{"ً":{"ٌ":30148,"ٍ":"لماذا التوحيد أولا","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"shamela","files":["30148/30148.pdf"]},"ّ":"الكتاب: لماذا التوحيد أولا؟\nالمؤلف: محمد بن خليفة بن علي التميمي\nاعتنى به وأعده للنشر: عبد الجبار بن عبد العظيم آل ماجد\nالناشر: (دار الأماجد، الناشر المتميز) - (الرياض - السعودية)\nالطبعة: الأولى، ١٤٤٥ هـ - ٢٠٢٤ م\nعدد الصفحات: ٦٦٥\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":1083,"ٕ":1,"ٖ":1781462454,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مقدمة","level":1,"page":1},{"title":"الفصل الأول فضل التوحيد وأهميته ومكانته","level":1,"page":5},{"title":"تمهيد","level":2,"page":6},{"title":"١. مما يدل على أهميته أن التوحيد أول الدين وآخره وظاهره وباطنه","level":2,"page":8},{"title":"٢. ومما يدل على أهميته أن الإيمان بالله الذي هو التوحيد هو خير العمل","level":2,"page":10},{"title":"٣. ومما يدل على أهميته أن التوحيد جماع الدين","level":2,"page":11},{"title":"٤. ومما يدل على أهميته أن التوحيد هو الصراط المستقيم","level":2,"page":15},{"title":"٥. ومما يدل على أهميته أن التوحيد برهان على أن الحق واحد وهو الصراط المستقيم","level":2,"page":17},{"title":"٦. ومما يدل على أهميته أن كلمة التوحيد هي الأعلى","level":2,"page":22},{"title":"٧. ومما يدل على أهميته أن كلمة التوحيد أعلى شعب الإيمان","level":2,"page":23},{"title":"٨. ومما يدل على أهميته أن التوحيد أول منازل الطريق، وأول مقام يقوم فيه السالك إلى الله تعالى","level":2,"page":25},{"title":"٩. ومما يدل على أهميته أن التوحيد أول ما يدخل به في الإسلام، وآخر ما يخرج به من الدنيا","level":2,"page":26},{"title":"١٠. ومما يدل على أهميته أن التوحيد أول واجب على المكلف","level":2,"page":26},{"title":"١١. ومما يدل على أهميته أن التوحيد هو حق الله على العبيد","level":2,"page":29},{"title":"١٢. ومما يدل على أهميته أن التوحيد هو الغاية من خلق الإنس والجن","level":2,"page":34},{"title":"١٣. ومما يدل على أهميته أن التوحيد أصل الدين وأول ما دعت إليه الرسل","level":2,"page":36},{"title":"١٤. ومما يدل على أهميته أن التوحيد هو الأساس الذي قام عليه دين الإسلام","level":2,"page":43},{"title":"١٥. ومما يدل على أهميته أن التوحيد من أجله انقسم الناس إلى مؤمن وكافر وبينهما ولاء وبراء","level":2,"page":45},{"title":"١٦. ومما يدل على أهميته أن التوحيد هو دعوة الحق","level":2,"page":47},{"title":"١٧. ومما يدل على أهميته أن التوحيد قطب رحى الإسلام","level":2,"page":48},{"title":"١٨. ومما يدل على أهميته أن التوحيد هو الدين الخالص","level":2,"page":50},{"title":"١٩. ومما يدل على أهميته أن التوحيد يتضمن كمال المحبة لله تعالى","level":2,"page":52},{"title":"٢٠. ومما يدل على أهميته أن التوحيد أساس دعوة الرسل","level":2,"page":56},{"title":"٢١. ومما يدل على أهميته أن التوحيد مفتاح دعوة الرسل","level":2,"page":62},{"title":"٢٢. ومما يدل على أهميته أن التوحيد خلاصة الدعوة النبوية، وزبدة الرسالة الإلهية","level":2,"page":64},{"title":"٢٣. ومما يدل على أهميته أن التوحيد أصل دين الأنبياء وإن اختلفت شرائعهم","level":2,"page":65},{"title":"٢٤. ومما يدل على أهميته أن التوحيد هو وصيته سبحانه لأنبيائه ورسله","level":2,"page":69},{"title":"٢٥. ومما يدل على أهميته أن التوحيد من أجله أنزل الله الكتب","level":2,"page":72},{"title":"٢٦. ومما يدل على أهميته أن من تمام التوحيد شهادة أن محمدا رسول الله","level":2,"page":74},{"title":"٢٧. ومما يدل على أهميته أن التوحيد بمثابة الأصل والأعمال الظاهرة هي الفروع","level":2,"page":75},{"title":"٢٨. ومما يدل على أهميته أن التوحيد هو أول المأمورات، وضده هو أول المنهيات","level":2,"page":76},{"title":"٢٩. ومما يدل على أهميته أن التوحيد من أجله شرع الجهاد","level":2,"page":77},{"title":"٣٠. ومما يدل على أهميته أن التوحيد وصية الأنبياء لذريتهم","level":2,"page":81},{"title":"٣١. ومما يدل على أهميته أن كلمة التوحيد أفضل الحسنات","level":2,"page":82},{"title":"٣٢. ومما يدل على أهميته أن التوحيد أشرف العلوم وأفضلها على الإطلاق","level":2,"page":82},{"title":"٣٣. ومما يدل على أهميته أن التوحيد سيد العلوم وهو أصل لها","level":2,"page":90},{"title":"٣٤. ومما يدل على أهميته أن التوحيد أصل العلوم كلها","level":2,"page":90},{"title":"٣٥. ومما يدل على أهميته أن الحاجة إلى التوحيد أعظم الحاجات","level":2,"page":96},{"title":"٣٦. ومما يدل على أهميته أن التوحيد أعظم مشهود عليه","level":2,"page":100},{"title":"٣٧. ومما يدل على أهميته أن الشهادتان صدر التوحيد","level":2,"page":101},{"title":"٣٨. ومما يدل على أهميته أن التوحيد رتبة لا تليق إلا بالله وحده","level":2,"page":101},{"title":"٣٩. ومما يدل على أهميته أن التوحيد آخر ما يخرج به من الدنيا","level":2,"page":102},{"title":"٤٠. ومما يدل على أهميته أن التوحيد الله فرض عين على كل إنسان","level":2,"page":104},{"title":"٤١. ومما يدل على أهميته أن توحيد الله أصل عظيم في منهج السلف","level":2,"page":106},{"title":"٤٢. ومما يدل على أهميته أن التوحيد شعار أهل السنة والجماعة","level":2,"page":107},{"title":"٤٣. ومما يدل على أهميته أن التوحيد هو ما يسأل عنه جميع الخلق","level":2,"page":108},{"title":"٤٤. ومما يدل على أهميته أن التوحيد طريق الحق","level":2,"page":108},{"title":"٤٥. ومما يدل على أهميته أن التوحيد سبيل التقوى","level":2,"page":110},{"title":"٤٦. ومما يدل على أهميته أن التوحيد هو ملة إبراهيم","level":2,"page":114},{"title":"٤٧. ومما يدل على أهميته أن التوحيد هو عهد الله","level":2,"page":119},{"title":"٤٨. ومما يدل على أهميته أن التوحيد أعظم نعم الله","level":2,"page":126},{"title":"٤٩. ومما يدل على أهميته أن التوحيد منة من الله على عباده الموحدين","level":2,"page":130},{"title":"٥٠. ومما يدل على أهميته أن كلمة التوحيد أبلغ الثناء","level":2,"page":133},{"title":"٥١. ومما يدل على أهميته أن كلمة التوحيد هي الكلمة الباقية","level":2,"page":133},{"title":"٥٢. ومما يدل على أهميته أن كلمة التوحيد هي الدعوة التامة","level":2,"page":136},{"title":"٥٣. ومما يدل على أهميته أن كلمة التوحيد هي القول السديد","level":2,"page":137},{"title":"٥٤. ومما يدل على أهميته أن التوحيد أصل في إقامة الدين","level":2,"page":138},{"title":"٥٥. ومما يدل على أهميته أن التوحيد أعظم ما أمر الله به","level":2,"page":142},{"title":"٥٦. ومما يدل على أهميته أن ضد التوحيد الشرك وهو أعظم ما نهي الله عنه","level":2,"page":144},{"title":"٥٧. ومما يدل على أهميته أن التوحيد يحسم مواد الشرك","level":2,"page":147},{"title":"٥٨. ومما يدل على أهميته أن الله ﷿ قضى، ووصى، وحكم، وأمر بالتوحيد","level":2,"page":150},{"title":"٥٩. ومما يدل على أهميته أن التوحيد رأس المعروف","level":2,"page":150},{"title":"٦٠. ومما يدل على أهميته أن التوحيد هو الإكسير الأعظم","level":2,"page":153},{"title":"٦١. ومما يدل على أهميته أن النعم داعية إلى التوحيد وذاك داع إلى شكرها","level":2,"page":154},{"title":"٦٢. ومما يدل على أهميته أن التوحيد يعزز مكارم الأخلاق","level":2,"page":160},{"title":"٦٣. ومما يدل على أهميته أن بالتوحيد تحرم الدماء والأعراض ويدخل المرء الإسلام","level":2,"page":162},{"title":"٦٤. ومما يدل على أهميته أن التوحيد سبب النجاة","level":2,"page":163},{"title":"٦٥. ومما يدل على أهميته أن التوحيد يعين صاحبه على حسن الخاتمة","level":2,"page":165},{"title":"٦٦. ومما يدل على أهميته أن التوحيد زينة لصاحبه","level":2,"page":167},{"title":"٦٧. ومما يدل على أهميته أن التوحيد شرط لقبول العمل","level":2,"page":173},{"title":"٦٨. ومما يدل على أهميته أن التوحيد قرين السنة كما أن البدعة قرينة الشرك","level":2,"page":178},{"title":"٦٩. ومما يدل على أهميته أن كلمة التوحيد هي الموجبة","level":2,"page":179},{"title":"٧٠. ومما يدل على أهميته أن كل آية في القرآن فهي متضمنة للتوحيد شاهدة به داعية إليه","level":2,"page":180},{"title":"٧١. ومما يدل على أهميته أن سور التوحيد أفضل من غيرها","level":2,"page":182},{"title":"٧٢. ومما يدل على أهميته أن التوحيد يعدل ثلث القرآن","level":2,"page":185},{"title":"٧٣. ومما يدل على أهميته أن آيات التوحيد أكثر ورودا في القرآن من آيات الأحكام","level":2,"page":187},{"title":"٧٤. ومما يدل على أهميته أن التوحيد نور والشرك ظلمات","level":2,"page":189},{"title":"٧٥. ومما يدل على أهميته أن التوحيد هو العدل وعليه مدار الأمور كلها","level":2,"page":193},{"title":"٧٦. ومما يدل على أهميته أن التوحيد مركوز في الفطر والشرك طارئ ودخيل عليها","level":2,"page":199},{"title":"٧٧. ومما يدل على أهميته أن حسن التوحيد وقبح الشرك معلومان بالعقل","level":2,"page":204},{"title":"٧٨. ومما يدل على أهميته أن عبودية التوحيد أسمى المقامات","level":2,"page":207},{"title":"٧٩. ومما يدل على أهميته أن التوحيد هو الكلمة السواء التي بيننا وبين أهل الكتاب","level":2,"page":207},{"title":"٨٠. ومما يدل على أهميته أن العبادة لا تسمى عبادة إلا مع التوحيد","level":2,"page":211},{"title":"٨١. ومما يدل على أهميته أن التوحيد إحسان للظن بالله","level":2,"page":213},{"title":"٨٢. ومما يدل على أهميته أن التوحيد أول الحقوق","level":2,"page":216},{"title":"٨٣. ومما يدل على أهميته أن التوحيد نظامه القدر","level":2,"page":217},{"title":"الفصل الثاني ثمرات التوحيد","level":1,"page":222},{"title":"١. من ثمراته أن التوحيد سبب في منع وقوع النفوس في العلو وحب الرئاسة","level":2,"page":223},{"title":"٢. من ثمراته أن التوحيد جزاؤه الإحسان من الله تعالى","level":2,"page":225},{"title":"٣. من ثمراته أن التوحيد سبب في حلول البركة","level":2,"page":226},{"title":"٤. من ثمراته أن التوحيد يجعل النفوس سماوية علوية","level":2,"page":226},{"title":"٥. من ثمراته أن التوحيد لا يقبل من قلب الموحد أن يكون لغير الله","level":2,"page":228},{"title":"٦. من ثمراته أن التوحيد طهر لصاحبه","level":2,"page":228},{"title":"٧. من ثمراته أن السعادة تنال بالتوحيد","level":2,"page":232},{"title":"٨. من ثمراته أن التوحيد يرسخ في الإنسان أنه عبد لله وأنه إليه راجع وهذا معنى إنا لله وإنا إليه راجعون","level":2,"page":240},{"title":"٩. من ثمراته أن التوحيد يورث المحبة والإجلال والتعظيم، والخوف والرجاء وتوابع ذلك","level":2,"page":241},{"title":"١٠. التوحيد مقرون بالعدل والعزة والحكمة في منهج السلف","level":2,"page":245},{"title":"١١. التوحيد مورث لخشية الله تعالى","level":2,"page":247},{"title":"١٢. من ثمراته أنه كلما قوي التوحيد في قلب العبد قوي إيمانه وطمأنينته وتوكله ويقينه","level":2,"page":249},{"title":"١٣. من ثمراته أن التوحيد يصحح عمل القلب","level":2,"page":252},{"title":"١٤. من ثمراته أن التوحيد إذا كمل في القلب حبب الله لصاحبه الإيمان وزينه في قلبه، وكره إليه الكفر والفسوق والعصيان","level":2,"page":253},{"title":"١٥. من ثمراته أن التوحيد يحيط الله صاحبه بما يؤدبه ويهذبه","level":2,"page":255},{"title":"١٦. من ثمراته أن التوحيد يفتح أبواب الخير","level":2,"page":258},{"title":"١٧. من ثمراته أن التوحيد صفاء للعيش وطيب للحياة","level":2,"page":259},{"title":"١٨. من ثمراته أن التوحيد يدعو إلى محبة الله","level":2,"page":261},{"title":"١٩. من ثمراته أن التوحيد حامل على تعظيم الله والحياء منه","level":2,"page":264},{"title":"٢٠. من ثمراته أن التوحيد إظهار لكمال سلطان الله وغلبته وقهره وهيمنته على. كل شيء","level":2,"page":267},{"title":"٢١. من ثمراته أن التوحيد يستفتح به النهار ويختتم","level":2,"page":268},{"title":"٢٢. من ثمراته أن التوحيد دعوة للإقرار بنعم الله العظيمة: الظاهرة والباطنة، والدينية والدنيوية","level":2,"page":270},{"title":"٢٣. من ثمراته أن التوحيد تقرير بأن النفع والضر بيد الله","level":2,"page":272},{"title":"٢٤. من ثمراته أن كلمة التوحيد تخرق لها الحجب وتفتح لها أبواب السماء","level":2,"page":274},{"title":"٢٥. من ثمراته أن التوحيد سبب لإجابة الدعاء","level":2,"page":275},{"title":"٢٦. من ثمراته أن التوحيد دعوة للتوكل على الله في كل الأحوال","level":2,"page":276},{"title":"٢٧. من ثمراته أن التوحيد يد عوك للا فتقار والتذلل بين يدي الله","level":2,"page":278},{"title":"٢٨. من ثمراته أن التوحيد يدعوك للانكسار بين يدي الله","level":2,"page":285},{"title":"٢٩. من ثمراته أن التوحيد تثبيت لإلهية الحق في قلب المؤمن","level":2,"page":288},{"title":"٣٠. من ثمراته أن التوحيد موجب لحمد الله والثناء عليه","level":2,"page":290},{"title":"٣١. من ثمراته أن التوحيد حرز من الوقوع في ضلال الشرك","level":2,"page":293},{"title":"٣٢. من ثمراته أن كلمة التوحيد حرز من الشيطان","level":2,"page":295},{"title":"٣٣. من ثمراته أن تحقيق كلمة التوحيد يوجب عتق الرقاب","level":2,"page":302},{"title":"٣٤. من ثمراته أن التوحيد سبب لنيل رضا الله","level":2,"page":303},{"title":"٣٥. من ثمراته أن توحيد الله موجب لنيل حلاوة الإيمان","level":2,"page":310},{"title":"٣٦. من ثمراته أن توحيد الله موجب للأنس بالله","level":2,"page":313},{"title":"٣٧. من ثمراته أن أهل التوحيد أحق الناس برحمته","level":2,"page":315},{"title":"٣٨. من ثمراته أن التوحيد نجاة من شتات الأمر والحيرة","level":2,"page":316},{"title":"٣٩. من ثمراته أن التوحيد سبب للثبات والاستقامة","level":2,"page":319},{"title":"٤٠. من ثمراته أن التوحيد يدعو الموحد لقبول الحق من كائن من كان","level":2,"page":326},{"title":"٤١. من ثمراته أن التوحيد حياة الدنيا","level":2,"page":326},{"title":"٤٢. من ثمراته أن التوحيد سد لباب الغلو في الصالحين","level":2,"page":326},{"title":"٤٣. من ثمراته أن التوحيد أحد الهجرتين المتوجبتين على كل قلب","level":2,"page":327},{"title":"٤٤. من ثمراته أن التوحيد هو السبب الأعظم لتفريج كربات الدنيا والآخرة، يدفع الله به العقوبات في الدارين، ويبسط به النعم والخيرات","level":2,"page":328},{"title":"٤٥. من ثمراته أن التوحيد سبب لتحقق الإيمان","level":2,"page":329},{"title":"٤٦. من ثمراته أن التوحيد يجعل النفوس سماوية علوية","level":2,"page":331},{"title":"٤٧. من ثمراته أن التوحيد سبب للفلاح","level":2,"page":332},{"title":"٤٨. من ثمراته أن التوحيد شرط في تحقيق التوكل","level":2,"page":335},{"title":"٤٩. من ثمراته أن التوحيد شرط في الأمن والاهتداء التام","level":2,"page":336},{"title":"٥٠. من ثمراته أن التوحيد يحقق الرجاء بالله وحده","level":2,"page":339},{"title":"٥١. من ثمراته أن التوحيد صفوف أهله في روضات الجنات مصفوفة","level":2,"page":341},{"title":"٥٢. من ثمراته أن التوحيد حصن الله الأعظم","level":2,"page":341},{"title":"٥٣. من ثمراته أن كلمة التوحيد تثمر لقائلها عملا صالحا كل وقت","level":2,"page":343},{"title":"٥٤. من ثمراته أن كلمة التوحيد أفضل الذكر","level":2,"page":347},{"title":"٥٥. من ثمراته أن كلمة التوحيد أفضل الكلام","level":2,"page":348},{"title":"٥٦. من ثمراته أن كلمة التوحيد من الباقيات الصالحات","level":2,"page":348},{"title":"٥٧. من ثمراته أن كلمة التوحيد كان النبي ﷺ يدعو بها عند الكرب","level":2,"page":349},{"title":"٥٨. من ثمراته أن التوحيد مقرون بالتحميد","level":2,"page":349},{"title":"٥٩. من ثمراته أن التوحيد والاستغفار بهما يكمل الدين","level":2,"page":352},{"title":"٦٠. من ثمراته أن التوحيد شرط في قبول الاستغفار","level":2,"page":359},{"title":"٦١. من ثمراته أن كلمة التوحيد تثقل الميزان","level":2,"page":360},{"title":"٦٢. من ثمراته أن كلمة التوحيد من أحب الكلام إلى الله","level":2,"page":365},{"title":"٦٣. من ثمراته أن المعرض عن التوحيد مشرك، شاء أم أبى","level":2,"page":365},{"title":"٦٤. من ثمراته أن التوحيد أصل كل زكاء ونماء","level":2,"page":366},{"title":"٦٥. من ثمراته أن أهل التوحيد هم أسعد الناس بشفاعة النبي ﷺ","level":2,"page":375},{"title":"٦٦. من ثمراته أن الكلمة التى تحط بها الخطايا، هي كلمة التوحيد","level":2,"page":376},{"title":"٦٧. من ثمراته أن التوحيد إذا تم وكمل في القلب وتحقق تحققا كاملا بالإخلاص التام، فإنه يصير القليل من عمله كثيرا","level":2,"page":377},{"title":"٦٨. من ثمراته أن أهل التوحيد أبعد الناس عن التلبس بالنجاسات","level":2,"page":378},{"title":"٦٩. من ثمراته أن صاحب التوحيد له من العزة بحسب ما معه من التوحيد","level":2,"page":379},{"title":"٧٠. من ثمراته أن التوحيد يورث الهمة العالية","level":2,"page":384},{"title":"٧١. من ثمراته أن التوحيد تكفل الله لأهله بالفتح والنصر في الدنيا، والعز والشرف","level":2,"page":389},{"title":"٧٢. من ثمراته أن التوحيد يحرر العبد من رق المخلوقين","level":2,"page":391},{"title":"٧٣. من ثمراته أن التوحيد أول ما يسأل عنه العبد في قبره","level":2,"page":393},{"title":"٧٤. من ثمراته أن قيام التوحيد مانع لقيام الساعة","level":2,"page":394},{"title":"٧٥. من ثمراته أن التوحيد يدخل الله به الجنة","level":2,"page":396},{"title":"٧٦. من ثمراته أن التوحيد يمنع دخول النار بالكلية إذا كمل في القلب","level":2,"page":397},{"title":"٧٧. من ثمراته أن التوحيد يمنع الخلود في النار إذا كان في القلب منه أدنى مثقال حبة من خردل وأنه إذا اكتمل في القلب يمنع دخول النار بالكلية","level":2,"page":401},{"title":"٧٨. من ثمراته أن الأعمال والأقوال متوقفة في قبولها وكمالها على التوحيد","level":2,"page":406},{"title":"٧٩. من ثمراته أن الكمل من أهل التوحيد يدخلون الجنة بغير حساب","level":2,"page":409},{"title":"٨٠. من ثمراته أن كلمة التوحيد توجب البراءة من الشرك وأهله","level":2,"page":410},{"title":"٨١. من ثمراته أن كلمة التوحيد فيها تبرئة من الشرك الأصغر وتكفره","level":2,"page":411},{"title":"٨٢. من ثمراته أن التوحيد يسهل على العبد فعل الخيرات، وترك المنكرات","level":2,"page":412},{"title":"٨٣. من ثمراته أن التوحيد يشرح الصدر ويخفف عن العبد المكاره، ويهون عليه الآلام، ويسليه عن المصائب","level":2,"page":413},{"title":"٨٤. من ثمراته أن التوحيد أول ما يتم البدء به مع الأطفال في تعليمهم","level":2,"page":419},{"title":"٨٥. من ثمراته أن الله يدفع عن الموحدين أهل الإيمان شرور الدنيا والآخرة","level":2,"page":420},{"title":"٨٦. من ثمراته أن الله يمن على أهل التوحيد بالحياة الطيبة والطمأنينة إليه والطمأنينة بذكره","level":2,"page":421},{"title":"٨٧. من ثمراته أن التوحيد غذاء الإنسان وقوته وصلاحه وقوامه","level":2,"page":424},{"title":"٨٨. من ثمراته أن التوحيد سلعة الله مشتريها","level":2,"page":428},{"title":"٨٩. من ثمراته أن التوحيد يعطى الموحد مهابة وحلاوة بحسب إيمانه","level":2,"page":428},{"title":"٩٠. من ثمراته أن بكمال التوحيد تكمل البراءة من الشرك والكبر","level":2,"page":432},{"title":"٩١. من ثمراته أن التوحيد سبب في تكفير الذنوب ومحو الخطايا","level":2,"page":433},{"title":"٩٢. من ثمراته أنه إذا ظهر التوحيد في مكان هربت الشياطين","level":2,"page":435},{"title":"٩٣. من ثمراته أن التوحيد يدفع وساوس الشيطان","level":2,"page":437},{"title":"٩٤. من ثمراته أن التوحيد يمنع من تسلط الشيطان ومن ولاية الشيطان","level":2,"page":441},{"title":"٩٥. من ثمراته أن التوحيد يذهب أصل الشرك","level":2,"page":444},{"title":"٩٦. من ثمراته أن التوحيد يسد باب البدع","level":2,"page":445},{"title":"٩٧. من ثمراته أن صحة التوحيد مع وجود الذنوب خير من فساد التوحيد مع عدم الذنوب","level":2,"page":446},{"title":"٩٨. من ثمراته أن التوحيد إذا تم وكمل في القلب وتحقق تحققا كاملا بالإخلاص التام فإنه يصير القليل من عمل العبد كثيرا ويضاعف أعماله وأقواله بغير حصر ولا حساب","level":2,"page":447},{"title":"٩٩. من ثمراته أن التوحيد يحرر العبد من رق المخلوقين والتعلق به","level":2,"page":448},{"title":"١٠٠. من ثمراته أن التوحيد هو الطريق إلى الفوز بمحبة الله ﷿","level":2,"page":450},{"title":"١٠١. من ثمراته أن التوحيد سبب لنيل ولاية الله","level":2,"page":452},{"title":"١٠٢. من ثمراته أن الله تكفل لأهل التوحيد بحصول الهداية والتيسير لليسرى وإصلاح الأحوال والتسديد في الأقوال والأفعال","level":2,"page":455},{"title":"١٠٣. من ثمراته أن التوحيد يصحح الصلة بين الأحياء والأموات","level":2,"page":458},{"title":"١٠٤. من ثمراته أن فقدان التوحيد وعدم تحصيل حقائق الإيمان يهوي بصاحبه في مقامات الظلم والحيرة والشرور ويبعده عن ولاية الله ونصره وتأييده","level":2,"page":458},{"title":"١٠٥. من ثمراته أن في التوحيد السلامة من الخسارة الدنيوية والآخروية","level":2,"page":459},{"title":"١٠٦. من ثمراته أن التوحيد سبب لزوال فقر العبد وفاقته","level":2,"page":461},{"title":"١٠٧. من ثمراته أن الله تكفل لأهل التوحيد بالأمن والطمأنينة والولاية ودخول الجنان","level":2,"page":462},{"title":"١٠٨. من ثمراته أن التوحيد ضمان للنجاة","level":2,"page":464},{"title":"الفصل الثالث: مسميات التوحيد في النصوص الشرعية","level":1,"page":466},{"title":"تمهيد","level":2,"page":467},{"title":"الاسم الأول: التوحيد","level":2,"page":470},{"title":"الاسم الثاني: ومن أسماء التوحيد \"العبادة\"","level":2,"page":480},{"title":"الاسم الثالث: ومن أسماء التوحيد \"الدين\"","level":2,"page":483},{"title":"الاسم الرابع: ومن أسماء التوحيد \"الإيمان بالله\"","level":2,"page":495},{"title":"الاسم الخامس: ومن أسماء التوحيد \"الإسلام\"","level":2,"page":499},{"title":"الاسم السادس: ومن أسماء التوحيد \"كلمة الشهادة\"","level":2,"page":503},{"title":"الاسم السابع: من أسماء التوحيد \"كلمة الله\"","level":2,"page":505},{"title":"الاسم الثامن: ومن أسماء التوحيد \"الكلمة الباقية\"","level":2,"page":507},{"title":"الاسم التاسع: ومن أسماء التوحيد \"الكلمة العاصمة\"","level":2,"page":510},{"title":"الاسم العاشر: ومن أسماء التوحيد \"كلمة الإخلاص\"","level":2,"page":515},{"title":"الاسم الحادي عشر: ومن أسماء التوحيد \"الكلمة الطبية\"","level":2,"page":519},{"title":"الاسم الثاني عشر: ومن أسماء التوحيد \"الكلم الطيب\"","level":2,"page":522},{"title":"الاسم الثالث عشر: ومن أسماء التوحيد \"المثل الأعلى\"","level":2,"page":524},{"title":"الاسم الرابع عشر: ومن أسماء كلمة التوحيد \"أم الخصال الحميدة وأساسها\"","level":2,"page":528},{"title":"الاسم الخامس عشر: ومن أسماء التوحيد \"كلمة التقوى\"","level":2,"page":528},{"title":"الاسم السادس عشر: ومن أسماء التوحيد \"سبيل التقوى\"","level":2,"page":531},{"title":"الاسم السابع عشر: ومن أسماء التوحيد \"السبيل\"","level":2,"page":535},{"title":"الاسم الثامن عشر: ومن أسماء التوحيد \"القول السديد\"","level":2,"page":539},{"title":"الاسم التاسع عشر: ومن أسماء التوحيد \"القول الثابت\"","level":2,"page":541},{"title":"الاسم العشرون: ومن أسماء التوحيد \"الإحسان\"","level":2,"page":543},{"title":"الاسم الحادي والعشرون: ومن أسماء التوحيد \"كلمة الصدق\"","level":2,"page":545},{"title":"الاسم الثاني والعشرون: ومن أسماء التوحيد \"كلمة الرشد\"","level":2,"page":548},{"title":"الاسم الثالث والعشرون: كلمة التوحيد \"أصلها ثابت محكم\"","level":2,"page":549},{"title":"الاسم الرابع والعشرون: ومن أسماء التوحيد \"كلمة العدل\"","level":2,"page":549},{"title":"الاسم الخامس والعشرون: ومن أسماء التوحيد \"الهدى\"","level":2,"page":551},{"title":"الاسم السادس والعشرون: ومن أسماء التوحيد \"الصراط المستقيم\"","level":2,"page":555},{"title":"الاسم السابع والعشرون: ومن أسماء التوحيد \"طريق الحق\"","level":2,"page":557},{"title":"الاسم الثامن والعشرون: ومن أسماء التوحيد \"الطريق الأقوم\"","level":2,"page":559},{"title":"الاسم التاسع والعشرون: ومن أسماء التوحيد \"دعوة الحق\"","level":2,"page":562},{"title":"الاسم الثلاثون: ومن أسماء التوحيد \"كلمة الحق\"","level":2,"page":564},{"title":"الاسم الواحد والثلاثون: ومن أسماء التوحيد \"الحق المبين\"","level":2,"page":570},{"title":"الاسم الثاني والثلاثون: ومن أسماء التوحيد \"القول المرضي\"","level":2,"page":570},{"title":"الاسم الثالث والثلاثون: ومن أسماء التوحيد \"الزكاة\"","level":2,"page":572},{"title":"الاسم الرابع والثلاثون: ومن أسماء التوحيد \"الدعوة إلى الله\"","level":2,"page":581},{"title":"الاسم الخامس والثلاثون: ومن أسماء التوحيد \"نعمة الله\"","level":2,"page":582},{"title":"الاسم السادس والثلاثون: ومن أسماء التوحيد \"الدين الخالص\"","level":2,"page":584},{"title":"الاسم السابع والثلاثون: ومن أسماء التوحيد \"ملة إبراهيم\"","level":2,"page":587},{"title":"الاسم الثامن والثلاثون: ومن أسماء التوحيد \"صبغة الله\"","level":2,"page":592},{"title":"الاسم التاسع والثلاثون: ومن أسماء التوحيد \"حبل الله\"","level":2,"page":598},{"title":"الاسم الأربعون: ومن أسماء التوحيد \"عهد الله\"","level":2,"page":599},{"title":"الاسم الواحد والأربعون: ومن أسماء التوحيد \"أمر الله\"","level":2,"page":606},{"title":"الاسم الثاني والأربعون: ومن أسماء التوحيد \"الحسنة\"","level":2,"page":607},{"title":"الاسم الثالث والأربعون: ومن أسماء التوحيد \"الحسنى\"","level":2,"page":612},{"title":"الاسم الرابع والأربعون: ومن أسماء التوحيد \"الأحسن\"","level":2,"page":614},{"title":"الاسم الخامس والأربعون: ومن أسماء التوحيد \"العروة الوثقى\"","level":2,"page":615},{"title":"الاسم السادس والأربعون: ومن أسماء التوحيد \"الدعوة التامة\"","level":2,"page":617},{"title":"الاسم السابع والأربعون: ومن أسماء التوحيد \"دعوة الله\"","level":2,"page":618},{"title":"الاسم الثامن والأربعون: ومن أسماء التوحيد \"الكلمة السواء\"","level":2,"page":622},{"title":"الاسم التاسع والأربعون: ومن أسماء التوحيد \"كلمة النجاة\"","level":2,"page":626},{"title":"الاسم الخمسون: ومن أسماء التوحيد \"كلمة الاستقامة\"","level":2,"page":631},{"title":"الاسم الواحد والخمسون: ومن أسماء التوحيد \"العمل الصالح\"","level":2,"page":635},{"title":"الاسم الثاني والخمسون: ومن أسماء التوحيد \"الرشد\"","level":2,"page":639},{"title":"الاسم الثالث والخمسون: ومن أسماء التوحيد \"مقاليد السموات والأرض\"","level":2,"page":642},{"title":"الاسم الرابع والخمسون: ومن أسماء التوحيد \"البر\"","level":2,"page":644},{"title":"الاسم الخامس والخمسون: ومن أسماء التوحيد \"التهليل\"","level":2,"page":646},{"title":"الاسم السادس والخمسون: ومن أسماء التوحيد \"ذكر الله\"","level":2,"page":654},{"title":"الاسم السابع والخمسون: ومن أسماء التوحيد \"الأمانة\"","level":2,"page":655},{"title":"الاسم الثامن والخمسون: ومن أسماء التوحيد \"الكوثر\"","level":2,"page":655},{"title":"الخاتمة","level":1,"page":657}],"ٛ":{"1,5":1,"1,6":2,"1,7":3,"1,8":4,"1,9":5,"1,11":6,"1,12":7,"1,13":8,"1,14":9,"1,15":10,"1,16":11,"1,17":12,"1,18":13,"1,19":14,"1,20":15,"1,21":16,"1,22":17,"1,23":18,"1,24":19,"1,25":20,"1,26":21,"1,27":22,"1,28":23,"1,29":24,"1,30":25,"1,31":26,"1,32":27,"1,33":28,"1,34":29,"1,35":30,"1,36":31,"1,37":32,"1,38":33,"1,39":34,"1,40":35,"1,41":36,"1,42":37,"1,43":38,"1,44":39,"1,45":40,"1,46":41,"1,47":42,"1,48":43,"1,49":44,"1,50":45,"1,51":46,"1,52":47,"1,53":48,"1,54":49,"1,55":50,"1,56":51,"1,57":52,"1,58":53,"1,59":54,"1,60":55,"1,61":56,"1,62":57,"1,63":58,"1,64":59,"1,65":60,"1,66":61,"1,67":62,"1,68":63,"1,69":64,"1,70":65,"1,71":66,"1,72":67,"1,73":68,"1,74":69,"1,75":70,"1,76":71,"1,77":72,"1,78":73,"1,79":74,"1,80":75,"1,81":76,"1,82":77,"1,83":78,"1,84":79,"1,85":80,"1,86":81,"1,87":82,"1,88":83,"1,89":84,"1,90":85,"1,91":86,"1,92":87,"1,93":88,"1,94":89,"1,95":90,"1,96":91,"1,97":92,"1,98":93,"1,99":94,"1,100":95,"1,101":96,"1,102":97,"1,103":98,"1,104":99,"1,105":100,"1,106":101,"1,107":102,"1,108":103,"1,109":104,"1,110":105,"1,111":106,"1,112":107,"1,113":108,"1,114":109,"1,115":110,"1,116":111,"1,117":112,"1,118":113,"1,119":114,"1,120":115,"1,121":116,"1,122":117,"1,123":118,"1,124":119,"1,125":120,"1,126":121,"1,127":122,"1,128":123,"1,129":124,"1,130":125,"1,131":126,"1,132":127,"1,133":128,"1,134":129,"1,135":130,"1,136":131,"1,137":132,"1,138":133,"1,139":134,"1,140":135,"1,141":136,"1,142":137,"1,143":138,"1,144":139,"1,145":140,"1,146":141,"1,147":142,"1,148":143,"1,149":144,"1,150":145,"1,151":146,"1,152":147,"1,153":148,"1,154":149,"1,155":150,"1,156":151,"1,157":152,"1,158":153,"1,159":154,"1,160":155,"1,161":156,"1,162":157,"1,163":158,"1,164":159,"1,165":160,"1,166":161,"1,167":162,"1,168":163,"1,169":164,"1,170":165,"1,171":166,"1,172":167,"1,173":168,"1,174":169,"1,175":170,"1,176":171,"1,177":172,"1,178":173,"1,179":174,"1,180":175,"1,181":176,"1,182":177,"1,183":178,"1,184":179,"1,185":180,"1,186":181,"1,187":182,"1,188":183,"1,189":184,"1,190":185,"1,191":186,"1,192":187,"1,193":188,"1,194":189,"1,195":190,"1,196":191,"1,197":192,"1,198":193,"1,199":194,"1,200":195,"1,201":196,"1,202":197,"1,203":198,"1,204":199,"1,205":200,"1,206":201,"1,207":202,"1,208":203,"1,209":204,"1,210":205,"1,211":206,"1,212":207,"1,213":208,"1,214":209,"1,215":210,"1,216":211,"1,217":212,"1,218":213,"1,219":214,"1,220":215,"1,221":216,"1,222":217,"1,223":218,"1,224":219,"1,225":220,"1,226":221,"1,227":222,"1,229":223,"1,230":224,"1,231":225,"1,232":226,"1,233":227,"1,234":228,"1,235":229,"1,236":230,"1,237":231,"1,238":232,"1,239":233,"1,240":234,"1,241":235,"1,242":236,"1,243":237,"1,244":238,"1,245":239,"1,246":240,"1,247":241,"1,248":242,"1,249":243,"1,250":244,"1,251":245,"1,252":246,"1,253":247,"1,254":248,"1,255":249,"1,256":250,"1,257":251,"1,258":252,"1,259":253,"1,260":254,"1,261":255,"1,262":256,"1,263":257,"1,264":258,"1,265":259,"1,266":260,"1,267":261,"1,268":262,"1,269":263,"1,270":264,"1,271":265,"1,272":266,"1,273":267,"1,274":268,"1,275":269,"1,276":270,"1,277":271,"1,278":272,"1,279":273,"1,280":274,"1,281":275,"1,282":276,"1,283":277,"1,284":278,"1,285":279,"1,286":280,"1,287":281,"1,288":282,"1,289":283,"1,290":284,"1,291":285,"1,292":286,"1,293":287,"1,294":288,"1,295":289,"1,296":290,"1,297":291,"1,298":292,"1,299":293,"1,300":294,"1,301":295,"1,302":296,"1,303":297,"1,304":298,"1,305":299,"1,306":300,"1,307":301,"1,308":302,"1,309":303,"1,310":304,"1,311":305,"1,312":306,"1,313":307,"1,314":308,"1,315":309,"1,316":310,"1,317":311,"1,318":312,"1,319":313,"1,320":314,"1,321":315,"1,322":316,"1,323":317,"1,324":318,"1,325":319,"1,326":320,"1,327":321,"1,328":322,"1,329":323,"1,330":324,"1,331":325,"1,332":326,"1,333":327,"1,334":328,"1,335":329,"1,336":330,"1,337":331,"1,338":332,"1,339":333,"1,340":334,"1,341":335,"1,342":336,"1,343":337,"1,344":338,"1,345":339,"1,346":340,"1,347":341,"1,348":342,"1,349":343,"1,350":344,"1,351":345,"1,352":346,"1,353":347,"1,354":348,"1,355":349,"1,356":350,"1,357":351,"1,358":352,"1,359":353,"1,360":354,"1,361":355,"1,362":356,"1,363":357,"1,364":358,"1,365":359,"1,366":360,"1,367":361,"1,368":362,"1,369":363,"1,370":364,"1,371":365,"1,372":366,"1,373":367,"1,374":368,"1,375":369,"1,376":370,"1,377":371,"1,378":372,"1,379":373,"1,380":374,"1,381":375,"1,382":376,"1,383":377,"1,384":378,"1,385":379,"1,386":380,"1,387":381,"1,388":382,"1,389":383,"1,390":384,"1,391":385,"1,392":386,"1,393":387,"1,394":388,"1,395":389,"1,396":390,"1,397":391,"1,398":392,"1,399":393,"1,400":394,"1,401":395,"1,402":396,"1,403":397,"1,404":398,"1,405":399,"1,406":400,"1,407":401,"1,408":402,"1,409":403,"1,410":404,"1,411":405,"1,412":406,"1,413":407,"1,414":408,"1,415":409,"1,416":410,"1,417":411,"1,418":412,"1,419":413,"1,420":414,"1,421":415,"1,422":416,"1,423":417,"1,424":418,"1,425":419,"1,426":420,"1,427":421,"1,428":422,"1,429":423,"1,430":424,"1,431":425,"1,432":426,"1,433":427,"1,434":428,"1,435":429,"1,436":430,"1,437":431,"1,438":432,"1,439":433,"1,440":434,"1,441":435,"1,442":436,"1,443":437,"1,444":438,"1,445":439,"1,446":440,"1,447":441,"1,448":442,"1,449":443,"1,450":444,"1,451":445,"1,452":446,"1,453":447,"1,454":448,"1,455":449,"1,456":450,"1,457":451,"1,458":452,"1,459":453,"1,460":454,"1,461":455,"1,462":456,"1,463":457,"1,464":458,"1,465":459,"1,466":460,"1,467":461,"1,468":462,"1,469":463,"1,470":464,"1,471":465,"1,473":466,"1,475":467,"1,476":468,"1,477":469,"1,478":470,"1,479":471,"1,480":472,"1,481":473,"1,482":474,"1,483":475,"1,484":476,"1,485":477,"1,486":478,"1,487":479,"1,488":480,"1,489":481,"1,490":482,"1,491":483,"1,492":484,"1,493":485,"1,494":486,"1,495":487,"1,496":488,"1,497":489,"1,498":490,"1,499":491,"1,500":492,"1,501":493,"1,502":494,"1,503":495,"1,504":496,"1,505":497,"1,506":498,"1,507":499,"1,508":500,"1,509":501,"1,510":502,"1,511":503,"1,512":504,"1,513":505,"1,514":506,"1,515":507,"1,516":508,"1,517":509,"1,518":510,"1,519":511,"1,520":512,"1,521":513,"1,522":514,"1,523":515,"1,524":516,"1,525":517,"1,526":518,"1,527":519,"1,528":520,"1,529":521,"1,530":522,"1,531":523,"1,532":524,"1,533":525,"1,534":526,"1,535":527,"1,536":528,"1,537":529,"1,538":530,"1,539":531,"1,540":532,"1,541":533,"1,542":534,"1,543":535,"1,544":536,"1,545":537,"1,546":538,"1,547":539,"1,548":540,"1,549":541,"1,550":542,"1,551":543,"1,552":544,"1,553":545,"1,554":546,"1,555":547,"1,556":548,"1,557":549,"1,558":550,"1,559":551,"1,560":552,"1,561":553,"1,562":554,"1,563":555,"1,564":556,"1,565":557,"1,566":558,"1,567":559,"1,568":560,"1,569":561,"1,570":562,"1,571":563,"1,572":564,"1,573":565,"1,574":566,"1,575":567,"1,576":568,"1,577":569,"1,578":570,"1,579":571,"1,580":572,"1,581":573,"1,582":574,"1,583":575,"1,584":576,"1,585":577,"1,586":578,"1,587":579,"1,588":580,"1,589":581,"1,590":582,"1,591":583,"1,592":584,"1,593":585,"1,594":586,"1,595":587,"1,596":588,"1,597":589,"1,598":590,"1,599":591,"1,600":592,"1,601":593,"1,602":594,"1,603":595,"1,604":596,"1,605":597,"1,606":598,"1,607":599,"1,608":600,"1,609":601,"1,610":602,"1,611":603,"1,612":604,"1,613":605,"1,614":606,"1,615":607,"1,616":608,"1,617":609,"1,618":610,"1,619":611,"1,620":612,"1,621":613,"1,622":614,"1,623":615,"1,624":616,"1,625":617,"1,626":618,"1,627":619,"1,628":620,"1,629":621,"1,630":622,"1,631":623,"1,632":624,"1,633":625,"1,634":626,"1,635":627,"1,636":628,"1,637":629,"1,638":630,"1,639":631,"1,640":632,"1,641":633,"1,642":634,"1,643":635,"1,644":636,"1,645":637,"1,646":638,"1,647":639,"1,648":640,"1,649":641,"1,650":642,"1,651":643,"1,652":644,"1,653":645,"1,654":646,"1,655":647,"1,656":648,"1,657":649,"1,658":650,"1,659":651,"1,660":652,"1,661":653,"1,662":654,"1,663":655,"1,664":656,"1,665":657},"ٜ":{"1":[5,665]},"ٝ":["1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,473","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,494","1,495","1,496","1,497","1,498","1,499","1,500","1,501","1,502","1,503","1,504","1,505","1,506","1,507","1,508","1,509","1,510","1,511","1,512","1,513","1,514","1,515","1,516","1,517","1,518","1,519","1,520","1,521","1,522","1,523","1,524","1,525","1,526","1,527","1,528","1,529","1,530","1,531","1,532","1,533","1,534","1,535","1,536","1,537","1,538","1,539","1,540","1,541","1,542","1,543","1,544","1,545","1,546","1,547","1,548","1,549","1,550","1,551","1,552","1,553","1,554","1,555","1,556","1,557","1,558","1,559","1,560","1,561","1,562","1,563","1,564","1,565","1,566","1,567","1,568","1,569","1,570","1,571","1,572","1,573","1,574","1,575","1,576","1,577","1,578","1,579","1,580","1,581","1,582","1,583","1,584","1,585","1,586","1,587","1,588","1,589","1,590","1,591","1,592","1,593","1,594","1,595","1,596","1,597","1,598","1,599","1,600","1,601","1,602","1,603","1,604","1,605","1,606","1,607","1,608","1,609","1,610","1,611","1,612","1,613","1,614","1,615","1,616","1,617","1,618","1,619","1,620","1,621","1,622","1,623","1,624","1,625","1,626","1,627","1,628","1,629","1,630","1,631","1,632","1,633","1,634","1,635","1,636","1,637","1,638","1,639","1,640","1,641","1,642","1,643","1,644","1,645","1,646","1,647","1,648","1,649","1,650","1,651","1,652","1,653","1,654","1,655","1,656","1,657","1,658","1,659","1,660","1,661","1,662","1,663","1,664","1,665"],"ٞ":{"1":[1],"5":[2],"6":[3],"8":[4],"10":[5],"11":[6],"15":[7],"17":[8],"22":[9],"23":[10],"25":[11],"26":[12,13],"29":[14],"34":[15],"36":[16],"43":[17],"45":[18],"47":[19],"48":[20],"50":[21],"52":[22],"56":[23],"62":[24],"64":[25],"65":[26],"69":[27],"72":[28],"74":[29],"75":[30],"76":[31],"77":[32],"81":[33],"82":[34,35],"90":[36,37],"96":[38],"100":[39],"101":[40,41],"102":[42],"104":[43],"106":[44],"107":[45],"108":[46,47],"110":[48],"114":[49],"119":[50],"126":[51],"130":[52],"133":[53,54],"136":[55],"137":[56],"138":[57],"142":[58],"144":[59],"147":[60],"150":[61,62],"153":[63],"154":[64],"160":[65],"162":[66],"163":[67],"165":[68],"167":[69],"173":[70],"178":[71],"179":[72],"180":[73],"182":[74],"185":[75],"187":[76],"189":[77],"193":[78],"199":[79],"204":[80],"207":[81,82],"211":[83],"213":[84],"216":[85],"217":[86],"222":[87],"223":[88],"225":[89],"226":[90,91],"228":[92,93],"232":[94],"240":[95],"241":[96],"245":[97],"247":[98],"249":[99],"252":[100],"253":[101],"255":[102],"258":[103],"259":[104],"261":[105],"264":[106],"267":[107],"268":[108],"270":[109],"272":[110],"274":[111],"275":[112],"276":[113],"278":[114],"285":[115],"288":[116],"290":[117],"293":[118],"295":[119],"302":[120],"303":[121],"310":[122],"313":[123],"315":[124],"316":[125],"319":[126],"326":[127,128,129],"327":[130],"328":[131],"329":[132],"331":[133],"332":[134],"335":[135],"336":[136],"339":[137],"341":[138,139],"343":[140],"347":[141],"348":[142,143],"349":[144,145],"352":[146],"359":[147],"360":[148],"365":[149,150],"366":[151],"375":[152],"376":[153],"377":[154],"378":[155],"379":[156],"384":[157],"389":[158],"391":[159],"393":[160],"394":[161],"396":[162],"397":[163],"401":[164],"406":[165],"409":[166],"410":[167],"411":[168],"412":[169],"413":[170],"419":[171],"420":[172],"421":[173],"424":[174],"428":[175,176],"432":[177],"433":[178],"435":[179],"437":[180],"441":[181],"444":[182],"445":[183],"446":[184],"447":[185],"448":[186],"450":[187],"452":[188],"455":[189],"458":[190,191],"459":[192],"461":[193],"462":[194],"464":[195],"466":[196],"467":[197],"470":[198],"480":[199],"483":[200],"495":[201],"499":[202],"503":[203],"505":[204],"507":[205],"510":[206],"515":[207],"519":[208],"522":[209],"524":[210],"528":[211,212],"531":[213],"535":[214],"539":[215],"541":[216],"543":[217],"545":[218],"548":[219],"549":[220,221],"551":[222],"555":[223],"557":[224],"559":[225],"562":[226],"564":[227],"570":[228,229],"572":[230],"581":[231],"582":[232],"584":[233],"587":[234],"592":[235],"598":[236],"599":[237],"606":[238],"607":[239],"612":[240],"614":[241],"615":[242],"617":[243],"618":[244],"622":[245],"626":[246],"631":[247],"635":[248],"639":[249],"642":[250],"644":[251],"646":[252],"654":[253],"655":[254,255],"657":[256]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"<span data-type='title' id=toc-1>مقدمة</span>\nإن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عِمْرَان: ١٠٢]\n﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النِّسَاء: ١].\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأَحْزَاب: ٧٠ - ٧١].\nأَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﵌، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِى النَّارِ.","vol":"1","page":5},{"text":"فإن أولى أولويات علم العقيدة علم التوحيد الذي هو باب الإيمان بالله ﷿، فهو أول أركان الإيمان الستة، وأهمها على الإطلاق، وما عداه من الأركان تبع له، وبسلامته مما يضاده ينظر فيما عداه من الأركان.\nوهذا كتاب عنونته باسم \"لماذا التوحيد أولًا؟ \" أهدف من خلاله تسليط الضوء على جوانب أكثر عمقًا تتعلق بآهميةهذا الباب هذا العلم ومكانته ومنزلته، وتسليط الضوء على جوانب تتعلق بثمراته وما يتعلق بها، وكذلك ما يتصل بمسمياته في النصوص الشرعية، وقد وجدت من خلال سنوات تدريسي لعلوم العقيدةأن لذلك الأثر الكبير في نفسي ونفوس الناس عمومًا وطلاب العلم خصوصًا.\nوقد لمست من خلال اطلاعي على ما تم تأليفه في أهمية التوحيد على كثرته أن هناك جوانب لم يشر إليها بشكل موسع ومفصل فأحببت جمع شتات تلك المسائل تحت عنوان واحد بغية إفادة القراء الفضلاء ممن لديهم شغف في الوصول إلى معلومات أكثر دقة وتحديدًا تتعلق بهذه الجزئيات الدقيقة من مسائل التوحيد، فالعلم كما وصفه بعض العلماء: \"المتعمق في العلم كالسابح في البحر ليس يرى أرضًا، ولا يعرف طولًا ولا عرضا\" (^١).\nوقد حرصت على بيان معتقد أهل السنة والجماعة في المسائل المتعلقة بأهمية التوحيد وثمراته ومسمياته بشكل يجمع بين الشمولية والتعمق، بغية جمع شتات المسائل المتعلقة بهذا الجانب، وهي مسائل متناثرة ومتفرقة\n_________\n(^١) أدب الدنيا والدين للماوردي ص ٣٧.","vol":"1","page":6},{"text":"في ثنايا كتب أهل السنة، وقد بذلت جهدي وطاقتي في جمعها وترتيبها وتبويبها وإخراجها في نسق تنتظم معه تلك المسائل، ليسهل بعد ذلك معرفتها والاطلاع عليها.\nوالتأليف في هذا الجانب حرصت أن يكون بعيدًا عن ذكر جوانب الاختلاف في باب التوحيد ومسائله، فالتأليف عند أهل السنة والجماعة ينقسم من حيث غرضه وهدفه إلى قسمين هما:\n• القسم الأول: العرض.\n• والقسم الثاني: الرد.\nويتميز القسم الأول وهو الذي سلكته في هذا التأليف بأنه يهدف إلى بيان المسائل مجردة عن ذكر أقوال المخالفين بغية دعوة الناس إلى معرفة هذا الدين من خلال ما جاءت به نصوص القرآن والسنة وأقوال السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. وذلك على اعتبار أن أكثر الناس قلوبهم مفطورة على محبة الله وما يقرب إليه ما يحبه ويرضاه، كما أن في ذلك دعوة للمخالف لسماع الحق والاستجابة لشرع الله ودينه القويم بعيدًا عن تحريفات الغالين وشبهات المبطلين.\nوقد قمت بتقسيم الكتاب إلى مقدمة وثلاثة فصول وخاتمة:\n• المقدمة\n• الفصل الأول: فضل التوحيد وأهميته ومكانته.","vol":"1","page":7},{"text":"• الفصل الثاني: ثمرات التوحيد.\n• الفصل الثالث: أسماء التوحيد.\n• الخاتمة.\nولعل فيما كتبته إضافة جديدة لهذا الجانب من جوانب علم التوحيد، والله أسأل أن ينفع بما جمعت وقيدت، وأن يجعله عملًا صالحًا وخالصًا لوجهه الكريم، وهوسبحانه الموفق والهادي إلى سواء السبيل.\nكتبه\nأ. د/ محمد بن خليفة التميمي","vol":"1","page":8},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2>الفصل الأول\nفضل التوحيد وأهميته ومكانته</span>","vol":"1","page":9},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3>تمهيد</span>\nمن المفيد والمهم لطالب الحق أن يكون لديه معرفة بأهمية هذا التوحيد وما له من قيمة ومنزلة ودور في جانب الاعتقاد على وجه الخصوص، وفي سائر جوانب الدين على وجه العموم، فإيجاد هذا التصور المفيد في ذهن المسلم عما للتوحيد من مكانة عالية ودرجة رفيعة سيعود بإذن الله تعالى عليه بالنفع في إيمانه بالله ﷿، فيولي هذا الجانب القدر الواجب له من الأهمية، كما يزيده ذلك رغبة في التفقه في مسائله ومباحثه وتفريعاته، والتي لا يستغني عنها طالب العلم الراغب في التزود من العلم النافع المفيد.\nلا يخفى على المسلم أهمية الإيمان بالله، فهو أول أركان الإيمان، بل هو أعظمها، فما بقية الأركان إلا تبع له وفرع عنه، وهو أهم ما خلق لها الخلق وأرسلت به الرسل، وأنزلت به الكتب، وأسست عليه الملة، فالإيمان بالله هو أساس كل خير، ومصدر كل هداية، وسبب كل فلاح، ذلك لأن الإنسان لما كان مخلوقا مربوبا عاد في علمه وعمله إلى خالقه وباريه فبه يهتدي، وله يعمل، وإليه يصير، فلا غنى له عنه، وانصرافه إلى غيره هو عين هلاكهوفساده، والإنسان له بالله عن كل شيء عوض، وليس لكل شيء عن الله عوض، فليس للعبد صلاح ولا فلاح إلا بمعرفة ربه وعبادته، فإذا حصل له ذلك فهو الغاية","vol":"1","page":11},{"text":"المرادة له والتي خلق من أجلها، فما سوى ذلك إما فضل نافع، أو فضول غير نافعة، أو فضول ضارة، ولهذا صارت دعوة الرسل لأممهم إلى الإيمان بالله وعبادته، فكل رسول يبدأ دعوته بذلك كما يعلم من تتبع دعوات الرسل في القرآن.\nقال ابن تيمية: \"والقرآن كله مملوء من تحقيق هذا التوحيد والدعوة إليه، وتعليق النجاة والفلاح، واقتضاء السعادة في الآخرة به. ومعلوم أن الناس متفاضلون في تحقيقه، وحقيقته إخلاص الدين كله لله\" (^١).\nقال ابن تيمية: \"قوله تعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فُصِّلَت: ٦ - ٧]، وهي التوحيد والإيمان الذي به يزكو القلب فإنه يتضمن نفي إلهية ما سوى الحق من القلب، وإثبات إلهية الحق في القلب، وهو حقيقة لا إله إلا الله وهذا أصل ما تزكو به القلوب\" (^٢).\nقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: \"الإنسان إذا فتح عليه معرفة الحِكَم من الأحكام الشرعية ازداد إيمانا ويقينا، وعرف بذلك سمو الشريعة الإسلامية، وأنها لا تأمر إلا بالخير، ولا تنهى إلا عن الشر\" (^٣).\n_________\n(^١) منهاج السنة ٥/ ٣٤٧.\n(^٢) أمراض القلوب وشفائها ص: ٨.\n(^٣) أحكام القرآن الكريم ٢/ ١٣٨.","vol":"1","page":12},{"text":"وفي هذا الفصل النقاط الآتية:\n\n<span data-type='title' id=toc-4>١. مما يدل على أهميته أن التوحيد أول الدين وآخره وظاهره وباطنه.</span>\n- عن معاذ ﵁ قال ﷺ: «فليكن أول ما تدعوهم إليه: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله» (^١).\n- قال الفيروز أبادي: \"والدين ورد فى القرآن بمعنى التوحيد والشهادة ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عِمْرَان: ١٩]، ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزُّمَر: ٣]، ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾ [آل عِمْرَان: ٨٣]، أي: التوحيد وله نظائر\" (^٢).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ): \"أول الدين وآخره وظاهره وباطنه هو التوحيد وإخلاص الدين كله لله هو تحقيق قول لا إله إلا الله\" (^٣).\n- وقال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ): \"أصول الإيمان\" وأعلاها وأفضلها هو \"التوحيد\"وهو شهادة أن لا إله إلا الله، كما قال تعالى: ﴿مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُلَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأَنبِيَاء: ٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النَّحْل: ٣٦] وقال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً\n_________\n(^١) رواه البخاري (١٤٥٨)، ومسلم (١٩) بلفظ: «فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله». من حديث ابن عباس ﵄.\n(^٢) بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزي ٢/ ٦١٧.\n(^٣) مجموع الفتاوى (١٥/ ٢٦٤)، الفتاوى الكبرى ٥/ ٢٣٧.","vol":"1","page":13},{"text":"يُعْبَدُونَ (٤٥)﴾ [الزُّخْرُف: ٤٥]، وقال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ [الشُّورَى: ١٣] \" (^١).\n- وقال ابن تيمية: \"التوحيد كثير في القرآن، وهو أول الدين وآخره، وباطن الدين وظاهره\" (^٢).\n- قال ابن المنذر: \"أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم على أن الكافر إذا قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وأن كل ما جاء به محمد حق، وأبرأ من كل دين خالف دين الإسلام، وهو بالغ صحيح العقل أنه مسلم، فإن رجع بعد ذلك فأظهر الكفر كان مرتدا، يجب عليه ما يجب على المرتد\" (^٣).\n- وقال ابن القيم: \"مقام التوحيد أولى المقامات أن يبدأ به، كما أنه أول دعوة الرسل كلهم، قال النبي ﷺ لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن «فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله» (^٤). وفي رواية «إلى أن يعرفوا الله». ولأنه لا يصح مقام من المقامات، ولا حال من الأحوال إلا به، فلا وجه لجعله آخر المقامات، وهو مفتاح دعوة الرسل، وأول فرض فرضه الله على العباد، وما عدا هذا من الأقوال فخطأ، كقول من يقول: أول الفروض\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٣/ ٣٦٥).\n(^٢) منهاج السنة ٥/ ٣٤٩.\n(^٣) الأوسط: ص ٧٣٥.\n(^٤) أخرجه البخاري (١٤٩٦) واللفظ له، ومسلم (١٩).","vol":"1","page":14},{"text":"النظر، أو القصد إلى النظر، أو المعرفة، أو الشك الذي يوجب النظر. وكل هذه الأقوال خطأ\" (^١).\n- قال الشيخ مُحمد بنُ عبد الوهّاب ﵀: \"فأَهمُّ مَا عَليكَ: مَعرفةُ التوحِيد، قَبل مَعرفة العِبَادَاتِ كلِّها، حتى الصَّلاة\" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-5>٢. ومما يدل على أهميته أن الإيمان بالله الذي هو التوحيد هو خير العمل:</span>\n- قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: \"جميع الأعمال كلها هو أولًا وقبل كل شيء الإيمان بالله، وذلك أنه ﷺ سئل: «أي الأعمال أفضل يا رسول الله؟ قال: إيمان بالله. قيل: ثم ماذا؟ فقال مرة: الجهاد في سبيل الله» (^٣).\nوقال مرة: «الصلاة على أول وقتها» (^٤).\nوقال مرة: «بر الوالدين» (^٥). وفي كل مرة يقدم إيمانا بالله.\nفعليه الإيمان بالله هو خير العمل، وليست الصلاة، ثم بعد الإيمان بالله فهو\n_________\n(^١) مدارج السالكين ١/ ١٥٤.\n(^٢) الدُّرَرُ السَنِيَّة فِي الأَجوبةِ النَّجدِيَّة (١٠٧/ ١).\n(^٣) أخرجه البخاري (١٥١٩)، ومسلم (٨٣).\n(^٤) أخرجه البخاري (٧٥٣٤)، ومسلم (٨٥).\n(^٥) أخرجه البخاري (٧٥٣٤)، ومسلم (٨٥).","vol":"1","page":15},{"text":"بحسب حال السائل وحالة كل شخص، فمن كان قويا وليس عليه حق لوالديه، فالجهاد أفضل الأعمال في حقه مع الحفاظ على الصلاة، فإن كان ذا والدين، فبرهما مقدم على كل عمل، ولم لا! فإن الصلاة على أول وقتها لغير هؤلاء، فإطلاق القول بالصلاة خير العمل في حق جميع الناس لا يصح مع هذه الأحاديث، ولهذا منع رسول الله ﷺ بلالا أن يقولها، وجعلها: خيرا من النوم (^١)، وهذا لا نزاع فيه ولا بالنسبة لأي أحد من الناس، والله تعالى أعلم\" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-6>٣. ومما يدل على أهميته أن التوحيد جماع الدين.</span>\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ): \"التوحيد جماع الدين، والله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء\" (^٣).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"التوحيد هو جماع الدين الذي هو أصله وفرعه ولبُّه، وهو الخير كله، والاستغفار يزيل الشر كله، فيحصل من هذين جميع الخير وزوال جميع الشر. وكل ما يصيب المؤمن من الشر فإنما هو بذنوبه\" (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير ١/ ٣٥٢. (هذا الاثر ضعيف ولا يصح وعلته عبد الرحمن بن سعد).\n(^٢) أضواء البيان (٨/ ١٥٧).\n(^٣) مجموع الفتاوى (١/ ٢١٢).\n(^٤) جامع المسائل ٦/ ٢٧٤.","vol":"1","page":16},{"text":"- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"وهذان الأصلان جماع الدين: أن لا نعبد إلا الله، وأن نعبده بما شرع، لا نعبده بالبدع.\nوقال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكَهْف: ١١٠].\n- وكان عمر بن الخطّاب (ت: ٢٣ هـ) ﵁ يقول في دعائه: \"اللهم اجعل عملي كله صالحا، واجعله لوجهك خالصا، ولا تجعل لأحد فيه شيئا\" (^١).\n- وقال الفضيل بن عياض (ت: ١٨٧ هـ) ﵀، في قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [المُلْك: ٢]. قال: \"أخلصه وأصوبه\". قالوا: يا أبا علي، ما أخلصه وأصوبه؟ قال: \"إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل، حتى يكون خالصا صوابا، والخالص أن يكون لله، والصواب: أن يكون على السنة\" (^٢). \" (^٣).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"توحيد الله الذي هو إخلاص الدين له، والعدل الذي نفعله نحن هو جماع الدين\" (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في الزهد (٦١٥) من طريق الحسن أن عمر كان يقول، فذكره؛ والحسن لم يسمع عن عمر. وأخرجه أبو الشيخ في طبقات المحدثين بأصبهان (١٠١٨) من طريق آخر ..\n(^٢) ذكره أبو نعيم في الحلية بسنده عن إبراهيم بن الأشعث أنه سمع الفضيل يقول ذلك (٨/ ٩٥).\n(^٣) اقتضاء الصراط المستقيم ٢/ ٣٧٣.\n(^٤) جامع المسائل ٨/ ٤٥، مجموع الفتاوى ١/ ٨٧.","vol":"1","page":17},{"text":"- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"جماع الدين هو عبادة الله وحده، وأعظم الذنوب الشرك، والقرآن مملوء من تعظيم التوحيد بالدعاء إليه والترغيب فيه، وبيان سعادة أهله، وتعظيم الشرك بالنهي عنه والتحذير منه وبيان شقاوة أهله\" (^١).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"وجماع الدين أصلان: ألا نعبد إلا الله، ولا نعبده إلا بما شرع، لا نعبده بالبدع، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكَهْف: ١١٠].\nوذلك تحقيق الشهادتين: شهادة أن لا إله إلا الله، وشهادة أن محمدا رسول الله.\nففي الأولى: ألا نعبد إلا إياه.\nوفي الثانية: أن محمدا ﷺ هو رسول مبلغ عنه، فعلينا أن نصدق خبره ونطيع أمره\" (^٢).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"وقال النبي ﷺ لمعاذ: \"والله إني لأحبك؛ فلا تنس أن تقول دبر كل صلاة: اللهم! أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك\" (^٣).\nوليس المراد بالذكر مجرد ذكر اللسان، بل الذكر القلبي واللساني، وذكره\n_________\n(^١) الرد على الإخنائي صـ ١٧٢ ..\n(^٢) العبودية لابن تيمية صـ ١٤١.\n(^٣) أخرجه أحمد (٥/ ٢٤٤، ٢٤٧) وأبو داود (١٥٢٢) والنسائي (٣/ ٥٣) عن معاذ. وإسناده صحيح.","vol":"1","page":18},{"text":"يتضمن ذكر أسمائه وصفاته، وذكر أمره ونهيه وذكره بكلامه، وذلك يستلزم معرفته والإيمان به وبصفات كماله ونعوت جلاله والثناء عليه بأنواع المدح، وذلك لا يتم إلا بتوحيده.\nفذكره الحقيقي يستلزم ذلك كله ويستلزم ذكر نعمه وآلائه وإحسانه إلى خلقه.\nوأما الشكر فهو القيام له بطاعته والتقرب إليه بأنواع محابه ظاهرا وباطنا.\nوهذان الأمران هما جماع الدين؛ فذكره مستلزم لمعرفته، وشكره متضمن لطاعته.\nوهذان هما الغاية التي خلق لأجلها الجن والإنس والسماوات والأرض، ووضع لأجلها الثواب والعقاب، وأنزل الكتب، وأرسل الرسل، وهي الحق الذي به خلقت السماوات والأرض وما بينهما\" (^١).\n- قال عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ (١٢٨٥ هـ) ﵀: \"جماع الدين أن لا يعبد إلا الله، وأن لا يعبد إلا بما شرع لا يعبد بالبدع\" (^٢).\n- قال عبد الرحمن بن محمد بن قاسم (ت: ١٣٩٢ هـ) ﵀: \"إخلاص جميع الأعمال لله وحده لا شريك له، ومتابعة الرسول ﷺ وهذان الأصلان\n_________\n(^١) الفوائد ١/ ١٨٦.\n(^٢) كشف ما ألقاه إبليس من البهرج والتلبيس على قلب داود بن جرجيس (ص - ٥٥).","vol":"1","page":19},{"text":"هما جماع الدين، ولا يستقيم دين إلا عليهما، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكَهْف: ١١٠] \" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-7>٤. ومما يدل على أهميته أن التوحيد هو الصراط المستقيم.</span>\nقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾\n[ال عِمْرَان: ٥١].\n- قال ابن كثير: \"أي: أنا وأنتم سواء في العبودية له والخضوع والاستكانة إليه\" (^٢).\n- وقال ابن سعدي: \"وفي هذا رد على النصارى القائلين بأن عيسى إله أو ابن الله، وهذا إقراره ﵇ بأنه عبد مدبر مخلوق، كما قال ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠)﴾ [مَرْيَم: ٣٠]، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦)﴾ [المَائِدَة: ١١٦]، إلى قوله ﴿مَاقُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ [المَائِدَة: ١١٧]، وقوله ﴿هَذَا﴾ أي: عبادة الله وتقواه وطاعة رسوله ﴿صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢)﴾ [البَقَرَةِ: ١٤٢]\n_________\n(^١) الدرر السنية في الأجوبة النجدية ١٤/ ٢٠.\n(^٢) تفسير ابن كثير (سورة آل عمران الآية: ٥١).","vol":"1","page":20},{"text":"موصل إلى الله وإلى جنته، وما عدا ذلك فهي طرق موصلة إلى الجحيم\" (^١).\n- قال ابن القيم: \"وإنما ضمنت النجاة لمن حكم هدى الله تعالى على غيره، وتزود التقوى، وأتم بالدليل وسلك الصراط المستقيم، واستمسك من التوحيد واتباع الرسول ﷺ بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها، والله سميع عليم\" (^٢).\n- قال ابن القيم: \"مراتب العلم بدينه مرتبتان:\n• إحداهما: دينه الأمري الشرعي: وهو الصراط المستقيم الموصل إليه.\n• والثانية: دينه الجزائي المتضمن ثوابه وعقابه، وقد دخل في هذا العلم: العلم بملائكته وكتبه ورسله\" (^٣).\nقال تعالى: ﴿شَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيمٍ﴾ [النَّحْل: ١٢١].\n- قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: ﴿وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١)﴾، يعني: إلى دين مستقيم، وهو الإسلام\" (^٤).\n- قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: ﴿وَهَدَاهُ إِلَى اصِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١)﴾، وهو عبادة الله وحده لا شريك له على شرع مرضي\" (^٥).\n_________\n(^١) تفسير السعدي (سورة آل عمران الآية: ٥١).\n(^٢) اجتماع الجيوش الإسلامية ١/ ٨٣.\n(^٣) مدارج السالكين (١/ ١٢٨).\n(^٤) تفسير مقاتل بن سليمان (سورة النحل الآية: ١٢١).\n(^٥) تفسير ابن كثير (النحل: الآية: ١٢١).","vol":"1","page":21},{"text":"- قال الشيخ حافظ بن أحمد حكمي (ت: ١٣٧٧ هـ) ﵀: \"لزوم الصراط المستقيم لا يحصل إلا بالتمسك بالكتاب والسنة والسير بسيرهما والوقوف عند حدودهما وبذلك يحصل تجريد التوحيد لله، وتجريد المتابعة للرسول ﷺ ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩)﴾ [النِّسَاء: ٦٩]، وهؤلاء المنعم عليهم المذكورون هاهنا تفصيلا هم الذين أضاف الصراط إليهم في فاتحة الكتاب بقوله تعالي: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفَاتِحَةِ: ٧]، ولا أعظم نعمة على العبد من هدايته إلى هذا الصراط المستقيم، وتجنيبه السبل المضلة، وقد ترك النبي ﷺ أمته على ذلك كما قال النبي ﷺ: «تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك» (^١) (^٢). [¬*]\n\n<span data-type='title' id=toc-8>٥. ومما يدل على أهميته أن التوحيد برهان على أن الحق واحد وهو الصراط المستقيم.</span>\nفالحق واحد، وهو صراط الله المستقيم، الذي أُمرنا بالتمسك به، قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ [الأَنْعَام: ١٥٣]. فأفرد الله (الصراط)، وجمع\n_________\n(^١) (صحيح) رواه أحمد (٤/ ١٢٦)، وابن ماجه (٤٣)، والحاكم (١/ ٩٦)، وابن أبي عاصم (٤٨، ٤٩) وقد صححه الألباني.\n(^٢) أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة ص ١١٩ - ١٢٠.\n[¬*] تعليق الشاملة: تكررت هذه النقول كلها (عن ابن القيم، ومقاتل، وابن كثير، وحافظ حكمي) وزيادة، في مبحث (الاسم السادس والعشرون: ومن أسماء التوحيد «الصراط المستقيم، ص ٥٦٣ - ٥٦٦","vol":"1","page":22},{"text":"(السبُل)، وأمرنا أن نسأله ذلك في كل صلاة ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفَاتِحَةِ: ٦ - ٧] فهو واحد، وقال تعالى: ﴿قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (٤١)﴾ [الحِجْر: ٤١].\n- وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: \"خط رسول الله ﷺ خطًّا بيده، ثم قال: «هذا سبيل الله مستقيمًا، ثم خطّ عن يمينه وشماله، ثم قال: هذه السبل، وليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه، ثم قرأ النبي ﷺ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾، بعد ذلك. قال: ثمّ خط عن يمينه وشماله، ثم قال: هذه السُبل، وليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه، ثم قرأ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾» (^١).\n- قال الفيروزأبادي: \"أجمع العقلاء على أن قولنا: لا إله إلا الله يوجب التوحيد المحض\" (^٢).\nوسئل صديق الأمة وأعظمها استقامة أبو بكر الصديق ﵁ عن الاستقامة فقال: \"ألا تشرك بالله شيئًا\". قال الفيروزأبادي: \"يريد الاستقامة على محض التوحيد\" (^٣).\n- قال ابن رجب -رحمه الله تعالى-: \"أصل الاستقامة استقامة القلب على التوحيد، وقد فسر أبو بكر ﵁ الاستقامة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ\n_________\n(^١) رواه أحمد: ٤١٤٢، وابن حبان: ٧، وصححه الألباني في التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان ١/ ١٤٧. وهو حديث حسن صحيح.\n(^٢) بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز ٢/ ١٢.\n(^٣) بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز ٤/ ٣١٢.","vol":"1","page":23},{"text":"اسْتَقَامُوا﴾، بأنهم لم يلتفتوا إلى غيره\" (^١).\nوالصدّيق ﵁ استقى هذا المعنى من آيتين في كتاب الله تعالى ..\nالآية الأولى: قول الله عن عيسى ﵇ لقومه: ﴿اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٥١)﴾ [آل عِمْرَان: ٥١].\nوالثانية: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُلَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١)﴾ [يس: ٦٠ - ٦١].\n- وقال عثمان بن عفان ﵁: \"استقاموا: أخلصوا العمل لله\" (^٢).\n- وقال مجاهد: \"استقاموا على شهادة أن لا إله إلا الله حتى لحقوا بالله\" (^٣).\n- قال ابن القيم ﵀: \"والمقصود أن طريق الحق واحد إذ مرده إلى الله الملك الحق، وطرق الباطل متشعبة، ومتعددة\" (^٤).\n- وقال ابن القيم: \"والمقصود أن الطريق إلى الله تعالي واحد، فإنه الحق المبين، والحق واحد، مرجعه إلى واحد، وأما الباطل والضلال فلا ينحصر، بل كل ما سواه باطل، وكل طريق إلى الباطل فهو باطل، فالباطل متعدد وطرقه متعددة\" (^٥).\n_________\n(^١) جامع العلوم ١٩٣.\n(^٢) مدارج السالكين ٢/ ١٠٤.\n(^٣) مدارج السالكين ٢/ ١٠٤.\n(^٤) بدائع الفوائد: ١/ ١٢٧.\n(^٥) طريق الهجرتين صـ ١٦٢.","vol":"1","page":24},{"text":"- قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"إن الحق واحد، ولا يخرج عما جاءت به الرسل، وهو الموافق لصريح العقل فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا\" (^١).\nفالأدلة متوافرة على أن الدين واحد، وهو الصراط الموصل إلى الله، وأن منهجه، وسبيله، التوحيد، فالإسلام واحد، فالله تعالى هو الإله الحق الواحد، ومن يعبدونه، ويوحدونه هم أهل الحق، والآلهة الأخرى باطلة، وعابدوها على الباطل.\nقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٦٢)﴾ [الحَج: ٦٢]، وقال تعالى: ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩)﴾ [يُوسُف: ٣٩]، ودين الحق واحد، وهو دين الإسلام، وبقية الأديان باطلة، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ [آل عِمْرَان: ٨٥].\nوقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾ [التَّوْبَة: ٣٣].\nفطريق الحق واحد، وهو طريق الله، وهو طريق الهداية، وهو طريق الإسلام، وهو طريق الاستقامة، وسبُل الضلال كثيرة خبيثة، وقد قال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ [المَائِدَة: ١٠٠].\n- قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"صار المتمسكون بالإسلام المحض\n_________\n(^١) منهاج السنة النبوية: ٥/ ١٩٠.","vol":"1","page":25},{"text":"الخالص عن الشَّوب، هم أهل السنة والجماعة، وفيهم الصديقون، والشهداء، والصالحون، ومنهم أعلام الهدى، ومصابيح الدجى، وهم الطائفة المنصورة\" (^١).\n- قال الإمام سفيان الثوري ﵀: \"نحن اليوم على الطريق، فإذا رأيتمونا قد أخذنا يمينًا أو شمالًا فلا تقتدوا بنا\" (^٢).\n- قال محمد بن المنكدر: \"كابدت نفسي أربعين سنة حتى استقامت\" (^٣).\n- قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"غاية الكرامة لزوم الاستقامة، فلم يكرم الله عبدا بمثل أن يعينه على ما يحبه ويرضاه ويزيده مما يقربه إليه ويرفع به درجته\" (^٤).\n- قال ابن القيم: \"إِنَّمَا يُكْرِمُ الله مَنْ يُكْرِمُهُ بِمَعْرِفَتِهِ وَمَحَبَّتِهِ وَطَاعَتِهِ، وَيُهِينُ مَنْ يُهِينُهُ بِالْإِعْرَاضِ عنه؛\nفالإكرام والإهانة لا يدوران على المال وسعة الرزق وتقديره، فإنه سبحانه يوسع على الكافر ويقتر على المؤمن لا لإهانته\" (^٥).\n- قال ابن القيم: \"على قدر ثبوت قدم العبد على هذا الصراط في هذه الدار، يثبت على الصراط في الآخرة\" (^٦).\n_________\n(^١) العقيدة الواسطية: ١/ ٣٢.\n(^٢) أخبار الشيوخ للمروذي (٩٩).\n(^٣) صفوة الصفوة ٢/ ١٤١.\n(^٤) مجموع الفتاوى ١١/ ٢٩٨.\n(^٥) مدارج السالكين ١٧٢.\n(^٦) مدارج السالكين ١/ ١٦.","vol":"1","page":26},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9>٦. ومما يدل على أهميته أن كلمة التوحيد هي الأعلى.</span>\nقال تعالى: ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٠)﴾ [التَّوْبَة: ٤٠].\n- عن أبي موسى الأشعري (ت: ٤٤ هـ) ﵁، قال: سئل رسول الله ﷺ عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حَمِيَّة، ويقاتل رياء، أي ذلك في سبيل الله؟ فقال: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» (^١).\n- قال السيوطى (ت: ٩١١ هـ) ﵀: \"وأخرج ابن المنذر (ت: ٣١٨ هـ) ﵀، وابن أبي حاتم (ت: ٣٢٧ هـ) ﵀، والبيهقي (ت: ٤٥٨ هـ) ﵀ في الأسماء والصفات، عن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄ في قوله ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى﴾ قال: هي الشرك ﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾ قال: لا إله إلا الله. وأخرج أبو الشيخ (ت: ٣٦٩ هـ) ﵀، عن الضحاك بن مزاحم (ت: ١٠٢ هـ) ﵀ مثله\" (^٢).\n- وقال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: \" ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، يعني دعوة الشرك ﴿السُّفْلَى﴾، ﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ﴾، يعنى دعوة الإخلاص، ﴿هِيَ الْعُلْيَا﴾ يعنى العالية، ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ﴾ فيملكه، ﴿حَكِيمٌ﴾ حكم إطفاء دعوة المشركين، وإظهار التوحيد\" (^٣).\n_________\n(^١) صحيح البخاري برقم (٢٨١٠) وصحيح مسلم برقم (١٩٠٤).\n(^٢) تفسير الدر المنثور (سورة التوبة الآية: ٤٠).\n(^٣) تفسير مقاتل بن سليمان (سورة التوبة الآية: ٤٠).","vol":"1","page":27},{"text":"وقال يحيى بن زياد الفراء (ت: ٢٠٧ هـ) ﵀: \" ﴿كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الشرك بالله، ﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ﴾ قول: (لا إله إلا الله) \" (^١).\n- عن ابن عباس: \"قوله: ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى﴾، وهي: الشرك بالله ﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾، وهي: لا إله إلا الله\" (^٢).\n- قال الطبري: \" ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، وهي كلمة الشرك ﴿السُّفْلَى﴾، لأنها قُهِرَت وأذِلَّت، وأبطلها الله تعالى، ومحق أهلها، وكل مقهور ومغلوب فهو أسفل من الغالب، والغالب هو الأعلى ﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾، يقول: ودين الله وتوحيده وقولُ لا إله إلا الله، وهي كلمتُه (العليا)، على الشرك وأهله، الغالبةُ\" (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-10>٧. ومما يدل على أهميته أن كلمة التوحيد أعلى شعب الإيمان.</span>\nقال تعالى ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ [الأَعْلَى: ١]\n- قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: \"قوله: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ آية يقول سبحانه: نزه اسم ربك الأعلى، يقول: نزهه من الشرك بشهادة أن لا إله إلا الله، فذلك قوله: ﴿الْأَعْلَى﴾ \" (^٤).\n_________\n(^١) معاني القرآن للفراء (سورة التوبة الآية: ٤٠).\n(^٢) تفسير الطبري (سورة التوبةالآية: ٤٠).\n(^٣) تفسير الطبري (سورة التوبةالآية: ٤٠).\n(^٤) تفسير مقاتل بن سليمان (سورة الأعلى الآية: ١).","vol":"1","page":28},{"text":"- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"والعلمُ الأعلى، هو العلمُ بالأعلى\" (^١).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"وهذا بخلاف العلم الأعلى عند المسلمين فإنه العلم بالله، الذي هو في نفسه أعلى من غيره من كل وجه، والعلم به أعلى العلوم من كل وجه، والعلم به أصل لكل علم\" (^٢).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"وإنما العلم الأعلى هو العلم بالله، والله هو الأعلى على كل شيء من كل وجه، كما قال سبحانه: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ [الأَعْلَى: ١]، فالعلم به أعلى العلوم، وإرادة وجهه أفضل الإرادات، ومحبته أفضل المحبات\" (^٣).\n- وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان» متفق عليه» (^٤).\nوفي لفظ آخرَ عند أحمد: «أرفعها وأعلاها قول: لا إله إلا الله» (^٥).\nفتَّوحيدَ اللهِ وعَدَمَ الإشراكِ به هو مَبدأُ الإيمانِ ومُنتَهاهُ، وما كان سِواهُ مِنْ أعمالٍ فهو مِنْ مُكَمِّلاتِ الإيمانِ.\n_________\n(^١) جامع الرسائل (٢/ ٦٨٥).\n(^٢) الرد على المنطقيين صـ ١١١.\n(^٣) الرد على الشاذلي بن حزبية وما صنفه في آداب الطريق ١/ ٢٤٢.\n(^٤) أخرجه البخاري، كتاب الإيمان، باب أمور الإيمان، برقم (٩)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب شعب الإيمان، برقم (٣٥)، واللفظ له.\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد في مسنده، ٢/ ٣٧٩، برقم (٨٩٢٦).","vol":"1","page":29},{"text":"<span data-type='title' id=toc-11>٨. ومما يدل على أهميته أن التوحيد أول منازل الطريق، وأول مقام يقوم فيه السالك إلى الله تعالى.</span>\n- قال ابن القيم: \"التوحيد أول منازل الطريق، وأول مقام يقوم فيه السالك إلى الله تعالى\" (^١).\n- قال ابن أبي العز (ت: ٧٩٢ هـ ﵀: \"اعلم أن التوحيد أول دعوة الرسل، وأول منازل الطريق، وأول مقام يقوم فيه السالك إلى الله ﷿ \" (^٢).\n- قال ابن القيم (: ٧٥١ هـ) ﵀: \"ولما كان كمال الإرادة بحسب كمال مرادها، وشرف العلم تابعا لشرف معلومه، كانت نهاية سعادة العبد الذي لا سعادة له بدونها، ولا حياة له إلا بها؛ أن تكون إرادته متعلقة بالمراد الذي لا يبلى ولا يفوت، وعزمات همته مسافرة إلى حضرة الحي الذي لا يموت، ولا سبيل له إلى هذا المطلب الأسنى، والحظ الأوفى؛ إلا بالعلم الموروث عن عبده ورسوله وخليله وحبيبه الذي بعثه لذلك داعيا، وأقامه على هذا الطريق هاديا، وجعله واسطة يينه وببين الأنام، وداعيا لهم بإذنه إلى دار السلام، وأبى سبحانه أن يفتح لأحد منهم إلا على يديه، أو يقبل من أحد منهم سعيا إلا أن يكون مبتدئا منه، ومنتهيا إليه، ﷺ \" (^٣).\n_________\n(^١) مدارج السالكين ٣/ ٤١١.\n(^٢) شرح العقيدة الطّحاويّة لابن أبي العزّ الحنفيّ: ٧٧ - ٧٨.\n(^٣) مفتاح دار السعادة ١/ ٥٩.","vol":"1","page":30},{"text":"<span data-type='title' id=toc-12>٩. ومما يدل على أهميته أن التوحيد أول ما يدخل به في الإسلام، وآخر ما يخرج به من الدنيا.</span>\nكما قال النبي ﷺ «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة» (^١)، فهو أول واجب؛ وآخر واجب، وأول الأمر؛ وآخره\" (^٢).\n- قال ابن القيم: \"وأجمع المسلمون على أن الكافر إذا قال: لا إله إلا الله، محمد رسول الله فقد دخل في الإسلام، وشهد شهادة الحق، ولم يتوقف إسلامه على لفظ الشهادة وأنه قد دخل في قوله: «حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله» (^٣)، وفي لفظ آخر: «حتى يقولوا لا إله إلا الله» (^٤)، فدل على أن مجرد قولهم لا إله إلا الله شهادة منهم\" (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-13>١٠. ومما يدل على أهميته أن التوحيد أول واجب على المكلف.</span>\n- قال ابن تيمية: \"إن السلف والأئمة متفقون على أن أول ما يؤمر به العبد الشهادتان، ومتفقون على أن من فعل ذلك قبل البلوغ لم يؤمر بتجديد ذلك\n_________\n(^١) رواه أحمد (٢١٥٢٩) وأبو داود (٣١١٦) وحسنه الألباني في \"إرواء الغليل\" (٦٨٧).\n(^٢) مدارج السالكين ٣/ ١١١.\n(^٣) رواه مسلم: (٢٢/ كتاب الإيمان/ باب: الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام).\n(^٤) أخرجه مسلم، كتاب الايمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا اله إلا الله محمد رسول الله، (١/ ٤٠).\n(^٥) مدارج السالكين ٣/ ٤٢١.","vol":"1","page":31},{"text":"عقب البلوغ\".\n- قال ابن القيم: \"الصحيح: أن أول واجب يجب على المكلف: شهادة أن لا إله إلا الله، لا النظر، ولا القصد إلى النظر، ولا الشك كما هي أقوال لأرباب الكلام المذموم (^١) \" (^٢).\n- قال الإمام ابن أبي العز ﵀: \"الصحيح أن أول واجب يجب على المكلف شهادة أن لا إله إلا الله، لا النظر، ولا القصد إلى النظر، ولا الشك، فالتوحيد أول ما يدخل به في الإسلام، وآخر ما يخرج به من الدنيا، فهو أول واجب وآخر واجب\" (^٣).\n_________\n(^١) يقول القاضي عبد الجبار المعتزلي: \"إن سأل سائل فقال: ما أول ما أوجب الله عليك؟ فقل النظر المؤدي إلى معرفة الله تعالى؛ لأنه تعالى لا يعرف ضرورة ولا بالمشاهدة، فيجب أن نعرفه بالتفكير والنظر\". المحيط بالتكليف» للقاضي عبد الجبار (ص: ٢٦)، و«شرح الأصول الخمسة» له (ص: ٧٠، ٧٦).\nويقول عبد القاهر البغدادي: \"الصحيح عندنا قول من يقول: إن أول الواجبات على المكلف النظر والاستدلال المؤديات إلى المعرفة بالله تعالى وبصفاته وتوحيده وعدله وحكمته، ثم النظر والاستدلال المؤديان إلى جواز إرسال الرسل منه، وجواز تكليف العباد ما شاء، ثم النظر المؤدي إلى وجوب الإرسال والتكليف منه، ثم النظر المؤدي إلى تفصيل أركان الشريعة، ثم العمل بما يلزمه منها على شروطه\" «أصول الدين» للبغدادي (ص: ٧٥).\nويقول الجويني: \"أول ما يجب على العاقل البالغ - باستكمال سن البلوغ أو الحلم شرعًا - القصد إلى النظر الصحيح المفضي إلى العلم بحدوث العالم .. \" «الشامل» للجويني (ص: ٢٦).\n(^٢) مدارج السالكين ٣/ ٤١١ - ٤١٢.\n(^٣) شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز (١/ ٢١ - ٢٣).","vol":"1","page":32},{"text":"- قال ابن المنذر ﵀: \"أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم أن الكافر إذا قال أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وأن كل ما جاء به محمد ﷺ حق وأبرأ إلى الله من كل دين يخالف دين الإسلام، وهو بالغ صحيح يعقل، أنه مسلم\" (^١).\n- قال عبد القادر الجيلاني: \"الذي يجب على من يريد الدخول في دين الإسلام أولا أن يتلفظ بالشهادتين لا إله إلا الله محمد رسول الله، ويتبرأ من كل دين غير دين الإسلام، ويعتقد بقلبه وحدانية الله تعالى\" (^٢).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"إن السلف والأئمة متفقون على أن أول ما يؤمر به العباد الشهادتان\" (^٣).\nولا يقدح في هذا الإجماع ما يذكره بعض أصحاب المذاهب الأربعة ممن تأثر بعلم الكلام في نسبة القول بأن أول واجب على المكلف هو المعرفة والنظر إلى الأصحاب، ويعني به أصحاب المذهب، وهو في الحقيقة قول من تأثر به من أصحاب الكلام.\n- قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"ولما كان الكلام في هذه الأبواب المبتدعة مأخوذة في الأصل عن المعتزلة والجهمية ونحوهم، وقد تكلم هؤلاء في أول الواجبات: هل هو النظر، أو القصد، أو الشك، أو المعرفة؟ صار كثير\n_________\n(^١) الإجماع ص ١٥٤.\n(^٢) الغنية للجيلاني (١/ ٢).\n(^٣) درء تعارض العقل والنقل (٨/ ١١).","vol":"1","page":33},{"text":"من المنتسبين إلى السنة، المخالفين للمعتزلة في جمل أصولهم، يوافقونهم على ذلك، ثم الواحد من هؤلاء إذا انتسب إلى إمام من أئمة العلم كمالك، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، وصنف كتابا في هذا الباب يقول فيه: (قال أصحابنا) و(اختلف أصحابنا)، فإنما يعني بذلك أصحابه الخائضين في هذا الكلام، وليسوا من هذا الوجه من أصحاب ذلك الإمام\" (^١).\n- قال محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي النجدي (ت ١٢٠٦ هـ) ﵀ في رده على محمد بن عباد في هذا الجانب: \"قولك أول واجب على كل ذكر وأنثى النظر في الوجود ثم معرفة العقيدة ثم علم التوحيد، وهذا خطأ وهو من علم الكلام الذي أجمع السلف على ذمه، وإنما الذي أتت به الرسل أول واجب هو التوحيد ليس النظر في الوجود ولا معرفة العقيدة كما ذكرته أنت في الأوراق أن كل نبي يقول لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [المُؤْمِنُون: ٢٣] \" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-14>١١. ومما يدل على أهميته أن التوحيد هو حق الله على العبيد.</span>\n- قال الله ﷿: ﴿وَمَاخَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذَّارِيَات: ٥٦ - ٥٨] والمعنى: ما خلقت الجن والإنس إلا ليُوحِّدونِ (^٣).\n_________\n(^١) درء تعارض العقل والنقل (٨/ ٣).\n(^٢) الرسائل الشخصية- الرسالة الثانية ص ١٦، والدرر السنية في الأجوبة النجدية ١/ ٦٧.\n(^٣) الجامع لأحكام القرآن الكريم، للقرطبي، ١٧/ ٥٧.","vol":"1","page":34},{"text":"- وعن معاذ بن جبل ﵁ أن النبي ﷺ قال: له: «يا معاذ هل تدري ما حق الله على عباده»؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا»، ثم سار ساعة ثم قال: «يا معاذ، هل تدري ما حق العباد على الله إذا فعلوه؟» قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «حقّ العباد على الله أن لا يعذِّبَ من لا يشرك به شيئًا» (^١).\n- قال أبو إسحاق أحمد الثعلبي (ت: ٤٢٧ هـ) ﵀ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَاخَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ قال علي بن أبي طالب (ت: ٤٠ هـ) ﵀: معناه إلاّ لآمرهم أن يعبدوني، وأدعوهم إلى عبادتي، واعتمد الزجاج هذا القول، ويؤيده قوله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُا إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [التَّوْبَة: ٣١] وقوله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البَيِّنَة: ٥]. قال ابن عباس: ليقرّوا لي بالعبودية طوعًا أو كرهًا.\nووجه الآية في الجملة أنّ الله تعالى لم يخلقهم للعبادة خلق جبلة وإجبار وإنّما خلقه لهم خلق تكليف واختيار، فمن وفّقه وسدّده أقام العبادة التي خُلق لها، ومن خذله وطرده حرمها وعمل بما خلق لها\" (^٢).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"قال ﷺ في الحديث المشهور في\n_________\n(^١) متفق عليه: البخاري، كتاب اللباس، باب إرداف الرجل خلف الرجل، ٧/ ٨٩، برقم ٥٩٦٧، ومسلم، كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة، قطعًا، ١/ ٥٨، برقم ٣٠، واللفظ للبخاري، برقم ٢٨٥٦، ورقم ٦٥٠٠.\n(^٢) تفسير الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي (تفسير سورة الذاريات الآية: ٥٦).","vol":"1","page":35},{"text":"السنن من رواية فقيهي الصحابة: عبد الله بن مسعود (ت: ٣٢ هـ) ﵁، وزيد بن ثابت (ت: ٤٥ هـ) ﵁: «ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الأمر ولزوم جماعة المسلمين؛ فإن دعوتهم تحيط من ورائهم» وفي حديث أبي هريرة (ت: ٥٨ هـ) رضي الله تعالى عنه المحفوظ: «إن الله يرضى لكم ثلاثا: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم». فقد جمع في هذه الأحاديث بين الخصال الثلاث؛ إخلاص العمل لله ومناصحة أولي الأمر ولزوم جماعة المسلمين، وهذه الثلاث تجمع أصول الدين وقواعده وتجمع الحقوق التي لله ولعباده، وتنتظم مصالح الدنيا والآخرة. وبيان ذلك أن الحقوق قسمان: حق لله وحق لعباده، فحق الله أن نعبده ولا نشرك به شيئا، كما جاء لفظه في أحد الحديثين؛ وهذا معنى إخلاص العمل لله، كما جاء في الحديث الآخر. وحقوق العباد قسمان: خاص وعام؛ أما الخاص فمثل بر كل إنسان والديه، وحق زوجته وجاره؛ فهذه من فروع الدين؛ لأن المكلف قد يخلو عن وجوبها عليه؛ ولأن مصلحتها خاصة فردية.\nوأما الحقوق العامة فالناس نوعان: رعاة ورعية؛","vol":"1","page":36},{"text":"فحقوق الرعاة مناصحتهم؛ وحقوق الرعية لزوم جماعتهم؛ فإن مصلحتهم لا تتم إلا باجتماعهم، وهم لا يجتمعون على ضلالة؛ بل مصلحة دينهم ودنياهم في اجتماعهم واعتصامهم بحبل الله جميعا؛ فهذه الخصال تجمع أصول الدين. وقد جاءت مفسرة في الحديث الذي رواه مسلم عن تميم الداري قال: قال رسول الله ﷺ «الدين النصيحة الدين النصيحة الدين النصيحة». قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: «لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم». فالنصيحة لله ولكتابه ولرسوله تدخل في حق الله وعبادته وحده لا شريك له، والنصيحة لأئمة المسلمين وعامتهم هي مناصحة ولاة الأمر ولزوم جماعتهم، فإن لزوم جماعتهم هي نصيحتهم العامة، وأما النصيحة الخاصة لكل واحد منهم بعينه، فهذه يمكن بعضها ويتعذر استيعابها على سبيل التعيين\" (^١).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"واعلم أن هذا حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، كما في الحديث الصحيح الذي رواه معاذ (ت: ١٨ هـ) عن النبي ﷺ أنه قال: «أتدري ما حق الله على عباده؟». قال قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا؛ أتدري\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١/ ١٨ - ١٩.","vol":"1","page":37},{"text":"ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟» قال قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «حقهم أن لا يعذبهم» \" (^١).\n- قال ابن تيمية: \"ولكن عبادته وحده حق استحقه عليهم لذاته، كما قال: ﴿مَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ [الذَّارِيَات: ٥٦ - ٥٨]، فأخبر أنه إنما خلق الخلق لعبادته، وأخبر أن الذي خلقه لهم وأمره بهم ورضيه وأحبه وأراده بأمرهمنهم هو عبادته، لم يرد منهم رزقا ولا أن يطعموه، والرزق يعم كل ما ينتفع به الحي ظاهرا وباطنا، فلم يرد منهم ما يريده السادة والمخلوقون من عبادهم، من جلب المنفعة إليهم التي هي الرزق.\n- وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٧٤) وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ [القَصَص: ٧٤ - ٧٥]، فأخبر تعالى أنهم علموا يومئذ أن الحق لله، وأن أولئك الشركاء الذين اتخذوهم من دون الله لم يكن لهم في ذلك الحق شي، بل كان دعواهم أن لهم حقا افتراء افتروه، فضل عنهم وقت الحقيقة ما افتروه\" (^٢).\n- قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: \"هذه الغاية، التي خلق الله الجن والإنس لها، وبعث جميع الرسل يدعون إليها، وهي عبادته، المتضمنة لمعرفته ومحبته، والإنابة إليه والإقبال عليه، والإعراض عما سواه،\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١/ ٢٣.\n(^٢) جامع المسائل ١/ ٢٣٦ - ٢٣٧.","vol":"1","page":38},{"text":"وذلك يتضمن معرفة الله تعالى، فإن تمام العبادة، متوقف على المعرفة بالله، بل كلما ازداد العبد معرفة لربه، كانت عبادته أكمل، فهذا الذي خلق الله المكلفين لأجله، فما خلقهم لحاجة منه إليهم\" (^١)\n\n<span data-type='title' id=toc-15>١٢. ومما يدل على أهميته أن التوحيد هو الغاية من خلق الإنس والجن:</span>\nإن توحيد الله تعالى هو أعظمُ عملٍ، وأشرف مهمة، وهو السبب الذي خلَق الله سبحانه من أجلِه الإنسَ والجن؛ قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذَّارِيَات: ٥٦].\nوفي تفسير الآية الكريمة:\n- قال الإمام القرطبي -رحمه الله تعالى-: \"قيل: إن هذا خاصٌّ فيمن سبَق في علم الله تعالى أنه يعبُدُه، فجاء بلفظ العموم ومعناه الخصوص، والمعنى: وما خلقتُ أهلَ السعادة من الجن والإنس إلا ليوحِّدون\" (^٢).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"التوحيد هو الغاية المطلوبة من جميع المقامات، والأعمال والأحوال فغايتها كلها التوحيد، وإنما كلام العلماء والمحققين من أهل السلوك كله لقصد تصحيحه، وهذا بين من أول المقامات إلى آخرها فإنها تشير إلى تصحيحه وتجريده\" (^٣).\n_________\n(^١) تفسير تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي، (تفسير سورة الذاريات الآية: ٥٦).\n(^٢) تفسير القرطبي (الذاريات ٥٦).\n(^٣) مدارج السالكين ٣/ ٤٧٧.","vol":"1","page":39},{"text":"- قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي: \"هذه الغاية، التي خلق الله الجن والإنس لها، وبعث جميع الرسل يدعون إليها، وهي عبادته، المتضمنة لمعرفته ومحبته، والإنابة إليه والإقبال عليه، والإعراض عما سواه\" (^١).\n- وقال الشيخ ابن باز: \"فبيَّن سبحانه الحكمة في خلقهم، وهي أن يعبدوا الله وحده، وأنهم لم يُخلقوا عبثًا ولا سدًى، بل خُلقوا لهذا الأمر العظيم؛ وهو أن يعبدوا الله -جل وعلا- ولا يشركوا به شيئًا، ويخصُّوه بدعائهم، وخوفهم ورجائهم، وصلاتهم وصومهم، وذبحهم ونذرهم، وغير ذلك\" (^٢).\n- قال حافظ بن أحمد حكمي (ت: ١٣٧٧ هـ) ﵀: \"ولأجلها خلقت الدنيا والآخرة والجنة والنار\" (^٣).\n- قال عبد العزيز بن باز (ت: ١٤٢٠ هـ) ﵀: \"فبيَّن سبحانه الحكمة في خلقهم، وهي أن يعبدوا الله وحده، وأنهم لم يُخلقوا عبثًا ولا سدًى، بل خُلقوا لهذا الأمر العظيم؛ وهو أن يعبدوا الله -جل وعلا- ولا يشركوا به شيئًا، ويخصُّوه بدعائهم، وخوفهم ورجائهم، وصلاتهم وصومهم، وذبحهم ونذرهم، وغير ذلك\" (^٤).\n- قال محمد بن صالح بن عثيمين (ت: ١٤٢١ هـ) ﵀: \"واللام في قوله: ﴿لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ للتعليل لكن هذا التعليل تعليل شرعي أي: لأجل أن يعبدوني، حيث أمرهم فيمتثلوا أمره، وليست اللام هنا تعليلا قدريا؛ لأنه لو كان تعليلا قدريا للزم أن يعبده جميع الجن والإنس، لكن اللام هنا لبيان الحكمة الشرعية في خلق الجن والإنس\" (^٥).\n_________\n(^١) تفسير السعدي (سورة الذاريات ٥٦).\n(^٢) \"بيان معنى كلمة لا إله إلا الله\"؛ لفضيلة الشيخ: ابن باز، ص ٤٥ - ٤٦.\n(^٣) معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول في التوحيد لحافظ الحكمي. صـ ٢٢١.\n(^٤) بيان معنى كلمة لا إله إلا الله\"؛ لفضيلة الشيخ: ابن باز، ص ٤٥ - ٤٦.\n(^٥) لقاء الباب المفتوح ١٥٥/ ٣. وكتاب القول المفيد على كتاب التوحيد ١/ ٢٥.","vol":"1","page":40},{"text":"<span data-type='title' id=toc-16>١٣. ومما يدل على أهميته أن التوحيد أصل الدين وأول ما دعت إليه الرسل.</span>\nقال رسول الله ﷺ لمعاذ بن جبل ﵁: «إنك تقدم على قومٍ من أهل الكتاب، فليكن أوَّل ما تدعوهم إليه أن يوحِّدوا الله تعالى ..» (^١).\n- قال ابن. حجر: \"قوله: «ستأتي قومًا أهل كتاب» هي كالتوطئة للوصية لتستجمع همته عليها؛ لكون أهل الكتاب أهل علم في الجملة، فلا تكون العناية في مخاطبتهم كمخاطبة الجُهَّال من عَبَدَة الأوثان، وليس فيه أن جميع مَنْ يقدم عليهم من أهل الكتاب، بل يجوز أن يكون فيهم من غيرهم، وإنما خصَّهم بالذكر تفضيلًا لهم على غيرهم، قوله: «فإذا جئتهم» قيل: عبر بلفظ (إذا) تفاؤلًا بحصول الوصول إليهم، قوله: «فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله»، كذا للأكثر وقد تقدَّم في أوَّل الزكاة بلفظ: «وأنِّى رسول الله»، كذا في رواية زكريا بن إسحاق لم يختلف عليه فيها، وأمَّا إسماعيل بن أمية ففي رواية روح بن القاسم عنه: «فأوَّل ما تدعوهم إليه عبادة الله، فإذا عرفوا الله …»، وفي رواية الفضل بن العلاء عنه: «إلى أن يوحدوا الله، فإذا عرفوا ذلك …»، ويجمع بينها بأن المراد بعبادة الله توحيده، وبتوحيده الشهادة له بذلك ولنبيه بالرسالة،\n_________\n(^١) رواه البخاري: (٧٣٧٢/ كتاب التوحيد/ باب: ما جاء في دعاء النبي ﷺ أمته إلى توحيد الله).","vol":"1","page":41},{"text":"ووقعت البداءة بهما؛ لأنهما أصل الدين الذي لا يصحُّ شيءٌ غيرهما إلا بهما، فمَن كان منهم غير موحِّد فالمطالبة متوجِّهة إليه بكل واحدة من الشهادتين على التعيين، ومَن كان موحِّدًا فالمطالبة له بالجمع بين الإقرار بالوحدانية والإقرار بالرسالة وإن كانوا يعتقدون ما يقتضي الإشراك أو يستلزمه؛ كمَن يقول ببنوَّة عزير، أو يعتقد التشبيه، فتكون مطالبتهم بالتوحيد لنفي ما يلزم من عقائدهم\" (^١).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ): \"والقرآن مملوء من ذكر وصف الله بأنه أحد وواحد ومن ذكر أن إلهكم واحد ومن ذكر أنه لا إله إلا الله ونحو ذلك. فلا بد أن يكون الصحابة يعرفون ذلك فإن معرفته أصل الدين وهو أول ما دعا الرسول ﷺ إليه الخلق وهو أولما يقاتلهم عليه وهو أول ما أمر رسله أن يأمروا الناس به وقد تواتر عنه أنه أول ما دعا الخلق إلى أن يقولوا لا إله إلا الله ولما أمر بالجهاد بعد الهجرة قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله» (^٢)، وفي الصحيحين «أنه لما بعث معاذا إلى اليمن قال له: إنك تأتي قوما من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فإن هم أطاعوا لك بذلك فأعلمهم أن الله تعالى قد فرض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة فإن هم أطاعوا لك بذلك فأعلمهم أن الله تعالى افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم فإن هم أطاعوا لك\n_________\n(^١) \"فتح الباري شرح صحيح البخاري\"؛ لابن حجر.\n(^٢) رواه مسلم: (٢٢/ كتاب الإيمان/ باب: الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام).","vol":"1","page":42},{"text":"بذلك فإياك وكرائم أموالهم واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب» (^١).\nفقال لمعاذ: ليكن أول ما تدعوهم إليه التوحيد ومع هذا كانوا من أهل الكتاب كانوا يهودًا فإن اليهود كانوا كثيرين بأرض اليمن وهذا الذي أمر به معاذا موافق لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التَّوْبَة: ٥]، وفي الآية الأخرى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التَّوْبَة: ١١]. وهذا مطابق لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البَيِّنَة: ٥]. وفي الصحيحين عنه ﷺ أنه قال: «الإيمان بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة أفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان» (^٢) \" (^٣).\nوقال ابن تيمية: \"التوحيد الذي هو أصل الإسلام، وهو دين الله الذي بعث به جميع رسله، وله خلق الخلق، وهو حقه على عباده: أن يعبدوه، ولا يشركوا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في كتاب التوحيد، باب ما جاء في دعاء النبي أمته إلى توحيد الله ﵎ ٤/ ٣٧٨، ح ٧٣٧٢.\n(^٢) أخرجه مسلم (٣٥).\n(^٣) مجموع الفتاوى (١٧/ ٣٥٣ - ٣٥٥).","vol":"1","page":43},{"text":"به شيئا\" (^١).\nقال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ): \"التوحيد الذي هو أصل الدين ورأسه الذي لا يقبل الله عملا إلا به ويغفر لصاحبه ولا يغفر لمن تركه وكما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨)﴾ [النِّسَاء: ٤٨] ولهذا كانت كلمة التوحيد أفضل الكلام، وأعظمه فأعظم آية في القرآن آية الكرسي ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٥٥]. وقال ﷺ «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة» (^٢) \" (^٣).\nوقال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ): \"وعبادة الله وحده: هي أصل الدين وهو التوحيد الذي بعث الله به الرسل وأنزل به الكتب فقال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)﴾ [الزُّخْرُف: ٤٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النَّحْل: ٣٦]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأَنبِيَاء: ٢٥] \" (^٤).\nوقال ابن تيمية: (ت: ٧٢٨ هـ) \"وهذا الأصل وهو التوحيد هو أصل الدين الذي لا يقبل الله من الأولين والآخرين دينا غيره وبه أرسل الله الرسل\n_________\n(^١) ينظر: «تفسير مقاتل بن سليمان» (٤/ ١٣٣).\n(^٢) رواه أحمد (٢١٥٢٩) وأبو داود (٣١١٦) وحسنه الألباني في \"إرواء الغليل\" (٦٨٧).\n(^٣) مجموع الفتاوى (٣/ ٤٠٠).\n(^٤) مجموع الفتاوى (٣/ ٣٩٧).","vol":"1","page":44},{"text":"وأنزل الكتب كما قال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)﴾ [الزُّخْرُف: ٤٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأَنبِيَاء: ٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾ [النَّحْل: ٣٦] \" (^١).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ): \"و\"أصل الإسلام\": أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. فمن طلب بعباداته الرياء والسمعة فلم يحقق شهادة أن لا إله إلا الله ومن خرج عما أمره به الرسول من الشريعة وتعبد بالبدعة فلم يحقق شهادة أن محمدا رسول الله. وإنما يحقق هذين \"الأصلين\" من لم يعبد إلا الله ولم يخرج عن شريعة رسول الله ﷺ التي بلغها عن الله فإنه قال: «تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك» (^٢)، وقال: \" «ما تركت من شيء يقربكم إلى الجنة إلا قد حدثتكم به ولا من شيء يبعدكم عن النار إلا وقد حدثتكم به» (^٣)، وقال ابن مسعود (ت: ٣٢ هـ) ﵁: \"خط لنا رسول الله ﷺ\n_________\n(^١) انظر: \"الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة\"١/ ٣٦٥ - ٣٦٧.\n(^٢) أخرجه أبو داود (٤٦٠٧)، والترمذي (٢٦٧٦)، وابن ماجه (٤٢)، وأحمد (١٧١٤٤) باختلاف يسير.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة (٣٥٤٧٣)، والحاكم (٢١٣٦)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (١٠٣٧٦) باختلاف يسير.","vol":"1","page":45},{"text":"خطا وخط خطوطا عن يمينه وشماله ثم قال: «هذا سبيل الله وهذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه، ثم قرأ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأَنْعَام: ١٥٣]» (^١) \" (^٢).\n- قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: \"قوله سبحانه: ﴿فَاعْبُدْنِي﴾ يعنى فوحدني، فإنه ليس معي إله\" (^٣).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"وعبادة الله وحده: هي أصل الدين وهو التوحيد الذي بعث الله به الرسل وأنزل به الكتب فقال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)﴾ [الزُّخْرُف: ٤٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النَّحْل: ٣٦]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأَنبِيَاء: ٢٥] \" (^٤).\n- قال ابن تيمية: (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"وهذا الأصل وهو التوحيد هو أصل الدين الذي لا يقبل الله من الأولين والآخرين دينا غيره وبه أرسل الله الرسل وأنزل الكتب كما قال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزُّخْرُف: ٤٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأَنبِيَاء: ٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾ [النَّحْل: ٣٦] \" (^٥).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"محبة الله سبحانه والأنس به، والشوق إلى لقائه، والرضا به وعنه: أصل الدين، وأصل أعماله وإرادته، كما أن معرفته والعلم بأسمائه وصفاته وأفعاله أجل علوم الدين كلها. فمعرفته أجل المعارف، وإرادة وجهه أجل المقاصد، وعبادته أشرف الأعمال، والثناء عليه بأسمائه وصفاته ومدحه وتمجيده أشرف الأقوال، وذلك أساس الحنيفية ملة إبراهيم ﵇.\nقد قال تعالى لرسوله: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣)﴾ [النَّحْل: ١٢٣].\nوكان النبي ﷺ يوصي أصحابه إذا أصبحوا أن يقولوا: «أصبحنا على فطرة الإسلام، وكلمة الإخلاص، ودين نبينا محمد، وملة أبينا إبراهيم\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٤١٤٢)، والنسائي في «السنن الكبرى» (١١١٧٤)، والدارمي (٢٠٢) باختلاف يسير.\n(^٢) مجموع الفتاوى (١١/ ٦١٧ - ٦١٨).\n(^٣) تفسير مقاتل بن سليمان (سورة طه: الآية: ١٤).\n(^٤) مجموع الفتاوى (٣/ ٣٩٧).\n(^٥) انظر: \"الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة\"١/ ٣٦٥ - ٣٦٧.","vol":"1","page":46},{"text":"حنيفا مسلما وما كان من المشركين» (^١).\nوذلك هو حقيقة شهادة أن لا إله إلا الله، وعليها قام دين الإسلام الذي هو دين جميع الأنبياء والمرسلين، وليس لله دين سواه ولا يقبل من أحد دينا غيره\" (^٢).\n- قال أبو حيان الأندلسي (ت: ٧٤٥ هـ) ﵀: \" وقال تعالى وتقدس: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ [طه: ١٤]. فذكر العبادة عقيب التوحيد، لأن التوحيد هو الأصل، والعبادة فرعه\" (^٣).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"والإيمان به أصل الإيمان بما عداه \" (^٤).\n- قال برهان الدين البقاعي (ت: ٨٨٥ هـ) ﵀: \"التوحيد هو الأمر الذي لا يقوم بناء إلا عليه\" (^٥).\n_________\n(^١) رواه الطبراني في الدعاء (٢٩٤) من حديث عبد الرحمن بن أبزى ﵁، ورواه ابن أبي شيبة (٥/ ٣٢٤) وأحمد (٣/ ٤٠٦، ٤٠٧) والدارمي (٢٦٨٨) والنسائي في الكبرى (٩٨٢٩ - ٩٨٣١، ١٠١٧٥، ١٠١٧٦) وغيرهم عن عبد الرحمن بن أبزى أن النبي ﷺ كان يقول ذلك، وفي إسناده اختلاف، قال الهيثمي في المجمع (١٠/ ١٥٦): «رواه أحمد والطبراني ورجالهما رجال الصحيح»، وصححه النووي في الأذكار (٢٢٥)، والعراقي في تخريج الإحياء (١١٥٠)، وحسنه ابن حجر في نتائج الأفكار (٢/ ٤٠١)، وهو في السلسلة الصحيحة (٢٩٨٩). وفي الباب عن ابن مسعود ﵁.\n(^٢) إغاثة اللهفان ٢/ ٩٤٤.\n(^٣) البحر المحيط في التفسير ١/ ٤٤.\n(^٤) الصواعق المرسلة ١/ ٣٦٥.\n(^٥) نظم الدرر في تناسب الآيات والسور ٤/ ١٩٦.","vol":"1","page":47},{"text":"- قال برهان الدين البقاعي (ت: ٨٨٥ هـ) ﵀: \"والتوحيد هو الأساس الذي لا تصح عبادة إلا به، وتحقيقه هو العلم الذي لا علم يعدله\" (^١).\n- قال حافظ بن أحمد حكمي (ت: ١٣٧٧ هـ) ﵀: \"وهي أصل الدين وأساسه ورأس أمره وساق شجرته وعمود فسطاطه، وبقية أركان الدين وفرائضه متفرعة عنها، ومتشعبة منها مكملات لها مقيدة بالتزام معناها والعمل بمقتضاها\" (^٢).\n- قال عبد العزيز بن باز (ت: ١٤٢٠ هـ) ﵀: \"التوحيد هو أصل دين الإسلام وهو أساس الملة وهو رأس الأمر وهو أهم الفرائض وهو الحكمة في خلق الثقلين والحكمة في إرسال الرسل جميعا عليهم الصلاة والسلام\" (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-17>١٤. ومما يدل على أهميته أن التوحيد هو الأساس الذي قام عليه دين الإسلام.</span>\nدعا النبي ﷺ للتوحيد في مكة ثلاثة عشر سنة قبل الهجرة وفي المدينة إلى أن توفاه الله تعالى.\nفعن ربيعة بن عباد الدؤلي، قال: رأيت رسول الله في الجاهلية بسوق ذي المجاز\n_________\n(^١) تفسير نظم الدرر في تناسب الآيات والسور للبقاعي. (سورة الزخرف الآية: ٨٦).\n(^٢) معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول في التوحيد لحافظ الحكمي. صـ ٢٢١.\n(^٣) إقامة البراهين على حكم من استغاث بغير الله أو صدق الكهنة والعرافين ص: ٤٧.","vol":"1","page":48},{"text":"وهو يقول: «يا أيها الناس، قولوا لا إله إلا الله تفلحوا» (^١).\nوعن جندب بن عبد الله قال: سمعت النبي ﷺ قبل أن يموت بخمس، وهو يقول: «ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبورأنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجدإني أنهاكم عن ذلك» (^٢).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"هذه الكلمة هي: أساس الدين\" (^٣).\n- قال ابن القيم ﵀ في فضل كلمة التوحيد: \"هي الكلمةالتي قامت بها الأرض والسموات وفطر الله عليها جميع المخلوقات، وعليها أسست الملة، ونصبت القبلة، وجردت سيوف الجهاد، وهي محض حق الله على جميع العباد، وهي الكلمة العاصمة للدم والمال والذرية في هذه الدار والمنجية من عذاب القبر وعذاب النار، وهي المنشور الذي لا يدخل أحد الجنة إلا به، والحبل الذي لا يصل إلى الله إلا من يتعلق بسببه، وهي كلمة الإسلام ومفتاح دار السلام، وبها انقسم الناس إلى شقي وسعيد ومقبول وطريد، وبها انفصلت دار الكفر من دار الإسلام، وتميزت دار النعيم من دار الشقاء والهوان، وهي العمود الحامل للفرض والسنة\" (^٤).\nفالإيمان بالله هو أساس كل خير، ومصدر كل هداية، وسبب كل فلاح،\n_________\n(^١) رواه الحاكم في المستدرك (٣٩).\n(^٢) رواه مسلم (١١٨٨).\n(^٣) قاعدة حسنة في الباقيات الصالحات. لابن تيمية. صـ ٢٦.\n(^٤) الجواب الكافي ص: ١٧٠.","vol":"1","page":49},{"text":"ذلك لأن الإنسان لما كان مخلوقًا مربوبًا عاد في علمه وعمله إلى خالقه وباريه فبه يهتدي، وله يعمل، وإليه يصير، فلا غنى له عنه، وانصرافه إلى غيره هو عين هلاكه وفساده، والإنسان له بالله عن كل شيء عوض، وليس لكل شيء عن الله عوض، فليس للعبد صلاح ولا فلاح إلا بمعرفة ربه وعبادته، فإذا حصل له ذلك فهو الغاية المرادة له والتي خلق من أجلها، فما سوى ذلك إما فضل نافع، أو فضول غير نافعة، أو فضول ضارة، ولهذا صارت دعوة الرسل لأممهم إلى الإيمان بالله وعبادته، فكل رسول يبدأ دعوته بذلك كما يعلم من تتبع دعوات الرسل في القرآن.\n- قال ابن القيم: \"من أَرَادَ علو بُنْيَانه فَعَلَيهِ بتوثيق أساسه وإحكامه وَشدَّة الاعتناء بِهِ، فَإِنْ علو الْبُنيان على قدر تَوْثِيق الأساس وإحكامه، فالأعمال والدرجات بُنيان وأساسها الْإِيمَان وَمَتى كَانَ الأساس وثيقا حمل الْبُنيان واعتلى عَلَيْهِ\" (^١).\n- وقال برهان الدين البقاعي (ت: ٨٨٥ هـ) ﵀: \"التوحيد هو الأساس الذي ينبني عليه كل خير، والمنتهى الذي هو غاية السير، والعالي على كل غير\" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-18>١٥. ومما يدل على أهميته أن التوحيد من أجله انقسم الناس إلى مؤمن وكافر وبينهما ولاء وبراء.</span>\nقال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْأخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ\n_________\n(^١) الفوائد ص ١٥٥.\n(^٢) نظم الدرر في تناسب الآيات والسور ١/ ٥٧.","vol":"1","page":50},{"text":"وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٢٢)﴾ [المُجَادلَة: ٢٢]، \"يقول تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾؛ أي: لا يجتمع هذا وهذا، فلا يكون العبد مؤمنًا بالله واليوم الآخر حقيقة، إلا كان عاملًا على مقتضى إيمانه ولوازمه، من محبة مَنْ قام بالإيمان وموالاته، وبغض مَنْ لم يقم به ومعاداته، ولو كان أقربَ الناس إليه، وهذا هو الإيمان على الحقيقة الذي وجدت ثمرته والمقصود منه، وأهل هذا الوصف هم الذين كتب الله في قلوبهم الإيمان؛ أي: رسمه وثبَّته، وغرسه غرسًا لا يتزلزل، ولا تؤثِّر فيه الشُّبَه والشكوك، وهم الذين قوَّاهم الله بروح منه؛ أي: بوحيه ومعرفته ومَدَدِه الإلهي، وإحسانه الرباني، وهم الذين لهم الحياة الطيبة في هذه الدار، ولهم جنَّات النعيم في دار القرار، التي فيها كل ما تشتهيه الأنفس وتلذُّ الأعين وتختار، ولهم أفضل النعيم وأكبره، وهو أن الله يحل عليهم رضوانه فلا يسخط عليهم أبدًا، ويرضون عن ربهم بما يعطيهم من أنواع الكرامات، ووافر المَثُوبات، وجزيل الهبات، ورفيع الدرجات؛ بحيث لا يرون فوق ما أعطاهم مولاهم غاية، ولا وراءه نهاية، وأمَّا مَنْ يزعُم أنه يؤمن بالله واليوم الأخر، وهو مع ذلك موادٌّ لأعداء الله، محبٌّ لِمَنْ نبذ الإيمان وراء ظهره، فإن هذا إيمان زعميٌّ لا حقيقة له، فإن كان أمرٌ لا بُدَّ له من برهان يصدِّقه، فمجرَّد الدعوى لا تفيد شيئًا ولا يصدق صاحبها\" (^١).\n_________\n(^١) تفسير السعدي (سورة المجادلة الآية: ٢٢).","vol":"1","page":51},{"text":"<span data-type='title' id=toc-19>١٦. ومما يدل على أهميته أن التوحيد هو دعوة الحق.</span>\nقال ﷿ ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (١٤)﴾ [الرَّعْد: ١٤].\n- قال ابن القيم ﵀: \"قد فسر السلف \"دعوة الحق\" بالتوحيد والإخلاص فيه والصدق. قال علي ﵁: دعوة الحق: التوحيد\" (^١).\n- وقال ابن عباس ﵄: \"دعوة الحق: شهادة أن لا إله إلا الله\" (^٢). وقيل: الدعاء بالإخلاص، والدعاء الخالص لا يكون إلا لله\" (^٣).\n- قال الطبري: \"وإنما عنى بالدعوة الحق، توحيد الله وشهادةَ أن لا إله إلا الله\" (^٤).\n- وقال السعدي: \" ﴿دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ [الرَّعْد: ١٤] وهي: عبادته وحده لا شريك له، وإخلاص دعاء العبادة ودعاء المسألة له تعالى\" (^٥).\n- قال فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀: \"واعلم أن قوله تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ [الرَّعْد: ١٤] يفيد الحصر، ومعناه: له هذه الدعوة لا لغيره، كما أن قوله تعالى: ﴿لَكُمْ\n_________\n(^١) تفسير الطبري (سورة الرعد الآية: ١٤).\n(^٢) تفسير الطبري (سورة الرعد الآية: ١٤).\n(^٣) مدارج السالكين ٢/ ٤٦٥.\n(^٤) تفسير الطبري (سورة الرعد الآية: ١٤).\n(^٥) تفسير السعدي (سورة الرعد الآية: ١٤).","vol":"1","page":52},{"text":"دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)﴾ [الكَافِرُون: ٦]. معناه: لكم دينكم لا لغيركم، ولي ديني، وتحقيق الكلام في إثبات هذا الحصر: أن الحق نقيض الباطل، فالحق هو الموجود، والباطل هو المعدوم، فلما كان الحق ﷾ حقًا في ذاته وبذاته وصفاته، وكان ممتنع التغير في حقيقته، كانت معرفته هي المعرفة الحقة، وذكره هو الذكر الحق، والدعوة إليه هي الدعوة الحقة\" (^١).\n- قال ابن حيان الأندلسي (ت: ٧٤٥ هـ) ﵀: \"ودعوة الحق قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: \"دعوة الحق لا إله إلا الله، وما كان من الشريعة في معناها\" (^٢).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"قد فسر السلف \"دعوة الحق\" بالتوحيد والإخلاص فيه والصدق\" (^٣).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"دعوة الحق دعوة الإلهية وحقوقها وتجريدها وإخلاصها\" (^٤).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: وقيل: الدعاء بالإخلاص، والدعاء الخالص لا يكون إلا لله\" (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-20>١٧. ومما يدل على أهميته أن التوحيد قطب رحى الإسلام.</span>\n- قال ابن تيمية: \"و\" لا إله إلا الله \" تقتضي الإخلاص والتوكل. والإخلاص يقتضي الشكر. فهي أفضل الكلام. وهي أعلى شعب الإيمان. كما ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال «الإيمان بضعوستون أو بضع وسبعون شعبة. أعلاها: قول لا إله إلا الله. وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق\n_________\n(^١) عجائب القرآن للرازي صـ ٥٠ - ٥١.\n(^٢) تفسير ابن حيان الأندلسي (سورة الرعد الآية: ١٤).\n(^٣) تفسير الطبري (سورة الرعد الآية: ١٤).\n(^٤) مدارج السالكين ٢/ ٣١.\n(^٥) مدارج السالكين ٢/ ٤٦٥.","vol":"1","page":53},{"text":"والحياء شعبة من الإيمان».\nفـ \"لا إله إلا الله\" هي قطب رحى الإيمان وإليها يرجع الأمر كله\" (^١).\n- وقال ابن تيمية: \"والعبادة تجمع غاية الحب وغاية الذل، فيحبون الله بأكمل محبة، ويذلون له أكمل ذل، ولا يعدلون به، ولا يجعلون له أندادا، ولا يتخذون من دونه أولياء ولا شفعاء.\nكما قد بين القرآن هذا التوحيد في غير موضع، وهو قطب رحى القرآن الذي يدور عليه [القرآن] وهو يتضمن التوحيد في العلم والقول، والتوحيد في الإرادة والعمل\" (^٢).\n- قال ابن القيم: \"مدار رحى الإسلام على أن يرضى العبد بعبادة ربه وحده، وأن يسخط عبادة غيره. وقد تقدم أن العبادة هي الحب مع الذل. فكل من ذللت له وأطعته وأحببته دون الله، فأنت عابد له\" (^٣).\n- وقال ابن تيمية: \"قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البَيِّنَة: ٥]. ونظائر هذا فى القرآن كثير، وكذلك في الأحاديث، وكذلك في إجماع الأمة، ولاسيما أهل العلم والإيمان منهم، فإن هذا عندهم قطب رحى الدين كما هو الواقع\" (^٤).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١٤/ ٤٢١.\n(^٢) منهاج السنة ٣/ ٢٩٠ ..\n(^٣) مدارج السالكين ٢/ ١٧٩.\n(^٤) قاعدة جامعة في توحيد الله وإخلاص الوجه والعمل له عبادة واستعانة صـ ٢٩.","vol":"1","page":54},{"text":"- قال ابن القيم: \"الموحد مبين لحقائق أسمائه وكمال أوصافه وذلك قطب رحى التوحيد؛ فالمعطل يعبد عدما، والممثل يعبد صنما؛ والموحد يعبد ربا ليس كمثله شيء له الأسماء الحسنى والصفات العلى وسع كل شيء رحمة وعلما\" (^١).\n- قال الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ: \"قلب رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيا؛ فإن الرضا بهذه الأصول الثلاثة قطب رحى الدين، وعليه تدور حقائق العلم واليقين، وذلك يتضمن من محبة الله، وإيثار مرضاته، والغيرةلدينه، والانحياز إلى أوليائه، ما يوجب البراءة، كل البراءة، والتباعد، كل التباعد، عمن تلك نحلته، وذاك دينه\" (^٢).\n- قال الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن قاسم: \"بين القرآن هذا التوحيد في غير موضع، وهو قطب رحى القرآن الذي يدور عليه القرآن\" (^٣)،\n\n<span data-type='title' id=toc-21>١٨. ومما يدل على أهميته أن التوحيد هو الدين الخالص.</span>\nقال تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (٣)﴾ [الزُّمَر: ٣].\n_________\n(^١) الصواعق المرسلة ١/ ١٤٨.\n(^٢) آل الرسول وأولياؤه صـ ١٤.\n(^٣) عيون الرسائل والأجوبة على المسائل ١/ ٢١٢.","vol":"1","page":55},{"text":"عن قتادة: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ \"شهادة أن لا إله إلا الله\" (^١).\n- قال البغوي: \"وقيل: لا يستحق الدين الخالص إلا الله وقيل: الدين الخالص من الشرك هو لله\" (^٢).\n- قال ابن الجوزي ﵀ في بيان معنى الآية: \"قوله تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾، يعني: الخالص من الشرك، وما سواه ليس بدين الله الذي أمر به. وقيل: المعنى لا يستحق الدين الخالص إلا لله.؟\n﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ يعني: آلهة. ويدخل في هؤلاء اليهود حين قالوا: عزير ابن الله، والنصارى لقولهم: المسيح ابن الله، وجميع عبادالأصنام\" (^٣).\n- قال ابن سعدي: \"هذا تقرير للأمر بالإخلاص، وبيان أنه تعالى كما أنه له الكمال كله، وله التفضل على عباده من جميع الوجوه، فكذلك له الدين الخالص الصافي من جميع الشوائب، فهو الدين الذي ارتضاه لنفسه، وارتضاه لصفوة خلقه وأمرهم به، لأنه متضمن للتأله للّه في حبه وخوفه ورجائه، وللإنابة إليه في عبوديته، والإنابة إليه في تحصيل مطالب عباده. وذلك الذي يصلح القلوب ويزكيها ويطهرها، دون الشرك به في شيء من العبادة. فإن اللّه بريء منه، وليس للّه فيه شيء، فهو أغنى الشركاء عن الشرك، وهو مفسد للقلوب\n_________\n(^١) تفسير الطبري (سورة الزمر الآية: ٣).\n(^٢) تفسير البغوي (سورة الزمر الآية: ٣).\n(^٣) زاد المسير في علم التفسير (٧/ ١٦١).","vol":"1","page":56},{"text":"والأرواح والدنيا والآخرة، مُشْقٍ للنفوس غاية الشقاء، فلذلك لما أمر بالتوحيد والإخلاص، نهى عن الشرك به\" (^١).\n- وقال ابن تيمية: \"فإذا كان أصل العمل الديني هو إخلاص الدين لله، وهو إرادة الله وحده فالشيء المراد لنفسه هو المحبوب لذاته، وهذا كمال المحبة، ولكن أكثر ما جاء المطلوب باسم العبادة كقوله تعالى: ﴿وَمَاخَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذَّارِيَات: ٥٦]، وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٢١]، وأمثال هذا\" (^٢).\n- وقال الفيروزأبادي: \"فحقيقة الإخلاص: التعرى من دون الله. و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإِخْلَاص: ١] سميت سورة الإخلاص؛ لأنها خالص التوحيد؛ وسبب خلاص أهله\" (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-22>١٩. ومما يدل على أهميته أن التوحيد يتضمن كمال المحبة لله تعالى.</span>\n- قال ابن تيمية: \"والعبادة تتضمن كمال الحب ونهايته، وكمال الذل ونهايته، فالمحبوب الذي لا يعظم ولا يذل له لا يكون معبودا، والمعظم الذي لا يحب لا يكون معبودا، ولهذا قال تعالى ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البَقَرَةِ: ١٦٥].\n_________\n(^١) تفسير السعدي (سورة الزمر الآية: ٣).\n(^٢) مجموع الفتاوى (١٠/ ٥٦، ٥٧).\n(^٣) بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب ٢/ ١٧٣.","vol":"1","page":57},{"text":"فبين سبحانه أن المشركين بربهم الذين يتخذون من دون الله أندادا، وإن كانوا يحبونهم كما يحبون الله، فالذين آمنوا أشد حبا لله منهم لله ولأوثانهم ..\nلأن المؤمنين أعلم بالله، والحب يتبع العلم، ولأن المؤمنين جعلوا جميع حبهم لله وحده، وأولئك جعلوا بعض حبهم لغيره وأشركوا بينه وبين الأنداد في الحب، ومعلوم أن ذلك أكمل قال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٢٩)﴾ [الزُّمَر: ٢٩].\nواسم المحبة فيه إطلاق وعموم فإن المؤمن يحب الله ويحب رسله وأنبياءه وعباده المؤمنين، وإن كان ذلك من محبة الله، وإن كانت المحبة التي لله لا يستحقها غيره. ولهذا جاءت محبة الله ﷾ مقرونة بما يختص به سبحانه من العبادة والإنابة إليه والتبتل له، ونحو ذلك. فكل هذه الأسماء تتضمن محبة الله ﷾.\nوكما أن محبته هي أصل الدين، فكذلك كمال الدين يكون بكمالها ونقصه بنقصها\" (^١).\n- قال ابن القيم: \"وكمال هذه المحبة هو بالعبودية والذل والخضوع والطاعة للمحبوب ﷾ فالحق الذي خلق به ولأجله الخلق هو عبادة الله وحده التي هي كمال محبته والخضوع والذل له، ولوازم عبوديته من الأمر والنهي والثواب والعقاب، ولأجل ذلك أرسل الرسل، وأنزل الكتب، وخلق\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٠/ ٥٦، ٥٧).","vol":"1","page":58},{"text":"الجنة والنار\" (^١).\n- وقال ابن القيم: \"وإنه ليس للقلب والروح ألذ ولا أطيب ولا أحلى ولا أنعم من محبة الله والإقبال عليه وعبادته وحده وقرة العين به، والأنس بقربه، والشوق إلى لقائه ورؤيته، وإن مثقال ذرة من هذه اللذة لا يعدل بأمثال الجبال من لذات الدنيا ولذلك كان مثقال ذرة من إيمان بالله ورسوله يخلص من الخلود في دار الآلام فكيف بالإيمان الذي يمنع من دخولها\" (^٢).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"أنفع المحبة على الإطلاق وأوجبها وأعلاها وأجلها محبة من جبلت القلوب على محبته، وفطرت الخليقة على تأليهه، وبها قامت الأرض والسماوات، وعليها فطرت المخلوقات، وهي سر شهادة أن لا إله إلا الله، فإن الإله هو الذي تأله القلوب بالمحبة والإجلال، والتعظيم والذل له والخضوع والتعبد، والعبادة لا تصلح إلا له وحده، والعبادة هي: كمال الحب مع كمال الخضوع والذل، والشرك في هذه العبودية من أظلم الظلم الذي لا يغفره الله، والله تعالى يحب لذاته من جميع الوجوه، وما سواه فإنما يحب تبعا لمحبته.\nوقد دل على وجوب محبته سبحانه جميع كتبه المنزلة، ودعوة جميع رسله، وفطرته التي فطر عباده عليها، وما ركب فيهم من العقوق، وما أسبغ عليهم من\n_________\n(^١) روضة المحبين (ص ٥٩).\n(^٢) روضة المحبين (ص ١٦٨).","vol":"1","page":59},{"text":"النعم، فإن القلوب مفطورة مجبولة على محبة من أنعم عليها وأحسن إليها، فكيف بمن كان الإحسان منه؟ وما بخلقه جميعهم من نعمة فمنه وحده لا شريك له، كما قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النَّحْل: ٥٣] \" (^١).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"وإذا كان الحب أصل كل عمل من حق وباطل، فأصل الأعمال الدينية حب الله ورسوله، كما أصل الأقوال الدينية تصديق الله ورسوله، وكل إرادة تمنع كمال الحب لله ورسوله وتزاحم هذه المحبة أو شبهة تمنع كمال التصديق، فهي معارضة لأصل الإيمان أو مضعفة له، فإن قويت حتى عارضت أصل الحب والتصديق كانت كفرا أو شركا أكبر، وإن لم تعارضه قدحت في كماله، وأثرت فيه ضعفا وفتورا في العزيمة والطلب، وهي تحجب الواصل، وتقطع الطالب، وتنكس الراغب، فلا تصح الموالاة إلا بالمعاداة كما قال تعالى عن إمام الحنفاء المحبين أنه قال لقومه: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (٧٧)﴾ [الشُّعَرَاء: ٧٥ - ٧٧].\nفلم يصح لخليل الله هذه الموالاة والخلة إلا بتحقيق هذه المعاداة، فإنه لا ولاء إلا بالبراءة من كل معبود سواه، قال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [المُمْتَحنَة: ٤].\n_________\n(^١) الجواب الكافي صـ ٢٢٨.","vol":"1","page":60},{"text":"وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧) وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٨)﴾ [الزُّخْرُف: ٢٦ - ٢٨].\nأي جعل هذه الموالاة لله، والبراءة من كل معبود سواه كلمة باقية في عقبه يتوارثها الأنبياء وأتباعهم بعضهم عن بعض وهي كلمة: لا إله إلا الله، وهي التي ورثها إمام الحنفاء لأتباعه إلى يوم القيامة\" (^١).\n- قال الإمام ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"وإذا ثقُل الظهر بالأوزار منع القلب من السير إلى الله، والجوارحمن النهوض في طاعته، وكيف يقطع مسافة السفر مُثقلٌ بالحمل على ظهره! وكيف ينهض إلى الله قلبٌ قد أثقلته الأوزار! فلو وُضعت عنه أوزاره لنهض وطار شوقًا إلى ربه، ولانقلب عسره يسرًا\" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-23>٢٠. ومما يدل على أهميته أن التوحيد أساس دعوة الرسل.</span>\nقال ﷿: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأَنبِيَاء: ٢٥]، فكل الرسل عليهم الصلاة والسلام قبل النبي ﷺ: زبدة رسالتهم وأصلها: الأمر بعبادة الله وحده لا شريك له، وبيان أنه الإله الحق المعبود، وأن عبادة ما سواه باطلة (^٣)؛ ولهذا قال الله ﷿: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ\n_________\n(^١) الجواب الكافي صـ ١٩٥.\n(^٢) الكلام في مسألة السماع ص ٢٧٨.\n(^٣) انظر: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، للطبري، ١٨/ ٤٢٧، تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص ٤٧٠.","vol":"1","page":61},{"text":"قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)﴾ [الزُّخْرُف: ٤٥].\nوقال ﷾: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾ [النَّحْل: ٣٦]: يخبر الله ﷿ أن حجته قامت على جميع الأمم، وأنه ما من أمّة متقدّمة، أو متأخرة إلا وبعث الله فيها رسولًا، وكلهم متفقون على دعوة واحدة، ودين واحد، وهو: عبادة الله وحده لا شريك له، فانقسمت الأمم بحسب استجابتها لدعوة الرسل قسمين: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ﴾ فاتبعوا المرسلين، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾ فاتبع سبيل الغي\" (^١).\n- قال منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (ت ٤٨٩ هـ) ﵀: \"قوله تعالى: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ﴾ [الشُّورَى: ١٥] أي: فإلى هذا فادع، وهو التوحيد\" (^٢).\nقال القرطبي عند تفسير قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأَنبِيَاء: ٢٥]؛\n\"أي: قلنا للجميع: لا إله إلا الله؛ فأدلَّة العقل شاهدةٌ أنه لا شريك له، والنقل عن جميع الأنبياء موجود، والدليل إمَّا معقولٌ وإما منقولٌ، وقال قتادة: لم يُرْسَل نبيٌّ إلا بالتوحيد، والشرائع مختلفة في التوراة والإنجيل والقرآن، وكلُّ ذلك على الإخلاص والتوحيد\" (^٣).\n_________\n(^١) انظر: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص ٣٩٣.\n(^٢) تفسير السمعاني ٥/ ٦٨.\n(^٣) \"تفسير القرطبي\": (الأنبياء: ٢٥).","vol":"1","page":62},{"text":"- وقال الشوكاني: \"لم يبعث الله سبحانه رسله، ولا أنزل عليهم كتبه إلا لإخلاص توحيده، وإفراده بالعبادة\" (^١).\n- قال ابن تيمية: \"وأصل دعوة جميع المرسلين قولهم ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأَعْرَاف: ٥٩] وعلى ذلك قاتل من قاتل منهم المشركين كما قال خاتم الرسل: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله» (^٢)، قال الله تعالى ﴿* شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ [الشُّورَى: ١٣] \" (^٣).\n- وقال ابن تيمية: \"التوحيد الذي جاءت به الرسل، ونزلت به الكتب، وبه بعث الله الأولين والآخرين من الرسل.\n- قال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)﴾ [الزُّخْرُف: ٤٥].\nوقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾ [النَّحْل: ٣٦].\n_________\n(^١) الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني» (١/ ١٧٣).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٥)، وأخرجه مسلم (٢٢).\n(^٣) قاعدة في المحبة صـ ١١ - ١٢.","vol":"1","page":63},{"text":"وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُلَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأَنبِيَاء: ٢٥].\nوقد أخبر الله تعالى عن كل من الرسل، مثل نوح وهود، وصالح وشعيب، وغيرهم، أنهم قالوا لقومهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأَعْرَاف: ٥٩]. وهذا أول دعوة الرسل وآخرها\" (^١).\n- قال ابن القيم: \"التوحيد أول دعوة الرسل، وأول منازل الطريق، وأول مقام يقوم فيه السالك إلى الله تعالى:\nقال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأَعْرَاف: ٥٩]\nوقال هود لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأَعْرَاف: ٥٩]\nوقال صالح لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأَعْرَاف: ٧٣]\nوقال شعيب لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأَعْرَاف: ٨٥]\nوقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النَّحْل: ٣٦] \" (^٢).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"دعوة الرسل تدور على ثلاثة أمور:\n_________\n(^١) منهاج السنة ٥/ ٣٤٦.\n(^٢) مدارج السالكين ٣/ ٤١١.","vol":"1","page":64},{"text":"تعريف الرب المدعو إليه بأسمائه وصفاته وأفعاله. الأصل الثاني: معرفة الطريق الموصلة إليه وهي ذكره وشكره وعبادته التي تجمع كمال حبه وكمال الذل له. الأصل الثالث: تعريفهم ما لهم بعد الوصول إليه في دار كرامته من النعيم الذي أفضله وأجله رضاه عنهم وتجليه لهم ورؤيتهم وجهه الأعلى وسلامه عليهم وتكليمه إياهم ومحاضرتهم في مجالسهم\" (^١).\n- قال برهان الدين البقاعي (ت: ٨٨٥ هـ) ﵀: \"أصل الدعوة في كل ملة التوحيد، وكان الشاك فيه شاكا في الله، وكان أمر الله من الظهور بحيث لا يشك فيه عاقل حكم عقله مجردا عن الهوى\" (^٢).\n- قال محمد بن علي الشوكاني (ت: ١٢٥٥ هـ) ﵀: \"لم يبعث الله سبحانه رسله، ولا أنزل عليهم كتبه إلا لإخلاص توحيده، وإفراده بالعبادة\" (^٣).\n- قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: \"يخبر الله ﷿ أن حجته قامت على جميع الأمم، وأنه ما من أمّة متقدّمة، أو متأخرة إلا وبعث الله فيها رسولًا، وكلهم متفقون على دعوة واحدة، ودين واحد، وهو: عبادة الله وحده لا شريك له، فانقسمت الأمم بحسب استجابتها لدعوة الرسل قسمين:\n_________\n(^١) الصواعق المرسلة ٤/ ١٤٨٩.\n(^٢) نظم الدرر في تناسب الآيات والسور ١٠/ ٣٩١.\n(^٣) الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني» (١/ ١٧٣).","vol":"1","page":65},{"text":"﴿فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ﴾ [النَّحْل: ٣٦] فاتبعوا المرسلين، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾ [النَّحْل: ٣٦]، فاتبع سبيل الغي\" (^١).\n- قال حافظ بن أحمد حكمي (ت: ١٣٧٧ هـ) ﵀: \"اتفقت دعوتهم من أولهم إلى آخرهم على أصل العبادة وأساسها، وهو التوحيد بأن يفرد الله تعالى بجميع أنواع العبادة اعتقادا وقولا وعملا، ويكفر بكل ما يعبد من دونه، وأما الفروض المتعبد بها فقد يفرض على هؤلاء من الصلاة والصوم ونحوها مالا يفرض على الآخرين، ويحرم على هؤلاء ما يحل للآخرين، امتحانا من الله تعالى ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ﴾ [هُود: ٧] الدليل على ذلك من الكتاب على نوعين مجمل ومفصل.\nأما المجمل فمثل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النَّحْل: ٣٦] وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُلَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأَنبِيَاء: ٢٥] وقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)﴾ [الزُّخْرُف: ٤٥] الآيات،\nوأما المفصل فمثل قوله تعالى ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأَعْرَاف: ٥٩] ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأَعْرَاف: ٧٣] ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأَعْرَاف: ٥٩] ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ\n_________\n(^١) انظر: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص ٣٩٣.","vol":"1","page":66},{"text":"شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأَعْرَاف: ٨٥] ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزُّخْرُف: ٢٦ - ٢٧] وقال موسى: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا (٩٨)﴾ [طه: ٩٨]، ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [المَائِدَة: ٧٢] ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٦٥)﴾ [ص: ٦٥] وغيرها من الآيات\" (^١).\n- قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي (ت: ١٣٩٣ هـ) ﵀: \"فعلينا أن نعلم أن هذا الذي أمر به سيدنا ﷺ من تحقيق العبودية لله، وإخلاص حقوق الله لله، وتحقيق معنى (لا إله إلا الله) علينا أن نتبع فيه نبينا ﷺ \" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-24>٢١. ومما يدل على أهميته أن التوحيد مفتاح دعوة الرسل.</span>\n- قال ابن القيم: \"فالتوحيد: مفتاح دعوة الرسل، ولهذا قال النبي ﷺ لرسوله معاذ بن جبل ﵁ وقد بعثه إلى اليمن - «إنك تأتي قوما أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه: عبادة الله وحده، فإذا شهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة» وذكر الحديث\n_________\n(^١) أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة صـ ٤٩ - ٥٠.\n(^٢) العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير ٢/ ٦٢٩.","vol":"1","page":67},{"text":"وقال ﷺ: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله» (^١)، ولهذاكان الصحيح: أن أول واجب يجب على المكلف: شهادة أن لا إله إلا الله، لا النظر، ولا القصد إلى النظر، ولا الشك كما هي أقوال لأرباب الكلام المذموم\" (^٢).\n- وقال ابن القيم: \"وقد اقتضت رحمة العزيز الحكيم أن بعث الرسل به معرفين وإليه داعين، وجعل معرفته سبحانه بأسمائه وصفاته، أفعاله هي مفتاح دعوتهم وزبدة رسالتهم، فأساس دعوة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، والأصل الأول فيها: معرفة الله سبحانه بأسمائه وصفاته وأفعاله. ثم يتبع هذا الأصل أصلان عظيمان هما:\n١. تعريف الناس الطريق الموصلة إلى الله، وهي: \"شريعته المتضمنة لأمره ونهيه\".\n٢. تعريفهم مآلهم في الآخرة.\nوهذان الأصلان تابعان للأصل الأول مبنيان عليه، فأعرف الناس بالله أتبعهم للطريق الموصلة إليه، وأعرفهم بحال الناس عند القدوم عليه (^٣).\n- وقال ابن القيم ٠ ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"فإن الله ﷾ جعل لكل خير وشر\n_________\n(^١) رواه مسلم: (٢٢/ كتاب الإيمان/ باب: الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام).\n(^٢) مدارج السالكين ٣/ ٤١١ - ٤١٢.\n(^٣) الصواعق المرسلة ١/ ٥ - ٦.","vol":"1","page":68},{"text":"مفتاحًا وبابًا يُدخل منه إليه.\nكما جعل الشرك والكِبر والأعراض عما بعث الله به رسوله والغفلة عن ذكره والقيام بحقه مفتاحا للنار\" (^١).\n- وقال الإمام ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"ومفتاح كل شرٍّ؛ حُبُّ الدنيا وطول الأمل. وهذا بابٌ عظيمٌ، من أنفع أبواب العلم، وهو: معرفة مفاتيح الخير والشر، لا يُوفق لمعرفته ومراعاته إلا من عَظُم حظُّه وتوفيقه\" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-25>٢٢. ومما يدل على أهميته أن التوحيد خلاصة الدعوة النبوية، وزبدة الرسالة الإلهية.</span>\n- قال ابن تيمية ﵀: \"معرفة رب العالمين غاية المعارف، وعبادته أشرف المقاصد، والوصول إليه غاية المطالب، بل هذا خلاصة الدعوة النبوية، وزبدة الرسالة الإلهية\" (^٣).\n- وقال ابن تيمية: \"فإخلاص الدين لله هو الدين الذي لا يقبل الله سواه وهو الذي بعث به الأولين والآخرين من الرسل، وأنزل به جميع الكتب واتفق عليه أهل الإيمان، وهذا هو خلاصة الدعوة النبوية وهو قطب القرآن الذي\n_________\n(^١) حادي الأرواح ص ٤٩.\n(^٢) حادي الأرواح ص ٤٨.\n(^٣) مجموع الفتاوى ٢/ ١٣.","vol":"1","page":69},{"text":"تدور عليه رحاه\" (^١).\n- قال محمد بن عبد الله الزركشي (ت: ٧٩٤ هـ) ﵀: \"التوحيد هو المقصود الأصلي من بعثة الرسل\" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-26>٢٣. ومما يدل على أهميته أن التوحيد أصل دين الأنبياء وإن اختلفت شرائعهم.</span>\nعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «أنا أَولى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة، والأنبياء إخوة لعلات؛ أمهاتهم شتى ودينهم واحد» (^٣).\n- قال النووي: \"قال جمهور العلماء معنى الحديث: أصل إيمانهم واحد وشرائعهم مختلفة فإنهم متفقون في أصول التوحيد وأما فروع الشرائع فوقع فيها الاختلاف، فقوله: «ودينهم واحد» أي أصول التوحيد، أو أصل طاعة الله تعالى وإن اختلفت صفتها، أو أصول التوحيد والطاعة جميعا\" (^٤).\nفآفاد الحديث أن الأنبياءَ كلَّهم على دين واحد هو دين الإسلام فكلُّهم دعَوا إلى عبادة الله وحده وعدمِ الإشراك به شيئًا والتصديقِ بأنبيائه، ولكنَّ\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١٢/ ٤٨ - ٤٩.\n(^٢) كتاب معنى لا إله إلا الله للزركشي ص: ٨٧.\n(^٣) أخرجه البخاري (٣٤٤٣)، ومسلم (٢٣٦٥).\n(^٤) شرح النووي على صحيح مسلم ١٥/ ١٢٠.","vol":"1","page":70},{"text":"شرائعَهم مختلفةٌ أي الأحكام.\nفالمرسلين قاطبة يَنتسِبون إلى أصلٍ واحد، هو الدين القيِّم، الذي ارتضاه الله لنفسه، وشرَعه لعبده، ثم وصَّى به رُسله، وكتب ألا يَقبَل غيره، وألا يجزي إلا به، وتعاقب الأنبياء على هذا الدين الحق، الذي أصوله: توحيد الله وتنزيهه.\n- قال منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (ت ٤٨٩ هـ) ﵀: \"قوله تعالى ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنزَلْتُمُ صَدِّقا لِمَا مَعَكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٤١]، بما أنزلت في القرآن مصدقا لما معكم من التوراة. يعني أن القرآن مصدق لما في التوراة من التوحيد ونعت محمد\" (^١).\n- قال منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (ت ٤٨٩ هـ) ﵀: \"قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (٩٢)﴾ [الأَنبِيَاء: ٩٢]، أي: وحدوني، وحقيقة معنى الآية: أن الملة التي دعوتكم إليها هي ملة الأنبياء قبلكم، إذ دين الكل واحد، وهذا في التوحيد، فأما الشرائع يجوز اختلافها، ويقال: معنى الآية: أنكم خلق واحد وكونوا على دين واحد\" (^٢).\n- قال ابن عطية الأندلسي (ت: ٥٤٢ هـ) ﵀: \"واختلف المتأولون في معنى قوله ﷿ ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجا﴾ [المَائِدَة: ٤٨].\n_________\n(^١) تفسير السمعاني ١/ ٧١.\n(^٢) تفسير السمعاني ٣/ ٤٠٧.","vol":"1","page":71},{"text":"- فقال علي بن أبي طالب (ت: ٤٠ هـ) ﵁ وقتادة بن دعامة السدوسي (ت: ١١٨ هـ) ﵀ (ت: ١١٨ هـ)، وجمهور المتكلمين: المعنى «لكل أمة منكم جعلنا شرعة ومنهاجا» أي لليهود شرعت ومنهاج وللنصارى كذلك وللمسلمين كذلك.\nوهذا عندهم في الأحكام، وأما في المعتقد فالدين واحد لجميع العالم توحيد وإيمان بالبعث وتصديق للرسل، وقد ذكر الله تعالى في كتابه عددا من الأنبياء شرائعهم مختلفة، ثم قال لنبيه ﷺ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأَنْعَام: ٩٠] فهذا عند العلماء فيالمعتقدات فقط، وأما أحكام الشرائع فهذه الآية هي القاضية فيها لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا\" (^١).\n- قال سليمان بن عبد القوي بن عبد الكريم الطوفي الصرصري الحنبلي (ت ٧١٦ هـ) ﵀: عند قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ [النِّسَاء: ١٦٣] \"المراد كما أوحينا إليهم في التوحيد ونحوه من قواعد الأصول\" (^٢).\n- قال سليمان بن عبد القوي بن عبد الكريم الطوفي الصرصري الحنبلي (ت ٧١٦ هـ) ﵀: \"اختصاص كل أمة بشرعة إنما هو في فروع التكاليف، أما\n_________\n(^١) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ٢/ ٢٠٠ - ٢٠١.\n(^٢) الإشارات الأصولية إلى المباحث الإصولية ص: ١٩١.","vol":"1","page":72},{"text":"التوحيد ونحوه من أصول الديانات فالشرائع فيه واحدة\" (^١).\n- قال محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي النجدي (ت ١٢٠٦ هـ) ﵀: \"التوحيد الذي هو أصل الدين ورأسه الذي لا يقبل الله عملا إلا به، ويغفر لصاحبه ولا يغفر لمن تركه \" (^٢).\n- قال محمد أنور شاه بن معظم شاه الكشميري الهندي (ت ١٣٥٣ هـ) ﵀: \"والذي ظهر لي: أن بعثة الأنبياء كلهم عامة في حق التوحيد كما صرح به ابن دقيق العيد (ت: ٦٢٥ هـ) ﵀، بمعنى أنه يجوز لهم أن يدعو إليه من شاؤوا سواء كانوا مبعوثين إليهم أم لا. ويجب على القوم إجابة دعوتهم ولا يسع لهم الإنكار بحال، فإن أنكروا استحقوا النار\" (^٣).\n- قال ابن تيمية: \"فأصل الدين وقاعدته يتضمن أن يكون الله هو المعبود الذي تحبه القلوب وتخشاه ولا يكون لها إله سواه، والإله ما تألهه القلوب بالمحبة والتعظيم والرجاء والخوف والإجلال والإعظام ونحو ذلك.\nوالله سبحانه أرسل الرسل بأنه لا إله إلا هو فتخلو القلوب عن محبة ما سواه بمحبته، وعن رجاء ما سواه برجائه، وعن سؤال ما سواه بسؤاله، وعن العمل لما سواه بالعمل له، وعن الاستعانة بما سواه بالاستعانة به\" (^٤).\n_________\n(^١) الإشارات الإلهية إلى المباحث الأصولية ص: ٢١٩ ..\n(^٢) مفيد المستفيد في كفر تارك التوحيد (مطبوع ضمن مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب \"الجزء الأول\" ص: ٢٩٣.\n(^٣) كتاب فيض الباري على صحيح البخاري ١/ ٢٨٠.\n(^٤) مجموع الفتاوى ١١/ ٥٢٣ - ٥٢٤.","vol":"1","page":73},{"text":"<span data-type='title' id=toc-27>٢٤. ومما يدل على أهميته أن التوحيد هو وصيته سبحانه لأنبيائه ورسله.</span>\nقال تعالى: ﴿* شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣)﴾ [الشُّورَى: ١٣].\n- قال الطبري: \"ودين الإسلام الذي تمسك به الأنبياء جميعهم ﵈ ودعوا إليه هو توحيد الله والإيمان به وطاعة رسله وقبول شرائعه\" (^١).\nوالدين الذي أمر الله سبحانه الأنبياء بالاجتماع عليه والتمسك به هو دين واحد وهو دين الإسلام.\n- قال منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (ت ٤٨٩ هـ) ﵀: \"وقوله: ﴿أَنْ أَقِيمُوا﴾ أي: اثبتوا على التوحيد\" (^٢).\nقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١) وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (٥٢) فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المُؤْمِنُون: ٥١ - ٥٣].\nومعنى الأمة هنا: الدين (^٣) أي دينكم يا معشر\n_________\n(^١) انظر: تفسير الطبري (١٧/ ٦٧).\n(^٢) انظر: تفسير السمعاني (٥/ ٦٧).\n(^٣) انظر الفرقان بين الأولياء الرحمن وأولياء الشيطان ضمن مجموعة التوحيد (٢/ ٥٩٤) وانظر الفتاوى (٣/ ٦٤).","vol":"1","page":74},{"text":"الأنبياء دين واحد وملة واحدة وهو الدعوة إلى عبادة الله لا شريك له (^١).\n- يقول عبد الله بن عباس قوله تعالى: وإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً يقول: دينكم دين واحد\" (^٢).\n- قال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ) ﵀: \"ومعنى الأمة هنا: الدين (^٣) أي دينكم يا معشر الأنبياء دين واحد وملة واحدة وهو الدعوة إلى عبادة الله لا شريك له (^٤).\n- قال ابن تيمية: \"الدين هو دين الإسلام، الذي لا يقبل الله دينا غيره، لا من الأولين ولا من الآخرين، فإن جميع الأنبياء على دين الإسلام، قال تعالى عن نوح: ﴿*وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِئَايَتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ (٧١) فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٧٢)﴾ [يُونُس: ٧١ - ٧٢]، وقال عن إبراهيم: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٣٠) إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٣١) وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البَقَرَةِ: ١٣٠ - ١٣٢]، وقال عن موسى: ﴿وَقَال مُوسَى يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (٨٤)﴾ [يُونُس: ٨٤]، وقال في خبر المسيح: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ [المَائِدَة: ١١١]، وقال فيمن تقدم من الأنبياء: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ [المَائِدَة: ٤٤]، وقال عن بلقيس أنها قالت: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ\n_________\n(^١) تفسير القرطبي (١٢/ ٨٦).\n(^٢) تفسير ابن كثير (٣/ ٣٩).\n(^٣) انظر: الفرقان بين الأولياء الرحمن وأولياء الشيطان ضمن مجموعة التوحيد (٢/ ٥٩٤) وانظر الفتاوى (٣/ ٦٤).\n(^٤) تفسير القرطبي (١٢/ ٨٦).","vol":"1","page":75},{"text":"سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٤)﴾ [النَّمْل: ٤٤].\nفالإسلام يتضمن الاستسلام لله وحده، فمن استسلم له ولغيره كان مشركا، ومن لم يستسلم له كان مستكبرا عن عبادته، والمشرك به والمستكبر عن عبادته كافر، والاستسلام له وحده يتضمن عبادته وحده وطاعته وحده.\nوهذا دين الإسلام الذي لا يقبل الله غيره، وذلك إنما يكون بأن يطاع في كل وقت بفعل ما أمر به في ذلك الوقت، فإذا أمر في أول الأمر باستقبال الصخرة، ثم أمر ثانيا باستقبال الكعبة، كان كل من الفعلين حين أمر به داخلا في دين الإسلام، فالدين هو الطاعة والعبادة له في الفعلين، وإنما تنوع بعض صور الفعل وهو وجهة المصلي، فكذلك الرسل دينهم واحد، وإن تنوعت الشرعة. والمنهاج والوجهة والمنسك، فإن ذلك لا يمنع أن يكون الدين واحدا، كما لم يمنع ذلك في شرعة الرسول الواحد\" (^١).\n- قال ابن القيم: \"التوحيد كل التوحيد أن يشهد كل شيء دليلا عليه، مرشدا إليه، ومعلوم أن الرسل أدلة للتوحيد\" (^٢).\nقال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"قال تعالى ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فُصِّلَت: ٦ - ٧]، أي لا يؤتون ما تزكى به أنفسهم من التوحيد والإيمان، ولهذا فسرها غير واحد من السلف بأن قالوا لا يأتون الزكاة\n_________\n(^١) الرسالة التدمرية ١/ ١٦٨ - ١٧٠.\n(^٢) مدارج السالكين ٣/ ٤٦٥.","vol":"1","page":76},{"text":"لا يقولون لا اله إلا الله وحده لا شريك له وأن يكون الله أحب إلى العبد من كل ما سواه هو أعظم وصية جاءت بها الرسل ودعوا إليها الأمم\" (^١).\n- قال ابن عطية الأندلسي (ت: ٥٤٢ هـ) ﵀ في تفسير قوله تعالى: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [الشُّورَى: ١٥]، اللام في قوله: ﴿فَلِذَلِكَ﴾ قالت فرقة: هي بمنزلة إلى، كما قال تعالى: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (٥)﴾ [الزَّلْزَلَة: ٥] أي إليها، كأنه قال: فإلى ما وصى به الأنبياء من التوحيد فادع\" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-28>٢٥. ومما يدل على أهميته أن التوحيد من أجله أنزل الله الكتب.</span>\nقال تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١) أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (٢)﴾ [هُود: ١ - ٢].\n- قال الشيخ السعدي: \"يقول تعالى: هذا ﴿كِتَابٌ﴾ عظيم، ونُزُل كريم، ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ [هُود: ١]؛ أي: أُتْقِنت وأُحْسِنَت، صادقة أخبارها، عادلة أوامرها ونواهيها، فصيحة ألفاظه بهية معانيه، ﴿ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ [هُود: ١]؛ أي: ميزت، بينت بيانًا في أعلى أنواع البيان، ﴿مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ﴾ [هُود: ١] يضع الأشياء مواضعها، وينزلها منازلها، لا يأمر ولا ينهى إلا بما تقتضيه حكمته، ﴿خَبِيرٍ (١)﴾ [هُود: ١] مطَّلع على الظواهر والبواطن،\n_________\n(^١) مفتاح دار السعادة ٢/ ١٢٠.\n(^٢) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ٥/ ٣٠.","vol":"1","page":77},{"text":"فإذا كان إحكامه وتفصيله من عند الله الحكيم الخبير فلا تسأل بعد هذا عن عظمته وجلالته واشتماله على كمال الحكمة وسعة الرحمة، وإنما أنزل الله كتابه لأجل ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ [هُود: ٢]؛ أي: لأجل إخلاص الدين كله لله، وألاّ يشرك به أحد من خلقه، ﴿إِنَّنِي لَكُمْ﴾ [هُود: ٢] أيُّها الناس ﴿مِنْهُ﴾؛ أي: من الله ربكم ﴿نَذِيرٌ﴾ لِمَنْ تجرَّأ على المعاصي، بعقاب الدنيا والآخرة ﴿وَبَشِيرٌ (٢)﴾ للمطيعين لله، بثواب الدنيا والآخرة\" (^١).\n- قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: \"فهذه الآية الكريمة فيها الدلالة الواضحة على أن الحكمة العظمى التي أُنزل القرآن من أجلها هي: أن يُعبد الله -جل وعلا- وحده، ولا يُشرك به في عبادته شيء؛ لأن قوله -جل وعلا-: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١) أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (٢)﴾ صريح في أن آيات هذا الكتاب فصِّلت من عند الحكيم الخبير؛ لأجل أن يُعبد الله وحده\" (^٢).\nوقال ابن كثير: \"أي: نزل هذا القرآن المحكم المفصَّل لعبادة الله وحده لا شريك له؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُلَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأَنبِيَاء: ٢٥]، وقال: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النَّحْل: ٣٦] \" (^٣).\n_________\n(^١) \"تفسير السعدي\": (هود: ١ - ٢).\n(^٢) \"تفسير أضواء البيان\"؛ للشنقيطي: (هود: ١ - ٢).\n(^٣) \"تفسير ابن كثير\": (هود: ١ - ٢).","vol":"1","page":78},{"text":"- قال ابن تيمية: \"وعبادة الله وحده هي أصل الدين، وهو التوحيد الذي بعث الله به الرسل وأنزل به الكتب\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-29>٢٦. ومما يدل على أهميته أن من تمام التوحيد شهادة أن محمدًا رسول الله.</span>\n- عن مجاهد بن جبر (ت: ١٠٤ هـ) ﵀؛ في قوله ﷿: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (٤)﴾ [الشَّرْح: ٤]؛ قال: إذا ذكرت ذكرت معي؛ أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله\" (^٢).\n- عن محمد بن كعب (ت: ١٠٨ هـ) ﵀: \"قال: إذا ذكر الله ﷿ ذكر معه؛ أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله ﷺ \" (^٣).\n- قال ابن القيم: \"محمد رسول الله، من تمام قول لا إله إلا الله. فالكلمتان تخرجان من أصل القلب، من مشكاة واحدة. لا تتم إحداهما إلا بالأخرى\" (^٤).\n- وقال ابن القيم: \"إثبات حمده التام، فإنه يقتضي كمال حكمته، وأن لا يخلق خلقه عبثا، ولا يتركهم سدى، لا يؤمرون ولا ينهون، ولذلك نزه الله نفسه عن هذا في غير موضع من كتابه، وأخبر أن من أنكر الرسالة والنبوة وأن يكون ما أنزل على بشر من شيء فإنه ما عرفه حق معرفته، ولا عظمه حق تعظيمه، ولا قدره\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٣/ ٣٩٧.\n(^٢) سنن سعيد بن منصور تكملة التفسير ٨/ ٣٧٧.\n(^٣) سنن سعيد بن منصور تكملة التفسير ٨/ ٣٧٨.\n(^٤) مدارج السالكين ٣/ ٤٧.","vol":"1","page":79},{"text":"حق قدره، بل نسبه إلى ما لا يليق به، ويأباه حمده ومجده.\nفمن أعطى الحمد حقه علما ومعرفة وبصيرة استنبط منه \"أشهد أن محمدا رسول الله\" كما يستنبط منه أشهد أن لا إله إلا الله، وعلم قطعا أن تعطيل النبوات في منافاته للحمد، كتعطيل صفات الكمال، وكإثبات الشركاء والأنداد\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-30>٢٧. ومما يدل على أهميته أن التوحيد بمثابة الأصل والأعمال الظاهرة هي الفروع.</span>\n- قال ابن تيمية: \"والدين القائم بالقلب من الإيمان علما وحالا هو \"الأصل\"، والأعمال الظاهرة هي \"الفروع\" وهي كمال الإيمان.\nفالدين أول ما يبنى من أصوله ويكمل، كما أنزل الله بمكة أصوله من التوحيد والأمثال التي هي المقاييس العقلية والقصص والوعد والوعيد.\nثم أنزل بالمدينة لما صار له قوة فروعه الظاهرة من الجمعة والجماعة والأذان والإقامة والجهاد والصيام وتحريم الخمر والزنا والميسر وغير ذلك من واجباته ومحرماته\" (^٢).\n- قال ابن تيمية: \"أصل الدين هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ورأس المعروف هو التوحيد ورأس المنكر هو الشرك\" (^٣).\n_________\n(^١) مدارج السالكين ١/ ٩٠.\n(^٢) مجموع الفتاوى ١٥/ ٣٥٥.\n(^٣) مجموع الفتاوى ٢٧/ ٤٤٢.","vol":"1","page":80},{"text":"<span data-type='title' id=toc-31>٢٨. ومما يدل على أهميته أن التوحيد هو أول المأمورات، وضده هو أول المنهيات.</span>\nقال تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الأَنْعَام: ١٥١]، \"والمقصود أن الشرك أعظم ما نهى الله عنه، كما أن التوحيد أعظم ما أمر الله به، ولهذا كان أوَّل دعوة الرسل كلهم إلى توحيد الله ﷿ ونفي الشرك، فلم يأمروا بشيء قبل التوحيد، ولم ينهوا عن شيء قبل الشرك، وما ذكر الله تعالى التوحيد مع شيءٍ من الأوامر إلا جعله أوَّلها، ولا ذكر الشرك مع شيء من النواهي إلا جعله أوَّلها، كما في آية النساء: ﴿*وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النِّسَاء: ٣٦]، وكما في آية الأنعام التي طلب النبي ﷺ البيعة عليها، وهي قوله تعالى: ﴿*قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوابِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الأَنْعَام: ١٥١]، وكما في آيات الإسراء: ﴿*وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإِسْرَاء: ٢٣]، فابتَدَأ تلك الأوامر والنواهي بالأمر بالتوحيد والنهي عن الشرك، وختمها بذلك\" (^١).\n- عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أن معاذ بن جبل أراد سفرًا\n_________\n(^١) معارج القبول: ١/ ٣٥٣.","vol":"1","page":81},{"text":"فقال: يا نبي الله أوصني قال: «اعبد الله لا تشرك به شيئًا». قال: يا نبي الله زذني قال: «إذا أسأت فأحسن». قال: يا رسول الله زدني قال: «استقم وليحسن خلقك» (^١).\nوقال أبو الدرداء: أوصاني خليلي «أن لا تشرك بالله شيئًا، وإن قطعت وحرقت، ولا تترك صلاة مكتوبة متعمدًا، فمن تركها متعمدا فقد برئت منه الأمة، ولا تشرب الخمر فإنها مفتاح كل شر» (^٢).\n\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"طريقة القرآن في مثل هذا أن يقرن النفي بالإثبات فينفي عبادة ما سوى الله ويثبت عبادته، وهذا هو حقيقة التوحيد. والنفي المحض ليس بتوحيد. وكذلك الإثبات بدون النفي. فلا يكون التوحيد إلا متضمنا للنفي والإثبات، وهذا حقيقة «لا إله إلا الله» \" (^٣).\n\n- قال حافظ بن أحمد حكمي (ت: ١٣٧٧ هـ) ﵀: \"والمقصود أن الشرك أعظم ما نهى الله عنه، كما أن التوحيد أعظم ما أمر الله به، ولهذا كان أوَّل دعوة الرسل كلهم إلى توحيد الله ﷿ ونفي الشرك، فلم يأمروا بشيء قبل التوحيد، ولم ينهوا عن شيء قبل الشرك، وما ذكر الله تعالى التوحيد مع شيءٍ من الأوامر إلا جعله أوَّلها، ولا ذكر الشرك مع شيء من النواهي إلا جعله أوَّلها، كما في آية النساء: ﴿*وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِشَيْئا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النِّسَاء: ٣٦]، وكما في آية الأنعام التي طلب النبي البيعة عليها، وهي قوله تعالى: ﴿*قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِشَيْئا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الأَنْعَام: ١٥١]، وكما في آيات الإسراء: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإِسْرَاء: ٢٣]، فابتَدَأ تلك الأوامر والنواهي بالأمر بالتوحيد والنهي عن الشرك، وختمها بذلك\" (^٤) [¬*].\n\n<span data-type='title' id=toc-32>٢٩. ومما يدل على أهميته أن التوحيد من أجله شرع الجهاد.</span>\nقال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣٩)﴾ [الأَنفَال: ٣٩].\n- قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي: \" ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾؛\n_________\n(^١) رواه الحاكم في مستدركه ١/ ٥٤.\n(^٢) رواه ابن ماجه (٤٠٣٤).\n(^٣) التفسير القيم صـ ٥٨٩.\n(^٤) معارج القبول: ١/ ٣٥٣.\n[¬*] تعليق الشاملة: هذا النقل ليس في المطبوع، وهو في النسخة التي أرسلها المؤلف للبرنامج","vol":"1","page":82},{"text":"أي: شرك، وصد عن سبيل الله ويذعنوا لأحكام الإسلام، ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ فهذا المقصود من القتال والجهاد لأعداء الدين، أن يدفع شرَّهم عن الدين، وأن يَذُبَّ عن دين الله، الذي خلق الخلق له، حتى يكون هو العالي على سائر الأديان، ﴿فَإِنِ انتَهَوْا﴾ عن ما هم عليه من الظُّلم، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣٩)﴾، لا تخفى عليه منهم خافية، ﴿وَإِن تَوَلَّوْا﴾ عن الطاعة وأوضعوا في الإضاعة، ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى﴾، الذي يتولى عباده المؤمنين، ويوصل إليهم مصالحهم، وييسِّر لهم منافعهم الدينية والدنيوية، ﴿وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٤٠)﴾ الذي ينصرهم، فيدفع عنهم كيد الفُجَّار، وتكالُب الأشرار، ومَن كان الله مولاه وناصره فلا خوف عليه، ومَن كان الله عليه فلا عزَّ له، ولا قائمة تقوم له\" (^١).\n- قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي: \"قال ابن جريج: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأَنفَال: ٣٩]؛ أي: لا يفتُر مؤمن عن دينه، ويكون التوحيد لله خالصًا ليس فيه شركٌ، ويخلع ما دونه من الأنداد\" (^٢).\n\"فدلَّ على أنه إذا وُجد الشرك فالقتال باقٍ بحاله؛ كما قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ [التَّوْبَة: ٣٦]، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ\n_________\n(^١) تفسير السعدي (سورة الأنفال الآية: ٣٩).\n(^٢) تفسير السعدي (سورة الأنفال الآية: ٣٩).","vol":"1","page":83},{"text":"وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾ [التَّوْبَة: ٥]، فأمر بقتالهم على فعل التوحيد وترك الشرك وإقامة شعائر الدين الظاهرة، فإذا فعلوها خلَّي سبيلهم، ومتى أَبَوْا عن فعلها أو فعل شيء منها فالقتال باقٍ بحاله إجماعًا\" (^١).\nوعن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «أُمِرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقِّ الإسلام، وحسابهم على الله ﷿) (^٢).\n\"قوله: «أُمِرتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله» كذا ساقه الأكثر، وفي رواية طارق عند مسلم: «مَنْ وحَّد الله وكفر بما يعبد من دونه حرَّم دمه وماله»، وأخرجه الطبراني من حديثه كرواية الجمهور، وفي حديث ابن عمر: «حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة»، ونحوه في حديث أبي العنبس وفي حديث أنس عند أبي داود: «حتى يشهدوا أن لا اله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن يستقبلوا قبلتنا، ويأكلوا ذبيحتنا، ويصلُّوا صلاتنا»، وفي رواية العلاء بن عبد الرحمن: «حتى يشهدوا أن لا اله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، ويؤمنوا بي وبما جئتُ به» (^٣).\n_________\n(^١) تيسير العزيز الحميد\": ص ١٤٧.\n(^٢) رواه مسلم: (٢٢/ كتاب الإيمان/ باب: الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام).\n(^٣) فتح الباري لابن حجر.","vol":"1","page":84},{"text":"\"وقد وردت الأحاديث بذلك زائدٌ بعضها على بعض؛ ففي حديث أبي هريرة الاقتصار على قول: لا إله إلا الله، وفي حديثه من وجهٍ آخر عند مسلم: «حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله»، وفي حديث ابن عمر ما ذكرت، وفي حديث أنس: «… فإذا صلُّوا واستقبلوا وأكلوا ذبيحتنا»، قال الطبري وغيره: أمَّا الأول فقاله في حالة قتاله لأهل الأوثان الذين لا يقرُّون بالتوحيد، وأما الثاني فقاله في حالة قتال أهل الكتاب الذين يعترفون بالتوحيد ويجحدون نبوَّته عمومًا أو خصوصًا، وأمَّا الثالث ففيه الإشارة إلى أن من دخل في الإسلام وشهد بالتوحيد وبالنبوة ولم يعمل بالطاعات، أن حكمهم أن يقاتلوا حتى يذعنوا إلى ذلك\" (^١).\n\n- قال سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب آل الشيخ (ت: ١٢٣٣ هـ) ﵀: \"فدلَّ على أنه إذا وُجد الشرك فالقتال باقٍ بحاله؛ كما قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ [التَّوْبَة: ٣٦]، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾ [التَّوْبَة: ٥]، فأمر بقتالهم على فعل التوحيد وترك الشرك وإقامة شعائر الدين الظاهرة، فإذا فعلوها خلَّي سبيلهم، ومتى أَبَوْا عن فعلها أو فعل شيء منها فالقتال باقٍ بحاله إجماعًا\" (^٢). [¬*]\n\n- قال الخطابي (ت: ٣٨٨ هـ) ﵀: \"الكافر مباح الدم بحكم الدين قبل أن يقول كلمة التوحيد، فإذا قالها حقن دمه فصار محظور الدم بمنزلة المسلم\" (^٣).\n\n- قال الخطابي (ت: ٣٨٨ هـ) ﵀: \"المشرك إذا قال: لا إله إلا الله رفع عنه السيف وحرم دمه\" (^٤).\n\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀ \"فالمقصود بالجهاد ألا يعبد غير الله، فلا يدعو غيرَه، ولا يُصلِّي لغيره، ولا يسجد لغيره، ولا يعتمر ولا يحج إلا إلى بيته،\n_________\n(^١) فتح الباري لابن حجر.\n(^٢) تيسير العزيز الحميد\": ص ١٤٧.\n[¬*] تعليق الشاملة: هذا النقل ليس في المطبوع، وهو في النسخة التي أرسلها المؤلف للبرنامج\n(^٣) أعلام الحديث (شرح صحيح البخاري) للخطابي. ٣/ ١٧١٣.\n(^٤) أعلام الحديث (شرح صحيح البخاري) للخطابي. ٣/ ١٧٥٠.","vol":"1","page":85},{"text":"ولا يذبح القرابين إلا له، ولا ينذر إلا له، ولا يتوكَّل إلا عليه، ولا يخاف إلا إياه … \" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-33>٣٠. ومما يدل على أهميته أن التوحيد وصية الأنبياء لذريتهم.</span>\nقال تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢) أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البَقَرَةِ: ١٣٢ - ١٣٣].\nوعن عبد الله. بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: «إنَّ نبيَّ اللهِ نوحًا صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّم لَمَّا حضَرَتْه الوفاةُ قال لابنِه: إنِّي قاصٌّ عليكَ الوصيَّةَ: آمُرُكَ باثنتينِ وأنهاكَ عن اثنتينِ؛ آمُرُكَ بلا إلهَ إلَّا اللهُ؛ فإنَّ السَّمواتِ السَّبعَ والأرَضينَ السَّبعَ، لو وُضِعَتْ في كِفَّةٍ ووُضِعَتْ لا إلهَ إلَّا اللهُ في كِفَّةٍ، رجَحَتْ بهنَّ لا إلهَ إلَّا اللهُ، ولو أنَّ السَّمواتِ السَّبعَ والأرَضينَ السَّبعَ كُنَّ حَلقةً مُبْهَمةً، قَصَمَتْهُنَّ لا إلهُ إلَّا اللهُ وسُبحانَ اللهِ وبحمدِه؛ فإنَّها صلاةُ كلِّ شيءٍ، وبها يُرزَقُ الخَلْقُ، وأنهاكَ عنِ الشِّركِ والكِبْرِ» (^٢).\n- قال ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩ هـ) ﵀: \"قوله تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ﴾ [البَقَرَةِ: ١٣٢]،\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٣٥/ ٣٦٨.\n(^٢) رواه البخاري في الأدب المفرد (٤٨).","vol":"1","page":86},{"text":"يعني: كلمة التوحيد ﴿وَيَعْقُوبُ﴾ أي: وأوصى بها أيضا يعقوب بنيه بعد إبراهيم قال: ﴿يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ﴾ أي: اختار لكم الإسلام\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-34>٣١. ومما يدل على أهميته أن كلمة التوحيد أفضل الحسنات.</span>\nفعن أبي ذَرٍّ ﵁ قال: قلتُ: يا رسول الله، أوْصِني، قال: «إذا عَمِلْتَ سيِّئةً، فأَتبِعْها حَسنةً تَمْحُهَا»، قال: قلتُ: يا رسولَ الله، أمِنَ الحَسنات \"لا إلهَ إلا الله\"؟ قال: «هي أفْضَلُ الحَسناتِ» (^٢).\n- قال علي بن خلف بن عبد الملك ابن بطال (ت ٤٤٩ هـ) ﵀: \"ولا حسنة أعظم من توحيد الله والإقرار بوجوده والتضرع إليه فى المغفرة. \" (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-35>٣٢. ومما يدل على أهميته أن التوحيد أشرف العلوم وأفضلها على الإطلاق.</span>\nعن أبي هريرة (ت: ٥٨ هـ) ﵁ عن رسول الله ﷺ: «الإيمان بضع وستون خصلة، أكبرها شهادة أن لا إله إلا الله وأصغرها إماطة الأذى عن الطريق» (^٤).\n_________\n(^١) تفسير القرآن العزيز لابن زبي زمنين ١/ ١٨٠\n(^٢) أخرجه أحمد (٢١٥٢٥)، وصححه الألباني انظر: صحيح الترغيب للمنذري (٣١٦٢)\n(^٣) شرح صحيح البخاري لابن بطال ١٠/ ٥٠٣.\n(^٤) أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء (٨٣٦٢).","vol":"1","page":87},{"text":"- قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: \"إن قال قائل: أى أنواع الذكر أفضل؛ فإن ذلك أنواع كثيرة، منها التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير؟ قيل: أعلى ذلك وأشرفه الكلمة التى لا يصح لأحد عمل إلا بها، ولا إيمان إلا بالإقرار بها، وذلك التهليل، وهو لا إله إلا الله\" (^١).\n- قال علي بن خلف بن عبد الملك ابن بطال (ت ٤٤٩ هـ) ﵀: \"تمام الإيمان وتمام العلم إنما هو المعرفة بالله ورسله، ومعرفةالدلالة على ذلك\" (^٢).\n- قال فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀: \"شرف العلم بشرف المعلوم، فمهما كان المعلوم أشرف كان العلم الحاصل به أشرف، ولما كان أشرف المعلومات ذات الباري تعالى وصفاته، وجب أن يكون معرفته وتوحيده أشرف العلوم.\nثم إن العلم إما أن يكون دينيًا، أو يكون غير ديني. ولا شك أن العلم الديني أشرف من غير الديني. وأما العلم الديني فأما أن يكون علم الأصول أو ما عداه. أما ما عداه على الأصول فإن صحته متوقفة على صحة علم الأصول، لأن المفسر إنما يبحث عن معاني كلام الله تعالى، وذلك فرع على معرفة الصانع المختار المتكلم. وأما المتحدث فإنما يبحث عن كلام رسول الله ﷺ، وذلك فرع على إثبات نبوته. والفقيه يبحث عن أحكام الله تعالى، وذلك فرع على ثبوت التوحيد والنبوة. فثبت أن هذه العلوم مفسرة إلى علم الأصول.\n_________\n(^١) شرح صحيح البخاري لابن بطال ١٠/ ١٣٩.\n(^٢) شرح صحيح البخاري لابن بطال ٣/ ٤٤ - ٤٥.","vol":"1","page":88},{"text":"وظاهر أن علم الأصول غني عنها بأسرها، فوجب أن يكون علم الأصول أشرف\" (^١).\n- قال الشيخ أبو إسماعيل الأنصاري: \"أشرف علوم الخلائق، علم الأمر والنهى، وعلم الأسماء والصفات والتوحيد، وعلم المعاد واليوم الآخر\" (^٢).\n- قال الفيروز أبادي: \"فإن لكل علم حدا لا يتجاوزه، ولكل عالم ناموسا لا يخلبه.\nفمن الوجوه المغلطة أن يظن في العلم فوق غايته؛ كما يظن بالطب أنه يبرئ جميع الأمراض؛ وليس كذلك، فإن كثيرا من الأمراض لا يبرأ بالمعالجة.\nومنها أن يظن بالعلم فوق مرتبته في الشرف؛ كما يظن بالفقه أنه أشرف العلوم على الإطلاق؛ وليس كذلك؛ فإن التوحيد والعلم الإلهى أشرف منه قطعا\" (^٣).\n- قال فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀: \"وأشرف المعارف وأجلها معرفة أنه لا إله إلا هو\" (^٤).\n- قال فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀: \"شرف العلم بشرف المعلوم فمهما كان المعلوم أشرف كان العلم الحاصل به أشرف فلما كان أشرف المعلومات ذات الله تعالى وصفاته وجب أن يكون العلم المتعلق به أشرف العلوم\" (^٥).\n- قال فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀: \"فإن أشرف كلمة يذكرها الإنسان هي هذه الكلمة، فإذا كان في أكثر الأوقات مشتغلًا بذكرها وبتكريرها كان\n_________\n(^١) قواعد الأحكام في مصالح الأنام ١/ ١٢٤.\n(^٢) بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز ٥/ ٤٠٢.\n(^٣) بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز ١/ ٤٥.\n(^٤) تفسير مفاتح الغيب للرازي (سورة النحل: الآية: ٢).\n(^٥) تفسير مفاتح الغيب للرازي (سورة البقرة: الآية: ٢١).","vol":"1","page":89},{"text":"مشتغلًا بأعظم أنواع العبادات، فكان الغرض من التكرير في هذه الآية حث العباد على تكريرها\" (^١).\n- قال العز بن عبد السلام (ت: ٦٣٩ هـ) ﵀: \"وكذلك معرفة التوحيد أفضل المعارف، واعتقاده أفضل الاعتقادات\" (^٢).\n- قال العز بن عبد السلام (ت: ٦٣٩ هـ) ﵀: \"وقد «سئل ﵇ أي الأعمال أفضل؟ فقال: «إيمان بالله»، قيل: ثم أي؟ قال: «الجهاد في سبيل الله»، قيل ثم أي؟ قال: «حج مبرور» (^٣).\nجعل الإيمان أفضل الأعمال لجلبه لأحسن المصالح، ودرئه لأقبح المفاسد، مع شرفه في نفسه وشرف متعلقه، ومصالحه ضربان:\n• أحدهما: عاجلة وهي إجراء أحكام الإسلام، وصيانة النفوس والأموال والحرم والأطفال.\n• والثاني: آجلة وهو خلود الجنان ورضاء الرحمن\" (^٤).\n- قال العز بن عبد السلام (ت: ٦٣٩ هـ) ﵀: \"تعليم ما يجب تعليمه، وتفهيم ما يجب تفهيمه، يختلف باختلاف رتبه وهذان قسمان:\n_________\n(^١) تفسير الرازي ٧/ ٢٢١.\n(^٢) قواعد الأحكام في مصالح الأنام ١/ ٣٥.\n(^٣) أخرجه مسلم برقم (٨٣).\n(^٤) قواعد الأحكام في مصالح الأنام ١/ ٥٤.","vol":"1","page":90},{"text":"أحدهما: وسيلة إلى ما هو مقصود في نفسه، كتعريف التوحيد وصفات الإله؛ فإن معرفة ذلك من أفضل المقاصد والتوسل إليه من أفضل الوسائل.\nالقسم الثاني: ما هو وسيلة إلى وسيلة كتعليم أحكام الشرع، فإنه وسيلة إلى العلم بالأحكام التي هي وسيلة إلى إقامه الطاعات، التي هي وسائل إلى المثوبة والرضوان، وكلاهما من أفضل المقاصد\" (^١).\n- قال ابن تيمية: \"ولهذا ورد في فضل هذه الكلمة شهادة أن لا إله إلا الله من الدلائل ما يضيق هذا الموضع عن ذكره وهي أفضل الكلام وما فيها من العلم والمحبة أفضل العلوم والمحبات كالحديث الذي في السنن أفضل الذكر لا إله ألا الله\" (^٢).\n- قال ابن تيمية ﵀: \"معرفة رب العالمين غاية المعارف، وعبادته أشرف المقاصد، والوصول إليه غاية المطالب، بل هذا خلاصة الدعوة النبوية، وزبدة الرسالة الإلهية\" (^٣).\n- قال ابن القيم: \"لما كان العلم للعمل قرينًا وشافعًا، وشرفه لشرف معلومه تابعًا، كان أشرف العلوم على الإطلاق علم التوحيد\" (^٤).\n- قال ابن القيم: \"إن شرف العلم تابع لشرف معلومه، لوثوق النفس بأدلة\n_________\n(^١) تفسير الرازي ٧/ ٢٢١.\n(^٢) قاعدة في المحبة صـ ١٣.\n(^٣) مجموع الفتاوى ٢/ ١٣.\n(^٤) إعلام الموقعين ١/ ٤.","vol":"1","page":91},{"text":"وجوده وبراهينه ولشدة الحاجة إلى معرفته وعظم النفع بها.\nولا ريب أن أجل معلوم وأعظمه وأكبره هو الله الذي لا إله إلا هو رب العالمين، وقيوم السموات والأرضين، الملك الحق المبين، الموصوف بالكمال كله، المنزه عن كل عيب ونقص وعن كل تشبيه وتمثيل في كماله.\nفلا ريب أن العلم به وبأسمائه وصفاته وأفعاله أجل العلوم وأفضلها، ونسبته إلى سائر العلوم كنسبة معلومه إلى سائر المعلومات\" (^١).\n- قال ابن القيم: \"فإن قيل: فالعلم إنما هو وسيلة إلى العمل ومراد له، والعمل هو الغاية، ومعلوم أن الغاية أشرف من الوسيلة، فكيف تفضل الوسائل على غاياتها؟\nقيل: كل من العلم والعمل ينقسم إلى قسمين، منه ما يكون وسيلة، ومنه ما يكون غاية، فليس العلم كله وسيلة مرادة لغيرها، فإن العلم بالله وأسمائهوصفاته هو أشرف العلوم على الإطلاق وهو مطلوب لنفسه مراد لذاته، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطَّلَاق: ١٢] فقد أخبر سبحانه أنه خلق السموات والأرض ونزل الأمر بينهن ليعلم عباده أنه بكل شي عليم، وعلى كل شي قدير فهذا العلم هو غاية الخلق المطلوبة، وقال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [مُحَمَّد: ١٩] فالعلم بوحدانيته تعالى وأنه لا إله إلا هو\n_________\n(^١) مفتاح دار. السعادة ١/ ٨٦.","vol":"1","page":92},{"text":"مطلوب لذاته وإن كان لا يكتفى به وحده، بل لابد معه من عبادته وحده لا شريك له، فهما أمران مطلوبان لأنفسهما.\nالأمر الأول: أن يعرف الرب تعالى بأسمائه، وصفاته وأفعاله وأحكامه.\nوالأمر الثاني: أن يعبد بموجبها ومقتضاها.\nفكما أن عبادته مطلوبة مرادة لذاتها، فكذلك العلم به ومعرفته أيضا، فإن العلم من أفضل العبادات\" (^١).\n- قال ابن القيم: \"مراتب العلمُ به سبحانه خمس مراتب:\n١ العلم بذاته،\n٢ وصفاته،\n٣ وأفعاله،\n٤ وأسمائه،\n٥ وتنزيهه عما لا يليق به\" (^٢).\n- قال ابن رجب (ت: ٧٩٥ هـ) ﵀: \"فأفضل العلم العلم بالله وهو العلم بأسمائه وصفاته وأفعاله التي توجب لصاحبها معرفة الله وخشيته ومحبته وهيبته وإجلاله وعظمته والتبتل إليه والتوكل عليه والصبر والرضا عنه والاشتغال به\n_________\n(^١) مفتاح دار. السعادة ١/ ١٧٨.\n(^٢) مدارج السالكين ١/ ١٢٨.","vol":"1","page":93},{"text":"دون خلقه.\nوتبع ذلك العلم بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتفاصيل ذلك والعلم بأوامر الله ونواهيه وشرائعه وأحكامه، وما يحبه من عباده من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة.\nومن جمع هذه العلوم فهو من العلماء الربانيين، العلماء بالله العلماء بأمره وهم أكمل ممن قصر علمه على العلم بالله دون العلم بأمره، وبالعكس\" (^١).\n\n- قال الشيخ. ملا علي القاري: \"علم التوحيد أفضل العلوم وأجازها وأكملها، وعالم هذا العلم. أفضل العلماء، وبهذا السبب خصهم الله بالذكر في أجل المراتب فقال: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُلَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)﴾ [آل عِمْرَان: ١٨] \" (^٢).\n\n- وقال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي عند تفسير قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)﴾ [آل عِمْرَان: ١٨]: \"وفي هذا دليل على أن أشرف الأمور علم التوحيد لأن الله شهد به بنفسه وأشهد عليه خواص خلقه، والشهادة لا تكون إلا عن علم ويقين، بمنزلة المشاهدة للبصر، ففيه دليل على أن من لم يصل في علم التوحيد إلى هذه الحالة فليس من أولي العلم\" (^٣).\n_________\n(^١) شرح حديث أبي الدرداء لابن رجب (ص ٤١).\n(^٢) شرح الفقه الأكبر ص: ٣٨.\n(^٣) تفسير ابن سعدي (سورة آل عمران الآية: ١٨).","vol":"1","page":94},{"text":"<span data-type='title' id=toc-36>٣٣. ومما يدل على أهميته أن التوحيد سيد العلوم وهو أصل لها.</span>\n- قال ابن تيمية: \"ومن له من مخلوقاته فالعلم به تابع للعلم بالله، والعلم الأعلى هو العلم بالأعلى كما قال: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ [الأَعْلَى: ١]، فهو رب كل ما سواه، فهو الأصل، فكذلك العلم به سيد جميع العلوم وهو أصل لها\" (^١).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"وتعظيمهم للعلم الإلهي الذي هو سيد العلوم وأعلاها، وأشرفها وأسناها\" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-37>٣٤. ومما يدل على أهميته أن التوحيد أصل العلوم كلها.</span>\n- قال أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن القرافي (ت: ٦٨٤ هـ) ﵀: \"علم أصول الدين هو أصل العلوم كلها\" … \"ومن فروعه إثبات النبوات بالنظر العقلى في المعجزات، ومن فروع النبوة علم التفسر، وعلم الحديث وعلم الأصول التابنبنى عليها الفقه، ونحو ذلك من فروع علم أصول الفقه، فهو الغاية والنهاية\" (^٣).\n_________\n(^١) جامع المسائل (٥/ ٢٦٨).\n(^٢) درء تعارض العقل والنقل (٣/ ٧٠).\n(^٣) نفائس الأصول في شرح المحصول ١/ ١٦٣.","vol":"1","page":95},{"text":"- قال الحسين بن علي بن حجاج بن علي، حسام الدين السِّغْنَاقي (ت: ٧١١ هـ) ﵀: \" (علم التوحيد والصفات) وإنما ذكر علم التوحيد والصفات هنا مع أنه في بيان أصول الفقه لا في بيان أصول الدين؛ لأنه لما حصر العلم أي العلم الذي ابتلي بتعلمه على نوعين لا غير، وجب عليه بيان ذينك النوعين، حتى أن شمس الأئمة والقاضي أبا زيد -رحمهما الله- لما لم يذكرا في كتابيهما حصر العلم على نوعين، لم يذكرا علم التوحيد والصفات. ثم المصنف ﵀ إنما ذكر حصر العلم على هذين النوعين؛ لأن العلم الذي يهمنا ويسعدنا ويبلغنا إلى درجة الكمال في الدنيا والآخرة، هذا العلم وإن كان اكتساب غيره أيضا قد يكون من المناقب السنية والفضائل العلية، لكن يكون لك على وجه الوسائل إلى هذا العلم، لا على وجه المقاصد بنفسه. ثم قدم بيان علم أصول الدين على علم الشرائع والأحكام؛ لأن علم أصول الدين أصل جميع العلوم على ما قررنا في صدر «الوافي» فوجب تقديمه على غيره\" (^١).\n- قال ابن تيمية: \"إخلاص الدين لله هو أصل كل علم وهدى\" (^٢).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"إن الله سبحانه لما كان هو الأول الذي خلق الكائنات والآخر الذي إليه تصير الحادثات؛ فهو الأصل الجامع؛\n_________\n(^١) كتاب الكافي شرح البزودي ١/ ١٥٠ - ١٥١.\n(^٢) جامع المسائل (١/ ١٣٦).","vol":"1","page":96},{"text":"فالعلم به أصل كل علم وجامعه وذكره أصل كل كلام وجامعه والعمل له أصل كل عمل وجامعه\" (^١).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"فكل علم هو تابع للعلم به، مفتقر في تحقق ذاته إليه، فالعلم به أصل كل علم ومنشؤه، فمن عرف الله عرف ما سواه، ومن جهل ربه فهو لما سواه أجهل، قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحَشْر: ١٩] فتأمل هذه الآية تجد تحتها معنى شريفا عظيما، وهو: أن من نسي ربه أنساه ذاتهونفسه فلم يعرف حقيقته ولا مصالحه، بل نسي ما به صلاحه وفلاحه في معاشه ومعاده، لأنه خرج عن فطرته التي خلق عليها فنسي ربه فأنساه نفسه وصفاتها وما تكمل به وتزكو به وتسعد به في معاشها ومعادها، قال تعالى: ﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ [الكَهْف: ٢٨] فغفل عن ذكر ربه فانفرط عليه أمره وقلبه، فلا التفات له إلى مصالحه، وكماله وما تزكو به نفسه وقلبه، بل هو مشتت القلب مضيعه، مفرط الأمر حيران لا يهتدي سبيلا.\nفالعلم بالله أصل كل علم، وهو أصل علم العبد بسعادته وكماله ومصالح دنياه وآخرته، والجهل به مستلزم للجهل بنفسه ومصالحها وكمالها وما تزكو به وتفلح به، فالعلم به سعادة العبد والجهل به أصل شقاوته\" (^٢).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢/ ١٦).\n(^٢) مفتاح دار السعادة ١/ ٨٦.","vol":"1","page":97},{"text":"- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"فالعلم بأسمائه وإحصاؤها أصل لسائر العلوم، فمن أحصى أسماءه كما ينبغي للمخلوق أحصى جميع العلوم، إذ إحصاء أسمائه أصل لإحصاء كل معلوم؛ لأن المعلومات هي من مقتضاها ومرتبطة بها، وتأمل صدور الخلق والأمر عن علمه وحكمته تعالى، ولهذا لا تجد فيها خللا ولا تفاوتا؛ لأن الخلل الواقع فيما يأمر به العبد أو يفعله إما أن يكون لجهل العبد به أو لعدم حكمته، أما الرب تعالى فهو العليم الحكيم، فلا يلحق، فعله ولا أمره خلل ولا تفاوت ولا تناقض\" (^١).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"العلم به تعالى أصل للعلم بكل ما سواه، فالعلم بأسمائه وإحصاؤها أصل لسائر العلوم\" (^٢).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"ولا ريب ان العلم به وباسمائه وصفاته وافعاله أجل العلوم وأفضلها ونسبته إلى سائر العلوم كنسبة معلومة إلى سائر المعلومات، وكما ان العلم به أجل العلوم وأشرفها فهو أصلها كلها، كما أن كل موجود فهو مستند في وجوده إلى الملك الحق المبين ومفتقر إليه في تحقق ذاته وأينيته وكل علم فهو تابع للعلم به مفتقر في تحقق ذاته اليه فالعلم به أصل كل علم\" (^٣).\n- قال محمد بن مفلح (ت: ٧٦٣ هـ) ﵀: \"وقال صاحب المحيط من الحنفية:\n_________\n(^١) طريق الهجرتين ص ٣١٨ \"بتصرف\".\n(^٢) بدائع الفوائد ١/ ٢٨٧.\n(^٣) مفتاح دار السعادة ١/ ٨٦.","vol":"1","page":98},{"text":"أفضل العلوم عند الجمهور بعد معرفة أصل الدين وعلم اليقين، معرفة الفقه والأحكام الفاصلة بين الحلال والحرام\" (^١).\n- قال إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي الشهير بالشاطبي (ت: ٧٩٠ هـ) ﵀: \"نحن نعلم أن النطق بالشهادتين والصلاة وغيرهما من العبادات؛ إنما شرعت للتقرب بها إلى الله، والرجوع إليه، وإفراده بالتعظيم والإجلال، ومطابقة القلب للجوارح في الطاعة والانقياد\" (^٢).\n- قال محمد بن علي التهانوي (ت: بعد ١١٥٨ هـ) ﵀ \"وأما تسميته بأصول الدين فلكونه أصل العلوم الشرعية لابتنائها عليه\" (^٣).\n- قال محمد بن أحمد السفاريني (ت: ١١٨٨ هـ) ﵀ في منظومته: \"وبعد فاعلم أن كل العلم … كالفرع للتوحيد فاسمع نظمي\" (^٤).\n- قال محمد بن أحمد السفاريني (ت: ١١٨٨ هـ) ﵀: \"فالعلم بأسمائه وإحصاؤها أصل لسائر العلوم، فمن أحصاها كما ينبغي للمخلوق، دخل الجنة\" (^٥).\n_________\n(^١) الآداب الشرعية لابن مفلح ٢/ ١٢٥، وكتاب الفروع وتصحيح الفروع لابن مفلح ٢/ ٣٥٦.\n(^٢) الموافقات ٢/ ٣٨٥.\n(^٣) كتاب كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم ص: ٣١.\n(^٤) العقيدة السفارينية الموسومة بـ (الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية) ص: ٣٩.\n(^٥) لوامع الأنوار البهية ١ للسفاريني/ ١٢٦.","vol":"1","page":99},{"text":"- قال مبارك بن محمد الميلي الجزائري (ت ١٣٦٤ هـ) ﵀: \"وهذه أركان الإسلام الخمسة؛ إنما شرعت كسائر العبادات، للاحتفاظ بالتوحيد، والابتعاد عن الوثنية:\nفلم يكتف في الشهادتين بالتوحيد المجرد، حتى صرح بنفي التعدد، وحصر التشريع في شخص المرسل بالتبليغ.\nولم يقتصر في الصلاة على افتتاحها بالتكبير الذي فيه تعريض باطراح الأوثان، حتى خللت به، وكرر فيها مخاطبة رب العالمين بـ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفَاتِحَةِ: ٥].\nوزكاة المرء شعار غناه، ودليل اعترافه للرب بجليل نعماه، وأنه لا دخل فيها للأصنام وكل ما سواه.\nوالصوم يذر فيه الصائم شهوته وطعامه وشرابه من أجل مولاه، ويراقبه وهو صائم، ولو انفرد بمحل سكناه.\nوالحج فاتحته الإحرام، المصحوب بالتلبية المتكررة في كل حال، وهي صريحة في حياطة التوحيد بنكران الشريك\" (^١).\n- قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: \"هذا الفن الذي هو أصل الأصول، وبه تقوم العلوم كلها\" (^٢).\n_________\n(^١) الشرك ومظاهره للميلي ص: ٤٥ - ٤٦.\n(^٢) القول السديد شرح كتاب التوحيد ص: ١٩٤.","vol":"1","page":100},{"text":"- قال عبد الرحمن بن قاسم (ت: ١٣٩٢ هـ) ﵀: \"فيتعين على كل مكلف معرفة معنى لا إله إلا الله، الذي هوأصل الأصول، وأوجب العلوم\" (^١).\n- قال محمد بن صالح بن عثيمين (ت: ١٤٢١ هـ) ﵀: \"كلما غفل الإنسان عن ذكر ربه انقطعت به السبل، وكلما عمر قلبه بذكر ربه وصل إلى الغاية.\nفإن الذكر بمنزلة النور يهتدي به الإنسان في ظلمات الطرق حتى يصل غايته\" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-38>٣٥. ومما يدل على أهميته أن الحاجة إلى التوحيد أعظم الحاجات.</span>\n- قال ابن القيم: \"ومعلوم أن حاجتهم إلى معرفة ربهم وفاطرهم فوق مراتب هذه الحاجات كلها، فإنه لا سعادة لهم ولا فلاح ولا صلاح ولانعيم إلا بأن يعرفوه ويعتقدوه، ويكون هو وحده غاية مطلوبهم، والتقرب إليه قرة عيونهم، فمتى فقدوا ذلك كانوا أسوأ حالا من الأنعام، وكانت الأنعام أطيب عيشا منهم في العاجل وأسلم عاقبة في الآجل.\nوإذا علم أن ضرورة العبد إلى معرفة ربه فوق كل ضرورة كانت العناية ببيانها أيسر الطرق وأهداها وأبينها\" (^٣).\n_________\n(^١) الدرر السنية ١٢/ ١٥٤.\n(^٢) شرح الكافية الشافية ٢/ ٤٦٧.\n(^٥) انظر: \"الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة\"١/ ٣٦٥ - ٣٦٧.","vol":"1","page":101},{"text":"- قال ابن تيمية\"والعبد لا صلاح له ولا قيام إلا بعبادة الله الجامعة لمعرفته ومحبته والذل له، فتفويته هذا ظلم عظيم فيه عليه الضرر العظيم الذي لا ينجبر\" (^١).\n- وقال ابن تيمية: \"وأين التوحيد للخالق بالرغبة إليه والرجاء له والتوكل عليه والحب له من الإشراك به بالرغبة إلى المخلوق والرجاء له والتوكل عليه وأن يحب كما يحب الله، وأين صلاح العبد في عبودية الله والذل له والافتقار إليه من فساده في عبودية المخلوق والذل له والافتقار إليه؟ فالرسول ﷺ أمر بتلك الأنواع الثلاثة الفاضلة المحمودة التي تصلح أمور أصحابها في الدنيا والآخرة ونهى عن الأنواع الثلاثة التي تفسد أمور أصحابها\" (^٢).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"وليس للخلق صلاح إلا في معرفة ربهم وعبادته. وإذا حصل لهم ذلك: فما سواه إما فضل نافع وإما فضول غير نافعة؛ وإما أمر مضر\" (^٣).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"إذا توجه العبد إلى الله بصدق الافتقار إليه، واستغاث به مخلصا له الدين؛ أجاب دعاءه، وأزال ضرره، وفتح له أبواب الرحمة،\n_________\n(^١) جامع المسائل ١/ ٢٥١.\n(^٢) مجموع الفتاوى ١/ ١٩٥.\n(^٣) مجموع الفتاوى (٢/ ١٦).","vol":"1","page":102},{"text":"فمثل هذا قد ذاق من حقيقة التوكل والدعاء لله ما لم يذق غيره\" (^١).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"فالقلب لا يصلح ولا يفلح ولا يلتذ ولا يسر ولا يطيب ولا يسكن ولا يطمئن إلا بعبادة ربه وحبه والإنابة إليه. ولو حصل له كل ما يلتذ به من المخلوقات لم يطمئن ولم يسكن؛ إذ فيه فقرٌ ذاتيٌ إلى ربه\" (^٢).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"والشرك أعظم الفساد كما أن التوحيد أعظم الصلاح\" (^٣).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"فأصل الصلاح: التوحيد والإيمان وأصل الفساد: الشرك والكفر. كما قال عن المنافقين: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (١٢)﴾ [البَقَرَةِ: ١١ - ١٢] وذلك أن صلاح كل شيء أن يكون بحيث يحصل له وبه المقصود الذي يراد منه\" (^٤).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"ومعلوم أن حاجتهم إلى معرفة ربهم وفاطرهم فوق مراتب هذه الحاجات كلها، فإنه لا سعادة لهم ولا فلاح ولا صلاح ولانعيم إلا بأن يعرفوه ويعتقدوه، ويكون هو وحده غاية مطلوبهم، والتقرب إليه قرة عيونهم، فمتى فقدوا ذلك كانوا أسوأ حالا من الأنعام،\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٦/ ٣٢١.\n(^٢) مجموع الفتاوى ١٠/ ١٩٤.\n(^٣) مجموع الفتاوى ١٨/ ١٦٢.\n(^٤) مجموع الفتاوى ١٨/ ١٦٣.","vol":"1","page":103},{"text":"وكانت الأنعام أطيب عيشا منهم في العاجل وأسلم عاقبة في الآجل. وإذا علم أن ضرورة العبد إلى معرفة ربه فوق كل ضرورة كانت العناية ببيانها أيسر الطرق وأهداها وأبينها\" (^١).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"الفقر فقران: فقر اضطراري، وهو فقر عام لا خروج لبرّ ولا فاجر عنه، وهذا لا يقتضى مدحًا ولا ذمًا ولا ثوابًا ولا عقابًا، بل هو بمنزلة كون المخلوق مخلوقًا ومصنوعًا.\nوالفقر الثاني فقر اختياري، هو نتيجة علمين شريفين:\nأَحدهما: معرفة العبد بربه، والثاني: معرفته بنفسه.\nفمتى حصلت له هاتان المعرفتان، أَنتجتا له فقرًا هو عين غناه وعنوان فلاحه وسعادته\" (^٢).\n- قال محمد بن صالح بن عثيمين (ت: ١٤٢١ هـ) ﵀: \"جانب التوحيد أعظم الجوانب حقا أن يوفى به، فإذا أخل به الإنسان فإن الله سبحانه لا يغفره، بخلاف المعاصي الأخرى التي دونه أو التي سوى الشرك فإن الله يغفرها\" (^٣).\n- قال محمد بن صالح بن عثيمين (ت: ١٤٢١ هـ) ﵀: \" أعظم ما نهى الله عنه\n_________\n(^١) انظر: \"الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة\"١/ ٣٦٥ - ٣٦٧.\n(^٢) طريق الهجرتين (ص: ٩).\n(^٣) تفسير العثيمين سورة النساء ١/ ٣٨٧.","vol":"1","page":104},{"text":"الشرك، وذلك لأن أعظم الحقوق هو حق الله ﷿، فإذا فرط فيه الإنسان فقد فرط في أعظم الحقوق هو توحيد الله ﷿ \" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-39>٣٦. ومما يدل على أهميته أن التوحيد أعظم مشهود عليه.</span>\nقال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)﴾ [آل عِمْرَان: ١٨].\n- قال فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀: \"اعلم أن الآية تدل على أن أكبر الشهادات وأعظمها شهادة الله تعالى\" (^٢).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"أنه استشهد بهم على أجل مشهود به وأعظمه وأكبره وهو شهادة أن لا إله إلا الله، والعظيم القدر إنما يستشهد على الأمر العظيم أكابر الخلق وساداتهم\" (^٣).\n- قال الشيخ ابن سعدي: \"وفي هذه الآية دليل على شرف العلم من وجوه كثيرة، منها: أن الله خصهم بالشهادة على أعظم مشهود عليه دون الناس\" (^٤).\n- قال الشيخ عبد الرحمن بن قاسم: \"شهادة أن لا إله إلا الله أعظم شهادة\n_________\n(^١) كتاب مجموع فتاوى ورسائل العثيمين ٦/ ٣٥.\n(^٢) تفسير مفاتيح الغيب للرازي (سورة آل عمران الآية: ١٩).\n(^٣) مفتاح دار السعادة ١/ ٤٩.\n(^٤) تفسير ابن سعدي (سورة آل عمران الآية: ١٨).","vol":"1","page":105},{"text":"في الوجود على أعظم مشهود به، فلا ينصرف الإطلاق إلاَّ إليها\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-40>٣٧. ومما يدل على أهميته أن الشهادتان صدر التوحيد.</span>\n- قال ابن تيمية: \"فإن صدره الشهادتان اللتان هما أصلا الدين وجماعه؛ فإن جميع الدين داخل في \"الشهادتين\" إذ مضمونهما أن لا نعبد إلا الله، وأن نطيع رسوله، \"والدين\" كله داخل في هذا في عبادة الله بطاعة الله وطاعة رسوله، وكل ما يجب أو يستحب داخل في طاعة الله ورسوله\" (^٢).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"محمد رسول الله ﷺ، من تمام قول لا إله إلا الله. فالكلمتان تخرجان من أصل القلب، من مشكاة واحدة. لا تتم إحداهما إلا بالأخرى\" (^٣).\n- قال برهان الدين البقاعي (ت: ٨٨٥ هـ) ﵀: \"التوحيد لا ينفع بدون الشهادة له بالرسالة\" (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-41>٣٨. ومما يدل على أهميته أن التوحيد رتبة لا تليق إلا بالله وحده.</span>\n- قال ابن القيم: \"متى استحكم الذل والحب صار عبودية فيصير القلب\n_________\n(^١) حاشية ثلاثة الأصول (٤٨).\n(^٢) الفتاوى الكبرى ٥/ ٢٣٦ ..\n(^٣) مدارج السالكين ٣/ ٤٧.\n(^٤) نظم الدرر في تناسب الآيات والسور ١٨/ ٢٣٣.","vol":"1","page":106},{"text":"المحب معبدا لمحبوبه وهذه الرتبة لا يليق أن تتعلق بمخلوق ولا تصلح إلا لله وحده\" (^١).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"أعظم الناس خذلانا من تعلق بغير الله، فإن ما فاتهمن مصالحه وسعادته وفلاحه؛ أعظم مما حصل له ممن تعلق به، وهو معرضللزوال والفوات. ومثل المتعلق بغير الله كمثل المستظل من الحر والبرد ببيتالعنكبوت أوهن البيوت\" (^٢).\n- عن جابر (ت: ٧٨ هـ) ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من لقي الله لا يشرك به شيئًا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئًا دخل النار» (^٣).\n- قال سليمان بن عبد الله آل الشيخ (ت: ١٢٣٣ هـ) ﵀: \"يعني أن معنى لا إله إلا الله: ترك الشرك، وإفراد الله بالعبادة، والبراءة ممن عبد سواه، كما بينه الحديث، وفيه فضيلة من سلم من الشرك\" (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-42>٣٩. ومما يدل على أهميته أن التوحيد آخر ما يخرج به من الدنيا.</span>\n- عن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «من كان آخرُ كلامه لا إله إلا الله، دخل الجنة» (^٥).\n_________\n(^١) روضة المحبين ١/ ٢٨١.\n(^٢) مدارج السالكين، (١/ ٤٥٨).\n(^٣) رواه مسلم: الإيمان (٩٣)، وأحمد (٣/ ٣٧٤).\n(^٤) تيسير العزيز الحميد صـ ٩٤.\n(^٥) (أبو داود: ٣١١٦).","vol":"1","page":107},{"text":"- عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لقِّنوا موتاكم لا إلهَ إلَّا اللهُ؛ فإنَّه مَنْ كان آخرُ كلمتِه لا إلهَ إلَّا اللهُ عندَ الموتِ، دخَل الجنَّةَ يومًا مِنْ الدَّهرِ، وإنْ أصابه قبْلَ ذلك ما أصابه» (^١).\n- عن أبي ذر الغفاري رضي الله تعالى عنه قال: \"أتيتُ النبيَّ ﷺ وعليه ثوبٌ أبيضُ، وهو نائمٌ، ثم أتيْتُه وقد استيقَظَ، فقال: «ما مِنْ عبدٍ قال: لا إلهَ إلا اللهُ، ثم ماتَ على ذلك إلا دخَلَ الجنةَ»، قلتُ: وإن زنى وإن سَرَقَ؟ قال: «وإن زنى وإن سَرَقَ»، قلتُ: وإن زنى وإن سَرَقَ؟ قال: «وإن زنى وإن سَرَقَ»، قلتُ: وإن زنى وإن سَرَقَ؟! قال: «وإن زنى وإن سَرَقَ على رَغْمِ أنفِ أبي ذرٍّ!»، وكان أبو ذرٍّ إذا حدَّثَ بهذا قال: وإن رَغِمَ أنفُ أبي ذرٍّ!» (^٢).\nوفي الصحيح من حديث عثمان ﵁: «من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله، دخل الجنة» (^٣).\n- وقال ابن القيم: \"الصحيح: أن أول واجب يجب على المكلف: شهادة أن لا إله إلا الله، لا النظر، ولا القصد إلى النظر، ولا الشك كما هي أقوال لأرباب الكلام المذموم.\nفالتوحيد: أول ما يدخل به في الإسلام، وآخر ما يخرج به من الدنيا، كما\n_________\n(^١) (ابن حبان: ٣٠٠٤)، وصححه الألباني في (صحيح الجامع: ٥١٥٠).\n(^٢) رواه (البخاري: ٥٨٢٧) و(مسلم: ٩٤).\n(^٣) رواه مسلم (٢٦).","vol":"1","page":108},{"text":"قال النبي ﷺ: «من كان آخر كلامه: لا إله إلا الله؛ دخل الجنة»، فهو أول واجب، وآخر واجب، فالتوحيد: أول الأمر وآخره\" (^١).\nكان سفيان الثوري يأتي إبراهيم بن أدهم فيقول: \"يا إبراهيم بن أدهم ادع الله أن يقبضنا على التوحيد\" (^٢).\n- قال فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ): \" فقال: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)﴾ [آل عِمْرَان: ١٨].\nوالمقصود من التكرير وجهان:\nأن يكون العبد مواظبًا على تكريرها طول عمره.\nالثاني: كأنه قال: عبدي، جعلت هذه الكلمة أول الآية وآخرها، فاجعلها أنت أيضًا أول عمرك وآخره، حتى تفوز بالنجاة والسلامة\" (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-43>٤٠. ومما يدل على أهميته أن التوحيد الله فرض عين على كل إنسان.</span>\n- عن عوف بن مالك الأشجعي ﵁ قال: \"كنا عند رسول الله ﷺ تسعة أو ثمانية أو سبعة، فقال: «ألا تُبايعون رسول الله ﷺ؟» وكنَّا حَدِيث عهد بِبَيْعة، فقلنا: قد بايَعْنَاك يا رسول الله، ثم قال: «ألا تُبايعون رسول الله» فبَسَطْنَا\n_________\n(^١) مدارج السالكين ٣/ ٤١٢.\n(^٢) الثبات عند الممات لابن الجوزي ص: ٨٠\n(^٣) عجائب القرآن صـ ٣٤.","vol":"1","page":109},{"text":"أيْدِينا، وقلنا: قد بَايَعْناك فَعَلَام نُبايِعُك؟ قال: «على أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، والصلوات الخمس وتطيعوا الله» وأَسَر كلمة خفيفة «ولا تسألوا الناس شيئًا»؛ فلقد رأيت بعض أولئك النَّفرَ يسقط سَوطُ أحدهم فما يسأل أحدًا يناولُه إيَّاه\" (^١).\n- قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"وطلب العلم الشرعي فرض على الكفاية إلا فيما يتعين، مثل طلب كل واحد علم ما أمره به وما نهاه عنه، فإن هذا فرض على الأعيان\" (^٢).\n- قال الشيخ السعدي عند تفسير قوله تعالى ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [مُحَمَّد: ١٩]: \"هذا العلم الذي أمر الله به وهو العلم بتوحيد الله فرض عين على كل إنسان لا يسقط عن أحد كائنا من كان، بل كل مضطر إلى ذلك\" (^٣).\n- وقال الشيخ عبد الله أبابطين: \"أفرض العلوم معرفة الله سبحانه بأسمائه وصفاته؛ ومعرفة حقه على عباده الذي خلق الجن والإنس لأجله؛ وهو توحيد الألوهية\" (^٤).\n_________\n(^١) رواه مسلم (١٠٤٣».\n(^٢) مجموع الفتاوى (٣/ ٣٢٨، ٣٢٩).\n(^٣) تفسير السعدي سورة محمد الآية ١٩.\n(^٤) الرد على البردة ص: ٣٧٥.","vol":"1","page":110},{"text":"- وقال الشيخ ابن قاسم: \"التوحيد أوجب الواجبات، ومعرفته أفرض الفرائض\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-44>٤١. ومما يدل على أهميته أن توحيد الله أصل عظيم في منهج السلف:</span>\n- قال ابن تيمية: \"أصل علم السلف وعملهم هو:\nا العلم بالله.\n٢ والعمل لله.\nفجمعوا بذلك بين التصديق العلمي والعمل الحبي.\nثم إن تصديقهم عن علم، وعملهم وحبهم عن علم، فسلموا بذلك من آفات منحرفة المتكلمة والمتصوفة.\nفالكلاميون: غالب نظرهم وقولهم في الثبوت والانتفاء، والوجود والعدم، والقضايا التصديقية، فغايتهم مجرد التصديق والعلم والخبر.\nوالصوفيون: غالب طلبهم وعملهم في المحبة والبغضة، والإرادة والكراهة، والحركات العملية، فغايتهم المحبة والانقياد والعمل والإرادة.\nفإن كلا من المنحرفين له مفسدتان:\nإحداهما: القول بلا علم إن كان متكلما. والعمل بلا علم إن كان متصوفا.\n_________\n(^١) حاشية الأصول الثلاثة ص: ١٣٧.","vol":"1","page":111},{"text":"وهو ما وقع من البدع الكلامية والعملية المخالفة للكتاب والسنة.\nوالمفسدة الثانية: فوت المتكلم العمل. وفوت المتصوف القول والكلام.\nأما السلف وأتباعهم فقد حققوا كلا الأمرين.\nمن القول التصديقي المعتمد على معرفة أسماء الله وصفاته وأفعاله الواردة في الكتاب والسنة.\nوالعمل الإرادي وذلك باتباع الأوامر واجتناب النواهي وفق ما شرعه الله في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ.\nولذلك كان كلامهم وعملهم باطنًا وظاهرًا بعلم، وكان كل واحد من قولهم وعملهم مقرونا بالآخر وهؤلاء هم المسلمون حقا\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-45>٤٢. ومما يدل على أهميته أن التوحيد شعار أهل السنة والجماعة.</span>\n- قال ابن تيمية: \"كل من كان إلى الرسول ﷺ وأصحابه والتابعين لهم بإحسان أقرب، كان أقرب إلى كمال التوحيد والإيمان والعقل والعرفان، وكل من كان عنهم أبعد كان عن ذلك أبعد\" (^٢).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"كانت عادته صلوات الله وسلامه عليه\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٢/ ٤١.\n(^٢) منهاج السنة ٢/ ٢٩٣.","vol":"1","page":112},{"text":"أن يقيم شعار التوحيد في مواضع شعار الكفر والشرك، كما أمر أن يبنى مسجد الطائف موضع اللات\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-46>٤٣. ومما يدل على أهميته أن التوحيد هو ما يسأل عنه جميع الخلق.</span>\nلما روي عن أنس بن مالك وابن عمر ومجاهد في قوله ﷿: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢)﴾ [الحِجْر: ٩٢] قالوا: (عن لا إله إلا الله) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-47>٤٤. ومما يدل على أهميته أن التوحيد طريق الحق.</span>\nطريق الحق واحد، وهو طريق الله، وهو طريق الهداية، وهو طريق الإسلام، وهو طريق الاستقامة، وسبُل الضلال كثيرة خبيثة، وقد قال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ [المَائِدَة: ١٠٠].\n- قال ابن القيم ﵀: \"والمقصود أن طريق الحق واحد إذ مرده إلى الله الملك الحق، وطرق الباطل متشعبة، ومتعددة\" (^٣).\n_________\n(^١) زاد المعاد ٢/ ٣٥٨.\n(^٢) رواه البخاري معلقًا قبل حديث (٢٦) قائلًا: وقال عدة من أهل العلم …، قال ابن حجر في «تغليق التعليق» (٢/ ٢٨): قلت: روي ذلك عن أنس، ومجاهد، وابن عمر وغيرهم. وقال الدارقطني في «العلل» (١٢/ ٢٠): ورفعه غير صحيح، وانظر: «تفسير الطبري» (١٧/ ١٥٠)، «الدعاء» للطبراني (ص: ٤٣٨ - ٤٣٩).\n(^٣) بدائع الفوائد: ١/ ١٢٧.","vol":"1","page":113},{"text":"- قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"إن الحق واحد، ولا يخرج عما جاءت به الرسل، وهو الموافق لصريح العقل فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا\" (^١).\n- قال تعالى: ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (٢٥)﴾ [النُّور: ٢٥].\n- قال القشيري (ت: ٤٦٥ هـ) ﵀: \"ويقال لا يشهدون غدًا إلا الحقَّ؛ فهم قائمونَ بالحق للحق مع الحق، يبيِّن لهم أسرار التوحيد وحقائقه، ويكون القائم عنهم، والآخذَ لهم منهم من غير أَنْ يُرَدَّهم إليهم\" (^٢).\n- قال الفخر الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀: \"إنما سمي بالحق لأن عبادته هي الحق دون عبادة غيره\" (^٣).\n- قال برهان الدين البقاعي (ت: ٨٨٥ هـ) ﵀: \" ﴿أَنَّ اللَّهَ﴾ أي الذي له العظمة المطلقة، فلا كفوء له ﴿هُوَ﴾ أي وحده ﴿الْحَقُّ﴾ أي الثابت أمره فلا أمر لأحد سواه، ﴿الْمُبِينُ﴾ الذي لا أوضح من شأنه في ألوهيته وعلمه وقدرته وتفرده بجميع صفات الكمال، وتنزهه عن جميع سمات النقص\" (^٤).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"فجماع الأمر: أن الله هو الهادي وهو\n_________\n(^١) منهاج السنة النبوية: ٥/ ١٩٠.\n(^٢) لطائف الإشارات للقشيري (سورة النور: الآية: ٢٥).\n(^٣) تفسير الرازي (سورة النور: الآية: ٢٥).\n(^٤) تفسير نظم الدرر في تناسب الآيات والسور للبقاعي (سورة النور: الآية: ٢٥).","vol":"1","page":114},{"text":"النصير ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا (٣١)﴾ [الفُرْقَان: ٣١]. وكل علم فلا بد له من هداية وكل عمل فلا بد له من قوة. فالواجب أن يكون هو أصل كل هداية وعلم وأصل كل نصرة وقوة ولا يستهدي العبد إلا إياه ولا يستنصر إلا إياه\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-48>٤٥. ومما يدل على أهميته أن التوحيد سبيل التقوى.</span>\nقال تعالى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُوا أَنَّهُلَا إِلَهَ إِلَّا أَنَ ا فَاتَّقُونِ (٢)﴾ [النَّحْل: ٢].\nفالتوحيد أعظم نعمة أنعمها الله تعالى على عباده حيث هداهم إليه، كما جاء في سورة النحل التي تسمى سورة النعم، فالله ﷿ قدّم نعمة التوحيد على كل نعمة.\n- قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: \"أمرهم الله ﷿ أن ينذروا الناس، فقال: ﴿أَنْ أَنذِرُوا أَنَّهُلَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ (٢)﴾ [النَّحْل: ٢]، يعنى فاعبدون\" (^٢).\n- قال الواحدي (ت: ٤٦٨ هـ) ﵀: ﴿أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا﴾ مع تخويفهم إن لم يقروا ﴿فَاتَّقُونِ (٢)﴾ بالتوحيد والطاعة\" (^٣).\n- قال فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀: \"ثم العقل أيضا ليس بكامل النورانية\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى: ٢/ ١٩ - ٢٠.\n(^٢) تفسير مقاتل بن سليمان (سورة النحل: الآية: ٢).\n(^٣) تفسير الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي. (سورة النحل: الآية: ٢).","vol":"1","page":115},{"text":"والصفاء والإشراق حتى يستكمل بمعرفة ذات الله تعالى وصفاته وأفعاله ومعرفة أحوال عالم الأرواح والأجساد، وعالم الدنيا والآخرة، ثم إن هذه المعارف الشريفة الإلهية لا تكمل ولا تصفو إلا بنور الوحي والقرآن\" (^١).\n- قال فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀: \"وأشرف المعارف وأجلها معرفة أنه لا إله إلا هو، وإليه الإشارة بقوله: ﴿أَنْ أَنذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا﴾ والقوة الثانية للنفس: استعدادها للتصرف في أجسام هذا العالم، وهذه القوة هي القوة المسماة بالقوة العملية، وسعادة هذه القوة في الإتيان بالأعمال الصالحة، وأشرف الأعمال الصالحة هو عبودية الله تعالى، وإليه الإشارة بقوله: ﴿فَاتَّقُونِ (٤١)﴾ ولما كانت القوة النظرية أشرف من القوة العملية وسعادة هذه القوة في الإنباء بالأعمال الصالحة وأشرف الأعمال الصالحة هو عبودية الله تعالى، وإليه الإشارة بقوله ﴿فَاتَّقُونِ (٤١)﴾ ولما كانت القوة النظرية أشرف من القوة العملية لا جرم قدم الله تعالى كمالات القوة النظرية، وهي قوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا﴾ [النَّحْل: ٢] على كمالات القوة العملية وهي قوله: ﴿فَاتَّقُونِ (٢)﴾ \" (^٢).\n- وقال فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀: \"سميت هذه الكلمة بكلمة التقوى: هو أن هذه الكلمة واقية لبدنك من السيف، ولمالك من الاستغنام، ولذمتك من الجزية، ولأولادك من السبي، فإن انضاف القلب إلى اللسان صارت واقية لقلبك عن الكفر، وإن انضم التوفيق إليه صارت واقية لجوارحك عن المعاصي\" (^٣).\n_________\n(^١) تفسير مفاتح الغيب للرازي (سورة النحل: الآية: ٢).\n(^٢) تفسير مفاتح الغيب للرازي (سورة النحل: الآية: ٢).\n(^٣) عجائب القرآن للرازي صـ ٦٠.","vol":"1","page":116},{"text":"- قال البيضاوي (ت: ٦٨٥ هـ) ﵀: \"والآية تدل على التنبيه على التوحيد الذي هو منتهى كمال القوة العلمية، والأمر بالتقوى الذي هو أقصى كمال القوة العملية\" (^١).\n- قال ابن عاشور (ت: ١٣٩٣ هـ) ﵀: \"وقد أحاطت جملة ﴿أَنْ أَنذِرُوا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُونِ (٢)﴾ بالشريعة كلها، لأن جملة ﴿أَنْ أَنذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا﴾ تنبيه على ما يرجع من الشريعة إلى إصلاح الاعتقاد وهو الأمر بكمال القوة العقلية.\nوجملة ﴿فَاتَّقُونِ (٢)﴾ تنبيه على الاجتناب والامتثال اللذين هما منتهى كمال القوة العملية\" (^٢).\n- قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: \"وزبدة دعوة الرسل كلهم ومدارها على قوله: ﴿أَنْ أَنذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ (٢)﴾ أي: على معرفة الله تعالى وتوحده في صفات العظمة التي هي صفات الألوهية وعبادته وحده لا شريك له فهي التي أنزل الله بها كتبه وأرسل رسله، وجعل الشرائع كلها تدعو إليها، وتحث وتجاهد من حاربها وقام بضدها\" (^٣).\n- قال الشيخ عبد الرحمن الدوسري (ت: ١٣٣٢ هـ) ﵀: \"إن القلب إذا صفت مقاصده لله، وصفت معلوماته مما سواه، وانحشى بوحيه العزيز، وانشغل بذكر\n_________\n(^١) تفسير أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي (سورة النحل: الآية: ٢).\n(^٢) تفسير ابن عاشور (سورة النحل: الآية: ٢).\n(^٣) تفسير بن سعدي (سورة النحل: الآية: ٢).","vol":"1","page":117},{"text":"أسمائه الحسنى متدبرًا معانيها ومشتقاتها، ليعامل الله بمقتضاها ولا يأنس إلا بها؛ صفت موارده لخلوص مقاصده، فصار سليمًا، وفي حصن حصين من غزو أعدائه شياطين الإنس والجن الفكري ومن همزاتهم. فيثمر له صفاء علمه ومتعلقاته؛ حسن السلوك الذي يسيِّر الأعضاء والأحاسيس حسب مرضاة الله\" (^١).\n- قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"العبد عليه حقان:\nحقٌ لله ﷿، وحقٌ لعباده.\nثم الحق الذي عليه لا بد أن يُخِلَّ ببعضه أحيانا؛ إما بترك مأمور به، أو فعل منهيّ عنه، فقال النبي ﷺ: «اتق الله حيثما كنت» وهذه كلمة جامعة، وفي قوله: «حيثما كنت» تحقيق لحاجته إلى التقوى في السر والعلانية، ثم قال: «واتبع السيئة الحسنة تمحها» فإن الطبيب متى تناول المريض شيئًا مضرًا أمره بما يصلحه.\nوالذنب للعبد كأنه أمر حتم؛ فالكيّس هو الذي لا يزال يأتي من الحسنات بما يمحو السيئات\" (^٢).\n- قال ابن تيمية ﵀: \"التقوى: هي الاحتماء عما يضره بفعل ما ينفعه، فإن الاحتماء عن الضار يستلزم استعمال النافع، وأما استعمال النافع فقد يكون معه أيضًا استعمالًا لضار، فلا يكون صاحبه من المتقين\" (^٣).\n_________\n(^١) صفوة الآثار والمفاهيم ١/ ٢١٧.\n(^٢) مجموع الفتاوى ١٠/ ٦٥٥.\n(^٣) مجموع الفتاوى ١٠/ ١٤٤.","vol":"1","page":118},{"text":"<span data-type='title' id=toc-49>٤٦. ومما يدل على أهميته أن التوحيد هو ملة إبراهيم.</span>\nقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٣٠)﴾ [البَقَرَةِ: ١٣٠].\n- قال مقاتل ابن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: \" ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾، يعني: الإسلام\" (^١).\n- قال القشيري (ت: ٤٦٥ هـ) ﵀: \"أخبر أنه آثر الخليل صلوات الله عليه على البرية، فجعل الدينَ دينَه، والتوحيدَ شِعارَه، والمعرفةَ صِفته؛ فمن رَغِبَ عن دينه أو حاد عن سُنَّتِه فالباطل مطرحه، والكفر مهواه؛ إذ ليست الأنوار بجملتها إلا مقتبسة من نوره\" (^٢).\n- قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: \"يقول ﵎ رَدًّا على الكفار فيما ابتدعوه وأحدثوه من الشرك بالله، المخالف لملة إبراهيم الخليل، إمام الحنفاء، فإنه جَرد توحيد ربه ﵎، فلم يَدْع معه غيره، ولا أشرك به طرفة عين، وتبرأ من كل معبود سواه، وخالف في ذلك سائر قومه، حتى تبرأ من أبيه\" (^٣).\nقال تعالى: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٣٥)﴾ [البَقَرَةِ: ١٣٥].\n_________\n(^١) تفسير مقاتل بن سليمان (سورة البقرة: الآية: ١٣٠).\n(^٢) لطائف الإشارات للقشيري (سورة البقرة: الآية: ١٣٠).\n(^٣) تفسير ابن كثير (سورة البقرة: الآية: ١٣٠).","vol":"1","page":119},{"text":"- قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ): ﵄ \"في التوحيد\" (^١).\n- قال فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀: \"لما ثبت أن إبراهيم كان قائلا بالتوحيد، وثبت أن النصارى يقولون بالتثليث، واليهود يقولون بالتشبيه، فثبت أنهم ليسوا على دين إبراهيم ﵇، وأن محمدا ﵇ لما دعا إلى التوحيد، كان هو على دين إبراهيم\" (^٢).\nقال تعالى: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٩٥)﴾ [آل عِمْرَان: ٩٥].\n- قال علي بن محمد بن إبراهيم الشيحي المعروف بالخازن (ت: ٧٤١ هـ) ﵀: \"ملة إبراهيم وهي الإسلام وهو الدين الصحيح\" (^٣).\n- قال أبو حيان الأندلسي (ت: ٧٤٥ هـ) ﵀: \" ﴿فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٩٥)﴾ وهي ملة الإسلام التي عليها رسول الله ﷺ والمؤمنون معه\" (^٤).\n- قال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: \"أمرهم باتباع ملة أبيهم إبراهيم ﵇ بالتوحيد وترك الشرك الذي هو مدار السعادة، وبتركه حصول الشقاوة، وفي هذا دليل على أن اليهود وغيرهم ممن ليس على ملة إبراهيم مشركون غير موحدين\" (^٥).\n_________\n(^١) تفسير البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي. (سورة النساء: الآية: ١٢٥).\n(^٢) تفسير مفاتيح الغيب للفخر الرازي. (سورة البقرة: الآية: ١٣٥).\n(^٣) تفسير لباب التأويل في معاني التنزيل للخازن. (سورة آل عمران: الآية: ٩٥).\n(^٤) تفسير البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي. (سورة آل عمران: الآية: ٩٥).\n(^٥) تفسير تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي. (سورة آل عمران: الآية: ٩٥).","vol":"1","page":120},{"text":"قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥)﴾ [النِّسَاء: ١٢٥].\n- قال برهان الدين البقاعي (ت: ٨٨٥ هـ) ﵀: \" ﴿مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ الذي اشتهر عند جميع الطوائف أنه ما دعا إلا إلى الله ﷾ وحده، وتبرأ مما سواه من فلك وكوكب وصنم وطبيعة وغيرها حال كون ذلك المتبع ﴿حَنِيفًا﴾ أي لينًا سهلًا ميّالًا معالدليل، والملة: ما دعت إليه الفطرة الأولى بمساعدة العقل السليم من كمال الإسلام بالتوحيد\" (^١).\n- قال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: \" ﴿وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ أي: دينه وشرعه ﴿حَنِيفًا﴾ أي: مائلا عن الشرك إلى التوحيد، وعن التوجه للخلق إلى الإقبال على الخالق\" (^٢).\nقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١)﴾ [الأَنْعَام: ١٦١].\n- قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: \" ﴿مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾، يعني مخلصا\" (^٣).\nقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ\n_________\n(^١) نظم الدرر في تناسب الآيات والسور للبقاعي. (سورة النساء: الآية: ١٢٥).\n(^٢) تفسير تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي. (سورة النساء: الآية: ١٢٥).\n(^٣) تفسير مقاتل بن سليمان. (سورة الأنعام: الآية: ١٦١).","vol":"1","page":121},{"text":"الْمُشْرِكِينَ (١٢٣)﴾ [النَّحْل: ١٢٣].\n- قال مقاتل ابن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: ﴿أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾، يعني: الإسلام، ﴿حَنِيفًا﴾، يعني: مخلصا\" (^١).\n- قال العز بن عبد السلام (ت: ٦٣٩ هـ) ﵀: \" ﴿اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ في الإسلام والبراءة من الأوثان\" (^٢).\n- قال علي بن محمد بن إبراهيم الشيحي المعروف بالخازن (ت: ٧٤١ هـ) ﵀: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾، يعني: دينه وما كان عليه من الشريعة والتوحيد\" (^٣).\n- عن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى (ت: ٧٠ هـ تقريبًا) ﵁؛ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أَصْبَحَ قَالَ: «أَصْبَحْنَا عَلَى فِطْرَةِ الْإِسْلَامِ، وَكَلِمَةِ الْإِخْلَاصِ، وَدِينِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ، وَمِلَّةِ أَبِينَا إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا مُسْلِمًا، وَمَا كاَنَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ» (^٤).\n- قال ابن القيم: وتأمل هذه الألفاظ كيف جعل الفطرة للإسلام فإنه فطرة الله التي فطر الناس عليها وكلمة الإخلاص هي شهادة أن لا إله إلا الله والملة لإبراهيم فإنه صاحب الملة وهي التوحيد وعبادة الله تعالى وحده لا شريك له\n_________\n(^١) تفسير مقاتل بن سليمان (سورة النحل: الآية: ١٢٣).\n(^٢) تفسير العز بن عبد السلام (سورة النحل: الآية: ١٢٣).\n(^٣) تفسير لباب التأويل في معاني التنزيل للخازن. (سورة النحل: الآية: ١٢٣).\n(^٤) إسناده حسن: أخرجه النسائي في «عمل اليوم والليلة» (١/ ٣٤٣، ٣٤٤)، وفي «الكبرى» (٢٩، ٩٨، ١٠١٧٥، ١٠١٧٦)، والدارمي (٢٦٨٨)، وأحمد (٣/ ٤٠٧)، وابن أبي شيبة (٩/ ٧٧) (١٠/ ٢٣٩)، وابن السني في «عمل اليوم والليلة» (٣٤)، والطبراني في «الدعاء» (٢٩٤)، والبيهقي في «الدعوات الكبير» (٢٦).","vol":"1","page":122},{"text":"ومحبته فوق كل محبة والدين للنبي ﷺ وهو دينه الكامل وشرعه التام الجامع لذلك كله وسماه سبحانه إماما وأمة وقانتا وحنيفا قال تعالى ﴿* وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤)﴾ [البَقَرَةِ: ١٢٤] فأخبر سبحانه أنه جعله إماما للناس وأن الظالم من ذريته لا ينال ربتة الإمامة والظالم هو المشرك وأخبر سبحانه أن عهده بالإمامة لا ينال من أشرك به وقال تعالى ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٢٢)﴾ [النَّحْل: ١٢٠ - ١٢٢].\nفالأمة هو القدوة المعلم للخير والقانت المطيع لله الملازم لطاعته والحنيف المقبل على الله المعرض عما سواه ومن فسره بالمائل فلم يفسره بنفس موضوع اللفظ وإنما فسره بلازم المعنى فإن الحنف هو الإقبال ومن أقبل على شيء مال عن غيره والحنف في الرجلين هو إقبال إحداهما على الأخرى ويلزمه ميلها عن جهتها\n- قال تعالى ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الرُّوم: ٣٠] فحنيفا هو حال مقررة لمضمون قوله ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ﴾ ولهذا فسرت مخلصًا فتكون الآية قد تضمنت الصدق والإخلاص فإن إقامة الوجه للدين هو إفراد طلبه بحيث لا يبقى في القلب إرادة لغيره والحنيف المفرد لا يريد غيره فالصدق أن لا ينقسم طلبك والإفراد أن لا ينقسم مطلوبك؛ الأول توحيد الطلب والثاني توحيد المطلوب","vol":"1","page":123},{"text":"والمقصود أن إبراهيم ﵇ هو أبونا الثالث وهو إمام الحنفاء ويسميه أهل الكتاب عمود العالم وجميع أهل الملل متفقة على تعظيمه وتوليه ومحبته وكان خير بنيه سيد ولد آدم محمد ﷺ يجله ويعظمه ويبجله ويحترمه\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-50>٤٧. ومما يدل على أهميته أن التوحيد هو عهد الله.</span>\n- عن ابن عباس، قوله: ﴿إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٨٧)﴾ [مَرْيَم: ٨٧] قال: \"العهد: شهادة أن لا إله إلا الله، ويتبرأ إلى الله من الحول والقوّة ولا يرجو إلا الله\" (^٢).\n- وقال الفيروزأبادي: \"وقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٨٧)﴾ [مَرْيَم: ٨٧] المراد توحيد الله والإيمان به\" (^٣).\n- وقال البغوي في تفسيرها: \"يعني: لا إله إلا الله\" (^٤).\n- وقال ابن كثير: \"وهو شهادة أن لا إله إلا الله، والقيام بحقها\" (^٥).\n- قال يحيى بن سلام بن أبي ثعلبة، التيمي (ت: ٢٠٠ هـ) ﵀: ﴿إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ\n_________\n(^١) جلاء الأفهام ص: ٢٦٨ - ٢٦٩.\n(^٢) تفسير الطبري (سورة مريم الآية: ٨٧).\n(^٣) بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز ٤/ ١١٤.\n(^٤) تفسير البغوي (سورة مريم الآية: ٨٧).\n(^٥) تفسير ابن كثير (سورة مريم الآية: ٨٧).","vol":"1","page":124},{"text":"الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٨٧)﴾: وقال بعضهم: العهد: التَّوْحِيدُ\" (^١).\n- قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: \"ثم أخبر فقال سبحانه: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٧]، فنقضوا العهد الأول، ونقضوا ما أخذ عليهم في التوراة أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئا، وأن يؤمنوا بالنبي ﷺ، وكفروا بعيسى وبمحمد، ﵉، وآمنوا ببعض الأنبياء وكفروا ببعض، ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٧]، يعني ويعملون فيها بالمعاصي، ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٧] في العقوبة، يعني اليهود، ونظيرها في الرعد: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٧] من إيمان بمحمد ﷺ، ﴿وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٢٥)﴾ [الرَّعْد: ٢٥] \" (^٢).\n- قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: \"اختلف أهل المعرفة في معنى العهد الذي وصف الله هؤلاء الفاسقين بنقضه، فقال بعضهم: هو وصية الله إلى خلقه، وأمره إياهم بما أمرهم به من طاعته، ونهيه إياهم عما نهاهم عنه من معصيته في كتبه وعلى لسان رسوله ﷺ، ونقضهم ذلك تركهم العمل به.\nوقال آخرون: إنما نزلت هذه الَايات في كفار أهل الكتاب والمنافقين منهم،\n_________\n(^١) تفسير يحيى بن سلام. (سورة مريم: الآية: ٨٧).\n(^٢) تفسير مقاتل بن سليمان (سورة البقرة الآية: ٢٧).","vol":"1","page":125},{"text":"وإياهم عنى الله جل ذكره بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٦] وبقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البَقَرَةِ: ٨] فكل ما في هذه الَايات فعذل لهم وتوبيخ إلى انقضاء قصصهم. قالوا: فعهد الله الذي نقضوه بعد ميثاقه: هو ما أخذه الله عليهم في التوراة من العمل بما فيها، واتباع محمد ﷺ إذا بعث، والتصديق به وبما جاء به من عند ربهم. ونقضهم ذلك هو جحودهم به بعد معرفتهم بحقيقته، وإنكارهم ذلك، وكتمانهم علم ذلك عن الناس، بعد إعطائهم الله من أنفسهم الميثاق ليبيننه للناس ولا يكتمونه. فأخبر الله جل ثناؤه أنهم نبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلًا.\n- وقال بعضهم: إن الله عنى بهذه الآية جميع أهل الشرك والكفر والنفاق وعهده إلى جميعهم في توحيده ما وضع لهم من الأدلة الدالة على ربوبيته وعهده إليهم في أمره ونهيه ما احتج به لرسله من المعجزات التي لا يقدر أحد من الناس غيرهم أن يأتي بمثلها الشاهدة لهم على صدقهم. قالوا: ونقضهم ذلك تركهم الإقرار بما قد تبينت لهم صحته بالأدلة، وتكذيبهم الرسل والكتب، مع علمهم أن ما أتوا به حق.\n- وقال آخرون: العهد الذي ذكره الله جل ذكره، هو العهد الذي أخذه عليهم حين أخرجهم من صلب آدم، الذي وصفه في قوله: وَإذْ أخَذَ رَبّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرّيّتَهُمْ وأشْهَدَهُمْ على أنْفُسِهِمْ الَايتين، ونقضُهم ذلك، تركهم الوفاء به\" (^١).\n_________\n(^١) تفسير الطبري (سورة البقرة الآية: ٢٧).","vol":"1","page":126},{"text":"- قال ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩ هـ) ﵀: \" ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٧] وهو الميثاق الذي أخذ عليهم في صلب آدم، وتفسيره في سورة الأعراف ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٧]\n- قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ): يعني ما أمر الله به من الإيمان بالنبيين كلهم ﴿وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٧] أي يعملون فيها بالشرك والمعاصي ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٢٧)﴾ [البَقَرَةِ: ٢٧] خسروا أنفسهم أن يغنموها فيصيروا في الجنة، فصاروا في النار\" (^١).\n- قال ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩ هـ) ﵀: \"قوله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٧٨)﴾ [مَرْيَم: ٧٨]، أي: لم يفعل، والعهد: التوحيد؛ في تفسير بعضهم\" (^٢).\n- قال الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀ في تفسيرها: \"يعني: لا إله إلا الله\" (^٣).\n- قال فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀: \"قال ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٨٧)﴾ [مَرْيَم: ٨٧]: العهد: هو قول لا إله إلا الله.\nوأقول: الذي يدل على صحة هذا القول وجوه:\nالأول: أن قوله: ﴿إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٨٧)﴾ نكرة في طرف الثبوت،\n_________\n(^١) تفسير ابن أبي زمنين (سورة البقرة الآية: ٢٧).\n(^٢) تفسير القرآن العزيز لابن أبي زمنين ٣/ ١٠٥.\n(^٣) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة مريم الآية: ٨٧).","vol":"1","page":127},{"text":"وذلك لا يفيد إلا عهدًا واحدًا، فهذه الآية تدل على أن تلك الشفاعة تحصل بسبب عهد واحد، ثم أجمعنا على أن ما سوى الإيمان فإن الواحد منه، بل مجموعة لا يفيد تلك الشفاعة البتة، فوجب أن يكون العهد الواحد الذي يفيد تلك الشفاعة هو الايمان، وهو قول: لا إله إلا الله.\nوالثاني: أن جماعة من المفسرين قالوا في تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٤٠]. هو عهد الإيمان، بدليل أن لفظ العهد مجمل، فلما أعقبه بقوله: ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٤١]. علمنا أن المراد من ذلك العهد هو الإيمان، وهو قول \" لا إله إلا الله، محمد رسول الله \".\nوالثالث: أن أول ما وقع من العهد قوله تعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأَعْرَاف: ١٧٢]، وذلك في الحقيقة هو قول لا إله إلا الله، فكأن لفظ العهد محمولًا عليه.\nوالرابع: أنه تعالى قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيه حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ﴾ [التَّوْبَة: ١١١]، فكأن العهد من جانبك عهد الإقرار بالعبودية، ومن جانب الحق عهد الكرم والربوبية، فثبت بهذه الوجوه: أن المراد من قوله: ﴿إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٨٧)﴾ [مَرْيَم: ٨٧]. هو قول: لا إله إلا الله.\nالخامس: قوله تعالى: ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا﴾ [البَقَرَةِ: ٨٠]. أي قلتم لا إله إلا الله\" (^١).\n_________\n(^١) عجائب القرآن للرازي صـ ٦٥ - ٦٧.","vol":"1","page":128},{"text":"قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٧].\n- قال أبو حيان الأندلسي (ت: ٧٤٥ هـ) ﵀: \"واختلفوا في تفسير العهد على أقوال:\nأحدها: أنه وصية الله إلى خلقه، وأمره لهم بطاعته، ونهيه لهم عن معصيته في كتبه المنزلة وعلى ألسنة أنبيائه المرسلة، ونقضهم له تركهم العمل به.\nالثاني: أنه العهد الذي أخذه الله عليهم حين أخرجهم من أصلاب آبائهم في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ﴾ [الأَعْرَاف: ١٧٢] الآية، ونقضهم له كفر، بعضهم بربوبيته، وبعضهم بحقوق نعمته.\nالثالث: ما أخذه الله عليهم في الكتب المنزلة من الإقرار بتوحيده والاعتراف بنعمه والتصديق لأنبيائه ورسله، وبما جاؤوا به في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [ال عِمْرَان: ١٨٧] الآية، ونقضهم له نبذه وراء ظهورهم، وتبديل ما في كتبهم من وصفه ﷺ.\nالرابع: ما أخذه الله تعالى على الأنبياء ومتبعيهم أن لا يكفروا بالله ولا بالنبي ﷺ، وأن ينصروه ويعظموه في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ﴾ [آل عِمْرَان: ٨١] الآية، ونقضهم له إنكارهم لنبوته وتغييرهم لصفته.\nالخامس: إيمانهم به ﷺ ورسالته قبل بعثه ونقضهم له جحدهم لنبوته ولصفته.","vol":"1","page":129},{"text":"السادس: ما جعله في عقولهم من الحجة على توحيده وتصديق رسوله، بالنظر في المعجزات الدالة على إعجاز القرآن وصدقه ونبوة محمد ﷺ، ونقضهم هو تركهم النظر في ذلك وتقليدهم لآبائهم.\nالسابع: الأمانة المعروضة على السموات والأرض التي حملها الإنسان، ونقضهم تركهم القيام بحقوقها.\nالثامن: ما أخذه عليهم من أن لا يسفكوا دماءهم ولا يخرجوا أنفسهم من ديارهم، ونقضهم عودهم إلى ما نهوا عنه، وهذا القول يدل على أن المخاطب بذلك بنو إسرائيل.\nالتاسع: هو الإيمان والتزام الشرائع، ونقضه كفره بعد الإيمان.\nوهذه الأقوال التسعة منها ما يدل على العموم في كل ناقض للعهد، ومنها ما يدل على أن المخاطب قوم مخصوصون، وهذا الاختلاف مبني على الاختلاف الذي وقع في سبب النزول، والعموم هو الظاهر.\nفكل من نقض عهد الله من مسلم وكافر ومنافق أو مشرك أو كتابي تناوله هذا الذم، ومن متعلقة بقوله ينقضون، وهي لابتداء الغاية، ويدل على أن النقض حصل عقيب توثق العهد من غير فصل بينهما، وفي ذلك دليل على عدم اكتراثهم بالعهد، فإثر ما استوثق الله منهم نقضوه\" (^١).\n_________\n(^١) تفسير البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي (سورة البقرة الآية: ٢٧).","vol":"1","page":130},{"text":"<span data-type='title' id=toc-51>٤٨. ومما يدل على أهميته أن التوحيد أعظم نعم الله.</span>\nقال تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١١٤)﴾ [النَّحْل: ١١٤]\n- قال سليمان بن عبد القوي بن عبد الكريم الطوفي الصرصري الحنبلي (ت ٧١٦ هـ) ﵀: \"أي توحدونه بالعبادة، وهي تدل على أن شكر النعمة من التوحيد؛ لأنه يضيف النعمة إلى الله ﷿ وحده كما توجه العبادة إليه وحده\" (^١).\nقال تعالى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ (٢)﴾ [النَّحْل: ٢].\n- قال حافظ بن أحمد حكمي (ت: ١٣٧٧ هـ) ﵀: \"فنعمة التوحيد هي أعظم نعمة أنعم الله ﷿ بها على عباده أن هداهم إليها، ولهذا ذكرها في سورة النحل التي هي سورة النعم، فقدمها أولا قبل كل نعمة\" (^٢).\nقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ [الأَحْقَاف: ١٥].\n- قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: \"نعمتك في التوحيد\" (^٣).\n- قَالَ رُفَيْعٌ أبو العالية (ت: ٩٣ هـ) ﵀: \"إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ لَا يَهْلِكَ عَبْدٌ بَيْنَ اثْنَتَيْنِ:\n_________\n(^١) الإشارات الإلهية إلى المباحث الأصولية ص: ٣٨٥.\n(^٢) معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول في التوحيد لحافظ الحكمي. صـ ٢٢١.\n(^٣) تفسير المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (سورة الأحقاف الآية: ١٥)، ٥/ ٩٨.","vol":"1","page":131},{"text":"نِعْمَةٍ يَحْمَدُ اللَّهَ عَلَيْهَا، وَذَنْبٍ يَسْتَغْفِرُ مِنْهُ\" (^١).\n- قال أبو حازم (ت: ١٠٠ هـ تقريبًا) ﵀: \"كلّ نعمة لا تقرّب من الله ﷿ فهي بليّة\" (^٢).\n- قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ﴾ [النَّمْل: ١٩] يقول: أوزعني بشكر نعمتك التي أنعمت عليّ في تعريفك إياي توحيدك وهدايتك لي للإقرار بذلك، والعمل بطاعتك\" (^٣).\n- قال محمود بن عمرو بن أحمد، الزمخشري (ت ٥٣٨ هـ) ﵀: \"قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٦١)﴾ [غَافِر: ٦١]، والمراد بالنعمة التي استوزع الشكر عليها: نعمة التوحيد والإسلام\" (^٤).\n- قال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ) ﵀: \"قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٦١)﴾ [غَافِر: ٦١]، على نعمة التوحيد والإيمان\" (^٥).\n- عن سفيان بن عيينة، قال: \"ما أنعم الله على العباد نعمة من أن عرفهم أن لا إله إلا الله، قال: وإن لا إله إلا الله لهم في الآخرة كالماء في الدنيا\" (^٦).\n_________\n(^١) الشكر لابن أبي الدنيا ص ٣٢.\n(^٢) صفوة الصفوة ١/ ٣٨٦.\n(^٣) تفسير الطبري (سورة الأحقاف الآية: ١٥).\n(^٤) تفسير الكشاف للزمخشري (غافر: الآية: ٦١).\n(^٥) تفسير الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (تفسير سورة غافر: الآية: ٦١).\n(^٦) كتاب الشكر لابن أبي الدنيا ص: ٣٤. برقم (٩٦).","vol":"1","page":132},{"text":"- وعن مجاهد: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَة﴾ [لُقْمَان: ٢٠] قال: \"لا إله إلا الله\" (^١).\n- قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: \"منْ لَمْ يُعْرَفْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِلَّا فِي مَطْعَمِهِ وَمَشْرَبِهِ فَقَدْ قَلَّ عِلْمُهُ، وَحَضَرَ عَذَابُهُ\" (^٢).\n- قال ابن كثير ﵀: \"هَذِهِ أَكْبَرُ نِعَمِ اللَّهِ، ﷿، عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ: حَيْثُ أَكْمَلَ تَعَالَى لَهُمْ دِينَهُمْ، فَلَا يَحْتَاجُونَ إِلَى دِينِ غَيْرِهِ، وَلَا إِلَى نَبِيٍّ غَيْرِ نَبِيِّهِمْ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ؛ وَلِهَذَا جَعَلَهُ اللَّهُ خَاتَمَ الْأَنْبِيَاءِ، وَبَعَثَهُ إِلَى الْإِنْسِ وَالْجِنِّ، فَلَا حَلَالَ إِلَّا مَا أَحَلَّهُ، وَلَا حَرَامَ إِلَّا مَا حَرَّمَهُ، وَلَا دِينَ إِلَّا مَا شَرَعَهُ، وَكُلُّ شَيْءٍ أَخْبَرَ بِهِ فَهُوَ حَقٌّ وَصِدْقٌ لَا كَذِبَ فِيهِ وَلَا خُلْف، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاوَعَدْلا﴾ [الأَنْعَام: ١١٥] أَيْ: صِدْقًا فِي الْأَخْبَارِ، وَعَدْلًا فِي الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي، فَلَمَّا أَكْمَلَ الدِّينَ لَهُمْ تَمَّتِ النِّعْمَةُ عَلَيْهِمْ\" (^٣).\n- وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"وأعظم نعمته عليهم أن أمرهم بالإيمان وهداهم إليه، فهؤلاء همِ أهل النعمة المطلقة المذكوريِن في قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفَاتِحَةِ: ٦ - ٧] \" (^٤).\n- وقال أيضا: \"فَمِنْ أَعْظَمِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ وَأَشْرَفِ مِنَّةٍ عَلَيْهِمْ: أَنْ أَرْسَلَ\n_________\n(^١) كتاب الشكر لابن أبي الدنيا ص: ٣٤ رقم (٩٥).\n(^٢) الشكر لابن أبي الدنيا ص ٣٣.\n(^٣) \"تفسير ابن كثير\" (٣/ ٢٦).\n(^٤) \"جامع المسائل\" (٤/ ٢٨٤).","vol":"1","page":133},{"text":"إلَيْهِمْ رُسُلَهُ؛ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِمْ كُتُبَهُ؛ وَبَيَّنَ لَهُمْ الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ. وَلَوْلَا ذَلِكَ لَكَانُوا بِمَنْزِلَةِ الْأَنْعَامِ وَالْبَهَائِمِ بَلْ أَشَرَّ حَالًا مِنْهَا فَمَنْ قَبِلَ رِسَالَةَ اللَّهِ وَاسْتَقَامَ عَلَيْهَا فَهُوَ مِنْ خَيْرِ الْبَرِيَّةِ وَمَنْ رَدَّهَا وَخَرَجَ عَنْهَا فَهُوَ مِنْ شَرِّ الْبَرِيَّةِ وَأَسْوَأُ حَالًا مِنْ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْحَيَوَانِ الْبَهِيمِ \" (^١).\n- قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"وَأعظم نعْمَة أنعمها الله على الْعباد هِيَ الْإِيمَان، وَهُوَ قَول وَعمل يزِيد وَينْقص يزِيد بِالطَّاعَةِ والحسنات وَينْقص بالفسوق والعصيان، فَكلما ازْدَادَ الْإِنْسَان عملا للخير ازْدَادَ إيمَانه؛ هَذَا هُوَ الايمان الْحَقِيقِيّ الْمَذْكُور فِي قَوْله تَعَالَى اهدنا الصِّرَاط الْمُسْتَقيم صِرَاط الَّذين أَنْعَمت عَلَيْهِبل نعم الدُّنْيَا نعْمَة الدّين؛ وَهل هِيَ نعْمَة أم لَا؟ فِيهِ قَولَانِ مشهوران للْعُلَمَاء من أَصْحَابنَا وَغَيرهم؛ وَالتَّحْقِيق: أَنَّهَا نعْمَة من وَجه، وَإِنْ لم تكن نعْمَة تَامَّة من كل وَجه. وَأما الإنعام بِالدّينِ، من فعل الْمَأْمُور وَترك الْمَحْظُور: فَهُوَ الْخَيْر كُله، وَهُوَ النِّعْمَة الْحَقِيقِيَّة عِنْد أهل السّنة؛ إِذْ عِنْدهم أَنْ الله هُوَ الَّذِي أنعم بِالْخَيرِ كُله … \" (^٢).\n- وعن أبي حازم قال: \"إذا رأيت الله ﷿ يتابع نعمه عليك وأنت تعصيه فاحذرْه\" (^٣).\n- قال ابن الجوزي ﵀: \"متى رأيت تكديرا فيحال، فاذكر نعمة ما\n_________\n(^١) \"مجموع الفتاوى\" (١٩/ ١٠٠).\n(^٢) \"مختصر الفتاوى المصرية\" (٢٦٨).\n(^٣) صفوة الصفوة ١/ ٣٨٦.","vol":"1","page":134},{"text":"شكرت، أوزلة قد فعلت، واحذر من نفار النعم ومفاجأة النقم، ولا تغتر بانبساط الحلم فربما عجل انقباضه\" (^١).\n- قال الذهبي (ت: ٧٤٨ هـ) ﵀ في مقدمة كتاب العلو: \"الحمد لله العلي العظيم رب العرش العظيم على نعمه السابغة الظاهرة والباطنة والحمد لله على نعمة التوحيد\" (^٢).\n- قال محمد بن علي الشوكاني (ت: ١٢٥٥ هـ) ﵀: عند تفسير قوله تعالى: ﴿* ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٧٥)﴾ [النَّحْل: ٧٥]، وقيل: أراد الحمد لله على ما أنعم به على أوليائه من نعمة التوحيد\" (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-52>٤٩. ومما يدل على أهميته أن التوحيد منة من الله على عباده الموحدين.</span>\nقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [آل عِمْرَان: ١٦٤].\nقال تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٧)﴾ [الحُجُرَات: ١٧].\n_________\n(^١) صيد الخاطر ١/ ٢٠.\n(^٢) العلو للعلى الغفار ص: ٧.\n(^٣) تفسير فتح القدير للشوكاني (سورة النحل: الآية: ٧٥).","vol":"1","page":135},{"text":"- قال الطبري: \"فإن الله هو الذي منّ عليكم بأن هداكم له، فلا تمنوا عليّ بإسلامكم\" (^١).\n- وقال ابن سعدي: \"فكما أنه تعالى يمن عليهم، بالخلق والرزق، والنعم الظاهرة والباطنة، فمنته عليهم بهدايتهم إلى الإسلام، ومنته عليهم بالإيمان، أعظم من كل شيء\" (^٢).\n- قال ابن تيمية: \"المنة تقع بالهداية إلى الإيمان\" (^٣).\n- وقال ابن تيمية: \"والله سبحانه بعث محمدا بالكتاب والسنة، وبهما أتم على أمته المنة. قال تعالى: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٠)﴾ [البَقَرَةِ: ١٥٠] وقال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [آل عِمْرَان: ١٦٤] \" (^٤).\n- قال الشيخ ابن باز: \"المنة لله سبحانه في كل شيء، كما قال تعالى في آخر سورة الحجرات: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٧)﴾ [الحُجُرَات: ١٧] فالمنة لله وحده في كل شيء من نعم الدنيا والآخرة\" (^٥).\n_________\n(^١) تفسير الطبري (سورة الحجرات الآية: ١٧).\n(^٢) تفسير السعدي (سورة الحجرات الآية: ١٧).\n(^٣) مجموع الفتاوى ٧/ ٣٧٦.\n(^٤) مجموع الفتاوى ١/ ٦.\n(^٥) مجموع فتاوى ومقالات الشيخ ابن باز (٩/ ٣٠٦).","vol":"1","page":136},{"text":"وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرا (٩٤)﴾ [النِّسَاء: ٩٤].\nوعن أنس بن مالك ﵁ قال: سمع النبي ﷺ رجلا يقول: «اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك المنان يا بديع السموات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم إني أسألك الجنة وأعوذ بك من النار فقال النبي ﷺ: «لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب» (^١).\n- وقال الخطابي: \"وأما (المنان) فهو كثير العطاء\" (^٢).\n- وقال أبو بكر هو الأنباري: في شرح المنان: \"معناه: المعطي ابتداء ولله المنة على عباده، ولا منة لأحد منهم عليه، تعالى الله علوا كبيرا\" (^٣).\n_________\n(^١) رواه أبو داود (١٤٩٥)، والترمذي (٣٥٤٤)، والنسائي (٣/ ٥٢)، وابن ماجه (٣٨٥٨) واللفظ له، وأحمد (٣/ ١٢٠) (١٢٢٢٦)، والحاكم (١/ ٦٨٣). والحديث سكت عنه أبو داود. وقال الترمذي: حديث غريب. وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجة»: حسن صحيح.\n(^٢) «شأن الدعاء» (ص: ١٠٠)، وبنحوه قال البيهقي في «الاعتقاد» (ص: ٦٧).\n(^٣) «اللسان» (٦/ ٤٢٧٩).","vol":"1","page":137},{"text":"<span data-type='title' id=toc-53>٥٠. ومما يدل على أهميته أن كلمة التوحيد أبلغ الثناء.</span>\n- قال الإمام ابن تيمية ﵀: \"أبلغ الثناء: قول لا إله إلا الله، وأبلغ الدعاء: أستغفر الله\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-54>٥١. ومما يدل على أهميته أن كلمة التوحيد هي الكلمة الباقية.</span>\nقال تعالى: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٨)﴾ [الزُّخْرُف: ٢٨].\n- قال الطبري: \"وقوله: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ يقول تعالى ذكره: وجعل قوله: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [الزُّخْرُف: ٢٦ - ٢٧] وهو قول: لا إله إلا الله، كلمة باقية في عقبه، وهم ذريّته، فلم يزل فى ذريّته من يقول ذلك من بعده.\n- وعن مجاهد ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ [الزُّخْرُف: ٢٨] قال: لا إله إلا الله.\n- وعن قتادة ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً﴾ [الزُّخْرُف: ٢٨] قال: شهادة أن لا إله إلا الله، والتوحيد لم يزل في ذريته من يقولها من بعده\" (^٢).\n- عن السدي (ت: ١٢٨ هـ) ﵀: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ [الزُّخْرُف: ٢٨] قال: \"لا إله إلا الله\" (^٣).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١١/ ٦٩٧.\n(^٢) تفسير الطبري (سورة الزخرف الآية: ٢٨).\n(^٣) تفسير الطبري (سورة الزخرف الآية: ٢٨).","vol":"1","page":138},{"text":"- قال ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩ هـ) ﵀: \" ﴿جَعَلَهَا كَلِمَةً﴾ [الزُّخْرُف: ٢٨] يعني: لا إله إلا الله\" (^١).\n- قال فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀: \"روي عن كثير من المفسرين أنهم قالوا في تفسير قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ [الزُّخْرُف: ٢٨]. أنها قول لا إله إلا الله. ويدل عليه وجوه:\nالأول: مقدمة هذه الآية، وهي قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزُّخْرُف: ٢٦ - ٢٧] وكان معنى قوله: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ﴾ نفي الإلهية عن الأشياء التي كانوا يعبدونها. ثم قال: ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [الزُّخْرُف: ٢٧]. فكان فيه اثبات الإلهية للذي فطره، فإذا حصل هذان المعنيان كان مجموعهما هو قول: لا إله إلا الله. ثم قال: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ [الزُّخْرُف: ٢٨]. فثبت أن المراد من الكلمة الباقية قول لا إله إلا الله.\nالثاني: أنه تعالى قال في سورة القصص: ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القَصَص: ٨٨]. فبين أن كل شيء هالك إلا هو، فإنه واجب الدوام والبقاء. والسرمدية، وقد عرفت أن القول تبع المقول، والاعتقاد تبع المعتقد، فكان صدق لا إله إلا الله، وحقيقة لا إله إلا الله واجبي الثبوت والبقاء والدوام، وذلك هو المراد بكونها باقية.\nالثالث: أنا بينا أن التوحيد لا يزول بسبب المعصية، والمعصية تزول بسبب\n_________\n(^١) تفسير القرآن العزيز لابن أبي زمنين (سورة الزخرف الآية: ٢٨) ٤/ ١٨٢.","vol":"1","page":139},{"text":"التوحيد، وأيضًا التوحيد يبقى مع أهل الجنة، وسائر الطاعات لا تبقى، روى جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ عن جبريل «أن الله يقول يوم القيامة: مالي أرى فلان بن فلان في صفوف أهل النار؟ فأقول: يا رب، أنا لم نجد له حسنة، فيقول الله تعالى: إني سمعته في الدنيا يقول: يا حنّان يا منّان، فاذهب إليه فسله. فيأتيه فيجده في زاوية من زوايا جهنم يقول: يا حنان يا منان، فيسأله جبريل عن هذه الكلمة، فيقول: وهل حنان منان غير الله. قال جبريل: فأخذ بيده من صفوف أهل النار، فأدخله في صفوف أهل الجنة» (^١) \" (^٢).\n- قال البيضاوي (ت: ٦٨٥ هـ) ﵀: \" ﴿وَجَعَلَهَا﴾ وجعل إبراهيم ﵊ أو الله كلمة التوحيد. ﴿كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ في ذريته فيكون فيهم أبدا من يوحد الله ويدعو إلى توحيده\" (^٣).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"وهي: الكلمة التي جعلها إبراهيم في عقبه: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٨)﴾ \" (^٤).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"أي جعل هذه الموالاة لله، والبراءة من كل معبود سواه كلمة باقية في عقبه يتوارثها الأنبياء وأتباعهم بعضهم عن بعض وهي\n_________\n(^١) أخرجه الحكيم الترمذي في «نوادر الأصول» (٤٥٩) باختلاف يسير، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (٦/ ٢١٠) واللفظ له. وفيه الفضل الرقاشي تفرد به ولم يتابع عليه.\n(^٢) عجائب القرآن للرازي صـ ٦٠ - ٦١.\n(^٣) تفسير أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي (سورة الزخرف الآية: ٢٨).\n(^٤) قاعدة حسنة في الباقيات الصالحات. لابن تيمية. صـ ٢٩.","vol":"1","page":140},{"text":"كلمة: لا إله إلا الله، وهي التي ورثها إمام الحنفاء لأتباعه إلى يوم القيامة\" (^١).\n- قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٨)﴾ [الزُّخْرُف: ٢٨] أي: هذه الكلمة، وهي عبادة الله تعالى وحده لا شريك له، وخلع ما سواه من الأوثان، وهي: \"لا إله إلا الله\" أي: جعلها دائمة في ذريته يقتدي به فيها من هداه الله من ذرية إبراهيم، ﵇، ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٨)﴾ أي: إليها\" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-55>٥٢. ومما يدل على أهميته أن كلمة التوحيد هي الدعوة التامة.</span>\nعن جابر بن عبد الله ﵁ أن رسول الله ﷺ، قال: «من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة آت محمدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته، حلت له شفاعتي يوم القيامة» (^٣).\n- قال الحافظ ابن حجر: \"الدعوة التامة المراد بها: دعوة التوحيد، كقولة: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ [الرَّعْد: ١٤] وقيل لدعوة التوحيد تامة لأن الشركة نقص، وقال ابن التين: وصفت بالتامة لأن فيها أتم القول وهو: لا إله إلا الله\" (^٤).\n_________\n(^١) الجواب الكافي صـ ١٩٥.\n(^٢) تفسير ابن كثير (سورة الزخرف الآية: ٢٨).\n(^٣) رواه البخاري (٦١٤).\n(^٤) فتح الباري (٢/ ١١٢ - ١١٣).","vol":"1","page":141},{"text":"<span data-type='title' id=toc-56>٥٣. ومما يدل على أهميته أن كلمة التوحيد هي القول السديد.</span>\nقال تعالى: ﴿لْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٩)﴾ [النِّسَاء: ٩].\nقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [الأَحْزَاب: ٧٠ - ٧١].\n- قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: \"القول السداد: لا إله إلا الله\" (^١).\n- عن عكرمة (ت: ١٠٥ هـ) ﵀: قال: \"قولوا: لا إله إلا الله\" (^٢).\nقال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: \" ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠)﴾ [الأَحْزَاب: ٧٠] يعني قولا عدلا، وهو التوحيد\" (^٣).\n- قال ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩ هـ) ﵀: \" ﴿وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠)﴾ [الأَحْزَاب: ٧٠] أي:\n_________\n(^١) كتاب الأسماء والصفات للبيهقي ١/ ٢٧١، تفسير القرطبي (سورة الأحزاب الآية: ٧٠)، تفسير البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي. (سورة الأحزاب الآية: ٧٠).\n(^٢) تفسير الطبري (سورة الأحزاب الآية: ٧٠)، تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة الأحزاب الآية: ٧٠)، تفسير الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي. (سورة الأحزاب الآية: ٧٠)، تفسير الهداية في بلوغ النهاية لمكي بن أبي طالب. (سورة الأحزاب الآية: ٧٠)، تفسير البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي. (سورة الأحزاب الآية: ٧٠)، وأورده السيوطي في الدر المنثور (سورة الأحزاب: الآية: ٧٠) وقال: وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمةفي قوله ﴿وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠)﴾ [الأَحْزَاب: ٧٠] قال: قولوا لا إله إلا الله\".\n(^٣) تفسير مقاتل بن سليمان (سورة الأحزاب الآية: ٧٠).","vol":"1","page":142},{"text":"عدلًا؛ وهو: لا إله إلا الله\" (^١).\n- قال القشيري (ت: ٤٦٥ هـ) ﵀: \"القول السديد كلمةُ الإخلاص، وهي الشهادتان عن ضميرٍ صادق\" (^٢).\n- قال الواحدي (ت: ٤٦٨ هـ) ﵀: \"وقوله ﴿وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠)﴾ أي حقا وصوابا قيل هو لا إله إلا الله\" (^٣).\n- قال العز بن عبد السلام (ت: ٦٣٩ هـ) ﵀: \" ﴿سَدِيدًا (٧٠)﴾ عدلًا، أو صدقًا، أو صوبًا، أو قول لا إله إلا الله، أو يوافق باطنه ظاهره، أو ما أريد به وجه الله تعالى دون غيره\" (^٤).\n- قال محمد بن يعقوب الفيروزأبادي (ت: ٨١٧ هـ) ﵀: \"يعنى كلمة التوحيد\" (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-57>٥٤. ومما يدل على أهميته أن التوحيد أصل في إقامة الدين.</span>\nقال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا\n_________\n(^١) تفسير القرآن العزيز لابن أبي زمنين (سورة الأحزاب الآية: ٧٠) ٣/ ٤١٥.\n(^٢) تفسير لطائف الإشارات للقشيري (سورة الأحزاب الآية: ٧٠).\n(^٣) تفسير الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي. (سورة الأحزاب الآية: ٧٠).\n(^٤) تفسير العز بن عبد السلام (سورة الأحزاب الآية: ٧٠).\n(^٥) بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز ٤/ ٣٠٦.","vol":"1","page":143},{"text":"تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الرُّوم: ٣٠].\n- قال سعيد بن جبير (ت: ٩٥ هـ) ﵀: \"قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ﴾ أي: أخلص دينك لله\" (^١).\n- قال السدي (ت: ١٢٨) ﵀: \" ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ﴾، يعني: التوحيد\" (^٢).\n- قال يحيى بن سلام بن أبي ثعلبة، التيمي (ت: ٢٠٠ هـ) ﵀: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ﴾، يعني: التوحيد\" (^٣).\n- قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: \" ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ﴾،: يعني فأخلص دينك الإسلام لله ﷿ \" (^٤).\n- قال الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀: \"وإقامة الوجه: إقامة الدين\" (^٥).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"فإقامة وجهة الدين حنيفا عبادة الله\n_________\n(^١) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة الروم: الآية: ٣٠).\n(^٢) تفسير يحيى بن سلام. (سورة الروم: الآية: ٣٠).\n(^٣) تفسير يحيى بن سلام. (سورة الروم: الآية: ٣٠).\n(^٤) تفسير مقاتل بن سليمان. (سورة الروم: الآية: ٣٠).\n(^٥) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة الروم: الآية: ٣٠).","vol":"1","page":144},{"text":"وحده لا شريك له وذلك يجمع الإيمان بكل ما أمر الله به وأخبر به أن يكون الدين كله لله.\nثم قال الله تعالى ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ [الرُّوم: ٣١ - ٣٢]، وذلك أنه إذا كان الدين كله لله حصل الإيمان والطاعة لكل ما أنزله وأرسل به رسله وهذا يجمع كل حق ويجمع عليه كل حق، وإذا لم يكن كذلك فلا بد أن يكون لكل قول ما يمتازون به مثل معظم مطاع أو معبود لم يأمر الله بعبادته وطاعته ومثل قول ودين ابتدعوه لم يأذن الله به ولم يشرعه فيكون كل من الفريقين مشركا من هذا الوجه\" (^١).\n- قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: \"يقول تعالى: فسدد وجهك واستمر على الذي شرعه الله لك، من الحنيفية ملة إبراهيم، الذي هداك الله لها، وكملها لك غاية الكمال، وأنت مع ذلك لازم فطرتك السليمة، التي فطر الله الخلق عليها، فإنه تعالى فطر خلقه على معرفته وتوحيده، وأنه لا إله غيره\" (^٢).\n- قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: \"التوحيد فطرة الله التي فطر الناس عليها: قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الرُّوم: ٣٠]؛ \" ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ﴾؛ أي: انصبه ووجِّهه\n_________\n(^١) قاعدة في المحبة صـ ٤٤.\n(^٢) تفسير القرآن العظيم لابن كثير. (سورة الروم: الآية: ٣٠).","vol":"1","page":145},{"text":"﴿لِلدِّينِ﴾ الذي هو الإسلام والإيمان والإحسان؛ بأن تتوجَّه بقلبك وقصدك وبدنك إلى إقامة شرائع الدين الظاهرة؛ كالصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، ونحوها، وشرائعه الباطنة؛ كالمحبة، والخوف، والرجاء، والإنابة، والإحسان في الشرائع الظاهرة والباطنة، بأن تعبد الله فيها كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنَّه يراك، وخصَّ الله إقامة الوجه؛ لأن إقبال الوجه تبعٌ لإقبال القلب، ويترتَّب على الأمرين سعيُ البدن، ولهذا قال: ﴿حَنِيفًا﴾؛ أي: مُقْبِلًا على الله في ذلك، معرِضًا عمَّا سواه، وهذا الأمر الذي أمرناك به هو ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الرُّوم: ٣٠] ووضع في عقولهم حسنها، واستقباح غيرها. فإن جميع أحكام الشرع، الظاهرة والباطنة، قد وضع الله في قلوب الخلق كلهم الميلَ إليها، فوضع في قلوبهم محبة الحق وإيثار الحق، وهذه حقيقة الفِطَر، ومَن خرج عن هذا الأصل، فلِعارِضٍ عرض لفطرته أفسدها؛ كما قال النبي ﷺ: «كل مولود يُولَد على الفطرة، فأبواه يهوِّدانه أو ينصِّرانه أو يمجِّسانه». ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الرُّوم: ٣٠]؛ أي: لا أحد يبدِّل خلق الله، فيجعل المخلوق على غير الوضع الذي وضعه الله ﴿ذَلِكَ﴾ الذي أمرناك به ﴿الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾؛ أي: الطريق المستقيم الموصل إلى الله، وإلى دار كرامته، فإنَّ مَنْ أقام وجهه للدين حنيفًا فإنه سالك الصراط المستقيم في جميع شرائعه وطرقه؛ ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٧)﴾ [الأَعْرَاف: ١٨٧] فلا يتعرَّفون الدين القيم، وإن عرفوه لم يسلكوه\" (^١).\n_________\n(^١) \"تفسير السعدي\": (الروم: ٣٠).","vol":"1","page":146},{"text":"<span data-type='title' id=toc-58>٥٥. ومما يدل على أهميته أن التوحيد أعظم ما أمر الله به.</span>\nقال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [مُحَمَّد: ١٩].\nقال تعالى: ﴿* وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإِسْرَاء: ٢٣].\n- قال ابن أبي العز (ت: ٧٩٢ هـ) ﵀: \"اعلم أن التوحيد هو أول دعوة الرسل وأول منازل الطريق، وأول مقام يقوم فيه السالك إلى الله ﷿ … ولهذا كان الصحيح أن أول واجب يجب على المكلف شهادة أن لا إله إلا الله، لا النظر، ولا القصد إلى النظر، ولا الشك، فالتوحيد أول ما يدخل به في الإسلام، وآخر ما يخرج به من الدنيا، فهو أول واجب وآخر واجب\" (^١).\n- قال برهان الدين البقاعي (ت: ٨٨٥ هـ) ﵀: \"التوحيد أعظم المأمورات، وكان العصيان فيه أعظم العصيان\" (^٢).\n- قال محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي النجدي (ت ١٢٠٦ هـ) ﵀: \"أعظم ما أمر الله به التوحيد؛ وهو إفراد الله بالعبادة، وأعظم ما نهى عنه الشرك؛ وهو دعوة غيره معه، والدليل قوله تعالى: ﴿* وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النِّسَاء: ٣٦] \" (^٣).\n_________\n(^١) شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز ١/ ٢١ - ٢٣.\n(^٢) نظم الدرر في تناسب الآيات والسور ١١/ ١٧٥.\n(^٣) ثلاثة الأصول ص: ٨.","vol":"1","page":147},{"text":"- قال محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي النجدي (ت ١٢٠٦ هـ) ﵀: \"أهم ما فرض على العباد معرفة أن الله رب كل شيء؛ ومليكه؛ ومدبّره بإرادته\" (^١).\n- قال محمد بن صالح بن عثيمين (ت: ١٤٢١ هـ) ﵀ معلِّقًا على قول الشيخ ابن عبد الوهاب: \"وأعظم ما أمر الله به التوحيد: وإنما كان التوحيد أعظم ما أمر الله لأنه الأصل الذي ينبني عليه الدين كله، ولهذا بدأ به النبي ﷺ في الدعوة إلى الله، وأمر من أرسله للدعوة أن يبدأ به\" (^٢).\n- قال حافظ بن أحمد حكمي (ت: ١٣٧٧ هـ) ﵀: \"والمقصود أن الشرك أعظم ما نهى الله عنه كما أن التوحيد أعظم ما أمر الله به؛ ولهذا كان أول دعوة الرسل كلهم إلى توحيد الله ﷿ ونفي الشرك فلم يأمروا بشيء قبل التوحيد ولم ينهوا عن شيء قبل الشرك\" (^٣).\n- قال الشيخ عبد الرحمن بن قاسم (ت: ١٣٩٢ هـ) ﵀ في تعليقه على قوله تعالى ﴿* وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النِّسَاء: ٣٦]: \"وتسمى هذه الآية آية الحقوق العشرة. لأنها اشتملت على حقوق عشرة. أحدها الأمر بالتوحيد ثم عطف عليه التسعة الباقية وابتداؤه تعالى بالأمر بالتوحيد والنهي عن الشرك أدل دليل على أنه هو أهمها، فإنه لا يبدأ إلا بالأهم فالأهم، فدلت على أن التوحيد أوجب الواجبات، وأن ضده وهو الشرك أعظم المحرمات\" (^٤).\n_________\n(^١) مجموع الرسائل والمسائل النجدية ١/ ١٦.\n(^٢) شرح ثلاثة الأصول ص: ٤١.\n(^٣) كتاب معارج القبول بشرح سلم الوصول ٢/ ٤٨١.\n(^٤) حاشية الأصول الثلاثة ص: ٣٤.","vol":"1","page":148},{"text":"<span data-type='title' id=toc-59>٥٦. ومما يدل على أهميته أن ضد التوحيد الشرك وهو أعظم ما نهي الله عنه.</span>\nقال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾ [لُقْمَان: ١٣].\nوسُئِل النبي ﷺ: أيُّ الذنب أعظم عند الله؟ فقال ﷺ: «أن تجعل لله ندًّا، وهو خلقك» (^١).\nعن ابن مسعود، قال: قال رجل، يا رسول الله، أنؤاخذ بما عملنا في الجاهلية؟ قال: «من أحسن فى الإسلام، لم يؤاخذ بما عمل فى الجاهلية، ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر» (^٢).\n- قال علي بن خلف بن عبد الملك ابن بطال (ت ٤٤٩ هـ) ﵀: \"قال المهلب: وأما حديث ابن مسعود فمعناه: من أحسن في الإسلام بالتمادى عليه ومحافظته، والقيام بشروطه؛ لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية، وأجمعت الأمة أن الإسلام يجب ما قبله. وأما قوله: «من أساء في الإسلام» فمعناه: من أساء في عقد الإسلام والتوحيد، بالكفر بالله، فهذا يؤخذ بكل كفر سلف له في الجاهلية والإسلام، فعرضت هذا القول على بعض العلماء فأجازوه، وقالوا: لا معنى لحديث ابن مسعود غير هذا، ولا تكون هذه الإساءة إلا الكفر؛ لأجماع الأمة أن\n_________\n(^١) رواه البخاري: (٤٣٨٩/ كتاب تفسير القرآن/ باب: قوله: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الفُرْقَان: ٦٨].\n(^٢) رواه البخاري: (٦٩٢١)، ومسلم (١٢٠).","vol":"1","page":149},{"text":"المؤمنين لا يؤاخذون بما عملوا في الجاهلية\" (^١).\n- قال علي بن خلف بن عبد الملك ابن بطال (ت ٤٤٩ هـ) ﵀: \"لا إثم أعظم من إثم الإشراك بالله، ولا عقوبة أعظم من عقوبته في الدنيا والآخرة؛ لأن الخلود الأبدي في النار لا يكون في ذنب غير الشرك بالله تعالى ولا يحبط الإيمان غيره؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النِّسَاء: ٤٨] \" (^٢).\n- قال منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (ت ٤٨٩ هـ) ﵀ في التوحيد: \"من خالف أصله كان كافرا، وعلى المسلمين مفارقته والتبرء منه؛ وذلك لأن أدلة التوحيد كثيرة ظاهرة متواترة، قد طبقت العالم وعم وجودها في كل مصنوع، فلم يعذر أحد بالذهاب عنها\" (^٣).\n- قال سليمان بن عبد القوي بن عبد الكريم الطوفي الصرصري الحنبلي (ت ٧١٦ هـ) ﵀: \" ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)﴾ [يُوسُف: ١٠٦] يعني الكفار كانوا يؤمنون بالله أنه الخالق، ومع ذلك يشركون الأصنام في العبادة والإيمان وهو التصديق بالله ﷿ لا ينافي الشرك، إنما الذي ينافي الشرك هو التوحيد وهم كانوا يؤمنون بالله ﷿ وجودا وخلقا وغير ذلك،\n_________\n(^١) شرح صحيح البخاري لابن بطال ٨/ ٥٧٠.\n(^٢) شرح صحيح البخاري لابن بطال ٨/ ٥٦٩.\n(^٣) قواطع الأدلة: ٢/ ٣٠٨.","vol":"1","page":150},{"text":"ولكن لا يوحدونه عبادة\" (^١).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"فأعظم السيئات: جحود الخالق. والشرك به وطلب النفس أن تكون شريكة وندا له أو أن تكون إلها من دونه. وكلا هذين وقع فإن فرعون طلب أن يكون إلها معبودا دون الله تعالى. وقال ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القَصَص: ٣٨] وقال ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤)﴾ [النَّازِعَات: ٢٤] وقال لموسى ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشُّعَرَاء: ٢٩] و﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾ [الزُّخْرُف: ٥٤]. وإبليس يطلب: أن يعبد ويطاع من دون الله. فيريد: أن يعبد ويطاع هو ولا يعبد الله ولا يطاع. وهذا الذي في فرعون وإبليس هو غاية الظلم والجهل. وفي نفوس سائر الإنس والجن: شعبة من هذا وهذا\" (^٢).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"وأعظم الذنوب عند الله الشرك به وهو سبحانه لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء والشرك منه جليل ودقيق وخفي وجليكما في الحديث الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل فقال أبو بكر (ت: ١٣ هـ) ﵁ يا رسول الله إذا كان أخفى من دبيب النمل فكيف نصنع به؟ أو كما قال فقال: «ألا أعلمك كلمة إذا قلتها نجوت من قليله وكثيرة قل اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم وأستغفرك لما لا أعلم» \" (^٣).\n_________\n(^١) الإشارات الإلهية إلى المباحث الأصولية ص: ٣٥٢.\n(^٢) مجموع الفتاوى ١٤/ ٣٢٣.\n(^٣) قاعدة في المحبة صـ. ٦٨.","vol":"1","page":151},{"text":"<span data-type='title' id=toc-60>٥٧. ومما يدل على أهميته أن التوحيد يحسم مواد الشرك.</span>\n- قال شيخ الإسلام ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"وقد كان النبي، ﷺ، يحقق هذا التوحيد لأمته ويحسم عنهم مواد الشركإذ هذا تحقيق قولنا لا إله إلا الله فإن الإله هو الذي تألهه القلوب لكمال المحبة والتعظيم والإجلال والإكرام والرجاء والخوف\" (^١).\n- قال شيخ الإسلام ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"عليك بالعناية بهذه الآية فقد سدت أبواب الشرك في الربوبية والألوهية.\nقال تعالى ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٢٣)﴾ [سَبَإ: ٢٢ - ٢٣].\nأما قوله: ﴿لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢)﴾ [سَبَإ: ٢٢]. فهذا سد لباب الشرك في ربوبيته: بأن يجعل لغيره معه تدبيرًا ما فبين سبحانه أنهم:\n• لا يملكون ذرة استقلالا،\n• ولا يشركونه في شيء من ذلك.\n• ولا يعينونه على ملكه.\n_________\n(^١) مجموع. الفتاوى ١/ ١٣٦.","vol":"1","page":152},{"text":"ومن لم يكن مالكًا ولا شريكًا ولا عونًا، فقد انقطعت علاقته\nوقوله: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سَبَإ: ٢٣].\nفهدا سد لباب الشرك في الألوهية: بأن يدعى غيره دعاء عبادة، أو دعاء مسألة.\nإذ قد جعل الخير كله في أنا لا نعبد إلا إياه، ولا نسعتين إلا إياه.\nوعامة آيات القرآن تثبت هذا الأصل حتى إنه سبحانه قطع أثر الشفاعة بدون إذنه،\nكقوله سبحانه: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٥٥] وكقوله سبحانه: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾ [الأَنْعَام: ٥١]\nوقوله تعالى: \" ﴿وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾ [الأَنْعَام: ٧٠]\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا﴾ [الأَنْعَام: ٧١].\nوقوله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاؤُا لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأَنْعَام: ٩٤]\nوسورة الأنعام سورة عظيمة مشتملة على أصول الإيمان.","vol":"1","page":153},{"text":"وكذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ﴾ [السَّجْدَة: ٤] وقوله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزُّمَر: ٣] وقوله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ (٤٣) قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزُّمَر: ٤٣ - ٤٤].\nوسورة الزمر أصل عظيم في هذا. ومن هذا قوله سبحانه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْأخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١١) يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (١٢) يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَّفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ [الحَج: ١١ - ١٣].\nوكذلك قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٤١)﴾ [العَنكَبُوت: ٤١].\nوالقرآن عامته إنما هو في تقرير هذا الأصل العظيم الذي هو أصل الأصول. وهذا الذي ذكرناه كله من تحريم هذا الدعاء\" (^١).\n_________\n(^١) اقتضاء الصراط المستقيم ٢/ ٢٢٦ - ٢٢٧.","vol":"1","page":154},{"text":"<span data-type='title' id=toc-61>٥٨. ومما يدل على أهميته أن الله ﷿ قَضَى، وَوَصَّى، وحَكَم، وأمر بالتوحيد.</span>\nقال الله ﷾: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإِسْرَاء: ٢٣] فالله ﷿ قَضَى، وَوَصَّى، وحَكَم، وأمر بالتوحيد فقال: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ﴾ قضاءً دينيًا، وأمرًا شرعيًّا، ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا﴾ أحدًا: من أهل الأرض والسموات، الأحياء، والأموات، ﴿إِلَّا إِيَّاهُ﴾؛ لأنه الواحد الأحد، الفرد الصمد\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-62>٥٩. ومما يدل على أهميته أن التوحيد رأس المعروف.</span>\nقال تعالى: ﴿يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٧)﴾ [لُقْمَان: ١٧].\nوقد سُئِل النبي ﷺ: أي العمل أفضل؟ فقال ﷺ: «إيمان بالله ورسوله» (^٢).\nوسُئِل النبي ﷺ: أيُّ الذنب أعظم عند الله؟ فقال ﷺ: «أن تجعل لله ندًّا، وهو خلقك» (^٣).\n_________\n(^١) انظر: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، للطبري، ١٧/ ٤١٣، وتفسير القرآن العظيم، لابن كثير، ٣/ ٣٤، وتيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، ص ٤٠٧.\n(^٢) رواه البخاري: (٢٥/ كتاب الإيمان/ باب: من قال إن الإيمان هوالعمل).\n(^٣) رواه البخاري: (٤٣٨٩/ كتاب تفسير القرآن/ باب: قوله: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الفُرْقَان: ٦٨].","vol":"1","page":155},{"text":"- قال ابن عطية الأندلسي (ت: ٥٤٢ هـ) ﵀: \"قال بعض العلماء: \"المعروف\" التوحيد، والمنكر الكفر، والآية نزلت في الجهاد.\n- قال الفقيه القاضي: ولا محالة أن التوحيد والكفر هما رأس الأمرين، ولكن ما نزل عن قدر التوحيد والكفر، يدخل في الآية ولا بد، المفلحون الظافرون ببغيتهم، وهذا وعد كريم\" (^١).\n- قال عز الدين بن عبد السلام (ت: ٦٦٠ هـ) ﵀: \" فالأمر بالإيمان أفضل أنواع الأمر بالمعروف. وكذلك الأمر بالفرائض أفضل من الأمر بالنوافل، والأمر بإماطة الأذى عن الطريق من أدنى مراتب الأمر بالمعروف، قال ﷺ: «الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق» (\" (^٢).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"آصل الدين هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ورأس المعروف هو التوحيد ورأس المنكر هو الشرك\" (^٣).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"والمقصود أن الشرك لما كان أظلم الظلم، وأقبح القبائح، وأنكر المنكرات، كان أبغض الأشياء إلى الله وأكرهها له، وأشدها مقتا لديه، ورتب عليه من عقوبات الدنيا والآخرة ما لم يرتبه على ذنب سواه، وأخبر أنه لا يغفره، وأن أهله نجس، ومنعهم من قربان حرمه،\n_________\n(^١) تفسير ابن عطية (المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز) ١/ ٤٨٦.\n(^٢) قواعد الأحكام في مصالح الأنام ١/ ١٢٤.\n(^٣) مجموع الفتاوى (٢٧/ ٤٤٢).","vol":"1","page":156},{"text":"وحرم ذبائحهم ومناكحهم، وقطع الموالاة بينهم وبين المؤمنين، وجعلهم أعداء له سبحانه ولملائكته ورسله وللمؤمنين، وأباح لأهل التوحيد أموالهم ونساءهم وأبناءهم، وأن يتخذوهم عبيدا. وهذا لأن الشرك هضم لحق الربوبية، وتنقص لعظمة الإلهية، وسوء ظن برب العالمين، كما قال تعالى: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [الفَتْح: ٦].\nفلم يجمع على أحد من الوعيد والعقوبة ما جمع على أهل الإشراك؛ فإنهم ظنوا به ظن السوء حتى أشركوا به، ولو أحسنوا به الظن لوحدوه حق توحيده، ولهذا أخبر سبحانه عن المشركين أنهم ما قدروه حق قدره في ثلاثة مواضع من كتابه؛ وكيف يقدره حق قدره من جعل له عدلا وندا يحبه، ويخافه، ويرجوه، ويذل له، ويخضع له، ويهرب من سخطه، ويؤثر مرضاته؟\nقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البَقَرَةِ: ١٦٥]، وقال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١)﴾ [الأَنْعَام: ١]؛ أي يجعلون له عدلا في العبادة والمحبة والتعظيم\" (^١).\n- قال الشيخ: عبد اللطيف بن عبد الرحمن النجدي الحنبلي (ت: ١٢٩٣ هـ) ﵀: \"وإنما أُرْسِلت الرُّسل وأُنْزِلت الكتب للأمر بالمعروف الذي\n_________\n(^١) إغاثة اللهفان ١/ ١٠١ - ١٠٢.","vol":"1","page":157},{"text":"رأسه وأصله التوحيد، والنهي عن المنكر الذي رأسه وأصله الشرك\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-63>٦٠. ومما يدل على أهميته أن التوحيد هو الإكسير الأعظم.</span>\n- قال ابن رجب: \"التوحيد هو الإكسير الأعظم، فلو وضع ذرة منها على جبال الذنوب والخطايا، لقلبها حسنات، كما في \"المسند\" وغيره، عن أم هانئ، عن النبي ﷺ، قال: «لا إله إلا الله لا تترك ذنبا ولا يسبقها عمل» (^٢) \" (^٣).\nوفي المسند عن شداد بن أوس وعبادة بن الصامت ﵄؛ أن النبي ﷺ قال لأصحابه: «ارفعوا أيديكم وقولوا: لا إله إلا الله، فرفعنا أيدينا ساعة، فوضع رسول الله ﷺ يده وقال: «الحمد الله، اللهم بعثْتَني بهذه الكلمة، وأمرتني بها، ووعدتني الجَنَّة وإنك لا تخلف الميعاد»، ثم قال: «أبشروا؛ إن الله قد غفر لكم وهي أحسَن الحسنات، وهي تمحو الذنوب والخطايا» \" (^٤).\n- قال ابن تيمية: \"فإن الاعتقاد هو الكلمة التي يعتقدها المرء؛ وأطيب الكلام والعقائد: كلمة التوحيد واعتقاد أن لا إله إلا الله.\n_________\n(^١) مجموعة الرسائل والمسائل النجدية\" ص ٥٥٥، ٥٥٦.\n(^٢) مسند الإمام أحمد برقم (٢٦٣٢٤)، رواه ابن ماجه، (٢/ ١٢٤٨).\n(^٣) تفسير ابن رجب ١/ ٣٤٠\n(^٤) الترغيب والترهيب\"، (٢/ ٤١٥).","vol":"1","page":158},{"text":"وأخبث الكلام والعقائد: كلمة الشرك وهو اتخاذ إله مع الله. فإن ذلك باطل لا حقيقة له\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-64>٦١. ومما يدل على أهميته أن النعم داعية إلى التوحيد وذاك داع إلى شكرها.</span>\nقال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النَّحْل: ٥٣].\n- قال صالح الدمشقي (من القرن الثاني من الهجرة) ﵀، لا بنه: \"يا بني، إذا مرَّ بك يوم وليلة قد سلم فيهما دينك، وجسمك، ومالك، وعيالك فأكثِر الشكرللَّه تعالى\" (^٢).\n- وقال الحسن البصري (ت: ١١٠ هـ) ﵀: \"كلما شكرت نعمة؛ تجدد لك بالشكر أعظم منها\" (^٣).\n- وقال الجنيد (ت: ٢٩٨ هـ) ﵀: \"الشكر: أن لا يعصى الله ﷿ بنعمه\" (^٤).\n- قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: \"ذكرهم النعم، فقال سبحانه: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾، ليوحدوا رب هذه النعم، يعني بالنعم\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٤/ ٧٤.\n(^٢) سيرأعلا مالنبلا ء (٣/ ٢٢٢).\n(^٣) سراج الملوك ١/ ٢١٩.\n(^٤) سراج الملوك ١/ ٢١٨.","vol":"1","page":159},{"text":"الخير والعافية، ﴿ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ﴾، يعني الشدة، وهو الجوع، والبلاء، وهو قحط المطر بمكة سبع سنين، ﴿فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾، يعني تضرعون بالدعاء، لا تدعون غيره أن يكشف عنكم ما نزل بكم من البلاء والدعاء حين قالوا في حم الدخان: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٢)﴾ [الدُّخَان: ١٢]، يعني مصدقين بالتوحيد\" (^١).\n- قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: \"شكر العبد هو: إقراره بأن ذلك من الله دون غيره، وإقرار الحقيقة: الفعل، ويصدقه العمل، فأما الإقرار الذي يكذبه العمل، فإن صاحبه لا يستحق اسم الشاكر بالإطلاق، ولكنه يقال شكر باللسان، والدليل على صحة ذلك: قوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرا﴾ [سَبَإ: ١٣]، ومعلوم أنه لم يأمرهم، إذ قال لهم ذلك، بالإقرار بنعمه؛ لأنهم كانوا لا يجحدون أن يكون ذلك تفضلا منه عليهم، وإنما أمرهم بالشكر على نعمه بالطاعة له بالعمل، وكذلك قال ﷺ حين تفطرت قدماه في قيام الليل: «أفلا أكون عبدا شكورا» (^٢) \" (^٣).\n- قال أبو عبد الله الحسن بن الحسين الحليمي (ت: ٤٠٤ هـ) ﵀: \"فمعلوم أن النعم متفاوتة في مراتبها فأولاها بالشكر نعمة الله تعالى على العبد بالإيمان، والإرشاد إلى الحق، والتوفيق لقوله، لأنه هو الغرض الذي ليس بتابع\n_________\n(^١) تفسير مقاتل بن سليمان (سورة النحل: الآية: ٥٣).\n(^٢) أخرجه البخاري (٤٨٣٦)، ومسلم (٢٨١٩).\n(^٣) شرح صحيح البخارى لابن بطال (١٠/ ١٨٣، ١٨٤).","vol":"1","page":160},{"text":"لما سواه، وكل فرض سواه، فهو تابع له، فهو ممن جاء به، وثبت عليه شكره لفقره من النعم، والتيسير له نعمة عظيمة يقتضي الشكر لها بالإنهاء على المعاصي، وإتباع الإيمان حقوقه، لأن الإيمان بالله عهد بينه وبين العبد ولكل عهد وفاء. فالوفاء بالإيمان إتباعه ما بعده.\nفإن قيل: إلا قلتم إن أولي النعم أولاها بالشكر، هو الحياة ثم العقل والبيان.\nقيل: لأن هذه النعم كلها لتكون من المنعم عليه بها الإيمان، فصح إن أفضل النعم الإيمان، فمن شكر لله تعالى تيسيره للإيمان، فقد شكر عامة ما كان الإيمان به، فصارت هذه النعم التي ذكرتها ذا صلة في الشكر والله أعلم\" (^١).\n- قال ابن عطية (ت: ٥٤٢ هـ) ﵀: \"ومعنى الآية: التذكير بأن الإنسان في جليل أمره ودقيقه، إنما هو في نعمة الله وأفضاله، إيجاده داخل في ذلك فما بعده، ثم ذكر تعالى بأوقات المرض، لكون الإنسان الجاهل يحس فيها قدر الحاجة إلى لطف الله تعالى\" (^٢).\n- وقال فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀: \"والمعنى: أنه تعالى بين أن جميع النعم من الله تعالى، ثم إذا اتفق لأحد مضرة توجب زوال شيء من تلك النعم فإلى الله يجأر، أي لا يستغيث أحدا إلا الله تعالى لعلمه بأنه لا مفزع للخلق إلا هو، فكأنه تعالى قال لهم فأين أنتم عن هذه الطريقة في حال الرخاء\n_________\n(^١) المنهاج في شعب الإيمان للحليمي ٢/ ٥٥٤.\n(^٢) تفسير ابن عطية (سورة النحل: الآية: ٥٣).","vol":"1","page":161},{"text":"والسلامة؟ \" (^١).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀ شارحًا حديث: «سلوا الله العفو والعافية والمعافاة» (^٢). قال ﵀: \"وهذا السؤال متضمن للعفو عما مضى، والعافية في الحال، والمعافاة في المستقبل بدوام العافية واستمرارها\" (^٣).\nقال تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى (٥٥)﴾ [النَّجْم: ٥٥].\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"الْآلَاءُ: هِيَ النِّعَمُ؛ وَالنِّعَمُ كُلُّهَا مِنْ آيَاتِهِ الدَّالَّةِ عَلَى نَفْسِهِ الْمُقَدَّسَةِ وَوَحْدَانِيِّتِهِ\" (^٤).\nقال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (٧)﴾ [إِبْرَاهِيم: ٧].\nقال تعالى: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (١٤٧)﴾ [النِّسَاء: ١٤٧].\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"فَإِنَّ الْعَبْدَ يَدْعُوهُ إلَى عِبَادَةِ اللَّهِ\n_________\n(^١) تفسير الرازي (سورة النحل: الآية: ٥٣).\n(^٢) أخرجه الترمذي في سننه برقم: (٣٥١٤)، وصححه الألباني في صحيح الترمذي والسلسلة الصحيحة ٤/ ٢٩. وأورده الشوكاني في الفتح الرباني ١١/ ٥٥١٦ وقال: \"روي بأسانيد ورجال بعضها رجال الصحيح غير يزيد بن أبي زياد وهو حسن الحديث؛ وأخرجه أحمد (٥) و(١٧)، والنسائي في الكبرى (١٠٧١٧)، وابن ماجة (٣٨٤٩).\n(^٣) عدة الصابرين صـ ٢٧١.\n(^٤) مجموع الفتاوى ٨/ ٣١.","vol":"1","page":162},{"text":"دَاعِي الشُّكْرِ وَدَاعِي الْعِلْمِ، فَإِنَّهُ يَشْهَدُ نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَذَاكَ دَاعٍ إلَى شُكْرِهَا\" (^١).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"وشكر العامة؛ على المطعم والمشرب والملبس وقوت الأبدان، وشكر الخاصة؛ على التوحيد والإيمان وقوت القلوب\" (^٢).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"الشكر يكون بالقلب خضوعًا واستكانة، وباللسان ثناء واعترافًا، وبالجوارح طاعة وانقيادًا\" (^٣).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"إنعام الرب تعالى على عبده: فإحسان إليه، وتفضل عليه، ومجرد امتنان. لا لحاجة منه إليه، ولا لمعاوضة، ولا لاستعانة به، ولا ليتكثر به من قلة، ولا ليتعزز به من ذلة، ولا ليقوى به من ضعف. سبحانه وبحمده.\nوأمره له بالشكر أيضا: إنعام آخر عليه. وإحسان منه إليه. إذ منفعة الشكر ترجع إلى العبد دنيا وآخرة. لا إلى الله. والعبد هو الذي ينتفع بشكره. كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ [النَّمْل: ٤٠] فشكر العبد إحسان منه إلى نفسه دنيا وأخرى. فلا يذم ما أتى به من ذلك، وإن كان لا يحسن مقابلة المنعم به. ولا يستطيع شكره. فإنه إنما هو محسن إلى نفسه بالشكر. لا أنه مكافئ به لنعم الرب. فالرب تعالى لا يستطيع أحد أن يكافئ نعمه أبدا، ولا أقلها، ولا أدنى\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٨/ ٣١.\n(^٢) مدارج السالكين ٢/ ٢٣٥.\n(^٣) مدارج السالكين ٢/ ٢٣٧.","vol":"1","page":163},{"text":"نعمة من نعمه. فإنه تعالى هو المنعم المتفضل، الخالق للشكر والشاكر، وما يشكر عليه. فلا يستطيع أحد أن يحصي ثناء عليه. فإنه هو المحسن إلى عبده بنعمه، وأحسن إليه بأن أوزعه شكرها. فشكره نعمة من الله أنعم بها عليه. تحتاج إلى شكر آخر. وهلم جرا\" (^١).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"نجاسة الزنا واللواط أغلظ من غيرهما من النجاسات، من جهة أنها تفسد القلب، وتضعف توحيده جدا، ولهذا أحظى الناس بهذه النجاسة أكثرهم شركا؛ فكلما كان الشرك في العبد أغلب كانت هذه النجاسة والخبائث فيه أكثر، وكلما كان أعظم إخلاصا كان منها أبعد، كما قال تعالى عن يوسف الصديق: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤)﴾ [يُوسُف: ٢٤] \" (^٢).\n- قال ابن رجب (ت: ٧٩٥ هـ) ﵀: \"قال بعض السلف: \"الشكر أن لا يُستعان بشيءٍ من النعَم على معصيته\" (^٣).\n- قال ابن رجب (ت: ٧٩٥ هـ) ﵀: \"الشكر على درجتين:\nإحداهما: واجب، وهو أن يأتي بالواجبات، ويتجنب المحرمات، فهذا لا بد منه، ويكفي في شكر هذه النعم ....\nومن هنا قال بعض السلف: \"الشكر: ترك المعاصي\".\n_________\n(^١) مدارج السالكين ٢/ ٢٤١ - ٢٤٢.\n(^٢) إغاثة اللهفان ١/ ١٠٦.\n(^٣) جامع العلوم والحكم (٢٤٥).","vol":"1","page":164},{"text":"وقال بعضهم: \"الشكر أن لا يستعان بشيء من النعم على معصيته\".\nوذكر أبو حازم الزاهد شكر الجوارح كلها: \"أن تكف عن المعاصي، وتستعمل في الطاعات\"، ثم قال: \"وأما من شكر بلسانه ولم يشكر بجميع أعضائه: فمثله كمثل رجل له كساء فأخذ بطرفه، فلم يلبسه، فلم ينفعه ذلك من البرد، والحر، والثلج، والمطر\".\nالدرجة الثانية من الشكر: الشكر المستحب، وهو أن يعمل العبد بعد أداء الفرائض، واجتناب المحارم: بنوافل الطاعات، وهذه درجة السابقين المقربين\" (^١).\n- وقال برهان الدين البقاعي (ت: ٨٨٥ هـ) ﵀: \"فكل عطاء الله فضل، فإنه لا واجب عليه، فكان لذلك واجبا على كل أحد إخلاص التوحيد له شكرا على فضله لما تظافر عليه دليلا العقل والنقل من أن شكر المنعم واجب\" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-65>٦٢. ومما يدل على أهميته أن التوحيد يعزز مكارم الأخلاق.</span>\nعن أبي هريرة (ت: ٥٨ هـ) ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيرًا أو ليصمُتْ، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليُكرِمْ جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه».\n_________\n(^١) جامع العلوم والحكم (ص ٢٤٥، ٢٤٦).\n(^٢) نظم الدرر في تناسب الآيات والسور ١٥/ ٨٦.","vol":"1","page":165},{"text":"وفي رواية: «فلا يؤذِ جاره»، وللبخاري: «فليصِلْ رحمه» (^١).\n\"وهذا الحديث عظيم تتفرع منه آداب الخير، وقيل فيه: إنه نصف الإسلام؛ لأن الأحكام تتعلق بالحق، أو الخلق، وهذا أفاد الثاني\" (^٢).\n- قال ابن حجر (ت: ٨٥٢ هـ) ﵀: \"وقوله: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر» المراد بقوله: «يؤمن» الإيمان الكامل، وخصه بالله واليوم الآخر إشارة إلى المبدأ أو المعاد؛ أي: من آمن بالله الذي خلَقه، وآمن بأنه سيجازيه بعمله، فليفعل الخصال المذكورات\" (^٣).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"فالذي شرعه الله ورسوله توحيد وعدل وإحسان وإخلاص وصلاح للعباد في المعاش والمعاد، وما لم يشرعه الله ورسوله من العبادات المبتدعة فيه شرك وظلم وإساءة وفساد العباد في المعاش والمعاد. فإن الله تعالى أمر المؤمنين بعبادته والإحسان إلى عباده كما\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، حديث (٤٧)، وأخرجه البخاري في \"كتاب الأدب\" \"باب من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذِ جاره\" حديث (٦٠١٨)، وأخرجه ابن ماجه في \"كتاب الفتن\" \"باب كف اللسان في الفتنة\" حديث (٣٩٧١).\nوحديث أبي شريح أخرجه مسلم، حديث (٤٨)، وأخرجه البخاري في نفس الباب السابق حديث (٦٠١٩)، وأخرجه أبو داود في \"كتاب الأطعمة\" \"باب ما جاء في الضيافة\" حديث (٣٧٤٨)، وأخرجه الترمذي في \"كتاب البر والصلة\" \"باب ما جاء في الضيافة كم هو\" حديث (١٩٦٧)، وأخرجه ابن ماجه في \"كتاب الأدب\" \"باب حق الجوار\" حديث (٣٦٧٢).\n(^٢) الجواهر اللؤلؤية شرح الأربعين النووية (١٤٩).\n(^٣) فتح الباري (١٠/ ٤٦٠ ح ٦٠١٩).","vol":"1","page":166},{"text":"قال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (٣٦)﴾ [النِّسَاء: ٣٦]، وهذا أمر بمعالي الأخلاق وهو سبحانه يحب معالي الأخلاق ويكره سفسافها. وقد روي عنه ﷺ أنه قال: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» رواه الحاكم في صحيحه\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-66>٦٣. ومما يدل على أهميته أن بالتوحيد تحرم الدماء والأعراض ويدخل المرء الإسلام.</span>\n- عن ابن عمر (ت: ٧٣ هـ) ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقالإسلام، وحسابهم على الله» (^٢).\n- قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي (ت: ١٣٩٣ هـ) ﵀: \"دين الإسلام يحكم بشهادة أنلا إله إلا الله في الظاهر، فالله -جل وعلا- يقبل من المنافقين كلمة (لا إله إلا الله) ظاهرا، كما أرادوا أن يخدعوه فهو يخدعهم حيث يقبلها\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١/ ١٩٥ ..\n(^٢) رواه البخاري (٢٥) ومسلم (٢٢).","vol":"1","page":167},{"text":"منهم ظاهرا في الدنيا، وهو يعد لهم في الآخرة الدرك الأسفل من النار، كما في قوله: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النِّسَاء: ١٤٢] \" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-67>٦٤. ومما يدل على أهميته أن التوحيد سبب النجاة.</span>\n- عن أبي هريرة (ت: ٥٨ هـ) ﵁ قال قال رسول الله ﷺ: «مَنْ قال: لا إلهَ إلا اللهُ؛ نَفَعتْه يومًا من دهرِه، يُصيبُه قبلَ ذلكَ ما أصابَه» (^٢).\n- قال ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩ هـ) ﵀: \" ﴿مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ﴾ [غَافِر: ٤١]: إلى الإيمان بالله ﴿وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (٤١)﴾ [غَافِر: ٤١]: إلى الكفر الذي يدخل به صاحبه النار\" (^٣).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"وإنما ضمنت النجاة لمن حكم هدى الله تعالى على غيره، وتزود التقوى، وأتم بالدليل وسلك الصراط المستقيم، واستمسك من التوحيد واتباع الرسول ﷺ بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها، والله سميع عليم\" (^٤).\n- وأوصى ابنُ قُدامَة (ت: ٦٢٠ هـ) ﵀ أحد إخوانه: \"واعلم أنّ مَنْ هوَ\n_________\n(^١) العذب المنير من مجالس الشنقيطي في التفسير ١/ ٢٨٨.\n(^٢) أخرجه البزار (٨٢٩٢)، والطبراني في «المعجم الأوسط» (٦٣٩٦) واللفظ لهما، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (٧/ ١٢٦)، وصححه الألباني. في صحيح الترغيب برقم: (١٥٢٥).\n(^٣) تفسير القرآن العزيز لابن أبي زمنين ٤/ ١٣٥.\n(^٤) اجتماع الجيوش الإسلامية ١/ ٨٣.","vol":"1","page":168},{"text":"في البَحرِ على اللوحِ، ليسَ بأحوَجَ إلى اللهِ وإلى لُطفه ممن هوَ في بيتِه بينَ أهلِه ومالِه، فإذا حققتَ هذا في قَلبِك فاعتمد على الله اعتمادَ الغريقِ الذي لا يعلمُ له سبب نجاةٍ غير الله! \" (^١).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"والقرآن كله مملوء من تحقيق هذا التوحيد والدعوة إليه، وتعليق النجاة والفلاح، واقتضاء السعادة في الآخرة به\" (^٢).\n- قال محمد بن يعقوب الفيروزأبادي (ت: ٨١٧ هـ) ﵀: \"والتوحيد الحقيقى الذى هو سبب النجاة ومادة السعادة في الدار الآخرة ما بينه الله تعالى وهدانا في كتابه العزيز بقوله: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)﴾ [ال عِمْرَان: ١٨] \" (^٣).\n- قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: \"التوحيد جعله الله موصلا إلى كل خير دافعا لكل شر ديني ودنيوي، وجعل الشرك به والكفر سببا للعقوبات الدينية والدنيوية، ولهذا إذا ذكر تعالى قصص الرسل مع أمم المطيعين والعاصين، وأخبر عن عقوبات العاصين ونجاة الرسل ومن تبعهم، قال عقب كل قصة: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ [البَقَرَةِ: ٢٤٨]، أي: لعبرة يعتبر بها المعتبرون فيعلمون أن توحيده هو الموجب للنجاة، وتركه هو الموجب للهلاك\" (^٤).\n_________\n(^١) الوصية المُباركة ص ٧٧.\n(^٢) منهاج السنة ٥/ ٣٤٧.\n(^٣) بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز ٥/ ١٧١.\n(^٤) تفسير ابن سعدي (سورة آل عمران الآية: ١٨).","vol":"1","page":169},{"text":"- قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي (ت: ١٣٩٣ هـ) ﵀: \"لم يضمن الله لأحد ألا يكون ضالا في الدنيا ولا شقيا في الآخرة إلا لمتبعي الوحي وحده. قال تعالى في طه: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣)﴾ [طه: ١٢٣] وقد دلت آية طه هذه على انتفاء الضلال والشقاوة عن متبعي الوحي. ودلت آية البقرة على انتفاء الخوف والحزن عنه، وذلك في قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣)﴾ [طه: ١٢٣] \" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-68>٦٥. ومما يدل على أهميته أن التوحيد يعين صاحبه على حسن الخاتمة.</span>\nفالإنسان في حالة وفاته يرى عليه أحيانا أشياء تدل على حسن خاتمته، من أفضل ما يدل على ذلك قول: لا إله إلا الله عند وفاته.\n- عن معاذ بن جبل (ت: ١٨ هـ) ﵁ قال: قال النبي ﵌: «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة» (^٢)، فهذه من علامات حسن الخاتمة.\n- عن حذيفة (ت: ٣٦ هـ) ﵁، أن النبي ﷺ قال: «من قال: لا إله إلا الله ابتغاء وجه الله، ختم له بها، دخل الجنة» (^٣)، أي: ختم الله له بهذه الكلمة فيدخل الجنة بسببها.\n_________\n(^١) أضواء البيان ٧/ ٣٠٢.\n(^٢) رواه أحمد (٢١٥٢٩) وأبو داود (٣١١٦) وحسنه الألباني في \"إرواء الغليل\" (٦٨٧).\n(^٣) أخرجه أحمد (٥/ ٣٩١)، وإسناده صحيح، قال المنذري (٢/ ٦١) \"لا بأس به\" ..","vol":"1","page":170},{"text":"- قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: \"يقول تعالى ذكره: ولقد أهلكنا الأمم التي كذبت رسل الله من قبلكم أيها المشركون بربهم، ﴿لَمَّا ظَلَمُوا﴾ [يُونُس: ١٣] يقول: لما أشركوا وخالفوا أمر الله ونهيه، ﴿وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ﴾ [يُونُس: ١٣] من عند الله، ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [يُونُس: ١٣]، وهي الآيات والحجج التي تُبين عن صِدْق من جاء بها. ومعنى الكلام: وجاءتهم رسلهم بالآيات البينات أنها حق، ﴿وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ [يُونُس: ١٣] يقول: فلم تكن هذه الأمم التي أهلكناها ليؤمنوا برسلهم ويصدِّقوهم إلى ما دعوهم إليه من توحيد الله وإخلاص العبادة له، ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (١٣)﴾ [يُونُس: ١٣]، يقول تعالى ذكره: كما أهلكنا هذه القرون من قبلكم، أيها المشركون، بظلمهم أنفسَهم، وتكذيبهم رسلهم، وردِّهم نصيحتَهم، كذلك أفعل بكم فأهلككم كما أهلكتهم بتكذيبكم رسولكم محمدًا ﷺ، وظلمكم أنفسكم بشرككم بربكم، إن أنتم لم تُنيبوا وتتوبوا إلى الله من شرككم فإن من ثواب الكافر بي على كفره عندي، أن أهلكه بسَخَطي في الدنيا، وأوردُه النار في الآخرة\" (^١).\n- قال الحافظ الإشبيلي (ت: ٥٨١ هـ) ﵀: \"إنّ سوء الخاتمة لا يكون لمن استقام ظاهره وصلُح باطنُه، ما سُمع بهذا قطُّ ولا عُلم به والحمد للهوإنما يكون لمن كان له فسادٌ في العقل أو إصرار على الكبائر وإقدام على العظائم أو لمن كان مستقيما ثم تغيّرت حاله وخرج عن سُننه وأخذ في غير طريقه\" (^٢).\n_________\n(^١) تفسير الطبري (سورة يونس الآية: ١٣).\n(^٢) الاعتصام ١/ ٢٢٤.","vol":"1","page":171},{"text":"- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"من أعظم الفقه أن يخاف الرجل أن تخذله ذنوبه عند الموت فتحول بينه وبين الخاتمة الحسنة\" (^١).\nومن أعظم صور سوء الخاتمة ما حل بالمكذبين بتوحيد الله قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (١٣)﴾ [يُونُس: ١٣].\n\n<span data-type='title' id=toc-69>٦٦. ومما يدل على أهميته أن التوحيد زينة لصاحبه.</span>\nقال تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَ﴾ [الأَنفَال: ٢]\n- قال الإمام أبو عبد الله الحسن بن الحسين الحليمي (ت: ٤٠٤ هـ) ﵀: \"العبد كلما ازداد تأملًا للآيات؛ زادته هداية ودلالة، تقرَّبت بصيرته، وخلصت من الخواطر والهواجس عقيدته\" (^٢).\n- قال ابن الجوزي (ت: ٥٩٧ هـ) ﵀: \"فمن أصلح سريرته فاح عبير فضله، وعبقت القلوب بنشر طيبه؛ فالله الله في إصلاح السرائر فإنه ما ينفع مع فسادها صلاح الظاهر\" (^٣).\nقال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ\n_________\n(^١) الداء والدواء ص: ٣٩٠.\n(^٢) المنهاج في شعب الإيمان ٢/ ٥٥١.\n(^٣) صيد الخاطر ص: ٢٨٧.","vol":"1","page":172},{"text":"وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَة وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٨)﴾ [الحُجُرَات: ٧ - ٨].\n- قال الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀: \" ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ﴾ فجعله أحب الأديان إليكم، ﴿وَزَيَّنَهُ﴾ حسنه، ﴿فِي قُلُوبِكُمْ﴾ حتى اخترتموه، وتطيعون رسول الله ﷺ ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ﴾.\n- قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ): يريد الكذب ﴿وَالْعِصْيَانَ﴾ جميع معاصي الله. ثم عاد من الخطاب إلى الخبر، وقال: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ المهتدون\" (^١).\n- قال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ) ﵀: \"هذا خطاب للمؤمنين المخلصين الذين لا يكذبون النبي ﷺ ولا يخبرون بالباطل، أي: جعل الإيمان أحب الأديان إليكم. وزينه بتوفيقه. في قلوبكم أي: حسنه إليكم حتى اخترتموه\" (^٢).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"وَهَذَا الْحسن وَالْجمال الَّذِي يكون عَنْ الْأَعْمَال الصَّالِحَة فِي الْقلب يسري إِلَى الْوَجْه، والقبح والشين الَّذِي يكون عَنْ الْأَعْمَال الْفَاسِدَة فِي الْقلب يسري إِلَى الْوَجْه كَمَا تقدم، ثمَّ إِنْ ذَلِك يقوى بِقُوَّة الْأَعْمَال الصَّالِحَة والأعمال الْفَاسِدَة، فَكلما كثر الْبر وَالتَّقوى قوى الْحسن وَالْجمال وَكلما قوى الْإِثْم والعدوان قوى الْقبْح والشين، حَتَّى ينْسَخ ذَلِك مَا\n_________\n(^١) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة الحجرات الآية: ٧).\n(^٢) تفسير القرطبي (سورة الحجرات الآية: ٧).","vol":"1","page":173},{"text":"كَانَ للصورة من حسن وقبح، فكم مِمَّنْ لم تكن صورته حَسَنَة وَلَكِن من الْأَعْمَال الصَّالِحَة مَا عظم بِهِ جماله وبهاؤه حَتَّى ظهر ذَلِك على صورته، وَلِهَذَا ظهر ذَلِك ظهورا بَينا عِنْد الْإِصْرَار على القبائح فِي آخر الْعُمر عِنْد قرب الْمَوْت فنرى وُجُوه أهل السّنة وَالطَّاعَة كلما كبروا ازْدَادَ حسنها وبهاؤها حَتَّى يكون أحدهم فِي كبره أحسن واجمل مِنْهُ فِي صغره، ونجد وُجُوه أهل الْبِدْعَة وَالْمَعْصِيَة كلما كبروا عظم قبحها وشينها حَتَّى لَا يَسْتَطِيع النّظر إِلَيْهَا من كَانَ منبهرا بهَا فِي حَال الصغر لجمال صورتهَا، وَهَذَا ظَاهر لكل اُحْدُ فِيمَن يعظم بدعته وفجوره مثل الرافضة وَأهل الْمَظَالِم وَالْفَوَاحِش من التّرْك وَنَحْوهم، فَإِنْ الرافضي كلما كبر قبح وَجهه وَعظم شينه حَتَّى يقوى شبهه بالخنزير وَرُبمَا مسخ خنزيرا وقردا كَمَا قد تَوَاتر ذَلِك عَنْهُ\" (^١).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: قال بعض السلف: \"قوة المؤمن في قلبه، وضعفه في جسده، وقوة المنافق في جسمه، وضعفه في قلبه\" (^٢).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"الجمال الذي للخُلُق، من العلم والإيمان والتقوى أعظم من الجمال الذي للخَلْق، وهو الصورة الظاهرة\" (^٣).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"خير الْقُلُوب مَا كَانَ واعيا للخير\n_________\n(^١) الاستقامة ١/ ٣٦٥.\n(^٢) مجموع الفتاوى ٢/ ٣٩٤.\n(^٣) الاستقامة، لابن تيمية ١/ ٤٤١.","vol":"1","page":174},{"text":"ضابطا لَهُ. وَلَيْسَ كالقلب القاسي الَّذِي لا يقبله\" (^١).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"ومما يدل على أن الجمال الباطن أحسن من الظاهر أن القلوب لا تنفك عن تعظيم صاحبه ومحبته والميل إليه\" (^٢).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"الذِكر نورٌ للذاكر في الدنيا، ونورٌ له في قبره، ونورٌ له في معاده يسعى بين يديه على الصراط، فما استنارت القلوب والقبور بمثل ذكر الله، قال الله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأَنْعَام: ١٢٢] \" (^٣).\n- قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: \"والله تعالى يحبب إليكم الإيمان، ويزينه في قلوبكم، بما أودع الله في قلوبكم من محبة الحق وإيثاره، وبما ينصب على الحق من الشواهد، والأدلة الدالة على صحته، وقبول القلوب والفطر له، وبما يفعله تعالى بكم، من توفيقه للإنابة إليه\" (^٤).\n- قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي (ت: ١٣٩٣ هـ) ﵀: \"ويهمنا هنا: أنه لا يتم تحقيق الإيمان وحبه في القلب حتى يخلو القلب من شوائب الكفر؛ لأن الكفر والإيمان لا يجتمعان أبدا\" (^٥).\n_________\n(^١) مفتاح دار السعادة ١/ ١٢٤.\n(^٢) روضة المحبين ١/ ٢٢٠.\n(^٣) الوابل الصيب ص ٧٢.\n(^٤) تفسير ابن سعدي (سورة الحجرات الآية: ٧).\n(^٥) تفسير أضواء البيان (سورة الحجرات الآية: ٧).","vol":"1","page":175},{"text":"- قال الشيخ أبو بكر الجزائري (ت: ١٤٣٩ هـ) ﵀: \"من أكبر النعم على المؤمنين تحبيب الله تعالى الإيمان إليه وتزيينه في قلبه، وتكريه الكفر إليه والفسوق والعصيان وبذلك أصبح المؤمن أرشد الخلق بعد أصحاب رسول الله ﷺ \" (^١).\nوفي الحديث صلَّى عمَّارُ بنُ ياسرٍ بالقومِ صلاةً أخفَّها، فَكأنَّهم أنْكروها! فقالَ: ألم أُتمَّ الرُّكوعَ والسُّجودَ؟ قالوا: بلى، قالَ أمَّا أنِّي دعوتُ فيها بدعاءٍ كانَ النَّبيُّ ﷺ يدعو بِهِ «اللَّهمَّ بعِلمِكَ الغيبَ وقدرتِكَ على الخلقِ أحيني ما علمتَ الحياةَ خيرًا لي وتوفَّني إذا علمتَ الوفاةَ خيرًا لي، وأسألُكَ خشيتَكَ في الغيبِ والشَّهادةِ، وَكلمةَ الإخلاصِ في الرِّضا والغضبِ، وأسألُكَ نعيمًا لَا ينفدُ، وقرَّةَ عينٍ لَا تنقطعُ، وأسألُكَ الرِّضاءَ بالقضاءِ، وبردَ العيشِ بعدَ الموتِ، ولذَّةَ النَّظرِ إلى وجْهِكَ، والشَّوقَ إلى لقائِكَ، وأعوذُ بِكَ من ضرَّاءٍ مُضرَّةٍ وفتنةٍ مضلَّةٍ؛ اللَّهمَّ زيِّنَّا بزينةِ الإيمانِ واجعَلنا هداةً مُهتدين» (^٢).\n- قال عبد الله بن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄ في بيان معانٍ من هذه الزينة: \"إن للحسنة ضياءً في الوجه، ونورًا في القلب، وسعة في الرزق، وقوة في البدن، ومحبة في قلوب الخلق\" (^٣).\n_________\n(^١) أيسر التفاسير (سورة الحجرات الآية: ٧).\n(^٢) أخرجه النسائي (١٣٠٥)، وأحمد (١٨٣٥١) باختلاف يسير.\n(^٣) روضة المحبين لابن القيم ص: ٤٤١. ونسبه ابن القيم في روضة المحبين ص ٤٤١ لأنس بن مالك، وابن عباس ﵃\nوجاء مسندًا عند ابن أبي شيبة في المصنف ٧/ ١٨٧ عن الحسن البصري، وفي حلية الأولياء ٦/ ٢٨٧ عن مالك بن دينار ﵏","vol":"1","page":176},{"text":"- قال بعض الحكماء: \"ينبغي للعبد أن ينظر كل يوم في المرآة، فإن رأى صورته حسنة؛ لم يشنها بقبيح فعله، وإن رآها قبيحة؛ لم يجمع بين قبح الصورة، وقبح الفعل\" (^١).\n- قال الإمام ابن رجب الحنبلي (ت: ٧٩٥ هـ) ﵀ في شرح حديث النبي ﷺ: «اللهم زينا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهديين»: \"أما زينة الإيمان؛ فالإيمان قول وعمل ونية؛ فزينة الإيمان تشمل زينة القلب بتحقيق الإيمان له، وزينة اللسان بأقوال الإيمان، وزينة الجوارح بأعمال الإيمان\" (^٢).\nفللإيمان زينة جميلة لصاحبه في الدنيا والآخرة، ولن يبدو صاحبه جميلًا بدونه، وهذه الزينة يهبها الله تعالى لمن يشاء من عباده، ويضاعفها عليهم، ويقذفها في قلوبهم.\nوالزينة زينتان: زينة البدن وزينة القلب \"وهي أعظمها\"، وإذا حصلتْ فيرد به مَنْ يعاملهم مِنْ الناس، فيعظم ما عظَّمه الله ومَن يعظمه الله، ويحقِّر ما حقره الله ومَن حقره الله.\nفمن زينة الإيمان ما يجعله الله ﷿ في القلب، وهي البصيرة التي يلقيها الله ﷿ في قلب العبد حتى يبصر حقائق الوجود، ويعرف ما تئول إليه هذه الحياة ويتعظ بمن مضى، ويتذكر ما هو مقبل عليه من الآخرة.\n_________\n(^١) روضة المحبين لابن القيم ص: ٤٤١. ونسبه ابن القيم في روضة المحبين ص ٤٤١ لأنس بن مالك، وابن عباس ﵃\nوجاء مسندًا عند ابن أبي شيبة في المصنف ٧/ ١٨٧ عن الحسن البصري، وفي حلية الأولياء ٦/ ٢٨٧ عن مالك بن دينار ﵏\n(^٢) شرح حديث عمار بن ياسر ص ٤٨.","vol":"1","page":177},{"text":"<span data-type='title' id=toc-70>٦٧. ومما يدل على أهميته أن التوحيد شرط لقبول العمل.</span>\nقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكَهْف: ١١٠].\n- عن عبد الله بن عمرو بن العاص (ت: ٦٥ هـ) ﵄ قال: إن الرجل إذا قال: لا إله إلا الله، فهي كلمة الإخلاص التى لا يقبل الله من أحد عملا حتى يقولها، فإذا قال: الحمد لله، فهى كلمة الشكر التى لم يشكر الله أحد حتى يقولها، فإذا قال: الله أكبر فهى كلمة تملأ ما بين السماء والأرض، فإذا قال: سبحان الله فهى صلاة الخلائق التي لم يدع الله أحدا حتى قرره بالصلاة والتسبيح، وإذا قال: لا حول ولا قوة إلا بالله. قال: استسلم عبدى\" (^١).\n- قال أبو محمد عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي (ت: ١٩٤ هـ) ﵀: \"لا يقبل الله من الأعمال إلا ما كان صوابًا، ومن صوابها إلا ما كان خالصًا، ومن خالصها إلا ما وافق السنة\" (^٢).\n- قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: \"يقول تعالى ذكره: قل لهؤلاء المشركين يا محمد: إنما أنا بشر مثلكم من بني آدم لا علم لي إلا ما علمني الله وإن الله يوحي إليّ أن معبودكم الذي يجب عليكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، معبود واحد لا ثاني له، ولا شريك ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ﴾\n_________\n(^١) شرح صحيح البخاري لابن بطال ١٠/ ١٣٩ - ١٤٠ ..\n(^٢) الاعتصام للشاطبي ١/ ٦٦.","vol":"1","page":178},{"text":"يقول: فمن يخاف ربه يوم لقائه، ويراقبه على معاصيه، ويرجو ثوابه على طاعته ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ يقول: فليخلص له العبادة، وليفرد له الربوبية\" (^١).\n- قال أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، (ت ٤٢٧ هـ) ﵀ عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فَاطِر: ١٠]: \"العمل الصالح هو الخالص، يعني أن الإخلاص سبب قبول الخيرات من الأقوال والأعمال، دليله قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الكَهْف: ١١٠]، أي: خالصا، ثم قال: ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكَهْف: ١١٠] فجعل نقيض الصالح الشرك والرياء، وقال قوم: هذه الكناية راجعة إلى العمل، يعني أن الكلم الطيب يرفع العمل، فلا يرفع ولا يقبل عمل إلا أن يكون صادرا عن التوحيد\" (^٢).\n- قال علي بن خلف بن عبد الملك ابن بطال (ت ٤٤٩ هـ) ﵀: \"الرياء ينقسم قسمين: فإن كان الرياء فى عقد الإيمان فهو كفر ونفاق، وصاحبه فى الدرك الأسفل من النار. وإن كان الرياء لمن سلم له عقد الإيمان من الشرك، ولحقه شئ من الرياء في بعض أعماله، فليس ذلك بمخرج من الإيمان إلا أنه مذموم فاعله، لأنه أشرك في بعض أعماله حمد المخلوقين مع حمد ربه، فحرم ثواب عمله ذلك\" (^٣).\n- قال علي بن خلف بن عبد الملك ابن بطال (ت ٤٤٩ هـ) ﵀: \"قال\n_________\n(^١) تفسير الطبري (سورة الكهف: الآية: ١١٠).\n(^٢) تفسير الكشف والبيان عن تفسير القرآن للثعلبي (سورة فاطر: الآية: ١٠).\n(^٣) شرح صحيح البخاري لابن بطال ١/ ١١٣.","vol":"1","page":179},{"text":"بعض السلف في قوله تعالى: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (٤٧)﴾ [الزُّمَر: ٤٧] قال: أعمال كانوا يحسبونها حسنات بدت لهم سيئات، وإنما لحقهم ذلك لعدم المراعاة وقلة الإخلاص، أو لتعديهم السنة وركوبهم بالتأويل وجوه الفتنة\" (^١)\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"فإن الله جعل الإخلاص والمتابعة سَبَبَا لقبول الأعمال، فإذا فقدا لم تُقبل الأعمال\" (^٢).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \" وقوله: «فإن الله لا يقبل من العباد إلا ما كان له خالصا». والأعمال أربعة: واحد مقبول، وثلاثة مردودة. فالمقبول ما كان لله خالصا وللسنة موافقا، والمردود ما فقد منه الوصفان أو أحدهما. وذلك أن العمل المقبول هو ما أحبه الله ورضيه، وهو سبحانه إنما يحب ما أمر به وما عمل لوجهه. وما عدا ذلك من الأعمال فإنه لا يحبها، بل يمقتها ويمقت أهلها.\n- قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [المُلْك: ٢]. قال الفضيل بن عياض: هو أخلص العمل وأصوبه. فسئل عن معنى ذلك، فقال: إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل، حتى يكون خالصا صوابا. فالخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة. ثم قرأ قوله: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا\n_________\n(^١) شرح صحيح البخاري لابن بطال ١/ ١١٠.\n(^٢) الروح (ص ١٣٥).","vol":"1","page":180},{"text":"صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكَهْف: ١١٠] \" (^١).\nفإن قيل: فقد بان بهذا أن العمل لغير الله مردود غير مقبول، والعمل للهوحده مقبول. فبقي قسم آخر، وهو أن يعمل العمل لله ولغيره، فلا يكون لله محضا ولا للناس محضا، فما حكم هذا القسم؟ هل يبطل العمل كله أم يبطل ما كان لغير الله، ويصح ما كان لله؟\nقيل: هذا القسم تحته أنواع ثلاثة:\nأحدها: أن يكون الباعث الأول على العمل هو الإخلاص، ثم يعرض له الرياء وإرادة غير الله في أثنائه. فهذا المعول فيه على الباعث الأول، ما لم يفسخه بإرادة جازمة لغير الله؟ فيكون حكمه حكم قطع النية في أثناء العبادة وفسخها، أعني قطع ترك استصحاب حكمها.\nالثاني عكس هذا، وهو أن يكون الباعث الأول لغير الله، ثم يعرض له قلب النية لله، فهذا لا يحتسب له بما مضى من العمل، ويحتسب له من حين قلب نيته. ثم إن كانت العبادة لا يصح آخرها إلا بصحة أولها وجبت الإعادة، كالصلاة، وإلا لم تجب كمن أحرم لغير الله، ثم قلب نيته لله عند الوقوف والطواف.\nالثالث: أن يبتدئها مريدا بها الله والناس، فيريد أداء فرضه، والجزاء والشكور من الناس. وهذا كمن يصلي بالأجرة، فهو لو لم يأخذ الأجرة صلى، ولكنه\n_________\n(^١) رواه ابن أبي الدنيا في «الإخلاص والنية» (٢٢)، وأبو نعيم في «الحلية» (٨/ ٩٥) دون الآية الأخيرة.","vol":"1","page":181},{"text":"يصلي لله وللأجرة؛ وكمن يحج ليسقط الفرض عنه، ويقال: فلان حج؛ أو يعطي الزكاة لذلك؛ فهذا لا يقبل منه العمل.\nوإن كانت النية شرطا في سقوط الفرض وجبت عليه الإعادة. فإن حقيقة الإخلاص التي هي شرط في صحة العمل والثواب عليه لم توجد، والحكم المعلق بالشرط عدم عند عدمه، فإن الإخلاص هو تجريد القصدطاعة للمعبود، ولم يؤمر إلا بهذا. وإذا كان هذا هو المأمور به فلم يأت به بقي في عهدة الأمر.\nوقد دلت السنة الصريحة على ذلك، كما في قوله ﷺ: «يقول الله ﷿ يوم القيامة: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، فمن عمل عملا أشرك فيه غيري فهو كله للذي أشرك به» (^١)، وهذا هو معنى قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكَهْف: ١١٠] \" (^٢).\n- قال عمر بن علي الأنصاري المعروف بـ ابن الملقن (ت ٨٠٤ هـ) ﵀: \"الإخلاص شرط في العبادة، فمن غلب باعثه الدنيوي، فقد خسر ومن غلب الديني ففائز عند الجمهور خلافا للحارث المحاسبي\" (^٣).\n- قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: \"أي: فضلت\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٩٨٥).\n(^٢) إعلام الموقعين ٢/ ٥١٦ - ٥١٨.\n(^٣) كتاب التوضيح لشرح الجامع الصحيح لابن الملقن ٣/ ٦٣٤.","vol":"1","page":182},{"text":"عليكم بالوحي، الذي يوحيه الله إلي، الذي أجله الإخبار لكم: أنما إلهكم إله واحد، أي: لا شريك له، ولا أحد يستحق من العبادة مثقال ذرة غيره، وأدعوكم إلى العمل الذي يقربكم منه، وينيلكم ثوابه، ويدفع عنكم عقابه. ولهذا قال: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكَهْف: ١١٠] وهو الموافق لشرع الله، من واجب ومستحب، ﴿لَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ أي: لا يرائي بعمله بل يعمله خالصا لوجه الله تعالى، فهذا الذي جمع بين الإخلاص والمتابعة، هو الذي ينال ما يرجو ويطلب، وأما من عدا ذلك، فإنه خاسر في دنياه وأخراه، وقد فاته القرب من مولاه، ونيل رضاه\" (^١).\n- قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي (ت: ١٣٩٣ هـ) ﵀: \"قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩)﴾ [الإِسْرَاء: ١٩]. في الآية الدليل على أن الأعمال الصالحة لا تنفع إلا مع الإيمان بالله. لأن الكفر سيئة لا تنفع معها حسنة، لأنه شرط في ذلك قوله: ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [الإِسْرَاء: ١٩] \" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-71>٦٨. ومما يدل على أهميته أن التوحيد قرين السنة كما أن البدعة قرينة الشرك.</span>\n- قال ابن القيم: \"البدعة قرينة الشرك في كتاب الله تعالى، قال\n_________\n(^١) تفسير السعدي (سورة الكهف: الآية: ١١٠).\n(^٢) أضواء البيان ٣/ ٨١.","vol":"1","page":183},{"text":"تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ [الأَعْرَاف: ٣٣] فالإثموالبغى قرينان، والشرك والبدعة قرينان\" (^١).\n- قال ابن القيم: \"تفاوت درجات الشهوة في الكبر والصغر بحسب تفاوت درجات المشتهافشهوة الكفر والشرك كفر، وشهوة البدعة فسق، وشهوة الكبائر معصية\" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-72>٦٩. ومما يدل على أهميته أن كلمة التوحيد هي الموجبة.</span>\n- عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال: أتى النَّبيَّ ﷺ رجلٌ فقالَ: يا رسولَ اللهِ، ما المُوجِبَتانِ؟ فقالَ: «من ماتَ لا يُشرِكُ باللَّهِ شيئًا دخلَ الجنَّةَ، ومن ماتَ يشركُ باللَّهِ شيئًا دخلَ النَّارَ» (^٣).\nقال الفيروزأبادي: \"والكلمة الموجبة: لا إله إلا الله\" (^٤).\n«ما الموجبتان؟»، أي: ما الخصلتان من الخير والشر اللتان إذا فعلت إحداهما أوجبت لصاحبها الجنة أو أوجبت له النار.\n_________\n(^١) إغاثة اللهفان ١/ ٦٣.\n(^٢) مدارج السالكين ١/ ١٣٣.\n(^٣) (مسلم: ٩٣).\n(^٤) بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز ٥/ ١٦١.","vol":"1","page":184},{"text":"<span data-type='title' id=toc-73>٧٠. ومما يدل على أهميته أن كل آية في القرآن فهي متضمنة للتوحيد شاهدة به داعية إليه.</span>\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"كل آية في القرآن فهي متضمنة للتوحيد شاهدة به داعية إليه، فإن القرآن: إمَّا خبر عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله فهو التوحيد العلمي الخبري، وإمَّا دعوة إلى عبادته وحده لا شريك له وخلع كل ما يعبد من دونه فهو التوحيد الإرادي الطلبي، وإمَّا أمر ونهي وإلزام بطاعته في نهيه وأمره فهي حقوق التوحيد ومكملاته، وإمَّا خبر عن كرامة الله لأهل توحيده وطاعته وما فعل بهم في الدنيا وما يكرمهم به في الآخرة فهو جزاء توحيده، وإمَّا خبر عن أهل الشرك وما فعل بهم في الدنيا من النكال وما يحل بهم في العقبى من العذاب فهو خبر عمن خرج عن حكم التوحيد، فالقرآن كله في التوحيد وحقوقه وجزائه وفي شأن الشرك وأهله وجزائهم\" (^١).\n- قال ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري (ت: ٦٣٧ هـ) ﵀: \"المراد بالقرآن هو دعوة العباد إلى الله تعالى، ولذلك انحصرت سوره وآياته في ستة أقسام:\nثلاثة منها هي الأصول، وثلاثة هي الفروع.\nأما الأصول:\nفالأول منها: تعريف المدعوّ إليه، وهو الله تعالى، ويشتمل هذا الأصل على ذكر ذاته وصفاته وأفعاله.\n_________\n(^١) مدارج السالكين ٣/ ٤٥٠.","vol":"1","page":185},{"text":"والأصل الثاني: تعريف الصراط المستقيم الذي تجب ملازمته في السلوك إلى الله تعالى ويشتمل هذا الأصل على التّبتّل بعبادة الله بأفعال القلب وأفعال الجوارح؛\nوالأصل الثالث: تعريف الحال بعد الوصول إلى الله تعالى، أعني بعد الموت، ويشتمل هذا الأصل على تفصيل أحوال الدار الآخرة من الجنة والنار والصراط والميزان والحساب، وأشباه ذلك؛ فهذه الأصول الثلاثة.\nوأما الفروع\nفالأول منها: تعريف أحوال المجيبين للدعوة، ولطائف صنع الله بهم من النّصرة والإدالة، وتعريف أحوال المخالفين للدعوة والمحادّين لها، وكيفية صنع الله في التّدمير عليهم والتنكير بهم،\nوالفرع الثاني: ذكر مجادلة الخصوم ومحاجّتهم، وحملهم بالمجادلة والمحاجّة على طريق الحق، وهؤلاء هم اليهود والنصارى ومن يجري مجراهم من أرباب الشرائع، والفلاسفة والملحدة من غير أرباب الشرائع؛\nوالفرع الثالث: تعريف عمارة منازل الطريق، وكيفية أخذ الزاد والأهبة للاستعداد، وذاك قياس الشريعة، وتبيين الحكمة في أوامرها التي تتعلق بأفعال أهل التكليف.\nفهذه الأقسام الستة المشار إليها هي التي تدور معاني القرآن عليها ولا تتعداها\" (^١).\n_________\n(^١) المثل السائر ٢/ ٦٨.","vol":"1","page":186},{"text":"<span data-type='title' id=toc-74>٧١. ومما يدل على أهميته أن سور التوحيد أفضل من غيرها.</span>\n- قال أبو عبد الله الحسن بن الحسين الحليمي (ت: ٤٠٤ هـ) ﵀: \"الآيات التي تشتمل على تعديد أسماء الله تعالى وبيان صفاته، والدلالة على عظمته وقدسه أفضل أو خير، بمعنى أن يتعين أنها أسنى وأجل قدرا\" (^١).\n- قال فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀: \"الآيات المشتملة على دلائل علم الأصول أشرف من الآيات المشتملة على دلائل علم الفروع، بدليل أنه قد جاء في فضيلة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإِخْلَاص: ١]. و﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٨٥] وآية الكرسي، و﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾ [ال عِمْرَان: ١٨]، ما لم يجيء في فضيلة قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٢٢]، ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٧٥]. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٨٢] الآية. ولذلك فإن الزهاد والعباد يواظبون في شرائف الأوقات على قراءة هذه الآيات المشتملة على الإلهيات، دون الآيات المشتملة على الأحكام.\nوالآيات الواردة في الأحكام الشرعية أقل من ستمائة آية، وأما اللواتي في بيان التوحيد والرد على عبدة الأوثان وأصناف المشركين، وفي إثبات النبوات والمعاد، ومسألة القضاء والقدر فكثيرة. \" (^٢).\n- قال أبو بكر محمد بن عبد الله بن العربي المالكي (ت: ٥٤٣ هـ) ﵀:\n_________\n(^١) المنهاج في شعب الإيمان للحليمي ٢/ ٢٤٤.\n(^٢) عجائب القرآن صـ ١٧ - ١٨.","vol":"1","page":187},{"text":"\"القرآن توحيد وأحكام ووعظ و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإِخْلَاص: ١]، فيها التوحيد كله. وبهذه المعاني وقع البيان في قوله ﷺ لأبى بن كعب: «أي آية في القرآنأعظم؟» قال: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٥٥]. قال: «ليهنك العلم يا أبا المنذر» (^١). وإنما كانت أعظم؟ لأنها توحيد كلها، كما صار قوله: \"أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله\" الحديث (^٢)، أفضل الذكر؛ لأنها كلمة حوت علوم جميع التوحيد، والفاتحة تضمنت التوحيد كله والعبادة والوعظ والتذكير، ولا يستبعد ذلك في قدرة الله، فإن الله جمع التوحيد كله في آية الكرسي، ثم جمعه في أقل حروفا منها التوحيد، وهو: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإِخْلَاص: ١]. ثم جمعه لرسوله في كلمات يوم عرفة المتقدمة. ثم جمع ذلك في آية واحدة، وهي قوله: ﴿مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الأَحْقَاف: ٣]. وقوله: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ [المُؤْمِنُون: ١١٥] \" (^٣).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"ولهذا كانت سورة \"الأنعام\" أفضل من غيرها وكذلك سورة \"يس\" ونحوها من السور التي فيها أصول الدين التي اتفق عليها الرسل كلهم صلوات الله عليهم. ولهذا كانت ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإِخْلَاص: ١]\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٨١٠).\n(^٢) أخرجه مالك في الموطأ (٥٧٢) رواية يحيى، وأحمد: ٢/ ٢١٠، والترمذي (٣٥٨٥) من حديث عمرو بن شعبب، عن أبيه، عن جده. قال الترمذي: \"هذا حديث غريب من هذا الوجه\". وصححه من المعاصرين الألباني في سلسلته الصحيحة (١٥٠).\n(^٣) كتاب المسالك في شرح موطأ مالك لابن العربي المالكي ٢/ ٣٧٠.","vol":"1","page":188},{"text":"مع قلة حروفها تعدل ثلث القرآن؛ لأن فيها التوحيد فعلم أن آيات التوحيد أفضل من غيرها\" (^١).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"كلمة التوحيد أفضل الكلام، وأعظمه فأعظم آية في القرآن آية الكرسي ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٥٥]. وقال ﷺ «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة» (^٢) \" (^٣).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"النبي ﷺ سأل أبيًا «أي آية في كتاب الله أعظم؟» فأجابه أبيّ بأنها آية الكرسي، فضرب بيده في صدره وقال «ليهنك العلم»، ولم يستشكل أبيّ ولا غيره السؤال عن كون بعض القرآن أعظم من بعض، بل شهد النبي بالعلم لمن عرف فضل بعضه على بعض؛ وعرف أفضل الآيات\" (^٤).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"الآيات المتضمنة لذكر أسماء الله وصفاته أعظم قدرا من آيات المعاد، فأعظم آية في القرآن آية الكرسي؛ المتضمنة لذلك، كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم، وقد\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٧/ ١٩٠).\n(^٢) رواه أحمد (٢١٥٢٩) وأبو داود (٣١١٦) وحسنه الألباني في \"إرواء الغليل\" (٦٨٧).\n(^٣) مجموع الفتاوى (٣/ ٤٠٠).\n(^٤) مجموع الفتاوى (٥/ ١٩٩).","vol":"1","page":189},{"text":"ثبت عنه ﷺ من غير وجه أن ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإِخْلَاص: ١] تعدل ثلث القرآن\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-75>٧٢. ومما يدل على أهميته أن التوحيد يعدل ثلث القرآن.</span>\n- قال الخطابي (ت: ٣٨٨ هـ) ﵀: \"وقوله: \"إنها لتعدل ثلث القرآن\"، أي: في الفضيلة والأجر، وليس يجوز تفضيل شيء من القرآن على شيء منه لذاته، فإن المفضول منقوص، وإنما فضلت هذه السورة في فضل ثوابها، إذ هي سورة الإخلاص ليس فيها شيء من العمل، إنما هي التوحيد والتفريد لاغير\" (^٢).\n- قال ابن عطية الأندلسي (ت: ٥٤٢ هـ) ﵀: \"وقال ﷺ: «إن قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن». قال: بما فيها من التوحيد\" (^٣).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"وقوله ﷺ للناس: «احتشدوا حتى أقرأ عليكم ثلث القرآن فحشدوا حتى قرأ عليهم: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإِخْلَاص: ١] قال: «والذي نفسي بيده إنها تعدل ثلث القرآن».\nوأما توجيه ذلك: فقد قالت طائفة من أهل العلم: إن القرآن باعتبار معانيه ثلاثة أثلاث: ثلث توحيد وثلث قصص وثلث أمر ونهي. و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ هي\n_________\n(^١) درء تعارض العقل والنقل ٣/ ٦١.\n(^٢) أعلام الحديث (شرح صحيح البخاري) للخطابي. ٤/ ٢٨٣.\n(^٣) تفسير ابن عطية ٥/ ٥٣٧.","vol":"1","page":190},{"text":"صفة الرحمن ونسبه وهي متضمنة ثلث القرآن، وذلك لأن القرآن كلام الله تعالى والكلام إما إنشاء وإما إخبار فالإنشاء هو الأمر والنهي وما يتبع ذلك كالإباحة ونحوها وهو الإحكام.\nوالإخبار: إما إخبار عن الخالق، وإما إخبار عن المخلوق.\nفالإخبار عن الخالق: هو التوحيد وما يتضمنه من أسماء الله وصفاته.\nوالإخبار عن المخلوق: هو القصص وهو الخبر عما كان وعما يكون ويدخل فيه الخبر عن الأنبياء وأممهم ومن كذبهم والإخبار عن الجنة والنار والثواب والعقاب.\n- قالوا: فبهذا الاعتبار تكون ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ تعدل ثلث القرآن لما فيها من التوحيد الذي هو ثلث معاني القرآن\" (^١).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإِخْلَاص: ١ - ٤]. ولهذا كانت هذه السورة تعدل ثلث القرآن؛ لأنها صفة الرحمن.\nوالقرآن ثلثه توحيد، وثلثه قصص، وثلثه أمر ونهي؛ لأنه كلام الله، والكلام إما إنشاء وإما إخبار، والإخبار إما عن الخالق وإما عنالمخلوق، فصار ثلاثة\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٧/ ٢٠٧).","vol":"1","page":191},{"text":"أجزاء: جزء أمر ونهي وإباحة وهو الإنشاء، وجزء إخبار عن المخلوقين، وجزء إخبار عن الخالق، ف \" ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ \" صفة الرحمن [محضا].\nوقد بسطنا الكلام على تحقيق قول النبي ﷺ «إنها تعدل ثلث القرآن» في مجلد، وفي تفسيرها في مجلد آخر\" (^١).\n- قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي (ت: ١٣٩٣ هـ) ﵀ في إشارته إلى الحيّز الكبير الذي تشغله النصوص المتضمنة للعلم بالله تعالى وعبادته من القرآن؛ عن التوحيد العلمي الخبري: \"لا تكاد تخلو ورقة من المصحف منه\" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-76>٧٣. ومما يدل على أهميته أن آيات التوحيد أكثر ورودًا في القرآن من آيات الأحكام.</span>\nمن التقسيم الذي قال به بعضُ أهل العلم أن القرآن ينقسم إلى ثلاثة أقسام: توحيد، وأخبار، وأحكام، وهذه الأقسام عند التحقيق كلها تعود إلى التوحيد.\n- قال شيخ الإسلام ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"والقرآن فيه من ذِكْر أسماء الله وصفاته وأفعاله أكثر مما فيه من ذِكر الأكل والشُّرب والنكاح في الجنة، والآياتُ المتضمنة لذكر أسماء الله وصفاته أعظمُ قدرًا من آيات المعاد؛\n_________\n(^١) منهاج السنة النبوية ٣/ ٢٩٠ - ٢٩١.\n(^٢) العذب النمير من مجالسالشنقيطي في التفسير ٢/ ٢٥٣.","vol":"1","page":192},{"text":"فأعظمُ آيةٍ في القرآن آيةُ الكرسي المتضمنة لذلك …، وأعظم سورةٍ سورةُ أمِّ القرآن .. \" (^١).\nبل إن أغلب آيات الأحكام تختم بذكر أسماء الله وصفاته، والمتدبِّرُ لكلام الله جل ذكره يجد أن الآياتِ المختومةَ ببعض أسماء الله تعالى لا تنتهي إلا بما يناسِبُها من الأسماء، ولنكتفِ بمثال واحد؛ قال تعالى في سورة المائدة: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨) فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٩)﴾ [المَائِدَة: ٣٨ - ٣٩]،\n- قال الأصمعي -رحمه الله تعالى-: \"قرأتُ هذه الآيةَ وإلى جنبي أعرابي، فقلت: والله غفور رحيم أي بدلًا من \"وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ\" سهوًا، فقال الأعرابيُّ: كلامُ من هذا؟ قلت: كلامُ الله، قال: أعِدْ، فأعَدْتُ والله غفور رحيم، فقال: ليس هذا كلامَ الله، فتنبَّهْتُ، فقلت: \"وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ\" فقال: أصَبْتَ، هذا كلامُ الله، فقلت: أتقرأُ القرآن؟ قال: لا، فقلت: فمن أين علِمْتَ أني أخطأت؟ فقال: يا هذا، عزَّ فحكَم فقطَع، ولو غفَر ورحِم ما قطَع\" (^٢).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"والقرآن كله مملوء من تحقيق هذا التوحيد والدعوة إليه، وتعليق النجاة والفلاح، واقتضاء السعادة في الآخرة به.\n_________\n(^١) درء تعارض العقل والنقل، (٣/ ٦١)،\n(^٢) ذكَر هذه القصة ابن الجوزي ﵀ في تفسيره المسمى زاد المسير (تفسير سورة المائدة الآية: ٣٨ - ٣٩)","vol":"1","page":193},{"text":"ومعلوم أن الناس متفاضلون في تحقيقه، وحقيقته إخلاص الدين كله لله\" (^١).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"جماع الدين هو عبادة الله وحده، وأعظم الذنوب الشرك، والقرآن مملوء من تعظيم التوحيد بالدعاء إليه والترغيب فيه، وبيان سعادة أهله، وتعظيم الشرك بالنهي عنه والتحذير منه وبيان شقاوة أهله\" (^٢).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"فتأمل آيات التوحيد والصفات في القرآن على كثرتها وتفننها واتساعها وتنوعها كيف تجدها كلها قد أثبتت الكمال للموصوف بها وأنه المتفرد بذلك الكمال فليس له فيه شبه ولا مثال\" (^٣).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"الله سبحانه نصب الأدلة على التوحيد، وأقام البراهين وأظهر الآيات، وأمرنا أن نشهد الأدلة والآيات، وننظر فيها ونستدل بها، ولا يجتمع هذا الإثبات وذلك النفي البتة، والمخلوقات كلها آيات للتوحيد، وكذلك الآيات المتلوة أدلة على التوحيد\" (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-77>٧٤. ومما يدل على أهميته أن التوحيد نور والشرك ظلمات.</span>\nقال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ\n_________\n(^١) منهاج السنة ٥/ ٣٤٧.\n(^٢) الرد على الإخنائي صـ ١٧٢ ..\n(^٣) كتاب الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة ٣/ ٩١٦.\n(^٤) مدارج السالكين ٣/ ٤٦٥.","vol":"1","page":194},{"text":"كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥٧)﴾ [البَقَرَةِ: ٢٥٧].\nفالتوحيد نور يوفق الله له من يشاء من عبادهوقد بيّن الله ﷿ أنه أنزل على محمد ﷺ الآيات الواضحات والدلائل الباهرات، وأعظمها القرآن الكريم؛ ليخرج الناس بإرسال الرسول ﷺ وبما أنزل عليه من الكتاب والحكمة: من ظلمات الضلالة والشرك، والجهل، إلى نور الإيمان والتوحيد، والعلم والهدى.\n- قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀ في تفسيرها: \"يعني تعالى ذكره بقوله: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، نصيرهم وظهيرهم، يتولاهم بعونه وتوفيقه ﴿يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ﴾ يعني بذلك: يخرجهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان. وإنما عنى ب ﴿الظُّلُمَاتِ﴾ في هذا الموضع، الكفر. وإنما جعل ﴿الظُّلُمَاتِ﴾ للكفر مثلا لأن الظلمات حاجبة للأبصار عن إدراك الأشياء وإثباتها، وكذلك الكفر حاجب أبصار القلوب عن إدراك حقائق الإيمان والعلم بصحته وصحة أسبابه.\nفأخبر تعالى ذكره عباده أنه ولي المؤمنين، ومبصرهم حقيقة الإيمان وسبله وشرائعه وحججه، وهاديهم، فموفقهم لأدلته المزيلة عنهم الشكوك، بكشفه عنهم دواعي الكفر، وظلم سواتر عن أبصار القلوب.\nثم أخبر تعالى ذكره عن أهل الكفر به، فقال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾، يعني الجاحدين وحدانيته ﴿أَوْلِيَاؤُهُمُ﴾، يعني نصراؤهم وظهراؤهم الذين يتولونهم","vol":"1","page":195},{"text":"﴿الطَّاغُوتُ﴾، يعني الأنداد والأوثان الذين يعبدونهم من دون الله ﴿يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾، يعني بـ ﴿النُّورِ﴾ الإيمان، على نحو ما بينا ﴿إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾، ويعني بـ ﴿الظُّلُمَاتِ﴾ ظلمات الكفر وشكوكه، الحائلة دون أبصار القلوب ورؤية ضياء الإيمان وحقائق أدلته وسبله\" (^١).\n- قال محمد بن علي بن الحسن بن بشر، أبو عبد الله، الحكيم الترمذي (ت: ٣٢٠ هـ) ﵀: \"ثم خص المؤمنين بنور العقل، فجعل مسكنه في الدماغ، وجعل له بابا من دماغه إلى صدره، ليشرق شعاعه بين عيني الفؤاد، ليدبر الفؤاد بذلك النور الأمور، فيميز بين الأمور ما حسن منها وما قبح، ووضع نور التوحيد في باطن هذه البضعة، وهي القلب، وفيه نور الحياة فحيي القلب بالله ﵎، وفتح عيني الفؤاد، فأشرق نور التوحيد إلى الصدر من باب القلب، فأبصر عينا الفؤاد بنور الحياة التي فيهما نور التوحيد، فوحد الله ﷿، وعرفه\" (^٢).\nقال تعالى: ﴿* اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النُّور: ٣٥].\n- قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: \"الله سبحانه هادي أهل السماء وأهل الأرض، فمثل هداه في قلب المؤمن كمثل الزيت الصافي يضيء قبل أن تمسه النار، فإذا مسته النار ازداد ضوءا على ضوء، كذلك يكون قلب المؤمن يعمل فيه الهدى قبل أن يأتيه العلم، فإذا جاءه العلم ازداد هدى على هدى ونورا على نور\" (^٣).\n_________\n(^١) تفسير جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري. (تفسير سورة البقرية الآية ٢٥٧).\n(^٢) كتاب رياضة النفس ص: ٣٢.\n(^٣) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي ٢/ ٢٢٥.","vol":"1","page":196},{"text":"- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"جاءت النصوص الإلهية في أنه بالإيمان يخرج الناس من الظلمات إلى النور\" (^١).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"ومن عقوبات المعاصي أنها توقع الوحشة العظيمة في القلب، فيجد المذنب نفسه مستوحشا، قد وقعت الوحشة بينه وبين ربه، وبينه وبين الخلق، وبينه وبين نفسه. وكلما كثرت الذنوب اشتدت الوحشة\" (^٢).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"تعوق القلب عن سيره إلى الله وتقطع عليه طريقه ثلاثة أمور:\nشرك، وبدعة، ومعصية؛ فيزول عائق الشرك بتجريد التوحيد. وعائق البدعة بتحقيق السنة. وعائق المعصية بتصحيح التوبة\" (^٣).\n- قال إسماعيل حقي (ت ١١٢٧ هـ) ﵀: \"واعلم أن التوحيد أفضل الفضائل كما أن الشرك أكبر الكبائر، وللتوحيد نور كما أن للشرك نارًا وأن نور التوحيد أحرق لسيئات الموحدين كما أن نار الشرك أحرق لحسنات المشركين، ولكون التوحيد أفضل العبادات وذكر الله أقرب القربات لم يقيد بالزمان والأوقات بخلاف سائر الأعمال من الصيام والصلوات فالخلاص من الضلالة إنما هو بالهداية إلى التوحيد وإخلاص العبادة لله الحميد\" (^٤).\n_________\n(^١) مجموع لفتاوى ٢/ ١٦.\n(^٢) جامع الرسائل ١/ ٢٣٠ - ٢٣١.\n(^٣) الفوائد ص: ١٥٤.\n(^٤) كتاب روح البيان لإسماعيل حقي ٧/ ٧٢.","vol":"1","page":197},{"text":"<span data-type='title' id=toc-78>٧٥. ومما يدل على أهميته أن التوحيد هو العدل وعليه مدار الأمور كلها.</span>\nقال تعالى: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأَعْرَاف: ٢٩]. ولهذا أمر الله رسوله أن يقول لأهل الكتاب: ﴿تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [ال عِمْرَان: ٦٤].\nقال تعالى: ﴿* إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النَّحْل: ٩٠]\n- قال سهل التستري (ت: ٢٨٣ هـ) ﵀: \"العدل قول لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، والاقتداء بسنة نبيه ﷺ \" (^١).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"وإذا كان التوحيد أصل صلاح الناس والإشراك أصل فسادهم والقسط مقرون بالتوحيد؛ إذ التوحيد أصل العدل؛ وإرادة العلو مقرونة بالفساد؛ إذ هو أصل الظلم فهذا مع هذا وهذا مع هذا كالملزوزين في قرن فالتوحيد وما يتبعه من الحسنات هو صلاح وعدل؛ ولهذا كان الرجل الصالح هو القائم بالواجبات؛ وهو البر؛ وهو العدل. والذنوب التي فيها تفريط أو عدوان في حقوق الله تعالى وحقوق عباده هي فساد وظلم؛ ولهذا سمي قطاع الطريق مفسدين وكانت عقوبتهم حقا لله تعالى لاجتماع الوصفين والذي يريد العلو على غيره من أبناء جنسه هو ظالم له باغ؛ إذ ليس كونك عاليا عليه بأولى من كونه عاليا عليك وكلاكما من جنس واحد فالقسط والعدل أن يكونوا إخوة كما وصف الله المؤمنين بذلك.\n_________\n(^١) تفسير التستري صـ ٩٢.","vol":"1","page":198},{"text":"والتوحيد وإن كان أصل الصلاح فهو أعظم العدل؛ ولهذا قال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤)﴾ [ال عِمْرَان: ٦٤] ولهذا كان تخصيصهبالذكر في مثل قوله: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [الأَعْرَاف: ٢٩] لا يمنع أن يكون داخلا في القسط كما أن ذكر العمل الصالح بعد الإيمان لا يمنع أن يكون داخلا في الإيمان كما في قوله: ﴿وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البَقَرَةِ: ٩٨] و﴿مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ﴾ [الأَحْزَاب: ٧] هذا إذا قيل: إن اسم الإيمان يتناوله. سواء قيل: إنه في مثل هذا يكون داخلا في الأول فيكون مذكورا مرتين أو قيل: بل عطفه عليه يقتضي أنه ليس داخلا فيه هنا وإن كان داخلا فيه منفردا كما قيل مثل ذلك في لفظ الفقراء والمساكين وأمثال ذلك مما تتنوع دلالته بالإفراد والاقتران. لكن المقصود: أن كل خير فهو داخل في القسط والعدل وكل شر فهو داخل في الظلم. ولهذا كان العدل أمرا واجبا في كل شيء وعلى كل أحد والظلم محرما في كل شيء ولكل أحد فلا يحل ظلم أحد أصلا سواء كان مسلما أو كافرا أو كان ظالما بل الظلم إنما يباح أو يجب فيه العدل عليه أيضا قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ﴾ [المَائِدَة: ٨] أي: لا يحملنكم شنآن أي: بغض قوم وهم الكفار على عدم العدل؛ ﴿قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المَائِدَة: ٨]","vol":"1","page":199},{"text":"وقال تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ١٩٤] وقال تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النَّحْل: ١٢٦] وقال تعالى: ﴿وَجَزَاؤُا سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشُّورَى: ٤٠]. وقد دل على هذا قوله في الحديث: \" «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا» فإن هذا خطاب لجميع العباد أن لا يظلم أحد أحدا وأمر العالم في الشريعة مبني على هذا وهو العدل في الدماء والأموال؛ والأبضاع والأنساب؛ والأعراض\" (^١).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"فلا أعدل من توحيد الرسل، ولا أظلم من الشرك. فهو سبحانه قائم بالعدل في هذه الشهادة قولا وفعلا، حيث شهد بها وأخبر، وأعلم عباده وبين لهم تحقيقها وصحتها، وألزمهم بمقتضاها، وحكم به، وجعل الثواب والعقاب عليها، وجعل الأمر والنهي من حقوقها وواجباتها.\nفالدين كله من حقوقها. والثواب كله عليها. والعقاب كله على تركها. وهذا هو العدل الذي قام به الرب تعالى في هذه الشهادة.\nفأوامره كلها تكميل لها. وأمر بأداء حقوقها. ونواهيه كلها صيانة لها عما يهدمها ويضادها.\nوثوابه كلها عليها. وعقابه على تركها، وترك حقوقها.\nوخلقه السموات والأرض وما بينهما كان بها ولأجلها.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١٨/ ١٦٥ - ١٦٦.","vol":"1","page":200},{"text":"وهي الحق الذي خلقت به المخلوقات. وضدها: هو الباطل والعبث الذي نزه الله نفسه عنه، وأخبر أنه لم يخلق به السموات والأرض.\nقال تعالى ردا على المشركين المنكرين لهذه الشهادة ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧)﴾ [ص: ٢٧]، وقال تعالى: ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢) مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنذِرُوا مُعْرِضُونَ (٣)﴾ [الأَحْقَاف: ١ - ٣] وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥)﴾ [يُونُس: ٥] وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾ [الرُّوم: ٨] وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الدُّخَان: ٣٨ - ٣٩] وهذا كثير في القرآن.\nوالحق الذي خلقت به السموات والأرض، ولأجله: هو التوحيد وحقوقه: من الأمر والنهي. والثواب والعقاب، والشرع والقدر، والخلق، والثواب والعقاب: قائم بالعدل. والتوحيد صادر عنهما. وهذا هو الصراط المستقيم الذي عليه الرب ﷾. قال تعالى حكاية عن نبيه هود أنه قال: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦)﴾ [هُود: ٥٦].\nفهو سبحانه على صراط مستقيم في قوله وفعله. فهو يقول الحق ويفعل","vol":"1","page":201},{"text":"العدل ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥)﴾ [الأَنْعَام: ١١٥] ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ [الأَحْزَاب: ٤].\nفالصراط المستقيم الذي عليه ربنا ﵎: هو مقتضي التوحيد والعدل. قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٦)﴾ [النَّحْل: ٧٦] \" (^١).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)﴾ [ال عِمْرَان: ١٨].\nتضمنت الآية توحيده وعدله، وعزته وحكمته، فالتوحيد: يتضمن ثبوت صفات كماله، ونعوت جلاله، وعدم المماثل له فيها وعبادته وحده لا شريك له، والعدل يتضمن وضعه الأشياء موضعها، وتنزيلها منازلها، وأنه لم يخص شيئًا منها إلا بمخصص اقتضى ذلك، وأنه لا يعاقب من لا يستحق العقوبة، ولا يمنع من يستحق العطاء، وإن كان هو الذي جعله مستحقا، والعزة تتضمن كمال قدرته وقوته وقهره، والحكمة تتضمن كمال علمه، وخبرته، وأنه أمر ونهى، وخلق وقدر، لما له في ذلك من الحكم والغايات الحميدة التي يستحق عليها كمال الحمد.\nفاسمه العزيز يتضمن الملك، واسمه الحكيم يتضمن الحمد، وأول الآية يتضمن التوحيد، وذلك حقيقة لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله\n_________\n(^١) التفسير القيم ص: ١٨٢ - ١٨٣.","vol":"1","page":202},{"text":"الحمد، وهو على كل شيء قدير، وذلك أفضل ما قاله رسول الله ﷺ والنبيون من قبله، والحكيم الذي إذا أمر بأمر كان حسنا في نفسه وإذا نهى عن شيء كان قبيحا في نفسه، وإذا أخبر بخبر كان صدقا، وإذا فعل فعلا كان صوابا، وإذا أراد شيئا كان أولى بالإرادة من غيره، وهذا الوصف على الكمال لا يكون إلا لله وحده.\nفتضمنت هذه الآية وهذه الشهادة: الدلالة على وحدانيته المنافية للشرك، وعدله المنافي للظلم، وعزته المنافية للعجز، وحكمته المنافية للجهل والعيب، ففيها الشهادة له بالتوحيد، والعدل، والقدرة والعلم والحكمة، ولهذا كانت أعظم شهادة\" (^١).\n- قال برهان الدين البقاعي (ت: ٨٨٥ هـ) ﵀، عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦)﴾ [اللَّيْل: ٦]: \" ﴿وَصَدَّقَ﴾ أي أوقع التصديق للمخبر ﴿بِالْحُسْنَى (٦)﴾ أي وهي كلمة العدل التي هي أحسن الكلام من التوحيد وما يتفرع عنه\" (^٢).\nفالإسلام يتضمن العدل، وهو التسوية بين المتماثلين والتفريق بين المتفاضلين من المخلوقات، إذ ذلك من الإسلام لله رب العالمين وحده، فإنه إذا كان الدين كله لله وكانت كلمة الله هي العليا كان الله يأمر بالعدل وينهى عن الظلم. وأصل العدل هو القسط، والقسط هو الإقساط في حق الله تعالى بأن لا\n_________\n(^١) مدارج السالكين ٣/ ٤٢٧ ..\n(^٢) نظم الدرر في تناسب الآيات والسور (سورة الليل: الآية: ٦).","vol":"1","page":203},{"text":"يعدل به غيره ولا يجعل له شريك، كما قال النبي ﷺ لمعاذ: «حق الله على عباده أن يعبدوه لا يشركون به شيئا» فإذا لم يسلموا له بل عدلوا به غيره كان ذلك ظلما عظيما، وإذا فعلوا هذا الظلم في حق الله فهم في حقوق العباد أظلم\" (^١).\nوقيل في بعض المواعظ: \"عجبا لمن يخاف العقاب كيف لا يكف عن المعاصي، وعجبا لمن يرجو الثواب كيف لا يعمل\" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-79>٧٦. ومما يدل على أهميته أن التوحيد مركوزٌ في الفِطَر والشرك طارئ ودخيل عليها.</span>\n- قال الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀: \"ولكن لا عبرة بالإيمان الفطري في أحكام الدنيا، وإنَّما يعتبر الإيمان الشرعي المأمور به المكتسَب بالإرادة والفعل، ألَا ترى أنه يقول: «فأبواه يهوِّدانه»؟ فهو مع وجود الإيمان الفطري فيه محكومٌ له بحكم أبويه الكافرين، وهذا معنى قوله ﷺ: «يقول الله تعالى: إني خلقتُ عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين عن دينهم»، ويحكى معنى هذا عن الأوزاعي، وحماد بن سلمة، وحُكِي عن عبد الله بن المبارك، أنه قال: معنى الحديث: أن كل مولود يولد على فطرته؛ أي: على خلقته التي جُبِل عليها في علم الله تعالى من السعادة أو الشقاوة، فكلٌّ\n_________\n(^١) الداء والدواء ص: ١٨٢.\n(^٢) أدب الدنيا والدين ١/ ١٢١.","vol":"1","page":204},{"text":"منهم صائرٌ في العاقبة إلى ما فطر عليها، وعامل في الدنيا بالعمل المُشَاكِل لها، فمن أمارات الشقاوة للطفل أن يولد بين يهوديَّين أو نصرانيَّين، فيحملانه لشقائه على اعتقاد دينهما، وقيل: معناه: أن كل مولودٍ يولد في مبدأ الخلقة على الفطرة؛ أي: على الجبلَّة السليمة والطبع المتهيِّئ لقبول الدين، فلو ترك عليها لاستمرَّ على لزومها؛ لأن هذا الدين موجودٌ حسنُه في العقول، وإنَّما يعدل عنه مَنْ يعدل إلى غيره؛ لآفةٍ من آفات النشوء والتقليد، فلو سَلِم من تلك الآفات لم يعتقد غيره\" (^١).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"فإن النفس خلقت بفطرتها تقتضي معرفة الله ومحبته. وقد هديت إلى علوم وأعمال تعينها على ذلك. وهذا كله من فضل الله وإحسانه\" (^٢).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"فأخبر أنه فطر عباده على إقامة الوجه حنيفًا، وهي عبادة اللّه وحده لا شريك له، فهذه من الحركة الفطرية الطبيعية المستقيمة المعتدلة للقلب، وتركها ظلم عظيم اتَّبع أهلُه أهواءَهم بغير علم، ولا بُدَّ لهذه الفطرة والخلقة وهي صحة الخلقة من قوت وغذاء يمدُّها بنظير ما فيها مما فطرت عليه علمًا وعملًا؛ ولهذا كان تمام الدين بالفطرة المكمَّلة بالشريعة المنزَّلة، وهي مأدُبة الله كما قال النبي ﷺ في حديث ابن مسعود: «إنَّ كل آدبٍ يحبُّ أن تُؤتى مأدُبته، وإن مأدُبَة الله هي\n_________\n(^١) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (الروم: ٣٠).\n(^٢) مجموع الفتاوى ١٤/ ٣١٦.","vol":"1","page":205},{"text":"القرآن»، ومثله كماءٍ أنزله الله من السماء، كما جرى تمثيله بذلك في الكتاب والسُّنَّة، والمحرِّفون للفطرة المغيِّرون للقلب عن استقامته، هم ممرضون القلوبَ مسقمون لها، وقد أنزل الله كتابه شفاءً لما في الصدور \" (^١).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"فإن صعب عليهم ترك الذنوب فاجتهد أن تحبب الله إليهم بذكر آلائه وإنعامه وإحسانه وصفات كماله ونعوت جلاله، فإن القلوب مفطورة على محبته فإذا تعلقت بحبه هان عليها ترك الذنوب والاستقلال منها والإصرار عليها\" (^٢).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"فإن الله فَطَرَ القلوب على قبول الحق والانقياد له والطمأنينة به، والسكون إليه ومحبته، وفطرها على بغض الكذب والباطل والنفور عنه والريبة به وعدم السكون إليه، ولو بقيت الفِطَر على حالها لما آثرت على الحقِّ سواه، ولما سكنت إلاَّ إليه، ولا اطمأنَّت إلا به، ولا أحبَّت غيره\" (^٣).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"ولهذا كان بطلان الشرك وقبحه معلومًا بالفطرة السليمة والعقول الصحيحة، والعلم بقبحه أظهر من العلم بقبح سائر القبائح\" (^٤).\n_________\n(^١) \"مجموع الفتاوى\": (١٠/ ١٤٦).\n(^٢) كتاب الفوائد ص: ١٦٩.\n(^٣) \"مدارج السالكين\": ٣/ ٤٧١.\n(^٤) \"إغاثة اللهفان\"؛ لابن القيم: ٢/ ٢٧١، ط دار إحياء الكتب العربية","vol":"1","page":206},{"text":"- قال ابن القيم (ت: ٧٥١) ﵀: \"معرفة الله والشهادة له بالتوحيد، وإثبات أسمائه وصفاته، ورسالة رسله، والبعث للجزاء مسطورة مثبتة في الفطرة\" (^١).\n- قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: \"فسدِّد وجهك واستمِرَّ على الدين الذي شرعه الله لك من الحنيفية ملة إبراهيم الذي هداك الله لها، وكمَّلها لك غاية الكمال، وأنت مع ذلك لازم فطرتك السليمة التي فطر الله الخلق عليها، فإنه تعالى فطر خلقه على معرفته وتوحيده، وأنه لا إله غيره؛ كما تقدَّم عند قوله تعالى: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأَعْرَاف: ١٧٢]، وفي الحديث: «إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين عن دينهم» (^٢).\n- قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: \"التوحيد فطرة الله التي فطر الناس عليها: قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الرُّوم: ٣٠]؛ \" ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ﴾؛ أي: انصبه ووجِّهه ﴿لِلدِّينِ﴾ الذي هو الإسلام والإيمان والإحسان؛ بأن تتوجَّه بقلبك وقصدك وبدنك إلى إقامة شرائع الدين الظاهرة؛ كالصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، ونحوها، وشرائعه الباطنة؛ كالمحبة، والخوف، والرجاء، والإنابة، والإحسان في الشرائع الظاهرة والباطنة، بأن تعبد الله فيها كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنَّه يراك،\n_________\n(^١) مفتاح دار السعادة: ٢/ ٧٩٨.\n(^٢) \"تفسير ابن كثير\": (الروم: ٣٠).","vol":"1","page":207},{"text":"وخصَّ الله إقامة الوجه؛ لأن إقبال الوجه تبعٌ لإقبال القلب، ويترتَّب على الأمرين سعيُ البدن، ولهذا قال: ﴿حَنِيفًا﴾؛ أي: مُقْبِلًا على الله في ذلك، معرِضًا عمَّا سواه، وهذا الأمر الذي أمرناك به هو ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الرُّوم: ٣٠]، ووضع في عقولهم حسنها، واستقباح غيرها. فإن جميع أحكام الشرع، الظاهرة والباطنة، قد وضع الله في قلوب الخلق كلهم الميلَ إليها، فوضع في قلوبهم محبة الحق وإيثار الحق، وهذه حقيقة الفِطَر، ومَن خرج عن هذا الأصل، فلِعارِضٍ عرض لفطرته أفسدها؛ كما قال النبي ﷺ: «كل مولود يُولَد على الفطرة، فأبواه يهوِّدانه أو ينصِّرانه أو يمجِّسانه». ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾؛ أي: لا أحد يبدِّل خلق الله، فيجعل المخلوق على غير الوضع الذي وضعه الله ﴿ذَلِكَ﴾ الذي أمرناك به ﴿الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾؛ أي: الطريق المستقيم الموصل إلى الله، وإلى دار كرامته، فإنَّ مَنْ أقام وجهه للدين حنيفًا فإنه سالك الصراط المستقيم في جميع شرائعه وطرقه؛ ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الرُّوم: ٣٠] فلا يتعرَّفون الدين القيم، وإن عرفوه لم يسلكوه\" (^١).\n- قال الشيخ صالح الفوزان: \"والنفس بفطرتها إذا تُرِكت كانت مُقِرَّة لله بالإلهية، مُحبَّةً لله، تعبدُه لا تُشرك به شيئًا، ولكن يفسدها وينحرف بها عن ذلك ما يُزيِّنُ لها شياطين الإنس والجن بما يوحي بعضُهم إلى بعضٍ زخرف القول غرورًا، فالتوحيد مركوزٌ في الفِطَر والشرك طارئ ودخيل عليها\" (^٢).\n_________\n(^١) \"تفسير السعدي\": (الروم: ٣٠).\n(^٢) \"كتاب التوحيد\": ص ٧، وانظر: \"مجموعة رسائل في التوحيد\"، ص ٢١٧، ط دار العقيدة.","vol":"1","page":208},{"text":"<span data-type='title' id=toc-80>٧٧. ومما يدل على أهميته أن حسن التوحيد وقبح الشرك معلومان بالعقل.</span>\n- قال فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀: \"التوحيد والشرك ضدان، وكلما كان أحد الضدين أشرف وأكمل كان الضد الثاني أخس وأرذل، ولما كان التوحيد أشرف الأسماء كان الشرك أخس الأشياء، والآتي بأحد الضدين يكون تاركا للضد الثاني، فالآتي بالتوحيد الذي هو أفضل الأشياء يكون تاركا للشرك الذي هو أخس الأشياء وأرذلها، فلهذا المعنى وصف المصدقين بكونهم متقين\" (^١).\n- قال فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀: \"إن شرف الشيء قد يظهر بواسطة خساسة ضده، فكلما كان ضده شئيًا أخس، كان هو أشرف، ولا شك أن ضد علم الأصول هو الكفر والبدعة، وهما من أخس الأشياء، فوجب أن يكون علم الأصول من أشرف العلوم\" (^٢).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"ذنوب المشركين في نوعين: أمر بما لم يأمر الله به كالشرك، ونهي عما لم ينه الله عنه كتحريم الطيبات. فالأول شرع من الدين لما لم يأذن الله به، والثاني تحريم لما لم يحرمه الله\" (^٣).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"واعلم أنه إن لم يكن حسن التوحيد\n_________\n(^١) تفسير مفاتيح الغيب للرازي (سورة الزمر: الآية: ٣٣).\n(^٢) عجائب القرآن للرازي صـ ١٦.\n(^٣) جامع المسائل ٨/ ٤٥.","vol":"1","page":209},{"text":"وقبح الشرك معلومان بالعقل، مستقرا في الفطر، فلا وثوق بشيء من قضايا العقل، فإن هذه القضية من أجل القضايا البديهيات، وأوضح ما ركب الله في العقول والفطر، ولهذا يقول سبحانه عقيب تقرير ذلك أفلا تعقلون أفلا تذكرون وينفي العقل عن أهل الشرك، ويخبر عنهم بأنهم يعترفون في النار: أنهم لم يكونوا يسمعون ولا يعقلون، وأنهم خرجوا عن موجب السمع والعقل، وأخبر عنهم أنهم ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٧١)﴾ [البَقَرَةِ: ١٧١] وأخبر عنهم أن سمعهم وأبصارهم وأفئدتهم لم تغن عنهم شيئا، وهذا إنما يكون في حق من خرج عن موجب العقل الصريح والفطرة الصحيحة، ولو لم يكن في صريح العقل ما يدل على ذلك لم يكن في قوله تعالى \" انظروا \" و\" اعتبروا \" و\" سيروا في الأرض فانظروا \" فائدة، فإنهم يقولون: عقولنا لا تدل على ذلك، وإنما هو مجرد إخبارك، فما هذا النظر والتفكر والاعتبار والسير في الأرض؟ وما هذه الأمثال المضروبة، والأقيسة العقلية والشواهد العيانية؟ أفليس في ذلك أظهر دليل على حسن التوحيد والشكر؟\nوقبح الشرك والكفر مستقر في العقول والفطر، معلوم لمن كان له قلب حي، وعقل سليم، وفطرة صحيحة؟ قال تعالى ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٧)﴾ [الزُّمَر: ٢٧] وقال تعالى ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (٤٣)﴾ [العَنكَبُوت: ٤٣] وقال تعالى ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (٣٧)﴾ [ق: ٣٧] وقال تعالى ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ","vol":"1","page":210},{"text":"بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)﴾ [الحَج: ٤٦] \" (^١).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"ولما كان المشرك خبيث العنصر خبيث الذات؛ لم تطهر النار خبثه، بل لو خرج منها لعاد خبيثًا كما كان، كالكلب إذا دخل البحر، ثم خرج منه، فلذلك حرم الله تعالى على المشرك الجنة\" (^٢).\n- قال ابن خلدون (ت: ٨٠٨ هـ) ﵀: \"واتبعْ ما أمرك الشارع به في اعتقادك وعملك، فهو أحرص على سعادتك، وأعلم بما ينفعك، لأنه من طور فوق إدراكك، ومن نطاق أوسع من نطاق عقلك، وليس ذلك بقادح في العقل ومداركه، بل العقل ميزان صحيح، وأحكامه يقينية لا كذب فيها، غير أنك لا تطمع أن تزن به أمور التوحيد، والآخرة، وحقيقة النبوة، وحقائق الصفات الإلهية، وكل ما وراء طوره، فإن ذلك طمع في محال، ومثال ذلك رجلٌ رأى الميزان الذي يوزن به الذهب فطمع أن يزن به الجبال، وهذا لا على أن الميزان في أحكامه غير صادق، لكن للعقل حد يقف عنده ولا يتعدى طوره حتى يكون له أن يحيط بالله وبصفاته، فإنه ذرة من ذرات الوجود\" (^٣).\n_________\n(^١) مدارج السالكين ٣/ ٤٥٥. وقال ابن القيم في مدارج السالكين (٣/ ٤٥٤) ما نصه: \"وقد ذكرنا هذه المسألة مستوفاة من كتاب مفتاح دار السعادة وذكرنا هناك نحوا من ستين وجها، تبطل قول من نفى القبح العقلي\".\n(^٢) زاد المعاد ١/ ٦٨.\n(^٣) مقدمة ابن خلدون ص ٦٨٨.","vol":"1","page":211},{"text":"<span data-type='title' id=toc-81>٧٨. ومما يدل على أهميته أن عبودية التوحيد أسمى المقامات.</span>\n- قال ابن كثير: \"وقد سمى الله رسوله بعبده في أشرف مقاماته فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ [الكَهْف: ١]\n﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ [الجِن: ١٩]\n﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإِسْرَاء: ١] فسماه عبدا عند إنزاله عليه وقيامه في الدعوة وإسرائه به\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-82>٧٩. ومما يدل على أهميته أن التوحيد هو الكلمة السواء التي بيننا وبين أهل الكتاب.</span>\nقال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤)﴾ [ال عِمْرَان: ٦٤].\n- قال أبو العالية (ت: ٩٣ هـ) ﵀: \"الكلمة السواء\"، لا إله إلا الله\" (^٢).\n- قال مجاهد (ت: ١٠٤ هـ) ﵀: \" ﴿تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [ال عِمْرَان: ٦٤] كلمة التوحيد: لا إله إلا الله\" (^٣).\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير ١/ ١٣٦\n(^٢) تفسير الطبري (سورة آل عمران: الآية: ٦٤)، تفسير المحرر الوجيز لابن عطية (سورة آل عمران: الآية: ٦٤).\n(^٣) شرح صحيح البخاري لابن بطال ٦/ ١٣٨.","vol":"1","page":212},{"text":"- قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: \" ﴿تَعَالَوْا﴾ هلمّوا ﴿إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ﴾ يعني إلى كلمة عدل ﴿بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ والكلمة العدل: هي أن نوحد الله فلا نعبد غيره، ونبرأ من كل معبود سواه فلا نشرك به شيئا. وقوله: ﴿وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا﴾ يقول: ولا يدين بعضنا لبعض بالطاعة فيما أمر به من معاصي الله، ويعظمه بالسجود له، كما يسجد لربه. ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ يقول: فإن أعرضوا عما دعوتهم إليه من الكلمة السواء التي أمرتك بدعائهم إليها، فلم يجيبوك إليها، فقولوا أيها المؤمنون للمتولين عن ذلك: اشهدوا بأنا مسلمون\" (^١).\n- قال ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩ هـ) ﵀: \"قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ﴾ [ال عِمْرَان: ٦٤] أي: عدل ﴿بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [ال عِمْرَان: ٦٤] يعني: لا إله إلا الله\" (^٢).\n- قال مكي بن أبي طالب (ت: ٤٣٧ هـ) ﵀: \"قوله: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا﴾ [ال عِمْرَان: ٦٤]. الكلمة ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [ال عِمْرَان: ٦٤] وما بعده. وقيل: الكلمة لا إله إلا الله. والسواء: النَصَفَة والعدل والقصد\" (^٣).\n- قال الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ﴾ [ال عِمْرَان: ٦٤] والعرب تسمي كل قصة لها شرح كلمة، ومنه سميت القصيدة كلمة (سواء) عدل بيننا وبينكم مستوية، أي أمر مستو يقال: دعا\n_________\n(^١) تفسير الطبري (سورة آل عمران: الآية: ٦٤).\n(^٢) تفسير القرآن العزيز لابن أبي زمنين. (سورة آل عمران: الآية: ٦٤).\n(^٣) تفسير الهداية إلى بلوغ النهاية لمكي بن أبي طالب. (سورة آل عمران: الآية: ٦٤).","vol":"1","page":213},{"text":"فلان إلى السواء، أي إلى النصفة، وسواء كل شيء وسطه، ومنه قوله تعالى: ﴿فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٥٥)﴾ [الصَّافَّات: ٥٥] وإنما قيل للنصفة سواء لأن أعدل الأمور وأفضلها أوسطها سواء نعت لكلمة إلا أنه مصدر، والمصدر لا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث، فإذا فتحت السين مددت، وإذا كسرت أو ضممت قصرت، كقوله تعالى ﴿مَكَانًا سُوًى (٥٨)﴾ [طه: ٥٨] ثم فسر الكلمة فقال: قوله تعالى: ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [ال عِمْرَان: ٦٤] ومحل (أن) رفع على إضمار هي، وقال الزجاج: رفع بالابتداء، وقيل: محله نصب بنزع حرف الصلة، معناه بأن لا نعبد إلا الله، وقيل: محله خفض بدلًا من الكلمة، أي تعالوا إلى أن لا نعبد إلا الله.\nقوله تعالى: ﴿وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [ال عِمْرَان: ٦٤] كما فعلت اليهود والنصارى، قال الله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التَّوْبَة: ٣١]،\n- وقال عكرمة (ت: ١٠٥ هـ): هو سجود بعضهم لبعض، أي لا نسجد لغير الله، وقيل معناه: لا نطيع أحدا في معصية الله.\nقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا﴾ [ال عِمْرَان: ٦٤] أي فقولوا أنتم يا أمة محمد ﷺ لهم اشهدوا.\nقوله تعالى: ﴿بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤)﴾ [ال عِمْرَان: ٦٤] مخلصون بالتوحيد\" (^١).\n- قال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ) ﵀: \"فالمعنى أجيبوا إلى ما دعيتم إليه،\n_________\n(^١) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة آل عمران: الآية: ٦٤).","vol":"1","page":214},{"text":"وهو الكلمة العادلة المستقيمة التي ليس فيها ميل عن الحق. وقد فسرها بقوله تعالى: ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [ال عِمْرَان: ٦٤] \" (^١).\n- قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: \" ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ﴾ والكلمة تطلق على الجملة المفيدة كما قال هاهنا. ثم وصفها بقوله: ﴿سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ أي: عدل ونصف، نستوي نحن وأنتم فيها. ثم فسرها بقوله: ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾ لا وَثَنا، ولا صنما، ولا صليبا ولا طاغوتا، ولا نارًا، ولا شيئًا بل نُفْرِدُ العبادة لله وحده لا شريك له. وهذه دعوة جميع الرسل، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأَنبِيَاء: ٢٥]. وقال تعالى ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النَّحْل: ٣٦]. ثم قال: ﴿وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [ال عِمْرَان: ٦٤]\n- وقال ابن جُرَيْج (ت: ١٥٠ هـ): يعني: يطيع بعضنا بعضا في معصية الله. وقال عكرمة (ت: ١٠٥ هـ): يعني: يسجد بعضنا لبعض.\n﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤)﴾ [ال عِمْرَان: ٦٤] أي: فإن تولوا عن هذا النَّصَف وهذه الدعوة فأشْهدوهم أنتم على استمراركم على الإسلام الذي شرعه الله لكم\" (^٢).\n_________\n(^١) تفسير الجامع لأحكام القرآن للقرطبي. (سورة آل عمران: الآية: ٦٤).\n(^٢) تفسير ابن كثير (سورة آل عمران: الآية: ٦٤).","vol":"1","page":215},{"text":"- قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: \"هذه الآية الكريمة كان النبي ﷺ يكتب بها إلى ملوك أهل الكتاب، وكان يقرأ أحيانًا في الركعة الأولى من سُنَّة الفجر: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [البَقَرَةِ: ١٣٦] ويقرأ بها في الرَّكعة الآخرة من سنَّة الصبح؛ لاشتمالها على الدعوة إلى دين واحد قد اتَّفق عليه الأنبياء والمرسلون، واحتوت على توحيد الإلهية المبنيِّ على عبادة الله وحده لا شريك له، وأن يعتقد أن البشر وجميع الخلق كلهم في طور البشرية لا يستحقُّ منهم أحدٌ شيئًا من خصائص الرُّبوبية ولا من نعوت الإلهية، فإن انقاد أهل الكتاب وغيرهم إلى هذا فقد اهتدوا\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-83>٨٠. ومما يدل على أهميته أن العبادة لا تُسمَّى عبادةً إلا مع التوحيد.</span>\nقال تعالى: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤].\n- قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: \" ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ﴾ يقول تعالى ذكره: إنني أنا المعبود الذي لا تصلح العبادة إلا له، لا إلَهَ إلا أنا فلا تعبد غيري، فإنه لا معبود تجوز أو تصلح له العبادة سواي ﴿فَاعْبُدْنِي﴾ يقول: فأخلص العبادة لي دون كلّ ما عبد من دوني ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤)﴾ \" (^٢).\n_________\n(^١) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان\"، المعروف بـ\"تفسير السعدي\": (آل عمران: ٦٤).\n(^٢) تفسير الطبري (سورة طه: الآية: ١٤).","vol":"1","page":216},{"text":"قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥)﴾ [الزُّمَر: ٦٥].\n- قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: أي: أوحي إليك وإلى الأنبياء قبلك بالتوحيد، والتوحيد محذوف\" (^١).\n- قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: \"وقوله ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ يقول تعالى ذكره: ولقد أوحي إليك يا محمد ربك، وإلى الذين من قبلك من الرسل ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ يقول: لئن أشركت بالله شيئًا يا محمد، ليبطل عملك، ولا تنال به ثوابًا، ولا تدرك جزاء إلا جزاء من أشرك بالله\" (^٢).\n- قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: \" ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥)﴾ [الزُّمَر: ٦٥] وهذه كقوله: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأَنْعَام: ٨٨] \" (^٣).\n- قال محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي النجدي (ت ١٢٠٦ هـ) ﵀: \"فإذا عرفت أن الله خلقك لعبادته، فاعلم أن العبادة لا تُسمَّى عبادةً إلا مع التوحيد، كما أن الصلاة لا تُسمى صلاة إلا مع الطهارة، فإذا دخل\n_________\n(^١) تفسير القرطبي (سورة الزمر: الآية: ٦٥).\n(^٢) تفسير الطبري (سورة الزمر: الآية: ٦٥).\n(^٣) تفسير ابن كثير (سورة الزمر: الآية: ٦٥).","vol":"1","page":217},{"text":"الشرك في العبادة فسدت، كالحدث إذا دخل في الطهارة\" (^١).\n- قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: \"جميع الأعمال متوقفة في صحتها وقبولها على التوحيد\" (^٢).\nقال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: \" ومن أعظم فضائله: أن جميع الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة متوقفة في قبولها وفي كمالها، وفي ترتب الثواب عليها على التوحيد، فكلما قوي التوحيد والإخلاص لله كملت هذه الأمور وتمت\" (^٣) ..\n\n<span data-type='title' id=toc-84>٨١. ومما يدل على أهميته أن التوحيد إحسان للظن بالله.</span>\nقال تعالى: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [فُصِّلَت: ٢٣].\n- عن قتادة بن دعامة السدوسي (ت: ١١٨ هـ) ﵀ قال: \"الظنّ ظنان، فظنّ منج، وظنّ مُرْدٍ قال: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُّلَاقُوا رَبِّهِمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٤٦] قال ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحَاقَّة: ٢٠] وهذا الظنّ المنجي ظنا يقينا، وقال ها هنا: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ﴾ [فُصِّلَت: ٢٣] هذا ظنّ مُرْدٍ\" (^٤).\n_________\n(^١) رسالة \"القواعد الأربعة\" من: \"متون العقيدة\": ص ٨٥، ط دار الآثار.\n(^٢) القول السديد شرح كتاب التوحيد ص: ٣٦.\n(^٣) القول السديد شرح كتاب التوحيد ص: ٢٤.\n(^٤) تفسير الطبري (سورة فصلت الآية: ٢٣).","vol":"1","page":218},{"text":"- سئل الإمام الشافعي (ت: ٢٠٤ هـ) ﵀، كيف يكون سوء الظن بالله؟ قال: الوسوسة، والخوف الدائم من وقوع مصيبة، وترقب زوال النعمة كلها من سوء الظن بالرحمن الرحيم\" (^١).\n- قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: \"قال الحسن: إنما عمل الناس على قدر ظنونهم بربهم؛ فأما المؤمن فأحسن بالله الظن، فأحسن العمل؛ وأما الكافر والمنافق، فأساءا الظن فأساءا العمل\" (^٢).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"فالشرك والتعطيل مبنيان على سوء الظن بالله، ولهذا قال إمام الحنفاء ﵇ لخصمائه من المشركين: ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصَّافَّات: ٨٦ - ٨٧]، وإن كان المعنى: ما ظنكم به أن يعاملكم ويجازيكم به، وقد عبدتم معه غيره، وجعلتم له ندا؟ فأنت تجد تحت هذا التهديد: ما ظننتم بربكم من السوء حتى عبدتم معه غيره؟\nفإن المشرك إما أن يظن أن الله سبحانه يحتاج إلى من يدبر أمر العالم معه من وزير أو ظهير أو عون، وهذا أعظم التنقيص لمن هو غني عن كل ما سواه بذاته، وكل ما سواه فقير إليه بذاته، وإما أن يظن أنه سبحانه إنما تتم قدرته بقدرة الشريك، وإما أن يظن بأنه لا يعلم حتى يعلمه الواسطة، أو لايرحم حتى تجعله\n_________\n(^١) حلية الأولياء ٩/ ١٢٣.\n(^٢) تفسير الطبري (سورة فصلت الآية: ٢٣).","vol":"1","page":219},{"text":"الواسطة يرحم، أو لا يكفي وحده، أو لا يفعل ما يريد بالعبد حتى يشفع عنده الواسطة، كما يشفع المخلوق عند المخلوق، فيحتاج أن يقبل شفاعته لحاجته إلى الشافع وانتفاعه به، وتكثره به من القلة، وتعززه به من الذلة، أو لا يجيب دعاء عباده، حتى يسألوا الواسطة أن ترفع تلك الحاجات إليه، كما هو حال ملوك الدنيا، وهذا أصل شرك الخلق، أو يظن أنه لا يسمع دعاءهم لبعده عنهم، حتى ترفع الوسائط إليه ذلك، أو يظن أن للمخلوق عليه حقا؛ فهو يقسم عليه بحق ذلك المخلوق عليه، ويتوسل إليه بذلك المخلوق، كما يتوسل الناس إلى الأكابر والملوك بمن يعز عليهم ولا يمكنهم مخالفته.\nوكل هذا تنقص للربوبية، وهضم لحقها، ولو لم يكن فيه إلا نقص محبة الله وخوفه ورجائه والتوكل عليه والإنابة إليه من قلب المشرك؛ بسبب قسمة ذلك بينه سبحانه وبين من أشرك به، فينقص ويضعف أو يضمحل ذلك التعظيم والمحبة والخوف والرجاء؛ بسبب صرف أكثره أو بعضه إلى من عبده من دونه.\nفالشرك ملزوم لتنقص الرب سبحانه، والتنقص لازم له ضرورة، شاء المشرك أم أبى، ولهذا اقتضى حمده سبحانه وكمال ربوبيته ألا يغفره، وأن يخلد صاحبه في العذاب الأليم، ويجعله أشقى البرية، فلا تجد مشركا قط إلا وهو متنقص لله سبحانه، وإن زعم أنه يعظمه بذلك\" (^١).\nوقال تعالى: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ\n_________\n(^١) إغاثة اللهفان ١/ ١٠٣ - ١٠٤.","vol":"1","page":220},{"text":"بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٦)﴾ [الفَتْح: ٦].\n- قال الإمام ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"فلم يجمع على أحد من الوعيد والعقوبة ما جمع على أهل الإشراك، فإنهم ظنوا به ظن السوء حتى أشركوا به، ولو أحسنوا الظن به لوحدوه حق التوحيد\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-85>٨٢. ومما يدل على أهميته أن التوحيد أول الحقوق.</span>\nقال تعالى: ﴿* وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (٣٦)﴾ [النِّسَاء: ٣٦].\n- قال عبد الرحمن بن قاسم (ت: ١٣٩٢ هـ) ﵀ \" قوله ﴿* وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾: \"وتسمى هذه الآية آية الحقوق العشرة، وابتداؤه تعالى بالأمر بالتوحيد والنهي عن الشرك أدل دليل على أنه هو أهمها. فإنه لا يبدأ إلا بالأهم فالأهم. فدلت على أن التوحيد أوجب الواجبات\" (^٢).\nفتسمية هذه الآية بآية الحقوق العشرة لأنها جمعت عشرة حقوق أولها حق\n_________\n(^١) إغاثة اللهفان ١/ ١٠٣.\n(^٢) حاشية الأصول الثلاثة ص ٣٤.","vol":"1","page":221},{"text":"الله تعالى وهو التوحيد، وحق الوالدين، وحق ذي القربى، وحق اليتامى، وحق المساكين، وحق الجار ذي القربى، وحق الجار الجنب، وحق الصاحب، وحق ابن السبيل، وحق ملك اليمين وتلك هي عشرة حقوق\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-86>٨٣. ومما يدل على أهميته أن التوحيد نظامه القدر.</span>\nعَنِ ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄، قَالَ: \"الْقَدَرُ نِظَامُ التَّوْحِيدِ، فَمَنْ وَحَّدَ اللَّهَ ﷿، وَآمَنَ بِالْقَدَرِ، فَهِيَ الْعُرْوَةُ الْوُثْقَى الَّتِي لَا انْفِصَامَ لَهَا، وَمَنْ وَحَّدَ اللَّهَ تَعَالَى، وَكَذَّبَ بِالْقَدَرِ، نَقْضَ التَّوْحِيدَ\" (^٢).\n- قال علي بن خلف بن عبد الملك ابن بطال (ت ٤٤٩ هـ) ﵀: \"فإن قيل: ما معنى قول النبى ﷺ للذى رفع صوته بلا إله إلا الله، «ألا أدلك على كنز الجنة». فقال: «لا حول ولا قوة إلا بالله، ولا إله إلا الله تغنى عن غيرها، وهى المنجية من النار؟» (^٣)، فالجواب: أن النبى ﷺ كان معلما لأمته، وكان\n_________\n(^١) منهم من صنف فيها وسمى كتابه باسمها مثل كتاب آية الحقوق العشرة من تأليف الدكتور عقيل عبد الرحمن العقيل وكتاب آية الحقوق العشرة من تأليف سليمان ابراهيم اللاحم.\n(^٢) السنة لعبد الله بن الإمام أحمد، تحت رقم (٩٢٥، ٩٢٨)، القدر للفريابي تحت رقم (٢٠٥)، والشريعة للآجري صـ ١٩٧، وابن بطة في: الإبانة تحت رقم (١٦١٨، ١٦١٩)، وشرح اعتقاد أهل السنة للالكائي تحت رقم (١١١٢ - ١٢٢٤). ويتقوى بتعدد الطرق إلى الحسن لغيره.\n(^٣) أخرجه النسائي في السنن الكبرى (١١٣٠٣)، وابن ماجه (٣٨٢٥)، وأحمد (٢١٢٩٨) باختلاف يسير، والكلاباذي في «بحر الفوائد» (ص ٢٨٦) واللفظ له.","vol":"1","page":222},{"text":"لا يراهم على حالة من الخير، إلا أحب لهم الزيادة عليها فأحب للذى رفع صوته بكلمة الإخلاص والتوحيد أن يردفها بالتبرؤ من الحول والقوة لله تعالى وإلقاء القدرة إليه، فيكون قد جمع مع التوحيد الإيمان بالقدر\" (^١).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"لا بد من الإيمان بالقدر فإن الإيمان بالقدر من تمام التوحيد كما قال ابن عباس ﵄: هو نظام التوحيد فمن وحد الله وآمن بالقدر تم توحيده، ومن وحد الله، وكذب بالقدر نقض توحيده\" (^٢).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"وبالجملة فكل دليل في القرآن على التوحيد فهو دليل على القدر وخلق أفعال العباد ولهذا كان إثبات القدر أساس التوحيد قال ابن عباس ﵄: \"الإيمان بالقدر نظام التوحيد فمن كذب بالقدر نقض تكذيبه التوحيد\" (^٣) ـ\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"إن الإيمان بالقدر أصل الإيمان بالأمر وهو نظام التوحيد فمن كذب بالقدر نقض تكذيبه إيمانه\" (^٤) ـ\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"والذي دل عليه قول ابن مسعود ﵁، وهو قول الصحابة كلهم وأئمة السنة من التابعين ومن بعدهم هو إثبات القدر الذي هو نظام التوحيد؛ إثبات فعل العبد الاختياري، الذي هو نظام الأمر\n_________\n(^١) شرح صحيح البخاري لابن بطال ١٠/ ١٣٩.\n(^٢) مجموع الفتاوى ٣/ ١١٣.\n(^٣) شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل (ص: ٦٥).\n(^٤) روضة المحبين ونزهة المشتاقين (ص: ٦١).","vol":"1","page":223},{"text":"والنهي، وهو متعلق المدح والذم والثواب والعقاب والله أعلم\" (^١) ـ\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"النبي ﷺ أرشد الأمة في القدر إلي أمرين هما سببا السعادة:\nالإيمان بالأقدار فإنه نظام التوحيد.\nوالإتيان بالأسباب التي توصل إلى خيره وتحجز عن شره وذلك نظام الشرع.\nفأرشدهم إلى نظام التوحيد والأمر؛ فأبى المنحرفون إلا القدح بإنكاره في أصل التوحيد، أو القدح بإثباته في أصل الشرع، ولم تتسع عقولهم التي لم يلق الله عليها من نوره للجمع بين ما جمعت الرسل جميعهم بينه وهو القدر والشرع والخلق والأمر.\nوهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم والنبي ﷺ شديد الحرص على جمع هذين الأمرين للأمة وقد تقدم قوله: «أحرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز» (^٢). وإن العاجز من لم يتسع للأمرين\" (^٣) ـ\n- قال الشيخ حافظ بن أحمد حكمي (ت: ١٣٧٧ هـ) ﵀: \"الإيمان بالقدر نظام\n_________\n(^١) حاشيته على تهذيب السنن (٦/ ١٠٥).\n(^٢) رواه مسلم (٢٦٦٤).\n(^٣) شفاء العليل ١/ ٢٦.","vol":"1","page":224},{"text":"التوحيد كما أن الإيمان بالأسباب التي توصل إلى خيره وتحجز عن شره هي نظام الشرع، ولا ينتظم أمر الدين ويستقيم إلا لمن آمن بالقدر وامتثل الشرع، كما قرر النبي ﷺ الإيمان بالقدر ثم قال لمن قال له: \"أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ قال: «اعملوا فكل ميسر لما خلق له» (^١)، فمن نفى القدر زاعما منافاته للشرع فقد عطل الله تعالى عن علمه وقدرته وجعل العبد مستقلا بأفعالهخالقا لها، فأثبت مع الله تعالى خالقا، بل أثبت أن (جميع المخلوقين خالقون)، ومن أثبته محتجا به على الشرع محاربا له به نافيا عن العبد قدرته واختياره التي منحه الله تعالى إياها وكلفه بحسبها زاعما أن الله كلف عباده ما لا يطاق، كتكليف الأعمى بنقط المصحف، فقد نسب الله تعالى إلى الظلم وكان إمامه في ذلك إبليس لعنه الله تعالى إذ يقول: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦)﴾ [الأَعْرَاف: ١٦] وأما المؤمنون حقا فيؤمنون بالقدر خيره وشره وأن الله خالق ذلك كله، وينقادون للشرع أمره ونهيه ويحكمونه في أنفسهم سرا وجهرا، والهداية والإضلال بيد الله يهدي من يشاء بفضله، ويضل من يشاء بعدله، وهو أعلم بمواقع فضله وعدله ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى (٣٠)﴾ [النَّجْم: ٣٠] وله في ذلك الحكمة البالغة والحجة الدامغة، وأن الثواب والعقاب مترتب على الشرع فعلا وتركا على القدر، وإنما يعزون أنفسهم بالقدر عند المصائب، فإذا وفقوا لحسنه عرفوا الحق لأهله فقالوا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٩٤٩)، ومسلم (٢٦٤٧).","vol":"1","page":225},{"text":"لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأَعْرَاف: ٤٣] ولم يقولوا كما قال الفاجر: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ [القَصَص: ٧٨] وإذا اقترفوا سيئة قالوا كما قال الأبوان: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [الأَعْرَاف: ٢٣] ولم يقولوا كقول الشيطان الرجيم: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ [الحِجْر: ٣٩] وإذا أصابتهم مصيبة قالوا: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦)﴾ [البَقَرَةِ: ١٥٦]، ولم يقولوا كما قال الذين كفروا: ﴿وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١٥٦)﴾ [ال عِمْرَان: ١٥٦] \" (^١).\n_________\n(^١) أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة صـ ٩١ - ٩٢.","vol":"1","page":226},{"text":"<span data-type='title' id=toc-87>الفصل الثاني\nثمرات التوحيد</span>","vol":"1","page":227},{"text":"<span data-type='title' id=toc-88>١. من ثمراته أن التوحيد سببٌ في منع وقوع النفوس في العلو وحب الرئاسة.</span>\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"قال بعض العارفين: ما من نفس إلا وفيها ما في نفس فرعون غير أن فرعون قدر فأظهر. وغيره عجز فأضمر. وذلك: أن الإنسان إذا اعتبر وتعرف نفسه والناس وسمع أخبارهم: رأى الواحد منهم يريد لنفسه أن تطاع وتعلو بحسب قدرته. فالنفس مشحونة بحب العلو والرياسة بحسب إمكانها فتجد أحدهم يوالي من يوافقه على هواه ويعادي من يخالفه في هواه. وإنما معبوده: ما يهواه ويريده.\nقال تعالى ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (٤٣)﴾ [الفُرْقَان: ٤٣] \" (^١).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"فمن كان من المطاعين من العلماء والمشايخ والأمراء والملوك متبعا للرسل: أمر بما أمروا به. ودعا إلى ما دعوا إليه. وأحب من دعا إلى مثل ما دعا إليه. فإن الله يحب ذلك. فيحب ما يحبه الله تعالى. وهذا قصده في نفس الأمر: أن تكون العبادة لله تعالى وحده وأن يكون الدين كله لله.\nوأما من كان يكره أن يكون له نظير يدعو إلى ذلك: فهذا يطلب أن يكون هو المطاع المعبود. فله نصيب من حال فرعون وأشباهه. فمن طلب أن يطاع دون\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١٤/ ٣٢٧.","vol":"1","page":229},{"text":"الله: فهذا حال فرعون. ومن طلب أن يطاع مع الله: فهذا يريد من الناس أن يتخذوا من دون الله أندادايحبونهم كحب الله. والله ﷾ أمر: أن لا يعبد إلا إياه وأن لا يكون الدين إلا له وأن تكون الموالاة فيه والمعاداة فيه. وأن لا يتوكل إلا عليه ولا يستعان إلا به.\nفالمؤمن المتبع للرسل: يأمر الناس بما أمرتهم به الرسل ليكون الدين كله لله لا له. وإذا أمر أحد غيره بمثل ذلك: أحبه وأعانه وسر بوجود مطلوبه. وإذا أحسن إلى الناس فإنما يحسن إليهم: ابتغاء وجه ربه الأعلى. ويعلم أن الله قد من عليه بأن جعله محسنا ولم يجعله مسيئا فيرى أن عمله لله وأنه بالله. وهذا مذكور في فاتحة الكتاب التي ذكرنا أن جميع الخلق محتاجون إليها أعظم من حاجتهم إلى أي شيء. ولهذا فرضت عليهم قراءتها في كل صلاة دون غيرها من السور ولم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في القرآن مثلها. فإن فيها ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفَاتِحَةِ: ٥]. فالمؤمن يرى: أن عمله لله لأنه إياه يعبد وأنه بالله. لأنهإياه يستعين. فلا يطلب ممن أحسن إليه جزاء ولا شكورا. لأنه إنما عمل له ما عمل لله كما قال الأبرار ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (٩)﴾ [الإِنسَان: ٩] ولا يمن عليه بذلك ولا يؤذيه. فإنه قد علم أن الله هو المان عليه إذ استعمله في الإحسان. وأن المنة لله عليه وعلى ذلك الشخص. فعليه هو: أن يشكر الله. إذ يسره لليسرى. وعلى ذلك: أن يشكر الله. إذ يسر له من يقدم له ما ينفعه من رزق أو علم أو نصر أو غير ذلك. ومن الناس: من يحسن إلى غيره ليمن عليه أو يرد الإحسان له بطاعته إليه","vol":"1","page":230},{"text":"وتعظيمه أو نفع آخر. وقد يمن عليه. فيقول: أنا فعلت بك كذا. فهذا لم يعبد الله ولم يستعنه. ولا عمل لله ولا عمل بالله. فهو المرائي. وقد أبطل الله صدقة المنان وصدقة المرائي. قال تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٢٦٤)﴾ [البَقَرَةِ: ٢٦٤] ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٦٥] \" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-89>٢. من ثمراته أن التوحيد جزاؤه الإحسان من الله تعالى.</span>\nقال تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠)﴾ [الرَّحْمَان: ٦٠].\n- قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄ والمفسرون: هل جزاء من قال لا إله إلا الله وعمل بما جاء به محمد ﷺ إلا الجنة\" (^٢).\n- قال ابن عطية الأندلسي (ت: ٥٤٢ هـ) ﵀: \"وحكى النقاش أن النبي ﷺ فسر هذه الآية: «هل جزاء التوحيد إلا الجنة» \" (^٣).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١٤/ ٣٢٨ - ٣٣٠.\n(^٢) بصائر ذوي التمييز ٢/ ٤٦٦؛ تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة الرحمن الآية: ٦٠).\n(^٣) تفسير ابن عطية (سورة الرحمن الآية: ٦٠)، ٥/ ٢٣٤.","vol":"1","page":231},{"text":"<span data-type='title' id=toc-90>٣. من ثمراته أن التوحيد سببٌ في حلول البركة:</span>\nقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأَعْرَاف: ٩٦]\n- قال الشيخ السعدي: \"لمَّا ذكر تعالى أنَّ المكذِّبين للرسل يبتلون بالضَّرَّاء موعظة وإنذارًا، وبالسَّرَّاء استدراجًا ومكرًا، ذكر أن أهل القرى لو آمنوا بقلوبهم إيمانًا صادقًا صدقته الأعمال، واستعملوا تقوى اللّه تعالى ظاهرًا وباطنًا بترك جميع ما حرِّم الله لفتح عليهم بركات السماء والأرض، فأرسل السماء عليهم مدرارًا، وأنبت لهم من الأرض ما به يعيشون وتعيش بهائمُهم، في أخصب عيش وأغزر رزق، من غير عناء ولا تعب، ولا كدٍّ ولا نَصَب، ولكنَّهم لم يؤمنوا ويتقوا: ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾ بالعقوبات والبلايا ونزع البركات، وكثرة الآفات، وهي بعض جزاء أعمالهم، وإلاَّ فلو آخذهم بجميع ما كسبوا، ما ترك عليها من دابة: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١)﴾ [الرُّوم: ٤١] (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-91>٤. من ثمراته أن التوحيد يجعل النفوس سماوية علوية.</span>\n- قال عبد الله بن محمد بن مغيث بن عبد الله الأنصاري: (ت: ٣٥٢ هـ) ﵀: \"أوثق عملي في نفسي ملامة صدري، إني آوي إلى فراشي ولا يأوي إلى صدري\n_________\n(^١) \"تفسير السعدي\": ص ٢٩٨.","vol":"1","page":232},{"text":"غائلة لمسلم\" (^١)\n- قال ابن القيم ﵀: \"النفوس ثلاثة:\nنفس سماوية علوية: فمحبتها منصرفة إلى المعارف واكتساب الفضائل والكمالات الممكنة للإنسان، واجتناب الرذائل، وهي مشغوفة بما يقربها من الرفيق الأعلى وذلك قوتها وغذاؤها ودواؤها فاشتغالها بغيره هو داؤها.\nونفس سبعية غضبية: فمحبتها منصرفة إلى القهر والبغي والعلو في الأرض والتكبر والرئاسة على الناس بالباطل فلذتها في ذلك وشغفها به.\nونفس حيوانية شهوانية: فمحبتها منصرفة إلى المأكل والمشرب والمنكح وربما جمعت الأمرين فانصرفت محبتها إلى العلو في الأرض والفسادكما قال الله تعالى ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤)﴾ [القَصَص: ٤].\nوالحب في هذا العالم دائر بين هذه النفوس الثلاثة، فأي نفس منها صادفت ما يلائم طبعها استحسنته ومالت إليه ولم تصغ فيه لعاذل ولم تأخذها فيه لومة لائم\" (^٢).\n- قال الإمام ابن القيم ﵀: \"فالقلب الطاهر لكمال حياته ونوره وتخلصه من الأدران والخبائث لا يشبع من القرآن، ولا يتغذَّى إلا بحقائقه، ولايتداوى\n_________\n(^١) الصلة لابن بشكوال ١/ ٢٣٧.\n(^٢) روضة المحبين ١/ ٢٥٨.","vol":"1","page":233},{"text":"إلا بأدويته\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-92>٥. من ثمراته أن التوحيد لا يقبل من قلب الموحد أن يكون لغير الله.</span>\n- قال ابن القيم: \"وكما أن السماوات والأرض لو كان فيهما آلهة غيره سبحانه لفسدتا كما قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأَنبِيَاء: ٢٢] فكذلك القلب إذا كان فيه معبود غير الله تعالى فسد فسادًا لا يرجى صلاحه إلا بأن يخرج ذلك المعبود منه، ويكون الله تعالى وحده إلهه ومعبوده الذي يحبه ويرجوه ويخافه ويتوكل عليه وينيب إليه\" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-93>٦. من ثمراته أن التوحيد طهر لصاحبه.</span>\nقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢)﴾ [البَقَرَةِ: ٢٢٢]\n- قال سعيد بن جبير (ت: ٩٥ هـ): \"التوابين من الشرك والمتطهرين من الذنوب\" (^٣).\n- قال مقاتل بن حيان (ت: في حدود ١٥٠ هـ) ﵀: \"يحب التوابين من الذنوب والمتطهرين من الشرك\" (^٤).\n_________\n(^١) إغاثة اللهفان ١/ ٥٥.\n(^٢) إغاثة اللهفان ١/ ٤٩.\n(^٣) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة البقرة. الآية: ٢٢٢).\n(^٤) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة البقرة. الآية: ٢٢٢).","vol":"1","page":234},{"text":"وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾ [الوَاقِعَة: ٧٧ - ٧٩].\n- قال طلق بن حبيب (ت: قبل سنة ١٠٠ هـ) ﵀: \"إن حقوق الله تعالى أعظم من أن يقوم بها العباد، وإن نعم الله أكثر من أن تحصى، ولكن أصبحوا تائبين وأمسوا تائبين\" (^١).\n- قال ابن الجوزي (ت: ٥٩٧ هـ) ﵀: \"المؤمن على طهارة التوحيد من يوم ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأَعْرَاف: ١٧٢] غير أنه لما خالط أوساخ الهوى تدنست ثياب، وليس لها تنظف إلا بماء العلم في بيت العزلة\" (^٢).\n- قال فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ): \"قال تعالى: ﴿* وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإِسْرَاء: ٧٠] فإذا كان الأصل فيه كونه مكرمًا، كان كونه مطهرًا على وفق الأصل، وكونه منسجما على خلاف الأصل، ثم إنا رأينا الإنسان متى أشرك صار نجسًا، بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التَّوْبَة: ٢٨]، فإذا كان الشرك يقتضي كونه نجسًا مع ذلك خلاف الأصل، فكونه موحدًا بأن يقتضي كونه طاهرًا أولى، لأنه على وفق الأصل. وإذا ثبت أن الموحد كامل في كونه طاهرًا وجب أن يكون من خواص الله تعالى، لقوله: ﴿وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ [النُّور: ٢٦] \" (^٣).\n_________\n(^١) حلية الأولياء ٣/ ٦٥.\n(^٢) كتاب اللطائف صـ. ٢٩\n(^٣) عجائب القرآن صـ. ٤٤ - ٤٥.","vol":"1","page":235},{"text":"- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"فإذا كان ورقه لا يمسه إلا المطهرون فمعانيه لا يهتدي بها إلا القلوب الطاهرة. وإذا كان المَلَك لا يدخل بيتًا فيه كلب، فالمعاني التي تحبها الملائكة لا تدخل قلبًا فيه أخلاق الكلاب المذمومة\" (^١).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"فنجد كثيرًا من المتفقهة والمتعبدة، إنما همته طهارة البدن فقط، ويزيد فيها على المشروع اهتماما وعملا. ويترك من طهارة القلب ما أمر به؛ إيجابا، أو استحبابا، ولا يفهم من الطهارة إلا ذلك. ونجد كثيرا من المتصوفة والمتفقرة، إنما همته طهارة القلب فقط؛ حتى يزيد فيها على المشروع اهتماما وعملا؛ ويترك من طهارة البدن ما أمر به إيجابا، أو استحبابا.\nفالأولون يخرجون إلى الوسوسة المذمومة في كثرة صب الماء، وتنجيس ما ليس بنجس، واجتناب ما لا يشرع اجتنابه مع اشتمال قلوبهم على أنواع من الحسد والكبر والغل لإخوانهم، وفي ذلك مشابهة بينة لليهود.\nوالآخرون يخرجون إلى الغفلة المذمومة، فيبالغون في سلامة الباطن حتى يجعلون الجهل بما تجب معرفته من الشر -الذي يجب اتقاؤه من سلامة الباطن، ولا يفرقون بين سلامة الباطن من إرادة الشر المنهي عنه، وبين سلامة القلب من معرفة الشر المعرفة المأمور بها ثم مع هذا الجهل والغفلة قد لا يجتنبون\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٥/ ٥٥٢).","vol":"1","page":236},{"text":"النجاسات، ويقيمون الطهارة الواجبة مضاهاة للنصارى.\nوتقع العداوة بين الطائفتين بسبب ترك حظ مما ذكروا به والبغي الذي هو مجاوزة الحد إما تفريطا وتضييعا للحق، وإما عدوانا وفعلا للظلم. والبغي تارة يكون من بعضهم على بعض وتارة يكون في حقوق الله، وهما متلازمان\" (^١).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀ \"دلت الآية بإشارتها وإيمائها على أنه لا يدرك معانيه ولا يفهمه إلا القلوب الطاهرة، وحرامٌ على القلب المتلوث بنجاسة البدع والمخالفات أن ينال معانيَه، وأن يفهمه كما ينبغي\" (^٢).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"إن الطهر طهران: طهر بالماء من الأحداث والنجاسات، وطهر بالتوبة من الشرك والمعاصي\" (^٣).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"للمعاصي أعظم تأثير في محق بركة العمر والرزق والعلم والعمل. فكل وقت عصيت الله فيه، أو مال عصي الله به، أو بدن، أو جاه، أو علم، أو عمل، فهو على صاحبه، ليس له. فليس عمره وماله وقوته وجاهه وعلمه وعمله إلا ما أطاع الله به\" (^٤).\n_________\n(^١) مجموعالفتاوى ١/ ١٥ - ١٦.\n(^٢) التبيان في أيمان القرآن ٢٣.\n(^٣) بدائع الفوائد ١٣٥.\n(^٤) الجواب الكافي ١/ ٢٠٣.","vol":"1","page":237},{"text":"- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"ذِكرُ الله، والإقبالُ عليه، والإنابةُ إليه، والفزعُ إلى الصلاة، كم قد شُفِيَ به من عليلٍ، وكم قد عُوفِيَ به من مريض\" (^١).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"ومن كانت شيمته التوبة والاستغفار؛ فقد هُدي لأعظم الشيم\" (^٢).\n- قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: \"من أسباب دواعي الإيمان: الإكثار من ذكر الله كل وقت، ومن الدعاء الذي هو مخ العبادة؛ فإن الذكر لله يغرس شجرة الإيمان في القلب، ويغذيها وينميها\" (^٣).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-94>٧. من ثمراته أن السعادة تنال بالتوحيد.</span>\n- قال ابن حزم (ت: ٣٨٤ هـ) ﵀: \"كل أملٍ ظفرت به فعقباه حزنٌ؛ إما بذهابه عنكوإما بذهابك عنه، ولابد من أحد هذين السبيلين.\nإلا العمل لله ﷿، فعقباه على كل حال سرور في عاجل وآجل؛ أما في العاجل، فقلة الهم بما يهتم به الناس، وأنك به معظم من الصديق والعدو، وأما في الآجل فالجنة\" (^٤).\n_________\n(^١) مفتاح دارالسعادة ١/ ٢٥٠.\n(^٢) إغاثة اللهفان ٢/ ٩٥٤.\n(^٣) التوضيح والبيان لشجرة الإيمان ص ٧٨.\n(^٤) الأخلاق والسير ٧٥.","vol":"1","page":238},{"text":"- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"والقرآن كله مملوء من تحقيق هذا التوحيد والدعوة إليه، وتعليق النجاة والفلاح، واقتضاء السعادة في الآخرة به\" (^١).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"في القرآن في مواضع يبين أن الرسل أمروا بعبادة الله وحده لا شريك له ونهوا عن عبادة شيء من المخلوقات سواه وأنأهل السعادة هم أهل التوحيد وأن المشركين هم أهل الشقاوة ويبين أن الذين لم يؤمنوا بالرسل مشركون فعلم أن التوحيد والإيمان بالرسل متلازمان وكذلك الإيمان باليوم الآخر فالثلاثة متلازمة\" (^٢).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"وليس للقلوب سرور ولذة تامة إلا في محبة الله تعالى، والتقرب إليه بما يحبه، ولا تتم محبة الله إلا بالإعراض عن كل محبوب سواه، وهذا حقيقة لا إله إلا الله\" (^٣).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"فالغاية الحميدة التي بها يحصل كمال بني آدم وسعادتهم ونجاتهم عبادة الله وحده، وهي حقيقة قول القائل: لا إله إلا الله، ولهذا بعث الله جميع الرسل، وأنزل جميع الكتب، ولا تصلح النفس وتزكو وتكمل إلا بهذا، كما قال تعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فُصِّلَت: ٦ - ٧] أي لا يؤتون ما تزكو به نفوسهم من التوحيد، والإيمان.\n_________\n(^١) منهاج السنة ٥/ ٣٤٧.\n(^٢) مجموع الفتاوى (١٨/ ٥٥ - ٥٦).\n(^٣) مجموع الفتاوى (٢٨/ ٣٢).","vol":"1","page":239},{"text":"وكل من لم يحصل له هذا الإخلاص لم يكن من أهل النجاة والسعادة كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النِّسَاء: ٤٨] \" (^١).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"فلا حياة للقلوب ولا نعيم ولا سرور ولا أمان ولا طمأنينة إلا بأن تعرف ربها ومعبودها وفاطرها ويكون أحب إليها مما سواه، والإنسان بدون الإيمان بالله لا يمكنه أن ينال معرفة ولا هداية، وبدون اهتدائه إلى ربه لا يكون إلا شقيا معذبا كما هو حال الكافرين.\nفالله تبارك خلق هذا الإنسان وركبه من الجسد والروح وشاء أن يكون خلق الجسد من التراب، قال تعالى: ﴿فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ [الحَج: ٥] وجعل قوام الجسد وحياته من التراب، فهو يأكل ويشرب ويكتسي من الأرض وما فيها، وجعل في هذا الجسد الروح، قال تعالى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ [الحِجْر: ٢٩] وشاء أن يكون قوام هذه الروح وحياتها في معرفة الله وعبادته، فلا شيء أطيب للعبد ولا ألذ ولا أهنأ ولا أنعم لقلبه وعيشه من محبة فاطره وباريه ودوام ذكره والسعي في مرضاته، لذلك فإن من في قلبه أدنى حياة أو محبة لربه وإرادة لوجهه وشوق إلى لقائه، فطلبه لهذا الباب وحرصه على معرفته وازدياده من التبصر فيه، وسؤاله واستكشافه عنه هو أكبر مقاصده وأعظم مطالبه وأجل غاياته، فهذا هوالكمال الذي لا كمال للعبد بدونه، وله خلق الخلق، ولأجله نزل الوحي، وأرسلت الرسل وقامت السموات والأرض، ووجدت الجنة والنار، ولأجله شرعت الشرائع، وأسست الملة، ونصبت القبلة،\n_________\n(^١) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح ٦/ ٢٩.","vol":"1","page":240},{"text":"وهو قطب رحى الخلق والأمر الذي مدارهما عليه.\nوهو بحق أفضل ما اكتسبته القلوب وحصلته النفوس وأدركته العقول، وليست القلوب الصحيحة والنفوس المطمئنة إلى شيء من الأشياء أشوق منها إلى معرفة هذا الأمر ولا فرحها بشيء أعظم من فرحها بالظفر بمعرفة الحق فيه\" (^١).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"السعادة في معاملة الخلق: أن تعاملهم لله فترجو الله فيهم، ولا ترجوهم في الله، وتخافه فيهم، ولا تخافهم في الله، وتحسن إليهم رجاء ثواب الله، لا لمكافأتهم، وتكف عن ظلمهم خوفًا من الله، لا منهم\" (^٢).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"لا يزول فقر العبد وفاقته إلا بالتوحيد، وإذا حصل مع التوحيد الاستغفار؛ حصل للعبد غناه، وسعادته، وزال عنه ما يعذبه\" (^٣).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"من أراد السعادة الأبدية فليلزم عتبة العبودية\" (^٤).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"وهو أكبر من كل شيء، وهو المستحق\n_________\n(^١) الفتوى الحموية ص: ٢٨ - ٢٩.\n(^٢) مجموع الفتاوى ١/ ٥١.\n(^٣) مجموع الفتاوي (١/ ٥٩).\n(^٤) مدارج السالكين ١/ ٤٣١.","vol":"1","page":241},{"text":"للتحميد والتنزيه، هو متصف بذلك كله في نفس الأمر. فالعباد لا يثبتون له بكلامهم شيئًا لم يكن ثابتا له، بل المقصود بكلامهم تحقيق ذلك في أنفسهم، فإنهم يسعدون السعادة التامة، إذاصار أحدهم ليس في نفسه إله إلا الله خلص من شرك المشركين\" (^١).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"وَأَمَّا الْحُزْنُ فَلَمْ يَأْمُرْ اللَّهُ بِهِ وَلَا رَسُولُهُ بَلْ قَدْ نَهَى عَنْهُ فِي مَوَاضِعَ وَإِنْ تَعَلَّقَ بِأَمْرِ الدِّينِ كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾ [ال عِمْرَان: ١٣٩] ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التَّوْبَة: ٤٠] ﴿فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ [يس: ٧٦] ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ [الحَدِيد: ٢٣].\nوَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِيهِ وَمَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ لَا يَأْمُرُ اللَّهُ بِهِ، نَعَمْ وَلَا يَأْثَمُ بِهِ صَاحِبُهُ إذَا لَمْ يَقْتَرِنْ بِحُزْنِهِ مُحَرَّمٌ\nوَقَدْ يَقْتَرِنُ الْحُزْنُ بِمَا يُثَابُ صَاحِبُهُ عَلَيْهِ وَيُحْمَدُ عَلَيْهِ فَيَكُونُ مَحْمُودًا مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ لَا مِنْ جِهَةِ الْحُزْنِ، كَالْحَزِينِ عَلَى مُصِيبَةٍ فِي دِينِهِ وَعَلَى مَصَائِبِ الْمُسْلِمِينَ عُمُومًا، فَهَذَا يُثَابُ عَلَيْهِ عَلَى قَدْرِ مَا فِي قَلْبِهِ مِنْ حُبِّ الْخَيْرِ وَبُغْضِ الشَّرِّ وَتَوَابِعِ ذَلِكَ، وَلَكِنَّ الْحُزْنَ عَلَى ذَلِكَ إذَا أَفْضَى إلَى تَرْكِ مَأْمُورٍ مِنْ الصَّبْرِ وَالْجِهَادِ وَجَلْبِ مَنْفَعَةٍ وَدَفْعِ مَضَرَّةٍ نُهِيَ عَنْهُ وَإِلَّا كَانَ حَسْبَ صَاحِبِهِ رُفِعَ الْإِثْمُ عَنْهُ مِنْ جِهَةِ الْحُزْنِ، وَأَمَّا إذَا أَفْضَى إلَى ضَعْفِ الْقَلْبِ وَاشْتِغَالِهِ بِهِ عَنْ فِعْلِ مَا\n_________\n(^١) جامع المسائل لابن تيمية ٣/ ٢٧٨ - ٢٧٩.","vol":"1","page":242},{"text":"أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ كَانَ مَذْمُومًا وَمَرْدُودًا عَلَيْهِ مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ وَإِنْ كَانَ مَحْمُودًا مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى\" (^١).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"سر عظيم من أسرار التوحيد، وهو أن القلب لا يستقر ولا يطمئن ويسكن إلا بالوصول إليه، وكل ما سواه مما يحب ويراد فمراد لغيره، وليس المراد المحبوب لذاته إلا واحدا إليه المنتهى، ويستحيل أن يكون المنتهى إلى اثنين كما يستحيل أن يكون ابتداء المخلوقات من اثنين، فمن كان انتهاء محبته ورغبته وإرادته وطاعته إلى غيره بطل عليه ذلك، وزال عنه وفارقه أحوج ما كان إليه، ومن كان انتهاء محبته ورغبته ورهبته وطلبه هو سبحانه ظفر بنعمه ولذته وبهجته وسعادته أبد الآباد. \" (^٢).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"وملاك النجاة والسعادة والفوز بتحقيق التوحيدين اللذين عليهما مدار كتب الله تعالى، وبتحقيقهما بعث الله ﷾ رسله عليهم الصلاة والسلام وإليهما رغب الرسل صلوات الله وسلامه عليهم كلهم، من أولهم إلى آخرهم.\nأحدهما: التوحيد العلمي الخبري الاعتقادي المتضمن إثبات صفات الكمال لله تعالى، وتنزيهه فيها عن التشبيه والتمثيل، وتنزيهه عن صفات النقص.\nوالتوحيد الثاني: عبادته وحده لا شريك له، وتجريد محبته والإخلاص له\n_________\n(^١) الآداب الشرعية والمنح المرعية ٢/ ٢٧٧.\n(^٢) الفوائد ص: ٢٠٢.","vol":"1","page":243},{"text":"وخوفه ورجاؤه والتوكل عليه والرضى به ربا وإلها ووليا، وأن لا يجعل له عدلا في شيء من الأشياء.\nوقد جمع ﷾ هذين النوعين من التوحيد في سورتي الإخلاص وهما: سورة ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ المتضمنة للتوحيد العملي الإرادي، وسورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ المتضمنة للتوحيد الخبري العلمي.\nفسورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فيها بيان ما يجب لله تعالى من صفات الكمال، وبيان ما يجب تنزيهه من النقائص والأمثال، وسورة ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ فيها إيجاب عبادته وحده، والتبري من عبادة كل ما سواه.\nولا يتم أحد التوحيدين إلا بالآخر، ولهذا كان النبي ﷺ يقرأ بهاتين السورتين في سنة الفجر والوتر، اللتين هما فاتحة العملوخاتمته، ليكون مبدأ النهار توحيدا وخاتمته توحيدا\" (^١).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"فالنعمة المطلقة: هي المتصلة بسعادة الأبد، وهي نعمة الإسلام والسنة، وهي النعمة التي أمرنا الله سبحانه أن نسأله في صلواتنا؛ أن يهدينا صراط أهلها ومن خصهم بها وجعلهم أهل الرفيق الأعلى، حيث يقول تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩)﴾ [النِّسَاء: ٦٩]. فهؤلاء الأصناف الأربعة هم أهل هذه النعمة المطلقة، وأصحابها\" (^٢).\n_________\n(^١) اجتماع الجيوش الإسلامية ١/ ٨٤ - ٨٦.\n(^٢) اجتماع الجيوش الإسلامية ١/ ٣.","vol":"1","page":244},{"text":"- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"ومن كان انتهاء محبته ورغبته ورهبته وطلبه هو سبحانه ظفر بنعمه ولذته وبهجته وسعادته أبد الآباد\" (^١).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"لا سعادة لهم ولا فلاح ولا صلاح ولا نعيم إلا بأن يعرفوه ويعتقدوه، ويكون هو وحده غاية مطلوبهم، والتقرب إليه قرة عيونهم، فمتى فقدوا ذلك كانوا أسوأ حالا من الأنعام، وكانت الأنعام أطيب عيشا منهم في العاجل وأسلم عاقبة في الآجل\" (^٢).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"فالغاية الحميدة التي يحصل بها كمال بني آدم وسعادتهم ونجاحهم هي معرفة الله ومحبته وعبادته وحده لا شريك له وهي حقيقة قول العبد لا اله إلا الله وبها بعث الرسل ونزلت جميع الكتب ولا تصلح النفس ولا تزكو ولا تكمل إلا بذلك\" (^٣).\nقال حافظ بن أحمد حكمي (ت: ١٣٧٧ هـ) ﵀: \"هي سبيل السعادة في الدارين أي طريقهما لا وصول إليهما إلا بهذه الكلمة\" (^٤) ..\n_________\n(^١) الفوائد: ص: ٢٠٢.\n(^٢) الصواعق المرسلة \"١/ ٣٦٥ - ٣٦٧.\n(^٣) مفتاح دار السعادة ٢/ ١٢٠.\n(^٤) معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول في التوحيد لحافظ الحكمي. صـ ٢٢١.","vol":"1","page":245},{"text":"<span data-type='title' id=toc-95>٨. من ثمراته أن التوحيد يرسخ في الإنسان أنه عبد لله وأنه إليه راجع وهذا معنى إنا لله وإنا إليه راجعون.</span>\n- قال الحسين بن علي (ت: ٦١ هـ) ﵄: \"من اتكل على حسن اختيار الله له لم يتمن غير ما اختار الله له\" (^١).\n- قال الفضيل بن عياض (ت: ١٨٧ هـ) ﵀ لرجل: كم أتت عليك؟ قال: ستون سنة. قال: فأنت منذ ستين سنة تسير إلى ربك توشك أن تبلغ. فقال الرجل: إنا لله وإنا إليه راجعون. فقال الفضيل: أتعرف تفسيره؟ تقول: أنا لله عبد .. وإليه راجعفمن علم أنه لله عبد .. وأنه إليه راجع فليعلم أنه موقوف .. ومن علم أنه موقوف .. فليعلم أنه مسؤول. ومن علم أنه مسؤول .. فليعد للسؤال جوابا. فقال الرجل: فما الحيلة؟ قال: يسيرة. فقال الرجل: ما هي؟ قال: تحسن فيما بقي .. يغفر لك ما مضافإنك إن أسأت فيما بقي .. أخذت بما مضى وبما بقي\" (^٢).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"حقيقة الدين هو الطاعة والانقياد، وذلك إنما يتم بالفعل لا بالقول فقط، فمن لم يفعل لله شيئا فما دان الله دينا، ومن لا دين له فهو كافر\" (^٣).\n_________\n(^١) مدارج السالكين ٢/ ١٧٥.\n(^٢) جامع العلوم والحكم لابن رجب ١/ ٣٨٣.\n(^٣) شرح العمدة ٢/ ٨٦.","vol":"1","page":246},{"text":"- قال إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي الشهير بالشاطبي (ت ٧٩٠ هـ) ﵀: \"المقصد الشرعي مِنْ وضْع الشريعة هو إخراج المكلف عن داعية هواه حتى يكون عبدًا لله اختيارًا كما هو عبد الله اضطرارًا\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-96>٩. من ثمراته أن التوحيد يورث المحبة والإجلال والتعظيم، والخوف والرجاء وتوابع ذلك.</span>\n- قال عمر (ت: ٢٣ هـ) ﵁ في وصيته: \"وشاور في أمورك الذين يخشون الله تعالى\" (^٢).\n- قال الحافظ عبيد الله بن أبي جعفر (ت: ١٣٤ هـ) ﵀: \"ما استعان عبد على دينه بمثل الخشية من الله\" (^٣).\n- قال أبو علي الجوزجاني (ت: في القرن الرابع للهجرة) ﵀: \"ثلاثة أشياء من عقد التوحيد: الخوف، والرجاء، والمحبة\" (^٤).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"التوحيد للخالق بالرغبة إليه والرجاء له، والتوكل عليه، والحب له … فالرسول ﷺ أمر بتلك الأنواع الثلاثة الفاضلة المحمودة التي تصلح أمور أصحابها في الدنيا والآخرة\" (^٥).\n_________\n(^١) الموافقات ٢/ ١١٤.\n(^٢) قوت القلوب ١/ ٣٤٥، مجمع الأمثال للميداني ١/ ٣٧٤.\n(^٣) سير أعلام النبلاء، (٦/ ٩).\n(^٤) شعب الإيمان للبيهقي (٢/ ٧٣).\n(^٥) مجموع الفتاوى ١/ ١٩٥.","vol":"1","page":247},{"text":"- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"وليس للقلوب سرور ولذة تامة إلا في محبة الله تعالى، والتقرّب إليه بما يحبّه، ولا تتمّ محبّة الله إلا بالإعراض عن كل محبوب سواه، وهذا حقيقة لا إله إلا الله\" (^١).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبا﴾ [الأَنبِيَاء: ٩٠] وقال تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السَّجْدَة: ١٦] ولا يتصور أن يخلو داع لله دعاء عبادة أو دعاء مسألة من الرغب والرهب من الخوف والطمع\" (^٢).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"فَمن كَانَ الله يُحِبهُ اسْتَعْملهُ فِيمَا يُحِبهُ ومحبوبه لَا يفعل مَا يبغضه الْحق ويسخطه من الْكفْر والفسوق والعصيان\" (^٣).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"مرض القلب يكون بالحب والبغض الخارجين عن الاعتدال، وهي الأهواء التي قال اللّه فيها: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القَصَص: ٥٠]، وقال: ﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الرُّوم: ٢٩] \" (^٤).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"فَمن كَانَ الله يُحِبهُ اسْتَعْملهُ فِيمَا يُحِبهُ، ومحبوبه لَا يفعل مَا يبغضه الْحق ويسخطه من الْكفْر والفسوق والعصيان\" (^٥).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"وقال الخليل: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٢٨/ ٣٢.\n(^٢) الفتاوى الكبرى ٥/ ٢٢٠.\n(^٣) العبودية (١/ ١١٣).\n(^٤) مجموع الفتاوى ١٠/ ١٤٣.\n(^٥) العبودية ١/ ١١٣.","vol":"1","page":248},{"text":"تَعْبُدُونَ (٢٦)﴾ [الزُّخْرُف: ٢٦] ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزُّخْرُف: ٢٧] والبراءة ضد الولاية وأصل البراءة البغض وأصل الولاية الحب وهذا لأن حقيقة التوحيد ألا يحب إلا الله ويحب ما يحبه الله لله فلا يحب إلا لله ولا يبغض إلا لله. قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البَقَرَةِ: ١٦٥] \" (^١).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"الحنيفية: هي الاستقامة بإخلاص الدين لله وذلك يتضمن حبه تعالى والذل له لا يشرك به شيئا لا في الحب ولا في الذل فإن العبادة تتضمن غاية الحب بغاية الذل وذلك لا يستحقه إلا الله وحده وكذلك الخشية والتقوى لله وحده والتوكل على الله وحده\" (^٢).\n- قال ابن القيم: (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"وروح هذه الكلمة وسرها: إفراد الرب جل ثناؤه، وتقدست أسماؤه، وتبارك اسمه، وتعالى جده، ولا إله غيره بالمحبة والإجلال والتعظيم، والخوف والرجاء، وتوابع ذلك من التوكل والإنابة، والرغبة والرهبة، فلا يحب سواه، وكل ما يحب غيره فإنما يحب تبعا لمحبته، وكونه وسيلة إلى زيادة محبته، ولا يخاف سواه، ولا يرجي سواه، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يرغب إلا إليه، ولا يرهب إلا منه، ولا يحلف إلا بإسمه، ولا ينذر إلا له، ولا يتاب إلا إليه، ولا يسجد إلا له، ولا يذبح إلا له وباسمه، ويجتمع ذلك في حرف واحد، وهو: أن لا يعبد إلا إياه بجميع أنواع العبادة، فهذا\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١٥/ ٤٦٥.\n(^٢) مجموع الفتاوى ١٥/ ٤٦٦.","vol":"1","page":249},{"text":"هو تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله؛ ولهذا حرم الله على النار من شهد أن لا إله إلا الله حقيقة الشهادة، ومحال أن يدخل النار من تحقق بحقيقة هذه الشهادة وقام بها، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ (٣٣)﴾ [المَعَارِج: ٣٣] \" (^١).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"كلما ازدادت معرفة العبد بربه ازدادت هيبته له وخشيته إياه، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاؤُا﴾ [فَاطِر: ٢٨] أي العلماء به، وقال النبي ﷺ: «أنا أعرفكم بالله وأشدكم له خشية» (^٢) \" (^٣).\n- قال ابن رجب (ت: ٧٩٥ هـ) ﵀: \"إنّ تحقق القلب بمعنى لا إله إلا الله وصدقه فيها، وإخلاصه بها يقتضي أن يرسخ فيه تألّه الله وحده، إجلالًا، وهيبة، ومخافة، ومحبة، ورجاء، وتعظيمًا، وتوكلًا، ويمتلئ بذلك، وينتفي عنه تأله ما سواه من المخلوقين، ومتى كان كذلك، لم يبق فيه محبة، ولا إرادة، ولا طلب لغير ما يريده الله ويحبه ويطلبه، وينتفي بذلك من القلب جميع أهواء النفوس وإراداتها، ووساوس الشيطان، فمن أحبّ شيئًا وأطاعه، وأحبّ عليه وأبغض عليه فهو إلهه، فمن كان لا يحبّ ولا يبغض إلا لله، ولا يوالي ولا يعادي إلا له، فالله إلهه حقًّا، ومن أحبّ لهواه، وأبغض لهواه، ووالى عليه،\n_________\n(^١) زاد المعاد ٢/ ٢٢.\n(^٢) رواه البخاري (٦١٠١)، ومسلم (٢٣٥٦). بلفظ: «إني لأعلمهم بالله وأشدهم له خشية». من حديث عائشة ﵂.\n(^٣) روضة المحبين (ص: ٤٠٦).","vol":"1","page":250},{"text":"وعادى عليه، فإلهه هواه\" (^١).\n- قال ابن رجب (ت: ٧٩٥ هـ) ﵀: \"رقة القلوب تنشأ عن الذكر فإن ذكر الله يوجب خشوع القلب وصلاحه ورقته ويذهب الغفلة عنه\" (^٢).\n- قال محمد عبد الرحمن بن عبد الرحيم المباركفورى (ت ١٣٥٣ هـ) ﵀: \"قوله «أفضل الذكر لا إله إلا الله» لأنها كلمة التوحيد والتوحيد لا يماثله شيء وهي الفارقة بين الكفر والإيمان ولأنها أجمع للقلب مع الله وأنفى للغير وأشد تزكية للنفس وتصفية للباطن وتنقية للخاطر من خبث النفس وأطرد للشيطان\" (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-97>١٠. التوحيد مقرون بالعدل والعزة والحكمة في منهج السلف.</span>\n- قال ابن عطية الأندلسي (ت: ٥٤٢ هـ) ﵀: \"الحمد معناه الثناء الكامل، والألف واللام فيه لاستغراق الجنس من المحامد، وهو أعم من الشكر، لأن الشكر إنما يكون على فعل جميل يسدى إلى الشاكر، وشكره حمد ما، والحمد المجرد هو ثناء بصفات المحمود من غير أن يسدي شيئا، فالحامد من الناس قسمان: الشاكر والمثني بالصفات\" (^٤).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"وعلى مذهب السلف: له الملك وله\n_________\n(^١) جامع العلوم والحكم، ١/ ٥٢٤.\n(^٢) لطائف المعارف ١/ ١٣.\n(^٣) تحفة الأحوذي في شرح سنن الترمذي ٩/ ٢٢٩.\n(^٤) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ١/ ٦٦.","vol":"1","page":251},{"text":"الحمد تامين. وهو محمود على حكمته كما هو محمود على قدرته ورحمته.\nوقد قال ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)﴾ [ال عِمْرَان: ١٨] فله الوحدانية في إلهيته وله العدل وله العزة والحكمة. وهذه الأربعة إنما يثبتها السلف وأتباعهم. فمن قصر عن معرفة السنة فقد نقص الرب بعض حقه. والجهمي الجبري لا يثبت عدلا ولا حكمة ولا توحيد إلهية. بل توحيد ربوبيته. والمعتزلي أيضا لا يثبت في الحقيقة توحيد إلهية ولا عدلا في الحسنات والسيئات ولا عزة ولا حكمة في الحقيقة وإن قال: إنه يثبت الحكمة بما معناها يعود إلى غيره. وتلك لا يصلح أن تكون حكمة من فعل لا لأمر يرجع إليه بل لغيره هو عند العقلاء قاطبة بها ليس بحكيم بل سفيه. وإذا كان الحمد لا يقع إلا على نعمة فقد ثبت: أنه رأس الشكر. فهو أول الشكر. والحمد وإن كان على نعمته وعلى حكمته فالشكر بالأعمالهو على نعمته. وهو عبادة له لإلهيته التي تتضمن حكمته. فقد صار مجموع الأمور داخلا في الشكر. ولهذا عظم القرآن أمر الشكر. ولم يعظم أمر الحمد مجردا إذ كان نوعا من الشكر. وشرع الحمد الذي هو الشكر المقول أمام كل خطاب مع التوحيد. ففي الفاتحة: الشكر والتوحيد. والخطب الشرعية لا بد فيها من الشكر والتوحيد. والباقيات الصالحات نوعان. فسبحان الله وبحمده: فيها الشكر والتنزيه والتعظيم. ولا إله إلا الله. والله أكبر: فيها التوحيد والتكبير. وقد قال تعالى: ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غَافِر: ٦٥] \" (^١).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١٤/ ٣٠٩ - ٣١١.","vol":"1","page":252},{"text":"<span data-type='title' id=toc-98>١١. التوحيد مورث لخشية الله تعالى.</span>\nقال تعالى ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاؤُا إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [فَاطِر: ٢٨]\n- قال مطرف بن عبد الله الشخير (ت: ٩٥ هـ) ﵀: \"لأن أبيت نائمًا وأصبح نادمًا؛ أحب إلي من أن أبيت قائمًا فأصبح معجبًا\" (^١).\n- قال أحمد بن صالح الأنطاكي ﵀: \"من كان بالله أعرف؛ كان له أخوف\" (^٢).\n- قال عبد الله بن المبارك (ت: ١٨١ هـ) ﵀: \"إن البُصَرَاء لا يأمنون من أربع: ذنبٍ قد مضى؛ لا يُدرَى ما يصنع فيه الربُّ ﷿، وعمرٍ قد بقي؛ لا يُدرى ما فيه من الهَلَكةِ، وفضل قد أُعطي العبدُ؛ لعله مكرٌ واستدراجٌ، وضلالة قد زُيِّنت؛ يراها هدىً، وزيغِ قلب ساعة؛ فقد يُسلب المرءُ دينه ولا يشعر\" (^٣).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ): ﵀ \"ولن يخاف الرجل غير الله إلا لمرض في قلبه، كما ذكروا أن رجلًا شكى إلى الإمام أحمد بن حنبل ﵀ خوفه من بعض الولاة، فقال: لو صححت لم تخف أحدًا، أي: خوفك من أجل زوال الصحة من قلبك\" (^٤).\n_________\n(^١) الزهد، لعبد الله بن المبارك، (ص ١٥١).\n(^٢) بغية الطالب ٢/ ٨٥٠.\n(^٣) سير أعلام النبلاء ٨/ ٤٠٦.\n(^٤) مجموع الفتاوى ٢٨/ ٤٤٨.","vol":"1","page":253},{"text":"- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ): ﵀: \"المشرك يخاف المخلوقين، ويرجوهم، فيحصل له رعب كما قال تعالى: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ [ال عِمْرَان: ١٥١] والخالص من الشرك يحصل له الأمن كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأَنْعَام: ٨٢] وقد فسر النبي ﷺ الظلم هنا بالشرك\" (^١).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"من خاف من الله خاف منه كل شيء، ومن خاف من غير الله خاف من كل شيء\" (^٢).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"فإذا جرد العبد التوحيد فقد خرج من قلبه خوف ما سواه، وكان عدوه أهون عليه من أن يخافه مع الله، بل يفرد الله بالمخافة وقد أمنه منه. وخرج من قلبه اهتمامه به، واشتغاله به وفكره فيه، وتجرد لله محبة وخشية وإنابة وتوكلا، واشتغالا به عن غيره\" (^٣).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"إنك إن تبيت نائما وتصبح نادما؛ خير من أن تبيت قائما وتصبح معجبا، فإن المعجب لا يصعد له عمل. وإنك إن تضحك وأنت معترف خير من أن تبكي وأنت مدل. وأنين المذنبين أحب إلى الله من زجل المسبحين المدلين. ولعل الله سقاه بهذا الذنب دواء استخرج به\n_________\n(^١) الفتاوى الكبرى ٥/ ٢٣٢.\n(^٢) بدائع الفوائد ٢/ ٢٧٤.\n(^٣) التفسير القيم ص: ٦٥٦.","vol":"1","page":254},{"text":"داء قاتلا هو فيك ولا تشعر\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-99>١٢. من ثمراته أنه كلما قوي التوحيد في قلب العبد قوي إيمانه وطمأنينته وتوكله ويقينه.</span>\n- قال الإمام ابن حبان: \"الواجب على العاقل لزوم التوكل على من تكفل بالأرزاق؛ إذ التوكل هو نظام الإيمان، وهو قرين التوحيد، وهو السبب المؤدي إلى نفي الفقر ووجود الراحة، وما توكل أحد على الله -جل وعلا- من صحة قلبه حتى كان الله -جل وعلا- بما تضمن من الكفالة أوثق عنده بما حوته يده، إلا لم يكله الله إلى عباده، وآتاه رزقه من حيث لم يحتسب\" (^٢).\n- قال ابن تيمية: \"والعبد إذا أنعم الله عليه بالتوحيد فشهد أن لا إله إلا الله مخلصا من قلبه، والإله هو المعبود الذي يستحق غاية الحب والعبودية بالإجلال والإكرام والخوف والرجاء يفنى القلب بحب الله تعالى عن حب ما سواه ودعائه والتوكل عليه وسؤاله عما سواه وبطاعته عن طاعة ما سواهحلاه الله بالأمن والسرور والحبور والرحمة للخلق؛ والجهاد في سبيل الله؛ فهو يجاهد ويرحم. له الصبر والرحمة قال الله تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ [البَلَد: ١٧] وكلما قوي التوحيد في قلب العبد قوي إيمانه وطمأنينته وتوكله ويقينه.\n_________\n(^١) مدارج السالكين، (١/ ١٧٧).\n(^٢) روضة العقلاء - صفحة (٢٠٩).","vol":"1","page":255},{"text":"والخوف الذي يحصل في قلوب الناس هو الشرك الذي في قلوبهم قال الله تعالى: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ﴾ [ال عِمْرَان: ١٥١]. وكما قال الله ﷻ في قصة الخليل ﵇ ﴿أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ﴾ [الأَنْعَام: ٨٠] إلى قوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأَنْعَام: ٨٢]. وفي الحديث الصحيح: \"تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم تعس عبد الخميصة تعس عبد الخميلةتعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش\" (^١).\nفمن كان في قلبه رياسة لمخلوق ففيه من عبوديته بحسب ذلك. فلما خوفوا خليله بما يعبدونه ويشركون به الشرك الأكبر كالعبادة قال الخليل: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأَنْعَام: ٨١] يقول: إن تطيعوا غير الله وتعبدوا غيره وتكلمون في دينه ما لم ينزل به سلطانا: فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون؟ أي تشركون بالله ولا تخافونه وتخوفوني أنا بغير الله فمن ذا الذي يستحق الأمن إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأَنْعَام: ٨٢] أي: هؤلاء الموحدون المخلصون؛ ولهذا قال الإمام أحمد لبعض الناس: لو صححت لم تخف أحدا\" (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٨٨٧).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٢٨/ ٣٦).","vol":"1","page":256},{"text":"وقال ابن تيمية: \"فالتوحيد والإشراك يكون في أقوال القلب، ويكون في أعمال القلب؛ ولهذا قال الجنيد: التوحيد قول القلب، والتوكل عمل القلب أراد بذلك التوحيد الذي هو التصديق، فإنه لما قرنه بالتوكل جعله أصله، وإذا أفرد لفظ التوحيد فهو يتضمن قول القلب وعمله، والتوكل من تمام التوحيد\" (^١).\nقال ابن تيمية: \"والتوكل معنى يلتئم من معنى التوحيد والعقل والشرع، فالموحد المتوكل لا يلتفت إلى الأسباب، بمعنى أنه لا يطمئن إليها، ولا يثق بها، ولا يرجوها، ولا يخافها؛ فإنه ليس في الوجود سبب يستقل بحكم، بل كل سبب فهو مفتقر إلى أمور أخرى تضم إليه، وله موانع وعوائق تمنع موجبه، وما ثم سبب مستقل بالإحداث إلا مشيئة الله وحده، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وما شاء خلقه بالأسباب التي يحدثها ويصرف عنه الموانع، فلا يجوز التوكل إلا عليه\" (^٢).\n- قال الإمام ابن تيمية ﵀: \"كلما قوي طمع العبد في فضل الله ورحمته ورجائه لقضاء حاجته ودفع ضرورته، قويت عبوديته له، وحريته مما سواه\" (^٣).\n- قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: عند تفسير قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ [يُوسُف: ٧٦]. \" … وفيها تنبيه على أن المؤمنَ المتوكّلَ على الله\n_________\n(^١) الفتاوى الكبرى ٥/ ٢٤٠.\n(^٢) منهاج السنة ٥/ ٣٦٦ - ٣٦٧.\n(^٣) مجموع الفتاوى ١٠/ ١٨٤.","vol":"1","page":257},{"text":"إذا كاده الخلقُ فإنّ اللهَ سبحانه يَكيِدُ له وينتصِرُ له بغير حول منه ولا قوة\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-100>١٣. من ثمراته أن التوحيد يصحح عمل القلب.</span>\nعن عبد الله بن عمرو (ت: ٦٥ هـ) ﵄ قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ الْإِيمَانَ لَيَخْلَقُ فِي جَوْفِ أَحَدِكُمْ كَمَا يَخْلَقُ الثَّوْبُ الْخَلِقُ، فَاسْأَلُوا اللَّهَ أَنْ يُجَدِّدَ الْإِيمَانَ فِي قُلُوبِكُمْ» (^٢).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"فالقلب الصحيح: هو الذى همه كله فى الله، وحبه كله له، وقصده له، وبدنه لهوأعماله له، ونومه له، ويقظته له، وحديثه والحديث عنه أشهى إليه من كل حديث، وأفكاره تحوم على مراضيه ومحابه، والخلوة به آثر عنده من الخلطة إلا حيث تكون الخلطة أحب إليه وأرضى له .. قرة عينه به، وطمأنينته وسكونه إليه، فهو كلما وجد من نفسه التفاتا إلى غيره تلا عليها ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي\n_________\n(^١) الفتاوى الكبرى (٦/ ١٣٢).\n(^٢) رواه الحاكم النيسابوري، في المستدرك على الصحيحين، عن عبد الله بن عمرو، الصفحة أو الرقم: ٥، صحيح.","vol":"1","page":258},{"text":"فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفَجْر: ٢٧ - ٣٠] \" (^١).\n- قال علي بن خلف بن عبد الملك بن بطال (ت: ٤٤٩ هـ) ﵀: \"فينبغي للمؤمن أن لا يزهد في قليلٍ من الخير يأتيه، ولا يستقل قليلًا من الشرِّ يجتنبُه فيحسبه هينًا؛ وهو عند الله عظيمٌ، فإنّ المؤمن لا يعلم الحسنةَ التي ي ﵀ بها، ولا يعلم السيئة التي يسخط الله عليه بها\" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-101>١٤. من ثمراته أن التوحيد إذا كمل في القلب حبب الله لصاحبه الإيمان وزينه في قلبه، وكره إليه الكفر والفسوق والعصيان.</span>\nقال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ [الحُجُرَات: ٧].\n- قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀ في تفسيره لهذه الآية: \"هؤلاء الذين حبَّب الله إليهم الإيمان، وزيَّنه في قلوبهم، وكرّه إليهم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون السالكون طريق الحق\" (^٣).\n- قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: \"ومن فضائل التوحيد: أنه يسهل على العبد فعل الخير وترك المنكرات ويسليه عن\n_________\n(^١) إغاثة اللهفان ١/ ٧٣.\n(^٢) شرح البخاري لابن بطال ١٠/ ١٩٨.\n(^٣) تفسير الطبري (سورة الحجرات: الآية: ٧).","vol":"1","page":259},{"text":"المصيبات، فالمخلص لله في إيمانه وتوحيده تخف عليه الطاعات لما يرجو من ثواب ربه ورضوانه، ويهون عليه ترك ما تهواه النفس من المعاصي، لما يخشى من سخطه وعقابه، فالتوحيد إذا كمل في القلب حبب الله لصاحبه الإيمان وزينه في قلبه، وكره إليه الكفر والفسوق والعصيان، وجعله من الراشدين\" (^١).\n- قال ابن أبي زيد القيرواني (المتوفى: ٣٨٥ هـ) ﵀: \"تفضل الله على من أطاعه فوفقه، وحبب الإيمان إليه فيسره له، وشرح له صدره فهداه، و﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾ [الكَهْف: ١٧]. وخذل من عصاه وكفر به فأسلمه ويسره لذلك فحجبه وأضله، ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكَهْف: ١٧] \" (^٢).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"كلما قوي التوحيد في قلب العبد قوي إيمانه وطمأنينته وتوكله ويقينه\" (^٣).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"والقرآن يعطي العلم المفصل فيزيد الإيمان كما قال جندب بن عبد الله (ت: ٧٠ هـ تقريبًا) ﵁، وغيره من الصحابة: \"تعلمنا الإيمان ثم تعلمنا القرآن فازددنا إيمانا\" (^٤).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) رحمهالله: \"وكمال العبد بحسب هاتين القوتين العلم والحب، وأفضل العلم العلم بالله، وأعلى الحب الحب له، وأكمل اللذة\n_________\n(^١) القول السديد شرح كتاب التوحيد ص: ٢٤.\n(^٢) كتاب الجامع ص: ١١٠.\n(^٣) مجموع الفتاوى ٢٨/ ٣٥.\n(^٤) مجموع الفتاوى ٤/ ٣٨.","vol":"1","page":260},{"text":"بحسبهما والله المستعان\" (^١).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"علامة موت القلب أنه لا تؤلمه جراحات القبائح\" (^٢).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) رحمهالله: \"القلب المعلق بالشهوات لا يصح له زهد ولا ورع\" (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-102>١٥. من ثمراته أن التوحيد يحيط الله صاحبه بما يؤدبه ويهذبه.</span>\nقوله تعالى: ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (٤٢)﴾ [الأَنْعَام: ٤٢].\nقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ (٧٦)﴾ [المُؤْمِنُون: ٧٦]\n- قال ابن الجوزي (ت: ٥٩٧ هـ) ﵀: \"تّأمّلتُ وقوعَ الشّدائد بالمُؤمنِ، ووجه الحكمة في ذلك؛ فوجدتُ المُرادَ إقَامَةَ القَلْبِ على بابِ الرّبِّ ﷾\" (^٤).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"من الخير الذي يحصل بالمصيبة:\n_________\n(^١) كتاب الفوائد ص: ٥٣.\n(^٢) إغاثةاللهفان: (١/ ١١٣).\n(^٣) الفوائد ص: ١١٨.\n(^٤) صيد الخاطر (٤٠٢).","vol":"1","page":261},{"text":"دعاء الله والتضرع إليه؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (٤٢)﴾ [الأَنْعَام: ٤٢] وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ [المُؤْمِنُون: ٧٦] ودعاء الله والتضرع إليه من أعظم النعم\" (^١).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"كل من حدثته نفسُه بذنبٍ فكرهه ونفاه عن نفسه وتركه لله، ازداد صلاحًا وبِّرًا وتقوى\" (^٢).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"لا يستقيم لأحد قط الأدب مع الله إلا بثلاثة أشياء: معرفته بأسمائه وصفاته؛ ومعرفته بدينه وشرعه، وما يحب وما يكره؛ ونفس مستعدة قابلة لينة، متهيئة لقبول الحق علمًا وعملًا وحالًا\" (^٣).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"يؤدب الله عبده المؤمن الذي يحبه وهو كريم عنده بأدنى زلة أو هفوة، فلا يزال مستيقظا حذرا، وأما من سقط من عينه وهان عليه فإنه يخلي بينه وبين معاصيه، وكلما أحدث ذنبا أحدث له نعمة، والمغرور يظن أن ذلك من كرامته عليه ولا يعلم أن ذلك عين الإهانة، وأنه يريد به العذاب الشديد، والعقوبة التي لا عاقبة معها \" (^٤).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"إذا ابتلى الله عبده بشيء من أَنواع\n_________\n(^١) جامع المسائل ٩/ ٤٠٨.\n(^٢) مجموع الفتاوى ١٠/ ٧٦٧ ..\n(^٣) مدارج السالكين ٢/ ٣٦٥.\n(^٤) زاد المعاد ٣/ ٥٠٦.","vol":"1","page":262},{"text":"البلايا والمحن؛ فإن ردّه ذلك الابتلاء والمحن إلى ربه وطرحه ببابه فهو علامة سعادته وإرادة الخير به.\nوإِن لم يردّه ذلك البلاء إليه بل شرد قلبه عنه وأنساه ذكر ربه والرجوع إليه فهو علامة شقاوته وإرادة الشر به\" (^١).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀ \"أنواع الأدب مع الله:\n• أحدها: صيانة معاملته أن يشوبها بنقيصة.\n• الثاني: صيانة قلبه أن يلتفت إلى غيره.\n• الثالث: صيانة إرادته أن تتعلق بما يمقتك عليه\" (^٢).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"لولا محن الدنيا ومصائبها لأصاب العبد من أدواء الكبر والعجب والفرعنة وقسوة القلب ماهو سبب هلاكه عاجلا وآجلًا\" (^٣).\n- قال الإمام ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"الشوق إلى الله ولقائه نسيمٌ يهب على القلب؛ يروح عنه وهج الدنيا\" (^٤).\n_________\n(^١) طريق الهجرتين ١/ ٢٥٩.\n(^٢) مدارج السالكين ٢/ ٣٧٦.\n(^٣) زاد المعاد ٤/ ١٧٩.\n(^٤) الفوائد ص ٩٨.","vol":"1","page":263},{"text":"<span data-type='title' id=toc-103>١٦. من ثمراته أن التوحيد يفتح أبواب الخير.</span>\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"وقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ﴾ [الأَنبِيَاء: ٨٧] تحقيق لتوحيد الإلهية، فإن الخير لا موجب له إلا مشيئة الله، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، والمعوق له من العبد هو ذنوبه، وما كان خارجا عن قدرة العبد فهو من الله، وإن كانت أفعال العباد بقدر الله تعالى، لكن الله جعل فعل المأمور وترك المحظور سببا للنجاة، والسعادة، فشهادة التوحيد تفتح باب الخير، والاستغفار من الذنوب يغلق باب الشر.\nولهذا ينبغي للعبد أن لا يعلق رجاءه إلا بالله ولا يخاف من الله أن يظلمه؛ فإن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون؛ بل يخاف أن يجزيه بذنوبه، وهذا معنى ما روي عن علي ﵁ أنه قال: لا يرجون عبد إلا ربه ولا يخافن إلا ذنبه.\nوفي الحديث المرفوع: إلى النبي ﷺ «أنه دخل على مريض فقال: كيف تجدك؟ فقال أرجو الله وأخاف ذنوبي، فقال: ما اجتمعا في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجو وآمنه مما يخاف».\nفالرجاء ينبغي أن يتعلق بالله، ولا يتعلق بمخلوق ولا بقوة العبد ولا عمله، فإن تعليق الرجاء بغير الله إشراك، وإن كان الله قد جعل لها أسبابا فالسبب لا يستقل بنفسه، بل لا بد له من معاون، ولا بد أن يمنع المعارض المعوق له وهو لا يحصل ويبقى إلا بمشيئة الله تعالى\" (^١).\n_________\n(^١) الفتاوى الكبرى ٥/ ٢٣١ - ٢٣٢.","vol":"1","page":264},{"text":"- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"المسلم الصادق إذا عبد الله بما شرع فتح الله عليه أنوار الهداية في مدة قريبة\" (^١).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀ عند تعليقه على قوله تعالى: ﴿مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ [المَائِدَة: ٥٠] \"وهل تركت الشريعة خيرا ومصلحة إلا جاءت به وأمرت به وندبت إليه وهل تركت شرا ومفسدة إلا نهت عنه\" (^٢).\n- قال محمد بن عبد الرؤف المناوي (ت: ١٠٣١ هـ) ﵀: \"أشرف العِبادات ولب الطّاعات: أن يتوجه القلب بهمومه كُلّها إلى مولاه، فإذا نزل به ضيق انتظر فرجه منه؛ لا من سواه\" (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-104>١٧. من ثمراته أن التوحيد صفاء للعيش وطيب للحياة.</span>\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"وليس في الكائنات ما يسكن العبد إليه ويطمئن به، ويتنعم بالتوجه إليه؛ إلا الله سبحانه؛ ومن عبد غير الله وإن أحبه وحصل له به مودة في الحياة الدنيا ونوع من اللذة فهو مفسدة لصاحبه أعظم من مفسدة أكل الطعام المسموم\" (^٤).\n_________\n(^١) الاستقامة (١/ ١٠٠٧).\n(^٢) شفاء العليل ١/ ١٢٦.\n(^٣) فيض القدير ٢/ ٤٤.\n(^٤) مجموع الفتاوى ١/ ٢٣.","vol":"1","page":265},{"text":"- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"ينبغي للإنسان أن تكون له ساعات يناجي فيها ربه، ويخلو فيها بنفسه ويحاسبها، ويكون فعله ذلك أفضل من اجتماعه بالناس ونفعهم، ولهذا كانت خلوة الإنسان في الليل بربه أفضل من اجتماعه بالناس\" (^١).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀ نقلًا عن بعض الصالحين: \"من عرف الله تعالى صفا له العيش، فطابت له الحياة، وهابه كل شيء، وذهب عنه خوف المخلوقين، وأنس بالله \" (^٢).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"وكما أن ثمار الجنة لا مقطوعة ولا ممنوعة، فثمرة التوحيد والإخلاص في الدنيا كذلك\" (^٣).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"الإخلاص: استواء أعمال العبد في الظاهر والباطن. والرياء: أن يكون ظاهره خيرا من باطنه. والصدق في الإخلاص: أن يكون باطنه أعمر من ظاهره\" (^٤).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"الذكر: هو قوت قلوب القوم، وهو سلاحهم الذي يقاتلون به، وماؤهم الذي يطفئون به التهاب الطريق، ودواء أسقامهم، يستدفعون الآفات، ويستكشفون الكربات، وتهون عليهم به المصيبات،\n_________\n(^١) شرح العمدة لابن تيمية ٢/ ٦٥٠.\n(^٢) مدارج السالكين ٣/ ٣١٧.\n(^٣) الفوائد ص ١٦٤.\n(^٤) مدارج السالكين ٢/ ٩١.","vol":"1","page":266},{"text":"إذا أظلهم البلاء فإليه ملجؤهم، وإذا نزلت بهم النوازل فإليه مفزعهم\" (^١).\n- قال الإمام ابن رجب (ت: ٧٩٥ هـ) ﵀: \"فمن أنس باللَّه في الدنيا، واشتاق إِلَى لقائه، فقد فاز بأعظم لذّة يمكن لبشر الوصول إليها في هذه الدار\" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-105>١٨. من ثمراته أن التوحيد يدعو إلى محبة الله.</span>\nعن عائشة (ت: ٥٨ هـ) ﵁ ا؛ أن النبي ﷺ بعث رجلًا على سرية، وكان يقرأ لأصحابه في صلاته، فيختم بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾، فلما رجعوا؛ ذكروا ذلك للنبي ﷺ، فقال: «سلوه: لأي شيء يصنع ذلك؟». فسألوه، فقال: لأنها صفة الرحمن، وأنا أحب أن أقرأ بها. فقال النبي ﷺ: «أخبروه أن الله يحبه» (^٣).\nعن أنس بن مالك (ت: ٩٠ هـ) ﵁ قال: كانَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ يَؤُمُّهُمْ في مَسْجِدِ قُباءٍ، وكانَ كُلَّما افْتَتَحَ سُورَةً يَقْرَأُ بها لهمْ في الصَّلَاةِ ممَّا يَقْرَأُ به افْتَتَحَ: بقُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ حتَّى يَفْرُغَ مِنْها، ثُمَّ يَقْرَأُ سُورَةً أُخْرَى معها، وكانَ يَصْنَعُ ذلكَ في كُلِّ رَكْعَةٍ، فَكَلَّمَهُ أصْحابُهُ، فقالوا: إنَّكَ تَفْتَتِحُ بهذِه السُّورَةِ، ثُمَّ لَا تَرَى أنَّها تُجْزِئُكَ حتَّى تَقْرَأَ بأُخْرَى، فَإِمَّا تَقْرَأُ بها وإمَّا أنْ تَدَعَها، وتَقْرَأَ بأُخْرَى فقالَ: ما أنا بتارِكِها، إنْ أحْبَبْتُمْ أنْ أؤُمَّكُمْ بذلكَ فَعَلْتُ، وإنْ كَرِهْتُمْ تَرَكْتُكُمْ، وكانُوا يَرَوْنَ\n_________\n(^١) مدارج السالكين (٢/ ٣٩٦)\n(^٢) مجموع الرسائل ١/ ١٨١.\n(^٣) رواه البخاري (٧٣٧٥)، ومسلم (٨١٣).","vol":"1","page":267},{"text":"أنَّه مِنْ أفْضَلِهِمْ، وكَرِهُوا أنْ يَؤُمَّهُمْ غَيْرُهُ، فَلَمَّا أتاهُمُ النبيُّ ﷺ أخْبَرُوهُ الخَبَرَ، فقالَ: «يا فُلَانُ، ما يَمْنَعُكَ أنْ تَفْعَلَ ما يَأْمُرُكَ به أصْحابُكَ، وما يَحْمِلُكَ علَى لُزُومِ هذِه السُّورَةِ في كُلِّ رَكْعَةٍ» فقالَ: إنِّي أُحِبُّها، فقالَ: «حُبُّكَ إيَّاها أدْخَلَكَ الجَنَّةَ» (^١).\n- قال الصحابي الجليل أبو الدرداء (ت: مابين ٣٢ - ٣٨ هـ) ﵁: \"إن شئتم لأُقسمنَّ لكم؛ إنَّ أحب العباد إلى الله: الذين يحبُّون الله، ويحببون الله إلى عباده\" (^٢).\n- قال الربيع بن أنس (ت: ١٣٩ هـ) ﵀: \"علامة حب الله: كثرة ذكره، فإنك لا تحب شيئا إلا أكثرت من ذكره\" (^٣).\n- قال إبراهيم الحربي (ت: ٢٥٨ هـ) ﵀: سمعت أحمد بن حنبل (ت: ٢٤١ هـ) ﵀ يقول: \"إن أحببت أن يدوم الله لك على ما تحب فدم له على ما يحب\" (^٤).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"وليس للقلوب سرور ولذة تامة إلا في محبة الله تعالى، والتقرب إليه بما يحبه، ولا تتم محبة الله إلا بالإعراض عن\n_________\n(^١) أخرجه البخاري معلقًا بصيغة الجزم (٧٧٤)، وأخرجه موصولًا الترمذي (٢٩٠١).\n(^٢) المصنف، لابن أبي شيبة (٣٤٦٠٣).\n(^٣) مدارج السالكين ٢/ ١٦٣.\n(^٤) البداية والنهاية ١٠/ ٣٦٣.","vol":"1","page":268},{"text":"كل محبوب سواه، وهذا حقيقة لا إله إلا الله\" (^١).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"فَمن كَانَ الله يُحِبهُ اسْتَعْملهُ فِيمَا يُحِبهُ، ومحبوبه لَا يفعل مَا يبغضه الْحق ويسخطه من الْكفْر والفسوق والعصيان\" (^٢).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"العبادة تتضمن: كمال الحب، وكمال التعظيم، وكمال الرجاء، والخشية، والإجلال، والإكرام\" (^٣).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"ومحبة التوحيد إنما تكون لله وحده على متابعة رسوله؛ كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [ال عِمْرَان: ٣١]، فلهذا يكون أهل الاتباع فيهم جهاد ونية في محبتهم؛ يحبون لله ويبغضون له. وهم على ملة إبراهيم. والذين معه ﴿إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [المُمْتَحنَة: ٤] وأولئك محبتهم فيها شرك وليسوا متابعين للرسول ولا مجاهدين في سبيل الله فليست هي المحبة الإخلاصية. فإنها مقرونة بالتوحيد\" (^٤).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"فالمحب الصادق: إن نطق نطق لله\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٢٨/ ٣٢.\n(^٢) العبودية (١/ ١١٣)\n(^٣) مجموعالفتاوى ١٠/ ٤٨٨.\n(^٤) مجموعالفتاوى ١٥/ ٦١٤.","vol":"1","page":269},{"text":"وبالله، وإن سكت سكت لله، وإن تحرك فبأمر الله، وإن سكن فسكونه استعانة على مرضاة الله، فهو لله وبالله ومع الله\" (^١).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"ومن كان انتهاء محبته ورغبته ورهبته وطلبه هو سبحانه ظفر بنعمه ولذته وبهجته وسعادته أبد الآباد\" (^٢).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"إن الحديد إذا لم يستعمل غشيه الصدأ حتى يفسده كذلك القلب إذا عطل من حب الله والشوق إليه وذكره غلبه الجهل حتى يميته ويهلكه\" (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-106>١٩. من ثمراته أن التوحيد حامل على تعظيم الله والحياء منه.</span>\nقال تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣)﴾ [نُوح: ١٣].\n- قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: \"لا تعظمون الله حق عظمته، أي: لا تخافون من بأسه ونقمته\" (^٤).\n- قال الحسن البصري (ت: ١١٠ هـ) ﵀: \"ما لكم لا تعرفون لله حقا ولا تشكرون له نعمة (^٥).\n_________\n(^١) مفتاح دار السعادة ١/ ٤٥٣.\n(^٢) الفوائد: ص: ٢٠٢.\n(^٣) روضة المحبين ١/ ١٦٦.\n(^٤) تفسير ابن كثير (سورة نوح الآية: ١٣).\n(^٥) تفسير القرطبي (سورة نوح الآية: ١٣).","vol":"1","page":270},{"text":"- قال قتادة بن دعامة السدوسي (ت: ١١٨ هـ) ﵀: ما لكم لا ترجون لله عاقبة؛ كأن المعنى ما لكم لا ترجون لله عاقبة الإيمان.\n- قال وهب بن كيسان (ت: ١٢٧ هـ) ﵀: \"ما لكم لا ترجون في عبادة الله وطاعته أن يثيبكم على توقيركم خيرا\" (^١).\n- قال ابن زيد (ت: ١٨٢ هـ) ﵀: \"ما لكم لا تؤدون لله طاعة\" (^٢).\n- قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ): \"معنى ذلك: ما لكم لا تخافون لله عظمة\" (^٣).\n- قال أبو مسلم محمد بن بحر الأصفهاني (ت: ٣٢٢ هـ) ﵀: إن الوقار الثبات لله ﷿؛ ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأَحْزَاب: ٣٣]، أي اثبتن. ومعناه ما لكم لا تثبتون وحدانية الله تعالى وأنه إلهكم لا إله لكم سواه؛ \" (^٤).\n- قال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ) ﵀: \"والوقار: العظمة. والتوقير: التعظيم، وقيل: ما لكم لا توحدون الله؛ لأن من عظمه فقد وحده\" (^٥).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"فإن عظمة الله تعالى وجلاله في\n_________\n(^١) تفسير القرطبي (سورة نوح الآية: ١٣).\n(^٢) تفسير القرطبي (سورة نوح الآية: ١٣).\n(^٣) تفسير الطبري (سورة نوح الآية: ١٣).\n(^٤) تفسير القرطبي (سورة نوح الآية: ١٣).\n(^٥) تفسير القرطبي (سورة نوح الآية: ١٣).","vol":"1","page":271},{"text":"قلب العبد يقتضي تعظيم حرماته، وتعظيم حرماته يحول بينه وبين الذنوب والمتجرئون على معاصيه ما قدروه حق قدره\" (^١).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"من وقارهِ أن يستحي منه في الخلوة أعظم مما يستحي من أكابر النّاس\" (^٢).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: قال بعض السلف: \"أكبر الكبائر الأمن من مكر الله، والقنوط من رحمة الله\" (^٣).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"على قدر المعرفة يكون تعظيم الرب تعالى في القلب. وأعرف الناس به: أشدهم له تعظيما وإجلالا\" (^٤).\n- قال محمد بن مفلح (ت: ٧٦٣ هـ) ﵀: \"إِنَّ اللَّهَ بِحَمْدِهِ نَزَّهَ الْإِسْلَامَ عَنْ كُلِّ قَبِيحَةٍ، وَأَكْرَمَهُ عَنْ كُلِّ رَذِيلَةٍ وَرَفَعَهُ عَنْ كُلِّ دَنِيئَةٍ، وَشَرَّفَهُ بِكُلِّ فَضِيلَةٍ، وَجَعَلَ سِيمَا أَهْلِهِ الْوَقَارَ وَالسَّكِينَةَ\" (^٥).\n- قال محمد بن أحمد السفاريني (ت: ١١٨٨ هـ) ﵀: \"فإذا رأيت إنسانًا لا يبالي بما أصابه في دينه؛ من ارتكاب الذنوب، وفوات الجمعة والجماعة، وأوقات الطاعات؛ فاعلم أنه ميت لا يحس بألم المصيبة، فإنك لا تُسمع\n_________\n(^١) الجواب الكافي، لابن القيم، ص ١٣٤.\n(^٢) الفوائد ١٨٨.\n(^٣) الفوائد ص: ١٧٩.\n(^٤) مدارج السالكين ٣/ ٤٦٣.\n(^٥) الآداب الشرعية ١/ ٣٥٩.","vol":"1","page":272},{"text":"الموتى\" (^١).\n- قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀ عند تفسير قوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣)﴾ [نُوح: ١٣]: \" أي: لا تخافون لله عظمة، وليس لله عندكم قدر\" (^٢)\n\n<span data-type='title' id=toc-107>٢٠. من ثمراته أن التوحيد إظهار لكمال سلطان الله وغلبته وقهره وهيمنته على. كل شيء.</span>\nقال تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَهُمْ عَدًّا (٩٤)﴾ [مَرْيَم: ٩٣ - ٩٤].\nقال تعالى: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ [ال عِمْرَان: ٨٣].\nقال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢].\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"ولا شك أن من عرف هذه الصفات وغيرها من صفات الكمال والعظمة، فإنه سيعبد الله وحده؛ لأنه الإله المستحق للعبادة. فالذي يستحق العبادة وحده من يملك القدرة على كل شيء، والإحاطة بكل شيءٍ، وكمال السلطان والغلبة والقهر والهيمنة على كل شيءٍ،\n_________\n(^١) غذاءالألباب ٢/ ٣٣٤.\n(^٢) تفسير السعدي (سورة نوح الآية: ١٣).","vol":"1","page":273},{"text":"والعلم بكل شيء، ويملك الدنيا والآخرة، والنفع والضر، والعطاء والمنع بيده وحده، فمن كان هذا شأنه فإنه حقيق بأن يُذكَر فلا يُنسى، ويُشكر فلا يُكفر، ويُطاع فلا يُعصى، ولا يُشرك معه غيره\" (^١).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀:: \"فتأمل آيات التوحيد والصفات في القرآن على كثرتها وتفننها واتساعها وتنوعها كيف تجدها كلها قد أثبتت الكمال للموصوف بها وأنه المتفرد بذلك الكمال فليس له فيه شبه ولا مثال\" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-108>٢١. من ثمراته أن التوحيد يستفتح به النهار ويختتم.</span>\n- فعَنْ أبي بن كعب (ت: ٣٠ هـ تقريبًا) ﵄ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُوتِرُ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى، وَقُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ» (^٣).\n- عَنِ ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُوتِرُ بِثَلَاثٍ: بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى، وَقُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، وَقُلْ هُوَ اللَّهُ\n_________\n(^١) انظر: تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي.، ١/ ٢٣٧، ٣/ ٧١، ٢/ ٨٨، ٣٧٢، وتفسير ابن كثير، ١/ ٣٠٩، ٢/ ٥٧٢، ٣/ ٤٢، ٢/ ١٢٧، ٤٣٥، ٥٧٠، ١/ ٣٤٤، ٢/ ١٣٨، وتفسير السعدي، ١/ ٣١٣، ٧/ ٦٨٦، ٢/ ٣٨١، ٣/ ٣٩٧، ٤/ ٢٠٤، ٦/ ٣٦٤، ١/ ٣٥٦، ٢/ ٣٧٢، وأضواء البيان، ٢/ ١٨٧، ٣/ ٢٧١.\n(^٢) الصواعق المرسلة ٣/ ٩١٦.\n(^٣) رواه النسائي (١٧٣٠)، ورواه ابن ماجة (١١٧١)، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجة.","vol":"1","page":274},{"text":"أَحَدٌ» (^١).\n- عن أبي هريرة (ت: ٥٨ هـ) ﵁ أن رسول الله ﷺ «قَرَأَ فِي رَكعَتَي الفَجرِ \"قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ \" و\" قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ \"» (^٢).\nومما يدل على أهمية التوحيد أن المصطفى ﵊ كان يستفتح يومه بالتوحيد حيث يقرأ في ركعتي الفجر بسورتي الكافرون والإخلاص، ويختم أيضا بالتوحيد حيث كان يقرأ في الشفع والوتر بسورة الكافرون والإخلاص.\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀ عن سورة قل يا أيها الكافرون: \" كان النبي ﷺ يقرنها بسورة قل هو الله أحد في سنة الفجر وسنة المغرب. فإن هذين السورتين سورتا الإخلاص، وقد اشتملتا على نوعي التوحيد الذي لا نجاة للعبد ولا فلاح له إلا بهما، وهما توحيد العلم والاعتقاد المتضمن تنزيه الله عما لا يليق به من الشرك والكفر والولد والوالد، وأنه إله أحد صمد لم يلد فيكون له فرع ولم يولد فيكون له أصل ولم يكن له كفوا أحد فيكون له نظير. ومع هذا فهو الصمد الذي اجتمعت له صفات الكمال كلها. فتضمنت السورة إثبات ما يليق بجلاله من صفات الكمال، ونفي ما لا يليق به\n_________\n(^١) رواه أحمد (٢٧١٥)، ورواه الترمذي (٤٦٢)، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ورواه أبو داود (٤/ ٢٩٩)، ورواه ابن ماجة (١١٧٣) وصححه الألباني في صحيح ابن ماجة، وانظر صفة صلاة النبي ﷺ (٩٧).\n(^٢) رواه مسلم (١/ ٥٠٢) برقم (٧٢٦) ورواه ابن عمر الترمذي (٢/ ٤٧٠).","vol":"1","page":275},{"text":"من الشريك أصلا وفرعا ونظيرا. فهذا توحيد العلم والاعتقاد. والثاني: توحيد القصد والإرادة وهو: ألا يعبد إلا إياه، فلا يشرك به في عبادته سواه، بل يكون وحده هو المعبود. وسورة قل يا أيها الكافرون مشتملة على هذا التوحيد. فانتظمت السورتان نوعي التوحيد وأخلصتا له، فكان ﷺ يفتتح بهما النهار في سنة الفجر، ويختتمه بهما في سنة المغرب. وفي السنن «أنه كان يوتر بهما» فيكونان خاتمة عمل الليل كما كانا خاتمة عمل النهار\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-109>٢٢. من ثمراته أن التوحيد دعوة للإقرار بنعم الله العظيمة: الظاهرة والباطنة، والدينية والدنيوية.</span>\nقال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النَّحْل: ٥٣]\nقال الله ﷿: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البَقَرَةِ: ٢٩].\nوقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَة﴾ [لُقْمَان: ٢٠].\nوقال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١٣)﴾ [الجَاثِيَة: ١٣].\nوقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا\n_________\n(^١) التفسير القيم صـ ٥٩٤.","vol":"1","page":276},{"text":"وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٤) وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥) وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦) أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٧) وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨)﴾ [النَّحْل: ١٤ - ١٨]\nفقد أسبغ على عباده جميع النعم وسخر هذا الكون وما فيه من مخلوقات لهذا الإنسان.\nوقد بيّن سبحانه هذه النعم، وامتنَّ بها على عباده، وأنه المستحق للعبادة وحده، فقد شمل هذا الامتنان جميع النعم: الظاهرة والباطنة، الحسّيّة والمعنوية، فجميع ما في السموات والأرض قد سُخِّر لهذا الإنسان، وهو شامل لأجرام السموات والأرض، وما أودع فيهما من: الشمس والقمر، والكواكب، والثوابت، والسيارات، والجبال، والبحار، والأنهار، وأنواع الحيوانات، وأصناف الأشجار والثمار، وأجناس المعادن، وغير ذلك مما هو من مصالح بني آدم، ومصالح ما هو من ضروراتهم للانتفاع والاستمتاع والاعتبار.\nوكل ذلك دالّ على أن الله وحده هو المعبود الذي لا تنبغي العبادة والذلّ والمحبة إلا له، وهذه أدلّة عقلية لا تقبل ريبًا ولا شكًا على أن الله هو الحق، وأن ما يُدعَى من دونه هو الباطل\" (^١).\n_________\n(^١) انظر: تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي، ١/ ٥٩، ٣/ ٧٢، وابن كثير، ٣/ ٤٥١، ٤/ ١٤٩، والشوكاني، ١/ ٦٠، ٤/ ٤٢٠، والسعدي، ١/ ٦٩، ٦/ ١٦١، ٧/ ٢١، وأضواء البيان للشنقيطي، ٣/ ٢٢٥ - ٢٥٣.","vol":"1","page":277},{"text":"\"ومن المعلوم قطعًا أنه لا يستطيع فرد من أفراد العباد أن يُحصيما أنعم الله به عليه في خلق عضو من أعضائه، أو حاسّة من حواسّه، فكيف بما عدا ذلك من النعم في جميع ما خلقه في بدنه، وكيف بما عدا ذلك من النعم الواصلة إليه في كل وقت على تنوّعها واختلاف أجناسها؟ \" (^١).\nولا يسع العاقل بعد ذلك إلا أن يعبد الله الذي أسدى لعباده هذه النعم ولا يشرك به شيئًا؛ لأنه المستحق للعبادة وحده سبحانه.\nقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٦٢)﴾ [الحَج: ٦٢].\nقال الشيخ صالح آل الشيخ: \"الواجب على العبد أن يعلم أنَّ كل النعم من الله -جل وعلا- وأنَّ كمال التوحيد لايكون إلا بإضافة كل نعمة إلى الله -جل وعلا- وأنَّ إضافة النعم إلى غير الله نقص في كمال التوحيد\" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-110>٢٣. من ثمراته أن التوحيد تقرير بأن النفع والضر بيد الله.</span>\nقال تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧)﴾ [الأَنْعَام: ١٧]. فالنافع الضار هو المستحق للعبادة وحده.\nقال تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ\n_________\n(^١) انظر: تفسير فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية في علم التفسير للشوكاني، ٣/ ١٥٤، ٣/ ١١٠، وأضواء البيان، ٣/ ٢٥٣.\n(^٢) التمهيد لشرح كتاب التوحيد/ ٤٤٦.","vol":"1","page":278},{"text":"الظَّالِمِينَ (١٠٦) وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٠٧)﴾ [يُونُس: ١٠٦ - ١٠٧].\n- قال سليمان بن عبد القوي بن عبد الكريم الطوفي الصرصري الحنبلي (ت ٧١٦ هـ) ﵀: \"قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ (٣٨)﴾ [الزُّمَر: ٣٨] هي شبيهة بقول إبراهيم: ﴿أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (٧٣)﴾ [الشُّعَرَاء: ٧٣] وقول صاحب يس: ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ (٢٣)﴾ [يس: ٢٣] وهو استدلال على التوحيد، ونفي إلهية الشركاء بعدم ملكهم التصرف بالضر والنفع أي: هؤلاء لا تصرف لهم، وكل من لا تصرف له؛ فليس بإله، فهؤلاء ليسوا آلهة\" (^١).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"والدعاء من جملة العبادات، فمن دعا المخلوقين من الموتى والغائبين واستغاث بهم مع أن هذا أمر لم يأمر به الله ولا رسوله أمر إيجاب ولا استحباب كان مبتدعا في الدين، مشركا برب العالمين، متبعًا غير سبيل المؤمنين\" (^٢).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"من تمام نعمة الله على عباده المؤمنين؛ أن ينزل بهم من الشدّة والضر ما يلجؤهم إلى توحيده، فيدعونه\n_________\n(^١) كتاب الإشارات الإلهية إلى المباحث الأصولية ص: ٥٤٢.\n(^٢) مجموع الفتاوى: ١/ ٣١٢.","vol":"1","page":279},{"text":"مخلصين له الدين، ويرجونه ولايرجون أحدًا سواه، فتتعلق قلوبهم به لابغيره، فيحصل لهم من التوكل عليه ما هو أعظم نعمة عليهم من زوال المرض والخوف\" (^١).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"التوكل: حقيقته اعتماد القلب على الله في حصول ما ينفع العبد في دينه ودنياه، ودفع ما يَضره في دينه ودنياه. ولا بد مع هذا الاعتماد من مباشرة الأسباب وإلَّا كان معطلًا للحكمة والشرع؛ فلا يجعل العبد عجزه توكلًا ولا توكله عجزًا\" (^٢).\n- قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: \"وهذا وصف لكل مخلوق، وأنه لا ينفع ولا يضرّ، وإنما النافع الضارّ هو الله، ومن دعا ما لا يضرّه ولا ينفعه فقد ظلم نفسه بالوقوع في الشرك الأكبر، وإذا كان النبي ﵊ لو دعا غير الله لكان من الظالمين المشركين، فكيف بغيره؟ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-111>٢٤. من ثمراته أن كلمة التوحيد تخرق لها الحجب وتفتح لها أبواب السماء.</span>\nكلمة التوحيد تخرق الحُجب؛ حتى تصل إلى الله ﷿، وليس دونه حجاب\n_________\n(^١) المستدرك على الفتاوى ١/ ١٥.\n(^٢) زاد المعاد (٤/ ١٥).\n(^٣) انظر: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص ٣٣١.","vol":"1","page":280},{"text":"عن معاذ بن جبل (ت: ١٨ هـ) ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كلمتان إحداهما ليس لها ناهية دون العرش، وألاخرى تملأ ما بين السماء وألارض، لا اله إلا الله، والله أكبر».\nعن أبي هريرة (ت: ٥٨ هـ) ﵁ عن النبي ﷺ: «ما قال عبدٌ لا إلهَ إلَّا اللهُ قطُّ مخلِصًا، إلَّا فُتِحَتْ له أبوابُ السماءِ، حتى تُفْضِيَ إلى العرشِ، ما اجتُنِبَتِ الكبائرُ».\nعن عبد الله بن عمرو (ت: ٦٥ هـ) ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ: «التسبيح نصف الميزان، والحمد لله يملؤه، ولا اله إلا الله ليس لها دون الله حجاب حتى تخلص إليه».\nعن أنس (ت: ٩٠ هـ) ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «ليس شيء إلا بينه وبين الله حجاب إلا قول: لا اله إلا الله، ودعاء الوالد».\n\n<span data-type='title' id=toc-112>٢٥. من ثمراته أن التوحيد سبب لإجابة الدعاء.</span>\nعن فضالة بن عبيد (ت: ٥٣ هـ) ﵁ قال: سمعَ النبيُّ ﷺ رجلًا يَدْعُو في صلاتِهِ فلمْ يُصَلِّ على النبيِّ ﷺ فقال النبِيُّ ﷺ «عَجِلَ هذا» ثُمَّ دعاهُ فقال لهُ أوْ لغيرِهِ «إذا صلَّى أحدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِتَحْمِيدِ اللهِ والثَّناءِ عليهِ ثُمَّ لَيُصَلِّ على النبيِّ ﷺ ثُمَّ لَيَدْعُ بَعْدُ بِما شاءَ» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (١٤٨١)، وأحمد (٢٣٩٣٧) باختلاف يسير، والترمذي (٣٤٧٧) واللفظ له، والنسائي (١٢٨٤) بنحوه.","vol":"1","page":281},{"text":"- قال رجلٌ لعامر بن عبد قيس (ت: في زمن معاوية) ﵀: ادعُ لي.\nفقال عامر: \"أطعِ الله، ثم ادعه؛ يستجب لك\" (^١).\n- قال علي بن عقيل بن محمد بن عقيل بن عبد الله البغدادي الظفري الحنبلي (المتوفى: ٥١٣ هـ) ﵀: \"يقال: لا يستجاب الدعاء بسرعة إلا لمخلص أو مظلوم\" (^٢).\n- قَالَ ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"إذَا أرادَ الله بِعَبدٍ خيرًا، أَلهَمَهُ دُعاءَهُ والاستِعَانَةُ بِه، وَجَعَلَ استِعانَتَهُ وَدُعاءَهُ سَببًا للخَيرِ الذي قَضَاهَ لَه\" (^٣).\n- قال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (١٤)﴾ [الرَّعْد: ١٤] أي: باطل لاغ، لأن الكفر محبط لجميع الأعمال صاد لإجابة الدعاء\" (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-113>٢٦. من ثمراته أن التوحيد دعوة للتوكل على الله في كل الأحوال.</span>\nقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١٠٧)﴾ [البَقَرَةِ: ١٠٧].\n_________\n(^١) حلية الأولياء ٢/ ٩٣.\n(^٢) الفنون لابن عقيل ٢/ ٧٥٠.\n(^٣) اقتِضَاءُ الصِّراط المُستَقِيم (٢٢٩/ ٢).\n(^٤) تفسير تيسير الكريم الرحمن لابن سعدي (سورة الرعد: الآية: ١٤).","vol":"1","page":282},{"text":"قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ [ال عِمْرَان: ١٠٩].\nقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨)﴾ [المُؤْمِنُون: ٨٨].\nقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٢٣)﴾ [هُود: ١٢٣].\nقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [الأَحْزَاب: ١٧].\nقال تعالى ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٥)﴾ [السَّجْدَة: ٥].\nفمن يتأمل النصوص الشرعية الواردة في التوحيد والدالة على عظمة الله فإنها تشعر العبد المؤمن بالطمئنينة وتحثه على حسن التوكل عليه، والقرآن دعوة لتثبت الإيمان في القلوب قال تعالى: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [هُود: ١٢٠].\nفمن يقرأ عن عظمة الله في القرآن فإنه يشعر بطمأنينة وسكينة لأن آيات القرآن تقرر أن كل كل شيء عنده سبحانه، وهو كتوب وبمشيئته وتحت ملكه، فهو المتصرف في الكون كله","vol":"1","page":283},{"text":"فإذا آمن العبد بذلك كله فإن ذلك يجعل من المؤمن لا يخاف، فالموحد لا يخشى أحدًا إلا الله، فالتوحيد الحقيقي أنك لا ترى مع الله أحدًا أبدًا، وذلك بأن تعلم وتتيقن بأن كل شيء وقع وتحقق فقد أراده الله، وكل شيء أراده الله وقع، فالله غني عن العالمين.\nفهل يعقل أن الله يأمرك بعبادته ويأمرك أن تتوكل عليه ويجعل مصيرك في يد أحد من البشر. الإجابة.\n\n<span data-type='title' id=toc-114>٢٧. من ثمراته أن التوحيد يد عوك للا فتقار والتذلل بين يدي الله.</span>\nقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فَاطِر: ١٥].\nفإن من أخص خصائص العبودية: الافتقار المطلق لله تعالى، فهو: حقيقة العبودية ولبُّها.\n- وقال سهل التستري (ت: ٢٨٣ هـ) ﵀: \"قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (٢٢)﴾ [الجِن: ٢٢] قال: \"أمره بالافتقار واللجوء إليه، ثم بإظهارهما بقوله، ليزيد بذلك للكافرين ضلالا وللمؤمنين إرشادا، وهي كلمة الإخلاص في التوحيد. إذ حقيقة التوحيد هو النظر للحق لا غير، والإقبال عليه، والاعتماد، ولا يتم ذلك إلا بالإعراض عما سواه، وبإظهار الافتقار واللجوء إليه\" (^١).\n_________\n(^١) تفسير التستري صـ ١٧٩.","vol":"1","page":284},{"text":"- قال محمد بن علي بن الحسن بن بشر، أبو عبد الله، الحكيم الترمذي (ت: نحو ٣٢٠ هـ) ﵀: \"من شرط التوحيد ألا تطمع للعباد فيما توحد الله تعالى به وتفرد\" (^١).\n- قال مكي بن أبي طالب (ت: ٤٣٧ هـ) ﵀: \"الإعجاب ضرب من التكبر، والتكبر يُحْبِط الأعمال\" (^٢).\n- سئل محمد بن عبد الله الفرغاني (لم أقف على تأريخ وفاته) ﵀ عن الافتقار إلى الله تعالى والاستغناء به أيهما أكمل؟ فقال: \"إذا صح الافتقار إلى الله تعالى صح الاستغناء به، واذا صح الاستغناء به صح الافتقار إليه، فلا يقال أيهما أكمل لأنه لا يتم أحدهما إلا بالآخر\" (^٣).\n- قال سليمان بن عبد القوي بن عبد الكريم الطوفي الصرصري الحنبلي (ت ٧١٦ هـ) ﵀: \"قال تعالى: ﴿* ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٧٥)﴾ [النَّحْل: ٧٥] دليل آخر على التوحيد، وتقريره أن الله ﷿ غني له ملك السماوات والأرض، وآلهتكم عبيد فقراء، فلا يساوونه في رتبة الإلهية، ولا يستحقون معه صفة المعبودية، كما لا يستوي العبد الفقير منكم والموسر الذي ينفق من يساره سرا وجهرا.\n_________\n(^١) الأمثال من الكتاب والسنة ص: ٢٠٧.\n(^٢) الهداية إلى بلوغ النهاية (سورة الأنفال: الآية: ٤).\n(^٣) طريق الهجرتين ١/ ٩٧.","vol":"1","page":285},{"text":"ويحتج بهذه على أن العبد لا يملك بالتمليك، لأن الفقر جعل وصفا له لازما في دليل التوحيد؛ فلا يجوز زواله، كما لا يزول التوحيد\" (^١).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"والعبد كلما كان أذل لله وأعظم افتقارا إليه وخضوعا له: كان أقرب إليه، وأعز له، وأعظم لقدره، فأسعد الخلق: أعظمهم عبودية لله. وأما المخلوق فكما قيل: احتج إلى من شئت تكن أسيره، واستغن عمن شئت تكن نظيره، وأحسن إلى من شئت تكن أميره\" (^٢).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"واعلم أن فقر العبد إلى الله أن يعبد الله لا يشرك به شيئًا، ليس له نظير فيقاس به؛ لكن يشبه من بعض الوجوه حاجة الجسد إلى الطعام والشراب، وبينهما فروق كثيرةفإن حقيقة العبد قلبه، وروحه، وهى لا صلاح لها إلا بإلهها الله الذى لا إله إلا هو، فلا تطمئن فى الدنيا إلا بذكره، وهى كادحة إليه كدحا فملاقيته، ولابد لها من لقائه، ولا صلاح لها إلا بلقائه.\nولو حصل للعبد لذات أو سرور بغير الله فلا يدوم ذلك، بل ينتقل من نوع إلى نوع، ومن شخص إلى شخص، ويتنعم بهذا فى وقت وفى بعض الأحوال، وتارة أخرى يكون ذلك الذى يتنعم به والتذ غير منعم له ولا ملتذ له، بل قد يؤذيه اتصاله به ووجوده عنده، ويضره ذلك. وأما إلهه فلابد له منه فى كل حال\n_________\n(^١) كتاب الإشارات الإلهية إلى المباحث الأصولية ص: ٣٨٢.\n(^٢) مجموع الفتاوى (١/ ٣٩).","vol":"1","page":286},{"text":"وكل وقت، وأينما كان فهو معه؛ ولهذا قال إمامنا [إبراهيم] الخليل ﷺ: ﴿لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦)﴾ [الأَنْعَام: ٧٦]. وكان أعظم آية فى القرآن الكريم: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٥٥] وقد بسطت الكلام فى معنى [القيوم] فى موضع آخر، وبينا أنه الدائم الباقاالذى لا يزول ولا يعدم، ولا يفنى بوجه من الوجوه\" (^١).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"إذا توجه العبد إلى الله بصدق الافتقار إليه، واستغاث به مخلصا له الدين؛ أجاب دعاءه، وأزال ضرره، وفتح له أبواب الرحمة. فمثل هذا قد ذاق من حقيقة التوكل والدعاء لله ما لم يذق غيره\" (^٢).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"وَكُلُّ عَمَلٍ لَا يُعِينُ اللَّهُ الْعَبْدَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ وَلَا يَنْفَعُ. فَمَا لَا يَكُونُ بِهِ لَا يَكُونُ وَمَا لَا يَكُونُ لَهُ لَا يَنْفَعُ وَلَا يَدُومُ فَلِذَلِكَ أَمَرَ الْعَبْدَ أَنْ يَقُولَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفَاتِحَةِ: ٥] \" (^٣).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"كثيرا ما كنت أسمع شيخ الإسلام ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀ يقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ تدفع الرياء، ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ تدفع الكبرياء، فإذا عوفي من مرض الرياء بـ ﴿إياك نعبد﴾، ومن مرض الكبرياء والعجب بـ ﴿إياك نستعين﴾، ومن مرض الضلال والجهل بـ ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ [الفَاتِحَةِ: ٦]؛\n_________\n(^١) قاعدة جامعة في توحيد الله صـ ٣٥.\n(^٢) قاعدة جامعة في توحيد الله صـ ٣٥.\n(^٣) مجموع الفتاوى ٨/ ٧٦.","vol":"1","page":287},{"text":"عوفي من أمراضه وأسقامه\" (^١).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"فإن الدعاء عبودية لله وافتقار إليه وتذلل بين يديه فكلما كثره العبد وطوله وأعاده وأبداه ونوع جمله كان ذلك أبلغ في عبوديته وإظهار فقره وتذلله وحاجته وكان ذلك أقرب له من ربه وأعظم لثوابه.\nفالله يغضب إن تركت سؤاله … وبني آدم حين يسأل يغضب\" (^٢).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"وحق الله تعالى في الطاعة ستة أمور؛ وهي:\n١ الإخلاص في العمل.\n٢ والنصيحة لله فيه.\n٣ ومتابعة الرسول فيه.\n٤ وشهود مشهد الإحسان فيه.\n٥ وشهود منة الله عليه.\n٦ وشهود تقصيره فيه بعد ذلك كله\" (^٣).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"ليس العجب من مملوك يتذلل لله\n_________\n(^١) مدارج السالكين ١/ ٧٨.\n(^٢) جلاء الأفهام صـ ٢٩٨ - ٢٩٩.\n(^٣) إغاثة اللهفان (١/ ٨٢).","vol":"1","page":288},{"text":"مع حاجته وفقره إليه.\nإنما العجب من مالك يتحبب إلى مملوكه بصنوف إنعامه .. مع غناه عنه! \" (^١).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"إذا استغنى الناس بالدنيا فاستغن أنت بالله، وإذا فرحوا بالدنيا فافرح أنت بالله، وإذا أنسوا بأحبابهم فاجعل أنسك بالله، وإذا تعرفوا إلى ملوكهم وكبرائهم وتقربوا إليهم لينالوا بهم العزة والرفعة فتعرف أنت إلى الله وتودد إليه تنل بذلك غاية العز والرفعة\" (^٢).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"مَنْ عرف نَفسَه اشتغل بإصلاحها عن عُيوب الناس، ومَن عرف رَبَّه اشتغل به عن هَوى نَفسِه\" (^٣).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"الافتقار إلى الله تعالى يتخلى بفقره أن يتألهغير مولاه الحق، وأن يضيع أنفاسه في غير مرضاته، وأن يفرق همومه في غيرمحابه، وأن يؤثر عليه في حال من الأحوال، فيوجب له هذا الخلق وهذه المعاملةصفاء العبودية، وعمارة السر بينه وبين الله، وخلوص الود، فيصبح ويمسي ولاهم له غير ربه، فقد قطع همه بربه عنه جميع الهموم، وعطلت إرادته جميعالإرادات، ونسخت محبته له من قلبه كل محبة لسواه\" (^٤).\n- قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: \"يخبر تعالى بغنائه عما سواه،\n_________\n(^١) الفوائد لابن القيم ٣٧.\n(^٢) الفوائد لابن القيم ١١٨.\n(^٣) الفوائد لابن القيم (ص: ٥٧).\n(^٤) طريق الهجرتين، (ص ١٨).","vol":"1","page":289},{"text":"وبافتقار المخلوقات كلها إليه، وتذللها بين يديه، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ [فَاطِر: ١٥]، أي: هم محتاجون إليه في جميع الحركات والسكنات، وهو الغني عنهم بالذات؛ ولهذا قال: ﴿اللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فَاطِر: ١٥] أي: هو المنفرد بالغنى وحده لا شريك له، وهو الحميد في جميع ما يفعله ويقوله، ويقدره ويشرعه\" (^١).\n- قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: \"إذا فالناس فقراء بالذات إليه، بكل معنى، وبكل اعتبار، سواء شعروا ببعض أنواع الفقر أم لم يشعروا، ولكن الموفق منهم، الذي لا يزال يشاهد فقره في كل حال من أمور دينه ودنياه، ويتضرع له، ويسأله أن لا يكله إلى نفسه طرفة عين، وأن يعينه على جميع أموره، ويستصحب هذا المعنى في كل وقت، فهذا أحرى بالإعانة التامة من ربه وإلهه، الذي هو أرحم به من الوالدة بولدها\" (^٢).\n- قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) رحمة الله: \"في قصة أصحاب الكهف دليلٌ على أن من فر بدينه من الفتن سلمه الله منها، وأن من حرص على العافية عافاه الله ومن أوى إلى الله، آواه الله، وجعله هداية لغيره. ومن تحمل الذل في سبيله وابتغاء مرضاته، كان آخر أمره وعاقبته العز العظيم من حيث لا يحتسب ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾ [ال عِمْرَان: ١٩٨] \" (^٣).\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (سورة فاطر الآية ١٥).\n(^٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص ٤٣٦.\n(^٣) انظر: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص ٤٧٣.","vol":"1","page":290},{"text":"- قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀ عند تفسير قال تعالى: ﴿تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (٢٧)﴾ [الكَهْف: ٢٧]: \"لن تجد من دون ربك ملجأً تلجأ إليه، ولا معاذًا تعوذ به، فإذا تعيّن أنه وحده الملجأ في كل الأمور؛ تعيّن أن يكون هو المألوه المرغوب إليه في السراء والضراء، المفتقر إليه في جميع الأحوال، المسؤول في جميع المطالب\" (^١).\n- قال محمد بن صالح بن عثيمين (ت: ١٤٢١ هـ) ﵀: \"يجب على الإنسان اللجوء إلى الله ﷿؛ لأنه هو الذي بيده ملكوت السموات والأرض، فلا تعتمد على ما في قلبك من رسوخ الإيمان مثلًا، وتعتقد أنه لن يتسلط عليك الشيطان ولن يتسرب إليك هوى النفس الأمارة بالسوء، بل كن دائمًا لاجئًا إلى الله سائلًا الثبات\" (^٢)! \" (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-115>٢٨. من ثمراته أن التوحيد يدعوك للانكسار بين يدي الله.</span>\nقال تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأَنبِيَاء: ٨٧].\nعَنْ سَعْد بن أبي وقاص (ت: ٥٥ هـ) ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «دَعْوَةُ ذِي النُّونِ إِذْ دَعَا وَهُوَ فِي بَطْنِ الحُوتِ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ\n_________\n(^١) انظر: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص ٤٧٥.\n(^٢) تفسير سورة يس ص ٢٦.\n(^٣) الفوائد لابن القيم ٣٧.","vol":"1","page":291},{"text":"مِنَ الظَّالِمِينَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ» (^١).\n- قيل لسعيد بن جبير (ت: ٩٥ هـ) ﵀: من أعبد الناس؟ فقال: رجل اقترف ذنبًا فكلما ذكر ذنبه احتقر عمله وانكسر لربه\" (^٢).\n- قال شيخ الإسلام ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"فصاحب الحوت ومن أشبهه، لماذا ناسب حالهم صيغة الوصف والخبر دون صيغة الطلب؟\nفيقال: لأن المقام مقام اعتراف بأن ما أصابني من الشر كان بذنبي، فأصل الشر هو الذنب، والمقصود دفع الضر، والاستغفار جاء بالقصد الثاني، فلم يذكر صيغة طلب كشف الضر لاستشعاره أنه مسيء ظالم، وهو الذي أدخل الضر على نفسه، فناسب حاله أن يذكر ما يرفع سببه من الاعتراف بظلمه، ولم يذكر صيغة طلب المغفرة؛ لأنه مقصود للعبد المكروب بالقصد الثاني؛ بخلاف كشف الكرب فإنه مقصود له في حال وجوده بالقصد الأول، إذ النفس بطبعها تطلب ما هي محتاجة إليه من زوال الضرر الحاصل في الحال، قبل طلبها زوال ما تخاف وجوده من الضرر في المستقبل بالقصد الثاني، والمقصود الأول في هذا المقام هو المغفرة، وطلب كشف الضر، فهذا مقدم في قصده وإرادته، وأبلغ ما ينال به: رفع سببه، فجاء بما يحصل مقصوده … \" (^٣).\n_________\n(^١) رواه الترمذي (٣٥٠٥)، والإمام أحمد في \"المسند\" (٣/ ٦٥)، وحسنه محققو المسند، وصححه الشيخ الألباني في \"صحيح الترغيب والترهيب\" (٢/ ٢٨٢).\n(^٢) البداية والنهاية: ٩/ ٩٩.\n(^٣) مجموع الفتاوى (١/ ٢٤٧ - ٢٤٨).","vol":"1","page":292},{"text":"- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"فما أقرب الجبر من هذا القلب المكسور! وما أدناالنصر والرحمة والرزق منه! وما أنفع هذا المشهد وأجداه عليه! وذرة من هذاونفس منه أحب إلى الله من طاعات أمثال الجبال من المدلين المعجبين بأعمالهم وعلومهم وأحوالهم. وأحب القلوب إلى الله سبحانه: قلب قد تمكنت منه هذه الكسرة، وملكته هذه الذلة، فهو ناكس الرأس بين يدي ربه، لا يرفع رأسه إليه حياءوخجلا من الله\" (^١).\n- قال ابن رجب (ت: ٧٩٥ هـ) ﵀: \"أن المؤمن إذا استبطأ الفرج ويئس منه ولا سيما بعد كثرة الدعاء وتضرعه ولم يظهر له أثر الإجابة، رجع إلى نفسه باللائمة ويقول لها: إنما أتيت من قبلك ولو كان فيك خير لأجبت!.\nوهذا اللوم أحب إلى الله من كثير من الطاعات؛ فإن يوجب انكسار العبد لمولاه، واعترافه له بأنه ليس بأهل لإجابة دعائه فلذلك يسرع إليه حينئذ إجابة الدعاء وتفريج الكرب، فإنه تعالى عند المنكسرة قلوبهم من أجله، على قدر الكسر يكون الجبر\" (^٢).\n- قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: \"فأقر لله تعالى بكمال الألوهية، ونزهه عن كل نقص، وعيب وآفة، واعترف بظلم نفسه وجنايته\" (^٣).\n_________\n(^١) مدارج السالكين، (١/ ٤٢٨ - ٤٢٩)، وانظر: الوابل الصيب (ص ٢٠ - ٢٣).\n(^٢) نور الاقتباس في مشكاة وصية النبي ﷺ لابن عباس ص: ١٧٤.\n(^٣) تفسير ابن سعدي (سورة الأنبياء الآية: ٨٧).","vol":"1","page":293},{"text":"قال تعالى: ﴿إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (٢٤)﴾ [القَصَص: ٢٤].\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"فيه الوصف المتضمن للسؤال بالحال\" (^١).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"السرُّ في استجابة دعوة المظلوم، والمسافر، والصائم؛ للكسْرة التي في قلب كُلِّ واحدٍ منهم\" (^٢).\n- قال محمد بن صالح بن عثيمين (ت: ١٤٢١ هـ) ﵀: \"ينبغي للإنسان أن يستتر بستر الله ﷿ وأن يحمد الله على العافية وأن يتوب فيما بينه وبين ربه من المعاصي التي قام بها وإذا تاب إلى الله وأناب إلى الله ستره الله في الدنيا والآخرة\" (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-116>٢٩. من ثمراته أن التوحيد تثبيت لإلهية الحق في قلب المؤمن.</span>\nقال تعالى: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأَنْعَام: ١٤].\nقال تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلا﴾ [الأَنْعَام: ١١٤].\nقال تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى\n_________\n(^١) الفتاوى الكبرى (٥/ ٢٢٥).\n(^٢) مدارج السالكين\" (١/ ٣٠٧).\n(^٣) شرح رياض الصالحين ٣/ ١٧.","vol":"1","page":294},{"text":"الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)﴾ [الزُّمَر: ٦٤ - ٦٦].\nقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١) قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣) قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا﴾ [الأَنْعَام: ١٦١ - ١٦٤]\nوفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه كان يقول: إذا قام يصلي من الليل، وقد روي أنه كان يقوله بعد التكبير: «اللهم لك الحمد أنت قيم السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت الحق، وقولك الحق، ووعدك الحق، ولقاؤك حق، والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق، ومحمد حق، اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت; فاغفر لي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت» (^١).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"التوحيد مقرون بالبقاء، وهو أن تثبت إلهية الحق في قلبك، وتنفي إلهية ما سواه، فتجمع بين النفي والإثبات، فتقول: لا إله إلا الله، فالنفي هو الفناء، والإثبات هو البقاء. وحقيقته أن تفنى بعبادته عما سواه، ومحبته عن محبة ما سواه، وبخشيته عن خشية ما سواه،\n_________\n(^١) البخاري ٢/ ٤٨ - ٤٩. مسلم ١/ ٥٣٢ - ٥٣٤.","vol":"1","page":295},{"text":"وبطاعته عن طاعة ما سواه، وبموالاته عن موالاة ما سواه، وبسؤاله عن سؤال ما سواه، وبالاستعاذة به عن الاستعاذة بما سواه، وبالتوكل عليه عن التوكل علاما سواه، وبالتفويض إليه عن التفويض إلى ما سواه، وبالإنابة إليه عن الإنابة إلى ما سواه، وبالتحاكم إليه عن التحاكم إلى ما سواه، وبالتخاصم إليه عن التخاصم إلى ما سواه\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-117>٣٠. من ثمراته أن التوحيد موجب لحمد الله والثناء عليه.</span>\nقال تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٧٠)﴾ [القَصَص: ٧٠].\n- قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: \"وقوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ يقول تعالى ذكره: وربك يا محمد، المعبود الذي لا تصلح العبادة إلا له، ولا معبود تجوز عبادته غيره ﴿لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى﴾ يعني: في الدنيا ﴿وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ﴾ يقول: وله القضاء بين خلقه ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ يقول: وإليه تردون من بعد مماتكم، فيقضي بينكم بالحقّ\" (^٢).\n- وقال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ) ﵀: \" ﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٧٠)﴾ تقدم معناه، وأنه المنفرد\n_________\n(^١) منهاج السنة ٥/ ٣٤٧ - ٣٤٩.\n(^٢) تفسير الطبري (سورة القصص. الآية: ٧٠).","vol":"1","page":296},{"text":"بالوحدانية، لأن جميع المحامد، إنما تجب له وأن لا حكم إلا له وإليه المصير\" (^١).\n- وقال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: \"وقوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ أي: هو المنفرد بالإلهية، فلا معبود سواه، كما لا رب يخلق ويختار سواه ﴿لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ﴾ أي: في جميع ما يفعله هو المحمود عليه، لعدله وحكمته ﴿وَلَهُ الْحُكْمُ﴾ أي: الذي لا معقب له، لقهره وغلبته وحكمته ورحمته، ﴿إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٧٠)﴾ أي: جميعكم يوم القيامة فيجازي كل عامل بعمله، من خير وشر، ولا يخفى عليه منهم خافية في سائر الأعمال\" (^٢).\nقال تعالى: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غَافِر: ٦٥]\n- عن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄ قال: من قال: \"لا إله إلا الله\" فليقل على أثرها: \"الحمد لله رب العالمين\" فذلك قوله تعالى: ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ \" (^٣).\n- قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: كان جماعة من أهل العلم يأمرون من قال: \"لا إله إلا الله\" أن يتبعها ب \"الحمد لله رب العالمين\"، عملا\n_________\n(^١) تفسير القرطبي (سورة القصص. الآية: ٧٠).\n(^٢) تفسير ابن كثير (سورة القصص. الآية: ٧٠).\n(^٣) تفسير ابن كثير (سورة غافر الآية: ٦٥)، تفسير ابن عطية (سورة غافر. الآية: ٦٥)؛ ٤/ ٥٦٧.","vol":"1","page":297},{"text":"بهذه الآية\" (^١).\n- قال ابن عطية الأندلسي (ت: ٥٤٢ هـ) ﵀: \"وقال نحو هذا سعيد بن جبير (ت: ٩٥ هـ) ثم قرأ هذه الآية\" (^٢).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"ففي لا إله إلا الله إثبات محامده، فإنها كلها داخلة في إثبات إلهيته\" (^٣).\n- قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: \" ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ أي: هو الحي أزلا وأبد، لم يزل ولا يزال، وهو الأول والآخر، والظاهر والباطن، ﴿إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ أي: لا نظير له ولا عديل له، ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أي: موحدين له مقرين بأنه لا إله إلا هو ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ (^٤).\n- قال محمد عبد الرحمن بن عبد الرحيم المباركفورى (ت ١٣٥٣ هـ) ﵀: \"اعلم أن لإجابة الدعاء شروطا منها الإخلاص لقوله تعالى ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غَافِر: ١٤] \" (^٥).\n_________\n(^١) تفسير الطبري (سورة غافر الآية: ٦٥).\n(^٢) تفسير ابن عطية (سورة غافر. الآية: ٦٥)؛ ٤/ ٥٦٧.\n(^٣) الفتاوى الكبرى ٥/ ٢٢٩ - ٢٣٠؛ مجموع الفتاوى ١٥/ ٢٥٣.\n(^٤) تفسير ابن كثير (سورة غافر الآية: ٦٥).\n(^٥) تحفة الأحوذي في شرح سنن الترمذي ٩/ ٢٢٨.","vol":"1","page":298},{"text":"<span data-type='title' id=toc-118>٣١. من ثمراته أن التوحيد حرز من الوقوع في ضلال الشرك.</span>\nقال الله ﷿: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (٦)﴾ [الأَحْقَاف: ٥ - ٦].\n- قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا﴾ يقول: فلا أحد أضل ممن يعبد ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ من الآلهة ﴿مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ﴾ أبدا إذا دعاء يقول: لا تجيبهم الآلهة يعني الأصنام بشيء أبدا ﴿يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾.\nثم قال: ﴿وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥)﴾ آية يعني الآلهة غافلون عن من يعبدها، فأخبر الله عنها في الدنيا\" (^١).\n- قال محمد بن جرير الطبري (٣١٠ هـ) ﵀: \"يقول تعالى ذكره: وأيّ عبد أضلّ من عبد يدعو من دون الله آلهة لا تستجيب له إلى يوم القيامة: يقول: لا تُجيب دعاءه أبدا، لأنها حجر أو خشب أو نحو ذلك\" (^٢).\n- قال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ) ﵀: \"قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ﴾ أي لا أحد أضل وأجهل ﴿مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ وهي الأوثان. ﴿وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥)﴾ يعني لا يسمعون ولا يفهمون\" (^٣).\n_________\n(^١) تفسير مقاتل بن سليمان. (الأحقاف: الآية: ٥)\n(^٢) تفسير جامع البيان في تأويل آي القرآن للطبري. (الأحقاف: الآية: ٥)\n(^٣) تفسير الجامع لأحكام القرآن للقرطبي. (الأحقاف: الآية: ٥)","vol":"1","page":299},{"text":"- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"بطلان الشرك وقبحه معلومًا بالفطرة السليمة والعقول الصحيحة، والعلم بقبحه أظهر من العلم بقبح سائر القبائح\" (^١).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"فعلم عدو الله أن من اعتصم بالله، ﷿، وأخلص له وتوكل عليه لا يقدر على إغوائه وإضلاله، وإنما يكون له السلطان على من تولاه وأشرك مع الله، فهؤلاء رعيته وهو وليهم وسلطانهم ومتبوعهم\" (^٢).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"قال تعالى ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠) قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (٤١) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢)﴾ [الحِجْر: ٣٩ - ٤٢].\nوقال في سورة النحل: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠)﴾ [النَّحْل: ٩٩ - ١٠٠].\nفتضمن ذلك أمرين:\n• أحدهما: نفي سلطانه وإبطاله على أهل التوحيد والإخلاص.\n• والثاني: إثبات سلطانه على أهل الشرك وعلى من تولاه.\nولما علم عدو الله أن الله لا يسلطه على أهل التوحيد والإخلاص قال: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٢ - ٨٣].\nفعلم عدو الله أن من اعتصم بالله، وأخلص له، وتوكل عليه لا يقدر على إغوائه وإضلاله، وإنما يكون له السلطان على من تولاه وأشرك مع الله، فهؤلاء\n_________\n(^١) إغاثة اللهفان: ٢/ ٢٧١.\n(^٢) إغاثة اللهفان ١/ ٩٩.","vol":"1","page":300},{"text":"رعيته، وهو وليهم وسلطانهم ومتبوعهم\" (^١).\n- قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: \" وقوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥)﴾ [الأَحْقَاف: ٥] أي: لا أضل ممن يدعو أصناما، ويطلب منها ما لا تستطيعه إلى يوم القيامة، وهي غافلة عما يقول، لا تسمع ولا تبصر ولا تبطش؛ لأنها جماد حجَارة صُمّ\" (^٢).\n- قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: فهل هناك أضل من هؤلاء الذين يعبدون من لا يستجيب لهم مدة مقامهم في الدنيا، لا ينتفعون بهم مثقال ذرة، وهم لا يسمعون منهم دعاءً، ولا يجيبون لهم نداءً، وهذا حالهم في الدنيا، ويوم القيامة يكفرون بشركهم، ويكونون لهم أعداء يلعن بعضهم بعضًا، ويتبرأ بعضهم من بعض\" (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-119>٣٢. من ثمراته أن كلمة التوحيد حرز من الشيطان.</span>\nقال تعالى: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)﴾ [ص: ٨٢ - ٨٣].\n- قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: \"ثم استثنى إبليس، فقال: ﴿إِلَّا\n_________\n(^١) إغاثة اللهفان: ١/ ١٧٠.\n(^٢) تفسير القرآن العظيم لابن كثير (الأحقاف: الآية: ٥).\n(^٣) انظر: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي. (الأحقاف: الآية: ٥).","vol":"1","page":301},{"text":"عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)﴾ [ص: ٨٣] أي بالتوحيد، فإني لا أستطيع أن أغويهم\" (^١).\n- قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: \" ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)﴾ [ص: ٨٣] يقول: إلا من أخلصته منهم لعبادتك، وعصمته من إضلالي، فلم تجعل لي عليه سبيلا، فإني لا أقدر على إضلاله وإغوائه\" (^٢).\n- قال أبو منصور الماتريدي (ت: ٣٣٣ هـ) ﵀: \"قال بعضهم: المخلصين للتوحيد. فإن كان ذلك فيكون قوله: ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ﴾ لأهلكنهم. وقال بعضهم: ﴿الْمُخْلَصِينَ﴾ من كل ذنب وكل معصية. لكن الوجهين الأولين أشبه وأقرب، والله أعلم\" (^٣).\n- قال برهان الدين البقاعي (ت: ٨٨٥ هـ) ﵀: \" ﴿إِلَّا عِبَادَكَ﴾ فأضافهم إليه سبحانه تنبيهًا على أن غيرهم قد انسلخوا من التشرف بعبوديته بالنسبة إلى من أطاعوه. ولما كان يمكن أن يكون المستثنى، من غير البشر قيد بقوله: ﴿مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)﴾ أي الذين أخلصهم الله تعالى لطاعته فأخلصوا قصدهم لها، وعرف من الاستثناء أنهم قليل وأن الغواة هم الأصل\" (^٤).\n- قال أبو السعود العمادي محمد بن محمد بن مصطفى (ت: ٨٩٨ هـ) ﵀: \" ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)﴾ [ص: ٨٣] وهم الذين أخلصَهم الله تعالى لطاعتِه\n_________\n(^١) تفسير مقاتل بن سليمان. (سورة: ص: الآية: ٨٣).\n(^٢) تفسير جامع البيان في تأويل آي القران للطبري. (سورة: ص: الآية: ٨٣).\n(^٣) تفسير تأويلات أهل السنة للماتريدي. (سورة: ص: الآية: ٨٣).\n(^٤) تفسير نظم الدرر في تناسب الآيات والسور للبقاعي. (سورة: ص: الآية: ٨٣).","vol":"1","page":302},{"text":"وعصمَهم من الغوايةِ. وقرئ المخلِصين على صيغةِ الفاعلِ أي الذينَ أخلصُوا قلوبَهم وأعمالَهم لله تعالى\" (^١).\n- قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)﴾ [ص: ٨٣] علم أن الله سيحفظهم من كيده. ويحتمل أن الباء للاستعانة، وأنه لما علم أنه عاجز من كل وجه، وأنه لا يضل أحدا إلا بمشيئة اللّه تعالى، فاستعان بعزة اللّه على إغواء ذرية آدم هذا، وهو عدو اللّه حقا\" (^٢).\nقال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢)﴾ [الحِجْر: ٤٢]\n- قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: \" وقوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢)﴾ [الحِجْر: ٤٢] يقول تعالى ذكره: إن عبادي ليس لك عليهم حجة، إلا من اتبعك على ما دعوته إليه من الضلالة ممن غوى وهلك\" (^٣).\n- قال ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩ هـ) ﵀: \" ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ أي: لا تستطيع أن تضل من هدى الله ﴿إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢)﴾ \" (^٤).\n- قال الواحدي (ت: ٤٦٨ هـ) ﵀: \" ﴿إِنَّ عِبَادِي﴾ [الحِجْر: ٤٢] يعني الذين هداهم\n_________\n(^١) تفسير إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم لأبي السعود. (سورة: ص: الآية: ٨٣).\n(^٢) تفسير تيسر الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي. (سورة: ص: الآية: ٨٣).\n(^٣) تفسير جامع البيان في تأويل آي القران للطبري. (سورة: الحجر: الآية: ٤٢).\n(^٤) تفسير ابن أبي زمنين. (سورة: الحجر: الآية: ٤٢).","vol":"1","page":303},{"text":"واجتباهم ﴿لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحِجْر: ٤٢] قوة وحجة في إغوائهم ودعائهم إلى الشرك والضلال\" (^١).\n- قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: \" وقوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحِجْر: ٤٢] أي: الذين قدرت لهم الهداية، فلا سبيل لك عليهم، ولا وصول لك إليهم\" (^٢).\n- قال محمد بن علي الشوكاني (ت: ١٢٥٥ هـ) ﵀: \" ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ المراد بالعباد هنا: هم المخلصون، والمراد أنه لا تسلط له عليهم بإيقاعهم في ذنب يهلكون به، ولا يتوبون منه، فلا ينافي هذا ما وقع من آدم وحواء ونحوهما، فإنه ذنب مغفور لوقوع التوبة عنه ﴿إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢)﴾ [الحِجْر: ٤٢] استثنى سبحانه من عباده هؤلاء. وهم المتبعون لإبليس من الغاوين عن طريق الحقّ الواقعين في الضلال، وهو موافق لما قاله إبليس اللعين من قوله: ﴿وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠)﴾ [الحِجْر: ٣٩ - ٤٠] ويمكن أن يقال: إن بين الكلامين فرقًا فكلام الله سبحانه فيه نفي سلطان إبليس على جميع عباده إلاّ من اتبعه من الغاوين، فيدخل في ذلك المخلصون وغيرهم ممن لم يتبع إبليس من الغاوين؛ وكلام إبليس اللعين يتضمن إغواء الجميع إلاّ المخلصين، فدخل فيهم من لم يكن مخلصًا ولا تابعًا لإبليس غاويًا. والحاصل أن بين المخلصين والغاوين التابعين لإبليس طائفة لم تكن\n_________\n(^١) تفسير الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي. (سورة: الحجر: الآية: ٤٢).\n(^٢) تفسير القرآن العظيم لابن كثير. (سورة: الحجر: الآية: ٤٢).","vol":"1","page":304},{"text":"مخلصة ولا غاوية تابعة لإبليس. وقد قيل: إن الغاوين المتبعين لإبليس هم المشركون. ويدلّ على ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠)﴾ [النَّحْل: ١٠٠] \" (^١).\nقال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (٦٥)﴾ [الإِسْرَاء: ٦٥].\n- عن مجاهد (ت: ١٠٤ هـ) ﵀ في قوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الإِسْرَاء: ٦٥] قال: عبادي الذين قضيت لهم بالجنة، ليس لك عليهم أن يذنبوا ذنبًا، إلا أغفر لهم\" (^٢).\n- قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: ﴿إِنَّ عِبَادِي﴾ المخلصين، ﴿لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ ملك في الكفر والشرك أن تضلهم عن الهدى، ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (٦٥)﴾ [الإِسْرَاء: ٦٥] آية، يعنى حرزًا ومانعًا، فلا أحد أمنع من الله ﷿، فلا يخلص إليهم إبليس\" (^٣).\n- قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (٦٥)﴾ [الإِسْرَاء: ٦٥]. يقول تعالى ذكره لإبليس: إن عبادي الذين أطاعوني. فاتبعوا أمري وعصوك يا إبليس. ليس لك عليهم حجة.\n_________\n(^١) تفسير فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية في علم التفسير للشوكاني. (سورة: الحجر: الآية: ٤٢).\n(^٢) تفسير الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي. (سورة: الإسراء: الآية: ٦٥).\n(^٣) تفسير مقاتل بن سليمان. (سورة: الإسراء: الآية: ٦٥).","vol":"1","page":305},{"text":"وقوله: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (٦٥)﴾ [الإِسْرَاء: ٦٥] يقول جلّ ثناؤه لنبيه محمد ﷺ: وكفاك يا محمد ربك حفيظا، وقيما بأمرك. فانقَدْ لأمره. وبلغ رسالاته هؤلاء المشركين. ولا تخف أحدا، فإنه قد توكل بحفظك ونصرتك\" (^١).\n- قال الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀: \"قوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (٦٥)﴾ [الإِسْرَاء: ٦٥]، أي حافظًا من يوكل الأمر إليه\" (^٢).\n- قال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ) ﵀: \"قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الإِسْرَاء: ٦٥] قال ابن عباس: هم المؤمنون ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (٦٥)﴾ [الإِسْرَاء: ٦٥] أي عاصما من القبول من إبليس، وحافظا من كيده وسوء مكره\" (^٣).\n- قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: \"وقوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الإِسْرَاء: ٦٥]: إخبار بتأييده تعالى عباده المؤمنين، وحفظه إياهم، وحراسته لهم من الشيطان الرجيم؛ ولهذا قال: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (٦٥)﴾ أي: حافظًا ومؤيدًا وناصرًا\" (^٤).\n- عن أبي هريرة (ت: ٥٨ هـ) ﵁ قال النبي ﷺ: «من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء\n_________\n(^١) تفسير جامع البيان في تأويل آي القران للطبري. (سورة: الإسراء: الآية: ٦٥).\n(^٢) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم. (سورة: الإسراء: الآية: ٦٥).\n(^٣) تفسير الجامع لأحكام القرآن للقرطبي. (سورة: الإسراء: الآية: ٦٥).\n(^٤) تفسير القرآن العظيم لابن كثير. (سورة: الإسراء: الآية: ٦٥).","vol":"1","page":306},{"text":"قدير في يوم مئة مرة كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مئة حسنة، ومحيت عنه مئة سيئة، وكانت له حرزًا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء إلا رجل عمل أكثر منه» (^١).\n- عن أبي عياش الزرقي (ت: قيل بعد الأربعين من الهجرة) ﵁ قال قال رسول الله ﷺ: «من قال حين يصبح: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، كان له عدل رقبة من ولد إسماعيل، وحط عنه عشر خطيئات، ورفع له عشر درجات، وكان في حرز من الشيطان حتى يمسي، وإذا أمسى فمثل ذلك حتى يصبح» (^٢).\n- قال النووي (ت: ٦٧٦ هـ) ﵀: \"وَظَاهِرُ إِطْلَاقِ الْحَدِيثِ أَنَّهُ يُحَصِّلُ هَذَا الْأَجْرَ الْمَذْكُورَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَنْ قَالَ هَذَا التَّهْلِيلَ مِائَةَ مَرَّةٍ فِي يَوْمِهِ سَوَاءٌ قَالَهُ مُتَوَالِيَةً، أَوْ مُتَفَرِّقَةً فِي مَجَالِسَ، أَوْ بَعْضَهَا أَوَّلَ النَّهَارِ وَبَعْضَهَا آخِرَهُ.\nلَكِنَّ الْأَفْضَلَ: أَنْ يَأْتِيَ بِهَا مُتَوَالِيَةً، فِي أَوَّلِ النَّهَارِ؛ لِيَكُونَ حِرْزًا لَهُ فِي جَمِيعِ نَهَارِهِ\" (^٣).\n_________\n(^١) رواه البخاري (٣٢٩٣) ومسلم (٢٦٩١).\n(^٢) أخرجه أبو داود، وصححه الألباني، انظر: صحيح أبي داود برقم: ٥٠٧٧، وأخرجه ابن ماجة، وصححه الألباني، انظر: صحيح ابن ماجة برقم ٣١٣٢.\n(^٣) شرح النووي على مسلم\" (١٧/ ١٧).","vol":"1","page":307},{"text":"<span data-type='title' id=toc-120>٣٣. من ثمراته أن تحقيق كلمة التوحيد يوجب عتق الرقاب.</span>\nعَنْ أَبِي أَيُّوبٍ الأَنْصَارِيّ (ت: ٥٠ هـ) ﵁، عَنْ رَسُولِ الله ﷺ قَالَ: «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، عَشْرَ مِرَارٍ كَانَ كَمَنْ أَعْتَقَ أَرْبَعَةَ أَنْفُسٍ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ» (^١).\nعن أنس (ت: ٩٠ هـ) ﵁، عن النبي ﷺ قال: «من قال حين يصبح أو يمسي: اللهم أني أصبحت أشهدك وأشهد حملة عرشك وملائكتك وجميع خلقك أنك أنت الله لا إله إلا أنت وأن محمدا عبدك ورسولك أعتق الله ربعه من النار ومن قالها مرتين أعتق الله نصفه من النار ومن قالها ثلاث مرات أعتق الله ثلاثة أرباعه ومن قالها أربع مرار أعتقه الله من النار» (^٢) \" (^٣).\nعن سلمان الفارسي (ت: ٣٣ هـ) ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «من قال: اللهم إني أشهدك، وأشهد ملائكتك وحملة عرشك، وأشهد من في السماوات ومن في الأرض، أنك أنت الله لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، وأشهد أن محمدا عبدك ورسولك. من قالها مرة أعتق الله ثلثه من النار، ومن\n_________\n(^١) رواه البخاري (٦٤٠٤)، ومسلم (٢٦٩٣).\n(^٢) رواه أبو داود (٥٠٦٩)، وضعفه الألباني في \"ضعيف أبي داود\". وقد روي الحديث بلفظ: «مَنْ قَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي أُشْهِدُكَ وَأُشْهِدُ مَلَائِكَتَكَ وَحَمَلَةَ عَرْشِكَ، وَأُشْهِدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ، أَنَّكَ أَنْتَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ وَحْدَكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ، مَنْ قَالَهَا مَرَّةً أَعْتَقَ اللَّهُ ثُلُثَهُ مِنَ النَّارِ، وَمَنْ قَالَهَا مَرَّتَيْنِ أَعْتَقَ اللَّهُ ثُلُثَيْهِ مِنَ النَّارِ، وَمَنْ قَالَهَا ثَلَاثًا أَعْتَقَ اللَّهُ كُلَّهُ مِنَ النَّارِ» رواه الحاكم (١٩٢٠) وصححه بهذا اللفظ، وبدون التقييد بالصباح والمساء؛ وينظر: \"السلسلة الصحيحة\" (٢٦٧).\n(^٣) انتهى من \"لطائف المعارف\" (ص ٢٨٣).","vol":"1","page":308},{"text":"قالها مرتين أعتق ثلثيه من النار، ومن قالها ثلاثا أعتقه الله كله من النار» (^١).\nعن أبي الدرداء (ت: مابين ٣٢ - ٣٨ هـ) ﵁، عن النبي ﷺ قال: «من قال: لا اله إلا الله، والله أكبر، أعتق الله ربعه من النار، ولا يقولها اثنتين إلا عتق الله شطره من النار، وإن قالها أربعا أعتقه الله من النار» (^٢).\n- قال ابن رجب (ت: ٧٩٥ هـ) ﵀: \"فمن طمع في العتق من النار ومغفرة ذنوبه في يوم عرفة فليحافظ على الأسباب التى يرجى بها العتق والمغفرة فمنها الإكثار من شهادة التوحيد بإخلاص وصدق فإنها أصل دين الإسلام الذي أكلمه الله تعالى في ذلك اليوم وأساسه، فتحقيق كلمة التوحيد يوجب عتق الرقاب، وعتق الرقاب يوجب العتق من النار، كما ثبت في الصحيح: أن «من قالها مائة مرة كان له عدل عشر رقاب» (^٣) \" (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-121>٣٤. من ثمراته أن التوحيد سبب لنيل رضا الله.</span>\nقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا\n_________\n(^١) رواه الحاكم في المستدرك، كتاب الدعاء والتكبير والتهليل والتسبيح والذكر، (١/ ٧٠٤) وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في التلخيص.\n(^٢) قال الهيثمي في المجمع - كتاب الأذكار، باب ما جاء في لا اله إلا الله والله أكبر- (١٠/ ٧٢): رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيهما: أبو بكر بن أبي مريم، وهو ضعيف.\n(^٣) رواه البخاري (٣٢٩٣) ومسلم (٢٦٩١).\n(^٤) لطائف المعارف لابن رجب صـ ٢٨٣.","vol":"1","page":309},{"text":"عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البَيِّنَة: ٧ - ٨].\nقال تعالى: ﴿* لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفَتْح: ١٨]\nقال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التَّوْبَة: ١٠٠].\nقال تعالى: ﴿وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٢٢)﴾ [المُجَادلَة: ٢٢].\nقال تعالى: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزُّمَر: ٧].\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"تضمنت هذه الآيات: جزاءهم على صدقهم وإيمانهم وأعمالهم الصالحة ومجاهدة أعدائه وعدم ولايتهم بأن ﵃ فأرضاهم فرضوا عنه وإنما حصل لهم هذا بعد الرضا به ربا وبمحمد نبيًا وبالإسلام دينًا قوله: وهو الرضا عنه في كل ما قضى فهنا ثلاثة أمور: الرضا بالله والرضا عن الله والرضا بقضاء الله\" (^١).\nفمن حقّق التوحيد كما أراده الله تعالى، فقد أرضى الله تعالى بهذا الفعل، ونال رضوانه، ولم يسخط عليه، وجعل الجنة هي مثواه ومأواه، ولكن هذا المثوى والمأوى لا يمكن نواله إلا إذا حقق العبد شيئين؛ الإيمان بالله تعالى وتوحيده، ثم العمل الصالح قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكَهْف: ١١٠].\n_________\n(^١) مدارج السالكين ٢/ ١٨٧.","vol":"1","page":310},{"text":"فعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال قال رسول الله ﷺ: «إن الله يقول لأهل الجنة يا أهل الجنة فيقولون لبيك ربنا وسعديك فيقول هل رضيتم فيقولون وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من خلقك فيقول أنا أعطيكم أفضل من ذلك قالوا يا رب وأي شيء أفضل من ذلك قال أجل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا» (^١).\nوعن عائشة (ت: ٥٨ هـ) ﵁ ا قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَنْ الْتَمَسَ رِضَا اللَّهِ بِسَخَطِ النَّاسِ كَفَاهُ اللَّهُ مُؤْنَةَ النَّاسِ، وَمَنْ الْتَمَسَ رِضَا النَّاسِ بِسَخَطِ اللَّهِ وَكَلَهُ اللَّهُ إِلَى النَّاسِ.» (^٢).\nوعن العباس بن عبد المطلب ﵁ قال رسول الله ﷺ: «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولًا» (^٣).\nتضمن هذا الحديث الرضا بربوبيته سبحانه وألوهيته، وتضمن الرضا برسوله الكريم والسمع والطاعة له، وتضمن الرضا بدينه والتسليم مع كمال الانقياد.\n- قال النووي (ت: ٦٧٦ هـ) ﵀: \"رضيت بالشيء أي قنعت به، واكتفيت به ولم أطلب معه غيره فمعنى الحديث لم يطلب غير الله تعالى ولم يسع في غير\n_________\n(^١) رواه البخاري: ٥/ ٢٣٩٨، ومسلم: ٤/ ٢١٧٦.\n(^٢) أخرجه الترمذي: ٤/ ٦٠٩، وقال الألباني في (صحيح الترغيب والترهيب) ٢/ ٢٧١: صحيح لغيره.\n(^٣) رواه مسلم (١/ ٦٢) برقم: ٣٤.","vol":"1","page":311},{"text":"طريق الإسلام ولم يسلك إلا ما يوافق شريعة محمد ﷺ \" (^١).\nعن سعد بن أبي وقاص (ت: ٥٥ هـ) ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «مَنْ قال حين يسمع المؤذن: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، رضيت بالله ربا، وبمحمد رسولا، وبالإسلام دينًا؛ غُفِرَ له ذنبه» (^٢).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"وهذان الحديثان عليهما مدار مقامات الدين وإليهما ينتهي.\nفالرضا بإلهيته يتضمن الرضا بمحبته وحده وخوفه ورجائه والإنابة إليه والتبتل إليه وانجذاب قوى الإرادة والحب كلها إليه فعل الراضي بمحبوبه كل الرضا وذلك يتضمن عبادته والإخلاص له.\nوالرضا بربوبيته: يتضمن الرضا بتدبيره لعبده، ويتضمن إفراده بالتوكل عليه، والاستعانة به، والثقة به والاعتماد عليه، وأن يكون راضيًا بكل ما يفعل به.\nوأما الرضا بنبيه رسولًا: فيتضمن كمال الانقياد له والتسليم المطلق إليه بحيث يكون أولى به من نفسه فلا يتلقى الهدى إلا من مواقع كلماته، ولا يحاكم إلا إليه، ولا يحكم عليه غيره، ولا يرضى بحكم غيره في أي أمر من الأمور.\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم ٢/ ٢.\n(^٢) رواه مسلم ١/ ٢٩٠","vol":"1","page":312},{"text":"وأما الرضا بدينه: فإذا قال أو حكم أو أمر أو نهى: رضي كل الرضا ولم يبق في قلبه حرج من حكمه وسلم له تسليما، ولو كان مخالفا لمراد نفسه، أو هواها، أو قول مقلده وشيخه وطائفته\" (^١).\n- كتب عمر بن الخطّاب (ت: ٢٣ هـ) ﵁ إلى أبي موسى ﵄: \"أما بعد، فإن الخير كله في الرضا، فإن استطعت أن ترضى وإلا فاصبر\" (^٢).\n- قال الفضيل بن عياض (ت: ١٨٧ هـ) ﵀: \"أحق الناس بالرضا عن الله، أهل المعرفة بالله\" (^٣).\n- قيل ليحيى بن معاذ الرازي (ت: ٢٥٨ هـ) ﵀: متى يبلغ العبد إلى مقام الرضا؟\nفقال: \"إذا أقام نفسه على أربعة أصول فيما يعامل به ربه، فيقول: إن أعطيتني قبلت. وإن منعتني رضيت. وإن تركتني عبدت. وإن دعوتني أجبت\" (^٤).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"وممَّا ينبغي أنْ يُعرَف أنَّ الله ليس رضاه أو محبَّته في مجرَّد عَذاب النفس وحملها على المشاقِّ؛ حتى يكون العمل كلَّما كان أشقَّ كان أفضل! كما يحسبُ كثيرٌ من الجهال أنَّ الأجر على قدر المشقَّة في كلِّ شيء! لا! ولكن الأجر على قدر منفعة العمل، ومصلحته، وفائدته، وعلى قدر طاعة أمر الله ورسوله، فأي العملين كان أحسن، وصاحبه\n_________\n(^١) مدارج السالكين ٢/ ١٧٢.\n(^٢) مدارج السالكين ٢/ ١٧٥.\n(^٣) حلية الأولياء ٨/ ١٠٤.\n(^٤) مدارج السالكين ٢/ ١٧٢.","vol":"1","page":313},{"text":"أطوع، وأتبع كان أفضل؛ فإنَّ الأعمال لا تتفاضَلُ بالكثرة، وإنما تتفاضَلُ بما يحصل في القلوب حالَ العمل\" (^١).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"الرِّضَا نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: الرِّضَا بِفِعْلِ مَا أُمِرَ بِهِ وَتَرْكِ مَا نُهِيَ عَنْهُ. وَيَتَنَاوَلُ مَا أَبَاحَهُ اللَّهُ مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ إلَى الْمَحْظُورِ. وَالنَّوْعُ الثَّانِي: الرِّضَا بِالْمَصَائِبِ: كَالْفَقْرِ وَالْمَرَضِ وَالذُّلِّ فَهَذَا الرِّضَا مُسْتَحَبٌّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ وَلَيْسَ بِوَاجِبِ وَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ وَاجِبٌ\" (^٢).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"والعبد إذا اعترف وأقر بأن الله خالق أفعاله كلها فهو على وجهين. إن اعترف به إقرارا بخلق الله كل شيء بقدرته ونفوذ مشيئته وإقرارا بكلماته التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر واعترافا بفقره وحاجته إلى الله وأنه إن لم يهده فهو ضال. وإن لم يتب عليه فهو مصر.\nوإن لم يغفر له فهو هالكخضع لعزته وحكمته. فهذا حالزالمؤمنين الذين يرحمهم الله ويهديهم ويوفقهم لطاعته. وإن قال ذلك احتجاجا على الرب ودفعا للأمر والنهي عنه وإقامة لعذر نفسه فهذا ذنب أعظم من الأول. وهذا من أتباع الشيطان. ولا يزيده ذلك إلا شرا. وقد ذكرنا أن الرب سبحانه محمود لنفسه ولإحسانه إلى خلقه. ولذلك هو يستحق المحبة لنفسه ولإحسانه إلى عباده. ويستحق أن يرضى العبد بقضائه. لأن حكمه عدل لا يفعل إلا خيرا وعدلا. ولأنه لا يقضي للمؤمن قضاء إلا كان\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٢٥/ ٢٨١ - ٢٨٢.\n(^٢) مجموع الفتاوى ١٠/ ٦٨٢.","vol":"1","page":314},{"text":"خيرا له إن أصابته سراء شكر. فكان خيرا له. وإن أصابته ضراء صبر. فكان خيرا له. فالمؤمن يرضى بقضائه لما يستحقه الرب لنفسه من الحمد والثنا ولأنه محسن إلى المؤمن\" (^١).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"ومَن ﵁ لم يسخط عليه أبدًا\" (^٢).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"خير الخلق: الذين يصبرون على المصائب، ويستغفرون من المعايب، كما قال الله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [غَافِر: ٥٥] \" (^٣).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"وطريق الرضا طريق مختصرة قريبة جدًا، موصلة إلى أجل غاية، ولكن فيها مشقة. ومع هذا فليست مشقتها بأصعب من مشقة طريق المجاهدة ولا فيها من العقبات والمفاوز ما فيها. وإنما عقبتها همة عالية، ونفس زكية، وتوطين النفس على كل ما يرد عليها من الله. ويسهل ذلك على العبد: علمه بضعفه وعجزه ورحمته به، وشفقته عليه، وبره به، فإذا شهد هذا وهذا، ولم يطرح نفسه بين يديه، ويرضى به وعنه، وتنجذب دواعي حبه ورضاه كلها إليه: فنفسه نفس مطرودة عن الله، بعيدة عنه. ليست مؤهلة لقربه وموالاته، أو نفس ممتحنة مبتلاة بأصناف البلايا والمحن\" (^٤).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١٤/ ٣١٦ - ٣١٧.\n(^٢) الصارم المسلول (٥٧٢).\n(^٣) مجموع الفتاوى ٨/ ١٠٧ ..\n(^٤) مدارج السالكين ٢/ ١٧٣.","vol":"1","page":315},{"text":"- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"متى خالط القلب بشاشة الإيمان واكتحلت بصيرته بحقيقة اليقين انقلبت النفس الأمارة مطمئنة راضية وتلقى أحكام الرب تعالى بصدر واسع منشرح مسلم\" (^١).\n- قال ابن حجر (ت: ٨٥٢ هـ) ﵀: \"إن صاحب الصدق مع الله، لا تضرُّه الفتنُ، وإن الله يجعل لأوليائه عند ابتلائهم مخارج، وإنما يتأخر ذلك عن بعضهم في بعضالأ وقات تهذيبًا وزيادةً لهم في الثواب\" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-122>٣٥. من ثمراته أن توحيد الله موجب لنيل حلاوة الإيمان.</span>\n- قال محمد بن علي بن الحسن بن بشر، أبو عبد الله، الحكيم الترمذي (ت: ٣٢٠ هـ) ﵀: \"إذا استقر في قلب المؤمن توحيد رب كريم ودود ظهر له وداده وكرمه وبره فقد وجد حلاوة التوحيد ونزاهته؛ فإذا جاءت شهوات النفس سبيلا إلى القلب فخالطته وكدرته ومازجت حلاوته فدنست وكدرت فأي خسران أعظم من هذا\" (^٣).\n- قال النووي (ت: ٦٧٦ هـ) ﵀: \"ولا شك في أن من كانت هذه صفته فقد خلصت حلاوة الإيمان إلى قلبه وذاق طعمه، وقال القاضي عياض: معنى الحديث (ذاق حلاوة الإيمان): أي صح إيمانه واطمأنت به نفسه وخامر باطنه\n_________\n(^١) مدارج السالكين ٢/ ١٤٤.\n(^٢) فتح الباري ٦/ ٥٥٧.\n(^٣) نوادر الأصول في أحاديث الرسول ٣/ ٥١.","vol":"1","page":316},{"text":"لأن رضاه بالمذكورات دليل لثبوت معرفته ونفاذ بصيرته ومخالطة بشاشته قلبه لأن من رضي أمرا سهل عليه فكذا المؤمن إذا دخل قلبه الإيمان سهل عليه طاعات الله تعالى ولذت له\" (^١).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"وفي الصحيح عنه ﷺ «ذاق طعم الإيمان: من رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا. وبمحمد ﷺ رسولا» فأخبر: أن للإيمان طعما، وأن القلب يذوقه كما يذوق الفم طعم الطعام والشراب.\nوقد عبر النبي ﷺ عن إدراك حقيقة الإيمان، والإحسان، وحصوله للقلب ومباشرته له: بالذوق تارة، وبالطعام والشراب تارة، وبوجود الحلاوة تارة، كما قال «ذاق طعم الإيمان» وقال «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما. ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله. ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار».\nوالمقصود: أن ذوق حلاوة الإيمان والإحسان، أمر يجده القلب. تكون نسبته إليه كنسبة ذوق حلاوة الطعام إلى الفم، وذوق حلاوة الجماع إلى إلفة النفس. كما قال النبي ﷺ «حتى تذوقي عسيلته. ويذوق عسيلتك» فللإيمان طعم وحلاوة يتعلق بهما ذوق ووجد. ولا تزول الشبه والشكوك عن\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم ٢/ ٢.","vol":"1","page":317},{"text":"القلب إلا إذا وصل العبد إلى هذه الحال. فباشر الإيمان قلبه حقيقة المباشرة. فيذوق طعمه ويجد حلاوته\" (^١).\n- قال ابن رجب (ت: ٧٩٥ هـ) ﵀: \"عن أنس، عن النبي ﷺ قال: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار» (^٢). وقد خرجه مسلم وعنده في رواية: «فقد وجد طعم الإيمان» (^٣)، وجاء في رواية: «وجد طعم الإيمان وحلاوته».\nفهذه الثلاث خصال من أعلى خصال الإيمان، فمن كملها فقد وجد حلاوة الإيمان وطعم طعمه، فالإيمان له حلاوة وطعم يذاق بالقلوب كما يذاق حلاوة الطعام والشراب بالفم، فإن الإيمان هو غذاء القلوب وقوتها كما أن الطعام والشراب غذاء الأبدان وقوتها، وكما أن الجسد لا يجد حلاوة الطعام والشراب إلا عند صحته فإذا سقم لم يجد حلاوة ما ينفعه من ذلك، بل قد يستحلي ما يضره وما ليس فيه حلاوة لغلبة السقم عليه، فكذلك القلب إنما يجد حلاوة الإيمان من أسقامه وآفاته، فإذا سلم من مرض الأهواء المضلة والشهوات المحرمة وجد حلاوة الإيمان حينئذ، ومتى مرض وسقم لم يجد حلاوة الإيمان، بل يستحلي ما فيه هلاكه من الأهواء والمعاصي\" (^٤).\n_________\n(^١) بغية الملتمس ص: ٥١٣.\n(^٢) أخرجه البخاري (١٦)، ومسلم (٤٣).\n(^٣) أخرجه مسلم ٤٣/ ٦٨.\n(^٤) فتح الباري لابن رجب ١/ ٥٠.","vol":"1","page":318},{"text":"- قال ابن حجر (ت: ٨٥٢ هـ) ﵀: \"وثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: «سبعة يظلهمالله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ..»، وذكر منهم: «رجل قلبه معلق في المساجد» (^١)، إشارة إلى طول الملازمة بقلبه وإن كان جسدهخارجا عنه\" (^٢).\n- قال عبد الرؤوف بن علي المناوي (ت ١٠٣١ هـ) ﵀ \"المؤمن الكامل قد وضع الله في قلبه حلاوة التوحيد بحلاوته فإذا جاءت الشهوة ضرب بتلك الحلاوة وجهها وردها بقوة هذه الحلاوة\" (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-123>٣٦. من ثمراته أن توحيد الله موجب للأنس بالله.</span>\n- قال ابن الصفار القرطبي. (ت: ٤٤٩ هـ).\nفررت إليك من ظلمي لنفسي … وأوحشني العباد فأنت أنسى\nرضاك هو المنى وبك افتخاري … وذكرك في الدجى قمري وشمسي\nصرت إليك منقطعا غريبا لتؤنس … وحدتي في قعر رمسي\nوللعظمى من الحاجات عندي … قصدت وأنت عالم سر نفسي\" (^٤)\n- قال ابن الجوزي (ت: ٥٩٧ هـ) ﵀: \"انظر إلى حالك الذي أنت عليه،\n_________\n(^١) أخرجه: البخاري رقم (٦٦٠)، ومسلم رقم (١٠٣١).\n(^٢) فتح الباري، ١/ ١٤٥.\n(^٣) فيض القدير شرح الجامع الصغير ٤/ ٥٢٥.\n(^٤) مدارج السالكين ٣/ ٨٧ - ٨٨.","vol":"1","page":319},{"text":"إن كان يصلح للموت والقبر، فاستمر عليه، وإن كان لا يصلح لهذين، فتب إلى الله منها، وارجع إلى ما يصلح\" (^١).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"فإذا كان القلب مشغولًا بالله، عاقلًا للحق، متفكرًا في العلم، فقد وُضِع في موضعه\" (^٢).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"والأنس بالله: حالة وجدانية. وهي من مقامات الإحسان، تقوى بثلاثة أشياء: دوام الذكر، وصدق المحبة، وإحسان العمل.\nوقوة الأنس وضعفه: على حسب قوة القرب. فكلما كان القلب من ربه أقرب، كان أنسه به أقوى. وكلما كان منه أبعد، كانت الوحشة بينه وبين ربه أشد\" (^٣).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"وَمَنْ قَرَّتْ عَيْنُهُ بِهِ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا قَرَّتْ عَيْنُهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعِنْدَ الْمَوْتِ وَيَوْمَ الْبَعْثِ فَيَمُوتُ الْعَبْدُ عَلَى مَا عَاشَ عَلَيْهِ، وَيُبْعَثُ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ\" (^٤).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"من اشتغل بالله عن نفسه كفاء الله مؤونة نفسه، ومن اشتغل بالله عن الناس كفاه الله مؤونة الناس، ومن اشتغل بنفسه عن الله\n_________\n(^١) بستان الواعظين ورياض السامعين ١/ ١٩٢ - ١٩٣.\n(^٢) مجموع الفتاوى ٩/ ٣١٢ ..\n(^٣) مدارج السالكين ٣/ ٩٥.\n(^٤) اجتماع الجيوش الإسلامية ٢/ ٨٢.","vol":"1","page":320},{"text":"وكله الله إلى نفسه، ومن اشتغل بالناس عن الله وكله الله إليهم\" (^١).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"إذا زهدت القلوب في موائد الدنيا قعدت على موائد الآخرة بين أهل تلك الدعوة، وإذا رضيت بموائد الدنيا فاتتها تلك الموائد\" (^٢).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"وَالْخَارِجُونَ عَنْ طَاعَةِ الرُّسُلِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ وَمُتَابَعَتِهِمْ يَتَقَلَّبُونَ فِي عَشْرِ ظُلُمَاتٍ:\nظُلْمَةُ الطَّبْعِ، وَظُلْمَةُ الْجَهْلِ، وَظُلْمَةُ الْهَوَى، وَظُلْمَةُ الْقَوْلِ، وَظُلْمَةُ الْعَمَلِ، وَظُلْمَةُ الْمُدْخَلِ، وَظُلْمَةُ الْمُخْرَجِ، وَظُلْمَةُ الْقَبْرِ، وَظُلْمَةُ الْقِيَامَةِ، وَظُلْمَةُ دَارِ الْقَرَارِ. فَالظُّلْمَةُ لَازِمَةٌ لَهُمْ فِي دُورِهِمُ الثَّلَاثِ\" (^٣).\n- قال ابن رجب (ت: ٧٩٥ هـ) ﵀: \"ومن الأنس بالله ﷿، الأنس بكلامه وذكره، والأنس بالعلم النافع، الَّذِي بلغه رسوله ﷺ عنه\" (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-124>٣٧. من ثمراته أن أهل التوحيد أحق الناس برحمته.</span>\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"وأحق الناس برحمته: هم أهل\n_________\n(^١) الفوائد ص: ١٠٧.\n(^٢) الفوائد لابن القيم ص ٩٨.\n(^٣) اجتماع الجيوش الإسلامية ٢/ ٤٢.\n(^٤) مجموع الرسائل ٣/ ٣٣٩.","vol":"1","page":321},{"text":"التوحيد والإخلاص له، فكل من كان أكمل في تحقيق إخلاص \"لا إله إلا الله\" علما وعقيدة وعملا وبراءة وموالاة ومعاداة: كان أحق بالرحمة\" (^١).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: عند قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨)﴾ [التَّوْبَة: ١٨]، \"بين إنما يعمرها من آمن بالله، واليوم الآخر، وأقام الصلاة، وآتى الزكاة، ولم يخش إلا الله، وهذه صفة أهل التوحيد وإخلاص الدين لله، الذين لا يخشون إلا الله، ولا يرجون سواه، ولا يستعينون إلا به، ولا يدعون إلا إياه\" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-125>٣٨. من ثمراته أن التوحيد نجاة من شتات الأمر والحيرة.</span>\nقال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزُّمَر: ٢٩].\nفلاآبية من أبلغ الأمثال التي تُبيّن أن المشرك قد تشتّت شمله، واحتارفي أمره.\n- قال ابن عطية الأندلسي (ت: ٥٤٢ هـ) ﵀: \"لما ذكر ﷿ أنه ضرب للناس في هذا القرآن من كل مثل مجملا جاء بعد ذلك بمثل في أهم الأمور وأعظمها خطرا وهو التوحيد، فمثل تعالى الكافر والعابد للأوثان والشياطين\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١٤/ ٤١٤.\n(^٢) مجموع الفتاوى (١٧/ ٤٩٩).","vol":"1","page":322},{"text":"لرجال عدة في أخلاقهم شكاسة ونقص وعدم مسامحة، فهم لذلك يعذبون ذلك العبد بأنهم يتضايقون في أوقاتهم ويضايقون العبد في كثرة العمل، فهو أبدا ناصب، فكذلك عابد الأوثان الذي يعتقد أن ضره ونفعه عندها هو معذب الفكر بها وبحراسة حاله منها، ومتى أرضى صنما منها بالذبح له في زعمه تفكر فيما يصنع مع الآخر، فهو أبدا تعب في ضلال، وكذلك هو المصانع للناس الممتحن بخدمة الملوك، ومثل تعالى المؤمن بالله وحده بعبد لرجل واحد يكلفه شغله فهو يعمله على تؤدته وقد ساس مولاه، فالمولى يغفر زلته ويشكره على إعادة عمله\" (^١).\n- قال سليمان بن عبد القوي بن عبد الكريم الطوفي الصرصري الحنبلي (ت ٧١٦ هـ) ﵀: \"قال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٢٩)﴾ [الزُّمَر: ٢٩]، هو من أدلة التوحيد؛ وبيانه أن التوحيد أصلح للموحد، كما أن المالك الواحد للعبد أصلح له من تعدد الملاك؛ لأن كثرة الأرباب والملاك تتنازع الواحد؛ فيهلك، أو يشقى ويتعب؛ بخلاف الرب الواحد؛ والمالك الواحد، إذ لا تنازع مع الوحدة وهذه المادة شبيهة بمادة ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٢٢)﴾ [الأَنبِيَاء: ٢٢] \" (^٢).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"والمقصود أن الطريق إلى الله\n_________\n(^١) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ٤/ ٥٢٩.\n(^٢) كتاب الإشارات الإلهية إلى المباحث الأصولية ص: ٥٤١.","vol":"1","page":323},{"text":"تعالي واحد، فإنه الحق المبين، والحق واحد، مرجعه إلى واحد، وأما الباطل والضلال فلا ينحصر، بل كل ما سواه باطل، وكل طريق إلى الباطل فهو باطل، فالباطل متعدد وطرقه متعددة\" (^١).\n- قال برهان الدين البقاعي (ت: ٨٨٥ هـ) ﵀: \"وقد صح بالتجربة أن الراحة في حصبة [مطاوعة] الواحد، وأن التعب في اتباع العدد لاختصاص كل واحد بقصد في التابع يتشاكس عليه لذلك حال اتباعهم فكان أعظم دعوة إلى جمع الخلق دعوتهم إلى جمع توحيد الإلهية انتظاما بما دعوا إليه من الاجتماع في اسم الربوبية في قوله تعالى متقدما ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البَقَرَةِ: ٢١] \" (^٢).\n- قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: \"فهذا مثل ضربه الله تعالى للمشرك والموحِّد، فالمشرك لمّا كان يعبد آلهة شتى شُبِّهَ بعبد يملكه جماعة متنازعون مختلفون، سيئة أخلاقهم، يتنافسون في خدمته، لا يمكنه أن يبلغ رضاهم أجمعين، فهو في عذاب.\nوالموحِّد لمّا كان يعبد الله وحده لا شريك له، فمثله كمثل عبد لرجل واحد، قد سلم له، وعلم مقاصده، وعرف الطريق إلى رضاه، فهو في راحة من تشاحن الخلطاء فيه واختلافهم، بل هو سالم لمالكه من غير تنازع فيه، مع رأفة مالكه به، ورحمته له، وشفقته عليه، وإحسانه إليه، وتوليه لمصالحه، فهل\n_________\n(^١) طريق الهجرتين صـ ١٦٢.\n(^٢) نظم الدرر في تناسب الآيات والسور ٢/ ٢٨٥.","vol":"1","page":324},{"text":"يستوي هذان العبدان؟ والجواب: كلا، لا يستويان أبدًا\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-126>٣٩. من ثمراته أن التوحيد سبب للثبات والاستقامة.</span>\nقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فُصِّلَت: ٣٠].\n- عن الحسن (ت: ١١٠ هـ) ﵀ قال: \"ما أيقن عبد بالجنة والنار حق يقينهما إلا خشع ووجل، وذل واستقام، واقتصد حتى يأتيه الموت\" (^٢).\nقال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: \"يقول تعالى ذكره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ وحده لا شريك له، وبرئوا من الآلهة والأنداد ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ على توحيد الله، ولم يخلطوا توحيد الله بشرك غيره به، وانتهوا إلى طاعته فيما أمر ونهى\" (^٣).\n- قال محمد بن علي بن الحسن بن بشر، أبو عبد الله، الحكيم الترمذي (ت: ٣٢٠ هـ) ﵀: \"فمن نور الله قلبه بالإيمان قويت معرفته، واستنارت بنور اليقين، فاستقام به قلبه، واطمأنت به نفسه، وسكنت ووثقت وأيقنت، وأتمنته\n_________\n(^١) انظر: تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. ٤/ ٧٨، وابن كثير ٤/ ٥٢، والتفسير القيم، لابن القيم، ص ٤٢٣، وتفسير فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية في علم التفسير للشوكاني، ٤/ ٤٦٢، وتفسير السعدي، ٦/ ٤٦٨، وتفسير الجزائري، ٤/ ٤٣.\n(^٢) موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٢٧.\n(^٣) تفسير الطبري (سورة. فصلت الآية: ٣٠).","vol":"1","page":325},{"text":"على نفسها، فرضيت لها به وكيلا، وتركت التدبير عليه، فإن وسوس له عدو بالرزق والمعايش، لم يضطرب قلبه ولم يتحير، لأنه قد عرف ربه معرفة أنه قريب، وأنه لا يغفل ولا ينسى، وأنه رءوف رحيم، وأنه رب غفور رحيم، وأنه عدللا يجور، وأنه عزيز لا تمتنع منه الأشياء، وأنه يجير ولا يجار عليه، فكما خلقه محتاجا مضطرا، فإنه سيوصله إليه من حيث يريد الرب ﵎، لا من حيث يريد العبد، على الهيئة التي يريد الرب، لا على الهيئة التي يريد العبد، وبمقدار ما يريد الرب، لا بمقدار ما يريد العبد، وفي الوقت الذي يريد الرب، لا في الوقت الذي يريد العبد؛ فعامة أهل التوحيد قد أيقنوا بهذا، إيمانا به، وقبولا له، ولم يستقر ذلك الإيمان في قلوبهم، حتى إذا كان وقت، الحاجة اضطربت قلوبهم وتحيرت، واشتغلت عن خالق الأشياء، ومالك الملوك، وأهل اليقين الذين قد استنار الإيمان في قلوبهم، سكنت القلوب، واطمأنت النفوس إلى ضمان ربها، وقربه منهم، وقدرته عليهم. فهذا شأن الرزق والمعاش.\nوفوضوا أمورهم فيما سوى المعاش إليه، واتخذوه وكيلا، لأنهم لما عرفوا بأنه رءوف رحيم منهم بأنفسهم، وأحق وأولى بأنفسهم من العبيد بأنفسهم، لأنه خلقهم فصورهم، وركبهم وأحسن تقويمهم، وسوى تعديلهم، فلم يكن لهم بأنفسهم من العلم والتدبير ما دبر لهم، وعرفه ملكا قادرا قاهرا، يفعل ما يشاء، قد سبق علمه فيهم، بما يكون فيهم ولهم وعليهم، وجرى مع سابق العلم لهم بذلك قلمه في اللوح المحفوظ، ليكون أوكد في قلوب العباد، لأن سابق العلم غائب عن القلوب لا يدري كنفسه، واللوح قد خط بالقلم فيه","vol":"1","page":326},{"text":"أمر محدود، وشخص مخلوق، ويدرك بالقلوب معاينة، فما عاين القلب وأدركه أثبت عندهم مما لا تعاينه القلوب، ولا يمكن توهمه، فخلق اللوح وأثبت مقاديرهم فيه، لا لحاجة به إلى ذلك، وليكون أثبت على القلوب، لتسكن النفوس وتستقر على ما جرى القلم به، فإذا سكنت النفوس، تفرغت القلوب لعبادته، وحفظ حدوده، وإقامة أموره، وسقطت أشغال النفوس عن القلوبفيما يراد بها، وما يكون وما يحدث، لأنها قد أيست عن أن يكون غير ما جرى به القلم، وعند الإياس تسكن النفوس، وإنما دعانا إلى أن بعبده، ونقيم حدوده، ونقيم فرائضه، ونتجنب مساخطه، ولنا قلب واحد، فأثبت في اللوح أرزاقنا وسعينا، وآثارنا وأحداثنا، ومدة آجالنا، وعامة أمورنا، لتطمئن النفوس، وتخلص القلوب من وساوسها، فتبده بفراغ، وكل ذلك منه رحمة علينا، وبين ذلك في تنزيله، فقال تعالى: ﴿أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَّبْرَأَهَا﴾ [الحَدِيد: ٢٢] أي من قبل أن نخلق تلك المصيبة، ثم بين لم فعل ذلك، فقال: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ [الحَدِيد: ٢٣]. فإن التأسي على الشيء الذي لم يقدر لك في اللوح هو استبداد وطلب ما ليس لك، والفرح بما آتاك يلهيك ويشغلك عن المعطي، حتى تأشر وتبطر بما تعطى، فتهلك، وإنما المبتغى منك في ذلك أن تلهو عن الغائب، وتفرح في الوجود الذي\nأتاك بالأهل الذي أتاك، ثم بفضله ورحمته عليك، وإلى هذا ندبك فقال: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨)﴾ [يُونُس: ٥٨]. وقال تعالى في شأن الرزق: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ","vol":"1","page":327},{"text":"إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦)﴾ [هُود: ٦]. ثم قال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ [الأَنْعَام: ٥٩]. أي من يأكل تلك الحبة ومن يرزقها\" (^١).\n- قال ابن عطية الأندلسي (ت: ٥٤٢ هـ) ﵀: \"وذهب أبو بكر الصديق ﵁ وجماعة معه إلى أن المعنى ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فُصِّلَت: ٣٠] على قولهم: ﴿رَبُّنَا اللَّهُ﴾ [فُصِّلَت: ٣٠]، فلم يختل توحيدهم ولا اضطرب إيمانهم\" (^٢).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"الكامل: هُوَ من كَانَ لله أطوع وعَلى مَا يُصِيبهُ أَصْبِر. فَكلما كَانَ أتبع لما يَأْمر الله بِهِ وَرَسُوله وَأعظم مُوَافقَة لله فِيمَا يُحِبهُ ويرضاه وصبرا على مَا قدره وقضاه كَانَ أكمل وَأفضل. وكل من نقص عَنْ هذَيْن كَانَ فِيهِ من النَّقْص بِحَسب ذَلِك\" (^٣).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"استقامة القلب بشئيين:\nأحدهما: أن تكون محبة اللهتعالى تتقدم عنده على جميع المحاب …\nالثاني: تعظيم الأمر والنهي، وهوناشئ عن تعظيم الآمر الناهي، فإن الله تعالى ذم من لا يعظمه ولا يعظم أمره ونهيه، قال الله ﷾: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ\n_________\n(^١) كتاب آداب النفس للحكيم الترمذي ص: ١٦ - ٢٠\n(^٢) تفسير المحرر الوجيز (سورة الزمر: الآية: ١٧).\n(^٣) دقائق التفسير ٢/ ٢٩٩.","vol":"1","page":328},{"text":"وَقَارًا (١٣)﴾ [نُوح: ١٣] قالوافي تفسيرها: ما لكم لا ترجون لله تعالى عظمة\". ثم قال: \" .. فعلامة التعظيم للأوامر: رعاية أوقاتها وحدودها، والتفتيش على أركانها وواجباتها وكمالها، والحرص على تحسينها وفعلها في أوقاتها، والمسارعة إليها عند وجوبها، والحزنوالكآبة والأسف عند فوت حق من حقوقها .. \".\nثم ذكر عددا من علامات تعظيمالمناهي، وهي على وجه الاختصار:\n١. الحرص على التباعد عن مظانها وأسبابها وما يدعو إليها، ومجانبة كلوسيلة تقرب إليها.\n٢. أن يغضب لله ﷿ إذا انتهكت محارمه، وأن يجد في قلبه حزناوكسرة إذا عصي الله تعالى في أرضه، ولم يطع بإقامة حدوده وأوامره، ولميستطع هو أن يغير ذلك.\n٣. أن لا يسترسل مع الرخصة إلى حد يكون فيه جافيا غير مستقيم علاالمنهج الوسط.\n٤. أن لا يحمل الأمر على علة تضعف الانقياد والتسليم لأمر الله ﷿، بل يسلم لأمر الله تعالى وحكمه، متمثلا ما أمر به، سواء ظهرت له حكمةالشرعفي أمره ونهيه أو لم تظهر .. \" (^١).\n- قال محمد بن يعقوب الفيروزأبادي (ت: ٨١٧ هـ) ﵀: \"بمعنى الثبات\n_________\n(^١) الوابلالصيب، (ص ٢٤ - ٣٩) باختصار.","vol":"1","page":329},{"text":"على التوحيد والشهادة\" (^١).\n- قال ابن رجب (ت: ٧٩٥ هـ) ﵀: \"الاِستِقامَةُ والثَّبات لا قُدرَةَ للعبدِ عليهِ بنَفسِه، ولِذلِك يحتاجُ أن يسألَ ربَّهُ الثّبات، كَمْ مِنْ عامِلٍ يَعملُ الخَيْر، إذا بقِيَ بيْنهُ وبيْنَ الجنَّة ذِراع، وشارَفَ مَركَبهُ ساحِلَ النَّجاة، ضرَبهُ مَوجُ الهَوَى فغَرِق\" (^٢).\n- قال برهان الدين البقاعي (ت: ٨٨٥ هـ) ﵀ عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠)﴾ [فُصِّلَت: ٣٠] \" ﴿قَالُوا﴾ أي قولا حقيقيًا مذعنين به بالجنان وناطقين باللسان تصديقا لداعي الله في دار الدنيا متذللين حيث ينفع الذل جامعين بين الأس الذي هو المعرفة والاعتقاد، والبناء الذي هو العمل الصالح بالقول والفعل على السداد، فإن أصل الكمالات النفسانية يقين مصلح وعمل صالح، تعرف الحق لذاته والخير لتعمل له، ورأس المعارف اليقينية ورئيسها معرفة الله، ورأس الأعمال الصالحة الاستقامة على حد الاعتدال من غير ميل إلى طرف إفراط أو تفريط: ﴿رَبُّنَا﴾ أي المحسن إلينا ﴿اللَّهُ﴾ المختص بالجلال والإكرام وحده لا شريك له.\n_________\n(^١) بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز ٢/ ١٤٦.\n(^٢) انظر: تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. ٤/ ٧٨، وابن كثير ٤/ ٥٢، والتفسير القيم، لابن القيم، ص ٤٢٣، وتفسير فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية في علم التفسير للشوكاني، ٤/ ٤٦٢، وتفسير السعدي، ٦/ ٤٦٨، وتفسير الجزائري، ٤/ ٤٣.","vol":"1","page":330},{"text":"ولما كان الثبات على التوحيد ومصححاته إلى الممات أمرا في علو رتبته لا يرام إلا بتوفيق ذي الجلال والإكرام، أشار إليه بأداة التراخي فقال: ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ طلبوا وأوجدوا القوام بالإيمان بجميع الرسل وجميع الكتب ولم يشركوا به صنما ولا ثنا ولا آدميا ولا ملكا ولا كوكبا ولا غير بعبادة ولا رياء، وعملوا بما يرضيه وتجنبوا كل ما يسخطه وإن طال الزمان، امتثالا لما أمر به أول السورة في قوله ﴿أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ﴾ [فُصِّلَت: ٦] فمن كان له أصل الاستقامة في التوحيد أمن من النار بالخلود، ومن كان له كمال الاستقامة في الأصول والفروع أمن الوعيد.\n﴿تَتَنَزَّلُ﴾ على سبيل التدريج المتصل ﴿عَلَيْهِمُ﴾ من حين نفخ الروح فيهم إلى أن يموتوا ثم إلى أن يدخلوا الجنة باطنا فظاهرا ﴿الْمَلَائِكَةُ﴾ بالتأييد في جميع ما ينوبهم فتستعلي الأحوال الملكية على صفاتهم البشرية وشهواتهم الحيوانية فتضمحل عندها، وتشرق مرائيهم، ثم شرح ما يؤيدونهم به وفسره فقال: ﴿أَلَّا تَخَافُوا﴾ أي من شي مثله يخيف، وكأنهم يثبتون ذلك في قلوبهم ﴿وَلَا تَحْزَنُوا﴾ أي على شيء فاتكم، فإن ما حصل لكم أفضل منه، فأوقاتكم الأخراويةفيها بل هي كلها روح وراحة، فلا يفوتهم لذلك محبوب ولا يلحقهم مكروه ﴿وَأَبْشِرُوا﴾ أي املأوا صدوركم سرورا يظهر أثره على بشرتكم بتهلل الوجه ونعمة سائر الجسد ﴿بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ﴾ أي كونا عظيما على ألسنة الرسل ﴿تُوعَدُونَ (٣٠)﴾ أي يتجدد لكم ذلك كل حين بالكتب والرسل\" (^١).\n_________\n(^١) نظم الدرر في تناسب الآيات والسور ١٧/ ١٨٢ - ١٨٤.","vol":"1","page":331},{"text":"<span data-type='title' id=toc-127>٤٠. من ثمراته أن التوحيد يدعو الموحد لقبول الحق من كائن من كان.</span>\n- كان معاذ بن جبل ﵁ يقول: \"اقبلوا الحق من كل من جاء به، وإن كان كافرًا -أو قال فاجرًا- واحذروا زيغةالحكيم، قالوا: كيف نعلم أن الكافر يقول كلمة الحق؟\nقال: إن على الحق نورًا\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-128>٤١. من ثمراته أن التوحيد حياة الدنيا.</span>\n- قال يحيى بن عمار: \"العلوم خمسة:\n١ حياة الدنيا. هو علم التوحيد.\n٢ غذاء الدين؛ هو علم التذكر بمعاني القرآن والحديث.\n٣ دواء الدين؛ هو علم الفتوى إذا نزل بالعبد نازلة احتاج إلى من يشفيه منها.\n٤ داء الدين هو الكلام المحدث.\n٥ هلاك الدين؛ وهو علم السحر ونحوه\" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-129>٤٢. من ثمراته أن التوحيد سد لباب الغلو في الصالحين.</span>\nقال تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا\n_________\n(^١) رواه أبو داود (٤٦١١).\n(^٢) مجموع الفتاوى ١٥/ ١٤٦.","vol":"1","page":332},{"text":"الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النِّسَاء: ١٧١].\nوقال رسول الله ﷺ: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبده، فقولوا: عبد الله ورسوله» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-130>٤٣. من ثمراته أن التوحيد أحد الهجرتين المتوجبتين على كل قلب.</span>\n- قال الفيروزأبادي: \"ولله على كل قلب هجرتان فرضا لازما:\nهجرة إلى الله بالتوحيد والإخلاص والتوبة والحب والخوف والرجاء والعبودية.\nوهجرة إلى رسوله بالتسليم له والتفويض والانقياد لحكمه، وتلقى أحكام الظاهر والباطن من مشكاته.\nومن لم يكن لقلبه هاتان الهجرتان فليحث على رأسه التراب، وليراجع الإيمان من أصله\" (^٢).\n_________\n(^١) البخاري مع الفتح بلفظه، كتاب الأنبياء، باب قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ﴾ [مَرْيَم: ١٦] ٦/ ٤٧٨، ١٢/ ١٤٤، وانظر: شرحه في الفتح، ١٢/ ١٤٩.\n(^٢) بصائر ذوي التمييز ٢/ ٤٦٧.","vol":"1","page":333},{"text":"<span data-type='title' id=toc-131>٤٤. من ثمراته أن التوحيد هو السبب الأعظم لتفريج كربات الدنيا والآخرة، يدفع الله به العقوبات في الدارين، ويبسط به النعم والخيرات.</span>\n- عن عبد الله بن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄ قال: إنَّ نبيَّ اللهِ ﷺ كان يقولُ عند الكربِ: «لا إله إلا الله العظيمُ الحليمُ، لا إله إلا الله ربُّ العرشِ العظيمُ، لا إله إلا اللهُ ربُّ السمواتِ وربُّ الأرضِ وربُّ العرشِ الكريمُ» (^١).\n- عن أسماء بنت عميس ﵂ قالت قال رسول الله ﷺ: «ألَا أُعلِّمُكِ كلماتٍ تقولينَهُنَّ عندَ الكَرْبِ، أو في الكَرْبِ؟ اللهُ اللهُ ربِّي، لا أُشرِكُ به شيئًا» (^٢).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"فما دُفعت شدائد الدنيا بمثل التوحيد، ولذلك كان دعاء الكرب بالتوحيد، ودعوة ذي النون التي ما دعا بها مكروب إلا فرج الله كربه بالتوحيد، فلا يلقي في الكُرب العظام إلا الشرك، ولا ينجي منها إلا التوحيد، فهو مفزع الخليقة وملجؤها وحصنها وغياثها\" (^٣).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"التَّوْحِيد مفزع أعدائه وأوليائه، فأما أعداؤه فينجيهم من كرب الدنيا وشدائدها ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥)﴾ [العَنكَبُوت: ٦٥].\nوَأما أولياؤه فينجيهم به من كربات الدنيا والآخرة وشدائدها؛ ولذلك فزع إليه يونس فنجاه الله من تلك الظلمات وفزع إليه أتباع الرسل فنجوا به مما عذب به المشركون في الدنيا وما أعد لهم في الآخرة، ولما فزع إليه فرعون عند معاينة الهلاك وإدراك الغرق له لم ينفعه لأن الإيمان عند المعاينة لا يقبل، هذه سنة الله في عباده، فما دفعت شدائد الدنيا بمثل التوحيد؛ ولذلك كان دعاء\n_________\n(^١) صحيح مسلم: ٢٧٣٠.\n(^٢) رواه أبو داود (١٥٢٥).\n(^٣) الفوائد ص: ٥٣.","vol":"1","page":334},{"text":"الكرب بالتوحيد ودعوة ذي النون التي ما دعا بها مكروب إلا فرج الله كربه بالتوحيد. فلا يلقي في الكرب العظام إلا الشرك ولا ينجي منها إلا التوحيد، فهو مفزع الخليقة وملجؤها وحصنها وغياثها\" (^١).\n- قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي (ت: ١٣٩٣ هـ) ﵀: \"قول الله تعالى: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧)﴾ [الأَنبِيَاء: ٨٧]، يدل على أنه ما من مؤمن يصيبه الكربوالغم فيبتهل إلى الله داعيًا بإخلاص، إلانجاه الله من ذلك الغم، ولا سيما إذا دعابدعاء يونس هذا\" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-132>٤٥. من ثمراته أن التوحيد سبب لتحقق الإيمان.</span>\nقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَّ نَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٧٤)﴾ [الأَنفَال: ٧٤].\n- قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: \"برئوا من الكفر\" (^٣).\n_________\n(^١) الفوائد صـ ٥٣ ..\n(^٢) أضواء البيان للشنقيطي ٤/ ٢٤٤.\n(^٣) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة الأنفال: الآية: ٤)؛ وتفسير مكي بن أبي طالب (سورة الأنفال: الآية: ٤).","vol":"1","page":335},{"text":"عن سعيد بن جبير (ت: ٩٥ هـ) ﵀ قوله: ﴿دَرَجَاتٌ﴾ \"يعني: فضائل ورحمة\" (^١).\n- عن مجاهد بن جبر (ت: ١٠٤ هـ) ﵀: ﴿لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الأَنفَال: ٤] قال: \"أعمال رفيعة\" (^٢).\n- عن قتادة بن دعامة السدوسي (ت: ١١٨ هـ) ﵀ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأَنفَال: ٤] قال: \"استحقوا الإيمان بحق، فأحقه الله لهم\" (^٣).\n- قال مقاتل (ت: ١٥٠) ﵀: \"حقًا لا شك في إيمانهم\" (^٤).\n- قال الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀: \"قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأَنفَال: ٤] يعني يقينًا، وفيه دليل على أنه ليس لكل أحد أن يصف نفسه بكونه مؤمنًا حقًا، لأن الله تعالى إنما وصف بذلك قومًا مخصوصين على أوصاف مخصوصة، وكل أحد لا يتحقق وجود تلك الأوصاف فيه\" (^٥).\n- قال أبو حيان الأندلسي (ت: ٧٤٥ هـ) ﵀: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ\n_________\n(^١) تفسير ابن أبي حاتم (سورة الأنفال: الآية: ٤).\n(^٢) تفسير ابن أبي حاتم (سورة الأنفال: الآية: ٤).\n(^٣) تفسير ابن أبي حاتم (سورة الأنفال: الآية: ٤).\n(^٤) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة الأنفال: الآية: ٤).\n(^٥) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة الأنفال: الآية: ٤).","vol":"1","page":336},{"text":"الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأَنفَال: ٢ - ٤].\nلما تقدمت ثلاث صفات: قلبية وهي الوجل وزيادة الإيمان والتوكل. وبدنية.\nومالية. ترتب عليها ثلاثة أشياء: فقوبلت الأعمال القلبية بالدرجات\nوالبدنية بالغفران، وقوبلت المالية بالرزق الكريم، وهذا النوع من المقابلة من بديع علم البديع انتهى\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-133>٤٦. من ثمراته أن التوحيد يجعل النفوس سماوية علوية.</span>\n- قال عبد الله بن محمد بن مغيث بن عبد الله الأنصاري: (ت: ٣٥٢ هـ) ﵀: \"أوثق عملي في نفسي ملامة صدري، إني آوي إلى فراشي ولا يأوي إلى صدري غائلة لمسلم\" (^٢).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"النفوس ثلاثة:\nنفس سماوية علوية: فمحبتها منصرفة إلى المعارف واكتساب الفضائل والكمالات الممكنة للإنسان، واجتناب الرذائل، وهي مشغوفة بما يقربها من الرفيق الأعلى وذلك قوتها وغذاؤها ودواؤها فاشتغالها بغيره هو داؤها.\nونفس سبعية غضبية: فمحبتها منصرفة إلى القهر والبغي والعلو في الأرض والتكبر والرئاسة على الناس بالباطل فلذتها في ذلك وشغفها به.\n_________\n(^١) النهر من البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي (سورة الأنفال: الآيات: ٢ - ٤).\n(^٢) الصلة لابن بشكوال ١/ ٢٣٧.","vol":"1","page":337},{"text":"ونفس حيوانية شهوانية: فمحبتها منصرفة إلى المأكل والمشرب والمنكح وربما جمعت الأمرين فانصرفت محبتها إلى العلو في الأرض والفسادكما قال الله تعالى ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤)﴾ [القَصَص: ٤].\nوالحب في هذا العالم دائر بين هذه النفوس الثلاثة، فأي نفس منها صادفت ما يلائم طبعها استحسنته ومالت إليه ولم تصغ فيه لعاذل ولم تأخذها فيه لومة لائم\" (^١).\n- قال الإمام ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"فالقلب الطاهر لكمال حياته ونوره وتخلصه من الأدران والخبائث لا يشبع من القرآن، ولا يتغذَّى إلا بحقائقه، ولايتداوى إلا بأدويته\" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-134>٤٧. من ثمراته أن التوحيد سبب للفلاح.</span>\nقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠)﴾ [الحُجُرَات: ١٠].\nوقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المَائِدَة: ١٠٠].\n- عن ربيعة بن عباد (ت: ٩٠ هـ تقريبًا) ﵁ قال رسول الله ﷺ:\n_________\n(^١) روضة المحبين ١/ ٢٥٨.\n(^٢) إغاثة اللهفان ١/ ٥٥.","vol":"1","page":338},{"text":"\"قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا\" (^١).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"والقرآن كله مملوء من تحقيق هذا التوحيد والدعوة إليه، وتعليق النجاة والفلاح، واقتضاء السعادة في الآخرة به\" (^٢).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"وما يتَّبع وجوه الحق ويؤمن بالكتاب كلّه إلا أولو الألباب، وقليل ما هم! \" (^٣).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"فالقلب لا يُفلح، ولا يصلح، ولا يتنعم، ولا يبتهج، ولا يلتَذُّ، ولا يطمئن، ولا يسكن؛ إلا بعبادة ربه، وحبه، والإنابة إليه\" (^٤).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"ومعلوم أن حاجتهم إلى معرفة ربهم وفاطرهم فوق مراتب هذه الحاجات كلها، فإنه لا سعادة لهم ولا فلاح ولا صلاح ولانعيم إلا بأن يعرفوه ويعتقدوه، ويكون هو وحده غاية مطلوبهم، والتقرب إليه قرة عيونهم، فمتى فقدوا ذلك كانوا أسوأ حالا من الأنعام، وكانت الأنعام أطيب عيشا منهم في العاجل وأسلم عاقبة في الآجل.\nوإذا علم أن ضرورة العبد إلى معرفة ربه فوق كل ضرورة كانت العناية\n_________\n(^١) رواه أحمد، (٣/ ٤٩٢).\n(^٢) منهاج السنة ٥/ ٣٤٧.\n(^٣) مجموع الفتاوى (٨/ ٤٠١).\n(^٤) إغاثة اللهفان: (٢/ ٩٤٧).","vol":"1","page":339},{"text":"ببيانها أيسر الطرق وأهداها وأبينها\" (^١).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \" كان النبي ﷺ يقرنها بسورة قل هو الله أحد في سنة الفجر وسنة المغرب.\nفإن هذين السورتين سورتا الإخلاص، وقد اشتملتا على نوعي التوحيد الذي لا نجاة للعبد ولا فلاح له إلا بهما، وهما توحيد العلم والاعتقاد المتضمن تنزيه الله عما لا يليق به من الشرك والكفر والولد والوالد، وأنه إله أحد صمد لم يلد فيكون له فرع ولم يولد فيكون له أصل ولم يكن له كفوا أحد فيكون له نظير. ومع هذا فهو الصمد الذي اجتمعت له صفات الكمال كلها.\nفتضمنت السورة إثبات ما يليق بجلاله من صفات الكمال، ونفي ما لا يليق به من الشريك أصلا وفرعا ونظيرا. فهذا توحيد العلم والاعتقاد.\nوالثاني: توحيد القصد والإرادة وهو: ألا يعبد إلا إياه، فلا يشرك به في عبادته سواه، بل يكون وحده هو المعبود.\nوسورة قل يا أيها الكافرون مشتملة على هذا التوحيد.\nفانتظمت السورتان نوعي التوحيد وأخلصتا له، فكان ﷺ يفتتح بهما النهار في سنة الفجر، ويختتمه بهما في سنة المغرب.\nوفي السنن «أنه كان يوتر بهما»\n_________\n(^١) انظر: \"الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة\"١/ ٣٦٥ - ٣٦٧.","vol":"1","page":340},{"text":"فيكونان خاتمة عمل الليل كما كانا خاتمة عمل النهار\" (^١).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"لا سعادة لهم ولا فلاح ولا صلاح ولا نعيم إلا بأن يعرفوه ويعتقدوه، ويكون هو وحده غاية مطلوبهم، والتقرب إليه قرة عيونهم، فمتى فقدوا ذلك كانوا أسوأ حالا من الأنعام، وكانت الأنعام أطيب عيشا منهم في العاجل وأسلم عاقبة في الآجل\" (^٢).\n- قال الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين (ت: ١٤٢١ هـ) ﵀: \"بين أن تقواه وطاعته سبب للفلاح والرحمة\" (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-135>٤٨. من ثمراته أن التوحيد شرط في تحقيق التوكل.</span>\nقال الله تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ [التَّوْبَة: ٥١].\n- قال عبد الرحمن بن محمد بن قدامة (ت: ٦٨٢ هـ) ﵀: \"إن التوكل لا يمكن له أن يوجد في قلب العبد المؤمن بدون أن يكون القلب صافيًا في توحيد الله تعالى؛ لأنه إن أخلص التوحيد، وأيقن أن لا خالق في هذا الكون ولا رازق إلا الله تعالى، لم يطلب الرزق من غير الله، وإذا أيقن أن القوة لله، لم يخشَ ولم يخف إلا الله تعالى \" (^٤).\n- قال محمد بن يعقوب الفيروزأبادي (ت: ٨١٧ هـ) ﵀: \"لا يستقيم توكل العبد حتى يصح له توحيده، بل حقيقة التوكل توحيد القلب، فما دامت فيه علائق الشرك فتوكله معلول مدخول، وعلى قدر تجريد التوحيد يكون\n_________\n(^١) التفسير القيم صـ ٥٩٤.\n(^٢) الصواعق المرسلة \"١/ ٣٦٥ - ٣٦٧.\n(^٣) كتاب المداينة صـ ٢٦ - ٢٧.\n(^٤) مختصر منهاج القاصدين ص: ٣٣١.","vol":"1","page":341},{"text":"صحة التوكل، فإن العبد متى التفت إلى غير الله أخذ ذلك الالتفات شعبة من شعب قلبه فنقص من توكله على الله بقدر ذهاب تلك الشعبة\" (^١).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"أَرْجَحُ الْمَكَاسِبِ: التَّوَكُّلُ عَلَى اللَّهِ وَالثِّقَةُ بِكِفَايَتِهِ وَحُسْنُ الظَّنِّ بِهِ\" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-136>٤٩. من ثمراته أن التوحيد شرط في الأمن والاهتداء التام.</span>\nقال رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه: «وَمَنْ لَقِيَنِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطِيئَةً لَا يُشْرِكُ بِي شَيْئًا لَقِيتُهُ بِمِثْلِهَا مَغْفِرَةً» (^٣).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"فمن سلم من أجناس الظلم الثلاثة؛ كان له الأمن التام والاهتداء التام.\nومن لم يسلم من ظلمه نفسه؛ كان له الأمن والاهتداء مطلقا بمعنى أنه لا بد أن يدخل الجنة كما وعد بذلك في الآية الأخرى وقد هداه إلى الصراط المستقيم الذي تكون عاقبته فيه إلى الجنة ويحصل له من نقص الأمن والاهتداء بحسب ما نقص من إيمانه بظلمه نفسه.\nوليس مراد النبي ﷺ بقوله: «إنما هو الشرك» أن من لم يشرك\n_________\n(^١) بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز ٥/ ٢٧٣.\n(^٢) مجموع الفتاوى ١٠/ ٦٦٠.\n(^٣) رواه مسلم (٢٦٨٧).","vol":"1","page":342},{"text":"الشرك الأكبر يكون له الأمن التام والاهتداء التام. فإن أحاديثه الكثيرة مع نصوص القرآن تبين أن أهل الكبائر معرضون للخوف لم يحصل لهم الأمن التام ولا الاهتداء التام الذي يكونون به مهتدين إلى الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين من غير عذاب يحصل لهم؛ بل معهم أصل الاهتداء إلاهذا الصراط ومعهم أصل نعمة الله عليهم ولا بد لهم من دخول الجنة. وقول النبي ﷺ «إنما هو الشرك» إن أراد به الشرك الأكبر فمقصوده أن من لم يكن من أهله فهو آمن مما وعد به المشركون من عذاب الدنيا والآخرة وهو مهتد إلى ذلك.\nوإن كان مراده جنس الشرك؛ فيقال: ظلم العبد نفسه كبخله لحب المال ببعض الواجب هو شرك أصغر، وحبه ما يبغضه الله حتى يكون يقدم هواه على محبة الله شرك أصغر ونحو ذلك. فهذا صاحبه قد فاته من الأمن والاهتداء بحسبه ولهذا كان السلف يدخلون الذنوب في هذا الظلم بهذا الاعتبار\" (^١).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"الأمن من عذاب الله وحصول السعادة إنما هو بطاعته تعالى لقوله: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ﴾ [النِّسَاء: ١٤٧]، وقال تعالى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ [الفُرْقَان: ٧٧]، أي لو لم تدعوه كما أمر فتطيعوه فتعبدوه وتطيعوا رسله فإنه لا يعبأ بكم شيئا.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٧/ ٨١ - ٨٢).","vol":"1","page":343},{"text":"وهذه الوسيلة التي أمر الله أن تبتغى إليه فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المَائِدَة: ٣٥] قال عامة المفسرين كابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ومجاهد بن جبر (ت: ١٠٤ هـ) وعطاء بن أبي رباح (ت: ١١٤ هـ) والفراء (ت: ٢٠٧ هـ): الوسيلة القربة.\n- قال قتادة بن دعامة السدوسي (ت: ١١٨ هـ): تقربوا إلى الله بما يرضيه.\n- قال أبو عبيدة: توسلت إليه أي تقربت.\n- وقال عبد الرحمن بن زيد (ت: ١٨٢ هـ): تحببوا إلى الله. والتحبب والتقرب إليه إنما هو بطاعة رسوله. فالإيمان بالرسول وطاعته هو وسيلة الخلق إلى الله ليس لهم وسيلة يتوسلون بها ألبتة إلا الإيمان برسوله وطاعته\" (^١).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"والخالص من الشرك يحصل له الأمن كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأَنْعَام: ٨٢] وقد فسر النبي ﷺ الظلم هنا بالشرك\" (^٢).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"إن الإيمان الكامل بالله تعالى غير المتلبس بأي شيء من الشرك يكون جزاؤه وأجره عظيمًا، ومصير من أخلص لله تعالى بالتوحيد الجنة، والمفازة من النار، والتوحيد يكفّر الذنوب، ويمحو الخطايا، وأما الكفار فالشرك محبط لحسناتهم\" (^٣).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢٧/ ٤٣٣).\n(^٢) الفتاوى الكبرى ٥/ ٢٣٢.\n(^٣) هداية الحيارى لى أجوبة اليهود والنصاري ٢/ ٤٦٣.","vol":"1","page":344},{"text":"<span data-type='title' id=toc-137>٥٠. من ثمراته أن التوحيد يحقق الرجاء بالله وحده.</span>\nقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (٥٧)﴾ [الإِسْرَاء: ٥٧].\n- عن أنس بن مالك (ت: ٩٠ هـ) ﵁، أنَّ النَّبيَّ ﷺ دخلَ على شابٍّ وَهوَ في الموتِ فقالَ: «كيفَ تجدُكَ» قالَ واللَّهِ يا رسولَ اللَّهِ إنِّي أرجو اللَّهَ وإنِّي أخافُ ذنوبي فقالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ: «لا يجتَمِعانِ في قلبِ عبدٍ في مثلِ هذا الموطِنِ إلَّا أعطاهُ اللَّهُ ما يرجو وآمنَهُ ممَّا يخافُ» (^١).\nوقوله: \"لا يَجتمِعان\"، أي: الرَّجاءُ والخوفُ مِنْ اللهِ، \"في قلبِ عبدٍ في مثلِ هذا الموطنِ\"، أي: عندَ قُربِ موتِه، \"إلَّا أعطاه اللهُ ما يَرْجو وآمَنه ممَّا يَخافُ\"، أي: إنَّ اللهَ يُعطيه ما يَرْجوه مِنْ عَفْوِه ودخولِ الجنَّةِ، ويُؤمِّنُه ممَّا يَخافُه؛ مِنْ النَّارِ.\nوفي الحديث: بيانُ فَضلِ الخوفِ والرَّجاءِ مِنْ اللهِ تعالى، وأنَّهما سببٌ للنَّجاةِ من النارِ ودُخولِ الجنَّةِ؛ لأنَّهما يحثَّانِ الإنسانِ على حُسنِ العَملِ مع حُسنِ الاعتقادِ في اللهِ.\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"فالرجاء ينبغي أن يتعلق بالله، ولا يتعلق بمخلوق ولا بقوة العبد ولا عمله، فإن تعليق الرجاء بغير الله إشراك، وإن كان الله قد جعل لها أسبابا فالسبب لا يستقل بنفسه، بل لا بد له من معاون، ولا بد أن يمنع المعارض المعوق له وهو لا يحصل ويبقى إلا بمشيئة الله تعالى.\n_________\n(^١) انظر: صحيح الترمذي برقم (٩٨٣) وحسنه الألباني.","vol":"1","page":345},{"text":"ولهذا قيل: الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد، ومحو الأسباب أن تكون أسبابا نقص في العقل، والإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع.\nولهذا قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧)﴾ [الشَّرْح: ٧] ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (٨)﴾ [الشَّرْح: ٨] فأمر بأن تكون الرغبة إليه وحده، وقال: ﴿عَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٣)﴾ [المَائِدَة: ٢٣] فالقلب لا يتوكل إلا على من يرجوه، فمن رجا قوته أو عمله أو علمه أو أو صديقه أو قرابته أو شيخه أو ملكه أو ماله غير ناظر إلى الله كان فيه نوع توكل على ذلك السبب، وما رجا أحد مخلوقا أو توكل عليه إلا خاب ظنه فيه فإنه مشرك: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (٣١)﴾ [الحَج: ٣١] \" (^١).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"وروح هذه الكلمة وسرها: إفراد الرب جل ثناؤه، وتقدست أسماؤه، وتبارك اسمه، وتعالى جده، ولا إله غيره بالمحبة والإجلال والتعظيم، والخوف والرجاء، وتوابع ذلك من التوكل والإنابة، والرغبة والرهبة، فلا يحب سواه، وكل ما يحب غيره فإنما يحب تبعا لمحبته، وكونه وسيلة إلى زيادة محبته، ولا يخاف سواه، ولا يرجي سواه، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يرغب إلا إليه، ولا يرهب إلا منه، ولا يحلف إلا بإسمه، ولا ينذر إلا له، ولا يتاب إلا إليه، ولا يسجد إلا له، ولا يذبح إلا له وباسمه، ويجتمع ذلك في حرف واحد، وهو: أن لا يعبد إلا إياه بجميع أنواع العبادة، فهذا هو تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله؛ ولهذا حرم الله على النار من شهد أن لا إله\n_________\n(^١) الفتاوى الكبرى ٥/ ٢٣٢.","vol":"1","page":346},{"text":"إلا الله حقيقة الشهادة، ومحال أن يدخل النار من تحقق بحقيقة هذه الشهادة وقام بها، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ (٣٣)﴾ [المَعَارِج: ٣٣] \" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-138>٥١. من ثمراته أن التوحيد صفوف أهله في روضات الجنات مصفوفة.</span>\nقال تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ﴾ [الطُّور: ٢٠].\n- قال الفيروزأبادي: \"وبمعنى صفوف أهل التوحيد في روضات الجنات\" (^٢).\n- وقال ابن كثير: \"ومعنى ﴿مَّصْفُوفَةٍ﴾ أي: وجوه بعضهم إلى بعض\" (^٣).\n- قال القرطبي: \" ﴿مَّصْفُوفَةٍ﴾ قال ابن الأعرابي: أي موصولة بعضها إلى بعض حتى تصير صفا\" (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-139>٥٢. من ثمراته أن التوحيد حصن الله الأعظم.</span>\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"فإذا جرد العبد التوحيد فقد خرج\n_________\n(^١) الداء والدواء صـ ١٩٨.\n(^٢) بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز ٣/ ٤٢٠.\n(^٣) تفسير ابن كثير (سورة الطور الآية ٢٠).\n(^٤) تفسير القرطبي (سورة الطور الآية ٢٠).","vol":"1","page":347},{"text":"من قلبه خوف ما سواه، وكان عدوه أهون عليه من أن يخافه مع الله، بل يفرد الله بالمخافة وقد أمنه منه. وخرج من قلبه اهتمامه به، واشتغاله به وفكره فيه، وتجرد لله محبة وخشية وإنابة وتوكلا، واشتغالا به عن غيره، فيرى أن إعماله فكره في أمر عدوه وخوفه منه واشتغاله به من نقص توحيده، وإلا فلو جرد توحيده لكان له فيه شغل شاغل، والله يتولى حفظه والدفع عنه، فإن الله يدافع عن الذين آمنوا، فإن كان مؤمنا بالله فالله يدافع عنه ولا بد. وبحسب إيمانه يكون دفاع الله عنه.\nفإن كمل إيمانه كان دفع الله عنه أتم دفع، وإن مزج، مزج له. وإن كان مرة الله عليه جملة. ومن أعرض عن الله بكليته أعرض الله عنه جملة. ومن كان مرة ومرة فالله له مرة ومرة.\nفالتوحيد حصن الله الأعظم الذي من دخله كان من الآمنين، قال بعض السلف: من خاف الله خافه كل شيء. ومن لم يخف الله أخافه من كل شيء\" (^١).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"الطاعة حصن الله الأعظم الذي من دخله كان من الآمنين من عقوبة الدنيا والآخرة، ومن خرج عنه أحاطت به المخاوف من كل جانب. فمن أطاع الله انقلبت المخاوف في حقه أمانا، ومن عصاه انقلبت مآمنه مخاوف، فمن خاف الله آمنه من كل شيء، ومن لم يخف الله أخافه من كل شيء\" (^٢).\n_________\n(^١) التفسير القيم ص: ٦٥٦.\n(^٢) الداء والدواء ص ١٨٢.","vol":"1","page":348},{"text":"- عن محمد بن المنكدر (ت: ١٣٠ هـ) ﵀ قال: \"إن الله تعالى يحفظ المؤمن في ولده وولد ولده ويحفظه في دويرته وفي دويرات حوله فما يزالون في حفظ وعافية ما كان بين أظهرهم\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-140>٥٣. من ثمراته أن كلمة التوحيد تثمر لقائلها عملا صالحًا كل وقت.</span>\nقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (٢٦)﴾ [إِبْرَاهِيم: ٢٤ - ٢٦].\n- قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: \"الكلمة الطيبة لا إله إلا الله، والكلمة الخبيثة الشرك\" (^٢).\n- قال ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩ هـ) ﵀: \"قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ هي: لا إله إلا الله\" (^٣).\n- قال الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀: \"والحكمة في تمثيل الإيمان بالشجرة؛ هي: أنّ الشجرة لاتكون شجرة إلا بثلاثة أشياء: عرقٌ\n_________\n(^١) صفوة الصفوة ٢/ ١٤٢.\n(^٢) تفسير ابن أبي حاتم ٦/ ٢٩.\n(^٣) تفسير القرآن العزيز لابن أبي زمنين ٢/ ٣٦٨.","vol":"1","page":349},{"text":"راسخٌ، وأصلٌ قائمٌ، وفرعٌ عالٍ، كذلك الإيمان لا يتم إلا بثلاثة أشياء: تصديقٌ بالقلب، وقولٌ باللسان، وعملٌ بالأبدان\" (^١).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"فَكُلُّ عَمَلٍ يَعْمَلُهُ الْعَبْدُ وَلَا يَكُونُ طَاعَةً لِلَّهِ وَعِبَادَةً وَعَمَلًا صَالِحًا فَهُوَ بَاطِلٌ فَإِنَّ الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ مَلْعُونٌ مَا فِيهَا إلَّا مَا كَانَ لِلَّهِ وَإِنْ نَالَ بِذَلِكَ الْعَمَلِ رِئَاسَةً وَمَالًا فَغَايَةُ الْمُتَرَئِّسِ أَنْ يَكُونَ كَفِرْعَوْنَ وَغَايَةُ الْمُتَمَوِّلِ أَنْ يَكُونَ كقارون\" (^٢).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"والمقصود أن كلمة التوحيد إذا شهد بها المؤمن عارفا بمعناها وحقيقتها نفيا وإثباتا متصفا بموجبها قائما قلبه ولسانه وجوارحه بشهادته، فهذه الكلمة الطيبة هي التي رفعت هذا العمل من هذا الشاهد، أصلها ثابت راسخ في قلبه، وفروعها متصلة بالسماء، وهي مخرجة لثمرتها كل وقت\" (^٣).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"شبه سبحانه الكلمة الطيبة بالشجرة الطيبة. لأن الكلمة الطيبة تثمر العمل الصالح، والشجرة الطيبة تثمر الثمر النافع. وهذا ظاهر على قول جمهور المفسرين الذين يقولون: الكلمة الطيبة: هي شهادة أن لا إله إلا الله. فإنها تثمر جميع الأعمال الصالحة، الظاهرة والباطنة. فكل عمل صالح مرض لله فهو ثمرة هذه الكلمة.\n_________\n(^١) معالم التنزيل ٤/ ٣٤٧.\n(^٢) مجموع الفتاوى ٨/ ٧٦.\n(^٣) إعلام الموقعين ١/ ١٣٣.","vol":"1","page":350},{"text":"- وفي تفسير علي بن أبي طلحة عن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄ قال: ﴿كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾: شهادة أن لا إله إلا الله ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾: وهو المؤمن. أصلها ثابت قول: لا إله إلا الله في قلب المؤمن وفرعها في السماء يقول: يرفع بها عمل المؤمن إلى السماء.\n- قال الربيع بن أنس (ت: ١٣٩ هـ) ﵀: ﴿كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾: هذا مثل الإيمان. فإن الإيمان الشجرة الطيبة، وأصلها الثابت الذي لا يزول: الإخلاص فيه. وفرعها فيالسماء: خشية الله. والتشبيه على هذا القول أصح وأظهر وأحسن. فإنه سبحانه شبه شجرة التوحيد في القلب بالشجرة الطيبة الثابتة الأصل، الباسقة الفرع في السماء علوا، التي لا تزال تؤتي ثمرتها كل حين.\nوإذا تأملت هذا التشبيه رأيته مطابقا لشجرة التوحيد الثابتة الراسخة في القلب التي فروعها من الأعمال الصالحة صاعدة إلى السماء. ولا تزال هذه الشجرة تثمر الأعمال الصالحة كل وقت، بحسب ثباتها في القلب، ومحبة القلب لها، وإخلاصه فيها، ومعرفته بحقيقتها، وقيامه بحقوقها، ومراعاتها حق رعايتها. فمن رسخت هذه الكلمة في قلبه بحقيقتها التي هي حقيقتها، واتصف قلبه بها، وانصبغ بها بصبغة الله التي لا أحسن صبغة منها. فعرف حقيقة إلهيته التي يثبتها قلبه لله، ويشهد بها لسانه، وتصدقها جوارحه، ونفي تلك الحقيقة ولوازمها عن كل ما سوى الله وواطأ قلبه لسانه في هذا النفي والإثبات، وانقادت جوارحه لمن شهد له بالوحدانية طائعة سالكة سبل ربه ذللا غير ناكبة عنها ولا باغية سواها بدلا. كما لا يبتغي القلب سوى معبوده الحق بدلا. فلا ريب أن هذه الكلمة من هذا القلب على هذا اللسان لا تزال تؤتي ثمرتها من","vol":"1","page":351},{"text":"العمل الصالح الصاعد إلى الله كل وقت. فهذه الكلمة الطيبة هي التي رفعت هذا العمل الصالح إلى الرب تعالى.\nوهذه الكلمة الطيبة تثمر كلما كثيرا طيبا، يقارنه عمل صالح، فيرفع العمل الصالح الكلم الطيب، كما قال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فَاطِر: ١٠] فأخبر سبحانه، أن العمل الصالح يرفع الكلم الطيب. وأخبر أن الكلمة الطيبة تثمر لقائلها عملا صالحا كل وقت.\nوالمقصود: أن كلمة التوحيد إذا شهد بها المؤمن عارفا بمعناها وحقيقتها نفيا وإثباتا، ومتصفا بموجبها، قائما قلبه ولسانه وجوارحه بشهادته.\nفهذه الكلمة الطيبة هي التي رفعت هذا العمل من هذا الشاهد أصلها ثابت راسخ في قلبه. وفروعها متصلة بالسماء. وهي مخرجة ثمرتها كل وقت …\nوالشجرة لا تبقى حية إلا بمادة تسقيها وتنميها. فإذا قطع عنها السقي أوشك أن تيبس.\nفهكذا شجرة الإسلام في القلب، إن لم يتعاهدها صاحبها بسقيها كل وقت بالعلم النافع والعمل الصالح، والعود بالتذكر على التفكر، وبالتفكر على التذكر، وإلا أوشك أن تيبس.\nومن هاهنا تعلم شدة حاجة العباد إلى ما أمر الله به من العبادات على تعاقب الأوقات، ومن عظيم رحمته، وتمام نعمته وإحسانه إلى عباده: أن وظفها عليها وجعلها مادة لسقي غراس التوحيد الذي غرسه في قلوبهم\" (^١).\n_________\n(^١) التفسير القيم صـ ٣٤٠ - ٣٤١.","vol":"1","page":352},{"text":"- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"والإخلاص والتوحيد شجرة في القلب، فروعها الأعمال، وثمرها طيب الحياة في الدنيا والنعيم المقيم في الآخرة. وكما أن ثمار الجنة لا مقطوعةٍ ولا ممنوعةٍ فثمرة التوحيد والإخلاص في الدنيا كذلك\" (^١).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"شجرة الإسلام في القلب، إن لم يتعاهدها صاحبها بسقيها كل وقت بالعلم النافع والعمل الصالح، والعود بالتذكر على التفكر، وبالتفكر على التذكر، وإلا أوشك أن تيبس\" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-141>٥٤. من ثمراته أن كلمة التوحيد أفضل الذكر.</span>\nعن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «أفضلُ الذِّكرِ لا إلهَ إلَّا اللهُ، وأفضَلُ الدُّعاءِ الحمدُ للهِ» (^٣).\nعن ابن عمرو أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» (^٤).\nوعَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ كَرِيزٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: أَفْضَلُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ. وَأَفْضَلُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ\" (^٥).\n_________\n(^١) الفوائد ص ١٦٤ ط دار الكتب العلمية.\n(^٢) التفسير القيم ص: ٣٤١.\n(^٣) سنن الترمذي (٣٣٨٣) وحسنه، وابن ماجة (٣٨٠٠)، وابن حبان (٨٤٦)، والحاكم (١٨٣٤)، والنسائي في \"السنن الكبرى\" (١٠٥٩٩)، وحسنه الألباني في \"صحيح الترمذي\".\n(^٤) سنن الترمذي (٣٥٨٥) وحسنه الألباني في \"صحيح الترمذي\".\n(^٥) وروى الإمام مالك في \"الموطأ \" (٧٢٦)، والبيهقي في \"السنن\" (٨٣٩١).","vol":"1","page":353},{"text":"<span data-type='title' id=toc-142>٥٥. من ثمراته أن كلمة التوحيد أفضل الكلام.</span>\n- قال ابن تيمية: \"و\" لا إله إلا الله \" تقتضي الإخلاص والتوكل. والإخلاص يقتضي الشكر. فهي أفضل الكلام. وهي أعلى شعب الإيمان\" (^١).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ): \"كلمة التوحيد أفضل الكلام، وأعظمه\" (^٢).\n- وقال ابن تيمية: \"ولهذا ورد في فضل هذه الكلمة شهادة أن لا إله إلا الله من الدلائل ما يضيق هذا الموضع عن ذكره وهي أفضل الكلام وما فيها من العلم والمحبة أفضل العلوم والمحبات كالحديث الذي في السنن أفضل الذكر لا إله ألا الله\" (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-143>٥٦. من ثمراته أن كلمة التوحيد من الباقيات الصالحات.</span>\n- قال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"والباقيات الصالحات نوعان:\nفسبحان الله وبحمده فيها الشكر والتنزيه والتعظيم، ولا إله إلا الله والله أكبر فيها التوحيد والتكبير\" (^٤).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١٤/ ٤٢٠.\n(^٢) مجموع الفتاوى (٣/ ٤٠٠).\n(^٣) قاعدة في المحبة صـ ١٣.\n(^٤) مجموع الفتاوى ٨/ ٢١٢.","vol":"1","page":354},{"text":"<span data-type='title' id=toc-144>٥٧. من ثمراته أن كلمة التوحيد كان النبي ﷺ يدعو بها عند الكرب.</span>\n- عن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: إنَّ نبيَّ اللهِ ﷺ كان يقولُ عند الكربِ: «لا إله إلا الله العظيمُ الحليمُ، لا إله إلا الله ربُّ العرشِ العظيمُ، لا إله إلا اللهُ ربُّ السمواتِ وربُّ الأرضِ وربُّ العرشِ الكريمُ» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-145>٥٨. من ثمراته أن التوحيد مقرون بالتحميد.</span>\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"وفي حديث أبي سعيد «الحمد رأس الشكر والتوحيد»، كما جمع بينهما فيأم القرآن. فأولها تحميد وأوسطها: توحيد وآخرها: دعاء. وكما في قوله: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غَافِر: ٦٥] وفي حديث الموطأ «أفضل ما قلت. أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد. وهو على كل شيء قدير. من قالها: كتب الله له ألف حسنة. وحط عنه ألف سيئة وكانت له حرزا من الشيطان يومه ذلك. ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا رجل قال مثلها أو زاد عليه. ومن قال في يوم مائة مرة: سبحان الله وبحمده حطت خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر» (^٢).\n_________\n(^١) صحيح مسلم: ٢٧٣٠.\n(^٢) رواه مالك في الموطأ ١/ ٤٢٢ وقال الألباني: وهذا إسناد مرسل صحيح، وقد وصله ابن عدي والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة مرفوعا. انظر الصحيحة (١٥٠٣).","vol":"1","page":355},{"text":"وفضائل هذه الكلمات في أحاديث كثيرة: وفيها: التوحيد والتحميد. فقوله «لا إله إلا الله وحده لا شريك له» توحيد. وقوله «له الملك وله الحمد» تحميد. وفيها معان أخرى شريفة. وقد جاء الجمع بين التوحيد والتحميد والاستغفار في مواضع مثل حديث كفارة المجلس «سبحانك اللهم وبحمدك. أشهد أن لا إله إلا أنت. أستغفرك وأتوب إليك» فيه: التسبيح والتحميد والتوحيد والاستغفار. من قالها في مجلس إن كان مجلس لغط كانت كفارة له وإن كان مجلس ذكر: كانت كالطابع له. وفي حديث أيضا \"إن هذا يقال عقب الوضوء\". ففي الحديث الصحيح في مسلم وغيره من حديث عقبة عن عمر بن الخطّاب ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ «ما منكم من أحد يتوضأ فيسبغ الوضوء ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية. يدخل من أيها شاء»، وفي حديث آخر أنه يقول «سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك». وقد روي عن طائفة من السلف في الكلمات التي تلقاها آدم من ربه نحو هذه الكلمات. روى ابن جرير (ت: ٣١٠ هـ) ﵀، عن مجاهد بن جبر (ت: ١٠٤ هـ) ﵀، أنه قال \"اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك. رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي. إنك خير الغافرين. اللهم لا إله إلا أنت. سبحانك وبحمدك. رب إني ظلمت نفسي فارحمني. فأنت خير الراحمين. لا إله إلا أنت.","vol":"1","page":356},{"text":"سبحانك وبحمدك. رب إني ظلمت نفسي فتب علي. إنك أنت التواب الرحيم\" فهذه الكلمات من جنس خاتمة الوضوء. وخاتمة الوضوء: فيها التسبيح والتحميد والتوحيد والاستغفار. فالتسبيح والتحميد والتوحيد لله. فإنه لا يأتي بالحسنات إلا هو. والاستغفار من ذنوب النفس التي منها تأتي السيئات\" (^١).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"والحمد إنما يتم بالتوحيد، وهو مناط للتوحيد، ومقدمة له ولهذا يفتتح به الكلام، ويثنى بالتشهد، وكل كلام لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم، وكل خطبة ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذماء\" (^٢).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"فإذا قيل: \"لا إله إلا الله\"؛ تضمنت هذه الكلمة إثبات جميع المحامد، وأنه ليس له فيها نظير؛ إذ هو إله، لا إله إلا هو، والشرك كله: إثبات نظير لله ﷿ \" (^٣).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"ولما كان حمده والثناء عليه وتمجيده هو مقصود الصلاة التي هي عماد اإسلام ورأس الطاعات شرع في أولها ووسطها وآخرها وجميع أركانها؛ ففي دعاء الاستفتاح يحمد ويثنى عليه ويمجد، وفي ركن القراءة يحمد ويثنى عليه ويمجد، وفي الركوع يثنى عليه بالتسبيح والتعظيم، وبعد رفع الرأس منه يحمد ويثنى عليه ويمجد كما كان النبي ﷺ يقول: \"ربنا ولك الحمد ملء السموات وملء الأرض وملء\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١٤/ ٤١٨ - ٤٢٠.\n(^٢) قاعدة حسنة في الباقيات الصالحات. صـ ٤١.\n(^٣) قاعدة حسنة في الباقيات الصالحات. صـ ٤٧.","vol":"1","page":357},{"text":"ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد\" (^١)، وفي السجود يثنى عليه بالتسبيح المتضمن لكماله المقدس والعلو المتضمن لمباينته لخلقه وفي التشهد يثنى عليه بأطيب الثناء من التحيات ويختم ذلك بذكر حمده ومجده\" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-146>٥٩. من ثمراته أن التوحيد والاستغفار بهما يكمل الدين.</span>\nقَالَ تَعَالَى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [مُحَمَّد: ١٩].\nقال تعالى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ [هُود: ٣].\nقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ [فُصِّلَت: ٦].\nقال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤) وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٤٧٨).\n(^٢) الصواعق المرسلة ٤/ ١٤٧٤ - ١٤٧٥.","vol":"1","page":358},{"text":"وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [ال عِمْرَان: ١٣٣ - ١٣٦].\n- عن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄ أن رسول الله ﷺ كان يقول: «اللهم لك أسلمت، وبك آمنت وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت. اللهم إني أعوذ بعزتك، لا إله إلا أنت؛ أن تضلني، أنت الحي الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون» (^١).\n- عن عمر بن الخطّاب (ت: ٢٣ هـ) ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ما منكم من أحدٍ يتوضَّأُ، فيُحسنُ الوضوءَ، ثم يقولُ: أشهد أن لا إله إلا اللهُ وحده لا شريكَ له، وأشهد أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه اللهم اجعلْني من التوابين، واجعلني من المتطهِّرين، إلا فُتِحَتْ له أبوابُ الجنَّةِ الثمانيةُ، يدخلُ من أيِّها شاء» (^٢).\n- عن أبي برزة الأسلمي (ت: ٦٤ هـ) ﵁: كان رسول الله ﷺ بآخرة إذا طال المجلس فقام قال: «سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك»، فقال له بعضنا: إن هذا قول ما كنا نسمعه منك فيما خلا، فقال رسول الله ﷺ: «هو كفارة ما يكون في المجلس» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٧١٧).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٣٤)، وأبو داود (١٦٩)، والترمذي (٥٥) واللفظ له، والنسائي (١٤٨)، وابن ماجه (٤٧٠)، وأحمد (١٢١)\n(^٣) أخرجه أبو داود (٤٨٥٩)، والنسائي في «السنن الكبرى» (١٠٢٥٩)، وأحمد (١٩٧٦٩) واللفظ له.","vol":"1","page":359},{"text":"عن شداد بن أوس (ت: ٥٨ هـ) ﵁، أن النبي ﷺ قال: «سيد الاستغفار: اللهم أنت ربي، لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء لك بذنبي فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، أعوذ بك من شر ما صنعت. إذا قال حين يمسي فمات دخل الجنة أو: كان من أهل الجنة وإذا قال حين يصبح فمات من يومه مثله» (^١).\n- قال شعيب بن أبي حمزة (ت: ١٦٢ هـ) ﵀: \"جمع ﷺ في هذا الحديث من بديع المعاني وحسن الألفاظ، ما يحق له أن يسمى \"سيد الاستغفار\" ففيه الإقرار لله وحده بالإلهية والعبودية، والاعتراف بأنه الخالق، والإقرار بالعهد الذي أخذه عليه، والرجاء بما وعده به، والاستعاذة من شر ما جنى العبد على نفسه وإضافة النعماء إلى موجدها، وإضافة الذنب إلى نفسه، ورغبته في المغفرة، واعترافه بأنه لا يقدر أحد على ذلك إلا هو.\nوقال أيضا: ويظهر أن اللفظ المذكور إنما يكون \" سيد الاستغفار \"، إذا جمع صحة النية والتوجه والأدب\" (^٢).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀ \"التوحيد هو جماع الدين الذي هو أصله وفرعه ولبه، وهو الخير كله، والاستغفار يزيل الشر كله، فأبلغ الثناء قول\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٣٢٣).\n(^٢) فيض القدير ٤/ ١٢٠.","vol":"1","page":360},{"text":"لا إله إلا الله، وأبلغ الدعاء استغفر الله\" (^١).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"الاسْتِغْفَار والتوحيد بهما يكمل الدَّينكَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [مُحَمَّد: ١٩] \" (^٢).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"وقد قرن الله في كتابه بين التوحيد والاستغفار في غير موضع كقوله ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [مُحَمَّد: ١٩] وفي قوله ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (٢) وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ [هُود: ٢ - ٣] وفي قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ [فُصِّلَت: ٦] \" (^٣).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"رتب اقتران الاستغفار بالتوحيد في غير موضع كقوله ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [مُحَمَّد: ١٩] وقوله: ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (٢) وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ [هُود: ٢ - ٣] وقوله: ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ [فُصِّلَت: ٦] \" (^٤).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"إذا اجتهد الإنسان، واستعان بالله،\n_________\n(^١) جامع المسائل ١/ ٢٧٤.\n(^٢) جامع الرسائل لابن تيمية ٢/ ٢٨٦.\n(^٣) مجموع الفتاوى ١٤/ ٤٢٠.\n(^٤) مجموع الفتاوى ٢٤/ ٢٤١.","vol":"1","page":361},{"text":"ولازم الاستغفار والاجتهاد، فلابُدَّ أن يُؤتيه الله من فضله ما لم يخطر ببال\" (^١).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"فمن أحس بتقصير في قوله أو عمله أو حاله أو رزقه أو تقلب قلب؛ فعليه بالتوحيد والاستغفار ففيهما الشفاء إذا كانا بصدق وإخلاص\" (^٢).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"الاستغفار يخرج العبد من الفعل المكروه، إلى الفعل المحبوب من العمل الناقص إلى العمل التام ويرفع العبد من المقام الأدنى إلى الأعلى منه والأكمل؛ فإن العابد لله والعارف بالله في كل يوم بل في كل ساعة بل في كل لحظة يزداد علما بالله. وبصيرة في دينه وعبوديته بحيث يجد ذلك في طعامه وشرابه ونومه ويقظته وقوله وفعله ويرى تقصيره في حضور قلبه في المقامات العالية وإعطائها حقها فهو يحتاج إلى الاستغفار آناء الليل وأطراف النهار؛ بل هو مضطر إليه دائما في الأقوال والأحوال في الغوائب والمشاهد لما فيه من المصالح وجلب الخيرات ودفع المضرات وطلب الزيادة في القوة في الأعمال القلبية والبدنية اليقينية الإيمانية. وقد ثبتت: دائرة الاستغفار بين أهل التوحيد واقترانها بشهادة أن لا إله إلا الله من أولهم إلى آخرهم ومن آخرهم إلاأولهم ومن الأعلى إلى الأدنى. وشمول دائرة التوحيد والاستغفار للخلق كلهم وهم فيها درجات عند الله ولكل عامل مقام معلوم. فشهادة أن لا إله إلا الله بصدق ويقين تذهب الشرك كله دقه وجله خطأه وعمده أوله وآخره؛ سره\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١١/ ٣٩٠.\n(^٢) مجموع الفتاوى (١١/ ٦٩٨).","vol":"1","page":362},{"text":"وعلانيته وتأتي على جميع صفاته وخفاياه ودقائقه. والاستغفار يمحو ما بقي من عثراته ويمحو الذنب الذي هو من شعب الشرك فإن الذنوب كلها من شعب الشرك. فالتوحيد يذهب أصل الشرك والاستغفار يمحو فروعه فأبلغ الثناء قول: لا إله إلا الله وأبلغ الدعاء قول: أستغفر الله. فأمره بالتوحيد والاستغفار لنفسه ولإخوانه من المؤمنين\" (^١).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀ في التعليق على حديث سيد الاستغفار: \"تضمن هذا الاستغفار الاعتراف من العبد بربوبية الله وإلهيته وتوحيده، والاعتراف بأن خالفه العالم به، إذ أنشأه نشأة تستلزم عجزه عن أداء حقه وتقصيره فيه، والاعتراف بأنه عبده، الذي ناصيته بيده وفي قبضته، لا مهرب له منه، ولا ولي له سواه، ثم التزام الدخول تحت عهده، وهو أمره ونهيه، الذي عهده إليه على لسان رسوله، وأن ذلك بحسب استطاعتي، لا بحسب اداء حقك، فإنه غير مقدور للبشر، وإنما هو جهد المقل، وقدر الاستطاعة، ومع ذلك فأنا مصدقٌ لوعدك الذي وعدته لأهل طاعتك بالثواب، ولأهل معصيتك بالعقاب، فأنا مقيمٌ على عهدك، مصدقٌ بوعدك. ثم أفزع إلى الاستعاذة والاعتصام بك من شر ما فرطت فيه من أمرك ونهيك، فإنك إن لم تعذني من شره، وإلا أحاطت بي الهالكة، فإن إضاعة حقك سبب الهلاك، وأنا أقر لك\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١١/ ٦٩٦ - ٦٩٧ ..","vol":"1","page":363},{"text":"وألتزم بنعمتك علي، وأقر وألتزم وأبخع (^١)، بذنبي، فمنك النعمة والإحسان والفضل، ومني الذنب والإساءة، فأسألك أن تغفر لي، بمحو ذنبي، وأن تعفيني من شره، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، فلهذا كان هذا الدعاء، سيد الاستغفار، وهو متضمنٌ لمعنى العبودية \" (^٢).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"ما يحتاج العبد إلى الاستغفار منه مما لا يعلمه أضعاف أضعاف ما يعلمه فما سلط عليه مؤذ إلا بذنب\" (^٣).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"فالتوحيد يدخل العبد على الله ﷿، والاستغفار والتوبة يرفع المانع ويزيل الحجاب الذي يحجب القلب عن الوصول إليه، فإذا وصل القلب إليه، زال همه وغمه وحزنه\" (^٤).\n- قال ابن رجب (ت: ٧٩٥ هـ) ﵀: \"التوحيد أعظم الأسباب التي يستجلب بها المغفرة وعدمه مانع من المغفرة بالكلية وفي الحديث: «ابن آدم إن جئتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لقيتك بقرابها مغفرة» (^٥) \" (^٦).\n_________\n(^١) (بَخَعَ له بَخعًا وبُخُوعًا وبَخَاعَةً): تذلل له وأطاع وأقر.\n(^٢) مدارج السالكين ١/ ٢٢١ - ٢٢٢.\n(^٣) بدائع الفوائد ٢/ ٢٤١.\n(^٤) شفاء العليل ص ٤٥٤.\n(^٥) أخرجه الترمذي (٣٥٤٠) واللفظ له، وأحمد (١٣٤٩٣) مختصرًا بمعناه.\n(^٦) كتاب شرح حديث لبيك اللهم لبيك لابن رجب ص: ١٣٤.","vol":"1","page":364},{"text":"<span data-type='title' id=toc-147>٦٠. من ثمراته أن التوحيد شرط في قبول الاستغفار.</span>\n- قال ابن تيمية: \"من خصائص التوحيد، فإن المكلف لا ينفعه توحيد غيره عنه، ولا ينجيه ذلك من عذاب الله ﷿، بل لا ينجيه إلا توحيد نفسه، ولا ينفعه مع عدم التوحيد الاستغفار عنه، بل لا ينفعه إلا استغفاره الذي تضمن توحيده وتوبته من الشرك. فصار الاستغفار مقرونا بالتوحيد من بداية، لا تقبل النيابة فيه ولا يهدى إلى الغير إلا إذا أتى هو به، فإذا كان هو من أهل ذلك نفعه حينئذ ما يريده\nغيره من ذلك، بخلاف الأعمال والأدعية التي تفعل عن الغير وتهدى له وإن لم يأت بأصلها.\nوإنما كان الاستغفار هو النهاية من العبد لأن الذنب لازم لجميع بني آدم، وإنما كمال المؤمنين من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين في التوبة من الذنب والاستغفار، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢)﴾ [الأَحْزَاب: ٧٢] إلى آخر السورة. وقد أخبر تعالى أنه يبدل سيئات التائب حسنات، وأنه يفرح بتوبة العبد أشد فرح يقدر\" (^١).\n_________\n(^١) جامع المسائل ١/ ٢٧٧ - ٢٧٨.","vol":"1","page":365},{"text":"<span data-type='title' id=toc-148>٦١. من ثمراته أن كلمة التوحيد تثقل الميزان.</span>\n- عن عبد الله بن عمرو (ت: ٦٥ هـ) ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «إنَّ اللَّهَ سيُخَلِّصُ رجلًا من أمَّتي على رؤوسِ الخلائقِ يومَ القيامةِ فينشُرُ علَيهِ تسعةً وتسعينَ سجلًّا، كلُّ سجلٍّ مثلُ مدِّ البصرِ، ثمَّ يقولُ: أتُنكِرُ من هذا شيئًا؟ أظلمَكَ كتَبَتي الحافِظونَ؟ يقولُ: لا يا ربِّ، فيقولُ: أفلَكَ عذرٌ؟ فيقولُ: لا يا ربِّ، فيقولُ: بلَى، إنَّ لَكَ عِندَنا حسنةً، وإنَّهُ لا ظُلمَ عليكَ اليومَ، فتخرجُ بطاقةٌ فيها: \"أشهدُ أن لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وأشهدُ أنَّ محمَّدًا عبدُهُ ورسولُهُ\"، فيقولُ: احضُر وزنَكَ، فيقولُ: يا ربِّ، ما هذِهِ البطاقةُ مع هذِهِ السِّجلَّاتِ؟ فقالَ: فإنَّكَ لا تُظلَمُ، قالَ: فتوضَعُ السِّجلَّاتُ في كِفَّةٍ، والبطاقةُ في كفَّةٍ، فطاشتِ السِّجلَّاتُ، وثقُلتِ البطاقةُ، ولا يثقلُ معَ اسمِ اللَّهِ شيءٌ» (^١).\nعن رجل من الأنصار ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «قال نوح لابنه: إني موصيك بوصيةٍ، وقاصرُها لكي لا تنساها: أوصيك باثنتين، وأنهاك عن اثنتين: أما اللتان أوصيك بهما، فيستبشر الله بهما وصالحُ خَلقِه، وهما يكثرانِ الولوجَ على الله: أوصيك بـ (لا إله إلا الله)؛ فإن السمواتِ والأرضَ لو كانتا حلقةً قصمتْهما، ولو كانتا في كفة وزنتْهما، وأوصيك بـ (سبحان الله وبحمده)؛ فإنهما صلاة الخَلق، وبهما يُرزَقُ الخَلقُ، ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾ [الإِسْرَاء: ٤٤]، وأما اللتان أنهاك عنهما،\n_________\n(^١) سنن الترمذي: ٢٦٣٩.","vol":"1","page":366},{"text":"فيحتجب الله منهما وصالح خلقه: أنهاك عن الشِّرك، والكِبر» (^١).\n- عن عبد الله بن عمرو (ت: ٦٥ هـ) ﵄ عن النبي ﷺ: «إن نوحا ﵊ قال لابنه عند موته: آمرك بلا إله إلا الله فإن السموات السبع والأرضين السبع لو وضعن في كفة ووضعت لا إله إلا الله في كفة لرجحت بهن لا إله إلا الله ولو أن السموات السبع والأرضين السبع كل حلقة مبهمة لفصمتهن لا إله إلا الله» (^٢).\n- قال ابن عطية الأندلسي (ت: ٥٤٢ هـ) ﵀: \"فقد تقرر في الشرع أن كلمة التوحيد ترجح ميزان من وزنت في أعماله ولا بد، فإن قال قائل كيف تثقل موازين العصاة من المؤمنين بالتوحيد ويصح لهم حكم الفلاح ثمتدخل طائفة منهم النار وذلك شقاء لا محالة؟ فقالت طائفة إنه توزن أعمالهم دون التوحيد فتخف الحسنات فيدخلون النار ثم عند إخراجهم يوزن التوحيد فتثقل الحسنات فيدخلون الجنة، وأيضا فمعرفة العاصي أنه غير مخلد فلاح وإن تقدمه شقاء على جهة التأديب\" (^٣).\n- قال القاضي عياض (ت: ٥٤٤ هـ) ﵀: \"وقد جاء فى الحديث هنا أيضًا: أفضل الذكر التهليل، وأنه أفضل ما قاله ﵇ والنبيون من قبله. وقد\n_________\n(^١) (صححه الألباني في صحيح الترغيب: ١٥٤٣).\n(^٢) رواه أحمد (٢/ ١٦٩)، (٦٥٨٣)، وصححه الألباني في \"السلسلة الصحيحة\" (١٣٤).\n(^٣) المحرر الوجيز في تفسير القرآن العزيز ٢/ ٣٧٦ - ٣٧٧.","vol":"1","page":367},{"text":"قيل: إنه اسم الله الَاعظم، وهي كلمة الإخلاص\" (^١).\n- قال محمد الأمين الشنقيطي (ت: ١٣٩٣ هـ) ﵀: \"ثم يؤتى ببطاقة والبطاقة: القطعة الصغيرة قدر الأنملة مكتوب فيها شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا ﷺ رسول الله، فيقول: وما تغني هذه البطاقة مع هذه السجلات العظيمة الكثيرة؟! فيقال له: إنك لا تظلم. فتوضع تلك البطاقة الصغيرة في كفة الميزان وتلك السجلات العظيمة الهائلة في الكفة الأخرى، فطاشت تلك السجلات، وثقلت تلك البطاقة؛ لأن اسم الله -جل وعلا- لا يعادله شيء.\nاستدلوا بهذا الحديث على أن الموزون هو صحائف الأعمال لذكر وزن السجلات ووزن البطاقة التي فيها شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله.\n- وذهبت جماعة من العلماء، ورواه غير واحد عن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) (^٢): أن الموزون نفس الأعمال، وأن الله يحول الأعمال الحسنة إلى أجرام حسنة مضيئة نيرة، والله -جل وعلا- قادر على كل شيء، فهو قادر على أن يقلب ما ليس بجسم أن يقلبه جسما، وقد جاء ما يدل على هذا كما جاء في حديث الترغيب في الزهراوين البقرة وآل عمران «أنهما تأتيان يوم القيامة\n_________\n(^١) \"إكمال المعلم\" للقاضي عياض (٨/ ١٩٢).\n(^٢) أخرجه البيهقي في الشعب (٢/ ٦٩)، وتفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (٢/ ١٤٩)، ونقله عنه ابن كثير (٢/ ٢٠٢)، وذكره السيوطي في الدر (٣/ ٧٠)، وهذا الأثر لا يصح عن ابن عباس ﵄ لأنه من طريق الكلبي عن أبي صالح","vol":"1","page":368},{"text":"كأنهما غمامتان أو فرقان من طير صواف» (^١)، وكما جاء في الحديث أن عمل الإنسان يتجسم له في صورة إنسان طيب الريح، وكذلك العمل الخبيث (^٢)، وكما جاء في بعض الأحاديث أن القرآن يتمثل لصاحبه في قبره (^٣)، وأمثال هذا كثيرة جدا، وعلى كل حال فالله قادر على أن يقلب الأعمال أجساما، فهو قادر على كل ما يشاء، فيجعل الأعمال الصالحة في صور نيرة حسنة. والأعمال القبيحة في صور مظلمة قبيحة، فتوضع هذه في كفة الحسنات وهذه في كفة السيئات، فتثقل موازين بعض، وتطيش موازين آخرين والعياذ بالله.\n- وقال بعض أهل العلم: إن ما يوزن أصحاب الأعمال، واستدلوا بالحديث المعروف المشهور: أن الرجل السمين الأكول الشروب يأتي يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة (^٤)، وفي مناقب عبد الله بن مسعود (ت: ٢٩ هـ) ﵁: أنهم لما رأوا دقة ساقيه قال لهم ﷺ «إنها في الميزان\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في صلاة المسافرين، باب: فضل قراءة القرآن وسورة البقرة. حديث رقم (٨٠٤ - ٨٠٥)، (١/ ٥٥٣ - ٥٥٤)، من حديث أبي أمامة والنواس بن سمعان ﵄.\n(^٢) كما في حديث البراء ﵁ مرفوعا عند أحمد (٤/ ٢٩٥)، وأصله في الصحيحين.\n(^٣) كما في حديث بريدة ﵁ عند أحمد (٥/ ٣٥٢)، وابن ماجه في الأدب، باب ثواب القرآن، حديث رقم (٣٧٨١)، (٢/ ١٢٤٢)، وأورده الألباني في صحيح ابن ماجه (٣٠٤٨)، وقال: ضعيف يحتمل التحسين.\n(^٤) أخرجه البخاري في التفسير، باب: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [الكَهْف: ١٠٥] حديث رقم (٤٧٢٩)، (٨/ ٤٢٦)، ومسلم في صفة القيامة والجنة والنار، حديث رقم (٢٧٨٥)، (٤/ ٢١٤٧).","vol":"1","page":369},{"text":"أثقل من جبل أحد» (^١).\n- وما قاله ابن فورك (ت: ٤٠٦ هـ) ﵀، وغيره من المتكلمين: إن وزن حقيقة الأعمال مستحيل؛ لأن ما ليس بجسم يستحيل أن يكون جسما (^٢)!! لا يعول عليه لأن الله قادر على كل ما يشاء، لا يتعاصى على قدرته شيء، فهو قادر على ما شاء، وقادر على ما لم يشأ أيضا، فهو قادر على هداية أبي بكر ﵁، وأبي لهب، وقد شاء أحد المقدورين وهو هداية أبي بكر، ولم يشأ مقدوره الثاني وهو هداية أبي لهب.\nفهذه ثلاثة أقوال:\nأحدها: أن الموزون صحف الأعمال.\nوالثاني: أن الموزون الأعمال، تقلب أجساما في صور موزونة.\nالثالث: أن الموزون أصحاب الأعمال. وكان ابن جرير الطبري ﵀ كبير المفسرين يرى أن كفة الحسنات يكون فيها نفس الشخص وحسناته، وأن الكفة الأخرى فيها سيئاته (^٣)، هكذا يقوله العلماء، وعلى كل حال فالتحقيق أنه\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١/ ٤٢٠، ٤٢١)، والطبراني في الكبير (٩/ ٧٥ - ٧٦)، (١٩/ ٢٨)، وابن أبي شيبة (١٢/ ١١٣) والحاكم (٣/ ٣١٧).\n(^٢) عبارة ابن فورك: «وقد أنكرت المعتزلة الميزان بناء منهم على أن الأعراض يستحيل وزنها إذ لا تقوم بأنفسها، ومن المتكلمين من يقول …» اهـ التذكرة ص ٣١٣، وانظر: القرطبي (٧/ ١٦٥) ..\n(^٣) ابن جرير (١٢/ ٣١٤).","vol":"1","page":370},{"text":"وزن حقيقي بميزان ذي لسان وكفتين\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-149>٦٢. من ثمراته أن كلمة التوحيد من أحب الكلام إلى الله.</span>\n- فعن سمرةَ بن جندب رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «أحبُّ الكلامِ إلى اللهِ أربعٌ: سبحانَ اللهِ، والحمدُ للهِ، ولا إله إلا اللهُ، واللهُ أكبرُ، لا يضرُّك بأيِّهنَّ بدأتَ» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-150>٦٣. من ثمراته أن المعرض عن التوحيد مشرك، شاء أم أبى.</span>\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨) ﵀: \"كل من كان عن التوحيد والسنة أبعد، كان إلى الشرك والابتداع والافتراء أقرب كالرافضة الذين هم أكذب طوائف أهل الأهواء، وأعظمهم شركا، فلا يوجد في أهل الأهواء أكذب منهم، ولا أبعد عن التوحيد منهم\" (^٣).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"كل من كان عن التوحيد والسنة أبعد، كان إلى الشرك والابتداع والافتراء أقرب كالرافضة الذين هم أكذب طوائف أهل الأهواء، وأعظمهم شركا، فلا يوجد في أهل الأهواء أكذب منهم، ولا أبعد عن التوحيد منهم\" (^٤).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"فالمعرض عن التوحيد مشرك، شاء أم أبى، والمعرض عن السنة مبتدع ضال، شاء أم أبى، والمعرض عن محبة الله وذكره عبد الصور، شاء أم أبى، والله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم\" (^٥).\n_________\n(^١) العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير ٣/ ٧٣ - ٧٥.\n(^٢) (صحيح مسلم: ٢١٣٧).\n(^٣) اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٢٨١ - ٢٨٢).\n(^٤) اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٢٨١ - ٢٨٢).\n(^٥) إغاثة اللهفان ١/ ٢١٤.","vol":"1","page":371},{"text":"- قال محمد بن علي الشوكاني (ت: ١٢٥٥ هـ) ﵀: \"لا خلاف بين المسلمين أن المشرك إذا مات على شركِه، لم يكن من أهل المغفرة التي تفضَّلَ اللهُ بها على غير أهلِ الشرك حسبما تقتضيه مشيئتُه، وأما غير أهل الشرك من عصاة المسلمين، فداخلون تحت المشيئة؛ يغفر لمن يشاء، ويعذِّب من يشاء\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-151>٦٤. من ثمراته أن التوحيد أصل كل زكاء ونماء.</span>\nقال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤)﴾ [الأَعْلَى: ١٤].\n- قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: قال لا إله إلا الله فتطهر من الشرك\" (^٢).\n- عن عكرمة (ت: ١٠٥ هـ) ﵀، في قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤)﴾ [الأَعْلَى: ١٤] \"من قال لا إله إلا الله\" (^٣).\n- قال ابن عطية الأندلسي (ت: ٥٤٢ هـ) ﵀: \"قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤)﴾ [الأَعْلَى: ١٤]، أفلح في هذه الآية معناه: فاز ببغيته، وتزكى معناه: طهر نفسه ونماها إلى الخير\" (^٤).\n_________\n(^١) تفسير فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية في علم التفسير للشوكاني: ١/ ٧١٧.\n(^٢) تفسير جامع البيان في تأويل آي القرآن للطبري (سورة الأعلى: الآية: ١٤)، كتاب الأسماء والصفات للبيهقي ١/ ٢٧١، تفسير المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (سورة الأعلى: الآية: ١٤).\n(^٣) تفسير جامع البيان في تأويل آي القرآن للطبري. (سورة الأعلى: الآية: ١٤).\n(^٤) تفسير المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (سورة الأعلى: الآية: ١٤).","vol":"1","page":372},{"text":"- قال أبو إسحاق أحمد الثعلبي (ت: ٤٢٧ هـ) ﵀: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤)﴾ [الأَعْلَى: ١٤]: أي تطهّر من الشرك وقال: لا إله إلاّ الله\" (^١).\n- قال مكي بن أبي طالب (ت: ٤٣٧ هـ) ﵀: \"أي: قد أدرك طلبته وظفر ببغيته من تظهر الكفر وعمل بطاعة الله\" (^٢).\n- قال الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀: \" ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤)﴾ [الأَعْلَى: ١٤] \"تطهر من الشرك وقال: لا إله إلا الله\" (^٣).\n- قال العز بن عبد السلام (ت: ٦٣٩ هـ) ﵀: \" ﴿تَزَكَّى﴾ تطهر من الشرك بالإيمان\" (^٤).\n- قال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ) ﵀: \"أي من تطهر من الشرك بإيمان\" (^٥).\n- قال علي بن يحيى السمرقندي (ت: ٨٨٠ هـ تقريبًا) ﵀: \" ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤)﴾ يعني فاز ونجا من هذا العذاب وسعد بالجنة من تزكى يعني وحّد الله تعالى وزكى نفسه بالتوحيد\" (^٦).\n_________\n(^١) تفسير الكشف والبيان عن تفسير القرآن للثعلبي. (سورة الأعلى: الآية: ١٤).\n(^٢) تفسير الهداية إلى بلوغ النهاية لمكي بن أبي طالب. (سورة الأعلى: الآية: ١٤).\n(^٣) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة الأعلى: الآية: ١٤).\n(^٤) تفسير العز بن عبد السلام. (سورة الأعلى: الآية: ١٤).\n(^٥) تفسير الجامع لأحكام القرآن للقرطبي. (سورة الأعلى: الآية: ١٤).\n(^٦) تفسير بحر العلوم لعلي بن يحيى السمرقندي. (سورة الأعلى: الآية: ١٤).","vol":"1","page":373},{"text":"- قال محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله الإيجي (ت: ٩٠٥ هـ تقريبًا) ﵀: \" ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤)﴾: تطهر نفسه من الكفر والمعصية\" (^١).\n- قال محمد بن علي الشوكاني (ت: ١٢٥٠ هـ) ﵀: \" ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤)﴾ أي من تطهر من الشرك فآمن بالله ووحده وعمل بشرائعه\" (^٢).\nقال تعالى عن موسى ﵇ فى خطابه لفرعون: ﴿هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨)﴾ [النَّازِعَات: ١٨].\n- عن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄ في قوله: ﴿هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨)﴾ قال: إلى أن تقول لا إله إلا الله\" (^٣).\n- عن عكرمة (ت: ١٠٥ هـ) ﵀، قول موسى لفرعون: ﴿هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨)﴾ هل لك إلى أن تقول لا إله إلا الله\" (^٤).\nقال قتادة بن دعامة السدوسي (ت: ١١٨ هـ) ﵀: \"إلى أن تُسْلِم\" (^٥).\n- قال ابن زيد (ت: ١٨٢ هـ) ﵀، في قوله: ﴿هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨)﴾ قال: إلى أن تسلم. قال: والتزكّي في القرآن كله: الإسلام، وقرأ قول الله ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى (٧٦)﴾ [طه: ٧٦] قال: من أسلم، وقرأ: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ [عَبَس: ٣] قال: يسلم، وقرأ: ﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى﴾ [عَبَس: ٧] أن لا يسلم\" (^٦).\n_________\n(^١) تفسير جامع البيان في تفسير القرآن للإيجي. (سورة الأعلى: الآية: ١٤).\n(^٢) تفسير فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية في علم التفسير للشوكاني. (سورة الأعلى: الآية: ١٤).\n(^٣) الأسماء والصفات للبيهقي ١/ ٢٧١، تفسير الدر المنثور للسيوطي. (سورة النازعات: الآية: ١٨)، وعزاه للبيهقي في الأسماء والصفات.\n(^٤) تفسير جامع البيان في تأويل آي القرآن للطبري. (سورة النازعات: الآية: ١٨)، وأورده السيوطي في الدر المنثور (سورة النازعات: الآية: ١٨)، وعزاه لعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٥) تفسير النكت والعيون للماوردي. (سورة النازعات: الآية: ١٨).\n(^٦) تفسير جامع البيان في تأويل آي القرآن للطبري. (سورة النازعات: الآية: ١٨).","vol":"1","page":374},{"text":"- قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: \" ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨)﴾ [النَّازِعَات: ١٨]، يقول: \"هل لك أن تصلح ما قد أفسدت، يقول: وأدعوك لتوحيد الله\" (^١).\n- قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: \"وقوله: ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨)﴾ [النَّازِعَات: ١٨]، يقول: فقل له: هل لك إلى أن تتطهّر من دنس الكفر، وتؤمَنَ بربك\" (^٢).\n- قال ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩ هـ) ﵀: \" ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨)﴾ [النَّازِعَات: ١٨] \"إلى أن تؤمن\" (^٣).\n- قال أبو إسحاق أحمد الثعلبي (ت: ٤٢٧ هـ) ﵀: \" ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨)﴾ [النَّازِعَات: ١٨] \"ومعناه تسلّم وتصلح وتطهّر\" (^٤).\n- قال مكي بن أبي طالب (ت: ٤٣٧ هـ) ﵀: \"فقل له، ﴿هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨)﴾. \"أي: هل لك يا فرعون في أن تتطهر من دنس الكفر، وتؤمن بربك؟ \" (^٥).\n- قال الواحدي (ت: ٤٦٨ هـ) ﵀: \" ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨)﴾ أترغب في أن تتطهر من كفرك بالإيمان\" (^٦).\n_________\n(^١) تفسير مقاتل بن سليمان. (سورة النازعات: الآية: ١٨).\n(^٢) تفسير جامع البيان في تأويل آي القرآن للطبري. (سورة النازعات: الآية: ١٨).\n(^٣) تفسير ابن أبي زمنين. (سورة النازعات: الآية: ١٨).\n(^٤) تفسير الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي. (سورة النازعات: الآية: ١٨).\n(^٥) تفسير الهداية إلى بلوغ النهاية لمكي بن أبي طالب. (سورة النازعات: الآية: ١٨).\n(^٦) تفسير الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي. (سورة النازعات: الآية: ١٨).","vol":"1","page":375},{"text":"- قال ابن عطية الأندلسي (ت: ٥٤٢ هـ) ﵀: \" ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨)﴾ \" والتزكي هو التطهر من النقائص، والتلبس بالفضائل، وفسر بعضهم: ﴿تَزَكَّى (١٨)﴾ بتسلم وفسرها بقول: لا إله إلا الله، وهذا تخصيص، وما ذكرناه يعم جميع هذا\" (^١).\n- قال علي بن محمد بن إبراهيم الشيحي المعروف بالخازن (ت: ٧٤١ هـ) ﵀: \" ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨)﴾ أي: تتطهر من الشّرك والكفر\" (^٢).\n- قال ابن جزي (ت: ٧٤١ هـ) ﵀: \" ﴿هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨)﴾ [النَّازِعَات: ١٨] أن تتطهر من الكفر والذنوب والعيوب والرذائل، وقال بعضهم: تزكى تسلم، وقيل: تقول لا إله إلا الله، والأول أعم\" (^٣).\n- قال أبو حيان الأندلسي (ت: ٧٤٥ هـ) ﵀: \" ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨)﴾: تزكى: تتحلى بالفضائل وتتطهر من الرذائل، والزكاة هنا يندرج فيها الإسلام وتوحيد الله تعالى\" (^٤).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"القلوب المتعلقة بالشهوات محجوبة عن الله بقدر تعلقهَا بهَا. فالقلوب آنِية الله فِي أرضه فأحبها إلَيه أرقها\n_________\n(^١) تفسير المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية. (سورة النازعات: الآية: ١٨).\n(^٢) تفسير لباب التأويل في معاني التنزيل للخازن. (سورة النازعات: الآية: ١٨).\n(^٣) تفسير التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي. (سورة النازعات: الآية: ١٨).\n(^٤) تفسير البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي. (سورة النازعات: الآية: ١٨).","vol":"1","page":376},{"text":"وأصلبها وأصفاها\" (^١).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"فما كبر النفوس وشرفها، ورفعها، وأعزها مثل طاعة الله، وما صغر النفوس وأذلها، وحقرها مثل معصية الله ﷿ \" (^٢).\n- قال علي بن يحيى السمرقندي (ت: ٨٨٠ هـ تقريبًا) ﵀: \" ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨)﴾ يعني: ألم يأن لك أن تسلم. ويقال: معناه هل ترغب في توحيد ربك، وتشهد أن لا إله إلا الله، وتزكي نفسك من الكفر، والشرك\" (^٣).\nقال تعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى (٧٦)﴾ [طه: ٧٦].\n- قال الكلبي (ت: ٢٠٤ هـ) ﵀: \"يعني أعطى زكاة نفسه وقال: لا إله إلاّ الله\" (^٤).\n- قال ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩ هـ) ﵀: \" قوله: ﴿مَنْ تَزَكَّى (٧٦)﴾ أي: من آمن\" (^٥).\n- قال أبو إسحاق أحمد الثعلبي (ت: ٤٢٧ هـ) ﵀: \" ﴿ذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ\n_________\n(^١) الفوائد، ١/ ٢٦٢.\n(^٢) الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، ص ١٤٩.\n(^٣) تفسير بحر العلوم لعلي بن يحيى السمرقندي. (سورة النازعات: الآية: ١٨).\n(^٤) تفسير الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي. (سورة طه: الآية: ٧٦)، وتفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة طه: الآية: ٧٦).\n(^٥) تفسير ابن أبي زمنين. (سورة طه: الآية: ٧٦).","vol":"1","page":377},{"text":"تَزَكَّى (٧٦)﴾ أي صلح، وقيل: تطهّر من الكفر والمعاصي\" (^١).\n- قال الواحدي (ت: ٤٦٨ هـ) ﵀: \"قوله ﴿ذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى (٧٦)﴾ تطهر من الشرك بقول لا إله إلا الله\" (^٢).\n- قال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ) ﵀: \" ﴿ذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى (٧٦)﴾ أي: من تطهر من الكفر والمعاصي\" (^٣).\n- قال عبد الله بن أحمد بن محمود النسفي (ت: ٧١٠ هـ) ﵀: \" ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى (٧٦)﴾ تطهر من الشرك بقول لا إله إلا الله\" (^٤).\n- قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: \" ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى (٧٦)﴾ أي: طهر نفسه من الدنس والخبث والشرك، وعبد الله وحده لا شريك له، وصدق المرسلين فيما جاءوا به من خَبَر وطلب\" (^٥).\n- قال علي بن يحيى السمرقندي (ت: ٨٨٠ هـ تقريبًا) ﵀: \" ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى (٧٦)﴾ يعني: ثواب من وحَّد\" (^٦).\nقال تعالى ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فُصِّلَت: ٦ - ٧].\n_________\n(^١) تفسير الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي. (سورة طه: الآية: ٧٦).\n(^٢) تفسير الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي. (سورة طه: الآية: ٧٦).\n(^٣) تفسير الجامع لأحكام القرآن للقرطبي. (سورة طه: الآية: ٧٦).\n(^٤) تفسير مدارك التنزيل وحقائق التأويل للنسفي. (سورة طه: الآية: ٧٦).\n(^٥) تفسير القرآن العظيم لابن كثير. (سورة طه: الآية: ٧٦).\n(^٦) تفسير بحر العلوم لعلي بن يحيى السمرقندي. (سورة طه: الآية: ٧٦).","vol":"1","page":378},{"text":"- عن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄ في قول الله ﷿: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فُصِّلَت: ٦ - ٧] الذين لا يقولون لا إله إلا الله\" (^١).\n- عن عكرمة (ت: ١٠٥ هـ) ﵀، قوله: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾: الذين لا يقولون لا إله إلا الله\" (^٢).\n- قال ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩ هـ) ﵀: \" ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ أي: لا يوحدون الله\" (^٣).\n- قال منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي ﵀: \"وقال بعضهم: لا يؤتون الزكاة أي: لا يقولون لا إله إلا الله، قال ابن عباس، في رواية عطاء، فعلى هذا معناه: لا يطهرون أنفسهم من الشرك بقبول التوحيد\" (^٤).\n- قال الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀: \"قوله تعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ قال ابن عباس: الذين لا يقولون لا إله إلا الله وهي زكاة الأنفس، والمعنى: لا يطهرون أنفسهم من الشرك بالتوحيد\" (^٥).\n_________\n(^١) تفسير جامع البيان في تأويل آي القرآن للطبري. (سورة فصلت: الآية: ٧)، الأسماء والصفات للبيهقي ١/ ٢٧١.\n(^٢) تفسير جامع البيان في تأويل آي القرآن للطبري. (سورة فصلت: الآية: ٧).\n(^٣) تفسير ابن أبي زمنين. (سورة فصلت: الآية: ٧).\n(^٤) تفسير السمعاني ٥/ ٣٧. (سورة فصلت: الآية: ٧).\n(^٥) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة فصلت: الآية: ٧).","vol":"1","page":379},{"text":"- قال ابن عطية الأندلسي (ت: ٥٤٢ هـ) ﵀: \"وقال ابن عباس ﵄، والجمهور: ﴿الزَّكَاةَ﴾ في هذه الآية: لا إله إلا الله التوحيد كما قال موسى لفرعون: ﴿هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨)﴾، ويرجح هذا التأويل أن الآية من أول المكي، وزكاة المال إنما نزلت بالمدينة، وإنما هذه زكاة القلب والبدن، أي تطهيرهما من الشرك والمعاصي، وقاله مجاهد والربيع\" (^١).\n- قال عبد الله بن أحمد بن محمود النسفي (ت: ٧١٠ هـ) ﵀: \" ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فُصِّلَت: ٧] لا يفعلون ما يكونون به أزكياء وهو الإيمان\" (^٢).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"التوحيد الذي هو إخلاص الدين لله أصل كل خيرمن علم نافع وعمل صالح\" (^٣).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"قال أكثر المفسرين من السلف ومن بعدهم: هي التوحيد: شهادة أن لا إله إلا الله، والإيمان الذى به يزكو القلب، فإنه يتضمن نفي إلهية ما سوى الحق من القلب، وذلك طهارته، وإثبات إلهيته سبحانه؛ وهو أصل كل زكاة ونماء، فإن التزكى وإن كان أصله النماء والزيادة والبركة فإنما يحصل بإزالة الشر. فلهذا صار التزكى ينتظم الأمرين جميعًا. فأصل ما تزكو به القلوب والأرواح. هو التوحيد: والتزكية جعل الشئ زكيا، إما فى ذاته، وإما فى الاعتقاد والخبر عنه، كما يقال: عدلته وفسقته، إذا جعلته\n_________\n(^١) تفسير المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية الأندلسي. (سورة فصلت: الآية: ٧).\n(^٢) تفسير مدارك التنزيل وحقائق التأويل للنسفي. (سورة فصلت: الآية: ٧).\n(^٣) مجموع الرسائل ١/ ١٣٣.","vol":"1","page":380},{"text":"كذلك فى الخارج، أو فى الاعتقاد والخبر\" (^١).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \" قال تعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فُصِّلَت: ٦ - ٧]. أي: لا يؤتون ما تزكى به أنفسهم من التوحيد\" (^٢).\nعن عمير بن حبيب الخطمي (لم أقف على تاريخ وفاته) ﵁ قال: \"الإيمان يزيد وينقص. فقيل: فما زيادته؟ وما نقصانه؟ قال: إذا ذكرنا ربنا وخشيناه فذلك زيادته، وإذا غفلنا ونسينا وضيعنا فذلك نقصانه\" (^٣).\n- قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ): \"من اتقى الله وفق لمعرفة الحق\" (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-152>٦٥. من ثمراته أن أهل التوحيد هم أسعد الناس بشفاعة النبي ﷺ</span>-.\nيقول الله تعالى مثنيًا على المهاجرين والأنصار ومن اتبعهم بإحسان ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التَّوْبَة: ١٠٠].\n- قال ابن القيم: \"أسعد الناس بشفاعة سيد الشفعاء يوم القيامة أهل\n_________\n(^١) إغاثة اللهفان: ٤٩.\n(^٢) مفتاح دار السعادة: ٢/ ١١٦٠.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبه في الإيمان (١٤)، والمصنف ٦/ ١٦٠ (٣٠٣٢٧).\n(^٤) تفسير ابن كثير: ٣/ ٣٥٢.","vol":"1","page":381},{"text":"التوحيد، الذين جردوا التوحيد وخلصوه من تعلقات الشرك وشوائبه، وهم الذين ارتضى الله سبحانه\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-153>٦٦. من ثمراته أن الكلمة التى تحط بها الخطايا، هي كلمة التوحيد.</span>\nقال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (٥٨)﴾ [البَقَرَةِ: ٥٨].\n- قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: \" وقوله -جل وعلا-: ﴿قُولُوا حِطَّةٌ﴾ قال: \"لا إله إلا الله\" (^٢).\n- قال عكرمة (ت: ١٠٥ هـ) ﵀: \"هي قول: لا إله إلا الله\" (^٣).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"الاعتراف بالخطيئة مع التوحيد إن كان متضمنا للتوبة أوجب المغفرة؛ وإذا غفر الذنب زالت عقوبته؛ فإن المغفرة هي وقاية شر الذنب\" (^٤).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ أي: حط عنا خطايانا. هذا قول الحسن ﵀، وقتادة ﵀، وعطاء بن أبي رباح ﵀. وقال\n_________\n(^١) إغاثة اللهفان ص: ٢٢٠.\n(^٢) كتاب الأسماء والصفات للبيهقي ١/ ٢٧١.\n(^٣) تفسير جامع البيان في تأويل آي القرآن للطبري (سورة البقرة: الآية: ٥٨).\n(^٤) الفتاوى الكبرى ٥/ ٢٧٤.","vol":"1","page":382},{"text":"عكرمة ﵀ وغيره: أي قولوا: لا إله إلا الله. وكأن أصحاب هذا القول اعتبروا الكلمة التي تحط بها الخطايا، وهي كلمة التوحيد.\n- وقال سعيد بن جبير ﵀، عن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: أمروا بالاستغفار. وعلى القولين فيكونون مأمورين بالدخول بالتوحيد والاستغفار، وضمن لهم بذلك مغفرة خطاياهم، فتلاعب الشيطان بهم، فبدلوا قولا غير الذي قيل لهم، وفعلا غير الذي أمروا به\" (^١).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"الكلمة التى تحط بها الخطايا، وهى كلمة التوحيد\" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-154>٦٧. من ثمراته أن التوحيد إذا تم وكمل في القلب وتحقق تحققا كاملا بالإخلاص التام، فإنه يصير القليل من عمله كثيرًا.</span>\n- قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي: \"ومن فضائله التي لا يلحقه فيها شيء: أن التوحيد إذا تم وكمل في القلب وتحقق تحققا كاملا بالإخلاص التام، فإنه يصير القليل من عمله كثيرًا، وتضاعف أعماله وأقواله بغير حصر ولا حساب، ورجحت كلمة الإخلاص في ميزان العبد بحيث لا تقابلها السماوات والأرض وعمارها من جميع خلق الله، كما فيحديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «قال موسى ﵇: يا رب علمني شيئا\n_________\n(^١) إغاثة اللهفان ٢/ ١٠٨٧.\n(^٢) إغاثة اللهفان: ٢/. ٣٠٨","vol":"1","page":383},{"text":"أذكرك وأدعوك به. قال: قل ياموسى لا إله إلا الله. قال: يا رب كل عبادك يقولون هذا. قال: يا موسى لو أن السماوات السبع وعامرهن غيري والأرضين السبع في كفة، ولا إله إلا الله فيكفة، مالت بهن لا إله إلا الله» \" (^١).\nوفي حديث البطاقة التي فيها لا إله إلا الله التي وزنت تسعة وتسعين سجلا من الذنوب، كل سجل يبلغ مد البصر، وذلك لكمال إخلاص قائلها، وكم ممن يقولها لا تبلغ هذا المبلغ؛ لأنه لم يكن في قلبه من التوحيد والإخلاص الكامل مثل ولا قريب مما قام بقلب هذا العبد\" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-155>٦٨. من ثمراته أن أهل التوحيد أبعد الناس عن التلبس بالنجاسات.</span>\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"نجاسة الزنا واللواط أغلظ من غيرهما من النجاسات، من جهة أنها تفسد القلب، وتضعف توحيده جدًا، ولهذا كان أحظى الناس بهذه النجاسة أكثرهم شركاء، فكلما كان الشرك في العبد أغلب كانت هذه النجاسة والخبائث فيه أكثر، وكلما كان أعظم إخلاصا كان منها أبعد، كما قال تعالى عن يوسف الصديق ﵇ ﴿كَذَلِكَ\n_________\n(^١) رواه ابن حبان (موارد الظمآن) ص ٥٧٧ حديث رقم (٢٣٢٤). والحاكم (المستدرك) ١/ ٥٢٨ وقال: (هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه). وقال الذهبي: (صحيح وفي تصحيح إسناده نظر؛ لأنه من رواية دراج عن أبي الهيثموهي رواية متكلم فيها). قال ابن حجر (تقريب التهذيب) ١/ ٢٣٥: (صدوق فيحديثه عن أبي الهيثم ضعيف. اهـ.\n(^٢) القول السديد شرح كتاب التوحيد. ص: ٢٤ - ٢٥.","vol":"1","page":384},{"text":"لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤)﴾ [يُوسُف: ٢٤] \" (^١).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"النجاسة تارة تكون محسوسة ظاهرة، وتارة تكون معنوية باطنة فيغلب على الروح والقلب الخبث والنجاسة، حتى إن صاحب القلب الحى ليشم من تلك الروح والقلب رائحة خبيثةيتأذى بها، كما يتأذى من يشم رائحة النتن، ويظهر ذلك كثيرا فى عرقه، حتى ليوجد لرائحة عرقه نتنا، فإن نتن الروح والقلب يتصل بباطن البدن أكثر من ظاهره. والعرق يفيض من الباطن\" (^٢).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"فكلما قوى شرك العبد بلى بعشق الصور، وكلما قوى توحيده صرف ذلك عنه\" (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-156>٦٩. من ثمراته أن صاحب التوحيد له من العزة بحسب ما معه من التوحيد.</span>\nقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المُنَافِقُون: ٨].\nقال تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾\n[ال عِمْرَان: ٩٣١].\nقال الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فَاطِر: ١٠].\n_________\n(^١) إغاثة اللهفان: ١/ ٦٤.\n(^٢) إغاثة اللهفان ١/ ٦٠.\n(^٣) إغاثة اللهفان: ١/ ٦٤.","vol":"1","page":385},{"text":"- قال الإمام قتادة (ت ١١٧ هـ) ﵀: \"من كان يريد العزة فليتعزز بطاعة الله\". أخرجه الطبري واختاره\" (^١).\n- كان داود الطائي (ت: ١٦٥ هـ) ﵀ يقول: \"ما أخرج الله عبدًا من ذل المعاصي إلى عز التقوى إلا أغناه بلا مال، وأعزه بلا عشيرة، وآنسه بلا أنيس\" (^٢).\n- قال سفيان بن عيينة (ت: ١٩٨ هـ) ﵀: \"ليس في الأرض صاحب بدعة إلاَّ وهو يجد ذلَّة تغشاه، قالتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الأَعْرَاف: ١٥٢] \" (^٣).\n- قال يحيى بن معاذ الرازي (ت: ٢٥٨ هـ) ﵀ \"على قَدرِ إعزازِ المَرءِ لله يُلبسُه الله من عِزه ويُقيم له العِزَّ في قُلوبِ المُؤمِنين، وعلى قَدر خَوفِك من الله يهابك الخلق\" (^٤).\n- قال أبو حاتم محمد بن حبَّان البستي (ت: ٣٥٤ هـ) ﵀: \"من استغنى بالله أغناه الله، ومن تعزز بالله لم يفقره، كما أن من أعتز بالعبيد أذله\" (^٥).\n- قال أبو حاتم محمد بن حبَّان البستي (ت: ٣٥٤ هـ) ﵀: \"القناعة تكون بالقلب؛ فمن غني قلبه غنيت يداه، ومن افتقر قلبه لم ينفعه غناه، ومن قنع\n_________\n(^١) تفسير جامع البيان للطبري (تفسير سورة فاطر: الآية: ١٠).\n(^٢) حلية الأولياء (٣/ ٣٢٤).\n(^٣) حلية الأولياء ٧/ ٢٨٠.\n(^٤) صفوة الصفوة ٤/ ٩٥.\n(^٥) روضة العقلاء ونزهة الفضلاء ١/ ١٤٧.","vol":"1","page":386},{"text":"لم يتسخط وعاش آمنا مطمئنًا، ومن لم يقنع لم يكن له في الفوائت نهاية لرغبته، والجَدُّ والحرمان كأنهما يصطرعان بين العباد\" (^١).\n- قال ابن الجوزي (ت: ٥٩٧ هـ) ﵀: عند قوله ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢)﴾ [الطَّلَاق: ٢] \"التقوى سبب للمخرج من كل غم. فلا ينبغي لمخلوق أن يتوكل أو يتسبب أو يتفكر إلا في طاعة الله تعالى، وامتثال أمره، فإن ذلك سبب لفتح كل مرتج\" (^٢).\n- قال ابن الجوزي (ت: ٥٩٧ هـ) ﵀: \"من لم يعتز بطاعة الله لم يزل ذليلًا، ومن لم يَستشفِ بكتاب الله لم يزل عليلًا\" (^٣)،\n- قال فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ ﵀: \"وجد المؤمن بهذه الشهادة أبوة إبراهيم، وهو قوله: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحَج: ٧٨]. وأمومة أزواج النبي ﷺ ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأَحْزَاب: ٦]. وأخوة المؤمنين: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحُجُرَات: ١٠]. واستغفار الأنبياء: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [مُحَمَّد: ١٩]. واستغفار الملائكة: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غَافِر: ٧]. وشفيعًا مثل محمد ﷺ: «شفاعتي لأهل الكبائر من أُمتي» (^٤) \" (^٥).\n_________\n(^١) روضة العقلاء صـ ١٥٠.\n(^٢) صيد الخاطر ١/ ٦٣.\n(^٣) التذكرة في الوعظ (ص ٣٨).\n(^٤) أخرجه أبو داود (٤٧٣٩)، والترمذي (٢٤٣٥)، وأحمد (١٣٢٢٢).\n(^٥) عجائب القرآن صـ ٣٦ - ٣٧.","vol":"1","page":387},{"text":"- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"من كان إيمانه أقوى من غيره، كان جنده من الملائكة أقوى\" (^١).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"الحرية حرية القلب، والعبودية عبودية القلب\" (^٢).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"والله سبحانه إنما ضمن نصر دينه وحزبه وأوليائه بدينه علما وعملا، لم يضمن نصر الباطل، ولو اعتقد صاحبه أنه محق، وكذلك العزة والعلو إنما هما لأهل الإيمان الذى بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه، وهو علم وعمل وحال، قال تعالى: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩)﴾ [ال عِمْرَان: ١٣٩]. فللعبد من العلو بحسب ما معه من الإيمان، وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المُنَافِقُون: ٨]. فله من العزة بحسب ما معه من الإيمان وحقائقه، فإذا فاته حظ من العلو والعزة، ففى مقابلة ما فاته من حقائق الإيمان، علما وعملا ظاهرا وباطنا\" (^٣).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"العزة والعلو إنما هما لأهل الإيمان الذى بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه، وهو علم وعمل وحال، قال تعالى: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩)﴾ [ال عِمْرَان: ١٣٩] \" (^٤).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"إِذا اسْتغنى النَّاس بالدنيا فاستغن أَنْت بِاللَّه، وَإِذا فرحوا بالدنيا فافرح أَنْت بِاللَّه، وَإِذا أنسوا بأحبابهم فَاجْعَلْ أنسك بِاللَّه؛ تنَلْ بذلك غَايَة الْعِزّ والرفعة\" (^٥).\n_________\n(^١) النبوات (ص ٤١٦).\n(^٢) مجموع الفتاوى ١٠/ ١٨٦.\n(^٣) إغاثة اللهفان ٢/ ١٨١.\n(^٤) إغاثة اللهفان ٢/ ١٨١.\n(^٥) الفوائد ص: ١١٨.","vol":"1","page":388},{"text":"- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"لا تسأل سوى مولاك فسؤال العبد غير سيده تشنيع عليه\" (^١).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀ \"فللعبد من العلو بحسب ما معه من الإيمان، وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المُنَافِقُون: ٨] \" (^٢).\n- قال ابن رجب (ت: ٧٩٥ هـ) ﵀: \"فالأيام خزائن للناس ممتلئة بما خزنوه فيها من خير وشر، وفي يوم القيامة تفتح هذه الخزائن لأهلها؛ فالمتقون يجدون في خزائنهم العز والكرامة، والمذنبون يجدون في خزائنهم الحسرة والندامة\" (^٣).\n- قال محمد بن علي الشوكاني (ت: ١٢٥٥ هـ) ﵀: \"جرت عادة الله سبحانه كما يدل عليه الاستقراء برفع شأن من عودي لسبب علمه وتصريحه بالحق، وانتشار محاسنه بعد موته، وارتفاع ذكره، وانتفاع الناس بعلمه\" (^٤).\n- قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي (ت: ١٣٩٣ هـ) ﵀: عند تفسير قوله تعالى ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فَاطِر: ١٠] \"من كان يريد العِزَّة، فإنَّها جميعها لله وحده، فليطلبها منه، وليتسبَّب لنيلها بطاعته -جل وعلا- فإنَّ مَنْ أطاعه، أعطاه العِزَّة في الدُّنْيا والآخرة\" (^٥).\n- قال الشيخ عبد العزيز السلمان (ت: ١٤٢٢ هـ):\n\"إذا المرء لم يلبس ثيابا من التقى … تقلب عريانا وإن كان كاسيا\n_________\n(^١) الفوائد ص: ٥٠.\n(^٢) إغاثة اللهفان ٢/ ١٨١.\n(^٣) لطائف المعارف ص ١٩٦.\n(^٤) البدر الطالع ١/ ٢٣٣.\n(^٥) أضواء البيان ٦/ ٢٨٠","vol":"1","page":389},{"text":"\"ولباس التقوى يستمر مع العبد لا يبلى ولا يبيد. وهو جمال القلب والروح. ولباس الثياب إنما يستر العورة الظاهرة في وقت من الأوقات ثم يبلي ويبيد\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-157>٧٠. من ثمراته أن التوحيد يورث الهمة العالية.</span>\n- روي عن عمر بن الخطّاب (ت: ٢٣ هـ) ﵁ أنه قال: \"لا تصغرنَّ همتكم؛ فإني لم أرَ أقعد عن المكرمات من صغر الهمم\" (^٢).\n- قال سفيان الثوري (ت: ١٦١ هـ) ﵀: \"إذا هممت بأمر من أمور الآخرة فشمر إليها وأسرع من قبل أن يحول بينها وبينك الشيطان\" (^٣).\n- قال الإمام مالك بن أنس (ت: ١٧٩ هـ) ﵀: \"عليك بمعالي الأمور وكرائمها، واتقِ رذائلها وما سفَّ منها؛ فإنَّ الله تعالى يحبُّ معالي الأمور، ويكره سفسافها\" (^٤).\n- قال ممشاد الدينوري (ت ٢٩٩) ﵀: \"الهِمَّة مقدمة الأشياء؛ فمن صلحت له همته وصدق فيها صلح له ما وراءها من الأعمال والأحوال\" (^٥).\n- قال أبو حاتم محمد بن حبان بن أحمد بن حبان، الدارمي، البُستي (ت: ٣٥٤ هـ): ﵀ \"لن تصفو القلوب من وجود الدرن فيها حتى تكون الهمم في اللَّه هما\n_________\n(^١) مفتاح الأفكار ٢/ ٣٠٤.\n(^٢) أدب الدنيا والدين للماوردي (ص ٣١٩).\n(^٣) حلية الأولياء (٧/ ٨٣).\n(^٤) ترتيب المدارك للقاص عياض ٢/ ٦٥.\n(^٥) حلية الأولياء ١٠/ ٣٥٣.","vol":"1","page":390},{"text":"واحدا، فإذا كان كذلك كفي الهم في الهموم إلا الهم الذي يؤول متعقبه إلى رضا الباري جل وعز بلزوم تقوى الله في الخلوة والملاء\" (^١).\n- قال ابن الجوزي (ت: ٥٩٧ هـ) ﵀: \"ولله أقوام ما رضوا من الفضائل إلا بتحصيل جميعها؛ فهم يبالغون في كل علم ويجتهدون في كل عمل يثابرون على كل فضيلة فإذا ضعفت أبدانهم عن بعض ذلك قامت النيات نائبة وهم لها سابقون\" (^٢).\n- قال النووي (ت: ٦٧٦ هـ) ﵀: \"وليس بعاقل من أمكنه درجة وِراثة الأنبياء، ثم فَوَّتها! \" (^٣).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"ضعف الإرادة والطلب: من ضعف حياة القلب وكلما كان القلب أتم حياة كانت همته أعلى وإرادته ومحبته أقوى\" (^٤).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"الهمة العلية لا تزال حائمة حول ثلاثة أشياء، تعرف لصفة من الصفات العليا تزداد بمعرفتها محبة وإرادة؛ وملاحظة لمنة تزداد بملاحظتها شكر أو طاعة؛ وتذكر لذنب تزداد بتذكره توبة وخشية\" (^٥).\n_________\n(^١) روضة العقلاء ونزهة الفضلاء ١/ ٣٢.\n(^٢) صيدالخاطر ١/ ٩٠.\n(^٣) المجموع ١/ ٣٧.\n(^٤) مدارج السالكين ٣/ ٢٦٣.\n(^٥) روضة العقلاء ونزهة الفضلاء ١/ ٣٢.","vol":"1","page":391},{"text":"- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"شغلوا قلوبهم بالدنيا! ولو شغلوها بالله والدّار الآخرة؛ لجالت في معاني كلامه وآياته المشهودة، ورجعت إلى أصحابها بغرائب الحِكم وطرف الفوائد\" (^١).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"لا تكون الروح الصافية إلا في بدن معتدل، ولا الهمة العالية إلا في نفس نفيسة\" (^٢).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"لابد للسالك من همَّة تسيِّره وترقِّيه، وعلم يبصِّره ويهديه، فلابد لكل طالب علم بجانب علمه من همة تسيره وترقيه في مدارج الطلب، بها يستعلي طالب العلم على سفاسف الأمور، ويتحلى بإرادة من حديد؛ إذ هو مقدم على أمر عظيم حاله، خطير شأنه، ألا وهو وراثة النبي ﷺ في التعليم والدعوة والبلاغ. فلا يصلح لهذه المنزلة من سفلت همته؛ فحامت حول الدنايا، أو ضعفت إرادته؛ فانكسرت أمام الصعاب والبلايا … وصاحب الهمة العالية أمانيه حائمة حول العلم والإيمان، والعلم الذي يقربه إلى الله ويدنيه من جواره، فأماني هذا إيمان ونور وحكمة، وأماني أولئك خدع وغرور\" (^٣).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"الهمة إذا كانت عالية تعلقت به وحده دون غيره. وإذا كانت النية صحيحة سلك العبد الطريق الموصلة إليه.\n_________\n(^١) الفوائد ص ٩٨.\n(^٢) بدائع الفوائد ص: ٧٥٠.\n(^٣) مدارج السالكين ١/ ٤٥٧.","vol":"1","page":392},{"text":"فالنية تفرد له الطريق والهمة تفرد له المطلوب\" (^١).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"وكمال كل إنسان إنما يتم بهذين النوعين \"همة ترقيه\" و\"علم يبصره، ويهديه\"، فإن مراتب السعادة والفلاح إنما تفوت العبد من هاتين الجهتين، أو من إحداهما: إما أن لا يكون له علم بها، فلا يتحرك في طلبها، أو يكون عالما بها، ولا تنهض همته إليها فلا يزال في حضيض طبعه محبوسا، وقلبه عن كماله الذي خلق له مصدودا منكوسا\" (^٢).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"القلوب المتعلقة بالشهوات محجوبة عن الله بقدر تعلقهَا بهَا،. فالقلوب آنِية الله فِي أرضه فأحبها إلَيه أرقها وأصلبها وأصفاها\" (^٣).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"بين العبد وبين السعادة والفلاح قوة عزيمة وصبر ساعة وشجاعة نفس وثبات قلب. والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء. والله ذو الفضل العظيم\" (^٤).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"فمن علت همته، وخشعت نفسه، اتصف بكلِّ خلق جميل، ومن دنت همته، وطغت نفسه، اتصف بكلِّ خلق رذيل\" (^٥).\n_________\n(^١) الفوائد ص: ١٤٤.\n(^٢) مفتاح دار السعادة ١/ ٥٩.\n(^٣) الفوائد ص ٢٦٢.\n(^٤) مدارج السالكين ٢/ ٨.\n(^٥) الفوائد ص: ٩٧.","vol":"1","page":393},{"text":"- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"جميعُ المصالحِ إنما تنشأُ من الوقتِ، فإنْ أضاعَه ضاعَتْ عليه مصالِحُه كلُّها، ومتى أضاعَ الوقتَ لم يستدركْه\" (^١).\n- قال محمد بن مفلح (ت: ٧٦٣ هـ) ﵀: \"إنَّ مِنْ صِغَرِ الْهِمَّةِ، الْحَسَدُ لِلصِّدِّيقِ عَلَى النِّعْمَةِ\" (^٢).\n- قال ابن رجب (ت: ٧٩٥ هـ) ﵀: \"فمن كانت نفسه شريفة، وهِمَّته عالية لم يرض لها بالمعاصي؛ فإنها خيانةٌ، ولايرضى بالخيانة إلا من لا نفس له\" (^٣).\n- قال سعيد بن المسيّب (ت: ٩٤ هـ) ﵀: \"ما أذن المؤذن منذ ثلاثين سنة إلا وأنا في المسجد\" (^٤).\n- قال محمد بن صالح بن عثيمين (ت: ١٤٢١ هـ) ﵀: \"فلا يلحقك العجز والكسل إذا رأيت أن الأمور لم تتمَّ لك بأول مرة، بل اصبر، وكرِّر مرَّة بعد أخرى، واصبر على ما يقال فيك من استهزاء وسخرية؛ لأن أعداء الدين كثيرون. ولا يثني عزمك أن ترى نفسك وحيدًا في الميدان، فأنت الجماعة وإن كنت واحدًا ما دمت على الحق، ولهذا ثِقْ بأنك منصور؛ إمَّا في الدنيا، وإمَّا في الآخرة\" (^٥).\n_________\n(^١) الداء والدواء ص: ٣٥٨.\n(^٢) الآداب الشرعية ١/ ٣٥٩.\n(^٣) شرح حديث (مثل الإسلام) مجموع رسائل ابن رجب ١/ ٢٠٣.\n(^٤) سير أعلام النبلاء (٤/ ٢٢١).\n(^٥) \"شرح العقيدة الواسطية\"؛ لابن عثيمين، ص ٥٣٧.","vol":"1","page":394},{"text":"<span data-type='title' id=toc-158>٧١. من ثمراته أن التوحيد تكفل الله لأهله بالفتح والنصر في الدنيا، والعز والشرف.</span>\nقال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٥٥)﴾ [النُّور: ٥٥].\n- قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: \" ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾ يعنى يوحدونني ﴿لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ من الآلهة\" (^١).\n- قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: \"وقوله: ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾ يقول: يخضعون لي بالطاعة ويتذللون لأمري ونهيي ﴿لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ يقول: لا يشركون في عبادتهم إياي الأوثان والأصنام ولا شيئا غيرها، بل يخلصون لي العبادة فيفردونها إليَّ دون كل ما عبد من شيء غيري\" (^٢).\n- قال ابن عطية الأندلسي (ت: ٥٤٢ هـ) ﵀: \"وروي أن سبب هذه الآية أن أحد أصحاب النبي ﷺ شكا جهد مكافحة العدو وما كانوا فيه من الخوف على أنفسهم وأنهم لا يضعون أسلحتهم فنزلت هذه الآية عامة لأمة محمد ﵇\" (^٣).\n_________\n(^١) تفسير مقاتل بن سليمان (سورة النور الآية: ٥٥).\n(^٢) تفسير الطبري (سورة النور الآية: ٥٥).\n(^٣) تفسير المحرر الوجيز لابن عطية (سورة النور الآية: ٥٥).","vol":"1","page":395},{"text":"- قال علي بن محمد الماوردي (ت: ٤٥٠ هـ) ﵀: \" ﴿يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ فيه أربعة أوجه:\nأحدهما: لا يعبدون إلها غيري، حكاه النقاش.\nالثاني: لا يراءون بعبادتي أحدا.\nالثالث: لا يخافون غيري، قاله ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄.\nالرابع: لا يحبون غيري، قاله مجاهد بن جبر (ت: ١٠٤ هـ) ﵀ \" (^١).\n- قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: \"ومن فضائل التوحيد: أن الله تكفل لأهله بالفتح والنصر في الدنيا، والعز والشرف وحصول الهداية والتيسير لليسرى وإصلاح الأحوال والتسديد في الأقوال والأفعال\" (^٢).\n- قال. ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"وكذلك الدفع عن العبد هو بحسب إيمانه، قال تعالى: ﴿* إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحَج: ٣٨] فإذا ضعف الدفع عنه فهو من نقص إيمانه، والله سبحانه إنما ضمن نصر دينه وحزبه وأوليائه بدينه علما وعملا، لم يضمن نصر الباطل، ولو اعتقد صاحبه أنه محق\" (^٣).\n_________\n(^١) تفسير النكت والعيون للماوردي (سورة النور الآية: ٥٥).\n(^٢) القول السديد شرح. كتاب التوحيد ص: ٢٥ ..\n(^٣) إغاثة اللهفان ٢/ ١٨١.","vol":"1","page":396},{"text":"<span data-type='title' id=toc-159>٧٢. من ثمراته أن التوحيد يحرر العبد من رق المخلوقين.</span>\nقال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٢٦)﴾ [الأَنفَال: ٢٦].\n- قال قتادة بن دعامة السدوسي (ت: ١١٨ هـ) ﵀، قوله: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأَنفَال: ٢٦] قال: \"كان هذا الحي من العرب أذلَّ الناس ذلًا وأشقاهُ عيشًا، وأجوعَه بطونًا، وأعراه جلودًا، وأبينَه ضلالا مكعومين (^١).، على رأس حجر، بين الأسدين فارس والروم، ولا والله ما في بلادهم يومئذ من شيء يحسدون عليه، من عاش منهم عاش شقيًّا، ومن مات منهم رُدِّي في الناس، يوكلون ولا يأكلون، والله ما نعلم قبيلًا من حاضر أهل الأرض يومئذ كانوا أشرَّ منهم منزلًا حتى جاء الله بالإسلام، فمكن به في البلاد، ووسَّع به في الرزق، وجعلكم به ملوكًا على رقاب الناس. فبالإسلام أعطى الله ما رأيتم، فاشكروا الله على نعمه، فإن ربكم منعمٌ يحب الشكر، وأهل الشكر في مزيد من الله ﵎\" (^٢).\n- قال محمد بن إدريس بن القاسم ﵀:\n\"مثل الرزق الذي تطلبه … مثل الظل الذي يمشي معك.\nأنت لا تدركه متبعًا .... فإذا وليت عنه اتبعك\" (^٣).\n_________\n(^١) هو شيء يجعل على فم البعير يمنعه لئلا يعض أو يأكل.\n(^٢) تفسير الطبري (سورة الأنفال: الآية: ٢٦).\n(^٣) تكملة الصِّلة ٢/ ١٣٨.","vol":"1","page":397},{"text":"- قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: \"ومن أعظم فضائله: أنه يحرر العبد من رق المخلوقين والتعلق بهم وخوفهم ورجائهم والعمل لأجلهم، وهذا هو العز الحقيقي والشرف العالي.\nويكون مع ذلك متألها متعبدا لله، لا يرجو سواه ولا يخشى إلا إياه، ولا ينيب إلا إليه، وبذلك يتم فلاحه ويتحقق نجاحه\" (^١).\n- قال محمد بن صالح بن عثيمين (ت: ١٤٢١ هـ) ﵀: \"فكل إنسان يفر من عبادة الله فإنه سيبقى في رق الشيطان\" (^٢).\n- قال عبد الله الغنيمان: \"والتوحيد الخالص هو الذي يرفع نفوس معتقديه ويخلصها من رق الأغيار ويفك إرادتهم من أسر الرؤساء الروحانيين كما يسمون، وشيوخ الطرق الباطلة والدجل، والضلال والتعلقات بالأحياء والأموات، ويخلصها كذلك من إله المادة والتعلق بالطواغيت الماديين وكل مخلوق، فيطلق عزائمهم من قيود العبودية لغير الله والتعلقات بالأحياء والأموات، فيكون المؤمن مع الناس حرا عزيزا كريما، ومع الله عبدا خاضعا ذليلا خائفا، فهذا الذي يجب على العبد أن يعتني به أشد الاعتناء، ويحذر أشد الحذر أن ينحرف عنه؛ لأن الانحراف عنه هو الهلاك المحتم والخسران الأكبر والخلود في جهنم\" (^٣).\n_________\n(^١) القول السديد شرح كتاب التوحيد. ص: ٢٤.\n(^٢) شرح الأربعين النووية ص ٢٨٥.\n(^٣) بحث بعنوان أول واجب على المكلف عبادة الله-مجلة الجامعة الإسلامية-العدد ٦٢","vol":"1","page":398},{"text":"المسلم المؤمن بربه يتحرر من عبودية كل شيء سوى الله تعالى، فهو لا يرى لأحد عليه نعمة ولا فضل إلا للذي خلقه، فيرتبط قلبه بربه بعرى وثيقة، فلا يسجد ولا يخضع إلا للذي خلقه، ويتوكل على الله تعالى في كل شؤونه، فلا يطلب الرزق إلا من الله تعالى، ولا يخشى أحدًا إلا الله تعالى.\n\n<span data-type='title' id=toc-160>٧٣. من ثمراته أن التوحيد أول ما يسأل عنه العبد في قبره:</span>\nقال تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤)﴾ [الصَّافَّات: ٢٤].\n- قال ئالحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀: \"قال المفسرون: لما سيقوا إلى النار حبسوا عند الصراط لأن السؤال عند الصراط، فقيل: وقفوهم ﴿إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤)﴾.\n- قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: \"عن لا إله إلا الله\" (^١).\n- قال ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩ هـ) ﵀: \" ﴿وَقِفُوهُمْ﴾ أي: احبسوهم، وهذا قبل أن يدخلوا النار ﴿إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ عن لا إله إلا الله\" (^٢).\nقال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (٢٧)﴾ [إِبْرَاهِيم: ٢٧].\n- عن البراء بن عازب (ت: ٧٢ هـ) ﵁ مرفوعًا: «المسلمُ إذا سُئِلَ في\n_________\n(^١) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة الصافات الآية: ٢٤)، تفسير القرطبي (سورة الصافات الآية: ٢٤).\n(^٢) تفسير القرآن العزيز لابن أبي زمنين ٤/ ٥٨.","vol":"1","page":399},{"text":"القَبْرِ يَشْهَدُ أَنْ لا إلهَ إلا اللهُ، وأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، فذلك قولُهُ تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إِبْرَاهِيم: ٢٧]» (^١).\n- قال الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀: \"قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾، كلمة التوحيد، وهي قول: لا إله إلا الله ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ يعني قبل الموت، ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾، يعني في القبر. هذا قول أكثر أهل التفسير. وقيل: ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: عند السؤال في القبر\" (^٢).\n- قال حافظ بن أحمد حكمي (ت: ١٣٧٧ هـ) ﵀: \"وهذه الآية نصُّها في عذاب القبر بصريح الأحاديث، وباتِّفاق أئمة التفسير من الصحابة فالتابعين فمن بعدهم، وأن المراد بالتثبيت هو عند السؤال في القبر حقيقة\"\" (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-161>٧٤. من ثمراته أن قيام التوحيد مانع لقيام الساعة</span>\n- عَنْ أَنَسٍ (ت: ٩٠ هـ) ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لَا يُقَالَ فِي الْأَرْضِ: اللَّهُ اللَّهُ» (^٤).\n- عَنْ عبد الله بن عمرو (ت: ٦٥ هـ) ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَخْرُجُ الدَّجَّالُ فِي أُمَّتِي فَيَمْكُثُ أَرْبَعِينَ، فَيَبْعَثُ اللَّهُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ كَأَنَّهُ عُرْوَةُ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٣٦٩)، ومسلم (٢٨٧١).\n(^٢) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة إبراهيم: الآية: ٢٧).\n(^٣) \"معارج القبول\": (٢/ ١١٥).\n(^٤) رواه مسلم (١٤٨)","vol":"1","page":400},{"text":"بْنُ مَسْعُودٍ فَيَطْلُبُهُ فَيُهْلِكُهُ، ثُمَّ يَمْكُثُ النَّاسُ سَبْعَ سِنِينَ لَيْسَ بَيْنَ اثْنَيْنِ عَدَاوَةٌ، ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ رِيحًا بَارِدَةً مِنْ قِبَلِ الشَّامِ فَلَا يَبْقَى عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ أَوْ إِيمَانٍ إِلَّا قَبَضَتْهُ، حَتَّى لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ دَخَلَ فِي كَبِدِ جَبَلٍ لَدَخَلَتْهُ عَلَيْهِ حَتَّى تَقْبِضَهُ، قَالَ: فَيَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ فِي خِفَّةِ الطَّيْرِ وَأَحْلَامِ السِّبَاعِ لَا يَعْرِفُونَ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرُونَ مُنْكَرًا فَيَتَمَثَّلُ لَهُمْ الشَّيْطَانُ فَيَقُولُ أَلَا تَسْتَجِيبُونَ؟ فَيَقُولُونَ: فَمَا تَأْمُرُنَا؟ فَيَأْمُرُهُمْ بِعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، وَهُمْ فِي ذَلِكَ دَارٌّ رِزْقُهُمْ، حَسَنٌ عَيْشُهُمْ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ» (^١).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"وأخبر النبي ﷺ أن في آخر الزمان يرفع الله بيته من الأرض وكلامه من المصاحف وصدور الرجال فلا يبقى له في الأرض بيت يحج ولا كلام يتلى فحينئذ يقرب خراب العالم وهكذاالناس اليوم إنما قيامهم بقيام آثار نبيهم وشرائعه بينهم وقيام امورهم حصول مصالحهم واندفاع أنواع البلاء والشر عنهم بحسب ظهورها بينهم وقيامها.\nوهلاكهم وعنتهم وحلول البلاء والشر بهم عند تعطلها والإعراض عنها والتحاكم إلى غيرها واتخاذ سواها.\nومن تأمل تسليط الله سبحانه على من سلطه على البلاد والعباد من الأعداء علم أن ذلك بسبب تعطيلهم لدين نبيهم وسننه وشرائعه فسلط الله عليهم من أهلكهم وانتقم منهم حتى إن البلاد التي لآثار الرسول ﷺ وسننه\n_________\n(^١) رواه مسلم (١٤٨).","vol":"1","page":401},{"text":"وشرائعه فيها ظهور دفع عنها بحسب ظهور ذلك بينهم\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-162>٧٥. من ثمراته أن التوحيد يدخل الله به الجنة.</span>\n- فعن عبادة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق، وأن النار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل» (^٢).\n- وفي حديث جابر بن عبد الله (ت: ٧٨ هـ) ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة» (^٣).\n- وفي حديث عمر (ت: ٢٣ هـ) ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: \"ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ أو فيسبغ الوضوء ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء\" (^٤).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"ويعفى لأهل التوحيد المحض الذى لم يشوبوه بالشرك ما لا يعفى لمن ليس كذلك فلو لقى الموحد الذى لم يشرك\n_________\n(^١) جلاء الأفهام صـ ٣١٣.\n(^٢) رواه البخاري (٣٤٣٥)، ومسلم (٢٨).\n(^٣) رواه مسلم (٢٩٤٠)\n(^٤) رواه مسلم (٢٣٤)","vol":"1","page":402},{"text":"بالله شيئًا البتة ربه بقراب الأرض خطايا أتاه بقرابها مغفرة، ولا يحصل هذا لمن نقص توحيده وشابه بالشرك، فإن التوحيد الخالص الذى لا يشوبه شرك لا يبقى معه ذنب. فإنه يتضمن من محبة الله تعالى وإجلاله، وتعظيمه، وخوفه، ورجائه وحده ما يوجب غسل الذنوب\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-163>٧٦. من ثمراته أن التوحيد يمنع دخول النار بالكلية إذا كمل في القلب.</span>\nففي حديث عتبان بن مالك الأنصاري (ت: وسط خلافة معاوية) ﵁ عن النبي ﷺ: «… فإن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله» (^٢).\n- عن عبادة بن الصامت (ت: ٣٤ هـ) ﵁ مرفوعا: «من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، حرم الله عليه النار» (^٣).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"الكامل: هُوَ من كَانَ لله أطوع وعَلى مَا يُصِيبهُ أَصْبِر.\nفَكلما كَانَ أتبع لما يَأْمر الله بِهِ وَرَسُوله وَأعظم مُوَافقَة لله فِيمَا يُحِبهُ ويرضاه وصبرا على مَا قدره وقضاه كَانَ أكمل وَأفضل. وكل من نقص عَنْ هذَيْن كَانَ فِيهِ من النَّقْص بِحَسب ذَلِك\" (^٤).\n_________\n(^١) إغاثة اللهفان ١/ ٦٤.\n(^٢) رواه البخاري (٤٢٥)، ومسلم (٣٣).\n(^٣) رواه البخاري: العلم (١٢٨)، ومسلم: الإيمان (٣٢)، وأحمد (٣/ ١٣١، ٣/ ١٥٧، ٣/ ٢٤٤).\n(^٤) دقائق التفسير ٢/ ٢٩٩.","vol":"1","page":403},{"text":"- قال برهان الدين البقاعي (ت: ٨٨٥ هـ) ﵀: \"قولهتعالى: ﴿أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ﴾ [فُصِّلَت: ٦]: \"فمن كان له أصل الاستقامة في التوحيد أمن من النار بالخلود، ومن كان له كمال الاستقامة في الأصول والفروع أمن الوعيد\" (^١).\n- قال سليمان بن عبد الله آل الشيخ (ت: ١٢٣٣ هـ) ﵀: \"وأحسن ما قيل في معناه ما قاله شيخ الإسلام وغيره: إن هذه الأحاديث إنما هي فيمن قالها ومات عليها كما جاءت مقيدة، وقالها خالصا من قلبه مستيقنا بها قلبه، غير شاك فيها بصدق ويقين، فإنحقيقة التوحيد انجذاب الروح إلى الله جملة، فمن شهد أن لا إله إلا الله خالصا من قلبه، دخل الجنة، لأن الإخلاص هو انجذاب القلب إلى الله تعالى بأن يتوب من الذنوب توبة نصوحا، فإذا مات على تلك الحال نال ذلك؛ فإنه قد تواترت الأحاديث بأنه يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة، وما يزن خردلة، وما يزن ذرة، وتواترت بأن كثيرا ممن يقول: لا إله إلا الله يدخل النار ثم يخرج منها، وتواترت بأن الله حرم على النار أن تأكل أثر السجود من ابن آدم، فهؤلاء كانوا يصلون ويسجدون لله، وتواترت بأنه يحرم على النار من قال: لا إله إلا الله، ومن شهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، لكن جاءت مقيدة بالقيود الثقال، وأكثر من يقولها لا يعرف الإخلاص ولا اليقين، ومن لا يعرف ذلك يخشى عليه أن يفتن عنها عند الموت فيحال بينه وبينها، وأكثر من يقولها إنما\n_________\n(^١) نظم الدرر في تناسب الآيات والسور ١٧/ ١٨٣.","vol":"1","page":404},{"text":"يقولها تقليدا أو عادة، ولم يخالط الإيمان بشاشة قلبه، وغالب من يفتن عند الموت وفي القبور أمثال هؤلاء كما في الحديث: سمعت الناس يقولون شيئا فقلته. وغالب أعمال هؤلاء إنما هو تقليد واقتداء بأمثالهم وهم أقرب الناس من قوله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣)﴾ [الزُّخْرُف: ٢٣]. وحينئذ فلا منافاة بين الأحاديث، فإنه إذا قالها بإخلاص ويقين تام، لم يكن في هذه الحال مصرا على ذنب أصلا، فإنه كمال إخلاصه ويقينه يوجب أن يكون الله أحب إليه من كل شيء، فإذا لا يبقى في قلبه إرادة لما حرم الله ولا كراهية لما أمر الله، وهذا هو الذي يحرم من النار، وإن كانت له ذنوب قبل ذلك، فإن هذا الإيمان، وهذه التوبة، وهذا الإخلاص، وهذه المحبة وهذا اليقين، لا يتركون له ذنبا إلا يمحى كما يمحى الليل بالنهار، فإذا قالها على وجه الكمال المانع من الشرك الأكبر والأصغر، فهذا غير مصر على ذنب أصلا، فيغفر له ويحرم على النار، وإن قالها على وجه خلص بهعلى الشرك الأكبر دون الأصغر، ولم يأت بعدها بما يناقض ذلك، فهذه الحسنة لا يقاومها شيء من السيئات، فيرجح بها ميزان الحسنات، كما في حديث البطاقة، فيحرم على النار ولكن تنقص درجته في الجنة بقدر ذنوبه، وهذا بخلاف من رجحت سيئاته على حسناته ومات مصرا على ذلك، فإنه يستوجب النار، وإن قال: لا إله إلا الله، وخلص بها من الشرك الأكبر، لكنه لم يمت على ذلك، بل أتى بعد ذلك بسيئات رجحت على حسنة توحيده، فإنه في حال قولها كان مخلصا، لكنه أتى بذنوب أوهنت ذلك التوحيد والإخلاص فأضعفته، وقويت نار الذنوب حتى أحرقت ذلك، بخلاف المخلص المستيقن، فإن حسناته لا تكون إلا راجحة","vol":"1","page":405},{"text":"على سيئاته، ولا يكون مصرا على سيئة، فإن مات على ذلك دخل الجنة، وإنما يخاف على المخلص أن يأتي بسيئات راجحة يضعف إيمانه، فلا يقولها بإخلاص ويقين مانع من جميع السيئات، ويخشى عليه من الشرك الأكبر والأصغر، فإن سلم من الأكبر بقي معه من الأصغر، فيضيف إلى ذلك سيئات تنضم إلى هذا الشرك، فيرجح جانب السيئات، فإن السيئات تضعف الإيمان واليقين، فيضعف بذلك قول: لا إله إلا الله، فيمتنع الإخلاص في القلب، فيصير المتكلم بها كالهاذي أو النائم، أو من يحسن صوته بآية من القرآن من غير ذوق طعم ولا حلاوة، فهؤلاء لم يقولوها بكمال الصدق واليقين، بل يأتون بعدها بسيئات تنقص ذلك الصدق واليقين، بل يقولونها من غير يقين وصدق، ويموتون على ذلك ولهم سيئات كثيرة تمنعهم من دخول الجنة، وإذا كثرت الذنوب ثقل على اللسان قولها، وقسا القلب عن قولها، وكره العمل الصالح، وثقل عليه سماع القرآن، واستبشر بذكر غيره، واطمأن إلى الباطل واستحلى الرفث ومخالطة أهل الغفلة، وكره مخالطة أهل الحق، فمثل هذا إذا قالها قال بلسانه ما ليس في قلبه، وبفيه ما لا يصدق عمله، كما قال الحسن: ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني، ولكن ما وقر فيالقلوب وصدقته الأعمال، فمن قال خيرا وعمل خيرا قبل منه، ومن قال شرا وعمل شرا لم يقبل منه.\n- وقال بكر بن عبد الله المزني (ت: ١٠٨ هـ) ﵀: \"ما سبقهم أبو بكر ﵁، بكثرة صيام ولا صلاة، ولكن بشيء وقر في قلبه\" (^١).\n_________\n(^١) قال المرتضى الزبيدي في تخريج أحاديث إحياء علوم الدين للغزالي \"قال العراقي: لا أصل لهذا مرفوعا، وإنما يعرف من قول بكر بن عبد الله المزني رواه الحكيم الترمذى في نوادره.\nقال المحقق: وبكر ثقة سمع من ابن عباس وابن عمر، وعزاه ابن القيم إلى أبي بكر بن عياش من قوله، ولفظه: \"ما سبقكم أبو بكر بكثرة صوم ولا صلاة ولكن بشيء وقر في قلبه\".","vol":"1","page":406},{"text":"فمن قال: لا إله إلا الله ولم يقم بموجبها، بل اكتسب مع ذلك ذنوبا وسيئات، وكان صادقا في قولها موقنا بها، لكن ذنوبه أضعاف أضعاف صدقه ويقينه، وانضاف إلى ذلك الشرك الأصغر العملي، رجحت هذه الأشياء على هذه الحسنة، ومات مصرا على الذنوب، بخلاف من يقولها بيقين وصدق تام، فإنه لا يموت مصرا على الذنوب، إما أن لا يكون مصرا على سيئة أصلا أو يكون توحيده المتضمن لصدقه ويقينه رجح حسناته.\nوالذين يدخلون النار ممن يقولها قد فاتهم أحد هذين الشرطين: إما أنهم لم يقولوها بالصدق واليقين التامين المنافيين للسيئات، أو لرجحان السيئات، أو قالوها واكتسبوا بعد ذلك سيئات رجحت على حسناتهم، ثم ضعف لذلك صدقهم ويقينهم، ثم لم يقولوها بعد ذلك بصدق ويقين تام، لأن الذنوب قد أضعفت ذلك الصدق واليقين من قلوبهم، فقولها من مثل هؤلاء لا يقوى على محو السيئات بل ترجح سيئاتهم على حسناتهم. انتهى ملخصا\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-164>٧٧. من ثمراته أن التوحيد يمنع الخلود في النار إذا كان في القلب منه أدنى مثقال حبة من خردل وأنه إذا اكتمل في القلب يمنع دخول النار بالكلية.</span>\n- عن عبادة بن الصامت (ت: ٣٤ هـ) ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:\n_________\n(^١) تيسير العزيز الحميد صـ ٦٣ - ٦٦؛ وانظر: رسالة العبودية لابن تيمية ص: ١٢٣ - ١٢٦.","vol":"1","page":407},{"text":"«من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه وأن الجنة حق والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من العمل» (^١).\n- عن أَنسٍ (ت: ٩٠ هـ) ﵁: \"أن نبي الله ﷺ، ومعاذ بن جبل رديفه على الرحل، قال: يا معاذ قال: لبيك رسول الله وسعديك، قال: يا معاذ قال: لبيك رسول الله وسعديك، قال: يا معاذ قال: لبيك رسول الله وسعديك، قال: ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله إلا حرمه الله على النار، قال: يا رسول الله، أفلا أخبر بها الناس فيستبشروا، قال: إذا يتكلوا، فأخبر بها معاذ عند موته تأثما\" (^٢).\n- عن عتبان بن مالك الأنصاري (ت: وسط خلافة معاوية) ﵁ «فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله\" (^٣).\n- عن جابر (ت: ٧٨ هـ) ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من لقي الله لا يشرك به شيئًا دخل الجنة ومن لقيه يشرك به شيئًا دخل النار» (^٤).\n- عن أبي سعيد الخدري (ت: ٧٤ هـ) ﵁، قال: «… أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان …» (^٥).\n- عن عبد الله بن مسعود (ت: ٣٢ هـ) ﵁ قال: يقول أهل النار لمن دخلها\n_________\n(^١) رواه البخاري (٣٤٣٥)، ومسلم (٢٨).\n(^٢) رواه البخاري (١٢٨)، ومسلم (٣٢).\n(^٣) رواه البخاري (٥٤٠١).\n(^٤) رواه مسلم (٩٣).\n(^٥) رواه البخاري (٢٢)، ومسلم (١٨٤).","vol":"1","page":408},{"text":"من أهل التوحيد: قد كان هؤلاء مسلمين، فما أغنى عنهم؟! قال: فيغضب لهم ربهم فيدخلهم الجنة، فعند ذلك يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين\" (^١).\n- قال سعيد بن محمد الغساني ويعرف بأبي عثمان بن الحداد (ت: ٣٠٢ هـ) ﵀ عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النِّسَاء: ٤٨]: \"إن الله تعالى لا يخلد في النار من عمل عملا مقبولا منه، إذ قبول العمل يوجب ثوابه، والتخليد في العذاب يمنع ثواب الأعمال، وقد أخبر الله تعالى في كتابه الصادق به ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ [النِّسَاء: ٤٠]، وترك المثوبة على الإحسان ظلم، تعالى الله عن ذلك\" (^٢).\n- قال ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩ هـ) ﵀: \"وفي تفسير السدي رحمة الله: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هُود: ١٠٧] يعني: ما نقص لأهل التوحيد الذين أخرجوا من النار\" (^٣).\n- قال علي بن خلف بن عبد الملك ابن بطال (ت ٤٤٩ هـ) ﵀: \"وأما قوله فى حديث أبى ذر: «من قال: لا إله إلا الله، ثم مات على ذلك دخل الجنة وإن زنا وإن سرق». وقول البخارى: فقال هذا عند الموت إذا تاب وندم وقال: لا إله إلا الله، غفر له. هذا تفسير يحتاج إلى تفسير آخر، وذلك أن التوبة والندم إنما تنفع فى الذنوب التى بين العبد وبين ربه، فأما مظالم العباد فلا تسقطها عنه التوبة.\n_________\n(^١) تفسير القرآن العزيز لابن أبي زمنين ٢/ ٣٧٩.\n(^٢) شرح صحيح البخاري لابن بطال ٣/ ٢٣٦.\n(^٣) تفسير القرآن العزيز لابن أبي زمنين ٢/ ٣١٠.","vol":"1","page":409},{"text":"ومعنى الحديث أن من مات على التوحيد أنه يدخل الجنة وإن ارتكب الذنوب، ولا يخلد فى النار بذنوبه كما يقوله الخوارج وأهل البدع\" (^١).\n- قال النووي (ت: ٦٧٦ هـ) ﵀: \"لا يخلد في النار أحد مات على التوحيد، وهذه قاعدة متفق عليها عند أهل السنة\" (^٢).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"ولا يخلد في النار من أهل التوحيد أحد بل يخرج من النار من كان في قلبه مثقال دينار من إيمان أو مثقال شعيرة من إيمان أو مثقال ذرة من إيمان\" (^٣).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"ولذلك كان مثقال ذرة من إيمان بالله ورسوله يخلص من الخلود في دار الآلام فكيف بالإيمان الذي يمنع من دخولها\" (^٤).\n- قال الشيخ حافظ بن أحمد حكمي (ت: ١٣٧٧ هـ) ﵀: \"فاعلم أن الذي أثبتته الآيات القرآنية والسنن النبوية ودرج عليه السلف الصالح والصدر الأول من الصحابة والتابعين لهم بإحسان من أئمة التفسير والحديث والسنة أن العصاة من أهل التوحيد على ثلاث طبقات:\n_________\n(^١) شرح صحيح البخاري لابن بطال ٩/ ١٠٤ - ١٠٥.\n(^٢) شرح صحيح مسلم ١/ ٢٨.\n(^٣) قاعدة في المحبة صـ ٦٧.\n(^٤) روضة المحبين صـ ١٦٨.","vol":"1","page":410},{"text":"الأولى: قوم رجحت حسناتهم بسيئاتهم، فأولئك يدخلون الجنة ولا تمسهم النار أبدا.\nالثانية: قوم تساوت حسناتهم وسيئاتهم فقصرت بهم سيئاتهم عن الجنة وتجاوزت بهم حسناتهم عن النار، وهؤلاء هم أصحاب الأعراف الذين ذكر الله تعالى أنهم يقفون بين الجنة والنار ما شاء الله أن يقفوا ثم يؤذن لهم في دخول الجنة كما قال الله تعالى بعد أن أخبر بدخول أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، وتناديهم فيها، قال: ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ [الأَعْرَاف: ٤٦] إلى قوله: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الأَعْرَاف: ٤٩]\nالطبقة الثالثة: قوم لقوا الله تعالى مصرين على كبائر الإثم والفواحش ومعهم أصل التوحيد والإيمان، فرجحت سيئاتهم بحسناتهم، فهؤلاء هم الذين يدخلون النار بقدر ذنوبهم، ومنهم من تأخذه إلى كعبيه ومنهم من تأخذه إلى أنصاف ساقيه، ومنهم من تأخذه إلى ركبتيه، حتى أن منهم من لم يحرم الله منه على النار إلا أثر السجود، وهذه الطبقة هم الذين يأذن الله تعالى في الشفاعة فيهم لنبينا محمد ﷺ ولغيره من بعده من الأنبياء والأولياء والملائكة ومن شاء الله أن يكرمه، فيحد لهم حدا فيخرجونهم، ثم يحد لهم حدا فيخرجونهم وهكذا فيخرجون من كان في قلبه وزن دينار من خير، ثم من كان في قلبه وزن نصف دينار من خير، ثم من كان في قلبه وزن برة من خير، إلى أن يخرجوا منها من في قلبه وزن ذرة من خير، إلى أدنى من مثقال ذرة إلى أن","vol":"1","page":411},{"text":"يقول الشفعاء: ربنا لم نذر فيها خيرا. ولن يخلد في النار أحد ممن مات على التوحيد ولو عمل أي عمل، ولكن كل من كان منهم أعظم إيمانا وأخف ذنبا كان أخف عذابا في النار وأقل مكثا فيها وأسرع خروجا منها، وكل من كان أعظم ذنبا وأضعف إيمانا كانبضد ذلك، والأحاديث في هذا الباب لا تحصى كثرة وإلى ذلك أشار النبي ﷺ بقوله: «من قال: لا إله إلا الله نفعته يوما من الدهر يصيبه قبل ذلك ما أصابه» (^١)؛ وهذا مقام ضلت فيه الأفهام وزلت فيه الأقدام واختلفوا فيه اختلافا كثيرا: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢١٣)﴾ [البَقَرَةِ: ٢١٣] \" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-165>٧٨. من ثمراته أن الأعمال والأقوال متوقفة في قبولها وكمالها على التوحيد.</span>\nفجميع الأعمال، والأقوال الظاهرة والباطنة متوقفة في قبولها وفي كمالها، وفي ترتيب الثواب عليها على التوحيد، فكلما قوي التوحيد والإخلاص لله كملت هذه الأمور وتمّت.\nوفي السُّنة النبوية دلالةٌ على عدم نفع الأعمال لمن لم يوفِّ حقَّ التوحيد وأشرَكَ بالله تعالى؛\n_________\n(^١) (صحيح) رواه البيهقي في شعب الإيمان (١/ ٥٦)، وأبو نعيم (٥/ ٤٦)، وقد صححه الشيخ الألباني في الصحيحة (١٩٣٢).\n(^٢) أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة صـ ١١٥ - ١١٧.","vol":"1","page":412},{"text":"- فعن أبي هريرة (ت: ٥٨ هـ) رضي الله تعالى عنه قال: قال النبيُّ ﷺ: «قال اللهُ ﵎: أنا أغنَى الشركاءِ عن الشركِ؛ مَنْ عمِل عملًا أشرَكَ فيه معِي غيرِي، تركتُه وشِركَه» (^١).\n- عن أم المؤمنين عائشة (ت: ٥٨ هـ) ﵂ قالت: يا رسولَ اللهِ، ابنُ جُدْعَانَ كان في الجاهليةِ يصلُ الرَّحِمَ، ويُطعِمُ المسكينَ، فهلْ ذاكَ نافعُهُ؟ قال: «لا ينفعهُ؛ إنهُ لم يقُلْ يومًا: ربِّ اغفرْ لي خَطيئتي يومَ الدِّينِ» (^٢).\n- قال ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩ هـ) ﵀: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [الأَحْزَاب: ٧١] لا يقبل العمل إلا ممن قال: لا إله إلا الله، مخلصا من قلبه\" (^٣).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"ففعل جميع المأمورات وترك جميع المحظورات يدخل في التوحيد في قول: لا إله إلا الله؛ فإنه من لم يفعل الطاعات لله ويترك المعاصي لله: لم يقبل الله عمله، قال تعالى: ﴿قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧)﴾ [المَائِدَة: ٢٧] \" (^٤).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"العمل بغير إخلاصٍ ولا اقتداءٍ؛ كالمسافر يملأُ جرابه رملًا يُثقله ولا ينفعه\" (^٥).\n_________\n(^١) (رواه مسلم: ٢٩٥٨).\n(^٢) (رواه مسلم: ٢١٤).\n(^٣) تفسير القرآن العزيز لابن أبي زمنين ٣/ ٤١٥.\n(^٤) مجموع الفتاوى ٢٨/ ٣٤.\n(^٥) الفوائدص ٤٩","vol":"1","page":413},{"text":"- قال سليمان بن عبد القوي بن عبد الكريم الطوفي الصرصري الحنبلي (ت ٧١٦ هـ) ﵀: \" ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [مُحَمَّد: ١٩] يحتج به على تقديم أصول الدين كالتوحيد على فروعه كالاستغفار وغيره؛ لتقديمه التوحيد هاهنا، ولأن رتبة الأصل قبل رتبة الفرع، وعلى أن المعتبر في الأصول العلم لا غيره\" (^١).\n- قال أبو السعود العمادي محمد بن محمد بن مصطفى (ت: ٨٩٨ هـ) ﵀: \" ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فُصِّلَت: ٣٠] أي جمعوا بين التوحيد الذي هو خلاصة العلم، والاستقامة في أمور الدين التي هي منتهى العمل؛ وثم للدلالة على تراخي رتبة العمل وتوقف الاعتداد به على التوحيد\" (^٢).\n- قال محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي النجدي (ت ١٢٠٦ هـ) ﵀ \"فمعلوم أن التوحيد هو أعظم فريضة جاء بها النبي ﷺ وهو أعظم من الصلاة والزكاة والصوم والحج فكيف إذا جحد الإنسان شيئا من هذه الأمور كفر، ولو عمل بكل ما جاء به الرسول، وإذا جحد التوحيد الذي هو دين الرسل كلهم لا يكفر، سبحان الله ما أعجب هذا الجهل\" (^٣).\n- قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: \"جميع الأعمال متوقفة في صحتها وقبولها على التوحيد\" (^٤).\n_________\n(^١) كتاب الإشارات الإلهية إلى المباحث الأصولية ص: ٥٨٤.\n(^٢) إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم (سورة الأحقاف: الآية: ١٣)، ٨/ ٨٢.\n(^٣) كشف الشبهات ص: ٣٩.\n(^٤) القول السديد شرح كتاب التوحيد ص: ٣٦","vol":"1","page":414},{"text":"- قال محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ (ت: ١٣٨٩ هـ) ﵀: \"فالحاصل أنه لو قدر أن التوحيد بعض المذكورات لكان جحده كفرًا، فكيف وهو أساس ذلك كله؟! بل التوحيد قد يكفي وحده في إسلام العبد ودخوله الجنة؛ فإنه إذا تكلم بكلمة التوحيد ثم توفى قبل وجوب شيء من الفروع عليه كفى التوحيد وحده؛ فالتوحيد ليس فقيرا إليها بل هي الفقيرة إليه في صحتها\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-166>٧٩. من ثمراته أن الكمل من أهل التوحيد يدخلون الجنة بغير حساب.</span>\n- عن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄ قال: قال النبي ﷺ: «عُرضت عليّ الأمم، فأخذ النبي يمر معه الأمة، والنبي يمر معه النفر، والنبي يمر معه العشرة، والنبي يمر معه الخمسة، والنبي يمر وحده، فنظرت فإذا سواد كثير، قلت: يا جبريل، هؤلاء أمتي؟ قال: لا، ولكن انظر إلى الأفق، فنظرت فإذا سواد كثير. قال: هؤلاء أمتك، وهؤلاء سبعون ألفًا قدامهم لا حساب عليهم ولا عذاب، قلت: ولم؟ قال: كانوا لا يكتوون، ولا يسترقون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون، فقام إليه عكاشة بن محصن فقال: ادع الله أن يجعلني منهم. قال: اللهم اجعله منهم. ثم قام إليه رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم. قال: سبقك بها عكاشة» (^٢).\n- عن أبي هريرة (ت: ٥٨ هـ) ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:\n_________\n(^١) شرح كشف الشبهات للشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ص: ٩٥.\n(^٢) رواه البخاري (٦٥٤١).","vol":"1","page":415},{"text":"«أول زمرة تلج الجنة صورتهم على صورة القمر ليلة البدر، لا يبصقون فيها ولا يمتخطون، ولا يتغوطون، آنيتهم فيها الذهب، أمشاطهم من الذهب والفضة، ومجامرهم الأَلُوَّة، ورشحهم المسك، ولكل واحد منهم زوجتان يرى مخ سوقهما من وراء اللحم من الحسن، لا اختلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم قلب رجل واحد، يسبحون الله بكرة وعشيًا» (^١).\n- عن سهل بن سعد (ت: ٩٠ هـ) ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ليدخلن الجنة من أمتي سبعون ألفًا أو سبعمائة ألف لا يدخل أولهم حتى يدخل آخرهم، وجوههم على صورة القمر ليلة البدر» (^٢).\n- عن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄ وفي الحديث: «هم الذين لا يسترقون، ولا يتطيرون، ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون» (^٣)\nفالمشار إليهم في الحديث هم في منزلة عالية من هذه الأمة لمزايا خاصة اختصوا بها تتعلق بالتوحيد.\n\n<span data-type='title' id=toc-167>٨٠. من ثمراته أن كلمة التوحيد توجب البراءة من الشرك وأهله.</span>\n- قال ابن تيمية: \"فإن أهل الملل متفقون على أن الرسل جميعهم نهوا من عبادة الأصنام، وكفروا من يفعل ذلك، وأن المؤمن لا يكون مؤمنا حتى يتبرأ من عبادة الأصنام وكل معبود سوى الله، كما قال الله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ\n_________\n(^١) رواه البخاري (٣٢٤٥).\n(^٢) رواه البخاري (٣٢٤٧).\n(^٣) رواه البخاري (٥٢٧٠).","vol":"1","page":416},{"text":"دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [المُمْتَحنَة: ٤].\nوقال الخليل: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (٧٧)﴾ [الشُّعَرَاء: ٧٥ - ٧٧] ..\nوقال الخليل لأبيه وقومه: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧)﴾ [الزُّخْرُف: ٢٦ - ٢٧].\nوقال الخليل وهو إمام الحنفاء، الذي جعل الله في ذريته النبوة والكتاب، واتفق أهل الملل على تعظيمه لقوله: ﴿يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩)﴾ [الأَنْعَام: ٧٨ - ٧٩] \" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-168>٨١. من ثمراته أن كلمة التوحيد فيها تبرئة من الشرك الأصغر وتكفره.</span>\n- قال ابن تيمية: \"ظلم العبد نفسه كبخله لحب المال ببعض الواجب هو شرك أصغر، وحبه ما يبغضه الله حتى يكون يقدم هواه على محبة الله شرك أصغر ونحو ذلك. فهذا صاحبه قد فاته من الأمن والاهتداء بحسبه ولهذا كان السلف يدخلون الذنوب في هذا الظلم بهذا الاعتبار\" (^٢).\nوجاء في الحديث: «الشركُ أخفَى في أمتي من دبيبِ النملِ على الصَّفا،\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٢/ ١٢٨.\n(^٢) مجموع الفتاوى ٧/ ٨٢.","vol":"1","page":417},{"text":"فقال أبو بكرٍ: فكيف النجاةُ من ذلك؟ فقال: يا أبا بكرٍ ألا أُعلِمُكَ شيئًا إذا قلتَه برِئتَ من قليلِهِ وكثيرِهِ، قلِ: اللهمَّ إني أعوذُ بك أن أُشرِكَ وأنا أعلمُ، وأستغفرُك مما لا أعلم» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-169>٨٢. من ثمراته أن التوحيد يُسَهِّل على العبد فعل الخيرات، وترك المنكرات.</span>\nالتوحيد إذا كَمُل في القلب حبّب الله لصاحبه الإيمان، وزيّنه في قلبه، وكرَّه إليه الكفر والفسوق والعصيان، وجعله من الراشدين.\n- قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: \"التوحيد إذا كَمُل في القلب حبّب الله لصاحبه الإيمان، وزيّنه في قلبه، وكرَّه إليه الكفر والفسوق والعصيان، وجعله من الراشدين\" (^٢).\nفالموحِّد المخلص لله في توحيده تخفُّ عليه الطاعات؛ لِمَا يرجو من ثواب ربه ورضوانه، ويهوِّن عليه ترك ما تهواه النفس من المعاصي؛ لِمَا يخشى من سخط الله وعقابه.\n_________\n(^١) أخرجه أبو يعلى (٦٠)، وابن حبان في «المجروحين» (٣/ ١٣٠)، وابن السني في «عمل اليوم والليلة» (٢٨٦) وقال الذهبي ميزان الاعتدال (٤/ ٤٠٣): \"فيه يحيى بن كثير صاحب البصري ذكر من جرحه\".\n(^٢) القول السديد شرح كتاب التوحيد لابن سعدي ص: ٢٤.","vol":"1","page":418},{"text":"<span data-type='title' id=toc-170>٨٣. من ثمراته أن التوحيد يشرح الصدر ويخفف عن العبد المكاره، ويهوِّن عليه الآلام، ويسلِّيه عن المصائب.</span>\nقال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (١٢٥)﴾ [الأَنْعَام: ١٢٥].\n- قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ يقول: \"يوسع قلبه للتوحيد والإيمان به\" (^١).\n- عن ابن جريج (ت: ١٥٠ هـ) ﵀، قوله: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾، بـ \"لا إله إلا الله\" (^٢).\n- قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: \" ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ﴾ لدينه، ﴿يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾، نزلت في النبي ﷺ، يعني يوسع قلبه، ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ﴾ عن دينه، ﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا﴾ بالتوحيد، يعني أبا جهل، حتى لا يجد التوحيد من الضيق مجازا، ثم قال: ﴿حَرَجًا﴾ شكا، ﴿كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾، يقول: هو بمنزلة المتكلف الصعود إلى السماء لا يقدر عليه، ﴿كَذَلِكَ﴾، يعني هكذا، ﴿يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ﴾، يقول: الشر، ﴿عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (١٢٥)﴾ بالتوحيد\" (^٣).\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (سورة الأنعام الآية: ١٢٥) ..\n(^٢) تفسير الطبري (سورة الأنعام الآية: ١٢٥) ..\n(^٣) تفسير مقاتل بن سليمان (سورة الأنعام الآية: ١٢٥).","vol":"1","page":419},{"text":"- قال فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀: عند تفسير قوله تعالى: ﴿* قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ [سَبَإ: ٤٦] \"ومن وحد الله حق التوحيد يشرح الله صدره ويرفع في الآخرة قدره\" (^١).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ): \"التوحيد، وعلى حسب كماله وقوته وزيادته يكون انشراح صدر صاحبه. قال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزُّمَر: ٢٢] \" (^٢).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"من وطَّن قلبه عند ربه سكن واستراح، ومن أرسله في الناس اضطرب، واشتد به القلق\" (^٣).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"فأتبع الناس لرسوله ﷺ أشرحهم صدرا، وأوضعهم وزرا، وأرفعهم ذكرا، وكلما قويت متابعته علما وعملا وحالا وجهادا، قويت هذه الثلاثة حتى يصير صاحبها أشرح الناس صدرا، وأرفعهم في العالمين ذكرا. وأما وضع وزره فكيف لا يوضع عنه ومن في السماوات والأرض ودواب البر والبحر يستغفرون له؟ وهذه الأمور الثلاثة متلازمة، كما أضدادها متلازمة،\n_________\n(^١) تفسير مفاتيح الغيب للرازي (سورة سبأ الآية: ٤٦).\n(^٢) زاد المعاد ٢/ ٢٢.\n(^٣) الكلام على مسألة السماع ١/ ٣٩٧.","vol":"1","page":420},{"text":"فالأوزار والخطايا تقبض الصدر وتضيقه، وتخمل الذكر وتضعه، وكذلك ضيق الصدر يضع الذكر ويجلب الوزر، فما وقع أحد في الذنوب والأوزار إلا من ضيق صدره وعدم انشراحه، وكلما ازداد الصدر ضيقا كان أدعى إلى الذنوب والأوزار، لأن مرتكبها إنما يقصد بها شرح صدره، ودفع ما هو فيه من الضيق والحرج، وإلا فلو اتسع بالتوحيد والإيمان ومحبة الله ومعرفته وانشرح بذلك لاستغنى عن شرحه بالأوزار\" (^١).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀ عن انشراح الصدر، ووضع الوزر، ورفع الذكر\"لا يزال المطيع لله ورسوله الذي باشر قلبه روح التوحيد وتجريده ومحبة الله ورسوله وامتثال أمره دائرا بين تلك المنازل الثلاث\" (^٢).\n- قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: \"يقول تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ [الأَنْعَام: ١٢٥] أي: ييسره له وينشطه ويسهله لذلك، فهذه علامة على الخير، كقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٢)﴾ [الزُّمَر: ٢٢] وقال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧)﴾ [الحُجُرَات: ٧] \" (^٣).\n- قال محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله الإيجي ﵀ (ت: ٩٠٥ هـ\n_________\n(^١) الكلام على مسألة السماع ١/ ٣٩٧.\n(^٢) الكلام على مسألة السماع ١/ ٣٩٨.\n(^٣) تفسير القرآن العظيم لابن كثير. (سورة الأنعام الآية: ١٢٥).","vol":"1","page":421},{"text":"تقريبًا): \" ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ﴾ [الأَنْعَام: ١٢٥]: يوسع قلبه، ﴿لِلْإِسْلَامِ﴾: للتوحيد\" (^١).\n- قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: \"يقول تعالى مبينا لعباده علامة سعادة العبد وهدايته، وعلامة شقاوته وضلاله: إن من انشرح صدره للإسلام، أي: اتسع وانفسح، فاستنار بنور الإيمان، وحيي بضوء اليقين، فاطمأنت بذلك نفسه، وأحب الخير، وطوعت له نفسه فعله، متلذذا به غير مستثقل، فإن هذا علامة على أن الله قد هداه، ومَنَّ عليه بالتوفيق، وسلوك أقوم الطريق\" (^٢).\nفبحسب كمال التوحيد في قلب العبد يتلقَّى المكاره والآلام بقلب منشرح ونفس مطمئنة، وتسليمٍ ورضًا بأقدار الله المؤلمة، وهو من أعظم أسباب انشراح الصدر.\n- قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: \"فبحسب تكميل العبد للتوحيد والإيمان، يتلقى المكاره والآلام بقلب منشرح ونفس مطمئنة وتسليم ورضا بأقدار الله المؤلمة\" (^٣).\n- قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: \"ومن فضائله:\n_________\n(^١) تفسير جامع البيان في تفسير القرآن للإيجي. (سورة الأنعام الآية: ١٢٥).\n(^٢) تفسير السعدي (سورة الأنعام الآية: ١٢٥) ..\n(^٣) القول السديد شرح كتاب التوحيد. ص: ٢٤.","vol":"1","page":422},{"text":"أنه السبب الأعظم لتفريج كربات الدنيا والآخرة ودفع عقوبتهما\" (^١).\n- قال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: \"ومن فضائله: أنه يسهل على العبد فعل الخير وترك المنكرات ويسليه عن المصيبات، فالمخلص لله في إيمانه وتوحيده تخف عليه الطاعات لما يرجو من ثواب ربه ورضوانه، ويهون عليه ترك ما تهواه النفس من المعاصي، لما يخشى من سخطه وعقابه\" (^٢).\n- قال محمد بن صالح بن عثيمين (ت: ١٤٢١ هـ) ﵀: \"فإذا رأيت من نفسك أن صدرك ينشرح بالطاعة، وأنه يضيق بالمعصية، فهذه بشرى بشرى لك أنك من عباد الله المؤمنين وأوليائه المتقين، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (جعلت قرة عيني في الصلاة) \" (^٣).\nقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٢)﴾ [الزُّمَر: ٢٢].\n- قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: \" ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ يقول: أفمن وسع الله قلبه للتوحيد ﴿فَهُوَ عَلَى نُورٍ﴾ يعني على هدى ﴿مِنْ رَبِّهِ﴾ يعني النبي ﷺ ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ﴾ يعني الجافية ﴿قُلُوبُهُمْ﴾\n_________\n(^١) القول السديد شرح كتاب التوحيد. ص: ٢٣.\n(^٢) القول السديد شرح كتاب التوحيد. ص: ٢٤.\n(^٣) شرح رياض الصالحين ٦/ ٦١.","vol":"1","page":423},{"text":"فلم تلن، يعني أبا جهل ﴿مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ يعني عن توحيد الله ﴿أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٢)﴾ آية يعني أبا جهل يقول الله تعالى للنبي ﷺ: ليس المشرح صدره بتوحيد الله كالقاسي قلبه ليسا بسواء\" (^١).\n- قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: \"يقول تعالى ذكره: أفمن فَسَح الله قلبه لمعرفته، والإقرار بوحدانيته، والإذعان لربوبيته، والخضوع لطاعته ﴿فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزُّمَر: ٢٢] يقول: فهو على بصيرة مما هو عليه ويقين، بتنوير الحقّ في قلبه، فهو لذلك لأمر الله متبع، وعما نهاه عنه منته فيما يرضيه، كمن أقسى الله قلبه، وأخلاه من ذكره، وضيّقه عن استماع الحق، واتّباع الهدى، والعمل بالصواب؟ وترك ذكر الذي أقسى الله قلبه\" (^٢).\n- قال ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩ هـ) ﵀: \" ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ [الزُّمَر: ٢٢] أي: وسع ﴿فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزُّمَر: ٢٢] أي: ذلك النور في قلبه ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ [الزُّمَر: ٢٢] الآية: أي: أن الذي شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه ليس كالقاسي قلبه الذي هو في ضلال مبين عن الهدى؛ يعني: المشرك\" (^٣).\n- قال مكي بن أبي طالب (ت: ٤٣٧ هـ) ﵀: \" وقوله: ﴿فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزُّمَر: ٢٢] معناه: على بصيرة ويقين من توحيد ربه\" (^٤).\n_________\n(^١) تفسير مقاتل بن سليمان (سورة الزمر: الآية: ٢٢).\n(^٢) تفسير جامع البيان عن تأويل القرآن للطبري (سورة الزمر: الآية: ٢٢).\n(^٣) تفسير ابن أبي زمنين (سورة الزمر: الآية: ٢٢).\n(^٤) تفسير الهداية إلى بلوغ النهاية لمكي بن أبي طالب (سورة الزمر: الآية: ٢٢).","vol":"1","page":424},{"text":"- قال علي بن يحيى السمرقندي (ت: ٨٨٠ هـ تقريبًا) ﵀: \" ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ [الزُّمَر: ٢٢] يعني: وسع الله قلبه للإسلام. ويقال: لين الله قلبه لقبول التوحيد، ﴿فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزُّمَر: ٢٢] يعني: على هدى من الله تعالى\" (^١).\n- قال أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني (ت: ٨٨٠ هـ) ﵀: \"ذكر الله ﷿ يوجب النور والهداية والاطمئنان في النفوس الطاهرة الروحانيَّة، ويوجب القَسْوَة والبعد عن الحقّ في النفوس الخبيثة الشَّيْطَانِيَّة\" (^٢).\n- قال يحيى بن معاذ الرازي (ت: ٢٥٨ هـ) ﵀: \"ما جفت الدموع إلا لقساوة القلوب، وما قست القلوب إلا لكثرة الذنوب، وما كثرت الذنوب إلا من كثرة العيوب\" (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-171>٨٤. من ثمراته أن التوحيد أول ما يتم البدء به مع الأطفال في تعليمهم.</span>\n- قال الإمام ابن القيم -رحمه الله تعالى-: \"فإذا كان وقت نطقهم فليلقّنوا لا إله إلا الله محمد رسول الله وليكن أول ما يقرع مسامعهم معرفة الله سبحانه، وتوحيده، وأنه سبحانه فوق عرشه، ينظر إليهم، ويسمع كلامهم، وهو معهم أينما كانوا\" (^٤).\n_________\n(^١) تفسير بحر العلوم للسمرقندي (سورة الزمر: الآية: ٢٢).\n(^٢) اللباب في علوم الكتاب لابن عادل. (الزمر: ٢٢).\n(^٣) شعب الإيمان للبيهقي الأثر (٦٨٢٨).\n(^٤) تحفة المولود ص: ٢٣١.","vol":"1","page":425},{"text":"- قال ابن الجوزي (ت: ٥٩٧ هـ) ﵀: \"كان السلف إذا نشأ لأحدهم ولد؛ شغلوه بحفظ القرآن وسماع الحديث، فيثبت الإيمان في قلبه\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-172>٨٥. من ثمراته أن الله يدفع عن الموحدين أهل الإيمان شرور الدنيا والآخرة.</span>\nقال تعالى: ﴿* إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (٣٨)﴾ [الحَج: ٣٨].\n- قال ابن كثير: \"يخبر تعالى أنه يدفع عن عباده الذين توكلوا عليه وأنابوا إليه شر الأشرار وكيد الفجار، ويحفظهم ويكلؤهم وينصرهم، كما قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزُّمَر: ٣٦] وقال: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطَّلَاق: ٣] \" (^٢).\n- قال البغوي: \"يدفع غائلة المشركين عن المؤمنين ويمنعهم عن المؤمنين. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (٣٨)﴾ [الحَج: ٣٨]، أي: خوان في أمانة الله كفور لنعمته، قال ابن عباس: خانوا الله فجعلوا معه شريكا وكفروا نعمه\" (^٣).\n_________\n(^١) صيد الخاطر صـ ٤٩١.\n(^٢) تفسير ابن كثير (سورة الحج: الآية: ٣٨).\n(^٣) تفسير البغوي (سورة الحج: الآية: ٣٨).","vol":"1","page":426},{"text":"<span data-type='title' id=toc-173>٨٦. من ثمراته أن الله يمن على أهل التوحيد بالحياة الطيبة والطمأنينة إليه والطمأنينة بذكره.</span>\nقال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢)﴾ [الأَنْعَام: ١٢٢].\n- قال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ) ﵀: \"والنور عبارة عن الهدى والإيمان\" (^١).\nقال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النَّحْل: ٩٧].\n- عن علي بن أبي طالب (ت: ٤٠ هـ) ﵁ أنه فسرها بالقناعة. وكذا قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ)، وعكرمة (ت: ١٠٥ هـ)، ووهب بن منبه (ت: ١١٤ هـ) \" (^٢).\n- قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄ \"إنها السعادة\" (^٣).\n- عن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄، وجماعة أنهم فسروها: \"بالرزق الحلال الطيب\" (^٤).\n_________\n(^١) تفسير القرطبي (سورة الأنعام: الآية: ١٢٢).\n(^٢) تفسير ابن كثير (سورة النحل: الآية: ٩٧).\n(^٣) تفسير القرطبي (سورة النحل: الآية: ٩٧)، تفسير ابن كثير (سورة النحل: الآية: ٩٧).\n(^٤) تفسير ابن كثير (سورة النحل: الآية: ٩٧).","vol":"1","page":427},{"text":"- قال الضحاك بن مزاحم (ت: ١٠٢ هـ) ﵀: \"هي الرزق الحلال والعبادة في الدنيا\" (^١).\n- قال الضحاك بن مزاحم (ت: ١٠٢ هـ) ﵀ أيضا: \"هي العمل بالطاعة والانشراح بها\" (^٢).\n- قال الحسن البصري (ت: ١١٠ هـ) ﵀: \"تفقدوا الحلاوة في ثلاثة أشياء: في الصلاة وفي الذكر وقراءة القرآن فإن وجدتم وإلا فاعلموا أن الباب مغلق\" (^٣).\n- قال الحسن البصري (ت: ١١٠ هـ) ﵀، ومجاهد بن جبر (ت: ١٠٤ هـ) ﵀، وقتادة (ت: ١١٨ هـ) ﵀: \"لا يطيب لأحد حياة إلا في الجنة\" (^٤).\n- قالوا للخليل بن أحمد الفراهيدي (ت: ١٧٠ هـ) ﵀: ما الإيمان؟ قال: الطمأنينة\" (^٥).\n- قال جعفر الصادق (ت: ١٤٨ هـ): \"هي المعرفة بالله، وصدق المقام بين يدي الله\" (^٦).\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (سورة النحل: الآية: ٩٧).\n(^٢) تفسير ابن كثير (سورة النحل: الآية: ٩٧).\n(^٣) حلية الأولياء ٦/ ١٧١.\n(^٤) تفسير ابن كثير (سورة النحل: الآية: ٩٧).\n(^٥) تهذيب اللغة ١٥/ ٣٧٠.\n(^٦) تفسير القرطبي (سورة النحل: الآية: ٩٧).","vol":"1","page":428},{"text":"- قال أبو بكر الوراق (ت: ٢٤٠ هـ) ﵀: \"هي حلاوة الطاعة\" (^١).\n- قال سهل بن عبد الله التستري (ت: ٢٨٣ هـ) ﵀: \"هي أن ينزع عن العبد تدبيره ويرد تدبيره إلى الحق\" (^٢).\nقال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ) ﵀: \"وقيل هي السعادة، وقيل: الاستغناء عن الخلق والافتقار إلى الحق. وقيل: الرضا بالقضاء\" (^٣).\n- قال ابن تيمية: (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \" قال ابن تيمية: \"الْعَبْدَ لَا يَطْمَئِنُّ إلَى نَفْسِهِ؛ فَإِنَّ الشَّرَّ لَا يَجِيءُ إلَّا مِنْهَا؛ وَلَا يَشْتَغِلُ بِمَلَامِ النَّاسِ وَذَمِّهِمْ، وَلَكِنْ يَرْجِعُ إلَى الذُّنُوبِ فَيَتُوبُ مِنْهَا وَيَسْتَعِيذُ بِاَللَّهِ مِنْ شَرِّ نَفْسِهِ وَسَيِّئَاتِ عَمَلِهِ، وَيَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يُعِينَهُ عَلَى طَاعَتِهِ؛ فَبِذَلِكَ يَحْصُلُ لَهُ الْخَيْرُ وَيُدْفَعُ عَنْهُ الشَّرُّ\" (^٤).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"سر عظيم من أسرار التوحيد، وهو أن القلب لا يستقر ولا يطمئن ويسكن إلا بالوصول إليه، وكل ما سواه مما يحب ويراد فمراد لغيره، وليس المراد المحبوب لذاته إلا واحدا إليه المنتهى، ويستحيل أن يكون المنتهى إلى اثنين كما يستحيل أن يكون ابتداء المخلوقات من اثنين، فمن كان انتهاء محبته ورغبته وإرادته وطاعته إلى غيره بطل عليه ذلك، وزال عنه وفارقه أحوج ما كان إليه، ومن كان انتهاء محبته ورغبته ورهبته\n_________\n(^١) تفسير القرطبي (سورة النحل: الآية: ٩٧).\n(^٢) تفسير القرطبي (سورة النحل: الآية: ٩٧).\n(^٣) تفسير القرطبي (سورة النحل: الآية: ٩٧).\n(^٤) مجموع الفتاوى ٨/ ٢١٥","vol":"1","page":429},{"text":"وطلبه هو سبحانه ظفر بنعمه ولذته وبهجته وسعادته أبد الآباد\" (^١).\n- قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: \"هذا وعد من الله تعالى لمن عمل صالحا وهو العمل المتابع لكتاب الله تعالى وسنة نبيه من ذكر أو أنثى من بني آدم، وقلبه مؤمن بالله ورسوله، وإن هذا العمل المأمور به مشروع من عند الله بأن يحييه الله حياة طيبة في الدنيا وأن يجزيه بأحسن ما عمله في الدار الآخرة. والحياة الطيبة تشمل وجوه الراحة من أي جهة كانت. والصحيح أن الحياة الطيبة تشمل هذا كله\" (^٢).\n- قال تعالى عن يوسف ﵇: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤)﴾ [يُوسُف: ٢٤].\n- قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: \"وذلك أن من أخلصه الله لنفسه فاختاره، فهو مُخْلِصٌ لله التوحيدَ والعبادة،، ومن أخلص توحيدَ الله وعبادته فلم يشرك بالله شيئًا، فهو ممن أخلصه الله\" (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-174>٨٧. من ثمراته أن التوحيد غذاء الإنسان وقوته وصلاحه وقوامه.</span>\n- قال قتادة (ت: ١١٨ هـ) ﵀ وغيره من السلف: \"إن الله سبحانه لم يأمر العباد بما أمرهم به لحاجته إليه، ولا نهاهم عنه بخلًا منه، بل أمرهم بما فيه\n_________\n(^١) الفوائد صـ ٢٠٢.\n(^٢) تفسير ابن كثير (سورة النحل: الآية: ٩٧).\n(^٣) تفسير الطبري (سورة يوسف: الآية: ٢٤).","vol":"1","page":430},{"text":"صلاحهم، ونهاهم عما فيه فسادهم\" (^١).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"الإيمان بالله وعبادته ومحبته وإجلاله هو غذاء الإنسان وقوته وصلاحه وقوامه كما عليه أهل الإيمان، وكما دل عليه القرآن، لا كما يقول من يعتقد من أهل الكلام ونحوهم: إن عبادته تكليف ومشقة وخلاف مقصود القلب لمجرد الامتحان والاختبار، أو لأجل التعويض بالأجرة كما يقوله المعتزلة وغيرهم؛ فإنه وإن كان فى الأعمال الصالحة ما هو على خلاف هوى النفس، والله - سبحانه يأجر العبد على الأعمال المأمور بها مع المشقة، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ﴾ [التَّوْبَة: ١٢٠]، وقال ﷺ لعائشة (ت: ٥٨ هـ) ﵂: «أجرك على قدر نصبك» - فليس ذلك هو المقصود الأول بالأمر الشرعى، وإنما وقع ضمنا وتبعا لأسباب ليس هذا موضعها، وهذا يفسر فى موضعه.\nولهذا لم يجئ فى الكتاب والسنة وكلام السلف إطلاق القول على الإيمان والعمل الصالح: أنه تكليف، كما يطلق ذلك كثير من المتكلمة والمتفقهة، وإنما جاء ذكر التكليف فى موضع النفى، كقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البَقَرَةِ: ٢٨٦]، ﴿لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾ [النِّسَاء: ٨٤] ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطَّلَاق: ٧] أى: وإن وقع فى الأمر تكليف، فلا يكلف إلا قدر الوسع، لا أنه\n_________\n(^١) قاعدة في المحبة لابن تيمية (ص ٢٥٥) ..","vol":"1","page":431},{"text":"يسمى جميع الشريعة تكليفا، مع أن غالبها قرة العيون وسرور القلوب؛ ولذات الأرواح وكمال النعيم، وذلك لإرادة وجه الله والإنابة إليه، وذكره وتوجه الوجه إليه، فهو الإله الحق الذى تطمئن إليه القلوب، ولا يقوم غيره مقامه فى ذلك أبدا. قال الله تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)﴾ [مَرْيَم: ٦٥] \" (^١).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"فالذي شرعه الله ورسوله توحيد وعدل وإحسان وإخلاص وصلاح للعباد في المعاش والمعاد، وما لم يشرعه الله ورسوله من العبادات المبتدعة فيه شرك وظلم وإساءة وفساد العباد في المعاش والمعاد\" (^٢).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"إنّ الشيطان إنما يمنعه من الدخول إلى قلب ابن آدم؛ ما فيه من ذكر الله الذي أرسل به رسله، فإذا خلا من ذلك تولّاه الشيطان، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧)﴾ [الزُّخْرُف: ٣٦ - ٣٧] \" (^٣).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"ولا ريب أن القلب يصدأ كما يصدأ النحاس والفضة وغيرهما؛ وجلاؤه بالذكر فإنه يجلوه حتى يدعه كالمرآة البيضاء فإذا تُرك الذكر صدئ فإذا ذكر جلاه\" (^٤).\n_________\n(^١) قاعدة جامعة في توحيد الله وإخلاص الوجه والعمل له عبادة واستعانة صـ ٣٦ - ٣٧.\n(^٢) مجموع الفتاوى ١/ ١٩٥.\n(^٣) مجموع الفتاوى ٣٩٩/ ١٠.\n(^٤) الوابل الصيب (ص ٩٢).","vol":"1","page":432},{"text":"- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"الذكر روح الأعمال الصالحة فإذا خلا العمل عن الذكر كان كالجسد الذي لا روح فيه\" (^١).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"لا ريب أن أبدان الغافلين قبور لقلوبهم وقلوبهم فيها كالأموات في القبور وقيل:\nفنسيان ذكر الله موت قلوبهم … وأجسامهم قبل القبور قبور\" (^٢).\n- قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: \"وهذا أمر مجرب أن العبادة تنشط البدن وتلينه، وأن النوم يكسل البدن فيقسيه\" (^٣).\n- قال محمد بن صالح بن عثيمين (ت: ١٤٢١ هـ) ﵀: \"أهلُ الطّاعةِ عندهم إستقرار وعندهم طمأنينة، ولو كان الواحد منهم فقيرًا، فإنّ الله يُعطيه سَعَةَ بالٍ وقناعَةً\" (^٤).\n- قال محمد بن صالح بن عثيمين (ت: ١٤٢١ هـ) ﵀ في قصة زكريا ﵇: \" قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا﴾ [ال عِمْرَان: ٤١]، أمره الله تعالى بأن يذكر ربّه كثيرًا؛ لأنه بذكر الله تطمئن القلوب، ويزداد الإيمان، ويستنير القلب فلهذا أمره الله أن يذكر ربه كثيرا .. وبشره بأنه لن يمتنع من ذكر الله الذي هو أجلّ وأشرف من مخاطبة الناس وكلامهم\" (^٥).\n_________\n(^١) مدارج السالكين ٢/ ٤٧٦.\n(^٢) مدارج السالكين ٢/ ٤٣٠.\n(^٣) البداية والنهاية ٩/ ٢٩٤.\n(^٤) تفسير سورة المائدة ٢/ ٩٠.\n(^٥) تفسير سورة آل عمران ١/ ٢٤٨.","vol":"1","page":433},{"text":"- قال محمد بن صالح بن عثيمين (ت: ١٤٢١ هـ) ﵀: \"ينبغي للإنسان إذا انقطع عن الناس أن يشغل وقته بذكر الله ﷿ \" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-175>٨٨. من ثمراته أن التوحيد سلعة الله مشتريها.</span>\n- قال ابن القيم: \"لا إله إلا الله سلعة، الله مشتريها، وثمنها الجنة، والدلال الرسول، ترضى بيعها بجزء يسير مما لا يساوي كله جناح بعوضة\" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-176>٨٩. من ثمراته أن التوحيد يُعطى الموحد مهابة وحلاوة بحسب إيمانه.</span>\n- قال الحسن البصري (ت: ١١٠ هـ) ﵀: \"إن المؤمن رزق حلاوة ومهابة\" (^٣).\n- قال وكيع بن الجراح (ت: ١٩٧ هـ) ﵀: \"ما نعيش إلا في ستره ولو كشف الغطاء لكشف عن أمر عظيم\" (^٤).\n- قال القشيري (ت: ٤٦٥ هـ) ﵀: \"والحق سبحانه يستر مثالِبَ العاصين ولا يفضحهم لئلا يحجبوا عن مأمول أفضالهم، ويستر مناقِبَ العارفين عليهم\n_________\n(^١) تفسير سورة آل عمران ١/ ٢٥٣.\n(^٢) الفوائد صـ ٤٢.\n(^٣) جلاء الأفهام صـ: ١٨٨.\n(^٤) الجرح والتّعديل (١/ ٢٢٣).","vol":"1","page":434},{"text":"لئلا يُعْجَبُوا بأعمالهم وأحوالهم، وفَرْقٌ بين سَتْرٍ وَسَتْرٍ، وشَتَّان ما هما! \" (^١).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"وأما التوحيد أن يكون الله أحب إليه من كل ما سواه، فلا يحب شيئا مثل ما يحب الله، ولا يخافه كما يخاف الله، ولا يرجوه كما يرجوه، ولا يجله ويكرمه مثل ما يجل الله ويكرمه\" (^٢).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"الجمال الذي للخُلُق، من العلم والإيمان والتقوى أعظم من الجمال الذي للخَلْق، وهو الصورة الظاهرة\" (^٣).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"يعني يحب ويهاب ويجل بما ألبسه الله سبحانه من ثوب الإيمان المقتضي لذلك ولهذا لم يكن بشر أحب إلى بشر ولا أهيب وأجل في صدره من رسول الله ﷺ في صدر الصحابة ﵃ قال عمرو بن العاص قبل إسلامه أنه لم يكن شخص أبغض إلي منه فلما أسلم لم يكن شخص أحب إليه منه ولا أجل في عينه منه قال ولو سئلت أن أصفه لكم لما أطقت لأني لم أكنأملأ عيني منه إجلالا له\" (^٤).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"المؤمن يُعطى مهابة وحلاوة بحسب إيمانه؛ فمن رآه هابه، ومن خالطه أحبه، وهذا أمر مشهود بالعيان فإنك ترى الرجل الصالح المحسن ذا الأخلاق الجميلة من أحلى الناس صورة وإن كان أسود أو غير\n_________\n(^١) لطائف الإشارات للقشيري (تفسير سورة الأنفال: الآيات ٢ - ٤).\n(^٢) جامع المسائل ٣/ ٢٧٩.\n(^٣) الاستقامة، لابن تيمية ١/ ٤٤١.\n(^٤) جلاء الأفهام صـ ١٨٨.","vol":"1","page":435},{"text":"جميل ولا سيما إذا رُزِق حظا من صلاة الليل فإنها تنور الوجه وتحسنه.\nوقد كان بعض النساء تكثر صلاة الليل فقيل لها في ذلك فقالت إنها تحسن الوجه وأنا أحب أن يحسن وجهي ومما يدل على أن الجمال الباطن أحسن من الظاهر أن القلوب لا تنفك عن تعظيم صاحبه ومحبته والميل إليه\" (^١).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"وكما أن الجمال الباطن من أعظم نعم الله تعالى على عبده فالجمال الظاهر نعمة منه أيضًا على عبده يوجب شكرًا فإن شكره بتقواه وصيانته ازداد جمالا على جماله وإن استعمل جماله في معاصيه سبحانه قلبه له شيئا ظاهرا في الدنيا قبل الآخرة فتعود تلك المحاسن وحشة وقبحا وشينا وينفر عنه من رآه فكل من لم يتق الله ﷿ في حسنه وجماله انقلب قبحا وشينا يشينه به بين الناس فحسن الباطن يعلو قبح الظاهر ويستره وقبح الباطن يعلو جمال الظاهر ويستره\" (^٢).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"زيادة الخلق التي قال الله تعالى فيها ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ﴾ [فَاطِر: ١] قالوا هو الصوت الحسن والصورة الحسنة والقلوب كالمطبوعة على محبته كما هي مفطورة على استحسانه\nوقد ثبت في الصحيح عنه أنه قال: \"لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر\" قالوا يا رسول الله ﷺ الرجل يحب أن تكون نعله حسنة وثوبه حسنا أفذلك من الكبر فقال: «لا إن الله جميل يحب الجمال الكبر\n_________\n(^١) روضة المحبين صـ ٢٢١.\n(^٢) روضة المحبين صـ ٢٢٢.","vol":"1","page":436},{"text":"بطر الحق وغمط الناس» (^١)، فبطر الحق جحده ودفعه بعد معرفته، وغمط الناس النظر إليهم بعين الازدراء والاحتقار والاستصغار لهم ولا بأس بهذا إذا كان لله وعلامته أن يكون لنفسه أشد ازدراء واستصغارا منه لهم فأما إن احتقرهم لعظمة نفسه عنده فهو الذي لا يدخل صاحبه الجنة\" (^٢).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"فبطر الحق جحده ودفعه بعد معرفته، وغمط الناس النظر إليهم بعين الازدراء والاحتقار والاستصغار لهم ولا بأس بهذا إذا كان لله وعلامته أن يكون لنفسه أشد ازدراء واستصغارا منه لهم فأما إن احتقرهم لعظمة نفسه عنده فهو الذي لا يدخل صاحبه الجنة\" (^٣).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"النبي ﷺ ألقى الله عليه من المهابة والمحبة، ولكل مؤمن مخلص حض من ذلك\" (^٤).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"اعلم أن الجمال ينقسم قسمين: ظاهر وباطن، فالجمال الباطن هو المحبوب لذاته، وهو جمال العلم والعقل والجود والعفة والشجاعة، وهذا الجمال الباطن هو محل نظر الله من عبده وموضع محبته، كما في الحديث الصحيح: «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن إنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» (^٥). ومما يدل على أن الجمال الباطن أحسن من الظاهر أن القلوب لا تنفك عن تعظيم صاحبه ومحبته والميل إليه\" (^٦).\n_________\n(^١) رواه مسلم (٩١).\n(^٢) روضة المحبين صـ ٢٢٢.\n(^٣) روضة المحبين صـ ٢٢٢.\n(^٤) جلاء الأفهام ص: ٩٧.\n(^٥) أخرجه: مسلم ٨/ ١١ (٢٥٦٤) (٣٤) بلفظ: \" إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم\".\n(^٦) روضة المحبين ص ٢٣١.","vol":"1","page":437},{"text":"<span data-type='title' id=toc-177>٩٠. من ثمراته أن بكمال التوحيد تكمل البراءة من الشرك والكبر.</span>\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"وبكمال عبوديته لله تكمل تبرئته من الْكبر والشرك\" (^١).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"الإسلام له ضدان: الإشراك والاستكبار، لأنه الاستسلام لله وحده كما يترجم فيه شهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أن محمدا عبده ورسوله، فمن استسلم لله ولغير الله فقد أشرك بالله وجعل له عدلا وندا وشريكا، ومن لم يستسلم بحال فقد استكبر كحال فرعون وغيره\" (^٢).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"ولهذا قرن هذا في شعار الإسلام الذي هو الأذان بين التكبير والتهليل، فإن التكبير وهو قول \"الله أكبر\" يمنع كبر غير الله، وقول لا إله إلا الله يوجب التوحيد، وهاتان الكلمتان قرينتان\" (^٣).\n- قال برهان الدين البقاعي (ت: ٨٨٥ هـ) ﵀: \"حضور القلب في التوحيد عند الأذان والإقامة، فإن من غفل قلبه عند الأذان والإقامة عن التوحيد نقص من صلاته روحها فلم يكن لها عمود قيام، من حضر قلبه عند الأذان والإقامة حضر قلبه في صلاته، ومن غفل قلبه عندهما غفل قلبه في صلاته\" (^٤).\n_________\n(^١) العبودية ١/ ١٠٢.\n(^٢) جامع المسائل ١/ ٢٢٣.\n(^٣) جامع المسائل ١/ ٢٢٤.\n(^٤) نظم الدرر في تناسب الآيات والسور ٣/ ٣٦٣.","vol":"1","page":438},{"text":"<span data-type='title' id=toc-178>٩١. من ثمراته أن التوحيد سبب في تكفير الذنوب ومحو الخطايا.</span>\nفيغفر الله بالتوحيد الذنوب ويكفر به السيئات\n- عن أنس (ت: ٩٠ هـ) ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"قال الله تعالى: يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة\" (^١).\n- عن عبد الله بن عمرو (ت: ٦٥ هـ)، قال: قال رسول الله ﷺ: «ما على الأرض أحد يقول: لا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله؛ إلا كفرت عنه خطاياه ولوكانت مثل زيد البحر» (^٢).\n- عن أبي هريرة (ت: ٥٨ هـ) رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: «من حلَف فقال في حلفه: باللات والعزى، فليقل: لا إله إلا الله، ومن قال لصاحبه: تعالَ أُقامِرْك، فليتصدَّق» (^٣).\n- قال الخطابي (ت: ٣٨٨ هـ) ﵀: \"اليمين إنما تكون بالمعبود الذي يعظم، فإذا حلف بهما؛ فقد ضاهى الكفار في ذلك، فأمره أن يتداركه بكلمة\n_________\n(^١) رواه الترمذي (٣٤٥٠). وقال: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وصححه ابن القيم في «إعلام الموقعين» (١/ ٢٠٤) وقال ابن رجب: إسناده لا بأس به، وصححه الألباني في «صحيح سنن الترمذي».\n(^٢) أخرجه الترمذي (٣٤٦٠) واللفظ له، والنسائي في «عمل اليوم والليلة» (١٢٤)، وأحمد (٦٤٧٩). وإسناده صحيح أو حسن أو ما قاربهما؛ انظر: صحيح الجامع. (٥٦٣٦).\n(^٣) رواه البخاري (٦٢٧٤)، ومسلم (١٦٤٧).","vol":"1","page":439},{"text":"التوحيد المبرئة من الشرك\" (^١).\n- قال محمد بن علي بن عمر بن محمد التميمي المازري (ت: ٥٣٦ هـ) ﵀: \"الأعمال لا يحبطها شيء غير الكفر، وأما مع وجود الإيمان فالأعمال متقبلة وإنما تختلف باختلاف الإخلاص، والقيام بالصالحات على الوجه الأتم\" (^٢).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"العبدُ قد تنزِلُ به النازلة؛ فيكون مقصوده طلب حاجته، وتفريج كُرُبات، فيسعى في ذلك بالسؤال والتضرُّع، وإن كان ذلك من العبادة والطاعة، ثم يكون في أول الأمر قصْدُهُ حُصول ذلك المطلوب من الرِّزق والنصر والعافية مُطلقا، ثم الدعاء والتضرُّع يَفتَحُ له من أبواب الإيمان بالله ﷿ ومعرفته ومحبَّته، والتنعُّم بِذِكْره ودُعائه؛ ما يكون هو أحبَّ إليه وأعظم قدرًا عنده من تلك الحاجة التي همَّته، وهذا من رحمة الله بعباده: يسوقهم بالحاجات الدنيوية إلى المقاصد العَلِيَّة الدينيَّة\" (^٣).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"فالمسلمون ذنوبهم ذنوب موحدين، ويقوي التوحيد على محو آثارها بالكلية وإلا فما معهم من التوحيد يخرجهم من النار إذا عذبوا بذنوبهم.\nوأما المشركون والكفار فإن شركهم وكفرهم يحبط حسناتهم، فلا يلقون ربهم بحسنة يرجون بها النجاة، ولا يغفر لهم شيء من ذنوبهم، قال تعالى ﴿إِنَّ\n_________\n(^١) أعلام الحديث (شرح صحيح البخارى) للخطاني ٣/ ١٩١٨.\n(^٢) كتاب المعلم بفوائد مسلم للمازري ١/ ١٣٧.\n(^٣) اقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية ٢/ ٣١٢.","vol":"1","page":440},{"text":"اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النِّسَاء: ١١٦] \" (^١).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"فالذنوب تزول آثارها بالتوبة النصوح، والتوحيد الخالص، والحسنات الماحية، والمصائب المكفرة لها، وشفاعة الشافعين في الموحدين، وآخر ذلك إذا عذب بما يبقى عليه منها أخرجه توحيده من النار، وأما الشرك بالله والكفر بالرسول فإنه يحبط جميع الحسنات بحيث لا تبقى معه حسنة\" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-179>٩٢. من ثمراته أنه إذا ظهر التوحيد في مكان هربت الشياطين.</span>\nفبالتوحيد يحفظ الله المرء من الشيطان قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ [النَّحْل: ٩٩ - ١٠٠].\n- عن أبي هريرة (ت: ٥٨ هـ) ﵁ له في قصته معالشيطان ما نصه: قال أي الشيطان؟: إذاأويتإلى فراشك فاقرأ آية الكرسي \"الله لا إله إلا هو الحي القيوم\" حتى تختم الآية فإنك لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح فخليت سبيله فأصبحت فقال لي رسول الله ﷺ\n_________\n(^١) هداية الحيارى في أجوبة اليهود. والنصاري صـ ٢٥٢.\n(^٢) هداية الحيارى في أجوبة اليهود. والنصاري صـ ٢٥٢.","vol":"1","page":441},{"text":"ما فعل أسيرك البارحة؟ قلت يا رسول الله زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها فخليت سبيله قال: «ما هي؟» قال: قال لي إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم الآية ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٥٥] وقال لي لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح وكانوا أحرص شيء على الخير فقال النبي ﷺ «أما إنه صدقك وهو كذوب تعلم من تخاطب من ثلات ليال يا أبا هريرة قلت لا قال: ذاك شيطان» (^١).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"والكهانةُ كانت ظاهرةً كثيرةً بأرضِ العَرب،. فلما ظهر التوحيد هربت الشياطين، وبطلت، أو قلّت، ثمّ إنها تظهر في المواضع التي يخفى فيها أثر التوحيد\" (^٢).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"فإن التوحيد يطرد الشيطان\" (^٣).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"فإن الشيطان إنما يمنعه من الدخول إلى قلب ابن آدم ما فيه من ذكر الله الذي أرسل به رسله، فإذا خلا من ذلك تولاه الشيطان. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦)﴾ [الزُّخْرُف: ٣٦] \" (^٤).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"وأنت ترى الأمكنة والأزمنة التي\n_________\n(^١) رواه البخاري ٢٣١١.\n(^٢) النبوات ٢/ ١٠١٩.\n(^٣) مجموع الفتاوى ١١/ ٢٩٣.\n(^٤) مجموع الفتاوى ١٠/ ٣٩٩.","vol":"1","page":442},{"text":"خفيت فيها آثار النبوة كيف حال أهلها وما دخل عليهم من الجهل والظلم والكفر بالخالق والشرك بالمخلوق واستحسان القبائح وفساد العقائد والأعمال فإن الشرائع بتنزيل الحكيم العليم أنزلها وشرعها الذي يعلم ما في ضمنها من مصالح العباد في المعاش والمعاد وأسباب سعادتهم الدنيوية والأخروية فجعلها غذاء ودواء وشفاء وعصمة وحصنا وملجأ وجنة ووقاية\" (^١).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"شرع ذكر اسم الله تعالى عند الأكل والشرب واللبس والركوب والجماع، لما في مقارنة اسم الله من البركة. وذكر اسمه يطرد الشيطان، فتحصل البركة، ولا معارض لها.\nوكل شيء لا يكون لله، فبركته منزوعة، فإن الرب هو الذي تبارك وحده، والبركة كلها منه، وكل ما نسب إليه مبارك\" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-180>٩٣. من ثمراته أن التوحيد يدفع وساوس الشيطان.</span>\n- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (ت: ٥٨ هـ) ﵁ قَالَ: جَاءَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فَسَأَلُوهُ: إِنَّا نَجِدُ فِي أَنْفُسِنَا مَا يَتَعَاظَمُ أَحَدُنَا أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ. قَالَ: \"وَقَدْ وَجَدْتُمُوهُ؟ \" قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: \"ذَاكَ صَرِيحُ الإِيمَانِ\" (^٣).\nوفي حديث عبد الله بن مسعود (ت: ٣٢ هـ) ﵁ قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ\n_________\n(^١) شفاء العليل ١/ ٢٢٥.\n(^٢) الجواب الكافي ١/ ٢٠٢.\n(^٣) أخرجه مسلم حديث (١٣٢) وانفرد به.","vol":"1","page":443},{"text":"عَنِ الْوَسْوَسَةِ. قَالَ: \"تِلْكَ مَحْضُ الإِيمَانِ\" (^١)\n- وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (ت: ٥٨ هـ) ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ ﷺ: \"لَا يَزَالُ النَّاسُ يَتَسَاءَلُونَ حَتَّى يُقَالَ: هذَا، خَلَقَ الله الْخَلْقَ، فَمَنْ خَلَقَ اللّهِ؟ فَمَنْ وَجَدَ مِنْ ذلِكَ شَيْئا فَلْيَقُلْ: آمَنْتُ بِاللّهِ\" (^٢).\nوفي رواية: \"آمَنْتُ بِاللّهِ وَرُسُلِه\" رواه مسلم.\n- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (ت: ٥٨ هـ) ﵁ قَالَ رَسُولُ اللّهِ ﷺ: \"يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَ كَذَا وَكَذَا؟ حَتَّى يَقُولَ لَهُ: مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ؟ فَإِذَا بَلَغَ ذلِكَ فَلْيَسْتَعِذْ بِالله وَلِيَنْتَهِ \" (^٣).\n- عَنْ أنس بن مالك (ت: ٩٠ هـ) ﵁، عَنْ رَسُولِ اللّهِ ﷺ قال \"قَالَ الله ﷿: إِنَّ أُمَّتَكَ لَا يَزَالُونَ يَقُولُونَ: مَا كَذَا؟ مَا كَذَا؟ حَتَّى يَقُولُوا: هذَا اللّهُ خَلَقَ الْخَلْقَ. فَمَنْ خَلَقَ اللّهَ؟ \" (^٤).\nوأما رواية البخاري فمن قول النبي ﷺ بلفظ: \"لن يَبرَحَ الناسُ يتساءَلون حتى يقولوا: ..... \" (^٥).\nواختلف أهل العلم في معنى قول النبي ﷺ «ذاك صريح الإيمان»\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، حديث (١٣٣)، وانفرد به.\n(^٢) أخرجه مسلمحديث (١٣٤) وانفرد به\n(^٣) أخرجه مسلم، حديث (١٣٤)، وأخرجه البخاري في \" كتاب بدء الخلق\" \"باب صفة إبليس وجنوده\" حديث (٧٢٩٦).\n(^٤) أخرجه البخاري (٧٢٩٦)، ومسلم (١٣٦).\n(^٥) أخرجه البخاري (٧٢٩٦) وفي «الأدب المفرد» (١٢٨٦) واللفظ له، ومسلم (١٣٦)","vol":"1","page":444},{"text":"وقوله «تلك محض الإيمان» والصريح والمحض من الإيمان هو الخالص، اختلفوا على قولين:\nالقول الأول: أن مجرد وجود الوسوسة دليل على صريح الإيمان\nواستدلوا: بحديث ابن مسعود (ت: ٣٢ هـ) ﵁ في الباب حيث سئل النبي ﷺ عن مجرد الوسوسة دون المنازعة، فقال «تلك محض الإيمان»، وقالوا أيضًا لأن القلوب غير المؤمنة لا توسوس أصلًا لتمكن الشيطان منها، بخلاف القلوب المؤمنة، واختار هذا القول القاضي عياض ﵀ وهو اختيار محمد بن صالح بن عثيمين ﵀ \" (^١).\nوالقول الثاني: أن مدافعة المسلم لها ونفرته من هذه الوساوس هي دليل على صريح الإيمان.\nواستدلوا: بحديث أبي هريرة (ت: ٥٨ هـ) ﵁ في الباب حيث إن الصحابة شكوا للنبي ﷺ ما يجدونه في أنفسهم ونفرتهم منه وتعاظمهم لما يجدونه، والنبي ﷺ سألهم عنه فقال «وقد وجدتموه؟»، ثم قال لهم «ذاك صريح الإيمان»، وقالوا المنازعة وكراهة ذلك هي دليل الإيمان وأثره، الذي يردّ وساوس الشيطان، وأما حديث ابن مسعود ﵁ فهو محمول على حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، واختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وهو الأظهر والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر شرح النووي لمسلم ٢/ ٣٣٣.","vol":"1","page":445},{"text":"- قال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ) ﵀: \" «تلك محض الإيمان»، وفي حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه «ذلك صريح الإيمان»، والصريح الخالص. وهذا ليس على ظاهره، إذ لا يصح أن تكون الوسوسة نفسها هي الإيمان، لأن الإيمان اليقين، وإنما الإشارة إلى ما وجدوه من الخوف من الله تعالى أن يعاقبوا على ما وقع في أنفسهم، فكأنه قال: جزعكم من هذا هو محض الإيمان وخالصه، لصحة إيمانكم، وعلمكم بفسادها، فسمى الوسوسة إيمانا لما كان دفعها والإعراض عنها والرد لها وعدم قبولها\" (^١).\n- قال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ) ﵀: \" «قل آمنت بالله» أمر بتذكر الإيمان الشرعي، واشتغال القلب به لتمحي تلك الشبهات، وتضمحل تلك الترهات، وهذه كلها أدوية للقلوب السليمة الصحيحة المستقيمة التي تعرض الترهات ولا تمكث فيها\" (^٢).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"أَيْ حُصُولِ هَذَا الْوَسْوَاسِ مَعَ هَذِهِ الْكَرَاهَةِ الْعَظِيمَةِ لَهُ وَدَفْعِهِ عَنْ الْقَلْبِ هُوَ مِنْ صَرِيحِ الْإِيمَانِ\" (^٣).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"وقالوا في الوسواس الخناس: هو الذي إذا ذكر الله خنس وإذا غفل عن ذكر الله وسوس\" (^٤).\n_________\n(^١) تفسير القرطبي (سورة الأعراف: الآية: ٢٠٠).\n(^٢) المفهم ١/ ٣٤٥.\n(^٣) مجموع الفتاوى. ٧/ ٢٨٢\n(^٤) مجموع الفتاوى. ٢/ ١٦","vol":"1","page":446},{"text":"- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"فَالشَّيْطَانُ لَمَّا قَذَفَ فِي قُلُوبِهِمْ وَسُوسَةً مَذْمُومَةً تَحَرَّكَ الْإِيمَانُ الَّذِي فِي قُلُوبِهِمْ بِالْكَرَاهَةِ لِذَلِكَ وَالِاسْتِعْظَامِ لَهُ فَكَانَ ذَلِكَ صَرِيحَ الْإِيمَانِ .... فَهُنَا لَمَّا اقْتَرَنَ بِالْوَسْوَاسِ هَذَا الْبُغْضُ وَهَذِهِ الْكَرَاهَةُ كَانَ هُوَ صَرِيحَ الْإِيمَانِ وَهُوَ خَالِصُهُ وَمَحْضُهُ؛ لِأَنَّ الْمُنَافِقَ وَالْكَافِرَ لَا يَجِدُ هَذَا الْبُغْضَ وَهَذِهِ الْكَرَاهَةَ مَعَ الْوَسْوَسَةِ بِذَلِكَ\" (^١).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"ذكر الله أصل لدفع الوسواس الذي هو مبدأ كل كفر وجهل وفسق وظلم. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحِجْر: ٤٢] وقال: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩)﴾ [النَّحْل: ٩٩] وقال: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٠١)﴾ [ال عِمْرَان: ١٠١] ونحو ذلك من النصوص (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-181>٩٤. من ثمراته أن التوحيد يمنع من تسلط الشيطان ومن ولاية الشيطان.</span>\nقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النَّحْل: ٩٩ - ١٠٠].\nوقال تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١)﴾ [الأَعْرَاف: ٢٠١].\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى. (١٠/ ٥٦٣ - ٥٦٥)\n(^٢) مجموع الفتاوى. ٢/ ١٧.","vol":"1","page":447},{"text":"قال تعالى ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤)﴾ [يُوسُف: ٢٤].\n- قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: \" ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ﴾، يعني: ملك، ﴿عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾، في علم الله في الشرك، فيضلهم عن الهدى\" (^١).\n- قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: \" قوله: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩)﴾ [النَّحْل: ٩٩] فإنه يعني بذلك: أن الشيطان ليست له حجة على الذين آمنوا بالله ورسوله وعملوا بما أمر الله به، وانتهوا عما نهاهم الله عنه. ﴿عَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ يقول: وعلى ربهم يتوكلون فيما نابهم من مهمات أمورهم. ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ يقول: إنما حجته على الذين يعبدونه، ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠)﴾ يقول: والذين هم بالله مشركون\" (^٢).\n- قال مكي بن أبي طالب (ت: ٤٣٧ هـ) ﵀: \"أي: ليس له حجة على المؤمنين المتوكلين على الله ﷿ في مهم أمورهم المتعوذين به من الشيطان\" (^٣).\n- قال علي بن محمد الماوردي (ت: ٤٥٠ هـ) ﵀: \"فيه أربعة تأويلات:\nأحدها: ليس له قدرة على أن يحملهم على ذنب لا يغفر، قاله سفيان.\n_________\n(^١) تفسير مقاتل بن سليمان (سورة النحل: الآية: ٩٩).\n(^٢) تفسير الطبري (سورة النحل: الآية: ٩٩).\n(^٣) تفسير الهداية إلى بلوغ النهاية لمكي ابن أبي طالب المكي (سورة النحل: الآية: ٩٩).","vol":"1","page":448},{"text":"الثاني: ليس له حجة على ما يدعوهم إليه من المعاصي، قاله مجاهد بن جبر.\nالثالث: ليس له عليهم سلطان لاستعاذتهم باللَّه منه، لقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [فُصِّلَت: ٣٦].\nالرابع: أنه ليس له عليهم سلطان بحال؛ لأن الله تعالى صرف سلطانه عنهم حين قال عدو الله إبليس: ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٢ - ٨٣] فقال الله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢)﴾ [الحِجْر: ٤٢] \" (^١).\n- وقال الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ): \"قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ﴾ [النَّحْل: ٩٩] حجة وولاية، ﴿عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩)﴾ [النَّحْل: ٩٩] قال سفيان: ليس له سلطان على أن يحملهم على ذنب ولا يغفر\" (^٢).\n- قال أبو الفرج ابن الجوزي (ت: ٥٩٧ هـ) ﵀: \"إبليس إنما يتمكن من الإنسان على قدر قلة العلم فكلما قل علم الإنسان كثر تمكن إبليس منه وكلما كثر العلم قل تمكنه منه\" (^٣).\n_________\n(^١) تفسير النكت والعيون للماوردي (سورة النحل: الآية: ٩٩).\n(^٢) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة النحل: الآية: ٩٩).\n(^٣) تلبيس إبليس ١/ ٣٣٤.","vol":"1","page":449},{"text":"- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"إخلاص الدين لله: يمنع من تسلط الشيطان ومن ولاية الشيطان التي توجب العذاب. كما قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يُوسُف: ٢٤]. فإذا أخلص العبد لربه الدين: كان هذا مانعا له من فعل ضد ذلك ومن إيقاع الشيطان له في ضد ذلك. وإذا لم يخلص لربه الدين ولم يفعل ما خلق له وفطر عليه: عوقب على ذلك. وكان من عقابه: تسلط الشيطان عليه حتى يزين له فعل السيئات\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-182>٩٥. من ثمراته أن التوحيد يذهب أصل الشرك.</span>\n- عن أم هانئ بنت أبي طالب ﵁ ا، قالت: قال رسول الله ﷺ: «لا اله إلا الله لا يسبقها عمل ولا تترك ذنبا» (^٢).\n- عن أبي هريرة (ت: ٥٨ هـ) ﵁، أنه قال: قال رسول الله ﷺ: «من قال: لا اله إلا الله أنجته يوما من الدهر أصابه قبلها ما أصابه» (^٣).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"فَالتَّوْحِيدُ يُذْهِبُ أَصْلَ الشِّرْكِ وَالِاسْتِغْفَارُ يَمْحُو فُرُوعَهُ\" (^٤).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"وَالِاسْتِغْفَارِ مِنْ أَكْبَرِ الْحَسَنَاتِ\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٤/ ٣٣٢ - ٣٣٣).\n(^٢) رواه ابن ماجه، كتاب الأدب، باب فضل لا اله إلا الله، رقم (٣٧٩٧)، (٢/ ١٢٤٨).\n(^٣) أخرجه البيهقي كما في الدر المنثور - (ج ٦/ ص ٤٧).\n(^٤) مجموع الفتاوى (١١/ ٦٩٧).","vol":"1","page":450},{"text":"وَبَابُهُ وَاسِعٌ. فَمَنْ أَحَسَّ بِتَقْصِيرِ فِي قَوْلِهِ أَوْ عَمَلِهِ أَوْ حَالِهِ أَوْ رِزْقِهِ أَوْ تَقَلُّبِ قَلْبٍ: فَعَلَيْهِ بِالتَّوْحِيدِ وَالِاسْتِغْفَارِ\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-183>٩٦. من ثمراته أن التوحيد يسد باب البدع.</span>\nذمَّ الله من شرع في الدين ما لم يأذن به الله: فقال سبحانه: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاؤُا شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ﴾ [الشُّورَى: ٢١]، وأمر سبحانه باتباع صراطه قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَ﴾ [الأَنْعَام: ١٥٣].\nفالواجب على الموحد لزوم شرع الله الذي جاء به القرآن الكريم والسنة المطهرة، وعدم الخروج عن ذلك، لا بقولٍ، ولا بفعلٍ.\n- قال ابن تيمية: \"كل من كان إلى الرسول ﷺ وأصحابه والتابعين لهم بإحسان أقرب، كان أقرب إلى كمال التوحيد والإيمان والعقل والعرفان، وكل من كان عنهم أبعد كان عن ذلك أبعد\" (^٢).\n- قال ابن تيمية: \"إخلاص الدين لله: يمنع من تسلط الشيطان ومن ولاية الشيطان التي توجب العذاب. كما قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤)﴾ [يُوسُف: ٢٤] \" (^٣).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١١/ ٦٩٨).\n(^٢) منهاج السنة ٢/ ٢٩٣.\n(^٣) مجموع الفتاوى ١٤/ ٣٣٢ - ٣٣٣.","vol":"1","page":451},{"text":"<span data-type='title' id=toc-184>٩٧. من ثمراته أن صحة التوحيد مع وجود الذنوب خير من فساد التوحيد مع عدم الذنوب.</span>\n- فعن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: قال النبيُّ ﷺ: «قالَ اللَّهُ ﵎: يا بنَ آدمَ، إنَّكَ ما دعوتَني ورجوتَني غفَرتُ لَكَ على ما كانَ فيكَ ولا أُبالي، يا بنَ آدمَ، لو بلغتْ ذنوبُكَ عَنانَ السَّماءِ ثمَّ استغفرتَني غفرتُ لَكَ ولا أبالي، يا بنَ آدمَ، إنَّكَ لو أتيتَني بقُرابِ الأرضِ خطايا ثمَّ لقيتَني لا تُشرِكُ بي شيئًا لأتيتُكَ بقرابِها مغفرةً» (^١).\n- عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ مات يُشرِكُ باللهِ شيئًا، دخَل النارَ» (^٢).\n- عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال: أتى النَّبيَّ ﷺ رجلٌ فقالَ: يا رسولَ اللهِ، ما المُوجِبَتانِ؟ فقالَ: «من ماتَ لا يُشرِكُ باللَّهِ شيئًا دخلَ الجنَّةَ، ومن ماتَ يشركُ باللَّهِ شيئًا دخلَ النَّارَ» (^٣).\n- عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «يخرجُ من النارِ من قال: لا إلهَ إلَّا اللهُ، وكان في قلبِه مثقالُ شعيرةٍ من خيرٍ، ويخرجُ من النارِ\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي: (٣٥٤٠).\n(^٢) أخرجه البخاري: (١٢٣٨) وأخرجه (مسلم: ٩٢).\n(^٣) أخرجه مسلم: (٩٣).","vol":"1","page":452},{"text":"من قال: لا إلهَ إلَّا اللهُ، وكان في قلبِه مثقالُ برَّةٍ من خيرٍ، ويخرجُ من النارِ من قال: لا إلهَ إلَّا اللهُ، وكان في قلبِه مثقالُ ذرَّةٍ من خيرٍ» (^١).\n- عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إنَّ اللَّهَ لا يَظلِمُ مؤمنًا حسنةً، يُعطى بِها في الدُّنيا ويُجزى بِها في الآخرةِ، وأمَّا الكافرُ، فيُطعَمُ بحسناتِ ما عمِلَ بِها للَّهِ في الدُّنيا، حتَّى إذا أفضى إلى الآخرةِ، لم يَكُنْ لهُ حسنةٌ يُجزَى بِها» (^٢).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ): \"فَهَذِهِ الذُّنُوب مَعَ صِحَة التَّوْحِيد خير من فَسَاد التَّوْحِيد مَعَ عدم هَذِه الذُّنُوب\" (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-185>٩٨. من ثمراته أن التوحيد إذا تم وكمل في القلب وتحقق تحققا كاملا بالإخلاص التام فإنه يصير القليل من عمل العبد كثيرًا ويضاعف أعماله وأقواله بغير حصر ولا حساب.</span>\n- قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: \"ومن فضائله التي لا يلحقه فيها شيء: أن التوحيد إذا تم وكمل في القلب وتحقق تحققا كاملا بالإخلاص التام، فإنه يصير القليل من عمله كثيرًا، وتضاعف أعماله وأقواله بغير حصر ولا حساب، ورجحت كلمة الإخلاص في ميزان العبد بحيث لا تقابلها السماوات والأرض وعمارها من جميع خلق الله، كما في حديث\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه: (٣٤٩٩).\n(^٢) أخرجه مسلم: (٢٨٠٨)\n(^٣) الاستقامة (١/ ٤٦٦).","vol":"1","page":453},{"text":"أبي سعيد الخدري ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «قال موسى ﵇: يا رب علمني شيئا أذكرك وأدعوك به. قال: قل ياموسى لا إله إلا الله. قال: يا رب كل عبادك يقولون هذا. قال: يا موسى لو أن السماوات السبع وعامرهن غيري والأرضين السبع في كفة، ولا إله إلا الله فيكفة، مالت بهن لا إله إلا الل» \" (^١).\nوفي حديث البطاقة التي فيها لا إله إلا الله التي وزنت تسعة وتسعين سجلا من الذنوب، كل سجل يبلغ مد البصر، وذلك لكمال إخلاص قائلها، وكم ممن يقولها لا تبلغ هذا المبلغ؛ لأنه لم يكن في قلبه من التوحيد والإخلاص الكامل مثل ولا قريب مما قام بقلب هذا العبد\" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-186>٩٩. من ثمراته أن التوحيد يحرر العبد من رق المخلوقين والتعلق به.</span>\nقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المُنَافِقُون: ٨].\n- قال بعض السَّلف: \"النَّاس يطلبون العِزَّ بأبواب الملوك، ولا يجدونه إلَّا في طاعة الله\" (^٣).\n_________\n(^١) رواه ابن حبان (موارد الظمآن) ص ٥٧٧ حديث رقم (٢٣٢٤). والحاكم (المستدرك) ١/ ٥٢٨ وقال: (هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه). وقال الذهبي: (صحيح وفي تصحيح إسناده نظر؛ لأنه من رواية دراج عن أبي الهيثموهي رواية متكلم فيها). قال ابن حجر (تقريب التهذيب) ١/ ٢٣٥: (صدوق فيحديثه عن أبي الهيثم ضعيف. اهـ.\n(^٢) القول السديد شرح كتاب التوحيد. ص: ٢٤ - ٢٥.\n(^٣) إغاثة اللهفان لابن القيم (١/ ٤٨).","vol":"1","page":454},{"text":"- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"من كان إيمانه أقوى من غيره، كان جنده من الملائكة أقوى\" (^١).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"وَلنْ يَسْتَغْنِي الْقلب عَنْ جَمِيع الْمَخْلُوقَات إِلَّا بِأَنْ يكون الله هُوَ مَوْلَاهُ الَّذِي لَا يعبد إِلَّا إِيَّاه وَلَا يَسْتَعِين إِلَّا بِهِ وَلَا يتوكل إِلَّا عَلَيْهِ وَلَا يفرح إِلَّا بِمَا يُحِبهُ ويرضاه وَلَا يكره إِلَّا مَا يبغضه الرب ويكرهه وَلَا يوالى إِلَّا من وَالَاهُ الله وَلَا يعادي إِلَّا من عَادَاهُ الله وَلَا يحب إِلَّا لله وَلَا يبغض شَيْئا إِلَّا لله فَكلما قوي إخلاص دينه لله كملت عبوديته لله واستغناؤه عَنْ الْمَخْلُوقَات وبكمال عبوديته لله تكمل تبرئته من الْكبر والشرك\" (^٢).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀ \"ومن الشرك أن يدعو العبد غير الله كمن يستغيث في المخاوف والأمراض والفاقات بالأموات والغائبين … فإن هذا من الشرك الذي حرمه الله ورسوله باتفاق المسلمين\" (^٣).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"إذا ناجى العبد ربه في السحر واستغاث به، وقال: يا حي يا قيوم لا إله إلا أنت برحمتك أستغيث، أعطاه الله من التمكين ما لا يعلمه إلا الله\" (^٤).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"ومثل المتعلق بغير الله كمثل المستظل\n_________\n(^١) النبوات (ص ٤١٦).\n(^٢) العبودية (١/ ١٠٢).\n(^٣) مجموع الفتاوى ١١/ ٦٦٤.\n(^٤) مجموع الفتاوي ٢٨/ ٢٤٢.","vol":"1","page":455},{"text":"من الحر والبرد ببيت العنكبوت أوهن البيوت\" (^١).\n- قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀ \"فالتوحيد يحرِّر العبد من رِقّ المخلوقين والتعلُّقِ بهم، وخوفهم ورجائهم، والعمل لأجلهم، وهذا هو العزُّ الحقيقي، والشرف العالي، ويكون مع ذلك متعبِّدًا لله لا يرجو سواه، ولا يخشى إلا إيَّاه، وبذلك يتمُّ فلاحه، ويتحقّق نجاحه\" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-187>١٠٠. من ثمراته أن التوحيد هو الطريق إلى الفوز بمحبة الله ﷿</span>-.\nقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مَرْيَم: ٩٦].\n- عن أبي هريرة (ت: ٥٨ هـ) ﵁، عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إذا أحب الله العبد قال لجبرائيل: قد أحببت فلانًا فأحبه، فيحبه جبرائيل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله ﷿ قد أحب فلانًا فأحبوه، فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في الأرض»، وإذا أبغض العبد. قال مالك: لا أحسبه إلا قال في البغض مثل ذلك.\n- عن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄، قوله: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (٩٦)﴾ قال: \"الودّ من المسلمين في الدنيا، والرزق الحسن. واللسان الصادق\" (^٣).\n_________\n(^١) مدارج السالكين ١/ ٤٥٨.\n(^٢) القول السديد شرح كتاب التوحيد ص: ٢٤.\n(^٣) تفسير الطبري (سورة مريم: الآية: ٩٦).","vol":"1","page":456},{"text":"- عن مجاهد بن جبر (ت: ١٠٤ هـ) ﵀، في قوله سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرّحْمَنُ وُدّا قال: محبة في المسلمين في الدنيا\" (^١).\n- عن مجاهد بن جبر (ت: ١٠٤ هـ) ﵀، في قوله: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (٩٦)﴾ قال: يحبهم ويحببهم إلى خلقه\" (^٢).\n- عن مجاهد بن جبر (ت: ١٠٤ هـ) ﵀ ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (٩٦)﴾ قال: \"يحبهم ويحببهم إلى المؤمنين\" (^٣).\n- عن قتادة (ت: ١١٨ هـ) ﵀، في قوله: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (٩٦)﴾ قال: \"ما أقبل عبد الله إلا أقبل الله بقلوب العباد إليه، وزاده من عنده\" (^٤).\n- قال هرم بن حيان (ت: في أوائل القرن الثاني من الهجرة) ﵀: \"ما أقبل عبد بقلبه إلى الله ﷿ إلا أقبل الله بقلوب أهل الإيمان إليه حتى يرزقه مودتهم\" (^٥).\n- قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: \" ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (٩٦)﴾ [مَرْيَم: ٩٦] يقول: \"يجعل محبتهم في قلوب المؤمنين فيحبونهم\" (^٦).\n_________\n(^١) تفسير الطبري (سورة مريم: الآية: ٩٦).\n(^٢) تفسير الطبري (سورة مريم: الآية: ٩٦).\n(^٣) تفسير الطبري (سورة مريم: الآية: ٩٦).\n(^٤) تفسير الطبري (سورة مريم: الآية: ٩٦).\n(^٥) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة مريم: الآية: ٩٦).\n(^٦) تفسير مقاتل بن سليمان (سورة مريم: الآية: ٩٦).","vol":"1","page":457},{"text":"- قال الفراء (ت: ٢٠٧ هـ) ﵀: \" وقوله: ﴿وُدًّا﴾ يقول: \"يجعل الله لهم وُدّا في صدور المؤمنين\" (^١).\n- قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: \"لحبهم لله وتمام معرفتهم به، وتوقيرهم وتوحيدهم له، لا يشركون به شيئًا، بل يعبدونه وحده ويتوكلون عليه، ويلجؤون في جميع أمورهم إليه\" (^٢).\n- قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: \"هذا من نعمه على عباده، الذين جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح، أن وعدهم أنه يجعل لهم ودا، أي: محبة وودادا في قلوب أوليائه، وأهل السماء والأرض، وإذا كان لهم في القلوب ود تيسر لهم كثير من أمورهم وحصل لهم من الخيرات والدعوات والإرشاد والقبول والإمامة ما حصل\" (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-188>١٠١. من ثمراته أن التوحيد سبب لنيل ولاية الله.</span>\nقال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣)﴾ [يُونُس: ٦٢ - ٦٣].\n- قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: \"يقول تعالى ذكره:\n_________\n(^١) تفسير معاني القرآن للفراء (سورة مريم: الآية: ٩٦).\n(^٢) تفسير ابن كثير (سورة مريم: الآية: ٩٦).\n(^٣) تفسير ابن سعدي (سورة مريم: الآية: ٩٦).","vol":"1","page":458},{"text":"الذين صدقوا لله ورسوله، وما جاء به من عند الله، وكانوا يتَّقون الله بأداء فرائضه واجتناب معاصيه\" (^١).\n- قال مكي بن أبي طالب (ت: ٤٣٧ هـ) ﵀: \" قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣)﴾: أي: هم الذين آمنوا بالله ﷿ ورسوله، وبما جاء من عند الله سبحانه ﴿وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣)﴾: محارمه\" (^٢).\n- قال الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀: \"أي يتقون الشرك والمعاصي\" (^٣).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"العبد حبه لله هو محبة عبودية وافتقار، ليست كمحبة الرب لعبده، فإنها محبة استغناء وإحسان.\nولهذا قال تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإِسْرَاء: ١١١].\nفالرب لا يوالي عبده من ذل، كما يوالي المخلوق لغيره، بل يواليه إحسانا إليه، والولي من الولاية، والولاية ضد العداوة. وأصل الولاية الحب، وأصل العداوة البغض\" (^٤).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: عند قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ\n_________\n(^١) تفسير الطبري (سورة يونس الآية: ٦٣).\n(^٢) تفسير مكي بن أبي طالب (سورة يونس الآية: ٦٣).\n(^٣) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة يونس الآية: ٦٣).\n(^٤) منهاج السنة ٥/ ٣٥٢ ..","vol":"1","page":459},{"text":"يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ﴾ [ال عِمْرَان: ١٧٥].\n\"أي يخوفكم بأوليائه ويعظمهم في صدوركم فلا تخافوهم وأفردوني بالمخافة أكفكم إياهم\" (^١).\n- قال عمر بن الخطّاب (ت: ٢٣ هـ) ﵁: \"اقتربوا من أفواه المطيعين؛ واسمعوا منهم ما يقولون فإنه تتجلى لهم أمور صادقة. فالله ﷾ فطر عباده على الحنيفية: وهو حب المعروف وبغض المنكر فإذا لم تستحل الفطرة فالقلوب مفطورة على الحق فإذا كانت الفطرة مقومة بحقيقة الإيمان منورة بنور القرآن وخفي عليها دلالة الأدلة السمعية الظاهرة ورأى قلبه يرجح أحد الأمرين كان هذا من أقوى الأمارات عند مثله وذلك أن الله علم القرآن والإيمان. قال الله تعالى: ﴿* وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ [الشُّورَى: ٥١]. ثم قال: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشُّورَى: ٥٢]\n- وقال جندب بن عبد الله (ت: ٧٠ هـ تقريبًا) ﵁، وعبد الله بن عمر (ت: ٧٣ هـ): تعلمنا الإيمان ثم تعلمنا القرآن فازددنا إيمانا. وفي الصحيحين عن حذيفة، عن النبي ﷺ أنه قال: \" «إن الله أنزل الأمانة في جذر قلوب الرجال فعلموا من القرآن، وعلموا من السنة» \" (^٢).\n_________\n(^١) بدائع الفوائد ٢/ ٢٣٧.\n(^٢) مجموع الفتاوى ١٥/ ٤٧٤.","vol":"1","page":460},{"text":"- قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: \" ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، وصدقوا إيمانهم، باستعمال التقوى، بامتثال الأوامر، واجتناب النواهي \" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-189>١٠٢. من ثمراته أن الله تكفل لأهل التوحيد بحصول الهداية والتيسير لليسرى وإصلاح الأحوال والتسديد في الأقوال والأفعال.</span>\nقال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النُّور: ٥٥].\n- قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: \"ذكر -جل وعلا- في هذه الآية الكريمة أنه وعد الذين آمنوا وعملوا الصالحات من هذه الأُمّة: ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: ليجعلنهم خلفاء الأرض، الذين لهم السيطرة فيها، ونفوذ الكلمة، والآيات تدلُّ على أن طاعة الله بالإيمان به، والعمل الصالح سبب للقوَّة والاستخلاف في الأرض ونفوذ الكلمة؛ كقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ﴾ [الأَنفَال: ٢٦]. وقوله تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ\n_________\n(^١) تفسير ابن سعدي (سورة يونس الآية: ٦٣).","vol":"1","page":461},{"text":"(٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحَج: ٤٠ - ٤١] وقوله تعالى: ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (٧)﴾ [مُحَمَّد: ٧] إلى غير ذلك من الآيات، وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النُّور: ٥٥]؛ أي: كبني إسرائيل، ومن الآيات الموضحة لذلك قوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (٦)﴾ [القَصَص: ٥ - ٦] وقوله تعالى عن موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٢٩)﴾ [الأَعْرَاف: ١٢٩] وقوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ [الأَعْرَاف: ١٣٧]، إلى غير ذلك من الآيات … \" (^١).\nوقال ابن كثير: \"هذا وعدٌ من الله تعالى لرسوله صلوات الله وسلامه عليه بأنه سيجعل أمَّته خلفاء الأرض؛ أي: أئمَّة الناس والولاة عليهم، وبهم تصلح البلاد، وتخضع لهم العباد، ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ﴾ من الناس ﴿أَمْنا﴾ وحكمًا فيهم، وقد فعله ﵎ وله الحمد والمنَّة؛ فإنه ﷺ لم يمت حتى فتح الله عليه مكة وخيبر والبحرين وسائر جزيرة العرب وأرض اليمن بكمالها، وأخذ الجزية من مجوس هجر ومن بعض أطراف الشام، وهاداه\n_________\n(^١) \"تفسير الشنقيطي\": (النور: ٥٥).","vol":"1","page":462},{"text":"هرقل ملك الروم، وصاحب مصر وإسكندرية وهو المقوقس، وملوك عمان، والنجاشي ملك الحبشة الذي تملك بعد أصحمة ﵀ وأكرمه\" (^١).\n- قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي: \"ومنها: أن الله يدافع عن الموحدين أهل الإيمان شرور الدنيا والآخرة، ويمن عليهم بالحياة الطيبة والطمأنينة إليه والطمأنينة بذكره\" (^٢).\n- قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: \"فالذين يرتكبون جميع المعاصي ممن يتسمون باسم المسلمين، ثم يقولون: إن الله سينصرنا مغررون؛ لأنهم ليسوا من حزب الله الموعودين بنصره كما لا يخفى\" (^٣).\n- قال ابن القيم: \"الهداية لا نهاية لها، ولو بلغ العبد فيها ما بلغ ففوق هدايته هداية أخرى وفوق تلك الهداية هداية أخرى إلى غير غاية\" (^٤).\n- قال الإمام الربيع بن أنس ﵀ عند تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ [الأَنْعَام: ١٤٩] \"لا حجة لأحد عصى الله، ولكن لله الحجة البالغة على عباده\" (^٥).\n_________\n(^١) \"تفسير ابن كثير\": (النور: ٥٥).\n(^٢) القول السديد شرح. كتاب التوحيد ص: ٢٥.\n(^٣) أضواء البيان ٧/ ٢٥٢\n(^٤) الفوائد لابن القيم ١/ ١٣٠.\n(^٥) تفسير ابن أبي حاتم ٦/ ٤٥٦.","vol":"1","page":463},{"text":"<span data-type='title' id=toc-190>١٠٣. من ثمراته أن التوحيد يصحح الصلة بين الأحياء والأموات.</span>\n- قال ابن تيمية: \"فزيارة أهل التوحيد لقبور المسلمين تتضمن السلام عليهم والدعاء لهم وهي مثل الصلاة على جنائزهم. وزيارة أهل الشرك تتضمن أنهم يشبهون المخلوق بالخالق ينذرون له ويسجدون له ويدعونه ويحبونه مثل ما يحبون الخالق فيكونون قد جعلوه لله ندا وسووه برب العالمين\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-191>١٠٤. من ثمراته أن فقدان التوحيد وعدم تحصيل حقائق الإيمان يهوي بصاحبه في مقامات الظلم والحيرة والشرور ويبعده عن ولاية الله ونصره وتأييده.</span>\nقال تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠) حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (٣١)﴾ [الحَج: ٣٠ - ٣١].\n- قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: \"وقوله: ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ﴾ أي: مخلصين له الدين، منحرفين عن الباطل قصدا إلى الحق; ولهذا قال ﴿غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ ثم ضرب للمشرك مثلا في ضلاله وهلاكه وبعده عن الهدى فقال: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الحَج: ٣١] أي: سقط منها، ﴿فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ﴾، أي: تقطعه الطيور في الهواء، ﴿أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (٣١)﴾ [الحَج: ٣١] أي: بعيد مهلك لمن\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٢٧/ ٣٤٠.","vol":"1","page":464},{"text":"هوى فيه; ولهذا جاء في حديث البراء بن عازب ﵁: \"إن الكافر إذا توفته ملائكة الموت، وصعدوا بروحه إلى السماء، فلا تفتح له أبواب السماء، بل تطرح روحه طرحا من هناك \". ثم قرأ هذه الآية.\nوقد ضرب الله تعالى للمشرك مثلا آخر في سورة \" الأنعام \"، وهو قوله: ﴿قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٧١)﴾ [الأَنْعَام: ٧١] \" (^١).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"وشبه تارك الايمان والتوحيد بالساقط من السماء إلى أسفل سافلين، من حيث التضييق الشديد والآلام المتراكمة. والطير التي تتخطف أعضاءه وتمزقه كل ممزق بالشياطين التي يرسلها ﷾ عليه تؤزه أزا وتزعجه وتدفعه إلى مظان هلاكه. فكل شيطان له مزعة من دينه وقلبه، كما أن لكل طير مزعة من لحمه وأعضائه والريح التي تهوى به في مكان سحيق: هو هواه الذي يحملهعلى إلقاء نفسه في أسفل مكان وأبعده من السماء\" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-192>١٠٥. من ثمراته أن في التوحيد السلامة من الخسارة الدنيوية والآخروية.</span>\nقال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير سورة الحج (٣٠ - ٣١).\n(^٢) التفسير القيم صـ ٣٨٤ - ٣٨٥.","vol":"1","page":465},{"text":"الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العَصْر: ١ - ٣].\nوقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (١٠٥) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا﴾ [الكَهْف: ١٠٣ - ١٠٦].\n- قال ابن كثير: \"هي عامة في كل من عبد الله على غير طريقة مرضية يحسب أنه مصيب فيها، وأن عمله مقبول، وهو مخطئ، وعمله مردود\" (^١).\n- وقال القرطبي: \"فيه دلالة على أن من الناس من يعمل العمل وهو يظن أنه محسن وقد حبط سعيه، والذي يوجب إحباط السعي إما فساد الاعتقاد أو المراءاة، والمراد هنا الكفر\" (^٢).\nوالآيات في هذا المعنى كثيرة ومنها:\nقال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (٢) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (٣) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً (٤)﴾ [الغَاشِيَة: ٢ - ٤].\nوقوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفُرْقَان: ٢٣].\nوقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير سورة الكهف (١٠٣ - ١٠٦).\n(^٢) تفسير القرطبي سورة الكهف (١٠٣ - ١٠٦).","vol":"1","page":466},{"text":"جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ [النُّور: ٣٩].\nوقال تعالى: ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١٥)﴾ [الزُّمَر: ١٥].\nوقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المَائِدَة: ٥].\n- قال الفيروز زبادي: \"بمعنى التوحيد وكلمة الإيمان: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ أى بكلمة التوحيد\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-193>١٠٦. من ثمراته أن التوحيد سبب لزوال فقر العبد وفاقته.</span>\n- قال شيخ الإسلام ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"لا يزول فقر العبد وفاقته إلا بالتوحيد، وإذا حصل مع التوحيد الاستغفار؛ حصل للعبد غِناه، وسعادته، وزال عنه ما يعذبه\" (^٢).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"فشهادة التوحيد تفتح باب الخير، والاستغفار من الذنوب يغلق باب الشر. \" (^٣).\n- قال أبو إسحاق أحمد الثعلبي (ت: ٤٢٧ هـ) ﵀: \"ويحكى أنّ رجلا أتى عمر بن الخطّاب (ت: ٢٣ هـ) ﵁ فقال: ولّني مما ولاّك اللّه قال أتقرأ\n_________\n(^١) بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز ٢/ ١٥٠.\n(^٢) مجموع الفتاوى: ١/ ٥٦.\n(^٣) الفتاوى برى ٥/ ٢٣١ - ٢٣٢.","vol":"1","page":467},{"text":"القرآن؟ قال: لا. فقال: إنّا لا نولّي من لا يقرأ القرآن، فانصرف الرجل واجتهد في تعلّم القرآن رجاء أن يعود إلى عمر فيولّيه عملا، فلمّا تعلم القرآن تخلّف عن عمر، فرآه ذات يوم فقال: يا هذا هجرتنا، فقال: يا أمير المؤمنين لست ممّن يهجر، ولكنّي تعلّمت القرآن فأغناني اللّه تعالى عن عمر وعن باب عمر. فقال: أيُّ آية أغنتك، فقال: قول اللّه تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطَّلَاق: ٢ - ٣] \" (^١).\n- وقال سهل بن عبد اللهالتستري (ت: ٢٨٣ هـ) ﵀: \" ﴿مَنْ يَتَّقِ اللَّهَ﴾ في اتّباع السُّنّة ﴿يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢)﴾ من عقوبة أهل البدع، ويرزقه الجنّة من حيث لا يحتسب\" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-194>١٠٧. من ثمراته أن الله تكفل لأهل التوحيد بالأمن والطمأنينة والولاية ودخول الجنان.</span>\nقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠)﴾ [فُصِّلَت: ٣٠].\n- سئل أبو بكر الصديق (ت: ١٣ هـ) ﵁ عن الاستقامة فقال: \"أن لا\n_________\n(^١) تفسير الثعلبي -الكشف والبيان في تفسير القرآن- (سورة الطلاق: الآيات: ٢ - ٣).\n(^٢) تفسير الثعلبي -الكشف والبيان في تفسير القرآن- (سورة الطلاق: الآيات: ٣).","vol":"1","page":468},{"text":"تشرك بالله شيئًا\" (^١).\nقرأت عند أبي بكر الصديق (ت: ١٣ هـ) ﵁ هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ قال: هم الذين لم يشركوا بالله شيئًا\" (^٢).\n- قال مجاهد بن جبر (ت: ١٠٤ هـ) ﵀ وعكرمة (ت: ١٠٥ هـ) ﵀: \"استقاموا على شهادة أن لا إله إلا الله حتى لحقوا بالله\" (^٣).\n- قال وكيع بن الجراح (ت: ١٩٧ هـ) ﵀: \"البشرى تكون في ثلاث مواطن: عند الموت، وفي القبر، وعند البعث\" (^٤).\n- قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: \"يقول تعالى ذكره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ وحده لا شريك له، وبرئوا من الآلهة والأنداد، ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ على توحيد الله، ولم يخلطوا توحيد الله بشرك غيره به، وانتهوا إلى طاعته فيما أمر ونهى\" (^٥).\n- قال محمد بن عبد الرؤف المناوي (ت: ١٠٣١ هـ) ﵀: \"فإن من حاسب نفسه في الرخاء قبل حساب الشدة عاد أمره إلى الرضا والغبطة. ومن ألهاته حياته وشغلته أهواؤه، عادة أمره إلى الندامة والحسرة\" (^٦).\n_________\n(^١) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة فصلت الآية: ٣٠)\n(^٢) تفسير الطبري (سورة فصلت الآية: ٣٠)\n(^٣) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة فصلت الآية: ٣٠)\n(^٤) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة فصلت الآية: ٣٠)\n(^٥) تفسير الطبري (سورة فصلت الآية: ٣٠)\n(^٦) فيض القدير ٣/ ٥٢٤.","vol":"1","page":469},{"text":"<span data-type='title' id=toc-195>١٠٨. من ثمراته أن التوحيد ضمان للنجاة.</span>\nفأهل التوحيد هم أهل النجاة\nقال ﷿: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٧) وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (١٨)﴾ [فُصِّلَت: ١٧ - ١٨].\n- قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: \" ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ [فُصِّلَت: ١٧] يعني بينا لهم، ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فُصِّلَت: ١٧] يقول: اختاروا الكفر على الإيمان، ﴿فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ﴾ [فُصِّلَت: ١٧] يعني صيحة جبريل ﵇، ﴿الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [فُصِّلَت: ١٧] آية، يعني يعملون من الشرك\" (^١).\n- قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: \"وقوله: ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فُصِّلَت: ١٧] يقول: فاختاروا العمى على البيان الذي بيّنت لهم، والهدى الذي عرفتهم، بأخذهم طريق الضلال على الهدى، يعني على البيان الذي بيّنه لهم، من توحيد الله\" (^٢).\n- قال عمر بن أحمد بن عثمان البغدادي المعروف بـ ابن شاهين (ت ٣٨٥ هـ) ﵀: \"أهل النجاة هم العالمون بالصلاح من الفساد عند اختلاف الناس، فمن لم يعرف الحق، وقع في الباطل، ومن عرف الباطل اجتنبه\" (^٣).\n_________\n(^١) تفسير مقاتل بن سليمان (سورة فصلت: الآيات: ١٧ - ١٨).\n(^٢) تفسير الطبري (سورة فصلت: الآيات: ١٧ - ١٨).\n(^٣) كتاب شرح مذاهب أهل السنة ومعرفة شرائع الدين والتمسك بالسنن ص: ٣٥.","vol":"1","page":470},{"text":"- قال الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀: \"قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ دعوناهم، قال مجاهد بن جبر، وقال ابن عباس: بينا لهم سبيل الهدى. وقيل: دللناهم على الخير والشر، كقوله: ﴿هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ [الإِنسَان: ٣] ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فُصِّلَت: ١٧] فاختاروا الكفر على الإيمان، ﴿فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ﴾ [فُصِّلَت: ١٧] أي: مهلكة العذاب، ﴿الْهُونِ﴾ أي: ذي الهوان، أي: الهوان، وهو الذي يهينهم ويخزيهم. ﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٧) وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [فُصِّلَت: ١٧ - ١٨] \" (^١).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"وإنما ضمنت النجاة لمن حكم هدى الله تعالى على غيره، وتزود التقوى، وأتم بالدليل وسلك الصراط المستقيم، واستمسك من التوحيد واتباع الرسول ﷺ بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها، والله سميع عليم\" (^٢).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"ما سلبت النعم إلا بترك تقوى الله، والإساءة للناس\" (^٣).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"إذا أراد الله بعبد خيرا أقام في قلبه شاهدا يعاين به حقيقة الدنيا والآخرة. ويؤثر منهما ما هو أولى بالإيثار\" (^٤).\n_________\n(^١) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة فصلت: الآيات: ١٧ - ١٨).\n(^٢) اجتماع الجيوش الإسلامية ١/ ٨٣.\n(^٣) أحكام أهل الذمة ١/ ٢١.\n(^٤) مدارج السالكين ٢/ ١٢.","vol":"1","page":471},{"text":"<span data-type='title' id=toc-196>الفصل الثالث:\nمسميات التوحيد\nفي النصوص الشرعية</span>","vol":"1","page":473},{"text":"<span data-type='title' id=toc-197>تمهيد</span>\nمما يبين أهمية التوحيد وثمراته معرفة أسماء التوحيد في النصوص الشرعية، فتلك المعرفة تكسب العبد المؤمن مزيد علم ومعرفة بأن تلك النصوص قد أريد بها التوحيد، وهذا جانب قد لا يعرفه كثير من الناس ويترتب على ذلك قلة معرفتهم بنصوص التوحيد وما دلت عليه، والواجب والمتعين أن تكون هناك عناية بمعرفة بأسماء التوحيد في النصوص الشرعية واستعمالاتها وما أرشدت إليه من أمور شريفة.\nوقد تعددت مسميات التوحيد في النصوص الشرعية وتنوعت معانيها بما يظهر محاسنها ويدل على مكانة التوحيد وفضله.\nوهذه المسميات يمكن التعرف عليها من خلال تتبع نصوص القرآن الكريم، والسنة النبوية، والآثار المروية عن سلف الأمة، ومظنة وجودها تكون من خلال مطالعة كتب تفسير القرآن والكتب التي اعتنت بعلومه، وكذا كتب السنة وشروحها، وأيضًا بالرجوع لكتب الاعتقاد.\nوممن وقفت على من قام بجمع قدر منها الفجر الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀، في كتابه \"عجائب القرآن\" (^١)، حيث عقد الفصل الثالث من هذا الكتاب لعد أسماء التوحيد وبلغ مجموع ما ذكره أربعة وعشرين اسمًا على النحو الآتي:\n١. كلمة التوحيد … ٢. كلمة الإخلاص … ٣. الصراط … ٤. العروة الوثقى\n٥. كلمة العدل … ٦. الطيب من القول … ٧. الدين … ٨. القول الثابت\n٩. كلمة التقوى … ١٠. الكلمة الباقية … ١١. السديد … ١٢. المثل الأعلى\n١٣. كلمة السواء … ١٤. كلمة النجاة … ١٥. العهد … ١٦. كلمة الاستقامة\n١٧. مقاليد السموات والأرض … ١٨. كلمة الله العليا … ١٩. البر … ٢٠. الكلمة الطيبة\n٢١. كلمة الإحسان … ٢٢. كلمة الحق … ٢٣. دعوة الحق … ٢٤. كلمة الصدق (^٢)\nوأحببت أن أدلي بدلوي بتتبع هذه الأسماء وجمع كلام العلماء فيها لتقريبها لطالب العلم وتسهيل وصولهم إليها.\nوقد نوه العلماء على أن كثرة الأسماء مع حسنها تدل على تدل على كمال المسمى وعظمه وعلوه وشرفه وفضيلته وسمو درجته في أمر من الأمور.\nكما تدل كذلك على كثرة الصفات والمحامد والوظائف التي يقوم بها\n_________\n(^١) انظر: عجائب القرآن صـ ٤٦ - ٧٢.\n(^٢) انظر: عجائب القرآن صـ ٤٦ - ٧٢.","vol":"1","page":475},{"text":"المسمى بتلك الأسماء؛ وقد أكد غير واحد من العلماء هذا المقصد في أقوالهم ومن ذلك ما ذكره كل من:\n- روي عن علي بن أبي طالب (ت: ٤٠ هـ) ﵁: \"كثرة الأسماء تدل على عظم المسمى\" (^١).\n- وقال أبو زكريا يحيى بن شرف النووي (ت: ٦٧٦ هـ) ﵀: \"وقد قالوا كثرة الأسماء تدل على شرف المسمى\" (^٢).\n- وقال ابن عماد الأقفهسي (ت: ٨٠٨ هـ) ﵀: \"ومعلوم أن كثرة الأسماء تدل على شرف المسمى، أو عظمه، أو تهويل أمره\" (^٣).\n- وقال محمد بن يعقوب الفيروزأبادي (ت: ٨١٧ هـ) ﵀: \"اعلم أن كثرة الأسماء تدل على شرف المسمى أو كماله في أمر من الأمور، أما ترى أن كثرة أسماء الأسد دلت على كمال قوته، وكثرة أسماء القيامة دلت على كمال شدته وصعوبته وكثرة أسماء الداهية دلت على شدة نكايتها، وكذلك كثرة أسماء الله تعالى دلت على كمال جلال عظمته، وكثرة أسماء النبي ﷺ دلت على علو رتبته وسمو درجته، وكذلك كثرة أسماء القرآن دلت على شرفه وفضيلته\" (^٤).\n_________\n(^١) أضواء البيان (سورة القارعة: الآية: ١).\n(^٢) المجموع شرح المهذب ٨/ ٣.\n(^٣) الإرشاد ٢/ ٥٧٤.\n(^٤) بصائر ذوي التمييز ١/ ٨٨.","vol":"1","page":476},{"text":"- وقال علي بن عبد الله السمهودي (ت: ٩١١ هـ) ﵀: \" كثرة الأسماء تدل على شرف المسمى\" (^١).\n- قال السيوطى (ت: ٩١١ هـ) ﵀: \"كثرة الأسماء دالة على شرف المسمى\" (^٢).\n- وقال العلامة محمد بن إسماعيل البرديسي (ت: ١٠٩٠ هـ) ﵀: \"اعلم أن العرب تسمي الشيء بأسماء كثيرة، وتجعل له ألقابا عديدة؛ تعظيما لشأنه، وإكبارا لأمره\" (^٣).\n- وقال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"الرب تعالى لم يذكر للعباد من صفات ملائكته وشأنهم وأفعالهم وأسمائهم عشر معشار ما ذكر لهم من نعوت جلاله وصفات كماله وأسمائه وأفعاله\" (^٤).\nوقد تعددت مسميات التوحيد في النصوص الشرعية وتنوعت معانيها بما يظهر محاسنها ويدل على مكانة التوحيد وفضله.\nوهذه المسميات يمكن التعرف عليها من خلال تتبع نصوص القرآن الكريم، والسنة النبوية، والآثار المروية عن سلف الأمة، ومظنة وجودها تكون من خلال مطالعة كتب تفسير القرآن والكتب التي اعتنت بعلومه، وكذا كتب\n_________\n(^١) خلاصة الوفا بأخبار دار المصطفى ١/ ١٩.\n(^٢) الإتقان في علوم القرآن ١/ ١٨٧.\n(^٣) الحياة الآخرة للعواجي: (١/ ٤٥)، أشراط الساعة للوابل: ص (٣٧).\n(^٤) الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة ١/ ٣٦٧.","vol":"1","page":477},{"text":"السنة وشروحها، وأيضًا بالرجوع لكتب الاعتقاد.\n\nوممن وقفت على من قام بجمع قدر منها الفخر الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀، في كتابه \"عجائب القرآن\"، حيث عقد الفصل الثالث من هذا الكتاب لعد أسماء التوحيد وبلغ مجموع ما ذكره أربعة وعشرين اسمًا على النحو الآتي (^١):\n١ - كلمة التوحيد.\n٢ - كلمة الإخلاص.\n٣ - كلمة الإحسان.\n٤ - دعوة الحق.\n٥ - كلمة العدل.\n٦ - الطيب من القول.\n٧ - الكلمة الطيبة.\n٨ - القول الثابت.\n٩ - كلمة التقوى.\n١٠ - الكلمة الباقية.\n١١ - كلمة الله العليا.\n١٢ - المثل الأعلى.\n١٣ - كلمة السواء.\n١٤ - كلمة النجاة.\n١٥ - العهد.\n١٦ - كلمة الاستقامة.\n١٧ - مقاليد السموات والأرض.\n١٨ - السديد.\n١٩ - البر.\n٢٠ - الدين.\n٢١ - الصراط.\n٢٢ - كلمة الحق.\n٢٣ - العروة الوثقى.\n٢٤ - كلمة الصدق.\nوأحببت أن أدلي بدلوي بتتبع هذه الأسماء وجمع كلام العلماء فيها لتقريبها لطالب العلم وتسهيل وصولهم إليها\nفمن مسميات التوحيد:\n\n<span data-type='title' id=toc-198>الاسم الأول: التوحيد.</span>\nجاء التعبير عن هذا الاسم بألفاظ متعددة في تصريفها مثل: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: ٥] ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البَقَرَةِ: ١٦٣] ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [المَائِدَة: ٧٣] ﴿تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ\n_________\n(^١) انظر: عجائب القرآن صـ ٤٦ - ٧٢.","vol":"1","page":478},{"text":"وَحْدَهُ﴾ [المُمْتَحنَة: ٤] ﴿لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ﴾ [الأَعْرَاف: ٧٠]، ﴿إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ﴾ [غَافِر: ١٢] ﴿أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [يُوسُف: ٣٩] ﴿اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإِخْلَاص: ١].\nو\"واحدًا\"، و\"واحد\"، و\"وحده\"، و\"الواحد\"، و\"أحد\"، جميعها تعني توحيد الله.\nفكلمة التوحيد أصلها من \"وحد\".\n- قال ابن فارس (ت: ٣٩٥ هـ) ﵀: \" (وحد) الواو، والحاء، والدال: أصل واحد يدل على الانفراد\" (^١).\n- قال ابن منظور (ت: ٧١١ هـ) ﵀: \"التوحيد: مصدر من: وحد يوحد توحيدًا؛ إذا أفرده وجعله واحدًا\" (^٢).\n- قال أبو القاسم التيمي (ت: ٥٣٥ هـ) ﵀: \"التوحيد على وزن التفعيل، وهو مصدروحًدته توحيدّا …، ومعنى وحدته: جعلته منفردا عما يشاركه أو يشبهه في ذاته وصفاته …، فالله تعالى واحد، أَي: منفرد عن الأنداد والأشكال فيجميع الأحوال\" (^٣).\nومما ورد في الدلالة على هذا الاسم في القرآن الكريم:\nقال تعالى: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ\n_________\n(^١) معجم مقاييس اللغة لابن فارس (٦/ ٩٠).\n(^٢) لسان العرب لابن منظور (٣/ ٤٤٨).\n(^٣) الحجة في بيان المحجة (١/ ٣٣٢).","vol":"1","page":479},{"text":"لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٣)﴾ [البَقَرَةِ: ١٣٣].\nقال تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البَقَرَةِ: ١٦٣].\nقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣)﴾ [المَائِدَة: ٧٣].\nقال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٤)﴾ [المُمْتَحنَة: ٤]\nقال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾ [التَّوْبَة: ٣١].\nقال تعالى: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥)﴾ [ص: ٥].\nقال تعالى: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧٠)﴾ [الأَعْرَاف: ٧٠].\nقال تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (١٢)﴾ [غَافِر: ١٢].\nقال تعالى: ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩)﴾ [يُوسُف: ٣٩].","vol":"1","page":480},{"text":"قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإِخْلَاص: ١].\nوبالإضافة لما تقدم فقد تعددت التعبيرات في نصوص القرآن عن التوحيد بألفاظ كثيرة منها \"العبادة\" و\"الدين\" و\"والإيمان\" وغير ذلك كثير.\nقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البَقَرَةِ: ٢١].\n- قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: \"وحدوا\" (^١).\n- قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: \"كل عبادة في القرآن فهو التوحيد\" (^٢).\n- قال منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (ت ٤٨٩ هـ) ﵀: \"وقد قيل: إن قوله: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ أي: وحدوا الله، وكل عبادة في القرآن بمعنى التوحيد\" (^٣)\nقال تعالى: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأَنفَال: ٣٩]\n- قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: \"يخلص له التوحيد\" (^٤)، فالدين عنده هو التوحيد.\nقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ﴾ [المَائِدَة: ٥].\n_________\n(^١) الدر المنثور للسيوطي ١/ ٨٥.\n(^٢) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١٨/ ١٩٣، وانظر: زاد المسير لابن الجوزي ١/ ١٤، ٤/ ٧٥، البحر الرايق لابن نجيم ١/ ٢٩١.\n(^٣) تفسير السمعاني ٤/ ١٧٣.\n(^٤) زاد المسير ١/ ٢٠٠، وانظر: جامع البيان ٩/ ٢٤٩.","vol":"1","page":481},{"text":"قال عطاء بن أبي رباح (ت: ١١٤ هـ) ﵀ في قال: \"الإيمان التوحيد\" (^١).\nومن السنة:\n- قوله ﷺ لمعاذ (ت: ١٨ هـ) ﵁، لما بعثه إلى اليمن: «إنك تأتي قوما من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إلى أن يوحدوا الله تعالى» (^٢).\n- عن جابر (ت: ٧٨ هـ) ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «يعذب ناس من أهل التوحيد في النار حتى يكونوا فيها حمما ثم تدركهم الرحمة فيخرجون ويطرحون على أبواب الجنة» قال: «فيرش عليهم أهل الجنة الماء فينبتون كما ينبت الغثاء في حمالة السيل ثم يدخلون الجنة» (^٣).\n- عن عبد الله بن عمر (ت: ٧٣ هـ) ﵄، قال: \"بني الإسلام على خمسة: على أن يوحد الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، والحج. فقال رجل: الحج، وصيام رمضان؟ قال: لا، صيام رمضان، والحج. هكذا سمعته من رسول الله ﷺ \" (^٤).\nفي حديث صفة حج النبي ﷺ، قال جابر (ت: ٧٨ هـ) ﵁: \"فأهل بالتوحيد، لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٦ (تفسير سورة المائدة: الآية: ٥).\n(^٢) أخرجه البخاري في كتاب التوحيد، باب ما جاء في دعاء النبي أمته إلى توحيد الله ﵎ ٤/ ٣٧٨، ح ٧٣٧٢.\n(^٣) أخرجه البخاري (٦٢١٧)، ومسلم في (٣١١ - ٣١٢ - ٣١٣ - ٣١٤) ..\n(^٤) أخرجه مسلم في صحيحه (١٦) ..","vol":"1","page":482},{"text":"والنعمة لك والملك، لا شريك لك\" (^١).\n- عن جابر (ت: ٧٨ هـ) ﵁ عند قوله ﴿اتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّى﴾ [البَقَرَةِ: ١٢٥] قال: \"فقرأ فيهما بالتوحيد وقل يا أيها الكافرون\" (^٢).\n- عن عمرو بن شعيب (ت: ١١٨ هـ) ﵀، عن أبيه (ت: لم أقف على تاريخ وفاته) ﵀، عن جده (ت: ٦٥ هـ) ﵁: \"أن العاص بن وائل نذر في الجاهلية أن ينحر مائة بدنة وأن هشام بن العاص نحر حصته خمسين بدنة وأن عمرا سأل النبي ﷺ عن ذلك؟ فقال: «أما أبوك، فلو كان أقر بالتوحيد، فصمت، وتصدقت عنه، نفعه ذلك» (^٣).\n- عن أبي هريرة (ت: ٥٨ هـ) رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ وغير واحد، عن الحسن (ت: ١١٠ هـ)، وابن سيرين (ت: ١١٠ هـ)، عن النبي ﷺ قال: «كان رجل ممن كان قبلكم لم يعمل خيرا قط إلا التوحيد، فلما احتضر قال لأهله: انظروا إذا أنا مت أن يحرقوه حتى يدعوه حمما، ثم اطحنوه، ثم أذروه فما يوم ريح، فلما مات فعلوا ذلك به، فإذا هو في قبضة الله، فقال الله ﷿: يا ابن آدم، ما حملك على ما فعلت؟، قال: أي رب من مخافتك، قال:\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في كتاب الحج باب حجة النبي ﷺ ٢/ ٨٨٦ - ٨٨٧، ح ١٢١٨.\n(^٢) أخرجه أبو داود في سننه (١٩٠٩) قال عنه الألباني في صحيح أبي داود وضعيف \"صحيح\".\n(^٣) أخرجه أبو داود في سننه (٢٨٨٣)؛ وأحمد في مسنده (٦٧٠٤) بزيادة \"فصمت\"؛ وابن أبي شيبة في المصنف (١٢٢٠٤)؛ وقال عنه الألباني في أحكام الجنائز (٢١٨): \"إسناده حسن\"؛ وكذا قال عنه في صحيح أبيداود: (٢٨٨٣)، وانظر: الصحيحة (٤٨٤).","vol":"1","page":483},{"text":"فغفر له بها، ولم يعمل خيرا قط إلا التوحيد» (^١).\nومن أقوال السلف:\n- عن مجاهد بن جبر (ت: ١٠٤ هـ) ﵀، عند تفسير قوله تعالى: ﴿يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ (٢)﴾ [الحِجْر: ٢] قال: يقول أهل النار للموحدين: ما أغنى عنكم إيمانكم؟ قال: فإذا قالوا ذلك، قال: «أَخْرِجُوا من كان في قلبه مثقال ذرّة فعند ذلك ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ (٢)﴾ [الحِجْر: ٢]» \" (^٢).\n- عن حماد بن أبي سليمان (ت: ١١٩ هـ) ﵀، قال: سألت إبراهيم\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد في المسند (٨٠٢٧) وقال أحمد شاكر: \"هو بإسنادين:\nأولهما: من حديث أبي هريرة، وهو إسناد صحيح متصل.\nوالثاني: مرسل عن الحسن وابن سيرين، فهو ضعيف لإرساله. وزاده ضعفا أنه من رواية حماد عن مجاهيل: عن غير واحد عن الحسن وابن سيرين. والحديث في جامع المسانيد ٧: ٤٢١، عن هذا الموضع. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ١٠: ١٩٥، عن هذا الموضع، ولكن لم يذكر فيه \"عن الحسن\"، بل ذكر \"عن ابن سيرين\". ثم قال: \"رواه كله أحمد، ورجال سند أبي هريرة رجال الصحيح، وفي سند ابن سيرين من لم يسم\". وقال أيضا: \"حديث أبي هريرة في الصحيح. غير قوله: إلا التوحيد\". وحديث أبي هريرة هذا، مضى: ٣٧٨٦، عن يحيى، عن حماد، بهذا الإسناد عن أبي هريرة، ولكن ذكر تبعا لحديث بمعناه: ٣٧٨٥ عن ابن مسعود- \"مثله\"، فلم يذكر لفظه هناك. وأما حديثه الذي في الصحيح - الذي أشار إليه الهيثمي - فقد مضى: ٧٦٣٥، من رواية الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة. وبينا هناك تخريجه في الصحيحين\".\nوقال الألباني في السلسلة الصحيحة: (٣٠٤٨): إسناده صحيح.\n(^٢) تفسير جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري. (سورة الحجر: الآية: ٢).","vol":"1","page":484},{"text":"النخعي (ت: ٩٦ هـ) ﵀، عن قول الله ﷿: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ (٢)﴾ [الحِجْر: ٢] قال: الكفار يعيّرون أهل التوحيد: ما أغنى عنكم لا إله إلا الله؟ فيغضب الله لهم، فيأمر النبيين والملائكة فيشفعون، فيخرج أهل التوحيد، حتى إن إبليس ليتطاول رجاء أن يخرج، فذلك قوله: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ (٢)﴾ \" (^١).\n- عن سعيد بن جبير (ت: ٩٥ هـ) ﵀، وإبراهيم النخعي (ت: ٩٦ هـ) ﵀، وغير واحد من التابعين في تفسير هذه الآية ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ (٢)﴾ [الحِجْر: ٢] قالوا: إذا أخرج أهل التوحيد من النار وأدخلوا الجنة ود الذين كفروا لو كانوا مسلمين \" (^٢).\nعن الضحاك بن مزاحم (ت: ١٠٢ هـ) ﵀ في قوله: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ (٢)﴾ [الحِجْر: ٢] قال: \"فيها وجهان اثنان، يقولون: إذا حضر الكافر الموت ودّ لو كان مسلما.\nويقول آخرون: بل يعذّب الله ناسا من أهل التوحيد في النار بذنوبهم، فيعرفهم المشركون فيقولون: ما أغنت عنكم عبادة ربكم وقد ألقاكم في النار؟ فيغضب لهم فيخرجهم، فيقول: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الحِجْر: ٢] \" (^٣).\n_________\n(^١) تفسير جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري. (سورة الحجر: الآية: ٢).\n(^٢) سنن الترمذي (٢٦٣٨).\n(^٣) تفسير جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري. (سورة الحجر: الآية: ٢).","vol":"1","page":485},{"text":"- قال الترمذي (ت: ٢٧٩ هـ) ﵀: \"الروايات إنما تجيء بأن أهل التوحيد يعذبون في النار ثم يخرجون منها ولم يذكر أنهم يخلدون فيها\" (^١).\n- قال الإمام الدارمي ﵀ (ت: ٢٨٠ هـ): \"وتفسير التوحيد عند الأمة، وصوابه، قول لا إله إلا الله وحده لا شريك له\" (^٢).\n- وقال إمام الشافعية أبو العباس بن سريج (ت: ٣٠٦ هـ) ﵀: \"توحيد أهل العلم وجماعة المسلمين أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله\" (^٣).\n- قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀ في تفسير قوله تعالى: ﴿إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [البَقَرَةِ: ١٣٣]: \"أي نخلص له العبادة، ونوحد له الربوبية، فلا نشرك به شيئا، ولا نتخذ دونه ربا\" (^٤).\n- قال الطحاوي (ت: ٣٢١ هـ) ﵀ في بيان التوحيد: \"نقول في توحيد الله معتقدين بتوفيق الله: إن الله واحد لا شريك له ولا شيء مثله ولاشيء يعجزه\" (^٥).\n- قال الآجري (ت: ٣٦٠ هـ) ﵀: \"إن التوحيد هو قول لا إله إلا الله\n_________\n(^١) سنن الترمذي (٢٠٤٤) ٤/ ٣٨٦.\n(^٢) رد الإمام الدارمي عثمان بن سعيد على بشر المريسي للإمام الدارمي ص ٦.\n(^٣) الحجة في بيان المحجة لأبي القاسم التيمي ١/ ٩٦ - ٩٧، بيان تلبيس الجهمية لابن تيمية ١/ ٤٨٧، التسعينية ضمن الفتاوى الكبرى لابن تيمية ٥/ ٢٠٦، إعلام الموقعين عن رب العالمين لابن القيم ٤/ ١٩١.\n(^٤) جامع البيان ١/ ٥٦٢.\n(^٥) متن العقيدة الطحاوية للإمام الطحاوي ص ٦.","vol":"1","page":486},{"text":"محمدا رسول الله موقنا من قلبه\" (^١).\n- قال الخطابي (ت: ٣٨٨ هـ) ﵀: \"وكان عند أسامة أنه إنما تكلم بكلمة التوحيد مستعيذا من القتل لا مصدقا به فقتله على أنه كافر مباح الدم\" (^٢).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"حقيقة التوحيد أن نعبد الله وحده، فلا يدعى إلا هو ولا يخشى إلا هو، ولا يتقى إلا هو ولا يتوكل إلا عليه، ولا يكون الدين إلا له، لا لأحد من الخلق\" (^٣).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"توحيد الرسل إثبات صفات الكمال لله على وجه التفصيل، وعبادته وحده لا شريك له، فلا يجعل له ندا في قصد ولا حب ولا خوف ولا رجاء ولا لفظ ولا حلف ولا نذر، بل يرفع العبد الأنداد له من قلبه وقصده ولسانه وعبادته\" (^٤).\n- قال ابن أبي العز (ت: ٧٩٢ هـ) ﵀: \" كلمة التوحيد التي دعت إليها الرسل كلها، كما تقدم ذكره. وإثبات التوحيد بهذه الكلمة باعتبار النفي والإثبات المقتضي للحصر، فإن الإثبات المجرد قد يتطرق إليه الاحتمال. (^٥).\n_________\n(^١) الشريعة للآخري صـ ١٠١.\n(^٢) معالم السنن للخطابي ٢/ ٢٧٠.\n(^٣) منهاج السنة النبوية لابن تيمية ٣/ ٤٩٠.\n(^٤) الروح لابن القيم صـ ٣٨٦.\n(^٥) شرح العقيدة الطحاوية ١/ ٧٢ - ٧٣ ..","vol":"1","page":487},{"text":"<span data-type='title' id=toc-199>الاسم الثاني: ومن أسماء التوحيد \"العبادة\".</span>\nقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)﴾ [البَقَرَةِ: ٢١].\n- قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: كل ما ورد في القرآن من العبادة فمعناها التوحيد\" (^١).\n- قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: \" ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾: \"وَحّدوا ربكم\" (^٢).\n- قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: \"قال الله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ للفريقين جميعا من الكفار والمنافقين، أي وحدوا ربكم ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ \" (^٣).\n- قال أبو منصور الماتريدي (ت: ٣٣٣ هـ) ﵀: \"وقوله: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾: وحدوا ربكم؛ جعل العبادة عبارة عن التوحيد لأن العبادة التي هي لله لا تكون، ولا تخلص له إلا بالتوحيد\" (^٤).\n- قال أبو إسحاق أحمد الثعلبي (ت: ٤٢٧ هـ) ﵀: \" ﴿اعْبُدُوا﴾ وحّدوا وأطيعوا\" (^٥).\n_________\n(^١) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة البقرة: الآية: ٢١).\n(^٢) تفسير ابن أبي حاتم (سورة البقرة: الآية: ٢١)، وتفسير جامع البيان عن تأويل آي القران للطبري. (سورة البقرة: الآية: ٢١)، وأورده السيوطي في الدر المنثور (سورة البقرة: الآية: ٢١)، وعزاه لابن اسحق وابن جرير وابن أبي حاتم.\n(^٣) تفسير جامع البيان عن تأويل آي القران للطبري. (سورة البقرة: الآية: ٢١).\n(^٤) تفسير تأويلات أهل السنة للماتريدي. (سورة البقرة: الآية: ٢١).\n(^٥) تفسير الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي. (سورة البقرة: الآية: ٢١).","vol":"1","page":488},{"text":"- قال الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀ عند تفسيرها: \" ﴿اعْبُدُوا﴾ \"وحدوا\" (^١).\n- قال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ) ﵀: \"قوله تعالى: ﴿اعْبُدُوا﴾ أمر بالعبادة له. والعبادة هنا عبارة عن توحيده والتزام شرائع دينه\" (^٢).\nقوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النِّسَاء: ٣٦].\n- قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: \" ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ﴾، يعني وحدوا الله، ﴿وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾، لأن أهل الكتاب يعبدون الله في غير إخلاص، فلذلك قال الله: ﴿وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ من خلقه\" (^٣).\n- قال أبو منصور الماتريدي (ت: ٣٣٣ هـ) ﵀: \" ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ﴾ قيل: وحدوا الله\" (^٤).\n- قال أبو إسحاق أحمد الثعلبي (ت: ٤٢٧ هـ) ﵀: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ﴾ \"وحّدوا الله وأطيعوه\" (^٥).\n- قال الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ﴾ أي: وحدوه وأطيعوه\" (^٦).\n_________\n(^١) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة البقرة: الآية: ٢١).\n(^٢) تفسير الجامع لأحكام القرآن للقرطبي. (سورة البقرة: الآية: ٢١).\n(^٣) تفسير مقاتل بن سليمان (النساء: الآية: ٣٦).\n(^٤) تفسير تأويلات أهل السنة للماتريدي. (النساء: الآية: ٣٦).\n(^٥) تفسير الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي. (النساء: الآية: ٣٦).\n(^٦) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (النساء: الآية: ٣٦).","vol":"1","page":489},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذَّارِيَات: ٥٦]،\n- قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾، يعني إلا ليوحدون\" (^١).\n- وقال يحيى بن زياد الفراء (ت: ٢٠٧ هـ) ﵀: \"وقوله ﵎: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾، إلا ليوحِّدوني\" (^٢).\n- قال الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀ عند تفسيرها: وقيل: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ إلا ليوحدون\" (^٣).\n- قال الإمام القرطبي (ت: ٦٧١ هـ) ﵀: \"قيل: إن هذا خاصٌّ فيمن سبَق في علم الله تعالى أنه يعبُدُه، فجاء بلفظ العموم ومعناه الخصوص، والمعنى: وما خلقتُ أهلَ السعادة من الجن والإنس إلا ليوحِّدون\" (^٤).\n- قال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ) ﵀: \"قال الله ﷿: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ [الذَّارِيَات: ٥٦ - ٥٨] والمعنى: ما خلقت الجن والإنس إلا ليُوحِّدونِ (^٥).\n_________\n(^١) تفسير مقاتل بن سليمان (سورة الذاريات: الآية: ٥٦).\n(^٢) تفسير معاني القرآن للفراء (سورة الذاريات: الآية: ٥٦).\n(^٣) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة الذاريات: الآية: ٥٦).\n(^٤) تفسير القرطبي (الذاريات ٥٦).\n(^٥) تفسير القرطبي، ١٧/ ٥٧.","vol":"1","page":490},{"text":"<span data-type='title' id=toc-200>الاسم الثالث: ومن أسماء التوحيد \"الدين\".</span>\nقال محمد بن يعقوب الفيروزأبادي (ت: ٨١٧ هـ) ﵀: \"والدين ورد فى القرآن بمعنى التوحيد والشهادة ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [ال عِمْرَان: ١٩] ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزُّمَر: ٣] ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾ [ال عِمْرَان: ٨٣]، أي: التوحيد وله نظائر\" (^١).\nقال تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٥٦].\n- قال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ) ﵀: قوله تعالى: \" ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ الدين في هذه الآية المعتقد والملة بقرينة قوله: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ \" (^٢).\n- قال أبو حيان الأندلسي (ت: ٧٤٥ هـ) ﵀: \"الدين هنا ملة الإسلام واعتقاده، والألف واللام للعهد\" (^٣).\n- قال عبد الرحمن الثعالبي المالكي (ت: ٨٧٥ هـ) ﵀: \"الدِّينُ، في هذه الآية: هو المُعْتَقَدُ، والمِلَّة\" (^٤).\n- قال الحسن بن محمد النيسابوري (ت: ٨٥٠ هـ) ﵀: \" وقوله سبحانه: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ الآية: لما بيَّن دلائل التوحيد بيانًا\n_________\n(^١) بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز ٢/ ٦١٧.\n(^٢) تفسير الجامع لأحكام القرآن للقرطبي. (سورة البقرة: الآية: ٢٥٦).\n(^٣) تفسير البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي. (سورة آل عمران: الآية: ١٩).\n(^٤) تفسير الجواهر الحسان في تفسير القرآن للثعالبي. (سورة البقرة: الآية: ٢٥٦).","vol":"1","page":491},{"text":"شافيًا قاطعًا للأعذار ذكر بعد ذلك. أنه لم يبق للكافر علة في إقامته على الكفر إلا أن يقسر على الإيمان ويجبر عليه؛ وذلك لا يجوز في دار الدنيا التي هي مقام الابتلاء والاختبار، وينافيه الإكراه والإجبار. ومما يؤكد ذلك قوله: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ يقال بَانَ الشيء واستبان وتبيَّن وبيّن أيضا إذا وضح وظهر ومنه المثل: قد تبين الصبح لذي عينين. والرشد إصابة الخير، والغي نقيضه. أي: تميز الحق من الباطل، والإيمان من الكفر، والهدى من الضلال، بكثرة الحجج والبينات ووفور الدلائل والآيات\" (^١).\nقال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [ال عِمْرَان: ١٩].\n- قال أبو العالية (ت: ٩٣ هـ) ﵀ في قوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ قال: الإسلام: الإخلاص لله وحده وعبادته لا شريك له، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وسائر الفرائض لهذا تبع\" (^٢).\n- عن محمد بن جعفر بن الزبير (ت: ١١٣ هـ) ﵀: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾: \"أي ما أنت عليه يا محمد من التوحيد للربّ والتصديق للرسل\" (^٣).\n- قال قتادة بن دعامة السدوسي (ت: ١١٨ هـ) ﵀ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ\n_________\n(^١) تفسير غرائب القرآن ورغائب القرقان للنيسابوري. (سورة البقرة: الآية: ٢٥٦).\n(^٢) تفسير جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري. (سورة آل عمران: الآية: ١٩).\n(^٣) تفسير جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري. (سورة آل عمران: الآية: ١٩).","vol":"1","page":492},{"text":"الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ قال: شهادة أن لا إله إلا الله، والإقرار بما جاء من عند الله تعالى\" (^١).\n- وقال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: \" ﴿إِنَّ الدِّينَ﴾، يعني التوحيد ﴿عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ \" (^٢).\n- قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ إن الطاعة التي هي الطاعة عنده الطاعة له، وإقرار الألسن والقلوب له بالعبودية والذلة، وانقيادها له بالطاعة فيما أمر ونهى\" (^٣).\n- قال البيضاوي (ت: ٦٨٥ هـ) ﵀: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ جملة مستأنفة مؤكدة للأولى أي لا دين مرضي عند الله سوى الإسلام، وهو التوحيد والتدرع بالشرع الذي جاء به محمد ﷺ \" (^٤).\n- وقال علي بن محمد بن إبراهيم الشيحي المعروف بالخازن (ت: ٧٤١ هـ) ﵀: \"وقرئ ﴿أَنَّ الدِّينَ﴾ بفتح الهمزة ردًا على أن الأولى، والمعنى: شهد الله أنه لا إله إلاّ هو، وشهد أن الدين عند الله الإسلام.\nوأصل الدين في اللغة الجزاء. يقال: (كما تدين تدان)، ثم صار اسمًا للملة\n_________\n(^١) تفسير جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري. (سورة آل عمران: الآية: ١٩)، وتفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة آل عمران: الآية: ١٩).\n(^٢) تفسير مقاتل بن سليمان (سورة آل عمران: الآية: ١٩).\n(^٣) تفسير جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري. (سورة آل عمران: الآية: ١٩).\n(^٤) تفسير أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي. (سورة آل عمران: الآية: ١٩).","vol":"1","page":493},{"text":"والشريعة، ومعناه الانقياد للطاعة والشريعة.\n- قال الزجاج (ت: ٣١١ هـ) ﵀: الدين اسم لجميع ما تعبد الله به خلقه وأمرهم بالإقامة عليه، والإسلام هو الدخول في السلم وهو والاستسلام والانقياد والدخول في الطاعة\" (^١).\n- قال ابن جزي (ت: ٧٤١ هـ) ﵀: \" ﴿إِنَّ الدِّينَ﴾ بكسر الهمزة ابتداء، وبفتحها بدل من أنه، وهو بدل شيء من شيء، لأن التوحيد هو الإسلام\" (^٢).\n- قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: \" ولما قرر أنه الإله الحق المعبود، بين العبادة والدين الذي يتعين أن يعبد به ويدان له، وهو الإسلام الذي هو الاستسلام لله بتوحيده وطاعته التي دعت إليها رسله، وحثت عليها كتبه، وهو الذي لا يقبل من أحد دينا سواه، وهو متضمن للإخلاص له في الحب والخوف والرجاء والإنابة والدعاء ومتابعة رسوله في ذلك، وهذا هو دين الرسل كلهم، وكل من تابعهم فهو على طريقهم\" (^٣).\nقال تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢)﴾ [الزُّمَر: ٢].\n- قال محمد بن الحسن بن فورك (ت ٤٠٦ هـ) ﵀: \" ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢)﴾ أمر التوحيد\" (^٤).\n_________\n(^١) تفسير لباب التأويل في معاني التنزيل للخازن. (سورة آل عمران: الآية: ١٩).\n(^٢) تفسير التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي. (سورة آل عمران: الآية: ١٩).\n(^٣) تفسير تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي. (سورة آل عمران: الآية: ١٩).\n(^٤) تفسير ابن فورك. (سورة الزمر الآية: ٢).","vol":"1","page":494},{"text":"قال تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزُّمَر: ٣].\n- عن عبد الله بن عمرو (ت: ٦٥ هـ) ﵄: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ قال: \"كلمة الإخلاص لا إله إلا الله، لا يتقبل الله ﷿ من أحد عملا حتى يقولها\" (^١).\n- قال أبو العالية (ت: ٩٣ هـ) ﵀ قال: الإسلام الإخلاص لله وحده، وعبادته لا شريك له، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وسائر الفرائض لها تبع\" (^٢).\n- عن قتادة بن دعامة السدوسي (ت: ١١٨ هـ) ﵀: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ \"شهادة أن لا إله إلا الله\" (^٣).\n- قال فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀: \"قال الله تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ .... واعلم أن الدين هو: الانقياد والخضوع. فقوله: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾. أي له الخضوع والخشوع لا لغيره. وإنما يكون كذلك إذا كان واحدًا في الإلهية، إذ لو وجد الاهان لكان كما أن الخضوع لأحدهما حاصل كان أيضًا حاصلًا للثاني، فلا يمكن ثبوت الخضوع إلا لله فقط، فالحصر دل على أنه لا إله سواه، ولا معبود إلا إياه\" (^٤).\nقال تعالى ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾ [ال عِمْرَان: ٨٣].\n_________\n(^١) الدعاء للطبراني صـ ٤٦٠.\n(^٢) تفسير ابن أبي حاتم (سورة آل عمران: الآية: ١٩).\n(^٣) تفسير الطبري (سورة الزمر الآية: ٣).\n(^٤) عجائب القرآن للرازي صـ ٧٠.","vol":"1","page":495},{"text":"- قال أبو منصور الماتريدي (ت: ٣٣٣ هـ) ﵀: \"قوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾؟ الدين كأنه يتوجه إلى وجوه:\nيرجع اعتقاد المذهب إلى الأصل،\nويرجع إلى الحكم والخضوع كقوله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [المَائِدَة: ٥٠]،\nويرجع إلى الجزاء، ثم قوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾ [ال عِمْرَان: ٨٣] كان كل منهم يبغي دينا، وهو دين الله، ويدعي أن الدين الذي هو عليه دين الله\" (^١).\nقال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (١١)﴾ [الزُّمَر: ١١].\n- قال منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (ت ٤٨٩ هـ) ﵀: \" قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (١١)﴾ أي: مخلصا له التوحيد، وإخلاص التوحيد: أن لا تشرك به غيره\" (^٢)\nقال تعالى: ﴿يَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأَنفَال: ٣٩]\n- قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: \"يخلص له التوحيد\" (^٣)، فالدين عنده هو التوحيد.\n- قال قتادة بن دعامة السدوسي (ت: ١١٨ هـ) ﵀: \"حتى تستوسق (^٤)\n_________\n(^١) تفسير تأويلات أهل السنة للماتريدي. (آل عمران: الآية: ٨٣).\n(^٢) كتاب تفسير السمعاني (سورة الزمر: الآية: ١١).\n(^٣) زاد المسير ١/ ٢٠٠، وانظر: جامع البيان ٩/ ٢٤٩.\n(^٤) بمعنى: تجتمع، يقال: استوسق الشيء: اجتمع وانضم، واستوسق الأمر: انتظم، واستوسق له الأمر: أمكنه أن يجمع السلطة والكلمة في يده.","vol":"1","page":496},{"text":"كلمة الإخلاص لا إله إلا الله\" (^١).\n- قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: \" ﴿وَيَكُونَ﴾ يعنى ويقوم ﴿الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ ولا يعبد غيره، ﴿فَإِنِ انتَهَوْا﴾ عن الشرك فوحدوا ربهم\" (^٢).\n- قال محمد بن إسحاق (ت: ١٥١ هـ) ﵀: في قوله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأَنفَال: ٣٩]: \"يعني: لا يفتن مؤمن عن دينه ويكون التوحيد لله خالصًا ليس فيه شرك ويخلع ما دونه من الأنداد والشركاء\" (^٣).\n- قال أبو إسحاق أحمد الثعلبي (ت: ٤٢٧ هـ) ﵀: \" ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ﴾ التوحيد خالصًا ﴿كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ ﷿ ليس فيه شرك ويخلع ما دونه من الأنداد\" (^٤).\n- قال الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀: \"قوله تعالى: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾، أي: ويكون الدين خالصًا لله لا شرك فيه\" (^٥).\n- قال ابن عطية الأندلسي (ت: ٥٤٢ هـ) ﵀: \"وقوله: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ\n_________\n(^١) تفسير المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية. (سورة االأنفال الآية: ٣٩).\n(^٢) تفسير مقاتل بن سليمان. (سورة االأنفال الآية: ٣٩).\n(^٣) تفسير لباب التأويل في معاني التنزيل للخازن. (سورة االأنفال الآية: ٣٩).\n(^٤) تفسير الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي. (سورة االأنفال الآية: ٣٩).\n(^٥) تفسير معالم التزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة االأنفال الآية: ٣٩).","vol":"1","page":497},{"text":"كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ أي لا يشرك معه صنم ولا وثن ولا يعبد غيره\" (^١).\n- قال عبد الرحمن الثعالبي المالكي (ت: ٨٧٥ هـ) ﵀: \"وقوله: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾، أيْ: لا يُشْرَكَ معه صَنَمٌ، ولا وَثَنٌ، ولا يُعْبَدَ غيرُهُ سبحانه\" (^٢).\nقال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الرُّوم: ٣٠].\n- قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: \" إن لم يوحد كفار مكة ربهم فوحد أنت ربك يا محمد ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ﴾ يعني فأخلص دينك الإسلام لله ﷿ ﴿حَنِيفًا﴾ يعني مخلصا ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ يعني ملة الإسلام التوحيد الذي خلقهم عليه ثم أخذ الميثاق من بني آدم من ظهورهم ذريتهم … وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى … ربنا، وأقروا له بالربوبية والمعرفة له ﵎ ثم قال سبحانه ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ يقول لا تحويل لدين الله ﷿ الإسلام يعنى التوحيد ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ يعنى التوحيد وهو الدينالمستقيم ﴿لَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ﴾ يعني كفار مكة ﴿لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ توحيد الله ﷿ \" (^٣).\n_________\n(^١) تفسير المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية. (سورة االأنفال الآية: ٣٩).\n(^٢) تفسير الجواهر الحسان في تفسير القرآن للثعالبي. (سورة االأنفال الآية: ٣٩).\n(^٣) تفسير مقاتل بن سليمان. (سورة الروم الآية: ٣٠).","vol":"1","page":498},{"text":"وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البَيِّنَة: ٥].\n- قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ \"ما أمروا في التوراة والإنجيل إلا بالإخلاص في العبادة لله موحدين\" (^١).\n- قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: \" ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ يعني به التوحيد.\n﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ يعني: الملة المستقيمة\" (^٢).\n- قال النضر بن شميل (ت: ٢٠٣ هـ) ﵀: سألت الخليل بن أحمد (ت: ١٧٠ هـ) ﵀ عن قوله: ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ فقال: ﴿الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ جمع القيم، والقيم والقائم واحد، ومجاز الآية: وذلك دين القائمين لله بالتوحيد\" (^٣).\n- قال أبو إسحاق أحمد الثعلبي (ت: ٤٢٧ هـ) ﵀: \" ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ التوحيد والطاعة، ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ فقال: وذلك دين القائمين لك بالتوحيد\" (^٤).\n- قال علي بن محمد الماوردي (ت: ٤٥٠ هـ) ﵀: \" ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا\n_________\n(^١) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة البينة الآية: ٥).\n(^٢) تفسير مقاتل بن سليمان. (سورة البينة الآية: ٥).\n(^٣) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة البينة الآية: ٥).\n(^٤) تفسير الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي. (سورة البينة الآية: ٥).","vol":"1","page":499},{"text":"لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ فيه ثلاثة أوجه:\nأحدها: مُقِرِّين له بالعبادة.\nالثاني: ناوين بقلوبهم وجه الله تعالى في عبادتهم.\nالثالث: إذا قال: لا إله إلا الله أن يقول على أثرها \"الحمد لله\"، قاله ابن جرير (ت: ٣١٠ هـ) \" (^١).\n- قال الواحدي (ت: ٤٦٨ هـ) ﵀: ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ الطاعة، أي موحدين له لا يعبدون معه غيره\" (^٢).\n- قال الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀: \"وذلك دين القائمين لله بالتوحيد\" (^٣).\n- قال ابن جزي (ت: ٧٤١ هـ) ﵀: \" ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾: الإخلاص هنا يراد به التوحيد وترك الشرك أو ترك الرياء.\n﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ تقديره الملة القيمة، أو الجماعة القيمة، وقد فسرنا القيمة، ومعناه: أن الذي أمروا به من عبادة الله، والإخلاص له، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة هو دين الإسلام، فلأي شيء لا يدخلون فيه\" (^٤).\n_________\n(^١) تفسير النكت والعيون للماوردي. (سورة البينة الآية: ٥).\n(^٢) تفسير الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي. (سورة البينة الآية: ٥).\n(^٣) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة البينة الآية: ٥).\n(^٤) تفسير التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي. (سورة البينة الآية: ٥).","vol":"1","page":500},{"text":"- قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: \"فما أمروا في سائر الشرائع إلا أن يعبدوا ﴿اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أي: قال قاصدين بجميع عباداتهم الظاهرة والباطنة وجه الله، وطلب الزلفى لديه، ﴿حُنَفَاءَ﴾ أي: معرضين مائلين عن سائر الأديان المخالفة لدين التوحيد.\n﴿وَذَلِكَ﴾ أي التوحيد والإخلاص في الدين، هو ﴿دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ أي: الدين المستقيم، الموصل إلى جنات النعيم، وما سواه فطرق موصلة إلى الجحيم\" (^١).\nقال تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ [لُقْمَان: ٣٢].\n- قال السدي (ت: ١٢٨ هـ) ﵀: ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، يعني: التوحيد\" (^٢).\n- قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: \" ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ﴾ يعني موحدين له ﴿الدِّينَ﴾ يقول: التوحيد\" (^٣).\n- قال علي بن محمد الماوردي (ت: ٤٥٠ هـ) ﵀: ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ يعني: موحدين له لا يدعون لخلاصهم سواه\" (^٤).\n- قال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ) ﵀: \" ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ موحدين\n_________\n(^١) تفسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي. (سورة البينة الآية: ٥).\n(^٢) تفسير يحيى بن سلام. (سورة لقمان: الآية: ٣٢).\n(^٣) تفسير مقاتل بن سليمان. (سورة لقمان: الآية: ٣٢).\n(^٤) تفسير النكت والعيون للماوردي. (سورة لقمان: الآية: ٣٢).","vol":"1","page":501},{"text":"له لا يدعون لخلاصهم سواه\" (^١).\n- قال العز بن عبد السلام (ت: ٦٣٩ هـ) ﵀: \" ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ موحدين لا يدعون سواه\" (^٢).\nقال تعالى: ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ [النَّحْل: ٥٢].\n- قال أبو صالح ذكوان بن عبد الله (ت: ١٠١ هـ) ﵀: \"قوله: ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ قال: \"لا إله إلا الله\" (^٣).\n- عن مجاهد بن جبر (ت: ١٠٤ هـ) ﵀: ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ \"قال: الإخلاص\" (^٤).\n- قال عكرمة (ت: ١٠٥ هـ) ﵀: \"شهادة أن لا إله إلا الله، وإقامة الحدود والفرائض\" (^٥).\n- قال أبو إسحاق أحمد الثعلبي (ت: ٤٢٧ هـ) ﵀: ﴿وَلَهُ الدِّينُ﴾ \"الطاعة والإخلاص\" (^٦).\n_________\n(^١) تفسير الجامع لأحكام القرآن للقرطبي. (سورة لقمان: الآية: ٣٢).\n(^٢) تفسير العز بن عبد السلام. (سورة لقمان: الآية: ٣٢).\n(^٣) تفسير ابن أبي حاتم (سورة النحل: الآية: ٥٢) برقم (١٢٥٣٣)، وتفسير الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي. (سورة لقمان: الآية: ٣٢) وعزاه لابن أبي حاتم.\n(^٤) تفسير جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري. (سورة النحل: الآية: ٥٢)، وتفسير ابن أبي حاتم (سورة النحل: الآية: ٥٢) برقم: (١٢٥٣٢).\n(^٥) تفسير البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي. (سورة النحل: الآية: ٥٢).\n(^٦) تفسير الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي. (سورة النحل: الآية: ٥٢).","vol":"1","page":502},{"text":"- قال مكي بن أبي طالب (ت: ٤٣٧ هـ) ﵀: ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ أي: له الطاعة والإخلاص دائما\" (^١).\n- قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: \" ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ أي: الدين والعبادة والذل في جميع الأوقات لله وحده، على الخلق أن يخلصوه لله وينصبغوا بعبوديته\"\" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-201>الاسم الرابع: ومن أسماء التوحيد \"الإيمان بالله\".</span>\nقال تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦)﴾ [البَقَرَةِ: ٢٥٦].\n- عن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄، قال: \"أخبر الله تعالى أنّ الإيمان لا إله إلاّ الله\" (^٣).\n- قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: \" ﴿وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾، بأنه واحد لا شريك له\" (^٤).\n- قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: \" ﴿وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾\n_________\n(^١) تفسير الهداية إلى بلوغ النهاية لمي بن أبي طالب. (سورة النحل: الآية: ٥٢).\n(^٢) تفسير تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي. (سورة النحل: الآية: ٥٢).\n(^٣) تفسير تأويلات أهل السنة للماتريدي (سورة البقرة الآية: ٢٥٦)، وتفسير الثعلبي (سورة البقرة الآية: ٢٥٦).\n(^٤) تفسير مقاتل بن سليمان (سورة البقرة الآية: ٢٥٦).","vol":"1","page":503},{"text":"يقول: ويصدق بالله أنه إلهه وربه ومعبوده\" (^١).\n- قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: \"يعني تعالى ذكره والله سميع إيمان المؤمن بالله وحده، الكافر بالطاغوت عند اقراره بوحدانية الله وتبرئة من الأنداد والأوثان التي تعبد من دون الله، عليم بما عزم عليه من توحيد الله وإخلاص ربوبيته قلبه، وما انطوى عليه من البراءة من الآلهة والأصنام والطواغيت ضميره، وبغير ذلك مما أخفته نفس كل أحد من خلقه لا ينكتم عنه سرّ ولا يخفى عليه أمر حتى يجازى كلًا يوم القيامة بما نطق به لسانه وأضمرته نفسه إن خيرًا فخيرًا وإن شرًا فشرًا\" (^٢).\nقال تعالى: ﴿إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٢٨].\n- قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: \" ﴿إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ يعني يصدقن بالله بأنه واحد لا شريك له، ﴿وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، يصدقن بالبعث الذي فيه جزاء الأعمال بأنه كائن\"\n- قال الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت: ١٧٠ هـ) ﵀: \"التوحيد: الإيمان بالله وحده لا شريك له، والله الواحد الأحد ذو التوحد والوحدانية\" (^٣).\n- وقال أبو عمرو عثمان الداني (ت: ٤٤٤ هـ) ﵀: \"والإيمان بالله تعالى:\n_________\n(^١) تفسير الطبري (سورة البقرة الآية: ٢٥٦).\n(^٢) تفسير الطبري (سورة البقرة الآية: ٢٥٦).\n(^٣) العين للخليل بن أحمد الفراهيدي (٣/ ٢٨١).","vol":"1","page":504},{"text":"يتضمن التوحيد له سبحانه، والوصف له بصفاته، … والتوحيد له: هو الإقرار بأنه ثابتٌ موجود، وواحدٌ معبود\" (^١).\n- وقال ابن منظور (ت: ٧١١ هـ) ﵀: \"التوحيد: الإيمان بالله وحده لا شريك له. والله الواحد الأحد: ذو الوحدانية والتوحد\" (^٢).\nقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٥)﴾ [المَائِدَة: ٥].\n- قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄، قوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المَائِدَة: ٥] قال: أخبر الله سبحانه أن الإيمان هو العروة الوثقى، وأنه لا يقبل عملًا إلاّ به، ولا يحرّم الجنة إلاّ على من تركه\" (^٣).\n- قال عطاء بن أبي رباح (ت: ١١٤ هـ) ﵀ في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ﴾ قال: \"الإيمان التوحيد\" (^٤).\n- قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: \" ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ﴾، يعني من نساء أهل الكتاب بتوحيد الله، ﴿فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٥)﴾، يعني من الكافرين\" (^٥).\n_________\n(^١) الرسالة الوافية، لأبي عمرو الداني ص ١٢٠.\n(^٢) لسان العرب لابن منظور (٣/ ٤٥٠).\n(^٣) تفسير جامع البيان في تأويل آي القرآن للطبري. (سورة المائدة: ٥).\n(^٤) تفسير جامع البيان في تأويل آي القرآن للطبري. (سورة المائدة: ٥).\n(^٥) تفسير مقاتل بن سليمان (سورة المائدة: ٥).","vol":"1","page":505},{"text":"- قال الكلبي (ت: ٢٠٤ هـ) ﵀: ﴿بِالْإِيمَانِ﴾ أي: بكلمة التوحيد، وهي: شهادة أن لا أله إلا الله\" (^١).\n- قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: \"فإن قال لنا قائل: وما وجّه تأويل من وجّه قوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ﴾ إلى معنى: ومن يكفر بالله؟ قيل وجه تأويله ذلك كذلك أن الإيمان هو التصديق بالله وبرسله وما ابتعثهم به من دينه والكفر: جحود ذلك. قالوا: فمعنى الكفر بالإيمان، هو جحود الله وجحود توحيده. ففسروا معنى الكلمة بما أريد بها، وأعرضوا عن تفسير الكلمة على حقيقة ألفاظها وظاهرها في التلاوة.\nفإن قال قائل: فما تأويلها على ظاهرها وحقيقة ألفاظها؟ قيل: تأويلها: ومن يأب الإيمان بالله ويمتنع من توحيده والطاعة له فيما أمره به ونهاه عنه، فقد حبط عمله وذلك أن الكفر هو الجحود في كلام العرب، والإيمان: التصديق والإقرار، ومن أبى التصديق بتوحيد الله والإقرار به فهو من الكافرين، فذلك تأويل الكلام على وجهه\" (^٢).\n- قال الواحدي (ت: ٤٦٨ هـ) ﵀: \" ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ﴾ بالله الذي يجب الإيمان به ﴿فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المَائِدَة: ٥] إذا مات على ذلك ﴿وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٥)﴾ ممن خسر الثواب\" (^٣).\n_________\n(^١) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (تفسير سورة المائدة: ٥).\n(^٢) تفسير جامع البيان في تأويل آي القرآن للطبري. (تفسير سورة المائدة: ٥).\n(^٣) تفسير الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي. (تفسير سورة المائدة: ٥).","vol":"1","page":506},{"text":"<span data-type='title' id=toc-202>الاسم الخامس: ومن أسماء التوحيد \"الإسلام\".</span>\nقال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩)﴾ [ال عِمْرَان: ١٩].\n- عن قتادة بن دعامة السدوسي (ت: ١١٨ هـ) ﵀، قوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [ال عِمْرَان: ١٩] والإسلام: شهادة أن لا إلَه إلا الله، والإقرار بما جاء به من عند الله، وهو دين الله الذي شرع لنفسه، وبعث به رسله، ودل عليه أولياءه، لا يقبل غيره ولا يجزى إلا به.\n- قال أبو العالية (ت: ٩٣ هـ) ﵀ في قوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [ال عِمْرَان: ١٩] قال: الإسلام: الإخلاص لله وحده وعبادته لا شريك له، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وسائر الفرائض لهذا تبع.\n- عن محمد بن جعفر بن الزبير (ت: ١١٣ هـ) ﵀: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [ال عِمْرَان: ١٩]: أي ما أنت عليه يا محمد من التوحيد للربّ والتصديق للرسل\" (^١).\n- قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: \"قال تعالى: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [ال عِمْرَان: ٨٣]، يقول: وله خشع من في السموات والأرض، فخضع له بالعبودية، وأقرّ له بإفراد الربوبية، وانقاد له بإخلاص التوحيد والألوهية\" (^٢).\n_________\n(^١) تفسير الطبري (سورة آل عمران: الآية: ١٩).\n(^٢) تفسير الطبري (سورة آل عمران: الآية: ٨٣).","vol":"1","page":507},{"text":"- قال أبو جعفر النحاس (ت: ٣٣٨ هـ) ﵀: \"الاسلام هو التوحيد فهو دين جميع الأنبياء\" (^١).\n- قال أبو إسحاق أحمد الثعلبي (ت: ٤٢٧ هـ) ﵀: \"قال عكرمة (ت: ١٠٥ هـ) ﵀ وكرهًا: من اضطرته الحجة إلى التوحيد، يدلّ عليه قوله تعالى: ﴿لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزُّخْرُف: ٨٧] وقوله: ﴿لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العَنكَبُوت: ٦١] \" (^٢).\n- قال مكي بن أبي طالب (ت: ٤٣٧ هـ) ﵀: \"ومعنى الإسلام: شهادة أن لا إله إلا الله، والإقرار بما جاء من عند الله؛ وأصل الإسلام: الخشوع والانقياد\" (^٣).\n- قال ابن عطية الأندلسي (ت: ٥٤٢ هـ) ﵀: \"و﴿الْإِسْلَامُ﴾ في هذه الآية هو الإيمان والطاعة، قاله أبو العالية (ت: ٩٣ هـ) وعليه جمهور المتكلمين، وعبر عنه قتادة (ت: ١١٨ هـ)، ومحمد بن جعفر بن الزبير (ت: ١١٣ هـ)، بالإيمان\" (^٤).\n- قال فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀: \"من قرأ ﴿إِنَّ الدِّينَ﴾ بفتح ﴿أَنَّ﴾ كان التقدير: شهد الله لأجل أنه لا إله إلا هو أن الدين عند الله الإسلام، فإن الإسلام إذا كان هو الدين المشتمل على التوحيد، والله تعالى\n_________\n(^١) معاني القرآن للنحاس ١/ ٤١٨.\n(^٢) تفسير الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي (سورة آل عمران: الآية: ٨٣).\n(^٣) تفسير الهداية إلى بلوغ النهاية لمكي بن أبي طالب (سورة آل عمران: الآية: ١٩).\n(^٤) تفسير ابن عطية المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (سورة آل عمران: الآية: ١٩).","vol":"1","page":508},{"text":"شهد بهذه الوحدانية كان اللازم من ذلك أن يكون الدين عند الله الإسلام.\nومن قرأ ﴿إِنَّ الدِّينَ﴾ بكسر الهمزة، فوجه الاتصال هو أنه تعالى بين أن التوحيد أمر شهد الله بصحته، وشهد به الملائكة وأولوا العلم، ومتى كان الأمر كذلك لزم أن يقال ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ \" (^١).\n- قال فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀: \"قال ابن الأنباري (ت: ٣٢٨ هـ) ﵀: المسلم معناه المخلص لله عبادته من قولهم: سلم الشيء لفلان، أي خلص له؛ فالإسلام معناه إخلاص الدين والعقيدة لله تعالى\" (^٢).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"الإسلام هو الاستسلام وهو يتضمن الخضوع لله وحده؛ والانقياد له والعبودية لله وحده\" (^٣).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"الإسلام\" هو الاستسلام لله لا لغيره كما قال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ﴾ [الزُّمَر: ٢٩]. فمن لم يستسلم لله فقد استكبر ومن استسلم لله ولغيره فقد أشرك وكل من الكبر والشرك ضد الإسلام والإسلام ضد الشرك والكبر\" (^٤).\n- قال أبو حيان الأندلسي (ت: ٧٤٥ هـ) ﵀ بعد أن ذكر الأقوال في\n_________\n(^١) تفسير الرازي مفاتيح الغيب (سورة آل عمران: الآية: ١٩).\n(^٢) تفسير الرازي مفاتيح الغيب (سورة آل عمران: الآية: ١٩).\n(^٣) مجموع افتاوى ٧/ ٤٢٦.\n(^٤) مجموع افتاوى ١٠/ ١٤.","vol":"1","page":509},{"text":"تفسير هذه الآية: \"وهذه الأقوال لا تخرج: ﴿أَسْلَمَ﴾، فيها عن أن يحمل على الاستسلام، وعلى الاعتقاد، وعلى الإقرار باللسان، وعلى التزام الأحكام. وقد قيل بهذا كله\" (^١).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"وهي كلمة الإسلام\" (^٢).\n- قال أبو السعود العمادي محمد بن محمد بن مصطفى (ت: ٨٩٨ هـ) ﵀: \"قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ أي لا دينَ مرضيًا لله تعالى سوى الإسلام الذي هو التوحيدُ والتدرُّع بالشريعة الشريفة، وعن قتادة (ت: ١١٨ هـ): أنه شهادةُ ﴿أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [مُحَمَّد: ١٩] والإقرارُ بما جاء من عند الله تعالى\" (^٣).\n- قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: \"ولما قرر أنه الإله الحق المعبود، بين العبادة والدين الذي يتعين أن يعبد به ويدان له، وهو الإسلام الذي هو الاستسلام لله بتوحيده وطاعته التي دعت إليها رسله، وحثت عليها كتبه، وهو الذي لا يقبل من أحد دينا سواه، وهو متضمن للإخلاص له في الحب والخوف والرجاء والإنابة والدعاء ومتابعة رسوله في ذلك، وهذا هو دين الرسل كلهم، وكل من تابعهم فهو على طريقهم\" (^٤).\n_________\n(^١) تفسير البحر المحيط لابن حيان الأندلسي (سورة آل عمران: الآية: ٨٣).\n(^٢) الجواب الكافي ص: ١٧٠.\n(^٣) تفسير إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم لأبي السعود (سورة آل عمران: الآية: ١٩).\n(^٤) تفسير ابن سعدي (سورة آل عمران: الآية: ١٩).","vol":"1","page":510},{"text":"<span data-type='title' id=toc-203>الاسم السادس: ومن أسماء التوحيد \"كلمة الشهادة\".</span>\nقال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)﴾ [ال عِمْرَان: ١٨].\nالأدلة من السنة\n- عن ابن عمر (ت: ٧٣ هـ) ﵄ أن النبي ﷺ قال: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى: يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، إِلَّا بِحَقِّ الْإِسْلَامِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ» (^١).\n- عن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄ أن النبي ﷺ بعث معاذا (ت: ١٨ هـ) ﵁ إلى اليمن فقال: «ادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ، فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ، فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ، تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» (^٢).\n- عن عمر بن الخطاب (ت: ٢٣ هـ) ﵁ أنه قال: بينما نحن جلوس عند رسول الله ﷺ ذات يوم، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد\n_________\n(^١) رواه البخاري (٢٥)، ومسلم (٢٢).\n(^٢) رواه البخاري (١٣٩٥)، ومسلم (١٩).","vol":"1","page":511},{"text":"سواد الشعر، لا يُرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي ﷺ، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فَخِديه، قال: يا محمد، أخبرني عن الإسلام، فقال رسول الله ﷺ: «الإسلام أنتشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وتُقيم الصلاة، وتُؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا»، قال: صدقت، فعجبنا له يسأله ويُصدِّقه، قال: فأخبرني عن الإيمان، قال: «أن تؤمن بالله وملائكته، وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره»، قال: صدقت، قال: فأخبرني عن الإحسان، قال: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك»، قال: فأخبرني عن الساعة، قال: «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل»، قال: فأخبرني عن أماراتها، قال: «أن تلد الأمة ربَّتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاة يتطاولون في البنيان»، ثم انطلق فلبثت مليًّا، ثم قال: «يا عمر، أتدري مَنْ السائل؟»، قلت: الله ورسوله أعلم، قال: «فإنه جبريل أتاكم يُعلِّمكم دينكم» (^١).\nعن عبادة بن الصامت (ت: ٣٤ هـ) ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «من قال أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله وابن أمته وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق، وأن النار حق، أدخله الله الجنة من أي أبواب الجنة الثمانية شاء» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه ومسلم (٨).\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٤٣٥)، ومسلم (٢٨) ..","vol":"1","page":512},{"text":"- قال الخطابي (ت: ٣٨٨ هـ) ﵀: \" وكان بدء الإيمان كلمة الشهادة، وأقام رسول الله ﷺ بضع عشرة سنة يدعو الناس إليها، ويسمى من أجابه إلى ذلك مؤمنا\" (^١).\n- قال عبد العزيز بن باز (ت: ١٤٢٠ هـ) ﵀: \"معنى الشهادة: أن يشهد بلسانه وبقلبه أنه لا معبود حق إلا الله، يشهد بلسانه ويؤمن بقلبه أنه لا إله إلا الله، يعني: لا معبود حق إلا الله، وأن ما عبده الناس من دون الله من أصنام، أو أموات، أو أشجار، أو أحجار، أو ملائكة أو غيرهم كله باطل كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [الحَج: ٦٢] هذا معنى شهادة أن لا إله إلا الله، أن تشهد عن علم، ويقين، وصدق أنه لا معبود حق إلا الله، وأن ما عبده الناس من دون الله فكله باطل\" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-204>الاسم السابع: من أسماء التوحيد \"كلمة الله\".</span>\nقال تعالى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٠)﴾ [التَّوْبَة: ٤٠].\n_________\n(^١) أعلام الحديث للخطابي ١/ ١٤٢.\n(^٢) فتاوى نور على الدرب ١/ ٤٩.","vol":"1","page":513},{"text":"- قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: \"هي: قول لا إله إلا الله\" (^١).\n- قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: \" ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، يعني دعوة الشرك، ﴿السُّفْلَى﴾؛ و﴿كَلِمَةُ اللَّهِ﴾، يعنى دعوة الإخلاص، ﴿هِيَ الْعُلْيَا﴾ يعنى العالية، ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ﴾ في ملكه، ﴿حَكِيمٌ﴾ حكم إطفاء دعوة المشركين، وإظهار التوحيد\" (^٢).\n- قال مكي بن أبي طالب (ت: ٤٣٧ هـ) ﵀: \"و﴿كَلِمَةُ اللَّهِ﴾، في هذا الموضع: لا إله إلا الله\" (^٣).\n- قال الواحدي (ت: ٤٦٨ هـ) ﵀: \" ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وهي كلمة الشرك ﴿السُّفْلَى﴾، ﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾، يعني: كلمة التوحيد\" (^٤).\n- قال فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀: \" ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾ والمعنى أنه تعالى جعل يوم بدر كلمة الشرك سافلة دنيئة حقيرة، وكلمة الله هي العليا، وهي قوله لا إله إلا الله\" (^٥).\n_________\n(^١) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة التوبة: الآية: ٤٠).\n(^٢) تفسير مقاتل بن سليمان (سورة التوبة: الآية: ٤٠).\n(^٣) تفسير مكي بن أبي طالب (سورة التوبة: الآية: ٤٠).\n(^٤) تفسير الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي. (سورة التوبة: الآية: ٤٠).\n(^٥) تفسير الرازي (سورة التوبة: الآية: ٤٠).","vol":"1","page":514},{"text":"- قال ابن حيان الأندلسي (ت: ٧٤٥ هـ) ﵀: \"وكلمة الله: هي التوحيد، وهي ظاهرة. هذا قول الأكثرين\" (^١).\n- قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: \"قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ): يعني ﴿كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الشرك و﴿كَلِمَةُ اللَّهِ﴾ هي: لا إله إلا الله\" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-205>الاسم الثامن: ومن أسماء التوحيد \"الكلمة الباقية\".</span>\nقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧) وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٨)﴾ [الزُّخْرُف: ٢٦ - ٢٨].\n- عن مجاهد بن جبر (ت: ١٠٤ هـ) ﵀، ﴿جَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ قال: لا إله إلا الله (^٣).\n- عن قتادة بن دعامة السدوسي (ت: ١١٨ هـ) ﵀، ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً﴾ قال: شهادة أن لا إله إلا الله، والتوحيد لم يزل في ذريته من يقولها من بعده\" (^٤).\n- عن السدي (ت: ١٢٨ هـ) ﵀: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ قال: \"لا إله إلا الله\" (^٥).\n- قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: \"وقوله: ﴿كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ يقول تعالى ذكره: وجعل قوله: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾، وهو قول: لا إله إلا الله، كلمة باقية في عقبه، وهم ذريّته، فلم يزل فى ذريّته من يقول ذلك من بعده\" (^٦).\n_________\n(^١) كتاب البحر المحيط في التفسير ٥/ ٤٢٢.\n(^٢) تفسير ابن كثير (سورة التوبة: الآية: ٤٠).\n(^٣) تفسير الطبري (سورة الزخرف الآية: ٢٨)، تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة الزخرف الآية: ٢٨).\n(^٤) تفسير الطبري (سورة الزخرف الآية: ٢٨)، تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة الزخرف الآية: ٢٨).\n(^٥) تفسير الطبري (سورة الزخرف الآية: ٢٨).\n(^٦) تفسير الطبري (سورة الزخرف الآية: ٢٨).","vol":"1","page":515},{"text":"- قال ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩ هـ) ﵀: \" ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً﴾ يعني: لا إله إلا الله\" (^١).\n- قال فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀: \"روي عن كثير من المفسرين أنهم قالوا في تفسير قولهتعالى: ﴿جَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾. أنها قول لا إله إلا الله. ويدل عليه وجوه:\nالأول: مقدمة هذه الآية، وهي قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزُّخْرُف: ٢٦ - ٢٧] وكان معنى قوله: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ﴾ نفي الإلهية عن الأشياء التي كانوا يعبدونها. ثم قال: ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾. فكان فيه اثبات الإلهية للذي فطره، فإذا حصل هذان المعنيان كان مجموعهما هو قول: لا إله إلا الله. ثم قال: ﴿جَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾. فثبت أن المراد\n_________\n(^١) تفسير القرآن العزيز لابن أبي زمنين (سورة الزخرف الآية: ٢٨) ٤/ ١٨٢.","vol":"1","page":516},{"text":"من الكلمة الباقية قول لا إله إلا الله.\nالثاني: أنه تعالى قال في سورة القصص: ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القَصَص: ٨٨]. فبين أن كل شيء هالك إلا هو، فإنه واجب الدوام والبقاء. والسرمدية، وقد عرفت أن القول تبع المقول، والاعتقاد تبع المعتقد، فكان صدق لا إله إلا الله، وحقيقة لا إله إلا الله واجبي الثبوت والبقاء والدوام، وذلك هو المراد بكونها باقية.\nالثالث: أنا بينا أن التوحيد لا يزول بسبب المعصية، والمعصية تزول بسبب التوحيد، وأيضًا التوحيد يبقى مع أهل الجنة، وسائر الطاعات لا تبقى، روى جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ عن جبريل «أن الله يقول يوم القيامة: مالي أرى فلان بن فلان في صفوف أهل النار؟ فأقول: يا رب، أنا لم نجد له حسنة، فيقول الله تعالى: إني سمعته في الدنيا يقول: يا حنّان يا منّان، فاذهب إليه فسله. فيأتيه فيجده في زاوية من زوايا جهنم يقول: يا حنان يا منان، فيسأله جبريل عن هذه الكلمة، فيقول: وهل حنان منان غير الله. قال جبريل: فأخذ بيده من صفوف أهل النار، فأدخله في صفوف أهل الجنة» (^١) \" (^٢).\n- قال البيضاوي (ت: ٦٨٥ هـ) ﵀: \" ﴿وَجَعَلَهَا﴾ وجعل إبراهيم ﵊ أو الله كلمة التوحيد. ﴿كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ في ذريته فيكون\n_________\n(^١) أخرجه الحكيم الترمذي في «نوادر الأصول» (٤٥٩) باختلاف يسير، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (٦/ ٢١٠) واللفظ له. وفيه الفضل الرقاشي تفرد به ولم يتابع عليه.\n(^٢) عجائب القرآن للرازي صـ ٦٠ - ٦١.","vol":"1","page":517},{"text":"فيهم أبدا من يوحد الله ويدعو إلى توحيده\" (^١).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"وهي: الكلمة التي جعلها إبراهيم في عقبه: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٨)﴾ \" (^٢).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"أي جعل هذه الموالاة لله، والبراءة من كل معبود سواه كلمة باقية في عقبه يتوارثها الأنبياء وأتباعهم بعضهم عن بعض وهي كلمة: لا إله إلا الله، وهي التي ورثها إمام الحنفاء لأتباعه إلى يوم القيامة\" (^٣).\n- قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: \" ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ أي: هذه الكلمة، وهي عبادة الله تعالى وحده لا شريك له، وخلع ما سواه من الأوثان، وهي: \"لا إله إلا الله\" أي: جعلها دائمة في ذريته يقتدي به فيها من هداه الله من ذرية إبراهيم، ﵇، ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ أي: إليها\" (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-206>الاسم التاسع: ومن أسماء التوحيد \"الكلمة العاصمة\".</span>\n- عن جابر بن عبد الله (ت: ٧٨ هـ) ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني\n_________\n(^١) تفسير أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي (سورة الزخرف الآية: ٢٨).\n(^٢) قاعدة حسنة في الباقيات الصالحات. لابن تيمية. صـ ٢٩.\n(^٣) الجواب الكافي صـ ١٩٥.\n(^٤) تفسير ابن كثير (سورة الزخرف الآية: ٢٨).","vol":"1","page":518},{"text":"دماءهم، وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله» (^١).\n- عن عبد الله بن عمر (ت: ٧٣ هـ) ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله» (^٢).\n- عن أبي مالك عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من قال: لا اله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله، حرم ماله ودمه. وحسابه على الله» (^٣).\nعن عبد الله بن مسعود (ت: ٣٢ هـ) ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا اله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والمارق من الدين التارك للجماعة» (^٤).\n- عن أبي هريرة (ت: ٥٨ هـ) رضي الله تعالى عنه، عن رسول الله ﷺ قال: «أمرت\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢١)، والترمذي (٣٣٤١)، والنسائي (٣٩٧٧)، وابن ماجه (٣٩٢٨)، وأحمد (١٥٢٤١) واللفظ له.\n(^٢) رواه البخاري (٢٥) ومسلم (٢٢).\n(^٣) أخرجه مسلم، كتاب الايمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله، (١/ ٤٠).\n(^٤) رواه البخاري، كتاب الديات، باب قول الله تعالى: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المَائِدَة: ٤٥] (٨/ ٤٨). ورواه مسلم، كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات، باب مايباح به دم المسلم (٥/ ص ٩٥).","vol":"1","page":519},{"text":"أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا اله إلا الله. ويؤمنوا بي وبما جئت به. فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها. وحسابهم على الله» (^١).\n- عن عبيد الله بن عدي بن الخيار (ت: في زمن الوليد بن عبد الملك) ﵀، أن رجلا من الأنصار حدثه أنه أتى النبي ﷺ وهو في مجلس فساره يستأذنه في قتل رجل من المنافقين، فجهر رسول الله ﷺ فقال: «أليس يشهد أن لا اله إلا الله؟». قال الأنصاري: بلى يا رسول الله، ولا شهادة له، فقال رسول الله ﷺ: «أليس يشهد أن محمدا رسول الله؟». قال: بلى يا رسول الله، ولا شهادة له، قال: «أليس يصلي؟». قال: بلى يا رسول الله، ولا صلاة له، فقال رسول الله ﷺ: «أولئك الذين نهاني الله عنهم» (^٢).\n- وقال النبي ﷺ لعلي بن أبي طالب (ت: ٤٠ هـ) ﵁ عندما أعطاه الراية يوم خيبر: «قاتلهم حتى يشهدوا أن لا اله إلا الله وأن محمدا رسول الله. فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم. إلا بحقها. وحسابهم على الله» (^٣).\n_________\n(^١) رواه البخاري (٢٥) ومسلم (٢٢).\n(^٢) قال الهيثمي في المجمع -كتاب الإيمان، باب في ما يحرم دم المرء وماله- (ج ١/ ص ٣٩): رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح وأعاده عن عبيد الله بن عدي بن الخيار عن عبد الله بن عدي الأنصاري حدثه فذكر معناه.\n(^٣) ورواه مسلم - كتاب فضائل الصحابة ﵃ باب من فضائل علي ﵁ (٧/ ١٢١). حديث ابي هريرة ﵁.","vol":"1","page":520},{"text":"- عن عبد الله بن عمرو (ت: ٦٥ هـ) ﵄، قال: بعث النبي ﷺ خالد بن الوليد (ت: ٢١ هـ)، إلى بني جذيمة فدعاهم إلى الإسلام فلم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا، فجعلوا يقولون: صبأنا، صبأنا. فجعل خالد يقتل منهم ويأسر. ودفع إلى كل رجل منا أسيره حتى إذا كان يوم أمر خالد أن يقتل كل رجل منا أسيره. فقلت: والله لا أقتل أسيري ولا يقتل رجل من أصحابي أسيره. حتى قدمنا على النبي ﷺ فذكرناه، فرفع النبي ﷺ يده فقال: «اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد. مرتين» (^١).\n- عن أسامة بن زيد (ت: ٥٤ هـ) ﵁، قال: بعثنا رسول الله ﷺ في سرية. فصبحنا الحرقات من جهينة. فأدركت رجلا. فقال: لا اله إلا الله. فطعنته فوقع في نفسي من ذلك. فذكرته للنبي ﷺ. فقال رسول الله ﷺ: «أقال: لا اله إلا الله وقتلته؟» قال قلت: يا رسول الله إنما قالها خوفا من السلاح. قال: «أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم: أقالها أم لا» فما زال يكررها علي حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ\" (^٢).\n- قال علي بن خلف بن عبد الملك ابن بطال (ت ٤٤٩ هـ) ﵀: \"قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التَّوْبَة: ٥] فيه: ابن عمر، قال ﷺ: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله\n_________\n(^١) رواه البخاري، كتاب المغازي، باب بعث النبي ﷺ خالد بن الوليد إلى بني جذيمة، (٥/ ١٢٥).\n(^٢) رواه مسلم، كتاب الإيمان، باب تحريم قتل الكافر بعد أن قال لا إله إلا الله، (ج ١/ ص ٦٧).","vol":"1","page":521},{"text":"وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله» (^١). قال المؤلف: قال أنس بن مالك: هذه الآية من آخر ما نزل من القرآن، وتوبتهم خلع الأوثان، وعبادتهم لربهم، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، ثم قال في آية أخرى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التَّوْبَة: ١١] فقام الدليل الواضح من هاتين الآيتين أن من ترك الفرائض، أو واحدة منها، فلا يخلى سبيله، وليس بأخ فى الدين، ولا يعصم دمه وماله، ويشهد لذلك قوله ﷺ: «فإذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحقها»، وبهذا حكم أبو بكر الصديق في أهل الردة، وهذا يرد قول المرجئة أن الإيمان غير مفتقر إلى الأعمال. وقولهم مخالف لدليل الكتاب والآثار وإجماع أهل السنة. فمن ضيع فريضة من فرائض الله جاحدا لها فهو كافر، فإن تاب وإلا قتل، ومن ضيع منها شيئا غير جاحد لها فأمره إلى الله، ولا يقطع عليه بكفر\" (^٢).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"وكذلك لم تحصل عصمة المال والدم على الإطلاق إلا بها وبالقيام بحقها وكذلك لا تحصل النجاة من العذاب على الإطلاق إلا بها وبحقها فالعقوبة في الدنيا والآخرة على تركها أو ترك حقها\" (^٣).\n_________\n(^١) رواه البخاري (٢٥) ومسلم (٢٢).\n(^٢) شرح صحيح البخاري لابن بطال ١/ ٧٦ - ٧٧.\n(^٣) التبيان في أقسام القرآن صـ ٥٩.","vol":"1","page":522},{"text":"- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"وهي الكلمة العاصمة للدم والمال والذرية في هذه الدار \" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-207>الاسم العاشر: ومن أسماء التوحيد \"كلمة الإخلاص\".</span>\n- عن عثمان بن عفان (ت: ٣٥ هـ) ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"ثم إني لأعلم كلمة لا يقولها عبد حقا من قلبه إلا حرم على النار\".\n- فقال له عمر بن الخطّاب (ت: ٢٣ هـ) ﵁: أنا أحدثك ما هي كلمة الإخلاص التي أعز الله ﵎ بها محمد ﷺ، وهي كلمة التقوى … \" الحديث (^٢).\n- وعن أبي بن كعب (ت: ٣٠ هـ تقريبًا) ﵁: \"كان رسول الله ﷺ يعلمنا إذا أصبحنا: «أصبحنا على فطرة الإسلام، وكلمة الإخلاص، وسنة نبينا محمد ﷺ، وملة أبينا إبراهيم حنيفا مسلما، وما كان من المشركين»، وإذا أمسينا مثل ذلك\" (^٣).\n- عن عبد الرحمن بن أبزى (ت: ٧٠ هـ تقريبًا) ﵁: كان رسول الله ﷺ إذا أصبح يقول: «أصبحنا على فطرة الإسلام، وكلمة الإخلاص،\n_________\n(^١) الجواب الكافي ص: ١٧٠.\n(^٢) أخرجه أحمد في مسنده (١/ ٦٣).\n(^٣) أخرجه عبد الله بن أحمد في زوائد المسند (٢١١٤٤) واللفظ له، والطبراني في «الدعاء» (٢٩٣).","vol":"1","page":523},{"text":"ودين نبينا محمد ﷺ، وعلى ملة أبينا إبراهيم، حنيفا مسلما، وما كان من المشركين» (^١).\n- عن عبد الله بن عمرو (ت: ٦٥ هـ) ﵁، ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزُّمَر: ٣] قال: \"كلمة الإخلاص لا إله إلا الله، لا يتقبل الله ﷿ من أحد عملا حتى يقولها\" (^٢).\n- عن مجاهد بن جبر (ت: ١٠٤ هـ) ﵀: \" ﴿كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾ [الفَتْح: ٢٦] كلمة الإخلاص\" (^٣).\n- عن مجاهد بن جبر (ت: ١٠٤ هـ) ﵀، ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾ [الأَنْعَام: ١٦٠] قال: \"كلمة الإخلاص لا إله إلا الله\" (^٤).\n- قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: \" ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ [إِبْرَاهِيم: ٢٤] يعني حسنة يعني كلمة الإخلاص وهي التوحيد ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ [إِبْرَاهِيم: ٢٤] يعني بالطيبة الحسنة كما أنه ليس في الكلام شيء أحسن ولا أطيب من الإخلاص قول لا إله إلا الله وحده لا شريك له\" (^٥).\n- قال أبو أحمد محمد بن علي بن محمد الكَرَجي القصَّاب ﵀\n_________\n(^١) أخرجه النسائي في السنن الكبرى (٩٨٢٩)، وأحمد (١٥٣٦٧) واللفظ له.\n(^٢) الدعاء للطبراني صـ ٤٦٠.\n(^٣) تفسير إسحاق البستني ٢/ ٣٧٧.\n(^٤) الدعاء للطبراني ص - ٤٤١.\n(^٥) تفسير مقاتل بن سليمان ٢/ ٤٠٤.","vol":"1","page":524},{"text":"(ت نحو: ٣٦٠ هـ): \"قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ [إِبْرَاهِيم: ٢٤]. دليل على أن كلمة الإخلاص جامعة للخير، نامية للحسنات، جالبةعلى قائلها كلما لفظ بها ثوابا مجردا، مثمرة له كل ما يقر الله به عينه فيمعاده إذا ورد عليه\" (^١).\n- قال منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (ت ٤٨٩ هـ) ﵀: \" قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (١١)﴾ [الزُّمَر: ١١] أي: مخلصا له التوحيد، وإخلاص التوحيد: أن لا تشرك به غيره\" (^٢).\n- قال ابن رجب (ت: ٧٩٥ هـ) ﵀: \"وكلمة التوحيد لها فضائل عظيمة لا يمكن ها هنا استقصاؤها؛ فلنذكر بعض ما ورد فيها. فهي كلمة التقوى، كما قاله عمر وغيره من الصحابة. وهي كلمة الإخلاص .... \" (^٣).\nوقال محمد بن أحمد السفاريني (ت: ١١٨٨ هـ) ﵀: \" كلمة الإخلاص، وهي لا إله إلا الله وهي أس الإيمان\" (^٤).\n- قال عبيد الله الرحماني المباركفوري (ت: ١٤١٤ هـ) ﵀: \"وكلمة الإخلاص: هي كلمة التوحيد لله تعالى بأنه المعبود بحق، وسميت كلمة\n_________\n(^١) كتاب النكت الدالة على البيان في أنواع العلوم والأحكام ٢/ ٢٧.\n(^٢) تفسير السمعاني ٤/ ٤٦٢.\n(^٣) كتاب التوحيد أو تحقيق كلمة الإخلاص صـ ٧٤.\n(^٤) لوائح الأنوار السنية ولوائح الأفكار السنية ٢/ ٢٠٠.","vol":"1","page":525},{"text":"التوحيد كلمة الإخلاص؛ لأنها لا تكون سببا للخلاص إلا إذا كانت مقرونة بالإخلاص\" (^١).\nالاسم العاشر: ومن أسماء التوحيد \"الطيب من القول\".\nقال تعالى: \" ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ [الحَج: ٢٤]\n- قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: \"هو شهادة أن لا إله إلا الله\" (^٢).\n- قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: \" ﴿هُدُوا﴾ في الدنيا ﴿إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ يعنى التوحيد، وهو قول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، كقوله: ﴿كَلِمَةً طَيِّبَةً …﴾ [إِبْرَاهِيم: ٢٤] يعنى التوحيد\" (^٣).\n- قال الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: \"وقوله: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ [الحَج: ٢٤] يقول تعالى ذكره: وهداهم ربهم في الدنيا إلى شهادة أن لا إله إلا الله\" (^٤).\n- قال ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩ هـ) ﵀: \"هو لا إله إلا الله\" (^٥).\n- قال أبو إسحاق أحمد الثعلبي (ت: ٤٢٧ هـ) ﵀: \" ﴿وَهُدُوا إِلَى\n_________\n(^١) مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ٨/ ١٥٨.\n(^٢) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة الحج: الآية: ٢٤).\n(^٣) تفسير مقاتل بن سليمان (سورة الحج: الآية: ٢٤).\n(^٤) تفسير الطبري (سورة الحج: الآية: ٢٤).\n(^٥) تفسير القرآن العزيز لابن زمنين (سورة الحج: الآية: ٢٤).","vol":"1","page":526},{"text":"الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ وهو شهادة أن لا إله إلاّ الله\" (^١).\n- قال ابن عطية (ت: ٥٤١ هـ) ﵀: \"و﴿الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ لا إله إلاَّ الله وما جرى معها من ذكر الله تعالى وتسبيحه وتقديسه\" (^٢).\n- قال فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀: \"الطيب المطلق هو: معرفة ألا إله إلا الله، وذكر لا إله إلا الله، والاستغراق في أنوار جلال لا إله إلا الله، فلهذا السببقال تعالى: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ [الحَج: ٢٤]، والمراد منه: كلمة لا إله إلا الله\" (^٣).\n- قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: \"وقد قال بعض المفسرين في قوله: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ [الحَج: ٢٤] أي: القرآن. وقيل: لا إله إلا الله. وقيل: الأذكار المشروعة\" (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-208>الاسم الحادي عشر: ومن أسماء التوحيد \"الكلمة الطبية\".</span>\nقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (٢٦)﴾ [إِبْرَاهِيم: ٢٤ - ٢٦].\n_________\n(^١) تفسير الثعلبي (سورة الحج: الآية: ٢٤).\n(^٢) تفسير ابن عطية (سورة الحج: الآية: ٢٤).\n(^٣) عجائب القرآن للرازي صـ ٥٥.\n(^٤) تفسير ابن كثير (سورة الحج: الآية: ٢٤).","vol":"1","page":527},{"text":"- عن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄ في قوله: ﴿مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ شهادة أن لا إله إلا الله\" (^١).\n- قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: \" ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ يعني حسنة، يعني كلمة الإخلاص، وهي التوحيد\" (^٢).\n- قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: \"ويعني بالطيبة: الإيمان به جلّ ثناؤه\" (^٣).\n- قال ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩ هـ) ﵀: \" ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ هي: لا إله إلا الله\" (^٤).\n- قال أبو إسحاق أحمد الثعلبي (ت: ٤٢٧ هـ) ﵀: \" ﴿كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ شهادة أن لا إله إلاّ الله\" (^٥).\n- قال مكي بن أبي طالب (ت: ٤٣٧ هـ) ﵀: \"وقيل: الكلمة الطيبة أصلها ثابت، هي ذات أصل في القلب، يعني التوحيد\" (^٦).\n_________\n(^١) تفسير ابن أبي حاتم (سورة إبراهيم: الآية: ٢٤)، وتفسير ابن كثير (سورة إبراهيم: الآية: ٢٤).\n(^٢) تفسير مقاتل بن سليمان (سورة إبراهيم: الآية: ٢٤).\n(^٣) تفسير الطبري (سورة إبراهيم: الآية: ٢٤).\n(^٤) تفسير ابن أبي زمنين (سورة إبراهيم: الآية: ٢٤).\n(^٥) تفسير الثعلبي (سورة إبراهيم: الآية: ٢٤).\n(^٦) تفسير مكي بن أبي طالب (سورة إبراهيم: الآية: ٢٤).","vol":"1","page":528},{"text":"- قال الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀: ﴿كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾، هي قول: لا إله إلا الله\" (^١).\n- قال العز بن عبد السلام (ت: ٦٣٩ هـ) ﵀: \"قوله تعالى: ﴿كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤)﴾ [إِبْرَاهِيم: ٢٤] ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ [إِبْرَاهِيم: ٢٥]، ذكر ذلك ترغيبا في كلمة التوحيد\" (^٢).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"والله سبحانه مثل الكلمة الطيبة أي: كلمة التوحيد بشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء. فبين بذلك أن الكلمة الطيبة لها أصل ثابت في قلب المؤمن ولها فرع عال وهي ثابتة في قلب ثابت كما قال ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إِبْرَاهِيم: ٢٧] فالمؤمن عنده يقين وطمأنينة والإيمان في قلبه ثابت مستقر وهو في نفسه ثابت على الإيمان مستقر لا يتحول عنه\" (^٣).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \" \"لا إله إلا الله\". فإن في هذه الكلمة الطيبة التي هي ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ [إِبْرَاهِيم: ٢٤] فيها إثبات معرفته والإقرار به. وفيها إثبات محبته فإن الإله هو المألوه الذي يستحق أن يكون مألوها؛ وهذا أعظم ما يكون من المحبة. وفيها أنه لا إله إلا هو. ففيها\n_________\n(^١) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة إبراهيم: الآية: ٢٤).\n(^٢) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة إبراهيم: الآية: ٢٤). قواعد الأحكام في مصالح الأنام ١/ ١٦٣.\n(^٣) مجموع الفتاوى ١٣/ ١٥٩.","vol":"1","page":529},{"text":"المعرفة والمحبة والتوحيد\" (^١).\n- قال ابن عاشور (ت: ١٣٩٣ هـ) ﵀: \"والكلمة الطيبة قيل: هي كلمة الإسلام، وهي: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله؛ والكلمة الخبيثة: كلمة الشرك\" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-209>الاسم الثاني عشر: ومن أسماء التوحيد \"الكلم الطيب\".</span>\nقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ (١٠)﴾ [فَاطِر: ١٠].\n- قال السدي (ت: ١٢٨ هـ) ﵀: \"قوله ﷿: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ يعني: التوحيد\" (^٣).\n- قال يحيى بن سلام بن أبي ثعلبة، التيمي (ت: ٢٠٠ هـ) ﵀: \"قوله ﷿: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ \"التوحيد\".\n﴿الْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فَاطِر: ١٠] \"التوحيد\"، لا يرتفع العمل إلا بالتوحيد كقوله: ﴿وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإِسْرَاء: ١٩] \" (^٤).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١٦/ ٣٤٥.\n(^٢) تفسير ابن عاشور (سورة إبراهيم: الآية: ٢٤).\n(^٣) تفسير يحيى بن سلام. (سورة القصص: الآية: ٥٧).\n(^٤) تفسير يحيى بن سلام. (سورة فاطر: الآية: ١٠).","vol":"1","page":530},{"text":"- قال ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩ هـ) ﵀: \"قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فَاطِر: ١٠] تفسير قتادة (ت: ١١٨ هـ)، يقول: من كان يريد العزة؛ فليتعزز بطاعة الله ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فَاطِر: ١٠] هو التوحيد ﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فَاطِر: ١٠] التوحيد؛ لا يرتفع العمل إلا بالتوحيد\" (^١).\n- قال ابن عطية الأندلسي (ت: ٥٤٢ هـ) ﵀: \"وقوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فَاطِر: ١٠] أي التوحيد والتمجيد وذكر الله ونحوه\" (^٢).\n- قال الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀: \" ﴿إِلَيْهِ﴾ أي: إلى الله، ﴿يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ وهو قوله لا إله إلا الله\" (^٣).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فَاطِر: ١٠] ومن لم يكن معه أصل ثابت فإنه يحرم الوصول؛ لأنه ضيع الأصول؛ ولهذا تجد أهل البدع والشبهات لا يصلون إلى غاية محمودة كما قال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (١٤)﴾ [الرَّعْد: ١٤] \" (^٤).\n_________\n(^١) تفسير القرآن العزيز لابن أبي زمنين ٤/ ٢٦.\n(^٢) تفسير المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ٤/ ٤٣١.\n(^٣) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة فاطر: الآية: ١٠).\n(^٤) مجموع الفتاوى ١٣/ ١٥٩ - ١٦٠.","vol":"1","page":531},{"text":"<span data-type='title' id=toc-210>الاسم الثالث عشر: ومن أسماء التوحيد \"المثل الأعلى\".</span>\nقال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٠)﴾ [النَّحْل: ٦٠].\n- قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: ﴿الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ \"شهادة أن لا إله إلا الله\" (^١).\n- عن قتادة بن دعامة السدوسي (ت: ١١٨ هـ) ﵀: \"قوله: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النَّحْل: ٦٠] الإخلاص والتوحيد\" (^٢).\n- عن قتادة بن دعامة السدوسي (ت: ١١٨ هـ) ﵀: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ قال: \"شهادة أن لا إله إلا الله\" (^٣).\n- قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: \" ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾؛ لأنه ﵎ ربا واحد لا شريك له ولا ولد\" (^٤).\n- قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: \" يقول: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾، وهو الأفضل والأطيب، والأحسن، والأجمل، وذلك التوحيد والإذعان\n_________\n(^١) تفسير الجامع لأحكام القرآن للقرطبي. (سورة النحل: الآية: ٦٠)، تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة النحل: الآية: ٦٠).\n(^٢) تفسير الطبري (سورة النحل: الآية: ٦٠).\n(^٣) تفسير الطبري (سورة النحل: الآية: ٦٠)، وأورده السيوطي في الدر المنثور (تفسير سورة النحل: الآية: ٦٠) وقال: وأخرجه عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) تفسير مقاتل بن سليمان (سورة النحل: الآية: ٦٠).","vol":"1","page":532},{"text":"له بأنه لا إله غيره\" (^١).\n- قال ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩ هـ) ﵀: \" ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ يقول: ولله الإخلاص والتوحيد؛ في تفسير قتادة\" (^٢).\n- قال أبو إسحاق أحمد الثعلبي (ت: ٤٢٧ هـ) ﵀: \" ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾، الصفة العليا، وهي التوحيد والإخلاص. وقال ابن عبّاس: ﴿مَثَلُ السَّوْءِ﴾: النار، ﴿الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾: شهادة أن لا إله إلاّ الله\" (^٣).\n- قال مكي بن أبي طالب (ت: ٤٣٧ هـ) ﵀: \" ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾. أي: الأفضل والأكمل والأحسن وهو التوحيد\" (^٤).\n- قال علي بن محمد الماوردي (ت: ٤٥٠ هـ) ﵀: \" ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾، فيه وجهان:\nأحدهما: الصفة العليا بأنه خالق ورزاق وقادر ومُجازٍ.\nالثاني: الإخلاص والتوحيد، قاله قتادة\" (^٥).\n- قال الواحدي (ت: ٤٦٨ هـ) ﵀: \" ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾، الإخلاص\n_________\n(^١) تفسير الطبري (سورة النحل: الآية: ٦٠).\n(^٢) تفسير ابن أبي زمنين (سورة النحل: الآية: ٦٠).\n(^٣) تفسير الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي (سورة النحل: الآية: ٦٠).\n(^٤) تفسير الهداية إلى بلوغ النهاية لمكي بن أبي طالب. (سورة النحل: الآية: ٦٠).\n(^٥) تفسير النكت والعيون للماوردي. (سورة النحل: الآية: ٦٠).","vol":"1","page":533},{"text":"والتوحيد، وهو شهادة أن لا إله إلا الله\" (^١).\nقال الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾، الصفة العليا، وهي التوحيد وأنه لا إله إلا هو. وقيل: جميع صفات الجلال والكمال، من العلم، والقدرة، والبقاء، وغيرها من الصفات. قال ابن عباس: ﴿مَثَلُ السَّوْءِ﴾: النار، و﴿الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾: شهادة أن لا إله إلا الله\" (^٢).\n- قال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ) ﵀: \" ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾، أي: الوصف الأعلى من الإخلاص والتوحيد، قاله قتادة. وقيل: أي: الصفة العليا بأنه خالق رازق قادر ومجاز. وقال ابن عباس: ﴿مَثَلُ السَّوْءِ﴾ النار، و﴿الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾، شهادة أن لا إله إلا الله\" (^٣).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"المثل الأعلى يتضمن الصفة العليا وعلم العالمين بها ووجودها العلمي والخبر عنها وذكرها وعبادة الرب سبحانه بواسطة العلم والمعرفة القائمة بقلوب عابديه وذاكريه فهاهنا أربعة أمور:\nالأول: ثبوت الصفات العليا لله سبحانه في نفس الأمر علمها العباد أو جهلوها وهذا معنى قول من فسره بالصفة.\nالثاني: وجودها في العلم والتصور وهذا معنى قول من قال من السلف والخلف إنه ما في قلوب عابديه وذاكريه من معرفته وذكره ومحبته وإجلاله\n_________\n(^١) تفسير الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي. (سورة النحل: الآية: ٦٠).\n(^٢) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة النحل: الآية: ٦٠).\n(^٣) تفسير الجامع لأحكام القرآن للقرطبي. (سورة النحل: الآية: ٦٠).","vol":"1","page":534},{"text":"وتعظيمه وهذا الذي في قلوبهم من المثل الأعلى لا يشترك فيه غيره معه بل يختص به في قلوبهم كما اختص في ذاته وهذا معنى قول من قال من المفسرين أهل السماء يعظمونه ويحبونه ويعبدونه وأهل الأرض يعظمونه ويجلونه وإن أشرك به من أشرك وعصاه من عصاه وجحد صفاته من جحدها فكل أهل الأرض معظمون له مجلون له خاضعون لعظمته مستكينون لعزته وجبروته قال تعالى: ﴿بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (١١٦)﴾ [البَقَرَةِ: ١١٦] فلست تجد أحدا من أوليائه وأعدائه إلا والله أكبر في صدره وأكمل وأعظم من كل سواه.\nالثالث: ذكر صفاته والخبر عنها وتنزيهها عن النقائص والعيوب والتمثيل.\nالرابع: محبة الموصوف بها وتوحيده والإخلاص له والتوكل عليه والإنابة إليه وكلما كان الإيمان بالصفات أكمل كان هذا الحب والإخلاص أقوى فعبارات السلف تدور حول هذه المعاني الأربعة لا تتجاوزها\" (^١).\n- قال الشوكاني (ت: ١٢٥٥ هـ) ﵀: \" ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ وهو أضداد صفة المخلوقين من الغنى الكامل، والجود الشامل، والعلم الواسع، أو التوحيد وإخلاص العبادة، أو أنه خالق رازق قادر مجاز؛ وقيل: شهادة أن لا إله إلاّ الله؛ وقيل: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ﴾ [النُّور: ٣٥] \" (^٢).\n_________\n(^١) الصواعق المرسلة ٣/ ١٠٣٥.\n(^٢) تفسير فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية في علم التفسير للشوكاني. (سورة النحل: الآية: ٦٠).","vol":"1","page":535},{"text":"<span data-type='title' id=toc-211>الاسم الرابع عشر: ومن أسماء كلمة التوحيد \"أم الخصال الحميدة وأساسها\".</span>\nقال تعالى: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٨)﴾ [الزُّخْرُف: ٢٨]\n- قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: \" ﴿وَجَعَلَهَا﴾ أي: هذه الخصلة الحميدة، التي هي أم الخصال وأساسها، وهي إخلاص العبادة للّه وحده، والتبرِّي من عبادة ما سواه\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-212>الاسم الخامس عشر: ومن أسماء التوحيد \"كلمة التقوى\".</span>\nقال تعالى: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٢٦)﴾ [الفَتْح: ٢٦].\n- عن الطفيل بن أبي بن كعب (ت: ٨١ هـ) ﵀، عن أبيه (ت: ٣٠ هـ) ﵁، سمع رسول الله ﷺ يقول: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾ قال: \"لا إلَه إلا اللّهُ\" (^٢).\n- عن عثمان بن عفان (ت: ٣٥ هـ) ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"ثم إني لأعلم كلمة لا يقولها عبد حقا من قلبه إلا حرم على النار\".\nفقال له عمر بن الخطّاب (ت: ٢٣ هـ) ﵁: أنا أحدثك ما هي\n_________\n(^١) تفسير ابن سعدي (سورة الزخرف: الآية: ٢٨).\n(^٢) تفسير الطبري (سورة الفتح الآية: ٢٦).","vol":"1","page":536},{"text":"كلمة الإخلاص التي أعز الله ﵎ بها محمد ﷺ، وهي كلمة التقوى … \" الحديث (^١).\n- عن علي بن أبي طالب (ت: ٤٠ هـ) ﵁، في قوله ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾ قال: لا إله إلا الله\" (^٢).\n- وفي سنن سعيد بن منصور (ت: ٢٢٧ هـ) ﵀ بسنده سمعت على الأزدي (ت: ١٨٧ هـ) ﵀ يقول: يقول: سمعت ابن عمر (ت: ٧٣ هـ) ﵄ وسمع الناس يقولون: \"لا إله إلا الله والله أكبر\" بين مكة ومنى؛ فقال: هي هي. فقلت: وما هي؟ قال: قول الله ﷿: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾: لا إله إلا الله\" (^٣).\n- عن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄، قوله ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾، يقول: شهادة أن لا إله إلا الله، فهي كلمة التقوى، يقول: فهي رأس التقوى\" (^٤).\n- عن سعيد بن جبير (ت: ٩٥ هـ) ﵀؛ في قوله ﷿: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾ قال: \"لا إله إلا الله\" (^٥).\n- عن قتادة بن دعامة السدوسي (ت: ١١٨ هـ) ﵀: ﴿وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾\n_________\n(^١) أخرج أحمد في مسنده (١/ ٦٣).\n(^٢) تفسير الطبري (سورة الفتح الآية: ٢٦).\n(^٣) سنن سعيد بن منصور تكملة التفسير ٧/ ٣٨١.\n(^٤) تفسير الطبري (سورة الفتح الآية: ٢٦)، وكتاب الأسماء والصفات للبيهقي ١/ ٢٧١.\n(^٥) سنن سعيد بن منصور تكملة التفسير ٧/ ٣٧٩.","vol":"1","page":537},{"text":"\"وكان المسلمون أحقّ بها، وكانوا أهلها: أي التوحيد، وشهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله\" (^١).\n- قال سهل التستري (ت: ٢٨٣ هـ) ﵀: \"هي كلمة لا إله إلا الله فإنها رأس التقوى، ثم قال: خير الناس المسلمون، وخير المسلمين المؤمنين، وخير المؤمنين العلماء العاملون، وخير العاملين الخائفون، وخير الخائفين المخلصون المتقون الذين وصلوا إخلاصهم وتقواهم بالموت، فإن مثله كمثل راكب السفينة بالبحر، لا يدري أينجو منه أن يغرق فيه، والذين تم لهم ذلك أصحاب رسول الله ﷺ بقوله: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾ \" (^٢).\n- قال الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ): \" ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾ قال ابن عباس، ومجاهد بن جبر، والضحاك بن مزاحم، وقتادة، وعكرمة، والسدي، وابن زيد، وأكثر المفسرين: كلمة التقوى \"لا إله إلا الله\" (^٣).\n- قال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ): \"وألزمهم كلمة التقوى قيل: لا إله إلا الله. روي مرفوعا من حديث أبي بن كعب عن النبي ﷺ. وهو قول علي ﵁، وابن عمر ﵄، وابن عباس ﵄، وعمرو بن ميمون ﵀، ومجاهد بن جبر ﵀، وقتادة ﵀، وعكرمة ﵀، والضحاك بن مزاحم ﵀، وسلمة بن كهيل ﵀، وعبيد بن عمير ﵀، وطلحة بن\n_________\n(^١) تفسير الطبري (سورة الفتح الآية: ٢٦).\n(^٢) تفسير التستري صـ ١٤٨.\n(^٣) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة الفتح الآية: ٢٦).","vol":"1","page":538},{"text":"مصرف ﵀، والربيع ﵀، والسدي ﵀، وابن زيد ﵀، وقاله عطاء الخراساني ﵀، وزاد \" محمد رسول الله\"؛ وعن علي ﵁، وابن عمر ﵁ ا، أيضا هي لا إله إلا الله والله أكبر. وقال عطاء بن أبي رباح ﵀، ومجاهد بن جبر ﵀، أيضا: هي لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. وقال الزهري ﵀: بسم الله الرحمن الرحيم. يعني أن المشركين لم يقروا بهذه الكلمة، فخص الله بها المؤمنين. وكلمة التقوى هي التي يتقى بها من الشرك. وعن مجاهد بن جبر ﵀، أيضا أن كلمة التقوى الإخلاص\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-213>الاسم السادس عشر: ومن أسماء التوحيد \"سبيل التقوى\".</span>\nقال تعالى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ (٢)﴾ [النَّحْل: ٢].\nفالتوحيد أعظم نعمة أنعمها الله تعالى على عباده حيث هداهم إليه، كما جاء في سورة النحل التي تسمى سورة النعم، فالله ﷿ قدّم نعمة التوحيد على كل نعمة.\n- قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: \"أمرهم الله ﷿ أن ينذروا الناس، فقال: ﴿أَنْ أَنذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ (٢)﴾ [النَّحْل: ٢]، يعنى فاعبدون\" (^٢).\n_________\n(^١) تفسير القرطبي (سورة لقمان الآية: ٢٦).\n(^٢) تفسير مقاتل بن سليمان (سورة النحل: الآية: ٢).","vol":"1","page":539},{"text":"- قال الواحدي (ت: ٤٦٨ هـ) ﵀: \" ﴿أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا﴾ مع تخويفهم إن لم يقروا ﴿فَاتَّقُونِ (٢)﴾ بالتوحيد والطاعة\" (^١).\n- قال فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀: \"ثم العقل أيضا ليس بكامل النورانية والصفاء والإشراق حتى يستكمل بمعرفة ذات الله تعالى وصفاته وأفعاله ومعرفة أحوال عالم الأرواح والأجساد، وعالم الدنيا والآخرة، ثم إن هذه المعارف الشريفة الإلهية لا تكمل ولا تصفو إلا بنور الوحي والقرآن\" (^٢).\n- قال فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀: \"وأشرف المعارف وأجلها معرفة أنه لا إله إلا هو، وإليه الإشارة بقوله: ﴿أَنْ أَنذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا﴾ والقوة الثانية للنفس: استعدادها للتصرف في أجسام هذا العالم، وهذه القوة هي القوة المسماة بالقوة العملية، وسعادة هذه القوة في الإتيان بالأعمال الصالحة، وأشرف الأعمال الصالحة هو عبودية الله تعالى، وإليه الإشارة بقوله: ﴿فَاتَّقُونِ﴾ ولما كانت القوة النظرية أشرف من القوة العملية وسعادة هذه القوة في الإنباء بالأعمال الصالحة وأشرف الأعمال الصالحة هو عبودية الله تعالى، وإليه الإشارة بقوله ﴿فَاتَّقُونِ﴾ ولما كانت القوة النظرية أشرف من القوة العملية لا جرم قدم الله تعالى كمالات القوة النظرية، وهي قوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا﴾ على كمالات القوة العملية وهي قوله: ﴿فَاتَّقُونِ﴾ \" (^٣).\n_________\n(^١) تفسير الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي. (سورة النحل: الآية: ٢).\n(^٢) تفسير مفاتح الغيب للرازي (سورة النحل: الآية: ٢).\n(^٣) تفسير مفاتح الغيب للرازي (سورة النحل: الآية: ٢).","vol":"1","page":540},{"text":"- وقال فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀: \"سميت هذه الكلمة بكلمة التقوى: هو أن هذه الكلمة واقية لبدنك من السيف، ولمالك من الاستغنام، ولذمتك من الجزية، ولأولادك من السبي، فإن انضاف القلب إلى اللسان صارت واقية لقلبك عن الكفر، وإن انضم التوفيق إليه صارت واقية لجوارحك عن المعاصي\" (^١).\n- قال البيضاوي (ت: ٦٨٥ هـ) ﵀: \"والآية تدل على التنبيه على التوحيد الذي هو منتهى كمال القوة العلمية، والأمر بالتقوى الذي هو أقصى كمال القوة العملية\" (^٢).\n- قال ابن عاشور (ت: ١٣٩٣ هـ) ﵀: \"وقد أحاطت جملة ﴿أَنْ أَنذِرُوا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُونِ﴾ بالشريعة كلها، لأن جملة ﴿أَنذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا﴾ تنبيه على ما يرجع من الشريعة إلى إصلاح الاعتقاد وهو الأمر بكمال القوة العقلية.\nوجملة ﴿فَاتَّقُونِ﴾ تنبيه على الاجتناب والامتثال اللذين هما منتهى كمال القوة العملية\" (^٣).\n- قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: \"وزبدة دعوة الرسل كلهم ومدارها على قوله: ﴿أَنْ أَنذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ (٢)﴾\n_________\n(^١) عجائب القرآن للرازي صـ ٦٠.\n(^٢) تفسير أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي (سورة النحل: الآية: ٢).\n(^٣) تفسير ابن عاشور (سورة النحل: الآية: ٢).","vol":"1","page":541},{"text":"أي: على معرفة الله تعالى وتوحده في صفات العظمة التي هي صفات الألوهية وعبادته وحده لا شريك له فهي التي أنزل الله بها كتبه وأرسل رسله، وجعل الشرائع كلها تدعو إليها، وتحث وتجاهد من حاربها وقام بضدها\" (^١).\n- قال الشيخ عبد الرحمن الدوسري (ت: ١٣٣٢ هـ) ﵀: \"إن القلب إذا صفت مقاصده لله، وصفت معلوماته مما سواه، وانحشى بوحيه العزيز، وانشغل بذكر أسمائه الحسنى متدبرًا معانيها ومشتقاتها، ليعامل الله بمقتضاها ولا يأنس إلا بها؛ صفت موارده لخلوص مقاصده، فصار سليمًا، وفي حصن حصين من غزو أعدائه شياطين الإنس والجن الفكري ومن همزاتهم. فيثمر له صفاء علمه ومتعلقاته؛ حسن السلوك الذي يسيِّر الأعضاء والأحاسيس حسب مرضاة الله\" (^٢).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"العبد عليه حقان:\nحقٌ لله ﷿، وحقٌ لعباده. ثم الحق الذي عليه لا بد أن يُخِلَّ ببعضه أحيانا؛ إما بترك مأمور به، أو فعل منهيّ عنه، فقال النبي ﷺ: «اتق الله حيثما كنت» وهذه كلمة جامعة، وفي قوله: «حيثما كنت» تحقيق لحاجته إلى التقوى في السر والعلانية، ثم قال: «واتبع السيئة الحسنة تمحها» فإن الطبيب متى تناول المريض شيئًا مضرًا أمره بما يصلحه.\n_________\n(^١) تفسير بن سعدي (سورة النحل: الآية: ٢).\n(^٢) صفوة الآثار والمفاهيم ١/ ٢١٧.","vol":"1","page":542},{"text":"والذنب للعبد كأنه أمر حتم؛ فالكيّس هو الذي لا يزال يأتي من الحسنات بما يمحو السيئات\" (^١).\n- قالابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"التقوى: هي الاحتماء عما يضره بفعل ما ينفعه، فإن الاحتماء عن الضار يستلزم استعمال النافع، وأما استعمال النافع فقد يكون معه أيضًا استعمالًا لضار، فلا يكون صاحبه من المتقين\" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-214>الاسم السابع عشر: ومن أسماء التوحيد \"السبيل\".</span>\nقال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يُوسُف: ١٠٨].\n- قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: \" ﴿قُلْ هَذِهِ﴾، ملة الإسلام، ﴿سَبِيلِي﴾، يعنى سنتي، ﴿أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ﴾، يعنى إلى معرفة الله، وهو التوحيد، ﴿عَلَى بَصِيرَةٍ﴾، يعنى على بيان، ﴿أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾، على ديني، ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾، نزه الرب نفسه عن شركهم، ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ \" (^٣).\n- قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: \"يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: قُلْ يا محمد هَذِهِ الدعوة التي أدعو إليها،\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١٠/ ٦٥٥.\n(^٢) مجموع الفتاوى ١٠/ ١٤٤.\n(^٣) تفسير مقاتل بن سليمان. (سورة يوسف: الآية: ١٠٨).","vol":"1","page":543},{"text":"والطريقة التي أنا عليها من الدعاء إلى توحيد الله وإخلاص العبادة له دون الَالهة والأوثان والانتهاء إلى طاعته وترك معصيته، سَبِيلِي وطريقتي ودعوتي أدْعُو إلى اللّهِ وحده لا شريك له على بَصِيرَةٍ بذلك، ويقين علم مني به، أنَا وَيدعو إليه على بصيرة أيضا مَنْ اتّبَعَنِي وصدّقني وآمن بي. وَسُبْحانَ اللّهِ يقول له تعالى ذكره: وقل تنزيها لله وتعظيما له من أن يكون له شريك في ملكه أو معبود سواه في سلطانه، وَما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ يقول: وأنا بريء من أهل الشرك به، لست منهم ولا هم مني\" (^١).\n- قال ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩ هـ) ﵀: \" ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ أي: ملتي ﴿أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ على يقين ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾ أمره أن ينزه الله عما قال المشركون\" (^٢).\n- قال البيضاوي (ت: ٦٨٥ هـ) ﵀: \" ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ يعني الدعوة إلى التوحيد والإعداد للمعاد ولذلك فسر السبيل بقوله: ﴿أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ﴾ \" (^٣).\n- قال علي بن يحيى السمرقندي (ت: ٨٨٠ هـ تقريبًا) ﵀: \" ﴿قُلْ﴾ يا محمد ﴿هَذِهِ سَبِيلِي﴾ يعني: هذه الملة، ديني الإسلام، ويقال: هذه دعوتي ﴿أَدْعُوا﴾ الخلق ﴿إِلَى اللَّهِ﴾ تعالى. ويقال: أدعوكم إلى توحيد الله وعبادته ﴿عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ أي: على يقين وحقيقة. ويقال: على بيان ﴿أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾\n_________\n(^١) تفسير الطبري. (سورة يوسف: الآية: ١٠٨).\n(^٢) تفسير ابن أبي زمنين. (سورة يوسف: الآية: ١٠٨).\n(^٣) تفسير أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي. (سورة يوسف: الآية: ١٠٨).","vol":"1","page":544},{"text":"يعني: من اتبعني على ديني، فهو أيضًا على بصيرة ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾ تنزيهًا لله عن الشرك ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ على دينهم\" (^١).\n- قال مكي بن أبي طالب (ت: ٤٣٧ هـ) ﵀: \"قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ والمعنى: قل لهم يا محمد: هذه الدعوة التي أدعوكم إليها، والطريقة التي أنا عليها من الدعاء إلى توحيد الله ﷿، أدعوكم إلى الله سبحانه ﴿عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ أي: على منهاج ظاهر، ويقين ﴿أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾. ثم قال: ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾: أي: وقل يا محمد سبحان الله: أي: تنزيها لله من شرككم، ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ \" (^٢).\n- قال علي بن محمد الماوردي (ت: ٤٥٠ هـ) ﵀: \"قوله ﷿: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ فيها تأويلان:\nأحدهما: هذه دعوتي، قاله ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄.\nالثاني: هذه سنتي، قاله عبد الرحمن بن زيد (ت: ١٨٢ هـ) ﵀. والمراد بها تأويلان:\nأحدهما: الإخلاص لله تعالى بالتوحيد.\nالثاني التسليم لأمره فيما قضاه\" (^٣).\n_________\n(^١) تفسير بحر العلوم لعلي بن يحيى السمرقندي. (سورة يوسف: الآية: ١٠٨).\n(^٢) تفسير الهداية إلى بلوغ النهاية لمكي بن أبي طالب. (سورة يوسف: الآية: ١٠٨).\n(^٣) تفسير النكت والعيون للماوردي. (سورة يوسف: الآية: ١٠٨).","vol":"1","page":545},{"text":"- قال عبد الله بن أحمد بن محمود النسفي (ت: ٧١٠ هـ) ﵀: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ هذه السبيل التي هي الدعوة إلى الإيمان والتوحيد سبيلي\" (^١).\n- قال علي بن محمد بن إبراهيم الشيحي المعروف بالخازن (ت: ٧٤١ هـ) ﵀: \" ﴿قُلْ﴾ أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين ﴿هَذِهِ سَبِيلِي﴾ يعني طريقي التي ﴿أَدْعُوا﴾ إليها وهي توحيد الله ﷿ ودين الإسلام وسمي الدين سبيلًا لأنه الطريق المؤدي إلى الله ﷿ وإلى الثواب والجنة. ﴿إِلَى اللَّهِ﴾ يعني إلى توحيد الله والإيمان به\" (^٢).\n- قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: \"يقول الله تعالى لعبد ورسوله إلى الثقلين: الإنس والجن، آمرًا له أن يخبر الناس: أن هذه سبيله، أي طريقه ومسلكه وسنته، وهي الدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يدعو إلى الله بها على بَصِيرة من ذلك، ويقين وبرهان، هو وكلّ من اتبعه، يدعو إلى ما دعا إليه رسول الله ﷺ على بصيرة ويقين وبرهان شرعي وعقلي\" (^٣).\n- قال محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله الإيجي (ت: ٩٠٥ هـ تقريبًا) ﵀: \" ﴿قُلْ هَذِهِ﴾ أي: الدعوة إلى التوحيد، ﴿سَبِيلِي﴾: طريقتي، ﴿أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ﴾: بينان وتفسير للسبيل، ﴿عَلَى بَصِيرَةٍ﴾: معرفة وحجة، ﴿أَنَا﴾: تأكيد لضمير\n_________\n(^١) تفسير مدارك التنزيل وحقائق التأويل للنسفي. (سورة يوسف: الآية: ١٠٨).\n(^٢) تفسير لباب التأويل في معاني التنزيل للخازن. (سورة يوسف: الآية: ١٠٨).\n(^٣) تفسير القرآن العظيم لابن كثير. (سورة يوسف: الآية: ١٠٨).","vol":"1","page":546},{"text":"أدعوا، ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ أي: من آمن بي أيضا يدعوا إلى الله تعالى\" (^١).\n- قال أبو السعود العمادي محمد بن محمد بن مصطفى (ت: ٩٨٢ هـ) ﵀: \" ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ وهي الدعوةُ إلى التوحيد والإيمان بالإخلاص وفسّرها بقوله: ﴿أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ بيانٍ وحجةٍ واضحةٍ غيرِ عمياءَ\" (^٢).\n- قال شهاب الدين محمود بن عبد الله الحسيني الألوسي (ت: ١٢٧٠ هـ) ﵀: \" ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ أي هذه السبيل التي هي الدعوة إلى الإيمان والتوحيد سبيلي\" (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-215>الاسم الثامن عشر: ومن أسماء التوحيد \"القول السديد\".</span>\nقال تعالى: ﴿وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٩)﴾ [النِّسَاء: ٩].\nقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [الأَحْزَاب: ٧٠ - ٧١].\n- قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: \"القول السداد: لا إله إلا الله\" (^٤).\n- عن عكرمة (ت: ١٠٥ هـ) ﵀: قال: \"قولوا: لا إله إلا الله\" (^٥).\n_________\n(^١) تفسير جامع البيان في تفسير القرآن للإيجي. (سورة يوسف: الآية: ١٠٨).\n(^٢) إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم لأبي السعود. (سورة يوسف: الآية: ١٠٨).\n(^٣) تفسير روح المعاني للألوسي. (سورة يوسف: الآية: ١٠٨).\n(^٤) كتاب الأسماء والصفات للبيهقي ١/ ٢٧١، تفسير القرطبي (سورة الأحزاب الآية: ٧٠)، تفسير البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي. (سورة الأحزاب الآية: ٧٠).\n(^٥) تفسير الطبري (سورة الأحزاب الآية: ٧٠)، تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة الأحزاب الآية: ٧٠)، تفسير الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي. (سورة الأحزاب الآية: ٧٠)، تفسير الهداية في بلوغ النهاية لمكي بن أبي طالب. (سورة الأحزاب الآية: ٧٠)، تفسير البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي. (سورة الأحزاب الآية: ٧٠)، وأورده السيوطي في الدر المنثور (سورة الأحزاب: الآية: ٧٠) وقال: وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمةفي قوله ﴿وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠)﴾ [الأَحْزَاب: ٧٠] قال: قولوا لا إله إلا الله\".","vol":"1","page":547},{"text":"- قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: \" ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠)﴾ [الأَحْزَاب: ٧٠] يعني قولا عدلا، وهو التوحيد\" (^١).\n- قال ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩ هـ) ﵀: \" ﴿قُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠)﴾ أي: عدلًا؛ وهو: لا إله إلا الله\" (^٢).\n- قال القشيري (ت: ٤٦٥ هـ) ﵀: \"القول السديد كلمةُ الإخلاص، وهي الشهادتان عن ضميرٍ صادق\" (^٣).\n- قال الواحدي (ت: ٤٦٨ هـ) ﵀: \"وقوله ﴿قُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠)﴾ أي حقا وصوابا قيل هو لا إله إلا الله\" (^٤).\n- قال العز بن عبد السلام (ت: ٦٣٩ هـ) ﵀: \" ﴿سَدِيدًا (٧٠)﴾ عدلًا، أو صدقًا، أو صوبًا، أو قول لا إله إلا الله، أو يوافق باطنه ظاهره، أو ما أريد به وجه الله\n_________\n(^١) تفسير مقاتل بن سليمان (سورة الأحزاب الآية: ٧٠).\n(^٢) تفسير القرآن العزيز لابن أبي زمنين (سورة الأحزاب الآية: ٧٠) ٣/ ٤١٥.\n(^٣) تفسير لطائف الإشارات للقشيري (سورة الأحزاب الآية: ٧٠).\n(^٤) تفسير الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي. (سورة الأحزاب الآية: ٧٠).","vol":"1","page":548},{"text":"تعالى دون غيره\" (^١).\n- قال محمد بن يعقوب الفيروزأبادي (ت: ٨١٧ هـ) ﵀: \"يعنى كلمة التوحيد\" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-216>الاسم التاسع عشر: ومن أسماء التوحيد \"القول الثابت\".</span>\nقال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (٢٧)﴾ [إِبْرَاهِيم: ٢٧].\n- عن البراء بن عازب (ت: ٧٢ هـ) ﵁ مرفوعًا: «المسلمُ إذا سُئِلَ في القَبْرِ يَشْهَدُ أَنْ لا إلهَ إلا اللهُ، وأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، فذلك قولُهُ تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إِبْرَاهِيم: ٢٧]» (^٣).\n- قال طاووس (ت: ١٠٦ هـ) ﵀: \" ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ قال: لا إله إلا الله، ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾ المسألة في القبر\" (^٤)\n- قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: \" ثم ذكر المؤمنين بالتوحيد في حياتهم وبعد موتهم، فقال سبحانه: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾،\n_________\n(^١) تفسير العز بن عبد السلام (سورة الأحزاب الآية: ٧٠).\n(^٢) بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز ٤/ ٣٠٦.\n(^٣) أخرجه البخاري (١٣٦٩)، ومسلم (٢٨٧١).\n(^٤) تفسير عبد الرزاق (سورة إبراهيم: الآية: ٢٧)، وتفسير ابن كثير (سورة إبراهيم: الآية: ٢٧).","vol":"1","page":549},{"text":"وهو التوحيد، ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، ثم قال: ﴿وَ﴾ يثبتهم ﴿فِي الْآخِرَةِ﴾، يعني في قبره في أمر منكر ونكير بالتوحيد، وذلك أن المؤمن يدخل عليه ملكان أحدهما منكر والآخر نكير، فيجلسانه في القبر، فيسألانه: من ربك؟ وما دينك؟ ومن رسولك؟ فيقول: ربي الله ﷿، وديني الإسلام، ومحمد ﷺ رسولي، فيقولان له: وقيت وهديت، ثم يقولان: اللهم إن عبدك أرضاك فأرضه، فذلك قوله سبحانه: ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾، أي يثبت الله قول الذين آمنوا\" (^١).\n- قال الفراء (ت: ٢٠٧ هـ) ﵀: \"يقال: بلا إله إلا الله فهذا في الدنيا. وإذا سئل عنها في القبر بعد موته قالها إذا كان من أهل السَّعادة، وإذا كان منْ أهل الشقاوة لم يقلها. فذلك قوله ﷿: ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾ عنها أي عن قول لا إله إلا الله\" (^٢).\n- قال منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (ت ٤٨٩ هـ) ﵀: \"قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ القول الثابت: كلمة التوحيد وهي لا إله إلا الله\" (^٣).\n- قال الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀: \"قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾، كلمة التوحيد، وهي قول: لا إله إلا الله\n_________\n(^١) تفسير مقاتل بن سليمان (سورة إبراهيم: الآية: ٢٧).\n(^٢) تفسير معاني القرآن للفراء (سورة إبراهيم: الآية: ٢٧).\n(^٣) تفسير السمعاني ٣/ ١١٥، (سورة إبراهيم: الآية: ٢٧).","vol":"1","page":550},{"text":"﴿الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، يعني قبل الموت، ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾، يعني في القبر. هذا قول أكثر أهل التفسير\" (^١).\n- قال ابن عطية الأندلسي (ت: ٥٤٢ هـ) ﵀: \"القول الثابت في الحياة الدنيا، كلمة الإخلاص، والنجاة من النار: لا إله إلا الله، والإقرار بالنبوة\" (^٢).\n- قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: \"فالقول الثابت هو كلمة التوحيد\" (^٣).\n- قال عبد الرحمن الثعالبي المالكي (ت: ٨٧٥ هـ) ﵀: \" ﴿بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: كلمةُ الإِخلاصِ والنجاةِ من النَّار: \"لا إله إِلا اللَّه\"، والإِقرارُ بالنبوءة\" (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-217>الاسم العشرون: ومن أسماء التوحيد \"الإحسان\".</span>\nقال تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠)﴾ [الرَّحْمَان: ٦٠].\n- قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄، والمفسرون: هل جزاء من قال لا إله إلا الله وعمل بما جاء به محمد ﷺ إلا الجنة\" (^٥).\n_________\n(^١) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة إبراهيم: الآية: ٢٧).\n(^٢) تفسير المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ٣/ ٣٣٧.\n(^٣) تفسير ابن كثير (سورة إبراهيم: الآية: ٢٧).\n(^٤) تفسير الجواهر الحسان في تفسير القرآن للثعالبي (سورة إبراهيم: الآية: ٢٧).\n(^٥) بصائر ذوي التمييز ٢/ ٤٦٦؛ تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة الرحمن الآية: ٦٠).","vol":"1","page":551},{"text":"- قال ابن عطية الأندلسي (ت: ٥٤٢ هـ) ﵀: \"وحكى النقاش أن النبي ﷺ فسر هذه الآية: «هل جزاء التوحيد إلا الجنة» \" (^١).\nقال تعالى: ﴿* لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يُونُس: ٢٦].\n- قال فخر الدين الرازي (٦٠٦ هـ) ﵀: \"والمراد من قوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾ هو: قول لا إله إلا الله باتفاق أهل التفسير. وبدليل أنه لو قال ذلك ومات ولم يتفرغ لعمل آخر دخل الجنة\" (^٢).\nقوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [فُصِّلَت: ٣٣]. واتفقوا على أن هذه الآية نزلت في فضيلة الأذان، وما ذلك إلا لاشتمال الأذان على كلمة لا إله إلا الله. وأيضًا فإنه تعالى قال في صفة الكافرين: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الأَنْعَام: ٢١]. فكما أنه لا قبيح أقبح من كلمة الكفر، لا حسن أحسن من كلمة التوحيد. ولهذا قال تعالى في أول سورة المؤمنين: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١)﴾ [المُؤْمِنُون: ١]. وقال في آخر السورة: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (١١٧)﴾ [المُؤْمِنُون: ١١٧] ثم إنه لما كان قول الموحد حسنًا كان مقيله حسنًا، كما قال تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤)﴾ [الفُرْقَان: ٢٤]. ولما كان الكافر قبيحًا كان مقيله أيضًا مظلمًا، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٥٧].\nوقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزُّمَر: ١٨]. ولا شك\n_________\n(^١) تفسير ابن عطية (سورة الرحمن الآية: ٦٠)، ٥/ ٢٣٤.\n(^٢) عجائب القرآن للرازي صـ ٤٩.","vol":"1","page":552},{"text":"أن أحسن القول لا إله إلا الله.\nوقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النَّحْل: ٩٠]. قيل: العدل: الإعراض عما سوى الله تعالى، والإحسان: الإقبال على الله تعالى.\nوقال تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾ [الإِسْرَاء: ٧]. ولا شك أن الإحسان قول: لا إله إلا الله.\n- عن أبي موسى الأشعري (ت: ٤٤ هـ) ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ﴿* لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يُونُس: ٢٦]: «للذين قالوا: لا إله إلا الله الحسنى وهي الجنة، والزيادة هي النظر إلى وجهه الكريم» \" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-218>الاسم الحادي والعشرون: ومن أسماء التوحيد \"كلمة الصدق\".</span>\nقال تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [الزُّمَر: ٣٣].\n- عن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄، قوله: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾، يقول: من جاء بلا إله إلا الله، ﴿صَدَّقَ بِهِ﴾ يعني: رسوله\" (^٢).\n_________\n(^١) عجائب القرآن للرازي صـ ٤٩ - ٥٠.\n(^٢) تفسير الطبري (سورة الزمر: الآية: ٣٣) وأورده السيوطي في الدر المنثور (سورة الزمر: الآية: ٣٣)، قال: \"وأخرج ابن جرير (ت: ٣١٠ هـ)، وابن المنذر (ت: ٣١٨ هـ)، وابن أبي حاتم (ت: ٣٢٧ هـ)، وابن مردويه (ت: ٤١٠ هـ)، والبيهقي (ت: ٤٥٨ هـ) في الأسماء والصفات عن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) في قوله ﴿الَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾ [الزُّمَر: ٣٣] يعني بلا إله إلا الله ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزُّمَر: ٣٣] يعني برسول الله ﷺ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧)﴾ [البَقَرَةِ: ١٧٧] يعني اتقوا الشرك\".","vol":"1","page":553},{"text":"- قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: \" ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾ يعني بالحق، وهو النبي ﷺ جاء بالتوحيد ﴿صَدَّقَ بِهِ﴾ يعني بالتوحيد، المؤمنون صدقوا بالذي جاء به محمد ﷺ، والمؤمنون أصحاب النبي ﷺ \" (^١).\n- قال إبراهيم الخواص (ت: ٢٩١ هـ) ﵀: \"الصادق لا تراه إلا في فرض يؤديه أو فضل يعمل فيه\" (^٢).\n- قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: \"قالوا: والصدق الذي جاء به: لا إله إلا الله، والذي صدّق به أيضا، هو رسول الله ﷺ \" (^٣).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"وقال بعضهم: \"الصادق الذي يتهيأ له أن يموت ولا يستحيي من سره لو كشف، قال الله تعالى: ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٤)﴾ [البَقَرَةِ: ٩٤] \" (^٤).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"قيل: ثلاث لا تخطئ الصادق: الحلاوة، والملاحة، والهيبة\" (^٥).\n_________\n(^١) تفسير مقاتل بن سليمان (سورة الزمر: الآية: ٣٣).\n(^٢) مدارج السالكين (٣/ ٢٠).\n(^٣) تفسير الطبري (سورة الزمر: الآية: ٣٣).\n(^٤) مدارج السالكين ٢/ ٢٦٤.\n(^٥) مدارج السالكين (٣/ ٢٠).","vol":"1","page":554},{"text":"- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"حمل الصدق كحمل الجبال الرواسي. لا يطيقه إلا أصحاب العزائم. فهم يتقلبون تحته تقلب الحامل بحمله الثقيل\" (^١).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"وقد أمر الله تعالى رسوله: أن يسأله أن يجعل مدخله ومخرجه على الصدق. فقال: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾ [الإِسْرَاء: ٨٠].\nوأخبر عن خليله إبراهيم ﷺ أنه سأله أن يهب له لسان صدق في الآخرين. فقال: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤)﴾ [الشُّعَرَاء: ٨٤].\nوبشر عباده بأن لهم عنده قدم صدق ومقعد صدق. فقال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [يُونُس: ٢].\nوقال: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾ [القَمَر: ٥٤ - ٥٥].\nفهذه خمسة أشياء: مدخل الصدق ومخرج الصدق. ولسان الصدق وقدم الصدق ومقعد الصدق\" (^٢).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"الإيمان أساسه الصدق. والنفاق أساسه الكذب. فلا يجتمع كذب وإيمان إلا وأحدهما محارب للآخر\" (^٣).\n_________\n(^١) مدارج السالكين ٢/ ٢٦٤.\n(^٢) مدارج السالكين ٢/ ٢٧٠.\n(^٣) مدارج السالكين ٢/ ٢٥٨.","vol":"1","page":555},{"text":"<span data-type='title' id=toc-219>الاسم الثاني والعشرون: ومن أسماء التوحيد \"كلمة الرشد\".</span>\nقال تعالى: ﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (٧٨)﴾ [هُود: ٧٨]\n- قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄ \"وقول لوط ﵇ لقومه: ﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ قال: أليس منكم رجل يقول: لا إله إلا الله؟ \" (^١).\n- قال عكرمة (ت: ١٠٥ هـ) ﵀: \"رجل يقول: لا إله إلا الله\" (^٢).\n- قال سليمان بن عبد القوي بن عبد الكريم الطوفي الصرصري الحنبلي (ت ٧١٦ هـ) ﵀: \"قال تعالى: ﴿وَقَال الَّذِي آمَنَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ (٣٨)﴾ [غَافِر: ٣٨] دعاهم إلى التوحيد، والإيمان بالله واليوم الآخر، وإلى الإعراض عن الدنيا، والإقبال على الآخرة، على ما هو ظاهر في كلامه\" (^٣).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"التوحيد كل التوحيد أن يشهد كل شيء دليلًا عليه، مرشدًا إليه، ومعلوم أن الرسل أدلة للتوحيد\" (^٤).\n_________\n(^١) تفسير ابن أبي حاتم (سورة هود: الآية: ٧٨)، كتاب الأسماء والصفات للبيهقي ١/ ٢٧١.\n(^٢) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة هود: الآية: ٧٨)، وتفسير لباب التأويل في معاني التنزيل للخازن. (سورة هود: الآية: ٧٨).\n(^٣) كتاب الإشارات الإلهية إلى المباحث الأصولية ص: ٥٥٠.\n(^٤) مدارج السالكين ٣/ ٤٦٥.","vol":"1","page":556},{"text":"<span data-type='title' id=toc-220>الاسم الثالث والعشرون: كلمة التوحيد \"أصلها ثابت محكم\".</span>\n- قال فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀: \"أصلها محكم، وذلك لأن أول من شهد هذه الشهادة هو الله تعالى، بدليل قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [ال عِمْرَان: ١٨]. فشهادة جميع الشاهدين بتوحيد الله تعالى فرع على شهادة الله، وشهادة الله هي الأصل، فكل شهادة أصلها شهادة الله فهي ثابتة في الدنيا والآخرة\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-221>الاسم الرابع والعشرون: ومن أسماء التوحيد \"كلمة العدل\".</span>\nقال تعالى: ﴿* إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النَّحْل: ٩٠].\n- عن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: \"العدل: التوحيد، والإحسان: أداء الفرائض\".\n- وعن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: \"الإحسان: الإخلاص في التوحيد، وذلك معنى قول النبي ﷺ: «الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه» \" (^٢).\n- عن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾، قال: \"شهادة أن لا إله إلا الله\" (^٣).\n_________\n(^١) عجائب القرآن صـ ٥٨.\n(^٢) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة النحل: الآية: ٩٠).\n(^٣) تفسير الطبري (سورة النحل: الآية: ٩٠)، وتفسير ابن كثير (سورة النحل: الآية: ٩٠).","vol":"1","page":557},{"text":"- قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: \" ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾، بالتوحيد\" (^١).\n- قال مكي بن أبي طالب (ت: ٤٣٧ هـ) ﵀: \"قال بعض المفسرين: \"العدل هنا شهادة أن لا إله إلا الله. وروي ذلك عن ابن عباس؛ وقيل في قوله: ﴿بِالْعَدْلِ﴾ بألا يعبد إلا الله وحده لا شريك له فهذا هو العدل الحق. ﴿وَالْإِحْسَانِ﴾ هو أن تعبده كأنك تراه فإن لم تره فإنه يراك\" (^٢).\n- قال الواحدي (ت: ٤٦٨ هـ) ﵀: \" ﴿* إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾، شهادة أن لا إله إلا الله\" (^٣).\n- قال منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (ت ٤٨٩ هـ) ﵀: \"قوله تعالى: ﴿* إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ في الآية أقوال: أحدها: أن العدل هو شهادة أن لا إله إلا الله، وهذا مروي عن ابن عباس وغيره، وقيل: إنه التوحيد، وهو في معنى الأول\" (^٤).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"الله عدل لا يأخذ إلا بالذنب\" (^٥).\n_________\n(^١) تفسير مقاتل بن سليمان (سورة النحل: الآية: ٩٠).\n(^٢) تفسير الهداية إلى بلوغ النهاية لمكي بن أبي طالب (سورة النحل: الآية: ٩٠).\n(^٣) تفسير الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (سورة النحل: الآية: ٩٠).\n(^٤) تفسير السمعاني ٣/ ١٩٥ (تفسير سورة النحل: الآية: ٩٠).\n(^٥) المستدرك على مجموع الفتاوى ١/ ١٤٧.","vol":"1","page":558},{"text":"<span data-type='title' id=toc-222>الاسم الخامس والعشرون: ومن أسماء التوحيد \"الهدى\".</span>\nقال تعالى: ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ [القَصَص: ٥٧].\n- قال السدي (ت: ١٢٨ هـ) ﵀: \"يعني: التوحيد\" (^١).\n- قال يحيى بن سلام بن أبي ثعلبة، التيمي (ت: ٢٠٠ هـ) ﵀: \"قوله ﷿: ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ﴾، يعني: التوحيد\" (^٢).\n- قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: \"يقول تعالى ذكره: وقالت كفار قريش: إن نتبع الحقّ الذي جئتنا به معك، ونتبرأ من الأنداد والَالهة\" (^٣).\n- قال ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩ هـ) ﵀: \"قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ﴾، يعني: التوحيد\" (^٤).\n- وقال برهان الدين البقاعي (ت: ٨٨٥ هـ) ﵀: \" ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ﴾ أي غاية الاتباع ﴿الْهُدَى﴾ أي الإسلام فنوحد الله من غير إشراك\" (^٥).\nوقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ [البَقَرَةِ: ١٢٠].\n_________\n(^١) تفسير يحيى بن سلام. (سورة القصص: الآية: ٥٧).\n(^٢) تفسير يحيى بن سلام. (سورة القصص: الآية: ٥٧).\n(^٣) تفسير الطبري (سورة القصص: الآية: ٥٧).\n(^٤) تفسير القرآن العزيز لابن أبي زمنين ٣/ ٣٣٠.\n(^٥) تفسير نظم الدرر في تناسب الآيات والسور (سورة القصص: الآية: ٥٧).","vol":"1","page":559},{"text":"- قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: \" ﴿قُلْ﴾ لهم: ﴿إِنَّ هُدَى اللَّهِ﴾، يعني الإسلام ﴿هُوَ الْهُدَى﴾ \" (^١).\n- وقال ابن أبي زمنين (٣٩٩ هـ) ﵀: \" ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ يعني: الإسلام الذي أنت عليه\" (^٢).\n- قال أبو السعود محمد بن محمد بن مصطفى العمادي (ت: ٩٨٢ هـ) ﵀: \"أي قل ردًا عليهم إن هدى الله الذي هو الإسلامُ هو الهدى بالحق والذي يحِقُّ ويصح أن يُسمَّى هُدىً. وهو الهدى كلُّه ليس وراءه هُدىً وما تدْعون إليه ليس بهُدىً بل هو هوىً\" (^٣).\n- وقال شهاب الدين محمود بن عبد الله الحسيني الألوسي (ت: ١٢٧٠ هـ) ﵀: \"أي دين الله تعالى هو الحق ودينكم هو الباطل، وهدى الله تعالى الذي هو الإسلام هو الهدى وما يدعون إليه ليس بهدى بل هوى\" (^٤).\nقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٦)﴾ [البَقَرَةِ: ١٦].\n- عن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ\n_________\n(^١) تفسير مقاتل بن سليمان (سورة البقرة: الآية: ١٢٠).\n(^٢) تفسير القرآن العزيز لابن أبي زمنين (سورة البقرة: الآية: ١٢٠).\n(^٣) تفسير إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم، لأبي السعود (سورة البقرة: الآية: ١٢٠).\n(^٤) تفسير روح المعاني للألوسي (سورة البقرة: الآية: ١٢٠).","vol":"1","page":560},{"text":"بِالْهُدَى﴾ أي: الكفر بالإيمان\" (^١).\n-قال قتادة بن دعامة السدوسي (ت: ١١٨ هـ) ﵀: \" ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فُصِّلَت: ١٧] أي: الكفر بالإيمان\" (^٢) [¬*].\n- عن قتادة بن دعامة السدوسي (ت: ١١٨ هـ) ﵀، في قوله ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ [البَقَرَةِ: ١٦] قال: استحبوا الضلال على الهدى ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ١٦] قال: قد والله رأيتم خرجوا من الهدى إلى الضلالة، ومن الجماعة إلى الفرقة، ومن الأمن إلى الخوف، ومن السنة إلى البدعة\" (^٣).\n- عن مجاهد بن جبر (ت: ١٠٤ هـ) ﵀، في قوله ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ قال: \"آمنوا ثم كفروا\" (^٤).\n- قال الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀: \" ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾. بالإيمان. ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾. أي استبدلوا الكفر\" (^٥).\n- قال العز بن عبد السلام (ت: ٦٣٩ هـ) ﵀: \" ﴿اشْتَرَوُا﴾ الكفر بالإيمان على حقيقة الشراء، أو استحبوا الكفر على الإيمان إذ المشتري محب لما يشتريه، إذ لم يكونوا قبل ذلك مؤمنين، أو أخذوا الكفر وتركوا الإيمان. ﴿فَمَا\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (سورة البقرة: الآية: ١٦)، وأورده السيوطي في الدر المنثور وعزاه لابن اسحق وابن جرير وابن أبي حاتم.\n(^٢) تفسير ابن كثير (سورة البقرة: الآية: ١٦).\n[¬*] تعليق الشاملة: هذا النقل ليس في المطبوع، وهو في النسخة التي أرسلها المؤلف للبرنامج\n(^٣) تفسير الدر المنثور (سورة البقرة: الآية: ١٦)، وعزاه لعبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم.\n(^٤) تفسير الدر المنثور (سورة البقرة: الآية: ١٦)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم.\n(^٥) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة البقرة: الآية: ١٦).","vol":"1","page":561},{"text":"رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٦)﴾ في اشتراء الضلالة، أو ما اهتدوا إلى تجارة المؤمنين، أو نفى عنهم الربح والاهتداء جميعًا، لأن التاجر قد لا يربح مع أنه على هدى في تجارته، فذلك أبلغ في ذمهم\" (^١).\n- قال علي بن أحمد الخازن (ت: ٧٤١ هـ) ﵀: \" ﴿أُولَئِكَ﴾ يعني المنافقين ﴿الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ أي استبدلوا الكفر بالإيمان، وإنّما أخرجه بلفظ الشراء والتجارة توسعًا على سبيل الاستعارة لأن الشراء فيه إعطاء بدل وأخذ آخر. فإن قلت كيف قال اشتروا الضلالة بالهدى وما كانوا على هدى. قلت جعلوا لتمكنهم منه كأنه في أيديهم فإذا تركوه إلي الضلالة فقد عطلوه واستبدلوه بها. والضلالة الجور عن القصد وفقد الاهتداء ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ أي ما ربحوا في تجارتهم والربح الفضل عن رأس المال وأضاف الربح إلى التجارة لأن الربح يكون فيها ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٦)﴾ أي مصيبين في تجارتهم، لأن رأس المال هو الإيمان فلما أضاعوه واعتقدوا الضلالة فقد ضلوا عن الهدى. وقيل وما كانوا مهتدين في ضلالتهم\" (^٢).\n_________\n(^١) تفسير العز بن عبد السلام (سورة البقرة: الآية: ١٦).\n(^٢) تفسير لباب التأويل في معاني التنزيل للخازن (سورة البقرة: الآية: ١٦).","vol":"1","page":562},{"text":"<span data-type='title' id=toc-223>الاسم السادس والعشرون: ومن أسماء التوحيد \"الصراط المستقيم\".</span>\nقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [ال عِمْرَان: ٥١].\n- قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: \"وقال لهم عيسى ﷺ: ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾، يعني فوحدوه، ﴿هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٥١)﴾، يعني هذا التوحيد دين مستقيم، وهو الإسلام، فكفروا\" (^١).\n- قال أبو منصور الماتريدي (ت: ٣٣٣ هـ) ﵀: \" ﴿وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا﴾ [الأَنْعَام: ١٢٦]: الذي يدعا إليه الخلق، وهو التوحيد\" (^٢).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ): ﵀ \"وإنما ضمنت النجاة لمن حكم هدى الله تعالى على غيره، وتزود التقوى، وأتم بالدليل وسلك الصراط المستقيم، واستمسك من التوحيد واتباع الرسول ﷺ بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها، والله سميع عليم\" (^٣).\nقال تعالى: ﴿شَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النَّحْل: ١٢١].\n- قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: ﴿وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، يعني: إلى دين مستقيم، وهو الإسلام\" (^٤).\n_________\n(^١) تفسير مقاتل بن سليمان (سورة آل عمران الآية: ٥١).\n(^٢) تفسير تأويلات أهل السنة للماتريدي (سورة الأنعام: الآية: ١٢٥).\n(^٣) اجتماع الجيوش الإسلامية ١/ ٨٣.\n(^٤) تفسير مقاتل بن سليمان (سورة النحل الآية: ١٢١).","vol":"1","page":563},{"text":"- قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: ﴿وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١)﴾، وهو عبادة الله وحده لا شريك له على شرع مرضي\" (^١).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"مراتب العلم بدينه مرتبتان:\nإحداهما: دينه الأمري الشرعي: وهو الصراط المستقيم الموصل إليه.\nوالثانية: دينه الجزائي المتضمن ثوابه وعقابه، وقد دخل في هذا العلم: العلم بملائكته وكتبه ورسله\" (^٢).\n- قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: \"أي: أنا وأنتم سواء في العبودية له والخضوع والاستكانة إليه\" (^٣).\n- قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: \"وفي هذا رد على النصارى القائلين بأن عيسى إله أو ابن الله، وهذا إقراره ﵇ بأنه عبد مدبر مخلوق، كما قال ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠)﴾ [مَرْيَم: ٣٠] وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ [المَائِدَة: ١١٦] إلى قوله ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ [المَائِدَة: ١١٧] وقوله ﴿هَذَا﴾ أي: عبادة الله وتقواه وطاعة رسوله ﴿صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٣٦)﴾ [مَرْيَم: ٣٦] موصل\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (النحل: الآية: ١٢١).\n(^٢) مدارج السالكين (١/ ١٢٨).\n(^٣) تفسير ابن كثير (سورة آل عمران الآية: ٥١).","vol":"1","page":564},{"text":"إلى الله وإلى جنته، وما عدا ذلك فهي طرق موصلة إلى الجحيم\" (^١).\n- قال الشيخ حافظ بن أحمد حكمي (ت: ١٣٧٧ هـ) ﵀: \"لزوم الصراط المستقيم لا يحصل إلا بالتمسك بالكتاب والسنة والسير بسيرهما والوقوف عند حدودهما وبذلك يحصل تجريد التوحيد لله، وتجريد المتابعة للرسول ﷺ ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩)﴾ [النِّسَاء: ٦٩] وهؤلاء المنعم عليهم المذكورون هاهنا تفصيلا هم الذين أضاف الصراط إليهم في فاتحة الكتاب بقوله تعالي: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفَاتِحَةِ: ٦ - ٧] ولا أعظم نعمة على العبد من هدايته إلى هذا الصراط المستقيم، وتجنيبه السبل المضلة، وقد ترك النبي ﷺ أمته على ذلك كما قال النبي ﷺ: «تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك» (^٢) \" (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-224>الاسم السابع والعشرون: ومن أسماء التوحيد \"طريق الحق\".</span>\nقال تعالى: ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (٢٥)﴾ [النُّور: ٢٥].\n_________\n(^١) تفسير السعدي (سورة آل عمران الآية: ٥١).\n(^٢) (صحيح) رواه أحمد (٤/ ١٢٦)، وابن ماجه (٤٣)، والحاكم (١/ ٩٦)، وابن أبي عاصم (٤٨، ٤٩) وقد صححه الألباني.\n(^٣) أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة صـ ١١٩ - ١٢٠.","vol":"1","page":565},{"text":"- قال القشيري (ت: ٤٦٥ هـ) ﵀: \"ويقال لا يشهدون غدًا إلا الحقَّ؛ فهم قائمونَ بالحق للحق مع الحق، يبيِّن لهم أسرار التوحيد وحقائقه، ويكون القائم عنهم، والآخذَ لهم منهم من غير أَنْ يُرَدَّهم إليهم\" (^١).\n- قال الفخر الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀: \"إنما سمي بالحق لأن عبادته هي الحق دون عبادة غيره\" (^٢).\n- قال برهان الدين البقاعي (ت: ٨٨٥ هـ) ﵀: \" ﴿أَنَّ اللَّهَ﴾ أي الذي له العظمة المطلقة، فلا كفوء له ﴿هُوَ﴾ أي وحده ﴿الْحَقُّ﴾ أي الثابت أمره فلا أمر لأحد سواه، ﴿الْمُبِينُ﴾ الذي لا أوضح من شأنه في ألوهيته وعلمه وقدرته وتفرده بجميع صفات الكمال، وتنزهه عن جميع سمات النقص\" (^٣).\nقال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ [المَائِدَة: ١٠٠].\nطريق الحق واحد، وهو طريق الله، وهو طريق الهداية، وهو طريق الإسلام، وهو طريق الاستقامة، وسبُل الضلال كثيرة خبيثة.\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"إن الحق واحد، ولا يخرج عما جاءت به الرسل، وهو الموافق لصريح العقل ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ\n_________\n(^١) لطائف الإشارات للقشيري (سورة النور: الآية: ٢٥).\n(^٢) تفسير الرازي (سورة النور: الآية: ٢٥).\n(^٣) تفسير نظم الدرر في تناسب الآيات والسور للبقاعي (سورة النور: الآية: ٢٥).","vol":"1","page":566},{"text":"عَلَيْهَا﴾ [الرُّوم: ٣٠] \" (^١).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"فجماع الأمر: أن الله هو الهادي وهو النصير ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا (٣١)﴾ [الفُرْقَان: ٣١]. وكل علم فلا بد له من هداية وكل عمل فلا بد له من قوة. فالواجب أن يكون هو أصل كل هداية وعلم وأصل كل نصرة وقوة ولا يستهدي العبد إلا إياه ولا يستنصر إلا إياه\" (^٢).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"والمقصود أن طريق الحق واحد إذ مرده إلى الله الملك الحق، وطرق الباطل متشعبة، ومتعددة\" (^٣).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"الهداية لا نهاية لها، ولو بلغ العبد فيها ما بلغ ففوق هدايته هداية أخرى وفوق تلك الهداية هداية أخرى إلى غير غاية\" (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-225>الاسم الثامن والعشرون: ومن أسماء التوحيد \"الطريق الأقوم\".</span>\nقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإِسْرَاء: ٩].\n- قال يحيى بن زياد الفراء (ت: ٢٠٧ هـ) ﵀: \"وقوله: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ\n_________\n(^١) منهاج السنة النبوية: ٥/ ١٩٠.\n(^٢) مجموع الفتاوى: ٢/ ١٩ - ٢٠.\n(^٣) بدائع الفوائد: ١/ ١٢٧.\n(^٤) الفوائد لابن القيم ١/ ١٣٠.","vol":"1","page":567},{"text":"يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾. يقول: لشهادة أن لا إله إلا الله\" (^١).\n- قال مكي بن أبي طالب (ت: ٤٣٧ هـ) ﵀: \"المعنى: أن هذا القرآن يا محمد يرشد من اهتدى به للحال التي هي أقوم الحالات أي: أصوبها. وذلك دين اللهالمستقيم وتوحيده جلت عظمته والإيمان بكتبه ورسله\" (^٢).\n- قال ابن عطية الأندلسي (ت: ٥٤٢ هـ) ﵀: \"وقالت فرقة، ﴿لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾: لا إله إلا الله\" (^٣).\n- قال الزجاج (ت: ٣١١ هـ) ﵀: \"للحال التي هي أقوم الحالات، وهي توحيد الله والإيمان برسله. وقاله الكلبي، والفراء\" (^٤).\n- قال الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀: \"وقيل: الكلمة التي هي أعدل وهي شهادة أن لا إله إلا الله\" (^٥).\n- قال أبو حيان الأندلسي (ت: ٧٤٥ هـ) ﵀: \"وقال الضحاك بن مزاحم (ت: ١٠٢ هـ) ﵀، والكلبي (ت: ٢٠٤ هـ) ﵀، والفراء (ت: ٢٠٧ هـ) ﵀، ﴿لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ هي شهادة التوحيد\" (^٦).\n_________\n(^١) معاني القرآن لفراء (سورة الإسراء: الآية: ٩).\n(^٢) الهداية إلى بلوغ النهاية (سورة الأسراء الآية: ٩).\n(^٣) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (سورة الأسراء الآية: ٩).\n(^٤) تفسير القرطبي (سورة الأسراء الآية: ٩).\n(^٥) تفسير البغوبي (سورة الأسراء الآية: ٩).\n(^٦) البحر المحيط في التفسير ٧/ ١٨.","vol":"1","page":568},{"text":"- قال علي بن محمد الماوردي (ت: ٤٥٠ هـ) ﵀: \"قوله ﷿: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ فيها تأويلان:\nأحدهما: شهادة أن لا إله إلا الله، قاله الكلبي ﵀، والفراء ﵀.\nالثاني: ما تضمه من الأوامر والنواهي التي هي أصوب، قاله مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀ \" (^١).\n- قال ابن عطية الأندلسي (ت: ٥٤٢ هـ) ﵀: \"وقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ﴾ الآية، ﴿يَهْدِي﴾ في هذه الآية بمعنى يرشد، ويتوجه فيها أن تكون بمعنى يدعو، و﴿لِلَّتِي﴾ يريد بها الحالة والطريقة، وقالت فرقة، ﴿لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ لا إله إلا الله.\n- قال القاضي أبو محمد: والأول أعم، وكلمة الإخلاص وغيرها من الأقوال داخلة في الحال «التي هي أقوم» من كل حال تجعل بإزائها، والاقتصار على ﴿أَقْوَمُ﴾ ولم يذكر من كذا إيجاز، والمعنى مفهوم، أي ﴿لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ من كل ما غايرها فهي النهاية في القوام\" (^٢).\nوقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البَيِّنَة: ٥].\n- قال الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀: \"وذلك دين القائمين\n_________\n(^١) تفسير المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية. (سورة اللإسراءالآية: ٩).\n(^٢) تفسير النكت والعيون للماوردي (سورة اللإسراءالآية: ٩).","vol":"1","page":569},{"text":"لله بالتوحيد\" (^١).\n- قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: \" ﴿وَذَلِكَ﴾ أي التوحيد والإخلاص في الدين، هو ﴿دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ أي: الدين المستقيم، الموصل إلى جنات النعيم، وما سواه فطرق موصلة إلى الجحيم\" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-226>الاسم التاسع والعشرون: ومن أسماء التوحيد \"دعوة الحق\".</span>\nقال ﷿: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (١٤)﴾ [الرَّعْد: ١٤].\n- قال علي (ت: ٤٠ هـ) ﵁: دعوة الحق: التوحيد\" (^٣).\n- قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: \"دعوة الحق: شهادة أن لا إله إلا الله\" (^٤).\n- قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: \"وإنما عنى بالدعوة الحق، توحيد الله وشهادةَ أن لا إله إلا الله\" (^٥).\n_________\n(^١) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة البينة الآية: ٥).\n(^٢) تفسير ابن سعدي (سورة البينة الآية: ٥).\n(^٣) تفسير الطبري (سورة الرعد الآية: ١٤)، المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ٣/ ٣٠٥، البحر المحيط في التفسير ٦/ ٣٦٦.\n(^٤) تفسير الطبري (سورة الرعد الآية: ١٤)، تفسير ابن عطية ٣/ ٣٠٥.\n(^٥) تفسير الطبري (سورة الرعد الآية: ١٤).","vol":"1","page":570},{"text":"- قال فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀: \"واعلم أن قوله تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ يفيد الحصر، ومعناه: له هذه الدعوة لا لغيره، كما أن قوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)﴾ [الكَافِرُون: ٦]. معناه: لكم دينكم لا لغيركم، ولي ديني، وتحقيق الكلام في إثبات هذا الحصر: أن الحق نقيض الباطل، فالحق هو الموجود، والباطل هو المعدوم، فلما كان الحق ﷾ حقًا في ذاته وبذاته وصفاته، وكان ممتنع التغير في حقيقته، كانت معرفته هي المعرفة الحقة، وذكره هو الذكر الحق، والدعوة إليه هي الدعوة الحقة\" (^١).\n- قال ابن حيان الأندلسي (ت: ٧٤٥ هـ) ﵀: \"ودعوة الحق قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: \"دعوة الحق لا إله إلا الله، وما كان من الشريعة في معناها\" (^٢).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"قد فسر السلف \"دعوة الحق\" بالتوحيد والإخلاص فيه والصدق\" (^٣).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"دعوة الحق دعوة الإلهية وحقوقها وتجريدها وإخلاصها\" (^٤).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: وقيل: الدعاء بالإخلاص، والدعاء\n_________\n(^١) عجائب القرآن للرازي صـ ٥٠ - ٥١.\n(^٢) تفسير ابن حيان الأندلسي (سورة الرعد الآية: ١٤).\n(^٣) تفسير الطبري (سورة الرعد الآية: ١٤).\n(^٤) مدارج السالكين ٢/ ٣١.","vol":"1","page":571},{"text":"الخالص لا يكون إلا لله\" (^١).\n- قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: \" ﴿دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ هي: عبادته وحده لا شريك له، وإخلاص دعاء العبادة ودعاء المسألة له تعالى\" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-227>الاسم الثلاثون: ومن أسماء التوحيد \"كلمة الحق\".</span>\nقال تعالى: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٨٦)﴾ [الزُّخْرُف: ٨٦].\n- قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: \" فقال: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾، يعني بالتوحيد من بني آدم، فذلك قوله: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٨٦)﴾ أن الله واحد لا شريك له، فشفاعتهم لهؤلاء\" (^٣).\n- قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: \"من شهد بالحقّ، فوحد الله وأطاعه، بتوحيد علم منه وصحة بما جاءت به رسله.\n﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٨٦)﴾ وهم الذين يشهدون شهادة الحقّ فيوحدون الله، ويخلصون له الوحدانية، على علم منهم ويقين بذلك\" (^٤).\n_________\n(^١) مدارج السالكين ٢/ ٤٦٥.\n(^٢) تفسير السعدي (سورة الرعد الآية: ١٤).\n(^٣) تفسير مقاتل بن سليمان (سورة الزخرف الآية: ٨٦).\n(^٤) تفسير جامع البيان في تأويل آي القرآن للطبري. (سورة الزخرف الآية: ٨٦).","vol":"1","page":572},{"text":"- قال أبو منصور الماتريدي (ت: ٣٣٣ هـ) ﵀: \"يعني يشهدون على وحدانية الله وألوهيته وأنه المستحق العبادة دون من عبدوهم\" (^١).\n- قال مكي بن أبي طالب (ت: ٤٣٧ هـ) ﵀: \" ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾ أي: بالتوحيد لله والطاعة له\" (^٢).\n- قال علي بن محمد الماوردي (ت: ٤٥٠ هـ) ﵀: \" ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٨٦)﴾ فيه وجهان:\nأحدهما: يعني أن الشهادة بالحق إنما هي لمن شهد في الدنيا بالحق وهم يعلمون أنه الحق فتشفع لهم الملائكة؛ قاله الحسن.\nالثاني: أن الملائكة لا تشفع إلا لمن شهد أن لا إله إلا الله وهم يعلمون أن الله ربهم\" (^٣).\n- قال القشيري (ت: ٤٦٥ هـ) ﵀: \" ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٨٦)﴾. أي شهد اليوم بالتوحيد، فيثبت له الحقُّ حقِّ الشفاعة\" (^٤).\n- قال الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀: \"وأراد بشهادة الحق قوله لا إله إلا الله كلمة التوحيد\" (^٥).\n_________\n(^١) تفسير تأويلات أهل السنة للماتريدي. (سورة الزخرف الآية: ٨٦).\n(^٢) تفسير الهداية إلى بلوغ النهاية لمكي بن أبي طالب. (سورة الزخرف الآية: ٨٦).\n(^٣) تفسير النكت والعيون للماوردي. (سورة الزخرف الآية: ٨٦).\n(^٤) لطائف الإشارات للقشيري. (سورة الزخرف الآية: ٨٦).\n(^٥) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة الزخرف الآية: ٨٦).","vol":"1","page":573},{"text":"- قال أبو حفص عمر بن محمد النسفي (ت: ٥٣٧ هـ) ﵀: \" ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾ أي ولكن من شهد بالحق بكلمة التوحيد ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أن الله ربهم حقًا ويعتقدون ذلك\" (^١).\n- قال العز بن عبد السلام (ت: ٦٣٩ هـ) ﵀: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾ أي: لا تشفع الملائكة إلا لمن شهد أن لا إله إلا الله وهم يعلمون أن الله ربهم، أو الشهادة بالحق إنما هي لمن شهد في الدنيا بالحق وهم يعلمون أنه الحق فتشفع لهم الملائكة\" (^٢).\n- قال علي بن محمد بن إبراهيم الشيحي المعروف بالخازن (ت: ٧٤١ هـ) ﵀: \" ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾ وهي كلمة الإخلاص، وهي لا إله إلا الله، فمن شهدها بقلبه شفعوا له وهو قوله ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أي بقلوبهم ما شهدوا به بألسنتهم، وقيل يعلمون أن الله ﷿ خلق عيسى وعزيرًا والملائكة ويعلمون أنهم عباده\" (^٣).\n- قال أبو حيان الأندلسي (ت: ٧٤٥ هـ) ﵀: \" ﴿مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾، وهو توحيد الله، وهو يعلم ما شهد به\" (^٤).\n- قال علي بن يحيى السمرقندي (ت: ٨٨٠ هـ تقريبًا) ﵀: \" ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ\n_________\n(^١) تفسير مدارك التنزيل وحقائق التأويل للنسفي. (سورة الزخرف الآية: ٨٦).\n(^٢) تفسير العز بن عبد السلام. (سورة الزخرف الآية: ٨٦).\n(^٣) تفسير لباب التأويل في معاني التنزيل للخازن. (سورة الزخرف الآية: ٨٦).\n(^٤) تفسير البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي. (سورة الزخرف الآية: ٨٦).","vol":"1","page":574},{"text":"بِالْحَقِّ﴾ يعني: بلا إله إلا الله مخلصًا ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أنه الحق، حين شهدوا بها من قبل أنفسهم\" (^١).\n- قال أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني (ت: ٨٨٠ هـ) ﵀: \"والمراد بشهادة الحق قول: لا إله إلا الله كلمة التوحيد ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ بقلوبهم ما شهدوا به بألسنتهم\" (^٢).\n- قال برهان الدين البقاعي (ت: ٨٨٥ هـ) ﵀: \" ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ﴾ أي منهم ﴿بِالْحَقِّ﴾. أي التوحيد الذي يطابقه الواقع إذا انكشف أتم انكشاف وكذا ما يتبعه فإنه يكون أهلًا لأن يشفع كالملائكة والمسيح عليهم الصلاة والسلام، والمعنى أن أصنامهم التي ادعوا أنها تشفع لهم لا تشفع غير أنه تعالى ساقه على أبلغ ما يكون لأنه كالدعوى.\nولما كان ذلك مركوزًا حتى في فطر الكفار فلا يفزعون في وقت الشدائد إلا إلى الله، ولكنهم لا يلبثون أن يعملوا من الإشراك بما يخالف ذلك، فكأنه لا علم لهم قال: ﴿وَهُمْ﴾ أي والحال أن من شهد ﴿يَعْلَمُونَ﴾ أي على بصيرة مما شهدوا به، فلذلك لا يعملون بخلاف ما شهدوا إلا جهلًا منهم بتحقيق معنى التوحيد، فلذلك يظنون أنهم لم يخرجوا عنه وإن أشركوا، أو يكون المعنى: وهم من أهل العلم، والأصنام ليسوا كذلك، وكأنه أفرد أولًا إشارة إلى أن التوحيد فرض عين على كل أحد بخصوصه وإن خالفه كل غير، وجمع ثانيًا\n_________\n(^١) تفسير بحر العلوم للسمرقندي. (سورة الزخرف الآية: ٨٦).\n(^٢) تفسير اللباب في علوم الكتاب لابن عادل. (سورة الزخرف الآية: ٨٦).","vol":"1","page":575},{"text":"إيذانًا بالأمر بالمعروف ليجتمع الكل على العلم والتوحيد هو الأساس الذي لا تصح عبادة إلا به، وتحقيقه هو العلم الذي لا علم يعدله\" (^١).\n- قال محيي الدين محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله الإيجي (ت: ٩٠٥ هـ تقريبًا) ﵀: \" ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾: بالتوحيد، ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾، حقيقة ما شهدوا به ولا يكونون منافقين\" (^٢).\nقال تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٧٥)﴾ [القَصَص: ٧٥].\n- قال السدي (ت: ١٢٨ هـ) ﵀: \" ﴿فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ﴾ يعنى التوحيد\" (^٣).\n- قال يحيى بن سلام بن أبي ثعلبة، التيمي. (ت: ١٢٨ هـ) ﵀: ﴿فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ﴾ يعنى التوحيد\" (^٤).\n- قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: ﴿فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ﴾ يعنى التوحيد لله ﷿ \" (^٥).\n- قال الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀: \" ﴿فَعَلِمُوا أَنَّ\n_________\n(^١) تفسير نظم الدرر في تناسب الآيات والسور للبقاعي. (سورة الزخرف الآية: ٨٦).\n(^٢) تفسير جامع البيان في تفسير القرآن للإيجي. (سورة الزخرف الآية: ٨٦).\n(^٣) تفسير يحيى بن سلام. (سورة القصص: الآية: ٧٥).\n(^٤) تفسير يحيى بن سلام. (سورة القصص: الآية: ٧٥).\n(^٥) تفسير مقاتل بن سليمان. (سورة القصص: الآية: ٧٥).","vol":"1","page":576},{"text":"الْحَقَّ﴾: التوحيد\" (^١).\n- قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: \" ﴿فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ﴾ أي: لا إله غيره\" (^٢).\n- قال محمد بن علي الشوكاني (ت: ١٢٥٠ هـ) ﵀: ﴿فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ﴾ في الإلهية، وأنه وحده لا شريك له\" (^٣).\nقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (٦٨)﴾ [العَنكَبُوت: ٦٨].\n- قال السدي (ت: ١٢٨ هـ) ﵀: \" ﴿أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ﴾ يعنى: التوحيد\" (^٤).\n- قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: ﴿أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ﴾ يعنى: بالتوحيد\" (^٥).\n- قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: \" ﴿أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ﴾ يقول: أو كذّب بما بعث الله به رسوله محمدا ﷺ من توحيده، والبراءة من الَالهة والأنداد لما جاءه هذا الحقّ من عند الله\" (^٦).\n_________\n(^١) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة القصص: الآية: ٧٥).\n(^٢) تفسير القرآن العظيم لابن كثير. (سورة القصص: الآية: ٧٥).\n(^٣) تفسير فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية في علم التفسير للشوكاني. (سورة القصص: الآية: ٧٥).\n(^٤) تفسير يحيى بن سلام. (سورة العنكبوت: الآية: ٦٨).\n(^٥) تفسير مقاتل بن سليمان. (سورة العنكبوت: الآية: ٦٨).\n(^٦) تفسير جامع البيان في تأويل آي القرآن للطبري. (سورة العنكبوت: الآية: ٦٨).","vol":"1","page":577},{"text":"<span data-type='title' id=toc-228>الاسم الواحد والثلاثون: ومن أسماء التوحيد \"الحق المبين\".</span>\nقال تعالى: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (٧٩)﴾ [النَّمْل: ٧٩].\n- قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (٧٩)﴾ على الدين الظاهر وهو الإسلام\" (^١).\n- قال السدي (ت: ١٢٨ هـ) ﵀: \"يعني: الإسلام\" (^٢).\n- قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: \" ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (٧٩)﴾ آية يعنى على الدين البين وهو الإسلام\" (^٣).\n- قال علي بن يحيى السمرقندي (ت: ٨٨٠ هـ تقريبًا) ﵀: ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (٧٩)﴾ يعني: الدين المبين، وهو الإسلام\" (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-229>الاسم الثاني والثلاثون: ومن أسماء التوحيد \"القول المرضي\".</span>\nقال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (١٠٩)﴾ [طه: ١٠٩].\n- قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: \"يعني: قال لا إله إلا الله\" (^٥).\n_________\n(^١) تفسير تنوير المقياس من تفسير ابن عباس للفيروزأبادي. (سورة النمل الآية: ٧٩).\n(^٢) تفسير تفسير يحيى بن سلام. (سورة النمل الآية: ٧٩).\n(^٣) تفسير مقاتل بن سليمان. (سورة النمل الآية: ٧٩).\n(^٤) تفسير بحر العلوم لعلي بن يحيى السمرقندي. (سورة النمل: الآية: ٧٩).\n(^٥) تفسير معالم التنزيل تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة طه: الآية: ١٠٩)، وتفسير الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (سورة طه: الآية: ١٠٩).","vol":"1","page":578},{"text":"- قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: \" ﴿وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾: التوحيد\" (^١).\n- قال يحيى بن سلام بن أبي ثعلبة، التيمي (ت: ٢٠٠ هـ) ﵀: \" ﴿وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (١٠٩)﴾: التَّوْحِيدُ\" (^٢).\n- قال أبو منصور الماتريدي (ت: ٣٣٣ هـ) ﵀: \" ﴿وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾: وهو قول الشهادة والتوحيد\" (^٣).\n- قال ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩ هـ) ﵀: \" ﴿وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (١٠٩)﴾: يعني: التوحيد\" (^٤).\n- قال مكي بن أبي طالب (ت: ٤٣٧ هـ) ﵀: \" ﴿وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (١٠٩)﴾ أي: قال: لا إله إلا الله\" (^٥).\n- قال الواحدي (ت: ٤٦٨ هـ) ﵀: \"وهم المسلمون الذين رضي الله قولهم لأنهم قالوا لا إله إلا الله وهذا معنى قوله ﴿وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ \" (^٦).\n- قال السمرقندي (ت: ٨٨٠ هـ تقريبًا) ﵀: \" ﴿وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ يعني: إذا قال بإخلاص القلب لا إله إلا الله في الدنيا\" (^٧).\n_________\n(^١) تفسير مقاتل بن سليمان. (سورة طه: الآية: ١٠٩).\n(^٢) تفسير يحيى بن سلام. (سورة طه: الآية: ١٠٩).\n(^٣) تفسير تأويلات أهل السنة للماتريدي. (سورة طه: الآية: ١٠٩).\n(^٤) تفسير ابن أبي زمنين. (سورة طه: الآية: ١٠٩).\n(^٥) تفسير الهداية إلى بلوغ النهاية لمكي بن أبي طالب. (سورة طه: الآية: ١٠٩).\n(^٦) تفسير الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي. (سورة طه: الآية: ١٠٩).\n(^٧) تفسير بحر العلوم لعلي بن يحيى السمرقندي. (سورة طه: الآية: ١٠٩).","vol":"1","page":579},{"text":"<span data-type='title' id=toc-230>الاسم الثالث والثلاثون: ومن أسماء التوحيد \"الزكاة\".</span>\nقال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤)﴾ [الأَعْلَى: ١٤].\n- قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: قال لا إله إلا الله فتطهر من الشرك\" (^١).\n- عن عكرمة (ت: ١٠٥ هـ) ﵀، في قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤)﴾، \"من قال لا إله إلا الله\" (^٢).\n- قال ابن عطية الأندلسي (ت: ٥٤٢ هـ) ﵀: \"قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤)﴾، أفلح في هذه الآية معناه: فاز ببغيته، وتزكى معناه: طهر نفسه ونماها إلى الخير\" (^٣).\n- قال أبو إسحاق أحمد الثعلبي (ت: ٤٢٧ هـ) ﵀: \" ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤)﴾: أي تطهّر من الشرك وقال: لا إله إلاّ الله\" (^٤).\n- قال مكي بن أبي طالب (ت: ٤٣٧ هـ) ﵀: \"أي: قد أدرك طلبته وظفر ببغيته من تظهر الكفر وعمل بطاعة الله\" (^٥).\n_________\n(^١) تفسير جامع البيان في تأويل آي القرآن للطبري (سورة الأعلى: الآية: ١٤)، كتاب الأسماء والصفات للبيهقي ١/ ٢٧١، تفسير المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (سورة الأعلى: الآية: ١٤).\n(^٢) تفسير جامع البيان في تأويل آي القرآن للطبري. (سورة الأعلى: الآية: ١٤).\n(^٣) تفسير المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (سورة الأعلى: الآية: ١٤).\n(^٤) تفسير الكشف والبيان عن تفسير القرآن للثعلبي. (سورة الأعلى: الآية: ١٤).\n(^٥) تفسير الهداية إلى بلوغ النهاية لمكي بن أبي طالب. (سورة الأعلى: الآية: ١٤).","vol":"1","page":580},{"text":"- قال الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀: \" ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ \"تطهر من الشرك وقال: لا إله إلا الله\" (^١).\n- قال العز بن عبد السلام (ت: ٦٣٩ هـ) ﵀: \" ﴿تَزَكَّى﴾ تطهر من الشرك بالإيمان\" (^٢).\n- قال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ) ﵀: \"أي من تطهر من الشرك بإيمان\" (^٣).\n- قال علي بن يحيى السمرقندي (ت: ٨٨٠ هـ تقريبًا) ﵀: \" ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤)﴾ يعني فاز ونجا من هذا العذاب وسعد بالجنة من تزكى يعني وحّد الله تعالى وزكى نفسه بالتوحيد\" (^٤).\n- قال محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله الإيجي (ت: ٩٠٥ هـ تقريبًا) ﵀: \" ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾: تطهر نفسه من الكفر والمعصية\" (^٥).\n- قال محمد بن علي الشوكاني (ت: ١٢٥٠ هـ) ﵀: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ أي من تطهر من الشرك فآمن بالله ووحده وعمل بشرائعه\" (^٦).\n_________\n(^١) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة الأعلى: الآية: ١٤).\n(^٢) تفسير العز بن عبد السلام. (سورة الأعلى: الآية: ١٤).\n(^٣) تفسير الجامع لأحكام القرآن للقرطبي. (سورة الأعلى: الآية: ١٤).\n(^٤) تفسير بحر العلوم لعلي بن يحيى السمرقندي. (سورة الأعلى: الآية: ١٤).\n(^٥) تفسير جامع البيان في تفسير القرآن للإيجي. (سورة الأعلى: الآية: ١٤).\n(^٦) تفسير فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية في علم التفسير للشوكاني. (سورة الأعلى: الآية: ١٤).","vol":"1","page":581},{"text":"- قال تعالى عن موسى ﵇ فى خطابه لفرعون: ﴿هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨)﴾ [النَّازِعَات: ١٨].\n- عن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄ في قوله: ﴿هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى﴾ قال: \"إلى أن تقول لا إله إلا الله\" (^١).\n- عن عكرمة (ت: ١٠٥ هـ) ﵀، قول موسى لفرعون: ﴿هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى﴾، \"هل لك إلى أن تقول لا إله إلا الله\" (^٢).\n- قال قتادة بن دعامة السدوسي (ت: ١١٨ هـ) ﵀: \"إلى أن تُسْلِم\" (^٣).\n- قال ابن زيد (ت: ١٨٢ هـ) ﵀، في قوله: ﴿هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى﴾ قال: \"إلى أن تسلم. قال: والتزكّي في القرآن كله: الإسلام، وقرأ قول الله ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى (٧٦)﴾ [طه: ٧٦] قال: من أسلم، وقرأ: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣)﴾ [عَبَس: ٣] قال: يسلم، وقرأ: ﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (٧)﴾ [عَبَس: ٧] أن لا يسلم\" (^٤).\n- قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: \" ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى﴾ [النَّازِعَات: ١٨] يقول: \"هل لك أن تصلح ما قد أفسدت، يقول: وأدعوك لتوحيد الله\" (^٥).\n_________\n(^١) الأسماء والصفات للبيهقي ١/ ٢٧١، تفسير الدر المنثور للسيوطي. (سورة النازعات: الآية: ١٨)، وعزاه للبيهقي في الأسماء والصفات.\n(^٢) تفسير جامع البيان في تأويل آي القرآن للطبري. (سورة النازعات: الآية: ١٨)، وأورده السيوطي في الدر المنثور (سورة النازعات: الآية: ١٨)، وعزاه لعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) تفسير النكت والعيون للماوردي. (سورة النازعات: الآية: ١٨).\n(^٤) تفسير جامع البيان في تأويل آي القرآن للطبري. (سورة النازعات: الآية: ١٨).\n(^٥) تفسير مقاتل بن سليمان. (سورة النازعات: الآية: ١٨).","vol":"1","page":582},{"text":"- قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: \"وقوله: ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨)﴾، يقول: فقل له: هل لك إلى أن تتطهّر من دنس الكفر، وتؤمَنَ بربك\" (^١).\n- قال ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩ هـ) ﵀: \" ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨)﴾ \"إلى أن تؤمن\" (^٢).\n- قال أبو إسحاق أحمد الثعلبي (ت: ٤٢٧ هـ) ﵀: ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨)﴾ \"ومعناه تسلّم وتصلح وتطهّر\" (^٣).\nقال مكي بن أبي طالب (ت: ٤٣٧ هـ) ﵀: \"فقل له، ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨)﴾. \"أي: هل لك يا فرعون في أن تتطهر من دنس الكفر، وتؤمن بربك؟ \" (^٤).\n- قال الواحدي (ت: ٤٦٨ هـ) ﵀: \" ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨)﴾ أترغب في أن تتطهر من كفرك بالإيمان\" (^٥).\n- قال ابن عطية الأندلسي (ت: ٥٤٢ هـ) ﵀: \" ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨)﴾ والتزكي هو التطهر من النقائص، والتلبس بالفضائل، وفسر بعضهم: ﴿تَزَكَّى﴾ بتسلم وفسرها بقول: لا إله إلا الله، وهذا تخصيص، وما ذكرناه يعم جميع هذا\" (^٦).\n_________\n(^١) تفسير جامع البيان في تأويل آي القرآن للطبري. (سورة النازعات: الآية: ١٨).\n(^٢) تفسير ابن أبي زمنين. (سورة النازعات: الآية: ١٨).\n(^٣) تفسير الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي. (سورة النازعات: الآية: ١٨).\n(^٤) تفسير الهداية إلى بلوغ النهاية لمكي بن أبي طالب. (سورة النازعات: الآية: ١٨).\n(^٥) تفسير الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي. (سورة النازعات: الآية: ١٨).\n(^٦) تفسير المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية. (سورة النازعات: الآية: ١٨).","vol":"1","page":583},{"text":"- قال علي بن محمد بن إبراهيم الشيحي المعروف بالخازن (ت: ٧٤١ هـ) ﵀: \" ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨)﴾ أي: تتطهر من الشّرك والكفر\" (^١).\n- قال ابن جزي (ت: ٧٤١ هـ) ﵀: \" ﴿هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨)﴾ أن تتطهر من الكفر والذنوب والعيوب والرذائل، وقال بعضهم: تزكى تسلم، وقيل: تقول لا إله إلا الله، والأول أعم\" (^٢).\n- قال أبو حيان الأندلسي (ت: ٧٤٥ هـ) ﵀: \" ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨)﴾: تزكى: تتحلى بالفضائل وتتطهر من الرذائل، والزكاة هنا يندرج فيها الإسلام وتوحيد الله تعالى\" (^٣).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"القلوب المتعلقة بالشهوات محجوبة عن الله بقدر تعلقهَا بهَا. فالقلوب آنِية الله فِي أرضه فأحبها إلَيه أرقها وأصلبها وأصفاها\" (^٤).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"فما كبر النفوس وشرفها، ورفعها، وأعزها مثل طاعة الله، وما صغر النفوس وأذلها، وحقرها مثل معصية الله ﷿ \" (^٥).\n- قال علي بن يحيى السمرقندي (ت: ٨٨٠ هـ تقريبًا) ﵀: \" ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ\n_________\n(^١) تفسير لباب التأويل في معاني التنزيل للخازن. (سورة النازعات: الآية: ١٨).\n(^٢) تفسير التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي. (سورة النازعات: الآية: ١٨).\n(^٣) تفسير البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي. (سورة النازعات: الآية: ١٨).\n(^٤) الفوائد، ١/ ٢٦٢.\n(^٥) الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، ص ١٤٩.","vol":"1","page":584},{"text":"إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨)﴾ يعني: ألم يأن لك أن تسلم. ويقال: معناه هل ترغب في توحيد ربك، وتشهد أن لا إله إلا الله، وتزكي نفسك من الكفر، والشرك\" (^١).\nقال تعالى: ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى (٧٦)﴾ [طه: ٧٦].\n- قال الكلبي (ت: ٢٠٤ هـ) ﵀: \"يعني أعطى زكاة نفسه وقال: لا إله إلاّ الله\" (^٢).\n- قال ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩ هـ) ﵀: \"قوله: ﴿مَنْ تَزَكَّى﴾ أي: من آمن\" (^٣).\n- قال أبو إسحاق أحمد الثعلبي (ت: ٤٢٧ هـ) ﵀: \" ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى﴾ أي صلح، وقيل: تطهّر من الكفر والمعاصي\" (^٤).\n- قال الواحدي (ت: ٤٦٨ هـ) ﵀: \"قوله ﴿جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى﴾ تطهر من الشرك بقول لا إله إلا الله\" (^٥).\n- قال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ) ﵀: \" ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى﴾ أي: من تطهر من الكفر والمعاصي\" (^٦).\n_________\n(^١) تفسير بحر العلوم لعلي بن يحيى السمرقندي. (سورة النازعات: الآية: ١٨).\n(^٢) تفسير الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي. (سورة طه: الآية: ٧٦)، وتفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة طه: الآية: ٧٦).\n(^٣) تفسير ابن أبي زمنين. (سورة طه: الآية: ٧٦).\n(^٤) تفسير الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي. (سورة طه: الآية: ٧٦).\n(^٥) تفسير الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي. (سورة طه: الآية: ٧٦).\n(^٦) تفسير الجامع لأحكام القرآن للقرطبي. (سورة طه: الآية: ٧٦).","vol":"1","page":585},{"text":"- قال عبد الله بن أحمد بن محمود النسفي (ت: ٧١٠ هـ) ﵀: \" ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى﴾ تطهر من الشرك بقول لا إله إلا الله\" (^١).\n- قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: \" ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى﴾ أي: طهر نفسه من الدنس والخبث والشرك، وعبد الله وحده لا شريك له، وصدق المرسلين فيما جاءوا به من خَبَر وطلب\" (^٢).\n- قال علي بن يحيى السمرقندي (ت: ٨٨٠ هـ تقريبًا) ﵀: \" ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى﴾، يعني: ثواب من وحَّد\" (^٣).\nقال تعالى ﴿وَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فُصِّلَت: ٦ - ٧].\n- عن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄ في قول الله ﷿: \" ﴿وَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ الذين لا يقولون لا إله إلا الله\" (^٤).\n- عن عكرمة (ت: ١٠٥ هـ) ﵀، قوله: \" ﴿وَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾: الذين لا يقولون لا إله إلا الله\" (^٥).\n- قال ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩ هـ) ﵀: \" ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فُصِّلَت: ٧]\n_________\n(^١) تفسير مدارك التنزيل وحقائق التأويل للنسفي. (سورة طه: الآية: ٧٦).\n(^٢) تفسير القرآن العظيم لابن كثير. (سورة طه: الآية: ٧٦).\n(^٣) تفسير بحر العلوم لعلي بن يحيى السمرقندي. (سورة طه: الآية: ٧٦).\n(^٤) تفسير جامع البيان في تأويل آي القرآن للطبري. (سورة فصلت: الآية: ٧)، الأسماء والصفات للبيهقي ١/ ٢٧١.\n(^٥) تفسير جامع البيان في تأويل آي القرآن للطبري. (سورة فصلت: الآية: ٧).","vol":"1","page":586},{"text":"أي: لا يوحدون الله\" (^١).\n- قال منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (ت ٤٨٩ هـ) ﵀: \"وقال بعضهم: لا يؤتون الزكاة أي: لا يقولون لا إله إلا الله، قال ابن عباس، في رواية عطاء، فعلى هذا معناه: لا يطهرون أنفسهم من الشرك بقبول التوحيد\" (^٢).\n- قال الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀: \"قوله تعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فُصِّلَت: ٦ - ٧] قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ): الذين لا يقولون لا إله إلا الله وهي زكاة الأنفس، والمعنى: لا يطهرون أنفسهم من الشرك بالتوحيد\" (^٣).\n- قال ابن عطية الأندلسي (ت: ٥٤٢ هـ) ﵀: \"وقال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄، والجمهور: ﴿الزَّكَاةَ﴾ في هذه الآية: لا إله إلا الله التوحيد كما قال موسى لفرعون: ﴿هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى﴾ [النَّازِعَات: ١٨]، ويرجح هذا التأويل أن الآية من أول المكي، وزكاة المال إنما نزلت بالمدينة، وإنما هذه زكاة القلب والبدن، أي تطهيرهما من الشرك والمعاصي، وقاله مجاهد والربيع\" (^٤).\n- قال عبد الله بن أحمد بن محمود النسفي (ت: ٧١٠ هـ) ﵀: \" ﴿الَّذِينَ\n_________\n(^١) تفسير ابن أبي زمنين. (سورة فصلت: الآية: ٧).\n(^٢) تفسير السمعاني ٥/ ٣٧. (سورة فصلت: الآية: ٧).\n(^٣) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة فصلت: الآية: ٧).\n(^٤) تفسير المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية الأندلسي. (سورة فصلت: الآية: ٧).","vol":"1","page":587},{"text":"لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فُصِّلَت: ٧] لا يفعلون ما يكونون به أزكياء وهو الإيمان\" (^١).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"التوحيد الذي هو إخلاص الدين لله أصل كل خيرمن علم نافع وعمل صالح\" (^٢).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"قال أكثر المفسرين من السلف ومن بعدهم: هي التوحيد: شهادة أن لا إله إلا الله، والإيمان الذى به يزكو القلب، فإنه يتضمن نفي إلهية ما سوى الحق من القلب، وذلك طهارته، وإثبات إلهيته سبحانه؛ وهو أصل كل زكاة ونماء، فإن التزكى وإن كان أصله النماء والزيادة والبركة فإنما يحصل بإزالة الشر. فلهذا صار التزكى ينتظم الأمرين جميعًا. فأصل ما تزكو به القلوب والأرواح. هو التوحيد: والتزكية جعل الشئ زكيا، إما فى ذاته، وإما فى الاعتقاد والخبر عنه، كما يقال: عدلته وفسقته، إذا جعلته كذلك فى الخارج، أو فى الاعتقاد والخبر\" (^٣).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"قال تعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فُصِّلَت: ٦ - ٧]. أي: لا يؤتون ما تزكى به أنفسهم من التوحيد\" (^٤).\n- عن عمير بن حبيب الخطمي (لم أقف على تاريخ وفاته) ﵁ قال: \"الإيمان يزيد وينقص. فقيل: فما زيادته؟ وما نقصانه؟ قال: إذا ذكرنا ربنا\n_________\n(^١) تفسير مدارك التنزيل وحقائق التأويل للنسفي. (سورة فصلت: الآية: ٧).\n(^٢) مجموع الرسائل ١/ ١٣٣.\n(^٣) إغاثة اللهفان: ٤٩.\n(^٤) مفتاح دار السعادة: ٢/ ١١٦٠.","vol":"1","page":588},{"text":"وخشيناه فذلك زيادته، وإذا غفلنا ونسينا وضيعنا فذلك نقصانه\" (^١).\nقال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ): \"من اتقى الله وفق لمعرفة الحق\" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-231>الاسم الرابع والثلاثون: ومن أسماء التوحيد \"الدعوة إلى الله\".</span>\nقال تعالى: ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٤٦)﴾ [الأَحْزَاب: ٤٦].\n- عن قتادة (ت: ١١٨ هـ) ﵀: ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ﴾ \"إلى شهادة أن لا إله إلا الله\" (^٣).\n- قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: \" ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ﴾ يعني إلى معرفة الله ﷿ بالتوحيد\" (^٤).\n- قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: \"وقوله: ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ﴾ يقول: وداعيا إلى توحيد الله، وإفراد الألوهة له، وإخلاص الطاعة لوجهه دون كلّ من سواه من الَالهة والأوثان\" (^٥).\n- قال مكي بن أبي طالب (ت: ٤٣٧ هـ) ﵀: ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ﴾\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبه في الإيمان (١٤)، والمصنف ٦/ ١٦٠ (٣٠٣٢٧).\n(^٢) تفسير ابن كثير: ٣/ ٣٥٢.\n(^٣) تفسير جامع البيان في تأويل آي القرآن للطبري. (سورة الأحزاب: الآية: ٤٦).\n(^٤) تفسير مقاتل بن سليمان (سورة الأحزاب: الآية: ٤٦).\n(^٥) تفسير الطبري (سورة الأحزاب: الآية: ٤٦).","vol":"1","page":589},{"text":"\"أي: إلى توحيد الله، وطاعته\" (^١).\n- قال الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀: \"قوله تعالى: ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ﴾ إلى توحيده وطاعته\" (^٢).\n- قال ابن عطية الأندلسي (ت: ٥٤٢ هـ) ﵀: \"والدعاء إلى الله تعالى هو تبليغ التوحيد والأخذ به ومكافحة الكفرة\" (^٣).\n- قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: \"وقوله: ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ﴾ أي: داعيا للخلق إلى عبادة ربهم عن أمره لك بذلك\" (^٤).\n- قال ابن عاشور (ت: ١٣٩٣ هـ) ﵀: \"والداعي إلى الله هو الذي يدعو الناس إلى ترك عبادة غير الله ويدعوهم إلى اتباع ما يأمرهم به الله\" (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-232>الاسم الخامس والثلاثون: ومن أسماء التوحيد \"نعمة الله\".</span>\nقال تعالى: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَة﴾ [لُقْمَان: ٢٠].\n- قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄، \"أراد الإسلام\" (^٦).\n_________\n(^١) تفسير مكي بن أبي طالب (سورة الأحزاب: الآية: ٤٦).\n(^٢) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة الأحزاب: الآية: ٤٦).\n(^٣) تفسير المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ٤/ ٣٨٩ ..\n(^٤) تفسير ابن كثير (سورة الأحزاب: الآية: ٤٦).\n(^٥) تفسير ابن عاشور (سورة الأحزاب: الآية: ٤٦).\n(^٦) تفسير الطبري (سورة لقمان الآية: ٢٠)؛ وانظر تفسير المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ٤/ ٣٥٢.","vol":"1","page":590},{"text":"- عن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: \"النعمة الظاهرة: الإسلام والقرآن، والباطنة: ما ستر عليك من الذنوب ولم يعجل عليك بالنقمة\" (^١).\nعن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄ قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المَائِدَة: ٣]: هو الإسلام، أخبر الله نبيه ﷺ والمؤمنين أنه أكمل لهم الإيمان، فلا يحتاجون إلى زيادة أبدًا، وقد أتمه الله فلا ينقصه أبدًا، وقد رضيه الله فلا يَسْخَطُه أبدًا\" (^٢).\n- قال مجاهد بن جبر (ت: ١٠٤ هـ) ﵀ \"المراد: لا إله إلا الله\" (^٣).\nقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المَائِدَة: ٣]\n- قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: \"هذه أكبر نعم الله تعالى على هذه الأمة؛ حيث أكمل تعالى لهم دينهم، فلا يحتاجون إلى دين غيره، ولا إلى نبي غير نبيهم، صلوات الله وسلامه عليه، ولهذا جعله الله خاتم الأنبياء، وبعثه إلى الإنس والجن، فلا حلال إلا ما أحله، ولا حرام إلا ما حرمه، ولا دين إلا ما شرعه، وكل شيء أخبر به فهو حق وصدق لا كذب فيه ولا خُلْف؛ كما قال\n_________\n(^١) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة لقمان الآية: ٢٠).\n(^٢) تفسير ابن كثير (سورة المائدة الآية: ٣).\n(^٣) تفسير الطبري (سورة لقمان الآية: ٢٠)؛ وانظر تفسير المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ٤/ ٣٥٢.","vol":"1","page":591},{"text":"تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلا﴾ [الأَنْعَام: ١١٥]؛ أي: صدقًا في الأخبار، وعدلًا في الأوامر والنواهي، فلما أكمل الدين لهم تَمَّت النعمة عليهم، ولهذا قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المَائِدَة: ٣]؛ أي: فارضوه أنتم لأنفسكم؛ فإنه الدين الذي رضيه الله وأحبه، وبعث به أفضل رسله الكرام، وأنزل به أشرف كتبه\" (^١).\nقال تعالى: ﴿شَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النَّحْل: ١٢١]\n- وقال الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀: \"وهو عبادة الله وحده لا شريك له على شرع مرضي\" (^٢).\nقال تعالى: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٤٠)﴾ [البَقَرَةِ: ٤٠]\n- قال ابن زيد (ت: ٢٨٢ هـ) ﵀: \"نعمته الإسلام، ولا نعمة أعظم منها، وما سِواها تبع لها\" (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-233>الاسم السادس والثلاثون: ومن أسماء التوحيد \"الدين الخالص\".</span>\nقال تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (سورة المائدة الآية: ٣).\n(^٢) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة النحل الآية: ١٢١).\n(^٣) تفسير الهداية إلى بلوغ النهاية لمكي بن أبي طالب (سورة البقرة الآية: ٤٠).","vol":"1","page":592},{"text":"نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (٣)﴾ [الزُّمَر: ٣].\n- عن قتادة بن دعامة السدوسي (ت: ١١٨ هـ) ﵀: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ \"شهادة أن لا إله إلا الله\" (^١).\n- قال الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀: \"وقيل: لا يستحق الدين الخالص إلا الله وقيل: الدين الخالص من الشرك هو لله\" (^٢).\n- قال ابن الجوزي (ت: ٥٩٧ هـ) ﵀ في بيان معنى الآية: «قوله تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾، يعني: الخالص من الشرك، وما سواه ليس بدين الله الذي أمر به. وقيل: المعنى لا يستحق الدين الخالص إلا لله.؟\n﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ يعني: آلهة. ويدخل في هؤلاء اليهود حين قالوا: عزير ابن الله، والنصارى لقولهم: المسيح ابن الله، وجميع عبادالأصنام\" (^٣).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"فإذا كان أصل العمل الديني هو إخلاص الدين لله، وهو إرادة الله وحده فالشيء المراد لنفسه هو المحبوب لذاته، وهذا كمال المحبة، ولكن أكثر ما جاء المطلوب باسم العبادة كقوله\n_________\n(^١) تفسير الطبري (سورة الزمر الآية: ٣).\n(^٢) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة الزمر الآية: ٣).\n(^٣) زاد المسير في علم التفسير (٧/ ١٦١).","vol":"1","page":593},{"text":"تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذَّارِيَات: ٥٦] وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٢١] وأمثال هذا\" (^١).\n- قال محمد بن يعقوب الفيروزأبادي (ت: ٨١٧ هـ) ﵀: \"فحقيقة الإخلاص: التعرى من دون الله. و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإِخْلَاص: ١] سميت سورة الإخلاص؛ لأنها خالص التوحيد؛ وسبب خلاص أهله\" (^٢).\n- قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: \"هذا تقرير للأمر بالإخلاص، وبيان أنه تعالى كما أنه له الكمال كله، وله التفضل على عباده من جميع الوجوه، فكذلك له الدين الخالص الصافي من جميع الشوائب، فهو الدين الذي ارتضاه لنفسه، وارتضاه لصفوة خلقه وأمرهم به، لأنه متضمن للتأله للّه في حبه وخوفه ورجائه، وللإنابة إليه في عبوديته، والإنابة إليه في تحصيل مطالب عباده.\nوذلك الذي يصلح القلوب ويزكيها ويطهرها، دون الشرك به في شيء من العبادة. فإن اللّه بريء منه، وليس للّه فيه شيء، فهو أغنى الشركاء عن الشرك، وهو مفسد للقلوب والأرواح والدنيا والآخرة، مُشْقٍ للنفوس غاية الشقاء، فلذلك لما أمر بالتوحيد والإخلاص، نهى عن الشرك به\" (^٣).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٠/ ٥٦، ٥٧).\n(^٢) بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب ٢/ ١٧٣.\n(^٣) تفسير السعدي (سورة الزمر الآية: ٣).","vol":"1","page":594},{"text":"<span data-type='title' id=toc-234>الاسم السابع والثلاثون: ومن أسماء التوحيد \"ملة إبراهيم\".</span>\nقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٣٠)﴾ [البَقَرَةِ: ١٣٠].\n- قال مقاتل ابن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: \" ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾، يعني: الإسلام\" (^١).\n- قال القشيري (ت: ٤٦٥ هـ) ﵀: \"أخبر أنه آثر الخليل صلوات الله عليه على البرية، فجعل الدينَ دينَه، والتوحيدَ شِعارَه، والمعرفةَ صِفته؛ فمن رَغِبَ عن دينه أو حاد عن سُنَّتِه فالباطل مطرحه، والكفر مهواه؛ إذ ليست الأنوار بجملتها إلا مقتبسة من نوره\" (^٢).\n- قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: \"يقول ﵎ رَدًّا على الكفار فيما ابتدعوه وأحدثوه من الشرك بالله، المخالف لملة إبراهيم الخليل، إمام الحنفاء، فإنه جَرد توحيد ربه ﵎، فلم يَدْع معه غيره، ولا أشرك به طرفة عين، وتبرأ من كل معبود سواه، وخالف في ذلك سائر قومه، حتى تبرأ من أبيه\" (^٣).\nقال تعالى: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٣٥)﴾ [البَقَرَةِ: ١٣٥].\n_________\n(^١) تفسير مقاتل بن سليمان (سورة البقرة: الآية: ١٣٠).\n(^٢) لطائف الإشارات للقشيري (سورة البقرة: الآية: ١٣٠).\n(^٣) تفسير ابن كثير (سورة البقرة: الآية: ١٣٠).","vol":"1","page":595},{"text":"- قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ): ﵄ \"في التوحيد\" (^١).\n- قال فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀: \"لما ثبت أن إبراهيم كان قائلا بالتوحيد، وثبت أن النصارى يقولون بالتثليث، واليهود يقولون بالتشبيه، فثبت أنهم ليسوا على دين إبراهيم ﵇، وأن محمدا ﵇ لما دعا إلى التوحيد، كان هو على دين إبراهيم\" (^٢).\nقال تعالى: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٩٥)﴾ [ال عِمْرَان: ٩٥].\n- قال علي بن محمد بن إبراهيم الشيحي المعروف بالخازن (ت: ٧٤١ هـ) ﵀: \"ملة إبراهيم وهي الإسلام وهو الدين الصحيح\" (^٣).\n- قال أبو حيان الأندلسي (ت: ٧٤٥ هـ) ﵀: \" ﴿فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٩٥)﴾ وهي ملة الإسلام التي عليها رسول الله ﷺ والمؤمنون معه\" (^٤).\n- قال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: \"أمرهم باتباع ملة أبيهم إبراهيم ﵇ بالتوحيد وترك الشرك الذي هو مدار السعادة، وبتركه حصول الشقاوة، وفي هذا دليل على أن اليهود وغيرهم ممن\n_________\n(^١) تفسير البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي. (سورة النساء: الآية: ١٢٥).\n(^٢) تفسير مفاتيح الغيب للفخر الرازي. (سورة البقرة: الآية: ١٣٥).\n(^٣) تفسير لباب التأويل في معاني التنزيل للخازن. (سورة آل عمران: الآية: ٩٥).\n(^٤) تفسير البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي. (سورة آل عمران: الآية: ٩٥).","vol":"1","page":596},{"text":"ليس على ملة إبراهيم مشركون غير موحدين\" (^١).\nقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥)﴾ [النِّسَاء: ١٢٥].\n- قال برهان الدين البقاعي (ت: ٨٨٥ هـ) ﵀: \" ﴿مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ الذي اشتهر عند جميع الطوائف أنه ما دعا إلا إلى الله ﷾ وحده، وتبرأ مما سواه من فلك وكوكب وصنم وطبيعة وغيرها حال كون ذلك المتبع ﴿حَنِيفًا﴾ أي لينًا سهلًا ميّالًا معالدليل، والملة: ما دعت إليه الفطرة الأولى بمساعدة العقل السليم من كمال الإسلام بالتوحيد\" (^٢).\n- قال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: \" ﴿وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ أي: دينه وشرعه ﴿حَنِيفًا﴾ أي: مائلا عن الشرك إلى التوحيد، وعن التوجه للخلق إلى الإقبال على الخالق\" (^٣).\nقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١)﴾ [الأَنْعَام: ١٦١].\n- قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: \" ﴿مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾، يعني مخلصا\" (^٤).\n_________\n(^١) تفسير تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي. (سورة آل عمران: الآية: ٩٥).\n(^٢) نظم الدرر في تناسب الآيات والسور للبقاعي. (سورة النساء: الآية: ١٢٥).\n(^٣) تفسير تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي. (سورة النساء: الآية: ١٢٥).\n(^٤) تفسير مقاتل بن سليمان. (سورة الأنعام: الآية: ١٦١).","vol":"1","page":597},{"text":"﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣)﴾ [النَّحْل: ١٢٣].\n- قال مقاتل ابن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: \" ﴿أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾، يعني: الإسلام، ﴿حَنِيفًا﴾، يعني: مخلصا\" (^١).\n- قال العز بن عبد السلام (ت: ٦٣٩ هـ) ﵀: \" ﴿اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ في الإسلام والبراءة من الأوثان\" (^٢).\n- قال علي بن محمد بن إبراهيم الشيحي المعروف بالخازن (ت: ٧٤١ هـ) ﵀: \" ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾، يعني: دينه وما كان عليه من الشريعة والتوحيد\" (^٣).\n- عن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى (ت: ٧٠ هـ تقريبًا) ﵁؛ قَالَ: \"كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أَصْبَحَ قَالَ: «أَصْبَحْنَا عَلَى فِطْرَةِ الْإِسْلَامِ، وَكَلِمَةِ الْإِخْلَاصِ، وَدِينِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ، وَمِلَّةِ أَبِينَا إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا مُسْلِمًا، وَمَا كاَنَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ» (^٤).\n_________\n(^١) تفسير مقاتل بن سليمان (سورة النحل: الآية: ١٢٣).\n(^٢) تفسير العز بن عبد السلام (سورة النحل: الآية: ١٢٣).\n(^٣) تفسير لباب التأويل في معاني التنزيل للخازن. (سورة النحل: الآية: ١٢٣).\n(^٤) إسناده حسن: أخرجه النسائي في «عمل اليوم والليلة» (١/ ٣٤٣، ٣٤٤)، وفي «الكبرى» (٢٩، ٩٨، ١٠١٧٥، ١٠١٧٦)، والدارمي (٢٦٨٨)، وأحمد (٣/ ٤٠٧)، وابن أبي شيبة (٩/ ٧٧) (١٠/ ٢٣٩)، وابن السني في «عمل اليوم والليلة» (٣٤)، والطبراني في «الدعاء» (٢٩٤)، والبيهقي في «الدعوات الكبير» (٢٦).","vol":"1","page":598},{"text":"- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"وتأمل هذه الألفاظ كيف جعل الفطرة للإسلام فإنه فطرة الله التي فطر الناس عليها، وكلمة الإخلاص هي شهادة أن لا إله إلا الله، والملة لإبراهيم فإنه صاحب الملة وهي التوحيد وعبادة الله تعالى وحده لا شريك له ومحبته فوق كل محبة، والدين للنبي ﷺ وهو دينه الكامل وشرعه التام الجامع لذلك كله وسماه سبحانه إماما وأمة وقانتا وحنيفا قال تعالى ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البَقَرَةِ: ١٢٤] فأخبر سبحانه أنه جعله إماما للناس وأن الظالم من ذريته لا ينال ربتة الإمامة والظالم هو المشرك وأخبر سبحانه أن عهده بالإمامة لا ينال من أشرك به وقال تعالى ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [النَّحْل: ١٢٠ - ١٢٢].\nفالأمة هو القدوة المعلم للخير والقانت المطيع لله الملازم لطاعته والحنيف المقبل على الله المعرض عما سواه ومن فسره بالمائل فلم يفسره بنفس موضوع اللفظ وإنما فسره بلازم المعنى فإن الحنف هو الإقبال ومن أقبل على شيء مال عن غيره والحنف في الرجلين هو إقبال إحداهما على الأخرى ويلزمه ميلها عن جهتها","vol":"1","page":599},{"text":"قال تعالى ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الرُّوم: ٣٠]، فحنيفا هو حال مقررة لمضمون قوله ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ﴾ ولهذا فسرت مخلصا فتكون الآية قد تضمنت الصدق والإخلاص فإن إقامة الوجه للدين هو إفراد طلبه بحيث لا يبقى في القلب إرادة لغيره والحنيف المفرد لا يريد غيره فالصدق أن لا ينقسم طلبك والافراد أن لا ينقسم مطلوبك الأول توحيد الطلب والثاني توحيد المطلوب\nوالمقصود أن إبراهيم ﵇ هو أبونا الثالث وهو امام الحنفاء ويسميه أهل الكتاب عمود العالم، وجميع أهل الملل متفقة على تعظيمه وتوليه ومحبته وكان خير بنيه سيد ولد آدم محمد ﷺ يجله ويعظمه ويبجله ويحترمه\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-235>الاسم الثامن والثلاثون: ومن أسماء التوحيد \"صبغة الله\".</span>\nقال تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَة وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (١٣٨)﴾ [البَقَرَةِ: ١٣٨].\n- عن مجاهد بن جبر (ت: ١٠٤ هـ) ﵀ قال: قوله: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ أي دين الله\" (^٢).\n_________\n(^١) جلاء الأفهام ص: ٢٦٨ - ٢٦٩.\n(^٢) أخرجه ابن جرير رقم ٢١١٩، ٢١٢٠ من طريق سفيان وابن أبي نجيح، كلاهما، عن مجاهد - مثله.\nوبه فسره الضحاك عن ابن عباس، وأبو العالية، وعكرمة، وإبراهيم، والحسن، وقتادة، وعبد الله بن كثير، وعطية العوفي، والربيع بن أنس، والسدي. انظر: تفسير ابن كثير ١/ ٢٧٢.","vol":"1","page":600},{"text":"ومن طريق ابن أبي نجيح عنه قال: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ \"أي فطرة الله\" (^١).\n- قال ابن قتيبة الدينوري (ت: ٢٧٦ هـ) ﵀: \"أي الزموا صبغة الله لا صبغة النصارى أولادهم، وأراد بها ملة إبراهيم ﵇\" (^٢).\n- قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: \"بمعنى: آمنا هذا الإيمان، فيكون الإيمان حينئذ هو صبغة الله\" (^٣).\n- قال أبو عبيد الهروي (ت: ٤٠١ هـ) ﵀: \"قوله تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ أي فطرته أي قل يا محمد أنتبع صبغة الله، وقال أبو عمرو: الصبغة الدين\" (^٤).\n- قال علي بن محمد الماوردي (ت: ٤٥٠ هـ) ﵀: \"فيه تأويلان:\nأحدهما: معناه دين الله، وهذا قول قتادة بن دعامة السدوسي (ت: ١١٨ هـ) ﵀. وسبب ذلك أن النصارى كانوا يصبغون أولادهم في ماء لهم، ويقولون هذا تطهير لهم كالختان، فرد الله تعالى ذلك عليهم بأن قال: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ أي صبغة الله أحسن صبغة، وهي الإسلام.\n_________\n(^١) أخرجه ابن جرير رقم ٢١٢٦ من طريق عيسى، عن ابن أبي نجيح، عنه، مثله. وذكره السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٤٠ وعزاه لعبد بن حميد وابن جرير.\n(^٢) كتاب تأويل مشكل القرآن صـ ٩٧.\n(^٣) تفسير الطبري (سورة البقرة الآية: ١٣٨).\n(^٤) كتاب الغريبين في القرآن والحديث ٤/ ١٠٦١.","vol":"1","page":601},{"text":"والثاني: أن صبغة الله، هي خلقة الله، وهذا قول مجاهد بن جبر ﵀.\nفإن كانت الصبغة هي الدين، فإنما سمي الدين صبغة، لظهوره على صاحبه، كظهور الصبغ على الثوب، وإن كانت هي الخلقة فلإحداثه كإحداث اللون على الثوب\" (^١).\n- قال أبو حفص عمر بن محمد النسفي (ت: ٥٣٧ هـ) ﵀: \"والله تعالى سمى الإسلام بأسماء وأضاف كل واحد من ذلك إلى نفسه: هدى الله، صراط الله، فطرة الله، صبغة الله، دين الله، نور الله، حبل الله، كلمة الله، وآياتها: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ [البَقَرَةِ: ١٢٠] ﴿صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي﴾ [الشُّورَى: ٥٣] ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي﴾ [الرُّوم: ٣٠] ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ [البَقَرَةِ: ١٣٨] ﴿يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ [النَّصْر: ٢] ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ﴾ [ال عِمْرَان: ١٠٣] ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ﴾ [التَّوْبَة: ٣٢] ﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾ [التَّوْبَة: ٤٠] \" (^٢).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"وقوله: ﴿وَّ إِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣٧) صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَة وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (١٣٨)﴾ [البَقَرَةِ: ١٣٧ - ١٣٨] صبغ القلوب والأشياء بهذا الإيمان حتى أنارت به القلوب، وأشرقت به الوجوه، وظهر الفرقان بين وجوه أهل السنة وأهل البدعة، كما قال في المؤمنين: ﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٧٣]،\n_________\n(^١) تفسير الماوردي (النكت والعيون) (سورة البقرة الآية: ١٣٨).\n(^٢) كتاب التيسير في التفسير ١/ ٢٦٣.","vol":"1","page":602},{"text":"وفي الكفار: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (١٦)﴾ [القَلَم: ١٦]، وفي المنافقين: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ [مُحَمَّد: ٣٠] \" (^١).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"القلب لا يستقر ولا يثبت إلا إذا كان عالما موقنا بالحق فيكون العلم والإيمان صبغة له ينصبغ بها كما قال: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَة﴾ ويصير مكانة له كما قال: ﴿قُلْ يَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأَنْعَام: ١٣٥] والمكان والمكانة قد يراد به ما يستقر الشيء عليه وإن لم يكن محيطا به كالسقف مثلا وقد يراد به ما يحيط به. فالمهتدون لما كانوا على هدى من ربهم ونور وبينة وبصيرة صارمكانة لهم استقروا عليها وقد تحيط بهم بخلاف الذين قال فيهم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْأخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١١)﴾ [الحَج: ١١].\nفإن هذا ليس ثابتا مستقرا مطمئنا بل هو كالواقف على حرف الوادي وهو جانبه فقد يطمئن إذا أصابه خير وقد ينقلب على وجهه ساقطا في الوادي. وكذلك فرق بين من ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ﴾ [التَّوْبَة: ١٠٩]، وبين ﴿أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ [التَّوْبَة: ١٠٩]، وكذلك الذين كانوا على شفا حفرة من النار فأنقذهم منها وشواهد هذا كثير\" (^٢).\n_________\n(^١) جامع المسائل ٦/ ٣٣.\n(^٢) مجموع الفتاوى ١٥/ ٦٣ - ٦٤.","vol":"1","page":603},{"text":"- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"والمسلم الصادق إذا عبد الله بما شرع؛ فتح الله عليه أنوار الهداية في مدة قريبة.\nفالمهتدون من مشايخ العُبَّاد والزهاد يُوصون باتِّباع العلم المشروع، كما أن أهل الاستقامة من العلم يُوصون بعلمهم؛ الذي يسلكه أهل الاستقامة من العُبَّاد والزهاد.\nوأمَّا المنحرفون من الطائفتين فيُعْرِضون عن المشروع؛ إمّا من العلم وإمّا من العمل، وهما طريق المغضوب عليهم والضالين\" (^١).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"وَقَدْ أَوْعَبَتْ الْأُمَّةُ فِي كُلِّ فَنٍّ مِنْ فُنُونِ الْعِلْمِ إيعَابًا فَمَنْ نَوَّرَ اللَّهُ قَلْبَهُ هَدَاهُ بِمَا يَبْلُغُهُ مِنْ ذَلِكَ، وَمَنْ أَعْمَاهُ لَمْ تَزِدْهُ كَثْرَةُ الْكُتُبِ إلَّا حَيْرَةً وَضَلَالًا\" (^٢).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"فتبارك من جعل كلامه شفاء لصدور المؤمنين، وحياة لقلوبهم، ونورا لبصائرهم، وغذاء لقلوبهم، ودواء لسقامهم، وقرة لعيونهم، وفتح به منهم أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا، وأمطر على قلوبهم سحائب ديمه، فاهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج، فأشرقت به الوجوه، واستنارت به القلوب، وانقادت به الجوارح إلى طاعته ومحبته، فصبغ القلوب به معرفة وإيمانا، وملأها حكمة وإيقانا، ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ\n_________\n(^١) الاستقامة ١/ ١٠٠.\n(^٢) مجموع الفتاوى ١٠/ ٦٦٥.","vol":"1","page":604},{"text":"اللَّهِ صِبْغَة وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (١٣٨)﴾ [البَقَرَةِ: ١٣٨] \" (^١).\nقال الإمام ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀ في تفسير قوله تعالى: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفَتْح: ٢٩] \"الشيء الكامن في النفس يظهر على صفحات الوجه، فالمؤمن إذا كانت سريرته صحيحةً مع الله أصلح الله ظاهره للنّاس\" (^٢).\n- قال الشيخ محمد رشيد رضا (ت: ١٣٥٤ هـ) ﵀: \" ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ أي صبغنا بما ذكر من ملة إبراهيم صبغة الله وفطرته فطرنا عليها، وهي ما صبغ الله به أنبياءه ورسله والمؤمنين من عباده على سنة الفطرة\" (^٣).\n- وقال محمد بن صالح بن عثيمين (ت: ١٤٢١ هـ) ﵀: \"قوله تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾؛ «الصبغة» معناها اللون؛ وقالوا: المراد بـ ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ دين الله؛ وسمي «الدين» صبغة لظهور أثره على العامل به؛ فإن المتدين يظهر أثر الدين عليه: يظهر على صفحات وجهه، ويظهر على مسلكه، ويظهر على خشوعه، وعلى سمته، وعلى هيئته كلها؛ فهو بمنزلة الصبغ للثوب يظهر أثره عليه؛ وقيل: سمي صبغة للزومه كلزوم الصبغ للثوب؛ ولا يمنع أن نقول: إنه سمي بذلك للوجهين جميعا: فهو صبغة للزومه؛ وهو صبغة أيضا لظهور أثره على العامل به\" (^٤).\n_________\n(^١) الكلام على مسألة السماع ١/ ٣١٥.\n(^٢) تفسير القران العظيم ٧/ ٣٦١\n(^٣) تفسير المنار (سورة البقرة الآية: ١٣٨).\n(^٤) تفسير ابن عثيمين (سورة البقرة الآية: ١٣٨).","vol":"1","page":605},{"text":"<span data-type='title' id=toc-236>الاسم التاسع والثلاثون: ومن أسماء التوحيد \"حبل الله\".</span>\nقال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [ال عِمْرَان: ١٠٣].\n- قال سهل التستري (ت: ٢٨٣ هـ) ﵀: \"أي تمسكوا بعهده وهو التوحيد، كما قال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٧٨)﴾ [مَرْيَم: ٧٨] أي توحيدا وتمسكوا بما ملككم من تأدية فرضه وسنة نبيه، وكذلك قوله: ﴿إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [ال عِمْرَان: ١١٢] معناه إلا بعهد من الله ودينه، وإنما سماه حبلا لأنه من تمسك به توصل إلى الأمر الذي يؤمنه\" (^١).\n- قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: \"وقال آخرون: بل ذلك هو إخلاص التوحيد لله\" (^٢).\n- قال مكي بن أبي طالب (ت: ٤٣٧ هـ) ﵀: \"أي: تعلقوا بأسباب الله ﴿وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ أي: تمسكوا بدين الله. والحبل في اللغة الذي يتوصل به إلى البغية.\n- قال ابن مسعود (ت: ٣٢ هـ) ﵁: حبل الله الجماعة.\n- عن أبي سعيد الخدري (ت: ٧٤ هـ) ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: \"كتاب الله حبل الله الممدود من السماء إلى الأرض\" (^٣).\nوقيل: حبله، عهده وأمره.\n_________\n(^١) تفسير التستري صـ ٤٧.\n(^٢) تفسير الطبري (سورة آل عمران الآية ١٠٣).\n(^٣) رواه الترمذي (٣٧٩٠) وأحمد (٣/ ١٤، ١٧، ٢٦، ٥٩) والطبري (ج ٧ رقم ٧٥٧٢ صفحة ٧٢).","vol":"1","page":606},{"text":"وأكثر المفسرين على أنه القرآن.\n- قال أبو العالية (ت: ٩٣ هـ) ﵀ حبل الله الإخلاص والتوحيد.\n- قال ابن زيد (ت: ٢٨٢ هـ) ﵀: حبل الله: الإسلام.\n- وقال القتبي (وهو ابن قتيبة) (ت: ٢٧٦ هـ) ﵀: \"حبل الله: دينه\" (^١).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \" ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [ال عِمْرَان: ١٠٣]، قيل: حبل الله هو دين الإسلام وقيل: القرآن وقيل: عهده وقيل: طاعته وأمره وقيل جماعة المسلمين؛ وكل هذا حق\" (^٢).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀ في فضل كلمة التوحيد: \"هي الحبل الذي لا يصل إلى الله إلا من يتعلق بسببه\" (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-237>الاسم الأربعون: ومن أسماء التوحيد \"عهد الله\".</span>\nقال تعالى: ﴿إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٨٧)﴾ [مَرْيَم: ٨٧].\n- عن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄، قال: \"العهد: شهادة أن لا إله إلا الله، ويتبرأ إلى الله من الحول والقوّة ولا يرجو إلا الله\" (^٤).\n_________\n(^١) كتاب الهداية إلى بلوغ النهاية ٢/ ١٠٨٦.\n(^٢) مجموع الفتاوى ٧/ ٤٠.\n(^٣) الجواب الكافي ص: ١٧٠.\n(^٤) تفسير الطبري (سورة مريم الآية: ٨٧).","vol":"1","page":607},{"text":"- قال يحيى بن سلام بن أبي ثعلبة، التيمي (ت: ٢٠٠ هـ) ﵀: \" ﴿إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٨٧)﴾: وقال بعضهم: العهد: التَّوْحِيدُ\" (^١).\n- قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: \"ثم أخبر فقال سبحانه: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٧] فنقضوا العهد الأول، ونقضوا ما أخذ عليهم في التوراة أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئا، وأن يؤمنوا بالنبي ﷺ، وكفروا بعيسى وبمحمد، ﵉، وآمنوا ببعض الأنبياء وكفروا ببعض، ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٧] يعني ويعملون فيها بالمعاصي، ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٧] في العقوبة، يعني اليهود، ونظيرها في الرعد: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ [الرَّعْد: ٢٥] من إيمان بمحمد ﷺ، ﴿وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٢٥)﴾ [الرَّعْد: ٢٥] \" (^٢).\n- قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: \"اختلف أهل المعرفة في معنى العهد الذي وصف الله هؤلاء الفاسقين بنقضه، فقال بعضهم: هو وصية الله إلى خلقه، وأمره إياهم بما أمرهم به من طاعته، ونهيه إياهم عما نهاهم عنه من معصيته في كتبه وعلى لسان رسوله ﷺ، ونقضهم ذلك تركهم العمل به.\n_________\n(^١) تفسير يحيى بن سلام. (سورة مريم: الآية: ٨٧).\n(^٢) تفسير مقاتل بن سليمان (سورة البقرة الآية: ٢٧).","vol":"1","page":608},{"text":"وقال آخرون: إنما نزلت هذه الَايات في كفار أهل الكتاب والمنافقين منهم، وإياهم عنى الله جل ذكره بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٦] وبقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البَقَرَةِ: ٨] فكل ما في هذه الَايات فعذل لهم وتوبيخ إلى انقضاء قصصهم. قالوا: فعهد الله الذي نقضوه بعد ميثاقه: هو ما أخذه الله عليهم في التوراة من العمل بما فيها، واتباع محمد ﷺ إذا بعث، والتصديق به وبما جاء به من عند ربهم. ونقضهم ذلك هو جحودهم به بعد معرفتهم بحقيقته، وإنكارهم ذلك، وكتمانهم علم ذلك عن الناس، بعد إعطائهم الله من أنفسهم الميثاق ليبيننه للناس ولا يكتمونه. فأخبر الله جل ثناؤه أنهم نبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلًا.\nوقال بعضهم: إن الله عنى بهذه الآية جميع أهل الشرك والكفر والنفاق وعهده إلى جميعهم في توحيده ما وضع لهم من الأدلة الدالة على ربوبيته وعهده إليهم في أمره ونهيه ما احتج به لرسله من المعجزات التي لا يقدر أحد من الناس غيرهم أن يأتي بمثلها الشاهدة لهم على صدقهم. قالوا: ونقضهم ذلك تركهم الإقرار بما قد تبينت لهم صحته بالأدلة، وتكذيبهم الرسل والكتب، مع علمهم أن ما أتوا به حق. وقال آخرون: العهد الذي ذكره الله جل ذكره، هو العهد الذي أخذه عليهم حين أخرجهم من صلب آدم، الذي وصفه في قوله: وَإذْ أخَذَ رَبّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرّيّتَهُمْ وأشْهَدَهُمْ على أنْفُسِهِمْ الَايتين، ونقضُهم","vol":"1","page":609},{"text":"ذلك، تركهم الوفاء به\" (^١).\n- قال ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩ هـ) ﵀: \" ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٧] وهو الميثاق الذي أخذ عليهم في صلب آدم، وتفسيره في سورة الأعراف ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٧]\n- قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ): \"يعني ما أمر الله به من الإيمان بالنبيين كلهم ﴿وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٧] أي يعملون فيها بالشرك والمعاصي ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٢٧)﴾ [البَقَرَةِ: ٢٧] خسروا أنفسهم أن يغنموها فيصيروا في الجنة، فصاروا في النار\" (^٢).\n- قال ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩ هـ) ﵀: \"قوله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٧٨)﴾ [مَرْيَم: ٧٨]، أي: لم يفعل، والعهد: التوحيد؛ في تفسير بعضهم\" (^٣).\n- قال الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀ في تفسيرها: \"يعني: لا إله إلا الله\" (^٤).\n- قال فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀: \"قال ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٨٧)﴾ [مَرْيَم: ٨٧]: العهد: هو قول لا إله إلا الله.\n_________\n(^١) تفسير الطبري (سورة البقرة الآية: ٢٧).\n(^٢) تفسير ابن أبي زمنين (سورة البقرة الآية: ٢٧).\n(^٣) تفسير القرآن العزيز لابن أبي زمنين ٣/ ١٠٥.\n(^٤) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة مريم الآية: ٨٧).","vol":"1","page":610},{"text":"وأقول: الذي يدل على صحة هذا القول وجوه:\nالأول: أن قوله: ﴿إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٨٧)﴾ [مَرْيَم: ٨٧] نكرة في طرف الثبوت، وذلك لا يفيد إلا عهدًا واحدًا، فهذه الآية تدل على أن تلك الشفاعة تحصل بسبب عهد واحد، ثم أجمعنا على أن ما سوى الإيمان فإن الواحد منه، بل مجموعة لا يفيد تلك الشفاعة البتة، فوجب أن يكون العهد الواحد الذي يفيد تلك الشفاعة هو الايمان، وهو قول: لا إله إلا الله.\nوالثاني: أن جماعة من المفسرين قالوا في تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٤٠]. هو عهد الإيمان، بدليل أن لفظ العهد مجمل، فلما أعقبه بقوله: ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٤١]. علمنا أن المراد من ذلك العهد هو الإيمان، وهو قول \" لا إله إلا الله، محمد رسول الله \".\nوالثالث: أن أول ما وقع من العهد قوله تعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأَعْرَاف: ١٧٢]، وذلك في الحقيقة هو قول لا إله إلا الله، فكأن لفظ العهد محمولًا عليه.\nوالرابع: أنه تعالى قال: ﴿* إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ﴾ [التَّوْبَة: ١١١] فكأن العهد من جانبك عهد الإقرار بالعبودية، ومن جانب الحق ﷾ عهد الكرم والربوبية، فثبت بهذه الوجوه: أن المراد من قوله: ﴿إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مَرْيَم: ٨٧]. هو قول: لا إله إلا الله.","vol":"1","page":611},{"text":"الخامس: قوله تعالى: ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا﴾ [البَقَرَةِ: ٨٠]. أي قلتم لا إله إلا الله\" (^١).\n- قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: \"وهو شهادة أن لا إله إلا الله، والقيام بحقها\" (^٢).\n- قال محمد بن يعقوب الفيروزأبادي (ت: ٨١٧ هـ) ﵀: \"وقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مَرْيَم: ٨٧] المراد توحيد الله والإيمان به\" (^٣).\nقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٧].\n- قال أبو حيان الأندلسي (ت: ٧٤٥ هـ) ﵀: \"واختلفوا في تفسير العهد على أقوال:\nأحدها: أنه وصية الله إلى خلقه، وأمره لهم بطاعته، ونهيه لهم عن معصيته في كتبه المنزلة وعلى ألسنة أنبيائه المرسلة، ونقضهم له تركهم العمل به.\nالثاني: أنه العهد الذي أخذه الله عليهم حين أخرجهم من أصلاب آبائهم في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ﴾ [الأَعْرَاف: ١٧٢] الآية، ونقضهم له كفر، بعضهم بربوبيته، وبعضهم بحقوق نعمته.\n_________\n(^١) عجائب القرآن للرازي صـ ٦٥ - ٦٧.\n(^٢) تفسير ابن كثير (سورة مريم الآية: ٨٧).\n(^٣) بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز ٤/ ١١٤.","vol":"1","page":612},{"text":"الثالث: ما أخذه الله عليهم في الكتب المنزلة من الإقرار بتوحيده والاعتراف بنعمه والتصديق لأنبيائه ورسله، وبما جاؤوا به في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [ال عِمْرَان: ١٨٧]، ونقضهم له نبذه وراء ظهورهم، وتبديل ما في كتبهم من وصفه ﷺ.\nالرابع: ما أخذه الله تعالى على الأنبياء ومتبعيهم أن لا يكفروا بالله ولا بالنبي ﷺ، وأن ينصروه ويعظموه في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ﴾ [ال عِمْرَان: ٨١] الآية، ونقضهم له إنكارهم لنبوته وتغييرهم لصفته.\nالخامس: إيمانهم به ﷺ ورسالته قبل بعثه ونقضهم له جحدهم لنبوته ولصفته.\nالسادس: ما جعله في عقولهم من الحجة على توحيده وتصديق رسوله، بالنظر في المعجزات الدالة على إعجاز القرآن وصدقه ونبوة محمد ﷺ، ونقضهم هو تركهم النظر في ذلك وتقليدهم لآبائهم.\nالسابع: الأمانة المعروضة على السموات والأرض التي حملها الإنسان، ونقضهم تركهم القيام بحقوقها.\nالثامن: ما أخذه عليهم من أن لا يسفكوا دماءهم ولا يخرجوا أنفسهم من ديارهم، ونقضهم عودهم إلى ما نهوا عنه، وهذا القول يدل على أن المخاطب بذلك بنو إسرائيل.","vol":"1","page":613},{"text":"التاسع: هو الإيمان والتزام الشرائع، ونقضه كفره بعد الإيمان.\nوهذه الأقوال التسعة منها ما يدل على العموم في كل ناقض للعهد، ومنها ما يدل على أن المخاطب قوم مخصوصون، وهذا الاختلاف مبني على الاختلاف الذي وقع في سبب النزول، والعموم هو الظاهر.\nفكل من نقض عهد الله من مسلم وكافر ومنافق أو مشرك أو كتابي تناوله هذا الذم، ومن متعلقة بقوله ينقضون، وهي لابتداء الغاية، ويدل على أن النقض حصل عقيب توثق العهد من غير فصل بينهما، وفي ذلك دليل على عدم اكتراثهم بالعهد، فإثر ما استوثق الله منهم نقضوه\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-238>الاسم الواحد والأربعون: ومن أسماء التوحيد \"أمر الله\".</span>\nقال تعالى: ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ (٤٨)﴾ [التَّوْبَة: ٤٨].\n- قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: \" ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ﴾ يعنى الكفر في غزوة تبوك، ﴿وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ﴾ ظهرا لبطن كيف يصنعون، ﴿حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ﴾، يعنى الإسلام، ﴿وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ يعنى دين الإسلام، ﴿وَهُمْ كَارِهُونَ (٤٨)﴾ للإسلام\" (^٢).\n_________\n(^١) تفسير البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي (سورة البقرة الآية: ٢٧).\n(^٢) تفسير مقاتل بن سليمان (سورة التوبة: الآية: ٤٨).","vol":"1","page":614},{"text":"- قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: \"وَظَهَرَ أمْرُ اللّهِ يقول: وظهر دين الله الذي أمر به وافترضه على خلقه وهو الإسلام\" (^١).\n- قال ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩ هـ) ﵀: \" ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ﴾ يعني: الشرك ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبل أن تهاجروا ﴿حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ﴾ القرآن ﴿وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ [التَّوْبَة: ٤٨] الإسلام ﴿وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ لظهوره\" (^٢).\n- قال برهان الدين البقاعي (ت: ٨٨٥ هـ) ﵀: \" ﴿وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ أي المتصف بجميع صفات الكمال من الجلال والجمال حتى لا مطمع لهم في ستره ﴿وَهُمْ كَارِهُونَ (٤٨)﴾ أي لجميع ذلك\" (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-239>الاسم الثاني والأربعون: ومن أسماء التوحيد \"الحسنة\".</span>\nقال تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ (٨٩)﴾ [النَّمْل: ٨٩].\n- عن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄، في قوله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ قال: من جاء بلا إله إلا الله، ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ [النَّمْل: ٩٠] قال: بالشرك\" (^٤).\n- قال زين العابدين علي بن الحسين (ت: ٩٥ هـ) ﵀: \"هي لا إله\n_________\n(^١) تفسير الطبري (سورة التوبة: الآية: ٤٨).\n(^٢) تفسير ابن أبي زمنين (سورة التوبة: الآية: ٤٨).\n(^٣) تفسير البقاعي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور. (سورة التوبة: الآية: ٤٨).\n(^٤) تفسير جامع البيان في تأويل آي القرآن للطبري. (سورة النمل الآية: ٨٩).","vol":"1","page":615},{"text":"إلا الله\" (^١).\n- عن سعيد بن جبير (ت: ٩٥ هـ) ﵀، ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾ [النَّمْل: ٨٩]، قال: \"لا إله إلا الله\" (^٢).\n- عن إبراهيم بن يزيد النخعي (ت: ٩٦ هـ) ﵀: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾ [النَّمْل: ٨٩] قال: لا إلهَ إلاّ الله\" (^٣).\n- عن الشعبي (ت: ١٠٣ هـ) ﵀؛ قال: كان حذيفة ﵁، جالسا في مسجد الكوفة فيحلقة، فقال: ما تقولون في هذه الآية: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ (٨٩) وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ [النَّمْل: ٨٩ - ٩٠]؟ فقالوا: نعم يا حذيفة، من جاء بالحسنة ضعفت له عشر أمثالها. فأخذ كفا من حصى فضرب بها الأرض، وقال: تبا لكم وكان حديدا (أي فيه حدة) وقال: من جاء بـ \"لا إله إلا الله\" وجبت له الجنة، ومن جاء بالشرك وجبت له النار\" (^٤).\n- عن مجاهد بن جبر (ت: ١٠٤ هـ) ﵀، ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾ [النَّمْل: ٨٩]، قال: \"كلمة الإخلاص لا إله إلا الله\" (^٥).\n_________\n(^١) تفسير القرآن العظيم لابن كثير. (سورة النمل الآية: ٨٩).\n(^٢) الدعاء للطبراني صـ ٤٤٢.\n(^٣) تفسير الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي (سورة النمل: الآية: ٨٩).\n(^٤) سنن سعيد بن منصور تكملة التفسير ٦/ ٥١٤ - ٥١٥؛ وعزاه السيوطي في \"الدر المنثور\" (١١/ ٤١٨) للمصنف وابن المنذر.\n(^٥) الدعاء للطبراني صـ ٤٤١.","vol":"1","page":616},{"text":"- عن عكرمة (ت: ١٠٥ هـ) ﵀، قوله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾ قال: شهادة أن لا إله إلا الله ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾ قال: السيئة: الشرك\" (^١).\n- عن عطاء بن أبي رباح (ت: ١١٤ هـ) ﵀؛ في قوله ﷿ ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾ قال: لا إله إلا الله، ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾؛ قال: الشرك\" (^٢).\n- عن قتادة بن دعامة السدوسي (ت: ١١٨ هـ) ﵀: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾ قال: الإخلاص، ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾ قال: الشرك\" (^٣).\nقَالَ قتادة بن دعامة السدوسي (ت: ١١٨ هـ) ﵀: \" ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾، يَعْنِي: التَّوْحِيدَ\" (^٤).\n_________\n(^١) تفسير جامع البيان في تأويل آي القرآن للطبري. (سورة النمل الآية: ٨٩).\n(^٢) سنن سعيد بن منصور تكملة التفسير ٦/ ٥١٤؛ وقال المحقق: \"وعزاه السيوطي في \"الدر المنثور\" (١١/ ٤١٨ - ٤١٩) لعبد بن حميد. وقد أخرجه الطبراني في \"الدعاء\" (١٥٢٦) من طريق المصنف، عن هشيم، عن عبد الملك، به. وأخرجه ابن جرير في \"تفسيره\" (١٠/ ٤٠) عن يعقوب بن إبراهيم، عن هشيم، به. وأخرجه ابن جرير (١٠/ ٣٩) من طريق عبد الله بن نمير ومحمد بن فضيل، و(١٨/ ١٤١) من طريق جرير بن عبد الحميد، والطبراني في \"الدعاء\" (١٥٢٦) من طريق زائدة بن قدامة؛ جميعهم (ابن نمير، وابن فضيل، وجرير، وزائدة) عن عبد الملك، به. وأخرجه ابن جرير في \"تفسيره\" (١٨/ ١٤١) من طريق ابن جريج، عن عطاء.\n(^٣) تفسير جامع البيان في تأويل آي القرآن للطبري. (سورة النمل الآية: ٨٩)، تفسير القرآن العظيم لابن كثير. (سورة النمل الآية: ٨٩).\n(^٤) تفسير يحيى بن سلام. (سورة القصص: الآية: ٨٤).","vol":"1","page":617},{"text":"- قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: \" ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾ في الآخرة يعنى بلا إله إلا الله\" (^١).\n- قال يحيى بن سلام بن أبي ثعلبة، التيمي (ت: ٢٠٠ هـ) ﵀: \" ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾: \"لا إله إلا الله مخلصا بها قلبه\" (^٢).\n- قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: \"يقول تعالى ذكره: مَنْ جَاءَ الله بتوحيده والإيمان به، وقول لا إله إلا الله موقنا به قلبه، فَلَهُ من هذه الحسنة عند الله خَيرٌ يوم القيامة، وذلك الخير أن يثيبه الله مِنْهَا الجنة، ويؤمّنه مِنْ فَزَعِ الصيحة الكبرى وهي النفخ في الصور. ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ يقول: ومن جاء بالشرك به يوم يلقاه، وجحود وحدانيته فَكُبّتْ وُجُوهُهُمْ في نار جهنم\" (^٣).\n- قال ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩ هـ) ﵀: \" ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾ بـ \"لا إله إلا الله\" (^٤).\n- قال الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀: \" ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾ بكلمة الإخلاص، وهي شهادة أن لا إله إلا الله، قال أبو معشر: كان إبراهيم يحلف ولا يستثني: أن الحسنة لا إله إلا الله. وقال قتادة بن دعامة\n_________\n(^١) تفسير مقاتل بن سليمان (سورة النمل الآية: ٨٩).\n(^٢) تفسير يحيى بن سلام. (سورة القصص الآية: ٨٤).\n(^٣) تفسير جامع البيان في تأويل آي القرآن للطبري. (سورة النمل الآية: ٨٩).\n(^٤) تفسير القرآن العزيز لابن أبي زمنين ٣/ ٣١٥.","vol":"1","page":618},{"text":"السدوسي (ت: ١١٨ هـ): بالإخلاص\" (^١).\n- قال ابن عطية الأندلسي (ت: ٥٤٢ هـ) ﵀: \"قال ابن مسعود (ت: ٣٢ هـ) ﵁، ومجاهد بن جبر (ت: ١٠٤ هـ) ﵀، والقاسم بن أبي بزة (ت: ١٢٤ هـ) ﵀، وغيرهم: «الحسنة» لا إله إلا الله «والسيئة» الكفر\" (^٢). قال علي بن يحيى السمرقندي (ت: ٨٨٠ هـ تقريبًا) ﵀: \" ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾ أي: بالإيمان والتوحيد، وكلمة الإخلاص، وشهادة أن لا إله إلا الله\" (^٣).\nقال تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦٠)﴾ [الأَنْعَام: ١٦٠].\nقال تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤)﴾ [فُصِّلَت: ٣٤].\n- قال منصور بن محمد بن عبد الجبار بن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (ت ٤٨٩ هـ) ﵀: \"وأما الحسنة والسيئة ففيهما أقوال: أحدها: أنهما التوحيد والشرك\" (^٤).\n_________\n(^١) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة النمل الآية: ٨٩).\n(^٢) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ٢/ ٣٦٨.\n(^٣) تفسير بحر العلوم لعلي بن يحيى السمرقندي. (سورة النمل الآية: ٨٩).\n(^٤) تفسير السمعاني ٥/ ٥٢. (فصلت: الآية: ٣٤).","vol":"1","page":619},{"text":"<span data-type='title' id=toc-240>الاسم الثالث والأربعون: ومن أسماء التوحيد \"الحسنى\".</span>\nقال تعالى: ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦)﴾ [اللَّيْل: ٦].\n- عن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: \" ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾: يقول: صدّق بلا إله إلاّ الله\" (^١).\n- عن الضحاك بن مزاحم (ت: ١٠٢ هـ) ﵀: \" ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦)﴾: بلا إله إلاّ الله\" (^٢).\n- عن أبي حصين (ت: ١٢٧ هـ) ﵀، عن أبي عبد الرحمن ﵀ (ت: ١٢٨ هـ) ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦)﴾ قال: بلا إله إلاّ الله\" (^٣).\n- قال سهل التستري (ت: ٢٨٣ هـ) ﵀: \" ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦)﴾، كلمة التوحيد\" (^٤).\n- قال علي بن محمد الماوردي (ت: ٤٥٠ هـ) ﵀: \" ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦)﴾ فيه سبعة تأويلات:\nأحدها: بتوحيد الله، وهو قول لا إله إلا الله، قاله الضحاك بن مزاحم (ت: ١٠٢ هـ).\n_________\n(^١) تفسير الطبري (سورة الليل: الآية: ٦).\n(^٢) تفسير الطبري (سورة الليل: الآية: ٦).\n(^٣) تفسير الطبري (سورة الليل: الآية: ٦).\n(^٤) تفسير التستري صـ ١٩٦.","vol":"1","page":620},{"text":"الثاني: بموعود الله، قاله قتادة (ت: ١١٨ هـ) ﵀.\nالثالث: بالجنة، قاله مجاهد بن جبر (ت: ١٠٤ هـ) ﵀.\nالرابع: بالثواب، قاله خصيف (ت: ١٣٨ هـ) ﵀.\nالخامس: بالصلاة والزكاة والصوم، قاله زيد بن أسلم (ت: ١٣٦ هـ) ﵀.\nالسادس: بما أنعم الله عليه، قاله عطاء بن أبي رباح (ت: ١١٤ هـ) ﵀.\nالسابع: بالخلف من عطائ، قاله الحسن (ت: ١١٠ هـ) ﵀، ومعاني أكثرها متقاربة\" (^١).\n- قال الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀: \" ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦)﴾ قال أبو عبد الرحمن (ت: ١٢٨ هـ) ﵀، والضحاك بن مزاحم (ت: ١٠٢ هـ) ﵀: \"وصدق بلا إله إلا الله، وهي رواية عطية عن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) \" (^٢).\n- قال برهان الدين البقاعي (ت: ٨٨٥ هـ) ﵀: \" ﴿وَصَدَّقَ﴾ أي أوقع التصديق للمخبر ﴿بِالْحُسْنَى﴾ أي وهي كلمة العدل التي هي أحسن الكلام من التوحيد وما يتفرع عنه من الوعود الصادقة بالآخرة والإخلاف في النفقة في الدنيا وإظهار الدين وإن قل أهله على الدين كله، وغير ذلك من كل ما وعد به الرسول ﷺ \" (^٣).\n_________\n(^١) تفسير الماوردي (سورة الليل: الآية: ٦).\n(^٢) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة الليل: الآية: ٦).\n(^٣) نظم الدرر في تناسب الآيات والسور (سورة الليل: الآية: ٦).","vol":"1","page":621},{"text":"- قال السيوطى (ت: ٩١١ هـ) ﵀: \"وأخرج الفريابي (ت: ٢١٢ هـ) ﵀، وعبد بن حميد (ت: ٢٤٩ هـ) ﵀، وابن جرير (ت: ٣١٠ هـ) ﵀، وابن المنذر (ت: ٣١٨ هـ) ﵀، وابن أبي حاتم (ت: ٣٢٧ هـ) ﵀، عن أبي عبد الرحمن السلمي (ت: ١٢٨ هـ) ﵀ ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦)﴾ قال: بلا إله إلا الله\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-241>الاسم الرابع والأربعون: ومن أسماء التوحيد \"الأحسن\".</span>\nقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ (١٨)﴾ [الزُّمَر: ١٨].\n- قال ابن زيد (ت: ١٨٢ هـ) ﵀، في قوله: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾ [الزُّمَر: ١٧] … الَايتين، حدثني أبي أن هاتين الَايتين نزلتا في ثلاثة نفر كانوا في الجاهلية يقولون: لا إله إلا الله: زيد بن عمرو، وأبي ذر الغفاري (ت: ٣٠ أو ٣١ هـ) ﵁، وسلمان الفارسي (ت: ٣٣ هـ) ﵁، نزل فيهم: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾ [الزُّمَر: ١٧] في جاهليتهم ﴿أَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزُّمَر: ١٧ - ١٨] لا إله إلا الله\" (^٢).\n- قال الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀: \"نزلت في ثلاثة نفر كانوا في الجاهلية يقولون: لا إله إلا الله: زيد بن عمرو بن نفيل، وأبي ذر الغفاري (ت: ٣٠ أو ٣١ هـ) ﵁، وسلمان الفارسي ﵁ (ت: ٣٣ هـ).\n_________\n(^١) تفسير الدر المنثور للسيوطي (سورة الليل: الآية: ٦).\n(^٢) تفسير جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري (سورة الزمر الآية: ١٨).","vol":"1","page":622},{"text":"والأحسن: قول لا إله إلا الله\" (^١).\n- قال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ) ﵀: \"أحسن القول على من جعل الآية فيمن وحد الله قبل الإسلام \"لا إله إلا الله\" (^٢).\n- قال أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني (ت: ٨٨٠ هـ) ﵀: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزُّمَر: ١٨] فهذا في أبواب الاعتقادات\" (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-242>الاسم الخامس والأربعون: ومن أسماء التوحيد \"العروة الوثقى\".</span>\nقال تعالى: ﴿* وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٢٢)﴾ [لُقْمَان: ٢٢].\n- عن عبد الله بن سلام (ت: ٤٣ هـ) ﵁ قال: \"رأيت كأني في روضة، وسط الروضة عمود، في أعلى العمود عروة، فقيل لي: ارقه، قلت: لا أستطيع، فأتاني وصيف فرفع ثيابي فرقيت، فاستمسكت بالعروة، فانتبهت وأنا مستمسك بها، فقصصتها على النبي ﷺ فقال: «تلك الروضة روضة الإسلام، وذلك العمود عمود الإسلام، وتلك العروة عروة الوثقى، لا تزال مستمسكا\n_________\n(^١) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة الزمر الآية: ١٨).\n(^٢) تفسير القرطبي (سورة الزمر الآية: ١٨).\n(^٣) تفسير اللباب في علوم الكتاب لابن عادل (سورة الزمر الآية: ١٨).","vol":"1","page":623},{"text":"بالإسلام حتى تموت» (^١).\n- عن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: ﴿* وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٢٢)﴾ قال: لا إله إلا الله\" (^٢).\n- عن سعيد بن جبير (ت: ٩٥ هـ) ﵀: العروة: لا إله إلا الله\" (^٣).\nعن الضحاك بن مزاحم (ت: ١٠٢ هـ) ﵀: العروة: لا إله إلا الله\" (^٤).\n- قال مجاهد (ت: ١٠٤ هـ) ﵀: \"في قوله ﴿بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ قال: الإيمان\" (^٥).\n- قال السدي (ت: ١٢٨ هـ) ﵀: \"العروة الوثقى: هو الإسلام\" (^٦).\n- قال ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩ هـ) ﵀: \" ﴿مَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ﴾ يعني: وجهته في الدين ﴿إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ لا إله\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم: (٦٦١٢) واللفظ له، وأخرجه مسلم برقم (٢٤٨٤).\n(^٢) تفسير الطبري (سورة لقمان الآية: ٢٢)، تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة لقمان الآية: ٢٢).\n(^٣) تفسير الطبري (سورة البقرة: الآية: ٢٥٦)، المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (سورة البقرة: الآية: ٢٥٦).\n(^٤) تفسير الطبري (سورة البقرة: الآية: ٢٥٦)، المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (سورة البقرة: الآية: ٢٥٦)، ١/ ٣٤٤.\n(^٥) تفسير الطبري (سورة البقرة: الآية: ٢٥٦).\n(^٦) تفسير الطبري (سورة البقرة: الآية: ٢٥٦).","vol":"1","page":624},{"text":"إلا الله\" (^١).\n- قال الكرماني (ت: ٧٨٦ هـ) ﵀: \"قال الكرماني يحتمل أن يراد بالعروة الوثقى الإيمان\" (^٢).\n- قال عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ (ت: ١٢٨٥ هـ) ﵀: \"والعروة الوثقى هي: \"لا إله إلا الله\" (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-243>الاسم السادس والأربعون: ومن أسماء التوحيد \"الدعوة التامة\".</span>\n- عن جابر بن عبد الله (ت: ٧٨ هـ) ﵁، أن رسول الله ﷺ، قال: «من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة آت محمدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته، حلت له شفاعتي يوم القيامة» (^٤).\n- قال ابن حجر (ت: ٨٥٢ هـ) ﵀: \"الدعوة التامة المراد بها: دعوة التوحيد، كقولة: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ [الرَّعْد: ١٤]، وقيل لدعوة التوحيد تامة لأن الشركة نقص، وقال ابن التين: وصفت بالتامة لأن فيها أتم القول وهو: لا إله إلا الله\" (^٥).\n_________\n(^١) تفسير القرآن العزيز لابن أبي زمنين ٣/ ٣٧٧.\n(^٢) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري للكرماني ٢٤/ ١١٩، وفتح الباري لابن حجر ١٢/ ٣٩٨.\n(^٣) فتح المجيد شرح كتاب التوحيد صـ ٨٣.\n(^٤) رواه البخاري (٦١٤).\n(^٥) فتح الباري (٢/ ١١٢ - ١١٣).","vol":"1","page":625},{"text":"<span data-type='title' id=toc-244>الاسم السابع والأربعون: ومن أسماء التوحيد \"دعوة الله\".</span>\nقال تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (١٢)﴾ [غَافِر: ١٢].\n- قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: \" ﴿بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ﴾ يعني إذا ذكر الله ﴿وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ﴾ به يعني بالتوحيد ﴿وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا﴾ يعني وإن يعدل به تصدقوا\" (^١).\n- قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: ﴿بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ﴾، فأنكرتم أن تكون الألوهة له خالصة، وقلتم ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص: ٥] \" (^٢).\n- قال أبو إسحاق أحمد الثعلبي (ت: ٤٢٧ هـ) ﵀: \" ﴿بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ﴾ [غَافِر: ١٢] في الدُّنيا كفرتم به وأنكرتم أن لا تكون الإلهية له خالصة، وقلتم ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص: ٥] ﴿وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ﴾ [غَافِر: ١٢] غيره. ﴿تُؤْمِنُوا﴾ تصدقوا ذلك المشرك\" (^٣).\n- قال علي بن محمد الماوردي (ت: ٤٥٠ هـ) ﵀: \"قوله ﷿: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ﴾ [غَافِر: ١٢] أي كفرتم بتوحيد الله\" (^٤).\n_________\n(^١) تفسير مقاتل بن سليمان (سورة غافر: الآية: ١٢).\n(^٢) تفسير جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري. (سورة غافر: الآية: ١٢).\n(^٣) الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي. (سورة غافر: الآية: ١٢).\n(^٤) تفسير النكت والعيون للماوردي. (سورة غافر: الآية: ١٢).","vol":"1","page":626},{"text":"- قال الواحدي (ت: ٤٦٨ هـ) ﵀: \" ﴿بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ﴾ نكرتم وحدانيته ﴿وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا﴾ تصدقوا ذلك الشرك\" (^١).\n- قال ابن عطية الأندلسي (ت: ٥٤٢ هـ) ﵀: \"وقوله: ﴿إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ﴾ معناه: بحالة توحيد ونفي لما سواه من الآلهة والأنداد.\nوقوله: ﴿وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ﴾ [غَافِر: ١٢] أي إذا ذكرت اللات والعزى وغيرهما صدقتم واستقرت نفوسكم\" (^٢).\n- قال الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀: \" ﴿إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ﴾ أي: إذا قيل: لا إله إلا الله أنكرتم، وقلتم: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾، ﴿وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ﴾ غيره ﴿تُؤْمِنُوا﴾ = تصدقوا ذلك الشرك\" (^٣).\n- قال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ) ﵀: \" ﴿إِذَا دُعِيَ اللَّهُ﴾ [غَافِر: ١٢] أي وحد الله ﴿وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ﴾ [غَافِر: ١٢] وأنكرتم أن تكون الألوهية له خاصة، وإن أشرك به مشرك صدقتموه وآمنتم بقوله\" (^٤).\n- قال البيضاوي (ت: ٦٨٥ هـ) ﵀: \" ﴿ذَلِكُمْ﴾ الذي أنتم فيه. ﴿بِأَنَّهُ﴾ بسبب أنه ﴿إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ﴾ متحدا أو توحد وحده فحذف الفعل وأقيم\n_________\n(^١) تفسير الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي. (سورة غافر: الآية: ١٢).\n(^٢) تفسير المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية. (سورة غافر: الآية: ١٢).\n(^٣) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة غافر: الآية: ١٢).\n(^٤) تفسير الجامع لأحكام القرآن للقرطبي. (سورة غافر: الآية: ١٢).","vol":"1","page":627},{"text":"مقامه في الحالية. ﴿كَفَرْتُمْ﴾ التوحيد. ﴿وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا﴾ بالإشراك. ﴿فَالْحُكْمُ لِلَّهِ﴾ المستحق للعبادة حيث حكم عليكم بالعذاب السرمد الدائم. ﴿الْعَلِيِّ﴾ عن أن يشرك به ويسوى بغيره. ﴿الْكَبِيرِ﴾ حيث حكم على من أشرك وسوى به بعض مخلوقاته في استحقاق العبادة بالعذاب السرمد\" (^١).\n- قال عبد الله بن أحمد بن محمود النسفي (ت: ٧١٠ هـ) ﵀: \"قوله ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا﴾ [غَافِر: ١٢] أي ذلكم الذي أنتم فيه وأن لا سبيل لكم إلى خروج قط بسبب كفركم بتوحيد الله وإيمانكم بالإشراك به\" (^٢).\n- قال علي بن محمد بن إبراهيم الشيحي المعروف بالخازن (ت: ٧٤١ هـ) ﵀: \" ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ﴾ معناه فأجيبوا أن لا سبيل إلى الخروج وهذا العذاب والخلود في النار بأنكم إذا دعى الله وحده كفرتم يعني إذا قيل لا إله إلا الله أنكرتم ذلك؛ ﴿وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ﴾ أي غيره ﴿تُؤْمِنُوا﴾ أي تصدقوا ذلك الشرك\" (^٣).\n- قال أبو حيان الأندلسي (ت: ٧٤٥ هـ) ﵀: \" ﴿إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ﴾: أي إذا أفرد بالإلهية ونفيت عن سواه، ﴿كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ﴾: أي ذكرت اللات والعزى وأمثالهما من الأصنام، صدقتم بألوهيتها وسكنت نفوسكم إليها\" (^٤).\n_________\n(^١) تفسير أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي. (سورة غافر: الآية: ١٢).\n(^٢) تفسير مدارك التنزيل وحقائق التأويل للنسفي. (سورة غافر: الآية: ١٢).\n(^٣) تفسير لباب التأويل في معاني التنزيل للخازن. (سورة غافر: الآية: ١٢).\n(^٤) تفسير البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي. (سورة غافر: الآية: ١٢).","vol":"1","page":628},{"text":"- قال علي بن يحيى السمرقندي (ت: ٨٨٠ هـ تقريبًا) ﵀: \" ﴿بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ﴾ يعني: إذا قيل لكم لا إله إلا الله جحدتم، وأقمتم على الكفر، ﴿وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا﴾ يعني: إذا دعيتم إلى الشرك، وعبادة الأوثان، تصدقوا\" (^١).\n- قال أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني (ت: ٨٨٠ هـ) ﵀: \"قوله ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ﴾ أي ذلك الذي أنتم فيه من العذاب والخلود من النار وأن لا سبيل لكم إلى خروج قط إنما وقع بسبب كفرهم بتوحيد الله، أي إذا قيل لا إله إلا الله كفرتم وقلتمْ ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص: ٥] ﴿وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا﴾ [غَافِر: ١٢] أي تصدقوا ذلك الشرك\" (^٢).\n- قال محمد بن علي الشوكاني (ت: ١٢٥٥ هـ) ﵀: \" ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ﴾ [غَافِر: ١٢] أي ذلك الذي أنتم فيه من العذاب بسبب أنه إذا دعي الله في الدنيا وحده دون غيره كفرتم به وتركتم توحيده. ﴿وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ﴾ غيره من الأصنام أو غيرها ﴿تُؤْمِنُوا﴾ بالإشراك به، وتجيبوا الدّاعي إليه، فبيّن سبحانه لهم السبب الباعث على عدم إجابتهم إلى الخروج من النار، وهو ما كانوا فيه من ترك توحيد الله، وإشراك غيره به في العبادة التي رأسها الدّعاء\" (^٣).\n_________\n(^١) تفسير بحر العلوم لعلي بن يحيى السمرقندي. (سورة غافر: الآية: ١٢).\n(^٢) اللباب في علوم الكتاب. (سورة غافر: الآية: ١٢).\n(^٣) تفسير فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية في علم التفسير للشوكاني. (سورة غافر: الآية: ١٢).","vol":"1","page":629},{"text":"<span data-type='title' id=toc-245>الاسم الثامن والأربعون: ومن أسماء التوحيد \"الكلمة السواء\".</span>\nقال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤)﴾ [ال عِمْرَان: ٦٤].\n- قال أبو العالية (ت: ٩٣ هـ) ﵀: \"الكلمة السواء\"، لا إله إلا الله\" (^١).\n- قال مجاهد (ت: ١٠٤ هـ) ﵀: \" ﴿تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾، كلمة التوحيد: لا إله إلا الله\" (^٢).\n- قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: \" ﴿تَعَالَوْا﴾ هلمّوا ﴿إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ﴾ يعني إلى كلمة عدل ﴿بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ والكلمة العدل: هي أن نوحد الله فلا نعبد غيره، ونبرأ من كل معبود سواه فلا نشرك به شيئا. وقوله: ﴿وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا﴾ يقول: ولا يدين بعضنا لبعض بالطاعة فيما أمر به من معاصي الله، ويعظمه بالسجود له، كما يسجد لربه. ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ يقول: فإن أعرضوا عما دعوتهم إليه من الكلمة السواء التي أمرتك بدعائهم إليها، فلم يجيبوك إليها، فقولوا أيها المؤمنون للمتولين عن ذلك: اشهدوا بأنا مسلمون\" (^٣).\n- قال ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩ هـ) ﵀: \"قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ\n_________\n(^١) تفسير الطبري (سورة آل عمران: الآية: ٦٤)، تفسير المحرر الوجيز لابن عطية (سورة آل عمران: الآية: ٦٤).\n(^٢) شرح صحيح البخاري لابن بطال ٦/ ١٣٨.\n(^٣) تفسير الطبري (سورة آل عمران: الآية: ٦٤).","vol":"1","page":630},{"text":"تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ﴾ أي: عدل ﴿بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ يعني: لا إله إلا الله\" (^١).\n- قال مكي بن أبي طالب (ت: ٤٣٧ هـ) ﵀: \"قوله: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا﴾. الكلمة ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾ وما بعده. وقيل: ﴿كَلِمَةٍ﴾ لا إله إلا الله. و﴿سَوَاءٍ﴾: النَصَفَة والعدل والقصد\" (^٢).\n- قال الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀: \" ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ﴾ والعرب تسمي كل قصة لها شرح كلمة، ومنه سميت القصيدة كلمة (سواء) عدل بيننا وبينكم مستوية، أي أمر مستو يقال: دعا فلان إلى السواء، أي إلى النصفة، وسواء كل شيء وسطه، ومنه قوله تعالى: ﴿فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٥٥)﴾ [الصَّافَّات: ٥٥] وإنما قيل للنصفة سواء لأن أعدل الأمور وأفضلها أوسطها سواء نعت لكلمة إلا أنه مصدر، والمصدر لا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث، فإذا فتحت السين مددت، وإذا كسرت أو ضممت قصرت، كقوله تعالى ﴿مَكَانًا سُوًى (٥٨)﴾ [طه: ٥٨] ثم فسر الكلمة فقال: قوله تعالى: ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [ال عِمْرَان: ٦٤] ومحل (أن) رفع على إضمار هي، وقال الزجاج: رفع بالابتداء، وقيل: محله نصب بنزع حرف الصلة، معناه بأن لا نعبد إلا الله، وقيل: محله خفض بدلًا من الكلمة، أي تعالوا إلى أن لا نعبد إلا الله.\nقوله تعالى: ﴿وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [ال عِمْرَان: ٦٤] كما فعلت اليهود والنصارى، قال الله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ\n_________\n(^١) تفسير القرآن العزيز لابن أبي زمنين. (سورة آل عمران: الآية: ٦٤).\n(^٢) تفسير الهداية إلى بلوغ النهاية لمكي بن أبي طالب. (سورة آل عمران: الآية: ٦٤).","vol":"1","page":631},{"text":"وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التَّوْبَة: ٣١] وقال عكرمة (ت: ١٠٥ هـ): هو سجود بعضهم لبعض، أي لا نسجد لغير الله، وقيل معناه: لا نطيع أحدا في معصية الله.\nقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا﴾ [ال عِمْرَان: ٦٤] أي فقولوا أنتم يا أمة محمد ﷺ لهم اشهدوا.\nقوله تعالى: ﴿بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤)﴾ [ال عِمْرَان: ٦٤] مخلصون بالتوحيد\" (^١).\n- قال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ) ﵀: \"فالمعنى أجيبوا إلى ما دعيتم إليه، وهو الكلمة العادلة المستقيمة التي ليس فيها ميل عن الحق. وقد فسرها بقوله تعالى: ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [ال عِمْرَان: ٦٤] \" (^٢).\n- قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: \" ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ﴾ [ال عِمْرَان: ٦٤] والكلمة تطلق على الجملة المفيدة كما قال هاهنا. ثم وصفها بقوله: ﴿سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [ال عِمْرَان: ٦٤] أي: عدل ونصف، نستوي نحن وأنتم فيها. ثم فسرها بقوله: ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾ لا وَثَنا، ولا صنما، ولا صليبا ولا طاغوتا، ولا نارًا، ولا شيئًا بل نُفْرِدُ العبادة لله وحده لا شريك له. وهذه دعوة جميع الرسل، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأَنبِيَاء: ٢٥]. وقال تعالى ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ\n_________\n(^١) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة آل عمران: الآية: ٦٤).\n(^٢) تفسير الجامع لأحكام القرآن للقرطبي. (سورة آل عمران: الآية: ٦٤).","vol":"1","page":632},{"text":"رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النَّحْل: ٣٦]. ثم قال: ﴿وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [ال عِمْرَان: ٦٤] وقال ابن جُرَيْج (ت: ١٥٠ هـ): يعني: يطيع بعضنا بعضا في معصية الله. وقال عكرمة (ت: ١٠٥ هـ): يعني: يسجد بعضنا لبعض. ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤)﴾ [ال عِمْرَان: ٦٤] أي: فإن تولوا عن هذا النَّصَف وهذه الدعوة فأشْهدوهم أنتم على استمراركم على الإسلام الذي شرعه الله لكم\" (^١).\n- قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: \"هذه الآية الكريمة كان النبي ﷺ يكتب بها إلى ملوك أهل الكتاب، وكان يقرأ أحيانًا في الركعة الأولى من سُنَّة الفجر: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [البَقَرَةِ: ١٣٦] الآية، ويقرأ بها في الرَّكعة الآخرة من سنَّة الصبح؛ لاشتمالها على الدعوة إلى دين واحد قد اتَّفق عليه الأنبياء والمرسلون، واحتوت على توحيد الإلهية المبنيِّ على عبادة الله وحده لا شريك له، وأن يعتقد أن البشر وجميع الخلق كلهم في طور البشرية لا يستحقُّ منهم أحدٌ شيئًا من خصائص الرُّبوبية ولا من نعوت الإلهية، فإن انقاد أهل الكتاب وغيرهم إلى هذا فقد اهتدوا\" (^٢).\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (سورة آل عمران: الآية: ٦٤).\n(^٢) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان\"، المعروف بـ\"تفسير السعدي\": (آل عمران: ٦٤).","vol":"1","page":633},{"text":"<span data-type='title' id=toc-246>الاسم التاسع والأربعون: ومن أسماء التوحيد \"كلمة النجاة\".</span>\nقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨)﴾ [النِّسَاء: ٤٨].\n- عن علي بن أبي طالب (ت: ٤٠ هـ) ﵁: \"إن هذه الآية أرجى آية في القرآن قوله: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النِّسَاء: ٤٨] \" (^١).\n- عن علي بن أبي طالب (ت: ٤٠ هـ) ﵁ قال \"ما في القرآن آية أحب إلي من هذه الآية ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النِّسَاء: ٤٨] \" (^٢).\n- عن ابن عمر (ت: ٧٣ هـ) ﵄: \"كنا معشر أصحاب رسول الله ﷺ لا نشك في قاتل المؤمن، وأكل مال اليتيم، وشاهد الزور، وقاطع الرحم، يعني في الشهادة له بالنار حتى نزلت: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النِّسَاء: ٤٨] فأمسكنا عن الشهادة\" (^٣).\n_________\n(^١) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي (سورة النساء: الآية: ٤٨).\n(^٢) أخرجه الترمذي في سننه وقال: \"هذا حديث حسن غريب وأبو فاختة اسمه سعيد بن علاقة وثوير يكنى أبا جهم وهو رجل كوفي من التابعين وقد سمع من ابن عمر وابن الزبير وابن مهدي كان يغمزه قليلا\"، انظر: وقال الألباني في صحيح وضعيف سنن الترمذي (٣٠٣٧)، وقال: \"ضعيف الإسناد\".\n(^٣) تفسير الطبري (سورة النساء: الآية: ٤٨) وذكره السيوطي في الدر المنثور (سورة النساء: الآية: ٤٨)، وعزاه إلى ابن أبي حاتم والبزار وهو في تفسير ابن أبي حاتم (٤٩٢٩) و(٥٢٣٥) و(٥٤٦٠)","vol":"1","page":634},{"text":"- عن مجاهد (ت: ١٠٤ هـ) ﵀، \"أن الاستثناء لأهل التوحيد\" (^١).\n- قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾، فيموت عليه، يعني اليهود، ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ الشرك ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ لمن مات موحدا، فمشيئته ﵎ لأهل التوحيد، ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ﴾ معه غيره، ﴿فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾، يقول: فقد قال ذنبا عظيمًا \" (^٢).\nقال تعالى: ﴿وَيَاقَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾ [غَافِر: ٤١].\n- قال ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩ هـ) ﵀: \" ﴿لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ﴾: إلى الإيمان بالله ﴿وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (٤١)﴾ [غَافِر: ٤١]: إلى الكفر الذي يدخل به صاحبه النار\" (^٣).\n- عن جابر بن عبد الله (ت: ٧٨ هـ) ﵁، قال: سئل رسول الله ﷺ عن الموجبتين: فقال: \"من مات لا يشرك بالله شيئادخل الجنة، ومن مات يشرك بالله شيئا دخل النار\" (^٤).\n- قال محمد بن يعقوب الفيروزأبادي (ت: ٨١٧ هـ) ﵀: \"والكلمة الموجبة: لا إله إلا الله\" (^٥).\n- عن أبي هريرة (ت: ٥٨ هـ) ﵁ قال قال رسول الله ﷺ: «مَنْ\n_________\n(^١) تفسير مقاتل بن سليمان. (سورة النساء: الآية: ٤٨).\n(^٢) تفسير مقاتل بن سليمان. (سورة النساء: الآية: ٤٨).\n(^٣) تفسير القرآن العزيز لابن أبي زمنين ٤/ ١٣٥.\n(^٤) أخرجه مسلم برقم: (٩٣).\n(^٥) بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز ٥/ ١٦١.","vol":"1","page":635},{"text":"قال: لا إلهَ إلا اللهُ؛ نَفَعتْه يومًا من دهرِه، يُصيبُه قبلَ ذلكَ ما أصابَه» (^١).\n- قال فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀: \"الاسم الرابع عشر: كلمة النجاة، والذي يدل عليه القرآن والحديث والعقول:\nأما القرآن فمن وجهين:\nالأول: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النِّسَاء: ٤٨]. فهذه الآية صريحة في أن النجاة لا تحصل بدون الإيمان بلا إله إلا الله، وتحصل مع الايمان بلا إله إلا الله.\nوالثاني: قوله تعالى: ﴿* وَيَاقَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (٤١)﴾ [غَافِر: ٤١]. النجاة قول لا إله إلا الله.\nوأما الأخبار فيدل عليه الأخبار التي ذكرناها في الفصل الثاني، ونزيد ههنا أخبارًا أخرى.\nأحدها: ما روى جابر بن عبد الله (ت: ٧٨ هـ) ﵄ أنه قال: سئل رسول الله ﷺ عن الموحدين فقال: «مَنْ لقيَ الله لا يشركُ به شيئًا دخلَ الجنّة، ومَنْ لقيَ الله يُشركُ به شيئًا دخل النار» (^٢).\nوثانيها: عن أبي سعيد الخدري (ت: ٧٤ هـ) ﵁، قال: قال ﷺ:\n_________\n(^١) أخرجه البزار (٨٢٩٢)، والطبراني في «المعجم الأوسط» (٦٣٩٦) واللفظ لهما، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (٧/ ١٢٦)، وصححه الألباني. في صحيح الترغيب برقم: (١٥٢٥).\n(^٢) أخرجه مسلم (٩٣).","vol":"1","page":636},{"text":"«لقَنوا موتاكُم لا إله إلا الله» (^١).\nوثالثها: عن جابر بن عبد الله (ت: ٧٨ هـ) ﵄، قال: سمعت عمر بن الخطاب (ت: ٢٣ هـ) ﵁ يقول لطلحة بن عبيد الله ﵁: ما لي أراك قد شعثت واغبررت منذ توفي رسول الله ﷺ لعلك ساءك يا طلحة إمارة ابن عمك قال: معاذ الله إني لأحذركم أن لا أفعل ذلك إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إني لأعلم كلمة لا يقولها أحد عند حضرة الموت إلا وجد روحه لها روحا حين تخرج من جسده وكانت له نورا يوم القيامة فلم أسأل رسول الله ﷺ عنها ولم يخبرني بها فذلك الذي دخلني قال عمر ﵁: فأنا أعلمها قال: فلله الحمد فما هي قال: هي الكلمة التي قالها لعمه لا إله إلا الله قال طلحة: صدقت رابعها\" (^٢).\nوروى أبو أمامة ﵁ (ت: ٨١ هـ أو ٨٦ هـ)، قال: بعث رسول الله ﷺ أبا بكر ينادي في الناس: «مَنْ شَهد أنْ لا إله إلا الله وجبت له الجنة» (^٣).\nوخامسها: قال معاذ بن جبل (ت: ١٨ هـ) ﵁ حين حضرته الوفاة: \"اكشفوا عني سجف القبة أحدثكم حديثا سمعته من رسول الله ﷺ وقال\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٩١٧).\n(^٢) أخرجه النسائي في السنن الكبرى (١٠٩٣٧)، وأحمد (١٨٧) باختلاف يسير.\n(^٣) رواه أبو يعلى في مسنده (١/ ١٠٠ - ١٠١) ووقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ١٥): وفي إسناده سويد بن عبد العزيز وهو متروك.","vol":"1","page":637},{"text":"مرة: أخبركم بشيء سمعته من رسول الله ﷺ لم يمنعني أن أحدثكموه إلا أن تتكلوا، سمعته يقول: «من شهد أن لا إله إلا الله مخلصا من قلبه أو يقينا من قلبه لم يدخل النار أو دخل الجنة وقال مرة: دخل الجنة، ولم تمسه النار» (^١).\nوسادسها: عن عبد الله بن أبي قتادة ﵀ (ت: ٩٥ هـ)، عن أبيه ﵁ (ت: ٥٤ هـ) قال: قال رسول الله ﷺ: «من قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، يجري بها لسانه، ويطمئن بها قلبه، حُرّمت عليه النار» (^٢).\nوسابعها: روى أبو هريرة (ت: ٥٨ هـ) ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لأبي ذر (ت: ٣٠ أو ٣١ هـ) ﵁: «ناد في الناس: من شهد أن لا إله إلا الله وجبت له الجنة». قال أبو ذر: وإن زنا وإن سرق؟ قال: «وإن زنا وإن سرق» - حتى قالها ثلاث مرات فقال الثالثة: «وإن زنا وإن سرق على رغم أنف أبي ذر».\nوثامنها: روى معاذ بن جبل (ت: ١٨ هـ) ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله، وفاضت نفسه بعده، دخل الجنة» \" (^٣).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"وإنما ضمنت النجاة لمن حكم هدى الله تعالى على غيره، وتزود التقوى، وأتم بالدليل وسلك الصراط المستقيم، واستمسك من التوحيد واتباع الرسول ﷺ بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها، والله سميع عليم\" (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه النسائي في «السنن الكبرى» (١٠٩٧٥)، وابن ماجه (٣٧٩٦) بمعناه، وأحمد (٢٢٠٦٠) واللفظ له.\n(^٢)\n(^٣) عجائب القرآن للرازي صـ ٦٣ - ٦٥.\n(^٤) اجتماع الجيوش الإسلامية ١/ ٨٣.","vol":"1","page":638},{"text":"<span data-type='title' id=toc-247>الاسم الخمسون: ومن أسماء التوحيد \"كلمة الاستقامة\".</span>\nقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠)﴾ [فُصِّلَت: ٣٠].\nقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [ال عِمْرَان: ٥١].\nقال تعالى: ﴿* أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١)﴾ [يس: ٦٠ - ٦١]\nسئل أبو بكر الصديق (ت: ١٣ هـ) ﵁ عن الاستقامة فقال: \"أن لا تشرك بالله شيئًا\" (^١).\n- قرأت عند أبي بكر الصدّيق (ت: ١٣ هـ) ﵁ هذه الَاية: \" ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فُصِّلَت: ٣٠] قال: \"هم الذين لم يشركوا بالله شيئًا\" (^٢).\n- عن أبي بكر (ت: ١٣ هـ) ﵁ أنه قال لأصحابه إنّ الّذِينَ قالُوا رَبّنا اللّهُ ثُمّ اسْتَقامُوا قال: قالوا: ربنا الله ثم عملوا بها، قال: \"لقد حملتموها على غير المحمل ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فُصِّلَت: ٣٠] الذين لم يعدلوها بشرك ولا غيره\" (^٣).\n_________\n(^١) تفسير معالم التنزيل للبغوي. (سورة فصلت: الآية: ٣٠).\n(^٢) تفسير الطبري. (سورة فصلت: الآية: ٣٠).\n(^٣) تفسير الطبري. (سورة فصلت: الآية: ٣٠).","vol":"1","page":639},{"text":"- فسر أبو بكر ﵁ الاستقامة في قوله تعالى: \" ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فُصِّلَت: ٣٠]، بأنهم لم يلتفتوا إلى غيره\" (^١).\n- قال عثمان بن عفان (ت: ٣٥ هـ) ﵁: \"استقاموا: أخلصوا العمل لله\" (^٢).\n- قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: \"قوله ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ [فُصِّلَت: ٣٠] وحّدوا الله تعالى\" (^٣).\n- قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: \"قوله ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فُصِّلَت: ٣٠] على شهادة لا إله إلا الله\" (^٤).\n- قال الربيع (ت: قبل ٦٥ هـ) ﵀: \"اعرضوا عما سوى الله\" (^٥).\n- قال مجاهد بن جبر (ت: ١٠٤ هـ) ﵀، وعكرمة (ت: ١٠٥ هـ) ﵀: \"استقاموا على شهادة أن لا إله إلا الله حتى لحقوا بالله\" (^٦).\n- قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: \"ثم أخبر عن المؤمنين،\n_________\n(^١) تفسير الطبري. (سورة فصلت: الآية: ٣٠)، جامع العلوم والحكم ١٩٣.\n(^٢) تفسير معالم التنزيل للبغوي. (سورة فصلت: الآية: ٣٠)، تفسير ابن أبي زمنين. (سورة فصلت: الآية: ٣٠)، مدارج السالكين ٢/ ١٠٤\n(^٣) تفسير النكت والعيون للماوردي. (سورة فصلت: الآية: ٣٠).\n(^٤) كتاب الأسماء والصفات للبيهقي ١/ ٢٧١.\n(^٥) تفسير الجامع لأحكام القرآن للقرطبي. (سورة فصلت: الآية: ٣٠).\n(^٦) تفسير الطبري. (سورة فصلت: الآية: ٣٠)، تفسير معالم التنزيل للبغوي. (سورة فصلت: الآية: ٣٠)، تفسير معالم التنزيل للبغوي. (سورة فصلت: الآية: ٣٠)، مدارج السالكين ٢/ ١٠٤.","vol":"1","page":640},{"text":"فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾، فعرفوه، ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ على المعرفة، ولم يرتدوا عنها\" (^١).\n- قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: \"يقول تعالى ذكره: إنّ الّذِينَ قالُوا رَبّنا اللّهُ وحده لا شريك له، وبرئوا من الَالهة والأنداد، ثُمّ اسْتَقامُوا على توحيد الله، ولم يخلطوا توحيد الله بشرك غيره به، وانتهوا إلى طاعته فيما أمر ونهى\" (^٢).\n- قال ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩ هـ) ﵀: \" ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ مخلصين له ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ عليها\" (^٣).\n- قال مكي بن أبي طالب (ت: ٤٣٧ هـ) ﵀: \"قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ إن الذين وحدوا الله وعلموا أنه لا رب لهم غيره، ثم استقاموا على التوحيد والطاعة إلى الوفاة\" (^٤).\n- قال الواحدي (ت: ٤٦٨ هـ): ﵀ \" ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ أي وحدوه ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ على التوحيد فلم يشركوا به شيئًا\" (^٥).\n- قال ابن عطية الأندلسي (ت: ٥٤٢ هـ) ﵀: \"وذهب أبو بكر الصديق ﵁\n_________\n(^١) تفسير مقاتل بن سليمان. (سورة فصلت: الآية: ٣٠).\n(^٢) تفسير الطبري. (سورة فصلت: الآية: ٣٠).\n(^٣) تفسير ابن أبي زمنين. (سورة فصلت: الآية: ٣٠).\n(^٤) تفسير الهداية إلى بلوغ النهاية لمكي بن أبي طالب. (سورة فصلت: الآية: ٣٠).\n(^٥) التفسير البسيط للواحدي. (سورة فصلت: الآية: ٣٠).","vol":"1","page":641},{"text":"(ت: ١٣ هـ) وجماعة معه إلى أن المعنى ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ على قولهم: ﴿رَبُّنَا اللَّهُ﴾، فلم يختل توحيدهم ولا اضطرب إيمانهم. وروى أنس بن مالك (ت: ٩٠ هـ) ﵁ أن رسول الله ﷺ قرأ هذه الآية وقال: قد قالها الناس ثم كفر أكثرهم، فمن مات عليها فهو ممن استقام. المعنى فهو في أول درجات الاستقامة من الخلود، فهذا كقوله ﵇: «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة» (^١)، وهذا هو المعتقد إن شاء الله، وذلك أن العصاة من أمة محمد ﵇ وغيرها فرقتان: فأما من قضى الله بالمغفرة له وترك تعذيبه، فلا محالة ممن تنزل عليه الملائكة بالبشارة، وهو إنما استقام على توحيده فقط، وأما من قضى الله بتعذيبه مرة ثم بإدخاله الجنة، فلا محالة أنه يلقى جميع ذلك عند موته ويعلمه، وليس يصح أن يكون حاله كحالة الكافر اليائس من رحمة الله، وإذ قد كان هذا فقد حصلت له بشارة بأن لا يخاف الخلود ولا يحزن منه وبأنه يصير آخرًا إلى الخلود في الجنة، وهل العصاة المؤمنون إلا تحت الوعد بالجنة، فهم داخلون فيمن يقال لهم: ﴿أَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠)﴾ ومع هذا كله فلا يختلف أن الموحد المستقيم على الطاعة أتم حالًا وأكمل بشارة، وهو مقصد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، وعلى نحو ذلك قال سفيان: ﴿اسْتَقَامُوا﴾، عملوا بنحو ما قالوا، وقال الربيع: أعرضوا عما سوى الله. وقال الفضيل: زهدوا في الفانية ورغبوا في الباقية، وبالجملة فكلما كان المرء أشد استعدادًا كان أسرع فوزًا بفضل الله تعالى\" (^٢).\n_________\n(^١) رواه أحمد (٢١٥٢٩) وأبو داود (٣١١٦) وحسنه الألباني في \"إرواء الغليل\" (٦٨٧).\n(^٢) تفسير المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية. (سورة فصلت: الآية: ٣٠).","vol":"1","page":642},{"text":"- قال الإمام ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"والصديق ﵁ استقى هذا المعنى من آيتين في كتاب الله تعالى .. الآية الأولى: قول الله عن عيسى ﵇ لقومه: ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [ال عِمْرَان: ٥١].\nوالثانية: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١)﴾ [يس: ٦٠ - ٦١] \" (^١).\nقال الإمام ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"فمن أعرض عن الله بالكلية؛ أعرض الله عنه بالكلية، ومن أعرض الله عنه؛ لزمه الشقاء والبؤس\" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-248>الاسم الواحد والخمسون: ومن أسماء التوحيد \"العمل الصالح\".</span>\nقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ﴾ [فَاطِر: ١٠].\n- قال قتادة (ت: ١١٨ هـ) ﵀، \" ﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فَاطِر: ١٠] التوحيد؛ لا يرتفع العمل إلا بالتوحيد\" (^٣).\n- قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: \"قوله تعالى: ﴿وَالْعَمَلُ\n_________\n(^١) مدارج السالكين ٢/ ١٠٤.\n(^٢) طريق الهجرتين ص: ٣٦٧.\n(^٣) تفسير القرآن العزيز لابن أبي زمنين (سورة فاطر: الآية ١٠).","vol":"1","page":643},{"text":"الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ يقول: شهادة ألا إله إلا الله ترفع العمل الصالح إلى الله ﷿ في السماء\" (^١).\n- قال أبو إسحاق أحمد الثعلبي (ت: ٤٢٧ هـ) ﵀: \"معنى ﴿يَرْفَعُهُ﴾، أي يجعله رفيعًا ذا وزن وقيمة، كما يُقال: طود رفيع ومرتفع، وقيل: العمل الصالح هو الخالص، يعني أنّ الإخلاص سبب قبول الخيرات من الأقوال والأعمال، دليله قوله: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الكَهْف: ١١٠] أي خالصًا ثم قال: ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكَهْف: ١١٠] فجعل نقيض الصالح الشرك والرياء\" (^٢).\nقال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكَهْف: ١١٠]\n- قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: \"قوله تعالى: ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ يقول: فليخلص له العبادة، وليفرد له الربوبية\" (^٣).\n- قال ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩ هـ) ﵀: \" ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكَهْف: ١١٠] أي: يخلص له العمل\" (^٤).\n- قال مكي بن أبي طالب (ت: ٤٣٧ هـ) ﵀: \" ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾\n_________\n(^١) تفسير مقاتل بن سليمان. (سورة فاطر: الآية ١٠).\n(^٢) تفسير الثعلبي (سورة فاطر: الاية: ١٠).\n(^٣) تفسير الطبري (سورة الكهف: الآية: ١١٠).\n(^٤) تفسير ابن أبي زمنين (سورة الكهف: الآية: ١١٠).","vol":"1","page":644},{"text":"فليخلص العبادة لله ويعمل بطاعته\" (^١).\n- قال الواحدي (ت: ٤٦٨ هـ) ﵀: \" ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ خالصا ﴿وَلَا يُشْرِكْ﴾ ولا يراء ﴿بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ نزلت هذه الآية في النهي عن الرياء بالأعمال\" (^٢).\n- قال أبو إسحاق أحمد الثعلبي (ت: ٤٢٧ هـ) ﵀: \" ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾: خالصًا، ﴿لَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾، أي ولا يراءِ\" (^٣).\nقال تعالى: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا﴾ [المُؤْمِنُون: ٩٩ - ١٠٠]\n- قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: \"قوله تعالى: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا﴾ [المُؤْمِنُون: ٩٩ - ١٠٠] \"أقول لا إله إلا الله\" (^٤).\n- قال عكرمة (ت: ١٠٥ هـ) ﵀، في قوله ﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المُؤْمِنُون: ١٠٠] قال: لعلي أقول لا إله إلا الله\" (^٥).\n- قال قتادة بن دعامة السدوسي (ت: ١١٨ هـ) ﵀: \"ما تمنى أن يرجع إلى أهله وعشيرته ولا ليجمع الدنيا ويقضي الشهوات، ولكن تمنى أن يرجع\n_________\n(^١) تفسير الهداية إلى بلوغ النهاية لمكي بن أبي طالب. (سورة الكهف: الآية: ١١٠).\n(^٢) تفسير الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي. (سورة الكهف: الآية: ١١٠).\n(^٣) تفسير الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي. (سورة الكهف: الآية: ١١٠).\n(^٤) كتاب الأسماء والصفات للبيهقي ١/ ٢٧١، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (سورة المؤمنون: الآيات ٩٩ - ١٠٠).\n(^٥) تفسير الدر المنثور للسيوطي. (سورة المؤمنون: الآيات ٩٩ - ١٠٠) وعزاه لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"1","page":645},{"text":"فيعمل بطاعة الله\" (^١).\n- قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: \" ﴿لَعَلِّي﴾ يعنى لكي ﴿أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المُؤْمِنُون: ١٠٠] من العمل الصالح، يعنى الإيمان\" (^٢).\n- قال الواحدي (ت: ٤٦٨ هـ) ﵀: \" ﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا﴾ \"أي أشهد بالتوحيد\" (^٣).\n- قال الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀: \"قوله تعالى: ﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ أي: لعلي أن أقول لا إله إلا الله. وقيل: أعمل بطاعة الله\" (^٤).\n- قال البيضاوي (ت: ٦٨٥ هـ) ﵀: \" ﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ في الإيمان الذي تركته أي لعلي آتي الإيمان وأعمل فيه\" (^٥).\n- قال ابن جزي (ت: ٧٤١ هـ) ﵀: \" ﴿فِيمَا تَرَكْتُ﴾ قيل: يعني فيما تركت من المال، وقيل: فيما تركت من الإيمان فهو كقوله: ﴿أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأَنْعَام: ١٥٨]، والمعنى أن الكافر رغب أن يرجع إلى الدنيا ليؤمن ويعمل صالحا في الإيمان الذي تركه أول مرة\" (^٦).\n_________\n(^١) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة المؤمنون: الآيات ٩٩ - ١٠٠).\n(^٢) تفسير مقاتل بن سليمان (سورة المؤمنون: الآيات ٩٩ - ١٠٠).\n(^٣) تفسير الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي. (سورة المؤمنون: الآيات ٩٩ - ١٠٠).\n(^٤) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة المؤمنون: الآيات ٩٩ - ١٠٠).\n(^٥) تفسير أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي. (سورة المؤمنون: الآيات ٩٩ - ١٠٠).\n(^٦) تفسير التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي. (سورة المؤمنون: الآيات ٩٩ - ١٠٠).","vol":"1","page":646},{"text":"- قال أبو حيان الأندلسي (ت: ٧٤٥ هـ) ﵀: \" ﴿فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المُؤْمِنُون: ١٠٠] في الإيمان الذي تركته والمعنى لعلي آتى بما تركته من الإيمان وأعمل فيه صالحًا\" (^١).\n- قال محمد بن علي الشوكاني (ت: ١٢٥٥ هـ) ﵀: \" ﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا﴾ [المُؤْمِنُون: ١٠٠] أي: أعمل عملًا صالحًا في الدنيا إذا رجعت إليها من الإيمان وما يتبعه من أعمال الخير\" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-249>الاسم الثاني والخمسون: ومن أسماء التوحيد \"الرشد\".</span>\nقال تعالى: ﴿يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ [الجِن: ٢].\n- قال علي بن محمد الماوردي (ت: ٤٥٠ هـ) ﵀: \" ﴿يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾ فيه وجهان:\nأحدهما: مراشد الأمور.\nالثاني: إلى معرفة اللَّه\" (^٣).\n- قال الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀: \" ﴿يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾ يدعوا إلى الصواب من التوحيد والإيمان\" (^٤).\n_________\n(^١) تفسير البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي. (سورة المؤمنون: الآيات ٩٩ - ١٠٠).\n(^٢) تفسير فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية في علم التفسير للشوكاني. (سورة المؤمنون: الآيات ٩٩ - ١٠٠).\n(^٣) تفسير النكت والعيون للماوردي. (سورة الجن: الآية: ٢).\n(^٤) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة الجن: الآية: ٢).","vol":"1","page":647},{"text":"- قال العز بن عبد السلام (ت: ٦٣٩ هـ) ﵀: \" ﴿الرُّشْدِ﴾ مراشد الأمور، أو معرفة الله تعالى \" (^١).\n- قال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ) ﵀: \" ﴿يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾ أي إلى مراشد الأمور. وقيل: إلى معرفة الله تعالى\" (^٢).\n- قال البيضاوي (ت: ٦٨٥ هـ) ﵀: \" ﴿يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾ إلى الحق والصواب ﴿فَآمَنَّا بِهِ﴾ بالقرآن ﴿وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (٢)﴾ على ما نطقت به الدلائل القاطعة على التوحيد\" (^٣).\n- قال عبد الله بن أحمد بن محمود النسفي (ت: ٧١٠ هـ) ﵀: \" ﴿يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾ يدعوا إلى الصواب أو إلى التوحيد والإيمان ﴿فَآمَنَّا بِهِ﴾ بالقرآن. ولما كان الإيمان به إيمانًا بالله وبوحدانيته وبراءة من الشرك قالوا ﴿وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (٢)﴾ من خلقه\" (^٤).\n- قال علي بن محمد بن إبراهيم الشيحي المعروف بالخازن (ت: ٧٤١ هـ) ﵀: \" ﴿يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾ أي يدعو إلى الصواب يعني التوحيد والإيمان\" (^٥).\n- قال أبو حيان الأندلسي (ت: ٧٤٥ هـ) ﵀: \" ﴿يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾: أي\n_________\n(^١) تفسير تفسير العز بن عبد السلام. (سورة الجن: الآية: ٢).\n(^٢) تفسير الجامع لأحكام القرآن للقرطبي. (سورة الجن: الآية: ٢).\n(^٣) تفسير أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي. (سورة الجن: الآية: ٢).\n(^٤) تفسير مدارك التنزيل وحقائق التأويل للنسفي. (سورة الجن: الآية: ٢).\n(^٥) تفسير لباب التأويل في معاني التنزيل للخازن. (سورة الجن: الآية: ٢).","vol":"1","page":648},{"text":"يدعو إلى الصواب. وقيل: إلى التوحيد والإيمان.\n﴿يَهْدِي إِلَى﴾: أي بالقرآن. ولما كان الإيمان به متضمنًا الإيمان بالله وبوحدانيته وبراءة من الشرك قالوا: ﴿وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (٢)﴾ \" (^١).\n- قال علي بن يحيى السمرقندي (ت: ٨٨٠ هـ تقريبًا) ﵀: \" ﴿يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾ يعني: يدعو إلى الهدى، وهو الإسلام. ويقال: إلى الصواب، والتوحيد، والأمر والنهي. ويقال: يدل على الحق. ﴿فَآمَنَّا بِهِ﴾ يعني: صدقنا بالقرآن. ويقال: آمنا بالله تعالى. ﴿وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (٢)﴾ يعني: إبليس، يعني: لن نشرك بعبادته أحدًا من خلقه\" (^٢).\n- قال أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني (ت: ٨٨٠ هـ) ﵀: \" ﴿إِلَى الرُّشْدِ﴾. المعنى: يهدي إلى الصواب. وقيل: إلى التوحيد\" (^٣).\nقال تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ [الأَعْرَاف: ١٤٦]\n- قال علي بن محمد الماوردي (ت: ٤٥٠ هـ) ﵀: \"فيه وجهان:\nأحدهما: أن الرشد الإيمان، والغي: الكفر.\n_________\n(^١) تفسير البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي. (سورة الجن: الآية: ٢).\n(^٢) تفسير بحر العلوم لعلي بن يحيى السمرقندي. (سورة الجن: الآية: ٢).\n(^٣) تفسير اللباب في علوم الكتاب لابن عادل. (سورة الجن: الآية: ٢).","vol":"1","page":649},{"text":"والثاني: أن الرشد الهداية. والغي: الضلال\" (^١).\n- قال العز بن عبد السلام (ت: ٦٣٩ هـ) ﵀: \" ﴿الرُّشْدِ﴾ الإيمان، والغي: الكفر، أو الرشد: الهدى، والغي: الضلال\" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-250>الاسم الثالث والخمسون: ومن أسماء التوحيد \"مقاليد السموات والأرض\".</span>\nقال تعالى: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٦٣)﴾ [الزُّمَر: ٦٣].\nقال تعالى: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٢)﴾ [الشُّورَى: ١٢].\n- عن عثمان بن عفان (ت: ٣٥ هـ) ﵁، \"أنه سأل رسول الله ﷺ عن تفسير: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الزُّمَر: ٦٣] فقال: «ما سألني عنها أحد قبلك يا عثمان»، قال: «تفسيرها: لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله وبحمده، أستغفر الله، ولا قوة إلا بالله، الأول والآخر، والظاهر والباطن، بيده الخير، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير» الحديث … \" (^٣).\n_________\n(^١) تفسير النكت والعيون للماوردي. (سورة الأعراف: الآية: ١٤٦).\n(^٢) تفسير العز بن عبد السلام. (سورة الأعراف: الآية: ١٤٦).\n(^٣) رواه ابن السني في عمل اليوم والليلة برقم (٧٣) من طريق أبي عن شجاع بن مخلد عن يحيى بن حماد به، وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ١١٥): \"رواه أبو يعلى في الكبير، وفيه الأغلب بن تميم، وهو ضعيف\".","vol":"1","page":650},{"text":"- قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: \"هو قول لا إله إلا الله\" (^١).\n- قال فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀: \"وأقول: هذا هو الحق، ويدل عليه وجوه:\nالأول: أنه تعالى بين أنه لو كان في الوجود آلهان لحصل الفساد في العالم، ولاختلت المصالح، قال الله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأَنبِيَاء: ٢٢]. فثبت أن الشرك سبب لفساد العالم، وأن التوحيد سبب لانتظام العالم. فثبت أن مقاليد السموات والأرض هو قول: لا إله إلا الله.\nالثاني: أنا بينا أن الشرك سبب لفساد العالم بدليل قوله تعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠)﴾ [مَرْيَم: ٩٠]، وإذا كان كذلك كان التوحيد سببًا لعمران العالم.\nالثالث: أن أبواب السموات لا تفتح عند الدعاء إلا بقول لا إله إلا الله، وأبواب الجنان لا تنفتح إلا بهذا القول، وأبواب النيران لا تغلق إلا بهذا القول، وباب القلب لا يفتح إلا بهذه الكلمة، وأنواع الوساوس لا تندفع إلا بهذا القول، فكانت هذه الكلمة أشرف مقاليد السموات والأرض، وأعز مفاتيح الأرواح والنفوس والأجسام والعقول\" (^٢).\n- قال عبد الرحمن الثعالبي المالكي (ت: ٨٧٥ هـ) ﵀: \" ﴿مَقَالِيدُ\n_________\n(^١) مفاتيح الغيب للرازي صـ ٦٨.\n(^٢) مفاتيح الغيب للرازي صـ ٦٨ - ٦٩.","vol":"1","page":651},{"text":"السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الزُّمَر: ٦٣] فقال: هِيَ لَا إلَهَ إلاَّ اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وسُبْحَانَ اللَّهِ، وَالحَمْدُ للَّهِ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلاَّ باللَّهِ العَلِيِّ العَظِيمِ هُوَ الأَوَّلُ والآخِرُ والظَّاهِرُ وَالبَاطِنُ يُحْيِي ويُمِيتُ، وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-251>الاسم الرابع والخمسون: ومن أسماء التوحيد \"البر\".</span>\nقال تعالى: ﴿* لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧)﴾ [البَقَرَةِ: ١٧٧].\n- قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: \" ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾، يعني صدق بالله بأنه واحد لا شريك له\" (^٢).\n- قال سفيان الثوري (ت: ١٦١ هـ) ﵀: \" ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ الآية قال: هذه أنواع البر كلها، وصدق ﵀، فإن من اتصف بهذه الآية، فقد دخل في عرى الإسلام كلها، وأخذ بمجامع الخير كله، وهو الإيمان بالله وأنه لا اله إلا هو، وصدق بوجود الملائكة الذين هم سفرة بين الله ورسله\" (^٣).\n_________\n(^١) تفسير الجواهر الحسان في تفسير القرآن للثعالبي (سورة الشورى الآية: ١٢).\n(^٢) تفسير مقاتل بن سليمان (سورة البقرة: الآية: ١٧٧).\n(^٣) تفسير القرآن العظيم لابن كثير (سورة البقرة: الآية: ١٧٧).","vol":"1","page":652},{"text":"- قال أبو منصور الماتريدي (ت: ٣٣٣ هـ) ﵀: \"وقوله: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ بأنه واحد لا شريك له؛ يعني صدق بالله، وبأنه واحد لا شريك له، ﴿وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾: وصدق بالبعث الذي فيه جزاء الأعمال، وصدق بالكتب والملائكة والنبيين\" (^١).\n- قال الفخر الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀: \"والإشارة في الآية: أن من كان مشتغلًا بجميع الجوانب والجهات لم يكن صاحب البر، إنما صاحب البر هو الذي يتوجه إلى صاحب الكعبة: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا﴾ [الأَنْعَام: ٧٩]. فقوله: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ [البَقَرَةِ: ١٧٧] إشارة إلى الكثرة والقول بالشركاء، وقوله: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البَقَرَةِ: ١٧٧] إشارة إلى التوحيد، فصار معناه هو المفهوم من قول \" لا إله إلا الله\" (^٢).\n- قال البيضاوي (ت: ٦٨٥ هـ) ﵀: \" ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البَقَرَةِ: ١٧٧] أي ولكن البر الذي ينبغي أن يهتم به بر من آمن بالله، أو لكن ذا البر من آمن\" (^٣).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"الله سبحانه يحب أعمال البر\n_________\n(^١) تفسير تأويلات أهل السنة للماتريدي (سورة البقرة: الآية: ١٧٧).\n(^٢) عجائب القرآن للرازي ٦٩ - ٧٠.\n(^٣) تفسير أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي (سورة البقرة: الآية: ١٧٧).","vol":"1","page":653},{"text":"فيجازى عليها بالهدى والفلاح ويبغض أعمال الفجور ويجازي عليها بالضلال والشقاء\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-252>الاسم الخامس والخمسون: ومن أسماء التوحيد \"التهليل\"</span> (^٢).\n- عن النعمان بن بشير (ت: ٦٥ هـ) ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن مما تذكرون من جلال الله التسبيح، والتهليل، والتحميد ينعطفن حول العرش، لهن دوي كدوي النحل، تذكر بصاحبها، أما يحب أحدكم أن يكون له أو لا يزال له من يذكر به؟» (^٣).\n- عن مجاهد (ت: ١٠٤ هـ) ﵀، عن ابن سخبرة (ت: نيف وستين هـ) ﵀ قال: غدوت مع عبد الله (ابن مسعود) (ت: ٣٢ هـ) ﵁، من منى إلى عرفة، وكان عبد الله رجلا آدم، له ضفيران، عليه مسحة أهل البادية، وكان يلبي، فاجتمع عليه غوغاء من غوغاء الناس: يا أعرابي، إن هذا ليس بيوم تلبية، إنما هو تكبير قال: فعند ذلك التفت إلي، وقال: أجهل الناس أم نسوا؟ والذي بعث محمدا بالحق لقد خرجت مع رسول الله ﷺ من منى إلى عرفة، فما\n_________\n(^١) الفوائد ص: ١٢٩.\n(^٢) \"التهليل: هو قول لا إله إلا الله: يقال: هلل الرجل أي من الهيللة، من قول لا إله إلا الله\". انظر: المصباح المنير، ولسان العرب، ومختار الصحاح مادة: \"هلل\".\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد في المسند (١٨٣٦٢) (١٨٣٨٨)، وأخرجه ابن ماجة (٣٨٠٩) قال الألباني: صحيح.","vol":"1","page":654},{"text":"ترك التلبية حتى رمى الجمرة العقبة، إلا أن يخلطها بتهليل أو تكبير\" (^١).\n- عقد ابن المبارك (ت: ١٨١ هـ) ﵀، في كتاب الزهد بابًا بعنوان: \"في التهليل والحمد والاستغفار والاسترجاع\" (^٢).\n- وعقد أبو بكر بن أبي شيبة (ت: ٢٣٥ هـ): في كتاب الأدب بابًا بعنوان \"باب التهليل والتسبيح والتحميد حين يأوي إلى فراشه\" (^٣).\n- وقد بوب الإمام البخاري (ت: ٢٥٦ هـ) ﵀، بابًا في صحيحه أسماه: \"باب فضل التهليل\" في كتاب الدعوات\" (^٤).\n- وعقد النسائي (ت: ٣٠٣ هـ) ﵀ في سننه بابًا في كتاب مناسك الحج سماه \"التهليل على الصفا\" (^٥)، كذا في السنن الكبرى في كتاب المساجد بابين أحدهما: \"التهليل بعد التسليم\"، والأخر: \"عدد التهليل والذكر بعد التسليم\"\" (^٦)؛ وفي كتاب المناسك باب بعنوان \"كم التهليل على الصفا\" (^٧).\n- وعقد ابن خزيمة (ت: ٣١١ هـ) ﵀، في كتابه صحيح ابن خزيمة في\n_________\n(^١) أخرجه ابن خزيمة في صحيحه ٤/ ٢٥٠، (٢٨٠٦) وقال الأعظمي: إسناده حسن.\n(^٢) الزهد لابن المبارك-الملحق: صـ ٥٠.\n(^٣) كتاب الأدب لابن أبي شيبة صـ ٢٦٢.\n(^٤) صحيح البخاري ٨/ ٨٥.\n(^٥) سنن النسائي ٥/ ٢٤٠.\n(^٦) السنن الكبرى للنسائي ٢/ ٩٥؛ ٢/ ٩٦.\n(^٧) السنن الكبرى للنسائي ٤/ ١٤١.","vol":"1","page":655},{"text":"كتاب الصلاة بابًا بعنوان \"باب التهليل والثناء على الله بعد السلام\" (^١).\n- وعقد الطبراني (ت: ٣٦٠ هـ) ﵀، في كتاب الدعاء بابًا بعنوان: \"باب فضل الجوامع من التهليل\" (^٢).\nوتتبع مثل هذا يطول.\n- قال الراغب الأصفهاني (ت: ٥٠٢ هـ) ﵀: \"والتهلل: أن يقول لا إله إلا الله، ومن هذه الجملة ركبت هذه اللفظة كقولهم: التبسمل والبسملة\" (^٣).\n- قال القاضي عياض (ت: ٥٤٤ هـ) ﵀: \"وقد جاء فى الحديث هنا أيضًا: أفضل الذكر التهليل، وأنه أفضل ما قاله ﵇ والنبيون من قبله. وقد قيل: إنه اسم الله الَاعظم، وهي كلمة الإخلاص\" (^٤).\n- قال فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀: \"جميع الطاعات تزول يوم القيامة مثل الصلاة والصيام والحج، فإن التكاليف الظاهرة تزول في عالم الغيب، أما طاعة التهليل والتحميد فلا تزول عنهم، وكيف يمكن زوالها عنهم والقرآن يدل على أنهم مواظبون على الحمد، والمواظبة على الحمد تدل على المواظبة على الذكر والتوحيد. وإنما قلنا: إنهم مواظبون على الحمد لقوله تعالى حكاية عن أهل الجنة: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ [الزُّمَر: ٧٤].\n_________\n(^١) صحيح ابن خزيمة ١/ ٣٦٤.\n(^٢) الدعاء للطبراني صـ ٤٦٦.\n(^٣) المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني. صـ ٨٤٣.\n(^٤) \"إكمال المعلم\" للقاضي عياض (٨/ ١٩٢).","vol":"1","page":656},{"text":"وقال تعالى: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠)﴾ [يُونُس: ١٠] وقال تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٧٠)﴾ [القَصَص: ٧٠] فثبت أنهم مواظبون على الحمد، والمواظبة على الحمد مواظبة على الذكر، فعلمنا أن جميع العبادات زائلة عن أهل الجنة إلا طاعة الذكر والتوحيد\" (^١).\n- قال النووي (ت: ٦٧٦ هـ) ﵀: \"وَظَاهِرُ إِطْلَاقِ الْحَدِيثِ أَنَّهُ يُحَصِّلُ هَذَا الْأَجْرَ الْمَذْكُورَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَنْ قَالَ هَذَا التَّهْلِيلَ مِائَةَ مَرَّةٍ فِي يَوْمِهِ سَوَاءٌ قَالَهُ مُتَوَالِيَةً، أَوْ مُتَفَرِّقَةً فِي مَجَالِسَ، أَوْ بَعْضَهَا أَوَّلَ النَّهَارِ وَبَعْضَهَا آخِرَهُ.\nلَكِنَّ الْأَفْضَلَ: أَنْ يَأْتِيَ بِهَا مُتَوَالِيَةً، فِي أَوَّلِ النَّهَارِ؛ لِيَكُونَ حِرْزًا لَهُ فِي جَمِيعِ نَهَارِهِ\" (^٢).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"وأما \"التهليل والتكبير\": فـ\"التهليل\" يتضمن: اختصاصه بالإلهية وما يستلزم الإلهية، فهذا لا يكون لغيره، بل هو مختص به. و\"التكبير\" يتضمن: أنه أكبر من كل شيء\" (^٣).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"وأما التهليل: فيتضمن تخصيصه بالإلهية، ليس هناك أحد يتصف بها حتى يقال إنه أكبر منه فيها؛ بل لا إله\n_________\n(^١) عجائب القرآن صـ ٣٨.\n(^٢) شرح النووي على مسلم\" (١٧/ ١٧).\n(^٣) كتاب قاعدة حسنة في الباقيات الصالحات لابن تيمية صـ ٢٣.","vol":"1","page":657},{"text":"إلا الله\" (^١).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"ولهذا قرن هذا في شعار الإسلام الذي هو الأذان بين التكبير والتهليل، فإن التكبير وهو قول \"الله أكبر\" يمنع كبر غير الله، وقول لا إله إلا الله يوجب التوحيد، وهاتان الكلمتان قرينتان\" (^٢).\n- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: \"وأما التهليل فهو قرين التكبير كما في كلمات الأذان: الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدا رسول الله ثم بعد دعاء العباد إلى الصلاة: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله فهو مشتمل على التكبير والتشهد أوله وآخره. وهو ذكر لله تعالى وفي وسطه دعاء الخلق إلى الصلاة والفلاح. فالصلاة هي العمل. والفلاح هو ثواب العمل لكن جعل التكبير شفعا والتشهد وترا فمع كل تكبيرتين شهادة؛ وجعل أوله مضاعفا على آخره ففي أول الأذان يكبر أربعا ويتشهد مرتين والشهادتان جميعا باسم الشهادة وفي آخره التكبير مرتان فقط مع التهليل الذي لم يقترن به لفظ الشهادة ولا الشهادة الأخرى. وهذا والله أعلم بمنزلة الركعتين الأوليين من الصلاة مع الركعتين الأخريين فإن الأوليين فضلتا بقراءة السورة وبالجهر في القراءة فحصل الفضل في قدر القراءة ووصفها كما أن الشطر الأول من الأذان فضل في قدر الذكر وفي وصفه لكن الوصف هنا كون التوحيد قرن به لفظ أشهد ولهذا حذف في الإقامة عند من يختار إيتارها وهي إقامة بلال ما\n_________\n(^١) كتاب قاعدة حسنة في الباقيات الصالحات صـ ٢٦.\n(^٢) جامع المسائل ١/ ٢٢٤.","vol":"1","page":658},{"text":"فضل به من القدر كما يخفضمن صوت الإقامة لأن هذا المزيد من جنس الأصل فأشبه حذف الركعتين الأخريين في صلاة المسافر. وأما الكلمات الأصول فلم يحذف منها شيء. وهكذا سنة النبي ﷺ في قيام الليل وصلاة الكسوف وغيرهما تطويل أول العبادة على آخرها؛ لأسباب تقتضي ذلك. وكما جمع بين التكبير والتهليل في الأذان جمع بينهما في تكبير الأشراف فكان على الصفا والمروة وإذا علا شرفا في غزوة أو حجة أو عمرة يكبر ثلاثا. ويقول: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير لا إله إلا الله وحده صدق وعده ونصر عبده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده» (^١)، يفعل ذلك ثلاثا. وهذا في الصحاح وكذلك على الدابة كبر ثلاثا وهلل ثلاثا فجمع بين التكبير والتهليل. وكذلك حديث عدي بن حاتم (ت: بين ٦٦ - ٦٩ هـ) ﵁ الذي رواه أحمد والترمذي فيه أن النبي ﷺ قال له: «يا عدي ما يفرك؟ أيفرك أن يقال: لا إله إلا الله فهل تعلم من لا إله إلا الله؟ يا عدي ما يفرك أيفرك أن يقال: الله أكبر؟ فهل من شيء أكبر من الله» (^٢)، فقرن النبي ﷺ بين التهليل والتكبير.\nوفي صحيح مسلم حديث أبي مالك الأشعري عن النبي ﷺ أنه\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٤٥٤٩)، والنسائي (٤٧٩٩)، وابن ماجه (٢٦٢٨).\n(^٢) أخرجه الترمذي (٢٩٥٣).","vol":"1","page":659},{"text":"قال: «الطهور شطر الإيمان والحمد لله تملأ الميزان وسبحان الله والحمد لله تملآن أو قال تملأ ما بين السماء والأرض والصلاة نور والصدقة برهان والصبر ضياء والقرآن حجة لك أو عليك كل الناس يغدو: فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها» (^١)، فأخبر أنه يملأ ما بين السماء والأرض وهذا أعظم من ملئه للميزان. وفي الحديث الذي في الموطأ حديث طلحة بن عبد الله بن كريز أن النبي ﷺ قال: «أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير» (^٢). فجمع في هذا الحديث بين \" أفضل الدعاء وأفضل الثناء فإن الذكر نوعان: دعاء وثناء فقال: أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة. وأفضل ما قلت هذا الكلام \". ولم يقل أفضل ما قلت يوم عرفة هذا الكلام. وإنما هو أفضل ما قلت مطلقا.\nوكذلك في حديث رواه ابن أبي الدنيا «أفضل الذكر لا إله إلا الله وأفضل الدعاء الحمد لله» (^٣).\n_________\n(^١) صحيح مسلم: (٢٢٣).\n(^٢) أخرجه الترمذي (٥٠٠)، وأحمد (٦٩٦١)، ومالك في الموطأ (٩٤٥)، والبيهقي في السنن الكبرى (٨٤٧٥)، والبيهقي في شعب الإيمان (٤٠٧٢).\n(^٣) سنن الترمذي (٣٣٨٣) وحسنه، وابن ماجة (٣٨٠٠)، وابن حبان (٨٤٦)، والحاكم (١٨٣٤)، والنسائي في \"السنن الكبرى\" (١٠٥٩٩)، وحسنه الألباني في \"صحيح الترمذي\".","vol":"1","page":660},{"text":"وأيضا ففي الصحيح عن أبي هريرة (ت: ٥٨ هـ) ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «الإيمان بضع وسبعون شعبة: أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق» (^١)، فقد صرح بأن أعلى شعبالإيمان هي هذه الكلمة. وأيضا ففي صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال: «يا أبي: أتدري أي آية في كتاب الله أعظم؟»، قال: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٥٥] فقال رسول الله ﷺ: «ليهنك العلم أبا المنذر»، فأخبر في هذا الحديث الصحيح أنها أعظم آية في القرآن وفي ذاك أنها أعلى شعب الإيمان وهذا غاية الفضل فإن الأمر كله مجتمع في القرآن والإيمان فإذا كانت أعظم القرآن وأعلى الإيمان ثبت لها غاية الرجحان. وأيضا فإن التوحيد أصل الإيمان وهو الكلام الفارق بين أهل الجنة وأهل النار وهو ثمن الجنة ولا يصح إسلام أحد إلا به ومن كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة وكل خطبة ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذماء فمنزلته منزلة الأصل ومنزلة التحميد والتسبيح منزلة الفرع. وأيضا فإنه مشروع على وجه التعظيم والجهر وعند الأمور العظيمة مثل الأذان الذي ترفع به الأصوات وعند الصعود على الأماكن العالية لما في ذلك من العلو والرفعة ويجهر بالتكبير في الصلوات وهو المشروع في الأعياد\" (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٩) ومسلم (٣٥) (٥٨) واللفظ له من حديث أبي هريرة ﵁.\n(^٢) مجموع الفتاوى ٢٤/ ٢٣٢ - ٢٣٥.","vol":"1","page":661},{"text":"<span data-type='title' id=toc-253>الاسم السادس والخمسون: ومن أسماء التوحيد \"ذكر الله\".</span>\nقال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ [الكَهْف: ٢٨].\n- عن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾ قال: نزلت في أمية بن خلف الجمحى، وذلك أنه دعا النبي ﷺ إلى أمر كرهه من تجرد الفقراء عنه وتقريب صناديد أهل مكة فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾، يعني: من ختمنا على قلبه عن التوحيد\" (^١).\n- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: \"الذكر ثلاثة أنواع: ذكر الأسماء والصفات ومعانيها، والثناء على الله بها، وتوحيد الله بها، وذكر الأمر والنهي والحلال والحرام، وذكر الآلاء والنعماء والإحسان والأيادي\" (^٢).\n- قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: \" ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾ أي: شغل عن الدين وعبادة ربه بالدنيا\" (^٣).\n- قال محمد بن علي الشوكاني (ت: ١٢٥٥ هـ) ﵀: \" ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾ أي: جعلناه غافلًا بالختم عليه، نهي رسول الله ﷺ عن طاعة من جعل الله قلبه غافلًا عن ذكره كأولئك الذين طلبوا منه أن ينحي\n_________\n(^١) تفسير ابن أبي حاتم. (سورة الكهف: الآية: ٢٨).\n(^٢) مدارج السالكين ٢/ ٤٠٣.\n(^٣) تفسير القرآن العظيم لابن كثير. (سورة الكهف: الآية: ٢٨).","vol":"1","page":662},{"text":"الفقراء عن مجلسه، فإنهم طالبوا تنحية الذين يدعون ربهم بالغداة والعشيّ يريدون وجهه وهم غافلون عن ذكر الله، ومع هذا فهم ممن اتبع هواه وآثره على الحق فاختار الشرك على التوحيد\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-254>الاسم السابع والخمسون: ومن أسماء التوحيد \"الأمانة\".</span>\n- قال منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (ت ٤٨٩ هـ) ﵀: \"وقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٣٢)﴾ [المَعَارِج: ٣٢] أي: حافظون.\nوقيل: أصل الأمانة أن كلمة التوحيد ائتمن الله تعالى المؤمنين عليها\" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-255>الاسم الثامن والخمسون: ومن أسماء التوحيد \"الكوثر\".</span>\nقال تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١)﴾ [الكَوْثَر: ١].\n- قال أبو إسحاق أحمد الثعلبي (ت: ٤٢٧ هـ) ﵀: \"قال هلال بن يساف (ت: ما بين ٩١ هـ إلى ١٠٠ هـ) ﵀: هو قول لا إله إلا الله، محمد رسول الله\" (^٣).\n_________\n(^١) تفسير فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية في علم التفسير للشوكاني. (سورة الكهف الآية: ٢٨).\n(^٢) تفسير السمعاني ٦/ ٥٠.\n(^٣) الكشف والبيان في تفسير القرآن (سورة الكوثر الآية ١).","vol":"1","page":663},{"text":"- قال ابن عطية الأندلسي (ت: ٥٤٢ هـ) ﵀: \"قال أنس (ت: ٩٠ هـ) ﵁، وابن عمر (ت: ٧٣ هـ) ﵄، وابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄، وجماعة من الصحابة والتابعين: الكوثر: نهر في الجنة، حافتاه قباب من در مجوف وطينه مسك وحصباؤه ياقوت، ونحو هذا من صفاته، وإن اختلفت ألفاظ الرواة، وقال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄ أيضا: الكوثر: الخير الكثير.\n- قال القاضي أبو محمد: كوثر: بناء مبالغة من الكثرة، ولا مجال أن الذي أعطى الله محمدا ﵇ من النبوة والحكمة والعلم بربه والفوز برضوانه والشرف على عباده هو أكثر الأشياء وأعظمها كأنه يقول في هذه الآية: إنا أعطيناك الحظ الأعظم، قال سعيد بن جبير (ت: ٩٥ هـ) ﵀: النهر الذي في الجنة هو من الخير الذي أعطاه الله إياه، فنعم ما ذهب إليه ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵁ ا، ونعم ما تمم ابن جبير (ت: ٩٥ هـ) ﵀، ﵃، وأمر النهر ثابت في الآثار في حديث الإسراء وغيره صلى الله على محمد ونفعنا بما منحنا من الهداية. قال الحسن (ت: ١١٠ هـ) ﵀: الكوثر، القرآن، وقال أبو بكر بن عياش (ت: ١٩٣ هـ) ﵀: هو كثرة الأصحاب والأتباع، وقال جعفر الصادق (ت: ١٤٨ هـ) ﵀: نور في قلبه دله عليه وقطعه عما سواه، وقال أيضا: هو الشفاعة، وقال هلال بن يساف (ت: ما بين ٩١ هـ إلى ١٠٠ هـ) ﵀: هو التوحيد\" (^١).\n_________\n(^١) تفسير المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ٥/ ٥٢٩.","vol":"1","page":664},{"text":"<span data-type='title' id=toc-256>الخاتمة</span>\nالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسلام على رسولنا ونبينا محمد ﷺ تسليمًا كثيرًا، وبعد:\nفهذا جهد المقل في جمع مادة هذا الكتاب وترتيبها وتبويبها وفق ما ظهر لي من عناوين أردت بها ترتيب ما اجتمع مما تيسر لي جمعه فيما يدل على أهمية التوحيد وأولويته وأوليته في حياة المسلم وثمراته وأسمائه في النصوص الشرعية وأقوال العلماء في ذلك، ولا أدعي أنني استقصيت فذاك أمر عزيز، فإن وفقت بفضل من الله وعونه وتوفيقه وهدايته، وإن قصرت أو زل قلمي فذاك بسبب الطبيعة البشرية التي لا أخرج عنها شأني في ذلك شأن البشر، ورحم الله من أرشدني إلى عيوبي وسدد قلمي، وأمدني بنصحه وتوجيهاته، والله أسأل أن يجعل عملي في هذا الكتاب خالصًا وأن يجعله صالحًا متقبلًا، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.","vol":"1","page":665}]}