِلْحُجَّاجِ، ثُمَّ فَعَلَهُ ابْنُهُ هَاشِمٌ بَعْدَهُ ثُمَّ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ، فَلَمَّا حُفِرَ زَمْزَمُ كَانَ يَشْتَرِي الزَّبِيبَ فَيَنْبِذُهُ فِي مَاء زَمْزَم، ويسقي النَّاس. اهـ.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٦٣٥)، تحت بَاب سِقَايَةِ الحَاجِّ.","vol":"1","page":384},{"text":"١٨٣ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄، قال - في حديثه عن حجة النَّبِيّ ﷺ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَأَفَاضَ إِلَى الْبَيْتِ، فَصَلَّى بِمَكَّةَ الظُّهْرَ، فَأَتَى بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، يَسْقُونَ عَلَى زَمْزَمَ، فَقَالَ: «انْزِعُوا، بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَلَوْلَا أَنْ يَغْلِبَكُمُ النَّاسُ عَلَى سِقَايَتِكُمْ لَنَزَعْتُ مَعَكُمْ»، فَنَاوَلُوهُ دَلْوًا فَشَرِبَ مِنْهُ (^١).\n\n١٨٤ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَاءُ زَمْزَمَ، لِمَا شُرِبَ لَهُ» (^٢).\n\n١٨٥ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّهَا كَانَتْ تَحْمِلُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ، وَتُخْبِرُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَحْمِلُهُ» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٢١٨).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٣٠٦٢)، وأحمد (١٤٨٤٩)، وهو حديث صالح للاحتجاج كما قال الحافظ ابن حجر ﵀، وحسنه ابن القيم ﵀ في «زاد المعاد» (٤/ ٣٩٣)، وفي الباب حديث: «إِنَّهَا مُبَارَكَةٌ، إِنَّهَا طَعَامُ طُعْمٍ»، أخرجه مسلم (٢٤٧٣)، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الصَّامِتِ ﵁، ضمن حديث طويل في فضائل أبي ذر ﵁.\n(^٣) أخرجه الترمذي (٩٦٣).","vol":"1","page":385},{"text":"١٨٦ - وعَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ ﵁، أَنَّ أُمَّهُ مَاتَتْ، فَقَالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ: إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ أَفَأَتَصَدَّقُ عَنْهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ»، قَالَ: فَأَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «سَقْيُ الْمَاءِ» (^١).\nقال ابن القيم ﵀ في «زاد المعاد» (٤/ ٣٥٩): مَاءُ زَمْزَمَ: سَيِّدُ الْمِيَاهِ وَأَشْرَفُهَا وَأَجَلُّهَا قَدْرًا وَأَحَبُّهَا إِلَى النُّفُوسِ وَأَغْلَاهَا ثَمَنًا وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ النَّاسِ، وَهُوَ هَزْمَةُ جِبْرِيلَ، وَسُقْيَا اللَّهِ إِسْمَاعِيلَ، وَثَبَتَ فِي «الصَّحِيحِ» عَنْ النَّبِيِّ ﷺ، أَنَّهُ قَالَ لأبي ذر وَقَدْ أَقَامَ بَيْنَ الْكَعْبَةِ وَأَسْتَارِهَا أَرْبَعِينَ مَا بَيْنَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، لَيْسَ لَهُ طَعَامٌ غَيْرَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّهَا طَعَامُ طُعْمٍ»، وَزَادَ غَيْرُ مسلم بِإِسْنَادِهِ: «وَشِفَاءُ سُقْمٍ».\nوَفِي «سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ» مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ:\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٣٧/ ١٢٤)، و(٣٩/ ٢٦٤)، وأبو داود (١٦٧٩ - ١٦٨٢)، والنسائي (٣٦٩٤)، وابن ماجه (٣٦٨٤)، ورجال سنده منقطع.\nوفي الباب حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ القدسي، قَالَ اللهَ تعالى: «اسْتَسْقَاكَ عَبْدِي فُلَانٌ فَلَمْ تَسْقِهِ، أَمَا إِنَّكَ لَوْ سَقَيْتَهُ وَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي»، أخرجه مسلم (٢٥٦٩).\nوفي «جامع الترمذي» (٢٤٤٩)، و«ترغيب المنذري» (١٤٢٦)، بعض الضعاف في فضل سقي الماء، فبمجموع أصول هذا الحديث يصلح للاحتجاج، وقد حسنه العلامة الألباني ﵀ في «صحيح الجامع» رقم: (١١١٣).","vol":"1","page":386},{"text":"«مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ»، وَقَدْ ضَعَّفَ هَذَا الْحَدِيثَ طَائِفَةٌ بعبد الله بن المؤمل رَاوِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ.\nوَقَدْ رُوِّينَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، أَنَّهُ لَمَّا حَجَّ، أَتَى زَمْزَمَ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّ ابن أبي الموالي حَدَّثَنَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جابر ﵁، عَنْ نَبِيِّكَ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ»، وَإِنِّي أَشْرَبَهُ لِظَمَأِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وابن أبي الموالي ثِقَةٌ، فَالْحَدِيثُ إِذًا حَسَنٌ، وَقَدْ صَحَّحَهُ بَعْضُهُمْ، وَجَعَلَهُ بَعْضُهُمْ مَوْضُوعًا، وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ فِيهِ مُجَازَفَةٌ.\nوَقَدْ جَرَّبْتُ أَنَا وَغَيْرِي مِنَ الِاسْتِشْفَاءِ بِمَاءِ زَمْزَمَ أُمُورًا عَجِيبَةً، وَاسْتَشْفَيْتُ بِهِ مِنْ عِدَّةِ أَمْرَاضٍ، فَبَرَأْتُ بِإِذْنِ اللَّهِ، وَشَاهَدْتُ مَنْ يَتَغَذَّى بِهِ الْأَيَّامَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ قَرِيبًا مِنْ نِصْفِ الشَّهْرِ أَوْ أَكْثَرَ وَلَا يَجِدُ جُوعًا، وَيَطُوفُ مَعَ النَّاسِ كَأَحَدِهِمْ، وَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ رُبَّمَا بَقِيَ عَلَيْهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَكَانَ لَهُ قُوَّةً يُجَامِعُ بِهَا أَهْلَهُ، وَيَصُومُ وَيَطُوفُ مِرَارًا. اهـ.\nوقال ﵀ في «مدارج السالكين» (١/ ٩٢): وَأَمَّا شَهَادَةُ التَّجَارِبِ بِذَلِكَ فَهِيَ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُذْكَرَ، وَذَلِكَ فِي كُلِّ زَمَانٍ، وَقَدْ جَرَّبْتُ أَنَا مِنْ ذَلِكَ فِي نَفْسِي وَفِي غَيْرِي أُمُورًا عَجِيبَةً، وَلَا سِيَّمَا مُدَّةَ الْمُقَامِ بِمَكَّةَ، فَإِنَّهُ كَانَ يَعْرِضُ لِي آلَامٌ مُزْعِجَةٌ، بِحَيْثُ تَكَادُ تَقْطَعُ الْحَرَكَةَ مِنِّي، وَذَلِكَ فِي أَثْنَاءِ الطَّوَافِ وَغَيْرِهِ، فَأُبَادِرُ إِلَى قِرَاءَةِ","vol":"1","page":387},{"text":"الْفَاتِحَةِ، وَأَمْسَحُ بِهَا عَلَى مَحَلِّ الْأَلَمِ فَكَأَنَّهُ حَصَاةٌ تَسْقُطُ، جَرَّبْتُ ذَلِكَ مِرَارًا عَدِيدَةً، وَكُنْتُ آخُذُ قَدَحًا مِنْ مَاءِ زَمْزَمٍ فَأَقْرَأُ عَلَيْهِ الْفَاتِحَةَ مِرَارًا، فَأَشْرَبُهُ فَأَجِدُ بِهِ مِنَ النَّفْعِ وَالْقُوَّةِ مَا لَمْ أَعْهَدْ مِثْلَهُ فِي الدَّوَاءِ، وَالْأَمْرُ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ، وَلَكِنْ بِحَسَبِ قُوَّةِ الْإِيمَانِ، وَصِحَّةِ الْيَقِينِ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ. اهـ.","vol":"1","page":388},{"text":"<span data-type='title' id=toc-289>[٦٤]- باب وجوب السعي بين الصفا والمروة في الحج والعمرة واستحباب الذكر والدعاء عليهما في كل شوط</span>\nقال الله ﵎: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨)﴾ [البقرة: ١٥٨].\n\n١٨٧ - وقال الإمام النسائي ﵀: باب الذِّكْرُ وَالدُّعَاءُ عَلَى الصَّفَا، رقم (٢٩٧٧): أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَكَمِ، عَنْ شُعَيْبٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا اللَّيْثُ، عَنْ ابْنِ الْهَادِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرٍ ﵁، قَالَ: طَافَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالْبَيْتِ سَبْعًا، رَمَلَ مِنْهَا ثَلَاثًا، وَمَشَى أَرْبَعًا، ثُمَّ قَامَ عِنْدَ الْمَقَامِ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَقَرَأَ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]، وَرَفَعَ صَوْتَهُ يُسْمِعُ النَّاسَ، ثُمَّ انْصَرَفَ فَاسْتَلَمَ، ثُمَّ ذَهَبَ، فَقَالَ: «نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللهُ بِهِ»، فَبَدَأَ بِالصَّفَا فَرَقِيَ عَلَيْهَا حَتَّى بَدَا لَهُ الْبَيْتُ، وَقَالَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ»، وَكَبَّرَ اللهَ وَحَمِدَهُ، ثُمَّ دَعَا بِمَا قُدِّرَ لَهُ، ثُمَّ نَزَلَ مَاشِيًا حَتَّى تَصَوَّبَتْ قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ","vol":"1","page":389},{"text":"الْمَسِيلِ فَسَعَى حَتَّى صَعِدَتْ قَدَمَاهُ. ثُمَّ مَشَى حَتَّى أَتَى الْمَرْوَةَ فَصَعِدَ فِيهَا. ثُمَّ بَدَا لَهُ الْبَيْتُ فَقَالَ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ»، قَالَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ ذَكَرَ اللهَ، وَسَبَّحَهُ، وَحَمِدَهُ، ثُمَّ دَعَا عَلَيْهَا بِمَا شَاءَ اللهُ، (فَعَلَ هَذَا حَتَّى فَرَغَ مِنَ الطَّوَافِ).\n\nوإسناده صحيح، رجاله كلهم ثقات:\nشُعَيْبٌ: هو بن الليث بن سعد.\nابْنُ الْهَادِ: هو يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد.\nوأخرجه النسائي بهذا السند (٢٩٨٥)، تحت باب مَوْضِع الْقِيَامِ عَلَى الْمَرْوَةِ.\nوأخرجه (٢٩٨٦) تحت باب التَّكْبِير عَلَيْهَا، أي: المروة، وقال: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَعِيلُ، قَالَ: أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ به، إلى قوله: «حَتَّى أَتَى الْمَرْوَةَ فَفَعَلَ عَلَيْهَا كَمَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا حَتَّى قَضَى طَوَافَهُ». اهـ.\nوهذا سند صحيح، وكل هذه الألفاظ الصحيحة تفيد أنَّ الذكر والدعاء مستحب في كل شوط على الصفا والمروة مثل الأول.","vol":"1","page":390},{"text":"١٨٨ - عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ: مَا أَرَى عَلَى أَحَدٍ، لَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، شَيْئًا، وَمَا أُبَالِي أَنْ لَا أَطُوفَ بَيْنَهُمَا. قَالَتْ: بِئْسَ مَا قُلْتَ، يَا ابْنَ أُخْتِي! طَافَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَطَافَ الْمُسْلِمُونَ، فَكَانَتْ سُنَّةً. وَإِنَّمَا كَانَ مَنْ أَهَلَّ لِمَنَاةَ الطَّاغِيَةِ، الَّتِي بِالْمُشَلَّلِ، لَا يَطُوفُونَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَلَمَّا كَانَ الْإِسْلَامُ سَأَلْنَا النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]، وَلَوْ كَانَتْ كَمَا تَقُولُ لَكَانَتْ: فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَطَّوَّفَ بِهِمَا.\n\nوفي رواية: عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَ: قُلْتُ لَهَا: إِنِّي لَأَظُنُّ رَجُلًا لَوْ لَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ مَا ضَرَّهُ، قَالَتْ: لِمَ؟ قُلْتُ: لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]، إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، فَقَالَتْ: مَا أَتَمَّ اللهُ حَجَّ امْرِئٍ، وَلَا عُمْرَتَهُ لَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَلَوْ كَانَ كَمَا تَقُولُ لَكَانَ: فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَطَّوَّفَ بِهِمَا، وَهَلْ تَدْرِي فِيمَا كَانَ ذَاكَ؟ إِنَّمَا كَانَ ذَاكَ أَنَّ الْأَنْصَارَ كَانُوا يُهِلُّونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لِصَنَمَيْنِ عَلَى شَطِّ الْبَحْرِ، يُقَالُ لَهُمَا: إِسَافٌ وَنَائِلَةُ، ثُمَّ يَجِيئُونَ، فَيَطُوفُونَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ يَحْلِقُونَ، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ، كَرِهُوا أَنْ يَطَّوَّفُوا بَيْنَهُمَا لِلَّذِي كَانُوا يَصْنَعُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، قَالَتْ: فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]، إِلَى آخِرِهَا، قَالَتْ: فَطَافُوا.","vol":"1","page":391},{"text":"وفي رواية: قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَتْرُكَ الطَّوَافَ بِهِمَا (^١).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم رقم: (١٢٧٧)، أي: للحج والعمرة، فلا يشرع الطواف بهما إلا في حج أو عمرة، وفعله في غير حج أو عمرة محدث؛ لعدم فعل النَّبِيِّ ﷺ التطوع بالسعي مفردًا عن الحج أو العمرة.\nقال الحافظ ابن حجر في «الفتح» (٣/ ٤٩٩)، تحت حديث (١٦٤٣): قوله: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨)﴾ [البقرة: ١٥٨]، لِأَنَّهُ رَاجِعٌ إِلَى أَصْلِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ لَا إِلَى خُصُوصِ السَّعْيِ لِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ التَّطَوُّعَ بِالسَّعْيِ لِغَيْرِ الْحَاجِّ وَالْمُعْتَمِرِ غَيْرُ مَشْرُوعٍ. اهـ.","vol":"1","page":392},{"text":"<span data-type='title' id=toc-290>[٦٥]- السعي في الوادي</span>\n١٨٩ - وفي مسلم (١٢١٨) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَشَى حَتَّى إِذَا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ الْوَادِي سَعَى، حَتَّى إِذَا صَعِدَنَا مَشَى (^١).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٢١٨).","vol":"1","page":393},{"text":"<span data-type='title' id=toc-291>[٦٦]- شدة السعي في بطن الوادي بين العلمين لغير المرأة</span>\n١٩٠ - قال الإمام أحمد ﵀: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي زِيَادٍ الْقَطْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ، أَخْبَرَنِي حَرْبٌ أَبُو سُفْيَانَ الْمِنْقَرِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ أَبُو جَعْفَرٍ، حَدَّثَنِي عَمِّي، عَنْ أَبِيِ ﵁: أَنَّهُ «رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا، وَالْمَرْوَةِ فِي الْمَسْعَى كَاشِفًا عَنْ ثَوْبِهِ، قَدْ بَلَغَ إِلَى رُكْبَتَيْهِ» (^١).\n\nوفي حديث عَلِيَّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ دليل على أنَّ الركبة ليست عورة، كما أنَّ السُّرَّة ليست عورة، والعورة: (تحت السُّرَّة، وفوق الركبة) لحديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أنَّه قَالَ للْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ﵄: أَرِنِي أُقَبِّلْ مِنْكَ حَيْثُ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ\n_________\n(^١) رقم (٥٩٧)، هذا حديث حسن، ومن بابه ما أخرجه البخاري تحت باب (٨٠)، مَا جَاءَ فِي السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، من كتاب الحج، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وابْنِ عَبَّاسٍ ﵃، أنَّ النَّبِيّ ﷺ سَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، وقال: «اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي».","vol":"1","page":394},{"text":"ﷺ يُقَبِّلُ. قَالَ: فَقَالَ: بِقَمِيصِهِ، قَالَ: فَقَبَّلَ سُرَّتَهُ (^١).\nومن بابه أنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁: (أَقْبَلَ آخِذًا بِطَرَفِ ثَوْبِهِ حَتَّى أَبْدَى عَنْ رُكْبَتِهِ) (^٢).\nقال النووي في «شرح مسلم» عند حديث (١٢١٨): وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ اسْتِحْبَابُ السَّعْيِ الشَّدِيدِ فِي بَطْنِ الْوَادِي حَتَّى يَصْعَدَ ثُمَّ يَمْشِي بَاقِي الْمَسَافَةِ إِلَى الْمَرْوَةِ عَلَى عَادَةِ مَشْيِهِ، وَهَذَا السَّعْيُ مُسْتَحَبٌّ فِي كُلِّ مَرَّةٍ مِنَ الْمَرَّاتِ السَّبْعِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَالْمَشْيُ مُسْتَحَبٌّ فِيمَا قَبْلَ الْوَادِي وَبَعْدَهُ، وَلَوْ مَشَى فِي الْجَمِيعِ أَوْ سَعَى فِي الْجَمِيعِ أَجْزَأَهُ وَفَاتَتْهُ الْفَضِيلَةُ. اهـ.\nوقال عند شرح حديث رقم (١٢٧٧): مَذْهَبُ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَالتَّابِعِينَ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ: أَنَّ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ لَا يَصِحُّ إِلَّا بِهِ. اهـ.\n\n<span data-type='title' id=toc-293>حكم السعي قبل الطواف</span>\nومن خلال أدلة الباب ترى فيها الترتيب بين الطواف ثم السعي، وقد جاء حديث أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ ﵁، أنَّ رجلًا قَالَ للنَّبِيِّ ﷺ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، سَعَيْتُ\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٧٤٦٢)، وهو حديث حسن.\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٦٦١).","vol":"1","page":395},{"text":"قَبْلَ أَنْ أَطُوفَ أَوْ قَدَّمْتُ شَيْئًا أَوْ أَخَّرْتُ شَيْئًا، فَكَانَ يَقُولُ: «لَا حَرَجَ لَا حَرَجَ».\nأخرجه أبو داود (٢٠١٥)، وابن خزيمة (٢٧٧٤)، وآخرون من طريق جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ به، وقد شذَّ جَرِيرٌ بقوله: (سَعَيْتُ قَبْلَ أَنْ أَطُوفَ)، ونص الحفاظ على شذوذها:\nقال الدارقطني: لَمْ يَقُلْ: (سَعَيْتُ قَبْلَ أَنْ أَطُوفَ)، إِلا جَرِيرٌ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ. اهـ من «السنن» (٢٥٤٢).\nوقال البيهقي في «الكبرى» (٥/ ٤٦): هَذَا اللَّفْظُ سَعَيْتُ قَبْلَ أَنْ أَطُوفَ غَرِيبٌ تَفَرَّدَ بِهِ جَرِيرٌ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَكَأَنَّهُ سَأَلَهُ عَنْ رَجُلٍ سَعَى عَقِيبَ طَوَافِ الْقُدُومِ قَبْلَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ، فَقَالَ: «لَا حَرَجَ»، وَاللهُ أَعْلَمُ. اهـ.\nقال ابن القيم ﵀ في «زاد المعاد» (٢/ ٢٣٩): وَقَوْلُهُ: سَعَيْتُ قَبْلَ أَنْ أَطُوفَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لَيْسَ بِمَحْفُوظٍ، وَالْمَحْفُوظُ: تَقْدِيمُ الرَّمْيِ، وَالنَّحْرِ، وَالْحَلْقِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ. اهـ.\nوقال الشوكاني في «السيل الجرار» (٢/ ١٩٨): وأما ما وقع في حديث أسامه عند أبي دأود بلفظ: سعيت قبل أن أطوف، فقد قال الحفاظ: أنَّه ليس بمحفوظ. اهـ.\nوقال الألباني ﵀ في «صحيح أبي داود» رقم (١٧٥٩): قوله: (سعيت قبل أن","vol":"1","page":396},{"text":"أطوف …): شاذ. اهـ.\nقال الحافظ ابن حجر في «الفتح» (٣/ ٥٠٥) تحت رقم (١٦٥٢): وَحكى بن الْمُنْذِرِ عَنْ عَطَاءٍ قَوْلَيْنِ فِيمَنْ بَدَأَ بِالسَّعْيِ قَبْلَ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ وَبِالْإِجْزَاءِ، قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْحَدِيثِ: وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: سَعَيْتُ قَبْلَ أَنْ أَطُوفَ قَالَ: «طُفْ وَلَا حَرَجَ».\nوَقَالَ الْجُمْهُورُ: لَا يُجْزِئُهُ وَأَوَّلُوا حَدِيثَ أُسَامَةَ عَلَى مَنْ سَعَى بَعْدَ طَوَافِ الْقُدُومِ وَقَبْلَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ. اهـ.\nقُلْتُ: وبعد معرفة شذوذ هذه اللفظة لا يحتاج إلى التأويل.","vol":"1","page":397},{"text":"١٩١ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا طَافَ الطَّوَافَ الأَوَّلَ خَبَّ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا، وَكَانَ يَسْعَى بَطْنَ المَسِيلِ إِذَا طَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ» (^١).\n\n١٩٢ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «إِنَّمَا سَعَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، لِيُرِيَ المُشْرِكِينَ قُوَّتَهُ» (^٢).\n\n١٩٣ - عَنْ أُمِّ وَلَدٍ لِشَيْبَةَ بْنِ عُثْمَانَ، قَالَتْ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَهُوَ يَقُولُ: «لَا يُقْطَعُ الْأَبْطَحُ، إِلَّا شَدًّا (^٣)» (^٤).\n\n١٩٤ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: إِنْ أَسْعَ بَيْنَ الصَّفَا، وَالْمَرْوَةِ، فَقَدْ «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْعَى وَإِنْ أَمْشِ، فَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَمْشِي، وَأَنَا شَيْخٌ كَبِيرٌ» (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٦٤٤)، ومسلم (١٢٦١).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٦٤٩)، ومسلم (١٢٦٦).\n(^٣) «لَا يُقْطَعُ الْأَبْطَحُ، إِلَّا شَدًّا»: أي: لا يمر في الوادي ما بين العلمين إلا عدوًا أو مسرعًا.\n(^٤) أخرجه النسائي (٢٩٨٣)، وابن ماجه (٢٩٨٧)، وأحمد (٦/ ٤٠٤)، وهو حديث صحيح، وبوب عليه ابن ماجه: بَابُ السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا، وَالْمَرْوَةِ.\n(^٥) أخرجه ابن ماجه (٢٩٨٨)، وأحمد (٢/ ٦١)، والترمذي (٨٦٤)، وأبو داود (١٩٠٤)، والنسائي (٢٩٧٩)، باب الْمَشْي بَيْنَهُمَا.","vol":"1","page":398},{"text":"قال المباركفوري ﵀ في «تحفة الأحوذي»: قوله: (وَأَنَا شَيْخٌ كَبِيرٌ): هَذَا اعْتِذَارٌ لِتَرْكِ الْسعي. اهـ.\n\nقُلْتُ: منها أنَّ<span data-type='title' id=toc-294> السعي بين العلمين مستحب لغير العاجز،</span> وأجمعوا أنَّ المرأة لا يشرع لها السعي بينهما ولا حول البيت.\nقال ابن عبد البر في «التمهيد» (٢/ ٧٨): أَجْمَعُوا أَنْ لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ رَمَلٌ فِي طَوَافِهِنَّ بِالْبَيْتِ وَلَا هَرْوَلَةٌ فِي سَعْيِهِنَّ بَيْنَ الصفا والمروة. اهـ.\n\nقال النووي ﵀:<span data-type='title' id=toc-296> إِذَا طَافَ فِي غَيْرِ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ فَلَا رَمَلَ </span>بِلَا خِلَافٍ. اهـ من «شرح مسلم».\nقال ابن عبد البر في «الاستذكار» (٤/ ١٩٥): أَجْمَعُوا عَلَى أَنْ لَا رَمَلَ عَلَى مَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا. اهـ.\nقُلْنَا: ومن كان من أهل مكة لا رمل عليه؛ إنما الرمل يستحب للآفاقي، إذ لم يرد الدليل إلا فيه.","vol":"1","page":399},{"text":"<span data-type='title' id=toc-298>[٦٧]- ما جاء أنَّ على المتمتع طوافين وسعيين طواف وسعي لعمرته، وطواف وسعي لحجه</span>\n١٩٥ - عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ مُتْعَةِ الحَجِّ، فَقَالَ: أَهَلَّ المُهَاجِرُونَ، وَالأَنْصَارُ، وَأَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ، وَأَهْلَلْنَا، فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اجْعَلُوا إِهْلَالَكُمْ بِالحَجِّ عُمْرَةً، إِلَّا مَنْ قَلَّدَ الهَدْيَ» فَطُفْنَا بِالْبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ، وَأَتَيْنَا النِّسَاءَ، وَلَبِسْنَا الثِّيَابَ، وَقَالَ: «مَنْ قَلَّدَ الهَدْيَ، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ حَتَّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ» ثُمَّ أَمَرَنَا عَشِيَّةَ التَّرْوِيَةِ أَنْ نُهِلَّ بِالحَجِّ، فَإِذَا فَرَغْنَا مِنَ المَنَاسِكِ، جِئْنَا فَطُفْنَا بِالْبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ، فَقَدْ تَمَّ حَجُّنَا وَعَلَيْنَا الهَدْيُ (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٥٧٢).","vol":"1","page":400},{"text":"١٩٦ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ، فَأَهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ قَالَ: «مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُهِلَّ بِالحَجِّ وَالعُمْرَةِ، ثُمَّ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا»، فَقَدِمْتُ مَكَّةَ وَأَنَا حَائِضٌ، فَلَمَّا قَضَيْنَا حَجَّنَا، أَرْسَلَنِي مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِلَى التَّنْعِيمِ فَاعْتَمَرْتُ، فَقَالَ ﷺ: «هَذِهِ مَكَانَ عُمْرَتِكِ»، فَطَافَ الَّذِينَ أَهَلُّوا بِالعُمْرَةِ، ثُمَّ حَلُّوا، ثُمَّ طَافُوا طَوَافًا آخَرَ، بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنًى، وَأَمَّا الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ، فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا (^١).\nقَالَ جَابِرٌ ﵁: (فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ أَهْلَلْنَا بِالْحَجِّ، وَكَفَانَا الطَّوَافُ الْأَوَّلُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) (^٢).\nقال النووي: قَوْلُهُ: (وَكَفَانَا الطَّوَافُ الْأَوَّلُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ): يَعْنِي: الْقَارِنَ مِنَّا، وَأَمَّا الْمُتَمَتِّعَ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنَ السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فِي الْحَجِّ بَعْدَ رُجُوعِهِ مِنْ عَرَفَاتٍ، وَبَعْدَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ. اهـ.\n\n<span data-type='title' id=toc-299>المفرد ليس عليه إلا سعي واحد:</span>\nقال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٥/ ٣١٤): وَلَا يُشْرَعُ فِي حَقِّهِ أَكْثَرُ مِنْ سَعْيٍ وَاحِدٍ.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٦٣٨)، ومسلم (١٢١١).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٢١٣/ ١٣٨)، ومثله في مسلم (١٢١٥).","vol":"1","page":401},{"text":"<span data-type='title' id=toc-300>[٦٨]- باب الحلق والتقصير</span>\nقال الله ﵎: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا (٢٧)﴾ [الفتح: ٢٧].\n\n١٩٧ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «اللَّهُمَّ ارْحَمِ المُحَلِّقِينَ» قَالُوا: وَالمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «اللَّهُمَّ ارْحَمِ المُحَلِّقِينَ» قَالُوا: وَالمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «وَالمُقَصِّرِينَ» (^١).\n\n١٩٨ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُحَلِّقِينَ» قَالُوا: وَلِلْمُقَصِّرِينَ، قَالَ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُحَلِّقِينَ»، قَالُوا: وَلِلْمُقَصِّرِينَ، قَالَهَا ثَلَاثًا، قَالَ: «وَلِلْمُقَصِّرِينَ» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٧٢٧)، ومسلم (١٣٠١).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٧٢٨) ومسلم (١٣٠٢).","vol":"1","page":402},{"text":"١٩٩ - وأخرج مسلم ﵀ (١٢١٨): عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ وفيه: «فَحَلَّ النَّاسُ كُلُّهُمْ وَقَصَّرُوا، إِلَّا النَّبِيَّ ﷺ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ».\n\nقال النووي في «شرح مسلم» (١٢١٨): وأما قوله: (وقصروا): فانما قَصَّرُوا وَلَمْ يَحْلِقُوا مَعَ أَنَّ الْحَلْقَ أَفْضَلُ لِأَنَّهُمْ أَرَادُوا أَنْ يَبْقَى شَعْرٌ يُحْلَقُ فِي الْحَجِّ فَلَوْ حَلَقُوا لَمْ يَبْقَ شَعْرٌ فَكَانَ التَّقْصِيرُ هُنَا أَحْسَنَ لِيَحْصُلَ فِي النُّسُكَيْنِ إِزَالَةُ شَعْرٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\nوهذا في التحلل في العمرة المفردة لمن كان متمتعًا كما ترى، وأما في التحلل الأخير للحاج فالحلق أفضل كما تقدم تكرار الدعاء للمحلقين. اهـ.\nوقال النووي في ﵀ عند حديث (١٣٠١): وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْحَلْقَ أَفْضَلُ مِنَ التَّقْصِيرِ وَعَلَى أَنَّ التَّقْصِيرَ يُجْزِي.\nوَوَجْهُ فَضِيلَةِ الْحَلْقِ عَلَى التَّقْصِيرِ أَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْعِبَادَةِ وَأَدَلُّ عَلَى صِدْقِ النِّيَّةِ فِي التَّذَلُّلِ لِلَّهِ تَعَالَى وَلِأَنَّ الْمُقَصِّرَ مُبْقٍ عَلَى نَفْسِهِ الشَّعْرَ الَّذِي هُوَ زِينَةٌ وَالْحَاجَّ مَأْمُورٌ بِتَرْكِ الزِّينَةِ بَلْ هُوَ أَشْعَثُ أَغْبَرُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\nوَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ: عَلَى أَنَّ الْأَفْضَلَ فِي الْحَلْقِ وَالتَّقْصِيرِ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، وَبَعْدَ ذَبْحِ الْهَدْيِ إِنْ كَانَ مَعَهُ، وَقَبْلَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ، وَسَوَاءٌ كَانَ قَارِنًا أَوْ مفردًا. اهـ.","vol":"1","page":403},{"text":"<span data-type='title' id=toc-302>[٦٩]- النهي عن حلاقة القزع</span>\n٢٠٠ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنِ الْقَزَعِ» قَالَ: قُلْتُ لِنَافِعٍ وَمَا الْقَزَعُ قَالَ: يُحْلَقُ بَعْضُ رَأْسِ الصَّبِيِّ وَيُتْرَكُ بَعْضٌ (^١).\n\n٢٠١ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ: رَأَى صَبِيًّا قَدْ حُلِقَ بَعْضُ شَعْرِهِ وَتُرِكَ بَعْضُهُ، فَنَهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ، وَقَالَ: «احْلِقُوهُ كُلَّهُ، أَوِ اتْرُكُوهُ كُلَّهُ» (^٢).\nقال النووي في «شرح مسلم» (٢١٢٠): وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى كَرَاهَةِ الْقَزَعِ إِذَا كَانَ فِي مَوَاضِعَ مُتَفَرِّقَةٍ إِلَّا أَنْ يَكُونَ لِمُدَاوَاةٍ وَنَحْوِهَا.\nوقال: قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَالْحِكْمَةُ فِي كَرَاهَتِهِ:\n• أَنَّهُ تَشْوِيهٌ لِلْخَلْقِ.\n• وَقِيلَ: لِأَنَّهُ زِيُّ الشَّرِّ وَالشَّطَارَةِ.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٩٢٠)، ومسلم (٢١٢٠)، واللفظ له.\n(^٢) أخرجه البخاري (٤١٩٥).","vol":"1","page":404},{"text":"• وَقِيلَ: لِأَنَّهُ زِيُّ الْيَهُودِ وَقَدْ جَاءَ هَذَا فِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. اهـ.\nقال الحافظ ابن حجر في «الفتح» عند شرح حديث ابن عمر (٥٩٢٠): وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ، وَكَرِهَهُ مَالِكٌ فِي الْجَارِيَةِ وَالْغُلَامِ. اهـ.\nقال ابن القيم ﵀ في «زاد المعاد» (١٤٧): والقزع أَنْ يحلق بعض رَأس الصَّبِي ويدع بعضه.\nقَالَ شَيخنَا: وَهَذَا من كَمَال محبَّة الله وَرَسُوله للعدل فَإِنَّهُ أَمر بِهِ حَتَّى فِي شَأْن الإنسان مَعَ نَفسه، فَنَهَاهُ أَنْ يحلق بعض رَأسه وَيتْرك بعضه؛ لِأَنَّهُ ظلم للرأس حَيْثُ ترك بعضه كاسيا وَبَعضه عَارِيا، وَنَظِير هَذَا أَنه نهى عَنْ الْجُلُوس بَين الشَّمْس والظل فَإِنَّهُ ظلم لبَعض بدنه، وَنَظِيره نهى أَنْ يمشي الرجل فِي نعل وَاحِدَة، بل إِمَّا أَنْ ينعلهما أَوْ يحفيهما.\n\nو<span data-type='title' id=toc-304>القزع أَرْبَعَة أَنْوَاع:</span>\n• أَحدهَا: أَنْ يحلق من رَأسه مَوَاضِع من هَا هُنَا وَهَا هُنَا مَأْخُوذ من تقزع السَّحَاب وَهُوَ تقطعه.\n• الثَّانِي: أَنْ يحلق وَسطه وَيتْرك جوانبه كَمَا يَفْعَله شمامسة النَّصَارَى.\n• الثَّالِث: أَنْ يحلق جوانبه وَيتْرك وَسطه كَمَا يَفْعَله كثير من الأوباش والسفل.\n• الرَّابِع: أَنْ يحلق مقدمه وَيتْرك مؤخره وَهَذَا كُله من القزع، وَالله أعلم. اهـ.","vol":"1","page":405},{"text":"<span data-type='title' id=toc-305>[٧٠]- لا يشرع للمرأة أن تحلق رأسها</span>\n٢٠٢ - وأخرج أبو داود (^١) قال: حَدَّثَنَا أَبُو يَعْقُوبَ الْبَغْدَادِيُّ، ثِقَةٌ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ شَيْبَةَ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ، قَالَتْ: أَخْبَرَتْنِي أُمُّ عُثْمَانَ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ الْحَلْقُ، إِنَّمَا عَلَى النِّسَاءِ التَّقْصِيرُ».\n\n٢٠٣ - وعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تَحْلِقَ المَرْأَةُ رَأْسَهَا»، أخرجه الترمذي (^٢).\n_________\n(^١) رقم: (١٩٨٥)، وهذا حديث صحيح.\n(^٢) رقم: (٩١٤)، والنسائي (٥٠٤٩)، قال الترمذي: وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ لَا يَرَوْنَ عَلَى المَرْأَةِ حَلْقًا، وَيَرَوْنَ أَنَّ عَلَيْهَا التَّقْصِيرَ».\nقال ابن قدامة ﵀ في «المغني» عند مسألة (٦٥١): وَالْمَشْرُوعُ لِلْمَرْأَةِ التَّقْصِيرُ دُونَ الْحَلْقِ، لَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ عَلَى هَذَا أَهْلُ الْعِلْمِ. اهـ.","vol":"1","page":406},{"text":"بوب ابن أبي شيبة في «مصنفه» (٨/ ٨١): باب فِي الْمُحْرِمَةِ كَمْ تَأْخُذُ مِنْ شَعْرِهَا؟ وساق بعض الآثارمنها، قال: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: تَجْمَعُ الْمُحْرِمَةُ شَعْرَهَا، ثُمَّ تَأْخُذُ قَدْرَ أُنْمُلَةٍ، وهذا سند ضعيف. لَيْثٌ: هو ابن أبي سليم، ضعيف.\nقال: حَدَّثَنَا عَبَّادٌ، عَنِ الْحَجَّاجِ قَالَ: سَأَلْتُ عَطَاءً، عَنْ تَقْصِيرِ الْمَرْأَةِ؟ فَقَالَ: تَأْخُذُ مِنْ جَوَانِبِهَا شَيْئًا، إِنَّمَا هُوَ تَحْلِيلٌ.\nقال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ حَفْصَةَ ابْنَةِ سِيرِينَ، فِي تَقْصِيرِ الْمَرْأَةِ مِنْ شَعْرِهَا، قَالَتْ: إِنَّهُ يُعْجِبُنِي أَنْ لَا تُكْثِرَ الْمَرْأَةُ الشَّابَّةُ، وَأَمَّا الَّتِي قَدْ وَلَّتْ، فَإِنْ شَاءَتْ أَخَذَتْ أَكْثَرَ، فَإِنْ فَعَلَتْ، فَلَا تَزِيدُ عَلَى الرُّبْعِ.\nقال: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنِ الْحَسَنِ، فِي الْمُحْرِمَةِ كَيْفَ تُقَصِّرُ؟ قَالَ: تَأْخُذُ مِنْ نَاصِيَتِهَا.\nقال: حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ، قَالَ: ثنا شُعْبَةُ قَالَ: سَأَلْتُ الْحَكَمَ، كَمْ تَقُصُّ الْمَرْأَةُ؟ قَالَ: لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مُوَقَّتٌ.\nقال: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: تَأْخُذُ الْمَرْأَةُ مِنْ شَعْرِهَا، مِنْ قَصِيرِهِ وَطَوِيلِهِ. اهـ.","vol":"1","page":407},{"text":"قال ابن قدامة في «المغني»، - فصل قبل المسألة (٦٢٥) -: وَأَيُّ قَدْرٍ قَصَّرَ مِنْهُ أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِهِ مُطْلَقٌ فَيَتَنَاوَلُ الْأَقَلَّ.\nوَقَالَ أَحْمَدُ: يُقَصِّرُ قَدْرَ الْأُنْمُلَةِ.\nوَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي ثَوْرٍ. اهـ.","vol":"1","page":408},{"text":"<span data-type='title' id=toc-307>[٧١]- باب ما جاء في البدء بالجهة اليمنى في الحلق أو التقصير</span>\n٢٠٤ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مَنْزِلِهِ بِمِنًى فَدَعَا بِذِبْحٍ، فَذُبِحَ، ثُمَّ دَعَا بِالْحَلَّاقِ، فَأَخَذَ بِشِقِّ رَأْسِهِ الْأَيْمَنِ فَحَلَقَهُ، فَجَعَلَ يَقْسِمُ بَيْنَ مَنْ يَلِيهِ الشَّعَرَةَ وَالشَّعْرَتَيْنِ ثُمَّ أَخَذَ بِشِقِّ رَأْسِهِ الْأَيْسَرِ فَحَلَقَهُ، ثُمَّ قَالَ: هَاهُنَا أَبُو طَلْحَةَ فَدَفَعَهُ إِلَى أَبِي طَلْحَةَ» (^١).\n\n٢٠٥ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: لَمَّا رَمَى رَسُولُ اللهِ ﷺ الْجَمْرَةَ وَنَحَرَ نُسُكَهُ وَحَلَقَ نَاوَلَ الْحَالِقَ شِقَّهُ الْأَيْمَنَ فَحَلَقَهُ، ثُمَّ دَعَا أَبَا طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيَّ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ، ثُمَّ نَاوَلَهُ الشِّقَّ الْأَيْسَرَ، فَقَالَ: «احْلِقْ فَحَلَقَهُ، فَأَعْطَاهُ أَبَا طَلْحَةَ»، فَقَالَ: «اقْسِمْهُ بَيْنَ النَّاسِ» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٣٠٥).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٧١)، واللفظ لمسلم (١٣٠٥).\nقال النووي في «شرح مسلم» في فوائد الحديث: مِنْهَا: أَنَّ الْحَلْقَ نُسُكٌ وَأَنَّهُ أَفْضَلُ مِنَ التَّقْصِيرِ وَأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ فِيهِ الْبُدَاءَةُ بِالْجَانِبِ الْأَيْمَنِ مِنْ رَأْسِ المحلوق، وهذا مذهبنا، ومذهب الجمهور. اهـ.","vol":"1","page":409},{"text":"<span data-type='title' id=toc-308>[٧٢]- إهلال المتمتع بالحج يوم التروية من مكة ومبيته بمنى</span>\n٢٠٦ - عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁، قُلْتُ: أَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ عَقَلْتَهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، «أَيْنَ صَلَّى الظُّهْرَ وَالعَصْرَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ؟ قَالَ: بِمِنًى»، قُلْتُ: «فَأَيْنَ صَلَّى العَصْرَ يَوْمَ النَّفْرِ؟ قَالَ: بِالأَبْطَحِ»، ثُمَّ قَالَ: افْعَلْ كَمَا يَفْعَلُ أُمَرَاؤُكَ (^١).\n\n٢٠٧ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄: أَنَّهُ حَجَّ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ سَاقَ البُدْنَ مَعَهُ، وَقَدْ أَهَلُّوا بِالحَجِّ مُفْرَدًا، فَقَالَ لَهُمْ: «أَحِلُّوا مِنْ إِحْرَامِكُمْ بِطَوَافِ البَيْتِ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، وَقَصِّرُوا، ثُمَّ أَقِيمُوا حَلَالًا، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ فَأَهِلُّوا بِالحَجِّ (^٢)، وَاجْعَلُوا الَّتِي قَدِمْتُمْ بِهَا مُتْعَةً» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٦٥٣)، ومسلم (١٣٠٩).\n(^٢) قوله: «فَأَهِلُّوا بِالحَجِّ»: قال القرطبي ﵀ في «المفهم» (٣/ ٣٣١): بإجماع العلماء على أنَّهم أحرموا من مكة. اهـ. أي: لم يبقوا في ثيابهم إلى منى فيحرمون منها، بل أحرموا من مكة، وأتوا منى محرمين.\n(^٣) أخرجه البخاري (١٥٦٨)، ومسلم (١٢١٦).","vol":"1","page":410},{"text":"٢٠٨ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «صَلَّى بِمِنًى يَوْمَ التَّرْوِيَةِ، الظُّهْرَ، وَالْعَصْرَ، وَالْمَغْرِبَ، وَالْعِشَاءَ، وَالْفَجْرَ، ثُمَّ غَدَا إِلَى عَرَفَةَ» (^١).\n\n٢٠٩ - وعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّهُ كَانَ يُحِبُّ إِذَا اسْتَطَاعَ أَنْ يُصَلِّيَ الظُّهْرَ بِمِنًى مِنْ يَوْمِ التَّرْوِيَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَلَّى الظُّهْرَ بِمِنًى (^٢).\n\n٢١٠ - وفي مسلم (^٣)، من حديث جابر ﵁ قال: «فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ تَوَجَّهُوا إِلَى مِنًى، فَأَهَلُّوا بِالْحَجِّ، وَرَكِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَصَلَّى بِهَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَالْفَجْرَ».\n\nقال النووي في «شرح مسلم»:<span data-type='title' id=toc-309> يَوْمُ التَّرْوِيَةِ هُوَ الثَّامِنُ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ </span>…، وَفِي هَذَا بَيَانُ أَنَّ السُّنَّةَ أَنْ لَا يَتَقَدَّمَ أَحَدٌ إِلَى مِنًى قَبْلَ يَوْمِ التَّرْوِيَةِ، وَقَدْ كَرِهَ مَالِكٌ ذَلِكَ.\nوَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: لَا بَأْسَ بِهِ وَمَذْهَبُنَا أَنَّهُ خِلَافُ السُّنَّةِ.\nقَوْلُهُ: (فَصَلَّى بِهَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَالْفَجْرَ): فِيهِ بَيَانُ سُنَنِ:\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (١٩١١)، والترمذي (٨٧٩)، وأحمد رقم (٢٣٠٦)، وهو حديث صحيح.\n(^٢) أخرجه أحمد (٦١٣١)، وهو حديث صحيح.\n(^٣) برقم: (١٢١٨).","vol":"1","page":411},{"text":"• إِحْدَاهَا: أَنَّ الرُّكُوبَ فِي تِلْكَ الْمَوَاطِنِ أَفْضَلُ مِنَ الْمَشْيِ كَمَا أَنَّهُ فِي جُمْلَةِ الطَّرِيقِ أَفْضَلُ مِنَ الْمَشْيِ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فِي الصُّورَتَيْنِ أَنَّ الرُّكُوبَ أَفْضَلُ. وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلٌ آخَرُ ضَعِيفٌ أَنَّ الْمَشْيَ أَفْضَلُ.\nوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: الْأَفْضَلُ فِي جُمْلَةِ الْحَجِّ الرُّكُوبُ إِلَّا فِي مَوَاطِنِ الْمَنَاسِكِ وَهِيَ مَكَّةُ وَمِنًى وَمُزْدَلِفَةُ وَعَرَفَاتٌ وَالتَّرَدُّدُ بَيْنَهُمَا.\n• وَالسُّنَّةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يُصَلِّيَ بِمِنًى هَذِهِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ.\n• وَالثَّالِثَةُ: أَنْ يَبِيتَ بِمِنًى هَذِهِ اللَّيْلَةَ، وَهِيَ: لَيْلَةُ التَّاسِعِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَهَذَا الْمَبِيتُ سُنَّةٌ لَيْسَ بِرُكْنٍ وَلَا وَاجِبٍ، فَلَوْ تَرَكَهُ فَلَا دَمَ عَلَيْهِ بِالْإِجْمَاعِ. اهـ.","vol":"1","page":412},{"text":"<span data-type='title' id=toc-311>[٧٣]- ترك الحاج صيام يوم عرفة، والجمع فيه بين الظهر والعصر جمع تقديم</span>\n٢١١ - عَنْ أُمِّ الفَضْلِ ﵂، شَكَّ النَّاسُ يَوْمَ عَرَفَةَ فِي صَوْمِ النَّبِيِّ ﷺ، «فَبَعَثْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِشَرَابٍ فَشَرِبَهُ» (^١).\n\nقال النووي ﵀ في «شرح مسلم» عند (بَاب<span data-type='title' id=toc-312> اسْتِحْبَابِ الْفِطْرِ لِلْحَاجِّ بِعَرَفَاتٍ يَوْمَ عَرَفَةَ):</span>\nمذَهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَمَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَجُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ: اسْتِحْبَابُ فِطْرِ يَوْمِ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ لِلْحَاجِّ، وَحَكَاهُ بن الْمُنْذِرِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ بن عفان، وبن عمر، والثوري.\nقال: وكان بن الزُّبَيْرِ، وَعَائِشَةُ يَصُومَانِهِ، وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَعُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ، وَكَانَ إِسْحَاقُ يَمِيلُ إِلَيْهِ، وَكَانَ عَطَاءٌ يَصُومُهُ فِي الشِّتَاءِ دُونَ الصَّيْفِ.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٦٥٨)، واللفظ له، ومسلم (١١٢٣).","vol":"1","page":413},{"text":"وَقَالَ قَتَادَةُ: لَا بَأْسَ بِهِ إِذَا لَمْ يَضْعُفْ عَنِ الدُّعَاءِ.\nوَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ بِفِطْرِ النَّبِيِّ ﷺ فِيهِ؛ وَلِأَنَّهُ أَرْفَقُ بِالْحَاجِّ فِي آدَابِ الْوُقُوفِ وَمُهِمَّاتِ الْمَنَاسِكِ، وَاحْتَجَّ الْآخَرُونَ بِالْأَحَادِيثِ الْمُطْلَقَةِ أَنَّ صَوْمَ عَرَفَةَ كَفَّارَةٌ سَنَتَيْنِ، وَحَمَلَهُ الْجُمْهُورُ عَلَى مَنْ لَيْسَ هُنَاكَ. اهـ.\nقال الأمام مسلم ﵀ في «صحيحه» (١١٦٢): وحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، جَمِيعًا عَنْ حَمَّادٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ غَيْلَانَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَعْبَدٍ الزِّمَّانِيِّ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ: «صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ، أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ، وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ، وَصِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ، أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ».\nوقال ﵀: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، - وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى - قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ غَيْلَانَ بْنِ جَرِيرٍ، سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَعْبَدٍ الزِّمَّانِيَّ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ؟ فَقَالَ: «يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ وَالْبَاقِيَةَ» قَالَ: وَسُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ؟ فَقَالَ: «يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ».\nوأخرجه أحمد (٢٢٥٣٧)، فقال: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا غَيْلَانُ بْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبَدٍ الزِّمَّانِيِّ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، به.","vol":"1","page":414},{"text":"وأخرجه أحمد (٢٢٦٥٠)، فقال: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ، عَنْ غَيْلَانَ بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبَدٍ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ فَقَالَ: «أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ كَفَّارَةَ سَنَتَيْنِ مَاضِيَةٍ وَمُسْتَقْبَلَةٍ».\nوطريق مَهْدِيِّ بْنِ مَيْمُونٍ، أخرجها مسلم (٢٧٥٠)، مختصرةً.\nوأخرجه أحمد (٢٢٥٣٠)، فقال: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: سَمِعْنَاهُ مِنْ دَاوُدَ بْنِ شَابُورَ، عَنْ أَبِي قَزْعَةَ، عَنْ أَبِي الْخَلِيلِ، عَنْ أَبِي حَرْمَلَةَ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: «صِيَامُ عَرَفَةَ يُكَفِّرُ السَّنَةَ وَالَّتِي تَلِيهَا، وَصِيَامُ عَاشُورَاءَ يُكَفِّرُ سَنَةً» قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: قَالَ أَبِي: لَمْ يَرْفَعْهُ لَنَا سُفْيَانُ وَهُوَ مَرْفُوعٌ. اهـ.\nوهذا سند صحيح، رجاله ثقات.\nأَبُو قَزْعَةَ: سويد ين حجر الباهلي، ثقة أخرج له مسلم.\nوأَبُو الْخَلِيلِ: صالح بن أبي مريم، ثقة، أخرج له البخاري ومسلم، وغيرهما.\nقال الترمذي ﵀ في «السنن»، بَاب (٤٦): مَا جَاءَ فِي فَضْلِ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ، (٧٤٩): حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، به.\nثم قال: وَفِي البَابِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ. اهـ.\nوبما سبق يُعلم صحة هذا الحديث لذاته، وستأتي له مزيد شواهد.","vol":"1","page":415},{"text":"وقد رأيت رسالة بعنوان: «جزء فيه تخريج حديث صوم يوم عرفة»، جمعها: فوزي بن عبد الله بن محمد الحميدي، ذكر حديث أبي قتادة هذا، وتجرأ على تضعيفه، فقال، عنه كما في صفحة (١٥): حديث معلول ضعيف. اهـ.\nوجعجع فيه راكبًا الصعب والذلول لتضعيف هذا الحديث، دون تهيب من التعدي على أحاديث «صحيح مسلم» التي لم ينتقدها متتبعوه من الحفاظ، وتلقتها الأمة بالقبول، كما نقل الإجماع على ذلك.\nنقل السخاوي ﵀ في «فتح المغيث بشرح ألفية الحديث» (١/ ٩٣): عن أَبِي إِسْحَاقَ الْإِسْفِرَايِينِيِّ، قال: أَهْلُ الصَّنْعَةِ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ الْأَخْبَارَ الَّتِي اشْتَمَلَ عَلَيْهَا «الصَّحِيحَانِ» - مَقْطُوعٌ بِصِحَّةِ أُصُولِهَا وَمُتُونِهَا، وَلَا يَحْصُلُ الْخِلَافُ فِيهَا بِحَالٍ، وَإِنْ حَصَلَ فَذَاكَ اخْتِلَافٌ فِي طُرُقِهَا وَرُوَاتِهَا.\nقَالَ: فَمَنْ خَالَفَ حُكْمُهُ خَبَرًا مِنْهَا، وَلَيْسَ لَهُ تَأْوِيلٌ سَائِغٌ لِلْخَبَرِ، نَقَضْنَا حُكْمَهُ; لِأَنَّ هَذِهِ الْأَخْبَارَ تَلَقَّتْهَا الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ. اهـ.\nوقال ابن الصلاح ﵀ في «صيانة صحيح مسلم» (٨٥): جَمِيع مَا حكم مُسلم بِصِحَّتِهِ من هَذَا الْكتاب فَهُوَ مَقْطُوع بِصِحَّتِهِ وَالْعلم النظري حَاصِل بِصِحَّتِهِ فِي نفس الْأَمر وَهَكَذَا مَا حكم البُخَارِيّ بِصِحَّتِهِ فِي كِتَابه وَذَلِكَ لِأَن الْأمة تلقت ذَلِك بِالْقبُولِ سوى من لَا يعْتد بِخِلَافِهِ ووفاقه فِي الْإِجْمَاع.","vol":"1","page":416},{"text":"وقال بعده: وَقد أخبرونا فِي إذْنهمْ عَنْ الْحَافِظ الْفَقِيه أبي طَاهِر أَحْمد بن مُحَمَّد الْأَصْبَهَانِيّ ﵀، قَالَ سَمِعت القَاضِي أَبَا حَكِيم الجيلي، يَقُول سَمِعت أَبَا الْمَعَالِي عبد الْملك بن عبد الله بن يُوسُف الْجُوَيْنِيّ بنيسابور، يَقُول: لَو حلف إِنْسَان بِطَلَاق امْرَأَته أَنَّ مَا فِي كتابي البُخَارِيّ وَمُسلم مِمَّا حكما بِصِحَّتِهِ من قَول النَّبِي ﷺ لما ألزمته الطَّلَاق وَلَا حنثته لإِجْمَاع عُلَمَاء الْمُسلمين على صحتهما. اهـ.\nونقله النووي ﵀ عنه في «مقدمة صحيح مسلم» (١/ ٤٦)، فقال: اتفق العلماء ﵏ على أنَّ أصح الكتب بعد القرآن العزيز، الصحيحان، البخاري ومسلم وتلقتهما الأمة بالقبول. اهـ.\nقال الدهلوي ﵀ في كتابه «حجة الله البالغة» (١/ ٢٣٢): أما «الصحيحان»، فقد اتّفق المحدثون على أَنْ جَمِيع مَا فيهمَا من الْمُتَّصِل الْمَرْفُوع صَحِيح بِالْقطعِ، وأنهما متواتران إِلَى مصنفيهما، وَأَنَّ كل من يهون أَمرهمَا فَهُوَ مُبْتَدع مُتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ. اهـ.\nولم يكتفِ المذكور بارتكاب هذا الخطأ فقط في تضعيف هذا الحديث الصحيح، بل تجرأ أيضًا على إنكار شرعية صيام يوم عرفة لغير الحاج الواقف بها، غير عابئٍ بما في الباب من أدلة وإجماع، فقام بتكلفٍ، ولملمة أقوالٍ، وتضخيم الرسالة بما لا طائل نافع فيه، ولا بركة.","vol":"1","page":417},{"text":"وقد طعن في الحديث بالانقطاع بين عبد الله بن معبد الزماني البصري، وبين أبي قتادة ﵁، واستند إلى قول الإمام البخاري ﵀ في «تاريخه الكبير» (٣/ ٦٨): وَلا يعرف سماع عَبْد اللَّه بْن معبد من أَبِي قتادة.\nوقال في موضع آخر (٥/ ١٩٨): ولا نَعرِفُ سماعه من أَبي قَتادة. اهـ.\nفقوله: (لا نعرف سماعه)، جاء ما يثبت سماعه منه على شرط مسلم، ومن المعلوم أنَّ المثبت مقدم على النافي (^١)، وقد أثبت سماعه من أبي قتادة الإمام الخطيب في «المتفق والمفترق» (٣/ ١٤٤١)، فقال: سمع أبا قتادة الأنصاري روى عنه قتادة بن دعامة وغيلان بن جرير. اهـ.\nوأيضًا الحديث أخرجه مسلم في «صحيحه»، ولم يُعِلُّه متتبعوا «صحيح\n_________\n(^١) وهذا اتفاق نقله الحافظ بن حجر في «فتح الباري» في كِتَابِ الشَّهَادَاتِ، باب رقم (٤)، إِذَا شَهِدَ شَاهِدٌ، أَوْ شُهُودٌ بِشَيْءٍ، وَقَالَ آخَرُونَ: مَا عَلِمْنَا ذَلِكَ، يُحْكَمُ بِقَوْلِ مَنْ شَهِدَ.\nقال الحافظ: وَأَنَّ الْمُثْبِتَ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي وَهُوَ وِفَاقٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَّا مَنْ شَذَّ وَلَا سِيَّمَا إِذَا لَمْ يَتَعَرَّضْ إِلَّا لِنَفْيِ عِلْمِهِ. اهـ.\nوقال النووي في «شرح مسلم» (١٣٢٩): وذكر ذَكَرَ مُسْلِمٌ ﵀ فِي الْبَابِ بِأَسَانِيدِهِ عَنْ بِلَالٍ ﵁ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ الْكَعْبَةَ وَصَلَّى فِيهَا بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ)، وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ أُسَامَةَ ﵁ (أَنَّهُ ﷺ دَعَا فِي نَوَاحِيهَا وَلَمْ يصل)، وأجمع أهل الحديث على الأخذ برواية بلال؛ لِأَنَّهُ مُثْبَتٌ فَمَعَهُ زِيَادَةُ عِلْمٍ فَوَاجِبٌ تَرْجِيحُهُ. اهـ.","vol":"1","page":418},{"text":"مسلم» بأي قادحٍ في صحته (^١).\nوأثبت سماعه أيضًا، أبو محمد بن حزم ﵀ فقال: وَقَدْ تَكَلَّمَ فِي سَمَاعِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبَدٍ الزِّمَّانِيِّ مِنْ أَبِي قَتَادَةَ. قُلْنَا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ -: أَمَّا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَصُمْهُ فَلَا حُجَّةَ لَكُمْ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ ﵇ قَدْ حَضَّ عَلَى صِيَامِهِ أَعْظَمَ حَضٍّ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ يُكَفِّرُ ذُنُوبَ سَنَتَيْنِ، وَمَا عَلَيْنَا أَنْ نَنْتَظِرَ بَعْدَ هَذَا أَيَصُومُهُ ﵇ أَمْ لَا؟\nوَأَمَّا سَمَاعُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبَدٍ مِنْ أَبِي قَتَادَةَ فَعَبْدُ اللَّهِ ثِقَةٌ، وَالثِّقَاتُ مَقْبُولُونَ لَا يَحِلُّ رَدُّ رِوَايَاتِهِمْ بِالظُّنُونِ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. اهـ من «المحلى» مسألة (٧٩٥) من كتاب الصيام (٦/ ٣٨٩، ٣٩١).\nقُلْتُ: وقد توفي أبو قتادة ﵁ سنة (٥٤)، فيما صححه ابن حجر في «التقريب»، وعبد الله بن معبد الزماني ذكره الذهبي في «تاريخ الإسلام» في وفيات سنة (٩٠)، وكذا ذكره الصفدي في «الوافي بالوفيات» (١٧/ ٣٣٦) فقال: توفي في حدود (٩٠) للهجرة. اهـ.\n_________\n(^١) فقد ذكره ابن أبي حاتم في «العلل» (٧٦٩)، والدارقطني في «العلل» (١٤٤)، مع بيان أنَّ الحديث من مسند أبي قتادة، وليس من مسند عمر، ولم يعل أحد منهما حديث أبي قتادة.","vol":"1","page":419},{"text":"وقال الذهبي ﵀ في «سير أعلام النبلاء» (٤/ ٢٠٦): بَصْرِيٌّ، ثِقَةٌ، جَلِيْلٌ. اهـ.\nوقال في «ميزان الاعتدال»: من جلة التابعين، وثقه النسائي، يحدث عن أبي قتادة. قال البخاري: لا يعرف له سماع منه. اهـ.\nولم يعل الحديث بقول البخاري، بل دافع عنه في «ديوان الضعفاء» رقم (٢٣١٩)، فنقل كلام البخاري، وقال: قلت: لا يضره ذلك. اهـ.\nوهو كما قال، أن قول البخاري: أنه لا يعرف سماع الزماني من أبي قتادة لا يضره؛ لأنه قد عرف سماعه منه غير البخاري، ومن علم حجة على من لم يعلم؛ لأن عنده مزيد علم بما أثبته، وسبق أن الذهبي يعتبر الزماني، ثقة جليلًا من جلة التابعين، فلم يذكره في كتابه «الضعفاء» لتضعيفه، وإنما من صنف في «الضعفاء» قد يذكر من تُكلم فيه، ولو كان ثقة، ويدافع عنه، كما فعل الذهبي في ترجمة هشام بن عروة من «ميزان الاعتدال» لما تكلم فيه ابن القطان، فقال:\nهشام بن عروة، أحد الأعلام، حجة إمام، لكن في الكبر تناقص حفظه، ولم يختلط أبدا، ولا عبرة بما قاله أبو الحسن بن القطان من أنه وسهيل بن أبي صالح اختلطا، وتغيرًا.\nنعم الرجل تغير قليلًا ولم يبق حفظه كهو في حال الشبيبة، فنسى بعض محفوظه أو وهم، فكان ماذا! أهو معصوم من النسيان!","vol":"1","page":420},{"text":"ولما قدم العراق في آخر عمره حدث بجملة كثيرة من العلم، في غضون ذلك يسير أحاديث لم يجودها، ومثل هذا يقع لمالك ولشعبة ولوكيع ولكبار الثقات.\nفدع عنك الخبط وذر خلط الأئمة الأثبات بالضعفاء والمخلطين، فهشام شيخ الإسلام، ولكن أحسن الله عزاءنا فيك يا بن القطان. اهـ.\nوترجم الذهبي ﵀ في «الميزان» للإمام الثقة، الثبت، شيخ البخاري، وإمام الحديث والعلل في عصره علي بن عبد الله المديني، بسبب إدخال العقيلي له في «الضعفاء» رقم (١٢٤٠)، وكلامه فيه، ومما قاله: أفما لك عقل يا عقيلي، أتدرى فيمن تتكلم، وإنما تبعناك في ذكر هذا النمط لنذب عنهم، ولنزيف ما قيل فيهم، كأنك لا تدرى أنَّ كل واحد من هؤلاء أوثق منك بطبقات، بل وأوثق من ثقات كثيرين لم توردهم في كتابك، فهذا مما لا يرتاب فيه محدث.\nوأنا أشتهى أن تعرفني من هو الثقة الثبت الذي ما غلط ولا انفرد بما لا يتابع عليه، بل الثقة الحافظ إذا انفرد بأحاديث كان أرفع له، وأكمل لرتبته، وأدل على اعتنائه بعلم الأثر، وضبطه دون أقرانه لأشياء ما عرفوها، اللهم إلا أن يتبين غلطه ووهمه في الشيء فيعرف ذلك. اهـ.\nبل ترجم الذهبي ﵀ لنفسه في «ذيل ديوان الضعفاء» (ص ٥٩) رقم (٣٤٥)، فقال: محمد بن أحمد بن عثمان الغافقي: سيء الحفظ، ليس بالمتقن ولا بالمتقي، سامحه الله تعالى. اهـ.","vol":"1","page":421},{"text":"وقال الذهبي في «السير» (٤/ ٢٠٦)، - ترجمة عَبْدِ اللَّهِ الزِّمَّانِيِّ -: رَوَى عَنِ: ابْنِ مَسْعُوْدٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي قَتَادَةَ.\nحَدَّثَ عَنْهُ: ثَابِتٌ البُنَانِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَغَيْلَانُ بنُ جَرِيْرٍ. اهـ.\nقُلْتُ: وثابت، وقتادة رويا عن بعض الصحابة، وكبار التابعين.\nوعلى هذا فهو معاصرٌ لأبي قتادة ليس بينه وبين أبي قتادة سِوى (٣٦) سنة، ولقيه لأبي قتادة مُمكِن جدًا، فأبو قتادة مدنِي، والمدينة يفد إليها المسلمون من البصرة وغيرها من أسقاع المعمورة، فيلقون من بها من أصحاب رسول الله ﷺ وينهلون من علمهم، ولهذا فسائر أئمه الحديث الذين خرَّجوا هذا الحديث، واحتجوا به، صححوه، منهم:\n• الإمام مسلم أخرجه في «صحيحه».\n• ومنهم الإمام الترمذي قال: حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ. اهـ.\n• ومنهم النسائي، فقال ﵀ في «السنن الكبرى»: هَذَا أَجْوَدُ حَدِيثٍ عِنْدِي فِي هَذَا الْبَابِ. اهـ.\n• ومنهم ابن جرير الطبري قال ﵀ في «تهذيب الآثار» مسند عمر (١/ ٢٩٠): وَهَذَا خَبَرٌ عِنْدَنَا صَحِيحٌ سَنَدُهُ، لَا عِلَّةَ فِيهِ تُوَهِّنُهُ، وَلَا لتضعيفه سَبَب يُضَعِّفُهُ؛ لِعَدَالَةِ مَنْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ نَقَلَتِهِ. اهـ كلام الطبراني، وهو","vol":"1","page":422},{"text":"وأمثاله فيه كفاية لبيان شؤم جناية هذا الكاتب على هذه السنة الثابتة.\n• وأخرجه ابن خزيمة، وأبو عوانة، وابن حبان، في «صحاحهم».\n• وقال ابن عبد البر في «التمهيد» (٢١/ ١٦٢): صَحِيحٌ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ مِنْ وُجُوهٍ. اهـ.\n• وقال البغوي في «شرح السنة»: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. اهـ.\n• وقال الحاكم: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ إِنَّمَا احْتَجَّ مُسْلِمٌ بِحَدِيثِ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ: «صَوْمُ يَوْمِ عَرَفَةَ يُكَفِّرُ السُّنَّةَ وَمَا قَبْلَهَا». اهـ.\n• وصححه ابن قدامة في «المغني».\n• وقال الحافظ ابن حجر في «الفتح»: وَأَصَحُّهَا حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ: «أَنَّهُ يُكَفِّرُ سَنَةً آتِيَةً وَسَنَةً مَاضِيَةً»، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. اهـ.\n• وقال ابن القيم ﵀ في «تهذيب السنن» (٧/ ٧٧): وَصَحَّ عَنْهُ ﷺ: «أَنَّ صِيَامه يُكَفِّر سَنَتَيْنِ». اهـ.\n• وصححه العلامة الألباني ﵀ في «إرواء الغليل» (٩٥٥)، وغيرهم من علماء الحديث.\nفلا يجوز التجرؤ على مثل هذا الحديث الصحيح لذاته بالتضعيف، كيف وقد جاءت جملة أحاديث من بابه تشهد له!\nومن شواهده ما بوب البخاري ﵀، بَابُ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ (١٩٨٨)،","vol":"1","page":423},{"text":"وساق: عَنْ أُمِّ الفَضْلِ بِنْتِ الحَارِثِ، أَنَّ نَاسًا تَمَارَوْا عِنْدَهَا يَوْمَ عَرَفَةَ فِي صَوْمِ النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ صَائِمٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ بِصَائِمٍ، «فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ بِقَدَحِ لَبَنٍ وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى بَعِيرِهِ، فَشَرِبَهُ»، وأخرجه مسلم (١١٢٣).\nقُلْتُ: ففي هذا دلالة على أنَّ عادة النَّبِيِّ ﷺ صيام يوم عرفة بغير عرفة، ولو لم يكن كذلك ما شك الصحابة ﵃ هل هو صائم بعرفة أم لا؟\nقال الحافظ ابن حجر ﵀ في «فتح الباري» (٤/ ٢٣٧)، عند حديث (١٩٨٨): قَوْله: (فِي صَوْمِ النَّبِيِّ ﷺ، هَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ صَوْمَ يَوْمِ عَرَفَةَ كَانَ مَعْرُوفًا عِنْدَهُمْ، مُعْتَادًا لَهُمْ فِي الْحَضَرِ، وَكَأَنَّ مَنْ جَزَمَ بِأَنَّهُ صَائِمٌ اسْتَنَدَ إِلَى مَا أَلِفَهُ مِنَ الْعَادَةِ، وَمَنْ جَزَمَ بِأَنَّهُ غَيْرُ صَائِمٍ قَامَتْ عِنْدَهُ قَرِينَةُ كَوْنِهِ مُسَافِرًا، وَقَدْ عُرِفَ نَهْيُهُ عَنْ صَوْمِ الْفَرْضِ فِي السَّفَرِ فَضْلًا عَنِ النَّفْلِ. اهـ.\nومن عموم ذلك: ما أخرجه الإمام البخاري في «صحيحه» رقم (٩٦٩)، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أَنَّهُ قَالَ: «مَا العَمَلُ فِي أَيَّامٍ أَفْضَلَ مِنْهَا فِي هَذِهِ؟» قَالُوا: وَلَا الجِهَادُ؟ قَالَ: «وَلَا الجِهَادُ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ يُخَاطِرُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ».\nوأخرجه أبو داود (٢٤٣٨)، وأحمد (١٩٦٨)، وابن ماجه (١٧٢٧)، والترمذي (٧٥٧)، وآخرون، من طريق مُسْلِمٍ الْبَطِينِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ","vol":"1","page":424},{"text":"﵄، بالسند الذي أخرجه البخاري به، بلفظ: قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ»، يَعْنِي: أَيَّامَ الْعَشْرِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: «وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ».\nقال الحافظ ابن حجر تحت الحديث (٦٩٦) في «الفتح» (٢/ ٦٤٠): وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى فَضْلِ صِيَامِ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ لِانْدِرَاجِ الصَّوْمِ فِي الْعَمَلِ، وَاسْتَشْكَلَ بِتَحْرِيمِ الصَّوْمِ يَوْمَ الْعِيدِ.\nوَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْغَالِبِ، وَلَا يَرُدُّ عَلَى ذَلِكَ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَائِمًا الْعَشْرَ قَطُّ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ كَانَ يَتْرُكُ الْعَمَلَ وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَهُ خَشْيَةَ أَنْ يُفْرَضَ عَلَى أُمَّتِهِ، كَمَا رَوَاهُ «الصَّحِيحَانِ» مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَيْضًا. اهـ.\nوذكر ابن رجب في «لطائف المعارف» (٣٨٦)، الصوم ضمن العمل في عشر ذي الحجة، ثم قال: وهو قول أكثر العلماء أو كثير منهم. اهـ.\nوأما حديث عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَائِمًا فِي الْعَشْرِ قَطُّ»، أخرجه مسلم (١١٧٦).\nقال النووي ﵀ في «شرح مسلم»: قَالَ الْعُلَمَاءُ: هذا الحديث مما يوهم كراهة","vol":"1","page":425},{"text":"صوم العشر، وَالْمُرَادُ بِالْعَشْرِ هُنَا الْأَيَّامُ التِّسْعَةُ مِنْ أَوَّلِ ذِي الْحِجَّةِ، قَالُوا: وَهَذَا مِمَّا يُتَأَوَّلُ، فَلَيْسَ فِي صَوْمِ هَذِهِ التِّسْعَةِ كَرَاهَةٌ بَلْ هِيَ مستحبة استحبابًا شديدًا، لاسيما التَّاسِعُ مِنْهَا وَهُوَ يَوْمُ عَرَفَةَ، وَقَدْ سَبَقَتِ الْأَحَادِيثُ فِي فَضْلِهِ.\nوَثَبَتَ فِي «صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ» أن رسول الله ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَفْضَلُ مِنْهُ فِي هَذِهِ»، يَعْنِي: الْعَشْرَ الْأَوَائِلَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ.\nفَيُتَأَوَّلُ قَوْلُهَا: (لَمْ يَصُمِ الْعَشْرَ): أَنَّهُ لَمْ يَصُمْهُ لِعَارِضِ مَرَضٍ أَوْ سَفَرٍ أَوْ غَيْرِهِمَا، أَوْ أَنَّهَا لَمْ تَرَهُ صَائِمًا فِيهِ، وَلَا يَلْزَمُ من ذَلِكَ عَدَمُ صِيَامِهِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ. اهـ.\nقال المناوي في «فيض القدير» (٨٠١٣): فالجواب الحاسم لعرق الشبهة أن يقال: المثبت مقدم على النافي على القاعدة المقررة عندهم. اهـ.\nقال النووي: وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ حَدِيثُ هُنَيْدَةَ بْنِ خَالِدٍ، عَنِ امْرَأَتِهِ، عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُومُ تِسْعَ ذِي الْحِجَّةِ، وَيَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، الِاثْنَيْنِ مِنَ الشَّهْرِ وَالْخَمِيسَ»، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (٢٤٣٧)، وَهَذَا لَفْظُهُ، وَأَحْمَدُ (٣٧/ ٢٤)، وَالنَّسَائِيُّ (٢٣٧٤). اهـ.\nوقد أُعِلَّ بالاضطراب، وبجهالة هنيدة بن خالد، وامرأته.\nوقال الحافظ في «التقريب»: هنيدة المذكور معدود في الصحابة، وقيل: من الثانية، ذكره ابن حبان في الموضعين. اهـ.","vol":"1","page":426},{"text":"وقال في ترجمة امرأته: لم أقف على اسمها وهي صحابية روت عن أم سلمة. اهـ.\nولهذا صححه العلامة الألباني في «صحيح أبي داود» رقم (٢١٠٦).\nوفي الباب: حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ»، أخرجه أبو داود (٢٤٤٠)، وأحمد (٨٠٣١، ٩٧٦٠) والنسائي (٢٨٣١)، وابن خزيمة (٢١٠١)، البيهقي (٤/ ٢٨٤)، من طريق حَوْشَبِ بْنِ عُقَيْلٍ، عَنْ مَهْدِيٍّ المحاربي الْهَجَرِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁.\nوهو ضعيف لجهالة مهدي بن حسان الهجري.\nقال الحافظ ﵀ في «التقريب»: مهدي بن حرب الهجري، مقبول. اهـ. أي: مجهول حال. قال ابن معين: لا أعرفه، وقال الذهبي في «الميزان»: مجهول. اهـ.\nفيذكر مع غيره في الباب، وتخصيصه بعرفة يدل على شرعيته لغير الواقف بعرفة.\nوعند الطبراني في «الأوسط» رقم (٢٠٦٥) قال: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرِ قَالَ نا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى الْقَطَّانُ، قَالَ: نا سَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ، قَالَ: نَا الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ، عَنْ عَطِيَّةَ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «صَوْمُ يَوْمِ عَرَفَةَ كَفَّارَةُ السَّنَةِ المَاضِيَةِ، وَالسَّنَةِ المُسْتَقْبَلَةِ»، وسنده ضعيف؛ لضعف سلمة، والحجاج بن أرطاة، وعطية العوفي، وليس كما يقول الهيثمي ﵀ في «مجمع الزوائد»: وَإِسْنَادُ الطَّبَرَانِيِّ حَسَنٌ. اهـ. إلا أنه في الباب.","vol":"1","page":427},{"text":"وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ؟ فَقَالَ: «كُنَّا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَعْدِلُهُ بِصَوْمِ سَنَتَيْنِ».\nقال الهيثمي ﵀ في «مجمع الزوائد» (٥٢٠٨): رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي «الْأَوْسَطِ»، وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ. اهـ.\nقال النسائي في «الكبرى» (٢٨٤٠): أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ، قَالَ قَرَأْتُ عَلَى فُضَيْلٍ عَنْ أَبِي حَرِيزٍ، أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ يَقُولُ: سَأَلَ رَجُلٌ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ، قَالَ: «كُنَّا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ نَعْدِلُهُ بِصَوْمِ سَنَةٍ».\nقال النسائي: أَبُو حَرِيزٍ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ، وَاسْمُهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ حُسَيْنٍ، قَاضِي سِجِسْتَانَ، وَحَدِيثُهُ هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ. اهـ.\nقُلْتُ: لفظه الذي عند النسائي: «نَعْدِلُهُ بِصَوْمِ سَنَةٍ»، منكر مخالف لعدد من الأحاديث، أما لفظه الذي عند الطبراني في «الأوسط» (٧٥١)، وعند الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٥٢٠٨)، بلفظ: «بِصَوْمِ سَنَتَيْنِ»، فلا نكارة فيه لموافقته لحديث أبي قتادة، وغيره.\nوأَبُو حَرِيزٍ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُسَيْنٍ في سنده، قال الحافظ في «التقريب»: صدوق يخطئ. اهـ. فمثله يقبل حديثه ما لم يخالف ما رواه الثقات.","vol":"1","page":428},{"text":"ومن شواهده ما أخرجه أحمد (٦/ ١٢٨) فقال: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ ﵂ يَوْمَ عَرَفَةَ، وَهِيَ صَائِمَةٌ، وَالْمَاءُ يُرَشُّ عَلَيْهَا، فَقَالَ لَهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ: أَفْطِرِي، فَقَالَتْ: أُفْطِرُ وَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ، يَقُولُ: «إِنَّ صَوْمَ يَوْمِ عَرَفَةَ يُكَفِّرُ الْعَامَ الَّذِي قَبْلَهُ»، وهو حديث صحيح، وسنده هذا منقطع.\nقال الحافظ في «أطراف مسند الإمام أحمد» (٩/ ١٨٨): هو مرسل، ويحتمل أن يكون رواه عن عبد الرحمن لكنه لم يسمع منه، فيكون مرسلًا أيضًا. اهـ.\nوقال الهيثمي في «المجمع» (١٨٩٣)، وقال: رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَعَطَاءٌ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عَائِشَةَ بَلْ قَالَ ابْنُ مَعِينٍ: لَا أَعْلَمُهُ لَقِيَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ. وَبَقِيَّةُ رِجَالِهِ رِجَالُ الصَّحِيحِ. اهـ. ونقله محقق «مسند أحمد».\nوله طريق متصلة صحيحة أخرجها السهمي في «تاريخ جرجان» (١٤٢) عن أبي طلحة محمد بن العوام السيرافي، والشجري في «الأمالي الخميسية» (١٧١٨)، عن أَبي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ عُمَرَ السُّكَّرِيِّ.\nكلاهما قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُسَيْدٍ الْأَصْفَهَانِيُّ، قَالَ: عن حَاتِمِ بْنِ يُونُسَ الْجُرْجَانِيِّ، عن إِسْمَاعِيلَ بْنِ سَعِيدٍ - وهو الكسائي - وَكَانَ ثِقَةً مَأْمُونًا فَقِيهًا، عن يَحْيَى بْنِ الضَّرِيسِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ","vol":"1","page":429},{"text":"مُحَمَّدٍ، قَالَ: دَخَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ عَلَى عَائِشَةَ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ، فذكر الحديث.\nوعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أُسَيْدٍ: قال فيه أبو الشيخ بن حيان: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أُسَيْدٍ شَيْخٌ جَلِيلٌ، كَثِيرُ الْحَدِيثِ، صَنَّفَ الْمُسْنَدَ وَالْأَبْوَابَ وَالشُّيُوخَ.\nوقال أبو نعيم: كثير الحديث صاحب غرائب وفوائد، صنف المسند، خرج إلى العراق في آخر أيامه فكتبوا عنه، وقال الذهبي: الإمام المجود والرحال، صاحب «المسند الكبير». اهـ.\nوحاتم بن يونس الحافظ الجرجاني: يعرف بابن أبي الليث الجوهري، ترجمه السهمي في «تاريخ جرجان» (٢٠٣)، فقال: وكان قد سافر، وكتب الكثير سمعت أبا بكر أحمد بن عبدان الحافظ يقول: حاتم بن يونس الجرجاني، حدثنا عنه الباغندي، وابن سمعان، وذكره الباغندي بالحفظ، قدم شيراز. اهـ.\nوترجمه الخطيب في «تاريخ بغداد» (٢٤٥ - ٢٤٦)، باسم: حاتم بْن الليث بْن الحارث بْن عَبْد الرَّحْمَنِ، أَبُو الفضل الجوهري.\nوقال: وَبعض الرواة عنه يقول: حَدَّثَنَا حاتم بْن أَبِي الليث وكان ثقة ثبتا، متقنا حافظا. اهـ. وباقي رجال الإسناد ثقات.\n• وفي الباب: عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ صِيَامِ عَرَفَةَ؟ قَالَ: «يُكَفِّرُ السَّنَةَ الَّتِي أَنْتَ فِيهَا وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهَا».","vol":"1","page":430},{"text":"قال الهيثمي في «المجمع»: رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي «الْكَبِيرِ»، وَفِيهِ رِشْدِينُ بْنُ سَعْدٍ، وَفِيهِ كَلَامٌ، وَقَدْ وُثِّقَ. اهـ.\nقُلْتُ: هو ضعيف.\nقال الحافظ في «التقريب»: كان صالحًا في حديثه، فأدركته غفلة الصالحين فخلط في الحديث. اهـ.\n• وشاهد آخر: قال ابن أبي شيبة في «المصنف» (٩٨١٠): حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ، عَنْ أَبِي حَفْصٍ الطَّائِفِيِّ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «صَوْمُ عَرَفَةَ كَفَّارَةُ سَنَتَيْنِ».\nوأخرجه أبو يعلى في «مسنده» (٧٥٤٨)، من طريق ابن أبي شيبة، به. وهذا سند حسن، والحديث صحيح بما في الباب.\nوأخرج ابن أبي شيبة ﵀ في «المصنف» (٩٨٠٨)، فقال: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي قَيْسٍ، عَنْ هُزَيْلٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ كَانَتْ تَصُومُ عَرَفَةَ، وهذا سند حسن، رجاله ثقات غير أبي قيس، وهو عبد الرحمن بن ثروان، قال الحافظ: صدوق ربما خالف. اهـ.\nقُلْتُ: وهو صدوق، وقد وثقه جماعة منهم ابن معين.","vol":"1","page":431},{"text":"(٩٨٠٩): حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي قَيْسٍ، عَنْ هُزَيْلٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: مَا مِنَ السَّنَةِ يَوْمٌ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أَصُومَهُ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، تقدم قبله.\nوقال (٩٨١١): حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ كَانَ يَصُومُ عَرَفَةَ، وهذا سند صحيح.\nوأخرج الفاكهي في «أخبار مكة» (٢٧٦٧)، من طريق حُمَيْدٍ الطَّوِيل، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ عُثْمَانَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ ﵄ يُرَشُّ عَلَيْهِ مَاءٌ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ وَهُوَ صَائِمٌ.\nوأخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (٩٨١٥)، فقال: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ به، وسنده صحيح.\nقال الأثرم في «ناسخ الحديث ومنسوخه» (١٨١): ومما يؤكد صحة صوم يوم عرفة مع الأحاديث التي جاءت عن النبي ﷺ في فضله: أن الأئمة قد صاموه، قد روي عن علي ﵁، أنه كان يصومه ويذكر فضيلته.\nوعن عائشة أنها قالت: ما من السنة يوم أحب إلي أن أصومه من يوم عرفة.\nوعن ابن عمر أنه سئل عن صوم يوم عرفة فقال: أحق الأيام أن يصام.\nوعن عثمان بن عفان ﵁ أنه كان يصوم يوم عرفة.","vol":"1","page":432},{"text":"وعن عثمان بن أبي العاص أنه كان يصومه. اهـ.\nوأثر ابن عمر ﵄، أخرجه ابن أبي الصقر في «مشيخته» (٧٨)، من طريق ابن لَهِيعَة، عَنْ عَمرَان بْنِ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ فذكره.\nونقل الإجماع على استحباب صيام عرفة على ما تضمنته هذه الأحاديث:\nقال الترمذي ﵀ في «سننه» (٧٤٩): قْدِ اسْتَحَبَّ أَهْلُ العِلْمِ: صِيَامَ يَوْمِ عَرَفَةَ، إِلَّا بِعَرَفَةَ. اهـ.\nوقال القرطبي - في تفسير آية (١٩٨) من سورة البقرة -: اسْتَحَبَّ أَهْلُ الْعِلْمِ صَوْمَ يَوْمِ عَرَفَةَ إِلَّا بِعَرَفَةَ. اهـ.\nقال ابن هبيرة في «اختلاف الأئمة العلماء» (١/ ٢٥٨): واتفقوا على أنَّ صوم يوم عرفة مستحب لمن لم يكن بعرفة. اهـ.\nوقال المرداوي في «الإنصاف»: قَوْلُهُ (وَصِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ كَفَّارَةُ سَنَةٍ، وَيَوْمُ عَرَفَةَ كَفَّارَةُ سَنَتَيْنِ)، وَهَذَا بِلَا نِزَاعٍ. اهـ.\nقال عبد الله البسام وفقه الله: صوم يوم عرفة هو أفضل صيام التطوع بإجماع العلماء. اهـ من «توضيح الأحكام» (٣/ ٢٠١).\nوقال ابن مفلح ﵀ في «الفروع» (٣/ ١٠٨): وَيُسْتَحَبُّ صَوْمُ عَشْرِ ذِي الْحَجَّةِ،","vol":"1","page":433},{"text":"وَآكَدُهُ التَّاسِعُ، وَهُوَ يَوْمُ عَرَفَةَ إجْمَاعًا. اهـ.\n\n<span data-type='title' id=toc-322>ومن ضمن محاولات الكاتب الفاشلة لتضعيف هذه الأدلة،</span> وردّ ما اتفق عليه أهل العلم من العمل بها على مبدأ: (خالف تُعرف)، استدلاله بحديث عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ، قال: «يَوْمُ عَرَفَةَ، وَيَوْمُ النَّحْرِ، وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ عِيدُنَا أَهْلَ الْإِسْلَامِ»، وأنَّ يوم عرفة يوم عيد لا يُصام، وباعث هذا الاستدلال إما جهل أو هوى.\nفقد بوب الإمام البخاري ﵀ في «صحيحه» بَابُ صِيَامِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وساق (١٩٩٦) قال: وَقَالَ لِي مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ هِشَامٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، كَانَتْ عَائِشَةُ ﵂: تَصُومُ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ بِمِنًى، وَكَانَ أَبُوهَا يَصُومُهَا.\n(١٩٩٧): حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عِيسى بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، وَعَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵃، قَالَا: «لَمْ يُرَخَّصْ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَنْ يُصَمْنَ، إِلَّا لِمَنْ لَمْ يَجِدِ الهَدْيَ».\n(١٩٩٩): حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: الصِّيَامُ لِمَنْ تَمَتَّعَ بِالعُمْرَةِ إِلَى الحَجِّ إِلَى يَوْمِ عَرَفَةَ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا وَلَمْ يَصُمْ، صَامَ أَيَّامَ مِنًى.\nوعلى القول الصحيح، المؤيد بقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا","vol":"1","page":434},{"text":"اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وبما في هذا الباب: أنه يجوز صيامها لمن لم يجد الهدي، حتى يوم عرفة للواقف بها ولم يجد الهدي.\nقال ابن عبد البر في «التمهيد» (٢١/ ١٦٤): وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ يَوْمَ عَرَفَةَ جَائِزٌ صِيَامُهُ لِلْمُتَمَتِّعِ إِذَا لَمْ يَجِدْ هَدْيًا. اهـ.\nوبعضهم أباح صيامها مطلقًا كما فى «فتح الباري»، عند الباب المذكور، وتفسير ابن كثير عند الآية، و«المفهم» للقرطبي (٣/ ١٩٩).\nوسيأتي تفصيل ذلك إن شاء الله.\nوكذا الجمعة عيد كما دل عليه حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ عند الطبراني في «الأوسط» (٢٠٨٤)، وفيه: «هَذِهِ الْجُمُعَةُ يَعْرِضُهَا عَلَيْكَ رَبُّكَ لِتَكُونَ لَكَ عِيدًا وَلِقَوْمِكَ مِنْ بَعْدِكَ»، وهو حديث محتج به.\nوقال أَبُو عُبَيْدٍ، مَوْلَى ابْنِ أَزْهَرَ: شَهِدْتُ العِيدَ مَعَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، فَكَانَ ذَلِكَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَصَلَّى قَبْلَ الخُطْبَةِ، ثُمَّ خَطَبَ، فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ هَذَا يَوْمٌ قَدِ اجْتَمَعَ لَكُمْ فِيهِ عِيدَانِ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْتَظِرَ الجُمُعَةَ مِنْ أَهْلِ العَوَالِي فَلْيَنْتَظِرْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَرْجِعَ فَقَدْ أَذِنْتُ لَهُ، أخرجه البخاري (٥٥٧٢).\nوهذا إجماع، فلم يعلم أنَّ أحدًا أنكر قوله هذا من الصحابة أنها عيد.","vol":"1","page":435},{"text":"وكذا صح عن ابْنِ الزُّبَيْرِ ﵁، أنه قَالَ: عِيدَانِ اجْتَمَعَا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، أخرجه أبو داود (١٠٥٩).\nوفي الباب عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، عند ابن ماجه (١٣٢١)، أنه قَالَ: اجْتَمَعَ عِيدَانِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فذكر الحديث، وهو ضعيف؛ لكنه في الباب.\nومثله عن زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ﵁ عند أحمد فى «المسند» (٤/ ٣٧٢) انه قال: شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عِيدَيْنِ اجْتَمَعَا، الحديث فذكره، وهو صحيح لغيره.\nوأخرج أبو داود (١٠٦٠)، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «قَدِ اجْتَمَعَ فِي يَوْمِكُمْ هَذَا عِيدَانِ»، والراجح إرساله.\nوعند قول الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، ساق ابن كثير ﵀ قول عمر ﵁: نَزَلَتْ فِي يَوْمِ الجمعة وَيَوْمِ عَرَفَةَ، وَكَلَاهُمَا بِحَمْدِ اللَّهِ لَنَا عِيدٌ، وهو قول صحيح عنه، أصله في البخاري (٤٦٠٦)، ومسلم (٣٠١٧).\nوقول ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: فَإِنَّهَا نَزَلَتْ فِي يَوْمِ عِيدَيْنِ اثْنَيْنِ: يَوْمَ عِيدٍ، وَيَوْمَ جُمُعَةٍ، وهو حسن، فالجمعة عيد بلا خلاف.\n\nومن المعلوم<span data-type='title' id=toc-324> جواز صوم يوم الجمعة في الفرض والنفل ما لم يخصها بذلك،</span> كما في البخاري (١٩٨٥)، ومسلم (١١٤٤)، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: «لَا يَصُومَنَّ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الجُمُعَةِ، إِلَّا - أن يَصُومَ - يَوْمًا قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ».","vol":"1","page":436},{"text":"وأما بدون تخصيص له فقال مالك فى «الموطأ» (٧٠٩): لَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ وَمَنْ يُقْتَدَى بِهِ نَهَى عَنْ صِيَامِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، وَصِيَامُهُ حَسَنٌ. اهـ.\nومثل ذلك ما دلت عليه الأدلة السابقة من استحباب صوم يوم عرفة لغير الواقف بعرفة. وإنما النهي المجمع عليه صوم يوم الفطر ويوم النحر، فلا يجوز صومهما للنهي عن ذلك، في عدة أحاديث، منها: حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ صِيَامِ يَوْمَيْنِ يَوْمِ الْأَضْحَى، وَيَوْمِ الْفِطْرِ»، أخرجه البخاري (١٩٩٣)، ومسلم (١١٣٨).\nقال النووي فى شرح أحاديث الباب: وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى تَحْرِيمِ صَوْمِ هَذَيْنِ الْيَوْمَيْنِ بِكُلِّ حَالٍ سَوَاءٌ صَامَهُمَا عَنْ نَذْرٍ أَوْ تَطَوُّعٍ أَوْ كَفَّارَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ. اهـ.\nأما هذه الأيام الموصوفة أنها عيد، فالأدلة المذكورة وغيرها من بابها، تدل على شرعية صومها بضوابطها المذكورة.\nومما يتعجب منه أنَّ صاحب الرسالة، فوزي، أتى ببعض الآثار ممن كره للواقف بعرفة أن يصوم يوم عرفة، وجعلها ضمن مقصوده في عدم صوم يوم عرفة بغير عرفة.\nوهذه المسأله خلاف تلك، فتلك على جوازها ما سبق من الأدلة والإجماع، وهذه عدم صوم يوم عرفة للواقف بعرفة عليه أدلته، وقول أكثر العلماء.","vol":"1","page":437},{"text":"ومن تلك الأدلة ما تقدم من حديت أم الفضل ﵂ أنهم بعثوا بشراب الى النَّبِيِّ ﷺ وهو واقف بعرفة فشربه، وجملة مما في بابه من الأحاديث والآثار أخذ بها جمهور العلماء: بأنه لا يصوم الواقف بعرفة.\nقال الترمذي عقب حديث أم الفصل من «جامعة» (٧٥٠): وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ العِلْمِ: يَسْتَحِبُّونَ الإِفْطَارَ بِعَرَفَةَ لِيَتَقَوَّى بِهِ الرَّجُلُ عَلَى الدُّعَاءِ، وَقَدْ صَامَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ يَوْمَ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ. اهـ.\n\nقال النووي في «شرح مسلم» حديث (١١٢٣): (بَابُ<span data-type='title' id=toc-325> اسْتِحْبَابِ الْفِطْرِ لِلْحَاجِّ بِعَرَفَاتٍ يَوْمَ عَرَفَةَ):</span> مذَهَبُ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَجُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ اسْتِحْبَابُ فِطْرِ يَوْمِ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ لِلْحَاجِّ.\nوَحَكَاهُ بن الْمُنْذِرِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ بن عفان، وبن عمر، والثوري، قال: وكان بن الزُّبَيْرِ، وَعَائِشَةُ يَصُومَانِهِ.\nوَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَعُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ، وَكَانَ إِسْحَاقُ يَمِيلُ إِلَيْهِ، وَكَانَ عَطَاءٌ يَصُومُهُ فِي الشِّتَاءِ دُونَ الصَّيْفِ.\nوَقَالَ قَتَادَةُ: لَا بَأْسَ بِهِ إِذَا لَمْ يَضْعُفْ عَنِ الدُّعَاءِ.\nوَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ بِفِطْرِ النَّبِيِّ ﷺ فِيهِ؛ وَلِأَنَّهُ أَرْفَقُ بِالْحَاجِّ فِي آدَابِ الْوُقُوفِ وَمُهِمَّاتِ الْمَنَاسِكِ.","vol":"1","page":438},{"text":"وَاحْتَجَّ الْآخَرُونَ بِالْأَحَادِيثِ الْمُطْلَقَةِ أَنَّ صَوْمَ عَرَفَةَ كَفَّارَةٌ سَنَتَيْنِ.\nوَحَمَلَهُ الْجُمْهُورُ عَلَى مَنْ لَيْسَ هُنَاكَ. اهـ.\nانتهى عجالة ما قصدنا به، بيان شناعة خطأ هذا الأخ المضعف لهذه السنة الثابتة، وتنفيره عن هذا العمل الصالح، صيام يوم عرفة لغير الحاج بغير حجة، وبالله التوفيق.","vol":"1","page":439},{"text":"٢١٢ - وقال الإمام البخاري في «صحيحة»: بَابُ الجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِعَرَفَةَ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ إِذَا فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ مَعَ الإِمَامِ جَمَعَ بَيْنَهُمَا: وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمٌ، أَنَّ الحَجَّاجَ بْنَ يُوسُفَ، عَامَ نَزَلَ بِابْنِ الزُّبَيْرِ ﵄، سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ ﵁، كَيْفَ تَصْنَعُ فِي المَوْقِفِ يَوْمَ عَرَفَةَ؟ فَقَالَ سَالِمٌ: «إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ السُّنَّةَ فَهَجِّرْ بِالصَّلَاةِ يَوْمَ عَرَفَةَ»، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: «صَدَقَ، إِنَّهُمْ كَانُوا يَجْمَعُونَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالعَصْرِ فِي السُّنَّةِ»، فَقُلْتُ لِسَالِمٍ: أَفَعَلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ فَقَالَ سَالِمٌ: «وَهَلْ تَتَّبِعُونَ فِي ذَلِكَ إِلَّا سُنَّتَهُ» (^١).\n\nقال النووي في «شرح مسلم» عند شرح حديث جابر (١٢١٨): قَوْلُهُ (ثُمَّ أَذَّنَ ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا): فِيهِ أَنَّهُ يُشْرَعُ الْجَمْعُ بَيْنَ الظهر والعصر هُنَاكَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ وَقَدْ أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَيْهِ.\nوَفِيهِ أَنَّ الْجَامِعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ يُصَلِّي الْأُولَى أَوَّلًا وَأَنَّهُ يُؤَذِّنُ لِلْأُولَى وَأَنَّهُ يُقِيمُ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا وَأَنَّهُ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا، وَهَذَا كُلُّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عِنْدَنَا. اهـ.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٦٦٢).","vol":"1","page":440},{"text":"<span data-type='title' id=toc-326>[٧٤]- فضل يوم عرفة، وعدم تطويل خطبة عرفة للتعجيل بالوقوف</span>\n٢١٣ - قال الإمام البخاري ﵀: بَابُ قَصْرِ الخُطْبَةِ بِعَرَفَةَ (١٦٦٣): حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ عَبْدَ المَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ، كَتَبَ إِلَى الحَجَّاجِ أَنْ يَأْتَمَّ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فِي الحَجِّ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ عَرَفَةَ، جَاءَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ وَأَنَا مَعَهُ حِينَ زَاغَتِ الشَّمْسُ أَوْ زَالَتْ، فَصَاحَ عِنْدَ فُسْطَاطِهِ أَيْنَ هَذَا؟ فَخَرَجَ إِلَيْهِ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: الرَّوَاحَ، فَقَالَ: الآنَ، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أَنْظِرْنِي أُفِيضُ عَلَيَّ مَاءً، فَنَزَلَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ حَتَّى خَرَجَ، فَسَارَ بَيْنِي وَبَيْنَ أَبِي فَقُلْتُ: إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ أَنْ تُصِيبَ السُّنَّةَ اليَوْمَ فَاقْصُرِ الخُطْبَةَ وَعَجِّلِ الوُقُوفَ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: «صَدَقَ».\n\nقال الحافظ ابن حجر في «الفتح» (٣/ ٥١٤): وَقَيَّدَ الْمُصَنِّفُ قَصْرَ الْخُطْبَةِ بِعَرَفَةَ اتِّبَاعًا لِلَفْظِ الْحَدِيثِ وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ الْأَمْرَ بِاقْتِصَارِ الْخُطْبَةِ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثٍ لعمَّار أخرجه فِي الْجُمُعَة. اهـ.","vol":"1","page":441},{"text":"٢١٤ - وعَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ ﵁، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ إِلَى عُمَرَ بن الخطاب ﵁، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ آيَةٌ فِي كِتَابِكُمْ تَقْرَءُونَهَا، لَوْ عَلَيْنَا نَزَلَتْ، مَعْشَرَ الْيَهُودِ، لَاتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا، قَالَ: وَأَيُّ آيَةٍ؟ قَالَ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، فَقَالَ عُمَرُ: إِنِّي لَأَعْلَمُ الْيَوْمَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ، وَالْمَكَانَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ، «نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ بِعَرَفَاتٍ - عشية عرفة - فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ» (^١).\n\n٢١٥ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ، قَالَ: «مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ، مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو، ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمِ الْمَلَائِكَةَ، فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ؟» (^٢).\n\n٢١٦ - وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ يُبَاهِي بِأَهْلِ عَرَفَاتٍ أَهْلَ السَّمَاءِ، فَيَقُولُ لَهُمْ: انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي جَاءُونِي شُعْثًا غُبْرًا» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٦٠٦)، ومسلم (٣٠١٧)، ومثله عند الترمذي رقم: (٣٠٤٤).\nأي: في يوم عيدين، كما صح عن ابن عباس ﵄، أنَّه قال: (نَزَلَتْ فِي يَوْمِ عِيدَيْنِ اثْنَيْنِ: يَوْمَ عِيدٍ، وَيَوْمَ جُمُعَةٍ)، أخرجه ابن جرير\n(^٢) أخرجه مسلم (١٣٤٨).\n(^٣) أخرجه ابن خزيمة في «صحيحه» رقم (٢٣٤٨)، وأحمد في «المسند» (٢/ ٣٠٥)، وهو حديث صحيح.","vol":"1","page":442},{"text":"٢١٧ - وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ ﷿ يُبَاهِي مَلَائِكَتَهُ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ بِأَهْلِ عَرَفَةَ، فَيَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي أَتَوْنِي شُعْثًا غُبْرًا» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-327>إثبات صفة الدنو والمباهاة للَّه تعالى</span>\nقال شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٥/ ٤٤٦): وَأَمَّا دُنُوُّهُ نَفْسُهُ وَتَقَرُّبُهُ مِنْ بَعْضِ عِبَادِهِ؛ فَهَذَا يُثْبِتُهُ مَنْ يُثْبِتُ قِيَامَ الْأَفْعَالِ الِاخْتِيَارِيَّةِ بِنَفْسِهِ، وَمَجِيئِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَنُزُولِهِ، وَاسْتِوَائِهِ عَلَى الْعَرْشِ.\nوَهَذَا مَذْهَبُ أَئِمَّةِ السَّلَفِ، وَأَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ الْمَشْهُورِينَ، وَأَهْلِ الْحَدِيثِ وَالنَّقْلُ عَنْهُمْ بِذَلِكَ مُتَوَاتِرٌ. اهـ.\nقال المباركفوري في «مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح» (٩/ ١٣٦): قلت: الحديث محمول على ظاهره من غير تأويل وتكييف كما هو مذهب السلف الصالح في النزول، والعلو، وغيرهما من الصفات، من إمرارها على ظاهرها، وتفويض الكيفية إلى علمه ﷾.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٧٠٨٩)، بسند حسن، وهو صحيح بما قبله.","vol":"1","page":443},{"text":"فالدنو والمباهاة معناهما معلوم، والكيفية مجهولة، فنقول: إنه تعالى يدنو من عباده عشية عرفة بعرفات ويباهي بهم الملائكة كيف يشاء (فيقول: ما أراد هؤلاء؟).\nقال القاري: أي: (أي شيء أراد هؤلاء) حيث تركوا أهلهم، وأوطانهم، وصرفوا أموالهم، وأتعبوا أبدانهم، أي: ما أرادوا إلا المغفرة والرضاء، والقرب واللقاء، ومن جاء هذا الباب لا يخشى الرد، أو التقدير: ما أراد هؤلاء فهو حاصل لهم، ودرجاتهم على قدر مراداتهم ونياتهم. أو أي شيء أراد هؤلاء؟ أي شيئًا سهلًا يسيرًا عندنا إذ مغفرة كف من التراب لا يتعاظم عند رب الأرباب. اهـ.\n\n<span data-type='title' id=toc-328>وقد جاء أنه سبحانه ينزل يوم عرفة إلى السماء الدنيا ولم يثبت:</span>\nقال ابن خزيمة ﵀ في «صحيحه»: وَرَوَى مَرْزُوقٌ، هُوَ أَبُو بَكْرٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا كَانَ يَوْمُ عَرَفَةَ إِنَّ اللَّهَ يَنْزِلُ إِلَى السَّمَاءِ فَيُبَاهِي بِهِمُ الْمَلَائِكَةَ، فَيَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي أَتَوْنِي شُعْثًا غُبْرًا ضَاحِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ»، فَتَقُولُ لَهُ الْمَلَائِكَةُ: أَيْ رَبِّ فِيهِمْ فُلَانٌ يَزْهُو وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ قَالَ: يَقُولُ اللَّهُ: «قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ»، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فَمَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرُ عَتِيقًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ»، حَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى حدثنا أَبُو نُعَيْمٍ ثنا مَرْزُوقُ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا أَبْرَأُ مِنْ عُهْدَةِ مَرْزُوقٍ.\nقُلْتُ: وأيضًا فيه عنعنة أبي الزبير وهو مدلس، وهو في «الضعيفة» للألباني","vol":"1","page":444},{"text":"﵀ برقم (٦٧٩).\nوفي «شرح النووي على مسلم» (١٣٤٨): هَذَا الْحَدِيثُ ظَاهِرُ الدَّلَالَةِ فِي فَضْلِ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَهُوَ كَذَلِكَ، وَلَوْ قَالَ رَجُلٌ امْرَأَتِي طَالِقٌ فِي أَفْضَلِ الْأَيَّامِ، فَلِأَصْحَابِنَا وَجْهَانِ:\n• أَحَدُهُمَا: تُطَلَّقُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِقَوْلِهِ ﷺ: «خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةٍ» كَمَا سَبَقَ فِي «صَحِيحِ مُسْلِمٍ».\n• وَأَصَحُّهُمَا: يَوْمُ عَرَفَةَ لِلْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْبَابِ، وَيُتَأَوَّلُ حَدِيثُ: «يَوْمِ الْجُمُعَةِ»، عَلَى أَنَّهُ أَفْضَلُ أَيَّامِ الْأُسْبُوعِ. اهـ.\nسئل شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ٢٢٨):\n\n<span data-type='title' id=toc-329>أَيُّمَا أَفْضَلُ: يَوْمُ عَرَفَةَ أَوْ الْجُمْعَةِ أَوْ الْفِطَرِ أَوْ النَّحْرِ؟</span>\nفَأَجَابَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، أَفْضَلُ أَيَّامِ الْأُسْبُوعِ يَوْمُ الْجُمْعَةِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ. وَأَفْضَلُ أَيَّامِ الْعَامِ هُوَ يَوْمُ النَّحْرِ. وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ: يَوْمُ عَرَفَةَ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ فِي السُّنَنِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «أَفْضَلُ الْأَيَّامِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمُ النَّحْرِ ثُمَّ يَوْمُ الْقَرِّ»؛ لِأَنَّهُ يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ فِي مَذْهَبِ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «يَوْمُ النَّحْرِ هُوَ يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ»، وَفِيهِ مِنْ الْأَعْمَالِ مَا لَا يُعْمَلُ فِي غَيْرِهِ: كَالْوُقُوفِ بمزدلفة وَرَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَحْدَهَا وَالنَّحْرِ وَالْحَلْقِ وَطَوَافِ","vol":"1","page":445},{"text":"الْإِفَاضَةِ فَإِنَّ فِعْلَ هَذِهِ فِيهِ أَفْضَلُ بِالسُّنَّةِ وَاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.\nوَسُئِلَ: عَنْ يَوْمِ الْجُمْعَةِ وَيَوْمِ النَّحْرِ أَيُّهُمَا أَفْضَلُ؟\nفَأَجَابَ: يَوْمُ الْجُمْعَةِ أَفْضَلُ أَيَّامِ الْأُسْبُوعِ وَيَوْمُ النَّحْرِ أَفْضَلُ أَيَّامِ الْعَامِ.\nقَالَ ابْنُ الْقَيِّمُ (^١): وَغَيْرُ هَذَا الْجَوَابِ لَا يَسْلَمُ صَاحِبُهُ مِنْ الِاعْتِرَاضِ الَّذِي لَا حِيلَةَ لَهُ فِي دَفْعِهِ. اهـ.\nقال ابن القيم ﵀ في «زاد المعاد» (١/ ٦٠ - ٦٤):\n\n<span data-type='title' id=toc-330>مَزِيَّةُ وَقْفَةِ الْجُمُعَةِ يَوْمَ عَرَفَةَ:</span>\n- وذكر حديث: «خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ» -، ثم قال:\nقِيلَ: قَدْ ذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إِلَى تَفْضِيلِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ عَلَى يَوْمِ عَرَفَةَ مُحْتَجًّا بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَحَكَى الْقَاضِي أبو يعلى رِوَايَةً عَنْ أحمد أَنَّ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ أَفْضَلُ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَالصَّوَابُ أَنَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَفْضَلُ أَيَّامِ الْأُسْبُوعِ، وَيَوْمُ عَرَفَةَ وَيَوْمُ النَّحْرِ أَفْضَلُ أَيَّامِ الْعَامِ، وَكَذَلِكَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ، وَلَيْلَةُ الْجُمُعَةِ؛ وَلِهَذَا كَانَ لِوَقْفَةِ الْجُمُعَةِ يَوْمَ عَرَفَةَ مَزِيَّةٌ عَلَى سَائِرِ الْأَيَّامِ مِنْ وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ:\n_________\n(^١) «بدائع الفوائد» (٣/ ١١٠٣).","vol":"1","page":446},{"text":"• أَحَدُهَا: اجْتِمَاعُ الْيَوْمَيْنِ اللَّذَيْنِ هُمَا أَفْضَلُ الْأَيَّامِ.\n• الثَّانِي: أَنَّهُ الْيَوْمُ الَّذِي فِيهِ سَاعَةٌ مُحَقَّقَةُ الْإِجَابَةِ، وَأَكْثَرُ الْأَقْوَالِ أَنَّهَا آخِرُ سَاعَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ، وَأَهْلُ الْمَوْقِفِ كُلُّهُمْ إِذْ ذَاكَ وَاقِفُونَ لِلدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ.\n• الثَّالِثُ: مُوَافَقَتُهُ لِيَوْمِ وَقْفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.\n• الرَّابِعُ: أَنَّ فِيهِ اجْتِمَاعَ الْخَلَائِقِ مِنْ أَقْطَارِ الْأَرْضِ لِلْخُطْبَةِ وَصَلَاةِ الْجُمُعَةِ، وَيُوَافِقُ ذَلِكَ اجْتِمَاعَ أَهْلِ عَرَفَةَ يَوْمَ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ، فَيَحْصُلُ مِنَ اجْتِمَاعِ الْمُسْلِمِينَ فِي مَسَاجِدِهِمْ وَمَوْقِفِهِمْ مِنَ الدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ مَا لَا يَحْصُلُ فِي يَوْمٍ سِوَاهُ.\n• الْخَامِسُ: أَنَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ يَوْمُ عِيدٍ، وَيَوْمَ عَرَفَةَ يَوْمُ عِيدٍ.\n• السَّادِسُ: أَنَّهُ مُوَافِقٌ لِيَوْمِ إِكْمَالِ اللَّهِ تَعَالَى دِينَهُ لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ، وَإِتْمَامِ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِمْ، كَمَا ثَبَتَ فِي «صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ» عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ: جَاءَ يَهُودِيٌّ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ آيَةٌ تَقْرَءُونَهَا فِي كِتَابِكُمْ لَوْ عَلَيْنَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ نَزَلَتْ وَنَعْلَمُ ذَلِكَ الْيَوْمَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ لَاتَّخَذْنَاهُ عِيدًا، قَالَ: أَيُّ آيَةٍ؟ قَالَ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: «إِنِّي لَأَعْلَمُ الْيَوْمَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ، وَالْمَكَانَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ، نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِعَرَفَةَ يَوْمَ جُمُعَةٍ، وَنَحْنُ وَاقِفُونَ مَعَهُ بِعَرَفَةَ».\n• السَّابِعُ: أَنَّهُ مُوَافِقٌ لِيَوْمِ الْجَمْعِ الْأَكْبَرِ، وَالْمَوْقِفِ الْأَعْظَمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَإِنَّ الْقِيَامَةَ تَقُومُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ يَوْمُ","vol":"1","page":447},{"text":"الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ، وَفِيهِ أُخْرِجَ مِنْهَا، وَفِيهِ تَقُومُ السَّاعَةُ، وَفِيهِ سَاعَةٌ لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ يَسْأَلُ اللَّهَ خَيْرًا إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ».\n• الثَّامِنُ: أَنَّ الطَّاعَةَ الْوَاقِعَةَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، أَكْثَرُ مِنْهَا فِي سَائِرِ الْأَيَّامِ حَتَّى إِنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ الْفُجُورِ يَحْتَرِمُونَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلَيْلَتَهُ، وَيَرَوْنَ أَنَّ مَنْ تَجَرَّأَ فِيهِ عَلَى مَعَاصِي اللَّهِ ﷿ عَجَّلَ اللَّهُ عُقُوبَتَهُ وَلَمْ يُمْهِلْهُ، وَهَذَا أَمْرٌ قَدِ اسْتَقَرَّ عِنْدَهُمْ وَعَلِمُوهُ بِالتَّجَارِبِ، وَذَلِكَ لِعِظَمِ الْيَوْمِ وَشَرَفِهِ عِنْدَ اللَّهِ، وَاخْتِيَارِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ لَهُ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْأَيَّامِ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ لِلْوَقْفَةِ فِيهِ مَزِيَّةً عَلَى غَيْرِهِ.\n• التَّاسِعُ: أَنَّهُ مُوَافِقٌ لِيَوْمِ الْمَزِيدِ فِي الْجَنَّةِ، وَهُوَ الْيَوْمُ الَّذِي يُجْمَعُ فِيهِ أَهْلُ الْجَنَّةِ فِي وَادٍ أَفْيَحَ، وَيُنْصَبُ لَهُمْ مَنَابِرُ مِنْ لُؤْلُؤٍ، وَمَنَابِرُ مِنْ ذَهَبٍ، وَمَنَابِرُ مِنْ زَبَرْجَدٍ وَيَاقُوتٍ عَلَى كُثْبَانِ الْمِسْكِ، فَيَنْظُرُونَ إِلَى رَبِّهِمْ ﵎، وَيَتَجَلَّى لَهُمْ فَيَرَوْنَهُ عِيَانًا، وَيَكُونُ أَسْرَعُهُمْ مُوَافَاةً أَعْجَلَهُمْ رَوَاحًا إِلَى الْمَسْجِدِ، وَأَقْرَبُهُمْ مِنْهُ أَقْرَبَهُمْ مِنَ الْإِمَامِ، فَأَهْلُ الْجَنَّةِ مُشْتَاقُونَ إِلَى يَوْمِ الْمَزِيدِ فِيهَا لِمَا يَنَالُونَ فِيهِ مِنَ الْكَرَامَةِ، وَهُوَ يَوْمُ جُمُعَةٍ، فَإِذَا وَافَقَ يَوْمَ عَرَفَةَ كَانَ لَهُ زِيَادَةُ مَزِيَّةٍ وَاخْتِصَاصٍ وَفَضْلٍ لَيْسَ لِغَيْرِهِ.\n• الْعَاشِرُ: أَنَّهُ يَدْنُو الرَّبُّ ﵎ عَشِيَّةَ يَوْمِ عَرَفَةَ مِنْ أَهْلِ الْمَوْقِفِ، ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمُ الْمَلَائِكَةَ فَيَقُولُ: «مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ، أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ»، وَتَحْصُلُ مَعَ دُنُوِّهِ مِنْهُمْ ﵎ سَاعَةُ الْإِجَابَةِ الَّتِي لَا يَرُدُّ فِيهَا سَائِلًا يَسْأَلُ خَيْرًا فَيَقْرُبُونَ مِنْهُ بِدُعَائِهِ وَالتَّضَرُّعِ إِلَيْهِ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ، وَيَقْرُبُ مِنْهُمْ تَعَالَى نَوْعَيْنِ مِنَ الْقُرْبِ:","vol":"1","page":448},{"text":"• أَحَدُهُمَا: قُرْبُ الْإِجَابَةِ الْمُحَقَّقَةِ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ.\n• وَالثَّانِي: قُرْبُهُ الْخَاصُّ مِنْ أَهْلِ عَرَفَةَ، وَمُبَاهَاتُهُ بِهِمْ مَلَائِكَتَهُ، فَتَسْتَشْعِرُ قُلُوبُ أَهْلِ الْإِيمَانِ هَذِهِ الْأُمُورَ فَتَزْدَادُ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِهَا، وَفَرَحًا وَسُرُورًا وَابْتِهَاجًا، وَرَجَاءً لِفَضْلِ رَبِّهَا وَكَرَمِهِ، فَبِهَذِهِ الْوُجُوهِ وَغَيْرِهَا فُضِّلَتْ وَقْفَةُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ عَلَى غَيْرِهَا. اهـ باختصار.","vol":"1","page":449},{"text":"<span data-type='title' id=toc-331>[٧٥]- عدم اعتبار وقوف الحاج يوم عرفة خارج عرفة</span>\n٢١٨ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄، - في حديثه عن حجة النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ تَوَجَّهُوا إِلَى مِنًى، فَأَهَلُّوا بِالْحَجِّ (^١)، وَرَكِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَصَلَّى بِهَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَالْفَجْرَ، ثُمَّ مَكَثَ قَلِيلًا حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ، وَأَمَرَ بِقُبَّةٍ مِنْ شَعَرٍ تُضْرَبُ لَهُ بِنَمِرَةَ، فَسَارَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَلَا تَشُكُّ قُرَيْشٌ إِلَّا أَنَّهُ وَاقِفٌ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ، كَمَا كَانَتْ قُرَيْشٌ تَصْنَعُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَأَجَازَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ، فَوَجَدَ الْقُبَّةَ قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ، فَنَزَلَ بِهَا، حَتَّى إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ أَمَرَ بِالْقَصْوَاءِ، فَرُحِلَتْ لَهُ، فَأَتَى بَطْنَ الْوَادِي، فَخَطَبَ - إلى قوله -: ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا، ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، حَتَّى أَتَى الْمَوْقِفَ، فَجَعَلَ بَطْنَ نَاقَتِهِ الْقَصْوَاءِ إِلَى الصَّخَرَاتِ، وَجَعَلَ حَبْلَ الْمُشَاةِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٢١٨). قال القرطبي ﵀: و(توجهوا): قصدوا، وأخذوا في الأهبة إلى منى، لا أنَّهم أحرموا منها، فإن ذلك باطل بإجماع العلماء. على أنَّهم أحرموا من مكة. اهـ من «المفهم» (٣/ ٣٣٠).","vol":"1","page":450},{"text":"<span data-type='title' id=toc-332>[٧٦]- عُرَنَة ليست من عرفة فالواقف بها لم يقف بعرفة</span>\n٢١٩ - قال الإمام ابن ماجه (٣٠١٢): حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعُمَرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كُلُّ عَرَفَةَ مَوْقِفٌ، وَارْتَفِعُوا عَنْ بَطْنِ عُرَنَةَ، وَكُلُّ الْمُزْدَلِفَةِ مَوْقِفٌ، وَارْتَفِعُوا عَنْ بَطْنِ مُحَسِّرٍ، وَكُلُّ مِنًى مَنْحَرٌ، إِلَّا مَا وَرَاءَ الْعَقَبَةِ» (^١).\n_________\n(^١) وهذا إسناد شديد الضعف، فيه: الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعُمَرِيُّ: كذاب، إنما ذكرناه في الباب ليعرف حاله.","vol":"1","page":451},{"text":"٢٢٠ - الحديث الثاني: وقال البزار في «كشف الأستار» (٢/ ٢٧): حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْد الْعَزِيزِ التَّنُوخِيُّ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ أَبِي حُسَيْنٍ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعَمٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كُلُّ عَرَفَاتٍ مَوْقِفٌ، وَارْتَفِعُوا عَنْ عُرْنَةَ، وَكُلُّ مُزْدَلِفَةَ مَوْقِفٌ، وَارْتَفِعُوا عَنْ مُحَسِّرٍ، وَفِي كُلِّ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ذَبْحٌ». قَالَ الْبَزَّارُ: تَفَرَّدَ بِهِ سَعِيدٌ، وَلا يُحَجُّ بِمَا تَفَرَّدَ بِهِ (^١).\n\n٢٢١ - الحديث الثالث: وأخرجه ابن خزيمة برقم (٢٨١٦، ٢٨١٧)، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ زِيَادٍ -وَهُوَ ابْنُ سَعْدٍ- عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ارْفَعُوا عَنْ بَطْنِ عُرَنَةَ، وَارْفَعُوا عَنْ بَطْنِ مُحَسِّرٍ».\n_________\n(^١) قُلْتُ: قال في «التقريب»: ثقة إمام سوَّاه الإمام أحمد بالأوزاعي؛ لكنه اختلط في آخر أمره. اهـ. وقد أخرجه أحمد (١٦٧٥١)، بدون الواسطة بين سليمان الأشدق، وجبير، وبذكر الواسطة أخرجه ابن حبان (٣٨٥٤). وقال الحافظ ابن حجر في «التلخيص» (٣٤٦٨): وَفِي إسْنَادِهِ انْقِطَاعٌ. اهـ.\nوقال البزار في «مسنده» (٣٤٤٤): وَابْنُ أَبِي حُسَيْنٍ لَمْ يَلْقَ جُبَيْرَ بْنَ مُطْعِمٍ. اهـ.","vol":"1","page":452},{"text":"٢٢٢ - فَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هَاشِمٍ، ثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ يُقَالُ: ارْتَفَعُوا عَنْ مُحَسِّرٍ، وَارْتَفِعُوا عَنْ عُرَنَاتٍ.\n\nأَمَّا قَوْلُهُ: (الْعُرَنَاتُ): فَالْوُقُوفُ بِعُرَنَةَ أَلَّا يَقِفُوا بِعُرَنَةَ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: (عَنْ مُحَسِّرٍ)، فَالنُّزُولُ بِجَمْعٍ، أَيْ: لَا تَنْزِلُوا مُحَسِّرًا (^١).\n\nوقال ابن عبد البر في «الاستذكار» (٤/ ٢٧٤): مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: (اعْلَمُوا أَنَّ عَرَفَةَ كُلَّهَا مَوْقِفٌ إِلَّا بَطْنَ عُرَنَةَ، وَأَنَّ الْمُزْدَلِفَةَ كُلَّهَا مَوْقِفٌ إِلَّا بَطْنَ مُحَسِّرٍ). - وسنده صحيح -.\nقَالَ أَبُو عُمَرَ: هَذَا الْحَدِيثُ يَتَّصِلُ من حديث جابر وبن عباس وعلي بن أبي طالب وقد ذَكَرْنَا طُرُقَهُ فِي التَّمْهِيدِ وَأَكْثَرُهَا لَيْسَ فِيهَا ذِكْرُ بَطْنِ عُرَنَةَ وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ وَهُوَ مَحْفُوظٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «عَرَفَةُ كُلُّها مَوْقِفٌ وَارْتَفِعُوا عَنْ بَطْنِ عُرَنَةَ وَمُزْدَلِفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ وَارْتَفِعُوا عَنْ بَطْنِ\n_________\n(^١) وسنده صحيح، رجاله ثقات.","vol":"1","page":453},{"text":"مُحَسِّرٍ وَمِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ وَلِلْحَاجِّ مَكَّةُ كُلُّهَا مَنْحَرٌ».\nقَالَ: وَأَخْبَرَنَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ بن عُمَرَ، قَالَ: عَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ إِلَّا بَطْنَ عُرَنَةَ، وَجَمْعٌ كُلُّهَا مَوْقِفٌ إِلَّا بَطْنَ مُحَسِّرٍ. اهـ.\nوعَنْ يَزِيدَ بْنِ شَيْبَانَ ﵁، قَالَ: أَتَانَا ابْنُ مِرْبَعٍ الْأَنْصَارِيُّ وَنَحْنُ بِعَرَفَةَ فِي مَكَانٍ يُبَاعِدُهُ عَمْرُو عَنِ الْإِمَامِ فَقَالَ: أَمَا إِنِّي رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَيْكُمْ يَقُولُ لَكُمْ: «قِفُوا عَلَى مَشَاعِرِكُمْ، فَإِنَّكُمْ عَلَى إِرْثٍ مِنْ إِرْثِ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ» (^١).\nقُلْتُ: والحديث بمجموع هذه الطرق صحيح، وخرجه ابن الملقن في «البدر المنير» (٦/ ٢٣٤)، وبعدها من سبع طرق، وقال في الطريق الرابعة ما نقله ابن عبد البر: أنه صحيح عند الفقهاء.\nوممن صححه العلامة الألباني ﵀ في «الصحيحة» برقم (١٥٣٤)، وقد نقل الإجماع على ما دل عليه.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (١٩١٩)، والترمذي (٨٨٣)، والنسائي (٣٠١٤)، وابن ماجه (٣٠١١)، وأحمد (١٧٢٣٣)، من طريق عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوَانَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ شَيْبَانَ به.\nوهذا سند حسن، عَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوَانَ، قال الحافظ: صدوق شريف. اهـ.\nويَزِيدُ بْنُ شَيْبَانَ، وابْنُ مِرْبَعٍ الْأَنْصَارِيُّ: صحابيان.","vol":"1","page":454},{"text":"قال النووي في «المجموع» (٨/ ١٢٠): لَوْ وَقَفَ بِبَطْنِ عرنة لَمْ يَصِحَّ وُقُوفُهُ عِنْدَنَا وَبِهِ قَالَ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ. اهـ.\nوقال النووي في «شرح مسلم» (١٢١٨): وَلَيْسَتْ عُرَنَةُ مِنْ أَرْضِ عَرَفَاتٍ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَالْعُلَمَاءِ كَافَّةً إِلَّا مَالِكًا فَقَالَ: هِيَ مِنْ عَرَفَاتٍ. اهـ.\nقُلْتُ: وكذا نمرة؛ لحديث جابر ﵁ الآتي، وفيه: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ ضُرِبَتْ لَهُ قُبَّةٌ بِنَمِرَةَ، فَنَزَلَ بِهَا، حَتَّى إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ أَتَى عَرَفَةَ»، دليل على أنَّ نمرة أيضًا ليست من عرفة كما قال النووي: وَهِيَ مَوْضِعٌ بجنب عَرَفَاتٍ وَلَيْسَتْ مِنْ عَرَفَاتٍ. اهـ.\nوقال شيخ الإسلام ﵀: وَ(نَمِرَةُ) كَانَتْ قَرْيَةً خَارِجَةً عَنْ عَرَفَاتٍ مِنْ جِهَةِ الْيَمِينِ فَيُقِيمُونَ بِهَا إلَى الزَّوَالِ كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ، ثُمَّ يَسِيرُونَ مِنْهَا إلَى بَطْنِ الْوَادِي، وَهُوَ مَوْضِعُ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي صَلَّى فِيهِ الظُّهْر وَالْعَصْرَ وَخَطَبَ، وَهُوَ فِي حُدُودِ عَرَفَةَ بِبَطْنِ عرنة، وَهُنَاكَ مَسْجِدٌ يُقَالُ لَهُ: مَسْجِدُ إبْرَاهِيمَ وَإِنَّمَا بُنِيَ فِي أَوَّلِ دَوْلَةِ بَنِي الْعَبَّاسِ. اهـ.\nوقال ابن عبد البر ﵀، - فيما نقله قال ابن قدامة في «المغني» تحت مسألة رقم (٦٣٥) -: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مَنْ وَقَفَ بِهِ لَا يُجْزِئُهُ، وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ، أَنَّهُ يُهْرِيقُ دَمًا، وَحَجُّهُ تَامٌّ. اهـ.","vol":"1","page":455},{"text":"ورد ابن قدامة قول مالك بحديث جابر هذا: «وَارْتَفِعُوا عَنْ بَطْنِ عُرَنَةَ».\nوقال القرطبي ﵀ في «المفهم» (٣/ ٣٤٣): واتفق العلماء: على أنه لا موقف فيه. اهـ.\nقُلْتُ: وقد أضاف ابن المنذر وغيره دلالة الحديث المذكور، الاستدلال بحديث عروة بن مضرس ﵁: «مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ».\n\nوقد أثبت أهل العلم أنَّ<span data-type='title' id=toc-336> مسجد نمرة أوله في عرنة، وآخره في عرفة،</span> فمن بقي واقفًا في الجزء الواقع في عرنة من المسجد، ولم يقف شيئًا من الوقت في عرفة فحجه غير صحيح.\nوقال ابن المنذر في «الإشراف» (٣/ ٣١٢): واختلفوا فيمن وقف بعرفة من عرنة، فقال مالك: يهريق دمًا وحجه تام.\nوقال الشافعي: لا يجزيه ويحج ثانيًا إذا وقف ببطن عُرنة، وبه قال أبو مصعب: أن عليه حج قابل.\nوكذلك نقول، لا يجزيه أن يقف بمكان أمر النبي ﷺ أن لا يقف به. وثبت أن رسول الله ﷺ، قال: «من صلى معنا هذه الصلاة، صلاة الغداة بجمع، أو أدرك معنا هذه الصلاة، وقد أتي عرفات قبل ذلك ليلًا أو نهارًا، فقد قضى تفثه وتم حجه». اهـ.\nوقال الماوردي في «الحاوي الكبير» (٤/ ١٧٢): قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَحَيْثُ وَقَفَ","vol":"1","page":456},{"text":"النَّاسُ مِنْ عَرَفَةَ فِي جَوَانِبِهَا وَنَوَاحِيهَا وَمَضَارِبِهَا وَجِبَالِهَا وَسُهُولِهَا وَبَطْنِهَا وَأَوْدِيَتِهَا وَسُوقِهَا المعروف بِذِي الْمَجَازِ أَجْزَأَ إِذَا وَقَفَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَعْرِفُهُ الْعَرَبُ بِعَرَفَةَ. فَأَمَّا إِذَا وَقَفَ بِغَيْرِ عَرَفَةَ مِنْ وَرَائِهَا أَوْ دُونَهَا فِي عرفة عامدًا أَوْ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا بِهَا لَمْ تُجْزِهِ. اهـ.","vol":"1","page":457},{"text":"<span data-type='title' id=toc-337>[٧٧]- من أدرك الوقوف بعرفة أدرك الحج وبيان مكانه ووقته ابتداءً وانتهاءً</span>\n٢٢٣ - عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْمَرَ الدِّيلِيِّ ﵁، قَالَ: شَهِدْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَهُوَ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ، وَأَتَاهُ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ الْحَجُّ؟ قَالَ: «الْحَجُّ عَرَفَةُ، فَمَنْ جَاءَ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ، لَيْلَةَ جَمْعٍ، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ، أَيَّامُ مِنًى ثَلَاثَةٌ، فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ، فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ، وَمَنْ تَأَخَّرَ، فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَرْدَفَ رَجُلًا خَلْفَهُ، فَجَعَلَ يُنَادِي بِهِنَّ» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه النسائي (٣٠٤٤)، وأبو داود (١٩٤٩)، والترمذي (٨٨٩)، وابن ماجه (٣٠١٥)، وأحمد (٤/ ٣٣٥)، وابن الجارود (٤٦٨)، من طريق بُكَيْرِ بْنِ عَطَاءٍ قَالَ: عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْمَرَ به، وهو حديث صحيح.\nوقال الترمذي عقب هذا الحديث: عَنْ وَكِيعِ بْنِ الْجَرَّاحِ أنه قَالَ: هَذَا الحَدِيثُ أُمُّ المَنَاسِكِ.\nقال: وَالعَمَلُ عَلَيه عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ، أَنَّ مَنْ لَمْ يَقِفْ بِعَرَفَاتٍ قَبْلَ طُلُوعِ الفَجْرِ - أي: الصادق ليوم النحر - فَقَدْ فَاتَهُ الحَجُّ. اهـ.","vol":"1","page":458},{"text":"٢٢٤ - عَنْ عُرْوَةَ بْنِ مُضَرِّسٍ الطَّائِيِّ ﵁، أَنَّهُ حَجَّ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَلَمْ يُدْرِكِ النَّاسَ، إِلَّا وَهُمْ بِجَمْعٍ، قَالَ: فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَنْضَيْتُ رَاحِلَتِي (^١)، وَأَتْعَبْتُ نَفْسِي، وَاللَّهِ إِنْ تَرَكْتُ مِنْ حَبْلٍ، إِلَّا وَقَفْتُ عَلَيْهِ، فَهَلْ لِي مِنْ حَجٍّ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَنْ شَهِدَ مَعَنَا الصَّلَاةَ، وَأَفَاضَ مِنْ عَرَفَاتٍ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، فَقَدْ قَضَى تَفَثَهُ (^٢)، وَتَمَّ حَجُّهُ» (^٣).\n\nقال ابن المنذر في «الإشراف» (٣/ ٢٨٥): وأجمعوا على أنَّ الوقوف بعرفة فرض، ولا حج لمن فاته الوقوف بها. اهـ.\n_________\n(^١) «أَنْضَيْتُ رَاحِلَتِي»: أي: أهزلها وأضعفتها، «المغرب في ترتيب المعرب» (٢/ ٣٠٩).\n(^٢) «فَقَدْ قَضَى تَفَثَهُ»: أَيْ: أَتَمَّ مدة بقاء التَّفَثِ (الْوَسَخَ من أثر الإرام والمناسك)، فَحَلَّ لَهُ أَنْ يُزِيلَ عَنْهُ التَّفَثَ بِحَلْقِ الرَّأْسِ، وَقَصِّ الشَّارِبِ، وَالْأَظْافِرِ، وَغَيْرَها، «عون المعبود» (٥/ ٢٩٩).\n(^٣) أخرجه أبو داود (١٩٥٠)، والنسائي (٣٠٣٩)، والترمذي (٨٩١)، وابن ماجه (٣٠١٦)، وأحمد (٤/ ١٥)، وابن الجارود (٤٦٧)، وآخرون من طريق عَامِرِ بن شراحيل الشَّعْبِيَّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ مُضَرِّسٍ الطَّائِيِّ به، هو حديث صحيح.\nوقال الحافظ في «التقريب»: صحابي له حديث واحد في الحج. اهـ.\nقُلْتُ: لذلك خرجته في «صحيح المفاريد» رقم (١٢٨).","vol":"1","page":459},{"text":"قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٣/ ٣٦٨): وَالْوُقُوفُ - بِعَرَفَةَ - رُكْنٌ، لَا يَتِمُّ الْحَجُّ إلَّا بِهِ، إجْمَاعًا. اهـ.\n\n<span data-type='title' id=toc-339>وقت الوقوف ابتداءً</span>\nنقل الإجماع أنَّ الوقوف لا يجزئ إلا بعد الزوال من يوم عرفة؛ لأن النَّبِيَّ ﷺ وقف بعد الزوال، وفعله يبين قوله: «مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا»، وفي الحديث الآخر: «لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ».\nقال ابن عبد البر في «الاستذكار» (٤/ ٢٨١): وَأجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ الزَّوَالِ ثُمَّ أَفَاضَ مِنْهَا قَبْلَ الزَّوَالِ، إِنْ لَمْ يَرْجِعْ فَيَقِفُ بَعْدَ الزَّوَالِ أَوْ يَقِفُ مِنْ لَيْلَتِهِ تِلْكَ قَبْلَ الْفَجْرِ فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ. اهـ.\nوكذا قال القرطبي في «تفسيره» (٢/ ٤١٥)، وابن رشد في «بداية المجتهد» (٢/ ١١٣).\nقُلْتُ: ولا يصح الإجماع المذكور، والخلاف مذكور في هذه المسألة.\nقال النووي في «شرح مسلم» تحت حديث حجة الوداع (١٢١٨): قَوْلُهُ (ثُمَّ أَذَّنَ ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا):\n• فِيهِ: أَنَّهُ يُشْرَعُ الْجَمْعُ بَيْنَ الظهر والعصر هُنَاكَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَقَدْ أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَيْهِ.","vol":"1","page":460},{"text":"<span data-type='title' id=toc-340>فِي هَذَا الْفَصْلِ مَسَائِلُ وَآدَابٌ لِلْوُقُوفِ:</span>\n• مِنْهَا: أَنَّهُ إِذَا فَرَغَ مِنَ الصَّلَاتَيْنِ عَجَّلَ الذَّهَابَ إِلَى الْمَوْقِفِ.\n• وَمِنْهَا: أَنَّ الْوُقُوفَ رَاكِبًا أَفْضَلُ، وَفِيهِ خِلَافٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، وَفِي مَذْهَبِنَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَصَحُّهَا: أَنَّ الْوُقُوفَ رَاكِبًا أَفْضَلُ، وَالثَّانِي: غَيْرُ الرَّاكِبِ أَفْضَلُ، وَالثَّالِثُ: هُمَا سَوَاءٌ.\n• وَمِنْهَا: أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقِفَ عِنْدَ الصَّخَرَاتِ الْمَذْكُورَاتِ، وَهِيَ صَخَرَاتٌ مُفْتَرِشَاتٌ فِي أَسْفَلِ جَبَلِ الرَّحْمَةِ، وَهُوَ الْجَبَلُ الَّذِي بِوَسَطِ أَرْضِ عَرَفَاتٍ، فَهَذَا هُوَ الْمَوْقِفُ الْمُسْتَحَبُّ، وَأَمَّا مَا اشْتُهِرَ بَيْنَ الْعَوَامِّ مِنْ الِاعْتِنَاءِ بِصُعُودِ الْجَبَلِ، وَتَوَهُّمِهِمْ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْوُقُوفُ إِلَّا فِيهِ، فَغَلَطٌ، بَلِ الصَّوَابُ جَوَازُ الْوُقُوفِ فِي كُلِّ جُزْءٍ مِنْ أَرْضِ عَرَفَاتٍ، وَأَنَّ الْفَضِيلَةَ فِي مَوْقِفِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ الصَّخَرَاتِ، فَإِنْ عَجَزَ فَلْيَقْرَبْ مِنْهُ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ، وَسَيَأْتِي فِي آخِرِ الْحَدِيثِ بَيَانُ حُدُودِ عَرَفَاتٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى عِنْدَ قَوْلِهِ ﷺ وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ.\n• وَمِنْهَا: اسْتِحْبَابُ اسْتِقْبَالِ الْكَعْبَةِ فِي الْوُقُوفِ.\n• وَمِنْهَا: أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَبْقَى فِي الْوُقُوفِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ وَيَتَحَقَّقَ كَمَالُ غُرُوبِهَا ثُمَّ يُفِيضُ إِلَى مُزْدَلِفَةَ فَلَوْ أَفَاضَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ صَحَّ وُقُوفُهُ وَحَجُّهُ وَيُجْبَرُ ذَلِكَ بِدَمٍ، وَهَلِ الدَّمُ وَاجِبٌ أَمْ مُسْتَحَبٌّ؟ فِيهِ قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ، أَصَحُّهُمَا: أَنَّهُ سُنَّةٌ، وَالثَّانِي: وَاجِبٌ وَهُمَا مَبْنِيَّانِ عَلَى أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَاجِبٌ عَلَى","vol":"1","page":461},{"text":"مَنْ وَقَفَ بِالنَّهَارِ أَمْ لَا؟ وَفِيهِ قَوْلَانِ، أَصَحُّهُمَا: سُنَّةٌ، وَالثَّانِي: وَاجِبٌ.\nوَأَمَّا وَقْتُ الْوُقُوفِ فَهُوَ مَا بَيْنَ زَوَالِ الشَّمْسِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَطُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي يَوْمَ النَّحْرِ فَمَنْ حَصَلَ بِعَرَفَاتٍ فِي جُزْءٍ مِنْ هَذَا الزَّمَانِ صَحَّ وُقُوفُهُ، وَمَنْ فَاتَهُ ذَلِكَ فَاتَهُ الْحَجُّ هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَجَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ.\nوَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَصِحُّ الْوُقُوفُ فِي النَّهَارِ مُنْفَرِدًا بَلْ لَا بُدَّ مِنَ اللَّيْلِ وَحْدَهُ، فَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى اللَّيْلِ كَفَاهُ وَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى النَّهَارِ لَمْ يَصِحَّ وُقُوفُهُ.\nوَقَالَ أَحْمَدُ: يَدْخُلُ وَقْتَ الْوُقُوفِ مِنَ الْفَجْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ.\nوَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ أَصْلَ الْوُقُوفِ رُكْنٌ لَا يَصِحُّ الْحَجُّ إِلَّا بِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. اهـ.\nوقال ابن المنذر في «الإشراف» (٣/ ٣١٣): وفي قوله: «وقد أتى عرفات قبل ذلك ليلًا أو نهارًا فقد تم حجه»، دليل على أن من وقف بعرفة يوم عرفة، أو ليلة النحر مدركًا لحجه إذ هو واقف، وإن دفع قبل غروب الشمس بيّن ذلك في ظاهر قوله: «وقد أتى عرفات ليلًا أو نهارًا». اهـ.\nوهذا اختيار ابن المنذر: أنَّ أول الوقوف بعرفة من صبح يوم عرفة ولو لم يقف بعد غروب الشمس فيها شيئًا أجزأه.\nوقال ابن قدامة في «المغني» تحت مسألة (٦٣٦): وَقْتُ الْوُقُوفِ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ. وَلَا نَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي أَنَّ","vol":"1","page":462},{"text":"آخِرَ الْوَقْتِ طُلُوعُ فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ.\nقَالَ جَابِرٌ: «لَا يَفُوتُ الْحَجُّ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ مِنْ لَيْلَةِ جَمْعٍ»، قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ: فَقُلْت لَهُ: أَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ. رَوَاهُ الْأَثْرَمُ.\nوَأَمَّا أَوَّلُهُ فَمِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ، فَمَنْ أَدْرَكَ عَرَفَةَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا الْوَقْتِ وَهُوَ عَاقِلٌ، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ. وَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ: أَوَّلُ وَقْتِهِ زَوَالُ الشَّمْسِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ. وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ذَلِكَ إجْمَاعًا.\nوَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنَا هَذِهِ، وَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نَدْفَعَ، وَقَدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ، قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ، وَقَضَى تَفَثَهُ»، وَلِأَنَّهُ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، فَكَانَ وَقْتًا لِلْوُقُوفِ، كَبَعْدِ الزَّوَالِ، وَتَرْكُ الْوُقُوفِ لَا يَمْنَعُ كَوْنَهُ وَقْتًا لِلْوُقُوفِ، كَبَعْدِ الْعِشَاءِ، وَإِنَّمَا وَقَفُوا فِي وَقْتِ الْفَضِيلَةِ، وَلَمْ يَسْتَوْعِبُوا جَمِيعَ وَقْتِ الْوُقُوفِ.\nقُلْتُ: وهذا قول صحيح، فيه أخذٌ بالعموم فهو الأيسر، و«مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا، مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا»، وبما أنه لم ياتِ فيه نص ولا حصر زمان الوقوف فالأخذ لعموم الحديث كما أخذ به هؤلاء الأئمة أولى، وكما أنَّ النَّبِيّ ﷺ وقف في مكانٍ أفضل - وسواه يجوز الوقوف فيه من عرفة - أيضًا وقف في وقتٍ أفضل، وسواه مما في لفظ الحديث يجزئ.\nقال: وَكَيْفَمَا حَصَلَ بِعَرَفَةَ، وَهُوَ عَاقِلٌ، أَجْزَأَهُ، قَائِمًا أَوْ جَالِسًا أَوْ رَاكِبًا أَوْ نَائِمًا.","vol":"1","page":463},{"text":"وَإِنْ مَرَّ بِهَا مُجْتَازًا، فَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهَا عَرَفَةُ، أَجْزَأَهُ أَيْضًا. وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ. وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: لَا يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ وَاقِفًا إلَّا بِإِرَادَةٍ.\nوَلَنَا، عُمُومُ قَوْلِهِ ﷺ: «وَقَدْ أَتَى عَرَفَاتٍ، قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا»، وَلِأَنَّهُ حَصَلَ بِعَرَفَةَ فِي زَمَنِ الْوُقُوفِ وَهُوَ عَاقِلٌ، فَأَجْزَأْهُ كَمَا لَوْ عَلِمَ.\nوَإِنْ وَقَفَ وَهُوَ مُغْمًى عَلَيْهِ أَوْ مَجْنُونٌ، وَلَمْ يُفِقْ حَتَّى خَرَجَ مِنْهَا، لَمْ يُجْزِئْهُ. اهـ.\nقُلْتُ: وقال ابن المنذر ﵀ في «الإشراف» (٣/ ٣١٤): قال مالك، وأصحاب الرأي: يجزؤه. وقال الشافعي، وأبو ثور، وأحمد، وإسحاق: لا يجزيه، وقد فاته الحج. وبه نقول. اهـ.\n\nقُلْتُ: ما شأنه،<span data-type='title' id=toc-342> ومن دخل عرفة نائمًا حتى خرج منها نائمًا </span>إلا سواء، وتقدم تصحيح ابن قدامة حج الواقف بعرفة نائمًا، وهذا مثله.\nوالأرجح والله أعلم: أنَّ الوقوف، والطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، عبادة، والعبادة يشترط لها النية؛ لحديث: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ»، فلا يصح وقوف مجنون أو مغمى عليه أو نائم، ولا طوافه ولا سعيه إن دخل في تلك العبادة نائمًا، وخرج منها نائمًا أو فاقدًا عقله بجنون أو إغماء إلا إن أفاق فنوى فيصح عمله ذلك، أما من يريد الوقوف بعرفة ومر بها ولم يعرف أنه مشى فيها وقتًا، فوقوفه صحيح لقصده الوقوف، وإنما خفي عليه مكانها وقد وفق له.","vol":"1","page":464},{"text":"<span data-type='title' id=toc-343>[٧٨]- استحباب استقبال القبلة في الوقوف بعرفة</span>\n٢٢٥ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَتَى الْمَوْقِفَ … وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ (^١).\nقال النووي في «شرح مسلم» - في فوائد هذا الحديث -: وَمِنْهَا اسْتِحْبَابُ اسْتِقْبَالِ الْكَعْبَةِ فِي الْوُقُوفِ. اهـ.\nقُلْتُ: بوب البخاري ﵀ في كِتَاب الدُّعَاءِ من «صحيحه»: بَابُ الدُّعَاءِ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ، وساق (٦٣٤٣)، قال: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ ﵁، قَالَ: «خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى هَذَا المُصَلَّى يَسْتَسْقِي، فَدَعَا وَاسْتَسْقَى، ثُمَّ اسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ وَقَلَبَ رِدَاءَهُ».\nقال الحافظ ابن حجر في «الفتح» في شرح هذا الحديث: وَقَدْ وَرَدَ فِي اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ فِي الدُّعَاءِ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ عِدَّةُ أَحَادِيثَ: وَلمُسلم (١٧٦٣)، وَالتِّرْمِذِيّ (٣٠٨١)، من حَدِيث بن عَبَّاسٍ عَنْ عُمَرُ: «لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٢١٨).","vol":"1","page":465},{"text":"الْمُشْرِكِينَ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ ثُمَّ مَدَّ يَدَيْهِ فَجعل يَهْتِف بِرَبِّهِ …»، الحَدِيث.\nوَفِي حَدِيث ابن مَسْعُودٍ: «اسْتَقْبَلَ النَّبِيُّ ﷺ الْكَعْبَةَ فَدَعَا عَلَى نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ»، الْحَدِيثُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، البخاري (٣٧٤٣)، ومسلم (١٧٩٤).\nوَفِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ طَارِقٍ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا جَازَ مَكَانًا مِنْ دَارِ يَعْلَى اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَدَعَا»، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ. اهـ.\nوقال ابن أبي العز في «شرح العقيدة الطحاوية» (٢/ ٣٩٢) - في الرد على منكري علو الله تعالى على عرشه -: وَاعْتُرِضَ عَلَى الدَّلِيلِ الْفِطْرِيِّ: أَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا كَانَ لِكَوْنِ السَّمَاءِ قِبْلَةً لِلدُّعَاءِ، كَمَا أَنَّ الْكَعْبَةَ قِبْلَةٌ لِلصَّلَاةِ، وَأُجِيبُ عَلَى هَذَا الِاعْتِرَاضِ مِنْ وُجُوهٍ:\n• أَحَدُهَا: أَنَّ قَوْلَكُمْ: إِنَّ السَّمَاءَ قِبْلَةٌ لِلدُّعَاءِ لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ، وَلَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهِ مِنْ سُلْطَانٍ، وَهَذَا مِنَ الْأُمُورِ الشَّرْعِيَّةِ الدِّينِيَّةِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَخْفَى عَلَى جَمِيعِ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَعُلَمَائِهَا.\n• الثَّانِي: أَنَّ قِبْلَةَ الدُّعَاءِ هِيَ قِبْلَةُ الصَّلَاةِ، فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلدَّاعِي أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ فِي دُعَائِهِ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ، فَمَنْ قَالَ إِنَّ لِلدُّعَاءِ قِبْلَةً غَيْرَ قِبْلَةِ الصَّلَاةِ، أَوْ إِنَّ لَهُ قِبْلَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: الْكَعْبَةُ وَالْأُخْرَى السَّمَاءُ: فَقَدِ ابْتَدَعَ فِي الدِّينِ، وَخَالَفَ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ. اهـ.","vol":"1","page":466},{"text":"<span data-type='title' id=toc-346>[٧٩]- استحباب رفع اليدين في الدعاء</span>\n٢٢٦ - وعَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: قَالَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ ﵄: «كُنْتُ رَدِيفَ النَّبِيِّ ﷺ بِعَرَفَاتٍ، فَرَفَعَ يَدَيْهِ يَدْعُو، فَمَالَتْ بِهِ نَاقَتُهُ، فَسَقَطَ خِطَامُهَا فَتَنَاوَلَ الْخِطَامَ بِإِحْدَى يَدَيْهِ، وَهُوَ رَافِعٌ يَدَهُ الْأُخْرَى» (^١).\n_________\n(^١) حديث صحيح رجاله ثقات، أخرجه النسائي (٣٠١١)، وأحمد (٥/ ٢٠٩)، رقم (٢١٨٢١)، من طريق عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ العرزمي، عَنْ عَطَاءَ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄ به.\nوعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ صرح بالتحديث عن أسامة عند ابن خزيمة في حديث رقم (٣٠٠٦)؛ لكن هذا التصريح فيه نظر لجزم أبي حاتم بعدم سماعه منه، كما في «تحفة التحصيل» للعراقي، إلا أنَّ الواسطة هو ابن عباس كما في «مسند احمد» (١٨١٦)، وأبي يعلى (٦٧٣٢)، والنسائي (٣٠٢٠)، تحت باب فَرْض الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، وابن خزيمة (٢٨٢٥) عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنْ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «أَفَاضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ عَرَفَاتٍ، وَرِدْفُهُ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، فَجَالَتْ بِهِ النَّاقَةُ وَهُوَ رَافِعٌ يَدَيْهِ لَا تُجَاوِزَانِ رَأْسَهُ، فَمَا زَالَ يَسِيرُ عَلَى هِينَتِهِ حَتَّى انْتَهَى إِلَى جَمْعٍ».\nومن بابه حديث: «خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ»، وقد نقل صاحب «فقه العبادات» (٧٧٠): استحباب الإكثار من الدعاء يوم عرفة باتفاق الأئمة الأربعة.\nقُلْتُ: لا نعلم أحدًا من العلماء أنكر للواقف بعرفة استحبابه.","vol":"1","page":467},{"text":"وفي الباب جملة أحاديث منها: «إِنَّ اللَّهَ حَيِيٌّ كَرِيمٌ يَسْتَحِي أَنْ يَرْفَعَ الْعَبْدُ يَدَيْهِ فَيَرُدَّهُمَا صَفَرًا»، وفي بابه حديث: «خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ» (^١)، وقد استحب أهل العلم الإكثار من الدعاء، والذكر يوم عرفة، ولا نعلم أحدًا أنكر استحبابه.\nقال النووي في «الأذكار» (١٩٨): فيُستحبّ الإِكثارُ من الذكر والدعاء، ويَجتهدُ في ذلك، فهذا اليوم أفضلُ أيام السنة للدعاء، وهو مُعظم الحج، ومقصودُه والمعوّل عليه، فينبغي أن يستفرغَ الإِنسانُ وُسعَه في الذكر والدعاء، وفي قراءة القرآن، وأن يدعوَ بأنواع الأدعية، ويأتي بأنواع الأذكار، ويدعو لنفسه، ويذكر في كلّ مكان، ويدعو منفردًا ومع جماعة، ويدعو لنفسه، ووالديه، وأقاربه ومشايخه، وأصحابه، وأصدقائه، وأحبابه، وسائر مَنْ أحسن إليه، وجميع المسلمين، وليحذرْ كلَّ الحذرِ من التقصير في ذلك كله، فإن هذا اليوم لا يمكن تداركه، بخلاف غيره، ولا يتكلَّفُ السجعَ في الدعاء، فإنّه يُشغل القلبَ، ويُذهبُ الانكسار، والخضوعَ، والافتقار، والمسكنة والذلّة، والخشوع، ولا بأس بأن يدعو بدعواتٍ محفوظة معه، له أو غيره، مسجوعة إذا يشتغل بتكلّف ترتيبها ومراعاة إعرابها.\nوالسُّنّة أن يخفضَ صوتَه بالدعاء، ويكثر من الاستغفار والتلفّظ بالتوبة من\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٣٥٨٥).","vol":"1","page":468},{"text":"جميع المخالفات، مع الاعتقاد بالقلب، ويلحّ في الدعاء، ويكرّره، ولا يستبطئ الإِجابة، ويفتح دعاءه ويختمه بالحمد لله تعالى والثناء عليه ﷾، والصلاة والتسليم على رسول الله ﷺ، وليختمه بذلك، وليحرص على أن يكون مستقبلَ الكعبة وعلى طهارة. اهـ.\n\nوهذه<span data-type='title' id=toc-348> جملة مباركة من أدعية القرآن وصحيح السنة</span>\nفي الحج وغيره؛ لقول النَّبِيِّ ﷺ: «الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ» (^١)، ولقول الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠]، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ [البقرة: ١٨٦]، وقوله: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥)﴾ [الأعراف: ٥٥].\n\nو<span data-type='title' id=toc-349>من أسباب إجابة الدعاء البدء بحمد الله، والثناء عليه</span>\nلأدلة كثيرة منها:\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (١٤٧٩)، والترمذي (٢٩٦٩)، وابن ماجه (٣٨٢٨)، وأحمد (٣/ ٢٩٨)، من طريق ذَرِّ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْمُرْهِبِيِّ، عَنْ يُسَيْعٍ الْكِنْدِيِّ الْحَضْرَمِيِّ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵄ به، وهذا سند صحيح، رجاله ثقات.","vol":"1","page":469},{"text":"١ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «قَالَ اللهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ [الفاتحة: ٢]، قَالَ اللهُ تَعَالَى: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣)﴾ [الفاتحة: ٣]، قَالَ اللهُ تَعَالَى: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة: ٤]، قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي - وَقَالَ مَرَّةً فَوَّضَ إِلَيَّ عَبْدِي - فَإِذَا قَالَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ٥]، قَالَ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٦ - ٧]، قَالَ: هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ» (^١).\n\n٢ - وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، في حديث الشفاعة، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «فَأَقَعُ سَاجِدًا لِرَبِّي ﷿، ثُمَّ يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ مَحَامِدِهِ وَحُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ شَيْئًا، لَمْ يَفْتَحْهُ عَلَى أَحَدٍ قَبْلِي، ثُمَّ يُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ سَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ» (^٢)، الحديث.\n\n٣ - عن فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ ﵁، أنَّه قال: سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا يَدْعُو فِي الصَّلَاةِ، وَلَمْ يَذْكُرِ اللَّهَ ﷿، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٣٩٥).\n(^٢) أخرجه البخاري (٤٧١٢)، ومسلم (١٩٤).","vol":"1","page":470},{"text":"«عَجِلَ هَذَا» ثُمَّ دَعَاهُ فَقَالَ لَهُ، وَلِغَيْرِهِ: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِتَحْمِيدِ رَبِّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، ثُمَّ لِيُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ، ثُمَّ لِيَدْعُ بَعْدُ بِمَا شَاءَ» (^١).\n\n٤ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا يَقُولُ: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّ لَكَ الْحَمْدَ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، وَحْدَكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، الْمَنَّانُ، بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ)، فَقَالَ: «لَقَدْ سَأَلَ اللَّهَ بِاسْمِهِ الْأَعْظَمِ، الَّذِي إِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى، وَإِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ» (^٢).\n\n٥ - عن بُرَيْدَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ أَنِّي أَشْهَدُ أَنَّكَ أَنْتَ اللَّهُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، الْأَحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ يَلِدْ، وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ)، فَقَالَ: «لَقَدْ سَأَلْتَ اللَّهَ بِالِاسْمِ الَّذِي إِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى، وَإِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ» (^٣).\n\n٦ - وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أَلِظُّوا بِيَا ذَا\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (١٤٨١)، والترمذي (٣٤٧٧)، وأحمد (٣٩/ ٣٦٣)، وآخرون من طريق حُمَيْدِ بْنِ هَانِئٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَالِكٍ الْجَنْبِيِّ، أَنَّهُ سَمِعَ فَضَالَةَ بْنَ عُبَيْدٍ به، وهذا إسناد صحيح.\n(^٢) أخرجه أبو داود (١٤٩٥) والترمذي (٣٥٤٤)، وابن ماجه (٣٨٥٨)، وهو في «الجامع الصحيح» لشيخنا ﵀ (١٥١٨).\n(^٣) وهو حديث صحيح؛ أخرجه أبو داود (١٤٩٣) وابن ماجه (٣٨٥٧)، والنسائي في «الكبرى» (٧٦١٩)، وهو في «الجامع الصحيح» لشيخنا ﵀ (١٦٨٤).","vol":"1","page":471},{"text":"الجَلَالِ وَالإِكْرَامِ» (^١).\n\n٧ - عن سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁، قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ دَعْوَةَ ذِي النُّونِ، قَالَ: وَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَشَغَلَهُ، فَاتَّبَعْتُهُ، فَالْتَفَتَ إِلَيَّ، فَقَالَ: «أَبَا إِسْحَاقَ» قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: «فَمَهْ؟» قُلْتُ: ذَكَرْتَ دَعْوَةَ ذِي النُّونِ، ثُمَّ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَشَغَلَكَ. قَالَ: «نَعَمْ، دَعْوَةُ ذِي النُّونِ إِذْ نَادَى فِي بَطْنِ الْحُوتِ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِهَا أَحَدٌ إِلَّا اسْتُجِيبَ لَهُ» (^٢).\n\n٨ - وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: جَاءَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلِّمْنِي كَلِمَاتٍ أَدْعُو بِهِنَّ قَالَ: «تُسَبِّحِينَ اللَّهَ عَشْرًا، وَتَحْمَدِينَهُ عَشْرًا، وَتُكَبِّرِينَهُ عَشْرًا، ثُمَّ سَلِي حَاجَتَكِ، فَإِنَّهُ يَقُولُ: قَدْ فَعَلْتُ، قَدْ فَعَلْتُ» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٣٥٢٤)، وهو حديث صحيح.\nقال النووي في «رياض الصالحين» (١٤٩١): معنى: «ألِظُّوا»: الزَمُوا هذِهِ الدَّعْوَةَ، وأَكْثِرُوا مِنْهَا. اهـ.\n(^٢) أخرجه أحمد (١٤٦٢)، والبزار (١١٦٣) واللفظ له، وساقه شيخنا ﵀ في كتابه الماتع «الجامع الصحيح» (٣٧٩).\n(^٣) أخرجه أحمد (١٩/ ٢٤٠)، والترمذي (٤٨١)، والنسائي (١٣٠٠)، وابن خزيمة (٨٥٠)، وآخرون، وهو حديث حسن.","vol":"1","page":472},{"text":"١ - ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [الأعراف: ٢٣].\n\n٢ - ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧)﴾ [البقرة: ١٢٧]، ﴿وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨)﴾ [البقرة: ١٢٨].\n\n٣ - ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [نوح: ٢٨].\n\n٤ - ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ (٤٠)﴾ [إبراهيم: ٤٠].\n\n٥ - ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧)﴾ [الأنبياء: ٨٧].\n\n٦ - ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (٢٦)﴾ [طه: ٢٥ - ٢٦].\n\n٧ - ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ [القصص: ١٦].\n\n٨ - ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١)﴾ [البقرة: ٢٠١].\n\n٩ - ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ [آل عمران: ٨].","vol":"1","page":473},{"text":"١٠ - ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ [الحشر: ١٠].\n\n١١ - ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (٧٤)﴾ [الفرقان: ٧٤].\n\n١٢ - ﴿رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (٩٨)﴾ [المؤمنون: ٩٧ - ٩٨].\n\n١٣ - ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (١٩)﴾ [النمل: ١٩].\n\n١٤ - ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (١٥)﴾ [الأحقاف: ١٥].\n\n١٥ - ﴿رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (١١٤)﴾ [طه: ١١٤].\n\n١٦ - ﴿رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا (١٠)﴾ [الكهف: ١٠].\n\n١٧ - ﴿رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (٦٥)﴾ [الفرقان: ٦٥].\n\n١٨ - ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (١٤٧)﴾ [آل عمران: ١٤٧].\n\n١٩ - ﴿عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٨٥) وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٨٦)﴾ [يونس: ٨٥ - ٨٦].","vol":"1","page":474},{"text":"٢٠ - ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٨٦)﴾ [البقرة: ٢٨٦].\n\n٢١ - ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٦)﴾ [آل عمران: ١٦].\n\n٢٢ - ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٥)﴾ [الممتحنة: ٥].\n\n٢٣ - ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (٤١)﴾ [إبراهيم: ٤١].\n\n٢٤ - ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (٨٣) وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤) وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (٨٥)﴾ [الشعراء: ٨٣ - ٨٥].\n\n٢٥ - ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (٨٧)﴾ [الشعراء: ٨٧].\n\n٢٦ - ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٥٣)﴾ [آل عمران: ٥٣].","vol":"1","page":475},{"text":"١ - «اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الحَمْدُ لَكَ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الحَمْدُ أَنْتَ مَلِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، وَلَكَ الحَمْدُ أَنْتَ الحَقُّ، وَوَعْدُكَ الحَقُّ، وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ، وَقَوْلُكَ حَقٌّ، وَالجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ، وَمُحَمَّدٌ ﷺ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ، اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، أَنْتَ المُقَدِّمُ، وَأَنْتَ المُؤَخِّرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ - أَوْ: لَا إِلَهَ غَيْرُكَ -» (^١).\n\n٢ - «اللهُمَّ آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ» (^٢).\n\n٣ - «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْهُدَى، وَالتُّقَى، وَالْعَفَافَ، وَالْغِنَى» (^٣).\n\n٤ - «اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الفِتَنِ، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ» (^٤).\n\n٥ - «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ البَرَصِ، وَالْجُنُونِ، وَالْجُذَامِ، وَمِنْ سَيِّئِ الْأَسْقَامِ» (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١١٢٠)، ومسلم (٧٦٩)، عن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄.\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٣٨٩)، ومسلم (٢٦٩٠)، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «كَانَ أَكْثَرُ دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ»، فذكره.\n(^٣) أخرجه مسلم (٢٧٢١)، من حديث ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁.\n(^٤) أخرجه أحمد (٢٧٧٨)، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، وهو صحيح.\n(^٥) أخرجه أبو داود (١٥٥٤)، عَنْ أَنَسٍ ﵁، وهو صحيح.","vol":"1","page":476},{"text":"٦ - «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُوعِ، فَإِنَّهُ بِئْسَ الضَّجِيعُ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخِيَانَةِ، فَإِنَّهَا بِئْسَتِ الْبِطَانَةُ» (^١).\n\n٧ - «اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنَ الْخَيْرِ كُلِّهِ عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ، مَا عَلِمْتُ مِنْهُ وَمَا لَمْ أَعْلَمْ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّرِّ كُلِّهِ، عَاجِلِهِ وَآَجِلِهِ مَا عَلِمْتُ مِنْهُ، وَمَا لَمْ أَعْلَمْ، اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ مَا سَأَلَكَ عَبْدُكَ وَنَبِيُّكَ مُحَمَّدٌ ﷺ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا عَاذَ مِنْهُ عَبْدُكَ وَنَبِيُّكَ، اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْجَنَّةَ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ، وَأَسْأَلُكَ أَنْ تَجْعَلَ كُلَّ قَضَاءٍ تَقْضِيهِ لِي خَيْرًا» (^٢).\n\n٨ - «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ، وَقَلْبٍ لَا يَخْشَعُ، وَدُعَاءٍ لَا يُسْمَعُ، وَنَفْسٍ لَا تَشْبَعُ» (^٣).\n\n٩ - «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكَ، وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِكَ، وَفُجَأَةِ نِقْمَتِكَ، وَجَمِيعِ سَخَطِكَ» (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (١٥٤٧)، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، وهو صحيح.\n(^٢) عَنْ عَائِشَةَ ﵂، عند أحمد (٤١/ ٤٧٤)، وهو حديث صحيح.\n(^٣) أخرجه النسائي (٥٤٧٠)، وهو مخرج في «الجامع الصحيح» لشيخنا ﵀ (١٦٦٣).\n(^٤) أخرجه مسلم (٢٧٣٩)، من حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄.","vol":"1","page":477},{"text":"١٠ - «اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ، وَالْكَسَلِ، وَالْجُبْنِ، وَالْهَرَمِ، وَالْبُخْلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ» (^١).\n\n١١ - «اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لِي دِينِي الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِي، وَأَصْلِحْ لِي دُنْيَايَ الَّتِي فِيهَا مَعَاشِي، وَأَصْلِحْ لِي آخِرَتِي الَّتِي فِيهَا مَعَادِي، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لِي فِي كُلِّ خَيْرٍ، وَاجْعَلِ الْمَوْتَ رَاحَةً لِي مِنْ كُلِّ شَرٍّ» (^٢).\n\n١٢ - «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا عَمِلْتُ، وَمِنْ شَرِّ مَا لَمْ أَعْمَلْ» (^٣).\n\n١٣ - «اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ» (^٤).\n\n١٤ - «اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِي إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» (^٥).\n\n١٥ - «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ عَذَابِ النَّارِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ» (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٣٦٧)، من حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁.\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٧٢٠)، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁.\n(^٣) أخرجه مسلم (٢٧١٦)، من حديث عَائِشَةَ ﵂.\n(^٤) أخرجه مسلم (٢٧٥٤)، من حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄.\n(^٥) أخرجه البخاري (٨٣٤)، ومسلم (٢٧٠٥)، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁.\n(^٦) أخرجه البخاري (١٣٧٧)، ومسلم (٥٨٨)، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁.","vol":"1","page":478},{"text":"١٦ - «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ» (^١).\n\n١٧ - «رَبِّ قِنِي عَذَابَكَ يَوْمَ تَبْعَثُ عِبَادَكَ» (^٢).\n\n١٨ - «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الرِّضَا بَعْدَ الْقَضَاءِ، وَبَرْدَ الْعَيْشِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَلَذَّةَ النَّظَرِ فِي وَجْهِكَ، وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ مِنْ غَيْرِ ضَرَّاءٍ مُضِرَّةٍ وَلَا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ» (^٣).\n\n١٩ - «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُبْنِ، وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ أُرَدَّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ» (^٤).\n\n٢٠ - «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالْجُبْنِ وَالْهَرَمِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ» (^٥).\n\n٢١ - «اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ بِذَنْبِي، اغْفِرْ لِي، فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ» (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٣٩٧)، ومسلم (٥٨٩)، من حديث عَائِشَةَ ﵂.\n(^٢) أخرجه مسلم (٧٠٩)، عَنِ الْبَرَاءِ ﵁.\n(^٣) وهو مخرج في «الصحيح المسند» لشيخنا ﵀ رقم (١٠٨٥)، عن فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ ﵁.\n(^٤) أخرجه البخاري (٢٨٢٢)، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁.\n(^٥) أخرجه البخاري (٢٨٢٣)، ومسلم (٢٦٠٧)، عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁.\n(^٦) أخرجه البخاري (٦٣٠٦)، عن شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ ﵁.","vol":"1","page":479},{"text":"٢٢ - «اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا، وَفِي بَصَرِي نُورًا، وَفِي سَمْعِي نُورًا، وَعَنْ يَمِينِي نُورًا، وَعَنْ يَسَارِي نُورًا، وَفَوْقِي نُورًا، وَتَحْتِي نُورًا، وَأَمَامِي نُورًا، وَخَلْفِي نُورًا، وَاجْعَلْ لِي نُورًا» (^١).\n\n٢٣ - «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي وَجَهْلِي، وَإِسْرَافِي فِي أَمْرِي، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي هَزْلِي وَجِدِّي، وَخَطَايَ وَعَمْدِي، وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي» (^٢).\n\n٢٤ - «رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي وَجَهْلِي، وَإِسْرَافِي فِي أَمْرِي كُلِّهِ، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطَايَايَ، وَعَمْدِي وَجَهْلِي وَهَزْلِي، وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، أَنْتَ المُقَدِّمُ وَأَنْتَ المُؤَخِّرُ، وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» (^٣).\n\n٢٥ - «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ إِيمَانًا لَا يَرْتَدُّ، وَنَعِيمًا لَا يَنْفَدُ، وَمُرَافَقَةَ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ ﷺ فِي أَعْلَى جَنَّةِ الْخُلْدِ» (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٣١٦)، ومسلم (٧٦٣)، من حديث ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄.\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٣٩٩)، ومسلم (٢٧١٩)، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ﵁.\n(^٣) أخرجه البخاري (٦٣٩٨)، ومسلم (٢٧١٩)، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ﵁.\n(^٤) عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁، أخرجه أحمد رقم (٤٢٥٥)، وهو مخرج في «الصحيح المسند» لشيخنا ﵀ رقم (٨٥٢).","vol":"1","page":480},{"text":"٢٦ - «اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْفِرْدَوْسَ - الأعلى من الجنة -» (^١).\n\n٢٧ - «اللهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، مِلْءُ السَّمَاوَاتِ وَمِلْءُ الْأَرْضِ، وَمِلْءُ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ» (^٢).\n\n٢٨ - «اللهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي كُلَّهُ، دِقَّهُ وَجِلَّهُ، وَأَوَّلَهُ وَآخِرَهُ وَعَلَانِيَتَهُ وَسِرَّهُ» (^٣).\n\n٢٩ - «اللهُمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ أَنْتَ رَبِّي، وَأَنَا عَبْدُكَ، ظَلَمْتُ نَفْسِي، وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي، فَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي جَمِيعًا، إِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، وَاهْدِنِي لِأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ، وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا لَا يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إِلَّا أَنْتَ، لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ، وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ، أَنَا بِكَ وَإِلَيْكَ، تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ» (^٤).\n\n٣٠ - «اللَّهُمَّ أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ. وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ، لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ» (^٥).\n\n٣١ - «اللَّهُمَّ عَافِنِي مِنْ شَرِّ سَمْعِي، وَبَصَرِي، وَلِسَانِي، وَقَلْبِي، وَشَرِّ مَنِيِّي» (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٦٧٩٦).\n(^٢) أخرجه مسلم (٤٧٦)، من حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى ﵁.\n(^٣) أخرجه مسلم (٤٨٣)، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁.\n(^٤) أخرجه مسلم (٧٧١)، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁.\n(^٥) أخرجه مسلم (٤٨٦)، عَنْ عَائِشَةَ ﵂.\n(^٦) أخرجه أحمد (١٥٥٤١)، والبخاري في «الأدب المفرد» (٦٦٣)، من حَدِيث شَكَلِ بْنِ حُمَيْدٍ ﵁، وهو حديث صحيح.","vol":"1","page":481},{"text":"٣٢ - «يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ، ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ» (^١).\n\n٣٣ - «رَبِّ أَعِنِّي وَلا تُعِنْ عَلَيَّ، وَانْصُرْنِي وَلا تَنْصُرْ عَلَيَّ، وَامْكُرْ لِي وَلا تَمْكُرْ عَلَيَّ، وَاهْدِنِي وَيَسِّرِ الْهُدَى إِلَيَّ، وَانْصُرْنِي عَلَى مَنْ بَغَى عَلَيَّ، رَبِّ اجْعَلْنِي لَكَ شَكَّارًا، لَكَ ذَكَّارًا، لَكَ رَهَّابًا، لَكَ مِطْوَاعًا، إِلَيْكَ مُخْبِتًا، لَكَ أَوَّاهًا مُنِيبًا، رَبِّ تَقَبَّلْ تَوْبَتِي، وَاغْسِلْ حَوْبَتِي، وَأَجِبْ دَعْوَتِي، وَثَبِّتْ حُجَّتِي، وَاهْدِ قَلْبِي، وَسَدِّدْ لِسَانِي، وَاسْلُلْ سَخِيمَةَ قَلْبِي» (^٢).\n\n٣٤ - «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الهَمِّ وَالحَزَنِ، وَالعَجْزِ وَالكَسَلِ، وَالبُخْلِ وَالجُبْنِ، وَضَلَعِ الدَّيْنِ، وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ» (^٣).\n\n٣٥ - «اللَّهُمَّ إنَّي أعُوذُ بِكَ من مُنْكَراتِ الأخْلاقِ، وَالأعْمالِ، وَالأهْواءِ، وَالْأَدْوَاءِ» (^٤).\n_________\n(^١) جاء عن عدد من الصحابة منهم: شِهَابُ بْنُ الْمَجْنُونِ ﵁ جَدُّ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ أخرجه الترمذي (٣٥٨٧)، وعن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ عند الترمذي (٢٢٧٧)، وعن النُّوَاسِ ﵁ عند أحمد (١٧٦٣٠)، وهو في «الجامع الصحيح» لشيخنا ﵀ (٤٢٤).\n(^٢) أخرجه أحمد (١٩٩٧)، والبخاري في «الأدب المفرد» (٦٦٥)، وأبو داود (١٥١١)، من حديث ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، وهو حديث صحيح.\n(^٣) أخرجه البخاري (٢٨٩٣)، ومسلم (٢٧٠٦)، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁.\n(^٤) أخرجه الترمذي (٣٩٠٨)، من حديث قُطْبَةَ بْنِ مَالِكٍ ﵁، عَمِّ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ، وهو حديث صحيح، في «الجامع الصحيح» لشيخنا ﵀ (١٥٣٧).","vol":"1","page":482},{"text":"٣٦ - «اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ» (^١).\n\n٣٧ - «اللهُمَّ انْفَعْنِي بِمَا عَلَّمْتَنِي، وَعَلِّمْنِي مَا يَنْفَعُنِي، وَارْزُقْنِي عِلْمًا» (^٢).\n\n٣٨ - «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْنِي، وَاهْدِنِي، وَعَافِنِي، وَارْزُقْنِي» (^٣).\n\n٣٩ - «اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ» (^٤).\n\n٤٠ - «اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِعِزَّتِكَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ أَنْ تُضِلَّنِي، أَنْتَ الْحَيُّ الَّذِي لَا يَمُوتُ، وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ يَمُوتُونَ» (^٥).\n\n٤١ - «اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لِي دِينِي الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِي، وَأَصْلِحْ لِي دُنْيَايَ الَّتِي فِيهَا مَعَاشِي، وَأَصْلِحْ لِي آخِرَتِي الَّتِي فِيهَا مَعَادِي، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لِي فِي كُلِّ خَيْرٍ، وَاجْعَلِ الْمَوْتَ رَاحَةً لِي مِنْ كُلِّ شَرٍّ» (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (١٥٢٢)، عن مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁، وهو في «الجامع الصحيح» لشيخنا ﵀ (١١٠٧)، وأخرجه أحمد (٧٩٨٢)، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ مرفوعًا، قال: «أَتُحِبُّونَ أَنْ تَجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ؟ قُولُوا: …»، فذكره وهو في «الجامع الصحيح» لشيخنا (١٥٤٢).\n(^٢) أخرجه النسائي في «الكبرى» (٧٨٦٨)، والحاكم (١/ ٥١٠)، وهو حديث حسن في «الصحيحة» للعلامة الألباني ﵀ (٣١٥١).\n(^٣) أخرجه مسلم (٢٦٩٧)، من حديث طَارِقِ بْنِ أَشْيَمَ ﵁.\n(^٤) أخرجه مسلم (٢٦٥٤)، عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄.\n(^٥) أخرجه البخاري (٧٣٨٣)، ومسلم (٢٧١٧)، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄.\n(^٦) أخرجه مسلم (٢٧٢٠)، من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁.","vol":"1","page":483},{"text":"٤٢ - «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنَ الْخَيْرِ كُلِّهِ عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ، مَا عَلِمْتُ مِنْهُ وَمَا لَمْ أَعْلَمْ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّرِّ كُلِّهِ عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ، مَا عَلِمْتُ مِنْهُ وَمَا لَمْ أَعْلَمْ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ مَا سَأَلَكَ عَبْدُكَ وَنَبِيُّكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا عَاذَ بِهِ عَبْدُكَ وَنَبِيُّكَ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْجَنَّةَ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ، وَأَسْأَلُكَ أَنْ تَجْعَلَ كُلَّ قَضَاءٍ قَضَيْتَهُ لِي خَيْرًا» (^١).\n\n٤٣ - «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالْجُبْنِ، وَالْبُخْلِ، وَالْهَرَمِ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ، وَمِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ، وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ، وَمِنْ دَعْوَةٍ لَا يُسْتَجَابُ لَهَا» (^٢).\n\n٤٤ - «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ جَهْدِ البَلَاءِ، وَدَرَكِ الشَّقَاءِ، وَسُوءِ القَضَاءِ، وَشَمَاتَةِ الأَعْدَاءِ» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢٥٠١٩)، وابن ماجه (٣٨٤٦)، وابن حبان (٨٦٩)، وهو حديث صحيح، وهو في «الصحيحة» للعلامة الألباني ﵀ (١٥٤٢).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٧٢٢)، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ﵁.\n(^٣) أخرجه البخاري (٦٣٤٧)، ومسلم (٢٧٠٧)، من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَتَعَوَّذُ، فذكره.","vol":"1","page":484},{"text":"٤٥ - «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكَ، وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِكَ، وَفُجَاءَةِ نِقْمَتِكَ، وَجَمِيعِ سَخَطِكَ» (^١).\n\n٤٦ - «اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ، وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ، وَبَارِكْ لِي فِيمَا أَعْطَيْتَ، وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيْتَ، إِنَّكَ تَقْضِي وَلَا يُقْضَى عَلَيْكَ، وَإِنَّهُ لَا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ، وَلَا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ، تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ» (^٢).\n\n٤٧ - «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، اللَّهُمَّ أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي دِينِي وَدُنْيَايَ وَأَهْلِي وَمَالِي، اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِي، وَآمِنْ رَوْعَاتِي، وَاحْفَظْنِي مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ، وَمِنْ خَلْفِي، وَعَنْ يَمِينِي، وَعَنْ شِمَالِي، وَمِنْ فَوْقِي، وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ أُغْتَالَ مِنْ تَحْتِي» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٧٣٩)، من حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄.\n(^٢) أخرجه أبو داود (١٤٢٥)، والترمذي (٤٦٤)، والنسائي (١٧٤٦)، وابن ماجه (١١٧٨)، وأحمد (١/ ١٩٩)، من حديث الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ﵄، وهو حديث صحيح، وهو مخرج في «الصحيح المسند» لشيخنا ﵀ (٣٨٠).\n(^٣) أخرجه أبو داود (٥٠٧٤)، وابن ماجه (٣٨٧١)، والنسائي (٥٥٣١)، وأحمد في «المسند» (٤٧٨٥)، والبخاري في «الأدب المفرد» (١٢٠٠)، وهو حديث صحيح، مخرج في «الصحيح المسند» لشيخنا ﵀ (٧٦٥).","vol":"1","page":485},{"text":"٤٨ - «اللَّهُمَّ إِنَّكَ عُفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي» (^١).\n_________\n(^١) حديث صحيح لغيره، أخرجه الترمذي (٣٥١٣)، وأحمد (٦/ ١٧١)، والنسائي في «عمل اليوم والليلة» (٨٧٢)، من طريق عبد الله بن بريدة، عن عائشة. وعبد الله بن بريدة لم يسمع من عائشة، كما في «سنن الدارقطني» في ترجمة عبد الله من «التهذيب».\nقال الدارقطني في كتاب النكاح من «السنن»: لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عَائِشَةَ. اهـ. وبهذا الانقطاع أعلَّه شيخنا ﵀ في «أحاديث معلة» (٤٩٣).\nوجاء عن سليمان بن بريدة، عن عائشة عند النسائي في «عمل اليوم والليلة» (٨٧٧)، والحاكم في «المستدرك» (١/ ٥٣٠)، وأعلَّ شيخنا هذه الطريق في «المعلة»، فقال: وما أظن سليمان سمع من عائشة، فإني لم أجد له في «تحفة الأشراف» إلا هذا، ولم يصرح بالتحديث، قال: ويكفي الحديث أنَّه لا يعلم سماع سليمان عن عائشة.\nقُلْتُ: وحكم العلامة الألباني ﵀ في «الصحيحة» (٣٣٣٧)، بالشذوذ على طريق سليمان عنها.\nوفي «علل الدارقطني» (٣٨٦١) بيان أنَّ الحديث حديث عبد الله بن بريدة عنها، وليس حديث سليمان عنها.\nقُلْتُ: وصح الحديث عن عائشة موقوفًا عليها عند ابن أبي شيبة في «المصنف» (١٠/ ٢٠٧) رقم (٣١١٤٨)، والبيهقي في «الشعب» (٣٤٢٠)، والحاكم في «معرفة علوم الحديث» (٤١٢) من طريق أَبِي إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيِّ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ ذُرَيْحٍ، عَنْ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: لَوْ عَرَفْتُ أَيُّ لَيْلَةٍ لَيْلَةُ الْقَدْرِ مَا سَأَلْتُ اللَّهَ فِيهَا إِلَّا الْعَافِيَةَ.\nورجال إسناده كلهم أئمة، مترجمون في «تقريب التهذيب».\nورواية شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ، عَنْ عَائِشَةَ في «صحيح مسلم»، وغيره، وهو ثقة مخضرم.\n• وله طريق أخرى عند النسائي في «عمل اليوم والليلة» (٨٧٨)، رجاله ثقات غير عبد الله بن =","vol":"1","page":486},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= جبير، ذكره الخطيب في «تلخيص المتشابه» (١/ ٤١٣)، فقال: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُبَيْرٍ شَرِيكُ مَسْرُوقِ بْنُ الأَجْدَعِ، حَدَّثَ عَنْ مَسْرُوقٍ، رَوَى عَنْهُ حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ. اهـ. ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا.\nوجاء اسمه عند بحشل في «تاريخ واسط»: عبد الله بن حنين، وأيضًا لم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا.\n• ومن بابه حديث أَبِي بَكْرٍ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ، قَالَ: «سَلُوا اللهَ الْمُعَافَاةَ، فَإِنَّهُ لَمْ يُعْطَ عَبْدٌ بَعْدَ يَقِينٍ خَيْرًا مِنْ عَافِيَةٍ»، هو عند النسائي في «عمل اليوم والليلة»، من طرق، وهو في «الصحيح المسند» لشيخنا ﵀ (٧٠٦)، فهو شاهد لحديث عائشة، وكذا الحديث الآتي بعده.\nوقد صحح حديث عائشة ﵂ العلامة الألباني ﵀ في «الصحيحة» (٣٣٣٧)، بغير الشاهد الذي أشرنا إليه عن أبي بكر.\nومما استفدنا منه، أن زيادة: «كريم» بعد قوله: «عفو» لا أصل لها في هذا الحديث.\nثم بعد ما تقدم أطلعني الباحث المفيد ابن أخي حسين الحجوري - بارك الله فيه - على قول الحافظ عبد الغني المقدسي في ترجمة عبد الله بن بريدة من «الكمال» قال: سمع أباه، وعبد الله بن عباس، وأبا هريرة، وعمران بن حصين، وأبا موسى الأشعري، وعبد الله بن مغفل، والمغيرة بن شعبة، وسمرة بن جندب، ومعاوية بن أبي سفيان، وعائشة ﵃.\nوقال ابن التركمان في «الجوهر النقي» (٧/ ١١٨): وابن بريدة ولد سنة خمسة عشر، وسمع جماعة من الصحابة، وقد ذكر مسلم في مقدمة كتابه: أنَّ المتفق عليه أنَّ إمكان اللقاء والسماع يكفي للاتصال، ولا شك في إمكان سماع ابن بريدة من عائشة؛ فروايته عنها محمولة على الاتصال، على أنَّ صاحب «الكمال» صرح بسماعه منها. اهـ.\nوهو ما جنح إليه الألباني ﵀ أنه سمع منها، وبهذا يُعلم صحة الحديث مرفوعًا، وموقوفًا على عائشة ﵂ أيضًا.","vol":"1","page":487},{"text":"٤٩ - عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَفْضَلُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ قَبْلِي عَشِيَّةَ عَرَفَةَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ، لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» (^١).\n_________\n(^١) الحديث حسن لغيره، أخرجه الطبراني في «الدعاء» (٨٧٤)، بَابُ الدُّعَاءِ بِعَرَفَاتٍ، وفيه: قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ: ضعيف.\n• وجاء عن ابْنِ عُمَرَ ﵄ مثله، أخرجه الطبراني في «الدعاء» (٨٧٥)، وفيه: فَرَجُ بْنُ فَضَالَةَ: ضعيف.\n• وله شاهد من حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ أخرجه أحمد في «المسند» رقم (٦٩٦١)، فقال: حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، به، وهذا سند فيه مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حُمَيْدٍ الملقب حماد، ضعيف.\nوأخرجه الترمذي (٣٥٨٥)، وقال عن حماد: وَلَيْسَ هُوَ بِالقَوِيِّ عِنْدَ أَهْلِ الحَدِيثِ. اهـ.\n• وشاهد اخر: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ في «شعب الايمان» (٤٠٧٢)، وقال البيهقي: هَكَذَا رَوَاهُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنُ يَحْيَى المدني، وَغَلَطَ فِيهِ إِنَّمَا رَوَاهُ مَالِكٌ فِي «الْمُوَطَّأِ» رقم (٩٨٩)، في كتاب جَامِعِ الْحَجِّ، مُرْسَلًا.\nقُلْتُ: وسنده منكر؛ تفرد بوصله عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عبد الرحمن المدني، قال ابن عدي في «الكامل» (١٥٩٩): حَدَّثَ عَنِ الثِّقَاتِ بِالْمَنَاكِيرِ. اهـ.\nقُلْتُ: والمرسل الذي عند مالك، هو عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ كَرِيزٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَفْضَلُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ»، فذكر الحديث. قال الامام مالك: عَنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي زِيَادٍ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَيَّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ المخزومي، عَنْ طَلْحَةَ به. =","vol":"1","page":488},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وهو ثقة عابد، إلا أني لم أرى له رواية في «تهذيب الكمال»، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ كَرِيزٍ.\nوصح موقوفًا عن ابْنِ عُمَرَ ﵄ عند ابن أبي شيبة في «المصنف» (١٥٣٦٤)، والطبراني في «الدعاء» (٨٧٨)، قال: حَدَّثنا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ هِلَالٍ وهو ابن يساف، عَنْ أَبِي شُعْبَةَ، قَالَ: كُنْتُ بِجَنْبِ ابْنِ عُمَرَ بِعَرَفَةَ، وَإِنَّ رُكْبَتِي لَتَمَسَّ رُكْبَتَهُ، فَمَا سَمِعْتُهُ يَزِيدُ عَلَى هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ؛ «لَا إِلَهَ لَا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، حَتَّى أَفَاضَ مِنْ عَرَفَةَ إِلَى جَمْعٍ». اهـ.\nقُلْتُ: رجاله ثقات غير أبي شعبة، إن كان هو المزني الكوفي، فقال عنه الحافظ: مقبول. اهـ. وأخرج له مسلم (٣٣/ ١٦٥٨)، والظاهر أنَّه أبو شعبة الطحان الكوفي، قال الدارقطني: لا أعرف أبا شعبة، مجهول. اهـ من «سؤالات البرقاني للدارقطني» (١٥٣). فهو أثر ضعيف بهذا السند.\nوأخرجه الطبراني في «الدعاء» (٨٧٨)، بسند رجاله ثقات، - غير شيخ الطبراني لما أتبينه -: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄، كَانَ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ اهْدِنَا بِالْهُدَى، وَزَيِّنَّا بِالتَّقْوَى، وَاغْفِرْ لَنَا فِي الْآخِرَةِ وَالْأُولَى»، ثُمَّ يَخْفِضُ صَوْتَهُ ثُمَّ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ وَعَطَائِكَ رِزْقًا طَيِّبًا مُبَارَكًا، اللَّهُمَّ إِنَّكَ أَمَرْتَ بِالدُّعَاءِ، وَقَضَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ بِالِاسْتِجَابَةِ، وَأَنْتَ لَا تُخْلِفُ وَعْدَكَ، وَلَا تَكْذِبُ عَهْدَكَ، اللَّهُمَّ مَا أَحْبَبْتَ مِنْ خَيْرٍ فَحَبِّبْهُ إِلَيْنَا وَيَسِّرْهُ لَنَا، وَمَا كَرِهْتَ مِنْ شَيْءٍ فَكَرِّهْهُ إِلَيْنَا وَجَنِّبْنَاهُ، وَلَا تَنْزِعْ عَنَّا الْإِسْلَامَ بَعْدَ إِذْ أَعْطَيْتَنَا».\nوفي «مصنف ابن أبي شيبة» (١٥٣٦٧)، قال: حَدَّثنا وَكِيعٌ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ عَرَبِيٍّ، عَنِ ابْنِ أَبِي حُسَيْنٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: وهذا مرسل يذكر في الباب.\nوالحاصل: أنَّ الحديث بهذه الطرق والشواهد الضعيفة يصلح للاحتجاج، وقد اثبته العلامة الالباني ﵀ في «الصحيحة» (١٥٠٣).","vol":"1","page":489},{"text":"<span data-type='title' id=toc-352>[٨٠]- الدفع من عرفات بعد غروب الشمس والأمر بالرفق في السير</span>\n٢٢٧ - وعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄، أَنَّهُ سُئِلَ: كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسِيرُ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ حِينَ دَفَعَ؟ قَالَ: «كَانَ يَسِيرُ العَنَقَ، فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً نَصَّ» (^١).\n\n٢٢٨ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّهُ دَفَعَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ عَرَفَةَ، فَسَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ وَرَاءَهُ زَجْرًا شَدِيدًا، وَضَرْبًا وَصَوْتًا لِلْإِبِلِ، فَأَشَارَ بِسَوْطِهِ إِلَيْهِمْ، وَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ فَإِنَّ البِرَّ لَيْسَ بِالإِيضَاعِ». أَوْضَعُوا: أَسْرَعُوا (^٢).\n\nقال النووي في «شرح مسلم»: والْعَنَقُ، وَالنَّصُّ: نوعان مِنْ إِسْرَاعِ السَّيْرِ، وَفِي الْعَنَقِ نَوْعٌ مِنَ الرفق بِمَعْنَى الْفَجْوَةِ. اهـ.\nقال ابن الأثير في «النهاية»: النَّصُّ: التَّحْرِيكُ حَتَّى يَسْتَخرِجَ أقْصَى سَير النَّاقَةِ، سُمِّي بِهِ ضَرْبٌ مِنَ السَّيْرِ سريعٌ. اهـ.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٦٦٦)، ومسلم (١٢٨٦).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٦٧١).","vol":"1","page":490},{"text":"٢٢٩ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄، قَالَ: وَاسْتَقْبَلَ النَّبِيُّ ﷺ الْقِبْلَةَ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وَذَهَبَتِ الصُّفْرَةُ قَلِيلًا، حَتَّى غَابَ الْقُرْصُ، وَأَرْدَفَ أُسَامَةَ خَلْفَهُ، وَدَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَقَدْ شَنَقَ لِلْقَصْوَاءِ الزِّمَامَ، حَتَّى إِنَّ رَأْسَهَا لَيُصِيبُ مَوْرِكَ رَحْلِهِ، وَيَقُولُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى «أَيُّهَا النَّاسُ، السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ» (^١).\n\nقال القرطبي ﵀ في «المفهم»: - عند قوله: (فَلَم يَزَل وَاقفًا حَتَّى غَرَبَتْ الشَّمسُ، وَذَهَبَت الصُّفرَةُ قَلِيلًا، حَتَّى غَابَ الْقُرْصُ) -: وأكثر العلماء: على أن وقوف النهار يُجزئ إلا مالكًا، فإنه في معروف مذهبه كمن لم يقف. اهـ.\nوتقدم في الباب قبل هذا، قول النووي: وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَصِحُّ الْوُقُوفُ فِي النَّهَارِ مُنْفَرِدًا بَلْ لَا بُدَّ مِنَ اللَّيْلِ. اهـ.\nيعني: لا بد أن يقف بعرفة ولو وقتًا يسيرًا.\nقال القرطبي: ولا خلاف في أفضلية الجمع بين الوقوف ليلًا ونهارًا، وفيه دليل: على الاحتياط بأخذ جزء من الليل زائد على مغيب الشمس. اهـ.\n\nقُلْتُ:<span data-type='title' id=toc-354> أخذ شيء يسير من الليل على هدي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ </span>بعد غروب\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٢١٨).","vol":"1","page":491},{"text":"الشمس لا خلاف في أفضليته كم ترى؛ لكن لو دفع قبل غروب الشمس حجه صحيح لعموم حديث عروة بن مضرس ﵁ في الباب قبل هذا.\nوأكثر العلماء يوجبون على من أفاض من عرفة قبل غروب الشمس دم جُبران كما في «الإشراف» لابن المنذر (٣/ ٣١٣).\nوالصحيح: أنه لا دم عليه لعدم الدليل الموجب للدم.","vol":"1","page":492},{"text":"<span data-type='title' id=toc-356>[٨١]- صلاة المغرب والعشاء في مزدلفة جمع تأخير والمبيت بها وذكر الله بها بعد صلاة الصبح إلى قبل طلوع الشمس</span>\nقال الله ﵎: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨)﴾ [البقرة: ١٩٨].\n\n٢٣٠ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: «جَمَعَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ بِجَمْعٍ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِإِقَامَةٍ، وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا، وَلَا عَلَى إِثْرِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا» (^١).\n\nقوله: (وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا): أي: لا يصلي نافلة بين المغرب والعشاء.\nوقال ابن المنذر في «الإشراف» (٣/ ٣١٨): ولا أعلمهم يختلفون أنَّ من السنة أن\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٦٧٢)، وفي لفظ لمسلم (١٢٨٨): «وَصَلَّى الْمَغْرِبَ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ، وَصَلَّى الْعِشَاءَ رَكْعَتَيْنِ».","vol":"1","page":493},{"text":"لا يتطوع بينهما الجامع بين الصلاتين. اهـ.\nوبوب البخاري ﵀ في «صحيحه» (٩٦)، من كِتَابِ الحَجِّ، بَابُ مَنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا وَلَمْ يَتَطَوَّعْ.\nقال الحافظ: وَنقل بن الْمُنْذِرِ الْإِجْمَاعَ عَلَى تَرْكِ التَّطَوُّعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ. اهـ.","vol":"1","page":494},{"text":"٢٣١ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَيُّهَا النَّاسُ، السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ»، كُلَّمَا أَتَى حَبْلًا مِنَ الْحِبَالِ أَرْخَى لَهَا قَلِيلًا، حَتَّى تَصْعَدَ، حَتَّى أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ، فَصَلَّى بِهَا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ، وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا شَيْئًا، ثُمَّ اضْطَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ، وَصَلَّى الْفَجْرَ، حِينَ تَبَيَّنَ لَهُ الصُّبْحُ، بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ، ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ، حَتَّى أَتَى الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَدَعَاهُ وَكَبَّرَهُ وَهَلَّلَهُ وَوَحَّدَهُ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى أَسْفَرَ جِدًّا، فَدَفَعَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ (^١).\nقال النووي في شرح حديث جابر هذا: الْمَبِيت بِمُزْدَلِفَةَ لَيْلَةَ النَّحْرِ بَعْدَ الدَّفْعِ مِنْ عَرَفَاتٍ نُسُكٌ وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ لَكِنِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلْ هُوَ وَاجِبٌ أَمْ رُكْنٌ أَمْ سُنَّةٌ؟ وَالصَّحِيحُ مِنْ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ: أَنَّهُ وَاجِبٌ لَوْ تَرَكَهُ أَثِمَ وَصَحَّ حَجُّهُ. اهـ.\nقُلْتُ: وهذا هو الصواب، القول: بوجوب المبيت بمزدلفة، وصلاة الصبح بها على غير المعذورين، وهو قول جمهور العلماء.\nوفي قوله: (ثُمَّ اضْطَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ): فيه أنَّه ما قام الليل تلك الليلة، أما صلاة الوتر وركعتا الصبح فلم يكن يدعهما في سفر ولا حضر.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٢١٨).","vol":"1","page":495},{"text":"<span data-type='title' id=toc-360>الذكر في مزدلفة مستحب</span>\nقال ابن عبد البر في «التمهيد» (٩/ ٢٧٦): وَكُلٌّ قَدْ أَجْمَعَ أَنَّهُ لَوْ وَقَفَ بِالْمُزْدَلِفَةِ وَلَمْ يَذْكُرِ اللَّهَ أَنَّ حَجَّهُ تَامٌّ. اهـ.\nونقله الحافظ ابن حجر في «الفتح» (٣/ ٥٢٩)، تحت رقم (١٦٧٩)، كما سيأتي بعده.\nوالقصد البقاء بها إلى وقت الدفع منها، سواء نام أم لم ينم، وحجة الجمهور أنَّ النَّبِيّ ﷺ رخَّصَّ للضعفة، والرخصة لا تكون إلا من واجب، فبقي من لا عذر له على عدم الرخصة وهو الوجوب.\n\n<span data-type='title' id=toc-361>وأما القول: بأن المبيت بمزدلفة ركن، فمبني على زيادة منكرة:</span>\nقال الحافظ ابن حجر في «الفتح» (٣/ ٥٢٩)، - تحت حديث رقم (١٦٧٩) -: وَذهب ابن بنت الشَّافِعِي وابن خُزَيْمَةَ إِلَى أَنَّ الْوُقُوفَ بِهَا رُكْنٌ لَا يتم الْحَج إِلَّا بِهِ، وَأَشَارَ بن الْمُنْذر إِلَى تَرْجِيحه، وَنَقله بن الْمُنْذِرِ عَنْ عَلْقَمَةَ وَالنَّخَعِيِّ، وَالْعَجَبُ! أَنَّهُمْ قَالُوا: مَنْ لَمْ يَقِفْ بِهَا فَاتَهُ الْحَجُّ، وَيُجْعَلْ إِحْرَامُهُ عُمْرَةً!\nوَاحْتَجَّ الطَّحَاوِيُّ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَذْكُرِ الْوُقُوفَ، وَإِنَّمَا قَالَ: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨]، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنْ وَقَفَ بِهَا بِغَيْرِ ذِكْرِ أَنَّ حَجَّهُ تَامٌّ فَإِذَا كَانَ الذِّكْرُ الْمَذْكُورُ فِي الْكِتَابِ لَيْسَ مَنْ صُلْبِ الْحَجِّ فَالْمَوْطِنُ الَّذِي يَكُونُ الذِّكْرُ فِيهِ أَحْرَى أَنْ لَا يَكُونَ فَرْضًا، قَالَ: وَمَا احْتَجُّوا بِهِ مِنْ حَدِيثِ","vol":"1","page":496},{"text":"عُرْوَةَ بْنِ مُضَرِّسٍ رَفَعَهُ، قَالَ: «مَنْ شَهِدَ مَعَنَا صَلَاةَ الْفَجْرِ بِالْمُزْدَلِفَةِ وَكَانَ قَدْ وَقَفَ قَبْلَ ذَلِكَ بِعَرَفَةَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ»، لِإِجْمَاعِهِمْ أَنَّهُ لَوْ بَاتَ بِهَا وَوَقَفَ وَنَامَ عَنِ الصَّلَاةِ فَلَمْ يُصَلِّهَا مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى فَاتَتْهُ أَنَّ حَجَّهُ تَامٌّ. انْتَهَى.\nوَحَدِيثُ عُرْوَة أخرجه أَصْحَاب السّنَن، وَصَححهُ بن حِبَّانَ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَالْحَاكِمُ، وَلَفْظُ أَبِي دَاوُدَ (^١) عَنْهُ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالْمَوْقِفِ، يَعْنِي: بِجْمَعٍ، قُلْتُ: جِئْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مِنْ جَبَلِ طَيِّئٍ فَأَكْلَلْتُ مَطِيَّتِي، وَأَتْعَبْتُ نَفْسِي، وَاللَّهِ مَا تَرَكْتُ مِنْ جَبَلٍ إِلَّا وَقَفْتُ عَلَيْهِ، فَهَلْ لِي مِنْ حَجٍّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «من أَدْرَكَ مَعَنَا هَذِهِ الصَّلَاةَ وَأَتَى عَرَفَاتٍ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ»، وَلِلنَّسَائِيِّ (^٢): «مَنْ أَدْرَكَ جَمْعًا مَعَ الْإِمَامِ وَالنَّاسِ حَتَّى يُفِيضُوا فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ (وَمَنْ لَمْ يُدْرِكْ مَعَ الْإِمَامِ وَالنَّاسِ فَلَمْ يُدْرِكْ)»، وَلِأَبِي يَعْلَى (^٣): «(وَمَنْ لَمْ يُدْرِكْ جَمْعًا فَلَا حَجَّ لَهُ)».\nوَقَدْ صَنَّفَ أَبُو جَعْفَرٍ الْعُقَيْلِيُّ جُزْءًا فِي إِنْكَارِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ، وَبَيَّنَ أَنَّهَا مِنْ رِوَايَةِ مُطَرِّفٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، وَأَنْ مُطَرِّفًا كَانَ يَهِمُ فِي الْمُتُونِ.\n_________\n(^١) رقم: (١٩٥٠).\n(^٢) رقم: (٣٠٤٠).\n(^٣) رقم: (٩٤٦).","vol":"1","page":497},{"text":"وَقد إرتكب بن حَزْمٍ الشَّطَطَ، فَزَعَمَ: أَنَّهُ مَنْ لَمْ يُصَلِّ صَلَاةَ الصُّبْحِ بِمُزْدَلِفَةَ مَعَ الْإِمَامِ أَنَّ الْحَجَّ يَفُوتُهُ، الْتِزَامًا لِمَا أَلْزَمَهُ بِهِ الطَّحَاوِيُّ، وَلَمْ يعْتَبر ابن قُدَامَةَ مُخَالَفَتَهُ هَذِهِ، فَحَكَى الْإِجْمَاعَ عَلَى الْإِجْزَاءِ كَمَا حَكَاهُ الطَّحَاوِيُّ. اهـ.","vol":"1","page":498},{"text":"<span data-type='title' id=toc-363>[٨٢]- الدفع من مزدلفة قبل طلوع الشمس مخالفة للمشركين</span>\nقال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر: ١٩].\n\n٢٣٢ - عَنْ عُمَرَ ﵁، أَنَّه صَلَّى بِجَمْعٍ الصُّبْحَ، ثُمَّ وَقَفَ فَقَالَ: «إِنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا لَا يُفِيضُونَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَيَقُولُونَ: أَشْرِقْ ثَبِيرُ، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَالَفَهُمْ، ثُمَّ أَفَاضَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ» (^١).\n\n٢٣٣ - عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄، أَنَّهُ قَالَ: رَدِفْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْ عَرَفَاتٍ، فَلَمَّا بَلَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الشِّعْبَ الأَيْسَرَ، الَّذِي دُونَ المُزْدَلِفَةِ، أَنَاخَ، فَبَالَ ثُمَّ جَاءَ، فَصَبَبْتُ عَلَيْهِ الوَضُوءَ، فَتَوَضَّأَ وُضُوءًا خَفِيفًا، فَقُلْتُ: الصَّلَاةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «الصَّلَاةُ أَمَامَكَ»، فَرَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أَتَى المُزْدَلِفَةَ فَصَلَّى، ثُمَّ رَدِفَ الفَضْلُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ غَدَاةَ جَمْعٍ (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٦٨٤).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٦٦٩)، ومسلم (١٢٨٠).","vol":"1","page":499},{"text":"الشَّرحُ:\nقال ابن قدامة في «المغني» مسألة (٦٤٢): لَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي أَنَّ السُّنَّةَ الدَّفْعُ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ …، وَالسُّنَّةُ أَنْ يَقِفَ حَتَّى يُسْفِرَ جِدًّا. اهـ.","vol":"1","page":500},{"text":"٢٣٤ - عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ ﵁: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَمَعَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ المَغْرِبَ وَالعِشَاءَ بِالْمُزْدَلِفَةِ» (^١).\n\n٢٣٥ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: «جَمَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِجَمْعٍ لَيْسَ بَيْنَهُمَا سَجْدَةٌ، وَصَلَّى الْمَغْرِبَ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ، وَصَلَّى الْعِشَاءَ رَكْعَتَيْنِ» (^٢).\n\nقال ابن رشد في «بداية المجتهد» (١/ ١٧٠): أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الظُّهْرِ، وَالْعَصْرِ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ بِعَرَفَةَ، وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِالْمُزْدَلِفَةِ أَيْضًا فِي وَقْتِ الْعِشَاءِ - الآخرة - سُنَّةٌ. اهـ.\nونقل الإجماع على ذلك غير واحد.\nقال ابن قدامة في «الشرح الكبير» (٣/ ٤٣٩): لا نَعْلَمُ خِلافًا في أنَّه إذا فاتَه الجَمْعُ مع الإِمامِ بمُزْدَلِفَةَ، أنَّه يَجْمَعُ وَحْدَه. اهـ.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٦٧٤)، ومسلم (١٢٨٧).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٢٨٨)، والنسائي (٣٠٢٨).","vol":"1","page":501},{"text":"قال النووي في «شرح مسلم» عند شرح حديث (١٢١٨): فِيهِ فَوَائِدُ مِنْهَا: أَنَّ السُّنَّةَ لِلدَّافِعِ مِنْ عَرَفَاتٍ أَنْ يُؤَخِّرَ الْمَغْرِبَ إِلَى وَقْتِ الْعِشَاءِ وَيَكُونُ هَذَا التَّأْخِيرُ بِنِيَّةِ الْجَمْعِ ثُمَّ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا فِي الْمُزْدَلِفَةِ فِي وَقْتِ الْعِشَاءِ وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ.\nوقال ﵀: وَلَوْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي وَقْتِ الْمَغْرِبِ فِي أَرْضِ عَرَفَاتٍ أَوْ فِي الطَّرِيقِ أَوْ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَصَلَّى كُلَّ وَاحِدَةٍ فِي وَقْتِهَا جَازَ جَمِيعُ ذَلِكَ؛ لَكِنَّهُ خِلَافُ الْأَفْضَلِ هَذَا مَذْهَبُنَا، وَبِهِ قَالَ جَمَاعَاتٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ.\nوقال ﵀: وَمِنْهَا: أَنْ يُصَلِّيَ الصَّلَاتَيْنِ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ بِأَذَانٍ لِلْأُولَى وَإِقَامَتَيْنِ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ إِقَامَةٌ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ الْمَاجِشُونُ الْمَالِكِيُّ، وَالطَّحَاوِيُّ الْحَنَفِيُّ.\nوَقَالَ مَالِكٌ: يُؤَذِّنُ وَيُقِيمُ لِلْأُولَى وَيُؤَذِّنُ وَيُقِيمُ أَيْضًا للثانية. اهـ.","vol":"1","page":502},{"text":"[٨٣]- جواز تقديم الضعفة والصغار (^١) ورميهم جمرة العقبة قبل طلوع الشمس، وأنَّ انتظار المتقدمين بالرمي الى بعد طلوع الشمس أفضل\n\n٢٣٦ - عَنْ جَابِرٍ ﵁، قَالَ: رَمَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْجَمْرَةَ يَوْمَ النَّحْرِ ضُحًى. وَأَمَّا بَعْدُ، فَإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ (^٢).\n\nوفي الباب حديث ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُقَدِّمُ ضُعَفَاءَ أَهْلِهِ بِغَلَسٍ، وَيَأْمُرُهُمْ يَعْنِي لَا يَرْمُونَ الْجَمْرَةَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-369>والجمع بين هذه الأحاديث:</span> أنَّ جواز رمي المتقدم قبل طلوع الشمس، وإن تأخر إلى بعد طلوعها كان أفضل.\n_________\n(^١) مع بعض رفقتهم، لحديث: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ»، وحديث: «كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَعُولُ».\n(^٢) أخرجه البخاري في الْحَجِّ باب (١٣٤)، تعليقًا، ومسلم (١٢٩٩/ ٣١٤).\n(^٣) أخرجه أبو داود رقم: (١٩٤١)، وأحمد (١/ ٢٣٤)، والترمذي (٨٩٣)، وهو حديث صحيح.","vol":"1","page":503},{"text":"قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: السُّنَّةُ أَنْ لَا يَرْمِيَ إلَّا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ وَلَا يَجُوزُ الرَّمْيُ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ؛ لِأَنَّ فَاعِلَهُ مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ، وَمَنْ رَمَاهَا حِينَئِذٍ فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ إذْ لَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ: لَا يُجْزِئُهُ. اهـ من «نيل الأوطار» (٥/ ٧٩) للشوكاني تحت بَاب رَمْي جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ وَأَحْكَامِهِ.","vol":"1","page":504},{"text":"٢٣٧ - عَنْ سَالِمٍ قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ﵄ يُقَدِّمُ ضَعَفَةَ أَهْلِهِ، فَيَقِفُونَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرَامِ بِالْمُزْدَلِفَةِ بِلَيْلٍ فَيَذْكُرُونَ اللَّهَ مَا بَدَا لَهُمْ، ثُمَّ يَرْجِعُونَ قَبْلَ أَنْ يَقِفَ الإِمَامُ وَقَبْلَ أَنْ يَدْفَعَ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقْدَمُ مِنًى لِصَلَاةِ الفَجْرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقْدَمُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِذَا قَدِمُوا رَمَوْا الجَمْرَةَ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ: «أَرْخَصَ فِي أُولَئِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ» (^١).\n\n٢٣٨ - عَنِ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄، يَقُولُ: «أَنَا مِمَّنْ قَدَّمَ النَّبِيُّ ﷺ لَيْلَةَ المُزْدَلِفَةِ فِي ضَعَفَةِ أَهْلِهِ» (^٢).\n\n٢٣٩ - عَنْ أَسْمَاءَ ﵂: أَنَّهَا نَزَلَتْ لَيْلَةَ جَمْعٍ عِنْدَ المُزْدَلِفَةِ، فَقَامَتْ تُصَلِّي، فَصَلَّتْ سَاعَةً ثُمَّ قَالَتْ: يَا بُنَيَّ، هَلْ غَابَ القَمَرُ؟، قُلْتُ: لَا، فَصَلَّتْ سَاعَةً ثُمَّ قَالَتْ: يَا بُنَيَّ هَلْ غَابَ القَمَرُ؟، قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَتْ: فَارْتَحِلُوا، فَارْتَحَلْنَا وَمَضَيْنَا، حَتَّى رَمَتِ الجَمْرَةَ، ثُمَّ رَجَعَتْ فَصَلَّتِ الصُّبْحَ فِي مَنْزِلِهَا، فَقُلْتُ لَهَا: يَا هَنْتَاهُ مَا أُرَانَا إِلَّا قَدْ غَلَّسْنَا، قَالَتْ: «يَا بُنَيَّ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَذِنَ لِلظُّعُنِ» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٦٧٦)، ومسلم (١٢٩٥).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٦٧٨)، ومسلم (١٢٩٣).\n(^٣) أخرجه البخاري (١٦٧٩)، ومسلم (١٢٩١).","vol":"1","page":505},{"text":"٢٤٠ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: وَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ اسْتَأْذَنْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، كَمَا اسْتَأْذَنَتْهُ سَوْدَةُ، فَأُصَلِّي الصُّبْحَ بِمِنًى، فَأَرْمِي الْجَمْرَةَ، قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ النَّاسُ، فَقِيلَ لِعَائِشَةَ: فَكَانَتْ سَوْدَةُ اسْتَأْذَنَتْهُ؟ قَالَتْ: نَعَمْ. إِنَّهَا كَانَتِ امْرَأَةً ثَقِيلَةً ثَبِطَةً (^١)، وفسره في الرواية، بقوله: (الثَبِيطَةُ): الثَّقِيلَةُ، قال النووي: أَيْ ثَقِيلَةُ الْحَرَكَةِ بَطِيئَةُ. اهـ.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٦٨١)، ومسلم (١٢٩٠).","vol":"1","page":506},{"text":"<span data-type='title' id=toc-370>[٨٤]- باب متى يخرج الحاج من مزدلفة، والتبكير بصلاة الفجر في أول وقتها</span>\nقال الله ﵎: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩)﴾ [البقرة: ١٩٩].\nقال ابن كثير في تفسير قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩)﴾ [البقرة: ١٩٩]:\n(ثُمَّ) هَاهُنَا لِعَطْفِ خَبَرٍ عَلَى خَبَرٍ وَتَرْتِيبِهِ عَلَيْهِ، كَأَنَّهُ تَعَالَى أَمَرَ الْوَاقِفَ بِعَرَفَاتٍ أَنْ يَدْفَع إِلَى الْمُزْدَلِفَةِ، لِيَذْكُرَ اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَكُونَ وُقُوفُهُ مَعَ جُمْهُورِ النَّاسِ بِعَرَفَاتٍ، كَمَا كَانَ جُمْهُورُ النَّاسِ يَصْنَعُونَ، يَقِفُونَ بِهَا إِلَّا قُرَيْشًا، فَإِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَخْرُجُونَ مِنَ الْحَرَمِ، فَيَقِفُونَ فِي طَرَفِ الْحَرَمِ عِنْدَ أَدْنَى الحِل، وَيَقُولُونَ: نَحْنُ أَهْلُ اللَّهِ فِي بَلدَتِهِ، وقُطَّان بَيْتِهِ.\nوَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَازِمٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَتْ قُرَيْشٌ وَمَنْ دَانَ دِينَهَا يَقِفُونَ بِالْمُزْدَلِفَةِ، وَكَانُوا يُسَمّون الحُمْس، وَكَانَ سَائِرُ الْعَرَبِ يَقِفُونَ بِعَرَفَاتٍ. فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ أَمَرَ اللَّهُ","vol":"1","page":507},{"text":"نَبِيَّهُ ﷺ أَنْ يَأتَي عَرَفَاتٍ، ثُمَّ يَقِفُ بِهَا ثُمَّ يُفيض مِنْهَا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩].\nوَكَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَعَطَاءٌ، وَقَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ، وَغَيْرُهُمْ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَحَكَى عَلَيْهِ الْإِجْمَاعَ.\nوَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا سُفْيان، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: أضللتُ بَعِيرًا لِي بِعَرَفَةَ، فَذَهَبْتُ أَطْلُبُهُ، فَإِذَا النَّبِيُّ ﷺ وَاقِفٌ، قُلْتُ: إِنَّ هَذَا مِنَ الحمْس مَا شَأْنُهُ هَاهُنَا؟ أَخْرَجَاهُ فِي «الصَّحِيحَيْنِ».\nثُمَّ رَوَاه الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ مُوسَى بن عقبة، عن كُرَيب، عن ابن عباس ﵄ مَا يَقْتَضِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِفَاضَةِ هَاهُنَا هِيَ الْإِفَاضَةُ مِنَ الْمُزْدَلِفَةِ إِلَى مِنًى لِرَمْيِ الْجِمَارِ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ.\nوَحَكَاهُ ابنُ جَرِيرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ فَقَطْ. قَالَ: وَالْمُرَادُ (بِالنَّاسِ): إِبْرَاهِيمَ ﵇، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: الْإِمَامُ.\nقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَلَوْلَا إِجْمَاعُ الْحُجَّةِ عَلَى خِلَافِهِ لَكَانَ هُوَ الْأَرْجَحُ. اهـ.\nقُلْتُ: هذا سياقه في وصف ابن عباس ﵄ لبعض المناسك من البخاري رقم (٤٥٢١)، قال: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، أَخْبَرَنِي كُرَيْبٌ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «يَطَّوَّفُ الرَّجُلُ بِالْبَيْتِ مَا","vol":"1","page":508},{"text":"كَانَ حَلَالًا حَتَّى يُهِلَّ بِالحَجِّ، فَإِذَا رَكِبَ إِلَى عَرَفَةَ فَمَنْ تَيَسَّرَ لَهُ هَدِيَّةٌ مِنَ الإِبِلِ أَوِ البَقَرِ أَوِ الغَنَمِ، مَا تَيَسَّرَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ، أَيَّ ذَلِكَ شَاءَ، غَيْرَ أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُ فَعَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ فِي الحَجِّ، وَذَلِكَ قَبْلَ يَوْمِ عَرَفَةَ، فَإِنْ كَانَ آخِرُ يَوْمٍ مِنَ الأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ يَوْمَ عَرَفَةَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ، ثُمَّ لِيَنْطَلِقْ حَتَّى يَقِفَ بِعَرَفَاتٍ مِنْ صَلَاةِ العَصْرِ إِلَى أَنْ يَكُونَ الظَّلَامُ، ثُمَّ لِيَدْفَعُوا مِنْ عَرَفَاتٍ إِذَا أَفَاضُوا مِنْهَا حَتَّى يَبْلُغُوا جَمْعًا الَّذِي يُتَبَرَّرُ فِيهِ، ثُمَّ لِيَذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا، وَأَكْثِرُوا التَّكْبِيرَ وَالتَّهْلِيلَ قَبْلَ أَنْ تُصْبِحُوا، ثُمَّ أَفِيضُوا فَإِنَّ النَّاسَ كَانُوا يُفِيضُونَ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩)﴾ [البقرة: ١٩٩]، حَتَّى تَرْمُوا الجَمْرَةَ».","vol":"1","page":509},{"text":"٢٤١ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁، قَالَ: «مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى صَلَاةً بِغَيْرِ مِيقَاتِهَا، إِلَّا صَلَاتَيْنِ: جَمَعَ بَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ، وَصَلَّى الفَجْرَ قَبْلَ مِيقَاتِهَا» (^١).\n\n٢٤٢ - عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ ﵁، إِلَى مَكَّةَ، ثُمَّ قَدِمْنَا جَمْعًا، فَصَلَّى الصَّلَاتَيْنِ كُلَّ صَلَاةٍ وَحْدَهَا بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ، وَالعَشَاءُ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ صَلَّى الفَجْرَ حِينَ طَلَعَ الفَجْرُ، قَائِلٌ يَقُولُ: طَلَعَ الفَجْرُ، وَقَائِلٌ يَقُولُ: لَمْ يَطْلُعِ الفَجْرُ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ حُوِّلَتَا عَنْ وَقْتِهِمَا، فِي هَذَا المَكَانِ، المَغْرِبَ وَالعِشَاءَ، فَلَا يَقْدَمُ النَّاسُ جَمْعًا حَتَّى يُعْتِمُوا، وَصَلَاةَ الفَجْرِ هَذِهِ السَّاعَةَ»، ثُمَّ وَقَفَ حَتَّى أَسْفَرَ، ثُمَّ قَالَ: لَوْ أَنَّ أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ أَفَاضَ الآنَ أَصَابَ السُّنَّةَ، فَمَا أَدْرِي: أَقَوْلُهُ كَانَ أَسْرَعَ أَمْ دَفْعُ عُثْمَانَ ﵁، فَلَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ (^٢).\n\n٢٤٣ - وبوب البخاري في الحج من «صحيحه» باب (١٠٠)، مَتَى يُدْفَعُ مِنْ جَمْعٍ؟ وساق (١٦٨٤): عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، قَالَ: شَهِدْتُ عُمَرَ ﵁ صَلَّى بِجَمْعٍ الصُّبْحَ، ثُمَّ وَقَفَ، فَقَالَ: «إِنَّ المُشْرِكِينَ كَانُوا لَا يُفِيضُونَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَيَقُولُونَ: أَشْرِقْ ثَبِيرُ، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَالَفَهُمْ ثُمَّ أَفَاضَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ».\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٦٨٢)، ومسلم (١٢٨٩).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٦٨٣).","vol":"1","page":510},{"text":"قال النووي في «شرح مسلم» (١٢١٨): الْمَبِيتُ بِمُزْدَلِفَةَ لَيْلَةَ النَّحْرِ بَعْدَ الدَّفْعِ مِنْ عَرَفَاتٍ نُسُكٌ، وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ؛ لَكِنِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلْ هُوَ وَاجِبٌ أَمْ رُكْنٌ أَمْ سُنَّةٌ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ وَاجِبٌ. اهـ.\nوقال تحت رقم (١٢٩٠): مَنْ تَرَكَهُ لَزِمَهُ دَمٌ وَصَحَّ حَجُّهُ، وَبِهِ قال فُقَهَاءُ الْكُوفَةِ وَأَصْحَابُ الْحَدِيثِ. اهـ.\n\nوقال ابن قدامة في «المغني» (٣/ ٣٧٧): لَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي أَنَّ<span data-type='title' id=toc-372> السُّنَّةَ الدَّفْعُ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ.</span> اهـ.\nقال ابن عبد البر في «الاستذكار» (٤/ ٢٩٢): أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وقف بالمشعر الحرام بعد ما صَلَّى الْفَجْرَ ثُمَّ دَفَعَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ. اهـ.\nقوله: (إِنَّ هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ حُوِّلَتَا عَنْ وَقْتِهِمَا …):\nقال ابن رجب في «فتح الباري» (٣/ ٢٢٣)، تحت (٥٧٦): وهذا كله يدل على أن النبي ﷺ لم تكن عادته أنه يصلي الفجر ساعة بزوغ الفجر، وإنما فعل ذلك بمزدلفة يوم النحر. اهـ.\nوقال النووي في «شرح مسلم» (١٢٨٩): مَعْنَاهُ: أَنَّهُ صَلَّى الْمَغْرِبَ فِي وَقْتِ الْعِشَاءِ بِجَمْعٍ الَّتِي هِيَ الْمُزْدَلِفَةُ وَصَلَّى الْفَجْرَ يَوْمَئِذٍ قَبْلَ مِيقَاتِهَا الْمُعْتَادِ؛ وَلَكِنْ بَعْدَ تَحَقُّقِ","vol":"1","page":511},{"text":"طُلُوعِ الْفَجْرِ، فَقَوْلُهُ: (قَبْلَ وَقْتِهَا): الْمُرَادُ: قَبْلَ وَقْتِهَا الْمُعْتَادِ لَا قَبْلَ طلوع الفجر؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِجَائِزٍ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ فَيَتَعَيَّنُ تَأْوِيلُهُ عَلَى مَا ذَكَرْتُهُ.\nوَقَدْ ثَبَتَ فِي «صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ» فِي هَذَا الْحَدِيثِ فِي بَعْضِ رواياته أنَّ ابن مَسْعُودٍ صَلَّى الْفَجْرَ حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ بِالْمُزْدَلِفَةِ، ثُمَّ قَالَ: (إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى الْفَجْرَ هَذِهِ السَّاعَةَ)، وَفِي رِوَايَةٍ: فَلَمَّا طَلَعَ الْفَجْرُ قَالَ: (إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ لَا يُصَلِّي هَذِهِ السَّاعَةَ إِلَّا هَذِهِ الصَّلَاةَ فِي هَذَا الْمَكَانِ مِنْ هَذَا الْيَوْمِ)، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\nوَفِي هَذِهِ الرِّوَايَاتِ كُلِّهَا حُجَّةٌ لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي اسْتِحْبَابِ الصَّلَاةِ فِي آخِرِ الْوَقْتِ فِي غَيْرِ هَذَا الْيَوْمِ، وَمَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ اسْتِحْبَابُ الصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ فِي كُلِّ الْأَيَّامِ؛ ولَكِنْ فِي هَذَا الْيَوْمِ أَشَدُّ اسْتِحْبَابًا، وَقَدْ سَبَقَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ إِيضَاحُ الْمَسْأَلَةِ بِدَلَائِلِهَا، وَتُسَنُّ زِيَادَةُ التَّبْكِيرِ فِي هَذَا الْيَوْمِ.\nوَأَجَابَ أَصْحَابُنَا عَنْ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ بِأَنَّ مَعْنَاهَا: أَنَّهُ ﷺ كَانَ فِي غَيْرِ هَذَا الْيَوْمِ يَتَأَخَّرُ عَنْ أَوَّلِ طُلُوعِ الْفَجْرِ لَحْظَةً إِلَى أَنْ يَأْتِيَهُ بِلَالٌ، وَفِي هَذَا الْيَوْمِ لَمْ يَتَأَخَّرْ لِكَثْرَةِ الْمَنَاسِكِ فِيهِ فَيَحْتَاجُ إِلَى الْمُبَالَغَةِ فِي التَّبْكِيرِ لِيَتَّسِعَ الْوَقْتُ لِفِعْلِ الْمَنَاسِكِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. اهـ.","vol":"1","page":512},{"text":"<span data-type='title' id=toc-374>[٨٥]- باب قصر الحاج الصلاة الرباعية إلى ركعتين في أيام أعمال الحج الستة كلها وعدم صلاة عيدٍ أو جمعةٍ بها في مشاعر الحج</span>\n٢٤٤ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: «صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ، وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَمَعَ عُثْمَانَ صَدْرًا مِنْ إِمَارَتِهِ ثُمَّ أَتَمَّهَا» (^١).\n\n٢٤٥ - عَنْ حَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ ﵁، قَالَ: «صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ ﷺ آمَنَ مَا كَانَ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ» (^٢).\n\nوقد خطب النَّبِيُّ ﷺ قبل الأذان خلافًا للجمعة، فإن الأذان قبل الخطبة كما في حديث جابر ﵄ في مسلم (١٢١٨)، وجمع العصر مع الظهر بأذان واحد وأقامتين، وأسر بالقراءة وكان ذلك في يوم جمعة بعرفة بلا خلاف.\nقال ابن الملقن في «البدر المنير» (٥/ ١٩٩): إِجْمَاع الْمُسلمين عَلَى أَنْ وَقْفَة عَرَفَة فِي\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٠٨٢)، ومسلم (٦٩٤)، وأحمد (٢/ ٥٥).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٠٨٣)، ومسلم (٦٩٦).","vol":"1","page":513},{"text":"حجَّة الْوَدَاع يَوْم الْجُمُعَة. اهـ.\nوكذا في «حجة الوداع» للدهلوي (١٦٨)، وغيرها.\nقال شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٢٤/ ١٠ - ١١): وَأَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ بِمِنًى يَوْمَ الْعِيدِ وَأَمَامَ مِنًى يُصَلِّي بِالْمُسْلِمِينَ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، وَالْمُسْلِمُونَ خَلْفَهُ يُصَلِّي بِصَلَاتِهِ أَهْلُ مَكَّةَ، وَغَيْرُهُمْ، وَكَذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ بَعْدَهُ، وَلَمْ يَأْمُرْ النَّبِيُّ ﷺ، وَلَا أَبُو بَكْرٍ، وَلَا عُمَرُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ أَنْ يُصَلِّيَ أَرْبَعًا لَا بِمِنًى، وَلَا بِغَيْرِهَا.\nفَلِهَذَا كَانَ أَصَحُّ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ: أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ يَجْمَعُونَ بِعَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ وَيَقْصُرُونَ بِهَا وَبِمِنًى وَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ فُقَهَاءِ الْحِجَازِ …، الخ. اهـ.\nقال شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٢٢/ ٨٥): وَلِهَذَا اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِعَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ؛ لِأَنَّ جَمْعَ هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ دُونَ غَيْرِهِمَا مِمَّا صَلَّاهُ بِالْمُسْلِمِينَ بِمِنَى أَوْ بِمَكَّةَ هُوَ مِنْ الْمَنْقُولِ نَقْلًا عَامًّا مُتَوَاتِرًا مُسْتَفِيضًا. اهـ.\n\nقُلْتُ:<span data-type='title' id=toc-378> جمع وقصر أهل مكة مع غيرهم في تلك المشاعر يختص بالحجاج </span>منهم دون الباعة، والكدادين، وغيرهم ممن ليس حاجًا، فلا مبرر لقصرهم بها؛ لأن ذلك غير سفر لقرب المشاعر من مكة.","vol":"1","page":514},{"text":"<span data-type='title' id=toc-379>[٨٦]- فضل يوم النحر، وأيام التشريق وفضل الإكثار من ذكر الله تعالى فيها</span>\nوقال الله ﵎: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [البقرة: ٢٠٣].\nقال ابن العربي في «أحكام القران»: لَا خِلَافَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالذِّكْرِ هَاهُنَا التَّكْبِيرُ.\nقُلْتُ: ويشمل غيره أيضًا؛ ولكن التكبير يدخل في هذا الأمر في هذه الأيام دخولًا أوليًّا.\n\n٢٤٦ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُرْطٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «إِنَّ أَعْظَمَ الْأَيَّامِ عِنْدَ اللَّهِ ﵎ يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ يَوْمُ الْقَرِّ» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (١٧٦٥) وأحمد (٤/ ٣٥٠)، وابن خزيمة (٢٨٦٦)، والنسائي في «الكبرى» (٤٠٩٨)، وابن حبان (٢٨١١)، والحاكم (٤/ ٢٢١)، والبيهقي (٥/ ٢٢٧)، من طريق عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ الْمَقْرَائِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ لُحَيٍّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُرْطٍ به، وهذا سند صحيح رجاله ثقات.","vol":"1","page":515},{"text":"وقال ابن خزيمة:<span data-type='title' id=toc-380> يَوْمُ الْقَرِّ، يَعْنِي: يَوْمَ الثَّانِي مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ.</span> اهـ.\nوقال ابن الأثير ﵀ في «النهاية»: هُوَ الحَادِيَ عَشَرَ من ذِي الْحِجَّةِ، لأنَّ النَّاسَ يَقِرّون فِيهِ بِمِنًى. اهـ.\nوانظر التفاضل بين يوم النحر والجمعة في «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ١٨٨)، وقد نقلناه فيما سبق من هذا البحث.\nوتمام حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُرْطٍ ﵁، وَقُرِّبَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَدَنَاتٌ خَمْسٌ - أَوْ سِتٌّ - فَطَفِقْنَ يَزْدَلِفْنَ إِلَيْهِ بِأَيَّتِهِنَّ يَبْدَأُ، فَلَمَّا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا، قَالَ: فَتَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ خَفِيَّةٍ لَمْ أَفْهَمْهَا، فَقُلْتُ: مَا قَالَ؟ قَالَ: «مَنْ شَاءَ اقْتَطَعَ».\nقال الخطابي في «معالم السنن» (٢/ ١٥٧): وقوله يزدلفن معناه يقتربن من قولك زلف الشيء إذا قرب، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ (٦٤)﴾ [الشعراء: ٦٤]. اهـ.\nوقال ﵀: وقوله: (وجبت جنوبها): معناه: زهقت أنفسها فسقطت على جنوبها، وأصل الوجوب السقوط.\nوفي قوله: (من شاء اقتطع): دليل على جواز هبة المشاع، وفيه دلالة على جواز أخذ النثار في عقد الإملاك وأنه ليس من باب النهبى، وإنما هو من باب الإباحة وقد كره ذلك بعض العلماء خوفًا أن يدخل فيما نهى عنه من النهبى. اهـ.","vol":"1","page":516},{"text":"توجيه إشكال\nلا إشكال في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣]، لإن الله رخص للمتعجل في ترك الرمي بواحدٍ وعشرين حصاةٍ، وترك مبيت ليلة في منى، ورفع عنه الإثم في تركها.\nإنما الإشكال في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [البقرة: ٢٠٣]: وذلك أنَّ الحاج قد استوفى ما يلزمه في إتمام الحج، فما معنى: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣]، فإنَّ هذه اللفظة إنما تقال في حق المقَّصِّر، ولا تقال في حق من أتى بتمام العمل.\nقد توسع بعض المفسرين في ذلك وحاصله فيما يلي:\nقال ابن الجوزي في «زاد المسير» عند تفسير آية (٢٠٣ من البقرة): قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ﴾، أي: فمن تعجل النفر الأول في اليوم الثاني من أيام منى، فلا إثم عليه، ومن تأخر إلى النفر الثاني، وهو اليوم الثالث من أيام منى، فلا إثم عليه.\nفان قيل: إنما يخاف الإثم المتعجل، فما بال المتأخر ألحق به، والذي أتى به أفضل؟! فعنه أربعة أجوبة:\n• أحدها: أنَّ المعنى: لا إثم على المتعجل، والمتأخر مأجور، فقال: لا إثم","vol":"1","page":517},{"text":"عليه، لتوافق اللفظة الثانية الأولى، كقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٩٤].\n• والثاني: أنَّ المعنى: فلا إثم على المتأخر في ترك استعمال الرخصة.\n• والثالث: أن المعنى: قد زالت آثام المتعجل، والمتأخّر التي كانت عليهما قبل حجهما.\n• والرابع: أن المعنى طرح المأثم عن المتعجل والمتأخر إنما يكون بشرط التقوى. اهـ.\nورجح الطبري هذا الرابع، فقال ﵀ عند تفسير آية (٢٠٣ من البقرة): وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِالصِّحَّةِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: تَأْوِيلُ ذَلِكَ: فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ مِنْ أَيَّامِ مِنًى الثَّلَاثَةِ فَنَفَرَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ، لِحَطِّ اللَّهِ ذُنُوبَهُ، إِنْ كَانَ قَدِ اتَّقَى اللَّهَ فِي حَجِّهِ فَاجْتَنَبَ فِيهِ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِاجْتِنَابِهِ وَفَعَلَ فِيهِ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِفِعْلِهِ وَأَطَاعَهُ بِأَدَائِهِ عَلَى مَا كَلَّفَهُ مِنْ حُدُودِهِ.\nوَمَنْ تَأَخَّرَ إِلَى الْيَوْمِ الثَّالِثِ مِنْهُنَّ فَلَمْ يَنْفِرْ إِلَى النَّفْرِ الثَّانِي حَتَّى نَفَرَ مِنْ غَدِ النَّفْرِ الْأَوَّلِ، فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِتَكْفِيرِ اللَّهِ لَهُ مَا سَلَفَ مِنْ آثَامِهِ وَأَجْرَامِهِ، وَإِنْ كَانَ اتَّقَى اللَّهَ فِي حَجِّهِ بِأَدَائِهِ بِحُدُودِهِ.\nوَإِنَّمَا قُلْنَا أَنَّ ذَلِكَ أَوْلَى تَأْوِيلَاتِهِ لِتَظَاهُرِ الْأَخْبَارِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ، خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ»، وَأَنَّهُ قَالَ ﷺ: «تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الذُّنُوبَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ","vol":"1","page":518},{"text":"الْحَدِيدِ، وَالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ». اهـ.\nقُلْتُ: فمعنى: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣]، أي: لم يبقَ عليه إثم، بل غفرت ذنوبه كلها إذا لم يفسق في حجه، ولم يرفث، وحج حجًا مبرورًا إذا اتقى في حجه، ومن تقواه فيه أن يقرنه بتوبة، وتحلل من المظالم، فيرجع من حجه كيوم ولدته أمه كما في الحديث المذكور، سواء أخذ بالرخصة فتعجل في يومين، أو أخذ بالأفضل الذي فعله رسول الله ﷺ فتأخر، فالكل مغفور له.\nويليه القول الآخر: أنَّه لا إثم على المتأخر في تركه الأخذ بالرخصة؛ ولكن في هذا القول، وسائر تلك الأقوال غير ما رجحه ابن جرير، نظر؛ لأن النبي ﷺ تأخر ولم يأخذ بهذه الرخصة، فلو قلنا: إنَّ تارك الرخصة هنا، تارك للأفضل، دخل رسول الله ﷺ تحت هذا الحكم، وحاشاه أن يترك الأفضل، لا سيما والمتأخر يظفر بمزيد من عبادة الصلوات بمنى، والرمى، والمبيت، وفي الحديث: «أَجْرُكِ عَلَى قَدْرِ نَصَبِكِ»، وقال الله تعالى: ﴿أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ﴾ [آل عمران: ١٩٥]، وقال تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ [الأحقاف: ١٩]، وقال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ﴾ [مريم: ٦٥].","vol":"1","page":519},{"text":"٢٤٧ - عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْمَرَ، أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ بِعَرَفَةَ فَسَأَلُوهُ، فَأَمَرَ مُنَادِيًا، فَنَادَى: «الحَجُّ عَرَفَةُ، مَنْ جَاءَ لَيْلَةَ جَمْعٍ قَبْلَ طُلُوعِ الفَجْرِ فَقَدْ أَدْرَكَ الحَجَّ، أَيَّامُ مِنًى ثَلَاثَةٌ، فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ، وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ» (^١).\n\n٢٤٨ - وعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَوْمُ عَرَفَةَ، وَيَوْمُ النَّحْرِ، وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ عِيدُنَا أَهْلَ الْإِسْلَامِ، وَهِيَ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ» (^٢).\n\n٢٤٩ - وعَنْ نُبَيْشَةَ الْهُذَلِيِّ ﵁، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ، وَذِكْرٍ لِلَّهِ»، أخرجه مسلم (١١٤١).\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٨٨٩)، وأبو داود (١٩٤٩)، والنسائي (٣٠٤٤)، وأحمد (٤/ ٣١٠)، وابن ماجه (٣٠١٥)، وابن خزيمة (٢٨٢٢)، والحاكم (١/ ٢٧٨)، من طريق بُكَيْرِ بْنِ عَطَاءٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَعْمَرَ الدِّيلِيَّ، فذكره، وهذا سند صحيح، بكير بن عطاء ثقة.\nوقال الترمذي: قَالَ: وَكِيعٌ: هَذَا الحَدِيثُ أُمُّ المَنَاسِكِ. اهـ.\nقُلْتُ: وتقدم معنى: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣]، في تفسير الآية قبله.\n(^٢) أخرجه أبو داود (٢٤١٩)، والترمذي (٧٧٣)، والنسائي (٣٠٠٧)، وأحمد (١٧٣٧٩)، وآخرون، من طريق عَنْ مُوسَى بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁، فذكره، وهو حديث صحيح رجاله ثقات.","vol":"1","page":520},{"text":"٢٥٠ - وعَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَهُ وَأَوْسَ بْنَ الْحَدَثَانِ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ، فَنَادَى: «أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا مُؤْمِنٌ وَأَيَّامُ مِنًى أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ» (^١).\n\n٢٥١ - وأخرج البخاري (^٢)، عَنْ عَائِشَةَ، وَابْنِ عُمَرَ ﵄، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُرَخَّصْ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَنْ يُصَمْنَ، إِلَّا لِمَنْ لَمْ يَجِدِ الهَدْيَ».\n\nقال ابن عبد البر في «التمهيد» (١٣/ ٤٥٢): وَأَيَّامُ مِنًى هِيَ أَيَّامُ رَمْيِ الْجِمَارِ بمنى، وهي واقعة بإجماع على الثلاثة الْأَيَّامَ الَّتِي يَتَعَجَّلُ الْحَاجُّ مِنْهَا فِي يَوْمَيْنِ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ، فَأَيَّامُ مِنًى ثَلَاثَةٌ بِإِجْمَاعٍ، وَهِيَ: أَيَّامُ التَّشْرِيقِ، وَهِيَ الْأَيَّامُ الْمَعْدُودَاتُ. اهـ.\nقُلْتُ: ومستند هذا الإجماع، حديث عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْمَرَ المذكور في الباب.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١١٤٢)، ومثله عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عند ابن ماجه رقم: (١٧١٩)، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ، قَالَ: «أَيَّامُ مِنًى أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ».\n(^٢) رقم: (١٩٩٧، ١٩٩٨).","vol":"1","page":521},{"text":"<span data-type='title' id=toc-383>[٨٧]- الهدي فرضًا وتطوعًا وجواز الاشتراك في البقرة عن سبعة والبدنة عن سبعة</span>\nقال تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (^١)، الآية.\n\n٢٥٢ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄، قَالَ: «نَحَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ الْبَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ، وَالْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ» (^٢).\n_________\n(^١) ومن عجز عن الهدي انتقل إلى ثلاثة أيام في الحج قبل يوم عرفة، وإن تأخر فله أن يصوم أيام التشريق، لحديث ابن عمر وعائشة «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُرَخِّصُ لِمن لَمْ يَجِدْ الهَدْيَ، أَنْ يَصُومَ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ»، ومن عجز عنهما بقي الصوم في ذمته حتى يستطيع؛ فإن منعه عن ذلك مرض مستديم سقط عنه الهدي والصيام؛ لقول الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، كما قال أبو بكر الشاشي القفال في «حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء» (٣/ ٢٦٦): قَالَ الشَّافِعِي ﵀ لَو أحرم بِالْحَجِّ وَجب عَلَيْهِ الْهَدْي فَإِنْ لم يجد فَعَلَيهِ الصّيام فَإِنْ مَاتَ من سَاعَته فَفِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنه يهدى عَنهُ، وَالثَّانِي: وَهُوَ الصَّحِيح أَنه لَا هدي وَلَا إطْعَام. اهـ.\n(^٢) أخرجه مسلم (١٣١٨).","vol":"1","page":522},{"text":"٢٥٣ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَحَضَرَ النَّحْرُ، فَاشْتَرَكْنَا فِي الْبَعِيرِ عَنْ عَشْرَةٍ وَالْبَقَرَةِ عَنْ سَبْعَةٍ» (^١).\n\nقال النووي في «شرح مسلم» (١٣١٨): فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ دَلَالَةٌ لِجَوَازِ الِاشْتِرَاكِ فِي الْهَدْيِ. وَفِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ:\nفَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ جَوَازُ الِاشْتِرَاكِ فِي الْهَدْيِ سَوَاءٌ كَانَ تَطَوُّعًا أَوْ وَاجِبًا وَسَوَاءٌ كَانُوا كُلُّهُمْ مُتَقَرِّبِينَ أَوْ بَعْضُهُمْ يُرِيدُ الْقُرْبَةَ، وَبَعْضُهُمْ يُرِيدُ اللَّحْمَ، وَدَلِيلُهُ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ وَبِهَذَا قَالَ أَحْمَدُ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ.\nوَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الشَّاةَ لَا يَجُوزُ الِاشْتِرَاكُ فِيهَا (^٢).\nوَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ أَنَّ الْبَدَنَةَ تُجْزِئ عَنْ سَبْعَةٍ وَالْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ وَتَقُومُ كُلُّ\n_________\n(^١) أخرجه النسائي (٤٣٩٢)، أخرجه الترمذي (٩٠٥)، وابن ماجه (٣١٣١)، من طريق الْفَضْلِ بْنِ مُوسَى، عَنْ حُسَيْنٍ بْنِ وَاقِدٍ، عَنْ عِلْبَاءَ بْنِ أَحْمَرَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ به، وسنده صحيح رجاله ثقات.\n(^٢) قُلْتُ: هذا في الهدي أو في من لزمه دم لا يجزئ الاشتراك في شاة واحدة، أما الأضاحي فلا خلاف بين الصحابة أنَّ الشاة في الأضحية تجزئ عن الواحد وأهل بيته؛ لحديث أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيَّ ﵁: كَانَتِ الضَّحَايَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، الرَّجُلُ يُضَحِّي بِالشَّاةِ عَنْهُ وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، أخرجه الترمذي (١٥٠٥).","vol":"1","page":523},{"text":"وَاحِدَةٍ مَقَامَ سَبْعِ شِيَاهٍ حَتَّى لَوْ كَانَ عَلَى الْمُحْرِمِ سَبْعَةُ دِمَاءٍ بِغَيْرِ جَزَاءِ الصَّيْدِ وَذَبَحَ عَنْهَا بَدَنَةً أَوْ بَقَرَةً أَجْزَأَهُ عَنِ الْجَمِيعِ. اهـ.\nوقد نقل الإجماع على أنَّه لا يجوز أنَّ يشترك في الهدي الواجب أكثر من سبعة، انظر «الفتح» (١٦٨٨)، و«شرح السنة» (٤/ ٣٥٥).\nوهذا هو الصواب، وأما حديث ابن عباس ﵄:\nفقال أبو جعفر الطبري: أجمعت الأمة على أنَّ البقرة أو البدنة لا تجزئ إلا عن سبعة. وفي دليل على أنَّ حديث ابن عباس ﵄، قيل: منسوخ؛ لأنه كان في عمرة الحديبية، وحديث جابر ﵁ في حجة الوداع.","vol":"1","page":524},{"text":"<span data-type='title' id=toc-385>[٨٨]- استحباب التطوع بالهدي إلى البيت لغير الحاج والمعتمر، ولا يصير بذلك محرمًا</span>\n٢٥٤ - عَنْ عَائِشَةُ ﵂، قَالَتْ: أَنَا فَتَلْتُ قَلَائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِيَدَيَّ، ثُمَّ قَلَّدَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِيَدِهِ، ثُمَّ بَعَثَ بِهَا مَعَ أَبِي، فَلَمْ يَحْرُمْ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ شَيْءٌ أَحَلَّهُ اللهُ لَهُ، حَتَّى نُحِرَ الْهَدْيُ (^١).\n\nالشَّرحُ:\nقال النووي في «شرح مسلم» (١٣٢١): فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ الْهَدْيِ إِلَى الْحَرَمِ وَأَنَّ مَنْ لَمْ يَذْهَبْ إِلَيْهِ يُسْتَحَبُّ لَهُ بَعْثُهُ مَعَ غَيْرِهِ. اهـ.\nوقال القرافي ﵀ في «الذخيرة» (٣/ ١٨٦): وَلَا أَعْلَمُ فِي التَّطَوُّعِ بِالْهَدْي خلافًا وَقد بعث ﷺ بِالْهَدَايَا تَطَوُّعًا مَعَ نَاجِيَةَ الْأَسْلَمِيِّ وَمَعَ غَيْرِهِ وَمَا زَالَ السَّلَفُ عَلَى ذَلِكَ. اهـ.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٣٢١).","vol":"1","page":525},{"text":"<span data-type='title' id=toc-386>الأكل من هدي التطوع</span>\nقال النووي في «شرح مسلم»: وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْأَكْلَ مِنْ هَدْيِ التَّطَوُّعِ وَأُضْحِيَّتِهِ سُنَّةٌ لَيْسَ بِوَاجِبٍ. اهـ.\nونقل الحافظ في «الفتح» تحت حديث (١٧١٧): اتِّفَاقهمْ عَلَى جَوَازِ الْأَكْلِ مِنْ لَحْمِ هَدْيِ التَّطَوُّعِ. اهـ.\n\n<span data-type='title' id=toc-387>كما يستحب الأكل من الهدي الواجب:</span>\nوقال الشوكاني ﵀ في «نيل الأوطار» تحت بَابِ الْأَكْلِ مِنْ دَمِ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ وَالتَّطَوُّعِ، حديث (٢٠٩٠): وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَجُوزُ الْأَكْلُ مِنْ الْهَدْيِ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ مَا كَانَ مِنْهُ تَطَوُّعًا وَمَا كَانَ فَرْضًا لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ [الحج: ٢٨]، وَلَمْ يُفَصِّلْ. اهـ.\nقال القرطبي ﵀ في تفسير الآية: وَكُلُّ الْعُلَمَاءِ يَسْتَحِبُّ أَنْ يَأْكُلَ الْإِنْسَانُ مِنْ هَدْيِهِ. اهـ.","vol":"1","page":526},{"text":"<span data-type='title' id=toc-388>[٨٩]- حصى الجمار وكيف ترمى؟ وقطع التلبية عند رمي جمرة العقبة يوم النحر</span>\n٢٥٥ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَرْدَفَ الفَضْلَ، فَأَخْبَرَ الفَضْلُ: «أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى الجَمْرَةَ».\n\nوفي رواية له: أَنَّ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ ﵄ كَانَ رِدْفَ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ عَرَفَةَ إِلَى المُزْدَلِفَةِ، ثُمَّ أَرْدَفَ الفَضْلَ مِنَ المُزْدَلِفَةِ إِلَى مِنًى، قَالَ: فَكِلَاهُمَا قَالَا: «لَمْ يَزَلِ النَّبِيُّ ﷺ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ» (^١).\n\n٢٥٦ - عَنِ الْفَضْلِ ﵁، «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى بَلَغَ الْجَمْرَةَ» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٦٨٥، ١٦٨٦).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٦٧٠)، ومسلم (١٢٨١).","vol":"1","page":527},{"text":"قال النووي في «شرح مسلم»: هذا الحديث دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ<span data-type='title' id=toc-389> يَسْتَدِيمُ التَّلْبِيَةَ حَتَّى يَشْرَعَ فِي رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ غَدَاةَ يَوْمِ النَّحْرِ،</span> وَهَذَا مَذْهَبُ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَالتَّابِعِينَ، وَفُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ. اهـ.\nقال النووي في «شرح المهذب» (٨/ ١٦٢): رَمْيُ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَاجِبٌ بِلَا خِلَافٍ. اهـ.\nوقال شيخ الإسلام ﵀: وَعَلَيْهِ أَيْضًا رَمْيُ الْجِمَارِ أَيَّامَ مِنًى بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ. اهـ من «مجموع الفتاوى» (١٧/ ٤٦٠).\n\n<span data-type='title' id=toc-391>بماذا يحصل التحلل الأول؟</span>\nأخرج البخاري (١٥٣٩)، ومسلم (١١٨٩)، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: «كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِإِحْرَامِهِ حِينَ يُحْرِمُ، وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ».\nوقال الإمام أحمد ﵀ (٢٦٠٧٨): حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُرْوَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ عُرْوَةَ، وَالْقَاسِمَ، يُخْبِرَانِ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «طَيَّبْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِيَدَيَّ بِذَرِيرَةٍ لِحَجَّةِ الْوَدَاعِ لِلْحِلِّ وَالْإِحْرَامِ: حِينَ أَحْرَمَ، وَحِينَ رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ»، وهو حديث صحيح رجاله ثقات، إلا عُمَر بْن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، قال الحافظ: مقبول. اهـ.","vol":"1","page":528},{"text":"قُلْنَا: أخرج له البخاري ومسلم في «صحيحيهما»، فحديثه يحتج به؛ لأنه غير مجهول، وشاهده عن ابن عباس ﵄:\nقال الأمام أحمد (٢٠٩٠): حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سَلَمَةَ، عَنِ الْحَسَنِ الْعُرَنِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِذَا رَمَيْتُمُ الْجَمْرَةَ، فَقَدْ حَلَّ لَكُمْ كُلُّ شَيْءٍ إِلا النِّسَاءَ»، فَقَالَ رَجُلٌ: وَالطِّيبُ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَمَّا أَنَا فَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ، يُضَمِّخُ رَأْسَهُ بِالْمِسْكِ، أَفَطِيبٌ ذَاكَ أَمْ لَا؟\nسُفْيَانُ: هو الثوري، وسَلَمَةَ: هو ابن كهيل، إلا أنَّ الْحَسَنَ بْنَ عَبْدِ اللهِ الْعُرَنِيّ لم يسمع من ابن عباس ﵄، كما في «تحفة التحصيل».\nقال الحافظ ابن حجر ﵀ في «الفتح» تحت حديث عائشة الأول (١٥٣٩): وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى حِلِّ الطِّيبِ وَغَيْرِهِ مِنْ مُحَرَّمَاتِ الْإِحْرَامِ بَعْدَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَيَسْتَمِرُّ امْتِنَاعُ الْجِمَاعِ وَمُتَعَلَّقَاتِهِ عَلَى الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ وَهُوَ دَالٌّ عَلَى أَنَّ لِلْحَجِّ تَحَلُّلَيْنِ، كَمَا هُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَيُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ كَوْنِهِ ﷺ فِي حَجَّتِهِ رَمَى ثُمَّ حَلَقَ ثُمَّ طَافَ فَلَوْلَا أَنَّ الطِّيبَ بَعْدَ الرَّمْيِ وَالْحَلْقِ لَمَا اقْتَصَرَتْ عَلَى الطَّوَافِ فِي قَوْلِهَا قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ. اهـ باختصار.\nقال النووي في «شرحه على مسلم»: وَأَمَّا قَوْلُهَا: (وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ): فَالْمُرَادُ بِهِ طَوَافُ الْإِفَاضَةِ فَفِيهِ دَلَالَةٌ لِاسْتِبَاحَةِ الطِّيبِ بَعْدَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَالْحَلْقِ وَقَبْلَ","vol":"1","page":529},{"text":"الطَّوَافِ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَالْعُلَمَاءِ كَافَّةً، إِلَّا مَالِكًا كَرِهَهُ قَبْلَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ، وَهُوَ مَحْجُوجٌ بِهَذَا الْحَدِيثِ.\nوَقَوْلُهَا: (لِحِلِّهِ): دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ حَصَلَ لَهُ تَحَلُّلٌ وَفِي الْحَجِّ تَحَلُّلَانِ يَحْصُلَانِ بثلاثة أشياء رمي جمرة العقبة والحلق وَطَوَافِ الْإِفَاضَةِ مَعَ سَعْيِهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ سعى عقب طَوَافِ الْقُدُومِ فَإِذَا فَعَلَ الثَّلَاثَةَ حَصَلَ التَّحَلُّلَانِ وَإِذَا فَعَلَ اثْنَيْنِ مِنْهُمَا حَصَلَ التَّحَلُّلُ الْأَوَّلُ أَيِ اثْنَيْنِ كَانَا وَيَحِلُّ بِالتَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ جَمِيعُ الْمُحَرَّمَاتِ - على المحرم - إِلَّا الِاسْتِمْتَاعَ بِالنِّسَاءِ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ إِلَّا بِالثَّانِي. اهـ.\nوفي «مجموع فتاوى ورسائل العلامة العثيمين» (٢٣/ ١٧٣): التحلل الأول لا يحصل بالرمي فقط، والتحلل باثنين من ثلاثة أيضًا لا يصح، لأن هذا من كلام الفقهاء ولا دليل عليه. والصحيح أنه لا يحل إلا برمي جمرة العقبة والحلق، ودليل ذلك قول عائشة ﵂: «كنت أطيب النبي ﷺ لإحرامه قبل أن يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت»، ولم تقل: لحله قبل أن يحلق، وأن الرسول ﷺ حلق قبل طوافه بالبيت، والصواب في هذه المسألة أنه لا يحصل التحلل الأول إلا بالرمي مع الحلق أو التقصير. اهـ.","vol":"1","page":530},{"text":"٢٥٧ - عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، أَنَّهُ كَانَ مَعَ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ حِينَ رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ، فَاسْتَبْطَنَ الوَادِيَ حَتَّى إِذَا حَاذَى بِالشَّجَرَةِ اعْتَرَضَهَا، فَرَمَى بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ ثُمَّ قَالَ: «مِنْ هَا هُنَا وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ قَامَ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ البَقَرَةِ ﷺ» (^١).\n\nقال النووي في «شرح مسلم» عند هذا الرقم (١٢٩٦): يُسْتَحَبُّ أَنْ يَجْعَلَ مَكَّةَ عَنْ يَسَارِهِ وَمِنًى عَنْ يَمِينِهِ، وَيَسْتَقْبِلَ الْجَمْرَةَ وَيَرْمِيَهَا بِالْحَصَيَاتِ السَّبْعِ، وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ …\nوَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ مِنْ حَيْثُ رَمَاهَا جَازَ سَوَاءٌ اسْتَقْبَلَهَا أَوْ جَعَلَهَا عَنْ يَمِينِهِ أَوْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ رَمَاهَا مِنْ فَوْقِهَا أَوْ أَسْفَلِهَا.\nوَأَمَّا رَمْيُ بَاقِي الْجَمَرَاتِ فَيُسْتَحَبُّ مِنْ فَوْقِهَا. اهـ.\nوقال في فوائد الحديث:\n\n• مِنْهَا إِثْبَاتُ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ، وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، وَهُوَ وَاجِبٌ، وَهُوَ أَحَدُ<span data-type='title' id=toc-394> أَسْبَابِ التَّحَلُّلِ، وَهِيَ ثَلَاثَةٌ:</span>\n(١) - رَمْيُ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٧٥٠)، ومسلم (١٢٩٦).","vol":"1","page":531},{"text":"(٢) - وَطَوَافُ الْإِفَاضَةِ.\n(٣) - وَالْحَلْقُ.\nفالاثنين الأوليين: التحلل الأول، يحل له كل ما يحل لغير المحرم إلا الجماع، وبالثاني: يحل له كل ما يحل لغير المحرم حتى الجماع.\n• وَمِنْهَا اسْتِحْبَابُ التَّكْبِيرِ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ - نقله - مَذْهَبُ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً.\n• وذكر الإجماع عَلَى أَنَّهُ لَوْ تَرَكَ التَّكْبِيرَ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ.\n• وَمِنْهَا كَوْنُ الرَّمْيِ سَبْعَ حَصَيَاتٍ وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ. اهـ.\nقال ابن قدامة في «المغني» تحت مسألة (٦٤٤): وَيُجْزِئُ الرَّامِيَ بِكُلِّ مَا يُسَمَّى حَصًى، وَهِيَ الْحِجَارَةُ الصِّغَارُ، سَوَاءٌ كَانَ أَسْوَدَ أَوْ أَبْيَضَ أَوْ أَحْمَرَ، مِنْ الْمَرْمَرِ، أَوْ الْبِرَامِ، أَوْ الْمَرْوِ، وَهُوَ الصَّوَّانُ، أَوْ الرُّخَامِ، أَوْ الْكَذَّانِ، أَوْ حَجَرِ الْمِسَنِّ. اهـ.\nقال النووي في «المجموع شرح المهذب» (٨/ ١٧١): مَا لَيْسَ بِحَجَرٍ كَالْمَاءِ، وَالنُّورَةِ، وَالزِّرْنِيخِ، وَالْإِثْمِدِ، وَالْمَدَرِ، وَالْجِصِّ، وَالْآجُرِّ، وَالْخَزَفِ، وَالْجَوَاهِرِ الْمُنْطَبِعَةِ: كَالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ، وَالرَّصَاصِ، وَالنُّحَاسِ، وَالْحَدِيدِ، ونحوها، فلا يجزئ الرمى بشيءٍ مِنْ هَذَا بِلَا خِلَافٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. اهـ.","vol":"1","page":532},{"text":"٢٥٨ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّهُ كَانَ يَرْمِي الجَمْرَةَ الدُّنْيَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ عَلَى إِثْرِ كُلِّ حَصَاةٍ، ثُمَّ يَتَقَدَّمُ حَتَّى يُسْهِلَ، فَيَقُومَ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ، فَيَقُومُ طَوِيلًا، وَيَدْعُو وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ، ثُمَّ يَرْمِي الوُسْطَى، ثُمَّ يَأْخُذُ ذَاتَ الشِّمَالِ فَيَسْتَهِلُ، وَيَقُومُ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ، فَيَقُومُ طَوِيلًا، وَيَدْعُو وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ، وَيَقُومُ طَوِيلًا، ثُمَّ يَرْمِي جَمْرَةَ ذَاتِ العَقَبَةِ مِنْ بَطْنِ الوَادِي، وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا، ثُمَّ يَنْصَرِفُ، فَيَقُولُ: «هَكَذَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَفْعَلُهُ» (^١).\n\nقال ابن قدامة في «المغني»: لَا نعلم لما تضمنه حَدِيث بن عُمَرَ هَذَا مُخَالِفًا. اهـ.\nوقال ابن المنذر: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا أَنْكَرَ رَفْعَ الْيَدَيْنِ فِي الدُّعَاءِ عِنْدَ الْجَمْرَةِ إِلَّا مَا حَكَاهُ بن الْقَاسِم عَنْ مَالك. اهـ من «فتح الباري» تحت رقم: (١٧٥٢).\nقُلْتُ: ومالك محجوج بهذه السنة.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٧٥١).","vol":"1","page":533},{"text":"٢٥٩ - عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄، يَقُولُ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ رَمَى الْجَمْرَةَ بِمِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ» (^١).\n\n٢٦٠ - عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄، قَالَ: أَفَاضَ النَّبِيُّ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَعَلَيْهِ السَّكِينَةُ، وَأَمَرَهُمْ بِالسَّكِينَةِ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَرْمُوا، بِمِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ، وَأَوْضَعَ فِي وَادِي مُحَسِّرٍ (^٢).\n\n٢٦١ - وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ غَدَاةَ الْعَقَبَةِ: «هَاتِ، الْقُطْ لِي» فَلَقَطْتُ لَهُ حَصَيَاتٍ هُنَّ حَصَى الْخَذْفِ، فَلَمَّا وَضَعْتُهُنَّ فِي يَدِهِ، قَالَ: «بِأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ، وَإِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ» (^٣).\n\nقال ابن عبد البر في «التمهيد» (١٦/ ٣٨٤): أهل العلم كلهم يستحبون أن يكون حصى الجمار بمثل هذا المقدار. اهـ.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٢٩٩).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٣٠٢٣)، وأحمد (٣/ ٣٩١).\n(^٣) أخرجه النسائي (٣٠٥٩)، وابن ماجه (٣٠٢٩)، وابن خزيمة (٢٨٦٧)، وابن الجارود (٤٧٣)، وهو حديث صحيح.","vol":"1","page":534},{"text":"ونقله النووي في «شرح المهذب» (٨/ ١٣٨) - عن جمهور السلف والخلف - قال: وقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ مَالِكٍ: (أَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ أَكْبَرُ إلَيَّ) (^١)؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَنَّ الرَّمْيَ بِمِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ فَاتِّبَاعُ السُّنَّةِ أَوْلَى. اهـ.\n_________\n(^١) كذا هو، ولعل الصواب: (أَكْبَرُ مِنْ ذَلِكَ أَعْجَبُ إلَيَّ).","vol":"1","page":535},{"text":"٢٦٢ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّهُ كَانَ يَرْمِي جَمْرَةَ ذَاتِ العَقَبَةِ مِنْ بَطْنِ الوَادِي، وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا، ثُمَّ يَنْصَرِفُ، فَيَقُولُ: «هَكَذَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَفْعَلُهُ» (^١).\n\n٢٦٣ - وعَنْ قُدَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁، قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَرْمِي الجِمَارُ عَلَى نَاقَةٍ لَيْسَ ضَرْبٌ، وَلَا طَرْدٌ، وَلَا إِلَيْكَ إِلَيْكَ» (^٢).\n\n٢٦٤ - وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄، قَالَ: «رَمَى رَسُولُ اللهِ ﷺ الْجَمْرَةَ يَوْمَ النَّحْرِ ضُحًى، وَأَمَّا بَعْدُ فَإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٧٥١)، وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عند ابن ماجه (٣٠٣٣).\n(^٢) وبوب الترمذي (٨٩٩)، بَابُ مَا جَاءَ فِي رَمْيِ الجِمَارِ رَاكِبًا وَمَاشِيًا، وساق جيث ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَمَى الجَمْرَةَ يَوْمَ النَّحْرِ رَاكِبًا»، وهو من طريق الحَكَمِ، عَنْ مِقْسَمٍ، ولم يسمعه الحَكَمُ، مِنْ مِقْسَمٍ، وأخرج مسلم (١٢٩٧)، عَنْ جَابِرٍ، يَقُولُ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَرْمِي عَلَى رَاحِلَتِهِ يَوْمَ النَّحْرِ ضُحًى. اهـ.\nوأما بقية أيَّام التشريق، فإن النَّبِيَّ ﷺ كان يأتي الجمار ماشيًا لحديث ابْنِ عُمَرَ ﵄ في «الصحيح»: «أَنَّهُ كَانَ يَأْتِي الْجِمَارَ فِي الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ مَاشِيًا ذَاهِبًا وَرَاجِعًا، وَيُخْبِرُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ»، وأخرجه الترمذي (٩٠٠)، وقال: وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ العِلْمِ، وقَالَ بَعْضُهُمْ: يَرْكَبُ يَوْمَ النَّحْرِ، وَيَمْشِي فِي الأَيَّامِ الَّتِي بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ. اهـ.\n(^٣) أخرجه مسلم (١٢٩٩)، ومثله عن ابن عباس عند الترمذي (٨٩٨)، وغيره، وهو صحيح لغيره.","vol":"1","page":536},{"text":"٢٦٥ - وعَنْ ابْنَ عُمَرَ ﵄، مَتَى أَرْمِي الجِمَارَ؟ قَالَ: «إِذَا رَمَى إِمَامُكَ، فَارْمِهْ» فَأَعَدْتُ عَلَيْهِ المَسْأَلَةَ، قَالَ: «كُنَّا نَتَحَيَّنُ فَإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ رَمَيْنَا».\n\nقال القرطبي ﵀ في «تفسير القرآن» (٣/ ٤): أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ يَوْمَ النَّحْرِ لَا يُرْمَى فِيهِ إلا جَمْرَة الْعَقَبَةِ. اهـ.\nونقل النووي تحت (٣١٤١): أنَّه لا يشرع فيه رمي غيرها بالإجماع، وكذا نقله ابن المنذر في كتابه «الإجماع» (ص ٥٥).\nووقت رميها على السنة بعد طلوع الشمس إلى وقت الزوال بالإجماع، نقله ابن رشد (٢/ ١١٦) من «بداية المجتهد».\n\n<span data-type='title' id=toc-400>نهاية وقت جواز رمي جمرة العقبة</span>\nقال ابن عبد البر في «الاستذكار» (٤/ ٢٩٥): وَأَجْمَعُوا أَنَّهُ إِنْ رَمَاهَا قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ فَقَدْ أجَزَأ عَنْهُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. اهـ.\n\nوأما أيام التشريق: فقال القرطبي ﵀ في «التفسير» (٣/ ٤): أَجْمَعُوا أَنَّ<span data-type='title' id=toc-401> وَقْتَ رَمْيِ الْجَمَرَاتِ فِي أيام التَّشْرِيقِ </span>بَعْدَ الزَّوَالِ إِلَى الْغُرُوبِ. اهـ.\nقُلْتُ: هذا الوقت الأفضل، أما الجائز فله الرمي إلى الليل.","vol":"1","page":537},{"text":"<span data-type='title' id=toc-402>[٩٠]- فضل رمي الجمار وبعض ما يتعلق بها</span>\n٢٦٦ - عن عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّمَا جُعِلَ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَرَمْيُ الْجِمَارِ؛ لِإِقَامَةِ ذِكْرِ اللهِ تَعَالَى» (^١).\n\n٢٦٧ - وجاء عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ، قَالَ: «إِذَا رَمَيْتَ الْجِمَارَ، كَانَ لَكَ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (^٢).\n_________\n(^١) تقدم، وهو حديث حسن، أخرجه أحمد (٢٤٣٥١)، وغيره.\n(^٢) أخرجه البزار كما في «كشف الأستار» (١١٤٠)، من طريق مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ صَالِحٍ مَوْلَى التَّوْءَمَةِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، به.\nوضعفه الحافظ الهيثمي في «حاشية كشف الأستار»، والعلامة الألباني في «ضعيف الجامع» (٥٢٦)، وعلته صَالِحٌ مَوْلَى التَّوْءَمَةِ، وقد اختلط قبل موته، فمن سمع منه قبل الاختلاط فهو ثابت، كما في ترجمته من «ميزان الاعتدال» للذهبي، و«تهذيب التهذيب» لابن حجر، وموسى بن عقبة ممن سمع منه قديمًا كما في «الكواكب النيرات» لابن الكيال (٢٦٣)، فحديثه هذا صالح للاحتجاج.\nوحسنه الحافظ؛ لأن سماع موسى منه قبل الاختلاط، وتلاه على تحسينه الألباني في «الصحيحة» (٢٥١٥)، خلافًا لتضعيفه له في «ضعيف الجامع» وجعله له في «الصحيحة» هو الصواب لما ترى من ثبوت إسناده.","vol":"1","page":538},{"text":"٢٦٨ - عَنْ جَابِرٍ ﵁، قَالَ: «رَمَى رَسُولُ اللهِ ﷺ الْجَمْرَةَ يَوْمَ النَّحْرِ ضُحًى، وَأَمَّا بَعْدُ فَإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ» (^١).\n\n٢٦٩ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَرْمِي الْجَمْرَةَ عَلَى رَاحِلَتِهِ يَوْمَ النَّحْرِ وَيَقُولُ: «لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتَيْ هَذِهِ» (^٢).\n\n٢٧٠ - وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁: «أَنَّهُ انْتَهَى إلَى الْجَمْرَةِ الْكُبْرَى، فَجَعَلَ الْبَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ وَمِنًى عَنْ يَمِينِهِ وَرَمَى بِسَبْعٍ وَقَالَ: هَكَذَا رَمَى الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ» (^٣)، وَلِمُسْلِمٍ فِي رِوَايَةٍ: جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ.\n\n٢٧١ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَدَّمَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُغَيْلِمَةَ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَلَى حُمُرَاتٍ لَنَا مِنْ جَمْعٍ، فَجَعَلَ يَلْطَحُ أَفْخَاذَنَا وَيَقُولُ: «أُبَيْنِيَّ لَا تَرْمُوا حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ» (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٢٩٩/ ٣١٤).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٢٩٧/ ٣١٠).\n(^٣) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\n(^٤) رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَلَفْظُهُ: «قَدَّمَ ضَعَفَةَ أَهْلِهِ، وَقَالَ: لَا تَرْمُوا الْجَمْرَةَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ»، وهو مخرج في «الجامع الصحيح» لشيخنا ﵀ رقم (٢/ ٤١٣).","vol":"1","page":539},{"text":"٢٧٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «أَرْسَلَ النَّبِيُّ ﷺ بِأُمِّ سَلَمَةَ لَيْلَةَ النَّحْرِ، فَرَمَتْ الْجَمْرَةَ قَبْلَ الْفَجْرِ، ثُمَّ مَضَتْ فَأَفَاضَتْ، وَكَانَ ذَلِكَ الْيَوْمَ الَّذِي يَكُونُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ»، يَعْنِي: عِنْدَهَا (^١).\n\n٢٧٣ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ مَوْلَى أَسْمَاءَ عَنْ أَسْمَاءَ ﵂، أَنَّهَا: «نَزَلَتْ لَيْلَةَ جَمْعٍ عِنْدَ الْمُزْدَلِفَةِ، فَقَامَتْ تُصَلِّي فَصَلَّتْ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَتْ: يَا بُنَيَّ هَلْ غَابَ الْقَمَرُ؟ قُلْتُ: لَا، فَصَلَّتْ سَاعَةً ثُمَّ قَالَتْ: يَا بُنَيَّ هَلْ غَابَ الْقَمَرُ قُلْتُ: لَا، فَصَلَّتْ سَاعَةً ثُمَّ قَالَتْ: يَا بُنَيَّ هَلْ غَابَ الْقَمَرُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَتْ: فَارْتَحِلُوا فَارْتَحَلْنَا وَمَضَيْنَا حَتَّى رَمَتْ الْجَمْرَةَ، ثُمَّ رَجَعَتْ فَصَلَّتْ الصُّبْحَ فِي مَنْزِلِهَا، فَقُلْتُ لَهَا: يَا هَنْتَاهُ مَا أُرَانَا إلَّا قَدْ غَلَّسْنَا، قَالَتْ: يَا بُنَيَّ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَذِنَ لِلظُّعُنِ» (^٢).\n\n٢٧٤ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ بِهِ مَعَ أَهْلِهِ إلَى مِنًى يَوْمَ النَّحْرِ فَرَمَوْا الْجَمْرَةَ مَعَ الْفَجْرِ» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه أَبُو دَاوُد (١٩٤٢)، وهو حديث حسن.\n(^٢) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، البخاري (١٦٧٩)، ومسلم (١٢٩١).\n(^٣) أخرجه أحمد (١/ ٣٥٢).","vol":"1","page":540},{"text":"٢٧٥ - وأخرج مسلم (^١)، عن جابر ﵁ وفيه: حَتَّى أَتَى الْجَمْرَةَ الَّتِي عِنْدَ الشَّجَرَةِ، فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْهَا، مِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ.\n_________\n(^١) رقم: (١٢١٨).","vol":"1","page":541},{"text":"<span data-type='title' id=toc-403>[٩١]- من السنة تعليم الحجاج المناسك</span>\n٢٧٦ - قال أبو داود ﵀ (^١): حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ حُمَيْدٍ الْأَعْرَجِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُعَاذٍ التَّيْمِيِّ، قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَنَحْنُ بِمِنًى فَفُتِحَتْ أَسْمَاعُنَا، حَتَّى كُنَّا نَسْمَعُ مَا يَقُولُ: وَنَحْنُ فِي مَنَازِلِنَا فَطَفِقَ يُعَلِّمُهُمْ مَنَاسِكَهُمْ حَتَّى بَلَغَ الْجِمَارَ فَوَضَعَ أُصْبُعَيْهِ السَّبَّابَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: «بِحَصَى الْخَذْفِ» ثُمَّ أَمَرَ الْمُهَاجِرِينَ فَنَزَلُوا فِي مُقَدَّمِ الْمَسْجِدِ، وَأَمَرَ الْأَنْصَارَ فَنَزَلُوا مِنْ وَرَاءِ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ نَزَلَ النَّاسَ بَعْدَ ذَلِكَ.\n_________\n(^١) رقم: (١٢١٨)، وهذا حديث صحيح.","vol":"1","page":542},{"text":"<span data-type='title' id=toc-404>[٩٢]- رمي الجمار والدعاء بعد الجمرتين الوسطى والصغرى</span>\n٢٧٧ - بوب البخاري ﵀: بَابُ الدُّعَاءِ عِنْدَ الجَمْرَتَيْنِ، وساق: عَنِ الزُّهْرِيِّ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا رَمَى الجَمْرَةَ الَّتِي تَلِي مَسْجِدَ مِنًى يَرْمِيهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ كُلَّمَا رَمَى بِحَصَاةٍ، ثُمَّ تَقَدَّمَ أَمَامَهَا، فَوَقَفَ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ، رَافِعًا يَدَيْهِ يَدْعُو، وَكَانَ يُطِيلُ الوُقُوفَ، ثُمَّ يَأْتِي الجَمْرَةَ الثَّانِيَةَ، فَيَرْمِيهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ كُلَّمَا رَمَى بِحَصَاةٍ، ثُمَّ يَنْحَدِرُ ذَاتَ اليَسَارِ، مِمَّا يَلِي الوَادِيَ، فَيَقِفُ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ رَافِعًا يَدَيْهِ يَدْعُو، ثُمَّ يَأْتِي الجَمْرَةَ الَّتِي عِنْدَ العَقَبَةِ، فَيَرْمِيهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ عِنْدَ كُلِّ حَصَاةٍ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا» قَالَ الزُّهْرِيُّ: سَمِعْتُ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، يُحَدِّثُ مِثْلَ هَذَا، عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٧٥٣).","vol":"1","page":543},{"text":"<span data-type='title' id=toc-405>خلاصة مدلول هذه الأحاديث:</span>\nما قال النووي في «شرحه على مسلم» - في بَابِ بَيَانِ وَقْتِ اسْتِحْبَابِ الرَّمْيِ -:\n\n١ - الْمُرَادُ بِيَوْمِ النَّحْرِ: جَمْرَةُ الْعَقَبَةِ فَإِنَّهُ لَا يَشْرَعُ فِيهِ غَيْرَهَا.\n\n٢ - وَأَمَّا أَيَّامُ التَّشْرِيقِ فَمَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَجَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الرَّمْيُ فِي الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ إِلَّا بَعْدَ الزَّوَالِ؛ لِهَذَا الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ.\n\n٣ - وَاعْلَمْ أَنَّ رَمْيَ جِمَارِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّرْتِيبُ وَهُوَ أَنْ يَبْدَأَ بِالْجَمْرَةِ الْأُولَى الَّتِي تَلِي مَسْجِدَ الْخَيْفِ ثُمَّ الْوُسْطَى ثُمَّ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ.\n\n٤ - وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقِفَ عَقِبَ رَمْيِ الْأُولَى عِنْدَهَا مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ زَمَانًا طَوِيلًا يَدْعُو وَيَذْكُرُ اللَّهَ، وَيَقِفَ كَذَلِكَ عِنْدَ الثَّانِيَةِ، وَلَا يَقِفَ عِنْدَ الثَّالِثَةِ ثَبَتَ مَعْنَى ذَلِكَ فِي «صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ» مِنْ رواية بن عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.\n\n٥ - وَيُسْتَحَبُّ هَذَا فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنَ الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n\n٦ - وَيُسْتَحَبُّ رَفْعُ الْيَدَيْنِ فِي هَذَا الدُّعَاءِ عِنْدَنَا وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ، وثبت في «صحيح البخاري» من رواية بن عُمَرَ فِي حَدِيثِهِ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ. وَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ.\nوَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَوْ تَرَكَ هَذَا الْوُقُوفَ لِلدُّعَاءِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.\nقال: فِيهِ فَوَائِدُ مِنْهَا إِثْبَاتُ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ وَهُوَ","vol":"1","page":544},{"text":"وَاجِبٌ، وَهُوَ أَحَدُ أَسْبَابِ التَّحَلُّلِ، وَهِيَ ثَلَاثَةٌ:\n• رَمْيُ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ.\n• فَطَوَافُ الْإِفَاضَةِ مَعَ سَعْيِهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ سَعَى.\n• وَالثَّالِثُ: الْحَلْقُ، عِنْدَ مَنْ يَقُولُ إِنَّهُ نُسُكٌ، وَهُوَ الصَّحِيحُ.\nفَلَوْ تَرَكَ رَمْيَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ حَتَّى فَاتَتْ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ فَحَجُّهُ صَحِيحٌ، وَعَلَيْهِ دَمٌ هَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَالْجُمْهُورِ. اهـ.\n\n٧ - قُلْتُ: وفي قوله: «يُكَبِّرُ كُلَّمَا رَمَى بِحَصَاةٍ»: أنه يرمي كل حصاة بمفردها، ولا يجزئ رميها دفعة واحدة، فلو رماها دفعة واحدة تحسب له رمي حصاة واحدة فقط، هذا قول جمهور العلماء.\nقال الحافظ ابن حجر في «الفتح» تحت حديث (١٦٧٩): وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى جَوَازِ الرَّمْيِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ عِنْدَ مَنْ خَصَّ التَّعْجِيلَ بِالضَعَفَةِ، وَعِنْدَ مَنْ لَمْ يُخَصِّصْ.\n\n٨ - وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ فَقَالُوا: لَا يَرْمِي جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ إِلَّا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَإِنْ رَمَى قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَبَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ: جَازَ، وَإِنْ رَمَاهَا قَبْلَ الْفَجْرِ أَعَادَهَا، وَبِهَذَا قَالَ أَحْمَدُ وَإسْحَاقُ وَالْجُمْهُورُ وَزَادَ إِسْحَاقُ: وَلَا يَرْمِيهَا قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَبِهِ قَالَ النَّخَعِيُّ، وَمُجَاهِدٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ.","vol":"1","page":545},{"text":"وَرَأَى جَوَازَ ذَلِكَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ عَطَاءٌ، وَطَاوُس، وَالشعْبِيّ، وَالشَّافِعِيّ.\nوَاحْتج الْجُمْهُور بِحَدِيث بن عُمَرَ الْمَاضِي قَبْلَ هَذَا، وَاحْتَجَّ إِسْحَاقُ بِحَدِيثِ بن عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِغِلْمَانِ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ: «لَا تَرْمُوا الْجَمْرَةَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ»، وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ، أخرجه أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيّ، والطَّحَاوِي، وبن حِبَّانَ، مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ الْعُرَنِيِّ، وَهُوَ بِضَمِّ الْمُهْملَة وَفتح الرَّاء بعْدهَا نون، عَنْ بن عَبَّاسٍ.\nوَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، والطَّحَاوِيُّ، مِنْ طُرُقٍ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ مِقْسَمٍ عَنْهُ.\nوَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ حَبِيبٍ، عَنْ عَطَاءٍ، وَهَذِهِ الطُّرُقُ يُقَوِّي بَعْضُهَا بَعْضًا، وَمِنْ ثَمَّ صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وابن حِبَّانَ، وَإِذَا كَانَ مَنْ رُخِّصَ لَهُ مُنِعَ أَنْ يَرْمِيَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَمَنْ لَمْ يُرَخَّصْ لَهُ أَوْلَى.\nوَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِحَدِيثِ أَسْمَاءَ هَذَا، وَيجمع بَينه وَبَين حَدِيث بن عَبَّاس بِحمْل الْأَمر فِي حَدِيث بن عَبَّاسٍ عَلَى النَّدْبِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ من طَرِيق شُعْبَة مولى بن عَبَّاسٍ، عَنْهُ قَالَ: بَعَثَنِي النَّبِيِّ ﷺ مَعَ أَهْلِهِ وَأَمَرَنِي أَنْ أَرْمِيَ مَعَ الْفجْر، وَقَالَ بن الْمُنْذِرِ: السُّنَّةُ أَنْ لَا يَرْمِيَ إِلَّا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ وَلَا يَجُوزُ الرَّمْيُ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ لِأَنَّ فَاعِلَهُ مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ وَمَنْ رَمَى حِينَئِذٍ فَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ إِذْ لَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ لَا يُجْزِئُهُ. اهـ.","vol":"1","page":546},{"text":"قال ابن رشد في «بداية المجتهد» (٢/ ١١٨):\n\n٩ - وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ جُمْلَةَ مَا يَرْمِيهِ الْحَاجُّ سَبْعُونَ حَصَاةً، مِنْهَا فِي يَوْمِ النَّحْرِ جَمْرَةُ الْعَقَبَةِ بِسَبْعٍ.\n\n١٠ - وَأَنَّ رَمْيَ هَذِهِ الْجَمْرَةِ مِنْ حَيْثُ تَيَسَّرَ مِنَ الْعَقَبَةِ مِنْ أَسْفَلِهَا أَوْ مِنْ أَعْلَاهَا أَوْ مِنْ وَسَطِهَا، كُلُّ ذَلِكَ وَاسْعٌ. وَالْمَوْضِعُ الْمُخْتَارِ مِنْهَا بَطْنُ الْوَادِي; لِمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ اسْتَبْطَنَ الْوَادِيَ، ثُمَّ قَالَ: «مِنْ هَا هُنَا، وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ رَأَيْتُ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ يَرْمِي».\n\n١١ - وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ يُعِيدُ الرَّمْيَ إِذَا لَمْ تَقَعِ الْحَصَاةُ فِي الجمرة.\n\n١٢ - وَأَنَّهُ يَرْمِي فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ثَلَاثَ جِمَارٍ بِوَاحِدٍ وَعِشْرِينَ حَصَاةً، كُلُّ جَمْرَةٍ مِنْهَا بِسَبْعٍ.\n\n١٣ - وَأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَرْمِيَ مِنْهَا يَوْمَيْنِ وَيَنْفِرَ فِي الثَّالِثِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣].\n\n١٤ - وَقَدْرُهَا عِنْدَهُمْ أَنْ يَكُونَ فِي مِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ; لِمَا رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِمْ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ رَمَى الْجِمَارَ بِمِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ».\n\n١٥ - وَالسُّنَّةُ عِنْدَهُمْ فِي رَمْيِ الْجَمَرَاتِ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَنْ يَرْمِيَ الْجَمْرَةَ الْأُولَى فَيَقِفَ عِنْدَهَا وَيَدْعُوَ، وَكَذَلِكَ الثَّانِيَةُ وَيُطِيلَ الْمَقَامَ. ثُمَّ يَرْمِيَ الثَّالِثَةَ، وَلَا يَقِفَ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي رَمْيِهِ».","vol":"1","page":547},{"text":"١٦ - وَالتَّكْبِيرُ عِنْدَهُمْ عِنْدَ رَمْيِ كُلِّ جَمْرَةٍ حَسَنٌ; لِأَنَّهُ يُرْوَى عَنْهُ ﵊.\nوَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مِنْ سُنَّةِ رَمْيِ الْجِمَارِ الثَّلَاثِ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بَعْدَ الزَّوَالِ وَاخْتَلَفُوا إِذَا رَمَاهَا قَبْلَ الزَّوَالِ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، فَقَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ: مَنْ رَمَاهَا قَبْلَ الزَّوَالِ أَعَادَ رَمْيَهَا بَعْدَ الزَّوَالِ.\n\n١٧ - وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يَرْمِ الْجِمَارَ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ مِنْ آخِرِهَا أَنَّهُ لَا يَرْمِيهَا بَعْدُ. اهـ.","vol":"1","page":548},{"text":"<span data-type='title' id=toc-406>[٩٣]- الرخصة للرعاء وأصحاب الأعمال اللازمة في المبيت بمنى لياليها: أنْ يرموا يومًا ويدعوا يومًا</span>\n٢٧٨ - عَنْ عَاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ ﵁، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَخَّصَ لِلرِّعَاءِ: أَنْ يَرْمُوا يَوْمًا، وَيَدَعُوا يَوْمًا» (^١).\n\n٢٧٩ - وفي لفظ، قَالَ: «رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِرِعَاءِ الإِبِلِ فِي البَيْتُوتَةِ: أَنْ يَرْمُوا يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ يَجْمَعُوا رَمْيَ يَوْمَيْنِ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ فَيَرْمُونَهُ فِي أَحَدِهِمَا - قَالَ مَالِكٌ: ظَنَنْتُ أَنَّهُ قَالَ: فِي الأَوَّلِ مِنْهُمَا - ثُمَّ يَرْمُونَ يَوْمَ النَّفْرِ» (^٢).\n\n٢٨٠ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: اسْتَأْذَنَ العَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى، مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ، «فَأَذِنَ لَهُ» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه النسائي (٣٠٦٨)، والترمذي (٩٥٤)، وابن ماجه (٣٠٣٦)، وأحمد (٥/ ٤٥٠)، وابن الجارود (٤٧٧).\n(^٢) أخرجه أبو داود (١٩٧٥)، والترمذي (٩٥٥)، وأحمد (٥/ ٤٥٠)، من طريق عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي البَدَّاحِ بْنِ عَاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ العجلاني، عَنْ أَبِيهِ به، وهذا سند صحيح رجاله ثقات.\n(^٣) أخرجه البخاري (١٧٤٥)، ومسلم (١٣١٥).","vol":"1","page":549},{"text":"قال ابن عبد البر في «التمهيد» (١١/ ١٠٦): أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْمَبِيتَ لِلْحَاجِّ غَيْرُ الَّذِينَ رَخَّصَ لَهُمْ لَيَالِيَ مِنًى بِمِنًى مِنْ شَعَائِرِ الْحَجِّ وَنُسُكِهِ. اهـ.\nوقال أبو الحسن المباركفوري في «مرعاة المفاتيح»: اتفقوا على سقوطه للرعاء وأهل السقاية، أو يعم أهل الأعذار كلها من مرض أو شغل أو حاجة. اهـ.\nبوب النووي ﵀: (باب وجوب المبيت بمنى ليالي أيام التشريق، والترخيص في تركه لأهل السقاية).\nقال الحافظ ابن حجر في «الفتح» - عند شرح حديث (١٧٤٥) -: وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الْمَبِيتِ بِمِنًى، وَأَنَّهُ مِنْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ؛ لِأَنَّ التَّعْبِيرَ بِالرُّخْصَةِ يَقْتَضِي أَنَّ مُقَابِلَهَا عَزِيمَةٌ، وَأَنَّ الْإِذْنَ وَقَعَ لِلْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ، وَإِذَا لَمْ تُوجَدْ أَوْ مَا فِي مَعْنَاهَا لَمْ يَحْصُلِ الْإِذْنُ. وَبِالْوُجُوبِ قَالَ الْجُمْهُورُ، وَفِي قَوْلٍ لِلشَّافِعِيِّ، وَرِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ: أَنَّهُ سُنَّةُ، وَوُجُوبُ الدَّمِ بِتَرْكِهِ مَبْنِيٌّ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ، وَلَا يَحْصُلُ الْمَبِيتُ إِلَّا بِمُعْظَمِ اللَّيْلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-409>وَهَلْ يَخْتَصُّ الْإِذْنُ بِالسِّقَايَةِ، وَبِالْعَبَّاسِ، أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَوْصَافِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي هَذَا الْحُكْمِ؟</span>\n• فَقِيلَ: يَخْتَصُّ الْحُكْمُ بِالْعَبَّاسِ، وَهُوَ جُمُودٌ.\n• وَقِيلَ: يَدْخُلُ مَعَهُ آلُهُ.","vol":"1","page":550},{"text":"• وَقِيلَ: قَوْمُهُ وَهُمْ بَنُو هَاشِمٍ.\n• وَقِيلَ: كُلُّ مَنِ احْتَاجَ إِلَى السِّقَايَةِ فَلَهُ ذَلِكَ.\n• ثُمَّ قِيلَ: أَيْضًا يَخْتَصُّ الْحُكْمُ بِسِقَايَةِ الْعَبَّاسِ حَتَّى لَوْ عُمِلَتْ سِقَايَةٌ لِغَيْرِهِ لَمْ يُرَخَّصْ لِصَاحِبِهَا فِي الْمَبِيتِ لِأَجْلِهَا وَمِنْهُمْ مِنْ عَمَّمَهُ وَهُوَ الصَّحِيحُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَالْعِلَّةُ فِي ذَلِكَ إِعْدَادُ الْمَاءِ لِلشَّارِبِينَ.\nوَهَلْ يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِالْمَاءِ أَوْ يَلْتَحِقُ بِهِ مَا فِي مَعْنَاهُ مِنَ الْأَكْلِ وَغَيْرِهِ؟\nمَحَلُّ احْتِمَالٍ، وَجَزَمَ الشَّافِعِيَّةُ بِإِلْحَاقِ مَنْ لَهُ مَالٌ يَخَافُ ضَيَاعَهُ أَوْ أَمْرٌ يَخَافُ فَوْتَهُ أَوْ مَرِيضٌ يَتَعَاهَدُهُ بِأَهْلِ السِّقَايَةِ، كَمَا جَزَمَ الْجُمْهُورُ بِإِلْحَاقِ الرِّعَاءِ خَاصَّةً. اهـ.","vol":"1","page":551},{"text":"<span data-type='title' id=toc-410>[٩٤]- باب من قدَّم نسكًا على نسكٍ من أعمال يوم النحر الأربعة لا حرج عليه</span>\nقال الله ﵎: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨].\n\n٢٨١ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: رَمَيْتُ بَعْدَ مَا أَمْسَيْتُ فَقَالَ: «لَا حَرَجَ»، قَالَ: حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَنْحَرَ، قَالَ: «لَا حَرَجَ» (^١).\n\n٢٨٢ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ ﵄، قَالَ: وَقَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، بِمِنًى، لِلنَّاسِ يَسْأَلُونَهُ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَمْ أَشْعُرْ، فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَنْحَرَ، فَقَالَ: «اذْبَحْ وَلَا حَرَجَ» ثُمَّ جَاءَهُ رَجُلٌ آخَرُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَمْ أَشْعُرْ فَنَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ، فَقَالَ: «ارْمِ وَلَا حَرَجَ» قَالَ: فَمَا سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ وَلَا أُخِّرَ، إِلَّا قَالَ: «افْعَلْ وَلَا حَرَجَ» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٧٢٣)، ومسلم (١٣٠٧).\n(^٢) أخرجه البخاري (٨٣)، ومسلم (١٣٠٦)، واللفظ له.","vol":"1","page":552},{"text":"قال ابن قدامة في «المغني» (٦/ ٣٣٧): وَفِي يَوْمِ النَّحْرِ أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ: الرَّمْيُ، ثُمَّ النَّحْرُ، ثُمَّ الْحَلْقُ، ثُمَّ الطَّوَافُ.\nوَالسُّنَّةُ تَرْتِيبهَا هَكَذَا؛ كَما وَصَفَهُ جَابِرٌ فِي حَجِّ النَّبِيِّ ﷺ (^١)، فَإِنْ أَخَلَّ بِتَرْتِيبِهَا، نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا بِالسُّنَّةِ فِيهَا، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، فِي قَوْلِ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ. اهـ.\nوهكذا قال النووي في «شرح مسلم» (١٣٠٦): فَلَوْ خَالَفَ وَقَدَّمَ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ جَازَ وَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ لِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ.\nوَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَوْ نَحْرَ قَبْلَ الرَّمْيِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْعَامِدِ وَالسَّاهِي فِي ذَلِكَ - أي: لا فِدْيَة عليه - وَإِنَّمَا اختلفوا فِي الْإِثْمِ. اهـ.\nقُلْتُ: إذا تعمد ترك سنة الترتيب لغير عذر فقد أتى بمخالفة في الحج عمدًا، فالظاهر أنَّه يأثم على تعمد مخالفة السنة، وقد قال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ».\nقال ابن قدامة في «المغني» (٦/ ٣٣٩): وَالْحَدِيثُ الْمُطْلَقُ قَدْ جَاءَ مُقَيَّدًا، - بَقُوله: لَمْ أَشْعُرْ، فعلت كذا -، وَلَا نَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَهُمْ فِي أَنَّ مُخَالَفَةَ التَّرْتِيبِ لَا تُخْرِجُ هَذِهِ\n_________\n(^١) وأخرجه مسلم (١٣٠٥)، من حديث أَنَسٍ ﵁.","vol":"1","page":553},{"text":"الْأَفْعَالَ عَنْ الْإِجْزَاءِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ الدَّمِ. اهـ.\nوتقدم في باب: (شدة السعي في بطن الوادي بين العلمين لغير المرأة) رقم (٦٦)، بيان أنَّ لفظة: «سَعَيْتُ قَبْلَ أَنْ أَطُوفَ»، في حديث أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ ﵁، شاذة.\n\n<span data-type='title' id=toc-413>استحباب الصلاة في مسجد الخيف لمن تيسر له ذلك</span>\nلحديث ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: «صَلَّى فِي مَسْجِدِ الْخَيْفِ سَبْعُونَ نَبِيًّا، مِنْهُمْ مُوسَى ﷺ»، أخرجه الطبراني في «الأوسط» (٥٤٠٧)، و«الكبير» (١٢٢٨٣)، والضياء في «المختارة» (٣٦٣٨)، وفيه عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ مختلط، والراوي عنه مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ ممن سمع منه بعد الاختلاط.\nوخرجه المنذري وحسنه، وأنت ترى أنَّه ليس كذلك إلا أنَّه قد جاء عند الحاكم في «المستدرك» (٢/ ٥٩٨)، وفيه عنعنة مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، وهو مدلس.\nوعند الأزرقي في «أخبار مكة» (٢٥٩٣)، وفيه: أَشْعَثُ بْنُ سَوَّارٍ، ضعيف، وبهذه الطرق التي لم يشتد ضعف كل واحدة منها، هو حديث حسن.","vol":"1","page":554},{"text":"<span data-type='title' id=toc-414>[٩٥]- أنواع الطواف وفضله </span>(^١)\n_________\n(^١) وله أسماء منها: طواف الزيارة، وطواف الصدر، وأنواع الطواف حول الكعبة غير هذا منها: طواف العمرة، وطواف التطوع، وطواف النذر، إذا نذر الطواف فهو طاعة عليه أن يوفي به؛ لحديث «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ»، وكلها لا يجزئ فيها أقل من سبعة أشواط، بدأً بالحجر الأسود، وانتهاءً به، كما يقول جمهور العلماء؛ لأن النَّبِيَّ ﷺ طاف سبعًا، ولم يُعلم أنَّه كان يطوف أقل من سبعة أشواط.\nوبوب البخاري في «صحيحه» باب (٦٩) من الحَجِّ: صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ لِسُبُوعِهِ رَكْعَتَيْنِ، وَقَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ «يُصَلِّي لِكُلِّ سُبُوعٍ رَكْعَتَيْنِ»، وثبت عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ، قَالَ: «مَنْ طَافَ بِهَذَا البَيْتِ أُسْبُوعًا فَأَحْصَاهُ كَانَ كَعِتْقِ رَقَبَةٍ، لَا يَضَعُ قَدَمًا وَلَا يَرْفَعُ أُخْرَى إِلَّا حَطَّ اللَّهُ عَنْهُ خَطِيئَةً وَكَتَبَ لَهُ بِهَا حَسَنَةً»، فعلق هذا الفضل بالسبعة، وهو حديث حسن، أخرجه الترمذي (٩٥٩)، وأحمد (٥٧٠١)، وفيه زيادة: «وَرُفِعَتْ لَهُ دَرَجَةٌ».\nومن شروط صحة الطواف: (١) - النية. (٢) - ستر العورة. (٣) - الطهارة من الحدث الأكبر: كالحيض، والنفاس، ومن الجنابة. (٤) - أن يكون من الحجر الأسود إلى الحجر الأسود. (٥) - أن يجعل البيت عن يساره. (٦) - أن يطوف على الكعبة كلها، لا يطوف من داخل الحِجْرِ. (٧) - أن يكون داخل المسجد الحرام. (٨) - أن يكون متواليًا، ولا يضر الفاصل اليسير.\nوانظر «الأشراف» لابن المنذر (٢٠٨)، قال: ولا يجزئ أقل منه. اهـ.\nأي: مما طاف رسول الله ﷺ سبعًا.","vol":"1","page":555},{"text":"٢٨٣ - عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ مُتْعَةِ الحَجِّ، فَقَالَ: أَهَلَّ المُهَاجِرُونَ، وَالأَنْصَارُ، وَأَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ، وَأَهْلَلْنَا، فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اجْعَلُوا إِهْلَالَكُمْ بِالحَجِّ عُمْرَةً، إِلَّا مَنْ قَلَّدَ الهَدْيَ» فَطُفْنَا بِالْبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ، وَأَتَيْنَا النِّسَاءَ، وَلَبِسْنَا الثِّيَابَ، وَقَالَ: «مَنْ قَلَّدَ الهَدْيَ، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ حَتَّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ»، ثُمَّ أَمَرَنَا عَشِيَّةَ التَّرْوِيَةِ أَنْ نُهِلَّ بِالحَجِّ، فَإِذَا فَرَغْنَا مِنَ المَنَاسِكِ، جِئْنَا فَطُفْنَا بِالْبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ، فَقَدْ تَمَّ حَجُّنَا وَعَلَيْنَا الهَدْيُ (^١).\nقال ابن قدامة في «المغني»، مسألة (٦٥٤)، الفصل رقم (١):\n\n<span data-type='title' id=toc-415>وَالْأَطْوِفَةُ الْمَشْرُوعَةُ فِي الْحَجِّ ثَلَاثَةٌ:</span>\n• طَوَافُ الزِّيَارَةِ، وَهُوَ رُكْنُ الْحَجِّ، لَا يَتِمُّ إلَّا بِهِ، بِلَا خِلَافٍ.\n• وَطَوَافُ الْوَدَاعِ، وهو وَاجِبٌ.\n• وَطَوَافُ الْقُدُومِ، وَهُوَ سُنَّةٌ، لَا شَيْءَ عَلَى تَارِكِهِ. اهـ.\nونقل النووي تحت حديث (١٢٣٣)، عن العلماء كافة، يَقُولُونَ: إِنَّهُ سُنَّةٌ لَيْسَ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٥٧٢).","vol":"1","page":556},{"text":"بِوَاجِبٍ، واستدل القائلون: بأنه سنة، بعدم الأمر به، وبسقوطه على المكي وعلى من خشي فوات الحج كما في حديث عروة بن مضرس المتقدم ذكره.\nقال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٨/ ١٢): اعْلَمْ أَنَّ طَوَافَ الْقُدُومِ إنَّمَا يُتَصَوَّرُ فِي حَقِّ مُفْرِدِ الْحَجِّ، وَفِي حَقِّ الْقَارِنِ إذَا كَانَا قَدْ أَحْرَمَا مِنْ غَيْرِ مَكَّةَ، وَدَخَلَاهَا قَبْلَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَاتٍ.\n• فَأَمَّا الْمَكِّيُّ فَلَا يُتَصَوَّرُ فِي حَقِّهِ طَوَافُ الْقُدُومِ إذْ لَا قُدُومَ لَهُ.\n• وَأَمَّا الْمُحْرِمُ بِالْعُمْرَةِ فَلَا يُتَصَوَّرُ فِي حَقِّهِ طَوَافُ قُدُومٍ. اهـ.\n\nوقال في «شرحه على مسلم» (١٢٣٥): وَهَذَا الْحُكْمُ الَّذِي قَالَهُ ابن عُمَرَ هُوَ مَذْهَبُ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً: وَهُوَ أَنَّ<span data-type='title' id=toc-417> الْمُعْتَمِرَ لَا يَتَحَلَّلُ إِلَّا بِالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ وَالْحَلْقِ.</span> اهـ.\nوقال ابن رشد في «بداية المجتهد» (٢/ ٢٦٦): وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْمُعْتَمِرِ إِلَّا طَوَافُ الْقُدُومِ، وَأَنَّ مَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ أَنَّ عَلَيْهِ طَوَافَيْنِ: طَوَافًا لِعُمْرَتهِ لِحِلِّهِ مِنْهَا، وَطَوَافًا لِلْحَجِّ. اهـ.\nوكذا نقله الكاساني في «بدائع الصنائع» (٢/ ٢٢٧) إجماعًا: أنَّ الطواف من أركان العمرة، فلا تحلل من إحرامها إلا بطواف وسعي وحلق أو تقصير. اهـ.","vol":"1","page":557},{"text":"<span data-type='title' id=toc-419>[٩٦]- طواف الإفاضة للقارن وغيره، واستحباب أدائه يوم النحر</span>\n٢٨٤ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ، «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَفَاضَ يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ رَجَعَ فَصَلَّى الظُّهْرَ بِمِنًى» (^١).\nتقدم نقل الإجماع أنَّ طواف الإفاضة (^٢) ركن من أركان الحج.\nونقل الإجماع على ركنيته، عدد ممن صنف في الإجماع، وغيرهم ومن أدلتهم: فعل النَّبِيِّ ﷺ، وقول الله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩)﴾ [الحج: ٢٩].\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٣٠٨)، وفي حديث جابر ﵁ في حجة النَّبِيّ ﷺ في مسلم (١٢١٨)، قال: (ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَأَفَاضَ إِلَى الْبَيْتِ)\nقُلْتُ: ورسول الله ﷺ كان قارنًا، ولم يترك طواف الإفاضة مع أنه طاف عند قدومه مع عمرته، بدليل حديث جابر ﵁ في مسلم (١٢١٨)، وفيه: «خَرَجَ مِنَ الْبَابِ إِلَى الصَّفَا» وذكر سعيه.\n(^٢) وله أسماء منها: (١) - طواف الإفاضة. (٢) - وطواف الزيارة. (٣) - وطواف الركن. (٤) - وطواف الصدر.","vol":"1","page":558},{"text":"قال الطبري في تفسير الآية (٢٥) من الحج: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩)﴾ [الحج: ٢٩]: وَعُنِيَ بِالطَّوَافِ الَّذِي أَمَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ حَاجَّ بَيْتِهِ الْعَتِيقِ بِهِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ طَوَافُ الْإِفَاضَةِ الَّذِي يُطَافُ بِهِ بَعْدَ التَّعْرِيفِ، إِمَّا يَوْمَ النَّحْرِ، وَإِمَّا بَعْدَهُ، لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ التَّأْوِيلِ فِي ذَلِكَ. اهـ.","vol":"1","page":559},{"text":"<span data-type='title' id=toc-422>[٩٧]- وجوب (^١) طواف الوداع إلا على الحائض والنفساء</span>\n٢٨٥ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: «أُمِرَ النَّاسُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بِالْبَيْتِ، إِلَّا أَنَّهُ خُفِّفَ عَنِ الحَائِضِ» (^٢).\n_________\n(^١) وجوبًا مستقلًا للأمر به، وليس هو من مناسك الحج، كما أبانه شيخ الإسلام ابن تيمية كما في «مجموع الفتاوى» (٢٦/ ٢١٥)، فقال: الطَّوَافُ مَعَ الْحَيْضِ مَحْظُورٌ لِحُرْمَةِ الْمَسْجِدِ أَوْ لِلطَّوَافِ أَوْ لَهُمَا. وَالْمَحْظُورَاتُ لَا تُبَاحُ إلَّا حَالَ الضَّرُورَةِ وَلَا ضَرُورَةَ بِهَا إلَى طَوَافِ الْوَدَاعِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ الْحَجِّ. وَلِهَذَا لَا يُوَدِّعُ الْمُقِيمُ بِمَكَّةَ وَإِنَّمَا يُوَدِّعُ الْمُسَافِرُ عَنْهَا. اهـ المراد.\nقُلْتُ: والمعتمر عمرة مفردة لا يجب عليه طواف وداع. قال ابن بطال: لا خلاف بين العلماء أنَّ المعتمر إذا طاف وخرج إلى بلده أنه يجزئه عن طواف الوداع يعني: ولو كان أفاض يجزئه عن الوداع لعموم قوله: «اجعلوا آخِرَ عَهْدِكُمْ بِالْبَيْتِ»، كما فعلت عائشة، وأما إن أقام بمكة بعد عمرته ثم بدا له أن يخرج منها، فيستحبون له طواف الوداع. اهـ انتهى من «شرح البخاري» (٤/ ٤٤٥) بتصرف.\nوقول شيخ الإسلام: (المكي لا يودع) يراد بالمكي على الصحيح، الذي يسكن داخل حدود الحرم، أما من هو ساكن خارج حدود الحرم، مثل: أهل الطائف وجدة ونحوها مما يلي الحرم، الشميسي، وأعلى الشرائع، وعرفات، فعليهم طواف وداع إذا خرجوا، وكذا المكي إذا حجه ثم دعته حاجة للسفر من مكة إلى خارجها عليه وداع لعموم الدليل.\n(^٢) أخرجه البخاري (١٧٥٥)، ومسلم (١٣٢٨).","vol":"1","page":560},{"text":"٢٨٦ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ النَّاسُ يَنْصَرِفُونَ فِي كُلِّ وَجْهٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا يَنْفِرَنَّ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ» (^١).\n\n٢٨٧ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ - زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ حَاضَتْ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: «أَحَابِسَتُنَا هِيَ» قَالُوا: إِنَّهَا قَدْ أَفَاضَتْ قَالَ: «فَلَا إِذًا» (^٢).\n\n٢٨٨ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ - لها لما حاضت بسرف قبل أن تدل مكة -: «اقْضِي مَا يَقْضِي الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَغْتَسِلِي» قَالَتْ: وَضَحَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ نِسَائِهِ بِالْبَقَرِ (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٣٢٧).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٧٥٧)، ومسلم (١٢١١).\n(^٣) أخرجه البخاري في بَاب: تَقْضِي الحَائِضُ المَنَاسِكَ كُلَّهَا إِلَّا الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ، باب (٧) من كتاب الحَيْض رقم (٣٠٥)، ومسلم (١٢١١/ ١١٩).","vol":"1","page":561},{"text":"٢٨٩ - وعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ، قَالَ: «مَنْ حَجَّ البَيْتَ فَلْيَكُنْ آخِرُ عَهْدِهِ بِالبَيْتِ إِلاَّ الحُيَّضَ»، وَرَخَّصَ لَهُنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ (^١).\n\nقال الترمذي عقب هذا الحديث: وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ. اهـ.\nفنقله إجماعًا على ما تضمنته هذه الأحاديث من طواف الوداع، وسقوطه عن الحائض، وكذا عن النفساء؛ لأن الحيض نفاس كما في حديث: «أَنُفِسْتِ؟» (^٢)، وليس في نقل الترمذي الإجماع على الوجوب، وإنما على مطلق شرعية طواف الوداع.\n\n<span data-type='title' id=toc-424>وقد اختلفوا هل هو واجب، أم سنة؟</span>\nقال الحافظ ابن حجر في «الفتح» (٣/ ٥٨٥): قَالَ النَّوَوِيُّ: طَوَافُ الْوَدَاعِ وَاجِبٌ يَلْزَمُ بِتَرْكِهِ دَمٌ عَلَى الصَّحِيحِ عِنْدَنَا، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ.\nوَقَالَ مَالِكٌ، وَدَاوُد، وبن الْمُنْذِرِ: هُوَ سُنَّةٌ لَا شَيْءَ فِي تَرْكِهِ. انْتَهَى.\nوَالَّذِي رَأَيْتُهُ فِي «الْأَوْسَطِ» لِابْنِ الْمُنْذِرِ: أَنَّهُ وَاجِبٌ لِلْأَمْرِ بِهِ إِلَّا أَنَّهُ لَا يَجِبُ بِتَرْكِهِ شَيْءٌ. اهـ.\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٩٤٤)، وآخرون، وهو حديث صحيح.\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٩٤)، ومسلم (٢٩١٨).","vol":"1","page":562},{"text":"<span data-type='title' id=toc-425>[٩٨]- جواز العمرة بعد الحج لمن له عذر عن أدائها مع الحج</span>\n٢٩٠ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اعْتَمَرْتُمْ وَلَمْ أَعْتَمِرْ، فَقَالَ: «يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، اذْهَبْ بِأُخْتِكَ، فَأَعْمِرْهَا مِنَ التَّنْعِيمِ، فَأَحْقَبَهَا عَلَى نَاقَةٍ»، فَاعْتَمَرَتْ (^١).\n\n٢٩١ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ، وَلَمْ أَكُنْ سُقْتُ الْهَدْيَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ، فَلْيُهْلِلْ بِالْحَجِّ مَعَ عُمْرَتِهِ، ثُمَّ لَا يَحِلَّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا» قَالَتْ: فَحِضْتُ، فَلَمَّا دَخَلَتْ لَيْلَةُ عَرَفَةَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي كُنْتُ أَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ، فَكَيْفَ أَصْنَعُ بِحَجَّتِي؟ قَالَ: «انْقُضِي رَأْسَكِ، وَامْتَشِطِي، وَأَمْسِكِي عَنِ الْعُمْرَةِ، وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ»، قَالَتْ: فَلَمَّا قَضَيْتُ حَجَّتِي أَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَأَرْدَفَنِي، فَأَعْمَرَنِي مِنَ التَّنْعِيمِ، مَكَانَ عُمْرَتِي الَّتِي أَمْسَكْتُ عَنْهَا (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٥١٨).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٥٥٦)، ومسلم (١٢١١)، وللفظ له.","vol":"1","page":563},{"text":"قال الحافظ ابن حجر في «الفتح» - تحت حديث (١٧٨٤) -:\nقَالَ صَاحِبُ «الْهَدْيِ»: لَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ ﷺ اعْتَمَرَ مُدَّةَ إِقَامَتِهِ بِمَكَّةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ، وَلَا اعْتَمَرَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ إِلَّا دَاخِلًا إِلَى مَكَّةَ، وَلَمْ يَعْتَمِرْ قَطُّ خَارِجًا مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْحِلِّ ثُمَّ يَدْخُلُ مَكَّةَ بِعُمْرَةٍ كَمَا يَفْعَلُ النَّاسُ الْيَوْمَ، وَلَا ثَبَتَ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ فِي حَيَاتِهِ إِلَّا عَائِشَةَ وَحْدَهَا. انْتَهَى.\nوَبَعْدَ أَنْ فَعَلَتْهُ عَائِشَةُ بِأَمْرِهِ دَلَّ عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-426>وَاخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي جَوَازِ الِاعْتِمَارِ فِي السَّنَةِ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ:</span>\nفَكَرِهَهُ مَالِكٌ، وَخَالَفَهُ مُطَرِّفٌ وَطَائِفَةٌ مِنْ أَتْبَاعِهِ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَاسْتَثْنَى أَبُو حَنِيفَةَ يَوْمَ عَرَفَةَ وَيَوْمَ النَّحْرِ وَأَيَّامَ التَّشْرِيقِ وَوَافَقَهُ أَبُو يُوسُفَ إِلَّا فِي يَوْمِ عَرَفَةَ وَاسْتَثْنَى الشَّافِعِيُّ الْبَائِتَ بِمِنًى لِرَمْيِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَفِيهِ وَجْهٌ اخْتَارَهُ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ فَقَالَ بِالْجَوَازِ مُطْلَقًا كَقَوْلِ الْجُمْهُورِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. اهـ.\nقُلْتُ: وعدم فعل النبي ﷺ وأصحابه لها مع عظيم حرصهم على الأجور، إنما أذن لعائشة فيها تطييبًا لنفسها، لما قالت: أَتَنْطَلِقُونَ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ وَأَنْطَلِقُ بِالحَجِّ؟ «فَأَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ أَنْ يَخْرُجَ مَعَهَا إِلَى التَّنْعِيمِ، فَاعْتَمَرَتْ بَعْدَ الحَجِّ فِي ذِي الحَجَّةِ»، كذا لفظ الحديث في البخاري (١٧٨٥)، دليل على أن العمرة بعد الحج مشروعة لمن كان حاله كحال عائشة ﵂، منعه من العمرة مع حجه","vol":"1","page":564},{"text":"مانع، فله ذلك، أما من ليس كذلك فلا يشرع له، هذا الذي يجتمع به ترك النبي ﷺ وأصحابه بما فيهم عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄، وقد وصل مع أخته الى الحل ولم يعتمر.\nوإذنه لعائشة ﵂ خاصة، ولو وجد معها من النساء من شغلت عن العمرة بالحيض كما شغلت عائشة لكان حالها كحال عائشة ﵂ في الإذن، والله الموفق.","vol":"1","page":565},{"text":"<span data-type='title' id=toc-427>[٩٩]- باب فضل العمرة في رمضان</span>\n٢٩٢ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ، قَالَ: لِامْرَأَةٍ مِنَ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهَا: أُمُّ سِنَانٍ «مَا مَنَعَكِ أَنْ تَكُونِي حَجَجْتِ مَعَنَا؟» قَالَتْ: نَاضِحَانِ كَانَا لِأَبِي فُلَانٍ - زَوْجِهَا - حَجَّ هُوَ وَابْنُهُ عَلَى أَحَدِهِمَا، وَكَانَ الْآخَرُ يَسْقِي عَلَيْهِ غُلَامُنَا، قَالَ: «فَعُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ تَقْضِي حَجَّةً - أَوْ حَجَّةً مَعِي -» (^١).\n\n٢٩٣ - عَنْ أُمِّ مَعْقِلٍ ﵂، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «عُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ تَعْدِلُ حَجَّةً» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٧٨٢)، ومسلم (١٢٥٦).\n(^٢) أخرجه أبو داود (١٩٨٨)، والترمذي (٩٣٩)، وأحمد (٦/ ٣٧٥).","vol":"1","page":566},{"text":"٢٩٤ - وعَنْ وَهْبِ بْنِ خَنْبَشٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «عُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ، تَعْدِلُ حَجَّةً» (^١).\n\nقال ابن القيم ﵀ في «زاد المعاد» (٢/ ٩١): فَقَدِ اجْتَمَعَ فِي عُمْرَةِ رَمَضَانَ أَفْضَلُ الزَّمَانِ، وَأَفْضَلُ الْبِقَاعِ. اهـ.\nوأفاد أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم يتمكن من العمرة في رمضان، وهذه الأدلة على أفضلية العمرة في رمضان لا تقتضي اجزاءها عن الفرض.\nقال الحافظ ابن حجر في «الفتح»: تَعْدِلُ الْحَجَّةَ فِي الثَّوَابِ لَا أَنَّهَا تَقُومُ مَقَامَهَا فِي إسْقَاطِ الْفَرْضِ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ الِاعْتِمَارَ لَا يُجْزِئُ عَنْ حَجِّ الْفَرْضِ. اهـ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٢٩٩١)، وهو حديث صحيح، وجاء مثله عن أبي طليق ﵁ في «كشف الأستار» (٢/ ٣٨)، والدولابي في «الكنى» (١/ ٤١)، في حديث أتم من هذا، وفيه: أَنَّ «عُمْرَة فِي رَمَضَانَ تَعْدِلُ حَجَّةً»، وهو حديث صحيح.\nوانظر جمع الحافظ، بين: هل صاحبة القصة هي: أم سنان؟ أو أم طليق؟ أو أم معقل أو غيرهن؟، في «فتح الباري» تحت رقم (١٧٨٢)، من أَبْوَاب العُمْرَةِ، بَابُ عُمْرَةٍ فِي رَمَضَانَ.","vol":"1","page":567},{"text":"<span data-type='title' id=toc-430>[١٠٠]- الإمتاع ببعض فوائد حديث جابر ﵁ في حجة الوداع</span>\n<span data-type='title' id=toc-431>دليل تسمية هذه الحجة: (حجة الوداع)</span>\nبوب البخاري ﵀ في كِتَابِ المَغَازِي من «صحيحه» باب (٧٧)، بَابُ حَجَّةِ الوَدَاعِ، وساق حديث عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ، وأخرجه مسلم (١٢١١)، في الحَجِّ.\nقال العيني في شرحه على هذا الباب (١٨/ ٣٦): أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حجَّة الْوَدَاع، يجوز فتح الْحَاء وَكسرهَا، وَكَذَلِكَ كسر الْوَاو وَفتحهَا، وَإِنَّمَا سميت حجَّة الْوَدَاع؛ لِأَن النَّبِي ﷺ ودع النَّاس فِيهَا وَلم يحجّ بعْدهَا.\n• وَسميت أَيْضًا: حجَّة الْإِسْلَام لِأَنَّهُ ﷺ لم يحجّ من الْمَدِينَة غَيرهَا، وَلَكِن حج قبل الْهِجْرَة.\n• وَسميت: حجَّة الْبَلَاغ، أَيْضًا: لِأَنَّهُ ﷺ بلغ النَّاس فِيهَا شرع الله فِي الْحَج قولا وفعلًا، وَلم يكن بَقِي من دعائم الْإِسْلَام وقواعده إِلَّا وَقد بلغه ﷺ.\n• وَسميت أَيْضًا: حجَّة التَّمام والكمال، وَحجَّة الْوَدَاع أشهر. اهـ.","vol":"1","page":568},{"text":"<span data-type='title' id=toc-432>نبذ من الثناء عليه:</span>\nقال النووي ﵀: وَهُوَ حَدِيثٌ عَظِيمٌ مُشْتَمِلٌ عَلَى جُمَلٍ مِنَ الْفَوَائِدِ، وَنَفَائِسَ مِنْ مُهِمَّاتِ الْقَوَاعِدِ، وَهُوَ مِنْ أَفْرَادِ مُسْلِمٍ لَمْ يَرْوِهِ الْبُخَارِيِّ فِي «صَحِيحِهِ»، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ كَرِوَايَةِ مُسْلِمٍ.\nقَالَ الْقَاضِي: وَقَدْ تَكَلَّمَ النَّاسُ عَلَى مَا فِيهِ مِنَ الْفِقْهِ وَأَكْثَرُوا، وَصَنَّفَ فِيهِ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْمُنْذِرِ جُزْءًا كَبِيرًا، وَخَرَّجَ فِيهِ مِنَ الْفِقْهِ مِائَةً وَنَيِّفًا وَخَمْسِينَ نَوْعًا، وَلَوْ تُقُصِّيَ لَزِيدَ عَلَى هَذَا الْقَدْرِ قَرِيبٌ مِنْهُ. اهـ.\n\n<span data-type='title' id=toc-433>سياق الحديث:</span>\nقال الإمام مسلم ﵀ في «صحيحه» (١٢١٨): حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعًا عَنْ حَاتِمٍ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيُّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵁، فَسَأَلَ عَنِ الْقَوْمِ حَتَّى انْتَهَى إِلَيَّ، فَقُلْتُ: أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ، فَأَهْوَى بِيَدِهِ إِلَى رَأْسِي فَنَزَعَ زِرِّي الْأَعْلَى، ثُمَّ نَزَعَ زِرِّي الْأَسْفَلَ، ثُمَّ وَضَعَ كَفَّهُ بَيْنَ ثَدْيَيَّ وَأَنَا يَوْمَئِذٍ غُلَامٌ شَابٌّ، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِكَ، يَا ابْنَ أَخِي، سَلْ عَمَّا شِئْتَ، فَسَأَلْتُهُ، وَهُوَ أَعْمَى، وَحَضَرَ وَقْتُ الصَّلَاةِ، فَقَامَ فِي نِسَاجَةٍ مُلْتَحِفًا بِهَا، كُلَّمَا وَضَعَهَا عَلَى مَنْكِبِهِ رَجَعَ طَرَفَاهَا إِلَيْهِ مِنْ صِغَرِهَا، وَرِدَاؤُهُ إِلَى جَنْبِهِ، عَلَى الْمِشْجَبِ، فَصَلَّى بِنَا، فَقُلْتُ:","vol":"1","page":569},{"text":"أَخْبِرْنِي عَنْ حَجَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ.\nفَقَالَ: بِيَدِهِ فَعَقَدَ تِسْعًا، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَكَثَ تِسْعَ سِنِينَ لَمْ يَحُجَّ، ثُمَّ أَذَّنَ فِي النَّاسِ فِي الْعَاشِرَةِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ حَاجٌّ، فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ بَشَرٌ كَثِيرٌ، كُلُّهُمْ يَلْتَمِسُ أَنْ يَأْتَمَّ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ، وَيَعْمَلَ مِثْلَ عَمَلِهِ، فَخَرَجْنَا مَعَهُ، حَتَّى أَتَيْنَا ذَا الْحُلَيْفَةِ، فَوَلَدَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ: كَيْفَ أَصْنَعُ؟ قَالَ: «اغْتَسِلِي، وَاسْتَثْفِرِي بِثَوْبٍ وَأَحْرِمِي».\nفَصَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ، ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ، حَتَّى إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ عَلَى الْبَيْدَاءِ، نَظَرْتُ إِلَى مَدِّ بَصَرِي بَيْنَ يَدَيْهِ، مِنْ رَاكِبٍ وَمَاشٍ، وَعَنْ يَمِينِهِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَعَنْ يَسَارِهِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَمِنْ خَلْفِهِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَ أَظْهُرِنَا، وَعَلَيْهِ يَنْزِلُ الْقُرْآنُ، وَهُوَ يَعْرِفُ تَأْوِيلَهُ، وَمَا عَمِلَ بِهِ مِنْ شَيْءٍ عَمِلْنَا بِهِ، فَأَهَلَّ بِالتَّوْحِيدِ: «لَبَّيْكَ اللهُمَّ، لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ، وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ»، وَأَهَلَّ النَّاسُ بِهَذَا الَّذِي يُهِلُّونَ بِهِ، فَلَمْ يَرُدَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَيْهِمْ شَيْئًا مِنْهُ، وَلَزِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ تَلْبِيَتَهُ.\nقَالَ جَابِرٌ ﵁: لَسْنَا نَنْوِي إِلَّا الْحَجَّ، لَسْنَا نَعْرِفُ الْعُمْرَةَ، حَتَّى إِذَا أَتَيْنَا الْبَيْتَ مَعَهُ، اسْتَلَمَ الرُّكْنَ فَرَمَلَ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا، ثُمَّ نَفَذَ إِلَى مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ ﵇، فَقَرَأَ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]، فَجَعَلَ الْمَقَامَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ، فَكَانَ أَبِي يَقُولُ - وَلَا أَعْلَمُهُ ذَكَرَهُ إِلَّا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: كَانَ يَقْرَأُ فِي","vol":"1","page":570},{"text":"الرَّكْعَتَيْنِ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإخلاص: ١]، وَ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ [الكافرون: ١]، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الرُّكْنِ فَاسْتَلَمَهُ.\nثُمَّ خَرَجَ مِنَ الْبَابِ إِلَى الصَّفَا، فَلَمَّا دَنَا مِنَ الصَّفَا قَرَأَ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]، «أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللهُ بِهِ» فَبَدَأَ بِالصَّفَا، فَرَقِيَ عَلَيْهِ، حَتَّى رَأَى الْبَيْتَ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَوَحَّدَ اللهَ وَكَبَّرَهُ، وَقَالَ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ»، ثُمَّ دَعَا بَيْنَ ذَلِكَ، قَالَ: مِثْلَ هَذَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ نَزَلَ إِلَى الْمَرْوَةِ، حَتَّى إِذَا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ الْوَادِي سَعَى، حَتَّى إِذَا صَعِدَتَا مَشَى، حَتَّى أَتَى الْمَرْوَةَ، فَفَعَلَ عَلَى الْمَرْوَةِ كَمَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا، حَتَّى إِذَا كَانَ آخِرُ طَوَافِهِ عَلَى الْمَرْوَةِ، فَقَالَ: «لَوْ أَنِّي اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقِ الْهَدْيَ، وَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ لَيْسَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيَحِلَّ، وَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً»، فَقَامَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلِعَامِنَا هَذَا أَمْ لِأَبَدٍ؟ فَشَبَّكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَصَابِعَهُ وَاحِدَةً فِي الْأُخْرَى، وَقَالَ: «دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ» مَرَّتَيْنِ «لَا بَلْ لِأَبَدِ أَبَدٍ».\nوَقَدِمَ عَلِيٌّ مِنَ الْيَمَنِ بِبُدْنِ النَّبِيِّ ﷺ، فَوَجَدَ فَاطِمَةَ ﵂ مِمَّنْ حَلَّ، وَلَبِسَتْ ثِيَابًا صَبِيغًا، وَاكْتَحَلَتْ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهَا، فَقَالَتْ: إِنَّ أَبِي أَمَرَنِي بِهَذَا، قَالَ: فَكَانَ عَلِيٌّ يَقُولُ، بِالْعِرَاقِ: فَذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مُحَرِّشًا عَلَى فَاطِمَةَ","vol":"1","page":571},{"text":"لِلَّذِي صَنَعَتْ، مُسْتَفْتِيًا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فِيمَا ذَكَرَتْ عَنْهُ، فَأَخْبَرْتُهُ أَنِّي أَنْكَرْتُ ذَلِكَ عَلَيْهَا، فَقَالَ: «صَدَقَتْ صَدَقَتْ، مَاذَا قُلْتَ حِينَ فَرَضْتَ الْحَجَّ؟» قَالَ قُلْتُ: اللهُمَّ، إِنِّي أُهِلُّ بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُولُكَ، قَالَ: «فَإِنَّ مَعِيَ الْهَدْيَ فَلَا تَحِلُّ» قَالَ: فَكَانَ جَمَاعَةُ الْهَدْيِ الَّذِي قَدِمَ بِهِ عَلِيٌّ مِنَ الْيَمَنِ وَالَّذِي أَتَى بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مِائَةً، قَالَ: فَحَلَّ النَّاسُ كُلُّهُمْ وَقَصَّرُوا، إِلَّا النَّبِيَّ ﷺ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ.\nفَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ تَوَجَّهُوا إِلَى مِنًى، فَأَهَلُّوا بِالْحَجِّ، وَرَكِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَصَلَّى بِهَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَالْفَجْرَ، ثُمَّ مَكَثَ قَلِيلًا حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ، وَأَمَرَ بِقُبَّةٍ مِنْ شَعَرٍ تُضْرَبُ لَهُ بِنَمِرَةَ، فَسَارَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَلَا تَشُكُّ قُرَيْشٌ إِلَّا أَنَّهُ وَاقِفٌ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ، كَمَا كَانَتْ قُرَيْشٌ تَصْنَعُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَأَجَازَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ، فَوَجَدَ الْقُبَّةَ قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ، فَنَزَلَ بِهَا، حَتَّى إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ أَمَرَ بِالْقَصْوَاءِ، فَرُحِلَتْ لَهُ، فَأَتَى بَطْنَ الْوَادِي، فَخَطَبَ النَّاسَ وَقَالَ: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ","vol":"1","page":572},{"text":"فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟»، قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ»، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ أَذَّنَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا.\nثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، حَتَّى أَتَى الْمَوْقِفَ، فَجَعَلَ بَطْنَ نَاقَتِهِ الْقَصْوَاءِ إِلَى الصَّخَرَاتِ، وَجَعَلَ حَبْلَ الْمُشَاةِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وَذَهَبَتِ الصُّفْرَةُ قَلِيلًا، حَتَّى غَابَ الْقُرْصُ، وَأَرْدَفَ أُسَامَةَ خَلْفَهُ، وَدَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَقَدْ شَنَقَ لِلْقَصْوَاءِ الزِّمَامَ، حَتَّى إِنَّ رَأْسَهَا لَيُصِيبُ مَوْرِكَ رَحْلِهِ، وَيَقُولُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى «أَيُّهَا النَّاسُ، السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ»، كُلَّمَا أَتَى حَبْلًا مِنَ الْحِبَالِ أَرْخَى لَهَا قَلِيلًا، حَتَّى تَصْعَدَ.\nحَتَّى أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ، فَصَلَّى بِهَا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ، وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا شَيْئًا، ثُمَّ اضْطَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ، وَصَلَّى الْفَجْرَ، حِينَ تَبَيَّنَ لَهُ الصُّبْحُ، بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ.\nثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ، حَتَّى أَتَى الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَدَعَاهُ وَكَبَّرَهُ وَهَلَّلَهُ وَوَحَّدَهُ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى أَسْفَرَ جِدًّا، فَدَفَعَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ،","vol":"1","page":573},{"text":"وَأَرْدَفَ الْفَضْلَ بْنَ عَبَّاسٍ، وَكَانَ رَجُلًا حَسَنَ الشَّعْرِ أَبْيَضَ وَسِيمًا، فَلَمَّا دَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَرَّتْ بِهِ ظُعُنٌ يَجْرِينَ، فَطَفِقَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهِنَّ، فَوَضَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَهُ عَلَى وَجْهِ الْفَضْلِ، فَحَوَّلَ الْفَضْلُ وَجْهَهُ إِلَى الشِّقِّ الْآخَرِ يَنْظُرُ، فَحَوَّلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَهُ مِنَ الشِّقِّ الْآخَرِ عَلَى وَجْهِ الْفَضْلِ، يَصْرِفُ وَجْهَهُ مِنَ الشِّقِّ الْآخَرِ يَنْظُرُ.\nحَتَّى أَتَى بَطْنَ مُحَسِّرٍ، فَحَرَّكَ قَلِيلًا، ثُمَّ سَلَكَ الطَّرِيقَ الْوُسْطَى الَّتِي تَخْرُجُ عَلَى الْجَمْرَةِ الْكُبْرَى، حَتَّى أَتَى الْجَمْرَةَ الَّتِي عِنْدَ الشَّجَرَةِ، فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْهَا، مِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ، رَمَى مِنْ بَطْنِ الْوَادِي.\nثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْمَنْحَرِ، فَنَحَرَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بِيَدِهِ، ثُمَّ أَعْطَى عَلِيًّا، فَنَحَرَ مَا غَبَرَ، وَأَشْرَكَهُ فِي هَدْيِهِ، ثُمَّ أَمَرَ مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ بِبَضْعَةٍ، فَجُعِلَتْ فِي قِدْرٍ، فَطُبِخَتْ، فَأَكَلَا مِنْ لَحْمِهَا وَشَرِبَا مِنْ مَرَقِهَا.\nثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَأَفَاضَ إِلَى الْبَيْتِ، فَصَلَّى بِمَكَّةَ الظُّهْرَ، فَأَتَى بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، يَسْقُونَ عَلَى زَمْزَمَ، فَقَالَ: «انْزِعُوا، بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَلَوْلَا أَنْ يَغْلِبَكُمُ النَّاسُ عَلَى سِقَايَتِكُمْ لَنَزَعْتُ مَعَكُمْ»، فَنَاوَلُوهُ دَلْوًا فَشَرِبَ مِنْهُ.","vol":"1","page":574},{"text":"١ - قول مُحَمَّدٍ الْبَاقِرِ: (دَخَلْنَا عَلَى جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ): فيه: فضيلة له لأخذه العلم عن جابر ﵁.\n\n٢ - وفيه: أنه لم يذكر الاستئذان، ولا بد منه لأدلة أخرى.\n\n٣ - فضل زيارة العلماء وفوائدها.\n\n٤ - قَوْلُهُ: (عَلَى جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ)، فيه: أنَّ السنة أنْ تذكر لفظة: (ابن) في النسبة، ولم يعلم حذفها، وقد صنف في تغريب الألقاب الشيخ بكر أبو زيد ﵀ وأنكر حذف لفظة: (ابن).\n\n٥ - قَوْلُهُ: (فَسَأَلَ عَنِ الْقَوْمِ)، فيه: التعارف لإنزال الناس منازلهم، وقال الله تعالى: ﴿لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات: ١٣]، الآية.\n\n٦ - قَوْلُهُ: (حَتَّى انْتَهَى إِلَيَّ)، فيه: أَنَّه سأل عنهم على الترتيب.\n\n٧ - قَوْلُهُ: (فَقُلْتُ: أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ)، فيه: أنَّ السلف كانوا يتسمون بأسماء آبائهم وأجدادهم فأنَّ علي بن الحسين تسمى باسم جده علي بن أبي طالب ﵁.\n\n٨ - ملاطفة الزائر ومؤانسته بما يليق به، وفعل ذلك ليس على إطلاقه.\n\n٩ - وفيه: تسمية ثندوة الرجل ثدي.\n\n١٠ - وأنَّ صدر الرجل ليس عورة، كما أنَّ ظهره ليس بعورة؛ لحديث: عَمْرِو","vol":"1","page":575},{"text":"بْنِ أَخْطَبَ ﵁، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كشف له ظهره لينظر خاتم النبوة، أخرجه أحمد في «المسند» (٣٧/ ٥٢٦)، وهو حديث صحيح.\n\n١١ - وفيه: أنَّه يطلق على الشاب غلام.\n\n١٢ - استحباب الترحيب بالضيف وبالزائر، وقال النَّبِيُّ ﷺ لوفد عبد القيس: «مَرْحَبًا بِالْقَوْمِ، أَوْ بِالْوَفْدِ، غَيْرَ خَزَايَا وَلَا نَدَامَى».\n\n١٣ - وفيه: أنَّ من إكرام الزائر البشاشة.\n\n١٤ - فيه: أنَّ الترحيب بكبير الوفد ترحيب بهم كلهم، فانهم كانوا جماعة، وقال جابر ﵁: مَرْحَبًا بِكَ، يَا ابْنَ أَخِي.\n\n١٥ - وفيه: أنَّ محمد بن علي كان شادًا أزراره، وما جاء أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أطلق أزراره في حديث قرة بن إياس ﵁ عند أبي داود رقم (٤٠٨٢)، وأحمد (٢٤/ ٣٤٧)، بسند صحيح، لم يكن ذلك حاله على الإطلاق، ولو كان حاله مطلقًا لما كان لبس أصحابه إلا كذلك؛ ولكن هذا في بعض الأحوال، والمداومة على حل الإزار من القميص، وكشف الصدر، مذكورة في الحديث من فعل معاوية بن قرة وأبيه، صحابي الحديث قرة بن إياس ﵁، والسنة أنَّ يفعل ذلك في بعض الأوقات، وليس على الإطلاق.\n\n١٦ - وفيه: أنَّ المؤمنين إخوة.\n\n١٧ - جواز قول الكبير للصغير: يا ابن أخي، ونحوه، وقول الصغير للكبير:","vol":"1","page":576},{"text":"يا عم، كما قال معاذ، ومعوذ لعبد الرحمن بن عوف: يَا عَمِّ هَلْ تَعْرِفُ أَبَا جَهْلٍ؟ أخرجه البخاري (٣١٤١)، مسلم (١٧٥٢).\n\n١٨ - وفيه: أنَّ دخول الباقر كان التماسًا للعلم، وقد عرف هذا منه جابر ﵁، فقال: سَلْ عَمَّا شِئْتَ.\n\n١٩ - أنَّ قول العالم للسائل: سَلْ عَمَّا شِئْتَ، لا بأس به، فيجيبه بما يعلم، ويقول: الله أعلم فيما لا يعلم.\n\n٢٠ - قَوْلُهُ: (فَسَأَلْتُهُ): لم يذكر السؤال عن شيء غير الحج، وأنه سأله عن أعداد الأسئلة، وإنَّما سأله سؤالًا واحدًا، كما قال: (فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ حَجَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ.\n\n٢١ - فيه: أنَّ السؤال الطيب مفتاح العلم.\n\n٢٢ - وفيه: أخذ الفتوى عن الأعمى لأنَّ مبنى الفتوى على العلم.\n\n٢٣ - والصلاة خلف الأعمى، قاله النووي؛ لأنَّ مبنى ذلك على ما دل عليه حديث ابن مسعود ﵁: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ» (^١).\n\n٢٤ - وفيه: إتيان الطالب إلى العالم، فالعلم يؤتى.\n\n٢٥ - وفيه: أداء الصلاة في وقتها، وعدم تأخيرها انشغالًا بغيرها من قوله:\n_________\n(^١) الحديث أخرجه مسلم (٦٧٣).","vol":"1","page":577},{"text":"وَحَضَرَ وَقْتُ الصَّلَاةِ، وفي الصحيح: «فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ».\n\n٢٦ - وفيه: القيام في الصلاة إلا من عذر، من قوله: «فَقَامَ»، ولحديث: «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا».\n\n٢٧ - وفيه: جواز الصلاة في ثوب واحد مع وجود غيره.\n\n٢٨ - وضيق الحال الذي كانوا فيه؛ لصغر القطعة التي صلى فيها.\n\n٢٩ - وتغطية المنكبين كليهما في الصلاة.\n\n٣٠ - ومن لباسهم الأردية.\n\n٣١ - وفيه: جواز صلاة الأعمى في بيته، فهو معذور عن حضور الجماعة.\nقال النووي (٦٥٣): وأَنَّ حُضُورَ الْجَمَاعَةِ يَسْقُطُ بِالْعُذْرِ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ وَدَلِيلُهُ مِنَ السُّنَّةِ حَدِيثُ عِتْبَانَ بْنِ مَالِكٍ. اهـ.\nقُلْتُ: أما قوله لابن أم مكتوم: «هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ؟» فقال: نَعَمْ. قَالَ: «فَأَجِبْ»، أمره النَّبِيُّ ﷺ بالأخذ بالعزيمة لما رأى فيه من قوة وجلد.\n\n٣٢ - وحرصهم على أداء الصلاة جماعة.\n\n٣٣ - وفيه: أنَّ ربَّ المنزل، وإمام المسجد أحق بالإمامة فيه من غيره، قاله النووي.\nقُلْتُ: وقد اجتمع في جابر كونه الأعلم، والأسن، والأقدم، والأقرأ فيهم.","vol":"1","page":578},{"text":"٣٤ - قَوْلُهُ: (فَصَلَّى بِنَا)، فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ حَجَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، لم يذكر أنهم أتوا بأذكار الصلاة، فهل كان سوق الحديث بعد الصلاة؟ أم بعد الإتيان ببعض الأذكار؟ هذا الأخير الذي كان عليه النَّبِيُّ ﷺ وتعلموه منه، الإتيان بالأذكار بعد الصلاة فيحمل هنا على ذلك.\n\n٣٥ - قَوْلُهُ: (فَقَالَ: بِيَدِهِ فَعَقَدَ تِسْعًا)، فيه: التعليم بالوصف.\n\n٣٦ - قَوْلُهُ: (مَكَثَ تِسْعَ سِنِينَ لَمْ يَحُجَّ)، يعني: بالمدينة بعد الهجرة، أي: لم يحج، اتفق العلماء على أنَّه لم يحج بعد هجرته إلى المدينة سوى حجة الوداع، وكانت سنة عشر كما في «مرعاة المفاتيح».\nقال شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٧/ ٣٠٣): وَقَدْ اتَّفَقَوا عَلَى أَنَّ الحَجَّ لَمْ يُفْرَضْ قَبْلَ العام السادس. اهـ.\nقُلْتُ: وجمهور العلماء أنَّه فُرض في السادس، كما نقله القسطلاني في «المواهب»، والأصح أنَّه فرض في العام التاسع.\nوكان قد حج من مكة قبل الهجرة، لحديث جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ﵁، قَالَ: «أَضْلَلْتُ بَعِيرًا لِي، فَذَهَبْتُ أَطْلُبُهُ يَوْمَ عَرَفَةَ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَاقِفًا بِعَرَفَةَ» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٦٦٤)، ومسلم (١٢٢٠).","vol":"1","page":579},{"text":"قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: كَانَ هَذَا فِي حَجَّهِ قَبْلَ الْهِجْرَةِ وَكَانَ جُبَيْرٌ حِينَئِذٍ كَافِرًا وَأَسْلَمَ يَوْمَ الْفَتْحِ. اهـ.\nأخرج الترمذي في «سننه» (٨١٥)، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي زِيَادٍ قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ حُبَابٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَجَّ ثَلَاثَ حِجَجٍ، حَجَّتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُهَاجِرَ، وَحَجَّةً بَعْدَ مَا هَاجَرَ، وَمَعَهَا عُمْرَةٌ، فَسَاقَ ثَلَاثَةً وَسِتِّينَ بَدَنَةً، الحديث.\nقال الترمذي عقب الحديث: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ حُبَابٍ، وَرَأَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ رَوَى هَذَا الحَدِيثَ فِي كُتُبِهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي زِيَادٍ.\nوَسَأَلْتُ مُحَمَّدًا عَنْ هَذَا فَلَمْ يَعْرِفْهُ مِنْ حَدِيثِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَرَأَيْتُهُ لَمْ يَعُدَّ هَذَا الحَدِيثَ مَحْفُوظًا، وقَالَ: إِنَّمَا يُرْوَى عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ مُجَاهِدٍ مُرْسَلًا. اهـ.\nوقال ابن القيم ﵀ في «زاد المعاد» (٢/ ٩٦): فَصْلٌ: فِي سِيَاقِ هَدْيِهِ ﷺ فِي حَجَّتِهِ: لَا خِلَافَ أَنَّهُ لَمْ يَحُجَّ بَعْدَ هِجْرَتِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ سِوَى حَجَّةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ حَجَّةُ الْوَدَاعِ، وَلَا خِلَافَ أَنَّهَا كَانَتْ سَنَةَ عَشْرٍ.\nوَاخْتُلِفَ: هَلْ حَجَّ قَبْلَ الْهِجْرَةِ؟ فَرَوَى الترمذي، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ","vol":"1","page":580},{"text":"﵁ قَالَ: «حَجَّ النَّبِيُّ ﷺ ثَلَاثَ حِجَجٍ: حَجَّتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُهَاجِرَ، وَحَجَّةً بَعْدَمَا هَاجَرَ مَعَهَا عُمْرَةٌ». قَالَ الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ سفيان. قَالَ وَسَأَلْتُ مُحَمَّدًا - يَعْنِي: الْبُخَارِيَّ - عَنْ هَذَا، فَلَمْ يَعْرِفْهُ مِنْ حَدِيثِ الثَّوْرِيِّ، وَفِي رِوَايَةٍ لَا يُعَدُّ هَذَا الْحَدِيثُ مَحْفُوظًا. اهـ.\n\n٣٧ - قال ابن القيم ﵀ في «زاد المعاد» (٢/ ٩٦): وَلَمَّا نَزَلَ فَرْضُ الْحَجِّ، بَادَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْحَجِّ مِنْ غَيْرِ تَأْخِيرٍ، فَإِنَّ فَرْضَ الْحَجِّ تَأَخَّرَ إِلَى سَنَةِ تِسْعٍ أَوْ عَشْرٍ، وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، فَإِنَّهَا وَإِنْ نَزَلَتْ سَنَةَ سِتٍّ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، فَلَيْسَ فِيهَا فَرْضِيَّةُ الْحَجِّ وَإِنَّمَا فِيهَا الْأَمْرُ بِإِتْمَامِهِ وَإِتْمَامِ الْعُمْرَةِ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهِمَا، وَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي وُجُوبَ الِابْتِدَاءِ. اهـ.\nقال الدهلوي في «حجة الوداع» (٦٦): وجزم الشامي بالتسع، وقال: وليس بيد من ادعى التقدم دليل واحد. اهـ من «حاشية رد المحتار» (٢/ ٥٠٠).\n\n٣٨ - هل الحج على الفور أم التراخي؟ وما سبب تأخير النَّبِيّ ﷺ؟\nوالصحيح: أنَّ الحج على الفور لمن استطاع إليه سبيلًا، لحديث: «مَنْ أَرَادَ الْحَجَّ، فَلْيَتَعَجَّلْ»، وللأمر بالمسارعة، والمبادرة بالأعمال.\n\n٣٩ - قَوْلُهُ: (ثُمَّ أَذَّنَ فِي النَّاسِ)، أي: أمر من يؤذن، فإنَّ الآمر فاعل.\n\n٤٠ - قَوْلُهُ: (فِي النَّاسِ)، إطلاق العام ويراد به الخاص.","vol":"1","page":581},{"text":"٤١ - وفيه: إعلام الناس بالأمور المهمة ليتأهبوا لها.\n\n٤٢ - وفيه: إخبار صاحب الشأن بخروجه إذا أمن، أما إذا لم يأمن العدو فإنَّه لا يخبر بوجهته التي يخاف الخروج إليها؛ لحديث كعب بن مالك ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا أَرَادَ غَزْوَةً وَرَّى غَيْرَهَا».\n\n٤٣ - وفيه: أنَّه ﷺ هو الذي حج بالناس حجة الوداع، وأَمَّرَ على الحجاج قبله في العام التاسع أبا بكر ﵁، ففيه: أنَّ الحجاج لا بد لهم من أمير يحج بهم، وعلى ذلك جرى عمل المسلمين على أنَّ أمراء المسلمين هم الذين يقيمون الحج لهم.\n\n٤٤ - وفيه: أهمية رفقة الحجاج للعلماء لتعلم أمور الدين.\n\n٤٥ - وفيه: تبليغ الدعوة، والعلم للناس، بالقول والفعل؛ فإنَّه أراد من ذلك أن يعلموا منه مناسكهم وغيرها من أمور الدين.\n\n٤٦ - وفيه: إشهار دعوة المسلمين، وكثرتهم على الهدى؛ ففي ذلك مزيد عظمة لهم، وهيبة في صدور أعدائهم.\n\n٤٧ - وفيه: أنَّه كلما كثر أهل الحق كان أنفع لهم وللإسلام.\n\n٤٨ - وفيه: التصفية، فلم يحج النَّبِيُّ ﷺ بالناس العام التاسع؛ حتى يصير الحج صافيًا من المنكرات التي يفعلها المشركون.\n\n٤٩ - وفيه: أنَّ العاقبة للمتقين، خرج رَسُولُ اللَّهِ ﷺ من مكة فارًا، ورجع","vol":"1","page":582},{"text":"فاتحًا ثم حاجًا بمن معه من المسلمين، كما قال تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ﴾ [الفتح: ٢٧].\n\n٥٠ - وفيه: أنَّه بعد ابتلاء الله للصالحين يُمَكِّن لهم، قال تعالى: ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾ [النور: ٥٥]، الآية.\n\n٥١ - وفيه: محبة الصحابة لرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وحرصهم على رفقته وأخذ دين الله عنه، من قوله: (فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ بَشَرٌ كَثِيرٌ).\n\n٥٢ - وفيه: التماس العلم من أهله، ليس من كل أحد.\n\n٥٣ - وفيه: أنَّ طريقة السلف الحرص على اتباع رَسُولُ اللهِ ﷺ، فكلهم يريد أن يأتمَّ به، ويقتدي به، ويتبع هديه؛ لمعرفتهم بأمر الله ورسوله بذلك، وأنَّه أحد شرطي صحة قبول العمل اتباع السنة، لحديث: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ».\n\n٥٤ - قَوْلُهُ: (فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ بَشَرٌ كَثِيرٌ)، لم نر دليلًا في تحديد عددهم.\n\n٥٥ - قَوْلُهُ: (وَيَعْمَلَ مِثْلَ عَمَلِهِ)، فيه: أنَّ الأصل التأسي، ولا ينتقل منه إلى القول بأن هذا من خصائص النَّبِيِّ ﷺ إلا بدليل.\n\n٥٦ - وفيه: أنَّ التاريخ المجمع عليه عند الصحابة ﵃ من هجرة النَّبِيِّ ﷺ، فان قوله: (مَكَثَ تِسْعَ سِنِينَ لَمْ يَحُجَّ)، هذا من بداية هجرته، وعلى ذلك جرى عمل الصحابة ﵃، ومن بعدهم في التاريخ الهجري.","vol":"1","page":583},{"text":"٥٧ - قَوْلُهُ: (فَخَرَجْنَا مَعَهُ)، هذا من أدب السلف أن يضيفوا أنفسهم إلى صاحب الشأن تأدبًا، وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: «أَنَّهم صَلَّوا معه الظُّهْرَ بِالْمَدِينَةِ أَرْبَعًا، وَالعَصْرَ بِذِي الحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ، وبَاتَ بِهَا حَتَّى أَصْبَحَ»، أخرجه البخاري (١٥٤٧)، ومسلم (٦٩٠).\n\n٥٨ - وهذا يدل أنَّ خروجه كان نهارًا بعد الظهر.\nقال ابن حزم في «المحلى» (٨٧): قَدْ صَحَّ بِيَقِينٍ لَا خِلَافَ فِيهِ أَنَّهُ ﷺ، إنَّمَا أَحْرَمَ فِي تِلْكَ الْحَجَّةِ إثْرَ صَلَاةِ الظُّهْرِ. اهـ.\nخلاف ما قرره في كتابه «حجة الوداع» (١٤٢)، أنه أحرم قبل الظهر بيسير، ورد عليه العلماء في ذلك، منهم: ابن القيم في «زاد المعاد» (٩٧)، قال: خَرَجَ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ. اهـ. كما سبق في آداب قبل الحج، باب الخروج يوم الخميس.\n\n٥٩ - قَوْلُهُ: (خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، في «صحيح البخاري» (١٥٤٥)، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: «أنَّه ﷺ خرج مِنَ المَدِينَةِ بَعْدَ مَا تَرَجَّلَ، وَادَّهَنَ وَلَبِسَ إِزَارَهُ وَرِدَاءَهُ»، ففيه شرعية تجرد الآفاقي، واستعداده للإحرام قبل الميقات، ولا يهل إلا من الميقات أو محاذاته.\n\n٦٠ - قَوْلُهُ: (حَتَّى أَتَيْنَا ذَا الْحُلَيْفَةِ):\nقال النووي (١١٨١): (ذَو الْحُلَيْفَةِ): بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالْفَاءِ، وَهِيَ: أَبْعَدُ","vol":"1","page":584},{"text":"الْمَوَاقِيتِ مِنْ مَكَّةَ بَيْنَهُمَا نَحْوُ عَشْرِ مَرَاحِلَ أَوْ تِسْعٍ وَهِيَ قَرِيبَةٌ مِنَ الْمَدِينَةِ عَلَى نَحْوِ سِتَّةِ أَمْيَالٍ مِنْهَا. اهـ.\nوهي: ميقات أهل المدينة كما في حديث ابن عمر ﵄، وغيره: «مُهَلُّ أَهْلِ الْمَدِينَةِ»، ومن مرَّ عليها؛ لحديث ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عند البخاري (١٥٢٦)، ومسلم (١١٨١)، قَالَ: «هُنَّ لَهُنَّ، وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ لِمَنْ كَانَ يُرِيدُ الحَجَّ وَالعُمْرَةَ، فَمَنْ كَانَ دُونَهُنَّ، فَمُهَلُّهُ مِنْ أَهْلِهِ، وَكَذَاكَ حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ يُهِلُّونَ مِنْهَا - من مكة -».\n\n٦١ - قَوْلُهُ: (فَوَلَدَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ)، فيه: حرص الصحابة ﵃ رجالًا ونساء على العلم والعبادة؛ فإنَّها حجت وهي في قرب الولادة.\n\n٦٢ - وفيه: تيسير الولادة في الأزمنة الأولى، وكثرة العمليات القيصرية في هذه الأزمان لها أسباب منها: صرف (طبيبات تحديد النسل) للحوامل بعض الأدوية من حقن عند الولادة أو أدوية قبل ذلك تسبب تعقيد الولادة الطبيعية بعد تقدير الله ﷿.\n\n٦٣ - فيه: حج الحامل فرضًا أو تطوعًا.\n\n٦٤ - وفيه: نسبة الولد لأبيه، من قوله: مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، وقال تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥].\n\n٦٥ - قَوْلُهُ: (فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ: كَيْفَ أَصْنَعُ؟) فيه: أنَّهم كانوا يعتبرون العبادة توقيفية على الدليل. وهذا هو الصواب.","vol":"1","page":585},{"text":"٦٦ - قَوْلُهُ: (اغْتَسِلِي)، الأمر هنا للاستحباب.\n\n٦٧ - قال النووي ﵀: وَفِيهِ: صِحَّةُ إِحْرَامِ النُّفَسَاءِ وَالْحَائِضِ، وَاسْتِحْبَابُ اغْتِسَالِهِمَا لِلْإِحْرَامِ، وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَى الْأَمْرِ بِهِ؛ لَكِنْ مَذْهَبُ … الْجُمْهُورِ أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ.\nوَقَالَ الْحَسَنُ وَأَهْلُ الظَّاهِرِ: هُوَ وَاجِبٌ وَالْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ يَصِحُّ مِنْهُمَا جَمِيعُ أَفْعَالِ الْحَجِّ إِلَّا الطَّوَافَ وَرَكْعَتَيْهِ لِقَوْلِهِ ﷺ: «اصْنَعِي مَا يَصْنَعُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي».\nقُلْتُ: وكذا الحائض؛ لقول النَّبِيِّ ﷺ لعائشة ﵂ لما حاضت: «أَنُفِسْتِ؟» (^١)، فسمى الحيض نفاسًا.\nولا خلاف من أحد في أنَّ حكم النفساء حكم الحائض في جميع ما يحرم عليها، وما يحل، وما يسقط عنها، وفي إباحة مباشرتها والاستمتاع بما دون الفرج. اهـ.\nنقله صاحب «موسوعة الاجماع» رقم: (٤١٠٠)، عن عدد من الأئمة.\n\n٦٨ - قال النووي: وَفِيهِ: أَنَّ رَكْعَتَيِ الْإِحْرَامِ سُنَّةٌ لَيْسَتَا بِشَرْطٍ لِصِحَّةِ الْحَجِّ لِأَنَّ أَسْمَاءَ لَمْ تُصَلِّهِمَا. اهـ. ولا أمر بها أحدًا من الصحابة المحرمين معه.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٠٥)، ومسلم (٢٩١٩).","vol":"1","page":586},{"text":"٦٩ - قَوْلُهُ: (وَاسْتَثْفِرِي بِثَوْبٍ)، قال النووي: فِيهِ أَمَرَ الْحَائِضَ وَالنُّفَسَاءَ وَالْمُسْتَحَاضَةَ بِالِاسْتِثْفَارِ، وَهُوَ أَنْ تَشُدَّ فِي وَسَطِهَا شَيْئًا، وَتَأْخُذَ خِرْقَةً عَرِيضَةً تَجْعَلُهَا عَلَى مَحَلِّ الدَّمِ، وَتَشُدَّ طَرَفَيْهَا مِنْ قُدَّامِهَا وَمِنْ وَرَائِهَا فِي ذَلِكَ الْمَشْدُودِ فِي وَسَطِهَا. اهـ.\nقُلْتُ: وهذا الأمر لا يختص بالمحرمة؛ بل كل حائض ونفساء، تتحفظ حتى يسيل الدم في تلك الحفاظة ولا ينجس ما عداها؛ لأن دم الحيض والنفساء نجس؛ لقول الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢].\nفلهذه الآية، وأمر النَّبِيِّ ﷺ: الحائض عند طهرها بالغسل، أجمعوا على وجوب غسل الحائض والنفساء عند طهرها، كما في «موسوعة الإجماع» (٧٩٧)، وأجمعوا على أنَّ دم الحيض نجس كما في «إجماعات العبادات، طبع الدرر السنية» (٤٢).\n\n٧٠ - قَوْلُهُ: (وَأَحْرِمِي):\nتقدم قول النووي: فِيهِ صِحَّةُ إِحْرَامِ النُّفَسَاءِ، وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ. اهـ.\n\n٧١ - قُلْتُ: وفيه: أنَّ الحائض والنفساء تذكر الله فإنَّ الإهلال ذكر لله تعالى، وقد قال لعائشة ﵂: «افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي».\n\n٧٢ - والحاج يذكر الله ويقرأ القرآن.","vol":"1","page":587},{"text":"وفي «صحيح مسلم» (١٢٠٩)، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «نُفِسَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ، بِمُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ بِالشَّجَرَةِ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَبَا بَكْرٍ يَأْمُرُهَا أَنْ تَغْتَسِلَ، وَتُهِلَّ»، وفي «صحيح مسلم» (١٢١٣) عَنْ جَابِرٍ ﵁، قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى عَائِشَةَ ﵂، فَوَجَدَهَا تَبْكِي، فَقَالَ: «مَا شَأْنُكِ؟» قَالَتْ: شَأْنِي أَنِّي قَدْ حِضْتُ، وَقَدْ حَلَّ النَّاسُ وَلَمْ أَحْلِلْ وَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ، وَالنَّاسُ يَذْهَبُونَ إِلَى الْحَجِّ الْآنَ، فَقَالَ: «إِنَّ هَذَا أَمْرٌ كَتَبَهُ اللهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ فَاغْتَسِلِي، ثُمَّ أَهِلِّي بِالْحَجِّ».\n\n٧٣ - وإذا أمر النَّبِيُّ ﷺ النفساء بالغسل للإحرام فلغيرها من باب أولى، وقد اختلف في الغسل قبل الإحرام: فذهب جمهور العلماء أنَّه مستحب؛ لقول ابْنِ عُمَرَ ﵁: «مِنَ السُّنَّةِ أَنْ يَغْتَسِلَ الرَّجُلُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُحْرِمَ»، أخرجه البزار كما في «كشف الأستار» (١/ ١١)، وهو حديث صحيح مخرج في «الصحيح المسند» لشيخنا ﵀ رقم: (٧١٥).\nوعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵄، أَنَّهُ «رَأَى النَّبِيَّ ﷺ تَجَرَّدَ لِإِهْلَالِهِ وَاغْتَسَلَ»، أخرجه الترمذي (٨٣٠)، والدارمي رقم (١٨٣٥)، والبيهقي (٥/ ٣٢)، وابن خزيمة (٢٥٩٥)، والحاكم (١/ ٤٤٧)، من طريق ابْنِ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِيهِ به، وهذا حديث صحيح بما قبله.\nوله شاهد عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمر النُّفَسَاءَ وَالحَائِضَ تَغْتَسِلُ، وَتُحْرِمُ، وَتَقْضِي المَنَاسِكَ كُلَّهَا، غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفَ بِالبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرَ»،","vol":"1","page":588},{"text":"أخرجه الترمذي (٩٤٥)، وأبو داود (١٧٤٤)، وفيه خُصَيْفُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ضعيف؛ لكنه في الشواهد فهو صحيح لغيره.\nقال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ٨٤): وَلَيْسَ ذَلِكَ وَاجِبًا فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْإِحْرَامَ جَائِزٌ بِغَيْرِ اغْتِسَالٍ، وَأَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ. اهـ.\nقُلْتُ: ذهب ابن حزم في «المحلى» مسألة (٨٢٤)، إلى وجوبه على النفساء ومثلها الحائض، للأمر لهما به في الحديثين المذكورين.\nوقال الشوكاني: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ - أمر النفساء بالغسل - لِقَذَرِ النِّفَاسِ فَلَا يَصْلُحُ لِلِاسْتِدْلَالِ بِهِ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ مُطْلَقِ الْغُسْلِ. اهـ.\nقُلْتُ: القول: بالاستحباب هو الأصل، والصواب.\nوبوب النووي في الحج من «صحيح مسلم» (١٦) على الحديثين: بَابُ إِحْرَامِ النُّفَسَاءِ، وَاسْتِحْبَابِ اغْتِسَالِهَا لِلْإِحْرَامِ، وَكَذَا الْحَائِضُ.\nوقال: وَفِيهِ: صِحَّةُ إِحْرَامِ النُّفَسَاءِ وَالْحَائِضِ، وَاسْتِحْبَابُ اغْتِسَالِهِمَا لِلْإِحْرَامِ، وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَى الْأَمْرِ بِهِ؛ لَكِنْ مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالْجُمْهُورِ: أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ.","vol":"1","page":589},{"text":"وَقَالَ الْحَسَنُ، وَأَهْلُ الظَّاهِرِ: هُوَ وَاجِبٌ، وَالْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ يَصِحُّ مِنْهُمَا جَمِيعُ أَفْعَالِ الْحَجِّ إِلَّا الطَّوَافَ وَرَكْعَتَيْهِ، لِقَوْلِهِ ﷺ: «اصْنَعِي مَا يَصْنَعُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بالبيت». اهـ.\n\n٧٤ - لم يذكر الطيب بعد الغسل، وقد بوب البخاري في «صحيحه» في الْحَجِّ (١٨): بَابُ الطِّيبِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ، وساق (١٥٣٩) عَنْ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَتْ: «كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللهِ ﷺ لِإِحْرَامِهِ حِينَ يُحْرِمُ، وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ»، واخرجه مسلم (١١٨٩/ ٣٣) وبوب عليه النووي: بَابُ الطِّيبِ لِلْمُحْرِمِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ.\nوفي البخاري (١٥٣٨)، ومسلم (١١٩٠)، قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: «كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ الطِّيبِ فِي مَفَارِقِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ مُحْرِمٌ»، والوبيص: البريق واللمعان. والمفرق: وسط الرأس حيث يفرق فيه الشعر.\nقال النووي ﵀: وَفِيهِ: دَلَالَةٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ الطِّيبِ عِنْدَ إِرَادَةِ الْإِحْرَامِ وَأَنَّهُ لَا بَأْسَ بِاسْتِدَامَتِهِ، وَهَذَا مَذْهَبُنَا، وَبِهِ قَالَ خَلَائِقُ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَالتَّابِعِينَ، وَجَمَاهِيرُ الْمُحَدِّثِينَ، وَالْفُقَهَاءِ. اهـ.\n\n٧٥ - قَوْلُهُ: (فَصَلَّى):\nقال النووي: فِيهِ اسْتِحْبَابُ رَكْعَتَيِ الْإِحْرَامِ.","vol":"1","page":590},{"text":"وقال تحت رقم (١١٨٦/ ٢١)، - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ كَانَ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَرْكَعُ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ -:\nفِيهِ: اسْتِحْبَابُ صَلَاةِ الرَّكْعَتَيْنِ عِنْدَ إِرَادَةِ الْإِحْرَامِ وَيُصَلِّيهِمَا قَبْلَ الْإِحْرَامِ وَيَكُونَانِ نَافِلَةً هَذَا مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً إِلَّا مَا حَكَاهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ: أَنَّهُ اسْتَحَبَّ كَوْنَهُمَا بَعْدَ صَلَاةِ فَرْضٍ.\nقَالَ: لِأَنَّهُ رُوِيَ أَنَّ هَاتَيْنِ الرَّكْعَتَيْنِ كَانَتَا صَلَاةَ الصُّبْحِ، - لحديث: عُمَرَ ﵁، يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ بِوَادِي الْعَقِيقِ يَقُولُ: «أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتٍ مِنْ رَبِّي، فَقَالَ: صَلِّ فِي هَذَا الْوَادِي الْمُبَارَكِ (^١)، وَقُلْ: عُمْرَةً فِي حَجَّةٍ»، أخرجه البخاري (١٥٣٤) -.\nوَالصَّوَابُ: مَا قَالَهُ الْجُمْهُورُ وَهُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ.\nقَالَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ: وَهَذِهِ الصَّلَاةُ سُنَّةٌ لَوْ تَرَكَهَا فَاتَتْهُ الْفَضِيلَةُ، وَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَلَا دَمَ. اهـ.\nقُلْتُ: ليس في الحديث ما يدل أنَّه صلى ركعتين للإحرام خاصة به؛ ففي «صحيح البخاري» «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى الصُّبْحَ، ثُمَّ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ»، ففي مجموع\n_________\n(^١) قال ابن كثير في «البداية والنهاية» (٥/ ١١٤): ذُو الْحُلَيْفَةِ، وَهِيَ وَادِي الْعَقِيقِ. اهـ.","vol":"1","page":591},{"text":"الأدلة أنَّه صلى الظهر بالمدينة، وصلى العصر بذي الحليفة، وبات فيها، وصلى الصبح في الوادي المبارك، ذي الحليفة، ثم أهل منها.\nقال شيخ الاسلام كما في «اختيارات البعلي» (١٧٠): وَيَحْرُمُ عَقِبَ فَرْضٍ إنْ كَانَ أَوْ نَفْلٍ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلْإِحْرَامِ صَلَاةٌ تَخُصُّهُ. اهـ.\nقُلْنَا: ولو وافق وقت ضحى أو نفلًا مطلقًا في غير وقت كراهة فصلى، أمر طيب، لحديث ابن عمر ﵄ المذكور.","vol":"1","page":592},{"text":"الشَّرحُ:\n\n٧٦ - قَوْلُهُ: (فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ):\nوهذه الصلاة التي ركب بعدها هي الصبح، كما في البخاري رقم (١٧١٥)، عَنْ أَنَسٍ ﵁: «ثُمَّ بَاتَ حَتَّى أَصْبَحَ، فَصَلَّى الصُّبْحَ، ثُمَّ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ».\nقال القاضي في «إكمال المعلم»: ليس المبيت بها من السُنن، ولا من حدود الحج، لكن من فعله تأسيًا بالنبى ﷺ فحسنٌ. اهـ.\n\n٧٧ - وطيَّبَته عائشة ﵂ ثم طاف على نسائه، ثم اغتسل ثم طيَّبَته لإحرامه كما في البخاري (٢٧٠) ومسلم (١١٩٢).\nقال ابن القيم في «الزاد» (٢/ ٢٧٨): - الطِيبُ للطُواف عَلَى نِسَائِهِ - لَيْسَ فِيهِ مَا يَمْنَعُ الطِّيبَ الثَّانِيَ عِنْدَ إِحْرَامِهِ. اهـ.\n\n٧٨ - قَوْلُهُ: (ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ):\nقال القرطبي ﵀ في «المفهم» (٣/ ٣٢٢): الْقَصْوَاءُ، والجدعاء، والعضباء. والخرماء، والمخضرمة: كلها أسماء لناقةٍ واحدةٍ.\nوالجدع، والخرم، والقصو: قطع طرف أذنها. اهـ.","vol":"1","page":593},{"text":"٧٩ - قَوْلُهُ: (حَتَّى إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ عَلَى الْبَيْدَاءِ):\nوفي حديث ابْنِ عُمَرَ ﵄، «أنَّه أَهَلَّ مِنْ عِنْدِ الشَّجَرَةِ، حِينَ قَامَ بِهِ بَعِيرُهُ»، وبوب عليه البخاري رقم (١٥٥٢)، بَابُ مَنْ أَهَلَّ حِينَ اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ، وأخرجه ابن ماجه (٢٩١٦)، «كَانَ إِذَا أَدْخَلَ رِجْلَهُ فِي الْغَرْزِ، وَاسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ - قائمة -، أَهَلَّ»، وهو صحيح.\n\n• فهذه<span data-type='title' id=toc-437> السنة الأولى: الإهلال بعد الركوب.</span>\nويجمع بين ما في «صحيح البخاري» (١٥٤٥) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ انْطَلَقَ مِنَ المَدِينَةِ بَعْدَ مَا تَرَجَّلَ، وَادَّهَنَ وَلَبِسَ إِزَارَهُ وَرِدَاءَهُ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، فَلَمْ يَنْهَ عَنْ شَيْءٍ مِنَ الأَرْدِيَةِ وَالأُزُرِ تُلْبَسُ إِلَّا المُزَعْفَرَةَ الَّتِي تَرْدَعُ عَلَى الجِلْدِ، فَأَصْبَحَ بِذِي الحُلَيْفَةِ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ حَتَّى اسْتَوَى عَلَى البَيْدَاءِ، أَهَلَّ هُوَ وَأَصْحَابُهُ». اهـ المراد.\nوجمع بين الحديثين لفظ حديث ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عند أبي داود رقم (١٧٧٠)، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أهل من ذي الحليفة، فنقل إهلاله من سمعه، وكرر الإهلال والتلبية من بعدها بقليل وهو ما يسمى: (بالبيداء)، فنقل كلٌّ ما سمع، وهذا جمع حسن، وكذا جمع الحافظ في «الفتح».\n• السنة الثانية: بعد استقبال القبلة بالراحلة إن استطاع، وبوب عليه","vol":"1","page":594},{"text":"البخاري رقم (١٥٥٣) الإِهْلَالِ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ، وفيه، عن ابن عمر ﵄ «يَسْتَقْبَلُ القِبْلَةَ قَائِمًا، ثُمَّ يُلَبِّي».\n• والسنة الثالثة: بعد استقبال القبلة قبل الاهلال، وبوب عليها البخاري (١٥٥١) بَابُ التَّحْمِيدِ وَالتَّسْبِيحِ وَالتَّكْبِيرِ، قَبْلَ الإِهْلَالِ، عِنْدَ الرُّكُوبِ عَلَى الدَّابَّةِ، وساق عَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: «صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ مَعَهُ بِالْمَدِينَةِ الظُّهْرَ أَرْبَعًا، وَالعَصْرَ بِذِي الحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ بَاتَ بِهَا حَتَّى أَصْبَحَ، ثُمَّ رَكِبَ حَتَّى اسْتَوَتْ بِهِ عَلَى البَيْدَاءِ، حَمِدَ اللَّهَ، وَسَبَّحَ، وَكَبَّرَ، ثُمَّ أَهَلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ، وَأَهَلَّ النَّاسُ بِهِمَا».\n\n٨٠ - (البَيْدَاءُ): وهي كما قال الحافظ: فَوْقَ عِلْمِي ذِي الْحُلَيْفَةِ لِمَنْ صَعَدَ مِنَ الْوَادِي.\n\n٨١ - قَوْلُهُ: (مِنْ رَاكِبٍ وَمَاشٍ):\nقال النووي: فِيهِ جَوَازُ الْحَجِّ رَاكِبًا وَمَاشِيًا، وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ [الحج: ٢٧].\nوَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ - على أنَّ - الرُّكُوبُ أَفْضَلُ، اقْتِدَاءً بِالنَّبِيِّ ﷺ؛ وَلِأَنَّهُ أَعْوَنُ لَهُ عَلَى وَظَائِفِ مَنَاسِكِهِ؛ وَلِأَنَّهُ أَكْثَرُ نَفَقَةً. اهـ.\n\n٨٢ - قَوْلُهُ: (وَرَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَ أَظْهُرِنَا، وَعَلَيْهِ يَنْزِلُ الْقُرْآنُ):\nفيه أنَّ القرآن منه ما نزل في السفر والحضر، وأنَّ القرآن نزل مبينًا، قال تعالى:","vol":"1","page":595},{"text":"﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤].\n\n٨٣ - قَوْلُهُ: (وَمَا عَمِلَ بِهِ مِنْ شَيْءٍ عَمِلْنَا بِهِ):\nهذا أصل في الاتباع إلا ما دل عليه خصوصيته ﷺ، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، وقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧].\nوقال النَّبِيُّ ﷺ: «لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ»، ففيه حجية السنة، وخلاف ذلك خلاف للإجماع، ومشاقة لرسول الله ﷺ.\n\n٨٤ - قَوْلُهُ: (فَأَهَلَّ):\nأي: من ذي الحليفة من عند المسجد، وقد بوب البخاري في الحَجِّ من «صحيحه» باب (٢٠) بَابُ الإِهْلَالِ عِنْدَ مَسْجِدِ ذِي الحُلَيْفَةِ، وساق عَنِ ابْنَ عُمَرَ ﵄، قال: «مَا أَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَّا مِنْ عِنْدِ مَسْجِد ذِي الحُلَيْفَةِ» (^١).\nقال النووي عنده: وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ مِيقَاتَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنْ عِنْدِ مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ وَلَا يَجُوزُ لَهُمْ تَأْخِيرُ الْإِحْرَامِ إِلَى الْبَيْدَاءِ وَبِهَذَا قَالَ جَمِيعُ الْعُلَمَاءِ. اهـ.\n_________\n(^١) وأخرجه مسلم (١١٨٦).","vol":"1","page":596},{"text":"٨٥ - قَوْلُهُ: (بِالتَّوْحِيدِ): دليل على أنَّ التلبية كلها توحيد.\n\n٨٦ - قَوْلُهُ: (لَسْنَا نَنْوِي إِلَّا الْحَجَّ، لَسْنَا نَعْرِفُ الْعُمْرَةَ):\nأي: في أشهر الحج، فقد كانوا يعتبرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور، كما في البخاري (١٥٦٤)، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ العُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الحَجِّ مِنْ أَفْجَرِ الفُجُورِ فِي الأَرْضِ، وَيَجْعَلُونَ المُحَرَّمَ صَفَرًا، وَيَقُولُونَ: إِذَا بَرَا الدَّبَرْ، وَعَفَا الأَثَرْ، وَانْسَلَخَ صَفَرْ، حَلَّتِ العُمْرَةُ لِمَنِ اعْتَمَرْ، قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ صَبِيحَةَ رَابِعَةٍ مُهِلِّينَ بِالحَجِّ فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً، فَتَعَاظَمَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الحِلِّ؟ قَالَ: «حِلٌّ كُلُّهُ» (^١).\n\n٨٧ - قَوْلُهُ: (حَتَّى إِذَا أَتَيْنَا الْبَيْتَ مَعَهُ):\n\n<span data-type='title' id=toc-441>لم يصح في رفع اليدين والدعاء عند رؤية البيت حديثٌ، وصلاة تحية المسجد عند دخول المسجد الحرام محدثة،</span> فإن النَّبِيَّ ﷺ أول ما دخله بدأ الطواف كما في سياق هذا الحديث.\nقال ابن كثير ﵀ في «البداية والنهاية» (٤١٣): وَقَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ التَّيْمِيُّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ\n_________\n(^١) وأخرجه مسلم (١٢٤٠).","vol":"1","page":597},{"text":"مَالِكٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: «صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الظُّهْرَ فِي مَسْجِدِهِ بِالْمَدِينَةِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ صَلَّى بِنَا الْعَصْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ، آمِنًا لَا يَخَافُ، فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ»، تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ مِنْ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ الْآخَرَيْنِ وَهُمَا عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ.\nوَهَذَا يَنْفِي كَوْنَ خُرُوجِهِ ﵊، يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَطْعًا، وَلَا يَجُوزُ عَلَى هَذَا أَنْ يَكُونَ خُرُوجُهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ كَمَا قَالَ ابْنُ حَزْمٍ; لِأَنَّهُ كَانَ يَوْمَ الرَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّ أَوَّلَ ذِي الْحِجَّةِ كَانَ يَوْمَ الْخَمِيسِ; لِمَا ثَبَتَ بِالتَّوَاتُرِ وَالْإِجْمَاعِ مِنْ أَنَّهُ، ﵊، وَقَفَ بِعَرَفَةَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَهُوَ تَاسِعُ ذِي الْحِجَّةِ بِلَا نِزَاعٍ. فَلَوْ كَانَ خُرُوجُهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ الرَّابِعَ وَالْعِشْرِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ، لَبَقِيَ فِي الشَّهْرِ سِتُّ لَيَالٍ قَطْعًا; لَيْلَةُ الْجُمُعَةِ، وَالسَّبْتِ، وَالْأَحَدِ، وَالِاثْنَيْنِ، وَالثُّلَاثَاءِ، وَالْأَرْبِعَاءِ، فَهَذِهِ سِتُّ لَيَالٍ.\nوَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَائِشَةُ، وَجَابِرٌ: إِنَّهُ خَرَجَ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ. وَتَعَذَّرَ أَنَّهُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ; لِحَدِيثِ أَنَسٍ، فَتَعَيَّنَ عَلَى هَذَا أَنَّهُ، ﵊، خَرَجَ مِنَ الْمَدِينَةِ يَوْمَ السَّبْتِ، وَظَنَّ الرَّاوِي أَنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تَامًّا، فَاتَّفَقَ فِي تِلْكَ السَّنَةِ نُقْصَانُهُ فَانْسَلَخَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ، وَاسْتَهَلَّ شَهْرُ ذِي الْحِجَّةِ لَيْلَةَ الْخَمِيسِ.\nوَيُؤَيِّدُهُ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ جَابِرٍ: لِخَمْسٍ بَقِينَ أَوْ أَرْبَعٍ.\nوَهَذَا التَّقْرِيرُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ لَا مَحِيدَ عَنْهُ، وَلَا بُدَّ مِنْهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. اهـ.","vol":"1","page":598},{"text":"٨٨ - قَوْلُهُ: (اسْتَلَمَ الرُّكْنَ):\nأخرجه أبو داود (١٨٧٦)، والنسائي (٢٩٥٠)، من طريق عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَدَعُ أَنْ يَسْتَلِمَ الرُّكْنَ الْيَمَانِيَ، وَالْحَجَرَ فِي كُلِّ طَوْفَةٍ». قَالَ: وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ. وهذا سند صحيح، رجاله ثقات، وتقدم أنَّ هذا مستحب، ما لم يشق على نفسه أو يضر غيره.\nقَوْلُهُ: (حَتَّى إِذَا أَتَيْنَا الْبَيْتَ مَعَهُ، اسْتَلَمَ الرُّكْنَ):\n\n٨٩ - فيه: أنَّهم استمروا على التلبية حتى بدأوا في الطواف كما قدمنا.\n\n٩٠ - وفيه: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ جمع بين تقبيل الحجر واستلامه:\n\n٩١ - وفيه: أنَّ الرمل في الثلاثة الأشواب سنة، والمشي في الأربعة الباقية سنة.\n\n٩٢ - وفيه: الموالاة بين الطواف، وأداء ركعتين الطواف ثم السعي.\n\n٩٣ - وفيه: شرعية قراءة الآية إذا صلى خلف المقام.\n\n٩٤ - وفيه: استحباب الصلاة خلف المقام.\nقَوْلُهُ: (فَرَمَلَ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا):\n\n٩٥ - لم يذكر الذكر والدعاء حال الطواف، وقد ثبت عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّمَا جُعِلَ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَرَمْيُ الْجِمَارِ لِإِقَامَةِ ذِكْرِ اللَّهِ».\n\n٩٦ - وجاء أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا","vol":"1","page":599},{"text":"حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١)﴾ [البقرة: ٢٠١] (^١)، وهو ذكر عظيم، قَالَ أَنَسٌ ﵁: كَانَ أَكْثَرُ دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ: «اللَّهُمَّ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ» (^٢).\n\n٩٧ - ورفع اليدين في الدعاء حال الطواف والسعي، محدث.\n\n٩٨ - وليس للطواف ذكر خاص به، بل يكثر من جوامع الدعاء، وما شاء من خيري الدنيا والآخرة، وإن أذن المؤذن ردد معه، وإن كان في وقت أذكار صباح أو مساء قرأها حال طوافه، ويذكر الله بما تيسر له.\n\n<span data-type='title' id=toc-442>بحث قوله: (ثُمَّ نَفَذَ إِلَى مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ) وبيان أنَّ موضع مقام إبراهيم هو في مكانه الآن من زمن رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا ولم يكن ملصقًا بالكعبة</span>\nقال القاري في «مرقاة المفاتيح» (٥/ ١٧٦٦): مَحَلَّ الْمُقَامِ الْآنَ هُوَ الَّذِي كَانَ فِي عَهْدِهِ ﵊ عَلَى الصَّحِيحِ، وَأَمَّا مَا جَاءَ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵃ أَنَّهُ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ أَرْبَعَةُ أَذْرُعٍ، فَلَمَّا كَثُرَ النَّاسُ وَتَضَيَّقُوا أَخَّرَهُ عُمَرُ إِلَى مَحَلِّهِ الْآنَ فَهُوَ غَرِيبٌ. اهـ.\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في «الكبرى» (٩٢٩٠)\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٣٨٩)، ومسلم (٢٦٩٠).","vol":"1","page":600},{"text":"وقال البخاري ﵀ بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]، (٣٩٥): حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، قَالَ: سَأَلْنَا ابْنَ عُمَرَ عَنْ رَجُلٍ طَافَ بِالْبَيْتِ العُمْرَةَ، وَلَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، أَيَأْتِي امْرَأَتَهُ؟ فَقَالَ: «قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ، فَطَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا، وَصَلَّى خَلْفَ المَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، وَطَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ»، وَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ.\nقال الحافظ ابن حجر في «الفتح»: قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]): وَقَعَ فِي رِوَايَتِنَا وَاتَّخِذُوا بِكَسْرِ الْخَاءِ عَلَى الْأَمْرِ وَهِيَ إِحْدَى الْقِرَاءَتَيْنِ وَالْأُخْرَى بِالْفَتْحِ عَلَى الْخَبَرِ.\nوَالْأَمْرُ دَالٌّ عَلَى الْوُجُوبِ لَكِنِ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى جَوَازِ الصَّلَاةِ إِلَى جَمِيعِ جِهَاتِ الْكَعْبَةِ فَدَلَّ عَلَى عَدَمِ التَّخْصِيصِ، وَهَذَا بِنَاءٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِمَقَامِ إِبْرَاهِيمَ الْحَجَرُ الَّذِي فِيهِ أَثَرُ قَدَمَيْهِ، وَهُوَ مَوْجُودٌ إِلَى الْآنِ.\nوَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْمُرَادُ بِمَقَامِ إِبْرَاهِيمَ الْحَرَمُ كُلُّهُ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَقَدْ ثَبَتَ دَلِيلُهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ (١٢١٨) مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ.\nثم قال: وَقَدْ رَوَى الْأَزْرَقِيُّ فِي أَخْبَارِ مَكَّةَ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ أَنَّ الْمَقَامَ كَانَ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي هُوَ فِيهِ الْآنَ.\nحَتَّى جَاءَ سَيْلٌ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ فَاحْتَمَلَهُ حَتَّى وُجِدَ بِأَسْفَلِ مَكَّةَ فَأُتِيَ بِهِ فَرُبِطَ","vol":"1","page":601},{"text":"إِلَى أَسْتَارِ الْكَعْبَةِ حَتَّى قَدِمَ عُمَرُ فَاسْتَثْبَتَ فِي أَمْرِهِ حَتَّى تَحَقَّقَ مَوْضِعَهُ الْأَوَّلَ فَأَعَادَهُ إِلَيْهِ وَبَنَى حَوْلَهُ فَاسْتَقَرَّ ثَمَّ إِلَى الْآنَ. اهـ.\n\n٩٩ - قَوْلُهُ - بعد ركعتي الطواف -: (ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الرُّكْنِ فَاسْتَلَمَهُ):\nقال ابن قدامة في «المغني» (٥/ ٢٣٤): فَصْلٌ: وَإِذَا فَرَغَ مِنْ الرُّكُوعِ، وَأَرَادَ الْخُرُوجَ إلَى الصَّفَا، اُسْتُحِبَّ أَنْ يَعُودَ فَيَسْتَلِمَ الْحَجَرَ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَعَلَ ذَلِكَ. ذَكَرَهُ جَابِرٌ فِي صِفَةِ حَجِّ النَّبِيِّ ﷺ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ. وَبِهِ قَالَ النَّخَعِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. اهـ.\nقُلْتُ: أثر ابن عمر ﵄ أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (٨/ ٢٣٩).\nقال ابن أبي شيبة في «المصنف» (٨/ ٢٣٩): حَدَّثنا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّهُ كَانَ لَا يَخْرُجُ مِنَ الْمَسْجِدِ حَتَّى يَسْتَلِمَ، كَانَ فِي طَوَافٍ، أَوْ في غَيْرِ طَوَافٍ. وهذا سند صحيح، لكن هذا فعله النبي ﷺ بعد طواف قدومه، ولم يُنقل أنَّه كان إذا دخل البيت فصلى وأراد الانصراف رجع إلى الركن فاستلمه، وخير الهدي هديه، وتقدمت هذه المسألة، وبيان أنَّ استلام الحجر الأسود لغير طواف ليست من السنة، إلا في طواف يتبعه سعيٌ.\n\n١٠٠ - قَوْلُهُ: (أَنْجَزَ وَعْدَهُ):\nأي: وفَّى بوعده في أنَّه مظهر دينه، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ","vol":"1","page":602},{"text":"بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾ [التوبة: ٣٣].\n\n١٠١ - قَوْلُهُ: (وَنَصَرَ عَبْدَهُ):\nيعني: عبده ورسوله محمدًا ﷺ، قال تعالى في أول سورة الفتح: ﴿وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا (٣)﴾ [الفتح: ٣].\n\n١٠٢ - قَوْلُهُ: (وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ):\nهَزَمَ الْأَحْزَابَ - أحزاب الكفر يوم الخندق - وَحْدَهُ، بغير قتال، كما قال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ [الأحزاب: ٩]، وأعم من ذلك في جميع أحزاب الكفر.\n\n١٠٣ - قَوْلُهُ: (ثُمَّ دَعَا بَيْنَ ذَلِكَ):\nأخرج الفاكهي في «أخبار مكة» رقم (١٤١٢)، قال: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَجِيدِ بْنُ أَبِي رَوَّادٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ ﵄، وَقُلْتُ لَهُ: هَلْ مِنْ قَوْلٍ كَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ ﵄ يَلْزَمُهُ؟ قَالَ: لَا تَسْأَلْ عَنْ ذَلِكَ قَالَ: يُكَبِّرُ وَيَدْعُو، قُلْتُ: هَلْ مِنْ قَوْلٍ كَانَ يَلْزَمُهُ قَالَ: لَا تَسْأَلْ عَنْ ذَلِكَ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ فَأَبَيْتُ أَنْ أَدَعَهُ حَتَّى يُخْبِرَنِي قَالَ: فَإِنَّهُ كَانَ يُطِيلُ الْقِيَامَ حَتَّى لَوْلَا الْحَيَاءُ مِنْهُ لَجَلَسْتُ قَالَ: فَيُكَبِّرُ عَبْدُ اللهِ ثَلَاثًا ثُمَّ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا","vol":"1","page":603},{"text":"اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ثُمَّ يَدْعُو طَوِيلًا يَرْفَعُ صَوْتَهُ وَيَخْفِضُهُ، حَتَّى أَنَّهُ لَيَسْأَلُهُ أَنْ يَقْضِيَ عَنْهُ مَغْرَمَهُ فِيمَا يَسْأَلُهُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ ثَلَاثًا، ثُمَّ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ثُمَّ يَدْعُو طَوِيلًا يَرْفَعُ صَوْتَهُ وَيَخْفِضُهُ، حَتَّى أَنَّهُ لَيَسْأَلُهُ أَنْ يَقْضِيَ مَغْرَمَهُ فِيمَا يَسْأَلُهُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ ثَلَاثًا، ثُمَّ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ثُمَّ يَدْعُو طَوِيلًا يَرْفَعُ صَوْتَهُ وَيَخْفِضُهُ، حَتَّى أَنَّهُ لَيَسْأَلُهُ أَنْ يَقْضِيَ مَغْرَمَهُ فِيمَا يَسْأَلُهُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ ثَلَاثًا، ثُمَّ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ثُمَّ يَسْأَلُ طَوِيلًا كَذَلِكَ حَتَّى يَقُولَ هَؤُلَاءِ التَّكْبِيرَاتِ وَالْقَوْلَ الَّذِي مَعَهُنَّ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ثُمَّ يَسْأَلُ طَوِيلًا كَذَلِكَ حَتَّى يَقُولَ هَؤُلَاءِ التَّكْبِيرَاتِ الثَّلَاثَ وَالْقَوْلَ مَعَهُنَّ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، سَبْعَ مَرَّاتٍ، بَيْنَهُنَّ الدُّعَاءُ وَالْمَسْأَلَةُ الطَّوِيلَةُ، يَقُولُ ذَلِكَ عَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ كُلَّمَا حَجَّ أَوِ اعْتَمَرَ.\nوأخرجه البيهقي في «الكبرى» (٩٤٢١)، فقال: وَأَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الْعَلَوِيُّ ﵀، أنبأ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ النَّصْرَآبَاذِيُّ، ثنا أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ، ثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ رَاشِدٍ الدِّمَشْقِيُّ أَبُو بَكْرٍ، ثنا صَدَقَةُ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قُلْتُ لِنَافِعٍ، فذكره. فمخرج الأثر ابْنُ جُرَيْجٍ، عن نَافِعٍ به، وهذا سند صحيح.\nوقال الفاكهي في «أخبار مكة» رقم (٢/ ٢٢٢): حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زُنْبُورٍ قَالَ:","vol":"1","page":604},{"text":"حَدَّثَنَا فُضَيْلٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: كَانُوا يَقُومُونَ عَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ قَدْرَ مَا يَقْرَأُ الرَّجُلُ عِشْرِينَ أَوْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ آيَةً مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وهذا سند حسن.\nمُحَمَّدُ بْنُ زُنْبُورٍ، لا بأس به، وباقي رجاله ثقات، (وتقدم نظيره في حديث جابر بلفظ النسائي).\n\n١٠٤ - قَوْلُهُ: (حَتَّى إِذَا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ الْوَادِي سَعَى):\nلم يذكر دعاء معينًا أثناء سعيه، ولم يثبت فيه حديث بعينه، إنَّما جعل السعي لذكر الله كما تقدم، فليذكر الله بما تيسر له. وقول عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁، حال سعيه: رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ (وتجاوز عما تعلم) إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعَزُّ الْأَكْرَمُ، ثابت عنه عند ابن أبي شيبة، والبيهقي (٥/ ٩٥)؛ لكن هذا اجتهاد منه، ليس بحجة.\n\n١٠٥ - قَوْلُهُ: (فَفَعَلَ عَلَى الْمَرْوَةِ كَمَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا): أي: بما فيه الدعاء في كل شوط حتى بعد آخر شوط.\n\n١٠٦ - قَوْلُهُ: (لَوْ أَنِّي اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ):\nفيه جواز الـ (لو)، أما ما أخرجه مسلم في «صحيحه» (٢٦٦٤)، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ، خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ، فَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ اللهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ».","vol":"1","page":605},{"text":"قال ابن الأثير في «النهاية»: (لَوْ) سَاكِنَةُ الْوَاوِ، وَهِيَ حَرْفٌ مِنْ حُرُوفِ الْمَعَانِي، يَمتنِع بِهَا الشَّيْءُ لامْتِناع غَيْرِهِ. اهـ.\nوقال النووي في «شرحه على مسلم» (٢١٦): قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: هَذَا النَّهْيُ إِنَّمَا هُوَ لِمَنْ قَالَهُ مُعْتَقِدًا ذَلِكَ حَتْمًا وَأَنَّهُ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ تُصِبْهُ قَطْعًا فَأَمَّا مَنْ رَدَّ ذَلِكَ إِلَى مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى بِأَنَّهُ لَنْ يُصِيبَهُ إِلَّا ماشاء اللَّهُ فَلَيْسَ مِنْ هَذَا، وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁ فِي الْغَارِ: (لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ رَفَعَ رَأْسَهُ لَرَآنَا).\nقَالَ الْقَاضِي: وَهَذَا لَا حُجَّةٌ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَخْبَرَ عَنْ مُسْتَقْبَلٍ، وَلَيْسَ فِيهِ دَعْوَى لِرَدِّ قدر بعد وقوعه قال، وكذا جميع ماذكره الْبُخَارِيُّ فِي بَابِ مَا يَجُوزُ مِنَ اللَّوِّ كَحَدِيثِ: «لَوْلَا حِدْثَانُ عَهْدِ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ لَأَتْمَمْتُ الْبَيْتَ عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ»، «ولو كنت راجمًا بغير بينة لرجمت هذه»، «ولولا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ»، وَشِبْهِ ذَلِكَ، فَكُلُّهُ مُسْتَقْبَلٌ لَا اعْتِرَاضَ فِيهِ عَلَى قَدَرٍ، فَلَا كَرَاهَةَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَخْبَرَ عَنِ اعْتِقَادِهِ فِيمَا كَانَ يَفْعَلُ لَوْلَا الْمَانِعُ، وَعَمَّا هُوَ فِي قُدْرَتِهِ، فَأَمَّا مَا ذَهَبَ فَلَيْسَ فِي قُدْرَتِهِ.\nقَالَ الْقَاضِي: فَاَلَّذِي عِنْدِي فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ: أَنَّ النَّهْيَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَعُمُومِهِ لَكِنَّهُ نَهْيُ تَنْزِيهٍ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﷺ: «فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ»، أَيْ: يُلْقِي فِي الْقَلْبِ مُعَارَضَةَ الْقَدَرِ، وَيُوَسْوِسُ بِهِ الشَّيْطَانُ، هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي.\nقُلْتُ: وَقَدْ جَاءَ مِنَ اسْتِعْمَالِ (لَوْ) فِي الْمَاضِي، قَوْلُهُ ﷺ: «لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ","vol":"1","page":606},{"text":"أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا سُقْتُ الْهَدْيَ»، وَغَيْرُ ذَلِكَ.\nفَالظَّاهِرُ أَنَّ النَّهْيَ إِنَّمَا هُوَ عَنْ إِطْلَاقِ ذَلِكَ فِيمَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ، فَيَكُونُ نَهْيُ تَنْزِيهٍ لَا تَحْرِيمٍ، فَأَمَّا من قاله تأسفًا على ما فات من طاعة الله تعالى، أو ما هو مُتَعَذَّرٌ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ، وَنَحْوِ هَذَا، فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ أَكْثَرُ الِاسْتِعْمَالِ الْمَوْجُودِ فِي الْأَحَادِيثِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. اهـ.\nوقال القرطبي في «المفهم» (٦٨٣): إن الذي يتعين بعد وقوع المقدور التسليم لأمر الله، والرضا بما قدره الله تعالى، والإعراض عن الالتفات لما مضى وفات.\nفإن افتكر فيما فاته من ذلك، وقال: (لو أني فعلت كذا لكان كذا)، جاءته وساوس الشيطان، ولا تزال به حتى تفضي به إلى الخسران؛ لتعارض توهم التدبير سابق المقادير، وهذا هو عمل الشيطان الذي نهى عنه النبي ﷺ بقوله: «فلا تقل: لو، فإنَّ لو تفتح عمل الشيطان»، ولا يفهم من هذا: أنَّه لا يجوز النطق بـ (لو) مطلقًا؛ إذ قد نطق بها النبي ﷺ فقال: «لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسُق الهدي، ولجعلتها عمرة»، «ولو كنت راجمًا أحدًا بغير بينة لرجمت هذه».\nوقال أبو بكر ﵁: لو أن أحدهم نظر إلى رجليه لرآنا، ومثله كثير، لأنَّ محل النهي عن إطلاقها إنما هو فيما إذا أطلقت في معارضة القدر، أو مع اعتقاد أنَّ ذلك المانع لو ارتفع لوقع خلاف المقدور.\nفأمَّا لو أخبر بالمانع على جهة أن تتعلق به فائدة في المستقبل، فلا يختلف في","vol":"1","page":607},{"text":"جواز إطلاقه؛ إذ ليس في ذلك فتح لعمل الشيطان، ولا شيء يفضي إلى ممنوع، ولا حرام، والله تعالى أعلم. اهـ.\n\n١٠٧ - قَوْلُهُ: (لَمْ أَسُقِ الْهَدْيَ):\nساق هديه من المدينة، كما عند النسائي (٢٧١٣)، وهو صحيح.\n\n١٠٨ - قَوْلُهُ: (بَلْ لِأَبَدِ أَبَدٍ):\nردٌّ على من ادعى أنَّ التمتع خاص بهم، وأخرج ابن ماجه (١٩٧٧)، أنَّ النَّبِيّ ﷺ قَامَ خَطِيبًا بذي الحليفة، فَقَالَ: «أَلَا إِنَّ الْعُمْرَةَ، قَدْ دَخَلَتْ فِي الْحَجِّ، إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»، وهو منقطع بين طَاوُسٍ، وسُرَاقَةَ بْنِ مَالِكٍ، فطَاوُسٌ لم يسمع من سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكٍ، روايته عنه مرسلة كما في «تحفة التحصيل» والذي هنا أصح: أنه خطب على المروة.\n\n١٠٩ - قَوْلُهُ: (وَقَدِمَ عَلِيٌّ مِنَ الْيَمَنِ بِبُدْنِ النَّبِيِّ ﷺ: لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ بعثه إلى اليمن ساعيًا، كما في البخاري (٤٣٤٩)، فرجع بسعايته إلى مكة.\nهذا ما يسره الله نحو مائة فائدة على هذا الحديث نسأل الله أن ينفعنا بها وإخواننا المسلمين.","vol":"1","page":608}]}