{"ً":{"ٌ":30149,"ٍ":"تعقبات جمال الدين القاسمي على من سبقه من خلال كتابه محاسن التأويل","َ":4,"ُ":3,"ِ":{"root":"shamela","files":["30149/30149.pdf"]},"ّ":"الكتاب: تعقبات جمال الدين القاسمي على من سبقه من خلال كتابه محاسن التأويل (جمعا ودراسة)\nأطروحة: دكتوراة، كلية أصول الدين قسم القرآن وعلومه، جامعة الإمام محمد بن سعود - السعودية\nإعداد: عبد الرحمن بن أحمد بن محمد الحسن\nالعام الجامعي: ١٤٤٤ هـ\nعدد الأجزاء: ٢ (متسلسلة الترقيم)\n[ترقيم الكتاب موافق للرسالة الجامعية]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":3176,"ٕ":3,"ٖ":1781462469,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1","2"],"ٚ":[{"title":"المقدمة","level":1,"page":2},{"title":"أهمية الموضوع وأسباب اختياره","level":2,"page":4},{"title":"أهداف البحث","level":2,"page":4},{"title":"حدود البحث","level":2,"page":4},{"title":"الدراسات السابقة","level":2,"page":4},{"title":"منهج الرسالة العلمية","level":2,"page":6},{"title":"خطة البحث","level":2,"page":8},{"title":"التمهيد","level":1,"page":11},{"title":"التعريف بالقاسمي","level":2,"page":12},{"title":"أولا: عصر القاسمي","level":3,"page":12},{"title":"ثانيا: اسمه ونسبه ومولده ونشأته","level":3,"page":18},{"title":"ثالثا: شيوخه","level":3,"page":20},{"title":"١ - الشيخ عبد الرزاق البيطار","level":4,"page":20},{"title":"٢ - الشيخ بكري العطار","level":4,"page":21},{"title":"٣ - الشيخ حسن جبينة","level":4,"page":21},{"title":"٤ - الشيخ أحمد الحلواني","level":4,"page":21},{"title":"رابعا: تلاميذه","level":3,"page":22},{"title":"١ - محمد بهجة البيطار","level":4,"page":23},{"title":"٢ - محمد الشطي","level":4,"page":23},{"title":"٣ - محمد بن مانع","level":4,"page":24},{"title":"٤ - حامد بن أديب التقي","level":4,"page":24},{"title":"خامسا: مؤلفاته","level":3,"page":25},{"title":"سادسا: محنته","level":3,"page":26},{"title":"سابعا: ثناء العلماء عليه","level":3,"page":27},{"title":"ثامنا: عقيدته","level":3,"page":28},{"title":"تاسعا: وفاته","level":3,"page":33},{"title":"التعريف بكتاب محاسن التأويل للقاسمي","level":2,"page":35},{"title":"طريقته في التفسير","level":3,"page":35},{"title":"منهجه في تفسير آيات العقيدة والأسماء الصفات","level":3,"page":37},{"title":"منهجه في التفسير بالمأثور","level":3,"page":38},{"title":"منهجه في قضايا علوم القرآن","level":3,"page":39},{"title":"منهجه في القضايا اللغوية","level":3,"page":40},{"title":"منهجه في القضايا البلاغية","level":3,"page":40},{"title":"منهجه في تفسير آيات الأحكام","level":3,"page":41},{"title":"عنايته بالتفسير العلمي","level":3,"page":42},{"title":"أبرز المآخذ التي استدركت على القاسمي ﵀ في تفسيره","level":3,"page":42},{"title":"الدراسة النظرية","level":1,"page":47},{"title":"الفصل الأول: التعقبات: تعريفها ونشأتها","level":2,"page":48},{"title":"المبحث الأول تعريف التعقبات في اللغة والاصطلاح.","level":3,"page":49},{"title":"أولا: تعريف التعقبات في اللغة","level":4,"page":49},{"title":"ثانيا: تعريف التعقبات في الاصطلاح","level":4,"page":51},{"title":"ثالثا: تعريف التعقب عند المفسرين","level":4,"page":51},{"title":"المبحث الثاني الفروق بين التعقبات والألفاظ المقاربة لها","level":3,"page":53},{"title":"خلاصة المبحث","level":4,"page":58},{"title":"المبحث الثالث أهمية التعقبات ونشأتها","level":3,"page":59},{"title":"أهمية التعقبات","level":4,"page":59},{"title":"نشأة التعقبات","level":4,"page":61},{"title":"أولا: التعقب في التفسير","level":5,"page":61},{"title":"ثانيا: التعقب في القراءات","level":5,"page":62},{"title":"ثالثا: التعقب في علوم القرآن","level":5,"page":62},{"title":"رابعا: التعقب على الروايات الإسرائيلية","level":5,"page":63},{"title":"الفصل الثاني: صيغ التعقبات عند القاسمي ومصادره فيها","level":2,"page":66},{"title":"المبحث الأول الصيغ الصريحة","level":3,"page":67},{"title":"١ - التصريح بقول: (باطل، لا يخفى فساده، واه، ليس بشيء، مدفوع، لا يساوي فلسا) ومن ذلك","level":4,"page":67},{"title":"٢ - التصريح بقول: (زعم، زعموا)، ومن ذلك","level":4,"page":69},{"title":"٣ - التصريح بقول: (لا حجة فيه، من الضعف بمكان، لا يصح، لا يصلح) ومن ذلك","level":4,"page":71},{"title":"٤ - التصريح بقول: (أبعد، بعيد، بعيد جدا) ومن ذلك","level":4,"page":72},{"title":"٥ - التصريح بقول: (تكلف للجواب، تكلف لا يساعده نظم الآية، تكلفه جماعة من الفقهاء) ومن ذلك","level":4,"page":73},{"title":"٦ - التصريح بقول: (شذ)، ومن ذلك","level":4,"page":74},{"title":"٧ - التصريح بخطأ فهم المتعقب عليه من الآية لتقرير عقيدته، ومن ذلك","level":4,"page":74},{"title":"٨ - التصريح بقول: (شبهة جهمية، نزعة اعتزالية)، ومن ذلك","level":4,"page":75},{"title":"٩ - التصريح بقول: (غلط) ومن ذلك","level":4,"page":75},{"title":"١٠ - التصريح بقول: (مخالف لظاهر الآية، عدول عن الظاهر) ومن ذلك","level":4,"page":76},{"title":"١١ - التصريح بقول: (يأباه السباق والسياق، يدفعه السياق والسباق) ومن ذلك","level":4,"page":76},{"title":"١٢ - التصريح بطعن المتعقب عليه في أهل السنة، ومن ذلك","level":4,"page":78},{"title":"١٣ - التصريح بقول: (غريب، ركيك) ومن ذلك","level":4,"page":78},{"title":"١٤ - التصريح بقول: (ممنوع)، ومن ذلك","level":4,"page":78},{"title":"المبحث الثاني الصيغ غير الصريحة","level":3,"page":80},{"title":"١ - أن يذكر قول المتعقب عليه ثم يعقبه بعبارة: (فيه نظر)، ومن ذلك","level":4,"page":80},{"title":"٢ - أن يذكر قول المتعقب عليه ويصفه بعبارة: (لا يتعلق به كبير فائدة، لا حاجة له)، ومن ذلك","level":4,"page":80},{"title":"٣ - أن يورد ما ذكره بعض المفسرين من أحاديث نبوية أو آثار في تفسير الآية، ثم يعقبه بعبارة: (لا يعرف له سند صحيح، لم يرو من طريق صحيح ولا حسن فهي ساقطة عند المحققين)","level":4,"page":81},{"title":"٤ - أن يتعقب على قول المتعقب عليه بعبارة: (لا يساعده، وليس بمتعين)، ومن ذلك","level":4,"page":82},{"title":"٥ - أن يوافق قول المتعقب عليه في الظاهر لكنه يورد عبارة يفهم منها معارضته لفهم المتعقب عليه، ومن ذلك","level":4,"page":83},{"title":"٦ - أن يصف قول المتعقب عليه واستنباطه بعبارة: (فيه خفاء)، ومن ذلك","level":4,"page":84},{"title":"٧ - أن يبدي استغرابه وعجبه من قول المتعقب عليه بعبارة: (وعجيب)، ومن ذلك","level":4,"page":84},{"title":"المبحث الثالث مصادره في التعقبات","level":3,"page":86},{"title":"أولا: مصادره من كتب التفسير","level":4,"page":86},{"title":"١ - جامع البيان لابن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ)","level":5,"page":86},{"title":"٢ - تفسير ابن أبي حاتم (ت: ٣٢٧ هـ)","level":5,"page":86},{"title":"٣ - مفاتيح الغيب للفخر الرازي (ت: ٦٠٦ هـ)","level":5,"page":87},{"title":"٤ - تفسير القرآن العظيم للحافظ ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ)","level":5,"page":87},{"title":"٥ - إرشاد العقل السليم لأبي السعود العمادي (ت: ٩٨٢ هـ)","level":5,"page":88},{"title":"٦ - حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي للشهاب الخفاجي (ت: ١٠٦٩ هـ)","level":5,"page":88},{"title":"ثانيا: مصادره من كتب علوم القرآن","level":4,"page":88},{"title":"١ - كتاب الاتقان في علوم القرآن للسيوطي (ت: ٩١١ هـ)","level":5,"page":88},{"title":"٢ - الإكليل في استنباط التنزيل للسيوطي (ت: ٩١١ هـ)","level":5,"page":89},{"title":"ثالثا: مصادره من كتب السنة","level":4,"page":89},{"title":"١ - كتاب التمهيد لابن عبد البر (ت: ٤٦٣ هـ)","level":5,"page":89},{"title":"٢ - شرح النووي على صحيح مسلم (ت: ٦٧٦ هـ)","level":5,"page":90},{"title":"٣ - كتاب قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث للمؤلف ﵀ (ت: ١٣٣٢ هـ)","level":5,"page":90},{"title":"رابعا: مصادره من كتب اللغة","level":4,"page":90},{"title":"١ - كتاب شرح التصريح على التوضيح للأزهري على ألفية ابن مالك لابن هشام","level":5,"page":90},{"title":"٢ - كتاب تاج العروس للزبيدي","level":5,"page":91},{"title":"٣ - كتاب القاموس المحيط للفيروز آبادي","level":5,"page":91},{"title":"٤ - كتاب إضاءة الراموس وإضافة الناموس لأبي عبد الله محمد بن الطيب الفاسي","level":5,"page":92},{"title":"خامسا: مصادره من كتب أخرى اشتملت على فنون من العلم في العقيدة والفقه والزهد ونحو ذلك","level":4,"page":92},{"title":"١ - كتاب إحياء علوم الدين لأبي حامد الغزالي","level":5,"page":92},{"title":"٢ - كتاب الرسالة للإمام الشافعي","level":5,"page":93},{"title":"٣ - كتاب أعلام الموقعين لابن القيم","level":5,"page":93},{"title":"٤ - كتاب الانتصاف من الكشاف (حاشية ابن المنير)","level":5,"page":93},{"title":"٥ - كتاب العلو للذهبي","level":5,"page":94},{"title":"٦ - العهد القديم (سفر دانيال)","level":5,"page":94},{"title":"الفصل الثالث: أنواع التعقبات عند القاسمي","level":2,"page":96},{"title":"المبحث الأول التعقبات في التفسير","level":3,"page":97},{"title":"١ - التعقب على المعاني التي لا تحتملها الفاظ الآية، ومن ذلك","level":4,"page":97},{"title":"٢ - التعقب على المعاني التي تخالف ظاهر اللفظ من الآية صراحة، ومن ذلك","level":4,"page":98},{"title":"٣ - التعقب على المعاني التي تخالف سياق الفاظ الآية، ومن ذلك","level":4,"page":99},{"title":"٤ - التعقب على تخصيص بعض المعاني دون بعض المراد ذكرها في الآية، ومن ذلك","level":4,"page":100},{"title":"٥ - التعقب على مخالفة المفسر للأحاديث والآثار المبينة للمعنى، ومن ذلك","level":4,"page":101},{"title":"٦ - التعقب على التأويلات التي لا تستند على أدلة، ومن ذلك","level":4,"page":102},{"title":"٧ - التعقب على الإشارات التي يفهمها بعض المفسرين من الآيات، ومن ذلك","level":4,"page":103},{"title":"٨ - التعقب على المعنى الذي لا تؤيده نظائر الآيات، ومن ذلك","level":4,"page":103},{"title":"٩ - التعقب على المعاني التي تستند على تحكيم العقول، ومن ذلك","level":4,"page":105},{"title":"١٠ - التعقب على عدول المفسر عن المعنى المشهور من تفسير الآية، ومن ذلك","level":4,"page":105},{"title":"١١ - التعقب على المعنى المراد من الآية الذي يستند على القياس مع الفارق، ومن ذلك","level":4,"page":106},{"title":"١٢ - التعقب على عبارات يذكرها بعض الفسرين بسبب فوات العلم بها، ومن ذلك","level":4,"page":106},{"title":"١٣ - التعقب على إيراد بعض المفسرين لمسائل لا علاقة لها بتفسير الآية، ومن ذلك","level":4,"page":106},{"title":"المبحث الثاني التعقبات في علوم القرآن","level":3,"page":108},{"title":"١ - التعقب على القول بوقوع النسخ في الآية، ومن ذلك","level":4,"page":108},{"title":"٢ - التعقب على الاستدلال بسبب النزول الوارد في الآية، ومن ذلك","level":4,"page":110},{"title":"٣ - التعقب على سوء فهم المراد من سبب النزول الوارد في الآية، ومن ذلك","level":4,"page":111},{"title":"٤ - التعقب على الحكم بمكية السورة من مدنيتها، ومن ذلك","level":4,"page":112},{"title":"المبحث الثالث التعقبات في العلوم الأخرى المتعلقة بالتفسير","level":3,"page":113},{"title":"أولا: تعقباته في الأصول ومسائل الاعتقاد، ومن ذلك","level":4,"page":113},{"title":"ثانيا: تعقباته على الاستشهاد بالأحاديث الضعيفة، ومن ذلك","level":4,"page":115},{"title":"ثالثا: تعقباته على الأقوال الضعيفة والشاذة في الأحكام، ومن ذلك","level":4,"page":116},{"title":"رابعا: التعقب على استنباط بعض من الأعلام والمفسرين، ومن ذلك","level":4,"page":117},{"title":"خامسا: التعقبات المتعلقة باللغة، ومن ذلك","level":4,"page":119},{"title":"سادسا: التعقبات المتعلقة بالبلاغة، ومن ذلك","level":4,"page":120},{"title":"سابعا: السير والأخبار، ومن ذلك","level":4,"page":121},{"title":"الفصل الرابع: منهج القاسمي في تعقباته","level":2,"page":123},{"title":"المبحث الأول منهجه في عرض التعقبات","level":3,"page":124},{"title":"١ - التعقب بتحديد وذكر اسم المتعقب عليه، ومن ذلك","level":4,"page":124},{"title":"٢ - التعقب بإبهام المتعقب عليه، ومن ذلك","level":4,"page":125},{"title":"٣ - التعقب بذكر إحدى الطوائف المخالفة لأهل السنة والجماعة، ومن ذلك","level":4,"page":126},{"title":"٤ - التعقب مع ذكر تعليل التعقب، ومن ذلك","level":4,"page":127},{"title":"٥ - التعقب مع عدم ذكر تعليل التعقب، ومن ذلك","level":4,"page":128},{"title":"٦ - الالتزام الحرفي بلفظ المتعقب عليه، ثم تعقبه، ومن ذلك","level":4,"page":129},{"title":"٧ - التصرف في كلام المتعقب عليه، تعديلا أو إبدالا أو اختصارا، ثم تعقبه، ومن ذلك","level":4,"page":130},{"title":"٨ - مراعاة الأدب ومعرفة قدر المتعقب عليه، ومن ذلك","level":4,"page":132},{"title":"٩ - التشنيع في الوصف على المتعقب عليه، ومن ذلك","level":4,"page":133},{"title":"المبحث الثاني القيمة العلمية لتعقبات القاسمي في تفسيره","level":3,"page":135},{"title":"سورة البقرة","level":1,"page":143},{"title":"١ - قوله تعالى: ﴿وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين (٣٤)﴾ [سورة البقرة: ٣٤].","level":2,"page":143},{"title":"أقوال أهل العلم في العلة من سجود الملائكة لآدم","level":3,"page":143},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":144},{"title":"النتيجة","level":3,"page":146},{"title":"٢ - قوله تعالى: ﴿وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين﴾ [سورة البقرة: ٣٤].","level":2,"page":147},{"title":"أقوال أهل العلم في كفر أهل المعاصي","level":3,"page":147},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":148},{"title":"النتيجة","level":3,"page":152},{"title":"٣ - قوله تعالى: ﴿فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين﴾ [سورة البقرة: ٣٦].","level":2,"page":153},{"title":"أقوال العلماء في كيفية دخول إبليس الجنة إلى آدم","level":3,"page":153},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":155},{"title":"النتيجة","level":3,"page":159},{"title":"٤ - قوله تعالى: ﴿واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون﴾ [سورة البقرة: ٤٨].","level":2,"page":160},{"title":"أقوال أهل العلم في قبول الشفاعة للعصاة","level":3,"page":160},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":161},{"title":"النتيجة","level":3,"page":166},{"title":"٥ - قوله تعالى: ﴿وإذ قلتم ياموسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون (٥٥)﴾ [سورة البقرة: ٥٥].","level":2,"page":167},{"title":"أقوال أهل العلم في دلالة الآية على نفي رؤية الله تعالى يوم القيامة","level":3,"page":167},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":168},{"title":"النتيجة","level":3,"page":174},{"title":"٦ - قوله تعالى: ﴿وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين﴾ [سورة البقرة: ٦٧].","level":2,"page":175},{"title":"أقوال أهل العلم التي تدل على عدم الفائدة من تعيين البعض من البقرة","level":3,"page":177},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":178},{"title":"النتيجة","level":3,"page":180},{"title":"٧ - قوله تعالى: ﴿ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا يود أحدهم لو يعمر ألف سنة وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر والله بصير بما يعملون﴾ [سورة البقرة: ٩٦].","level":2,"page":181},{"title":"أقوال أهل العلم في وقوع التقديم والتأخير في قوله تعالى: ﴿ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا﴾","level":3,"page":181},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":183},{"title":"النتيجة","level":3,"page":185},{"title":"٨ - قوله تعالى: ﴿ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا يود أحدهم لو يعمر ألف سنة وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر والله بصير بما يعملون﴾ [سورة البقرة: ٩٦].","level":2,"page":186},{"title":"أقوال أهل العلم في معنى البصير في قوله تعالى: ﴿والله بصير بما يعملون﴾","level":3,"page":186},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":187},{"title":"النتيجة","level":3,"page":189},{"title":"٩ - قوله تعالى: ﴿واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت﴾ [سورة البقرة: ١٠٢].","level":2,"page":190},{"title":"أقوال أهل العلم في نزول السحر على الملكين (هاروت وماروت)","level":3,"page":190},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":191},{"title":"النتيجة","level":3,"page":195},{"title":"١٠ - قوله تعالى: ﴿واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت﴾ [سورة البقرة: ١٠٢].","level":2,"page":196},{"title":"أقوال أهل العلم في (هاروت وماروت) إن كانا من الملائكة أم من الجن","level":3,"page":196},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":198},{"title":"النتيجة","level":3,"page":201},{"title":"١١ - قوله تعالى: ﴿وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين (١٢٤)﴾ [سورة البقرة: ١٢٤].","level":2,"page":202},{"title":"أقوال أهل العلم في دلالة الآية على وجوب العصمة في الأئمة","level":3,"page":202},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":204},{"title":"النتيجة","level":3,"page":207},{"title":"١٢ - قوله تعالى: ﴿إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين﴾ [سورة البقرة: ١٣١].","level":2,"page":208},{"title":"أقوال أهل العلم في المراد من القول في قوله تعالى لإبراهيم ﵇: ﴿إذ قال له ربه أسلم﴾ من حيث الحقيقة والمجاز","level":3,"page":208},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":209},{"title":"النتيجة","level":3,"page":211},{"title":"١٣ - قوله تعالى: ﴿تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون﴾ [سورة البقرة: ١٣٤].","level":2,"page":212},{"title":"أقوال أهل العلم في وصف من اتبع الأنبياء ﵈ بالتقليد","level":3,"page":212},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":214},{"title":"النتيجة","level":3,"page":216},{"title":"١٤ - قوله تعالى: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم﴾ [سورة البقرة: ١٥٨].","level":2,"page":217},{"title":"أقوال أهل العلم في حكم السعي بين الصفا والمروة","level":3,"page":217},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":218},{"title":"النتيجة","level":3,"page":224},{"title":"١٥ - قوله تعالى: ﴿ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا﴾ [سورة البقرة: ١٧٧].","level":2,"page":225},{"title":"أقوال أهل العلم من المراد بالزكاة في هذه الآية","level":3,"page":225},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":226},{"title":"النتيجة","level":3,"page":227},{"title":"١٦ - قوله تعالى: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾ [سورة البقرة: ١٨٧].","level":2,"page":228},{"title":"أقوال أهل العلم في سبب تسمية الخيط الأبيض: أحمر","level":3,"page":228},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":229},{"title":"النتيجة","level":3,"page":231},{"title":"١٧ - قوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم أولئك يدعون إلى النار والله يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون﴾ [سورة البقرة: ٢٢١].","level":2,"page":232},{"title":"أقوال أهل العلم في تأويل قوله تعالى: ﴿والله يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه﴾","level":3,"page":232},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":234},{"title":"النتيجة","level":3,"page":236},{"title":"١٨ - قوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة والله عزيز حكيم﴾ [سورة البقرة: ٢٢٨].","level":2,"page":237},{"title":"أقوال أهل العلم في حكم خدمة الزوجة لزوجها","level":3,"page":237},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":239},{"title":"النتيجة","level":3,"page":242},{"title":"١٩ - قوله تعالى: ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا على المحسنين﴾ [سورة البقرة: ٢٣٦].","level":2,"page":243},{"title":"أقوال أهل العلم في المراد من نفي الجناح في الآية","level":3,"page":243},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":245},{"title":"النتيجة","level":3,"page":247},{"title":"٢٠ - قوله تعالى: ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا على المحسنين (٢٣٦)﴾ [سورة البقرة: ٢٣٦].","level":2,"page":248},{"title":"أقوال أهل العلم في معنى (أو) في قوله تعالى: ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة﴾","level":3,"page":248},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":250},{"title":"النتيجة","level":3,"page":253},{"title":"٢١ - قوله تعالى: ﴿فإن خفتم فرجالا أو ركبانا فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون (٢٣٩)﴾ [سورة البقرة: ٢٣٩].","level":2,"page":254},{"title":"أقوال أهل العلم في المراد بالخوف من الآية من حيث العموم أو الخصوص بالآدمي","level":3,"page":254},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":255},{"title":"النتيجة","level":3,"page":256},{"title":"٢٢ - قوله تعالى: ﴿فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (٢٧٥)﴾ [سورة البقرة: ٢٧٥].","level":2,"page":257},{"title":"أقوال أهل العلم بتخليد الفاسقين في النار","level":3,"page":257},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":259},{"title":"النتيجة","level":3,"page":262},{"title":"سورة آل عمران","level":1,"page":264},{"title":"٢٣ - قوله تعالى: ﴿إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم (١٦٠)﴾ [سورة آل عمران: ٨٩].","level":2,"page":264},{"title":"أقوال أهل العلم في قبول توبة المرتد","level":3,"page":264},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":266},{"title":"النتيجة","level":3,"page":268},{"title":"٢٤ - قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون (١٠٢)﴾ [سورة آل عمران: ١٠٢].","level":2,"page":269},{"title":"أقوال أهل العلم في قوله تعالى: ﴿حق تقاته﴾ من حيث الإحكام والنسخ","level":3,"page":269},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":271},{"title":"النتيجة","level":3,"page":274},{"title":"٢٥ - قوله تعالى: ﴿ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم (١٠٥)﴾ [سورة آل عمران: ١٠٥].","level":2,"page":275},{"title":"المفسرون الذين أوردوا الحديث في تفسير الآية ولم ينبهوا على ضعفه","level":3,"page":275},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":276},{"title":"النتيجة","level":3,"page":279},{"title":"٢٦ - قوله تعالى: ﴿إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا إن الله بما يعملون محيط (١٢٠)﴾ [سورة آل عمران: ١٢٠].","level":2,"page":280},{"title":"أقوال أهل العلم في إثبات صفة الإحاطة لله ﷿","level":3,"page":280},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":282},{"title":"النتيجة","level":3,"page":286},{"title":"٢٧ - قوله تعالى: ﴿وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم (١٢١)﴾ [سورة آل عمران: ١٢١].","level":2,"page":287},{"title":"أقوال أهل العلم في وقت خروج النبي ﷺ إلى أحد","level":3,"page":287},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":288},{"title":"النتيجة","level":3,"page":291},{"title":"٢٨ - قوله تعالى: ﴿أو يكبتهم فينقلبوا خائبين (١٢٧) ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون (١٢٨)﴾ [سورة آل عمران: ١٢٨].","level":2,"page":292},{"title":"أقوال أهل العلم على رجوع العطف في قوله تعالى: ﴿أو يتوب عليهم﴾","level":3,"page":292},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":294},{"title":"النتيجة","level":3,"page":297},{"title":"٢٩ - قوله تعالى: ﴿إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم فأثابكم غما بغم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم والله خبير بما تعملون (١٥٣)﴾ [سورة آل عمران: ١٥٣].","level":2,"page":298},{"title":"أقوال أهل العلم في (لا) من حيث كونها ثابتة أصلية، أم زائدة","level":3,"page":298},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":300},{"title":"النتيجة","level":3,"page":302},{"title":"٣٠ - قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم﴾ [سورة آل عمران: ١٥٦].","level":2,"page":303},{"title":"أقوال أهل العلم في المقصود بالنهي في قوله تعالى: ﴿لا تكونوا كالذين كفروا﴾","level":3,"page":303},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":304},{"title":"النتيجة","level":3,"page":305},{"title":"سورة النساء","level":1,"page":307},{"title":"٣١ - قوله تعالى: ﴿وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوبا كبيرا (٢)﴾ [سورة النساء: ٢].","level":2,"page":307},{"title":"أقوال أهل العلم بتخصيص النهي في قوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم﴾","level":3,"page":307},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":308},{"title":"النتيجة","level":3,"page":310},{"title":"٣٢ - قوله تعالى: ﴿وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا (٣)﴾ [سورة النساء: ٣].","level":2,"page":311},{"title":"أقوال أهل العلم فيمن يقول بجواز الزيادة على الأربع في النكاح","level":3,"page":311},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":313},{"title":"النتيجة","level":3,"page":314},{"title":"٣٣ - قوله تعالى: ﴿للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا (٧)﴾ [سورة النساء: ٧].","level":2,"page":315},{"title":"أقوال أهل العلم في نصيب ذوي الأرحام من الميراث","level":3,"page":315},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":316},{"title":"النتيجة","level":3,"page":319},{"title":"٣٤ - قوله تعالى: ﴿وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه وقولوا لهم قولا معروفا (٨)﴾ [سورة النساء: ٨].","level":2,"page":320},{"title":"أقوال أهل العلم في قوله تعالى: ﴿وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين﴾ من حيث الإحكام والنسخ","level":3,"page":320},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":322},{"title":"النتيجة","level":3,"page":324},{"title":"٣٥ - قوله تعالى: ﴿إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما (١٧)﴾ [سورة النساء: ١٧].","level":2,"page":325},{"title":"أقوال أهل العلم في المراد من قوله تعالى: ﴿من قريب﴾","level":3,"page":325},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":326},{"title":"النتيجة","level":3,"page":330},{"title":"٣٦ - قوله تعالى: ﴿وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا (٢٠)﴾ [سورة النساء: ٢٠].","level":2,"page":331},{"title":"أقوال أهل العلم في الخلع الذي يترتب عليه استحقاق الزوج قيمة المهر الذي دفعه لزوجته، الذي جاء بيانه في قوله تعالى: ﴿فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾ [سورة البقرة: ٢٢٩] من حيث الإحكام والنسخ","level":3,"page":331},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":333},{"title":"النتيجة","level":3,"page":337},{"title":"٣٧ - قوله تعالى: ﴿والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب الله عليكم وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين﴾ [سورة النساء: ٢٤].","level":2,"page":338},{"title":"أقوال أهل العلم في الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها في النكاح","level":3,"page":338},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":339},{"title":"النتيجة","level":3,"page":342},{"title":"٣٨ - قوله تعالى: ﴿ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات﴾ [سورة النساء: ٢٥].","level":2,"page":343},{"title":"أقوال أهل العلم في اشتراط عدم ملك الصداق لمن يريد نكاح الأمة","level":3,"page":343},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":344},{"title":"النتيجة","level":3,"page":347},{"title":"٣٩ - قوله تعالى: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما (٣١)﴾ [سورة النساء: ٣١].","level":2,"page":348},{"title":"أقوال أهل العلم في المرجع من تحديد الكبائر من حيث التعريف","level":3,"page":348},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":349},{"title":"النتيجة","level":3,"page":353},{"title":"٤٠ - قوله تعالى: ﴿ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم إن الله كان على كل شيء شهيدا (٣٣)﴾ [سورة النساء: ٣٣].","level":2,"page":354},{"title":"أقوال أهل العلم في المراد من ﴿والذين عقدت أيمانكم﴾","level":3,"page":354},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":356},{"title":"النتيجة","level":3,"page":359},{"title":"٤١ - قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا﴾ [سورة النساء: ٤٣].","level":2,"page":360},{"title":"أقوال أهل العلم في حكم جلوس الجنب في المسجد","level":3,"page":360},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":361},{"title":"النتيجة","level":3,"page":364},{"title":"٤٢ - قوله تعالى: ﴿من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيرا لهم وأقوم ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا (٤٦)﴾ [سورة النساء: ٤٦].","level":2,"page":365},{"title":"أقوال أهل العلم في إعراب قوله تعالى: ﴿إلا قليلا﴾","level":3,"page":365},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":367},{"title":"النتيجة","level":3,"page":369},{"title":"٤٣ - قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت وكان أمر الله مفعولا (٤٧)﴾ [سورة النساء: ٤٧].","level":2,"page":371},{"title":"أقوال أهل العلم في المراد من طمس الوجوه المذكور في الآية","level":3,"page":371},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":372},{"title":"النتيجة","level":3,"page":375},{"title":"٤٤ - قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت وكان أمر الله مفعولا (٤٧)﴾ [سورة النساء: ٤٧].","level":2,"page":376},{"title":"أقوال أهل العلم في وقت وقوع الوعيد الوارد في الآية","level":3,"page":376},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":377},{"title":"النتيجة","level":3,"page":379},{"title":"٤٥ - قوله تعالى: ﴿إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارا كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزا حكيما (٥٦)﴾ [سورة النساء: ٥٦].","level":2,"page":380},{"title":"أقوال أهل العلم في المراد من تبديل الجلود من حيث ذات الجلد وصفته","level":3,"page":380},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":382},{"title":"النتيجة","level":3,"page":384},{"title":"٤٦ - قوله تعالى: ﴿إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارا كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزا حكيما (٥٦)﴾ [سورة النساء: ٥٦].","level":2,"page":385},{"title":"أقوال أهل العلم في المراد من تبديل الجلود من حيث الحقيقة والمجاز","level":3,"page":385},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":386},{"title":"النتيجة","level":3,"page":388},{"title":"٤٧ - قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾ [سورة النساء: ٥٩].","level":2,"page":389},{"title":"أقوال أهل العلم في حكم تقليد العلماء فيما يفتون به","level":3,"page":389},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":390},{"title":"النتيجة","level":3,"page":393},{"title":"٤٨ - قوله تعالى: ﴿وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا (٦١)﴾ [سورة النساء: ٦١]","level":2,"page":394},{"title":"أقوال أهل العلم في الرجل الذي اختصم مع اليهودي","level":3,"page":394},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":395},{"title":"النتيجة","level":3,"page":397},{"title":"٤٩ - قوله تعالى: ﴿فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاءوك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا (٦٢)﴾ [سورة النساء: ٦٢].","level":2,"page":398},{"title":"أقوال أهل العلم في تفسير قوله تعالى ﴿أصابتهم مصيبة﴾","level":3,"page":398},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":400},{"title":"النتيجة","level":3,"page":402},{"title":"٥٠ - قوله تعالى: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما (٦٥)﴾ [سورة النساء: ٦٥].","level":2,"page":403},{"title":"أقوال أهل العلم في المراد بالمنافقين في قوله تعالى: ﴿رأيت المنافقين﴾","level":3,"page":403},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":404},{"title":"النتيجة","level":3,"page":406},{"title":"٥١ - قوله تعالى: ﴿ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا (٦٦)﴾ [سورة النساء: ٦٦].","level":2,"page":407},{"title":"أقوال أهل العلم في معنى القتل والخروج من الديار الوارد في الآية","level":3,"page":407},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":408},{"title":"النتيجة","level":3,"page":410},{"title":"٥٢ - قوله تعالى: ﴿ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب﴾ الآية. [سورة النساء: ٧٧].","level":2,"page":411},{"title":"أقوال أهل العلم في نزول قوله تعالى: ﴿ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم﴾","level":3,"page":411},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":413},{"title":"النتيجة","level":3,"page":418},{"title":"٥٣ - قوله تعالى: ﴿وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا (٨٣)﴾ [سورة النساء: ٨٣].","level":2,"page":419},{"title":"أقوال أهل العلم في القوم المقصودين في قوله تعالى: ﴿وإذا جاءهم﴾","level":3,"page":419},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":420},{"title":"النتيجة","level":3,"page":422},{"title":"٥٤ - قوله تعالى: ﴿وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة﴾ [سورة النساء: ٩٢].","level":2,"page":423},{"title":"أقوال أهل العلم في من يتحمل دية قتل الخطأ وشبه العمد","level":3,"page":423},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":424},{"title":"النتيجة","level":3,"page":427},{"title":"٥٥ - قوله تعالى: ﴿وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة﴾ الآية. [سورة النساء: ٩٢].","level":2,"page":428},{"title":"أقوال أهل العلم في مقدار دية الكافر بالنسبة لدية المسلم","level":3,"page":428},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":429},{"title":"النتيجة","level":3,"page":432},{"title":"٥٦ - قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا إن الله كان بما تعملون خبيرا (٩٤)﴾ [سورة النساء: ٩٤].","level":2,"page":433},{"title":"أقوال أهل العلم في شمول الآية في القدر الذي يصير به الكافر مسلما","level":3,"page":433},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":435},{"title":"النتيجة","level":3,"page":437},{"title":"٥٧ - قوله تعالى: ﴿فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا (١٠٣)﴾ [سورة النساء: ١٠٣].","level":2,"page":438},{"title":"أقوال أهل العلم في الزمن الذي تشرع فيه صلاة الخوف","level":3,"page":438},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":440},{"title":"النتيجة","level":3,"page":442},{"title":"٥٨ - قوله تعالى: ﴿ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن والمستضعفين من الولدان وأن تقوموا لليتامى بالقسط﴾ [سورة النساء: ١٢٧].","level":2,"page":443},{"title":"أقوال أهل العلم باشتراط البلوغ في اليتيمة كي تستأذن في النكاح","level":3,"page":443},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":444},{"title":"النتيجة","level":3,"page":446},{"title":"٥٩ - قوله تعالى: ﴿وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير وأحضرت الأنفس الشح وإن تحسنوا وتتقوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا (١٢٨)﴾ [سورة النساء: ١٢٨].","level":2,"page":447},{"title":"أقوال أهل العلم في عزم النبي ﷺ على طلاق سودة بنت زمعة","level":3,"page":447},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":448},{"title":"النتيجة","level":3,"page":450},{"title":"٦٠ - قوله تعالى: ﴿إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا (١٣٧)﴾ [سورة النساء: ١٣٧].","level":2,"page":451},{"title":"أقوال أهل العلم في قبول توبة المرتد إن تكررت منه الردة","level":3,"page":451},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":452},{"title":"النتيجة","level":3,"page":454},{"title":"٦١ - قوله تعالى: ﴿وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا (١٤٠)﴾ [سورة النساء: ١٤٠].","level":2,"page":455},{"title":"أقوال أهل العلم في حكم القعود في المجالس التي فيها منكرات، مع الإنكار بالقلب","level":3,"page":455},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":456},{"title":"النتيجة","level":3,"page":457},{"title":"٦٢ - قوله تعالى: ﴿وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا (١٤٠)﴾ [سورة النساء: ١٤٠].","level":2,"page":458},{"title":"أقوال أهل العلم في حضور البقاع التي تحصل فيها منكرات، إن كان الحاضر له حق فيها","level":3,"page":458},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":460},{"title":"النتيجة","level":3,"page":462},{"title":"٦٣ - قوله تعالى: ﴿إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما (١٤٦)﴾ [سورة النساء: ١٤٦].","level":2,"page":464},{"title":"أقوال أهل العلم في تسمية من ارتكب ما يفسق به بالمنافق","level":3,"page":464},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":466},{"title":"النتيجة","level":3,"page":467},{"title":"٦٤ - قوله تعالى: ﴿لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم وكان الله سميعا عليما (١٤٨)﴾ [سورة النساء: ١٤٨].","level":2,"page":468},{"title":"أقوال أهل العلم في إرادة الله تعالى وقوع الشر والمعاصي","level":3,"page":468},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":469},{"title":"النتيجة","level":3,"page":472},{"title":"سورة المائدة","level":1,"page":474},{"title":"٦٥ - قال الشهاب الخفاجي: السورة مدنية، إلا قوله تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ [سورة المائدة: ٣] الآية. فإنها نزلت بمكة","level":2,"page":474},{"title":"أقوال أهل العلم في قوله تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ الآية. من حيث المكي والمدني","level":3,"page":474},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":476},{"title":"النتيجة","level":3,"page":477},{"title":"٦٦ - قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق﴾ [سورة المائدة: ٦].","level":2,"page":478},{"title":"أقوال أهل العلم في وجوب الوضوء لكل قائم للصلاة من حيث الإحكام والنسخ","level":3,"page":478},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":479},{"title":"النتيجة","level":3,"page":481},{"title":"٦٧ - قوله تعالى: ﴿وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين﴾ [سورة المائدة: ٦].","level":2,"page":483},{"title":"أقوال أهل العلم في حكم المجاورة إذا سبقها حرف عطف","level":3,"page":483},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":485},{"title":"النتيجة","level":3,"page":487},{"title":"٦٨ - قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق﴾ [سورة المائدة: ٦].","level":2,"page":488},{"title":"أقوال أهل العلم في دلالة الآية بذاتها على وجوب غسل المرفقين","level":3,"page":488},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":490},{"title":"النتيجة","level":3,"page":492},{"title":"٦٩ - قوله تعالى: ﴿قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض فلا تأس على القوم الفاسقين (٢٦)﴾ [سورة المائدة: ٢٦].","level":2,"page":493},{"title":"أقوال أهل العلم في تعلق الظرف في قوله تعالى: ﴿أربعين سنة﴾","level":3,"page":493},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":494},{"title":"النتيجة","level":3,"page":495},{"title":"٧٠ - قوله تعالى: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم (٣٣)﴾ [سورة المائدة: ٣٣].","level":2,"page":497},{"title":"أقوال أهل العلم في نسخ حكم النبي ﷺ في العرنيين من التمثيل وسمل الأعين","level":3,"page":497},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":498},{"title":"النتيجة","level":3,"page":500},{"title":"٧١ - قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين﴾ [سورة المائدة: ٥٤].","level":2,"page":501},{"title":"أقوال أهل العلم في إثبات صفة المحبة لله تعالى","level":3,"page":501},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":502},{"title":"النتيجة","level":3,"page":505},{"title":"٧٢ - قوله تعالى: ﴿ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون (٥٦)﴾ [سورة المائدة: ٥٥].","level":2,"page":506},{"title":"مذاهب أهل العلم فيما نسب إلى حسان بن ثابت ﵁ من أبيات في مدح علي بن أبي طالب ﵁","level":3,"page":506},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":507},{"title":"النتيجة","level":3,"page":509},{"title":"٧٣ - قوله تعالى: ﴿وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء﴾ [سورة المائدة: ٦٤].","level":2,"page":510},{"title":"أقوال أهل العلم في إثبات صفة اليد لله تعالى حقيقة","level":3,"page":510},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":511},{"title":"النتيجة","level":3,"page":513},{"title":"٧٤ - قوله تعالى: ﴿قل ياأهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا فلا تأس على القوم الكافرين (٦٨)﴾ [سورة المائدة: ٦٨].","level":2,"page":514},{"title":"أقوال أهل العلم في استلزام إقامة أهل الكتاب التوراة والانجيل الإيمان برسالة محمد ﷺ","level":3,"page":514},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":516},{"title":"النتيجة","level":3,"page":517},{"title":"٧٥ - قوله تعالى: ﴿وحسبوا ألا تكون فتنة فعموا وصموا ثم تاب الله عليهم ثم عموا وصموا كثير منهم والله بصير بما يعملون (٧١)﴾ [سورة المائدة: ٧١].","level":2,"page":518},{"title":"أقوال أهل العلم في المراد من قوله تعالى: ﴿فعموا وصموا ثم تاب الله عليهم ثم عموا وصموا كثير منهم﴾","level":3,"page":518},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":520},{"title":"النتيجة","level":3,"page":522},{"title":"٧٦ - قوله تعالى: ﴿ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون (٧٥)﴾ [سورة المائدة: ٧٥].","level":2,"page":523},{"title":"أقوال أهل العلم في سر تقديم الاستدلال في الآية بأن عيسى ﵇ ما هو إلا رسول من جنس الرسل الذين خلوا قبله، على الاستدلال بأن من صفاته وأمه أنهما كانا يأكلان الطعام","level":3,"page":523},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":524},{"title":"النتيجة","level":3,"page":525},{"title":"٧٧ - قوله تعالى: ﴿قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا والله هو السميع العليم (٧٦)﴾ [سورة المائدة: ٧٦].","level":2,"page":526},{"title":"أقوال أهل العلم في توجيه الخطاب في قوله تعالى: ﴿قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا﴾ من حيث العموم والخصوص","level":3,"page":526},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":528},{"title":"النتيجة","level":3,"page":529},{"title":"٧٨ - قوله تعالى: ﴿فأثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء المحسنين (٨٥)﴾ [سورة المائدة: ٨٥].","level":2,"page":530},{"title":"أقوال أهل العلم في نزول قوله تعالى: ﴿فأثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها﴾","level":3,"page":530},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":531},{"title":"النتيجة","level":3,"page":533},{"title":"٧٩ - قوله تعالى: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة﴾ [سورة المائدة: ٨٩].","level":2,"page":534},{"title":"أقوال أهل العلم في عدد المساكين الذين يجب إطعامهم في الكفارة","level":3,"page":534},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":535},{"title":"النتيجة","level":3,"page":537},{"title":"٨٠ - قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم عفا الله عنها والله غفور حليم (١٠١)﴾ [سورة المائدة: ١٠٢].","level":2,"page":538},{"title":"أقوال أهل العلم في اشتراط تقييد النهي عن السؤال في الآية بما لا تدعو إليه الحاجة","level":3,"page":538},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":540},{"title":"النتيجة","level":3,"page":541},{"title":"٨١ - قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله إنا إذا لمن الآثمين﴾ [سورة المائدة: ١٠٦].","level":2,"page":542},{"title":"أقوال أهل العلم في شهادة الذميين على الوصية في السفر عند الموت، من حيث الإحكام والنسخ","level":3,"page":542},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":544},{"title":"النتيجة","level":3,"page":546},{"title":"٨٢ - قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله إنا إذا لمن الآثمين﴾ [سورة المائدة: ١٠٦].","level":2,"page":547},{"title":"أقوال أهل العلم في تفسير الآية من حيث الوضوح والخفاء","level":3,"page":547},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":548},{"title":"النتيجة","level":3,"page":549},{"title":"٨٣ - قوله تعالى: ﴿وإذ قال الله ياعيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب (١١٦)﴾ [سورة المائدة: ١١٦].","level":2,"page":550},{"title":"أقوال أهل العلم في معنى (دون) في الآية من حيث الحقيقة والمجاز","level":3,"page":550},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":552},{"title":"النتيجة","level":3,"page":553},{"title":"سورة الأنعام","level":1,"page":555},{"title":"٨٤ - قوله تعالى: ﴿قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين﴾ [سورة الأنعام: ١١].","level":2,"page":555},{"title":"أقوال أهل العلم في تخصيص الآية بـ (ثم) عن غيرها بالفاء","level":3,"page":555},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":557},{"title":"النتيجة","level":3,"page":559},{"title":"٨٥ - قوله تعالى: ﴿انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون﴾ [سورة الأنعام: ٢٤].","level":2,"page":560},{"title":"أقوال أهل العلم في إقدام أهل القيامة على الكذب","level":3,"page":560},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":562},{"title":"النتيجة","level":3,"page":565},{"title":"٨٦ - قوله تعالى: ﴿انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون﴾ [سورة الأنعام: ٢٤].","level":2,"page":566},{"title":"أقوال أهل العلم في المراد من قوله تعالى: ﴿وضل عنهم ما كانوا يفترون﴾","level":3,"page":566},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":567},{"title":"النتيجة","level":3,"page":569},{"title":"٨٧ - قوله تعالى: ﴿بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون﴾ [سورة الأنعام: ٢٨].","level":2,"page":570},{"title":"أقوال أهل العلم في الذي كان يخفيه المشركون وبدا لهم يوم القيامة","level":3,"page":570},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":572},{"title":"النتيجة","level":3,"page":574},{"title":"٨٨ - قوله تعالى: ﴿قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة قالوا ياحسرتنا على ما فرطنا فيها وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما يزرون﴾ [سورة الأنعام: ٣١].","level":2,"page":575},{"title":"أقوال أهل العلم في المراد من التكذيب بلقاء الله في قوله تعالى: ﴿قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله﴾","level":3,"page":575},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":576},{"title":"النتيجة","level":3,"page":578},{"title":"٨٩ - قوله تعالى: ﴿وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون﴾ [سورة الأنعام: ٣٨].","level":2,"page":579},{"title":"أقوال أهل العلم في المراد من مماثلة الأمم لنا في قوله تعالى: ﴿إلا أمم أمثالكم﴾","level":3,"page":579},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":581},{"title":"النتيجة","level":3,"page":582},{"title":"٩٠ - قوله تعالى: ﴿وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون (٣٨)﴾ [سورة الأنعام: ٣٨].","level":2,"page":583},{"title":"أقوال أهل العلم في إعراب قوله تعالى: ﴿ما فرطنا في الكتاب من شيء﴾","level":3,"page":583},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":584},{"title":"النتيجة","level":3,"page":587},{"title":"٩١ - قوله تعالى: ﴿فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين (٤٥)﴾ [سورة الأنعام: ٤٥].","level":2,"page":588},{"title":"أقوال أهل العلم في افتتاح الحمد واختتامه في قوله تعالى: ﴿وأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر المنذرين﴾ وقوله: ﴿قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى﴾ من حيث الأظهر، ومن حيث توافق النظائر","level":3,"page":588},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":590},{"title":"النتيجة","level":3,"page":592},{"title":"٩٢ - قوله تعالى: ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين (٥٢)﴾ [سورة الأنعام: ٥٢].","level":2,"page":593},{"title":"أقوال أهل العلم في طرد النبي ﷺ بعضا من المؤمنين طمعا في إيمان بعض المشركين","level":3,"page":593},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":593},{"title":"النتيجة","level":3,"page":595},{"title":"٩٣ - قوله تعالى: ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين (٥٢)﴾ [سورة الأنعام: ٥٢].","level":2,"page":596},{"title":"أقوال أهل العلم في المراد من الضمير في قوله تعالى: ﴿ما عليك من حسابهم من شيء﴾","level":3,"page":596},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":598},{"title":"النتيجة","level":3,"page":600},{"title":"٩٤ - قوله تعالى: ﴿قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون (٦٥)﴾ [سورة الأنعام: ٦٥]","level":2,"page":601},{"title":"أقوال أهل العلم في المراد بالمخاطبين في قوله تعالى: ﴿قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا﴾","level":3,"page":601},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":603},{"title":"النتيجة","level":3,"page":604},{"title":"٩٥ - قوله تعالى: ﴿وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء ولكن ذكرى لعلهم يتقون (٦٩)﴾ [سورة الأنعام: ٦٩].","level":2,"page":605},{"title":"أقوال أهل العلم في قوله تعالى: ﴿وما على الذين يتقون من حسابهم﴾ الآية، من حيث الإحكام والنسخ","level":3,"page":605},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":607},{"title":"النتيجة","level":3,"page":610},{"title":"٩٦ - قوله تعالى: ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون (٨٢)﴾ [سورة الأنعام: ٨٢].","level":2,"page":611},{"title":"أقوال أهل العلم في المراد من الظلم في قوله تعالى: ﴿ولم يلبسوا إيمانهم بظلم﴾","level":3,"page":611},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":612},{"title":"النتيجة","level":3,"page":616},{"title":"٩٧ - قوله تعالى: ﴿أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده قل لا أسألكم عليه أجرا إن هو إلا ذكرى للعالمين (٩٠)﴾ [سورة الأنعام: ٩٠].","level":2,"page":617},{"title":"أقوال أهل العلم في دلالة الآية على حكم أخذ الأجرة على تعليم العلم","level":3,"page":617},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":619},{"title":"النتيجة","level":3,"page":620},{"title":"٩٨ - قوله تعالى: ﴿لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير (١٠٣)﴾ [سورة الأنعام: ١٠٣].","level":2,"page":621},{"title":"أقوال أهل العلم في كون المنفي من الإدراك في قوله تعالى: ﴿لا تدركه الأبصار﴾","level":3,"page":621},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":622},{"title":"النتيجة","level":3,"page":625},{"title":"٩٩ - قوله تعالى: ﴿لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير (١٠٣)﴾ [سورة الأنعام: ١٠٣].","level":2,"page":626},{"title":"أقوال أهل العلم في مناسبة ذكر اللطف في قوله تعالى: ﴿لا تدركه الأبصار﴾","level":3,"page":626},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":627},{"title":"النتيجة","level":3,"page":628},{"title":"١٠٠ - قوله تعالى: ﴿أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا﴾ [سورة الأنعام: ١١٤].","level":2,"page":629},{"title":"أقوال أهل العلم في المراد من ابتغاء الحكم في قوله تعالى: ﴿أفغير الله أبتغي حكما﴾","level":3,"page":629},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":630},{"title":"النتيجة","level":3,"page":632},{"title":"١٠١ - قوله تعالى: ﴿وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه﴾ [سورة الأنعام ١١٩].","level":2,"page":633},{"title":"أقوال أهل العلم في بيان تفصيل التحريم في قوله تعالى: ﴿وقد فصل لكم ما حرم عليكم﴾","level":3,"page":633},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":635},{"title":"النتيجة","level":3,"page":637},{"title":"١٠٢ - قوله تعالى: ﴿وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات والنخل والزرع مختلفا أكله والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده﴾ [سورة الأنعام: ١٤١].","level":2,"page":638},{"title":"أقوال أهل العلم في المراد من النسخ في قوله تعالى: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾","level":3,"page":638},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":638},{"title":"النتيجة","level":3,"page":640},{"title":"١٠٣ - قوله تعالى: ﴿قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به﴾ [سورة الأنعام: ١٤٥].","level":2,"page":641},{"title":"أقوال أهل العلم في المطعومات المحرمة الواردة في قوله تعالى: ﴿قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما﴾ من حيث الإحكام والنسخ","level":3,"page":641},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":642},{"title":"النتيجة","level":3,"page":645},{"title":"١٠٤ - قوله تعالى: ﴿سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون (١٤٨) قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين﴾ [سورة الأنعام: ١٤٩].","level":2,"page":646},{"title":"أقوال أهل العلم في وقوع المعاصي والكفر وفق مشيئة الله تعالى","level":3,"page":646},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":647},{"title":"النتيجة","level":3,"page":652},{"title":"سورة الأعراف","level":1,"page":654},{"title":"١٠٥ - قوله تعالى: ﴿اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون﴾ [سورة الأعراف: ٣].","level":2,"page":654},{"title":"أقوال أهل العلم في دلالة قوله تعالى: ﴿اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم﴾ على حكم العمل بالمباح","level":3,"page":654},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":655},{"title":"النتيجة","level":3,"page":657},{"title":"١٠٦ - قوله تعالى: ﴿يابني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين﴾ [سورة الأعراف: ٣١].","level":2,"page":658},{"title":"أقوال أهل العلم في المراد من الزينة من قوله تعالى: ﴿خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾","level":3,"page":658},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":659},{"title":"النتيجة","level":3,"page":661},{"title":"١٠٧ - قوله تعالى: ﴿يابني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين﴾ [سورة الأعراف: ٣١].","level":2,"page":662},{"title":"أقوال أهل العلم في ضعف ما روي أن الآية، وهي قوله تعالى: ﴿قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده﴾ نزلت في الصلاة في النعال","level":3,"page":662},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":663},{"title":"النتيجة","level":3,"page":666},{"title":"١٠٨ - قوله تعالى: ﴿قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون﴾ [سورة الأعراف: ٣٢].","level":2,"page":667},{"title":"أقوال أهل العلم في دلالة قوله تعالى: ﴿قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق﴾ على حكم لبس الحرير للرجال","level":3,"page":667},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":669},{"title":"النتيجة","level":3,"page":671},{"title":"١٠٩ - قوله تعالى: ﴿والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون (٤٢)﴾ [سورة الأعراف: ٤٢].","level":2,"page":672},{"title":"أقوال أهل العلم في المراد من الوسع","level":3,"page":672},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":674},{"title":"النتيجة","level":3,"page":675},{"title":"١١٠ - قوله تعالى: ﴿أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح وزادكم في الخلق بسطة فاذكروا آلاء الله لعلكم تفلحون﴾ [سورة الأعراف: ٦٩].","level":2,"page":676},{"title":"أقوال أهل العلم أهل في وصف ضخامة وطول قوم عاد","level":3,"page":676},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":678},{"title":"النتيجة","level":3,"page":679},{"title":"١١١ - قوله تعالى: ﴿ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين﴾ [سورة الأعراف: ١٤٣].","level":2,"page":680},{"title":"أقوال أهل العلم في معنى الرؤية في قوله تعالى: ﴿أرني أنظر إليك﴾ من حيث الحقيقة والمجاز","level":3,"page":680},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":681},{"title":"النتيجة","level":3,"page":684},{"title":"١١٢ - قوله تعالى: ﴿فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما فتعالى الله عما يشركون﴾ [سورة الأعراف: ١٩٠].","level":2,"page":685},{"title":"أقوال أهل العلم في المراد من الذين قال الله فيهم: ﴿فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما﴾","level":3,"page":685},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":687},{"title":"النتيجة","level":3,"page":691},{"title":"١١٣ - قوله تعالى: ﴿وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون﴾ [سورة الأعراف: ١٩٨].","level":2,"page":692},{"title":"أقوال أهل العلم في إطلاق النظر على الرؤية في إثبات رؤية الله تعالى","level":3,"page":692},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":694},{"title":"النتيجة","level":3,"page":697},{"title":"١١٤ - قوله تعالى: ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون﴾ [سورة الأعراف: ٢٠٤].","level":2,"page":698},{"title":"أقوال أهل العلم في سبب نزول قوله تعالى: ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا﴾","level":3,"page":698},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":700},{"title":"النتيجة","level":3,"page":702},{"title":"١١٥ - قوله تعالى: ﴿إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون (٢٠٦)﴾ [سورة الأعراف: ٢٠٦].","level":2,"page":703},{"title":"أقوال أهل العلم في إثبات علو الله تعالى على خلقه من قوله تعالى: ﴿إن الذين عند ربك﴾","level":3,"page":703},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":705},{"title":"النتيجة","level":3,"page":710},{"title":"سورة الأنفال","level":1,"page":712},{"title":"١١٦ - قوله تعالى: ﴿يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم﴾ [سورة الأنفال: ١].","level":2,"page":712},{"title":"أقوال أهل العلم في المراد من الأنفال في قوله تعالى: ﴿يسألونك عن الأنفال﴾","level":3,"page":712},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":714},{"title":"النتيجة","level":3,"page":716},{"title":"١١٧ - قوله تعالى: ﴿يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم﴾ [سورة الأنفال: ١].","level":2,"page":717},{"title":"أقوال أهل العلم في ثبوت اختلاف المهاجرين والأنصار في غنائم بدر","level":3,"page":717},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":718},{"title":"النتيجة","level":3,"page":720},{"title":"١١٨ - قوله تعالى: ﴿كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون﴾ [سورة الأنفال: ٥].","level":2,"page":721},{"title":"أقوال أهل العلم في المراد من قوله تعالى: ﴿كما أخرجك ربك من بيتك بالحق﴾","level":3,"page":721},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":722},{"title":"النتيجة","level":3,"page":725},{"title":"١١٩ - قوله تعالى: ﴿واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون﴾ [سورة الأنفال: ٢٦].","level":2,"page":726},{"title":"أقوال أهل العلم في المراد من المخاطبين في قوله تعالى: ﴿واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون﴾","level":3,"page":726},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":728},{"title":"النتيجة","level":3,"page":730},{"title":"١٢٠ - قوله تعالى: ﴿ياأيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين﴾ [سورة الأنفال: ٦٤].","level":2,"page":731},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":733},{"title":"النتيجة","level":3,"page":736},{"title":"١٢١ - قوله تعالى: ﴿والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إن الله بكل شيء عليم﴾ [سورة الأنفال: ٧٥].","level":2,"page":738},{"title":"أقوال أهل العلم في المراد من الأولوية في قوله تعالى: ﴿وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله﴾","level":3,"page":738},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":740},{"title":"النتيجة","level":3,"page":742},{"title":"سورة التوبة","level":1,"page":744},{"title":"١٢٢ - قوله تعالى: ﴿أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين (١٩)﴾ [سورة التوبة: ١٩].","level":2,"page":744},{"title":"أقوال أهل العلم في نزول قوله تعالى: ﴿أجعلتم سقاية الحاج﴾","level":3,"page":744},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":746},{"title":"النتيجة","level":3,"page":749},{"title":"١٢٣ - قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء إن الله عليم حكيم (٢٨)﴾ [سورة التوبة: ٢٨].","level":2,"page":750},{"title":"أقوال أهل العلم في سبب عدم نجاسة أبدان المشركين","level":3,"page":750},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":752},{"title":"النتيجة","level":3,"page":753},{"title":"١٢٤ - قوله تعالى: ﴿فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون﴾ [سورة التوبة: ٧٧].","level":2,"page":754},{"title":"أقوال أهل العلم في دلالة آيات إثبات اللقاء على إثبات رؤية الله تعالى يوم القيامة","level":3,"page":754},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":756},{"title":"النتيجة","level":3,"page":759},{"title":"١٢٥ - قوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم والله سميع عليم﴾ [سورة التوبة: ١٠٣].","level":2,"page":760},{"title":"أقوال أهل العلم في المراد من الصلاة في قوله تعالى: ﴿وصل عليهم﴾","level":3,"page":760},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":762},{"title":"النتيجة","level":3,"page":764},{"title":"١٢٦ - قوله تعالى: ﴿لا تقم فيه أبدا لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين﴾ [سورة التوبة: ١٠٨].","level":2,"page":765},{"title":"أقوال أهل العلم في المراد من الطهارة في قوله تعالى: ﴿فيه رجال يحبون أن يتطهروا﴾","level":3,"page":765},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":767},{"title":"النتيجة","level":3,"page":769},{"title":"١٢٧ - قوله تعالى: ﴿وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون إن الله بكل شيء عليم﴾ [سورة التوبة: ١١٥].","level":2,"page":770},{"title":"أقوال أهل العلم في المراد قوله تعالى: ﴿وما كان الله ليضل قوما﴾","level":3,"page":770},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":772},{"title":"النتيجة","level":3,"page":773},{"title":"١٢٨ - قوله تعالى: ﴿لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رءوف رحيم﴾ [سورة التوبة: ١١٧].","level":2,"page":774},{"title":"أقوال أهل العلم في المراد من ساعة العسرة في قوله تعالى: ﴿في ساعة العسرة﴾","level":3,"page":774},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":775},{"title":"النتيجة","level":3,"page":777},{"title":"سورة يونس","level":1,"page":779},{"title":"١٢٩ - قوله تعالى: ﴿ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم فنذر الذين لا يرجون لقاءنا في طغيانهم يعمهون﴾ [سورة يونس: ١١].","level":2,"page":779},{"title":"أقوال أهل العلم في معنى قوله تعالى: ﴿ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير﴾","level":3,"page":779},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":781},{"title":"النتيجة","level":3,"page":782},{"title":"١٣٠ - قوله تعالى: ﴿فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين (٩٨)﴾ [سورة يونس: ٩٨].","level":2,"page":783},{"title":"أقوال أهل العلم في المراد من عذاب الخزي الذي كشف عن قوم يونس ﵇","level":3,"page":783},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":785},{"title":"النتيجة","level":3,"page":786},{"title":"سورة يوسف","level":1,"page":788},{"title":"١٣١ - قوله تعالى: ﴿قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم﴾ [سورة يوسف: ٥٥].","level":2,"page":788},{"title":"أقوال أهل العلم في المراد من خزائن الأرض، في قوله تعالى حكاية عن يوسف ﵇: ﴿قال اجعلني على خزائن الأرض﴾","level":3,"page":788},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":789},{"title":"النتيجة","level":3,"page":791},{"title":"١٣٢ - قوله تعالى: ﴿اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا وأتوني بأهلكم أجمعين (٩٣)﴾ [سورة يوسف: ٩٣].","level":2,"page":792},{"title":"أقوال أهل العلم في المراد من قوله تعالى: ﴿فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا﴾","level":3,"page":792},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":793},{"title":"النتيجة","level":3,"page":796},{"title":"سورة الرعد","level":1,"page":798},{"title":"١٣٣ - قوله تعالى: ﴿ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة وقد خلت من قبلهم المثلات وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب (٦)﴾ [سورة الرعد: ٦].","level":2,"page":798},{"title":"أقوال أهل العلم في تأخير العذاب ودخوله في معنى المغفرة في قوله تعالى: ﴿وإن ربك لذو مغفرة للناس﴾","level":3,"page":798},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":800},{"title":"النتيجة","level":3,"page":802},{"title":"١٣٤ - قوله تعالى: ﴿سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار (١٠)﴾ [سورة الرعد: ١٠].","level":2,"page":803},{"title":"أقوال أهل العلم في حذف الموصول وصدر الصلة في قوله تعالى: ﴿ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار﴾","level":3,"page":803},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":804},{"title":"النتيجة","level":3,"page":806},{"title":"١٣٥ - قوله تعالى: ﴿أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها والله يحكم لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب (٤١)﴾ [سورة الرعد: ٤١].","level":2,"page":807},{"title":"أقوال أهل العلم في المراد من نقص الأرض في قوله تعالى: ﴿ننقصها من أطرافها﴾","level":3,"page":807},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":809},{"title":"النتيجة","level":3,"page":811},{"title":"١٣٦ - قوله تعالى: ﴿ويقول الذين كفروا لست مرسلا قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب (٤٣)﴾ [سورة الرعد: ٤٣].","level":2,"page":812},{"title":"أقوال أهل العلم في المراد من الشهادة في قوله تعالى: ﴿قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم﴾","level":3,"page":812},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":814},{"title":"النتيجة","level":3,"page":815},{"title":"سورة إبراهيم","level":1,"page":817},{"title":"١٣٧ - قوله تعالى: ﴿قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السماوات والأرض يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى﴾ [سورة ابراهيم: ١٠].","level":2,"page":817},{"title":"أقوال أهل العلم في سبب مجيء (من) في قوله تعالى: ﴿يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم﴾","level":3,"page":817},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":819},{"title":"النتيجة","level":3,"page":820},{"title":"سورة الحجر","level":1,"page":822},{"title":"١٣٨ - قوله تعالى: ﴿ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم﴾ [سورة الحجر: ٨٧].","level":2,"page":822},{"title":"أقوال أهل العلم في المراد من السبع المثاني في قوله تعالى: ﴿ولقد آتيناك سبعا من المثاني﴾","level":3,"page":822},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":824},{"title":"النتيجة","level":3,"page":826},{"title":"سورة النحل","level":1,"page":829},{"title":"١٣٩ - قوله تعالى: ﴿وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين (١٢٦)﴾ [سورة النحل: ١٢٦].","level":2,"page":829},{"title":"أقوال أهل العلم في قوله تعالى: ﴿وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به﴾ من حيث المكي والمدني","level":3,"page":829},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":831},{"title":"النتيجة","level":3,"page":833},{"title":"سورة الإسراء","level":1,"page":835},{"title":"١٤٠ - قوله تعالى: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير﴾ [سورة الإسراء: ١].","level":2,"page":835},{"title":"أقوال أهل العلم في المراد من الإسراء في قوله تعالى: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلا﴾","level":3,"page":835},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":836},{"title":"النتيجة","level":3,"page":838},{"title":"١٤١ - قوله تعالى: ﴿ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا﴾ [سورة الإسراء: ٧٩].","level":2,"page":839},{"title":"أقوال أهل العلم في تفسير مجاهد لقوله تعالى: ﴿عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا﴾ وموقفهم منه","level":3,"page":839},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":841},{"title":"النتيجة","level":3,"page":846},{"title":"سورة الكهف","level":1,"page":848},{"title":"١٤٢ - قوله تعالى: ﴿أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا﴾ [سورة الكهف: ٩].","level":2,"page":848},{"title":"أقوال أهل العلم في نوع الاستفهام في قوله تعالى: ﴿أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم﴾","level":3,"page":848},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":850},{"title":"النتيجة","level":3,"page":852},{"title":"١٤٣ - قوله تعالى: ﴿وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيئ لكم من أمركم مرفقا﴾ [سورة الكهف: ١٦].","level":2,"page":853},{"title":"أقوال أهل العلم في دلالة قوله تعالى: ﴿وإذ اعتزلتموهم﴾ على مشروعية العزلة","level":3,"page":853},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":854},{"title":"النتيجة","level":3,"page":856},{"title":"١٤٤ - قوله تعالى: ﴿وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها إذ يتنازعون بينهم أمرهم فقالوا ابنوا عليهم بنيانا ربهم أعلم بهم قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا﴾ [سورة الكهف: ٢١].","level":2,"page":857},{"title":"أقوال أهل العلم في الحكم على الذين قالوا: ﴿لنتخذن عليهم مسجدا﴾ من حيث المدح والذم","level":3,"page":857},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":859},{"title":"النتيجة","level":3,"page":861},{"title":"١٤٥ - قوله تعالى: ﴿سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجما بالغيب ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم قل ربي أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا ولا تستفت فيهم منهم أحدا﴾ [سورة الكهف: ٢٢].","level":2,"page":862},{"title":"أقوال أهل العلم في دلالة (الواو) في قوله تعالى: ﴿ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم﴾ الآية","level":3,"page":862},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":864},{"title":"النتيجة","level":3,"page":865},{"title":"١٤٦ - قوله تعالى: ﴿ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا (٢٣) إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت﴾ الآية [سورة الكهف: ٢٤].","level":2,"page":866},{"title":"أقوال أهل العلم في معنى النهي الوارد في قوله تعالى: ﴿ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا (٢٣) إلا أن يشاء الله﴾","level":3,"page":866},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":868},{"title":"النتيجة","level":3,"page":871},{"title":"١٤٧ - قوله تعالى: ﴿ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعا﴾ [سورة الكهف: ٢٦].","level":2,"page":872},{"title":"أقوال أهل العلم في سبب وجه العدول عن قول: (ثلاثمائة سنين وتسع) وقول: ﴿ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعا﴾","level":3,"page":872},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":874},{"title":"النتيجة","level":3,"page":876},{"title":"١٤٨ - قوله تعالى: ﴿واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعا (٣٢)﴾ [سورة الكهف: ٣٢].","level":2,"page":877},{"title":"أقوال أهل العلم في قصة صاحب الجنتين من حيث الحقيقة أم ضرب المثل","level":3,"page":877},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":878},{"title":"النتيجة","level":3,"page":880},{"title":"١٤٩ - قوله تعالى: ﴿هنالك الولاية لله الحق هو خير ثوابا وخير عقبا﴾ [سورة الكهف: ٤٤].","level":2,"page":881},{"title":"أقوال أهل العلم في الوقف وما يترتب عليه من معنى في قوله تعالى: ﴿هنالك الولاية لله الحق﴾","level":3,"page":881},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":883},{"title":"النتيجة","level":3,"page":885},{"title":"١٥٠ - قوله تعالى: ﴿ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلو عليكم منه ذكرا﴾ [سورة الكهف: ٨٣].","level":2,"page":886},{"title":"أقوال أهل العلم في الإسكندر المقدوني من حيث تعظيمه للشرك وعبادة الأوثان","level":3,"page":886},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":888},{"title":"النتيجة","level":3,"page":890},{"title":"١٥١ - قوله تعالى: ﴿قالوا ياذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم سدا﴾ [سورة الكهف: ٩٤].","level":2,"page":891},{"title":"أقوال أهل العلم في الأمة التي أطلقت على ذي القرنين هذا اللقب","level":3,"page":891},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":892},{"title":"النتيجة","level":3,"page":893},{"title":"١٥٢ - قوله تعالى: ﴿قلنا ياذا القرنين إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا﴾ [سورة الكهف: ٨٦].","level":2,"page":894},{"title":"أقوال أهل العلم في ثبوت نبوة ذي القرنين","level":3,"page":894},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":896},{"title":"النتيجة","level":3,"page":898},{"title":"سورة مريم","level":1,"page":900},{"title":"١٥٣ - قوله تعالى: ﴿فاتخذت من دونهم حجابا فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا﴾ [سورة مريم: ١٧].","level":2,"page":900},{"title":"أقوال أهل العلم في كيفية تمثل الملك بصورة بشر","level":3,"page":900},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":902},{"title":"النتيجة","level":3,"page":903},{"title":"سورة طه","level":1,"page":905},{"title":"١٥٤ - قوله تعالى: ﴿قال فما خطبك ياسامري (٩٥) قال بصرت بما لم يبصروا به فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها﴾ [سورة طه: ٩٦].","level":2,"page":905},{"title":"أقوال أهل العلم فيما روي من أن السامري عرف جبريل ﵇ من صغره","level":3,"page":905},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":907},{"title":"النتيجة","level":3,"page":910},{"title":"سورة الأنبياء","level":1,"page":912},{"title":"١٥٥ - قوله تعالى: ﴿ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما وسخرنا مع داوود الجبال يسبحن والطير وكنا فاعلين﴾ [سورة الأنبياء: ٧٩].","level":2,"page":912},{"title":"أقوال أهل العلم في دلالة الآية على حكم الاجتهاد للأنبياء","level":3,"page":912},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":914},{"title":"النتيجة","level":3,"page":917},{"title":"١٥٦ - قوله تعالى: ﴿وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين (٨٣) فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين﴾ [سورة الأنبياء: ٨٤].","level":2,"page":918},{"title":"أقوال أهل العلم فيما روي من بلاء نبي الله أيوب ﵇","level":3,"page":918},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":918},{"title":"النتيجة","level":3,"page":922},{"title":"سورة الحج","level":1,"page":924},{"title":"١٥٧ - قوله تعالى: ﴿وأصحاب مدين وكذب موسى فأمليت للكافرين ثم أخذتهم فكيف كان نكير﴾ [سورة الحج: ٤٤].","level":2,"page":924},{"title":"أقوال أهل العلم في المراد من القوم الذين كذبوا موسى في قوله تعالى: ﴿وكذب موسى﴾","level":3,"page":924},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":925},{"title":"النتيجة","level":3,"page":927},{"title":"١٥٨ - قوله تعالى: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم﴾ [سورة الحج: ٥٢].","level":2,"page":928},{"title":"أقوال أهل العلم في قصة الغرانيق من حيث القبول والرد","level":3,"page":928},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":930},{"title":"النتيجة","level":3,"page":933},{"title":"سورة المؤمنون","level":1,"page":935},{"title":"١٥٩ - قوله تعالى: ﴿بل قلوبهم في غمرة من هذا ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون﴾ [سورة المؤمنون: ٦٣].","level":2,"page":935},{"title":"أقوال أهل العلم في القوم الذين وصفهم الله في قوله: ﴿بل قلوبهم في غمرة من هذا﴾","level":3,"page":935},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":937},{"title":"النتيجة","level":3,"page":939},{"title":"سورة النور","level":1,"page":941},{"title":"١٦٠ - قوله تعالى: ﴿قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون﴾ [سورة النور: ٣٠].","level":2,"page":941},{"title":"أقوال أهل العلم في المراد من حفظ الفروج في قوله تعالى: ﴿ويحفظوا فروجهم﴾","level":3,"page":941},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":943},{"title":"النتيجة","level":3,"page":944},{"title":"١٦١ - قوله تعالى: ﴿ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ولا على أنفسكم﴾ الآية [سورة النور: ٦١].","level":2,"page":945},{"title":"أقوال أهل العلم في المراد من الحرج المنفي في آية النور: ﴿ليس على الأعمى حرج﴾","level":3,"page":945},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":947},{"title":"النتيجة","level":3,"page":949},{"title":"سورة القصص","level":1,"page":951},{"title":"١٦٢ - قوله تعالى: ﴿ولا تدع مع الله إلها آخر لا إله إلا هو كل شيء هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون﴾ [سورة القصص: ٨٨].","level":2,"page":951},{"title":"أقوال أهل العلم في المراد من قوله تعالى: ﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾","level":3,"page":951},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":953},{"title":"النتيجة","level":3,"page":955},{"title":"سورة العنكبوت","level":1,"page":957},{"title":"١٦٣ - قوله تعالى: ﴿وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير﴾ [سورة العنكبوت: ٢٢].","level":2,"page":957},{"title":"أقوال أهل العلم في المراد من قوله تعالى: ﴿وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء﴾","level":3,"page":957},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":959},{"title":"النتيجة","level":3,"page":961},{"title":"سورة الروم","level":1,"page":963},{"title":"١٦٤ - قوله تعالى: ﴿يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون﴾ [سورة الروم: ٧].","level":2,"page":963},{"title":"أقوال أهل العلم في معنى تنكير لفظ: (ظاهرا) في قوله تعالى: ﴿يعلمون ظاهرا﴾","level":3,"page":963},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":964},{"title":"النتيجة","level":3,"page":966},{"title":"١٦٥ - قوله تعالى: ﴿وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون﴾ [سورة الروم: ٣٩].","level":2,"page":967},{"title":"أقوال أهل العلم في المراد من الربا في قوله تعالى: ﴿وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس﴾","level":3,"page":967},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":969},{"title":"النتيجة","level":3,"page":973},{"title":"سورة الأحزاب","level":1,"page":975},{"title":"١٦٦ - روى الإمام أحمد عن أبي بن كعب ﵁ قال: لقد رأيتها وإنها تعادل سورة البقرة -يعني سورة الأحزاب-. ولقد قرأنا فيها (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم)","level":2,"page":975},{"title":"أقوال أهل العلم في الأثر المروي عن أبي بن كعب ﵁: (لقد رأيتها وإنها تعادل سورة البقرة) من حيث الصحة والضعف","level":3,"page":975},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":977},{"title":"النتيجة","level":3,"page":978},{"title":"١٦٧ - قوله تعالى: ﴿ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم وكان الله غفورا رحيما﴾ [سورة الأحزاب: ٥].","level":2,"page":979},{"title":"أقوال أهل العلم في دلالة قوله تعالى: ﴿ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله﴾ على نسخ التبني","level":3,"page":979},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":980},{"title":"النتيجة","level":3,"page":982},{"title":"١٦٨ - قوله تعالى: ﴿لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن إلا ما ملكت يمينك وكان الله على كل شيء رقيبا﴾ [سورة الأحزاب: ٥٢].","level":2,"page":983},{"title":"أقوال أهل العلم في المراد من قوله تعالى: ﴿لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج﴾ الآية، من حيث الإحكام والنسخ","level":3,"page":983},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":985},{"title":"النتيجة","level":3,"page":988},{"title":"سورة يس","level":1,"page":990},{"title":"١٦٩ - قال القاسمي: هي مكية. واستثنى منها بعضهم قوله تعالى: ﴿إنا نحن نحي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم وكل شيء أحصيناه في إمام مبين﴾","level":2,"page":990},{"title":"أقوال أهل العلم في سورة يس من حيث المكي والمدني","level":3,"page":990},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":992},{"title":"النتيجة","level":3,"page":994},{"title":"١٧٠ - قوله تعالى: ﴿واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون﴾ [سورة يس: ١٣].","level":2,"page":995},{"title":"أقوال أهل العلم في المراد من القرية في قوله تعالى: ﴿واضرب لهم مثلا أصحاب القرية﴾","level":3,"page":995},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":996},{"title":"النتيجة","level":3,"page":999},{"title":"سورة الصافات","level":1,"page":1001},{"title":"١٧١ - قوله تعالى: ﴿لا يسمعون إلى الملإ الأعلى ويقذفون من كل جانب﴾ [سورة الصافات: ٨].","level":2,"page":1001},{"title":"أقوال أهل العلم في المراد من الجملة في قوله تعالى: ﴿لا يسمعون إلى الملإ الأعلى﴾","level":3,"page":1001},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":1003},{"title":"النتيجة","level":3,"page":1006},{"title":"١٧٢ - قوله تعالى: ﴿وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون﴾ [سورة الصافات: ١٥٨].","level":2,"page":1007},{"title":"أقوال أهل العلم في المراد من الجنة في قوله تعالى: ﴿وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا﴾","level":3,"page":1007},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":1009},{"title":"النتيجة","level":3,"page":1010},{"title":"سورة الشورى","level":1,"page":1012},{"title":"١٧٣ - قوله تعالى: ﴿والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون﴾ [سورة الشورى: ٣٩].","level":2,"page":1012},{"title":"أقوال أهل العلم في دلالة قوله تعالى: ﴿والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون﴾ على أفضلية الانتصار","level":3,"page":1012},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":1014},{"title":"النتيجة","level":3,"page":1015},{"title":"١٧٤ - قوله تعالى: ﴿وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء إنه علي حكيم﴾ [سورة الشورى: ٥١].","level":2,"page":1016},{"title":"أقوال أهل العلم في الاستثناء وما يترتب عليه من معنى في قوله تعالى: ﴿وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب﴾","level":3,"page":1016},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":1017},{"title":"النتيجة","level":3,"page":1019},{"title":"سورة الزخرف","level":1,"page":1021},{"title":"١٧٥ - قوله تعالى: ﴿ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون﴾ [سورة الزخرف: ٣٣].","level":2,"page":1021},{"title":"أقوال أهل العلم في المراد من قوله تعالى: ﴿ولولا أن يكون الناس أمة﴾","level":3,"page":1021},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":1022},{"title":"النتيجة","level":3,"page":1024},{"title":"١٧٦ - قوله تعالى: ﴿فاصفح عنهم وقل سلام فسوف يعلمون﴾ [سورة الزخرف: ٨٩].","level":2,"page":1025},{"title":"أقوال أهل العلم في المراد من السلام في قوله تعالى: ﴿فاصفح عنهم وقل سلام﴾","level":3,"page":1025},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":1026},{"title":"النتيجة","level":3,"page":1027},{"title":"سورة الأحقاف","level":1,"page":1029},{"title":"١٧٧ - قوله تعالى: ﴿وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين﴾ [سورة الأحقاف: ٢٩].","level":2,"page":1029},{"title":"أقوال أهل العلم في المراد من قوله تعالى: ﴿وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن﴾","level":3,"page":1029},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":1031},{"title":"النتيجة","level":3,"page":1032},{"title":"سورة الحجرات","level":1,"page":1034},{"title":"١٧٨ - قوله تعالى: ﴿قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا﴾ [سورة الحجرات: ١٤].","level":2,"page":1034},{"title":"أقوال أهل العلم في دلالة قوله تعالى: ﴿قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا﴾ على الفرق بين الإسلام والإيمان","level":3,"page":1034},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":1036},{"title":"النتيجة","level":3,"page":1039},{"title":"سورة الذاريات","level":1,"page":1041},{"title":"١٧٩ - قوله تعالى: ﴿فتول عنهم فما أنت بملوم﴾ [سورة الذاريات: ٥٤].","level":2,"page":1041},{"title":"أقوال أهل العلم في المراد من قوله تعالى: ﴿فتول عنهم فما أنت بملوم﴾","level":3,"page":1041},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":1043},{"title":"النتيجة","level":3,"page":1044},{"title":"سورة النجم","level":1,"page":1045},{"title":"١٨٠ - قوله تعالى: ﴿ولقد رآه نزلة أخرى (١٣) عند سدرة المنتهى (١٤) عندها جنة المأوى (١٥) إذ يغشى السدرة ما يغشى (١٦) ما زاغ البصر وما طغى (١٧) لقد رأى من آيات ربه الكبرى﴾ [سورة النجم: ١٨].","level":2,"page":1045},{"title":"أقوال أهل العلم في السبب الذي من أجله أنزلت سورة النجم","level":3,"page":1045},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":1046},{"title":"النتيجة","level":3,"page":1048},{"title":"١٨١ - قوله تعالى: ﴿فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا﴾ [سورة النجم: ٢٩].","level":2,"page":1049},{"title":"أقوال أهل العلم في المراد من الإعراض في قوله تعالى: ﴿فأعرض عن من تولى عن ذكرنا﴾","level":3,"page":1049},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":1050},{"title":"النتيجة","level":3,"page":1053},{"title":"سورة الرحمن","level":1,"page":1054},{"title":"١٨٢ - قوله تعالى: ﴿مرج البحرين يلتقيان (١٩) بينهما برزخ لا يبغيان﴾ [سورة الرحمن: ١٩].","level":2,"page":1054},{"title":"أقوال أهل العلم في المراد من قوله تعالى: ﴿مرج البحرين يلتقيان﴾","level":3,"page":1054},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":1056},{"title":"النتيجة","level":3,"page":1058},{"title":"١٨٣ - قوله تعالى: ﴿يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران﴾ [سورة الرحمن: ٣٥].","level":2,"page":1059},{"title":"أقوال أهل العلم في الزمن الذي يخاطب الله تعالى الكفار من الإنس والجن بقوله: ﴿يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران﴾","level":3,"page":1059},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":1060},{"title":"النتيجة","level":3,"page":1062},{"title":"سورة الحشر","level":1,"page":1064},{"title":"١٨٤ - قوله تعالى: ﴿والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم﴾ [سورة الحشر: ١٠].","level":2,"page":1064},{"title":"أقوال أهل العلم في قوله تعالى: ﴿والذين جاءوا من بعدهم﴾ الآية، وموقعه من الإعراب وما يترتب عليه من معني","level":3,"page":1064},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":1066},{"title":"النتيجة","level":3,"page":1068},{"title":"سورة المعارج","level":1,"page":1070},{"title":"١٨٥ - قوله تعالى: ﴿تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة﴾ [سورة المعارج: ٤].","level":2,"page":1070},{"title":"أقوال أهل العلم في المراد من اليوم في قوله تعالى: ﴿في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة﴾","level":3,"page":1070},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":1071},{"title":"النتيجة","level":3,"page":1073},{"title":"سورة نوح","level":1,"page":1074},{"title":"١٨٦ - قوله تعالى: ﴿وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا﴾ [سورة نوح: ٢٣].","level":2,"page":1074},{"title":"أقوال أهل العلم في ثبوت انتقال الأصنام التي كان يعبدها قوم نوح ﵇ إلى جزيرة العرب","level":3,"page":1074},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":1075},{"title":"النتيجة","level":3,"page":1077},{"title":"سورة المرسلات","level":1,"page":1078},{"title":"١٨٧ - قوله تعالى: ﴿لأي يوم أجلت﴾ [سورة المرسلات: ١٢].","level":2,"page":1078},{"title":"أقوال أهل العلم في المراد من قوله تعالى: ﴿لأي يوم أجلت﴾","level":3,"page":1078},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":1080},{"title":"النتيجة","level":3,"page":1081},{"title":"١٨٨ - قوله تعالى: ﴿ألم نجعل الأرض كفاتا (٢٥) أحياء وأمواتا﴾ [سورة المرسلات: ٢٦].","level":2,"page":1082},{"title":"أقوال أهل العلم في دلالة قوله تعالى: ﴿ألم نجعل الأرض كفاتا﴾ على وجوب مواراة الميت، ووجوب قطع يد النباش","level":3,"page":1082},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":1084},{"title":"النتيجة","level":3,"page":1085},{"title":"سورة المطففين","level":1,"page":1087},{"title":"١٨٩ - قوله تعالى: ﴿ويل للمطففين﴾ [سورة المطففين: ١].","level":2,"page":1087},{"title":"أقوال أهل العلم في سورة المطففين من حيث المكي والمدني","level":3,"page":1087},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":1089},{"title":"النتيجة","level":3,"page":1090},{"title":"سورة التين","level":1,"page":1091},{"title":"١٩٠ - قوله تعالى: ﴿والتين والزيتون﴾ [سورة التين: ١].","level":2,"page":1091},{"title":"أقوال أهل العلم في المراد من التين والزيتون في قوله تعالى: ﴿والتين والزيتون﴾","level":3,"page":1091},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":1093},{"title":"النتيجة","level":3,"page":1095},{"title":"سورة العاديات","level":1,"page":1096},{"title":"١٩١ - قوله تعالى: ﴿فالموريات قدحا﴾ [سورة العاديات: ٢].","level":2,"page":1096},{"title":"أقوال أهل العلم في المراد من قوله تعالى: ﴿فالموريات قدحا﴾","level":3,"page":1096},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":1097},{"title":"النتيجة","level":3,"page":1099},{"title":"سورة قريش","level":1,"page":1100},{"title":"١٩٢ - قوله تعالى: ﴿لإيلاف قريش﴾ [سورة قريش: ١].","level":2,"page":1100},{"title":"أقوال أهل العلم في تعلق (اللام) في قوله تعالى: ﴿لإيلاف قريش﴾","level":3,"page":1100},{"title":"دراسة المسألة","level":3,"page":1102},{"title":"النتيجة","level":3,"page":1104},{"title":"الخاتمة","level":1,"page":1105},{"title":"جدول تصنيف المسائل والمواضع لتعقبات القاسمي ﵀","level":2,"page":1108},{"title":"أولا: تعقبات القاسمي من حيث موافقة الباحث مع القاسمي وعدم موافقته","level":3,"page":1108},{"title":"١ - التعقبات التي اتفق فيها الباحث مع القاسمي [١٢٧]","level":4,"page":1108},{"title":"٢ - التعقبات التي لم يتفق فيها الباحث مع القاسمي [٤٦]","level":4,"page":1109},{"title":"٣ - التعقبات التي اتفق فيها الباحث مع القاسمي من وجه دون وجه [١٩]","level":4,"page":1109},{"title":"ثانيا: أنواع التعقبات","level":4,"page":1110},{"title":"١ - التعقبات الصريحة [١٤٧]","level":4,"page":1110},{"title":"٢ - التعقبات غير الصريحة [٤٥]","level":4,"page":1111},{"title":"ثالثا: المسائل المتعلقة بالتعقبات","level":3,"page":1112},{"title":"١ - المسائل المتعلقة بالتفسير [٨٦]","level":4,"page":1112},{"title":"٢ - المسائل المتعلقة بعلوم القرآن [١٨]","level":4,"page":1112},{"title":"٣ - المسائل المتعلقة بالعقيدة [٢٤]","level":4,"page":1112},{"title":"٤ - المسائل المتعلقة بالحديث وعلومه [٨]","level":4,"page":1113},{"title":"٥ - المسائل المتعلقة بالفقه، وأحكام القرآن [٢٤]","level":4,"page":1113},{"title":"٦ - المسائل المتعلقة بأصول الفقه [٤]","level":4,"page":1113},{"title":"٧ - المسائل المتعلقة باللغة والبلاغة [١٩]","level":4,"page":1113},{"title":"٨ - المسائل المتعلقة بالسير والأخبار [٩]","level":4,"page":1113},{"title":"رابعا: المتعقب عليهم","level":3,"page":1114},{"title":"خامسا: ألفاظ التعقب","level":3,"page":1117},{"title":"وأما التوصيات فمنها","level":2,"page":1123},{"title":"فهرس المصادر والمراجع","level":1,"page":1124}],"ٛ":{"1,1":1,"1,3":2,"1,4":3,"1,5":4,"1,6":5,"1,7":6,"1,8":7,"1,9":8,"1,10":9,"1,11":10,"1,12":11,"1,13":12,"1,14":13,"1,15":14,"1,16":15,"1,17":16,"1,18":17,"1,19":18,"1,20":19,"1,21":20,"1,22":21,"1,23":22,"1,24":23,"1,25":24,"1,26":25,"1,27":26,"1,28":27,"1,29":28,"1,30":29,"1,31":30,"1,32":31,"1,33":32,"1,34":33,"1,35":34,"1,36":35,"1,37":36,"1,38":37,"1,39":38,"1,40":39,"1,41":40,"1,42":41,"1,43":42,"1,44":43,"1,45":44,"1,46":45,"1,47":46,"1,48":47,"1,49":48,"1,50":49,"1,51":50,"1,52":51,"1,53":52,"1,54":53,"1,55":54,"1,56":55,"1,57":56,"1,58":57,"1,59":58,"1,60":59,"1,61":60,"1,62":61,"1,63":62,"1,64":63,"1,65":64,"1,66":65,"1,67":66,"1,68":67,"1,69":68,"1,70":69,"1,71":70,"1,72":71,"1,73":72,"1,74":73,"1,75":74,"1,76":75,"1,77":76,"1,78":77,"1,79":78,"1,80":79,"1,81":80,"1,82":81,"1,83":82,"1,84":83,"1,85":84,"1,86":85,"1,87":86,"1,88":87,"1,89":88,"1,90":89,"1,91":90,"1,92":91,"1,93":92,"1,94":93,"1,95":94,"1,96":95,"1,97":96,"1,98":97,"1,99":98,"1,100":99,"1,101":100,"1,102":101,"1,103":102,"1,104":103,"1,105":104,"1,106":105,"1,107":106,"1,108":107,"1,109":108,"1,110":109,"1,111":110,"1,112":111,"1,113":112,"1,114":113,"1,115":114,"1,116":115,"1,117":116,"1,118":117,"1,119":118,"1,120":119,"1,121":120,"1,122":121,"1,123":122,"1,124":123,"1,125":124,"1,126":125,"1,127":126,"1,128":127,"1,129":128,"1,130":129,"1,131":130,"1,132":131,"1,133":132,"1,134":133,"1,135":134,"1,136":135,"1,137":136,"1,138":137,"1,139":138,"1,140":139,"1,141":140,"1,142":141,"1,143":142,"1,144":143,"1,145":144,"1,146":145,"1,147":146,"1,148":147,"1,149":148,"1,150":149,"1,151":150,"1,152":151,"1,153":152,"1,154":153,"1,155":154,"1,156":155,"1,157":156,"1,158":157,"1,159":158,"1,160":159,"1,161":160,"1,162":161,"1,163":162,"1,164":163,"1,165":164,"1,166":165,"1,167":166,"1,168":167,"1,169":168,"1,170":169,"1,171":170,"1,172":171,"1,173":172,"1,174":173,"1,175":174,"1,176":175,"1,177":176,"1,178":177,"1,179":178,"1,180":179,"1,181":180,"1,182":181,"1,183":182,"1,184":183,"1,185":184,"1,186":185,"1,187":186,"1,188":187,"1,189":188,"1,190":189,"1,191":190,"1,192":191,"1,193":192,"1,194":193,"1,195":194,"1,196":195,"1,197":196,"1,198":197,"1,199":198,"1,200":199,"1,201":200,"1,202":201,"1,203":202,"1,204":203,"1,205":204,"1,206":205,"1,207":206,"1,208":207,"1,209":208,"1,210":209,"1,211":210,"1,212":211,"1,213":212,"1,214":213,"1,215":214,"1,216":215,"1,217":216,"1,218":217,"1,219":218,"1,220":219,"1,221":220,"1,222":221,"1,223":222,"1,224":223,"1,225":224,"1,226":225,"1,227":226,"1,228":227,"1,229":228,"1,230":229,"1,231":230,"1,232":231,"1,233":232,"1,234":233,"1,235":234,"1,236":235,"1,237":236,"1,238":237,"1,239":238,"1,240":239,"1,241":240,"1,242":241,"1,243":242,"1,244":243,"1,245":244,"1,246":245,"1,247":246,"1,248":247,"1,249":248,"1,250":249,"1,251":250,"1,252":251,"1,253":252,"1,254":253,"1,255":254,"1,256":255,"1,257":256,"1,258":257,"1,259":258,"1,260":259,"1,261":260,"1,262":261,"1,263":262,"1,264":263,"1,265":264,"1,266":265,"1,267":266,"1,268":267,"1,269":268,"1,270":269,"1,271":270,"1,272":271,"1,273":272,"1,274":273,"1,275":274,"1,276":275,"1,277":276,"1,278":277,"1,279":278,"1,280":279,"1,281":280,"1,282":281,"1,283":282,"1,284":283,"1,285":284,"1,286":285,"1,287":286,"1,288":287,"1,289":288,"1,290":289,"1,291":290,"1,292":291,"1,293":292,"1,294":293,"1,295":294,"1,296":295,"1,297":296,"1,298":297,"1,299":298,"1,300":299,"1,301":300,"1,302":301,"1,303":302,"1,304":303,"1,305":304,"1,306":305,"1,307":306,"1,308":307,"1,309":308,"1,310":309,"1,311":310,"1,312":311,"1,313":312,"1,314":313,"1,315":314,"1,316":315,"1,317":316,"1,318":317,"1,319":318,"1,320":319,"1,321":320,"1,322":321,"1,323":322,"1,324":323,"1,325":324,"1,326":325,"1,327":326,"1,328":327,"1,329":328,"1,330":329,"1,331":330,"1,332":331,"1,333":332,"1,334":333,"1,335":334,"1,336":335,"1,337":336,"1,338":337,"1,339":338,"1,340":339,"1,341":340,"1,342":341,"1,343":342,"1,344":343,"1,345":344,"1,346":345,"1,347":346,"1,348":347,"1,349":348,"1,350":349,"1,351":350,"1,352":351,"1,353":352,"1,354":353,"1,355":354,"1,356":355,"1,357":356,"1,358":357,"1,359":358,"1,360":359,"1,361":360,"1,362":361,"1,363":362,"1,364":363,"1,365":364,"1,366":365,"1,367":366,"1,368":367,"1,369":368,"1,370":369,"1,371":370,"1,372":371,"1,373":372,"1,374":373,"1,375":374,"1,376":375,"1,377":376,"1,378":377,"1,379":378,"1,380":379,"1,381":380,"1,382":381,"1,383":382,"1,384":383,"1,385":384,"1,386":385,"1,387":386,"1,388":387,"1,389":388,"1,390":389,"1,391":390,"1,392":391,"1,393":392,"1,394":393,"1,395":394,"1,396":395,"1,397":396,"1,398":397,"1,399":398,"1,400":399,"1,401":400,"1,402":401,"1,403":402,"1,404":403,"1,405":404,"1,406":405,"1,407":406,"1,408":407,"1,409":408,"1,410":409,"1,411":410,"1,412":411,"1,413":412,"1,414":413,"1,415":414,"1,416":415,"1,417":416,"1,418":417,"1,419":418,"1,420":419,"1,421":420,"1,422":421,"1,423":422,"1,424":423,"1,425":424,"1,426":425,"1,427":426,"1,428":427,"1,429":428,"1,430":429,"1,431":430,"1,432":431,"1,433":432,"1,434":433,"1,435":434,"1,436":435,"1,437":436,"1,438":437,"1,439":438,"1,440":439,"1,441":440,"1,442":441,"1,443":442,"1,444":443,"1,445":444,"1,446":445,"1,447":446,"1,448":447,"1,449":448,"1,450":449,"1,451":450,"1,452":451,"1,453":452,"1,454":453,"1,455":454,"1,456":455,"1,457":456,"1,458":457,"1,459":458,"1,460":459,"1,461":460,"1,462":461,"1,463":462,"1,464":463,"1,465":464,"1,466":465,"1,467":466,"1,468":467,"1,469":468,"1,470":469,"1,471":470,"1,472":471,"1,473":472,"1,474":473,"1,475":474,"1,476":475,"1,477":476,"1,478":477,"1,479":478,"1,480":479,"1,481":480,"1,482":481,"1,483":482,"1,484":483,"1,485":484,"1,486":485,"1,487":486,"1,488":487,"1,489":488,"1,490":489,"1,491":490,"1,492":491,"1,493":492,"1,494":493,"1,495":494,"1,496":495,"1,497":496,"1,498":497,"1,499":498,"1,500":499,"1,501":500,"1,502":501,"1,503":502,"1,504":503,"1,505":504,"1,506":505,"1,507":506,"1,508":507,"1,509":508,"1,510":509,"1,511":510,"1,512":511,"1,513":512,"1,514":513,"1,515":514,"1,516":515,"1,517":516,"1,518":517,"1,519":518,"1,520":519,"1,521":520,"1,522":521,"1,523":522,"1,524":523,"1,525":524,"1,526":525,"1,527":526,"1,528":527,"1,529":528,"1,530":529,"1,531":530,"1,532":531,"1,533":532,"1,534":533,"1,535":534,"1,536":535,"1,537":536,"1,538":537,"1,539":538,"1,540":539,"1,541":540,"1,542":541,"1,543":542,"1,544":543,"1,545":544,"1,546":545,"1,547":546,"1,548":547,"1,549":548,"1,550":549,"1,551":550,"1,552":551,"1,553":552,"1,554":553,"1,555":554,"1,556":555,"1,557":556,"1,558":557,"1,559":558,"1,560":559,"1,561":560,"1,562":561,"1,563":562,"1,564":563,"1,565":564,"1,566":565,"1,567":566,"1,568":567,"1,569":568,"1,570":569,"1,571":570,"1,572":571,"1,573":572,"1,574":573,"1,575":574,"1,576":575,"1,577":576,"1,578":577,"1,579":578,"1,580":579,"1,581":580,"1,582":581,"1,583":582,"1,584":583,"1,585":584,"1,586":585,"1,587":586,"1,588":587,"1,589":588,"1,590":589,"1,591":590,"1,592":591,"1,593":592,"1,594":593,"1,595":594,"1,596":595,"1,597":596,"1,598":597,"1,599":598,"1,600":599,"1,601":600,"1,602":601,"1,603":602,"1,604":603,"1,605":604,"1,606":605,"1,607":606,"1,608":607,"1,609":608,"1,610":609,"1,611":610,"1,612":611,"1,613":612,"1,614":613,"1,615":614,"1,616":615,"1,617":616,"1,618":617,"1,619":618,"1,620":619,"1,621":620,"1,622":621,"1,623":622,"1,624":623,"1,625":624,"1,626":625,"1,627":626,"1,628":627,"1,629":628,"1,630":629,"1,631":630,"1,632":631,"1,633":632,"1,634":633,"1,635":634,"1,636":635,"1,637":636,"1,638":637,"1,639":638,"1,640":639,"1,641":640,"1,642":641,"1,643":642,"1,644":643,"1,645":644,"1,646":645,"1,647":646,"1,648":647,"1,649":648,"1,650":649,"1,651":650,"1,652":651,"1,653":652,"2,655":653,"2,656":654,"2,657":655,"2,658":656,"2,659":657,"2,660":658,"2,661":659,"2,662":660,"2,663":661,"2,664":662,"2,665":663,"2,666":664,"2,667":665,"2,668":666,"2,669":667,"2,670":668,"2,671":669,"2,672":670,"2,673":671,"2,674":672,"2,675":673,"2,676":674,"2,677":675,"2,678":676,"2,679":677,"2,680":678,"2,681":679,"2,682":680,"2,683":681,"2,684":682,"2,685":683,"2,686":684,"2,687":685,"2,688":686,"2,689":687,"2,690":688,"2,691":689,"2,692":690,"2,693":691,"2,694":692,"2,695":693,"2,696":694,"2,697":695,"2,698":696,"2,699":697,"2,700":698,"2,701":699,"2,702":700,"2,703":701,"2,704":702,"2,705":703,"2,706":704,"2,707":705,"2,708":706,"2,709":707,"2,710":708,"2,711":709,"2,712":710,"2,713":711,"2,714":712,"2,715":713,"2,716":714,"2,717":715,"2,718":716,"2,719":717,"2,720":718,"2,721":719,"2,722":720,"2,723":721,"2,724":722,"2,725":723,"2,726":724,"2,727":725,"2,728":726,"2,729":727,"2,730":728,"2,731":729,"2,732":730,"2,733":731,"2,734":732,"2,735":733,"2,736":734,"2,737":735,"2,738":736,"2,739":737,"2,740":738,"2,741":739,"2,742":740,"2,743":741,"2,744":742,"2,745":743,"2,746":744,"2,747":745,"2,748":746,"2,749":747,"2,750":748,"2,751":749,"2,752":750,"2,753":751,"2,754":752,"2,755":753,"2,756":754,"2,757":755,"2,758":756,"2,759":757,"2,760":758,"2,761":759,"2,762":760,"2,763":761,"2,764":762,"2,765":763,"2,766":764,"2,767":765,"2,768":766,"2,769":767,"2,770":768,"2,771":769,"2,772":770,"2,773":771,"2,774":772,"2,775":773,"2,776":774,"2,777":775,"2,778":776,"2,779":777,"2,780":778,"2,781":779,"2,782":780,"2,783":781,"2,784":782,"2,785":783,"2,786":784,"2,787":785,"2,788":786,"2,789":787,"2,790":788,"2,791":789,"2,792":790,"2,793":791,"2,794":792,"2,795":793,"2,796":794,"2,797":795,"2,798":796,"2,799":797,"2,800":798,"2,801":799,"2,802":800,"2,803":801,"2,804":802,"2,805":803,"2,806":804,"2,807":805,"2,808":806,"2,809":807,"2,810":808,"2,811":809,"2,812":810,"2,813":811,"2,814":812,"2,815":813,"2,816":814,"2,817":815,"2,818":816,"2,819":817,"2,820":818,"2,821":819,"2,822":820,"2,823":821,"2,824":822,"2,825":823,"2,826":824,"2,827":825,"2,828":826,"2,829":827,"2,830":828,"2,831":829,"2,832":830,"2,833":831,"2,834":832,"2,835":833,"2,836":834,"2,837":835,"2,838":836,"2,839":837,"2,840":838,"2,841":839,"2,842":840,"2,843":841,"2,844":842,"2,845":843,"2,846":844,"2,847":845,"2,848":846,"2,849":847,"2,850":848,"2,851":849,"2,852":850,"2,853":851,"2,854":852,"2,855":853,"2,856":854,"2,857":855,"2,858":856,"2,859":857,"2,860":858,"2,861":859,"2,862":860,"2,863":861,"2,864":862,"2,865":863,"2,866":864,"2,867":865,"2,868":866,"2,869":867,"2,870":868,"2,871":869,"2,872":870,"2,873":871,"2,874":872,"2,875":873,"2,876":874,"2,877":875,"2,878":876,"2,879":877,"2,880":878,"2,881":879,"2,882":880,"2,883":881,"2,884":882,"2,885":883,"2,886":884,"2,887":885,"2,888":886,"2,889":887,"2,890":888,"2,891":889,"2,892":890,"2,893":891,"2,894":892,"2,895":893,"2,896":894,"2,897":895,"2,898":896,"2,899":897,"2,900":898,"2,901":899,"2,902":900,"2,903":901,"2,904":902,"2,905":903,"2,906":904,"2,907":905,"2,908":906,"2,909":907,"2,910":908,"2,911":909,"2,912":910,"2,913":911,"2,914":912,"2,915":913,"2,916":914,"2,917":915,"2,918":916,"2,919":917,"2,920":918,"2,921":919,"2,922":920,"2,923":921,"2,924":922,"2,925":923,"2,926":924,"2,927":925,"2,928":926,"2,929":927,"2,930":928,"2,931":929,"2,932":930,"2,933":931,"2,934":932,"2,935":933,"2,936":934,"2,937":935,"2,938":936,"2,939":937,"2,940":938,"2,941":939,"2,942":940,"2,943":941,"2,944":942,"2,945":943,"2,946":944,"2,947":945,"2,948":946,"2,949":947,"2,950":948,"2,951":949,"2,952":950,"2,953":951,"2,954":952,"2,955":953,"2,956":954,"2,957":955,"2,958":956,"2,959":957,"2,960":958,"2,961":959,"2,962":960,"2,963":961,"2,964":962,"2,965":963,"2,966":964,"2,967":965,"2,968":966,"2,969":967,"2,970":968,"2,971":969,"2,972":970,"2,973":971,"2,974":972,"2,975":973,"2,976":974,"2,977":975,"2,978":976,"2,979":977,"2,980":978,"2,981":979,"2,982":980,"2,983":981,"2,984":982,"2,985":983,"2,986":984,"2,987":985,"2,988":986,"2,989":987,"2,990":988,"2,991":989,"2,992":990,"2,993":991,"2,994":992,"2,995":993,"2,996":994,"2,997":995,"2,998":996,"2,999":997,"2,1000":998,"2,1001":999,"2,1002":1000,"2,1003":1001,"2,1004":1002,"2,1005":1003,"2,1006":1004,"2,1007":1005,"2,1008":1006,"2,1009":1007,"2,1010":1008,"2,1011":1009,"2,1012":1010,"2,1013":1011,"2,1014":1012,"2,1015":1013,"2,1016":1014,"2,1017":1015,"2,1018":1016,"2,1019":1017,"2,1020":1018,"2,1021":1019,"2,1022":1020,"2,1023":1021,"2,1024":1022,"2,1025":1023,"2,1026":1024,"2,1027":1025,"2,1028":1026,"2,1029":1027,"2,1030":1028,"2,1031":1029,"2,1032":1030,"2,1033":1031,"2,1034":1032,"2,1035":1033,"2,1036":1034,"2,1037":1035,"2,1038":1036,"2,1039":1037,"2,1040":1038,"2,1041":1039,"2,1042":1040,"2,1043":1041,"2,1044":1042,"2,1045":1043,"2,1046":1044,"2,1047":1045,"2,1048":1046,"2,1049":1047,"2,1050":1048,"2,1051":1049,"2,1052":1050,"2,1053":1051,"2,1054":1052,"2,1055":1053,"2,1056":1054,"2,1057":1055,"2,1058":1056,"2,1059":1057,"2,1060":1058,"2,1061":1059,"2,1062":1060,"2,1063":1061,"2,1064":1062,"2,1065":1063,"2,1066":1064,"2,1067":1065,"2,1068":1066,"2,1069":1067,"2,1070":1068,"2,1071":1069,"2,1072":1070,"2,1073":1071,"2,1074":1072,"2,1075":1073,"2,1076":1074,"2,1077":1075,"2,1078":1076,"2,1079":1077,"2,1080":1078,"2,1081":1079,"2,1082":1080,"2,1083":1081,"2,1084":1082,"2,1085":1083,"2,1086":1084,"2,1087":1085,"2,1088":1086,"2,1089":1087,"2,1090":1088,"2,1091":1089,"2,1092":1090,"2,1093":1091,"2,1094":1092,"2,1095":1093,"2,1096":1094,"2,1097":1095,"2,1098":1096,"2,1099":1097,"2,1100":1098,"2,1101":1099,"2,1102":1100,"2,1103":1101,"2,1104":1102,"2,1105":1103,"2,1106":1104,"2,1107":1105,"2,1108":1106,"2,1109":1107,"2,1110":1108,"2,1111":1109,"2,1112":1110,"2,1113":1111,"2,1114":1112,"2,1115":1113,"2,1116":1114,"2,1117":1115,"2,1118":1116,"2,1119":1117,"2,1120":1118,"2,1121":1119,"2,1122":1120,"2,1123":1121,"2,1124":1122,"2,1125":1123,"2,1191":1124,"2,1192":1125,"2,1193":1126,"2,1194":1127,"2,1195":1128,"2,1196":1129,"2,1197":1130,"2,1198":1131,"2,1199":1132,"2,1200":1133,"2,1201":1134,"2,1202":1135,"2,1203":1136,"2,1204":1137,"2,1205":1138,"2,1206":1139,"2,1207":1140,"2,1208":1141,"2,1209":1142,"2,1210":1143,"2,1211":1144,"2,1212":1145,"2,1213":1146,"2,1214":1147,"2,1215":1148,"2,1216":1149,"2,1217":1150,"2,1218":1151,"2,1219":1152,"2,1220":1153,"2,1221":1154,"2,1222":1155,"2,1223":1156,"2,1224":1157,"2,1225":1158,"2,1226":1159,"2,1227":1160,"2,1228":1161,"2,1229":1162,"2,1230":1163,"2,1231":1164,"2,1232":1165,"2,1233":1166,"2,1234":1167,"2,1235":1168,"2,1236":1169,"2,1237":1170,"2,1238":1171,"2,1239":1172,"2,1240":1173,"2,1241":1174,"2,1242":1175,"2,1243":1176,"2,1244":1177,"2,1245":1178,"2,1246":1179,"2,1247":1180,"2,1248":1181,"2,1249":1182,"2,1250":1183,"2,1251":1184,"2,1252":1185,"2,1253":1186,"2,1254":1187,"2,1255":1188,"2,1256":1189,"2,1257":1190,"2,1258":1191,"2,1259":1192,"2,1260":1193,"2,1261":1194,"2,1262":1195,"2,1263":1196,"2,1264":1197,"2,1265":1198,"2,1266":1199,"2,1267":1200,"2,1268":1201,"2,1269":1202},"ٜ":{"1":[1,653],"2":[655,1269]},"ٝ":["1,1","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,494","1,495","1,496","1,497","1,498","1,499","1,500","1,501","1,502","1,503","1,504","1,505","1,506","1,507","1,508","1,509","1,510","1,511","1,512","1,513","1,514","1,515","1,516","1,517","1,518","1,519","1,520","1,521","1,522","1,523","1,524","1,525","1,526","1,527","1,528","1,529","1,530","1,531","1,532","1,533","1,534","1,535","1,536","1,537","1,538","1,539","1,540","1,541","1,542","1,543","1,544","1,545","1,546","1,547","1,548","1,549","1,550","1,551","1,552","1,553","1,554","1,555","1,556","1,557","1,558","1,559","1,560","1,561","1,562","1,563","1,564","1,565","1,566","1,567","1,568","1,569","1,570","1,571","1,572","1,573","1,574","1,575","1,576","1,577","1,578","1,579","1,580","1,581","1,582","1,583","1,584","1,585","1,586","1,587","1,588","1,589","1,590","1,591","1,592","1,593","1,594","1,595","1,596","1,597","1,598","1,599","1,600","1,601","1,602","1,603","1,604","1,605","1,606","1,607","1,608","1,609","1,610","1,611","1,612","1,613","1,614","1,615","1,616","1,617","1,618","1,619","1,620","1,621","1,622","1,623","1,624","1,625","1,626","1,627","1,628","1,629","1,630","1,631","1,632","1,633","1,634","1,635","1,636","1,637","1,638","1,639","1,640","1,641","1,642","1,643","1,644","1,645","1,646","1,647","1,648","1,649","1,650","1,651","1,652","1,653","2,655","2,656","2,657","2,658","2,659","2,660","2,661","2,662","2,663","2,664","2,665","2,666","2,667","2,668","2,669","2,670","2,671","2,672","2,673","2,674","2,675","2,676","2,677","2,678","2,679","2,680","2,681","2,682","2,683","2,684","2,685","2,686","2,687","2,688","2,689","2,690","2,691","2,692","2,693","2,694","2,695","2,696","2,697","2,698","2,699","2,700","2,701","2,702","2,703","2,704","2,705","2,706","2,707","2,708","2,709","2,710","2,711","2,712","2,713","2,714","2,715","2,716","2,717","2,718","2,719","2,720","2,721","2,722","2,723","2,724","2,725","2,726","2,727","2,728","2,729","2,730","2,731","2,732","2,733","2,734","2,735","2,736","2,737","2,738","2,739","2,740","2,741","2,742","2,743","2,744","2,745","2,746","2,747","2,748","2,749","2,750","2,751","2,752","2,753","2,754","2,755","2,756","2,757","2,758","2,759","2,760","2,761","2,762","2,763","2,764","2,765","2,766","2,767","2,768","2,769","2,770","2,771","2,772","2,773","2,774","2,775","2,776","2,777","2,778","2,779","2,780","2,781","2,782","2,783","2,784","2,785","2,786","2,787","2,788","2,789","2,790","2,791","2,792","2,793","2,794","2,795","2,796","2,797","2,798","2,799","2,800","2,801","2,802","2,803","2,804","2,805","2,806","2,807","2,808","2,809","2,810","2,811","2,812","2,813","2,814","2,815","2,816","2,817","2,818","2,819","2,820","2,821","2,822","2,823","2,824","2,825","2,826","2,827","2,828","2,829","2,830","2,831","2,832","2,833","2,834","2,835","2,836","2,837","2,838","2,839","2,840","2,841","2,842","2,843","2,844","2,845","2,846","2,847","2,848","2,849","2,850","2,851","2,852","2,853","2,854","2,855","2,856","2,857","2,858","2,859","2,860","2,861","2,862","2,863","2,864","2,865","2,866","2,867","2,868","2,869","2,870","2,871","2,872","2,873","2,874","2,875","2,876","2,877","2,878","2,879","2,880","2,881","2,882","2,883","2,884","2,885","2,886","2,887","2,888","2,889","2,890","2,891","2,892","2,893","2,894","2,895","2,896","2,897","2,898","2,899","2,900","2,901","2,902","2,903","2,904","2,905","2,906","2,907","2,908","2,909","2,910","2,911","2,912","2,913","2,914","2,915","2,916","2,917","2,918","2,919","2,920","2,921","2,922","2,923","2,924","2,925","2,926","2,927","2,928","2,929","2,930","2,931","2,932","2,933","2,934","2,935","2,936","2,937","2,938","2,939","2,940","2,941","2,942","2,943","2,944","2,945","2,946","2,947","2,948","2,949","2,950","2,951","2,952","2,953","2,954","2,955","2,956","2,957","2,958","2,959","2,960","2,961","2,962","2,963","2,964","2,965","2,966","2,967","2,968","2,969","2,970","2,971","2,972","2,973","2,974","2,975","2,976","2,977","2,978","2,979","2,980","2,981","2,982","2,983","2,984","2,985","2,986","2,987","2,988","2,989","2,990","2,991","2,992","2,993","2,994","2,995","2,996","2,997","2,998","2,999","2,1000","2,1001","2,1002","2,1003","2,1004","2,1005","2,1006","2,1007","2,1008","2,1009","2,1010","2,1011","2,1012","2,1013","2,1014","2,1015","2,1016","2,1017","2,1018","2,1019","2,1020","2,1021","2,1022","2,1023","2,1024","2,1025","2,1026","2,1027","2,1028","2,1029","2,1030","2,1031","2,1032","2,1033","2,1034","2,1035","2,1036","2,1037","2,1038","2,1039","2,1040","2,1041","2,1042","2,1043","2,1044","2,1045","2,1046","2,1047","2,1048","2,1049","2,1050","2,1051","2,1052","2,1053","2,1054","2,1055","2,1056","2,1057","2,1058","2,1059","2,1060","2,1061","2,1062","2,1063","2,1064","2,1065","2,1066","2,1067","2,1068","2,1069","2,1070","2,1071","2,1072","2,1073","2,1074","2,1075","2,1076","2,1077","2,1078","2,1079","2,1080","2,1081","2,1082","2,1083","2,1084","2,1085","2,1086","2,1087","2,1088","2,1089","2,1090","2,1091","2,1092","2,1093","2,1094","2,1095","2,1096","2,1097","2,1098","2,1099","2,1100","2,1101","2,1102","2,1103","2,1104","2,1105","2,1106","2,1107","2,1108","2,1109","2,1110","2,1111","2,1112","2,1113","2,1114","2,1115","2,1116","2,1117","2,1118","2,1119","2,1120","2,1121","2,1122","2,1123","2,1124","2,1125","2,1191","2,1192","2,1193","2,1194","2,1195","2,1196","2,1197","2,1198","2,1199","2,1200","2,1201","2,1202","2,1203","2,1204","2,1205","2,1206","2,1207","2,1208","2,1209","2,1210","2,1211","2,1212","2,1213","2,1214","2,1215","2,1216","2,1217","2,1218","2,1219","2,1220","2,1221","2,1222","2,1223","2,1224","2,1225","2,1226","2,1227","2,1228","2,1229","2,1230","2,1231","2,1232","2,1233","2,1234","2,1235","2,1236","2,1237","2,1238","2,1239","2,1240","2,1241","2,1242","2,1243","2,1244","2,1245","2,1246","2,1247","2,1248","2,1249","2,1250","2,1251","2,1252","2,1253","2,1254","2,1255","2,1256","2,1257","2,1258","2,1259","2,1260","2,1261","2,1262","2,1263","2,1264","2,1265","2,1266","2,1267","2,1268","2,1269"],"ٞ":{"2":[1],"4":[2,3,4,5],"6":[6],"8":[7],"11":[8],"12":[9,10],"18":[11],"20":[12,13],"21":[14,15,16],"22":[17],"23":[18,19],"24":[20,21],"25":[22],"26":[23],"27":[24],"28":[25],"33":[26],"35":[27,28],"37":[29],"38":[30],"39":[31],"40":[32,33],"41":[34],"42":[35,36],"47":[37],"48":[38],"49":[39,40],"51":[41,42],"53":[43],"58":[44],"59":[45,46],"61":[47,48],"62":[49,50],"63":[51],"66":[52],"67":[53,54],"69":[55],"71":[56],"72":[57],"73":[58],"74":[59,60],"75":[61,62],"76":[63,64],"78":[65,66,67],"80":[68,69,70],"81":[71],"82":[72],"83":[73],"84":[74,75],"86":[76,77,78,79],"87":[80,81],"88":[82,83,84,85],"89":[86,87,88],"90":[89,90,91,92],"91":[93,94],"92":[95,96,97],"93":[98,99,100],"94":[101,102],"96":[103],"97":[104,105],"98":[106],"99":[107],"100":[108],"101":[109],"102":[110],"103":[111,112],"105":[113,114],"106":[115,116,117],"108":[118,119],"110":[120],"111":[121],"112":[122],"113":[123,124],"115":[125],"116":[126],"117":[127],"119":[128],"120":[129],"121":[130],"123":[131],"124":[132,133],"125":[134],"126":[135],"127":[136],"128":[137],"129":[138],"130":[139],"132":[140],"133":[141],"135":[142],"143":[143,144,145],"144":[146],"146":[147],"147":[148,149],"148":[150],"152":[151],"153":[152,153],"155":[154],"159":[155],"160":[156,157],"161":[158],"166":[159],"167":[160,161],"168":[162],"174":[163],"175":[164],"177":[165],"178":[166],"180":[167],"181":[168,169],"183":[170],"185":[171],"186":[172,173],"187":[174],"189":[175],"190":[176,177],"191":[178],"195":[179],"196":[180,181],"198":[182],"201":[183],"202":[184,185],"204":[186],"207":[187],"208":[188,189],"209":[190],"211":[191],"212":[192,193],"214":[194],"216":[195],"217":[196,197],"218":[198],"224":[199],"225":[200,201],"226":[202],"227":[203],"228":[204,205],"229":[206],"231":[207],"232":[208,209],"234":[210],"236":[211],"237":[212,213],"239":[214],"242":[215],"243":[216,217],"245":[218],"247":[219],"248":[220,221],"250":[222],"253":[223],"254":[224,225],"255":[226],"256":[227],"257":[228,229],"259":[230],"262":[231],"264":[232,233,234],"266":[235],"268":[236],"269":[237,238],"271":[239],"274":[240],"275":[241,242],"276":[243],"279":[244],"280":[245,246],"282":[247],"286":[248],"287":[249,250],"288":[251],"291":[252],"292":[253,254],"294":[255],"297":[256],"298":[257,258],"300":[259],"302":[260],"303":[261,262],"304":[263],"305":[264],"307":[265,266,267],"308":[268],"310":[269],"311":[270,271],"313":[272],"314":[273],"315":[274,275],"316":[276],"319":[277],"320":[278,279],"322":[280],"324":[281],"325":[282,283],"326":[284],"330":[285],"331":[286,287],"333":[288],"337":[289],"338":[290,291],"339":[292],"342":[293],"343":[294,295],"344":[296],"347":[297],"348":[298,299],"349":[300],"353":[301],"354":[302,303],"356":[304],"359":[305],"360":[306,307],"361":[308],"364":[309],"365":[310,311],"367":[312],"369":[313],"371":[314,315],"372":[316],"375":[317],"376":[318,319],"377":[320],"379":[321],"380":[322,323],"382":[324],"384":[325],"385":[326,327],"386":[328],"388":[329],"389":[330,331],"390":[332],"393":[333],"394":[334,335],"395":[336],"397":[337],"398":[338,339],"400":[340],"402":[341],"403":[342,343],"404":[344],"406":[345],"407":[346,347],"408":[348],"410":[349],"411":[350,351],"413":[352],"418":[353],"419":[354,355],"420":[356],"422":[357],"423":[358,359],"424":[360],"427":[361],"428":[362,363],"429":[364],"432":[365],"433":[366,367],"435":[368],"437":[369],"438":[370,371],"440":[372],"442":[373],"443":[374,375],"444":[376],"446":[377],"447":[378,379],"448":[380],"450":[381],"451":[382,383],"452":[384],"454":[385],"455":[386,387],"456":[388],"457":[389],"458":[390,391],"460":[392],"462":[393],"464":[394,395],"466":[396],"467":[397],"468":[398,399],"469":[400],"472":[401],"474":[402,403,404],"476":[405],"477":[406],"478":[407,408],"479":[409],"481":[410],"483":[411,412],"485":[413],"487":[414],"488":[415,416],"490":[417],"492":[418],"493":[419,420],"494":[421],"495":[422],"497":[423,424],"498":[425],"500":[426],"501":[427,428],"502":[429],"505":[430],"506":[431,432],"507":[433],"509":[434],"510":[435,436],"511":[437],"513":[438],"514":[439,440],"516":[441],"517":[442],"518":[443,444],"520":[445],"522":[446],"523":[447,448],"524":[449],"525":[450],"526":[451,452],"528":[453],"529":[454],"530":[455,456],"531":[457],"533":[458],"534":[459,460],"535":[461],"537":[462],"538":[463,464],"540":[465],"541":[466],"542":[467,468],"544":[469],"546":[470],"547":[471,472],"548":[473],"549":[474],"550":[475,476],"552":[477],"553":[478],"555":[479,480,481],"557":[482],"559":[483],"560":[484,485],"562":[486],"565":[487],"566":[488,489],"567":[490],"569":[491],"570":[492,493],"572":[494],"574":[495],"575":[496,497],"576":[498],"578":[499],"579":[500,501],"581":[502],"582":[503],"583":[504,505],"584":[506],"587":[507],"588":[508,509],"590":[510],"592":[511],"593":[512,513,514],"595":[515],"596":[516,517],"598":[518],"600":[519],"601":[520,521],"603":[522],"604":[523],"605":[524,525],"607":[526],"610":[527],"611":[528,529],"612":[530],"616":[531],"617":[532,533],"619":[534],"620":[535],"621":[536,537],"622":[538],"625":[539],"626":[540,541],"627":[542],"628":[543],"629":[544,545],"630":[546],"632":[547],"633":[548,549],"635":[550],"637":[551],"638":[552,553,554],"640":[555],"641":[556,557],"642":[558],"645":[559],"646":[560,561],"647":[562],"652":[563],"654":[564,565,566],"655":[567],"657":[568],"658":[569,570],"659":[571],"661":[572],"662":[573,574],"663":[575],"666":[576],"667":[577,578],"669":[579],"671":[580],"672":[581,582],"674":[583],"675":[584],"676":[585,586],"678":[587],"679":[588],"680":[589,590],"681":[591],"684":[592],"685":[593,594],"687":[595],"691":[596],"692":[597,598],"694":[599],"697":[600],"698":[601,602],"700":[603],"702":[604],"703":[605,606],"705":[607],"710":[608],"712":[609,610,611],"714":[612],"716":[613],"717":[614,615],"718":[616],"720":[617],"721":[618,619],"722":[620],"725":[621],"726":[622,623],"728":[624],"730":[625],"731":[626],"733":[627],"736":[628],"738":[629,630],"740":[631],"742":[632],"744":[633,634,635],"746":[636],"749":[637],"750":[638,639],"752":[640],"753":[641],"754":[642,643],"756":[644],"759":[645],"760":[646,647],"762":[648],"764":[649],"765":[650,651],"767":[652],"769":[653],"770":[654,655],"772":[656],"773":[657],"774":[658,659],"775":[660],"777":[661],"779":[662,663,664],"781":[665],"782":[666],"783":[667,668],"785":[669],"786":[670],"788":[671,672,673],"789":[674],"791":[675],"792":[676,677],"793":[678],"796":[679],"798":[680,681,682],"800":[683],"802":[684],"803":[685,686],"804":[687],"806":[688],"807":[689,690],"809":[691],"811":[692],"812":[693,694],"814":[695],"815":[696],"817":[697,698,699],"819":[700],"820":[701],"822":[702,703,704],"824":[705],"826":[706],"829":[707,708,709],"831":[710],"833":[711],"835":[712,713,714],"836":[715],"838":[716],"839":[717,718],"841":[719],"846":[720],"848":[721,722,723],"850":[724],"852":[725],"853":[726,727],"854":[728],"856":[729],"857":[730,731],"859":[732],"861":[733],"862":[734,735],"864":[736],"865":[737],"866":[738,739],"868":[740],"871":[741],"872":[742,743],"874":[744],"876":[745],"877":[746,747],"878":[748],"880":[749],"881":[750,751],"883":[752],"885":[753],"886":[754,755],"888":[756],"890":[757],"891":[758,759],"892":[760],"893":[761],"894":[762,763],"896":[764],"898":[765],"900":[766,767,768],"902":[769],"903":[770],"905":[771,772,773],"907":[774],"910":[775],"912":[776,777,778],"914":[779],"917":[780],"918":[781,782,783],"922":[784],"924":[785,786,787],"925":[788],"927":[789],"928":[790,791],"930":[792],"933":[793],"935":[794,795,796],"937":[797],"939":[798],"941":[799,800,801],"943":[802],"944":[803],"945":[804,805],"947":[806],"949":[807],"951":[808,809,810],"953":[811],"955":[812],"957":[813,814,815],"959":[816],"961":[817],"963":[818,819,820],"964":[821],"966":[822],"967":[823,824],"969":[825],"973":[826],"975":[827,828,829],"977":[830],"978":[831],"979":[832,833],"980":[834],"982":[835],"983":[836,837],"985":[838],"988":[839],"990":[840,841,842],"992":[843],"994":[844],"995":[845,846],"996":[847],"999":[848],"1001":[849,850,851],"1003":[852],"1006":[853],"1007":[854,855],"1009":[856],"1010":[857],"1012":[858,859,860],"1014":[861],"1015":[862],"1016":[863,864],"1017":[865],"1019":[866],"1021":[867,868,869],"1022":[870],"1024":[871],"1025":[872,873],"1026":[874],"1027":[875],"1029":[876,877,878],"1031":[879],"1032":[880],"1034":[881,882,883],"1036":[884],"1039":[885],"1041":[886,887,888],"1043":[889],"1044":[890],"1045":[891,892,893],"1046":[894],"1048":[895],"1049":[896,897],"1050":[898],"1053":[899],"1054":[900,901,902],"1056":[903],"1058":[904],"1059":[905,906],"1060":[907],"1062":[908],"1064":[909,910,911],"1066":[912],"1068":[913],"1070":[914,915,916],"1071":[917],"1073":[918],"1074":[919,920,921],"1075":[922],"1077":[923],"1078":[924,925,926],"1080":[927],"1081":[928],"1082":[929,930],"1084":[931],"1085":[932],"1087":[933,934,935],"1089":[936],"1090":[937],"1091":[938,939,940],"1093":[941],"1095":[942],"1096":[943,944,945],"1097":[946],"1099":[947],"1100":[948,949,950],"1102":[951],"1104":[952],"1105":[953],"1108":[954,955,956],"1109":[957,958],"1110":[959,960],"1111":[961],"1112":[962,963,964,965],"1113":[966,967,968,969,970],"1114":[971],"1117":[972],"1123":[973],"1124":[974]},"ٟ":[1124,1125,1126,1127,1128,1129,1130,1131,1132,1133,1134,1135,1136,1137,1138,1139,1140,1141,1142,1143,1144,1145,1146,1147,1148,1149,1150,1151,1152,1153,1154,1155,1156,1157,1158,1159,1160,1161,1162,1163,1164,1165,1166,1167,1168,1169,1170,1171,1172,1173,1174,1175,1176,1177,1178,1179,1180,1181,1182,1183,1184,1185,1186,1187,1188,1189,1190,1191,1192,1193,1194,1195,1196,1197,1198,1199,1200,1201,1202],"numbers":{"1":143,"2":147,"3":153,"4":160,"5":167,"6":175,"7":181,"8":186,"9":190,"10":196,"11":202,"12":208,"13":212,"14":217,"15":225,"16":228,"17":232,"18":237,"19":243,"20":248,"21":254,"22":257,"23":264,"24":269,"25":275,"26":280,"27":287,"28":292,"29":298,"30":303,"31":307,"32":311,"33":315,"34":320,"35":325,"36":331,"37":338,"38":343,"39":348,"40":354,"41":360,"42":365,"43":371,"44":376,"45":380,"46":385,"47":389,"48":394,"49":398,"50":403,"51":407,"52":411,"53":419,"54":423,"55":428,"56":433,"57":438,"58":443,"59":447,"60":451,"61":455,"62":458,"63":464,"64":468,"65":474,"66":478,"67":483,"68":488,"69":493,"70":497,"71":501,"72":506,"73":510,"74":514,"75":518,"76":523,"77":526,"78":530,"79":534,"80":538,"81":542,"82":547,"83":550,"84":555,"85":560,"86":566,"87":570,"88":575,"89":579,"90":583,"91":588,"92":593,"93":596,"94":601,"95":605,"96":611,"97":617,"98":621,"99":626,"100":629,"101":633,"102":638,"103":641,"104":646,"105":654,"106":658,"107":662,"108":667,"109":672,"110":676,"111":680,"112":685,"113":692,"114":698,"115":703,"116":712,"117":717,"118":721,"119":726,"120":731,"121":738,"122":744,"123":750,"124":754,"125":760,"126":765,"127":770,"128":774,"129":779,"130":783,"131":788,"132":792,"133":798,"134":803,"135":807,"136":812,"137":817,"138":822,"139":829,"140":835,"141":839,"142":848,"143":853,"144":857,"145":862,"146":866,"147":872,"148":877,"149":881,"150":886,"151":891,"152":894,"153":900,"154":905,"155":912,"156":918,"157":924,"158":928,"159":935,"160":941,"161":945,"162":951,"163":957,"164":963,"165":967,"166":975,"167":979,"168":983,"169":990,"170":995,"171":1001,"172":1007,"173":1012,"174":1016,"175":1021,"176":1025,"177":1029,"178":1034,"179":1041,"180":1045,"181":1049,"182":1054,"183":1059,"184":1064,"185":1070,"186":1074,"187":1078,"188":1082,"189":1087,"190":1091,"191":1096,"192":1100},"number_max":192,"number_pages":{"143":1,"147":2,"153":3,"160":4,"167":5,"175":6,"181":7,"186":8,"190":9,"196":10,"202":11,"208":12,"212":13,"217":14,"225":15,"228":16,"232":17,"237":18,"243":19,"248":20,"254":21,"257":22,"264":23,"269":24,"275":25,"280":26,"287":27,"292":28,"298":29,"303":30,"307":31,"311":32,"315":33,"320":34,"325":35,"331":36,"338":37,"343":38,"348":39,"354":40,"360":41,"365":42,"371":43,"376":44,"380":45,"385":46,"389":47,"394":48,"398":49,"403":50,"407":51,"411":52,"419":53,"423":54,"428":55,"433":56,"438":57,"443":58,"447":59,"451":60,"455":61,"458":62,"464":63,"468":64,"474":65,"478":66,"483":67,"488":68,"493":69,"497":70,"501":71,"506":72,"510":73,"514":74,"518":75,"523":76,"526":77,"530":78,"534":79,"538":80,"542":81,"547":82,"550":83,"555":84,"560":85,"566":86,"570":87,"575":88,"579":89,"583":90,"588":91,"593":92,"596":93,"601":94,"605":95,"611":96,"617":97,"621":98,"626":99,"629":100,"633":101,"638":102,"641":103,"646":104,"654":105,"658":106,"662":107,"667":108,"672":109,"676":110,"680":111,"685":112,"692":113,"698":114,"703":115,"712":116,"717":117,"721":118,"726":119,"731":120,"738":121,"744":122,"750":123,"754":124,"760":125,"765":126,"770":127,"774":128,"779":129,"783":130,"788":131,"792":132,"798":133,"803":134,"807":135,"812":136,"817":137,"822":138,"829":139,"835":140,"839":141,"848":142,"853":143,"857":144,"862":145,"866":146,"872":147,"877":148,"881":149,"886":150,"891":151,"894":152,"900":153,"905":154,"912":155,"918":156,"924":157,"928":158,"935":159,"941":160,"945":161,"951":162,"957":163,"963":164,"967":165,"975":166,"979":167,"983":168,"990":169,"995":170,"1001":171,"1007":172,"1012":173,"1016":174,"1021":175,"1025":176,"1029":177,"1034":178,"1041":179,"1045":180,"1049":181,"1054":182,"1059":183,"1064":184,"1070":185,"1074":186,"1078":187,"1082":188,"1087":189,"1091":190,"1096":191,"1100":192}},"pages":[{"text":"المملكة العربية السعودية\nوزارة التعليم\nجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية\nكلية أصول الدين\nقسم القرآن وعلومه\n\nتعقبات جمال الدين القاسمي على من سبقه من خلال كتابه محاسن التأويل\nجمعًا ودراسة\n\nرسالة مقدمة لنيل درجة الدكتوراه في القرآن وعلومه\n\nإعداد\nعبد الرحمن بن أحمد بن محمد الحسن\n\nإشراف\nالدكتور/ تركي بن سعد بن فهيد الهويمل\nالأستاذ المشارك بقسم القرآن وعلومه\n\nالعام الجامعي\n١٤٤٤ هـ","vol":"1","page":1},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1>المقدمة</span>\nالحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد …\nفإن من أعظم نعم الله -تعالى- على البشرية أن أنزل عليهم كتابه المجيد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، جعله الله معجزة خالدة إلى قيام الساعة، من عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن ابتغى الهدى بغيره أضله الله، فكم من قتيل لإبليس قد أحياه القرآن، وكم من ضال تائه قد هُدِيَ بالقرآن، وصفه الله بأنه نورٌ وهدى ورحمة، وفرقانٌ بين الحق والباطل، يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه، أعز الله به من والاه واتبعه، وخذل به من عاداه وأعرض عنه.\nوأهل القرآن هم أهل الله وخاصته، فهم أئمة الهدى ومصابيح الدجى، يُحيون بكتاب الله الموتى ويُبَصِّرون به أهل العمى، أعرضوا عن الدنيا الفانية، وأقبلوا على الآخرة الباقية، فهم تارة يعتنون بقراءة القرآن وتارة بالتدبر فيه وتارة بتفسيره وتبصير الناس به، فجزاهم الله عن الناس خير الجزاء، وبارك في حيهم، ورحم من مات منهم.\nوكان ممن اعتنى بتفسير كتاب الله- تعالى- جمال الدين القاسمي (ت: ١٣٣٢ هـ) الذي ألف كتاب: محاسن التأويل، الذي تميز بإيراد المأثور في التفسير من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والتابعين، واعتنى في تفسيره ببيان قضايا علوم القرآن والقراءات والنحو والبلاغة والأحكام الفقهية والمسائل العقدية وغيرها من القضايا التي تجلي الآية القرآنية.\nولا يخفى على الباحث ولا على المتعلم أهمية دراسة أقوال العلماء السابقين وتعقباتهم على من سبقهم من الأعلام والمفسرين لما فيها من قيمة علمية، ولما في تحرير هذه التعقبات من طريق يوصل إلى معرفة الحق من الباطل، والصحيح من الضعيف في تفسير القرآن، ولما فيها من بيان لقدر أهل العلم وما آتاهم الله -تعالى- من بصيرة، تؤهلهم للنقد والتعقيب على من سبقهم.","vol":"1","page":3},{"text":"ومن هنا وقع اختياري على جمع ودراسة المواضع التي تعقب بها جمال الدين القاسمي من سبقه من الأعلام والمفسرين ليكون موضوع رسالتي في مرحلة الدكتوراه بعنوان \"تعقبات جمال الدين القاسمي على من سبقه من خلال كتابه محاسن التأويل جمعًا ودراسة\"، فأسأل الله -تعالى- أن يُعينني على هذا العمل، وأن يكون فيه النفع الكبير للناس عامة ولأهل العلم ممن اعتنى بعلم التفسير وعلوم القرآن خاصة، إنه جواد كريم وبالإجابة جدير.\n* * *","vol":"1","page":4},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-2> أهمية الموضوع وأسباب اختياره:</span>\nتتجلى أهمية الموضوع وأسباب اختياره في الآتي:\nأولًا: قيمة الكتاب العلمية وقيمة مؤلفه.\nثانيًا: جودة أسلوب المؤلف، فكتابه يتميز بسهولة العبارة، وحسن الترتيب، وكثرة النقولات عن المتقدمين والمتأخرين.\nثالثًا: أن المتَعقب عليهم بعضهم من الأعلام المشهورين، وبيان أخطائهم إن كانوا مخطئين من رحمة الله بهم كي لا يسير الناس عليها.\nرابعًا: عدم وجود دراسة تتبعت تعقبات القاسمي على من سبقه من الأعلام والمفسرين بحسب ما وقفت عليه.\n\n*<span data-type='title' id=toc-3> أهداف البحث:</span>\n١ - جمع تعقبات جمال الدين القاسمي على من سبقه من خلال كتابه: \"محاسن التأويل\" ودراستها.\n٢ - ابراز منهج جمال الدين القاسمي على من سبقه.\n٣ - بيان القيمة العلمية لتعقبات القاسمي على من سبقه.\n\n*<span data-type='title' id=toc-4> حدود البحث:</span>\nيقوم هذا البحث على جمع ودراسة تعقبات جمال الدين القاسمي على من سبقه من خلال كتابه: \"محاسن التأويل\" من أول تفسير القرآن إلى آخره، وقد وقفت له على ما يقارب (٢٠٠) موضعًا من تعقباته في التفسير على من سبقه.\n\n*<span data-type='title' id=toc-5> الدراسات السابقة:</span>\nبعد التتبع والنظر في الكتب والمؤلفات والبحوث والرسائل الجامعية، لم يجد الباحث- في حدود اطلاعه- من قام بتتبع وجمع تعقبات جمال الدين القاسمي على من سبقه بدراسة وافية تجمع الأدلة وتناقشها وتحرر الأقوال وتنسبها إلى أصحابها، وإنما تمثلت الدراسات","vol":"1","page":5},{"text":"السابقة فيما يلي:\n١ - الدلالات الدعوية لعلاقة الداعية بالمدعو في تفسير محاسن التأويل لجمال الدين القاسمي، وهي رسالة ماجستير للباحث سعيد بن محمد العيسى، جامعة الإمام محمد بن سعود (الرياض).\n٢ - جهود القاسمي البلاغية في تفسيره المسمى محاسن التأويل، وهي رسالة ماجستير للباحث عبد الوهاب حسين الجبوري، جامعة تكريت.\n٣ - العلامة القاسمي وما في تفسيره من إشارات علمية: دراسة مقارنة، وهي رسالة ماجستير للباحث محمد محمد حسانين، جامعة الأزهر (المنصورة)\n٤ - أصول التفسير عند جمال الدين القاسمي من خلال محاسن التأويل، للباحث محمد مغربي، جامعة الجزائر.\n٥ - القاسمي ومنهجه في تفسيره محاسن التأويل، وهي رسالة ماجستير للباحث ابراهيم بن علي الحسن، جامعة الإمام محمد بن سعود (الرياض).\n٦ - جمال الدين القاسمي ومنهجه في تفسيره محاسن التأويل، وهي رسالة ماجستير للباحث يوسف مرزوق الضاوي، جامعة الكويت.\n٧ - مباحث علم البيان في تفسير محاسن التأويل للقاسمي، وهي رسالة دكتوراه للباحث أحمد فريد أبو سالم، جامعة القاهرة.\n٨ - اختيارات القاسمي في تفسيره محاسن التأويل من سورة الفاتحة إلى نهاية الجزء الأول من سورة البقرة: دراسة استقرائية تحليلية وصفية، وهي رسالة ماجستير للباحثة نبيلة عبد الستار كوراني، جامعة أم درمان (السودان).\n٩ - الاستنباط عند الإمام القاسمي من خلال تفسيره محاسن التأويل، وهي رسالة دكتوراه للباحث محمد بن صالح بالطيور، جامعة أم القرى (مكة).\nوأما عن الدراسة التي نحن بصددها فتختلف عن سابقتها من الدراسات، فهي في موضوع جمع ودراسة تعقبات القاسمي على من سبقه من الأعلام والمفسرين، فلا تعارض بينها وبين الدراسات السابقة.","vol":"1","page":6},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-6> منهج الرسالة العلمية:</span>\nسأسلك في هذا البحث المنهج الوصفي التحليلي، وذلك في القسم الأول من البحث.\nوأما القسم الثاني فإني سأسير فيه على المنهج الاستقرائي المقارن، وبيان ذلك وفق الآتي:\n١ - جمع تعقبات القاسمي الصريحة وغير الصريحة في التفسير من خلال كتابه: محاسن التأويل.\n٢ - ترتيب المادة العلمية المستخرجة حسب ترتيب السور والآيات في المصحف.\n٣ - إذا تكرر كلام القاسمي بنصه أو قريبًا منه، نقلت أوفاه، وكتبت مصدره بعده في المتن، وأحلت على الموضع الآخر في الحاشية، أما إذا وجد في الموضع الآخر ما ليس في الموضع الأول فإني أذكرهما معًا.\n٤ - الالتزام بنص القاسمي مع التعليق في الحاشية على ما يحتاج إلى تعليق.\n٥ - دراسة أقوال القاسمي في التعقبات دراسة مقارنة، وموازنتها مع أقوال غيره من العلماء المعتبرين، وتحقيق القول فيها، وبيان الراجح منها.\n٦ - يكون ترتيب عرض البحث كما ما يلي: عنوان باسم السورة- ثم نص الآية- ثم نص كلام القاسمي- ثم نص الدراسة.\n٧ - إذا كان في كلام القاسمي أكثر من مسألة فإني أفرد كل مسألة بدراسة مستقلة.\n٨ - كتابة الآيات القرآنية وفق رسم المصحف العثماني برواية حفص عن عاصم، مع بيان اسم السورة ورقم الآية، وذلك في متن البحث بين قوسين.\n٩ - إرجاع القراءات: متواترها وشاذها إلى مظانها في الكتب المعتمدة، مع بيان من قرأ بها.\n١٠ - إحالة كلام أهل العلم إلى موضعه في كتبهم.\n١١ - تخريج الأحاديث الواردة في البحث من مصادرها الأصلية، فإن كانت في","vol":"1","page":7},{"text":"الصحيحين أو أحدهما أكتفي بذلك، وإن كانت في غيرهما عزوتها إلى مصدرها مع ذكر قول المحدثين فيها وحكمهم عليها.\nوأما الآثار الواردة عن الصحابة والتابعين فأكتفي بعزوها إلى مصادرها الأصلية.\n١٢ - إيضاح الغريب من الكلمات، والضبط بالشكل لما يُظن التباسه.\n١٣ - عزو الأبيات الشعرية إلى مصادرها، متبعًا المنهج الآتي:\n- إن كان لصاحب الشعر ديوان وثقت شعره من ديوانه.\n- إن لم يكن له ديوان وثقت مما تيسر من دواوين الأدب وكتب اللغة العربية.\n١٤ - التعريف بغير المشهور من الأعلام والفرق والأماكن تعريفًا موجزًا في الحاشية عند ذكره في أول موضع من الأقوال محل الدراسة.\n* **","vol":"1","page":8},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-7> خطة البحث:</span>\nتتكون خطة البحث من مقدمة وتمهيد، وقسمين، وخاتمة وفهارس:\nالمقدمة: وتحتوي على:\nأهمية الموضوع وأسباب اختياره، وأهداف البحث، وحدود البحث، والدراسات السابقة، ومنهج البحث. وخطة البحث\nالتمهيد: وفيه: التعريف بالقاسمي وكتابه محاسن التأويل.\nالقسم الأول: قسم الدراسة النظرية، وفيه أربعة فصول:\nالفصل الأول: التعقبات: تعريفها ونشأتها. وفيها ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: تعريف التعقبات في اللغة والاصطلاح.\nالمبحث الثاني: الفروق بين التعقبات والألفاظ المقاربة لها.\nالمبحث الثالث: أهمية التعقبات ونشأتها.\nالفصل الثاني: صيغ التعقبات عند القاسمي ومصادره فيها: وفيها ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: الصيغ الصريحة.\nالمبحث الثاني: الصيغ غير الصريحة.\nالمبحث الثالث: مصادره في التعقبات.\nالفصل الثالث: أنواع التعقبات عند القاسمي، وفيه ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: التعقبات في التفسير.\nالمبحث الثاني: التعقبات في علوم القرآن.\nالمبحث الثالث: التعقبات في العلوم الأخرى المتعلقة بالتفسير.\nالفصل الرابع: منهج القاسمي في تعقباته على من سبقه وقيمتها العلمية، وفيه مبحثان:","vol":"1","page":9},{"text":"المبحث الأول: منهجه في عرض التعقبات.\nالمبحث الثاني: القيمة العلمية لتعقبات القاسمي في تفسيره.\nالقسم الثاني: الدراسة التطبيقية.\nوفيها دراسة تعقبات القاسمي في تفسيره على من سبقه من أول تفسير القرآن إلى آخره بحسب ترتيب سور القرآن الكريم.\nالفهارس: وتشتمل على:\n- فهرس الآيات القرآنية.\n- فهرس الأحاديث النبوية.\n- فهرس الآثار.\n- فهرس الأشعار.\n- فهرس الأعلام المترجم لهم.\n- فهرس المصادر والمراجع.\n- فهرس الموضوعات.\n* * *","vol":"1","page":10},{"text":"شكر وتقدير\nالحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:\nفإنني امتثالًا لقوله ﷺ: «لا يشكر الله من لا يشكر الناس» (^١) أُسجل هنا شكري وعرفاني بالجميل وتقديري.\nأما الشكر فيكون لله أولا على هدايته وتوفيقه، ثم للوالدين لما لهما من فضل بعد الله من حسن التربية، ثم للأستاذ الفاضل المرشد العلمي على الرسالة، فضيلة الأستاذ الدكتور: محمد بن أحمد الكردي، على ما بذله من توجيه ونصح ومتابعة وإرشاد، فله الفضل بعد الله تعالى في اختيار موضوع الرسالة.\nوأخص بالشكر كذلك أستاذي وشيخي المشرف على الرسالة فضيلة الشيخ الدكتور: تركي بن سعد الهويمل - سلَّمه الله ورعاه- على ما بذله معي من جهد في قراءة الرسالة وإسداء النصح والتوجيه طوال فترة الإشراف فجزاه الله عني كل خير.\nكما أُسجل هنا تقديري للجهود الكريمة التي تبذلها جامعة الإمام محمد بن سعود عامة، وكلية أُصول الدين خاصة، لتيسير طريق العلم أمام طلابه، فجزاهم الله خيرًا.\nولا أنسى أن أشكر أسرتي على مساندتهم لي وصبرهم على انشغالي، فبارك الله فيهم وأثابهم خير الجزاء في الدنيا والآخرة.\nولا يفوتني تسجيل شكري ودعائي لجميع أساتذتي، ومشايخي، الذين أفادوني كثيرًا، ولجميع إخواني، من أعارني منهم كتابًا، أو أبدى تشجيعًا، فلهم مني كل شكر وتقدير، جزى الله الجميع خيرًا.\n* * *\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي، كتاب البر والصلة، باب ما جاء في الشكر لمن أحسن إليك، برقم (١٩٥٥) وقال الترمذي: \"حديث حسن صحيح\".","vol":"1","page":11},{"text":"<span data-type='title' id=toc-8>التمهيد</span>\nوفيه:\nأولا: التعريف بالقاسمي\nثانيًا: التعريف بكتابه: محاسن التأويل","vol":"1","page":12},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9>التعريف بالقاسمي</span>\n*<span data-type='title' id=toc-10> أولا: عصر القاسمي:</span>\nيحسن قبل الحديث عن القاسمي ﵀ ونشأته وحياته العلمية، أن نذكر على سبيل الإجمال الحالة السياسية في عصره، والحالة العلمية، والحالة الدينية، ليكون التعريف بالمؤلف شاملا بشكل أكبر.\nأما عن الحالة السياسية: فعند البحث فيها نجد أن السلطة المتولية في ذلك الوقت هي الدولة العثمانية في القرن الثالث عشر، حيث كانت الشام - بلد القاسمي- تابعة لها.\nفقد عاش القاسمي في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر وقد توالى في هذه الفترة على الدولة العثمانية أربع سلاطين (^١)، وهم:\n١ - السلطان عبد العزيز خان (^٢): (١٨٦١ م - ١٨٧٦ م).\n٢ - السلطان مراد الخامس (^٣): (١٨٧٦ م - ١٨٧٦ م).\n٣ - السلطان عبد الحميد الثاني (^٤): (١٨٧٦ م - ١٩٠٩ م).\n٤ - السلطان محمد رشاد الخامس (^٥): (١٩٠٩ م - ١٩١٨ م).\n_________\n(^١) تاريخ الدولة العلية العثمانية: محمد فريد بك (ص: ٧٧٨).\n(^٢) هو ابن السلطان محمود الثاني، شهد عصره بإصلاحات في المجال الديني، إذ كان حريصًا على تطبيق الشريعة الإسلامية، توفي سنة: ١٨٧٦ م، بعد صدور فتوى بعزله. ينظر: تاريخ الدولة العثمانية: علي حسون (ص: ١٩٨ - ٢٠٠).\n(^٣) هو ابن السلطان عبد المجيد، توفي سنة: ١٣٢٢ هـ، وعزل بعد ٩٦ يومًا من توليه بفتوى من قبل شيخ الإسلام -وهو خير الله أفندي- في الدولة لخلل في عقله. ينظر: تاريخ الدولة العثمانية: علي حسون (ص: ٢٠٩).\n(^٤) هو ابن عبد المجيد من زوجته الثانية، توج عام: ١٢٩٣ هـ، بقي في الحكم ٣٣ عامًا، توفي عام: ١٣٣٧ هـ، تلقى تعليمًا منتظمًا في القصر السلطاني، وتدرب على استخدام الأسلحة، وكان مُهتمًا بالسياسة العالمية. ينظر: تاريخ الدولة العثمانية: علي حسون (ص: ٢٢٩).\n(^٥) تولى السلطنة العثمانية من عام: ١٣٢٨ هـ إلى ١٣٣٧ هـ وبها توفي، وامتاز حكمه بسيطرة جماعة الاتحاد والترقي- وهي منظمة ثورية سرية أسسها مجموعة من طلبة الطب في مدرسة الطب العسكرية- وانهزام تركيا في الحرب العالمية الأولى، بعد أن أمضى حياته في معزل. ينظر: تاريخ الدولة العثمانية: علي حسون (ص: ٢٧١).","vol":"1","page":13},{"text":"وفي هذه المدة الزمنية أصبحت الأوضاع في الدولة العثمانية متدهورة حتى أصبح يُطلق عليها اسم: \"الرجل المريض\"، ففي عهد السلطان عبد العزيز، كانت الدول الأوروبية تقوم بالضغط عليها، وتتدخل في الشؤون الداخلية بزعم الإصلاح والنهوض والتقدم على النهج الغربي والفكر الأوروبي والمبادئ العلمانية اللادينية بفرض القوانين والأنظمة والعادات المخالفة لدين الإسلام (^١).\nومن أهم العهود التي عاش فيها القاسمي ﵀ هو عهد السلطان عبد الحميد الثاني، الذي تولى الحكم بعد مراد الخامس، وهو ابن السلطان عبد المجيد من زوجته الثانية، تزوج وعمره أربع وثلاثون سنة، تسلم السلطة والدولة محفوفة بالمخاطر العظيمة، والثورات الأهلية، فحرص على الإصلاح وإعادة الأمور إلى مجاريها الطبيعية، فسدد معظم الديون التي بلغت أكثر من ٢٥٢ مليون ليرة عثمانية، وألغى الدستور، وشرَّد زعماء التغريب، وشرع في إصلاح الدولة وفق المبادئ الإسلامية، إلا أن هذا الجو لم يدم طويلا فروسيا أعلنت الحرب على الدولة العثمانية وكان النصر حليفها، وذلك سنة: ١٨٧٧ م (^٢)، وفرنسا احتلت تونس وبريطانيا مصر (^٣)، وفي الأحوال الداخلية نجد هيمنة المحافل الماسونية (^٤) على عقول زعماء التوجه القومي في داخل الشعوب الإسلامية، الشيء الذي نتج عنه الفتن والقلاقل والثورات الشعبية (^٥).\nولما وصل مدحت باشا (^٦) إلى الصدارة العظمى: انحرف في القيادة العثمانية على\n_________\n(^١) انظر تفصيل ذلك في كتاب: تاريخ الدولة العثمانية: د. علي حسون (ص: ١٩٩ - ٢٠٢).\n(^٢) انظر تفصيل ذلك في كتاب: تاريخ الدولة العثمانية: د. علي حسون (ص: ٢٢٩ - ٢٣٥).\n(^٣) انظر تفصيل ذلك في كتاب: تاريخ الدولة العثمانية: د. علي حسون (ص: ٢٣٥ - ٢٣٨).\n(^٤) الماسونية: منظمة يهودية سرية تعمل في خفاء على تحقيق مصالح اليهود الكبرى، وتمهد لقيام دولة اليهود العظمى، ويُرجح كثير من الباحثين أنها تأسست في القرن الأول، أي: ٤٣ م. ينظر: الموجز في الأديان والمذاهب المعاصرة: د. ناصر العقل (٥٠ - ٥٩) وينظر: الماسونية بين الشيوعية والصهيونية: د. عفيفي (ص: ٨).\n(^٥) انظر: المصدر السابق.\n(^٦) مدحت باشا: ابن حاجي حافظ أشرف أفندي العثماني، عُين تولى منصب الصدارة العُظمى، وأصدر الدستور العثماني، وكانت نظرته تغريبية، فلم يتفق مع السلطان عبد الحميد، توفي عام ١٣٠١ هـ. ينظر: الأعلام: الزركلي (٧/ ١٩٥).","vol":"1","page":14},{"text":"المستوى العسكري والعلمي، حيث كان حريصًا على تطبيق السياسة التغريبية بقيادة جمعية العثمانيين الجدد (^١).\nوفي عهد السلطان محمد رشاد الخامس، ازداد تكالب الدول الأوروبية للإطاحة بالدولة وقسمة أراضيها، مع ذلك لم يمنعه هذا الوضع من القيام بإصلاحات سياسة داخلية وحربية ومالية كان لها أثر في تأخر سقوط الدولة العثمانية (^٢).\nفنلاحظ من خلال هذه الأحوال اضطراب الحياة السياسية مما أثر سلبًا على الحالة الدينية، وعلى الحالة العلمية ونهضتها بشكل نسبي.\nأما عن الحالة العلمية: فقد بدأت في عصر القاسمي بدمشق وما حولها نهضة علمية ثقافية على المستوى العام، تعد نقلة نوعية بالنظر لما مضى من أيام، وقد تجلى ذلك بتأسيس المدارس الحكومية، وظهور المطابع، وإنشاء دور الكتب.\nففي عهد الوالي مدحت باشا تم تأسيس مدارس حكومية تُدرَّس فيها العلوم بالعربية، وتُعنى بتدريس آداب هذه اللغة.\nوفي عهد الوالي حمدي باشا أنشأت جمعية باسم (الجمعية الخيرية) أعانتها الحكومة بالمال، وخصصت لها أبنية وقفية وحكومية تفتح فيها المدارس، وألحقت بها مطبعة لطبع الكتب المدرسية وغيرها من أجل نهضة المعارف.\nوفي هذا العهد افتتح المكتب الإعدادي الملكي سنة ١٣٠٥ هـ، وهو المدرسة التجهيزية الثانوية الأولى في دمشق التي اشتهرت فيما بعد باسم مكتب عنبر، وبه تخرّج رجال البلد ومثقفوه ووطنيوه فيما بعد (^٣).\nعلى أن إنشاء المدارس الحكومية النظامية بدأ بعد خروج جيش إبراهيم باشا حين تبين للدولة العثمانية أن سر نجاح جيش المصريين كان بسبب أخذهم بالعلم، فعملت على إنشاء\n_________\n(^١) انظر تفصيل ذلك في كتاب: تاريخ الدولة العثمانية: د. علي حسون (ص: ٢٤١ - ٢٥٤).\n(^٢) انظر تفصيل ذلك في كتاب: تاريخ الدولة العثمانية: د. علي حسون (ص: ٢٧١ - ٢٧٢).\n(^٣) انظر ما كتبه ظافر القاسمي إجمالا في كتابه (مكتب عنبر).","vol":"1","page":15},{"text":"المدارس وخاصة بعد أن كثرت مدارس الإرساليات الأجنبية، فأحدثت في دمشق مدارس عدة منها: المكتب الرشدي (المدرسة الابتدائية) في جامع يلبغا (^١)، والإعدادية العسكرية في جامع تنكز (^٢)، ومكتب الصنائع بحلب (^٣)، وغيرها (^٤).\nولا ننسى أن في هذه الفترة الزمنية تأسست الجامعة الإسلامية على يد جمال الدين الأفغاني (^٥)، الذي استعان به السلطان عبد الحميد مع الأسف للم شمل المسلمين (^٦).\nوفي هذه الفترة تقدمت وسائل الاتصالات بين العالم الاسلامي، وانتشرت الحركة الصحفية، إلا أن السلطان عبد الحميد الثاني فرض قيودا ورقابة على الصحافة، لأنه شَعر بتحريض بعض الصحف ضده، فلم يستطع الكُتاب أن يكتبوا صراحة عن السياسة بسبب الرقابة الشديدة، بل جنحوا إلى استخدام لغة ألطف وتعابير غير مباشرة، فأصبحت الصحافة تُنور الناس بالشؤون الاجتماعية، ولم يُسمح للصحافة إلا نشر القصائد والأدب، مما أدى إلى زيادة الثروة المعرفية وإنعاشها (^٧).\nوما ذكر في الحالة العلمية من مظاهر النهضة، إنما هو في العلوم الدنيوية، وليس في العلوم الدينية.\nأما عن الحالة الدينية: فقد ابتعد كثير من الناس أبعد عن دينهم الصحيح، فقد اهتم السلاطين بزخرفة المساجد وتشييدها على الأضرحة والقبور في أقاليم الدولة، وانتشار\n_________\n(^١) وهو: جامع يقع في سوق الخيل بدمشق. ينظر: أعيان العصر: الصفدي (٥/ ٤٤٤).\n(^٢) وهو: جامع أنشأه الأمير سيف الدين تنكز بدمشق سنة ٧١٧ هـ. ينظر: البداية والنهاية: ابن كثير (١٨/ ١٦٣).\n(^٣) وهو: مكتب أسس في مدينة حلب سنة ١٣١٩ هـ. يُعنى بصنعة الحدادة والنجارة. ينظر: نهر الذهب: الغزي (١/ ١٣٩).\n(^٤) انظر: جمال الدين القاسمي أحد علماء الإصلاح: د. نزار أباظة (ص: ٤٨ - ٥٢).\n(^٥) وهو: جمال الدين بن صفدر الحسيني، وهو إيراني الأصل لا أفغانيًا وإنما آثر أن ينسب نفسه إلى أفغانستان لأسباب سياسية، وكان من أجلاف الشيعة ومن خَدَمة الماسونية، تلقى علومًا جمة كعلوم الشريعة والعلوم العقلية وعلوم رياضية، مات سنة ١٨٩٧ م ينظر: تاريخ الشعوب: كارل بروكلمان (ص: ٦١٧)، وينظر: تاريخ الأستاذ الإمام: محمد رشيد رضا (١/ ٩٢).\n(^٦) انظر: مذكرات السلطان عبد الحميد: محمد حرب (ص: ٢٥).\n(^٧) انظر: دراسات التطور التاريخي للصحافة التركية: محمد الرميزان (ص: ١٥، ١٦).","vol":"1","page":16},{"text":"التصوف البدعي والشركي.\nوقد تعددت طرق التصوف، وانتشرت انتشار النار في الهشيم، فلا تكاد تجد عالمًا من غير طريقة، وكان من أكثر الطرق رواجًا الرفاعية (^١)، والنقشبندية (^٢)، والشاذلية (^٣)، والسبب في انتشار التصوف هو أن الدولة العثمانية كانت تؤيد التصوف، وتبني لأربابه الزوايا والتكايا (^٤).\nففي سنة ١٢٩٣ هـ ورد أمر من السلطان عبد الحميد الثاني بتعمير المراقد الشريفة على نظارة والي البصرة (ناصر باشا السعدون).\nثم في سنة ١٣٠٥ هـ، أمر السلطان عبد الحميد أيضًا بتبييض القبب وتعمير المساجد، وأمر أيضًا بكسوتين للضريحين (الزبير وعتبة بن غزوان) من الحرير الأحمر المفتخر المطرز بالفضة، وأمر أيضًا بوضع مباخر وقماقم من الفضة عند الضريحين (^٥).\nوفي الشام كانت هناك عشرات من الأضرحة والمزارات المشهورة، فقد ذكر صاحب كتاب القول الحق في بيروت ودمشق أنه قام بزيارة إلى الشام عام ١٨٩٠ م الترب والأضرحة والمزارات فبلغت مائة وأربعة وتسعين موضعًا (^٦).\nوكانت الحالة الدينية في جمود على القديم، وكتب صفراء يتداولها الطلاب، ومتون\n_________\n(^١) الرفاعية: وهي تنسب إلى أحمد الرفاعي (ت: ٥٨٠ هـ) من بني رفاعة أحد قبائل العرب، وجماعته يستخدمون السيوف ودخول النيران في إثبات الكرامات. وهم أعظم الناس بلاء في هذا العصر على الدين، يتفقون مع الشيعة في أمور عدة منها: إيمانهم بكتاب الجفر، واعتقادهم في الأئمة الاثني عشر. ينظر: الموسوعة الميسرة في الأديان والأحزاب: د. مانع الجهني (١/ ٢٦٦).\n(^٢) النقشبندية: قرقة تنسب إلى الشيخ بهاء الدين محمد بن محمد البخاري الملقب بشاه نقشبند (ت: ٦٩١ هـ) وهي طريقة سهلة كالشاذلية، انتشرت في فارس وبلاد الهند وآسيا الغربية. ينظر: الموسوعة الميسرة في الأديان: د. مانع الجهني (١/ ٢٦٧).\n(^٣) الشاذلية: نسبة إلى أبي الحسين الشاذلي (ت: ٦٥٦ هـ)، قيل عنه: (إنه سهّل الطريقة على الخليقة) لأن طريقته أسهل الطرق وأقربها، فليس فيها كثير مجاهدة، انتشرت طريقته في مصر واليمن وبلاد العرب، وأهل مدينة مخا يدينون له بالتقدير والاعتقاد العميق في ولايته. ينظر: الموسوعة الميسرة في الأديان: د. مانع الجهني (١/ ٢٦٧).\n(^٤) انظر: إمام الشام في عصره جمال الدين القاسمي: محمد بن ناصر العجمي (ص: ٢٠).\n(^٥) انظر: الانحرافات العقدية والعلمية: علي بن بخيت الزهراني (ص: ٢٩٢).\n(^٦) انظر: القول الحق في بيروت ودمشق: عبد الرحمن بك سامي (ص: ٩٧).","vol":"1","page":17},{"text":"كثيرًا ما يحفظونها بدون فهم، وحواش وشروح وتقريرات وتعليقات تزيد في اضطراب عقول الطلاب وتشويشها، وتقليد أعمى غُلّت منه العقول، فكتب الحديث لا تُقرأ إلا للتبرك، وكتب التفسير ممتنعة عند العامل بل الخاصة، وأما كتب اللغة والأدب فقد كان يقرؤها الطلاب على أنها أداة لفهم الكتاب والسنة لا لذاتها (^١).\nوهذا ليس بمستغرب، فإن طرق التصوف كان مُنتشرة في تلك الفترة الزمنية، وأسلافهم يُقررون مشروعية قراءة كتب الحديث للتبرك (^٢)، وأن القرآن والسنة لا يعرفهما إلا المجتهد المطلق (^٣).\nويُصور لنا القاسمي ﵀ هذا الحال في مقالة بعنوان: \"أعداء الإصلاح\" حيث قال: \"وأصبح العلماء حملة أهواء لا حملة شريعة، غرضهم أن تُفَخَّم ألقابهم، وتملأ كراشهم وعبابهم، وترفع بين الغاغة - وهو ضرب من النبات- منازلهم\" (^٤).\nوكذلك ما سطره في كتابه القيم \"إصلاح المساجد من البدع والحوادث\" الذي كان غرضه من تأليفه بيان ما آل إليه المجتمع من الضلال وما انتشر في أوساطهم من البدع التي أبعدت الناس عن العلم الشرعي الصحيح، فسعى في تجلية المسائل وإيضاحها بأقوى الدلائل.\nإن هذه الأوضاع المتردية كان لها الأثر البارز في حياة القاسمي ﵀ ومنهجه الشرعي الذي ينطلق منه، حيث علم أن ما عليه الناس ليس هو الدين الصحيح، ولا هو النهج المستقيم، فوضع الإصلاح نصب عينيه، وتوخى الرفق في الدعوة إليه، معتمدًا على الكتاب والسنة، ومتأسيًا بمن سبقه من المصلحين من سلف هذه الأمة، متحمّلا أعباء الدعوة وقائمًا بواجبه الإصلاحي.\n_________\n(^١) انظر: مقدمة ظافر القاسمي لكتاب قواعد التحديث للقاسمي (ص: ٢٢).\n(^٢) انظر ما ذكره السخاوي في كتابه الضوء اللامع (١/ ١٤٢)، من أن حلب عندما حوصرت لجأ الناس إلى قراءة كتاب عمدة الأحكام ليفرج الله عنهم.\n(^٣) انظر ما قرره الشيخ محمد بن عبد الوهاب في الأصل السادس من الأصول الستة (ص: ٣).\n(^٤) مجلة المقتبس (العدد الثاني عشر): محمد كرد علي (ص: ٧٤١ - ٧٤٢).","vol":"1","page":18},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-11> ثانيًا: اسمه ونسبه ومولده ونشأته:</span>\nهو أبو الفرج محمد جمال الدين بن محمد سعيد بن قاسم بن صالح بن إسماعيل بن أبي بكر المعروف بالقاسمي، نسبة إلى جده المذكور، وهو الإمام، فقيه الشام وصالحها في عصره، الشيخ قاسم المعروف بالحلاق (^١).\nولد العلامة جمال الدين القاسمي في ضحوة يوم الاثنين لثمان خلت من شهر جمادى الأولى سنة ثلاث وثمانين ومئتين وألف، بدمشق، وقد رآه جده المتقدم (الشيخ قاسم)، ووضعه في حجره، ودعا له بما يرجو حصول بركته (^٢).\nنشأ القاسمي ﵀ في بيت عرف بالعلم والتقوى، فقد كان جده الشيخ قاسم (^٣) فقيه الشام وصالحها، وكان أبوه فقيهًا أديبًا (^٤)، وكان لا ينقطع من الدعاء لابنه، وإهدائه الكتب (^٥).\nتربى في كنف والده، وقرأ القرآن على الحافظ المعمَّر الشيخ عبد الرحمن بن علي بن شهاب المصري نزيل دمشق، وكان يُعلم الأطفال في حجرة قبالة الشاذبكية (^٦) في محلة القنوات إلى أن توفي سنة (١٣١٦ هـ)، ودفن بمقبرة الدحداح، وبعد أن كبُر القاسمي حضر دروسه الفقهية والحديثية والتفسيرية كثير.\nبعد أن ختم القرآن، أخذ في تعلم الكتابة عند الأستاذ الكامل، الشيخ محمود أفندي بن محمد بن مصطفى القرصي نزيل دمشق، من صُلحاء الأتراك وكرامهم، كان قاطنًا في تربة درويش باشا في القبة التي على الساباط، جوار جامع الدرويشية على الجادة، وبها كان\n_________\n(^١) جمال الدين القاسمي وعصره: ظافر القاسمي (ص: ٢٠)، وانظر: شيخ الشام جمال الدين القاسمي: الإستانبولي (ص: ١٥)، وانظر: الأعلام: الزركلي (٢/ ١٣٥)، وانظر: معجم المؤلفين: عمر كحالة (٣/ ١٥٧).\n(^٢) جمال الدين القاسمي وعصره: ظافر القاسمي (ص: ٢٢). بتصرف.\n(^٣) وهو قاسم بن صالح (ت: ١٢٨٤). ينظر: أعيان دمشق: محمد جميل الشطي (ص: ٢٢١).\n(^٤) وهو محمد سعيد القاسمي (ت: ١٣١٧). ينظر: أعيان دمشق: محمد جميل الشطي (ص: ٣٩٥).\n(^٥) جمال الدين القاسمي وعصره: ظافر القاسمي (ص: ٢٣). بتصرف\n(^٦) أشار إلى هذا الجامع محمد أسعد طلس في \"تذييله على ثمار المقاصد في ذكر المساجد\" لابن عبد الهادي (ص: ٢٣٠)، وذكر أن في الجامع كُتَّاب أطفال.","vol":"1","page":19},{"text":"يُعلّم الأطفال وغيرهم.\nفمكث عنده نحوًا من ثلاث سنين، إلى أن أتقن الخط بالقلمين (^١)، وذلك في سنة خمس وتسعين ومئتين وألف.\nثم انتقل القاسمي إلى مكتب في المدرسة الظاهرية، في إيوانها القبلي، وكان معلمه الفاضل الشيخ رشيد قزِّيها، الشهير بابن سنان. فقرأ عنده في المكتب المذكور مقدمات فنون شتى، قراءة جد واجتهاد، من توحيد وصرف ونحو، ومنطق وبيان وعَروض وغيرها\nوكان القاسمي خلال ذلك شارعًا في قراءة المختصرات الفقهية والنحوية أيضًا عند والده مع طلبة كثيرين.\nثم جوَّد القرآن المجيد على شيخ القراء بالشام، الشيخ أحمد الحلواني ﵀ (^٢)، فقرأ عليه ختمة وأكثر من نصف أخرى، على رواية الإمام حفص عن عاصم عليه رحمة الله.\nوكان يخرج من دار الأستاذ المذكور إلى دار الشيخ الفاضل سليم بن ياسين العطار (^٣)، لقراءة حصة من الكتب المعينة وقتئذ، وقد حضر عنده في شرح الشذور للمصنف، مع مراجعة الحواشي، وابن عقيل، وشرح القطر للفكاهي، ومختصر السعد التفتازاني، وجمع الجوامع للسبكي، وتفسير البيضاوي.\nوحضر عنده في حصة وافرة من صحيح البخاري رواية، وسمع منه مجالس من البخاري أيضًا دراية.\nوحضر عنده في كتب وافرة بالجامع الأموي، منها حصة من الموطأ والشفا بتمامه، ومعظم مصابيح السنة للبغوي، والجامع الصغير للسيوطي، والطريقة المحمدية للبركلي، وغيرها.\n_________\n(^١) أي الرقعة والفارسي.\n(^٢) ستأتي ترجمته.\n(^٣) وهو: محمد سليم بن ياسين بن حامد العطار: من أعيان دمشق وعلمائها، ومن مدرسي التفسير والحديث بها، كان الناس يتسابقون ويتزاحمون لسماع درسه في التفسير، مات سنة: ١٣٠٧ هـ ينظر: معجم المفسرين: عادل نويهض (٢/ ٥٣٤).","vol":"1","page":20},{"text":"وكتب له الشيخ إجازة عامة بجميع مروياته سنة إحدى وثلاثمائة وألف (^١).\nوكان القاسمي منذ وعى على نفسه يعمل على تهذيبها، ولا يكاد يمضي عليه يوم لم يستفد منه فائدة ولم يقيد شاردة، فظهرت عليه مخايل النبوغ ولم يبلغ العشرين، فما بالك به وقد نيف على الأربعين وقارب أن يتم العقد الخمسين (^٢).\n\n*<span data-type='title' id=toc-12> ثالثًا: شيوخه:</span>\nهيأ الله تعالى للقاسمي جوا من العلم والأدب، وهذا من فضل الله تعالى عليه أولا أن وفقه لتعلم العلم، ثم بفضل دعاء أبيه واهتمامه به وتشجيعه وحثه على تعلم العلم. وقد تقدم ذكر جملة ممن شيوخه الذين أخذ عنهم العلم، إلا أن بعضًا من شيوخه كان لهم الأثر البارز في تكوين شخصية القاسمي العلمية والعملية.\n\n<span data-type='title' id=toc-13>١ - الشيخ عبد الرزاق البيطار:</span>\nوهو عبد الرزاق بن حسن بن ابراهيم بن حسن بن محمد بن حسن البيطار، الميداني، الدمشقي. عالم، اديب، مؤرخ، مشارك في انواع من العلوم، كان سلفي العقيدة ومع ذلك كان يدعو إلى تجديد مذهب السلف فلا يقبل رأي أحد من دون حجة، وكان يأخذ الأحكام بالدلائل ويقبل قول الحق من أي قائل إذا كان علمه صحيحًا، مما جعله يختلف مع بعض الجامدين بسبب نشر دعوة الاجتهاد ويلقى منهم عنتًا ومعارضة.\nومن أشهر مريدي عبد الرزاق البيطار وأصدقائه الشيخ جمال الدين القاسمي الذي قرأ عليه رسالة في الفلك، وكان شديد الإعجاب به دائم الذكر لفضله وعلمه، مات في دمشق سنة: (١٣٣٥ هـ) (^٣).\n_________\n(^١) انظر: إمام الشام: محمد ناصر العجمي (ص: ٤١ - ٤٣)، وانظر: جمال الدين القاسمي علمه ودعوته: الأحيدب (٢٤، ٢٦).\n(^٢) شيخ الشام: الإستانبولي (ص: ١٥)\n(^٣) انظر: الموسوعة العربية (دمشق) (٥/ ٧٤٥)، وانظر: شيخ الشام: الإستانبولي (ص: ١٦).","vol":"1","page":21},{"text":"<span data-type='title' id=toc-14>٢ - الشيخ بكري العطار:</span>\nوهو الشيخ بكري بن الشيخ حامد ابن الشيخ أحمد بن عبيد العطار الدمشقي، العالم العامل الذي أشرق ضوء شهابه، والفاضل الذي تقتطف البلاغة من إيجازه وأطنابه، والجهبذ الذي أوتي الحكمة وهو شاب، قرأ على علماء عصره الأكابر، وأجازوه بما تجوز لهم روايته عن شيوخهم كابرًا عن كابر، مات سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة وألف (^١).\nحضر عنده القاسمي واستفاد منه في فنونٍ عدة في العقيدة والحديث والفقه والصرف والبلاغة وغيرها (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-15>٣ - الشيخ حسن جبينة:</span>\nوهو الشيخ حسن جبينة بن أحمد آغا بن عبد القادر آغا جبينة، إمام صالح، أكب من صغره على طلب العلوم، واستفادة المنطوق والمفهوم، وكان يغلب عليه السكون، والخضوع والتواضع والركون، مات سنة ألف وثلاثمائة وخمس وعمره نحو الخمسة والستين (^٣).\nاستفاد منه القاسمي وحضر عنده في الفقه والحديث، وانتفع بصحبته وآدابه وإرشاداته، وكان يحضه على الأخلاق الحسنة، ودواعي رقَّة الحاشية، وله لطائف كثيرة ومحاسن غزيرة (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-16>٤ - الشيخ أحمد الحلواني:</span>\nوهو الشيخ أحمد بن محمد بن علي بن محمد الحلواني الدمشقي، شيخ القراء في دمشق الشام، عالم بالقراءات، شافعي المذهب، أخذ القراءات عن علمائها بدمشق وبمكة. وصنف (المنحة السنية) منظومة في التجويد، وشرحا لها سماه (اللطائف البهية) ومنظومة في (قراءة ورش) وشرحها، يغلب عليه الخضوع والسكينة والخشوع وتلاوة القرآن، في غالب\n_________\n(^١) انظر: حلية البشر: عبد الرزاق البيطار (ص: ٣٧٣ - ٣٧٥).\n(^٢) انظر: إمام الشام: العجمي (ص: ٤٤ - ٤٧).\n(^٣) انظر: حلية البشر: عبد الرزاق البيطار (ص: ٤٩٧ - ٤٩٨).\n(^٤) انظر: إمام الشام: العجمي (ص: ٥١).","vol":"1","page":22},{"text":"الأحيان، مات سنة ألف وثلاثمائة وسبع (^١).\nقرأ عليه القاسمي ختمة وأكثر من نصف أخرى، واستفاد منه التجويد وعلوم القرآن خصوصًا (^٢)، ويرجع الأثر البالغ في تأثيره على شخصية القاسمي ونبوغه، بأنه من أوائل المشايخ الذين أخذ عنهم، والله أعلم.\nوبهذا يظهر لنا الأثر البالغ لشيوخ القاسمي في طلبه للعلم والهمة في تحصيله، حتى كان له الأثر البارز على من جاء بعده، وكان جميع أساتذته من المعجبين به وبنبوغه والمقرين بفضله. يقولون عنه: \"إن له مستقبلا زاهرا\" (^٣). وقد تحقق كما قالوا: \"من كانت بدايته محرقة كانت نهايته مشرقة\" (^٤).\n\n*<span data-type='title' id=toc-17> رابعًا: تلاميذه:</span>\nتتلمذ على يد القاسمي كثر من طلبة العلم الذين أصبحوا فيما بعد أركان العلم والعمل بدمشق وغيرها من البلدان، فرجل عالم كالقاسمي يجب أن يكون له تلاميذ بارزون، وأناس يأخذون من معين علمه وينتفعون، ومن هؤلاء: جودت المارديني (^٥)، ومحمد كرد علي (^٦)، وشكيب أرسلان (^٧)، وشكري العسلي (^٨)، وصلاح الدين القاسمي (^٩)، وغيرهم ممن كان\n_________\n(^١) انظر: حلية البشر: عبد الرزاق البيطار (ص: ٢٥٣ - ٢٥٤).\n(^٢) انظر: إمام الشام: العجمي (ص: ٤٢).\n(^٣) انظر: شيخ الشام: الإستانبولي (ص: ١٧).\n(^٤) المقولة تنسب إلى أحمد بن محمد بن عبد الكريم بن عطاء الله السكندري، المالكي (ت: ٧٠٩ هـ).\n(^٥) وهو: جودت بن سعيد المارديني. من ارباب التربية والتعليم. توفي بدمشق وله من العمر ٦٥ سنة تقريبا. من تصانيفه: الجغرافية العمومية، والجغرافيا العمومية العثمانية. ينظر: معجم المؤلفين: عمر كحالة (٣/ ١٦٩).\n(^٦) وهو: محمد بن عبد الرزاق بن محمَّد، كُرْد علي: رئيس المجمع العلمي العربيّ بدمشق، ومؤسسه، وصاحب مجلة (المقتبس) والمؤلفات الكثيرة. وأحد كبار الكتّاب، مات سنة ١٣٧٢ هـ. ينظر: الأعلام: الزركلي (٦/ ٢٠٢).\n(^٧) وهو: شكيب بن حمود بن حسن بن يونس أرسلان، من سلالة التنوخيين ملوك الحيرة: عالم بالأدب، والسياسة، مؤرخ، من أكابر الكتّاب، ينعت بأمير البيان، مات سنة ١٣٦٦ هـ. ينظر: الأعلام: الزركلي (٣/ ١٧٣).\n(^٨) وهو: شكري (بك) بن علي بن محمد بن عبد الكريم بن طالب العسلي: شهيد، من زعماء النهضة العربية الحديثة، له (القضاة والنواب) و(الخراج في الإسلام) مات سنة ١٣٣٤ هـ. ينظر: الأعلام: الزركلي (٣/ ١٧٣، ١٧٢).\n(^٩) وهو: صلاح الدين بن محمد سعيد القاسمي: طبيب أديب، من طلائع الوعي القومي العربيّ في سورية، كان من الدعاة الأوائل لإثارة (المسألة العربية) كما سماها، و(مبدأ القوميات)، مات سنة ١٣٣٤ هـ. ينظر: الأعلام: الزركلي (٣/ ٢٠٩، ٢٠٨).","vol":"1","page":23},{"text":"يحضر دروسه ويستفيد من توجيهه وإرشاداته.\nإلا أن القاسمي له تلامذة كبار بارزون قد لازموه وتأثروا بمنهجه العلمي، وأبرزهم ما يلي:\n\n<span data-type='title' id=toc-18>١ - محمد بهجة البيطار:</span>\nوهو الشيخ محمد بهجة البيطار، من أعضاء المجمع العلمي العربي بدمشق، وهو من أصل جزائري، نشأ في حجر والده محمد بهاء الدين، وتلقى على يده مبادئ العلوم الدينية، وعلى يد جده لأمه عبد الرزاق البيطار. وعلى أعلام عصره مثل جمال الدين القاسمي، ومحمد الخضر الحسين، واشتغل في عدة مناصب دينية آخرها توليه إدارة دار التوحيد السعودية، وعضوا عاملا في المجمع العلمي بدمشق والقاهرة.\nله مؤلفات كثيرة منها: (حياة شيخ الإسلام ابن تيمية) و(رسالة في الرد على من طعن في دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب) و(رسالة في الرد على الكوثري)، وله دفاع وذب عن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، توفي ﵀ بدمشق في ثلاثين جمادى الأولى سنة ست وتسعين وثلاثمائة وألف (^١).\nومن عظيم أثر القاسمي عليه ما ذكره عنه ابنه عاصم البيطار حيث قال: \"لقد صحبت والدي عشرات السنوات ولازمته في الحل والترحال فما سمعته يذكر القاسمي مرة في بيته أو في ملأ من قومه إلا بقوله: شيخنا علامة الشام (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-19>٢ - محمد الشطي:</span>\nوهو الشيخ محمد جميل بن عمر بن محمد بن حسن بن عمر جلبي الشطي: فقيه حنبلي فرضي، من المعنيين بالتأريخ. أصله من بغداد، ومولده ووفاته في دمشق. تعلم بها وعمل\n_________\n(^١) انظر: موسوعة مواقف السلف: المغراوي (١٠/ ٥٦)، وانظر: تتمة الأعلام للزركلي: محمد خير رمضان (٣/ ٨٥).\n(^٢) مقدمة المحقق لكتاب موعظة المؤمنين: جمال الدين القاسمي (ص: ١٢).","vol":"1","page":24},{"text":"موظفا في المحاكم الشرعية بدمشق إلى أن ولي إفتاء الحنابلة. ومن تصانيفه: السيف الرباني، والبرهان على صحة رسم مصحف الحافظ عثمان، ومختصر طبقات الحنابلة، وغير ذلك، مات سنة: ١٣٧٩ هـ (^١).\nقال الشيخ محمد بهجة البيطار في تقديمه لكتاب \"أعيان دمشق\" عن محمد الشطي: \" إن محمد جميل هو أخونا في الطلب والتحصيل على أستاذنا الجمال القاسمي\" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-20>٣ - محمد بن مانع:</span>\nوهو العلامة الفقيه الشيخ محمد بن عبد العزيز بن محمد بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن مانع الوهبي التميمي النجدي، تلقى مبادئ العلوم على علماء بلده، ثم سافر إلى بغداد وقرأ على علمائها ثم إلى مصر كذلك، ثم سافر إلى دمشق الشام ولازم الشيخ جمال الدين القاسمي وسمع عليه صحيح البخاري.\nرحل إلى بلاد عديدة وقرأ على علمائها حتى أصبح من علماء عصره الذين يُشار إليهم بالبنان، عينه الملك عبد العزيز رئيسا لثلاث هيئات: هيئة تمييز القضايا وهيئة الأمر بالمعروف وهيئة الوعظ والإرشاد، مات سنة ١٣٨٥ هـ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-21>٤ - حامد بن أديب التقي:</span>\nوهو حامد (أو محمد حامد) بن أديب ابن أرسلان التقي: فقيه حنفي متأدب، دمشقي. تولى الإفتاء بالنبك، وتعليم التربية الدينية واللغة العربية في بعض المدارس، وكان يحرص على ما يحصل عليه من إجازات شيوخه ووثائق تعيينه فجمع في الظاهرية ٣٨ ورقة بخطوط من أدركهم من علماء دمشق. كبكري العطار وعبد الرزاق البيطار وعبد الحكيم الأفغان والقاسمي ومحمد المبارك. وله كتاب (أثر الدعوة الوهابية في الإصلاح)، وكان من أقارب الشيخ جمال الدين القاسمي، فقد لازمه (١٧) عامًا، فأخذ عنه العلم، وتأدب بآدابه،\n_________\n(^١) انظر: الأعلام: الزركلي (٦/ ٧٣)، وانظر: حلية البشر: البيطار (ص: ١٦٢٦).\n(^٢) أعيان دمشق: الشطي (ص: ٨).\n(^٣) مشاهير علماء نجد وغيرهم: عبد الرحمن آل الشيخ (٢٦٧ - ٢٧٢).","vol":"1","page":25},{"text":"وحمل دعوته، وأخذ عنه علوم تفسير القرآن، والحديث واللغة والنحو والصرف، وهو يُعتبر من أكبر تلامذته، وكانت طريقة تدريسه محاربة البدع والضلالات، ونشر الإصلاح على مذهب شيخ الإسلام ابن تيمية مات سنة ١٣٧١ هـ (^١).\n\n*<span data-type='title' id=toc-22> خامسًا: مؤلفاته:</span>\nكان للقاسمي دور كبير في نشر العلم الشرعي عن طريق عقد الدروس العلمية، أو الخطب الوعظية، أو كتابة المؤلفات النافعة، فقد كان يجعل ضحوة النهار للتأليف، وقد كان سيال القلم سيال القريحة، وقد كتب كثيرا من الكتب والرسائل تصنيفًا وشرحًا واختصارًا لبعض المطولات تزيد على السبعين، وكلما أخرج مؤلفًا من مؤلفاته انبرى الكُتّاب والعلماء إلى تقريضه والثناء عليه (^٢).\nوهذه بعضًا من أشهر مؤلفاته:\n١ - الجرح والتعديل. طُبع في مطبعة المنار بمصر، الطبعة الأولى، سنة ١٣٣٠ هـ، ويقع في ٤٠ صفحة.\n٢ - المسح على الجوربين. طُبع في دار الترقي بدمشق، الطبعة الأولى، سنة ١٣٣٢ هـ. بتحقيق: قاسم خير الدين القاسمي. ويقع في ٦٤ صفحة.\n٣ - موعظة المؤمنين من إحياء علوم الدين، طُبع بدار النفائس في بيروت، الطبعة الثالثة سنة ١٩٨٠ هـ، بتحقيق عاصم البيطار، ويقع في ٤٢٢ صفحة.\n٤ - إصلاح المساجد من البدع والعوائد. طُبع بالمكتبة السلفية (مصر) الطبعة الأولى، سنة ١٣٤١ هـ، ويقع في ٣١٩ صفحة، بتحقيق محب الدين الخطيب.\n٥ - الأوراد المأثورة. طبع في بيروت سنة ١٣٢٠ هـ. ويقع في ٦٤ صفحة.\n٦ - دلائل التوحيد. طُبع في دار المقتبس بدمشق، سنة ١٣٢٢ هـ. ويقع في ٢٠٧\n_________\n(^١) انظر: الأعلام: الزركلي (٢/ ١٦٠) وانظر: إمام الشام: العجمي (ص: ٢٦٣ - ٢٦٧).\n(^٢) انظر: مجلة المنار: محمد رشيد رضا (١٧/ ٦٢٨)، وانظر: شيخ الشام: الإستانبولي (ص: ٣٧).","vol":"1","page":26},{"text":"صفحة.\n٧ - حياة البخاري. طُبع في دار العرفان بصيدا، الطبعة الأولى، سنة ١٣٣٠ هـ، ويقع في ٣٠ صفحة.\n٨ - الشاي والقهوة والدخان. طبع بدمشق سنة ١٣٢٢. ويقع في ٥٥ صفحة.\n٩ - محاسن التأويل. وهو كتابنا الذي عليه دراسة التعقبات في هذا البحث، طُبع في دار إحياء الكتب العربية بمصر، الطبعة الأولى، سنة ١٣٨٠ هـ. ويقع في ١٧ جزءا.\n١٠ - تاريخ الجهمية والمعتزلة. نُشر أولًا بمقالات متسلسلة في المجلد السادس من مجلة المنار، ثم جُرِّد في كتاب مستقل بمطبعة المنار بمصر سنة ١٣٣١ هـ. ويقع في ٨٤ صفحة.\n\n*<span data-type='title' id=toc-23> سادسا: محنته:</span>\nفي ظل الجمود الفكري والتعصب المذهبي الذي كان يطغى على الناس في ذلك الوقت وفي بلاد الشام، رأي القاسمي أنه من الواجب عليه أن يحث الناس بالرجوع إلى الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة.\nومن سنة الله في خلقه أنه يبتليهم بالخصوم والأعداء كما هو حال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، كما قال الله في محكم تنزيله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ﴾ [سورة الفرقان: ٣١]، فاتهموه من كان في قلبهم مرض، وابتُلوا بالبدع والمحدثات، والتعصب والأهواء، أن هذا الشيخ يعمل ضد الحكومة العثمانية وضد المذهب الحنفي، وأخذوا يُحرِّضون عليه الوالي وأرباب المناصب بأن هذا الشيخ قد أنشأ مذهبًا جديدًا وهو: \"المذهب الجمالي\"، فقبضت عليه الحكومة وحققت معه، ولكنه ثبت بكل شجاعة، واستطاع بفضل الله تعالى أن يرد التهمة.\nوذلك أنه عندما قالوا له: بلغنا عنك أنك تريد أن تجتهد وتؤسس مذهبًا خامسًا تسمِّه بالمذهب الجمالي. قال لهم: إنني أتمنى أن تكون المذاهب الأربعة ثلاثة، والثلاثة اثنين، والاثنين واحدًا لجمع كلمتهم. فهل يُتصور أن أزيد عليها خامسًا لتفريق المسلمين وجعلهم شيعًا وأحزابًا.","vol":"1","page":27},{"text":"ارتسمت الحيرة على وجوه المفترين، ووجدوا أنفسهم أمام عالم قوي الحجة، حاضر البديهة، سريع التخلص، ولكنهم بدلا من الرجوع إلى الحق والهدى بعد ما تبين لهم، لجأوا إلى سلاح العاجز فأغروا الوالي بسجنه، فسخَّر الله له أحد المصلحين وجاء إلى دار الوالي ليلًا وأقنعه أن سجن القاسمي ظلم، وهو لم يقم ضد الحكومة، فأطلق سراحه صباحًا وأقيمت له وليمة من قبل القاضي - وكيل الوالي- دعا إليها جمع من أصحاب القاسمي ممن اتهموا معه، واعتذر إليهم مما وقع، وأن الحكومة راضية عنهم (^١).\n\n*<span data-type='title' id=toc-24> سابعًا: ثناء العلماء عليه:</span>\nقال عنه الشيخ محمد رشيد رضا (^٢): \"هو علامة الشام، ونادرة الأيام، والمجدد لعلوم الإسلام، محيي السنة بالعلم والعمل، والتعليم، والتهذيب والتأليف، وأحد حلقات الاتصال بين هدي السلف، والارتقاء المدني الذي يقتضيه الزمن، الفقيه الأصولي، المفسر المحدث، الأديب المتفنن، التقي الأواب، الحليم الأواه، الحليم النزيه، صاحب التصانيف الممتعة، والأبحاث المقنعة\" (^٣).\nوقال عنه أمير البيان شكيب أرسلان (ت: ١٣٦٦): \"وإني لأوصي جميع الناشئة الإسلامية التي تريد أن تفهم الشرع فهمًا ترتاح إليه ضمائرها، وتنعقد عليه خناصرها، ألاَّ تقدم شيئًا على قراءة تصانيف المرحوم الشيخ جمال القاسمي\" (^٤).\nوقال عنه الشيخ أحمد شاكر (ت: ١٣٧٧): \"كان في مقدمة من سار على النهج القويم أستاذنا القاسمي ﵀. وقد زار مصر قبل وفاته وكنت ممن اتصل به من طلاب العلم، ولزم حضرته، واستفاد من توجيهه إلى الطريق السوي والسبيل القويم\" (^٥).\n_________\n(^١) انظر: شيخ الشام: الإستانبولي (ص: ٤١، ٤٢).\n(^٢) وهو: الشيخ محمد رشيد بن علي رضا القلموني، البغدادي الأصل، الحسيني النسب: صاحب مجلة (المنار) وأحد رجال الإصلاح الإسلامي. من العلماء بالحديث والأدب والتفسير مات سنة ١٣٥٤ هـ. ينظر: الأعلام: الزركلي (٦/ ١٢٦).\n(^٣) مجلة المنار: محمد رشيد رضا (١٧/ ٥٥٨).\n(^٤) قواعد التحديث (المقدمة): جمال الدين القاسمي (ص: ١٠).\n(^٥) مقدمة كتاب: المسح على الجوربين: القاسمي (ص: ٤).","vol":"1","page":28},{"text":"وقال عنه الأستاذ محب الدين الخطيب (ت: ١٣٩٨) (^١): \"والسيد جمال الدين القاسمي ﵀ مصباح من مصابيح الإصلاح الإسلامي التي ارتفعت فوق دياجير حياتنا الحاضرة في الثلث الأول من القرن الهجري الرابع عشر فنفع الله بعلمه وعمله ما شاء أن ينفعهم، ثم انتقل إلى -رحمة الله- تاركًا من آثاره العلمية المطبوعة ما لا تكاد تخلو منه مكتبة قائل بالإصلاح في العالم الإسلامي\" (^٢).\nوقال عنه الأستاذ محمد كرد علي: \"فهو علامة بين العلماء منور ممدن بين المنورين بنور المدنية الصحيحة، ذهب مثال الرجل الصالح، عفيف الطعمة، لم يسف إلى ما يسف إليه بعض من يتذوقون قليلا من المعارف، وما أنكر إلا المنكر ولا أمر إلا بالمعروف، ومن ضيق ذات يده كان يتصدق في السر، ولا يخلو ساعة من عبادة وذكر، وما فقده جلل على دمشق بل على الشام بل على أهل الإسلام وشهرته التي نالها في العالم الإسلامي في هذه السن من الكهولة هي مما استحقه أو أقل مما يستحقه لأنه حقيقة العالم العامل الذي يحبب الدين حتى لمن لم يتدين حياته\" (^٣).\nوكان الشيخ العلامة الألباني ﵀ كثير الثناء على القاسمي، وكذلك أثنى عليه العلامة ابن باز ﵀، وأثنى عليه العلامة محمد أمان الجامي ﵀ (^٤).\n\n*<span data-type='title' id=toc-25> ثامنًا: عقيدته:</span>\nنشأ القاسمي بداية عمره في بيئة صوفية أشعرية، فقد تتلمذ على الشيخ أحمد بن محمد الحلواني أحد شيوخ الأشعرية (^٥).\n_________\n(^١) وهو الشيخ محب الدين بن أبي الفتح محمد بن عبد القادر بن صالح الخطيب، من كبار الكتاب الإسلاميين، كانت له أيادي بيضاء في نشر العقيدة السلفية والدفاع عنها، شارك في إنشاء جمعية بدمشق سميت \" النهضة العربية \". ينظر: الأعلام: الزركلي (٥/ ٢٨٢)، موسوعة مواقف السلف في العقيدة: المغراوي (٩/ ٤٩٧).\n(^٢) مقدمة كتاب اصلاح المساجد: القاسمي (ص: ٦).\n(^٣) مجلة المقتبس: محمد كرد علي (٨٥/ ٥١).\n(^٤) انظر: موقع الإسلام العتيق: د. عبد العزيز الريس  www.islamancient.com،  وانظر: مقال بعنوان: تحرير في سلفية جمال الدين القاسمي: وليد الوصابي، موقع صيد الفوائد  www.saaid.net\n(^٥)  الأشعرية: نسبة إلى أبي الحسن الأشعري، وهي فرقة كلامية تثبت لله تعالى سبع صفات عن طريق العقل وهي: الحياة والعلم والإرادة والقدرة والسمع والبصر والكلام، ينظر: الموسوعة الميسرة: الجهني، وينظر: امتاع الفضلاء بتراجم القراء: الساعاتي (٢/ ٥٣)","vol":"1","page":29},{"text":"وكان مُتأثرا بأئمة الصوفية، فكان ينقل عنهم في تفسيره، كابن عربي (^١)، والشعراني (^٢) والقاشاني (^٣)، والمهايمي (^٤).\nومن سنة الله تعالى في عباده أنه يهدي من يشاء منهم ويُضل من يشاء، فرغم تأثر القاسمي بأئمة الصوفية إلا أنه رد من أقوالهم وعقائدهم التي تُخالف الكتاب والسنة وما عليه أهل السنة، فلا يقول بالاتحاد والحلول ولا بالتبرك بالمشايخ والتوسل بهم، حتى الكرامات فلا يعتبر بها إلا بعد عرض عمل صاحبها على الكتاب والسنة، ولعل السبب في عدم تأثره هو ما انتهجه من نهج اتباع الكتاب والسنة وذم التقليد.\nففي تفسيره لقوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [سورة يونس: ٦٢] نقل كلامًا عن شيخ الإسلام ابن تيمية من كتابه: الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان مفاده: أن الرجل لا يكون وليًا لله إلا إذا وافق عمله الكتاب والسنة.\nوكان ينهى عن الاختلاط بشيوخ التصوف ولو من أجل الاطلاع على أحوالهم؛ فقد زجر تلميذًا له مرة حينما أحب الذهاب لمشاهدة حلقاتهم والسماع لأناشيدهم\n_________\n(^١) وهو: محمد بن علي الطائي، الحاتمي، المعروف بابن عربي، صوفي متكلم، أنكر عليه اهل مصر آراءه، فعمل بعضهم على اراقة دمه، مات بدمشق سنة: ٦٣٨ هـ. من تصانيفه: الفتوحات المكية وفصوص الحكم. ينظر: معجم المؤلفين: رضا كحالة (١١/ ٤٠)، قال عنه ابن حجر: \"وقد كنت سألت شيخنا الإمام سراج الدين البلقيني عن ابن عربي فبادر الجواب بأنه كافر\" ينظر: لسان الميزان: ابن حجر: (٢/ ١٧٥٣).\n(^٢) وهو: عبد الوهاب بن أحمد بن علي الحَنَفي الشعراني، وكان من أكابر مخرّفي الصوفية الذين تخرّج على أيديهم فئام من الجهلة، مات سنة: ٩٧٣ هـ. من مصنفاته: إرشاد الطالبين إلى مراتب العلماء العالمين والأنوار القدسية في معرفة آداب العبوديّة. ينظر: الأعلام: الزركلي (٤/ ١٨٠)، وينظر: موسوعة مواقف السلف: المغراوي (٨/ ٥٣٩).\n(^٣) وهو: محمد بن محمد الشهير بمؤمن القاشاني فاضل. من آثاره: كتاب منتخب من احياء العلوم للغزالي، مات سنة: ١٠٣٢ هـ، ينظر: معجم المؤلفين: رضا كحالة (١١/ ٣٠٥).\n(^٤) وهو: على بن احمد بن إبراهيم بن إسماعيل المهائمي، الدكني، الهندي، الحنفي، فقيه، متكلم، مفسر، صوفي، كان يقول بوحدة الوجود، مات سنة: ٨٣٥ هـ. من تصانيفه: الزوارف في شرح عوارف المعارف، شرح فصوص الحكم لابن عربي. ينظر: معجم المؤلفين: رضا كحالة (٧/ ٩) وينظر: الأعلام: الزركلي (٤/ ٢٥٧).","vol":"1","page":30},{"text":"وموسيقاهم، وقال له: \"لا تكثر سواد المبتدعة، ولاتكن قدوة سيئة لغيرك\" (^١).\nوقد آلمه كثيرًا تصرفات مشايخ الطرق في دمشق وأعمالهم وادعاءاتهم وكثرة بدعهم، فشنَّع عليهم وبيَّن ضلالهم، وقد وصف ما يفعلون من منكرات أنها تضر بالدين، ففي حديثه عن مواكبهم التي كانت تخرج في الربيع، يقول: \"لا تزال هذه الطوائف تبتدع أمورًا تُضحك السفهاء وتُبكي العقلاء وتحتال لمطامعها البهيمية ما جلب العار على الأمة وسلط عليها الأجنبي يهزأ بديننا ويقبح أعمالنا ظنًا منه أن ما يجريه هؤلاء الجهلة من الدين ..... الخ\" (^٢).\nوكان مُتأثر بكتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمهما الله التي كانت سببًا لتنوير بصيرته وصفاء فؤاده.\nيقول القاسمي: \"إني -ولله الحمد- نشأت على حب مؤلفات شيخ الإسلام، والحرص عليها، والدعوة إليها، وأعتقد أن كل من لم يطالع فيها .. لم يشم رائحة العلم الصحيح، ولا ذاق لذة فهم العقل، وهم يعلمون ما ندعو إليه، وما نسعى لإشهاره. فطورًا يرموننا بالاجتهاد، وطورا بما قدمنا، وسيأخذ الحق بناصيتهم إن شاء الله\" (^٣).\nوكان يُكثر من النقل عن ابن تيمية وابن القيم في تفسيره وخصوصًا في آيات الصفات لتقرير عقيدة السلف، كما سيأتي في الحديث عن منهجه في التفسير.\nويُبين القاسمي عقيدته في أسماء الله وصفاته فيقول: \"أعدل المذاهب مذهب السلف؛ فإنهم أثبتوا النصوص بالتنزيه من غير تعطيل ولا تشبيه، وذلك أن المعطلين لم يفهموا من أسماء الله تعالى وصفاته إلا ما هو اللائق بالمخلوقات، ثم شرعوا في نفي تلك المفهومات، فجمعوا بين التمثيل والتعطيل، فمثّلوا أولا، وعطّلوا آخرا، فهذا تشبيه وتمثيل منهم للمفهوم من أسمائه وصفاته تعالى بالمفهوم من أسماء خلقه وصفاتهم، فعطلوا ما يستحقه ﷾ من الأسماء والصفات اللائقة به ﷿، بخلاف سلف الأمة، وأجلاء الأئمة، فإنهم\n_________\n(^١) شيخ الشام: الإستانبولي (ص: ٩١).\n(^٢) إصلاح المساجد: القاسمي (ص: ٢٤٨)\n(^٣) جمال الدين القاسمي وعصره: ظافر القاسمي (ص: ٥٩٦).","vol":"1","page":31},{"text":"يصفون الله ﷾ بما وصف به نفسه، وبما وصفه نبيه من غير تحريف ولا تشبيه\" (^١).\nولكنه عفا الله عنه كان مما آخر ما ألف كتاب: تاريخ الجهمية والمعتزلة الذي لم يُوَفّق لتأليفه لما تضمنه من الثناء على رأس الضلالة الجهم بن صفوان والدفاع عنه، والتشنيع على الأمير خالد بن عبد الله القسري، إضافة على ذلك أنه في هذا الكتاب رمى أهل الحديث والأثر بالتعصب المذموم، وعد الجهمية والمعتزلة من أهل الاجتهاد (^٢)، وقد فرغ من تأليفه قبل وفاته بنحو سنتين، فهو من آخر رسائله (^٣).\nونحن إذا نظرنا في مواقف السلف مع المبتدعة نجد أنهم ينهون عن مجالستهم والاستماع لهم، فكيف بمن أثنى عليهم أو دافع عنهم؟!\nيقول أبو داود السجستاني قلت: لأبي عبد الله أحمد بن حنبل أرى رجلا من أهل السنة مع رجل من أهل البدعة أترك كلامه؟ قال: لا أو تعلمه أن الرجل الذي رأيته معه صاحب بدعة فإن ترك كلامه فكلمه وإلا فألحقه به (^٤).\nوقال الفضيل بن عياض (^٥): \"من عظم صاحب بدعة، فقد أعان على هدم الإسلام، ومن تبسم في وجه مبتدع فقد استخف بما أنزل الله ﷿ على محمد ﷺ، ومن زوج كريمته مبتدع فقد قطع رحمها، ومن تبع جنازة مبتدع لم يزل في سخط الله حتى يرجع\" (^٦).\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (٤/ ٥٢٢٧).\n(^٢) كل ذلك مبثوث في كتابه: تاريخ الجهمية والمعتزلة. وقد قام بالرد عليه الشيخ عبد الحميد الرفاعي في كتاب سماه: الصواعق المرسلة على تاريخ الجهمية والمعتزلة.\n(^٣) ذكر ذلك الشيخ بهجت البيطار في رسالة عزاء أرسلها إلى العلامة محمود شكري الآلوسي. ينظر: الرسائل المتبادلة بين القاسمي والآلوسي (ص: ٢٣٩).\n(^٤) طبقات الحنابلة: أبو يعلى (١/ ١٦٠).\n(^٥) وهو: أبو علي الفضيل بن عياض بن مسعود بن بشر التميمي، الزاهد المشهور، نشأ بأبيورد وقدم الكوفة وسمع الحديث بها، ثم انتقل إلى مكة شرفها الله تعالى وجاور بها إلى أن مات في المحرم سنة ١٨٧ هـ، ينظر: وفيات الأعيان: ابن خلكان (٤/ ٤٧).\n(^٦) شرح السنة: البربهاري (ص: ١٣٩).","vol":"1","page":32},{"text":"وسئل سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: الذي يثني على أهل البدع ويمدحهم، هل يأخذ حكمهم؟\nفأجاب: \"نعم ما فيه شكٌّ، من أثنى عليهم ومدحهم هو داعٍ لهم، يدعو لهم، هذا من دعاتهم، نسأل الله العافية\" (^١).\nوالقاسمي له مواقف وجهود عظيمة في نشر السنة وقمع البدعة وتقرير عقيدة السلف لمن اطلع على ما كتبه في كتاب إصلاح المساجد، ودلائل التوحيد، والرسائل المُتبادلة بينه وبين الآلوسي، إلا أن كتاب تاريخ الجهمية الذي ألفه يُعد نقطة سوداء في صفحاته البيضاء، فليس من العدل والانصاف أن تُنسف جهوده في تقرير عقيدة أهل السنة، بسبب ما وقع منه في هذا الكتاب.\nولعل السبب في وقوع القاسمي في مثل هذا الزلل ما يلي:\nأولا: أنه قد نشأ على خلاف منهج السلف ثم تعرف عليه في وقت غربة وشدة، فكان ما وقع فيه من اللوث الذي بقي فيه، والله أعلم.\nثانيا: أنه مات شابًا فلم تمتد به الحياة ليدرك خطأه في تلك المسائل، وكان في وقت لا زالت فيه كثير من المخطوطات التي تبين الصواب والحق، فلعله لم يتمكن من الوقوف عليها.\nثالثًا: أن ما ذكره في هذا الكتاب من مسائل لم تكن العمدة في منهجه، فهو مقابل الثناء على الجهمية والمعتزلة كان ينقل عن ابن تيمية وغيره أقوالا تقضي بضلالهم وتضليلهم، دون ردٍ لهذه الأقوال.\nرابعً: لم يثبت عن أحدٍ أنه نصح القاسمي بالرجوع عما كتبه في هذا الكتاب، أو أقام عليه الحجة، حتى يُحكم عليه بالتضليل والالحاق بأهل البدع.\nخامسًا: أن حب القاسمي للتقريب، والاتحاد بين الفرق الإسلامية ربما هو الذي دفعه\n_________\n(^١) التعليق على كتاب فضل الإسلام: ابن باز (ص: ٢٩).","vol":"1","page":33},{"text":"إلى مثل هذا الثناء، لكنه أخطأ في سلوك هذا المسلك، فكم من مريد للخير لا يُصيبه، والله أعلم.\nسادسًا: يحتمل أنه كان يلتمس المعاذير لأصحاب المذاهب المخالفة فيما ذهبوا إليه؛ بغية هداية أتباعهم إلى عقيدة السلف، وتحبيبهم لذلك، وهذا اجتهاد منه لا يُتابع عليه.\nالخلاصة:\nأن القاسمي كان على عقيدة السلف في أصول المعتقد، كما هو مقرر في مؤلفاته وكتاباته، وجهوده في نشر العلم والصبر على الأعداء، وثناء الناس عليه، إلا أنه وقع في زلل عظيم عندما ألف كتاب تاريخ الجهمية الذي خالف فيه منهج أهل السنة مع أهل البدع عفا الله عنه.\n\n*<span data-type='title' id=toc-26> تاسعًا: وفاته:</span>\nبعد أن عاد القاسمي من رحلة فلسطين التي أقام بها في سبيل الاجتماع بالمصلحين والعلماء والاطلاع على الكتب النادرة، أصيب بالحمى أيامًا قليلة وعاده الطبيب عبد الرحمن الشهبندر (^١)، وعرف أن مرضه خطير وقد يتسبب في وفاته وقال: أف لعن الطب إذا كان صاحبه لا يستطيع أن ينجي حبيبه (^٢).\nحيث لم تمض أيامًا معدودة وتطفئ إحدى مصابيح العلم التي أنارت بعلمها مدة من الزمن، فكانت إحدى المصائب التي حلت على الأمة حينئذ، فقد وافاه أجله مساء السبت ٢٣ جمادى الأولى ١٣٣٢ ودفن في مقبرة الباب الصغير بدمشق. وقد خرجت له جنازة قل أن يكون لها نظير في كثرة المشيعين حتى أعدائه.\nوهنا صح ما قاله الإمام أحمد ﵀ \"قولوا لأهلِ البدعِ: بيننا وبينكم يومُ\n_________\n(^١) وهو: عبد الرحمن بن صالح شهبندر: طبيب خطيب، من أهل دمشق، له كتاب: القضايا العربية الكبرى، مات سنة ١٣٥٩ هـ مقتولًا. ينظر: الأعلام: الزركلي (٣/ ٣٠٧، ٣٠٨).\n(^٢) في حال المصيبة يجب على المؤمن أن يُسلِّم بما قضى الله له وأن يقول كما أمره ربه ﴿الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون﴾.","vol":"1","page":34},{"text":"الجنائزِ\" (^١)، حيث يخفى الجسد ويعرف الناس من خدم الدين من غيره (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) سؤالات السلمي للدارقطني: أبو عبد الرحمن السلمي (٣٦١).\n(^٢) انظر: شيخ الشام: الإستانبولي (ص: ٩٥)، وانظر: مقدمة كتاب قواعد التحديث: القاسمي (ص: ٣٢).","vol":"1","page":35},{"text":"<span data-type='title' id=toc-27>التعريف بكتاب محاسن التأويل للقاسمي</span>\nتعددت مناهج العلماء قديمًا وحديثًا في تفسير كتاب الله تعالى، فكل من برع في علم من العلوم أو فن من الفنون من العلماء نجده يوظف هذا العلم أو هذا الفن في تفسيره لكتاب الله تعالى، فيكون تفسيره مميزًا بما أودعه فيه، ويكون طابعًا غلب عليه هذا الفن.\nفمثلًا: نجد تفسير ابن أبي حاتم وتفسير ابن جرير الطبري وتفسير ابن كثير يغلب عليهم الطابع الأثري، ونجد أبا حيان يغلب على تفسيره الطابع اللغوي، ونجد ابن العربي والقرطبي وغيرهم يغلب على تفاسيرهم الطابع الفقهي، ونجد الزمخشري يغلب عليه الطابع البلاغي، وهكذا.\nإلا أن بعضًا من المفسرين كان يتمتع بطول النفس في التأليف، فكان يجتهد بكثرة النقولات، ويذكر في تفسيره للآيات جميع المسائل والعلوم التي تكشف عن معاني الآيات، وهو ما يُسمى عند المعاصرين بالتفسير التحليلي، وهو: أن يذكر المفسر جميع الأوجه التي تكشف عن معاني الآيات وأحكامها وحِكمها، من معاني أثرية، أو لغوية، أو بلاغية، أو مناسبات، أو أحكام فقهية، أو لطائف، وغير ذلك.\nوكان ممن نحى هذا المنحى: جمال الدين القاسمي في تفسيره المسمى: محاسن التأويل.\nالتعريف بكتاب محاسن التأويل:\nيُعرف هذا التفسير بـ\"تفسير القاسمي\" طبع في سبعة عشر مجلدا، ويقع في ٦٣١٦ صفحة، ما عدا المجلد الأول الذي جعله مقدمة لتفسيره وصدرت الطبعة الأولى بين عامي ١٣٧٦ - ١٣٧٧ من دار إحياء الكتب العربية، ووقف على طبعه، وتصحيحه، ورقمه، وخرج آياته وأحاديثه وعلق عليه الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، وأصدرت دار الفكر ببيروت الطبعة الثانية سنة ١٣٩٨ مصورة عن الطبعة الأولى.\n\n<span data-type='title' id=toc-28>طريقته في التفسير:</span>\nبين -رحمه الله تعالى- في مقدمة تفسيره أنه اطلع على ما قدر له من تفاسير السابقين وتعرف ما تخللها من الغث والسمين، ثم بعد أن صرف في الكشف عن حقائق التفسير","vol":"1","page":36},{"text":"شطرا من عمره ووقف على فحص دقائقه قدرا من دهره.\nوقد جعل -رحمه الله تعالى-- الجزء الأول مقدمة لتفسيره، قال عنها: \"وهي قواعد فائقة وفوائد شائقة جعلتها مفتاحا لمغلق بابه، ومسلكا لتسهيل خوض عبابه، تعين المفسر على حقائقه وتطلعه على بعض أسراره ودقائقه\" (^١).\nوالقاسمي -رحمه الله تعالى- كثيرا ما ينقل نقولا طويلة عن علماء السلف وغيرهم، فينقل عن أحمد بن حنبل، وابن جرير الطبري، وابن حزم (^٢)، والراغب (^٣)، والزمخشري (^٤)، والرازي (^٥)، والقرطبي (^٦)، والعز بن عبد السلام (^٧)، وابن تيمية، وابن القيم، وابن كثير، والشاطبي (^٨). والبقاعي (^٩)، وغيرهم، ﵏ أجمعين.\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (١/ ٦)\n(^٢) وهو: أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي، الإمام الأوحد، ذو الفنون والمعارف الفقيه الحافظ، الأديب، الوزير، الظاهري، صاحب التصانيف، مات سنة ٤٥٦ مائة. ينظر: سير أعلام النبلاء: الذهبي (١٨/ ١٨٤).\n(^٣) وهو: الإمام العلامة أبو القاسم حسين بن محمد بن المفضل الراغب الأصفهاني، صاحب المصنفات، له: مفردات القرآن، وأفانين البلاغة، وتفسير القرآن، مات سنة ٥٠٢ هـ. ينظر: سلم الوصول إلى طبقات الفحول: حاجي خليفة (٢/ ٥٦).\n(^٤) وهو: أبو القاسم محمود بن عمر الخوارزمي الزمخشري، الإمام الكبير في التفسير والحديث والنحو واللغة وعلم البيان، تشد إليه الرحال في فنونه، كان معتزلي الاعتقاد متظاهرًا به، مات سنة ٥٣٨ هـ. ينظر: وفيات الأعيان: ابن خلكان (٥/ ١٧٠).\n(^٥) وهو: هو الإمام فخر الدين أبو عبد الله محمد بن العمر بن الحسين الرازي، أفضل المتأخرين وسيد الحكماء المحدثين، قد شاعت سيادته، وانتشرت في الآفاق مصنفاته وتلامذته، مات سنة ٦٠٦ هـ. ينظر: عيون الأنباء: ابن أبي أصيبعة (ص: ٤٦٢).\n(^٦) وهو: محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح، الإمام، العلامة، أبو عبد الله الأنصاري، الخزرجي، القرطبي، إمام متفنن متبحر في العلم، له تصانيف مفيده تدل على كثرة اطلاعه. مات سنة ٦٧١ هـ. ينظر: تاريخ الإسلام: الذهبي (١٥/ ٢٢٩).\n(^٧) وهو: الشيخ عز الدين ابن عبد السلام السلمي الدمشقي الشافعي، تفقه على ابن عساكر، وقرأ ودرس وصنف، وبرع في المذهب، وبلغ رتبة الاجتهاد، وقصده الطلبة من البلاد، مات سنة ٦٦٠ هـ. ينظر: فوات الوفيات: صلاح الدين (٢/ ٣٥٠).\n(^٨) وهو: الإمام العلامة المحقق القدوة المجتهد، إبراهيم بن موسى اللخمي الغرناطي أبو إسحاق الشهير بالشاطبي، كان أصوليًا مفسرًا فقيهًا، محدثًا لغويًا بيانيًا، ورعًا صالحًا سنيًا، إمامًا مطلقًا، مات سنة ٧٩٠ هـ. ينظر: نيل الابتهاج: التنبكتي (ص: ٤٨).\n(^٩) وهو: إبراهيم بن عمر بن حسن الرباط البقاعي الشافعي، برهان الدين أبو الحسن، العلامة المحدث الحافظ، أخذ القراءات عن ابن الجزري وغيره، ومهر وبرع في الفنون وداب في الحديث. مات سنة ٨٨٥ هـ. ينظر: نظم العقيان: السيوطي (ص: ٢٤).","vol":"1","page":37},{"text":"وكثيرا ما يستشهد ﵀، وهو من علماء الحديث- بالأحاديث النبوية من الصحاح والسنن والمسانيد. وفي اللغة يرجع إلى كتب اللغة، كالقاموس والصحاح وغيرهما.\n\n<span data-type='title' id=toc-29>منهجه في تفسير آيات العقيدة والأسماء الصفات:</span>\nأفرد القاسمي -رحمه الله تعالى- في المجلد الأول من مقدمات تفسيره بيانا في أن الصواب في آيات الصفات هو مذهب السلف.\nأورد فيه نقولا لبعض العلماء في إثبات ذلك، فنقل قول الإمام أحمد -رحمه الله تعالى-: \"لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله، لا يتجاوز القرآن والحديث .... الخ\" ووصفه بالقول الشامل في الصفات كما يقول ابن تيمية (^١).\nثم نقل عن الأوزاعي (^٢) من كتابي الأسماء والصفات للبيهقي، والسنة لأبي بكر الخلال، ثم نقل شرح ابن القيم لحديث: \"فرح الله بتوبة عبده\" من كتابه: طريق الهجرتين، مما يقرر به مذهب السلف في الأسماء والصفات (^٣).\nومن الأمثلة على ذلك: تفسيره لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [سورة الشورى: ١١] قال: \"كما أن صدر الآية فيه رد على المشبهة فكذا تتمتها وهو قوله تعالى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ رد على المعطلة؛ ولذا كان أعدل المذاهب مذهب السلف، فإنهم أثبتوا النصوص بالتنزيه من غير تعطيل ولا تشبيه وذلك أن المعطلين لم يفهموا من أسماء الله تعالى وصفاته إلا ما هو اللائق بالمخلوق ثم شرعوا في نفي تلك المفهومات فجمعوا بين التمثيل والتعطيل فمثلوا أولا وعطلوا آخرا، فهذا تشبيه وتمثيل منهم للمفهوم من\n_________\n(^١) انظر: الفتوى الحموية: ابن تيمية (ص: ٢٦٥).\n(^٢) وهو: عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمر (يحمد)، شيخ الإسلام، وعالم أهل الشام، أبو عمرو الأوزاعي، قال ابن معين: الأوزاعي يقال أنه أخذ الكتب من الزبيدي كتاب الزهري وسمعه من الزهري، مات سنة ١٥٧ هـ. ينظر: الجرح والتعديل: ابن أبي حاتم (٥/ ٢٦٧)، وينظر: سير أعلام النبلاء: الذهبي (٧/ ١٠٩).\n(^٣) انظر: محاسن التأويل: القاسمي (١/ ٣٣٩ - ٣٤٧).","vol":"1","page":38},{"text":"أسمائه وصفاته تعالى بالمفهوم من أسماء خلقه وصفاتهم فعطلوا ما يستحقه ﷾ من الأسماء والصفات اللائقة به ﷿ بخلاف سلف الأمة وأجلاء الأئمة، فإنهم يصفون الله ﷾ بما وصف به نفسه وبما وصفه به نبيه ﷺ من غير تحريف ولا تشبيه قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾، فرد على المشبهة بنفي المثلية، ورد على المعطلة بقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ (^١).\nوفي تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ [سورة الأعراف: ١٤٣]. أثبت فيها رؤية الله ﷿، وردَّ على المعتزلة الذين ينفون الرؤية (^٢).\nكما أنه في تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [سورة الأعراف: ٥٤] قد أكثر من النقول عن السلف في إثبات صفة الاستواء لله ﷿ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-30>منهجه في التفسير بالمأثور:</span>\nومرادنا بالمأثور: ما أُثر إلينا من القرآن والسنة والآثار عن الصحابة والتابعين (^٤).\nفيُلاحظ أن القاسمي ﵀ يُفسر الآيات بنظيرها من الآيات الأخرى وهو ما يُسمى بتفسير القرآن بالقرآن، وكذلك يُفسر بعض الآيات بإيراد ما ورد فيها من التفسير النبوي (^٥) أو التفسير بالسنة (^٦)، وكذلك يورد الآثار المروية عن الصحابة والتابعين في تفسير الآيات.\n_________\n(^١) انظر: محاسن التأويل: القاسمي (١٤/ ٥٢٢٧).\n(^٢) انظر: محاسن التأويل: القاسمي (٧/ ٢٨٥١).\n(^٣) انظر: محاسن التأويل: القاسمي (٧/ ٢٧١٢ - ٢٧٣٤).\n(^٤) مصطلح التفسير بالمأثور تفصيله في مقدمات كتاب: موسوعة التفسير بالمأثور: مجموعة من المؤلفين (١/ ١٠٧)\n(^٥) التفسير النبوي: ما ورد عن النبي ﷺ منقول أو فعل أو تقرير في بيان معاني القرآن. ينظر: التفسير النبوي: خالد الباتلي (١/ ٥٥).\n(^٦) التفسير بالسنة: أن يفسر المفسر الآية بكلام للنبي لم يرد منه في سياق التفسير. ينظر: التحرير في أصول التفسير: د. مساعد الطيار (ص: ٦٤).","vol":"1","page":39},{"text":"فمن تفسير القرآن بالقرآن: تفسيره لقوله تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [سورة الفاتحة: ٧] بأنهم المذكورون في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [سورة النساء: ٦٩] (^١).\nومن تفسير القرآن بما ورد عن النبي ﷺ: تفسيره المراد من الظلم في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢].\nالشرك، ويورد أثر عبد الله ابن مسعود ﵁: \"لما نزلت هذه الآية ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [سورة الأنعام: ٨٢] شق ذلك على المسلمين، فقالوا: يا رسول الله، أينا لا يظلم نفسه؟ قال: «ليس ذلك إنما هو الشرك ألم تسمعوا ما قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [سورة لقمان: ١٣]» (^٢).\nثم يُنبه القاسمي ﵀ على هذا التفسير ويقول: \"حيث علم أن الصادق المصدوق ﷺ فسر الآية بما تقدم فليعض عليه بالنواجذ\" (^٣).\nومن تفسير القرآن بما ورد عن الصحابة والتابعين: تفسيره لقوله تعال: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [سورة البقرة: ١٧٧]. أي: أخرجه وهو محب له راغب فيه، نص على ذلك: ابن مسعود، وسعيد بن جبير، وغيرهما من السلف والخلف (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-31>منهجه في قضايا علوم القرآن:</span>\nيُلاحظ على القاسمي في تفسيره أنه يذكر بعضًا من العلوم التي تتعلق بعلوم القرآن، من حيث مكية السورة من مدنيتها، وعن سبب نزول بعض الآيات، وتعرّضه للقراءات المتواترة\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (٢/ ٢٣).\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب التفسير، باب قول الله تعالى: ﴿ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله﴾ برقم: (٣٤٢٩). ومسلم، كتاب الإيمان، باب صدق الإيمان وإخلاصه، برقم: (١٩٧).\n(^٣) محاسن التأويل: القاسمي (٦/ ٢٣٨٩).\n(^٤) محاسن التأويل: القاسمي (٢/ ٣٨٨)، وسيأتي المزيد من الأمثلة في الدراسة التطبيقية.","vol":"1","page":40},{"text":"والشاذة وتوجيهها، والناسخ والمنسوخ، وغير ذلك مما يتعلق بعلوم القرآن.\nومن الأمثلة على ذلك: في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [سورة البقرة: ٢٣٤].\nذكر القاسمي في المسألة الثالثة أن أكثر الفقهاء على أن هذه الآية ناسخة لما بعدها من الاعتداد بالحول وإن كانت متقدمة في التلاوة، فإن ترتيب المصحف ليس على ترتيب النزول بل هو توقيفي. وذهب مجاهد وغيره إلى أنهما محكمتان. كما سيأتي بيانه (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-32>منهجه في القضايا اللغوية:</span>\nيبين القاسمي ﵀ عند تفسيره لبعض الآيات، معاني المفردات الغريبة، فتارة ينقل عن قواميس اللغة المعتمدة، كالصحاح والقاموس المحيط للفيروز آبادي (^٢)، وغيرهم، ويعتني كذلك بالإعراب، فيتحدث بإيجاز في الغالب، وقد يتوسع أحيانًا في إعراب بعض الآيات.\nومن الأمثلة على ذلك: في تفسير قوله تعالى: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [سورة البقرة: ١٨٤] قال: \"نصب على الظرف، أي: كتب عليكم الصيام في أيام\" (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-33>منهجه في القضايا البلاغية:</span>\nيتعرض القاسمي -رحمه الله تعالى- لبعض الجوانب البلاغية التي تتعلق ببعض الآيات الكريمات، وذلك ببيان سر التعبير القرآني في بعض الكلمات والعبارات، والسر في تقديم بعض الألفاظ في موضع وتأخيرها في موضع آخر وغير ذلك، ويرد كذلك على من يقول بالمجاز، وما يوهم ظاهره التكرار، وينقل عن الزمخشري، وأبي السعود وغيرهما.\n_________\n(^١) انظر: محاسن التأويل: القاسمي (٣/ ٦١٥)، وسيأتي المزيد من الأمثلة في الدراسة التطبيقية.\n(^٢) وهو: محمد بن يعقوب بنِ محمدٍ، مجدُ الدين، أبو الطاهر، الفيروز آباديُّ، اللغويُّ، الشافعيُّ، الإمامُ الكبير الماهرُ في اللغة وغيرها من الفنون وله مصنفات كثيرة، مات سنة: ٨١٧ هـ. ينظر: التاج المكلل: القنوجي (٤٦٠ - ٤٦٢).\n(^٣) انظر: محاسن التأويل: القاسمي (٢/ ٤١٨)، وسيأتي المزيد من الأمثلة في الدراسة التطبيقية.","vol":"1","page":41},{"text":"ومن الأمثلة على ذلك: في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾ [سورة البقرة: ١٤] يقول: \"واعلم أن مساق هذه الآية بخلاف ما سبقت له أول قصة المنافقين، فليس بتكرير؛ لأن تلك في بيان مذهبهم، والترجمة عن نفاقهم وهذه لبيان تباين أحوالهم، وتناقض أقوالهم في أثناء المعاملة والمخاطبة حسب تبيان المخاطبين\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-34>منهجه في تفسير آيات الأحكام:</span>\nإذا مر القاسمي في تفسيره بآيات الأحكام نجد أنه يُفسّرها ويُبين معاني المفردات الغريبة فيها، ثم يتعرض لما استنبط منها من الأحكام الشرعية بتوسع، وفي بعض المواضع من تفسيره لآيات الأحكام يختصر، ونادرا ما يذكر آراء ومذاهب الأئمة الأربعة، ولعل السبب في ذلك ما انتهجه من محاربة التقليد، والله أعلم.\nومن الأمثلة على ذلك: في تفسير قوله تعالى: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ [سورة البقرة: ١٨٤]\nلم يذكر فيها أقوال العلماء وخلافهم في الأحكام المتعلقة بالصيام، بل اقتصر على بيان أن النبي ﷺ صام في السفر وأفطر، وأنه خيّر بعض الصحابة بين الصوم والفطر، وأورد الأحاديث الصحيحة الدالة على ذلك، وبعض المسائل المتعلقة بالصيام (^٢).\nوعند حديثه عن آيات الطلاق في سورة البقرة من قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [سورة البقرة: ٢٢٦]، نجد أنه يتوسع في ذكر أحكام الطلاق بإيراد الأحاديث وأقوال السلف، وغيرهم من العلماء، وبعض المسائل التي تتفرع من أحكام الطلاق كطلاق الغضبان وطلاق الحائض والخلع، بما يزيد على أربعين صفحة (^٣).\n_________\n(^١) انظر: محاسن التأويل: القاسمي (٢/ ٥٠)، وسيأتي المزيد من الأمثلة في الدراسة التطبيقية.\n(^٢) انظر: محاسن التأويل: القاسمي (٢/ ٤١٨ - ٤٢٤).\n(^٣) انظر: محاسن التأويل: القاسمي (٣/ ٥٧٨ - ٦٢١)","vol":"1","page":42},{"text":"<span data-type='title' id=toc-35>عنايته بالتفسير العلمي:</span>\nيظهر من خلال تفسير القاسمي -رحمه الله تعالى- اهتمامه بالتفسير العلمي أو بالآيات ذات المضامين العلمية، ولكنه مع ذلك لم يتحدث عن جميع الآيات التي فيها إشارات إلى العلم، ويظهر اهتمامه من خلال نقله عن بعض علماء الفلك.\nومن الأمثلة على ذلك: عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ [سورة البقرة: ٢٢] حيث قال: \"قال بعض علماء الفلك في معنى الآية: أي كالبنيان يشد بعضه بعضًا فجميع السماوات أو الكواكب كالبناء المرتبط بعضه ببعض من كل جهة، المتماسك كأجزاء الجسم الواحد بالجاذبية التي تحفظ نظامها في مداراتها، وهو جذب الشمس لها\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-36>أبرز المآخذ التي استُدركت على القاسمي ﵀ في تفسيره:</span>\nالقاسمي ﵀ كغيره من المفسرين الذين يصيبون ويُخطئون في تفسيرهم وآرائهم، ومن رحمة الله تعالى بعباده أن يُهيئ لهم من يكشف عن أخطائهم وزلاتهم، كي لا يُتابعون عليها، ويَستغفر لهم من قرأها وأدرك مُجانبتها للصواب، ولعلي أذكر بعضًا مما يؤخذ على تفسيره بعد جولات فيه:\nأولا: كثرة النقول في تفسيره عن كل من هب ودب، وتكاد تكون نسبة النقل عن من سبقه في تفسيره تُشكل النصف أو أكثر، وقد ينقل عبارات ويستطرد في مسائل لا علاقة لها في تفسير الآية، فليته لم يُكثر من هذه النقول التي تُسبب الملل للقارئ والتقليل من قدر هذا التفسير، وقد يكون هذا السبب هو الذي جعل كثير من الناس يزهدون في تفسيره، والله أعلم.\nثانيًا: وجود نقولات عن التوراة والإنجيل في تفسيره: من ذلك ما نراه عند تفسيره عند قول الله تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ\n_________\n(^١) انظر: محاسن التأويل: القاسمي (٢/ ٦٨، ٦٩).","vol":"1","page":43},{"text":"سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [سورة البقرة: ٢٤٨]، ينقل عن الأصحاح الخامس والعشرين من سفر الخروج (^١)، وكذا عند تفسير قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)﴾ [سورة البقرة: ١٨٣] ينقل عن سفر عزرا، الإصحاح الثاني، وينقل عن إنجيل متى، الإصحاح السادس (^٢)، فهل يا تُرى نحن بحاجة إلى الاعتماد على نصوص تعرَّضت للتحريف والتغيير، وأين القاسمي من حديث جابر بن عبد الله رضي اللهـ تعالى عنه: أن عمر بن الخطاب ﵁ أتى النبي ﷺ بكتاب أصابه من بعض أهل الكتب، فقرأه النبي ﷺ فغضب فقال: أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب، والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذِّبوا به، أو بباطل فتصدقوا به، والذي نفسي بيده، لو أن موسى ﷺ كان حيا ما وسعه إلا أن يتبعني\" (^٣).\nثالثًا: فيما يتعلق بالقراءات فإنه في بعض الأحيان يورد بعض القراءات دون نسبتها لقرائها فيذكرها بصيغة المبني للمجهول أو مالم يُسم فاعله، فيقول: قُرئ بكذا أو نحوه، فيتوهم القارئ أن هذه القراءة صحيحة، ثم يتبين له أنها شاذة، فيقع القارئ في اللبس، فيظن أنها صحيحة.\nومما يُمثل على ذلك: أن القاسمي ﵀ عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾ [سورة البقرة: ١٣٢] قال: \"وقرئ ويعقوبَ بالنصب عطفا على بنيه\" (^٤)، وهذه قراءة طلحة وهي شاذة (^٥)، وكذا في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [سورة البقرة: ١١١] قال: \"وقرئ ﴿إلا من كان يهوديا أو\n_________\n(^١) انظر: محاسن التأويل: القاسمي (٣/ ٦٤٦، ٦٤٧).\n(^٢) انظر: محاسن التأويل: القاسمي (٢/ ٤١٦ - ٤١٨).\n(^٣) أخرجه أحمد في مسنده (٢٣/ ٣٤٩) برقم: (١٥١٥٦)، وحسَّنه الألباني بمجموع طرقه في ظلال الجنة (١/ ٢٧).\n(^٤) محاسن التأويل: القاسمي (٢/ ٢٦٤).\n(^٥) انظر: القراءات الشاذة: ابن خالويه (ص: ٢٥).","vol":"1","page":44},{"text":"نصرانيا﴾ \" (^١)، وهي قراءة أبي بن كعب، من القراءات الشاذة (^٢).\nرابعًا: يُلاحظ على القاسمي ﵀ في تفسيره لبعض الآيات التي تتعلق بالتفسير العلمي أنه يُفسرها بالنظريات العلمية، وهذا في الحقيقة مسلك خطير، لأن هذه النظريات العلمية لم تثبت صحتها يقينًا، بخلاف الحقائق الثابتة التي ثبتت يقينًا ولا أحد يُنكرها، وذلك أن المفسِّر قد يُصحح نظرية علمية استنادًا على آية من كتاب الله تفيد ذلك، ثم يتبين للعلماء بطلان هذه النظرية، فيؤدي إلى التشكيك في صدق كتاب الله تعالى وتكذيبه، والتعرض له بالطعن من قبل أعداء الدين.\nومما يُمثّل على ذلك: أنه عند تفسير قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [سورة البقرة: ٢٩] ذكر أن بعض علماء اللغة يرى أن العرب تستعمل لفظ سبع، وسبعين، وسبعمائة للمبالغة في الكثرة. فالعدد إذن غير مراد. وذهب بعض علماء الفلك إلى أن الحصر في السبع حقيقي وأن المراد: العالم الشمسي وحده دون غيره ..... وبذلك تتجلّى الآن معجزة واضحة جليّة. لأنه في عصر التقدّم والمدنية العربية، حينما كان العلم ساطعا على الأرض بعلماء الإسلام، كان علماء الفلك لا يعرفون من السيارات إلّا خمسا- بأسمائها العربية إلى اليوم- وهي: عطارد، الزهرة، المريخ، المشتري، زحل ..... ولمّا اكتشف بعد (بالتلسكوب) سيّار لم يكن معلوما، دعوه «أورانوس» ثم سيّر آخر سمّوه «نبتون» - صارت مجاميع السيارات سبعا، فهذا الاكتشاف- الذي ظهر بعد النبي ﷺ بألف ومائتي سنة- دلّ على معجزة القرآن، ونبوّة المنزل عليه ﷺ (^٣).\nوينقل عن بعض علماء الفلك: \"إن المراد بالسموات السبع العالم الشمسي وحده دون غيره\" (^٤).\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (٢/ ٢٢٣).\n(^٢) انظر: معاني القرآن: الفراء (١/ ٧٣).\n(^٣) انظر: محاسن التأويل: القاسمي (٢/ ٩١ - ٩٤).\n(^٤) محاسن التأويل: القاسمي (٢/ ٩١).","vol":"1","page":45},{"text":"ثم يأتي من بعد ذلك من يرد على هذا الكلام وأنه يُخالف العلم الحديث، ولا يتفق مع وصف القرآن لهذه السموات بأنها (طباقا) و(شدادا)، ذلك أن الكواكب ليست مصطفة أفقيًا كما يُفهم من الوصف (طباقا) بسبب تباين فترات دورانها، وليست ثابتة كما يُفهم من وصفها بأنها شداد، فهي معرّضة للتأثر بأجرام سماوية أخرى أكثر ثباتًا منها ..... إلخ (^١).\nخامسًا: مما يلاحظ على القاسمي ﵀، أنه خالف جمهور أهل العلم في مسألة مهمة وهي: إتيان المرأة في دبرها، فعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ [سورة البقرة: ٢٢٣] أورد فيها روايات وآثارًا تبيح ذلك وتجيزه، بل وينتقد الإمام ابن القيم ويقول عنه إنه أوَّل في هذه المسألة، وأن الأحاديث التي استدل بها على التحريم ضعيفة، لا تقوى للاحتجاج بها، ويمكن أن يكون هناك حديث صحيح في هذا الباب (^٢)، فإيراده لهذه الآثار دون تعقب عليها يدل على أنه إن لم يرى بجواز هذا الفعل، فإنه يعتد بالخلاف فيه، والحق الذي دلت عليه الأدلة الصحيحة خلاف ما ذهب إليه القاسمي ﵀ وغفر له.\nسادسًا: يفهم من كلام القاسمي ﵀ أنه ينكر أن القمر انشق في عهد رسول الله ﷺ في تفسير قوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١)﴾ [سورة القمر: ١]، يخطئ الحافظ ابن كثير في قوله بتواتر حديث انشقاق القمر، حيث يقول: \" وزعم ابن كثير أن أحاديثه متواترة\" (^٣)، ويأتي بنقولات في غير محلها تسوِّغ الخلاف في حجية خبر الآحاد (^٤). ولم يعلم القاسمي ﵀ أنه إن رد الخبر بكونه آحادًا أنه يُوافق أهل البدع، فإن السلف مجمعون على حجية خبر الآحاد، وأن الخلاف في قبول خبر الآحاد من رده خلاف بين أهل\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (٢/ ٩١).\n(^٢) انظر: السماوات السبع بين أقوال المفسرين وعلماء الفلك: د. سليمان الشعيلي، د. صالح الشيذاني (ص: ١٠).\n(^٣) محاسن التأويل: القاسمي (١٥/ ٥٥٩٣)\n(^٤) انظر: محاسن التأويل: القاسمي (١٥/ ٥٥٩٣)","vol":"1","page":46},{"text":"السنة وأهل البدع (^١).\nفهذه عبارة عن لمحات وقبسات ومُلاحظات من هذا التفسير القيم، الذي امتاز بالفوائد الجمة في شتى الفنون الشرعية المختلفة من سلامة العقيدة وتوضيح للأحكام ومسائل في علوم القرآن ولغة وبلاغة وغير ذلك من النقولات المفيدة.\nوما أُخذ عليه في تفسيره لا يقدح في منزلة القاسمي ويُقلل من قدره، فهو عالم جليل ذو اطلاع وعلم واسع، وذو عمل خالص كما نحسبه بذلك والله حسيبه.\n* * *\n_________\n(^١) انظر: مختصر الصواعق المرسلة: البعلي (ص: ٥٨٥).","vol":"1","page":47},{"text":"القسم الأول قسم<span data-type='title' id=toc-37> الدراسة النظرية</span>\nوفيه أربعة فصول:\nالفصل الأول: التعقبات: تعريفها ونشأتها.\nالفصل الثاني: صيغ التعقبات عند القاسمي ومصادره فيها.\nالفصل الثالث: أنواع التعقبات عند القاسمي.\nالفصل الرابع: منهج القاسمي في تعقباته على من سبقه وقيمتها العلمية.","vol":"1","page":48},{"text":"<span data-type='title' id=toc-38>الفصل الأول: التعقبات: تعريفها ونشأتها</span>\nوفيها ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: تعريف التعقبات في اللغة والاصطلاح.\nالمبحث الثاني: الفروق بين التعقبات والألفاظ المقاربة لها.\nالمبحث الثالث: أهمية التعقبات ونشأتها.","vol":"1","page":49},{"text":"<span data-type='title' id=toc-39>المبحث الأول تعريف التعقبات في اللغة والاصطلاح.</span>\n<span data-type='title' id=toc-40>أولا: تعريف التعقبات في اللغة:</span>\nمن خلال النظر في المعاجم المعتمدة عند أهل اللغة، نجد أن معاني مادة العين والقاف والباء في الجملة تدور حول \"تأخير الشيء وإتيانه بعد غيره\" (^١).\nومنه \"عَقَبَ\" الليلُ النهارَ: جاءَ بعدَه. وعاقَبه أَي جاءَ بعَقِبه، فهو مُعاقِبٌ وعَقِيبٌ أَيضًا؛ والتَّعْقِيبُ مِثْلُهُ، وذَهَبَ فلانٌ وعَقَبَهُ فلانٌ بعدُ، واعْتَقَبَه أَي خَلَفَه، و(الْعَقِبُ) بكسر القاف مُؤَخَّرُ الْقَدَمِ، و(الْعُقْبُ) و(الْعُقُبُ) العاقبة مثل عُسْرٍ وَعُسُرٍ ومنه قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا (٤٤)﴾ [سورة الكهف: ٤٤] (^٢). وتَعقَّبت الرجل إِذا أخذتَه بذنب كان منه، وتَعَقَّبْتُ عَنِ الْخَبَرِ إِذا شَكَكْتَ فِيهِ، وعُدْتَ للسُّؤَال عَنْهُ (^٣).\nوالتَّعْقيبُ: انصرافك راجعًا من أمر أردتَه أو وجه. والمُعَقِّبِ: الذي يتتبع عَقِبَ إنسانٍ في طلب حق أو نحوه (^٤).\nوقال الأزهري (^٥): \"استعقبت الرجل وتعقبته، إذا طلبت عورته وعثرته. ويقال استعقب فلان من كذا وكذا خيرا وشرا\" (^٦).\n_________\n(^١) مقاييس اللغة: ابن فارس (٤/ ٧٧) مادة (عقب).\n(^٢) انظر: العين: الفراهيدي (١/ ١٧٨)، وانظر: مختار الصحاح: الرازي (ص: ٢١٣)، وانظر: لسان العرب: ابن منظور (١/ ٦٠٦).\n(^٣) لسان العرب: ابن منظور (١/ ٦٠٦).\n(^٤) العين: الفراهيدي (١/ ١٧٨).\n(^٥) وهو: أبو منصور محمد بن أحمد بن الأزهر بن طلحة الأزهري الهروي اللغوي الشافعي، كان رأسا في اللغة والفقه، ثقة، ثبتا، دينا، مات سنة: ٣٧٠ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء: الذهبي (١٦/ ٣١٥ - ٣١٧)، وينظر: طبقات الشافعية: السبكي (٣/ ٦٣).\n(^٦) تهذيب اللغة: الأزهري (١/ ١٨٥).","vol":"1","page":50},{"text":"قال ابن فارس (^١): \"تعقبت ما صنع فلان، أي تتبعت أثره. ويقولون: ستجد عقب الأمر كخير أو كشر، وهو العاقبة\" (^٢).\nوقال الزمخشري: \"تعقبت ما صنع فلان: تتبعته. ولم أجد عن قولك معقّبًا أي متفحّصًا يعني أنه من السداد والصحة بحيث لا يحتاج إلى تعقب\" (^٣).\nومنه ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [سورة الرعد: ٤١] أي: لا أحد يتعقب حكمه بنقض ولا تغيير (^٤).\nوقال ابن منظور (^٥): \"تَعَقَّبَ الخبر: تَتَبَّعَه. ويُقال: تَعَقَّبْتُ الأمر إِذا تدبرته. والتَّعَقُّبُ: التدبر، والنظر ثانية، (^٦).\nوقال أبو حيان (^٧): \"المعقب الذي يكر على الشيء فيبطله، وحقيقته الذي يعقبه أي: بالرد والإبطال، ومنه قيل لصاحب الحق: معقِّب، لأنه يقفي غريمه بالاقتضاء والطلب\" (^٨).\nومما تقدم من كلام أهل اللغة يتلخص لنا أن التعقب يدور حول المعاني التالية، وهي:\nالاتيان بعدُ، والتفحص، والرجوع، والمآل، والتدبر، إعادة النظر، والتتبع، وطلب العثرة، والإبطال، والنقض، والتغيير، ونحو ذلك مما ذكره اللغويون.\n_________\n(^١) وهو: أحمد بن فارس بن زكريا بن محمد بن أحمد، المعروف بابن فارس اللغوي الرازي الشافعي ثم المالكي، الإمام، العلامة، اللغوي، مات سنة: ٣٩٥ هـ، ينظر: سير أعلام النبلاء: الذهبي (١٧/ ١٠٣).\n(^٢) مقاييس اللغة: ابن فارس (٤/ ٧٧) مادة (عقب).\n(^٣) أساس البلاغة: الزمخشري (١/ ٦٦٧).\n(^٤) مختار الصحاح: الرازي (ص: ٢١٣).\n(^٥) وهو: محمد بن مكرّم بن علىّ بن منظور الأنصاري الإفريقي، المصري. صاحب «لسان العرب» في اللغة: جمع فيه بين التهذيب، والمحكم، والصحاح، وحواشيه، والجمهرة، والنهاية.، مات سنة: ٧١١ هـ. ينظر: المقفى الكبير: المقريزي (٧/ ١٥٧)، وينظر: درة الحجال: ابن القاضي (٢/ ٣١٥).\n(^٦) لسان العرب: ابن منظور (١/ ٦١٩).\n(^٧) وهو: محمد بن يوسف بن علي ين يوسف ابن حيان الغرناطي، نحوي عصره، ولغويه، ومفسره، ومحدثه، ومقرئه، ومؤرخه، وأديبه، مات سنة: ٧٤٥ هـ. ينظر: معجم المفسرين: عادل نويهض (٢/ ٦٥٥)\n(^٨) البحر المحيط: أبو حيان (١٣/ ١١٨).","vol":"1","page":51},{"text":"<span data-type='title' id=toc-41>ثانيًا: تعريف التعقبات في الاصطلاح:</span>\nبحسب البحث والنظر في تعريف التعقبات عند المتقدمين والمتأخرين لا نجد أحدًا منهم عرَّفه بتعريف اصطلاحي صريح، ولعل السبب في ذلك والله أعلم أن معنى التعقبات كان مُستقرا في الأذهان عندهم، فلم تكن الحاجة ماسة بتعريفه تعريفًا جامعًا مانعًا.\nولكن عند النظر في المعنى اللغوي والمعاني التي تدور حول معنى التعقبات، يُمكن بذلك أن يُستخلص منها المعنى الإصطلاحي.\nفالتعقب اصطلاحًا: تتبُّع عَلَم متأخِّرٍ لِعلم متقدِّمٍ أو في عصره بالتعليق على قوله، بنقدٍ، أو انتقاص، ورده وإبطاله.\nوعرَّفه بعض المعاصرين بقوله: \"نظر العالم استقلالا في كلام غيره أو كلامه المتقدم تخطأة أو استدراكًا\" (^١).\nوالمقصود بقوله: استقلالًا: أن لا يكون العالم قد نقل التعقب عن غيره.\n\n<span data-type='title' id=toc-42>ثالثًا: تعريف التعقب عند المفسرين:</span>\nمن خلال ما تقدم من التعريف اللغوي والإصطلاحي توصل الباحث إلى أن معنى التعقب عند أهل التفسير: إتباع المفسر قولا يذكره عن من سبقه في بيان معاني القرآن الكريم بوصف فيه نقد لهذا القول، يُصلحه ويُبين الصواب منه.\nفخرج بقول: \"إتباع المفسر\" ما عداه من أنواع الاختلاف المعتبرة بين المُفسرين، إذ إن التعقبات في التفسير بهذا المعنى يُعتبر نوعا خاصًا من أنواع الاختلاف في التفسير، يتميز عن مجرد عرض الأقوال الأخرى والاعتداد بها، بنوع من نقد أو انتقاص.\nوخرج بقول: \"في بيان معاني القرآن الكريم\": إخراج لما عدا ذلك مما يذكره المفسر من مسائل يستطرد فيها وليست لها علاقة بتفسير الآية.\n_________\n(^١) تعقبات الحافظ ابن حجر على غيره من العلماء من خلال كتابه: تهذيب التهذيب: مناف توفيق سليمان (ص: ١٢)","vol":"1","page":52},{"text":"وخرج بقول: \" يُصلحه ويُبين الصواب منه\" يُبين غرض المتعقب من تعقبه، وهو إصلاح الخطأ من القول، وذلك ببيان وجه الخطأ فيه، وإصلاحه ببيان القول الصحيح المراد من الآية.\nالمراد من تعقبات القاسمي:\nتتبع القاسمي لأقوال من سبقه من الأعلام في بيان معاني كتاب الله تعالى بنقد صريح أو غير صريح، وبيان الصواب منه.\n* * *","vol":"1","page":53},{"text":"<span data-type='title' id=toc-43>المبحث الثاني الفروق بين التعقبات والألفاظ المقاربة لها</span>\nمن خلال النظر في معنى التعقبات المتقدم، نجد أن بعض الألفاظ في اللغة قد ترادفها في المعنى، إلا أنه بعد التأمل والنظر في الدلالات اللغوية وما كتبه أهل العلم في كتبهم وتطبيقاتهم لها نجد أن بينها فرقًا، وإن كان مؤداها ينتهي إلى معنى النقد والابطال.\nفمن الألفاظ اللغوية التي تدل على معنى التعقبات: النكت، والتتبع، والاستدراكات، والنقد، والرد، والنقض.\nالفرق بين التعقبات، والألفاظ المقاربة لها:\nالتَعَقب: اسم جامع لكل ما جاء لاحقًا لنص ما أو غيره، سواء كان ذلك استدراكًا أو نقدًا أو نقضًا، ونحو ذلك، ويدل على ذلك ما تقدم ذكره من أنه يدل على تأخير الشيء وإتيانه بعد غيره.\nوفيه كذلك تتبع لكلام الغير والنظر فيه لنقضه وإبطاله، ويتضمن بعض الألفاظ التي تدل على تحقير القول أو الانتقاص منه بوصفه بالبعد أو الشذوذ أو شدة الضعف ونحو ذلك.\nوأما النُكَت: فهو من نَكت الأَرض، إذا أثّر فيها بقضيب، والنَّكات: لطعّانُ فِي الناسِ مثلُ النزّاكِ والنّكّازِ واحد، قال: والنكيت: المطعون (^١).\nوتُعرّف في الاصطلاح: \"الدقائق التي تستخرج بدقة النظر إذ يقارنها غالبا نكت الأرض بإصبع أو غيرها\" (^٢).\nوهو يُرادف التقب بالجملة إلا أنه يزيد على التعقب باستخراج الفوائد المهمة من كتاب ما، والتعليق عليه، ومن ذلك كتاب: النُكت على مقدمة ابن الصلاح للزركشي، وكذا للحافظ ابن حجر.\n_________\n(^١) انظر: تهذيب اللغة: الأزهري (١٠/ ٨٣)، وانظر: لسان العرب: ابن منظور (٥/ ١٢٧).\n(^٢) الكليات: الكفوي (٩٠٨)، بتصرف.","vol":"1","page":54},{"text":"وأما التَتَبُع: فهو من التبع: \"وهو التَلو والقَفو. يقال تبعت فلانا إذا تلوته\" ويقال: \"فلان يتتبع مساوي فلان وأثره ويتتبع مداق الأمور ونحو ذلك\" (^١).\nويُعرَّف عند المنطقيين بأنه: \"قول مؤلَّف من قضايا تشتمل على الحكم على الجزئيات لإثبات الحكم الكلّي\" (^٢).\nفمعنى التتبع في اللغة يُرادف معنى التعقب إلا أن بينهما عموم وخصوص، فالتتبع أعم من التعقب، فقد يتتبع عالمٌ عالمًا بألفاظ غير صريحة بتخطأته وانتقاده ظاهرها لا يدل على التعقب\nومن ذلك: ما أورده الدارقطني في كتابه: (الإلزامات والتَتَبُع) من رواية الإمام البخاري أنه قال: حدثنا إسحاق، حدثنا أبو عاصم، أخبرنا ابن جريج، أخبرنا ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «ليس منا من لم يتغن بالقرآن» (^٣).\nقال الدارقطني (^٤): \"وهذا يقال إن أبا عاصم وهم فيه. والصواب ما رواه الزهري ومحمد بن إبراهيم ويحيى بن أبي كثير ومحمد بن عمرو وغيرهم عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ: \"ما أذن الله لشيء أذنه لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به\". وقول أبي عاصم وهم وقد رواه عقيل ويونس وعمرو بن الحارث وعمرو بن دينار وعمرو ابن عطية وإسحاق بن راشد ومعمر وغيرهم عن الزهري بخلاف ما رواه أبو عاصم عن ابن جريج باللفظ ذكره.\nوإنما روى ابن جريج هذا اللفظ الذي ذكره أبو عاصم عنه بإسناد آخر رواه عن ابن\n_________\n(^١) لسان العرب: ابن منظور (٨/ ٢٨).\n(^٢) كشاف اصطلاح الفنون: التهاوني (١/ ١٧٢).\n(^٣) أخرجه البخاري: كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وأسروا قولكم أو اجهروا به﴾، برقم: (٧٥٢٧).\n(^٤) وهو: الإمام، الحافظ، المجود، شيخ الإسلام، علم الجهابذة، أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد بن مهدي بن مسعود البغدادي الدارقطني، المقرئ، وكان من بحور العلم، ومن أئمة الدنيا، مات سنة ٣٨٥ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء: الذهبي (١٦/ ٤٤٩).","vol":"1","page":55},{"text":"أبي مليكة عن أبي نهيك عن سعيد قاله ابن عيينة عنه. \" (^١).\nفقول الدارقطني: \" وهذا يقال إن أبا عاصم وهم فيه\" لا يصل إلى درجه التعقب الصريح، وإنما هو من التتبع الذي قد يُراد من التعقب غير الصريح أو يُراد منه الأولى والراجح من الأقوال، فهو أعم من التعقب، والله أعلم.\nأما الاستدراك: فهو في اللغة من الدَّرَك وهو: \" وهو لحوق الشيء بالشيء ووصوله إليه\" (^٢)، و\"إِتْباعُ الشيءِ بعضِهِ على بعضٍ\" (^٣). وهو يقتضي مغايرة الكلامين - يعني السابق واللاحق- نفيا وإثباتا (^٤).\nأو هو: \"دفع توهم يتَوَلَّد من الكلام المتقدم دفعا شبيها بالاستثناء\" (^٥).\nوهو كالتعقب بإبطال خطأ القول وإثبات صوابه، إلا أنه يُطلق أيضًا على الزيادات والإضافات التي يُدرك بها اللاحق ما قات من السابق، ومن ذلك إذا استدرك إمام من المحدثين على إمام أحاديث لم يُخرجها وهي موافقة لشرطه أو العكس (^٦). فبين التعقب والاستدراك عموم وخصوص، إذ إن الاستدراك أعم من حيث أنه يشمل التعقب والزيادات والإضافات، وهذا ليس في مصطلح التعقب والله أعلم.\nوأما النَّقد: فهو في اللغة: تمييز الدراهم وإعطاؤكها إنسانًا وأخذها (^٧)، ونقدت الدراهم وانتقدتها إذا أخرجت منها الزيف، وفي حديث أبي الدرداء أنه قال: \"إن نقدت الناس نقدوك وإن تركتهم تركوك\" (^٨)؛ معنى نقدتهم: أي عبتهم واغتبتهم (^٩).\n_________\n(^١) الإلزامات والتتبع: الدارقطني (١/ ١٢٦ - ١٢٨)، حديث رقم: (٥).\n(^٢) مقاييس اللغة: ابن فارس (٢/ ٢٦٩).\n(^٣) القاموس المحيط: الفيروز آبادي (ص: ٩٣٨).\n(^٤) دستور العلماء: القاضي الأحمد نكري (١/ ٧٧).\n(^٥) الكليات: الكفوي (ص: ١١٥).\n(^٦) مثل استدراك الحاكم على الصحيحين، واستدراك ابن رجب على الترمذي.\n(^٧) العين: الفراهيدي (٥/ ١١٨).\n(^٨) أخرجه الخطيب البغدادي في تاريخه (٧/ ٢٠٨) برقم: (٣٦٦٤)، ورجَّح أنه موقوف.\n(^٩) انظر: تهذيب اللغة: الأزهري (٩/ ٥١). وانظر: لسان العرب: ابن منظور (٣/ ٤٢٥).","vol":"1","page":56},{"text":"ويُعَرَّف النقد عند أهل الأدب بأنه: عملية وصفية تبدأ بعد عملية الإبداع مباشرة وتستهدف قراءة الأثر الأدبي ومقاربته قصد تبيان مواطن الجودة والرداءة (^١).\nفالتعقب يُرادف كذلك النقد بالجملة فكلاهما فيه تمييز جيد الكلام من رديئه، وصحيحه مِنْ فاسده، إلا أن الفرق في ذلك أن عمل الناقد في الكتابة يختلف عن عمل المتعقب، وذلك أن المتعقب يتميز بالألفاظ والأوصاف على الأقوال أو الاستنباطات التي تدل على ضعفها دون أن يعتد بها، أو يذكر لها احتمال وجه، بينما الناقد يزيد على المتعقب بذكر بعض المحاسن لهذا القول أو لهذا الاستنباط ونحو ذلك، ويكون الكلام فيه أكثر عمومًا من التعقبات، والله أعلم (^٢).\nوأما الرَّد: فهو \" صَرْفُ الشَّيْءِ ورَجْعُه \" (^٣)، ويُقال: \"ورد إليه جوابا أي رجع\" (^٤)، ورد عليه الشيء، إذا لم يقبله، وكذالك إذا خطأه (^٥). فالردود العلمية هي نوع من المراجعات التي يُقصد بها التخطأة والرفض، ولا تأتي إلا عقبها، وفيهما يتعقب اللاحق على السابق، فهي تُرادف التعقبات بالجملة.\nإلا أن الفرق بين الردود والتعقبات:\n- أن التعقبات قد تكون صريحة وغير صريحة إذا قيل أن هذا قول فيه نظر، أو فيه بُعد، بخلاف الردود العلمية التي تكون صريحة في رد القول بتخطأة صاحبه أو تضليله.\n- وفي التعقبات قد يكون الصواب مع المُتعقب وقد يكون مع المُتَعقب له، بخلاف الردود العلمية التي في الغالب يكون الحق مع صاحب الرد لأن صاحب الرد يكون ردّه مبنيًا على التتبع والدقة وتحري الحق، ومن ذلك كتاب الرد على الزنادقة والجهمية للإمام أحمد، وكتاب الرد على بشر المريسي للدارمي، وكتاب الاستغاثة في الرد على البكري لابن تيمية،\n_________\n(^١) منهج النقد الحديث: أماني الأنصاري (ص: ٢).\n(^٢) انظر مثلا عمل الدكتور ضيف الله الزهراني في كتابه، مصادر السيرة النبوية دراسة تحليلة نقدية. وانظر مثلا: عمل الباحث عادل مقرني في رسالته العلمية: اختلاف المفسرين دراسة تحليلية نقدية.\n(^٣) لسان العرب: ابن منظور (٣/ ١٧٢).\n(^٤) لسان العرب: ابن منظور (٣/ ١٧٣).\n(^٥) تاج العروس: الزبيدي (٨/ ٨٩)، وانظر: الكليات: الكفوي (ص: ٤٧٦).","vol":"1","page":57},{"text":"وغيرها كثير، والله أعلم.\nوأما النَّقض: فهو \"نكثُ الشيء\" (^١)، ويقال: ناقضني ناقضته: أَي يَنْقُضُ قَوْلِي وأَنْقُضُ قَوْلَهُ، وناقضَه فِي الشَّيْءِ مُناقَضةً ونِقاضًا: خالَفَه (^٢).\nويُعرّف في الإصطلاح بأنه: \"إبطال دليله المعلل بعد تمامه متمسكا بشاهد يدل على عدم استحقاقه للاستدلال به لاستلزامه فسادا\" (^٣).\nوهو يُرادف التعقب من حيث الجملة، إلا أنه يزيد على التعقب مرتبة في الشدة، لأن النقض إبطال الشيء من أصله وأساسه، بخلاف التعقب الذي يدور حول معنى الابطال إلا أنه لا يصل إلى درجة النقض، كأن تكون المسائل المُتعقب عليها توصف بأن فيها نظر أو توصف أو أنها ضعيفة، ونحو ذلك من الألفاظ.\nومما يُمثّل عليه بالنقض: ما ألفه بعض الأعلام في نقض أصول أهل البدع كنقض الإمام عثمان بن سعيد الدارمي على بشر المريسي (^٤)، ونقض التأسيس المُسمى ببيان تلبيس الجهمية لابن تيمية (^٥)، ففي هذين الكتابين وغيرهما اتيان على أصول أهل البدع من الجهمية وغيرهم ونقضها عروة عروة.\nفالملاحظ أن هذه الألفاظ تدور حول محور واحد في استعمالها العلمي، فكل لفظ منهن يأتي تبعًا للنص، وفيها تعقب اللاحق السابق، سواء أكان ذلك بتتبع واستدراك أو نقد أو نقض.\n_________\n(^١) مقاييس اللغة: ابن فارس (٥/ ٤٧٠).\n(^٢) لسان العرب: ابن منظور (٧/ ٢٤٢).\n(^٣) دستور العلماء: القاضي الأحمد نكري (٣/ ٢٨٩).\n(^٤) وهو مطبوع في جزأين بتحقيق: رشيد بن حسن الألمعي، مكتبة الرشد للنشر والتوزيع.\n(^٥) وهو مطبوع في عشرة أجزاء بمجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف.","vol":"1","page":58},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-44> خلاصة المبحث:</span>\nأن لفظ التعقب يُرادف بعض الألفاظ في اللغة من حيث الجملة، إلا أن بينهم تفاوت من حيث القوة في الاستعمال من خلال النظر في تطبيقات أهل العلم.\nفأقوى هذه الألفاظ: النقض، ويليه الرد، ويليه التعقب، ويليه النقد، ويليه الاستدراك، ويليه التتبع، والله أعلم.\n* * *","vol":"1","page":59},{"text":"<span data-type='title' id=toc-45>المبحث الثالث أهمية التعقبات ونشأتها</span>\n<span data-type='title' id=toc-46>أهمية التعقبات:</span>\nلا شك أن التعقب عمل له قيمته العلمية، فليس من الانصاف اعتباره عملا سلبيًا عديم الفائدة، فهو يُساعد على بناء الحوار الفكري الذي تتبادل فيه الآراء والمفاهيم التي تهدف إلى الوصول لمعرفة الصواب والحق الذي يجب اتباعه.\nوالانسان بطبعه معرَّض للخطأ والزلل، كما قال النبي ﷺ: \"كل ابن آدم خطاء … الحديث\" (^١)، فكان من رحمة الله تعالى بعباده أنه يهيئ لهم من يُبين الصواب من الخطأ والحق من الباطل، كي لا يسير الناس على خُطى من أخطأ ولم يُوَفق، فيتحمل أوزار من تبعه.\nفللتعقبات أهمية وفوائد جمة مُجملها فيما يلي:\nأولا: أنه يُحرر الباحث من قيود التعصب والتقليد الذي ذمه العلماء قديمًا كما قال الشافعي ﵀: \"وبالتقليد أغفلَ من أغفلَ منهم، والله يغفر لنا ولهم\" (^٢)، ويُنمي فيه ملَكة التحري والتثبت، والبحث في الأدلة للوصول إلى وجه الحق، فكل إنسان يؤخذ من قوله ويُرَد.\nثانيًا: معرفة مكانة وقدر أهل العلم، فكُلَّما قلَّ خطأ العالم كلَّما ازدادت الثقة فيه بالبحث بأقواله في المسائل التي يُخالف فيها غيره من أهل العلم.\nثالثًا: في دراسة التعقبات إثراء للعلم، وترسيخ لأصول البحث العلمي المبني على التحقيق والتمحيص وروح الحوار والمناظرة وتقبل النقد، للوصول إلى الحق.\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب صفة القيامة: باب: (٤٩)، برقم: (٢٤٩٩) وقال الألباني: \"حديث حسن\"، وأخرجه الحاكم في مستدركه (٤/ ٢٧٢) برقم: (٧٦١٧) وقال: \"هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه \".\n(^٢) الرسالة: الشافعي (ص: ٣٤)","vol":"1","page":60},{"text":"رابعًا: التعقب بين العلماء، يُثري المكتبة الإسلامية بكثير من البحوث العلمية التي يحتاجها المحققين، لما فيها من تحقيق وتحرير لكثير من المسائل التي وقع الخلاف فيها بين العلماء.\nخامسًا: من مميزات التعقبات أنها تزيد من قيمة الكتاب العلمية، فكثيرا ما ترجع قيمة الكتاب إلى كثرة الدراسات التي تُجرى عليه من شروحات علمية، أو بيان الغامض منه، أو تذييل، أو عرض الاختيارات ومن ذلك التعقبات.\nسادسًا: في التعقبات كذلك كشف لخبايا دقائق العلم، وإضافة الجديد على القديم، وتمييز الرديء من الجيد، والصحيح من السقيم، فهي تُسهم في جعل العلم بمجموعه أقرب إلى الصواب، لأن كل عالم يتعقب غيره فهو يُصَوب ما بدر منه من أخطاء، وسيأتي معنا في دراسة التعقبات عند القاسمي ﵀ تفصيل ذلك.\nسابعًا: أن بعضًا من الكتب والمصنفات المشهورة التي تميزت بالتعقبات من اللازم أن تُسرد في حاشية بعض الكتب التي تعقبتها، إذ إنه لا استغناء للباحث والقارئ لأحدهما عن الآخر، ومن ذلك: أن حاشية ابن المنير المسماة (بالانتصاف لما تضمنه الكشاف من الاعتزال) مطبوعة في الحاشية مع كتاب الكشاف للزمخشري (^١)، لضرورة الرجوع إليها، وكذا كتاب: (المتدارك على المدارك) لابن ضياء العدوي الحنفي (ت: ٨٥٤)، قد وضعه على تفسير النسفي ووصل فيه إلى آخر سورة هود (^٢).\nثامنًا: الاستفادة من صفات المُتَعقب إذا تعقّب من سبقه بالإنصاف والعدالة في الحكم، وسعة الصدر وطول البال، ورحابة الفكر، وسلامة المنطق، وسلاسة القلم في التعبير عن المراد (^٣).\n_________\n(^١) طبع بدار الكاتب العربي مذيل بحاشية ابن المنير الإسكندري (ت ٦٨٣) وتخريج أحاديث الكشاف للزيلعي.\n(^٢) ذكره السخاوي في الضوء اللامع (٧/ ٨٥).\n(^٣) كتب في هذا بعض الباحثين وقد أفدت منهم بتصرف واختصار وإضافة، منهم: فاطمة الحتاوي في رسالتها: تعقبات الحافظ ابن حجر في فتح الباري على الحافظ ابن عبد البر (ص: ٣٤ - ٣٧)، ومعتصم العوايشة في رسالته: تعقبات ابن عبد البر على العلماء في كتابه التمهيد (ص: ٣٧).","vol":"1","page":61},{"text":"<span data-type='title' id=toc-47>نشأة التعقبات:</span>\nنشأت التعقبات والاستدراكات في التفسير مع أول نشأة التفسير وظهوره، إذ هي طريقة معتبرة في بين المعاني الصحيحة من البعيدة، بل كان أسلوب التعقبات والنقد في التفسير من الأساليب المميزة في الرد والتصحيح والتنقيح التي سلكها سلفنا الصالح رضوان الله عليهم من المفسرين.\nوقد كان أول ظهورها منذ العهد النبوي، ويظهر ذلك في بيان رسول الله ﷺ لمعاني القرآن الكريم، فقد أخذ هذا الأسلوب بحظه من البيان النبوي، ومن ثم صار منهجًا مُتبعًا في تفاسير الصحابة والتابعين وتابعيهم، ومن بعدهم أئمة التفسير، اقتداء بالهدي النبوي في ذلك، فظهرت آثاره الحميدة وعوائده الجليلة بفوائد جمة في تفسير كتاب الله تعالى.\nوقد تنوعت التعقبات والاستدراكات النبوية، وتعقبات الصحابة واستدراكهم على بعضهم، وعلى التابعين، وكذا التابعين على الصحابة رضوان الله عليهم، وعلى بعضهم، وعلى أتباعهم (^١). ولعلي أذكر بعضًا من الأمثلة على ما سبق ذكره مما هو متعلق بعلم التفسير:\n\n<span data-type='title' id=toc-48>أولا: التعقب في التفسير:</span>\nمن أمثلة ذلك ما تعقبه ﷺ على الصحابة في فهمهم لمعنى الظلم في آية الأنعام كما روى البخاري عن عبد الله، قال: لما نزلت: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [سورة الأنعام: ٨٢] شق ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ، وقالوا: أينا لا يظلم نفسه؟ فقال رسول الله ﷺ: \"ليس هو كما تظنون، إنما هو كما قال لقمان لابنه: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [سورة لقمان: ١٣] \" (^٢)، فهذا تعقب صريح من النبي ﷺ على\n_________\n(^١) ومن أبرز هؤلاء الصحابة الذين كان لهم نصيب في هذا الميدان أم المؤمنين عائشة ﵂ لكثرة ما استدركته على الصحابة. يُراجع في هذا كتاب: الإجابة لما استدركته عائشة على الصحابة للزركشي، وقد طبعه المكتب الإسلامي بتحقيق سعيد الأفغاني، ويُنظر كذلك كتاب: استدراكات السلف في التفسير لنايف الزهراني، الذي طبعته دار ابن الجوزي، فقد ذكر أمثلة عديدة من استدراكات الصحابة ﵃، وكذلك من التابعين.\n(^٢) أخرجه البخاري: كتاب الإيمان، باب ظلم دون ظلم، برقم: (٣٢)، وأخرجه مسلم: كتاب الإيمان، باب صدق الإيمان وإخلاصه، برقم: (١٩٧).","vol":"1","page":62},{"text":"صحابته في فهم المراد من الظلم في الآية.\n\n<span data-type='title' id=toc-49>ثانيًا: التعقب في القراءات:</span>\nويكون ذلك برد قراءة شاذة لم تتحقق فيها شروط قبول القراءة الصحيحة، ومن ذلك: ما جاء عن القاسم بن ربيعة الثقفي (^١) قال: يقول: \" قلت لسعد بن أبي وقاص ﵁: إني سمعت ابن المسيب (^٢)، يقرأ: «ما ننسخ من آية أو تُنْسَهَا» فقال سعد: إن الله لم ينزل القرآن على المسيب ولا على ابنه، إنما هي: «ما ننسخ من آية أو تَنْسَهَا» يا محمد. ثم قرأ: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾ [سورة الأعلى: ٦] ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [سورة الكهف: ٢٤] \" (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-50>ثالثًا: التعقب في علوم القرآن:</span>\nكأن يُتَعَقب على ادعاء النسخ في الآية، ومن ذلك أن ابن عباس ﵁ كان يقرأ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [سورة البقرة: ١٨٤] ويقول: «ليست بمنسوخة، هو الشيخ الكبير، والمرأة الكبيرة، لا يستطيعان أن يصوما، فيطعمان مكان كل يوم مسكينا» (^٤).\n_________\n(^١) وهو: القاسم بن عَبد الله بن ربيعة بن قالف الثقفي، وهو ابْن ابْن أخي ليلى بنت قالف الصحابية، روى عَنْ: سعد بن أبي وقاص، وروى عنه يَعْلَى بْن عطاء العامري، وذكره ابن حبَّان في كتاب الثقات. ينظر: تهذيب الكمال: المزي (٢٣/ ٣٧٤).\n(^٢) وهو: سعيد بن المسيب بن حزن القرشي المخزومي، الإمام، العلم، عالم أهل المدينة، وسيد التابعين في زمانه، وكان ممن برز في العلم والعمل، وكان من أعبر الناس للرؤيا مات سنة ثلاث وتسعين. ينظر: سير أعلام النبلاء: الذهبي (٤/ ٢١٧ - ٢٤٦).\n(^٣) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٢/ ٣٩٢)، وأخرج بنحوه أبو بكر بن أبي داود السجستاني في كتاب المصاحف (ص: ٢٣٧)، وأخرجه الحاكم في مستدركه (٢/ ٥٦٧)، برقم: (٣٩٢٤) وقال: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه» وعلَّق الذهبي بقوله: على شرط البخاري ومسلم.\n(^٤) أخرجه البخاري: كتاب تفسير القرآن، باب قوله: ﴿أياما معدودات فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾، برقم: (٤٥٠٥).","vol":"1","page":63},{"text":"<span data-type='title' id=toc-51>رابعًا: التعقب على الروايات الإسرائيلية:</span>\nالإسرائيليات: كل ما أخذه العلماء عن بني إسرائيل (اليهود والنصارى) من أخبار (^١).\nوقد تعقب بعض السلف على بعض من الروايات الإسرائيلية، ومن ذلك أن ابن عباس قال في قوله تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [سورة الصافات: ١٠٧] «المفدى إسماعيل، وزعمت اليهود أنه إسحاق وكذبت اليهود» (^٢).\nولما كانت التعقبات في التفسير عند السلف بهذه المثابة والانتشار، صارت بعد ذلك منهجًا مسلوكًا في كثير من كتب التفسير، ورُبما أُفردت كتب خاصة في التعقبات على تفاسير متقدمة (^٣)، ولم يخل من ذلك سوى التفاسير المختصرة التي قصد مؤلفوها الاختيار والعرض دون التعقب والرد.\nوكلما اشتهر كتاب في التفسير وعظم اهتمام الناس به، كُلما كثُرت التعقبات عليه، ومن أظهر الأمثلة على ذلك تفسير: (جامع البيان عن تأويل آي القرآن) لابن جرير الطبري (ت: ٣١٠) الذي يُعد من أفضل التفاسير الذي تميَّز مؤلفه بالإمامة في الدين وإيراده أقوال السلف في تفسير الآية بأسانيدها، وبترجيح ما يختاره من الأقوال، مع عنايته بالقراءات، وسلامة العقيدة، وتعقباته على بعض من سبقه.\nوقد تعرض هذا التفسير للتعقب والاستدراك على بعض المسائل ممن جاء بعده من أهل العلم والفضل من المفسرين ممن جمع النقل والتحليل والترجيح، وكان أبرزهم في هذا الجانب: ابن عطية (ت: ٥٤٦ هـ)، في كتابه المحرر الوجيز، وابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) في تفسيره، وغيرهما.\nثم تتابع المفسرون على هذا المنهج، حتى أصبحت التعقبات سمتًا عامًا في كتب التفسير المتوسطة والموسعة، وصارت إحدى الدلائل على تمكن واقتدار من المفسر في علمه، لما في\n_________\n(^١) التحرير في أصول التفسير: د. مساعد الطيار (ص: ١٤٣)\n(^٢) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (١٩/ ٥٩٤).\n(^٣) نحو كتابَيّ: (مباحث التفسير) أو (الاستدراك) لأحمد بن مظفر الرازي (ت: ٦٣١)، وهو استدراكات على تفسير الثعلبي، وكتاب: (المتدارك على المدارك) لابن ضياء العدوي الحنفي، وقد وضعه على تفسير النسفي، كما تقدم.","vol":"1","page":64},{"text":"التعقبات من النقل والتحرير، والتصحيح، وبيان الراجح (^١).\nثم أصبح هذا الباب مرتعًا خصبًا للرسائل العلمية، وخاصة في مرحلة الدراسات العُليا، فقد سُجلت فيه عددا من الرسائل العلمية، ومن ذلك:\n١ - تعقبات الإمام ابن كثير على من سبقه من المفسرين من خلال كتابه: تفسير القرآن العظيم (جمعًا ودراسة)، للباحث: أحمد بن عمر السيد (^٢).\n٢ - تعقبات الزجاج للفراء في معاني القرآن وإعرابه، للباحث: عادل علي الصراف (^٣).\n٣ - تعقبات حديثية على ابن العربي في أحكام القرآن، للدكتور: محمد عبد الرحمن الأهدل (^٤).\n٤ - تعقبات أبي حيان النحوية لجار الله الزمخشري في البحر المحيط، للباحث: محمد حماد ساعد القرشي (^٥).\n٥ - تعقبات العلامة الشنقيطي على المفسرين (جمعا ودراسة)، للباحث: سعيد بن هندي بن شنان الغامدي (^٦).\n٦ - تعقبات ابن المنير البيانية على الكشاف وأثرها في التفسير، للباحث: محمد سلامة محمود (^٧).\n_________\n(^١) انظر: استدراكات السلف في التفسير: نايف الزهراني (ص: ٤٢٩، ٤٣٠).\n(^٢) وهي رسالة دكتوراه سُجلت في جامعة أم القرى (مكة) ١٤٣١ هـ.\n(^٣) وهي رسالة ماجستير سُجلت في جامعة القاهرة، ١٤٢١ هـ.\n(^٤) طبع بمكتبة دار البيان الحديثة (الطائف).\n(^٥) وهي رسالة دكتوراه سُجلت في جامعة أم القرى (مكة) ١٤١٤ هـ.\n(^٦) وهي رسالة ماجستير سُجلت في جامعة القصيم، ١٤٣٦ هـ.\n(^٧) وهي رسالة دكتوراه سُجلت في جامعة اليرموك، (الأردن) ١٤٣٥ هـ.","vol":"1","page":65},{"text":"٧ - تعقبات رشيد رضا في تفسيره (المنار) على الفخر الرازي في تفسيره في مسائل التفسير وعلوم القرآن: (دراسة تحليلية نقدية)، للباحث: مرهج ذيب سالم المساعيد (^١).\n٨ - تعقبات الزركشي في البرهان للزمخشري في الكشاف وأثرها في التفسير وعلوم القرآن، للباحث: بلال محمود سالم لفاح (^٢)، وغيرهم كثير.\nوعلى هذا النهج نقتدي بمن سلف ونُبين ما تعقب به القاسمي ﵀ على من سبقه، سائلين المولى ﷿ أن يرزقنا التوفيق والسداد.\n* * *\n_________\n(^١) وهي رسالة دكتوراه سُجلت في جامعة اليرموك، (الأردن) ١٤٣٨ هـ.\n(^٢) وهي رسالة دكتوراه سُجلت في جامعة اليرموك، (الأردن) ١٤٣٤ هـ.","vol":"1","page":66},{"text":"<span data-type='title' id=toc-52>الفصل الثاني: صيغ التعقبات عند القاسمي ومصادره فيها</span>\nوفيها ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: الصيغ الصريحة.\nالمبحث الثاني: الصيغ غير الصريحة.\nالمبحث الثالث: مصادره في التعقبات.","vol":"1","page":67},{"text":"<span data-type='title' id=toc-53>المبحث الأول الصيغ الصريحة</span>\nمن خلال استقراء تفسير القاسمي ﵀ والنظر في صيغ التعقبات منه على من سبقه من الأعلام والمفسرين، يتبين بعد النظر استخدامه صيغًا صريحة لتعقبه تتضمن الرَّد والنقد الصريح لأحد الأقوال، مع ذكره لاختياره الذي يراه صوابًا في المسألة في الغالب، وهذه الصيغ هي:\n\n<span data-type='title' id=toc-54>١ - التصريح بقول: (باطل، لا يخفى فساده، واهٍ، ليس بشيء، مدفوع، لا يُساوي فلسًا) ومن ذلك:</span>\nأ - عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [سورة البقرة: ٣٤] ذكر قول الخوارج (^١): أن إبليس كفر بمعصية الله، وكل معصية كفر. فقال القاسمي مُعقِّبًا: \"وهذا قول باطل بالكتاب والسنة وإجماع الأمة\" (^٢).\nب - وعند تفسيره لقوله تعالى:: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [سورة البقرة: ٩٦] قال: \" وما ذكره بعض المفسرين من أن البصير في اللغة بمعنى العليم لا يخفى فساده، فإن العليم والبصير اسمان متباينا المعنى لغة\" (^٣).\nت - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [سورة الأنعام: ٦٩] عقَّب على قول السيوطي (^٤) بأن: \"الآية\n_________\n(^١) الخوارج: كل من خرج على الإمام الحق الذي اتفقت الجماعة عليه يسمى خارجيا، سواء كان الخروج في أيام الصحابة على الأئمة الراشدين؛ أو كان بعدهم على التابعين بإحسان. ينظر: الملل والنحل: الشهرستاني (١/ ١١٤).\n(^٢) محاسن التأويل: القاسمي (١/ ١٠٤).\n(^٣) محاسن التأويل: القاسمي (١/ ١٩٧).\n(^٤) وهو: عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد السيوطي، جلال الدين: إمام حافظ مؤرخ أديب، له نحو ٦٠٠ مصنف، منها الكتاب الكبير، والرسالة الصغيرة، ولما بلغ أربعين سنة اعتزل الناس وخلا بنفسه، مات سنة ٩١١ هـ. ينظر: الأعلام: الزركلي (٣/ ٣٠١).","vol":"1","page":68},{"text":"منسوخة بقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [سورة النساء: ١٤٠] \" (^١). ووصفه القاسمي بأنه: استدلال واهٍ (^٢).\nث - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة البقرة: ١٣١] عقَّب على قول الزمخشري (^٣)، بأن الآية تُحمل على المجاز من أن المعنى: \"أخطر بباله دلائل التوحيد المؤدية إلى المعرفة الداعية إلى الإسلام\" (^٤). ووصف القاسمي ﵀ هذا القول أنه: \"ليس بشيء\" (^٥).\nج - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [سورة النساء: ٤٦] أورد قول الخفاجي (^٦) بأن قوله: ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ \"كان الوجه فيه الرفع على البدل لأنه من كلام غير موجب - أي: غير ثابت -\" (^٧). وأبي السعود (^٨): \"بأن فيه نسبة القراء إلى الاتفاق على غير المختار\" (^٩). وعقَّب عليهما بأن \"قولهما مردود بأن النصب عربي جيد. وقد قرئ به في السبع في (قليلٌ) من قوله تعالى: ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [سورة النساء: ٦٦] \" (^١٠).\n_________\n(^١) الإكليل في استنباط التنزيل: السيوطي (ص: ١١٩).\n(^٢) محاسن التأويل: القاسمي (٦/ ٢٣٦٣). بتصرف.\n(^٣) وهو: أبو القاسم محمود بن عمر بن محمد الزمخشري، كبير المعتزلة، صاحب الكشاف، كان رأسا في البلاغة والعربية والمعاني والبيان، مات سنة ثمان وثلاثين وخمس مائة. ينظر: سير أعلام النبلاء: الذهبي (٢٠/ ١٥١ - ١٥٥).\n(^٤) الكشاف: الزمخشري (١/ ١٩١). بتصرف.\n(^٥) محاسن التأويل: القاسمي (١/ ٢٦٣).\n(^٦) وهو: أحمد بن محمد شهاب الدين الخفاجي المصري، قاضي القضاة، الفقيه، الأديب، الطبيب، وصاحب التصانيف في الأدب واللغة والسير، مات سنة: ١٠٦٩ هـ. ينظر: معجم المفسرين: عادل نويهض (١/ ٧٤، ٧٥).\n(^٧) وسيأتي مزيد من البيان من المراد من الرفع على البدل عند الدراسة\n(^٨) محاسن التأويل: القاسمي (١/ ٢٦٣).\n(^٩) إرشاد العقل السليم: أبي السعود (٢/ ١٨٤).\n(^١٠) محاسن التأويل: القاسمي (٥/ ١٢٨٢).","vol":"1","page":69},{"text":"ح - وعند تفسيره لقوله تعالى ﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ [سورة المائدة: ٨٥] عقّب على تعقب ابن كثير على قول ابن عباس ﵁ بأن: \"نزول الآية في النجاشي وأصحابه، الذين حين تلا عليهم جعفر بن أبي طالب بالحبشة القرآن، بكوا حتى أخضبوا لحاهم. فيه نظر\" (^١)، فقال القاسمي: \"إن نظره مدفوع\" (^٢).\nخ - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ [سورة النساء: ٩٢] أورد قول أبي بكر الأصم المعتزلي (^٣) وجمهور الخوارج، الذين أوجبوا الدية على القاتل لا على عاقلته. واحتجوا بوجوه خمسة عقلية. ساقها الفخر الرازي (^٤).\nثم وصف القاسمي ﵀ هذه الأوجه بقوله: \" أنها لا تُساوي فلسًا. إذ هي من معارضة النص النبوي بالرأي المحض، اللهم: إنا نبرأ إليك من ذلك. وقد غفلوا عن حكمة المشروعية على العاقلة التي بيناها\" (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-55>٢ - التصريح بقول: (زعم، زعموا)، ومن ذلك:</span>\nأ - عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ [سورة البقرة: ١٠٢] عقَّب على قول أبي مسلم (^٦) الذي أورده الرازي في تفسيره بأن: \"هاروت وماروت\n_________\n(^١) تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٣/ ٤٤٨)، بتصرف.\n(^٢) محاسن التأويل: القاسمي (٦/ ٢١٢١).\n(^٣) وهو: عبد الرحمن بن كيسان أبو بكر الأصم المعتزلي، كان من أفصح الناس وأورعهم وأفقههم وله تفسير عجيب، مات سنة: إحدى ومائتين. ينظر: لسان الميزان: ابن حجر (٥/ ١٢١) (٤٦٧٣).\n(^٤) انظر: مفاتيح الغيب: الرازي (١٠/ ١٧٨).\n(^٥) محاسن التأويل: القاسمي (٥/ ١٤٤٧). بتصرف\n(^٦) وهو: محمد بن بحر الأصفهاني، أبو مسلم، من بلغاء الكتاب، عالم بالتفسير وبغيره من صنوف العلم، معتزلي، من كتبه \"جامع التأويل لمحكم التنزيل\"، مات سنة: ٣٢٢ هـ. ينظر: معجم المفسرين: عادل نويهض (٢/ ٤٩٨).","vol":"1","page":70},{"text":"كانا مَلَكين من الملائكة\" (^١)، فقال القاسمي: \" وللقصاص في هاروت وماروت في أحاديث عجيبة. فزعموا أنهما كان ملكين من الملائكة\" (^٢).\nب - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ الآية [سورة المائدة: ٦] قال: \" وزعم بعضهم أن الوجوب على كل قائم للصلاة كان في أول الأمر ثم نسخ\" (^٣).\nت - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [سورة آل عمران: ١٠٢] ذكر قول أبي العالية (^٤)، وقتادة (^٥)، ومقاتل بن حيان (^٦)، والربيع بن أنس (^٧)، والسدي (^٨)، بأن الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [سورة التغابن: ١٦] (^٩).\n_________\n(^١) مفاتيح الغيب: الرازي (٣/ ٦٢٩). بتصرف.\n(^٢) محاسن التأويل: القاسمي (٢/ ٢١١).\n(^٣) محاسن التأويل: القاسمي (٦/ ١٨٨٠).\n(^٤) وهو: رفيع بن مهران الرياحي البصري، الإمام، المقرئ، الحافظ، المفسر، أبو العالية، البصري، أحد الأعلام، أدرك زمان النبي ﷺ وهو شاب، وأسلم في خلافة أبي بكر الصديق. مات ثلاث وتسعين. ينظر: سير أعلام النبلاء: الذهبي (٤/ ٢١٣).\n(^٥) وهو: أبو الخطاب قتادة بن دعامة بن عزيز بن عمرو بن ربيعة بن عمرو بن الحارث ابن سدوس، السدوسي البصري الأكمه، كان تابعيا وعالما كبيرا، وكان قتادة من أنسب الناس، مات سنة ١١٧ هـ. ينظر: وفيات الأعيان: ابن خلكان (٤/ ٨٥).\n(^٦) وهو: مقاتل بن حيان بن دوال دور أبو بسطام النبطي الإمام، العالم، المحدث، الثقة، أبو بسطام النبطي، البلخي، كان من العلماء العاملين، ذا نسك وفضل، صاحب سنة. مات سنة ١٥٠ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء: الذهبي (٦/ ٣٤٠).\n(^٧) وهو: الربيع بن أنس بن زياد البكري الخراساني المروزي البصري، كان عالم مرو في زمانه، قال ابن أبي داود: سجن بمرو ثلاثين سنة، مات سنة تسع وثلاثين ومائة. ينظر: سير أعلام النبلاء: الذهبي (٦/ ١٦٩، ١٧٠).\n(^٨) وهو: إسماعيل بن عبد الرحمن أبو محمد الحجازي، ثم الكوفي، الأعور، السدي، أحد موالي قريش، الإمام، المفسر، كان أعلم بالقرآن من الشعبي، وكان عظيم اللحية، مات سنة سبع وعشرين ومائة. ينظر: سير أعلام النبلاء: الذهبي (٥/ ٢٦٤، ٢٦٥).\n(^٩) انظر: جامع البيان: الطبري (٥/ ٦٤٢ - ٦٤٣).","vol":"1","page":71},{"text":"ثم قال القاسمي مُعقِّبًا: \" وهذا الزعم لم يصب المحز، فإن كلا من الآيتين سيق في معنى خاص به، فلا يتصور أن يكون في هذه الجملة طلب ما لا يستطاع من التقوى، بل المراد منها دوام الإنابة له تعالى وخشيته وعرفان جلاله وعظمته قلبا وقالبا\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-56>٣ - التصريح بقول: (لا حُجة فيه، من الضعف بمكان، لا يصح، لا يصلح) ومن ذلك:</span>\nأ - عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [سورة البقرة: ١٥٨] ذكر قول أنس ابن مالك ﵁ (^٢)، وابن الزبير ﵁ (^٣)، ومجاهد (^٤)، وعطاء (^٥)، بأن: السعي سنة (^٦). فقال القاسمي مُعقِّبًا: \"أنه لا حُجة فيه\" (^٧).\nب - وعند تفسيره لقوله تعالى ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٨)﴾ [سورة النساء: ٨] ذكر قول ابن عباس وغيره\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (٤/ ٩١٢).\n(^٢) وهو: الصحابي الجليل أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام الأنصاري الخزرجي النجاري، من بني عدي بن النجار، خادم رسول الله ﷺ، كان يتسمى به ويفتخر بذلك، مات سنة: ٩٠ هـ. ينظر: أسد الغابة: ابن الأثير (١/ ١٥١).\n(^٣) وهو: عبد اللَّه بن الزّبير بن العوّام القرشي الأسديّ. أمّه أسماء بنت أبي بكر الصديق. حفظ عن النبيّ ﷺ وهو صغير جملة من الأحاديث، وهو أحد العبادلة وأحد الشجعان من الصحابة، مات سنة: ٧٣ هـ. ينظر: الإصابة: ابن حجر (٤/ ٧٨).\n(^٤) وهو: مجاهد بن جبر أبو الحجاج المكي الأسود، الإمام، شيخ القراء والمفسرين، عرض القرآن على ابن عباس ثلاثين مرة، قال قتادة: \"أعلم من بقي بالتفسير مجاهد\"، مات سنة ثنتين ومائة. ينظر: سير أعلام النبلاء: الذهبي (٤/ ٤٤٩، ٤٥٠).\n(^٥) وهو: عطاء بن أبي رباح أسلم القرشي، الإمام، شيخ الإسلام، مفتي الحرم، أبو محمد، مولاهم المكي، حدث عن جمع من الصحابة، وكان من أوعية العلم، وكان أسود، أعور، أفطس، مات سنة ١١٤ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء: الذهبي (٥/ ٧٨).\n(^٦) انظر: جامع البيان: الطبري (٢/ ٧٢٣) وانظر: فتح الباري: ابن حجر (٣/ ٤٩٩).\n(^٧) محاسن التأويل: القاسمي (٣/ ٣٤٧).","vol":"1","page":72},{"text":"بأن الآية منسوخة بآية الميراث (^١)، فقال القاسمي مُعقِّبًا بأنه: \"من الضعف بمكان\" (^٢).\nت - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٦)﴾ [سورة المائدة: ٢٦] عقَّب على قول من قال بأن قوله: ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ ظرف متعلق لـ (محرمة) ووصفه بأنه: \"لا يصح إلا بتكلف\" (^٣).\nث - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ [سورة الصافات: ١٥٨]، ذكر قول من فسر (الجنة) بالملائكة. مستشهدا ببيت للأعشى يذكر سليمان ﵇:\nوَسَخَّرَ مِنْ جِنِّ الْمَلَائِكِ تِسْعَةً … قِيَامًا لَدَيْهِ يَعْمَلُونَ بِلَا أَجْرِ.\nفقال معقِّبًا: وبيت الأعشى لا يصلح حجة، لفساد مصداقه\" (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-57>٤ - التصريح بقول: (أبعد، بعيد، بعيد جدا) ومن ذلك:</span>\nأ - عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ [سورة البقرة: ١٧٧] عقَّب على الحافظ ابن كثير الذي حمل الزكاة الواردة في الآية بزكاة النفس (^٥). فقال القاسمي: \"وقد أبعد من حمل الزكاة- هنا- على زكاة النفس وتخليصها من الأخلاق الدنيئة الرذيلة\" (^٦).\nب - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا\n_________\n(^١) انظر: جامع البيان: الطبري (٦/ ٤٣١ - ٤٣٧).\n(^٢) محاسن التأويل: القاسمي (٥/ ١١٣٢).\n(^٣) محاسن التأويل: القاسمي (٦/ ١٩٣٨).\n(^٤) محاسن التأويل: القاسمي (١٤/ ٥٠٦٦، ٥٠٦٧).\n(^٥) انظر: تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٢/ ٤٣).\n(^٦) محاسن التأويل: القاسمي (٣/ ٣٩٢).","vol":"1","page":73},{"text":"أَصَابَكُمْ﴾ [سورة آل عمران: ١٥٣] عقَّب على قول المُفَضِّل (^١) بأن (لا) زائدة.\nقال القاسمي: \"وعندي أنه بعيد، لا سيما مع تكرار (لا) في المعطوف\" (^٢).\nت - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [سورة آل عمران: ١٢٨] ذكر قول الفراء والزجاج (^٣) بأن ﴿أَوْ يَتُوبَ﴾ منصوبا بالعطف على ﴿يكبتهم﴾ (^٤). فقال القاسمي مُعقِّبًا: \"هذا بعيد جدا\" (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-58>٥ - التصريح بقول: (تكلَّف للجواب، تكلّفٌ لا يساعده نظم الآية، تكلَّفه جماعة من الفقهاء) ومن ذلك:</span>\nأ - عند تفسيره لقوله تعالى ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [سورة البقرة: ٢٣٦] قال: \" أخذ بعض المفسرين يحاول البحث بأن عنوان نفي الجناح- عما ذكر هنا- يفيد ثبوته فيما عداه، مع أنه لا جناح أيضا فيه. وتكلف للجواب- سامحه الله- ولا يخفاك أن مثل هذا العنوان كثيرا ما يراد به في التنزيل الترخيص والتسهيل\" (^٦).\nب - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [سورة النساء: ٢٥] بعد أن ذكر شروط نكاح الإماء قال مُعقّبا: \" وما ذكرناه هو المطابق لمعنى الآية. ولا\n_________\n(^١) وهو: المفضل بن محمد الضبي، كان ثقة من أكابر الكوفيين؛ جمعت أشعاره في كتاب \"المفضليات\"، وله كتاب \"الأمثال\"، وكتاب \"معاني الشعر\"، وكتاب \"العروض\"، مات سنة ١٦٨ هـ. ينظر: نزهة الألباء: الأنباري (ص: ٥١).\n(^٢) محاسن التأويل: القاسمي (٤/ ١٠٠٢).\n(^٣) وهو: الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن السري الزجاج، البغدادي، مصنف كتاب (معاني القرآن)، وله تآليف جمة، نحوي زمانه، مات: سنة إحدى عشرة وثلاث مائة. ينظر: سير أعلام النبلاء: الذهبي (١٤/ ٣٦٠).\n(^٤) انظر: معاني القرآن: الفراء (١/ ٢٣٤)؛ وانظر: معاني القرآن: الزجاج (١/ ٤٨٠).\n(^٥) محاسن التأويل: القاسمي (٤/ ٩٧٠).\n(^٦) محاسن التأويل: القاسمي (٣/ ٦١٩).","vol":"1","page":74},{"text":"يخلو ما عداه عن تكلف لا يساعده نظم الآية\" (^١).\nت - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [سورة النساء: ٣١] ذكر أن: \"المرجع في تعريف الكبيرة إلى العد دون ضبطها بحد. كما تكلفه جماعة من الفقهاء (^٢)، وطالت المناقشة بينهم في تلك الحدود. وإن منها ما ليس جامعا. ومنها ما ليس مانعا. فكله مما لا حاجة إليه بعد ورود صحاح الأخبار في بيان ذلك\" (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-59>٦ - التصريح بقول: (شذَّ)، ومن ذلك:</span>\nعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ [سورة البقرة: ٢٣٩] قال: \"وشذ قول الوافي (^٤) وبعض الظاهرية: إن الخوف مختص بأن يكون من آدمي\" (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-60>٧ - التصريح بخطأ فهم المُتعقب عليه من الآية لتقرير عقيدته، ومن ذلك:</span>\nأ - عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [سورة البقرة: ٢٧٥] قال: \". وبهذا تبين أن لا تعلق للمعتزلة بهذه الآية في تخليد الفساق. حيث بنوا على أن المتوعد عليه بالخلود العود إلى فعل الربا خاصة. ولا يخفى أنه لا يساعدهم على ذلك الظاهر الذي استدلوا به\" (^٦).\nب - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (٥/ ١٢٠٨).\n(^٢) يُريد بذلك ما ذكره الإمام ابن القيم في الجواب الكافي (ص: ١٢٦)، وسيأتي مزيد بيان في دراسة مسألة (٤٠)، ص: (إن شاء الله تعالى.\n(^٣) محاسن التأويل: القاسمي (٥/ ١١٩٥).\n(^٤) لم أقف على ترجمته.\n(^٥) محاسن التأويل: القاسمي (٣/ ٦٣٠).\n(^٦) محاسن التأويل: القاسمي (٣/ ٧٠٩).","vol":"1","page":75},{"text":"وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [سورة الأعراف: ١٩٨]. عقَّب على استنباط المعتزلة من الآية على أن: النظر غير الرؤية، وأنه لا يقتضي الرؤية بأقيسَة في غير محلها. فقال القاسمي: \" ولا قرينة في الآية لتقاس على ما هنا. دع ما صح من الأخبار في وقوعها، مما هو بيان لها- فافهم-\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-61>٨ - التصريح بقول: (شبهة جهمية، نزعة اعتزالية)، ومن ذلك:</span>\nأ - عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [سورة آل عمران: ١٢٠] ذكر قول الرازي بأن: \"إطلاق لفظ: (المحيط) على الله مجاز\" (^٢)، فقال القاسمي مُعقّبا: \"ما ذكره شبهة جهمية مبناها قياس صفة القديم على الحوادث، وأخذ خاصتها به، وهو قياس مع الفارق\" (^٣).\nب - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾ [سورة النساء: ١٤٨] عقَّب على قول بعض الزيدية (^٤) من أن معنى المحبة المذكور في الآية: الإباحة، فقال: \" هذه نزغة اعتزالية\" (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-62>٩ - التصريح بقول: (غلط) ومن ذلك:</span>\nعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [سورة النساء: ٥٩]. عقَّب على فهم كثير من الناس والمفسرين أن طاعة أولي الأمر العلماء، تقليدهم فيما يفتون به. ووصفه بأنه: غلط (^٦).\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (٧/ ٢٩٢٩).\n(^٢) انظر: مفاتيح الغيب: الرازي (٨/ ٣٤٤).\n(^٣) محاسن التأويل: القاسمي (٤/ ٩٥٣).\n(^٤) الزيدية: وهم أتباع زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ساقوا الإمامة في أولاد فاطمة، ولم يجوزوا ثبوت الإمامة في غيرهم، إلا أنهم جوزوا أن يكون كل فاطمي عالم شجاع سخي خرج بالإمامة، أن يكون إماما واجب الطاعة سواء كان من أولاد الحسن، أو من أولاد الحسين ﵄. ينظر: الملل والنحل: الشهرستاني (١/ ١٥٤).\n(^٥) محاسن التأويل: القاسمي (٥/ ١٦٢٨).\n(^٦) محاسن التأويل: القاسمي (٥/ ١٣٤٨).","vol":"1","page":76},{"text":"<span data-type='title' id=toc-63>١٠ - التصريح بقول: (مخالف لظاهر الآية، عدول عن الظاهر) ومن ذلك:</span>\nأ - عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (١٤٠)﴾ [سورة النساء: ١٤٠] ذكر قول أبو علي (^١) وأبو هاشم (^٢)، من أنه إن أنكر بقلبه لم يجب عليه أكثر من ذلك. وجاز له القعود، يعني مع عجزه عن الإنكار باليد أو باللسان، وعدم تأثير ذلك. ثم عقَّب عليه القاسمي بأنه: \"مخالف لظاهر الآية. فلا عبرة به\" (^٣).\nب - ومن ذلك تفسيره لقوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [سورة المائدة: ٨٩]، عقَّب على قول بعض الحنفية من أن المراد: إطعام طعام يكفي العشرة، مفرعا عليه جواز إطعام مسكين واحد عشرة أيام. ووصفه القاسمي بأنه: \"عدول عن الظاهر، لا يثبت إلا بنص\" (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-64>١١ - التصريح بقول: (يأباه السباق والسياق، يدفعه السياق والسباق) ومن ذلك:</span>\nأ - عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [سورة المائدة: ٧٦] ذكر قول ابن كثير: \" أن الخطاب في قوله تعالى: ﴿أتعبدون﴾ عاما للنصارى وغيرهم\" (^٥). وما جاء في (تنوير المقباس) أن (ما)\n_________\n(^١) وهو: أبو علي محمد بن عبد الوهاب البصري الجبائي، شيخ المعتزلة، وصاحب التصانيف، وكان على بدعته - متوسعا في العلم، سيال الذهن، مات سنة ثلاث وثلاث مائة. ينظر: سير أعلام النبلاء: الذهبي (١٤/ ١٨٣).\n(^٢) وهو: أبو هاشم الجبائي عبد السلام بن محمد بن عبد الوهاب، من كبار الأذكياء. أخذ عن والده، وله: كتاب (الجامع الكبير)، وكتاب (العرض)، مات سنة إحدى وعشرين وثلاث مائة. ينظر: سير أعلام النبلاء: الذهبي (١٥/ ٦٤).\n(^٣) محاسن التأويل: القاسمي (٥/ ١٦١٣).\n(^٤) محاسن التأويل: القاسمي (٦/ ٢١٣٦).\n(^٥) انظر: تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٣/ ٤٤٢).","vol":"1","page":77},{"text":"عبارة عن الأصنام خاصة\" (^١)، ثم قال مُعقّبا: \"أن كلاهما مما يأباه السباق والسياق (^٢).\nب - ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [سورة الأنعام: ٦٥] تعقب على قول جماعة من السلف من أن الآية كائنة في المسلمين أو أنها خطاب لهم، فقال: \" قوله: إنها كائنة، أي: في المسلمين، لا أنها خطاب لهم، ونزولها فيهم- كما وهم- إذ يدفعه السياق والسباق\" (^٣).\nت - التصريح بقول: (غلو في الاستنباط) أو بما معناه، ومن ذلك:\nأ - عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [سورة الأعراف: ٣]. عقَّب على استدلال الكيا الهراسي (^٤)، وابن الفرس (^٥) بالآية أن المباح مأمور به، فقال: \" هذا غلو في الاستنباط، وتعمق بارد\" (^٦).\nب - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [سورة الأنفال: ٧٥]. عقب على استدلال الإمامية بتقديم علي ﵁ على غيره في الإمامة، فقال: \" على فرض صحة هذه الدلالة أن العباس ﵁ كان أولى بالإمامة، لأنه كان أقرب إلى رسول الله ﷺ من علي ﵁ \" (^٧).\n_________\n(^١) تنوير المقباس: الفيروز آبادي (ص: ٩٩).\n(^٢) محاسن التأويل: القاسمي (٦/ ٢١٠٥).\n(^٣) محاسن التأويل: القاسمي (٦/ ٢٣٥٨).\n(^٤) وهو: أبو الحسن علي بن محمد الطبري، المعروف بالكيا الهراسي الفقيه الشافعي، تفقه على إمام الحرمين أبي المعالي الجويني، وكان حسن الوجه، فصيح العبارة حلو الكلام، مات سنة أربع وخمسمائة. ينظر: وفيات الأعيان: ابن خلكان (٣/ ٢٨٩).\n(^٥) وهو: الشيخ، الإمام، شيخ المالكية بغرناطة في زمانه، أبو محمد ابن الفرس، واسمه: عبد المنعم بن محمد بن عبد الرحيم الأنصاري، برع في الفقه والأصول، وشارك في الفضائل، مات سنة ٥٩٧ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء: الذهبي (٢١/ ٣٦٤).\n(^٦) محاسن التأويل: القاسمي (٧/ ٢٦١٠).\n(^٧) محاسن التأويل: القاسمي (٨/ ٣٠٥٧).","vol":"1","page":78},{"text":"<span data-type='title' id=toc-65>١٢ - التصريح بطعن المتعقب عليه في أهل السنة، ومن ذلك:</span>\nعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (٢٠٦)﴾ [سورة الأعراف: ٢٠٦]. عقَّب على إطلاق الرازي للفظ المُشَبهة على الحنابلة، فقال: \" ويعني، سامحه الله، بالمشبهة الحنابلة، وهم براء من التشبيه\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-66>١٣ - التصريح بقول: (غريب، ركيك) ومن ذلك:</span>\nأ - عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [سورة الإسراء: ١]. عقَّب على الراغب الأصفهاني، والسمين الحلبي (^٢) وغيرهم ممن جوَّز بأن يكون (أسرى) من (السراة) وهي الأرض الواسعة. فقال: \" وهو غريب\" (^٣).\nب - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا﴾ [سورة الكهف: ٤٤]، ذكر قول من جوَّز كون (هنالك) معمولا ل (منتصرا) وإن الوقف عليه. أي على (هنالك) وإن (الولاية لله) جملة من مبتدأ وخبر مستأنفة. ثم قال مُعَقِّبًا: \" هذا ركيك جدا، مفكك لرؤوس الآي في السورة\" (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-67>١٤ - التصريح بقول: (ممنوع)، ومن ذلك:</span>\nعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٥)﴾ [سورة الأنعام: ٤٥] أورد قول ابن المنير (^٥)، صاحب الانتصاف: \"بأن الأظهر في المراد من\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (٧/ ٢٩٣٨).\n(^٢) وهو: أحمد بن يوسف بن محمد الحلبيّ، أبو العبّاس المقرئ النحويّ الشافعيّ المعروف بالسّمين، كان فقيها بارعا في النحو والتفسير وعلم القراءات، مات سنة ست وخمسين وسبعمائة. ينظر: طبقات المفسرين: الداوودي (١/ ١٠١، ١٠٢).\n(^٣) محاسن التأويل: القاسمي (١٠/ ٣٨٨٤).\n(^٤) محاسن التأويل: القاسمي (١١/ ٤٠٦٤).\n(^٥) وهو: محمد بن عبد الواحد بن منصور بن محمد الجذامي نجيب الدين أبو عبد الله بن عز القضاة المعروف بابن المنير الإسكندري، مات بالإسكندرية في شوال سنة ٧٥٦ عن ٨٦ سنة. ينظر: ذيل التقييد في رواة السنن والأسانيد: الفاسي (١/ ١٧٠).","vol":"1","page":79},{"text":"الحمد في قوله تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ [سورة النمل: ٥٩] الفاتحة لما بعده من إقامة البراهين على وحدانية الله تعالى\" (^١). فقال القاسمي مُعَقِّبًا: \" ادعاء الأظهرية فيها ممنوع. فإن التنزيل يفسر بعضه بعضا. فتأمل\" (^٢).\nالخلاصة:\nأن مُجمل التعقبات الصريحة عند القاسمي ﵀ تدور حول الألفاظ الآتية أو ما في معناها وهي:\n(باطل، فاسد، ليس بشيء، مردود، مدفوع، واهٍ، لا حجة فيه، لا يصح، ضعيف، لا يصلح، بعيد، فيه تكلف، شاذ، غلط، خلاف الظاهر، يأباه السياق، فيه غلو، غريب، ممنوع.\nوكذا إذا قال: زعم فلان، أو نسب القول إلى أهل البدع، أو أجاب على خطأ الفهم من الآية، أو تعقب أحدا بطعنه في أهل السنة)، وغير ذلك والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) الكشاف للزمخشري مذيل بحاشية الانتصاف فيما تضمنه الكشاف لابن المنير (٢/ ٢٤).\n(^٢) محاسن التأويل: القاسمي (٦/ ٢٣١٥).","vol":"1","page":80},{"text":"<span data-type='title' id=toc-68>المبحث الثاني الصيغ غير الصريحة</span>\nكما أن القاسمي ﵀ له تعقبات صريحة على من سبقه من الأعلام والمفسرين، إلا أن له كذلك صِيغًا تتضمن تعقبات غير صريحة على من سبقه وهي تدنو درجة على سابقتها من التعقبات الصريحة، يُفهم منها النقد والرد وعدم الرضا، وأكثرها تتلخص في الصيَغ التالية:\n\n<span data-type='title' id=toc-69>١ - أن يذكر قول المتعقب عليه ثم يعقبه بعبارة: (فيه نظر)، ومن ذلك:</span>\nأ - عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [سورة النساء: ٦٥] ذكر ما ورد في التفسير المنسوب لابن عباس ﵁ ما ذكر في قصة حاطب بن أبي بلتعة (^١) وتلقيبه بالمنافق (^٢). فقال مُعَقِّبًا: \"وفي صحة هذا عن ابن عباس ﵁ نظر. وكيف؟ وقد كان ﵁ من البدريين. وقد انتفى النفاق عمن شهدها\" (^٣).\nب - وفي معرض كلامه عن مكية سورة المائة ومدنيتها، أورد قول الشهاب الخفاجي: السورة مدنية، إلا قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ … إلخ﴾ [سورة المائدة: ٣]، فإنها نزلت بمكة (^٤). فعقَّب عليه القاسمي بقوله: \"أقول: في كلامه نظران: … ألخ\" (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-70>٢ - أن يذكر قول المُتعقب عليه ويصفه بعبارة: (لا يتعلق به كبير فائدة، لا حاجة له)، ومن ذلك:</span>\nأ - عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا\n_________\n(^١) وهو: حاطب بن أبي بلتعة اللخمي المكي، من مشاهير المهاجرين؛ شهد بدرا والمشاهد، وكان تاجرا في الطعام، له عبيد، وكان من الرماة الموصوفين، كان حسن الجسم، خفيف اللحية، مات سنة ٦٨ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء: الذهبي (٢/ ٤٣).\n(^٢) تنوير المقباس: الفيروز آبادي (ص: ٧٣).\n(^٣) محاسن التأويل: القاسمي (٥/ ١٣٦٥).\n(^٤) حاشية الشهاب: الخفاجي (٣/ ٢٠٨).\n(^٥) محاسن التأويل: القاسمي (٦/ ١٧٨٨)، وسيأتي المزيد من الأمثلة في الدراسة التطبيقية.","vol":"1","page":81},{"text":"بَقَرَةً﴾ [سورة البقرة: ٦٧]، عقَّب على ما ذكره أكثر المفسرين من قصة البقرة وصاحبها (^١). ووصف هذه القصة من أنه \"لم يُروَ منها شيئًا بسند صحيح. ولا يتعلق به كبير فائدة\" (^٢).\nب - وعند ذكره لمكية سورة يس من مدنيتها، أورد قول بعضهم: أنها مكية واستثنى منها بعضهم قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ [سورة يس: ١٢]. ثم عقَّب بعد ذلك بقوله: \" ولا حاجة لدعوى الاستثناء فيها وفي نظائرها\" (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-71>٣ - أن يورد ما ذكره بعض المفسرين من أحاديث نبوية أو آثار في تفسير الآية، ثم يعقبه بعبارة: (لا يعرف له سند صحيح، لم يُروَ من طريق صحيح ولا حسن فهي ساقطة عند المحققين):</span>\nأ - عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [سورة آل عمران: ١٠٥] أورد ما ذكره بعض المفسرين مما روي من حديث: (اختلاف أمتي رحمة) (^٤)، فقال مُعَقِّبًا: \"ولا يعرف له سند صحيح\" (^٥).\nب - ومن ذلك عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ [سورة النساء: ٦٢]. عقَّب على اختيار الزجاج من أن المراد: قتل عمر صاحبهم الذي أقر أنه لا يرضى بحكم الرسول ﵊ (^٦).\n_________\n(^١) وهذه القصة أخرجها ابن أبي حاتم في تفسيره (١/ ١٣٦)، وابن جرير الطبري بنحوها في تفسيره عن أبي العالية (٢/ ٧٧).\n(^٢) محاسن التأويل: القاسمي (٢/ ١٥٨).\n(^٣) محاسن التأويل: القاسمي (١٤/ ٤٩٩٠).\n(^٤) يُريد بذلك بعض المُفسرين الذين ذكروا الحديث ولم يُنبهوا على ضعفه، كابن عطية (٢/ ٥٤٠) والقرطبي (٤/ ١٥٩) وغيرهما.\n(^٥) محاسن التأويل: القاسمي (٤/ ٩٢٨).\n(^٦) انظر: معاني القرآن وإعرابه: الزجاج (٢/ ٦٩).","vol":"1","page":82},{"text":"قال القاسمي: \" واختياره غير مختار. لأن قصة قتل عمر لم ترو من طريق صحيح ولا حسن. فهي ساقطة عند المحققين\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-72>٤ - أن يتعقب على قول المتعقب عليه بعبارة: (لا يساعده، وليس بمتعين)، ومن ذلك:</span>\nأ - عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٢١)﴾ [سورة آل عمران: ١٢١] ذكر قول ابن جزي (^٢)، بأن المراد: غدوة السبت، وأنه ﷺ كان في صباحه التبوؤ للمقاعد (^٣). ووصف القاسمي هذا القول بأنه: \"لا يساعده (من أهلك) لأنه لم يكن وقتئذ أهله معه\" (^٤).\nب - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [سورة النساء: ٤٧] عقَّب على ما ذكره المفسرون من تأويلات في معنى الطمس (^٥).\nقال القاسمي: \"لا يخفى أن جميع ما ذكر من التأويلات، غير الأول، لا يساعده مقام تشديد الوعيد، وتعميم التهديد\" (^٦).\nت - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (٥/ ١٣٥٧).\n(^٢) وهو: محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله ابن يحيى، بن جزي الكلبي، أبو القاسم، فقيه مالكي، عالم بالأصول والتفسير واللغة، من كتبه \"التسهيل لعلوم التنزيل\" في التفسير، مات سنة: ٧٤١ هـ. ينظر: معجم المفسرين: عادل نويهض (٢/ ٤٨١).\n(^٣) انظر: التسهيل لعلوم التنزيل: ابن جزي (١/ ١٦٣).\n(^٤) محاسن التأويل: القاسمي (٤/ ٩٥٨).\n(^٥) يُريد بذلك قول بعض السلف من أن المُراد: تقبيح صورتهم، أو بما معناه، وإزالة آثارهم عن بلاد العرب، ينظر: تفسير القرآن العظيم: ابن أبي حاتم (٣/ ٩٦٩)، وينظر: جامع البيان: الطبري (٧/ ١١١)\n(^٦) محاسن التأويل: القاسمي (٥/ ١٢٨٤).","vol":"1","page":83},{"text":"ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [سورة النور: ٣٠]، أورد قول أبي العالية: كل شيء في القرآن من (حفظ الفرج) فهو من الزنى، إلا هذه الآية والتي بعدها، فهو أن لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا المرأة إلى عورة المرأة (^١). ثم عقَّب القاسمي بعد ذلك بقوله: \"وليس بمتعين. وعليه فيكون النهي عن الزنى يعلم منه بطريق الأولى\" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-73>٥ - أن يُوافق قول المُتعقب عليه في الظاهر لكنه يورد عبارة يُفهم منها معارضته لفهم المُتعقب عليه، ومن ذلك:</span>\nأ - عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [سورة المائدة: ٦٨] أورد قول بعض المحققين بأن المراد: \" إن هم عملوا بشرائع دينهم لا يكونون على الدين الحق الكامل بل الذي يفهم من الآية أنهم يكونون على شيء من الدين، وهو- ولا شك- خير من لا شيء\" (^٣).\nقال القاسمي عقب ذلك: \" ولا يخفى أنهم إذا أقاموا التوراة والإنجيل، آمنوا بمحمد ﷺ. لما تتقاضى إقامتهما الإيمان به. إذ كثر ما جاء فيهما من البشارات به والتنويه باسمه ودينه، فإقامتهما على وجوههما تستدعي الإسلام البتة، بل هي هو، والله الموفق \" (^٤).\nب - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٤١)﴾ [سورة الرعد: ٤١]. أورد قول من ابن عباس ﵁ وغيره أن المراد منها: موت علمائها وفقهائها وأهل الخير منها (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٨/ ٢٥٧١) برقم: (١٤٣٧٤).\n(^٢) محاسن التأويل: القاسمي (١٢/ ٤٥٠٥).\n(^٣) انظر مثلا ما ذكره ابن ابن المنير في حاشيته على الكشاف (١/ ٦٦٠)، وسيأتي مزيد بيان في دراسة مسألة (٧٤) ص: (٥٠٧).\n(^٤) محاسن التأويل: القاسمي (٦/ ٢٠٨٧)، بتصرف.\n(^٥) انظر: جامع البيان: (١٣/ ٥٧٨).","vol":"1","page":84},{"text":"ثم قال القاسمي مُعَقِّبًا: \" ولا يخفاك أن هذا المعنى لا يذكره السلف تفسيرا للآية على أنه المراد منها، وإنما يذكرونه تهويلا لخطب موت العلماء بسبب أنهم أركان الأرض وصلاحها وكمالها وعمرانها، فموتهم نقص لها وخراب منها\" (^١).\nفكأن القاسمي ﵀ يتفق مع هذا المعنى، لكنه لا يعده تفسيرًا للآية.\nت - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ [سورة الرعد: ٤٣]. ذكر قول من قال بأن الشهادة فعل على سبيل الاستعارة بينما في الحقيقة هي قول، لأنه يغني عن الشهادة بل هو أقوى. ثم قال القاسمي: \" ولا يخفى أن الشهادة أعم من القول والفعل\" (^٢).\nفالقاسمي يتفق مع قول القائل بأن الشهادة فعل، ولكنه يعترض عليه بأن تكون محصورة في الفعل في معنى هذه الآية، إنما هي أعم من القول والفعل.\n\n<span data-type='title' id=toc-74>٦ - أن يصف قول المُتَعقب عليه واستنباطه بعبارة: (فيه خفاء)، ومن ذلك:</span>\nعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾ [سورة الأنعام: ٩٠]. عقَّب على قول الخفاجي بأن الآية تدل على أنه يحل أخذ الأجر للتعليم، وقول بعض مفسري الزيدية على عدم جواز ذلك (^٣). ووصف القاسمي هذا الفهم أو الاستنباط أن: \"فيه خفاء\" (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-75>٧ - أن يُبدي استغرابه وعجبه من قول المُتعقب عليه بعبارة: (وعجيب)، ومن ذلك:</span>\nعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [سورة نوح: ٢٣]. أورد استشكال الرازي انتقال الأصنام من قوم نوح إلى\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (٩/ ٣٦٩١).\n(^٢) محاسن التأويل: القاسمي (٩/ ٣٦٤٩).\n(^٣) انظر: حاشية الشهاب: الخفاجي (٤/ ٩٢).\n(^٤) محاسن التأويل: القاسمي (٦/ ٢٤٠٤).","vol":"1","page":85},{"text":"أرض العرب وذلك لأن الدنيا قد خربت في زمان الطوفان. ثم عقَّب بعد ذلك بقوله: \" وعجيب من الرازي أن لا يجد مخرجا من سؤاله، وهو على طرف الثمام\" (^١).\nالخلاصة:\nأن مُجمل التعقبات غير الصريحة عند القاسمي ﵀ تدور حول الألفاظ أو العبارات الآتية أو ما في معناها وهي:\n(فيه نظر، لا يتعلق به كبير فائدة، لا حاجة له، لا يُساعده، ليس بمُتعين، فيه خفاء، رد مالم يصح إسناده من حديث أو أثر، يلزم التفكيك، العجب والاستغراب من قول المتعقب عليه، الاعتراض على فهم المُتعقب عليه).\n* * *\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (١٦/ ٥٩٣٨).","vol":"1","page":86},{"text":"<span data-type='title' id=toc-76>المبحث الثالث مصادره في التعقبات.</span>\nتنوعت مصادر القاسمي ﵀ في معرض كلامه حينما يتعقب أحدًا من الأعلام أو المفسرين، وذلك لتنوع معارفه وفنونه واتساعها، فهو كسائر أهل العلم، يستفيد من الكتُب المؤلَّفة في التفسير وعلوم القرآن، وكتب اللغة والبلاغة، وكُتب ابن تيمية وتلميذه ابن القيم في العقيدة خاصة.\nوفيما يلي محاولة لعرض أهم تلك المصادر، ويُمكن تقسيمها إلى ما يلي:\n\n*<span data-type='title' id=toc-77> أولًا: مصادره من كتب التفسير:</span>\n<span data-type='title' id=toc-78>١ - جامع البيان لابن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ):</span>\nفعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ [سورة قريش: ١]، عقَّب على قول الزجاج (^١) وغيره بأن اللام في (لإيلاف) متعلق بما قبله أي: فجعلهم كعصف مأكول لإيلاف قريش (^٢). ثم استشهد القاسمي بما يُؤيد تعقُّبه من كلام ابن جرير الطبري ﵀ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-79>٢ - تفسير ابن أبي حاتم (ت: ٣٢٧ هـ)</span> (^٤):\nفعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [سورة النساء: ٦١] أورد الآثار الصحيحة\n_________\n(^١) وهو: أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الزجاج، نحوي زمانه، مصنف كتاب (معاني القرآن)، وله تآليف جمة، لزم المبرد، فكان يعطيه من عمل الزجاج كل يوم درهما، مات سنة إحدى عشرة وثلاث مائة. ينظر: سير أعلام النبلاء: الذهبي (١٤/ ٣٦٠).\n(^٢) انظر: معاني القرآن: الزجاج (٥/ ٣٦٥)، وانظر: معالم التنزيل: البغوي (٨/ ٥٤٢).\n(^٣) انظر: محاسن التأويل: القاسمي (١٧/ ٦٢٧١).\n(^٤) وهو: أبو محمد ابن أبي حاتم التميمي الحنظلي الإمام ابن الإمام الحافظ ابن الحافظ سمع أباه وغيره، له مصنفات عدة أثنى عليه جماعة بالزهد والورع التام والعلم والعمل، مات سنة ٣٢٧ هـ. ينظر: الوافي بالوفيات: الصفدي (١٨/ ١٣٦).","vol":"1","page":87},{"text":"المروية عن ابن عباس ﵁ في سبب نزولها، ثم ذكر قول أبي مسلم الأصفهاني في تفسيرها، وعقَّب عليه بأن \"ما استظهره مناف لما روي في نزولها\" (^١)، فهذا يدل على أن القاسمي عقَّب عليه بناء على رجوعه إلى تفسير ابن أبي حاتم.\n\n<span data-type='title' id=toc-80>٣ - مفاتيح الغيب للفخر الرازي (ت: ٦٠٦ هـ):</span>\nفعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ [سورة البقرة: ١٠٢] عقَّب على قول من قال: أن هاروت وماروت كانا من الملائكة وذكروا في ذلك قصة وأحاديث عجيبة، ثم أعقب تعقبه بإيراد كلام الرازي في أوجه بطلان هذه القصة (^٢). فهذا يدل على أن القاسمي ﵀ استفاد ذلك من كلام الرازي.\n\n<span data-type='title' id=toc-81>٤ - تفسير القرآن العظيم للحافظ ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ):</span>\nفعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [سورة النساء: ١٢٨]، ذكر قول بعض المفسرين: أن النبي ﷺ كان عزم على طلاق سودة، وعقَّب عليهم أن ذلك: باطل وسوء فهم من القصة، ثم نبه على ما روي من كونه ﷺ بعث إليها بطلاقها، أنه غريب مُرسل كما قاله ابن كثير (^٣)، فهذا يدل على أن تعقبه بناء على ما استفاده من تفسير ابن كثير، والله أعلم (^٤).\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (٥/ ١٣٥٤).\n(^٢) انظر: محاسن التأويل: القاسمي (٢/ ١٠٢).\n(^٣) انظر: تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٣/ ٢٣٣).\n(^٤) انظر: محاسن التأويل: القاسمي (٥/ ١٥٧٩).","vol":"1","page":88},{"text":"<span data-type='title' id=toc-82>٥ - إرشاد العقل السليم لأبي السعود العمادي (ت: ٩٨٢ هـ):</span>\nفعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [سورة المائدة: ٧١] عقَّب على الزمخشري بأن قوله تعالى ﴿فَعَمُوا وَصَمُّوا﴾ إشارة إلى عبادتهم العجل، وكذا ما قيل بأن قوله تعالى: ﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا﴾ إشارة إلى طلبهم الرؤية (^١). ثم ذكر القاسمي أن ذلك أفاده أبي السعود (^٢).\nفألفاظ التعقب لم ينقلها القاسمي ﵀ عن أبي السعود، وإنما استفاد من أبي السعود أن هذا المعنى لا تعلق لها بما حكي عنهم، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-83>٦ - حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي للشهاب الخفاجي (ت: ١٠٦٩ هـ):</span>\nفعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [سورة الأنعام: ٨٢] عقَّب على الزمخشري الذي أبى تفسير الظلم بالكفر. ثم استشهد القاسمي بقول الخفاجي الذي يُؤيد تعقبه للزمخشري (^٣).\n\n*<span data-type='title' id=toc-84> ثانيًا: مصادره من كتب علوم القرآن:</span>\n<span data-type='title' id=toc-85>١ - كتاب الاتقان في علوم القرآن للسيوطي (ت: ٩١١ هـ):</span>\nفعند معرض كلامه عن مكية سورة المائدة من مدنيتها أورد كلام الشهاب الخفاجي: \"أن السورة مدنية، إلا قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [سورة المائدة: ٣] \" (^٤)، فقال مُعَقِّبًا: \"بأن في كلامه نظر: وهو بناءً على أن المكي ما نزل بمكة ولو بعد الهجرة. والمدني ما نزل بالمدينة، وهو اصطلاح لبعض السلف. ولكن الأشهر كما في (الإتقان) أن المكي ما نزل\n_________\n(^١) انظر: الكشاف: الزمخشري (١/ ٦٦٣)، وانظر: مفاتيح الغيب: الرازي (١٢/ ٤٠٧).\n(^٢) انظر: محاسن التأويل: القاسمي (٦/ ٢٠٩٦).\n(^٣) انظر: محاسن التأويل: القاسمي (٦/ ٢٣٨٩).\n(^٤) حاشية الشهاب: الخفاجي (٣/ ٢٠٨).","vol":"1","page":89},{"text":"قبل الهجرة. والمدني ما نزل بعدها، سواء نزل بمكة أم بالمدينة\" (^١). فهذا التعقب بناءً على ما وقف عليه من كلام السيوطي في الاتقان.\n\n<span data-type='title' id=toc-86>٢ - الإكليل في استنباط التنزيل للسيوطي (ت: ٩١١ هـ):</span>\nفعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [سورة التوبة: ١٠٣]، عقَّب على من زعم أن المراد بـ ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾: الصلاة على الموتى. ثم ذكر القاسمي أن المراد بالصلاة حكاه السيوطي في الإكليل (^٢).\n\n*<span data-type='title' id=toc-87> ثالثًا: مصادره من كتب السُنة:</span>\n<span data-type='title' id=toc-88>١ - كتاب التمهيد لابن عبد البر (ت: ٤٦٣ هـ):</span>\nفعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [سورة المائدة: ٦٤] عقَّب على قول الزمخشري بأن: \"إثبات اليد لا يصح حقيقة له تعالى\" (^٣)، ثم استشهد القاسمي بكلام ابن عبد البر (^٤)، في شرح الموطأ بأن أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة، والإيمان بها، وحملها على الحقيقة لا على المجاز (^٥).\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (٦/ ١٧٨٨).\n(^٢) انظر: محاسن التأويل: القاسمي (٨/ ٣٢٥٤).\n(^٣) انظر: الكشاف: الزمخشري (١/ ٦٥٤).\n(^٤) وهو: أبو عمر يوسف بن عبد الله ابن عبد البر النمري، الإمام، العلامة، حافظ المغرب، شيخ الإسلام، الأندلسي، القرطبي، المالكي، صاحب التصانيف الفائقة، مات سنة ثلاث وستين وأربع مائة. ينظر: سير أعلام النبلاء: الذهبي (١٨/ ١٥٣ - ١٥٩).\n(^٥) محاسن التأويل: القاسمي (٦/ ٢٠٥٧).","vol":"1","page":90},{"text":"<span data-type='title' id=toc-89>٢ - شرح النووي على صحيح مسلم (ت: ٦٧٦ هـ)</span> (^١):\nفعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [سورة الفتح: ٢٩]. عقَّب على تكفير الإمام مالك ﵀، الروافض. بأن تكفيره هذا خلاف ما اتفق عليه المحققون من أهل السنة والجماعة من أنه لا يكفر أحد من أهل القبلة، ثم أشار القاسمي بأن هذا مبسوط في كتب العقائد، وأوضحه النووي في شرح (مقدمة مسلم) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-90>٣ - كتاب قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث للمؤلف ﵀ (ت: ١٣٣٢ هـ):</span>\nفعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [سورة الأنعام: ٥٢] عقَّب على قول الرازي: بأن النبي ﷺ طرد ضعفاء المسلمين (^٣). ثم أحال القاسمي على كتابه: قواعد التحديث (^٤).\n\n*<span data-type='title' id=toc-91> رابعًا: مصادره من كتب اللغة:</span>\n<span data-type='title' id=toc-92>١ - كتاب شرح التصريح على التوضيح للأزهري على ألفية ابن مالك لابن هشام </span>(^٥):\nفعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [سورة النساء: ٤٦] عقَّب على قول أبي\n_________\n(^١) وهو: يحيى بن شرف بن مري النووي الشيخ الإمام العلامة محيي الدين أبو زكريا، شيخ الإسلام وأستاذ المتأخرين، كان عالمًا زاهدا لا يصرف ساعة في غير طاعة، صنف في علوم عدة، مات سنة ٦٧٦ هـ. ينظر: طبقات الشافعية: السبكي (٨/ ٣٩٥).\n(^٢) انظر: محاسن التأويل: القاسمي (١٥/ ٥٤٣٦).\n(^٣) انظر: مفاتيح الغيب: الرازي (١٢/ ٥٤١).\n(^٤) انظر: محاسن التأويل: القاسمي (٦/ ٢٣٢٤).\n(^٥) وهو: أحمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن يوسف، شهاب الدين الأنصاري، المعروف كسلفه بابن هشام: نحوي، من أهل القاهرة. سكن دمشق وتوفي بها سنة ٨٣٥ هـ. ينظر: الأعلام: الزركلي (١/ ١٤٧).","vol":"1","page":91},{"text":"السعود: \"بأن قراءة الرفع في ﴿قَلِيلًا﴾ فيه نسبة القراء إلى الاتفاق على غير المختار\" (^١)، ووصفه بأنه: \"مردود، وأن النصب عربي جيد\"، ثم أعقب ذلك بشيء من الأمثلة من كتاب التوضيح لابن هشام (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-93>٢ - كتاب تاج العروس للزبيدي </span>(^٣):\nفعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [سورة الأنعام: ٣٨] عقَّب على قول أبي البقاء بأنه: لا يجوز أن يكون ﴿فَرَّطْنَا﴾ مفعولا به، لأن ﴿فَرَّطْنَا﴾ تتعدى بنفسها، بل بحرف الجر، وقد عديت بـ (في) إلى الكتاب، فلا تتعدى بحرف آخر. ثم استند القاسمي على تعقُّبه بما استشهد به الزبيدي من شِعر في شرحه على القاموس (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-94>٣ - كتاب القاموس المحيط للفيروز آبادي:</span>\nفعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [سورة الأعراف: ٤٢]، عقَّب على تخطأة الرازي من ظن أن الوسع بذل المجهود (^٥). ثم استشهد القاسمي بكلام الفيروز آبادي من القاموس المحيط (^٦).\n_________\n(^١) إرشاد العقل السليم: أبي السعود (١/ ٧٠٨، ٧٠٩).\n(^٢) انظر: محاسن التأويل: القاسمي (٥/ ١٢٨٢).\n(^٣) وهو: محمد بن محمد بن محمد بن عبد الرزاق الحسيني الزبيدي، أبو الفيض، الملقب بمرتضى: علّامة باللغة والحديث والرجال والأنساب، من كبار المصنفين، مات سنة: ١٢٠٥ هـ. ينظر: الأعلام: الزركلي (٧/ ٧٠).\n(^٤) انظر: محاسن التأويل: القاسمي (٦/ ٢٣٠٧).\n(^٥) انظر: مفاتيح الغيب: الرازي (١٤/ ٢٤٢).\n(^٦) انظر: محاسن التأويل: القاسمي (٧/ ٢٦٨٨).","vol":"1","page":92},{"text":"<span data-type='title' id=toc-95>٤ - كتاب إضاءة الرّاموس وإضافة النّاموس لأبي عبد الله محمد بن الطيب الفاسي </span>(^١):\nفعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ [سورة الصافات: ١٥٨]. عقَّب على من فسر (الجنة) بالملائكة، وأورد بما يُؤيد تعقبه من كلام الفاسي في شرحه على القاموس للفيروز آبادي (^٢).\n\n*<span data-type='title' id=toc-96> خامسًا: مصادره من كتب أخرى اشتملت على فنون من العلم في العقيدة والفقه والزهد ونحو ذلك:</span>\n<span data-type='title' id=toc-97>١ - كتاب إحياء علوم الدين لأبي حامد الغزالي </span>(^٣):\nفعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [سورة النساء: ١٧] أورد كلام الغزالي في مسألة: اشتراط وقوع التوبة عقب المعصية بلا تراخ (^٤). ثم قال بعد ذلك: \" إذا عرفت هذا، فما ذكره كثير من المفسرين من أن المراد من قوله تعالى: ﴿مِنْ قَرِيبٍ﴾ ما قبل حضور الموت- بعيد من لفظ الآية وسرها التي أرشدت إليه\" (^٥)، فهذا يدل على أنه استفاد ذلك منه، والله أعلم.\n_________\n(^١) وهو: محمد بن الطيب بن محمد بن موسى، أبو عبد الله، شمس الدين الشرقي الفاسي، إمام أهل اللغة في عصره، محدث، وهو شيخ الزبيدي صاحب \"تاج العروس\"، مات سنة: ١١٧٠ هـ. ينظر: معجم المفسرين: عادل نويهض (٢/ ٧٩٨).\n(^٢) انظر: محاسن التأويل: القاسمي (١٤/ ٥٠٦٦).\n(^٣) وهو: أبو حامد محمد بن محمد الغزالي، الشيخ، الإمام، البحر، حجة الإسلام، أعجوبة الزمان، غلا في طريقة التصوف، وتجرد لنصر مذهبهم، وصار داعية في ذلك، مات سنة خمس وخمس مائة. ينظر: سير أعلام النبلاء: الذهبي (١٩/ ٣٢٢ - ٣٤٣).\n(^٤) انظر: إحياء علوم الدين: الغزالي (٤/ ٧).\n(^٥) محاسن التأويل: القاسمي (٥/ ١١٥٥).","vol":"1","page":93},{"text":"<span data-type='title' id=toc-98>٢ - كتاب الرسالة للإمام الشافعي:</span>\nفعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [سورة النساء: ٢٤]. أورد كلام الإمام الشافعي ﵀ من كتابه الرسالة في وجوب اتباع الكتاب والسنة (^١). ثم أعقبه بقوله: \" وإنما أوردنا هذا تزييفا لزعم الخوارج أن حديث (لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها) المروي في الصحيحين وغيرهما، خبر واحد. وتخصيص عموم القرآن بخبر الواحد لا يجوز. كما نقله عنهم الرازي\" (^٢)، فكان تعقبه عليهم بناءً على ما استفاده من كلام الشافعي ﵀، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-99>٣ - كتاب أعلام الموقعين لابن القيم:</span>\nفعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [سورة النساء: ٥٩]. عقَّب على فهم كثير من الناس والمفسرين أن طاعة أولي الأمر العلماء، تقليدهم فيما يفتون به. ووصف القاسمي ذلك بأنه: غلط، ثم أورد فصلا من كلام ابن القيم من كتاب (أعلام الموقعين) في عقد مجلس مناظرة بين مقلد وبين صاحب حجة منقاد للحق حيث كان (^٣)، فهذا يدل على أن تعقبه بناء على ما استفاده من كلام ابن القيم، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-100>٤ - كتاب الانتصاف من الكشاف (حاشية ابن المنيِّر)</span> (^٤):\nفعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [سورة المائدة: ٥٤] عقَّب على قول الزمخشري بتأويل المحبة بإثابته\n_________\n(^١) انظر: الرسالة: الشافعي (ص: ٧٦ - ٧٩).\n(^٢) محاسن التأويل: القاسمي (٥/ ١١٨٥).\n(^٣) انظر: محاسن التأويل: القاسمي (٥/ ١٣٤٨).\n(^٤) وهو: أحمد بن محمد بن منصور بن أبي القاسم المعروف بابن المنير الاسكندري. كان إمامًا بارعًا برع في الفقه وفي الأصلين والعربية وفنون شتى، متبحرًا في العلوم مدققًا فيها، مات سنة ٦٨٣ هـ. ينظر: الديباج المُذَهب: ابن فرحون (١/ ٢٤٣).","vol":"1","page":94},{"text":"تعالى لهم أحسن الثواب، وتفسيره المحبة بالطاعة وابتغاء المرضاة (^١). وأن صاحب (الانتصاف) رد هذا التأويل بأنه خلاف الظاهر (^٢)، فهذا مما استفاده من الانتصاف.\n\n<span data-type='title' id=toc-101>٥ - كتاب العلو للذهبي </span>(^٣):\nفعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (٢٠٦)﴾ [سورة الأعراف: ٢٠٦]. عقَّب على إطلاق الرازي للفظ المُشَبهة على الحنابلة (^٤). وأحال القاسمي بما يُثبت براءتهم من التشبيه براء من التشبيه على كتاب العلو للذهبي (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-102>٦ - العهد القديم (سفر دانيال):</span>\nفعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾ [سورة الكهف: ٩٤] عقَّب على قول من قال بأن: لفظ: (ذو القرنين) من أوضاع العرب خاصة. ثم أثبت القاسمي خلاف ذلك مما نقله عن التوراة (^٦).\nتنبيهان:\nالأول: القاسمي ﵀ في تفسيره نقل من مصادر عديدة من كتب التفسير وغيرها مما فيها تعقبات صريحة بلفظها، ولم تُذكر في هذا الموضوع، لأن الهدف من هذه الدراسة هو تتبع ألفاظ القاسمي ﵀ في التعقبات التي صدرت منه ودراستُها، وليس ألفاظ التعقب التي نقلها عن غيره.\n_________\n(^١) انظر: الكشاف: الزمخشري (١/ ٦٤٦).\n(^٢) انظر: محاسن التأويل: القاسمي (٦/ ٢٠٣٨).\n(^٣) وهو: شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد، المعروف بالذهبي، طلب الحديث وقرأ بنفسه وكتب بخطه كثيرا من الكتب والأجزاء، كان مشهورا بالخير، متواضعا، حسن الخلق، مات سنة ٧٤٨ هـ. ينظر: معجم الشيوخ: السبكي (١/ ٣٥٢، ٣٥٤).\n(^٤) انظر: مفاتيح الغيب: الرازي (١٥/ ٤٤٥).\n(^٥) انظر: محاسن التأويل: القاسمي (٧/ ٢٩٣٨).\n(^٦) انظر: محاسن التأويل: القاسمي (١١/ ٤١٠٩).","vol":"1","page":95},{"text":"الثاني: ما ذُكر في هذا المبحث هو عبارة عن أشهر المصادر التي اعتمد عليها القاسمي ﵀ في تعقباته على من سبقه بحسب ما وقفت عليه، ولا شك أنه اعتمد على غيرها مما قد خَفِي وقد يظهر إن شاء الله خلال الدراسة والتحرير والسير على تعقباته في القسم الثاني من الدراسة، وبالله التوفيق.\n* * *","vol":"1","page":96},{"text":"<span data-type='title' id=toc-103>الفصل الثالث: أنواع التعقبات عند القاسمي.</span>\nوفيه ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: التعقبات في التفسير.\nالمبحث الثاني: التعقبات في علوم القرآن.\nالمبحث الثالث: التعقبات في العلوم الأخرى المتعلقة بالتفسير.","vol":"1","page":97},{"text":"<span data-type='title' id=toc-104>المبحث الأول التعقبات في التفسير</span>\nتقدم مما سبق أن القاسمي ﵀ انتهج في تفسيره المنهج التحليلي الذي يُبين تفسير الآية من جميع النواحي العلمية، وبناءً على هذا المنهج تعددت أنواع التعقبات عند القاسمي ﵀ على من سبقه من الأعلام والمُفسرين.\nومن أبرز هذه الأنواع: تعقباته في التفسير، التي تندرج ضمنها بعضًا من الأنواع المُتعلقة بتفسير الآي وهي:\n\n<span data-type='title' id=toc-105>١ - التعقب على المعاني التي لا تحتملها الفاظ الآية، ومن ذلك:</span>\nأ - عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾ [سورة البقرة: ١٧٧] عقَّب على الحافظ ابن كثير الذي حمل الزكاة في هذه الآية على زكاة النفس (^١). فقال القاسمي: \"وقد أبعد من حمل الزكاة- هنا- على زكاة النفس وتخليصها من الأخلاق الدنيئة الرذيلة، ووجه البُعد: أن الزكاة المقرونة بالصلاة في التنزيل لا يراد بها إلا زكاة المال\" (^٢). فتعقُب القاسمي على ابن كثير مبني على مخالفة المعنى لألفاظ الآية.\nب - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [سورة النساء: ١٧] عّقَّب على الزمخشري وغيره ممن قال بأن المراد من قوله تعالى: ﴿مِنْ قَرِيبٍ﴾ ما قبل حضور الموت (^٣).\n_________\n(^١) انظر: تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٢/ ٤٣).\n(^٢) محاسن التأويل: القاسمي (٣/ ٣٩٢) بتصرف.\n(^٣) انظر: الكشاف: الزمخشري (١/ ٤٨٩)","vol":"1","page":98},{"text":"فقال القاسمي: \"ما ذكره كثير من المفسرين من أن المراد من قوله تعالى من قريب ما قبل حضور الموت- بعيد من لفظ الآية وسرها التي أرشدت إليه (^١).\nت - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾ [سورة العاديات: ٢]، عّقَّب على قول قتادة وغيره بأن المراد من الموريات: هجن الحرب (^٢). فقال: \"وكون المراد بالموريات الحرب بعيد\" (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-106>٢ - التعقب على المعاني التي تُخالف ظاهر اللفظ من الآية صراحة، ومن ذلك:</span>\nأ - عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [سورة البقرة: ٢٣٦] عّقَّب على عبارة الزمخشري: \" ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ لا تبعة عليكم من إيجاب مهر\" (^٤)، وعبارة الرازي: \"الجناح المنفي هناك هو لزوم المهر والله أعلم\" (^٥). فقال القاسمي: \" تكلف بعض بجعل (أو) بمعنى (إلا) أو (حتى) وجعل الحرج بمعنى المهر مع أن الآية بينة بنفسها لا حاجة إلى أن تتجاذبها أطراف هذه الأبحاث\" (^٦).\nب - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [سورة النساء: ١٤٠] عقَّب على قول أبي علي الجبائي وأبي هاشم الجبائي: \"جواز القعود إن أنكر بقلبه\" (^٧). فقال القاسمي: \" ما قالاه مخالف لظاهر الآية. فلا عبرة به\" (^٨).\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (٥/ ١١٥٥).\n(^٢) انظر: جامع البيان: الطبري (٢٤/ ٥٧٦).\n(^٣) محاسن التأويل: القاسمي (١٧/ ٦٢٣٧) بتصرف، وسيأتي المزيد من الأمثلة في الدراسة التطبيقية.\n(^٤) الكشاف: الزمخشري (١/ ٢٨٤).\n(^٥) مفاتيح الغيب: الرازي (٦/ ٤٧٥).\n(^٦) محاسن التأويل: القاسمي (٣/ ٦١٩).\n(^٧) انظر: التهذيب في التفسير: الحاكم الجشمي (٣/ ١٧٩١).\n(^٨) محاسن التأويل: القاسمي (٥/ ١٦١٣).","vol":"1","page":99},{"text":"ت - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [سورة المائدة: ٨٩]. عقَّب على قول بعض الأعلام كأبي حنيفة والجصاص، بأن المراد: \"إطعام طعام يكفي العشرة، مفرعا عليه جواز إطعام مسكين واحد عشرة أيام\" (^١). ووصف القاسمي هذا المراد بأنه: \"عدول عن الظاهر، لا يثبت إلا بنص\" (^٢)\n\n<span data-type='title' id=toc-107>٣ - التعقب على المعاني التي تُخالف سياق الفاظ الآية، ومن ذلك:</span>\nأ - عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [سورة النساء: ٨٣] عقَّب على قول الزمخشري والبيضاوي (^٣)، وأبي السعود وغيرهم: من أن المراد من الذين ذُكروا في الآية: \"طائفة من ضعفة المسلمين\" (^٤).\nقال القاسمي: \" فإن أرادوا بالضعفة المنافقين، فصحيح. وإلا فبعيد غاية البعد كما يعلم من سباق الآية وسياقها\" (^٥).\nب - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [سورة المائدة: ٧٦] قال: جعل ابن كثير الخطاب في قوله تعالى: ﴿أَتَعْبُدُونَ﴾ عاما للنصارى وغيرهم، أي قل لهؤلاء العابدين غير الله من سائر فرق بني آدم (^٦). وما جاء في (تنوير المقباس) أن (ما) عبارة عن الأصنام خاصة (^٧). وكلاهما\n_________\n(^١) يُريد بذلك الإمام أبو حنيفة ﵀، وسيأتي مزيد بيان إن شاء الله تعالى.\n(^٢) انظر: محاسن التأويل: القاسمي (٦/ ٢١٣٦)، وسيأتي المزيد من الأمثلة في الدراسة التطبيقية.\n(^٣) وهو: عبد الله بن عمر بن محمد بن علي أبو الخير القاضي ناصر الدين البيضاوي، كان إماما مبرزا نظارا صالحا متعبدا زاهدا، ولي قضاء القضاة بشيراز، مات سنة: ٦٨٥ هـ. ينظر: طبقات الشافعية: السبكي (٨/ ١٥٨).\n(^٤) انظر: الكشاف: الزمخشري (١/ ٥٤٠)، وانظر: أنوار التنزيل: البيضاوي (٢/ ٨٧)، وانظر: إرشاد العقل السليم: أبي السعود (٢/ ٢٠٨).\n(^٥) محاسن التأويل: القاسمي (٥/ ١٤١٣).\n(^٦) انظر: تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٣/ ٤٤٢).\n(^٧) تنوير المقباس: الفيروز آبادي (ص: ٩٩).","vol":"1","page":100},{"text":"مما يأباه السباق والسياق (^١).\nت - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ الآية [سورة التوبة: ١١٧]. ذكر قول أبي مسلم من أنه يجوز أن يكون المراد بـ (ساعة العسرة) جميع الأحوال والأوقات الشديدة على الرسول، وعلى المؤمنين، فيدخل فيه غزوة الخندق وغيرها (^٢). ثم قال القاسمي معقّبًا: هذا الاحتمال، وإن كان مما يسعه اللفظ الكريم، إلا أنه يبعده عنه سياق الآية، وسباقها، القاصران على غزوة تبوك (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-108>٤ - التعقب على تخصيص بعض المعاني دون بعض المراد ذكرها في الآية، ومن ذلك:</span>\nأ - عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ [سورة آل عمران: ١٥٦] عقَّب على أبي السعود قوله: \"وليس المقصود بالنهي عدم مماثلتهم في النطق بهذا القول بل في الاعتقاد بمضمونه والحكم بموجبه\" (^٤). فقال: \"بل الآية تفيد الأمرين. أعني حفظ الاعتقاد المقصود أولا وبالذات، وحفظ المنطق مما يوقع في إضلال الناس\" (^٥).\nب - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ [سورة النساء: ٢] عقَّب على قول البيضاوي: \"وقد خص من ذلك مقدار أجر المثل عند كون الولي فقيرًا (^٦). فقال: \" وعندي أنه لا\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (٦/ ٢١٠٥).\n(^٢) انظر: مفاتيح الغيب: الرازي (١٦/ ١٦٢، ١٦٣).\n(^٣) محاسن التأويل: القاسمي (٨/ ٣٢٨٦، ٣٢٨٧)، وسيأتي المزيد من الأمثلة في الدراسة التطبيقية.\n(^٤) إرشاد العقل السليم: أبي السعود (٢/ ١٠٣).\n(^٥) محاسن التأويل: القاسمي (٤/ ١٠١٤).\n(^٦) أنوار التنزيل: البيضاوي (٢/ ٥٩)، وانظر: إرشاد العقل السليم: أبي السعود (٢/ ١٤٠، ١٤١).","vol":"1","page":101},{"text":"حاجة إلى تخصيص هذا النهي بالفقير في هذه الآية لأنها في الغني\" (^١).\nت - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [سورة التوبة: ١٠٨]. عقَّب على قول الرازي: \"المراد من الطهارة: التطهر عن الذنوب والمعاصي، وهذا القول متعين\" (^٢).\nقال القاسمي: \" لا تسلم دعوى التعين، فإن اللفظ يتناول الطهارتين الباطنة والظاهرة\" (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-109>٥ - التعقب على مخالفة المُفسر للأحاديث والآثار المُبينة للمعنى، ومن ذلك:</span>\nأ - عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [سورة النساء: ٣٣] عقَّب على قول أبي مسلم الأصفهاني: \" بأن المراد من الذين عاقدت أيمانكم: الزوج والزوجة\" (^٤). فقال: \"هذا التأويل المذكور وما قبله طريقة من لا يقف مع الآثار السلفية في التفسير. ويرى مزاحمتهم في الاجتهاد في ذلك\" (^٥).\nب - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ الآية [سورة النساء: ٩٢] عقَّب على قول أبي بكر الأصم وجمهور الخوارج الذين أوجبوا الدية على\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (٥/ ١١٠٢).\n(^٢) انظر: مفاتيح الغيب: الرازي (١٦/ ١٤٨) بتصرف، وسيأتي المزيد من الأمثلة في الدراسة التطبيقية.\n(^٣) محاسن التأويل: القاسمي (٨/ ٣٢٧٠).\n(^٤) انظر: مفاتيح الغيب: الرازي (١٠/ ٦٩) بتصرف.\n(^٥) محاسن التأويل: القاسمي (٥/ ١٢١٧).","vol":"1","page":102},{"text":"القاتل لا على عاقلته (^١). فقال: \"وقد خالف أبو بكر الأصم وجمهور الخوارج، فأوجبوا الدية على القاتل لا على عاقلته، واحتجوا بوجوه خمسة عقلية ساقها الفخر الرازي، وكلها مما لا يساوي فلسا\" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-110>٦ - التعقب على التأويلات التي لا تستند على أدلة، ومن ذلك:</span>\nأ - عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [سورة يونس: ٩٨]. عقَّب على قول أَبِي الْجَلْد (^٣) الذي أورده ابن كثير في تفسيره: أن العذاب تدلى عليهم، وغشيهم، وجعل يدور على رؤوسهم، وغامت السماء غيما أسود، ونحو هذا (^٤). فقال: \" وليس في التنزيل بيان لهذا، ولا في صحيح السنة، وكأن من زعمه فهمه من لفظ ﴿كَشَفْنَا﴾، ولا صراحة فيه\" (^٥).\nب - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾ [سورة الكهف: ٩٤]. عقّب على قول الرازي: \"بأن قوله تعالى: ﴿قُلْنَا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ [سورة الكهف: ٨٦] يدل على أنه تعالى تكلم معه من غير واسطة، وذلك يدل على أنه كان نبيا وحمل هذا اللفظ على أن المراد أنه خاطبه على ألسنة بعض الأنبياء فهو عدول عن الظاهر\" (^٦). فقال: \" ولا يخفى ضعف الاستدلال بهذه الأدلة على نبوته. لأن مقام إثباتها\n_________\n(^١) انظر: مفاتيح الغيب: الرازي (١٠/ ١٧٨).\n(^٢) محاسن التأويل: القاسمي (٥/ ١٤٤٧).\n(^٣) وهو: جيلان بن فروة، ويقال: \"ابن أبي فروة\" الأسدي الجوني البصري أبو الجلد، تابعي ممن قرأ كُتُب الأوائل، وكان من العباد، وثَّقه الإمام أحمد، مات سنة: ٧٠ هـ. ينظر: التذييل على كتب الجرح والتعديل: آل بن ناجي (١/ ٦٠).\n(^٤) انظر: تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٤/ ٤٢٦)\n(^٥) محاسن التأويل: القاسمي (٩/ ٣٣٩٩).\n(^٦) مفاتيح الغيب: الرازي (٢١/ ٤٩٦).","vol":"1","page":103},{"text":"يحتاج إلى تنصيص وتخصيص. وأما تعمق الجري وراء العموميات، لاستفادة مثل ذلك، فغير مقنع\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-111>٧ - التعقب على الإشارات التي يفهمها بعض المُفسرين من الآيات، ومن ذلك:</span>\nأ - عند تفسيره لقوله تعالى ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ [سورة المائدة: ٧١] عقَّب على قول الزمخشري: بأن قوله تعالى: ﴿فَعَمُوا وَصَمُّوا﴾ إشارة إلى عبادتهم العجل (^٢). ووصفه القاسمي: بأنه بعيد (^٣).\nب - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا﴾ [سورة الكهف: ١٦] عقَّب على ابن كثير والسيوطي، بزعمهما أن الآية تفيد مشروعية العزلة واستحبابها مطلقا (^٤). فقال: \" زعم قوم أن الآية تفيد مشروعية العزلة واستحبابها مطلقا. وهو خطأ. فإنها تشير إلى التأسي بأهل الكهف في الاعتزال\" (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-112>٨ - التعقب على المعنى الذي لا تؤيده نظائر الآيات، ومن ذلك:</span>\nأ - عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [سورة البقرة: ٣٤] عقَّب على المعتزلة الذين قالوا: أن الملائكة أفضل من البشر (^٦).\nقال القاسمي: أهل السنة قالوا: إبليس من الملائكة، وصالح البشر أفضل من الملائكة، واحتجوا بسجود الملائكة لآدم. وخالفت المعتزلة في ذلك وقالت: الملائكة أفضل من البشر،\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (١١/ ٤١١٠)، وسيأتي المزيد من الأمثلة في الدراسة التطبيقية.\n(^٢) انظر: الكشاف: الزمخشري (١/ ٦٦٣)، وانظر: مفاتيح الغيب: الرازي (١٢/ ٤٠٧).\n(^٣) انظر: محاسن التأويل: القاسمي (٦/ ٢٠٩٦).\n(^٤) انظر: تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٥/ ١٤٢)، وانظر: الاكليل: السيوطي (ص: ١٧٠).\n(^٥) محاسن التأويل: القاسمي (١١/ ٤٠٣٠).\n(^٦) انظر: مفاتيح الغيب: الرازي (٢/ ٤٣٠).","vol":"1","page":104},{"text":"وسجود الملائكة لآدم كان كالقبلة، ويبطله ما حكى الله سبحانه عن إبليس ﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [سورة الإسراء: ٦٢] (^١).\nب - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [سورة الأنعام: ٣٨] أورد قول ابن عباس ﵁ فيما نقل عنه الواحدي بأن المماثلة هي: في معرفته تعالى، وتوحيده وتسبيحه (^٢). وقوله أيضًا: بأن المماثلة في أنها تحشر يوم القيامة كالناس (^٣). فقال القاسمي مُعقِّبًا: \"لا شك في صحة الوجهين بذاتهما، وصدق المثلية فيهما، ولكن الحمل عليهما يبعده عدم ملاقاته للآية الأخرى. فالأمس، تأييدا للنظائر\" (^٤).\nت - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (٥٢)﴾ [الأنعام: ٥٢] عقَّب على المهايمي (^٥)، حيث حمل الآية على أرباب الشرف والمال أيضًا، لكونهم يكرهون مجالسة المساكين (^٦).\nقال القاسمي: \"وفيه بعد، لعدم ملاقاته لآية نوح السالفة (^٧). ولا يخفى مراعاة النظائر\" (^٨).\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (٢/ ١٠٢).\n(^٢) انظر: التفسير البسيط: الواحدي (٨/ ١١٢).\n(^٣) انظر: جامع البيان: الطبري (٩/ ٢٣٤).\n(^٤) محاسن التأويل: القاسمي (٦/ ٢٢٩٩).\n(^٥) وهو: علي بن أحمد بن علي المهائمي الهندي، ابو الحسن، علاء الدين، المعروف بالمخدوم، باحث مفسر، كان يقول بوحدة الوجود، من مصنفاته: تبصير الرحمن وتيسير المنان، مات سنة: ٨٣٥ هـ. ينظر: الأعلام: الزركلي (٤/ ٢٥٧).\n(^٦) انظر: تبصير الرحمن وتيسير المنان: المهايمي (١/ ٢١٩).\n(^٧) يُريد بذلك قوله تعالى: ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (١١١) قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٢) إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (١١٣)﴾ [الشعراء: ١١١ - ١١٣].\n(^٨) انظر: محاسن التأويل: القاسمي (٦/ ٢٣٢٦)، وسيأتي المزيد من الأمثلة في الدراسة التطبيقية.","vol":"1","page":105},{"text":"<span data-type='title' id=toc-113>٩ - التعقب على المعاني التي تستند على تحكيم العقول، ومن ذلك:</span>\nعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [سورة المعارج: ٤]. عقَّب على قول أبي مسلم: إن هذا اليوم هو يوم الدنيا كلها من أول ما خلق الله إلى آخر الفناء، فبين تعالى أنه لا بد في يوم الدنيا من عروج الملائكة ونزولهم، وهذا اليوم مقدر بخمسين ألف سنة، ثم لا يلزم على هذا أن يصير وقت القيامة معلوما، لأنا لا ندري كم مضى وكم بقي القول (^١).\nقال القاسمي: وهو بعيد، وهذه الآية كآية ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [سورة السجدة: ٥]، ولا منافاة في التقدير، لأن المعني به الاستطالة، لشدته على الكفار، أو لكثرة ما فيه من الحالات والمحاسبات. والقرآن يفسر بعضه بعضا والله أعلم (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-114>١٠ - التعقب على عدول المُفسِّر عن المعنى المشهور من تفسير الآية، ومن ذلك:</span>\nعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾ [سورة الكهف: ٢٤]. عقَّب على قول ابن المُنيِّر بأن المراد: \"لا تقولن ذلك إلا أن يشاء الله أن تقول هذا القول\" (^٣).\nقال القاسمي\" دعوى الناصر في (الانتصاف) أن الغرض: النهي عن هذا القول إلا مقرونا بمشيئته تعالى- قصر للآية على أحد معانيها، وذهاب إلى ما هو المشهور في تأويلها، وعدم تمعن في مثل هذا المعنى الدقيق، بل وفي بقية المعاني الأخر التي اللفظ الكريم يحتملها (^٤).\n_________\n(^١) انظر: مفاتيح الغيب: الرازي (٣٠/ ٦٣٩).\n(^٢) محاسن التأويل: القاسمي (١٦/ ٥٩٢٥).\n(^٣) انظر: الكشاف: الزمخشري (٢/ ٧١٤) (الحاشية)\n(^٤) محاسن التأويل: القاسمي (١١/ ٤٠٤٥) بتصرف.","vol":"1","page":106},{"text":"<span data-type='title' id=toc-115>١١ - التعقب على المعنى المراد من الآية الذي يستند على القياس مع الفارق، ومن ذلك:</span>\nعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [سورة المائدة: ٧٥] عقَّب على قول الخفاجي الذي جعل السر في الآية: \"أنه تعالى بين أولا أقصى مراتب كمالهما، وأنه لا يقتضي الألوهية، وقدمه لئلا يواجههما بذكر نقائص البشرية الموجبة لبطلان ما ادعوا فيهما، على حد قوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [سورة التوبة: ٤٣]. حيث قدم العفو على المعاتبة له ﷺ \" (^١). فقال القاسمي: \"قياسه على الآية قياس مع الفارق لاختلاف المقامين\" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-116>١٢ - التعقب على عبارات يذكرها بعض الُفسرين بسبب فوات العلم بها، ومن ذلك:</span>\nعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ [سورة التين: ١] عقَّب على قول ابن جرير الطبري بأنه: \"لا يعرف جبل يسمى تينا ولا جبل يقال له زيتون\" (^٣). فقال: \"وفيه نظر، لأن من حفظ حجة على من لم يحفظ. كيف وجبل الزيتون هو من جبال فلسطين، معروف ذلك عند علماء أهل الكتاب والمؤلفين في تقويم البلاد\" (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-117>١٣ - التعقب على إيراد بعض المُفسرين لمسائل لا علاقة لها بتفسير الآية، ومن ذلك:</span>\nأ - عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ\n_________\n(^١) حاشية الشهاب: الخفاجي (٣/ ٢٧٠).\n(^٢) محاسن التأويل: القاسمي (٦/ ٢١٠٤).\n(^٣) جامع البيان: الطبري (٢٤/ ٥٠٤).\n(^٤) محاسن التأويل: القاسمي (١٧/ ٦١٩٦).","vol":"1","page":107},{"text":"الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ﴾ [سورة النساء: ٩٤] عقَّب على إيراد الرازي لمسألة: لو قال اليهودي والنصراني: أنا مؤمن، أو قال: أنا مسلم، هل يُحكم على بإسلامه؟ (^١).\nقال القاسمي: \" وأما مسألة من أراد الدخول في الإسلام وهو على عقيدة فاسدة، وأنه لا بد في صحة إسلامه من تبرئه عنها، ونبذها ظهريا، وأنه لا يكتفى بقوله: أنا مسلم- فذاك بحث آخر مسلم. لكن ليس مما تشمله الآية\" (^٢).\nب - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [سورة الرعد: ٤١]، عقَّب على إيراد بعض المفسرين ماروي عن ابن عباس ﵁ ومجاهد: أن نقصها من أطرافها هو: «ذهاب علمائها، وفقهائها، وخيار أهلها» (^٣). فقال: \" ولا يخفاك أن هذا المعنى لا يذكره السلف تفسيرا للآية على أنه المراد منها، وإنما يذكرونه تهويلا لخطب موت العلماء بسبب أنهم أركان الأرض وصلاحها وكمالها وعمرانها\" (^٤).\n* * *\n_________\n(^١) انظر: مفاتيح الغيب: الرازي (١١/ ١٩٠).\n(^٢) محاسن التأويل: القاسمي (٥/ ١٤٨١).\n(^٣) جامع البيان: الطبري (١٣/ ٥٧٨).\n(^٤) محاسن التأويل: القاسمي (٩/ ٣٦٩١)، وسيأتي المزيد من الأمثلة في الدراسة التطبيقية.","vol":"1","page":108},{"text":"<span data-type='title' id=toc-118>المبحث الثاني التعقبات في علوم القرآن.</span>\nعلوم القرآن: هي العلوم التي ترتبط بالقرآن الكريم ارتباطًا وثيقًا، كنزول القرآن، وأسباب النزول، والمكي والمدني، والناسخ والمنسوخ، وجمع القرآن، وإعجاز القرآن، وغير ذلك من العلوم.\nوكما أن القاسمي ﵀ له تعقبات على من سبقه في التفسير، كذلك له تعقبات على من سبقه في المسائل والمباحث المتعلقة بعلوم القرآن، وأبرزها ما يلي:\n\n<span data-type='title' id=toc-119>١ - التعقب على القول بوقوع النسخ في الآية، ومن ذلك:</span>\nأ - عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [سورة آل عمران: ١٠٢] أورد قول قتادة وغيره: بأن الآية: \"نسختها هذه الآية التي في التغابن ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [سورة التغابن: ١٦] (^١)، فقال: \" زعم بعضهم أن هذه الجملة من الآية منسوخة بآية: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، متأولا حق تقاته بأن يأتي العبد بكل ما يجب لله ويستحقه. قال: فهذا يعجز العبد عن الوفاء، فتحصيله ممتنع. وهذا الزعم لم يصب المحز، فإن كلا من الآيتين سيق في معنى خاص به\" (^٢).\nب - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [سورة النساء: ٨] عقَّب على قول ابن عباس ﵁، وسعيد بن المسيب والضحاك (^٣) بأن هذه الآية منسوخة بآية الميراث (^٤).\n_________\n(^١) جامع البيان: الطبري (٥/ ٦٤٢).\n(^٢) محاسن التأويل: القاسمي (٤/ ٩١٢).\n(^٣) وهو: الضحاك بن مزاحم الهلالي الخراساني أبو محمد، وقيل: أبو القاسم، له يد طولى في التفسير والقصص، وكان يُعلم ولا يأخذ أجرا، وثقه أحمد بن حنبل، وابن معين، وضعفه غيرهم، مات سنة ست ومائة. ينظر: تاريخ الإسلام: الذهبي (٣/ ٦٣).\n(^٤) انظر: جامع البيان: الطبري (٦/ ٤٣١ - ٤٣٧).","vol":"1","page":109},{"text":"فقال: \" ولقد أبعد القائل بالنسخ عن فهم سر الآية فيما ندبت إليه من هذه المكرمة الجليلة. وهي إسعاف من ذكر من المال الموروث، والنفس الأبية تنفر من أن تأخذ المال الجزل، وذو الرحم حاضر محروم، ولا يسعف ولا يساعد. فالآية بينة بنفسها، واضحة في معناها وضوح الشمس في الظهيرة، لا تنسخ أو تقوم الساعة\" (^١).\nت - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [سورة النساء: ٢١] عقَّب على قول ابن زيد (^٢) وغيره في قوله: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ﴾ [سورة النساء: ٢٠] إلى قوله: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [سورة النساء: ٢١] قال: «ثم رخص بعد» فقال: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [سورة البقرة: ٢٢٩] \" قال: «فنسخت هذه تلك» (^٣).\nقال القاسمي: \"فالقائل بالنسخ فاته سر الحكمين. وليت شعري ماذا يقول في الحديث المروي في البخاري وغيره، وهو قوله ﷺ لامرأة ثابت: «أتردين عليه حديقته ....» الحديث (^٤) \" (^٥).\nث - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [سورة الأنعام: ٦٩] عقَّب على قول السيوطي في الإكليل: \"قد يستدل بقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ …﴾ إلخ، على أن من جالس أهل المنكر، وهو غير راض بفعلهم، فلا إثم عليه. لكن آية النساء تدل على أنه آثم، ما لم يفارقهم، لأنه\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (٥/ ١١٣٢).\n(^٢) وهو: عبد الرحمن بن زيد بن أسلم العمري المدني، كان صاحب قرآن وتفسير، جمع تفسيرا في مجلد، وكتابا في الناسخ والمنسوخ، مات سنة اثنتين وثمانين ومائة. ينظر: سير أعلام النبلاء: الذهبي (٨/ ٣٤٩).\n(^٣) جامع البيان: الطبري (٦/ ٥٤٧).\n(^٤) أخرجه البخاري، كتاب الطلاق، باب الخلع وكيف الطلاق فيه، برقم: (٥٢٧٣).\n(^٥) محاسن التأويل: القاسمي (٥/ ١١٧٠).","vol":"1","page":110},{"text":"قال: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [سورة النساء: ١٤٠] أي إن قعدتم فأنتم مثلهم في الإثم، وهي متأخرة. فيحتمل أن تكون ناسخة لهذه\" (^١).\nقال القاسمي بعد إيراده لوجه الرد: \" وبالجملة فاستدلال (الإكليل) واهٍ، ولذا عبر ب (قد)، ودعوى النسخ أوهى. فتأمل! \" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-120>٢ - التعقب على الاستدلال بسبب النزول الوارد في الآية، ومن ذلك:</span>\nأ - عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ [سورة النساء: ٧٧] عقَّب على قول بعض المُفسرين بأن الآية نزلت في جماعة من الصحابة المهاجرين، مُستشهدين برواية عن ابن عباس ﵁ في سبب نزولها (^٣). فقال: \"والقول بنزولها في بعض المؤمنين لا يصح\" ثم ذكر القاسمي أوجه عدم الصحة (^٤).\nب - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [سورة التوبة: ١٩]. عقَّب على قول أبي السعود\" فالخطاب إما للمشركين على طريقة الالتفات وهو المتبادر من تخصيص ذكر الإيمان بجانب المشبه به وإما لبعض المؤمنين المؤثرين للسقاية والعمارة ونحوهما على الهجرة والجهاد ونظائرهما وهو المناسب للاكتفاء في الرد عليهم ببيان عدم مساواتهم عند الله للفريق الثاني \" (^٥). فقال: \" وتأييد أبي السعود نزولها في المسلمين بما أطال فيه، ذهول عن سياق الآية وعن سياقها، فيما صدعت فيه من شديد التهويل، وعن لاحقها في درجات التفضيل، وقصر الفوز والرحمة والرضوان\n_________\n(^١) الإكليل: السيوطي (ص: ١١٨).\n(^٢) محاسن التأويل: القاسمي (٦/ ٢٣٦٣).\n(^٣) انظر: جامع البيان: الطبري (٧/ ٢٣١)، وانظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣/ ١٠٠٥) برقم: (٥٦٢٧).\n(^٤) محاسن التأويل: القاسمي (٥/ ١٤٠٠).\n(^٥) إرشاد العقل السليم: أبي السعود (٤/ ٥٢).","vol":"1","page":111},{"text":"على المشبه به\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-121>٣ - التعقب على سوء فهم المراد من سبب النزول الوارد في الآية، ومن ذلك:</span>\nأ - عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [سورة الأعراف: ٢٠٤]. عقَّب على قول الرازي: \"قيل أن الآية نزلت في السكوت عند الخطبة، وكثير من الناس قد استبعد هذا القول، وقال اللفظ عام وكيف يجوز قصره على هذه الصورة الواحدة. وأقول هذا القول في غاية البعد لأن لفظة إذا تفيد الارتباط، ولا تفيد التكرار\" (^٢).\nقال القاسمي: \" قدمنا في مقدمة الكتاب مصطلح السلف في قولهم (نزلت هذه الآية في كذا) وبينا أنه قد يراد بذلك، أن الآية تشمل ذلك الشيء لدخوله في عمومها، لا أنه سبب لنزولها، وذلك في بعض المقامات، وما هنا منه. وبتحقيق هذا يسقط ما للرازي هنا من أنه إذا قيل بنزولها في منع المأموم من الجهر بالقراءة، يذهب تناسب الآية مع ما قبلها من إفحام المشركين، بأن يستمعوا لقراءته، ليقفوا على إعجازه. وما للخازن، بأن الآية مكية، وخطبة الجمعة والعيدين شرعتا بالمدينة- فافهمه\" (^٣).\nب - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ [سورة المائدة: ٨٥] عقَّب على الحافظ ابن كثير الذي قال بأن: \"نزول هذه الآيات في النجاشي وأصحابه فيه نظر لأن الآية مدنية\" (^٤). فقال: \" إن نظره مدفوع، فإنه حكى في هذه الآية بعد الهجرة ما وقع قبلها، ونظائره في التنزيل كثيرة، ولا إشكال فيه\" (^٥).\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (٨/ ٣٠٨٩).\n(^٢) مفاتيح الغيب: الرازي (١٥/ ٤٣٩) بتصرف.\n(^٣) محاسن التأويل: القاسمي (٧/ ٢٩٣٥).\n(^٤) تفسير القرآن العظيم: ابن كثير: (٣/ ٤٤٨) بتصرف.\n(^٥) محاسن التأويل: القاسمي (٦/ ٢١٢١).","vol":"1","page":112},{"text":"<span data-type='title' id=toc-122>٤ - التعقب على الحكم بمكية السورة من مدنيتها، ومن ذلك:</span>\nأ - عند مطلع كلامه عن سورة المائدة، عقَّب على كلام الشهاب الخفاجي بأن: \" السورة مدنية، إلا قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [سورة المائدة: ٣]، فإنها نزلت بمكة\" (^١). فقال القاسمي: \"في كلامه نظران .... إلخ\" (^٢).\nب - وعند مطلع كلامه عن سورة يس، عقَّب على من قال بأن السورة مكية واستثنى منها قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ [سورة يس: ١٢] (^٣).\nقال القاسمي: \"ولا حاجة لدعوى الاستثناء فيها وفي نظائرها\" (^٤).\n* * *\n_________\n(^١) حاشية الشهاب: الخفاجي (٣/ ٢٠٨) بتصرف.\n(^٢) محاسن التأويل: القاسمي (٦/ ١٧٨٨).\n(^٣) ذكر نحو هذا ابن عطية في المحرر الوجيز (٨/ ١٧٣).\n(^٤) محاسن التأويل: القاسمي (١٤/ ٤٩٩٠).","vol":"1","page":113},{"text":"<span data-type='title' id=toc-123>المبحث الثالث التعقبات في العلوم الأخرى المتعلقة بالتفسير</span>\nمما تميز به القاسمي ﵀ عن علماء عصره، أنه برع في علوم عديدة: في العقيدة والحديث والفقه والاستنباط واللغة والبلاغة والأخبار، وغير ذلك.\nوالقارئ في تفسيره يجد أنه أورد جميع تلك العلوم في تفسيره، مما جعله مميزًا ومملوءً بالفوائد والمسائل المتنوعة في شتى العلوم.\nومما امتاز به للقاسمي ﵀ أن كان مُتحررًا من قيود التقليد، فكانت له تعقبات على من سبقه من الأعلام والمفسرين في تفسيره في شتى العلوم المتعلقة بالتفسير، وأبرزها ما يلي:\n\n*<span data-type='title' id=toc-124> أولا: تعقباته في الأصول ومسائل الاعتقاد، ومن ذلك:</span>\nأ - عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [سورة البقرة: ١٢٤]. عقَّب على قول الزمخشري: \" في الآية دليل على أن الفاسق لا يصلح للإمامة\" (^١). واستدلال الشيعة بها على وجوب العصمة في الأئمة، ظاهرا وباطنا (^٢).\nقال القاسمي: \"إن استدلال الفرقتين على مدعاهما وقوف مع عموم اللفظ. إلا أن الآية الكريمة بمعزل عن إرادة خلافة السلطنة والملك\" (^٣).\nب - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [سورة الأنعام: ١٠٣]. عقَّب على استدلال المعتزلة بها على نفي رؤية الله تعالى\n_________\n(^١) الكشاف: الزمخشري (١/ ١٨٤).\n(^٢) انظر: مفاتيح الغيب: الرازي (٤/ ٣٦)، وانظر: مجمع البيان: الطبرسي (١/ ٢٧٩).\n(^٣) محاسن التأويل: القاسمي (٢/ ٢٤٦).","vol":"1","page":114},{"text":"﷿ يوم القيامة (^١).\nقال القاسمي: \"ومن فهم من بعض الفرق، كالمعتزلة، من هذه الآية أن المنفي هو الإدراك في النشأتين، فقد نادى على نفسه بالجهل بما دل عليه كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ المتواترة\" (^٢).\nت - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [سورة الأنعام: ١٤٩]، عقَّب على استدلال الشيعة والمعتزلة بهذه الآية أن الله لا يشاء المعاصي والكفر، وذلك بقول الزمخشري: \" فمن علق وجود القبائح من الكفر والمعاصي بمشيئة الله وإرادته فقد كذب التكذيب كله، وهو تكذيب الله وكتبه ورسله\" (^٣). وقول الطبرسي (^٤): \"إن فيها تكذيبا ظاهرا لمن أضاف مشيئة ذلك إلى الله سبحانه\" (^٥). بأن هذا التأويل من الزعم الذي يخالف ما عليه أهل السنة والجماعة (^٦).\nث - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [سورة الحجرات: ١٤]. عقَّب على من لم ير الإيمان والإسلام مترادفين، بل بينهما عموم وخصوص مطلق (^٧). فقال: \" وهذا الاستدلال في غاية الضعف. لأن ترادفهما شرعا لا يمنع من إطلاقهما بمعناهما اللغوي في بعض المواضع\" (^٨).\n_________\n(^١) يُريد بذلك قول الزمخشري: \"فالمعنى أن الأبصار لا تتعلق به ولا تدركه، لأنه متعال أن يكون مبصرا\". ينظر: الكشاف: الزمخشري (٢/ ٥٤).\n(^٢) محاسن التأويل: القاسمي (٦/ ٢٤٤٧).\n(^٣) الكشاف: الزمخشري (٢/ ٧٧).\n(^٤) وهو: الفضل بن الحسن بن الفضل الطبرسي، أمين الدين، أبو علي: مفسر محقق لغويّ. من أجلاء الإمامية. نسبته إلى طبرستان. له: مجمع البيان في تفسير القرآن، وجوامع الجامع، مات سنة ٥٤٨ هـ. ينظر: الأعلام: الزركلي (٥/ ١٤٨).\n(^٥) مجمع البيان: الطبرسي (٤/ ١٤٢).\n(^٦) انظر: محاسن التأويل: القاسمي (٦/ ٢٥٤٢).\n(^٧) انظر: الإكليل: السيوطي (ص: ٢٤٣).\n(^٨) محاسن التأويل: القاسمي (١٥/ ٥٤٧١)، وسيأتي المزيد من الأمثلة في الدراسة التطبيقية.","vol":"1","page":115},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-125> ثانيًا: تعقباته على الاستشهاد بالأحاديث الضعيفة، ومن ذلك:</span>\nأ - عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [سورة آل عمران: ١٠٥] عقَّب على إيراد بعض المفسرين، ما روي من حديث (اختلاف أمتي رحمة) (^١)، فقال: \"لا يعرف له سند صحيح\" (^٢).\nب - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾ [سورة النساء: ١٢٨] عقَّب على إيراد بعض المفسرين قصة عزم النبي ﷺ على طلاق سودة بنت زمعة (^٣). فقال: \" قول بعض المفسرين في هذه القصة: أن النبي ﷺ كان عزم على طلاق سودة- باطل وسوء فهم من القصة. إذ لم يرو عزمه ﷺ على ذلك. لا في الصحاح ولا في السنن ولا في المسانيد. غاية ما روي في السنن أن سودة خشيت الفراق لكبرها\" (^٤).\nت - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [سورة الحج: ٥٢]. أورد قول الحافظ ابن حجر: \"بأن قصة الغرانيق لها ثلاثة أسانيد منها على شرط الصحيح وهي مراسيل يحتج بمثلها من يحتج بالمرسل وكذا من لا يحتج به لاعتضاد بعضها ببعض\" (^٥). فعقَّب عليه القاسمي بقوله: \" بأن الخلاف في الاحتجاج بالمرسل وعدم الاحتجاج به، فيما هو من قبيل الأعمال وفروع الأحكام، لا في أصول العقائد ومعاقد الإيمان، فهي هفوة من ابن حجر يغفرها الله له\" (^٦).\n_________\n(^١) يُريد بذلك بعض المُفسرين الذين ذكروا الحديث ولم يُنبهوا على ضعفه، كابن عطية (٢/ ٥٤٠) والقرطبي (٤/ ١٥٩) وغيرهما.\n(^٢) محاسن التأويل: القاسمي (٤/ ٩٢٨).\n(^٣) يُريد ما أورده ابن كثير في تفسيره عن بعض المُفسرين من قصة عزم النبي ﷺ على طلاق سودة (٣/ ٢٣٣).\n(^٤) محاسن التأويل: القاسمي (٥/ ١٥٩٧).\n(^٥) فتح الباري: ابن حجر (٨/ ٤٣٩).\n(^٦) محاسن التأويل: القاسمي (١٢/ ٤٣٦٤)، وسيأتي المزيد من الأمثلة في الدراسة التطبيقية.","vol":"1","page":116},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-126> ثالثًا: تعقباته على الأقوال الضعيفة والشاذة في الأحكام، ومن ذلك:</span>\nأ - عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [سورة البقرة: ١٥٨] عقَّب على استدلال أنس ابن مالك وابن الزبير ومجاهد وعطاء بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ على أن السعي سنة، وأن من تركه لا شيء عليه (^١). بأن هذا الاستدلال: \"لا حجة فيه\" (^٢).\nب - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ [سورة البقرة: ٢٣٩] قال: \" وشذ قول الوافي وبعض الظاهرية: إن الخوف مختص بأن يكون من آدمي\" (^٣).\nت - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [سورة النساء: ١٠٣] عقَّب على قول أبي يوسف (^٤) والحسن بن زياد (^٥): \"صلاة الخوف كانت خاصة للرسول ﷺ ولا تجوز لغيره\" (^٦)، فقال: \"تعلق بظاهر قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ [سورة النساء: ١٠٣] من لم ير صلاة الخوف بعده ﷺ، زاعما أنها خاصة\n_________\n(^١) انظر: جامع البيان: الطبري (٢/ ٧٢٣) وانظر: فتح الباري: ابن حجر (٣/ ٤٩٩).\n(^٢) محاسن التأويل: القاسمي (٣/ ٣٤٧).\n(^٣) محاسن التأويل: القاسمي (٣/ ٦٣٠).\n(^٤) وهو: القاضي أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري، الإمام، المجتهد، العلامة، المحدث، قاضي القضاة، قال عنه ابن معين: \"صاحب حديث، صاحب سنة\"، مات سنة اثنتين وثمانين ومائة. ينظر: سير أعلام النبلاء: الذهبي (٨/ ٥٣٨).\n(^٥) وهو: الحسن بن زياد، أبو علي اللؤلؤي، أحد أصحاب الإمام أبو حنيفة ﵀، قال عنه أحمد الحارثي: \"ما رأيت أحسن خلقًا من الحسن بن زياد\" مات سنة أربع ومائتين. ينظر: الطبقات السنية في تراجم الحنفية: تقي الدين الداري (ص: ٢٢٥).\n(^٦) مفاتيح الغيب: الرازي (١١/ ٢٠٤).","vol":"1","page":117},{"text":"بعهده ﷺ. لاشتراطه كونه فيهم .... الخ\" (^١).\nث - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [سورة التوبة: ٢٨]، عقَّب على قول الجمهور بعدم نجاسة بدن المشرك لأن الله تعالى أحل طعام أهل الكتاب، فقال: \"الاستدلال بكونه تعالى أحل طعام أهل الكتاب غير ناهض، لأن البحث في المشركين وقاعدة التنزيل الكريم، التفرقة بينهم وبين أهل الكتاب، فلا يتناول أحدهما الآخر فيه. لأن الله تعالى أحل طعام أهل الكتاب\" (^٢).\nج - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [سورة الشورى: ٥١]. عقَّب على استدلال الإمام مالك ﵀ بقوله: ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ على أن من حلف لا يكلم زيدا، فأرسل إليه رسولا أو كتابا، أنه يحنث. لأنه تعالى استثناه من الكلام، فدل على أنه منه (^٣). فقال: \" وفيه بعد، إذ لا يقال لمن ألهمه الله، إنه كلمه إلا مجازا. فلا يكون الاستثناء متصلا\" (^٤).\n\n*<span data-type='title' id=toc-127> رابعًا: التعقب على استنباط بعض من الأعلام والمفسرين، ومن ذلك:</span>\nأ - عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سورة البقرة: ١٣٤] عقَّب على استنباط الرازي من الآية بأنها دالة على بطلان التقليد، وذلك بقوله: \" الآية دالة على بطلان التقليد\" (^٥). فقال: \"وكما هو معلوم أن اتباع الأنبياء ﵈، والإيمان بهم، لا يسمى تقليدا، لخروجه عن حده\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (٥/ ١٥١٩).\n(^٢) محاسن التأويل: القاسمي (٨/ ٣١٠٢).\n(^٣) انظر: الإكليل: السيوطي (ص: ٢٣١).\n(^٤) محاسن التأويل: القاسمي (١٤/ ٥٢٥٥)، وسيأتي المزيد من الأمثلة في الدراسة التطبيقية.\n(^٥) مفاتيح الغيب: الرازي (٤/ ٦٦).","vol":"1","page":118},{"text":"المقرر في كتب الأصول\" (^١).\nب - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [سورة النساء: ٩٢]، عقَّب على استنباط الإمام حنيفة ﵀ من الآية على أن دية المسلم والذمي سواء يهوديًا كان أو نصرانيًا أو مجوسيًا لأنه تعالى ذكر في كل منهما الكفارة والدية، فوجب أن تكون ديتهما سواء، كما أن الكفارة عنهما سواء (^٢). فقال: \" والاستدلال بالآية على تماثل ديتي المسلم والكافر المتقدم- غير ظاهر\" (^٣).\nت - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [سورة الأعراف: ٣٢]. عقَّب على استنباط سنان بن سلمة (^٤) منها: جواز لبس الحرير والخز - بمعنى حرير ممزوج بالوبر، أو الصوف- للرجال (^٥)، فقال: \"عدم شمول الآية للحرير غني عن البيان، لأن ما خصه الدليل لا يتناوله العام. والأحاديث في تحريم الحرير لا تحصى كثرة، فاستنباط حله منها مردود على زاعمه\" (^٦).\nث - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾ [سورة النساء: ١٣٧] عقَّب على بعض الزيدية الذين استنبطوا من الآية قبول توبة المُرتد مُطلقًا. فقال: \"دلالتها على ذلك في\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (٢/ ٢٦٩).\n(^٢) الإكليل: السيوطي (ص: ٩٨) بتصرف.\n(^٣) محاسن التأويل: القاسمي (٥/ ١٤٥٠).\n(^٤) وهو: سنان بن سلمة الهذلي أبو عبد الرحمن، أحد الشجعان المذكورين، قيل: إنه ولد يوم الفتح، فسماه النبي ﷺ: سنانا، وقد استعمله زياد بن عبيد على غزو الهند، مات سنة: ٩٠ هـ. ينظر: تاريخ الإسلام: الذهبي (٢/ ٩٣٨).\n(^٥) أخرج عنه ابن أبي حاتم في تفسيره (٥/ ١٤٦٧) (٨٣٩٣)، وانظر: الإكليل: السيوطي (ص: ١٢٨).\n(^٦) محاسن التأويل: القاسمي (٧/ ٢٦٧٢).","vol":"1","page":119},{"text":"صورة عدم تكرار الردة. وأما معه، فلا. كما لا يخفى\" (^١).\nج - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ [سورة المرسلات: ٢٦]. عقَّب على استنباط إلكيا الهراسي من الآية: \"وجوب مواراة الميت ودفنه ودفن شعره وسائر ما يزايله\" (^٢). وعلى استنباط ابن القاسم (^٣) منها مشروعية قطع النباش. لأنه تعالى جعل القبر للميت كالبيت للحي، فيكون حرزا (^٤).\nقال القاسمي: \"وعندي أن مثل هذا الاحتجاج من الإغراق في الاستنباط وتكلف التماس ما يؤيد المذهب المتبوع كيفما كان، مما يعد تعسفا وتعصبا. وبين فحوى الآية وهذا الاستنباط ما بين المنجد والمتهم\" (^٥).\n\n*<span data-type='title' id=toc-128> خامسًا: التعقبات المتعلقة باللغة، ومن ذلك:</span>\nأ - عند تفسيره لقوله تعالى: قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [سورة البقرة: ٢١٧] قال: \" وزعم الفرَّاء أنه معطوف على الهاء في (به) أي: كفر به وبالمسجد الحرام\" (^٦).\nب - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [سورة آل عمران: ١٢٨] عقَّب على الفرَّاء والزجاج بأن جعَلا ﴿أَوْ يَتُوبَ﴾ منصوبا بالعطف على ﴿يَكْبِتَهُمْ﴾ (^٧). فقال: \"هذا بعيد جدا\" (^٨).\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (٥/ ١٦٠٩، ١٦١٠).\n(^٢) أحكام القرآن: إلكيا الهراسي (٤/ ٤٢٨).\n(^٣) وهو: عبد الرحمن بن القاسم العتقي، عالم الديار المصرية، ومفتيها، صاحب الإمام مالك، وكان ذا مال ودنيا، فأنفقها في العلم، مات سنة إحدى وتسعين ومائة. ينظر: سير أعلام النبلاء: الذهبي (٩/ ١٢٠ - ١٢٥).\n(^٤) انظر: التمهيد: ابن عبد البر (١٣/ ١٤١).\n(^٥) محاسن التأويل: القاسمي (١٧/ ٦٠٢٥).\n(^٦) محاسن التأويل: القاسمي (٣/ ٥٤٣)، وانظر: معاني القرآن: الفراء (١/ ١٤١).\n(^٧) انظر: معاني القرآن: الفراء (١/ ٢٣٤)؛ وانظر: معاني القرآن: الزجاج (١/ ٤٨٠).\n(^٨) محاسن التأويل: القاسمي (٤/ ٩٧٠).","vol":"1","page":120},{"text":"ت - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ﴾ [سورة آل عمران: ١٥٣] ذكر قول المفضل بأن: (لا) في الآية زائدة، والمعنى لتتأسفوا على ما فاتكم وعلى ما أصابكم عقوبة لكم، كقوله: ﴿أَلَّا تَسْجُدَ﴾ [سورة الأعراف: ١٢]، و: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ﴾ [سورة الحديد: ٢٩]، أي أن تسجد وليعلم. فقال: \"وعندي أنه بعيد، لا سيما مع تكرار (لا) في المعطوف، واستقامة المعنى الجيد على اعتبارها\" (^١).\nث - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ [سورة الصافات: ١٥٨]. عقَّب على فسَّر الجن بالملائكة مُستشهدًا ببيت للأعشى (^٢) وهو يذكر سليمان ﵇:\nوسخر من جن الملائك تسعة … قياما لديه يعملون محاربا\nقال القاسمي: \"وبيت الأعشى لا يصلح حجة، لفساد مصداقه\" (^٣).\n\n*<span data-type='title' id=toc-129> سادسًا: التعقبات المتعلقة بالبلاغة، ومن ذلك:</span>\nأ - عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة البقرة: ١٣١] عقَّب على الزمخشري الذي حمل القول في قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ﴾ على المجاز بأن المعنى: \"أخطر بباله دلائل التوحيد المؤدية إلى المعرفة الداعية إلى الإسلام\" (^٤). فقال: \" وقول بعضهم: هو تمثيل، والمعنى: أخطر بباله دلائل التوحيد المؤدية\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (٤/ ١٠٠٢).\n(^٢) وهو: ميمون بن قيس بن جندل، أحد الأعلام من شعراء الجاهلية، من شعراء الطبقة الأولى في الجاهلية، وأحد أصحاب المعلقات، كان كثير الوفود على الملوك من العرب والفرس، مات في السنة السابعة من الهجرة. ينظر: كشف الظنون: حاجي خليفة (١/ ٧٧٦)، وينظر: الأعلام: الزركلي (٧/ ٣٤١).\n(^٣) محاسن التأويل: القاسمي (١٤/ ٥٠٦٧)، وسيأتي المزيد من الأمثلة في الدراسة التطبيقية.\n(^٤) الكشاف: الزمخشري (١/ ١٩١). بتصرف.","vol":"1","page":121},{"text":"إلى المعرفة الداعية إلى الإسلام- ليس بشيء\" (^١).\nب - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [سورة القصص: ٨٨] عقَّب على ما روي عن مجاهد والثوري أن المراد: إلا ما أريد به وجهه (^٢). فقال: \"فيه بعد وتكلف يذهب رونق النظم، وماء الفصاحة\" (^٣).\nت - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [سورة الروم: ٧]. قال: \"وأما قول أبي السعود: وتنكير ظاهرا للتحقير والتخسيس دون الوحدة كما توهم (^٤)، فغفلة عن مشاركتها للتعليل الذي به يطابق البدل المبدل منه. فافهم\" (^٥).\n\n*<span data-type='title' id=toc-130> سابعًا: السيَر والأخبار، ومن ذلك:</span>\nأ - عند تفسيره لقوله تعالى: قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [سورة الأنفال: ١]. عقَّب على إيراد الزمخشري ما روي أن المسلمين اختلفوا في غنائم بدر، لمن الحكم فيها أللمهاجرين أم للأنصار، أم لهم جميعا؟ (^٦). فقال: \" ولا أدري من أين سرت لهم هذه الرواية. فإن رواة الآثار لم يخرجوها في صحاحهم ولا سننهم، بل ولا أصحاب السير، كابن إسحاق وابن هشام. وهل يمكن للمسلمين أن يختلفوا للحكم على الغنائم، ويتنازعوا ولايتها، والرسول بين أظهرهم؟ ومتى عهد ذلك من سيرتهم؟ سبحانك هذا بهتان عظيم!\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (٢/ ٢٦٣).\n(^٢) تفسير ابن أبي حاتم (٩/ ٣٠٢٨) برقم: (١٧٢١٤، ١٧٢١٥).\n(^٣) محاسن التأويل: القاسمي (١٣/ ٤٧٣٤).\n(^٤) إرشاد العقل السليم: أبو السعود (٧/ ٥٠، ٥١)، وانظر: روح البيان: إسماعيل حقي (٧/ ٧).\n(^٥) محاسن التأويل: القاسمي (١٣/ ٤٧٦٧).\n(^٦) انظر: الكشاف: الزمخشري (٢/ ١٩٤).","vol":"1","page":122},{"text":"ولكن هو الرأي (قاتله الله!) (^١).\nب - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [سورة الأعراف: ٦٩]. عقَّب على ما ذكره بعض المؤرخين من طول قوم عاد، وضخامة أجسامهم، كما يورد السمرقندي في تفسيره ما روي عن الكلبي: كان طول قوم عاد أطولهم مائة وعشرين ذراعا وأقصرهم ثمانون ذراعا. وعن قتادة: كان طول كل رجل منهم اثني عشر ذراعا (^٢)، ونحو ذلك.\nقال القاسمي: \"لا يعتمد على ما يذكره بعض المؤرخين المولعين بنقل الغرائب، بدون وضعها على محك النظر والنقد، من المبالغة في طول قوم عاد، وضخامة أجسامهم، وأن أطولهم كان مائة ذراع، وأقصرهم كان ستين ذراعا، فإن ذلك لم يقم عليه دليل عقلي ولا نقلي، وهو وهم\" (^٣).\nت - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [سورة نوح: ٢٣] عقَّب على ما أورده الرازي واستشكله من انتقال الأصنام عن قوم نوح إلى العرب لأن الدنيا، إذ يقول: \" وفيه إشكال لأن الدنيا قد خربت في زمان الطوفان، فكيف بقيت تلك الأصنام، وكيف انتقلت إلى العرب، ولا يمكن أن يقال: إن نوحا ﵇ وضعها في السفينة وأمسكها لأنه ﵇ إنما جاء لنفيها وكسرها فكيف يمكن أن يقال إنه وضعها في السفينة سعيا منه في حفظها\" (^٤).\nقال القاسمي: \"وعجيب من الرازي أن لا يجد مخرجا من سؤاله، وهو على طرف الثمام (^٥).\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (٨/ ٢٩٤٨).\n(^٢) بحر العلوم: السمرقندي (١/ ٥٢٦) بتصرف.\n(^٣) محاسن التأويل: القاسمي (٧/ ٢٧٧١).\n(^٤) مفاتيح الغيب: الرازي (٣٠/ ٦٥٧).\n(^٥) محاسن التأويل: القاسمي (١٦/ ٥٩٣٨)، وسيأتي المزيد من الأمثلة في الدراسة التطبيقية.","vol":"1","page":123},{"text":"<span data-type='title' id=toc-131>الفصل الرابع: منهج القاسمي في تعقباته</span>\nعلى من سبقه وقيمتها العلمية.\nوفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: منهجه في عرض التعقبات.\nالمبحث الثاني: القيمة العلمية لتعقبات القاسمي في تفسيره.","vol":"1","page":124},{"text":"<span data-type='title' id=toc-132>المبحث الأول منهجه في عرض التعقبات</span>\nاستفاد العلامة القاسمي ﵀ ممن سبقه في تفسير كتاب الله تعالى من الأعلام والمفسرين كالطبري والزمخشري والرازي والشهاب الخفاجي وابن تيمية وتلميذه ابن القيم وابن كثير، وبعدهم السيوطي وأبي السعود، وغيرهم كثير. فاطَّلع على كُتبهم ونقل منها ما يراه مُناسبًا، واستعرض آراءهم واستبان وجهة نظرهم، فأخذ منهم ما يُناسب منهجه الذي سار عليه في تفسيره.\nوهذه التعقبات من الأساليب التي تُستخدم لبيان الحق وتوضيحه، وإصلاح الخطأ وإزالة اللبس، وكشف الباطل والتحذير منه.\nوقد كان للعلامة القاسمي ﵀ منهج متميز في تعقباته يدل على غزارة علمه، وجلالة قدره، وسعة خُلُقه حيث كان يلتزم جانب النزاهة والاحترام، فهو لا يستصغر ويُحقّر من ذات الأشخاص، وإنما يُبين الخطأ والزلل ويرده بأسلوب علمي بعيد عن عن الألفاظ الجارحة والعبارات المُستهجنة في الغالب.\nفكان من منهجه في التعقبات، أنه يُفسر الآية ثم يورد بعدها تنبيهات يُبين فيها ما وقع فيه بعض الأعلام من الخلل والزلل، ثم يُعقب عليه، وربما ذكر تعقباته في اللطائف التي يوردها في تفسيره لبعض الآي، أو في معرض بيانه للتفسير الإجمالي للآية، وهذا قليل.\nويتلخص منهجه في تعقباته على من سبقه في الأمور التالية:\n\n<span data-type='title' id=toc-133>١ - التعقب بتحديد وذكر اسم المُتعقب عليه، ومن ذلك:</span>\nأ- عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ [سورة البقرة: ١٠٢] تعقب على أبي مسلم الخرساني وابن حزم، فقال: \" وقد ساق الرازي ما ارتآه أبو مسلم في تفسير هذه الآية. ولم نشأ نقله لبعده عن الصواب. وهكذا ما ذكره الإمام ابن حزم في كتابه «الفصل» في بحث «عصمة الملائكة» ففيه تكلف","vol":"1","page":125},{"text":"وتمحل غريب، كما يعلم بمراجعتهما\" (^١).\nب- وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [سورة المائدة: ٥٤] تعقب على الزمخشري فقال: \" فتأويل مثل الزمخشري لها- أي المحبة- بإثابته تعالى لهم أحسن الثواب، وتعظيمهم والثناء عليهم والرضا عنهم، تفسير باللازم، منزع كلامي لا سلفي. وقد أنكر الزمخشري أيضا كون محبة العباد لله حقيقية، وفسرها بالطاعة وابتغاء المرضاة. فرده صاحب (الانتصاف) بأنه خلاف الظاهر\" (^٢).\nت- وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [سورة الأنعام: ٢٤] تعقب على ابن المُنيّر فقال: \" جعل الناصر في (الانتصاف) ضل بمعنى سلبوا علمه، فكأنهم نسوه وذهلوه دهشا. وهو بعيد، لعدم ملاقاته للآية الأخرى، وهي قوله تعالى: ﴿قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾ [سورة الأعراف: ٣٧] والتنزيل يفسر بعضه بعضا\" (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-134>٢ - التعقب بإبهام المُتعقب عليه، ومن ذلك:</span>\nأ - عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [سورة البقرة: ٦٧]. قال: \"ذكر أكثر المفسرين قصة البقرة وصاحبها بروايات مختلفة لم نورد شيئا منها لأنه لم يرو بسند صحيح إلى النبي ﷺ، ولا يتعلق به كبير فائدة\" (^٤). ففي هذا المثال لم يُعيِّن القاسمي ﵀ المُفسرين المُتعقب عليهم، وإنما أبهمهم.\nب - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (٢/ ٢١٣).\n(^٢) محاسن التأويل: القاسمي (٦/ ٢٠٣٧، ٢٠٣٨).\n(^٣) محاسن التأويل: القاسمي (٦/ ٢٢٧٤)، بتصرف، وسيأتي المزيد من الأمثلة في الدراسة التطبيقية.\n(^٤) محاسن التأويل: القاسمي (٢/ ١٥٨).","vol":"1","page":126},{"text":"يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [سورة البقرة: ٩٦] قال: \"وما ذكره بعض المفسرين من أن البصير في اللغة بمعنى العليم لا يخفى فساده\" (^١). وكذا في هذا المثال لم يُعيِّن القاسمي ﵀ المُفسرين المُتعقب عليهم، وإنما أبهمهم.\nت - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [سورة النساء: ٧] قال: \"وقد استدل بالآية على توريث ذوي الأرحام لأنهم من الأقربين. وهو استدلال وجيه. ولا حجة لمن حاول دفعه\" (^٢). فلم يُبين القاسمي ﵀ من الذي حاول دفعه، وعقَّب عليه، وسيأتي مزيد بيان إن شاء الله تعالى ببيان المبهمين الذين عقَّب عليهم القاسمي ﵀.\n\n<span data-type='title' id=toc-135>٣ - التعقب بذكر إحدى الطوائف المُخالفة لأهل السنة والجماعة، ومن ذلك:</span>\nأ - عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [سورة البقرة: ٤٨] تعقب على فرقة المُعتزلة، فقال: \"تمسكت المعتزلة بهذه الآية على أن الشفاعة لا تقبل للعصاة لأنه نفى أن تقضي نفس عن نفس حقا أخلت به من فعل أو ترك، ثم نفى أن يقبل منها شفاعة شفيع. فعلم أنها لا تقبل للعصاة. والجواب: أنها خاصة بالكفار .... \" (^٣).\nب - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [سورة البقرة: ١٢٤] تعقب على المعتزلة والشيعة، فقال: \" وقد استدلت المعتزلة بهذه الآية على أن الظالم ليس بأهل للإمامة. والكشاف أوسع المقال، في ذلك، هنا، وأبدع في إيراد الشواهد. كما أن الشيعة استدلت\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (٢/ ١٩٧).\n(^٢) محاسن التأويل: القاسمي (٥/ ١١٣٠)، وسيأتي المزيد من الأمثلة في الدراسة التطبيقية.\n(^٣) محاسن التأويل: القاسمي (٢/ ١٢١).","vol":"1","page":127},{"text":"بها على صحة قولهم في وجوب العصمة في الأئمة، ظاهرا وباطنا. على ما نقله الرازي عنهم وحاورهم.\nأقول: إن استدلال الفرقتين على مدعاهما وقوف مع عموم اللفظ. إلا أن الآية الكريمة بمعزل عن إرادة خلافة السلطنة والملك\" (^١).\nت - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾ [سورة النساء: ١٣٧]. قال: قال بعض الزيدية في تفسيره: دلت الآية على أن توبة المرتد تقبل. لأنه تعالى أثبت إيمانا بعد كفر، تقدمه إيمان (^٢) وأقول: دلالتها على ذلك في صورة عدم تكرار الردة. وأما معه، فلا. كما لا يخفى (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-136>٤ - التعقب مع ذكر تعليل التعقب، ومن ذلك:</span>\nأ - عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾ [سورة البقرة: ١٧٧] قال: \"وقد أبعد من حمل الزكاة- هنا- على زكاة النفس وتخليصها من الأخلاق الدنيئة الرذيلة، كقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [سورة الشمس: ٩] وقوله: ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى﴾ [سورة النازعات: ١٨]، ووجه البعد: أن الزكاة المقرونة بالصلاة في التنزيل لا يراد بها إلا زكاة المال، وأما مع الانفراد فعلى حسب المقام\" (^٤).\nب - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [سورة آل عمران: ١٠٢] قال: \" زعم بعضهم أن هذه الجملة من الآية\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (٢/ ٢٤٦).\n(^٢) تفسير الثمرات اليانعة: الفقيه يوسف (٢/ ٥١٤).\n(^٣) محاسن التأويل: القاسمي (٥/ ١٦٠٩، ١٦١٠)، وسيأتي المزيد من الأمثلة في الدراسة التطبيقية.\n(^٤) محاسن التأويل: القاسمي (٣/ ٣٩٢).","vol":"1","page":128},{"text":"منسوخة بآية: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [سورة التغابن: ١٦]، متأولا حق تقاته بأن يأتي العبد بكل ما يجب لله ويستحقه. قال: فهذا يعجز العبد عن الوفاء، فتحصيله ممتنع. وهذا الزعم لم يصب المحز، فإن كلا من الآيتين سيق في معنى خاص به، فلا يتصور أن يكون في هذه الجملة طلب ما لا يستطاع من التقوى، بل المراد منها دوام الإنابة له تعالى وخشيته وعرفان جلاله وعظمته قلبا وقالبا، كما بينا. وهذا من المستطاع لكل منيب\" (^١).\nت - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [سورة النساء: ٨] قال: \" ذكر هاهنا كثير من المفسرين آثارا عن بعض السلف بأن هذه الآية منسوخة بآية. الميراث. وهي من الضعف بمكان. ولقد أبعد القائل بالنسخ عن فهم سر الآية فيما ندبت إليه من هذه المكرمة الجليلة. وهي إسعاف من ذكر من المال الموروث، والنفس الأبية تنفر من أن تأخذ المال الجزل، وذو الرحم حاضر محروم، ولا يسعف ولا يساعد. فالآية بينة بنفسها، واضحة في معناها وضوح الشمس في الظهيرة، لا تنسخ أو تقوم الساعة\" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-137>٥ - التعقب مع عدم ذكر تعليل التعقب، ومن ذلك:</span>\nأ - عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [سورة البقرة: ٢١٧]، قال: \" ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ عطف على سبيل الله أي: وصد عن سبيل الله وعن المسجد الحرام. وزعم الفراء أنه معطوف على الهاء في ﴿بِهِ﴾ أي: كفر به وبالمسجد الحرام\" (^٣). فالقاسمي ﵀ تعقب على الفراء ولم يُعلل تعَقُبه.\nب - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (٤/ ٩١٢).\n(^٢) محاسن التأويل: القاسمي (٥/ ١١٣٢)، وسيأتي المزيد من الأمثلة في الدراسة التطبيقية.\n(^٣) محاسن التأويل: القاسمي (٣/ ٥٤٣).","vol":"1","page":129},{"text":"أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [سورة المائدة: ٣٣] قال: \"زعم بعضهم أن الآية نزلت نسخا لعقوبة العرنيين المتقدمة\" (^١). ولم يُبين القاسمي ﵀ العلة من هذا التعقب، وإنما وصف قولهم بنسخ الآية بأنه من زعمهم.\nت - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾ [سورة العاديات: ٢]. تعقب على قول من قال بأن المراد بالموريات: الحرب، فقال: \"وكون المراد به الحرب بعيد\" (^٢). ولم يُبين العلة من هذا البعد.\n\n<span data-type='title' id=toc-138>٦ - الالتزام الحرفي بلفظ المُتَعَقب عليه، ثم تعَقُبه، ومن ذلك:</span>\nأ - عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ [سورة آل عمران: ١٥٦] أورد قول أبي السعود بنصه: \"وليس المقصود بالنهي عدم مماثلتهم في النطق بهذا القول بل في الاعتقاد بمضمونه والحكم بموجبه\" (^٣). فقال: \"بل الآية تفيد الأمرين. أعني حفظ الاعتقاد المقصود أولا وبالذات، وحفظ المنطق مما يوقع في إضلال الناس\" (^٤). فالقاسمي ﵀ التزم بنقل النص الحرفي من كلام أبي السعود ثم عقَّب عليه.\nب - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ [سورة النساء: ٢] قال: \" خص من ذلك مقدار أجر الملل عند كون الولي فقيرا لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [سورة النساء: ٦] كذا قاله البيضاوي وتابعه أبو السعود (^٥). وعندي أنه لا حاجة إلى تخصيص هذا\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (٦/ ١٥٩٦).\n(^٢) محاسن التأويل: القاسمي (١٧/ ٦٢٣٧)، وسيأتي المزيد من الأمثلة في الدراسة التطبيقية.\n(^٣) إرشاد العقل السليم: أبي السعود (٢/ ١٠٣).\n(^٤) محاسن التأويل: القاسمي (٤/ ١٠١٤).\n(^٥) إرشاد العقل السليم: أبي السعود (٢/ ١٤٠، ١٤١).","vol":"1","page":130},{"text":"النهي بالفقير في هذه الآية لأنها في الغني، لقوله: ﴿إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾. فلا يشمل مساقها الفقير\" (^١). وعند الرجوع إلى تفسير أبي السعود نجد العبارة منقولة بنصها.\nت - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة الأنعام: ٤٥] نقل عبارة ابن المُنيّر بنصها: \"ونظيرها قوله تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (٥٨) قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [سورة النمل: ٥٩] فيمن وقف هاهنا، وجعل الحمد على إهلاك المتقدم ذكرهم من الطاغين، ومنهم من وقف على المنذرين وجعل الحمد متصلا بما بعده من إقامة البراهين على وحدانية الله تعالى، وأنه ﷻ خير مما يشركون. فعلى الأول يكون الحمد ختما، وعلى الثاني فاتحة، وهو مستعمل فيهما شرعا، ولكنه في آية النمل أظهر في كونه مفتتحا لما بعده، وفي آية الأنعام ختم لما تقدمه حتما، إذ لا يقتضي السياق غير ذلك\" (^٢). ثم عقَّب عليه القاسمي ﵀ فقال: \"إذا جرينا على ما هو الأسد في الآي من توافق النظائر، اقتضى حمل آية النمل على ما هنا، وادعاء الأظهرية فيها ممنوع. فإن التنزيل يفسر بعضه بعضا. فتأمل\" (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-139>٧ - التصرف في كلام المُتعقب عليه، تعديلًا أو إبدالًا أو اختصارًا، ثم تعَقُبه، ومن ذلك:</span>\nأ - عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [سورة النساء: ٤٣] قال: \"في قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ رد على من أباح جلوس الجنب مطلقا إذا توضأ. لأن الله تعالى جعل غاية التحريم الغسل. فلا يقوم مقامه الوضوء. كذا في (الإكليل) (^٤).\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (٥/ ١١٠٢).\n(^٢) الكشاف: للزمخشري. مذيل بحاشية الانتصاف فيما تضمنه الكشاف: لابن المنير (٢/ ٢٤).\n(^٣) محاسن التأويل: القاسمي (٦/ ٢٣١٥)، وسيأتي المزيد من الأمثلة في الدراسة التطبيقية.\n(^٤) انظر: الإكليل: السيوطي (ص: ٩٣).","vol":"1","page":131},{"text":"قال القاسمي: إنما يكون هذا حجة لو كانت الآية نصًا في تأويل واحد، وحيث تطرَّق الاحتمال لها على ما رأيت فلا (^١). وعند الرجوع إلى الإكليل للسيوطي نجد أن ما نقله القاسمي ﵀ فيه تصرف يسير ليس فيه إخلال بالنقل.\nب - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [سورة النساء: ٦٥] قال: \"وقع في التفسير المنسوب لابن عباس، هاهنا، ذكر حاطب بن أبي بلتعة وتلقيبه بالمنافق وإدراجه تحت قوله تعالى رأيت المنافقين. وفي صحة هذا عن ابن عباس نظر. وكيف؟ وقد كان ﵁ من البدريين. وقد انتفى النفاق عمن شهدها\" (^٢). فما أورده القاسمي ﵀ من تنوير المقباس ليس بنصه، إنما بمعناه، فعند الرجوع إلى تنوير المقباس نجد نص العبارة: \" ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ [سورة النساء: ٦١] لحاطب بن أبي بلتعة المنافق الذي كان له خصومة مع الزبير بن العوام\" (^٣).\nت - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [سورة المائدة: ٦٤] قال: \" ما زعمه الزمخشري ومن تابعه من أن إثبات اليد لا يصح حقيقة له تعالى فإنه نزعة كلامية اعتزالية\" (^٤). وعند الرجوع إلى تفسير الزمخشري نجد بأن العبارة فيها تصرف واختصار، فعبارة الزمخشري: \"غل اليد وبسطها مجاز عن البخل والجود، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ [سورة الإسراء: ٢٩] ولا يقصد من يتكلم به إثبات يد ولا غل ولا بسط\" (^٥).\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (٥/ ١٢٥٠).\n(^٢) محاسن التأويل: القاسمي (٥/ ١٣٦٥).\n(^٣) تنوير المقباس: الفيروز آبادي (ص: ٧٣).\n(^٤) محاسن التأويل: القاسمي (٦/ ٢٠٥٧).\n(^٥) الكشاف: الزمخشري (١/ ٦٥٤).","vol":"1","page":132},{"text":"<span data-type='title' id=toc-140>٨ - مراعاة الأدب ومعرفة قدر المُتعقب عليه، ومن ذلك:</span>\nأ - عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [سورة البقرة: ٢٣٦] قال: \" أخذ بعض المفسرين يحاول البحث بأن عنوان نفي الجناح- عما ذكر هنا- يفيد ثبوته فيما عداه، مع أنه لا جناح أيضا فيه. وتكلف للجواب- سامحه الله- ولا يخفاك أن مثل هذا العنوان كثيرا ما يراد به في التنزيل الترخيص والتسهيل\" (^١). فالشاهد هو قول القاسمي: \" وتكلف للجواب سامحه الله\" الذي يدل على مراعاة الأدب ومعرفة قدر المُتعقب عليه.\nب - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [سورة الأعراف: ٢٠٦]. أورد قول الرازي: \"المشبهة تمسكوا بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ ..﴾ وقالوا: لفظ (عند) مشعر بالجهة\" (^٢). ثم أجاب بما هو معروف للخلف. ويعني، سامحه الله، بالمشبهة الحنابلة، وهم براء من التشبيه، كما يعلمه من طالع عقائدهم (^٣). فالشهاد هو قول القاسمي: \"ويعني سامحه الله\" الذي يدل سلامة قلبه من النيل من خصومه، ودعائه لهم بالرحمة والمغفرة، لعل الله تعالى أن يغفر لهم.\nت - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [سورة الحج: ٥٢]. قال: \" وأما ما ذكره ابن حجر من أن القصة [يعني قصة الغرانيق] رويت مرسلة من طرق على شرط الصحيح، وأنه يحتج بها من يرى الاحتجاج بالمرسل (^٤). فقد ذهب عليه كما قال في الإبريز أن العصمة من العقائد التي يطلب فيها اليقين. فالحديث الذي يريد خرمها ونقضها، لا يقبل على أي وجه جاء. وقد عد\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (٣/ ٦١٩).\n(^٢) مفاتيح الغيب: الرازي (١٥/ ٤٤٥).\n(^٣) محاسن التأويل: القاسمي (٧/ ٢٩٣٨).\n(^٤) انظر: فتح الباري: ابن حجر (٨/ ٤٣٩).","vol":"1","page":133},{"text":"الأصوليون الخبر الذي يكون على تلك الصفة، من الأخبار التي يجب القطع بكذبها. هذا لو فرض اتصال الحديث، فما ظنك بالمراسيل؟ وإنما الخلاف في الاحتجاج بالمرسل وعدم الاحتجاج به، فيما هو من قبيل الأعمال وفروع الأحكام، لا في أصول العقائد ومعاقد الإيمان بالمرسل وما جاءوا به. فهي هفوة من ابن حجر يغفرها الله له\" (^١). فالشاهد هو اعتذار القاسمي ﵀ للحافظ ابن حجر ودعاؤه له بالمغفرة.\n\n<span data-type='title' id=toc-141>٩ - التشنيع في الوصف على المُتعقب عليه، ومن ذلك:</span>\nأ - عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [سورة النساء: ٣٣] أورد قول أبي مسلم الأصفهاني: \" بأن المراد من الذين عاقدت أيمانكم: الزوج والزوجة\" (^٢). فقال: \"هذا التأويل المذكور وما قبله طريقة من لا يقف مع الآثار السلفية في التفسير. ويرى مزاحمتهم في الاجتهاد في ذلك ذهابا إلى أن ما لم يتواتر في معنى الآية، من خبر أو إجماع، فلا حجة في المروي منه آحادا، مرفوعا أو موقوفا، وإن صح. وهذه الطريقة سبيل طائفة قصرت في علم السمع وأقلت البحث عنه. فنشأ من ذلك النقص من الدين والزيادة فيه بالرأي المحض. \" (^٣).\nب - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [سورة الأنعام: ١٠٣]. قال: \"كون المنفي من الإدراك في هذه الآية هو الإدراك الدنيوي خاصة، لا يحتاج إلى حجة ولا برهان. ومن فهم من بعض الفرق، كالمعتزلة، من هذه الآية أن المنفي هو الإدراك في النشأتين، فقد نادى على نفسه بالجهل بما دل عليه كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ المتواترة\" (^٤). فالشاهد هو الوصف بالجهل بما دل عليه الكتاب والسنة.\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (١٢/ ٤٣٦٤).\n(^٢) انظر: مفاتيح الغيب: الرازي (١٠/ ٦٩) بتصرف.\n(^٣) محاسن التأويل: القاسمي (٥/ ١٢١٧).\n(^٤) محاسن التأويل: القاسمي (٦/ ٢٤٤٧).","vol":"1","page":134},{"text":"ت - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [سورة الأنفال: ١]. أورد ما وقع عند الزمخشري أن المسلمين اختلفوا في غنائم بدر، لمن الحكم فيها اللمهاجرين أم للأنصار، أم لهم جميعا؟. فأجيبوا بأن الحاكم فيها الرسول، وليس لأحد فيها حكم (^١). وتأثر الزمخشري أبو السعود في سوقه لما ذكر، وزاد عليه اعتماده له، بتطويل ممل (^٢).\nقال القاسمي: \"ولا أدري من أين سرت لهم هذه الرواية. فإن رواة الآثار لم يخرجوها في صحاحهم ولا سننهم، بل ولا أصحاب السير، كابن إسحاق وابن هشام. وهل يمكن للمسلمين أن يختلفوا للحكم على الغنائم، ويتنازعوا ولايتها، والرسول بين أظهرهم؟ ومتى عهد ذلك من سيرتهم؟ سبحانك هذا بهتان عظيم! ولكن هو الرأي (قاتله الله!) ونبذ كتب السنة، والتقليد البحث، الذي لا يهتم صاحبه بحقائق الأشياء، ولا يريد معرفتها ولا فحصها بالعقل يضع قدمه على القدم، حيث يكون مطواعا لآراء غيره، منقادا لها مصدقا ما ينطق به فمه، غثا كان أو سمينا. اللهم نور بصيرتنا بفضلك\" (^٣).\nوهذا من أعظم الوصف في التشنيع، فالغيرة على اتباع الكتاب والسنة ونبذ التقليد تجعل القاسمي ﵀ يلقي مثل هذه الأوصاف على أهل البدع خاصة، وله في سلفه الصالح وموقفهم من المبتدعة أسوة حسنة.\n* * *\n_________\n(^١) انظر: الكشاف: الزمخشري (٢/ ١٩٤).\n(^٢) انظر: إرشاد العقل السليم: أبي السعود (٤/ ٢).\n(^٣) محاسن التأويل: القاسمي (٨/ ٢٩٤٨).","vol":"1","page":135},{"text":"<span data-type='title' id=toc-142>المبحث الثاني القيمة العلمية لتعقبات القاسمي في تفسيره.</span>\nتُعتبر التعقبات سِمة من سمات أهل العلم من السلف الصالح ومن سار على طريقتهم، إذ يُبتغى من ورائها إصابة الحق، والتمييز بينه وبين الباطل، وسد الخلل والثغر الذي لا يسلم من إنسان مهما بلغ في العلم، وإن كان أوحد عصره، \"فليس من ناقل خبر وحامل أثر من السلف الماضين الى زماننا وان كان من أحفظ الناس وأشدهم توقيا واتقانا لما يحفظ وينقل الا الغلط والسهو ممكن في حفظه ونقله\" (^١).\nيقول الإمام المُزني (^٢) ﵀ \"لو عورض كتاب سبعين مرة لوجد فيه خطأ، أبى الله أن يكون كتاب صحيحا غير كتابه\" (^٣).\nولا لوم على العلماء إن وقع منهم الخطأ والزلل، بل نحسب أن يكون في اجتهادهم الذي أخطأوا فيه أنهم مأجورون، لحديث عمرو بن العاص، أنه سمع النبي ﷺ يقول: \"إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر\" (^٤). وذلك لأن \"الكلام الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه هو: كلام الله الحكيم، وكلام من شهد بعصمته القرآن الكريم. وكلّ كلام بعد ذلك فله خطأ وصواب، وقشر ولباب\" (^٥).\n_________\n(^١) التمييز: مسلم بن الحجاج (ص: ١٧٠).\n(^٢) وهو: أبو إبراهيم، إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل بن عمرو المزني المصري، الإمام، العلامة، فقيه الملة، علم الزهاد، تلميذ الشافعي، كان رأسا في الفقه، صنف كتبا كثيرة، مات سنة أربع وستين ومائتين. ينظر: سير أعلام النبلاء: الذهبي (١٢/ ٤٩٢ - ٤٩٥).\n(^٣) موضح أوهام الجمع والتفريق: الخطيب البغدادي (١/ ١٤).\n(^٤) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب أجر الحاكم إذا اجتهد، برقم: (٧٣٥٢)، ومسلم في صحيحه، كتاب الأقضية، باب بيان أجر الحاكم إذا اجتهد، برقم: ٣٢٤٠.\n(^٥) الروض الباسم: ابن الوزير (١/ ١٧).","vol":"1","page":136},{"text":"ولذلك كان تعقب العلماء بعضهم على البعض الآخر سنة ماضية منذ عهد أصحاب رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا، وها هي أم المؤمنين عائشة ﵂، تستدرك على بعض أصحاب رسول الله ﷺ في مواطن متعددة، جمعها الزركشي (^١) في كتابه القيِّم: (الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة) (^٢)، وتلاه السيوطي في كتابه القيِّم كذلك: (عين الإصابة في استدراك عائشة على الصحابة) (^٣).\nوالناظر في تعقبات القاسمي ﵀ على من سبقه، يجد فيها قيمة علمية جلية، تُعَبر عن رفعة قدره وغزارة علمه في شتى الفنون من العلوم الشرعية واللغوية، وهذه القيمة العلمية تبرز فيما يلي:\nأولا: أن في تعقب القاسمي على من سبقه، بيان للخطأ والزلل الذي وقع فيه ذلك العَلَم المُتَعقب عليه، وهذا من أمانة الدين وأمانة العلم، التي هي أولى وأعظم من أمانة المال.\nومما يُبين أهمية حفظ العلم وأمانته ما روي عن بعض السلف من آثار تدل على حفظ أمانة الدين والعلم، منها على سبيل التمثيل: ما روي عن أبي سعيد (^٤) أنه قال: كان أبو بكر (^٥) ضعيفًا في التصريف والنحو خاصة، وفي كتاب (الجمهرة) خلل كثير، قلنا له: فلو فصلت بالبيان عن هذا الخلل وفتحت لنا بابًا من العلم فقال: نحن إلى ستر زلات العلماء أحوج منا إلى كشفها، وانتهى الكلام.\n_________\n(^١) وهو: محمد بن بهادر بن عبد الله الزركشي، بدر الدين، فقيه شافعي، أصولي، مفسر، أديب، تركي الأصل، سمع بحلب وبدمشق، ودرس وأفتى، من مصنفاته: البرهان في علوم القرآن، مات سنة ٧٩٤ هـ. ينظر: معجم المفسرين: عادل نويهض (٢/ ٥٠٥).\n(^٢) طبع الكتاب بتحقيق وتخريج: د رفعت فوزي عبد المطلب، مكتبة الخانجي (القاهرة)، ١٤٢١ هـ.\n(^٣) طبع الكتاب بتحقيق عبد الله محمد الدرويش، مكتبة العلم (القاهرة)، ١٤٠٩ هـ.\n(^٤) وهو: يوسف ابن الشيخ أبي سعيد الحسن بن عبد الله السيرافي النحوي، أبو محمد، كان إخباريا، لغويا، علامة، عارفا بالعربية معرفة جيدة، تصدر في مجلس أبيه بعد موته، مات سنة ٣٨٥ هـ. ينظر: تاريخ الإسلام: الذهبي (٨/ ٥٨٧).\n(^٥) وهو: أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد، كان رأسا في الأدب، وكان شاعرا مجيدا نحويا مطلعا يضرب بحفظه المثل وكان يقال: هو أشعر العلماء وأعلم الشعراء، مات سنة إحدى وعشرين وثلاث مئة. ينظر: لسان الميزان: ابن حجر (٧/ ٧٩).","vol":"1","page":137},{"text":"فلما نهضنا من مجلسه قال بعض أصحابنا: قد كان ينبغي لنا أن نقول له: (حراسة العلم أولى من حراسة العالم)، وفي السكوت عن أبي بكر إجلال ولكن خيانة للعلم (^١).\nوكذا يُقال لكل من تعمد السكوت عن الخطأ والباطل من غير سبب سائغ، أو من غير مصلحة راجحة، أن ذلك من خيانة العلم، فتعقب القاسمي ﵀ على من سبقه هو امتثال لمنهج العلماء السابقين وما كانوا عليه من حفظ العلم وأمانته، والله أعلم.\nثانيًا: في تعقب القاسمي ﵀ على من سبقه تمييز بين ضعيف الأقوال ومردودها وما لا يُعتد به من صحيحها، وبيان الحق مما هو مطلوب به في الشريعة الإسلامية، وقد بين أهل العلم قديمًا في كُتبهم ومصنفاتهم أهمية بيان الحق من الباطل والتمييز بين الأقوال الصحيحة من المردودة.\nيقول الحافظ الخطيب البغدادي (^٢) ﵀ في مقدمة (الموضح): \"ولما جعل الله تعالى في الخلق أعلاما ونصب لكل قوم إماما لزم المهتدين بمبين أنوارهم والقائمين بالحق في اقتفاء آثارهم ممن رزق البحث والفهم وإنعام النظر في العلم بيان ما أهملوا وتسديد ما أغفلوا إذ لم يكونوا معصومين من الزلل ولا آمنين من مقارفة الخطأ والخطل وذلك حق العالم على المتعلم وواجب على التالي للمتقدم\" (^٣).\nويقول العلامة ابن الوزير اليماني (^٤): \"ولو أنّ العلماء ﵃ تركوا الذّبّ عن الحقّ خوفًا من كلام الخلق: لكانوا قد أضاعوا كثيرًا، وخافوا حقيرًا\" (^٥). وقد تقدمت الأمثلة على الأقوال الضعيفة والمردودة التي عقَّب عليها القاسمي ﵀.\n_________\n(^١) البصائر والذخائر: أبو حيان التوحيدي (٩/ ٢٠).\n(^٢) وهو: الإمام الأوحد، العلامة المفتي، الحافظ الناقد، محدث الوقت، أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد البغدادي، صاحب التصانيف، وخاتمة الحفاظ، مات سنة ثلاث وستين. ينظر: سير أعلام النبلاء: الذهبي (١٨/ ٢٧٠ - ٢٨٦).\n(^٣) موضح أوهام الجمع والتفريق: الخطيب البغدادي (١/ ١٣).\n(^٤) وهو: محمد بن إبراهيم بن علي بن المرتضى القاسمي، أبو عبد الله، عز الدين، من آل الوزير: مجتهد باحث، من أعيان اليمن، تعلم بصنعاء وصعدة ومكة. وأقبل في أواخر أيامه على العبادة. مات سنة ٨٤٠ هـ. ينظر: الأعلام: الزركلي (٥/ ٣٠٠).\n(^٥) الروض الباسم: ابن الوزير (١/ ١٧).","vol":"1","page":138},{"text":"ثالثًا: في تعقب القاسمي ﵀ على من سبقه حل في بعض المسائل المشكلة، أو بيان غفلة من أحد الأعلام، أو إيضاح وهم وقع فيه، وهذا مطلب شرعي لإزالة الشك والوهم واللبس الذي يقع عند القارئ، وهذا من احقاق الحق، وقد تقدمت الأمثلة على تعقب القاسمي ﵀ على وقوع الغفلة أو الوهم أو بما معناه عند الأعلام.\nرابعًا: تعقب القاسمي ﵀ على أهل البدع من الرافضة والمعتزلة وغيرهم من علامات الأمانة التي يحملها، إذ إن السكوت عن أقوال المبتدعة غش للأمة، وخيانة لها، لأن البدع من موجبات غضب الله وسخطه، لقوله ﷺ: \"وكل ضلالة في النار\" (^١). والسكوت عنها يؤدي إلى انتشارها واعتقادها وتعلّق الناس بها وتوقير أهلها، والناس أسرع ما يكونون إلى الباطل، والله المُستعان.\nوقد كثرت الآثار عن بعض السلف في التحذير من البدع وأهلها، من ذلك:\nما روي عن إبراهيم بن ميسرة (^٢) أنه قال: «ومن وقر صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام» (^٣).\nويقول الإمام مالك ﵀: \" ومن أحدث في هذه الأمة شيئا لم يكن عليه سلفها فقد زعم أن رسول الله ﷺ خان الدين، لأن الله تعالى يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [سورة المائدة: ٣] فما لم يكن يومئذ دينا، لا يكون اليوم دينا\" (^٤).\nخامسًا: تعقب القاسمي ﵀ على من سبقه من أهل البدع الذين يُفسرون الآيات بالوجه الذي يوافق بدعهم وأهوائهم، هو من رحمة الله تعالى بهم أن سخر لهم من\n_________\n(^١) أخرجه النسائي في سننه، كتاب العيدين، باب الخطبة في العيدين بعد الصلاة، كيف الخطبة، برقم: (١٥٧٨) قال الألباني: صحيح. (ص: ٢٦٠).\n(^٢) وهو: إبراهيم بن ميسرة الطائفي، الفقيه، نزيل مكة، وكان يُحدث كما سمع، وكان فقيها، وثَّقه أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، مات سنة اثنتين وثلاثين ومائة. ينظر: سير أعلام النبلاء: الذهبي (٦/ ١٢٣، ١٢٤)،\n(^٣) أخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (١/ ١٣٩) برقم: (٢٧٣)، وأخرجه الآجري في الشريعة عن أبي إسحاق الهمذاني (٥/ ٢٥٤٤) برقم: (٢٠٤٣).\n(^٤) الاعتصام: الشاطبي (٢/ ٥٣٥).","vol":"1","page":139},{"text":"يرُد أقوالهم، إذ إن المُبتدع الداعي إلى بدعته بفعله هذا يسُنُّ سنة سيئة يحمل بها وزره ووزر من تبعه، فإذا انبرى لها من يردها فإن ذلك يُخفف اتباعها أو يقطع السبيل لاتباعها، فيُخَفَّف على المبتدع حِملَ أوزار من تبعه.\nسادسًا: في تعقب القاسمي ﵀ على من سبقه بيان لوجه الاستدلال ووجه الحجة على المُتعقب عليه، فهو يأتي بحجة وفهم صحيح للآية يُستفاد منه كيفية الاستدلال والفهم الصحيح للآيات، وقد تقدمت الأمثلة على ذلك.\nسابعًا: يتميز القاسمي ﵀ بالتحرر من الاتباع والتقليد في تعقباته، فهو يتعقب على العالم بما يراه صوابًا بما يُوافق الكتاب والسنة وما عليه السلف الصالح، وما يتفق مع الأدلة الشرعية الصحيحة، وليس نصرة لأحد من الناس أو لجماعة ينتمي لها، وهذا ظاهر في تعقباته.\nثامنًا: يتميز القاسمي ﵀ أنه يقوي تَعَقُبَه بأدلة ونقولات عمن سلفه من الأئمة والأعلام، تدرء عنه الشذوذ والتفرد بالأقوال الغريبة التي تُخالف ما عليه الأئمة، كما تقدم في الحديث عن مصادره في التعقبات.\nتاسعًا: المتأمل في تعقبات القاسمي ﵀ على من سبقه يتيقن أنها لا تصدر إلا ممن وسع علمه وكثُر اطلاعه، وهذا ملموس بشكل واضح في تنوعها في شتى الفنون العلمية، كما تقدم في ذكر أنواع التعقبات، والله أعلم.\nفكما أن لتعقبات القاسمي ﵀ قيمة علمية، إلا أنه يؤخذ عليها مأخذان في الجملة:\nأولا: في بعض الأحيان يُعقب القاسمي ﵀ على قول من سبقه دون ذكر سبب التعقب، وهذا يجعل القارئ لا يُسلِّم بكلامه، لعدم وجود الدليل على رد هذا القول (^١).\nثانيًا: في بعض الأحيان يتعقب القاسمي على من سبقه بعبارات فيها شدة وقسوة ربما لا يرتضيها القارئ، ولو جاء بعبارات ألطف لكان أفضل.\n_________\n(^١) تقدم إيراد الأمثلة على ذلك في ص: (١٢٨).","vol":"1","page":140},{"text":"ومما يُمثّل على ذلك: أنه عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [سورة الأنفال: ١]. أورد قول الزمخشري ومن تابعه من أن المسلمين اختلفوا في غنائم بدر (^١).\nفقال مُعقبًا: \"ولا أدري من أين سرت لهم هذه الرواية. فإن رواة الآثار لم يخرجوها في صحاحهم ولا سننهم، بل ولا أصحاب السير، كابن إسحاق وابن هشام. وهل يمكن للمسلمين أن يختلفوا للحكم على الغنائم، ويتنازعوا ولايتها، والرسول بين أظهرهم؟ ومتى عهد ذلك من سيرتهم؟ سبحانك هذا بهتان عظيم! ولكن هو الرأي (قاتله الله!) ونبذ كتب السنة، والتقليد البحت … إلخ\" (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) انظر: الكشاف: الزمخشري (٢/ ١٩٤)، وانظر: إرشاد العقل السليم: أبو السعود (٤/ ٢).\n(^٢) محاسن التأويل: القاسمي (٨/ ٢٩٤٨)","vol":"1","page":141},{"text":"القسم الثاني: الدراسة التطبيقية وفيها دراسة تعقبات القاسمي في تفسيره على من سبقه من أول تفسير القرآن إلى آخره حسب ترتيب سور القرآن الكريم.","vol":"1","page":142},{"text":"سورة البقرة","vol":"1","page":143},{"text":"<span data-type='title' id=toc-143>سورة البقرة </span>(^١)\n<span data-type='title' id=toc-144>١ - قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾ [سورة البقرة: ٣٤].</span>\nقال القاسمي: \" قالت المعتزلة: كان آدم كالقبلة يسجد إليه، ولم يسجدوا له. قالوا ذلك هربا من أن تكون الآية الكريمة حجة عليهم. فإن أهل السنة قالوا: إبليس من الملائكة، وصالح البشر أفضل من الملائكة، واحتجوا بسجود الملائكة لآدم. وخالفت المعتزلة في ذلك وقالت: الملائكة أفضل من البشر، وسجود الملائكة لآدم كان كالقبلة، ويبطله ما حكى الله سبحانه عن إبليس ﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [سورة الإسراء: ٦٢] (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-145> أقوال أهل العلم في العلة من سجود الملائكة لآدم:</span>\nالقول الأول: أن سجود الملائكة لآدم كان سجود تحية وتكريم وتعظيم لآدم ﵇ لا سجود عبادة.\nالقول الثاني: أن سجود الملائكة لآدم كان كالقبلة.\nأصحاب القول الأول:\nالطبري: \"وكان سجود الملائكة لآدم تكرمة لآدم وطاعة لله، لا عبادة لآدم\" (^٣).\nالبغوي (^٤): \"الأصح أن السجود كان لآدم على الحقيقة، وتضمن معنى الطاعة لله\n_________\n(^١) مما يجب التنبيه عليه: أنه بعد التتبع والاستقراء الفاحص في تفسير سورة الفاتحة، لم يظفر الباحث فيه بتعقَّب للقاسمي ﵀ على من سبقه من الأعلام والمفسرين.\n(^٢) محاسن التأويل: القاسمي: (٢/ ١٠٢).\n(^٣) جامع البيان: الطبري (١/ ٥٤٦).\n(^٤) وهو: الحسين بن مسعود الفراء البغوي، الملقب محي السنة، كان إماما جليلا ورعا زاهد فقيها محدثا مفسرا جامعا بين العلم والعمل سالكا سبيل السلف، مات سنة ست عشرة وخمسمائة. ينظر: طبقات الشافعية: السبكي (٧/ ٧٦، ٧٧).","vol":"1","page":144},{"text":"﷿ بامتثال أمره، وكان ذلك سجود تعظيم وتحية لا سجود عبادة، كسجود إخوة يوسف له في قوله ﷿: ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ [سورة يوسف: ١٠٠] (^١).\nابن تيمية: \"قصة سجود الملائكة كلهم أجمعين لآدم ولعن الممتنع عن السجود له تشريف وتكريم له. وقد قال بعض الأغبياء: إن السجود إنما كان لله وجعل آدم قبلة لهم يسجدون إليه كما يسجد إلى الكعبة\" (^٢).\nالإيجي (^٣): \"السجود حقيقي طاعة لله وتعظيمًا لآدم وهو مشروع، وقيل انحناء لا وضع جبهة أو السجود لله وآدم قبلة وقد ضعفهما بعض العلماء\" (^٤).\nأصحاب القول الثاني:\nالشعبي (^٥): \"إنما كان آدم كالقبلة، ومعنى لآدم إلى آدم\" (^٦).\nوقال بعض المفسرين: جعل آدم قبلة لهم، والسجود لله ﷿ كما جعلت الكعبة قبلة لصلاة المؤمنين، والصلاة لله ﷿ (^٧).\n\n•<span data-type='title' id=toc-146> دراسة المسألة:</span>\nبعد التتبع والنظر في أقوال أهل العلم في هذه المسألة، وما ذكره المفسرون في تفسير الآية، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن العلة من سجود\n_________\n(^١) انظر: معالم التنزيل: البغوي (١/ ٨١).\n(^٢) مجموع الفتاوى: ابن تيمية (٤/ ٣٥٨، ٣٥٩).\n(^٣) وهو: محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن محمد الحسيني الإيجي، معين الدين، مفسر، من فقهاء الشافعية، تولى الإفتاء ببلده، وسكن مكة أكثر من عشر سنين، مات سنة: ٩٠٥ هـ. ينظر: معجم المفسرين: عادل نويهض (٢/ ٥٤٩، ٥٥٠).\n(^٤) جامع البيان: الإيجي (ص: ٤٠).\n(^٥) وهو: عامر بن شراحيل الشعبي، شعب همدان، أبو عمرو، علامة أهل الكوفة في زمانة، ولد في وسط خلافة عمر، قال أبو حصين: ما رأيت أفقه من الشعبي، مات سنة أربع ومائة. ينظر: تاريخ الإسلام: الذهبي (٣/ ٧٠).\n(^٦) المحرر الوجيز: ابن عطية (١/ ٣٥٩)، وانظر: البحر المحيط في التفسير: أبو حيان (١/ ٤١٧).\n(^٧) انظر: الكشف والبيان الثعلبي (٣/ ٢٢٤)، ولنظر: الهداية: مكي بن أبي طالب (١/ ٢٣٣)، وانظر: البسيط: الواحدي (٢/ ٣٦٥)، وانظر: تفسير القرآن: السمعاني (١/ ٦٧)، وانظر: نظم الدرر البقاعي (١/ ٢٥٥).","vol":"1","page":145},{"text":"الملائكة لآدم: التحية والتكريم والتعظيم لآدم ﵇، وليس لأنه كالقبلة وذلك من أوجه:\nالأول: نظائر الآية من الآيات تدل على أن السجود سجود تحية كالسلام منهم عليه، وقد كانت الأمم السالفة تفعل ذلك كما يحيي المسلمون بعضهم بعضا بالسلام. وقال قتادة في قوله: ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ كانت تحية الناس يومئذ سجود بعضهم لبعض (^١).\nالثاني: أن القول بأن سجود الملائكة لآدم كان كالقبلة، ليس فيه تفضيل لآدم على الملائكة؛ كما أن السجود إلى الكعبة ليس فيه تفضيل للكعبة على المؤمن عند الله بل حرمة المؤمن عند الله أفضل من حرمتها.\nالثالث: أن آدم لو كان قبلة لم يمتنع إبليس من السجود أو يزعم أنه خير منه. فإن القبلة قد تكون أحجارا وليس في ذلك تفضيل لها على المصلين إليها، وقد يصلي الرجل إلى عنزة وبعير وإلى رجل ولا يتوهم أنه مفضل بذلك فمن أي شيء فر الشيطان؟.\nالرابع: أنه لو جعل آدم قبلة في سجدة واحدة لكانت القبلة وبيت المقدس أفضل منه بآلاف كثيرة إذ جعلت قبلة دائمة في جميع أنواع الصلوات؛ فهذه القصة الطويلة التي قد جعلت علما له ومن أفضل النعم عليه وجاءت إلى العالم بأن الله رفعه بها وامتن عليه ليس فيها أكثر من أنه جعله كالكعبة في بعض الأوقات مع أن بعض ما أوتيه من الإيمان والعلم والقرب من الرحمن أفضل بكثير من الكعبة؛ والكعبة إنما وضعت له ولذريته؛ أفيجعل من جسيم النعم عليه أو يشبه به في شيء نزرا قليلا جدا هذا ما لا يقوله عاقل\" (^٢).\nالخامس: أن من المفسرين من نبه على ضعف قول من قال أن سجود الملائكة لآدم كان كالقبلة، كما تقدم من كلام ابن تيمية، وقبله الرازي (^٣)، وابن كثير الذي تبع الرازي ووافقه على تضعيفه (^٤)، مما يؤكد ضعف هذا القول.\n_________\n(^١) مفاتيح الغيب: الرازي (٢/ ٤٢٧، ٤٢٨)\n(^٢) مجموع الفتاوى: ابن تيمية (٤/ ٣٥٨، ٣٥٩).\n(^٣) انظر: مفاتيح الغيب: الرازي (٢/ ٤٢٨)، وانظر: مباحث التفسير: ابن المظفر (ص: ٨٥).\n(^٤) انظر: تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (١/ ٣٤٧).","vol":"1","page":146},{"text":"تنبيهات:\nالأول: نسب القاسمي ﵀ القول بأن سجود الملائكة لآدم كان كالقبلة للمعتزلة، والحق أن هذا القول قال به من أهل السنة الشعبي، وقال به من الأشاعرة البقاعي، إلا إن كان القاسمي ﵀ يريد أن أهل السنة خالفوا المعتزلة بالجملة، فإذا ظهر قلة منهم يُوافقون المعتزلة على قولهم فلا يمنع نسبة القول إليهم على وجه التحديد.\nالثاني: ذكر القاسمي ﵀ أن أهل السنة قالوا إن إبليس من الملائكة، والحق أن من أهل السنة من قال أن إبليس من الجن، كالحسن البصري، وشهر ابن حوشب (^١)، وابن زيد، وغيرهم (^٢)، وليس المقام مقام عرض المسألة بتفصيل، وإيراد أدلة كل فريق منهم.\nالثالث: ما استدل به القاسمي ﵀ مما حكاه الله -سبحانه- عن إبليس ﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [سورة الإسراء: ٦٢] هو باعتبار أن إبليس من الملائكة، ولو استدل القاسمي بأدلة أخرى أصرح في الدلالة على تفضيل صالحي البشر على الملائكة لكان أولى، كأمره تعالى الملائكة بالسجود لآدم في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾ والفاضل لا يسجد للمفضول. وغير ذلك من الأدلة التي ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وأطال فيها في هذه المسألة (^٣).\n\n•<span data-type='title' id=toc-147> النتيجة:</span>\nيتبين من خلال ما تقدم ذكره من أقوال أهل العلم في هذه المسألة أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن العلة من سجود الملائكة لآدم هي التكريم والتعظيم؛ لما تقدم إيراده من الأوجه الدالة على ذلك، والله أعلم.\n_________\n(^١) وهو: شهر بن حوشب أبو سعيد الأشعري، الشامي، مولى الصحابية أسماء بنت يزيد الأنصارية، كان من كبار علماء التابعين، قرأ القرآن على ابن عباس، مات سنة إحدى عشرة ومائة. ينظر: سير أعلام النبلاء: الذهبي (٤/ ٣٧٢ - ٣٧٨).\n(^٢) جامع البيان: الطبري (١/ ٥٤٠ - ٥٤٢).\n(^٣) مجموع الفتاوى: ابن تيمية (٤/ ٣٥٨ - ٣٩٢).","vol":"1","page":147},{"text":"<span data-type='title' id=toc-148>٢ - قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [سورة البقرة: ٣٤].</span>\nقال القاسمي: \"اختلف الناس بأي سبب كفر إبليس -لعنه لله- فقالت الخوارج: إنما كفر بمعصية الله، وكل معصية كفر، وهذا قول باطل بالكتاب والسنة وإجماع الأمة\" (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-149> أقوال أهل العلم في كفر أهل المعاصي:</span>\nالقول الأول: أن صاحب المعصية ليس بكافر، إنما هو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته.\nالقول الثاني: أن صاحب المعصية كافر بالله ﷿.\nأصحاب القول الأول وهم: أهل السنة والجماعة:\nعبد الله بن عمر ﵁: \" وقد أبانت هذه الآية - يعني قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [سورة النساء: ٤٨]- أن كل صاحب كبيرة ففي مشيئة الله إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه عليه ما لم تكن كبيرة شركا بالله\" (^٢).\nالإمام أحمد: \"ومن مات من أهل القبلة موحدًا يصلى عليه، ويستغفر له، ولا يحجب عنه الاستغفار، ولا تترك الصلاة عليه لذنب أذنبه صغيرًا كان أو كبيرًا، وأمره إلى الله تعالى\" (^٣).\nابن كثير: \" ﴿لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ﴾ أي: لا يغفر لعبد لقيه وهو مشرك به ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ أي: من الذنوب ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ أي: من عباده\" (^٤).\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي: (١/ ١٠٤).\n(^٢) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٧/ ١٢٢).\n(^٣) أصول السنة: الإمام أحمد (ص: ٦٠)، وانظر: شرح السنة: المزني (ص: ٧٨)، وانظر: متن الطحاوية: الطحاوي (ص: ٦٦).\n(^٤) تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٣/ ١٢٩).","vol":"1","page":148},{"text":"السعدي (^١): \" أما ما دون الشرك من الذنوب والمعاصي فهو تحت المشيئة، إن شاء الله غفره برحمته وحكمته، وإن شاء عذب عليه وعاقب بعدله وحكمته\" (^٢).\nأصحاب القول الثاني: الخوارج والمعتزلة، ومن نحا نحوهم:\nالزمخشري: \" ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [سورة النساء: ٩٣]: فإن قلت: هل فيها دليل على خلود من لم يتب من أهل الكبائر؟ قلت: ما أبين الدليل وهو تناول قوله: ﴿يَقْتُلْ مُؤْمِنًا﴾ أي: قاتل كان، من مسلم أو كافر، تائب أو غير تائب، إلا أن التائب أخرجه الدليل. فمن ادعى إخراج المسلم غير التائب فليأت بدليل مثله\" (^٣).\nالقاضي عبد الجبار: \" ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾: المؤمن لا يكون مؤمنًا إلا بأن يقوم بحق العبادات وما وقعت منه كبيرة، خرج من أن يكون مؤمنًا\" (^٤).\nوكما هو معلوم أن الخوارج يقولون بكفر مرتكب الكبيرة، كما ينص على ذلك جمع من أهل العلم في معرض تقرير عقيدة أهل السنة في مرتكب الكبيرة، والرد على الخوارج (^٥).\n\n•<span data-type='title' id=toc-150> دراسة المسألة:</span>\nمن أصول أهل السنة والجماعة أنهم يحكمون على الفاسق بأنه مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، بخلاف الخوارج الذين يُكَفرون مرتكب الكبيرة.\n_________\n(^١) وهو: العلامة عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله السعدي، من علماء الحنابلة، من أهل نجد، اشتغل بالعلم منذ صغره، ففاق الأقران، له نحو ٣٠ كتابا، كانت له عناية بكتب ابن تيمية وابن القيم، مات سنة ١٣٧٦ هـ. ينظر: الأعلام: الزركلي (٣/ ٣٤٠)، وينظر: موسوعة أقوال السلف: المغراوي (٩/ ٣٢٧).\n(^٢) تيسير الكريم الرحمن: السعدي (ص: ٢٠٢).\n(^٣) الكشاف: الزمخشري (١/ ٥٥٢).\n(^٤) تنزيه القرآن عن المطاعن: القاضي عبد الجبار (ص: ١٨٢).\n(^٥) انظر: الإبانة: الأشعري (ص: ٢٦)، العرش: الذهبي (١/ ٥٠، ٥١)، العقيدة الواسطية: ابن تيمية (ص: ١١٣)، شرح العقيدة الطحاوية: ابن أبي العز (ص: ٣٠٣).","vol":"1","page":149},{"text":"والجواب عما ما ذهب إليه الخوارج من ثلاثة أوجه:\nالأول: الأدلة من الكتاب والسنة وإجماع الأمة، التي تدل على أن صاحب الكبيرة مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته:\nفمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [سورة الحجرات: ١٠].\nقال البغوي: \"وفي هاتين الآيتين دليل على أن البغي لا يزيل اسم الإيمان؛ لأن الله تعالى سماهم إخوة مؤمنين مع كونهم باغين\" (^١).\nومن السنة: حديث أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: \"أتاني جبريل ﵇ فبشرني أنه من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة، قلت: وإن زنى وإن سرق، قال: وإن زنى وإن سرق\" (^٢).\nقال الحافظ النووي ﵀: \"أما قوله ﷺ: \"وإن زنى وإن سرق\" فهو حجة لمذهب أهل السنة أن أصحاب الكبائر لا يقطع لهم بالنار، وأنهم إن دخلوها أخرجوا منها، وختم لهم بالخلود في الجنة\" (^٣).\nوأما الإجماع: فقد حكاه ابن تيمية ﵀ فقال: \"السلف والأئمة متفقون على ما تواترت به النصوص من أنه لا بد أن يدخل النار قوم من أهل القبلة، ثم يخرجون منها، وأما من جزم بأنه لا يدخل النار أحد من أهل القبلة، فهذا لا نعرفه قولا لأحد\" (^٤).\n_________\n(^١) معالم التنزيل: البغوي (٧/ ٣٤١).\n(^٢) أخرجه البخاري: كتاب بدأ الخلق، باب ذكر الملائكة، برقم: (٣٢٢٢)، وأخرجه مسلم: كتاب الإيمان، باب من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة، برقم: (١٥٣).\n(^٣) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج: النووي (٢/ ٩٧).\n(^٤) ينظر: مجموع الفتاوى: ابن تيمية (٧/ ٥٠١، ٥٠٢).","vol":"1","page":150},{"text":"الثاني: مخالفة قول الخوارج من أن إبليس إنما كفر بمعصية الله، لسياق الآية ونظائرها، فالآية في سياق كفر العناد والاستكبار.\nقال ابن عباس: \"كان يرى لنفسه أن له فضيلة على الملائكة بما عنده، فلذلك قال: أنا خير منه، ولذلك قال الله ﷿: ﴿قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾ [سورة ص: ٧٥] أي: استكبرت ولا كبر لك، ولم أتكبر أنا حين خلقته بيدي والكبر لي! فلذلك قال: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [سورة ص: ٧٤] (^١).\nفإذًا: كُفر إبليس بالرفض والإباء والاستكبار، وليس بمعصية الله فحسب، فكأنه يقول: كان الأولى أن تأمره أن يسجد لي! لأنك خلقتني من نار وأما هو فخلقته من طين، والنار أفضل من الطين\" وهذا على حد زعمه، فلا شك أنه استخفاف بأمر الله الذي سببه الكفر.\nالثالث: أقوال المُفسرين في الآية التي تُنافي ما ذهب إليه الخوارج من أن سبب كفر إبليس هو الإباء والاستكبار والعناد، وليس بمعصية الله فحسب، ومن أشهرهم:\nالطبري: \" وفي هذه الآية - يعني قوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [سورة البقرة: ٣٥]- دلالة واضحة على صحة قول من قال: إن إبليس أخرج من الجنة بعد الاستكبار عن السجود لآدم، وأسكنها آدم قبل أن يهبط إبليس إلى الأرض\" (^٢). فظاهر عبارة الطبري أن إبليس إنما كفر بسبب الاستكبار.\nالسمرقندي (^٣): \"قوله تعالى: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ﴾ أي امتنع عن السجود تكبرًا: معناه أن كبره منعه من السجود\" (^٤). فمفهوم عبارة السمرقندي أن سبب كفر إبليس\n_________\n(^١) الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (١/ ٤٤٣).\n(^٢) جامع البيان: الطبري (١/ ٥٤٧).\n(^٣) وهو: أبو الليث نصر بن محمد بن إبراهيم السمرقندي الحنفي، الإمام، الفقيه، المحدث، الزاهد، صاحب كتاب (تنبيه الغافلين)، وله كتاب (الفتاوى)، مات سنة خمس وسبعين وثلاث مائة. ينظر: سير أعلام النبلاء: الذهبي (١٦/ ٣٢٣).\n(^٤) بحر العلوم: السمرقندي (١/ ٤٣).","vol":"1","page":151},{"text":"هو الاستكبار وليس المعصية فحسب.\nالرازي: \"بين تعالى أن ذلك الإباء كان على وجه الاستكبار بقوله ﴿وَاسْتَكْبَرَ﴾ ثم كان يجوز أن يوجد الإباء والاستكبار مع عدم الكفر فبين تعالى أنه كفر بقوله: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ \" (^١).\nابن كثير: \"وقد ثبت في الصحيح «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر» (^٢) وقد كان في إبليس من الكبر والكفر والعناد ما اقتضى طرده وإبعاده عن جناب الرحمة وحضرة القدس\" (^٣).\nتنبيهان:\nالأول: روي عن الإمام أحمد - رحمه الله تعالى - في رواية الميموني (^٤) أنه قال: \"إنما أمر بالسجود فاستكبر وكان من الكافرين والاستكبار كفر، وقالت الخوارج كفر بمعصية الله -تعالى-، وكل معصية كفر وهذا قول باطل بالكتاب والسنة وإجماع الأمة\" (^٥).\nفعبارة القاسمي ﵀ تشبه عبارة الإمام أحمد ﵀، فلعله استفادها منه.\nالثاني: أخرج الطبري بسنده عن أبي العالية أنه كان يقول في تأويل قوله: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [سورة البقرة: ٣٤] يعني العاصين (^٦). وظاهر كلام أبي العالية ﵀ موافقة الخوارج في تفسيرهم، وليس كذلك.\n_________\n(^١) مفاتيح الغيب: الرازي (٢/ ٤٤٦).\n(^٢) أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب تحريم الكبر وبيانه، برقم: (١٤٧).\n(^٣) تفسير القرآن العظيم: ابن كثير: (١/ ٣٤٧).\n(^٤) وهو: الإمام، العلامة، الحافظ، الفقيه، أبو الحسن، عبد الملك بن عبد الحميد بن شيخ الجزيرة ميمون بن مهران، الميموني، تلميذ الإمام أحمد، ومن كبار الأئمة، مات سنة أربع وسبعين ومائتين. ينظر: سير أعلام النبلاء: الذهبي (١٣/ ٨٩، ٩٠).\n(^٥) كشاف القناع: البهوتي (١/ ٢٣٠). وانظر: مطالب أولي النهى: الرحيباني (١/ ٢٨٤)\n(^٦) جامع البيان: الطبري (١/ ٥٤٦).","vol":"1","page":152},{"text":"قال ابن عطية: وتلك معصية كفر لأنها عن معتقد فاسد صدرت (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-151> النتيجة:</span>\nمن خلال ما تقدم يتضح بطلان قول الخوارج في تفسير الآية من أن سبب كفر إبليس هو المعصية كما دلت عليه الأدلة المتقدمة، وتعقيب القاسمي ﵀ على تفسير الخوارج يتفق مع ما عليه أهل العلم من أئمة أهل السنة والمفسرين.\n_________\n(^١) المحرر الوجيز: ابن عطية (١/ ٣٦٢).","vol":"1","page":153},{"text":"<span data-type='title' id=toc-152>٣ - قوله تعالى: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ [سورة البقرة: ٣٦].</span>\nقال القاسمي: من الناس من قال بأن كيفية إغواء الشيطان آدم كان بالوسوسة، كما قال: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ﴾ [سورة الأعراف: ٢٠]، فإغواؤه إغراؤه بوسواسه وسلطانه الذي جعل له، كما قال ﷺ: «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم» (^١). وزعموا أن الشيطان لم يدخل الجنة إلى آدم بعد ما أخرج منها (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-153> أقوال العلماء في كيفية دخول إبليس الجنة إلى آدم:</span>\nالقول الأول: أن إبليس دخل الجنة إلى آدم بعدما أُخرج منها، واختُلف في كيفية الدخول: فمنهم من قال: إن إبليس دخل في فم الحية وأدخلته الجنة خُفية، ومنهم من قال: إنه مُنِعَ من الدخول على جهة التكرمة كما كان يدخل مع الملائكة، ولم يمنع أن يدخل للوسوسة ابتلاء لآدم وحواء، ومنهم من قال: تمثل بصورة دابة فدخل ولم تعرفه الخزنة.\nالقول الثاني: إن إبليس لم يدخل الجنة ولم يصل إلى آدم بعد ما أخرج منها، وإنما بوسواسه الذي أعطاه الله تعالى، واختُلف في كيفية الوسوسة: فمنهم من قال: إنّ إبليس وقفَ على باب الجنة وناداهما، ومنهم من قال: أن إبليس كان في الأرض وأوصل الوسوسة إليهما في الجنة.\nأصحاب القول الأول:\nقال ابن عباس وابن مسعود، وناس من أصحاب النبي ﷺ: \"لما قال الله لآدم: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب بدأ الخلق، باب صفة إبليس وجنوده، برقم: (٣٢٨١). ومسلم: كتاب السلام، باب بيان أنه يستحب لمن رئي خاليا بامرأة وكانت زوجته، برقم: (٢١٧٤).\n(^٢) محاسن التأويل: القاسمي: (١/ ١٠٤) بتصرف.","vol":"1","page":154},{"text":"الظَّالِمِينَ﴾ [سورة البقرة: ٣٥]، أراد إبليس أن يدخل عليهما الجنة فمنعته الخزنة، فأتى الحية وهي دابة لها أربع قوائم كأنها البعير، وهي كأحسن الدواب، فكلمها أن تدخله في فمها حتى تدخل به إلى آدم، فأدخلته في فمها، فمرت الحية على الخزنة فدخلت ولا يعلمون؛ لما أراد الله من الأمر، فكلمه من فمها فلم يبال بكلامه، فخرج إليه فقال: ﴿يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾ [سورة طه: ١٢٠]، يقول: هل أدلك على شجرة إن أكلت منها كنت ملكا مثل الله ﷿، أو تكونا من الخالدين فلا تموتان أبدا. وحلف لهما بالله: إني لكما لمن الناصحين، وإنما أراد بذلك ليبدي لهما ما توارى عنهما من سوآتهما بهتك لباسهما. وكان قد علم أن لهما سوأة لما كان يقرأ من كتب الملائكة، ولم يكن آدم يعلم ذلك، وكان لباسهما الظُفُر. فأبى آدم أن يأكل منها، فتقدمت حواء فأكلت ثم قالت: يا آدم كل؛ فإني قد أكلت فلم يضرني. فلما أكل آدم ﴿فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [سورة طه: ١٢١] \" (^١).\nجمهور المفسرين: \": أن إبليس منع من دخول الجنة مُكَرّمًا، فأما على وجه الردع والإهانة، فلا يمتنع\" (^٢).\nأصحاب القول الثاني:\nالحسن البصري (^٣): \" إنّ إبليس وقفَ على باب الجنة وناداهما\" (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري في تفسيره (١/ ٥٦٣)، وأخرجه في تاريخه (١/ ١٠٦) من رواية السُّدّيّ، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، ومن رواية مُرَّة الهمداني، عن ابن مسعود. وهذه الطرق صحيحة إن شاء الله تعالى. وروي نحوه عن وهب بن منبه. ينظر: تفسير عبد الرزاق (٢/ ٧٥).\n(^٢) نسب هذا القول إلى الجمهور ابن كثير في تفسيره (١/ ٣٥٩)، وذكر هذا القول: الزمخشري في تفسيره (١/ ١٢٨)، وانظر: أنوار التنزيل: البيضاوي (١/ ٧٢).\n(^٣) وهو: الحسن بن أبي الحسن البصريّ، أبو سعيد، إمام أهل البصرة وخير أهل زمانه، ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر، وسمع خطبة عثمان، وشهد يوم الدّار. مات سنة عشر ومائة. ينظر: شذرات الذهب: ابن عماد الحنبلي (٢/ ٤٨).\n(^٤) زاد المسير: ابن الجوزي (١/ ٥٦).","vol":"1","page":155},{"text":"المَازِرِيّ (^١) كما يقول الثعالبي (^٢): \"وقالت طائفة: إن إبليس لم يدخل الجنة بعد أن أخرج منها، وإنما أغوى آدم بشيطانه، وسلطانه، ووساوسه التي أعطاه الله -تعالى-، كما قال النبي ﷺ: «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم» وإلى هذا القول نحا المازري\" (^٣).\nالزمخشري: أورد في تفسيره قول من قال: \" كان يدنو من السماء فيكلمهما\" (^٤).\n\n•<span data-type='title' id=toc-154> دراسة المسألة:</span>\nبعد استعراض أقوال أهل العلم والمفسرين في مسألة كيفية دخول إبليس الجنة بعد ما أُخرج منها، يظهر أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني من أن إبليس دخل في فم الحية وأدخلته الجنة خُفية وهو ما عليه جمهور أهل العلم (^٥)، أو أنه لم يُمنع من دخول الجنة مطلقًا، إنما مُنِعَ من الدخول على جهة التكرمة كما كان يدخل مع الملائكة، وذلك من أوجه:\nالأول: أن ما روي عن ابن عباس ﵁ وابن مسعود ﵁ من أن إبليس دخل في فم الحية جاء من رواية الإسرائيليات التي لا تُخالف شرعنا، وهذه الروايات لا بأس بالأخذ بها عند من يرى أن الإسرائيليات من مصادر التفسير (^٦).\n_________\n(^١) وهو: محمد بن عليّ بن عمر، أبو عبد الله التميمي، المازري، الفقيه، المالكي المحدّث، أحد الأئمة الأعلام، مصنّف شرح صحيح مسلم، وله مصنَّفات في الأدب، وكان من أهل الحِفْظ والإتقان، مات سنة ٥٣٦ هـ. ينظر: تاريخ الإسلام: الذهبي (١١/ ٦٦١).\n(^٢) وهو: أبو زيد، عبد الرحمن بن محمد بن مخلوف الثعالبي، مفسر، من كبار علماء الجزائر وصلحائها الأبرار. له نحو تسعين كتابا، منها \"الجواهر الحسان في تفسير القرآن\"، مات سنة ٨٧٥ هـ. ينظر: معجم المفسرين: عادل نويهض (١/ ٢٧٦).\n(^٣) الجواهر الحسان: الثعالبي (١/ ٢١٩)، وانظر: المحرر الوجيز: ابن عطية: (١/ ٣٦٩) وانظر: الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (١/ ٤٦٥).\n(^٤) الكشاف: الزمخشري (١/ ١٢٨).\n(^٥) نسب هذا القول إلى جمهور أهل العلم الفيومي في فتح القريب المجيب (١٢/ ٢٢).\n(^٦) انظر: فتح الباري: ابن حجر (٦/ ٤٩٨).","vol":"1","page":156},{"text":"الثاني: أن ما روي عن ابن عباس ﵁ وابن مسعود ﵁ إسناده صحيح وهو من الأمور الغيبية، والصحابي إذا تكلم في الأمور الغيبية فله حكم الرفع، والله أعلم (^١).\nالثالث: الشواهد من الأحاديث والسنة النبوية التي تؤيد ما ذهب إليه أصحاب الفريق الأول.\nفقد روى الطبراني في معجمه عن ساكنة بنت الجعد، عن سَرَّى بنت نبهان الغنوية (^٢) قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اقتلوا - يعني الحيات- ما ظهر منها كبيرها وصغيرها، أسودها وأبيضها فإن من قتلها من أمتي كانت فداء له من النار، ومن قتلته كان شهيدا» (^٣).\nقال القرطبي: قال علماؤنا: وإنما كانت له فداء من النار لمشاركتها إبليس وإعانته على ضرر آدم وولده، فلذلك كان من قتل حية فكأنما قتل كافرا. وقد قال رسول الله ﷺ: (لا يجتمع كافر وقاتله في النار أبدا) (^٤).\nفالشاهد هو: ما ذهب إليه بعض العلماء أن العلة من قتل الحيات: مشاركتها إبليس وإعانته على ضرر آدم ﵇، رغم ضعف الحديث المتقدم، والله أعلم.\nإلا أن الرازي عقّب على هذا الاستدلال بقوله: \" واعلم أن هذا وأمثاله مما يجب أن لا يلتفت إليه لأن إبليس لو قدر على الدخول في فم الحية فلم لم يقدر على أن يجعل نفسه حية ثم يدخل الجنة، ولأنه لما فعل ذلك بالحية فلم عوقبت الحية مع أنها ليست بعاقلة ولا مكلفة\" (^٥).\n_________\n(^١) انظر: النكت على كتاب ابن الصلاح: ابن حجر (٢/ ٥٣٠).\n(^٢) وهي: سراء بنت نبهان الغنوية، روت عن النبي ﷺ في خطبة الوداع. روى عنها ربيعة بن عبد الرحمن بن حصين الغنوي، وساكنة بنت الجعد. ينظر: الاستيعاب في معرفة الأصحاب: القرطبي (٤/ ١٨٦٠).\n(^٣) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٢٤/ ٣٠٨) وفيه: أحمد بن الحارث الغساني، قال أبو حاتم كما في الجرح والتعديل (٢/ ٤٧): متروك الحديث، وفيه ساكنة بت الجعد وهي مجهولة. ينظر: تحرير تقريب التهذيب لابن حجر: بشار عواد (١/ ٣٩٦).\n(^٤) الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (١/ ٤٦٦)، والحديث أخرجه مسلم: كتاب الإمارة، باب من قتل كافرا ثم أسلم، برقم: (١٨٩١).\n(^٥) مفاتيح الغيب: الرازي (٣/ ٤٦٢).","vol":"1","page":157},{"text":"وهذا التعقيب غير مُسَلَّم، فكان بإمكان الحية أن ترفضه كما رفض من قبل سائر الحيوانات، بناءً على هذا الاستدلال، والله أعلم.\nالرابع: مما يؤيد صحة الاستدلال بهذه الرواية، أنه جاء ما يؤيدها مما روي عن ابن عباس ﵁ في قوله تعالى: ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [سورة البقرة: ٣٦] قال: آدم، وحواء، وإبليس، والحية\" (^١).\nالخامس: أن آدم وحواء ﵉ كانا يعرفانه ويعرفان ما عنده من الحسد والعداوة، فيستحيل في العادة أن يقبلا قوله وأن يلتفتا إليه، فلا بد وأن يكون المباشر للوسوسة من بعض أتباع إبليس (^٢). وهذا يقتضي دخول إبليس الجنة إليهما لإغوائهما.\nالسادس: أن منع إبليس من دخول الجنة هو على جهة التكريم وليس على جهة التحقير. ويحتمل أن دخول إبليس الجنة إلى آدم كان دخولًا عَرَضيًا لا للإقامة، فليس هناك مانع شرعي يمنع من دخول إبليس الجنة.\nقال العلامة ابن باز ﵀: \"كونه دخل ووسوس وتمكن ليس هناك مانع شرعي فيما نعلم يمنع من الدخول لها ذاك الوقت وإنما يمنع الكفار يوم القيامة لا يدخلونها، يساقون إلى النار وقد تكون هناك طريقة أيضًا استعملها للوسوسة غير الدخول بالمكاتبة بشيء آخر بكلام من بعيد\" (^٣)، فالحاصل أنها حصلت الوسوسة وحصلت التأثر بها من آدم ومن حواء.\nمناقشة استدلال الفريق الثاني:\nاستدل من قال بأن إبليس لم يدخل الجنة إلى آدم وحواء إنما أغواهما مُشافهة بقوله تعالى: ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [سورة الأعراف: ٢١]، وذلك يقتضي المشافهة،\n_________\n(^١) أخرجه ابن جرير الطبري في تاريخه (١/ ١١٢). وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (١/ ٨٩) برقم: (٣٩٤). من رواية إسماعيل السدي، والأثر إسناده صحيح وهو مرسل، ينظر: صحيح وضعيف تاريخ الطبري: تحقيق محمد صبحي حلاق (٦/ ٧٠).\n(^٢) مفاتيح الغيب: الرازي (٣/ ٤٦٢).\n(^٣) مجموع فتاوى ومقالات متنوعة: ابن باز (٣٢/ ٥٧).","vol":"1","page":158},{"text":"وكذا قوله: ﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ﴾ [سورة الأعراف: ٢٢] (^١).\nوالجواب: أن هذا لا يمنع دخول إبليس الجنة، وإغواؤهما مُشافهة. كما تقدم في رواية ابن عباس وابن مسعود ﵃.\nوقول من قال: أن إبليس كان في الأرض وأوصل الوسوسة إليهما في الجنة. بعيد لأن الوسوسة كلام خفي والكلام الخفي لا يمكن إيصاله من الأرض إلى السماء (^٢).\nتنبيهان:\nالأول: من أهل العلم من اجتهد للجمع بين القولين، كالعلامة محمد الأمين الشنقيطي (^٣) في تفسيره إذ يقول: \"والمفسرون يذكرون في ذلك قصة الحية، وأنه دخل فيها فأدخلته الجنة، والملائكة الموكّلون بها لا يشعرون بذلك، وكل ذلك من الإسرائيليات، والواقع أنه لا إشكال في ذلك؛ لإمكان أن يقف إبليس خارج الجنة قريبًا من طرفها، بحيث يسمع آدم كلامه وهو في الجنة، وإمكان أن يدخله الله إياها لامتحان آدم وزوجه، لا لكرامة إبليس، فلا محال عقلًا في شيء من ذلك، والقرآن قد جاء بأن إبليس كلّم آدم، وحلف له حتى غره وزوجه بذلك\" (^٤).\nوهذا قول حسن، إلا أن القول بدخول إبليس الجنة أرجح لما تقدم إيراده.\nالثاني: اعلم رحمك الله أن الواجب في أمور الغيب الإيمان والوقوف بحد ما ورد، فلا ينبغي التكلف بالبحث عما طوى الله علمه عنا، فنحن نؤمن بأن وسوسة إبليس لآدم وزوجه وهما في الجنة وهو قد طرد منها وقعت، كما أخبر سبحانه في محكم تنزيله: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا﴾ [سورة الأعراف: ٢٠].\n_________\n(^١) انظر: مفاتيح الغيب: الرازي (٣/ ٤٦٢).\n(^٢) مفاتيح الغيب: الرازي (٣/ ٤٦٢)، وانظر: اللباب: ابن عادل الحنبلي (١/ ٥٦٣).\n(^٣) وهو: الشيخ محمد الأمين بن محمد المختار الجكني الشنقيطي: مفسر مدرّس من علماء شنقيط. استقر مدرسا في المدينة المنورة ثم الرياض، له كتب، منها: أضواء البيان، وكتاب: منع جواز المجاز، مات سنة ١٣٩٣ هـ. ينظر: الأعلام: الزركلي (٦/ ٤٥).\n(^٤) انظر: أضواء البيان: الشنقيطي (٤/ ٦٥٨).","vol":"1","page":159},{"text":"فالاشتغال كثيرا بتفاصيل القصص التي طوى القرآن ذكرها أو قد تكون من أمور الغيب، ولم يَرِد بها أثرٌ صحيح عن النبي ﷺ ليس فيه كبير فائدة، فلا ينبغي الانشغال بالمفضول عن الفاضل، والله أعلم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-155> النتيجة:</span>\nبعد ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يظهر أن الأقرب للصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن إبليس دخل الجنة إلى آدم بعد ما أُخرج منها، سواء خُفية في فم الحية، أو أنه دخل على غير جهة التكرمة، لما تقدم إيراده من الأوجه الدالة على ذلك، والله أعلم.","vol":"1","page":160},{"text":"<span data-type='title' id=toc-156>٤ - قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [سورة البقرة: ٤٨].</span>\nقال القاسمي: تمسكت المعتزلة بهذه الآية على أن الشفاعة لا تقبل للعصاة لأنه نفى أن تقضي نفس عن نفس حقا أخلت به من فعل أو ترك، ثم نفى أن يقبل منها شفاعة شفيع. فعلم أنها لا تقبل للعصاة. والجواب: أنها خاصة بالكفار. ويؤيده أن الخطاب معهم كما قال: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [سورة المدثر: ٤٨]، وكما قال عن أهل النار ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [سورة الشعراء: ١٠١] فمعنى الآية أنه تعالى لا يقبل فيمن كفر به فدية ولا شفاعة، ولا ينقذ أحدا من عذابه منقذ ولا يخلص منه أحد (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-157> أقوال أهل العلم في قبول الشفاعة للعُصاة:</span>\nالقول الأول: أنها تُقبل للعُصاة من الموحدين.\nالقول الثاني: أنها لا تُقبل للعُصاة مُطلقًا.\nأصحاب القول الأول، وهم: أهل السنة والجماعة:\nالطبري: \" قوله: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ إنما هي لمن مات على كفره غير تائب إلى الله ﷿\" (^٢).\nالبغوي: \"قوله: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ أي لا تقبل منها شفاعة إذا كانت كافرة\" (^٣).\nابن كثير: \" ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ يعني عن الكافرين، كما قال: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي: (٢/ ١٢١).\n(^٢) جامع البيان: الطبري (١/ ٦٣٦).\n(^٣) معالم التنزيل: البغوي (١/ ٩٠).","vol":"1","page":161},{"text":"الشَّافِعِينَ﴾ \" (^١).\nالإيجي: \" ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾: في شأن الكفار رد عليهم حيث قالوا: آباؤنا الأنبياء شفعاء لنا\" (^٢).\nأصحاب القول الثاني، وهم: المعتزلة:\nالقاضي عبد الجبار (^٣): \"فإن قيل: أفتقولون بالشفاعة وتؤمنون بها؟ قيل لهم: نعم، ولكنها للمؤمنين دون الفاسقين، لأن الله ﷿ أخبر أنه يُخَلِّد الفاسقين في النار\" (^٤).\nالزمخشري: \" فإن قلت: هل فيه - يعني قوله تعالى: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ - دليل على أن الشفاعة لا تقبل للعصاة؟ قلت: نعم، لأنه نفى أن تقضى نفس عن نفس حقا أخلت به من فعل أو ترك\" (^٥).\nقال البيضاوي: \"تمسكت المعتزلة بهذه الآية على نفي الشفاعة لأهل الكبائر، وأجيب بأنها مخصوصة للكفار، ويؤيد هذا أن ميثاق الخطاب معهم. والآية نزلت ردا لما كانت اليهود تزعم أن آباءهم تشفع لهم\" (^٦).\n\n•<span data-type='title' id=toc-158> دراسة المسألة:</span>\nمن أصول عقيدة أهل السنة والجماعة أنهم يؤمنون بثبوت الشفاعة لأهل الكبائر من المؤمنين، بخلاف المعتزلة الذين أثبتوها للمؤمنين دون أهل الكبائر.\nوالحق هو الذي عليه أهل السنة والجماعة، لثبوت أدلة الشفاعة من الكتاب والسنة\n_________\n(^١) تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (١/ ٣٨٧، ٣٨٨).\n(^٢) جامع البيان: الإيجي (١/ ٤٨).\n(^٣) وهو: القاضي عبد الجبار بن أحمد الهمذاني، العلامة، المتكلم، شيخ المعتزلة، صاحب التصانيف، من كبار فقهاء الشافعية، ولي قضاء القضاة بالري، وتصانيفه كثيرة، مات سنة خمس عشرة وأربع مائة. ينظر: سير أعلام النبلاء: الذهبي (١٧/ ٢٤٤).\n(^٤) شرح الأصول الخمسة: القاضي عبد الجبار (ص: ٩٢، ٩٣).\n(^٥) الكشاف: الزمخشري (١/ ١٣٧)، بتصرف\n(^٦) أنوار التنزيل: البيضاوي (١/ ٧٩)، وانظر: لوامع الأنوار البهية: السفاريني (٢/ ٢١٧)","vol":"1","page":162},{"text":"والإجماع، والأثر:\nفمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (١٩٣)﴾ [سورة آل عمران: ١٩٣].\nقال الرازي: \"احتج أصحابنا بهذه الآية على أن شفاعة محمد ﷺ في حق أصحاب الكبائر مقبولة يوم القيامة؛ وذلك لأن هذه الآية دلّت على أن هؤلاء المؤمنين طلبوا من الله غفران الذنوب مطلقًا من غير أن يقيدوا ذلك بالتوبة، فأجاب الله قولهم وأعطاهم مطلوبهم، فإذا قبل شفاعة المؤمنين في العفو عن الذنب، فلأن يقبل شفاعة محمّد ﷺ فيه كان أولى\" (^١).\nوقوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [سورة محمد: ١٩].\nقال القرطبي في تفسير قوله تعالى: \"وللمؤمنين والمؤمنات\": أي، ولذنوبهم، وهذا أمر بالشفاعة\" (^٢). ومعلوم أن مرتكب الكبيرة لا يزول عنه الإيمان بمجرد ارتكابها إلا أن يستحل الكبيرة.\nومن السنة: ما رواه الطبراني في معجمه عن ابن عمر ﵄ قال: كنا نمسك عن الاستغفار، لأهل الكبائر، حتى سمعنا نبينا ﷺ يقول \"إني ادَّخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي يوم القيامة\" (^٣).\nقال ابن خزيمة (^٤): \" أي من ارتكب من الذنوب الكبائر فأدخلوا النار بالكبائر، إذ إن\n_________\n(^١) مفاتيح الغيب: الرازي (٩/ ٤٦٨).\n(^٢) الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (١٩/ ٢٦٨).\n(^٣) أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (٦/ ١٠٦) برقم: (٥٩٤٢). وأخرج بنحوه أبي نعيم في الحلية (٧/ ٢٦١) قال الهيثمي: \"رجاله رجال الصحيح غير حرب بن سريج، وهو ثقة\". ينظر: مجمع الزوائد (٧/ ٥).\n(^٤) وهو: محمد بن إسحاق بن خزيمة، إمام الأئمة أبو بكر السلمى النيسابوري، المجتهد المطلق البحر، جمع أشتات العلوم، أقام بمدينة نيسابور، مات سنة إحدى عشرة وثلاثمائة. ينظر: طبقات الشافعية: السبكي (٣/ ١٠٩).","vol":"1","page":163},{"text":"الله ﷿ وعد تكفير الذنوب الصغائر باجتناب الكبائر\" (^١).\nوأما الإجماع: فقد أجمع السلف على ذلك، ونفل الإجماع غير واحد من أهل العلم.\nقال أبو عثمان الصابوني (^٢): \"ويؤمن أهل الدين والسنة بشفاعة الرسول ﷺ لمذنبي أهل التوحيد ومرتكبي الكبائر، كما ورد به الخبر الصحيح عن رسول الله ﷺ.\nوهذه الجمل التي أثبتها في هذا الجزء كانت معتقد جميعهم، لم يخالف فيها بعضهم بعضًا، بل أجمعوا عليها كلها\" (^٣).\nوقال ابن تيمية: \" وقد اتفق المسلمون على أن نبينا شفيع يوم القيامة وأن الخلق يطلبون منه الشفاعة لكن عند أهل السنة أنه يشفع في أهل الكبائر وأما عند الوعيدية فإنما يشفع في زيادة الثواب\" (^٤).\nوأما الأثر: فقد رُوي عن حذيفة بن اليمان ﵁ (^٥) أنه قال: \" إذا كان يوم القيامة جمع الناس في صعيد واحد فيقال: يا محمد فيقول: لبيك وسعديك والخير بين يديك والشر ليس إليك تباركت وتعاليت، والمهدي من هديت، ومنك وإليك ولا ملجأ منك إلا إليك، تباركت وتعاليت سبحان رب البيت، قال عند ذلك يشفعني \" (^٦).\n_________\n(^١) التوحيد: ابن خزيمة (٢/ ٦٥٥).\n(^٢) وهو: إسماعيل بن عبد الرحمن بن أحمد شيخ الإسلام أبو عثمان الصابوني النيسابوري الواعظ المفسر المتفنن، كان مشتغلا بكثرة الطاعات، وكان أوحد وقته في طريقته، وكان سيف السنة، ودامغ أهل البدعة، مات سنة تسع وأربعين وأربع مائة. ينظر: طبقات الشافعيين: ابن كثير (١/ ٤٠٧ - ٤٠٩).\n(^٣) عقيدة السلف وأصحاب الحديث: الصابوني (ص: ٢٥٨)، باختصار. ونقل الإجماع كذلك: الأشعري في الإبانة (ص: ١٦٢) والقاضي عياض في كتاب الإيمان (٢/ ٨٢٢)، وانظر: المسائل العقدية التي حكى فيها ابن تيمية الإجماع (ص: ٦٢١).\n(^٤) مجموع الفتاوى: ابن تيمية (١/ ١٠٤).\n(^٥) وهو: حذيفة بن اليمان وهو حذيفة بن حسل، صاحب سر رسول الله ﷺ في المنافقين، لم يعلمهم أحد إلا حذيفة، سماه قومه اليمان لأنه حالف الأنصار، وهم من اليمن، مات سنة ست وثلاثين. ينظر: أسد الغابة: ابن الأثير (١/ ٧٠٦).\n(^٦) أخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٦/ ٣٩٢) برقم: (١٧٩٥)، والأثر صحيح كما يقول محقق الكتاب.","vol":"1","page":164},{"text":"وعن عبد الله الداناج (^١)، قال: شهدت أنس بن مالك ﵁، وقال له رجل: يا أبا حمزة! إن قوما يكذبون بالشفاعة، قال ﵁: لا تجالسوهم، فقال له رجل: إن قوما يكذبون بعذاب القبر، قال ﵁: لا تجالسوهم\" (^٢).\nوقال أيوب السختياني (^٣): \"من كذب بالشفاعة فلا نصيب له فيها\" (^٤).\nوبهذا يتبين بطلان القول الذي ينفي إثبات الشفاعة للعُصاة من الموحدين.\nمناقشة استدلال المعتزلة:\nاستدل المعتزلة بقوله تعالى: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٨)﴾ على نفي الشفاعة عن العصاة والموحدين، والجواب على استدلالهم من أوجه:\nالأول: ما تقدمت به الأدلة من الكتاب والسنة والإجماع وأقوال أهل العلم التي تُثبت وقوع الشفاعة لأهل الكبائر.\nالثاني: أن نفي الشفاعة الذي استدل به المعتزلة في قوله تعالى: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٨)﴾ [سورة البقرة: ٤٨]. يُحمل على مواقف أُخرى في يوم القيامة لم يأذن الله -تعالى- للشافع أن يشفع فيها، دون غيرها من المواقف.\nقال ابن المُنيّر مُعقّبًا على الزمخشري: \"أما من جحد الشفاعة فهو جدير أن لا ينالها. وأما من آمن بها وصدقها وهم أهل السنة والجماعة، فأولئك يرجون رحمة اللَّه. ومعتقدهم\n_________\n(^١) وهو: عبد اللَّه بن فيروز الداناج البصريّ، روى عن: أنس بن مالك وغيره، روى له الجماعة سوى التّرمِذي، وثَّقه أبو زرعة وابن حبان، وقال النَّسَائي: ليس به بأس. ينظر: تهذيب الكمال: المزي (١٥/ ٤٣٧، ٤٣٨).\n(^٢) أخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٦/ ٤٣٢) برقم: (١٨٦٣)، قال المحقق: هذا أثر صحيح، وأورده الحافظ ابن حجر في المطالب العالية (١٨/ ٤٨١) وقال المحققون: الأثر صحيح ورواته ثقات.\n(^٣) وهو: أيوب بن كيسان السختياني أبو بكر العنزي، الإمام، الحافظ، سيد العلماء، عداده في صغار التابعين، وكان يقوم الليل كله، ويخفي ذلك، وحج أربعين حجة، مات سنة إحدى وثلاثين ومائة. ينظر: سير أعلام النبلاء: الذهبي (٦/ ١٥ - ٢٤).\n(^٤) أخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٦/ ٣٩٤) برقم: (١٧٩٧)، قال محقق الكتاب: هذا أثر صحيح.","vol":"1","page":165},{"text":"أنها تنال العصاة من المؤمنين، وإنما ادخرت لهم. وليس في الآية دليل لمنكريها، لأن قوله: ﴿يَوْمًا﴾ أخرجه منكرًا، ولا شك أن في القيامة مواطن، ويومها معدود بخمسين ألف سنة، فبعض أوقاتها ليس زمانا للشفاعة وبعضها هو الوقت الموعود وفيه المقام المحمود لسيد البشر -عليه أفضل الصلاة والسلام-. قد وردت آي كثيرة ترشد إلى تعدد أيامها واختلاف أوقاتها. منها قوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [سورة المؤمنون: ١٠١]، مع قوله: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٧)﴾ [سورة الصافات: ٢٧].\nفيتعين حمل الآيتين على يومين مختلفين، متغايرين: أحدهما محل للتساؤل والآخر ليس محلا له، وكذلك الشفاعة، وأدلة ثبوتها لا تحصى كثرة، رزقنا اللَّه الشفاعة وحشرنا في زمرة أهل السنة والجماعة\" (^١).\nالثالث: أن استدلالهم بالآية مخالف لما أجمع عليه المفسرون من أن المراد بقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ النفس الكافرة لا كل نفس\" (^٢).\nفائدة:\nالذي أوقع المعتزلة في هذا المعتقد الفاسد -والله أعلم- هو الاقتصار على بعض القرآن دون بعض، وتحكيم العقول، فمن قرأ أدلة الكتاب والسنة مع فهم السلف والعلماء الراسخين تبين له أن الشفاعة ثابتة للعصاة من الموحدين كما تقدم.\nقال الإمام الآجري: \"والمعتزلة يخالفون هذا كله، لا يلتفتون إلى سنن رسول الله ﷺ، ولا إلى سنن الصحابة ﵃، وإنما يعارضون بمتشابه القرآن، وبما أراهم العقل عندهم\" (^٣).\n_________\n(^١) الكشاف: الزمخشري. مذيل بحاشية (الانتصاف فيما تضمنه الكشاف) لابن المنير (١/ ١٣٦).\n(^٢) حكى هذا الإجماع ابن عطية في المحرر الوجيز (١/ ٣٩٢)، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن (٢/ ٧٨).\n(^٣) الشريعة: الآجري (٣/ ١١٩٨).","vol":"1","page":166},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-159> النتيجة:</span>\nبعد عرض أقوال الأئمة من أهل السنة والمفسرين يتبين جليًا أن الشفاعة ثابتة للعُصاة من الموحدين وهذا هو الحق الذي أجمع عليه أهل السنة، وأن النفي في قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ خاص بالكفار، كما دلت على ذلك الأدلة من الكتاب والسنة والإجماع، وأقوال أهل العلم.","vol":"1","page":167},{"text":"<span data-type='title' id=toc-160>٥ - قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥)﴾ [سورة البقرة: ٥٥].</span>\nقال القاسمي: كما أخبر تعالى بأنه لا يرى في الدنيا فقد وعد الوعد الصادق ﷿ برؤيته في الدار الآخرة في آيات عديدة، كما تواترت الأحاديث الصحيحة بذلك، وهي قطعية الدلالة. لا ينبغي لمنصف أن يتمسك في مقابلها بتلك القواعد الكلامية التي جاء بها قدماء المعتزلة وزعموا أن العقل قد حكم بها (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-161> أقوال أهل العلم في دلالة الآية على نفي رؤية الله تعالى يوم القيامة:</span>\nالقول الأول: أن الآية ليس فيها دلالة على نفي رؤية المؤمنين لربهم تبارك تعالى يوم القيامة.\nالقول الثاني: أن الآية فيها دلالة على نفي رؤية المؤمنين لربهم تبارك تعالى يوم القيامة.\nأصحاب القول الأول، وهم: أهل السنة والجماعة، ومن وافقهم:\nالسمرقندي: فاحتج بعض من ينفي الرؤية في الآخرة بهذه الآية؛ حيث أخذتهم الصاعقة لما سألوا الرؤية. قالوا: فلو كان يجوز أن يرى لكان لا تأخذهم الصاعقة، ولا استوجبوا بذلك العذاب والعقوبة.\nوأما عندنا، فإنه ليس في الآية دليل نفي الرؤية، بل فيها إثباتها (^٢).\nابن عطية: \"وامتحنهم الله -يعني اليهود- بذلك فقالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ ولم يطلبوا من الرؤية محالا، أما إنه عند أهل السنة ممتنع في الدنيا من طريق\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي: (١/ ١٣٠).\n(^٢) بحر العلوم: السمرقندي (١/ ٤٦٦).","vol":"1","page":168},{"text":"السمع\" (^١).\nأبو حيان: \"وليس في الآية ما يدل على ما ذهب إليه الزمخشري من استحالة الرؤية\" (^٢).\nالشنقيطي: \" واستدلال المعتزلة بهذه الآية، وأمثالها على أن رؤية الله مستحيلة استدلال باطل ومذهبهم والعياذ بالله من أكبر الضلال، وأعظم الباطل، وقول الزمخشري في كلامه على هذه الآية: إن الله لا يُرى، قول باطل، وكلام فاسد. والحق الذي لا شك فيه: أن المؤمنين يرون الله بأبصارهم يوم القيامة كما تواترت به الأحاديث عن الصادق المصدوق ﷺ، ودلت عليه الآيات القرآنية منطوقا ومفهوما\" (^٣).\nأصحاب القول الثاني، وهم: المعتزلة:\nالقاضي عبد الجبار: \" ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥)﴾ يدل على أن الرؤية على الله تعالى لا تجوز\" (^٤).\nالزمخشري: \"وفي هذا الكلام - يعني في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [سورة البقرة: ٥٥]- دليل على أن موسى ﵇ - رادّهم القول وعرّفهم أن رؤية ما لا يجوز عليه أن يكون في جهة محال وأن من استجاز على اللَّه الرؤية فقد جعله من جملة الأجسام أو الأعراض\" (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-162>دراسة المسألة:</span>\nمن أصول عقيدة أهل السنة والجماعة أنهم يؤمنون برؤية ربهم ﵎ يوم القيامة، بخلاف المعتزلة الذين أنكروا رؤية الله -تعالى- يوم القيامة.\n_________\n(^١) المحرر الوجيز: ابن عطية (١/ ٤٠٨)، وانظر: الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (٢/ ١١٤).\n(^٢) البحر المحيط: أبو حيان (٢/ ٧٠).\n(^٣) أضواء البيان: الشنقيطي (٦/ ٣٨).\n(^٤) تنزيه القرآن عن المطاعن: القاضي عبد الجبار (ص: ٤١).\n(^٥) الكشاف: الزمخشري (١/ ١٤١، ١٤٢)، وبنحوه قال القاضي عبد الجبار وأبو الحسين في كتاب التصفح. ينظر: مفاتيح الغيب: الرازي (٣/ ٥٢٠، ٥٢١).","vol":"1","page":169},{"text":"والحق هو الذي عليه أهل السنة والجماعة، لثبوت أدلة الرؤية من الكتاب والسنة والإجماع.\nفمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [سورة القيامة: ٢٣]، وقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾، والزيادة هي النظر إلى وجهه ﷾ كما فسر بذلك النبي ﷺ (^١).\nومن السنة: ما أخرجه البخاري بسنده عن جرير بن عبد الله ﵁ (^٢) قال: كنا عند النبي ﷺ فنظر إلى القمر ليلة، يعني: البدر، فقال: \"إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته\" الحديث (^٣).\nوأما الإجماع: فقد قال الإمام عثمان بن سعيد الدارمي (^٤) بعد أن ساق جملة من أحاديث الرؤية: \" فهذه الأحاديث كلها أو أكثر منها قد رويت في الرؤية على تصديقها والإيمان بها، أدركنا أهل الفقه والبصر من مشايخنا ولم يزل المسلمون قديمًا وحديثًا يرونها ويؤمنون بها، لا يستنكرونها ولا ينكرونها ومن أنكرها من أهل الزيغ نسبوه إلى الضلال بل كان من أكبر رجائهم وأجزل ثواب الله ﵎ في أنفسهم النظر إلى وجه الله الكريم، خالقهم يوم القيامة حتى ما يعدلون به شيئًا من نعيم الجنة\" (^٥).\n_________\n(^١) انظر ما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم، برقم: (٢٩٧).\n(^٢) وهو: جرير بن عبد الله بن جابر بن مالك البجلي، الأمير، النبيل، الجميل، أبو عمرو القسري، من أعيان الصحابة، بايع النبي ﷺ على النصح لكل مسلم، مات سنة إحدى وخمسين. ينظر: سير أعلام النبلاء: الذهبي (٢/ ٥٣٠ - ٥٣٦).\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب التوحيد، باب قوله تعالى: ﴿وجوه يومئذ ناضرة﴾، برقم: (٧٤٣٤)، وأخرجه مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل صلاتي الصبح والعصر، برقم: (٢١١).\n(^٤) وهو: عثمان بن سعيد بن خالد السجستاني الحافظ أبو سعيد الدارمي، محدث هراة وأحد الأعلام الثقات ومن ذكره العبادي في الطبقات قائلا: الإمام في الحديث والفقه، مات سنة ثمانين ومائتين. ينظر: طبقات الشافعية: السبكي (٢/ ٣٠٢).\n(^٥) الرد على الجهمية: الدارمي (ص: ١٠٥)","vol":"1","page":170},{"text":"وأما شبهة المعتزلة التي ألقاها الزمخشري بنفي الرؤية في تفسيره للآية، فالجواب عليها من وجهين:\nالوجه الأول: أن لفظ التجسيم من البدع اللفظية عند المعتزلة وغيرهم.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: الكلام في وصف الله بالجسم نفيًا وإثباتًا بدعة لم يقل به أحد من سلف الأمة وأئمتها: إن الله ليس بجسم كما لم يقولوا: إن الله جسم؛ بل من أطلق أحد اللفظين استفصل عما أراد بذلك، فإن في لفظ الجسم بين الناطقين به نزاعًا كثيرًا، فإن أراد تنزيهه عن معنى يجب تنزيهه عنه مثل أن ينزهه عن مماثلة المخلوقات فهذا حق. ولا ريب أن من جعل الرب جسمًا من جنس المخلوقات فهو أعظم من المبتدعة ضلالًا؛ دع من يقول منهم: إنه لحم ودم ونحو ذلك من الضلالات المنقول عنهم. إلى أن قال -رحمه الله تعالى-: وهكذا مثبت لفظ الجسم إن أراد بإثباته ما جاءت به النصوص صوبنا معناه ومنعناه من الألفاظ المجملة، وإن أراد بلفظ الجسم ما يجب تنزيه الرب عنه من مماثلة المخلوقات رددنا ذلك عليه وبينا ضلاله وإفكه … انتهى (^١).\nالوجه الثاني: أن سبب العقوبة التي حلت ببني إسرائيل هي التعنت والشك في الخبر الذي أخبرهم به موسى ﵇ من أن الله -تعالى- رؤيته غير ممكنة في الدنيا، وليس طلب مالا يجوز.\nقال ابن المنير مُعقِّبًا على الزمخشري: \"لقد انتهز الزمخشري ما اعتقده فرصة من هذه الآية التي لا مطمع له عند التحقيق في التشبث بها، فبنى الأمر على أن العقوبة سببها طلب ما لا يجوز على اللَّه -تعالى- من الرؤية على ظنه، وأنى له ذلك وثم سبب ظاهر في العقوبة سوى ما ادعاه هو كل السبب. وذلك أن موسى ﵇ لما علم جواز رؤيته تعالى طلبها في آية الأعراف في دار الدنيا، فأخبره اللَّه -تعالى- أنه لا يراه في الدنيا، وصار ذلك عنده وعند بنى إسرائيل أصلًا مقررًا، كما هو عندنا الآن معاشر أهل السنة أن اللَّه -تعالى- لا يرى في\n_________\n(^١) الفتاوى الكبرى: ابن تيمية (٦/ ٥٤٧) مختصرا.","vol":"1","page":171},{"text":"دار الدنيا، لأنه أخبر أنه لا يرى والخبر واجب الصدق وكما أخبر أنه لا يرى في دار الدنيا فقد وعد الوعد الصادق ﷿ برؤيته في الدار الآخرة وتخصيص ذلك بالمؤمنين، وبعد استقرار هذا المعتقد طلب بنو إسرائيل الرؤية في الدنيا تعنتًا أو شكًا في الخبر، فأنزل اللَّه -تعالى- بهم تلك العقوبة. وكيف تخيل الزمخشري وشيعته أن موسى ﵇ طلب من اللَّه ما لا يجوز عليه. وهل هو لو كان الأمر على ما تخيل إلا كبني إسرائيل. ومعاذ اللَّه، لقد برأه من ذلك وكان عند اللَّه وجيها.\nوأما الأدلة العقلية على جواز رؤيته -تعالى- عقلا والسمعية على وقوعها في الدار الآخرة، فأكثر من أن تحصى وهي مستقصاه في فن الكلام. وإنما غرضنا في هذا الباب مباحثة الزمخشري والرد عليه من حيث يتمسك على ظنه وأخذه قوما منه. واللَّه الموفق\" (^١).\nقال الآلوسي (^٢): \"وقد استدل المعتزلة وطوائف من المبتدعة بهذه الآية على استحالة رؤية الباري-﷾؛ لأنها لو كانت ممكنة لما أخذتهم الصاعقة بطلبها، والجواب أن أخذ الصاعقة لهم ليس لمجرد الطلب ولكن لما انضم إليه من التعنت وفرط العناد كما يدل عليه مساق الكلام حيث علقوا الإيمان بها، ويجوز أيضا أن يكون ذلك الأخذ لكفرهم بإعطاء الله تعالى التوراة لموسى ﵇ وكلامه إياه أو نبوته لا لطلبهم.\nوقد يقال: إنهم لما لم يكونوا متأهلين لرؤية الحق في هذه النشأة كان طلبهم لها ظلما فعوقبوا بما عوقبوا، وليس في ذلك دليل على امتناعها مطلقا في الدنيا والآخرة\" (^٣).\nوأما عن قول القاضي عبد الجبار من أن المراد من الإدراك في قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ هو رؤية البصر، بمعنى لا تراه الأبصار.\nفالجواب عليه من أوجه:\nالأول: أن تفسيره مخالف لنظائر الآية التي تدل على أن المراد من الإدراك: الإحاطة.\n_________\n(^١) الكشاف: الزمخشري مذيل بحاشية (الانتصاف فيما تضمنه الكشاف) لابن المنير (١/ ١٤١).\n(^٢) وهو: الشيخ شهاب الدين محمود بن السيد عبد الله الألوسي البغدادي، خاتمة المفسرين ونخبة المحدثين، كان يقول الحق ولا يحيد عن الصدق، متمسكًا بالسنن متجنبًا عن الفتن، مات سنة ١٢٧٠ هـ. ينظر: حلية البشر: البيطار (ص: ١٤٥١، ١٤٥٠)\n(^٣) روح المعاني: الآلوسي (٢/ ١٨١).","vol":"1","page":172},{"text":"ومن ذلك:\nقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [سورة الشعراء: ٦١] وليس المراد من الإدراك في الآية مجرد الرؤية، فأن الشيء قد يرى الشيء ولا يدركه.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [سورة البقرة: ٢٥٥] فكما جاز أن يعلم الخلق أشياء ولا يحيطون بها علما، كذلك جائز أن يروا ربهم بأبصارهم ولا يدركوه بأبصارهم، إذ كان معنى الرؤية غير معنى الإدراك، ومعنى الإدراك غير معنى الرؤية، وأن معنى الإدراك: إنما هو الإحاطة (^١).\nالثاني: أن تفسيره مُخالف لما عليه بعض السلف من أن المراد بالإدراك: الإحاطة. وليس مجرد الرؤية (^٢).\nالثالث: أن تفسيره مُخالفٌ للدلالة اللغوية من لفظ الإدراك، فالمراد من الإدراك في اللغة: بلوغ الشيء مبلغه ومن ذلك الإحاطة.\nقال السمين: \"يقال للحبل الذي يوصل به حبل آخر ليدرك الماء درك، ولما يلحق الإنسان من تبعةٍ درك كالدرك في البيع. قال تعالى: ﴿لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى (٧٧)﴾ [سورة طه: ٧٧]، أي: تبعًة. وأدرك: بلغ أقصى الشيء، وأدرك الصبي: بلغ غاية الصبا، وذلك حين البلوغ، قال: ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ﴾ [سورة يونس: ٩٠]، وقوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ (^٣).\nالرابع: في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ دلالة على أن الإدراك لا يراد به هنا مجرد الرؤية، إذ لو كان مجرد الرؤية، لم يكن له تعالى بذلك اختصاص ولا تمدُّح، لأنا نحن نرى الأبصار، فدل على أن معنى الإدراك الإحاطة بحقيقة الشيء، فهو تعالى لا تحيط بحقيقته\n_________\n(^١) انظر: جامع البيان: الطبري (٩/ ٤٥٩).\n(^٢) روي عن ابن عباس، وقتادة، وعطية العوفي، وعكرمة من أن المراد بالإدراك: الإحاطة. ينظر: جامع البيان: الطبري (٩/ ٤٥٩) وينظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤/ ١٣٦٣).\n(^٣) عمدة الحفاظ: السمين الحلبي (٢/ ١٠).","vol":"1","page":173},{"text":"الأبصار، وهو محيط بحقيقتها (^١).\nقال ابن تيمية: \" قوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾، إنما نفى الإدراك الذي هو الإحاطة، كما قاله أكثر العلماء. ولم ينف مجرد الرؤية، لأن المعدوم لا يُرى، وليس في كونه لا يُرى مدح، إذ لو كان كذلك لكان المعدوم ممدوحًا، وإنما المدح في كونه لا يُحاط به وإن رُئي، كما أنه لا يُحاط به وإن عُلم، فكما أنه إذا عُلم لا يحاط به علمًا، فكذلك إذا رُئي لا يحاط به رؤية\" (^٢).\nتنبيهات:\nالأول: ما روي عن السُدي من أنه فسر قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ بمعنى: \"لا يراه شيء، وهو يرى الخلائق\" (^٣). لا يدل على نفي الرؤية مُطلقًا، إنما يُحمل على نفي الرؤية في الدنيا، لما روي عن إسماعيل بن علية (^٤) في قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾، قال: هذا في الدنيا (^٥).\nالثاني: ما روي عن مجاهد، ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [سورة القيامة: ٢٣] قال: تنتظر منه الثواب (^٦). تعقَّبه ابن كثير فقال: \"وقد أبعد هذا القائل النُّجعَة، وأبطل فيما ذهب إليه. وأين هو من قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [سورة المطففين: ١٥]؟ \" (^٧).\n_________\n(^١) البحر المحيط: أبو حيان (٩/ ٣٣١).\n(^٢) التدمرية: ابن تيمية (ص: ٥٩).\n(^٣) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٩/ ٤٦٢).\n(^٤) وهو: إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم الأسدي، الإمام، العلامة، الحافظ، الثبت، أبو بشر الأسدي مولاهم، البصري، الكوفي الأصل، المشهور: بابن علية، مات سنة ثلاث وتسعين ومائة. ينظر: سير أعلام النبلاء: الذهبي (٩/ ١٠٧).\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٤٩/ ١٣٦٣)، برقم: (٧٧٣٦).\n(^٦) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٢٣/ ٥٠٨).\n(^٧) تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٧/ ٤٣٧).","vol":"1","page":174},{"text":"الثالث: الأشاعرة يُثبتون رؤية الله -تعالى-، ولكن ليس كإثبات أهل السنة، فهم يقولون أن الله يُرى لا في جهة! فلا يُرى من فوق، ولا تحت، ولا يمين، ولا شمال، ولا أمام، ولا خلف، وذلك لأنهم ينفون عن الله -تعالى- صفة العلو.\nقال ابن أبي العز (^١): \" ومن قال: يرى لا في جهة، فليراجع عقله!! فإما أن يكون مكابرا لعقله أو في عقله شيء، وإلا فإذا قال يرى لا أمام الرائي ولا خلفه ولا عن يمينه ولا عن يساره ولا فوقه ولا تحته، رد عليه كل من سمعه بفطرته السليمة، ولهذا ألزم المعتزلة من نفى العلو بالذات بنفي الرؤية، وقالوا: كيف تعقل رؤية بغير جهة (^٢).\nوقد دلت الأحاديث الصحيحة الصريحة بإثبات رؤية الله -تعالى- في جهة، فقد روي عن أبي سعيد الخدري، قال: قلنا يا رسول الله: هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: «هل تضارون في رؤية الشمس والقمر إذا كانت صحوا؟»، قلنا: لا، قال: «فإنكم لا تضارون في رؤية ربكم يومئذ، إلا كما تضارون في رؤيتهما» (^٣)، ومعلوم أننا نرى الشمس والقمر عيانًا في جهة.\n\n•<span data-type='title' id=toc-163> النتيجة:</span>\nبعد عرض ما تقدم من الأدلة وأقوال المُفسرين يتبين جليًا عدم دلالة الآية وهي قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ على نفي الرؤية مطلقًا كما زعم المعتزلة، وأن الحق هو الذي عليه أهل السنة والجماعة من أن الآية خاصة بنفي رؤية الله في الدنيا، لا في الآخرة.\n_________\n(^١) وهو: صدر الدّين محمد بن علاء الدّين بن أبي العزّ الحنفي الصالحي، اشتغل قديما، ومهر، ودرّس، وأفتى، وخطب، ثم ولي قضاء دمشق، ثم ولي قضاء مصر، مات سنة اثنتين وتسعين وسبعمائة. ينظر: شذرات الذهب: ابن عماد الحنبلي (٨/ ٥٥٧).\n(^٢) شرح العقيدة الطحاوية: ابن أبي العز (ص: ١٦٠).\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة﴾، برقم: (٧٤٣٩).","vol":"1","page":175},{"text":"<span data-type='title' id=toc-164>٦ - قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [سورة البقرة: ٦٧].</span>\nقال القاسمي: ذكر أكثر المفسرين قصة البقرة وصاحبها بروايات مختلفة لم نورد شيئا منها لأنه لم يرو بسند صحيح إلى النبي ﷺ، ولا يتعلق به كبير فائدة. كما أن البعض من البقرة لم يجئ من طريق صحيح عن معصوم بيانه. فنحن نبهمه كما أبهمه الله تعالى. إذ ليس في تعيينه لنا فائدة دينية ولا دنيوية. وإن كان معينا في نفس الأمر. وأيا كان فالمعجزة حاصلة به (^١).\n• أشهر الروايات الصحيحة الواردة في قصة صاحب البقرة:\nرواية عبيدة السلماني (^٢): \"كان رجل من بني إسرائيل عقيما لا يولد له، وكان له مال كثير، وكان ابن أخيه وارثه، فقتله ثم احتمله ليلا فوضعه على باب رجل منهم، ثم أصبح يدعيه عليهم حتى تسلحوا، وركب بعضهم إلى بعض، فقال ذوو الرأي منهم والنهى: علام يقتل بعضكم بعضا وهذا رسول الله فيكم؟ فأتوا موسى- ﵇ فذكروا ذلك له، فقال: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٦٧)﴾. قال: فلو لم يعترضوا لأجزأت عنهم أدنى بقرة، ولكنهم شددوا فشدد عليهم، حتى انتهوا إلى البقرة التي أمروا بذبحها فوجدوها عند رجل ليس له بقرة غيرها، فقال: والله لا أنقصها من ملء جلدها ذهبا، فأخذوها بملء جلدها ذهبا فذبحوها، فضربوه ببعضها فقام فقالوا: من قتلك؟ فقال: هذا، لابن أخيه. ثم مال ميتا، فلم يعط من ماله شيئا، فلم يورث قاتل بعد\" (^٣).\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي: (١/ ١٥٨).\n(^٢) وهو: عبيدة بن عمرو السلماني المرادي الكوفي، الفقيه، المرادي، الكوفي، أحد الأعلام، كان أحد أصحاب عبد الله بن مسعود الذين يقرئون ويفتون، وكان أعور، مات سنة اثنتين وسبعين. ينظر: سير أعلام النبلاء: الذهبي (٤/ ٤٠، ٤٤).\n(^٣) أخرجها ابن أبي حاتم في تفسيره (١/ ١٣٦)، وعزاه ابن كثير إلى ابن أبي حاتم (١/ ٤٤٠) قال المحقق في الحاشية: \"سنده صحيح\".","vol":"1","page":176},{"text":"رواية أبي العالية: \" كان رجل من بني إسرائيل وكان غنيا ولم يكن له ولد، وكان له قريب وكان وارثه، فقتله ليرثه، ثم ألقاه على مجمع الطريق، وأتى موسى، فقال له: إن قريبي قتل، وأتى إلي أمر عظيم، وإني لا أجد أحدا يبين لي من قتله غيرك يا نبي الله. قال: فنادى موسى في الناس: أنشد الله من كان عنده من هذا علم إلا بينه لنا. فلم يكن عندهم علمه، فأقبل القاتل على موسى فقال: أنت نبي الله، فاسأل لنا ربك أن يبين لنا. فسأل ربه فأوحى الله إليه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ … إلخ\" (^١).\nرواية السُدي: \"كان رجل من بني إسرائيل مكثرًا من المال، وكانت له ابنة وكان له ابن أخ محتاج. فخطب إليه ابن أخيه ابنته فأبى أن يزوجه إياها، فغضب الفتى وقال: والله لأقتلن عمي ولآخذن ماله ولأنكحن ابنته ولآكلن ديته. فأتاه الفتى وقد قدم تجار في بعض أسباط بني إسرائيل، فقال: يا عم انطلق معي فخذ لي من تجارة هؤلاء القوم لعلي أصيب منها، فإنهم إذا رأوك معي أعطوني. فخرج العم مع الفتى ليلًا، فلما بلغ الشيخ ذلك السبط قتله الفتى ثم رجع إلى أهله. فلما أصبح جاء كأنه يطلب عمه، كأنه لا يدري أين هو فلم يجده، فانطلق نحوه فإذا هو بذلك السبط مجتمعين عليه، فأخذهم وقال: قتلتم عمي فأدوا إلي ديته. وجعل يبكي ويحثو التراب على رأسه وينادي واعماه، فرفعهم إلى موسى، فقضى عليهم بالدية، فقالوا له: يا رسول الله، ادع لنا حتى يتبين له من صاحبه فيؤخذ صاحب الجريمة، فوالله إن ديته علينا لهينة، ولكنا نستحي أن نعير به. فذلك حين يقول الله جل ثناؤه: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٧٢)﴾ [سورة البقرة: ٧٢] فقال لهم موسى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ قالوا: نسألك عن القتيل وعمن قتله وتقول اذبحوا بقرة، أتهزأ بنا؟ قال موسى: ﴿أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٦٧)﴾ [سورة البقرة: ٦٧] \" (^٢).\n_________\n(^١) أخرجها ابن جرير الطبري في تفسيره (٢/ ٧٧)، وعزاها إليه ابن كثير (١/ ٤٤٠) قال المحقق في الحاشية: \"سنده جيد لكنه من الإسرائيليات\".\n(^٢) أخرجها ابن جرير الطبري في تفسيره (٢/ ٧٨، ٧٩)، وعزاه إليه ابن كثير (١/ ٤٤٢) قال أبو إسحاق الحويني في الحاشية: \"سنده حسن لكنه من الإسرائيليات\".","vol":"1","page":177},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-165> أقوال أهل العلم التي تدل على عدم الفائدة من تعيين البعض من البقرة:</span>\nالطبري: \" والصواب من القول في تأويل قوله عندنا: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾ [سورة البقرة: ٧٣] أن يقال: أمرهم الله جل ثناؤه أن يضربوا القتيل ببعض البقرة ليحيا المضروب. ولا دلالة في الآية ولا خبر تقوم به حجة على أي أبعاضها التي أمر القوم أن يضربوا القتيل به. وجائز أن يكون الذي أمروا أن يضربوه به هو الفخذ، وجائز أن يكون ذلك الذنب وغضروف الكتف وغير ذلك من أبعاضها. ولا يضر الجهل بأي ذلك ضربوا القتيل، ولا ينفع العلم به مع الإقرار بأن القوم قد ضربوا القتيل ببعض البقرة بعد ذبحها، فأحياه الله. \" (^١).\nالرازي: \" واختلفوا في البعض الذي ضرب به القتيل فقيل: لسانها وقيل: فخذها اليمنى وقيل: ذنبها وقيل: العظم الذي يلي الغضروف وهو أصل الآذان، وقيل: البضعة بين الكتفين، ولا شك أن القرآن لا يدل عليه فإن ورد خبر صحيح قبل وإلا وجب السكوت عنه (^٢) ..\nابن كثير: في قوله تعالى: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾ \"هذا البعض أي شيء كان من أعضاء هذه البقرة فالمعجزة حاصلة به، وخرق العادة به كائن، وقد كان معينا في نفس الأمر، فلو كان في تعيينه لنا فائدة تعود علينا في أمر الدين أو الدنيا لبينه الله -تعالى- لنا، ولكن أبهمه، ولم يجئ من طريق صحيح عن معصوم بيانه فنحن نبهمه كما أبهمه الله\" (^٣).\nالشوكاني (^٤): \"واختلف في تعيين البعض الذي أمروا بأن يضربوا القتيل به، ولا حاجة إلى ذلك مع ما فيه من القول بغير علم، ويكفينا أن نقول: أمرهم الله بأن يضربوه ببعضها، فأي بعض ضربوا به فقد فعلوا ما أمروا به، وما زاد على هذا فهو من فضول العلم\n_________\n(^١) جامع البيان: الطبري (٢/ ١٧٢).\n(^٢) مفاتيح الغيب: الرازي (٣/ ٥٥٣).\n(^٣) تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (١/ ٤٥٢).\n(^٤) وهو: محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني: فقيه مجتهد من كبار علماء اليمن، من أهل صنعاء، نشأ بصنعاء وولي قضاءها، وكان يرى تحريم التقليد، له ١١٤ مؤلفا، مات سنة ١٢٥٠ هـ. ينظر: الأعلام: الزركلي (٦/ ٢٩٨).","vol":"1","page":178},{"text":"إذا لم يرد به برهان\" (^١).\nالآلوسي: \"والظاهر أن المراد بالبعض أي بعض كان إذ لا فائدة في تعينه، ولم يرد به نقل صحيح\" (^٢).\nوبنحو هذا ذهب السعدي (^٣)، والعثيمين (^٤) رحمهما الله تعالى.\n\n•<span data-type='title' id=toc-166> دراسة المسألة:</span>\nبعد استعراض الروايات السابقة في قصة صاحب البقرة، وما تم الوقوف عليه من أقوال المفسرين من الفائدة في تعيين البعض من البقرة، يظهر ما يلي:\nأولًا: جميع الروايات الواردة في قصة البقرة وصاحبها عمومًا لم تأتِ بسند صحيح إلى النبي ﷺ، ولكنها جاءت من طرق صحيحة عن بعض التابعين كما تقدم.\nومثل هذه الروايات يُمكن الأخذ بها لأسباب:\nالأول: أن قبول الروايات الواردة في التفسير قد تكون من الصحابة أو التابعين، فلا ينحصر قبول الرواية عن معصوم. والغريب أن القاسمي ﵀ كأنه اشترط في قبول الرواية الواردة في قصة البقرة وصاحبها أن تكون بسند صحيح إلى النبي ﷺ وهذا خلاف منهج أهل العلم بقبول ما رُوي عن الصحابة والتابعين.\nالثاني: أن قصة البقرة وصاحبها مأخوذة من الإسرائيليات التي لا تخالف شرعنا، والنبي ﷺ قال: \"حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج\" (^٥).\nالثالث: أن الروايات الواردة في قصة البقرة وصاحبها فيها فائدة، وليس كما قال القاسمي ﵀، ومن تلك الفوائد:\n_________\n(^١) فتح القدير: الشوكاني (١/ ١١٨).\n(^٢) روح المعاني: الآلوسي (٢/ ٢٤٧).\n(^٣) تيسير الكريم الرحمن: السعدي (ص: ٥٥).\n(^٤) تفسير القرآن الكريم: العثيمين (١/ ٢٤٠)\n(^٥) أخرجه البخاري: كتاب أحاديث الأنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل، برقم: (٣٤٦١).","vol":"1","page":179},{"text":"- الزيادة في التوضيح وتفسير معنى الآيات، وبيان المُبهم.\n- ضرورة الرجوع إلى أهل العلم في حال الاختلاف.\n- أن من شدَّد شدَّد الله عليه.\n- جزاء من قتل لأجل الميراث أنه لا يرث، وغير ذلك من الفوائد والله أعلم.\nثانيا: البعض من البقرة قد ورد عن بعض السلف على أقوال مختلفة:\nقال ابن عباس ﵁ وأكثر المفسرين: ضربوه بالعظم الذي يلي الغضروف وهو المقتل (^١).\nوقال مجاهد وسعيد بن جبير (^٢): بعجب الذنب لأنه أول ما يخلق وآخر ما يبلى، ويركب عليه الخلق (^٣).\nوقال الضحاك: بلسانها (^٤).\nوقال الكلبي (^٥) وعكرمة (^٦): بفخذها الأيمن، وقيل: بعضو منها لا بعينه (^٧).\nوقال السُدي وأبي العالية، وابن زيد: الذي ضرب به منها هو البضعة التي بين الكتفين (^٨).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (١/ ١٤٥). برقم: (٧٥٠). وانظر: معالم التنزيل: البغوي (١/ ١٠٩).\n(^٢) وهو: أبو عبد الله سعيد بن جبير بن هشام الأسدي؛ كوفي أحد أعلام التابعين، أخذ العلم عن عبد الله بن العباس وسمع منه التفسير وأكثر روايته عنه.، قتله الحجاج سنة خمس وتسعين. ينظر: وفيات الأعيان: ابن خلكان (٢/ ٣٧١، ٣٧٢).\n(^٣) معالم التنزيل: البغوي (١/ ١٠٩).\n(^٤) معالم التنزيل: البغوي (١/ ١٠٩).\n(^٥) وهو: أبو النضر محمد بن السائب بن بشر الكلبي، العلامة، الأخباري المفسر، كان رأسا في الأنساب، إلا أنه شيعي، متروك الحديث، مات سنة ست وأربعين ومائة. ينظر: سير أعلام النبلاء: الذهبي (٦/ ٢٤٨، ٢٤٩).\n(^٦) وهو: العلامة، الحافظ، المفسر، أبو عبد الله القرشي مولاهم، المدني، البربري الأصل، طلبت العلم أربعين سنة على يد ابن عباس، قال قتادة: أعلم الناس بالتفسير عكرمة، مات سنة أربع ومائة. ينظر: سير أعلام النبلاء: الذهبي (٥/ ١٢ - ١٧).\n(^٧) أخرج أقوالهم ابن جرير الطبري في تفسيره (٢/ ١٢٥، ١٢٦). وانظر: معالم التنزيل: البغوي (١/ ١٠٩).\n(^٨) أخرج أقوالهم ابن جرير الطبري في تفسيره (٢/ ١٢٦، ١٢٧).","vol":"1","page":180},{"text":"وأما عن قول القاسمي ﵀: أن تعيين البعض من البقرة ليس فيه فائدة دينية ولا دنيوية، فهو كما قال، وذلك لسببين:\nالأول: عدم الوقوف على كلام أحد من أهل العلم يُثبت بأن في تعيين البعض من البقرة فائدة، بل أقوالهم المُتقدمة تؤكد أن ليس في تعيين البعض من البقرة فائدة.\nالثاني: أن الاجتهاد في تعيين البُضع من البقرة من التكلِّف، والعبرة بوقوع المعجزة، والله أعلم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-167> النتيجة:</span>\nمن خلال عرض ما تقدم من الروايات الواردة في قصة البقرة وصاحبها، يتبين أنها جاءت بسند صحيح عن بعض التابعين، فلا بأس بقبولها. لصحة سندها وتعلق الفائدة فيها كما تقدم، بخلاف ما ذهب إليه القاسمي ﵀.\nوأما تعيين البعض من البقرة ليس فيه فائدة دينية ولا دنيوية، كما تقدم من كلام أهل العلم من المُفسرين، والله أعلم.","vol":"1","page":181},{"text":"<span data-type='title' id=toc-168>٧ - قوله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [سورة البقرة: ٩٦].</span>\nقال القاسمي: وقول أبي مسلم: إن في الكلام تقديما وتأخيرا، وتقديره: ولتجدنهم وطائفة من الذين أشركوا أحرص الناس على حياة، ثم فسر هذه المحبة بقوله: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ فلا يخفى بُعدُه. لأنه إذا كانت القصة في شأن اليهود خاصة فالأليق بالظاهر، أن يكون المراد: ولتجدن اليهود أحرص على الحياة من سائر الناس ومن الذين أشركوا، ليكون ذلك أبلغ في إبطال دعواهم وفي إظهار كذبهم في قولهم: إن الدار الآخرة لنا، لا لغيرنا والله أعلم (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-169> أقوال أهل العلم في وقوع التقديم والتأخير في قوله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾:</span>\nالقول الأول: أن في الكلام تقديما وتأخيرا، وتقديره: ولتجدنهم وطائفة من الذين أشركوا.\nالقول الثاني: أن الكلام على ظاهره، والمراد: ولتجدن اليهود أحرص على الحياة من سائر الناس ومن الذين أشركوا.\nأصحاب القول الأول:\nأبو مسلم الخرساني: \" في الكلام تقديما وتأخيرا، وتقديره: ولتجدنهم وطائفة من الذين أشركوا أحرص الناس على حياة\" (^٢).\nوقال بعض المفسرين: \"في الكلام تقديم وتأخير، والمعنى ولتجدنهم وطائفة من الذين\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي: (١/ ١٩٦، ١٩٧).\n(^٢) مفاتيح الغيب: الرازي (٣/ ٦٠٩).","vol":"1","page":182},{"text":"أشركوا أحرص الناس على حياة فيكونُ ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ صفةً لمحذوفٍ\" (^١).\nأصحاب القول الثاني:\nالطبري: \" يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ وأحرص من الذين أشركوا على الحياة، كما يقال: هو أشجع الناس ومن عنترة، بمعنى: هو أشجع من الناس ومن عنترة، فكذلك قوله: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ لأن معنى الكلام: ولتجدن يا محمد اليهود من بني إسرائيل أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا\" (^٢).\nالسمرقندي: \"يعني أن اليهود أحرص الناس على البقاء. ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾، يعني أحرص من الذين أشركوا. \" (^٣).\nالسمعاني (^٤): \" ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ يعني اليهود. ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ أي: وأحرص من الذين أشركوا\" (^٥).\nابن عطية (^٦): \"قيل المعنى: وأحرص من الذين أشركوا، لأن مشركي العرب لا يعرفون إلا هذه الحياة الدنيا\" (^٧).\n_________\n(^١) انظر: درج الدرر: الجرجاني (١/ ٢٣٦)، وانظر: الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (٢/ ٢٥٩)، وانظر: إعراب القرآن: الباقولي (١/ ٢٨٩).\n(^٢) جامع البيان: الطبري (٢/ ٢٧٦).\n(^٣) بحر العلوم: السمرقندي (١/ ٧٥).\n(^٤) وهو: منصور بن محمد بن عبد الجبار أبو المظفر السمعاني، الحنفي ثم الشافعي، الإمام الجليل العلم الزاهد الورع أحد أئمة الدنيا الرفيع القدر العظيم المحل المشهور الذكر، مات سنة تسع وثمانين وأربعمائة. ينظر: الطبقات الكبرى: السبكي (٥/ ٣٣٥، ٣٤٥).\n(^٥) تفسير القرآن: أبي المظفر السمعاني (١/ ١١١).\n(^٦) وهو: عبد الحق بن غالب بن عبد الملك بن عطية، الغرناطي، القاضي، الإمام الكبير، قدوة المفسرين كان فقيها، عارفا بالأحكام، والحديث، والتفسير، بارع الأدب، بصيرا بلسان العرب، مات سنة ٥٤١ هـ. ينظر: تاريخ الإسلام: الذهبي (١١/ ٧٨٧).\n(^٧) المحرر الوجيز: ابن عطية (١/ ٤٩٤).","vol":"1","page":183},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-170> دراسة المسألة:</span>\nيظهر -والله أعلم- بعد استعراض أقوال أهل العلم والمفسرين في هذه المسألة، أن الصواب هو ما عليه أصحاب القول الثاني من أن الكلام في الآية على ظاهره، والمراد: ولتجدن اليهود أحرص على الحياة من سائر الناس ومن الذين أشركوا، للأوجه الآتية:\nأولا: أن الخطاب في سياق الآيات التي قبلها وهي من قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٤)﴾ [سورة البقرة: ٩٤] ورد في شأن اليهود خاصة والاحتجاج عليهم، كما هو عليه عامة المُفسرين (^١).\nوالقاعدة المقررة عند أهل العلم بأن: إدخال الكلام في معاني ما قبله وما بعده أولى من الخروج به عنها، إلا بدليل يجب التسليم به (^٢). فإذا تنازع المفسرون في تفسير آية، كان من فسرها بقرينة ما قبلها من الآيات وما بعدها أحسن وأوفق للنظم وأقرب للصواب.\nثانيًا: نظائر الآيات التي تصف اليهود بحب الدنيا والخوف من الموت بسبب ذنوبهم وما قدمت أيديهم، التي تدل على أنهم أحرص الناس على الحياة، حتى من المشركين الذين يُنكرون البعث، كقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦) وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [سورة الجمعة: ٧].\nوالقاعدة المقررة عند أهل العلم أن: \"القول الذي تؤيده آيات قرآنية مقدّم على ما عدم ذلك\" (^٣).\n_________\n(^١) انظر: جامع البيان: الطبري (٢/ ٢٦٧)، وانظر: تفسير ابن أبي حاتم (١/ ١٧٧)، وانظر: معالم التنزيل: البغوي (١/ ١٢٢)، وانظر: تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (١/ ٥٠٠).\n(^٢) قواعد الترجيح عند المفسرين: حسين الحربي (١/ ١١١).\n(^٣) انظر: قواعد الترجيح: حسين الحربي (١/ ٢٨١).","vol":"1","page":184},{"text":"ثالثًا: أن حمل الكلام في هذه الآية بأن فيه تقديم وتأخير تأباه الفصاحة، كما يقرره بعض المُفسرين:\nقال أبو حيان: \" وأما قول من زعم أن قوله: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ معطوفا على الضمير في قوله: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ﴾، أي: ولتجدنهم وطائفة من الذين أشركوا أحرص الناس على حياة، فيكون في الكلام تقديم وتأخير. فهو معنى يصح، لكن اللفظ والتركيب ينبو عنه ويخرجه عن الفصاحة، ولا ضرورة تدعو إلى أن يكون ذلك من باب التقديم والتأخير، لا سيما على قول من يخص التقديم والتأخير بالضرورة\" (^١).\nوقال الآلوسي: \"ومن الناس من جوز كون ﴿وَمِنَ الَّذِينَ﴾ صفة لمحذوف معطوف على الضمير المنصوب في ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ﴾ والكلام على التقديم والتأخير، أي: لَتَجِدَنَّهُمْ وطائفة من- الذين أشركوا أحرص الناس-.\nولا أظن يُقْدِم على مثل ذلك في كتاب الله تعالى من له أدنى ذوق، لأنه- وإن كان معنى صحيحا في نفسه- إلا أن التركيب ينبو عنه، والفصاحة تأباه، ولا ضرورة تدعو إليه لا سيما على قول من يخص التقديم والتأخير بالضرورة\" (^٢).\nرابعًا: في تخصيص اليهود بالذكر وأنهم أحرص الناس على الحياة من المشركين زيادة في التوبيخ والتقريع.\nيقول البيضاوي: \"وإفراده - يعني اليهود- بالذكر للمبالغة، فإن حرصهم شديد إذ لم يعرفوا إلا الحياة العاجلة، والزيادة في التوبيخ والتقريع، فإنهم لما زاد حرصهم. وهم مقرون بالجزاء على حرص المنكرين. دل ذلك على علمهم بأنهم صائرون إلى النار\" (^٣).\n_________\n(^١) البحر المحيط: أبو حيان (٢/ ٣٣٦، ٣٣٧)، وانظر: الدر المصون: السمين الحلبي (٢/ ١٢)، وانظر: اللباب: ابن عادل الحنبلي (٢/ ٣٠٢)، وانظر: الإعراب المحيط: الغرناطي (١/ ٢٣٦).\n(^٢) روح المعاني: الآلوسي (٢/ ٣٢٦).\n(^٣) أنوار التنزيل: البيضاوي (١/ ٩٥).","vol":"1","page":185},{"text":"ويقول القنوجي (^١): \"وإنما بلغوا في الحرص إلى هذا الحد الفاضل على حرص المشركين؛ لأنهم يعلمون بما يحل بهم من العذاب في الآخرة بخلاف المشركين من العرب ونحوهم فإنهم لا يقرون بذلك، فكان حرصهم على الحياة دون حرص اليهود\" (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-171> النتيجة:</span>\nيتبين من خلال عرض أقوال أهل العلم في هذه المسألة أن الراجح في قوله تعالى ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ أنه على ظاهره، يعني: أن اليهود أحرص الناس على الحياة من سائر الناس ومن الذين أشركوا، كما قال القاسمي ﵀، لما تقدم إيراده من الأوجه التي تؤيد ذلك، والله أعلم.\n_________\n(^١) وهو: محمد صديق خان بن حسن ابن لطف الله البخاري القنوجي، أبو الطيب، من رجال الإصلاح الإسلامي، له مئة ونيف كتاب بالعربية والفارسية والهندية ما بين مطول ومختصر. مات سنة ١٣٠٧ هـ. ينظر: معجم المفسرين: نويهض (٢/ ٥٣٩).\n(^٢) فتح البيان: القنوجي (١/ ٢٢٨).","vol":"1","page":186},{"text":"<span data-type='title' id=toc-172>٨ - قوله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [سورة البقرة: ٩٦].</span>\nقال القاسمي: وما ذكره بعض المفسرين من أن البصير في اللغة بمعنى العليم لا يخفى فساده، فإن العليم والبصير اسمان متباينا المعنى لغة. نعم! لو حمل أحدهما على الآخر مجازا لم يبعد، ولا ضرورة إليه هنا. ودعوى أن بعض الأعمال مما لا يصح أن يرى، فلذا حَمْلُ هذا البصر على العلم- هو من باب قياس الغائب على الشاهد (^١)، وهو بديهي البطلان (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-173> أقوال أهل العلم في معنى البصير في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾:</span>\nالقول الأول: أن البصير بمعنى العليم.\nالقول الثاني: أن البصير معناه: ذو إبصار وإحاطة.\nأصحاب القول الأول: وهم المعتزلة:\nالزمخشري: \" ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ عالم بأعمالهم ودرجاتها فمجازيهم على حسبها\" (^٣).\nالأخفش (^٤): في قوله: ﴿قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ [سورة طه: ٩٦] أي:\n_________\n(^١) مسألة قياس الشاهد على الغائب من الأصول الفاسدة التي بنى عليها المعتزلة اعتقادهم في نفي صفات الله تعالى، وقد بسط الكلام فيها ابن تيمية ﵀ في بيان تلبيس الجهمية: ابن تيمية (١/ ٣٠٣).\n(^٢) محاسن التأويل: القاسمي: (١/ ١٩٧).\n(^٣) الكشاف: الزمخشري (١/ ٤٣٥).\n(^٤) وهو: أبو الحسن سعيد بن مسعدة المجاشعي البلخي النحوي المعتزلي المعروف بالأخفش، أحد نحاة البصرة، أخذ عن سيبويه، له مصنفات في معاني القرآن، والنحو، واللغة، مات سنة ٢١٠. ينظر: وفيات الأعيان: ابن خلكان (٢/ ٣٨٠)، ديوان الإسلام: الغزي (١/ ٤٨).","vol":"1","page":187},{"text":"علمت ما لم تعلموا، من البَصيرة. وأبصَرتُ بالعَيْن (^١).\nأصحاب القول الثاني: وهم أهل السنة والجماعة:\nالطبري: \"يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ والله ذو إبصار بما يعملون، لا يخفى عليه شيء من أعمالهم، بل هو بجميعها محيط ولها حافظ ذاكر حتى يذيقهم بها العقاب جزاءها. وأصل بصير مبصر من قول القائل: أبصرت فأنا مبصر؛ ولكن صرف إلى فعيل، كما صرف مسمع إلى سميع، وعذاب مؤلم إلى أليم، ومبدع السموات إلى بديع، وما أشبه ذلك\" (^٢).\nالقاضي أبي يعلى: \" هذا الخبر (^٣)، أفاد أن وصفه ﷿ بأنه سميع بصير، لا على معنى وصفه بأنه \"عليم\"؛ كما ذهب إليه بعض أهل النظر\" (^٤).\n\n•<span data-type='title' id=toc-174> دراسة المسألة:</span>\nمن خلال عرض ما تقدم من أقوال أهل العلم، والنظر في معنى البصير من حيث اللغة، يظهر -والله أعلم- أن القاسمي ﵀ يُريد من وصفه لقول من قال بأن البصير بمعنى العليم: المعتزلة من نحا نحوهم من نفي صفات الله -تعالى- التي أثبتها لنفسه، وما ذهب إليه القاسمي ﵀ هو الحق الذي عليه أهل السنة والجماعة، وذلك من وجهين:\nالأول: أن الأصل المتقرر عند أهل السنة أن آيات الصفات تُحمل على ظاهرها، بخلاف من ظن بأن حملها على الظاهر يقتضي التشبيه أو التمثيل.\nقال الإمام أحمد في سياق حديثه عن إثبات صفات الله -تعالى-: \"ولكن نؤمن به كما\n_________\n(^١) تهذيب اللغة: الأزهري (١٢/ ١٢٣). ولم أجد قول الأخفش في كتابه: معاني القرآن.\n(^٢) جامع البيان: الطبري (٢/ ٢٨٣).\n(^٣) يعني ما أخرجه ابن حبان في صحيحه بسنده عن أبي هريرة أنه قال في هذه الآية: \" ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾ إلى قوله: ﴿إن الله كان سميعا بصيرا﴾ [النساء: ٥٨] رأيت النبي ﷺ يضع إبهامه على أذنه وأصبعه الدعاء على عينه\"، وإسناده صحيح على شرط الصحيح كما قال شعيب الأرناؤوط. ينظر: الإحسان بتقريب صحيح ابن حبان: ابن بلبان (١/ ٤٩٨).\n(^٤) إبطال التأويلات: أبو يعلى (ص: ٣٨٣).","vol":"1","page":188},{"text":"جاء على ظاهره ولا نناظر فيه أحدا\" (^١).\nوقال القاضي أبي يعلى: \"اعلم أنه غير ممتنع حمل هذا الخبر على ظاهره، إذ ليس فيه ما يحيل صفاته ولا يخرجها عما تستحقه، لأنا لا نثبت قدما وفخذا جارحة ولا أبعاضا، بل نثبت لك صفة كما أثبتنا الذات والوجه واليدين\" (^٢).\nالثاني: من حيث اللغة: فالبصير كما أنه يجوز أن يُراد منه: العليم، بحسب ما ذهب إليه بعض أهل اللغة، فيقال: بَصُر الرجلُ يَبصُرُ: إِذا صَار عَلِيمًا بالشَّيْء (^٣)، فيجوز أيضًا أن يكون على ظاهره، تقول: بَصُرْتُ بالشيء بالضم والكسر لغة بَصَرًا بفتحتين عَلِمْتُ فأنا بصير به يتعدى بالباء في اللغة الفصحى وقد يتعدى بنفسه وهو ذو بصر، ويقال: أَبْصَرْتُهُ: إِذَا رَأَيْتَهُ (^٤).\nتنبيه:\nذهب جماعة من المفسرين من أهل السنة من أن معنى: (بصير) في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ عليم؛ أي أنه -جَلَّ وعلا- عليم بكل ما يعملونه في السر، والعلانية، أو أنه خبير بما يعمل عباده من خير وشر (^٥).\nولا إشكال في ذلك لأن ذلك من التفسير باللازم، والمراد من التفسير باللازم: أن المفسر يفسر اللفظ بلازمه لا بمطابقه، للتنبيه على دخول هذا اللازم في معنى الآية، فمن لوازم صفة البصر: العلم، ومثل هذا النوع من التفسير يُعتبر من الطرق المُعتبرة عند المفسرين،\n_________\n(^١) أصول السنة: الإمام أحمد (ص: ٢٤).\n(^٢) إبطال التأويلات: أبو يعلى (ص: ٢٤٦).\n(^٣) معاني القرآن: الزجاج (٣/ ٣٧٤) وانظر: تهذيب اللغة: الأزهري (١٢/ ١٢٣)، وانظر: إرشاد العقل السليم: أبي السعود (١/ ١٣٣)، وانظر: تاج العروس: الزبيدي (١٠/ ١٩٨).\n(^٤) انظر: مقاييس اللغة: ابن فارس (١/ ٢٥٤)، وانظر: لسان العرب: ابن منظور (٤/ ٦٤)، المصباح المنير: الفيومي (١/ ٥٠)، [الباء مع الصاد وما يثلثهما].\n(^٥) انظر: تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (١/ ٥٠١)، وانظر: فتح القدير: الشوكاني (١/ ١٣٥)، وانظر: تفسير القرآن الكريم (الفاتحة والبقرة): العثيمين (١/ ٣١١).","vol":"1","page":189},{"text":"كما أشار ذلك ابن القيم ﵀ (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-175> النتيجة:</span>\nبعد عرض ما تقدم يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة من أن الآية على ظاهرها بإثبات البصر لله -تعالى-، وأنه ذو إبصار وإحاطة لما تقدم إيراده من الوجهيْن الداليْن على ذلك، وهو ما ذهب إليه القاسمي ﵀.\nإلا أن هذا لا يعني أن لا يراد من الإبصار: العلم، لأن ذلك من لوازم الصفة، بخلاف ما ذهب إليه القاسمي ﵀-والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: حادي الأرواح: ابن القيم (ص: ١٦٦).","vol":"1","page":190},{"text":"<span data-type='title' id=toc-176>٩ - قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ [سورة البقرة: ١٠٢].</span>\nقال القاسمي: \"وقد ساق الرازي ما ارتآه أبو مسلم في تفسير هذه الآية. ولم نشأ نقله لبعده عن الصواب\" (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-177> أقوال أهل العلم في نزول السحر على الملكين (هاروت وماروت):</span>\nالقول الأول: أن السحر لم يكن نازلًا على الملَكين هاروت وماروت.\nالقول الثاني: أن السحر كان نازلًا على الملكين.\nأصحاب القول الأول:\nابن عباس ﵁: \" ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ فإنه يقول: لم ينزل الله السحر \" (^٢).\nالربيع بن أنس: \" ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾: ما أنزل الله عليهما السحر\" (^٣).\nالواحدي: \"ومعنى: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾: أي: علما وألهما وقذف في قلوبهما من علم التفرقة، وهو رقية وليس بسحر\" (^٤).\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي: (١/ ٢١٣)، ويُريد ﵀ ما ذهب إليه أبي مسلم الخرساني من إنكار أن يكون السحر نزل على الملكين (هاروت وماروت). انظر: مفاتيح الغيب: الرازي (٣/ ٦٢٩)\n(^٢) أخرج عن ابن عباس ابن جرير الطبري في تفسيره (٢/ ٣٣١). من طريق عطية العوفي، عن ابن عباس، وهذه الطريقة غير مرضية، لأن عطية ضعيف ليس بواهٍ، وربما حَسَّن له الترمذي. ينظر: الإتقان: السيوطي (٤/ ٢٣٩).\n(^٣) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٢/ ٣٣١).\n(^٤) البسيط: الواحدي (٣/ ١٩٤).","vol":"1","page":191},{"text":"أصحاب القول الثاني:\nجماعة من السلف وهم: قتادة، والسدي، وابن زيد (^١).\nالبغوي: \" ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ﴾ أي ويعلمون الذي أنزل على الملكين\" (^٢).\nالزمخشري: \" أي فيتعلم الناس من الملكين ﴿مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ أي علم السحر الذي يكون سببا في التفريق بين الزوجين من حيلة وتمويه\" (^٣).\nالبيضاوي: \"وهما ملكان أنزلا لتعليم السحر ابتلاء من الله للناس، وتمييزًا بينه وبين المعجزة\" (^٤).\n\n•<span data-type='title' id=toc-178> دراسة المسألة:</span>\nذكر الرازي في تفسيره لهذه الآية أن أبا مسلم الأصفهاني أنكر في الملكين أن يكون السحر نازلًا عليهما واحتج بما يلي من وجوه:\nالأول: أن السحر لو كان نازلا عليهما لكان منزله هو الله تعالى، وذلك غير جائز لأن السحر كفر وعبث ولا يليق بالله إنزال ذلك.\nالثاني: أن قوله: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ يدل على أن تعليم السحر كفر، فلو ثبت في الملائكة أنهم يعلمون السحر لزمهم الكفر، وذلك باطل.\nالثالث: كما لا يجوز في الأنبياء أن يبعثوا لتعليم السحر فكذلك في الملائكة بطريق الأولى.\nالرابع: أن السحر لا ينضاف إلا إلى الكفرة والفسقة والشياطين المردة، وكيف\n_________\n(^١) أخرج أقوالهم ابن جرير الطبري في تفسيره (٢/ ٣٣٣).\n(^٢) معالم التنزيل: البغوي (١/ ١٢٩).\n(^٣) الكشاف: الزمخشري (١/ ١٧٣).\n(^٤) أنوار التنزيل: البيضاوي (١/ ٩٧).","vol":"1","page":192},{"text":"يضاف إلى الله ما ينهى عنه ويتوعد عليه بالعقاب؟\nوهل السحر إلا الباطل المموه وقد جرت عادة الله -تعالى- بإبطاله كما قال في قصة موسى ﵇: ﴿مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ﴾ [سورة يونس: ٨١].\nثم عقَّب الرازي على أبي مسلم فقال: \"ثم إن أبا مسلم ﵀ سلك في تفسير الآية نهجا آخر يخالف قول أكثر المفسرين، فقال: \"كما أن الشياطين نسبوا السحر إلى ملك سليمان مع أن ملك سليمان كان مبرأ عنه، فكذلك نسبوا ما أنزل على الملكين إلى السحر مع أن المنزل عليهما كان مبرأ عن السحر، وذلك لأن المنزل عليهما كان هو الشرع والدين والدعاء إلى الخير، وإنما كانا يُعَلّمان الناس ذلك مع قولهما: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ توكيدًا لبعثهم على القبول والتمسك، وكانت طائفة تتمسك، وأخرى تخالف وتعدل عن ذلك، ويتعلمون منهما أي: من الفتنة والكفر مقدار ما يفرقون به بين المرء وزوجه\"، فهذا تقرير مذهب أبي مسلم (^١).\nوالقاسمي ﵀ عقّب على قول أبي مسلم ووصفه بأنه بعيد عن الصواب، فهو يخالف ما روي عن عائشة ﵂: «في قصة ذكرتها عن امرأة، قدمت المدينة، فذكرت أنها صارت في العراق ببابل، فأتت بها هاروت وماروت فتعلمت منهما السحر» (^٢).\nمناقشة الأوجه التي ذكرها أبو مسلم من إنكار أن يكون السحر نزل على المَلَكين:\nأما قوله: لو نزل السحر عليهما لكان منزل ذلك السحر هو الله تعالى.\nفالجواب: تعريف صفة الشيء قد يكون لأجل الترغيب في إدخاله في الوجود وقد يكون لأجل أن يقع الاحتراز عنه كما قال الشاعر:\nعرفت الشر لا للشر لكن لتوقيه (^٣)\n_________\n(^١) مفاتيح الغيب: الرازي (٣/ ٦٢٩) بتصرف.\n(^٢) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٢/ ٣٥٠)، وأورده الحافظ ابن كثير في تفسيره (١/ ٥٣٢) وقال: سنده جيد.\n(^٣) ديوان أبي فراس الحمداني (ص: ٣٥٢).","vol":"1","page":193},{"text":"قوله ثانيا: أن تعليم السحر كفر لقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾.\nفالجواب: أن هذا ليس على إطلاقه، وذلك لأن السحر لو لم يكن يُعلم لما أمكن الفرق بينه وبين المعجز، والعلم بكون المعجز معجزا واجب وما يتوقف الواجب عليه فهو واجب فهذا يقتضي أن يكون تحصيل العلم بالسحر واجبا وما يكون واجبا كيف يكون حراما وقبيحا (^١).\nوقول أبو مسلم هذا يخالف ما روي عن السدي وقتادة والحسن وابن جريج من أنه: أخذ عليهما - أي هاروت وماروت- أن لا يعلما أحدا حتى يقولا: إنما نحن فتنة فلا تكفر\" (^٢).\nقوله ثالثا: أنه لا يجوز بعثة الأنبياء ﵈ لتعليم السحر فكذا الملائكة.\nفالجواب: لا نسلم أنه لا يجوز بعثة الأنبياء ﵈ لتعليمه بحيث يكون الغرض من ذلك التعليم التنبيه على إبطاله.\nقوله رابعا: إنما يضاف السحر إلى الكفرة والمردة فكيف يضاف إلى الله -تعالى- ما ينهى عنه؟\nفالجواب: فرق بين العمل وبين التعليم فلم لا يجوز أن يكون العمل منهيا عنه؟ وأما تعليمه لغرض التنبيه على فساده فإنه يكون مأمورا به\" (^٣).\nيُضاف على ما تقدم أيضًا أن ابن جرير الطبري ذكر بعضًا من الأوجه التي استدل بها القائلون بإثبات نزول السحر على المَلكين هاروت وماروت:\nقال ابن جرير \"وقالوا: إن قال لنا قائل: وهل يجوز أن ينزل الله السحر؟ أم هل يجوز لملائكته أن تعلمه الناس؟\n_________\n(^١) انظر: مفاتيح الغيب: الرازي (٣/ ٦٢٦).\n(^٢) انظر: جامع البيان: الطبري (٢/ ٣٥٥ - ٣٥٧).\n(^٣) مفاتيح الغيب: الرازي (٣/ ٦٣٠). بتصرف.","vol":"1","page":194},{"text":"قلنا له: إن الله ﷿ قد أنزل الخير والشر كله، وبين جميع ذلك لعباده، فأوحاه إلى رسله وأمرهم بتعليم خلقه وتعريفهم ما يحل لهم مما يحرم عليهم؛ وذلك كالزنا والسرقة وسائر المعاصي التي عرفوها ونهاهم عن ارتكابها، فالسحر أحد تلك المعاصي التي أخبرهم بها ونهاهم عن العمل بها.\nقالوا: ليس في العلم بالسحر إثم، كما لا إثم في العلم بصنعة الخمر ونحت الأصنام والطنابير والملاعب، وإنما الإثم في عمله وتسويته (^١).\nقالوا: وكذلك لا إثم في العلم بالسحر، وإنما الإثم في العمل به وأن يضر به من لا يحل ضره به.\nقالوا: فليس في إنزال الله إياه على الملكين ولا في تعليم الملكين من علماه من الناس إثم إذا كان تعليمهما من علماه ذلك بإذن الله لهما بتعليمه بعد أن يخبراه بأنهما فتنة وينهاه عن السحر والعمل به والكفر؛ وإنما الإثم على من يتعلمه منهما ويعمل به، إذ كان الله تعالى ذكره قد نهاه عن تعلمه والعمل به.\nقالوا: ولو كان الله أباح لبني آدم أن يتعلموا ذلك، لم يكن من تعلمه حرجا، كما لم يكونا حرجين لعلمهما به، إذ كان علمهما بذلك عن تنزيل الله إليهما\" (^٢).\nتنبيه:\nتعقب الحافظ ابن كثير على الإمام ابن جرير فقال: \" ادعى أن هاروت وماروت ملكان أنزلهما الله إلى الأرض، وأذن لهما في تعليم السحر اختبارا لعباده وامتحانا، بعد أن بين لعباده أن ذلك مما ينهى عنه على ألسنة الرسل، وادعى أن هاروت وماروت مطيعان في تعليم ذلك؛ لأنهما امتثلا ما أمرا به. وهذا الذي سلكه غريب جدا! \" (^٣).\n_________\n(^١) مسألة تعلم السحر دون عمله مما اختُلف فيه، والبعض يرى أنه تعلُّمه كفر لظاهر قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾، فدل على أن تعلمه بمجرده كفر. ينظر: التمهيد لشرح كتاب التوحيد: صالح آل الشيخ (١/ ٢٩٩).\n(^٢) جامع البيان: الطبري (٢/ ٣٣٣).\n(^٣) تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (١/ ٥٢٢).","vol":"1","page":195},{"text":"والذي يظهر أن الحق مع الإمام ابن جرير ﵀، لظهور أدلته المتقدمة التي ذكرها وقوتها والله أعلم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-179> النتيجة:</span>\nبعد عرض ما تقدم ذكره من أقوال المفسرين في هذه المسألة، يظهر أن الراجح من أقوالهم ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني من أن السحر كان نازلا على الملكين هاروت وماروت؛ لما تقدم إيراده من الأدلة والأوجه التي تؤيد ذلك، بخلاف ما ذهب إليه أبو مسلم. والله أعلم.","vol":"1","page":196},{"text":"<span data-type='title' id=toc-180>١٠ - قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ [سورة البقرة: ١٠٢].</span>\nقال القاسمي: \"وقد ساق الرازي ما ارتآه أبو مسلم في تفسير هذه الآية. ولم نشأ نقله لبعده عن الصواب. وهكذا ما ذكره الإمام ابن حزم في كتابه «الفصل» في بحث «عصمة الملائكة» (^١) ففيه تكلف وتمحل (^٢) غريب، كما يعلم بمراجعتهما\" (^٣).\n\n•<span data-type='title' id=toc-181> أقوال أهل العلم في (هاروت وماروت) إن كانا من الملائكة أم من الجن:</span>\nالقول الأول: أنهما مَلكين من الملائكة.\nالقول الثاني: أنهما من الجن.\nأصحاب القول الأول:\nالطبري: \" فمعنى الآية على تأويل هذا القول الذي ذكرنا عمن ذكرناه عنه: واتبعت اليهود الذي تلت الشياطين في ملك سليمان الذي أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت. وهما ملكان من ملائكة الله\" (^٤).\nالثعلبي (^٥): \" «هاروت وماروت»: اسمان سريانيان، وهما في محل الخفضِ على تفسير\n_________\n(^١) سيأتي إيراده.\n(^٢) التمحل: من الحيلة، تقول: وتمَحَّلَ أَي احْتال، فهو مُتَمَحِّل. يقال: تَمَحَّل لي خيرا أَي اطلُبْه. والمِحَالُ مُمَاحَلَة الإِنسان، وهي مُناكرتُه إياه، يُنكر الذي قاله. ينظر: لسان العرب: ابن منظور (١١/ ٦١٩).\n(^٣) محاسن التأويل: القاسمي: (١/ ٢١٣).\n(^٤) جامع البيان: الطبري (٢/ ٣٣٣).\n(^٥) وهو: أحمد بن محمد بن إبراهيم أبو إسحاق النيسابوري الثعلبي، صاحب التفسير، كان أوحد زمانه في علم القرآن وله كتاب العرائس في قصص الأنبياء ﵈، مات سنة سبع وعشرين وأربعمائة. ينظر: طبقات الشافعية: السبكي (٤/ ٥٨)","vol":"1","page":197},{"text":"الملكين بدلًا منهما\" (^١).\nابن جزي: \" هارُوتَ وَمارُوتَ اسمان علمان بدل من الملكين\" (^٢).\nأبو السعود: \"وهما ملكان أنزلا لتعليم السحر ابتلاء من الله للناس\" (^٣).\nأصحاب القول الثاني:\nابن حزم: \"هاروت وماروت المذكورين في القرآن لا يخلو أمرهما من أحد وجهين لا ثالث لهما: إما أن يكونا جنين من أحياء الجن كما روينا عن خالد بن أبي عمران (^٤) وغيره وموضعهما حينئذ في الجو بدل من الشياطين كأنه قال: ولكن الشياطين كفروا هاروت وماروت، ويكون الوقوف على قوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ﴾ ويتم الكلام هنا، وإما أن يكونا ملكين أنزل الله ﷿ عليهما شريعة حق ثم مسخها فصارت كفرا كما فعل بشريعة موسى وعيسى -عليهما الصلاة والسلام- فتمادى الشياطين على تعليمهما وهي بعد كفر كأنه قال تعالى ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ (^٥).\nالقرطبي: \"اليهود قالوا: إنّ الله أنزل جبريل وميكائيل بالسحر، فنفى الله ذلك، وفي الكلام تقديم وتأخير. التقدير: وما كفر سليمان، وما أنزل على الملكين، ولكنّ الشياطين كفروا يعلّمون الناس السحر ببابل هاروت وماروت، فهاروت وماروت بدل من الشياطين.\n_________\n(^١) الكشف والبيان: الثعلبي (٣/ ٤٨٢). وانظر: معالم التنزيل: البغوي (١/ ١٢٩)، وانظر: مفاتيح الغيب: الرازي (٣/ ٦٣٢)، وانظر: أنوار التنزيل: البيضاوي (١/ ٩٧).\n(^٢) التسهيل: ابن جزي (١/ ٩٢)، وانظر: نظم الدرر: البقاعي (٢/ ٧٨).\n(^٣) إرشاد العقل السليم: أبي السعود (١/ ١٣٨).\n(^٤) روى عبد الله بن وهب القرشي عن خالد بن أبي عمران التجيبي أنه ذكر عنده هاروت وماروت وأنهما يعلمان السحر فقال نحن ننزههما عن هذا فقرأ بعضهم (وما أنزل على الملكين) فقال خالد لم ينزل عليهما فهذا خالد على جلالته وعلمه نزههما عن تعليم السحر الذي قد ذكر غيره انهما مأذون لهما في تعليمه بشريطة أن يبيننا أنه كفر وأنه امتحان من الله وابتلاء، فكيف لا ينزههما عن كبائر المعاصي والكفر المذكورة في تلك الأخبار. ينظر: الشفا: القاضي عياض (٢/ ١٧٦).\n(^٥) الفصل في الملل والأهواء والنحل: ابن حزم (٣/ ١٤٥).","vol":"1","page":198},{"text":"وهذا أولى ما حملت عليه الآية، فالسحر من استخراج الشياطين للطافة جوهرهم، ودقة أفهامهم\" (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-182> دراسة المسألة:</span>\nبعد عرض ما تقدم من أقوال المفسرين، يظهر أن الراجح والصواب أن هاروت وماروت من الملائكة ولَيْسا من الجن، بخلاف ما قرره ابن حزم في الفِصل، وذلك للأوجه الآتية:\nأولًا: سياق الآية وظاهر اللفظ الذي يدل على أن هاروت وماروت من الملائكة، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾. ولم يقل الشياطين.\nثانيًا: القول بأن هاروت وماروت كانا ملكين من السماء، وأنهما أنزلا إلى الأرض، فكان من أمرهما ما كان، هو ما ذهب إليه كثير من السلف (^٢).\nثالثًا: القول بأن ﴿هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ بدل من ﴿الشَّيَاطِينَ﴾ وأن المراد بالشياطين شيطانان وضعا السحر للناس هما هاروت وماروت، من الخطأ إذ يلزم أن يصير قوله: ﴿عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ كلاما حشوا (^٣).\nرابعًا: ورود بعض الآثار الصحيحة التي ظاهرها يدل على أن هاروت وماروت من الملائكة.\nومن ذلك: ما أخرجه عبد الرزاق في تفسيره عن عبيد الله بن عبد الله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ كانا ملكين من الملائكة، فأهبطا ليحكما بين الناس. وذلك أن الملائكة سخروا من حكام بني آدم، فحاكمت إليهما امرأة، فحافا لها. ثم ذهبا يصعدان فحيل بينهما وبين ذلك، ثم خيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب\n_________\n(^١) الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (٢/ ٢٨٢).\n(^٢) انظر: تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (١/ ٥٢٣)، وانظر: فتح القدير: الشوكاني (١/ ١٤٠).\n(^٣) انظر: التحرير والتنوير: ابن عاشور (١/ ٦٤٠).","vol":"1","page":199},{"text":"الدنيا (^١).\nخامسًا: على القول بأن في الآية تقديم وتأخير، وأن هاروت وماروت بدل من الشياطين، فإنه لا يدل على أن هاروت وماروت من الجن والشياطين، بل يدل على أنهما من البشر، وهذا خلاف ما تقدم تقريره بأنهم من الملائكة.\nقال ابن جرير: فإن قال لنا قائل: وكيف وجه تقديم ذلك؟ قيل: وجه تقديمه أن يقال: واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان وما أنزل على الملكين، ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ببابل هاروت وماروت. فيكون معنيا بالملكين: جبريل وميكائيل؛ لأن سحرة اليهود فيما ذكر كانت تزعم أن الله أنزل السحر على لسان جبريل وميكائيل إلى سليمان بن داود. فأكذبها الله بذلك وأخبر نبيه محمدا ﷺ أن جبريل وميكائيل لم ينزلا بسحر قط، وبرأ سليمان مما نحلوه من السحر، فأخبرهم أن السحر من عمل الشياطين، وأنها تعلم الناس ببابل، وأن الذين يعلمونهم ذلك رجلان اسم أحدهما هاروت واسم الآخر ماروت؛ فيكون هاروت وماروت على هذا التأويل ترجمة على الناس وردا عليهم (^٢).\nسادسًا: جميع الأوجه التي تقدم ذكرها في المسألة السابقة من أن السحر كان نازلًا على الملكين تدل على أن هاروت وماروت كانا ملكين من الملائكة وليسا من الجن.\nتنبيهات:\nالأول: تعقب الحافظ ابن كثير ﵀ على قول ابن حزم فقال: \"وادعى ابن جرير أن هاروت وماروت ملكان أنزلهما الله إلى الأرض، وأذن لهما في تعليم السحر اختبارا لعباده وامتحانا، بعد أن بين لعباده أن ذلك مما ينهى عنه على ألسنة الرسل، وادعى أن هاروت وماروت مطيعان في تعليم ذلك؛ لأنهما امتثلا ما أمرا به.\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (١/ ٢٨٢) برقم: (٩٤)، وأورده الحافظ ابن كثير في تفسيره (١/ ٥٣٠)، قال محقق الكتاب: إسناده صحيح.\n(^٢) جامع البيان: الطبري (٢/ ٣٣١، ٣٣٢)، وانظر: فتح القدير: الشوكاني (١/ ١٤٠).","vol":"1","page":200},{"text":"وهذا الذي سلكه غريب جدا! وأغرب منه قول من زعم أن هاروت وماروت قبيلان من الجن [كما زعمه ابن حزم] \" (^١).\nالثاني: تعقب الآلوسي على قول القرطبي فقال: \"وممّا يقضي منه العجب ما قاله الإمام القرطبي: إنّ هاروت وماروت بدل من الشياطين\".\nثم قال: \"وأعجب من هذا قوله: وهذا أولى ما حملت عليه الآية من التأويل وأصح ما قيل فيها، ولا تلتفت إلى ما سواه.\nولا يخفى لدى كل منصف أنه لا ينبغي لمؤمن حمل كلام الله -تعالى وهو في أعلى مراتب البلاغة والفصاحة- على ما هو أدنى من ذلك وما هو إلا مسخ لكتاب الله -تعالى عز شأنه- وإهباط له عن شأوه ومفاسد قلة البضاعة لا تحصى\" (^٢).\nالثالث: ما أورده بعض المفسرين كابن كثير وابن الجوزي وغيرهم عن الملكين هاروت وماروت من قصص عجيبة وأخبار غريبة، قد جمعها العلامة محمد أبو شهبة وبين زيفها (^٣).\nفائدة:\nسُئل العلامة ابن باز ﵀ عن هاروت وماروت هل هما ملكان أم بشران؟\nفأجاب ﵀: \"اختلف العلماء في هذا. والأظهر: أنهما ملكان نزلا ابتلاء وامتحانا، كما قال الله ﷿: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ الآية.\nوقال بعض أهل العلم: إنهما ملكان من بني آدم ابتلي الناس بهما. والقول الأول هو الأظهر. والقراءة على هذا في القول الأول بفتح اللام، وعلى القول الثاني بكسرها\" (^٤).\n_________\n(^١) تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (١/ ٥٢٢).\n(^٢) روح المعاني: الآلوسي (٢/ ٣٥٥، ٣٥٦).\n(^٣) انظر: الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير: محمد أبو شهبة (ص: ١٥٩ - ١٦٦).\n(^٤) مجموع فتاوى ابن باز (٨/ ١١٥).","vol":"1","page":201},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-183> النتيجة:</span>\nمن خلال عرض ما تقدم من أقوال أهل العلم يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن هاروت وماروت من الملائكة وليسا من الجن، لما تقدم إيراده من الأوجه الدالة على ذلك، والله أعلم.","vol":"1","page":202},{"text":"<span data-type='title' id=toc-184>١١ - قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤)﴾ [سورة البقرة: ١٢٤].</span>\nقال القاسمي: استدلت المعتزلة بهذه الآية على أن الظالم ليس بأهل للإمامة. والكشاف أوسع المقال، في ذلك، هنا، وأبدع في إيراد الشواهد. كما أن الشيعة استدلت بها على صحة قولهم في وجوب العصمة في الأئمة، ظاهرا وباطنا. على ما نقله الرازي عنهم وحاورهم.\nوأقول: إن استدلال الفرقتين على مدعاهما وقوف مع عموم اللفظ. إلا أن الآية الكريمة بمعزل عن إرادة خلافة السلطنة والملك (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-185> أقوال أهل العلم في دلالة الآية على وجوب العصمة في الأئمة:</span>\nالقول الأول: أن الآية تدل على العصمة في الأئمة ظاهرًا وباطنًا.\nالقول الثاني: عدم دلالة الآية على العصمة في الأئمة لا ظاهرًا ولا باطنًا.\nأصحاب القول الأول: الشيعة الاثني عشرية (^٢):\nابن بابويه القمي (^٣): في تفسير قوله تعالى: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾: \"فإذن لا يكون الإمام إلا معصوما، ولا تعلم عصمته إلا بنصّ الله ﷿ عليه\" (^٤).\nالطوسي (^٥): \" واستدل أصحابنا بهذه الآية على أن الإمام لا يكون إلا معصومًا من\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي: (٢/ ٢٤٦).\n(^٢) الإثني عشرية: وهم القائلون بإمامة علي ﵁ بعد النبي ﵇؛ نصا ظاهرا، ويقعون في كبار الصحابة طعنا وتكفيرا، وهم في المعتقد إما معتزلة وإما وعيدية. ينظر: الملل والنحل: الشهرستاني (١/ ٥١).\n(^٣) وهو: محمد بن علي بن الحسين القمي؛ رأس الإمامية، أبو جعفر محمد ابن العلامة علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي، صاحب التصانيف السائرة بين الرافضة، يضرب بحفظه المثل. ينظر: سير أعلام النبلاء: الذهبي (١٦/ ٣٠٣).\n(^٤) الخصال: ابن بابويه القمي، باب الخمسة (١/ ٣١٠).\n(^٥) وهو: محمد بن الحسن بن علي أبو جعفر الطوسي، شيخ الشيعة، وصاحب التصانيف، قدم بغداد، وتفقه أولا للشافعي، ثم أخذ عن الشيخ المفيد رأس الإمامية، ولزمه وبرع، مات سنة ٤٦٠ هـ، ينظر: سير أعلام النبلاء: الذهبي (١٨/ ٣٣٤).","vol":"1","page":203},{"text":"القبائح، لأن الله -تعالى- نفى أن ينال عهده - الذي هو الإمامة- ظالم، ومن ليس بمعصوم فهو ظالم إما لنفسه أو لغيره\" (^١).\nالطبطبائي (^٢): \" يستنتج من الآية: أن الإمام يجب أن يكون معصومًا عن الضلال والمعصية، وإلا كان غير مهتد بنفسه، كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ [سورة الأنبياء: ٧٣] \" (^٣).\nأصحاب القول الثاني: أهل السنة ومن وافقهم من الأشاعرة.\nالرازي: \" أما الشيعة فيستدلون بهذه الآية على صحة قولهم في وجوب العصمة ظاهرا وباطنا، وأما نحن فنقول: مقتضى الآية ذلك، إلا أنا تركنا اعتبار الباطن فتبقى العدالة الظاهرة معتبرة\" (^٤).\nالنيسابوري (^٥): قال في تفسيره للآية\" العبرة بالعدالة الظاهرة فنحن نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر خلافا للشيعة فإنهم يقولون بوجوب العصمة ظاهرا وباطنا\" (^٦).\nالمظهري (^٧): \"ليس في الآية حجة للروافض على كون العصمة شرطا في الإمامة والله\n_________\n(^١) التبيان في تفسير القرآن: الطوسي (٣/ ٣٨١، ٣٨٢)، وانظر: مجمع البيان: الطبرسي (١/ ٢٧٩).\n(^٢) وهو: محمد حسين بن السيد محمد بن الميرزا علي أصغر الطبطبائي التبريزي القاضي، مدرس كبير، متضلع في التفسير والفلسفة والحديث والكلام والأصول، وكاتب بليغ في العربية والفارسية، مات سنة ١٤٠٢ هـ. ينظر: معجم رجال الفكر والأدب في النجف: الأميني (ص: ٨٥).\n(^٣) الميزان في تفسير القرآن: الطبطبائي (١/ ١٢٤)، بتصرف.\n(^٤) مفاتيح الغيب: الرازي (٤/ ٣٨).\n(^٥) وهو: الحسن بن محمد النيسابوري ابن حبيب، أبو القاسم، المفسر، الواعظ، صاحب كتاب (عقلاء المجانين)، صنف في التفسير والآداب، مات في ذي الحجة سنة ٤٠٦ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء: الذهبي (١٧/ ٢٣٧).\n(^٦) غرائب القرآن: النيسابوري (١/ ٣٨٨).\n(^٧) وهو: محمد ثناء الله الباني النقشبندي الهندي، فقيه حنفي، مفسر، كان فقيهًا أصوليًا زاهدًا مجتهدًا، له اختيارات في المذهب، ومصنفات عظيمة في الفقه والتفسير والزهد، مات سنة ١٢١٦ هـ. ينظر: نزهة الخواطر: الطالبي (٧/ ٩٤٢).","vol":"1","page":204},{"text":"اعلم\" (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-186> دراسة المسألة:</span>\nاستدل الشيعة الاثني عشرية بهذه الآية على وجوب العصمة في الأئمة، ظاهرا وباطنا، والذي أوقع الشيعة في هذا الاستدلال الغريب البعيد هو فساد منهجهم في التفسير وقولهم أن للقرآن معنى ظاهرًا ومعنى باطنًا لا يعرفه إلا الأئمة (^٢)، فلا غرابة أن تصدر منهم مثل هذه الاستدلالات التي توافق أهواءهم، والله أعلم.\nوالجواب على استدلالهم من وجوه عدة:\nالوجه الأول: مخالفة استدلالهم لنظائر الآيات، كقوله تعالى عن إبراهيم: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [سورة الشعراء: ٨٢]. فإذا كانت الآية تدل على العصمة فهل كان يعلم إبراهيم ذلك؟ فإمامة الهدى ليست خاصة بمعصومين فقد جعلها الله لبني إسرائيل ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [سورة السجدة: ٢٤] وجعلها عامة لكل مستضعف فقال ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ [سورة القصص: ٥] والشيعة يجعلون هذه الآية في مرتبة لا تليق إلا بطينة خاصة من البشر وهي طينة المعصومين.\nالوجه الثاني: ليس في القرآن الكريم، ولا في أحاديث الرسول ﷺ ما يدل على هذه العصمة. فقوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤)﴾ ليس فيه معنى العصمة، فهناك فرق كبير بين الظلم وعدم العصمة، فغير المعصوم إذا أخطأ فلم يصر على هذا الخطأ وتاب وأناب إلى الله -تعالى- فليس بظالم. ثم أين هذا من السهو والنسيان الذي لا يحاسب عليه الإنسان، كما قال الرسول ﷺ: \"إن الله\n_________\n(^١) التفسير المظهري: محمد ثناء الله المظهري (١/ ١٢٤).\n(^٢) وهذا ما قرره الطبطبائي الشيعي في تفسير الميزان (٣/ ٧٣).","vol":"1","page":205},{"text":"قد تجاوز عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه\" (^١).\nالوجه الثالث: أن استدلالهم هذا مخالف للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وأئمتها فإن الله -تعالى- يقول ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [سورة النساء: ٥٩]. الآية فلم يأمرنا بالرد عند التنازع إلا إلى الله والرسول ﷺ فمن أثبت شخصا معصوما غير الرسول أوجب رد ما تنازعوا فيه إليه لأنه لا يقول عنده إلا الحق كالرسول ﷺ وهذا خلاف القرآن، وأيضا فإن المعصوم تجب طاعته مطلقا بلا قيد ومخالفه يستحق الوعيد والقرآن إنما أثبت هذا في حق الرسول خاصة قال تعالى ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [سورة النساء: ٦٩]. وقال ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [سورة الجن: ٢٣]. فدل القرآن في غير موضع على أن من أطاع الرسول كان من أهل السعادة ولم يشترط في ذلك طاعة معصوم آخر.\nومن عصى الرسول كان من أهل الوعيد وإن قدر أنه أطاع من ظن أنه معصوم فالرسول ﷺ هو الذي فرق الله به بين أهل الجنة وأهل النار، وبين الأبرار والفجار، وبين الحق والباطل، وبين الغي والرشاد، والهدى والضلال، وجعله القسيم الذي قسم به عباده إلى شقي وسعيد فمن اتبعه فهو السعيد ومن خالفه فهو الشقي وليست هذه المرتبة لغيره ولهذا اتفق أهل العلم أهل الكتاب والسنة على أن كل شخص سوى الرسول فإنه يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ﷺ فإنه يجب تصديقه في كل ما أخبر وطاعته في كل ما أمر فإنه المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى\" (^٢).\nالوجه الرابع: أن قولهم إن غير المعصوم يسمى ظالما فيتناوله قوله تعالى ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ ليس كما زعموا، إذ الظالم لغة: من يضع الشيء في غير محله، وشرعا:\n_________\n(^١) مع الإثني عشرية: علي السالوس (١/ ٨٩). والحديث أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب الطلاق، باب طلاق المكره والناسي، برقم: (٢٠٤٣)، قال الألباني: صحيح.\n(^٢) منهاج السنة: ابن تيمية (٦/ ١٨٩ - ١٩١).","vol":"1","page":206},{"text":"العاصي. وغير المعصوم قد يكون محفوظا فلا يصدر عنه ذنب أو يصدر عنه ويتوب منه حالا توبة نصوحا فالآية لا تتناوله وإنما تتناول العاصي على أن العهد في الآية كما يحتمل أن يراد به الإمامة العظمى يحتمل أيضا أن المراد به النبوة أو الإمامة في الدين أو نحوهما من مراتب الكمال وهذه الجهالة منهم إنما اخترعوها ليبنوا عليها بطلان خلافة غير علي (^١).\nالوجه الخامس: أن العصمة من الخطأ كبيره وصغيره، عمدًا وسهوًا ونسيانًا من المولد إلى الممات أمر يتنافى مع الطبيعة البشرية، فلا يقبله العقل إلا بالدليل قطعي من النقل. وهذه الآية الكريمة لا تثبته للأئمة عمومًا فضلًا عن أئمة الجعفرية على وجه الخصوص، على أن دلالة القرآن الكريم تتنافى مع مثل هذه العصمة حتى بالنسبة لخير البشر جميعًا الذين اصطفاهم الله تعالى للنبوة والرسالة (^٢).\nالوجه السادس: أن استدلالهم هذا يؤدي إلى أن جميع المسلمين وكذلك الشيعة وأهل البيت - إلا من تعتقد الشيعة عصمتهم - جميعهم ظلمة لأنهم غير معصومين، وقد قال شيخهم الطوسي بأن: \"الظّلم اسم ذمّ فلا يجوز أن يطلق إلا على مستحقّ اللّعن لقوله تعالى: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ \" (^٣).\nالوجه السابع: أن علماء الشيعة الزيدية يقررون نقض استدلال الشيعة الاثني عشرية بهذه الآية، حيث يقول الزيدي: \"احتج الرافضة بالآية على أن الإمامة لا يستحقها من ظلم مرة، ورام الطعن في إمامة أبي بكر ﵁ وعمر ﵁، وهذا لا يصح لأن العهد إن حمل على النبوة فلا حجة، وإن حمل على الإمامة فمن تاب من الظّلم لا يوصف بأنّه ظالم، ولم يمنعه - تعالى - من نيل العهد إلا حال كونه ظالمًا\" (^٤).\n_________\n(^١) الصواعق المحرقة: ابن حجر الهيتمي (١/ ٢٧، ٢٨).\n(^٢) مع الإثني عشرية: علي السالوس (١/ ٨٩).\n(^٣) التبيان في تفسير القرآن: الطوسي (٢/ ٨٣).\n(^٤) تفسير الثمرات اليانعة: الفقيه يوسف الزيدي (ص: ٢٢٢)، وانظر كتاب: أصول مذهب الشيعة الإمامية: ناصر القفاري (٢/ ٧٨٥، ٧٨٦).","vol":"1","page":207},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-187> النتيجة:</span>\nمن خلال ما تم عرضه من أقوال أهل العلم في هذه المسألة يتبين جليًا بطلان استدلال الشيعة الاثني عشرية بقوله تعالى: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ على وجوب العصمة للأئمة، وأن الحق مع أصحاب القول الثاني من أهل السنة والجماعة من أن الآية لا تدل على ذلك، لما تقدم إيراده من الأوجه، والله أعلم.","vol":"1","page":208},{"text":"<span data-type='title' id=toc-188>١٢ - قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة البقرة: ١٣١].</span>\nقال القاسمي: وظاهر النظم الكريم أن القول حقيقي، وليس في ذلك مانع، ولا ما جاء ما يوجب تأويله. وقول بعضهم: هو تمثيل، والمعنى: أخطر بباله دلائل التوحيد المؤدية إلى المعرفة الداعية إلى الإسلام ليس بشيء. ولا معنى لحمل شيء من الكلام على المجاز، إذا أمكنت فيه الحقيقة بوجه ما (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-189> أقوال أهل العلم في المراد من القول في قوله تعالى لإبراهيم ﵇: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ﴾ من حيث الحقيقة والمجاز:</span>\nالقول الأول: أن القول حقيقي على ظاهره.\nالقول الثاني: أنه مجاز، والمعنى: أخطر بباله دلائل التوحيد المؤدية إلى المعرفة الداعية إلى الإسلام.\nأصحاب القول الأول:\nالطبري: \" ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ﴾ إذ قال له ربه: أخلص لي العبادة، واخضع لي بالطاعة\" (^٢).\nمكي بن أبي طالب: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ﴾ أي واذكروا إذ قال له ربه أسلم، أي أخلص لي العبادة والطاعة\" (^٣).\nالسمعاني: \" ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ﴾ يعني أي: استسلم وأخلص عبادتك لله ﴿قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أخلصت وفوضت إليه\" (^٤).\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي: (٢/ ٢٦٣).\n(^٢) جامع البيان: الطبري (٢/ ٥٨١).\n(^٣) الهداية: مكي بن أبي طالب (١/ ٤٥٥).\n(^٤) تفسير القرآن: السمعاني (١/ ١٤٢)، وانظر: معالم التنزيل: البغوي (١/ ١٥٣).","vol":"1","page":209},{"text":"ابن كثير: \" ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أي: أمره الله بالإخلاص له والاستسلام والانقياد، فأجاب إلى ذلك شرعا وقدرا\" (^١).\nأصحاب القول الثاني:\nالزمخشري: \" معنى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ﴾: أخطر بباله النظر في الدلائل المؤدية إلى المعرفة والإسلام\" (^٢).\nالبيضاوي: \" كأنه قيل: اذكر ذلك الوقت لتعلم أنه المصطفى الصالح المستحق للإمامة والتقدم، وأنه نال ما نال بالمبادرة إلى الإذعان وإخلاص السر حين دعاه ربه وأخطر بباله دلائله المؤدية إلى المعرفة الداعية إلى الإسلام\" (^٣).\nابن عرفة (^٤): \"هذا إما قول حقيقة بعد رؤية الكوكب والقمر والشمس وإما بمعنى الإلهام إلى ذلك وخلقه في قلبه بنصب الدلائل العقلية عليه\" (^٥).\n\n•<span data-type='title' id=toc-190> دراسة المسألة:</span>\nمن خلال النظر في أقوال المفسرين في هذه الآية نجد أن مثل هذا التأويل الباطل - وهو المعنى المجازي- يكثر عند المعتزلة وهو حمل ألفاظ الحقيقة على المجاز وخاصة فيما يتعلق بصفات الله -تعالى-، لأنهم يظنون أن إثبات المعنى الحقيقي يستلزم منه التجسيم وتشبيه الله بخلقه، تعالى الله عن ذلك.\nوهذا القول ليس بغريب أن يصدر من الزمخشري المعتزلي الذي يفتخر باعتزاليته، لأن\n_________\n(^١) تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (١/ ٦٤٦، ٦٤٧).\n(^٢) الكشاف: الزمخشري (١/ ١٩١)، وانظر: إرشاد العقل السليم: أبو السعود (١/ ١٦٣)، وانظر: روح المعاني: الآلوسي (٢/ ٤٥٣).\n(^٣) أنوار التنزيل: البيضاوي (١/ ١٠٧).\n(^٤) وهو: محمد بن محمد بن عرفة الورغمي التونسي يكنى أبا عبد الله، الإمام العلامة المقرئ الفروعي، الأصولي البياني، المنطقي شيخ الشيوخ وبقية أهل الرسوخ، مات سنة ٨٠٣ هـ. ينظر: الديباج المذهب: ابن فرحون (٢/ ٣٣١).\n(^٥) تفسير ابن عرفة (١/ ٤٢١).","vol":"1","page":210},{"text":"إثبات المعنى الحقيقي يلزم منه إثبات صفة الكلام لله تعالى حقيقة، وهذا يُخالف عقيدة المعتزلة، فقالوا بما معناه أن هذا من المجاز، وعقيدة الأشاعرة الذين يريدون بالكلام: الكلام النفسي وليس الحقيقي.\nوتفسير الزمخشري لقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ﴾ بمعنى: أخطر بباله دلائل التوحيد المؤدية إلى المعرفة الداعية إلى الإسلام. مردود من أوجه:\nالأول: أنه خلاف ظاهر اللفظ، ولا يجوز العدول عن الظاهر إلا بدليل يصرف المعنى الظاهر إلى معنىً آخر.\nيقول ابن جرير الطبري: \" وغير جائز ترك الظاهر المفهوم من الكلام إلى باطن لا دلالة على صحته\" (^١).\nالثاني: أن مثل هذا التأويل يُعتبر من المجاز وهو: اللفظ المستعمل في غير ما وضع له (^٢)، ومسألة وقوع المجاز في القرآن أو في اللغة مما اختُلف فيه وليس المقام بأن يُذكر هذا الخلاف، ولكن على التسليم بوقوعه فهو مشروط بوجود قرينة تصرف من المعنى الحقيقي إلى المعنى المجازي إن كان فيما لا يتعلق بصفات الله تعالى كما في هذه الآية، ولا قرينة (^٣).\nالثالث: أن مثل هذا التفسير يُخالف أقوال المفسرين من السلف -رضوان الله عليهم- كابن عباس، والحسن، وعطاء، وغيرهم (^٤)، التي تفيد المعنى الحقيقي، وهم أعلم بكتاب الله تعالى ممن جاء بعدهم، وكل خير في اتباعهم.\n_________\n(^١) جامع البيان: الطبري (١/ ٦٢١).\n(^٢) انظر: مجموع الفتاوى: ابن تيمية (٧/ ٩٠). وانظر: بدائع الفوائد: ابن القيم (٤/ ١٦٦٠).\n(^٣) انظر: بيان تلبيس الجهمية: ابن تيمية (١/ ٢٦٣)، وانظر: مجموع الفتاوى: ابن تيمية (٧/ ٩٠).\n(^٤) أخرج نحوا من أقوالهم ابن أبي حاتم في تفسيره (١/ ٢٣٩) وأورد منها الثعلبي في الكشف والبيان (٤/ ١٣٥، ١٣٦)، والبغوي في معالم التنزيل (١/ ١٥٣).","vol":"1","page":211},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-191> النتيجة:</span>\nبعد عرض ما تقدم من الأقوال والأدلة، يتبين بطلان قول من قال في قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ﴾ أنه يُحمل على المجاز والتمثيل، لعدم وجود قرينة تصرف المعنى الحقيقي إلى المعنى المجازي، ولمخالفته ما عليه المفسرون من السلف، فحمل لفظ الآية على المجاز والتمثيل ليس بشي كما قال القاسمي ﵀.","vol":"1","page":212},{"text":"<span data-type='title' id=toc-192>١٣ - قوله تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سورة البقرة: ١٣٤].</span>\nقال الرازي: \"الآية دالة على بطلان التقليد، لأن قوله ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ يدل على أن كسب كل واحد يختص به، ولا ينتفع به غيره، ولو كان التقليد جائزا، لكان كسب المتبوع نافعا للتابع، فكأنه قال: إني ما ذكرت حكاية أحوالهم طلبا منكم أن تقلدوهم، ولكن لتنبهوا على ما يلزمكم، فتستدلوا وتعلموا أن ما كانوا عليه من الملة هو الحق\" (^١). انتهى.\nقال القاسمي: ومعلوم أن اتباع الأنبياء ﵈، والإيمان بهم، لا يسمى تقليدا، لخروجه عن حده المقرر في كتب الأصول (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-193> أقوال أهل العلم في وصف من اتبع الأنبياء ﵈ بالتقليد:</span>\nالقول الأول: أن اتباع الأنبياء يُسمى تقليدًا.\nالقول الثاني: أن اتباع الأنبياء لا يُسمى تقليدًا.\nأصحاب القول الأول:\nالشافعي: \"ولا يحل تقليد أحد سوى رسول اللَّه ﷺ \" (^٣).\nابن رشد (^٤): \"التقليد هو قبول قول قائل يغلب على الظن صدقه لحسن الثقة فيه. والفرق بين هذا وبين، تقليده ﷺ، أن تقليده هو قبول قول يقع للإنسان اليقين به لدلالة\n_________\n(^١) مفاتيح الغيب: الرازي (٤/ ٦٨).\n(^٢) محاسن التأويل: القاسمي: (٣/ ٢٦٩).\n(^٣) سلاسل الذهب: الزركشي (ص: ٤٤٠).\n(^٤) وهو: محمد بن أحمد بن أحمد ابن رشد أبو الوليد، الإمام، العلامة، شيخ المالكية، قاضي الجماعة بقرطبة، أبو الوليد محمد بن أحمد بن أحمد بن رشد القرطبي، المالكي، مات سنة ٥٢٠ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء: الذهبي (١٩/ ٥٠١)","vol":"1","page":213},{"text":"المعجزة على صدقه ﷺ \" (^١).\nالماوردي (^٢): \"وأما من يجوز تقليدهم فهم أربعة أصناف: أحدها: النبي ﷺ فيما شرعه وأمر به\" (^٣).\nأصحاب القول الثاني:\nابن قدامة (^٤): \" لا يسمى الأخذ بقول النبي ﷺ والإجماع تقليدًا؛ لأن ذلك هو الحجة في نفسه\" (^٥).\nالسمعاني: \" فأما اتباع الرسول ﷺ والتسليم لحكمه فواجب ولا نقول إنه تقليد بل هو اتباع محض \" (^٦).\nالقرافي (^٧): \"التقليد هو الاتباع الذي لا حجة فيه، واتباعه ﵇ -فيه حجج المعجزة وغيرها، فهذا ليس تقليدًا\" (^٨).\nالطوفي: \" وليس قبول قول النبي ﷺ تقليدا، إذ هو حجة في نفسه\" (^٩).\n_________\n(^١) الضروري في أصول الفقه: ابن رشد (ص: ١٤٣).\n(^٢) وهو: علي بن محمد بن حبيب الماوردي أبو الحسن، الإمام العلامة، أقضى القضاة، البصري، الماوردي، الشافعي، صاحب التصانيف، حدث عنه: أبو بكر الخطيب، ووثقه، مات سنة ٤٥٠ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء: الذهبي (١٨/ ٦٤).\n(^٣) الحاوي الكبير: الماوردي (١/ ٢١).\n(^٤) وهو: عبد الله بن أحمد بن محمد ابن قدامة المقدسي الشيخ، الإمام، العلامة، المجتهد، شيخ الإسلام، موفق الدين، الحنبلي، صاحب (المغني)، وكان من بحور العلم، وأذكياء العالم، مات سنة ٦٢٠ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء: الذهبي (٢٢/ ١٦٥).\n(^٥) روضة الناظر: ابن قدامة (٢/ ٣٨١).\n(^٦) قواطع الأدلة: السمعاني (٢/ ٣٤٠)، وانظر: البحر المحيط: الزركشي (٨/ ٣١٧).\n(^٧) وهو: أحمد بن إدريس القرافي البهنسي المصري: الإمام العلامة وحيد دهره وفريد عصره، انتهت إليه رئاسة الفقه على مذهب مالك كان إمامًا بارعًا في الفقه والأصول وله معرفة بالتفسير مات سنة ٦٨٤ هـ. ينظر: الديباج المذهب: ابن فرحون (١/ ٢٣٦).\n(^٨) نفائس الأصول: القرافي (٩/ ٣٩٦٢)، بتصرف.\n(^٩) شرح مختصر الروضة: الطوفي (٣/ ٦٥٠).","vol":"1","page":214},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-194> دراسة المسألة:</span>\nقبل بيان الصواب في هذه المسألة، يجب التنبيه على أن علماء الأصول قسَّموا التقليد باعتبار حكمه إلى نوعان: تقليد جائز، وتقليد غير جائز.\nقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀: \"والتحقيق أن التقليد منه ما هو جائز، ومنه ما ليس بجائز، ومنه ما خالف فيه المتأخرون المتقدمين من الصحابة وغيرهم من القرون الثلاثة المفضلة.\nأما التقليد الجائز: الذي لا يكاد يخالف فيه أحد من المسلمين فهو تقليد العامي عالمًا أهلًا للفتيا في نازلة نزلت به، وهذا النوع من التقليد كان شائعًا في زمن النبي ﷺ، ولا خلاف فيه، فقد كان العامي، يسأل من شاء من أصحاب رسول الله ﷺ عن حكم النازلة تنزل به، فيفتيه فيعمل بفتياه، وإذا نزلت به نازلة أخرى لم يرتبط بالصحابي الذي أفتاه أولًا، بل يسأل عنها من شاء من أصحاب رسول الله ﷺ ثم يعمل بفتياه.\nوأما ما لا يجوز من التقليد بلا خلاف: فهو تقليد المجتهد الذي ظهر له الحكم باجتهاد، مجتهد آخر يرى خلاف ما ظهر له هو، للإجماع على أن المجتهد إذا ظهر له الحكم باجتهاده، لا يجوز له أن يقلد غيره المخالف لرأيه\" (^١).\nفتفسير الرازي للآية بقوله: \"فكأنه -تعالى- قال: إني ما ذكرت حكاية أحوالهم طلبا منكم أن تقلدوهم\"، يُحمل على ذم التقليد الذي يُخالف شرعنا، والله أعلم.\nوالظاهر أن القاسمي ﵀ نظر إلى مفهوم التقليد باعتبار أنه اتباع شخص أو طريقة من غير دليل، والله أعلم.\nوالظاهر أن الرازي يُريد من عبارته، دفع التوهم بأن طريقة الدين التقليد. كما يقول في تفسير الآية: \" لما ذكر -تعالى- حسن طريقة الأنبياء الذين ذكرهم في هذه الآيات بين أن الدليل لا يتم بذلك، بل كل إنسان مسؤول عن عمله، ولا عذر له في ترك الحق بأن يتوهم أنه متمسّك بطريقة من تقدم؛ لأنهم أصابوا أو أخطئوا لا ينفع هؤلاء ولا يضرهم لئلا\n_________\n(^١) أضواء البيان: الشنقيطي (٧/ ٤٨٧، ٤٨٨).","vol":"1","page":215},{"text":"يتوهم أن طريقة الدين التقليد\" (^١).\nوقد ذكر بعض أهل العلم أوجهًا لتوجيه كلام الشافعي ﵀ المتقدم:\nالأول: أن الشافعي ﵀ أطلق على جعل القبول من النبي ﷺ تقليدا ولم يرد حقيقة التقليد، وإنما أراد القبول من السؤال عن وجهه (^٢).\nالثاني: لعل الشافعي أراد بتقليده ﵊ أنه ليس لأحد أن يقول له: من أين قلت؟ ولا: لم قلت؟ (^٣).\nالثالث: أن المعنى أنه لا يجوز لكل أحد تقليد أحد بعد الرسول، بل يفترقون، فعالمهم لا يقلد، وعاميهم يقلد. وأما الرسول فنسبة العالم والجاهل إليه سواء، والكل بالنسبة إليه بمنزلة الجاهل عند المجتهد يأخذ بقوله تقليدا (^٤).\nفبناءً على ما تقدم فالأظهر أن يُقال: إن أُريدَ من تقليد الأنبياء الاتباع والانقياد بالسمع والطاعة، فهذا مطلوب شرعا، بأمر الله -تعالى- باتباع أنبيائه، ولا مانع بأن يُسمى تقليدًا، إذ إن هذا التقليد يقتضي التمسك بدين الله تعالى وهذا هو التقليد المحمود.\nوأما إن أريد بالتقليد أتباع غيرهم من المجتهدين مع العلم بخطأ اجتهادهم، ومخالفته للحق، فهذا هو التقليد المذموم الذي أمرنا الله -تعالى- باجتنابه، والله أعلم.\nتنبيه:\nاستنبط بعض المفسرين من الآية بأنها دالة على بطلان التقليد، موافقة للرازي:\nقال ابن عادل الحنبلي (^٥): \" وصف هؤلاء الأنبياء فيما أنتم عليه من الدين لا يسوغ\n_________\n(^١) مفاتيح الغيب: الرازي (٤/ ٧٨)، وانظر: اللباب: ابن عادل الحنبلي (٢/ ٥٣٥).\n(^٢) البحر المحيط: الزركشي (٨/ ٣١٧).\n(^٣) البحر المحيط: الزركشي (٨/ ٣١٨).\n(^٤) البحر المحيط: الزركشي (٨/ ٣١٩).\n(^٥) وهو: عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقيّ، أبو حفص، سراج الدين: صاحب التفسير الكبير: \"اللباب في علوم الكتاب\". ينظر: الأعلام: الزركلي (٥/ ٥٨).","vol":"1","page":216},{"text":"التقليد في هذا الجنس، فعليكم بترك الكلام في تلك الأمة، فلها ما كسبت، وانظروا فيما دعاكم إليه محمد ﷺ فإن ذلك أنفع لكم، وأعود عليكم، ولا تُسألون إلا عن عملكم\" (^١).\nوقال ابن بدران (^٢): \"وفي الآية زجر عظيم لمن جعل التقليد مذهبه، وسار مع قول مقلده كيفما كان، ثم إن أتاه الحق وظهر له الدليل أعرض عنه جانبًا، وراغ عنه، وأخذ يؤوله حسبما يريد، ويختار له هواه، ويسلك مسالك أولئك المعاندين، الذين قلدوا أحبارهم ورهبانهم فيما ابتدعوه لهم من الدين، ورتبوه لهم من المفتريات\" (^٣).\nفائدة:\nأفضل من تكلم عن مسألة العمل بقول النبي ﷺ هل يسمى تقليدا؟ وأوسع البسط والمقال فيها، بحسب ما وقفت عليه، هو الزركشي في البحر المحيط، والله أعلم (^٤).\n\n•<span data-type='title' id=toc-195> النتيجة:</span>\nبعد استعراض ما تقدم من الأقوال والتوجيهات في هذه المسألة يظهر أن قوله تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ﴾ يصح أن يُستدل به على بطلان التقليد الغير جائز، وأن اتباع الأنبياء لا بأس بأن يُسمى تقليدا، فهو يُحمل على التقليد المحمود، وهذا بخلاف ظاهر ما تعقب به القاسمي ﵀ ورده على الرازي بأن اتباع الأنبياء لا يُسمى تقليدا مطلقا، والله أعلم.\n_________\n(^١) اللباب: ابن عادل الحنبلي (٢/ ٥٣٥، ٥٣٦).\n(^٢) وهو: عبد القادر بن أحمد بن مصطفى بن عبد الرحيم بن محمد بن بدارن النحوي، اللغوي، المفسر، ويعرف لقبًا بابن بدران، مات عقيمًا سنة ١٣٤٦ هـ. ينظر: الموسوعة الميسرة في تراجم أئمة التفسير والإقراء والنحو واللغة. (٢/ ١٢٦٤)\n(^٣) جواهر الأفكار: ابن بدران (ص: ٣٦٥، ٣٦٦).\n(^٤) انظر: البحر المحيط: الزركشي (٨/ ٣١٦ - ٣٢٠).","vol":"1","page":217},{"text":"<span data-type='title' id=toc-196>١٤ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [سورة البقرة: ١٥٨].</span>\nقال القاسمي: تمسك بعضهم بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ على أن السعي سنة، وأن من تركه لا شيء عليه. فإن كان مأخذه منها: إن التطوع التبرع بما لا يلزم فقد قدمنا أنه عرف فقهي لا لغوي، فلا حجة فيه. وإن كان نفي الجناح، فقد علمت المراد منه (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-197> أقوال أهل العلم في حكم السعي بين الصفا والمروة </span>(^٢):\nالقول الأول: أن السعي بين الصفا والمروة ركن من أركان الحج والعمرة.\nالقول الثاني: أن السعي بين الصفا والمروة سُنة.\nأصحاب القول الأول:\nعائشة: \" لعمري ما حج من لم يسع بين الصفا والمروة؛ لأن الله قال: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ وبنحو ذلك روي عن ابن عمر ﵁، وجابر ﵁ (^٣).\nسفيان الثوري (^٤): \"من نسي السعي بين الصفا والمروة حتى يرجع إلى بلاده فإنه يجزئه دم يهديه\" (^٥).\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي: (٣/ ٣٤٧)، وسيأتي مراده ﵀.\n(^٢) أشار إلى هذا الخلاف السمعاني في تفسيره (١/ ١٦٠)، وابن عطية في المحرر (١/ ٦١٠، ٦١١)، وابن كثير في تفسيره (٢/ ٢٥، ٢٦).\n(^٣) انظر: جامع البيان: الطبري (٢/ ٧٢١)، معالم التنزيل: البغوي (١/ ١٧٣)، الاستذكار: ابن عبد البر (٤/ ٢٢٢)، الحاوي الكبير: الماوردي (٤/ ١٥٥)، المجموع: النووي (٨/ ٧٧)، المغني: ابن قدامة (٣/ ٣٥١).\n(^٤) وهو: سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي، شيخ الإسلام، إمام الحفاظ، سيد العلماء العاملين في زمانه، المجتهد، مصنف كتاب الجامع، أمير المؤمنين في الحديث، مات سنة ١٦١ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء: الذهبي (٧/ ٢٢٩):\n(^٥) الاستذكار: ابن عبد البر (٤/ ٢٢١).","vol":"1","page":218},{"text":"أبو حنيفة: \"إن عاد تارك الطواف بينهما لقضائه فحسن، وإن لم يعد فعليه دم\" (^١).\nالشافعي: \"على من ترك السعي بين الصفا، والمروة حتى رجع إلى بلده العود إلى مكة حتى يطوف بينهما لا يجزيه غير ذلك\" (^٢).\nأصحاب القول الثاني:\nابن عباس ﵁: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾، يقول: \"ليس عليه إثم، ولكن له أجر\" (^٣).\nأنس بن مالك ﵁: \"الطواف بينهما تطوع\" (^٤). يعني بين الصفا والمروة.\nعبد الله بن الزبير ﵁: \"هما تطوع\" (^٥).\nمجاهد: في تفسير قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ قال: \"فلم يحرج من لم يطف بهما\" (^٦).\n\n•<span data-type='title' id=toc-198> دراسة المسألة:</span>\nيظهر -والله أعلم- أن الصواب في هذه المسألة أن السعي ركن من أركان الحج والعمرة، لدلالة الكتاب والسنة، وسياق الآيات وسبب نزول الآية:\nفمن الكتاب: قولُه تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [سورة البقرة: ١٥٨].\nقال الشنقيطي: \" فتصريحه تعالى بأن الصفا والمروة من شعائر الله يدل على أن السعي\n_________\n(^١) جامع البيان: الطبري (٢/ ٧٢٢)، وانظر: الاستذكار: ابن عبد البر (٤/ ٢٢١).\n(^٢) جامع البيان: الطبري (٢/ ٧٢٢)، وانظر: الاستذكار: ابن عبد البر (٤/ ٢٢١).\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (١/ ٢٦٧) برقم: (١٤٣٢)، وانظر: فتح الباري: ابن حجر (٣/ ٤٩٩).\n(^٤) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٢/ ٧٢٣) وابن أبي حاتم في تفسيره (١/ ٢٦٨) برقم: (١٤٣٧)، وانظر: فتح الباري: ابن حجر (٣/ ٤٩٩).\n(^٥) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٢/ ٧٢٣) وانظر: فتح الباري: ابن حجر (٣/ ٤٩٩).\n(^٦) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٢/ ٧٢٣) وأورد قوله الحافظ ابن حجر في الفتح (٣/ ٤٩٩).","vol":"1","page":219},{"text":"بينهما أمر حتم لا بد منه، لأن شعائر الله عظيمة، لا يجوز التهاون بها\" (^١).\nومن السنة: ما رواه مسلم في صحيحه عن جابرٍ ﵁ أن النبي ﷺ قال: \"لِتَأخُذُوا عني مناسِكَكم\" (^٢).\nقال ابن كثير: \"القول الراجح هو: ركنية السعي، لأنه ﵇ طاف بينهما، وقال: \"لتأخذوا عني مناسككم\". فكل ما فعله في حجته تلك واجب لا بد من فعله في الحج، إلا ما خرج بدليل، والله أعلم (^٣).\nوأيضًا: ما رواه ابن خزيمة في صحيحه من حديث حبيبةَ بنت أبي تِجْراةَ (^٤)، عَنِ النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: \"اسْعَوْا؛ فإن الله كتب عليكم السَّعي\" (^٥). وكتب بمعنى: أوجب.\nوأما عن دلالة السياق: فإنها تدل على أن المراد من التطوع، الزيادة على الفرض من عمرة أو طواف أو غير ذلك.\nقال الآلوسي: في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ أي: \"من انقاد انقيادا- خيرا أو بخير، أو آتيا بخير- فرضا كان أو نفلا، وهو عطف على ﴿فَمَنْ حَجَّ﴾ مؤكد أمر الحج والعمرة والطواف تأكيد الحكم الكلي للجزئي، أو من تبرع تبرعا- خيرا- أو بخير أو آتيا بخير من حج أو عمرة أو طواف لقرينة المساق، وعليه تكون الجملة مسوقة لإفادة شرعية التنفل بالأمور الثلاثة\" (^٦).\nوأما عن دلالة سبب نزول الآية: فقد روى الشيخان في صحيحهما عن عروة قال:\n_________\n(^١) أضواء البيان: الشنقيطي (٤/ ٤١٧).\n(^٢) أخرجه مسلم، كتاب الحج، باب استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر راكبا، برقم: (١٢٩٧).\n(^٣) تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٢/ ٢٦). بتصرف.\n(^٤) وهي: حبيبة بنت أبي تِجْرَاة العبدرية من بني عبد الدار، لها صحبة، رأت النبي ﷺ في المسعى، وروت عنه حديث: \"اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي\"، ينظر: الاستيعاب في معرفة الأصحاب: ابن عبد البر (٤/ ١٨٠٦).\n(^٥) أخرجه ابن خزيمة في صحيحه (٤/ ٢٣٢) برقم: (٢٧٦٤) قال الألباني: \"حديث صحيح رجاله ثقات\" وقال: \"وللحديث طرق أخرى بعضها جيد\".\n(^٦) روح المعاني: الآلوسي (٣/ ٥٦).","vol":"1","page":220},{"text":"قلت لعائشة زوج النبي ﷺ: \"ما أرى على أحد لم يطف بين الصفا والمروة شيئا، وما أبالي ألا أطوف بينهما، قالت: بئس ما قلت، يا ابن أختي! طاف رسول الله ﷺ، وطاف المسلمون؛ فكانت سنة، وإنما كان من أهل لمناة الطاغية، التي بالمشلل (^١)، لا يطوفون بين الصفا والمروة، فلما كان الإسلام سألنا النبي ﷺ عن ذلك؟ فأنزل الله ﷿: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [سورة البقرة: ١٥٨]. ولو كانت كما تقول، لكانت: فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما\" (^٢).\nقال القاسمي: \"وجواب عائشة، ﵂، لعروة هو من دقيق علمها وفهمها الثاقب وكبير معرفتها بدقائق الألفاظ. لأن الآية الكريمة إنما دل لفظها على رفع الجناح عمن يطوف بهما، وليس فيه دلالة على عدم وجوب السعي ولا على وجوبه. ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾، أي: من فعل خيرا فإن الله يشكره عليه ويثيبه به. ومعنى (تطوع) أتى بما في طوعه أو بالطاعة، وإطلاقه على ما لا يجب عرف فقهي لا لغوي\" (^٣).\nفالآية لا حجة فيها على القول بأن السعي سُنة وليس بواجب، لأن المراد من التطوع: الازدياد في الخير والطاعة، ولفظ التطوع ليس مخصوص بالمستحب لأن تخصيص التطوع بالمستحب اصطلاح عند الفقهاء، وليس اصطلاح لغوي تدل عليه الآية.\nوقد وُجد من المفسرين من قال بأن إطلاق التطوع على الازدياد في الخير والطاعة اصطلاح فقهي، بخلاف ما ذهب إليه القاسمي ﵀.\nقال أبو زهرة (^٤): \" التطوع المبالغة في الطاعة فيما أمر الله تعالى به من فرض وواجب\n_________\n(^١) المشلل: موضع بقُدَيْد من ناحية البحر، وهو الجبل الذي يهبط إليها منه. ينظر: فتح الباري: ابن حجر (١/ ١٨٨).\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب الحج، أبواب العمرة، باب: يفعل في العمرة ما يفعل في الحج، برقم: (١٧٩٠)، وأخرجه مسلم، كتاب الحج، باب بيان أن السعي بين الصفا والمروة ركن لا يصح الحج إلا به، برقم: (٩٢٨).\n(^٣) محاسن التأويل: القاسمي (٣/ ٣٤٦).\n(^٤) وهو: محمد بن أحمد أبو زهرة، أكبر علماء الشريعة الإسلامية في عصره، له تواريخ مفصلة ودراسة فقهية أصولية للأئمة الأربعة، فأخرج لكل إمام كتابا ضخما: أبو حنيفة، مالك، الشافعيّ، ابن حنبل، مات سنة ١٣٩٤ هـ. ينظر: الأعلام: الزركلي (٦/ ٢٥).","vol":"1","page":221},{"text":"ومندوب، فهي المبالغة في أصل الطاعة، وإطلاقها على النفل غير المفروض والمندوبات ونحو ذلك هو من قبيل الاصطلاح الفقهي باعتبار أن النوافل والمندوبات مكملات للفرائض التي هي أصل الطاعات\" (^١).\nوقال العثيمين ﵀: في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ \"أي: ازداد خيرًا في الطاعة؛ ويشمل الواجب، والمستحب؛ وتخصيص التطوع بالمستحب اصطلاح فقهي؛ أما في الشرع فإنه يشمل الواجب، والمستحب\" (^٢).\nولكن هذا لا يعني ولا يلزم معارضته للاصطلاح اللغوي لأننا إذا نظرنا إلى معنى التطوع في اللغة نجد أنه لا يختلف عن معناه عند الفقهاء.\nقال الراغب: التطوع: لغة تكلف الطاعة، وعرفا: التبرع بما لا يلزم كالنفل قال تعالى: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ \" (^٣).\nوقال الكفوي (^٤): \"التطوع: في الأصل: تكلف الطاعة، وفي التعارف: تبرع بما لا يلزم كالنفل\" (^٥).\nوقال ابن منظور: \" التطوع: ما تبرع به من ذات نفسه مما لا يلزمه فرضه\" (^٦).\nوبهذا يتبين أنه لا اختلاف في معنى التطوع في اصطلاح الفقهاء واللغويين، وإنما الاختلاف بين الاصطلاح الفقهي واللغوي وبين الاصطلاح الشرعي كما تقدم من قول العثيمين ﵀.\n_________\n(^١) زهرة التفاسير: أبي زهرة (١/ ٤٧٨).\n(^٢) تفسير القرآن الكريم: العثيمين (٢/ ١٨٥).\n(^٣) المفردات: الراغب الأصفهاني (ص: ٥٢٩، ٥٣٠)، وانظر: التوفيف على مهمات التعريف: زين الدين محمد (ص: ٩٩).\n(^٤) وهو: أيوب بن موسى الحسيني القريمي الكفوي، أبو البقاء: صاحب الكليّات كان من قضاة الأحناف. عاش وولي القضاء في (كفه) بتركيا، وبالقدس، وببغداد. وعاد إلى إستانبول فتوفي بها، مات سنة ١٠٩٤ هـ. ينظر: الأعلام: الزركلي (٢/ ٣٨).\n(^٥) الكليات: الكفوي (ص: ٣١٥).\n(^٦) لسان العرب: ابن منظور (٨/ ٢٤٣)، وانظر: تاج العروس: الزبيدي (٢١/ ٤٦٦).","vol":"1","page":222},{"text":"مناقشة دليل من قال بأن السعي بين الصفا والمروة سُنة وليس بواجب:\nاستدل من قال بعدم وجوب السعي بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾، ولا شك أن هذا لا حجة فيه كما قال القاسمي ﵀، لأن التطوع المذكور في الآية ليس فيه دلالة على أن السعي سُنة، وذلك من وجهين:\nالأول: أن المراد: من تطوع بالحج والعمرة بعد قضاء حجته الواجبة عليه.\nقال ابن جرير: \" معنى ذلك: ومن تطوع بالحج والعمرة بعد قضاء حجته الواجبة عليه، فإن الله شاكر له على تطوعه له بما تطوع به من ذلك ابتغاء وجهه فمجازيه به، عليم بما قصد وأراد بتطوعه بما تطوع به.\nوإنما قلنا: إن الصواب في معنى قوله: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ [سورة البقرة: ١٨٤] هو ما وصفنا دون قول من زعم أنه معني به: فمن تطوع بالسعي والطواف بين الصفا، والمروة؛ لأن الساعي بينهما لا يكون متطوعا بالسعي بينهما إلا في حج تطوع أو عمرة تطوع لما وصفنا قبل (^١)؛ وإذا كان ذلك كذلك كان معلوما أنه إنما عنى بالتطوع بذلك التطوع بما يعمل ذلك فيه من حج أو عمرة.\nوأما الذين زعموا أن الطواف بهما تطوع لا واجب، فإن الصواب أن يكون تأويل ذلك على قولهم: فمن تطوع بالطواف بهما فإن الله شاكر؛ لأن للحاج والمعتمر على قولهم الطواف بهما إن شاء وترك الطواف، فيكون معنى الكلام على تأويلهم: فمن تطوع بالطواف بالصفا، والمروة، فإن الله شاكر تطوعه ذلك عليم بما أراد ونوى الطائف بهما كذلك\" (^٢).\nونقل الحافظ ابن حجر عن الطحاوي (^٣) أنه قال: \"لا حجة لمن قال إن السعي مستحب بقوله ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ لأنه راجع إلى أصل الحج والعمرة لا إلى خصوص السعي\n_________\n(^١) انظر ما قرره ابن جرير الطبري في وجوب السعي بين الصفا والمروة (٢/ ٧٢٤).\n(^٢) جامع البيان: الطبري (٢/ ٧٢٨).\n(^٣) وهو: أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة المصري الطحاوي، الحنفي، الإمام، العلامة، الحافظ الكبير، محدث الديار المصرية وفقيهها، صاحب التصانيف، برز في علم الحديث وفي الفقه، مات سنة ٣٢١ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء: الذهبي (١٥/ ٢٨).","vol":"1","page":223},{"text":"لإجماع المسلمين على أن التطوع بالسعي لغير الحاج والمعتمر غير مشروع والله أعلم\" (^١).\nالثاني: يُحتمل أن يكون التطوع مصروفًا لشيء آخر، وليس للسعي بين الصفا والمروة.\nقال الرازي: \" وأما التمسك بقوله: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ فضعيف، لأن هذا لا يقتضي أن يكون المراد من هذا التطوع هو الطواف المذكور أولا، بل يجوز أن يكون المقصود منه شيئا آخر، قال الله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ ثم قال: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ [سورة البقرة: ١٨٤] فأوجب عليهم الطعام، ثم ندبهم إلى التطوع بالخير فكان المعنى: فمن تطوع وزاد على طعام مسكين كان خيرا، فكذا هاهنا يحتمل أن يكون هذا التطوع مصروفا إلى شيء آخر وهو من وجهين:\nأحدهما: أنه يزيد في الطواف فيطوف أكثر من الطواف الواجب مثل أن يطوف ثمانية أو أكثر (^٢).\nالثاني: أن يتطوع بعد حج الفرض وعمرته بالحج والعمرة مرة أخرى حتى طاف بالصفا والمروة تطوعا\" (^٣).\nوقال ابن عاشور (^٤): \"قوله: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ تذييل لما أفادته الآية من الحث على السعي بين الصفا والمروة بمفاد قوله: ﴿مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾، والمقصد\n_________\n(^١) فتح الباري: ابن حجر (٣/ ٤٩٩).\n(^٢) قال ابن باز ﵀: \"إذا كنت تعمدت الزيادة هذا غلط عليك التوبة والاستغفار؛ لأن السنة سبع في الجمار وسبع في الطواف وسبع في السعي، فالزيادة التي فعلتها إن كان عن احتياط شكيت أو احتطت فلا بأس، أما إذا كان تعمدًا منك فهذا لا يجوز الزيادة على ما شرعه الله، ولكن لا يبطل الطواف ولا السعي ولا الرمي والحمد لله\". فتاوى نور على الدرب (١٧/ ٤٧٥).\nوقال العثيمين ﵀\" ينبغي ألا يزيد عن العدد الذي شرعه الله ﷿ على لسان رسوله ﷺ؛ بل شرعه الله في سنة رسول الله ﷺ \" فتاوى نور على الدرب (١٢/ ٢).\n(^٣) مفاتيح الغيب: الرازي (٤/ ١٣٨).\n(^٤) وهو: محمد الطاهر بن عاشور: رئيس المفتين المالكيين بتونس وشيخ جامع الزيتونة، مولده ووفاته ودراسته بها. عين شيخا للإسلام مالكيا، من أشهر مؤلفاته (التحرير والتنوير) في تفسير القرآن، مات سنة ١٣٩٣ هـ. ينظر: الأعلام: الزركلي (٦/ ١٧٤).","vol":"1","page":224},{"text":"من هذا التذييل الإتيان بحكم كلي في أفعال الخيرات كلها من فرائض ونوافل أو نوافل فقط فليس المقصود من خيرا خصوص السعي لأن خيرا نكرة في سياق الشرط فهي عامة ولهذا عطفت الجملة بالواو دون الفاء لئلا يكون الخير قاصرا على الطواف بين الصفا والمروة (^١).\nثم قال ابن عاشور: \"وتطوع يطلق بمعنى فعل طاعة وتكلفها، ويطلق مطاوع طوعه أي جعله مطيعا فيدل على معنى التبرع غالبا لأن التبرع زائد في الطاعة. وعلى الوجهين فانتصاب خيرا على نزع الخافض أي: تطوع بخير، أو بتضمين تطوع معنى فعل أو أتى. ولما كانت الجملة تذييلا فليس فيها دلالة على أن السعي من التطوع أي من المندوبات لأنها لإفادة حكم كلي بعد ذكر تشريع عظيم، على أن تطوع لا يتعين لكونه بمعنى تبرع بل يحتمل معنى أتى بطاعة أو تكلف طاعة\" (^٢).\nفمما تقدم يتبين أنه لا دلالة في الآية على أن السعي بين الصفا والمروة سُنة كما قال القاسمي ﵀، لأنه قد يُراد من التطوع: التطوع بالحج والعمرة بعد قضاء حجة الإسلام الواجبة كما تقدم من كلام ابن جرير ﵀.\nوقد يُراد من التطوع: عموم الخير لأن ﴿خَيْرًا﴾ نكرة في سياق الشرط فهي تفيد العموم كما تقدم من كلام ابن عاشور ﵀، ولأن عموم النفل المراد من التطوع أوفق لسياق الآية كما قال الآلوسي ﵀، والله أعلم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-199> النتيجة:</span>\nبعد عرض ما تقدم يتبين الصواب في هذه المسألة أن قوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ لا يدل على أن السعي سنة لما تقدم من الأدلة، ومن أقوال أهل العلم من المفسرين.\nإلا أن تعليل القاسمي ﵀ تعقبه: بأن المراد من التطوع التبرع بما لا يلزم وهو عرف فقهي لا لغوي، يُعارضه ما تقدم من كلام الراغب والكفوي وابن منظور، والله أعلم.\n_________\n(^١) التحرير والتنوير: ابن عاشور (٢/ ٦٤).\n(^٢) التحرير والتنوير: ابن عاشور (٢/ ٦٤).","vol":"1","page":225},{"text":"<span data-type='title' id=toc-200>١٥ - قوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾ [سورة البقرة: ١٧٧].</span>\nقال القاسمي: وقد أبعد من حمل الزكاة- هنا- على زكاة النفس وتخليصها من الأخلاق الدنيئة الرذيلة، كقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ وقوله: ﴿هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى﴾، ووجه البعد: أن الزكاة المقرونة بالصلاة في التنزيل لا يراد بها إلا زكاة المال، وأما مع الانفراد فعلى حسب المقام (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-201> أقوال أهل العلم من المراد بالزكاة في هذه الآية:</span>\nالقول الأول: أن المراد: زكاة المال.\nالقول الثاني: أن المراد: زكاة النفس.\nأصحاب القول الأول:\nابن جرير الطبري: \" ﴿وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ أعطاها على ما فرضها الله عليه\" (^٢).\nالسمرقندي: \" ﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ﴾ المكتوبة، ﴿وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ المفروضة\" (^٣).\nالثعلبي: \" ﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ﴾ المفروضة. ﴿وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ الواجبة\" (^٤).\nالبغوي: \"وأعطى الزكاة\" (^٥).\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي: (٣/ ٣٩٢).\n(^٢) جامع البيان: الطبري (٣/ ٨٤).\n(^٣) بحر العلوم: السمرقندي (١/ ١١٧).\n(^٤) الكشف والبيان: الثعلبي (٢/ ٥٢).\n(^٥) معالم التنزيل: البغوي (١/ ١٨٨).","vol":"1","page":226},{"text":"أصحاب القول الثاني:\nما أورده الحافظ ابن كثير في تفسيره من أنه: \" يحتمل أن يكون المراد به زكاة النفس، وتخليصها من الأخلاق الدنية الرذيلة، كقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [سورة الشمس: ١٠] وقول موسى لفرعون: ﴿هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى﴾ [سورة النازعات: ١٨، ١٩] وقوله تعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [سورة فصلت: ٧] ويحتمل أن يكون المراد زكاة المال (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-202> دراسة المسألة:</span>\nمن خلال عرض ما تقدم من الأقوال يتبين أن الحق والصواب من المراد بالزكاة في هذه الآية: زكاة المال، وهو ما ذهب إليه عامة المفسرين، وذلك من أوجه:\nالأول: أن هذه السورة مدنية بلا خلاف، وزكاة المال إنما فرضت بالمدينة كما هو معلوم.\nالثاني: أن الزكاة المذكورة في هذه الآية جاء التعبير عنها بالإيتاء، وهذا لا يكون إلا في زكاة المال، بخلاف قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ [سورة المؤمنون: ٤]. فقد يُراد بها أفعال المؤمنين المفلحين.\nالثالث: أن زكاة الأموال تكون في القرآن عادةً مقرونةً بالصلاة من غير فصلٍ بينهما، كما في هذه الآية وكقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ وقوله: ﴿وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ﴾ (^٢).\nالرابع: أن الزكاة إذا أطلقت فالمراد بها زكاة المال إلا إذا وجدت قرينة أو دلالة من حيث السياق وغير ذلك تُبين أن المراد بها زكاة النفس كقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [سورة الشمس: ١٠].\n_________\n(^١) تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٢/ ٤٣).\n(^٢) انظر ما قاله الشنقيطي في أضواء البيان (٥/ ٣٠٧، ٣٠٨). عند تفسير قوله تعالى: ﴿والذين هم للزكاة فاعلون﴾ [سورة المؤمنون: ٤].","vol":"1","page":227},{"text":"الخامس: أنه يلزم من هذا التفسير أن يكون جميع المواضع التي جاءت في الحث على الزكاة يُحتمل أن يُراد منها زكاة النفس، وهذا بعيد، والله أعلم.\nالسادس: أن القول بأن المراد زكاة النفس يُعد مُخالفًا لقول بعض السلف في تفسير الآية كسعيد بن جبير ومقاتل بن حيان من أن المراد: الزكاة المفروضة (^١)، وأقوالهما مقدمة على أقوال من جاء بعدهم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-203> النتيجة:</span>\nبعد عرض ما تقدم يتبين أن الصواب في هذه المسألة أن تفسير الزكاة في قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ بزكاة النفس بعيد، كما قال القاسمي ﵀، لما تقدم ذكره من أقوال المفسرين، والأوجه المتقدمة التي تؤيد أن المراد: زكاة المال، والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرج أقوالهم ابن أبي حاتم في تفسيره (١/ ٢٩٠).","vol":"1","page":228},{"text":"<span data-type='title' id=toc-204>١٦ - قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [سورة البقرة: ١٨٧].</span>\nقال شمر (^١): سموا الأبيض أحمر تطيرا بالأبرص، حكاه عن أبي عمرو بن العلاء (^٢).\nقال القاسمي: ويظهر أنه لا حاجة إلى هذا، فإن طلوع الفجر يصحبه حمرة. وفي (القاموس) (^٣) الفجر ضوء الصباح، وهو حمرة الشمس في سواد الليل. فافهم (^٤).\n\n•<span data-type='title' id=toc-205> أقوال أهل العلم في سبب تسمية الخيط الأبيض: أحمر:</span>\nالقول الأول: أن السبب هو: التطير بالأبرص.\nالقول الثاني: أن السبب هو: أن طلوع الفجر يصحبه حمرة، وهي: حمرة الشمس.\nأصحاب القول الأول:\nشمر: \" الأحمر الأبيض: تطيرا بالأبرص؛ يقال: أتاني كل أسود منهم وأحمر، ولا يقال أبيض؛ معناه جميع الناس عربهم وعجمهم\" (^٥).\nأصحاب القول الثاني:\nالنخجواني (^٦): في تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ﴾ قال: \"من الوقت المبين إِلى\n_________\n(^١) الذي يظهر أنه شمر بن حمدويه الهروىّ اللغوىّ، أحد الأثبات للغات الحفاظ للغريب وعلم العرب، كان عالما فاضلا ثقة نحويا لغويا راوية للأخبار والأشعار، صنف كتاب الجيم، وكتاب السلاح، وغير ذلك. مات سنة ٢٥٥ هـ. ينظر: معجم الأدباء: الحموي (٣/ ١٤١٩، ١٤٢٠).\n(^٢) وهو: أبو عمرو بن العلاء بن عمار بن العريان بن عبد الله بن الحصين التميمي المازني البصري، أحد القراء السبعة، كان أعلم الناس بالقرآن الكريم والعربية والشعر، مات سنة ست وخمسين ومائة بالكوفة. ينظر: وفيات الأعيان: ابن خلكان (٣/ ٣٦٦).\n(^٣) القاموس المحيط: الفيروز آبادي (ص: ٤٥٤).\n(^٤) محاسن التأويل: القاسمي: (٣/ ٤٥٧).\n(^٥) انظر: لسان العرب: ابن منظور (٤/ ٢٠٩).\n(^٦) وهو: نعمة الله بن أبي الفضل محمود النخجواني العالم الفاضل، الشهير بابن علوان الرومي، مؤلف جليل القدر والشأن في علوم التفسير وكان من الفضلاء المتورعين، مات سنة ٩٠٢ هـ. ينظر: طبقات المفسرين: الأدنه وي (ص ٣٦٠).","vol":"1","page":229},{"text":"ابتداء اللَّيْلِ وهو غروب الشمس بحيث لا يرى في الأفق الشرقي بياض وحمرة منها\" (^١).\nالقزويني (^٢): \" وأما وقت الصبح، فإنما سمي صبحا لحمرته، ويقال: إن صباحة الوجه إنما سميت للحمرة صباحة، والصبح الحمرة\" (^٣).\n\n•<span data-type='title' id=toc-206> دراسة المسألة:</span>\nفي تفسير هذه الآية أورد القاسمي ﵀ بعضًا من الروايات الواردة فيها في المراد بالخيط الأبيض والأسود، ومن ذلك:\nما رواه الإمام أحمد عن قيس بن طلق (^٤) عن أبيه: أن رسول الله ﷺ قال: \"ليس الفجر المستطيل في الأفق. ولكنه المعترض الأحمر\" (^٥).\nورواه الترمذي بلفظ: \"كلوا واشربوا ولا يهيدنكم الساطع المصعد، وكلوا واشربوا حتى يعترض لكم الأحمر\" (^٦).\nوأورد القاسمي قول بعضهم: المراد بالأحمر الأبيض، كما فسر به حديث: \"بعثت إلى الأحمر والأسود\" (^٧).\nوالذي يظهر والله أعلم أن شمر لم يُرد من تسمية الخيط الأبيض بالأحمر بأنه تطيرا\n_________\n(^١) الفواتح الإلهية: النخجواني (١/ ٦٦).\n(^٢) وهو: أحمد بن فارس بن زكريا القزويني، الإمام، العلامة، اللغوي، المحدث، أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا بن محمد بن حبيب القزويني، المعروف بالرازي، مات سنة ٣٩٥ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء: الذهبي (١٧/ ١٠٣).\n(^٣) حلية الفقهاء: القزويني (ص: ٧٣).\n(^٤) وهو: قيس بن طلق بن علي الحنفي اليماني، تابعي مشهور، أورده عبدان المروزي، والمستغفري، وأبو بكر بن أبي علي في أصحابه. ينظر: الإصابة: ابن حجر (٥/ ٤٢١).\n(^٥) رواه أحمد في مسنده (٢٦/ ٢١٩) برقم: (١٦٢٩٢) وحسنه محققوا المسند.\n(^٦) سنن الترمذي، أبواب الصوم، باب ما جاء في بيان الفجر، برقم: (٧٠٥) قال الألباني: حديث حسن صحيح.\n(^٧) أخرجه الدارمي في مسنده، كتاب السير، باب الغنيمة لا تحل لأحد قبلنا، (٢/ ٨٠٩) برقم: (٢٤٨٨) قال المحقق: رجاله ثقات.","vol":"1","page":230},{"text":"بالأبرص (^١) على وجه العموم حتى يُحمل على تفسير الآية، وإنما أراد به الناس من العرب والعجم.\nقال في اللسان: قال ابن الأعرابي (^٢): الأحمران النبيذ واللحم؛ وأنشد:\nالأحمرَينِ الرَّاحَ والمُحَبَّرَا\nقال شمر: أراد الخمر والبرود. والأحمر الأبيض: تطيرا بالأبرص؛ يقال: أتاني كل أسود منهم وأحمر، ولا يقال أبيض؛ معناه جميع الناس عربهم وعجمهم؛ يحكيها عن أبي عمرو بن العلاء.\nوفي الحديث: \"بعثت إلى الأحمر والأسود\".\nوفي حديث آخر عن أبي ذر: أنه سمع النبي ﷺ يقول: \"أوتيت الليلة خمسا لم يؤتها نبي قبلي؛ أرسلت إلى الأحمر والأسود\" (^٣).\nقال شمر: يعني العرب والعجم والغالب على ألوان العرب السمرة والأدمة وعلى ألوان العجم البياض والحمرة (^٤).\nفإن كان مراد شمر من لفظ الخيط الأبيض الوارد في الآية: الأحمر تطيرًا بالأبرص فلا شك أن هذا لا حاجة له كما قال القاسمي ﵀، لأن المراد من الفجر: حمرة الشمس كما هو مقرر عند أهل اللغة (^٥)، والله أعلم.\n_________\n(^١) الْأَبْرَصَ: \"هو الذي به برص أي بياض في الجلد يتطير به وإذا استحكم فلا برء له ولا يزول بالعلاج ولم تكن العرب تنفر من شئ نفر تهامنه\". ينظر: روح البيان: إسماعيل حقي (٢/ ٣٧) (ص: ٤٥٤).\n(^٢) وهو: أبو عبد الله محمد بن زياد بن الأعرابي الهاشمي، وكان أحول، وكان ناسبًا نحويًّا كثير السماع، راوية لأشعار القبائل، كثير الحفظ، لم يكن في الكوفيين أشبه برواية البصريين منه، مات سنة ٢٣١ هـ. ينظر: طبقات النحويين: الزبيدي (ص: ١٩٥).\n(^٣) أخرجه الحاكم في مستدركه، كتاب التفسير، تفسير سورة سبأ، برقم: (٣٥٨٧)، وقال: \" هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذه السياقة إنما أخرجا ألفاظا من الحديث متفرقة\". (٢/ ٤٦٠).\n(^٤) روح البيان: اسماعيل حقي (٢/ ٣٧). وانظر: تفسير المراغي (٣/ ١٥٤)، وانظر: التفسير المنير: الزحيلي (٣/ ٢٣٠).\n(^٥) انظر: جمهرة اللغة: ابن دريد (١/ ٤٦٣)، وانظر: لسان العرب: ابن منظور (٤/ ٢٠٩)، وانظر: تاج العروس: الزبيدي (١٣/ ٢٩٨).","vol":"1","page":231},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-207> النتيجة:</span>\nبعد عرض ما تقدم من أقوال أهل العلم واللغويين يتبين أن إيراد القاسمي ﵀ لقول شمر من تسمية الأبيض بالأحمر ليس صريحًا في مراده من تفسير الآية، وما تقدم ذكره يظهر منه أنه يُريد عموم الناس من العرب والعجم، والله أعلم.","vol":"1","page":232},{"text":"<span data-type='title' id=toc-208>١٧ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [سورة البقرة: ٢٢١].</span>\nقال القاسمي: \"هذا وقد قيل: معنى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو﴾ وأولياء الله يدعون، وهم المؤمنون. على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه. تشريفا لهم، وتفخيما لشأنهم، حيث جعل فعلهم فعل نفسه صورة. وملحظه رعاية المقابلة، كأنه قيل: أعداء الله يدعون إلى النار، وأولياء الله يدعون إلى الجنة والمغفرة. إلا إن فيه فوات رعاية تناسب الضمائر، فإن الضمير في المعطوف على الخبر أعني قوله تعالى: ﴿وَيُبَيِّنُ﴾ لله تعالى، فيلزم التفكيك\" (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-209> أقوال أهل العلم في تأويل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ﴾:</span>\nالقول الأول: أن في الآية حذف مضاف وتقدير مضاف إليه مقامه، والمراد: وأولياء الله يدعون.\nالقول الثاني: أن الآية على ظاهرها، وليس فيها حذف مضاف وتقدير مضاف إليه مقامه، وأن المراد: والله يدعوكم إلى العمل بشرعه أو بما يدخلكم الجنة، ويوجب لكم النجاة.\nأصحاب القول الأول:\nالزمخشري: \" ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ﴾ يعنى وأولياء الله وهم المؤمنون يدعون إلى الجنة والمغفرة وما يوصل إليهما فهم الذين تجب موالاتهم ومصاهرتهم\" (^٢).\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي: (٣/ ٥٥٩).\n(^٢) الكشاف: الزمخشري (١/ ٢٦٤). وانظر: مدارك التنزيل: النسفي (١/ ١٨٤).","vol":"1","page":233},{"text":"الطيبي (^١): \"حذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه تفخيمًا لشأنهم، وإنما قدر المضاف لأن قوله: ﴿بِإِذْنِهِ﴾ لا يستقيم من غير تقدير إذ لا يقول: الله يدعو بإذنه، ولأنه واقع في مقابل ﴿أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾، وهم أعداء الله، قوبل بأولياء الله\" (^٢).\nالنيسابوري: \" المراد أن أولياء الله وهم المؤمنون يدعون إلى الجنة المغفرة وما يؤدي إليهما، فهم الذين تحب موالاتهم ومصاهرتهم وأن يؤثروا على غيرهم\" (^٣).\nوقال بعض المفسرين: بأن المراد من الآية: وأولياء الله، بإقامة المضاف إليه مقام المضاف تعظيمًا لهم (^٤).\nأصحاب القول الثاني:\nالطبري: \" اقبلوا من الله ما أمركم به، فاعملوا به، وانتهوا عما نهاكم عنه، فإنه يدعوكم إلى الجنة. يعني بذلك: يدعوكم إلى العمل بما يدخلكم الجنة ويوجب لكم النجاة إن عملتم به من النار، وإلى ما يمحو خطاياكم أو ذنوبكم فيعفو عنها، ويسترها عليكم\" (^٥).\nابن كثير: \" ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ﴾ أي: بشرعه وما أمر به وما نهى عنه\" (^٦).\nالبقاعي: \" ﴿وَاللَّهُ﴾ أي بعز جلاله وعظمة كماله ﴿يَدْعُو﴾ أي بما يأمر به ﴿إِلَى\n_________\n(^١) وهو: الحسين بن محمد بن عبد الله، شرف الدين الطيبي، من علماء الحديث والتفسير والبيان، كان شديد الردّ على المبتدعة، ملازما لتعليم الطلبة، آية في استخراج الدقائق من الكتاب والسنة، مات سنة ٧٤٣ هـ. ينظر: الأعلام للزركلي (٢/ ٢٥٦).\n(^٢) فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب: الطيبي (٣/ ٣٦٥).\n(^٣) غرائب القرآن: النيسابوري (١/ ٦١١).\n(^٤) انظر: مفاتيح الغيب: الرازي (٦/ ٤١٣)، وانظر: اللباب: ابن عادل الحنبلي (٤/ ٦٣)، وانظر: جامع البيان: الإيجي (١/ ١٥٥)، وانظر: إرشاد العقل السليم: أبي السعود (١/ ٢٢٢)، وانظر: فتح القدير: الشوكاني (١/ ٢٥٧)، وانظر: التحرير والتنوير: ابن عاشور (٢/ ٣٦٤).\n(^٥) جامع البيان: الطبري (٣/ ٧٢٠)، وانظر: الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (٣/ ٤٧٤).\n(^٦) تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٢/ ١٥٠).","vol":"1","page":234},{"text":"الْجَنَّةِ﴾ أي الأفعال المؤدية إليها\" (^١).\nالسعدي: \" ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ﴾ أي: يدعو عباده لتحصيل الجنة والمغفرة، التي من آثارها، دفع العقوبات وذلك بالدعوة إلى أسبابها من الأعمال الصالحة، والتوبة النصوح، والعلم النافع، والعمل الصالح\" (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-210> دراسة المسألة:</span>\nالقاسمي ﵀ عقَّب على أصحاب القول الأول بأن تأويلهم يلزم منه: فوات رعاية تناسب الضمائر، فإن الضمير في المعطوف على الخبر في قوله تعالى: ﴿وَيُبَيِّنُ﴾ لله تعالى، فيلزم التفكيك، لأنه لا يُقال: وأولياء الله يُبينون آياته.\nويُبين ابن عاشور ﵀ سبب هذا التأويل فيقول: \" أن من المفسرين من حمل الإذن - في قوله: ﴿بِإِذْنِهِ﴾ - على التيسير والقضاء، والباء على أنها ظرف لغو فرأى هذا القيد غير جزيل الفائدة فتأول قوله: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو﴾ بمعنى وأولياء الله يدعون وهم المؤمنون\" (^٣).\nفسبب تأويل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو﴾ بمعنى: وأولياء الله يدعون، هو الإشكال في التقييد بقوله تعالى: ﴿بِإِذْنِهِ﴾ فإنه لا يستقيم من غير تقدير أو أنه غير جزيل الفائدة كما تقدم، فاحتاج إلى هذا التأويل.\nولعل الراجح في تفسير الآية هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني وذلك لوجهين:\nالأول: أن نسبة الدعاء إلى الله تعالى في قوله: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو﴾ آكد وأبلغ من طلب المعادلة بين المشركين والمؤمنين فيقال: وأولياء الله مقابل أعداء الله.\n_________\n(^١) نظم الدرر: البقاعي (٣/ ٢٧٣).\n(^٢) تيسير الكريم الرحمن: السعدي (ص: ٩٩).\n(^٣) التحرير والتنوير: ابن عاشور (٢/ ٣٦٤).","vol":"1","page":235},{"text":"قال أبو حيان مُعَقبًا على الزمخشري بعد أن ذكر قولَه: \" وحامله على أن ذلك هو على حذف مضاف طلبُ المعادلة بين المشركين والمؤمنين في الدعاء، فلما أخبر عن من أشرك أنه يدعو إلى النار، جعل من آمن يدعو إلى الجنة. ولا يَلزم ما ذَكَر، بل إجراء اللفظ على ظاهره من نسبة الدعاء إلى الله -تعالى- هو آكد في التباعد من المشركين، حيث جُعِلَ موجد العالِمَ منافيا لهم في الدعاء، فهذا أبلغ من المعادلة بين المشركين والمؤمنين\" (^١).\nفأبو حيان يتفق مع القاسمي بنفي هذا التقدير وهو: (وأولياء الله يدعون)، إلا أن سبب النفي عند أبو حيان بأن نسبة الدعاء إلى الله تعالى آكد وأبلغ من التقدير بأولياء الله يدعون للمعادلة بين المشركين والمؤمنين، وسبب النفي عند القاسمي هو عدم تناسب الضمائر كما تقدم، ولعله استفاد هذا من أبي السعود كما في الوجه الثاني، والله أعلم.\nقال العثيمين ﵀: \" دعوة إلى النار، ودعوة إلى الجنة والمغفرة، ومع ذلك نجد أن المسألة ليس فيها تقابل، وإلا لو كان فيها تقابل لقال: أولئك يدعون إلى النار والمؤمنون يدعون إلى الجنة والمغفرة، لكنه عدل عن دعوة المؤمن إلى دعوة الله؛ لأن المؤمن يكون منه تقصير في الدعوة إلى جنة الله ومغفرته، لكن الله ﷿ دعا إلى الجنة والمغفرة، وكلما ازداد الإنسان إيمانًا بالله ازداد دعوةً إلى جنة الله ومغفرته\" (^٢).\nالثاني: أن الضمير في المعطوف على الخبر وهو قوله تعالى: ﴿وَيُبَيِّنُ﴾ لله تعالى، فيلزم التفكيك.\nقال أبو السعود (^٣): \"قيل معنى ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو﴾ وأولياء الله يدعون وهم المؤمنون على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه تشريفا لهم وأنت خبير بأن الضمير في المعطوف\n_________\n(^١) البحر المحيط: أبو حيان (٤/ ١٦٣، ١٦٤).\n(^٢) تفسير القرآن الكريم: العثيمين، من موقع الباحث القرآني  https:// tafsir.app/  ولم أجده في تفسير القرآن الكريم للعثيمين.\n(^٣) وهو: محمد بن محمد بن مصطفى العمادي، أبو السعود، مفسر، أصولي، شاعر، عارف باللغات العربية والتركية والفارسية، من فقهاء الحنفية وعلماء الترك المستعربين، كان ذا مهابة عظيمة. مات سنة ٩٨٢ هـ. ينظر: معجم المفسرين: نويهض (٢/ ٦٢٥).","vol":"1","page":236},{"text":"على الخبر أعني قوله تعالى ﴿وَيُبَيِّنُ﴾ لله تعالى فيلزم التفكيك\" (^١).\nأما الآلوسي فذهب إلى أن الضمائر تتناسب على حذف المضاف، بخلاف ما ذهب إليه القاسمي.\nقال في تفسيره: \" ومن الناس من قدّر في الآية مضافا أي فريق الله أو أولياؤه وهم المؤمنون فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه تشريفا لهم.\nواعترض بأن الضمير في المعطوف على الخبر لله تعالى فيلزم التفكيك مع عدم الداعي لذلك.\nوأجيب بأن الداعي كون هذه الجملة معللة للخيرية السابقة ولا يظهر التعليل بدون التقدير، وكذا لا تظهر الملاءمة لقوله سبحانه: ﴿بِإِذْنِهِ﴾ بدون ذلك فإن تقييد دعوته تعالى ﴿بِإِذْنِهِ﴾ ليس فيه حينئذ كثير فائدة بأي تفسير فسر- الإذن- وأمر التفكيك سهل لأنه بعد إقامة المضاف إليه مقام المضاف للتشريف بجعل فعل الأول فعلا للثاني صورة فتتناسب الضمائر\" (^٢).\nوهذا الذي ذكره وإن كان له حظ من النظر، إلا أنه يبقى الاشكال في قوله تعالى: ﴿وَيُبَيِّنُ﴾، فتأويل الآية: والله يدعو ويُبين، أسلم وأوفق للنظم ولظاهر الآية من أن يُقال: وأولياء الله يدعون والله يُبين.\n\n•<span data-type='title' id=toc-211> النتيجة:</span>\nبعد ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يظهر أن الراجح هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني من أن الآية وهي قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو﴾ على ظاهرها، وليس فيها حذف مضاف وتقدير مضاف إليه مقامه، لما تقدم إيراده من الوجهيْن الدالين على ذلك، والله أعلم.\n_________\n(^١) إرشاد العقل السليم: أبو السعود (١/ ٢٢٢).\n(^٢) روح المعاني: الآلوسي (٣/ ٢٦٤).","vol":"1","page":237},{"text":"<span data-type='title' id=toc-212>١٨ - قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [سورة البقرة: ٢٢٨].</span>\nقال القاسمي: (المعروف) ما عرفته الطباع السليمة ولم تنكره (^١)، مما قبله العقل، ووافق كرم النفس، وأقره الشرع. وقد قال بعض الفقهاء: لا يجب عليها خدمة زوجها في عجن وخبز وطبخ ونحوه، لأن المعقود عليه منفعة البضع، فلا يملك غيرها من منافعها .. !\nولكن مفاد الآية يرد هذا ويدل على وجوب المعروف من مثلها لمثله وبه أفتى الإمام ابن تيمية وفاقا للمالكية (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-213> أقوال أهل العلم في حكم خدمة الزوجة لزوجها:</span>\nالقول الأول: عدم وجوب خدمة الزوجة لزوجها.\nالقول الثاني: وجوب خدمة الزوجة لزوجها.\nأصحاب القول الأول:\nابن قدامة: \"المعقود عليه من جهتها الاستمتاع، فلا يلزمها غيره، كسقي دوابه، وحصاد زرعه. فأما قسم النبي ﷺ بين علي وفاطمة، فعلى ما تليق به الأخلاق المرضية، ومجرى العادة، لا على سبيل الإيجاب\" (^٣).\nالنووي: \"ولا يجب عليها خدمته في الخبز والطحن والطبخ والغسل وغيرها من الخدم\n_________\n(^١) المعروف: هو كل ما يحسن في الشرع. ينظر: التعريفات: الجرجاني (ص: ٢٢١).\n(^٢) محاسن التأويل: القاسمي: (٣/ ٥٨٥).\n(^٣) المغني: ابن قدامة (٧/ ٢٩٦).","vol":"1","page":238},{"text":"لان المعقود عليه من جهتها هو الاستمتاع فلا يلزمها ما سواه\" (^١).\nأبو بكر الصقلي (^٢): \" وليس على المرأة من خدمة بيتها شيء\" (^٣).\nابن حزم: \"ومن ألزم المرأة خدمة دون خدمة فقد شرع ما لم يأذن به الله تعالى، وقال ما لا يصح، وما لا نص فيه\" (^٤).\nأصحاب القول الثاني:\nالرازي: \"الزوج كالأمير والراعي، والزوجة كالمأمور والرعية، فيجب على الزوج بسبب كونه أميرا وراعيا أن يقوم بحقها ومصالحها، ويجب عليها في مقابلة ذلك إظهار الانقياد والطاعة للزوج\" (^٥). ومن لوازم إظهار الانقياد: القيام بخدمته، والله أعلم.\nابن العربي (^٦): \"ولا يخفى على لبيب فضل الرجال على النساء، ولو لم يكن إلا أن المرأة خلقت من الرجل فهو أصلها، لكن الآية لم تأت لبيان درجة مطلقة حتى يتصرف فيها بتعديد فضائل الرجال على النساء؛ فتعين أن يطلب ذلك بالحق في تقدمهن في النكاح؛ فوجدناها على سبعة أوجه: وذكر منها: حق الخدمة، وهو حق خاص، وله تفصيل، بيانه في مسائل الفروع\" (^٧).\nأبو حيان: \"معنى: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: بالوجه الذي لا ينكر في الشرع وعادات الناس،\n_________\n(^١) المجموع: للنووي (١٦/ ٤٢٥)، والمغني: لابن قدامة (٧/ ٢٩٦).\n(^٢) وهو: محمد بن أبي محمد بن محمد الصقلي، العلامة البارع، حجة الدين، صاحب كتاب خير البشر، وكان قصيرا، لطيف الشكل، وله نظم وفضائل، نشأ بمكة، وأكثر الأسفار، مات سنة ٥٦٥ هـ، ينظر: سير أعلام النبلاء: الذهبي (٢٠/ ٥٢٣).\n(^٣) الجامع لمسائل المدونة: الصقلي (٩/ ٣٠٠)، وانظر: تيسير البيان لأحكام القرآن: ابن نور الدين (٢/ ٣٠).\n(^٤) المحلى: ابن حزم (٩/ ٢٢٨).\n(^٥) مفاتيح الغيب: الرازي (٦/ ٤٤٠).\n(^٦) وهو: أبو بكر محمد بن عبد الله الأندلسي، ابن العربي، العلامة، الحافظ، القاضي، الإشبيلي، المالكي، صاحب التصانيف، تفقه: بالإمام أبي حامد الغزالي، والفقيه أبي بكر الشاشي، مات سنة ٥٤٣ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء: الذهبي (٢٠/ ١٩٧).\n(^٧) أحكام القرآن: ابن العربي (١/ ٢٥٦) بتصرف واختصار.","vol":"1","page":239},{"text":"ولا يكلف أحدهما الآخر من الأشغال ما ليس معروفا له، بل يقابل كل منهما صاحبه بما يليق به\" (^١).\nالآلوسي: \" والمراد- بالمماثلة- المماثلة في الوجوب- لا في جنس الفعل- فلا يجب عليه إذا غسلت ثيابه أو خبزت له أن يفعل لها مثل ذلك، ولكن يقابله بما يليق بالرجال\" (^٢).\nفظاهر كلام الآلوسي أن مما عليهن بالمعروف: القيام بخدمة الزوج.\nوذهب الحنفية وجمهور المالكية: وأبو ثور (^٣)، وأبو بكر بن أبي شيبة (^٤) وأبو إسحاق الجوزجاني (^٥)، وهو اختيار ابن تيمية في الفتاوى (^٦) وتلميذه ابن القيم في الزاد (^٧) ﵏ إلى وجوب خدمة المرأة لزوجها بالمعروف (^٨).\n\n•<span data-type='title' id=toc-214> دراسة المسألة:</span>\nبعد استعراض ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يظهر والله أعلم أن الراجح من أقوالهم هو: وجوب خدمة المرأة زوجها بحسب استطاعتها وما جرت به العادة، لدلالة الكتاب والسنة الدالة على ذلك:\n_________\n(^١) البحر المحيط: أبو حيان (٤/ ٢٣٣)، وانظر: تيسير الكريم الرحمن: السعدي (ص: ١٠١).\n(^٢) روح المعاني: الآلوسي (٣/ ٢٩٤).\n(^٣) وهو: أبو ثور الإمام المجتهد الحافظ إبراهيم بن خالد الكلبي البغدادي ويكنى أيضا أبا عبد الله، كان أحد أئمة الدنيا فقها وعلما وورعا وفضلا، صنف الكتب وفرع على السنن وذب عنها، مات سنة ٢٤٠ هـ. ينظر: تذكرة الحفاظ: الذهبي (٢/ ٧٤).\n(^٤) وهو: عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن عثمان أبو بكر العبسي، المعروف بابن أبي شيبة من أهل الكوفة، وكان متقنا، حافظا، مكثرا، صنف المسند والأحكام والتفسير، مات سنة ٢٣٥ هـ. ينظر: تاريخ بغداد ت: الذهبي (١١/ ٢٥٩).\n(^٥) وهو: إبراهيم بن يعقوب، أبو إسحاق السعدي الجوزجاني الحافظ، صاحب الجرح والتعديل، وثقة النسائي، سكن دمشق فكان يحدث على المنبر، ويكاتبه أحمد بن حنبل فيتقوى بذلك، مات سنة ٢٦٠ هـ. ينظر: تاريخ الإسلام: الذهبي (٦/ ٤٣).\n(^٦) الفتاوى الكبرى: ابن تيمية (٥/ ٤٨٠).\n(^٧) زاد المعاد: ابن القيم (٥/ ١٦٩ - ١٧١).\n(^٨) انظر: فتح الباري: ابن حجر (٩/ ٥٠٦)، وانظر: حاشية الدسوقي على الشرح الكبير للدردير (٢/ ٥١٠، ٥١١)، وانظر: الموسوعة الفقهية الكويتية (٤٤/ ١٩).","vol":"1","page":240},{"text":"فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [سورة البقرة: ٢٢٨].\nفقد روي عن زيد بن أسلم، وابن زيد من أن المراد من قوله تعالى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ الإمرة، والطاعة (^١)، فيُفهم منه وجوب خدمة الزوجة لزوجها إذا أمرها.\nقال الحافظ ابن كثير في تفسير الآية: \"ولهن على الرجال من الحق مثل ما للرجال عليهن، فليؤد كل واحد منهما إلى الآخر ما يجب عليه بالمعروف\" (^٢).\nفمفهوم كلامه أنه إذا جرت العادة عند العامة بخدمة الزوجة لزوجها فيلزمها ذلك، فليس من العدل وما هو مُتعارف عليه أن يقوم الرجل بتدبير أمور البيت الخارجية، ويوفر الخادم لزوجته ليقوم بتدبير الأمور الداخلية مقابل الاستمتاع، إذ إن الاستمتاع مُقابَل بمثله.\nومن الكتاب أيضًا قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [سورة النساء: ٣٤].\nقال الحافظ ابن كثير: \"أي: الرجل قيم على المرأة، أي هو رئيسها وكبيرها والحاكم عليها ومؤدبها إذا اعوجت\". ومن لوازم كونه رئيسًا وحاكمًا عليها أن تقوم بخدمته\" (^٣).\nومن السنة: ما أخرجه البخاري في صحيحه عن علي ﵁: أن فاطمة ﵉ أتت النبي ﷺ تشكو إليه ما تلقى في يدها من الرحى، وبلغها أنه جاءه رقيق، فلم تصادفه، فذكرت ذلك لعائشة، فلما جاء أخبرته عائشة، قال: فجاءنا وقد أخذنا مضاجعنا، فذهبنا نقوم، فقال: «على مكانكما» فجاء فقعد بيني وبينها، حتى وجدت برد قدميه على بطني، فقال: «ألا أدلكما على خير مما سألتما؟ إذا أخذتما مضاجعكما - أو أويتما إلى فراشكما - فسبحا ثلاثا وثلاثين، واحمدا ثلاثا وثلاثين، وكبرا أربعا وثلاثين، فهو خير لكما من خادم» (^٤).\n_________\n(^١) انظر: جامع البيان: الطبري (٤/ ١٢١)، وانظر: النكت والعيون: الماوردي (١/ ٢٩٣).\n(^٢) تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٢/ ١٧٦).\n(^٣) تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٣/ ٩٤).\n(^٤) أخرجه البخاري، كتاب النفقات، باب عمل المرأة في بيت زوجها، برقم: (٥٣٦١).","vol":"1","page":241},{"text":"قال ابن القيم: \"فلم يقل لعلي: لا خدمة عليها، وإنما هي عليك وهو ﷺ لا يحابي في الحكم أحدا\" (^١).\nومن السنة أيضًا: ما أخرجه مسلم في صحيحه من حديث أسماء أنها قالت: \"كنت أخدم الزبير خدمة البيت، وكان له فرس، وكنت أسوسه، فلم يكن من الخدمة شيء أشد علي من سياسة الفرس، كنت أحتش له وأقوم عليه وأسوسه\" (^٢).\nقال ابن القيم: \"ولما رأى أسماء والعلف على رأسها، والزبير معه لم يقل: له لا خدمة عليها، وأن هذا ظلم لها، بل أقره على استخدامها، وأقر سائر أصحابه على استخدام أزواجهم مع علمه بأن منهن الكارهة والراضية هذا أمر لا ريب فيه\" (^٣).\nمناقشة دليل القائلين بعدم وجوب خدمة المرأة زوجها:\nاستدل بعض الفقهاء من الآية عدم وجوب خدمة الزوجة لزوجها، والعلة من ذلك أن المعقود عليه منفعة البضع فقط، فلا يملك غيرها من منافعها.\nوالجواب عما استدلوا عليه من وجهين:\nالأول: أن المهر في مقابلة البضع، وكل من الزوجين يقضي وطره من صاحبه، فإنما أوجب الله سبحانه نفقتها وكسوتها ومسكنها في مقابلة استمتاعه بها وخدمتها، وما جرت به عادة الأزواج.\nالثاني: أن العقود المطلقة إنما تنزّل على العرف، والعرف خدمة المرأة، وقيامها بمصالح البيت الداخلة (^٤).\nقال الألباني: \" ولم نجد لمن قال بعدم الوجوب دليلا صالحا\" (^٥).\n_________\n(^١) زاد المعاد: ابن القيم (٥/ ١٧١).\n(^٢) أخرجه مسلم، كتاب السلام، باب جواز إرداف المرأة الأجنبية إذا أعيت في الطريق، برقم: (٢١٨٢).\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب النفقات، باب عمل المرأة في بيت زوجها، برقم: (٥٣٦١).\n(^٤) زاد المعاد: ابن القيم (٥/ ١٧١).\n(^٥) آداب الزفاف: الألباني (٢٨٨). وللاستزادة ينظر: زاد المعاد: ابن القيم (٥/ ١٦٩ - ١٧١).","vol":"1","page":242},{"text":"وبهذا يتبين رجحان قول من ذهب إلى وجوب خدمة الزوجة لزوجها من الفقهاء والمفسرين، وضعف من قول من قال بعدم الوجوب.\nتنبيهان:\nالأول: خدمة المرأة زوجها تخضع للعرف، وعلى قدر استطاعتها، فليس للزوج أن يُكلِّفها ما لا طاقة لها به.\nقال العثيمين ﵀: \" أما خدمتها لزوجها فهذا يرجع إلى العرف، فما جرى العرف بأنها تخدم زوجها فيه وجب عليها خدمته فيه، وما لم يجرِ به العرف لم يجب عليها، ولا يجوز للزوج أن يلزم زوجته بخدمة أمه أو أبيه أو أن يغضب عليها إذا لم تقم بذلك، وعليه أن يتقي الله ولا يستعمل قوته، فإن الله تعالى فوقه، وهو العلي الكبير ﷿، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ [سورة النساء: ٣٥] \" (^١).\nالثاني: القائلين بعدم وجوب خدمة المرأة زوجها لهم أدلة أخرى غير ما ذُكر، وليس المقام بأن تُذكر وتُناقش، وإنما يُكتفى بالدليل أو العلة التي ذكرها القاسمي ﵀ عنهم (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-215> النتيجة:</span>\nبعد عرض ما تقدم من أقوال أهل العلم والمفسرين في هذه المسألة، يظهر أن الراجح هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني من وجوب خدمة المرأة زوجها إذا أمرها، لدلالة الكتاب والسنة المتقدمة، وبعض كلام أهل العلم، والله أعلم.\n_________\n(^١) فتاوى نور على الدرب: العثيمين (٢٤/ ٢)، وانظر: الشرح الممتع: العثيمين (١٢/ ٤٤١).\n(^٢) مسألة خدمة المرأة زوجها تفصيلها في كتاب: خدمة المرأة زوجها (دراسة فقهية مقارنة) للدكتور: عبد الحميد بن صالح الغامدي. ففي هذا الكتاب ذكر الأدلة على وجوب خدمة المرأة زوجها، وأدلة القائلين بعدم الوجوب والجواب عليها.","vol":"1","page":243},{"text":"<span data-type='title' id=toc-216>١٩ - قوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [سورة البقرة: ٢٣٦].</span>\nقال القاسمي: أخذ بعض المفسرين يحاول البحث بأن عنوان نفي الجناح- عما ذكر هنا- يفيد ثبوته فيما عداه، مع أنه لا جناح أيضا فيه. وتكلف للجواب- سامحه الله- (^١) ولا يخفاك أن مثل هذا العنوان كثيرا ما يراد به في التنزيل الترخيص والتسهيل (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-217> أقوال أهل العلم في المراد من نفي الجُناح في الآية:</span>\nالقول الأول: أن المراد من نفي الجناح: نفي ثبوت إيجاب المهر.\nالقول الثاني: أن المراد من نفي الجُناح: نفي الإثم والحرج.\nأصحاب القول الأول:\nالزمخشري: \"أي: لا تبعة عليكم من إيجاب مهر ﴿إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ ما لم تجامعوهن أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ إلا أن تفرضوا لهن فريضة، أو حتى تفرضوا، وفرض الفريضة: تسمية المهر. وذلك أن المطلقة غير المدخول بها إن سمى لها مهر فلها نصف المسمى، وإن لم يسم لها فليس لها نصف مهر المثل ولكن المتعة. والدليل على أن الجناح تبعة المهر قوله: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ إلى قوله: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ فقوله: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾: إثبات للجناح المنفي ثمة\" (^٣).\nالرازي: \" المراد من الجناح في هذه الآية لزوم المهر، فتقدير الآية: لا مهر عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة، بمعنى: لا يجب المهر إلا بأحد هذين\n_________\n(^١) يريد الرازي كما يقرر ذلك في تفسيره مفاتيح الغيب (٦/ ٤٧٥).\n(^٢) محاسن التأويل: القاسمي: (٣/ ٦١٩).\n(^٣) الكشاف: الزمخشري (١/ ٢٨٤، ٢٨٥).","vol":"1","page":244},{"text":"الأمرين، فإذا فقدا جميعا لم يجب المهر\" (^١).\nالبيضاوي: \"لا تبعة من مهر\" (^٢).\nالشوكاني: \"المراد بالجناح هنا: التبعة من المهر ونحوه، فرفعه رفع لذلك، أي: لا تبعة عليكم بالمهر ونحوه إن طلقتم النساء على الصفة المذكورة\" (^٣).\nأصحاب القول الثاني:\nالطبري: \" ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ أي: لا حرج عليكم إن طلقتم النساء، يقول: لا حرج عليكم في طلاقكم نساءكم وأزواجكم ما لم تمسوهن، يعني بذلك: ما لم تجامعوهن. والمماسة في هذا الموضوع كناية عن اسم الجماع\" (^٤).\nالسمرقندي: \" لا جناح عليكم، أي لا حرج عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن\" (^٥).\nالقرطبي: \" إخبار برفع الحرج عن المطلق قبل البناء والجماع، فرض مهرا أو لم يفرض\" (^٦).\nابن عاشور: \"لا يعرف إطلاق الجناح على غير معنى الإثم، ولذلك حمله جمهور المفسرين هنا على نفي الإثم في الطلاق (^٧).\n_________\n(^١) مفاتيح الغيب: الرازي (٦/ ٤٧٥).\n(^٢) أنوار التنزيل: البيضاوي (١/ ١٤٦). وانظر: إرشاد العقل السليم: أبي السعود (١/ ٢٣٣)، وانظر: روح المعاني: الآلوسي (٣/ ٣٣١).\n(^٣) فتح القدير: الشوكاني: (١/ ٢٨٩).\n(^٤) جامع البيان: الطبري (٤/ ٢٨٦).\n(^٥) بحر العلوم: السمرقندي (١/ ١٥٥).\n(^٦) الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (٤/ ١٥٧).\n(^٧) التحرير والتنوير: ابن عاشور (٢/ ٤٥٧، ٤٥٨).","vol":"1","page":245},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-218> دراسة المسألة:</span>\nذكر القاسمي في تفسير هذه الآية أن من المفسرين من قال بأن نفي الجناح في هذه الآية محصور على الطلاق في أمرين فقط وهما: ما لم يقع مسيس أو مالم يُفرض الفرض كما هو ظاهر الآية.\nوتعَقُّبه على هذا التأويل بناء على المشهور من المراد من نفي الجُناح: وهو نفي الحرج أو نفي الإثم، وأن المراد من نفي الجناح الترخيص والتسهيل.\nوظاهر كلام المُتقدم ذكرهم - أصحاب القول الأول- يُريدون من نفي الجناح: لا تبعة من إيجاب مهر إذا لم يقع مسيس أو فرض مهر، وليس الوقوع في الإثم والحرج بالطلاق.\nوبناءً على عرض ما تقدم من كلام المُفسرين، يظهر أنه لا تعارض بين أقوالهم، فيجوز أن يكون المراد: لا إثم عليكم ولا حرج إن طلقتم النساء سواء دخلتم بهن أو لم تدخلوا بهن، فرضتم لهن فريضة من مهر أو لم تفرضوا لهن، ويجوز أن يكون المراد: لا تبعة عليكم من مهر مالم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة.\nويؤيد ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن المراد من الجناح: التبعة من المهر ونحوه، ما يلي:\nأولًا: من حيث اللغة: \"أن أصل الجناح في اللغة هو الثقل، يقال: أجنحت السفينة إذا مالت لثقلها والذنب يسمى جناحا لما فيه من الثقل، قال تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [سورة العنكبوت: ١٣] إذا ثبت أن الجناح هو الثقل، ولزوم أداء المال ثقل فكان جناحا، فثبت أن اللفظ محتمل له\" (^١).\nثانيًا: ظاهر قوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ أن نفي الجناح محدودا إلى غاية وهي إما المسيس أو الفرض، والتقدير:\n_________\n(^١) مفاتيح الغيب: الرازي (٦/ ٤٧٥).","vol":"1","page":246},{"text":"فوجب أن يثبت ذلك الجناح عند حصول أحد هذين الأمرين ثم إن الجناح الذي يثبت عند أحد هذين الأمرين هو لزوم المهر، فوجب القطع بأن الجناح المنفي في أول الآية هو لزوم المهر (^١).\nثالثًا: سياق الآية التي بعدها وهي قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [سورة البقرة: ٢٣٧] فقد أوجب الله تعالى فيها نصف المفروض وهذا القسم كالمقابل لذلك القسم - يعني الحكم في الآية التي قبلها- فيلزم أن يكون الجناح المنفي هناك هو المثبت هاهنا، فلما كان المثبت هاهنا هو لزوم المهر وجب أن يقال: الجناح المنفي هناك هو لزوم المهر والله أعلم\" (^٢).\nرابعًا: لو كان المراد من نفي الجناح: نفي الإثم أو الحرج فلماذا خص الله تعالى المطّقة قبل المسيس، والمُطلّقة قبل فرض الفرض فقط؟ وجميع أنواع المُطلّقات لا إثم في طلاقهن، وبهذا يُعلم أن العلة في تحصيصهم في الآية لما يترتب عليه انتفاء المهر.\nيقول ابن جرير الطبري: \"وإنما عنى الله تعالى ذكره بقوله: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ المطلقات قبل الإفضاء إليهن في نكاح قد سمي لهن فيه الصداق. وإنما قلنا إن ذلك كذلك، لأن كل منكوحة فإنما هي إحدى اثنتين إما مسمى لها الصداق، أو غير مسمى لها ذلك، فعلمنا بالذي يتلو ذلك من قوله تعالى ذكره أن المعنية بقوله: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ إنما هي المسمى لها؛ لأن المعنية بذلك لو كانت غير المفروض لها الصداق لما كان لقوله: ﴿أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ معنى معقول، إذ كان لا معنى لقول قائل: لا جناح عليكم إذا طلقتم النساء ما لم تفرضوا لهن فريضة في نكاح لم تماسوهن فيه أو ما لم تفرضوا لهن فريضة. فإذ كان لا معنى لذلك، فمعلوم أن الصحيح من التأويل في ذلك: لا جناح عليكم إن طلقتم المفروض لهن من نسائكم الصداق\n_________\n(^١) انظر: مفاتيح الغيب: الرازي (٦/ ٤٧٥).\n(^٢) انظر: مفاتيح الغيب: الرازي (٦/ ٤٧٥).","vol":"1","page":247},{"text":"قبل أن تماسوهن، وغير المفروض لهن قبل الفرض\" (^١).\nرابعًا: أن القول بأن معنى الجناح في هذه الآية: المهر، لا يتعارض مع ما ذهب إليه كثير من المفسرين من أن المراد من الجناح الحرج، بمعنى: لا حرج عليكم، فكلاهما فيه حرج من حيث لزوم دفع المال.\nويؤيد ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني من أن المراد من الجناح: الحرج أو الإثم، اللغة:\nفالمفهوم الاصطلاحي للجُناح هو: الإثم والحرج. وقد ورد بمعنيين:\nالمعنى الأول: الحرج، كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ﴾ [سورة البقرة: ٢٣٥] ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾.\nالمعنى الثاني: الإثم، كما جاء في قوله تعالى ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ﴾ [سورة الأحزاب: ٥٥] سمى به لأنه مائل بالإنسان عن الحق (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-219> النتيجة:</span>\nبعد إيراد أقوال المفسرين في هذه المسألة، والأدلة الدالة على إطلاق نفي الجُناح على نفي الحرج والإثم، والأدلة الدالة على إطلاق نفي الجُناح على التبعة في دفع المهر، يظهر أنه لا تعارض بين أقوالهم.\nوما ذكره الرازي من أوجه تؤيد المراد من أن المراد بالجناح في هذه الآية: لزوم المهر، معتبرة وليس فيها تكلف كما قال القاسمي ﵀، والله أعلم.\n_________\n(^١) جامع البيان: الطبري (٤/ ٢٨٨).\n(^٢) بصائر ذوي التمييز: الفيروز آبادي (٢/ ٤٠٠).","vol":"1","page":248},{"text":"<span data-type='title' id=toc-220>٢٠ - قوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦)﴾ [سورة البقرة: ٢٣٦].</span>\nقال القاسمي: تكلف بعض بجعل (أو) بمعنى (إلا) أو (حتى) وجعل الحرج بمعنى المهر مع أن الآية بينة بنفسها لا حاجة إلى أن تتجاذبها أطراف هذه الأبحاث. وعدولهم عن أقرب مما سلكوه- أعني كون (أو) بمعنى الواو- مع شيوعها في آيات كثيرة- عجيب، وأعجب منه تخطئة من جنح لهذا الأقرب، مع أن مما يرشحه مساق الآية بعدها (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-221> أقوال أهل العلم في معنى (أو) في قوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾:</span>\nالقول الأول: أن (أو) بمعنى: (إلا) أو (حتى)، أي: لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن إلا أن تفرضوا لهن فريضة، أو حتى تفرضوا لهن فريضة.\nالقول الثاني: أن (أو) بمعنى: الواو، تفيد العطف وتفيد التخيير بحسب الموضع.\nأصحاب القول الأول:\nالزمخشري: \" ﴿أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ إلا أن تفرضوا لهن فريضة، أو حتى تفرضوا، وفرض الفريضة: تسمية المهر\" (^٢).\nالرازي: \" ذكر كثير من المفسرين أن ﴿أَوْ﴾ هاهنا بمعنى الواو، ويريد: ما لم تمسوهن ولم تفرضوا لهن فريضة، كقوله: ﴿أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [سورة الصافات: ١٤٧] وأنت إذا تأملت\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي: (٣/ ٦١٩).\n(^٢) الكشاف: الزمخشري (١/ ٢٨٤، ٢٨٥)، وتبعه البيضاوي في أنوار التنزيل: (١/ ١٤٦)، والمنتجب الهمذاني في الكتاب الفريد في إعراب القرآن المجيد (١/ ٥٣٦)، والنسفي في مدارك التنزيل (١/ ١٩٨).","vol":"1","page":249},{"text":"فيما لخصناه علمت أن هذا التأويل متكلف، بل خطأ قطعا والله أعلم\" (^١).\nأبو السعود: \" ﴿أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ أي: إلا أن تفرضوا لهن، أو حتى تفرضوا لهن عند العقد مهرا على أن فريضة فعلية بمعنى مفعول والتاء لنقل اللفظ من الوصفية إلى الاسمية وانتصابه على المفعولية\" (^٢).\nأصحاب القول الثاني:\nالجرجاني (^٣): \" ﴿أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ﴾ ﴿أَوْ﴾ بمعنى الواو\" (^٤).\nابن جزي: \" ﴿أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ﴾ ﴿أَوْ﴾ فيه بمعنى الواو\" (^٥).\nالسمعاني: في تفسير قوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ \"تقديره: ولم تمسوهن، ولم تفرضوا لهن فريضة\" (^٦).\nالبغوي: \"أي: ولم تمسوهن ولم تفرضوا\" (^٧).\nالعثيمين: \" ﴿أَوْ﴾ هنا على القول الراجح حرف عطف على ﴿تَمَسُّوهُنَّ﴾ \" (^٨).\n_________\n(^١) مفاتيح الغيب: الرازي (٦/ ٤٧٦).\n(^٢) إرشاد العقل السليم: أبي السعود (١/ ٢٣٣)، وانظر: روح المعاني: الآلوسي (٣/ ٣٣١).\n(^٣) وهو: أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجاني، شيخ العربية، صنف شرحا حافلا للإيضاح يقع في ثلاثين مجلدا، وغيره، وكان شافعيا، عالما، أشعريا، ذا نسك ودين، مات سنة ٤٧١. ينظر: سير أعلام النبلاء: الذهبي (١٨/ ٤٣٢).\n(^٤) درج الدرر: الجرجاني (١/ ٤٠٥).\n(^٥) التسهيل لعلوم التنزيل: ابن جزي (١/ ١٢٦).\n(^٦) تفسير القرآن: أبي المظفر السمعاني (١/ ٢٤١).\n(^٧) معالم التنزيل: البغوي (١/ ٢٨٣).\n(^٨) تفسير القرآن الكريم: العثيمين (٣/ ١٦٧).","vol":"1","page":250},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-222> دراسة المسألة:</span>\nمن خلال ما تقدم من أقوال المفسرين، وبعد البحث والنظر، يتبين أن لكل فريق أوجه تؤيد ما ذهب إليه:\nفالمعنى على القول الأول: أنه ينتفي الجناح عند انتفاء الجماع، إلا إن فُرض لها مهر، فلا ينتفي الجناح وإن انتفى الجماع، لأنه استثنى من الحالات التي ينتفي فيها الجناح حالة فرض الفريضة، فيَثبت فيها الجناح.\nوالمعنى على القول الثاني: أنه ينتفي الجناح بانتفاء الجماع وتسمية المهر معا، فإن وُجد الجماع وانتفت التسمية فلها مهر المثل، وإن انتفى الجماع ووجدت التسمية فنصف المسمى، فيَثبت الجناح إذ ذاك في هذين الوجهين، وينتفي بانتفائهما، ويكون الجناح إذ ذاك يُطلَق على ما يلزم المطلِّق باعتبار هاتين الحالتين (^١).\nوالمتأمل في المعنيين يجد أن مؤداهمها: أن الجُناح ينتفي مالم يقع مسيس أو تسمية فرض، ويثبت بثبوتهما أو أحدهما، فلا تعارض بينهما، والله أعلم. ولكل قول أوجه تؤيد ما ذهب إليه:\nأوجه بيان أن (أو) بمعنى: (إلا) أو بمعنى: (حتى):\nأولا: من حيث اللغة: فـ (أو) في النحو تارة بمعنى: إلا أن؛ لأنها في معنى قولهم: هو قاتلي أو أفتدي منه، وقولك: لألزمنك أو تعطيني حقي، أي: إلا أن تعطيني حقي، وأخرى بمعنى حتى؛ لأنه فسر قوله: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ بلا تبعة مهر عليكم، وهو دال على جواب الشرط، أي: ما لم تمسوهن، فالمعنى: ما لم تمسوهن لا مهر عليكم، إلا أن تفرضوا لهن، أو: حتى تفرضوا لهن فريضة، فحينئذ يجب المهر (^٢).\nثانيًا: من حيث الظاهر: أن قوله تعالى: ﴿أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾: بمعنى إلا أن تفرضوا لهن فريضة، أو حتى تفرضوا، وفرض الفريضة: تسمية المهر، لأن المطلقة قبل\n_________\n(^١) انظر: البحر المحيط: أبو حيان (٤/ ٣٤٠، ٣٤١).\n(^٢) فتوح الغيب: الطيبي (٣/ ٤٣٥).","vol":"1","page":251},{"text":"الدخول بها إن سمي لها مهر، فلها نصف المهر المسمى، وإن لم يسم، فليس لها نصف مهر المثل، ولكن المتعة (^١).\nثالثًا: أنه لا تبعة على المطلق بمطالبة المهر أصلا إذا كان الطلاق قبل المسيس على كل حال إلا في حال تسمية المهر فإن عليه حينئذ نصف المسمى وفي حال عدم تسميته عليه المتعة لا نصف مهر المثل وأما إذا كان بعد المساس فعليه في صورة التسمية تمام المسمى وفي صورة عدمها تمام مهر المثل (^٢).\nرابعًا: أن التقييد في الآية وهو: المسيس أو الفرض ينتهي برفع قيده.\nقال الآلوسي: \"كأنه قيل: أنتم ما لم تمسوهن بغير جناح وتبعة إلا إذا- فرضت الفريضة- فيكون الجناح لأن المقيد في المعنى ينتهي برفع قيده فتأمل (^٣).\nخامسًا: أن جعل ﴿أَوْ﴾ بمعنى: الواو في الآية، يوهم تقدير حرف النفي فيصير ما لم تمسوهن وما لم تفرضوا فيكون الشرط حينئذ أحد النفيين لا نفي أحد الأمرين فيلزم أن لا يجب المهر إذا عدم المسيس ووجد الفرض أو عدم الفرض ووجد المسيس، ولا يخفى أنه غير وارد (^٤).\nأوجه بيان أن (أو) بمعنى: الواو:\nأولا: نظائر الآيات: فقد تكون «أو» بمعنى الواو. كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [سورة الصافات: ١٤٧] أي وكفورا. وقوله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾ [سورة الأعراف: ٣] \" أي وهم قائلون. وقوله: \" ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [سورة الصافات: ١٤٧] \" أي ويزيدون (^٥).\n_________\n(^١) الكشاف: الزمخشري (١/ ٢٨٤).\n(^٢) إرشاد العقل السليم: أبي السعود (١/ ٢٣٣).\n(^٣) روح المعاني: الآلوسي (٣/ ٣٣٢).\n(^٤) انظر: روح المعاني: الآلوسي (٣/ ٣٣٢).\n(^٥) انظر: زاد المسير: ابن الجوزي (١/ ٢١٢)، وانظر: الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (٤/ ١٦١).","vol":"1","page":252},{"text":"ثانيًا: من حيث الظاهر: أنه تعالى عطف عليها بعد ذلك المفروض لها فقال: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [سورة البقرة: ٢٣٧]. فلو كان الأول لبيان طلاق المفروض لها قبل المسيس لما كرره (^١).\nثالثًا: من حيث اللغة: (أَوْ) في نحو هذا الموضع تفيد ما يفيد الواو على وجه، وذلك أنه إذا قيل: افعل كذا إن جاءك زيد أو عمرو، يقتضي أن تفعله إذا جاء أحدهما، ولا شك أنه يحتاج أن يفعله إذا جاءا جميعًا؛ لأنه قد جاء أحدهما وزيادة، وعلى هذا قال النحويون: جالس الحسن أو ابن سيرين يقتضي أنه إذا جالسهما فقد امتثل، وعلى هذا قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [سورة النساء: ٤٣] فظاهر الآية يقتضي أنه إن لم يكن لها مسيس أو لم يكن لها فرض أو لم يكن الأمران فلها المتعة، فكأنه قيل: إذا طلقتموهن ولم يحصل الأمران: المسيس والفرض، أو حصل المسيس ولم يحصل الفرض، فمتعوهن (^٢).\nرابعًا: من حيث اللغة أيضًا: أن (أَوْ) في قوله: ﴿أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ عاطفة على ﴿تَمَسُّوهُنَّ﴾ المنفي، و(أو) إذا وقعت في سياق النفي تفيد مفاد واو العطف فتدل على انتفاء المعطوف والمعطوف عليه معا، ولا تفيد المفاد الذي تفيده في الإثبات، وهو كون الحكم لأحد المتعاطفين (^٣).\nخامسًا: من حيث اللغة أيضًا: أن مفاد «أو» في الإثبات نظير مفاد النكرة وهو الفرد المبهم، فإذا دخل النفي استلزم نفي الأمرين جميعا، ولهذا كان المراد في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [سورة الإنسان: ٢٤] النهي عن طاعة كليهما، لا عن طاعة أحدهما دون الآخر (^٤).\n_________\n(^١) انظر: الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (٤/ ١٦٢).\n(^٢) تفسير الراغب الأصفهاني (١/ ٤٩٠)، وانظر: فتوح الغيب: الطيبي (٣/ ٤٣٦).\n(^٣) التحرير والتنوير: ابن عاشور (٢/ ٤٥٨).\n(^٤) انظر: التحرير والتنوير: ابن عاشور (٢/ ٤٥٨).","vol":"1","page":253},{"text":"تنبيهات:\nالأول: لا يتوهم أن صاحب الكشاف أهمل تقدير العطف لعدم استقامته، بل لأن غيره هنا أوضح وأنسب، فقوله: ﴿أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ بمعنى (إلا) أو (حتى)، أبعد عن الخفاء في دلالة (أو) العاطفة في سياق النفي (^١).\nالثاني: ذُكرت معاني أخرى في المراد من (أو) في الآية غير ما ذكر، من كونها على بابها من كونِها لأحد الشيئين، أو أن في الكلام جملةٍ محذوفةٍ تقديره: «فَرَضْتُم أو لم تَفْرِضُوا» (^٢)، وليس المقام يحسن بإيراد تلك المعاني والحديث فيها، وإنما يُكتفى بتعقب القاسمي ﵀ وذكر اختياره.\nالثالث: انتقد بعض أهل التفسير على من قال بأن المراد من (أو) العطف بالواو، أو بمعنى (إلا) أو بمعنى (حتى) ووصفه بالتعسف، ومن التطويل الذي لا وجه له، لوضوح المراد من الآية (^٣).\n\n•<span data-type='title' id=toc-223> النتيجة:</span>\nبعد عرض ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، والأوجه التي تؤيد كل قول، يظهر والله أعلم أنه لا تعارض بينها، فمن جعل (أو) بمعنى (إلا) أو (حتى) في الآية يؤيده ظاهر الآية واللغة كما تقدم، ومن جعل (أو) بمعنى الواو كذلك، والمؤدى واحد.\nفتعقب القاسمي ﵀ على من جعل (أو) بمعنى (إلا) أو (حتى) ووصفه أنه من التكلف غير مُسلَّم، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: التحرير والتنوير: ابن عاشور (٢/ ٤٥٨).\n(^٢) انظر: غرائب القرآن: النيسابوري (١/ ٦٥٠)، وانظر: فتح القدير: الشوكاني (١/ ٢٨٩).\n(^٣) انظر: البحر المحيط: أبو حيان (٤/ ٣٤٠).، وانظر: الدر المصون: السمين الحلبي (٢/ ٤٨٧).","vol":"1","page":254},{"text":"<span data-type='title' id=toc-224>٢١ - قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (٢٣٩)﴾ [سورة البقرة: ٢٣٩].</span>\nقال القاسمي: \"هذه الآية قد أطلقت الخوف. فيدخل فيه أي مخافة من عدو أو سبع أو جمل صائل، وهذا قول الأكثر. وشذ قول الوافي (^١) وبعض الظاهرية: إن الخوف مختص بأن يكون من آدمي\" (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-225> أقوال أهل العلم في المراد بالخوف من الآية من حيث العموم أو الخصوص بالآدمي:</span>\nالقول الأول: أن الخوف عام في أي مخافة، سواء كانت من عدو أو سبع أو جمل صائل.\nالقول الثاني: أن الخوف مختص بأن يكون من آدمي.\nأصحاب القول الأول:\nالطبري: \"ولم يخص الخوف على ذلك على نوع من الأنواع\" (^٣).\nالزمخشري: \"فإن كان بكم خوف من عدو أو غيره، وهذا القول أصح لأن هذا الحكم ثابت عند حصول الخوف، سواء كان الخوف من العدو أو من غيره\" (^٤).\nابن عطية: \" هذه هي صلاة الفذ الذي قد ضايقه الخوف على نفسه في حال المسايفة أو من سبع يطلبه أو عدو يتبعه أو سيل يحمله، وبالجملة فكل أمر يخاف منه على روحه فهو\n_________\n(^١) وهو: علي بن بلال الأملي، الزيدي مولى السيدين الأخوين المؤيد بالله وأبي طالب، كان من المتبحرين في فنون عديدة حافظا للسنة مجتهدا، وهو الذي يعرف بصاحب \"الوافي\"، مات في القرن الخامس الهجري. ينظر: مطلع البدور: (٣/ ٢١٥)، موسوعة الفقه الإسلامي: وزارة الأوقاف المصرية (٩/ ٣٨٥).\n(^٢) محاسن التأويل: القاسمي: (٣/ ٦٣٠).\n(^٣) جامع البيان: الطبري (٤/ ٣٩٣).\n(^٤) الكشاف: الزمخشري (١/ ٢٨٨).","vol":"1","page":255},{"text":"مبيح ما تضمنته هذه الآية \" (^١).\nالبيضاوي: \" ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ من عدو أو غيره\" (^٢).\nأصحاب القول الثاني:\nالوافي وبعض الظاهرية كما يقول القاسمي ﵀.\n\n•<span data-type='title' id=toc-226> دراسة المسألة:</span>\nمن خلال عرض ما تقدم من أقوال المفسرين في الآية نجد أن أكثرهم ينصون على أن الخوف عام في كل مخافة سواء كان من آدمي أو سبع أو غير، ويُفهم من قول غيرهم من المفسرين وإن لم ينص على هذا العموم.\nومما يدل على أن الخوف المذكور في هذه الآية عام في كل مخوف ما يلي:\nأولا: أن الأصل في الألفاظ العموم، إلا بدليل يصرف المعنى العام الذي أفاده اللفظ إلى معنى خاص، ولا دليل، والله أعلم.\nثانيًا: أن الله تعالى لم يذكر ما يخاف منه، ليشمل الخوف من كافر وظالم وسبع، وغير ذلك من أنواع المخاوف\" (^٣).\nثالثًا: أن حال الخوف قد تكون في حال الحرب، وقد تكون في غيرها كهجوم وحش مفترس، فيبقى الخوف على عمومه (^٤).\nرابعًا: أن العلة من صلاة الخوف هي دفع الضرر، وهذه العلة ثابتة في حال قتال العدو\n_________\n(^١) المحرر الوجيز: ابن عطية (٢/ ١١٥)، وانظر: لجامع لأحكام القرآن: القرطبي (٤/ ١٩٩).\n(^٢) أنوار التنزيل: البيضاوي (١/ ١٤٧)، وانظر: مدارك التنزيل: النسفي (١/ ٢٠٠)، وانظر: لباب التأويل: الخازن (١/ ١٧٤)، وانظر: التسهيل: ابن جزي (١/ ١٢٨)، وانظر: جامع البيان: الإيجي (١/ ١٧٣) وانظر: إرشاد العقل السليم: أبي السعود (١/ ٢٣٦).\n(^٣) انظر: تيسير الكريم الرحمن: السعدي (ص: ١٠٦).\n(^٤) انظر: زهرة التفاسير: أبو زهرة (٢/ ٨٤٢).","vol":"1","page":256},{"text":"وفي حال صول السبع وغيره، فوجب أن يكون الحكم فيهما واحد (^١).\nخامسًا: بالنظر إلى قول عامة الفقهاء من المذاهب الأربعة في هذه المسألة نجد أنهم ينصون على أن الصلاة على الدابة تجوز إن كانت المخافة من عدو أو سبع أو غير ذلك (^٢).\nتنبيهان:\nالأول: نسب القاسمي ﵀ لبعض الظاهرية القول بأن الخوف المذكور في الآية مختص بأن يكون من آدمي، وكما هو معلوم أن إمام أهل الظاهر هو ابن حزم ﵀، ولم يقل بهذا التخصيص، بل قال: \" ولم يخص ﷿ خوفا من خوف؛ فلا يجوز تخصيصه أصلا\" (^٣). ولعل القاسمي ﵀ يُريد ناسًا آخرين من أهل الظاهر، الله أعلم بهم.\nالثاني: فرَّق الإمام مالك ﵀ بين خوف العدو المقاتل وبين خوف السبع ونحوه بأن استحب في غير خوف العدو الإعادة في الوقت إن وقع الأمن، وأكثر فقهاء الأمصار على أن الأمر سواء (^٤).\n\n•<span data-type='title' id=toc-227> النتيجة:</span>\nبعد عرض ما تقدم في هذه المسألة، يتبين أن الخوف الوارد في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ عام، فيعم الخوف من الآدمي أو السبع أو غير ذلك، كما تقدم من قول عامة المفسرين، والأدلة الدالة على ذلك وما أشير إليه من الفقهاء.\nوأن تخصيص الخوف بأن يكون من آدمي، فيه شذوذ كما وصف بذلك القاسمي ﵀، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: لباب التأويل: الخازن (١/ ١٧٥).\n(^٢) انظر: نور الإيضاح: الشرنبلاي الحنفي (ص: ٨٢)، وانظر: البيان في مذهب الشافعي: العمراني (٢/ ٥٢٧)، المغني: ابن قدامة (١/ ٣١٣)، وانظر: منح الجليل شرح مختصر خليل: محمد عليش (١/ ٢٦٣).\n(^٣) المحلى: ابن حزم (٢/ ١١٦).\n(^٤) المحرر الوجيز: ابن عطية (٢/ ١١٦).","vol":"1","page":257},{"text":"<span data-type='title' id=toc-228>٢٢ - قوله تعالى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧٥)﴾ [سورة البقرة: ٢٧٥].</span>\nقال القاسمي: ومن أحل ما حرم الله ﷿ فهو كافر. فلذا استحق الخلود. وبهذا تبين أن لا تعلق للمعتزلة بهذه الآية في تخليد الفساق. حيث بنوا على أن المتوعد عليه بالخلود العود إلى فعل الربا خاصة. ولا يخفى أنه لا يساعدهم على ذلك الظاهر الذي استدلوا به. فإن الذي وقع العود إليه محمول على ما تقدم. كأنه قال: ومن عاد إلى ما سلف ذكره، وهو فعل الربا واعتقاد جوازه والاحتجاج عليه بقياسه على البيع (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-229> أقوال أهل العلم بتخليد الفاسقين في النار:</span>\nالقول الأول: أن الفاسق خلوده في النار أمدي، وليس أبدي، وأن الخلود في النار لمن استحل الربا لا بمجرد الفعل.\nالقول الثاني: أن الفاسق خلوده في النار أبدي، وأن الخلود في النار عام لمن استحل الربا أو لم يستحل.\nأصحاب القول الأول: المفسرون من أهل السنة:\nالبغوي: \" ﴿وَمَنْ عَادَ﴾ بعد التحريم إلى أكل الربا مستحلا له\" (^٢).\nالشوكاني: \" ﴿وَمَنْ عَادَ﴾ يعني: في الربا بعد التحريم فاستحله بقولهم: إنما البيع مثل الربا\" (^٣).\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (٣/ ٧٠٩).\n(^٢) معالم التنزيل: البغوي (١/ ٣٩٥)، بتصرف، وانظر: جامع البيان: الإيجي (١/ ٢٠٥، ٢٠٦).\n(^٣) فتح القدير: الشوكاني (١/ ٣٤١).","vol":"1","page":258},{"text":"القنوجي: \"الخلود مستعارًا على معنى المبالغة كما تقول العرب: مُلك خالد أي طويل البقاء، والمصير إلى هذا التأويل واجب للأحاديث المتواترة القاضية بخروج الموحّدين من النار\" (^١).\nالسعدي: \"وليس فيها - يعني الآية- حجة للخوارج، كغيرها من آيات الوعيد، فالواجب أن تصدق جميع نصوص الكتاب والسنة، فيؤمن العبد بما تواترت به النصوص، من خروج من في قلبه أدنى مثقال حبة خردل من الإيمان من النار\" (^٢).\nأصحاب القول الثاني: المعتزلة:\nالزمخشري: \" ﴿وَمَنْ عَادَ﴾ إلى الربا ﴿فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ وهذا دليل بين على تخليد الفساق\" (^٣).\nالقاضي عبد الجبار: \"فإن قيل: أفتقولون: إنهم يُخَلّلون في النار - يعني الفُسّاق- ويبقون فيها دائمًا أم يخرجون منها؟\nقيل له: بل يُخلّدون فيها على ما أخبر الله ﷿ في كتابه، فقال: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [سورة النساء: ١٤]، وقال: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [سورة النساء: ٩٣]، وقال: ﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤) يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ (١٥) وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ﴾ [سورة الانفطار: ١٦] فبين الله تعالى أنهم لا يغيبون عنها\" (^٤).\n_________\n(^١) فتح البيان: القنوجي (٢/ ١٤٠).\n(^٢) تيسير الكريم الرحمن: السعدي (ص: ٩٥٩).\n(^٣) الكشاف: الزمخشري (١/ ٣٢١). ومع الأسف أن الشيخ محمد رشيد رضا قال في تفسير الآية: \"ما الوعيد هنا إلا كالوعيد بالخلود في آية قتل العمد وليس هناك شبهة على إرادة الاستحلال\" ينظر: تفسير المنار (٣/ ٩٨). ولا شك أن هذا القول غير صحيح وهو من أقوال الخوارج والمعتزلة، وقد رد على هذه الشبهة د. فهد الرومي في رسالته «منهج المدرسة العقلية الحديثة في التفسير» (ص: ٦٥٣) وما بعدها.\n(^٤) الأصول الخمسة: القاضي عبد الجبار (ص: ٩٠، ٩١).","vol":"1","page":259},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-230> دراسة المسألة:</span>\nمن الأصول الفاسدة التي بنى المعتزلة عليه مذهبهم: إنفاذ الوعيد في الآخرة على أصحاب الكبائر، وأن الله لا يقبل فيهم شفاعة، ولا يخرج أحدا منهم من النار، فهم كفار خارجون عن الملة مخلدون في نار جهنم.\nقال الشهرستاني (^١): \"واتفقوا -أي المعتزلة- على أن المؤمن إذا خرج من الدنيا على طاعة وتوبة استحق الثواب والعوض، وإذا خرج من غير توبة عن كبيرة ارتكبها استحق الخلود في النار لكن يكون عقابه أخف من عقاب الكفار وسموا هذا النمط وعدًا ووعيدًا\" (^٢).\nومن طريقة المبتدعة أنهم يحملون النصوص الشرعية على ما يُوافق مذهبهم وأهواءهم، ففي هذه الآية استدلوا على أن الفاسق مُخلد في النار.\nوقد دلت الأدلة من الكتاب والسنة وإجماع الأمة على أن الفاسق خلوده في النار أمدي، وليس أبدي، وهو تحت المشيئة، إن شاء الله عذَّبه وإن شاء غفر له.\nفمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [سورة النساء: ٤٨]\nرُوي عن ابن عمر أنه قال: \"كنا نشهد لمن ارتكب الكبائر بالنار بهذه الآيات؛ حتى نزل قوله تعالى ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ فتوقفنا\" (^٣).\nومن السنة: ما أخرجه البخاري في صحيحه عن أبي ذر ﵁ قال: \"أتيت النبي ﷺ وعليه ثوب أبيض، وهو نائم، ثم أتيته وقد استيقظ، فقال: \"ما من عبد قال: لا إله إلا الله،\n_________\n(^١) وهو: محمد بن عبد الكريم بن أحمد الشهرستاني، أبو الفتح، شيخ أهل الكلام والحكمة، وصاحب التصانيف، برع في الفقه على الإمام أحمد الخوافي الشافعي، مات سنة ٦٤٨ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء: الذهبي (٢٠/ ٢٨٦).\n(^٢) الملل والنحل: الشهرستاني (١/ ٤٥).\n(^٣) تفسير القرآن: السمعاني (١/ ٤١٩).","vol":"1","page":260},{"text":"ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة، قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق\" (^١).\nوهذا يعطي أن صاحب الإيمان مستحق للجنة وأن الذنوب لا تمنعه ذلك لكن قد يحصل له قبل الدخول نوع من العذاب؛ إما في الدنيا وإما في البرزخ وإما في العرصة وإما في النار (^٢).\nوأما الإجماع: فقد حكاه ابن تيمية ﵀ فقال: \" وقد دلت نصوص الكتاب والسنة على أن عقوبة الذنوب تزول عن العبد بنحو عشرة أسباب: أحدها: التوبة، وهذا متفق عليه بين المسلمين\" (^٣).\nوقال السعدي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾: \"وقد علم بالكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة أن التوحيد والإيمان مانع من الخلود في النار، فلولا ما مع الإنسان من التوحيد لصار عمله صالحا للخلود فيها بقطع النظر عن كفره\" (^٤).\nمناقشة استدلال المعتزلة من الآية على تخليد الفاسق في النار:\nاستدل المعتزلة على مذهبهم في إنفاذ الوعيد على العُصاة من المسلمين بالخلود في النار بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ والجواب على استدلالهم من أوجه:\nالوجه الأول: مُخالفة هذا الاستدلال لظاهر الآية:\nقال ابن المنير مُعقبًا على الزمخشري: \"وهو يبنى على أن المتوعد عليه بالخلود العود إلى\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب اللباس، باب الثياب البيض، برقم: (٥٨٢٧)، وأخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة، برقم: (١٥٣).\n(^٢) المستدرك على مجموع الفتاوى: ابن تيمية (١/ ١٢٥)، بتصرف.\n(^٣) مجموع الفتاوى: ابن تيمية (٧/ ٤٨٧).\n(^٤) تيسير الكريم الرحمن: السعدي (ص: ١١٦).","vol":"1","page":261},{"text":"فعل الربا خاصة، ولا يساعده على ذلك الظاهر الذي استدل به، فإن الذي وقع العود إليه مسكوت عنه في الآية. ألا تراه قال: ﴿وَمَنْ عَادَ﴾ فلم يذكر المعود إليه، فيحمل على ما تقدم كأنه قال: ومن عاد إلى ما سلف ذكره ﴿فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾، والذي سلف ذكره فعل الربا واعتقاد جوازه، والاحتجاج عليه بقياسه على البيع. ولا شك عندنا- أهل السنة والجماعة- أن من تعاطى معاملة الربا مستحلا لها مكابرا في تحريمها مسندا إحلالها إلى معارضة آيات الله البينات بما يتوهمه من الخيالات فقد كفر ثم ازداد كفرا، وإذا ذاك يكون الموعود بالخلود في الآية من يقال إنه كافر مكذب غير مؤمن، وهذا لا خلاف فيه، فلا دليل للزمخشري إدا على اعتزاله في هذه الآية، والله الموفق. وإنما هو موكل بتحميل الآيات من المعتقدات الباطلة ما لا تحتمله، وأنى له ذلك في الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد\" (^١).\nالوجه الثاني: مخالفة هذا الاستدلال لسياق الآيات بعدها:\nقال ابن الوزير: \"وظاهرها في الكفار، لأنه قال في أولها: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾، وهذا الكلام يخُصُّ الكافرين، لأنه صريح الإنكار لتحريم الربا، والاحتجاج على الله تعالى بالقياس كما احتج الشيطان في تفضيل نفسه على آدمَ، وإنما الذي يَخُصُّ المؤمن من وعيد الربا قوله تعالى: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ وليس فيه ذكر الخلود، على أنه من أشَدِّ وعيدٍ، وأعظم تهديد\" (^٢).\nالوجه الثالث: أن الوعيد المذكور في الآية من باب التغليظ في الوعيد وليس حمله على الخلود الأبدي للعصاة.\nقال ابن عاشور: \"تمسك بظاهر هاته الآية ونحوها الخوارج القائلون بتكفير مرتكب الكبيرة كما تمسكوا بنظائرها. وغفلوا عن تغليظ وعيد الله تعالى في وقت نزول القرآن إذ\n_________\n(^١) الكشاف: للزمخشري ومعه الانتصاف بذيل الكشاف: لابن المنير (١/ ٣٢١)، وانظر: مفاتيح الغيب: الرازي (٧/ ٨٠)، وانظر: روح المعاني: الآلوسي (٣/ ٤٨٠، ٤٨١).\n(^٢) العواصم القواصم: ابن الوزير (٩/ ٩٣).","vol":"1","page":262},{"text":"الناس يومئذ قريب عهدهم بكفر. ولا بد من الجمع بين أدلة الكتاب والسنة\" (^١).\nالوجه الرابع: أن استدلالهم بالآية يُخالف ما عليه عامة المفسرين من أن المراد: من عاد إلى أكل الربا مُعتقدا استحلاله، فهو الخالد في نار جهنم (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-231> النتيجة:</span>\nمن خلال عرض ما تقدم في هذه المسألة، يظهر جليًا أن لا تعلق للمعتزلة على ما ذهبوا إليه من إنفاذ الوعيد للعصاة بتخليدهم في نار جهنم، لما تقدم من أقوال أهل العلم والمفسرين، وما تقدم ذكره من الأدلة التي تدل على أن الفاسق تحت المشيئة، وأن الآية التي استدلوا بها فيمن استحل الربا لا بمجرد الفعل، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) التحرير والتنوير: ابن عاشور (٣/ ٩١).\n(^٢) انظر: الوسيط في تفسير القرآن المجيد: الواحدي (١/ ٣٩٥)، وانظر: أنوار التنزيل: البيضاوي (١/ ١٦٢)، وانظر: مدارك التنزيل: النسفي (١/ ٢٢٥)، وانظر: لباب التأويل: الخازن (١/ ٢١١)، وانظر: اللباب: ابن عادل الحنبلي (٤/ ٤٥٦)، وانظر: غرائب القرآن: النيسابوري (٢/ ٦٤)، وغيرهم.","vol":"1","page":263},{"text":"سورة آل عمران","vol":"1","page":264},{"text":"<span data-type='title' id=toc-232>سورة آل عمران</span>\n<span data-type='title' id=toc-233>٢٣ - قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠)﴾ [سورة آل عمران: ٨٩].</span>\nقال القاسمي: من ثمرات الآية صحة التوبة من الكافر والعاصي بالردة وغيرها، وذلك إجماع. إلا توبة المرتد ففيها خلاف شاذ. فعند أكثر العلماء أن توبته مقبولة لهذا الآية وغيرها.\nوعند ابن حنبل لا تقبل توبته- رواه عنه في (شرح الإبانة) قيل (^١) وهو غلط. لهذه الآية ولقوله تعالى في سورة النساء: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا﴾ [سورة النساء: ١٣٧]. فأثبت إيمانا بعد كفر تقدمه إيمان، ولو تكررت منه الردة صحت توبته أيضا عند جمهور العلماء (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-234> أقوال أهل العلم في قبول توبة المرتد:</span>\nالقول الأول: أن توبة المرتد مقبولة.\nالقول الثاني: أن توبة المرتد غير مقبولة.\nأصحاب القول الأول:\nالطبري: \" يعني: إلا الذين تابوا من بعد ارتدادهم عن إيمانهم، فراجعوا الإيمان بالله وبرسوله، وصدقوا بما جاءهم به نبيهم ﷺ من عند ربهم\" (^٣).\nالقرطبي: \" ويدخل في الآية بالمعنى كل من راجع الإسلام وأخلص\" (^٤).\n_________\n(^١) كلمة (قيل) لعلها زيادة مدرجة، وخطأ في الكتابة، إذ لا يستقيم الكلام بوجودها.\n(^٢) محاسن التأويل: القاسمي (٤/ ٨٨٣).\n(^٣) جامع البيان: الطبري (٥/ ٥٦١).\n(^٤) الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (٥/ ١٩٦، ١٩٧).","vol":"1","page":265},{"text":"أبو حيان: \" أكثر الأقوال أنها نزلت في قوم ارتدوا ثم راجعوا الإسلام؟ ولذلك جاء الاستثناء وهو قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ وهو استثناء متصل، ولذلك قال من بعد ذلك أي: من بعد ذلك الكفر العظيم\" (^١).\nالشوكاني: \" أي: من بعد الارتداد وأصلحوا بالإسلام ما كان قد أفسدوه من دينهم بالردة. وفيه دليل: على قبول توبة المرتد إذا رجع إلى الإسلام، مخلصا، ولا خلاف في ذلك فيما أحفظ\" (^٢).\nأصحاب القول الثاني:\nالحجاوي (^٣): \" ولا تقبل توبة من سب الله أو رسوله ولا من تكررت ردته بل يقتل بكل حال\" (^٤).\nالبهوتي (^٥): \" (ولا تقبل) في الدنيا (توبة من سب الله) تعالى، (أو) سب (رسوله) سبا صريحا، أو تنقصه، (ولا) توبة (من تكررت ردته)، ولا توبة زنديق وهو المنافق الذي يظهر الإسلام ويخفي الكفر، (بل يقتل بكل حال)، لأن هذه الأشياء تدل على فساد عقيدته وقلة مبالاته بالإسلام\" (^٦).\nابن بلبان (^٧): \" لا تقبل ظاهرا ممن سب الله او رسوله او تكررت ردته ولا من منافق\n_________\n(^١) البحر المحيط: أبو حيان (٥/ ٥٢٥).\n(^٢) فتح القدير: الشوكاني (١/ ٤١١)، وانظر: فتح البيان: القنوجي (٢/ ٢٨٠).\n(^٣) وهو: موسى بن أحمد بن موسى بن سالم بن عيسى بن سالم الحجاوي المقدسي، ثم الصالحي، شرف الدين، أبو النجا: فقيه حنبلي، من أهل دمشق. كان مفتي الحنابلة وشيخ الإسلام فيها، توفي سنة ٩٤٨ هـ. ينظر: الأعلام: الزركلي (٧/ ٣٢٠).\n(^٤) زاد المستقنع: الحجاوي (ص: ٦٨٣).\n(^٥) وهو: منصور بن يونس بن صلاح الدين ابن حسن بن إدريس البهوتي الحنبلي: شيخ الحنابلة بمصر في عصره. نسبته إلى (بهوت) في غربية مصر. له كتب، أشهرها: (الروض المربع، كشاف القناع)، مات سنة ١٠٥١ هـ. ينظر: الأعلام: الزركلي (٧/ ٣٠٧).\n(^٦) الروض المربع: البهوتي (ص: ٢٢٥).\n(^٧) وهو: محمّد بن بدر الدين بن عبد الحق ابن بلبان: فقيه حنبلي. أصله من بعلبكّ. اشتهر وتوفي بدمشق، كان يقرئ في المذاهب الأربعة. وأخذ الحديث عنه جماعة من كبراء عصره، توفي سنة ١٠٨٣ هـ. ينظر: الأعلام: الزركلي (٦/ ٥١).","vol":"1","page":266},{"text":"وساحر\" (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-235> دراسة المسألة:</span>\nمن خلال عرض ما تقدم من الأقوال في هذه المسألة، يظهر أن أصحاب القول الثاني وهم الحنابلة، يُخصصون عدم قبول توبة المُرتد فيمن تكررت ردته، وليس فيمن ارتد مرة ثم تاب ورجع إلى الإسلام.\nوقد دلت الأدلة من الكتاب والسنة والأثر على قبول توبة المرتد:\nفمن الكتاب: عموم قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [سورة الأنفال: ٣٨]، فهذا عام فيمن دخل في الإسلام أو ارتد ثم أسلم.\nوالقول بعدم قبول توبته معارض لقول الله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة آل عمران: ٨٩]، ومعارض أيضًا لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا﴾ [سورة النساء: ١٣٧]، ووجه الاستدلال: أن الله تعالى أثبت في هذه الآية إيمانا بعد كفر تقدمه إيمان (^٢).\nومن السنة: ما أخرجه مسلم في صحيحه في حديث إسلام عمرو بن العاص ﵁ أن رسول الله ﷺ قال له: \"أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله؟ وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها؟ وأن الحج يهدم ما كان قبله؟ \" (^٣).\nوحديث: \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول\n_________\n(^١) أخصر المختصرات: ابن بلبان (ص: ٢٥٤).\n(^٢) انظر: تأويلات أهل السنة: الماتريدي (٣/ ٣٨٩). وقد نبه القاسمي ﵀ في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا﴾ أن الدلالة في قبول التوبة عند عدم تكرار الردة. وأما معه، فلا. كما لا يخفى. ينظر: محاسن التأويل (٥/ ١٦١٠)، وهو نقيض ما أورده من قبول صحة توبة من تكررت ردته في تفسير قوله تعالى: ﴿إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم﴾.\n(^٣) أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب كون الإسلام يهدم ما قبله وكذا الهجرة والحج، برقم: (١٩٢).","vol":"1","page":267},{"text":"الله\" (^١)، وإذا ثبت بهما إسلام الكافر الأصلي فكذا المرتد (^٢).\nومن الأثر: ما رواه ابن أبي حاتم بسنده عن ابن عباس ﵁ أنه قال: ارتد رجل (^٣) من الأنصار عن الإسلام فندم فأرسل إلى قومه: سلوا رسول الله ﷺ: هل لي من توبة؟ فسألوه، فأنزل الله تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ حتى بلغ ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فكتبوا بها إليه، فرجع وأسلم (^٤).\nفبناءً على هذه الأدلة ودلالة العموم فيها يظهر أن توبة المرتد مقبولة إن شاء الله تعالى، وإن تكررت ردته.\nتنبيهات:\nالأول: ما نسبه القاسمي ﵀ إلى الإمام أحمد بالقول بعدم قبول توبة المرتد، ليس على إطلاقه، فالإمام أحمد ﵀ رواية أخرى في قبول توبة المرتد.\nقال أحمد: المرتد يستتاب ثلاثًا، والمرأة المرتدة تستتاب ثلاثًا، والزنديق (^٥).\nوالقول بقبول توبة المرتد هو الذي عليه أكثر الحنابلة أو هو المقرر في المذهب (^٦). بخلاف ظاهر ما ذكره القاسمي ﵀.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب الإيمان، باب: ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم﴾ [سورة التوبة: ٥]، برقم: (٢٥)، وأخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله، برقم: (٣٢).\n(^٢) دقائق أولي النهى لشرح المنتهى: البهوتي (٣/ ٣٩٩)، وانظر: كشاف القناع: البهوتي (٦/ ١٧٨).\n(^٣) واسمه الحارث بن سويد كما في تفسير عبد الرزاق (١/ ١٣١)، والثعلبي (٨/ ٤٨٧).\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ٧٠٠). قال ابن كثير: \" هكذا رواه النسائي، وابن حبان، والحاكم، من طريق داود بن أبي هند، به. وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ينظر: تفسير القرآن العظيم (٢/ ٣٧٤) وينظر: المستدرك على الصحيحين للحاكم (٢/ ١٥٤) برقم: (٢٦٢٨).\n(^٥) مسائل الإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه: إسحاق المروزي (٧/ ٣٧٢٣).\n(^٦) انظر: المحرر في الفقه على مذهب الإمام أحمد: أبو البركات المجد ابن تيمية (٢/ ١٦٨)، وانظر: المبدع: ابن مفلح (٧/ ٤٨٨) وانظر: الإنصاف: المرداوي (١٠/ ٣٣٥). وانظر: زاد المستقنع: موسى الحجاوي (ص: ٢٢٥).","vol":"1","page":268},{"text":"الثاني: إيراد القاسمي ﵀ لهذه المسألة، ووجه استدلاله على قبول توبة المرتد بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا﴾ [سورة النساء: ١٣٧] قريبًا منه قول الماتريدي (^١) في تفسيره إذ يقول \"فيه دليل أنه تقبل توبة المرتد إذا تاب، ليس -كما قال بعض الناس- أنه لا تقبل توبة المرتد؛ لأنه أثبت لهم الإيمان بعد الكفر والارتداد بقوله: ﴿آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا﴾ ثم كذا؛ فدل أنه إذا تاب يقبل منه (^٢).\nالثالث: ظاهر كلام القاسمي ﵀ في تفسيره لهذه الآية أنه يميل إلى القول بقبول توبة المرتد وإن تكررت منه الردة، بينما في تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا﴾ قرر بأن دلالة الآية على ذلك في صورة عدم تكرار الردة، وأما معه، فلا (^٣)، وسيأتي مزيد بيان إن شاء الله تعالى (^٤).\n\n•<span data-type='title' id=toc-236> النتيجة:</span>\nبعد عرض ما تقدم من أقوال المفسرين وأهل العلم في هذه المسألة، يظهر جليًا أن الصواب هو قبول توبة المرتد، لما تقدم ذكره من الأدلة من الكتاب والسنة والأثر، وأن الخلاف في هذه المسألة شاذ كما يقول القاسمي ﵀.\nولعل القائلين بعدم قبول توبة المرتد يُريدون بذلك من تكررت ردته، لا بمجرد وقوعه في الردة، والله أعلم.\n_________\n(^١) وهو: محمد بن محمد بن محمود أبو منصور الماتريدي من كبار العلماء، له كتاب التوحيد وكتاب المقالات وكتاب رد أهل الأدلة للكعبي وكتاب بيان أوهام المعتزلة وكتاب تأويلات القرآن، مات سنة ٣٣٣. ينظر: الجواهر المضية: القرشي (٢/ ١٣٠).\n(^٢) تأويلات أهل السنة: الماتريدي (٣/ ٣٨٩).\n(^٣) انظر: محاسن التأويل (٥/ ١٦١٠).\n(^٤) انظر تفصيل ذلك في مسألة رقم: (٦٠) الآتية، ص: (٤٤٩).","vol":"1","page":269},{"text":"<span data-type='title' id=toc-237>٢٤ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [سورة آل عمران: ١٠٢].</span>\nقال القاسمي: زعم بعضهم أن هذه الجملة من الآية منسوخة بآية: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [سورة التغابن: ١٦]، متأولا ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ بأن يأتي العبد بكل ما يجب لله ويستحقه. قال: فهذا يعجز العبد عن الوفاء، فتحصيله ممتنع. وهذا الزعم لم يصب المحز، فإن كلا من الآيتين سيق في معنى خاص به، فلا يتصور أن يكون في هذه الجملة طلب ما لا يستطاع من التقوى، بل المراد منها دوام الإنابة له تعالى وخشيته وعرفان جلاله وعظمته قلبا وقالبا، كما بينا. وهذا من المستطاع لكل منيب (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-238> أقوال أهل العلم في قوله تعالى: ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ من حيث الإحكام والنسخ:</span>\nالقول الأول: أن الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾.\nالقول الثاني: أن الآية مُحكمة وليست بمنسوخة.\nأصحاب القول الأول:\nقتادة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾: \" نسختها هذه الآية التي في التغابن ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ \"، وبنحو ذلك روي عن الربيع بن أنس، والسدي، وابن زيد، وغيرهم (^٢).\nابن أبي زَمَنِيْن (^٣): \" ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ هي مثل قوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (٤/ ٩١٢).\n(^٢) أخرج أقوالهم ابن جرير الطبري في تفسيره (٥/ ٦٤٢)، وأخرج عنهم ابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٧٢٢) برقم: (٣٩١١)، وأورد نحوا من أقوالهم: الثعلبي في تفسيره (٩/ ٧٤) وابن الجوزي في تفسيره (١/ ٣١١) وابن كثير في تفسيره (٢/ ٣٨٩).\n(^٣) وهو: الإمام، القدوة، الزاهد، أبو عبد الله محمد بن عبد الله ابن أبي زمنين، الأندلسي، شيخ قرطبة، واستبحر من العلم، وصنف في الزهد، وكان صاحب جد وإخلاص، ومجانبة للأمراء. مات سنة ٣٩٩ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء: الذهبي (١٧/ ١٨٨).","vol":"1","page":270},{"text":"تُقَاتِهِ﴾ وهما منسوختان؛ نسختهما الآية التي في التغابن ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ \" (^١).\nالزجاج: \"قوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ منسوخ بقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ \" (^٢).\nابن حزم: \"قوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ منسوخ بالآية التي في التغابن وهي قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ فكان هذا تيسرا من التعسير الأول وتخفيفا من التشديد الأول\" (^٣).\nأصحاب القول الثاني:\nابن عباس ﵁: قوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ «لم تنسخ، ولكن حق تقاته أن تجاهد في الله حق جهاده» وبنحو ذلك روي عن طاووس (^٤).\nالسمعاني: \"قال أهل المعاني: لا يستقيم النسخ فيه، وقوله ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ تفسير لهذه الآية؛ لأن من أطاع الله في وقت وجوب الطاعة، وذكره في وقت وجوب الذكر، وشكره في موضع وجوب الشكر، فقد اتقى الله حق تقاته، وهذا لم يصر منسوخا\" (^٥).\nابن عطية: \" قالت جماعة من أهل العلم: لا نسخ في شيء من هذا، وهذه الآيات متفقات، فمعنى هذه: اتقوا الله حق تقاته فيما استطعتم، وذلك أن ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ هو\n_________\n(^١) تفسير القرآن العزيز: ابن أبي زمنين (٢/ ٥٦٨).\n(^٢) انظر: معني القرآن: الزجاج (١/ ٤٤٩)، وانظر: نواهد الأبكار: السيوطي (٢/ ٥٦٨).\n(^٣) الناسخ والمنسوخ: ابن حزم (ص: ٣١)، بتصرف.\n(^٤) أخرج أقوالهم ابن جرير الطبري في تفسيره (٥/ ٦٤١)، وأخرج عن ابن عباس ابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٧٢٢) برقم: (٣٩١٠)، وأورد نحوا من أقوالهم: الثعلبي في تفسيره (٩/ ٧٥)، وابن كثير في تفسيره (٢/ ٣٨٩).\n(^٥) انظر: تفسير القرآن (١/ ٣٤٥).","vol":"1","page":271},{"text":"بحسب أوامره ونواهيه، وقد جعل تعالى الدين يسرا، وهذا هو القول الصحيح\" (^١).\nالقرطبي: \"قيل: إن قوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ بيان لهذه الآية. والمعنى: فاتقوا الله حق تقاته ما استطعتم، وهذا أصوب، لأن النسخ إنما يكون عند عدم الجمع والجمع ممكن فهو أولى\" (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-239> دراسة المسألة:</span>\nمن خلال النظر والتتبع في أقوال المفسرين وخلافهم في الآية من حيث الإحكام والنسخ، يظهر أن الصواب مع أصحاب القول الثاني وهو أن الآية مُحكمة وليست منسوخة، ويدل على ذلك ما يلي:\nأولا: ما تقدم من قول القاسمي ﵀ أن كلا من الآيتين سيق في معنى خاص به، فلا يتصور أن يكون في هذه الجملة طلب ما لا يستطاع من التقوى، بل المراد منها دوام الإنابة له تعالى وخشيته وعرفان جلاله وعظمته قلبا وقالبا.\nثانيًا: أنه لا يستقيم النسخ فيه، فقوله ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ تفسير لهذه الآية؛ لأن من أطاع الله في وقت وجوب الطاعة، وذكره في وقت وجوب الذكر، وشكره في موضع وجوب الشكر، فقد اتقى الله حق تقاته. وهذا لم يصر منسوخا، وقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ موافق له؛ لأن التقوى إن كان في موضع الأمر والوجوب، والأوامر والواجبات على قدر الاستطاعة، فتكون إحدى الآيتين موافقة للأخرى، فلا يستقيم فيه النسخ (^٣).\nثالثًا: الظاهر أن قوله: ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ من باب إضافة الصفة إلى موصوفها، كما تقول: ضربت زيدا شديد الضرب، أي: الضرب الشديد. فكذلك هذا أي اتقوا الله الاتقاء الحق، أي الواجب الثابت. أما إذا جعلت التقاة جمعا فإن التركيب يصير مثل: اضرب زيدا حق ضُرَّابه، فلا يدل هذا التركيب على معنى: اضرب زيدا كما يحق أن يكون ضرابه. بل\n_________\n(^١) المحرر الوجيز: ابن عطية (٢/ ٥٣٦).\n(^٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن (٤/، وانظر: فتح القدير (١/ ٤٢٠).\n(^٣) تفسير القرآن: أبي المظفر السمعاني (١/ ٣٤٥).","vol":"1","page":272},{"text":"لو صرح بهذا التركيب لاحتيج في فهم معناه إلى تقدير أشياء يصح بها المعنى، والتقدير: اضرب زيدا ضربا حقا كما يحق أن يكون ضرب ضرابه. ولا حاجة تدعو إلى تحميل اللفظ غير ظاهره وتكلف تقادير يصح بها معنى لا يدل عليه ظاهر اللفظ (^١).\nرابعًا: أن معنى قوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ أي: كما يحق أن يتقى، وذلك بأن تُجْتَنَبَ جميع معاصيه، ومثل هذا لا يجوز أن يُنْسخ؛ لأنه إباحة لبعض المعاصي، وإذا كان كذلك صار معنى هذه الآية ومعنى قوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ واحدًا؛ لأن من اتقى الله ما استطاع فقد اتقاه حق تقاته؛ ولأن حق تقاته ما استطاع من التقوى؛ لأن الله لا يكلف نفسًا إلا وسعها والوسع دون الطاقة، ونظير هذه الآية قوله: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [سورة الحج: ٧٨] (^٢).\nخامسًا: غير جائز في حكمة الله وعدله ورأفته وفضله أن يتعبد خلقه بما لا تبلغه قدرتهم لأن هذا جور لا عدل، تعالى الله عن ذلك، بل قد أخبر أنه لا يكلف نفسا إلا وسعها، فالآيتان متفقتان وكيف يأمرنا أن نطيعه ولا نعصيه والنبي المعبر عن الله يقول: \"استقيموا ولن تحصوا\" (^٣)، أي لن تحيطوا بالاستقامة إلى جميع الطاعات فإذا كان هو لا يطيق أن يتقي الله حتى لا يعصيه فمن ذا الذي كان يقدر على ذلك؟ (^٤).\nمناقشة دليل أصحاب القول الأول القائلين بأن الآية منسوخة:\nسبب القول بأن الآية منسوخة عند أصحاب القول الأول أنهم تأولوا قوله تعالى: ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ بأن يأتي العبد بكل ما يجب لله ويستحقه. قال: فهذا يعجز العبد عن الوفاء، فتحصيله ممتنع.\nوأيضا أنه لما نزلت هذه الآية شق ذلك عليهم، فقالوا: يا رسول الله ومن يقوى على\n_________\n(^١) البحر المحيط: أبو حيان (٦/ ٤٨).\n(^٢) اللباب: ابن عادل الدمشقي (٥/ ٤٣٠).\n(^٣) أخرجه ابن ماجة، كتاب الطهارة وسننها، باب المحافظة على الوضوء، برقم: (٢٧٧)، قال الألباني: حديث صحيح.\n(^٤) الناسخ والمنسوخ: ابن العربي المعافري (٢/ ١٢٨).","vol":"1","page":273},{"text":"هذا؟ فأنزل الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [سورة التغابن ١٦] فنسخت هذه الآية (^١).\nوالجواب على هذا الاستدلال من أوجه:\nالأول: أن المراد من النسخ عند المتقدمين البيان تخصيص العام، وتقييد المطلق، وتبيين المجمل، وليس رفع الحكم (^٢).\nيقول السخاوي: \" فإن قولنا: نسخ وتخصيص، واستثناء اصطلاح وقع بعد ابن عباس ﵁، وكان ابن عباس يسمي ذلك نسخًا\" (^٣).\nوالثاني: على فرض التسليم والاعتداد بقول من قال بنسخ الآية، فالجمع بين النصوص مقدم على النسخ.\nقال الحافظ ابن رجب (^٤): \"وإذا أمكن الجمع بينها والعمل بها كلها وجب ذلك، ولم يجز دعوى النسخ معهُ، وهذه قاعدة مطردة \" (^٥).\nالثالث: أن ابن عباس ﵁ له رواية أخرى في تفسير الآية مفادها: أن الآية لم تُنسخ، ومعنى ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾: أن تجاهد في الله حق جهاده.\nقال في تأويلها: ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ أن يجاهدوا في سبيل الله حق جهاده، ولا يأخذهم في الله لومة لائم، ويقوموا لله بالقسط ولو على أنفسهم وآبائهم وأبنائهم» (^٦).\nوسببب الاختلاف يرجع إلى اختلاف المعنى المراد بها، فالمعتقد نسخها يرى أن ﴿حَقَّ\n_________\n(^١) معالم التنزيل: البغوي (٢/ ٧٧).\n(^٢) انظر: أعلام الموقعين: ابن القيم (٢/ ٦٦)، وانظر: الموافقات (٣/ ٣٤٤).\n(^٣) جمال القراء وكمال الإقراء: السخاوي (ص: ٣٣٧).\n(^٤) وهو: عبد الرحمن بن أحمد بن حسن بن رجب البغدادي ثم الدمشقي الشيخ زين الدين المعروف بابن رجب الحنبلي، قرأ على العز محمد بن إسماعيل بن عمر الحموي أمالي ابن سمعون، مات في رجب ٧٩٥ بدمشق، ينظر: ذيل التقييد: الفاسي (٢/ ٧٢).\n(^٥) فتح الباري: ابن رجب (٦/ ١٥٥، ١٥٦).\n(^٦) جامع البيان: الطبري (٥/ ٦٤٠).","vol":"1","page":274},{"text":"تُقَاتِهِ﴾ الوقوف مع جميع ما يجب له ويستحقه، وهذا يعجز الكل عن الوفاء به، فتحصيله من الواحد ممتنع، والمعتقد إحكامها يرى أن ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ أداء ما يلزم العبد على قدر طاقته (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-240> النتيجة:</span>\nبعد عرض ما تقدم في هذه المسألة، يتبين أن الراجح في تفسير الآية أنها مُحكمة وليست منسوخة على المعنى المشهور عند أهل العلم من المفسرين، لما تقدم بيانه من الأوجه، والجواب على ما استدل به القائلين بالنسخ.\nوأن القائلين بالنسخ يُريدون بالنسخ من الآية: بيان المُجمل منها، والله أعلم.\n_________\n(^١) زاد المسير: ابن الجوزي (١/ ٣١١).","vol":"1","page":275},{"text":"<span data-type='title' id=toc-241>٢٥ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥)﴾ [سورة آل عمران: ١٠٥].</span>\nقال القاسمي: ذكر بعض المفسرين، هنا، ما روي من حديث (اختلاف أمتي رحمة) (^١)، ولا يعرف له سند صحيح، ورواه الطبراني والبيهقي في (المدخل) بسند ضعيف عن ابن عباس مرفوعا. قال بعض المحققين: هو مخالف لنصوص الآيات والأحاديث، كقوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ [سورة هود: ١١٩]. ونحوه قوله ﷺ: \"لا تختلفوا فتختلف قلوبكم\" وغيره من الأحاديث الكثيرة. والذي يقطع به أن الاتفاق خير من الخلاف- انتهى- (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-242> المفسرون الذين أوردوا الحديث في تفسير الآية ولم يُنبهوا على ضعفه:</span>\nابن عطية: \" وأما الافتراق في مسائل الفروع والفقه فليس يدخل في هذه الآية، بل ذلك، هو الذي قال فيه رسول الله ﷺ: «خلاف أمتي رحمة» \" (^٣).\nالبيضاوي: \" والأظهر أن النهي فيه مخصوص بالتفرق في الأصول دون الفروع لقوله ﵇ «اختلاف أمتي رحمة» \" (^٤).\nأبو السعود: \" فالمنهي عنه إنما هو الاختلاف في الأصول دون الفروع إلا أن يكون مخالفا للنصوص البينة أو الإجماع لقوله ﵊: «اختلاف أمتي رحمة» \" (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في المدخل إلى السنن الكبرى، باب أقاويل الصحابة ﵃ إذا تفرقوا (٢/ ٥٨٠). برقم (١٢٤٨)، وأخرجه الديلمي في مسند الفردوس (٤/ ١٦٠) برقم: (٦٣٩٧)، ولم أجده في معجم الطبراني.\n(^٢) محاسن التأويل: القاسمي (٤/ ٩٢٨).\n(^٣) المحرر الوجيز: ابن عطية (٢/ ٥٤٠)، ونقله عنه القرطبي في الجامع (٥/ ٢٤١)، والثعالبي في الجواهر الحسان (٢/ ٨٥).\n(^٤) أنوار التنزيل: البيضاوي (٢/ ٣٢).\n(^٥) إرشاد العقل السليم: أبي السعود (٢/ ٦٨).","vol":"1","page":276},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-243> دراسة المسألة:</span>\nبعد التأمل والنظر في الحديث وإسناده رواية ودراية يتبين جليًا أنه ضعيف وغير مقبول، وما كان ينبغي لبعض المفسرين أن يوردوه في تفسير الآية.\nفالحديث ضعيف من جهتين:\nالأولى: من جهة الرواية: أن هذا الحديث لا يُعرف له سند صحيح عن النبي ﷺ.\nالثانية: من جهة الدراية: أن هذا الحديث مخالف لنصوص الآيات والأحاديث التي تنهى عن الاختلاف والتفرق.\nأما الجهة الرواية: ففي إسناده ثلاث علل:\nالأولى: في إسناده سليمان بن ابي كريمة الصيداوي، ضعفهُ ابو حاتم الرازي (^١).\nالأولى: أن في إسناده جويبر بن سَعِيد الأزدي وهو متروك الحديث كما قال النسائي والدارقطني (^٢).\nالثانية: في إسناد الحديث انقطاع، فالضحاك لم يلق ابن عباس ﵁ (^٣).\nقال الألباني: حديث \" اختلاف أمتي رحمة \" لا أصل له، ولقد جهد المحدثون في أن يقفوا له على سند فلم يوفقوا\" (^٤).\nوأما من جهة الدراية: فالحديث ضعيف من أربعة أوجه:\nالأول: معارضته لعموم نصوص الكتاب التي تدعو إلى الاجتماع والنهي عن الاختلاف، كقوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ وقوله تعالى ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا\n_________\n(^١) انظر: ميزان الاعتدال: الذهبي (٢/ ٢٢١).\n(^٢) انظر: تهذيب الكمال: المزي (٥/ ١٧٠).\n(^٣) انظر: المقاصد الحسنة: السخاوي (ص: ٦٩)، وانظر: الأجوبة المرضية: السخاوي (١/ ١٠٥).\n(^٤) سلسلة الأحاديث الضعيفة: الألباني (١/ ١٤١)، برقم: (٥٧).","vol":"1","page":277},{"text":"وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ وهذا يدل على أن الرحمة إنما ينالها الذين لم يختلفوا. وغير ذلك من الآيات.\nقال ابن القيم ﵀: \" أنَّ قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ﴾، نكرة في سياق الشرط تعم كل ما تنازع فيه المؤمنون من مسائل الدين دقه وجله، جليه وخفيه \" (^١).\nالثاني: أن هذا الحديث يتعارض مع النصوص الصحيحة الصريحة من السنة النبوية كحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: \"فإِنَّما هلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم\" (^٢). وحديث: \"إنما هلك من كان قبلكم باختلافهم في الكتاب\" (^٣). وحديث: \"الجماعة رحمة والفرقة عذاب\" (^٤).\nالثالث: معارضته للآثار الواردة عن بعض الصحابة، فقد روي عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: \" الخلاف شر\" (^٥)، وقال علي ﵁: \"اقضوا كما كنتم تقضون، فإني أكره الاختلاف\" (^٦).\nالرابع: معارضته للمعقول، فلو كان الاختلاف رحمة لكان الاتفاق سخطًا، وهذا لا شك في بطلانه.\nقال ابن حزم ﵀: \"وهذا من أفسد قول يكون؛ لأنه لو كان الاختلاف رحمة لكان الاتفاق سخطًا، وهذا ما لا يقوله مسلم؛ لأنه ليس إلا اتفاق أو اختلاف، وليس إلا\n_________\n(^١) إعلام الموقعين: ابن القيم (٢/ ٩٢).\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب أخبار الآحاد، باب الاقتداء بسنن رسول الله، برقم: (٧٢٨٨)، وأخرجه مسلم، كتاب الفضائل، باب توقيره ﷺ، برقم: (١٣٣٧).\n(^٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب العلم، باب النهي عن اتباع متشابه القرآن، والتحذير من متبعيه، برقم: (٢٦٦٦).\n(^٤) أخرجه أحمد في مسنده (٣٠/ ٣٩٠) برقم: (١٨٤٤٩) وحسَّن إسناده الألباني في السلسلة الصحيحة (٢/ ٢٧٢) برقم: (٦٦٧).\n(^٥) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب المناسك، باب الصلاة بمنى، برقم: (١٩٦٠)، قال الألباني: صحيح.\n(^٦) أخرجه البخاري، كتاب أصحاب النبي ﷺ، باب مناقب علي، برقم: (٣٧٠٧).","vol":"1","page":278},{"text":"رحمة أو سخط، وأما الحديث المذكور فباطل مكذوب، من توليد أهل الفسق\" (^١).\nوقال المزني ﵀: \"ولو كان الاختلاف رحمة، لكان الاجتماع عذابًا؛ لأن العذاب خلاف الرحمة\" (^٢).\nوهذا الوجه اعترض عليه الخطابي (^٣) وغيره بقوله: \" إن الشيء وضده قد يجتمعان في الحكمة، ويتفقان في المصلحة. ألا ترى أن الموت لم يكن فسادا، وإن كانت الحياة صلاحا، ولم يكن السقم سفها، وإن كانت الصحة حكمة، ولا الفرق خطأ، إذا كان الغنى صوابا … إلخ\" (^٤).\nوعلى التسليم بهذا الاعتراض، فلا يسلم الاختلاف مما يترتب عليه من نزاع وفرقة وبغضاء بحسب المُختلفين، والمُختَلَف فيه، وكذا ما يُسببه الخلاف من تسليط أعداء الله.\nيقول المقبلي ﵀: \"والعجب ممن يقول \"الاختلاف رحمة\"، مع بيان الكتاب والسنة في غير موضع أنه عذاب وبلاء على هذه الأمة\" (^٥).\nويقول ابن تيمية: \"وبلاد الشرق من أسباب تسليط الله التتر عليها كثرة التفرق والفتن بينهم في المذاهب وغيرها\" (^٦).\nتنبيه:\nما ذكره الخطابي ﵀ وغيره من أن حديث \"اختلاف أمتي رحمة\" محمول على الاختلاف في أحكام الفروع دون الأصول (^٧) - على التسليم بصحة تقسيم الأحكام إلى\n_________\n(^١) الإحكام في أصول الأحكام ابن حزم: (ج ٥ - ص ٦٤).\n(^٢) انظر: البحر المحيط: الزركشي (٣/ ٥٨٦).\n(^٣) وهو: حمد بن محمد بن خطاب الإمام أبو سليمان الخطابى البستى، كان إماما فى الفقه والحديث واللغة، من تصانيفه: معالم السنن، وله غريب الحديث وشرح الأسماء الحسنى، مات سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة. ينظر: طبقات الشافعية: السبكي (٣/ ٢٨٣).\n(^٤) أعلام الحديث: الخطابي (١/ ٢٢٠)، وانظر: شرح النووي على صحيح مسلم (١١/ ٩٢).\n(^٥) العلم الشامخ: المقبلي، (ص ٤٨٥).\n(^٦) مجموع الفتاوى: ابن تيمية (٢٢/ ٢٥٤).\n(^٧) انظر: أعلام الحديث: الخطابي (١/ ٢١٨).","vol":"1","page":279},{"text":"أصول وفروع- فمردود بما تقدم ذكره من الأدلة التي دلت بعمومها على ذم الاختلاف، والله أعلم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-244> النتيجة:</span>\nبعد إيراد ما تقدم من أقوال أهل العلم في الحكم على حديث \" اختلاف أمتي رحمة\" يتبين جليًا أن الحديث شديد الضعف، رواية ودراية، لما تقدم ذكره من الأوجه التي تدل على ذلك، وما كان ينبغي لبعض المفسرين أن يوردوه في تفسيرهم للآية، والله أعلم.","vol":"1","page":280},{"text":"<span data-type='title' id=toc-245>٢٦ - قوله تعالى: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (١٢٠)﴾ [سورة آل عمران: ١٢٠].</span>\nقال الرازي: إطلاق لفظ (المحيط) على الله مجاز، لأن المحيط بالشيء هو الذي يحيط به من كل جوانبه، وذلك من صفات الأجسام، لكنه تعالى لما كان عالما بكل الأشياء، قادرا على كل الممكنات، جاز في مجاز اللغة أنه محيط بها، ومنه قوله: ﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ [سورة البروج: ٢٠] (^١).\nقال القاسمي: أقول: ما ذكره شبهة جهمية مبناها قياس صفة القديم على الحوادث، وأخذ خاصتها به، وهو قياس مع الفارق. والسمعيات تتلقى من عرف المتكلم بالخطاب، لا من الوضع المحدث. فليس لأحد أن يجعل الألفاظ التي جاءت في القرآن موضوعة لمعاني، ثم يريد أن يفسر مراد الله تعالى بتلك المعاني (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-246> أقوال أهل العلم في إثبات صفة الإحاطة لله ﷿:</span>\nالقول الأول: أن صفة الإحاطة ثابتة لله تعالى حقيقية، فالله تعالى محيط بالمخلوقات كلِّها بعلمه وقدرته، إحاطة تَليق بجلاله.\nالقول الثاني: أن صفة الإحاطة ليست ثابتة لله تعالى حقيقية، وإنما هي مجاز عن العلم والقدرة.\nأصحاب القول الأول: وهم أهل السنة والجماعة:\nمقاتل بن حيان: \" ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ يقول: أحاط علمه بأعمالهم\" (^٣).\nالطبري: \" يقول جل ثناؤه: إن الله بما يعمل هؤلاء الكفار في عباده وبلاده من الفساد\n_________\n(^١) مفاتيح الغيب: الرازي (٨/ ٣٤٤)، وانظر: تفسير آيات الأحكام: السايس (١/ ٣٤٤).\n(^٢) محاسن التأويل: القاسمي (٤/ ٩٥٣).\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٧٤٨) برقم: (٤٠٦٦).","vol":"1","page":281},{"text":"والصد عن سبيله والعداوة لأهل دينه وغير ذلك من معاصي الله محيط بجميعه، حافظ له لا يعزب عنه شيء منه، حتى يوفيهم جزاءهم على ذلك كله ويذيقهم عقوبته عليه\" (^١).\nابن تيمية: \"والله تعالى محيط بالمخلوقات كلها إحاطة تليق بجلاله\" (^٢).\nالسعدي: \"يجعل الله مكرهم في نحورهم لأنه محيط بهم علمه وقدرته فلا منفذ لهم عن ذلك ولا يخفى عليهم منهم شيء\" (^٣).\nأصحاب القول الثاني: وهم المخالفون لأهل السنة من المعتزلة والأشاعرة:\nالقاضي عبد الجبار: \" ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ المراد إحاطة علمه بما نعمل، وذلك مشبه بالجسم المحيط بغيره، فكما أن ذلك الغير لا يخرج عما أحاط به فكذلك أعمالنا لا تخرج عن أن تكون معلومة لله وذلك من الله ترغيبًا في عمل الخير والتحذير من المعاصي\" (^٤).\nالزمخشري: \" ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ إحاطة الله بالكافرين مجاز. والمعنى أنهم لا يفوتونه كما لا يفوت المحاط به المحيط به حقيقة\" (^٥).\nالخفاجي: \" ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ مجازًا عن قدرته عليهم ففيه استعارة، شبه اقتداره عليهم وكونهم في قبضة تصرّفه بإحاطة الجيش بالعدوّ بحيث لا يفوته ولا ينجيه منه حيلة وخداع\" (^٦).\nالآلوسي: \" ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ إحاطته تعالى به مجاز تشبيها لحال قدرته الكاملة التي لا يفوتها المقدور أصلا بإحاطة المحيط بالمحاط بحيث لا يفوته، فيكون في الإحاطة\n_________\n(^١) جامع البيان: الطبري (٥/ ٧٢٥).\n(^٢) مجموع الفتاوى: ابن تيمية (٦/ ٥٦٧).\n(^٣) تيسير الكريم الرحمن: السعدي (ص: ١٤٤).\n(^٤) تنزيه القرآن عن المطاعن: القاضي عبد الجبار (ص: ٩٧).\n(^٥) الكشاف: الزمخشري (١/ ٨٦). وانظر: مدارك التنزيل: النسفي (١/ ٦٠)، وانظر: غرائب القرآن: النيسابوري (١/ ١٧٧).\n(^٦) عناية القاضي: الشهاب الخفاجي (١/ ٤٠١).","vol":"1","page":282},{"text":"استعارة تبعية\" (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-247> دراسة المسألة:</span>\nمن أسباب الانحراف في الأسماء والصفات الذي يقع فيه أهل البدع، الخوف من تشبيه الله بخلقه، فهم أرادوا تنزيه الله تعالى عن مُشابهة المخلوقين، فَنَفَوا حقيقة الصفات الثابتة في الكتاب والسنة، ووقعوا في التعطيل.\nفأهل التأويل والتعطيل أمثال الفخر الرازي ومن معه أرادوا تنزيه الله تعالى عن مُشابهة خلقه، فعندما نظر في صفة الإحاطة وجد أن معناها الإحاطة من جميع الجوانب، فلو حُملت هذه الصفة على الحقيقة ستقتضي التجسيم وتشبيه الله تعالى بخلقه، فيجب أن تُحمل هذه الصفة على المجاز وليس الحقيقة، حتى لا يقع مُثبتها في التشبيه.\nفهو مع الأسف أراد الفرار من التشبيه فوقع في التعطيل، بسبب قياس صفات الرب ﵎ على صفات المخلوقين، فهو شبَّه أولا ثم عطَّل.\nفتعقّبه القاسمي ﵀ بأن ما ذكره شبهة جهمية مبناها قياس صفة القديم - وهو الله ﷻ على الحوادث - وهي المخلوقات- بأنه قياس مع الفارق، ففرق بين صفات الخالق وصفات المخلوقين، والسمعيات - وهي الآيات القرآنية والأحاديث النبوية- تُتلقّى من عرف المتكلم - وهو الله ﷿ بأن يؤخذ بظاهرها أ وبالمعنى الظاهر الذي دلت عليه، لا من الوضع المحدث - وهو الشيء الجديد- فلا تأتي بالصفات التي تليق بالله تعالى وتجعل لها معاني تليق بالمخلوقين، وبالتالي تنفي حقيقة تلك الصفة خوفًا من التشبيه.\nوالذي يظهر أن السر في نفي هؤلاء القوم لصفة الإحاطة من حيث الحقيقة: الهروب من إثبات صفة العلو، إذ يلزم من إثبات صفة الإحاطة أن يكون الله تعالى عالٍ على خلقه سبحانه، فلما كان مُحيطًا بهم كان عاليًا عليهم.\nقال ابن تيمية: \" إذا كان مباينًا للعالم: فإما أن يقدر محيطًا به، أو لا يقدر محيطًا به، سواء قدر أنه محيط به دائمًا، أو محيط به في بعض الأوقات، كما يقبض يوم القيامة ويطوي\n_________\n(^١) روح المعاني: الآلوسي (١/ ٤٨٥).","vol":"1","page":283},{"text":"السماوات، فإن قدر محيط به كان عاليًا علو المحيط على المحاط به.\nوقد تقدم قولهم: (إن الفلك كري) فيلزم أن تكون الأفلاك محيطة بالأرض، فهي فوقها باتفاق العلماء، فما كان محيطًا بالجميع أولى بالعلو والارتفاع، ﷾ وإن لم يكن مماثلًا لشيء من المخلوقات ولا مجانسًا لأفلاك ولا غيرها\" (^١).\nوقال ابن القيم: \"إنه إذا كان سبحانه مباينا للعالم فإما أن يكون محيطا به أو لا يكون محيطا به فإن كان محيطا به لزم علوه عليه قطعا ضرورة علو المحيط على المحاط به ولهذا لما كانت السماء محيطة بالأرض كانت عالية عليها\" (^٢).\nوصفة الإحاطة صفة حقيقة ذاتية ثابتة لله تعالى على الوجه اللائق به، من الكتاب والسنة:\nفمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ﴾ [سورة الإسراء: ٦٠]، وقوله: ﴿أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ [سورة فصلت: ٥٤] وقوله: ﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ [سورة البروج: ٢٠].\nقال ابن أبي العز: \" وليس المراد من إحاطته بخلقه أنه كالفلك، وأن المخلوقات داخل ذاته المقدسة، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. وإنما المراد: إحاطة عظمته، وسعة علمه وقدرته، وأنها بالنسبة إلى عظمته كالخردلة\" (^٣).\nومن السنة: حديث: \"اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء\" (^٤).\nقال ابن تيمية: \"لم يَجِئ هذا الاسم الباطن في قوله: وأنت الباطنُ فليس دونَك شيءٌ،\n_________\n(^١) درء تعارض العقل والنقل: ابن تيمية (٧/ ٨).\n(^٢) الصواعق المرسلة: ابن القيم (٤/ ١٣٠٨).\n(^٣) شرح الطحاوية: ابن أبي العز (ص: ٢٥٩).\n(^٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الذكر والدعاء والتوبة، باب ما يقول عند النوم وأخذ المضجع، برقم: (٢٧١٣).","vol":"1","page":284},{"text":"إلا مقرونًا بالاسم الظاهر الذي فيه ظهورُه وعُلوُّه، فلا يكون شيءٌ فوقَه؛ لأن مجموع الاسمينِ يدلَّان على الإحاطة والسَّعة، وأنه الظاهر فلا شيء فوقه، والباطن فلا شيء دونه\" (^١).\nوبهذا يتبين جليًا أن صفة الإحاطة صفة حقيقية ثابتة لله تعالى، وليس كما يزعم أهل البدع من المعتزلة والأشاعرة أنها مجاز عن العلم أو القدرة فحسب.\nبيان بطلان القول بالمجاز في الأسماء والصفات من وجهين:\nالأول: أن القول بالمجاز في صفات الله تعالى الثابتة بالكتاب والسنة يستلزم منه نفي الصفات عن الله تعالى وتعطيل الرب، وتشبيهه بالمعدوم وذلك لأن الصفة تابعة للموصوف.\nقال الذهبي: \"ولو كانت الصفات ترد إلى المجاز، لبطل أن تكون صفات لله، وإنما الصفة تابعة للموصوف، فهو موجود حقيقة لا مجازًا، وصفاته ليست مجازًا، فإذا كان لا مثل له ولا نظير: لزم أن تكون لا مثل لها\" (^٢).\nوقال أيضًا: \" فإن من تأول سائر الصفات، وحمل ما ورد منها على مجاز الكلام، أداه ذلك السلب إلى تعطيل الرب، وأن يشابه المعدوم\" (^٣).\nالثاني: أن القول بالمجاز في صفات الله تعالى مُخالف لما أجمع عليه أهل العلم من وجوب حملها على الحقيقة.\nقال ابن عبد البر: \" أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة والإيمان بها، وحملها على الحقيقة لا على المجاز، إلا أنهم لا يكيفون شيئا من ذلك، ولا يحدون فيه صفة محصورة، وأما أهل البدع والجهمية والمعتزلة كلها والخوارج فكلهم ينكرها، ولا يحمل شيئا منها على الحقيقة، ويزعمون أن من أقر بها مشبه، وهم عند من أثبتها نافون للمعبود. والحق فيما قاله القائلون بما نطق به كتاب الله وسنة رسوله وهم أئمة\n_________\n(^١) بيان تلبيس الجهمية: ابن تيمية (٤/ ٣٨).\n(^٢) العلو: الذهبي (ص: ٢٣٩، ٢٤٠).\n(^٣) العلو: الذهبي (ص: ٢٥٠).","vol":"1","page":285},{"text":"الجماعة والحمد لله\" (^١).\nمناقشة دليل أصحاب القول الثاني الذين لم يُثبتوا صفة الإحاطة على الحقيقة، بدعوى التشبيه بالأجسام:\nاعلم أن لفظ الجسم من الألفاظ التي أحدثها المتكلمون الذين تأثروا بالفلاسفة، ولم تكن مُستعملة عند السلف في صفات الله تعالى.\nقال ابن تيمية ﵀: \" لفظ «الجسم» و«العرض» و«المتحيز» ونحو ذلك: ألفاظ اصطلاحية، وقد قدمنا غير مرة أن السلف والأئمة لم يتكلموا في ذلك في حق الله، لا بنفي ولا إثبات؛ بل بدعوا أهل الكلام بذلك وذموهم غاية الذم، والمتكلمون بذلك من النفاة أشهر، ولم يذم أحد من السلف أحدًا بأنه مجسم، ولا ذم المجسمة، وإنما ذموا الجهمية النفاة لذلك وغيره، وذموا أيضًا المشبهة الذين يقولون: صفاته كصفات المخلوقين، ومن أسباب ذمهم للفظ الجسم والعرض ونحو ذلك ما في هذه الألفاظ من الاشتباه ولبس الحق، كما قال الإمام أحمد: «يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويلبسون على جهال الناس بما يشبهون عليهم». وإنما النزاع المحقق أن السلف والأئمة آمنوا بأن الله موصوف بما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله، من أن له علمًا وقدرة وسمعًا وبصرًا، ويدين ووجهًا وغير ذلك، والجهمية أنكرت ذلك، من المعتزلة وغيرهم\" (^٢).\nثم يقال لكل من نفى صفة من الصفات التي أثبتها الله تعالى لنفسه: ما مقصودك من الجسم؟\nفإن قال أنه ذات لا تُشبه أحدا من المخلوقين فلا بأس بإثبات الجسم لأنه تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾.\nوإن قال أنها ذات يلزم منها مشابهة الخلق، فليس بلازم، فكما أننا نُثبت لله تعالى ذاتًا لا تُشبه ذوات المخلوقين، فكذلك نُثبت له صفاتًا لا تُشبه صفات المخلوقين، فالقول في\n_________\n(^١) التمهيد: ابن عبد البر (٧/ ١٤٥).\n(^٢) بيان تلبيس الجهمية: ابن تيمية (١/ ٣٧٢).","vol":"1","page":286},{"text":"الذات كالقول في الصفات.\nوظاهر قول المفسرين في الآية: أن الله محيط بعلمه وقدرته وجزائه، وأن المراد من الإحاطة: إدراك الشيء بكماله (^١)، ولم يذكر أحد منهم أن إطلاق لفظ المحيط على الله تعالى من المجاز وليس من الحقيقة، والله أعلم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-248> النتيجة:</span>\nمن خلال عرض ما تقدم من أقوال الفريقين، والأدلة الدالة على ثبوت صفة الإحاطة على الحقيقة، ومناقشة أدلة النافين لهذه الصفة، يتبين أن الخلاف في هذه المسألة بين أهل السنة وأهل البدع، ولا شك أن الحق مع أهل السنة الذين يتبعون الكتاب والسنة بفهم السلف الصالح، وليس على تحكيم العقول.\n_________\n(^١) انظر: بحر العلوم: السمرقندي (١/ ٢٤٢)، وانظر: معالم التنزيل: البغوي (٢/ ٩٦)، وانظر: المحرر الوجيز: ابن عطية (٢/ ٥٨٠)، وانظر: زاد المسير: ابن الجوزي (١/ ٣١٩)، وانظر: تيسير الكريم الرحمن: السعدي (ص: ١٤٤).","vol":"1","page":287},{"text":"<span data-type='title' id=toc-249>٢٧ - قوله تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٢١)﴾ [سورة آل عمران: ١٢١].</span>\nقال القاسمي: فسر أكثر العلماء (غدوت) بأصلها، وهو الخروج غدوة أي بكرة. ثم استشكلوا أنه ﷺ خرج إلى أحد بعد صلاة الجمعة كما اتفقت عليه كلمة أهل السير، فكيف المطابقة؟\nفمنهم من أجاب بأنه المراد غدوة السبت، وأنه كان في صباحه التبوؤ للمقاعد إلا أنه لا يساعده ﴿مِنْ أَهْلِكَ﴾ لأنه لم يكن وقتئذ أهله معه (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-250> أقوال أهل العلم في وقت خروج النبي ﷺ إلى أحد:</span>\nالقول الأول: أنه خرج إلى أحد يوم الجمعة.\nالقول الثاني: أنه خرج إلى أحد يوم السبت.\nأصحاب القول الأول:\nالطبري: \"رسول الله ﷺ إنما راح إلى أحد من أهله للقتال يوم الجمعة بعد ما صلى الجمعة في أهله بالمدينة بالناس\" (^٢).\nابن جزي: \" ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ نزلت في غزوة أحد، وكان غزو رسول الله ﷺ للقتال صبيحة يوم السبت وخرج من المدينة يوم الجمعة بعد الصلاة وكان قد شاور أصحابه قبل الصلاة\" (^٣).\nابن عادل الحنبلي: \"المفسِّرين أجمعوا على أنه إنما خرج بعد أن صَلَّى الجمعة\" (^٤).\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (٤/ ٩٥٨).\n(^٢) جامع البيان: الطبري (٦/ ٧).\n(^٣) التسهيل: ابن جزي (١/ ١٦٣).\n(^٤) اللباب: ابن عادل الحنبلي (٥/ ٥٠٥).","vol":"1","page":288},{"text":"البقاعي: \" ﴿مِنْ أَهْلِكَ﴾ أي بالمدينة الشريفة صبيحة يوم الجمعة إلى أصحابك في مسجدك لتستشيرهم في أمر المشركين\" (^١).\nأصحاب القول الثاني:\nقال بعض المفسرين: \"غدوه ﷺ كان يوم السبت للقتال\" (^٢).\nالمراغي: \"واذكر لهم أيها الرسول وقت خروجك من بيتك غدوة وهي غدوة سحر يوم السبت سابع يوم من شوال من سنة ثلاث للهجرة\" (^٣).\nالعثيمين: \"النبي ﷺ خرج إلى غزوة أحد في أول يوم السبت الحادي عشر من شوال سنة ثلاث من الهجرة. وفي هذا اليوم غدا الرسول الكريم من أهله\" (^٤).\n\n•<span data-type='title' id=toc-251> دراسة المسألة:</span>\nمن خلال التتبع والنظر في أقوال المفسرين في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ وتحديد اليوم الذي خرج فيه النبي ﷺ لغزوة أحد، يظهر بأن الصواب أنه ﷺ ابتدأ خروجه يوم الجمعة وبوأ المؤمنين مقاعدهم للقتال يوم السبت، وذلك للأوجه الآتية:\nأولا: الأخبار الواردة من أن النبي ﷺ خرج بعد أن صلى بأصحابه الجمعة، ووصل إلى أحد يوم السبت.\nقال ابن جرير: \" فإن قال لنا قائل: وكيف يكون ذلك يوم أُحُد ورسول الله ﷺ إنما راح إلى أحد من أهله للقتال يوم الجمعة بعد ما صلى الجمعة في أهله بالمدينة بالناس لما روي عن سعد بن معاذ ﵁: أن رسول الله ﷺ راح حين صلى الجمعة إلى أحد، دخل فلبس\n_________\n(^١) نظم الدرر: البقاعي (٥/ ٤٢).\n(^٢) انظر: البحر المحيط: أبو حيان (٦/ ١١٣).\n(^٣) تفسير المراغي (٤/ ٥٤).\n(^٤) تفسير القرآن الكريم: العثيمين (سورة آل عمران) (٢/ ١٠٦).","vol":"1","page":289},{"text":"لَأْمَته (^١)، وذلك يوم الجمعة حين فرغ من الصلاة، وقد مات في ذلك اليوم رجل من الأنصار، فصلى عليه رسول الله ﷺ، ثم خرج عليهم وقال: «ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل»\nقيل: إن النبي ﷺ وإن كان خروجه للقوم كان رواحا (^٢) فلم يكن تبوئته للمؤمنين مقاعدهم للقتال عند خروجه، بل كان ذلك قبل خروجه لقتال عدوه؛ وذلك أن المشركين نزلوا منزلهم من أحد فيما بلغنا يوم الأربعاء، فأقاموا به ذلك اليوم ويوم الخميس ويوم الجمعة، حتى راح رسول الله ﷺ إليهم يوم الجمعة بعد ما صلى بأصحابه الجمعة، فأصبح بالشعب من أحد يوم السبت للنصف من شوال (^٣).\nثانيًا: يحتمل أن يكون المراد من التبوئة: التبوئة ابتداءً، قبل اتخاذ المراضع للقتال وقبل مناهضة العدو.\nقال ابن جرير: \" فإن قال قائل: وكيف كانت تبوئته المؤمنين مقاعد للقتال غدوا قبل خروجه، وقد علمت أن التبوئة اتخاذ الموضع؟ قيل: كانت تبوئته إياهم ذلك قبل مناهضته عدوه عند مشورته على أصحابه بالرأي الذي رآه لهم بيوم أو يومين، وذلك أن رسول الله ﷺ لما سمع بنزول المشركين من قريش وأتباعها أُحُدا قال لأصحابه: أشيروا عليَّ ما أصنع؟ … الحديث (^٤).\nثالثًا: ليس المراد من الغدو في قوله تعالى: ﴿غَدَوْتَ﴾ الخروج وقت الغدو تحديدًا، لأنه سيكون مُعارضًا للخبر المتقدم ذكره من أن النبي ﷺ خرج بعد أن صلى بأصحابه الجمعة، وإنما المراد مطلق الخروج، والله أعلم.\nقال ابن عطية: قال غير الطبري: نهوض النبي ﷺ يوم الجمعة بعد الصلاة، هو غدوه،\n_________\n(^١) اللأمة مهموزة: الدرع. وقيل السلاح. ولأمة الحرب: أداته. ينظر: النهاية (٤/ ٢٢٠).\n(^٢) الرواح: نقيض الصباح. وقيل العشى أو من الزوال إلى الليل. ينظر: تاج العروس (٦/ ٤٢٧).\n(^٣) جامع البيان: الطبري (٦/ ٧ - ٩)، وانظر: تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٢/ ٤١١، ٤١٢).\n(^٤) جامع البيان: الطبري (٦/ ٧ - ٩)، وانظر: تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٢/ ٤١١، ٤١٢).","vol":"1","page":290},{"text":"وأنه بوأ المؤمنين في وقت حضور القتال، وقيل ذلك في ليلته، وسماه «غدوا» إذ كان قد اعتزم التدبير، والشروع في الأمر من وقت الغدو (^١).\nوقال في فتح البيان: \"وعبر عن الخروج بالغدوّ الذي هو الخروج غدوة مع كونه ﷺ خرج بد صلاة الجمعة، لأنه قد يعبر بالغدوة والرواح عن الخروج والدخول من غير اعتبار أصل معناهما، كما يقال (أضحى) وإن لم يكن في وقت الضحى\" (^٢).\nوهذا الوجه خلاف ما ذهب إليه بعض المفسرين من أنه لا يُقال غدوت فيما بعد الزوال إلّا على المجاز (^٣).\nتنبيه:\nما علل بها القاسمي ﵀ تعقبه على من قال بأن المراد: غدوة السبت، بأن قوله تعالى: ﴿مِنْ أَهْلِكَ﴾ لا يساعده لأنه لم يكن وقتئذ أهله معه. فيه نظر من حيث اللغة والله أعلم.\nقال أبو حيان: قول من جعل (مِنْ) في معنى (مع)، أي: وإذ غدوت مع أهلك في غاية البعد. وهذا تخريج يقوله وينقله على سبيل التجويز من لا بصر له بلسان العرب (^٤).\nقال ابن عادل الحنبلي: \"قوله: ﴿مِنْ أَهْلِكَ﴾ متعلق بـ ﴿غَدَوْتَ﴾، وفي ﴿مِنْ﴾ وجهان:\nأحدهما: أنها لابتداء الغاية، أي: من بين أهلك.\nقال أبو البقاء: «وموضعه نصب، تقديره فارقت أهلَك».\nقال شهابُ الدِّيْنِ: «وهذا الذي قاله ليس تفسير إعراب، ولا تفسير معنى؛ فإن المعنى\n_________\n(^١) انظر: المحرر الوجيز: ابن عطية: (٢/ ٥٨٤).\n(^٢) فتح البيان: القنوجي (٢/ ٣٢٣)، وانظر: فتح القدير: الشوكاني (١/ ٤٣٢)، انظر: تيسير الكريم الرحمن: السعدي (ص: ١٤٥).\n(^٣) انظر: التسهيل لعلوم التنزيل: ابن جزي (١/ ١٦٣).\n(^٤) انظر: البحر المحيط: أبو حيان (٦/ ١١٤). بتصرف.","vol":"1","page":291},{"text":"على غير ما ذكر».\nالثاني: أنها بمعنى: «مع» أي: مع أهْلك، وهذا لا يساعده لفظ، ولا معنى (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-252> النتيجة:</span>\nبعد عرض ما تقدم من أقوال المفسرين في هذه المسألة يظهر أن الصواب في هذه المسألة أن النبي ﷺ خرج إلى أحد يوم الجمعة، وبوأ المؤمنين مقاعدهم للقتال يوم السبت.\nوأما عن تعليل القاسمي ﵀ على من قال أن المراد غدوة السبت بأن قوله تعالى: ﴿مِنْ أَهْلِكَ﴾ لا يُساعده لأنه لم يكن وقتئذ أهله معه، ففيه بعد وضعف كما تقدم من كلام أبي حيان وابن عادل الدمشقي الحنبلي، والله أعلم.\n_________\n(^١) اللباب: ابن عادل الحنبلي (٥/ ٥٠٥).","vol":"1","page":292},{"text":"<span data-type='title' id=toc-253>٢٨ - قوله تعالى: ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ (١٢٧) لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (١٢٨)﴾ [سورة آل عمران: ١٢٨].</span>\nقال القاسمي: جعل ﴿أَوْ يَتُوبَ﴾ منصوبا بالعطف على ﴿يَكْبِتَهُمْ﴾ - بعيد جدا. وإن قدمه بعض المفسرين على الوجه المتقدم. وذلك لأن قوله تعالى ﴿لَيْسَ لَكَ﴾ كلام مستأنف على ما صرحت به الروايات في سبب النزول. وهي المرجع في التأويل- والله أعلم- (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-254> أقوال أهل العلم على رجوع العطف في قوله تعالى: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾:</span>\nالقول الأول: أن العطف في قوله تعالى: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ يرجع على (الأمر) أو على (شيء)، في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ أي: ليس لك من أمرهم شيء، أو من التوبة عليهم، أو من تعذيبهم، أو ليس لك من أمرهم شيء أو التوبة عليهم أو تعذيبهم.\nالقول الثاني: أن العطف في قوله تعالى: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ راجع إلى الكبت أيضًا في قوله تعالى: ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾ أي: ليقطعَ أو يكبتهم أو يتوب عليهم أو يعذبهم.\nأصحاب القول الأول:\nما أورده بعض المفسرين من أن: العطف في قوله تعالى: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ يرجع على (الأمر) أو على (شيء) (^٢).\nمحيي الدين درويش (^٣): \" ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ (أو) حرف عطف و﴿يَتُوبَ﴾ فعل\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (٤/ ٩٧٠).\n(^٢) انظر: مشكل إعراب القرآن: مكي (١/ ١٧٤)، وانظر: الكشاف: الزمخشري (١/ ٤١٣)، وانظر: أنوار التنزيل: البيضاوي (٢/ ٣٧)، وانظر: البحر المحيط: أبو حيان (٦/ ١٣٢)، وانظر: الباب: ابن عادل الحنبلي (٥/ ٥٣١)، وانظر: غرائب القرآن: النيسابوري (٢/ ٢٥٥).\n(^٣) وهو: محيي الدين بن أحمد مصطفى درويش، تلقى علومه في مدارس حمص ثم عمِل مدرّسا فيها، له عدة مؤلفات منها: إعراب القرآن وبيانه، وتحقيق «ديوان ديك الجن» وغيرها، مات سنة ١٤٠٣ هـ. ينظر: مقدمة كتاب: إعراب القرآن وبيانه.","vol":"1","page":293},{"text":"مضارع معطوف على اسم خالص من التقدير بالفعل فهو منصوب بأن مضمرة بعد العاطف وهو ﴿أَوْ﴾ \" (^١).\nأصحاب القول الثاني:\nالفراء (^٢): \"إن شئت جعلته معطوفا على قوله: ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم أي أو يتوب عليهم أو يعذبهم\" (^٣).\nالزجاج: \"جائز أن يكون عطفًا على قوله: ليقطع طرفًا من الذين كفروا أو يكبتهم أو يتوب عليهم أو يعذبهم\" (^٤).\nالطبري: \" يعني بذلك تعالى ذكره: ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم، أو يتوب عليهم، أو يعذبهم، فإنهم ظالمون، ليس لك من الأمر شيء، فقوله: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [سورة آل عمران: ١٢٨] منصوب عطفا على قوله: ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾ [سورة آل عمران: ١٢٧] \" (^٥).\nأبو السعود: \" ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ عطف على يكبتهم والمعنى أن مالك أمرهم على الإطلاق هو الله ﷿ نصركم عليهم ليهلكهم أو يكبتهم أو يتوب عليهم إن أسلموا أو يعذبهم إن أصروا\" (^٦).\n_________\n(^١) إعراب القرآن وبيانه: محيي الدين درويش (٢/ ٥١).\n(^٢) وهو: أبو زكريا يحيى بن زياد الأسدي، الفراء الكوفي، العلامة، صاحب التصانيف، أمير المؤمنين في النحو، وكَّله المأمون بتلقين ولديه النحو، مات سنة سبع ومائتين. ينظر: سير أعلام النبلاء: الذهبي (١٠/ ١٢٠، ١٢١).\n(^٣) معاني القرآن: الفراء (١/ ٢٣٤).\n(^٤) معاني القرآن: الزجاج (١/ ٤٦٨).\n(^٥) جامع البيان: الطبري (٦/ ٤٢).\n(^٦) إرشاد العقل السليم: أبي السعود (٢/ ٨٣).","vol":"1","page":294},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-255> دراسة المسألة:</span>\nذكر القاسمي ﵀ في تفسيره أن قوله تعالى: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾. منصوب بإضمار (أن) في حكم اسم معطوف ب (أو) على (الأمر) أو على (شيء)، أي ليس لك من أمرهم شيء، أو من التوبة عليهم، أو من تعذيبهم، أو ليس لك من أمرهم شيء أو التوبة عليهم أو تعذيبهم (^١).\nوالمتأمل فيما ذهب إليه كلا الفريقين، يجد أن لكل فريق منهم أوجهًا تؤيد ما ذهب إليه، وذلك مما يلي:\nأوجه بيان ما ذهب إليه أصحاب القول الأول:\nالوجه الأول: أن الروايات الواردة في سبب نزول الآية محصورة في الآية ذاتها، وليس فيها إيراد للآية التي قبلها وهي قوله تعالى: ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ﴾.\nوقد ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآية أقوال نذكر منها اثنان:\nالأول: أنها نزلت بسبب دعاء النبي ﷺ على بعض كفار قريش، لما آذوه، وفعلوا به ما فعلوا.\nفقد روى البخاري ومسلم في صحيحهما أن رسول الله ﷺ كان يقول حين يفرغ من صلاة الفجر من القراءة، ويكبر ويرفع رأسه: (سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد)، ثم يقول وهو قائم: (اللهم أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، والمستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم كسني يوسف، اللهم العن لحيان، ورعلًا، وذكوان، وعصيَّة، عصت الله ورسوله)، ثم إنه ترك ذلك لما أنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ (^٢).\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (٤/ ٩٧٠).\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب الصلاة، باب يهوي بالتكبير حين يسجد، برقم: (٤٠٨)، وأخرجه مسلم، كتاب الصلاة، باب استحباب القنوت في جميع الصلاة إذا نزلت بالمسلمين نازلة، برقم: (٦٧٥).","vol":"1","page":295},{"text":"الثاني: أنها نزلت بسبب ما جرى للنبي ﷺ يوم أُحد، وكان قد جُرِح، وكُسرت بعض أسنانه.\nفقد روى مسلم في صحيحه عن أنس ﵁، أن رسول الله ﷺ كُسرت رَباعيته يوم أحد، وشُجَّ في رأسه، فجعل يسلت الدم عنه، ويقول: (كيف يفلح قوم شجوا نبيهم، وكسروا رباعيته، وهو يدعوهم إلى الله؟)، فأنزل الله ﷿: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ (^١).\nوهنا يَرِدُ إشكال وهو: أن قصة أحد متقدمة على قصة رعل، وذكوان، الذين دعا عليهم رسول الله ﷺ، فكيف الجمع؟\nأجاب الحافظ ابن حجر على هذا بقوله: \"يحتمل أن يكون نزول الآية تراخى عن قصة أحد؛ لأن قصة رعل، وذكوان، كانت بعدها، وفيه بُعْد. والصواب أنها نزلت في شأن الذين دعا عليهم بسبب قصة أُحد. ويؤيد ذلك ظاهر قوله في صدر الآية: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: يقتلهم، ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾ أي: يخزيهم، ثم قال: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ أي: فيسلموا، ﴿أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ أي: إن ماتوا كفارًا\" (^٢).\nقال الشيخ أحمد شاكر مُعلِّقا على كلام ابن حجر: \"وهذا تحقيق نفيس جيد من الطراز العالي\" (^٣).\nالوجه الثاني: الاستشهادات اللغوية من الشعر التي تؤيد ذلك، فتقدير الكلام: «ليس لك من الأمر أو من توبته عليهم أو تعذيبهم شيء» أو يكون التقدير: \"ليس لك من الأمر شيء أو أن يتوب عليهم»، فلما كان في تأويل الاسم عُطف على الاسم قبله - يعني (أن) مع الفعل المضارع تُؤَوَّل باسم مصدر (أو توبته) يعني تأويل الاسم بفعل- فهو من باب\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب غزوة أحد، برقم: (١٧٩١)، وقد أورد ابن الجوزي في تفسيره روايات أخرى في سبب نزول الآية. ينظر: زاد المسير: ابن الجوزي (١/ ٣٢٣).\n(^٢) فتح الباري: ابن حجر (٧/ ٣٦٦) بتصرف.\n(^٣) جامع البيان: الطبري (٧/ ٢٠٢) شاكر.","vol":"1","page":296},{"text":"قوله:، كقول الشاعر: [ينسب لميسون بنت بحدل]:\nولولا رجالٌ من رِزامٍ أعِزَّةً … وآلُ سُبَيْعٍ أو أَسُوْءَكَ علقما\n(أو أَسُوْءَكَ) يعني: أو أن أسوءك علقما.\nوقولها:\nلَلُبْسُ عباءَةٍ وتَقَرَّ عيني … أَحَبُّ إليَّ من لُبْسِ الشُّفُوفِ (^١).\n(عباءة وتقر) يعني: أو أن تقر.\nأوجه بيان ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني:\nالوجه الأول: ظاهر لفظ وسياق الآيات الذي يدل على مشيئة الله تعالى وتقديره لأعداء الإسلام بالخزي والعذاب أو بالتوبة والهداية، فكلا الآيتين في سياق موضوع واحد.\nقال ابن جرير: \"وهذا القول - يعني العطف على ﴿يَكْبِتَهُمْ﴾ - أولى بالصواب؛ لأنه لا شيء من أمر الخلق إلى أحد سوى خالقهم قبل توبة الكفار وعقابهم وبعد ذلك\" (^٢).\nوقال أبو القاسم القزويني (^٣): \"الأحسن أنه عطف على ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾ ليبقي اللفظ على وضعه، ثم يكون (ليس لك من الأمر شيء) اعتراضًا\" (^٤).\nالوجه الثاني: العطف على ﴿يَكْبِتَهُمْ﴾ تأويله فيه زيادة قوة وردع، بخلاف غيره فليس فيه ذلك (^٥).\nالوجه الثالث: الاستشهادات اللغوية التي تؤيد جواز العطف على ﴿يَكْبِتَهُمْ﴾\n_________\n(^١) انظر: الدر المصون (٣/ ٣٩٣).\n(^٢) جامع البيان: الطبري (٦/ ٤٢)، بتصرف.\n(^٣) وهو: محمود بن أبي الحسن بن الحسين النيسابوري الغزنوي يلقب ببيان الحق: كان عالما بارعا مفسرا لغويا فقيها متفننا فصيحا له تصانيف منها: كتاب. وايجاز البيان في معاني القرآن، مات سنة ٥٥٣ هـ. ينظر: معجم الأدباء: الحموي (٦/ ٢٦٨٦).\n(^٤) باهر البرهان: الغزنوي (١/ ٣١٩).\n(^٥) انظر: المحرر الوجيز: ابن عطية (٢/ ٥٩٩).","vol":"1","page":297},{"text":"فالقول بأن قوله تعالى: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ عطف على قوله: ﴿لِيَقْطَعَ﴾، ﴿أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾. و﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾: فاصل بين المعطوف والمعطوف عليه، كما يقال: أعطيت زيدًا درهمًا فاعرفه وبكرًا. على معنى: أن الله يفعل بعباده ما يريد، فإما أن يستأصلهم، أو يذلهم، أو يتوب عليهم إن أسلموا، أو يعذبهم إن أصروا على ما هم عليه\" (^١).\nالوجه الرابع: يحتمل أن يكون قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ نزلت معه الآية التي قبلها، والله أعلم، فناسب أن يرجع العطف فيها على الكبت بنفس السياق.\nقال الشيخ محمد رشيد رضا: \"ولما كانت هذه الآية مما نزل في وقعة أحد كما روي في الصحيح تعين أن تكون التي قبلها كذلك وإلا كانت غير مفهومة إلا بتكلف ينزه القرآن عن مثله على كونه لا حاجة إليه\" (^٢).\nتنبيه:\nوردت معاني أخرى في (أو): فقيل أنها بمعنى: (حتى) وقيل بمعنى: (إلا) (^٣)، وليس المقام هنا بإيراده وبيانه، والتفصيل في الحديث عنه، لأن الحديث يدور حول اختيار القاسمي وتعقبه على من سبقه.\n\n•<span data-type='title' id=toc-256> النتيجة:</span>\nبعد عرض ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، وما ذُكر فيها من أوجه يظهر والله أعلم أن كلا القولين سائغ ولا تعارض بينهما، فلا إشكال إن قيل أن قوله تعالى: ﴿أَوْ يَتُوبَ﴾ منصوبا بالعطف على قوله تعالى: ﴿يَكْبِتَهُمْ﴾ أو يكون منصوب بإضمار ﴿أَنْ﴾ عطفًا على قوله ﴿الْأَمْرِ﴾، فكلاهما يجوز، والجمع بين القولين مُقدم على الترجيح، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: الكتاب الفريد: المنتجب الهمذاني (٢/ ١٢٧).\n(^٢) تفسير المنار: محمد رشيد رضا (٤/ ٩٦).\n(^٣) انظر: الدر المصون (٣/ ٣٩٢)، وانظر: الكتاب: سيبويه (١/ ٤٢٦)","vol":"1","page":298},{"text":"<span data-type='title' id=toc-257>٢٩ - قوله تعالى: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٥٣)﴾ [سورة آل عمران: ١٥٣].</span>\nقال المفضل: (لا) زائدة، والمعنى لتتأسفوا على ما فاتكم وعلى ما أصابكم عقوبة لكم، كقوله: ﴿أَلَّا تَسْجُدَ﴾ [سورة الأعراف: ١٢]، و: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ﴾ [سورة الحديد: ٢٩]، أي أن تسجد وليعلم.\nقال القاسمي: وعندي أنه بعيد، لا سيما مع تكرار (لا) في المعطوف، واستقامة المعنى الجيد على اعتبارها، فالوجه ما سلف (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-258> أقوال أهل العلم في (لا) من حيث كونها ثابتة أصلية، أم زائدة:</span>\nالقول الأول: أن (لا) أصلية ثابتة على معناها. والمعنى: لكيلا تحزنوا على ما فاتكم من غنيمة القوم، ولا ما أصابكم في أنفسكم من القتل والجراحات، أو لتتمرَّنوا على ما يصيبكم من الغموم.\nالقول الثاني: أن (لا) زائدة وليست أصلية. كقوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ أي: أن تسجد.\nأصحاب القول الأول:\nالطبري: \"قوله: ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ يقول: ما فاتكم من غنيمة القوم، ولا ما أصابكم في أنفسكم من القتل والجراحات\" (^٢).\nالثعلبي: \" ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ من الفتح والغنيمة، ﴿وَلَا مَا أَصَابَكُمْ﴾ (ما) في موضع خفض، أي: ولا على ما أصابكم من القتل والهزيمة، حتى\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (٤/ ١٠٠٢).\n(^٢) جامع البيان: الطبري (٦/ ١٥٠)، وانظر: تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٢/ ٤٤٦).","vol":"1","page":299},{"text":"أنساكم ذلك هذا الغم، وأهمكم ما أنتم فيه عما كان أصابكم قبله\" (^١).\nالزمخشري: \" ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا﴾ لتتمرنوا على تجرع الغموم، وتضروا باحتمال الشدائد، فلا تحزنوا فيما بعد على فائت من المنافع ولا على مصيب من المضار\" (^٢).\nابن عطية: \"قوله تعالى: ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ معناه: من الغنيمة ﴿وَلَا مَا أَصَابَكُمْ﴾ معناه: من القتل والجرح وذل الانهزام وما نيل من نبيكم\" (^٣).\nأصحاب القول الثاني:\nالمفضل: \"معنى لكيلا تحزنوا لكي تحزنوا، ولا زائدة كقوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ أي: أن تسجد\" (^٤).\nأبو البقاء (^٥): \" (لا) زائدة لأنه لا يترتب على الاغتمام انتفاء الحزن. فالمعنى: على أنه غمهم ليحزنهم عقوبة لهم على تركهم موافقتهم\" (^٦).\nالسيوطي: \" ﴿لِكَيْلَا﴾ متعلق بـ (عفا) أو بـ (أثابكم) فلا زائدة\" (^٧).\nالشربيني (^٨): \" ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ أي: من الغنيمة متعلق بعفا\n_________\n(^١) الكشف والبيان: الثعلبي (٩/ ٣٣٩)، وانظر: معالم التنزيل: البغوي (٢/ ١٢٠).\n(^٢) الكشاف: الزمخشري (١/ ٤٢٧)، وانظر: أنوار التنزيل: البيضاوي (٢/ ٤٣)، وانظر: مدارك التنزيل: النسفي (٢/ ٤٣)، وانظر: إرشاد العقل السليم: أبو السعود (٢/ ١٠٠).\n(^٣) المحرر الوجيز: ابن عطية (٢/ ٦٥٥).\n(^٤) انظر: الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (٥/ ٣٦٩)، وانظر: فتح القدير: الشوكاني (ص: ٨٨).\n(^٥) وهو: أبو البقاء عبد الله بن الحسين بن عبد الله، الشيخ، الإمام، العلامة، النحوي البارع، محب الدين، العكبري، ثم البغدادي، الضرير، النحوي، الحنبلي، الفرضي، صاحب التصانيف. مات سنة ٦١٦ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء: الذهبي (٢٢/ ٩٣).\n(^٦) البحر المحيط: أبو حيان (٦/ ٢١٥)، وانظر: اللباب: ابن عادل الحنبلي (٥/ ٦٠٨).\n(^٧) تفسير الجلالين: المحلي والسيوطي (ص: ٨٨).\n(^٨) وهو: شمس الدين: محمد بن أحمد الخَطِيب الشربيني، فقيه شافعيّ، مفسر. من أهل القاهرة. له تصانيف، منها (السراج المنير في تفسير القرآن)، و(الإقناع في حل الفاظ أبي شجاع)، مات سنة ٩٧٧ هـ. ينظر: الأعلام: الزركلي (٦/ ٦).","vol":"1","page":300},{"text":"أو بأثابكم فلا زائدة\" (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-259> دراسة المسألة:</span>\nذكر القاسمي ﵀ في تفسيره لهذه الآية أن المراد بقوله تعالى: ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ أي: لتتمرنوا بالصبر على الشدائد، والثبات فيها، وتتعودوا رؤية الغلبة والظفر والغنيمة، وجميع الأشياء من الله لا من أنفسكم، فلا تحزنوا على ما فاتكم من الحظوظ والمنافع. وقوله: ﴿وَلَا مَا أَصَابَكُمْ﴾ من الغموم والمضار (^٢). فـ (لا) ثابتة أصلية على معناها وليست زائدة.\nومن خلال النظر في أقول الفريقين واستدلالاتهم من كتب التفسير، يظهر أن الصواب في هذه المسألة أن (لا) أصلية على معناها وليست زائدة، وذلك لوجوه:\nأولا: أن تأويل الآية على القول بأن (لا) زائدة وأن المعنى تتأسفوا على ما فاتكم وعلى ما أصابكم عقوبة لكم، مردود بقوله تعالى: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ [سورة الحديد: ٢٣] وقوله: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [سورة آل عمران: ١٤٠].\nثانيًا: إن حزن المسلمين على ما فاتهم وأصابهم من شأنه أن يؤثر في نفوسهم تأثيرا سلبيا، فيُقعدهم عن الجهاد، ويُثبطهم عن مواصلة السير، وذلك أمرا لا يرضاه الله ورسوله، ولا يليق بهم.\nثالثًا: إن حزنهم على ما فاتهم وأصابهم يتعارض مع الإيمان بالقدر، والإيمان بالقدر، خيره وشره، أصل من أصول الإيمان.\n_________\n(^١) السراج المنير: الخطيب الشربيني (١/ ٢٥٦).\n(^٢) محاسن التأويل: القاسمي (٤/ ١٠٠٠).","vol":"1","page":301},{"text":"رابعًا: إن هذا التركيب في كتاب الله ﵎: ﴿لِكَيْ لَا﴾، لم تأتِ (لا) فيه زائدة البتة، بل كانت عمدة لا يتم المعنى بدونها، نقرأ في قوله سبحانه: ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ [سورة الأحزاب: ٣٧]، فلا يجوز مُطلقًا أن يُقال: إن (لا) زائدة، والمعنى: لكي يكون على المؤمنين حرج. وقوله سُبحانه: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [سورة الحشر: ٧]، فلا يصح المعنى لو حذفت (لا) وقيل: لكي يكون دولة.\nوعلى هذا، فـ (لا) في قوله تعالى: ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ﴾، لا يصح القول بزيادتها، إذ لا يتم المعنى بدونها.\nخامسا: أن تأويل الآية: لتتمرّنوا على الصبر في الشدائد، فلا تحزنوا على نفع فات أو ضرٍّ آت، هو الذي يليق بالنظم الكريم، وذلك أن غزوة أحد ليست هي آخر مرحلة من مراحل الجهاد في حياة المسلمين، فالجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة، والحرب سجال، فالآية تقرير علوي للمسلمين، وحثٌ لهم على أن يصبروا إذا أصيبوا في بعض معاركهم مع عدو الله وعدوهم، لأنهم ظفروا بإحدى الحسنيين … هي دعوة لهم لكي يتغلبوا على جراحاتهم وأحزانهم (^١).\nتنبيهات:\nالأول: مسألة وقوع الزيادة في القرآن مما اختلف فيه العلماء قديمًا، والحق الذي أدين الله به أنه ليس في القرآن ألفاظ زائدة لا أثر لها في الاعراب أو المعنى.\nيقول ابن تيمية: \"ولا يذكر في القرآن لفظا زائدا إلا لمعنى زائد وإن كان في ضمن ذلك التوكيد وما يجيء من زيادة اللفظ في مثل قوله ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ وقوله ﴿عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ﴾ وقوله ﴿قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ فالمعنى مع هذا أزيد من المعنى\n_________\n(^١) لطائف المنان: فضل عباس (ص: ٢١٥، ٢١٦).","vol":"1","page":302},{"text":"بدونه. فزيادة اللفظ لزيادة المعنى وقوة اللفظ لقوة المعنى\" (^١).\nالثاني: التعبير بالزائد في القرآن يوهم ظاهره وقوع مالا فائدة منه في القرآن، وكلام الله منزه عن ذلك.\nيقول الزركشي: \"واعلم أن الزيادة واللغو من عبارة البصريين والصلة والحشو من عبارة الكوفيين، والأولى اجتناب مثل هذه العبارة في كتاب الله تعالى\" (^٢).\nالثالث: تعليل القاسمي لتعقبه يؤيده قول الآلوسي: \"ولا يخفى أن تأكيد (لا) وتكريرها يبعد القول بزيادتها\" (^٣).\n\n•<span data-type='title' id=toc-260> النتيجة:</span>\nبعد عرض ما تقدم من أقوال المفسرين في هذه المسألة، يظهر أن الصواب هو أن (لا) في قوله تعالى: ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ﴾ ثابتة أصلية، لما تقدم من الأوجه ومن كلام المفسرين، والقول بأنها زائدة بعيد، والله أعلم.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى: ابن تيمية (١٦/ ٥٣٧)، بتصرف.\n(^٢) انظر: البرهان في علوم القرآن: الزركشي (٣/ ٧٢).\n(^٣) روح المعاني: الآلوسي (٥/ ٦٦).","vol":"1","page":303},{"text":"<span data-type='title' id=toc-261>٣٠ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [سورة آل عمران: ١٥٦].</span>\nقال أبو السعود: ليس المقصود بالنهي عدم مماثلتهم في النطق بهذا القول، بل في الاعتقاد بمضمونه والحكم بموجبه (^١).\nقال القاسمي: أقول: بل الآية تفيد الأمرين. أعني حفظ الاعتقاد المقصود أولا وبالذات، وحفظ المنطق مما يوقع في إضلال الناس، ويخل بالمقام الإلهي، كما بينته السنة (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-262> أقوال أهل العلم في المقصود بالنهي في قوله تعالى: ﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾:</span>\nالقول الأول: أن المقصود عدم مماثلة الكفار في الاعتقاد دون المماثلة في القول.\nالقول الثاني: أن المقصود عدم مماثلة الكفار في الاعتقاد والقول.\nأصحاب القول الأول:\nظاهر كلام ابن عطية: \" نهى الله تعالى المؤمنين عن الكون مثل الكفار والمنافقين في هذا المعتقد الفاسد، الذي هو أن من سافر في تجارة ونحوها ومن قاتل فقتل لو قعد في بيته لعاش ولم يمت في ذلك الوقت الذي عرض فيه نفسه للسفر أو للقتال، وهذا هو معتقد المعتزلة في القول بالأجلين، وهو نحو منه\" (^٣).\nأبو السعود: وتقدم قوله.\n_________\n(^١) إرشاد العقل السليم: أبو السعود (٢/ ١٠٣)، وانظر: روح البيان: إسماعيل حقي (٢/ ١١٤).\n(^٢) محاسن التأويل: القاسمي (٤/ ١٠١٤).\n(^٣) المحرر الوجيز: ابن عطية (٢/ ٦٦٥).","vol":"1","page":304},{"text":"أصحاب القول الثاني:\nالزمخشري: \" ﴿لَا تَكُونُوا﴾ بمعنى: لا تكونوا مثلهم في النطق بذلك القول واعتقاده\" (^١).\nأبو حيان: \"أخبر الله عنهم - يعني المنافقين- أنهم قالوا لإخوانهم: وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا، وكان قولا باطلا واعتقادا فاسدا نهى تعالى المؤمنين أن يكونوا مثلهم في هذه المقالة الفاسدة والاعتقاد السيء\" (^٢).\nابن كثير: \"ينهى تعالى عباده المؤمنين عن مشابهة الكفار في اعتقادهم الفاسد، الدال عليه قولهم عن إخوانهم الذين ماتوا في الأسفار وفي الحروب: لو كانوا تركوا ذلك لما أصابهم ما أصابهم. فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ﴾ \" (^٣).\nالشوكاني: \" ﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ اللام متعلقة بقوله: ﴿وَقَالُوا﴾ أي: قالوا ذلك واعتقدوه ليكون حسرة في قلوبهم\" (^٤). فيُفهم من كلامه: النهي عن المشابهة في القول والاعتقاد.\n\n•<span data-type='title' id=toc-263> دراسة المسألة:</span>\nبعد التأمل والنظر في أقوال المفسرين وما ذكروه في تفسير الآية، يظهر والله أعلم أن الآية عامة في النهي عن مشابهة المشركين في القول والاعتقاد، وذلك من أوجه:\nأولا: ما ذكره بعض المفسرين أن المراد من الآية: المنافقين الذين قالوا في السرايا التي بعث النبي ﵊ إلى بئر معونة: ﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ فنُهي المسلمون أن يقولوا مثل قولهم (^٥). فإن كانوا نهوا عن القول مثل قولهم فالاعتقاد من باب أولى.\n_________\n(^١) الكشاف: الزمخشري (١/ ٤٣١).\n(^٢) البحر المحيط: أبو حيان (٦/ ٢٣٣).\n(^٣) تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٢/ ٤٤٩).\n(^٤) فتح القدير: الشوكاني (١/ ٤٥٠)\n(^٥) التحصيل لفوائد كتاب التفصيل: المهدوي (٢/ ١٤٠). وانظر: التفسير الوسيط: الواحدي (١/ ٥١٠)، وانظر: الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (٥/ ٣٧٥).","vol":"1","page":305},{"text":"وقيل: المراد: قول المنافق عبد الله بن أبي ابن سلول. وهو مروي عن مجاهد (^١).\nوعن ابن إسحاق: \" أي: لا تكونوا كالمنافقين الذي ينهون إخوانهم عن الجهاد في سبيل الله، والضرب في الأرض في طاعة الله، وطاعة رسوله، ويقولون إذا ماتوا أو قتلوا: لو أطاعونا ما ماتوا، وما قتلوا \" (^٢).\nووجه الاستدلال: أن المؤمنين نهوا أن يقولوا مثل قول عبد الله بن أبي ابن سلول والمنافقين، والنهي عن الاعتقاد من باب أولى.\nثانيًا: ظاهر الآية عموم النهي في القول والاعتقاد، وقول أبي السعود بأنها تقتصر على الاعتقاد يحتاج إلى دليل أو قرينة تؤيد ذلك، والأصل أن الآية عامة، والله أعلم.\nيقول ابن جرير الطبري: \"وغير جائز ادعاء خصوص في آية عام ظاهرها إلا بحجة يجب التسليم لها\" (^٣).\nثالثًا: أن النبي ﷺ نهى عن الأقوال التي تُنافي الرضا بالقضاء والقدر، ومن ذلك نهيه ﷺ عن قول القائل بعد فوات الأمر: \"لو أني فعلت كذا وكذا. وقال: إنها تفتح عمل الشيطان\" (^٤). وكذا في هذه الآية فالنهي عام في القول والاعتقاد.\n\n•<span data-type='title' id=toc-264> النتيجة:</span>\nمن خلال ما تقدم ذكره في هذه المسألة، يظهر والله أعلم أن الصواب هو: أن النهي الوارد في قوله تعالى: ﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يفيد العموم في القول والاعتقاد، لما تقدم ذكره من الأوجه وأقوال المفسرين.\n* * *\n_________\n(^١) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٦/ ١٧٦).\n(^٢) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٦/ ١٧٦).\n(^٣) جامع البيان: الطبري (٢/ ٤٦٣)، وانظر: قواعد الترجيح: حسين الحربي (٢/ ١٧٥).\n(^٤) أخرجه مسلم، كتاب القدر، باب في الأمر بالقوة وترك العجز، برقم: (٢٦٦٤).","vol":"1","page":306},{"text":"سورة النساء","vol":"1","page":307},{"text":"<span data-type='title' id=toc-265>سورة النساء</span>\n<span data-type='title' id=toc-266>٣١ - قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (٢)﴾ [سورة النساء: ٢].</span>\nقال القاسمي: تنبيه: خص من ذلك مقدار أجر المثل عند كون الولي فقيرا لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [سورة النساء: ٥] كذا قاله البيضاوي وتابعه أبو السعود. وعندي أنه لا حاجة إلى تخصيص هذا النهي بالفقير في هذه الآية لأنها في الغني، لقوله: ﴿إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾. فلا يشمل مساقها الفقير (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-267> أقوال أهل العلم بتخصيص النهي في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾:</span>\nالقول الأول: أن النهي مخصوص بالوصي الغني الذي يمتلك المال، وليس للفقير.\nالقول الثاني: أن النهي مخصوص بالوصي الفقير، فإذا كان الوصي يعمل في مال اليتيم فله أن يأخذ أجرة المثل.\nأصحاب القول الأول:\nالبيضاوي: \"ولا تأكلوها مضمومة إلى أموالكم، أي لا تنفقوهما معًا ولا تسووا بينهما، وهذا حلال وذاك حرام وهو فيما زاد على قدر أجره لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [سورة النساء: ٦] \" (^٢).\nأبو السعود: \"أي لا تأكلوها مضمومة إلى أموالكم ولا تسووا بينهما وهذا حلال وذاك حرام وقد خص من ذلك مقدار أجر المثل عند كون الولي فقيرا\" (^٣).\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (٥/ ١١٠٢).\n(^٢) أنوار التنزيل: البيضاوي (٢/ ٥٩).\n(^٣) إرشاد العقل السليم: أبو السعود (٢/ ١٤١)، وانظر: روح البيان: إسماعيل حقي (٢/ ١٦١).","vol":"1","page":308},{"text":"أصحاب القول الثاني:\nالقنوجي: \"خص النهي بالمضموم وإن كان أكل مال اليتيم حرامًا وإن لم يضم إلى مال الوصي، لأن أكل ماله مع الاستغناء عنه أقبح، فلذلك خص النهي به، أو لأنهم كانوا يأكلونه مع الاستغناء عنه، فجاء النهي على ما وقع منهم فالقيد للتشنيع\" (^١).\nابن عاشور: \"فيه من التشنيع عليهم حيث يأكلون حقوق الناس مع أنهم أغنياء\" (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-268> دراسة المسألة:</span>\nبعد استقراء ما ذكره المفسرون في هذه الآية، يتبين أن لكل فريق أوجها التي تؤيد ما ذهب إليه بالنهي في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾، إلا أن أصحاب القول الثاني يرد على ما ذهبوا إليه بشيء من الإيرادات، وبيان ذلك مما يلي:\nأوجه ما ذهب إليه أصحاب الفريق الأول:\nأولا: سياق الآية: حيث إن النهي فيها عن ضم أموال اليتامى إلى أموال تكون بحوزة صاحبها، وأي أموال تكون بحوزة الفقير الذي لا يجد قوت يومه.\nثانيًا: أن ظاهر قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ يدل على جواز أكل الفقير بقد الحاجة، ثم تعويض اليتيم بهذا القدر أو رد مثله إن تيسر الأمر، أما قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ فهو يقع في الغالب عند الغني، فيدل على النهي المطلق، والله أعلم.\nثالثًا: من حيث البلاغة: فإن توجيه النهي للأغنياء أبلغ، وذلك أن أكل الغني لأموال اليتامى مع عدم حاجته لذلك أقبح من أكل الفقير لأموال اليتامى، فالمنهيّ كلما كان أقبح كانت النفس عنه أنفر والداعية إليه أبعد. ولا شك أن المستقر في النفوس أن أكل مال اليتيم مع الغنى عنه أقبح صور الأكل. فخصص بالنهي تشنيعا على من يقع فيه. حتى إذا استحكم\n_________\n(^١) فتح البيان: القنوجي (٣/ ١٣).\n(^٢) التحرير والتنوير: ابن عاشور (٤/ ٢٢١).","vol":"1","page":309},{"text":"نفوره من أكل ماله على هذه الصورة الشنعاء دعاه ذلك إلى الإحجام عن أكل ماله مطلقا.\nرابعًا: فيه تدريب للمخاطب على النفور من المحارم. ولا تكاد هذه الفائدة تحصل لو خصص النهي بأكله مع الفقر، إذ ليست الطباع في هذه الصورة معينة على الاجتناب، كإعانتها عليه في حال الأكل من مال اليتيم مع الغنى (^١).\nأوجه ما ذهب إليه أصحاب الفريق الثاني:\nأولا: من حيث نظائر الآية: فإن قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ يدل على جواز ضم الفقير مال اليتيم لماله بالمعروف على قدر أجرة عمله.\nوالاستشهاد بنظائر الآية وإن كان له حظ من النظر إلا أن دلالة السياق المتقدم ذكرها مقدمة على الاستشهاد بنظائر الآية، إذا سياق الآية يدل على أن النهي موجه للأغنياء، بينما الموضوع يختلف في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ فهنا يجوز أن يأخذ الفقير من مال اليتيم بقدر أجرته، فلا تُقاس هذه الآية على تلك، والله أعلم.\nثانيًا: من حيث البلاغة: فإن أهل البيان يقولون: المنهي متى كان درجات فطريق البلاغة النهى عن أدناها تنبيها على الأعلى، كقوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [سورة الإسراء: ٢٣] وإذا اعتبرت هذا القانون بهذه الآية وجدته ببادئ الرأي مخالفا لها، إذ أعلى درجات أكل مال اليتيم في النهى أن يأكله وهو غنى عنه، وأدناها أن يأكله وهو فقير إليه، فكان مقتضى القانون المذكور أن ينهى عن أكل مال اليتيم من هو فقير إليه، حتى يلزم نهى الغنى عنه من طريق الأولى (^٢).\nوهذا الاستشهاد يُقابله ما تقدم في الوجه الثالث من أوجه ما ذهب إليه أصحاب الفريق الأول، من حيث البلاغة.\n_________\n(^١) الكشاف للزمخشري مذيل بحاشية (الانتصاف فيما تضمنه الكشاف) لابن المنير (١/ ٤٦٥)، بتصرف.\n(^٢) الكشاف للزمخشري مذيل بحاشية (الانتصاف فيما تضمنه الكشاف) لابن المنير (١/ ٤٦٥).","vol":"1","page":310},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-269> النتيجة:</span>\nبعد ما تقدم ذكره يظهر أن الأقرب إلى الصواب في هذه المسألة أن النهي في الآية موجه للأغنياء، وهو ما ذهب إليه القاسمي ﵀ للأدلة المتقدم ذكرها، من حيث السياق والظاهر والبلاغة.\nولو أمكن حمل الآية على المعنيين معًا: بأن يكون النهي موجه للأغنياء، أو يكون عامًا مخصوصًا بالفقراء، لم يقع تعارض، والله أعلم.","vol":"1","page":311},{"text":"<span data-type='title' id=toc-270>٣٢ - قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (٣)﴾ [سورة النساء: ٣].</span>\nقال الرازي: فقهاء الأمصار مجمعون على أنه لا يجوز الزيادة على الأربع. وهذا هو المعتمد، وأن مخالف هذا الإجماع من أهل البدعة. فلا عبرة بمخالفته (^١).\nقال القاسمي: قوله: (من أهل البدعة) لا يجوز أخذه على عمومه لما ستراه (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-271> أقوال أهل العلم فيمن يقول بجواز الزيادة على الأربع في النكاح:</span>\nالقول الأول: أن القائلين بجواز الزيادة على الأربع هم أهل البدع.\nالقول الثاني: أن القائلين بجواز الزيادة على الأربع ليسوا من أهل البدع مطلقًا، وإنما قال بذلك من أهل السنة.\nأصحاب القول الأول:\nابن حزم: \"لم يختلف في أنه لا يحل لأحد زواج أكثر من أربع نسوة: أحد من أهل الإِسلام وخالف في ذلك قوم من الروافض لا يحل لهم عقد الإِسلام\" (^٣).\nابن الهمام الحنفي (^٤): \"وأجاز الروافض تسعًا من الحرائر، ونقل عن النخعي وابن أبي ليلى - أي جواز التسع- وأجاز الخوارج ثماني عشرة، وحكي عن بعض الناس إباحة أي عدد شاء بلا حصر\" (^٥).\n_________\n(^١) انظر: مفاتيح الغيب: الرازي (٩/ ٤٨٨).\n(^٢) محاسن التأويل: القاسمي (٥/ ١١٠٩).\n(^٣) المحلى: ابن حزم: (٩/ ٧)\n(^٤) وهو: محمد بن عبد الواحد بن عبد الحميد السيواسي ثم الإسكندري، كمال الدين، المعروف بابن الهمام: إمام، من علماء الحنفية. عارف بأصول الديانات والتفسير والفرائض والفقه واللغة، مات سنة ٨٦١ هـ. ينظر: الأعلام: الزركلي (٦/ ٢٥٥).\n(^٥) فتح القدير على الهداية: ابن الهمام: (٣/ ٢٢٩، ٢٣٠).","vol":"1","page":312},{"text":"الشاطبي: \" ثم أتى بعض من نسب إلى الفرق ممن حرف التأويل في كتاب الله، فأجاز نكاح أكثر من أربع نسوة، إما اقتداء - في زعمه - بالنبي ﷺ حيث أحل له أكثر من ذلك أن يجمع بينهن، ولم يلتفت إلى إجماع المسلمين أن ذلك خاص به ﵇، وإما تحريفا لقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ فأجاز الجمع بين تسع نسوة، ذلك، ولم يفهم المراد من الراوي ولا من قوله: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ فأتى ببدعة أجراها في هذه الأمة لا دليل عليها ولا مستند فيها\" (^١).\nأصحاب القول الثاني:\nالشوكاني: \"وأما القعقعة بدعوى الإجماع فما أهونها وأيسر خطبها عند من لم تفزعه هذه الجلبة وكيف يصح إجماع خالفته الظاهرية وابن الصباغ (^٢)، والعمرانيّ (^٣)، والقاسم بن إبراهيم (^٤)، نجم آل الرسول، وجماعة من الشيعة، وثلة من محققي المتأخرين\" (^٥).\nذكر القنوجي أن: \" الظاهرية ذهبت إلى أنه يحل للرجل أن يتزوج تسعا ولعل وجهه قوله تعالى ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ ومجموع ذلك لا باعتبار ما فيه من العدل تسع وحكي ذلك عن ابن الصباغ والعمراني وبعض الشيعة وحكي أيضا عن القاسم بن إبراهيم\" (^٦).\n_________\n(^١) الاعتصام: الشاطبي: (٢/ ٥٢٥).\n(^٢) وهو: عبد السيد بن محمد بن عبد الواحد أبو نصر بن الصباغ، صاحب الشامل والكامل وعدة العالم والطريق السالم، كان ورعا نزها تقيا نقيا صالحا زاهدا فقيها أصوليا محققا، مات سنة ٤٧٧ هـ. ينظر: طبقات الشافعية: السبكي (٥/ ١٢٣، ١٢٤).\n(^٣) وهو: يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليماني، شيخ الشافعيين بإقليم اليمن صاحب البيان وغيره من المصنفات، كان إماما زاهدا ورعا عالما بالفقه والأصول والكلام والنحو، مات سنة ٥٥٨ هـ. ينظر: طبقات الشافعية: السبكي (٧/ ٣٣٦ - ٣٣٨).\n(^٤) وهو: أبو محمد القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل الحسني العلويّ، أبو محمد، المعروف بالرسي: فقيه، شاعر، من أئمة الزيدية، له ٢٣ رسالة: في \" الإمامة، والرد علي ابن المقفع، وسياسة النفس، والعدل والتوحيد، والناسخ والمنسوخ، مات سنة ٢٤٦ هـ. ينظر: الحدائق الوردية: المحلي (٢/ ١ - ٦)، وينظر: الأعلام: الزركلي (٥/ ١٧١).\n(^٥) وبل الغمام: الشوكاني (٢/ ١٢، ١٣)، وانظر: نيل الأوطار: الشوكاني (٦/ ١٧٨)، وقول القاسم بن إبراهيم أورده العمراني في البيان (٩/ ١١٨).\n(^٦) الروضة الندية: القنوجي (٢/ ١٩٠).","vol":"1","page":313},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-272> دراسة المسألة:</span>\nيُريد القاسمي ﵀ من هذه المسألة: أن من أهل السنة الأجلاء المعتبرين الذين ليسوا من أهل البدعة من قال بجواز الزيادة على الأربع.\nوالمراد من قوله ﵀ (لما ستراه) هو ما تقدم ذكره عن الشوكاني.\nومن خلال عرض ما تقدم من الأقوال، يظهر والله أعلم أن القائلين بجواز الزيادة على الأربع هم عامة أهل البدع من الشيعة وغيرهم.\nوالجواب عما نقل القاسمي ﵀ عن الشوكاني: أن الرواية عن الظاهرية بجواز نكاح التسع لم تصح كما قال الشوكاني، وكذا عن ابن الصباغ وغيره. وأما الشيعة قاتلهم الله فلا عبرة بقولهم، ولا يقدح خلافهم في صحة الإجماع وأيضًا: فإن ابن الصباغ وإبراهيم بن القاسم، والعمراني ونحوهم، من المتأخرين عن الأئمة الأربعة وأصحابهم الذين دارت عليهم الفتوى في عصرهم واتفقت الأمة على الأخذ بأقوالهم مجمعون على تحريم الزيادة على أربع بالنكاح (^١)، ولم نعلم واحدا من الصحابة ذهب إلى جواز هذه الزيادة (^٢).\nوعلى فرض وجود أحد من أهل السنة أو الأعلام المعتبرين من خالف الإجماع وقال بجواز الزيادة على الأربع، فإن هذا اجتهاد منه، وهذه المخالفة لا تُخرجه من دائرة أهل السنة.\nوقول الرازي: أن مخالف هذا الإجماع من أهل البدعة، باعتبار الغالب، والله أعلم، فأصحاب هذا القول في الغالب من أهل البدعة كالشيعة ونحوهم.\nتنبيه:\nالقول بجواز الزيادة على الأربع ليس المشهور عند الشيعة، فقد وجد منهم من قال بتحريم الزيادة على الأربع (^٣).\n_________\n(^١) نقل الإجماع ابن قدامة في المغني (٧/ ٨٥).\n(^٢) إعلاء السنن: التهاوني (١١/ ٥٣).\n(^٣) انظر: الروضة البهية: العاملي (٣/ ٢١٢)، وانظر: كنز العرفان: المقداد السيوري (٢/ ١٤١).","vol":"1","page":314},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-273> النتيجة:</span>\nبعد عرض ما تقدم من الأقوال في هذه المسألة يتبين أن الفقهاء مجمعون على أنه لا يجوز الزيادة على الأربع في النكاح، وأن مُخالفوا هذا الإجماع هم في الغالب من أهل البدعة، وما نُسب إلى الظاهرية وابن الصباغ وإبراهيم بن القاسم، والعمراني لا يصح، والله أعلم.","vol":"1","page":315},{"text":"<span data-type='title' id=toc-274>٣٣ - قوله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (٧)﴾ [سورة النساء: ٧].</span>\nقال القاسمي: وقد استدل بالآية على توريث ذوي الأرحام لأنهم من الأقربين. وهو استدلال وجيه. ولا حجة لمن حاول دفعه (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-275> أقوال أهل العلم في نصيب ذوي الأرحام من الميراث:</span>\nالقول الأول: أن ذوي الأرحام لهم نصيب من الميراث إذا لم يكن هناك ذو فرض أو عاصب.\nالقول الثاني: أن ذوي الأرحام ليس لهم نصيب من الميراث، وإنما يكون الباقي لبيت مال المسلمين.\nأصحاب القول الأول:\nمذهب أكثر السلف وأبي حنيفة، والثوري، وإسحاق، وأحمد في المشهور عنه: يكون باقي المال لذوي الأرحام (^٢).\nالكيا الهراسي: \"في الآية دلالة على جعل القرابة مطلقة للميراث، إلا أنه لم يجعل لهم إلا النصيب المفروض لا المال المطلق، وليس في الآية ذلك النصيب المفروض\" (^٣).\nأصحاب القول الثاني:\nمذهب مالك والشافعي وأحمد في رواية: أن من لا وارث له بفرض ولا تعصيب يكون ماله لبيت مال المسلمين (^٤).\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (٥/ ١١٣٠).\n(^٢) الفتاوى الكبرى: ابن تيمية (٤/ ٣٩٧)، وانظر: توضيح الأحكام: البسام (٥/ ١٦٨).\n(^٣) أحكام القرآن: الكيا الهراسي (٢/ ٣٣٣).\n(^٤) الفتاوى الكبرى: ابن تيمية (٤/ ٣٩٦، ٣٩٧)، وانظر: توضيح الأحكام: البسام (٥/ ١٦٨).","vol":"1","page":316},{"text":"الراغب الأصفهاني: \" ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ يقتضي خلاف من ورّث ذوي الأرحام، إذ ليس لأحد منهم نصيب مفروض\" (^١).\nالرازي: \" المراد من الأقربين من كان أقرب الناس إليه، وما ذاك إلا الوالدان والأولاد، فثبت أن هذا النص لا يدخل فيه ذوو الأرحام\" (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-276> دراسة المسألة:</span>\nفي تفسير هذه الآية ذكر القاسمي أن من المفسرين من استدل بها على توريث ذوي الأرحام، والعلة من ذلك أنهم من الأقربون فلهم نصيب من الميراث، ويريد بذلك الفخر الرازي.\nقال الرازي: \"احتج أبو بكر الرازي (^٣) بهذه الآية على توريث ذوي الأرحام قال: لأن العمات والخالات والأخوال وأولاد البنات من الأقربين، فوجب دخولهم تحت قوله: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ أقصى ما في الباب أن قدر ذلك النصيب غير مذكور في هذه الآية، إلا أنا نثبت كونهم مستحقين لأصل النصيب بهذه الآية، وأما المقدار فنستفيده من سائر الدلائل.\nوأجاب أصحابنا عنه من وجهين:\nأحدهما: أنه تعالى قال في آخر الآية ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ أي نصيبا مقدرا، وبالإجماع ليس لذوي الأرحام نصيب مقدر، فثبت أنهم ليسوا داخلين في هذه الآية.\nوثانيهما: أن هذه الآية مختصة بالأقربين، فلم قلتم إن ذوي الأرحام من الأقربين؟ وتحقيقه أنه إما أن يكون المراد من الأقربين من كان أقرب من شيء آخر، أو المراد منه من كان أقرب من جميع الأشياء، والأول باطل لأنه يقتضي دخول أكثر الخلق فيه، لأن كل\n_________\n(^١) تفسير الراغب الأصفهاني (٣/ ١١١١).\n(^٢) مفاتيح الغيب: الرازي (٩/ ٥٠٣)، وانظر: غرائب القرآن: النيسابوري (٢/ ٣٥٦)، وانظر: نظم الدرر: البقاعي (٥/ ٢٠٠)\n(^٣) وهو: أبو بكر الجصاص، وستأتي ترجمته.","vol":"1","page":317},{"text":"إنسان له نسب مع غيره إما بوجه قريب أو بوجه بعيد، وهو الانتساب إلى آدم ﵇، ولا بد وأن يكون هو أقرب إليه من ولده، فيلزم دخول كل الخلق في هذا النص وهو باطل، ولما بطل هذا الاحتمال وجب حمل النص على الاحتمال الثاني وهو أن يكون المراد من الأقربين من كان أقرب الناس إليه، وما ذاك إلا الوالدان والأولاد، فثبت أن هذا النص لا يدخل فيه ذوو الأرحام، لا يقال: لو حملنا الأقربين على الوالدين لزم التكرار، لأنا نقول: الأقرب جنس يندرج تحته نوعان: الوالد والولد، فثبت أنه تعالى ذكر الوالد، ثم ذكر الأقربين، فيكون المعنى أنه ذكر النوع، ثم ذكر الجنس فلم يلزم التكرار\" (^١).\nوالجواب عن الوجه الأول الذي ذكره الرازي: أن قوله تعالى: ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ لا يخرجهم من حكمها وكونهم مرادين بها لأن الذي يجب لذوي الأرحام عند موجبي مواريثهم هو نصيب مفروض لكل واحد منهم وهو معلوم مقدر كأنصباء ذوي السهام لا فرق بينهما من هذا الوجه وإنما أبان الله تعالى أن لكل واحد من الرجال والنساء نصيبا مفروضا غير مذكور المقدار في الآية لأنه مؤذن ببيان وتقدير معلوم له يرد في التالي فكما ورد البيان في نصيب الوالدين والأولاد وذوي السهام بعضها بنص التنزيل وبعضها بنص السنة وبعضها بإجماع الأمة وبعضها بالقياس والنظر كذلك قد روى بيان أنصباء ذوي الأرحام بعضها بالسنة وبعضها بدليل الكتاب وبعضها باتفاق الأمة من حيث أوجبت الآية لذوي الأرحام أنصباء فلم يجز إسقاط عمومها فيهم ووجب توريثهم بها ثم إذا استحقوا الميراث بها كان المستحق من النصيب المفروض على ما ذهب إليه القائلون بتوريث ذوي الأرحام فيهم فهم وإن كانوا مختلفين في بعضها فقد اتفقوا في البعض وما اختلفوا فيه لم يخل من دليل لله تعالى يدل على حكم فيه (^٢).\nوالجواب عن الوجه الثاني: أنه لا يُسلَّم بحصر من كان أقرب الناس إليه بالوالدان والأولاد، إذ إنه يدخل في الأقربين من الأعمام والعمات والأخوال والخالات وأولادهم،\n_________\n(^١) مفاتيح الغيب: الرازي (٩/ ٥٠٢، ٥٠٣).\n(^٢) أحكام القرآن: الجصاص (٢/ ٣٦٧). بتصرف.","vol":"1","page":318},{"text":"للسنة القولية: وهي قوله ﷺ: \"الخال وارث من لا وارث له يعقل عنه ويرثه\" (^١)، حيث أثبت الشارع بأن الخال يرث، وغيره من ذوي الأرحام.\nوكذلك القياس: فكما أن ذوي الفروض والعصبات من الأقرباء يرثون، فكذلك ذوو الأرحام مثلهم والجامع: أن كلًا منهم قد ساوو الناس في الإسلام، وزادوا عليهم بالقرابة، فكانوا أولى من المسلمين بالميراث، ولهذا كان كل فرد ممن سبقوا أحق في الحياة بصلته، وصدقته وبعد وفاته بوصيته، ويكون ذوو الأرحام محجوبين بذوي الفروض والعصبات إن وجدوا، كما أن أصحاب الفروض يحجب بعضهم بعضا (^٢).\nقال العثيمين ﵀: \" والقول بعدم التوريث قول ضعيف - سبحان الله - نحرم الخال أو أبا الأم من مال القريب، ونضعه في بيت المال يأكله أبعد الناس!! مثل هذا لا تأتي به الشريعة، فالصواب المقطوع به أن ذوي الأرحام وارثون، لكن بعد ألا يكون ذو فرض أو عاصب، ولهذا نقول: ذوو الأرحام كل قريب ليس بذي فرض ولا عصبة (^٣).\nوبهذا يتبين أن جواب الرازي عن استدلال من قال بتوريث ذوي الأرحام من قبيل الاجتهاد والاستدلال العقلي، وهو يتعارض مع السنة، وقول أكثر الصحابة، والمصلحة المرسلة، وفيه تكلف والله أعلم.\nتنبيهات:\nالأول: مسألة توريث ذوي الأرحام ذكرها العلامة محمد الأمين الشنقيطي ﵀ وأطال فيها الكلام حتى انتهى بأن الخال يرث من لا وارث له، دون غيره من ذوي الأرحام (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي، أبواب الفرائض عن رسول الله ﷺ، باب ما جاء في ميراث الجدة مع ابنها، برقم: (٢١٠٤)، قال الألباني: \"حديث صحيح\".\n(^٢) تيسير مسائل الفقه: د. عبد الكريم النملة (٤/ ١٦٥، ١٦٦).\n(^٣) الشرح الممتع: العثيمين (١١/ ٢٧٤).\n(^٤) انظر: أضواء البيان: الشنقيطي (٢/ ١٠٦ - ١١٠).","vol":"1","page":319},{"text":"الثاني: أورد هذه المسألة والخلاف فيها: الآلوسي في تفسيره (^١)، وأرى أن رده على من منع توريث ذوي الأرحام فيه تكلَّف، والله أعلم، لأنه ناقشها من الناحية الأصولية من جهة الفرق بين الواجب والفرض عند الحنفية والشافعية، وما يترتب عليه من توريث ذوي الأرحام، فلا حاجة إلى إيراده.\nالثالث: مسألة ميراث ذوي الأرحام قد اختلف فيها الفقهاء قديمًا وقبلهم الصحابة ﵃، وهي مبسوطة في كتب الفقه (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-277> النتيجة:</span>\nبعد عرض ما تقدم في هذه المسألة من كلام أهل العلم وما فيها من الأدلة، يظهر أن الراجح مع أصحاب القول الأول، وهو: أن ذوي الأرحام لهم نصيب من الميراث إذا عدم أصحاب الفروض والعصبات، لما تقدم من الأدلة من الكتاب والسنة والقياس، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: روح المعاني: الآلوسي (٥/ ٣٢٧ - ٣٢٨).\n(^٢) انظر: نهاية المطلب: الجويني (٩/ ١٩٨)، وانظر: المغني: ابن قدامة (٦/ ٣١٧)، وانظر: بداية المجتهد: ابن رشد (٤/ ١٢٥)، وانظر: نيل الأوطار: الشوكاني (٣٦٣ - ٣٦٥).","vol":"1","page":320},{"text":"<span data-type='title' id=toc-278>٣٤ - قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٨)﴾ [سورة النساء: ٨].</span>\nقال القاسمي: ذكر هاهنا كثير من المفسرين آثارا عن بعض السلف بأن هذه الآية منسوخة بآية. الميراث. وهي من الضعف بمكان. ولقد أبعد القائل بالنسخ عن فهم سر الآية فيما ندبت إليه من هذه المكرمة الجليلة. وهي إسعاف من ذكر من المال الموروث، والنفس الأبية تنفر من أن تأخذ المال الجزل، وذو الرحم حاضر محروم، ولا يسعف ولا يساعد. فالآية بينة بنفسها، واضحة في معناها وضوح الشمس في الظهيرة، لا تنسخ أو تقوم الساعة (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-279> أقوال أهل العلم في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ﴾ من حيث الإحكام والنسخ:</span>\nالقول الأول: أن الآية منسوخة بآية الميراث.\nالقول الثاني: أن الآية محكمة وليست منسوخة، فيُعطى الفقراء والمساكين ما تيسر من مال الميراث الذي جاء بغير كد ولا تعب، لأن نفوسهم مُتَشوفة إليه، وقلوبهم متطلعة إليه، ففيه جبرا لخواطرهم.\nأصحاب القول الأول:\nسعيد بن المسيب: \" ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ﴾ قال: «هي منسوخة» \"، وبنحو ذلك روي عن أبي مالك، والضحاك (^٢).\nالشافعي: \" ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ «نُسِخَ بما جَعل الله للذكر\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (٥/ ١١٣٢).\n(^٢) أخرج أقوالهم الطبري في تفسيره (٦/ ٤٣٥ - ٤٣٧)، وانظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٨٧٥، ٨٧٦)، وانظر: معالم التنزيل: البغوي (٢/ ١٧٠)، وانظر: الناسخ والمنسوخ: قتادة (ص: ٣٩).","vol":"1","page":321},{"text":"والأنثى: من الفرائض» \" (^١).\nالعُليمي (^٢): \" ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ أي: فارْضَخُوا لهم من المال قبل القسمة، وحكمُ هذه الآية منسوخ\" (^٣).\nأصحاب القول الثاني:\nابن عباس ﵁: «إن ناسا يزعمون أن هذه الآية نسخت ولا والله ما نسخت ولكنها مما تهاون الناس هما واليان: والٍ يرث وذاك الذي يرزق ووالٍ لا يرث فذاك الذي يقول بالمعروف يقول: لا أملك لك أن أعطيك.» (^٤)، وبنحو ذلك روي عن أبي موسى الأشعري، ومن التابعين إبراهيم النخعي والشعبي والزهري ومجاهد والحسن وسعيد بن جبير (^٥).\nالقرطبي: القول بأن الآية محكمة أصح، فإنها مبينة استحقاق الورثة لنصيبهم، واستحباب المشاركة لمن لا نصيب له ممن حضرهم (^٦).\nابن نور الدين (^٧): \"جمهور أهل العلم كعائشةَ وأبي موسى: هي محكَمَةٌ غيرُ منسوخة وهو الصحيحُ في النقل عن ابن عباس رضي اللهـ تعالى عنهما\" (^٨).\nالشنقيطي: \"وآية القسمة ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ\n_________\n(^١) أحكام القرآن للشافعي: جمع البيهقي (١/ ١٤٧)، وانظر: الناسخ والمنسوخ: ابن حزم (ص: ٣١).\n(^٢) وهو: القاضي مُجِير الدين أبو اليُمن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن العمري العُلَيمي المقدسي الحنبلي، قرأ على علماء بلده وتفقّه، صنّف \"الأنس الجليل\" في أربعة أشهر، مات سنة: ٩٢٧ هـ. ينظر: سلم الوصول: حاجي خليفة (٢/ ٢٦٣).\n(^٣) فتح الرحمن: العليمي (٢/ ٩٠).\n(^٤) أخرجه البخاري، كتاب التفسير، باب قوله تعالى ﴿وإذا حضر القسمة أولو القربى﴾، برقم: (٢٧٥٩).\n(^٥) أخرج أقوالهم الطبري في تفسيره (٦/ ٤٣١ - ٤٣٦)، وانظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٨٧٤، ٨٧٥)، وانظر: الناسخ والمنسوخ: القاسم بن سلام (١/ ٢٩، ٣٠)، وانظر: معالم التنزيل: البغوي (٢/ ١٧٠).\n(^٦) الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (٦/ ٨٣).\n(^٧) وهو: محمد بن علي بن محمد بن علي، نور الدين ابن الشريف الجرجاني: فاضل، من أهل شيراز، نقل إلى العربية رسالة في المنطق كتبها أبوه بالفارسية، مات سنة ٨٣٨ هـ. ينظر: الأعلام: الزركلي (٦/ ٢٨٨).\n(^٨) تيسير البيان لأحكام القرآن: ابن نور الدين (٢/ ٢٤٩، ٢٥٠).","vol":"1","page":322},{"text":"فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ والصحيح فيها أيضا عدم النسخ\" (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-280> دراسة المسألة:</span>\nمن خلال الاستقراء والنظر في أقوال المفسرين من السلف ومن بعدهم في هذه المسألة، يظهر أن الصواب مع أصحاب القول الثاني وهو: أن الآية مُحكمة وليست منسوخة، وهو قول جمهور أهل العلم (^٢)، للأدلة التالية:\nأولا: فعل السلف ﵃ الذي يُفسر الآية بمشروعية إعطاء الفقراء والمساكين من مال الميراث:\nفقد روى ابن أبي حاتم أن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبى بكر الصديق قسم ميراث أبيه عبد الرحمن، وعائشة حية. فلم يدع في الدار مسكينا ولا ذا قرابة إلا أعطاه من ميراث أبيه وتلا هذه الآية: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى﴾ الآية (^٣).\nوقد أُثر عن بعض الصحابة والتابعين أنهم كانوا يرضخون للفقراء من الميراث ويأمرون به (^٤).\nثانيًا: أنه يشترط في الناسخ والمنسوخ اخلاف الحكمين: بحيث ينفي الأول الآخر والعكس، ويتعذر حملهما، فغير جائز أن يقال لحكم من الأحكام بأنه ناسخ لحكم آخر، أو منسوخ بحكم آخر، إلا والحكمان اللذان قضى لأحدهما بأنه ناسخ، والآخر بأنه منسوخ ناف كل واحد منهما صاحبه، غير جائز اجتماع الحكم بهما في وقت واحد بوجه من الوجوه، وإن كان جائزا صرفه إلى غير النسخ، أو يقوم بأن أحدهما ناسخ والآخر منسوخ\n_________\n(^١) أضواء البيان: الشنقيطي (٩/ ١٩٨)، وانظر: بيان الناسخ والمنسوخ: الشنقيطي (ص: ١٧٩).\n(^٢) نص على هذا مكي بن أبي طالب في الإيضاح (ص: ٢١٠)، وابن عاشور في التحرير والتنوير (٤/ ٢٥١).\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم عن الحسن بن أبي الربيع عن عبد الرزاق به، وهو بسنده ولفظه في تفسير عبد الرزاق وصححه الحافظ ابن حجر. ينظر: فتح الباري: ابن حجر (٨/ ٢٤٢)، وانظر: تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٣/ ٢٢) الحاشية.\n(^٤) انظر: جامع البيان: الطبري (٦/ ٤٣٣)، وانظر: الكشاف الزمخشري (١/ ٤٧٧)، وانظر: نواسخ القرآن: ابن الجوزي (٢/ ٣٤٣)، وانظر: مفاتيح الغيب: الرازي (٩/ ٥٠٤).","vol":"1","page":323},{"text":"حجة يجب التسليم لها (^١).\nثالثًا: أن الآية الكريمة لا تتعارض مع آية المواريث لأنها إنما تأمر بما يؤدى إلى التعاطف والتراحم بين الناس، وهذا أمر لا ينسخ، بل هو ثابت في كل زمان ومكان (^٢).\nرابعًا: أن المذكور في الآية للقرابة غير الوارثين، ليس هو من جملة الميراث، حتى يقال: إنها منسوخة بآية المواريث، إلا أن يقولوا: إن أولي القربى المذكورين هنا هم الوارثون كان للنسخ وجه (^٣).\nخامسًا: القائلون بالنسخ مجمعون- قولا واحدا- على أن هذه الآية منسوخة بآية المواريث. والقول بنسخ هذه الآية يسدّ على الفقراء والمساكين واليتامى بابا من أبواب الرحمة، أراد الله سبحانه أن يفتحه عليهم، كما أنه يقطع آصرة المودة بين ذوى القربى، التي أمر الله بها أن توصل (^٤).\nسادسًا: أن الذي يقول إنها منسوخة لا يخلو أمره من إحدى جهتين إما أن تكون كانت ندبا ثم نسخت وهذا محال لأن الندب إلى الخير لا ينسخ لأن نسخه معناه: [لا تفعلوا الخير] وهذا محال أو تكون كانت واجبة فنسخت وهذا أيضا لا يكون لأن قائله يقول إنه كان إذا حضر أولو القربى واليتامى والمساكين أعطوهم ولم يعطوا العصبة فنسخ ذلك بالفرض وهذا لم يعرف قط في جاهلية ولا إسلام (^٥).\nسابعًا: الذي يظهر من كلام المتقدمين أن النسخ عندهم في الإطلاق أعم منه في كلام الأصوليين، فقد يُطلقون على تقييد المطلق نسخًا، وعلى تخصيص العموم بدليل متصل أو منفصل نسخًا، وعلى بيان المبهم والمجمل نسخًا (^٦).\n_________\n(^١) انظر: جامع البيان: الطبري (٦/ ٤٣٨).\n(^٢) التفسير الوسيط: طنطاوي (٣/ ٥٤) بتصرف.\n(^٣) فتح القدير: الشوكاني (١/ ٤٩٣).\n(^٤) التفسير القرآني للقرآن: الخطيب (١/ ١٥٩).\n(^٥) الناسخ والمنسوخ: النحاس (ص: ٣٠٣)، بتصرف.\n(^٦) الموافقات: الشاطبي (٣/ ١٠٨). وانظر: قواعد الترجيح عند المفسرين: حسين الحربي (١/ ٦٩).","vol":"1","page":324},{"text":"قال الشاطبي: \"والجمع بين الآيتين ممكن لاحتمال حمل الآية على الندب، والمراد بأولي القربى: من لا يرث، بدليل قوله: ﴿وَإِذَا حَضَرَ﴾، فقيد - كما ترى - الرزق بالحضور، فدل أن المراد غير الوارثين، وبيَّن الحسن أن المراد الندب أيضًا بدليل آية الوصية والميراث، فهو من بيان المجمل والمبهم\" (^١).\nتنبيه:\nتعقيب القاسمي ﵀ على قول من قال بأن الآية منسوخة، ووصفُ قوله بالضعف وأنه لم يفهم سر الآية، مما لا ينبغي إذ في ظاهره القدح والانتقاص من قدر كبار التابعين القائلين به، وإن كان الحق معه.\n\n•<span data-type='title' id=toc-281> النتيجة:</span>\nمما تقدم يتبين أن الصواب في هذه المسألة مع أصحاب القول الثاني وهو: أن قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ ليس بمنسوخ بل هو نص مُحكم، يُفيد إعطاء الفقراء والمساكين ما تيسر من مال الميراث رفقًا بهم وجبرًا لخواطرهم، لما تقدم ذكره من الأدلة، وعليه جمع من السلف، ومن بعدهم من العلماء والمُفسرين، والجمع بين الأدلة مُقدم على النسخ كما هو مقرر عند أهل العلم، والله أعلم.\n_________\n(^١) الموافقات: الشاطبي (٣/ ٣٥٠، ٣٥١).","vol":"1","page":325},{"text":"<span data-type='title' id=toc-282>٣٥ - قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧)﴾ [سورة النساء: ١٧].</span>\nقال القاسمي: ما ذكره كثير من المفسرين من أن المراد من قوله تعالى: ﴿مِنْ قَرِيبٍ﴾ ما قبل حضور الموت- بعيد من لفظ الآية وسرها التي أرشدت إليه. أعني البدار إلى التوبة قبل أن تعمل سموم الذنوب بروح الإيمان، عياذًا بالله تعالى (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-283> أقوال أهل العلم في المراد من قوله تعالى: ﴿مِنْ قَرِيبٍ﴾:</span>\nالقول الأول: أن المراد: ما قبل حضور الموت.\nالقول الثاني: أن المراد: وقت الاحتضار والغرغرة.\nأصحاب القول الأول:\nالزمخشري: \" ﴿مِنْ قَرِيبٍ﴾ أى: من زمان قريب. والزمان القريب: ما قبل حضرة الموت ألا ترى إلى قوله ﴿حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾. فبين أن وقت الاحتضار هو الوقت الذي لا تقبل فيه التوبة، فبقى ما وراء ذلك في حكم القريب\" (^٢).\nالبيضاوي: \" ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ من زمان قريب، أي قبل حضور الموت لقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ \" (^٣).\nأبو السعود: \" ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ أي من زمان قريب وهو ما قبل حضور الموت كما ينبى عنه ما سيأتي من قوله تعالى ﴿حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ﴾ فإنه صريح\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (٥/ ١١٥٥).\n(^٢) الكشاف: الزمخشري (١/ ٤٨٨، ٤٨٩)، وانظر: مدارك التنزيل: النسفي (١/ ٣٤٢).\n(^٣) أنوار التنزيل: البيضاوي (٢/ ٦٥).","vol":"1","page":326},{"text":"في أن وقت الاحتضار هو الوقت الذي لا تقبل فيه التوبة فبقي ما وراءه في حيز القبول\" (^١).\nأصحاب القول الثاني:\nالطبري: \"وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: تأويله ثم يتوبون قبل مماتهم في الحال التي يفهمون فيها أمر الله ﵎ ونهيه، وقبل أن يغلبوا على أنفسهم وعقولهم، وقبل حال اشتغالهم بكرب الحشرجة وغم الغرغرة، فلا يعرفوا أمر الله ونهيه، ولا يعقلوا التوبة\" (^٢).\nابن كثير: \"يقول تعالى: إنما يتقبل الله التوبة ممن عمل السوء بجهالة، ثم يتوب ولو قبل معاينة الملك لقبض روحه قبل الغرغرة\" (^٣).\nالبقاعي: \" ﴿أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ﴾ أي بأن وصل إلى حد الغرغرة، وهي حالة المعاينة\" (^٤).\n\n•<span data-type='title' id=toc-284> دراسة المسألة:</span>\nذكر القاسمي ﵀ في تفسير هذه الآية أن المراد من قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ أي: من زمان قريب. وظاهر الآية اشتراط وقوع التوبة عقب المعصية بلا تراخ. وإنها بذلك تنال درجة قبولها المحتم تفضلا. إذ بتأخيرها وتسويفها يدخل في زمرة المصرين. فيكون في الآية إرشاد إلى المبادرة بالتوبة عقب الذنب. والإنابة إلى المولى بعده فورا. ووجوب التوبة على الفور مما لا يستراب فيه. إذ معرفة كون المعاصي مهلكات من نفس الإيمان. وهو واجب على الفور (^٥).\nولعل الأقرب إلى الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني، وهو أن المراد من قوله تعالى: ﴿مِنْ قَرِيبٍ﴾ وقت الاحتضار والغرغرة، وذلك من أوجه:\n_________\n(^١) إرشاد العقل السليم: أبو السعود (٢/ ١٥٦).\n(^٢) جامع البيان: الطبري (٦/ ٥١٥).\n(^٣) تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٣/ ٣٧).\n(^٤) نظم الدرر: البقاعي (٥/ ٢٢١، ٢٢٢).\n(^٥) محاسن التأويل: القاسمي (٥/ ١١٥٤، ١١٥٥).","vol":"1","page":327},{"text":"الوجه الأول: أن سياق الآية التي بعدها يدل على أن وقت عدم قبول التوبة هو وقت الاحتضار وليس وقت ما قبل حضور الموت.\nقال القاسمي: (فإن قيل): من أين يستفاد قبول التوبة قبل حضور الموت؟ (قلنا) يستفاد من الآية التي بعدها، ومن الأحاديث الوافرة في ذلك. لا من قوله تعالى ﴿مِنْ قَرِيبٍ﴾ بما أولوه.\nوذلك لأن الآية الثانية وهي قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ صريحة في أن وقت الاحتضار هو الوقت الذي لا تقبل فيه التوبة. فبقي ما وراءه في حيّز القبول (^١).\nالوجه الثاني: دلالة السنة النبوية على أن وقت عدم قبول التوبة: وقت الاحتضار والغرغرة، فقد وردت أحاديث عديدة تدل على ذلك:\nمنها: ما رواه الإمام أحمد عن ابن عمر عن النبيّ ﷺ قال: \"إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر\" (^٢). ورواه ابن ماجة والترمذيّ وقال: حسن غريب.\nومنها: ما رواه أبو داود الطيالسيّ عن عبد الله بن عمرو قال: \"من تاب قبل موته بعام تيب عليه. ومن تاب قبل موته بيوم تيب عليه. ومن تاب قبل موته بساعة تيب عليه. (قال أيوب). فقلت له إنما قال الله ﷿: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾. فقال: إنما أحدثك ما سمعت من رسول الله ﷺ \" (^٣).\nومنها: ما رواه مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه\" (^٤).\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (٥/ ١١٥٥).\n(^٢) أخرجه في مسنده (١٠/ ٣٠٠)، برقم: (٦١٦٠)، قال محققوا المسند: إسناده حسن.\n(^٣) أخرجه في مسنده (٤/ ٤١) برقم: (٢٣٩٨). وروى نحوه الإمام أحمد في مسنده (١١/ ٥١٧)، برقم: (٦٩٢٠) قال محققوا المسند: حسن لغيره.\n(^٤) أخرجه مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب استحباب الاستغفار والاستكثار منه، برقم: (٢٧٠٣).","vol":"1","page":328},{"text":"الوجه الثالث: أن التوبة لا تكون توبة إلا ممن ندمٍ على ما سلف منه، وعزمٍ منه على ترك المعاودة، وهو يعقل الندم، ويختار ترك المعاودة: فأما إذا كان بكرب الموت مشغولا وبغمّ الحشرجة مغمورًا، فلا إخالُه إلا عن الندم على ذنوبه مغلوبًا. ولذلك قال من قال: \"إن التوبة مقبولة، ما لم يغرغر العبد بنفسه\"، فإن كان المرء في تلك الحال يعقل عقلَ الصحيح، ويفهم فهم العاقل الأريب، فأحدث إنابة من ذنوبه، ورجعةً من شروده عن رَبه إلى طاعته، كان إن شاء الله ممن دخل في وعد الله الذي وعد التائبين إليه من إجرامهم من قريب بقوله: \"إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب\" (^١).\nالوجه الرابع: أن قرب الموت لا يمنع من قبول التوبة، بل المانع من قبول التوبة مشاهدة الأحوال التي عندها يحصل العلم بالله تعالى على سبيل الاضطرار، وإنما قلنا إن نفس القرب من الموت لا يمنع من قبول التوبة لوجوه:\nالأول: أن جماعة أماتهم الله تعالى ثم أحياهم مثل قوم من بني إسرائيل، ومثل أولاد أيوب ﵇، ثم إنه تعالى كلفهم بعد ذلك الإحياء، فدل هذا على أن مشاهدة الموت لا تخل بالتكليف.\nالثاني: أن الشدائد التي يلقاها من يقرب موته تكون مثل الشدائد الحاصلة عند الْقُولَنْجُ (^٢)، ومثل الشدائد التي تلقاها المرأة عند الطلق أو أزيد منها، فإذا لم تكن هذه الشدائد مانعة من بقاء التكليف فكذا القول في تلك الشدائد.\nالثالث: أن عند القرب من الموت إذا عظمت الآلام صار اضطرار العبد أشد وهو تعالى يقول: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ [سورة النمل: ٦٢] فتزايد الآلام في ذلك الوقت بأن يكون سببا لقبول التوبة أولى من أين يكون سببا لعدم قبول التوبة، فثبت بهذه الوجوه أن نفس القرب من الموت ونفس تزايد الآلام والمشاق، لا يجوز أن يكون مانعا من\n_________\n(^١) جامع البيان: الطبري (٦/ ٥١٥).\n(^٢) الْقُولَنْجُ: مرض مِعَوِيُّ مُؤْلِمٌ، يَعْسُرُ معه خروج الثُّفْلِ والريح. ينظر: القاموس المحيط: الفيروز آبادي (ص: ٢٠٣).","vol":"1","page":329},{"text":"قبول التوبة (^١).\nقال الشيخ محمد رشيد رضا: \"ذهب جمهور المفسرين إلى تفسير الزمن القريب بما قبل حضور الموت، واحتجوا على ذلك بالآية الثانية التي تنفي قبول توبة الذين يتوبون إذا حضر أحدهم الموت. وليس ذلك بحجة لهم، لأن الظاهر أن هذه الآية بينت الوقت الذي تقبل فيه التوبة من كل مذنب حتما، والآية الثانية بينت الوقت الذي لا تقبل فيه توبة مذنب قط، وما بين الوقتين مسكوت عنه، وهو محل الرجاء والخوف، فكلما قرب وقت التوبة من وقت اقتراف الذنب كان الرجاء أقوى، وكلما بعد الوقت بالإصرار، وعدم المبالاة، والتسويف كان الخوف من عدم القبول هو الأرجح، لأن الإصرار قد ينتهي قبل حضور الموت بالرين، والختم، وإحاطة الخطيئة\" (^٢).\nتنبيه:\nالذي يظهر لي والله أعلم أن ما ذهب جماعة من السلف كالضحاك وعكرمة وابن زيد من أن المراد: ثم يتوبون من قبل الموت (^٣). وما ذهب إليه ابن عباس ﵁ في رواية أخرى وأبي مجلز ومحمد بن قيس والضحاك في رواية إلى أن المراد من القريب في قوله تعالى: ﴿مِنْ قَرِيبٍ﴾ أي: يتوبون من قبل معاينة مَلَك الموت (^٤).\nأنه لا تعارض بينهما، لدلالة قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [سورة المؤمنون: ٩٩] وجميع الأحاديث المُتقدمة التي أوردها القاسمي ﵀ يُمكن أن يُستدل بها على أن المراد من قبول التوبة: ما قبل حضور الموت لأنه يكون في الغالب قبل وقت الغرغرة ومُعاينة ملك الموت.\n_________\n(^١) مفاتيح الغيب: الرازي (١٠/ ٩).\n(^٢) تفسير المنار: محمد رشيد رضا (٤/ ٣٦١).\n(^٣) أخرجه أقوالهم ابن جرير الطبري في تفسيره (٦/ ٥١٣).\n(^٤) أخرجه أقوالهم ابن جرير الطبري في تفسيره (٦/ ٥١٢).","vol":"1","page":330},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-285> النتيجة:</span>\nبعد عرض ما تقدم من الأقوال يظهر أن الأقرب للصواب أن يقال: أن وقت التوبة ممتد إلى وقت حضور الموت وليس قبله، لما تقدم ذكره من الأدلة والأوجه الدالة على ذلك، وإن كان الظاهر أنه لا تعارض بين الأقوال، والله أعلم.","vol":"1","page":331},{"text":"<span data-type='title' id=toc-286>٣٦ - قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠)﴾ [سورة النساء: ٢٠].</span>\nقال القاسمي: لو زعم القائل بالنسخ أن قوله: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ﴾، عام في المخلوعة ومن أُريد طلاقها- نقول هذا باطل وفاسد. لأن مورد الآية في إرادته، هو فراقها مبتدئا. فلا يصْدُق على المختلعة. لأنه لا يراد الاستبدال بغيرها ابتداء من جانب الزوج. وبالجملة فكل من قرأ صدر الآيتين على أن كلا في حكم على حدة. لا تعلق فيها له بالآخر. والنسخ لا يُصار إليه بالرأي. وقد كثُر في المتأخرين دعوى النسخ في الآيات هكذا بلا استناد قوي. بل لما يتراءى ظاهرا بلا إمعان. فتثبت هذا (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-287> أقوال أهل العلم في الخلع الذي يترتب عليه استحقاق الزوج قيمة المهر الذي دفعه لزوجته، الذي جاء بيانه في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [سورة البقرة: ٢٢٩] من حيث الإحكام والنسخ:</span>\nالقول الأول: أن استحقاق قيمة المهر في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ منسوخ بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ﴾.\nالقول الثاني: عكس الأول وهو: أن قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ﴾ الآية، منسوخ بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾.\nالقول الثالث: أنه لا نسخ في الآيتين، فكُلا من الآيتين له حكم مختلف.\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (٥/ ١١٧٠).","vol":"1","page":332},{"text":"أصحاب القول الأول:\nبكر بن عبد الله المزني (^١): سأله عقبة بن أبي الصهباء (^٢) عن رجل تريد امرأته منه الخلع، قال: لا يحل له أن يأخذ منها شيئا. قلت: يقول الله تعالى ذكره في كتابه: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ قال: هذه نسخت. قلت: فإني حفظت؟ قال: حفظت في سورة النساء قول الله تعالى ذكره: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ (^٣).\nأصحاب القول الثاني:\nابن زيد: قوله: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ قال: «ثم رخص بعد» فقال: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ قال: «فنسخت هذه تلك» \" (^٤).\nأصحاب القول الثالث:\nالطبري: \"وأولى الأقوال بالصواب في ذلك قول من قال: إنها محكمة غير منسوخة، وغير جائز للرجل أخذ شيء مما آتاها إذا أراد طلاقها من غير نشوز كان منها، ولا ريبة أتت بها\" (^٥).\n_________\n(^١) وهو: بكر بن عبد الله المزني البصري أحد الأعلام روى عن المغيرة بن شعبة وابن عباس وابن عمر وأنس وأبي رافع وجماعة وروى له البخاري ومسلم وأبو داود، مات سنة ١٠٦ هـ. ينظر: الوافي بالوفيات: الصفدي (١٠/ ١٣٠)\n(^٢) وهو: عقبة بن أبي الصهباء، أبو خريم الباهلي، مولاهم، البصري، سمع من الحسن، وابن سيرين، وسالم بن عبد الله، ونافعا، وغيرهم، وثَّقه ابن معين، وقال أحمد بن حنبل: صالح الحديث، مات سنة: ١٧٠ هـ. ينظر: تاريخ الإسلام: الذهبي (٤/ ٤٥٩).\n(^٣) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٤/ ١٦١). وفي التحصيل للمهدوي أن بكر بن عبد الله المُزني قال بأنها ناسخة لآية البقرة. ينظر: التحصيل (١/ ٥٢١).\n(^٤) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٦/ ٥٤٧).\n(^٥) جامع البيان: الطبري (٦/ ٥٤٧).","vol":"1","page":333},{"text":"النحاس (^١): \"وهذا قول شاذ خارج عن الإجماع وليس إحدى الآيتين رافعة للأخرى فيقع النسخ\" (^٢).\nالجصاص (^٣): \" ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ ومن الناس من يقول إنها منسوخة بقوله: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ﴾ وذلك غلط\" (^٤).\nابن عطية: \" وليس في شيء من هذه الآيات ناسخ ولا منسوخ، وكلها ينبني بعضها مع بعض\" (^٥).\n\n•<span data-type='title' id=toc-288> دراسة المسألة:</span>\nبعد التأمل والنظر في أقوال المفسرين وما ذكروه من أدلة في هذه المسألة، يظهر أن الصواب مع أصحاب القول الثالث، وهو: أن كلا الآيتين من قبيل المحكم ولا نسخ فيه، وأن استحقاق الزوج لقيمة المهر من المختلعة ثابت، وذلك لدلالة الكتاب والسنة والاجماع:\nأولا: من الكتاب: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [سورة البقرة: ٢٢٩] وهو صريح في أن الزوجة إذا كرهت خلق زوجها أو خلقه أو نقص دينه أو خافت إثما بترك حقه، أبيح لها أن تفتدي منه وحلّ له أخذ الفداء مما آتاها، لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ إلخ (^٦).\n_________\n(^١) وهو: العلامة، إمام العربية، أبو جعفر أحمد بن محمد بن إسماعيل المصري النحوي، صاحب التصانيف، أخذ عن الزجاج، وكان ينظر في زمانه بابن الأنباري، وبنفطويه للمصريين مات سنة ٨٣٨ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء: الذهبي (١٥/ ٤٠١).\n(^٢) الناسخ والمنسوخ: النحاس (ص: ٢٢٥).\n(^٣) وهو: أحمد بن علي، أبو بكر الرازي الفقيه الجصاص، إمام أصحاب الرأي في وقته، كان مشهورا بالزهد والورع، ورد بغداد في شبيبته ودرس الفقه، حتى انتهت إليه الرياسة، مات سنة ٣٧٠ هـ. ينظر: تاريخ بغداد: الخطيب البغدادي (٥/ ٧٣).\n(^٤) أحكام القرآن: الجصاص (٣/ ٤٩).\n(^٥) المحرر الوجيز: ابن عطية (٣/ ٨٤).\n(^٦) محاسن التأويل: القاسمي (٥/ ١١٦٩).","vol":"1","page":334},{"text":"ثانيًا: من السنة: ما رواه البخاري وغيره، وهو قوله ﷺ لامرأة ثابت: «أتردّين عليه حديقته! فقالت: نعم. فقال ﷺ لزوجها: اقبل الحديقة وطلقها» (^١).\nفهذا الحديث صريح في مشروعية الخلع، وأن للزوج استرداد ما دفعه من صداق أو مهر.\nثالثًا: من الإجماع: فقد حكاه غير واحد من أهل العلم.\nقال ابن جرير: فأما ما قاله بكر بن عبد الله من أن هذا الحكم في جميع الآية منسوخ بقوله: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [سورة النساء: ٢٠] فقول لا معنى له، فنتشاغل بالإنابة عن خطئه لإجماع الجميع من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم من المسلمين، على تخطئته وإجازة أخذ الفدية من المفتدية نفسها لزوجها، وفي ذلك الكفاية عن الاستشهاد على خطئه بغيره (^٢).\nرابعًا: أن قوله تعالى في البقرة: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [سورة البقرة: ٢٢٩]- صريح في أن الزوجة إذا كرهت خلق زوجها أو خلقه أو نقص دينه أو خافت إثما بترك حقه، أبيح لها أن تفتدي منه وحلّ له أخذ الفداء مما آتاها، لقوله تعالى ثمّ: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ إلخ. والحكمة في حل الأخذ ظاهرة. وهي جبر الزوج مما لحقه من ضعة اختلاعها له وهيمنتها حينئذ عليه، واسترداد ما لو أخذ منه، لكان في صورة المظلوم. لأنه لم يجنح للفراق ولا رغب فيه. فكان من العدل الإلهيّ أن لا يجمع عليه بين خسارتي التمتع والمال. وأما هذه الآية فهي في حكم آخر. وهو ما إذا أراد استبدال زوجته لطموح بصره إلى غيرها من غير أن تفتدي منه، أو ترغب في خلع نفسها منه، فيضن بما آتاها ويأسف لأن تحوزه وهو لا يريدها وليس لها في نفسه وقع، فعزم عليه أن لا يأخذ مما أصدقها شيئا قط بعد الإفضاء. لأنه لو أبيح له الأخذ\n_________\n(^١) أخرجه البخاريّ: كتاب الطلاق، باب صداق الملاعنة، برقم: (٢١٦٤).\n(^٢) جامع البيان: الطبري (٤/ ١٦٢).","vol":"1","page":335},{"text":"حينئذ لكان ظلما واضحا. لأنه أخذ بلا جريرة منها. فكان في إبقاء ما في يدها مما آتاها جبر لما نابها من ألم الإعراض عنها واطراحها، رحمة منه تعالى، وعدلا في القضيتين. فالقائل بالنسخ فاته سر الحكمين\" (^١).\nخامسًا: أن قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾ يُحمل على المضاجرة والتضييق من قِبل الزوج، ليحمل الزوجة على الافتداء منه وإعطاؤه الصداق أو شيئًا منه، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [سورة النساء: ١٩] فأما إن وهبته المرأة شيئا عن طيب نفس منها. فقد قال تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [سورة النساء: ٤] وأما إذا تشاقق الزوجان، ولم تقم المرأة بحقوق الرجل وأبغضته ولم تقدر على معاشرته، فلها أن تفتدي منه بما أعطاها، ولا حرج عليها في بذلها، ولا عليه في قبول ذلك منها؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ الآية (^٢).\nسادسًا: أن الآية التي في سورة النساء إنما حرم الله فيها على زوج المرأة أن يأخذ منها شيئا مما آتاها، بأن أراد الرجل استبدال زوج بزوج من غير أن يكون هنالك خوف من المسلمين عليهما بمقام أحدهما على صاحبه أن لا يقيما حدود الله، ولا نشوز من المرأة على الرجل. وإذا كان الأمر كذلك، فقد ثبت أن أخذ الزوج من امرأته مالا على وجه الإكراه لها والإضرار بها حتى تعطيه شيئا من مالها على فراقها حرام، ولو كان ذلك حبة فضة فصاعدا، وأما الآية التي في سورة البقرة، فإنها إنما دلت على إباحة الله تعالى ذكره له أخذ الفدية منها في حال الخوف عليهما أن لا يقيما حدود الله بنشوز المرأة، وطلبها فراق الرجل، ورغبته فيها (^٣).\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (٥/ ١١٦٩).\n(^٢) انظر: جامع البيان: الطبري (٤/ ١٦٢)، وانظر: الناسخ والمنسوخ: ابن العربي (٢/ ٩٤)، وانظر: تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٢/ ١٧٩) بتصرف.\n(^٣) انظر: جامع البيان: الطبري (٤/ ١٦٢).","vol":"1","page":336},{"text":"سابعًا: أن النسخ يقع إذا كان هناك نفي ورفع للحكم المتقدم، بحكم متأخر يُنافي المتقدم، ولا نفي هنا بين الآيتين حتى يُقال بالنسخ.\nقال ابن جرير الطبري ﵀ بعد إيراده لأقوال السلف في الآية: \"وأولى الأقوال بالصواب في ذلك، قولُ من قال: \"إنها محكمة غير منسوخة\"، وغير جائز للرجل أخذ شيء مما آتاها، إذا أراد طلاقها من غير نشوز كان منها، ولا ريبة أتت بها. وذلك أن الناسخ من الأحكام، ما نَفَى خلافه من الأحكام، على ما قد بيَّنا في سائر كتبنا. (^١) وليس في قوله: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ﴾، نَفْي حكمِ قوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾. لأن الذي حرَّم الله على الرجل بقوله: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾، أخذُ ما آتاها منها إذا كان هو المريدَ طلاقَها. وأما الذي أباح له أخذَه منها بقوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾، فهو إذا كانت هي المريدةَ طلاقَه وهو له كاره، ببعض المعاني التي قد ذكرنا في غير هذا الموضع. وليس في حكم إحدى الآيتين نفي حكم الأخرى.\nوإذ كان ذلك كذلك، لم يجز أن يُحكم لإحداهما بأنها ناسخة، وللأخرى بأنها منسوخة، إلا بحجة يجبُ التسليم لها (^٢).\nثامنًا: أن من المفسرين من قال أن قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ﴾ نزلت في الرجل يريد أن يفارق امرأته ويكره أن يصل إليها ما فرض لها من المهر فلا يزال يتبعها بالأذى حتى ترد عليه ما أعطاها لتخلص منه. فنهى الله تعالى عن ذلك، فأما آية الخلع فلا تعلق لها بشيء من ذلك (^٣).\nفمما تقدم يتبين من الأوجه التي ذكرها أهل العلم من المفسرين ضعف قول من قال بأن الآية ناسخة لآية البقرة، فكُلًا من الآيتين له حكم مُستقل.\n_________\n(^١) يُريد الطبري ﵀ ما قاله في تفسيره في\"النسخ\" فيما سلف (٣/ ١٢٤)، (٤/ ١٦٣)، (٥/ ٨٧).\n(^٢) جامع البيان: الطبري (٦/ ٥٤٨)، وانظر: أحكام القرآن: الجصاص (٣/ ٤٩).\n(^٣) نواسخ القرآن: ابن الجوزي (ص: ٨١).","vol":"1","page":337},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-289> النتيجة:</span>\nمن خلال عرض ما تقدم في هذه المسألة يتبين أنه لا وجه للنسخ في قوله: ﴿فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ بقوله تعالى: ﴿فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ والعكس كذلك، وأن كلا من الآيتين سيق لحكم مخصوص فيُحمل على المحكم، لما تقدم من أقوال الأعلام من المفسرين الذين نصوا على بطلان القول بالنسخ، وما تقدم ذكره من الأدلة، والله أعلم.","vol":"1","page":338},{"text":"<span data-type='title' id=toc-290>٣٧ - قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ [سورة النساء: ٢٤].</span>\nقال القاسمي: قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ عام مخصوص بمحرمات أخر دلت عليها دلائل أخر. وإنما أوردنا هذا تزييفا لزعم الخوارج أن حديث (لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها) المروي في الصحيحين وغيرهما، خبر واحد. وتخصيص عموم القرآن بخبر الواحد لا يجوز (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-291> أقوال أهل العلم في الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها في النكاح:</span>\nالقول الأول: تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها في النكاح.\nالقول الثاني: جواز الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها في النكاح.\nأصحاب القول الأول: المفسرون من أهل السنة وغيرهم.\nالبغوي: \"وكذلك لا يجوز أن يجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها\" (^٢).\nالبيضاوي: \" ﴿مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ ما سوى المحرمات الثمان المذكورة. وخص عنه بالسنة ما في معنى المذكورات كسائر محرمات الرضاع، والجمع بين المرأة وعمتها وخالتها\" (^٣).\nالشوكاني: \"وألحقت السنة المتواترة تحريم الجمع بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها\" (^٤).\nالسعدي: \"ذكر الله الجمع بين الأختين وحرمه وحرم النبي ﷺ الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها، فكل امرأتين بينهما رحم محرم لو قدر إحداهما ذكرًا والأخرى أنثى\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (٥/ ١١٨٦).\n(^٢) معالم التنزيل: البغوي (٢/ ١٩١).\n(^٣) أنوار التنزيل: البيضاوي (٢/ ٦٨).\n(^٤) فتح القدير: الشوكاني (١/ ٥١١).","vol":"1","page":339},{"text":"حرمت عليه فإنه يحرم الجمع بينهما، وذلك لما في ذلك من أسباب التقاطع بين الأرحام\" (^١).\nأصحاب القول الثاني: طائفة من الشيعة والخوارج.\nيقول الرازي: \"وزعم الخوارج أن حديث: «لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها» خبر واحد، وتخصيص عموم القرآن بخبر الواحد لا يجوز\" (^٢).\nويقول أبو حيان: \"استدلت الخوارج ومن وافقهم من الشيعة على جواز نكاح المرأة على عمتها وعلى خالتها، والجمع بينهما\" (^٣).\nويقول القرطبي: \"وأجاز الخوارج الجمع بين الأختين وبين المرأة وعمتها وخالتها ولا يعتد بخلافهم لأنهم مرقوا من الدين\" (^٤).\n\n•<span data-type='title' id=toc-292> دراسة المسألة:</span>\nالناظر في الأدلة وأقوال أهل العلم في هذه المسألة، يجد أنه لا شك في أن الصواب ما عليه أصحاب القول الأول وهو: تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها في النكاح، لدلالة الكتاب والسنة والإجماع.\nفمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [سورة النساء: ٢٣].\nووجه الدلالة: أن تحريم الجمع بين المرأة وعمتها وخالتها متلقى من الآية نفسها، لأن الله تعالى حرم الجمع بين الأختين، والجمع بين المرأة وعمتها في معنى الجمع بين الأختين، أو لأن الخالة في معنى الوالدة والعمة في معنى الوالد (^٥).\nأو يقال: أن قوله: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ يدل على كون القرابة\n_________\n(^١) تيسير الكريم الرحمن: السعدي (ص: ١٧٣).\n(^٢) مفاتيح الغيب: الرازي (١٠/ ٣٦) بتصرف.\n(^٣) البحر المحيط: أبو حيان (٦/ ٥٥٦).\n(^٤) الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (٦/ ٢٠٧).\n(^٥) انظر: أحكام القرآن: ابن الفرس (٢/ ١٣٠)، وانظر: الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (٦/ ٢٠٥، ٢٠٦).","vol":"1","page":340},{"text":"القريبة مانعة من الجمع في النكاح، وهذا المعنى حاصل بين المرأة وعمتها أو خالتها، فكان الحكم المذكور في الأختين مذكورا في العمة والخالة من طريق الدلالة، بل هاهنا أولى، وذلك لأن العمة والخالة يشبهان الأم لبنت الأخ ولبنت الأخت، وهما يشبهان الولد للعمة والخالة، واقتضاء مثل هذه القرابة لترك المضارة أقوى من اقتضاء قرابة الأختية لمنع المضارة، فكان قوله: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ مانعا من العمة والخالة بطريق الأولى (^١).\nومن السنة: ما أخرجه البخاري في صحيحه من حديث جابر ﵁، قال: \"نهى رسول الله ﷺ أن تنكح المرأة على عمتها أو خالتها\" (^٢).\nفوجب أن يكون هذا الحديث مضموما إلى الآية فيكون قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ مستعملا فيمن عدا الأختين وعدا من بين النبي ﷺ تحريم الجمع بينهن (^٣).\nوأما الإجماع: فقد حكاه غير واحد من أهل العلم.\nقال ابن المنذر: \"وأجمعوا على أن لا تنكح المرأة على عمتها، ولا على خالتها: لا الكبرى على الصغرى ولا الصغرى على الكبرى\" (^٤).\nوقال ابن عطية: \"ثبت عن النبي ﷺ أنه نهى أن يجمع بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها، وأجمعت الأمة على ذلك\" (^٥).\nالجواب عن الشبهة التي احتج بها طائفة من الشيعة والخوارج على جواز الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها:\nمن مفاسد هذا القول أن ظاهره يوهم وقوع التناقض في الأحكام الشرعية. وهذا محال\n_________\n(^١) مفاتيح الغيب: الرازي (١٠/ ٣٧).\n(^٢) أخرجه البخاريّ: كتاب النكاح، باب لا تنكح المرأة على عمتها، برقم: (٥١٠٨).\n(^٣) أحكام القرآن: الجصاص (٣/ ٧٩)، بتصرف.\n(^٤) الإجماع: ابن المنذر (ص: ٩١)، وانظر: أحكام القرآن: الكيا الهراسي (٢/ ٤٠٤).\n(^٥) المحرر الوجيز: ابن عطية (٣/ ٩٤). وانظر: الاستذكار (١٦/ ١٦٨)، وانظر: الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (٦/ ٢٠٦). وانظر: التوضيح: ابن الملقن (٢٤/ ٣٣١).","vol":"1","page":341},{"text":"في الشريعة الإسلامية، إذا كيف يجيز الله تعالى في كتابه حُكمًا من الأحكام ويُحرِّمه نبيه ﷺ.\nوما هذا إلا لفساد طريقة هؤلاء القوم الذين نظروا إلى النصوص الشرعية بعين عوراء، فأخذوا منها ما يُوافق أهوائهم، وضربوا بما لا يوافق أهواءهم عرض الحائط، ولم يجتهدوا بالجمع بينهما بحمل الخاص على العام، وما يقرره أهل العلم في تأويلها، وتهوينهم من شأن وقدر خبر الآحاد وظنهم أنه لا يرتقي إلى درجة تخصيص عموم القرآن، وليس المقام هنا أن تورد الأدلة والنقولات التي تدل على حجية خبر الآحاد.\nوالجواب عن شبهتهم من أوجه:\nالأول: أن حديث: «لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها» بلغ في الشهرة مبلغ التواتر، وتخصيص عموم القرآن بخبر المتواتر جائز (^١). عند من يشترط التواتر.\nالثاني: أن تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد جائز عند جمهور أهل العلم.\nقال الحافظ النووي: \"قالت طائفة من الخوارج والشيعة يجوز واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ واحتج الجمهور بهذه الأحاديث خصوا بها الآية، والصحيح الذي عليه جمهور الأصوليين جواز تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد لأنه ﷺ مبين للناس ما أنزل إليهم من كتاب الله\" (^٢).\nالثالث: أنه قد دخلت تخصيصات أخرى من السنة في قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ كتخصيص تحريم زواج المتلاعنان الوارد في قوله ﵊: «المتلاعنان لا يجتمعان أبدا» (^٣)، فلا يُقال أنهما يجتمعان لعموم قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾.\n_________\n(^١) مفاتيح الغيب: الرازي (١٠/ ٣٨).\n(^٢) شرح النووي على صحيح مسلم (٩/ ١٩١).\n(^٣) أخرجه الدارقطني في سننه، كتاب، باب المهر، برقم: (٣٧٠٦)، وأورده الألباني في السلسلة الصحيحة (٥/ ٥٩٨) برقم: (٢٤٦٥).","vol":"1","page":342},{"text":"الرابع: مما يدل على جواز تخصيص عموم المتواتر، بأخبار الآحاد: أن التخصيص بيان، والبيان يجوز بكل ما يزيل اللبس، ولذا كان جمهور العلماء على جواز بيان المتواتر، بأخبار الآحاد، كتخصيص عموم: وأحل لكم ما وراء ذلكم، وهو متواتر بحديث: «لا تنكح المرأة على عمتها أو خالتها»، وهو خبر آحاد (^١).\nالخامس: أن الصحابة ﵃ أجمعوا على تخصيص القرآن بخبر الواحد، ولم يُخالف منهم أحد، فكان إجماعًا (^٢).\nتنبيهان:\nالأول: بعض أهل العلم ومن المُفسرين شنَّع على قول من أجاز الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها في النكاح ووصفه بالشذوذ والضلال أو البدعة، كالجصاص (^٣)، وابن قدامة (^٤)، والبهوتي (^٥).\nالثاني: لم أجد في تفاسير الخوارج كتفسير كتاب الله العزيز لهود بن مُحَكَّم الهُوَّاري، وتفسير هميان الزاد لمحمد إطفيش الوهبى، القول بجواز الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها في النكاح، ولعل زعم الخوارج الذي أورده القاسمي ﵀، مما نُقل عنهم، أو لعله قول طائفة منهم، والله أعلم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-293> النتيجة:</span>\nبعد عرض ما تقدم في هذه المسألة، يتبين جليًا أن الحق مع أصحاب القول الأول، وهو: تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها في النكاح، لما تقدم من أقوال أهل العلم، والأدلة من الكتاب والسنة والإجماع، والأوجه التي تبين بطلان ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني.\n_________\n(^١) انظر: أضواء البيان: الشنقيطي (٥/ ١٦٢).\n(^٢) انظر: المستصفى: الغزالي (ص: ٢٤٨)، وانظر: المحصول: الرازي (٣/ ٨٦).\n(^٣) انظر: أحكام القرآن: الجصاص (٣/ ٧٩)، وبنحو ذلك قال في كتابه: الفصول في الأصول (١/ ١٧٩)\n(^٤) انظر: المغني: ابن قدامة (٧/ ١١٥)\n(^٥) انظر: كشاف القناع: البهوتي (٥/ ٧٤).","vol":"1","page":343},{"text":"<span data-type='title' id=toc-294>٣٨ - قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [سورة النساء: ٢٥].</span>\nقال القاسمي بعد بيان معنى الآية: وما ذكرناه هو المطابق لمعنى الآية. ولا يخلو ما عداه عن تكلف لا يساعده نظم الآية (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-295> أقوال أهل العلم في اشتراط عدم ملك الصداق لمن يريد نكاح الأمة:</span>\nالقول الأول: يشترط لمن يريد نكاح الأمة أن لا يجد سعة وصداقًا لنكاح الحرة.\nالقول الثاني: عدم اشتراط ذلك، فيجوز أن ينكح الأمة مع الغنى وملك صداق الحرة.\nأصحاب القول الأول:\nابن عباس ﵁: قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ يقول: «من لم يكن له سعة» وبنحو ذلك روي عن مجاهد، وسعيد بن جبير، والسدي، وابن زيد (^٢).\nالإمام مالك: \"والطول عندنا المال، فمن لم يستطع الطول وخشي العنت فقد أرخص الله له في نكاح الأمة المؤمنة\" (^٣).\nالإمام الشافعي: \"وفي إباحة اللَّه الإماء المؤمنات على ما شرط، لمن لم يجد طولًا، وخاف العنت، دلالة - واللَّه تعالى أعلم - على تحريم نكاح إماء أهل الكتاب، وعلى أن الإماء المؤمنات لايحللنْ إلا لمن جمع الأمرين مع إيمانهن\" (^٤).\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (٥/ ١١٩٥)، وسيأتي إيراد كلام القاسمي في بداية دراسة المسألة.\n(^٢) أخرج أقوالهم ابن جرير الطبري في تفسيره (٦/ ٥٩٢ - ٥٩٣)، وانظر: المحرر الوجيز: ابن عطية (٣/ ١٠٤)، وانظر: البحر المحيط: أبو حيان (٦/ ٥٦٨)، وانظر: فتح القدير: الشوكاني (١/ ٥١٨، ٥١٩).\n(^٣) المدونة: مالك بن أنس (٢/ ١٣٧).\n(^٤) تفسير الإمام الشافعي (٢/ ٥٨٣).","vol":"1","page":344},{"text":"أصحاب القول الثاني:\nعلي بن أبي طالب ﵁: \" ينكح الأمة وإن كان موسرا\"، وبنحو ذلك روي عن مجاهد، وسعيد بن جبير، وسعيد ابن المسيب في رواية، وإبراهيم النخعي، والحسن في رواية، والزهري (^١).\nالإمام أبو حنيفة: \"الغنى والفقير سواء في جواز نكاح الأمة\"، ويفسر الآية: \"بأن من لم يملك فراش الحرة، على أن النكاح هو الوطء، فله أن ينكح أمة\" (^٢).\nالجصاص: \"ليس في قوله تعالى ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ الآية، إلا إباحة نكاح الإماء لمن كانت هذه حاله ولا دلالة فيه على حكم من وجد طولا\" (^٣).\n\n•<span data-type='title' id=toc-296> دراسة المسألة:</span>\nفي تفسير هذه الآية بين القاسمي ﵀ المعنى الإجمالي المراد بالآية، فقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ﴾ أي: لم يقدر مِنْكُمْ أيها الأحرار، بخلاف العبيد، أن يحصل ﴿طَوْلًا﴾ أي: غنى يمكنه به ﴿أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ أي الحرائر المتعففات، بخلاف الزواني إذ لا عبرة بهن ﴿الْمُؤْمِنَاتِ﴾ إذ لا عبرة بالكوافر ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ أي: فله أن ينكح بعض ما يملكه أيمان إخوانكم ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ﴾ أي: إمائكم حال الرق الْمُؤْمِناتِ لا الكتابية. لأنه لا يحتمل مع عار الرق عار الكفر (^٤).\nثم أورد كلام الفخر الرازي: \" وقد استفيد من سياق هذه الآية أن الله تعالى شرط في نكاح الإماء شرائط ثلاثة: اثنان منها في الناكح والثالث في المنكوحة. أما اللذان في الناكح فأحدهما: أن يكون غير واجد لما يتزوج به الحرة المؤمنة من الصداق. وهو معنى قوله:\n_________\n(^١) أخرج بعض أقوالهم ابن جرير الطبري في تفسيره (٦/ ٥٩٣ - ٥٩٤)، وأورد نحوًا من أقوالهم: الجصاص في تفسيره (٣/ ١١٠) وابن عطية في تفسيره (٣/ ١٠٥)، وأبو حيان في تفسيره (٦/ ٥٦٨، ٥٦٩).\n(^٢) الكشاف: الزمخشري (١/ ٤٩٩، ٥٠٠).\n(^٣) أحكام القرآن: الجصاص (٣/ ١٠٩).\n(^٤) محاسن التأويل: القاسمي (٥/ ١١٤٩).","vol":"1","page":345},{"text":"﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ فعدم استطاعة الطول عبارة عن عدم ما ينكح به الحرة.\nفإن قيل: الرجل إذا كان يستطيع التزوج بالأمة، يقدر على التزوج بالحرة الفقيرة، فمن أين هذا التفاوت؟ قلنا: كانت العادة في الإماء تخفيف مهورهن ونفقتهن لاشتغالهن بخدمة السادات. وعلى هذا التقدير يظهر التفاوت ..... إلخ (^١).\nولعل القاسمي ﵀ يُريد من تَعَقُّبه: ما تقدم إيراده من قول الإمام أبو حنيفة ﵀ في معنى الآية، والله أعلم.\nوالذي يظهر أن الراجح في هذه المسألة مع أصحاب القول الأول، وهو: أن نكاح الأمة مشروط لمن لم يجد سعة وطولا لنكاح الحرة، وذلك من أوجه:\nالأول: من حيث الظاهر: فإن ظاهر قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ يدل على أن نكاح الأمة مشروط لمن لم يجد طولا وسعة.\nالثاني: من حيث اللغة: فإن المراد من الطول الفضل والاستطاعة بالنكاح ولا يكون ذلك إلا لمن ملك مالًا، فالمراد من الطول: الفضل، ومنه التطَوُّل وهو التفضُّل، وقال تعالى: ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ [سورة غافر: ٣] ويقال: تطاول لهذا الشيء أي تناوله، كما يقال: يد فلان مبسوطة وأصل هذه الكلمة من الطول الذي هو خلاف القصر لأنه إذا كان طويلا ففيه كمال وزيادة، كما أنه إذا كان قصيرا ففيه قصور ونقصان، وسمي الغنى أيضا طولا، لأنه ينال به من المرادات مالا ينال عند الفقر، كما أن بالطول ينال ما لا ينال بالقصر (^٢).\nالثالث: أن الحكم منوط بعلته: فإنه تعالى ذكر عدم القدرة على طول الحرة، ثم ذكر عقيبه التزوج بالأمة، وذلك الوصف يناسب هذا الحكم لأن الإنسان قد يحتاج إلى الجماع، فإذا لم يقدر على جماع الحرة بسبب كثرة مؤنتها ومهرها، وجب أن يؤذن له في نكاح\n_________\n(^١) انظر: مفاتيح الغيب: الرازي (١٠/ ٤٧) وهذا التقسيم نسبه الرازي إلى مذهب الشافعي.\n(^٢) انظر: جامع البيان: الطبري (٦/ ٥٩٥)، وانظر: مفاتيح الغيب: الرازي (١٠/ ٤٦).","vol":"1","page":346},{"text":"الأمة، إذا ثبت هذا فنقول: الحكم إذا كان مذكورا عقيب وصف يناسبه، فذلك الاقتران في الذكر يدل على كون ذلك الحكم معللا بذلك الوصف، إذا ثبت هذا فنقول: لو كان نكاح الأمة جائزا بدون القدرة على طول الحرة ومع القدرة عليه لم يكن لعدم هذه القدرة أثر في هذا الحكم البتة، لكنا بينا دلالة الآية على أن له أثرا في هذا الحكم، فثبت أنه لا يجوز التزوج بالأمة مع القدرة على طول الحرة (^١).\nالرابع: من حيث المفهوم: وهو أن تخصيص الشيء بالذكر يدل على نفي الحكم عما عداه، والدليل عليه أن القائل إذا قال: الميت اليهودي لا يبصر شيئا، فإن كل أحد يضحك من هذا الكلام ويقول: إذا كان غير اليهودي أيضا لا يبصر فما فائدة التقييد بكونه يهوديا، فلما رأينا أن أهل العرف يستقبحون هذا الكلام ويعللون ذلك الاستقباح بهذه العلة، علمنا اتفاق أرباب اللسان على أن التقييد بالصفة يقتضي نفي الحكم في غير محل القيد\" (^٢).\nالخامس: من حيث الضرورة: فإن الضرورة تتحقق إذا عدم المال وخاف على نفسه العنت، ولم يجد إلا نكاح الأمة ليقضي فيها وطره، فتكون حاجته في نكاح الأمة كحاجة المضطر للميتة، وليس كذلك إن كان موسرًا فإنه ليس بموضع ضرورة (^٣).\nفتبين مما تقدم أن الله تعالى خصص في الآية من لم يجد السعة في نكاح الحرة المؤمنة فله أن ينكح الأمة، وأما ما عداه ممن وجد طولا وسعة فليس له إلا نكاح الحرة.\nتنبيهان:\nالأول: ما قيل من جواز نكاح الأمة في حال إن كان الناكح موسرا، قد تعقبه غير واحد من أهل العلم ومن المفسرين، ووصفوه بالتكلف والضعف، ولا يساعده ظاهر الآية كما قال القاسمي ﵀ (^٤).\n_________\n(^١) انظر: أحكام القرآن: الكيا الهراسي (٢/ ٤١٥)، وانظر: مفاتيح الغيب: الرازي (١٠/ ٤٧، ٤٨).\n(^٢) مفاتيح الغيب: الرازي (١٠/ ٤٨).\n(^٣) انظر: جامع البيان: الطبري (٦/ ٥٩٥).\n(^٤) انظر: أحكام القرآن: الكيا الهراسي (٢/ ٤٢٣، ٤٢٤)، وانظر: حاشية ابن المنير على الكشاف (١/ ٤٩٩)، وانظر: فتح القدير: الشوكاني (١/ ٥١٨، ٥١٩). وانظر: فتح البيان: صديق حسن خان (٣/ ٨٤، ٨٥).","vol":"1","page":347},{"text":"الثاني: القول بأن المراد من الطول: السعة هو اختيار جمع من المفسرين، كابن عطية (^١)، والقرطبي (^٢)، والبيضاوي (^٣)، وأبو حيان (^٤).\n\n•<span data-type='title' id=toc-297> النتيجة:</span>\nمن خلال عرض ما تقدم في هذه المسألة يظهر أن الراجح مع أصحاب القول الأول، وهو أن المراد بالطول في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾: الغنى والسعة، فمن كان ذا طول وسعة في أن ينكح الحرة المؤمنة، فلا يعدل عنها إلى الأمة. لما تقدم ذكره من الأوجه التي تؤيد ذلك، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: المحرر الوجيز: ابن عطية (٣/ ١٠٦).\n(^٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (٦/ ٢٢٨) وقد توسع في ذكر الأقوال.\n(^٣) انظر: أنوار التنزيل: البيضاوي (٢/ ٦٩).\n(^٤) انظر: البحر المحيط: أبو حيان (٦/ ٥٧٠).","vol":"1","page":348},{"text":"<span data-type='title' id=toc-298>٣٩ - قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١)﴾ [سورة النساء: ٣١].</span>\nقال القاسمي: وعندي أن الصواب هو الوقوف في تعداد الكبائر على ما صحت به الأحاديث. فإن رسول الله ﷺ مبين لكتاب الله ﷿، أمين على تأويله. والمرجع في بيان كتاب الله تعالى إلى السنة الصحيحة. كما أن المرجع في تعريف الكبيرة إلى العد دون ضبطها بحد. كما تكلفه جماعة من الفقهاء، وطالت المناقشة بينهم في تلك الحدود. وإن منها ما ليس جامعا. ومنها ما ليس مانعا. فكله مما لا حاجة إليه بعد ورود صحاح الأخبار في بيان ذلك (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-299> أقوال أهل العلم في المرجع من تحديد الكبائر من حيث التعريف:</span>\nالقول الأول: أن الكبائر محصورة بعدد ما ورد في السنة الصحيحة، ونصّت عليه أنه كبيرة.\nالقول الثاني: أن الكبائر غير محصورة بعدد معين، فكل ما نهى الله عنه ورسوله ﷺ فهو كبيرة.\nأصحاب القول الأول:\nمنهم من قال بأن الكبائر سبع: الواردة في حديث \" اجتنبوا السبع الموبقات\" (^٢) وهو مروي عن عبيد بن عمير الليثي (^٣)، وعطاء (^٤).\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (٥/ ١٢٠٨).\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب الوصايا، باب قوله تعالى: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما﴾، برقم: (٢٧٦٦)، وأخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان الكبائر وأكبرها، برقم: (٨٩).\n(^٣) وهو: عبيد بن عمير بن قتادة الليثي الجندعي المكي، الواعظ، المفسر، ولد: في حياة رسول الله ﷺ، وحدث عن جماعة من الصحابة، وطائفة، وكان من ثقات التابعين وأئمتهم بمكة، مات سنة ٧٤ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء: الذهبي (٤/ ١٥٦).\n(^٤) أخرج أقوالهم ابن جرير الطبري في تفسيره (٦/ ٦٤٥، ٦٤٦).","vol":"1","page":349},{"text":"ومنهم من قال أنها تسع: الواردة في حديث \" اجتنبوا السبع الموبقات\" مع الإلحاد في المسجد الحرام، وبكاء الوالدين من العقوق، وهو مروي عن ابن عمر ﵁ (^١).\nومنهم من قال أنها أربع: وهي: الشرك بالله، والقنوط من رحمة الله، والأمن من مكر الله، والإياس من روح الله. وهو مروي عن ابن مسعود ﵁ (^٢).\nالطبري: \"وأولى ما قيل في تأويل (الكبائر) بالصحة، ما صح به الخبر عن رسول الله ﷺ دون ما قاله غيره) .. فالكبائر إذًا: الشرك به، وعقوق الوالدين، وقتل النفس … إلخ\" (^٣).\nأصحاب القول الثاني:\nابن عباس: \"كل ما نهى الله عنه فهو كبيرة\" (^٤).\nأبو العالية: إن ناسا يقولون: الكبائر سبع، وقد خفت أن تكون الكبائر سبعين، أو يزدن على ذلك\" (^٥).\nسعيد بن جبير: \"كل ذنب نسبه الله إلى النار، فهو من الكبائر\" (^٦).\nالضحاك: \" الكبائر: كل موجبة أوجب الله لأهلها النار، وكل عمل يقام به الحد فهو من الكبائر\" (^٧).\n\n•<span data-type='title' id=toc-300> دراسة المسألة:</span>\nفي تفسير هذه الآية أورد القاسمي ﵀ كلام الإمام ابن القيم في (الجواب الكافي): \"وقد دل القرآن والسنة وإجماع الصحابة، والتابعين بعدهم، والأئمة، على أن من الذنوب\n_________\n(^١) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٦/ ٦٤٧).\n(^٢) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٦/ ٦٤٨).\n(^٣) جامع البيان: الطبري (٦/ ٦٥٧).\n(^٤) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٦/ ٦٥٠).\n(^٥) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٦/ ٦٥١).\n(^٦) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٦/ ٦٥٣).\n(^٧) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٦/ ٦٥٣).","vol":"1","page":350},{"text":"كبائر وصغائر ..... ألخ\" (^١).\nثم أشار القاسمي ﵀ أن الإمام ابن القيم ﵀ ذكر الأدلة وساق الخلاف في تعدادها.\nومُجمل الأقوال التي لم تحصر الكبائر بعدد معين ما يلي:\nمنهم من قال: كل ما نهى الله عنه في القرآن فهو كبيرة، وما نهى عنه الرسول ﷺ فهو صغيرة.\nوقالت طائفة: ما اقترن بالنهي عنه وعيد من لعن أو غضب أو عقوبة فهو كبيرة، وما لم يقترن به شيء من ذلك فهو صغيرة.\nوقيل: كل ما ترتب عليه حد في الدنيا أو وعيد في الآخرة، فهو كبيرة، وما لم يرتب عليه لا هذا ولا هذا، فهو صغيرة.\nوقيل: كل ما اتفقت الشرائع على تحريمه فهو من الكبائر، وما كان تحريمه في شريعة دون شريعة فهو صغيرة.\nوقيل: كل ما لعن الله أو رسوله فاعله فهو كبيرة.\nوقيل: كل ما ذكر من أول سورة النساء إلى قوله: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [سورة النساء: ٣١] (^٢).\nوهذه الأقوال لا تسلم من إيرادات ترد عليها، وليس المقام بتفصيل الكلام عن كل قول.\nوالذي يظهر أن الراجح في هذه المسألة والأقرب إلى الصواب هو ما ذهب إليه الماوردي من أن: \"الكبيرة ما وجبت فيه الحدود أو توجه إليها الوعيد\" (^٣)، وهو قريب من\n_________\n(^١) الجواب الكافي: ابن القيم (ص: ١٢٥).\n(^٢) الجواب الكافي: ابن القيم (ص: ١٢٦).\n(^٣) انظر: فتح الباري: ابن حجر (١٠/ ٤١٠).","vol":"1","page":351},{"text":"أصحاب القول الثاني، وذلك من أوجه:\nالأول: أنه يشمل كل ما ثبت في النصوص أنه كبيرة كالشرك، والقتل، والزنا، والسحر، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات، وغير ذلك من الكبائر التي فيها عقوبات مقدرة، ويشمل أيضًا ما ورد فيه الوعيد كالفرار من الزحف وأكل مال اليتيم وأكل الربا وعقوق الوالدين واليمين الغموس وشهادة الزور، ويشمل كل ذنب توعد صاحبه بأنه لا يدخل الجنة، وما قيل فيه من فعله فليس منا، وما ورد من نفي الإيمان عن من ارتكبه كقوله ﷺ: \"لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن … الحديث\" (^١)، (^٢).\nفكل من نفي الله عنه الإيمان والجنة أو كونه من المؤمنين فهو من أهل الكبائر، لأن هذا النفي لا يكون لترك مستحب، ولا لفعل صغيرة، بل لفعل كبيرة.\nالثاني: أنه مأثور عن بعض السلف من الصحابة والتابعين. كما تقدم\nالثالث: أن هذا الضابط يمكن الفرق به بين الصغائر والكبائر بخلاف غيره. وذلك أن الله تعالى قال: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [سورة النساء: ٣١]، فقد وعد مجتنب الكبائر بتكفير السيئات واستحقاق الوعد الكريم، وكل من وعد بغضب الله أو لعنته أو نار أو حرمان جنته أو ما يقتضي ذلك، فإنه خارج عن هذا الوعد فلا يكون من مجتنبي الكبائر، وكذلك من استحق أن يقام عليه الحد، لم تكن سيئاته مكفرة عنه باجتناب الكبائر. إذ لو كان كذلك لم يكن له ذنب يستحق أن يعاقب عليه، والمستحق أن يقام عليه الحد له ذنب العقوبة عليه (^٣).\nالرابع: أن جمع من أهل العلم ذهب إلى أن الكبائر غير محصورة بعدد معين، إنما هي كل ما أطلق الله عليها بأنها كبيرة، أو رتَّب عليها عقابًا ووعيدا، أو علَّق عليها حدًّا، ونحو\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب الحدود، باب السارق حين يسرق، برقم: (٦٧٨٢)، وأخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان نقصان الإيمان بالمعاصي، برقم: (٥٧).\n(^٢) انظر: مجموع الفتاوى: ابن تيمية (١١/ ٦٥١ - ٦٥٥) باختصار.\n(^٣) انظر: مجموع الفتاوى: ابن تيمية (١١/ ٦٥٤، ٦٥٥). وانظر: نواقض الإيمان الاعتقادية: الوهيبي (١/ ١٠٩)","vol":"1","page":352},{"text":"ذلك. وإلى هذا ذهب ابن الصلاح (^١) والإمام أحمد فيما نقله القاضي أبو يعلى ورجحه القرطبي (^٢) وابن تيمية وتقدم ما نُقل عنه في الأوجه، والذهبي (^٣) وغيرهم.\nقال القرطبي في شرح مسلم: \" والصحيح إن شاء الله تعالى: أن كل ذنب أطلق الشرع عليه أنه كبير أو عظيم، أو أخبر بشدة العقاب عليه، أو علق عليه حدا، أو شدد النكير عليه وغلظه، وشهد بذلك كتاب الله أو سنة أو إجماع: فهو كبيرة. \" (^٤).\nوقد استحسن ابن حجر العسقلاني هذا التعريف فقال: \" ومن أحسن التعاريف قول القرطبي في المُفهم \" (^٥).\nمناقشة قول الطبري ﵀ بحصر الكبائر في كل ما جاء وصفه بأنه كبيرة:\nظاهر عبارة الطبري المتقدمة: حصر الكبائر بما نص عليه النبي ﷺ بأنه كبيرة دون غيره مما عليه حد أو وعيد ولم ينص على أنه كبيرة، وهذا مردود والله أعلم من أوجه:\nالأول: يلزم من قوله أن بعض الذنوب كالسرقة والرشوة مثلًا لا تُعد من الكبائر لعدم ورود نص يصرح بأنها من الكبائر، على الرغم من أن مفسدة هذه قد تكون في بعض الأحيان أكبر من مفسدة بعض المنصوص عليها (^٦).\nالثاني: أن هذا القول يلزم منه أن يكون عدد الكبائر محصورًا بعدد الأصابع، وكل ذنب لم يوصف بأنه كبيرة فهو من الصغائر، وهذا خلاف مفهوم الأوصاف التي وصف فاعلها بأنه ملعون أو عليه حد، فلا يصف الشارع من فعل هذه الأفعال التي فيها لعن أو حد أو وعيد إلا لِعظمها وشناعتها.\n_________\n(^١) انظر: شرح صحيح مسلم: النووي (٢/ ٨٥).\n(^٢) انظر: فتح الباري: ابن حجر (١٠/ ٤١٠).\n(^٣) الكبائر: الذهبي (ص: ٨).\n(^٤) المفهم: القرطبي (١/ ٢٨٤).\n(^٥) فتح الباري: ابن حجر (١٢/ ١٨٤).\n(^٦) انظر: نواقض الإيمان الاعتقادية: الوهيبي (ص: ١١١).","vol":"1","page":353},{"text":"الثالث: لا يلزم من قول النبي الحصر، إذ قد يكون حصرها في هذا الحديث: تعظيم قبحها وشناعتها، فقد يأتي لفظ في القرآن أو السنة النبوية بعدد ولا يلزم منه الحصر، كقوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [سورة التوبة: ٨٠] فليس مفهومه: إن استغفر لهم أكثر من ذلك أن الله سيغفر لهم.\nوكذا وقوله: \" سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب \" (^١)، ليس معناه الحصر في السبعين ألف، بل هم أكثر من ذلك، وكذلك حديث: \"لله تسعة وتسعون اسما، مائة إلا واحدا\" (^٢)، لا يدل على الحصر، إذ إن أسماء الله تعالى غير محصورة بعدد معين، كما تقول: عندي إحدى عشر ثوبًا، فلا يمنع أن يكون عندي غيرها، والله أعلم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-301> النتيجة:</span>\nبعد ذكر ما تقدم في هذه المسألة، يظهر والله أعلم أن الراجح فيها ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني من أن الضابط في الكبائر: ما رتَّب عليه الشارع عقوبة وحدًّا، وليس الحصر بالعدد، لما تقدم ذكره من أقوال أهل العلم، وما تم إيراده من الأوجه التي تؤيد ذلك، والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب الطب، باب من لم يرق، برقم: (٥٧٥٢)، وأخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب، برقم: (٢١٨).\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب الدعوات، باب لله مائة اسم غير واحد، برقم: (٦٤١٠)، وأخرجه مسلم، كتاب العلم، باب في أسماء الله تعالى وفضل من أحصاها، برقم: (٢٦٧٧).","vol":"1","page":354},{"text":"<span data-type='title' id=toc-302>٤٠ - قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (٣٣)﴾ [سورة النساء: ٣٣].</span>\nأورد القاسمي في تفسيره لهذه الآية قول أبي علي الجبائي، وقول أبي مسلم الأصفهاني (^١). ثم قال: هذا التأويل المذكور وما قبله طريقة من لا يقف مع الآثار السلفية في التفسير. ويرى مزاحمتهم في الاجتهاد في ذلك. ذهابا إلى أن ما لم يتواتر في معنى الآية، من خبر أو إجماع، فلا حجة في المروي منه آحادا، مرفوعا أو موقوفا، وإن صح. وهذه الطريقة سبيل طائفة قصرت في علم السمع وأقلت البحث عنه. فنشأ من ذلك النقص من الدين والزيادة فيه بالرأي المحض (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-303> أقوال أهل العلم في المراد من ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾:</span>\nالقول الأول: أن المراد من ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾: الحُلَفاء.\nالقول الثاني: أن المراد من ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾: الموالي، أو الزوج والزوجة.\nأصحاب القول الأول:\nابن عباس ﵁: قوله: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾. فكان الرجل يعاقد الرجل أيهما مات ورثه الآخر، فأنزل الله: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [سورة الأحزاب: ٦]، وبنحو ذلك روي عن الحسن، وسعيد بن جبير، وقتادة، وعكرمة، والضحاك (^٣).\nالماوردي: \" ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ هي مفاعلة من عقد\n_________\n(^١) سيأتي إيراد القولين.\n(^٢) محاسن التأويل: القاسمي (٥/ ١٢١٧).\n(^٣) أخرج أقوالهم ابن جرير الطبري في تفسيره (٦/ ٦٧٥ - ٦٧٧)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٩٣٨).","vol":"1","page":355},{"text":"الحلف، ومعناه: والذين عاقدت أيمانكم وأيمانهم بالحلف بينكم وبينهم، فآتوهم نصيبهم\" (^١).\nالبغوي: \"المعاقدة: المحالفة والمعاهدة\" (^٢).\nابن كثير: \" ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ أي: والذين تحالفتم بالأيمان المؤكدة أنتم وهم، فآتوهم نصيبهم من الميراث، كما وعدتموهم في الأيمان المغلظة\" (^٣).\nأصحاب القول الثاني:\nأبو علي الجبائي: \"تقدير الآية: ولكل شيء مما ترك الوالدان والأقربون والذين عاقدت أيمانكم موالي، ورثة، فآتوهم نصيبهم. أي: فآتوا الموالي والورثة نصيبهم. فقوله: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. معطوف على قوله: ﴿الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾. والمعنى: إن ما ترك الذين عاقدت أيمانكم فله وارث هو أولى به. وسمى الله تعالى الوارث مولى. والمعنى: لا تدفعوا المال إلى الحليف بل إلى المولى والوارث، وعلى هذا التقدير فلا نسخ في الآية\" (^٤).\nأبو مسلم الأصفهاني: \"المراد بـ ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ الزوج والزوجة. والنكاح يسمى عقدا. قال تعالى: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ﴾ [سورة البقرة: ٢٣٥]. فذكر تعالى الوالدين والأقربين وذكر معهم الزوج والزوجة. ونظيره آية المواريث، في أنه لما بين ميراث الولد والوالدين، ذكر معهم ميراث الزوج والزوجة\" (^٥).\nالكرماني (^٦): \" ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ يريد الزوج والزوجة، واليمين اليد\n_________\n(^١) معالم التنزيل: البغوي (٢/ ٢٠٦).\n(^٢) النكت والعيون: الماوردي (١/ ٤٧٩).\n(^٣) تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٣/ ٩٠).\n(^٤) انظر: مفاتيح الغيب: الرازي (١٠/ ٦٨، ٦٩).\n(^٥) انظر: مفاتيح الغيب: الرازي (١٠/ ٦٩).\n(^٦) وهو: محمود بن حمزة بن نصر الكرماني النحوي، تاج القراء وأحد العلماء الفقهاء النبلاء، صاحب التصانيف والفضل، ليس له رحلة، صنف لباب التفسير، والايجاز في النحو. مات في حدود ٥٠٠ هـ. ينظر: معجم الأدباء: الحموي (٦/ ٢٦٨٦).","vol":"1","page":356},{"text":"تبدل عند عقد النكاح، كما تدل في البيع\" (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-304> دراسة المسألة:</span>\nمن خلال الاستقراء والنظر في أقوال المفسرين وما أوردوه في تفسير الآية، يظهر أن الصواب مع أصحاب القول الأول، من أن المراد بالذين عقدت أيمانكم: الحلفاء، وذلك من عدة أوجه:\nأولا: تفسير ابن عباس للآية وفهمه من قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ أنهم الحلفاء، ولا يُعرف له مخالف، فيكون إجماعًا سكوتيًا.\nروى ابن أبي حاتم بسنده عن ابن عباس ﵁ في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ كان الرجل قبل الإسلام يعاقد الرجل يقول: ترثني وأرثك، وكان الأحباء يتحالفون، فقال رسول الله ﷺ: كل حلف كان في الجاهلية أو عقد أدركه الإسلام، فلا يزيده الإسلام إلا شدة، ولا عقد ولا حلف عن الإسلام، فنسختها هذه الآية: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [سورة الأنفال: ٧٥] (^٢).\nثانيًا: أنه المأثور عن السلف رضوان الله عليهم، كما تقدم، وهم خير الناس بعد الأنبياء ﵈، وهم أعلم وأقرب إلى التنزيل ممن جاء بعدهم، وقد أثنى الله تعالى عليهم في كتابه في قوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ [سورة التوبة: ١٠٠] وأثنى النبي عليهم بقوله: \" خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم\" (^٣).\n_________\n(^١) غرائب التفسير: الكرماني (١/ ٢٩٥).\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٩٣٧)، برقم: (٥٢٣٣).\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب أصحاب النبي ﷺ، باب فضائل أصحاب النبي ﷺ، برقم: (٣٦٥١)، وأخرجه مسلم، كتاب فضائل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، باب فضل الصحابة ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، برقم: (٢٥٣٣).","vol":"1","page":357},{"text":"ثالثًا: فعل الصحابة ﵃ من أنهم كانوا يرثون السدس من محالفيهم.\nفقد روى الطبري بسنده عن قتادة أنه قال: كان الرجل يعاقد الرجل في الجاهلية فيقول: دمي دمك. وترثني وأرثك. وتطلب بي وأطلب بك. فلما جاء الإسلام بقي منهم ناس. فأمروا بأن يؤتوهم نصيبهم من الميراث وهو السدس. ثم نسخ ذلك بالميراث، فقال: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ (^١).\nوقال سعيد بن جبير في قوله تعالى: ﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ \"من الميراث، وعاقد أبو بكر مولى فورثه\" (^٢).\nرابعًا: من حيث اللغة: فإن الحلف يأتي بمعنى المعاقدة والمناصرة.\nقال ابن الأثير (^٣): \"أصل الحلف: المعاقدة والمعاهدة على التعاضد والتساعد والاتفاق، فما كان منه في الجاهلية على الفتن والقتال بين القبائل والغارات فذلك الذي ورد النهي عنه في الإسلام بقوله ﷺ «لا حلف في الإسلام» (^٤) وما كان منه في الجاهلية على نصر المظلوم وصلة الأرحام كحلف المطيبين وما جرى مجراه، فذلك الذي قال فيه ﷺ «وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة» (^٥) يريد من المعاقدة على الخير ونصرة الحق، وبذلك يجتمع الحديثان، وهذا هو الحلف الذي يقتضيه الإسلام، والممنوع منه ما خالف حكم الإسلام\" (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٦/ ٦٧٦).\n(^٢) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٦/ ٦٧٥).\n(^٣) وهو: أبو السعادات المبارك بن محمد الجزري، سكن الموصل، سمع الحديث من جماعة، وصنف كتبا حسنة منها: \"غريب الحديث\" و\"تفسير القرآن\" وغير ذلك، وكان فاضلا ثقة، مات سنة ٦٠٦ هـ. ينظر: تكملة الإكمال: ابن نقطة (١/ ١٢٣).\n(^٤) أخرجه البخاري، كتاب الكفالة، باب قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ﴾، برقم: (٢٢٩٤)، وأخرجه مسلم، كتاب فضائل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، باب مؤاخاة النبي ﷺ بين أصحابه، برقم: (٢٥٢٩).\n(^٥) أخرجه مسلم، كتاب فضائل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، باب مؤاخاة النبي ﷺ بين أصحابه، برقم: (٢٥٣٠).\n(^٦) النهاية: ابن الأثير (١/ ٤٢٤، ٤٢٥).","vol":"1","page":358},{"text":"مناقشة قول أبي علي الجبائي وأبي مسلم:\nيرى أبو علي الجبائي من أن قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. معطوف على قوله: ﴿الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾، وهذا مردود من وجهين:\nالأول: أن الواو في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ استئنافية كما هو الظاهر، وليست عاطفة على الوالدان والأقربون. فالموالي وهو الورثة لهم نصيب، والحلفاء الذين عُقدت معهم الأيْمان لهم نصيب، قبل أن يُنسخ الحكم. أو أنها جملة مستقلة عن سابقتها، مؤلفة من مبتدأ وخبر، وزيدت الفاء في الخبر في قوله تعالى: ﴿فَآتُوهُمْ﴾ لتضمن المبتدأ معنى الشرط (^١).\nالثاني: أن تفسير ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ بالزوج والزوجة يلزم منه وقوع التكرار في الآية الذي تنزه القرآن عنه، فقوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ يدخل فيه الزوج والزوجة لكونهم ورثة، فإذا فسر قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ بأنهم الزوج والزوجة فلا فائدة، والله أعلم.\nتنبيهان:\nالأول: اختلف أهل العلم قديمًا في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ من حيث الإحكام والنسخ، ولعل الصواب أن الآية محكمة من جه ومنسوخة من وجه آخر، لما روى البخاريّ في صحيحه عن ابن عباس قال: \" ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ ورثة ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. كان المهاجرون لما قدموا المدينة يرث المهاجريّ الأنصاريّ دون ذوي رحمه، للأخوّة التي آخى النبيّ ﷺ بينهم. فلما نزلت ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ نسخت: ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. من النصر والرفادة والنصيحة. وقد\n_________\n(^١) انظر: روح المعاني: الآلوسي (٦/ ٨)، وانظر: تفسير آيات الأحكام: السايس (١/ ٤٥٧).","vol":"1","page":359},{"text":"ذهب الميراث ويوصى له\" (^١).\nفدل على أن المنسوخ هو نصيب الميراث للحُلفاء، والثابت هو النصر والرفادة والنصيحة والله أعلم (^٢).\nالثاني: الإجماع الذي ذكره الحارث المُحاسبي (^٣) بقوله: \" وأجمعت الْأمة أَنْ الله ﷿ نسخ مِيرَاث الحلفاء والأدعياء بقوله: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾ (^٤). يحتاج إلى مزيد إعادة نظر في ثبوته، فإنه قد ثبت عن ابن عباس ﵁ ومجاهد بأن المراد من الإيتاء في قوله تعالى: ﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ من النظر والرِّفْدِ والمعونة (^٥). فلا نسخ في الآية.\n\n•<span data-type='title' id=toc-305> النتيجة:</span>\nبعد عرض ما تقدم في هذه المسألة يظهر أن الصواب مع أصحاب القول الأول من أن المراد بـ ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾: الحلفاء. وأن الواو في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ استئنافية كما هو الظاهر وليست عاطفة، لما تقدم بيانه من كلام أقول العلم، وما تم إيراده من الأوجه، والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري: كتاب التفسير، باب قوله تعالى: (والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم)، برقم: (٢٢٩٢).\n(^٢) انظر: الناسخ والمنسوخ: النحاس (ص: ٣٣٣، ٣٣٤).\n(^٣) وهو: أبو عبد الله الحارث بن أسد البغدادي المحاسبي، الزاهد، العارف، شيخ الصوفية، صاحب التصانيف. له كتب كثيرة في الزهد، وأصول الديانة، والرد على المعتزلة والرافضة، مات سنة: ٢٤٣ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء: الذهبي (١٢/ ١١٠).\n(^٤) فهم القرآن: الحارث المحاسبي (ص: ٤٦٥).\n(^٥) انظر: الدر المنثور (٢/ ٥٠٩).","vol":"1","page":360},{"text":"<span data-type='title' id=toc-306>٤١ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [سورة النساء: ٤٣].</span>\nفي قوله تعالى ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ رد على من أباح جلوس الجنب مطلقا إذا توضأ. لأن الله تعالى جعل غاية التحريم الغسل. فلا يقوم مقامه الوضوء. كذا في (الإكليل) (^١).\nقال القاسمي: أقول: إنما يكون هذا حجة لو كانت الآية نصا في تأويل واحد. وحيث تطرق الاحتمال لها، على ما رأيت، فلا (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-307> أقوال أهل العلم في حكم جلوس الجُنب في المسجد:</span>\nالقول الأول: أن الجُنب يجوز له الجلوس في المسجد، إن كان متوضأً.\nالقول الثاني: أن الجُنب لا يجوز له الجلوس في المسجد مطلقًا، وإن كان متوضأً.\nأصحاب القول الأول:\nسعيد بن جبير: \"الجنب يمر في المسجد مجتازا وهو قائم لا يجلس وليس بمتوضئ، وتلا هذه الآية: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ \" (^٣). فمفهوم كلامه إنه إن كان متوضأً فلا بأس.\nمذهب الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه (^٤): إذا توضأ الجنب فلا بأس به أن يقعد في المسجد (^٥).\n_________\n(^١) انظر: الإكليل: السيوطي (ص: ٩٣).\n(^٢) محاسن التأويل: القاسمي (٥/ ١٢٥٠).\n(^٣) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٧/ ٥٥).\n(^٤) وهو: إسحاق بن إبراهيم ابن راهويه أبو يعقوب، الإمام الكبير، شيخ المشرق، سيد الحفاظ، التميمي، ثم المروزي، نزيل نيسابور، ولقي الكبار، وكتب عن خلق من أتباع التابعين، مات سنة ٢٣٨ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء: الذهبي (١١/ ٣٥٨).\n(^٥) انظر: المغني: ابن قدامة (١/ ٩٧)، وانظر: البحر المحيط: أبو حيان (٧/ ٩٠).","vol":"1","page":361},{"text":"أصحاب القول الثاني:\nالحسن البصري: في قوله: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ قال: \"الجنب يمر في المسجد ولا يقعد فيه\" (^١).\nمذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية: قالوا: لا يجوز للجنب أن يمكث في المسجد مطلقًا (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-308> دراسة المسألة:</span>\nهذه المسألة مما اختلف فيها أهل العلم قديما كما تقدم ذكره من أقوالهم، والذي يظهر أن القول الراجح مع أصحاب القول الأول، وذلك للأدلة التالية:\nأولا: ما رواه سعيد بن منصور في سننه وابن أبي شيبة في مصنفه بإسناد صحيح: أن بعض الصحابة كانوا يجلسون في المسجد وهم على جنابة.\nفقد روى سعيد بن منصور في سننه: عن عطاء بن يسار قال: \"رأيت رجالا من أصحاب رسول الله ﷺ يجلسون في المسجد وهم مجنبون، إذا توضؤوا وضوء الصلاة\" (^٣)، قال ابن كثير: \"وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم، والله أعلم\" (^٤).\nثانيًا: إذا كان المشرك يدخل المسجد، ويمكث فيه، ولا يبعد أن يكون جنبًا، فالمسلم الجنب من باب أولى.\nفقد روى البخاري في صحيحه، عن أبي هريرة أنه قال: بعث رسول الله ﷺ خيلًا قبل نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة، يقال له ثمامة بن أثال، فربطوه بسارية من سواري\n_________\n(^١) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٧/ ٥٦).\n(^٢) انظر: بدائع الصنائع: الكاساني (١/ ٣٨)، وانظر: أحكام القرآن: ابن العربي (١/ ٥٥٧)، وانظر: الأم: الشافعي (١/ ٥٤)، وانظر: البحر المحيط: أبو حيان (٧/ ٨٩، ٩٠).\n(^٣) التفسير من سنن سعيد بن منصور (٤/ ١٢٧٥) برقم: (٦٤٦)، وأورده الحافظ ابن كثير في تفسيره (٣/ ١١٧) وعزاه إلى سعيد بن منصور، وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (١/ ١٣٥) برقم: (١٥٥٧).\n(^٤) تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٣/ ١١٧).","vol":"1","page":362},{"text":"المسجد، فخرج إليه النبي ﷺ فقال: \"اطلقوا ثمامة، فانطلق إلى نخل قريب من المسجد، فاغتسل ثم دخل المسجد، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله\" (^١).\nفالكافر منهي عما ينهى عنه المسلم، فإذا منع المسلم من دخول المسجد، وقد أكل بصلًا أو ثومًا ونحو ذلك مما تتأذى منه الملائكة، منع الكافر كذلك في حال إذا كان جُنبا، والله أعلم.\nثالثًا: أن الجنب ليس نجسًا، فبدنه، وعرقه، وريقه طاهر، فلا يمنع من دخول المسجد، بل إن المسلم المتضمخ بالنجاسة على وجه لا يتعدى لا يمنع من دخول المسجد، فإذا كان على بدن المسلم أثر بول، أو على ثوبه، لم يحرم عليه دخول المسجد، فالجنب من باب أولى.\nفقد روى البخاري بسنده عن أبي هريرة ﵁ قال: «لقيني رسول الله ﷺ وأنا جنب، فأخذ بيدي، فمشيت معه حتى قعد، فانسللت، فأتيت الرحل فاغتسلت، ثم جئت وهو قاعد فقال: أين كنت يا أبا هريرة؟ فقلت له: فقال: سبحان الله، يا أبا هريرة إن المؤمن لا ينجس» (^٢).\nوجه الشاهد منه: قوله: «إن المؤمن لا ينجس» سواء قلنا: إن معنى الحديث: إن المؤمن لا ينجس بالجنابة، وإن كانت قد تلحقه النجاسة الحسية كغيره، أو قلنا: إن المؤمن طاهر بإيمانه، كما أن المشرك نجس بشركه، فهي طهارة معنوية، فعلى كلا التفسيرين إذا كان المؤمن لا ينجس، ولو كان جنبًا، فالطاهر لا يمنع من دخول المسجد.\nرابعًا: إذا كانت الحائض لا تمنع من دخول المسجد على الصحيح، مع أن حدثها أغلظ من حدث الجنابة، فالجنب من باب أولى.\nفقد روى البخاري في صحيحه عن عائشة قالت: \"خرجنا مع رسول الله ﷺ لا نذكر\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه مختصرا: كتاب المغازي، باب وفد بني حنيفة وحديث ثمامة بن أثال، برقم: (٤٣٧٢).\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب الغسل، باب الجنب يخرج ويمشي في السوق وغيره، برقم: (٢٨٥)، وأخرجه ومسلم، كتاب الحيض، باب الدليل على أن المسلم لا ينجس، برقم: (٣٧١).","vol":"1","page":363},{"text":"إلا الحج، فلما جئنا سرف طمثت، فدخل عليَّ النبي ﷺ وأنا أبكي، فقال: ما يبكيك؟ قلت: لوددت والله أني لم أحج العام. قال: لعلك نُفِست؟ قالت: نعم. قال: فإن ذلك شيء كتبه الله على بنات آدم، فافعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري\" (^١).\nوجه الاستدلال: «افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي في البيت». فيقال: إن الاستثناء معيار العموم، فلم يستثن الرسول ﷺ إلا الطواف، ومعلوم أن الحاج يمكث في المسجد، ولو كان لا يحل لها لنهاه النبي ﷺ عنه (^٢).\nخامسًا: مما يدل على جواز مُكث المتوضئ من الجنابة في المسجد، أن الوضوء يُخفف الجنابة؛ بدليل أنَّ الرَّسول ﷺ سُئل عن الرجل يكون عليه الغسل؛ أينام وهو جُنُب؟ فقال ﷺ: «إذا توضأ أحدكم فليرقد وهو جُنُبٌ» (^٣).\nوأيضًا لأن الوضوء أحد الطهورين، ولولا الجنابة لكان رافعا للحدث رفعا كليا فحينئذ يكون مخففا للجنابة (^٤).\nمناقشة الاستدلال بعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ على تحريم دخول الجنب المسجد مطلقًا:\nإن استُدل بعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [سورة النساء: ٤٣] على تحريم مكوث الجنب في المسجد مُطلقًا، فالجواب من وجهين:\nالأول: أن النهي إنما هو عن قربان الصلاة، وليس المكوث في المسجد. فقد كان ابن عباس ﵁ يتأول قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ يقول: \"أن لا يقرب الصلاة\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب الحيض، باب تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت، برقم: (٣٠٥)، وأخرجه مسلم، كتاب الحج، باب بيان وجوه الإحرام، وأنه يجوز إفراد الحج والتمتع والقران، برقم: (١٢١١).\n(^٢) موسوعة أحكام الطهارة: الذبيَان (١١/ ٢٨٧، ٢٨٨).\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب الغسل: باب نوم الجنب، برقم (٢٨٧)، وأخرجه مسلم، كتاب الحيض: باب جواز نوم الجنب، برقم (٣٠٦) عن عمر بن الخطاب به.\n(^٤) الشرح الممتع: العثيمين (١/ ٣٥٢، ٣٥٣).","vol":"1","page":364},{"text":"وهو جنب إلا وهو مسافر تصيبه الجنابة فيتيمم ويصلي حتى يجد الماء\" (^١). فيُفهم من هذا أن النهي لمن أراد أن يُصلي، والله أعلم.\nثانيًا: أن عموم النهي عن دخول الجُنب المسجد والمكوث فيه يُستثنى منه من كانت عليه جنابة فتوضأ، بدليل ما تقدم ذكره من فعل بعض الصحابة وأن المؤمن لا ينجس، فالنهي في الآية إذا يُحمل على من دخول الجنب المسجد بغير وضوء.\nوكذا إن قيل: إن (حتى) في قوله تعالى ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ للغاية. أي: لغاية أن تغتسلوا. فالمستثنى ما تقدم.\nفائدة:\nهذه المسألة مما اختلف فيه العلماء قديمًا، ولكل فريق منهم أدلة يحتجون بها بما يُدينون الله به، ولمزيد بيان وتفصيل فيها، يراجع كتاب: موسوعة أحكام الطهارة للذبيَان.\n\n•<span data-type='title' id=toc-309> النتيجة:</span>\nبعد عرض ما تقدم في هذه المسألة، يظهر أن الراجح مع أصحاب القول الأول وهو: جواز مكوث الجُنب في المسجد إن كان متوضأً، لما تقدم إيراده من أقوال أهل العلم والأوجه التي تؤيد ذلك.\nوأيضًا أن الآية ليست نصًا في تأويل واحد كما قال القاسمي ﵀، وإنما قد تطرق لها تأويل يؤيد تأويل أصحاب القول الأول وهو قول سعيد بن جبير المتقدم، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: تفسير ابن المنذر (٢/ ٧٢١)، وانظر: أحكام القرآن: الجهضمي (ص: ١٣٠).","vol":"1","page":365},{"text":"<span data-type='title' id=toc-310>٤٢ - قوله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (٤٦)﴾ [سورة النساء: ٤٦].</span>\nقال القاسمي: وأما قول الخفاجي في قوله تعالى: ﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾: \"كان الوجه فيه الرفع على البدل لأنه من كلام غير موجب\" (^١). وأبي السعود: \"بأنه فيه نسبة القراء إلى الاتفاق على غير المختار\" (^٢) - فمردود بأن النصب عربي جيد. وقد قرئ به في السبع في (قليل) من قوله تعالى: ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ [سورة النساء: ٦٦] وفي (امرأتك) من قوله تعالى: ﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾ [سورة هود: ٨١] كما قاله ابن هشام في التوضيح (^٣).\n\n•<span data-type='title' id=toc-311> أقوال أهل العلم في إعراب قوله تعالى: ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾:</span>\nالقول الأول: أن ﴿قَلِيلًا﴾ منصوب على الاستثناء، أو لمصدر محذوف.\nالقول الثاني: أن ﴿قَلِيلًا﴾ مرفوع على البدل، يعني: أبدل لفظ ﴿قَلِيلًا﴾ من قوله ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ بكلمة (نفر) أي النفر القليل.\nأصحاب القول الأول:\nقال بعض المفسرين: ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ منصوبٌ على الاستثناءِ من «لَعَنَهم» أي: لَعَنَهم الله إلا قليلًا منهم (^٤).\n_________\n(^١) حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي (٣/ ١٤٣).\n(^٢) إرشاد العقل السليم: أبي السعود (٢/ ١٨٤).\n(^٣) محاسن التأويل: القاسمي (٥/ ١٢٨٢).\n(^٤) انظر: الوسيط: الواحدي (٢/ ٧٦)، وانظر: تفسير القرآن: السمعاني (١/ ٤٤٥)، وانظر: البحر المحيط: أبو حيان (٧/ ١١٣)، وانظر: الدر المصون: السمين الحلبي (٣/ ٦٩٩).","vol":"1","page":366},{"text":"أصحاب القول الثاني:\nالنحاس: ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ قرأ عبد الله بن عامر وعيسى بن عمر (إلا قليلا) على الاستثناء. وكذلك هو في مصاحف أهل الشام. الباقون بالرفع، والرفع أجود عند جميع النحويين\" (^١).\nوكلا القراءتين متواترتان، ولعل أبو جعفر النحاس قدَّم قراءة الرفع على النصب لاحتمال عدم بلوغه اجماع أهل العلم على تسبيع القراءات لتقارب الزمن بينه وبين ابن مجاهد (^٢)، أو أنه لا يُريد تقديم إحدى القراءتين على الأخرى من حيث القبول، وإنما من حيث اللغة فحسب، والله أعلم.\nقال بعض المفسرين: ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ [سورة النساء: ٦٦] ارتفع ﴿قَلِيلٌ﴾ على البدل من الواو في ﴿فَعَلُوهُ﴾ كقولك: ما أتاني أحد إلا زيد ترفع زيدا على البدل من أحد (^٣).\nأبو شامة (^٤): \"وأما: ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾؛ فالرفع فيه هو الوجه الأقوى عند النحويين على البدل من فاعل فعلوه\" (^٥).\n_________\n(^١) إعراب القرآن: النحاس (١/ ٢٢٤) بتصرف، وانظر: الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (٦/ ٤٤٦)، وانظر: فتح القدير: الشوكاني (١/ ٥٦٠).\n(^٢) وهو: أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد المقرئ أبو بكر، كان شيخ القرّاء في وقته، والمقدم منهم على أهل عصره، مات في شعبان سنة ٣٢٤، ودفن في مقبرة باب البستان. ينظر: معجم الأدباء: الحموي (٢/ ٥٢٠).\n(^٣) انظر: الوسيط: الواحدي (٢/ ٧٦)، وانظر: تفسير القرآن: السمعاني (١/ ٤٤٥)، وانظر: المحرر الوجيز: ابن عطية (٣/ ٢١١)، وانظر: البحر المحيط: أبو حيان (٧/ ١١٤)، وانظر: الدر المصون: السمين الحلبي (٣/ ٦٩٩).\n(^٤) وهو: عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم بن عثمان، الإمام العلامة ذو الفنون شهاب الدين أبو القاسم المقدسي الأصل الدمشقي الشافعي الفقيه المقرئ النحوي أبو شامة، مات سنة ٦٦٥ هـ. ينظر: الوافي بالوفيات: الصفدي (١٨/ ٦٧).\n(^٥) إبراز المعاني: أبو شامة (ص: ٤١٨).","vol":"1","page":367},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-312> دراسة المسألة:</span>\nأورد القاسمي ﵀ في تفسير هذه الآية بعضًا من الأقوال في تفسير قوله تعالى: ﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ وخلاصتها ما يلي:\nفقيل أنه: منصوب على الاستثناء من لعنهم أي ولكن لعنهم الله إلا فريقا قليلا منهم. آمنوا فلم يلعنوا.\nوقيل: منصوب على الوصفية لمصدر محذوف. أي: إلا إيمانا قليلا أي ضعيفا ركيكا لا يعبأ به. فإنهم كانوا يؤمنون بالله والتوراة وموسى، ويكفرونه ببقية المرسلين وكتبهم المنزلة.\nوقيل: أن المراد بالقلة العدم بالكلية. كقوله:\nقَلِيلُ التَّشَكِّي لِلْمُهِمِّ يُصِيبُهُ … كَثِيرُ الْهَوَى شَتَّى الْهَوَى وَالْمَسَالِكِ (^١).\nأي هو كثير الهم مختلف الوجوه والطرق لا يقف أمله على فن واحد بل يتجاوزه إلى فنون مختلفة. صبور على النوائب لا يكاد يتشكى منها. فاستعمل لفظ ﴿قَلِيلٌ﴾ وأراد به نفي الكل (^٢).\nوقيل: منصوب على الاستثناء من فاعل (لا يؤمنون) أي: فلا يؤمن منهم إلا نفر قليل (^٣).\nثم أورد القاسمي ﵀ اختيار الخفاجي، وقول أبي السعود المتقدم ذكرهما وعقَّب عليهما.\nومراد الخفاجي من قوله: \" الوجه فيه الرفع على البدل لأنه من كلام غير موجب \": يعني: أبدل لفظ ﴿قَلِيلًا﴾ من قوله ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ بكلمة (نفر) أي النفر القليل، بمعنى أنه قد\n_________\n(^١) البيت ينسب لأبي تمام حبيب بن أوس الطائي (ت: ٢٣١)، ينظر: شرح ديوان الحماسة: الأصفهاني (ص: ٤٤٨).\n(^٢) انظر: شرح ديوان الحماسة: الأصفهاني (ص: ٧١).\n(^٣) انظر: محاسن التأويل: القاسمي (٥/ ١٢٨١)، وبنحو هذه الأوجه ذكر جمع من المفسرين كأبي حيان في البحر المحيط (٧/ ١١٤)، والسمين في الدر المصون (٣/ ٦٩٩)، وابن عادل الحنبلي في اللباب (٦/ ٤١٠)، وغيرهم.","vol":"1","page":368},{"text":"جاء في الجملة الفعل والفاعل في قوله: ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ فالاستثناء تام، ولكن وقعت الجملة في مقام النفي فصار الاستثناء غير موجَب، أي: غير ثابت. ويكون المراد: فلا يؤمنون إلا قليلًا منهم. أي: إلا قليلٌ من اليهود.\nفمراده من الكلام الغير موجب: وجود الفاعل ووجود النفي وذلك لأن الاستثناء هنا تام.\nومما يجب بيانه في هذه المسألة أن الاستثناء التام على قسمين:\nالأول: تام موجب: ويأتي فيه الاستثناء منصوب.\nوالثاني: تام غير موجب: يأتي فيه الاستثناء منصوب ولكن تسبقه أداة نفي ﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾.\nوهذا التأويل الذي اختاره الخفاجي مآله ومراده لا يتعارض مع مراد من قال بأن قوله تعالى: ﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. منصوب على الاستثناء، فالنصب هنا عربي جيد كما قال القاسمي ﵀، ولكن الفرق: أن من قال منصوب على الاستثناء، بمعنى أن: الاستثناء يعود على اللعن، أي: ولكن لعنهم الله إلا فريقا قليلا منهم، آمنوا فلم يلعنوا.\nومن قال أن الوجه فيه الرفع على البدل، بمعنى أن: الاستثناء في الآية يعود على الايمان، بمعنى: فلا يؤمنون إلا قليلًا منهم. أي: إلا قليلٌ من اليهود.\nولا تعارض، إن قيل الوجه فيه: الرفع على البدل، أو قيل: الوجه فيه: النصب على الاستثناء، فكلاهما يصح والله أعلم.\nوذلك لأن الاستثناء إذا كان منفيًا كما في الآية وتوجد جميع أركانه فيجوز النصب ما بعد ﴿إِلَّا﴾ فيكون المعنى: لا يؤمنون إلا قليلًا، ويجوز أن تُجعَل ﴿إِلَّا﴾ بدل من الفاعل أو من المُستثنى منه، فالواو فاعل مستثنى منه، والفاعل يُرفع، فيكون المعنى: لا يؤمنون إلا قليلٌ، على أن قليلٌ بدل من الفاعل، والله أعلم.\nوأما عن قول أبي السعود بأن: \" الوجه أن يُحمل القليل على من يؤمن لإفضائه إلى وقوع إيمان من لعنه الله وخذله مع ما فيه من نسبة القراء إلى الاتفاق على غير المختار بل","vol":"1","page":369},{"text":"بجعله ضمير المفعول في لعنهم، أي: ولكن لعنهم الله إلا فريقًا قليلًا، فإنه تعالى لم يلعنهم، فلم ينسد عليهم باب الايمان، وقد آمن بعد ذلك فريق من الأحبار كعبد الله بن سلام وكعب وأضرابهما\" (^١). فمراده والله أعلم: أن الجمهور من القراء يستثنون هذا الشيء من ضمير النصب وهو أن المستثنى منه: (هم) في (لعنهم) أي لعنهم الله بكفرهم فلا يُؤمنون إلا قليلا لم يلعنهم، وهذا المعنى غير مستقيم، لأنه سيدخل في اللعن أناس بعد ذلك دخلوا في الإيمان.\nفتعقبه القاسمي ﵀ وعلل ذلك: بأن النصب عربي جيد من جهة اللغة، واستدل على ذلك بأنه قد قرئ به في السبع في (قليل) من قوله تعالى: ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ [سورة النساء: ٦٦] (^٢). وفي (امرأتك) من قوله تعالى: ﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾ (^٣) [سورة هود: ٨١].\nوهذا الاستدلال له حظ من النظر، وإن كان القاسمي ﵀ استدل بآيات يختلف موضعها عن هذا الموضع، وقُرأ بها بالنصب والرفع، فلعله يُريد أن النصب يصح من حيث اللغة، كما هو ظاهر كلامه والله أعلم.\nفيتضح مما تقدم أن قوله تعالى: ﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ يجوز فيه النصب، لوجهين:\nالأول: أن اللغة تؤيده، وقد أورد هذا الوجه عند جماعة من المفسرين كما تقدم.\nالثاني: أن قراءة النصب المتفق عليها في قوله تعالى ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ تؤيده، والله أعلم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-313> النتيجة:</span>\nبعد ذكر ما تقدم يظهر أن قوله تعالى: ﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ يجوز فيه الرفع على البدل، ويجوز فيه النصب على الاستثناء، ولا يُحصر الاختيار في الرفع على البدل كما هو\n_________\n(^١) إرشاد العقل السليم: أبي السعود (١/ ٧٠٨، ٧٠٩).\n(^٢) قرأ بها ابن عامر بالنصب. ﴿ما فعلوه إلا قليلًا منهم﴾، ينظر: النشر: ابن الجزري (٢/ ٢٥٠)، وينظر: البدور الزاهرة: عبد الفتاح القاضي (١/ ٨١).\n(^٣) قرأ بها: ﴿إلا امرأتُك﴾ وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو بن العلاء، ينظر: النشر: ابن الجزري (٢/ ٢٩٠)، وينظر: البدور الزاهرة: عبد الفتاح القاضي (١/ ١٥٧).","vol":"1","page":370},{"text":"ظاهر كلام الخفاجي، الذي تعقبه القاسمي ﵀.\nوأن النصب في قوله تعالى: ﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ عربي جيد كما قال القاسمي ﵀، وتؤيده القراءة المتواترة المُتفق عليها، خلافًا لأبي السعود لما تقدم، والله أعلم.","vol":"1","page":371},{"text":"<span data-type='title' id=toc-314>٤٣ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٤٧)﴾ [سورة النساء: ٤٧].</span>\nقال القاسمي: وأقول: لا يخفى أن جميع ما ذكر من التأويلات، غير الأول (^١)، لا يساعده مقام تشديد الوعيد، وتعميم التهديد. فإن المتبادر من اللفظ الحقيقة. ولا يصار إلى المجاز إلا إذا تعذر إرادتها. ولا تعذر هنا (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-315> أقوال أهل العلم في المراد من طمس الوجوه المذكور في الآية:</span>\nالقول الأول: أن المراد حقيقة الطمس وهو: المحو أو التقبيح، أو تحويلها إلى القفا.\nالقول الثاني: أن الطمس مجاز عن: إزالة آثارهم عن بلاد العرب ومحو أحوالهم عنها، أو تغيير أحوال وجهائهم، ونحو ذلك.\nأصحاب القول الأول:\nابن عباس ﵁: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾ وطمسها أن تعمى فنردها على أدبارها، يقول: أن نجعل وجوههم من قبل أقفيتهم فيمشون القهقرى ونجعل لأحدهم عينين في قفاه \"، وبنحو ذلك روي عن عطية العوفي (^٣)، وقتادة (^٤).\nالسمرقندي: \"يقال طمسها أن يحول الوجوه إلى الأقفية. ويقال: يخسف الأنف والعين فيجعلها طمسا. ويقال: من قبل أن يطمس أي تسود الوجوه\" (^٥).\n_________\n(^١) سيأتي إيرادها.\n(^٢) محاسن التأويل: القاسمي (٥/ ١٢٨٤، ١٢٨٥).\n(^٣) وهو: عطية بن سعد بن جنادة العوفي، الكوفي، أبو الحسن، من مشاهير التابعين، روى عن: ابن عباس، وأبي سعيد، وابن عمر، مات سنة ١١١ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء: الذهبي (٥/ ٣٢٥).\n(^٤) أخرج أقوالهم ابن جرير الطبري في تفسيره (٧/ ١١٢)، وأخرج نحوا من أقوالهم ابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٩٦٨) برقم: (٥٤٠٧).\n(^٥) بحر العلوم: السمرقندي (١/ ٣٠٧).","vol":"1","page":372},{"text":"الواحدي (^١): \" ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾ أَيْ: نمحو ما فيها من عينٍ وفم وأنفٍ ومارن وحاجب فنجعلها كخفِّ البعير أو كحافز الدَّابة\" (^٢).\nالسيوطي: \" ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾ نمحو ما فيها من العين والأنف والحاجب\" (^٣).\nأصحاب القول الثاني:\nابن زيد: \" ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾: \" كان أبي يقول: إلى الشام \" (^٤).\nالزمخشري: \"ووجه آخر: وهو أن يراد بالطمس القلب والتغيير، كما طمس أموال القبط فقلبها حجارة. وبالوجوه، رؤوسهم ووجهاؤهم أي: من قبل أن نغير أحوال وجهائهم، فنسلبهم إقبالهم ووجاهتهم، ونكسوهم صغارهم وإدبارهم أو نردهم إلى حيث جاءوا منه. وهي: أذرعات الشام، يريد: إجلاء بنى النضير\" (^٥).\n\n•<span data-type='title' id=toc-316> دراسة المسألة:</span>\nذكر القاسمي ﵀ في تفسيره لهذه الآية ما ورد في تفسيرها من المعنى الحقيقي والمعاني المجازية، وهو يرى أن جميع المعاني المجازية التي ذكرها المفسرون من أن المراد من الطمس: إزالة آثارهم عن بلاد العرب ومحو أحوالهم عنها، أو أن المراد: من قبل أن نغير أحوال وجهائهم، فنسلب إقبالهم ووجاهتهم، ونكسوهم صغارا وإدبارا، وغير ذلك، لا يُساعده مقام تشييد الوعيد وتعميم التهديد، وأن الصواب في تأويل الطمس هو المعنى الحقيقي، وهو: تقبيح صورتهم، وطمس ما في الوجه من عين وأنف وحاجب.\n_________\n(^١) وهو: الإمام، العلامة، الأستاذ، أبو الحسن، علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي، صاحب (التفسير)، وإمام علماء التأويل، من أولاد التجار، مات سنة ٤٦٨ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء: الذهبي (١٨/ ٣٣٩).\n(^٢) الوجيز: الواحدي (ص: ٢٦٧).\n(^٣) تفسير الجلالين: جلال الدين المحلي والسيوطي (ص: ١٠٩).\n(^٤) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٧/ ١١٤).\n(^٥) الكشاف: الزمخشري (١/ ٥١٩).","vol":"1","page":373},{"text":"والذي يظهر أن الصواب في المراد من الطمس: المعنى الحقيقي، وذلك من أوجه:\nالأول: نظائر الآيات التي تدل على أن المراد من الطمس: المحو والإزالة، مثل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ [سورة المرسلات:] وقوله: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾ [سورة يونس: ٨٨]، أي أزل صورتها ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ﴾ [سورة يس: ٦٦] أي محونا أثرها وأزلنا ضوءها كما يزال الأثر (^١).\nالثاني: ما ورد عن بعض السلف أنهم فهموا من الطمس المعنى الحقيقي.\nفقد روى ابن أبي حاتم في تفسيره عن أبي إدريس عائذ الله الخولاني قال: \" كان أبو مسلم معلم كعب، وكان يلومه على إبطائه عن رسول الله ﷺ، قال: بعثه إليه لينظر أهو هو؟ قال: حتى أتيت المدينة، فإذا تال يقرأ القرآن يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾ فبادرت الماء اغتسل وإني لأمس وجهي مخافة أن يطمس ثم أسلمت\" (^٢).\nالثالث: من حيث اللغة: فإن الطمس في اللغة: المحو والإزالة، تقول العرب في وصف المفازة، إنها طامسة الأعلام وطمس الطريق وطمس إذا درس، وقد طمس الله على بصره إذا أزاله وأبطله، وطمست الريح الأثر إذا محته، وطمست الكتاب محوته (^٣).\nالرابع: أن المتبادر من اللفظ الحقيقة. ولا يصار إلى المجاز إلا إذا تعذر إرادتها. ولا تعذر هنا. كما أن المتبادر من اللعن، المشبه بلعن أصحاب السبت، هو المسخ. وهو الذي تقتضيه بلاغة التنزيل. إذ فيه الترقي إلى الوعيد الأفظع. ولا ننكر أن تكون هذه التأويلات مما يشمله لفظ الآية. وإنما البحث في دعوى إرادتها دون سابقها. فالحق أن المتبادر من النظم الكريم هو الأول - يعني المعنى الحقيقي- لأنه أدخل في الزجر\" (^٤).\n_________\n(^١) انظر: المفردات: الراغب الأصفهاني (ص: ٥٢٤)، وانظر: الدر المصون: السمين الحلبي (٢/ ٤١٥).\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٩٦٩)، برقم: (٥٤١٣).\n(^٣) انظر: جامع البيان: الطبري (٧/ ١١٧)، وانظر: مفاتيح الغيب: الرازي (١٠/ ٩٥).\n(^٤) محاسن التأويل: القاسمي (٥/ ١٢٨٤ - ١٢٨٥).","vol":"1","page":374},{"text":"الخامس: أنه: يجب حمل نصوص الوحي على الحقيقة، فالأصل في الكلام أن يُحمل على الحقيقة إلا إذا تبين امتناع إرادة الحقيقة، أو وجدت قرينة يمكن من خلالها أن يُحمل اللفظ على المجاز (^١).\nفإن قيل: قرينة المجاز عدم وقوع المتوعد به. فالجواب: أن عدم وقوعه لا يعين إرادة المجاز. إذ ليس في الآية دلالة على تحتم وقوعه إن لم يؤمنوا. ولو فهم منها هذا فهما أوليا لكان إيمانهم بعدها إيمان إلجاء واضطرار. وهو ينافي التكليف الشرعي. إذ لم تجر سنته تعالى بهذا. بل النظم الكريم في هذا المقام محتمل ابتداء للقطع بوقوع المتوعد به. ولوقوعه معلقا بأمره تعالى ومشيئته بذلك، وهو المراد. كما ينبئ عنه قوله تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [سورة الأحزاب: ٣٧]: أي ما يأمر به، ويريد وقوعه. وإذا كان الوعيد منوطا بأمره سبحانه، فله أن يمضيه على حقيقته وله أن يصرفه لما هو أعلم به. إلا أن ورود نظم الآية بهذا الخطاب المتبادر في الوقوع غير المعلق، ليكون أدخل في الترهيب، ومزجرة عن مخالفة الأمر. هكذا ظهر لنا الآن. وهو أقرب مما نحاه المفسرون هنا من أن العقاب منتظر، أو، أنه مشروط بعدم الإيمان. إلى غير ذلك. فقد زيفها جميعها العلامة أبو السعود\" (^٢).\nتنبيهان:\nالأول: اختلف العلماء في وقوع المجاز في اللغة وفي القرآن، وليس المقام بصدد ذكر تفصيل أقوالهم، ولكن الذي ندين الله به أن المجاز ممنوع في القرآن، وقد ألف العلامة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رسالة في منعه، سمّاها: \" منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز\" ذكر فيها الآيات التي ادُّعي فيها المجاز وأجاب عنها.\nالثاني: يؤخذ على القاسمي ﵀ أنه علل بأن القول بالمعنى المجازي لا يُساعده مقام تشييد الوعيد وتعميم التهديد، وهذا غير ظاهر فالمعاني المجازية تشترك مع المعنى الحقيقي في هذه العلة والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: قواعد الترجيح: حسين الحربي (٢/ ٤٠).\n(^٢) محاسن التأويل: القاسمي (٥/ ١٢٨٤ - ١٢٨٥).","vol":"1","page":375},{"text":"قال العلامة العثيمين ﵀ في تفسير الآية بعد أن ذكر خلاف المفسرين في معنى الطمس: \" والقاعدة التفسيرية: أنه إذا كانت الآية تحتمل وجهين لا يُناقض أحدهما الآخر فإنها تُحمل على الوجهين جميعًا، لأن كلام الله معناه واسع، فإذا كان اللفظ يحتمل هذا وهذا، وليس بينهما مُناقضة، فالواجب حمله على الوجهين، فهنا نقول: إن الله تعالى هددهم بالطمس الحسي والطمس المعنوي\" (^١).\nوهذا الذي ذكره العثيمين ﵀ يحسم الخلاف في هذه المسألة، وأن الجمع بين الأقوال غير المتعارضة، مقدم على الترجيح، فالخلاف المتقدم من قبيل خلاف التنوع.\nوهذا يتفق مع كلام القاسمي ﵀ الذي ذكره في تفسير الآية: \" ولا ننكر أن تكون هذه التأويلات مما يشمله لفظ الآية. وإنما البحث في دعوى إرادتها دون سابقها\" (^٢)، والله أعلم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-317> النتيجة:</span>\nبعد ذكر ما تقدم في هذه المسألة، يظهر أن الراجح مع أصحاب القول الأول من أن المراد بالطمس: في قوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾ الطمس الحقيقي، ولا يمنع أن تُحمل أيضًا على، المعاني المجازية إن كانت لا تتعارض مع المعنى الحقيقي كما تقدم من كلام القاسمي وبعده العثيمين، والله أعلم.\n_________\n(^١) تفسير القرآن الكريم (سورة النساء): العثيمين (١/ ٣٨١).\n(^٢) محاسن التأويل: القاسمي (٥/ ١٢٨٤ - ١٢٨٥).","vol":"1","page":376},{"text":"<span data-type='title' id=toc-318>٤٤ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٤٧)﴾ [سورة النساء: ٤٧].</span>\nقال القاسمي: اختار أبو السعود أن المراد من قوله تعالى: ﴿فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ﴾ الوعيد الأخروي. قال: لأنه لم يتضح وقوعه. وهذا فيه بُعد أيضا، لنبو مثل هذا الخطاب عن إرادة الوعيد الأخروي، لا سيما والجملة الثانية التي هُددوا بها، أعني لعنهم كأصحاب السبت، كان عقابًا دنيويًا (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-319> أقوال أهل العلم في وقت وقوع الوعيد الوارد في الآية:</span>\nالقول الأول: أن وقت وقوع الوعيد يكون في الدنيا.\nالقول الثاني: أن وقت وقوع الوعيد يكون في الآخرة.\nأصحاب القول الأول:\nالأخفش: \" ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾ يقول: من قبل يوم القيامة\" (^٢).\nالمُبَرِّد (^٣): \"الوعيد باق منتظر، ولا بد من طمس في اليهود ومسخ قبل يوم القيامة\" (^٤).\nأبو حيان: \"ظاهر قوله: من قبل أن نطمس أو نلعن، إن ذلك يكون في الدنيا\" (^٥).\nالنيسابوري: \"ولا بد من مسخ وطمس لليهود قبل يوم القيامة\" (^٦).\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (٥/ ١٢٨٦).\n(^٢) معاني القرآن: الأخفش (١/ ٢٦٠).\n(^٣) وهو: أبو العباس محمد بن يزيد بن عبد الأكبر المُبرد، إمام النحو، الأزدي، البصري، الأخباري، صاحب (الكامل)، كان إماما، علامة، جميلا، وسيما، فصيحا، مفوها، موثقا، مات سنة ٢٨٦ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء: الذهبي (١٣/ ٥٧٦)\n(^٤) الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (٦/ ٤٠٥)، وانظر: فتح القدير: الشوكاني (١/ ٥٤٩).\n(^٥) البحر المحيط: أبو حيان (٧/ ١٢٠).\n(^٦) غرائب القرآن: النيسابوري (٢/ ٤٢٤).","vol":"1","page":377},{"text":"أصحاب القول الثاني:\nالجبائي: \"الوعيد إنما كان بوقوع ما ذكر في الآخرة عند الحشر وسيقع فيها أحد الأمرين أو كلاهما على سبيل التوزيع\" (^١).\nالرازي: \"التقدير: آمنوا من قبل أن يجيء وقت نطمس فيه وجوهكم وهو ما بعد الموت\" (^٢).\nقال بعض المفسرين: أن الوعيد في هذه الآية يوم القيامة (^٣).\n\n•<span data-type='title' id=toc-320> دراسة المسألة:</span>\nالمتأمل في ظاهر الآية وما ورد فيها من الوعيد على أهل الكتاب، وما ذكره بعض أهل العلم في تفسيرها، يظهر له أن الوعيد محتمل وقوعه في الدنيا أو في الآخرة، أو كلاهما، وذلك مما يلي:\nأولا: أوجه بيان أن الوعيد واقع على أهل الكتاب في الدنيا:\nالوجه الأول: نظائر الآية من الآيات التي تدل على وقوع الوعيد في الدنيا:\nفقوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ نظيره قوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ (٦٦) وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ (٦٧)﴾ [سورة يس: ٦٧] وهذا يكون في الدنيا.\nالوجه الثاني: أنه لما نزلت هذه الآية أتى عبد الله ابن سلام رسول الله ﷺ قبل أن\n_________\n(^١) روح المعاني: الآلوسي (٦/ ٧٢).\n(^٢) مفاتيح الغيب: الرازي (١٠/ ٩٦).\n(^٣) انظر: معالم التنزيل: البغوي (٢/ ٢٣١)، وانظر: الكشاف: الزمخشري (١/ ٥١٩)، وانظر: زهرة التفاسير: أبو زهرة (٤/ ١٧٠٦)، وانظر: فتح البيان: القنوجي (٣/ ١٤٢)، وانظر: تفسير الراغب الأصفهاني (٣/ ١٢٦٣).","vol":"1","page":378},{"text":"يأتي أهله فأسلم، وقال: يا رسول الله، ما كنت أرى أن أصل إليك حتى يتحول وجهي في قفائي (^١)، وكذا ما روي من أثر كعب الأحبار من أنه اغتسل، ومس وجهه مخافة أن يطمس. ثم أسلم (^٢).\nفوجه الدلالة أنه لما سمع الآية خاف أن يُصيبه هذا الوعيد، وهذا في الدنيا.\nثانيًا: أوجه بيان أن الوعيد واقع على أهل الكتاب في الآخرة:\nالوجه الأول: أن يكون المراد بالطمس والرد على الأدبار: الختم على العين والفم والطبع عليهما، فقد قال الله تعالى: ﴿لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ﴾ [سورة يس: ٦٦] و﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ﴾ [سورة يس: ٦٥]، وهذا يكون في الآخرة (^٣). وأيضًا قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾ [سورة طه: ١٢٥] نوع من الطمس والله أعلم، وهذا يكون في الآخرة.\nالوجه الثاني: أن قوله تعالى: ﴿آمِنُوا﴾ تكليف متوجه عليهم في جميع مدة حياتهم، فلزم أن يكون قوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾ واقعا في الآخرة، فصار التقدير: آمنوا من قبل أن يجيء وقت نطمس فيه وجوهكم وهو ما بعد الموت (^٤).\nالوجه الثالث: أن وقوع الوعيد عليهم يوم القيامة أنكى لهم لفضيحتهم بين الأولين والآخرين، ويكون ذلك أول ما عجل لهم من العذاب (^٥).\nفيتضح مما تقدم أن كلا الفريقين له أوجه تؤيد ما ذهب إليه، إلا أن تعليل أبي السعود بوقوعه في الآخرة لأنه لم يتضح وقوعه في الدنيا غير مُسَلّم، وفيه بعد كما قال القاسمي ﵀، وذلك لأن العذاب قد يقع على اليهود من الطمس أو المسخ مستقبلًا في الدنيا أو قبل\n_________\n(^١) أورده الثعلبي في تفسيره (١٠/ ٣٩٢)، والبغوي في تفسيره (٢/ ٢٣١).\n(^٢) تقدم إيراده في المسألة السابقة.\n(^٣) انظر: روح المعاني: الآلوسي (٦/ ٧٢).\n(^٤) مفاتيح الغيب: الرازي (١٠/ ٩٦).\n(^٥) البحر المحيط: أبو حيان (٧/ ١٢١).","vol":"1","page":379},{"text":"يوم القيامة.\nقال الآلوسي: \"والحق أن الآية ليست بنص في كون ذلك في الدنيا أو في الآخرة بل المتبادر منها بحسب المقام كونه في الدنيا لأنه أدخل في الزجر، وعليه مبنى ما روي عن الحبرين، لكن لما كان في وقوع ذلك خفاء واحتمال أنه وقع ولم يبلغنا- على ما في التيسير- مما لا يلتفت إليه، رُجِّح احتمال كونه في الآخرة. وأيّا ما كان فلعل السر في تخصيصهم بهذه العقوبة من بين العقوبات- كما قال شيخ الإسلام (^١) - مراعاة المشاكلة بينها وبين ما أوجبها من جنايتهم التي هي التحريف والتغيير. والفاعل والراضي سواء\" (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-321> النتيجة:</span>\nبعد عرض ما تقدم مما قيل في وقوع الوعيد على أهل الكتاب الوارد في قوله تعالى: ﴿فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ﴾، يظهر أنه لا مانع من وقوعه في الدنيا أو في الآخرة أو كلاهما، لما تقدم ذكره من أوجه تؤيد كل فريق مما ذهب إليه، والله أعلم.\n_________\n(^١) يريد بشيخ الإسلام: أبي السعود ﵀.\n(^٢) روح المعاني: الآلوسي (٦/ ٧٣).","vol":"1","page":380},{"text":"<span data-type='title' id=toc-322>٤٥ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (٥٦)﴾ [سورة النساء: ٥٦].</span>\nقال القاسمي: تنبيه: لهم في التبديل وجهان: الأول- أنه تبديل حقيقي مادي. فيخلق مكانها جلود أُخر جديدة مغايرة للمحترقة. الثاني- أنه تبديل وصفي: أي أعدنا الجلود جديدة مغايرة للمحترقة صورة. وإن كانت عينها مادة. بأن يزال عنها الاحتراق ليعود إحساسها للعذاب. فلم تبدل إلا صفتها، لا مادتها الأصلية. وفيه بعد. إذ يأباه معنى التبديل (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-323> أقوال أهل العلم في المراد من تبديل الجلود من حيث ذات الجلد وصفته:</span>\nالقول الأول: أن تبديل الجلود حقيقي، فيخلق الله مكانها جلودا أخرى جديدة مغايرة للمحترقة.\nالقول الثاني: أن تبديل الجلود مجاز عن إعادة صفة الجلود، بأن يزال عنها الاحتراق ليعود إحساسها للعذاب، فليس فيه تبديل لذات الجلد، وإنما صفته.\nأصحاب القول الأول:\nابن عمر ﵁: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾: «إذا احترقت جلودهم بدلناهم جلودا بيضا أمثال القراطيس»، وبنحو ذلك روي عن قتادة، والربيع (^٢).\nالسمرقندي: \" كلما احترقت جلودهم بدلناهم يعني: جددنا لهم جلودا غيرها لأنهم إذا احترقوا خبت عنهم النار ساعة فبدلوا خلقا جديدا، ثم عادت تحرقهم، فهذا دأبهم فيها\" (^٣).\nأبو حيان: \"والتبديل على معنيين: تبديل في الصفات مع بقاء العين، وتبديل في\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (٥/ ١٣٢٨، ١٣٢٩).\n(^٢) أخرج أقوالهم ابن جرير الطبري في تفسيره (٧/ ١٦٤، ١٦٣).\n(^٣) بحر العلوم: السمرقندي (١/ ٣١١).","vol":"1","page":381},{"text":"الذوات بأن تذهب العين وتجيء مكانها عين أخرى، يقال: هذا بدل هذا. والظاهر في الآية هذا المعنى الثاني. وأنه إذا نضج ذلك الجلد وتهرى وتلاشى جيء بجلد آخر مكانه، ولهذا قال: جلودا غيرها\" (^١).\nالشوكاني: \"المعنى: أنها كلما احترقت جلودهم بدلهم الله جلودا غيرها، أي: أعطاهم مكان كل جلد محترق جلدا آخر غير محترق\" (^٢).\nأصحاب القول الثاني:\nالرازي: \" يمكن أن يقال: هذا استعارة عن الدوام وعدم الانقطاع، كما يقال لمن يراد وصفه بالدوام: كلما انتهى فقد ابتدأ، وكلما وصل إلى آخره فقد ابتدأ من أوله، فكذا قوله: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ يعني كلما ظنوا أنهم نضجوا واحترقوا وانتهوا إلى الهلاك أعطيناهم قوة جديدة من الحياة بحيث ظنوا أنهم الآن حدثوا ووجدوا، فيكون المقصود بيان دوام العذاب وعدم انقطاعه\" (^٣).\nأبو السعود: \" أي أعطيناهم مكان كل جلد محترق عند احتراقه جلدا جديدا مغايرا للمحترق صورة وإن كان عينه مادة بأن يزال عنه الاحتراق ليعود إحساسه للعذاب\" (^٤).\nأبو زهرة: \"ومن العلماء من قال: إن الجلد لا يتغير ذاته بل يتغير وصفه، فيخلق فيه هذا الإحساس بعد أن يبلى موضع الإحساس بالنار\" (^٥).\nقال بعض المفسرين: أن التبديل يكون على صفة ذات الجلد، وإنما سماه «تبديلا»، لأن أوصافه تتغير (^٦).\n_________\n(^١) البحر المحيط: أبو حيان (٧/ ١٤١).\n(^٢) فتح القدير: الشوكاني (١/ ٥٥٤).\n(^٣) مفاتيح الغيب: الرازي (١٠/ ١٠٦)، وانظر: اللباب: ابن عادل الحنبلي (٦/ ٤٢٩).\n(^٤) إرشاد العقل السليم: أبي السعود (٢/ ١٩١).\n(^٥) زهرة التفاسير: أبو زهرة (٤/ ١٧٢٠).\n(^٦) انظر: معالم التنزيل: البغوي (٢/ ٢٣٨)، وانظر: تفسير الراغب الأصفهاني (٣/ ١٢٧٩)، وانظر: المحرر الوجيز: ابن عطية (٣/ ١٩٧)، وانظر: أنوار التنزيل: البيضاوي (٢/ ٧٩)، وانظر: جامع البيان: الإيجي (١/ ٣٦٧).","vol":"1","page":382},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-324> دراسة المسألة:</span>\nمن خلال عرض ما تقدم من أقوال المفسرين في هذه الآية، وما ذكروه في تأويلها، يظهر أن الصواب مع أصحاب القول الأول من أن تبديل الجلود الوارد في الآية التبديل الحقيقي، بأن يخلق الله جلودا غير الجلود التي احترقت، وذلك من وجوه عدة:\nالأول: أن التبديل الحقيقي عليه جماعة من السلف كما هو ظاهر من كلامهم، ولا شك أن قولهم مُقدم على قول من بعدهم، إذ هم أقرب إلى زمن التنزيل، وهم خير الناس بعد الصحابة ﵃ والأنبياء.\nالثاني: أن القول بأن المعنى وصفي عدول عن ظاهر القرآن، فقد قال الله تعالى في الآية: ﴿جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ ولم يقل أن ذات الجلد تتغير أوصافه، والقاعدة أنه لا يجوز العدول عن ظاهر القرآن إلا بدليل يجب الرجوع إليه (^١).\nقال ابن جرير الطبري: \" وغير جائز ترك ظاهر المفهوم من الكلام إلى باطن لا دلالة على صحته\" (^٢).\nوقال ابن تيمية مقررًا هذه القاعدة: \" لم يكن في الصحابة من تأول شيئًا من نصوصه [أي الوحي] على خلاف ما دل عليه، لا فيما أخبر به الله عن أسمائه وصفاته، ولا فيما أخبر عما بعد الموت\" (^٣).\nالثالث: أن المعنى الحقيقي هو الذي تقتضيه اللغة، فالمراد من التبديل عند اللغويين: التغيير والتنحية للشيء واستئناف شيء آخر محله، أو إفناء الذات الأولى واحداث ذات أخرى (^٤).\n_________\n(^١) قواعد الترجيح: حسين الحربي (١/ ١٢٢).\n(^٢) جامع البيان: الطبري (١/ ٦٢١).\n(^٣) مجموع الفتاوى: ابن تيمية (١٣/ ٢٥٢).\n(^٤) انظر: تهذيب اللغة: الأزهري (١٤/ ٩٣)، وانظر: الكليات: الكفوي (ص: ٣١)، وانظر: لسان العرب: ابن منظور (١١/ ٤٨)، وانظر: تاج العروس: الزبيدي (٢٨/ ٦٤).","vol":"1","page":383},{"text":"وأيضًا: فإن التبديل يقتضي المغايرة كما في قوله تعالى: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى﴾ [سورة البقرة: ٦١] فقوله: ﴿غَيْرَهَا﴾ تأكيد لما دل عليه فعل التبديل (^١).\nالرابع: ورود بعض الآثار عن بعض السلف مما يدل على أن التبديل حقيقي، ومن ذلك ما روي عن السدي أنه قال: \" إنما تبدل الجلود جلودًا غيرها من لحم الكافر، يعيد الجلد لحمًا، ويخرج من اللحم جلدًا آخر، لا يبدل بجلد لم يعمل خطيئة\" (^٢).\nالخامس: أن المعنى الحقيقي يدل على أن الله تعالى أعطاهم مكان كل جلد محترق جلدا آخر غير محترق، وهذا أبلغ في العذاب للشخص، لأن إحساسه لعمل النار في الجلد الذي لم يحترق أبلغ من إحساسه لعملها في الجلد المحترق (^٣).\nفإن قيل: إن المعنى الوصفي نظيره قول العرب للصائغ إذا استصاغته خاتما من خاتم مصوغ، بتحويله عن صياغته التي هو بها إلى صياغة أخرى: صغ لي من هذا الخاتم خاتما غيره. فيكسره ويصوغ له منه خاتما غيره والخاتم المصوغ بالصياغة الثانية هو الأول، ولكنه لما أعيد بعد كسره خاتما قيل هو غيره. فكذلك معنى قوله: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [سورة النساء: ٥٦] لما احترقت الجلود ثم أعيدت جديدة بعد الاحتراق، فقيل هي غيرها على ذلك المعنى (^٤).\nفالجواب من وجهين:\nالوجه الأول: أن هذا الاستشهاد معارض لما تقدم ذكره مما هو مقرر عند السلف وأهل اللغة وما يقتضيه ظاهر الآية من أن المراد: المعنى الحقيقي.\nالوجه الثاني: أن قياس تبديل الجلود بالصائغ الذي يصيغ خاتما من خاتم مصوغ، بتحويله عن صياغته التي هو بها إلى صياغة أخرى: قياس مع الفارق بين الحال في الدنيا وبين\n_________\n(^١) التحرير والتنوير: ابن عاشور (٥/ ٩٠).\n(^٢) الكشف والبيان: الثعلبي (١٠/ ٤٢٧)، وانظر: البحر المحيط: أبو حيان (٧/ ١٤١).\n(^٣) فتح القدير: الشوكاني (١/ ٥٥٤)، وانظر: فتح البيان: القنوجي (٣/ ١٥١).\n(^٤) جامع البيان: الطبري (٧/ ١٦٤) بتصرف، وانظر: معالم التنزيل: البغوي (٢/ ٢٣٧).","vol":"1","page":384},{"text":"حال العذاب يوم القيامة، وهذا في غير محله، إذا لا يُقاس تبديل الجلود بتبديل الصائغ للخاتم، فليست هناك علة مشتركة، تجيز القياس في هذا الحال، والله أعلم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-325> النتيجة:</span>\nبعد ذكر ما تقدم من الأقوال في هذه المسألة، يتبين أن الراجح مع أصحاب القول الأول من أن المراد من التبديل: التبديل الحقيقي، لما تقدم ذكره من الأوجه التي تؤيد ذلك، وضعف دليل من قال بأن المعنى وصفي وليس حقيقي، والله أعلم.","vol":"1","page":385},{"text":"<span data-type='title' id=toc-326>٤٦ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (٥٦)﴾ [سورة النساء: ٥٦].</span>\nقال الرازي: يمكن أن يقال: هذا استعارة عن الدوام وعدم الانقطاع. كما يقال لمن يراد وصفه بالدوام: كلما انتهى فقد ابتدأ. وكلما وصل إلى آخره فقد ابتدأ. من أوله. فكذا قوله: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ﴾ الآية. يعني: كلما ظنوا أنهم نضجوا واحترقوا وانتهوا إلى الهلاك، أعطيناهم قوة جديدة من الحياة. بحيث ظنوا أنهم الآن حدثوا ووجدوا. فيكون المقصود بيان دوام العذاب وعدم انقطاعه (^١).\nقال القاسمي: وهذا أبعد مما قبله. إذ ليس لنا أن نعدل في كلام الله تعالى عن الحقيقة إلى المجاز، إلا عند الضرورة. لا سيما وقد روي عن السلف، صحابة وتابعين، أنهم يبدلون في اليوم أو الساعة مرات عديدة. كما رواه ابن جرير وغيره مفصلا (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-327> أقوال أهل العلم في المراد من تبديل الجلود من حيث الحقيقة والمجاز:</span>\nالقول الأول: أن المراد من تبديل الجلود: التبديل الحقيقي كما هو ظاهر الآية.\nالقول الثاني: أن المراد من تبديل الجلود: الدوام وعدم الانقطاع عن العذاب.\nأصحاب القول الأول:\nالطبري: \" ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ﴾ يقول: كلما انشوت بها جلودهم فاحترقت ﴿بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [سورة النساء: ٥٦] غير الجلود التي قد نضجت فانشوت\" (^٣).\nالواحدي: \"يعني: أنَّ جلودهم إذا نضجت واحترقت جُدِّدت بأن تُردَّ إلى الحال التي كانت عليها غير محترقة\" (^٤).\n_________\n(^١) مفاتيح الغيب: الرازي (١٠/ ١٠٦)، وانظر: اللباب: ابن عادل الحنبلي (٦/ ٤٢٩).\n(^٢) محاسن التأويل: القاسمي (٥/ ١٣٢٩).\n(^٣) جامع البيان: الطبري (٧/ ١٦٣).\n(^٤) الوجيز: الواحدي (ص: ٢٦٩).","vol":"1","page":386},{"text":"البغوي: \" ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ﴾ احترقت ﴿جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ غير الجلود المحترقة\" (^١).\nأبو حيان: \"وأبعد من ذهب إلى أن هذا استعارة عن الدوام، كلما انتهى فقد ابتدأ من أوله يعني: كلما ظنوا أنهم نضجوا واحترقوا وانتهوا إلى الهلاك أعطيناهم قوة جديدة من الحياة\" (^٢).\nأصحاب القول الثاني:\nالرازي: وتقدم كلامه.\nالنيسابوري: \" ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ﴾ أي: انقطعت بعض أماني نفوسهم الأمّارة ومقتضيات هواها. ولا يخفى حسن استعارة الجلود لآثار الشيء من حيث الظهور والاشتمال\" (^٣).\n\n•<span data-type='title' id=toc-328> دراسة المسألة:</span>\nالناظر في هذه المسألة وما ورد فيها من أقوال، يجد أنها قريبة من المسألة السابقة، فكلاهما من قبيل العدول عن ظاهر اللفظ الذي يدل على المعنى الحقيقي، إلى المجاز الذي يُخالف الظاهر.\nولا شك أن الحق في هذه المسألة مع أصحاب القول الأول، من أن تبديل الجلود تبديل حقيقي، وذلك من أوجه:\nالأول: أن الواجب هو حمل ألفاظ القرآن على الحقيقة، كما هو منصوص في القاعدة: بأن نصوص الوحي تُحمل على الحقيقة (^٤). وإذا تبين المعنى الحقيقي من المراد من تبديل الجلود فلا حاجة إلى العدول عنه إلى المعنى المجازي.\n_________\n(^١) معالم التنزيل: البغوي (٢/ ٢٣٧).\n(^٢) البحر المحيط: أبو حيان (٧/ ١٤١). وانظر: التفسير الوسيط: محمد طنطاوي (٣/ ١٨٦).\n(^٣) انظر: غرائب القرآن (٢/ ٤٣١).\n(^٤) انظر: ما تقدم ذكره في مسألة (٤٣) (ص:، وانظر: قواعد الترجيح: حسين الحربي (٢/ ٤٠).","vol":"1","page":387},{"text":"الثاني: أن هذا التأويل مخالف لما روي عن بعض السلف أنهم يبدلون في اليوم أو الساعة مرات عديدة.\nفقد روي عن الحسن أنه قال في تفسير الآية: \"ننضجهم في اليوم سبعين ألف مرة\" (^١).\nولم يرد عن أحد من السلف ما يوافق قول الرازي من أن التبديل استعارة عن دوام العذاب وعدم الانقطاع، والواجب هو اتباع ما عليه السلف ﵏ في تفسير القرآن، فهم خير الناس بعد الأنبياء ﵈.\nالثالث: أن تأويل الرازي ومن تبعه، مخالف لظاهر الآية وما تقتضيه اللغة من معنى التبديل، وقد تقدم في المسألة السابقة.\nتنبيهان:\nالأول: لعل مراد القاسمي ﵀ من قوله: [إلا عند الضرورة] أي: إذا تعذر حمل اللفظ على الحقيقة، أو إلا وجدت قرينة يمكن من خلالها أن يُحمل اللفظ على المجاز، فإن وجدت قرينة جاز حمل اللفظ على المجاز، ولا قرينة في الآية تصرف المعنى الحقيقي إلى المعنى المجازي، والله أعلم.\nالثاني: ما ذكره القاسمي ﵀ من أنه روي عن السلف، أنهم يبدلون في اليوم أو الساعة مرات عديدة، لم يصح ثبوته عن الصحابة، ولكن صح عن التابعين.\nفقد أخرج ابن أبي حاتم بسنده عن ابن عمر قال: قرأ رجل عند عمر هذه الآية ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ فقال عمر: أعدها علي، فأعادها عليه، فقال معاذ بن جبل: عندي تفسيرها: تبدل في ساعة مائة مرة، فقال عمر: هكذا سمعت رسول الله ﷺ (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٧/ ١٦٤). وابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٩٨٣) برقم: (٥٤٩٦).\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم، وسنده ضعيف، لأنه لم يُصرِّح باسم شيخه، وكذلك في سند الرواية نافع مولى يوسف السلمي، متروك الحديث. ينظر: لسان الميزان: ابن حجر (٦/ ١٤٧).","vol":"1","page":388},{"text":"وأخرج ابن أبي حاتم بسنده عن الحسن قوله: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ قال:\nتنضجهم في اليوم سبعين ألف مرة، قال حسين: وزاد فيه فضيل بن هشام عن الحسن: كلما أنضجتهم وأكلت لحومهم، قيل لهم: عودوا، فعادوا (^١).\nولكن مثل هذه الأخبار الغيبية إن صحت عن أحد من الصحابة فله حكم الرفع، وإن صحت عن التابعين، فليس لها حكم الرفع، والأولى أن لا يؤخذ بها لأنها ستكون من قبيل المراسيل، والله أعلم.\nقال الحافظ ابن حجر: \"والحق أن ضابط ما يفسره الصحابي ﵁ إن كان مما لا مجال للاجتهاد فيه ولا منقولا عن لسان العرب فحكمه الرفع وإلا فلا، كالأخبار عن الأمور الماضية من بدء الخلق وقصص الأنبياء وعن الأمور الآتية: كالملاحم والفتن والبعث وصفة الجنة والنار والأخبار عن عمل يحصل به ثواب مخصوص أو عقاب مخصوص، فهذه الأشياء لا مجال للاجتهاد فيها فيحكم لها بالرفع (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-329> النتيجة:</span>\nبعد عرض ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين جليًا أن الحق في تفسير الآية هو حملها على المعنى الحقيقي، فالمراد من تبديل الجلود في قوله تعالى: ﴿بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ أنه إذا احترق الجلد وتلاشى أبدل الله مكانه جلدًا آخر مغايرا للأول، لما تقدم ذكره من الأدلة، وما ورد من النقولات في هذه المسألة والتي قبلها.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٩٨٣) برقم: (٥٤٩٦)، وإسناده صحيح. ينظر: تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (الحاشية) (٣/ ١٤٢).\n(^٢) النكت على كتاب ابن الصلاح: ابن حجر (٢/ ٥٣١).","vol":"1","page":389},{"text":"<span data-type='title' id=toc-330>٤٧ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [سورة النساء: ٥٩].</span>\nقال القاسمي: فهم كثير من الناس والمفسرين أيضا أن طاعة أولي الأمر العلماء، تقليدهم فيما يفتون به. وهو غلط (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-331> أقوال أهل العلم في حكم تقليد العلماء فيما يُفتون به:</span>\nالقول الأول: أن من لوازم طاعة أولي الأمر العلماء، تقليدهم فيما يُفتون به.\nالقول الثاني: ليس من لوازم طاعة العلماء تقليدهم فيما يُفتون به.\nأصحاب القول الأول:\nالكلوذاني (^٢): \"يجوز للعامي في فروع الدين وأحكامه كالبيوع والأنكحة والعتاق، تقليد العالم فيها وبهذا قال أكثر العلماء، لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [سورة النساء: ٨٣] فدل على أنه يرد الحكم إلى أهل الاستنباط\" (^٣).\nأصحاب القول الثاني:\nابن حزم: \"في قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ معنى زائد ليس فيما تقدم من الآية وهو نهيه تعالى عن تقليد أحد واتباعه والأمر\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (٥/ ١٣٤٨).\n(^٢) وهو: الشيخ، الإمام، العلامة، الورع، شيخ الحنابلة، أبو الخطاب محفوظ بن أحمد بن حسن بن حسن العراقي، الكلوذاني، ثم البغدادي، الأزجي، تلميذ القاضي أبي يعلى بن الفراء، مات سنة ٥١٠ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء: الذهبي (١٩/ ٣٤٨).\n(^٣) التمهيد في أصول الفقه: الكلوذاني (٤/ ٣٩٩). ولم يقف الباحث بعد التتبع والنظر على أحد من المفسرين من استدل بالآية على جواز تقليد العلماء فيما يُفتون به.","vol":"1","page":390},{"text":"بالاقتصار على القرآن والسنة فقط ولا مزيد\" (^١).\nالشوكاني: \"ومن جملة ما استدلوا به قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ وقالوا وأولوا الأمر هم العلماء وطاعتهم تقليدهم فيما يفتون به، وأين هذا من الدلالة على مراد المقلدين فإنه لا طاعة للعلماء ولا للأمراء إلا إذا أمروا بطاعة الله على وفق شريعته\" (^٢).\nالشنقيطي: \"وأما استدلالهم على التقليد بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾. قائلين إن المراد بأولي الأمر العلماء، وأن طاعتهم المأمور بها في الآية هي تقليدهم، فهو ظاهر السقوط\" (^٣).\nالشيخ محمد رشيد رضا: \"هذه الآية جعلها بعض الجاهلين حجة على وجوب التقليد، فزعموا أن تفسير أولي الأمر بالعلماء المجتهدين يدل على ذلك، وهو ظاهر البطلان\" (^٤).\n\n•<span data-type='title' id=toc-332> دراسة المسألة:</span>\nفي تفسير هذه الآية استشهد القاسمي ﵀ ليُبين بطلان الاستدلال بها على وجوب التقليد، بإيراد مناظرة بين مقلد وبين صاحب حجة منقاد للحق حيث كان نقلًا عن الإمام ابن القيم ﵀ ونصه: \"قال المقلد: وقد أمر الله تعالى بطاعته وطاعة رسوله ﷺ وأولي الأمر- وهم العلماء. أو العلماء والأمراء- وطاعتهم تقليدهم فيما يفتون به، فإنه لولا التقليد، لم يكن هناك طاعة تختص بهم.\n_________\n(^١) الإحكام في أصول الأحكام: ابن حزم (٤/ ١٣٥).\n(^٢) القول المفيد في أدلة الإجتهاد والتقليد: الشوكاني (ص: ٣٤)، وانظر: فتح البيان: القنوجي (٣/ ١٥٦)، وانظر: تفسير المنار: محمد رشيد رضا (٥/ ١٧٨).\n(^٣) أضواء البيان: الشنقيطي (٧/ ٣٢٨).\n(^٤) تفسير المنار: محمد رشيد رضا (٥/ ١٧٨).","vol":"1","page":391},{"text":"قال: وجوابه أن أولي الأمر، قيل: هم الأمراء. وقيل: هم العلماء. وهما روايتان عن الإمام أحمد. والتحقيق أن الآية تتناول الطائفتين. وطاعتهم من طاعة الرسول ﷺ. لكن خفي على المقلدين أنهم يطاعون في طاعة الله إذا أمروا بأمر الله تعالى ورسوله ﷺ. فأين في الآية تقديم آراء الرجال على سنة رسول الله ﷺ وإيثار التقليد عليها؟.\nقال ابن القيم: \"إن هذه الآية من أكبر الحجج عليهم وأعظمها إبطالا للتقليد. وذلك من وجوه:\nأحدها: الأمر بطاعة الله التي هي امتثال أمره واجتناب نهيه.\nالثاني: طاعة رسول الله ﷺ. ولا يكون العبد مطيعا لله ولرسوله حتى يكون عالما بأمر الله تعالى ورسوله. وأما من هو مقلد فيها لأهل العلم لم يمكنه تحقيق طاعة الله ورسوله ﷺ البتة.\nالثالث: أن أولي الأمر قد نهوا عن تقليدهم، كما صح ذلك عن معاذ بن جبل ﵁ وعبد الله بن مسعود ﵁ وعبد الله بن عمر ﵁ وعبد الله بن عباس ﵁ وغيرهم من الصحابة. وذكرناه عن الأئمة الأربعة وغيرهم.\nوحينئذ فطاعتهم في ذلك إن كانت واجبة بطل التقليد. وإن لم تكن واجبة بطل الاستدلال (^١).\nالرابع: أنه ﷾، قال في الآية نفسها: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. وهذا صريح في إبطال التقليد والمنع من رد المتنازع فيه إلى رأي أو مذهب أو تقليد.\nفإن قيل: فما هي طاعتهم المختصة بهم؛ إذ لو كانوا إنما يطاعون فيما يخبرون به عن الله ورسوله كانت الطاعة لله ورسوله لا لهم؟\n_________\n(^١) انظر ما أورده ابن القيم ﵀ عن الأئمة الأربعة وغيرهم في إعلام الموقعين (٣/ ٤٦٩).","vol":"1","page":392},{"text":"قيل: وهذا هو الحق، وطاعتهم إنما هي تبع لا استقلال، ولهذا قرنها بطاعة الرسول ولم يعد العامل، وأفرد طاعة الرسول وأعاد العامل لئلا يتوهم أنه إنما يطاع تبعا كما يطاع أولو الأمر تبعا، وليس كذلك، بل طاعته واجبة استقلالا سواء كان ما أمر أو نهى عنه في القرآن أو لم يكن\" (^١).\nويُضاف على ما ذكره ابن القيم وجهان:\nالأول: لو فرضنا أن في العلماء من يرشد الناس إلى التقليد ويرغبهم فيه لكان يرشد إلى معصية الله، ولا طاعة له بنص حديث من رسول الله ﷺ (^٢).\nفقد روى البخاري في صحيحه عن علي ﵁، قال: بعث النبي ﷺ سرية، وأمر عليهم رجلا من الأنصار، وأمرهم أن يطيعوه، فغضب عليهم، وقال: أليس قد أمر النبي ﷺ أن تطيعوني؟ قالوا: بلى، قال: قد عزمت عليكم لما جمعتم حطبا، وأوقدتم نارا، ثم دخلتم فيها فجمعوا حطبا، فأوقدوا نارا، فلما هموا بالدخول، فقام ينظر بعضهم إلى بعض، قال بعضهم: إنما تبعنا النبي ﷺ فرارا من النار أفندخلها؟ فبينما هم كذلك، إذ خمدت النار، وسكن غضبه، فذكر للنبي ﷺ، فقال: «لو دخلوها ما خرجوا منها أبدا، إنما الطاعة في المعروف» (^٣).\nالثاني: الاستدلال بالآية على وجوب التقليد قد يلزم منه طاعة أولي الأمر - وهم العلماء- في المعصية وهذا لا يجوز إجماعا فيما خالف كتابا أو سنة، ولا طاعة لهم إلا في المعروف كما جاءت به الأحاديث الصحيحة عنه ﷺ (^٤).\n_________\n(^١) إعلام الموقعين: ابن القيم (٣/ ٥٤١، ٥٤٢).\n(^٢) فتح البيان: القنوجي (٣/ ١٥٦)، وانظر: تفسير المنار: محمد رشيد رضا (٥/ ١٧٨).\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب الأحكام، باب السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية، برقم: (٧١٤٥)، وأخرجه مسلم، كتاب الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية، وتحريمها في المعصية، برقم: (١٨٤٠).\n(^٤) أضواء البيان: الشنقيطي (٧/ ٣٢٨).","vol":"1","page":393},{"text":"تنبيه:\nما تعقَّب به القاسمي ﵀ على من قال بوجوب التقليد، وما أورده من كلام ابن القيم، يُحمل على تقليد المجتهد أو العالم أو طالب العلم للمجتهد فيما يُفتي به.\nلأن الحق والله أعلم أن التقليد ليس مذموم على إطلاقه، فقد نص جمع من الأصوليين أن العامي أو الجاهل يجوز له التقليد.\nفقوله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ المراد به العامة الذين لا يدرون الشرع، ولا يعرفون طرق الاستنباط، فهؤلاء يلزمهم مراجعة جميع العلماء إذ ليس لهم آلة هذا الشأن، يدل عليه قوله تعالى: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ فعُلِم أنه أراد المقلد؛ لأنه إذا كان عالمًا فهو من أهل الاستنباط (^١).\nقال العلامة العثيمين ﵀: \" من فوائد الآية الكريمة: تحريم التقليد مع وضوح الدليل، لقوله: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾، وإنما قلنا: مع وضوح الدليل، لأن التقليد يجوز للضرورة إذا لم يعلم الإنسان، لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، ولم يأمر سبحانه بسؤال أهل الذكر إلا للرجوع إلى ما يقولون، وإلا لم يكن هناك فائدة من سؤال أهل الذكر\" (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-333> النتيجة:</span>\nمن خلال عرض ما تقدم من الأقوال وما قيل في تفسير الآية، يظهر أن الصواب مع أصحاب القول الثاني من أن قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ لا دلالة فيه على وجوب التقليد، ولا بأس أن يُقلد العامي أو الجاهل العالم فيما يُفتي به، لما تقدم إيراده من الأدلة، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: العدة في أصول الفقه: القاضي أبو يعلى (٤/ ١٢٣٢). وانظر: شرح مختصر الروضة (٣/ ٦٣٤)، وانظر: التحقيق والبيان في شرح البرهان: الأبياري (٣/ ٣٧٤).\n(^٢) تفسير القرآن الكريم: العثيمين (سورة النساء) (١/ ٤٥٦، ٤٥٧).","vol":"1","page":394},{"text":"<span data-type='title' id=toc-334>٤٨ - قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١)﴾ [سورة النساء: ٦١]</span>\nقال أبو مسلم الأصفهاني: ظاهر الآية يدل على أنه كان منافقا من أهل الكتاب. مثل: إنه كان يهوديا فأظهر الإسلام على سبيل النفاق. لأن قوله تعالى: ﴿يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ إنما يليق بمثل هذا المنافق (^١).\nقال القاسمي: أقول: ما استظهره مناف لما أسلفناه مما روي في نزولها. على أن توصيفهم بالإيمان ب (ما أنزل من قبل) لا يؤيد ما ذكره. لأن هذا كثيرا ما يذكر تنويها به وتثبيتا لركنيته في الإيمان. وتذكيرا له. كما لا يخفى على من سبر قاعدة التنزيل في أمثاله. فاعرفه (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-335> أقوال أهل العلم في الرجل الذي اختصم مع اليهودي:</span>\nالقول الأول: أن الرجل الذي اختصم مع اليهودي كان منافقًا من أهل الكتاب.\nالقول الثاني: أن الرجل الذي اختصم مع اليهودي كان منافقًا، من غير تخصيص أنه من أهل الكتاب.\nأصحاب القول الأول:\nأبو مسلم: وتقدم قوله.\nأبو زهرة: \"الذين اختصموا هم في الأصل من أهل الكتاب الذين يدعون أنهم آمنوا بما أنزل على موسى والأنبياء قبله. وبهذا النص الكريم يتعين أن يكون أولئك من المنافقين من اليهود الذين كانوا يظهرون الإيمان\" (^٣).\n_________\n(^١) مفاتيح الغيب: الرازي (١٠/ ١٢١).\n(^٢) محاسن التأويل: القاسمي (٥/ ١٣٥٤).\n(^٣) زهرة التفاسير: أبو زهرة (٤/ ١٧٣٤).","vol":"1","page":395},{"text":"أصحاب القول الثاني:\nجماعة من السلف وهم: عامر الشعبي، وقتادة (^١)، ومجاهد (^٢).\nالسمعاني: \"القول الأصح: أن رجلا من اليهود خاصم رجلا من المنافقين\" (^٣).\n\n•<span data-type='title' id=toc-336> دراسة المسألة:</span>\nمن خلال عرض ما تقدم من الأقوال في هذه المسألة وما ورد في تفسير الآية وسبب نزولها، يظهر أن كلا القولين مُحتمل، فيُحتمل أن الرجل الذي خاصم اليهودي كان مُنافقًا من عبدة الأصنام أو الأوثان، ويُحتمل أنه كان منافقًا من أهل الكتاب، وذلك مما يلي:\nأولا: احتمال أن يكون الرجل الذي خاصم اليهودي مُنافقًا من عبدة الأصنام أو الأوثان:\nفقد أورده القاسمي ﵀ في تفسير الآية من الآثار الواردة في سبب نزولها، الدالة على ذلك:\nومن ذلك: ما أخرجه ابن أبي حاتم والطبراني بسند صحيح عن ابن عباس ﵁ قال: كان أبو برزة الأسلمي (^٤) كاهنا يقضي بين اليهود فيما يتنافرون فيه. فتنافر إليه ناس من المسلمين. فأنزل الله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا﴾. إلى قوله- ﴿إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ (^٥).\n_________\n(^١) أخرج أقوالهم ابن جرير الطبري في تفسيره (٧/ ١٩٠، ١٩١). وأورد نحوها البغوي في تفسيره (٢/ ٢٤٢)، والثعلبي في تفسيره (١٠/ ٣٥٢).\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٩٩١) برقم: (٥٥٤٨). والطبراني في المعجم الكبير (١١/ ٣٧٣) برقم: (١٢٠٤٥).\n(^٣) تفسير القرآن: السمعاني (١/ ٤٤١). بتصرف.\n(^٤) وهو: نضلة بن عبيد أبو برزة الأسلمي، أسلم قديما، وشهد فتح مكة، وهو الذي قتل عبد العزى بن خطل تحت أستار الكعبة، وغزا مع رسول الله ﷺ غزوات منها خيبر. ينظر: معرفة الصحابة: ابن نعيم (٥/ ٢٦٨٢).\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٩٩١) برقم: (٥٥٤٧)، وانظر: تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (الحاشية) (٣/ ١٥١).","vol":"1","page":396},{"text":"قال القاسمي: \"أقول: ثم أسلم أبو برزة ﵁ وصحب النبي ﷺ. واسمه نضلة بن عبيد\" (^١).\nقال الحافظ ابن حجر: صحابي مشهور بكنيته. أسلم قبل الفتح. وغزا سبع غزوات. ثم نزل البصرة. وغزا خراسان ومات بها سنة خمس وستين على الصحيح (^٢).\nوأخرج ابن أبي حاتم بسنده الحسن عن محمد بن إسحاق، عن ابن عباس قال: كان الجلاس بن الصامت (^٣) قبل توبته فيما بلغني، ومعتب بن قشير (^٤)، ورافع بن زيد (^٥)، وبشير كانوا يدّعون الإسلام، فدعاهم رجال من قومهم من المسلمين في خصومة كانت بينهم إلى رسول الله ﷺ، فدعوهم إلى الكهان حكام الجاهلية، فأنزل الله تعالى فيهم ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ الآية (^٦).\nوأخرج ابن جرير عن الشعبي قال: كان بين رجل من اليهود ورجل من المنافقين خصومة. فقال اليهودي: أحاكمك إلى أهل دينك، أو قال: إلى النبي ﷺ، لأنه قد علم أن لا يأخذ الرشوة في الحكم. فاختلفا. واتفقا على أن يأتيا كاهنا في جُهينة (^٧) فنزلت (^٨).\nفهذه الآثار وغيرها ظاهرها يدل على أن الذي اختصم مع اليهودي كان مُنافقًا من\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (٥/ ١٣٥٣).\n(^٢) تقريب التهذيب: ابن حجر (ص: ٥٦٣).\n(^٣) وهو: الجلاس بن سويد بن الصامت بن خالد بن عطية بن خوط بن حبيب بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس الأنصاري الأوسي ثم من بني عمرو بن عوف، له صحبة، وله ذكر في المغازي. ينظر: أسد الغابة: ابن حجر (١/ ٣٤٦).\n(^٤) وهو: معتب بْن قشير وقيل: معتب بْن بشير بْن مليل بْن زيد بْن العطاف بْن ضبيعة بْن زيد بْن مالك بْن عوف بْن عَمْرو بْن عوف بْن مالك بْن الأوس الأنصاري الأوسي، شهد العقبة، وبدرا، وأحدا. ينظر: أسد الغابة: ابن حجر (٤/ ٤٤٩).\n(^٥) وهو: رافع بن زيد وقيل: ابن يزيد بن كرز بن سكن بن زعوراء بن عبد الأشهل الأنصاري الأوسي الأشهلي، كذا نسبه ابن إسحاق، والواقدي، وأبو معشر، شهد بدرا، قيل مات سنة ثلاث من الهجرة» ينظر: أسد الغابة: ابن حجر (٢/ ٣٩).\n(^٦) الدر المنثور: السيوطي (٢/ ٥٨٠)، وانظر: فتح القدير: الشوكاني (١/ ٥٥٩)، وانظر: موسوعة الصحيح المسبور: حكمت بشير (٢/ ٧٢).\n(^٧) جهينة قبيلة تنتسب إلى قُضاعة، وقُضاعة من عدنان. ينظر: قلائد الجمان: القلقشندي (ص: ٤٢).\n(^٨) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٧/ ١٩٠)، وانظر: محاسن التأويل: القاسمي (٥/ ١٣٥٣).","vol":"1","page":397},{"text":"عبدة الأصنام أو الأوثان، ولم يكن مُنافقًا من أهل الكتاب.\nثانيًا: احتمال أن يكون الرجل الذي خاصم اليهودي مُنافقًا من أهل الكتاب:\nفقد روي عن السدي: أن الآية نزلت في المنافقين من قريظة والنضير، تفاخروا بسبب تكافؤ دمائهم، إذ كانت النضير في الجاهلية تدي من قتلت وتستقيه إذا قتلت قريظة منهم، فأبت قريظة لما جاء الإسلام، وطلبوا المنافرة، فدعا المؤمنون منهم إلى النبي ﷺ، ودعا المنافقون إلى بردة الكاهن، فنزلت (^١).\nولا تعارض بين القولين، فلا مانع أن تكون الآية نزلت مرتين: مرة في هؤلاء ومرة في هؤلاء، ومثل هذا التوجيه يقرره ابن تيمية ﵀ في مقدمته لأصول التفسير (^٢).\nتنبيه:\nتعليل أبي مسلم بأن قوله تعالى: ﴿وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ إنما يليق بمثل هذا المنافق، غير مُسَلَّم، إذ إن المراد من قوله تعالى: ﴿وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ ما أنزل على الأنبياء والأقدمين أو ما أنزل من التوراة، والمنافق الذي يُظهر الإسلام، يُظهر كذلك أنه مؤمن بما أنزل من قبل لأن هذا ركن من أركان الإيمان، فيذكر تنويها به وتثبيتا لركنيته في الإيمان. وتذكيرا له كما قال القاسمي ﵀. أو أنهم وصفوا بهذا الزعم لتأكيد العجيب وتشديد التوبيخ والاستقباح (^٣)، وجميعه يليق بمنافقي أهل الكتاب، أو الذين يدَّعون الإسلام.\n\n•<span data-type='title' id=toc-337> النتيجة:</span>\nبعد ذكر ما تقدم من الأقوال والآثار في سبب نزول قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ يظهر أن كلا الأمرين محتمل: فجائز أن يكون نزل في رجل منافق من عبدة الأصنام أو الأوثان، وجائز أن يكون نزل في رجل كان منافقا من أهل الكتاب، ولا تعارض كما تقدم، والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٧/ ١٩٢)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٩٩١) برقم: (٥٥٤٩)، وانظر: المحرر الوجيز: ابن عطية (٣/ ٢٠٥)، وانظر: البحر المحيط: أبو حيان (٧/ ١٥٦، ١٥٧).\n(^٢) انظر: مقدمة أصول التفسير: ابن تيمية (ص: ١٧).\n(^٣) انظر: روح المعاني: الآلوسي (٦/ ١٠٩).","vol":"1","page":398},{"text":"<span data-type='title' id=toc-338>٤٩ - قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (٦٢)﴾ [سورة النساء: ٦٢].</span>\nقال الرازي: ذكروا في تفسير قوله تعالى: ﴿أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ وجوها: الأول- إن المراد منه قتل عمر ﵁ صاحبهم الذي أقر أنه لا يرضى بحكم الرسول ﵇. فهم جاءوا إلى النبي ﷺ، فطالبوا عمر بدمه. وحلفوا أنهم ما أرادوا بالذهاب إلى غير الرسول إلا المصلحة. وهذا اختيار الزجاج (^١).\nقال القاسمي: قلت: واختياره غير مختار. لأن قصة قتل عمر لم ترو من طريق صحيح ولا حسن. فهي ساقطة عند المحققين (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-339> أقوال أهل العلم في تفسير قوله تعالى ﴿أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾:</span>\nالقول الأول: إن المراد من المصيبة: النقمة والعقوبة بالذنب والبلاء والعجز عن دفعه، ونحو ذلك، مما يدخل في عموم المراد من المصيبة، التي تقع بقضاء الله وقدره، وإلى هذا ذهب القاسمي ﵀ (^٣).\nالقول الثاني: إن المراد من المصيبة: قتل عمر صاحبهم الذي أقر أنه لا يرضى بحكم الرسول ﵇. فهم جاءوا إلى النبي ﷺ، فطالبوا عمر بدمه. وحلفوا أنهم ما أرادوا بالذهاب إلى غير الرسول إلا المصلحة.\n_________\n(^١) انظر: معاني القرآن وإعرابه: الزجاج (٢/ ٦٩)، وانظر: معاني القرآن: النحاس (٢/ ١٢٦)، وانظر: النكت والعيون: الماوردي (١/ ٥٠٢)، وانظر: التفسير البسيط: الواحدي (٦/ ٥٥٣)، وانظر: مفاتيح الغيب: الرازي (١٠/ ١٢٣).\n(^٢) محاسن التأويل: القاسمي (٥/ ١٣٥٦، ١٣٥٧).\n(^٣) انظر: محاسن التأويل: القاسمي (٥/ ١٣٥٦).","vol":"1","page":399},{"text":"أصحاب القول الأول (^١):\nالطبري: \" ﴿إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ يعني: إذا نزلت بهم نقمة من الله\" (^٢).\nالبغوي: \" ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ هذا وعيد، أي: فكيف يصنعون إذا أصابتهم مصيبة\" (^٣).\nابن جزي: \" ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ الآية: أي كيف يكون حالهم إذا عاقبهم الله بذنوبهم\" (^٤).\nالقنوجي: \" ﴿فَكَيْفَ﴾ بيان لعاقبة أمرهم وما صار إليه حالهم أي كيف يكون حالهم ﴿إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ أي وقت إصابتهم فإنهم يعجزون عند ذلك ولا يقدرون على الدفع\" (^٥).\nأصحاب القول الثاني:\nالزجاج: \"أي فكيف تكون حالهم إذا قُتِل صاحبهم بما أظهر من الخيانة ورَدَّ حُكم النبي ﷺ \" (^٦).\nأبو الحسن النيسابوري (^٧): \"فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم: أي: قتل\n_________\n(^١) بعد التتبع والنظر في أقوال أهل العلم لم يظفر الباحث بقول أحد من أهل العلم من المتقدمين أو المتأخرين ممن نص على ضعف ما روي في قصة قتل عمر ﵁ الرجل الذي لم يرضَ بحكم الله ورسوله، إلا ما جاء عن ابن كثير ﵀ وسيأتي إيراده في دراسة المسألة.\n(^٢) جامع البيان: الطبري (٧/ ١٩٦).\n(^٣) معالم التنزيل: البغوي (٢/ ٢٤٣).\n(^٤) التسهيل: ابن جزي (١/ ١٩٨).\n(^٥) فتح البيان: القنوجي (٣/ ١٦٤).\n(^٦) معاني القرآن: الزجاج (٢/ ٦٩).\n(^٧) وهو: محمود بن أبي الحسن بن الحسين النيسابوري الغزنوي يلقب ببيان الحق: كان عالما بارعا مفسرا لغويا فقيها متفننا فصيحا له تصانيف منها: كتاب خلق الانسان، وايجاز البيان، مات سنة ٥٥٠ هـ. ينظر: معجم الأدباء: الحموي (٦/ ٢٦٨٦).","vol":"1","page":400},{"text":"صاحبهم بما رد حكم النبي ﷺ. إن أردنا إلا إحسانا: أي: ما أردنا بطلبنا دم صاحبنا إلا الإحسان\" (^١).\nالبيضاوي: \"فكيف يكون حالهم ﴿إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ كقتل عمر المنافق أو النقمة من الله تعالى\" (^٢).\nالنسفي (^٣): \" ﴿فَكَيْفَ﴾ تكون حالهم وكيف يصنعون ﴿إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ من قتل عمر بشرا\" (^٤).\n\n•<span data-type='title' id=toc-340> دراسة المسألة:</span>\nمن خلال النظر في أسانيد القصة الواردة في قتل عمر بن الخطاب ﵁ المنافق الذي أبى حكم النبي ﷺ وحكم أبي بكر الصديق ﵁، نجد أنها لا تسلم من مقال، أو قدح في إسنادها يُردي بها إلى درجة الضعف، وأشهر الروايات التي وردت فيها روايتان:\nالرواية الأولى: ما أخرجه ابن أبي حاتم بسنده عن يونس بن عبد الأعلى قراءة، أنبأ ابن وهب، أخبرني عبد الله بن لهيعة عن أبي الأسود قال: اختصم رجلان إلى رسول الله ﷺ، فقضى بينهما، فقال الذي قضى عليه: ردنا إلى عمر بن الخطاب، فقال رسول الله ﷺ: نعم، انطلقا إلى عمر ..... الأثر (^٥).\nوالعلة في الرواية: أن في إسنادها عبد الله بن لهيعة، وهو ضعيف.\nقال ابن معين: ضعيف لا يحتج به (^٦).\n_________\n(^١) إيجاز البيان: النيسابوري (١/ ٢٤٦).\n(^٢) أنوار التنزيل: البيضاوي (٢/ ٨١).\n(^٣) وهو: عبد الله بن أحمد بن محمود النسفي علامة الدنيا أبو البركات، له المستصفى في شرح المنظومة، وله شرح النافع سماه بالمنافع وله الكافي في شرح الوافي، مات سنة ٧٠١ هـ. ينظر: الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة: ابن حجر (٣/ ١٧).\n(^٤) مدارك التنزيل: النسفي (١/ ٣٦٩).\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٩٩٤) (٥٥٥٩).\n(^٦) ميزان الاعتدال: الذهبي (٢/ ٤٧٥).","vol":"1","page":401},{"text":"وقال ابن كثير: \"كذا رواه ابن مردويه من طريق ابن لهيعة عن أبي الأسود به، وهو أثر غريب مرسل، وابن لهيعة ضعيف\" (^١).\nالرواية الثانية: جاءت من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس ﵁: \"نزلت في رجل من المنافقين، يقال له: بشر؛ كان بينه وبين يهودي خصومة، فقال اليهودي: أنطلق بنا إلى محمد، وقال المنافق: بل نأتي كعب بن الأشرف -وهو الذي سماه الطاغوت- فأبى اليهودي أن يخاصمه إلا إلى رسول الله ﷺ، فلما رأى المنافق ذلك، أتى معه إلى رسول الله ﷺ، فاختصما إليه، فقضى رسول الله ﷺ لليهودي، فلما خرجا من عنده، لزمه المنافق، وقال: انطلق بنا إلى عمر بن الخطاب ..... الأثر\" (^٢).\nوهذه الرواية فيها ثلاث علل:\nالأولى: أن في إسنادها الكلبي تهم بالكذب، ورمي بالرفض (^٣).\nالثانية: في إسنادها أبي صالح وهو ضعيف مُدَلّس (^٤).\nالثالثة: وهي التي تزيدها ضعفًا: وهي رواية الكلب عن أبي صالح.\nقال ابن معين: \"الكلبي إذا روى عن أبي صالح فليس بشيء؛ لأن الكلبي يحدِّث به مرة من رأيه، ومرة عن أبي صالح، ومرة عن أبي صالح عن ابن عباس ﵁، فإذا حدث غير الكلبي عن أبي صالح فليس به بأس\" (^٥).\nوبهذا يتبين جليًا ضعف إسناد هذه الرواية، وعليه يبقى تأويل الآية على عمومه كما قال القاسمي ﵀ في تفسيرها: \"أي كيف يكون حالهم إذا ساقتهم التقادير إليك، في مصائب تطرقهم بسبب ذنوبهم، التي منها المحاكمة إلى الطاغوت والكراهة لحكمك،\n_________\n(^١) تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٣/ ١٥٥).\n(^٢) الكشف والبيان: الثعلبي (١٠/ ٤٥٣).\n(^٣) انظر: الكامل في ضعفاء الرجال: ابن عدي (٧/ ٢٧٤)، وانظر: ميزان الاعتدال: الذهبي (٣/ ٥٥٦، ٥٥٧).\n(^٤) انظر: تقريب التهذيب: ابن حجر (ص: ١٢٠)، وانظر: ديوان الضعفاء: الذهبي (ص: ٤٤).\n(^٥) التاريخ الكبير: البخاري (٣/ ٤٨).","vol":"1","page":402},{"text":"واحتاجوا إليك في ذلك ثم جاؤك للاعتذار عما صنعوا من القبائح يحلفون بالله كذبا إن أردنا أي ما أردنا بذلك التحاكم إلا إحسانا أي فصلا بالوجه الحسن وتوفيقا بالصلح بين الخصمين. ولم نرد مخالفة لك ولا تسخطا لحكمك. فلا تؤاخذنا بما فعلنا. وهذا وعيد لهم على ما فعلوا. وأنهم سيندمون عليه حين لا ينفعهم الندم. ولا يغني عنهم الاعتذار\" (^١).\nتنبيه:\nروي في تفسير الآية عن الضحاك ومقاتل: أنها نزلت في شأن الذين بنوا مسجد ضرار، فلما أظهر الله نفاقهم وأمر بهدم المسجد، حلفوا لرسول الله ﷺ دفعا عن أنفسهم: ما أردنا ببناء المسجد إلا طاعة الله وموافقة الكتاب (^٢). فهذا يؤخذ به إن صح إسناده، والله أعلم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-341> النتيجة:</span>\nبعد عرض ما تقدم في تفسير قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ يتبين أن الصواب في تفسيرها مع أصحاب القول الأول من أن الآية على عمومها في المنافقين. لما تقدم ذكره من بيان ضعف إسناد الرواية الواردة في قتل عمر الرجل الذي أقر أنه لا يرضى بحكم ولا رسوله، والله أعلم.\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (٥/ ١٣٥٦).\n(^٢) بحر العلوم: السمرقندي (١/ ٣١٤). وانظر: الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (٦/ ٤٣٨، ٤٣٩)، وانظر: البحر المحيط: أبو حيان (٧/ ١٥٩).","vol":"1","page":403},{"text":"<span data-type='title' id=toc-342>٥٠ - قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [سورة النساء: ٦٥].</span>\nقال القاسمي: وقع في التفسير المنسوب لابن عباس ﵁، هاهنا، ذكر حاطب بن أبي بلتعة ﵁ وتلقيبه بالمنافق وإدراجه تحت قوله تعالى ﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ﴾ [سورة النساء: ٦١] (^١). وفي صحة هذا عن ابن عباس نظر. وكيف؟ وقد كان ﵁ من البدريين. وقد انتفى النفاق عمن شهدها (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-343> أقوال أهل العلم في المراد بالمنافقين في قوله تعالى: ﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ﴾</span> (^٣):\nالطبري: \" ﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ﴾ يعني بذلك: يمتنعون من المصير إليك لتحكم بينهم، ويمنعون من المصير إليك كذلك غيرهم صدود\" (^٤).\nالسمعاني: \" ﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ هو ما ذكرنا، أن المنافقين دعوا إلى التحاكم إلى الرسول، فأعرضوا عنه، وتحاكموا إلى الطاغوت \" (^٥).\nابن كثير: \" ﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ أي: يعرضون عنك إعراضا كالمستكبرين عن ذلك، كما قال تعالى عن المشركين: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [سورة لقمان: ٢١] \" (^٦).\nالشنقيطي: \"ذكر في هذه الآية الكريمة أن المنافقين إذا دعوا إلى ما أنزل الله، وإلى\n_________\n(^١) تنوير المقباس: الفيروز آبادي (ص: ٧٣).\n(^٢) محاسن التأويل: القاسمي (٥/ ١٣٦٥).\n(^٣) بعد التتبع والنظر واستقراء ما ذكره المفسرون وأوردوه في تفسير الآية، لم يتم العثور على أحد من الأعلام أو المفسرين ممن وافق القول المنسوب إلى ابن عباس ﵁.\n(^٤) جامع البيان: الطبري (٧/ ١٩٥).\n(^٥) تفسير القرآن: السمعاني (١/ ٤٤٢).\n(^٦) تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٣/ ١٥١).","vol":"1","page":404},{"text":"الرسول ﷺ يصدون عن ذلك صدودا أي: يعرضون إعراضا\" (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-344> دراسة المسألة:</span>\nالناظر في قصة الخصومة التي كانت بين الزبير بن العوام وحاطب بن أبي بلتعة ووصفه بالمنافق، يجد أنها مردودة من وجهين:\nالأول: من جهة الرواية: فإن نسبة وصف حاطب بن أبي بلتعة بالنفاق إلى ابن عباس لا تصح.\nوذلك لأن جميع ما روى عن ابن عباس ﵁ في هذا التفسير المنسوب إليه يدور على محمد بن مروان السدى الصغير، عن محمد بن السائب الكلبى، عن أبى صالح، عن ابن عباس.\nوطريق محمد بن السائب الكلبى عن أبى صالح عن ابن عباس، تُعد من أوهى الطرق. والكلبى مشهور بالتفسير، وليس لأحد تفسير أطول منه ولا أشبع كما قال ابن عدى في الكامل (^٢)، ومع ذلك فإن وُجِدَ مَنْ قال: رضوه فى التفسير، فقد وُجِد مَنْ قال: أجمعوا على ترك حديثه، وليس بثقة، ولا يُكتب حديثه، واتهمه جماعة بالوضع. وممن يروى عن الكلبى، محمد بن مروان السدى الصغير، وقد قالوا فيه: إنه يضع الحديث، وذاهب الحديث متروك، ولهذا قال السيوطي: \"فإن انضم إلى ذلك - أي طريق الكلبى - رواية محمد بن مروان السدى الصغير، فهي سلسلة الكذب\" (^٣).\nوقال السيوطي أيضًا: \"الكلبى: اتهموه بالكذب وقد مرض فقال لأصحابه في مرضه: كل شيء حدثتكم عن أبى صالح كذب .. ومع ضعف الكلبى فقد روى عنه تفسيره مثله أو أشد ضعفًا، وهو محمد بن مروان السدى الصغير\" (^٤)، وكثيرًا ما يخرج من هذه الطريق الثعلبي والواحدي (^٥).\n_________\n(^١) أضواء البيان: الشنقيطي (١/ ٢٤٥).\n(^٢) انظر: الكامل في الضعفاء: ابن عدي (٧/ ٢٧٤ - ٢٨٢).\n(^٣) الإتقان: السيوطي (٤/ ٢٣٩).\n(^٤) الدر المنثور: السيوطي (٨/ ٧٠٠).\n(^٥) انظر: التفسير والمفسرون: الذهبي (١/ ٨٥).","vol":"1","page":405},{"text":"وبهذا يتبين لنا ضعف إسناد ما روي عن ابن عباس ﵁ من إدراج حاطب بن أبي بلتعة ﵁ وتلقيبه بالمنافق تحت قوله تعالى: ﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ﴾.\nالثانية: من جهة الدراية: فإن إدراج مثل هذا الصحابي الجليل تحت قوله تعالى: ﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ﴾ ووصفه بالمنافق، لمن الظلم والطعن الذي نهى عنه النبي ﷺ.\nكيف لا وفي قصة الظعينة (^١) عندما قال عمر: يا رسول الله! دعني أضرب عنق هذا المنافق. فقال «إنه قد شهد بدرا. وما يدريك لعل الله أن يكون قد اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم» (^٢). فهذه الرواية صريحة في الحكم على انتفاء النفاق عن الصحابي الجليل حاطب بن أبي بلتعة ﵁.\nتنبيه:\nأورد جمع من أئمة التفسير أن سبب نزول قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ ما وقع من الخصام بين الزبير بن العوام وحاطب بن أبي بلتعة (^٣)، ومستندهم في ذلك والله أعلم ما أخرجه ابن أبي حاتم من طريق سعيد بن عبد العزيز عن الزهري عن سعيد بن المسيب في قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ الآية. قال: نزلت في الزبير بن العوام وحاطب بن أبي بلتعة، اختصما في ماء … الحديث (^٤).\nقال ابن حجر: \"وإسناده قوي مع إرساله. فإن كان سعيد بن المسيب سمعه من الزبير،\n_________\n(^١) الظعن جمع الظعينة وهي المرأة وأصله الهودج إذا كانت فيه المرأة ثم أطلق على المرأة، وهي المرأة التي أعطاها حاطب بن أبي بلتعة الكتاب يخبر فيه المشركين ببعض خبر رسول الله ﷺ، وقيل اسمها سارة ينظر: فتح الباري: ابن حجر (١/ ١٥١) (٧/ ٥٢٠).\n(^٢) أخرجه البخاري: كتاب الجهاد، باب ﴿لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء﴾، برقم: (٤٨٩٠)، وأخرجه مسلم: كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أهل بدر ﵃ وقصة حاطب بن أبي بلتعة، برقم: (٢٤٩٤).\n(^٣) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان (١/ ٣٨٦)، وانظر: تفسير القرآن: السمعاني (١/ ٤٤٤)، معالم التنزيل: البغوي (٢/ ٢٤٥).\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٩٩٤) برقم: (٥٥٥٩).","vol":"1","page":406},{"text":"فيكون موصولا\" (^١). وعلى فرض صحته، فإنه لم يصف أحد من أهل العلم حاطبًا ﵁ بالنفاق.\nوعليه فإن الرجل الأنصاري الذي خاصم الزبير ليس بمعين ولا مُسمى كما تقدم في كلام القرطبي.\nفائدة:\nاختار الطبري أن يكون نزول الآية في المنافق واليهودي. كما قال مجاهد، ثم تتناول بعمومها قصة الزبير (^٢).\nقال ابن العربي: \"وهو الصحيح. وكل من اتهم رسول الله ﷺ في الحكم فهو كافر، لكن الأنصاري زل زلة فأعرض عنه النبي ﷺ وأقال عثرته لعلمه بصحة يقينه وأنها كانت فلتة، وليس ذلك لأحد بعد النبي ﷺ وكل من لم يرض بحكم الحاكم بعده فهو عاص آثم (^٣).\nوعليه فإنه على فرض صحة نزول الآية في الخصام الذي وقع بين الزبير بن العوام وحاطب بن أبي بلتعة ﵄، فإن اعتراض حاطبًا يُعد من الزلل المغفور له مع صحة يقينه، والله أعلم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-345> النتيجة:</span>\nبعد عرض ما تقدم من الأقوال في هذه المسألة، يتبين جليًا أن ما نسب إلى ابن عباس ﵁ من أن المراد من قوله تعالى: ﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ﴾ الصحابي الجليل حاطب بن أبي بلتعة ﵁، لم يصح عنه من جهة الرواية والدراية، لما تقدم بيانه.\nوعلى فرض ما صح من خصومة حاطب بن أبي بلتعة مع الزبير بن العوام، فيُحكم عليه أنه أخطأ وزل ﵁ في تصرفه، ولا يوصف ﵁ بالمنافق.\n_________\n(^١) فتح الباري: ابن حجر (٥/ ٣٥، ٣٦).\n(^٢) انظر: جامع البيان: الطبري (٧/ ٢٠٤).\n(^٣) أحكام القرآن: ابن العربي (١/ ٥٧٨)، وانظر: الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (٦/ ٤٤١، ٤٤٢).","vol":"1","page":407},{"text":"<span data-type='title' id=toc-346>٥١ - قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦)﴾ [سورة النساء: ٦٦].</span>\nقال بعض المفسرين: أراد حقيقة القتل والخروج من الديار. وقيل: أراد التعرض للقتل بالجهاد. وأراد الهجرة بالخروج من الديار. والمعنى: لو أمر المنافقون، كما أمر المؤمنون، ما فعلوه. انتهى.\nقال القاسمي: والقول الثاني بعيد. لأنه لا يعدل عن الحقيقة إلا لضرورة. ولمنافاته للآثار المذكورة الصريحة في الأول (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-347> أقوال أهل العلم في معنى القتل والخروج من الديار الوارد في الآية:</span>\nالقول الأول: أن المراد: قتل النفس أو الخروج من الديار.\nالقول الثاني: أن المراد: التعرض للقتل بالجهاد.\nأصحاب القول الأول:\nالطبري: \" أي: لو أنا فرضنا على هؤلاء الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك المحتكمين إلى الطاغوت أن يقتلوا أنفسهم، وأمرناهم بذلك، أو أن يخرجوا من ديارهم مهاجرين منها إلى دار أخرى سواها ﴿مَا فَعَلُوهُ﴾، يقول: ما قتلوا أنفسهم بأيديهم .... إلخ\" (^٢).\nالسمرقندي: \"يعني: لو فرضنا عليهم القتل أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم\" (^٣).\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (٥/ ١٣٨٣).\n(^٢) جامع البيان: الطبري (٧/ ٢٠٥).\n(^٣) بحر العلوم: السمرقندي (١/ ٣١٥).","vol":"1","page":408},{"text":"البغوي: \" ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا﴾ أي: فرضنا وأوجبنا، ﴿عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ كما أمرنا بني إسرائيل\" (^١).\nأبو حيان: \"معنى الآية: أنه تعالى لو فرض عليهم أن يقتلوا أنفسهم، إما أن يقتل نفسه بيده، أو يقتل بعضهم بعضا، أو أن يخرجوا من ديارهم كما فرض ذلك على بني إسرائيل حين استتيبوا من عبادة العجل لم يطع منهم إلا القليل\" (^٢).\nأصحاب القول الثاني:\nالبيضاوي: \" ﴿أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ تعرضوا بها للقتل في الجهاد، أو اقتلوها كما قتل بنو إسرائيل\" (^٣).\nالنسفي: \" ﴿أَنِ اقْتُلُوا﴾ أن هي المفسرة ﴿أَنْفُسَكُمْ﴾ أي تعرضوا للقتل بالجهاد\" (^٤).\nالشربيني: \" ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ كما أمرنا بني إسرائيل، أو تعرّضوا بها للقتل بالجهاد\" (^٥).\nمحمد رشيد رضا: \" الأحكام ليست منوطة بذوات المكلفين وشخوصهم، بل بصفاتهم وأعمالهم، أي: لو أمرناهم بقتل أنفسهم أي بتعريضها للقتل المحقق أو المظنون ظنا راجحا\" (^٦).\n\n•<span data-type='title' id=toc-348> دراسة المسألة:</span>\nمن خلال استقراء أقوال المفسرين في المراد من قتل النفس الوارد في الآية، وما ذكروا فيها من معاني، يظهر أن القائلين بالمعنى الثاني بعيد كما قال القاسمي ﵀، وذلك من\n_________\n(^١) معالم التنزيل: البغوي (٢/ ٢٤٦).\n(^٢) البحر المحيط: أبو حيان (٧/ ١٦٩).\n(^٣) أنوار التنزيل: البيضاوي (٢/ ٨٢).\n(^٤) مدارك التنزيل: النسفي (١/ ٣٧١).\n(^٥) السراج المنير: الشربيني (١/ ٣١٤).\n(^٦) تفسير المنار: محمد رشيد رضا (٥/ ١٩٥).","vol":"1","page":409},{"text":"أوجه:\nالأول: أن الأصل حمل ألفاظ القرآن على الحقيقة، فلا يُعدل عن الحقيقة إلى المجاز إلا إذا وجدت قرينة، وبالنظر إلى القاعدة المقررة عند أهل العلم أن نصوص الوحي يجب حملها على الحقيقة (^١)، إلا إذا أمكن حمل الآية على المعنى الحقيقي والمعنى المجازي دون تعارض، فلا بأس إن شاء الله تعالى كما يقرر ذلك العثيمين ﵀ (^٢).\nالثاني: أن المعنى المجازي يُنافي الآثار الصريحة المذكورة التي تدل على المعنى الحقيقي.\nفقد ورد في سبب نزول الآية بعضًا من الآثار التي تؤيد المعنى الحقيقي.\nومن ذلك: ما أخرجه ابن جرير الطبري بسنده عن السدي: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ [سورة النساء: ٦٦] افتخر ثابت بن قيس بن شماس ﵁ ورجل من يهود، فقال اليهودي: والله لقد كتب الله علينا أن اقتلوا أنفسكم، فقتلنا أنفسنا. فقال ثابت: والله لو كتب علينا أن اقتلوا أنفسكم لقتلنا أنفسنا. فأنزل الله في هذا: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ [سورة النساء: ٦٦] \" (^٣).\nوأخرج عن أبي إسحاق السبيعي قال: لما نزلت: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ قال رجل: لو أمرنا لفعلنا، والحمد لله الذي عافانا. فبلغ ذلك النبي ﷺ، فقال: «إن من أمتي لرجالا الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي» (^٤).\n_________\n(^١) انظر تفصيل ذلك في كتاب قواعد الترجيح: حسين الحربي (٢/ ٤٥).\n(^٢) انظر ما يقرره العثيمين ﵀ من حمل الآية على المعنييْن لعدم التضاد بينهما في مقدمة تفسيره لسورة الفاتحة والبقرة (ص: ٣٤).\n(^٣) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٧/ ٢٠٦)، وسنده حسن، ينظر: تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (الحاشية) (٣/ ١٥٦).\n(^٤) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٧/ ٢٠٧). وسنده مرسل، ولكن يتقوى بما قبله.","vol":"1","page":410},{"text":"وأخرج ابن أبي حاتم بسنده عن الحسن قال: لما نزلت هذه الآية على رسول الله ﷺ ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ قال أناس من أصحاب النبي ﷺ: لو فعل ربنا لفعلنا، فبلغ النبي ﷺ، فقال النبي ﷺ: الإيمان أثبت في قلوب أهله من الجبال الرواسي (^١).\nوغير ذلك من الآثار الصريحة في سبب نزول الآية الدالة على المعنى الحقيقي.\nالثالث: نظائر الآية التي تدل على المعنى الحقيقي، فمثلا قوله تعالى: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [سورة البقرة: ٥٤] يدل ظاهره على حقيقة قتل النفس، بأن يُباشر المُذنب قتل نفسه أو يقتل البريء منهم المجرم كما ذهب إلى ذلك جمع من المفسرين (^٢)، ولم يقل أحد منهم أن المراد: التعرض للقتل بالجهاد ونحو ذلك من التأويلات التي تُقابل المعنى الحقيقي، وهكذا في هذه الآية، والله أعلم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-349> النتيجة:</span>\nبعد ذكر ما تقدم في معنى قتل النفس الوارد في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ يتبين أن الصواب مع أصحاب القول الأول من أن المراد: المعنى الحقيقي للقتل، لما تقدم من أقوال أهل العلم، والأوجه الدالة على ذلك، والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٩٩٥)، (٥٥٦١) وسنده حسن، ينظر: تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (الحاشية) (٣/ ١٥٦).\n(^٢) انظر: جامع البيان: الطبري (١/ ٦٧٩)، وانظر: معالم التنزيل: البغوي (١/ ٩٦)، وانظر: تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (١/ ٣٩٥).","vol":"1","page":411},{"text":"<span data-type='title' id=toc-350>٥٢ - قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ الآية. [سورة النساء: ٧٧].</span>\nقال القاسمي: حكى المفسرون هنا رواية عن ابن عباس، أن هذه الآية نزلت في جماعة من الصحابة المهاجرين. وعندي أن هذه الآية كسوابقها نزلت في المنافقين، تقريعا لهم وتحذيرا للمخلصين، من شاكلتهم. والقول بنزولها في بعض المؤمنين لا يصح لوجوه: منها- أن في إسنادها عن ابن عباس من ليس على شرط الصحيح ومنها- أن طلبهم للجهاد وهم في مكة، مع قلة العدد والعدد، وممالأة العدو عليهم من كل جانب- في غاية البعد ..... ألخ (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-351> أقوال أهل العلم في نزول قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾:</span>\nالقول الأول: أن الآية نزلت في اليهود أو المنافقين.\nالقول الثاني: أن الآية نزلت في جماعة من الصحابة المهاجرين.\nأصحاب القول الأول:\nابن عباس ﵁: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ﴾ نهى الله ﵎ هذه الأمة أن يصنعوا صنيعهم\"، وبنحو ذلك روي عن مجاهد (^٢).\nابن عطية: \"ويحسن القول بأنها في المنافقين اطراد ذكرهم فيما يأتي بعد من الآيات\" (^٣).\nالقرطبي: \"قيل: هو وصف للمنافقين، والمعنى يخشون القتل من المشركين كما يخشون\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (٥/ ١٤٠٠).\n(^٢) أخرج أقوالهم ابن جرير الطبري في تفسيره (٧/ ٢٣٣).\n(^٣) المحرر الوجيز: ابن عطية (٣/ ٢٢٢)، وانظر: الجواهر الحسان: الثعالبي (٢/ ٢٦٣).","vol":"1","page":412},{"text":"الموت من الله. ﴿أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ أي عندهم وفي اعتقادهم. قلت: وهذا أشبه بسياق الآية، لقوله: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ \" (^١).\nابن جزي: \"والضمير في تصبهم وفي يقولوا للذين قيل لهم: ﴿كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾، وهذا يدل على أنها في المنافقين، لأن المؤمنين لا يقولون للنبي ﷺ إنّ السيئات من عنده\" (^٢).\nأصحاب القول الثاني:\nابن عباس ﵁ في رواية: أن عبد الرحمن بن عوف، وأصحابا، له أتوا النبي ﷺ، فقالوا: يا رسول الله، كنا في عز ونحن مشركون، فلما آمنا صرنا أذلة. فقال: «إني أمرت بالعفو فلا تقاتلوا» فلما حوله الله إلى المدينة أمر بالقتال فكفوا، فأنزل الله ﵎: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ الآية \"، وبنحو ذلك روي عن عكرمة، وقتادة، والسُدي (^٣).\nالسمرقندي: \"معناه ألا ترى إلى هؤلاء، وذلك أن أصحاب رسول الله ﷺ حين كانوا بمكة استأذنوا في قتل كفار مكة سرا، لما كانوا يلقون منهم من الأذى، فقال لهم النبي ﷺ: مهلا كفوا أيديكم عن قتالهم وأقيموا الصلاة فإني لم أؤمر بقتالهم، فلما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة أمره الله تعالى بالقتال، فكره بعضهم فنزلت هذه الآية\" (^٤).\nالزمخشري: \" ﴿كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ أي: كفوها عن القتال وذلك أن المسلمين كانوا مكفوفين عن مقاتلة الكفار ما داموا بمكة، وكانوا يتمنون أن يؤذن لهم فيه فلما كتب عليهم القتال بالمدينة كع فريق منهم (^٥) لا شكا في الدين ولا رغبة عنه، ولكن نفورا عن الإخطار\n_________\n(^١) الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (٦/ ٤٦٣)، وانظر: فتح القدير: الشوكاني (١/ ٥٦٤)، وانظر: فتح البيان: القنوجي (٣/ ١٨٠).\n(^٢) التسهيل: ابن جزي (١/ ٢٠٠).\n(^٣) أخرج أقوالهم ابن جرير الطبري في تفسيره (٧/ ٢٣١، ٢٣٢).\n(^٤) بحر العلوم: السمرقندي (١/ ٣١٩).\n(^٥) كع: أي: جَبُنَ. ينظر: تهذيب اللغة: الأزهري (١/ ٥٤).","vol":"1","page":413},{"text":"بالأرواح وخوفا من الموت\" (^١).\nالعُليمي (^٢): \"نزلت في جماعة من الصحابة كانوا يلقون من المشركين بمكة أذى كثيرا قبل الهجرة\" (^٣).\n\n•<span data-type='title' id=toc-352> دراسة المسألة:</span>\nأورد القاسمي ﵀ في تفسيره لهذه الآية ما حكاه بعض المفسرين عن ابن عباس، أن هذه الآية نزلت في جماعة من الصحابة المهاجرين وأنهم كانوا يلقون من مشركي مكة، قبل الهجرة، أذى شديدا.\nفيشكون ذلك إلى النبي ﷺ، ويقولوا: ائذن لنا في قتالهم. فيقول لهم النبي ﷺ: كفوا أيديكم. فإني لم أومر بقتالهم. واشتغلوا بإقامة دينكم من الصلاة والزكاة. ثم بعد الهجرة إلى المدينة، لما أمروا بقتالهم في وقعة بدر، كرهه بعضهم، فنزلت الآية (^٤).\nوهذا الذي حكاه المفسرون عن ابن عباس ﵁ عقَّب عليه القاسمي ﵀ من ناحيتين:\nالناحية الأولى: ناحية الرواية: بأن ما روي عن ابن عباس ﵁ في إسناده من ليس على شرط الصحيح.\nالناحية الثانية: ناحية الدراية: وعلل بذلك بأوجه، وسيأتي الكلام عليها.\nأما الناحية الأولى: فالأثر المروي عن ابن عباس ﵁ أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، ثنا محمد بن عبد العزيز بن أبي رزمة وعلي\n_________\n(^١) الكشاف: الزمخشري (١/ ٥٣٥).\n(^٢) وهو: القاضي مُجِير الدين أبو اليُمن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن العمري العُلَيمي المقدسي الحنبلي، قرأ على علماء بلده وتفقّه، صنّف \"الأنس الجليل\" في أربعة أشهر، مات سنة ٩٢٧ هـ. ينظر: سلم الوصول: حاجي خليفة (٢/ ٢٦٣).\n(^٣) فتح الرحمن: العليمي (٢/ ١٥٧).\n(^٤) انظر: محاسن التأويل: القاسمي (٥/ ١٤٠٠).","vol":"1","page":414},{"text":"بن زنجة قالا: ثنا علي بن الحسن، عن الحسين بن واقد، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵁: \"أن عبد الرحمن وأصحابا له أتوا النبي ﷺ فقالوا: يا رسول الله، كنا في عز ونحن مشركون فلما آمنا صرنا أذلة، قال: إني أمرت بالعفو فلا تقاتلوا القوم، فلما حوله الله إلى المدينة أمره بالقتال فكفوا، فأنزل الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ \" (^١).\nوهذا الأثر رواه الحاكم في مستدركه مع اختلاف في بعض ألفاظه، وقال: «هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه» ووافقه الذهبي (^٢).\nوفيما قالاه نظر فإن حسين بن واقد ليس من رجال البخاري فالأولى أن يقال: رجاله رجال الصحيح فإن حسينا من رجال مسلم وعكرمة من رجال البخاري ومن رجال مسلم مقرونا بآخر (^٣).\nولعل القاسمي ﵀ يريد ممن ليس على شرط الصحيح: الحسين بن واقد المروزي، فقد اختلف في توثيقه أهل العلم، فقد وثقه ابن معين وغيره، واستنكر أحمد بعض حديثه، وحرك رأسه، كأنه لم يرضه (^٤). أو أنه ثقة وله أوهام كما قال ابن حجر (^٥).\nوجاء في رواية أخرى لأحمد قال: ليس به بأس وأثنى عليه، وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ثقة، وقال أبو زرعة والنسائي: ليس به بأس (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٧/ ٢٣١)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ١٠٠٥) (٥٦٢٧). والأثر سنده صحيح. ينظر: تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (الحاشية) (٣/ ١٦٣)، وينظر: الاستيعاب في بيان الأسباب: سليم الهلالي (١/ ٤٣٥) (الحاشية)\n(^٢) المستدرك على الصحيحين: الحاكم (٢/ ٧٦) (٢٣٧٧).\n(^٣) الصحيح المسند من أسباب النزول: العلامة مقبل الوادعي (ص: ٧٢).\n(^٤) ميزان الاعتدال: الذهبي (١/ ٥٤٩).\n(^٥) انظر: تهذيب التهذيب: ابن حجر (٢/ ٣٧٣، ٣٧٤)، وانظر: تحفة اللبيب بمن تكلم فيهم الحافظ ابن حجر من الرواة في غير «التقريب»: الوصابي (١/ ٣٥٢).\n(^٦) تهذيب التهذيب: ابن حجر (٣/ ٣٧٣).","vol":"1","page":415},{"text":"وبهذا يتبين صحة إسناد ما روي عن ابن عباس ﵁ في سبب نزول الآية، من أنها نزلت في بعض الصحابة ﵃، بخلاف ما ذهب إليه القاسمي ﵀.\nوأما الناحية الثانية: فالقاسمي ﵀ ذكر عددا من الأوجه التي تدل على أن الآية نزلت في المنافقين:\nالوجه الأول: أن طلبهم للجهاد وهم في مكة، مع قلة العَدد والعُدد، وممالأة العدو عليهم من كل جانب- في غاية البعد.\nالوجه الثاني: أن السياق في المنافقين: وقد ابتدئ الكلام في شأنهم من قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ إلى قوله تعالى الآتي ﴿فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ الآية. كما يظهر من التدبر الصادق.\nالوجه الثالث: أن هذا السياق اشتمل على أمور تدل على أنها مختصة بالمنافقين. لأنه تعالى قال في وصفهم: ﴿يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ ولا يكون هذا الوصف إلا لكافر أو منافق. وحكى تعالى عنهم أنهم قالوا: ﴿رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ﴾ ولم يعهد هذا عن المؤمنين.\nبل المحفوظ مبادرتهم للجهاد. كما روى ابن إسحاق في (السيرة) أن النبي ﷺ استشار الناس في غزوة بدر. فقام أبو بكر الصديق ﵁ فقال وأحسن. ثم قام عمر بن الخطاب ﵁ فقال وأحسن. ثم قام المقداد بن عمرو ﵁ فقال: يا رسول الله ﷺ! امض لما أراك الله. فنحن معك. والله! لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [سورة المائدة: ٢٤]. ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا، إنا معكما مقاتلون. فوالذي بعثك بالحق! لو سرت بنا إلى بِرْكُ الغِمَادِ (^١)، لجالدنا معك من\n_________\n(^١) برك الغماد: موضع وراء مكة بخمس ليال مما يلي البحر، وقيل: بلد باليمن. ينظر: معجم البلدان: الحموي (١/ ٣٩٩).","vol":"1","page":416},{"text":"دونه حتى تبلغه. ثم قال سعد بن معاذ: امض، يا رسول الله! لما أردت، فنحن معك. فوالذي بعثك بالحق! لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك. ما تخلف منا رجل واحد. وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا. إنا لصبر في الحرب صدق في اللقاء (^١).\nالوجه الرابع: أنه تعالى ذكر بعد ذلك قوله: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾ [سورة النساء: ٧٨]. ولا شك أن هذا من كلام المنافقين (^٢).\nولا شك أن الأوجه التي ذكرها القاسمي في أن الآية نزلت في المنافقين سديدة، كما تقدم من أقوال بعض المفسرين، ولكن الاشكال إن تعارض سبب النزول مع دلالة السياق مع تعذر الجمع بين القول بأنها نزلت في بعض الصحابة والقول بأنها نزلت في المنافقين، فشتان بينهما.\nفهل يُرجَّح ما صح من سبب النزول في تفسير القرآن على دلالة السياق أم العكس؟\nففي تفسير هذه الآية نجد أن ما روي في سبب نزولها المتقدم قد صدر من حبر الأمة ابن عباس ﵁، الذي دعا له النبي ﷺ بقوله: \"اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل\" (^٣).\nفالصحابة ﵃ هم الذين شهدوا التنزيل وعرفوا أحواله، فكان قولهم في تفسير الآي، ومنه قولهم في أسباب النزول مقدم على ما يفهمه من جاء بعدهم من دلالة السياق في تفسير القرآن، وإن كان بعض أهل العلم من المفسرين قد مال إلى تقديم دلالة السياق على سبب النزول (^٤)، ولكن الأولى تقديم أقوال السلف لما ورد في فضلهم ومنزلتهم.\nفإن كان المختار من المراد في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ الآية. بعض الصحابة ﵃، بناءً على ما صح من سبب النزول، فإنه يؤول بنا إلى إشكال\n_________\n(^١) انظر: السيرة النبوية: ابن هشام (١/ ٦١٥)، وانظر: السيرة النبوية: ابن كثير (٢/ ٣٩٢).\n(^٢) محاسن التأويل: القاسمي (٥/ ١٤٠٠). بتصرف.\n(^٣) أخرجه أحمد في مسنده (٤/ ٢٢٥)، برقم: (٢٣٩٧) وصححه محققوا المسند.\n(^٤) انظر ما أورده صاحب كتاب المحرر في أسباب النزول من أقوال في هذا الموضوع (١/ ١٨١ - ١٨٥).","vol":"1","page":417},{"text":"آخر وهو: أن يكون مثل هذا القول قد صدر منهم وهم خير الناس عند الله بعد الأنبياء ﵈.\nولعل الجواب عن هذا من أوجه:\nالأول: لا دليل في الآية يدل على أن جميع الصحابة وقع منهم هذا بل الآية نصٌّ على أن الذي قال هذا فريق منهم بقوله: ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ﴾ الآية.\nثم إن عبد الرحمن بن عوف ﵁ وأصحابه من كبار الصحابة كانوا من أوائل المجاهدين في غزوة بدر وغيرها كما هو بيّن معلوم في قصة قتل أبي جهل والله أعلم (^١).\nالثاني: يُحتمل أن الصحابة الذين صدر منهم هذا القول ممن كان مع عبد الرحمن بن عوف ﵁ كانوا حديثي عهد بكفر ولم يرسخ الإيمان في قلوبهم بعد، أو لم يكونوا راسخين في العلم، قالوه خوفًا وجبنا لا اعتقادًا، ثم تابوا (^٢).\nالثالث: أن الصحابة الذين صدر منهم هذا القول كانوا يودون أن يتأخر الطلب إلى وقت ظهور الإسلام وكثرة عدد المسلمين، وليس ردًا للأمر بالقتال (^٣)، والله أعلم.\nالرابع: يُحتمل أن الصحابة الذين صدر منهم هذا القول كان مُرادهم تمني التخفيف لا الاعتراض على حكم الله تعالى والإنكار لإيجابه، ولذا لم يُوبَّخوا عليه (^٤).\nالخامس: يُحتمل أن صدور هذا القول منهم للتعجب، فهو أليق بهم، لا للانكار (^٥).\nالسادس: أن هذا كان منهم لما في طبع البشر من المخافة لا على كراهة أمر الله\n_________\n(^١) المحرر في أسباب النزول: المزيني (١/ ٤٠٦).\n(^٢) انظر: العجاب في بيان الأسباب: ابن حجر (٢/ ٩١٨)، وانظر: معالم التنزيل: البغوي (٢/ ٢٥١)، وانظر: الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (٦/ ٤٦٣).\n(^٣) انظر: المحرر الوجيز: ابن عطية (٣/ ٢٢٣).\n(^٤) انظر: مفاتيح الغيب: الرازي (١٠/ ١٤٣)، وانظر: روح المعاني: الآلوسي (٦/ ١٥٠).\n(^٥) انظر: تفسير القرآن الكريم: العثيمين (سورة النساء) (١/ ٥٤٧).","vol":"1","page":418},{"text":"بالقتال، كما قال الحسن (^١).\nوهذا مجمل ما ذكره المفسرون في رد هذا الاشكال، إذ إنه يستوجب على المسلم أن يكون قلبه ولسانه سليمًا على أصحاب رسول الله ﷺ، وأن يحمل ما ورد ظاهره في ذمهم على محمل حسن، فهم الذين نطق الوحي المبين بفضلهم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-353> النتيجة:</span>\nبعد إيراد ما تقدم من أقوال المفسرين في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ الآية. وما ورد فيه من أثر ابن عباس ﵁، يظهر أن الصواب مع أصحاب القول الثاني من أن الآية نزلت في بعض الصحابة، لما تقدم إثباته من صحة إسناد الرواية الواردة في ذلك، بخلاف ما ذهب إليه القاسمي ﵀.\nوما علل به القاسمي ﵀ من الأوجه المتقدمة في أن الآية نزلت في المنافقين قد ذهب به جمع من أهل العلم كما تقدم.\nوبناءً على ما صح من سبب النزول فليس فيه طعن أو تنقص من الصحابة ﵃ لما تقدم من الاحتمالات، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: النكت والعيون: الماوردي (١/ ٥٠٨)، وانظر: الكشاف: الزمخشري (١/ ٥٣٥)، وانظر: التفسير الوسيط: الواحدي (٢/ ٨٢)، وانظر: الكشف والبيان: الثعلبي (١٠/ ٤٧٥).","vol":"1","page":419},{"text":"<span data-type='title' id=toc-354>٥٣ - قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (٨٣)﴾ [سورة النساء: ٨٣].</span>\nقال القاسمي: ما نقله الزمخشري وتبعه البيضاوي وأبو السعود وغيرهم، من أن قوله تعالى ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ﴾ عنى به طائفة من ضعفة المسلمين- فإن أرادوا بالضعفة المنافقين، فصحيح. وإلا فبعيد غاية البعد كما يعلم من سباق الآية وسياقها. وكذا ما نوعوه من الأقوال في معناه. فكله لم يصب المرمى. والذي يعطيه الذوق السليم في الآية هو الوجه الأول. ولها إشعار بالوجه الثاني لا تأباه. فتبصر ولا تكن أسير التقليد (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-355> أقوال أهل العلم في القوم المقصودين في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ﴾:</span>\nالقول الأول: أن المقصود: طائفة من ضعفة المسلمين.\nالقول الثاني: أن المقصود: طائفة من المنافقين.\nأصحاب القول الأول:\nبعض من السلف وهم: الحسن البصري (^٢).\nالزمخشري: \"هم ناس من ضعفة المسلمين الذين لم تكن فيهم خبرة بالأحوال ولا استبطان للأمور، كانوا إذا بلغهم خبر عن سرايا رسول الله ﷺ من أمن وسلامة أو خوف وخلل أذاعوا به وكانت إذاعتهم مفسدة\" (^٣).\nالشوكاني: \" هؤلاء هم جماعة من ضعفة المسلمين كانوا إذا سمعوا شيئا من أمر المسلمين فيه أمن- نحو ظفر المسلمين وقتل عدوهم، أو فيه خوف نحو هزيمة المسلمين\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (٥/ ١٤١٣).\n(^٢) انظر: النكت والعيون: الماوردي (١/ ٥١١)، وانظر: الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (٦/ ٤٧٨).\n(^٣) الكشاف: الزمخشري (١/ ٥٤٠، ٥٤١)، وانظر: أنوار التنزيل: البيضاوي (٢/ ٨٧)، وانظر: مدارك التنزيل: النسفي (١/ ٣٧٨)، وانظر: إرشاد العقل السليم: أبو السعود (٢/ ٢٠٨).","vol":"1","page":420},{"text":"وقتلهم- أفشوه، وهم يظنون: أنه لا شيء عليهم في ذلك\" (^١).\nأصحاب القول الثاني:\nجماعة من السلف وهم: الضحاك وابن زيد (^٢).\nمقاتل بن سليمان (^٣): \" ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ﴾ يعني المنافقين\" (^٤).\nالسمرقندي: \" ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ﴾ يعني المنافقين إذا جاءهم خبر من أمر السرية بالفتح والغلبة على العدو، سكتوا وقصروا عما جاءهم من الخبر أو الخوف، أي وإن جاءهم خبر من السرية ببلاء وشدة نزلت بالمؤمنين أذاعوا به\" (^٥).\nالثعلبي: \" ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ﴾ يعني: المنافقين\" (^٦).\n\n•<span data-type='title' id=toc-356> دراسة المسألة:</span>\nبعد عرض أشهر أقوال المفسرين في هذه المسألة وما ذهب إليه كل فريق، يظهر أن الراجح هو الجمع بين القولين، فتحمل الآية على كلا المقصودين، فلا مانع أن يكون المراد من قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ﴾ المنافقين، ولا مانع أن يكون المراد: ضعفة المسلمين، ولكل فريق منهم أوجه:\nأولا: أوجه بيان أن ما ذهب إليه أصحاب القول الأول:\nالوجه الأول: أن اللفظ في الآية عام، فليس فيها تحديد القوم الذين يتسرعون في إذاعة الأخبار، من أنهم المنافقين أو أنهم ضعاف الإيمان من المسلمين، فكلامهما محتمل أن يصدر منه هذا الفعل، فتبقى الآية على عمومها.\n_________\n(^١) فتح القدير: الشوكاني (١/ ٥٦٧)، وانظر: فتح البيان: القنوجي (٣/ ١٨٧).\n(^٢) انظر: النكت والعيون: الماوردي (١/ ٥١١)، وانظر: الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (٦/ ٤٧٨).\n(^٣) وهو: أبو الحسن مقاتل بن سليمان البلخي، كبير المفسرين، قال ابن المبارك: ما أحسن تفسيره لو كان ثقة، وقال الشافعي: الناس فِي التفسير عيال على مقاتل. مات سنة ١٥٠ هـ. ينظر: تاريخ الإسلام: الذهبي (٤/ ٢٣٢).\n(^٤) تفسير مقاتل بن سليمان (١/ ٣٩٣).\n(^٥) بحر العلوم: السمرقندي (١/ ٣٢١).\n(^٦) الكشف والبيان: الثعلبي (١٠/ ٤٩٠)، وانظر: تفسير القرآن: السمعاني (١/ ٤٥٣).","vol":"1","page":421},{"text":"الوجه الثاني: أن مثل هذا الفعل - وهو إذاعة الأخبار من غير رجوع إلى أولي الأمر- جائز أن يصدر من المنافقين ومن ضعفة المسلمين، مع اختلاف مقصد كل منهما.\nقال الزجاج: \" كان إذا علم النبي ﷺ أنه ظاهر على قوم أمن منهم، أو علم تجمع قوم يخاف من جمع مثلهم، أذاع المنافقون ذلك ليحذر من يحذر من الكفار، ويقوى قلب من ينبغي أن يقوى قلبه لما أذاعوا وكان ضعفة المسلمين يشيعون ذلك معهم من غير علم بالضرر في ذلك\" (^١).\nوقال الشيخ محمد رشيد رضا: \"يجوز أن يكون الكلام في جمهور المسلمين من غير تعيين لعموم العبرة، ومن خبر أحوال الناس يعلم أن الإذاعة بمثل أحوال الأمن والخوف لا تكون من دأب المنافقين خاصة، بل هي مما يلغط به أكثر الناس، وإنما تختلف النيات، فالمنافق قد يذيع ما يذيعه لأجل الضرر، وضعيف الإيمان قد يذيع ما يرى فيه الشبهة، استشفاء مما في صدره من الحكة، وأما غيرهما من عامة الناس فكثيرا ما يولعون بهذه الأمور لمحض الرغبة في ابتلاء أخبارها، وكشف أسرارها، أو لما عساه ينالهم منها\" (^٢).\nثانيًا: أوجه بيان أن ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني:\nالوجه الأول: سياق الآيات التي جاء في ذكر المنافقين، فقوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ﴾ الآية. عطف على جملة: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ﴾ فضمير الجمع راجع إلى الضمائر قبله العائدة على المنافقين وهو الملائم للسياق.\nوأيضًا: الكلام مسوق مساق التوبيخ للمنافقين، واللوم لمن يقبل مثل تلك الإذاعة من المسلمين الأغرار (^٣).\nالوجه الثاني: سبب النزول الوارد في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾\n_________\n(^١) معاني القرآن: الزجاج (٢/ ٨٣)، وانظر: تفسير القرآن: السمعاني (١/ ٤٥٣). وانظر: المحرر الوجيز: ابن عطية (٣/ ٢٣٣)، وانظر: روح المعاني: الآلوسي (٦/ ١٦٨).\n(^٢) تفسير المنار: محمد رشيد رضا (٥/ ٢٤٢)، وانظر: تفسير المراغي (٥/ ١٠٥).\n(^٣) انظر: التحرير والتنوير: ابن عاشور (٥/ ١٣٩)، وانظر: المحرر في أسباب النزول: المزيني (١/ ١٨٥).","vol":"1","page":422},{"text":"وذلك أن النبي ﷺ كان يبعث السرايا فإذا غَلبُوا أو غُلبُوا بادر المنافقون يستخبرون عن حالهم فيفشون ويحدثون به قبل أن يحدث به رسول اللَّه ﷺ فيضعفون به قلوب المؤمنين فأنزل اللَّه: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ﴾ يعني المنافقين) (^١).\nفإن قيل: إن الآية نزلت عندما اعتزل النبي ﷺ نساءه، فأُشيع بأنه طلقهن كما في صحيح مسلم (^٢).\nوالجواب: أن يُقال: لا مانع والله أعلم أن تكون الآية نزلت مرتين: مرة في المنافقين، ومرة في اعتزال النبي ﷺ نساءه، والله أعلم.\nالوجه الثالث: أن مثل هذه الأوصاف - وهو: إفشاء الأخبار بالهزيمة وإذاعة الخوف- يُعد من الإرجاف الذي لا ينفك عن الكذب، ويُسبب الفتنة، وهذا في الغالب من أوصاف المُنافقين الذين يُرجفون إذا وقع خبر الأمن للمسلمين، وإن وقع خبر الخوف بالغوا في ذلك وزادوا فيه، وألقوا الرعب في قلوب الضعفة (^٣).\nوالمتأمل في ما تقدم من الأوجه عند كل فريق، يظهر له أنه لا مانع من حمل الآية على كلا المعنيين، فيُمكن الجمع بينهما بأن يُقال: يجوز أن يكون المراد من القوم: المنافقين، ويجوز أن يُراد: ضعفة المسلمين، ولا تعارض، إذ إن الجمع أولى من الترجيح إن أمكن، باتفاق أهل الأصول (^٤).\n\n•<span data-type='title' id=toc-357> النتيجة:</span>\nبعد عرض ما تقدم من أقوال المفسرين في المقصود من القوم الوارد ذكرهم في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ﴾، وما ذكر عند كل فريق من أوجه تُقوي ما ذهب إليه، يظهر أن الراجح هو: حمل الآية على كلا المعنيين المتقدم ذكرهما، لما تقدم تقريره، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: معالم التنزيل: البغوي (٢/ ٢٥٤، ٢٥٥)، وانظر: المحرر الوجيز: ابن عطية (٣/ ٢٣٤).\n(^٢) أخرجه مسلم، كتاب الطلاق، باب في الإيلاء، واعتزال النساء، برقم: (١٤٧٩).\n(^٣) انظر: اللباب: ابن عادل الحنبلي (٦/ ٥٢١)، وانظر: غرائب القرآن: النيسابوري (٢/ ٤٥٦).\n(^٤) انظر: تقرير هذه القاعدة في المفهم: القرطبي (٢/ ٢٢٦)، وانظر: فتح الباري: ابن حجر (٩/ ٤٧٤).","vol":"1","page":423},{"text":"<span data-type='title' id=toc-358>٥٤ - قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [سورة النساء: ٩٢].</span>\nقال القاسمي: وقد خالف أبو بكر الأصم وجمهور الخوارج. فأوجبوا الدية على القاتل لا على عاقلته. واحتجوا بوجوه خمسة عقلية. ساقها الفخر الرازي هنا. وكلها مما لا يساوي فلسا. إذ هي من معارضة النص النبوي بالرأي المحض.\nاللهم: إنا نبرأ إليك من ذلك. وقد غفلوا عن حكمة المشروعية على العاقلة التي بيناها (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-359> أقوال أهل العلم في من يتحمل دية قتل الخطأ وشبه العمد:</span>\nالقول الأول: أن دية القاتل تكون على عاقلته (^٢).\nالقول الثاني: أن الدية تكون على القاتل لا على عاقلته.\nأصحاب القول الأول:\nالطبري: \" ﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ يقول: \"فعلى قاتله دية مسلمة إلى أهله يتحملها عاقلته، وتحرير رقبة مؤمنة كفارة لقتله\" (^٣).\nالواحدي: \"ظاهر القرآن أوجب أن تكون الدية على القاتل في الخطأ، غير أن النبي ﷺ بين أن تكون الدية في الخطأ على العاقلة وهم الأخوة وبنو الأخوة والأعمام وبنو الأعمام\" (^٤).\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (٥/ ١٤٤٧).\n(^٢) العاقلة: هم أقرباء القاتل من جهة الأب: الإخوة وبنوهم، ثمَّ الأعمام وبنوهم، ثمَّ أعمام الأب وبنوهم، ثمَّ أعمام الجد وبنوهم. ينظر: تهذيب اللغة: الأزهري (١/ ١٥٨).\n(^٣) جامع البيان: الطبري (٧/ ٣١٨).\n(^٤) التفسير الوسيط: الواحدي (٢/ ٩٥)، وانظر: تفسير المنار: محمد رشيد رضا (٥/ ٢٧٤).","vol":"1","page":424},{"text":"السمعاني: \" ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ يعني: سلموا الدية إلى أهله، وظاهر الآية يقتضي أن تكون الدية قي قتل الخطأ في مال القاتل، كالكفارة، لكن عرفنا بالسنة أن الكفارة في مال القاتل والدية على العاقلة\" (^١).\nالبغوي: \"الدية في قتل الخطأ وشبه العمد على العاقلة، وهم عصبات القاتل من الذكور، ولا يجب على الجاني منها شيء لأن النبي ﷺ أوجبها على العاقلة (^٢).\nأصحاب القول الثاني:\nأبو بكر الأصم وجمهور الخوارج: الدية واجبة على القاتل (^٣).\n\n•<span data-type='title' id=toc-360> دراسة المسألة:</span>\nمن خلال النظر في مسألة تحمل دية القاتل، يتبين أن الصواب مع أصحاب القول الأول، من أن الدية تجب على عاقلة القاتل، لدلالة السنة والإجماع، والأثر، والتلازم، والمعقول:\nفمن السنة: ما روي عن أبي هريرة ﵁: \"اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها فاختصموا إلى النبي ﷺ فقضى أن دية جنينها غرة عبد أو وليدة وقضى أن دية المرأة على عاقلتها\" (^٤).\nووجه الاستدلال: أن فعل النبي ﷺ من قضائه بتحمل عاقلة الجانية الدية، مخصص لعموم الآية التي يدل ظاهرها على تحمل الجاني الدية.\n_________\n(^١) تفسير القرآن: السمعاني (١/ ٤٦١).\n(^٢) معالم التنزيل: البغوي (٢/ ٢٦٥).\n(^٣) انظر: مفاتيح الغيب: الرازي (١٠/ ١٧٨)، وانظر: اللباب: ابن عادل الحنبلي (٦/ ٥٣٦). ونسب الماتريدي في تأويلاته هذا القول لبعض الناس (٣/ ٣٠٨)، والنيسابوري نسبه لجماعة من الفقهاء. ينظر: غرائب القرآن: النيسابوري (٤/ ٣٣٢).\n(^٤) أخرجه البخاري، كتاب الديات، باب: جنين المرأة وأن العقل على الوالد وعصبة الوالد لا على الولد، برقم: (٦٥١٢) ومسلم، كتاب: القسامة، باب: دية الجنين ووجوب الدية في قتل الخطأ وشبه العمد على عاقلة الجاني، برقم: (١٦٨١).","vol":"1","page":425},{"text":"ومن الإجماع: ما نص عليه ابن قدامة بقوله: \" ولا نعلم بين أهل العلم خلافا في أن دية الخطأ على العاقلة. قال ابن المنذر: أجمع على هذا كل من نحفظ عنه من أهل العلم (^١). وقد ثبتت الأخبار عن رسول الله ﷺ أنه قضى بدية الخطأ على العاقلة، وأجمع أهل العلم على القول به\" (^٢).\nوقال القرطبي: \" وأجمع أهل السير والعلم: أن الدية كانت في الجاهلية تحملها العاقلة، فأقرها رسول الله ﷺ في الإسلام، وكانوا يتعاقلون بالنصرة ثم جاء الإسلام فجرى الأمر على ذلك. حتى جعل عمر ﵁ الديوان.\nواتفق الفقهاء على رواية ذلك والقول به، وأجمعوا أنه لم يكن في زمن رسول الله ﷺ، ولا زمن أبي بكر ﵁ ديوان، وأن عمر ﵁ جعل الديوان، وجمع بين الناس، وجعل أهل كل ناحية يدا، وجعل عليهم قتال من يليهم من العدو (^٣).\nومن الأثر: ما روي أن عمر ﵁ قضى على علي ﵁ بأن يعقل عن مولى صفية بنت عبد المطلب حين جنى مولاها، وعلي كان ابن أخي صفية، وقضى للزبير ﵁ بميراثها، فهذا يدل على أن الدية إنما تجب على العاقلة (^٤).\nوللتلازم: حيث إن العصبة في تحمل العقل كلهم في الميراث في تقديم الأقرب فالأقرب، وآباؤه وأبناؤه أحقُّ العصبات بميراثه فيلزم: أن يكونوا أولى بتحمل عقله (^٥).\nومن المعقول: حيث أن تحمل العاقلة الدية فيه نفع من أوجه:\nالأول: لما يكون في تحمل العاقلة من مواساة للقاتل من غير أن يلزمهم ذنب جنايته، وقد أوجب الله في أموال الأغنياء حقوقا للفقراء من غير إلزامهم ذنبا لم يذنبوه بل على وجه\n_________\n(^١) الإجماع: ابن المنذر (ص: ١٣١).\n(^٢) المغني: ابن قدامة (٨/ ٣٧٨)، وانظر: نهاية المطلب: الجويني (١٦/ ٥٠٣).\n(^٣) الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (٧/ ٢١)، وانظر: أضواء البيان: الشنقيطي (٣/ ٦٥).\n(^٤) انظر: الأم: الشافعي (٦/ ١٢٤)، وانظر: الاستذكار: ابن عبد البر (٨/ ١٤٩)، وانظر: مفاتيح الغيب: الرازي (١٠/ ١٧٩).\n(^٥) تيسير مسائل الفقه: د. عبد الكريم النملة (٥/ ١٢٢).","vol":"1","page":426},{"text":"المواساة وأمر بصلة الأرحام بكل وجه أمكن ذلك وأمر ببر الوالدين وهذه كلها أمور مندوب إليها للمواساة وصلاح ذات البين فكذلك أمرت العاقلة بتحمل الدية عن قاتل الخطأ على جهة المواساة من غير إجحاف به (^١).\nالثاني: أن موضوع الدية على العاقلة إنما هو على النصرة والمعونة ولذلك أوجبها أصحابنا - يعني الحنفية- على أهل ديوانه دون أقربائه لأنهم أهل نصرته ألا ترى أنهم يتناصرون على القتال والحماية والذب عن الحريم فلما كانوا متناصرين في القتال والحماية أمروا بالتناصر والتعاون على تحمل الدية ليتساووا في حملها كما تساووا في حماية بعضهم بعضا عند القتال.\nالثالث: أن في إيجاب الدية على العاقلة زوال الضغينة والعداوة من بعضهم لبعض إذا كانت قبل ذلك وهو داع إلى الألفة وصلاح ذات البين ألا ترى أن رجلين لو كانت بينهما عداوة فتحمل أحدهما عن صاحبه ما قد لحقه لأدى ذلك إلى زوال العداوة وإلى الألفة وصلاح ذات البين كما لو قصده إنسان بضرر فعاونه وحماه عنه انسلت سخيمة قلبه وعاد إلى سلامة الصدر والموالاة والنصرة.\nالرابع: أنه إذا تحمل عنه جنايته حمل القاتل إذا جنى أيضا - يعني إذا جنى أحد العاقلة- فلم يذهب حمله للجناية عنه ضياعا بل كان له أثر محمود يستحق مثله عليه إذا وقعت منه جناية فهذه وجوه كلها مستحسنة في العقول (^٢).\nالخامس: أن تحميل العاقلة الدية فيه مصلحة؛ لأن القاتل لو أخذ بالدية لأوشك أن تأتي على جميع ماله لأن تتابع الخطأ لا يؤمن، ولو ترك بغير تغريم لأهدر دم المقتول (^٣).\nالسادس: أن العاقلة إذا بلغها ما يُريده الرجل من القتل، فإنها تمنعه وتردعه، لئلا تتحمل عنه الدية، بخلاف لو تحملها بنفسه لربما لم يجد من يردعه عن هذا الفعل، الله أعلم.\n_________\n(^١) أحكام القرآن: الجصاص (٣/ ١٩٤)، بتصرف.\n(^٢) أحكام القرآن: الجصاص (٣/ ١٩٥)، وانظر: التفسير المنير: الزحيلي (٥/ ٢٠٣).\n(^٣) نيل الأوطار: الشوكاني (٧/ ٩٨)، بتصرف.","vol":"1","page":427},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-361> النتيجة:</span>\nبعد ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم في مسألة تحمل العاقلة دية القاتل، يتبين جليًا أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول، من أن العاقلة تتحمل الدية عن القاتل، لما تقدم ذكره من دلالة السنة، والإجماع، والأثر، والتلازم والمعقول على ذلك.","vol":"1","page":428},{"text":"<span data-type='title' id=toc-362>٥٥ - قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ الآية. [سورة النساء: ٩٢].</span>\nقال القاسمي: والاستدلال بالآية على تماثل ديتي المسلم والكافر المتقدم غير ظاهر. لما في الدية من الإجمال المرجوع في بيانه إلى السنة، وقد بينته وصح فيها أنه النصف فرضا. والله أعلم (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-363> أقوال أهل العلم في مقدار دية الكافر بالنسبة لدية المسلم:</span>\nالقول الأول: أن دية الكافر على النصف من دية المسلم.\nالقول الثاني: أن دية المسلم والكافر سواء.\nالقول الثالث: أن دية اليهودي والنصراني بثلث دية المسلم.\nأصحاب القول الأول:\nجماعة من السلف وهم: عروة بن الزبير، وعمر بن عبد العزيز، وعمرو بن شعيب (^٢).\nالمالكية: \"دية أهل الكتاب على النصف من دية المسلمين؛ رجالهم على النصف من دية رجال المسلمين، ونساؤهم على النصف من دية نساء المسلمين\" (^٣).\nالحنابلة: \"وأما اليهودي، والنصراني فعلى النصف من دية المسلم\" (^٤).\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (٥/ ١٤٥٠).\n(^٢) أخرج عنهم ابن المنذر في الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف (١٣/ ١٧١)، وابن عبد البر في الاستذكار (٨/ ١١٦)، وأورد أقوالهم ابن قدامة في المغني (١٢/ ٥١، ٥٢).\n(^٣) المدونة: مالك بن أنس (٤/ ٦٢٧)، وانظر: الإشراف: ابن نصر البغدادي (٢/ ٨٣٠)، وانظر: القوانين الفقهية: ابن جزي (ص: ٢٢٨).\n(^٤) مسائل الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه: الكوسج (٧/ ٣٣٦٦).","vol":"1","page":429},{"text":"أصحاب القول الثاني:\nجماعة من السلف وهم: عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وابن مسعود، ومعاوية ﵁ (^١).\nالحنفية: \"دية أهل الذمة من أهل الكتاب وغيرهم مثل دية المسلمين رجالهم كرجالهم ونساؤهم كنسائهم، وكذلك جراحاتهم وجناياتهم بينهم\" (^٢).\nأصحاب القول الثالث:\nالشافعية: \"دية اليهودي والنصراني بثلث دية المسلم\" (^٣).\n\n•<span data-type='title' id=toc-364> دراسة المسألة:</span>\nهذه المسألة من المسائل التي اختلف فيها أهل العلم قديمًا، والذي يظهر أن الراجح هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن دية الكافر على النصف من دية المسلم، لدلالة السنة القولية، والسنة الفعلية، ودلالة المفهوم.\nأما دلالة السنة القولية: فقد روى النسائي في سننه عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: قال: قال رسول الله ﷺ: «عقل أهل الذمة نصف عقل المسلمين وهم اليهود والنصارى» (^٤).\nوالمراد: أن دية أهل الذمة نصف دية المسلمين (^٥).\n_________\n(^١) أخرج عنهم ابن المنذر في الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف (١٣/ ١٧١)، وابن عبد البر في الاستذكار (٨/ ١١٨، ١١٩)، وأورد أقوالهم ابن قدامة في المغني (١٢/ ٥١).\n(^٢) المبسوط: السرخسي (٢٦/ ٨٤)، وانظر: مختصر اختلاف العلماء: الطحاوي (٥/ ١٥٥)، وانظر: شرح مختصر الطحاوي: الجصاص (٦/ ٦)، وانظر: رؤوس المسائل: الزمخشري (ص: ٤٧٥).\n(^٣) الأم: الشافعي (٦/ ١١٣)، وانظر: الحاوي الكبير: الماوردي (١٢/ ٣١٠)، وانظر: نهاية المطلب: الجويني (١٦/ ٦٠٠).\n(^٤) أخرجه النسائي في سننه، كتاب القسامة، في كم دية الكافر، برقم: (٤٨٠٦)، قال الألباني: حديث حسن.\n(^٥) انظر: نيل الأوطار: الشوكاني (٧/ ٧٩).","vol":"1","page":430},{"text":"وأما دلالة السنة الفعلية: فقد وروى أحمد في مسنده عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، \"أن رسول الله ﷺ قضى أن عقل أهل الكتابين نصف عقل المسلمين، وهم اليهود والنصارى\" (^١).\nوأما دلالة المفهوم: فقوله ﷺ: \"المسلمون تتكافأ دماؤهم\" (^٢)، مفهومه أن الكافر لا يكافئ المسلم، وكذا قوله ﷺ: \"لا يقتل مسلم بكافر\" (^٣)؛ ولأن الديات مبنية على الحرم - أو الجزم-، فكانت المرأة على النصف من دية الرجل مع كونهما مسلمين لما كانت حرمة الرجل أعلى، والمرأة المسلمة أعظم حرمة من الرجل الكافر (^٤).\nمناقشة دليل أصحاب القول الثاني من الكتاب:\nاستدل أصحاب القول الثاني القائلين بتماثل دية المسلم مع دية الكافر، بعموم قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [سورة النساء: ٩٢] قالوا: وإطلاق الدية يفيد أنها الدية المعهودة وهي دية المسلم.\nوالجواب عن هذا الاستدلال من وجهين:\nالأول: بمنع كون المعهود ههنا هو دية المسلم، لم لا يجوز أن يكون المراد بالدية الدية المتعارفة بين المسلمين لأهل الذمة والمعاهدين؟ (^٥).\nالثاني: أن الآية عامة في تماثل دية المسلم والكافر، والحديث المتقدم ذكره خاص في أن دية الكافر على النصف من دية المسلم، فيُحمل الخاص على العام، والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في مسنده (١١/ ٣٢٦)، برقم: (٦٧١٦)، قال محققوا المسند: إسناده حسن.\n(^٢) أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب الديات، باب المسلمون تتكافأ دماؤهم، برقم: (٢٦٨٣)، قال الألباني: حديث صحيح.\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب فكاك الأسير، برقم: (٣٠٤٧).\n(^٤) انظر: التبصرة: اللخمي (١٣/ ٦٤١٠).\n(^٥) انظر: نيل الأوطار: الشوكاني (٧/ ٨٠).","vol":"1","page":431},{"text":"مناقشة دليل أصحاب القول الثاني من السنة:\nاستدلوا كذلك بما أخرجه الترمذي عن ابن عباس ﵁: «أن النبي ﷺ ودى العامريين (^١) اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري وكان لهما عهد من النبي ﷺ لم يشعر به عمرو بدية المسلمين» (^٢). وبما أخرجه البيهقي عن علي بن الجعد «أن النبي ﷺ ودى ذميًا دية مسلم» (^٣)، وغير ذلك من الأحاديث الدالة على ذلك.\nوالجواب عن هذا الاستدلال من وجهين:\nالأول: أن الأحاديث الدالة على تماثل ديتي المسلم والكافر لا تسلم أسانيدها من ضعف أو مقال، يُردي بها إلى الضعف، ففيها من لا يُحتج بحديثه، ومن هو متروك، وغير ذلك (^٤).\nالثاني: على فرض صحة هذه الأحاديث، فهي مأخوذة من فعل النبي ﷺ، والأحاديث الصحيحة مأخوذة من قوله ومن فعله، والقاعدة عند الأصوليين أن القول مقدم على الفعل، لأن القول أقوى في الدلالة على التشريع من الفعل، وأبلغ في البيان (^٥).\nتنبيه:\nيرى القاسمي أنه لا تنافي بين هذه الروايات المذكورة في مقدار دية الكافر، بصرف النظر عن صحيحها وضعيفها، لأن الظاهر أن الفرض في دية الكافر إنما هو النصف. ولا حرج في الزيادة عليه، إلى أن يبلغ دية المسلم تبرعا وتفضلا. وبه يحصل الجمع بين الروايات (^٦).\n_________\n(^١) ودى وديت القتيل أديه: أي: أعطيت ديته. ينظر: جامع الأصول: ابن الأثير (٤/ ٤١٦).\n(^٢) أخرجه الترمذي، أبواب الديات عن رسول الله ﷺ، برقم: (١٤٠٤). قال الألباني: ضعيف الإسناد.\n(^٣) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، كتاب الديات، باب دية أهل الذمة، برقم: (١٦٤٣٤).\n(^٤) انظر: نيل الأوطار: الشوكاني (٧/ ٨٠)، وانظر: محاسن التأويل: القاسمي (٥/ ١٤٥٠).\n(^٥) انظر: جمع الجوامع: السبكي (ص: ٦٢)، وانظر: شرح مختصر الروضة: الطوفي (٣/ ٧٠٥)، وانظر: إرشاد الفحول: الشوكاني (١/ ١١٢، ١١٣).\n(^٦) انظر: محاسن التأويل: القاسمي (٥/ ١٤٥٠).","vol":"1","page":432},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-365> النتيجة:</span>\nبعد عرض ما تقدم من الأقوال في هذه المسألة، يتبين أن الراجح هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن دية الكافر على النصف من دية المسلم، لما تقدم إيراده من الأدلة الدالة على ذلك، ومناقشة أدلة المانعين، والله أعلم.","vol":"1","page":433},{"text":"<span data-type='title' id=toc-366>٥٦ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٩٤)﴾ [سورة النساء: ٩٤].</span>\nقال الرازي: قال أكثر الفقهاء: لو قال اليهودي والنصراني: أنا مؤمن، أو قال: أنا مسلم، لا يحكم بهذا القدر بإسلامه. إلى أن قال: بل لا بد وأن يعترف بأن الدين الذي كان عليه باطل، وأن الدين الموجود فيما بين المسلمين هو الحق والله أعلم (^١).\nقال القاسمي: ما ذكره الرازي عن الفقهاء ليس مما تشمله الآية. لأن البحث ليس في القدر الذي يصير به الكافر مسلما، بل في الكف عن قتل المنقاد لنا. فافهم (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-367> أقوال أهل العلم في شمول الآية في القدر الذي يصير به الكافر مسلما:</span>\nالقول الأول: أن الآية في الكف عن قتال المنقاد بالإسلام ولو ظاهرًا.\nالقول الثاني: أن الآية تشمل القدر الذي يصير به الكافر مسلما، وكذلك الكف عن قتال المنقاد بالإسلام ولو ظاهرًا.\nأصحاب القول الأول:\nالطبري: \" ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ﴾ يقول: \" ولا تقولوا لمن استسلم لكم فلم يقاتلكم، مظهرا لكم أنه من أهل ملتكم ودعوتكم ﴿لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ فتقتلوه ابتغاء عرض الحياة الدنيا\" (^٣).\nالواحدي: \"أي: لا تقولوا لمن حياكم بهذه التحية: لست مؤمنا، فتقتلوه وتأخذوا\n_________\n(^١) انظر: مفاتيح الغيب: الرازي (١١/ ١٩٠).\n(^٢) انظر: محاسن التأويل: القاسمي (٥/ ١٤٨١).\n(^٣) جامع البيان: الطبري (٧/ ٣٥١).","vol":"1","page":434},{"text":"ماله\" (^١).\nالبيضاوي: \"لا تبادروا إلى قتلهم ظنا بأنهم دخلوا فيه اتقاء وخوفا، فإن إبقاء ألف كافر أهون عند الله من قتل امرئ مسلم\" (^٢).\nأبو حيان: \"أمر الله المؤمنين بالتثبت والتبين، وأن لا يقدم الإنسان على قتل من أظهر الإيمان، وأن لا يسفكوا دما حراما بتأويل ضعيف\" (^٣).\nأصحاب القول الثاني:\nالجصاص: \"مراد الآية: إثبات الإيمان في الحكم لمن أظهر هذه الكلمة -وهي: لا إله إلا الله-\" (^٤).\nإلكيا الهراسي: \"من قال لا إله إلا الله، محمد رسول الله، أو قال إني مسلم، يحكم له بحكم الإسلام، لأن قوله تعالى: ﴿لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾، إنما معناه لمن استسلم، فأظهر الانقياد لما دعى إليه من الإسلام\" (^٥).\nالشوكاني: \"الحكمة في التكلم بكلمة الإسلام إظهار الانقياد بأن يقول: أنا مسلم، وأنا على دينكم، لما عرفت من أن معنى الآية الاستسلام والانقياد، وهو يحصل بكل ما يشعر بالإسلام من قول أو فعل، ومن جملة ذلك كلمة الشهادة، وكلمة التسليم\" (^٦).\nالآلوسي: \" ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ أي لا تنفروا من استسلم لكم وأسلم نفسه بأيديكم لترشدوه فتقولوا له لست مؤمنا صادقا لتعلق قلبك بالدنيا فسلم ما عندك من حطامها ليخلو قلبك لربك وتصلح لسلوك الطريق\" (^٧).\n_________\n(^١) التفسير الوسيط: الواحدي (٢/ ١٠٢).\n(^٢) أنوار التنزيل: البيضاوي (٢/ ٩١).\n(^٣) البحر المحيط: أبو حيان (٧/ ٢٨٧).\n(^٤) أحكام القرآن: الجصاص (٣/ ٢٢٦).\n(^٥) أحكام القرآن: إلكيا الهراسي (٢/ ٤٨٤).\n(^٦) فتح القدير: الشوكاني (١/ ٥٧٩)، وانظر: نيل المرام: القنوجي (ص: ٢٠١).\n(^٧) روح المعاني: الآلوسي (٢/ ٤٨٤).","vol":"1","page":435},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-368> دراسة المسألة:</span>\nعند النظر في تفسير الآية نجد أن أكثر المفسرين يوردون في تفسيرها ما جاء في سبب نزولها، وهو ما أخرجه الإمام أحمد في مسنده عن ابن عباس أنه قال: \" مر رجل من بني سليم بنفر من أصحاب رسول الله ﷺ، وهو يسوق غنما له، فسلم عليهم، فقالوا: ما سلم علينا إلا ليتعوذ منا، فعمدوا إليه فقتلوه، وأتوا بغنمه النبي ﷺ، فنزلت هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ \" (^١).\nوهذا السبب يؤيد ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن الآية تشمل الكف عن قتال من أظهر لنا انقياده بالإسلام، إلا أن الراجح والله أعلم أن الآية أعم من ذلك، وهو ما عليه أصحاب القول الثاني، وذلك من وجهين:\nالأول: أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وهذه القاعدة مقررة عند جمهور أهل العلم، وهي محل اتفاق عند العلماء، ولم يخالف في ذلك إلا القليل، كما نص على ذلك جمع من أهل العلم (^٢).\nقال ابن تيمية ﵀: \"وقصر عمومات القرآن على أسباب نزولها باطل فإن عامة الآيات نزلت بأسباب اقتضت ذلك وقد علم أن شيئا منها لم يقصر على سببه\" (^٣).\nوبهذا يتبين أن النهي الوارد في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ عام في الكف عن القتال، أو القدر الذي يصير به الكافر مُسلمًا، وليس خاص بالكف عن القتال، والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في مسنده (٣/ ٣٦٧) برقم: (٢٠٢٣)، قال محققوا المسند: حسن لغيره، وأخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٧/ ٣٥٥)، وأورده ابن كثير في تفسيره (٣/ ١٨٧).\n(^٢) انظر: البحر المحيط: الزركشي (٤/ ٢٦٩)، وانظر: المحصول: الرازي (٣/ ١٢٥)، وانظر: الإبهاج في شرح المنهاج: السبكي (٢/ ١٨٥).\n(^٣) مجموع الفتاوى: ابن تيمية (١٥/ ٣٦٤).","vol":"1","page":436},{"text":"الثاني: أنه قد ورد عن بعض السلف ممن فسَّر الآية بعمومها وأنها تدل على تحريم الحكم على من قال: لا إله إلا الله بأنه ليس بمؤمن.\nفقد روي عن ابن عباس، أنه قال في تأويل قوله: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ [سورة النساء: ٩٤] \" حرم الله على المؤمنين أن يقولوا لمن شهد أن لا إله إلا الله: لست مؤمنا، كما حرم عليهم الميتة، فهو آمن على ماله ودمه\" (^١).\nفإن قيل: أن مدار النهي في الآية إنما هو على سفك الدماء ابتغاء عرض الدنيا. لدلالة السياق في قوله تعالى: ﴿تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ﴾ يعني: تطلبون الغنم والغنيمة (^٢).\nفالجواب: أنه على الرغم من دلالة السياق التي تؤيد ذلك، إلا أنه لا مانع من حمل الآية على عمومها، إذ إن الحكم على الكافر الذي أظهر لنا انقياده بالإسلام بأنه ليس بمؤمن، قد يكون فيه ابتغاء عرض من الدنيا، من غير سفك دم طمعًا في مغنم، فلا يُقال له لست مؤمنًا في هذه الحال.\nومثال ذلك: لو أن والدهم حضرته الوفاة، فقال أخوهم الكافر، أنا مسلم، أو قال: لا إله إلا الله، وأظهر انقياده بالإسلام، فلا يُقال له: لست مؤمنًا طمعًا في نصيبه من الميراث، وإنما يُعطى نصيبه.\nوإن قيل: إن الله تعالى قال في الآية: ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ﴾ والمغانم إنما تُكتسب من الحرب والقتل.\nفالجواب: أن هذا باعتبار الغالب، فالغالب أن ابتغاء عرض الدنيا يكون من مغانم الحرب، ولا يمنع أن تكون الآية أعم من ذلك، والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٧/ ٣٦١).\n(^٢) انظر: معالم التنزيل: البغوي (٢/ ٢٦٩)، وانظر: محاسن التأويل: القاسمي (٥/ ١٤٨١).","vol":"1","page":437},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-369> النتيجة:</span>\nبعد عرض ما تقدم ذكره في هذه المسألة، وما تم إيراده من أقوال أهل العلم، يظهر والله أعلم أن الراجح مع أصحاب القول الثاني، من أن الآية عامة فتشمل القدر الذي يصير به الكافر مسلما، والكف عن قتال من أظهر إسلامه، خلافًا لما ذهب إليه القاسمي ﵀، لما تقدم ذكره من الأوجه التي تؤيد ذلك، والله أعلم.","vol":"1","page":438},{"text":"<span data-type='title' id=toc-370>٥٧ - قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (١٠٣)﴾ [سورة النساء: ١٠٣].</span>\nقال القاسمي: تعلق بظاهر قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ من لم ير صلاة الخوف بعده ﷺ. زاعما أنها خاصة بعهده ﷺ. لاشتراطه كونه فيهم. ولا يخفى أن الأئمة بعده نوّابه قوّام بما كان يقوم به. فيتناولهم حكم الخطاب الوارد له ﷺ. كما في قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [سورة التوبة: ١٠٣]. وقد قال ﷺ: \"صلوا كما رأيتموني أصلي\" (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-371> أقوال أهل العلم في الزمن الذي تُشرع فيه صلاة الخوف:</span>\nالقول الأول: أن صلاة الخوف مشروعة في عهد النبي ﷺ خاصة.\nالقول الثاني: أن صلاة الخوف مشروعة في عهد النبي ﷺ وبعده إلى أن تقوم الساعة.\nأصحاب القول الأول:\nأبو يوسف (^٢): \" كانت صلاة الخوف في حياته خاصة ولم تبق مشروعة بعده لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ [سورة النساء: ١٠٢] فقد شرط كونه فيهم لإقامة صلاة الخوف\" (^٣).\n_________\n(^١) انظر: محاسن التأويل: القاسمي (٥/ ١٥١٩).\n(^٢) وهو: أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم الكوفي، الإمام، المجتهد، المحدث، قاضي القضاة، صحب أبا حنيفة ١٧ سنة. قال ابن معين: أبو يوسف صاحب حديث، صاحب سنة، مات سنة ١٨٢ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء: الذهبي (٨/ ٥٣٦ - ٥٣٨).\n(^٣) انظر: أحكام القرآن: الجصاص (٣/ ٢٤٣)، وانظر: المبسوط: السرخسي (٢/ ٤٥)، وانظر: المحيط البرهاني: النعماني (٢/ ١٢٤)، وانظر: تبيين الحقائق: الزيلعي (١/ ٢٣٢).","vol":"1","page":439},{"text":"الحسن بن زياد (^١): \"لا تجوز صلاة الخوف بعد عهد رسول الله ﷺ \" (^٢).\nإسماعيل بن علية (^٣): لا نصلي صلاة الخوف بعد النبي ﷺ، فإن الخطاب كان خاصا له بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ وإذا لم يكن فيهم لم يكن ذلك لهم\" (^٤).\nأصحاب القول الثاني:\nالسمعاني: \"قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ بين في هذه الآية كيفية صلاة الخوف، وأعلم أن صلاة الخوف جائزة بعد رسول الله على قول أكثر العلماء\" (^٥).\nالبغوي: \"واعلم أن صلاة الخوف جائزة بعد الرسول ﷺ. عند عامة أهل العلم. ويحكى عن بعضهم عدم الجواز ولا وجه له\" (^٦).\nابن عطية: \"هذه الآية خطاب للنبي ﷺ، وهو يتناول الأمراء بعده إلى يوم القيامة\" (^٧).\nالشنقيطي: \" لا تختص صلاة الخوف بالنبي ﷺ بل مشروعيتها باقية إلى يوم القيامة، والاستدلال على خصوصها به ﷺ بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾\n_________\n(^١) وهو: الحَسن بن زياد اللُّؤلؤي، أبو علي، مولى الأنصار، صاحب أبي حنيفة، قال عنه الحارثي: ما رأيت أحسن خلقا من الحسن بن زياد، ولا أسهل جانبا، مع توفر فقهه وعلمه وزهده، مات سنة ٢١٠ هـ. ينظر: تاريخ الإسلام: الذهبي (٥/ ٤٨).\n(^٢) بدائع الصنائع: الكاساني (١/ ٢٤٢).\n(^٣) وهو: إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم الأسدي، الإمام، العلامة، الحافظ، الثبت، أبو بشر الأسدي مولاهم، البصري، الكوفي الأصل، المشهور: بابن علية؛ وهي أمه، مات سنة ٢٦٤ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء: الذهبي (٩/ ١١١ - ١١٣).\n(^٤) الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (٧/ ٩٥)، وانظر: البحر المحيط: أبو حيان (٧/ ٢٢٣).\n(^٥) تفسير القرآن: السمعاني (١/ ٤٧٢).\n(^٦) معالم التنزيل: البغوي (٢/ ٢٧٩).\n(^٧) المحرر الوجيز: ابن عطية (٣/ ٢٩٢)، وانظر: لجامع لأحكام القرآن: القرطبي (٧/ ٩٥)، وانظر: فتح القدير: الشوكاني (١/ ٥٨٦).","vol":"1","page":440},{"text":"الآية، استدلال ساقط\" (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-372> دراسة المسألة:</span>\nمن خلال استقراء ما كتبه المفسرون والفقهاء في هذه المسألة، وما جاء في تفسير الآية، يتبين أن الحق مع أصحاب القول الثاني وهو: أن صلاة الخوف مشروعة في عهد النبي ﷺ وبعده، وذلك من أوجه عدة:\nالأول: أن قوله: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ ليس على سبيل الشرط، وإنما خرج الكلام على وفق الحال، والشرط يوجب الوجود عند الوجود، ولا يقتضي العدم عند العدم - على قول جماعة من أهل العلم-، فيكون المعنى: وإذا كنت أنت فيهم أو من يقوم مقامك في الإمامة كما في قوله تعالى ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ (^٢).\nالثاني: أن الاستدلال بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ على تخصيص صلاة الخوف بعهد النبي ﷺ، يرد عليه مثل قول مانعي الزكاة، الذين احتجوا بقوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [سورة التوبة: ١٠٣] قالوا: فنحن لا ندفع زكاتنا بعده ﷺ إلى أحد، بل نخرجها نحن بأيدينا على من نراه، ولا ندفعها إلى من صلاته، أي: دعاؤه، سكن لنا، ومع هذا رد عليهم الصحابة وأبوا عليهم هذا الاستدلال، وأجبروهم على أداء الزكاة، وقاتلوا من منعها منهم (^٣).\nالثالث: أن الاستدلال بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ على تخصيص صلاة الخوف بعهد النبي ﷺ مخالف لإجماع الصحابة ﵃، وفعلهم، فقد أقامها جمع من الصحابة بعد رسول الله ﷺ كما روي عن علي ﵁ أنه صلى صلاة الخوف وروي عن أبي موسى\n_________\n(^١) أضواء البيان: الشنقيطي (١/ ٢٦٣).\n(^٢) انظر: تفسير القرآن: السمعاني (١/ ٤٧٢)، وانظر: تبيين الحقائق: الزيلعي (١/ ٢٣٢)، وانظر: العناية شرح الهداية: البابرتي (٤/ ١٧٦).\n(^٣) تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٣/ ٢٠٥).","vol":"1","page":441},{"text":"الأشعري أنه صلى صلاة الخوف بأصبهان وروي عن سعد بن أبي وقاص وأبي عبيدة بن الجراح وغيرهم من الصحابة (^١).\nالرابع: من حيث العلة: فإن العلة من صلاة الخوف هو الخوف من العدو، والخوف يتحقق بعد رسول الله ﷺ كما كان في حياته (^٢).\nالخامس: من حيث المقصد: فإن المقصد من شرع الجماعة في صلاة الخوف هو اجتماع المسلمين في الموطن الواحد، فيؤخذ بهذا المقصد بقدر الإمكان. وقد جزم جمهور العلماء بأن هذه الآية شرعت صلاة الخوف للمسلمين أبدا. ومحمل هذا الشرط عندهم جار على غالب أحوالهم يومئذ من ملازمة النبي ﷺ لغزواتهم وسراياهم إلا للضرورة، فليس المراد الاحتراز عن كون غيره فيهم ولكن التنويه بكون النبي ﷺ فيهم (^٣). وتقدير الآية: بين لهم بفعلك لكونه أوضح من القول (^٤).\nالسادس: أن تخصيص النبي ﷺ بالخطاب بها بقوله ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ ليس بموجب بالاقتصار عليه بهذا الحكم دون غيره لأن الذي قال ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ هو الذي قال ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾ فإذا وجدنا النبي ﷺ قد فعل فعلا فعلينا اتباعه فيه على الوجه الذي فعله ألا ترى أن قوله ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ لم يوجب كون النبي ﷺ مخصوصا به دون غيره من الأئمة بعده وكذلك قوله: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ [سورة الممتحنة: ١٢] وكذلك قوله: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [سورة المائدة: ٤٩] فيه تخصيص النبي ﷺ بالمخاطبة والأئمة بعده مرادون بالحكم معه (^٥).\n_________\n(^١) انظر: المبسوط: السرخسي (٢/ ٤٦)، وانظر: بدائع الصنائع: الكاساني (١/ ٢٤٣)، وانظر: أضواء البيان: الشنقيطي (١/ ٢٦٣، ٢٦٤).\n(^٢) انظر: المبسوط: السرخسي (٢/ ٤٦).\n(^٣) التحرير والتنوير: ابن عاشور (٥/ ١٨٥).\n(^٤) أضواء البيان: الشنقيطي (١/ ٢٦٣).\n(^٥) أحكام القرآن: الجصاص (٣/ ٢٤٣) وانظر: الكشاف: الزمخشري (١/ ٥٥٩)، وانظر: أحكام القرآن: الطحاوي (١/ ٢٠٩، ٢١٠)، وانظر: المبسوط: السرخسي (٢/ ٤٦)، وانظر: الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (٧/ ٩٥، ٩٦).","vol":"1","page":442},{"text":"السابع: إنا قد أمرنا باتباعه والتأسي به في غير ما آية وغير حديث، فقال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ وقال ﷺ: \"صلوا كما رأيتموني أصلي\" (^١). فلزم اتباعه مطلقا حتى يدل دليل واضح على الخصوص، وعموم منطوق هذا الحديث مقدم على ذلك المفهوم (^٢).\nالثامن: من حيث التيسير: فلا شك أن المخاطب بهذه الآية هو النبي ﷺ. وإذا قلنا بإثبات جوزها عمومًا للنبي ﷺ ولأمته، فإنما هي على جهة التوسعة والرخصة (^٣).\n\n•<span data-type='title' id=toc-373> النتيجة:</span>\nبعد ذكر ما تقدم في هذه المسألة، وما تم إيراده من أقوال أهل العلم في حكم صلاة الخوف بعد عهد النبي ﷺ، يتبين أن الصواب هو ما عليه أصحاب القول الثاني من أن صلاة الخوف مشروعة في عهد النبي ﷺ وبعده، لما تقدم ذكره من الأوجه التي تؤيد ذلك، والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري: كتاب الأذان، باب الأذان للمسافر إذا كانوا جماعة، برقم: (٦٣١).\n(^٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (٧/ ٩٥)، وانظر: أضواء البيان: الشنقيطي (١/ ٢٦٣، ٢٦٤).\n(^٣) أحكام القرآن: ابن الفرس (٢/ ٢٧٠).","vol":"1","page":443},{"text":"<span data-type='title' id=toc-374>٥٨ - قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ﴾ [سورة النساء: ١٢٧].</span>\nأورد القاسمي في تفسيره قول الأصم ومن معه: بعدم جواز نكاح الصغيرة لجميع الأولياء استدلالا بحديث: \"تستأمر اليتيمة في نفسها فإن سكتت فهو إذنها وإن أبت فلا جواز عليها\" (^١). قالوا: والاستئمار لا يكون إلا من البالغة.\nقال القاسمي: ما نقله من أن الإذن لا يكون إلا بعد البلوغ يحتاج إلى دليل. إذ لا يدل عليه الخبر بمنطوقه ولا مفهومه (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-375> أقوال أهل العلم باشتراط البلوغ في اليتيمة كي تُستأذن في النكاح:</span>\nالقول الأول: يُشترط أن يكون الإذن من اليتيمة بعد البلوغ.\nالقول الثاني: أنه لا يُشترط، بل الواجب أن تُستأذن وإن كانت قبل البلوغ.\nأصحاب القول الأول:\nالحنفية: \"والمراد بالحديث اليتيمة البالغة قال الله تعالى ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ [سورة النساء: ٢] والمراد البالغين، والدليل عليه أنه مده إلى غاية الاستئمار، وإنما تستأمر البالغة دون الصغيرة\" (^٣).\nالمالكية: \"ولا تتزوج اليتيمة التي مُوَلّى عليها حتى تبلغ وتأذن في ذلك، لأن رسول الله ﷺ أمر باستئذان اليتيمة، ولا إذن إلا للبالغة\" (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب النكاح، باب في الاستئمار، برقم: (٢٠٩٣)، قال الألباني: حسن صحيح.\n(^٢) انظر: محاسن التأويل: القاسمي (٥/ ١٥٩٠).\n(^٣) المبسوط: السرخسي (٤/ ٢١٥)، وانظر: أحكام القرآن: الجصاص (٢/ ٣٣٩)، وانظر: بدائع الصنائع: الكاساني (٢/ ٢٣٨).\n(^٤) انظر: النوادر والزيادات: القيرواني (٤/ ٣٩٨)، وانظر: الجامع لمسائل المدونة: الصقلي (٩/ ٣٦). وانظر: حاشية العدوي على شرح كفاية الطالب (٢/ ٤٣).","vol":"1","page":444},{"text":"الشافعية: \"قوله ﷺ: «اليتيمة تستأمر في نفسها» أراد باليتيمة: التي لا أب لها، وسماها يتيمة بعد البلوغ استصحابًا لاسمها قبل البلوغ\" (^١).\nأصحاب القول الثاني:\nالحنابلة: \"اليتيمة من لم تبلغ، ولا أب لها، ومن هذه حالها لا تزوج إلا بإذنها\" (^٢).\nابن تيمية: \" وأما أن يكون المراد باليتيمة البالغة دون التي لم تبلغ: فهذا لا يسوغ حمل اللفظ عليه بحال. والله أعلم\" (^٣).\n\n•<span data-type='title' id=toc-376> دراسة المسألة:</span>\nمسألة اشتراط البلوغ في اليتيمة كي تُستأذن في النكاح، مما اختلف عليه أهل العلم قديمًا، كما تقدم، والذي يظهر أن الراجح هو ما عليه أصحاب القول الثاني، وذلك من وجهين:\nالوجه الأول: دلالة السنة على اشتراط أخذ الإذن من اليتيمة وإن لم تبلغ، لما روي عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: \"توفي عثمان بن مظعون، وترك ابنة له من خُوَيْلَةَ بنت حكيم بن أمية بن حارثة بن الأوقص، قال: وأوصى إلى أخيه قدامة بن مظعون، قال عبد الله: وهما خالاي، قال: فخطبت إلى قدامة بن مظعون ابنة عثمان بن مظعون فزوجنيها، ودخل المغيرة بن شعبة - يعني إلى أمها - فأرغبها في المال فحطت إليه، وحطت الجارية إلى هوى أمها، فأبيا حتى ارتفع أمرهما إلى رسول الله ﷺ، فقال قدامة بن مظعون: يا رسول الله، ابنة أخي أوصى بها إلي، فزوجتها ابن عمتها عبد الله بن عمر ﵁، فلم أقصر بها في الصلاح، ولا في الكفاءة، ولكنها امرأة، وإنما حطت إلى هوى أمها، قال: فقال رسول الله ﷺ: \"هي يتيمة، ولا تنكح إلا بإذنها \" قال: فَانْتُزِعَتْ والله مني بعد أن ملكتها، فزوجوها المغيرة\" (^٤).\n_________\n(^١) انظر: البيان في مذهب الإمام الشافعي: العمراني (٩/ ١٨٠، ١٨١)، وانظر: المجموع: النووي (١٦/ ١٦٩).\n(^٢) انظر: العدة: المقدسي (ص: ٣٩٣)، وانظر: شرح الزركشي على مختصر الخرقي (٥/ ٨٣).\n(^٣) مجموع الفتاوى: ابن تيمية (٣٢/ ٤٦)، وسيأتي إيراد كلام ابن تيمية بتمامه.\n(^٤) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الوصايا، باب ما جاء متى ينقطع اليتم، برقم: (٢٨٧٣)، قال الألباني: حديث صحيح.","vol":"1","page":445},{"text":"والمراد من اليتيمة: الصغيرة التي مات أبوها قبل سن البلوغ لحديث: \"لا يُتم بعد احتلام\" (^١). فهذا نص صريح من السنة في تحديد سن اليتيمة، فلا يُعدل عنه بدلالة الاستصحاب التي تقدمت في قول الشافعية.\nوالواجب حمل لفظ هذا الحديث على الحقيقة، من إطلاق لفظ اليتم على ما قبل البلوغ، وكذا حديث: \" تستأمر اليتيمة\" المتقدم، فلا يُقال أنه مجاز عن ما بعد البلوغ، والله أعلم.\nقال ابن تيمية: \" الكتاب والسنة صريح في دخول اليتيمة قبل البلوغ في ذلك؛ إذ البالغة التي لها أمر في مالها يجوز لها أن ترضى بدون صداق المثل؛ ولأن ذلك مدلول اللفظ وحقيقته ولأن ما بعد البلوغ وإن سمي صاحبه يتيما مجازا فغايته أن يكون داخلا في العموم. وأما أن يكون المراد باليتيمة البالغة دون التي لم تبلغ: فهذا لا يسوغ حمل اللفظ عليه بحال. والله أعلم\" (^٢).\nالوجه الثاني: أن الذي يتولى أمر اليتيمة، وليها وهو: غير أبيها الذي كان يُشفق عليها، فالغالب أن غير الأب يكون قاصر الشفقة، فكان الأولى أن تُستأذن، والله أعلم (^٣).\nفإن قيل: كيف يصح أن تستأذن أو تستأمر وهي لا تعقل؟\nفالجواب: إذا بلغت سنًا تعقل فيه وتستأذن فيه، ويكون لها فيه رأي وقول، فإنها حينئذ تزوج بإذنها، بخلاف الصغيرة التي لها أب، فإنها تزوج ولو كانت في المهد، ولكن ذلك متوقف على تحقيق المصلحة للصغيرة، وكون الزوج كفؤًا لها وممن يُرتضى دينه وخلقه فإنه غير معيب، والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٦١٣٦)، والدارقطني (٣/ ٢٣٠)، والبيهقي (١٤٠٢٧). وثَّق رجالَه الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٤/ ٢٨٣)، والشوكاني في «السيل الجرار» (٢/ ٢٧٣)، وصحَّح إسناده أحمد شاكر في تحقيق «مسند أحمد» (٩/ ٧)، وحسَّن إسناده الألباني في «إرواء الغليل» (٦/ ٢٣٣).\n(^٢) مجموع الفتاوى: ابن تيمية (٣٢/ ٤٦).\n(^٣) انظر: المغني: ابن قدامة (٧/ ٤٢).","vol":"1","page":446},{"text":"تنبيهان:\nالأول: تقدم أن الحنابلة يرون أن اليتيمة لا تُزوج إلا بإذنها، والحق أن كثيرا منهم يقيدون الإذن إذا بلغت تسع سنين، فإن كانت دون التسع فلا بأس أن يزوجها وليها بغير إذنها (^١).\nالثاني: قول القاسمي ﵀ وتعقبه على قول الأصم: \"من أن الإذن لا يكون إلا بعد البلوغ، يحتاج إلى دليل، إذ لا يدل عليه الخبر بمنطوقه ولا مفهومه\". غير مُسلّم، إذ إن الخبر وهو: \"تستأمر اليتيمة\" وإن كان ليس فيه دلالة منطوق، إلا أن كثيرا من أهل العلم فهم منه أن الاستئمار لا يكون إلا من البالغة، كما تقدم.\nفائدة:\nقال العلامة ابن باز ﵀: إن كانت اليتيمة دون التسع فلا بأس أن يزوجها وليها بغير إذنها؛ لأنه أعلم بمصالحها والدليل على ذلك أن النبي ﷺ تزوج عائشة ولم تستأذن؛ لأنها كانت صغيرة بنت ست أو سبع كما جاء في الحديث الصحيح (^٢)، زوجها الصديق وهي بنت ست أو سبع، ودخل عليها النبي وهي بنت تسع ﵊، فالحاصل إذا كانت دون تسع ورأى من المصلحة أن يزوجها؛ لئلا يفوت الكفء الطيب لا من أجل المال، بل من أجل المصلحة الدينية، إذا رأى وليها يعني: أباها أن يزوجها وهي دون التسع؛ لأنه خطبها رجل كفء طيب صاحب دين وخير وخشي أن يفوت فلا بأس\" (^٣).\n\n•<span data-type='title' id=toc-377> النتيجة:</span>\nبعد ذكر ما تقدم في هذه المسألة، وما تم إيراده من أقوال أهل العلم فيها، يظهر أن الراجح هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني من اشتراط إذن اليتيمة في النكاح وإن لم تبلغ، لما تقدم إيراده من الأوجه التي تؤيد ذلك وهو ما ذهب إليه القاسمي ﵀.\nإلا أن الاستئمار المذكور في حديث: \"تستأمر اليتيمة\"، قد يُفهم منه اشتراط الإذن بعد البلوغ، خلافًا لما ذهب إليه القاسمي ﵀، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: مسائل أحمد بن حنبل من رواية ابنه عبد الله (ص: ٣٢١)، وانظر: المغني: ابن قدامة (٧/ ٤٢)، وانظر: العدة: المقدسي (ص: ٣٩٣)، وانظر: دليل الطالب: مرعي الكرمي (ص: ٢٣٣).\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب المناقب، باب تزويج النبي ﷺ عائشة ﵂، برقم (٣٨٩٦).\n(^٣) فتاوى نور على الدرب: ابن باز، باب أحكام الصداق، نصيحة في عدم المغالاة في المهور (٢٠/ ٤٣٢).","vol":"1","page":447},{"text":"<span data-type='title' id=toc-378>٥٩ - قوله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٢٨)﴾ [سورة النساء: ١٢٨].</span>\nقال القاسمي: وفي الصحيحين عن عائشة قالت: \"لما كبرت سودة بنت زمعة، وهبت يومها لعائشة. فكان النبي ﷺ يقسم لها بيوم سودة\". ولا يخفى أن قبوله ﷺ ذلك من سودة، إنما هو لتتأسى به أمته في مشروعية ذلك وجوازه. فهو أفضل في حقه ﵊.\nوقول بعض المفسرين في هذه القصة: أن النبي ﷺ كان عزم على طلاق سودة- باطل وسوء فهم من القصة. إذ لم يرو عزمه ﷺ على ذلك. لا في الصحاح ولا في السنن ولا في المسانيد (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-379> أقوال أهل العلم في عزم النبي ﷺ على طلاق سودة بنت زمعة:</span>\nالقول الأول: أن النبي ﷺ عزم على طلاق سودة بنت زمعة، فخافت ووهبت يومها لعائشة.\nالقول الثاني: أن النبي ﷺ لم يعزم على طلاقها، إنما توهمته سودة، فجعلت يومها لعائشة.\nأصحاب القول الأول:\nالقرطبي: \" في هذه الآية من الفقه الرد على الرُّعْن الجهال الذين يرون أن الرجل إذا أخذ شباب المرأة وأسنت لا ينبغي أن يتبدل بها. قال ابن أبي مليكة (^٢): إن سودة بنت زمعة لما أسنت أراد النبي ﷺ أن يطلقها، فآثرت الكون معه، فقالت له: أمسكني واجعل يومي\n_________\n(^١) انظر: محاسن التأويل: القاسمي (٥/ ١٥٩٧).\n(^٢) الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (٧/ ١٦٢).","vol":"1","page":448},{"text":"لعائشة، ففعل ﷺ، وماتت وهي من أزواجه\" (^١).\nالنيسابوري: \"روي عن سودة أنه لما هم رسول الله ﷺ بطلاقها قالت: دعني يا رسول الله أحشر في زمرة نسائك\" (^٢).\nالشربيني: \"يروى أن سودة كانت امرأة كبيرة أراد النبيّ ﷺ أن يفارقها فقالت: لا تطلقني وإنما بي أن أبعث في نسائك وقد جعلت نوبتي لعائشة فأمسكها رسول الله ﷺ وكان يقسم لعائشة يومها ويوم سودة\" (^٣).\nأصحاب القول الثاني:\nما أورده جمع من المفسرين في تفسير الآية عن ابن عباس: \" خشيت سودة أن يطلقها رسول الله فقالت: يا رسول الله، لا تطلقني وأمسكني واجعل النوبة لعائشة ففعل، فنزلت هذه الآية\" (^٤).\n\n•<span data-type='title' id=toc-380> دراسة المسألة:</span>\nتعددت الروايات الواردة في نزول قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ ومما روي في ذلك:\nما أخرجه ابن سعد من حديث القاسم بن أبي بزة (^٥) أن النبي ﷺ بعث إلى سودة\n_________\n(^١) وهو: عبد الله بن عبيد الله ابن أبي مليكة، الإمام، الحجة، الحافظ، أبو بكر، وأبو محمد القرشي، التيمي، المكي، القاضي، الأحول، المؤذن، كان عالما، مفتيا، صاحب حديث وإتقان، مات سنة ١١٧ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء: الذهبي (٥/ ٨٨).\n(^٢) غرائب القرآن: النيسابوري (٤/ ١٥٤).\n(^٣) السراج المنير: الشربيني (١/ ٣٣٧).\n(^٤) أخرجه الترمذي في سننه، كتاب التفسير، باب: ومن سورة النساء، برقم: (٣٠٤٠) قال الألباني: حديث صحيح، وأخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٧/ ٥٦٠)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ١٠٧٩) برقم: (٦٠٣٤)، وانظر: تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٣/ ٢٣٢)، وانظر: الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (٧/ ١٦١).\n(^٥) وهو: القاسم بن أبي بزة، واسمه نافع، ويقال: نافع بن يسار المكي، أبو عبد الله، القارئ مولى عبد الله بن السائب المخزومي، قيل: إن أصله من همذان، وثّقه يحيى بن معين والنسائي، مات سنة ١١٤ هـ. ينظر: تهذيب الكمال: المزي (٢٣/ ٣٣٨).","vol":"1","page":449},{"text":"بطلاقها فلما أتاها جلست على طريقه إلى بيت عائشة فلما رأته قالت: أنشدك بالذي أنزل عليك كتابه واصطفاك على خلقه لم طلقتني؟ ألموجدة وجدتها في؟ قال: «لا» قالت: فإني أنشدك بمثل الأولى أما راجعتني وقد كبرت ولا حاجة لي في الرجال ولكني أحب أن أبعث في نسائك يوم القيامة فراجعها النبي ﷺ قالت: فإني قد جعلت يومي وليلتي لعائشة حِبّة رسول الله ﷺ (^١).\nولا شك أن هذا المروي مردود من جهة الرواية، ومن جهة الدراية:\nأما من جهة الرواية: فإن القاسم بن أبي بزة من صغار التابعين (^٢) وهو يروي عن النبي ﷺ، فالسند يُعد من المُرسل لسقوط الصحابي.\nقال الحافظ ابن كثير عن هذا المروي: غريب مرسل (^٣).\nوأما من جهة الدراية: فإن هذا المروي ظاهره أن فيه قدح لخُلق النبي ﷺ، إذ كيف لنبي وصفه الله تعالى في كتابه بأنه على خلق عظيم، أن يبعث بطلاق امرأة عاشت معه بقية عُمُرها، ينسى فضلها وإحسانها، بسبب كبر سنها ودمامتها، وكأنه نكحها لجمالها فحسب لا لدينها.\nفمثل هذا المروي مردود ولا يليق أن يُنسب إلى النبي ﷺ.\nوعليه: فإن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني، وذلك من وجهين:\nالأول: ما ورد في سبب نزول الآية وصحة إسناده كما تقدم من قول ابن عباس، من أن سودة خشيت أن يطلقها رسول الله ﷺ، ولم يرد عنه أنه بعث في طلاقها.\nالثاني: أن الله تعالى قال في الآية: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ﴾ ومثل هذا الخوف قد يكون\n_________\n(^١) أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى (٨/ ٥٤).\n(^٢) هكذا قال الحافظ ابن حجر. انظر: فتح الباري: ابن حجر (١/ ٢١٠).\n(^٣) تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٣/ ٢٣٣).","vol":"1","page":450},{"text":"بسبب وهم، والنساء في باب الغيرة تحصل لهن أوهاما منوعة، ولهذا تقدمت سودة ﵂ للنبي ﷺ بقبول ليلتها لعائشة. فقبل منها، والله أعلم.\nفائدة:\nقال ابن جرير الطبري ﵀: \"إذا علمت المرأة من زوجها استعلاء بنفسه عنها إلى غيرها أَثَرَة عليها، وارتفاعًا بها عنها، إما لبغضة وإما لكراهة منه بعض أشياء بها، إما دمامتها، وإما سنها وكبرها أو غير ذلك من أمورها فلا جناح على المرأة الخائفة نشوز بعلها أو إعراضه عنها، أن يصلحا بينهما صلحًا وهو أن تترك له يومها، أو تضع عنه بعض الواجب لها من حق عليه، تستعطفه بذلك، وتستديم المقام في حباله والتمسك بالعقد الذي بينها وبينه من النكاح، والصلح بترك بعض الحق استدامة للحرمة، وتماسكًا بعقد النكاح خير من طلب الفرقة والطلاق\" (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-381> النتيجة:</span>\nبعد عرض ما تقدم من أقوال المفسرين في هذه المسألة، يتبين أن الراجح هو ما عليه أصحاب القول الثاني من أن سودة ﵂ توهمت أن النبي ﷺ يُريد طلاقها فوهبت يومها لعائشة، وأن الرواية الواردة في عزم النبي ﷺ على طلاق سودة ضعيفة رواية ودراية، لما تقدم بيانه، والله أعلم.\n_________\n(^١) جامع البيان: الطبري (٧/ ٥٤٨، ٥٤٩)، بتصرف.","vol":"1","page":451},{"text":"<span data-type='title' id=toc-382>٦٠ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا (١٣٧)﴾ [سورة النساء: ١٣٧].</span>\nقال بعض الزيدية في تفسيره: دلت الآية على أن توبة المرتد تقبل. لأنه تعالى أثبت إيمانا بعد كفر، تقدمه إيمان (^١).\nقال القاسمي: أقول: دلالتها على ذلك في صورة عدم تكرار الردة. وأما معه، فلا. كما لا يخفى (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-383> أقوال أهل العلم في قبول توبة المرتد إن تكررت منه الردة:</span>\nالقول الأول: أن توبة المرتد مقبولة وإن تكررت منه الردة.\nالقول الثاني: أن توبة المرتد مقبولة بشرط: عدم تكرارها.\nأصحاب القول الأول:\nالحنفية: \"إذا ارتد ثانيا ثم تاب ضربه الإمام وخلى سبيله، وإن ارتد ثالثا ثم تاب ضربه ضربا وجيعا وحبسه حتى تظهر عليه آثار التوبة ويرى أنه مخلص ثم خلى سبيله\" (^٣).\nالمالكية: \"الردة محبطة للعمل بنفسها من غير وقوف على موت المرتد، ويستتاب ثلاثة فإن تاب قبل منه وإن أبى قتل وكان ماله فيئًا غير موروث ملكه قبل الردة أو بعدها\" (^٤).\nالشافعية: \"تقبل منه التوبة وإن تكررت ردته، لقوله ﷿ ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الأنفال: ٣٨]\n_________\n(^١) تفسير الثمرات اليانعة: الفقيه يوسف (٢/ ٥١٤).\n(^٢) محاسن التأويل: القاسمي (٥/ ١٦٠٩، ١٦١٠)\n(^٣) انظر: أحكام القرآن: الجصاص (٣/ ٣٧٣)، وانظر: حاشية رد المحتار: ابن عابدين (٤/ ٢٢٥).\n(^٤) انظر: التلقين: القاضي عبد الوهاب (٢/ ١٩٥)، وانظر: التاج والإكليل: الغرناطي (٨/ ٣٧٣)، وانظر: أحكام القرآن: ابن الفرس (٢/ ٢٢).","vol":"1","page":452},{"text":"ولأنه أتى بالشهادتين بعد الردة فحكم بإسلامه كما لو ارتد مردة ثم أسلم\" (^١).\nأصحاب القول الثاني:\nالحنابلة: \"ولا توبة من تكررت ردته؛ لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا﴾ الآية\" (^٢).\nرواية عن مالك: \"لا تقبل توبة الزنديق، ومن تكررت ردته\" (^٣).\n\n•<span data-type='title' id=toc-384> دراسة المسألة:</span>\nمسألة قبول توبة من تكررت منه الردة من المسائل التي اختلف فيها العلماء قديمًا، والذي يظهر أن الراجح هو ما عليه أصحاب القول الأول من أن التوبة مقبولة، وذلك لعموم الأدلة من الكتاب والسنة:\nفمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾.\nووجه الدلالة: أنه أتى بالشهادتين بعد الردة فحكم بإسلامه كما لو ارتد مرة ثم أسلم (^٤).\nوأيضًا يُقال: أن اللفظ في هذه الآية عام، فيمن ارتد ثم أسلم أو من تكررت منه الردة، ولا دليل يصرف هذا العموم إلى التخصيص بمن لم تتكرر من الردة، فيما نعلم.\nومن السنة القولية: قوله ﷺ: \"الإسلام يهدم ما كان قبله\" (^٥).\n_________\n(^١) انظر: المهذب: الشيرازي (٣/ ٢٥٨)، وانظر: لمجموع: النووي (١٩/ ٢٣١)، وانظر: أسنى المطالب: السنيكي (٤/ ١٢٢)، وانظر: تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٣/ ٢٣٩).\n(^٢) الكافي: المقدسي (٤/ ٦١)، وانظر: المحرر: المجد ابن تيمية (٢/ ١٦٨)، وانظر: منتهى الإرادات: البهوتي (٣/ ٣٩٨).\n(^٣) المغني: ابن قدامة (٩/ ٦)، وانظر: اللباب: ابن عادل الحنبلي (٧/ ٧٤).\n(^٤) انظر: المهذب: الشيرازي (٣/ ٢٥٨)، وانظر: أحكام القرآن: ابن الفرس (١/ ٢٧٦).\n(^٥) أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب كون الإسلام يهدم ما قبله وكذا الهجرة والحج، برقم: (١٢١).","vol":"1","page":453},{"text":"وحديث: \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحقها\" (^١).\nووجه الدلالة: أن اللفظ في الحديثين عام، فيمن ارتد ثم أسلم أو من تكررت منه الردة، فيبقى على عمومه، والله أعلم.\nوأخبر النبي ﷺ عن الرجل الذي أذنب ذنبا فتاب منه، ثم أذنب فتاب، ثم أذنب فتاب، فقال الله ﷿: «علم عبدي أن له ربا يغفر الذنب، ويأخذ به، قد غفرت لعبدي فليعمل ما شاء» (^٢).\nووجه الدلالة: أن هذا رجل تكرر منه الذنب، وقبِل الله توبته، فإذا علمنا أنه صادق في التوبة، فما المانع من القبول؟ (^٣).\nومن السنة الفعلية: أن النبي ﷺ كف عن المنافقين بما أظهروا من الشهادة، مع إخبار الله تعالى له بباطنهم، بقوله تعالى: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ [سورة التوبة: ٥٦] وغيرها من الآيات. فدل هذا الفعل أن العبرة بالأخذ: الظاهر، دون النظر إلى البواطن والنوايا والحكم على من تكررت منه الردة بالكذب والتلاعب والزندقة، ونحو ذلك.\nالجواب عن استدلال الفريق الثاني:\nاستدل أصحاب الفريق الثاني على قولهم بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾ فأخبر الله عنهم أنه لا يغفر لهم.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب الإيمان، باب: ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم﴾ [التوبة: ٥]، برقم: (٢٥)، وأخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله، برقم: (٢٠).\n(^٢) أخرجه البخاري: كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿يريدون أن يبدلوا﴾، برقم: (٥٧٠٧)، وأخرجه مسلم: كتاب التوبة، باب قبول التوبة من الذنوب، برقم: (٢٧٥٨) عن أبي هريرة ﵁.\n(^٣) الشرح الممتع: العثيمين (١٤/ ٤٦٠).","vol":"1","page":454},{"text":"والجواب على استدلالهم من أوجه:\nالأول: أن الكافر إذا آمن غفر له كفره، ثم إن كفر بعد ذلك ومات على كفره لم يغفر له الكفر الأول وطولب بالأول والآخر، ولا يجوز أن يكون إذا آمن بعد لا يغفر له؛ لأن الله يغفر لكل من آمن بعد كفره، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [سورة الشورى: ٢٥] (^١).\nالثاني: أن الله تعالى قال في آخر الآية: ﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾، فهؤلاء الذين ازدادوا كفرا ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ يعني ما يوفقهم الله للتوبة، ليس المعنى أنهم لو تابوا لم يتب الله عليهم، لكن لا يوفقون، ما داموا -والعياذ بالله- صاروا هكذا غير مستقرين على أمر (^٢).\nالثالث: يحتمل أن قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ محمول على قوم معينين علم الله منهم أنهم يموتون على الكفر ولا يتوبون عنه، فيكون قوله: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ إخبارا عن موتهم على الكفر (^٣).\n\n•<span data-type='title' id=toc-385> النتيجة:</span>\nبعد ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن القول الراجح هو مع أصحاب القول الأول من أن التوبة من الردة مقبولة وإن تكررت، لما تقدم إيراده أدلة الكتاب والسنة، التي تؤيد ذلك، وما تقدم ذكره أيضَا من الأوجه التي تدفع استدلال أصحاب القول الثاني، بخلاف ما ذهب إليه القاسمي ﵀، والله أعلم.\n_________\n(^١) أحكام القرآن: ابن الفرس (٢/ ٢٩٠).\n(^٢) الشرح الممتع: العثيمين (١٤/ ٤٦٠)، بتصرف.\n(^٣) انظر: البحر المحيط: أبو حيان (٧/ ٤١٧).","vol":"1","page":455},{"text":"<span data-type='title' id=toc-386>٦١ - قوله تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (١٤٠)﴾ [سورة النساء: ١٤٠].</span>\nقال أبو علي وأبو هاشم: إن أنكر بقلبه لم يجب عليه أكثر من ذلك. وجاز له القعود، يعني مع عجزه عن الإنكار باليد أو باللسان، وعدم تأثير ذلك (^١).\nقال القاسمي: أقول: ما قالاه مخالف لظاهر الآية. فلا عبرة به (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-387> أقوال أهل العلم في حكم القعود في المجالس التي فيها منكرات، مع الإنكار بالقلب:</span>\nالقول الأول: لا بأس بالجلوس، إن كان الجالس فيها مُنكرًا بقلبه.\nالقول الثاني: لا يجوز الجلوس فيها، بل الواجب الإنكار باللسان، أو الخروج منها.\nأصحاب القول الأول:\nأبو علي الجبائي وأبو هاشم الجبائي: وتقدم قولهما.\nأصحاب القول الثاني:\nالسمرقندي: \" وفي هذه الآية دليل أن من جلس في مجلس المعصية ولم ينكر عليهم يكون معهم في الوزر سواء، وينبغي أن ينكر عليهم إذا تكلموا بالمعصية أو عملوا بها، فإن لم يقدر بأن ينكر عليهم ينبغي أن يقوم عنهم حتى لا يكون من أهل هذه الآية\" (^٣).\nالقرطبي: كل من جلس في مجلس معصية، ولم ينكر عليهم، يكون معهم في الوزر سواء، وينبغي أن ينكر عليهم إذا تكلموا بالمعصية وعملوا بها، فإن لم يقدر على النكير\n_________\n(^١) انظر: التهذيب في التفسير: الحاكم الجشمي (٣/ ١٧٩١).\n(^٢) محاسن التأويل: القاسمي (٥/ ١٦١٣).\n(^٣) بحر العلوم: السمرقندي (١/ ٣٤٩).","vol":"1","page":456},{"text":"عليهم فينبغي أن يقوم عنهم حتى لا يكون من أهل هذه الآية\" (^١).\nالبقاعي: \"هذه الآية مدنية فالتغيير عند إنزالها باللسان واليد ممكن لكل مسلم، فالمجالس من غير نكير راض، فلهذا علل بقوله: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ \" (^٢).\nأبو السعود: \" المراد بالإعراض إظهار المخالفة بالقيام عن مجالسهم لا الإعراض بالقلب أو بالوجه فقط\" (^٣).\n\n•<span data-type='title' id=toc-388> دراسة المسألة:</span>\nمن خلال النظر في مسألة الإنكار بالقلب في المجالس وما يقرره أهل العلم، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني، وذلك من أوجه:\nالأول: من حيث دلالة النهي في ظاهر الآية: فظاهر الآية يدل على أن الواجب إذا رأى المسلم المنكر والكفر والاستهزاء بآيات الله في المجلس، أن يخرج ولا يقعد، كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ﴾ ودلالة النهي تدل على الوجوب، ولم يذكر في الآية أن الجلوس جائز إذا أنكر بقلبه.\nالثاني: نظائر الآية: فهذه الآية نظيرها قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [سورة الأنعام: ٦٨]، وفيه الأمر بالإعراض عن المستهزئين بآيات الله، ولا يكون الإعراض إلا بالقيام من المجلس أو الإنكار اللسان، دون الإنكار بالقلب الذي لا يترتب عليه زوال المنكر.\nالثالث: أن من لوازم الإنكار بالقلب أن يقترن معه الإعراض.\nقال العثيمين ﵀: \"ما يفعله بعض الجهال من بقائه مع أهل المنكر الذين يفعلون\n_________\n(^١) الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (٧/ ١٨٥).\n(^٢) نظم الدرر: البقاعي (٥/ ٤٣٩) بتصرف.\n(^٣) إرشاد العقل السليم: أبو السعود (٢/ ٢٤٥).","vol":"1","page":457},{"text":"المنكر بين يديه؛ كشرب الدخان، أو يلعبون أشياء محرمة، ويقول: أنا أكره هذا بقلبي، نقول: هذا لا يكفي، إذا كنت تكرهه بقلبك حقًا فإن قلبك سوف ينفر منه، وإذا نفر القلب فإن الجوارح سوف تنفر منه أيضًا؛ لأن النبي ﷺ يقول: \"ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله؛ ألا وهي القلب\" فعلى هذا نقول: إذا كرهته بقلبك ولم تستطع أن تنكره بلسانك؛ وجب عليك أن تغادر المحل، وإذا كنت تستطيع الإنكار بلسانك وجب عليك ذلك وإلا كنت آثمًا\" (^١).\nالرابع: أفعال بعض الصحابة التي تدل على أن الواجب إذا وجد المنكر في المجلس أو في الدار الإعراض، ولا يكفي الإنكار بالقلب.\nفقد بوَّب البخاري ﵀ في صحيحه باب: هل يرجع إذا رأى منكرًا في الدعوة؟، ثم أورد أثر ابن مسعود أنه: رأى صورة في البيت فرجع.\nودعا ابن عمر أبا أيوب فرأى في البيت سترًا على الجدار. فقال ابن عمر: \"غلبنا عليه النساء. فقال: من كنت أخشى عليه فلم أكن أخشى عليك، والله لا أطعم لكم طعامًا. فرجع\" (^٢).\nفدل فعلهما أنه إذا وُجد المنكر فإنه يُنكر إما باللسان، والإعراض، دون الجلوس والإنكار بالقلب فحسب، والله أعلم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-389> النتيجة:</span>\nبعد عرض ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين جليًا أن الحق مع أصحاب القول الثاني، من أن الواجب إزالة المنكر بالإنكار أو الإعراض، دون الجلوس مع الإنكار بالقلب فقط، لما تقدم ذكره من الأوجه التي تؤيد ذلك، والله أعلم.\n_________\n(^١) لقاء الباب المفتوح: العثيمين (٣٩/ ١٩)، وانظر: فتاوى نور على الدرب: العثيمين (٢٤/ ٢).\n(^٢) أورده البخاري في صحيحه مُعلَّقًا بصيغة الجزم، كتاب النكاح، باب هل يرجع إذا رأى منكرًا في الدعوة؟، قبل حديث رقم: (٥١٨١).","vol":"1","page":458},{"text":"<span data-type='title' id=toc-390>٦٢ - قوله تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (١٤٠)﴾ [سورة النساء: ١٤٠].</span>\nقال القاضي والحاكم (^١): أما لو كان له حق في تلك البقعة، فله أن لا يفارق. كمن يحضر الجنائز مع النوح، أو الولائم. فيسمع المنكر فيسعه أن يقعد. والنكير على قدر الإمكان واجب عليه. وعن الحسن: لو تركنا الحق للباطل لبطل الشرع. وقد كان خرج إلى جنازة، خرجت النساء فيها فلم يرجع. ورجع ابن سيرين. انتهى (^٢).\nقال القاسمي: أقول: من له حق في البقعة، فعليه أن يفارق كغيره. إذ ليس في مفارقته ضياع حقه. وعموم الآية يشمله، ولا تخصيص إلا بمخصص. والمسألة المقيس عليها غير ما نحن فيه. على ما فيها من الخلاف. كما حكى. ولا قياس مع النص. وقد حكى الحاكم أقوالا كلها ترجع إلى تخصيص الآية. ولا مستند فيها إلا الرأي، والاحتمال. فلذا أعرضنا عنها (^٣).\n\n•<span data-type='title' id=toc-391> أقوال أهل العلم في حضور البقاع التي تحصل فيها منكرات، إن كان الحاضر له حق فيها:</span>\nالقول الأول: يجوز حضور تلك البقاع، إن كان له حق فيها، ولا يُشترط مفارقتها.\nالقول الثاني: لا يجوز له حضورها، بل الواجب عليه مفارقتها.\n_________\n(^١) وهو: المحسن بن محمد بن كرامة الجشمي، ويقال له الحاكم الجشمي، مفسر، متكلم، أصولي، حنفي، ثم معتزلي فزيدي. وهو من شيوخ الزمخشري. دخل اليمن واشتهر بصنعاء، مات سنة ٤٩٤ هـ. ينظر: معجم المفسرين: عادل نويهض (٢/ ٤٦٣).\n(^٢) انظر: التهذيب في التفسير: الحاكم الجشمي (٣/ ١٧٩١، ١٧٩٢).\n(^٣) محاسن التأويل: القاسمي (٥/ ١٦١٤).","vol":"1","page":459},{"text":"أصحاب القول الأول:\nالإمام أحمد: سُئل عن الرجل، يدعى ليغسل الميت، فيسمع عندهم صوت النوح، فما ترى؟ يدخل يغسله وهم ينوحون؟ قال: «نعم، ولكن ينهاهم» (^١).\nالجصاص: \"ينبغي له أن يفعل ذلك - يعني التباعد- إذا لم يكن في تباعده وترك سماعه ترك الحق عليه من نحو ترك الصلاة في الجماعة لأجل ما يسمع من صوت الغناء والملاهي وترك حضور الجنازة لما معها من النوح وترك حضور الوليمة لما هناك من اللهو واللعب فإذا لم يكن هناك شيء من ذلك فالتباعد عنهم أولى\" (^٢).\nابن تيمية: \"وإذا كان مع الجنازة منكر وهو عاجز عن إزالته تبعها على الصحيح\" (^٣).\nأصحاب القول الثاني:\nابن مفلح (^٤): \"إذا كان معها منكر وقدر على إزالته تبعها وأزاله، فإن عجز عنه لم يجز أن يتبعها\" (^٥).\nالبهوتي: \"يحرم أن يتبعها - أي: الجنازة- مع منكر وهو عاجز عن إزالته، نحو طبل ونياحة ولطم نسوة، وتصفيق، ورفع أصواتهن، لأنه يؤدي إلى استماع محظور، ورؤيته مع قدرته على ترك ذلك\" (^٦).\n_________\n(^١) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: أبو بكر الخلال (ص: ٦٤).\n(^٢) أحكام القرآن: الجصاص (٣/ ٢٧٨).\n(^٣) الفتاوى الكبرى: ابن تيمية (٥/ ٣٦١).\n(^٤) وهو: محمد بن مفلح بن محمد بن مفرج القاقوني الفقيه الحنبلي، اشتغل في الفقه وبرع فيه إلى الغاية، صنف الفروع في مجلدين أجاد فيه إلى الغاية وأورد فيه من الفروع الغريبة ما بهر العلماء، مات سنة ٧٦٣ هـ. ينظر: الدرر الكامنة: ابن حجر (٦/ ١٤).\n(^٥) المبدع في شرح المقنع: ابن مفلح (٢/ ٢٦٧).\n(^٦) كشاف القناع: البهوتي (٢/ ١٣٠، ١٣١)، وانظر: شرح المنتهى: البهوتي (١/ ٣٧٠).","vol":"1","page":460},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-392> دراسة المسألة:</span>\nعبارة القاسمي ﵀: \"من له حق في البقعة، فعليه أن يفارق كغيره\"، يُفهم منها أنه يرى ترك الأماكن التي فيها منكرات إن عجز الناصح عن إزالتها، سواء كانت في المجالس، أو الولائم، أو الجنائز.\nوالذي يظهر من خلال عرض ما تقدم من الأقوال، أن مسألة حضور أماكن العبادات التي يُتقرَّب فيها إلى الله، مع حصول منكرات فيها، من المسائل التي اختلف فيها الفقهاء، والظاهر أن الراجح هو مع أصحاب القول الأول، إذ إنه لا يُعقل أن يترك المسلم فريضة أو فضيلة، بسبب وجود منكر فيه عجز عن إزالته، وبيان ذلك من وجهين:\nالوجه الأول: تحقيق المصلحة: فلو أن رجلا حضر جنازة ووجد فيها نياحة، أو وإقامة دعاء جماعي بعد دفن الميت، ونحو ذلك من البدع، وأنكر عليهم، ولم يستجب إليه أحد، فليس من المصلحة أن يترك المكان لظاهر وعموم قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ﴾، وذلك لسببين:\nالأول: لما في حضور الجنازة من الفضل العظيم، الذي يحصل به مُتبع الجنازة أجر قيراطان، فإن ترك حضور الجنازة فاته هذا الأجر.\nالثاني: لحاجة الميت لحضوره ودعائه له بالرحمة والمغفرة والتثبيت عند السؤال، فحضور هذا المسلم التقي النقي من البدع، يُرجى أن يكون دعاؤه أقرب للإجابة من غيره، الذين ناحوا على الميت فلم ينتفع منهم.\nالوجه الثاني: الوقوع في المحظور: فلو أن رجلًا دخل مسجدا فرأى فيه زخارف ونُقوش، وكما هو معلوم أن النقش وزخرفة المساجد مما نهى الشارع عنه، كما في حديث أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد\" (^١).\nفليس له أن يتخلَّف عن صلاة الجماعة لظاهر وعموم قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقْعُدُوا\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في مسنده (١٩/ ٣٧٢) برقم: (١٢٣٧٩)، قال محققوا المسند: إسناده صحيح على شرط مسلم، وأخرجه أبو داود في سننه، كتاب الصلاة، باب في بناء المساجد، برقم: (٤٤٩)، قال الألباني: حديث صحيح.","vol":"1","page":461},{"text":"مَعَهُمْ﴾، وذلك أن صلاة الجماعة واجبة على القول الراجح، والله أعلم (^١).\nفإن قيل: لو أن شخصًا دُعي لحضور وليمة نكاح، أو غيره، وكما هو معلوم أن جمع من أهل العلم ذهب إلى وجوب إجابة الداعي إلى وليمة (^٢)، لقوله: \"ومن ترك الدعوة فقد عصى الله ورسوله\" (^٣)، فلمّا حضر فوجئ أن فيها غناء محرم، أو صوت معازف، أو نحو ذلك من المنكرات، فيكون تركه للمكان معصية وإن لم يقدر على إزالة المنكر.\nفالجواب: أن هذه الحالة تختلف عن سابقتها، فليس فيها تحقيق مصلحة، كما في الوجه الأول المتقدم، بل إن المفسدة المترتبة على بقائه وتعرضه للفتنة أكبر، من إجابته للدعوة، فدرء المفاسد - وهو سماع المنكر- مقدم على جلب المصالح، فتُحمل إجابة الدعوة إذا خلت من المنكرات، والله أعلم.\nتنبيهان:\nالأول: استدل القاسمي ﵀ على ما ذهب إليه بقوله تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾\nووجه استدلاله: أن الآية عامة، يشمله من كان له حق في تلك البقعة ومن لا يشمله، ولا تخصيص إلا بمخصص.\nوالجواب: أن التخصيص يُؤخذ من الأحاديث الدالة على مشروعية وفضل اتباع الجنائز والصلاة عليها، فصلاة الجنازة متأكدة، فيترتب على تركها ضرر، كما تقدم، والله أعلم.\nالثاني: يُريد القاسمي ﵀ من تعقبه على الحاكم، ما نقله عن أبي علي أنه فصَّل\n_________\n(^١) انظر: الشرح المختصر على زاد المستقنع: الفوزان (١/ ٤٩٦).\n(^٢) انظر: شرح مختصر الطحاوي: الجصاص (٤/ ٤٣٦)، وانظر: الرسالة: القيرواني (ص: ١٦٠)، وانظر: مغني المحتاج: الشربيني (٤/ ٤٠٥)، وانظر: كشاف القناع: البهوتي (٥/ ١٦٦).\n(^٣) أخرجه البخاري: كتاب النكاح، باب من ترك الدعوة فقد عصى الله ورسوله، برقم: (٥١٧٧).","vol":"1","page":462},{"text":"بين المجلس والقرب، فقال: \"يحرم القعود في المجلس لما فيه من الإيهام، فأما إذا أظهر التباين وإن قرب فلا يحرم، ولا خلاف أنه إذا أنكر لا يحرم عليه القعود معهم، ولذلك تقعد العلماء مع أهل الضلالة يُناظرونهم، ويجب لهم بذلك الثواب العظيم\" (^١).\nولا شك أن ما ذكره الحاكم عبارة عن أقوال لا مستند فيها إلا الرأي، والاحتمال، كما قال القاسمي ﵀.\nفالتفريق بين المجلس والقرب لا دليل عليه: بل الأدلة عامة في وجوب الإعراض كما في الآية: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [سورة الأنعام: ٦٨] والإعراض يقتضي المُفارقة سواء كان في مجلس أو كان في مكان قريب من المنكر.\nوأما دعوى أنه لا خلاف أنه إذا أنكر لا يحرم عليه القعود معهم: فإن أراد أنه إذا أنكر وزال المنكر فصحيح، وإلا فلا، لما تقدم ذكره من الخلاف، ولقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ و﴿حَتَّى﴾ للغاية.\nوأما الاستدلال بقعود العلماء مع أهل الضلالة لمناظرتهم: فاستدلال في غير محله، لأن الله تعالى يقول: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ والمجادلة تقتضي القعود، فلا تُقاس هذه الحالة مع غيرها، إذ هو قياس مع الفارق.\n\n•<span data-type='title' id=toc-393> النتيجة:</span>\nمن خلال عرض ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة وما ذُكر فيها، يتبين أن فيها ثلاث نتائج:\nالأولى: أن الراجح فيها مع أصحاب القول الأول، من أنه لا بأس للمسلم أن يحضر للأماكن التي يُتقرب فيها إلى الله تعالى كاتباع الجنائز مع وجود منكرات فيها كالنياحة، وإن عجز عن إزالتها بيده أو لسانه.\n_________\n(^١) التهذيب في التفسير: الحاكم الجشمي (٣/ ١٧٩٢).","vol":"1","page":463},{"text":"الثانية: الأماكن التي فيها منكرات، كالولائم مع وجود غناء ومعازف، الواجب فيها أن يتركها المسلم، إن عجز عن إزالة المنكر فيها، لأن مفسدتها أكبر من مصلحتها.\nالثالثة: أن ما أورده الحاكم عن أبي علي من أن المسلم إذا أنكر لا يحرم عليه القعود مع أهل المنكر، فمردود، لما تقدم ذكره، والله أعلم.","vol":"1","page":464},{"text":"<span data-type='title' id=toc-394>٦٣ - قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (١٤٦)﴾ [سورة النساء: ١٤٦].</span>\nقال الزمخشري: فإن قلت: من المنافق؟ قلت: هو في الشريعة من أظهر الإيمان وأبطن الكفر. وأما تسمية من ارتكب ما يفسق به ب (المنافق) فللتغليظ، كقوله: \"من ترك الصلاة متعمدا فقد كفر جهارا .... إلخ\" (^١).\nقال القاسمي: أقول: قول الزمخشري (فللتغليظ) يوجد مثله لثلة من شراح الحديث وغيرهم (^٢). وقد بحث فيه بعض محققي مشايخنا بقوله: هذا الجواب لا يرتضيه من عرف قدر النبي ﷺ. وكأنهم غفلوا عما يستلزمه هذا الجواب مما لا يرتضيه أدنى عالم أن ينسب إليه. وهو الإخبار بخلاف الواقع لأجل الزجر. انتهى (^٣).\n\n•<span data-type='title' id=toc-395> أقوال أهل العلم في تسمية من ارتكب ما يُفَسَّق به بالمنافق:</span>\nالقول الأول: أن تسميته من باب الحقيقة، والمراد النفاق الأصغر، أو النفاق العملي.\nالقول الثاني: أن تسميته من باب التغليظ.\nأصحاب القول الأول:\nابن تيمية: \"والنفاق يطلق على النفاق الأكبر الذي هو إضمار الكفر وعلى النفاق الأصغر الذي هو اختلاف السر والعلانية في الواجبات وهو مشهور عند العلماء. وبذلك فسروا قول النبي ﷺ: \"آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان\" (^٤).\n_________\n(^١) الكشاف: الزمخشري (١/ ٥٨١)، وانظر: لباب التأويل: الخازن (١/ ٤٤١)، وانظر: السراج المنير: الشربيني (١/ ٣٣٩).\n(^٢) انظر: الكواكب الدراري: الكرماني (٤/ ٢٦٢)، وانظر: عمدة القاري: العيني (١٨/ ١٩٣)، وانظر: إرشاد الساري: القسطلاني (٤/ ٢٦٢).\n(^٣) محاسن التأويل: القاسمي (٥/ ١٦٢٤، ١٦٢٥).\n(^٤) مجموع الفتاوى: ابن تيمية (١١/ ١٤٠)، بتصرف.","vol":"1","page":465},{"text":"ابن كثير: \"النفاق العملي كقوله ﷺ: \"تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، يجلس يرقب الشمس، حتى إذا كانت بين قرني الشيطان قام فنقر أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا\" (^١).\nالسعدي: \" اعلم أن النفاق هو: إظهار الخير وإبطان الشر، ويدخل في هذا التعريف النفاق الاعتقادي، والنفاق العملي، كالذي ذكر النبي ﷺ في قوله: \"آية المنافق ثلات: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان\" (^٢).\nأصحاب القول الثاني:\nالبيضاوي: \"وأما قوله ﵊ «ثلاث من كن فيه فهو منافق وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم: من إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان» (^٣) ونحوه فمن باب التشبيه والتغليظ\" (^٤).\nالخفاجي: \" (أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا) (^٥) الحديث. المراد أن من اتصف بهذه فهو شبيه بالمنافقين الخاص، وأطلق ذلك عليه تغليظا، وتهديدًا له، وهذا في حق من اعتاد ذلك لا من ندر منه أو هو منافق في أمور الدين عرفًا\" (^٦).\nالطيبي: \" ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ مع المسلمين الذين كانوا يُقاعدون المشركين بمكة، ويُقاعدون المنافقين بالمدينة، وتشبيههم بالمنافقين للتغليظ والزجر والتوبيخ\" (^٧).\n_________\n(^١) تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٧/ ٦٦٢، ٦٦٣) بتصرف، والحديث أخرجه مسلم، كتاب المساجد، باب استحباب التبكير بالعصر، برقم: (٦٢٢).\n(^٢) تيسير الكريم الرحمن: السعدي (ص: ٤٢).\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب الإيمان، باب علامة المنافق، برقم: (٣٣)، وأخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب خصال المنافق، برقم: (٥٩).\n(^٤) أنوار التنزيل: البيضاوي (٢/ ١٠٥)، وانظر: إرشاد العقل السليم: أبو السعود (٢/ ٢٤٧).\n(^٥) أخرجه البخاري، كتاب الإيمان، باب علامة المنافق، برقم: (٣٤)، وأخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب خصال المنافق، برقم: (٥٨).\n(^٦) حاشية الشهاب: الخفاجي (٣/ ١٩١).\n(^٧) فتوح الغيب: الطيبي (٥/ ١٩٧).","vol":"1","page":466},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-396> دراسة المسألة:</span>\nالمتأمل في كلام الزمخشري المتقدم يجد أن سبب صدور هذا القول منه، وعدم إقراره بحقيقة النفاق، إنما هو بسبب تبنيه لعقيدة المعتزلة، والله أعلم.\nفمن الأصول الفاسدة عند المعتزلة أن صاحب الكبيرة عندهم لا يسمى مؤمنًا، ولا كافرًا، وإنما يسمى فاسقًا. وحكمه أنه منزلة بين المنزلتين، فلا يكون حكمه حكم الكافر، ولا حكم المؤمن، وإنما له حكم بينهما. هذا في الدنيا. وأما في الآخرة؛ فإنه يخلد في النار، لكن يكون عذابه أخف من عذاب الكافر (^١).\nوبناء على هذا الأصل الفاسد، قرَّر الزمخشري المعتزلي أن تسمية من ارتكب ما يُفَسَّق به بالمنافق من باب التغليظ. فليس عند المعتزلة أن النفاق ينقسم إلى نفاق أصغر ونفاق أكبر كما عند أهل السنة (^٢).\nفلو أنه أقر بأن المتصف بالكذب والغدر والخيانة، أنه واقع في النفاق فإنه سيستلزم منه بناء على معتقده أنه كافر، وذلك لأن المنافق كما قال: من أظهر الإيمان وأبطن الكفر. والمعتزلة يقولون أن مرتكب الكبيرة ليس بمؤمن ولا كافر.\nولا شك بأن تسمية من ارتكب ما يفسق به المنافق أنه من باب التغليظ مردود، وذلك من أوجه:\nالأول: أنه عدول عن ظاهر الحديث الذي سمّى فاعل هذه الكبائر وهي: الكذب والغدر والخيانة- بالمنافق، والأصل الأخذ بظاهر الحديث الذي تدل عليه اللغة.\nالثاني: أن الحديث نص على أن فاعل هذه الكبائر نفاقه لا يُخرجه من الملة، فلا يُقال أن إثبات نفاقه يستلزم خروجه من الملة، لأن المنافق يُظهر الإيمان ويُبطن الكفر، فيُعدل عن الحقيقة وهي النفاق إلى التشبيه وإرادة التغليظ، وإنما نص الحديث أن فيه خصلة من النفاق،\n_________\n(^١) انظر: شرح الأصول الخمسة: القاضي عبد الجبار (ص: ٧١)، وانظر: المنية والأمل: ابن المرتضى (ص: ٦).\n(^٢) انظر مسألة تقسيم النفاق إلى أكبر وأصغر في مجموع الفتاوى: ابن تيمية (٧/ ٥٢٤)، وفي مدارج السالكين: ابن القيم (١/ ٣٥٤).","vol":"1","page":467},{"text":"التي تُعد من كبائر الذنوب.\nالثالث: أن القول بأن التسمية من باب التغليظ، فيه والله أعلم انتقاص من قدر النبي ﷺ كما تقدم من كلام القاسمي ﵀ وإخبار بخلاف الواقع لأجل الزجر، فالواقع أنه بهذه الأفعال قد وقع في كبائر الذنوب وشابه المنافقين في أفعالهم، فاستحق أن يُطلق عليه حقيقة، فلا يُعدل عن هذه الحقيقية التي أرادها النبي ﷺ ويُقال: أنه أراد الزجر.\n\n•<span data-type='title' id=toc-397> النتيجة:</span>\nمن خلال عرض ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة يتبين جليًا أن الحق مع أصحاب القول الأول، من أن المراد من حديث آية المنافق، النفاق الحقيقي وهو النفاق الأصغر، لدلالة ظاهر الحديث على ذلك، وما تقدم ذكره من الأوجه، والله أعلم.","vol":"1","page":468},{"text":"<span data-type='title' id=toc-398>٦٤ - قوله تعالى: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا (١٤٨)﴾ [سورة النساء: ١٤٨].</span>\nقال بعض مفسري الزيدية: المحبة هاهنا بمعنى الإباحة. لا أن ذلك يريده الله تعالى (^١).\nقال القاسمي: أقول: هذه نزغة اعتزالية (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-399> أقوال أهل العلم في إرادة الله تعالى وقوع الشر والمعاصي:</span>\nالقول الأول: أن كل شيء واقع بإرادة الله تعالى، فهو سبحانه يُقدر الخير والشر.\nالقول الثاني: أن الله تعالى يُقدر الخير دون الشر، وما يقع من الشر ليس بإرادة الله تعالى.\nأصحاب القول الأول: وهم أهل السنة:\nابن عباس: قال له رجل: إن ناسا يقولون: إن الشر ليس بقدر، فقال: \"فبيننا وبين أهل القدر هذه الآية: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ حتى ﴿فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ والعجز والكيس بقدر\" (^٣).\nابن القيم: \"الشر ليس إلى الرب تعالى بوجه من الوجوه لا في ذاته ولا في أسمائه ولا في صفاته ولا في أفعاله وإنما يدخل الشر الجزئي الإضافي في المقضي المقدر ويكون شرا بالنسبة إلى محل وخيرا بالنسبة إلى محل آخر\" (^٤).\n_________\n(^١) انظر: التهذيب في التفسير: الحاكم الجشمي (٣/ ١٨٠٦).\n(^٢) محاسن التأويل: القاسمي (٥/ ١٦٢٨).\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه، كتاب الجامع، باب القدر، برقم: (٢١١٣٩)، وأخرجه ابن بطة في الإبانة الكبرى، كتاب القدر، باب ذكر ما أعلمنا الله تعالى أن مشيئة الخلق تبع لمشيئته، برقم: (١٢٩٤).\n(^٤) شفاء العليل: ابن القيم (ص: ٢٦٩).","vol":"1","page":469},{"text":"ابن أبي العز: \"الذي عليه أهل السنة والجماعة: أن كل شيء بقضاء الله وقدره، وأن الله تعالى خالق أفعال العباد. قال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ وقال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾. وأن الله تعالى يريد الكفر من الكافر ويشاؤه، ولا يرضاه ولا يحبه، فيشاؤه كونا، ولا يرضاه دينا\" (^١).\nأصحاب القول الثاني: وهم المعتزلة:\nالقاضي عبد الجبار: \"فإن قيل: ما الدليل على أنه تعالى لا يفعل القبيح؟ قيل له: لأنه عالم بقبح القبائح كلها، ونعلم أنه غني عنها، ولا حاجة له إليها ..... إلخ\" (^٢).\nقال الرازي: \"قالت المعتزلة: دلت الآية على أنه لا يريد من عباده فعل القبائح ولا يخلقها؛ لأن محبة الله عبارة عن إرادته، فلما قال: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ﴾. علمنا أنه لا يريد ذلك، وأيضا لو كان خالقا لأفعال العباد، لكان مريدا لها؛ ولو كان مريدا لها، لكان قد أحب إيجاد الجهر بالسوء من القول، وهو خلاف الآية\" (^٣).\nقال أبو حيان: \"وقد تعلقت المعتزلة بهذه الآية -يعني قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [سورة البقرة: ٢٠٥] في أن الله لا يريد الفساد، فما وقع منه فليس مراد الله تعالى، ولا مفعولا له، لأنه لو فعله لكان مريدا له لاستحالة أن يفعل ما لا يريد\" (^٤).\n\n•<span data-type='title' id=toc-400> دراسة المسألة:</span>\nلا يخفى أن من المسائل التي ضل فيها أهل البدع في باب الإيمان بالقضاء والقدر، مسألة إرادة الله تعالى وتقديره لوقوع الخير والشر.\nوكما هو معلوم أن الشيعة الزيدية يُوافقون المعتزلة في باب الصفات، فلا غرابة أن يقرروا نفي إرادة الله تعالى لوقوع الشر في الكون.\n_________\n(^١) شرح العقيدة الطحاوية: ابن أبي العز (ص: ٢٢٥).\n(^٢) شرح الأصول الخمسة: القاضي عبد الجبار (ص: ٧٦).\n(^٣) مفاتيح الغيب: الرازي (١١/ ٢٥٣)، وانظر: اللباب: ابن عادل الحنبلي (٧/ ١٠١).\n(^٤) البحر المحيط: أبو حيان (٤/ ٣٠).","vol":"1","page":470},{"text":"والحق هو الذي عليه أهل السنة والجماعة، من أن الله تعالى يُقدر الخير ويُقدر الشر، ولكن الشر لا يُنسب إليه، كما قال النبي ﷺ: \"والشر ليس إليك\" (^١). فلا ينسب إليه الشر لا فعلا ولا تقديرا ولا حكما، بل الشر في مفعولات الله لا في فعله، ففعله كله خير وحكمة، فتقدير الله لهذه الشرور له حكمة عظيمة.\nوقد يكون القدر الذي ظاهره الشر خيرا بالنسبة إلى المحل القائم به من وجه، كما هو شر له من وجه بل هذا هو الغالب.\nوهذا كالقصاص وإقامة الحدود وقتل الكفار فإنه شر بالنسبة إليهم لا من كل وجه بل من وجه دون وجه وخير بالنسبة إلى غيرهم لما فيه من مصلحة الزجر والنكال ودفع الناس بعضهم ببعض وكذلك الآلام والأمراض وإن كانت شرورا من وجه فهي خيرات من وجوه عديدة (^٢).\nوقد دلت الأدلة من الكتاب والسنة والإجماع على أن الله تعالى يُقدر الخير ويقدر الشر.\nفمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [سورة القمر: ٤٩].\nووجه الدلالة: أن (كل) تدل على العموم، فهي تعم الخير وتعم الشر.\nومن السنة: ما أخرجه مسلم في صحيحه من حديث جبريل، أن النبي ﷺ قال: \"وتؤمن بالقدر خيره وشره\" (^٣).\nوما أخرجه أيضًا من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: \"وإن أصابك شيء، فلا تقل لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل قدر الله وما شاء فعل\" (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم: كتاب صلاة المسافرين، باب الدعاء في صلاة الليل، برقم: (٧٧١).\n(^٢) شفاء العليل: ابن القيم (ص: ٢٦٩)، بتصرف. وانظر: القول المفيد: العثيمين (٢/ ٤١٤)، وانظر: شرح العقيدة الواسطية: العثيمين (١/ ٧٠).\n(^٣) أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب معرفة الإيمان، والإسلام، والقدر وعلامة الساعة، برقم: (٨).\n(^٤) أخرجه مسلم، كتاب القدر، باب في الأمر بالقوة وترك العجز والاستعانة بالله وتفويض المقادير لله، برقم: (٢٦٦٤).","vol":"1","page":471},{"text":"ووجه الدلالة: أن المكروه الذي يُصيب المؤمن في الحقيقة أنه شر، وهذا الشر قدره الله تعالى، فيقول المؤمن: قدر الله وما شاء فعل.\nومن الإجماع: ما نص عليه الحافظ ابن حجر بقوله: \" ومذهب السلف قاطبة أن الأمور كلها بتقدير الله تعالى\" (^١).\nفمفهوم الكلام: أن كل الأمور خيرها وشرها إنما تقع بتقدير الله وإرادته.\nمناقشة المعتزلة على استدلالهم بنفي إرادة الله تعالى وقوع الشر:\nسلك المعتزلة مسلك أهل الكلام الذين يضربون بنصوص الكتاب والسنة عرض الحائط، ويُحكمون عقولهم في الاستدلال، ويتبعون المتشابه وما ذاك إلا لزيغ قلوبهم.\nفالمعتزلة استدلوا بقوله تعالى: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ﴾. وظنوا أن الإرادة تقتضي المحبة، فإذا كان الله لا يُحب شيئًا فإنه لا يُريده.\nوالجواب عن هذا الاستدلال من أوجه:\nالأول: أنه مخالف لنصوص الكتاب والسنة المحكمة الصريحة، التي تدل على أن الله تعالى يُقدر الخير ويُقدر الشر، وتقدم ذكر شيء منها.\nالثاني: أن هناك فرقًا بين الإرادة والمحبة ولا يلزم من الإرادة المحبة، بخلاف ما ذهبت إليه المعتزلة، فالإنسان قد يفعل الفعل وهو لا يُحبه ويكون مُريدًا له، كأن يتناول المر، ويريد ربط الجرح، أو يريد طيء الجرح (^٢).\nالثالث: يلزم على قولهم أن للكافر مشيئة، بأن شاء لنفسه الكفر، والله يُحب من الكافر أن يكون مسلم، فتكون مشيئة الكافر غالبة على مشيئة الله تعالى، فإن الله قد شاء الإيمان منه - على قولهم - والكافر شاء الكفر، فوقعت مشيئة الكافر دون مشيئة الله تعالى!!\n_________\n(^١) فتح الباري: ابن حجر (١١/ ٤٧٨).\n(^٢) انظر: البحر المحيط: أبو حيان (٤/ ٣٠)، وانظر: زاد المسير: ابن الجوزي (١/ ١٧٢)، وانظر: فتح البيان: القنوجي (١/ ٤١٧).","vol":"1","page":472},{"text":"وهذا من أقبح الاعتقاد (^١).\nتنبيهان:\nالأول: الخلاف الذي بين أهل السنة والمعتزلة يعود إلى مفهوم الإرادة، فأهل السنة يقولون الإرادة نوعان:\nالنوع الأول: إرادة كونية: وهي التي بمعنى المشيئة العامة، فهذه الإرادة كالمشيئة شاملة لكل ما يقع في هذا الكون، وأدلة هذا النوع كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [سورة الأنعام: ١٢٥]، فهذه الإرادة لا تستلزم المحبة، وليست بمعناها.\nالنوع الثاني: إرادة شرعية: وهي التي بمعنى المحبة والرضى، كقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [سورة البقرة: ١٨٥] وهذه هي الإرادة الدينية الشرعية المستلزمة للمحبة والرضى (^٢).\nالثاني: القول بأن الإرادة تستلزم الرضى والمحبة، ذهب إليه أكثر الأشاعرة (^٣)، فخالفوا بذلك أهل السنة.\n\n•<span data-type='title' id=toc-401> النتيجة:</span>\nبعد عرض ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الحق مع أصحاب القول الأول وهم أهل السنة والجماعة، من أن الله تعالى يُقدر الخير ويُقدر الشر، لما تقدم ذكره من الأدلة، وبيان بطلان استدلال من ذهب إلى خلاف ذلك.\n_________\n(^١) انظر: شرح العقيدة الطحاوية: ابن أبي العز (ص: ٢٥٥، ٢٥٣).\n(^٢) انظر: مجموع الفتاوى: ابن تيمية (٨/ ١٨٨)، وانظر: منهاج السنة: ابن تيمية (٣/ ١٦)، وانظر: التسعينية: ابن تيمية (ص: ٢/ ٦٣٣).\n(^٣) انظر: الإنصاف: الباقلاني (ص: ٤٣)، وانظر: لباب العقول: المكلاتي (ص: ٢٨٨).","vol":"1","page":473},{"text":"سورة المائدة","vol":"1","page":474},{"text":"<span data-type='title' id=toc-402>سورة المائدة</span>\n<span data-type='title' id=toc-403>٦٥ - قال الشهاب الخفاجي: السورة مدنية، إلا قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [سورة المائدة: ٣] الآية. فإنها نزلت بمكة.</span> انتهى (^١).\nقال القاسمي: أقول: في كلامه نظران: الأول: إن هذا بناء على أن المكي ما نزل بمكة ولو بعد الهجرة. والمدني ما نزل بالمدينة، وهو اصطلاح لبعض السلف. ولكن الأشهر كما في (الإتقان) أن المكي ما نزل قبل الهجرة. والمدني ما نزل بعدها، سواء نزل بمكة أم بالمدينة، عام الفتح أو عام حجة الوداع، أم بسفر من الأسفار.\nوالثاني: بقي عليه، لو مشي على ذاك الاصطلاح، آيات آخر (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-404> أقوال أهل العلم في قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ الآية. من حيث المكي والمدني:</span>\nالقول الأول: أن الآية مكية.\nالقول الثاني: أن الآية مدنية.\nأصحاب القول الأول:\nمقاتل بن سليمان: \"سورة المائدة مدنية، نهارية كلها، عشرون ومائة آية كوفية إِلَّا قوله تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ الآية. فإنها نزلت بعرفة\" (^٣).\nالسمعاني: \"سورة المائدة مدنية كلها إلا قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ فإنه نزل بعرفات\" (^٤).\n_________\n(^١) عناية القاضي: الخفاجي (٣/ ٢٠٨)، وانظر: زاد المسير: ابن الجوزي (١/ ٥٠٥).\n(^٢) محاسن التأويل: القاسمي (٦/ ١٧٨٨).\n(^٣) تفسير مقاتل بن سليمان (١/ ٤٤٧).\n(^٤) تفسير القرآن: السمعاني (٢/ ٥).","vol":"1","page":475},{"text":"البغوي: \"سورة المائدة مائة وعشرون آية، نزلت بالمدنية كلها إلا قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ الآية، فإنها نزلت بعرفات\" (^١).\nالخازن (^٢): \"سورة المائدة نزلت بالمدينة إلا قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ فإنها نزلت بعرفة في حجة الوداع والنبي ﷺ واقف بعرفة\" (^٣).\nأصحاب القول الثاني:\nالسمرقندي: \"كلها مدنية وهي مائة وعشرون آية\" (^٤).\nالزركشي: \"قوله في المائدة ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ إلى قوله ﴿الْخَاسِرِينَ﴾ نزلت يوم الجمعة والناس وقوف بعرفات فبركت ناقة النبي ﷺ من هيبة القرآن وهي مدنية لنزولها بعد الهجرة\" (^٥).\nالبقاعي: \" مدنية إجماعا وإن أنزل: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ الآية. بعرفة فإن العبرة في المدني بالنزول بعد الهجرة\" (^٦).\nابن عقيلة المكي (^٧): \"قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾، نزلت بعرفة، فهي نزلت بمكة لكن يحكم عليها بأنها مدنية لكونها بعد الهجرة\" (^٨).\n_________\n(^١) معالم التنزيل: البغوي (٢/ ٥).\n(^٢) وهو: علي بن محمد بن إبراهيم الشيحيّ علاء الدين المعروف بالخازن: عالم بالتفسير والحديث، من فقهاء الشافعية. بغدادي الأصل، من أعلام حلب، وكان خازن الكتب بالمدرسةُ السميساطية، مات سنة ٧٤١ هـ. ينظر: الأعلام للزركلي (٥/ ٥).\n(^٣) لباب التأويل: الخازن (٢/ ٣).\n(^٤) بحر العلوم: السمرقندي (١/ ٣٦٤).\n(^٥) لباب التأويل: الخازن (٢/ ٣).\n(^٦) لباب التأويل: الخازن (٢/ ٣).\n(^٧) وهو: محمد بن أحمد بن سعيد الحنفي المكيّ، شمس الدين، المعروف كوالده بعقيلة: مؤرخ، من المشتغلين بالحديث. من أهل مكة، من كتبه (لسان الزمان) في التاريخ، رتبه على حوادث السنين، مات سنة ١١٥٠ هـ. ينظر: الأعلام: الزركلي (٦/ ١٣).\n(^٨) الزيادة والإحسان: ابن عقيلة المكي (١/ ٢٤٤).","vol":"1","page":476},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-405> دراسة المسألة:</span>\nمن المباحث التي اختلف فيها أهل العلم قديمًا فيما يتعلق بعلوم القرآن، المبحث الذي يتعلق بالضابط الذي يُحدد الحكم على الآية من كونها مكية أم مدنية.\nوالذي يظهر أن الراجح هو الذي عليه أصخاب القول الثاني، من أن المكي ما نزل قبل هجرته ﷺ إلى المدينة وإن كان نزوله بغير مكة، والمدني ما نزل بعد هذه الهجرة وإن كان نزوله بمكة (^١). وذلك من وجهين:\nالأول: أن هذا التعريف جامع مانع، روعي فيه زمان النزول، وهو أولى من رعاية المكان؛ لأن معرفة التدرج في التشريع ومعرفة الناسخ والمنسوخ، وغير ذلك من الفوائد متوقفة على معرفة المتقدِّم والمتأخِّر في الزمان، لهذا كان هذا التعريف هو المعتمد عند أكثر أهل العلم (^٢).\nالثاني: أن هذا الضابط الذي هو (ما نزل قبل الهجرة فهو مكي)، و(ما نزل بعد الهجرة فهو مدني) ضابط متقدم قال به علماء من طبقة صغار التابعين، وأتباع التابعين:\nيقول: يحيى بن سلام البصري (ت ٢٠٠ هـ) وهو من أتباع التابعين: \"إن ما نزل بمكة وما نزل في طريق المدينة قبل أن يبلغ النبي ﵇ المدينة فهو من المكي. وما نزل على النبي ﵇ في أسفاره بعدما قدم المدينة فهو من المدني\" (^٣).\nويقول: علي بن الحسين بن واقد (ت ٢١١ هـ): \" كل القرآن مكي أو مدني غير قوله: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [سورة القصص: ٨٥] فإنها أنزلت على رسول الله ﷺ بالجحفة حين خرج مهاجرًا إلى المدينة. فلا هي مكية ولا مدنية، وكل آية نزلت على رسول الله ﷺ قبل الهجرة فهي مكية، نزلت بمكة أو بغيرها من البلدان،\n_________\n(^١) انظر: فضائل القرآن: ابن كثير (ص: ٣٧)، وانظر: البرهان: الزركشي (١/ ١٨٧)، وانظر: الإتقان: السيوطي (١/ ٣٧)، وانظر: مناهل العرفان: الزرقاني (١/ ١٩٤).\n(^٢) دراسات في علوم القرآن: محمد بكر إسماعيل (ص: ٤٤).\n(^٣) تفسير القرآن العزيز: ابن أبي زمنين (١/ ١١٣).","vol":"1","page":477},{"text":"وكل آية نزلت بالمدينة بعد الهجرة فإنها مدنية، نزلت بالمدينة أو بغيرها من البلدان» (^١).\nالثالث: أن باعتبار هذا التعريف، يزول الاشكال في الآيات التي نزلت في طريق النبي ﷺ، قبل أن يبلغ المدينة، أو في أسفاره، أو في الآيات التي قد تكون نزلت بالطائف مثلا، فلو كان الضابط هو المكان فالمكان الذي نزلت فيه الآية، ليس بمكة ولا المدينة، فيصعب الحكم على الآية بأنها مكية أو مدنية، ويحدث خلاف في ذلك، بخلاف لو اعتُبر الزمان فإن الإشكال يزول.\nوأما ما يتعلق بذات الآية، فإن الذي يؤكد مدنيتها أمران:\nالأول: أن الآية تتفق مع خصائص الأسلوب والمعاني والأغرض التي تتميز بها السور المدنية، فالآية جاءت في سياق الأحكام التي دلت على تحريم أكل الميتة والدم ولحم الخنزير، وكما هو معلوم أن بيان الأحكام الشرعية، من خصائص القرآن المدني.\nالثاني: أن عرفات ليست من مكة، حتى يُقال بأن الآية مكية لأنها نزلت بعرفات، وإنما عرفات من ضواحي مكة، وبينها وبين مكة اثنا عشر ميلا ويجوز منها من أراد الطائف (^٢).\nوعليه فإما أن تكون الآية ليست مكية ولا مدنية، وإما أن تكون مدنية باعتبار أنها نزلت بعد الهجرة، والثاني أقرب، والله أعلم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-406> النتيجة:</span>\nمن خلال ذكر ما تقدم يتبين أن مسألة الاعتبار في المكي والمدني من حيث الزمن أو من حيث المكان، من المسائل التي اختلف فيها العلماء قديمًا، والراجح هو ما عليه أصحاب القول الثاني، من أن الآية في قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ مدنية، لكونها نزلت بعد الهجرة، والله أعلم.\n_________\n(^١) أورده السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٤٤٥).\n(^٢) انظر: المسالك والممالك: ابن خرداذبة (ص: ١٣٤)، وانظر: البلدان: ابن الفقيه (ص: ٧٨)، وانظر: شرح منظومة التفسير: الحازمي (٥/ ٥).","vol":"1","page":478},{"text":"<span data-type='title' id=toc-407>٦٦ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [سورة المائدة: ٦].</span>\nقال القاسمي: وزعم بعضهم أن الوجوب على كل قائم للصلاة كان في أول الأمر ثم نسخ. واستدل على ذلك بحديث عبد الله بن حنظلة المتقدم (^١). ونظر فيه بحديث: (المائدة من آخر القرآن نزولا) وأجيب بأن الحافظ العراقي قال: لم أجده مرفوعا (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-408> أقوال أهل العلم في وجوب الوضوء لكل قائم للصلاة من حيث الإحكام والنسخ:</span>\nالقول الأول: أن وجوب الوضوء لكل صلاة نُسخ بالتخفيف على من أحدث.\nالقول الثاني: لا نسخ في حكم وجوب الوضوء لكل صلاة، وإنما الوجوب على من أحدث.\nأصحاب القول الأول:\nعبيد الله بن عبد الله بن عمر: \"أن النبي ﷺ أمر بالوضوء عند كل صلاة، فشق ذلك عليه، فأمر بالسواك، ورفع عنه الوضوء إلا من حدث\" الأثر. وبنحو ذلك روي عن بريدة الأسلمي (^٣).\nالنسفي: \" وقبل كان الوضوء لكل صلاة واجبًا أول ما فرض ثم نسخ\" (^٤).\n_________\n(^١) سيأتي ذكره.\n(^٢) محاسن التأويل: القاسمي (٦/ ١٨٨٠).\n(^٣) أخرج أقوالهم ابن جرير الطبري في تفسيره (٨/ ١٥٨، ١٥٩)، وانظر: زاد المسير: ابن الجوزي (١/ ٥٢٠)، وانظر: تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٣/ ٣٣٢).\n(^٤) مدارك التنزيل: النسفي (١/ ٤٢٩).","vol":"1","page":479},{"text":"أصحاب القول الثاني:\nابن عباس ﵁: سأله عكرمة عن قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ فكل ساعة يتوضأ؟ فقال: \"لا وضوء إلا من حدث\"، وبنحو ذلك روي عن أبي موسى الأشعري، وعبيدة السلماني، وأبو عالية، وسعيد بن المسيب، وغيرهم (^١).\nالقرطبي: \"قال آخرون: إن الفرض في كل وضوء كان لكل صلاة ثم نسخ في فتح مكة، وهذا غلط\" (^٢).\nالبيضاوي: \"وقيل كان ذلك أول الأمر - يعني إيجاب الوضوء لكل صلاة- ثم نسخ وهو ضعيف\" (^٣).\n\n•<span data-type='title' id=toc-409> دراسة المسألة:</span>\nيتبين مما سبق أن مسألة نسخ حكم وجوب الوضوء لكل قائم للصلاة، مما اختلف فيه أهل العلم قديمًا، والذي يظهر أن الراجح مع أصحاب القول الثاني، من أنه لا نسخ في الحكم، وإنما الأمر في الآية محمول على الاستحباب ابتداءً، وذلك من أوجه:\nالأول: دلالة السنة التي دلت على أن النبي ﷺ كان يتوضأ لكل صلاة، وأن أصحابه كانوا على خلاف ذلك، من أنهم كانوا يتوضؤون إذا أحدثوا، فقد روى البخاري في صحيحه من حديث أنس بن مالك ﵁، قال: «كان النبي ﷺ يتوضأ عند كل صلاة» قلت - يعني عمرو بن عامر-: كيف كنتم تصنعون؟ قال: يجزئ أحدنا الوضوء ما لم يحدث\" (^٤).\nووجه الاستدلال: أن فعل النبي من أنه كان يتوضأ لكل صلاة، يختلف عن فعل\n_________\n(^١) أخرج أقوالهم ابن جرير الطبري في تفسيره (٨/ ١٥٢، ١٥٥)، وانظر: زاد المسير: ابن الجوزي (١/ ٥٢٠)\n(^٢) الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (٧/ ٣٢٤).\n(^٣) أنوار التنزيل: البيضاوي (٢/ ١١٦).\n(^٤) أخرجه البخاري: كتاب الوضوء، باب الوضوء من غير حدث، برقم: (٢١٤).","vol":"1","page":480},{"text":"أصحابه رضوان الله عليهم في الزمان ذاته، مما يُبعد القول بالنسخ.\nالثاني: الإجماع الدال على عدم إيجاب فرض الوضوء لكل صلاة، كما نص على هذا الطبري بقوله: \" وقد أجمعت الحجة على أن الله ﷿ لم يوجب على نبيه ﷺ ولا على عباده فرض الوضوء لكل صلاة، ثم نسخ ذلك، ففي إجماعها على ذلك الدلالة الواضحة على صحة ما قلنا من أن فعل النبي ﷺ ما كان يفعل من ذلك كان على ما وصفنا من إيثاره فعل ما ندبه الله عز ذكره إلى فعله وندب إليه عباده المؤمنين\" (^١).\nالثالث: أن القول بأن وجوب الوضوء لكل صلاة المذكور في الآية منسوخ بحديث بريدة أن النبي ﷺ صلّى يوم الفتح بوضوء واحد، فقال له عمر: صنعت شيئا لم تكن تصنعه فقال: \"عمدا فعلته يا عمر\" (^٢)، يستلزم منه أن تكون السنة نسخت القرآن، والصواب أن هذا تبيين وليس بنسخ فالقرآن لا يُنسخ بالسنة (^٣).\nويمكن حمل الآية على ظاهرها من غير نسخ ويكون الأمر الوارد في الآية في حق المحدثين على الوجوب وفي حق غيرهم على الندب وحصل بيان ذلك بالسنة كما تقدم (^٤).\nمناقشة الاستدلال بحديث عبد الله بن حنظلة:\nاستدل القائلون بأن وجوب الوضوء لكل صلاة منسوخ، بحديث أسماء بنت زيد بن الخطاب، أن عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر، حدثها: \" أن رسول الله ﷺ كان أمر بالوضوء لكل صلاة طاهرا كان أو غير طاهر، فلما شق ذلك على رسول الله ﷺ أمر بالسواك عند كل صلاة، ووضع عنه الوضوء إلا من حدث \" (^٥).\n_________\n(^١) جامع البيان: الطبري (٨/ ١٦١).\n(^٢) أخرجه النسائي في سننه، كتاب الطهارة، باب الوضوء لكل صلاة، برقم: (١٣٣) قال الألباني: حديث صحيح.\n(^٣) انظر: الناسخ والمنسوخ: النحاس (ص: ٣٧٢)، وانظر: نواسخ القرآن: ابن الجوزي (٢/ ٤٠٥).\n(^٤) فتح الباري: ابن حجر (١/ ٣١٦) بتصرف.\n(^٥) أخرجه أحمد في مسنده (٣٦/ ٢٩١) برقم: (٢١٩٦٠)، قال محققوا المسند: إسناده حسن.","vol":"1","page":481},{"text":"والجواب عن هذا الاستدلال من أوجه:\nالأول: أن الخطاب في الحيث موجه إلى النبي ﷺ بخصوصه، كما هو ظاهر الحديث، فكان الوضوء واجبًا عليه ابتداء لكل صلاة وإن لم يُحدث، ثم نُسخ بالتخفيف عنه وإيجابه عليه إذا أحدث.\nالثاني: أن ترك النبي ﷺ الوضوء لكل صلاة كان ترخيصا لأمته وإعلاما منه لهم أن ذلك غير واجب ولا لازم له ولا لهم، إلا من حدث يوجب نقض الطهر، فلعله ترك الوضوء عمدا خشية أن يُفرض، فليس هناك نسخ للحكم (^١).\nالثالث: أن قول القائل: أمر الله نبيه ﷺ بكذا وكذا، محتمل من وجوه لأمر الإيجاب والأرشاد والندب والإباحة والإطلاق، والأصل أن الأمر للوجوب، إلا إذا وجدت قرينة تصرف الواجب إلى المستحب.\nفمثلا: ما أخرجه الطحاوي من حديث جابر بن عبد الله أنه قال: «ذهب رسول الله ﷺ إلى امرأة من الأنصار ومعه أصحابه، فقربت لهم شاة مصلية فأكل وأكلنا، ثم حانت الظهر، فتوضأ وصلى، ثم رجع إلى فضل طعامه فأكل، ثم حانت العصر، فصلى ولم يتوضأ» (^٢).\nفهذا الحديث فيه دلالة على أن النبي ﷺ صلى الظهر والعصر بوضوء واحد، فمثل هذه القرينة تصرف الأمر الوارد في حديث عبد الله بن حنظلة من الوجوب إلى الاستحباب، وليس هناك نسخ، والله أعلم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-410> النتيجة:</span>\nبعد عرض ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الراجح هو مع أصحاب القول الثاني من أنه لا نسخ في حكم وجوب الوضوء لكل قائم للصلاة، وإنما\n_________\n(^١) انظر: جامع البيان: الطبري (٨/ ١٦١).\n(^٢) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار، كتاب الطهارة، باب الوضوء هل يجب لكل صلاة، برقم: (٢٢٤)، قال النووي: رواه الطحاوي بإسناد صحيح على شرط مسلم. ينظر: المجموع: النووي (١/ ٤٧١).","vol":"1","page":482},{"text":"الأمر بالوضوء لكل قائم للصلاة وإن لم يُحدث، مبني على الاستحباب ابتداءً، لما تقدم ذكره من الأوجه التي تؤيد ذلك، والله أعلم.","vol":"1","page":483},{"text":"<span data-type='title' id=toc-411>٦٧ - قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [سورة المائدة: ٦].</span>\nقال القاسمي: وما قيل بأن حرف العطف مانع من الجوار (زعما بأنه خاص بالنعت والتأكيد) مردود بأنه ورد في العطف كثيرا في كلام العرب (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-412> أقوال أهل العلم في حكم المجاورة إذا سبقها حرف عطف:</span>\nالقول الأول: أن حرف العطف مانع من الجوار، فإذا جاء حرف العطف بين اسمين الأول مجرور، فإن الثاني لا يأخذ حكم المجاورة ويكون مجرورا.\nالقول الثاني: أن حرف العطف لا يمنع من الجوار. فإذا جاء حرف العطف بين اسمين الأول مجرور، فإن الثاني يأخذ حكم المجاورة فيكون مجرورا.\nأصحاب القول الأول:\nالكرماني: \"احتجاج من احتَج بقوله: جحر ضبٍ خربٍ بعيد لمكان الواو في الآية\" (^٢).\nالرازي: \"الكسر بالجوار إنما يكون بدون حرف العطف، وأما مع حرف العطف فلم تتكلم به العرب\" (^٣).\nالزركشي: \"وبهذا يتبين غلط جماعة من الفقهاء والمعربين حين جعلوا من العطف على الجوار قوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ في قراءة الجر وإنما ذلك ضرورة فلا يحمل عليه الفصيح\" (^٤).\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (٦/ ١٨٩٢).\n(^٢) غرائب التفسير: الكرماني (١/ ٣٢١).\n(^٣) مفاتيح الغيب: الرازي (١١/ ٣٠٥)، وانظر: لباب التأويل: الخازن (٢/ ١٨).\n(^٤) البرهان: الزركشي (١/ ٣٠٤)، وانظر: الإتقان: السيوطي (٢/ ٢١٣).","vol":"1","page":484},{"text":"أبو حيان: \" ومن أوجب الغسل تَأَوَّل أن الجر هو خفض على الجوار، وهو تأويل ضعيف جدا، ولم يرد إلا في النعت، حيث لا يلبس على خلاف فيه قد قرر في علم العربية (^١).\nأصحاب القول الثاني:\nأبي عبيدة (^٢): \" ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ مجرور بالمجرورة التي قبلها، وهى مشتركة بالكلام الأول من المغسول، والعرب قد تفعل هذا بالجوار\" (^٣).\nالأخفش: \" ويجوز الجر على الاتباع وهو في المعنى \"الغَسْل\" نحو \"هذا جُحْرُ ضبٍ خربٍ\" (^٤).\nالغزنوي (^٥): \" ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ خفض أرجلكم على مجاورة اللفظ، كقولهم: \"جحر ضبٍ خربٍ\" وهو في الشعر كثيرٌ، ومن الكلام فصيحٌ\" (^٦).\nابن كثير: \"جاءت قراءة ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بالخفض على المجاورة وتناسب الكلام، كما في قول العرب: \"جحر ضبٍ خربٍ\"، وكقوله تعالى: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ﴾ [سورة الإنسان: ٢١] وهذا سائغ ذائع، في لغة العرب شائع\" (^٧).\n_________\n(^١) البحر المحيط: أبو حيان (٨/ ٨٠).\n(^٢) وهو: أبو عبيدة معمر بن المثنى التيمي مولاهم، الإمام، العلامة، النحوي، صاحب التصانيف، ولد: في سنة عشر ومائة، في الليلة التي توفي فيها الحسن البصري حدث عنه: علي بن المديني، مات سنة ٢٠٩ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء: الذهبي (٩/ ٤٤٥)\n(^٣) مجاز القرآن: أبي عبيدة (١/ ١٥٥).\n(^٤) معاني القرآن: الأخفش (١/ ٢٧٧).\n(^٥) وهو: محمود بن أبي الحسن بن الحسين النيسابوري الغزنوي، يلقب ببيان الحق، كان عالما بارعا مفسرا لغويا، فقيها متقنا فصيحا، له تصانيف منها: إيجاز البيان في معاني القرآن، مات بعد ٥٥٣ هـ. ينظر: بغية الوعاة: السيوطي (٢/ ٢٧٧).\n(^٦) باهر البرهان: الغزنوي (١/ ٤١١).\n(^٧) تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٣/ ٣٤١)، بتصرف.","vol":"1","page":485},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-413> دراسة المسألة:</span>\nمن خلال عرض ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أنها من المسائل التي اختلف علماء اللغة والمفسرون قديمًا، والذي يظهر أن الراجح من أقوالهم ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني من أن قوله تعالى: ﴿وأرجلِكم﴾ على قراءة ابن كثير المكي وأبي عمرو البصري وحمزة (^١). معطوف على المجاورة، وأنه لا يُشترط في المجاورة عدم وجود أداة عطف، وذلك من وجهين:\nالأول: الآيات القرآنية التي ورد فيها العطف على المجاورة، كقوله تعالى: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ﴾ [سورة الرحمن: ٣٥] بالجر، على قراءة ابن كثير وأبي عمرو (^٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ [سورة الواقعة: ٢٣]، على قراءة حمزة، والكسائي. ورواية المفضل عن عاصم بالجر لمجاورته لأكواب وأباريق، إلى قوله: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [سورة الواقعة: ٢١]، مع أن قوله: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾، حكمه الرفع، فقيل: إنه معطوف على فاعل «يَطُوفُ» الذي هو ﴿وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [سورة الواقعة: ١٧]. وقيل: هو مرفوع على أنه مبتدأ خبره محذوف، دل المقام عليه. أي: وفيها حور عين، أو لهم حور عين. وإذن فهو من العطف بحسب المعنى.\nوقد أنشد سيبويه للعطف على المعنى قول الشماخ (^٣)، أو ذي الرمة (^٤):\n_________\n(^١) انظر: السبعة: ابن مجاهد (ص: ٦٤)، وانظر: التيسير: أبو عمرو الداني (ص: ٩٨)، وانظر: النشر: ابن الجزري (١/ ٢٩).\n(^٢) انظر: السبعة: ابن مجاهد (ص: ٦٢١) وانظر: التيسير: أبو عمرو الداني (ص: ٢٠٦)، وانظر: الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (٧/ ٣٤٧).\n(^٣) وهو: الشماخ بن ضرار بن حرملة بن سنان الغطفاني، يُكنى أبا سعيد، كان شاعرا مشهورا، وكان شديد متون الشعر، صحيح الكلام، أدرك الإسلام فأسلم، وحسن إسلامه توفي في غزوة موقان في زمن عثمان. ينظر: الإصابة: ابن حجر (٣/ ٢٨٥).\n(^٤) وهو: أبو الحارث غيلان بن عقبة بن بهيش، بن مسعود بن حارثة بن عمرو بن ربيعة بن ساعدة، ويرجع نسبه إلى بني عدنان، الشاعر المشهور المعروف بذي الرمة، أحد فحولة الشعراء، مات سنة ١١٧ هـ. ينظر: وفيات الأعيان: ابن خلكان (٤/ ١١).","vol":"1","page":486},{"text":"بادتْ وغَيَّرَ آيَهنّ مع البلى … إلا رواكِدَ جمرُهُن هباءُ\nومُشجّجٌ أما سواءُ قَذاِله … فبدا وغيَّر سارَه المعزاءُ (^١).\nلأن الرواية بنصب «رواكد» على الاستثناء، ورفع مشجج عطفا عليه، لأن المعنى لم يبق منها إلا رواكد ومشجج، ومراده بالرواكد أثافي القدر، وبالمشجج وتد الخباء، وبه تعلم أن وجه الخفض في قراءة حمزة، والكسائي هو المجاورة للمخفوض (^٢).\nالثاني: ورود أمثلة من الشعر حُملت ألفاظها على أنها من باب (الجر على الجوار) مع وجود أداة عطف.\nومن ذلك: قول النابغة:\nلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَسِيرٌ غَيْرُ مُنْفَلِتٍ … أَوْ مُوثَقٍ فِي حِبَالِ الْقَيْدِ مَجْنُوبُ (^٣).\nالشاهد: جره \"موثق\" المعطوف على المرفوع \"أسيرٌ \" وذلك لمجاورته المجرور \" منفلتٍ\"\nوقول امرئ القيس:\nوَظَلَّ طُهَاةُ اللَّحْمِ مَا بَيْنَ مُنْضِجٍ … صَفِيفَ شِوَاءٍ أَوْ قَدِيرٍ مُعَجَّلِ (^٤).\nبجر (قدير) لمجاورته للمخفوض، مع أنه عطف على (صفيف) المنصوب بأنه مفعول اسم الفاعل الذي هو (منضج)، والصفيف: فعيل بمعنى مفعول وهو المصفوف من اللحم على الجمر لينشوي، والقدير: كذلك فعيل بمعنى مفعول، وهو المجعول في القدر من اللحم لينضج بالطبخ (^٥).\nومن الخفض بالمجاورة في العطف، قول زهير:\n_________\n(^١) الكتاب: سيبويه (١/ ١٧٤)، وانظر: ديوان ذي الرمة شرح أبي نصر الباهلي (٣/ ١٨٤٠).\n(^٢) انظر: التبيان: العكبري (١/ ٤٢٢)، وانظر: أضواء البيان: الشنقيطي (١/ ٣٣١، ٣٣٢).\n(^٣) انظر: التبيان: العكبري (١/ ٤٢٢).\n(^٤) أساس البلاغة: الزمخشري (١/ ٦١٦). ولم أجد البيت في ديوان امرؤ القيس.\n(^٥) انظر: أضواء البيان: الشنقيطي (١/ ٣٣١).","vol":"1","page":487},{"text":"لعب الزمان بها وغيرها … بعدي سوافي المور والقطر (^١).\nبجر «القطر» لمجاورته للمخفوض مع أنه معطوف على «سوافي» المرفوع، بأنه فاعل غير (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-414> النتيجة:</span>\nبعد ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم في مسألة، يظهر أن الراجح هو مع أصحاب القول الثاني من أن حرف العطف غير مانع من الجوار، لما تقدم ذكره من الشواهد اللغوية التي تؤيد ذلك من الآيات القرآنية، والشعر، والله أعلم.\n_________\n(^١) ديوان زهير بن أبي سلمى (ص: ٥٤).\n(^٢) انظر: أضواء البيان: الشنقيطي (١/ ٣٣١).","vol":"1","page":488},{"text":"<span data-type='title' id=toc-415>٦٨ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [سورة المائدة: ٦].</span>\nقال المجد ابن تيمية: \"يتوجه من حديث أبي هريرة ﵁ (^١) وجوب غسل المرفقين لأن نص الكتاب يحتمله، وهو مجمل فيه، وفعله ﷺ بيان لمجمل الكتاب، ومجاوزته للمرفق ليس في محل الإجمال، ليجب بذلك\" (^٢).\nقال القاسمي: وقولهم (هو بيان للمجمل) فيه نظر. لأن (إلى) حقيقة في انتهاء الغاية- كما قدمنا- فلا إجمال. والله أعلم (^٣).\n\n•<span data-type='title' id=toc-416> أقوال أهل العلم في دلالة الآية بذاتها على وجوب غسل المرفقين:</span>\nالقول الأول: أن الآية دالة بنفسها على وجوب غسل المرفقين، ولا إجمال فيها.\nالقول الثاني: أن الآية مجملة، وحديث أبي هريرة ﵁ مُبَيِّنٌ للإجمال الذي يدل على وجوب غسل المرفقين.\nأصحاب القول الأول:\nالسمرقندي: \" ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ يعني: مع المرافق\" (^٤).\nالواحدي: \"كثير من النحويين يجعلون إلى ههنا: بمعنى مع، ويوجبون غسل المرفق، وهو مذهب أكثر العلماء\" (^٥).\nالسمعاني: \" ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ يعني: مع المرافق، قال المبرد: إذا مد الشيء إلى جنسه تدخل فيه الغاية، وإذا مد إلى خلاف جنسه، لا تدخل فيه الغاية، فقوله: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ مد\n_________\n(^١) سيأتي إيراده.\n(^٢) المنتقى: المجد ابن تيمية (ص: ٧٣)، وانظر: نيل الأوطار: الشوكاني (١/ ١٩٤).\n(^٣) محاسن التأويل: القاسمي (٦/ ١٨٨٤).\n(^٤) بحر العلوم: السمرقندي (١/ ٣٧٢).\n(^٥) التفسير الوسيط: الواحدي (٢/ ١٥٩).","vol":"1","page":489},{"text":"إلى جنسه، فتدخل فيه الغاية\" (^١).\nالبغوي: \" ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ أي: مع المرافق، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [سورة النساء: ٢] أي: مع أموالكم\" (^٢).\nأصحاب القول الثاني:\nالجصاص: \"قوله تعالى: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ لما احتمل دخول المرافق فيه واحتمل خروجها صار مجملا مفتقرا إلى البيان وفعل النبي ﷺ إذا ورد على وجه البيان فهو على الوجوب\" (^٣).\nالكيا الهراسي: \"متى كانت كلمة (إلى) مترددة بين إبانة الغاية وبين ضم الغاية إليه، وجب الرجوع فيها إلى بيان رسول الله ﷺ، وفعل رسول الله بيان، فإذا أدخل المرفقين والكعبين في الغسل، ظهر أنه بيان ما أجمله كتاب الله تعالى\" (^٤).\nابن الجوزي (^٥): \" ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ (إلى) حرف موضوع للغاية، وقد تدخل الغاية فيها تارة، وقد لا تدخل، فلما كان الحديث يقينا، لم يرتفع إلا بيقين مثله، وهو غسل المرفقين\" (^٦).\nابن نور الدين (^٧): \" الصحيح عدم الدخول مطلقا - يعني أن المُغيا يدخل في الغاية-،\n_________\n(^١) تفسير القرآن: السمعاني (٢/ ١٦).\n(^٢) معالم التنزيل: البغوي (٣/ ٢١).\n(^٣) انظر: أحكام القرآن: الجصاص (٣/ ٣٤٤).\n(^٤) أحكام القرآن: الكيا الهراسي (٣/ ٣٨).\n(^٥) وهو: العلامة، الإمام، الحافظ، عالم العراق، وواعظ الآفاق، جمال الدين، أبو الفرج، عبد الرحمن بن علي البغدادي، الحنبلي، صاحب التصانيف الكثيرة في فنون العلم، مات سنة ٥٩٧ هـ. ينظر: طبقات علماء الحديث: ابن عبد الهادي (٤/ ١١٩).\n(^٦) زاد المسير: ابن الجوزي (١/ ٥٢١).\n(^٧) وهو: محمد بن الخطيب، أبو عبد الله، الشهير بابن نور الدين، ويعرف بالموزعي: مفسر، عالم بالأصول، قال السخاوي: جرت له مع صوفية وقته أمور بان فيها فضله. له: (تيسير البيان)، مات سنة ٨٢٠ هـ. ينظر: الأعلام: الزركلي (٦/ ٢٨٧).","vol":"1","page":490},{"text":"ووجه الدلالة من حديث جابر ﵁ قوله: \"كان إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه\" الحديث (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-417> دراسة المسألة:</span>\nأشار القاسمي ﵀ في تفسيره لما أخرجه مسلم في صحيحه من حديث عن نعيم بن عبد الله المجمر، قال: رأيت أبا هريرة يتوضأ فغسل وجهه فأسبغ الوضوء، ثم غسل يده اليمنى حتى أشرع في العضد، ثم يده اليسرى حتى أشرع في العضد، ثم مسح رأسه، ثم غسل رجله اليمنى حتى أشرع في الساق، ثم غسل رجله اليسرى حتى أشرع في الساق \"، ثم قال: \" هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ. وقال: قال رسول الله ﷺ: «أنتم الغر المحجلون يوم القيامة من إسباغ الوضوء، فمن استطاع منكم فليطل غرته وتحجيله» (^٢).\nثم تعقب على قول من قال بأن الآية مجملة في دلالتها على وجوب غسل المرفقين، وأن حديث أبي هريرة ﵁ مُبين لهذا الإجمال.\nوالذي يظهر أن الآية مُحكمة وصريحة في دلالتها على وجوب غسل المرفقين، وليست مجملة، وهو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول، وذلك من أوجه:\nالأول: أن لفظ (إلى) في الآية يأتي بمعنى (مع) بمعنى: مع المرافق، ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [سورة النساء: ٢] أي: مع أموالكم، وقوله تعالى: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ [سورة آل عمران: ٥٢]، أي مع الله (^٣).\nالثاني: أن (إلى) تفيد معنى الغاية، وقد تدخل في الحكم، ومنه قوله تعالى: ﴿مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ [سورة الإسراء: ١]. لوقوع العلم بأنه لا يسرى به إلى بيت المقدس من غير أن يدخله (^٤).\n_________\n(^١) تيسير البيان: ابن نور الدين (٣/ ١٠٣).\n(^٢) أخرجه مسلم: كتاب الطهارة، باب استحباب إطالة الغرة والتحجيل في الوضوء، برقم: (٢٤٦).\n(^٣) انظر: أحكام القرآن: ابن الفرس (٢/ ٣٦٦)، وانظر: تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٣/ ٣٣٧).\n(^٤) انظر: الكشاف: الزمخشري (١/ ٦١٠).","vol":"1","page":491},{"text":"ويتأكد ذلك إن كان ما بعدها من جنس ما قبلها نحو: أكلت السمكة إلى رأسها، فالظاهر الدخول، وكذا في المرافق فهي في جنس اليد (^١).\nالثالث: من حيث الإعراب فإن الجار والمجرور في قوله تعالى: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ متعلق بالفعل المذكور - وهو الغسل-، وهو أنه إذا قرن بالكلام غاية أو استثناء أو شرط لا يعتبر بالمطلق ثم يخرج بالقيد عن الإطلاق بل يعتبر مع القيد جملة واحدة فالفعل مع الغاية كلام واحد للإيجاب إليها -أي إلى الغاية وهي المرافق- لا للإيجاب والإسقاط -أي إسقاط الغاية وهي المرافق- لأنهما ضدان فلا يثبتان إلا بنصين، والنص مع الغاية نص واحد (^٢).\nالرابع: أن المرافق حد الساقط لا حد المفروض؛ وبيان ذلك أن قوله: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ﴾ يقتضي بمطلقه من الظفر إلى المنكب، فلما قال: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ أسقط ما بين المنكب والمرفق، وبقيت المرافق مغسولة إلى الظفر؛ وهذا يجري على الأصول لغة ومعنى (^٣).\nالخامس: أن الأصل براءة اللفظ من الإجمال: فعدم دلالة اللفظ - يعني ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ - على دخول المرفق في الغسل، لا يوجب الإجمال فيما، هو المراد بقوله: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ ولا سيما والأصل البراءة، بل الذي يوجب الإجمال: الدلالة المشتبهة على المراد اشتباها لا يدرك إلا ببيان من المجمل وهي مفقودة هنا وحين كان الأمر على هذا فبقي مجرد فعله ﷺ دليل السنة (^٤).\nالسادس: أن القول بدخول (إلى) بمعنى الغاية أحوط في الدين لحصول القطع باستيعاب الفرض بغسلها، ولذا قال الألوسي: قال الشافعي: لا أعلم خلافًا في أن المرافق يجب غسلها، ولذا قيل: إلى بمعنى مع كما في قوله تعالى: ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ أي\n_________\n(^١) انظر: أحكام القرآن: ابن العربي (٢/ ٥٩)، وانظر: فتح الباري: ابن حجر (١/ ٢٩٢)، وانظر: محاسن التأويل: القاسمي (٦/ ١٨٨٣).\n(^٢) التلويح على التوضيح: التفتازاني (١/ ٢٢٣)، بتصرف.\n(^٣) أحكام القرآن: ابن العربي (٢/ ٥٩)، بتصرف.\n(^٤) التقرير والتحبير: ابن الموقت الحنفي (٢/ ٦٩)، بتصرف.","vol":"1","page":492},{"text":"مع قوتكم (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-418> النتيجة:</span>\nبعد ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم وخلافهم في دلالة الآية على وجوب غسل المرفقين من حيث الإحكام أم الإجمال، يظهر أن الراجح هو ما عليه أصحاب القول الأول من أن الآية دالة بذاتها على وجوب غسل المرفقين، لما تقدم إيراده من الأوجه التي تؤيد ذلك، وإن كان المؤدى لكلا القولين هو وجوب غسل المرفقين، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: روح المعاني: الألوسي (٧/ ٥٧)، وانظر: شروق أنوار المنن: محمد المختار الشنقيطي (١/ ٤٩).","vol":"1","page":493},{"text":"<span data-type='title' id=toc-419>٦٩ - قوله تعالى: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٦)﴾ [سورة المائدة: ٢٦].</span>\nقال القاسمي: قوله تعالى: ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ ظرف متعلق بـ ﴿يَتِيهُونَ﴾. واحتمال كونه ظرفا لـ ﴿مُحَرَّمَةٌ﴾ كما ذكره غير واحد- لا يصح إلا بتكلف لما شرحناه من سياق القصة (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-420> أقوال أهل العلم في تعلق الظرف في قوله تعالى: ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾:</span>\nالقول الأول: أن قوله تعالى: ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ ظرف متعلق بـ ﴿يَتِيهُونَ﴾.\nالقول الثاني: أن قوله تعالى: ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ ظرف متعلق بـ ﴿مُحَرَّمَةٌ﴾.\nأصحاب القول الأول:\nالزجاج: \"لا يجوز أن ينتصب بالتّحريم، لأن التفسير جاء بأنها محرمة عليهم أبدا. فنصب أربعين سنة بقوله ﴿يَتِيهُونَ﴾ \" (^٢).\nالكرماني: \"قوله: ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ نصب بقوله: ﴿يَتِيهُونَ﴾ \" (^٣).\nالباقولي (^٤): \"إن نصبت ﴿أَرْبَعِينَ﴾ بـ ﴿يَتِيهُونَ﴾ كان من هذا الباب، وهو الصحيح\" (^٥).\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (٦/ ١٩٣٨).\n(^٢) معاني القرآن: الزجاج (٢/ ١٦٥)، بتصرف، وانظر: معاني القرآن: الفراء (١/ ٣٠٥).\n(^٣) غرائب التفسير: الكرماني (١/ ٣٢٧).\n(^٤) وهو: علي بن الحسين بن علي الضرير الأصفهاني النحوي، أبو الحسن الباقولي المعروف بالجامع، له من التصانيف: كتاب شرح اللمع. وكتاب كشف المشكلات وإيضاح المعضلات، مات سنة: ٥٤٣ هـ. ينظر: معجم الأدباء: الحموي (٤/ ١٧٣٦).\n(^٥) إعراب القرآن: الباقولي (٢/ ٧١٥).","vol":"1","page":494},{"text":"أصحاب القول الثاني:\nالطبري: \"وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب، قول من قال: إن الأربعين منصوبة بالتحريم\" (^١).\nالجرجاني: \" ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ نصب على الظرف للتحريم\" (^٢).\nابن جزي: \"والعامل في أربعين: محرمة على الأصح\" (^٣).\nأبو حيان: \" الظاهر أن العامل في قوله: ﴿أَرْبَعِينَ﴾ محرمة، فيكون التحريم مقيدا بهذه المدة، ويكون يتيهون مستأنفا أو حالا من الضمير في ﴿عَلَيْهِمْ﴾. ويجوز أن يكون العامل يتيهون\" (^٤).\n\n•<span data-type='title' id=toc-421> دراسة المسألة:</span>\nأورد القاسمي في تفسيره ما جاء في سفر العدد من أنه بعد انقضاء الأربعين سنة فتحت الأرض المقدسة على يد يوشع، ويوشع كان مع القوم في التيه، مما يدل على أن التحريم كان مقيدا بأربعين سنة (^٥).\nوالذي يظهر أنه يجوز أن يتعلق الظرف في قوله تعالى: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ بالتحريم، ويجوز أن يتعلق بالتيه، لتعانق الوقف في الآية:\nفمن قال بالوقف عند قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾: فإن الظرف يتعلق بلفظ: ﴿يَتِيهُونَ﴾، فيكون التحريم مؤبدًا، ويكون الظرف: ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ منصوبًا\n_________\n(^١) جامع البيان: الطبري (٨/ ٣١٤).\n(^٢) درج الدرر: الجرجاني (٢/ ٦٦٤).\n(^٣) التسهيل: ابن جزي (١/ ٢٢٧، ٢٢٨).\n(^٤) البحر المحيط: أبو حيان (٨/ ١٣٨).\n(^٥) انظر: محاسن التأويل: القاسمي (٦/ ١٩٣٦).","vol":"1","page":495},{"text":"بقوله: ﴿يَتِيهُونَ﴾.\nومن قال بالوقف عند قوله تعالى: ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾: فإن الظرف يتعلق بلفظ: ﴿مُحَرَّمَةٌ﴾، فيكون التحريم مدة أربعين سنة (^١).\nولعل الأقرب والأصوب من القولين، هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني من أن الظرف في قوله تعالى: ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ متعلق بـ ﴿مُحَرَّمَةٌ﴾، وذلك من أوجه:\nالأول: أنه قد ثبت أنَّ بعض من في التيه قد دخل الأرض المقدسة، ومنهم يوشع (فتى موسى ﵉ الذي قاد جموع بني إسرائيل - بعد موت موسى ﵇ في التيه - فدخل بهم الأرض المقدسة بعد انقضاء السنون، ولو كانت محرمة عليهم جميعًا للزم منه موت كل من حضر التيه، وهذا لا يُعقل (^٢).\nالثاني: أن قوله: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ عامٌّ، وقد حُرِّمت عليهم كلهم مدة الأربعين، فلم يدخلها أحد، ولا يصلح أن تكون لفظة: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ عمومًا للتحريم دون التيه، والجملة مرتبطةٌ ألفاظها، وضمائرها متناسقة في نظم واحد (^٣).\nالثالث: أن حمل تعلق الظرف في قوله تعالى: ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ على التحريم، أكمل في بيان مدّة التحريم، وذلك لأن العامل في ﴿أَرْبَعِينَ﴾ محرمة، فيجب وصله معه، ولا حامل على تقديم المعمول وهو: ﴿يَتِيهُونَ﴾ (^٤).\n\n•<span data-type='title' id=toc-422> النتيجة:</span>\nبعد إيراد ما تقدم في هذه المسألة، يتبين أنها من المسائل التي اختلف فيها العلماء قديمًا، فلا\n_________\n(^١) انظر: المكتفى في الوقف والابتداء: أبو عمرو الداني (ص: ٥٩)، وانظر: مفاتيح الغيب: الرازي (١١/ ٣٣٥).\n(^٢) انظر: أنوار التنزيل: البيضاوي (٢/ ١٢٢)، وانظر: الدر المصون: السمين الحلبي (٤/ ٢٣٦)، وانظر: المحرر في علوم القرآن: د. مساعد الطيار (ص: ٢٦٣).\n(^٣) المحرر في عوم القرآن: د. مساعد الطيار (ص: ٢٦٣).\n(^٤) انظر: التسهيل: ابن جزي (١/ ٢٢٨).","vol":"1","page":496},{"text":"بأس إن قيل إن الظرف في قوله تعالى: ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ متعلق بـ ﴿يَتِيهُونَ﴾، إلا أن الأصوب هو كونه متعلق بـ ﴿مُحَرَّمَةٌ﴾، لما تقدم إيراده من أوجه، والله أعلم.","vol":"1","page":497},{"text":"<span data-type='title' id=toc-423>٧٠ - قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣)﴾ [سورة المائدة: ٣٣].</span>\nقال القاسمي: زعم بعضهم أن الآية نزلت نسخا لعقوبة العرنيين المتقدمة (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-424> أقوال أهل العلم في نسخ حكم النبي ﷺ في العُرنيين من التمثيل وسمل الأعين:</span>\nالقول الأول: أن حكم النبي ﷺ منسوخ بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾.\nالقول الثاني: أن حكم النبي ﷺ ثابت ولم يُنسخ.\nأصحاب القول الأول:\nجماعة من السلف وهم: قتادة، وابن سيرين، واليث بن سعد (^٢).\nالجصاص: لما كان نزول الآية بعد قصة العرنيين واقتصر فيها على ما ذكر ولم يذكر سمل الأعين فصار سمل الأعين منسوخا بالآية (^٣).\nابن العربي: \"وقد ثبت من هذا الطريق -يعني حديث العرنيين- أن الآية نزلت بعد الفعل فيكون الحد فيه، ناسخًا لما فعله النبي ﵇ بالرعاء\" (^٤).\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (٦/ ١٩٥٦).\n(^٢) انظر: الناسخ والمنسوخ: النحاس (ص: ٣٨٣)، وانظر: الناسخ والمنسوخ: القاسم بن سلام (١/ ١٤١)، وانظر: جامع البيان: الطبري (٨/ ٣٦٨ - ٣٧٠)، وانظر: أحكام القرآن: ابن العربي (٢/ ٩٢).\n(^٣) أحكام القرآن: الجصاص (٤/ ٥٣).\n(^٤) الناسخ والمنسوخ: ابن العربي (٢/ ١٩٠).","vol":"1","page":498},{"text":"أصحاب القول الثاني:\nأبو حيان: الجمهور على أن هذه الآية ليست ناسخة ولا منسوخة (^١).\nأبو الفتح اليعمري (^٢): \"ومن الناس من أبى ذلك - يعني نسخ الحكم-، وقد يترجح هذا (^٣).\nالقرطبي: \"وهذا قول حسن - أي أنه لا نسخ-، وهو معنى ما ذهب إليه مالك والشافعي\" (^٤).\nالشوكاني: \" ذهب جماعة آخرون إلى أن فعله ﷺ بالعرنيين منسوخ بنهي النبي ﷺ عن المثلة، والقائل بهذا مطالب ببيان تأخر الناسخ\" (^٥).\n\n•<span data-type='title' id=toc-425> دراسة المسألة:</span>\nأورد القاسمي ﵀ في تفسيره ما أخرجه مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك ﵁: \"أن ناسا من عرينة قدموا على رسول الله ﷺ المدينة، فاجتووها، فقال لهم رسول الله ﷺ: «إن شئتم أن تخرجوا إلى إبل الصدقة، فتشربوا من ألبانها وأبوالها»، ففعلوا، فصحوا، ثم مالوا على الرعاء، فقتلوهم وارتدوا عن الإسلام، وساقوا ذود رسول الله ﷺ، فبلغ ذلك النبي ﷺ، فبعث في أثرهم فأتي بهم، فقطع أيديهم، وأرجلهم، وسمل أعينهم، وتركهم في الحرة، حتى ماتوا\" (^٦).\nولمسلم عن أنس ﵁ قال: \"إنما سمل النبيّ ﷺ أعين\n_________\n(^١) البحر المحيط: أبو حيان (٨/ ١٧١).\n(^٢) وهو: محمد بن محمد بن أحمد ابن سيد الناس، الإمام المحدث أبو عمرو ولد الحافظ أبي بكر اليعمري الأندلسي ثم التونسي، نزيل القاهرة، أخذ العلم عن والده سماعا، وغيره، مات سنة ٧٠٥ هـ. ينظر: المعجم المختص بالمحدثين: الذهبي (ص: ٢٥٥).\n(^٣) عيون الأثر: اليعمري (٢/ ١٢٧).\n(^٤) الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (٧/ ٤٣٤)، بتصرف.\n(^٥) فتح القدير: الشوكاني (٢/ ٤٠)، وانظر: نيل المرام: القنوجي (٢٥٨).\n(^٦) أخرجه مسلم، كتاب القسامة والمحاربين، باب حكم المحاربين والمرتدين، برقم (١٦٧١).","vol":"1","page":499},{"text":"أولئك لأنهم سملوا أعين الرعاء\" (^١).\nوالذي يظهر بعد استقراء أقول أهل العلم في هذه المسألة، أن الراجح هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني من حكم النبي في العرنيين ثابت، وليس بمنسوخ، وذلك من أوجه:\nالأول: أن فعل النبي ﷺ بهم من سمل الأعين كان قصاصا لأنهم فعلوا بالرعاة مثل ذلك كما تقدم من قول أنس بن مالك ﵁، والجزاء من جنس العمل، ولعموم قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ﴾ الآية، ولقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [سورة البقرة:] (^٢).\nقال أبو جعفر النحاس: \" وهذا من أحسن حديث يروى في هذا الباب - يعني حديث أنس- وأغربه وأصحه وفيه حجة للشافعي في القصاص\" (^٣).\nالثاني: تطرق الاحتمال والاختلاف في سبب نزول الآية، فقد ذكر البغوي وغيره لنزول الآية قصة غير قصة العرنيين (^٤)، والقاعدة أنه إذا اختلفت الأقوال في سبب نزول الآية وتطرق إليها الاحتمال فلا نسخ (^٥).\nالثالث: أن القول بنسخ الآية لفعل النبي ﷺ مبني على الظن، وليس على يقين مقطوع بصحته، فآية الحرابة نزلت ابتداء حكم، كسائر القرآن في نزوله شيئا بعد شيء، أو تصويبا لفعله ﵇ بهم؛ لأن الآية موافقة لفعله - ﵇ - في قطع أيديهم وأرجلهم، وزائدة على ذلك تخييرا في القتل، أو الصلب، أو النفي - وكان ما زاده رسول الله ﷺ على القطع من السمل، وتركهم لم يحسمهم حتى ماتوا قصاصا بما فعلوا بالرعاء:\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، كتاب القسامة والمحاربين، باب حكم المحاربين والمرتدين، برقم (١٦٧١).\n(^٢) انظر: معالم السنن: الخطابي (٢/ ٢٨٠).\n(^٣) الناسخ والمنسوخ: النحاس (ص: ٣٨٤).\n(^٤) انظر: معالم التنزيل: البغوي (٣/ ٤٧).\n(^٥) انظر: عيون الأثر: اليعمري (٢/ ١٢٧)، وانظر: نصب الراية: الزيلعي (٣/ ٣٨٥، ٣٨٦).","vol":"1","page":500},{"text":"لأنهم سملوا أعين الرعاء (^١).\nالرابع: ما استدل به القائلين بالنسخ من حديث أبي الزناد، «أن رسول الله ﷺ لما قطع الذين سرقوا لِقاحه، وسمل أعينهم بالنار، عاتبه الله في ذلك، فأنزل الله تعالى»: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [سورة المائدة: ٣٣]، إسناده ضعيف كما ذكر غير واحد من أهل العلم (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-426> النتيجة:</span>\nيظهر من خلال ما تقدم أن الراجح هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني من أنه لا نسخ في حكم النبي ﷺ في العرنيين، وإنما نزلت الآية تأكيدًا وإقرارا لفعله ﷺ فيهم، وأن فعله ﷺ لا يُنافي ما أرشدت إليه الآية، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: المحلى: ابن حزم (١٢/ ٢٨٦).\n(^٢) أخرجه النسائي، كتاب تحريم الدم، ذكر اختلاف طلحة بن مصرف ومعاوية بن صالح على يحيى بن سعيد، برقم: (٤٠٤٢). قال الألباني: ضعيف الإسناد، وأشار إلى ضعفه ابن حزم في المحلى (١٢/ ٢٨٧).","vol":"1","page":501},{"text":"<span data-type='title' id=toc-427>٧١ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [سورة المائدة: ٥٤].</span>\nقال القاسمي: قوله تعالى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ مذهب السلف في المحبة المسندة له تعالى. أنها ثابتة له تعالى بلا كيف ولا تأويل، ولا مشاركة للمخلوق في شيء من خصائصها. كما تقدم في الفاتحة في الرحمن الرحيم.\nفتأويل مثل الزمخشري لها- بإثابته تعالى لهم أحسن الثواب، وتعظيمهم والثناء عليهم والرضا عنهم (^١) - تفسير باللازم (^٢)، منزع كلامي لا سلفي (^٣).\n\n•<span data-type='title' id=toc-428> أقوال أهل العلم في إثبات صفة المحبة لله تعالى:</span>\nالقول الأول: أن صفة المحبة صفة حقيقة ثابتة لله تعالى على الوجه اللائق به.\nالقول الثاني: أن صفة المحبة ليست صفة حقيقية إنما هي عبارة عن الإثابة والثناء والرضى.\nأصحاب القول الأول: وهم أهل السنة:\nالمقدسي (^٤): \"ونثبت كل ما قال الله ﷿ في كتابه، وصح عن رسوله بنقل العدل عن العدل مثل صفة المحبة والمشيئة والإرادة وسائر ما صح عن الله ورسوله، وإن نبت (^٥) عنها أسماع بعض الجاهلين واستوحشت منها نفوس المعطلين (^٦).\n_________\n(^١) انظر: الكشاف: الزمخشري (١/ ٦٤٦، ٧٤٧).\n(^٢) تقدم المراد من التفسير باللازم في مسألة رقم (٨) ص: (١٨٨)، والزمخشري في هذا الموضع يُريد من تفسيره المحبة: إنكار الصفة وأن من لوازمها الإثابة، والله أعلم.\n(^٣) محاسن التأويل: القاسمي (٦/ ٢٠٣٧، ٢٠٣٨).\n(^٤) وهو: عبد الغني بن عبد الواحد بن علي المقدسي، الإمام، العالم، الأثري، عالم الحفاظ، تقي الدين، الجماعيلي، ثم الدمشقي المنشأ، الحنبلي، صاحب الأحكام الكبرى والصغرى، مات سنة ٦٠٠ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء: الذهبي (٢١/ ٤٤٣).\n(^٥) أي: تجافت عنها لعدم قبولها بها.\n(^٦) الاقتصاد في الاعتقاد: المقدسي (ص: ١١٨)، بتصرف.","vol":"1","page":502},{"text":"ابن تيمية: \"تأول الجهمية ومن اتبعهم من أهل الكلام محبة الله لعبده على أنها الإحسان إليه فتكون من الأفعال وطائفة أخرى من الصفاتية قالوا هي إرادة الإحسان وربما قال كلا من القولين بعض المنتسبين إلى السنة من أصحاب الإمام أحمد وغيرهم، وسلف الأمة وأئمة السنة على إقرار المحبة على ما هي عليه (^١).\nالعثيمين: \"من فوائد الآية - وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [سورة البقرة: ١٩٥]- إثبات المحبة لله ﷿؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾؛ وهي محبة حقيقية على ظاهرها؛ وليس المراد بها الثواب؛ ولا إرادة الثواب خلافًا للأشاعرة، وغيرهم من أهل التحريف\" (^٢).\nأصحاب القول الثاني: وهم المعتزلة:\nقال أبو الحسن الأشعري (^٣): \"سائر المعتزلة: أن الثواب قد يكون في الدنيا وأن ما يفعله الله - سبحانه! - من الولاية والرضى على المؤمنين فهو ثواب\" (^٤).\nقال الشيخ محمد خليل هراس: \"المعتزلة يفسرون المحبة بأنها نفس الثواب الواجب عندهم على الله لهؤلاء؛ بناء على مذهبهم في وجوب إثابة المطيع وعقاب العاصي\" (^٥).\n\n•<span data-type='title' id=toc-429> دراسة المسألة:</span>\nمن أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة أنهم يُثبتون ما أثبته الله لنفسه من أسمائه وصفاته، إثباتًا يليق بجلاله من غير تأويل ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل.\n_________\n(^١) قاعدة في المحبة: ابن تيمية (ص: ٥١).\n(^٢) تفسير القرآن الكريم (سورة البقرة): العثيمين (٢/ ٣٩١).\n(^٣) وهو: أبو الحسن علي بن إسماعيل بن أبي بشر الأشعري، اليماني، البصري، العلامة، إمام المتكلمين كان عجبا في الذكاء، وقوة الفهم، قال الذهبي: \"رأيت لأبي الحسن أربعة تواليف في الأصول يذكر فيها قواعد مذهب السلف في الصفات، وقال فيها: تمر كما جاءت\"، مات سنة أربع وعشرين وثلاث مائة. ينظر: سير أعلام النبلاء: الذهبي (١٥/ ٨٥ - ٨٦).\n(^٤) مقالات الإسلاميين: الأشعري (١/ ٢١١).\n(^٥) شرح العقيدة الواسطية: محمد خليل هراس (١/ ١٠٢).","vol":"1","page":503},{"text":"ومما أثبته الله لنفسه من الصفات: محبته لعباده التي دلت عليها الأدلة من الكتاب ومن السنة ومن الإجماع.\nقال ابن القيم ﵀: \"وجميع طرق الأدلة: عقلًا، ونقلًا، وفطرةً، وقياسًا، واعتبارًا، وذوقًا، ووجدًا؛ تدل على إثبات محبّة العبد لربّه والرّب لعبده\" (^١).\nفمن الكتاب: قوله تعالى في حق نبيه موسى ﵇: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [سورة طه: ٣٩]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [سورة البقرة: ٢٢٢]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [سورة آل عمران: ٣١].\nومن السنة: ما أخرجه مسلم في صحيحه من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ أن النبي ﷺ قال: \"إن الله يحب العبد التقي، الغني، الخفي\" (^٢).\nوقوله ﷺ: \"الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق، من أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله\" (^٣).\nوأما الإجماع: فقد نقله غير واحد من أهل العلم.\nيقول ابن تيمية ﵀: \"فإنَّ الكتاب والسّنة وإجماع المسلمين أثبتت محبّة الله لعباده المؤمنين ومحبتهم له، وقد أجمع سلف الأمّة وأئمتها على إثبات محبّة الله تعالى لعباده المؤمنين، ومحبتهم له، وهذا أصل دين الخليل إمام الحنفاء ﵇\" (^٤).\nويقول ابن أبي العز: \" ومذهب السلف وسائر الأئمة إثبات صفة الغضب، والرضى، والعداوة، والولاية، والحب، والبغض، ونحو ذلك من الصفات، التي ورد بها الكتاب والسنة،\n_________\n(^١) مدارج السالكين: ابن القيم (٣/ ٢٠).\n(^٢) أخرجه مسلم: كتاب الزهد والرقائق، برقم: (٢٩٦٥)\n(^٣) أخرجه البخاري: كتاب مناقب الأنصار، باب حب الأنصار من الإيمان، برقم: (٣٧٨٣)، وأخرجه ومسلم: كتاب الإيمان، باب الدليل على أن حب الأنصار وعلي ﵃ من الإيمان، برقم: (٧٥).\n(^٤) مجموع الفتاوى: ابن تيمية (٢/ ٣٥٤).","vol":"1","page":504},{"text":"ومنع التأويل الذي يصرفها عن حقائقها اللائقة بالله تعالى\" (^١).\nوقد دلت الأدلة العقلية على إثبات صفة المحبة لله تعالى كما ذكر هذا بعض أهل العلم، كقياس الأولى ودلالة الواقع والشاهد، وليس المقام مقام بسط (^٢).\nمناقشة تأويل الزمخشري:\nذهب الزمخشري ومن على شاكلته من المعتزلة، المخالفون لأهل السنة والجماعة، أن المراد من محبة الله لعباده: أن يثيبهم أحسن الثواب على طاعتهم، وذلك لأن الجهمية والمعتزلة يقولون أن صفات الله تعالى كالرضا والمحبة والغضب ونحوها، إنما هي مخلوقة وبائنة ومنفصلة عن الله، ليس هو في نفسه متصفا بشيء من ذلك (^٣).\nوالجواب عما ذكره الزمخشري في تفسير الآية من أوجه:\nالأول: أنه صرف للآية عن معناها الحقيقي وظاهرها الذي دل على إثبات المحبة لله تعالى، إلى المعنى المجازي، وعلى التسليم بوقوع المجاز في صفات الباري ﷿، فإنه يشترط وجود قرينة تصرف اللفظ من الحقيقة إلى المجاز، وهذه القرينة لا توجد في لفظ الآية (^٤).\nالثاني: أن تأويل المحبة بالثواب يلزم منه أن تكون صفة المحبة مخلوقة. ومعلوم أن الصفات المضافة إلى الله تعالى ومنها المحبة التي لا تقوم بنفسها وليست بائنة عنه، ليست مخلوقة، بخلاف الصفات المضافة إلى الله تعالى إضافة عين، كبيت الله، وناقة الله وهي بائنة عنه، قائمة بنفسها، فهي مخلوقة (^٥).\nالثالث: أن الثواب والثناء من آثار المحَبَّة ولوازمها وثمراتها، وليس هو المحَبَّة نفسها، ففرق بين الصفة وآثارها. فإن من أحبَّهم الله فإن من آثار حبِّه لهم أن يكرمهم، ويثيبهم؛\n_________\n(^١) شرح الطحاوية: ابن أبي العز (ص: ٤٧٢).\n(^٢) انظر: شرح العقيدة الأصفهانية: ابن تيمية (ص: ٤٣)، وانظر: الصواعق المرسلة: ابن القيم (٣/ ١٠١٨).\n(^٣) انظر: شرح العقيدة الطحاوية: ابن أبي العز (ص: ٤٧٤).\n(^٤) انظر ما تقدم ذكره في مسألة (١٢)\n(^٥) انظر: الجواب الصحيح: ابن تيمية (٢/ ١٥٥، ١٥٦).","vol":"1","page":505},{"text":"وضد ذلك من لا يحبهم.\nفمثلا قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ تعليل للأمر بالإحسان، فإنهم إذا علموا أن الإحسان موجب لمحبته؛ سارعوا إلى امتثال الأمر به (^١).\nتنبيهان:\nالأول: ظاهر عبارة القاسمي ﵀: \"أن المحبة ثابتة لله تعالى بلا كيف ولا تأويل ولا مشاركة للمخلوق في شيء من خصائصها\". يُفهم من ظاهرها موافقة المُفوضة، الذين يُفوضون كيفية الصفة ومعناها، ولكن الذي يُظن به أنه يُريد نفي علم البشر بالكيفية، وليس أن الصفة بلا كيف، بناء على سلامة عقيدته، والله أعلم.\nالثاني: الأشاعرة كالمعتزلة لا يُثبتون صفة المحبة، ولكنهم مضطربون في تأويلها، فأكثرهم يقول أن المحبة بمعنى الإرادة (^٢)، ومنهم من يقول أنها بمعنى إيصال الخير كالرازي (^٣)، ومنهم من يقول أنها بمعنى الرحمة والرضى كالنووي (^٤).\n\n•<span data-type='title' id=toc-430> النتيجة:</span>\nمن خلال ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين جليًا أن الحق هو الذي عليه أهل السنة والجماعة من أن صفة المحبة ثابتة لله تعالى حقيقة على ما يليق به جل وعلا، لما تقدم إيراده من دلالة الكتاب والسنة والإجماع، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: شرح العقيدة الواسطية: محمد خليل هراس (ص: ١٠٣).\n(^٢) انظر: رسالة إلى أهل الثغر: الأشعري (ص: ١٣٠)، وانظر: الإنصاف: الباقلاني (ص: ٣٧)، وانظر: الأسماء والصفات: البيهقي (٢/ ٤٦٧).\n(^٣) انظر: مفاتيح الغيب: الرازي (٨/ ٢٤٢).\n(^٤) انظر: المنهاج شرح صحيح مسلم بت الحجاج: النووي (١٦/ ١٢٤).","vol":"1","page":506},{"text":"<span data-type='title' id=toc-431>٧٢ - قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (٥٦)﴾ [سورة المائدة: ٥٥].</span>\nقال القاسمي: وقد اقتص ذلك الخفاجي في (حواشي البيضاوي) عن الحاكم وغيره بطول -يعني ماورد في سبب نزول الآية وسيأتي-. ثم أنشد أبياتا لحسان بن ثابت فيها (^١). ولوائح الضعف بل الوضع لا تخفى عليها. لا سيما ونفس حسان بن ثابت ﵁ (^٢)، العريق في العربية، بعيد مما نسب إليه. وأي حاجة للتنويه بفضل علي ﵇ (^٣) بمثل هذه الواهيات. وفضله أشهر من نار على علم (^٤).\n\n•<span data-type='title' id=toc-432> مذاهب أهل العلم فيما نُسب إلى حسان بن ثابت ﵁ من أبيات في مدح علي بن أبي طالب ﵁</span>-:\nالمذهب الأول: إيراد ما نُسب إليه من أبيات والاعتداد بها من غير بيان لضعفها، وإلى هذا ذهب الطبرسي (^٥)، وأوردها الآلوسي في تفسيره ورَدَّها من جهة الاستدلال دون الرواية (^٦).\nالمذهب الثاني: التنبيه على أن ما نُسب إليه من أبيات خاصة في مدح علي بن أبي طالب لا تصح نسبتها إليه، وإلى هذا نبه القاسمي ﵀.\n_________\n(^١) انظر: عناية القاضي: الخفاجي (٣/ ٢٥٦).\n(^٢) وهو: حسان بن ثابت بن المنذر الخزرج شاعر رسول الله ﷺ عاش مائة وعشرين سنة، ستين في الجاهلية وستين في الإسلام، شجاع اللسان، جبان الجنان، لم يكن ممن يشهد الوغى، ولا يهتز إلى اللقاء ليتحصن بالآطام ويناضل بالكلام. ينظر: معرفة الصحابة: أبو نعيم (٢/ ٨٤٥).\n(^٣) وهو: علي بن أبي طالب بن عبد المطلب القرشي الهاشمي، ابن عم رسول الله ﷺ، أول الناس إسلاما في قول كثير من أهل العلم، وشهد مع النبي ﷺ المشاهد إلا غزوة تبوك، اشتهر بالفروسية والشجاعة والإقدام، مات سنة ٤٠ هـ. ينظر: الإصابة: ابن حجر (٤/ ٤٦٤ - ٤٦٨).\n(^٤) محاسن التأويل: القاسمي (٦/ ٢٠٤٣).\n(^٥) انظر: مجمع البيان: الطبرسي (٣/ ٢٩٧).\n(^٦) انظر: روح المعاني: الآلوسي (٧/ ٢٦٤).","vol":"1","page":507},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-433> دراسة المسألة:</span>\nيُريد القاسمي ﵀ من تعقبه: ما أورده الخفاجي في حاشيته مما أخرجه الحاكم وابن مردويه وغيرهما عن ابن عباس ﵁ بإسناد متصل قال: أقبل ابن سلام ونفر من قومه آمنوا بالنبيّ ﷺ فقالوا يا رسول الله إنّ منازلنا بعيدة، وليس لنا مجلس ولا متحدث دون هذا المجلس!، وانّ قومنا لما رأونا آمنا بالله ورسوله وصدقناه، رفضونا وآلوْا على أنفسهم أن لا يجالسونا ولا يناكحونا ولا يكلمونا، فشق ذلك علينا. فقال لهم النبي ﷺ: إنما وليكم الله ورسوله ثم إنّ النبي ﷺ خرج إلى المسجد والناس بين قائم وراكع فبَصُر بسائل فقال: \"هل أعطاك أحد شيئًا\"؟ فقل نعم خاتم من فضة فقال: \"من أعطاكه\"؟ فقال ذاك القائم، وأومأ بيده إلى علي ﵁ فقال النبي ﷺ: \"على أيّ حال اعطاك\"؟ فقال: وهو راكع فكبر النبي ﷺ ثم تلا هذه الآية، فأنشأ حسان ﵁ يقول:\nأبا حسن تفديك نفسي ومهجتي … وكل بطيء في الهوى ومسارعِ\nأيذهب مَدْحي والمُحَبَّرُ (^١) ضائعا … وما المدح في جَنْب الإله بضائعِ\nفأنت الذي أعطيت إذ كنت راكعا … زكاة فدتك النفس يا خير راكعِ\nفأنزل فيك الله خير ولاية … وبَيَّنها في محكمات الشرائعِ (^٢).\nوهذه الرواية ضعيفة ومردودة من جهتين:\nالجهة الأولى: جهة الرواية: فإن هذه الرواية أخرج بنحوها الحاكم في معرفة علوم الحديث دون ذكر الشعر (^٣)، من طريق محمد بن يحيى بن الضريس وهو متروك الحديث كما قال الدارقطني (^٤).\n_________\n(^١) المحبر: أي: الحسن تقول: وحبَّرت الكلام والشعر تحبيرا أي: (حسَّنته). ينظر: العين: الفراهيدي (٣/ ٢١٨)، والمراد: أن مدحي لم يذهب لك سُدى، وإنما هو من محبتي فيك لله، فمدحتك لوجه لله، لا لغيره.\n(^٢) كذا أورده الشهاب الخفاجي في حاشيته (٣/ ٢٥٦)، وقبله الشجري في ترتيب الأمالي الخميسية (١/ ١٨١)، وأوردها ابن كثير في تفسيره من غير ذكر الأبيات لحسان ﵁، انظر: تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٣/ ٤٢٤).\n(^٣) انظر: معرفة علوم الحديث: الحاكم (ص: ١٠٢).\n(^٤) انظر: سلسلة الأحاديث الضعيفة: الألباني (١٠/ ٥٨١).","vol":"1","page":508},{"text":"وأورد بنحوها ابن كثير في تفسيره من طريق محمد بن السائب الكلبي - وهو متروك-، عن أبي صالح، دون ذكر الشعر، وقال: \"وهذا إسناد لا يُفرح به\" (^١).\nقال ابن تيمية: \"ويذكرون - يعني الرافضة- الحديث الموضوع بإجماع أهل العلم وهو تصدقه بخاتمه في الصلاة\" (^٢).\nوقال أيضًا: \"وضع بعض الكذابين حديثا مفترى أن هذه الآية نزلت في علي لما تصدق بخاتمه في الصلاة، وهذا كذب بإجماع أهل العلم (^٣).\nالجهة الثانية: جهة الدراية: فإن الرواية مردودة من أوجه عدة ذكرها أهل العلم (^٤)، والذي يعنينا هو الشعر المنسوب إلى حسان بن ثابت ﵁، فإن المتأمل فيه يجد أن عليه ملحظان:\nالأول: في قوله: \"وكل بطيء في الهدى ومسارع\"، فليس له أن يفدي بغير نفسه وما لا يملكه.\nالثاني: في قوله: \" فأنزل فيك الله خير ولاية\" ظاهر اللفظ يدل على تقديم ولايته على ولاية النبي ﷺ وولاية أبي بكر الصديق وعمر ﵄، وهذا محال أن يقوله الصحابي الجليل حسان بن ثابت ﵁، وقد أجمع أهل السنة على تقديم أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب ﵄، على عثمان وعلي ﵄.\nقال ابن قدامة ﵀: \"وأفضل أمته أبو بكر الصديق ثم عمر الفاروق ثم عثمان ذو النورين ثم علي المرتضى ﵃ أجمعين، لما «روى عبد الله بن عمر ﵄ قال: كنا نقول والنبي ﷺ حي: أفضل هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي فيبلغ ذلك\n_________\n(^١) تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٣/ ٤٢٤).\n(^٢) مجموع الفتاوى: ابن تيمية (١٣/ ٣٥٩).\n(^٣) منهاج السنة: ابن تيمية (٢/ ٣٠).\n(^٤) انظر: مفاتيح الغيب: الرازي (١٢/ ٣٨٣)، وانظر: منهاج السنة: ابن تيمية (٢/ ٣٠)، وانظر: روح المعاني: الآلوسي (٧/ ٢٦٥)","vol":"1","page":509},{"text":"النبي ﷺ فلا ينكره» (^١) \" (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-434> النتيجة:</span>\nبعد إيراد ما تقدم في هذه المسألة، يتبين جليًا أن الشعر المنسوب إلى حسان بن ثابت ﵁ مما لا تصح النسبة إليه، لما تقدم ذكره من الدلالة على ضعف هذه النسبة رواية ودراية، والذي يظهر أنها من وضع الرافضة، والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب السنة، باب في التفضيل، برقم: (٤٦٢٨)، وأخرجه الترمذي في سننه، أبواب المناقب، باب في مناقب عثمان بن عفان، برقم: (٣٧٠٧)، قال الألباني: حديث صحيح.\n(^٢) لمعة الاعتقاد: ابن قدامة (ص: ٣٥).","vol":"1","page":510},{"text":"<span data-type='title' id=toc-435>٧٣ - قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [سورة المائدة: ٦٤].</span>\nقال القاسمي: ما زعمه الزمخشري ومن تابعه- من أن إثبات اليد لا يصح حقيقة له تعالى- فإنه نزعة كلامية اعتزالية (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-436> أقوال أهل العلم في إثبات صفة اليد لله تعالى حقيقة:</span>\nالقول الأول: أن صفة اليد ثابتة لله تعالى حقيقة.\nالقول الثاني: أن صفة اليد لا يصح إثباتها لله تعالى حقيقة، وإنما هي مجاز عن القدرة أو القوة.\nأصحاب القول الأول: أهل السنة:\nالسمعاني: \"وأما اليد: صفة لله - تعالى - بلا كيف، وله يدان، وقد صح عن النبي أنه قال: \" كلتا يديه يمين \". والله أعلم بكيفية المراد\" (^٢).\nالبغوي: \" ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ ويد الله صفة من صفاته كالسمع، والبصر والوجه، وقال جل ذكره: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [سورة ص: ٧٥]، وقال النبي ﷺ: \"وكلتا يديه يمين\" (^٣) والله أعلم بصفاته، فعلى العباد فيها الإيمان والتسليم\" (^٤).\nالقنوجي: \" يد الله صفة من صفات ذاته كالسمع والبصر والوجه فيجب علينا الإيمان بها والتسليم وإثباتها له تعالى وإمرارها كما جاءت في الكتاب والسنة بلا كيف ولا تشبيه ولا تعطيل\" (^٥).\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (٦/ ٢٠٥٧).\n(^٢) تفسير القرآن: السمعاني (٢/ ٥١).\n(^٣) أخرجه مسلم: كتاب الإمارة، باب فضيلة الإمام العادل وعقوبة الجائر، برقم (١٨٢٧)\n(^٤) معالم التنزيل: البغوي (٣/ ٧٦، ٧٧).\n(^٥) فتح البيان: القنوجي (٤/ ١٣).","vol":"1","page":511},{"text":"أصحاب القول الثاني: المعتزلة:\nالقاضي عبد الجبار: \"ولم يرد تعالى بذكر اليدين الجارحة ولا صفة مجهولة كما يذهب اليه المشبهة، بل أراد تعالى النعم\" (^١).\nابن جني (^٢): \"بعد ذكره لعدد من آيات الصفات في إثبات اليدين وغيرها: \"وطريق ذلك أن هذه اللغة أكثرها جارٍ على المجاز، وقلما يخرج الشيء منها على الحقيقة\" (^٣).\n\n•<span data-type='title' id=toc-437> دراسة المسألة:</span>\nمن الأصول المتفق عليها عند أهل السنة أنهم يُثبتون ما أثبته الله لنفسه، وما أخبر به رسوله من غير تكييف ولا تمثيل ومن غير تحريف ولا تعطيل (^٤).\nومما أثبته الله تعالى لنفسه من الصفات الخبرية: أن له يدان تليق بجلاله، وقد دلت الأدلة من الكتاب والسنة والاجماع على هذه الصفة:\nفمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾.\nقال الشنقيطي: \"الظاهر المتبادر من اليد بالنسبة للخالق في نحو قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، أنها صفة كمال وجلال، لائقة بالله - جل وعلا - ثابتة له على الوجه اللائق بكماله وجلاله\" (^٥).\nومن السنة: قوله ﷺ في حديث الشفاعة، وفيه: \"فيأتونه فيقولون: يا آدم! أنت أبو البشر؛ خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه\" (^٦).\n_________\n(^١) تنزيه القرآن عن المطاعن: القاضي عبد الجبار (ص: ١٤٤).\n(^٢) وهو: أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي المعتزلي، إمام العربية، صاحب التصانيف، لزم أبا علي الفارسي دهرا، وسافر معه حتى برع وصنف، وسكن بغداد، وتخرج به الكبار، مات سنة ٣٩٢ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء: الذهبي (١٧/ ١٧).\n(^٣) الخصائص: ابن جني (ص: ١٢٠).\n(^٤) انظر: العقيدة الواسطية: ابن تيمية (ص: ٥٧).\n(^٥) أضواء البيان: الشنقيطي (٧/ ٢٧١).\n(^٦) أخرجه البخاري: كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى ﴿إنا أرسلنا نوحا إلى قومه﴾، برقم: (٣٣٤٠)، وأخرجه مسلم: كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة، برقم: (١٩٤).","vol":"1","page":512},{"text":"أما الإجماع: فقد نقله غير واحد من أهل العلم.\nقال أبو الحسن الأشعري: \" وأجمعوا على أنه ﷿ يسمع ويرى، وأن له تعالى يدين مبسوطتين وأن الأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه من غير أن يكون جوارحًا، وأن يديه تعالى غير نعمته\" (^١).\nمناقشة الزمخشري في دعواه أن إثبات اليد لا يصح حقيقة لله تعالى:\nذكر الزمخشري في تفسير الآية أن غل اليد وبسطها مجاز عن البخل والجود، ولا يصح إثباتها لله حقيقة، وإنما المراد باليد بما معنى كلامه: النعمة (^٢).\nوالجواب عن هذا المراد من وجهين:\nالأول: أن حمل صفة اليد على المجاز، يُخالف ما أجمع عليه أهل السنة على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة، والإيمان بها، وحملها على الحقيقة لا على المجاز\" (^٣).\nالثاني: أنه لا يجوز أن يكون المراد باليد النعمة، لأنه قال: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ والنعم لا تُغل، فلا يُقال: غلت نعمهم، وقال: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ معارضة بمثل ما قالوا ولا يجوز أن يكون أراد غلت نعمهم، ثم قال: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ ولا يجوز أن يريد نعمتاه مبسوطتان، وذلك أن نعم الله لا تُعد ولا تُحصى (^٤).\nالثالث: لو كان معنى اليد النعمة كما ادعت الجهمية والمعتزلة لقرئت الآية: بل يداه مبسوطة، أو منبسطة، لأن نعم الله أكثر من أن تحصى، ومحال أن تكون نعمة نعمتين لا أكثر فلما قال الله ﷿: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾، كان العلم محيطا أنه ثبت لنفسه يدين\n_________\n(^١) رسالة إلى أهل الثغر: أبو الحسن الأشعري (ص: ١٢٧).\n(^٢) انظر: الكشاف: الزمخشري (١/ ٦٥٤).\n(^٣) انظر: التمهيد: ابن عبد البر (٧/ ١٤٥).\n(^٤) انظر: التوحيد: ابن خزيمة (١/ ١١٨)، وانظر: الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية: ابن قتيبة (١/ ٤٠).","vol":"1","page":513},{"text":"لا أكثر منهما، وأعلم أنهما مبسوطتان ينفق كيف يشاء (^١).\nالرابع: لو كانت بمعنى النعمة لجمعت على أيادي، وقد قال كما ترى: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ فجمعها على الأيدي التي لا تكون إلا جمع اليد لا جمع النعمة (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-438> النتيجة:</span>\nيتبين من خلال ما تم إيراده من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، أن الحق الذي لا مرية فيه هو مع أهل السنة والجماعة، من أن صفة اليد صفة حقيقية ثابتة لله تعالى، على ما يليق بجلاله، لما تقدم ذكره من الأدلة الدالة على ذلك، والأوجه التي تبين بطلان ما ذهب إليه القائلين بخلاف ذلك.\n_________\n(^١) انظر: التوحيد: ابن خزيمة (١/ ١١٨)\n(^٢) النكت الدالة على البيان: القصاب (١/ ٣١٦، ٣١٧)، بتصرف.","vol":"1","page":514},{"text":"<span data-type='title' id=toc-439>٧٤ - قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٦٨)﴾ [سورة المائدة: ٦٨].</span>\nقال في الانتصاف: الذي يفهم من الآية أنهم يكونون على شيء من الدين، وهو- ولا شك- خير من لا شيء. ولا يفهم أنهم يكونون على الحق كله وعلى الدين الكامل الذي لا غاية أعظم منه، فإن ذلك لا يكون إلا بالإسلام (^١).\nقال القاسمي: ولا يخفى أنهم إذا أقاموا التوراة والإنجيل، آمنوا بمحمد ﷺ. لما تتقاضى إقامتهما الإيمان به. إذ كثر ما جاء فيهما من البشارات به والتنويه باسمه ودينه. فإقامتهما على وجوههما تستدعي الإسلام البتة، بل هي هو، والله الموفق (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-440> أقوال أهل العلم في استلزام إقامة أهل الكتاب التوراة والانجيل الإيمان برسالة محمد ﷺ</span>-:\nالقول الأول: أن إقامة التوراة والإنجيل يلزم منها الإيمان بمحمد ﷺ، وأن من لم يؤمن بمحمد لا يكون على شيء من الدين.\nالقول الثاني: أن إقامة التوراة والإنجيل لا يلزم منها الإيمان بمحمد ﷺ، وأن من أقامهما يكون على شيء من الدين.\nأصحاب القول الأول:\nابن عباس: \" ﴿لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ﴾ من الدين، حتى تُعلموا بما في الكتابين من الإيمان بمحمد ﷺ وبيان صفته ونعته، وهو قوله: ﴿حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ \" (^٣).\n_________\n(^١) الكشاف للزمخشري مذيل بحاشية (الانتصاف فيما تضمنه الكشاف) لابن المنير (١/ ٦٦٠).\n(^٢) محاسن التأويل: القاسمي (٦/ ٢٠٨٧).\n(^٣) التفسير الوسيط: الواحدي (٢/ ٢١٠)، وانظر: الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (٨/ ٩٣).","vol":"1","page":515},{"text":"ابن عطية: \" ﴿لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ﴾ أي على شيء مستقيم ﴿حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾، وفي إقامة هذين الإيمان بمحمد ﷺ (^١).\nابن الجوزي: \" قوله تعالى: ﴿لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ﴾ أي: لستم على شيء من الدين الحق ﴿حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾، وإقامتهما: العمل بما فيهما، ومن ذلك الإيمان بمحمد ﷺ \" (^٢).\nابن كثير: \" قل يا محمد: ﴿يا يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ﴾ أي: من الدين، ﴿حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ أي: حتى تؤمنوا بجميع ما بأيديكم من الكتب المنزلة من الله على الأنبياء، وتعملوا بما فيها ومما فيها الأمر باتباع بمحمد ﷺ والإيمان بمبعثه، والاقتداء بشريعته\" (^٣).\nأصحاب القول الثاني:\nأبو علي الجبائي: \"ويجوز أن يكون ذلك قبل النسخ لهما - يعني التوراة\nوالانجيل-\" (^٤). فدل قوله أنهم على شيء وإن لم يؤمنوا بمحمد ﷺ.\nظاهر كلام القشيري: \"أي ليس انتعاشكم ولا نظام معاشكم، ولا قدركم في الدنيا والعقبى، ولا مقداركم ولا منزلكم في حال من حالاتكم إلا بمراعاة الأمر والنهى، والمحافظة على أحكام الشرع\" (^٥).\nظاهر كلام الزمخشري: \" لستم على شيء أي على دين يعتد به حتى يسمى شيئا لفساده وبطلانه، كما تقول: هذا ليس بشيء تريد تحقيره وتصغير شأنه\" (^٦).\n_________\n(^١) المحرر الوجيز: ابن عطية (٣/ ٥٧٧).\n(^٢) زاد المسير: ابن الجوزي (١/ ٥٦٩).\n(^٣) تفسير القرآن العظيم: ابن كثير: (٣/ ٤٣٨).\n(^٤) انظر: مجمع البيان: الطبرسي (٣/ ٣١٥)، وانظر: الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (٨/ ٩٣).\n(^٥) لطائف الإشارات: القشيري (١/ ٤٣٩).\n(^٦) الكشاف: الزمخشري (١/ ٦٦٠).","vol":"1","page":516},{"text":"ظاهر كلام النخجواني: \" ﴿لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ﴾ من أمر الدين والايمان والإطاعة والانقياد ﴿حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ وجميع ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ وتمتثلوا بأحكامها وتتصفوا بما فيها من مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم المرضية عند الله وتحققوا بحقائقها ومعارفها المودعة فيها\" (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-441> دراسة المسألة:</span>\nمن خلال عرض ما تقدم من أقوال أهل العلم في الآية، يتبين أن الصواب هو ما عليه أصحاب القول الأول، وهو الذي عليه أكثر المفسرين، من أن أهل الكتاب إذا أقاموا التوراة والإنجيل دون الإيمان برسالة محمد ﷺ، أنهم ليسوا على شي، وذلك من أوجه:\nالأول: أن القول بأن أهل الكتاب على شيء من الدين إن أقاموا التوراة والانجيل وما فيهما من تعاليم، مما يُخالف اللازم من إقامتهما وهو: الإيمان بمحمد ﷺ، فإن كُلًا منهما كان يأمر باتباع محمد ﷺ، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [سورة الصف: ٦].\nالثاني: أن الله تعالى قرن في الآية مع إقامة التوراة والانجيل الايمان بكتابه المنزل وهو: القرآن كما قال: ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (^٢)، فليسوا على شيء حتى يُقيموا التوراة والإنجيل والقرآن.\nالثالث: أن القول بأن إقامتهم للتوراة والانجيل دون الايمان بمحمد ﷺ فيه شيء من الدين، ليس من مقاصد القرآن في التشنيع على أهل الكتاب ومجادلتهم ووصفهم بالكفر والخلود في النار، ودعوتهم إلى دين الإسلام، وكأن ظاهر هذا القول يُهَوِّن من كُفر أهل الكتاب إن هم تمسكوا بالتوراة والانجيل، والله أعلم.\n_________\n(^١) الفواتح الإلهية: النخجواني (١/ ١٩٩).\n(^٢) ذهب جمع من أهل العلم من أن المراد بقوله: ﴿ما أنزل إليكم من ربكم﴾ القرآن. ينظر: معاني القرآن: الزجاج (٢/ ٣١٦)، وينظر: تفسير القرآن العظيم: ابن أبي حاتم (٤/ ١١٧٥)، وينظر: تفسير القرآن: السمعاني (٢/ ١٦٤).","vol":"1","page":517},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-442> النتيجة:</span>\nبعد عرض ما تقدم ذكره في هذه المسألة، يتبين أن الصواب هو ما عليه أصحاب القول الأول من أن إقامة التوراة والإنجيل يلزم منها الإيمان بمحمد ﷺ، وأن من لم يؤمن بمحمد لا يكون على شيء من الدين، لما تقدم إيراداه من الأوجه الدالة على ذلك، والله أعلم.","vol":"1","page":518},{"text":"<span data-type='title' id=toc-443>٧٥ - قوله تعالى: ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (٧١)﴾ [سورة المائدة: ٧١].</span>\nأورد القاسمي في تفسيره: قصة العذاب الله الذي حاق على بني إسرائيل قبل عيسى وبعده من خراب ديارهم على يد بختنصر.\nثم قال: وما قيل بأن قوله تعالى ﴿فَعَمُوا وَصَمُّوا﴾ إشارة إلى عبادتهم العجل- فإنه بعيد. لأنها، وإن كانت معصية عظيمة ناشئة عن كمال العمى والصمم، لكنها في عصر موسى ﵇. ولا تعلق لها بما حكي عنهم مما فعلوا بالرسل الذين جاءوهم بعده ﵇ بأعصار. وكذا ما قيل بأن قوله تعالى: ﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا﴾ إشارة إلى طلبهم الرؤية- فبعيد أيضا، لما ذكرنا (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-444> أقوال أهل العلم في المراد من قوله تعالى: ﴿فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾:</span>\nالقول الأول: أن المراد: عموا وصموا عن سماع كلام أنبيائهم، فسلط الله عليهم بختنصر فأخرجهم من ديارهم، ثم تاب الله عليهم وأعادهم برحمته إلى ديارهم، إلى أن بعث الله عيسى ﵇. فعموا عن الاهتداء به وصموا عن وعظه، فدمرهم الله بعد ذلك وأباد مملكتهم، وكل ذلك بعد زمن موسى ﵇، وإلى هذا ذهب القاسمي ﵀.\nالقول الثاني: أن قوله تعالى ﴿فَعَمُوا وَصَمُّوا﴾ إشارة إلى عبادتهم العجل، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا﴾ إشارة إلى طلبهم الرؤية، وهذا في زمن موسى ﵇.\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (٦/ ٢٠٩٦)، وستأتي الإشارة إليه في القول الأول.","vol":"1","page":519},{"text":"أصحاب القول الأول:\nالماتريدي: \"يحتمل أن يكون قوله: ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا﴾: ما ذكره في آية أخرى: وهو قوله: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾ الآية \" (^١).\nابن عطية: \"قوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ قالت جماعة من المفسرين: هذه التوبة هي ردهم إلى بيت المقدس بعد الإخراج الأول ورد ملكهم وحالهم، ﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا﴾ بعد ذلك حتى أخرجوا الخرجة الثانية ولم ينجبروا أبدا\" (^٢).\nالقفال (^٣): \" ذكر الله تعالى في سورة بني إسرائيل ما يجوز أن يكون تفسيرا لهذه الآية فقال ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ …﴾ الآية، فهذا في معنى ﴿فَعَمُوا وَصَمُّوا﴾ ثم قال: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ … الآية﴾ فهذا في معنى قوله ﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ \" (^٤).\nأبو السعود: \" ﴿فَعَمُوا وَصَمُّوا﴾ هذا إشارة إلى المرة الأولى من مرتي إفساد بني إسرائيل حين خالفوا أحكام التوراة وركبوا المحارم وقتلوا شعياء وقيل حبسوا أرمياء ﵉ .... إلخ\" (^٥).\n_________\n(^١) تأويلات أهل السنة: الماتريدي (٣/ ٥٦١).\n(^٢) المحرر الوجيز: ابن عطية (٣/ ٥٨١).\n(^٣) وهو: أبو بكر محمد بن علي بن إسماعيل، القفال الشاشي الفقيه الشافعي، إمام عصره بلا مدافعة، كان فقيها محدثا أصوليا لغويا شاعرا، وروى عن محمد بن جرير الطبري وأقرانه، مات سنة ٣٣٦ هـ. ينظر: وفيات الأعيان: ابن خلكان (٤/ ٢٠٠).\n(^٤) مفاتيح الغيب: الرازي (١٢/ ٤٠٧).\n(^٥) إرشاد العقل السليم: أبو السعود (٣/ ٦٤)، بتصرف.","vol":"1","page":520},{"text":"أصحاب القول الثاني:\nالسمرقندي: \" ﴿عَمُوا وَصَمُّوا﴾ حين عبدوا العجل، ﴿ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ \" (^١).\nالزمخشري: \" ﴿فَعَمُوا﴾ عن الدين ﴿وَصَمُّوا﴾ حين عبدوا العجل، ثم تابوا عن عبادة العجل فتاب الله عليهم ﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا﴾ كرة ثانية بطلبهم المحال غير المعقول في صفات الله وهو الرؤية\" (^٢).\nالبيضاوي: \" ﴿عَمُوا﴾ عن الدين أو الدلائل والهدى. ﴿وَصَمُّوا﴾ عن استماع الحق كما فعلوا حين عبدوا العجل. ثم تاب الله عليهم أي ثم تابوا فتاب الله عليهم\" (^٣).\nالعليمي: \" ﴿فَعَمُوا وَصَمُّوا﴾: عن الحق بعبادة العجل، ﴿ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ قبل توبتهم حين تابوا ﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا﴾ بسؤال الرؤية\" (^٤).\n\n•<span data-type='title' id=toc-445> دراسة المسألة:</span>\nمن خلال التتبع والنظر فيما قاله المفسرون في هذه المسألة وما تقدم إيراده من أقوال، يتبين أن كلا من الفريقين له شاهد من القرآن يؤيد ما ذهب إليه، وكله يرجع إلى اجتهاد في تفسير النص.\nولعل الأظهر والأصوب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول، وذلك من أوجه:\nالأول: ما بينه الله تعالى في بني إسرائيل في قوله: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ الآية [سورة الإسراء: ٤]، فبين جزاء عماهم، وصممهم في المرة الأولى بقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ الآية [سورة الإسراء: ٥]، وبين جزاء عماهم وصممهم في المرة الآخرة\n_________\n(^١) بحر العلوم: السمرقندي (١/ ٤٠٨).\n(^٢) الكشاف: الزمخشري (١/ ٦٦٣)، ويُريد من تأويله للآية: إنكار رؤية الله تعالى يوم القيامة، جريًا على مذهبه الاعتزالي.\n(^٣) أنوار التنزيل: البيضاوي (٢/ ١٣٧).\n(^٤) فتح الرحمن: العليمي (٢/ ٣٢٥).","vol":"1","page":521},{"text":"بقوله: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾، وبين التوبة التي بينهما بقوله: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾، ثم بين أنهم إن عادوا إلى الإفساد عاد إلى الانتقام منهم بقوله: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ [سورة الإسراء: ٨]، فعادوا إلى الإفساد بتكذيبه ﷺ وكتم صفاته التي في التوراة، فعاد الله إلى الانتقام منهم، فسلط عليهم نبيه ﷺ فذبح مقاتلة بني قريظة، وسبى نساءهم، وذراريهم، وأجلى بني قينقاع، وبني النضير، كما ذكر تعالى طرفا من ذلك في سورة الحشر (^١)،\nالثاني: اقتضاء دلالة السياق: فظاهر القرآن يقتضي أن العمى والصمم وقع في زمن الأنبياء بعد موسى ﵇، وذلك لأن السياق في ذكر أفعالهم القبيحة الماضية، من قتل الرسل، وتكذيبهم، إذ قبل الآية المذكورة: ﴿كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ [سورة المائدة: ٧٠] (^٢).\nالثالث: الروايات والحوادث التاريخية التي تؤيد قول من قال بأن بني إسرائيل عموا وصموا ثم ثاب الله عليهم ثم عموا وصموا بعد زمن موسى ﵇، وأشهرها حادثيْن:\nالحادث الأول: حادث الأسر البابلي إذ سلط الله عليهم (بختنصر) ملك (أشور) فدخل بيت المقدس مرات سنة ٦٠٦ وسنة ٥٩٨ وسنة ٥٨٨ قبل المسيح.\nوأتى في ثالثتها على مدينة أورشليم فأحرقها وأحرق المسجد وحمل جميع بني إسرائيل إلى بابل أسارى، وأن توبة الله عليهم كان مظهرها حين غلب (كورش) ملك (فارس) على الآشوريين واستولى على بابل سنة ٥٣٠ قبل المسيح فأذن لليهود أن يرجعوا إلى بلادهم\n_________\n(^١) انظر: تأويلات أهل السنة: الماتريدي (٣/ ٥٦١)، وانظر: مفاتيح الغيب: الرازي (١٢/ ٤٠٧)، وانظر: أضواء البيان: الشنقيطي (١/ ٤١٧، ٤١٨)، وانظر: التحرير والتنوير: ابن عاشور (٦/ ٢٧٧).\n(^٢) انظر: انظر: أضواء البيان: الشنقيطي (١/ ٤١٨).","vol":"1","page":522},{"text":"ويعمروها فرجعوا وبنوا مسجدهم (^١).\nوالحادث الثاني: حادث الخراب الواقع في زمن (تيطس) القائد الروماني (وهو ابن الإنبراطور الروماني (وسبسيانوس) فإنه حاصر (أورشليم) حتى اضطر اليهود إلى أكل الجلود وأن يأكل بعضهم بعضا من الجوع، وقتل منهم ألف ألف رجل، وسبى سبعة وتسعين ألفا، على ما في ذلك من مبالغة، وذلك سنة ٦٩ للمسيح. ثم قفاه الإنبراطور (أدريان) الروماني من سنة ١١٧ إلى سنة ١٣٨ للمسيح فهدم المدينة وجعلها أرضا وخلط ترابها بالملح. فكان ذلك انقراض دولة اليهود ومدينتهم وتفرقهم في الأرض (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-446> النتيجة:</span>\nيتضح من خلال ما تقدم إيراده من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، أن الأقرب للصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن المراد من العمى والصمم: إعراض بني إسرائيل عن كلام أنبيائهم، الذي بسببه سلط الله عليهم بختنصر وهو في معنى قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ الآية، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: تاريخ الطبري (١/ ٥٣٨)، وانظر: الكامل في التاريخ: ابن الأثير (١/ ٢٢٤)، وانظر: التحرير والتنوير: ابن عاشور (٦/ ٢٧٧).\n(^٢) التحرير والتنوير: ابن عاشور (٦/ ٢٧٧)، بتصرف.","vol":"1","page":523},{"text":"<span data-type='title' id=toc-447>٧٦ - قوله تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٧٥)﴾ [سورة المائدة: ٧٥].</span>\nقال القاسمي: وأما قول الخفاجي- ملخصا كلام البيضاوي- في سر ذلك: \"أنه تعالى بين أولا أقصى مراتب كمالهما، وأنه لا يقتضي الألوهية، وقدمه لئلا يواجههما بذكر نقائص البشرية الموجبة لبطلان ما ادعوا فيهما، على حد قوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [سورة التوبة: ٤٣]. حيث قدم العفو على المعاتبة له ﷺ \" (^١). فبعيد. وقياسه على الآية قياس مع الفارق لاختلاف المقامين. فالأظهر ما ذكرناه، والله أعلم بأسرار كتابه (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-448> أقوال أهل العلم في سر تقديم الاستدلال في الآية بأن عيسى ﵇ ما هو إلّا رسول من جنس الرسل الذين خلوا قبله، على الاستدلال بأن من صفاته وأمه أنهما كانا يأكلان الطعام:</span>\nالقول الأول: أن سر التقديم والتأخير هو الاستدلال بالجلي للأجلى.\nالقول الثاني: أن سر التقديم والتأخير هو أنه تعالى بين أولا أقصى مراتب كمالهما، وأنه لا يقتضي الألوهية، وقدمه لئلا يواجههما بذكر نقائص البشرية الموجبة لبطلان ما ادعوا فيهما (^٣).\n_________\n(^١) عناية القاضي: الخفاجي (٣/ ٢٧٠)، وانظر: روح المعاني: الآلوسي (٧/ ٣٥٢).\n(^٢) محاسن التأويل: القاسمي (٦/ ٢١٠٤).\n(^٣) بعد التتبع والاستقراء والنظر في كتب التفسير، لم يقف الباحث على أقوال صريحة في سر التقديم والتأخير في الآية.","vol":"1","page":524},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-449> دراسة المسألة:</span>\nذكر القاسمي ﵀ في تفسيره من اللطائف في سر التقديم والتأخير في الآية: أن الحكمة في تأخير الاستدلال بالحاجة للطعام عما قبله من مساواتهما للرسل ﵈، على بطلان مذهب النصارى: الترقي في باب الاستدلال من الجلي للأجلى، على ما هو القاعدة في سوق البراهين لإلزام الخصم، حتى إذا لم يسلم في الجلي لغموضه عليه، يورد له الأجلى تعريضا بغباوته. فيضطر للتسليم، إن لم يكن معاندا ولا مكابرا. هذا ما ظهر لي في سر التقديم والتأخير (^١).\nوالذي ذكره هو الأقرب للصواب في تفسير الآية، وذلك من أوجه:\nالأول: أن مثل هذا الاستدلال وهو: - الترقي في باب الاستدلال من الجلي للأجلى- قد جاء نظيره في القرآن كما وقع في مناظرة إبراهيم ﵇: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [سورة البقرة: ٢٥٨]، فجاء بسجينَيْن فقتل أحدهما وأطلق الآخر، فكأنه أحيا وأمات، فلما رأى فإبراهيم ﵇ منه ذلك لم يجادله في فعله، إنما انتقل إلى ما هو أجلى وأوضح فقال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ [سورة البقرة: ٢٥٨].\nالثاني: مما يدل على أن سر التقديم: الاستدلال بالجلي للأجلى: لأن أكلهما للطعام أمر لا يُنكَر، لكن لو جيء بأدلة عقلية أخرى ربما يكون فيها جدل، لكن الاستدلال بالمحسوس أبلغ من الاستدلال بالمعقول، لأن المعقول يمكن فيه الجدل، لكن المحسوس لا يمكن فيه الجدل (^٢).\nالثالث: مما يدل على أن سر التقديم هو الاستدلال بالجلي للأجلى: التأكيد، فإنه بعد ما أثبت القرآن أنه رسول كغيره من الرسل وأمه صديقة، ارتقى في الاستدلال بالتأكيد على\n_________\n(^١) انظر: محاسن التأويل: القاسمي (٦/ ٢١٠٤).\n(^٢) تفسير القرآن الكريم (سورة المائدة): العثيمين (٢/ ٢٢١)، بتصرف.","vol":"1","page":525},{"text":"حدوثهما وعجزهما بقوله: ﴿كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ فإن المحتاج الى الاغتذاء سيحتاج إلى ما يتبعه من الهضم والنفض (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-450> النتيجة:</span>\nيتبين من خلال ما تم عرضه في هذه المسألة، أن الأقرب للصواب هو ما ذهب إليه القاسمي ﵀ من أن سر التقديم في الآية هو الارتقاء من الجلي إلى الأجلى، لما تقدم إيراده من الأوجه التي تؤيد ذلك، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: غرائب القرآن: النيسابوري (٢/ ٦٢٣).","vol":"1","page":526},{"text":"<span data-type='title' id=toc-451>٧٧ - قوله تعالى: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٧٦)﴾ [سورة المائدة: ٧٦].</span>\nقال القاسمي: هذا دليل آخر على فساد قول النصارى، والموصول كناية عن عيسى وأمه ...... إلى أن قال: جعل ابن كثير الخطاب في قوله تعالى ﴿أَتَعْبُدُونَ﴾ عاما للنصارى وغيرهم، أي قل لهؤلاء العابدين غير الله من سائر فرق بني آدم (^١). وفي (تنوير المقباس) أن (ما) عبارة عن الأصنام خاصة (^٢).\nوكلاهما مما يأباه السباق والسياق (^٣).\n\n•<span data-type='title' id=toc-452> أقوال أهل العلم في توجيه الخطاب في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ من حيث العموم والخصوص:</span>\nالقول الأول: أن الخطاب عام للنصارى وغيرهم، وأن الذي لا يملك لهم ضرا ولا نفعا هو: عيسى وأمه ﵉، والأصنام.\nالقول الثاني: أن الخطاب خاص بالنصارى، وأن الذي لا يملك لهم ضرا ولا نفعا هو عيسى وأمه ﵉.\nأصحاب القول الأول:\nابن عاشور: \"الظاهر أن ﴿أَتَعْبُدُونَ﴾ خطاب لجميع من يعبد شيئا من دون الله من المشركين والنصارى. والاستفهام للتوبيخ والتغليط مجازا\" (^٤).\nأبو زهرة: \" ﴿مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ للعموم، وهي بهذا العموم تشتمل على\n_________\n(^١) انظر: تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٣/ ٤٤٢).\n(^٢) انظر: تنوير المقباس: الفيروز آبادي (ص: ٩٩).\n(^٣) محاسن التأويل: القاسمي (٦/ ٢١٠٥).\n(^٤) التحرير والتنوير: ابن عاشور (٦/ ٢٨٨).","vol":"1","page":527},{"text":"ما يعبد من حجر وغيره، ولعدم اقتصاره على عيسى وأمه ذكر بلفظ (ما) الدال على العموم\" (^١).\nالعثيمين: قوله: ﴿قُلْ﴾ أي: يا محمد، أو قل أيها المخاطب الموحد، لكل من يعبد من دون الله أحدا قل له: ﴿أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ (^٢).\nما ذهب إليه بعض المفسرين: أن (ما) مبهمة تقع على كل شيء، من يعقل من البشر، أو من لا يعقل كالأصنام (^٣).\nأصحاب القول الثاني:\nمقاتل بن سليمان: \"قل لنصارى نجران: ﴿أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، يعني عيسى ما لا يملك لكم ضرا في الدنيا، ولا نفعا في الآخرة\" (^٤).\nالطبري: \" يقول تعالى ذكره لمحمد ﷺ: قل يا محمد لهؤلاء الكفرة من النصارى الزاعمين أن المسيح ربهم والقائلين إن الله ثالث ثلاثة: أتعبدون سوى الله الذي يملك ضركم ونفعكم وهو الذي خلقكم ورزقكم وهو يحييكم ويميتكم، شيئا لا يملك لكم شرا ولا نفعا؟ \" (^٥).\nأبو حيان: الخطاب للنصارى، نهاهم عن عبادة عيسى وغيره، وأن ما يعبدون من دون الله مساويهم في العجز وعدم القدرة (^٦).\nالثعالبي: \"وهذه المخاطبة هي للنصارى الذين غلوا في عيسى\" (^٧).\n_________\n(^١) زهرة التفاسير: أبو زهرة (٥/ ٢٣١٤).\n(^٢) تفسير القرآن الكريم (سورة المائدة): العثيمين (٢/ ٢٢٤).\n(^٣) انظر: لباب التفسير: الكرماني (ص: ٢٠٢)، وانظر: البحر المحيط: أبو حيان (٨/ ٣٣٥).\n(^٤) زاد المسير: ابن الجوزي (١/ ٥٧٣).\n(^٥) جامع البيان: الطبري (٨/ ٥٨٤).\n(^٦) البحر المحيط: أبو حيان (٨/ ٣٣٥).\n(^٧) الجواهر الحسان: الثعالبي (٢/ ٤٠٩).","vol":"1","page":528},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-453> دراسة المسألة:</span>\nيتبين من خلال ما تقدم إيراده من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، أن القول بأن الخطاب في هذه الآية عام للنصارى وغيرهم مما انفرد بها الحافظ ابن كثير قديمًا، وتبه بعض المعاصرين، بينما الذي عليه أكثر أهل العلم من المفسرين -بحسب الاستقراء- أن الخطاب خاص بالنصارى، وهذا هو الراجح، وذلك من وجهين:\nالأول: دلالة السياق: فسياق الآيات السابقة في الحديث عن المسيح ابن مريم وإثبات عبوديته لله، والآيات اللاحقة في النهي عن الغلو في الدين، وجميعه خطاب احتجاج وتوجيه للنصارى، فكان حمل الخطاب في الآية بتخصيصه للنصارى أوفق للتركيب والنظم.\nوإدخال الكلام في معاني ما قبله وما بعده لتفسير كتاب الله تعالى من القواعد التي اعتمدها أهل العلم قديما.\nقال مسلم بن يسار (^١): \"إذا حدثت عن الله فقف، حتى تنظر ما قبله وما بعده\" (^٢).\nوقال الزركشي: \" دلالة السياق ترشد إلى تبيين المجمل والقطع بعدم احتمال غير المراد وتخصيص العام وتقييد المطلق وتنوع الدلالة وهو من أعظم القرائن الدالة على مراد المتكلم فمن أهمله غلط في نظيره وغالط في مناظراته\" (^٣).\nالثاني: مما يدل على أن الخطاب خاص بالنصارى، أنه قد ثبت إقرارهم أن عيسى ﵇ كان جنينا في بطن أمه لا يملك لأحد ضرا ولا نفعا، وهذا موافق لنص الآية، وإذ أقروا أن عيسى كان في حال من الأحوال لا يسمع ولا يبصر ولا يعلم ولا ينفع ولا يضر، فكيف اتخذوه إلها (^٤).\n_________\n(^١) وهو: مسلم بن يسار البصري أبو عبد الله مولى بني امية، ويقال مولى طلحة بن عبيد الله، روى عن عبادة بن الصامت، وعن ابى الاشعث الصنعاني، مات في خلافة عمر بن عبد العزيز سنة ١٠٠ هـ. ينظر: الجرح والتعديل: ابن أبي حاتم (٨/ ١٩٨).\n(^٢) تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (١/ ١٥).\n(^٣) البرهان في علوم القرآن: الزركشي (٢/ ٢٠٠).\n(^٤) انظر: معاني القرآن: النحاس (١/ ٢٧٨)، وانظر: الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (٨/ ١٠٢)، وانظر: البحر المحيط: أبو حيان (٨/ ٣٣٥).","vol":"1","page":529},{"text":"الثالث: أن تخصيص الخطاب بالنصارى الذين اعتقدوا في عيسى ﵇ بالألوهية أبلغ من تعميم الخطاب لهم ولغيرهم، وذلك لأن فيه تخصيص عيسى ﵇ بأنه لا يملك النفع والضر وهو من أفضل الرسل، فكيف بمن اعتقد في غيره كالأصنام والأولياء والصالحين بأن يقال فيه: إنه يملك ضرا أو نفعا، والله أعلم.\nتنبيهان:\nالأول: في هذه المسألة لا يُقال أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فيُقال بأن الخطاب عام بالنصارى وغيرهم، وذلك لأن المقام مقام خطاب موجه، وأما من حيث الاستدلال فإنه لا شك أن الذي لا يملك النفع والضر لا يستحق العبادة أيا كان، وليس خاصًا بعيسى ﵇، فالعبرة في الآية بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.\nالثاني: العبارة المنسوبة لابن عباس في تنوير المقباس هي: \" ﴿أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الأصنام ﴿مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا﴾ ما لا يقدر لكم على دفع الضرر في الدنيا ولا في الآخرة \"، وهذه العبارة ليست صريحة بتخصيص الأصنام، فهي تحتمل احتمالان:\nالاحتمال الأول: أن ذكر الأصنام باعتبار الغالب، فكان الغالب في ذلك العصر هو عبادة الأصنام.\nالاحتمال الثاني: أن ذكر الأصنام للتخصيص، فإن كان كذلك فهذا المعنى يأباه السياق كما تقدم، والله أعلم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-454> النتيجة:</span>\nيتبين مما تقدم ذكره من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، أن الراجح هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني، من أن الخطاب في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ خاص بالنصارى، لما تقدم ذكره من الأوجه التي تؤيد ذلك، والله أعلم.","vol":"1","page":530},{"text":"<span data-type='title' id=toc-455>٧٨ - قوله تعالى: ﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٨٥)﴾ [سورة المائدة: ٨٥].</span>\nقال ابن كثير: قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵁: نزلت هذه الآيات في النجاشي وأصحابه، الذين، حين تلا عليهم جعفر بن أبي طالب بالحبشة القرآن، بكوا حتى أخضبوا لحاهم (^١). وهذا القول فيه نظر. لأن هذه الآية مدنية، وقصة جعفر مع النجاشي قبل الهجرة (^٢).\nقال القاسمي: أقول: إن نظره مدفوع، فإنه حكى في هذه الآية بعد الهجرة ما وقع قبلها، ونظائره في التنزيل كثيرة، ولا إشكال فيه (^٣).\n\n•<span data-type='title' id=toc-456> أقوال أهل العلم في نزول قوله تعالى: ﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾:</span>\nالقول الأول: أنها نزلت في النجاشي وأصحابه عندما تلا عليهم جعفر بن أبي طالب الآيات.\nالقول الثاني: أنها نزلت في نفر قدموا على رسول الله ﷺ من نصارى الحبشة، أسلموا لما سمعوا القرآن.\nأصحاب القول الأول:\nالبغوي: \"الآية فيمن أسلم منهم من النصارى مثل النجاشي وأصحابه، قال ابن عباس ﵄ في رواية عطاء: يريد النجاشي وأصحابه، قرأ عبيهم جعفر بالحبشة ﴿كهيعص﴾، فما زالوا يبكون حتى فرغ. جعفر من القراءة\" (^٤).\n_________\n(^١) أخرج بنحوه ابن جرير الطبري في تفسيره (٨/ ٦٠٢)، وأورده ابن كثير في تفسيره (٣/ ٤٤٨).\n(^٢) انظر: تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٣/ ٤٤٨).\n(^٣) محاسن التأويل: القاسمي (٦/ ٢١٢١).\n(^٤) معالم التنزيل: البغوي (٢/ ٨٥).","vol":"1","page":531},{"text":"القرطبي: \"وهذه الآية نزلت في النجاشي وأصحابه لما قدم عليهم المسلمون في الهجرة الأولى\" (^١).\nأصحاب القول الثاني:\nابن عطية: \" ذكر سعيد بن جبير، ومجاهد، وابن عباس أن هذه الآية نزلت بسبب وفد بعثهم النجاشي إلى رسول الله ﷺ ليروه، ويعرفوا حاله، فقرأ النبي ﷺ عليهم القرآن فبكوا وآمنوا ورجعوا إلى النجاشي فآمن\" (^٢).\nابن عاشور: \"إن المعنيَّ في هذه الآية ثمانية من نصارى الشام كانوا في بلاد الحبشة وأتوا المدينة مع اثنين وستين راهبا من الحبشة مصاحبين للمسلمين الذين رجعوا من هجرتهم بالحبشة وسمعوا القرآن\" (^٣).\n\n•<span data-type='title' id=toc-457> دراسة المسألة:</span>\nمن خلال استقراء أقوال أهلم العلم وما أوردوه في تفسير الآية وما جاء في سبب نزولها، يتبين أن الروايات الواردة في سبب نزول الآية صحيحة الإسناد، صريحة في دلالتها على سبب النزول.\nفقد أخرج ابن جرير الطبري بسنده عن سعيد بن جبير قال: بعث النجاشي وفدا إلى النبي ﷺ، فقرأ عليهم النبي ﷺ فأسلموا. قال: فأنزل الله تعالى فيهم: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾، إلى آخر الآية. قال: فرجعوا إلى النجاشي فأخبروه، فأسلم النجاشي، فلم يزل مسلما حتى مات. قال: فقال رسول الله ﷺ: إن أخاكم النجاشي قد مات، فصلوا عليه! فصلى عليه رسول الله ﷺ بالمدينة، والنجاشي ثُمَّ (^٤).\n_________\n(^١) الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (٨/ ١٠٧، ١٠٨).\n(^٢) المحرر الوجيز: ابن عطية (٣/ ٥٩٤).\n(^٣) التحرير والتنوير: ابن عاشور (٧/ ٩).\n(^٤) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (١٠/ ٤٩٩)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ١١٨٥)، برقم: (٦٦٧٩)، وانظر: الصحيح المسند من أسباب النزول: الوادعي (ص: ٨٧).","vol":"1","page":532},{"text":"وأخرج ابن أبي حاتم بسنده عن سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير أنهم قالا: بعث رسول الله ﷺ عمرو بن أمية الضمري. وكتب معه كتابا إلى النجاشي، فقدم على النجاشي، فقرأ كتاب رسول الله ﷺ ثم دعا جعفر ابن أبي طالب والمهاجرين معه، وأرسل النجاشي إلى الرهبان والقسيسين، ثم أمر جعفر بن أبي طالب فقرأ عليهم سورة مريم فآمنوا بالقرآن وفاضت أعينهم من الدمع فهم الذين أنزل الله فيهم ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا﴾ إلى قوله: ﴿تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ (^١).\nوالمتأمل في هاتين الروايتين يجد أن ظاهرهما التعارض، إذ إن الآية في سورة المائدة وهي من أواخر السور نزولا وقصة جعفر مع النجاشي كانت قبل الهجرة إلى المدينة، فكيف يُقال أنها نزلت في جعفر والنجاشي حينما تلا عليه الآيات من سورة مريم؟\nويُمكن أن يُجاب عن هذا الاشكال بأن يُقال: أن الرواية الثانية إن أريد بقوله \"فهم الذين أنزل الله فيهم\" أنها تقص قصصهم وتتحدث عنهم، فلا إشكال، لعدم صراحة سبب النزول، فتتعين الرواية الأولى.\nوما تعقب به القاسمي ﵀ على الحافظ ابن اكثير وإن كان له حظ من النظر، لكن الأسلم والأولى هو الجمع بين الروايتين، وذلك لأن القاعدة المقررة عند أهل العلم بأن الجمع مقدم على الترجيح.\nوخير طريقة لذلك بحسب ما يظهر لي أن يُقال: أن الآية نزلت مرتين: الأولى في قصة جعفر مع النجاشي، والثانية في الوفد الذين بعثهم النجاشي إلى النبي ﷺ، وبهذا يرتفع الاشكال، والله أعلم.\nقال ابن تيمية ﵀: \"فقول أحدهم: نزلت في كذا، لا ينافي قول الآخر: نزلت في كذا، إذا كان اللفظ يتناولهما، كما ذكرناه في التفسير بالمثال، وإذا ذكر أحدهم لها سببا\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ١١٨٥)، برقم: (٦٦٧٨).","vol":"1","page":533},{"text":"نزلت لأجله وذكر الآخر سببا، فقد يمكن صدقهما بأن تكون نزلت عقب تلك الأسباب، أو تكون نزلت مرتين، مرة لهذا السبب ومرة لهذا السبب\" (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-458> النتيجة:</span>\nمن خلال عرض ما تقدم فيما ورد في هذه المسألة، يظهر أن الصواب بأن يُقال: أن الآية نزلت مرتين: مرة في النجاشي وأصحابه، ومرة في النفر الذين قدموا على رسول الله ﷺ من نصارى الحبشة، بخلاف ما ذهب إليه ابن كثير، وما ذهب إليه القاسمي، والله أعلم.\n_________\n(^١) مقدمة في أصول التفسير: ابن تيمية (ص: ١٦، ١٧).","vol":"1","page":534},{"text":"<span data-type='title' id=toc-459>٧٩ - قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [سورة المائدة: ٨٩].</span>\nقال القاسمي: وظاهر الآية اشتراط العدد في المساكين. وقول بعضهم: إن المراد إطعام طعام يكفي العشرة، مفرعا عليه جواز إطعام مسكين واحد عشرة أيام- عدول عن الظاهر، لا يثبت إلا بنص (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-460> أقوال أهل العلم في عدد المساكين الذين يجب إطعامهم في الكفارة:</span>\nالقول الأول: وجوب استيعاب عشرة مساكين في الاطعام.\nالقول الثاني: جواز إعطاء مسكين واحد جميع الطعام في عشرة أيام.\nأصحاب القول الأول:\nالكيا الهراسي: \"وفي قوله: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾، دلالة على أنه لو صرف إلى واحد جميع الطعام لا يجوز\" (^٢).\nابن عطية: \" وإطعام عشرة مساكين معناه إشباعهم مرة\" (^٣).\nابن العربي: \"المسألة السادسة عشرة: إذا دفعها إلى مسكين واحد لم يجزه\" (^٤).\nابن الفرس: \"اختلفوا في عدد المساكين هل هو شرط في الإطعام أم لا؟ فعندنا أنه شرط لا بد من عشرة مساكين\" (^٥).\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (٦/ ٢١٣٦).\n(^٢) أحكام القرآن: الكيا الهراسي (٣/ ٩٧).\n(^٣) المحرر الوجيز: ابن عطية (٣/ ٦٠٢).\n(^٤) أحكام القرآن: ابن العربي (٢/ ١٥٩).\n(^٥) أحكام القرآن: ابن الفرس (٢/ ٤٦٦).","vol":"1","page":535},{"text":"القرطبي: \"قال مالك: إن غدَّى عشرةَ مساكين وعشَّاهم أجزأه\" (^١).\nأصحاب القول الثاني:\nأبو حنيفة: \"إن شاء صرفه إلى هذا العدد، وإن شاء أعطاه مسكينا واحدا في عشرة أيام\" (^٢).\nالجصاص: \" قوله تعالى ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ عموم في جميع من يقع عليه الاسم منهم فيصح الاحتجاج به في جواز إعطاء مسكين واحد جميع الطعام في عشرة أيام كل يوم نصف صاع\" (^٣).\nالأوزاعي: \"إن شاء صرفه إلى هذا العدد وإن شاء أعطاه مسكينا واحدا في وقت واحد\" (^٤).\n\n•<span data-type='title' id=toc-461> دراسة المسألة:</span>\nيتبين من خلال إيراد أقوال أهل العلم في هذه المسألة أنه من المسائل التي اختلف فيها أهل العلم قديمًا، والذي يظهر أن الصواب هو ما عليه أصحاب القول الأول من أنه لا بد من إطعام عشرة مساكين في كفارة الحنث باليمين، وذلك من أوجه:\nالأول: أن الأصل هو الأخذ بظاهر الآية التي نصت على أن الإطعام إنما يكون لعشرة مساكين لا أقل، فلا يجوز العدول عن ظاهر الآية وإسقاطه بالمعنى فيُقال: أن المراد: إطعام طعام يكفي العشرة.\n_________\n(^١) الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (٨/ ١٤٣).\n(^٢) أحكام القرآن: ابن الفرس (٢/ ٤٦٦)، وانظر: المبسوط: السرخسي (٨/ ١٥٠)، وانظر: معالم التنزيل: البغوي (٣/ ٩١)، وانظر: بدائع الصنائع: الكاساني (٥/ ١٠٤).\n(^٣) أحكام القرآن: الجصاص (٤/ ١١٨).\n(^٤) أحكام القرآن: ابن الفرس (٢/ ٤٦٦).","vol":"1","page":536},{"text":"الثاني: أن الله تعالى جعل لكل مسكين جزء من الطعام في قوله: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾، فلم يجز أن يسند واحد بجميعه (^١).\nالثالث: أن في إطعام العشرة إحياء لجماعة من المسلمين وكفايتهم يوما واحدا، فيتفرغون فيه لعبادة الله ﵎ ولدعائه، فيغفر للمكفر بسبب ذلك (^٢).\nالرابع: أن القول بأن المراد: فإطعام طعام عشرة مساكين. فيه جعل العدد المذكور للتقدير، لا للتمليك وهذا ضعيف؛ لما فيه من الإضمار والتجويز، ولما فيه من حذف المفعول - وهو عشر مساكين، فإذا حذف المفعول صار مسكين واحد-، ولما فيه من ترك البيان لمن تصرف إليه هذه الصدقة، والحقيقة خير من المجاز، والذكر خير من الإضمار، والبيان خير من الإجمال، واتباع الظاهر أولى من التأويل (^٣).\nالخامس: ما روي من فعل بعض الصحابة ﵃ أنهم أطعموا عشرة مساكين.\nفقد روى عبد الرزاق بإسناده عن يسار بن نمير قال: قال لي عمر بن الخطاب: \"إني أحلف ألا أعطي رجالا، ثم يبدو لي، فأعطيهم، فإذا رأيتني فعلت ذلك، فأطعم عني عشرة مساكين كل مسكين، صاعا من شعير، أو صاعا من تمر، أو نصف صاع من قمح\" (^٤).\nوروى ابن أبي شيبة بإسناده عن علي، قال: «كفارة اليمين إطعام عشرة مساكين، كل مسكين نصف صاع من بر، أو صاع من تمر في كفارة اليمين» (^٥).\n_________\n(^١) انظر: أحكام القرآن: ابن الفرس (٢/ ٤٦٦).\n(^٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (٨/ ١٤٥).\n(^٣) انظر: تيسير البيان: ابن نور الدين (٣/ ١٧٧).\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه، كتاب الأيمان والنذور، باب إطعام عشرة مساكين، برقم: (١٧٢٤٣)، وإسناده صحيح.\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه، كتاب الأيمان والنذور، في كفارة اليمين من قال: نصف صاع، برقم: (١٢١٩٢)، وإسناده صحيح.","vol":"1","page":537},{"text":"تنبيه:\nإذا لم يجد المُكفر عن يمينه عدد عشرة مساكين لحسن حال الناس في قريته، أو اقتضت المصلة والضرورة بإطعام أقل من عشرة ممن هم من قرابته لسوء حالهم بطعام يكفي العشرة، جاز له الأخذ بقول الإمام أبي حنيفة والأوزاعي، فيُطعمهم، والله أعلم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-462> النتيجة:</span>\nمن خلال عرض ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الراجح هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول، من أنه يُشترط في عدد المُطعم: عشرة مساكين، لما تقدم ذكره من الأوجه التي تؤيد ذلك، والله أعلم.","vol":"1","page":538},{"text":"<span data-type='title' id=toc-463>٨٠ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٠١)﴾ [سورة المائدة: ١٠٢].</span>\nقال بعض المفسرين: لا بد من تقييد النهي في هذه الآية (بما لا تدعو إليه حاجة). لأن الأمر الذي تدعو إليه الحاجة في أمور الدين قد أذن الله بالسؤال عنه فقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [سورة النحل: ٤٣]. وقال ﷺ: «قاتلهم الله ألا سألوا إذ لم يعلموا. فإنما شفاء العي السؤال» (^١).\nقال القاسمي: ولا يخفى أن الآية بقيدها- أعني ﴿إِنْ تُبْدَ﴾. الآية- غنية عن أن تقيد بقيد آخر كما ذكره البعض. لأن المراد بها ما يشق عليهم من التكاليف الصعبة وما يفتضحون به- كما أسلفنا- (^٢) مما هو خوض في الفضول، وشروع فيما لا حاجة إليه (^٣).\n\n•<span data-type='title' id=toc-464> أقوال أهل العلم في اشتراط تقييد النهي عن السؤال في الآية بما لا تدعو إليه الحاجة:</span>\nالقول الأول: اشتراط تقييد النهي عن السؤال في الآية بما لا تدعوا إليه الحاجة.\nالقول الثاني: عدم اشتراط ذلك، لأن الآية بينة بنفسها بأن المراد: النهي عن السؤال بما لا تدعوا إليه الحاجة.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الطهارة، باب في المجروح يتيمم، برقم: (٣٣٧)، وابن ماجه في سننه، كتاب الطهارة وسننها، باب في المجروح تصيبه الجنابة، فيخاف على نفسه إن اغتسل، برقم: (٥٧٢)، قال الألباني: حديث حسن.\n(^٢) يريد القاسمي ما أورده في تفسيره مما روي في سبب نزولها مما يُبين أن المراد: النهي عما لا تدعو إليه الحاجة. انظر: محاسن التأويل: القاسمي (٦/ ٢١٦٦، ٢١٦٧).\n(^٣) محاسن التأويل: القاسمي (٦/ ٢١٨٢).","vol":"1","page":539},{"text":"أصحاب القول الأول:\nالشوكاني: \" ولا بد من تقييد النهي في هذه الآية بما لا تدعو إليه حاجة، لأن الأمر الذي تدعو الحاجة إليه في أمور الدين والدنيا قد أذن الله بالسؤال عنه فقال: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [سورة النحل: ٤٣] \" (^١).\nظاهر كلام الشيخ محمد رشيد رضا: \"يحتمل أن النهي في الآية لا يتناول ما يحتاج إليه مما تقرر حكمه أو ما لهم بمعرفته حاجة راهنة، كالسؤال عن الذبح بالقصب، والسؤال عن وجوب طاعة الأمراء إذا أمروا بغير الطاعة\" (^٢).\nأصحاب القول الثاني:\nابْن عَبّاسٍ: \"معناه لا تسألوا عن أشياء في ضمن الإخبار عنها مساءة لكم إما لتكليف شرعي يلزمكم وإما لخبر يسوء. كما قيل للذي قال أين أنا؟ ولكن إذا نزل القرآن بشيء وابتدأكم ربكم بأمر فحينئذ إن سألتم عن تفصيله وبيانه بين لكم وأُبدي\" (^٣).\nالواحدي: \"التقدير: لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم عفا الله عنها، وإن شئت قلت: لا تسألوا عن أشياء عفا الله عنها إن تبد لكم تسؤكم\" (^٤).\nابن عطية: \" كأنه قال لا تسألوا وإن سألتم لقيتم عبء ذلك وصعوبته لأنكم تكلفون وتستعجلون علم ما يسوءكم كالذي قيل له إنه في النار\" (^٥).\nابن كثير: \"وظاهر الآية النهي عن السؤال عن الأشياء التي إذا علم بها الشخص ساءته، فالأولى الإعراض عنها وتركها\" (^٦).\n_________\n(^١) فتح القدير: الشوكاني (٢/ ٩٣)، وانظر: فتح البيان: القنوجي (٤/ ٦٣).\n(^٢) تفسير المنار: محمد رشيد رضا (٧/ ١٢٥).\n(^٣) أخرج الطبري نحوا من هذا عن ابن عباس في تفسيره (٩/ ١٤)، وانظر: المحرر الوجيز: ابن عطية (٣/ ٦٤٦).\n(^٤) التفسير البسيط: الواحدي (٧/ ٥٤٣).\n(^٥) المحرر الوجيز: ابن عطية (٣/ ٦٤٤).\n(^٦) تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٣/ ٤٨٩).","vol":"1","page":540},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-465> دراسة المسألة:</span>\nيتبين من خلال استقراء ما ذكره أهل العلم من المفسرين في تفسير هذه الآية، من أن الذي قال بأن النهي لا بد من تقييده بما لا تدعو إليه الحاجة هو الشوكاني، والصواب هو ما ذهب إليه أكثر المفسرين من أن الآية بينة بنفسها من أن النهي هو السؤال عن شيء لا تدعو إليه الحاجة، فلا يُقال أن النهي عام في السؤال وهو مخصوص بما لا تدعو إليه الحاجة، وذلك من أوجه:\nالأول: سياق الآية الذي دل على ذلك ففي أول الآية نهى الله تعالى عن السؤال، ثم قال: ﴿وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ فأباحه لهم، فقيل: المعنى وإن تسألوا عن غيرها فيما مست الحاجة إليه، فحذف المضاف، ولا يصح حمله على غير الحذف. قال الجرجاني: الكناية في عنها ترجع إلى أشياء أخر، كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ [سورة المؤمنون: ١٢] يعني آدم، ثم قال: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً﴾ [سورة المؤمنون: ١٣] أي ابن آدم، لأن آدم لم يجعل نطفة في قرار مكين، لكن لما ذكر الإنسان وهو آدم دل على إنسان مثله، وعرف ذلك بقرينة الحال، فالمعنى وإن تسألوا عن أشياء حين ينزل القرآن من تحليل أو تحريم أو حكم، أو مست حاجتكم إلى التفسير، فإذا سألتم فحينئذ تبد لكم، فقد أباح هذا النوع من السؤال (^١).\nالثاني: مناسبة هذه الآية لما قبلها: وهو أن الله تعالى لما قال: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ [سورة المائدة: ٩٩] صار كأنه قيل ما بلغه الرسول فخذوه وكونوا منقادين له وما لم يبلغه فلا تسألوا عنه ولا تخوضوا فيه فربما جاءكم بسبب الخوض الفاسد تكاليف تشق عليكم (^٢).\nالثالث: من حيث اللغة: ففي قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ\n_________\n(^١) الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (٨/ ٢٣٥)، بتصرف.\n(^٢) انظر: مفاتيح الغيب: الرازي (١٢/ ٤٤٣) وانظر: البحر المحيط: أبو حيان (٨/ ٤٢٠).","vol":"1","page":541},{"text":"لَكُمْ﴾ جاء بـ ﴿إِنْ﴾ للدلالة على أنّ الأولى ترك السؤال عنها لأنّ الأصل في (إنْ) أن تدلّ على أنّ الشرط نادر الوقوع أو مرغوب عن وقوعه (^١).\nتنبيه:\nاستنكر ابن العربي قول بعض المفسرين: أن قوله: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ سؤال عما لا يعني. فقال: \"وليس كذلك؛ بل هو سؤال عما يضر ويسوء، ففرق بين أن يكون النهي عن شيء يضر. وبين أن يكون عما لا يعني. وهذا بين\" (^٢).\nوظاهر الروايات الواردة في سبب نزول الآية من الأمور التي سألوا بها النبي ﷺ كالذي سأل عن أباه أهو في الجنة أم هو في النا؟، والذي سأل عن الحج أيجب في كل عام؟ لا تدل على أنهم سألوا عما يضر ويسوء، والله أعلم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-466> النتيجة:</span>\nبعد إيراد ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الصواب ما عليه أكثر أهل العلم من أن الآية بينة بنفسها من النهي عن السؤال بما لا حاجة فيه، وأن لفظ النهي عن السؤال ليس عامًا كي يحتاج إلى تقييد، لما تقد ذكره من الأوجه التي تدل على ذلك، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: التحرير والتنوير: ابن عاشور (٧/ ٦٧).\n(^٢) أحكام القرآن: ابن العربي (٢/ ٢١٥).","vol":"1","page":542},{"text":"<span data-type='title' id=toc-467>٨١ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ﴾ [سورة المائدة: ١٠٦].</span>\nقال بعض المفسرين: ذهب الأكثر إلى أن شهادة الذميين قد نسخت. وعن الحسن وابن أبي ليلى (^١) والأوزاعي وشريح (^٢) والراضي بالله (^٣) وجده الإمام عبد الله بن الحسين (^٤): أنها صحيحة ثابتة. وكذا ذهب الأكثر إلى أن تحليف الشهود منسوخ. وقال طاوس والحسن والهادي (^٥): إنه ثابت. انتهى.\nقال القاسمي: أقول: لم يأت من ادعى النسخ بحجة تصلح لذكرها وتستدعي التعرض لدفعها (^٦).\n\n•<span data-type='title' id=toc-468> أقوال أهل العلم في شهادة الذميين على الوصية في السفر عند الموت، من حيث الإحكام والنسخ:</span>\n_________\n(^١) وهو: عبد الرحمن بن أبي ليلى، الإمام، العلامة، أبو عيسى الأنصاري، الكوفي، الفقيه، قال ابن سيرين: جلست إلى عبد الرحمن بن أبي ليلى، وأصحابه يعظمونه، كأنه أمير، قُتل بوقعة الجماجم سنة ٨٢ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء: الذهبي (٣/ ٢٦٢).\n(^٢) وهو: أبو أمية شريح بن الحارث بن قيس بن الجهم الكندي، كان من كبار التابعين، كان أعلم الناس بالقضاء، ذا فطنة وذكاء ومعرفة وعقل ورصانة، وكان شاعرا محسنا، وكان مزاحا، مات سنة ٨٧ هـ. ينظر: وفيات الأعيان: ابن خلكان (٢/ ٤٦٠).\n(^٣) لم أقف له على ترجمة.\n(^٤) وهو: عبد الله بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم الحسني العلوي، مفسر زيدي المذهب، ولد بالمدينة، ولد بالمدينة، وكان يسكن \"الفرع\" من أرض الحجاز مع أهله، نشأ فقيها عالما ورعا، مات سنة ٢٩٨ هـ. ينظر: معجم المفسرين: عادل نويهض (١/ ٣٠٦).\n(^٥) وهو: علي بن محمد بن أبي القاسم الهادي، يحيى بن الحسين، مفسر يماني، من مجتهدي الزيدية، كان يقرئ الطلبة في جميع علوم الاجتهاد وفي الأمهات وسائر كتب التفسير، مات سنة ١٣٦٧. ينظر: معجم المفسرين: عادل نويهض (١/ ٣٨١).\n(^٦) محاسن التأويل: القاسمي (٦/ ٢٢٠١).","vol":"1","page":543},{"text":"القول الأول: أن شهادة الذميين ثابتة ولم تنسخ.\nالقول الثاني: أن شهادة الذميين منسوخة.\nأصحاب القول الأول:\nجماعة من السلف وهم: ابن عباس، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، وابن سيرين، والشعبي، وقتادة، والسدي (^١).\nالإمام أحمد: \"شهادة أهل الذمة جائزة على المسلمين في السفر عند عدم المسلمين\" (^٢).\nالقرطبي: \" شهادة أهل الكتاب على المسلمين جائزة في السفر إذا كانت وصية، وهو الأشبه بسياق الآية، مع ما تقرر من الأحاديث\" (^٣).\nأصحاب القول الثاني:\nجماعة من السلف وهم: زيد بن أسلم، وإبراهيم النخعي (^٤).\nجمع من الأئمة وهم: أبو حنيفة ومالك والشافعي (^٥).\nالمقري (^٦): \" المنسوخ قوله تعالى: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾، كان في أول الإسلام تقبل شهادة اليهودي والنصراني في السفر ولا تقبل في الحضر\" (^٧).\n_________\n(^١) انظر: الناسخ والمنسوخ: النحاس (ص: ٤٠٤)، وانظر: أحكام القرآن: الجصاص (٤/ ١٥٩)، وانظر: نواسخ القرآن: ابن الجوزي (ص: ١٣٨).\n(^٢) انظر: المغني: ابن قدامة (١٤/ ٣٣١)، الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (٨/ ٢٦٠).\n(^٣) الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (٨/ ٢٥٩).\n(^٤) انظر: الناسخ والمنسوخ: النحاس (ص: ٤٠٤)، وانظر: نواسخ القرآن: ابن الجوزي (ص: ١٣٨).\n(^٥) انظر: الناسخ والمنسوخ: النحاس (ص: ٤٠٤)، وانظر: نواسخ القرآن: ابن الجوزي (ص: ١٣٨).\n(^٦) وهو: هبة الله بن سلامة بن نصر أبو القاسم الضرير المقرئ المفسر النحوي البغدادي: كان من أحفظ الناس لتفسير القرآن والنحو والعربية، وكانت له حلقة في جامع المنصور ببغداد، مات سنة ٤١٠ هـ. ينظر: معجم الأدباء: الحموي (٦/ ٢٧٧١).\n(^٧) الناسخ والمنسوخ: المقري (ص: ٨٢، ٨٣).","vol":"1","page":544},{"text":"القشيري (^١): \"الصحيح والله أعلم: أن ذلك في أهل الكتاب كان في صدر الإسلام، مات رجل من المسلمين ومعه رجلان من أهل الكتاب وأوصى، فأتيا بتركته ووصيته فشهدا واستحلفا، ثم عثر على خيانة منهما، فاستحلف الأولياء وهم ورثة المسلم، واستحقوا الجناية، ثم نُسخ ذلك كله\" (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-469> دراسة المسألة:</span>\nيتبين من خلال استقراء ما ذكره أهل العلم من الفقهاء والمفسرين، أنهم اختلفوا في حكم شهادة الذميين على الوصية في السفر عند الموت من حيث الإحكام والنسخ، وأن الذين قالوا بالنسخ استدلوا بقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [سورة البقرة: ٢٨٢] وقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [سورة الطلاق: ٢]. فقالوا أن آية البقرة وآية الطلاق تنسخان آية المائدة.\nوالذي يظهر أن الراجح هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول، وذلك من أوجه:\nالأول: ظاهر اللفظ الذي نص على قبول شهادة غير المسلمين أو من أهل الكتاب على المسلمين في السفر إذا كانت وصية، وهو قوله تعالى: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ أي: من غير ملتكم، كما ذهب إليه أكثر المفسرين (^٣).\nالثاني: أنه لا يُسلَّم بأن آية سورة البقرة متأخرة عن آية سورة المائدة حتى يُقال أن هذه تنسخ تلك، وذلك لمعارضته بما روي جبير بن نفير (^٤) أنه قال: \"دخلت على عائشة\n_________\n(^١) وهو: بكر بن محمد بن العلاء أبو الفضل القشيري، العلامة، البصري، المالكي، سمع (الموطأ) من أحمد بن موسى السامي، وصنف التصانيف في المذهب، وسكن مصر، مات سنة ٣٤٤ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء: الذهبي (١٥/ ٥٣٧).\n(^٢) أحكام القرآن: القشيري (ص: ١١٢٩).\n(^٣) انظر: جامع البيان: الطبري (٩/ ٦١)، وانظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤/ ١٢٢٩)، وانظر: النكت والعيون: الماوردي (٢/ ٧٥)، وانظر: معالم التنزيل: البغوي (٣/ ١١٢).\n(^٤) وهو: جبير بن نفير الحضرمي، ويكنى أبا عبد الرحمن، وكان جاهليا أسلم في خلافة أبي بكر الصديق، ﵁، وكان ثقة فيما روى من الحديث، ومات سنه ٨٠ هـ في خلافة عبد الملك بن مروان، ينظر: الطبقات الكبرى: ابن سعد (٩/ ٤٤٣).","vol":"1","page":545},{"text":"﵂ فقالت: هل تقرأ سورة المائدة؟ فقلت: نعم، فقالت: فإنها من آخر ما أنزل الله، فما وجدتم فيها من حلال فأحلوه وما وجدتم فيها من حرام فحرموه\" (^١).\nالثالث: ما ورد عن بعض الصحابة ﵃ من أنهم عملوا بآية سورة المائدة بعد النبي ﷺ مما يؤيد عدم نسخها.\nفقد روي عن الشعبي أن رجلا من المسلمين حضرته الوفاة بدقوقا (^٢) هذه ولم يجد أحدا من المسلمين يشهده على وصيته، فأشهد رجلين من أهل الكتاب، فقدما الكوفة، فأتيا الأشعري، فأخبراه، وقدما بتركته ووصيته، فقال الأشعري: هذا أمر لم يكن بعد الذي كان في عهد رسول الله ﷺ، فأحلفهما بعد العصر بالله: ما خانا ولا كذبا ولا بدلا ولا كتما ولا غيرا، وإنها لوصية الرجل وتركته فأمضى شهادتهما (^٣).\nالرابع: أن النسخ إنما يُصار إليه إذا تعذر الجمع بين الأدلة، فإن النسخ لا بد فيه من إثبات الناسخ على وجه يتنافى الجمع بينهما مع تراخي الناسخ، وفي هذه المسألة لا يوجد ما يدل على تأخر ما يُقال بأنه الناسخ.\nويمكن الجمع بين الأدلة: وذلك بحمل ما يدل على اشتراط العدالة والإسلام في الشهادة على الحالة العامة، وحمل ما يدل على جواز شهادة غير المسلم، على الحالة الخاصة، وهو جواز شهادته على الوصية في السفر، إذا لم يوجد أحد من المسلمين (^٤).\nالخامس: أن شهادة أهل الكتاب مع عدم وجود المسلمين في هذا الموضع، من باب\n_________\n(^١) انظر: الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (٨/ ٢٦٢).، وانظر: الطرق الحكمية: ابن القيم (ص: ١٥٥).\n(^٢) دقوقا مدينة في العراق، بين إربل وبغداد. ينظر: معجم البلدان: الحموي (٤/ ٣٥) وينظر: الروض المعطار: الحميري (ص: ٢٤٤).\n(^٣) أخرجه أبو عبيد في الناسخ والمنسوخ (١/ ١٥٧، ١٥٨)، وأخرجه أبو داود في سننه، كتاب الأقضية، باب شهادة أهل الذمة، برقم: (٣٦٠٥) قال ابن حجر: رجاله ثقات. ينظر: فتح الباري (٥/ ٤١٢).\n(^٤) انظر: أحكام القرآن: الكيا الهراسي (٣/ ١٢٠)، وانظر: الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (٨/ ٢٦٢). وانظر: تيسير البيان: ابن نور الدين (٣/ ٢٢٥)، وانظر: الأحكام الفقهية التي قيل فيها بالنسخ: محمد إبراهيم سركند (٥/ ٢٥٤٤).","vol":"1","page":546},{"text":"الضرورات التي تُبيح المحظورات - على التسليم بأن شهادتهم من المحظورات-، فتجوز شهادتهم كما يجوز في بعض الأماكن شهادة نساء لا رجل معهن بالحيض، والنفاس، والاستهلال، وربما كان الكافر ثقة عند المسلم ويرتضيه عند الضرورة، فليس فيما قالوه ناسخ (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-470> النتيجة:</span>\nبعد إيراد ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الراجح هو ما عليه أصحاب القول الأول من أن شهادة الذميين في السفر ثابتة ولم تُنسخ، لما تقدم ذكره من الأوجه التي تؤيد ذلك، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: الناسخ والمنسوخ: أبو عبيد (١/ ١٦٤)، وانظر: الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (٨/ ٢٦١)، وانظر: نواسخ القرآن: ابن الجوزي (٢/ ٤٢١، ٤٢٢).","vol":"1","page":547},{"text":"<span data-type='title' id=toc-471>٨٢ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ﴾ [سورة المائدة: ١٠٦].</span>\nقال القاسمي بعد أن أورد قول من قال بأن الآية مشكلة: أقول: هذه الآية الكريمة غنية بنفسها- مع ما ورد في سبب نزولها، وما قاله حبر الأمة وترجمان القرآن في معناها- عن التشكيك فيها، والتكلف لإدخالها تحت القواعد، والتمحل لتأويلها. فخذ ما نقلناه من محاسن تأويلها وكن من الشاكرين (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-472> أقوال أهل العلم في تفسير الآية من حيث الوضوح والخفاء:</span>\nالقول الأول: أن الآية مشكلة من حيث المعنى والإعراب وما تضمنته من الأحكام.\nالقول الثاني: أن الآية بينة وواضحة ولا إشكال فيها.\nأصحاب القول الأول:\nالنحاس: \" ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ من أشكل آية في القرآن\" (^٢).\nمكي بن أبي طالب: \" هذه الآية في قراءتها وإعرابها وتفسيرها ومعانيها وأحكامها من أصعب آية في القرآن وأشكلها، ويحتمل أن يبسط ما فيها من العلوم في ثلاثين ورقة أو أكثر\" (^٣).\nابن العربي: \"هذه الآية من المشكلات، وقد عسر القول فيها على المتبحرين\" (^٤).\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (٦/ ٢٢٠٦).\n(^٢) إعراب القرآن: النحاس (١/ ٢٨٥).\n(^٣) الكشف: مكي بن أبي طالب (١/ ٤٢٠)، وانظر: مشكل إعراب القرآن: مكي بن أبي طالب (١/ ٢٤٣)، ونظر: الهداية إلى بلوغ النهاية: مكي بن أبي طالب (٣/ ١٩٠٦).\n(^٤) أحكام القرآن: ابن العربي (٢/ ٢٣٠).","vol":"1","page":548},{"text":"التفتازاني (^١): \"واتفقوا على أنها أصعب ما في القرآن إعرابا ونظما وحكما\" (^٢).\nأصحاب القول الثاني:\nالكرماني: \"ذكر المفسرون: أن هذه الآية من أشكل آية في القرآن حكما ومعنى وإعرابا، وأكثروا القول فيها، وأنا أذكر فيها ومنها ما فيه مقنع\" (^٣).\nابن عطية: \"وهذا كلام من لم يقع له الثَّلَج في تفسيرها، وذلك بين من كتابه ﵀ يعني مكي بن أبي طالب- وبه نستعين\" (^٤).\n\n•<span data-type='title' id=toc-473> دراسة المسألة:</span>\nمن خلال استقراء ما ذكره عامة المفسرين في تفسير الآية، يتبين أن الصواب هو ما عليه أصحاب القول الثاني من أن الآية بينة وواضحة لمن وقف على تفسيرها، وأبرز ما يُبين هذا الوضوح ما يلي:\nأولا: ما صح في سبب نزول الآية مما يُبين معناها، وكما هو معلوم أن معرفة سبب النزول يعين على فهم الآية؛ فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب.\nفقد أخرج البخاري في صحيحه عن ابن عباس ﵄ قال «خرج رجل من بني سهم مع تميم الداري وعدي بن بداء فمات السهمي بأرض ليس بها مسلم فلما قدما بتركته فقدوا جاما من فضة مخوصا من ذهب فأحلفهما رسول الله ﷺ ثم وجد الجام بمكة فقالوا: ابتعناه من تميم وعدي فقام رجلان من أوليائه فحلفا: ﴿لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ وإن الجام لصاحبهم. قال: وفيهم نزلت هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾» (^٥).\n_________\n(^١) وهو: مسعود بن عمر بن عبد الله الشَّيْخ سعد الدين التَّفْتَازَانِيّ، الإِمَام العلامَة. عالم بالنحو والتصريف والمعاني والبيان والأصلين والمنطق وغيرها، شافعي. مات سنة ٧٩١ هـ. ينظر: بغية الوعاة: السيوطي (٢/ ٢٨٥)\n(^٢) أورد القول الشوكاني في تفسيره (٢/ ٩٨)، وكتاب حاشية السعد التفتازاني على الكشاف مخطوط. ينظر: الفهرس الشامل للتراث العربي الإسلامي [مخطوطات التفسير وعلومه] (١/ ٤٢٥).\n(^٣) غرائب التفسير: الكرماني (١/ ٣٣٩).\n(^٤) المحرر الوجيز: ابن عطية (٣/ ٦٥٧).\n(^٥) أخرجه البخاري، كتاب الوصايا، باب قول الله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم﴾ برقم: (٢٧٨٠).","vol":"1","page":549},{"text":"ثانيًا: الآثار الواردة عن السلف في تأويل الآية التي تُزيل خفاء المعنى، فقد وردت آثار عن جمع من السلف في تأويلها فيها الكفاية لإزالة ما أشكل فيها من أحكام أو إعراب أو نظم وغير ذلك، ومن ذلك ما روي عن ابن عباس، وسعيد بن المسيب، ويحيى بن يعمر، وعبيدة، وبن زيد، وشريح، وغيرهم (^١).\nوبهذا يتبين أن الآية بينة وواضحة لمن وفقه الله لتأويلها، بالوقوف على ما صح من الآثار في تأويلها، وبتطبيق القواعد الأصولية فيما ورد فيها من أحكام، بحمل العام على الخاص، وبالرجوع إلى اللغة في بيان ما أبهم فيها من ألفاظ.\n\n•<span data-type='title' id=toc-474> النتيجة:</span>\nمن خلال ما تقدم ذكره في هذه المسألة، يظهر أن الصواب مع أصحاب القول الثاني، من أن الآية بينة وواضحة وليست من المشكل، ومما يدل على ذلك ما تقدم إيراده مما ورد في سبب نزولها، وما أشير به من الآثار التي تُبين معناها، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: جامع البيان: الطبري (٩/ ٥٦ - ٦٣)، وانظر: تفسير القرآن العظيم: ابن أبي حاتم (٤/ ١٢٢٨)، وانظر: النكت والعيون: الماوردي (٢/ ٧٥).","vol":"1","page":550},{"text":"<span data-type='title' id=toc-475>٨٣ - قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦)﴾ [سورة المائدة: ١١٦].</span>\nقال بعضهم: من أشرك مع الله غيره فقد نفاه معنى. لأنه وحده لا شريك له، منزه عن ذلك. فإقراره بالله كلا إقرار. فيكون من دون الله مجازا عن (مع الله) (^١).\nقال القاسمي: ولا يخفى أن هذا تكلف. لأن توبيخهم إنما يحصل بما يعتقدونه ويعترفون به صريحا لا بما يلزمه بضرب من التأويل. فالصواب أن المراد اتخاذهما بطريق إشراكهما به سبحانه. كما في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا﴾ [سورة البقرة: ١٦٥]. وقوله ﷿: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾ - إلى قوله تعالى- ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [سورة يونس: ١٨]. إذ به يتأتى التوبيخ، ويتسنى التقريع والتبكيت (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-476> أقوال أهل العلم في معنى (دون) في الآية من حيث الحقيقة والمجاز:</span>\nالقول الأول: أن المتبادر المعنى المجازي لكلمة (دُونِ) والتي تقتضي حمل جملة (مِنْ دُونِ اللَّهِ) على معنى: مع الله.\nالقول الثاني: اعتبار المعنى على ظاهره بأن (دُونِ) بمعنى: سوى، وفق ما يقتضيه السياق من التوبيخ.\nأصحاب القول الأول:\nالخفاجي: \" ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ لما كان معنى اتخذت فلانا صديقا من دوني أنه استبدله به لا أنه جعله صديقا معه، وهم لم يقولوا بذلك بل ثلثوا أولها بأن من أشرك مع الله غيره فقد\n_________\n(^١) سيأتي إيراده من حاشية الشهاب الخفاجي.\n(^٢) محاسن التأويل: القاسمي (٦/ ٢٢٢١).","vol":"1","page":551},{"text":"نفاه معنى لأنه وحده لا شريك له منزه عن ذلك فإقراره بالله كلا اقرار فيكون من دون الله مجازا عن مع الله، وإما التوسط بينهم وبين الله\" (^١).\nأبو زهرة: \" ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي خلاف الله فكأنهم قالوا: إن هناك اثنين مع الله تعالى، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا\" (^٢).\nأصحاب القول الثاني:\nالزجاج: \"فالمسألة ههنا على وجه التوبيخ للذين ادعوا عليه لأنهم مجمعون أنه صادق الخبر وأنه لا يكذبهم وهو الصادق عندهم فذلك أوكد في الحجة عليهم وأبلغ في توبيخهم، والتوبيخ ضرب من العقوبة\" (^٣).\nالثعلبي: \"فإن قيل: فما وجه سؤال الله عيسى، مع علمه بأنه لم يقل ذلك؟ فالجواب عنه: أنه توبيخ لقوم عيسى، وتحذير له عن هذه المقالة، ونهي عنها، وإعلامه بذلك بصنيع قومه على جهة التحذير له، والتوبيخ لهم\" (^٤).\nالزبير الغرناطي (^٥): \" ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ والمراد بذلك تقريع من اتخذه ﵇ إلها ومرادنا من هذا ما اجتمعت عليه هذه الآي من إشعار التقريع والتوبيخ الحاصلين من التأكيد والتكرار\" (^٦).\nالعثيمين: \" قوله: ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: من سوى الله ﷿، وقد تأتي \"دون\" بمعنى أقل، لكن هنا بمعنى سوى، أي: من سوى الله ﷿\" (^٧).\n_________\n(^١) عناية القاضي: الخفاجي (٣/ ٣٠٢)، بتصرف.\n(^٢) زهرة التفاسير: أبو زهرة (٥/ ٢٤٠٦).\n(^٣) معاني القرآن: الزجاج (٢/ ٢٢٢)، وانظر: بحر العلوم: السمرقندي (١/ ٤٣١).\n(^٤) الكشف والبيان: الثعلبي (١١/ ٥٦٨).\n(^٥) وهو: الإمام، الحافظ، العلامة، شيخ القراء، والمحدثين بالأندلس، أبو جعفر، أحمد بن إبراهيم بن الزبير بن محمد بن إبراهيم بن الزبير، الثقفي، العاصمي، الغرناطي، النحوي مات سنة ٧٠٨ هـ. ينظر: طبقات علماء الحديث: ابن عبد الهادي (٤/ ٢٦٧).\n(^٦) ملاك التأويل: الزبير الغرناطي (١/ ١٦٢).\n(^٧) تفسير القرآن الكريم (سورة المائدة): العثيمين (٢/ ٥٤٢).","vol":"1","page":552},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-477> دراسة المسألة:</span>\nهذه من المسائل الدقيقة المتعلقة بالحقيقة والمجاز التي تعقب بها القاسمي ﵀ على من سبقه، فهو كعادته ممن لا يرى بوقوع المجاز، إما في اللغة والقرآن، أو في القرآن فقط.\nوالناظر فيما ذكره المفسرون في تفسير الآية يجد أن عامتهم لم يحملوا لفظ: (مِنْ دُونِ اللَّهِ) على المجاز، فيقولوا أنه: مجاز عن مع الله، وإن كان النصارى في الحقيقة أنهم أشركوا مع الله في العبادة عيسى ﵇ وأمه مريم، وإنما الصواب أن يُحمل اللفظ على ظاهره بأن يُراد من لفظ: (دُونِ) سوى على وجه التوبيخ والتقريع.\nوالجواب عن قول من قال بأن لفظ: (مِنْ دُونِ اللَّهِ) على أنه مجاز عن مع الله، من أوجه:\nالأول: الشواهد القرآنية التي تدل على أن الآية في التقريع والتبكيت كقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا﴾ [سورة البقرة: ١٦٥]. وقوله ﷿: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ - إلى قوله تعالى- ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [سورة يونس: ١٨] (^١).\nالثاني: أن: ﴿دُونِ﴾ هاهنا للقاصر عن الشيء وهم عبدوا المسيح وأمه فيما توصلا إلى عبادة الله. كما عبد الكفار الأصنام حيث قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾، فكأنه قيل: أنت قلت اتخذوني إلهين متوصلين بنا إلى الله، قال سبحانك منزهين عن ذلك (^٢).\n_________\n(^١) انظر: محاسن التأويل: القاسمي (٢٢٢١).\n(^٢) انظر: تفسير الراغب الأصفهاني (٥/ ٥٠١).","vol":"1","page":553},{"text":"الثالث: أن قوله: ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ متعلق بقوله: ﴿اتَّخِذُونِي﴾ على أنه حال: أي متجاوزين الحد، ويجوز أن يتعلق بمحذوف هو صفة لإلهين: أي كائنين من دون الله، فالمراد اتخاذهما بطريق إشراكهما به سبحانه إذ به يتأتى التوبيخ ويتسنى التقريع والتبكيت (^١).\nالرابع: أن كلمة ﴿دُونِ﴾ اسم للمكان المجاوز، ويكثر أن يكون مكانا مجازيا مرادا به المغايرة، فتكون بمعنى (سوى) ونظير ذلك أن لفظ: ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ [سورة المائدة: ٧٦] المراد به: غير الله. فـ (دون) اسم للمغاير، فهو مرادف لسوى، أي: أتعبدون معبودا هو غير الله، أي أتشركون مع الله غيره في الإلهية. وليس المعنى أتعبدون معبودا وتتركون عبادة الله (^٢).\nالجواب عن قول الشهاب الخفاجي:\nإن كلمة ﴿دُونِ﴾ في هذه الآية وأمثالها بمعنى (غير) كما حققه اللغويون. ولا تفيد، وضعا، الاستقلال والبدلية، كما توهم وسر ذكرها إفهام الشركة. لأنه لولاها لتوهم دعوى انحصار الألوهية فيما عداه. مع أنهم لا يعتقدون ذلك. ولا يفهم من نحو (اتخذت صديقا من دوني) الاستبدال. فذاك من قرينة خارجية. وإلا فالمثال لا يعينه. لجواز إرادة اتخاذه معه كما لا يخفى (^٣).\n\n•<span data-type='title' id=toc-478> النتيجة:</span>\nبعد ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الراجح بأن يُقال: أن قوله تعالى: ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ بمعنى: سوى الله، المراد إشراكهما مع الله من باب التقريع والتبكيت، لما تقدم إيراده من الأوجه الدالة على ذلك، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: إرشاد العقل السليم: أبو السعود (٣/ ١٠٠)، وانظر: فتح القدير: الشوكاني (٢/ ١٠٨)، وانظر: روح المعاني: الآلوسي (٧/ ٤٩٣).\n(^٢) انظر: التحرير والتنوير: ابن عاشور (٦/ ٢٨٨)، (٧/ ١١٣).\n(^٣) انظر: محاسن التأويل: القاسمي (٦/ ٢٢٢٢).","vol":"1","page":554},{"text":"سورة الأنعام","vol":"1","page":555},{"text":"<span data-type='title' id=toc-479>سورة الأنعام</span>\n<span data-type='title' id=toc-480>٨٤ - قوله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [سورة الأنعام: ١١].</span>\nقال القاسمي: لطيفة: وقع هنا ﴿ثُمَّ انْظُرُوا﴾. وفي النمل: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا﴾ [سورة النمل: ٦٩]. وكذا في العنكبوت. فتكلف بعضهم لتخصيص ما هنا بـ (ثم)، كما هو مبسوط في (العناية) (^١)، مع ما عليه. ونقل عن بعضهم أن السير متحد فيهما، ولكنه أمر ممتد، يعطف بالفاء تارة، نظرا لآخره، وبـ (ثم) نظرا لأوله، ولا فرق بينهما (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-481> أقوال أهل العلم في تخصيص الآية بـ (ثم) عن غيرها بالفاء:</span>\nالقول الأول: أن الفاء في الآيات الأخرى تدل على أن السير يؤدي إلى النظر على الفور، فيقع موقعه، فالفاء تفيد التعقيب، بخلاف (ثم) فإنها تفيد التراخي، فإنه لم يجعل النظر واقعا عقب السير متعلقا وجوده بوجوده، بل بعث على سير بعد سير.\nالقول الثاني: أن الفاء في الآيات يُراد منها: إظهار السببية، وأما دخول (ثم) في الآية فللتنبيه على أن النظر هو المقصود من السير، وأن السير وسيلة إليه لا غير.\nأصحاب القول الأول:\nالخطيب الإسكافي (^٣): \"إن قوله: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا﴾، يدل على أن السير يؤدي إلى النظر فيقع بوقوعه، وليس كذلك (ثم) ألا ترى الفاء وقعت في الجزاء، ولم تقع فيه (ثم) \" (^٤).\n_________\n(^١) سيأتي إيراده من كلام التفتازاني.\n(^٢) محاسن التأويل: القاسمي (٦/ ٢٢٥٣).\n(^٣) وهو: محمد بن عبد الله الخطيب الإسكافي أبو عبد الله اللغوي صاحب التصانيف أحد أصحاب الصاحب ابن عباد وكان من أهل أصبهان وخطيبا بالري، مات سنة ٤٨٥ هـ. ينظر: الوافي بالوفيات: الصفدي (٣/ ٢٧١).\n(^٤) درة التنزيل: الخطيب الإسكافي (٢/ ٤٩٠).","vol":"1","page":556},{"text":"الكرماني: \"ذكر في هذه السورة (ثم) ثم ذكر في النمل والعنكبوت والروم وغيرها: (فانظروا) بالفاء، لأن (ثم) للتراخي، و(الفاء) للتعقيب\" (^١).\nالتفتازاني: \"والتحقيق أنه تعالى قال هنا ﴿ثُمَّ انْظُرُوا﴾ وفي النمل ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ وفي العنكبوت: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾ [سورة العنكبوت: ٢٠] وفي الروم: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [سورة الروم: ٤٢] فلا بد من بيان وجه تخصيص هذه الآية بـ (ثم) ولعله أن الفاء تدل على أن السير يؤدي إلى النظر، فيقع موقعه بخلاف (ثم) ولذا وقعت الفاء في الجزاء، فهنا لم يجعل النظر واقعا عقب السير متعلقا وجوده بوجوده بل بعث على سير بعد سير لما تقدمه من بعثهم على استقراء البلاد ومنازل أهل الفساد وأن يستكثروا من ذلك ليروا الآثار في ديار بعد ديار إذ قال: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [سورة الأنعام: ٦]، الآية فقد دل الأول على أن الهالكين طوائف كثيرة، والثاني على أن المنشاء بعدهم أيضا كثيرون، ثم دعا إلى العلم بالسير في البلاد ومشاهدة آثار أهل الفساد مما يحتاج إلى زمان ومدة طويلة تمنع من ملاصقة السير بخلاف المواضع الأخر\" (^٢).\nأصحاب القول الثاني:\nابن المنير: \" وأظهر من هذا التأويل أن يجعل الأمر بالسير في المكانين واحدا، ليكون ذلك سببا في النظر، فحيث دخلت الفاء فلإظهار السببية، وحيث دخلت «ثم» فللتنبيه على أن النظر هو المقصود من السير، وأن السير وسيلة إليه لا غير. وشتان بين المقصود والوسيلة والله أعلم\" (^٣).\n_________\n(^١) غرائب التفسير: الكرماني (١/ ٣٥٣).\n(^٢) عناية القاضي: الشهاب الخفاجي (٤/ ٢٦).\n(^٣) الكشاف للزمخشري مذيل بحاشية الانتصاف فيما تضمنه الكشاف لابن المنير (٢/ ٨)، وأورد هذا القول القاسمي في تفسيره دون تعقيب، فكأنه يميل إليه (٦/ ٢٢٥٣).","vol":"1","page":557},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-482> دراسة المسألة:</span>\nيُريد القاسمي ﵀ من تعقبه ووصفه بالتكلف، ما أورده الشهاب الخفاجي عن النحرير وهو سعد الدين التفتازاني كما هو معلوم.\nوما أورده الشهاب الخفاجي عن النحرير تعقبه بقوله: \"وهو كلام أكثره واه لكن تحريره وتهذيبه يحتاج إلى تطويل فتأمله\". والقاسمي ﵀ مال إلى قوله ووصف ما أورده الخفاجي عن التفتازاني بالتكلف.\nوالذي يظهر من خلال ما ذكره المفسرون في تفسير الآية أن الأقرب للصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول، وذلك من وجهين:\nالأول: سياق الآيات التي تدل على أن الفاء للتعقيب، و(ثم) للتراخي، فقوله في سورة الأنعام: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا﴾ لم يجعل النظر فيه واقعا عقيب السير، متعلقا وجوده بوجوده، لأنه بعث على سير بعد سير لما تقدم من الآية التي تدل على أنه تعالى حداهم على استقراء البلاد ومنازل أهل الفساد، وأن يستكثروا من ذلك ليروا أثرا بعد اثر، في ديار بعد ديار قد عمم أهلها بدمار، لقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾، ثم قال: ﴿فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾. [سورة الأنعام: ٦]. فذكر في قوله: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ أي: قرونا كثيرة أهلكانهم، ثم قال، ﴿وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾، فدعا إلى العلم بذلك بالسير في البلاد ومشاهدة هذه الآثار، وفي ذلك ذهاب أزمنة كثيرة ومدد طويلة تمنع النظر من ملاصقة السير، كما قال في المواضع الآخر التي دخلها الفاء لما قصد فيها من معنى التعقيب واتصال النظر بالسير، إذ ليس في شيء من الأماكن التي استعملتها فيها الفاء ما في هذا المكان من البعث على استقراء الديار وتأمل الآثار، فجعل السير في الأرض في هذا المكان مأمورا به على حدة، والنظر بعده مأمورا به على حدة، وسائر الأماكن التي دخلتها الفاء علق فيها وقوع النظر بوقوع السير، لأنه لم يتقدم الآية ما يحدوا على السير الذي حدا عليه","vol":"1","page":558},{"text":"فيما قبل هذه الآية، فلذلك خصت بـ (ثم) التي تفيد تراخي المهلة بين الفعلين والله أعلم (^١).\nالثاني: من حيث موضوع السورة التي افتتحت به: فإن سورة الأنعام افتتحت بذكر خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور وإنما ذكر هذا من الخلق الأكبر ليعتبر بذلك فإنه أعظم معتبر وأوسعه قال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ فكأن الآية في قوة أن لو قيل: سيروا في الأرض فاعتبروا لخالقها، وكيف دحاها لكم وذللها لسكانكم، وجعل فيها رواسي أن تميد بكم وفجر فيها الأنهار، إلى عجائب ما أودع فيها وكيف جعل السماء سقفا محفوظا بغير عماد وزينها بالنجوم لتهتدوا بها في الظلمات وجعل الشمس والقمر حسبانا وضياء وزينا للسماء الدنيا وكيف محا آية الليل لمصلحة العباد وجعل آية النهار مبصرة إلى ما لا يحصى من منافعها وعجائبها لمن منح الاعتبار قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ثم انظروا عاقبة من كذب ونبه فلم يعتبر فعطف هذا بـ (ثم) المقتضية مهلة الزمان حيث يراد ذلك.\nوتفخيم الأمر وتفاوت المنظور وتجريد الأمر لكل من الضربين مما قبلها وما بعدها فليس موضع تعقيب بالفاء إذا لم يرد أن يكون سيرهم لمجرد الاعتبار بمن كذب فأخذ تذيبه فقط بل الضربين مما ذكرناه ومهدناه -يعني: أن يعقبوا سيرهم بالتدبر والاعتبار وحصر نظرهم واعتبارهم في المعقب المذكور بعد الفاء ولم تقع إشارة إلى اعتبارهم بغير ذلك- وفي كل آية منهما أشفى دلالة، وقصد في الآي الأُخر تذكيرهم واعتبارهم بأحد المكذبين وهو المُعقب بالفاء، فلما افترق القصدان عطف كل بما يناسب والله أعلم (^٢).\n_________\n(^١) درة التنزيل: الخطيب الإسكافي (٢/ ٤٩٠)، وانظر: أسرار التكرار في القرآن: الكرماني (ص: ١٠٥)، وانظر: روح المعاني: الآلوسي (٨/ ٦٢).\n(^٢) انظر: ملاك التأويل: الزبير الغرناطي (١/ ١٤٥، ١٤٦).","vol":"1","page":559},{"text":"تنبيه:\nذكر الزمخشري في تفسيره ومن تبعه من أن الفرق بين قوله: ﴿فَانْظُرُوا﴾ وبين قوله: ﴿ثُمَّ انْظُرُوا﴾ أنه تعالى جعل النظر مسببا عن السير في قوله ﴿فَانْظُرُوا﴾ فكأنه قيل: سيروا لأجل النظر، ولا تسيروا سير الغافلين. وأما قوله: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا﴾ فمعناه إباحة السير في الأرض للتجارة وغيرها من المنافع وإيجاب النظر في آثار الهالكين. ونبه على ذلك بثم، لتباعد ما بين الواجب والمباح\" (^١).\nوهذا الذي ذكره تعقبه أبو حيان بقوله: \"وما ذكره أولا متناقض، لأنه جعل النظر متسببا عن السير، فكان السير سببا للنظر ثم قال: فكأنما قيل: سيروا لأجل النظر فجعل السير معلولا بالنظر، فالنظر سبب له فتناقضا.\nودعوى أن الفاء تكون سببية، لا دليل عليها، وإنما معناها التعقيب فقط، وأما مثل: ضربت زيدا فبكى، وزنى ماعز فرجم، فالتسبيب فُهِمَ من مضمون الجملة، لأن الفاء موضوعة له، وإنما يفيد تعقيب الضرب بالبُكى، وتعقيبَ الزنا بالرجم فقط، وعلى تسليم أن الفاء تفيد التسبيب، فلم كان السير هنا سير إباحة وفي غيره سير واجب؟ فيحتاج ذلك إلى فرق بين هذا الموضع وبين تلك المواضع\" (^٢).\nقال السمين: \"قلت: هذا اعتراض صحيح إلا قوله: «إن الفاء لا تفيد السببية» فإنه غير مرض\" (^٣).\n\n•<span data-type='title' id=toc-483> النتيجة:</span>\nبعد عرض ما تقدم من أقوال المفسرين في هذه المسألة، يظهر أن الأقرب للصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن الفاء في قوله تعالى: ﴿فَانْظُرُوا﴾ للتعقيب و(ثم) في قوله: ﴿ثُمَّ انْظُرُوا﴾ للتراخي، لما تقدم ذكره من الأوجه التي تؤيد ذلك، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: الكشاف: الزمخشري (٢/ ٨)، وانظر: مفاتيح الغيب: الرازي (١٢/ ٤٨٨)، وانظر: أنوار التنزيل: البيضاوي (٢/ ١٥٥).\n(^٢) البحر المحيط: أبو حيان (٩/ ٤٤).\n(^٣) الدر المصون: السمين الحلبي (٤/ ٥٤٨).","vol":"1","page":560},{"text":"<span data-type='title' id=toc-484>٨٥ - قوله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [سورة الأنعام: ٢٤].</span>\nقال الزمخشري: وأما قول من يقول: معناه ما كنا مشركين عند أنفسنا، وما علمنا أنا على خطأ في معتقدنا، وحمل قوله: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ يعني في الدنيا- فتمحل وتعسف وتحريف لأفصح الكلام، إلى ما هو عي وإفحام. لأن المعنى الذي ذهبوا إليه، ليس هذا الكلام بمترجم عنه، ولا منطبق عليه، وهو ناب عنه أشد النبو. وما أدري ما يصنع، من ذلك تفسيره، بقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [سورة المجادلة: ١٨] بعد قوله تعالى: ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤)﴾ [سورة المجادلة: ١٤] فشبه كذبهم في الآخرة بكذبهم في الدنيا (^١).\nقال القاسمي: والقول المذكور، والحمل الذي ناقش فيه، أصله لأبي علي الجبائي والقاضي. فإنهما ذهبا إلى أن أهل القيامة لا يجوز إقدامهم على الكذب، واعتلا بوجوه واهية ساقها الرازي. فلتنظر ثمت، فإنا لا نسود وجوه صحائفنا بما فيه تحكيم العقل على النقل (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-485> أقوال أهل العلم في إقدام أهل القيامة على الكذب:</span>\nالقول الأول: أن أهل القيامة يُقدمون على الكذب، فالمراد بالكذب في الآية: الكذب يوم القيامة.\nالقول الثاني: أن أهل القيامة لا يجوز إقدامهم على الكذب، وأن المراد بالكذب في الآية: الكذب في الدنيا.\n_________\n(^١) الكشاف: الزمخشري (٢/ ١٣).\n(^٢) محاسن التأويل: القاسمي (٦/ ٢٢٧٥، ٢٢٧٦).","vol":"1","page":561},{"text":"أصحاب القول الأول:\nابن عباس: \" ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ هنا في القيامة\" (^١).\nالطبري: \"يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: انظر يا محمد فاعلم كيف كذب هؤلاء المشركون العادلون بربهم الأوثان والأصنام في الآخرة، عند لقاء الله، على أنفسهم بقيلهم: والله يا ربنا ما كنا مشركين\" (^٢).\nأبو حيان: \" ﴿كَذَبُوا﴾ ماض وهو في أمر لم يقع لكنه حكاية عن يوم القيامة ولا إشكال في استعمال الماضي فيها موضع المستقبل تحقيقا لوقوعه ولا بد\" (^٣).\nالشوكاني: \" ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ﴾ في القيامة ﴿مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ يكذبون في الدنيا\" (^٤).\nأصحاب القول الثاني:\nالجبائي والقاضي عبد الجبار: \" أهل القيامة لا يجوز إقدامهم على الكذب\" (^٥).\nالكرماني: \" ﴿كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: في الدنيا، لأن القيامة لا يكذب فيها أحد\" (^٦).\nقطرب (^٧): \" ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ أي في الدنيا عند أنفسنا لاعتقادنا فيها أننا على صواب\" (^٨).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ١٢٧٥) برقم: (٧١٨٤).\n(^٢) جامع البيان: الطبري (٩/ ١٩٣).\n(^٣) البحر المحيط: أبو حيان (٩/ ٨٣).\n(^٤) فتح القدير: الشوكاني (٢/ ١٢٥).\n(^٥) انظر: مفاتيح الغيب: الرازي (١٢/ ٥٠٢).\n(^٦) لباب التفاسير: الكرماني (ص: ٢٥٨).\n(^٧) وهو: محمد بن المستنير بن أحمد النحوي اللغوي البصري، المعروف بقطرب؛ أخذ الأدب عن سيبويه وعن جماعة من العلماء البصريين، وكان حريصا على الاشتغال والتعلم مات سنة ٢٠٦ هـ. ينظر: وفيات الأعيان: ابن خلكان (٤/ ٣١٢).\n(^٨) النكت والعيون: الماوردي (٢/ ١٠٢).","vol":"1","page":562},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-486> دراسة المسألة:</span>\nمن أعظم الآفات التي أفسدت طريقة المتكلمين في العقيدة والشريعة: تحكيم العقول وتأويل النصوص التي لا تُوافق عقولهم، لعدم علمهم بأن النقل الصحيح يوافق العقل السليم، فإذا وجدوا ظاهر الآيات يتعارض مع عقولهم، أولوه وصرفوه عن ظاهره إلى معنى يُخالف الظاهر.\nومن أمثلة ذلك: أنهم حملوا الكذب في قوله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ على الدنيا، وهذا لا شك أنه خلاف ما عليه جمهور المفسرين، والصواب أن الآية دالة على أن الكذب إنما هو في الآخرة وأن الكفار يكذبون يوم القيامة، لما يلي:\nأولا: الآيات الصريحة الدالة على أن الكفار يكذبون يوم القيامة، ومن ذلك أنه تعالى حكى عنهم أنهم يقولون ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [سورة المؤمنون: ١٠٧] مع أنه تعالى أخبر عنهم بقوله: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [سورة الأنعام: ٢٨].\nوقوله تعالى حكاية عنهم ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [سورة الزخرف: ٧٧] وقد علموا أنه تعالى لا يقضي عليهم بالخلاص (^١).\nثانيًا: من حيث السياق: فالله تعالى ذكر الحشر في قوله: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٢٢) ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [سورة الأنعام: ٢٤] والحشر كما هو معلوم إنما يكون في الآخرة، فهم كذبوا على أنفسهم بقولهم: ﴿مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ يوم القيامة.\nثالثًا: دلالة السنة: فقد أخرج مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن أول الناس يُقضى يوم القيامة عليه رجلٌ استشهد فأُتيَ به فعرَّفه نعمَه فعرفها، قال فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت، قال كذبت، ولكنك\n_________\n(^١) انظر: مفاتيح الغيب: الرازي (١٢/ ٥٠٣، ٥٠٤).","vol":"1","page":563},{"text":"قاتلت لأن يقال هو جريء، فقد قيل، ثم أمر به فسُحبَ على وجهه حتى ألقي في النار\" (^١) الحديث.\nفهذا الحديث فيه دلالة مُحكمة صريحة لا تقبل تأويلًا ولا تفسيرًا يصرفها عن ظاهرها بوقوع الكذب يوم القامة من الكفار أو العصاة.\nرابعًا: الآثار المروية عن السلف في تفسير الآية الدالة على أن الكذب الصادر من المشركين إنما هو يوم القيامة، وليس في الدنيا، وهم أقرب الناس إلى التنزيل وأعلمهم به.\nفروي عن ابن عباس: حبر الأمة وترجمان القرآن أنه قال في قوله: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾، \"لما رأى المشركون أنه لا يدخل الجنة إلا مسلم، قالوا: تعالوا إذا سئلنا قلنا: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾. فسئلوا، فقالوا ذلك، فختم الله على أفواههم، وشهدت عليهم جوارحهم بأعمالهم، فودَّ الذين كفروا حين رأوا ذلك: ﴿لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [سورة النساء: ٤٢] (^٢).\nوعن مجاهد: في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾، قال \"هذا قول أهل الشرك حين رأوا كل أحد يخرج من النار غير أهل الشرك، ورأوا الذنوب تغفر ولا يغفر الشرك ولا لمشرك، فقالوا: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾. يقول الله ﷿: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ يعني تكذيب الله إياهم (^٣).\nوعن سعيد بن جبير: في قوله: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾، قال: لما أمر بإخراج رجال من النار من أهل التوحيد، قال من فيها من المشركين: \"تعالوا نقول: لا إله إلا الله، لعلنا نخرج مع هؤلاء\". قال: فلم يصدَّقوا. قال: فحلفوا: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، كتاب الإمارة، باب من قاتل للرياء والسمعة استحق النار، برقم: (١٩٠٥).\n(^٢) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٩/ ١٩٥)، وأخرج بنحوه ابن المنذر في تفسيره (٢/ ٧١٤).\n(^٣) أخرجه مجاهد في تفسيره (ص: ٣٢٠).","vol":"1","page":564},{"text":"قال: فقال الله: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ (^١).\nوقد شهد الله تعالى للصحابة والتابعين بالرضى والفضل العظيم في كتابه، وشهد لهم النبي ﷺ بالفضل والخيرية في سنته، وأجمع أهل العلم على ذلك، فليس لأحد بعدهم من العلم والفهم عليهم، لاسيما وأهل البدع والمتكلمين الزائغين، ممن طمس الله بصيرته بظلمات البدع، وحال بينه وبين نور الكتاب والسنة.\nرابعًا: أن حمل قوله تعالى ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ على أنهم كذبوا في الدنيا يوجب فك نظم الآية، وصرف أول الآية إلى أحوال القيامة وصرف آخرها إلى أحوال الدنيا وهو في غاية البعد (^٢).\nتنبيهان:\nالأول: أن هذه المسألة تتعلق بأصل عند المعتزلة وهو القول بالتحسين والتقبيح العقليين، فالمعتزلة يقولون بالحسن والقبح ويجعلون ذلك صفات ذاتية للفعل لازمة له ولا يجعلون الشرع إلا كاشفا عن تلك الصفات لا سببا لشيء من الصفات.\nوالتحسين والتقبيح العقليين عندهم راجع إلى أن العقل هو أصل المعرفة فلذلك كان أصلا للسمع وكان مقدما عليه عند التعارض.\nوبناء على هذا الأصل الفاسد قالوا: أن أهل القيامة يعرفون الله تعالى بالاضطرار، إذ لو عرفوه بالاستدلال لصار موقف القيامة دار التكليف، وذلك باطل، وإذا كانوا عارفين بالله على سبيل الاضطرار وجب أن يكونوا ملجئين إلى أن لا يفعلوا القبيح بمعنى أنهم لو راموا فعل القبيح لمنعهم الله منه؛ لأن مع زوال التكليف لو لم يحصل هذا المعنى لكان ذلك إطلاقهم في فعل القبيح، وأنه لا يجوز، فثبت أن أهل القيامة يعلمون الله بالاضطرار، وثبت أنه متى كان كذلك كانوا ملجئين إلى ترك القبيح، وذلك يقتضي أنه لا يقدم أحد من أهل القيامة على فعل القبيح.\n_________\n(^١) أخرجه ابن جري الطبري في تفسيره (٩/ ١٩٥).\n(^٢) انظر: مفاتيح الغيب: الرازي (١٢/ ٥٠٤).","vol":"1","page":565},{"text":"وأما إن قيل: إنهم لا يستحقون على ذلك الكذب، وعلى ذلك الحلف الكاذب عقابا وذما، فهذا يقتضي حصول الإذن من الله تعالى في ارتكاب القبائح والذنوب، وأنه باطل، فثبت بهذه الوجوه أنه لا يجوز إقدام أهل القيامة على القبيح والكذب (^١).\nومثل هذه الاستدلالات العقلية التي تُخالف الأدلة من الكتاب والسنة، وحملها على اقتضاءات ولوازم لا تلزم قد رد عليها الرازي في تفسيره كما أشار بذلك القاسمي ﵀ (^٢).\nالثاني: أن جمهور المفسرين، يقولون: إن الكفار يكذبون في الآخرة وظواهر القرآن دالة على ذلك وقد خالف الزمخشري هنا أصحابه المعتزلة ووافق أهل السنة (^٣).\n\n•<span data-type='title' id=toc-487> النتيجة:</span>\nيتبين من خلال عرض ما تقدم في هذه المسألة من أقوال أهل العلم، أن الحق مع أصحاب القول الأول من أن الكذب واقع يوم القيامة من الكفار والعُصاة، لما تقدم إيراده من أدلة الكتاب والسنة والآثار الدالة على ذلك، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: مفاتيح الغيب: الرازي (١٢/ ٥٠٢)، وانظر: مجموع الفتاوى: ابن تيمية (٨/ ٤٣١).\n(^٢) انظر: مفاتيح الغيب: الرازي (١٢/ ٥٠٢، ٥٠٣).\n(^٣) انظر: البحر المحيط: أبو حيان (٩/ ٨٤).","vol":"1","page":566},{"text":"<span data-type='title' id=toc-488>٨٦ - قوله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [سورة الأنعام: ٢٤].</span>\nقال القاسمي: جعل الناصر في (الانتصاف) ضل بمعنى سلبوا علمه، فكأنهم نسوه وذهلوه دهشا. وهو بعيد، لعدم ملاقاته للآية الأخرى. والتنزيل يفسر بعضه بعضا (^١). وعبارته: في الآية دليل بين على أن الإخبار بالشيء على خلاف ما هو به، كذب، وإن لم يعلم المُخْبِرُ مُخالفة خبره لِمُخْبِرِهِ. ألا تراه جعل إخبارهم وتبريهم كذبا، مع أنه تعالى أخبر أنهم ضل عنهم ما كانوا يفترون. أي: سلبوا علمه حينئذ دهشا وحيرة. فلم يرفع ذلك إطلاق الكذب عليهم (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-489> أقوال أهل العلم في المراد من قوله تعالى: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾:</span>\nالقول الأول: أن المراد: ضاع وغاب عنهم الشركاء، فلم يُغنوا عنهم شيئا.\nالقول الثاني: أن المراد: سلب العلم من الدهشة والحيرة.\nأصحاب القول الأول:\nالطبري: \" ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾، وفارقهم الأنداد والأصنام، وتبرءوا منها، فسلكوا غير سبيلها، لأنها هلكت\" (^٣).\nالبغوي: \" ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ﴾ زال وذهب عنهم ﴿مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ من الأصنام، وذلك أنهم كانوا يرجون شفاعتها ونصرتها، فبطل كله في ذلك اليوم\" (^٤).\nابن عطية: \" ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ﴾ معناه: \"ذهب افتراؤهم في الدنيا؛ وكذبهم بادعائهم لله\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (٦/ ٢٢٧٤، ٢٢٧٥).\n(^٢) الكشاف للزمخشري مذيل بحاشية الانتصاف فيما تضمنه الكشاف لابن المنير (٢/ ١٢).\n(^٣) جامع البيان: الطبري (٩/ ١٩٣).\n(^٤) معالم التنزيل: البغوي (٣/ ١٣٥).","vol":"1","page":567},{"text":"﵎ الشركاء\" (^١).\nالقرطبي: \" ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أي فانظر كيف ضل عنهم افتراؤهم أي تلاشى وبطل ما كانوا يظنونه من شفاعة آلهتهم\" (^٢).\nأصحاب القول الثاني:\nابن المنير: وتقدم قوله.\nظاهر قول أبي زهرة: \" ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أي غاب عن ذاكرتهم فنسبوا ما كانوا يفترونه من قول فيشركون مع الله غيره في العبادة\" (^٣).\n\n•<span data-type='title' id=toc-490> دراسة المسألة:</span>\nذكر القاسمي ﵀ في تفسيره أن المراد من قوله تعالى: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أي: ما كانوا يفترون من الشركاء، فلم تغن عنهم شيئا، ففقدوا ما رجوا من شفاعتها ونصرتها لهم (^٤).\nوالذي يظهر من خلال ما تقدم ذكره من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، أن الصواب مع أصحاب القول الأول، من أن المراد من قوله تعالى: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ضياع وغياب ما كانوا يُشركون به من الأصنام والأوثان التي كانوا يرجون شفاعتها يوم القيامة، وذلك من أوجه:\nالأول: سياق الآيات وموضوعها الذي يتحدث عن موقف المشركين من شركائهم الذين كانوا يعبدونهم من دون الله وبراءتهم منهم يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٢٢) ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ\n_________\n(^١) المحرر الوجيز: ابن عطية (٣/ ٧٢٧).\n(^٢) الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (٨/ ٣٤٢)، وانظر: فتح القدير: الشوكاني (٢/ ١٢٣).\n(^٣) زهرة التفاسير: أبو زهرة (٥/ ٢٤٧٠).\n(^٤) محاسن التأويل: القاسمي (٦/ ٢٢٧٣).","vol":"1","page":568},{"text":"رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [سورة الأنعام: ٢٣] فقوله تعالى بعدها: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ إشارة إلى براءتهم من شركائهم (^١).\nالثاني: نظائر الآيات الدالة على أن المراد من الضلال في الآية: براءتهم من الأصنام التي كانوا يعبدونها، فقوله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ نظيره قوله تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ [سورة البقرة: ١٦٦] وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣) مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ﴾ [سورة غافر: ٧٤]، والقرآن يُفسر بعضه بعضا.\nالثالث: واقع المشركين يوم القيامة، الذين كانوا يأملون ويرجون شفاعة معبوداتهم ونصرتهم يوم القيامة، فلما غابوا عنهم وتبرءوا منهم، ناسب أن يكون المراد من الضلال في قوله تعالى: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ﴾: براءتهم من معبوداتهم، والله أعلم.\nالرابع: أن في قوله تعالى: ﴿مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ يدل على إيقاع الافتراء عليها - أي على الأوثان والمعبودات- مع أنه في الحقيقة واقع على أحوالها، للمبالغة في أمرها، كأنها نفس المفترى، أي: زالت وذهبت عنهم أوثانهم التي يفترون فيها ما يفترون، فلم تغن عنهم من الله شيئا (^٢)، فإيقاع الافتراء يدل على أن المراد: البراءة من الأوثان.\nتنبيه:\nقول ابن المنير في الآية تعقبه غير واحد من أهل العلم تصريحًا أو تلميحًا.\nفقد أورد الشهاب الخفاجي في حاشيته قول ابن المنير ثم قال: \"وفيه بحث\" (^٣)، وأورده\n_________\n(^١) انظر تقرير قاعدة: \"إدخال الكلام في معاني ما قبله وما بعده أولى من الخروج به\" في مسألة رقم (٧) ص: (١٨٣).\n(^٢) انظر: روح المعاني: الآلوسي (٨/ ١٠٦).\n(^٣) عناية القاضي: الشهاب الخفاجي (٤/ ٤٠).","vol":"1","page":569},{"text":"الآلوسي في تفسيره وتعقبه بقوله: \" وأنت تعلم أن تفسير هذه الجملة بما ذُكر غير ظاهر\" (^١).\nالجواب عن قول ابن المنير:\nلا شك أن ما ذهب إليه ابن المنير من أن المراد من قوله تعالى: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ﴾: النسيان وسلب العلم من الدهشة، بعيد من وجهين:\nالأول: أن هذا التأويل مخالف لتأويل جمهور المفسرين، ولما دل عليه سياق الآيات ونظائرها، كما تقدم.\nالثاني: أن تأويله مخالف لظاهر اللفظ من حيث اللغة، فالضلال يُطلق على الغياب، وليس سلب العلم، وإن كان في بعض الأحيان يُطلق على النسيان بحسب سياق الكلام.\nيقال: ضل الكافر: إذا غاب عن الحجة، وضل الناسي، إذا غاب عنه حفظه. قال الله تعالى: ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي﴾ [سورة طه: ٥٢]، أي لا يغيب عنه شيء، ولا يغيب عن شيء، وقوله: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا﴾ [سورة البقرة: ٢٨٢] أي تغيب عن حفظها، أو يغيب حفظها عنها (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-491> النتيجة:</span>\nيتبين من خلال ما تقدم إيراده في هذه المسألة، أن الصواب مع أصحاب القول الأول من أن المراد من قوله تعال: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أي: براءتهم من الشركاء التي كانوا يرجون شفاعتها ونصرتها لهم، لما تقدم بيانه من الأوجه الدالة على ذلك، والجواب عن ما خالف ذلك، والله أعلم.\n_________\n(^١) روح المعاني: الآلوسي (٨/ ١٠٦).\n(^٢) انظر: تهذيب اللغة: الأزهري (١١/ ٣٢٠)، وانظر: تاج العروس: الزبيدي (٢٩/ ٣٤٦).","vol":"1","page":570},{"text":"<span data-type='title' id=toc-492>٨٧ - قوله تعالى: ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [سورة الأنعام: ٢٨].</span>\nقال القاسمي: اعتمد أبو السعود، أن المراد ب (ما كانوا يخفونه في الدنيا) النار التي وقفوا عليها، إذ هي التي سيق الكلام لتهويل أمرها. ثم قال في الوجوه المتقدمة (^١): إنه بعد الإغضاء عما في كل منها من الاعتساف والاختلال، لا سبيل إلى شيء من ذلك أصلا. لما عرفت من أن سوق النظم الشريف لتهويل أمر النار، وتفظيع حال أهلها … إلخ (^٢).\nأقول: لا ريب في بلاغة ما قرره ونفاسته، لولا تكلفه حمل الإخفاء على ما ذكره، مما هو غير ظاهر فيه، وليس له نظائر في التنزيل الكريم. فمجازيته حينئذ من قبل المُعَمَّى. وفي الوجوه الأول إبقاؤه على حقيقته بلا تكلف، وشموله لها- غير بعيد. لأن في كل منها ما يؤيده، كما بيناه. غاية الأمر أن ما قرره وجه منها بديع. وأما كونه المراد لا غير، فدونه خرط القتاد والله أعلم بأسرار كتابه (^٣).\n\n•<span data-type='title' id=toc-493> أقوال أهل العلم في الذي كان يُخفيه المشركون وبدا لهم يوم القيامة:</span>\nالقول الأول: أن الذي كان يُخفيه المشركون هو أعمالهم السيئة من المعاصي والشرك بالله تعالى.\nالقول الثاني: أن الذي كان يُخفيه المشركون هو البعث والنشور.\nالقول الثالث: أن الذي كان يُخفيه المشركون هو النفاق الذي كانوا يُسرونه في الدنيا.\n_________\n(^١) سيأتي بيانها.\n(^٢) انظر: إرشاد العقل السليم: أبو السعود (٣/ ١٢٤)، وانظر: روح المعاني: الآلوسي (٨/ ١١٨).\n(^٣) محاسن التأويل: القاسمي (٦/ ٢٢٨١).","vol":"1","page":571},{"text":"أصحاب القول الأول:\nالسدي: ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ﴾ يقول: «بدت لهم أعمالهم في الآخرة التي أخفوها في الدنيا»، وبنحو ذلك روي عن قتادة، ومقاتل (^١).\nالثعلبي: \" ﴿مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ﴾: يسرون في الدنيا من كفرهم ومعاصيهم\" (^٢).\nالواحدي: \" ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ﴾ وهو أنهم أنكروا شركهم فأنطق الله سبحانه جوارحهم حتى شهدت عليهم بالكفر\" (^٣).\nالسمعاني: \" ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: ظهر لهم ما أخفوا من قبل من تبرئهم عن الشرك بقولهم: والله ربنا ما كنا مشركين\" (^٤).\nأصحاب القول الثاني:\nالزجاج: \" أي بل ظهر للذين اتبعوا الغواة ما كان الغواة يخفون عنهم من أمر البعث والنشور\" (^٥).\nأصحاب القول الثالث:\nما ذهب إليه بعض المفسرين: أن هذه الآية في المنافقين، الذين كانوا يسرون الكفر ويظهرون الإسلام، وبدا لهم يوم القيامة، وظهر بأن عرف غيرهم أنهم كانوا من قبل منافقين (^٦).\n_________\n(^١) انظر: تفسير مقاتل (ص: ٥٥٧)، وقول السدي وقتادة أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٩/ ٢١٢)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ١٢٧٩)، وأورد أقوالهم السيوطي في الدر المنثور (٣/ ٢٦١).\n(^٢) الكشف والبيان: الثعلبي (١٢/ ٦١).\n(^٣) الوجيز: الواحدي (ص: ٣٤٩).\n(^٤) تفسير القرآن: السمعاني (٢/ ٩٧)، وانظر: معالم التنزيل: البغوي (٣/ ١٣٧، ١٣٨).\n(^٥) معاني القرآن: الزجاج (٢/ ٢٤٠).\n(^٦) انظر: المحرر الوجيز: ابن عطية (٣/ ٧٣٤)، وانظر: مفاتيح الغيب: الرازي (١٢/ ٥١٠)، وانظر: الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (٨/ ٣٥٤)، وانظر: البحر المحيط: أبو حيان (٩/ ١٠٢).","vol":"1","page":572},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-494> دراسة المسألة:</span>\nذكر القاسمي ﵀ في تفسيره بعضا من الأوجه التي تقدم في أقوال أهل العلم من المفسرين في المراد مما كان يُخفيه المشركون يوم القيامة وبدا لهم، من الكفر والشرك، أو ما كانوا يكتمون في أنفسهم في الدنيا من صدق ما جاء به الرسول ﷺ، أو أن الآية إخبار عن حال المنافقين، وأنه يظهر نفاقهم الذي كانوا يسرونه.\nثم أورد القاسمي ﵀ قول العلامة أبي السعود: \"أن المراد ب (ما كانوا يخفونه في الدنيا) النار التي وقفوا عليها، إذ هي التي سيق الكلام لتهويل أمرها، والتعجيب من فظاعة حال الموقوفين عليها، و(بإخفائها) تكذيبهم بها، فإن التكذيب بالشيء كفر به، وإخفاء له لا محالة. وإيثاره على صريح التكذيب الوارد في قوله ﷿: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ [سورة الرحمن: ٤٣]. وقوله تعالى: ﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ [سورة الطور: ١٤]. مع كونه أنسب بما قبله من قولهم: ﴿وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾ [سورة الأنعام: ٢٧]. لمراعاة ما في مقابلته من البدو. هذا هو الذي تستدعيه جزالة النظم الكريم.\nثم قال أبي السعود في الوجوه المتقدمة: إنه بعد الإغضاء عما في كل منها من الاعتساف والاختلال، لا سبيل إلى شيء من ذلك أصلا. لما عرفت من أن سوق النظم الشريف لتهويل أمر النار، وتفظيع حال أهلها، وقد ذكر وقوفهم عليها، وأشير إلى أنه اعتراهم عند ذلك من الخوف والخشية والحيرة والدهشة ما لا يحيط به الوصف. ورتب عليه تمنيهم المذكور ب (الفاء) القاضية بسببية ما قبلها لما بعدها، فإسقاط النار بعد ذلك من تلك السببية، وهي نفسها أدهى الدواهي، وأزجر الزواجر، وإسنادها إلى شيء من الأمور المذكورة التي دونها في الهول والزجر، مع عدم جريان ذكرها، ثمة- أمر يجب تنزيه ساحة التنزيل عن أمثاله. وأما قيل من أن المراد جزاء ما كانوا يخفون، فمن قبيل دخول البيوت من ظهورها، وأبوابها مفتوحة. فتأمل (^١).\n_________\n(^١) إرشاد العقل السليم: أبو السعود (٣/ ١٢٣، ١٢٤).","vol":"1","page":573},{"text":"والناظر في أقوال المفسرين في بيان ما كان يُخفيه المشركون يوم القيامة يتبين له أن تعقب القاسمي ﵀ على أبي السعود هو كما قال، فإذا كانت الآية تحتمل معاني كلها صحيحة ولا تعارض بينها، فإنه يتعين حملها على الجميع، وذلك من أوجه:\nالأول: أن لكل وجه من الأول قرينة ونواظر تدل على صحته.\nفمن قال بأن الذي كان يُخفيه المشركون هو أعمالهم السيئة من المعاصي والشرك بالله تعالى: يؤيده ما سيقت له الآيات من إنكار المشركين بقولهم: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [سورة الأنعام: ٢٣] فينطق الله جوارحهم فتشهد عليهم بالكفر وذلك حين ﴿بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ﴾ وعلى هذا أهل التفسير (^١).\nومن قال بأن الذي كان يُخفيه المشركون هو البعث والنشور، يؤيده سياق الآيات بعدها وهو قوله تعالى:\n﴿وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾. فأنكروا البعث ليجرئوا عنى المعاصي (^٢).\nومن قال بأن الذي كان يُخفيه المشركون هو النفاق الذي كانوا يُسرونه في الدنيا، هو باعتبار أن اسم الكفر مشتمل عليهم، فعاد الضمير على بعض المذكورين، قال النحاس: وهذا من كلام العرب الفصيح (^٣).\nوأيضًا قد سبق ذكرهم في قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ (^٤). ولا ينافي هذا كون هذه السورة مكية، والنفاق إنما كان من بعض أهل المدينة ومن حولها من الأعراب، فقد ذكر الله وقوع النفاق في سورة مكية وهي العنكبوت، فقال: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾ [سورة العنكبوت: ١١]؛ وعلى هذا فيكون إخبارا عن حال المنافقين في الدار الآخرة، حين يعاينون العذاب يظهر لهم حينئذ غبُّ ما كانوا يبطنون من\n_________\n(^١) انظر: التفسير البسيط: الواحدي (٨/ ٧٨)، وانظر: الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (٨/ ٣٥٤).\n(^٢) معاني القرآن: الزجاج (٢/ ٢٤٠).\n(^٣) إعراب القرآن: النحاس (٢/ ٧)، وانظر: الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (٨/ ٣٥٤).\n(^٤) انظر: التيسير في التفسير: النسفي (٦/ ٤٧).","vol":"1","page":574},{"text":"الكفر والشقاق والنفاق، والله أعلم (^١).\nالثاني: أن القول الأول يتميز بأنه مأثور عن بعض السلف، الذين نطق الوحي المبين بفضلهم، وهم أعلم الناس بكتاب الله ممن جاء بعدهم.\nالثالث: أنه قد تقرر عند أهل التفسير قاعدة جليلة وهي أنه: \"إذا احتمل اللفظ معاني عدة ولم يمتنع إرادة الجمع، حمل عليها\" (^٢). وهنا نجد أن جميع الأوجه يحتملها اللفظ.\nيقول النيسابوري في تفسير الآية: \"والأولى حمل الآية على الكل لأنه يوم تبلى السرائر فلا جرم تظهر الفضائح والقبائح وتنكشف الأسرار وتنهتك الأستار\" (^٣).\nويقول أبو زهرة بعد إيراده للآراء: \"وأحسب أن المعاني مستقيمة، ولا مانع من جمعهم، فالنص يعمهم\" (^٤).\nويقول العثيمين ﵀ بعد إيراده للأقوال: فإن قيل: هل يمكن أن نقول: إن الآية شاملة للمعنيين؟\nفالجواب: نعم؛ لأنه لا منافاة، والقرآن الكريم عظيم تأتي فيه الآيات والجمل والكلمات تحتمل معاني متعددة، ولكن القرآن لعظمته يتسع لكل هذه المعاني، ما لم يكن بعضها منافيا لبعض، فإن كان بعضها منافيا لبعض طلب الترجيح (^٥).\n\n•<span data-type='title' id=toc-495> النتيجة:</span>\nمن خلال عرض ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن ما ورد في بيان ما كان يُخفيه المشركون يوم القيامة سواء الشرك أو إنكار البعث أو النفاق أو ما في معنى ذلك، من أن جميعه محتمل ويُمكن حمل الآية عليه، لما تقدم بيانه، وأن ما ذهب إليه أبي السعود له حظ من النظر كذلك، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٣/ ٥٢٩).\n(^٢) مختصر في قواعد التفسير: خالد السبت (ص: ٢٩).\n(^٣) غرائب القرآن: النيسابوري (٣/ ٦٧).\n(^٤) زهرة التفاسير: أبو زهرة (٥/ ٢٤٧٧)، بتصرف.\n(^٥) انظر: تفسير القرآن الكريم (سورة الأنعام): العثيمين (ص: ١٤٨).","vol":"1","page":575},{"text":"<span data-type='title' id=toc-496>٨٨ - قوله تعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَاحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [سورة الأنعام: ٣١].</span>\nقال القاسمي: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾ أي: ببلوغ الآخرة وما يتصل بها، أو هو مجرى على ظاهره، لأن منكر البعث منكر للرؤية- قاله النسفي- (^١) والثاني هو الصواب، وإن اقتصر كثيرون على الأول، وجعلوه استعارة تمثيلية لحالهم بحال عبد قدم على سيده بعد مدة، وقد اطلع السيد على أحواله. فإما أن يلقاه ببشر لما يرضى من أفعاله، أو بسخط لما يسخط منها- فإنه نزعة اعتزالية، ولا عدول إلى المجاز ما أمكنت الحقيقة (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-497> أقوال أهل العلم في المراد من التكذيب بلقاء الله في قوله تعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾:</span>\nالقول الأول: أن المراد: المعنى الحقيقي وهو: إنكار البعث بعد الممات.\nالقول الثاني: أن المراد: المعنى المجازي وهو: بلوغ الآخرة وما يتصل بها.\nأصحاب القول الأول:\nالطبري: \" ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾، يعني: الذين أنكروا البعثَ بعد الممات، والثواب والعقابَ، والجنةَ والنارَ، من مشركي قريش ومَنْ سلك سبيلهم في ذلك\" (^٣).\nالسمرقندي: \" ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾ يعني: غبن الذين جحدوا بالله، وبالبعث حين اختاروا العقوبة على الثواب\" (^٤).\n_________\n(^١) مدارك التنزيل: النسفي (١/ ٤٩٩).\n(^٢) محاسن التأويل: القاسمي (٦/ ٢٢٣٨).\n(^٣) جامع البيان: الطبري (٩/ ٢١٤).\n(^٤) بحر العلوم: السمرقندي (١/ ٤٤٣).","vol":"1","page":576},{"text":"البغوي: \" ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾ أي: خسروا أنفسهم بتكذيبهم المصير إلى الله بالبعث بعد الموت\" (^١).\nالرازي: \" ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾ المراد منه الذين أنكروا البعث والقيامة\" (^٢).\nأصحاب القول الثاني:\nالزمخشري: \" ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [سورة الأنعام: ٣٠] بكفركم بلقاء الله ببلوغ الآخرة وما يتصل بها. وقد حقق الكلام فيه في مواضع أخر. و﴿حَتَّى﴾ غاية لكذبوا لا لخسر، لأن خسرانهم لا غاية له. أي ما زال بهم التكذيب إلى حسرتهم وقت مجيء الساعة\" (^٣).\nأبو السعود: \" ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾ هم الذين حكيت أحوالهم، لكن وضع الموصول موضع الضمير؛ للإيذان بتسبب خسرانهم بما في حيز الصلة من التكذيب بلقائه تعالى بقيام الساعة، وما يترتب عليه من البعث، وأحكامه المتفرعة عليه، واستمرارهم على ذلك؛ فإن كلمة (حَتَّى) في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ﴾ غاية لتكذيبهم لا لخسرانهم، فإنه أبدي لا حد له\" (^٤).\nابن عاشور: \"اللقاء استعارة تمثيلية: شبهت حالة الخلق عند المصير إلى تنفيذ وعد الله ووعيده بحالة العبيد عند حضور سيدهم بعد غيبة\" (^٥).\n\n•<span data-type='title' id=toc-498> دراسة المسألة:</span>\nكثيرا ما يتعقب القاسمي ﵀ على من سبقه إذا عدل عن الحقيقة وحمل اللفظ على المجاز، وما ذاك إلا لحرصه وخوفه بأن يقول في كتاب الله على غير مراد الله، وكثيرا ما تُطلق\n_________\n(^١) معالم التنزيل: البغوي (٣/ ١٣٨).\n(^٢) مفاتيح الغيب: الرازي (١٢/ ٥١٣).\n(^٣) الكشاف: الزمخشري (٢/ ١٦)، وانظر: غرائب القرآن: النيسابوري (٣/ ٦٨).\n(^٤) إرشاد العقل السليم: أبو السعود (٣/ ١٢٥).\n(^٥) التحرير والتنوير: ابن عاشور (٧/ ١٨٩).","vol":"1","page":577},{"text":"ألفاظ المجاز وتُحمل عليها الألفاظ عند المعتزلة، وعلى رأسهم الزمخشري، فلعل القاسمي ﵀ يُريد من تعقبه مُخالفة أهل البدع، والله أعلم.\nوالناظر في أقوال أهل العلم والمفسرين في هذه المسألة، يتبين له أن الصواب مع أصحاب القول الأول، من أن المراد من التكذيب: المعنى الحقيقي وهو: إنكار البعث بعد الممات، وذلك من وجهين:\nالأول: أنه لم يؤثر عن السلف - الذين هم أعلم بكتاب الله ممن جاء بعدهم- المعنى المجازي، بل الذي ورد هو خلاف ذلك، كما روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال في تأويلها: \"يريد بالبعث والثواب والعقاب والمصير إليه\" (^١). وقال مقاتل بن سليمان: ﴿بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾ يعني: بالبعث (^٢)، مما يؤيد المعنى الحقيقي.\nالثاني: أن حمل اللفظ على الحقيقة في الآية غير ممتنع حتى يُحمل على المجاز، فمن شروط حمل اللفظ على المجاز: امتناع حمله على الحقيقة، كما هو مقرر عند أهل العلم (^٣).\nوقد نقل الرازي الإجماع على أنه لا يجوز صرف الكلام إلى المجاز إلا بعد تعذر حمله على الحقيقة (^٤).\nوفي هذه الآية الحقيقة بينة وواضحة ودالة على إنكار البعث.\nفائدة:\nاستدل بعض العلماء بهذه الآية على ثبوت رؤية الله ﷾ محتجا بأن الملاقاة لا بد أن تكون مواجهة، فإن صح هذا الاستدلال وإلا فنحن في غنى عنه، وإذا لم يصح هذا الاستدلال فالمراد بلقاء الله البعث بعد الموت؛ لأن الكافر لن يرى الله سبحانه\n_________\n(^١) انظر: بيان تلبيس الجهمية: ابن تيمية (١/ ٢٦٢، ٢٦٣)، وانظر: بدائع الفوائد: ابن القيم (٤/ ١٦٥٩)، وانظر: الموافقات: الشاطبي (٣/ ٢٤٩).\n(^٢) أورده السيوطي في الدر المنثور (٨/ ٣١٧).\n(^٣) انظر: التفسير البسيط: الواحدي (٨/ ٨٢)، وانظر: روح المعاني: الآلوسي (٧/ ١٢١).\n(^٤) انظر: مفاتيح الغيب: الرازي (٣٠/ ٦١٣).","vol":"1","page":578},{"text":"وتعالى كما قال ﷿: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [سورة المطففين: ١٥] (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-499> النتيجة:</span>\nيتبين من خلال ما تقدم ذكره وما تم إيراده من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، أن الصواب ما عليه أصحاب القول الأول من أن المراد من التكذيب في الآية: المعنى الحقيقي وهو: إنكار البعث، لما تقدم بيانه من الأوجه التي تؤيد ذلك، والله أعلم.\n_________\n(^١) تفسير القرآن الكريم (سورة الأنعام): العثيمين (ص: ١٦٣)، بتصرف.","vol":"1","page":579},{"text":"<span data-type='title' id=toc-500>٨٩ - قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [سورة الأنعام: ٣٨].</span>\nقال القاسمي: ما ذكرناه في معنى مماثلة الأمم لنا، من تدبيره تعالى لأمورها، وتكفله برزقها، وعدم إغفال شيء منها، مما يبين شمول القدرة، وسعة العلم- هو الأظهر. موافقة لقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ الآية. [سورة هود: ٦] والقرآن يفسر بعضه بعضا. ونقل الواحدي عن ابن عباس ﵁ أن المماثلة هي في معرفته تعالى، وتوحيده وتسبيحه وتحميده. كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [سورة الإسراء: ٤٤]، وقوله: ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ [سورة النور: ٤١] وعن أبي الدرداء ﵁ قال: أبهمت عقول البهائم عن كل شيء، إلا عن أربعة أشياء: معرفة الإله، وطلب الرزق، ومعرفة الذكر والأنثى، وتهيؤ كل واحد منهما لصاحبه. وقيل: المماثلة في أنها تحشر يوم القيامة كالناس.\nأقول: لا شك في صحة الوجهين بذاتهما، وصدق المثلية فيهما، ولكن الحمل عليهما يبعده عدم ملاقاته للآية الأخرى. فالأمس، تأييدا للنظائر، ما ذكرناه أولا- والله أعلم- (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-501> أقوال أهل العلم في المراد من مماثلة الأمم لنا في قوله تعالى: ﴿إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾:</span>\nالقول الأول: أن مماثلة الأمم لنا، من تدبيره تعالى لأمورها، وتكفله برزقها، وعدم إغفال شيء منها.\nالقول الثاني: أن المماثلة هي في معرفته تعالى، وتوحيده وتسبيحه وتحميده.\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (٦/ ٢٢٩٨، ٢٢٩٩).","vol":"1","page":580},{"text":"أصحاب القول الأول:\nابن قتيبة (^١): \" أمم أمثالكم في الغذاء وابتغاء الرزق وتوقي المهالك\" (^٢).\nالطبري: \" وكيف يغفل الله تعالى عن أعمالكم، أو يترك مجازاتكم عليها، وهو غير غافل عن عمل شيء دبَّ على الأرض صغيرٍ أو كبيرٍ، ولا عمل طائر طار بجناحيه في الهواء، بل جعل ذلك كله أجناسًا مجنَّسة وأصنافًا مصنفة، تعرف كما تعرفون، وتتصرف فيما سُخِّرت له كما تتصرفون\" (^٣).\nالقرطبي: \" والصحيح ﴿إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ في كونها مخلوقة دالة على الصانع محتاجة إليه مرزوقة من جهته، كما أن رزقكم على الله\" (^٤).\nابن جزي: \" ﴿إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ أي: أي في الخلق والرزق، والحياة والموت\" (^٥).\nأصحاب القول الثاني:\nأبو عبيدة: \" إلا أجناس يعبدون الله، ويعرفونه\" (^٦).\nعطاء: \" أمم أمثالكم في التوحيد والمعرفة \" (^٧).\n_________\n(^١) وهو: العلامة، الكبير، ذو الفنون، أبو محمد، عبد الله بن مسلم بن قتيبة، الدينوري، وقيل: المروزي، الكاتب، صاحب التصانيف. نزل بغداد، وصنف وجمع، وبعد صيته مات سنة ٢٧٦ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء: الذهبي (١٣/ ٢٩٦).\n(^٢) انظر: معالم التنزيل: البغوي (٣/ ١٤٢)، وانظر: زاد المسير: ابن الجوزي (٢/ ٢٦).\n(^٣) جامع البيان: الطبري (٩/ ٢٣٢).\n(^٤) الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (٨/ ٣٧١).\n(^٥) التسهيل: ابن جزي (١/ ٢٦٠).\n(^٦) مجاز القرآن: أبو عبيدة (١/ ١٩١)، وانظر: زاد المسير: ابن الجوزي (٢/ ٢٦)، وانظر: البحر المحيط: أبو حيان (٩/ ١٤٢).\n(^٧) انظر: معالم التنزيل: البغوي (٣/ ١٤٢)، وانظر: زاد المسير: ابن الجوزي (٢/ ٢٦).","vol":"1","page":581},{"text":"مكي بن أبي طالب (^١): \" المماثلة في أنهم يعرفون الله ويعبدونه\" (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-502> دراسة المسألة:</span>\nمن خلال التأمل والنظر فيما يقوله المفسرون وما يوردونه في تفسير الآية، يظهر أن الأولى بأن يُقال في المراد من مماثلة الأمم لنا هو: في معرفته تعالى، وتوحيده وتسبيحه وتحميده، وهو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني، وذلك من وجهين:\nالأول: أن القول بأن مماثلة الأمم لنا في معرفته تعالى، وتوحيده وتسبيحه وتحميده، هو المأثور عن جمع من السلف كما تقدم، والقاعدة المقررة: \"أن تفسير السلف وفهمهم لنصوص الوحي حجة على من بعدهم\" (^٣).\nويدل على ذلك ما أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله عن ابن عباس ﵄ أنه قال للخوارج لما أراد مناظرتهم: \" جئتكم مِنْ عند أصحاب رسول الله ﷺ، وليس فيكم منهم أحدٌ، ومِن عند ابن عمِّ رسول الله ﷺ وعليهم نزل القرآن، وهم أعلم بتأويله، جئت لأبلغكم عنهم وأبلغهم عنكم\" (^٤).\nفهذا الأثر صريح في الدلالة على فضل الصحابة، وأنهم أعلم بكتاب الله ممن جاء بعدهم، لا سيما حبر الأمة وترجمان القرآن ابن عباس ﵁، فكان قوله ومن معه من السلف في تفسير الآية مقدم على غيرهم.\nالثاني: أن القول بأن المراد من مماثلة الأمم لنا هو في معرفته تعالى، وتوحيده وتسبيحه وتحميده، له نظائر عدة من القرآن مثل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ﴾ [سورة\n_________\n(^١) وهو: العلامة، المقرئ، أبو محمد مكي بن أبي طالب حموش بن محمد بن مختار القيسي، القيرواني، ثم القرطبي، صاحب التصانيف، ولد: بالقيروان سنة ٣٥٥ هـ، ومات سنة ٤٣٧ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء: الذهبي (١٧/ ٥٩١).\n(^٢) انظر: الهداية: مكي بن أبي طالب (وانظر: المحرر الوجيز: ابن عطية (٣/ ٧٥٢).\n(^٣) قواعد الترجيح: حسين الحربي (١/ ٢٧١).\n(^٤) أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (٢/ ٩٦٢).","vol":"1","page":582},{"text":"الحج: ١٨] وقوله: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ﴾ [سورة النحل: ٤٩] ويدل عليه قوله تعالى: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ [سورة سبأ: ١٠] ويدل عليه قوله: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [سورة النحل: ٦٨] (^١).\nتنبيه:\nما ذكره بعض المفسرين من أن المراد من مماثلة الأمم لنا: تدبيره تعالى لأمورها، وتكفله برزقها، وعدم إغفال شيء منها، أو أن تُحمل المماثلة على كل ما يمكن وجود شبه فيه كائنا ما كان، أو على أنها تُحشر يوم القامة كما نُحشر (^٢)، صحيح في الجملة وتؤيده بعض نواظر الآي وشواهد اللغة، وليس بمضاد لتفسير ابن عباس ﵁ ومن معه، إلا أن الأولى والأرجح ما تقدم ذكره.\n\n•<span data-type='title' id=toc-503> النتيجة:</span>\nيظهر من خلال ما تقدم ذكره في هذه المسألة، أن ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني من أن القول بأن المراد من المماثلة المعرفة والتوحيد والتسبيح، ليس ببعيد من معنى الآية ونظائرها كما يقول القاسمي ﵀، خلافًا لاختياره، لما تقدم إيراده من الأوجه التي تؤيد ذلك، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: شفاء العليل: ابن القيم (١/ ٢٥٧).\n(^٢) انظر: المحرر الوجيز: ابن عطية (٣/ ٧٥١، ٧٥٢)، وانظر: مفاتيح الغيب: الرازي (١٢/ ٥٢٥)، وانظر: فتح القدير: الشوكاني (٢/ ١٣٠).","vol":"1","page":583},{"text":"<span data-type='title' id=toc-504>٩٠ - قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (٣٨)﴾ [سورة الأنعام: ٣٨].</span>\nقال الخفاجي: وأما ما قيل: إن (فرَّط) يتعدى بنفسه، لِمَا وقع في القاموس (فَرَّطَ الشيءَ، وفَرَّطَ فيه تَفريطًا ضَيَّعه وقَدَّم العَجْزَ فيه وقصَّر) (^١) فلا نسلم أنه يتعدى بنفسه، وتفرد صاحب القاموس بأمر، لا يسمع في مقابلة الزمخشري وغيره. مع أنه يحتمل أن تعديته المذكورة فيه ليست وضعية، بل مجازية، أو بطريق التضمين (^٢).\nقال القاسمي: أقول: ما للمجد في القاموس، ليس من تفرداته وعنديَّاته، إذ اللغة مرجعها السماع، لا الاجتهاد. وموازنته بين الزمخشري وغيره، من باب معرفة الحق بالرجال، الذي الصواب عكسه، على أنه ليس في (الكشاف) ما يقتضي ما زعمه (^٣).\n\n•<span data-type='title' id=toc-505> أقوال أهل العلم في إعراب قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾:</span>\nالقول الأول: أن قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا﴾ يتعدى بنفسه دون الحاجة إلى حرف جر، كما تقدم في كلام الفيروز آبادي.\nالقول الثاني: أن قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا﴾ لا يتعدى بنفسه، إنما يتعدى بحرف، وقد عدى بـ ﴿فِي﴾ إلى ﴿الْكِتَابِ﴾ فلا يتعدى بحرف آخر، وإلى هذا ذهب أبو البقاء وغيره، وسيأتي.\nالقول الثالث: أن قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا﴾ من حيث حقيقة اللفظ لا يتعدى بنفسه، وإنما مجاز أو بطريق التضمين، أي تضمن معنى فعل آخر، أي: فرط به أو فرط فيه، أو بمعنى قصَّر، أو أن يكون تضمن التعدية بحرف جر، وهو قريب من القول الثاني كما سيأتي، وأما الفعل (فرط) بلفظه فلا يتعدى بنفسه، كما تقدم في كلام الخفاجي.\n_________\n(^١) القاموس المحيط: مجد الدين الفيروز آبادي (ص: ٦٨١).\n(^٢) عناية القاضي: الشهاب الخفاجي (٤/ ٥٥).\n(^٣) محاسن التأويل: القاسمي (٦/ ٢٣٠٦، ٢٣٠٧).","vol":"1","page":584},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-506> دراسة المسألة:</span>\nتعددت أقوال أهل العلم في هذه المسألة كما تقدم، وما يترتب عليها من كل قول من الأقوال منها من معاني، والمتأمل فيما ذكره المفسرون يجد أن جميعها مُحتمل، ويُمكن حملها على الآية، إلا أن جميع هذه الأقوال قد تعرضت لتعقبات وإيرادات ترد عليها.\nفأما القول الأول: وهو أن قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا﴾ يتعدى بنفسه دون الحاجة إلى حرف جر، قد تعقبه جمع من أهل العلم بأنه لا يجوز أن يكون ﴿شَيْءٍ﴾ مفعول به، عدى إليه ﴿فَرَّطْنَا﴾؛ لأن ﴿فَرَّطْنَا﴾ لا يتعدى بنفسه بل بحرف الجر، وقد عدى بـ (في) إلى (الكتاب) فلا يتعدى بحرف آخر (^١).\nقال أبو البقاء: ﴿مِنْ﴾ في قوله تعالى ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ زائدة (^٢). و﴿شَيْءٍ﴾ هنا واقع موقع المصدر. أي: تفريطا. وعلى هذا التأويل لا يبقى في الآية حجة لمن ظن أن الكتاب يحتوي على ذكر كل شيء صريحا (^٣). ونظير ذلك: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ [سورة آل عمران: ١٢٠] أي ضررا. وقد ذكرنا له نظائر (^٤). ولا يجوز أن يكون ﴿شَيْئًا﴾ مفعولا به، لأن فرطنا لا تتعدى بنفسها بل بحرف الجر، وقد عديت بـ ﴿فِي﴾ إلى ﴿الْكِتَابِ﴾، فلا تتعدى بحرف آخر، ولا يصح أن يكون المعنى: ما تركنا في الكتاب من شيء، لأن المعنى على خلافه، فبان أن التأويل ما ذكرنا (^٥).\n_________\n(^١) انظر: إعراب القرآن العظيم: السنيكي (ص: ٢٥٤)، وانظر: روح المعاني (٨/ ١٤٨).\n(^٢) الصواب أن يقال بأن (من) زائدة للتوكيد، فليس في كتاب الله تعالى شيء زائد لغير معنى أبدا؛ لأن القرآن لفظ ومعنى، ولكن يراد: الزيادة الإعرابية، يعني: زائدا إعرابا، أما معنى فلا. ينظر: تفسير القرآن الكريم (سورة الأنعام): العثيمين (ص: ٢٠٧).\n(^٣) قوله: «يحتوي على ذكر كل شيء صريحا» لم يقل به أحد؛ لأنه مكابرة في الضروريات - يعني: أن الحقائق الضرورية لا يُمكن جهلها، ولا أن يجتهد الإنسان لإثباتها وذلك لضروريتها-. ينظر: الدر المصون: السمين الحلبي (٤/ ٦١٣).\n(^٤) يريد من النظائر: ما ذكره في تفسير قوله تعالى: ﴿إنهم لن يضروا الله شيئا﴾ [سورة آل عمران: ١٧٦]، وقوله تعالى: ﴿وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا﴾ [سورة المائدة: ٤٢]، ينظر: التبيان: العكبري (١/ ٣١٢، ٤٣٨).\n(^٥) التبيان في إعراب القرآن: العكبري (١/ ٤٩٣).","vol":"1","page":585},{"text":"والجواب عما ذكره أبو البقاء: أن يقال بأنه يجوز ذلك، من أن (فرّط) يتعدى بنفسه، وذلك لأن اللغة مرجعها إلى السماع وليس الاجتهاد، وتدل على ذلك بعض الشواهد الشعرية، ومن ذلك قول صخر الغَيّ (^١):\nذلك بَزّي فلن أُفَرِّطَه … أخاف أن يُنجزوا الذي وَعدوا (^٢)\nقال ابن سيده (^٣): يقول. لا أضيعه، وقوله: بزي، أراد سلاحي.\nوقال أبو عمرو (^٤): فرطتك في كذا وكذا، أي تركتك. وبه فسر أيضا قول صخر (^٥).\nفالشاهد من الشعر هو في قوله: (أُفَرِّطَه) ووجه ذلك: أنه تعدى إلى المفعول به وهو في هاء الضمير، بدون واسطة حرف الجر، ولم يقل: فلن أفرط فيه.\nوقول ساعدة ابن جُؤَيّة الهذلي (^٦) يصف مُشْتار العسل:\nمَعَه سِقاءٌ لا يُفَرِّطُ حَملَه … صُفنٌ وأخراصٌ يَلْحُنَ ومِسْأَبُ (^٧)\nمعه سقاء لا يفرط حمله، أي: لا يتركه، والصفن وعاء فيه أداته، والأخراص أعواد يخرج بها العسل وهي المشاور، ومسأب سقاء ضخم (^٨).\n_________\n(^١) وهو: صخر بن عمر بن الحارث بن الشريد الرياحي السلمي، من بني سليم ابن منصور، من قيس عيلان: أخو الخنساء الشاعرة. كان من فرسان بني سليم وغزاتهم. جرح في غزوة له على بني أسد بن خزيمة، ومرض قريبا من الحول. ينظر: الأغاني: الأصفهاني (٢٢/ ٣٤٥، ٣٤٦)، وينظر: الأعلام: الزركلي (٣/ ٢٠١).\n(^٢) انظر: ديوان الهذليين: الشعراء الهذليون (٢/ ٦١).\n(^٣) وهو: الحافظ أبو الحسن علي بن إسماعيل المعروف بابن سيده المرسي؛ كان إماما في اللغة والعربية حافظا لهما وقد جمع في ذلك جموعا، ككتاب: المحكم، والمخصص، وغير ذلك، مات سنة ٤٥٨ هـ. ينظر: وفيات الأعيان: ابن خلكان (٣/ ٣٣٠).\n(^٤) وهو: إسحاق بن مرار أبو عمرو الشيباني الكوفي، كان نبيلا فاضلا، وكان راوية أهل بغداد واسع العلم باللغة والشعر ثقة في الحديث، كثير السماع وله كتب كثيرة في اللغة، مات سنة ٢١٣ هـ. ينظر: الوافي بالوفيات: الصفدي (٨/ ٢٧٥).\n(^٥) انظر: تاج العروس: الزبيدي (١٩/ ٥٣٢، ٥٣٣).\n(^٦) وهو: ساعدة بن جوين، ويقال: ابن جوية بن كاهل بن الحارث بن سعد الهذلي، شاعر جاهلي مخضرم من بني كعب، محسن وشعره محشو بالغريب والمعاني الغامضة، أسلم، وليست له صحبة، ينظر: الإصابة: ابن حجر (٣/ ٢٠٣) وينظر: الأعلام: الزركلي (٣/ ٧٠)\n(^٧) انظر: ديوان الهذليين: الشعراء الهذليون (١/ ١٨٠).\n(^٨) انظر: المعاني الكبير في أبيات المعاني: الدينوري (٢/ ٢٦٦)، وانظر: الصحاح: الجوهري (٣/ ١٠٣٦)، وانظر: تاج العروس: الزبيدي (١٩/ ٥٣٣)، وانظر: محاسن التأويل: القاسمي (٦/ ٢٣٠٧).","vol":"1","page":586},{"text":"والشاهد من الشعر هو في قوله: (يُفَرِّطُ)، ووجه ذلك: أن (حَملَه) مفعول به لـ (يُفَرِّطُ) وتعدى الفعل (يُفَرِّطُ) بدون حرف جر، فلم يقل: لا يُفرّط في حمله.\nوبهذا يتبين أن القول بأن (فرَّط) تتعدى بنفسها، له حظ من النظر لما تقدم إيراده من الشواهد الشعرية التي تدل على ذلك.\nوأما القول الثاني: وهو أن قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا﴾ لا يتعدى بنفسه، إنما يتعدى بحرف، وقد عدى بـ ﴿فِي﴾ إلى ﴿الْكِتَابِ﴾ فلا يتعدى بحرف آخر، وهو الذي ذهب إليه أبو البقاء وتبعه الشهاب الخفاجي (^١)، فقد تُعُقِّبَ بأنه يجوز أن يكون ﴿فرَّط﴾ يتعدى بنفسه، لدخول النفي عليه.\nقال أبو حيان مُعقبًا على أبي البقاء: \" وما ذكره من أنه لا يبقى على هذا التأويل حجة لمن ذكر ليس كما ذكر لأنه إذا تسلط النفي على المصدر كان المصدر منفيا على جهة العموم، ويلزم من نفي هذا العموم نفي أنواع المصدر ونوع مشخصاته، ونظير ذلك (لا قيام) فهذا نفي عام فينتفي منه جميع أنواع القيام ومشخصاته كقيام زيد وقيام عمرو وما أشبه ذلك فإذا نفي التفريط على طريقة العموم كان ذلك نفيا لجميع أنواع التفريط ومشخصاته ومتعلقاته، فيلزم من ذلك أن الكتاب يحتوي على ذكر كل شيء\" (^٢).\nوتعقبُ أبو حيان أجاب عنه ابن عرفة فقال: رآها أن النفي دخل على الفعل المؤكد بالمصدر فنفاه، ونحن نقول: دخل على الذي قبل التأكيد ثم أكد بعد ذلك، وهو نفي أعم لا نفي أخص (^٣).\nوأما القول الثالث: فهو قريب من القول الثاني وكأنه أعم منه، وهو أن قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا﴾ من حيث حقيقة اللفظ لا يتعدى بنفسه، وإنما مجاز أو بطريق التضمين، أي تضمن معنى فعل آخر، أي: فرط به أو فرط فيه، أو بمعنى قصَّر، أو أن يكون تضمن التعدية\n_________\n(^١) انظر: عناية القاضي: الشهاب الخفاجي (٤/ ٥٥).\n(^٢) البحر المحيط: أبو حيان (٩/ ١٤٥).\n(^٣) انظر: تفسير ابن عرفة (٢/ ١٥٣).","vol":"1","page":587},{"text":"بحرف جر، فقد تعقبه القاسمي ﵀ كما تقدم.\nوالجواب عليه: هو ما تقدم إيراده على القول الأول والثاني، من بيان أن قوله تعالى ﴿مَا فَرَّطْنَا﴾ يتعدى بنفسه، كما دلت على هذا الشواهد الشعرية من اللغة، ودخول النفي على المصدر.\nتنبيه:\nبعد أن ذكر القاسمي ﵀ مجمل هذه الأقوال قال مُعقّبًا: \" وبه يعلم سقوط ما لأبي البقاء، وسقوط دعوى أن أصله أن يتعدى بـ (في) ودعوى التضمين السابقة، وتكليف كون شيء واقعا موقع المصدر\" (^١).\nوظاهر قوله هو نسف لجميع الأقوال المتقدمة، ولكن الذي يظهر أنه يُريد من السقوط: أن استدلال كل قول من الأقوال لما ذهب إليه، يرد عليه إيراد يُضعفه، فلا يرقى أن يكون أرجح من غيره، والله أعلم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-507> النتيجة:</span>\nبعد ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، وما استدل به كل فريق، يظهر والله أعلم أن جميع هذه الأقوال، مما يصح حمله على الآية، وإن كانت ترد عليها بعضًا من الإيرادات التي قد تُضعفها بعض الشيء.\nوأن الذي استشهد به القاسمي ﵀ من الشواهد التي تؤيد القول بأن (فرَّط) تتعدى بنفسها له حظ من النظر، والله أعلم.\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (٦/ ٢٣٠٧).","vol":"1","page":588},{"text":"<span data-type='title' id=toc-508>٩١ - قوله تعالى: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٥)﴾ [سورة الأنعام: ٤٥].</span>\nقال النَّاصر في (الانتصاف) - وهو ابن المنير-: ونظيرها قوله تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (٥٨) قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (٥٩)﴾ [سورة النمل: ٥٨، ٥٩] فيمن وقف هاهنا، وجعل الحمد على إهلاك المتقدم ذكرهم من الطاغين، ومنهم من وقف على المنذرين وجعل الحمد متصلا بما بعده من إقامة البراهين على وحدانية الله تعالى، وأنه ﷻ خير مما يشركون. فعلى الأول يكون الحمد ختما، وعلى الثاني فاتحة، وهو مستعمل فيهما شرعا، ولكنه في آية النمل أظهر في كونه مفتتحا لما بعده، وفي آية الأنعام ختم لما تقدمه حتما، إذ لا يقتضي السياق غير ذلك (^١).\nقال القاسمي: قلت: إذا جرينا على ما هو الأسد في الآي من توافق النظائر، اقتضى حمل آية النمل على ما هنا، وادّعاء الأظهريّة فيها ممنوع. فإن التنزيل يفسر بعضه بعضا. فتأمل (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-509> أقوال أهل العلم في افتتاح الحمد واختتامه في قوله تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ وقوله: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ من حيث الأظهر، ومن حيث توافق النظائر:</span>\nالقول الأول: أن الأظهر هو أن يكون الحمد في آية الأنعام ختمًا، وفي آية النمل افتتاحًا، دون توافق النظائر في آية النمل وآية الأنعام.\nالقول الثاني: أن ادعاء الأظهرية ممنوع، فيجوز أن يكون الحمد ختمًا ويجوز أن يكون افتتاحًا في آية النمل، فتحمل آية النمل على آية الأنعام.\n_________\n(^١) الكشاف للزمخشري مذيل بحاشية (الانتصاف فيما تضمنه الكشاف) لابن المنير (٢/ ٢٤).\n(^٢) محاسن التأويل: القاسمي (٦/ ٢٣١٥).","vol":"1","page":589},{"text":"أصحاب القول الأول:\nظاهر قول الطبري: \"يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ ﴿قُلِ﴾ يا محمد ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ على نعمه علينا، وتوفيقه إيانا لما وفقنا من الهداية\" (^١).\nظاهر قول ابن كثير: \" يقول تعالى آمرا رسوله ﷺ أن يقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ أي: على نعمه على عباده، من النعم التي لا تعد ولا تحصى، وعلى ما اتصف به من الصفات العلى والأسماء الحسنى\" (^٢).\nأصحاب القول الثاني:\nما ذهب إليه جماعة من المفسرين: من أن قوله تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ متصل بما قبله، وأمر بالتحميد على إهلاك الظالمين؛ كقوله تعالى: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (^٣).\nابن عاشور: \"أمر الرسول بالحمد على ما احتوت عليه القصص السابقة من نجاة الرسل من العذاب الحال بقومهم وعلى ما أعقبهم الله على صبرهم من النصر ورفعة الدرجات. وعلى أن أهلك الأعداء الظالمين كقوله ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ \" (^٤).\nأبو زهرة: \" ونظير هذا النص - يعني قوله تعالى: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ - قوله تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (٥٨) قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ الآية\" (^٥).\n_________\n(^١) جامع البيان: الطبري (١٨/ ٩٨).\n(^٢) تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٥/ ٦٨٢).\n(^٣) انظر: تفسير القرآن العظيم: السخاوي (١/ ٢٠)، وانظر: فتوح الغيب: الطيبي (١١/ ٥٤٩).\n(^٤) التحرير والتنوير: ابن عاشور (٢٠/ ٦).\n(^٥) زهرة التفاسير: أبو زهرة (٥/ ٢٥٠٢).","vol":"1","page":590},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-510> دراسة المسألة:</span>\nبعد التأمل والنظر فيما ذكره أي تأويل الآية عمومًا وفي هذه المسألة خصوصًا، يظهر أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني، من أن الحمد في آية الأنعام وآية النمل، يكون ختمًا وفاتحة، بحسب الوقف عليه، دون التنصيص على الأظهر، وذلك من وجهين:\nالأول: أن القاعدة المقررة عند أهل العلم أن القرآن يُفسر بعضه بعضا، فتفسير كلام الله تعالى بكلامه، من أقرب الطرق إلى الصدق والصواب، فإذا دل موضع من القرآن على المراد بموضع آخر فإنه يُحمل عليه، كما نص على هذا غير واحد من أهل العلم (^١).\nوبناء على ذلك: فإن آية النمل يجوز أن يكون الحمد فيها فاتحة لما بعدها من ذكر إقامة البراهين على وحدانية الله تعالى، ويجوز أن يكون ختمًا لما تقدم من هلاك المُنذَرين.\nويتفرع من هذه القاعدة: النظر في نظائر الآية: فإن آية النمل لها نظائر من آيات أُخر في القرآن، ومن ذلك: أن الله تعالى بعد أن ذكر حال المُعذبين في النار في آخر سورة سبأ وهي قوله تعالى: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ﴾ [سورة سبأ: ٥٤] ثم افتتح سورة فاطر بعدها بالحمد، فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [سورة فاطر: ١]، وهو كقوله تعالى: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة الأنعام: ٤٥] (^٢).\nومن نظائر آية النمل: قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ (٩٢) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [سورة النمل: ٩٣] (^٣).\n_________\n(^١) انظر: مفاتيح الغيب: الرازي (١٠/ ٣٥)، وانظر: مقدمة أصول التفسير: ابن تيمية (ص: ٣٩)، وانظر: التسهيل: ابن جزي (١/ ١٩).\n(^٢) انظر: الإتقان: السيوطي (٣/ ٣٨٠)، وانظر: أسرار ترتيب القرآن: السيوطي (ص: ١٢٥)، وانظر: الزيادة والإحسان: ابن عقيلة المكي (٦/ ٣١٩).\n(^٣) انظر: التحرير والتنوير: ابن عاشور (٢٠/ ٦).","vol":"1","page":591},{"text":"فقد ذكر الله تعالى البشارة لمن اهتدى والانذار لمن ضل، ثم أعقب ذلك بأمر النبي بالحمد، وهو كما قال الله تعالى في آية النمل بعد هلاك الضالين: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾.\nومن نظائر آية النمل: قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سورة الزمر: ٢٩].\nقال أبو حيان: \"ولفظة ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ تشعر بوقوع الهلاك بهم بقوله: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ \" (^١).\nوبناء على تلك النظائر، تُحمل آية النمل بنظائرها على آية الأنعام.\nالثاني: من حيث السياق ومناسبة الآيات لما قبلها: وذلك أن الخطاب للرسول الله ﷺ بأن يحمد الله تعالى على هلاك كفار الأمم الخالية، فلما استوفى غرض الاعتبار والإنذار حقه بذكر عواقب بعض الأمم التي كذبت الرسل وهي أشبه أحوالا بأحوال المكذبين بمحمد ﷺ وبالكتاب الذي أنزل عليه، وفي خلال ذلك وحفافيه تسلية النبيء ﷺ على ما يلقاه من قومه، أقبل الله بالخطاب إلى الرسول ﷺ يلقنه ماذا يقوله عقب القصص والمواعظ السالفة استخلاصا واستنتاجا منها، وشكر الله على المقصود منها.\nفالكلام استئناف والمناسبة ما عَلِمْت. أُمِرَ الرسول ﷺ بالحمد على ما احتوت عليه القصص السابقة من نجاة الرسل من العذاب الحال بقومهم وعلى ما أعقبهم الله على صبرهم من النصر ورفعة الدرجات (^٢).\n_________\n(^١) البحر المحيط: أبو حيان (١٨/ ٣٣٤).\n(^٢) انظر: بحر العلوم: السمرقندي (٢/ ٥٨٨)، وانظر: معالم التنزيل: البغوي (٦/ ١٧١)، وانظر: الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (١٦/ ١٨٩)، وانظر: روح المعاني: الآلوسي (٢٠/ ١٩، ٢٠) التحرير والتنوير: ابن عاشور (٢٠/ ٦).","vol":"1","page":592},{"text":"فهذا السياق يدل صراحة على اتصال الحمد في قوله تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ على ما قبله من ذكر هلاك المُنذرين، وعليه: فيجوز حمل الآية بما دلت عليه من معنى الحمد بحسب السياق ومناسبتها لما قبلها على آية الأنعام، والقرآن يُفسر بعضه بعضا.\n\n•<span data-type='title' id=toc-511> النتيجة:</span>\nمن خلال ما تقدم ذكره من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يظهر أن الراجح ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني من أنه يجوز حمل آية الأنعام على آية النمل من افتتاح الحمد واختتامه، دون التنصيص على الأظهر، لما تقدم إيراده من الوجهين الذيْن يؤيدان ذلك، والله أعلم.","vol":"1","page":593},{"text":"<span data-type='title' id=toc-512>٩٢ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (٥٢)﴾ [سورة الأنعام: ٥٢].</span>\nقال القاسمي: ما أورده الرازي من كونه ﷺ طردهم، ثم أخذ يتكلف في الجواب عنه، لمنافاته العصمة على زعمه، فبناء على واه. والقاعدة المقررة أن البحث في الأثر فرع ثبوته، وإلا فالباطل يكفي في رده، كونه باطلا (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-513> أقوال أهل العلم في طرد النبي ﷺ بعضًا من المؤمنين طمعًا في إيمان بعض المشركين:</span>\nالقول الأول: أن النبي ﷺ طردهم، كما ذهب إلى ذلك الرازي.\nالقول الثاني: أن النبي ﷺ لم يطردهم، وإنما هم بإبعادهم عن مجلسه، وإلى هذا ذهب عامة المفسرين (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-514> دراسة المسألة:</span>\nأورد الفخر الرازي في تفسيره الروايات الواردة في سبب نزول الآية من أن الملأ من قريش طلبوا من الرسول ﷺ أن يطرد جماعة من ضعفة المؤمنين، وفي معرض رده على الطاعنين في عصمة الأنبياء ذكر أن النبي ﷺ ما طردهم لأجل الاستخفاف بهم والاستنكاف من فقرهم وإنما عين لجلوسهم وقتا معينا سوى الوقت الذي كان يحضر فيه أكابر قريش.\nوذكر أيضًا أن طرد النبي ﷺ لهم ليس من الظلم، لأن الظلم عبارة عن وضع الشيء\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (٦/ ٢٣٢٤).\n(^٢) انظر: التفسير البسيط: الواحدي (٨/ ١٦٢)، وانظر: زاد المسير: ابن الجوزي (٢/ ٣٢، ٣٣)، وانظر: الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (٨/ ٣٨٨)، وانظر: تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٣/ ٥٣٩).","vol":"1","page":594},{"text":"في غير موضعه (^١).\nوالذي فهمه الرازي من الروايات الواردة في سبب نزول الآية من أن النبي ﷺ طرد جماعة من المؤمنين طمعًا في إيمان بعض سادات المشركين، مردود من وجهين:\nالأول: الروايات الصحيحة الصريحة التي دلت على أن النبي ﷺ لم يطرد أحدًا من المؤمنين، إنما هم بطردهم، أو إبعادهم عن مجلسه، ووقع في نفسه شيئًا من ذلك.\nفقد روى مسلم في صحيحه عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: كنا مع رسول الله ﷺ ستة نفر، فقال له المشركون: اطرد هؤلاء يجترءون علينا! قال: وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل وبلال ورجلان لست أسميهما، فوقع في نفس رسول الله ﷺ ما شاء الله أن يقع، فحدث نفسه، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ ..﴾ الآية (^٢).\nوروى أحمد في مسنده عن ابن مسعود، قال: \"مر الملأ من قريش على رسول الله ﷺ، وعنده خباب، وصهيب، وبلال، وعمار، فقالوا: يا محمد، أرضيت بهؤلاء؟ فنزل فيهم القرآن: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ [سورة الأنعام: ٥١]- إلى قوله - ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ﴾ [سورة الأنعام: ٥٨] \" (^٣).\nوغير ذلك من الروايات الدالة على أن النبي ﷺ لم يطردهم، وإنما هم بطردهم، فنزلت الآيات تنهاه عن ذلك.\nالثاني: أن الطرد كما هو معلوم، هو الإبعاد مع الإزعاج على سبيل الاستخفاف، وليس في ظاهر الروايات ما يدل على ذلك (^٤).\n_________\n(^١) انظر: مفاتيح الغيب: الرازي (١٢/ ٥٤١).\n(^٢) أخرجه مسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب في فضل سعد بن أبي وقاص ﵁، برقم: (٢٤١٣).\n(^٣) أخرجه أحمد في مسنده (٧/ ٩٢) برقم: (٣٩٨٥)، وحسنه محققوه بالشواهد، وأخرج بنحوه ابن أبي حاتم في تفسيره عن ابن عباس (٤/ ١٢٩٦) برقم: (٧٣٢٢)، وأورده ابن كثير في تفسيره (٣/ ٥٣٨).\n(^٤) انظر: عمدة الحفاظ: السمين الحلبي (٢/ ٣٩٧).","vol":"1","page":595},{"text":"تنبيهان:\nالأول: لعل الرازي ﵀ يُريد في جوابه على الطاعنين في عصمة الأنبياء، من أن النبي ﷺ طرد ضعفاء المسلمين، أن ذلك على التسليم الجدلي من أن النبي ﷺ طردهم، فالجواب كذا وكذا، وإلا فظاهر كلام الرازي أن النبي ﷺ طردهم، والله أعلم.\nالثاني: ما أورده الماتريدي في تفسيره وتعقب به عامة المفسرين من أن النبي ﷺ هم أن يطرد ضعفة المسلمين، طمعًا في إيمان بعض المشركين، ووصفه بأنهم نسبوا إلى النبي ﷺ أوحش فعل وأوحشه إل آخر كلامه (^١)، فغير مُسَلَّم لما دلت عليه الروايات المتقدمة من أن النبي ﷺ هم بذلك، والله أعلم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-515> النتيجة:</span>\nيتبين من خلال ذكر ما تقدم ذكره في هذه المسألة، أن الصواب هو ما عليه عامة المفسرين، من أن النبي ﷺ لم يطرد الضعفة من المسلمين، وإنما هم بإبعادهم، فنزلت الآية تنهاه عن ذلك، لظاهر الروايات التي تقدم إيرادها الدالة على ذلك، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: تأويلات أهل السنة: الماتريدي (٤/ ٩١).","vol":"1","page":596},{"text":"<span data-type='title' id=toc-516>٩٣ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (٥٢)﴾ [سورة الأنعام: ٥٢].</span>\nقال القاسمي: قيل: الضمير للمشركين، والمعنى: لا يؤاخذون بحسابك، ولا أنت بحسابهم، حتى يهمك إيمانهم، ويجرك الحرص عليه إلى أن تطرد المؤمنين.\nوأغرب المهايمي حيث قال: والعُماة، لكونهم أرباب شرف ومال، يكرهون مجالستهم، لقلة شرفهم ومالهم، فقال ﷿ لأشرف الناس: ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي: ما يعود عليك من نقصهم في الشرف والمال عليهم من شيء، فإذا لم يلحقك نقصهم، ولم يأخذوا كمالك بسلبه عنك، فلا وجه لطردهم (^١).\nوفيه بعد، لعدم ملاقاته لآية نوح السالفة (^٢). ولا يخفى مراعاة النظائر (^٣).\n\n•<span data-type='title' id=toc-517> أقوال أهل العلم في المراد من الضمير في قوله تعالى: ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾:</span>\nالقول الأول: أن الضمير للمؤمنين، أي: ما عليك أيها النبي من حساب عملهم من شيء من ثواب أو عقاب، أو من حساب رزقهم وفقرهم من شيء.\nالقول الثاني: أن الضمير للمشركين، أي: ليس عليك من حسابهم من شيء إن كفروا وكذبوا فتطرد الفقراء لتدني مجلسهم منك.\nالقول الثالث: أن الضمير لأصحاب الأموال والشرف، أي: ما يعود عليك من نقصهم في الشرف والمال عليهم من شيء، وهو قريب من القول الثاني، لأن المشركين هم\n_________\n(^١) تبصير الرحمن: المهايمي (١/ ٢١٩).\n(^٢) سيأتي إيرادها.\n(^٣) محاسن التأويل: القاسمي (٦/ ٢٣٢٦).","vol":"1","page":597},{"text":"أصحاب الأموال والشرف في هذه الحالة.\nأصحاب القول الأول:\nالطبري: \" ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ يقول: ما عليك من حساب ما رزقتهم من الرزق من شيء، وما عليهم من حساب ما رزقتك من الرزق من شيء، فتطردهم حذار محاسبتي إياك بما خولتهم في الدنيا من الرزق\" (^١).\nالسمرقندي: \"يعني به: الضعفة من المسلمين، فلا تطردهم لأنه ليس عليك من حسابهم من شيء أي: فليس عليك من أرزاقهم شيء لكن أرزاقهم على الله\" (^٢).\nابن أبي زمنين: \" ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ يعني: المؤمنين الذين قالت له قريش: اطردهم\" (^٣).\nالشوكاني: \" ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ هذا كلام معترض بين النهي وجوابه، متضمن لنفي الحامل على الطرد: أي حساب هؤلاء الذين أردت أن تطردهم موافقة لمن طلب ذلك منك هو على أنفسهم ما عليك منه شيء، وحسابك على نفسك ما عليهم منه شيء، فعلام تطردهم؟ \" (^٤).\nأصحاب القول الثاني:\nما ذهب إليه جماعة من المفسرين: من أن الضمير للمشركين. والمعنى: لا يؤاخذون بحسابك ولا أنت بحسابهم، حتى يهمك إيمانهم ويحرك الحرص عليه إلى أن تطرد المؤمنين (^٥).\n_________\n(^١) جامع البيان: الطبري (٩/ ٢٧٠).\n(^٢) بحر العلوم: السمرقندي (١/ ٤٥٠).\n(^٣) تفسير القرآن العزيز: ابن أبي زمنين (٢/ ٧١).\n(^٤) فتح القدير: الشوكاني (٢/ ١٣٦).\n(^٥) انظر: الكشاف: الزمخشري (٢/ ٢٨)، وانظر: المحرر الوجيز: ابن عطية (٤/ ١٠)، وانظر: مفاتيح الغيب: الرازي (١٢/ ٥٤٢)، وانظر: أنوار التنزيل: البيضاوي (٢/ ١٦٣)، وانظر: التسهيل: ابن جزي (١/ ٢٦٢)، وانظر: البحر المحيط: أبو حيان (٩/ ١٧٩).","vol":"1","page":598},{"text":"أصحاب القول الثالث:\nانفرد به المهايمي: وتقدم كلامه.\n\n•<span data-type='title' id=toc-518> دراسة المسألة:</span>\nبعد التتبع والاستقراء والنظر فيما ذكره المفسرون في هذه المسألة وما تم إيراده من أقوال أهل العلم، يظهر أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول، من أن الضمير في قوله تعالى: ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ للمؤمنين، وذلك من أوجه:\nالأول: أن سياق الآيات وظاهرها في النهي عن طرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي، ولا شك أنهم المؤمنون، فجاءت جملة ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ تعليل للنهي عن طردهم، أو إبطال لِعلة الهم بطردهم، أو لعلة طلب طردهم، ونحو ذلك.\nوالكناية في قوله ﴿فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ عائدة لا محالة إلى هؤلاء الفقراء، فوجب أن يكون سائر الكنايات عائدة إليهم (^١).\nوالضمائر في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ الآية، متعددة في سياق واحد، وهي للمؤمنين مما لا شك فيه، والقاعدة المقررة أنه: [إذا اجتمع ضمائر فحيث أمكن عودها لواحد فهو أولى من عودها لمختلف] (^٢).\nالثاني: نظائر الآية الدالة على أن الضمير للمؤمنين، فقوله تعالى: ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾، كقول نوح ﵇ في الذين قالوا: ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (١١١) قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٢) إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ [سورة الشعراء: ١١٣] أي: إنما حسابهم على الله ﷿، وليس\n_________\n(^١) انظر: مفاتيح الغيب: الرازي (١٢/ ٥٤٢).\n(^٢) انظر: البرهان: الزركشي (٤/ ٣٥)، وانظر: قواعد الترجيح: حسين الحربي (٢٤١).","vol":"1","page":599},{"text":"علي من حسابهم من شيء، كما أنه ليس عليهم من حسابي من شيء (^١).\nقال أبو السعود: \"الجملة اعتراض وسط بين النهي وجوابه، تقريرا له ودفعا لما عسى يتوهم كونه مسوغا لطردهم من أقاويل الطاعنين في دينهم، كدأب قوم نوح حيث قالوا. ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ أي: ما عليك شيء من حساب إيمانهم وأعمالهم الباطنة، حتى تتصدى له، وتبني على ذلك ما تراه من الأحكام، وإنما وظيفتك، حسبما هو شأن منصب النبوة، اعتبار ظواهر الأعمال، وإجراء الأحكام على موجبها. وأما بواطن الأمر فحسابها على العليم بذات الصدور، كقوله تعالى: ﴿إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي﴾ وذكر قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ مع أن الجواب قد تم بما قبله، للمبالغة في بيان انتفاء كون حسابهم عليه ﷺ، بنظمه في سلك ما لا شبهة فيه أصلا، وهو انتفاء كون حسابه ﵇، عليهم، على طريقة قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ \" (^٢).\nالثالث: أن قوله تعالى: ﴿فَتَطْرُدَهُمْ﴾ جواب لقوله تعالى: ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ﴾. وقوله تعالى:\n﴿فَتَكُونَ﴾ جواب لقوله: ﴿وَلَا تَطْرُدِ﴾. ﴿مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، ومعناه: فتكون من الضارين لنفسك أن لو طردتهم، والنهي عن الطرد في الآية كما هو معلوم للمؤمنين.\nفيكون تقدير الآية: ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي، فتكون من الظالمين، ما عليك من حسابهم من شيء، وما من حسابك عليهم من شيء، فتطردهم (^٣).\nالرابع: أن القول بأن الضمير للمشركين يستلزم منه أن الضمير مُقدر وليس مذكور في الآية، والقاعدة المقررة أن: [إعادة الضمير إلى مذكور أولى من إعادته إلى مقدر]، لأن\n_________\n(^١) انظر: التسهيل: ابن جزي (١/ ٢٦٢)، وانظر: محاسن التأويل: القاسمي (٦/ ٢٣٢٥).\n(^٢) إرشاد العقل السليم: أبو السعود (٣/ ١٣٩).\n(^٣) كشف التنزيل: الحداد (٣/ ٣١)، وانظر: غرائب القرآن: النيسابوري (٣/ ٨٦).","vol":"1","page":600},{"text":"الإعادة إلى المقدر مع إمكان الإعادة إلى المذكور فيه إخراج للآية عن نظمها دون موجب (^١).\nوضمير الجمع في قوله: ﴿مِنْ حِسَابِهِمْ﴾ وقوله: ﴿وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ﴾ يجوز أن يكونا عائدين إلى الذين يدعون ربهم وهو معاد مذكور، وهو المناسب لتناسق الضمائر مع قوله: ﴿فَتَطْرُدَهُمْ﴾ (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-519> النتيجة:</span>\nيتبين بعد ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن الضمير في قوله تعالى: ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ﴾ للمؤمنين، لما تقدم إيراده من الأوجه التي تؤيد ذلك، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: قواعد الترجيح: حسين الحربي (٢/ ٢٢٤).\n(^٢) انظر: التحرير والتنوير: ابن عاشور (٧/ ٢٤٨).","vol":"1","page":601},{"text":"<span data-type='title' id=toc-520>٩٤ - قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (٦٥)﴾ [سورة الأنعام: ٦٥]</span>\nروى أحمد من حديث سعد بن أبي وقاص أنه قال: \"سئل رسول الله ﷺ عن هذه الآية: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ﴾ الآية. فقال: أما إنها كائنة، ولم يأت تأويلها بعد\" (^١).\nقال الحافظ ابن حجر: وهذا يحتمل أن لا يخالف حديث جابر (^٢)، بأن المراد بتأويلها ما يتعلق بالفتن ونحوها (^٣).\nقال القاسمي: أي: مما ستصدق عليها الآية، ولما تقع بالمسلمين. فقوله: إنها كائنة، أي: في المسلمين، لا أنها خطاب لهم، ونزولها فيهم- كما وهم- إذ يدفعه السياق والسباق، وتتمة الآية- كما لا يخفى- (^٤).\n\n•<span data-type='title' id=toc-521> أقوال أهل العلم في المراد بالمُخاطبين في قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا﴾:</span>\nالقول الأول: الخطاب لأهل الإيمان وأهل الصلاة، وفيهم نزلت الآية.\nالقول الثاني: الخطاب للمشركين، وفيهم نزلت الآية.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في مسنده (٣/ ٦٨) برقم (١٤٦٥)، وضعفه محققوا المسند.\n(^٢) وهو قوله ﷺ لما نزلت الآية ﴿قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم﴾ أعوذ بوجهك، الحديث. وسيأتي.\n(^٣) فتح الباري: ابن حجر (٨/ ٢٩٢).\n(^٤) محاسن التأويل: القاسمي (٦/ ٢٣٥٨).","vol":"1","page":602},{"text":"أصحاب القول الأول:\nجماعة من السلف وهم: ابن عباس، وأبي بن كعب، وأبو العالية، وقتادة، ومجاهد (^١).\nالخازن: \"أي: قل يا محمد لقومك إن الله ﴿هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ يعني الصيحة والحجارة والريح والطوفان كما فعل بقوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط\" (^٢).\nأصحاب القول الثاني:\nالحسن البصري: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قال: هذه للمشركين\" (^٣).\nالطبري: \"يقول تعالى ذكره لنبيه ﷺ: قل لهؤلاء العادلين بربهم غيره من الأصنام والأوثان يا محمد: إن الذي ينجيكم من ظلمات البر والبحر ومن كل كرب ثم تعودون للإشراك به، هو القادر على أن يرسل عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم، لشرككم به وادعائكم معه إلها آخر غيره\" (^٤).\nالزجاج: \"أمر الله ﷿ أن يسألهم على جهة التوبيخ لهم والتقرير بأنه ينجيهم ثم هم يشركون معه الأصنام التي علموا أنها من صنعتهم، أنها لا تنفع ولا تضر، وأنه قادر على تعذيبهم فقال: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ \" (^٥).\n_________\n(^١) قول مجاهد أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ١٣١٠) برقم: (٧٤٠٤)، والباقي أوردها السمعاني في تفسيره (٢/ ١١٣)، والبغوي في تفسيره (٣/ ١٥٣)، وابن عطية في تفسيره (٤/ ٢٦).\n(^٢) لباب التأويل: الخازن (٢/ ١٢١).\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ١٣١٠) برقم: (٧٤٠٥).\n(^٤) جامع البيان: الطبري (٩/ ٢٩٦).\n(^٥) معاني القرآن: الزجاج (٢/ ٢٥٩).","vol":"1","page":603},{"text":"ابن عطية: \"والأظهر من نسق الآيات أن هذا الخطاب للكفار الذين تقدم ذكرهم وهو مذهب الطبري\" (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-522> دراسة المسألة:</span>\nالمتأمل فيما ذكره المفسرون في تفسير الآية، وما ورد في تفسيرها من آثار، وما قرره أهل العلم من قواعد وأصول على أساسها يكون الفهم الصحيح للآيات، يجد أنه ثمة إشكال وهو: تعارض القواعد في الترجيح، فأصحاب القول الأول معظمهم من سلف هذه الأمة، والقاعدة: [أن تفسير السلف وفهمهم لنصوص الوحي حجة على من بعدهم] (^٢).\nوأصحاب القول الثاني تؤيدهم قاعدة: [إدخال الكلام في معاني ما قبله وما بعده أولى من الخروج به] (^٣).\nولحل هذا الاشكال يُحمل الخطاب لكلا الفريقين، بمعنى أنه يجوز أن يكون الخطاب في قوله تعالى: ﴿هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ للمؤمنين، للآثار المروية عن بعض من الصحابة والتابعين الدالة على ذلك، ويجوز أن يكون للمشركين، لدلالة سياق الآيات السابقة واللاحقة، ولا تعارض، وذلك من أوجه:\nأولا: القاعدة المقررة عند أهل العلم والمفسرين أنه: \"إذا احتمل اللفظ معاني عدة ولم يمتنع إرادة الجمع، حمل عليها\" (^٤). ولا مانع أن يكون الخطاب في الآية للمؤمنين إنذارًا لهم، وحثًا على التمسك بدينهم، ولا مانع أن يكون للكافرين تهديدًا لهم، ودعوة لهم للإيمان للوقاية من عذاب الله (^٥).\n_________\n(^١) المحرر الوجيز: ابن عطية (٤/ ٢٦)، وانظر: البحر المحيط: أبو حيان (٩/ ٢١٥).\n(^٢) انظر: قواعد الترجيح: حسين الحربي (١/ ٢٤٣).\n(^٣) انظر: قواعد الترجيح: حسين الحربي (١/ ١١١).\n(^٤) مختصر في قواعد التفسير: خالد السبت (ص: ٢٩).\n(^٥) انظر: جامع البيان: الطبري (٩/ ٣٠٨).","vol":"1","page":604},{"text":"ثانيًا: أنه لما نزلت هذه الآية ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ قال رسول الله ﷺ أعوذ بوجهك! قال: ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قال: أعوذ بوجهك، ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ قال رسول الله ﷺ: هذا أهون، أو: هذا أيسر (^١).\nوالشاهد أن الآية لو كانت مخصوصة لأهل الكفر لما استعاذ النبي ﷺ بربه، فدل ذلك على أن الخطاب عام لأهل الإيمان وأهل الكفر.\nثالثًا: الواقع المُشاهد الذي دل على أن العذاب كما أنه واقع على أهل الكفر، فهو أيضًا يقع في أهل الإسلام، وإلى هذا ذهب القرطبي وقال: \"وهو الصحيح، فإنه المشاهد في الوجود، فقد لبسنا العدو في ديارنا واستولى على أنفسنا وأموالنا، مع الفتنة المستولية علينا بقتل بعضنا بعضا واستباحة بعضنا أموال بعض\" (^٢).\nرابعًا: مما يدل على أن والخطاب في الآية يفيد العموم؛ أن العذاب الذي ينزل من فوق يعم الجميع، وكذلك العذاب الذي يجيء من تحت الأرجل يجيء عاما لا خاصا، فإذا كانت صواعق، أو إعصار شديد وصواعق، أو سيل عارم كل هذا يعم ولا يخص، وكذلك الخسف الذي تمور به الأرض مورا، والزلازل المدمرة، والبراكين الحارقة كل هذا يعم ولا يخص ينزل بالمؤمنين مع الكافرين، فإذا نزل العقاب على أهل الكفر كان ذلك عقوبة، وإذا نزل بأهل الإيمان كان ذلك ابتلاء، وقد يكون عقوبة بسبب الذنوب (^٣).\n\n•<span data-type='title' id=toc-523> النتيجة:</span>\nيظهر من خلال ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، أن الخطاب في قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ الآية، عام في أهل الإيمان وأهل الكفر، لما تقدم إيراده من الأوجه الدالة على ذلك، والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب قوله تعالى: ﴿إن تعذبهم فإنهم عبادك﴾، برقم: (٤٦٢٨).\n(^٢) الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (٨/ ٤١٥).\n(^٣) انظر: زهرة التفاسير: أبو زهرة (٥/ ٢٥٣٤).","vol":"1","page":605},{"text":"<span data-type='title' id=toc-524>٩٥ - قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٦٩)﴾ [سورة الأنعام: ٦٩].</span>\nقال السيوطي: قد يستدل بقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ الآية. على أن من جالس أهل المنكر، وهو غير راض بفعلهم، فلا إثم عليه. لكن آية النساء تدل على أنه آثم، ما لم يفارقهم، لأنه قال: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [سورة النساء: ١٤٠]. أي إن قعدتم فأنتم مثلهم في الإثم، وهي متأخرة. فيحتمل أن تكون ناسخة لهذه، كما ذهب إليه قوم منهم السدي (^١).\nقال القاسمي: أقول: المنفي في الآية هو لحوق شيء من وبال الخائضين، وإثم كفرهم لمجالسيهم المتقين، فلا ينافي ذلك لحوق وبال المجالسة على انفرادها، وهو ما أفادته آية النساء. فالمثلية إذن في مطلق الإثم، وإن تباين (ما صدقه) فيهما، إذ لا قائل بأن مطلق مجالستهم ردة وكفر. نعم! لو قيل بأن المثلية محمولة على ما إذا حصل الرضا بشأن مجالستهم، فلا إشكال إذن. وبالجملة فاستدلال (الإكليل) واه، ولذا عبر ب (قد)، ودعوى النسخ أوهى. فتأمل! (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-525> أقوال أهل العلم في قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ﴾ الآية، من حيث الإحكام والنسخ:</span>\nالقول الأول: أن الآية مُحكمة، والمراد: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ إذا قعدوا معهم بشرط التذكير والموعظة.\nالقول الثاني: أن الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ﴾ الآية.\n_________\n(^١) الإكليل: السيوطي (ص: ١١٩)، وانظر: معترك الأقران: السيوطي (٣/ ٢٧٥).\n(^٢) محاسن التأويل: القاسمي (٦/ ٢٣٦٣).","vol":"1","page":606},{"text":"أصحاب القول الأول:\nالنحاس: \" ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ خبر ومحال نسخه والمعنى فيه بين\" (^١).\nمكي بن أبي طالب: \"قيل: إن المعنى ليس ﴿عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ إذا قعدوا إليهم، ثم نُسخ ذلك بقوله: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ الآية، روي ذلك عن ابن عباس. ونَسخ مثل هذا لا يحسن، لأنه خبر\" (^٢).\nابن الجوزي: \" ذهب قوم إلى أن هذه الآية منسوخة، لأنها اقتضت جواز مجالسة الخائضين والاقتصار على تذكيرهم، ثم نسخت بقوله تعالى: ﴿فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ﴾ والصحيح أنها محكمة، لأنها خبر، وإنما دلت على أن كل عبد يختص بحساب نفسه، ولا يلزمه حساب غيره\" (^٣).\nابن كثير: \" وقال آخرون: بل معناه: وإن جلسوا معهم، فليس عليهم من حسابهم من شيء. وزعموا أن هذا منسوخ بآية النساء المدنية، وهي قوله: ﴿فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ﴾ [سورة النساء: ١٤٠] \" (^٤).\nأصحاب القول الثاني:\nابن عباس ﵁: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾: \"هذه مكية نُسِخت بالمدينة بقوله تعالى ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ الآية [سورة النساء: ١٤٠]، وبنحو ذلك روي عن ابن جريج، والسُدي، وسعيد بن جبير (^٥).\n_________\n(^١) الناسخ والمنسوخ: النحاس (ص: ٤١٧)\n(^٢) الهداية: مكي بن أبي طالب (٣/ ٢٠٦١).\n(^٣) زاد المسير: ابن الجوزي (٢/ ٤٢)، وانظر: نواسخ القرآن: ابن الجوزي (٢/ ٤٢٦).\n(^٤) تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٣/ ٥٥٦).\n(^٥) قول ابن عباس أخرجه النحاس في الناسخ والمنسوخ (ص: ٤١٧)، وقول ابن جريج والسدي أخرجها ابن جرير الطبري في تفسيره (٩/ ٣١٧)، وقول سعيد بن جبير أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ١٣١٧) برقم (٧٤٤٤).","vol":"1","page":607},{"text":"الماتريدي: \"وقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ الآية. قيل فيه رخصه الجلوس معهم؛ وهو كقوله: ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ الآية، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ \" (^١).\nالمقري: \" قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ نسخ ذلك بقوله تعالى ﴿فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ \" (^٢).\nابن حزم: \" ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ نسخت بقوله تعالى في سورة النساء: ﴿فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ \" (^٣).\nمرعي الكرمي (^٤): \"قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ كان ذلك في أول الإسلام ثم نسخ بقوله تعالى في النساء ﴿فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ \" (^٥).\n\n•<span data-type='title' id=toc-526> دراسة المسألة:</span>\nمن المعلوم أن أهل العلم لهم منهج في التعامل مع الآيات التي قيل فيها بالنسخ، من حيث مفهوم النسخ والقائلين به، ودليلهم.\nومن خلال البحث والقواعد والأصول التي يقررها أهل العلم، وتطبيقاتها في هذه\n_________\n(^١) تأويلات أهل السنة: الماتريدي (٤/ ١١٩)، وانظر: التيسير في التفسير: أبو حفص النسفي (٥/ ٢٣٠)، وانظر: دفع إيهام الاضطراب: الشنقيطي (ص: ١٢٨).\n(^٢) الناسخ والمنسوخ: المقري (ص: ٨٦).\n(^٣) الناسخ والمنسوخ: ابن حزم (ص: ٣٧).\n(^٤) وهو: مرعي بن يوسف بن أبي بكر بن الكرمي المقدسي الحنبلي، مؤرخ أديب، من كبار الفقهاء. ولد في طوركرم (بفلسطين) وانتقل إلى القدس ثم إلى القاهرة فتوفي فيها، سنة ١٠٣٣ هـ، له نحو سبعين كتابا. ينظر: الأعلام: الزركلي (٧/ ٢٠٣).\n(^٥) قلائد المرجان: مرعي الكرمي (ص: ١٠٥).","vol":"1","page":608},{"text":"المسألة، يظهر أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن الآية مُحكمة وليست منسوخة، وذلك من أوجه:\nالأول: أن القاعدة المقررة عند أهل العلم أن الناسخ والمنسوخ إنما يؤخذ به بالتيقن والتوقيف، أما إذا طرأ الاحتمال، وأمكن الجمع بين الآيتين والعمل بهما فلا معنى للقول بالنسخ (^١).\nيقول ابن حزم: \"لا يحل لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقول في شيء من القرآن والسنة هذا منسوخ إلا بيقين لأن الله ﷿ يقول ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ .... إلخ\" (^٢).\nالثاني: أنه يُمكن الجمع بين آية الأنعام وهي قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ﴾ وآية النساء وهي قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ بأن يُقال: أن آية الأنعام تدل على أنه ليس على من اتقى الله من حساب هؤلاء الخائضين شيء، أي ليس (عليه) من إثمهم شيء إذا اتقى ما هم فيه، وذكرهم فقام من مجلسهم.\nوأما آية النساء فإنها تدل على أنه إذا ذكرهم ولم ينتهوا فلا يقعد معهم، فالآيتان محكمتان، ولا تعارض (^٣).\nالثالث: ما ذهب إليه جمع من المفسرين أن قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ خبر ومحال نسخه، والمعنى فيه بين، ليس على من اتقى الله تعالى إذا نهى إنسانا عن منكر من حسابه شيء الله مطالبه ومعاقبه وعليه أن ينهاه ولا يقعد معه راضيا بقوله وفعله وإلا كان مثله (^٤).\n_________\n(^١) انظر: الناسخ والمنسوخ: النحاس (ص: ٦٧٢)، وانظر: الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (١٩/ ٢٤٧)، وانظر: قواعد الترجيح: حسين الحربي (١/ ٦٧).\n(^٢) الإحكام: ابن حزم (٤/ ٨٣).\n(^٣) الهداية: مكي بن أبي طالب (٣/ ٢٠٥٩، ٢٠٦٠)، وانظر: الإيضاح: مكي بن أبي طالب (ص: ٢٨٢)، وانظر: تفسير الراغب الأصفهاني (٤/ ٢٠١).\n(^٤) انظر: الناسخ والمنسوخ: النحاس (ص: ٤١٧)، وانظر: الإيضاح: مكي بن أبي طالب (ص: ٢٨٢)، وانظر: نواسخ القرآن: ابن الجوزي (٢/ ٤٢٥)، وانظر: روح المعاني: الآلوسي (٨/ ٢٣٣).","vol":"1","page":609},{"text":"وهذا الذي ذهب إليه جمع من المفسرين قد عقَّب عليه ابن العربي بقوله: \"هذه غباوة ظاهرة. ليس هذا بخبر بل هو صريح أمر لأن الله تعالى قال لرسوله ﷺ، ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [سورة الأنعام: ٦٨] فإن نسيت فتذكرت فقم ساعة تذكارك عنهم ولا تقعد بعد ذلك معهم. وهذا منسوخ بأمره بالقتل والقتال بلا إشكال، والآية التي في النساء مثلها، فإنه نهاهم الله أن يجالسهم إذا سمعهم يكفرون. وهذه أيضا منسوخة بالأمر بالقتال إذ كان مأمورا أن يقوم عنهم إذا سمعهم يستهزئون بآيات الله ويكفرون وصار بعد ذلك مأمورا بأن يقاتلهم ويقيم الحد بالقتل في ذلك عليهم وهذا نسخ بين\" (^١).\nوالجواب: أن قوله غير مُسَلَّم، وذلك أن قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ الآية، صريح بأنه لا إثم على المتقي إذا قعد معهم، ونهى وذكر، وإنما النهي إذا رضي بقولهم وفعلهم، ولم يقم، وكما تقدم أن الجمع بين النصوص مقدم على النسخ.\nوقول ابن العربي: \"أن الآيات منسوخة بالأمر بالقتال\" يدل على تساهله ﵀ في القول بالنسخ، فإن الأمر بالقتال منوط بالمصلحة في هذه الحالة، فإن اقتضت المصلحة قتالهم جاز ذلك، وإلا فلا، والله أعلم.\nفإن قيل: أن القائلين بالنسخ هم جماعة من السلف وهم أعلم بكتاب الله من غيرهم:\nفالجواب من وجهين:\nالأول: أن ما روي عن ابن عباس ﵁ جاء من طريق جويبر عن الضحاك عن وهذا الطريق ضعيف، لضعف جويبر، والضحاك لم يسمع من ابن عباس شيئًا، كما قال الحافظ ابن حجر (^٢).\n_________\n(^١) انظر: الناسخ والمنسوخ: ابن العربي (٢/ ٢١١، ٢١٢).\n(^٢) انظر: العجاب: ابن حجر (١/ ٢١١)، وانظر: الإتقان: السيوطي (٤/ ٢٣٧)، وانظر: الزيادة والإحسان: ابن عقيلة المكي (١/ ٦١)، وانظر: النسخ في القرآن: مصطفى زيد (١/ ٤٤٠).","vol":"1","page":610},{"text":"الثاني: أن المراد من النسخ عند السلف والمتقدمين: تخصيص العام، وتقييد المطلق، وتبيين المجمل، ونحو ذلك، وليس رفع الحكم (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-527> النتيجة:</span>\nبعد عرض ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول، من أن الآيات مُحكمة الدلالة وليس بشيء منها منسوخ، لما تقدم إيراده من الأوجه التي تؤيد ذلك، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: أعلام الموقعين: ابن القيم (٢/ ٦٦)، وانظر: الموافقات (٣/ ٣٤٤)، وقد تقدم الكلام عن ذلك في مسألة (٢٤) ص: (٢٦٨).","vol":"1","page":611},{"text":"<span data-type='title' id=toc-528>٩٦ - قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [سورة الأنعام: ٨٢].</span>\nقال القاسمي: حيث عُلِمَ أن الصادق المصدوق ﷺ فسر الآية بما تقدم فليعض عليه بالنواجذ وأما ما هذى به الزمخشري من قوله في تفسير الآية: أي لم يخلطوا إيمانهم بمعصية تفسقهم، وأبى تفسير الظلم بالكفر، لفظ (اللبس) أي: لأن لبس الإيمان بالشرك أي: خلطه به، مما لا يتصور، لأنهما ضدان لا يجتمعان (^١) - على زعمه- فمدفوع بأنه يلابسه … إلخ (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-529> أقوال أهل العلم في المراد من الظلم في قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾:</span>\nالقول الأول: أن المراد من الظلم في الآية: الشرك.\nالقول الثاني: أن المراد من الظلم في الآية: المعصية.\nأصحاب القول الأول:\nعامة السلف وهم: عبد الله بن مسعود ﵁، وابن عباس ﵁، وعلقمة، وإبراهيم النخعي، وسعيد بن جبير، وقتادة، ومجاهد، والسدي، وابن زيد، وغيرهم (^٣).\nعامة المفسرين وهم: الطبري (^٤)، والثعلبي (^٥)، والسمعاني (^٦)، والبغوي (^٧)، والقرطبي (^٨)، وابن كثير (^٩)، وغيرهم.\n_________\n(^١) انظر: الكشاف: الزمخشري (٢/ ٤٣).\n(^٢) محاسن التأويل: القاسمي (٦/ ٢٣٨٩)، وسيأتي مزيد بيان، والتنبيه عليه.\n(^٣) أخرج أقوالهم ابن جرير الطبري في تفسيره (٩/ ٣٧٠ - ٣٧٦)، ونحوًا منها ابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ١٣٣٣).\n(^٤) انظر: جامع البيان: الطبري (٩/ ٣٧٨).\n(^٥) انظر: الكشف والبيان: الثعلبي (١٢/ ١٣٧).\n(^٦) انظر: تفسير القرآن: السمعاني (١/ ١٣٦).\n(^٧) انظر: معالم التنزيل: البغوي (٣/ ١٦٤).\n(^٨) انظر: الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (٨/ ٤٤٤).\n(^٩) انظر: تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٣/ ٥٦٩).","vol":"1","page":612},{"text":"أصحاب القول الثاني:\nجمهور المعتزلة وهم: الجبائي، والبلخي (^١)، والزمخشري (^٢).\nابن عرفة: \"وقوله تعالى: ﴿بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [سورة النور: ٥]، هذا ظلم الكفر لا ظلم المعصية المذكور، في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ \" (^٣).\n\n•<span data-type='title' id=toc-530> دراسة المسألة:</span>\nالناظر في حال أهل البدع، وفساد عقائدهم المبنية على الهوى، وكيف أنهم يُفسرون القرآن والسنة بما يوافق أهواءهم ومذاهبهم، ويردون ما صح عن الرسول ﷺ من أحاديث، وما صح عن الصحابة من آثار تُخالف أهواءهم ويلوون أعناقها، لا يستغرب أن يصدر من المعتزلة مثل هذا التأويل الذي يُخالف ما عليه عامة أهل العلم من السلف والمفسرين.\nوالذي حمل الزمخشري ومن معه من القول بأن المراد من الظلم في الآية: المعصية، هو معتقده الفاسد في وجوب وعيد العصاة، وأنهم لاحظ لهم في الأمن يوم القيامة كالكفار.\nولا شك أن الحق هو ما عليه عامة أهل العلم من السلف وأئمة التفسير، من أن المراد من الظلم في الآية: الشرك، وذلك من أوجه:\nالأول: دلالة السنة: فقد أخرج الشيخان في صحيحهما عن ابن مسعود ﵁: \"لما نزلت الآية شق ذلك على المسلمين، وقالوا: أينا لا يظلم نفسه؟ فقال رسول الله ﷺ: \"ليس ذلك، إنما هو الشرك، ألم تسمعوا قول لقمان لابنه: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [سورة لقمان: ١٣]؟ \" (^٤).\n_________\n(^١) وهو: أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن محمود البلخي، العلامة، شيخ المعتزلة، المعروف: بالكعبي، من نظراء أبي علي الجبائي، له من التصانيف كتاب (المقالات)، وكتاب (الغرر)، مات سنة ٣٠٩ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء: الذهبي (١٤/ ٣١٣).\n(^٢) انظر: روح المعاني: الآلوسي (٨/ ٢٧٦).\n(^٣) تفسير ابن عرفة (٣/ ٢٢٩).\n(^٤) أخرجه البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى ﴿ولقد آتينا لقمان الحكمة﴾ برقم: (٣٤٢٩)، وأخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب صدق الإيمان وإخلاصه، برقم: (١٢٤)، وأورده الحافظ ابن كثير في تفسيره من طرق عدة (٣/ ٥٦٩ - ٥٧١).","vol":"1","page":613},{"text":"فهذا تفسير النبي ﷺ، الذي لا ينطق عن الهوى، ولا خير فيمن عدل عن قوله، وفسَّر القرآن برأيه.\nقال ابن أبي حاتم: \" إن الله ﷿ ابتعث محمدا رسوله ﷺ إلى الناس كافة، وأنزل عليه الكتاب تبيانا لكل شيء، وجعله موضع الإبانة عنه: فقال ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [سورة النحل: ٤٤]، وقال ﷿ ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [سورة النحل: ٦٤]، فكان رسول الله ﷺ هو المبين عن الله ﷿ أمره، وعن كتابه معاني ما خوطب به الناس، وما أراد الله ﷿ به وعني فيه، وما شرع من معاني دينه وأحكامه وفرائضه وموجباته وآدابه ومندوبه وسننه التي سنها، وأحكامه التي حكم بها وآثاره التي بثها\" (^١).\nالثاني: دلالة السياق: حيث أن سياق الآيات إنما ورد في قصة إبراهيم ونفي الشركاء والأضداد والأنداد، وليس فيها ذكر الطاعات والعبادات، حيث قال الله تعالى عن نبيه إبراهيم ﵇: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [سورة الأنعام: ٨١] فالسياق كله في التنفير عن الشرك، فوجب حمل الظلم هاهنا: الشرك بالله (^٢).\nالثالث: نظائر الآية: فمما يدل على أن المراد من الظلم في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ الشرك، قوله تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [سورة البقرة: ٢٥٤] وقوله: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [سورة يونس: ١٠٦] (^٣)، ففي هذه الآيات وصف الله تعالى أهل الكفر بالظلم، وأن من دعا غير الله تعالى فيما لا يقدر عليه إلا الله بأنه من الظالمين، أي: من المشركين، مما\n_________\n(^١) الجرح والتعديل: ابن أبي حاتم (١/ ١، ٢).\n(^٢) انظر: مفاتيح الغيب: الرازي (١٣/ ٤٩)، وانظر: نظم الدرر: البقاعي (٧/ ١٦٨).\n(^٣) انظر: أضواء البيان: الشنقيطي (٢/ ٢٣٧).","vol":"1","page":614},{"text":"يدل على أن المراد من الظلم في الآية: الشرك بالله ﷿.\nالرابع: أن الله تعالى ذكر في الآيات الفريقين بصيغة السؤال فقال: ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ﴾ والمراد: فريق الموحدين وفريق المشركين، فأجاب بأنهم الذين آمنوا. وهو من باب التبكيت، كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ﴾ [سورة الأنعام: ١٩]، وقوله: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ﴾ [سورة الرعد: ١٦] (^١)، فاستلزم ذلك بأن يكون المراد من الظلم في الآية: الشرك، والله أعلم.\nمناقشة الزمخشري وتفسيره الظلم في قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ بالمعاصي:\nذكر الزمخشري في تفسيره أن المراد من الظلم في الآية المعاصي المُفَسِّقة، وليس الكفر، وعلل ذلك بأن لبس الإيمان بالشرك بمعنى: خلطه به، وهو مما لا يتصور، لأنهما ضدان لا يجتمعان.\nوالجواب عن هذا التفسير من أوجه:\nالأول: ما تقدم ذكره من الأوجه التي تؤيد أن المراد من الظلم في الآية: الشرك وليس المعاصي، وأبرز هذه الأوجه أن النبي ﷺ فسر الظلم بالشرك، وليس هو بأعلم من النبي ﷺ حتى يُفسر القرآن بخلاف تفسيره.\nالثاني: الآيات الصريحة الدالة على أن الشرك يلابس الإيمان، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [سورة يوسف: ١٠٦] وقوله تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [سورة البقرة: ٨٥]، فالمراد من الإيمان تصديق القلب، وهو قد يجامع الشرك، كأن يُصدّق بوجود الصانع دون وحدانيته (^٢).\n_________\n(^١) انظر: فتوح الغيب: الطيبي (٦/ ١٤٨).\n(^٢) انظر: روح المعاني: الآلوسي (٨/ ٢٧٧).","vol":"1","page":615},{"text":"الثالث: أنه لا يمنع من كون الإيمان بالشرك متضادان أنهما لا يختلطان، وذلك أن الشرك جمع بين الاعتراف لله بالإلهية والاعتراف لغيره بالربوبية، والعكس كذلك. ولما كان الاعتراف لغيره ظلما - لأن الظلم اعتداء على حق صاحب حق، والله حقه أن يفرد بالعبادة اعتقادا وعملا وقولا-، كان إيمانهم بالله مخلوطا بظلم وهو إيمانهم بغيره، وحمله على هذا المعنى هو الملائم لاستعارة اسم الخلط لهذا المعنى، لأن الإيمان بالله وإشراك غيره في ذلك كلاهما من جنس واحد وهو اعتقاد الربوبية فهما متماثلان، وذلك أظهر في وجه الشبه، لأن شأن الأجسام المتماثلة أن يكون اختلاطها أشد فإن التشابه أقوى أحوال التشبيه عند أهل البيان. والمعنى الذين آمنوا بالله ولم يشركوا به غيره في العبادة (^١).\nتنبيه:\nما علل به القاسمي ﵀ تعقبه على الزمخشري من أن الإيمان يُلابس الشرك صحيح في الجملة إلا أن عليه ملحظان:\nالأول: قوله: \"بأن الإيمان يلابسه لأنه إن أريد بالإيمان مطلق التصديق، سواء كان اللسان أو غيره، فظاهر أنه يجامع الشرك كالمنافق\" (^٢).\nوهذا القول والله أعلم في ظاهره يوافق اعتقاد الأشاعرة القائلين بأن الإيمان بالله هو مطلق التصديق، دون اشتراط نطق اللسان بالشهادتين، وعمل الجوارح.\nوهذا خلاف ما يعتقده القاسمي ﵀ من أن الإيمان هو: اعتقاد القلب وقول اللسان وعمل الجوارح (^٣)، وفقًا لما عليه السلف.\nالثاني: قوله: \"ولو أريد التصديق بجميع ما يجب التصديق به بحيث يخرج عن الكفر، فلا يلزم من لبس الإيمان بالشرك الجمع بينهما، بحيث يصدق عليه أنه مؤمن ومشرك، بل تغطيته بالكفر، وجعله مغلوبا مضمحلا، أو اتصافه بالإيمان، ثم الكفر، ثم الإيمان ثم الكفر\n_________\n(^١) انظر: التحرير والتنوير: ابن عاشور (٧/ ٣٣٣).\n(^٢) محاسن التأويل: القاسمي (٦/ ٢٣٨٩).\n(^٣) انظر: محاسن التأويل: القاسمي (٨/ ٣٣٠٣).","vol":"1","page":616},{"text":"مرارا، وبعد تسليم ما ذكر، فاختصاص الأمن بغير العصاة لا يوجب كون العصاة معذبين البتة، بل خائفين ذلك، متوقعين للاحتمال، ورجحان جانب الوقوع\" (^١).\nوهذه العبارة فيها نظر: وذلك أن من كفر بعد إيمانه لا يصدق عليه أنه مؤمن، فيُقال أن عنده إيمان يشوبه شرك، لأن الإيمان انتفى عنه بسبب كفره، فأصبح كافرا، فإن أسلم أصبح مؤمنًا بإيمانه، والله أعلم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-531> النتيجة:</span>\nبعد إيراد ما ذهب إليه عامة السلف والمفسرين في تفسير الظلم بالشرك، ومن خالفهم من المعتزلة الذين فسروا الظلم بالمعاصي، يتبين أن الحق الذي لا شك فيه هو الذي عليه عامة السلف وعامة المفسرين، لما تقدم إيراده من الأدلة الدالة على ذلك، وإبطال ما ذهب إليه الزمخشري وأصحابه.\n_________\n(^١) انظر: عناية القاضي: الخفاجي (٤/ ٨٨)، وانظر: محاسن التأويل: القاسمي (٦/ ٢٣٨٩).","vol":"1","page":617},{"text":"<span data-type='title' id=toc-532>٩٧ - قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (٩٠)﴾ [سورة الأنعام: ٩٠].</span>\nقال الخفاجي: قيل: الآية تدل على أنه يحل أخذ الأجر للتعليم وتبليغ الأحكام. قال: وللفقهاء فيه كلام (^١).\nوعكس بعض مفسري الزيدية حيث قال: في هذا إشارة إلى أنه لا يجوز أخذ الأجرة على تعليم العلوم، لأن ذلك جرى مجرى تبليغ الرسالة (^٢).\nقال القاسمي: أقول: إن الآية على نفي سؤاله ﷺ منهم أجرا، كي لا يثقل عليهم الامتثال.\nوأما استفادة الحل والتحريم منها، ففيه خفاء. والقائل بالأول يقول: المعنى لا أسألكم جعلا تعففا. أي: وإن حل لي أخذه. وبالثاني: لا أسألكم عليه أجرا لأني حظرت من ذلك (^٣).\n\n•<span data-type='title' id=toc-533> أقوال أهل العلم في دلالة الآية على حكم أخذ الأجرة على تعليم العلم:</span>\nالقول الأول: أن الآية دالة على أنه يحل أخذ الأجر للتعليم وتبليغ الأحكام، أو عكس ذلك.\nالقول الثاني: أن الآية ليست فيها دلالة على حكم أخذ الأجر على التعليم، وإنما دالة على عدم إثقال النبي ﷺ على من يريد امتثال أمره.\nأصحاب القول الأول:\nالماتريدي: \"في قوله: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ دليل نقض قول من يجيز أخذ الأجر\n_________\n(^١) عناية القاضي: الشهاب الخفاجي (٤/ ٩٢)\n(^٢) انظر: التهذيب في التفسير: الحاكم الجشمي (٣/ ٢٣١٦).\n(^٣) محاسن التأويل: القاسمي (٦/ ٢٤٠٤).","vol":"1","page":618},{"text":"على تعليم القرآن والعلم ورواية الحديث وغير ذلك من العبادات\" (^١).\nالواحدي: \"قال أهل المعاني: قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ مما أمر به من هدى النبيين والاقتداء بهم في ذلك، وذلك أن من الاقتداء بالنبيين ترك طلب الأجر من الناس على دعائهم إلى الله ﷿ وتبيين طريق الحق لمن التمسه، فكأنه يقول: فبهدى الأنبياء حيث لم يسألوا أجرًا اقتد\" (^٢).\nأبو حفص النسفي: \"والآية دليل على أن أخذ الأجرة على تعليم القرآن والعلم ورواية الأحاديث ونحوها، وعلى الإمامة والأذان لا تجوز\" (^٣).\nالنسفي: \"فيه دليل على أن أخذ الأجر على تعليم القرآن، ورواية الحديث لا يجوز\" (^٤).\nأصحاب القول الثاني:\nالطبري: \" ﴿لَا أَسْأَلُكُمْ﴾، على تذكيري إياكم، والهدى الذي أدعوكم إليه، والقرآن الذي جئتكم به، عوضًا أعتاضه منكم عليه، وأجرًا آخذه منكم \" (^٥).\nابن كثير: \" ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ أي: لا أطلب منكم على إبلاغي إِيَّاكم هذا القرآن ﴿أَجْرًا﴾ أي: أُجرة، ولا أريد منكم شيئًا\" (^٦).\nالبقاعي: \" ﴿لَا أَسْأَلُكُمْ﴾ أي: أيها المدعوون ﴿عَلَيْهِ﴾ أي: على الدعاء ﴿أَجْرًا﴾ فإن الدواعي تتوفر بسبب ذلك على الإقبال إلى الداعي والاستجابة للمرشد\" (^٧).\n_________\n(^١) تأويلات أهل السنة: الماتريدي (٤/ ١٥٩).\n(^٢) التفسير البسيط: الواحدي (٨/ ٢٧٢).\n(^٣) التيسير في التفسير: أبو حفص النسفي (٦/ ١٤٢).\n(^٤) مدارك التنزيل: النسفي (١/ ٥٢٠).\n(^٥) جامع البيان: الطبري (٩/ ٣٩٣).\n(^٦) تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٣/ ٥٧٤).\n(^٧) نظم الدرر: البقاعي (٧/ ١٨٣).","vol":"1","page":619},{"text":"ابن عاشور: \"ليس المقصود من قوله: ﴿لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ رد اعتقاد معتقد أو نفي تهمة قيلت، ولكن المقصود به الاعتبار ولفت النظر إلى محض نصح الرسول ﷺ في رسالته وأنها لنفع الناس لا يجر منها نفعا إلى نفسه\" (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-534> دراسة المسألة:</span>\nمن المعلوم أن أهل العلم قديمًا اختلفوا في حكم أخذ الأجرة على تعليم العلم، وبخاصة تعليم القرآن، ما بين مُجيز ومُحرِّم (^٢)، والجدير بالذكر في هذه المسألة، هو في دلالة قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ على تحريم أخذ الأجرة على تعليم العلم.\nوالذي يظهر بعد استقراء وتتبع ما ذكره المفسرون في تفسير الآية، أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني، وذلك من وجهين:\nالأول: عدم وروود النهي الصريح الدال على التحريم في الآية على أخذ الأجرة على تعليم العلم، وإنما ظاهر الآية هو أن النبي ﷺ يُخبرهم بأنه لا يسألهم أجرًا ترغيبًا لهم للامتثال بأمره، وكي لا يثقل عليهم، وأنه مراده من دعوته ونصحه هو وجه الله تعالى، ولا حظ له في الدنيا، مما يدل على صدق نبوته.\nيقول الشيخ محمد رشيد رضا: \"وقد قيل إن هذا مما أمر أن يقتدى بهم فيه - يعني: أجرا على التبليغ والهدى -، والتحقيق: أن ما أمره الله تعالى به استقلالا لا يدخل فيما أمر بفعله اقتداء\" (^٣).\nالثاني: أن سياق الآية وما قبلها، إنما هو خطاب للنبي ﷺ بأن يقتدي بمن سبقه من الرسل ولا يأخذ على تبليغ الرسالة أجرا كما لم يأخذوا هم، فإنه لما أمره الله تعالى بالاقتداء بالنبيين وكان من جملة هداهم عدم طلب الأجر على إيصال الدين وإبلاغ الشريعة لا جرم\n_________\n(^١) التحرير والتنوير: ابن عاشور (٧/ ٣٦٠).\n(^٢) انظر: الموسوعة الفقهية الكويتية (٣٣/ ١٠٠، ١٠١).\n(^٣) تفسير المنار: محمد رشيد رضا (٧/ ٥٠٧)، بتصرف.","vol":"1","page":620},{"text":"اقتدى بهم فقال: ﴿لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-535> النتيجة:</span>\nيظهر من خلال ما تقدم ذكره من أقوال أهل العلم في تفسير الآية، أن الراجح هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني من أنه لا دلالة في الآية على تحريم أخذ الأجرة على تعليم العلم، لما تقدم إيراده من الوجهين الداليْن على ذلك، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: لباب التأويل: الخازن (٢/ ١٣٣)، وانظر: اللباب: ابن عادل الحنبلي (٨/ ٢٧٣).","vol":"1","page":621},{"text":"<span data-type='title' id=toc-536>٩٨ - قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [سورة الأنعام: ١٠٣].</span>\nقال القاسمي: أقول: كون المنفي من الإدراك في هذه الآية هو الإدراك الدنيوي خاصة، لا يحتاج إلى حجة ولا برهان. ومن فهم من بعض الفرق، كالمعتزلة، من هذه الآية أن المنفي هو الإدراك في النشأتين، فقد نادى على نفسه بالجهل بما دل عليه كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ المتواترة (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-537> أقوال أهل العلم في كون المنفي من الإدراك في قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾:</span>\nالقول الأول: أن المنفي هو الإدراك في الدنيا خاصة.\nالقول الثاني: أن المنفي هو الإدراك في الدنيا والآخرة.\nأصحاب القول الأول: أهل السنة والجماعة:\nالطبري: \" والصواب من القول في ذلك عندنا، ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"إنكم سترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر\"، فالمؤمنون يرونه، والكافرون عنه يومئذ محجوبون، كما قال جل ثناؤه: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [سورة المطففين: ١٥] \" (^٢).\nالسمعاني: \"معنى قوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ يعني: في الدنيا، هو يرى الخلق، ولا يراه الخلق في الدنيا\" (^٣).\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (٦/ ٢٤٤٧).\n(^٢) جامع البيان: الطبري (٩/ ٤٦٣).\n(^٣) تفسير القرآن: السمعاني (٢/ ١٣٣).","vol":"1","page":622},{"text":"ابن كثير: \" كانت أم المؤمنين عائشة، ﵂، تثبت الرؤية في الدار الآخرة وتنفيها في الدنيا، وتحتج بهذه الآية: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ \" (^١).\nالشنقيطي: \"المعنى ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ أي في الدنيا فلا ينافي الرؤية في الآخرة\" (^٢).\nأصحاب القول الثاني: المعتزلة:\nالقاضي عبد الجبار: \"فإن قيل: فما الدليل على أن الله تعالى لا يُرى؟ قيل له: لأن الله تعالى قد قال: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ وإدراك الأبصار هو رؤية البصر\" (^٣).\nالزمخشري: \"المعنى أن الأبصار لا تتعلق به ولا تدركه، لأنه متعال أن يكون مبصرا في ذاته، لأن الأبصار إنما تتعلق بما كان في جهة أصلا أو تابعا، كالأجسام والهيئات\" (^٤).\n\n•<span data-type='title' id=toc-538> دراسة المسألة:</span>\nمن أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة أنهم يُثبتون رؤية الله تعالى يوم القيامة، لما دلت عليه الأدلة الصريحة من الكتاب والسنة والإجماع، وقد خالف في ذلك المعتزلة فأنكروا رؤية الله تعالى، مستدلين بقوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ وفسروا الادراك بالرؤية، فأنكروا رؤية الله تعالى، دون النظر في الأدلة الأخرى التي أثبتت ذلك.\nوقد تعددت الأقوال في معنى الادراك الوارد في الآية، ولعل الراجح منها: أن المراد من الادراك الإحاطة وليس مجرد الرؤية فحسب (^٥)، وقد توسع الإمام الطبري بإيراد ما ورد عن أهل العلم والمختار من أقوالهم (^٦)، مما لا يسع المقام لذكره.\n_________\n(^١) تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٣/ ٥٨٦).\n(^٢) دفع إيهام الاضطراب: الشنقيطي (ص: ١٣١).\n(^٣) الأصول الخمسة: القاضي عبد الجبار (ص: ٧٤).\n(^٤) الكشاف: الزمخشري (٢/ ٥٤).\n(^٥) انظر: التفسير البسيط: الواحدي (٨/ ٣٣٠)، وانظر: معالم التنزيل: البغوي (٣/ ١٧٤)، وانظر: المحرر الوجيز: ابن عطية (٤/ ٩٤، ٩٥).\n(^٦) انظر: جامع البيان: الطبري (٩/ ٤٥٩ - ٤٦٣).","vol":"1","page":623},{"text":"وعلى التسليم بأن المراد من الادراك: الرؤية وهو ما ذهب إليه بعض السلف (^١)، فإن هذا لا ينفي رؤية الله تعالى يوم القيامة، وإنما نفي رؤية الله تعالى إنما هو في الدنيا، وذلك من أوجه:\nالوجه الأول: أن الآية عامة في نفي الرؤية، وهذا العموم مخصوص بأدلة الكتاب والسنة والإجماع التي تُثبت رؤية الله تعالى يوم القيامة:\nفمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [سورة القيامة: ٢٢، ٢٣].\nقال عطية العوفي: هم ينظرون إلى الله، لا تحيط أبصارهم به من عظمته، وبصره محيط بهم. فذلك قوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ (^٢).\nوقوله تعالى عن الكافرين: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [سورة المطففين: ١٥].\nقال الإمام الشافعي: فدل هذا على أن المؤمنين لا يحجبون عنه ﵎ (^٣).\nومن السنة: ما أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة ﵁ قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله ﷺ: \"هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر؟ \"، قالوا: لا يا رسول الله، قال: \"هل تضارون في رؤية الشمس ليس دونها سحاب؟ \"، قالوا: لا، قال: \"فإنكم ترونه كذلك\" (^٤).\nوأما الاجماع: فقد نقله غير واحد من أهل العلم (^٥).\n_________\n(^١) انظر: جامع البيان: الطبري (٤٥٩، ٤٦٠)، وانظر: بحر العلوم: السمرقندي (١/ ٤٧٢)، وانظر: الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (٨/ ٤٨٢).\n(^٢) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٩/ ٤٥٩).\n(^٣) أورده الحافظ ابن كثير في تفسيره (٣/ ٥٨٤).\n(^٤) أخرجه البخاري، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى ﴿وجوه يومئذ ناضرة، إلى ربها ناظرة﴾ برقم: (٧٤٣٧)، وأخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية، برقم: (١٨٢).\n(^٥) انظر: الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية: د. عبد الله خضر (٢/ ٣٠٤).","vol":"1","page":624},{"text":"قال ابن تيمية: \"والذي عليه جمهور السلف أنّ من جَحَدَ رؤيةَ الله في الدار الآخرة فهو كافر، فإن كان ممّن لم يبلغه العلم في ذلك عُرِّف ذلك، كما يُعَرَّف من لم تبلغه شرائع الإسلام، فإن أصرّ على الجحود بعد بلوغ العلم له فهو كافر\" (^١).\nالوجه الثاني: أن الله تعالى أثبت في الآية أنه يُدرك الأبصار كما قال: ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ وهذا الإدراك مختص به ﷾، مما يدل على أن الإدراك شيء زائد مع الرؤية من كيفية حقيقة البصر، وهو منتفي عن خلقه فلا يعلمون ويرون حقيقة هذا البصر.\nقال الزجاج: \"وفي هذا الكلام دليل على أن الخلق لا يدركون الأبصار، أي لا يعرفون كيفية حقيقة البصر، وما الشيء الذي صار به الإنسان يبصر من عينيه دون أن يبصر من غيرهما من سائر أعضائه\" (^٢).\nفنفي الإدراك لا ينفي رؤية الله يوم القيامة، بل يثبتها بالمفهوم. فإنه إذا نفى الإدراك، الذي هو أخص أوصاف الرؤية، دل على أن الرؤية ثابتة. فإنه لو أراد نفي الرؤية، لقال \"لا تراه الأبصار\" ونحو ذلك (^٣).\nالوجه الثالث: أنه قد تقرر في علم البيان والميزان أن رفع الإيجاب الكلي سلب جزئي فالمعنى لا تدركه بعض الأبصار، وهي أبصار الكفار، هذا على تسليم أن نفي الإدراك يستلزم نفي الرؤية الخاصة، والآية من سلب العموم لا من عموم السلب، والأول يخلفه الجزئية، والتقدير لا تدركه كل الأبصار بل بعضها وهي أبصار المؤمنين، والمصير إلى أحد الوجهين متعين لما ثبت من تواتر الرؤية في الآخرة واعتضادها بقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (^٤).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى: ابن تيمية: (٦/ ٤٨٦).\n(^٢) معاني القرآن: الزجاج (٢/ ٢٧٨)، وانظر: الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (١٩/ ٢٤٧).\n(^٣) انظر: تيسير الكريم الرحمن: السعدي (ص: ٢٦٨).\n(^٤) انظر: مفاتيح الغيب: الرازي (١٣/ ٩٨)، وانظر: اللباب: ابن عادل الحنبلي (٨/ ٣٤٧)، وانظر: روح المعاني: الآلوسي (٨/ ٣٥٣، ٣٥٤)، وانظر: فتح القدير: الشوكاني (٢/ ١٦٩).","vol":"1","page":625},{"text":"تنبيه:\nمسألة إثبات رؤية الله تعالى يوم القيامة قد تقدم الحديث عنها وإيراد أقوال واستدلالات أهل العلم من أهل السنة، كابن تيمية وابن أبي العز وغيرهما، والجواب عن بعض شبه المعتزلة، فاليُراجع (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-539> النتيجة:</span>\nبعد إيراد ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الحق الذي لا مرية فيه أن الإدراك المنفي في الآية هو الإدراك الدنيوي، وليس الأخروي، وهو الذي عليه أهل السنة والجماعة، لما تقدم ذكره من الأدلة والأوجه التي تؤيد ذلك.\n_________\n(^١) انظر ما تقدم في مسألة رقم (٥) ص: (١٦٩).","vol":"1","page":626},{"text":"<span data-type='title' id=toc-540>٩٩ - قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [سورة الأنعام: ١٠٣].</span>\nقال القاسمي: قول الخفاجي: \"اللطيف المشتق من اللطف بمعنى الرأفة، لا يظهر له مناسبة هنا\" (^١) مدفوع بملاحظة أن قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ ذكر للتخويف، كما أسلفنا، وحينئذ يناسب أن يشفع ببيان رأفته ورحمته، جريا على سنن الترغيب والترهيب (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-541> أقوال أهل العلم في مناسبة ذكر اللطف في قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾:</span>\nالقول الأول: عدم ظهور المناسبة لذكر اللطف في الآية.\nالقول الثاني: أن المناسبة ظاهرة وتقتضيها البلاغة القرآنية.\nأصحاب القول الأول:\nالخفاجي: وتقدم قوله.\nأصحاب القول الثاني:\nالبيضاوي: \"يجوز أن يكون من باب اللف أي: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ لأنه اللطيف ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ لأنه الخبير، فيكون اللطيف مستعارا من مقابل الكثيف لما لا يدرك بالحاسة ولا ينطبع فيها\" (^٣).\nالسيوطي: \" ﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ فإن اللطيف يناسب ما لا يدرك بالبصر، والخبير يناسب ما يدركه\" (^٤).\n_________\n(^١) عناية القاضي: الشهاب الخفاجي (٤/ ١٠٨).\n(^٢) محاسن التأويل: القاسمي (٦/ ٢٤٥٥).\n(^٣) أنوار التنزيل: البيضاوي (٢/ ١٧٦)، وانظر: مدارك التنزيل: النسفي (١/ ٥٢٧)، وانظر: إرشاد العقل السليم: أبو السعود (٣/ ١٧٠).\n(^٤) معترك الأقران: السيوطي (١/ ٣٢)، وانظر: الزيادة والإحسان: ابن عقيلة المكي (٢/ ٥١٤).","vol":"1","page":627},{"text":"السعدي: \" ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ أي: هو الذي أحاط علمه، بالظواهر والبواطن، وسمعه بجميع الأصوات الظاهرة، والخفية، وبصره بجميع المبصرات، صغارها، وكبارها، ولهذا قال: ﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ الذي لطف علمه وخبرته، ودق حتى أدرك السرائر والخفايا، والخبايا والبواطن\" (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-542> دراسة المسألة:</span>\nبعد تتبع واستقراء ما ذكره أهل العلم من المفسرين وغيرهم في هذه المسألة، يتبين أن المناسبة من ذكر اللطف في الآية ظاهرة، وهو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني، وذلك من أوجه:\nالأول: أن تعذر إدراك الخلق للخالق جل وعلا إنما هو من لُطفه سبحانه ورأفته، وفق ما تقتضيه حكمته، فهو أعلم بخلقه وما يصلح لهم.\nيقول الإمام الطبري: \"والله تعالى ذكره الميسر له من إدراك الأبصار، والمتأتي له من الإحاطة بها رؤية ما يَعسر على الأبصار من إدراكها إياه وإحاطتها به ويتعذر عليها. ﴿الْخَبِيرُ﴾ يقول: العليم بخلقه وأبصارهم، والسبب الذي له تعذر عليها إدراكه فَلَطَّفَ بقدرته، فهيأ أبصار خلقه هيئة لا تدركه، وخَبَر بعلمه كيف تدبيرها وشئونها وما هو أصلح بخلقه\" (^٢).\nالثاني: أنه سبحانه لما قدم نفي إدراك الأبصار له عطف على ذلك قوله: ﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ﴾ خطابا للسامع بما يفهم إذ العادة أن كل لطيف لا تدركه الأبصار، ألا ترى أن حاسة البصر إنما تدرك اللون من كل متلون والكون من كل متكون فإدراكها إنما هو للمركبات دون المفردات ولذلك لما قال: ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ عطف عليه قوله: ﴿الْخَبِيرُ﴾ مخصصا لذاته سبحانه بصفة الكمال لأنه ليس كل من أدرك شيئا كان خبيرا بذلك الشيء لأن المدرك للشيء قد يدركه ليخبره ولما كان الأمر كذلك أخبر ﷾ أنه يدرك كل شيء مع الخبرة به وإنما خص الإبصار بإدراكه ليزيد في الكلام ضربا\n_________\n(^١) تيسير الكريم الرحمن: السعدي (ص: ٢٦٨).\n(^٢) جامع البيان: الطبري (٩/ ٤٦٨).","vol":"1","page":628},{"text":"من المحاسن يسمى التعطف ولو كان الكلام لا تبصره الأبصار وهو يبصر الأبصار لم تكن لفظتا ﴿اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ مناسبتين لما قبلهما (^١).\nوقريبًا من هذا الوجه: ما يُسميه البلاغيون من تشابه الأطراف: وهو أن يختم الكلام بما يناسب ابتداءه في المعنى، فهو ﷾: ﴿اللَّطِيفُ﴾؛ أي: الخفي عن إدراك الأبصار له من اللطف بمعنى خفاء الإدراك، فيكون راجعا لقوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾؛ أي: فيلطف عن أن تدركه الأبصار بحيث تخسأ الأبصار دون إدراك حقيقته. ﴿الْخَبِيرُ﴾؛ أي: العالم بدقائق الأشياء ولطائفها، فلا يعزب عن إدراكه شيء، فيكون راجعا لقوله: ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ (^٢).\nالثالث: أن اسم اللطيف يدل على صفة من صفات ذات الله تعالى، وهي صفة تنزيهه تعالى عن إحاطة العقول بماهيته أو إحاطة الحواس بذاته وصفاته، فيكون اختيارها للتعبير عن هذا الوصف في جانب الله تعالى هو منتهى الصراحة والرشاقة في الكلمة لأنها أقرب مادة في اللغة العربية تُقَرّب معنى وصفه تعالى بحسب ما وضعت له اللغة من متعارف الناس، وعليه فتكون أعم من مدلول جملة ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾، فتتنزل من الجملة التي قبلها منزلة التذييل أو منزلة الاستدلال على الجزئية بالكلية فيزيد الوصف قبله تمكنا (^٣).\n\n•<span data-type='title' id=toc-543> النتيجة:</span>\nبعد ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الصواب ما عليه أصحاب القول الثاني من أن المناسبة لذكر اللف في الآية ظاهرة، وتقتضيها البلاغة، لما تقدم إيراده من الأوجه الدالة على ذلك، بخلاف ما ذهب إليه الخفاجي الذي لم تظهر له المناسبة، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: تحرير التحبير: ابن أبي الأصبع (ص: ٣٦٣) وانظر: البرهان: الزركشي (١/ ٨٠)، وانظر: إعراب القرآن: محيي الدين درويش (٣/ ١٨٨، ١٨٩).\n(^٢) انظر: الزيادة والإحسان: ابن عقيلة المكي (٦/ ٢٦٦)، وانظر: تفسير حدائق الروح والريحان: الهرري (٨/ ٥١٠)، وانظر: إعراب القرآن: محيي الدين درويش (٣/ ١٨٩).\n(^٣) التحرير والتنوير: ابن عاشور (٧/ ٤١٧)، بتصرف.","vol":"1","page":629},{"text":"<span data-type='title' id=toc-544>١٠٠ - قوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا﴾ [سورة الأنعام: ١١٤].</span>\nقال القاسمي: قوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا﴾ على تقدير القول، كما في نظائره، أي: قل لهم: أفغير الله أطلب من يحكم بيني وبينكم، ويفصل المحق منا من المبطل. والمعنى: أطلب معبودا؛ لأنه كانوا يتحاكمون إلى طواغيتهم - وهذا عندي أظهر - ثم رأيت في \"تنوير المقباس\" الاقتصار عليه، حيث قال: ﴿أَبْتَغِي حَكَمًا﴾ أعبد ربا (^١). وأما كون الآية واردة على قولهم: (اجعل بيننا وبينك حكما) فلا يصح؛ لأنهم بمعزل عن الانصياع لذلك (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-545> أقوال أهل العلم في المراد من ابتغاء الحكم في قوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا﴾:</span>\nالقول الأول: أن المراد: أفغير الله أطلب معبودًا، أو أبتغي ربًا.\nالقول الثاني: أن المراد: أفغير الله أطلب قاضيا بيني وبينكم.\nأصحاب القول الأول:\nالسمرقندي: \"أفغير الله أبتغي حكما يعني: أعبد غير الله؟ ويقال: أأطلب القضاء من غير الله؟ \" (^٣).\nالحداد (^٤): \"ومعناها: قل لهم يا محمد: أفغير الله أطلب ربا ومعبودا يساوي حكمه\n_________\n(^١) تنوير المقباس: الفيروز آبادي (ص: ١١٧).\n(^٢) محاسن التأويل: القاسمي (٦/ ٢٤٧٤).\n(^٣) بحر العلوم: السمرقندي (١/ ٤٧٧).\n(^٤) وهو: أبو بكر بن علي بن محمد الحداد الزَّبيدي: فقيه حنفي يماني. من أهل العبادية، من قرى (حازة وادي زَبِيد) في تهامة، له في مذهب أبي حنفية مصنفات جليلة، تبلغ كتبه نحو ٢٠ مجلدا، مات سنة ٨٠٠ هـ. ينظر: الأعلام: الزركلي (٢/ ٦٧).","vol":"1","page":630},{"text":"حكم الله؛ فأجعله حكما\" (^١).\nأصحاب القول الثاني:\nالثعلبي: \"قل لهم يا محمد: أفغير الله ﴿أَبْتَغِي﴾: أطلب ﴿حَكَمًا﴾: قاضيا بيني وبينكم، وذلك أنهم كانوا يقولون للنبي ﷺ: اجعل بيننا وبينك حكما\" (^٢).\nالواحدي: \" ﴿أَبْتَغِي حَكَمًا﴾ قاضيا بيني وبينكم\" (^٣).\nالسمعاني: \"قوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا﴾ لأنهم كانوا يقولون للنبي أجل بيننا وبينك حكما؛ وأجابهم بقوله: أفغير الله ابتغي حكما؟! \" (^٤).\nالزمخشري: \" ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا﴾ على إرادة القول، أي قل يا محمد: أفغير الله أطلب حاكما يحكم بيني وبينكم، ويفصل المحق منا من المبطل\" (^٥).\n\n•<span data-type='title' id=toc-546> دراسة المسألة:</span>\nمن خلال ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يظهر أن الصواب من أقوالهم هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني من أن المراد من ابتغاء الحكم في الآية: طلب القضاء والحكم بين خصمين، وذلك من وجهين:\nالأول: من حيث اللغة: فإن الحكم في اللغة هو من يتحاكم الناس إليه باختيارهم ويرضون بحكمه وينفذونه، فيكون المراد من الآية: أأطلب حكما غير الله تعالى يحكم بيني وبينكم في هذا الأمر غيره (^٦).\nوالحكم أبلغ من الحاكم لأنه من عرف منه الحكم مرة بعد أخرى، والحاكم اسم فاعل\n_________\n(^١) كشف التنزيل: الحداد (٢/ ٧٧).\n(^٢) الكشف والبيان: الثعلبي (١٢/ ١٩٠)، وانظر: لباب التأويل: الخازن (٢/ ١٤٩).\n(^٣) الوجيز: الواحدي (ص: ٣٧١).\n(^٤) تفسير القرآن: السمعاني (٢/ ١٣٨)، وانظر: معالم التنزيل: البغوي (٣/ ١٨٠)\n(^٥) الكشاف: الزمخشري (٢/ ٦٠)، وانظر: أنوار التنزيل: البيضاوي (٢/ ١٧٩).\n(^٦) انظر: تفسير المنار: محمد رشيد رضا (٨/ ١٠).","vol":"1","page":631},{"text":"يصدق على المرة الواحدة، والحكم لا يحكم إلا بالحق والحاكم يحكم بالحق وبغير الحق، ولذلك كان من أسمائه تعالى: الحكم، ولم يكن منها: الحاكم. وانتصب حكما على الحال. والمعنى: لا أطلب حكما بيني وبينكم غير الله الذي حكم حكمه عليكم بأنكم أعداء مقترفون (^١).\nالثاني: من حيث سياق الآيات: ففي الآيات أخبر الله تعالى أنه حكم بنبوة محمد ﷺ من حيث إنه أنزل إليه الكتاب المفصل المبين المشتمل على العلوم الكثيرة والفصاحة الكاملة وقد عجز الخلق عن معارضته فظهور مثل هذا المعجز عليه يدل على أنه تعالى قد حكم بنبوته فقوله: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا﴾ يعني قل يا محمد إنكم تتحكمون في طلب سائر المعجزات فهل يجوز في العقل أن يطلب غير الله حكما؟ فإن كل أحد يقول إن ذلك غير جائز، ثم قل إنه تعالى حكم بصحة نبوتي حيث خصني بمثل هذا الكتاب المفصل الكامل البالغ إلى حد الإعجاز (^٢).\nتنبيهان:\nالأول: أورد الواحدي في تفسيره ما قيل في تفسير قوله تعالى ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا﴾ من أن المراد: \"قل لأهل مكة أفغير الله أطلب قاضيا بيني وبينكم\". ونسب هذا القول للكلبي وعطية العوفي (^٣).\nبينما ورد في التيسير للنسفي: قول الكلبي في تفسير الآية: \"أي: قل لأهل مكة: أغير الله أبتغي ربا أعبده؟! \" (^٤). ونسبة القولين للكلبي متضادتان، ولم أقف على الصواب في نسبة القول، والظاهر أن أحد المُفسريْن وهم، ونسب القول للكلبي، والله أعلم.\nالثاني: ذكر الماوردي في تفسيره، وبعده ابن الجوزي أن مشركي قريش قالوا للنبي\n_________\n(^١) انظر: مفاتيح الغيب: الرازي (١٣/ ١٢٤)، وانظر: البحر المحيط: أبو حيان (٩/ ٣٦٨)، وانظر: التحرير والتنوير: ابن عاشور (٨/ ١٢، ١٣) وانظر: تفسير المنار: محمد رشيد رضا (٨/ ٩، ١٠).\n(^٢) انظر: البحر المحيط: أبو حيان (٩/ ٣٦٨)، وانظر: التحرير والتنوير: ابن عاشور (٨/ ١٢، ١٣).\n(^٣) انظر: التفسير البسيط: الواحدي (٨/ ٣٨٣، ٣٨٤)، وانظر: التفسير الوسيط للواحدي (٢/ ٣١٤).\n(^٤) انظر: التيسير في التفسير: أبو حفص النسفي (٦/ ١٨٩).","vol":"1","page":632},{"text":"ﷺ: اجعل بيننا وبينك حكما إن شئت من أحبار اليهود، وإن شئت من أحبار النصارى، ليخبرنا عنك بما في كتابهم من أمرك، فنزلت هذه الآية (^١).\nولم يذكر أحدا قبلهما لهذا السبب إسنادًا بحسب ما وقفت عليه، ليتبين إن كان هذا السبب صحيحًا أم ضعيفًا، فهو لا شيء، وإلا لو صح لكان حجة لمن قال بأن المراد من قوله تعالى: ﴿أَبْتَغِي حَكَمًا﴾ قاضيا بيني وبينكم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-547> النتيجة:</span>\nبعد ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الراجح هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني من أن المراد من قوله تعالى: \" ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا﴾ أي: قاضيًا يحكم بيني وبينكم، ويفصل المحق من المبطل، لما تقدم إيراه من الأوجه التي تؤيد ذلك، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: النكت والعيون: الماوردي (٢/ ١٦٠)، وانظر: زاد المسير: ابن الجوزي (٢/ ٦٩).","vol":"1","page":633},{"text":"<span data-type='title' id=toc-548>١٠١ - قوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [سورة الأنعام ١١٩].</span>\nقال بعض المفسرين: يعني في آية المائدة في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [سورة المائدة: ٣] الآية. ورُدَّ بأن المائدة من آخر ما نزل بالمدينة، والأنعام مكية. فالصواب أن التفصيل إما في قوله تعالى بعد هذه الآية: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [سورة الأنعام: ١٤٥] الآية. فإنه ذكر بعد بيسير، وهذا القدر من التأخر لا يمنع أن يكون هو المراد، وإما على لسان الرسول، ثم أُنْزِلَ بعد ذلك في القرآن (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-549> أقوال أهل العلم في بيان تفصيل التحريم في قوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾:</span>\nالقول الأول: أن تفصيل التحريم مُبين في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾.\nالقول الثاني: أن تفصيل التحريم مُبين في قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ الآية.\nأصحاب القول الأول:\nسعيد بن جبير: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ يعني: ما بين في [المائدة] من الميتة، والدم، إلى آخر الآية\" (^٢).\nالطبري: \"وما يمنعكم من أكل ما ذبح بديني الذي ارتضيته، وقد فصّلت لكم الحلال من الحرام فيما تطعمون، وبينته لكم بقولي: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (٦/ ٢٤٧٩، ٢٤٨٠).\n(^٢) زاد المسير: ابن الجوزي (٢/ ٧١).","vol":"1","page":634},{"text":"لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾، إلى قوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ﴾، فلا لبس عليكم في حرام ذلك من حلاله، فتتمنعوا من أكل حلاله حذرًا من مواقعة حرامه\" (^١).\nالبغوي: \" أراد بتفصيل المحرمات ما ذكر في قوله تعالى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ \" (^٢).\nالسعدي: \"فالحرام الذي قد فصله الله وأوضحه، قد أباحه عند الضرورة والمخمصة، كما قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ \" (^٣).\nأصحاب القول الثاني:\nالرازي: \"الأولى أن يقال المراد قوله بعد هذه الآية - يعني قوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ -: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ الآية\" (^٤).\nأبو حيان: \" ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ﴾ في هذه السورة لأنها على ما نُقِلَ مكية، ونزلت في مرة واحدة، فلا يناسب أن يكون ﴿وَقَدْ فَصَّلَ﴾ راجعا إلى تفصيل (البقرة) و(المائدة) لتأخيرهما في النزول عن هذه السورة\" (^٥).\nالشوكاني: \" ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ أي بين لكم بيانا مفصلا يدفع الشك ويزيل الشبهة بقوله: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ إلى آخر الآية\" (^٦).\nالشنقيطي: \"التحقيق أنه فصله لهم بقوله: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾ الآية\" (^٧).\n_________\n(^١) جامع البيان: الطبري (٣/ ٥١٣).\n(^٢) معالم التنزيل: البغوي (٣/ ١٨٢).\n(^٣) تيسير الكريم الرحمن: السعدي (ص: ٢٧١).\n(^٤) مفاتيح الغيب: الرازي (١٣/ ١٢٩).\n(^٥) البحر المحيط: أبو حيان (٩/ ٣٧٤).\n(^٦) فتح القدير: الشوكاني (٢/ ١٧٨).\n(^٧) أضواء البيان: الشنقيطي (٢/ ٢٤٤).","vol":"1","page":635},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-550> دراسة المسألة:</span>\nيتبين من خلال ما تقدم أن بيان تفصيل المحرم في قوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ مما اختلف العلماء فيه قديمًا، والمتأمل فيما ذهب إليه الفريقان يجد أن كُلًا منهما يرد عليه إيراد يُضعفه ويصرفه عن الراجح منهما.\nفأما ما ذهب إليه أصحاب الفريق الأول: من أن الإجمال في قوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ مبين بقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ الآية.\nيرد عليه: أن سورة الأنعام مكية وسورة المائدة مدنية وهي آخر ما أنزل الله بالمدينة وقوله ﴿وَقَدْ فَصَّلَ﴾ يقتضي أن يكون ذلك المفصل مقدما على هذا المجمل والمدني متأخر عن المكي والمتأخر يمتنع كونه متقدما (^١).\nوأما ما ذهب إليه أصحاب الفريق الثاني: من أن الإجمال في قوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ مبين بقوله: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [سورة الأنعام: ١٤٥] الآية.\nيرد عليه: أن سورة الأنعام نزلت جملة واحدة على الصحيح، فذلك ينافي أن يكون المتأخر في التلاوة متقدما نزوله (^٢).\nوقد تكلف كُل من الفريقين لما ذهبوا إليه:\nفأما الفريق الأول: فقالوا: أن الله لما علم أن سورة المائدة متقدمة على سورة الأنعام في الترتيب لا في النزول حسن عود الضمير في قوله ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ إلى ما هو متقدم في الترتيب وهو قوله ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ الآية والله أعلم بمراده (^٣).\n_________\n(^١) انظر: مفاتيح الغيب: الرازي (١٣/ ١٢٩)، وانظر: الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (٩/ ٨١)، وانظر: إرشاد العقل السليم: أبو السعود (٣/ ١٧٩) وانظر: أضواء البيان: الشنقيطي (٢/ ٢٤٥).\n(^٢) انظر: التحرير والتنوير: ابن عاشور (٨/ ٣٤).\n(^٣) انظر: لباب التأويل: الخازن (٢/ ١٥١)، وانظر: فتح البيان: القنوجي (٤/ ٢٢٩).","vol":"1","page":636},{"text":"والجواب عليه: أن هذا مما لا يُعقل، فكيف يُخبر الله تعالى بأنه فصّل ما حرّم من المأكولات بصيغة الماضي، وقوله حق، ولم تكن الآيات في سورة المائدة قد نزلت حينئذ، ولم تُشكل الآية على الناس وتُثير تساؤلاتهم بالذي فصَّله، مما يدل على أن الذي فصَّله هو في غير آية المائدة، والله أعلم.\nوأما الفريق الثاني فقالوا: أن هذا القدر من التأخير لا يمنع أن يكون هو المراد، خصوصا أن السورة نزلت دفعة واحدة بإجماع المفسرين، فيكون في حكم المقارن (^١).\nوالجواب عليه: أن هذا القدر من التأخير يمنع أن يكون هو المراد، ولا يقتضي المقارنة، وذلك أن سياق الآيات متعدد في موضوعاته، فالله تعالى أخبر في الآية أنه بيَّن وفصّل ما حرم من المأكولات، ثم أمر باجتناب الإثم ظاهره وباطنه فقال: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ [سورة الأنعام: ١٢٠] ثم نهى عن الأكل مما لم يذكر اسم الله عليه فقال: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [سورة الأنعام: ١٢١] ثم أخبر عن من ﴿كَانَ مَيْتًا﴾ في ظلمات الكفر والمعاصي، ﴿فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ بنور العلم والإيمان والطاعة، ثم أخبر عن الرؤساء الذين قد كبر جرمهم، واشتد طغيانهم، فقال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا﴾ [سورة الأنعام: ١٢٣] إلى أن قال بعد عدة مواضيع: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾. فدل هذا على أن المقارنة غير متحققة وخصوصًا مع تخلل هذه المواضيع بين قوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾، والله أعلم.\nولعل الصواب في هذه المسألة: ما ذهب إليه بعض المفسرين وهو: أن الله قد بين لهم، من قبل، ما حرمه عليهم من المأكولات، بوحي غير القرآن (^٢)، كالسنة النبوية.\n_________\n(^١) انظر: مفاتيح الغيب: الرازي (١٣/ ١٢٩)، وانظر: اللباب: ابن عادل الحنبلي (٨/ ٤٠١).\n(^٢) انظر: حاشية الشهاب: الخفاجي (٤/ ١١٨)، وانظر: روح البيان: إسماعيل حقي (٣/ ٩٣)، وانظر: التحرير والتنوير: ابن عاشور (٨/ ٣٤).","vol":"1","page":637},{"text":"وذلك أن السنة هي وحي من الله تعالى على لسان رسوله، كما أن القرآن وحي من الله، لما أخرجه أحمد في مسنده من حديث المقدام بن معدي، قال: قال رسول الله ﷺ: \"ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه\" (^١).\nومما ورد في السنة بتحريم بعض المأكولات حديث: \"أحلت لنا ميتتان ودمان السمك والجراد والكبد والطحال\" (^٢)، فدل مفهوم المخالفة أن ما عداهما من الميتة والدم فهو محرّم.\nوحديث أبي ثعلبة ﵁، أن رسول الله ﷺ «نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع» (^٣).\nوعنه أيضًا: «أن رسول الله ﷺ حرَّم لحوم الحمر الأهلية» (^٤). وغير ذلك من الأحاديث التي تُبين ما الإجمال في قوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾، والله أعلم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-551> النتيجة:</span>\nبعد ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين بأن الراجح في تفصيل المجمل في قوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ هو ما صح عن النبي ﷺ من الأحاديث التي بيَّنت هذا الإجمال، وذلك لأن أدلة كُلًا من الفريقين، لم تسلم من إيرادات وإشكالات تُضعف ما ذهبت إليه، والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في مسنده (٢٨/ ٤١٠) برقم: (١٧١٧٤)، وصححه محققوا المسند.\n(^٢) أخرجه أحمد في مسنده (١٠/ ١٦) برقم: (٥٧٢٣)، وحسنه محققوا المسند، وأخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب الأطعمة، باب الكبد والطحال، برقم: (٣٣١٤)، قال الألباني: حديث صحيح.\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب الذبائح والصيد، باب أكل كل ذي ناب من السباع، برقم: (٥٥٣٠)، وأخرجه مسلم، كتاب الصيد والذبائح، باب تحريم أكل كل ذي ناب من السباع، برقم: (١٩٣٢).\n(^٤) أخرجه البخاري، كتاب الذبائح والصيد، باب لحوم الحمر الإنسانية، برقم: (٥٥٢٧)، وأخرجه مسلم، كتاب الصيد والذبائح، باب تحريم أكل لحم الحمر الإنسية، برقم: (١٩٣٦).","vol":"1","page":638},{"text":"<span data-type='title' id=toc-552>١٠٢ - قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [سورة الأنعام: ١٤١].</span>\nقال القاسمي: ذهب بعضهم إلى أن هذا الحق نسخ بآية الزكاة، حكاه ابن جرير عن ابن عباس وثلة من التابعين (^١). قال ابن كثير: في تسمية هذا نسخا نظر؛ لأنه قد كان شيئا واجبا في الأصل ثم إنه فصل بيانه وبين مقدار المخرج وكميته (^٢).\nولا نظر، لما عرفت في المقدمة من تسمية مثل ذلك نسخا عند السلف (^٣)، ومر قريبا أيضا، فتذكر! (^٤).\n\n•<span data-type='title' id=toc-553> أقوال أهل العلم في المراد من النسخ في قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾:</span>\nالقول الأول: أن المراد من النسخ في قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ رفع الحكم بحكم آخر، بمعنى أن وجوب إيتاء الزكاة وقت الحصاد كان واجبًا ثم ألغي بآيات فرض الزكاة.\nالقول الثاني: أن المراد من النسخ في قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ تفسير المجمل، ببيان مقدار الزكاة وكميتها.\n\n•<span data-type='title' id=toc-554> دراسة المسألة:</span>\nأورد الحافظ ابن كثير ﵀ في تفسيره ما حكاه ابن جرير عن ابن عباس، ومحمد\n_________\n(^١) انظر: جامع البيان: الطبري (٩/ ٦٠٨ - ٦١٠).\n(^٢) تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٣/ ٦٢٣).\n(^٣) محاسن التأويل: القاسمي (١/ ٢٥٢٦).\n(^٤) انظر: محاسن التأويل: القاسمي (٦/ ٢٤٩٠).","vol":"1","page":639},{"text":"بن الحنفية، وإبراهيم النخعي، وغيرهم من أن إيتاء الحق يوم الحصاد في قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ كان واجبا، ثم نسخه الله بالعشر ونصف العشر.\nثم عقَّب الحافظ ابن كثير على هذا القول فقال: تسميته نسخا فيه نظر؛ لأنه قد كان شيئا واجبا. ثم إنه فسر بيانه وبين مقدار المخرج وكميته (^١).\nوالذي يظهر أن الحافظ ابن كثير ﵀ نظر إلى معنى النسخ من حيث مفهومه عند الأصوليين وعند المتأخرين والذي هو بمعنى: رفع الحكم الشرعي بطريق شرعي متراخ عنه (^٢).\nوليس كما فَهم ﵀، فإن مفهوم النسخ عند السلف كما هو معلوم يختلف عن مفهومه لمن جاء بعدهم، كما نص الأئمة على ذلك (^٣).\nقال: ابن تيمية: \"و\"فصل الخطاب\": أن لفظ \"النسخ\" مجمل فالسلف كانوا يستعملونه فيما يظن دلالة الآية عليه من عموم أو إطلاق أو غير ذلك (^٤).\nوقال الشاطبي: \"الذي يظهر من كلام المتقدمين أن النسخ عندهم في الإطلاق أعم منه في كلام الأصوليين؛ فقد يطلقون على تقييد المطلق نسخا، وعلى تخصيص العموم بدليل متصل أو منفصل نسخا، وعلى بيان المبهم والمجمل نسخا، كما يطلقون على رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر نسخا؛ لأن جميع ذلك مشترك في معنى واحدا، وهو أن النسخ في الاصطلاح المتأخر اقتضى أن الأمر المتقدم غير مراد في التكليف، وإنما المراد ما جيء به آخرا؛ فالأول غير معمول به، والثاني هو المعمول به\" (^٥).\nفما ورد عن السلف في تفسير قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ بأنه منسوخ\n_________\n(^١) انظر: تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٣/ ٦٢٣).\n(^٢) انظر: الإحكام في أصول الأحكام: الآمدي (٣/ ١٠٥)، وانظر: المستصفى: الغزالي (ص: ٨٦).\n(^٣) انظر ما تقدم ذكره في مسألة (٢٥) ص:\n(^٤) مجموع الفتاوى: ابن تيمية (١٤/ ١٠١).\n(^٥) الموافقات: الشاطبي (٣/ ٣٤٤).","vol":"1","page":640},{"text":"بآيات فرض الزكاة، إنما هو في الحقيقة بيان لحقٍ قد كان واجبا. ثم إنه فسر بيانه وبين مقدار المخرج وكميته، وليس رفع الحكم من أصله.\nفيُقال في تفسير هذا المُجمل: أن الله أوجب الزكاة في مكة إيجابا مجملا -وذلك أن سورة الأنعام مكية- فتعين فرض اعتقادها، ووقف العمل بها على بيان الجنس والقدر والوقت، فلم تكن بمكة حتى تمهد الإسلام بالمدينة؛ فوقع البيان، فتعين الامتثال (^١).\nتنبيه:\nاختلف أهل العلم قديمًا في قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ بين الإحكام والنسخ، فمن المفسرين من قال بأن قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ منسوخ بآيات فرض الزكاة في المدينة (^٢)، ومنهم من قال بأن الآية محكمة (^٣)، وأفضل من كتب في هذه المسألة بحسب ما وقفت عليه هو الدكتور مصطفى زيد (^٤)، فقد أجاد فيها وأفاد.\n\n•<span data-type='title' id=toc-555> النتيجة:</span>\nمن خلال ما تقدم ذكره في هذه المسألة، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه القاسمي ﵀ من أن المراد من قول بعض السلف: أن الآية منسوخة هو تفسير المجمل، وبيان المبهم، وتخصيص العام، ونحو ذلك، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: أحكام القرآن: ابن العربي (٢/ ٢٨٦).\n(^٢) انظر: جامع البيان: الطبري (٩/ ٦١٠)، وانظر: فتح القدير: الشوكاني (٢/ ١٩٢)، وانظر: أضواء البيان: الشنقيطي (٢/ ٢٥٠).\n(^٣) انظر: تفسير القرآن: السمعاني (٢/ ١٥٠)، وانظر: المحرر الوجيز: ابن عطية (٤/ ١٤٩)، وانظر: إرشاد العقل السليم: أبو السعود (٣/ ١٩٢).\n(^٤) انظر: النسخ في القرآن: د. مصطفى زيد (٢/ ٧٢٢ - ٧٣٠).","vol":"1","page":641},{"text":"<span data-type='title' id=toc-556>١٠٣ - قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [سورة الأنعام: ١٤٥].</span>\nقال القاسمي: قيل: إذا حرم غير ما ذكر كان نسخا لما اقتضته هذه الآية من تحليله. وجوابه أن ذلك زيادة تحريم وليس بنسخ لما في الآية. فصح تحريم كل ذي ناب من السبع ومخلب من الطير (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-557> أقوال أهل العلم في المطعومات المُحرّمة الواردة في قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ من حيث الإحكام والنسخ:</span>\nالقول الأول: أن المطعومات المُحرّمة الواردة في الآية، منسوخة بآية المائدة: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ الآية، أو بأحاديث السنة التي نهت عن لحوم الحُمر الأهلية وكل ذي ناب من السباع وغير ذلك.\nالقول الثاني: أن الآية مُحكمة وليست منسوخة، وما ورد من المحرَّمات في آية المائدة، إنما هو زيادة تحريم، وليس بنسخ.\nأصحاب القول الأول:\nما ذهب إليه بعض أهل العلم: من أن آية الأنعام وهي قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ﴾ منسوخة بآية المائدة: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ (^٢).\nالشنقيطي: \" ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾ الآية. فتحريم شيء زائد على الأربعة المذكورة في الآية زيادة ناسخة، لأنها أثبتت تحريما دلت الآية على نفيه\" (^٣).\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (٦/ ٢٥٣٤).\n(^٢) انظر: الناسخ والمنسوخ: النحاس (ص: ٤٣٢)، وانظر: الناسخ والمنسوخ: ابن العربي (٢/ ٢١٨)، وانظر: نواسخ القرآن: ابن الجوزي (٢/ ٤٣٧).\n(^٣) أضواء البيان: الشنقيطي (٥/ ٢٢٧).","vol":"1","page":642},{"text":"أصحاب القول الثاني:\nالكرماني: \"قيل أن الآية منسوخة، وأن المائدة نزلت بعدها وفيها الناسخة، وهذا ضعيف\" (^١).\nابن عطية: \"وهذه الآية نزلت بمكة ولم يكن في الشريعة في ذلك الوقت شيء محرم غير هذه الأشياء، ثم نزلت سورة المائدة بالمدينة وزيد في المحرمات كالمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة\" (^٢).\nالبيضاوي: \" الآية محكمة لأنها تدل على أنه لم يجد فيما أوحي إلى تلك الغاية محرما غير هذه، وذلك لا ينافي ورود التحريم في شيء آخر فلا يصح الاستدلال بها على نسخ الكتاب بخبر الواحد ولا على حل الأشياء غيرها إلا مع الاستصحاب\" (^٣).\nابن كثير: \"ومن الناس من يسمي هذا نسخا والأكثرون من المتأخرين لا يسمونه نسخا لأنه من باب رفع مباح الأصل والله أعلم\" (^٤).\n\n•<span data-type='title' id=toc-558> دراسة المسألة:</span>\nبعد التأمل والنظر واستقراء ما ذكره أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني، من أن آية الأنعام مُحكمة وليست منسوخة، وما ورد من المحرَّمات في آية المائدة، إنما هو زيادة تحريم، وليس بنسخ، وذلك من وجهين:\nالأول: أن ذلك زيادة في ذكر المحرمات من المطعومات، وهذه الزيادة في النص إذا كانت لا تنفي ما سبقها من الآيات فلا تعد من قبيل النسخ بمفهومه المُتعارف عليه من رفع حكم بحكم.\n_________\n(^١) لباب التفاسير: الكرماني (ص: ٣٤٧)، بتصرف.\n(^٢) المحرر الوجيز: ابن عطية (٤/ ١٥٤)، وانظر: الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (٩/ ٨٠)، وانظر: فتح القدير: الشوكاني (٢/ ١٩٦).\n(^٣) أنوار التنزيل: البيضاوي (٢/ ١٨٧)، وانظر: إرشاد العقل السليم: أبو السعود (٣/ ١٩٥).\n(^٤) تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٣/ ٦٢٦).","vol":"1","page":643},{"text":"فآية الأنعام نزلت بمكة ولم يكن في الشريعة في ذلك الوقت شيء محرم غير هذه الأشياء، ثم نزلت سورة المائدة بالمدينة وزيد في المحرمات كالمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة، فإن هذه وإن كانت في حكم الميتة فكان في النظر احتمال أن تلحق بالمذكِّيات لأنها بأسباب وليست حتف الأنف، فلما بين النص إلحاقها بالميتة كانت زيادة في المحرمات.\nثم نزل النص على رسول الله ﷺ في تحريم الخمر بوحي غير منجز، وبتحريم كل ذي ناب من السباع، فهذه كلها زيادات في التحريم، ولفظة التحريم إذا وردت على لسان رسول الله ﷺ، فإنها صالحة أن تنتهي بالشيء المذكور إلى غاية المنع والحظر، وصالحة بحسب اللغة أن تقف دون الغاية في حيز الكراهية ونحوها.\nفما اقترنت به قرينة التسليم من الصحابة المتأولين، وأجمع عليه الكل منهم، ولم تضطرب فيه ألفاظ الأحاديث، وأمضاه الناس على إذلاله (^١)، وجب بالشرع أن يكون تحريمه قد وصل الغاية من الحظر والمنع (^٢).\nومما يدل على أن الزيادة في المُحرمات بعد حصرها بالنفي أو الإثبات لا تعد نسخًا: قول النبي ﷺ: \"لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إسلام، أو زنا بعد إحصان، أو قتل نفس بغير نفس\" (^٣)، وقد ذكر أهل العلم أن أسباب القتل عشرة، منها متفق عليه ومنها مختلف فيه ولم يعد ذلك نسخا وإنما هو زيادة بيان، وكما لم تعد الزيادة في التكليفات من أركان الديانات والأجناس المختلفات نسخا، إذ لم تأت الشريعة جملة واحدة وإنما وضعت نوعا نوعا وفوجا فوجا، هذا كما لم يعد جواز أكل الكبد والطحال وتخصيص ذلك من الدم نسخا، مع أن تحريم كل ذي ناب من السباع لم يرد في الصحيح التحريم، وإنما جاء بلفظه نهي المحتملة للتحريم والتنزيه (^٤).\n_________\n(^١) أي: على وجوهه التي تصلح وتَسهُل وتتيسر.\n(^٢) انظر: المحرر الوجيز: ابن عطية (٤/ ١٥٤)، وانظر: الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (٩/ ٨٠).\n(^٣) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الديات، باب الإمام يأمر بالعفو في الدم، برقم: (٤٥٠٢)، قال الألباني: حديث صحيح.\n(^٤) الناسخ والمنسوخ: ابن العربي (٢/ ٢١٨، ٢١٩)، بتصرف، وانظر: الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (٩/ ١٨١).","vol":"1","page":644},{"text":"الثاني: أن الآية من قبيل الأخبار، والأخبار لا يدخلها النسخ، فالآية إنما أخبرت بما كان في الشرع من التحريم يومئذ -يعني في مكة- وأن النبي ﷺ لا يجد في ما أوحى الله إليه من المطعومات التي حرَّمها المشركون على أنفسهم (^١).\nالثالث: أن الآية جاءت جوابا عن سؤال سألوه؛ فكان الجواب بقدر السؤال، ثم حرم بعد ذلك ما حرم (^٢).\nالرابع: أن آية المائدة داخلة في آية الأنعام، وليست متعارضة معها في شيء؛ فإن المنخنقة والمتردية والنطيحة من الميتة، وقد اجتمعت الآيتان على تحريم الميتة، ومن الميتة ما أكله السبع فأماته، ومن الفسق الذي أهل لغير الله به: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾، وما ذبح على النصب، أما الدم ولحم الخنزير فقد ذكرتهما الآيتان، وقيدت آية الأنعام إطلاق الدم في آية المائدة بأن يكون مسفوحا، وهو شرط لا بد منه للتحريم (^٣).\nالخامس: أن القاعدة المقررة عند أهل العلم (أن الأصل عدم النسخ مالم يرد دليل صريح على خلافه) (^٤)، وظاهر الآية لا يدل على حصر المطعومات المحرّمة، فتعين أنها محكمة، وليست منسوخة.\nتنبيه:\nالحنفية يقولون أن الزيادة على المنصوص نسخ. فكل زائد على الكتاب فهو ناسخ، كزيادة الإيمان في رقبة الكفارة، وزيادة التغريب على الجلد في جلد الزاني البكر، فما جاء منه بطريق التواتر قبل، وما جاء منه بطريق الآحاد فلا يقبل؛ لأن الآحاد لا ينسخ المتواتر (^٥).\n_________\n(^١) انظر: الناسخ والمنسوخ: النحاس (ص: ٤٣٢)، وانظر: لباب التفاسير: الكرماني (ص: ٣٤٧)، وانظر: نواسخ القرآن: ابن الجوزي (٢/ ٤٣٨).\n(^٢) انظر: زاد المسير: ابن الجوزي (٢/ ٨٨).\n(^٣) النسخ في القرآن: د. مصطفى زيد (ص: ٤٥٦).\n(^٤) انظر: مفاتيح الغيب: الرازي (١٣/ ١٧٠)، وانظر: الإحكام: الآمدي (٤/ ٢٦٩)، وانظر: نفائس الأصول: القرافي (٩/ ٣٧٥٤).\n(^٥) انظر: العدة في أصول الفقه: أبو يعلى (٣/ ٨١٤)، وانظر: البرهان في أصول الفقه: الجويني (١/ ١٥٩)، وانظر: أصول السرخسي (١/ ٢٩٢)، وانظر: كشف الأسرار: البزدوي (٣/ ١٩١)، وانظر: قواعد الترجيح: حسين الحربي (١/ ٧١).","vol":"1","page":645},{"text":"ويلزم على قولهم هذا أن الزيادة التي جاءت في تحريم المطعومات في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ الآية، وما جاء في أحاديث السنة التي نهت عن لحوم الحُمر الأهلية وكل ذي ناب من السباع وغير ذلك، أنها من النسخ، والله أعلم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-559> النتيجة:</span>\nمن خلال ما تقدم ذكره من أقوال أهل العلم، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني من أن آية الأنعم وهي قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ﴾ من قبيل المُحكم وليس من قبيل المنسوخ، لما تقدم إيراده من الأوجه التي تؤيد ذلك، والله أعلم.","vol":"1","page":646},{"text":"<span data-type='title' id=toc-560>١٠٤ - قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (١٤٨) قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [سورة الأنعام: ١٤٩].</span>\nقال القاسمي: زعم المعتزلة أن فيها دلالة واضحة لمذهبهم من أن الله لا يشاء المعاصي والكفر، كما تبجح بذلك منهم الطبرسي الشيعي في (تفسيره) وقال: إن فيها تكذيبا ظاهرا لمن أضاف مشيئة ذلك إلى الله سبحانه (^١). وكذا الزمخشري في (تفسيره) (^٢).\nومعلوم أن عقيدة الفرقة الناجية، الإيمان بأن: ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه ما في السموات والأرض من حركة ولا سكون إلا بمشيئة الله سبحانه، لا يكون في ملكه إلا ما يريد، وهو خالق لأفعال العباد.! (^٣).\n\n•<span data-type='title' id=toc-561> أقوال أهل العلم في وقوع المعاصي والكفر وفق مشيئة الله تعالى:</span>\nالقول الأول: أن ما يقع من المعاصي والكفر إنما هو بمشيئة الله تعالى.\nالقول الثاني: أن ما يقع من المعاصي والكفر ليس بمشيئة الله تعالى.\nأصحاب القول الأول: وهم أهل السنة والجماعة:\nالطبري: \" فلو شاء ربكم لوفقكم أجمعين للإجماع على إفراده بالعبادة والبراءة من الأنداد والآلهة والدينونة، بتحريم ما حرم الله وتحليل ما حلله الله، وترك اتباع خطوات الشيطان، وغير ذلك من طاعاته. ولكنه لم يشأ ذلك، فخالف بين خلقه فيما شاء منهم،\n_________\n(^١) مجمع البيان: الطبرسي (٤/ ١٤٢).\n(^٢) انظر: الكشاف: الزمخشري (٢/ ٧٧).\n(^٣) محاسن التأويل: القاسمي (٦/ ٢٥٤٢، ٢٥٤٣).","vol":"1","page":647},{"text":"فمنهم كافر ومنهم مؤمن\" (^١).\nالبغوي: \" ﴿فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ فهذا يدل على أنه لم يشأ إيمان الكافر، ولو شاء لهداه\" (^٢).\nابن كثير: \" ﴿فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ فكل ذلك بقدرته ومشيئته واختياره، وهو مع ذلك يرضى عن المؤمنين ويبغض الكافرين\" (^٣).\nالإيجي: \" ﴿فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ لكن شاء هداية قوم، وضلال آخرين، والمعنى وإذ قد ظهر ألا حجة لكم فلله الحجة لكن لا يهدي الله الكل إليها لعدم مشيئته، وله في ذلك حكم، ومصالح لا يهتدي إليها إلا من هداه الله\" (^٤).\nأصحاب القول الثاني: وهم أهل البدع من المعتزلة وغيرهم:\nالقاضي عبد الجبار: \"لو جاز أن يُقال أن الله ﷿ يُريد المعاصي، لجاز أن يُقال هو يُحبها، ويرضاها ويختارها، وقد أبان الله ذلك بقوله: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ \" (^٥).\nالزمخشري: \"فمن علق وجود القبائح من الكفر والمعاصي بمشيئة الله وإرادته فقد كذب التكذيب كله، وهو تكذيب الله وكتبه ورسله، ونبذ أدلة العقل والسمع وراء ظهره\" (^٦).\n\n•<span data-type='title' id=toc-562> دراسة المسألة:</span>\nمن المعلوم أن المتقرر عند أهل السنة والجماعة: أن ما يقع في الكون من خير أو شر،\n_________\n(^١) جامع البيان: الطبري (٩/ ٦٥٣).\n(^٢) معالم التنزيل: البغوي (٣/ ٢٠٢).\n(^٣) تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٣/ ٦٣٢).\n(^٤) جامع البيان: الإيجي (١/ ٥٩٠).\n(^٥) الأصول الخمسة: القاضي عبد الجبار (ص: ٨١).\n(^٦) الكشاف: الزمخشري (٢/ ٧٧).","vol":"1","page":648},{"text":"وما يقع فيه البشر من كفر أو إيمان أو فسوق أو عصيان، كله وفق إرادة الله ومشيئته، بخلاف ما ذهب إليه بعض من طوائف أهل البدع، كالمعتزلة الذين ظنوا أن إثبات مشيئة الله تعالى بوقوع المعاصي تستلزم أن الله تعالى يرضى بها.\nوقد دلت الألة من الكتاب والسنة والإجماع على أن الله تعالى يشاء الكفر والمعاصي من العباد، كما أنه يشاء الإيمان منهم.\nفمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [سورة الأنعام: ١٢٥]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [سورة هود: ٣٤]. فهذه الآيات فيها دلالة صريحة على أن ما يقع من العباد من الهداية والضلال إنما هو بمشيئة الله تعالى.\nومن السنة: ما أخرجه مسلم في صحيحه من حديث أبي ذر عن النبي ﷺ فيما روى عن الله ﵎ أنه قال \"يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته\" (^١)، الحديث.\nفدل هذا الحديث بمفهومه أن الناس في ضلال وغفلة، وأن هذا بتقدير الله تعالى، إلا من هداه الله ووفقه إلى الإيمان، ومنعه من أسباب الضلالة.\nوأما الإجماع: فقد نقله غير واحد من أهل العلم.\nقال الإمامان الرازيان أبو حاتم (^٢) وأبو زرعة (^٣) رحمهما الله: \" أدركنا العلماء في جميع الأمصار حجازا وعراقا وشاما ويمنا فكان من مذهبهم: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص،\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، كتاب البر والصلة، باب تحريم الظلم، برقم: (٢٥٧٧).\n(^٢) وهو: محمد بن إدريس بن المنذر بن داود، أبو حاتم الرازي، الإمام، الحافظ، الناقد، شيخ المحدثين، الحنظلي الغطفاني، كان من بحور العلم، طوف البلاد، وبرع في المتن والإسناد، مات سنة ٢٤٧ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء: الذهبي (١٣/ ٢٤٧).\n(^٣) وهو: عبيد الله بن عبد الكريم الرازي، أبو زرعة، الإمام، سيد الحفاظ، محدث الري، طلب العلم وهو حدث، وارتحل إلى الحجاز والشام ومصر والعراق، وكتب ما لا يوصف كثرة، مات سنة ٢٦٠ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء: الذهبي (١٣/ ٦٥).","vol":"1","page":649},{"text":"والقرآن كلام الله غير مخلوق بجميع جهاته، والقدر خيره وشره من الله ﷿\" (^١).\nوقال ابن قتيبة: \"أصحاب الحديث كلهم مجمعون على أن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لا يكون، وعلى أنه خالق الخير والشر\" (^٢).\nمناقشة استدلال الزمخشري:\nاستدل الزمخشري ومن معه بقوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا﴾ الآية، على أن الله تعالى لا يشاء المعاصي، ظنًا منهم أن تكذيب الله تعالى للمشركين سببه أنه مُنَزه عن إرادة القبائح والكفر، والجواب عن استدلالهم من أوجه:\nالأول: ما تقدم ذكره من أدلة الكتاب والسنة والإجماع التي فيها دلالة واضحة على أن الله تعالى يشاء الكفر والمعاصي كما أنه يشاء الإيمان.\nالثاني: أن الآية ليست كما زعموا، فإن الله أخبر عن المشركين أنهم ادعوا على الله أنه أمرهم بالشرك وتحريم ما أحل لهم، فكذبهم الله في ادعائهم أمره بذلك، لا أنه كذبهم في إضافتهم مشيئة ما هم فيه إليه، فالتكذيب منهم إنما كان لمكذَّب، فإنه لو كان المراد أن ذلك ليس بمشيئة الله تعالى لقال (كذلك كَذَبَ) بتخفيف الذال، وكان ينسبهم في قيلهم ذلك إلى الكذب على الله لا إلى التكذيب (^٣).\nالثالث: أنه تعالى أنكر عليهم ذلك لأنهم احتجوا بمشيئته على رضاه ومحبته، وقالوا: لو كره ذلك وسخطه لما شاءه، فجعلوا مشيئته دليل رضاه، فرد الله عليهم ذلك. أو أنه أنكر عليهم اعتقادهم أن مشيئة الله دليل على أمره به. أو أنه أنكر عليهم معارضة شرعه وأمره الذي أرسل به رسله وأنزل به كتبه بقضائه وقدره، فجعلوا المشيئة العامة دافعة للأمر، فلم يذكروا المشيئة على جهة التوحيد، وإنما ذكروها معارضين بها لأمره، دافعين بها لشرعه،\n_________\n(^١) أخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (١/ ٣٦٦، ٣٦٧) برقم: (٢٨٦).\n(^٢) تأويل مختلف الحديث: ابن قتيبة (ص: ٦٤).\n(^٣) انظر: جامع البيان: الطبري (٩/ ٦٥١)، وانظر: البسيط: الواحدي (٨/ ٥١٤).","vol":"1","page":650},{"text":"كفعل الزنادقة، والجهال إذا أمروا أو نهوا احتجوا بالقدر (^١).\nفتبين إذا أن تكذيب الله تعالى لهم إنما لاحتجاجهم بالمشيئة على رضا الله تعالى عليهم، وليس لأن الله تعالى لا يشاء المعاصي والشر.\nالرابع: إن قولهم ذلك كان على سبيل الاستهزاء والسخرية دفعا لدعوته ﷺ، وتعللا لعدم إجابته وانقياده، لا تفويضا للكائنات إلى مشيئة الله تعالى. فما صدر عنهم، كلمة حق أريد بها باطل. ولذلك ذمهم الله بالتكذيب لأنهم قصدوا به تكذيب النبي ﷺ في وجوب اتباعه والمتابعة، فقال: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ﴾ بالتشديد، ولم يذمهم بالكذب في قولهم ذلك، وإلا لقال (كَذَلِكَ كَذَبَ) بالتخفيف، إشارة إلى أن ذلك الكلام في نفسه حق وصدق (^٢).\nالخامس: إن قولهم ذلك كان على سبيل العناد والعتو، وهذا قريب من الوجه السابق.\nقال البقاعي في قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: أي: بما أوقعوا من نحو هذه المجادلة في قولهم: إذا كان الكل بمشيئة الله كان التكليف عبثا، فكانت دعوى الأنبياء باطلة. وهذا القول من المشركين عناد بعد ثبوت الرسالات بالمعجزات وإخبار الرسل بأنه يشاء الشيء ويعاقب عليه لأن ملكه تام، لا يسأل عما يفعل (^٣).\nالسادس: أن في قوله تعالى: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ دلالة محضة للرد على المعتزلة، وثبوت عقيدة نفوذ المشيئة وعموم تعلقها بكل كائن، فصدر الآية مثبت أن للعبد اختيارا وقدرة على وجه يَقطع حُجَّته وعذره في المخالفة والعصيان، والثاني مثبت نفوذ مشيئة الله تعالى في العبد، وأن جميع أفعاله على وفق المشيئة الإلهية وبذلك تقوم الحجة البالغة لأهل السنة على المعتزلة (^٤).\nالسابع: أن مفعول المشيئة في قوله تعالى: ﴿فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ محذوف،\n_________\n(^١) شرح العقيدة الطحاوية: ابن أبي العز (ص: ١٠٥).\n(^٢) انظر: محاسن التأويل: القاسمي (٦/ ٢٥٤٤).\n(^٣) نظم الدرر: البقاعي (٧/ ٣١١).\n(^٤) انظر: روح المعاني: الآلوسي (٨/ ٤٩١).","vol":"1","page":651},{"text":"وفعل المشيئة إن كان معلقا بشرط فإنه يكفي عن مفعوله جزاء الشرط. والأصل: فلو شاء هدايتكم أجمعين لهداكم أجمعين، ولكنه لم يشأ، كما قال: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [سورة السجدة: ١٣] وهذا معنى قوله: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ فالله تعالى صرح بأنه لو شاء لهداهم أجمعين، فعرف بأن شركهم بمشيئته، وأنه لو شاء أن لا يشركوا ما أشركوا ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ [سورة الأنعام: ١٠٧] ونحو ذلك من الآيات (^١).\nفائدة:\nذكر الشنقيطي في تفسيره: أن القاضي عبد الجبار قال: سبحان من تنزه عن الفحشاء، يعني أن السرقة والزنا ليسا بمشيئة الله؛ لأنه في زعمه أنزه من أن تكون هذه الرذائل بمشيئته.\nفقال أبو إسحاق: كلمة حق أريد بها باطل. ثم قال: سبحان من لا يقع في ملكه إلا ما يشاء.\nفقال عبد الجبار: أتراه يشاؤه ويعاقبني عليه؟\nفقال أبو إسحاق: أتراك تفعله جبرا عليه، أأنت الرب وهو العبد؟\nفقال عبد الجبار: أرأيت إن دعاني إلى الهدى، وقضى علي بالردى، دعاني وسد الباب دوني؟ أتراه أحسن أم أساء؟\nفقال أبو إسحاق: أرى أن هذا الذي منعك إن كان حقا واجبا لك عليه فقد ظلمك وقد أساء، ﷾ عن ذلك علوا كبيرا، وإن كان ملكه المحض فإن أعطاك ففضل وإن منعك فعدل.\nفبهت عبد الجبار، وقال الحاضرون: والله ما لهذا جواب (^٢).\n_________\n(^١) انظر: العذب النمير من مجالس الشنقيطي: د. خالد السبت (٢/ ٤٣٧).\n(^٢) أضواء البيان: الشنقيطي (٧/ ٢٤١).","vol":"1","page":652},{"text":"تنبيه:\nالله تعالى يُقدر الخير ويُقدر الشر، ولكن الشر المحض ليس من أفعاله تعالى لأنه لا يخلق الشر المحض، إذ جميع أفعاله تعالى فيها حكمة وعاقبة محمودة وليس فيها شر بالنسبة له تعالى وإن كان شرا بالنسبة للمخلوقين لقوله ﷺ: \" والشر ليس إليك\" (^١)، كما قرر ذلك ابن تيمية وابن القيم وغيرهما (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-563> النتيجة:</span>\nمن خلال ما تقدم ذكره من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين جليًا أن الحق هو ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة من أن الله تعالى يشاء الكفر والمعاصي كما يشاء الإيمان من العباد، لما تقدم إيراده من الأدلة والأوجه الدالة على ذلك، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في مسنده (٢/ ١٨٤)، برقم: (٨٠٣)، وصححه محققوا المسند.\n(^٢) انظر: الحسنة والسيئة: ابن تيمية (ص: ٥١)، وانظر: شفاء العليل: ابن القيم (٢/ ٥٢).","vol":"1","page":653},{"text":"سورة الأعراف","vol":"2","page":655},{"text":"<span data-type='title' id=toc-564>سورة الأعراف</span>\n<span data-type='title' id=toc-565>١٠٥ - قوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [سورة الأعراف: ٣].</span>\nقال السيوطي: استدل به بعضهم على أن المباح مأمور به، لأنه من جملة ما أنزل الله، وقد أمرنا الله باتباعه (^١).\nقال القاسمي: وأقول: هذا غلو في الاستنباط (^٢)، وتعمق بارد. ويرحم الله القائل: إذا اشتد البياض صار برصا (^٣).\n\n•<span data-type='title' id=toc-566> أقوال أهل العلم في دلالة قوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ على حكم العمل بالمباح:</span>\nالقول الأول: أن قوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ يدل على أن المباح مأمور به.\nالقول الثاني: أن قوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ يدل على أن المباح غير مأمور به.\nأصحاب القول الأول:\nإلكيا الهراسي: \" ومن جملة ما أنزل الله تعالى المباحات، فعلى ذلك يلزم من ظاهره الأمر باتباع المباح، ويلزم منه دخول المباح تحت الأمر\" (^٤).\n_________\n(^١) الإكليل: السيوطي (ص: ١٢٦).\n(^٢) الاستنباط: استخراج الدليل عن المدلول، بالنظر فيما يفيده من العموم أو الخصوص، أو الإطلاق أو التقييد، أو الإجمال أو التبيين في نفس النصوص، أو نحو ذلك مما يكون طريقا إلى استخراج الدليل منه. ينظر: إرشاد الفحول: الشوكاني (٢/ ٩٨).\n(^٣) محاسن التأويل: القاسمي (٧/ ٢٦١٠).\n(^٤) أحكام القرآن: إلكيا الهراسي (٣/ ١٣١).","vol":"2","page":656},{"text":"ابن الفرس: \" ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾: استدل بعضهم على أن المباح داخل تحت الأمر خلافا لمن لم ير ذلك. قال: لأن المباحات من جملة ما أنزل الله تعالى وقد أمرنا باتباعه\" (^١).\nأصحاب القول الثاني:\nالطبري: \" اتبعوا أيها الناس ما جاءكم من عند ربكم بالبينات والهدى، واعملوا بما أمركم به ربكم\" (^٢).\nالزجاج: \"أي اتبعوا القرآن، وما أتي به عن النبي ﷺ لأنه مما أنزل عليه لقوله جل وعز: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ \" (^٣).\nالماتريدي: \"قوله ﷿: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ فيما ذكر، وما يحل وما يحرم، وما يأمر وينهى\" (^٤).\nابن العربي: \" ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ قال علماؤنا: معناه أحلوا حلاله وحرموا حرامه، وامتثلوا أمره، واجتنبوا نهيه، واستبيحوا مباحه، وارجوا وعده، وخافوا وعيده، واقتضوا حكمه\" (^٥).\n\n•<span data-type='title' id=toc-567> دراسة المسألة:</span>\nبعد استقراء ما ذكره أهل العلم والمفسرون في هذه المسألة، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني من أن المباح غير داخل في الأمر فيوجب العمل به، وأن القول بأنه داخل في الأمر ويجب العمل به فيه غلو، كما قال القاسمي ﵀، وذلك من أوجه:\n_________\n(^١) أحكام القرآن: ابن الفرس (٣/ ٤١).\n(^٢) جامع البيان: الطبري (١٠/ ٥٦).\n(^٣) معاني القرآن: الزجاج (٢/ ٣١٦)، وانظر: تفسير القرآن: السمعاني (٢/ ١٦٤).\n(^٤) تأويلات أهل السنة: الماتريدي (٤/ ٣٥٦).\n(^٥) أحكام القرآن: ابن العربي (٢/ ٣٠٤)، وانظر: الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (٩/ ١٥١).","vol":"2","page":657},{"text":"الأول: أن القول بأن المباح مأمور به، يلزم منه أن تكون جميع الأحكام التي سكت عنها الشارع ولم يأمر بها، أنها من قبيل المأمورات وهذا خلاف ما أجمعت عليه الأمة على انقسام الأحكام إلى وجوب وندب وإباحة وغير ذلك. فمنكر المباح يكون خارقا للإجماع (^١).\nالثاني: أن القول بأن المباح مأمور به يُخالف ما اتفق عليه الفقهاء والأصوليون قاطبة على أن المباح غير مأمور به، خلافا للكعبي، وأتباعه من المعتزلة في قولهم: إنه لا مباح في الشرع بل كل فعل يفرض فهو واجب مأمور به (^٢).\nوبذلك يتبين أن القول الآخر لا عبرة به لمخالفته لاتفاق العلماء الذي يجب اتباعه لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾ [سورة النساء: ١١٥].\nالثالث: من حيث مفهوم الأمر ومفهوم المباح:\nفالأمر هو: طلب الفعل على جهة الاستعلاء، وله صيغ وألفاظ منها: قول القائل لمن دونه: افعل (^٣).\nوالمباح هو: ما خُيّر المُكلف بين فعله وتركه، وله صيغ وألفاظ منها: لا جناح، لا حرج (^٤).\nفصيغة الخطاب في قوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ صيغة أمر تدل صراحة على الوجوب، ولا يدخل في ضمنها المباح لتناقض دلالة كل منهما، إذ إن الأمر اقتضاء وطلب والمباح غير مطلوب بل مأذون فيه (^٥).\n_________\n(^١) انظر: الإحكام: الآمدي (١/ ١٢٤).\n(^٢) انظر: الإحكام: الآمدي (١/ ١٢٤)، وانظر: شرح مختصر الروضة: الطوفي (١/ ٣٨٧).\n(^٣) انظر: الفصول في الأصول: الجصاص (٢/ ٨٢)، وانظر: الإحكام: الآمدي (٢/ ١٤٠).\n(^٤) انظر: التقريب والإرشاد: الباقلاني (٢/ ٥٦)، وانظر: بدائع الفوائد: ابن القيم (٤/ ١٣١١)، وانظر: المهذب في علم أصول الفقه: د. عبد الكريم النملة (١/ ٢٥٩).\n(^٥) انظر: المستصفى: الغزالي (ص: ٥٩)، وانظر: روضة الناظر: ابن قدامة (١/ ١٣٦).","vol":"2","page":658},{"text":"الرابع: أن الأمر يستلزم الترجيح، أي: ترجيح إيجاد الفعل، ولا ترجيح في المباح، لأن الأمر طلب، والطلب يستلزم الترجيح، وإلا كانت دلالته على اقتضاء إيجاد الفعل ترجيحا من غير مرجح، وذلك لأن قول السيد لعبده: افعل كذا، يفهم منه اقتضاء إيجاد ذلك الفعل لغة وعرفا، فلو كانت دلالة قوله: \"افعل\" على إيجاد الفعل وعدمه سواء، لكان فهم اقتضاء الإيجاد دون عدمه ترجيحا من غير مرجح.\nوإذا ثبت أن الأمر يستلزم الترجيح - ولا ترجيح في المباح - لزم أن المباح غير مأمور به، فالمباح غير مأمور به (^١).\nتنبيهان:\nالأول: استنباط الجصاص من الآية بأن فاعل المباح متبعٌ لأمر الله إذا قصد به اتباع أمره في اعتقاد إباحته، وإن لم يكن وقوع الفعل مرادا منه، كفاعل الواجب الذي يعتقد وجوب الفعل مع إيقاعه، وبهذا يجوز أن يشتمل قوله: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ على المباح الواجب (^٢).\nوهذا الاستنباط له حظ من النظر، فإن من اعتقد إباحة ما أباحه الله، كمن اعتقد وجوب ما أمر الله به، وتحريم ما نهى الله عنه، وهذا يدخل في الاتباع من هذه الحيثية، والله أعلم.\nالثاني: مسألة الأمر بالمباح من المسائل التي ذكرها الأصوليون في مؤلفاتهم، وممن توسع فيها ورتبها، الشيخ الدكتور عبد الكريم النملة ﵀ (^٣) فقد أجاد فيها وأفاد.\n\n•<span data-type='title' id=toc-568> النتيجة:</span>\nبعد ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين جليًا بأن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني، من أن قوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ يدل على أن المباح غير مأمور به، لما تقدم إيراده من الأوجه الدالة على ذلك، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: شرح مختصر الروضة: الطوفي (١/ ٣٨٧، ٣٨٨).\n(^٢) انظر: أحكام القرآن: الجصاص (٤/ ٢٠١).\n(^٣) انظر: المهذب في أصول الفقه المقارن: د. عبد الكريم النملة (١/ ٢٧٠ - ٢٧٤).","vol":"2","page":659},{"text":"<span data-type='title' id=toc-569>١٠٦ - قوله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [سورة الأعراف: ٣١].</span>\nقال القاسمي: أقول دلّت الآية بما أفاده سبب نزولها على أن الزينة لا تختص، لغة، بالجيّد من اللباس كما تُوُهِّم (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-570> أقوال أهل العلم في المراد من الزينة من قوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾:</span>\nالقول الأول: أن المراد من الزينة: ستر العورة باللباس.\nالقول الثاني: أن المراد من الزينة: الجيد من اللباس.\nأصحاب القول الأول:\nابن عباس ﵁: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ الآية \" كان رجال يطوفون بالبيت عراة، فأمرهم الله بالزينة، والزينة: اللباس، وهو ما يواري السوأة\"، وبنحو ذلك روي عن عطاء، وإبراهيم النخعي، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وطاووس، وغيرهم (^٢).\nالواحدي: \" ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ يعني: ما وارى العورة ﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ لصلاةٍ أو طواف\" (^٣).\nالرازي: \"المراد من الزينة: لُبس الثياب، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ [سورة النور: ٣١] يعني الثياب، وأيضا فالزينة لا تحصل إلا بالستر التام للعورات\" (^٤).\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (٧/ ٢٦٥٩).\n(^٢) أخرج أقوالهم ابن جرير الطبري في تفسيره (١٠/ ١٥٠ - ١٥٣).\n(^٣) الوجيز: الواحدي (ص: ٣٩١).\n(^٤) مفاتيح الغيب: الرازي (١٤/ ٢٢٨).","vol":"2","page":660},{"text":"الخازن: \"والمراد من الزينة: لبس الثياب التي تستر العورة\" (^١).\nأصحاب القول الثاني:\nما ذهب إليه بعض المفسرين من أن المراد: التزين بأجمل اللباس في الجمع والأعياد (^٢).\nالنسفي: \" ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ لباس زينتكم ﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ كلما صليتم وقيل الزينة المشط والطيب\" (^٣).\nأبو حيان: \"الذي يظهر أن الزينة هو ما يُتَجمل به ويتزين عند الصلاة ولا يدخل فيه ما يستر العورة لأن ذلك مأمور به مطلقا ولا يختص بأن يكون ذلك عند كل مسجد\" (^٤).\nأبو زهرة: \" قوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾، معناه البسوا لباسا يكون فيه زينة وتجمل لكم\" (^٥).\n\n•<span data-type='title' id=toc-571> دراسة المسألة:</span>\nمن خلال التتبع والنظر والاستقراء فيما ذكره المفسرون في المراد من الزينة في قوله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن المراد: الثياب وستر العورة، وذلك من أوجه:\nالأول: من حيث سبب النزول: فقد روى ابن جرير الطبري بسنده عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ الآية، قال: \" كان رجال يطوفون بالبيت عراة، فأمرهم الله بالزينة، والزينة: اللباس، وهو ما يواري السوأة، وما سوى ذلك من جيد البز\n_________\n(^١) لباب التأويل: الخازن (٢/ ١٩٤).\n(^٢) انظر: النكت والعيون: الماوردي (٢/ ٢١٨)، وانظر: زاد المسير: ابن الجوزي (٢/ ١١٤)، وانظر: التسهيل: ابن جزي (١/ ٢٨٧)، وانظر: تفسير ابن رجب: طارق عوض الله (١/ ٤٧٨).\n(^٣) مدارك التنزيل: النسفي (١/ ٥٦٤).\n(^٤) البحر المحيط: أبو حيان (١٠/ ٧٠).\n(^٥) زهرة التفاسير: أبو زهرة (٦/ ٢٨١٨).","vol":"2","page":661},{"text":"والمتاع، فأمروا أن يأخذوا زينتهم عند كل مسجد \" (^١).\nالثاني: من حيث الإجماع: كما يقول الرازي في تفسيره: \"اجمع المفسرون على ان المراد بالزينة هاهنا لبس الثوب الذي يستر العورة\" (^٢).\nويقول ابن رجب ﵀: \"أما قوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾، فإنها نزلت بسبب طواف المشركين بالبيت عراة، وقد صح هذا عن ابن عباس، وأجمع عليه المفسرون من السلف بعده\" (^٣).\nالثالث: أن هذا التأويل - وهو أن المراد من الزينة: الثياب وستر العورة- هو المأثور عن جمع من السلف كما تقدم، ولا يُعلم لهم مخالف في عصرهم، وهم خير الناس بعد محمد ﷺ، وأعلمهم بكتاب الله تعالى، وعلى هذا يلزم الأخذ بتأويلهم.\nالرابع: من حيث النظائر: ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ [سورة النور: ٣١]. يعني: الثّياب، والزينة لا تحصل إلا بالسّتر التام للعورات، ولذلك صار التزين بأخذ الثياب في الجمع والأعياد سُنَّة، فوجب حمل الزينة على ستر العورة (^٤).\nالخامس: من حيث دلالة السياق: فقد ذكر الله هذه الآية عقب ذكر قصة آدم ﵇، وما جرى له ولزوجه مع الشيطان حتى أخرجهما من الجنة، ونزع عنهما لباسهما حتى بدت عوارتهما، فقال تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [سورة الأعراف: ٢٧]، ثم قال: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [سورة الأعراف: ٢٨] والمراد بالفاحشة هنا: نزع ثيابهم عند الطواف بالبيت، وطوافهم\n_________\n(^١) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (١٠/ ١٥١)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٥/ ١٤٦٤)، برقم: (٨٣٧٤).\n(^٢) مفاتيح الغيب: الرازي (١٤/ ٢٢٩)، وانظر: التفسير المظهري (٣/ ٣٤١).\n(^٣) تفسير ابن رجب: طارق عوض الله (١/ ٤٧٧).\n(^٤) انظر: مفاتيح الغيب: الرازي (١٤/ ٢٢٨، ٢٢٩)، وانظر: اللباب: ابن عادل الحنبلي (٩/ ٨٨).","vol":"2","page":662},{"text":"عراة كما كان عادة أهل الجاهلية.\nثم قال بعد ذلك: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ والمراد بذلك: أن يستروا عوراتهم عند المساجد، فدخل في ذلك الطواف والصلاة والاعتكاف وغير ذلك (^١).\nالسادس: من حيث اللغة: فالزِّيْنَةُ: اسم جامع لكل شيء يُتَزَيَّنُ به (^٢).\nقال الراغب: \" الزينة: الحقيقية ما لا يُشين الإنسان في شيء من أحواله لا في الدنيا ولا في الآخرة\" (^٣).\nفدل هذا المعنى بظاهره على أن لفظ الزينة عام في الثياب التي تستر العورة، وما يُتزين به بما هو زائد على ذلك، وأن أقل هذه الزينة ما يدفع عن المرء أقبح ما يَشِينُهُ بين الناس وهو ستر العورة، والله أعلم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-572> النتيجة:</span>\nبعد ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الصواب من المراد بأخذ الزينة في الآية هو الثياب وستر العورة، وليس الجيد من الثياب، لما تقدم إيراده من أقوال أهل العلم والأوجه الدالة على ذلك، والله أعلم.\n_________\n(^١) تفسير ابن رجب: طارق عوض الله (١/ ٤٧٧، ٤٧٨).\n(^٢) انظر: المحيط في اللغة: ابن عباد (٢/ ٣٠٦)، وانظر: مختار الصحاح: الرازي (ص: ١٣٩)، وانظر: لسان العرب: ابن منظور (١٣/ ٢٠٢)، وانظر: تاج العروس: الزبيدي (٣٥/ ١٦١).\n(^٣) المفردات: الراغب الأصفهاني (ص: ٣٨٨)، وانظر: تاج العروس: الزبيدي (٣٥/ ١٦١).","vol":"2","page":663},{"text":"<span data-type='title' id=toc-573>١٠٧ - قوله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [سورة الأعراف: ٣١].</span>\nروى الحافظ ابن مردويه من حديث سعيد بن بشير والأوزاعي عن قتادة عن أنس ﵁ مرفوعا: أنها نزلت في الصلاة في النعال. وكذا أخرجه أبو الشيخ عنه، وعن أبي هريرة مثله.\nقال ابن كثير: وفي صحته نظر- والله أعلم- (^١).\nقال القاسمي: قلت: لا نظر، لأن ذلك مما تشمله الزينة، وقد أسلفنا في المقدمة أن قولهم: (نزلت في كذا) لا يقصد به أن حكم الآية مخصوص به، بل مخصوصة بنوعه، فتعم ما أشبهه (^٢)، فتذكر (^٣).\n\n•<span data-type='title' id=toc-574> أقوال أهل العلم في ضعف ما روي أن الآية، وهي قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ نزلت في الصلاة في النعال </span>(^٤):\nالسمعاني: \"قوله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ هو في الأمر بالطواف والصلاة لابسا، وفي شواذ التفاسير: أنه المشط، ولبس النعل\" (^٥).\nابن عطية: وذكر مكي حديثا أن معنى ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾؛ صلوا في النعال (^٦)؛ وما أحسبه يصح (^٧).\n_________\n(^١) تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٤/ ٢٤).\n(^٢) انظر: محاسن التأويل: القاسمي (١/ ٢٦ - ٢٨).\n(^٣) محاسن التأويل: القاسمي (٧/ ٢٦٦٠).\n(^٤) بعد التتبع والنظر والاستقراء في أقوال المفسرين وأهل العلم في هذه المسألة، لم يقف الباحث على أحد من أهل العلم أو من المفسرين من أيَّد القول بأن الصلاة نزلت في النعال.\n(^٥) تفسير القرآن: السمعاني (٢/ ١٧٧).\n(^٦) انظر: الهداية: مكي بن أبي طالب (٤/ ٢٣٤٢).\n(^٧) المحرر الوجيز: ابن عطية (٤/ ٢٤٢).","vol":"2","page":664},{"text":"ابن العربي: \" وقد روى أنس ﵁ عن النبي ﷺ في قوله: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ قالوا: «صلوا في النعال»، ولم يصح ذلك\" (^١).\nالآلوسي: ونَسبَ بيتُ الكذب إلى الصادق رضي اللهـ تعالى عنه أن أخذ الزينة التمشُّط، كأنه قيل: تمشطوا عند كل صلاة، ولعل ذلك من باب الاقتصار على بعض الزينة، وليس المقصود حصرها فيما ذكر.\nومثل ذلك ما أخرجه ابن عدي وابن مردويه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «خذوا زينة الصلاة، قالوا: وما زينة الصلاة؟ قال: البسوا نعالكم فصلوا فيها» (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-575> دراسة المسألة:</span>\nمن خلال التتبع والنظر فيما ذكره المفسرون وأوردوه مما روي في تفسير الآية، وما ورد في نزولها، يتبين أن الصواب هو ما عليه جمع من المفسرين من أن الآية نزلت في لبس الثياب، وليس في لبس النعل (^٣)، وذلك من وجهين:\nالوجه الأول: أن الروايات الواردة في نزول الآية في لبس الثياب صحيحة الإسناد، ويجب الأخذ بها، ومن ذلك: ما أخرجه مسلم في صحيحه من حديث ابن عباس ﵁ أنه قال: \" كانت المرأة تطوف بالبيت وهي عريانة، فتقول: من يعيرني تِطوافا؟ تجعله على فرجها، وتقول:\nالْيَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أَوْ كُلُّهُ … فَمَا بَدَا مِنْهُ فَلا أُحِلُّهُ\nفنزلت هذه الآية: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (^٤).\nوأخرج ابن جرير الطبري في تفسيره عن ابن عباس قال: «كانت المرأة تطوف بالبيت\n_________\n(^١) أحكام القرآن: ابن العربي (٢/ ٣٠٩).\n(^٢) روح المعاني: الآلوسي (٩/ ٨٤).\n(^٣) وإلى هذا ذهب ابن جرير الطبري في تفسيره (١٠/ ١٤٩) والسمعاني في تفسيره (٢/ ١٧٧)، والبغوي في تفسيره (٣/ ٢٢٥)، وابن الجوزي في تفسيره (٢/ ١١٢)، وغيرهم.\n(^٤) أخرجه مسلم، كتاب التفسير، باب في قوله تعالى: ﴿خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾، برقم: (٣٠٢٨).","vol":"2","page":665},{"text":"عريانة» قال غندر: «وهي عريانة»، قال وهب: كانت المرأة تطوف بالبيت وقد أخرجت صدرها وما هنالك، قال غندر: وتقول: من يعيرني تطوافا تجعله على فرجها وتقول:\nالْيَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أَوْ كُلُّهُ … فَمَا بَدَا مِنْهُ فَلا أُحِلُّهُ\nفأنزل الله: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (^١).\nالوجه الثاني: أن الرواية الواردة في أن الآية نزلت في لبس النعال ضعيفة الإسناد.\nفقد أخرج العُقيلي بسنده عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ في قوله: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾، قال: \"صلوا في نعالكم\" (^٢).\nوالعلة من هذا الضعف هو أن في إسنادها: عباد بن جويرية البصري.\nقال أحمد: كذاب أفاك، وقال أبو زرعة: ليس بشيء، وقال النسائي وغيره: متروك، وقال ابن عدي: يتبين ضعفه على رواياته عن الأوزاعي، وغيره (^٣).\nوقال ابن الجوزي عقب رواية الحديث: \"هذا حديث لا يصح، ولا يعرف إلا بعباد بن جويرية، ولا يتابع عليه\" (^٤).\nوضعف إسناده السيوطيُ في الإتقان (^٥).\nتنبيه:\nمشروعية الصلاة في النعال ثابتة في أحاديث صحيحة، ومن ذلك ما رواه الشيخان في صحيحهما من حديث أبي مسلمة سعيد بن يزيد الأزدي، قال: \"سألت أنس بن مالك\n_________\n(^١) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (١٠/ ١٥٠).\n(^٢) أخرجه العقيلي في الضعفاء (٣/ ١٤٢)، ومن طريقه ابن الجوزي في الموضوعات (٢/ ٩٥)، وأخرجه ابن حبان في المجروحين (٢/ ١٦٣)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٦/ ٣٦٢).\n(^٣) انظر: الضعفاء الكبير: للعقيلي (٣/ ١٤٢)، وانظر: الجرح والتعديل: ابن أبي حاتم (٦/ ٧٨)، وانظر: الكامل: ابن عدي (٥/ ٥٥٤)، وانظر: لسان الميزان: ابن حجر (٣/ ٢٢٨).\n(^٤) الموضوعات: ابن الجوزي (٢/ ٩٥).\n(^٥) انظر: الإتقان: السيوطي (٤/ ٢٥٥).","vol":"2","page":666},{"text":"﵁؛ أكان النبي ﷺ يصلي في نعليه؟ قال: نعم\" (^١).\nأما علاقة لبس النعال بنزول الآية فلم يصح في ذلك شيء، وهذا لا يمنع أن يكون لبس النعال للصلاة داخل في عموم التزين، إن قصد به المسلم ذلك، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب (^٢)، كما قال القاسمي ﵀.\nوفي هذا يقول ابن عطية ﵀ في تفسير الآية: \"ويدخل فيها ما كان من الطيب للجمعة والسواك وبدل الثياب وكل ما وجد استحسانه في الشريعة ولم يقصد به مستعمله الخيلاء\" (^٣).\nويقول ابن تيمية ﵀: \"لما كان المشركون يطوفون بالبيت عراة، ويقولون: إن الله أمرنا بهذا، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [سورة الأعراف: ٢٨]، فتحسين النعل والثوب لعبادة الله هو من التجمل الذي يحبه الله\" (^٤).\nويقول ابن رجب ﵀: \" قال طائفة من العلماء: إن الآية تدل على أخذ الزينة عند المساجد.\nوذلك قدر زائد على ستر العورة، وإن كان ستر العورة داخلا فيه وهو سبب نزول الآيات، فإن كشف العورة فاحشة من الفواحش، وسترها من الزينة، ولكنه يشمل مع ذلك لبس ما يتجمل به ويتزين به عند مناجاة الله وذكره ودعائه والطواف ببيته، ولهذا قال تعالى عقب ذلك: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [سورة الأعراف: ٣٢] \" (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب الصلاة، باب الصلاة في النعال، برقم: (٣٨٦)، وأخرجه مسلم، كتاب المساجد، باب جواز الصلاة في النعلين، برقم: (٥٥٥).\n(^٢) تقدم الكلام حول هذه القاعدة في مسألة رقم: (٥٦) ص: (٤٣٣).\n(^٣) المحرر الوجيز: ابن عطية (٤/ ٢٤١).\n(^٤) منهاج السنة: ابن تيمية (٥/ ٣١٥).\n(^٥) تفسير ابن رجب: طارق عوض الله (١/ ٤٧٨).","vol":"2","page":667},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-576> النتيجة:</span>\nبعد ما تقدم ذكره من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الصواب بأن يُقال: أن ما ورد من أن الآية وهي قوله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ نزلت في الصلاة في النعال، لم يصح إسناده، وهو بنحو ما قال ابن كثير ﵀، إلا أن ذلك لا يمنع أن يدخل لباس النعل في عموم التزين للصلاة، لما تقدم إيراده من أقوال أهل العلم، وهو ما ذهب إليه القاسمي ﵀، والله أعلم.","vol":"2","page":668},{"text":"<span data-type='title' id=toc-577>١٠٨ - قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [سورة الأعراف: ٣٢].</span>\nقال ابن الفرس: واستدل بالآية من أجاز لبس الحرير والخَزّ (^١) للرجال (^٢). وقد أخرج ابن أبي حاتم عن سنان بن سلمة (^٣) أنه كان يلبس الخَزّ، فقال له الناس: مثلك يلبس هذا؟ فقال لهم: من ذا الذي يحرم زينة الله التي أخرج لعباده؟ (^٤) ولكن أخرج عن طاوس أنه قرأ هذه الآية وقال: لم يأمرهم بالحرير ولا الديباج، ولكنه كانوا إذا طاف أحدهم وعليه ثيابه ضرب وانتزعت عنه (^٥). كذا في (الإكليل) (^٦).\nقال القاسمي: أقول: عدم شمول الآية للحرير غني عن البيان، لأن ما خصه الدليل لا يتناوله العام. والأحاديث في تحريم الحرير لا تحصى كثرة، فاستنباط حله منها مردود على زاعمه (^٧).\n\n•<span data-type='title' id=toc-578> أقوال أهل العلم في دلالة قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ على حكم لبس الحرير للرجال:</span>\nالقول الأول: أن الآية دالة على جواز لبس الحرير للرجال.\n_________\n(^١) الخًزّ المعروف أولا: ثياب تنسج من صوف وإبريسم، وهي مباحة، وقد لبسها الصحابة والتابعون، فيكون النهي عنها لأجل التشبه بالعجم وزي المترفين. وإن أريد بالخز النوع الآخر، وهو المعروف الآن فهو حرام؛ لأن جميعه معمول من الإبريسم، وعليه يحمل الحديث الآخر «قوم يستحلون الخز والحرير». ينظر: النهاية: ابن الأثير (٢/ ٢٨) وينظر: لسان العرب: ابن منظور (٥/ ٣٤٥).\n(^٢) انظر: أحكام القرآن: ابن الفرس (٣/ ٥٠).\n(^٣) وهو: سنان بن سلمة بن المحبّق الهذلي. لأبيه صحبة، قال ابن أبي حاتم في المراسيل: سئل أبو زرعة عن سنان بن سلمة له صحبة، فقال: لا، ولكن ولد في عهد النّبيّ ﷺ. ينظر: الإصابة: ابن حجر (٣/ ٢٠١).\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٥/ ١٤٦٧) برقم: (٨٣٩٤).\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٥/ ١٤٦٧) برقم: (٨٣٩٣).\n(^٦) انظر: الإكليل: السيوطي (ص: ١٢٨).\n(^٧) محاسن التأويل: القاسمي (٧/ ٢٦٧٢).","vol":"2","page":669},{"text":"القول الثاني: أنه لا دلالة في الآية على جواز لبس الحرير للرجال.\nأصحاب القول الأول:\nظاهر قول عائشة ﵂: أنها سئلت عن مقانع القز فقالت: \"ما حرم الله شيئا من الزينة\" (^١).\nظاهر قول العُليمي: \" ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ هي ما ستر العورة، وكل ما يتجمل به الإنسان من الثياب وغيرها حلالا\" (^٢).\nأصحاب القول الثاني:\nابن الفرس: \"في قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ﴾ دليل على جواز لباس كل ما يتزين به إلا ما خصصه الشرع. فمن ذلك لباس الحرير\" (^٣).\nالخازن: \"ولولا أن النص ورد بتحريم استعمال الذهب والحرير على الرجال لدخلا في هذا العموم ولكن النص ورد بتحريم استعمال الذهب والحرير على الرجال دون النساء\" (^٤).\nالشربيني: \" ﴿مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ من الثياب كل ما يتجمل به فيدخل تحته أنواع الملبوس والحلي ولولا النص ورد بتحريم استعمال الذهب والحرير للرجال لدخل في هذا العموم ولكن ورد النص في تحريمه على الرجال دون النساء\" (^٥).\nالشوكاني: \"فلا حرج على من لبس الثياب الجيدة الغالية القيمة إذا لم يكن مما حرمه الله\".\n_________\n(^١) الدر المنثور: السيوطي (٣/ ٤٤٦).\n(^٢) الدر المنثور: السيوطي (٣/ ٤٤٦).\n(^٣) أحكام القرآن: ابن الفرس (٣/ ٥٠).\n(^٤) لباب التأويل: الخازن (٢/ ١٩٥).\n(^٥) السراج المنير: الشربيني (١/ ٤٧٢).","vol":"2","page":670},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-579> دراسة المسألة:</span>\nبعد استقراء ما ذكره المفسرون في تأويل الآية، وما أوردوه من أقوال في هذه المسألة، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني، من أن الآية لا تشتمل على إباحة الحرير للرجال وذلك من أوجه:\nالأول: دلالة السنة: فقد روى الشيخان في صحيحهما عن أبي عثمان، قال: \"كنا مع عتبة، فكتب إليه عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: لا يلبسُ الحريرُ في الدنيا إلا لم يُلبَس في الآخرة منه\" (^١).\nوعن ابن أبي ليلى، قال: كان حذيفة بالمداين فاستسقى، فأتاه دهقان بماء في إناء من فضة، فرماه به وقال: إني لم أرمه إلا أني نهيته فلم ينته؛ قال رسول الله ﷺ: \"الذهب والفضة، والحرير والديباج، هي لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة\" (^٢).\nفهذا دليل صريح في تحريم لبس الحرير على الرجال، والآية عامة في إباحة الزينة، فيُحمل الخاص على العام، فيجوز للرجل التزين بالثياب إلا ما خصه الدليل وهو ما دل على تحريم لبس الحرير على الرجال.\nالثاني: دلالة الإجماع: فقد نقل غير واحد من أهل العلم الإجماع على تحريم لبس الحرير على الرجال.\nقال ابن عبد البر: \"أجمع السلف والخلف من العلماء على أنه إذا كان الثوب حريرا كله، فإنه لا يجوز للرجال لباسه\" (^٣).\nالثالث: ما ورد عن جمع من السلف كمجاهد، وسعيد بن جبير، وطاووس، وغيرهم، أن المراد من الزينة في قوله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [سورة الأعراف: ٣١] اللباس الذي تستر به العورة، وليس إباحة لبس الحرير للرجال، وذلك لأن\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب اللباس، باب لبس الحرير وافتراشه للرجال وقدر ما يجوز منه، برقم: (٥٨٣٠).\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب اللباس، باب لبس الحرير وافتراشه للرجال وقدر ما يجوز منه، برقم: (٥٨٣١).\n(^٣) الاستذكار: ابن عبد البر (٨/ ٣٢٣)، وانظر: المغني: ابن قدامة (٢/ ٣٠٤)، وانظر: شرح النووي على صحيح مسلم (١٤/ ٣٢)","vol":"2","page":671},{"text":"المشركون كانوا يطوفون بالبيت عُراة (^١)، ولا شك أن فهمهم لتأويل الآية أقرب للصواب لفهم من جاء بعدهم، لقرب عهدهم بالتنزيل.\nقال القشيري (^٢): وفي الآية دليل على أنهم -يعني المشركين- كانوا يحرِّمون على أنفسهم ما وصف عنهم من لبس الزينة، ولم يختلف المفسرون أنه قصد بذلك أن يستر الإنسان نفسه ما يلزمه ستره (^٣).\nتنبيهان:\nالأول: ما ورد في سبب نزول الآية عن ابن عباس قال: كانت قريش يطوفون بالبيت وهم عراة، يصفرون ويصفقون. فأنزل الله: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ فأمروا بالثياب (^٤).\nيؤيد ما تقدم من الأوجه من أن المراد من الزينة الثياب التي تستر العورة، إلا ما خصه الدليل بتحريمه، إلا أن هذا السبب لم يصح إسناده لأن في سنده يحيى الحماني وهو ضعيف (^٥).\nومع ضعف هذا الاسناد فقد تلقاه أهل العلم من السلف ومن بعدهم بالقبول.\nقال ابن رجب: \"قوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾، نزلت بسبب طواف المشركين بالبيت عراة، وقد صح هذا عن ابن عباس، وأجمع عليه المفسرون من السلف بعده\" (^٦).\n_________\n(^١) أخرج أقوالهم ابن جرير الطبري في تفسيره (١٠/ ١٥٢، ١٥٣).\n(^٢) وهو: بكر بن محمد بن العلاء أبو الفضل القشيري، العلامة، البصري، المالكي، سمع (الموطأ) من أحمد بن موسى السامي، وسمع من أبي مسلم الكجي، وحكى عن سهل التستري، مات سنة ٣٤٤ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء: الذهبي (١٥/ ٥٣٧).\n(^٣) أحكام القرآن: القشيري (١/ ٥٤٧).\n(^٤) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١٢/ ١٣)، برقم: (١٢٣٢٤).\n(^٥) انظر: الجرح والتعديل: ابن أبي حاتم (٩/ ١٦٨)، وانظر: الكامل في ضعفاء الرجال: ابن عدي (٩/ ٩٥).\n(^٦) تفسير ابن رجب: طارق عوض الله (١/ ٤٧٧).","vol":"2","page":672},{"text":"الثاني: ما يُفهم من قول أم المؤمنين عائشة ﵂ على فرض صحة نسبته إليها، من إطلاق إباحة الزينة والذي يدخل فيه إباحة الحرير للرجال، يُوجه نحو احتمالين:\nالاحتمال الأول: عدم بلوغ النهي عن لبس الحرير للرجال إليها، فأجابت بما فهمته من ظاهر الآية.\nالاحتمال الثاني: أن عائشة ﵂ سُئلت عن الزينة قبل ورود تحريم الحرير على الرجال، والله أعلم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-580> النتيجة:</span>\nمن خلال ما تقدم ذكره من أقوال أهل العلم في هذه المسألة يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني من أن الآية لا دلالة فيها على إباحة لبس الحرير للرجال، لما تقدم إيراده من الأوجه الدالة على ذلك، والله أعلم.","vol":"2","page":673},{"text":"<span data-type='title' id=toc-581>١٠٩ - قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٤٢)﴾ [سورة الأعراف: ٤٢].</span>\nقال الرازي: الوُسع: ما يقدر عليه الإنسان بسهولة ويستمر، أخذا من قول معاذ (^١) في الآية (إلا يُسرها لا عُسرها) (^٢) وأما أقصى الطاقة فيسمى جَهدا لا وُسعا، وغلط من ظن أن الوُسع بذل المجهود (^٣).\nقال القاسمي: قلت: في القاموس: الوسع (مثلثة) (^٤) الجدة والطاقة كالسعة (^٥). وفيه: الجهد الطاقة (ويضمُّ) والمشقة (^٦).\nقال ابن الأثير: الجَهد (بالفتح) المشقة، وقيل: المبالغة والغاية، وبالضم الوُسع والطاقة وقيل: وهما لغتان في الوسع والطاقة، فأما في المشقة والغاية، فالفتح لا غير (^٧). وبه يعلم أن ما جرى عليه الرازي قول للغويين، ليس وفاقا (^٨).\n\n•<span data-type='title' id=toc-582> أقوال أهل العلم في المراد من الوُسع:</span>\nالقول الأول: أن المراد من الوسع: ما يقدر عليه الإنسان بسهولة ويستمر، وليس بذل المجهود.\n_________\n(^١) وهو: معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس بن عائذ بن عدي بن كعب، أبو عبد الرحمن الأنصاريّ الخزرجيّ، الإمام المقدّم في علم الحلال والحرام، كان أبيض وضيء الوجه، برّاق الثنايا، أكحل العينين مات سنة ١٧ هـ. ينظر: الإصابة: ابن حجر (٦/ ١٠٧).\n(^٢) انظر: التفسير البسيط: الواحدي (٩/ ١٣٦).\n(^٣) مفاتيح الغيب: الرازي (١٤/ ٢٤٢)، وانظر: لباب التأويل: الخازن (٢/ ٢٠٠)، وانظر: فتح البيان: القنوجي (٤/ ٣٥٩).\n(^٤) المثلثات: وهي الألفاظ التي اختلف ضبطها على ثلاث صور مع الاتفاق أو الاختلاف في المعنى، يقال الجلة مثلثة البعر أي بفتح الجيم وكسرها وضمها ينظر: الراموز على الصحاح: السيد محمد (ص: ٣٤، ٣٥).\n(^٥) القاموس المحيط: الفيروز آبادي (ص: ٧٧١).\n(^٦) القاموس المحيط: الفيروز آبادي (ص: ٢٧٥).\n(^٧) النهاية: ابن الأثير (١/ ٣٢٠).\n(^٨) محاسن التأويل: القاسمي (٧/ ٢٦٨٨، ٢٦٨٩).","vol":"2","page":674},{"text":"القول الثاني: يجوز أن يكون المراد من الوسع: بذل المجهود.\nأصحاب القول الأول:\nالزجاج: \" ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ أي عملوا الصالحات بقدر طاقتهم، لأن معنى الوسع ما يقدر عليه\" (^١).\nالواحدي: \" أقصى الطاقة يسمى جهدا لا وسعا، وغلط من ظن أن الوسع بذل المجهود\" (^٢).\nالزمخشري: \" الوُسع: ما يسع الإنسان ولا يضيق عليه ولا يحرج فيه، أي لا يكلفها إلا ما يتسع فيه طوقه ويتيسر عليه دون مدى الطاقة والمجهود\" (^٣).\nأبو حيان: \" والوُسع دون المجهود في المشقة، وهو ما يتسع له قدرة الإنسان\" (^٤).\nأصحاب القول الثاني:\nالفيروز آبادي وابن الأثير: وتقدم قولهما.\nالحموي (^٥): \"الجُهد بالضم في الحجاز وبالفتح في غيرهم الوسع والطاقة\" (^٦).\nالأسطواني (^٧): (حتى بلغ مني الجَهدَ)؛ بفتح الجيم ونصب الدال؛ أي: غاية الوسع، مفعولٌ حُذف فاعله، وروي: بضم الدال والرفع؛ أي: بلغ مني الجهد مبلغه، فهو فاعل\n_________\n(^١) معاني القرآن: الزجاج (٢/ ٣٣٩).\n(^٢) التفسير البسيط: الواحدي (٩/ ١٣٧).\n(^٣) الكشاف: الزمخشري (١/ ٣٣٢).\n(^٤) البحر المحيط: أبو حيان (٥/ ١٤٣).\n(^٥) وهو: أحمد بن محمد الفيومي ثم الحموي نشأ بالفيوم واشتغل ومهر وتميز وجمع في العربية عند أبي حيان، كان فاضلا عارفا باللغة والفقه، صنف كتابا سماه المصباح المنير، مات سنة ٧٧٠ هـ. ينظر: الدرر الكامنة: ابن حجر (١/ ٣٧٢).\n(^٦) المصباح المنير: الحموي (١/ ١١٢)، وانظر: تاج العروس: الزبيدي (٧/ ٥٣٨).\n(^٧) وهو: عبد القادر بن عبد الله بن حسن الأسطواني، علامة، فقيه حنفي، أديب لغوي، فلكي، من وجوه دمشق، مدرس في المسجد الأموي، أخذ عن عدد من العلماء، مات سنة ١٣١٤ هـ. ينظر: أصل الزراري: الأسطواني (ص: ١٣).","vol":"2","page":675},{"text":"(بلغ)، وهي الأوجه، (ثم أرسلني)؛ أي: أطلقني (^١).\nمحيي الدين درويش: \" ﴿وُسْعَهَا﴾ مفعول به ثان، كأنه قيل: اعملوا كل ما في وسعكم وطاقتكم\" (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-583> دراسة المسألة:</span>\nمن خلال النظر والتأمل في قول الرازي وتعقب القاسمي له في هذه المسألة، يظهر أن هناك قصور فهم عند القاسمي ﵀ لكلام الرازي، وما نقله عن الفيروز آبادي وابن الأثير.\nفالرازي يُريد من تغليطه على من ظن أن المراد من الوُسع: بذل المجهود. هو في ذات الآية، بأن ظن أن المراد من الآية: أن الله لا يُكلف نفسًا إلا أن تبذل جهدا بأقصى طاقتها، وليس تكليفها بقدر ما تطيق، وما يتيسر لها.\nوالقاسمي ﵀ تعقب عليه من جهة اللغة، فاستشهد بكلام ما تقدم ذكره من أهل اللغة على إثبات أنه يجوز أن يكون المراد من الوسع: بذل المجهود.\nوالمتأمل فيما أورده القاسمي من كلام صاحب القاموس، وابن الأثير، أنهما يُريدان من بذل المجهود في معنى السعة: الجُهد اليسير الذي يتفق مع معنى السعة، وليس الجهد الشاق الذي فيه بذل أقصى الطاقة، الذي يُراد به الجهد: والله أعلم.\nوعليه فالصواب في معنى الوسع الوارد في هو ما ذهب إليه الرازي ومن تبعه، وذلك من أوجه:\nالأول: ما روي عن بعض السلف في المراد من الوسع مما يتفق ظاهره مع ما ذهب إليه الرازي ومن معه.\n_________\n(^١) أصل الزراري شرح صحيح البخاري (مخطوط): الأسطواني (ص: ٣).\n(^٢) إعراب القرآن وبيانه: محيي الدين درويش (٣/ ٢٧٧).","vol":"2","page":676},{"text":"فقد سئل سفيان ابن عيينة عن قوله ﷿: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، فقال: إلا يسرها لا عسرها، ولم يكلفها طاقتها، ولو كلفها طاقتها لبلغ المجهود منها (^١).\nالثاني: لو كان المراد من السعة في الآية: بذل المجهود بأقصى الطاقة، لكان فيه كلفة ومشقة، وربما تعذر الامتثال، وهذا خلاف ما دلت عليه النصوص بأن النفس تتقي الله بحسب استطاعتها، وإذا عجزت عن بعض الواجبات التي يقدر عليها غيرها سقطت عنها كما قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [سورة البقرة: ٢٨٦] ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [سورة الطلاق: ٧] ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [سورة الحج: ٧٨] ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [سورة التغابن: ١٦] فلا واجب مع العجز، ولا محرم مع الضرورة (^٢).\nالثالث: من حيث المفهوم من معنى الوسع: فإن الوسع إنما سمي وسعا لأنه يتسع على فاعله فعله ولا يضيق عليه، فمثلا من لم يستطع الجلوس فليوم إيماء، ومن لم يستطع الصوم فليفطر، وهذا من لطف الله تعالى بعباده بأن لم يكلفهم إلا ما يسعهم ويسهُل عليهم، ولا يخرج عن حد الوسع والطاقة، وأن ذلك عادة الله سبحانه في تكليف عباده، ولو كان الوسع بمعنى بذل الجهد بأقصى الطاقة لما تحقق هذا المفهوم من الوسع، والله أعلم (^٣).\n\n•<span data-type='title' id=toc-584> النتيجة:</span>\nمن خلال ما تقدم ذكره من أقوال أهل في هذه المسألة، يظهر أن الصواب مع أصحاب القول الأول من أن المراد من الوُسع: ما يقدر عليه الإنسان بسهولة ويستمر، وليس بذل المجهود، لما تقدم إيراده من الأوجه الدالة على ذلك، والله أعلم.\n_________\n(^١) الكشف والبيان: الثعلبي (٧/ ٥٨٤).\n(^٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن: السعدي (ص: ٢٨٩).\n(^٣) انظر: فتح القدير: الشوكاني (٣/ ٥٧٩).","vol":"2","page":677},{"text":"<span data-type='title' id=toc-585>١١٠ - قوله تعالى: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [سورة الأعراف: ٦٩].</span>\nقال القاسمي: لا يعتمد على ما يذكره بعض المؤرخين المولعين بنقل الغرائب، بدون وضعها على محك النظر والنقد، من المبالغة في طول قوم عاد، وضخامة أجسامهم، وأن أطولهم كان مائة ذراع، وأقصرهم كان ستين ذراعا، فإن ذلك لم يقم عليه دليل عقلي ولا نقلي، وهو وهم. وأما قوله جل شأنه مخاطبا لقوم عاد ﴿وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً﴾ فإنه لا يدل على ما أرادوا، وإنما يدل على عظم أجسامهم وقوتهم وشدتها. وهذا من الأمور المعتادة. فإن الأمم ليست متساوية في ضخامة الجسم وطوله وقوته، بل تتفاوت لكن تفاوتا قريبا (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-586> أقوال أهل العلم أهل في وصف ضخامة وطول قوم عاد:</span>\nالقول الأول: أن قوم عاد كانوا يزيدون قوة وشدة وطولًا على غيرهم من الناس.\nالقول الثاني: أن قوم عاد كانوا يزيدون طولا على غيرهم من الناس، فكان أطولهم يبلغ مائة ذراع وأقصرهم ستين ذراع، ونحو ذلك من أوصافهم، بما فيه مبالغة في طولهم.\nأصحاب القول الأول:\nالماوردي: \" زعم قتادة. أنه كان طول الرجل منهم -يعني عاد- اثني عشر ذراعا\" (^٢).\nابن كثير: ﴿وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً﴾ أي: زاد طولكم على الناس بسطة، أي: جعلكم أطول من أبناء جنسكم، كما قال تعالى: في قصة طالوت: ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ [سورة البقرة: ٢٤٧] (^٣).\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (٧/ ٢٧٧١).\n(^٢) النكت والعيون: الماوردي (٦/ ٢٦٨).\n(^٣) تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٤/ ٥٠).","vol":"2","page":678},{"text":"القنوجي: قال قتادة: ذكر لنا أنهم كانوا اثني عشر ذراعا طولا، وعن ابن عباس: كان الرجل منهم ثمانين باعا، وكانت البرة فيهم ككيلة البقرة والرمانة الواحدة يقعد في قشرها عشرة نفر. ولا تخلو هذه الأقاويل عن ضعف وبعد\" (^١).\nمحمد رشيد رضا: \" وفي التفسير المأثور روايات إسرائيلية الأصل في المبالغة في طولهم وقوتهم لا يعتمد عليها ولا يحتج بشيء منها\" (^٢).\nأصحاب القول الثاني:\nابن عباس ﵁: \"كان أطولهم ثمانون ذراعًا\"، وبنحو ذلك روي عن أبي هريرة، وقتادة، والكلبي، والسدي، ومقاتل، وغيرهم (^٣).\nالزجاج: \" ﴿وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً﴾ في التفسير أنه كان أقصرهم، طوله ستون ذراعا وأطولهم مائة ذراع\" (^٤).\nوهب بن منبه (^٥): \"هلكت عاد، فلم يبق على الأرض منهم أحد، وما أتت الريح على شيء من النبات والشجر إلا جعلته كالرميم. فكان الرجل منهم ستين ذراعا، وكانت هامة الرجل مثل القبة العظيمة\" (^٦).\nمحمد بن إسحاق (^٧): \" كانت قامة الطويل من قوم عاد مائة ذراع، وقامة القصير\n_________\n(^١) فتح البيان: القنوجي (٤/ ٣٩٠).\n(^٢) تفسير المنار: محمد رشيد رضا (٨/ ٤٤٣).\n(^٣) أخرج نحوا منها ابن أبي حاتم في تفسيره (١٠/ ٣٤٢٦)، وأورد أقوالهم الثعلبي في تفسيره (١٢/ ٣٩٢)، والبغوي في تفسيره (٣/ ٢٤٣)، والقرطبي في تفسيره (٩/ ٢٦٤).\n(^٤) معاني القرآن: الزجاج (٢/ ٣٤٨)، وانظر: التسهيل: ابن جزي (١/ ٢٩٣).\n(^٥) وهو: وهب بن منبه بن كامل بن سيج بن ذي كبار، وهو الأسوار، الإمام، العلامة، الأخباري، القصصي، أبو عبد الله الأبناوي، اليماني، الذماري، الصنعاني، مات سنة ١١٤ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء: الذهبي (٤/ ٥٤٤).\n(^٦) انظر: تاريخ دمشق: ابن عساكر (٧٤/ ٨٨)، وأورده البغوي في تفسيره (٣/ ٢٤٣)، والقرطبي في تفسيره (٩/ ٢٦٤).\n(^٧) وهو: محمد بن إسحاق بن يسار بن خيار الأخباري، العلامة، الحافظ، الأخباري، أبو بكر، وقيل: أبو عبد الله القرشي، المطلبي مولاهم، المدني، صاحب (السيرة النبوية) مات سنة ٢١٥ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء: الذهبي (٧/ ٣٣).","vol":"2","page":679},{"text":"منهم ستين ذراعا\" (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-587> دراسة المسألة:</span>\nمن خلال استقراء ما ذكره المفسرون في تفسير الآية، وما أوردوه المؤرخون في هذه المسألة، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن قوله تعالى: ﴿وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً﴾ لا يدل على طول وضخامة أجسام قوم عاد إلى ستين ذراع ونحو ذلك، وإنما يدل على عظم أجسامهم وقوتهم وشدتها مما هو معتاد وفي حد المعقول، وبتفاوت قريب، وذلك من أوجه:\nالأول: أن ما روي عن جمع من السلف من أن طول قوم عاد يبلغ ستون ذراعًا أو سبعون ذراعًا غالبه إن لم يكن جُلّه من الإسرائيليات، والإسرائيليات كما هو مقرر عند أهل العلم مردودة إن خالفت شرعنا (^٢).\nوقد روي في الصحيح من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «خلق الله آدم وطوله ستون ذراعا ثم قال اذهب فسلم على أولئك من الملائكة فاستمع ما يحيونك تحيتك وتحية ذريتك فقال السلام عليكم فقالوا: السلام عليك ورحمة الله فزادوه ورحمةُ الله فكل من يدخل الجنة على صورة آدم، فلم يزل الخلق ينقص حتى الآن» (^٣).\nووجه الدلالة: أنه لا أحد من البشر يبلغ من الطول والضخامة كطول آدم ﵇ الذي طوله يبلغ ستون ذراعًا، فالخلق الذين جاءوا بعده مازالوا ينقصون طولًا عن طوله، فبطلت الروايات الإسرائيلية المخبرة عن طول قوم عاد وضخامة أجسامهم إلى ستين أو سبعين ذراعًا (^٤).\n_________\n(^١) تفسير القرآن: السمعاني (٢/ ١٩٢)، وانظر: الجواهر الحسان: الثعالبي (٣/ ٤٤).\n(^٢) انظر: مقدمة في أصول التفسير: ابن تيمية (ص: ٤٢).\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة﴾ برقم: (٣٣٢٦)، وأخرجه مسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها، باب باب: يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير، برقم: (٢٨٤١).\n(^٤) انظر: أحكام القرآن: ابن العربي (٤/ ٣٩١).","vol":"2","page":680},{"text":"الثاني: أن ما روي عن ابن عباس ﵁: \"كان أقصر قوم عاد سبعين ذراعا وأطولهم مائة ذراع\" (^١)، من رواية الكلبي، عن أبي صالح. وكلاهما ضعيف، وقد تقدم الحديث عن ضعف هذا الإسناد (^٢).\nالثالث: من حيث الواقع المشاهد: فالتفاوت بين الشعوب والأمم في أطوال الجسم وأحجامها من الأمور المعتادة، فإن الأمم ليست متساوية في ضخامة الجسم وطوله وقوته، بل تتفاوت لكن تفاوتا قريبا، ومما يدل على أن أجسام من سلف كأجسامنا لا تتفاوت عنها تفاوتا كبيرا: مساكن ثمود قوم صالح الباقية، وقوم ثمود مقاربين لقوم عاد، ومساكن قوم ثمود ما زالت حتى الآن ماثلة ومعروفة في ديار ثمود قوم صالح، وهي عبارة عن كتل من الجبال منحوتة من الداخل، فقد كانوا ينحتون من الجبال بيوتا، مما يدل على عظم بأس هؤلاء القوم، وشدة تمكنهم في هذه الأشياء، لكن مع ذلك نلاحظ أن قاماتهم تدل عليها الحجرات وارتفاعاتها، وهذه الأشياء تدل على أن قامتهم كانت معتدلة، وليست بالطول البالغ إلى الحد (^٣).\n\n•<span data-type='title' id=toc-588> النتيجة:</span>\nمن خلال ما تقدم ذكره من أقوال أهل العلم في هذه المسألة يظهر أن الصواب هو ما عليه أصحاب القول الأول من أن قوم عاد كانوا يزيدون قوة وطولًا على غيرهم من الأمم بقدر ما هو معقول، لما تقدم بيانه من الأوجه الدالة على ذلك، والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه أبي الشيخ الأصبهاني في العظمة (٥/ ١٥٢٠).\n(^٢) انظر: ما تقدم الحديث عن ضعف هذه الرواية في مسألة: (٤٩) ص: (٣٩١).\n(^٣) انظر: تفسير القرآن الكريم: المقدم (٦٤/ ٥).","vol":"2","page":681},{"text":"<span data-type='title' id=toc-589>١١١ - قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة الأعراف: ١٤٣].</span>\nقال القاسمي: وأما زعم المعتزلة أن الرؤية مجاز عن العلم الضروري، فمعنى قوله: ﴿أَرِنِي﴾ أي: اجعلني عالما بك علما ضروريا- خلاف الظاهر. فإن النظر الموصول بـ (إلى) نص في الرؤية البصرية فلا يترك بالاحتمال، مع أن طلب العلم الضروري لمن يخاطبه ويناجيه غير معقول. وكذا زعمهم أن موسى ﵇، كان سألها لقومه حيث قالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [سورة البقرة: ٥٥]، فسأل ليعلموا امتناعها- فإنه خلاف الظاهر، وتكلف يذهب رونق النظم، فترده ألفاظ الآية (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-590> أقوال أهل العلم في معنى الرؤية في قوله تعالى: ﴿أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ من حيث الحقيقة والمجاز:</span>\nالقول الأول: أن المعنى حقيقي، والمراد: اجعلني أنظر إليك ببصري.\nالقول الثاني: أن المعنى مجازي، والمراد: اجعلني عالمًا بك علمًا ضروريًا.\nأصحاب القول الأول: وهم أهل السنة والجماعة:\nالزجاج: \" ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ أي قد خاطبتني من حيث لا أراك، والمعنى أرني نفسك\" (^٢).\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (٧/ ٢٨٥٢).\n(^٢) معاني القرآن: الزجاج (٢/ ٣٧٣)، وانظر: تفسير القرآن: السمعاني (٢/ ٢١٢).","vol":"2","page":682},{"text":"البغوي: \"فإن قيل: كيف سأل الرؤية وقد علم أن الله تعالى لا يرى في الدنيا؟ قال الحسن: هاج به الشوق فسأل الرؤية. وقيل: سأل الرؤية ظنا منه أنه يجوز أن يرى في الدنيا\" (^١).\nالإيجي: \" ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي﴾ نفسك بأن تتجلى إلي ﴿أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ أراك\" (^٢).\nالعُليمي: \" ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ أي: أرني نفسك لأتمكن من رؤيتك\" (^٣).\nأصحاب القول الثاني: وهم أهل البدع من المعتزلة:\nالكعبي: \"إن موسى ﵇ لم يطلب الرؤية وإنما طلب العلم، وعبر بها عن لازمها الذي هو العلم الضروري وإطلاق اسم الملزوم على اللازم شائع، فكأنه قال: اجعلني عالما بك علما ضروريا\" (^٤).\nأبو هذيل العلاف (^٥) والجبائي: \"أن موسى ﵇ لم يسأل الرؤية بل تجوز بها عن العلم الضروري لأنه لازمها، وإطلاق اسم الملزوم على اللازم شائع لا سيما استعمال رأى بمعنى علم وأرى بمعنى أعلم، فكأنه قال اجعلني عالمًا بك علمًا ضروريا\" (^٦).\n\n•<span data-type='title' id=toc-591> دراسة المسألة:</span>\nمن أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، أنهم يُثبتون رؤية الله تعالى يوم القيامة، كما دلت على ذلك الأدلة من الكتاب والسنة والإجماع (^٧).\n_________\n(^١) معالم التنزيل: البغوي (٣/ ٢٧٥).\n(^٢) جامع البيان: الإيجي (١/ ٦٥١).\n(^٣) فتح الرحمن: العليمي (٣/ ٣١).\n(^٤) انظر: شرح المواقف: الجرجاني (٢/ ٣٦٩)، وانظر: مفاتيح الغيب: الرازي (١٨/ ٣٥٤)، وانظر: غرائب القرآن: النيسابوري (٣/ ٣١٥)، وانظر: روح المعاني: الآلوسي (٩/ ٣٣٧).\n(^٥) وهو: أبو الهذيل محمد الهذيل بن عبد الله العبدي، المعروف المتكلم؛ كان شيخ البصريين في الاعتزال، ومن أكبر علمائهم، وهو صاحب مقالات في مذهبهم ومجالس ومناظرات، مات سنة ٢٣٥ هـ. ينظر: وفيات الأعيان: ابن خلكان (٤/ ٢٦٥).\n(^٦) شرح المواقف: الجرجاني (٢/ ٣٦٨).\n(^٧) انظر: ما تقدم تفصيله وإيراده من الأدلة الدالة على إثبات رؤية الله تعالى يوم القيامة في مسألة رقم: (٥) ص: (١٦٩).","vol":"2","page":683},{"text":"ويُقابلهم في ذلك أهل البدع من المعتزلة الذين ينفون رؤية الله تعالى يوم القيامة، وما ذلك إلا لفساد طريقتهم، في تحكيم العقول، ولي أعناق النصوص التي تُثبت الرؤية وتأويلها بمعانٍ تصرفها عن ظاهرها.\nومن ذلك أن أنهم أولوا قوله تعالى: ﴿أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ أي: اجعلني عالما بك علما ضروريا، وذلك لأنهم لو أوَّلوها على الحقيقة كتأويل أهل السنة، لكانت الآية حجة عليهم، إذ لا يُعقل أن يسأل موسى ﵇ ربه مما لا يليق ولا يجوز، وما هو مستحيل، فعدلوا عن الحقيقة إلى طاغوت المجاز.\nوالجواب عن قولهم بأن المراد من قوله تعالى: ﴿أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ أي: اجعلني عالما بك علما ضروريا، من أوجه:\nالأول: أن هذا التأويل مخالف للروايات الواردة عن جماعة من السلف في تأويل الآية، والتي تُفيد حقيقة النظر وهي رؤية الله تعالى في الدنيا التي طلبها موسى ﵇ من ربه.\nفقد أخرج ابن جرير الطبري في تفسيره عن السدي، قال: \" إن موسى ﵇ لما كلمه ربه أحب أن ينظر إليه، ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ .... إلخ\" (^١).\nوأخرج أيضًا عن أبي بكر الهذلي (^٢)، أنه قال: \" لما تخلف موسى ﵇ بعد الثلاثين، حتى سمع كلام الله اشتاق إلى النظر إليه، فقال: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ \" (^٣). وغير ذلك من الآثار.\n_________\n(^١) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (١٠/ ٤١٩)، وانظر: الهداية: مكي بن أبي طالب (٤/ ٢٥٤١).\n(^٢) وهو: سلمة بن عبد الله أبو بكر الهذلي، كان عالما بأيام العرب وسيرها وأحد أصحاب الحديث، لقي الزهري والحسن البصري ومحمد بن سيرين وكان بصريا، وكان أخباريا علامة، مات سنة ١٥٩ هـ. ينظر: الوافي بالوفيات: الصفدي (١٥/ ٢٠٢).\n(^٣) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (١٠/ ٤١٩).","vol":"2","page":684},{"text":"الثاني: أن قولهم مُخالف لدلالة اللغة: لأن (أرِ) مخففة، من الرؤية كأنه يقول أرني بمعنى أعطني.\nفقوله تعالى: ﴿أَرِنِي﴾ بمعنى: بصّرني، والمراد اجعلني متمكنا من رؤيتك حتى أنظر إليك وأراك (^١).\nالثالث: أن هذا التأويل مخالف لسياق الآية: فلا يصح أن يقال: إن موسى ﵇ سأل أمرا عظيما، أو علمًا ضروريًا على تقدير: أرني أمرا، أنظر إلى أمرك، ثم حذف المفعول والمضاف؛ لأن سياق الآية يدل على بطلان هذا، وهو قوله: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾، فلو كان المراد من طلب موسى ﵇ العلم الضروري، لما نفاها الله تعالى بقوله: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ (^٢).\nالرابع: لو كانت الرؤية بمعنى العلم الضروري لكان النظر المذكور بعد أيضا بمعناه، وليس كذلك، فإن النظر الموصول بـ (إلى) نص في الرؤية لا يحتمل سواه، فلا يترك للاحتمال (^٣).\nالخامس: لو ساغ هذا التأويل لساغ مثله في ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [سورة النساء: ١٥٣] لتساوي الدلالة، وهو ممتنع بالإجماع، و(جهرة) لا يزيد على كون النظر موصولا بـ (إلى) (^٤).\nالسادس: أن المواعدة في قوله تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً﴾ الآية، إلى قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا﴾ الآية، تتضمن الملاقاة. والملاقاة تعتمد رؤية الذات وسماع الحديث، فحصل لموسى أحد ركني الملاقاة وهو التكليم، فأطمعه ذلك في الركن الثاني وهو المشاهدة، مما يؤذن بأن التكليم هو الذي أطمع موسى في حصول الرؤية، مما يدل على\n_________\n(^١) انظر: مفاتيح الغيب: الرازي (١٤/ ٣٥٨)، وانظر: لسان العرب: ابن منظور (١٤/ ٣٠)، وانظر: الكليات: الكفوي (ص: ٧٩).\n(^٢) انظر: التفسير البسيط: الواحدي (٩/ ٣٣٢)، وانظر: مفاتيح الغيب: الرازي (١٤/ ٣٥٥).\n(^٣) انظر: التسهيل: ابن جزي (١/ ٣٠٠)، وانظر: روح المعاني: الآلوسي (٩/ ٣٣٩).\n(^٤) روح المعاني: الآلوسي (٩/ ٣٤٠).","vol":"2","page":685},{"text":"موسى ﵇ طلب الرؤية الحقيقية، وهي رؤية العين (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-592> النتيجة:</span>\nمن خلال ما تقدم ذكره من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين جليًا أن الحق هو الذي عليه أصحاب القول الأول من أهل السنة والجماعة، وأن المراد من الرؤية في قوله تعالى: ﴿أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ المعنى حقيقي، وهو: اجعلني أنظر إليك ببصري.\n_________\n(^١) التحرير والتنوير: ابن عاشور (٩/ ٩١)، بتصرف.","vol":"2","page":686},{"text":"<span data-type='title' id=toc-593>١١٢ - قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [سورة الأعراف: ١٩٠].</span>\nقال القاسمي: ذكر المفسرون هاهنا أحاديث وآثارا تفهم أن المراد بهذا السياق آدم وحواء. ولا حاجة بنا إلى روايتها لأنها واهية الإسناد معلولة، كما بينه الحافظ ابن كثير في (تفسيره). وتقبل ثلة من السلف لها وتلقيها لا يجدي في صحتها شيئا. إذا أصلها مأخوذ من أقاصيص مسلمة أهل الكتاب، كما برهن عليه ابن كثير (^١). وتهويل بعضهم بأنها مقتبسة من مشكاة النبوة، إذ أخرجها فلان وفلان، من تنميق الألفاظ لتمزيق المعاني، فإن المشكاة النبوية أجل من أن يقتبس منها إلا كل ما عرفت جودته.\nإذا علمت ذلك، تبين لك أن من استند إلى تلك الأحاديث والآثار، فذهب إلى أن المراد بالنفس الواحدة وقرينتها، آدم وحواء، ثم أورد على نفسه أنهما بريئان من الشرك، وأن ظاهر النظم يقتضيه، ثم أخذ يؤوله، إما بتقدير مضاف، أي جعل أولادهما له شركاء، فيما آتى أولادهما، وإما بأن المراد جعل أحدهما وهو (حواء) من إطلاق المثنى وإرادة المفرد، وإما بغير ذلك- فإنه ذهب في غير مذهب (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-594> أقوال أهل العلم في المراد من الذين قال الله فيهم: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾:</span>\nالقول الأول: أن المراد: ذرية آدم ومن أشرك منهم، أو جنس بني آدم.\nالقول الثاني: أن المراد: آدم ﵇ وحواء.\n_________\n(^١) سيأتي إيراده.\n(^٢) محاسن التأويل: القاسمي (٧/ ٢٩٢١).","vol":"2","page":687},{"text":"أصحاب القول الأول:\nالحسن البصري: \" ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾: كان هذا في بعض أهل الملل، ولم يكن بآدم \" (^١).\nأبو حفص النسفي: \"والتأويل الصحيح للآيتين ما قاله الحسن البصري ﵀: أن أول الآية في حق آدم وحواء ﵉، وهو كالكلام المعترض، والآية الثانية المتصلة بها في حق المشركين\" (^٢).\nابن القيم (^٣): \"فالنفس الواحدة وزوجها آدم وحواء، واللذان ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ المشركون من أولادهما، ولا يلتفت إلى غير ذلك مما قيل: إن آدم وحواء كانا لا يعيش لهما ولد، فأتاهما إبليس، فقال: إن أحببتما أن يعيش لكما ولد؛ فسمياه عبد الحارث، ففعلا، فإن الله سبحانه اجتباه وهداه، فلم يكن ليشرك به بعد ذلك\" (^٤).\nابن العربي: \" المراد بهذا جنس الآدميين؛ فإن حالهم في الحمل وخفته وثقله إلى صفة واحدة. وإذا خف عليهم الحمل استمروا به؛ فإذا ثقل عليهم نذروا كل نذر فيه، فإذا ولد لهم ذلك الولد جعلوا فيه لغير الله شركاء في تسميته وعمله، حتى إن منهم من ينسبه إلى الأصنام، ويجعله لغير الله وعلى غير دين الإسلام، وهذا القول أشبه بالحق، وأقرب إلى الصدق، وهو ظاهر الآية وعمومها الذي يشمل جميع متناولاتها، ويسلم فيها الأنبياء عن النقص الذي لا يليق بجهال البشر، فكيف بسادتهم وأنبيائهم\" (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (١٠/ ٦٢٩).\n(^٢) التيسير في التفسير: أبو حفص النسفي (٧/ ٩٩)، وانظر: تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٤/ ١٣٧).\n(^٣) وهو: شمس الدين ابن قيم الجوزية محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد الزرعي الشيخ الإمام العلامة الحنبلي، تتلمذ على جمع من أهل العلم، منهم: ابن تيمية، وألّف تصانيف كثيرة، مات سنة ٧٥١ هـ. ينظر: الوافي بالوفيات: الصفدي (٢/ ١٩٥).\n(^٤) روضة المحبين: ابن القيم (ص: ٤٠٥).\n(^٥) أحكام القرآن: ابن العربي (٢/ ٣٥٥)، وانظر: تيسير الكريم الرحمن: السعدي (ص: ٣١١).","vol":"2","page":688},{"text":"أصحاب القول الثاني:\nابن عباس ﵁: \" كانت حواء تلد لآدم، فتعبدهم لله، وتسميه عبد الله وعبيد الله ونحو ذلك، فيصيبهم الموت، فأتاها إبليس وآدم، فقال: إنكما لو تسميانه بغير الذي تسميانه لعاش، فولدت له رجلا، فسماه عبد الحارث، ففيه أنزل الله ﵎: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ إلى قوله: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ إلى آخر الآية \"، وبنحو ذلك روي عن عكرمة في رواية أخرى، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والسدي، وغيرهم (^١).\nالطبري: \"وأولى القولين بالصواب قول من قال: عنى بقوله: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ﴾ في الاسم لا في العبادة، وأن المعني بذلك آدم وحواء؛ لإجماع الحجة من أهل التأويل على ذلك\" (^٢).\nالكرماني: \" قوله: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ﴾ أي جعل آدم وحواء \"له\" لله ﴿شُرَكَاءَ﴾ في تسمية الولد عبد الحرث، والقصة معلومة\" (^٣).\nسليمان بن عبد الله (^٤): \"وإذا تأملت سياق الكلام من أوله إلى آخره مع ما فسره به السلف تبين قطعا أن ذلك في آدم وحواء ﵉، فإن فيه غير موضع يدل على ذلك\" (^٥).\n\n•<span data-type='title' id=toc-595> دراسة المسألة:</span>\nمن خلال استقراء ما ذكره المفسرون وأهل العلم في هذه المسألة، يظهر أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول، من أن الآية تُحمل على ذرية آدم ومن أشرك منهم،\n_________\n(^١) أخرج أقوالهم ابن جرير الطبري في تفسيره (١٠/ ٦٢٤ - ٦٢٧)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٥/ ١٦٣٤).\n(^٢) جامع البيان: الطبري (١٠/ ٦٢٩).\n(^٣) غرائب التفسير: الكرماني (١/ ٤٣٠).\n(^٤) وهو: سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، من آل الشيخ: فقيه من أهل نجد، من حفدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب. مولده بالدرعية. كان بارعا في التفسير والحديث والفقه مات سنة ١٢٣٣ هـ. ينظر: الأعلام: الزركلي (٣/ ١٢٩).\n(^٥) تيسير العزيز الحميد: سليمان بن عبد الله (ص: ٥٤٦)، وانظر: التمهيد: صالح آل الشيخ (ص: ٤٩٧).","vol":"2","page":689},{"text":"أو جنس الذكر والأنثى، وذلك لضعف ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني من حيث الرواية والدراية:\nأما من حيث الرواية: فإن ما رواه ابن جرير الطبري في تفسيره، وابن أبي حاتم في تفسيره من حديث سُمْرَةَ بن جندب، عن النبي ﷺ، قال: «كانت حواء لا يعيش لها ولد، فنذرت لئن عاش لها ولد لتسمينه عبد الحارث، فعاش لها ولد، فسمته عبد الحارث، وإنما كان ذلك من وحي الشيطان» (^١). معلول كما يقول ابن كثير ﵀ من ثلاثة أوجه:\nأحدها: أن في إسناده عمر بن إبراهيم البصري، وقد وثقه ابن معين، ولكن قال أبو حاتم الرازي: لا يحتج به. ولكن رواه ابن مردويه من حديث المعتمر، عن أبيه، عن الحسن، عن سُمْرَةَ مرفوعا فالله أعلم (^٢).\nقال ابن عدي: \"ولعمر بن إبراهيم غير ما ذكرت من الأحاديث وحديثه، عن قتادة خاصة مضطرب، وهو مع ضعفه يكتب حديثه \" (^٣).\nوقال الذهبي بعد إيراده للحديث: \"صححه الحاكم، وهو حديث منكر كما ترى\" (^٤).\nالثاني: أنه قد روي من قول سمرة نفسه، ليس مرفوعا، كما قال ابن جرير: حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا المعتمر، عن أبيه. وحدثنا ابن علية، عن سليمان التيمي، عن أبي العلاء بن الشخير، عن سمرة بن جندب، قال: سمى آدم ابنه \"عبد الحارث\" (^٥).\nالثالث: أن الحسن نفسه فسر الآية بغير هذا، فلو كان هذا عنده عن سمرة مرفوعا، لما عدل عنه، لما أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره بإسناد صحيح عن الحسن: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ قال: كان هذا في بعض أهل الملل، ولم يكن بآدم (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (١٠/ ٦٢٣)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٥/ ١٦٣١)، برقم: (٨٦٣٥).\n(^٢) تفسير القرآن العظيم: ابن كثير: (٤/ ١٣٦)، بتصرف.\n(^٣) الكامل: ابن عدي (٦/ ٨٨).\n(^٤) ميزان الاعتدال: الذهبي (٣/ ١٧٩).\n(^٥) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (١٠/ ٦٢٤)، وانظر: تفسير القرآن العظيم: ابن كثير: (٤/ ١٣٦).\n(^٦) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (١٠/ ٦٢٩)، وانظر: تفسير القرآن العظيم: ابن كثير: (٤/ ١٣٦).","vol":"2","page":690},{"text":"وقد نص بعض أهل العلم على ضعف هذه الرواية، كما يقول بن حزم ﵀: \" وهذا الذي نسبوه إلى آدم ﵇ من أنه سمى ابنه عبد الحارث خرافة موضوعة مكذوبة من تأليف من لا دين له ولا حياء لم يصح سندها قط\" (^١).\nويقول ابن العربي بعد إيراده بنحو من هذه الرواية: \"ونحو هذا مذكور من ضعيف الحديث، في الترمذي وغيره. وفي الإسرائيليات كثير ليس لها ثبات، فلا يعول عليها من لم قلب، فإن آدم وحواء ﵉ وإن غرهما بالله الغرور فلا يلدغ المؤمن من جحر مرتين\" (^٢).\nوأما من حيث الدراية: فقد وردت القصة بروايات أخرى وهي مردودة من أوجه:\nالوجه الأول: أنه لو كانت هذه القصة في آدم وحواء; لكان حالهما إما أن يتوبا من الشرك أو يموتا عليه، فإن قلنا: ماتا عليه; كان ذلك أعظم من قول بعض الزنادقة:\nإذا ما ذكرنا آدمًا وفِعالَهُ … وتزويجهِ بنتيهِ لابنيهِ في الدنا\nعلمنا بأن الخلق من أصل ريبة … وأنَّ جميعَ الناس من عُنصر الزِّنا (^٣).\nفمن جوز موت أحد من الأنبياء على الشرك فقد أعظم الفرية، وإن كان تابا من الشرك; فلا يليق بحكمة الله وعدله ورحمته أن يذكر خطأهما ولا يذكر توبتهما منه، فيمتنع غاية الامتناع أن يذكر الله الخطيئة من آدم وحواء وقد تابا، ولم يذكر توبتهما، والله تعالى إذا ذكر خطيئة بعض أنبيائه ورسله ذكر توبتهم منها، كما في قصة آدم نفسه حين أكل من الشجرة وزوجه، وتابا من ذلك.\nالوجه الثاني: أن الأنبياء معصومون من الشرك باتفاق العلماء.\nالوجه الثالث: أنه ثبت في حديث الشفاعة أن الناس يأتون إلى آدم يطلبون منه الشفاعة، فيعتذر بأكله من الشجرة وهو معصية، ولو وقع منه الشرك; لكان اعتذاره به\n_________\n(^١) الفصل: ابن حزم (٤/ ٤)، وانظر: القول المفيد: العثيمين (٢/ ٣٠٨).\n(^٢) أحكام القرآن: ابن العربي (٢/ ٣٥٥)، وانظر: الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (٩/ ٤١٠)، وانظر: عمدة الحفاظ: السمين الحلبي (٢/ ٢٦٥)، وانظر: تفسير المنار: محمد رشيد رضا (٩/ ٤٣٥).\n(^٣) الشعر منسوب لأبي العلاء المعري، ينظر: معجم الأدباء: الحموي (١/ ٣٣٥).","vol":"2","page":691},{"text":"أقوى وأولى وأحرى.\nالوجه الرابع: أن القصة جاءت بروايات أخرى وفيها أن الشيطان جاء إليهما وقال: \"أنا صاحبكما الذي أخرجتكما من الجنة\"، وهذا لا يقوله من يريد الإغواء، وإنما يأتي بشيء يقرب قبول قوله، فإذا قال: \"أنا صاحبكما الذي أخرجكما من الجنة\"، فسيعلمان علم اليقين أنه عدو لهما، فلا يقبلان منه صرفا ولا عدلا (^١).\nومعلوم أن آدم ﵇ كان أشد الناس معرفة بإبليس، وكان عالما بجميع الأسماء كما قال تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [سورة البقرة: ٣١] فكان لا بد وأن يكون قد علم أن اسم إبليس هو الحارث فمع العداوة الشديدة التي بينه وبين آدم ومع علمه بأن اسمه هو الحارث كيف سمى ولد نفسه بعبد الحارث؟ وكيف ضاقت عليه الأسماء حتى إنه لم يجد سوى هذا الاسم؟ \" (^٢).\nالوجه الخامس: أن في قوله في هذه القصة: \"لأجعلن له قرني أيل\": إما أن يصدقا أن ذلك ممكن في حقه; فهذا شرك في الربوبية؛ لأنه لا يقدر على ذلك إلا الله، أو لا يصدقا; فلا يمكن أن يقبلا قوله وهما يعلمان أن ذلك غير ممكن في حقه.\nالوجه السادس: أنه تعالى قال: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ وذلك يدل على أن الذين أتوا بهذا الشرك جماعة، ولو كان آدم وحواء; لقال: عما يشركان (^٣).\nالوجه السابع: نظائر الآيات التي تدل على أن المراد من الآية ذرية آدم ومن أشرك منهم، فمعنى الآية: أنه لما آتى آدم وحواء صالحا كفر به بعد ذلك كثير من ذريتهما، وأسند فعل الذرية إلى آدم وحواء؛ لأنهما أصل لذريتهما، كما قال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ أي بتصويرنا لأبيكم آدم؛ لأنه أصلهم بدليل قوله بعده: ﴿ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ\n_________\n(^١) القول المفيد: العثيمين (٢/ ٣١٠)، بتصرف.\n(^٢) مفاتيح الغيب: الرازي (١٥/ ٤٢٧)، بتصرف.\n(^٣) انظر: مفاتيح الغيب: الرازي (١٥/ ٤٢٧)، وانظر: التسهيل: ابن جزي (١/ ٣١٦) وانظر: القول المفيد: العثيمين (٢/ ٣١٠).","vol":"2","page":692},{"text":"اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ ويدل لهذا الوجه الأخير أنه تعالى قال بعده: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٩٠) أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [سورة الأعراف: ١٩١] وهذا نص قرآني صريح في أن المراد المشركون من بني آدم، لا آدم وحواء، أو الرد على من جعل الأصنام شركاء لله تعالى (^١).\nفهذه الوجوه تدل على بطلان حمل الآية على آدم ﵇ وحواء، وأن الواجب اعتقاده في الأنبياء أنهم منزهون عن الشرك، وعلى هذا: فتُحمل الآية على عمومها في بني آدم الذين أشركوا شركا أكبر، أو شركًا أصغر كشرك الطاعة ونحو ذلك، والله أعلم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-596> النتيجة:</span>\nبعد ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الصواب بأن يُقال أن قوله تعالى: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ عام في ذرية آدم ﵇، لضعف الروايات الواردة في آدم وحواء من حيث الرواية، ومن حيث الدراية، كما تقدم بيانه، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: جامع البيان: الطبري (١٠/ ٦٢٧)، وانظر: الكشف والبيان: الثعلبي (١٢/ ٦٢٥، ٦٢٦)، وانظر: مفاتيح الغيب: الرازي (١٥/ ٤٢٧)، وانظر: أضواء البيان: الشنقيطي (٢/ ٤٠١).","vol":"2","page":693},{"text":"<span data-type='title' id=toc-597>١١٣ - قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [سورة الأعراف: ١٩٨].</span>\nقال القاسمي: من غرائب استنباط المعتزلة قولهم في هذه الآية- والعبارة للجشمي- ما مثاله: تدل الآية على أن النظر غير الرؤية، وأنه لا يقتضي الرؤية، لذلك أثبتهم ناظرين غير رائين.\nقال: ومثله قولهم نظرت إلى الهلال فلم أره. ويقسمون النظر إلى وجوه، ولا تنقسم الرؤية.\nقال: فبطل قول من يقول: إن قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [سورة القيامة: ٢٣]، يقتضي الرؤية (^١).\nولا يخفى أن الأصل في إطلاق النظر هو الرؤية والإبصار، ولذلك تتعاقب في هذا المعنى، وتترادف كثيرا، وانفكاكه عن الرؤية في هذه الآية لقرينة كون المحدّث عنهم جمادا، ولا قرينة في الآية لتقاس على ما هنا. دع ما صح من الأخبار في وقوعها، مما هو بيان لها - فافهم - (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-598> أقوال أهل العلم في إطلاق النظر على الرؤية في إثبات رؤية الله تعالى:</span>\nالقول الأول: إثبات رؤية الله تعالى يوم القيامة في قوله تعالى: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، وأن الفرق بين النظر والرؤية في تفسير قوله تعالى: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ لا يدل على نفي الرؤية.\nالقول الثاني: إنكار رؤية الله تعالى يوم القيامة، بدلالة قوله تعالى: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ وأن النظر لا يقتضي الرؤية، وهكذا في قوله تعالى: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾.\n_________\n(^١) التهذيب في التفسير: الحاكم الجشمي (٤/ ٢٨١٩).\n(^٢) محاسن التأويل: القاسمي (٧/ ٢٩٢٨، ٢٩٢٩).","vol":"2","page":694},{"text":"أصحاب القول الأول: أهل السنة والجماعة، ومعهم الأشاعرة:\nابن عطية: \"ذهب بعض المعتزلة إلى الاحتجاج بهذه الآية - يعني قوله تعالى: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ - على أن العباد ينظرون إلى ربهم ولا يرونه، ولا حجة لهم في الآية لأن النظر في الأصنام مجاز محض\" (^١).\nالزركشي: قوله: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾، فإن المعتزلة احتجوا به على نفي الرؤية لأن النظر لا يستلزم الإبصار، ولا يلزم من قوله: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ إبصار، وهذا وهم (^٢).\nالطوفي (^٣): \" ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ يحتج به المعتزلة على أن قوله ﷿: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ لا يقتضي رؤية الله ﷿ وإبصاره؛ لأن الآية المذكورة تضمنت إثبات النظر المقرون بإلى مع نفي الرؤية والإبصار، فدل على أن الأول لا يلزمه الثاني. وجوابه: أن المشار إليه في الآية هم الأصنام، كأنهم ينظرون إلى الإنسان إذا قابلهم، لكونهم مصنوعين على صورة الإنسان … إلخ\" (^٤).\nالسيوطي: \" ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾، فإن المعتزلة احتجّوا بها على نفي الرؤية، فإن النظر في قوله: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، لا يستلزم الإبصار. ورُدّ بأن المعنى أنها تنظر إليه بإقبالها عليه، وليست تبصر شيئا\" (^٥).\n_________\n(^١) المحرر الوجيز: ابن عطية (٤/ ٤٧٦)، وانظر: البحر المحيط: أبو حيان (١٠/ ٤٥٨).\n(^٢) البرهان: الزركشي (٣/ ٣٩٥).\n(^٣) وهو: سليمان بن عبد القوي بن عبد الكريم، الطوفي الصرصري ثم البغدادي، الفقيه الأصولي، المتفنن، نجم الدين أبو الربيع، قرأ على جماعة من أهل العلم، وألف تصانيف عدة، مات سنة ٧١٦ هـ. ينظر: ذيل طبقات الحنابلة: ابن رجب (٤/ ٤٠٤).\n(^٤) الإشارات الإلهية: الطوفي (ص: ٣٠٣).\n(^٥) معترك الأقران: السيوطي (١/ ٣٢٤، ٣٢٥)، وانظر: الإتقان: السيوطي (٣/ ٢٦٣)، وانظر: الزيادة والإحسان: ابن عقيلة المكي (٦/ ٤٩).","vol":"2","page":695},{"text":"أصحاب القول الثاني: أهل البدع من الشيعة والمعتزلة:\nالمعتزلة قالوا: \"الذي يدل على أن النظر ليس اسما للرؤية قوله تعالى: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ أثبت النظر حال عدم الرؤية، فدل على أن النظر غير الرؤية\" (^١).\nالطوسي: \"في الآية دلالة على أن النظر غير الرؤية، لأنه تعالى أثبت النظر ونفى الرؤية وقوله: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ وجه الخطاب إلى النبي ﷺ ولو كان امره بخطاب المشركين بمعنى قل لهم لقال وترونهم\" (^٢).\nمحمد حسن المظفر (^٣): \"لو سُلّم أنّ ﴿نَاظِرَةٌ﴾ ليس بمعنى: منتظرة، فلا يتّجه استدلالهم بالآية; لأنّ النظر: تأمّل العين للشيء، لا الرؤية كما في \" القاموس \"ولذا يتحقّق بدون الرؤية، قال تعالى: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ مع أنّه قال: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ والرؤية لا تُرى، وإنّما يرى تأمّلُ العين وتقليبُ الحدقة\" ..... إلى أن قال: \"فحينئذ لا تدلّ الآية على تعلّق الرؤية به تعالى\" (^٤).\n\n•<span data-type='title' id=toc-599> دراسة المسألة:</span>\nمن خلال النظر فيما ذكره أهل العلم في هذه المسألة، وتأويل المفسرين للآية، ما دلت عليه من معاني، يتبين جليًا أن الحق هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول، من أن آية الأعراف لا دلالة فيها على نفي رؤية الله تعالى، وأن قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ يقتضي إثبات رؤية الله تعالى، وذلك من أوجه:\n_________\n(^١) انظر: مفاتيح الغيب: الرازي (٣٠/ ٧٣٠)، وانظر: السراج المنير: الشربيني (٤/ ٤٤٣)، وانظر: الزيادة والإحسان: ابن عقيلة المكي (٦/ ٤٩).\n(^٢) التبيان: الطوسي (٥/ ٦٢).\n(^٣) وهو: الشيخ محمد بن حسن بن الشيخ محمد بن الشيخ أحمد بن مظفر الجزائري، أحد أعلام الشيعة، متكلم، أديب وكاتب، درس على والده علم النحو والصرف والبلاغة والمنطق، مات سنة ١٣٧٥ هـ. ينظر: دلائل الصدق: ابن المظفر (١/ ١٦٧).\n(^٤) دلائل الصدق: محمد حسن المظفر (٢/ ١٢٨).","vol":"2","page":696},{"text":"الأول: الشواهد من الآيات القرآنية التي تدل على أن المراد من النظر الرؤية، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾\nوالشاهد: أن النظر الذي في الآية مُعدى بقوله ﴿إِلَيْكَ﴾ والنظر المُعدى بإلى لا يجوز في كلام العرب أن يراد به إلا نظر العين (^١)، وقد عبَّر عن النظر بالرؤية، فدل على أنه إن نظر إليه فقد رآه.\nوأيضًا: في قوله تعالى: ﴿انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ﴾ مما يدل على أن المراد من النظر هو الرؤية الحسية الحقيقية، وإلا كيف يستقيم المعنى إذا كان النظر إلى الجبل بمعنى النظر الغير حسي، أو العقلي أو غير ذلك من المعاني!.\nالثاني: ما صح في السنة النبوية مما يدل على أن النظر يوم القيامة هو بمعنى رؤيته تعالى، ما جاء في حديث أبي هريرة ﵁: \"أن الناس قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله ﷺ: هل تضارون في القمر ليلة البدر؟. قالوا: لا يا رسول الله، قال: فهل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا يا رسول الله، قال: فإنكم ترونه كذلك\" (^٢)، الحديث.\nوالشاهد من الحديث: قوله ﷺ: \"فإنكم ترونه كذلك\"، ولم يقل: تنظرون إليه، على التسليم بأن النظر يختلف عن الرؤية، مما يدل صراحة على ثبوت الرؤية الحقيقية.\nالثاني: من حيث اللغة: فإن المتقرر عند أهل اللغة جواز أن يكون المراد من النظر: الرؤية بالعين والقلب، ورأيتُه رُؤْيَةً ورَأْيًا وراءَةً ورَأْيَةً ورِئْيانًا وارْتَأَيْتُه واسْتَرْأَيْتُه، وتقول: تَراءَيْنا الهلال أي: تكلفنا النظر إليه هل نراه أم لا، وتقول: انطلق بنا حتى نهل الهلال أي\n_________\n(^١) انظر: تمهيد الأوائل: الباقلاني (ص: ٣٠٩).\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب التوحيد، باب قوله تعالى: ﴿وجوه يومئذ ناضرة﴾، برقم: (٧٤٣٧)، وأخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية، برقم: (١٨٢).","vol":"2","page":697},{"text":"ننظر أي نراه. وقد تراءينا الهلال أي نظرْناه (^١).\nمناقشة ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني:\nتقدم أن أصحاب القول الثاني من الشيعة والمعتزلة ومن نحا نحوهم من أهل البدع المنكرين لرؤية الله تعالى، ذهبوا إلى أن الآية تدل على أن النظر غير الرؤية، وأنه لا يقتضي الرؤية، ومثله في قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾.\nوالجواب عما ذهبوا إليه أن يُقال: بأن قياس النظر في آية الأعراف على آية القيامة مردود، من وجهين:\nالوجه الأول: أن الموصوفين بالنظر في الآية هم الأصنام على قول جمع من المفسرين (^٢)، ولا شك أنهم جماد لا ينظرون، فيكون المعنى: تحسبهم أنهم ينظرون إليك مع أنهم في الحقيقة لا ينظرون، لأن لهم أعينا مصنوعة بأجفانها وسوادها يحسب الإنسان أنها تنظر إليه بإقبالها عليه وليست تبصر شيئا (^٣)، بخلاف آية القيامة فإن الحي إذا نظر إلى شيء فإن إبصار ذلك الشيء يحل لا محالة عند انتفاء موانع الرؤية (^٤).\nوأيضًا: بأن الوجوه محل الإبصار والإبصار محل الرؤية وآلة لها، فالوجوه محل للرؤية وآلة لها، ودل على ذلك استعمال العرب كقول القائل:\nوجُوهٌ نَاظرَاتٌ يَوْمَ بَكر … إلى الرَّحْمنٍ تَنتظِرُ الخَلاصَا\nوالمراد من هذا الرحمن: مسيلمة الكذاب، لأنهم كانوا يسمونه رحمن اليمامة، فأصحابه كانوا ينظرون إليه ويتوقعون منه التخلص من الأعداء (^٥).\n_________\n(^١) انظر: المحكم والمحيط الأعظم: ابن سيده (١٠/ ٣٣٨)، وانظر: لسان العرب: ابن منظور (١٤/ ٢٩٥)، وانظر: القاموس المحيط: الفيروز آبادي (١٢٨٥).\n(^٢) وإلى هذا ذهب جمع من المفسرين كالثعلبي في تفسيره (١٢/ ٦٢٩)، والسمعاني (٢/ ٢٤٢)، والبغوي في تفسيره (٣/ ٣١٥)، والقرطبي في تفسيره (٩/ ٤١٨)، وغيرهم.\n(^٣) انظر: البرهان: الزركشي (٣/ ٣٩٥)، وانظر: مفاتيح الغيب: الرازي (١٥/ ٤٣٤).\n(^٤) انظر: الإشارات الإلهية: الطوفي (ص: ٣٠٣).\n(^٥) انظر: مفاتيح الغيب: الرازي (٣٠/ ٧٣٢).","vol":"2","page":698},{"text":"وقول الآخر:\nوَيَومٍ بذِي قَارٍ رَأيْتَ وُجُوهَهُمْ … إلىَ المَوْتِ مِنْ وَقْعِ السُّيوفِ نَوَاظِر\nوالشاهد: أنه أضاف النظر إلى الوجوه في كلا البيتين (^١).\nالوجه الثاني: من حيث اللغة: فإن كلمة (ترى) إذا تعدت إلى مفعول واحد، لا يكون ذلك المفعول إلّا ممّا يُبْصَر. قال الله تعالى: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾، فَـ (تَرى) ها هنا بمعنى: بَصَرِ العين، والهاء والميم به مفعولٌ، و﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾ في موضع الحال (^٢).\nوأيضًا: أن النظر المقرر بإلى يقتضي الرؤية، فإن لم يكن موضوع اللغة فأكثر استعمال العرب عليه نحو قوله:\nنَظَرْت إلَى مَنْ حَسَّنَ اللَّهُ وَجْهَهُ … فَيَا نَظْرَةً كَادَتْ عَلَى وَامِقٍ تَقْضِي\nوقول علي بن عبد الله بن العباس (^٣):\nنَظروا إليكَ بأعينٍ محمرةٍ … نظرَ التيوسِ إلى شِفارِ الجازرِ (^٤).\nوهو كثير، وهو يحصل المقصود؛ ولأن غلبة استعماله تدل على أنه الحقيقة (^٥).\n\n•<span data-type='title' id=toc-600> النتيجة:</span>\nبعد إيراد ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن المراد من النظر في قوله تعالى: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ الرؤية الحقيقة، وعلى التسليم بأن المراد غير ذلك، فإن حلمه على قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ لنفي الرؤية باطل بلا شك، لما تقدم إيراده من الأوجه الدالة على ذلك، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: الإشارات الإلهية: الطوفي (ص: ٣٠٣).\n(^٢) انظر: شرح المفصل: ابن يعيش (٤/ ٢٩٦).\n(^٣) وهو: علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، الإمام، القانت، أبو محمد الهاشمي، المدني، السجاد، ولد: عام قتل الإمام علي، فسمي باسمه، مات سنة ١١٨ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء: الذهبي (٥/ ٢٨٥).\n(^٤) نسب هذا البيت لعلي بن عبد الله بن العباس الآجري في كتابه الشريعة (٤/ ٢٠٦٠).\n(^٥) انظر: الإشارات الإلهية: الطوفي (ص: ٦٦٨).","vol":"2","page":699},{"text":"<span data-type='title' id=toc-601>١١٤ - قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [سورة الأعراف: ٢٠٤].</span>\nروي عن كثير من السلف أن الآية نزلت في الصلاة (^١). وعن بعضهم: فيها وفي الخطبة يوم الجمعة (^٢). وعن بعضهم: فيهما وفي خطبة الأضحى والفطر (^٣). وقد قدمنا في مقدمة الكتاب مصطلح السلف في قولهم (نزلت هذه الآية في كذا) وبينا أنه قد يراد بذلك، أن الآية تشمل ذلك الشيء لدخوله في عمومها، لا أنه سبب لنزولها (^٤)، وذلك في بعض المقامات، وما هنا منه. وبتحقيق هذا يسقط ما للرازي هنا من أنه إذا قيل بنزولها في منع المأموم من الجهر بالقراءة، يذهب تناسب الآية مع ما قبلها من إفحام المشركين، بأن يستمعوا لقراءته، ليقفوا على إعجازه (^٥). وما للخازن، بأن الآية مكية، وخطبة الجمعة والعيدين شرعتا بالمدينة (^٦) - فافهمه (^٧).\n\n•<span data-type='title' id=toc-602> أقوال أهل العلم في سبب نزول قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾:</span>\nالقول الأول: أن الآية نزلت في الصلاة، وفي خطبة الجمعة. أو في خطبة الأضحى والفطر.\nالقول الثاني: أن الآية عامة لكل من سمع القرآن، في الصلاة أو الخطبة، أو غير ذلك.\n_________\n(^١) انظر: جامع البيان: الطبري (١٠/ ٦٦٠ - ٦٦٤)، وانظر: تفسير القرآن العظيم: ابن أبي حاتم (٥/ ١٦٤٥).\n(^٢) انظر: جامع البيان: الطبري (١٠/ ٦٦٠ - ٦٦٦)، وانظر: تفسير القرآن العظيم: ابن أبي حاتم (٥/ ١٦٤٦).\n(^٣) انظر: جامع البيان: الطبري (١٠/ ٦٦٦)، وانظر: الدر المنثور: السيوطي (٣/ ٦٣٧).\n(^٤) انظر: محاسن التأويل: القاسمي (١/ ٢٧).\n(^٥) انظر: مفاتيح الغيب: الرازي (١٥/ ٤٤١).\n(^٦) لباب التأويل: الخازن (٢/ ٢٨٦).\n(^٧) محاسن التأويل: القاسمي (٧/ ٢٩٣٥).","vol":"2","page":700},{"text":"أصحاب القول الأول:\nالزجاج: \" يروى أن الكلام في الصلاة كان جائِزًا، فكان يدخل الرجلُ فيقول: كم صَلَّيْتُمْ فيقال: صلينا كذا. فلما نزلت ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ حرم الكلامُ في الصلاة إِلا ما كان مما يتقرب به إِلى اللَّه جل ثناؤُه \" (^١).\nالبغوي: \" قوله ﷿: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ اختلفوا في سبب نزول هذه الآية فذهب جماعة إلى أنها في القراءة في الصلاة، وقال قوم: نزلت في ترك الجهر بالقراءة خلف الإمام\" (^٢).\nالكرماني: \" ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ في سبب النزول: عن أبي هريرة ﵁ قال: نزلت في رفع الأصوات في الصلاة خلف رسول الله ﷺ \" (^٣).\nالإيجي: \" ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ الأصح أنها نزلت في ترك التكلم في الصلاة أو ترك القراءة مع الإمام إذا جهر فيها ولا شك أنه يستحب\" (^٤).\nأصحاب القول الثاني:\nابن الفرس: \" وهذه الآية وإن كانت وردت على سبب مخصوص ففيها نظر هل يقتصر على سببها أو يحمل على كل ما يقتضيه لفظها إلا ما دل دليل على تخصيصه. وإلى تعميمها ذهب كثير من العلماء فاحتجوا بها في مسائل متفرقة منها ترك الكلام في الصلاة\" (^٥).\n_________\n(^١) معاني القرآن: الزجاج (٢/ ٣٩٨).\n(^٢) معالم التنزيل: البغوي (٣/ ٣١٨، ٣١٩)، بتصرف.\n(^٣) لباب التفاسير: الكرماني (ص: ٤٩١).\n(^٤) جامع البيان: الإيجي (١/ ٦٨٥).\n(^٥) أحكام القرآن: ابن الفرس (٣/ ٦٧).","vol":"2","page":701},{"text":"القنوجي: \" ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ قيل: هذا الأمر خاص بوقت الصلاة عند قراءة الإمام وقيل: هذا خاص بقراءة رسول الله ﷺ للقرآن دون غيره! ولا وجه لذلك، مع أن اللفظ أوسع من هذا، والعام لا يقصر على سببه\" (^١).\nأبو زهرة: \"قال بعض العلماء: إن قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ نزلت للقراءة في الصلاة. ونقول: إنها عامة، ولو نزلت في مقام خاص؛ لأن الأصوليين يقولون العبرة بعموم اللفظ لَا بخصوص السبب\" (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-603> دراسة المسألة:</span>\nأورد كثير من المفسرين في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ الروايات الواردة في سبب نزولها.\nوعند تتبع إسناد هذه الروايات تبين أنه لم يصح شي في ثبوتها، إما لانقطاع السند، أو وجود من هو ضعيف في الإسناد (^٣)، إلا ما أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره بإسناد حسن عن عبد الله بن مسعود أنّه سلَّمَ على رسول الله ﷺ وهو يُصلِّي، فلم يَرُدَّ عليه، وكان الرجلُ قبل ذلك يتكلَّمُ في صلاته، ويأمُرُ بحاجتِه، فلما فرَغَ ردَّ عليه، وقال: «إنّ الله يفعلُ ما يشاء، وإنّها نزلتْ: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾» (^٤).\nومن خلال التتبع والنظر في هذه المسألة يظهر أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني من أن الآية تبقى على عمومها، وأن معناها لا يختص بسبب نزول يترتب عليه إثبات أحكام خاصة، ورد أحكام أخرى ليُقال مثلا: أنه إذا قيل بنزولها في منع المأموم من الجهر بالقراءة، يذهب تناسب الآية مع ما قبلها من إفحام المشركين، وذلك من أوجه:\n_________\n(^١) نيل المرام: القنوجي (ص: ٣٠٢).\n(^٢) زهرة التفاسير: أبو زهرة (٦/ ٣٠٥٣).\n(^٣) انظر: موسوعة التفسير بالمأثور: مجموعة من المؤلفين (٩/ ٥٧٦ - ٥٧٧).\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٥/ ١٦٤٥)، برقم: (٨٧٢٩)، وانظر: موسوعة التفسير بالمأثور: مجموعة من المؤلفين (٩/ ٥٧٦)، برقم: (٢٩٩٠٩).","vol":"2","page":702},{"text":"الأول: أنه على التسليم بصحة ما ورد في شيء مما جاء في سبب نزولها، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وقد تقدم بسط الحديث عن هذه القاعدة (^١)، فالآية تشتمل على وجوب الانصات إلى قراءة القرآن، سواء في الصلاة، أو في منع المأموم من الجهر بالقراءة، أو في خطبة الجمعة أو العيدين، لا أنها تختص بمقام معين.\nوعليه: فلا يصح رد القول بأنها نزلت في منع المأموم من الجهر بالقراءة مثلا، لأنه يذهب تناسب الآية مع ما قبلها من إفحام المشركين، لأن العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب.\nالثاني: من حيث الإجماع: فقد نقل غير واحد من أهل العلم الإجماع على أن الآية نزلت في الصلاة، ولكن هذا لا يعني أن وجوب الانصات لقراءة القرآن مخصوص بالصلاة، لما تقدم.\nيقول ابن عبد البر: \"في قول الله ﷿: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ مع إجماع أهل العلم، أن مراد الله من ذلك في الصلوات المكتوبة، أوضح الدلائل على أن المأموم إذا جهر إمامه في الصلاة، أنه لا يقرأ معه بشيء، وأن يستمع له، وينصت\" (^٢).\nيقول ابن تيمية ﵀: \" قال الإمام أحمد في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾: أجمع الناس أنها نزلت في الصلاة. وقد قيل في الخطبة: والصحيح أنها نزلت في ذلك كله\" (^٣).\nالثالث: الشواهد من السنة النبوية على وجوب الانصات لقراءة الإمام في الصلاة وفي الخطبة، لصحة الخبر عن رسول الله ﷺ، أنه قال: «إذا قرأ الإمام فأنصتوا» وإجماع الجميع على أن من سمع خطبة الإمام ممن عليه الجمعة، الاستماع والإنصات لها، مع تتابع الأخبار بالأمر بذلك، عن رسول الله ﷺ، وأنه لا وقت يجب على أحد استماع القرآن والإنصات\n_________\n(^١) انظر ما تقدم ذكره في مسألة رقم: (٥٦) ص: (٤٣٣).\n(^٢) التمهيد: ابن عبد البر (٧/ ١٦٥).\n(^٣) الفتاوى الكبرى: ابن تيمية (٥/ ٣٥٥).","vol":"2","page":703},{"text":"لسامعه من قارئه إلا في هاتين الحالتين على اختلاف في إحداهما، وهي حالة أن يكون خلف إمام مؤتم به. وقد صح الخبر عن رسول الله ﷺ بما ذكرنا من قوله: «إذا قرأ الإمام فأنصتوا» فالإنصات خلفه لقراءته واجب على من كان به مؤتما سامعا قراءته بعموم ظاهر القرآن والخبر عن رسول الله ﷺ (^١).\nوبهذا يتبين أن دلالة الآية في وجوب الانصات إلى قراءة القرآن عامة في الصلاة، وفي الخطبة يوم الجمعة، وفي خطبتي العيدين، ونحو ذلك، وأن هذه الدلالة لا تُنافي تناسب الآية مع ما قبلها من إفحام المشركين، بأن يستمعوا لقراءته، ليقفوا على إعجازه.\nتنبيه:\nما أورده القاسمي ﵀ وتعقبه على الخازن من عدم شمول الآية للإنصات لخطبة الجمعة لأن الآية مكية، وخطبة الجمعة والعيدين شرعتا بالمدينة، قد قال به جمع من المفسرين (^٢).\nوالصواب أن الآية عامة وشاملة في دلالتها على وجوب الانصات إلى قراءة القرآن في الصلاة وفي غيرها بمكة قبل وجوب الجمعة والعيدين، وفي المدينة بعد وجوب الجمعة والعيدين، لما تقدم بيانه، والله أعلم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-604> النتيجة:</span>\nبعد ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الراجح بأن الآية عامة وشاملة لوجوب الانصات لقراءة القرآن سواء في الصلاة أو الجمعة أو العيدين، وأن القول بتضعيف وجوب الانصات لقراءة القرآن في الصلاة وفي الجمعة، لأنه يُذهب تناسب الآية مع ما قبلها، أو لأن الآية مكية، مردودـ والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: جامع البيان: الطبري (١٠/ ٦٦٦).\n(^٢) انظر: تفسير القرآن: السمعاني (٢/ ٢٤٤)، وانظر: المحرر الوجيز: ابن عطية (٤/ ٤٨٤)، وانظر: البحر المحيط: أبو حيان (١٠/ ٤٧١)، وانظر: اللباب: ابن عادل الحنبلي (٩/ ٤٣٩، ٤٤٠)، وانظر: الجواهر الحسان: الثعالبي (٣/ ١٠٩)، وانظر: تفسير المنار: محمد رشيد رضا (٩/ ٤٦١).","vol":"2","page":704},{"text":"<span data-type='title' id=toc-605>١١٥ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (٢٠٦)﴾ [سورة الأعراف: ٢٠٦].</span>\nقال الرازي: المشبهة تمسكوا بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ الآية. وقالوا: لفظ (عند) مشعر بالجهة. ثم أجاب بما هو معروف للخلف (^١). ويعني، سامحه الله، بالمشبهة الحنابلة، وهم براء من التشبيه، كما يعلمه من طالع عقائدهم، واقفون على حدّ النصوص بلا تشبيه ولا تعطيل، ولم ينفردوا بذلك، فقد تقدمهم من لا يحصى في هذه المسألة. راجع كتاب (العلوّ للذهبيّ) تعلم ما ذكرنا (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-606> أقوال أهل العلم في إثبات علو الله تعالى على خلقه من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾:</span>\nالقول الأول: أن الآية دالة على إثبات علو الله تعالى على خلقه.\nالقول الثاني: أن الآية لا تدل على إثبات علو الله تعالى على خلقه.\nأصحاب القول الأول: وهم أهل السنة والجماعة:\nالدارمي: \"الله ﵎ فوق السماء، والملائكة في السموات، وبعضهم حافون بعرشه، فهم أقرب إلى عرش الرحمن من أهل الأرض، ومما يبين ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ \" (^٣).\nابن تيمية: \" قد وصف الله تعالى نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله بالعلو والاستواء على العرش والفوقية في كتابه في آيات كثيرة؛ مثل قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ وقوله: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ﴾ [سورة الأنبياء: ١٩] \" (^٤).\nقال ابن القيم في معرض رده على الجهمية في إثبات صفة العلو: \"التصريح باختصاص بعض المخلوقات بأنها عنده، وأن بعضها أقرب إليه من بعض، كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ وقوله:\n_________\n(^١) انظر: مفاتيح الغيب: الرازي (١٥/ ٤٤٥، ٤٤٦).\n(^٢) محاسن التأويل: القاسمي (٧/ ٢٩٣٨).\n(^٣) الرد على الجهمية: الدارمي (ص: ٩٨).\n(^٤) مجموع الفتاوى: ابن تيمية (٥/ ١٢١).","vol":"2","page":705},{"text":"﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ ففرق بين من له عموما ومن عنده من مماليكه وعبيده خصوصا\" (^١).\nالسفاريني (^٢): \"وتارة يخبر بأنه في السماء، وتارة يجعل بعض الخلق عنده دون بعض كقوله تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ﴾ وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ \" (^٣).\nأصحاب القول الثاني: وهم المخالفين لأهل السنة من الأشاعرة ومن نحا نحوهم:\nالماتريدي: \" التأويل عندنا في قوله: ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾: في الطاعة والخضوع، أو في الكرامة والمنزلة، ليس على قرب الذات\" (^٤).\nابن عطية: \"قوله: ﴿عِنْدَ﴾ إنما يريد في المنزلة والتشريف والقرب في المكانة لا في المكان، فهم بذلك عنده\" (^٥).\nالنسفي: \" ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ مكانة ومنزلة لا مكانا ونزلا يعنى الملائكة\" (^٦).\nأبو حيان: \"ومعنى العندية: الزلفى والقرب منه تعالى بالمكانة لا بالمكان، وذلك\n_________\n(^١) أعلام الموقعين: ابن القيم (٣/ ٢٠٦).\n(^٢) وهو: محمد بن أحمد بن سالم السفاريني، شمس الدين، أبو العون: عالم بالحديث والأصول والأدب، محقق. ولد في سفارين من قرى نابلس، ورحل إلى دمشق فأخذ عن علمائها. ثم عاد إلى نابلس، مات سنة ١١٨٨ هـ. ينظر: الأعلام الزركلي (٦/ ١٤).\n(^٣) لوامع الأنوار البهية: السفاريني (١/ ١٩٣).\n(^٤) تأويلات أهل السنة: الماتريدي (٥/ ١٣٥).\n(^٥) المحرر الوجيز: ابن عطية (٤/ ٤٨٧).\n(^٦) مدارك التنزيل: النسفي (١/ ٦٢٨).","vol":"2","page":706},{"text":"لتوفرُّهم على طاعته وابتغاء مرضاته\" (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-607> دراسة المسألة:</span>\nمن أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة: أنهم يُثبتون علو الله تعالى على خلقه، وأنه فوق السماء، مستوٍ على عرشه، غير محتاج إليه، بائن من خلقه، وقد دلت الأدلة على هذا الأصل من الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة.\nفمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [سورة تبارك: ١٦]، فمعناه من على السماء يعني: العرش، وقد يكون (في) بمعنى على، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [سورة التوبة: ٧٢] أي: على الأرض، وكذلك قوله: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [سورة طه: ٧١] (^٢).\nوقوله تعالى حكاية عن فرعون: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [سورة غافر: ٣٧] فقد كذّب فرعون موسى ﵇ في قوله: إن الله ﷿ فوق السموات (^٣)، فلم يطلب فرعون من هامان أن يبني له صرحًا إلا لأن موسى ﵇ أخبره أن الله تعالى في السماء.\nومن السنة: ما أخرجه مسلم في صحيحه من حديث معاوية بن الحكم السُلمي (^٤) أن النبي ﷺ سأل الجارية فقال لها: «أين الله؟. قالت: في السماء. قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله. قال: أعتقها فإنها مؤمنة» (^٥).\n_________\n(^١) البحر المحيط: أبو حيان (١٠/ ٤٧٤).\n(^٢) انظر: التمهيد: ابن عبر البر (٥/ ١٤١)، وانظر: رسالة في إثبات الاستواء: الجويني (ص: ٨١).\n(^٣) انظر: بيان تلبيس الجهمية: ابن تيمية (١/ ١١٧، ١١٨).\n(^٤) وهو: معاوية بن الحكم السلمي، كان ينزل المدينة، ويسكن في بني سليم. له عن النبي ﷺ حديث واحد حسن، فِي الكهانة والطيرة والخط وفي تشميت العاطس فِي الصلاة جاهلا، قال البخاريّ: له صحبة، ينظر: الاستيعاب: ابن عبر البر (٣/ ١٤١٤).\n(^٥) أخرجه مسلم، كتاب المساجد، باب تحريم الكلام في الصلاة، ونسخ ما كان من إباحته، برقم: (٥٣٧).","vol":"2","page":707},{"text":"فقول النبي ﷺ: «إنها مؤمنة»، دليل على أنها لو لم تؤمن بأن الله في السماء؛ لم تكن مؤمنة، وأنه لا يجوز في الرقبة إلا من يحد الله أنه في السماء، كما قال الله ورسوله (^١).\nوأما الإجماع: فقد نقله غير واحد من أهل العلم.\nفقد روى أبو عبد الله الحاكم عن الأوزاعي قال: \"كنا والتابعون متوافرون نقول: إن الله ﷿ فوق عرشه، ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته\" (^٢).\nوقال ابن بطة ﵀ (^٣): \"أجمع المسلمون من الصحابة والتابعين، وجميع أهل العلم من المؤمنين أن الله ﵎ على عرشه، فوق سماواته بائن من خلقه، وعلمه محيط بجميع خلقه، لا يأبى ذلك ولا ينكره إلا من انتحل مذاهب الحلولية، وهم قوم زاغت قلوبهم، واستهوتهم الشياطين فمرقوا من الدين\" (^٤).\nوأما عن الاستدلال بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ على إثبات صفة العلو لله تعالى: فالصواب أن الآية دالة على ذلك، وهو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أهل السنة، وذلك من أوجه:\nالأول: أنه تعالى لو لم يكن في السماء ما كان لخصوص الملائكة أنهم ﴿عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ معنى، بل كانت الملائكة والجن والإنس وسائر الخلق كلهم عند ربك في دعواهم بمنزلة واحدة، إذ لو كان في كل مكان، إذا لذهب معنى قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ لأن أكثر أهل الأرض من الجن والإنس من يستكبر عن عبادته، ولا يسجد له، ولكن خص الله بهذه الصفة الملائكة الذين هم عنده في السموات، فأوطئوا بهذه الآية (^٥).\n_________\n(^١) نقض عثمان الدارمي على المريسي: الدارمي (ص: ٧٧).\n(^٢) مختصر العلو للذهبي: الألباني (ص: ١٣٧).\n(^٣) وهو: ابن بطة العكبري الإمام، القدوة، العابد، الفقيه، المحدث، شيخ العراق، أبو عبد الله عبيد الله بن محمد بن حمدان الحنبلي، ابن بطة، مصنف كتاب (الإبانة الكبرى)، مات سنة ٣٨٧ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء: الذهبي (١٦/ ٥٢٩).\n(^٤) الإبانة الكبرى: ابن بطة (٧/ ١٣٦).\n(^٥) انظر: الرد على الجهمية: الدارمي (ص: ٩٨)، وانظر: مجموع الفتاوى: ابن تيمية (٥/ ١٦٥).","vol":"2","page":708},{"text":"أو يقال: أن كثيرا من الجن والإنس أيضًا ممن لا يستكبر عن عبادته، فلم خُص الملائكة بالعندية؟!.\nالثاني: ورود الأحاديث الصحيحة باختصاص بعض المخلوقات أنها عنده وأن بعضها أقرب إليه من بعض، مما يدل على أن العندية لهذه الأشياء تدل على إثبات علو الله تعالى على خلقه.\nومن ذلك ما أخرجه البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لما قضى الله الخلق كتب في كتابه فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي غلبت غضبي» (^١). فالتصريح بأنها عنده دليل على صفة العلو كما هو ظاهر (^٢).\nالثالث: أن العندية في حقيقتها لا تنقسم، فالعندية عندية ذات، ولا يُقال أن هناك عندية قهر، وقد أجمع المفسرون أن المقصود بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ أنهم الملائكة، وعندية الملائكة عند ربهم عندية ارتفاع وعلو، ولوازمها القرب والمكانة، كما قال تعالى عن الشهداء ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (^٣).\nوأبان ابن القيم ﵀ في نونيته هذه العندية أوضح بيان بقوله:\nهَذَا وَعَاشِرُهَا اخْتِصاصُ البَعْضِ مِنْ … أمْلَاكِهِ بالعِنْدِ لِلرَّحْمنِ\nوَكذَا اخْتِصَاصُ كِتَابِ رَحْمَتِهِ بِعِنْ … د اللهَ فَوْقَ العَرْشِ ذُو تِبْيَانِ\nلَوْ لَمْ يَكُنْ سُبْحَانَهُ فَوْقَ الوَرَى … كَانُوا جَمِيعًا عِنْدَ ذِي السُّلْطَانِ (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب بدأ الخلق، باب ما جاء في قول الله تعالى ﴿وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده﴾، برقم: (٣١٩٤).\n(^٢) انظر: شرح الطحاوية: ابن أبي العز (ص: ٢٦٥).\n(^٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (٩/ ٤٣٥)، وانظر: إتحاف المسائل شرح الطحاوية: صالح آل الشيخ: (ص: ٢٨٧)، وانظر: المفسرون بين التأويل والإثبات: المغراوي (١/ ٤٠٠)، وانظر: مجلة البحوث الإسلامية (٧١/ ١٣٤).\n(^٤) الكافية الشافية: ابن القيم (ص: ٧٩).","vol":"2","page":709},{"text":"مناقشة ما أورده الفخر الرازي في تفسير الآية، وما رمى به أهل السنة من وصفهم بالمُشَبّهة:\nمن المعلوم أن الرازي عفا الله عنه ومن معه من الأشاعرة وأهل البدع، لا يُثبتون علو الله تعالى بذاته، وأنه تعالى يمتنع كونه حاصلا في المكان والجهة. وهذا لا شك بأنه خلاف ما عليه أهل السنة من إثبات علو الله تعالى بذاته.\nوفي تفسير هذه الآية ذكر الرازي عفا الله عنه بعضًا من الأوجه أو الشبه التي تؤيد ما ذهب إليه، ومن اللازم إيرادها والجواب عن كل وجه منها:\nالشبهة الأولى: قوله: \"أنه تعالى قال: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ [سورة الحديد: ٤] ولا شك أن هذه المعية بالفضل والرحمة لا بالجهة فكذا هاهنا، وأيضا جاء في الأخبار الربانية أنه تعالى قال: «أنا عند المنكسرة قلوبهم لأجلي» ولا خلاف أن هذه العندية ليست لأجل المكان والجهة، فكذا هنا\" (^١).\nوالجواب: أن هذا من الخلط الذي وقع فيه الرازي ﵀، وقياسه معنى المعية في آية الحديد على معنى العندية في آية الأعراف، لاختلاف السياق في كل من آية الحديد وآية الأعراف.\nفآية الحديد: يخبر الله تعالى أنه مع عباده بعلمه وفضله، كما في الآية: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ فدل على أن المراد: معية العلم والفضل، فالله تعالى معنا بعلمه وفضله ورحمته في كل مكان.\nوأما آية الأعراف: فإن الله تعالى يخبر أن الملائكة الذين عنده يسبحون بحمده، وهذه العندية كما هو ظاهر أنها عندية المكان إذا لو كانت غير ذلك لم يكن لاختصاص ذكرهم معنى كما تقدم، ففرق بين المعية والعندية، فالمعية أعم والعندية أخص، فتأمل.\n_________\n(^١) مفاتيح الغيب: الرازي (١٥/ ٤٤٥).","vol":"2","page":710},{"text":"الشبهة الثانية: قوله: \"أن المراد القرب بالشرف. يقال: للوزير قربة عظيمة من الأمير، وليس المراد منه القرب بالجهة، لأن البواب والفراش يكون أقرب إلى الملك في الجهة والحيز والمكان من الوزير، فعلمنا أن القرب المعتبر هو القرب بالشرف لا القرب بالجهة\" (^١).\nوالجواب: أن القرب إذا أطلق فإنه يعم القرب في المكان والجهة، وأيضًا في الشرف والمنزلة، بحسب السياق، فلا يقتصر على الشرف والمنزلة، وكذا العندية فعلى التسليم بجواز حملها على معنى القرب في المكانة، فإن هذا لا ينفي أن تُحمل على معنى المكان، فتون شاملة للمعنيين معًا، لا أحداهما دون الآخر.\nفيكون المعنى: أن الملائكة قريبون من الرب بمنزلتهم وشرفهم، وهم أيضًا قريبون من الرب من حيث أنهم في جهة العلو، لاختصاصهم بهذه العندية دون غيرهم، فمنهم من يُسبح بحمده، ومنهم من يحمل العرش.\nالشبهة الثالثة: قوله: \"أن هذا تشريف للملائكة بإضافتهم إلى الله من حيث إنه أسكنهم في المكان الذي كرمه وشرفه وجعله منزل الأنوار ومصعد الأرواح والطاعات والكرامات\" (^٢).\nوالجواب: على التسليم بهذا التأويل، فإنه لا يلزم منه نفي عندية المكان، فإضافة الملائكة إلى الله تعالى، تقتضي القرب في المكان، والتشريف كذلك.\nوأيضًا: لو كان العند في قوله تعالى: ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ تقتضي إضافة التشريف دون المكان، فما عسى القول في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [سورة السجدة: ١٢] أيُقال إنها إضافة تشريف، أم يُقال أن المراد من العند المكان؟!، ولا شك أن الجواب: الثاني.\nالشبهة الرابعة: قوله: \"إنما قال تعالى في صفة الملائكة: ﴿الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ لأنهم رسل الله إلى الخلق كما يقال: إن عند الخليفة جيشا عظيما، وإن كانوا متفرقين في البلد،\n_________\n(^١) مفاتيح الغيب: الرازي (١٥/ ٤٤٥).\n(^٢) مفاتيح الغيب: الرازي (١٥/ ٤٤٦).","vol":"2","page":711},{"text":"فكذا هاهنا. والله أعلم\" (^١).\nوالجواب: أن هذا من أمثلة القياس الفاسد، إذ لا يلزم من كون الجيش متفرقين ألا يكون بعضهم عنده، وهكذا في حق الملائكة، فمنهم من يكون عنده في المكان، ومنهم من لا يكون عنده.\nوأيضًا يقال: أن تخصيص الملائكة دون غيرهم من الرسل يدل على عندية المكان، ومما يدل على ذلك قوله تعالى مثلا: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ﴾ فقد أخبر الله تعالى عن ملكه العام، ثم أخبر عمن هم عنده من خلقه، فلا تحتمل إلا عندية المكان، والله أعلم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-608> النتيجة:</span>\nمن خلال ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين قطعًا أن الحق هو ما عليه أصحاب القول الأول من أهل السنة والجماعة، أن العندية في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ تدل على إثبات العلو لله تعالى، لما تقدم إيراده من الأدلة والأوجه الدالة على ذلك، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) مفاتيح الغيب: الرازي (١٥/ ٤٤٦).","vol":"2","page":712},{"text":"سورة الأنفال","vol":"2","page":713},{"text":"<span data-type='title' id=toc-609>سورة الأنفال</span>\n<span data-type='title' id=toc-610>١١٦ - قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [سورة الأنفال: ١].</span>\nقال القاسمي: روي عن عطاء أنه فسر (الأنفال) بما شذّ من المشركين إلى المسلمين في غير قتال من دابة أو أمة أو متاع. قال: فهو نفل للنبيّ ﷺ يصنع به ما يشاء (^١).\nقال ابن كثير: وهذا يقتضي أنه فسر (الأنفال) بالفيء، وهو ما أخذ من الكفار من غير قتال (^٢).\nقلت: صدق (النفل) عليه، لا شك فيه، وأما كونه المراد من الآية بخصوصه، فلا يساعده سبب نزولها، لا سيما قوله: ﴿وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ المشير إلى التنازع المتقدم.\nثم قال ابن كثير: واختار ابن جرير أنها الزيادة على القسْم، أي ما يدفع إلى الغازي زائدا على سهمه من المغنم (^٣)، والكلام الذي قلته قبل، يجري هنا أيضا (^٤).\n\n•<span data-type='title' id=toc-611> أقوال أهل العلم في المراد من الأنفال في قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾:</span>\nالقول الأول: أن المراد: ما أخذ من الكفار من غير قتال.\nالقول الثاني: أن المراد: الغنائم التي أخذت من الكفار بقتال.\n_________\n(^١) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (١١/ ٧).\n(^٢) تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٤/ ١٥١).\n(^٣) انظر: جامع البيان: الطبري (١١/ ١٠)، وانظر: تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٤/ ١٥٢).\n(^٤) محاسن التأويل: القاسمي (٨/ ٢٩٤٧).","vol":"2","page":714},{"text":"أصحاب القول الأول:\nابن عباس ﵁ في رواية: \"الأنفال: ما أخذ مما سقط من المتاع بعدما تقسم الغنائم، فهي نفل لله ولرسوله \" وبنحو ذلك روي عن عطاء (^١)، كما تقدم من كلام القاسمي ﵀.\nظاهر كلام القشيري: \" الأنفال هاهنا ما آل إلى المسلمين من أموال المشركين\" (^٢).\nالسمين الحلبي: \" ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ هو جمع نفلٍ، وهو ما اتخذ من مال الكفار لا بإيجاف خيلٍ ولا ركابٍ، والغنيمة: ما أخذ بذلك\" (^٣).\nأصحاب القول الثاني:\nابن عباس ﵁ في رواية: «كان ينفل الرجل فرس الرجل وسلبه»، وبنحو ذلك روي عن عكرمة، ومجاهد، والضحاك، وقتادة، وغيرهم (^٤).\nمكي بن أبي طالب: \" والمعنى: يسألك أصحابك، يا محمد، عن الغنائم التي غنمتها يوم بدر، لمن هي؟ \" (^٥).\nالكيا الهراسي: \"النفل يكون من الإمام للسرايا التي تتقدم الجيش الأعظم، مثل أن يقول للسريّة: لكم الربع بعد الخمس\" (^٦).\nأبو حفص النسفي: \" ﴿عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾: أي: يسألُك أصحابك يا محمد عن الغنائم التي غنِمْتَها أنت وأصحابك يوم بدر: لمن هي؟ قل: للَّه ولرسوله، أي: جعل اللَّه الأمر فيه إلى اللَّه ورسوله\" (^٧).\n_________\n(^١) أخرج أقوالهم ابن جرير الطبري في تفسيره (١١/ ٧، ٨).\n(^٢) لطائف الإشارات: القشيري (١/ ٦٠١).\n(^٣) عمدة الحفاظ: السمين الحلبي (٤/ ٢٠٩).\n(^٤) أخرج أقوالهم ابن جرير الطبري في تفسيره (١١/ ٥، ٦).\n(^٥) الهداية: مكي بن أبي طالب (٤/ ٢٧٠٨).\n(^٦) أحكام القرآن: الكيا الهراسي (٣/ ١٤٩).\n(^٧) التيسير في التفسير: أبو حفص النسفي (٧/ ١٢١).","vol":"2","page":715},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-612> دراسة المسألة:</span>\nبعد التتبع والنظر والاستقراء في أقوال أهل العلم وما أورده المفسرون وذكروه في هذه المسألة، يظهر أن الصواب هو ما عليه أصحاب القول الثاني من أن المراد من الأنفال: الغنائم التي أُخذت من الكفار بقتال في غزوة بدر، وهو الذي عليه أكثر المفسرين (^١)، وذلك من أوجه:\nالأول: من حيث سبب النزول: فقد روى أبو داود بإسناده عن مصعب بن سعد (^٢)، عن أبيه: أنه قال: لما كان يوم بدر، جئت بسيف، فقلت: يا رسول الله! إن الله قد شفى صدري من المشركين، أو نحو هذا، هب لي هذا السيف، فقال: \"ليس هذا السيف لك ولا لي\"، فقلت: عسى أن يعطى هذا من لا يبلي كبلائي، فجاءني الرسول ﷺ، وقال: \"إنك سألتني، وليست لي، وقد صارت لي، فهو لك\"، فنزلت: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ الآية (^٣).\nووجه الدلالة: أن نزول قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ سببه سؤال سعد بن أبي وقاص ﵁ النبي ﷺ السيف الذي غنمه في يوم بدر، مما يدل على أن المراد من الأنفال: الغنائم.\nالثاني: من حيث اللغة: فإنه يجوز أن يُراد من الأنفال الغنائم، وذلك أن النفل في اللغة هو الزيادة، ومنها نفل الصلاة، وهو الزيادة على فرضها، وولد الولد نافلة؛ لأنه زيادة على الولد، والغنيمة نافلة؛ لأنها زيادة فيما أحل لهذه الأمة مما كان محرما على غيرها، ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «أحلت لي الغنائم» (^٤).\n_________\n(^١) نص على هذا جمع من المفسرين، انظر: معالم التنزيل: البغوي (٣/ ٣٢٥)، وانظر: لباب التأويل: الخازن (٢/ ٢٩٠)، وانظر: بصائر ذوي التمييز: الفيروز آبادي (٥/ ١٠٩)، وانظر: السراج المنير: الشربيني (١/ ٥٥٢).\n(^٢) وهو: مصعب بن سعد بن أَبي وقاص القرشي الزُّهْرِيّ، أَبُو زرارة المدني، كان ثقة كثير الحديث، روى عن جمع من الصحابة منهم: أبيه سعيد بن أبي وقاص، وصهيب بن سنان، مات سنة ١٠٣ هـ. ينظر: تهذيب الكمال: المزي (٢٨/ ٢٦).\n(^٣) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب تفسير القرآن، باب ومن سورة الأنفال، برقم: (٣٠٧٩)، قال الألباني: حديث حسن صحيح، وانظر: الصحيح المسند من أسباب النزول: الوادعي (ص: ٩٦).\n(^٤) أخرجه البخاري، كتاب فرض الخمس، باب قول النبي ﷺ أحلت لكم الغنائم، برقم: (٣١٢٢)، وأخرجه مسلم، كتاب المساجد، برقم: (٥٢١).","vol":"2","page":716},{"text":"فالنفل: الزيادة كما بينا، وتدخل فيه الغنيمة فإنها زيادة الحلال لهذه الأمة. والغنيمة: ما أخذ من أموال الكفار بقتال. والفيء: ما أخذ بغير قتال؛ لأنه رجع إلى موضعه الذي يستحقه، وهو انتفاع المؤمن به (^١).\nالثالث: من حيث دلالة الآثار على إطلاق معنى النفل على الغنائم المكتسبة من القتال، ومن ذلك: ما أخرجه البخاري في صحيحه من حديث ابن عمر ﵁: \"إن النبي ﷺ قسم في النَّفَلِ للفرس سهمين، وللرَّاجِلِ سهما\" (^٢).\nووجه الدلالة: أن ابن عمر سمى الغنائم المكتسبة من القتال: نفلا، بأن للفرس سهمين منها، وللراجل سهم، والله أعلم.\nالرابع: الشواهد الشعرية التي تدل على أنه يجوز أن يُراد من الأنفال: الغنائم، وقد أطلق العرب في القديم على الأنفال بأنها الغنائم في الحرب، ومن ذلك قول عنترة (^٣):\nإِنَّا إِذَا احْمَرَّ الْوَغَى نَرْوِي الْقَنَا … وَنَعِفُّ عِنْدَ مَقَاسِمِ الْأَنْفَالِ (^٤).\nأي الغنائم (^٥).\nومن ذلك قول لبيد بن ربيعة (^٦):\nإِنَّ تَقْوى ربِّنَا خَيْرُ نَفَلْ … وَبِإِذْنِ اللهِ رَيْثِي وعَجَلْ (^٧).\n_________\n(^١) انظر: أحكام القرآن: ابن العربي (٢/ ٣٧٧).\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب الجهاد، باب: سهام الفرس، برقم: (٢٨٦٣)، وأخرجه مسلم، كتاب: الجهاد والسير، باب: كيفية قسمة الغنيمة بين الحاضرين، برقم (١٧٦٢).\n(^٣) وهو: عنترة بن شداد بن عمرو العبسي، من أهل نجد وينتهي نسبه إلى مضر، وهو من الشعراء الفرسان. كان جريئا شديد البطش، ومع شدة بطشه كان لين الطباع، مات سنة ٢٢ قبل الهجرة. ينظر: رجال المعلقات العشر: الغلاييني (ص: ٤٣).\n(^٤) ديوان عنترة (ص: ٣٣٧).\n(^٥) انظر: الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (٩/ ٤٤٣)، وانظر: فتح القدير: الشوكاني (٢/ ٣٢٣).\n(^٦) وهو: لبيد بن ربيعة بن عامر بن مالك بن جعفر بن صعصعة العامري، ثم الجعفري، كان شاعرا من فحول الشعراء، وفد على رسول الله ﷺ سنة وفد قومه بنو جعفر، فأسلم وحسن إسلامه مات سنة ٤١ هـ. ينظر: أسد الغابة: ابن الأثير (٤/ ٢١٧).\n(^٧) ديوان لبيد بن ربيعة (ص: ٩٠).","vol":"2","page":717},{"text":"يعني: تقوى الله خير غنيمة يغتنمها الإنسان في حياته، والريث: التمهل والإبطاء (^١).\nالخامس: القول بأن المراد من الأنفال في الآية: غنائم بدر هو المناسب من حيث النظر في موضوع سورة الأنفال وما اشتملت عليه.\nوذلك أن سورة الأنفال لها إسمان: سورة الأَنفال؛ لكونها مفتَتَحة بها، ومكرّرة فيها، وسورة بدر، لأن معظمها في ذكر حرب بدر، وما جرى فيها.\nومقصود السّورة مجملًا: قطع الأَطماع الفاسدة من الغنيمة التي هي حق الله ولرسوله، ومدح الخائفين الخاشعين وقت سماع القرآن، وبعث المؤمنين حقًا، والإِشارة إِلى ابتداء حرب بدر، وإمداد الله تعالى صحابة نبيّه بالملائكة المقرّبين، والنّهى عن الفرار من صف الكفار (^٢)، مما يدل على أن المراد من الأنفال: الغنائم.\nتنبيه:\nأورد القاسمي ﵀ في تفسيره اختيار ابن جرير الطبري أن المراد من الأنفال: الزيادة على القسْم، أي ما يدفع إلى الغازي زائدا على سهمه من المغنم (^٣).\nثم تعقبه بقوله: والكلام الذي قلته قبل، يجري هنا أيضا - أي: أن سبب النزول لا يؤيد اختيار الطبري ﵀، وهو كما قال ﵀ ويؤيد ذلك الأوجه المتقدمة الدالة على أن المراد من الأنفال: الغنائم، والله أعلم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-613> النتيجة:</span>\nيتبين من خلال ما تقدم ذكره من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، أن الراجح هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني من أن المراد من الأنفال في قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ ما أخذ من الكفار بقتال في غزوة بدر، لما تقدم إيراده من الأوجه الدالة على ذلك، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: العذب النمير: الشنقيطي (٤/ ٤٧٢).\n(^٢) انظر: جامع البيان: الطبري (١١/ ١٠).\n(^٣) انظر: بصائر ذوي التمييز: الفيروز آبادي (١/ ٢٢٢).","vol":"2","page":718},{"text":"<span data-type='title' id=toc-614>١١٧ - قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [سورة الأنفال: ١].</span>\nقال القاسمي: وقع عند الزمخشري أن المسلمين اختلفوا في غنائم بدر، لمن الحكم فيها أللمهاجرين أم للأنصار، أم لهم جميعا؟ فأجيبوا بأن الحاكم فيها الرسول، وليس لأحد فيها حكم (^١). وتأثر الزمخشري أبو السعود في سوقه لما ذكر، وزاد عليه اعتماده له، بتطويل مملّ (^٢). ولا أدري من أين سرت لهم هذه الرواية. فإن رواة الآثار لم يخرجوها في صحاحهم ولا سننهم، بل ولا أصحاب السير، كابن إسحاق وابن هشام. وهل يمكن للمسلمين أن يختلفوا للحكم على الغنائم، ويتنازعوا ولايتها، والرسول بين أظهرهم؟ ومتى عهد ذلك من سيرتهم؟ سبحانك هذا بهتان عظيم! ولكن هو الرأي (قاتله الله!) ونبذ كتب السنة، والتقليد البحت … إلخ (^٣).\n\n•<span data-type='title' id=toc-615> أقوال أهل العلم في ثبوت اختلاف المهاجرين والأنصار في غنائم بدر:</span>\nالقول الأول: وقوع الخلاف بين المهاجرين والأنصار في غنائم بدر.\nالقول الثاني: عدم ثبوت وقوع الخلاف بين المهاجرين والأنصار في غنائم بدر.\nأصحاب القول الأول:\nالشافعي: \" كانت غنائم بدر كما يروي عبادة بن الصامت غنمها المسلمون قبل أن تنزل الآية في سورة الأنفال، فلما تشاحوا عليها، انتزعها اللَّه من أيديهم بقوله ﷿: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ الآية، فكانت لرسول الله ﷺ كلها خالصة، وقسَّمها بينهم\" (^٤).\n_________\n(^١) انظر: الكشاف: الزمخشري (٢/ ١٩٤).\n(^٢) انظر: إرشاد العقل السليم: أبو السعود (٤/ ٢).\n(^٣) محاسن التأويل: القاسمي (٨/ ٢٩٤٨)\n(^٤) تفسير الإمام الشافعي (٢/ ٨٦٧).","vol":"2","page":719},{"text":"العز بن عبد السلام: \"نزلت فيمن شهد بدرًا من المهاجرين والأنصار واختلفوا وكانوا أثلاثًا فملكها الله تعالى رسوله ﷺ فقسمها كما أراه\" (^١).\nالنسفي: \"وقع اختلاف بين المسلمين في غنائم بدر وفي قسمتها فسألوا رسول الله كيف تقسم ولمن الحكم في قسمتها للمهاجرين أم للأنصار أم لهم جميعا؟ فقيل له قل لهم: هي لرسول الله وهو الحاكم فيها خاصة يحكم فيها ما يشاء ليس لأحد غيره فيها حكم\" (^٢).\nالشربيني: \" أكثر المفسرين أن سبب نزولها اختلاف المسلمين في غنائم بدر كيف تقسم؟ فقال الشبان: هي لنا؛ لأنا باشرنا القتال، وقال الشيوخ: كنا ردأً لكم ولو انكشفتم لفئتم إلينا، فنزلت\" (^٣).\nأصحاب القول الثاني:\nالقاسمي: وتقدم قوله.\nأبو زهرة: \" قال الزمخشري: إن من الخلاف في الأنفال، أن المهاجرين طلبوها دون الأنصار؛ لأنها بدل عما اغتصب من أموالهم عند الهجرة، ولكن ذلك لَا سند له من الرواية، فلعله قياس قاسه الزمخشري، ولعل عنده رواية ولم يذكر نقلها\" (^٤).\n\n•<span data-type='title' id=toc-616> دراسة المسألة:</span>\nمن خلال استقراء ما أورده المفسرون من روايات في سبب نزول الآية، وما فهموه من ظاهرها، أو ما دلت عليه من معاني، يتبين أن الأظهر هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ الآية، نزلت بسبب خلاف وقع بين الصحابة في الغنائم، وذلك من وجهين:\nالأول: أن الروايات الواردة في سبب نزول الآية، والتي تدل على أن سبب نزولها هو\n_________\n(^١) تفسير القرآن: العز بن عبد السلام (١/ ٥٢٣).\n(^٢) مدارك التنزيل: النسفي (١/ ٦٢٩).\n(^٣) السراج المنير: الشربيني (١/ ٥٥٢).\n(^٤) زهرة التفاسير: أبو زهرة (٦/ ٣٠٦٢).","vol":"2","page":720},{"text":"الخلاف الذي وقع بين بعض الصحابة في الغنائم، ثابتة وصحيحة الإسناد، ومن ذلك:\nما أخرجه الإمام أحمد في مسنده عن أبي أمامة الباهلي، قال: سألت عبادة بن الصامت ﵁ عن الأنفال. فقال: \" فينا معشر أصحاب بدر نزلت حين اختلفنا في النفل، وساءت فيه أخلاقنا، فانتزعه الله من أيدينا، وجعله إلى رسول الله ﷺ فقسمه رسول الله ﷺ بين المسلمين عن بواء \" يقول: على السواء\" (^١).\nوروى أبو داود والنسائي، والحاكم من طرق، بإسنادهم، عن ابن عباس قال: لما كان يوم بدر قال رسول الله ﷺ: \"من صنع كذا وكذا فله كذا وكذا\"، فتسارع في ذلك شُبَّان القوم وبقي الشيوخ تحت الرايات، فلما كانت المغانم، جاؤوا يطلبون الذي جُعل لهم، فقال الشيوخ: لا تستأثروا علينا، فإنا كنا ردءً لكم لو انكشفتم لفئتم إلينا. فتنازعوا فأنزل الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (^٢).\nالثاني: مما يدل على أنهم تنازعوا فيها: سياق الآية: فالآية خطاب للنبي ﷺ والسائلون هم الصحابة، ولو لم يكن اختلاف وتخاصم في النفل لما وقع السؤال عنه، ولما قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ إذ لا حاجة إلى التحذير والأمر بالصلح بعد الجواب (^٣).\nالثالث: أن القول بأن الآية نزلت في غنائم بدر لما اختلف الصحابة فيها هو قول\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في مسنده من طريقين عن محمد بن إسحاق (٣٧/ ٤١١) برقم: (٢٢٧٤٧)، قال محققوا المسند: حسن لغيره، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٢٦): \"رجال الطريقين ثقات\"، وأخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (١١/ ١٤)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٥/ ١٦٥٣) برقم (٨٧٦٨) والحاكم في مستدركه (٢/ ٣٥٦) برقم: (٣٢٥٩) قال الذهبي معلقًا: \"على شرط مسلم\"ـ\n(^٢) أخرجه أبو داود، كتاب الجهاد، باب في النفل، برقم: (٢٧٣٧)، قال الألباني: حديث صحيح، وأخرجه النسائي في السنن الكبرى، كتاب قسم الفيء، والأصل من كتاب الله ﷿، برقم: (٢٥٩٤)، وأخرجه الحاكم في مستدركه (٢/ ٢٤١) وصححه ووافقه الذهبي، ينظر: تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٤/ ١٥٣، ١٥٤) الحاشية.\n(^٣) انظر: الهداية: مكي بن أبي طالب (٤/ ٢٧١٠)، وانظر: معالم التنزيل: البغوي (٣/ ٣٢٦)، وانظر: التسهيل: ابن جزي (١/ ٣٢٠)، وانظر: بيان المعاني: العاني (٥/ ٢٧٢).","vol":"2","page":721},{"text":"جمهور العلماء.\nيقول الشنقيطي: \"جمهور العلماء على أن الآية نزلت في غنائم بدر لما اختلف الصحابة فيها فقال بعضهم: نحن الذين حُزْنا الغنائم وحويناها فليس لغيرنا فيها نصيب، وقالت المشيخة: إنا كنا لكم ردءًا لو هزمتم للجأتم إلينا فاختصموا إلى النبي ﷺ \" (^١).\nتنبيه:\nما علل به القاسمي ﵀ تعقبه على القائلين بأن سبب نزول الآية هو اختلاف الصحابة في غنائم بدر، بأن هذا غير ممكن والرسول ﷺ بين أظهرهم، وأن هذا من البهتان العظيم. ليس كما قال، وذلك من وجهين:\nالوجه الأول: ظنّه عدم وجود آثار ثابتة تُثبت اختلاف الصحابة في الغنائم.\nالوجه الثاني: ظنّه أن الصحابة اختلفوا في الحكم -أي: من سيكون الحاكم في الغنائم؟ -، والحق أن الصحابة لم يختلفوا في الحكم، إنما اختلفوا في من يستحق الغنائم، وهم مُسَلِّمون أن الحكم لله ورسوله، بدليل أنه عندما نزلت الآية سلّموا لحكم النبي ﷺ وأصلح الله ذات بينهم، ﵃، ولم يعترض أحد على حكم النبي ﷺ حتى يُكون هناك إشكال في أن سبب نزول الآية هو اختلاف الصحابة في غنائم بدر.\n\n•<span data-type='title' id=toc-617> النتيجة:</span>\nيتبين من خلال ما تقدم أن الصواب هو ما عليه جمهور المفسرين من أن سبب نزول قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ الخلاف الذي وقع بين الصحابة في غنائم بدر، لما تقدم إيراده من الأوجه الدالة على ذلك، خلافًا لما ذهب إليه القاسمي ﵀، والله أعلم.\n_________\n(^١) أضواء البيان: الشنقيطي (٢/ ٤٠٧).","vol":"2","page":722},{"text":"<span data-type='title' id=toc-618>١١٨ - قوله تعالى: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾ [سورة الأنفال: ٥].</span>\nقال القاسمي: قوله تعالى: ﴿مِنْ بَيْتِكَ﴾ أراد به بالمدينة، أو المدينة نفسها، لأنها مثواه. أي إخراجه إلى بدر. وزعم بعض أن المراد إخراجه ﷺ من مكة إلى المدينة للهجرة. وهو ساقط، برده سياق القصة البدرية في الآيات بعد (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-619> أقوال أهل العلم في المراد من قوله تعالى: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾</span> (^٢):\nالقول الأول: أن المراد: إخراج النبي ﷺ من المدينة إلى بدر لقتال المشركين.\nالقول الثاني: أن المراد: إخراجه ﷺ من مكة إلى المدينة للهجرة.\nأصحاب القول الأول:\nالواحدي: \"معنى ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ﴾ أمرك بالخروج من المدينة لعير قريش\" (^٣).\nالسمعاني: \"الأكثرون على أنه في إخراجه من المدينة إلى بدر للقتال مع المشركين\" (^٤).\nابن عطية: \" قوله: ﴿مِنْ بَيْتِكَ﴾ يريد من المدينة يثرب، قاله جمهور المفسرين\" (^٥).\nالرازي: \" قوله: ﴿مِنْ بَيْتِكَ﴾ يريد بيته بالمدينة أو المدينة نفسها، لأنها موضع هجرته/ وسكناه بالحق، أي إخراجا متلبسا بالحكمة\" (^٦).\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (٨/ ٢٩٥٤).\n(^٢) ذكر هذا الخلاف الماوردي في تفسيره (٢/ ٢٩٥)، وابن الجوزي في تفسيره (٢/ ١٨٩).\n(^٣) الوجيز: الواحدي (ص: ٤٣١).\n(^٤) تفسير القرآن: السمعاني (٢/ ٢٤٨).\n(^٥) المحرر الوجيز: ابن عطية (٤/ ٥٠٥).\n(^٦) مفاتيح الغيب: الرازي (١٤/ ٤٥٦).","vol":"2","page":723},{"text":"أصحاب القول الثاني:\nابن بكير (^١): \"المعنى كما أخرجك من مكة وقت الهجرة\" (^٢).\nابن أبي زمنين: \" ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾ يقول: أخرجك من مكة إلى المدينة، ومن المدينة إلى قتال أهل بدر\" (^٣).\nالعز بن عبد السلام (^٤): \" ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾ بمكة إلى المدينة مع كراهية فريق من المؤمنين، كذلك ينجز نصرك، أو من بيتك بالمدينة إلى بدر كذلك جعل لك غنيمة بدر\" (^٥).\nقال بعض المفسرين: المراد بهذا الإخراج هو إخراجه من مكة إلى المدينة (^٦).\n\n•<span data-type='title' id=toc-620> دراسة المسألة:</span>\nمن خلال التأمل والنظر في أقوال أهل العلم وما ذكره المفسرون وما أوردوه في تفسير الآية، يظهر أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن المراد: إخراج النبي ﷺ من المدينة إلى بدر لقتال المشركين، وذلك من أوجه:\nالأول: أن هذا القول هو المروي عن جماعة من السلف، ولا شك أنهم خير الناس بعد محمد ﷺ، وهم أعلم بالتنزيل ممن جاء بعدهم من أهل العلم.\n_________\n(^١) وهو: يحيى بن يحيى بن بكير بن عبد الرحمن بن حماد التميمي الحنظلي أبو زكريا النيسابوري، روى عن مالك الموطأ، وقيل إنه قرأه عليه، كان له مال بنيسابور وحظ في الفقه، مات سنة ٢٦٦ هـ. ينظر: ترتيب المدارك: القاضي عياض (٣/ ٢١٦).\n(^٢) المحرر الوجيز: ابن عطية (٤/ ٥٠٦).\n(^٣) تفسير القرآن العزيز: ابن أبي زمنين (٢/ ١٦٦).\n(^٤) وهو: عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم السلمي، شيخ الإسلام والمسلمين وأحد الأئمة الأعلام سلطان العلماء إمام عصره بلا مدافعة القائم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مات سنة ٦٦ هـ. ينظر: طبقات الشافعية: السبكي (ص: ٨٧٣).\n(^٥) تفسير القرآن: العز بن عبد السلام (١/ ٥٢٤).\n(^٦) انظر: تفسير القرآن: السمعاني (٢/ ٢٤٨)، وانظر: معالم التنزيل: البغوي (٣/ ٣٢٨)، وانظر: عناية القاضي: الشهاب الخفاجي (٤/ ٢٥٢).","vol":"2","page":724},{"text":"فقد أخرج ابن جرير الطبري بسنده عن ابن أبي بزَّة (^١)، وابن جريج (^٢)، أن المراد: من المدينة إلى بدر (^٣).\nوأخرج ابن أبي حاتم بسنده عن السدي في قوله تعالى: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾ قال: خروج النبي ﷺ إلى بدر (^٤).\nالثاني: من حيث سبب النزول: ولا شك أن معرفة السبب تورث العلم بالمسبب، وقد دلت الأسباب الواردة في نزول الآية على أن المراد من الإخراج في الآية هو: خروج النبي ﷺ من المدينة إلى بدر.\nفقد أخرج الطبراني في معجمه بسنده عن أبي أيوب الأنصاري (^٥) يقول: قال رسول الله ﷺ ونحن بالمدينة: «إني أخبرت عن عير أبي سفيان أنها مقبلة، فهل لكم أن نخرج قبل هذا العير؟ لعل الله يُغْنِمُناها»، فقلنا: نعم، فخرج وخرجنا، فلما سرنا يوما أو يومين، قال لنا: «ما ترون في القوم، فإنهم قد أخبروا بمخرجكم؟»، فقلنا: لا والله مالنا طاقة بقتال العدو، ولكن أردنا العير، ثم قال: «ما ترون في قتال القوم؟» فقلنا مثل ذلك، فقال المقداد بن عمرو: إذن لا نقول لك يا رسول الله كما قال قوم موسى لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [سورة المائدة: ٢٤]، قال: فتمنينا معشر الأنصار لو أنا\n_________\n(^١) وهو: القاسم بن أبي بَزَّة، أبو عاصم المكي، واسم أبي بَزَّة يسار، ويقال: نافع القارئ، مولى عبد الله بن السائب بن صَيْفِي المخزومي، روى له الجماعة، ووثقه يحيى بن معين وابن سعد، مات سنة ١٢٤ هـ بمكة. ينظر: الكمال: المقدسي (٨/ ١٧٣).\n(^٢) وهو: أبو خالد وأبو الوليد عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، القرشي بالولاء المكي، مولى أمية بن خالد، كان أحد العلماء المشهورين، ويقال إنه أول من صنف الكتب في الإسلام، مات سنة ١٤٩ هـ. ينظر: وفيات الأعيان: ابن خلكان (٣/ ١٦٣).\n(^٣) أخرج أقوالهم ابن جرير الطبري في تفسيره (١١/ ٣٦).\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٥/ ١٦٥٩) برقم: (٨٨٠٣).\n(^٥) وهو: خالد بن زيد بن كليب الأنصاري الخزرجي، شهد العقبة، وبدرا، وأحدا والخندق، وسائر المشاهد مع رسول الله ﷺ، وكان مع علي بن أبي طالب، ﵁، ومن خاصته، مات سنة ٥١ هـ، في القسطنطينية. ينظر: أسد الغابة: ابن الأثير (٥/ ٢٥).","vol":"2","page":725},{"text":"قلنا كما قال المقداد أحب إلينا من أن يكون لنا مال عظيم، فأنزل الله ﷿ على رسوله: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾ الحديث (^١).\nوأخرج ابن جرير الطبري بسنده عن السُدي قال: \" أنزل الله في خروجه يعني خروج النبي ﷺ إلى بدر ومجادلتهم إياه، فقال: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾ لطلب المشركين\" (^٢).\nالثالث: من حيث سياق الآيات: فقد جاءت (الكاف) في قوله تعالى: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ﴾ للتشبيه، فقد شبهت هذه القصة التي هي إخراجه من بيته بالقصة المتقدمة التي هي سؤالهم عن الأنفال، كأنهم سألوا عن النفل وتشاجروا فأخرج الله ذلك عنهم، فكانت فيه الخيرة كما كرهوا في هذه القصة انبعاث النبي ﷺ، فأخرجه الله من بيته فكانت في ذلك الخيرة، فتشاجرهم في النفل بمثابة كراهيتهم هاهنا للخروج، وحكم الله في النفل بأنه لله وللرسول دونهم هو بمثابة إخراجه نبيه ﷺ من بيته، ثم كانت الخيرة في القصتين فيما صنع الله (^٣).\nأو يقال: أن الله تعالى شبه إخراجَه من بيتِه مع كراهة قوم من المؤمنين لذلك بتنفيله ﵇ يوم بدر لسلبِ القاتل، وجعلِه لمن أتى بأسيرٍ كذى وكذى، وإنما فعل ذلك لقلة المسلمين يومئذ وكراهةِ كثير منهم القتال، وكره قوم منهم أن يكون لكل من قتلَ قتيلًا سلبُه، فقال الله لهم: ﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾، أي يضعُها حيث شاء، ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٤/ ١٧٤) برقم: (٤٠٥٦)، وحسنه الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٧٤)، وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٢٠/ ٤٢٨) برقم: (٣٩٤٢٢)، وابن مردويه بسند حسن كما في تفسير ابن كثير (٤/ ١٦٠) الحاشية، وأورد بنحوه الألباني في السلسلة الصحيحة (٧/ ١٠٢٠): وقال: «سنده حسن».\n(^٢) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره بسند حسن (١١/ ٣٤)، انظر: تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٤/ ١٥٨) الحاشية.\n(^٣) انظر: المحرر الوجيز: ابن عطية (٤/ ٥٠٥)، وانظر: مفاتيح الغيب: الرازي (١٥/ ٤٥٦)، وانظر: تفسير القرآن العظيم: السخاوي (١/ ٣١١)، وانظر: التسهيل: ابن جزي (١/ ٣٢٠).","vol":"2","page":726},{"text":"وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، أي فرقوها بينكم على ما أمر الله ثم قال: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾، أي أنهم كرهوا ذلك كما كرهوا إخراجَك يوم أخرجتَ من بيتك، فحذفَ وجعلَ ما تقدم في أول السورة جوابا لهذا الكلام، واقتصر على دلالة الكلام عليه (^١).\nالرابع: أن القول بأن المراد من الإخراج في قوله تعالى: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾ إخراجه من مكة، خلاف الظاهر، لأن الظاهر أن هذا إخبار عن خروجه إلى بدر فصرفه إلى الخروج من مكة ليس بظاهر ومفعول ﴿لَكَارِهُونَ﴾ هو الخروج أي: لكارهون الخروج معك، وكراهتهم ذلك إما لنفرة الطبع أو لأنهم لم يستنفروا أو العدول من العير إلى النفير لما في ذلك من قوة أخذ الأموال ولما في هذا من القتل والقتال، أو لترك مكة وديارهم وأموالهم (^٢).\nتنبيه:\nما تعقب به القاسمي ﵀ على القائلين بأن المراد من قوله تعالى: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾ إخراجه من مكة، قد تعقبه أيضًا قبله جمع من المفسرين وردّوه ووصفوه بأنه من الزعم، وأن فيه بعد (^٣).\n\n•<span data-type='title' id=toc-621> النتيجة:</span>\nيتبين من خلال ذكر أقوال أهل العلم في هذه المسألة، أن الصواب ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن المراد من قوله تعالى: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ﴾ إخراج النبي ﷺ من المدينة إلى بدر لقتال المشركين، لما تقدم إيراده من الأوجه الدالة على ذلك، والله أعلم.\n_________\n(^١) الانتصار: الباقلاني (٢/ ٥٧٢).\n(^٢) انظر: البحر المحيط: أبو حيان (١١/ ٢٢).\n(^٣) انظر: البحر المحيط: أبو حيان (١١/ ٢٢)، وانظر: روح المعاني: الآلوسي (١٠/ ٢٩)، وانظر: العذب النمير: الشنقيطي (٤/ ٤٨٤).","vol":"2","page":727},{"text":"<span data-type='title' id=toc-622>١١٩ - قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [سورة الأنفال: ٢٦].</span>\nقال القاسمي: وما ذكرنا من كون الخطاب في الآية للمهاجرين خاصة، هو أنسب بالمقام والسياق والسياق يشعر به. وقيل: الخطاب للعرب كافة، وعليه قول قتادة بن دعامة السدوسي ﵀ في هذه الآية: كان هذا الحي من العرب أذل الناس وأشقاه عيشا، وأجوعه بطونا، وأعراه جلودا، وأثبته ضلالا. والله! ما نعلم قبيلا من حاضر أهل الأرض يومئذ كانوا أشر منزلا منهم، حتى جاء الله بالإسلام، فمكن به في البلاد، ووسع به في الرزق، وجعلهم به ملوكا على رقاب الناس. وبالإسلام أعطى الله ما رأيتم، فاشكروا الله على نعمه، فإن ربكم منعم يحب الشكر، وأهل الشكر في مزيد من الله. انتهى.\nوأقول: الأمر في العرب، وإن كان كما ذكر، لكن في تنزيل بعض ألفاظ الآية عليه تكلف لا يخفى فالظاهر ما ذكرنا (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-623> أقوال أهل العلم في المراد من المخاطبين في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ﴾:</span>\nالقول الأول: أن المخاطبين هم المهاجرين من أصحاب النبي ﷺ، وأن المراد من الناس الذين عنوا بقوله: ﴿أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ﴾ كفار قريش.\nالقول الثاني: أن المخاطبين هم العرب كافة، وأن المراد من الناس الذين عنوا بقوله: ﴿أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ﴾ فارس والروم (^٢).\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (٨/ ٢٩٧٨).\n(^٢) وهناك قول ثالث بأن المخاطبون هم المؤمنون في بدر وقليلون يومئذ تجاه المشركين، وهو مروي عن قتادة، ينظر: زاد المسير: ابن الجوزي (٢/ ٢٠٢)، وهذا القول قريب من القول الأول.","vol":"2","page":728},{"text":"أصحاب القول الأول:\nعكرمة: \" ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ﴾: يعني بمكة مع النبي ﷺ ومن تبعه من قريش وحلفائها ومواليها قبل الهجرة \"، وبنحو ذلك روي عن قتادة، والكلبي، ومقاتل (^١).\nالفراء: \"قوله: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ﴾ نزلت في المهاجرين خاصّة\" (^٢).\nالثعلبي: \" ﴿وَاذْكُرُوا﴾ يا معشر المهاجرين ﴿إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ﴾ في العدد ﴿مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ أرض مكة في عنفوان الإسلام ﴿تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ﴾ يذهب بكم ﴿النَّاسُ﴾ كفار مكة\" (^٣).\nالعليمي: \" ﴿وَاذْكُرُوا﴾ يا معشر المهاجرين ﴿إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ أرض مكة قبل الهجرة\" (^٤).\nأصحاب القول الثاني:\nوهب بن منبه: \" ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ﴾ والناس إذ ذاك: فارس، والروم \"، وبنحو ذلك روي عن يحيى بن سلام (^٥).\nالسمرقندي: \" ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ﴾، يعني واحفظوا نعمة الله عليكم إذ كنتم قليلًا في العدد وهم المهاجرون والأنصار، مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ يعني: مقهورون في أرض مكة ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ﴾، يعني: يختلسكم الناس ويذهب بكم الكفار- وهم أهل\n_________\n(^١) أخرج أقوالهم ابن جرير الطبري في تفسيره (١١/ ١١٨)، وانظر: تفسير مقاتل بن سليمان (٢/ ١٠٨)، وانظر: البسيط: الواحدي (١٠/ ١٠٣)، ونسب هذا القول ابن الجوزي في زاد المسير إلى ابن عباس ﵁ (٢/ ٢٠٢).\n(^٢) معاني القرآن: الفراء (١/ ٤٠٧).\n(^٣) الكشف والبيان: الثعلبي (١٣/ ٧٠)، وانظر: معالم التنزيل: البغوي (٣/ ٣٧٤).\n(^٤) فتح الرحمن: العليمي (٣/ ١٠٤).\n(^٥) أخرج أقوالهم ابن جرير الطبري في تفسيره (١١/ ١١٨، ١١٩)، وانظر: تفسير يحيى بن سلام (١/ ٤٥٩)، وانظر: التفسير البسيط: الواحدي (١٠/ ١٠٣).","vol":"2","page":729},{"text":"فارس والروم\" (^١).\nأبو السعود: \" ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ أي في أرض مكةَ تحت أيدي قريشٍ والخطابُ للمهاجرين أو تحت أيدي فارسَ والرومَ والخطاب للعَرَب كافةً فإنهم كانوا أذلاء تحت أيدي الطائفتين\" (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-624> دراسة المسألة:</span>\nمن خلال ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن المخاطبين في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ﴾ هم المهاجرين من أصحاب النبي ﷺ، وأن المراد من الناس الذين عنوا بقوله: ﴿أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ﴾ كفار قريش، وذلك من أوجه:\nالأول: من حيث الواقع الذي كان يعيش فيه المسلمون: فلم يكونوا يخافون على أنفسهم قبل الهجرة من قوم غير كفار قريش؛ لأنهم كانوا أدنى الكفار منهم إليهم، وأشدهم عليهم يومئذ مع كثرة عددهم وقلة عدد المسلمين، فدل هذا على أن المراد: المهاجرين من أصحاب رسول الله ﷺ (^٣).\nوأيضًا: أن فارس لم تحكم على جميع العرب، حتى يُقال أن المراد من قوله تعالى: ﴿أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ﴾ فارس والروم (^٤).\nوأيضًا: أن العرب كانت في وقت نزول هذه الآية كافرة إلا القليل (^٥).\nالثاني: أن الوارد عن السلف كالسدي وعكرمة في قوله تعالى: ﴿فَآوَاكُمْ﴾ فإنه\n_________\n(^١) بحر العلوم: السمرقندي (١/ ٤٧٧).\n(^٢) إرشاد العقل السليم: أبو السعود (٤/ ١٧).\n(^٣) انظر: جامع البيان: الطبري (١١/ ١١٩).\n(^٤) انظر: روح المعاني: الآلوسي (١٠/ ٨٥).\n(^٥) انظر: المحرر الوجيز: ابن عطية (٤/ ٥٤٠، ٥٤١)، وانظر: البحر المحيط: أبو حيان (١١/ ٧٦).","vol":"2","page":730},{"text":"يعني: آواكم المدينة، وقوله: ﴿وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ﴾ بالأنصار (^١)، ولا شك أنهم المهاجرين مع رسول الله ﷺ.\nالثالث: من حيث ظاهر الآية: فالله تعالى يُخبر في هذه الآية أن المؤمنين كانوا قليلين في العدد، مستضعفين، مما يدل على أن المراد من هذا العدد المهاجرين مع رسول الله ﷺ، ولو كان المراد: العرب كافة لما وصفهم الله تعالى بالقليلين، إذا لم يكونوا قليلين، ولم يكن عامتهم مستضعفين، بل منهم القوي ومنهم الضعيف (^٢).\nالرابع: من حيث مناسبة الآية لما قبلها: وذلك أنه لما أمر الله ﷾ المؤمنين بطاعة الله وطاعة رسوله بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ [سورة الأنفال: ٢٠] وحذرهم من الفتنة ذكرهم نعمته عليهم كما قال: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [سورة الأنفال: ٢٥] ناسب أن يُذَكّرَهم نعمته عليهم. فقال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا﴾ يا معشر المؤمنين المهاجرين ﴿إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ﴾ يعني في العدد ﴿مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ يعني في أرض مكة في ابتداء الإسلام ﴿تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ﴾ يعني كفار مكة (^٣)، فهذا هو الأنسب في السياق بأن يكون المراد من المخاطبين في الآية: المهاجرين مع رسول الله ﷺ.\nتنبيه:\nما أخرجه أبو نعيم في تاريخه وأورده الديلمي في مسنده، من حديث ابن عباس ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ في قوله ﷿: \" ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ﴾، قالوا: يا رسول الله، ومن الناس؟ فقال رسول الله ﷺ: «وهل الناس إلا فارس» (^٤). إسناده ضعيف؛ وعلته أن فيه ليث بن أبي سليم.\n_________\n(^١) أخرج أقوالهم ابن جرير الطبري في تفسيره (١١/ ١٢٠).\n(^٢) انظر: مفاتيح الغيب: الرازي (١٥/ ٤٧٤).\n(^٣) انظر: تاريخ أصبهان: أبو نعيم (١/ ٢٨)، وانظر: الفردوس في مأثور الخطاب (٤/ ٤٠٧) برقم: (٧١٨٤)\n(^٤) انظر: مفاتيح الغيب: الرازي (١٥/ ٤٧٤).","vol":"2","page":731},{"text":"قال الحافظ ابن حجر: «صدوق، اختلط جدًّا، ولم يتميز حديثه؛ فتُرِك من السادسة» (^١).\nفائدة: القاعدة المقررة عند أهل العلم أنه \"إذا احتمل اللفظ معاني عدة ولم يمتنع إرادة الجمع، حمل عليها\" (^٢). وقد اجتهد الشيخ محمد رشيد رضا في حمل كُلا من الخطابين على مراد الآية، فيجوز أن يكون المراد من الخطاب: المهاجرين بأن الله تعالى يذكرهم بما كان من ضعفهم وقلتهم بمكة، ويجوز أن يكون: للمؤمنين والعرب كافة، يذكرهم بما كان من ضعف أمتهم العربية في جزيرتهم بين الدول القوية من الروم والفرس، فلا مانع فيه من إرادة هذا وذاك معا. فقوله تعالى: ﴿تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ﴾ أي: تخافون من أول الإسلام إلى وقت الهجرة أن يتخطفكم مشركو قومكم من قريش وغيرها من العرب، أي أن ينتزعوكم بسرعة فيفتكوا بكم كما كان يتخطف بعضهم بعضا خارج الحرم، وتتخطفهم الأمم من أطراف جزيرتهم. قال تعالى في أهل الحرم: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ فآواكم يا معشر المهاجرين إلى الأنصار وأيدكم وإياهم بنصره في هذه الغزوة، وسيؤيدكم على الروم وفارس وغيرهم كما وعدكم في كتابه بالإجمال (^٣).\nوهذا الذي ذكره جيد، وله حظ من النظر، إلا أن الدلائل والأوجه التي تم إيرادها تؤيد وتقوي القول بأن الخطاب للمهاجرين من أصحاب رسول الله ﷺ، والله أعلم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-625> النتيجة:</span>\nبعد ما تقدم ذكره من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الراجح والصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن المخاطبين في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ هم المهاجرين من أصحاب النبي ﷺ، لما تقدم إيراه من الأوجه الدالة على ذلك، والله أعلم.\n_________\n(^١) تقريب التهذيب: ابن حجر (ص: ٤٦٤) برقم: (٥٦٨٥)، وانظر: التفسير النبوي: خالد الباتلي (١/ ٣٧٠).\n(^٢) انظر ما تقدم في تقرير هذه القاعدة في مسألة (٨٧) ص: (٥٦٧).\n(^٣) انظر: تفسير المنار: محمد رشيد رضا (٩/ ٥٣١، ٥٣٢).","vol":"2","page":732},{"text":"<span data-type='title' id=toc-626>١٢٠ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة الأنفال: ٦٤].</span>\nقال العلامة ابن القيم ﵀ بعد إيراده لأوجه العطف في الآية: وفيها تقدير رابع، وهو خطأ من جهة المعنى، وهو أن يكون (من) في موضع رفع عطفا على اسم الله، ويكون المعنى: حسبك الله وأتباعك. وهذا، وإن قال به بعض الناس، فهو خطأ محض، لا يجوز حمل الآية عليه، فإن الحسب والكفاية لله وحده، كالتوكل والتقوى والعبادة … إلخ (^١).\nقال الخفاجي: وتضعيفه الرفع لا وجه له، فإن الفراء والكسائي رجّحاه، وما قبله وما بعده يؤيده. انتهى (^٢).\nقال القاسمي: وأقول: هذا من الخفاجيّ من الولع بالمناقشة، كما هو دأبه، ولو أمعن النظر فيما برهن عليه ابن القيّم وأيده بما لا يبقى معه وقفة، لما ضعفه. والفراء والكسائيّ من علماء العربية، ولأئمة التأويل فقه آخر. فتبصر، ولا تكن أسير التقليد (^٣).\n• مجمل أقوال أهل العلم في تقدير العطف في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٦٤)﴾:\nالقول الأول: أن تكون الواو عاطفة لـ (من) على الكاف المجرورة، ويكون المعنى: حسبك الله وحسب من اتبعك من المؤمنين.\nالقول الثاني: أن (مَنْ) في موضع رفع عطفا على اسم الله، ويكون المعنى: حسبك الله وأتباعك من المؤمنين.\n_________\n(^١) زاد المعاد: ابن القيم (١/ ٩)، وأورد قول ابن القيم الشيخ سليمان بن عبد الله في تيسير العزيز الحميد (ص: ٤٣١).\n(^٢) انظر: عناية القاضي: الشهاب الخفاجي (٤/ ٢٨٨).\n(^٣) محاسن التأويل: القاسمي (٨/ ٣٠٣٢).","vol":"2","page":733},{"text":"أصحاب القول الأول:\nالشعبي: \" ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال: حسبك الله وحسب من اتبعك من المؤمنين الله \"، وبنحو ذلك روي عن ابن زيد (^١).\nالطبري: \" ﴿مَنْ﴾ من قوله: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ نصب عطفا على معنى الكاف في قوله: ﴿حَسْبُكَ اللَّهُ﴾ لا على لفظه؛ لأنها في محل خفض في الظاهر وفي محل نصب في المعنى؛ لأن معنى الكلام: يكفيك الله، ويكفي من اتبعك من المؤمنين\" (^٢).\nمكي بن أبي طالب: \" قوله ﴿حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ﴾ من في موضع نصب على العطف على معنى الكاف في حسبك الله لأنها في التأويل في موضع نصب لأن معنى حسبك الله أي يكفيك الله فعطفت من على المعنى\" (^٣).\nالقشيري: أحسن التأويلات في هذه الآية أن تكون «من» في محل النّصب أي: ومن اتبعك من المؤمنين يكفيهم الله (^٤).\nأصحاب القول الثاني:\nبعض من السلف وهم: الحسن البصري، ومجاهد (^٥).\nالفراء: \"وإن شئت جعلت (من) في موضع رفع، وهو أحبّ الوجهين إليّ لأن التلاوة تدلّ عَلَى معنى الرفع ألا ترى أَنَّهُ قَالَ: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾\n_________\n(^١) أخرج أقوالهم ابن جرير الطبري في تفسيره (١١/ ٢٦٠)، وانظر: المحرر الوجيز: ابن عطية (٤/ ٦١٨)، الدر المصون: السمين الحلبي (٥/ ٦٣٢).\n(^٢) جامع البيان: الطبري (١١/ ٢٦٠)، وانظر: معاني القرآن: الزجاج (٢/ ٤٢٣)، وانظر: معاني القرآن: النحاس (٢/ ١٦٨).\n(^٣) مشكل إعراب القرآن: مكي بن طالب (١/ ٣١٩).\n(^٤) طائف الإشارات: القشيري (١/ ٦٣٧).\n(^٥) انظر: الدر المصون: السمين الحلبي (٥/ ٦٣٢)، وانظر: الدر المنثور: السيوطي (٤/ ١٠١)، وانظر: موسوعة التفسير بالمأثور: د. مساعد الطيار (١٠/ ١٦٤).","vol":"2","page":734},{"text":"فكان النبي ﷺ يُغْزِي أصحابه على أنَّ العشرة للمائة، والواحد للعشرة، فكانوا كذلك\" (^١).\nالسخاوي (^٢): \" ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ معطوف على اسم الله، أي: يكفيك الله، ويكفيك المؤمنون\" (^٣).\nالسمين الحلبي: \" «مَنْ» مرفوعَ المحلِّ عطفًا على الجلالة، أي: يكفيك الله والمؤمنون، وبهذا فسَّر الحسن البصري وجماعة، وهو الظاهر، ولا مَحْذورَ في ذلك من حيث المعنى\" (^٤).\n\n•<span data-type='title' id=toc-627> دراسة المسألة:</span>\nأورد القاسمي ﵀ في تفسيره كلام العلامة ابن القيّم في مقدمة (زاد المعاد) في تفسير هذه الآية: أي الله وحده كافيك، وكافي أتباعك، فلا يحتاجون معه إلى أحد. ثم قال: وها هنا تقديران:\nأحدهما: أن تكون الواو عاطفة ل (من) على الكاف المجرورة، ويجوز العطف على الضمير المجرور بدون إعادة الجار، على المذهب المختار، وشواهده كثيرة، وشبه المنع منه واهية.\nوالثاني: أن تكون الواو واو (مع)، وتكون (من) في محل نصب عطفا على الموضع فإن (حسبك) في معنى كافيك، أي الله يكفيك، ويكفي من اتبعك، كما يقول العرب: حسبك وزيدا درهم، قال الشاعر:\nإِذا كَانَتْ الهَيْجاءُ وانشقّت العَصا … فحسبُك والضَّحّاكَ سيفٌ مهنَّدُ\nوهذا أصح التقديرين. وفيها تقدير ثالث، أن تكون (من) في موضع رفع بالابتداء، أي ومن اتبعك من المؤمنين، فحسبهم الله وفيها تقدير رابع، وهو خطأ من جهة المعنى، وهو أن\n_________\n(^١) معاني القرآن: الفراء (١/ ٤١٧)، وانظر: التبيان: أبو البقاء (٢/ ٦٣١).\n(^٢) وهو: الشيخ، الإمام، العلامة، شيخ القراء والأدباء، علم الدين، أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الصمد بن عطاس الهمداني، المصري، السخاوي، الشافعي، نزيل دمشق، مات سنة ٦٤٣ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء: الذهبي (٢٣/ ١٢٢).\n(^٣) تفسير القرآن العظيم: السخاوي (١/ ٣٢١).\n(^٤) الدر المصون: السمين الحلبي (٥/ ٦٣٢)، وانظر: اللباب: ابن عادل الحنبلي (٩/ ٥٦٠).","vol":"2","page":735},{"text":"يكون (من) في موضع رفع عطفا على اسم الله، ويكون المعنى: حسبك الله وأتباعك. وهذا، وإن قال به بعض الناس، فهو خطأ محض، لا يجوز حمل الآية عليه، فإن الحسب والكفاية لله وحده، كالتوكل والتقوى والعبادة (^١).\nوهذا الذي ذهب إليه ابن القيم ﵀، ومن وافقه من أصحاب القول الأول، وهو الذي عليه جمهور المفسرين (^٢)، من أن الواو في قوله تعالى: ﴿حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ﴾ عاطفة ل (من) على الكاف المجرورة، وبطلان القول بأن يكون (من) في موضع رفع عطفا على اسم الله، هو الصواب، وذلك من أوجه:\nالأول: أن القاعدة التي قررها غير واحد من أهل العلم أنه يجب حمل كتاب الله على الأوجه الإعرابية اللائقة بالسياق والموافقة لأدلة الشرع، فليس كل ما صح القول به في تركيب عربي صح حمل آيات التنزيل عليه، فللقرآن عرف خاص يجب أن يحمل عليه ولا يتعداه، ولا يتجاوز ما صح من معانيه بكل احتمال نحوي؛ وذلك لأن الإعراب يبين المعنى، والمعنى هو المقصود في النص القرآني دون الإعراب وقواعده (^٣).\nيقول ابن القيم ﵀: وينبغي أن يتفطن ههنا لأمر لا بد منه وهو أنه لا يجوز أن يحمل كلام الله ﷿ ويفسر بمجرد الاحتمال النحوي الإعرابي الذي يحتمله تركيب الكلام ويكون الكلام به له معنى ما، فإن هذا مقام غلط فيه أكثر المعربين للقرآن فإنهم يفسرون الآية ويعربونها بما يحتمله تركيب تلك الجملة ويفهم من ذلك التركيب أي معنى اتفق، وهذا غلط عظيم يقطع السامع بأن مراد القرآن غيره، وإن احتمل ذلك التركيب هذا المعنى في سياق آخر وكلام آخر، فإنه لا يلزم أن يحتمله القرآن … بل للقرآن عرف خاص ومعان معهودة لا يناسبه تفسيره بغيرها، ولا يجوز تفسيره بغير عرفه والمعهود من معانيه، فإن نسبة معانيه إلى المعاني كنسبة ألفاظه إلى الألفاظ بل أعظم، فكما أن ألفاظه ملوك الألفاظ وأجلها وأفصحها ولها من الفصاحة أعلى مراتبها التي يعجز عنها قدر العالمين، فكذلك معانيه أجل المعاني وأعظمها وأفخمها، فلا يجوز تفسيره بغيرها من المعاني التي لا تليق به،\n_________\n(^١) زاد المعاد: ابن القيم (١/ ٨، ٩)، وانظر: الكتاب الفريد: المنتجب الهمذاني (٣/ ٢٢٥).\n(^٢) نص على هذا البغوي في معالم التنزيل (٣/ ٣٧٤)، وابن الجوزي في زاد المسير (٢/ ٢٢٢).\n(^٣) انظر: قواعد الترجيح: حسين الحربي (٢/ ٢٦٢).","vol":"2","page":736},{"text":"بل غيرها أعظم منها وأجل وأفخم. فلا يجوز حمله على المعاني القاصرة بمجرد الاحتمال النحوي الإعرابي.\nفتدبر هذه القاعدة ولتكن منك على بال فإنك تنتفع بها في معرفة ضعف كثير من أقوال المفسرين وزيفها وتقطع أنها ليست مراد المتكلم تعالى بكلامه وسنزيد هذا - إن شاء الله تعالى - بيانا وبسطا في الكلام على أصول التفسير. فهذا أصل من أصوله بل هو أهم أصوله (^١).\nوبيان ذلك: أن الله تعالى قال في سياق الآيات: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة الأنفال: ٦٢] ففرق بين الحسب والتأييد، فجعل الحسب له وحده، وجعل التأييد له بنصره وبعباده. وأثنى الله سبحانه على أهل التوحيد والتوكل من عباده، حيث أفردوه بالحسب، فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [سورة آل عمران: ١٧٣]، ولم يقولوا: حسبنا الله ورسوله. فإذا كان هذا قولهم، ومدح الرب تعالى لهم بذلك، فكيف يقول لرسوله: الله وأتباعك حسبك؟ وأتباعه، قد أفردوا الرب تعالى بالحسب، ولم يشركوا بينه وبين رسوله فيه، فكيف يشرك بينهم وبينه في حسب رسوله؟ هذا من أمحل المحال، وأبطل الباطل (^٢).\nالثاني: أن لهذا المعنى - وهو أن الحسب لله وحده- نظائر، ومعلوم أن خير ما يفسر القرآن: القرآن نفسه، ومن ذلك: قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ [سورة التوبة: ٥٩]، فتأمل كيف جعل الإيتاء لله ولرسوله كما قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [سورة الحشر: ٧]، وجعل الحسب له وحده، فلم يقل: وقالوا حسبنا الله ورسوله، بل جعله خالص حقه، كما قال: ﴿إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾، ولم يقل وإلى رسوله، بل جعل الرغبة إليه\n_________\n(^١) بدائع الفوائد: ابن القيم (٣/ ٨٧٦).\n(^٢) زاد المعاد: ابن القيم (١/ ٩).","vol":"2","page":737},{"text":"وحده. كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [سورة الشرح: ٨]، فالرغبة والتوكل والإنابة والحسب، لله وحده. كما أن العبادة والتقوى والسجود، لله وحده. والنذر والحلف لا يكون إلا له ﷾ ونظير هذا قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [سورة الزمر: ٣٦]، فـ (الحسب) هو (الكافي)، فأخبر ﷾ أنه وحده كاف عبده، فكيف يجعل أتباعه مع الله في هذه الكفاية؟ (^١).\nالثالث: الشواهد الشعرية الدالة على جواز أن تكون الواو عاطفة لـ (من) على الكاف المجرورة.\nومن ذلك: قول الشاعر:\nإِذا كَانَتْ الهَيْجاءُ (^٢) وانشقّت العَصا … فحسبُك والضَّحّاكَ سيفٌ مهنَّدُ (^٣).\nوالشاهد: قوله: (والضَّحّاكَ) يُروى بنصب الكاف وجرها ورفعها، والمعنى: كافيك سيف مع صاحبه الضحاك وحضوره، أي حضور هذا السيف المغني عن سواه (^٤).\nويكون «الضحاك» على هذا مُحسِبًا للمخاطب، والنصبُ عطفًا على موضع الكاف من قوله «حسبك» والمهند على هذا مُحسِبٌ للمخاطب، والخفض على تقدير محذوف كأنه قال: فحسبك وحسب الضحاكِ (^٥).\n\n•<span data-type='title' id=toc-628> النتيجة:</span>\nمن خلال ما تقدم ذكره من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن الواو عاطفة لـ (من) على الكاف المجرورة، ويكون\n_________\n(^١) زاد المعاد: ابن القيم (١/ ١٠).\n(^٢) وهَجٍ: زجر من زجر السَّبُع. ينظر: جمهرة اللغة: ابن دريد (٢/ ١٠٤٧)، وينظر: المحكم: ابن سيده (٤/ ٣٦٧).\n(^٣) أورد هذا البيت النحاس في القطع والائتناف (ص: ٢٨٠)، والأزهري في تهذيب اللغة (٤/ ١٩٢) وابن منظور في لسان العرب (١/ ٣١٢)، غير منسوب لأحد.\n(^٤) انظر: إعراب القرآن: النحاس (٢/ ١٠٣)، وانظر: تهذيب اللغة: الأزهري (٤/ ١٩٢)، وانظر: شرح شواهد المغني: السيوطي (٢/ ٩٠٠)، وانظر: نواهد الأبكار: السيوطي (٣/ ٤٧٩).\n(^٥) انظر: المحرر الوجيز: ابن عطية (٤/ ٦٢٠).","vol":"2","page":738},{"text":"المعنى: حسبك الله وحسب من اتبعك من المؤمنين، لما تقدم إيراه من الأوجه الدالة على ذلك، والله أعلم.","vol":"2","page":739},{"text":"<span data-type='title' id=toc-629>١٢١ - قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [سورة الأنفال: ٧٥].</span>\nقال القاسمي: استدل بالآية الإمامية على تقديم الإمام علي كرم الله وجهه على غيره في الإمامة، لاندراجها في عموم الأولوية. والجواب- على فرض صحة هذه الدلالة- أن العباس ﵁ كان أولى بالإمامة، لأنه كان أقرب إلى رسول الله ﷺ من علي ﵁ (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-630> أقوال أهل العلم في المراد من الأولوية في قوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾:</span>\nالقول الأول: أن المراد: الأولوية في نصيب الميراث، بتقديم ذوي الأرحام على غيرهم في الميراث.\nالقول الثاني: أن المراد: تقديم علي ﵁ على غيره في الإمامة.\nأصحاب القول الأول: وهم أهل السنة:\nقتادة: \"كان لا يرث الأعرابي المهاجر حتى أنزل الله: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾، وبنحو ذلك روي عن ابن إسحاق، وعبد الله بن الزبير، وغيرهم (^٢).\nالطبري: \" قوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ يقول تعالى ذكره: والمتناسبون بالأرحام بعضهم أولى ببعض في الميراث، إذا كانوا ممن قسم الله له منه نصيبا وحظا من الحليف\" (^٣).\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (٨/ ٣٠٥٧)، وبنحو هذا الجواب أجاب الرازي في تفسيره (١٥/ ٥٢٠)، وانظر: الإشارات الإلهية: الطوفي (ص: ٥٠٣).\n(^٢) أخرج أقوالهم ابن جرير الطبري في تفسيره (١١/ ٣٠١، ٣٠٢)، وانظر: الكشف والبيان: الثعلبي (٣١/ ١٥٤).\n(^٣) جامع البيان: الطبري (١١/ ٣٠١).","vol":"2","page":740},{"text":"الزجاج: \" ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾، أي بعضهم في المواريث أولى ببعض، وهذه المواريث في الولاية بالهجرة منسوخة، نسخها ما في سورة النساء من الفرائض\" (^١).\nالسمعاني: \" ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ أي: أولى بعضهم ببعض ميراثا في حكم الله، وقد كانوا يتوارثون بالهجرة، فنسخ الله تعالى ذلك إلى التوارث بالقرابة\" (^٢).\nأصحاب القول الثاني: وهم الشيعة الاثني عشرية (^٣):\nالعياشي (^٤): \" عن أبى عمرو الزبيري عن أبي عبد الله ﵇ قال: قلت له أخبرني عن خروج الامامة من ولد الحسن إلى ولد الحسين كيف ذلك وما الحجة فيه؟ قال: لما حضر الحسين ما حضره من أمر الله لم يُجِز أن يَرُدَّها إلى ولد أخيه ولا يوصى بها فيهم، يقول الله: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ فكان ولده أقرب رَحما اليه من ولد أخيه، وكانوا أولى بالإمامة وأخرجت هذه الآية ولد الحسن منها، فصارت الإمامة إلى الحسين، وحكمت بها الآية لهم فهي فيهم إلى يوم القيمة\" (^٥).\nالقمي (^٦): \" قوله: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [سورة الأحزاب:\n_________\n(^١) معاني القرآن: الزجاج (٢/ ٤٢٥).\n(^٢) تفسير القرآن: السمعاني (٤/ ٢٦٠).\n(^٣) أكثر كتب التفسير عند الشيعة الإثني عشرية، تنص على تقديم إمامة علي على غيره استدلال بقوله تعالى في سورة الأحزاب: ﴿النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ﴾، وليس من قوله تعالى في سورة الأنفال: ﴿وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله﴾، بحسب اطلاع الباحث.\n(^٤) وهو: محمد بن مسعود العيّاشيّ، أبو النضر، من أهل سمرقند، أحد فقهاء الشّيعة الإمامية الفاضلين المتوحّدين، كان واحد دهره في غزارة العلم، وله بنواحي خراسان ذكر، مات سنة ٢٤٩ هـ. ينظر: الدر الثمين: ابن الساعي (ص ١٠٨).\n(^٥) تفسير العياشي (٢/ ٢١١).\n(^٦) وهو: علي بن إبراهيم بن هاشم القمي أبو الحسن المحمدي. رافضي جلد له تفسير فيه مصائب، له من الكتب: التفسير والناسخ والمنسوخ والمغازي والشرائع، مات في القرن الثالث الهجري. ينظر: لسان الميزان: ابن حجر (٥/ ٤٧٧).","vol":"2","page":741},{"text":"٦] قال نزلت في الإمامة\" (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-631> دراسة المسألة:</span>\nمن خلال التأمل والنظر في أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الحق الذي لا شك فيه هو الذي عليه أصحاب القول الأول من أهل السنة والجماعة من أن المراد من الأولوية في قوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾: الأولوية في نصيب الميراث، وذلك من أوجه:\nالأول: أن القول بأن المراد من الآية: الأولوية في نصيب الميراث أن تكون لذوي الأرحام هو الذي عليه عامة السلف، والمفسرين (^٢)، وليس المراد: علي ﵁ على غيره من الصحابة في الإمامة.\nوكثير منهم يرى أن الآية ناسخة للتوارث الذي كان بين المهاجرين والأنصار، وبين الأعراب في الجاهلية دون ذوي الأرحام، كما روي عن ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والحسن، وغيرهم (^٣)، ولم يؤثر عن أحد منهم أن المراد: تقديم علي ﵁ في الإمامة على غيره.\nالثاني: أنه قد أثر عن النبي ﷺ ما يُفهم منه أنه فسر المراد من الآية: أن الأولوية في نصيب الميراث أن تكون لذوي الأرحام.\nفقد أخرج ابن جرير الطبري بسنده عن ابن زيد، في قوله: \" ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [سورة الأنفال: ٧٢] إلى قوله: ﴿وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ [سورة الأنفال: ٧٣] قال: كان المؤمن المهاجر، والمؤمن الذي ليس بمهاجر لا يتوارثان وإن\n_________\n(^١) تفسير القمي (٣/ ٨٠٩).\n(^٢) أشار إلى هذا الرازي بقوله: \"نقل الواحدي عن ابن عباس والمفسرين كلهم، أن المراد: هو الولاية في الميراث\" ينظر: مفاتيح الغيب (١٥/ ٥١٦).\n(^٣) انظر: جامع البيان: الطبري (١١/ ٢٨٩ - ٢٩٢)، وانظر: تفسير القرآن العظيم: ابن أبي حاتم (٥/ ١٧٤٣)، وانظر: تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٤/ ٢٤٢).","vol":"2","page":742},{"text":"كانا أخوين مؤمنين. قال: وذلك لأن هذا الدين كان بهذا البلد قليلا حتى كان يوم الفتح، فلما كان يوم الفتح وانقطعت الهجرة توارثوا حيثما كانوا بالأرحام، وقال النبي ﷺ: «لا هجرة بعد الفتح» (^١). وقرأ: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ \" (^٢).\nالثالث: من حيث سبب النزول: فقد أخرج ابن أبي حاتم بسنده عن ابن عباس قال: آخى رسول الله ﷺ بين أصحابه وورث بعضهم من بعض حتى نزلت ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ فتركوا ذلك وتوارثوا بالنسب\" (^٣).\nوأخرج أيضًا بسنده عن عكرمة في قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا﴾، قال: لُبِث بُرْهةٌ والأعرابي لا يرث المهاجر، ولا المهاجر يرث الأعرابي، حتى فتحت مكة، ودخل الناس في الدين أفواجا، فأنزل الله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ \" (^٤).\nفدل ذلك على أن المراد من الآية: تقديم ذوي الأرحام على غيرهم في نصيب الميراث.\nالرابع: لو كان المراد من الأولوية: تقديم علي ﵁ على غيره في الإمامة، لاختار الناس عليًا للخلافة بدلا من أبي بكر الصديق ﵁، ولا شك أن الصحابة ﵃ هم أشد الناس اقتداء بالنبي وأكثر الناس تمسكًا بسنته واتباعًا لهديه، وأحرص الناس على طاعته، وهم الذين أثنى عليهم ربنا ﵎ في كتابه، ونبينا في سنته.\nفليس من المعقول أن يعلم الصحابة أن المراد من الآية: تقديم علي ﵁ على غيره في الإمامة، ولا يؤثر عن أحد منهم هذا المراد، ويتعمدون مخالفة هذا المراد بقديم أبي بكر ﵁\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب: فضل الجهاد والسير، برقم: (٢٧٨٣)، وأخرجه مسلم، كتاب الإمارة، باب المبايعة بعد فتح مكة على الإسلام، برقم: (١٣٥٣).\n(^٢) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (١١/ ٢٩٦).\n(^٣) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١١/ ٢٨٤)، برقم: (١١٧٤٨)، ورواه الحاكم في مستدركه من حديث الزبير بن العوام (٤/ ٣٨٣)، وقال صحيح الإسناد، وأقره الذهبي، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٢٨) رجاله رجال الصحيح، وانظر: الصحيح المسند من أسباب النزول: الوادعي (ص: ١٠٥).\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٥/ ١٧٣٩)، برقم: (٩١٨٦)، وانظر: موسوعة التفسير بالمأثور: مجموعة من المؤلفين (١٠/ ٢١٣).","vol":"2","page":743},{"text":"على غيره في الخلافة.\n\n•<span data-type='title' id=toc-632> النتيجة:</span>\nبعد ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم في تأويل الآية، يتبين أن الصواب هو ما عليه أصحاب القول الأول من أهل السنة من أن المراد من الأولوية في قوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾: الأولوية في نصيب الميراث، بتقديم ذوي الأرحام على غيرهم في الميراث، لما تقدم إيراده من الأوجه الدالة على ذلك.\n* * *","vol":"2","page":744},{"text":"سورة التوبة","vol":"2","page":745},{"text":"<span data-type='title' id=toc-633>سورة التوبة</span>\n<span data-type='title' id=toc-634>١٢٢ - قوله تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٩)﴾ [سورة التوبة: ١٩].</span>\nقال القاسمي بعد إيراه الروايات الواردة في نزول الآية: وتأييد أبي السعود نزولها في المسلمين بما أطال فيه (^١)، ذهول عن سباق الآية وعن سياقها، فيما صدعت فيه من شديد التهويل، وعن لاحقها في درجات التفضيل، وقصر الفوز والرحمة والرضوان على المشبه به (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-635> أقوال أهل العلم في نزول قوله تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ﴾:</span>\nالقول الأول: أن الآية نزلت في المشركين.\nالقول الثاني: أن الآية نزلت في المسلمين.\nأصحاب القول الأول:\nالخطيب الإسكافي: \" قال الله تعالى في إبطال ما أتى به المشركون من عمارة المسجد الحرام، وسقاية الحاج من المقام على الكفر: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ الآية\" (^٣).\nمكي بن أبي طالب: \" ومعنى الآية: إن المشركين من قريش افتخروا بالسقاية وسدانة البيت، فأعلمهم الله ﷿، أن الفخر إنما هو بالإيمان بالله واليوم الآخر والجهاد في سبيل الله\" (^٤).\n_________\n(^١) انظر: إرشاد العقل السليم: أبو السعود (٤/ ٥٢).\n(^٢) محاسن التأويل: القاسمي (٨/ ٣٠٨٩).\n(^٣) درة التنزيل: الخطيب الإسكافي (٢/ ٦٩٨)، بتصرف.\n(^٤) الهداية: مكي بن أبي طالب (٤/ ٢٩٥٢).","vol":"2","page":746},{"text":"الواحدي: \" ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ﴾ قال المشركون: عمارة بيت الله وقيامٌ على السِّقاية خيرٌ من الإِيمان والجهاد فأنزل الله تعالى هذه الآية\" (^١).\nالشوكاني: \"لا تساوي تلك الطائفة الكافرة الساقية للحجيج العامرة للمسجد الحرام، هذه الطائفة المؤمنة بالله واليوم الآخر المجاهدة في سبيله، ودل سبحانه بنفي الاستواء على نفي الفضيلة التي يدعيها المشركون\" (^٢).\nأصحاب القول الثاني:\nابن عباس ﵁: \" ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ قال العباس بن عبد المطلب حين أسر يوم بدر: لئن كنتم سبقتمونا بالإسلام والهجرة والجهاد، لقد كنا نعمر المسجد الحرام، ونسقي الحاج، ونفك العاني، قال الله: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ﴾. إلى قوله: ﴿الظَّالِمِينَ﴾ يعني أن ذلك كان في الشرك، ولا أقبل ما كان في الشرك \"، وبنحو ذلك روي عن الحسن، والشعبي، والسدي، والضحاك، وغيرهم (^٣).\nابن جزي: \"سببها أن قوما من قريش افتخروا بسقاية الحاج، وبعمارة المسجد الحرام فبين الله أن الجهاد أفضل من ذلك، ونزلت الآية في علي بن أبي طالب والعباس بن عبد المطلب وطلحة بن شيبة افتخروا فقال طلحة أنا صاحب البيت وعندي مفاتحه\" (^٤).\nالسيوطي: \" نزلت الآية في عليٍّ والعباس بن عبد المطلب، وطلحة بن شيبة، افتخروا، فقال طلحة: أنا صاحب البيت، وعندي مَفَاتحه. وقال العباس: أنا صاحبُ السقاية. وقال علي: لقد أسْلمتُ قبل الناس وهاجرْتُ مع رسول الله ﷺ \" (^٥).\nالسعدي: \" لما اختلف بعض المسلمين، أو بعض المسلمين وبعض المشركين، في تفضيل\n_________\n(^١) الوجيز: الواحدي (ص: ٤٥٧).\n(^٢) فتح القدير: الشوكاني (٢/ ٣٩٣).\n(^٣) أخرج أقوالهم ابن جرير الطبري في تفسيره (١١/ ٣٧٨ - ٣٨١)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٦/ ١٧٦٧).\n(^٤) التسهيل: ابن جزي (١/ ٣٣٤).\n(^٥) معترك الأقران: السيوطي (٣/ ٢٢١).","vol":"2","page":747},{"text":"عمارة المسجد الحرام، بالبناء والصلاة والعبادة فيه وسقاية الحاج، على الإيمان بالله والجهاد في سبيله، أخبر الله تعالى بالتفاوت بينهما، فقال: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ﴾ \" (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-636> دراسة المسألة:</span>\nمن خلال استقراء ما ذكره المفسرون في هذه المسألة، وما أوردوه من الروايات الواردة في سبب نزول الآية، يظهر أن الراجح هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن الآية وهي قوله تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ﴾ نزلت في المشركين، وذلك من أوجه:\nالأول: ما أخرجه ابن جرير الطبري بسنده عن ابن عباس، قوله: \" ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ قال العباس بن عبد المطلب حين أسر يوم بدر: لئن كنتم سبقتمونا بالإسلام والهجرة والجهاد، لقد كنا نعمر المسجد الحرام، ونسقي الحاج، ونفك العاني، قال الله: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ﴾ إلى قوله: ﴿الظَّالِمِينَ﴾ يعني أن ذلك كان في الشرك، ولا أقبل ما كان في الشرك \" (^٢).\nووجه الاستدلال: أن ابن عباس ﵁ بيَّن أن الآية رد على مفاخرة المشركين بسقاية الحاجّ، وعمارة المسجد الحرام، فدل على أنها نزلت في المشركين.\nالثاني: أن سياق الآيات في مخاطبة المشركين: فقوله تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ للإنكار وهو استئناف خوطب به المشركون التفاتًا عن الغيبة في قوله: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا﴾ وهو المتبادر من النظم.\nوقد بُيّن بين في هذه الآية - وهي: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ - أن عمارة المسجد، إنما توجب الفضيلة إذا كانت صادرة عن\n_________\n(^١) تيسير الكريم الرحمن: السعدي (ص: ٣٣١).\n(^٢) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (١١/ ٣٧٨)، والواحدي في أسباب النزول (ص: ٢٤٤)، وانظر: تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٤/ ٢٦٢).","vol":"2","page":748},{"text":"المؤمن، أما إذا كانت صادرة عن الكافر فلا فائدة فيها البتة (^١).\nالثالث: مما يؤيد أنها نزلت للمفاضلة بين مؤمنين بالله وغير مؤمنين: قوله تعالى في الآية: ﴿كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾، فلو كان الفريقان مسلمين لما قال ذلك؛ لأن كليهما قد آمن، فذكر الإيمان في مقابل الشرك (^٢).\nالرابع: أن الله تعالى ختم الآية بقوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، مما يدل على أن الآية نزلت في المشركين، إذ لا شك أن المشركين بالله هم الظالمون، ظلموا أنفسهم بترك الإيمان بالله، وبما جاء به الرسول، وظلموا المسجد الحرام إذ جعله الله متعبدا له فجعلوه متعبدا لأوثانهم. وذكر في المؤمنين إثبات الهداية لهم بقوله: ﴿فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ وفي المشركين هنا نفى الهداية بقوله: والله لا يهدي القوم الظالمين (^٣).\nمناقشة أدلة أصحاب القول الثاني:\nذهب أصحاب القول الثاني، والذي عليه أكثر المفسرين (^٤)، أن الآية نزلت في المسلمين، واستدلوا على ذلك بأوجه تؤيد ما ذهبوا إليه، ويحسن في هذا المقام إيرادها والإجابة عليها بما يفتح الله تعالى:\nأولا: استدلوا بالرواية الواردة في سبب نزول الآية التي تدل على أنها نزلت بسبب مفاضلة جرت بين المسلمين.\nفقد أخرج مسلم في صحيحه بسنده عن النعمان بن بشير الأنصاري ﵁، قال: \"كنت عند منبر رسول الله ﷺ في نفر من أصحابه، فقال رجل منهم: ما أبالي ألا أعمل عملا بعد الإسلام، إلا أن أسقي الحاج، وقال آخر:\n_________\n(^١) انظر: مفاتيح الغيب: الرازي (١٦/ ١٢)، وانظر: فتح البيان: القنوجي (٥/ ٢٥٦)، وانظر: روح المعاني: الآلوسي (١٠/ ٢٦١).\n(^٢) انظر: مفاتيح الغيب: الرازي (١٦/ ١٢)، وانظر: اللباب: ابن عادل الحنبلي (١٠/ ٥٠).\n(^٣) انظر: البحر المحيط: أبو حيان (١١/ ٢٢٣).\n(^٤) نص على هذا السمعاني في تفسيره (٢/ ٢٩٤)، ونسبه الإيجي في تفسيره إلى أكثر السلف (٢/ ٥٣)، بينما الشنقيطي ينص على أن أكثر المفسرين أن الآية نزلت في المشركين. ينظر: العذب النمير: الشنقيطي (٥/ ٣٣٦).","vol":"2","page":749},{"text":"بل عمارة المسجد الحرام، وقال آخر: بل الجهاد في سبيل الله خير مما قلتم، فزجرهم عمر بن الخطاب ﵁، وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله ﷺ وذلك يوم الجمعة ولكن إذا صليت الجمعة دخلت على رسول ﷺ فاستفتيته فيما اختلفتم فيه فأنزل الله تعالى الآية إلى قوله سبحانه: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (^١).\nوالجواب: إن بعض الرواة تسامح في قوله، \"فأنزل الله الآية\". وإنما قرأ النبي ﷺ الآية على عمر حين سأله فظن الراوي أنها نزلت حينئذ. واستدل بها النبي ﷺ على أن الجهاد أفضل مما قال أولئك الذين سمعهم عمر، فاستفتى لهم فتلا عليه ما قد كان أنزل عليه، لا أنها نزلت في هؤلاء. والله أعلم (^٢).\nثانيًا: قالوا أن الله تعالى قال في الآية التي بعدها: ﴿أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾ [سورة التوبة: ٢٠] وهذا يقتضي أن يكون للمرجوح أيضا درجة عند الله، وذلك لا يليق إلا بالمؤمن، فالتعظيم في الدرجة يشعر بعدم حرمان الأولين بالكلية لمكان أفعل التفضيل (^٣).\nوالجواب: أن هذا وارد على حسب ما كانوا يقدرونه لأنفسهم من الدرجة والفضيلة نظيره قوله ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾. أو المراد أنهم أعظم درجة من كل من لم يكن موصوفا بالهجرة ولا الجهاد وإن كان مؤمنا فضلا عن الكافر. أو المراد ترجيح الإيمان والهجرة والجهاد على السقاية والعمارة. ولا شك أنهما من أعمال والخير وموجبان للثواب لولا الكفر. وفي قوله: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ تشريف عظيم لقوله: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ وكذا في قوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ لدلالته على انحصار الفوز فيهم (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، كتاب الإمارة، باب فضل الشهادة في سبيل الله، برقم: (١٨٧٩)، وأخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (١١/ ٣٧٩)، والواحدي في أسباب النزول (ص: ٢٤٤)، وانظر: الصحيح المسند من أسباب النزول: الوادعي (ص: ١٠٦).\n(^٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (١٠/ ١٣٧)، وانظر: المفهم: القرطبي (٣/ ٧٢١)، وانظر: تيسير البيان: ابن نور الدين (٣/ ٣٢٢).\n(^٣) انظر: مفاتيح الغيب: الرازي (١٦/ ١٢)، وانظر: روح المعاني: الآلوسي (١٠/ ٢٦٢).\n(^٤) انظر: غرائب القرآن: النيسابوري (٣/ ٤٤٥).","vol":"2","page":750},{"text":"ثالثًا: قالوا أن سورة التوبة من آخر القرآن نزولًا في المدينة فكيف اختلف المسلمين مع المشركين؟ وأين كان هذا الخلاف؟ (^١).\nوالجواب: على التسليم بأن الآية نزلت في هذه الواقعة، لا أن النبي ﷺ قرأها فظن الراوي أنها نزلت، فلا مانع أن تكون الآية نزلت مرتين: مرة في المشركين عندما أسر العباس بن عبد المطلب يوم بدر، ومرة في خلاف بعض المسلمين من الصحابة في أي الأعمال أفضل بعد الإسلام، والله أعلم (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-637> النتيجة:</span>\nبعدما تقدم ذكره من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يظهر أن الراجح هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن الآية نزلت في المشركين، لما تقدم إيراده من الأوجه الدالة على ذلك، والجواب على الأوجه التي استدل به أصحاب القول الثاني، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: المحرر في أسباب النزول: المزيني (١/ ٥٨٤).\n(^٢) انظر ما تقدم تقريره من احتمال أن تكون الآية نزلت مرتين، إذا كانت أسباب النزول ظاهرها التعارض في مسألة رقم: (٤٨) ص: (٣٩٥).","vol":"2","page":751},{"text":"<span data-type='title' id=toc-638>١٢٣ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٨)﴾ [سورة التوبة: ٢٨].</span>\nقال القاسمي: دلت الآية على نجاسة المشرك، كما في الصحيح (المؤمن لا ينجس) وأما نجاسة بدنه، فالجمهور على أنه ليس بنجس البدن والذات، لأن الله تعالى أحل طعام أهل الكتاب. وذهب بعض الظاهرية إلى نجاسة أبدانهم. وقال أشعث عن الحسن: من صافحهم فليتوضأ، رواه ابن جرير، ونقله ابن كثير (^١).\nوأقول: الاستدلال بكونه تعالى أحل طعام أهل الكتاب غير ناهض، لأن البحث في المشركين وقاعدة التنزيل الكريم، التفرقة بينهم وبين أهل الكتاب، فلا يتناول أحدهما الآخر فيه (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-639> أقوال أهل العلم في سبب عدم نجاسة أبدان المشركين:</span>\nالقول الأول: أن السبب هو: أن الله تعالى أحل طعام أهل الكتاب.\nالقول الثاني: أن السبب هو: ما دلت عليه الأحاديث النبوية على عدم نجاسة أبدان المشركين.\nأصحاب القول الأول:\nالقصاب (^٣): \"قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ دليل على أن النجس نجسان: نجس فعل، ونجس ذات، وهو في هذا الموضع - والله أعلم -: نجس فعل، وهو شركهم، لا أن أبدانهم نجسة، وكيف تكون نجسة وليست بين خلقتهم وخلقة المؤمنين فرق في شيء من\n_________\n(^١) انظر: جامع البيان: الطبري (١٣/ ٣٩٨)، وانظر: تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٤/ ٢٧١).\n(^٢) محاسن التأويل: القاسمي (٨/ ٣١٠٢).\n(^٣) وهو: الإِمام، الحافظ، أبو أحمد، محمدُ بنُ عليّ بن محمد، الكَرَجي المجاهد، وإنما عُرِف بالقَصَّاب لكثرة ما أَهْراق من دماء الكُفار في الغزوات، وصنف كتاب \"ثواب الأعمال\" وكتاب \"السُّنَّة\" وكتاب \"تأديب الأئمة\" وغير ذلك، ما سنة ٣٦٠ هـ. ينظر: طبقات علماء الحديث: ابن عبد هادي (٣/ ١٣٢).","vol":"2","page":752},{"text":"الأشياء، وقد أباح الله لنا أكل طعامهم في ديارهم وقد مسوها بأيديهم\" (^١).\nالشوكاني: \"ذهب الجمهور من السلف والخلف ومنهم أهل المذاهب الأربعة إلى أن الكافر ليس بنجس الذات، لأن الله سبحانه أحل طعامهم - يعني طعام أهل الكتاب-\" (^٢).\nمحمد رشيد رضا: \"إباحة طعام أهل الكتاب، ونكاح نسائهم نزل في سورة المائدة، وهي آخر ما نزل، فهي بعد سورة التوبة بالإجماع، وإباحتهما تستلزم طهارتهما\" (^٣).\nالسعدي: \"وليس المراد هنا، نجاسة البدن، فإن الكافر كغيره طاهر البدن، بدليل أن الله تعالى أباح وطء الكتابية ومباشرتها، ولم يأمر بغسل ما أصاب منها\" (^٤).\nأصحاب القول الثاني:\nالروياني (^٥): \" وروي أن رسول الله ﷺ توضأ من مزادة مشركة، وقال أحمد وإسحاق: لا يجوز استعمال ثيابهم وأوانيهم إلا بعد الغسل؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾، وهذا غلط لأن المراد بالآية نجاسة قلوبهم ومعتقداتهم لا نجاسة أبدانهم\" (^٦).\nالعمراني (^٧): \"روي: «أن النبي ﷺ توضأ من مزادة مشركة». و(المزادة): الراوية. وروي: «أن النبي ﷺ أضافه وثني، فسقاه لبنًا فشربه، ولم يأمر بغسل ما سقاه فيه» و: (توضأ عمر ﵁ من ماء في جرة نصرانية) وأما قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾\n_________\n(^١) النكت الدالة على البيان: القصاب (١/ ٥٠٦).\n(^٢) فتح القدير: الشوكاني (٢/ ٣٩٩)، وانظر: نيل الأوطار: الشوكاني (١/ ٣٥)، وانظر: الدرر البهية: القنوجي (١/ ١١٩).\n(^٣) تفسير المنار: محمد رشيد رضا (١٠/ ٢٤٢).\n(^٤) تيسير الكريم الرحمن: السعدي (ص: ٣٣٣).\n(^٥) وهو: أبو المحاسن عبد الواحد بن إسماعيل الروياني الفقيه الشافعي؛ من رؤوس الأفاضل في أيامه مذهبًا وأصولًا وخلافًا، رحل إلى بخارى وغزنة ونيسابور، وأخذ عن علمائها، مات سنة ٥٠٢ هـ مقتولا. ينظر: وفيات الأعيان: ابن خلكان (٣/ ١٩٨).\n(^٦) بحر المذهب: الروياني (١/ ٦٧)، بتصرف.\n(^٧) وهو: هو أبو الخير يحيى بن أبى الخير سالم بن أسعد بن يحيى العمرانى بن عمران، كان يحفظ المهذب، ويقوم به ليله، وشرحه بالبيان، نشر العلم ببلاد اليمن، ورحل إليه، له عدة مصنفات. مات سنة ٥٥٨ هـ. ينظر: تهذيب الأسماء: النووي (٢/ ٢٧٨).","vol":"2","page":753},{"text":"فأراد: نجس الأديان، لا الأبدان والثياب والأواني\" (^١).\nالمباركفوري (^٢): \"وأما قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ فالمراد به أنهم نجس في الباطن والاعتقاد لا في أصل الخلقة، أو أن ذلك تنفير عن الكفار، وذم وإهانة لهم. وهذا وإن كان مجازًا فقرينته ما ثبت في الصحيحين من أنه ﷺ توضأ من مزادة مشركة، وربط ثمامة بن أثال وهو مشرك بسارية من سواري المسجد، فدل على أن الآدمي الحي ليس بنجس العين سواء كان محدثًا أو جنبًا أو حائضًا أو نفساء\" (^٣).\n\n•<span data-type='title' id=toc-640> دراسة المسألة:</span>\nيظهر من خلال استقراء ما ذكره المفسرون في تأويل الآية عمومًا، وفي هذه المسألة خصوصًا، أن الراجح هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من صحة الاستدلال بإحلال طعام أهل الكتاب ونكاح نسائهم على عدم نجاسة أبدان المشركين، أو ما تُسمى بالنجاسة الحسية، وذلك من وجهين:\nالأول: كما أن الله تعالى أحل نكاح نساء أهل الكتاب من اليهود والنصارى، فإنه أحل نساء المشركين من الإماء اللاتي اكتسبها المسلمين وغنموها من المشركين في غزواتهم، والجامع أن كل امرأة منهم سواء كانت من أهل الكتاب أو كانت مشركة فإنه يُشرع معها التقبيل والمضاجعة، ونحو ذلك.\nوكما هو معلوم لكل مطلع على السيرة النبوية، وتاريخ ظهور الإسلام بالضرورة، أن المسلمين كانوا يعاشرون المشركين ويخالطونهم ولاسيما بعد صلح الحديبية، إذا امتنع اضطهاد المشركين وتعذيبهم لمن لا عصبية له، ولا جوار يمنعه منهم، وكانت رسلهم ووفودهم ترد على النبي ﷺ ويدخلون مسجده، وكذلك أهل الكتاب كنصارى نجران واليهود، ولم يعامل أحد أحدا منهم معاملة الأنجاس، ولم يأمر بغسل شيء مما أصابته\n_________\n(^١) البيان في مذهب الإمام الشافعي: العمراني (١/ ٨٨).\n(^٢) وهو: أبو الحسن عبيد الله بن محمد عبد السلام بن خان محمد بن أمان الله بن حسام الدين الرحماني المباركفوري (المتوفى: ١٤١٤ هـ)\n(^٣) مرعاة المفاتيح: المباركفوري (٢/ ١٤٨).","vol":"2","page":754},{"text":"أبدانهم، بل روي عنه ما يدل على خلاف ذلك مما احتج به الجمهور على طهارة أبدانهم من الأحاديث الصحيحة (^١).\nفالشاهد هو أن النبي ﷺ ساوى بين المشركين وبين أهل الكتاب ولم يُعامل قوماّ منهم معاملة الأنجاس دون قوم حتى يُقال: أن أهل الكتاب لهم أحكام تخصهم، فصح الاستدلال بإباحة طعام أهل الكتاب ونسائهم على عدم نجاسة المشركين الحسية.\nالثاني: أن التفريق بين أهل الكتاب والمشركين في الأحكام ليس على إطلاقه، إلا ما خصّه الدليل، وقد نص الله على أنهم من المشركين كما قال تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [سورة التوبة: ٢٩] وصرح بأن أهل الكتابين من المشركين في قوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٣٠) اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [سورة التوبة: ٣١] (^٢)، فإذا اجتمع أهل الكتاب مع غيرهم من أهل الكفر في الشرك بالله - غير ما خصه الدليل في أهل الكتاب- كان حكمهم واحد في عدم نجاسة أبدانهم، والله أعلم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-641> النتيجة:</span>\nبعد ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يظهر أن الراجح هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من صحة الاستدلال بإحلال ذبائح أهل الكتاب ونكاح نسائهم، بعدم نجاسة أبدان المشركين خلافًا لما ذهب إليه القاسمي ﵀، لما تقدم إيراده من الأوجه الدالة على ذلك، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: تفسير المنار: محمد رشيد رضا (١٠/ ٢٤٢).\n(^٢) انظر: العذب النمير: الشنقيطي (٥/ ٤٠٦).","vol":"2","page":755},{"text":"<span data-type='title' id=toc-642>١٢٤ - قوله تعالى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [سورة التوبة: ٧٧].</span>\nقال القاسمي: واللقاء إذا أضيف إلى الكفار كان لقاء مناسبا لحالهم من وقوفهم للحساب مع حجبهم عنه تعالى، لأنهم ليسوا أهلا لرؤيته، تقدس اسمه. وإذا أضيف إلى المؤمنين، كما في قوله تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾ [سورة الأحزاب: ٤٤]، كان لقيا مناسبا لمقامهم من رؤيته تعالى. وذلك لما أفصحت عنه آيات أخر من حال الفريقين، مما يتنزل مثل ذلك عليها. فمن وقف في بعض الآيات على لفظة، وأخذ يستنبط منها، ولم يراع من استعملت فيه، وأطلقت عليه، كان ذلك جمودا وتعصبا، لا أخذا بيد الحق. نقول ذلك ردا لقول الجبائي: إن اللقاء في هذه الآية لا يفيد رؤيته تعالى، للإجماع على أن الكفار لا يرونه تعالى، فلا يفيدها أيضا في قوله تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾. وللرازي معه مناقشة من طريق أخرى (^١). وما ذكرناه أمتن. والله أعلم (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-643> أقوال أهل العلم في دلالة آيات إثبات اللقاء على إثبات رؤية الله تعالى يوم القيامة:</span>\nالقول الأول: أن آيات إثبات لقاء المؤمنين لربهم دالة على إثبات الرؤية، كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ وقوله: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾.\nالقول الثاني: أن آيات إثبات لقاء المؤمنين لربهم غير دالة على إثبات الرؤية، لقوله تعالى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾.\n_________\n(^١) انظر: مفاتيح الغيب: الرازي (٣/ ٤٩٢) (١٦/ ١٠٩).\n(^٢) محاسن التأويل: القاسمي (٨/ ٣٢١٠).","vol":"2","page":756},{"text":"أصحاب القول الأول: وهم أهل السنة والجماعة\nالإسفراييني (^١): \" ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾ واللقاء إذا أطلق في اللغة وقع على الرؤية خصوصا حيث لا يجوز فيه التلاقي بالذوات والتماس بينهما\" (^٢).\nالسمعاني: \" ﴿أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ [سورة البقرة: ٤٦] أي صائرون إلى ربهم. وكل ما ورد في القرآن من اللقاء فهو بمعنى الصيرورة إليه، كذا قال المفسرون. وقيل: هو اللقاء الموعود، وهو رؤية الله تعالى\" (^٣).\nابن أبي العز: \"ولا شك في رؤية أهل الجنة لربهم في الجنة، وكذلك يرونه في المحشر قبل دخولهم الجنة، كما ثبت ذلك في الصحيحين عن رسول الله ﷺ. ويدل عليه قوله تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾ \" (^٤).\nالقنوجي: \"معنى ﴿أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ ملاقوا جزاءه، والمفاعلة هنا ليست على بابها، ولا أرى في حمله على أصل معناه من دون تقدير المضاف بأسًا أي يوقنون أنهم يرونه، وفي هذا مع ما بعده من قوله ﴿وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾. إقرار بالبعث وما وعد الله به في اليوم الآخر، وفيه دليل على ثبوت رؤية الله تعالى في الآخرة\" (^٥).\nأصحاب القول الثاني: وهم المعتزلة:\nقال الرازي: \"قالت المعتزلة: لفظ اللقاء لا يفيد الرؤية والدليل عليه الآية والخبر والعرف. أما الآية فقوله تعالى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ والمنافق لا يرى\n_________\n(^١) وهو: العلامة، المفتي، أبو المظفر طاهر بن محمد الإسفراييني، ثم الطوسي، الشافعي، صاحب التفسير الكبير، كان أحد الأعلام، حدث عن: ابن محمش، وأصحاب الأصم، مات سنة ٤٧١ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء: الذهبي (١٨/ ٤٠١).\n(^٢) التبصير في الدين: الإسفراييني (ص: ١٥٧).\n(^٣) تفسير القرآن: السمعاني (١/ ٧٥)، وانظر: معالم التنزيل: البغوي (١/ ٩٠).\n(^٤) شرح الطحاوية: ابن أبي العز (ص: ١٦٢).\n(^٥) فتح البيان: القنوجي (١/ ١٦١).","vol":"2","page":757},{"text":"ربه\" (^١).\nقال أبو حيان: \"نازعت المعتزلة في كون لفظ اللقاء لا يراد به الرؤية ولا يفيدها. ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ والمنافق لا يرى ربه ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ﴾ ويتناول الكافر والمؤمن\" (^٢).\nقال ابن عادل الحنبلي: \"المعتزلة: لفظ اللِّقاء لا يفيد الرؤية، لقوله تعالى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ \" (^٣).\nقال النيسابوري: \" ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ استدل أهل السنة بالآية على جواز رؤية الله تعالى، وأنكرها المعتزلة قالوا: اللقاء لا يفيد الرؤية لقوله تعالى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ والمنافق لا يرى ربه، ولقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ﴾ [سورة البقرة: ٢٢٣] ويشمل الكافر والمؤمن\" (^٤).\n\n•<span data-type='title' id=toc-644> دراسة المسألة:</span>\nمن أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة: إثبات رؤية المؤمنين لربهم ﵎ يوم القيامة، بخلاف أهل البدع من المعتزلة والشيعة الذين يتركون المحكم من النصوص الدالة على إثبات الرؤية، ويتبعون المتشابه ليُنكروا رؤية الله تبارك تعالى.\nومن المتشابه الذي يتبعونه من النصوص ليُنكروا رؤية الله ﵎: قوله تعالى عن المنافقين: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾.\nقالوا: إن اللقاء في هذه الآية لا يفيد رؤيته تعالى، للإجماع على أن الكفار لا يرونه\n_________\n(^١) مفاتيح الغيب: الرازي (٣/ ٤٩١).\n(^٢) البحر المحيط: أبو حيان (١/ ٥٠٧).\n(^٣) اللباب: ابن عادل الحنبلي (٢/ ٣٨).\n(^٤) غرائب القرآن: النيسابوري (١/ ٢٧٨).","vol":"2","page":758},{"text":"تعالى، فلا يفيدها أيضا في قوله تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾.\nولا شك أن الحق الذي عليه أهل السنة والجماعة هو أن آيات إثبات لقاء المؤمنين لربهم دالة على إثبات رؤية المؤمنين لربهم، وذلك من وجهين:\nالأول: أنه قد روي عن بعض السلف ما يدل على أن المراد من اللقاء: الرؤية.\nفقد أخرج البيهقي بسنده عن عبد الله بن المبارك في قوله ﷿: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ [سورة الكهف: ١١٠]، قال: مَنْ أراد النظر إلى وجه خالقه (^١).\nفهذا صريح في أن اللقاء يستلزم منه النظر، وما روي عن سعيد بن جبير أن المراد: ثواب ربه (^٢)، فلا يلزم منه إنكاره لنظر العين، فكلاهما محمول على ظاهر الآية، والله أعلم.\nالثاني: من حيث اللغة: فقد أجمع أهل الِّلسان على أن اللقاء متى نُسِبَ إلى الحيِّ السليم من العمى والمانع، اقتضى المعاينة والرؤية (^٣).\nوفي قوله تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾ أجمع أهل اللغة أن اللقاء هاهنا لا يكون إلا معاينة ونظرة بالأبصار (^٤).\nوعلى هذا تُحمل آيات اللقاء كقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ﴾، وقوله تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾، وقوله: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ﴾، وقوله: ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ﴾ [سورة البقرة: ٢٤٩]، والله أعلم.\nالجواب على قول الجبائي بنفي رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة:\nاحتج الجبائي ومن معه من المعتزلة على نفي رؤية المؤمنين لربهم ﵎ يوم\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في الاعتقاد والهداية (ص: ١٢٧)، وانظر: موسوعة التفسير بالمأثور: مجموعة من المؤلفين (١٣/ ٧١٧).\n(^٢) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (١٥/ ٤٣٩)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٧/ ٢٣٩٥) برقم: (١٣٠١٦).\n(^٣) انظر: حادي الأرواح: ابن القيم (٢/ ٦٠٨)، وانظر: العواصم القواصم: ابن الوزير (٥/ ١١٠).\n(^٤) انظر: الإبانة الكبرى: ابن بطة (٧/ ٦٣)، وانظر: مجموع الفتاوى: ابن تيمية (٦/ ٤٨٩).","vol":"2","page":759},{"text":"القيامة بقوله تعالى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾. وقالوا: إن اللقاء في هذه الآية لا يفيد رؤيته تعالى، للإجماع على أن الكفار لا يرونه تعالى، فلا تُفيدها باقي الآيات المثبتة للقاء المؤمنين لربهم.\nوالجواب على هذا الاستدلال من أوجه:\nالأول: أن رؤية المؤمنين لربهم ﵎ ثابتة بنصوص الكتاب والسنة والإجماع (^١)، فلا يجوز أن تُضرب هذه النصوص المُحكمة، ويؤخذ بنصوص رُبما يدل ظاهرها على نفي الرؤية.\nالثاني: أن تقدير الضمير في قوله تعالى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ له احتمالات أخرى: فيحتمل أن الضمير في قوله: ﴿يَلْقَوْنَهُ﴾ يعود إلى ضمير الفاعل في ﴿فَأَعْقَبَهُمْ﴾ المقدر بقولنا \"هو\"، ويحتمل أن يعود إلى النفاق مجازًا على تقدير الجزاء\" (^٢).\nالثالث: على التسليم بأن اللقاء في قوله تعالى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ يدل على نفي الرؤية؛ فلا يلزمنا ذلك في سائر الصُّور، - يعني في الآيات الأخرى التي تُثبت اللقاء- كما إذا أدخلنا التَّخصيصَ في بعض العمومات لدليل منفصل؛ فلا يلزمنا أن نُخَصّصَ جميع العمومات من غير دليل فكما لا يلزمنا هذا لا يلزمنا ذلك، فاللقاء أعم من الرؤية فقد يقتضي الرؤية في بعض المواطن وقد لا يقتضيها (^٣).\nالرابع: أن قول الجبائي: \" أن الكفار لا يرون الله تعالى يوم القيامة بالإجماع\"، ليس على إطلاقه، فقد ثبت في الصحيح ما يدل على أن الكفار يرون الله تعالى يوم القيامة.\nفقد روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة أنَّ أُناسًا قالوا: يا رسول اللَّهِ هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال رسول اللَّه ﷺ: \"هل تضارُّون في رؤية القمرِ ليلةَ البدرِ؟\n_________\n(^١) انظر ما تقدم إيراده من النصوص في إثبات الرؤية في مسألة رقم: (٥) ص: (١٦٩).\n(^٢) انظر: أحكام القرآن: ابن العربي (٢/ ٥٥٤)، وانظر: نفح الطيب: التلمساني (٢/ ٤٠).\n(^٣) انظر: اللباب: ابن عادل الحنبلي (١٠/ ١٥٤).","vol":"2","page":760},{"text":"قالوا: لا يا رسول اللَّه، قال: هل تضارُّون في رؤية الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا، قال: فإنَّكم ترونه كذلك، يجمعُ اللَّهُ النَّاس يوم القيامة فيقول: من كان يعبد شيئًا فليتبعه، فيتَّبع من كان يعبد الشمسَ الشمسَ، ويتبع من كان يعبد القمرَ القَمَرَ، ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها، فيأتيهم اللَّهُ ﵎ في صورةٍ غير صورته التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ باللَّه منك، هذا مكاننا حتَّى يأتينا ربنا، فإذا جاء ربنا عرفناه، فيأتيهم اللَّه ﷿ في صورته التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا فيتبعونه، ويضرب الصراط بين ظَهْرَانَي جهنَّم، فأكون أنا وأمتي أَوَّلَ من يُجِيْزُ\"، الحديث (^١).\nفرؤية الكفار التي دل عليها الحديث ليست كرامة ولا نعيما؛ إذ \" اللقاء \" ينقسم إلى لقاء على وجه الإكرام ولقاء على وجه العذاب فهكذا الرؤية التي يتضمنها اللقاء (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-645> النتيجة:</span>\nمن خلال ما تقدم ذكره في هذه المسألة من أقوال أهل العلم، يتبين أن الحق هو الذي عليه أصحاب القول الأول من أهل السنة والجماعة، أن آيات إثبات لقاء المؤمنين لربهم دالة على إثبات رؤية الله تعالى يوم القيامة، لما تقدم إيراده من الأوجه الدالة على ذلك.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى ﴿وجوه يومئذ ناضرة﴾، برقم: (٧٤٣٧)، وأخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية، برقم: (١٨٢).\n(^٢) انظر: مجموع الفتاوى: ابن تيمية (٦/ ٤٦٧)، وانظر: العواصم القواصم: ابن الوزير (٥/ ١١٠).","vol":"2","page":761},{"text":"<span data-type='title' id=toc-646>١٢٥ - قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [سورة التوبة: ١٠٣].</span>\nروي عن عبد الله بن أبي أوفى (^١)، وكان من أصحاب الشجرة قال: كان النبي ﷺ إذا أتاه قوم بصدقة قال: اللهم! صل عليهم، فأتاه أبي بصدقته فقال: اللهم! صل على آل أبي أوفى (^٢).\nقال ابن كثير: وفي الحديث الآخر أن امرأة قالت: يا رسول الله! صل علي وعلى زوجي، فقال: صلى الله عليك وعلى زوجك (^٣).\nقال القاسمي: أقول: وبهذين الحديثين يرد على من زعم أن المراد ب ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ الصلاة على الموتى (^٤).\n\n•<span data-type='title' id=toc-647> أقوال أهل العلم في المراد من الصلاة في قوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾:</span>\nالقول الأول: أن المراد من الصلاة في قوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾: الدعاء لهم - يعني: للمتصدق-.\nالقول الثاني: أن المراد من الصلاة في قوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾: الصلاة على الموتى.\n_________\n(^١) وهو: عبد الله بن أبي أوفى الأسلمي من أصحاب الشجرة، غزا مع النبي ﷺ ست غزوات، يكنى: أبا معاوية، كان يصبغ لحيته ورأسه بالحناء، وله ضفيرتان، كف بصره في آخر عمره، مات سنة ٨٦ هـ. ينظر: معرفة الصحابة: أبو نعيم (٣/ ١٥٩٢).\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب الزكاة، باب صلاة الإمام ودعائه لصاحب الصدقة، برقم: (١٤٩٧)، وأخرجه مسلم، كتاب الزكاة، باب الدعاء لمن أتى بصدقة، برقم: (١٠٧٨).\n(^٣) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الصلاة، باب الصلاة على غير النبي برقم: (١٥٣٣) وحسنه الحافظ ابن حجر في فتح الباري (٧/ ٣٩٨)، وانظر: تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٤/ ٣٤٣).\n(^٤) محاسن التأويل: القاسمي (٨/ ٣٢٥٤).","vol":"2","page":762},{"text":"أصحاب القول الأول:\nابن قتيبة: \" ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ أي: ادع لهم، إنّ ذلك مما يسكّنهم وتطمئن إليه قلوبهم\" (^١).\nالطبري: \" ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ يقول: وادع لهم بالمغفرة لذنوبهم، واستغفر لهم منها\" (^٢).\nالزجاج: \" ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ أي ادع لهم. و﴿سَكَنٌ﴾ أي: يسكنون بها (^٣).\nالسمعاني: \" ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ وادع لهم ﴿إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ أي: دعاؤك سكن لهم، أي: سكون لهم، أي: دعاؤك سكن لهم وطمأنينة وتثبيت\" (^٤).\nأصحاب القول الثاني:\nظاهر قول الماتريدي: \"يحتمل أن اللَّه أمر رسوله أن يستغفر لهم ويصلي عليهم، ثم لا يحتمل أن يأمره بذلك فلا يفعل، أو يفعل فلا يجيبه، فكانت قلوبهم تسكن، وتطمئن باستغفار النبي لهم لما قبلت توبتهم، وكفرت سيئاتهم، واللَّه أعلم\" (^٥).\nالكرماني: \" ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ إذا ماتوا خلاف من نُهيتَ عن الصلاة عليه بقوله: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ \" (^٦).\nأبو حيان: \"وصل عليهم أي ادع لهم، أو استغفر لهم، أو صل عليهم إذا ماتوا، أقوال\" (^٧).\n_________\n(^١) تأويل مشكل القرآن: ابن قتيبة (ص: ٢٥٥).\n(^٢) جامع البيان: الطبري (١١/ ٦٥٩).\n(^٣) معاني القرآن: الزجاج (٢/ ٤٦٧).\n(^٤) تفسير القرآن: السمعاني (٢/ ٣٤٥)، وانظر: معالم التنزيل: البغوي (٤/ ٩١).\n(^٥) تأويلات أهل السنة: الماتريدي (٥/ ٤٦٦)، بتصرف.\n(^٦) غرائب التفسير: الكرماني (١/ ٤٦٥).\n(^٧) البحر المحيط: أبو حيان (١١/ ٤٢١).","vol":"2","page":763},{"text":"قال بعض المفسرين: أراد الصلاة المعلومة صلاة الجنائز (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-648> دراسة المسألة:</span>\nمن خلال ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الصواب هو ما عليه أصحاب القول الأول من أن المراد من قوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾: الدعاء للمتصدقين والاستغفار لهم، وهو الذي عليه أكثر العلماء والمفسرين (^٢)، وليس الصلاة على الموتى، وذلك من أوجه:\nالأول: أن هذا القول هو المروي عن جماعة من السلف، ولم يُعلم أحد ممن خالفهم في عصرهم ممن قال بأن المراد من الصلاة: الصلاة على الموتى، وهم أعلم بكتاب الله ممن جاء بعدهم.\nفقد أخرج ابن أبي حاتم بإسناده عن ابن عباس: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ يقول: استغفر لهم (^٣).\nوأخرج بإسناده عن السدي، قوله: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ يقول: ادع لهم (^٤).\nوقال مقاتل: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ يعني: واستغفِر لهم (^٥).\nالثاني: أن هذا القول يؤيده سبب النزول: فقد أخرج الطبري بإسناده عن ابن عباس، قال: \" جاءوا بأموالهم يعني أبا لبابة وأصحابه حين أطلقوا فقالوا: يا رسول الله هذه أموالنا فتصدق بها عنا واستغفر لنا قال: «ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئا». فأنزل الله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ \" (^٦).\n_________\n(^١) انظر: أحكام القرآن: ابن الفرس (٣/ ١٩٣)، وانظر: الإكليل: السيوطي (ص: ١٤٤).\n(^٢) نص على هذا مكي بن أبي طالب. ينظر: الهداية (٤/ ٣١٤٥).\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٦/ ١٨٧٦) برقم: (١٠٣٠٤).\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٦/ ١٨٧٦) برقم: (١٠٣٠٥).\n(^٥) تفسير مقاتل (٢/ ١٩٤).\n(^٦) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (١١/ ٦٥٩) بإسناد جيد. ينظر: موسوعة التفسير بالمأثور: مجموعة من المؤلفين (١٠/ ٦١٩).","vol":"2","page":764},{"text":"الثالث: الشواهد القرآنية الدالة على أن المراد من الأمر بالصلاة في الآية: الدعاء. ومن ذلك: قوله جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [سورة الأحزاب: ٥٦] فالمعنى: إن الله يغفر للنبي، والملائكة تدعو له بالمغفرة، فادعوا له أيها المؤمنون بالمغفرة (^١).\nالرابع: من حيث سياق الآيات: فظاهرها يدل على أن المراد من الصلاة: الدعاء والاستغفار، ويدل على ذلك أن بعد ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [سورة التوبة: ١٠٤] (^٢).\nفالأصل أن لفظ الصلاة يجب أن يُحمل على الحقيقة الشرعية، ولكن في هذا الموضع قُدّمت الحقيقة اللغوية لوجود القرينة (^٣).\nالخامس: من حيث دلالة السنة: فقد روى أبو داود في سننه من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب، فإن كان مفطرًا فليطعم، وإن كان صائمًا فليصل\" (^٤).\nوالمعنى: وإن كان صائمًا فليدع لأهل الطعام بالخير والبركة، وكل داع فهو مصل (^٥).\nالسادس: من حيث اللغة: فيجوز أن يكون المراد من الصلاة الدعاء، وبهذا يقول كثير من أهل اللغة: بأن الصلاة هي الدعاء، والتبريك والتمجيد، يقال: صليت عليه، أي: دعوت له وزكيت (^٦).\n_________\n(^١) انظر: التصاريف: يحيى بن سلام (ص: ١٦٦).\n(^٢) انظر: الناسخ والمنسوخ: النحاس (ص: ٥٢٥).\n(^٣) انظر: البرهان: الزركشي (٢/ ١٦٧)، وانظر: الإتقان: السيوطي (٤/ ٢١٨)، وانظر: الزيادة والإحسان: ابن عقيلة المكي (٧/ ٤٤٧).\n(^٤) أخرجه أبوداود في سننه، كتاب الصوم، باب في الصائم يدعى إلى وليمة، برقم: (٢٤٦٠) قال الألباني: حديث صحيح.\n(^٥) انظر: تهذيب اللغة للأزهري (١٢/ ١٦٥)، باب الصاد واللام من المعتل.\n(^٦) انظر: المفردات: الراغب الأصفهاني (ص: ٤٩٠، ٤٩١).","vol":"2","page":765},{"text":"قال الأعشى:\nوَقَابَلَهَا الرِّيحُ فِي دَنِّهَا … وَصَلَّى عَلَى دَنِّهَا وَارْتَسَمَ (^١).\nقوله: \" وقابلها الريح\" أي\" جعلها قبالة مهب الريح، والدنان: كهيئة الحب. وقوله: \"وَصَلَّى عَلَى دَنِّهَا وَارْتَسَمَ\" أي دعا لها بالسلامة والبركة، ارتسم الرجل: كبر ودعا وتعوذ، مخافة أن يجدها قد فسدت، فتبور تجارته (^٢).\nوقال أيضا:\nتَقُولُ بِنْتِي وَقَدْ قَرُبْتُ مُرْتَحِلًا … يَا رَبِّ جَنِّبْ أَبِي الْأَوْصَابَ وَالْوَجَعَا\nعَلَيْكَ مِثْلُ الَّذِي صَلَّيْتِ فَاغْتَمِضِي … نَوْمًا فَإِنَّ لِجَنْبِ الْمَرْءِ مُضْطَجَعَا (^٣).\nوالمعنى: أن أبا البنت يأمرها بأن تكرر الدعاء له بمثل دعائها المتقدم.\nويروى البيت (عليك مثلُ) بالرفع، فيكون دعاء من أبي البنت بأن ينالها من الخير مثل الذي دعت به له (^٤).\n\n•<span data-type='title' id=toc-649> النتيجة:</span>\nبعد ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الصواب هو ما عليه أصحاب القول الأول من أن المراد من قوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ أي: أدع لهم واستغفر لهم، وليس المراد: الصلاة على الموتى، لما تقدم إيراده من الأوجه الدالة على ذلك، والله أعلم.\n_________\n(^١) ديوان الأعشى (ص ٣٥) من قصيدة يمدح فيها قيس بن معد يكرب، وانظر: تهذيب اللغة: الأزهري (٩/ ١٣٨)، وانظر: معجم مقاييس اللغة\" لابن فارس (٣/ ٣٠٠)، وانظر: المخصص: ابن سيده (٤/ ٥٥).\n(^٢) انظر: تهذيب اللغة: الأزهري (٩/ ١٣٨)، وانظر: الكشف والبيان: الثعلبي (١٤/ ٣٩)، وانظر: الصحاح: الجوهري (٥/ ١٩٣٣)، وانظر: لسان العرب: ابن منظور (١٣/ ١٥٩).\n(^٣) ديوان الأعشى (ص: ١٠١).\n(^٤) انظر: لسان العرب: ابن منظور (١٤/ ٤٦٥).","vol":"2","page":766},{"text":"<span data-type='title' id=toc-650>١٢٦ - قوله تعالى: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [سورة التوبة: ١٠٨].</span>\nذهب أبو العالية والأعمش إلى أن المراد من الطهارة في الآية، الطهارة من الذنوب (^١)، والتوبة منها، والتطهر من الشرك.\nقال الرازي: وهذا القول متعين، لأن التطهر من الذنوب والمعاصي هو المؤثر في القرب من الله تعالى، واستحقاق ثوابه ومدحه، ولأنه تعالى وصف أصحاب مسجد الضرار بمضارة المسلمين، والكفر بالله، والتفريق بين المسلمين، فوجب كون هؤلاء بالضد من صفاتهم، وما ذاك إلا كونهم مبرئين عن الكفر والمعاصي انتهى (^٢).\nقال القاسمي: أقول: لا تسلم دعوى التعين، فإن اللفظ يتناول الطهارتين الباطنة والظاهرة. بل الثانية ما رواه أصحاب السنن والإمام أحمد وابن خزيمة في صحيحه أن النبي ﷺ قال لأهل قباء: قد أثنى الله عليكم في الطهور، فماذا تصنعون؟ فقالوا: نستنجي بالماء (^٣).\n\n•<span data-type='title' id=toc-651> أقوال أهل العلم في المراد من الطهارة في قوله تعالى: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾:</span>\nالقول الأول: أن المراد: الطهارة المعنوية، وهي الطهارة الباطنة من الذنوب والمعاصي والشرك.\nالقول الثاني: أن المراد: الحسية والمعنوية، وهي الطهارة الباطنة من الذنوب، والطهارة الظاهرة من النجاسة.\n_________\n(^١) أخرج عن الأعمش ابن أبي حاتم في تفسيره (٦/ ١٨٨٣) برقم: (١٠٠٨٥) وأورد قول أبي العالية الماوردي في النكت والعيون (٢/ ٤٠٣)، وابن الجوزي في زاد المسير (٢/ ٣٠١).\n(^٢) مفاتيح الغيب: الرازي (١٦/ ١٤٨).\n(^٣) محاسن التأويل: القاسمي (٨/ ٣٢٧٠).","vol":"2","page":767},{"text":"أصحاب القول الأول:\nالحسن البصري: \" ﴿يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ يتطهرون من الذنوب\" (^١).\nالقشيري: \" ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾: يتطهرون عن المعاصي وهذه سمة العابدين، ويتطهرون عن الشهوات والأمانى وتلك صفة الزاهدين، ويتطهرون عن محبة المخلوقين\" (^٢).\nالبيضاوي: \"فيه رجال يحبون أن يتطهروا من المعاصي والخصال المذمومة طلبا لمرضاة الله ﷾\" (^٣).\nالنخجواني: \" ﴿أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ عن المعاصي والآثام ويتوجهوا نحو الحق برفض الشواغل ونفض العوائق والعلائق ﴿وَاللَّهُ﴾ المطلع بنياتهم ﴿يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ القاصدين تطهير ذواتهم عن التوجه الى ما سوى الحق المطلق بل عن هوياتهم وتعيناتهم الباطلة مطلقا\" (^٤).\nأصحاب القول الثاني:\nالطبري: \"يقول تعالى ذكره في حاضري المسجد الذي أُسس على التقوى من أول يوم رجال يحبون أن ينظفوا مقاعدهم بالماء إذا أتوا الغائط، واللَّه يحب المتطهرين بالماء\" (^٥).\nالماتريدي: \"يحتمل: أي: فيه رجال يؤثرون التطهر بالإيمان، والتوحيد، والصلاة فيه، ويحتمل ما ذكر أهل التأويل من التطهير من الأقذار والأنجاس\" (^٦).\n_________\n(^١) انظر: أحكام القرآن: الجصاص (٤/ ٣٦٨)، وانظر: البسيط: الواحدي (١١/ ٥١)، وانظر: الكشاف: الزمخشري (٢/ ٣١١)، وانظر: البحر المحيط: أبو حيان (١١/ ٤٣١)، وانظر: السراج المنير: الشربيني (١/ ٦٥١).\n(^٢) لطائف الإشارات: القشيري (٢/ ٦٢).\n(^٣) أنوار التنزيل: البيضاوي (٣/ ٩٨)، وانظر: فتوح الغيب: الطيبي (٧/ ٣٦٣).\n(^٤) الفواتح الإلهية: النخجواني (١/ ٣١٩).\n(^٥) جامع البيان: الطبري (١١/ ٦٨٨).\n(^٦) تأويلات أهل السنة: الماتريدي (٥/ ٤٨٢).","vol":"2","page":768},{"text":"السمرقندي: \" ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾، يعني: الاستنجاء بالماء، ويقال: ﴿يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ يعني: يطهروا أنفسهم من الذنوب\" (^١).\nالسعدي: \" ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ من الذنوب، ويتطهروا من الأوساخ، والنجاسات والأحداث\" (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-652> دراسة المسألة:</span>\nمن خلال استقراء ما ذكره المفسرون وأهل العلم في بيان معنى الطهارة الواردة في الآية، يتبين أن المراد من الطهارة: الطهارة الحسية، ولا مانع أن تكون الطهارة المعنوية مشمولة معها، وهو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني، وذلك من أوجه:\nالأول: إقرار النبي ﷺ على فعل الأنصار في مسجد قباء أو في مسجده - على خلاف بين المفسرين في المراد من المسجد الذي جاء ذكره في الآية- عندما قال لهم: «يا معشر الأنصار، إن الله قد أثنى عليكم في الطهور، فما طهوركم؟» قالوا: نتوضأ للصلاة، ونغتسل من الجنابة، ونستنجي بالماء. قال: «فهو ذاك، فعليكموه» (^٣).\nوجاء عن عُوَيْم بن ساعدة الأنصاري: أنّ النبيَّ ﷺ أتاهم في مسجد قباء، فقال: «إنّ الله قد أحسن عليكم الثَّناءَ في الطهور في قصة مسجدكم، فما هذا الطهور الذي تَطَّهَّرون به؟». قالوا: واللهِ، يا رسول الله، ما نعلم شيئًا إلا أنّه كان لنا جِيران مِنْ اليهود، فكانوا يغسِلون أدبارَهم مِنْ الغائط، فغسلنا كما غسلوا» (^٤).\n_________\n(^١) بحر العلوم: السمرقندي (٢/ ٨٨).\n(^٢) تيسير الكريم الرحمن: السعدي (ص: ٣٥١)، وانظر: تفسير المراغي (١١/ ٢٧)، وانظر: زهرة التفاسير: أبو زهرة (٧/ ٣٤٤٧).\n(^٣) أخرجه أحمد في مسنده (٢٤/ ٢٣٥)، وابن ماجه في سننه، كتاب الطهارة، باب الإستنجاء بالماء، برقم: (٣٥٥) وأورده الثعلبي في تفسيره (١٤/ ٦٠) والحاكم في مستدركه، في الطهارة (١/ ٢٥٧) وصححه، ووافقه الذهبي، وقال الألباني: صحيح باعتبار شواهده. انظر: \"إرواء الغليل: (١/ ٨٥).\n(^٤) أخرجه أحمد في مسنده (٢٤/ ٢٣٥)، وابن خزيمة في صحيحه (١/ ٨٥)، قال الألباني عن إسناد أحمد: «وهذا إسناد حسن». ينظر: صحيح أبي داود: الألباني (١/ ٧٥).","vol":"2","page":769},{"text":"فدل هذا على أن المراد من الطهارة: الطهارة الحسية: وهي الطهارة من البول والغائط.\nالثاني: من حيث سبب النزول: فقد أخرج ابن جرير الطبري في تفسيره عن عامر الشعبي، قال: \"كان ناس من أهل قباء يستنجون بالماء، فنزلت: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ (^١).\nوأخرج أيضًا عن عطاء بن أبي رباح قال: أحدَث قوم الوضوءَ بالماء من أهل قباء؛ فنزلت فيهم: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ (^٢).\nالثالث: أن القول بأن المراد من الطهارة في الآية الطهارة الحسية من البول والغائط، هو قول عامة المفسرين من السلف كمقاتل، وشهر بن حوشب، وقتادة، والشعبي، والحسن في رواية، وغيرهم (^٣).\nوهو قول أكثر المفسرين (^٤).\nالرابع: من حيث سياق الآية: فإذا تأملت الآية عرفت استعمال القرآن لكلمة الطهارة في معنييها - الطهارة الحسية والمعنوية-، تبين لك أن الآية تُحمل على المعنييْن، فذكر الطهارة بعد الأمر بالوضوء والغسل قرينة المعنى الأول، والسياق العام، وذكر إتمام النعمة بعد الطهارة التي ذكرت بغير متعلق قرينة المعنى الثاني مضمومًا إلى الأول (^٥).\nوهذا الوجه تؤيده القاعدة التي تقدم ذكرها وهي أنه: \"إذا احتمل اللفظ معاني عدة ولم يمتنع إرادة الجمع، حمل عليها\" (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (١١/ ٦٩١).\n(^٢) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (١١/ ٦٩٣، ٦٩٤).\n(^٣) أخرج أقوالهم ابن جرير الطبري في تفسيره (١١/ ٦٨٨ - ٦٩٢)، وانظر: تفسير مقاتل (٢/ ١٩٦). وانظر: الهداية: مكي بن أبي طالب (٤/ ٣١٥٨).\n(^٤) نص على هذا مكي بن أبي طالب في الهداية (٤/ ٣١٥٨)، والخازن في لباب التأويل (٢/ ٤٠٧).\n(^٥) انظر: التفسير والمفسرون في العصر الحديث: د. فضل عباس (٢/ ١٣٠، ١٣١).\n(^٦) انظر تقرير هذه القاعدة في مسألة (٨٧) ص: (٥٦٧).","vol":"2","page":770},{"text":"فإن قيل: لفظ الطَّهارة حقيقة في إزالة النَّجاسات، ومجاز في البراءة عن المعاصي واستعمال اللفظ الواحدة في الحقيقة، والمجاز معًا لا يجوزُ.\nفالجوابُ: أنَّ لفظ النَّجس اسم للمستقذر، وهذا القذرُ مفهوم مشترك فيه بين القسمين، فزال السُّؤال (^١).\nتنبيه:\nاختلف أهل العلم في صحة إسناد ما روي عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ، قال: \"نزلت هذه الآية في أهل قباء: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ \"، قال: «كانوا يستنجون بالماء، فنزلت فيهم هذه الآية» (^٢). فمن أهل العلم من يرى أن إسناد الرواية صحيح، ومنهم من يرى عكس ذلك (^٣)، ولا شك أن هذه الرواية لو كانت صحيحة عند أكثر أهل العلم لكانت حجة لأصحاب القول الثاني، من حيث سبب النزول، فإن النبي ﷺ أعلم بتفسير كتاب الله من غيره.\n\n•<span data-type='title' id=toc-653> النتيجة:</span>\nيتبين بعد ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني من أن المراد بالطهارة في الآية: الطهارة الحسية، ولا يمنع أن تتضمن: الطهارة المعنوية، لما تقدم إيراده من الأوجه المؤيدة لذلك، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: اللباب: ابن عادل الحنبلي (١٠/ ٢١٠، ٢١١).\n(^٢) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الطهارة، باب في الاستنجاء بالماء، برقم: (٤٤) قال الألباني: حديث صحيح، وأخرج بنحوه ابن جرير الطبري في تفسيره (١١/ ٦٩٣).\n(^٣) ذهب إلى صحة هذه الرواية: الألباني في إرواء الغليل (١/ ٨٤)، بينما ذهب النووي وغيره إلى تضعيف الرواية. ينظر: المجموع: النووي (٢/ ٩٩)، وانظر: البدر المنير: ابن الملقن (٢/ ٣٧٦).","vol":"2","page":771},{"text":"<span data-type='title' id=toc-654>١٢٧ - قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [سورة التوبة: ١١٥].</span>\nقال القاسمي: وقف كثير من المفسرين بالآية هنا، أعني قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا﴾ الآية- على ما روي في الآية قبلها، من نزولها في استغفار وقع من المؤمنين للمشركين، فربطوا هذه الآية بتلك، على الرواية المذكورة، ونزلوها على المؤمنين، فقالوا: وما كان الله ليضل قوما أي ليحكم عليهم باستغفارهم للمشركين بالضلال بعد إذ هداهم بالنبوة والإيمان، حتى يتقدم إليكم بالنهي عنه، فتتركوا، فأما إذا لم يبين فلا ضلال، إلى آخر ما قالوه …\nوما أبعده من تفسير وتأويل والرازي ذكره وجها (^١)، وأشفعه بما اعتمدناه، وهو الحق (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-655> أقوال أهل العلم في المراد قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا﴾:</span>\nالقول الأول: أن المراد: لا ينزع الله الإيمان عن قلوب المؤمنين بعد أن هداهم إلى الإيمان، حتى يبين لهم الحدود والفرائض، فإذا تركوا ذلك ولم يروه حقًا، عذبهم الله تعالى.\nالقول الثاني: أن المراد: وما كان الله ليقضي عليكم في استغفاركم لموتاكم المشركين بالضلال بعد إذ رزقكم الهداية ووفقكم للإيمان به وبرسوله، حتى يتقدم إليكم بالنهي عنه فتتركون الانتهاء عنه.\nأصحاب القول الأول:\nالقرطبي: \"أي ما كان الله ليوقع الضلالة في قلوبهم بعد الهدى حتى يبين لهم ما يتقون فلا يتقوه فعند ذلك يستحقون الإضلال\" (^٣).\n_________\n(^١) انظر: مفاتيح الغيب: الرازي (١٦/ ١٦٠).\n(^٢) محاسن التأويل: القاسمي (٨/ ٣٢٨٤).\n(^٣) الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (١٠/ ٤٠٥).","vol":"2","page":772},{"text":"الحداد: \"معناها: وما كان الله ليضلّ عمل قوم وينزل قوما منزلة الضّلال بعد إذ هداهم للإيمان حتى يبيّن لهم ما يتّقون من المعاصي، ويقال: حتى يبيّن الناسخ من المنسوخ\" (^١).\nالسعدي: \"يعني أن الله تعالى إذا منَّ على قوم بالهداية، وأمرهم بسلوك الصراط المستقيم، فإنه تعالى يتمم عليهم إحسانه، ويبين لهم جميع ما يحتاجون إليه، وتدعو إليه ضرورتهم، فلا يتركهم ضالين، جاهلين بأمور دينهم\" (^٢).\nأصحاب القول الثاني:\nالطبري: \"يقول تعالى ذكره: وما كان الله ليقضي عليكم في استغفاركم لموتاكم المشركين بالضلال بعد إذ رزقكم الهداية ووفقكم للإيمان به وبرسوله، حتى يتقدم إليكم بالنهي عنه فتتركون الانتهاء عنه؛ فأما قبل أن يبين لكم كراهية ذلك بالنهي عنه ثم تتعدوا نهيه إلى ما نهاكم عنه، فإنه لا يحكم عليكم بالضلال\" (^٣).\nالثعلبي: \" وما كان الله ليحكم عليكم بالضلال بعد استغفاركم للمشركين قبل أن يتقدم إليكم بالنهي\" (^٤).\nمكي بن أبي طالب: \"المعنى: ما كان الله ليضلكم بالاستغفار للمشركين، بعد إذ هداكم للإيمان، حتى يتقدم إليكم بالنهي عن ذلك، وبينه لكم فتتقوه\" (^٥).\nالبغوي: \" معناه: ما كان الله ليحكم عليكم بالضلالة بترك الأوامر باستغفاركم للمشركين، ﴿حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ يريد حتى يتقدم إليكم بالنهي، فإذا تبين ولم تأخذوا به فعند ذلك تستحقون الضلال\" (^٦).\n_________\n(^١) كشف التنزيل: الحداد (٣/ ٣٦٥).\n(^٢) تيسير الكريم الرحمن: السعدي (ص: ٣٥٣).\n(^٣) جامع البيان: الطبري (١٢/ ٤٦).\n(^٤) الكشف والبيان: الثعلبي (١٤/ ١٠٣).\n(^٥) الهداية: مكي بن أبي طالب (٤/ ٣١٧٦).\n(^٦) معالم التنزيل: البغوي (٤/ ١٠٣).","vol":"2","page":773},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-656> دراسة المسألة:</span>\nمن خلال النظر فيما ذكره المفسرون وأهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن أكثر المفسرين بحسب الاستقراء، ذهبوا إلى أن المراد من الآية: أن الله تعالى لا يؤاخذ المؤمنين إذا استغفروا للمشركين قبل أن يتبين لهم النهي عن الاستغفار للمشركين، وهو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني، وهذا هو الأظهر وذلك من وجهين:\nالأول: من حيث مناسبة الآية لما قبلها: فإنه تعالى لما بين أنه لا يستغفر للمشركين ولو كانوا أولي قربى، كان في هذه الآية وفي التي بعدها تباين ما بين القرابة حتى منعوا من الاستغفار لهم، فمنع ﷺ من الاستغفار لعمه أبي طالب وهو الذي تولى تربيته ونصره وحفظه إلى أن مات، ومنع إبراهيم من الاستغفار لأبيه وهو أصل نشأته ومربيه، وكذلك منع المسلمون من الاستغفار للمشركين أقرباء وغير أقرباء، فكأنه قيل: لا تعجب لتباين هؤلاء، هذا خليل الله، وهذا حبيب الله، والأقرباء المختصون بهم المشركون أعداء الله، فإضلال هؤلاء لم يكن إلا بعد أن أرشدهم الله إلى طريق الحق (^١).\nالثاني: من حيث ما ورد في نزول الآية: وذلك أن بعض الصحابة خاف على نفسه من الاستغفار للمشركين دون أمر من الله تعالى فنزلت الآية مؤنسة، أي ما كان الله بعد أن هدى إلى الإسلام وأنقذ من النار ليحبط ذلك ويضل أهله لمواقعتهم ذنبا لم يتقدم منه نهي عنه، فأما إذا بين لهم ما يتقون من الأمور ويتجنبون من الأشياء فحينئذ من واقع بعد النهي استوجب العقوبة (^٢).\nفإن قيل: ذكر بعض المفسرين سببًا لنزول الآية ظاهره يدل على أنها نزلت في قوم لم يستغفروا للمشركين، وهو: أن الله تعالى أنزل الفرائض على رسوله، فعمل بها رسول الله ﷺ. ثم إن الله تعالى أنزل ما ينسخ به الأمر الأول، وقد غاب الناس عن النبيّ ﷺ فلم يبلغهم ذلك، فعملوا بالمنسوخ، وكانوا يصلون إلى القبلة الأولى ولا يعلمون، ويشربون\n_________\n(^١) انظر: المحرر الوجيز: ابن عطية (٥/ ١٢٠)، وانظر: لباب التأويل: الخازن (٢/ ٤١٣)، وانظر: التسهيل: ابن جزي (١/ ٣٤٩)، وانظر: فتح القدير: الشوكاني (٢/ ٤٦٩).\n(^٢) انظر: البسيط: الواحدي (١١/ ٧٨، ٧٩)، وانظر: البحر المحيط: أبو حيان (١١/ ٤٥٠).","vol":"2","page":774},{"text":"الخمر ولا يعلمون تحريمها، فذكروا ذلك للنبي ﷺ، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ﴾ وإن عملوا بالمنسوخ، ﴿حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾، يعني: ما نسخ من القرآن، يعني: إنه قبل منهم ما عملوا بعد النسخ ولا يؤاخذهم بذلك (^١).\nفدل هذا السبب على هذا المراد: وهو فعل المؤمنين من صلاتهم نحو القبلة الأولى وهي بيت المقدس قبل علمهم بالنسخ، وليس أن الآية خطاب للمؤمنين فيكون المراد: وما كان الله ليقضي عليكم في استغفاركم لموتاكم المشركين بالضلال بعد إذ رزقكم الهداية ووفقكم للإيمان به وبرسوله، حتى يتقدم إليكم بالنهي عنه فتتركون الانتهاء عنه.\nوالجواب: لا مانع أن يكون هذا السبب داخلا من حيث العموم في معنى الآية، وتكون الآية شاملة للمعنيين: فلا يضل الله قومًا استغفروا للمشركين لعدم علمهم بالنهي عن ذلك، وكذا لا يضل الله قومًا عملوا بالمنسوخ، وصلوا نحو بيت المقدس، قبل علمهم بالناسخ، والله أعلم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-657> النتيجة:</span>\nبعد ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الأقرب للصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني، من أن المراد من الآية: وما كان الله ليحكم عليكم بالضلال في استغفاركم لموتاكم المشركين لعدم علمكم بالنهي، لما تقدم إيراده من الوجهيْين الدالين على ذلك، خلافًا لما ذهب إليه القاسمي ﵀، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: تفسير مقاتل: (٢/ ٢٠٠)، وانظر: بحر العلوم: السمرقندي (٢/ ٩٢)، وانظر: معالم التنزيل: البغوي (٤/ ١٠٣).","vol":"2","page":775},{"text":"<span data-type='title' id=toc-658>١٢٨ - قوله تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة التوبة: ١١٧].</span>\nنقل الرازي عن أبي مسلم أنه يجوز أن يكون المراد بـ (ساعة العسرة) جميع الأحوال والأوقات الشديدة على الرسول، وعلى المؤمنين، فيدخل فيه غزوة الخندق وغيرها ..... إلى أن قال: والمقصود منه وصف المهاجرين والأنصار بأنهم اتبعوا الرسول ﷺ في الأوقات الشديدة، والأحوال الصعبة (^١).\nقال القاسمي: أقول: هذا الاحتمال، وإن كان مما يسعه اللفظ الكريم، إلا أنه يبعده عنه سياق الآية، وسباقها، القاصران على غزوة تبوك (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-659> أقوال أهل العلم في المراد من ساعة العسرة في قوله تعالى: ﴿فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾:</span>\nالقول الأول: أن المراد: وقت العسرة في غزوة تبوك.\nالقول الثاني: أن المراد من ساعة العسرة: جميع الأحوال والأوقات الشديدة على الرسول، وعلى المؤمنين، فيدخل فيه غزوة الخندق وغيرها.\nأصحاب القول الأول:\nمجاهد: \" ﴿فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ في غزوة تبوك \"، وبنحو ذلك رُوي عن مقاتل، وعبد الله بن محمد بن عقيل (^٣)، وقتادة (^٤).\n_________\n(^١) انظر: مفاتيح الغيب: الرازي (١٦/ ١٦٢، ١٦٣).\n(^٢) محاسن التأويل: القاسمي (٨/ ٣٢٨٦، ٣٢٨٧).\n(^٣) وهو: عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب الهاشمي، أمه زينب الصغرى بنت علي ﵁، وكان من سادات المسلمين من فقهاء أهل البيت وقرائهم، إلا أنه كان رديء الحفظ، كان يحدث على التوهم. ينظر: المجروحين: ابن حبان (١/ ٤٩٤).\n(^٤) أخرج أقوالهم ابن جرير الطبري في تفسيره (١٢/ ٥٠، ٥١)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٦/ ١٨٩٨، ١٨٩٩)، وانظر: تفسير مقاتل بن سليمان (٢/ ٢٠٠، ٢٠١).","vol":"2","page":776},{"text":"الجصاص: \" ﴿سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ والعسرة هي شدة الأمر وضيقه وصعوبته وكان ذلك في غزوة تبوك\" (^١).\nمكي بن أبي طالب: \" ﴿الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ وهي غزوة تبوك، خرجوا في حر شديد، فاشتد عليهم العطش، فكانوا ينحرون إبلهم، ويعصرون كروشها، ويشربون ماءها، فهي العسرة التي لحقتهم\" (^٢).\nالسمعاني: \" ﴿الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ معناه: في وقت العسرة، وكانت غزوة تبوك تسمى غزوة العسرة\" (^٣).\nأصحاب القول الثاني:\nأبو مسلم الخرساني: وتقدم قوله.\nالكرماني: \" ﴿فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ يريد غزوة تبوك، وقيل: هي وغيرها من الحروب\" (^٤).\n\n•<span data-type='title' id=toc-660> دراسة المسألة:</span>\nالناظر في أقوال أهل العلم والمفسرين في المراد من: ساعة العسرة في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ يلاحظ أن أكثرهم يقولون أن المراد منها: غزوة تبوك، وهو الذي عليه أصحاب القول الأول، وهذا هو الصواب، وذلك من أوجه:\nالأول: أن هذا القول هو الذي عليه جماعة من السلف، ولم يُعلم لهم مخالف في عصرهم، وهم أعلم بكتاب الله ممن جاء بعدهم، وقد نص الشوكاني بأن الرواة اتفقوا أن\n_________\n(^١) أحكام القرآن: الجصاص (٤/ ٣٦٩)، وانظر: أحكام القرآن: ابن العربي (٢/ ٥٩٥).\n(^٢) الهداية: مكي بن أبي طالب (٤/ ٣١٧٨).\n(^٣) تفسير القرآن: السمعاني (٢/ ٣٥٥).\n(^٤) لباب التفاسير: الكرماني (ص: ٦٥٤).","vol":"2","page":777},{"text":"ساعة العسرة هي غزوة تبوك (^١).\nالثاني: أن هذا القول تؤيده الآثار الواردة في شأن العُسرة، وأن المراد من ذلك: غزوة تبوك.\nومن ذلك: ما أخرجه الطبري بسنده عن ابن عباس ﵁، أنه قيل لعمر بن الخطاب رحمة الله عليه في شأن العسرة، فقال عمر: \" خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى تبوك في قيظ شديد، فنزلنا منزلا أصابنا فيه عطش، حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع، حتى أن كان الرجل ليذهب يلتمس الماء فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع، حتى إن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه، ويجعل ما بقي على كبده\" الأثر (^٢).\nالثالث: أن هذا القول يؤيده ما ورد في نزول الآية، فقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن كعب بن مالك ﵁ يحدث حين تخلف عن قصة تبوك: فواللَّه ما أعلم أحدًا أبلاه الله في صدق الحديث أحسن مما أبلاني، ما تعمدت منذ ذكرت ذلك لرسول الله ﷺ إلى يومي هذا كذبًا، وأنزل اللَّه ﷿ على رسوله ﷺ: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ إلى قوله: ﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (^٣).\nالرابع: من حيث سياق الآيات ومناسبة الآية لما قبلها: وذلك أنه لما تقدم الكلام في أحوال المنافقين من تخلفهم عن غزوة تبوك، واستطرد إلى تقسيم المنافقين إلى أعراب وغيرهم، وذكر ما فعلوا من مسجد الضرار، وذكر مبايعة المؤمنين الله في الجهاد وأثنى عليهم، وأنه ينبغي أن يباينوا المشركين حتى الذين ماتوا منهم بترك الاستغفار لهم، عاد إلى ذكر ما بقي من أحوال غزوة تبوك، وهذه شنشنة كلام العرب يشرعون في شيء ثم\n_________\n(^١) انظر: فتح القدير: الشوكاني (٢/ ٤٧١).\n(^٢) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (١٢/ ٥٢)، والحاكم في مستدركه (١/ ٢٦٣)، برقم: (٥٦٦) وقال: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه»، وأورده ابن كثير في تفسيره (٤/ ٣٦٣، ٣٦٤).\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب التفسير (سورة براءة)، باب قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾، برقم: (٤٦٧٨)، وأخرجه مسلم، كتاب التوبة، باب حديث توبة كعب بن مالك وصاحبيه، برقم: (٢٧٦٩)، وأورده البغوي في تفسيره (٤/ ١٠٥، ١٠٦)، وابن عطية في تفسيره (٥/ ١٢٦).","vol":"2","page":778},{"text":"يذكرون بعده أشياء مناسبة ويطيلون فيها، ثم يعودون إلى ذلك الشيء الذي كانوا شرعوا فيه (^١).\nالخامس: من حيث الحال الذي كان عليه المسلمون أثناء خروجهم وسيرهم إلى الجهاد، من قلة الظهر، والزاد والماء وشدة الحر، وهذا لم يتفق في غير عسر في الخروج، واتباعه ﵇، في غير تبوك، وإنما مثل هذا العسر قد وقع أحيانا في مصاف القتال. وقد اتفق علماء الأثر والسير على تسميتها (غزوة العسرة)، ومن خرج فيها (جيش العسرة) (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-661> النتيجة:</span>\nبعد ما تقدم بيانه من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الصواب هو ما عليه أصحاب القول الأول، والذي عليه أكثر المفسرين، من أن المراد من ساعة العسرة في الآية: وقت العسرة في غزوة تبوك، لما تقدم إيراده من الأوجه المؤيدة لذلك، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) البحر المحيط: أبو حيان (١١/ ٤٥٢)، بتصرف.\n(^٢) انظر: محاسن التأويل: القاسمي (٨/ ٣٢٨٧).","vol":"2","page":779},{"text":"سورة يونس","vol":"2","page":780},{"text":"<span data-type='title' id=toc-662>سورة يونس</span>\n<span data-type='title' id=toc-663>١٢٩ - قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [سورة يونس: ١١].</span>\nقال القاسمي: زعم الزمخشري أن معنى استعجالهم بالخير، أي تعجيله لهم الخير وضع الأول موضع الثاني إشعارا بسرعة إجابته لهم، وإسعافه بطلبتهم، حتى كأن استعجالهم بالخير تعجيل لهم (^١)، وعندي أنه صرف اللفظ الكريم عن ظاهره بلا داع. ولا بلاغة فيه أيضا، وإن توبع فيه والحرص على موافقة عامل المصدر له ليكونا من باب واحد- غير ضروري في العربية، والشواهد كثيرة (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-664> أقوال أهل العلم في معنى قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ﴾:</span>\nالقول الأول: أن المعنى: ولو يعجل الله للناس استعجالهم بالخير، بأن الناس هم من يستعجل طلب الخير، ويحبون وصول الخير إليهم بسرعة.\nالقول الثاني: أن الأصل أن يُقال: ولو يعجل الله للناس الشر تعجيله لهم الخير، فتكون سرعة الاستجابة لتعجيل الخير من الله تعالى، وأن الله تعالى هو أسرع بتعجيل الخير للناس.\nأصحاب القول الأول:\nابن قتيبة: \"وفي الكلام حذف للاختصار، كأنه قال: ولو يعجّل الله للنّاس إجابتهم بالشر الذي يستعجلونه استعجالهم بالخير، لهلكوا\" (^٣).\n_________\n(^١) انظر: الكشاف: الزمخشري (٢/ ٣٣١).\n(^٢) محاسن التأويل: القاسمي (٩/ ٣٣٢٨).\n(^٣) تأويل مشكل القرآن: ابن قتيبة (ص: ٢٢٦).","vol":"2","page":781},{"text":"الطبري: \" ﴿اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ﴾ يقول: كاستعجاله لهم في الخير بالإجابة إذا دعوه به\" (^١).\nالزجاج: \"ونصب (استعجالهم) على مثل استعجالهم بالخير، أي على نعت مصدرٍ محذوف. والمعنى: وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ للنَّاسِ الشَر تَعْجيلًا مثل استعجالهم بالخير\" (^٢).\nالسمعاني: \"ومعناه: ولو يعجل الله للناس الشر - يعنى: المكروه - استعجالهم بالخير أي: كما يحبون استعجالهم بالخير\" (^٣).\nأصحاب القول الثاني:\nالبيضاوي: \" استعجالهم بالخير وضع موضع تعجيله لهم بالخير إشعارا بسرعة إجابته لهم في الخير حتى كأن استعجالهم به تعجيل لهم\" (^٤).\nأبو السعود: \" ﴿اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ﴾ نُصبَ على أنه مصدر تشبيهي وُضع موضِع مصدر ناصبِه دلالةً على اعتبار الاستعجال في جانب المشبّهِ كاعتبار التعجيل في جانب المشبَّه به وإشعارا بسرعة إجابته تعالى لهم حتى كان استعجالهم بالخير نفس تعجيله لهم\" (^٥).\nابن عاشور: \"المعنى: تعجلهم الخير، كما حمله عليه في «الكشاف» للإشارة إلى أن تعجيل الخير من لدنه. فليس الاستعجال هنا بمعنى طلب التعجيل لأن المشركين لم يسألوا تعجيل الخير ولا سألوه فحصل، بل هو بمعنى التعجيل الكثير\" (^٦).\n_________\n(^١) جامع البيان: الطبري (١٢/ ١٢٩).\n(^٢) معاني القرآن: الزجاج (٣/ ٨).\n(^٣) تفسير القرآن: السمعاني (٢/ ٣٦٩).\n(^٤) أنوار التنزيل: البيضاوي (٣/ ١٠٦)، وانظر: مدارك التنزيل: النسفي (٢/ ٩)، وانظر: التفسير المظهري (٥/ ١٢).\n(^٥) إرشاد العقل السليم: أبو السعود (٤/ ١٢٥).\n(^٦) التحرير والتنوير: ابن عاشور (١١/ ١٠٧).","vol":"2","page":782},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-665> دراسة المسألة:</span>\nبعد ذكر من تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يظهر أن الصواب هو ما عليه أصحاب القول الأول من أن المراد من استعجال الناس بالخير في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ﴾ أن الناس هم من يستعجل طلب الخير، ويحبون وصول الخير إليهم عاجلا، وذلك من أوجه:\nالأول: من حيث ظاهر الآية: وذلك أن استعجال الناس معناه طلبهم العجلة، واستعجالهم الخير أسرع من تعجيل الله لهم الخير، فإن الإنسان خُلق عجولًا، إذا سمع بخير لا يثبت على شيء حتى يسرع إليه، والله صبور حليم؛ يؤخر للمصالح الجمة التي لا يهتدي إليها عقل الإنسان، ومع ذلك يسعف بطلبتهم ويُسرع بإجابتهم (^١).\nالثاني: من حيث دلالة سبب النزول: فقد قيل أن الآية نزلت في النضر بن الحارث السّهمي عندما تمنى وقوع العذاب قال: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، فأنزل الله ﷿: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ﴾ يقول: لو استجيب لهم في الشر استعجالهم بالخير، يعني: كما يحبون أن يستجاب لهم في الخير. ﴿لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ في الدنيا بالهلاك (^٢).\nفدل هذا السبب على أن المراد من استعجال الناس الخير: تمنيهم وصول الخير إليهم، كما تمنى النضر بن الحارث العذاب.\nالثالث: من حيث اللغة: فقوله ﷿: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ﴾ (الشر) مفعول قوله: ﴿يُعَجِّلُ﴾، ﴿اسْتِعْجَالَهُمْ﴾ نعت لمصدر محذوف، والتقدير: ولو يعجل الله للناس الشر حين استعجلوه استعجالًا مثل استعجالهم الخير، ثم حذف المصدر\n_________\n(^١) انظر: البسيط: الواحدي (١١/ ١٣٤)، وانظر: فتوح الغيب: الطيبي (٧/ ٤٣٥).\n(^٢) انظر: تفسير مقاتل: (٢/ ٢٢٩)، وانظر: بحر العلوم: السمرقندي (٢/ ١٠٦)، وانظر: الكشف والبيان: الثعلبي (١٤/ ١٧٦)، وانظر: معالم التنزيل: البغوي (٤/ ١٢٤)، وانظر: المحرر الوجيز: ابن عطية (٥/ ١٥٨).","vol":"2","page":783},{"text":"المنعوت ونعته وأقيم المضاف إليه مقامه (^١).\nوأيضًا فإن: مدلولُ «عَجَّل» غيرُ مدلولِ «استعجل» لأنَّ «عَجَّل» يدلُّ على الوقوع، و«استعجل» يدلُّ على طلب التعجيل، وذلك واقعٌ من الله، وهذا مضافٌ إليهم، فلا يكون التقدير على ما قاله الزمخشري (^٢).\nالرابع: من حيث البلاغة: فتقدير الكلام: تعجيلًا مثل استعجالهم بالخير، فشبَّه التعجيلَ بالاستعجال؛ لأن طلبَهم للخير ووقوعَ تعجيله مقدَّمٌ عندهم على كل شيء (^٣).\nوهذا الوجه من البلاغة يعدل الوجه الذي ذكره الزمخشري، والله أعلم.\nتنبيه:\nما تعقب به القاسمي ﵀ على الزمخشري من أن أصل الكلام: تعجيله لهم بالخير، بأنه صرف للكلام عن ظاهره، قد سبقه أيضًا القنوجي ووصف هذا القول مُعقِّبًا بأنه: ضعيف جدًا (^٤).\n\n•<span data-type='title' id=toc-666> النتيجة:</span>\nبعد ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يظهر أن الراجح هو ما عليه أصحاب القول الأول من أن معنى استعجال الخير من الآية: أن الناس هم من يستعجل طلب الخير، ويحبون وصول الخير إليهم عاجلا، لما تقدم إيراده من الأوجه التي تؤيد ذلك، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: معاني القرآن: الزجاج (٣/ ٨). وانظر: إعراب القرآن: النحاس (٢/ ١٤٢)، وانظر: الكتاب الفريد: المنتجب الهمذاني (٣/ ٣٥٢).\n(^٢) الدر المصون: السمين الحلبي (٦/ ١٥٨)، بتصرف، وانظر: اللباب: ابن عادل الحنبلي (١٠/ ٢٧٤).\n(^٣) الدر المصون: السمين الحلبي (٦/ ١٥٨)، بتصرف، وانظر: اللباب: ابن عادل الحنبلي (١٠/ ٢٧٤).\n(^٤) انظر: فتح البيان: القنوجي (٦/ ٢٤).","vol":"2","page":784},{"text":"<span data-type='title' id=toc-667>١٣٠ - قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (٩٨)﴾ [سورة يونس: ٩٨].</span>\nقال القاسمي: يروي بعض المفسرين هنا أن العذاب تدلى عليهم، وغشيهم، وجعل يدور على رؤوسهم، وغامت السماء غيما أسود، ونحو هذا. وليس في التنزيل بيان لهذا، ولا في صحيح السنة، وكأن من زعمه فهمه من لفظ كشفنا، ولا صراحة فيه (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-668> أقوال أهل العلم في المراد من عذاب الخزي الذي كُشف عن قوم يونس ﵇</span>- (^٢):\nالقول الأول: أن المراد: العذاب الذي وعدهم به يونس أنه ينزل بهم، لا أنهم رأوه عيانا ولا مخايلة.\nالقول الثاني: أن المراد: العذاب الذي تدلى عليهم، وغشيهم، وجعل يدور على رؤوسهم، وغامت السماء غيما أسودا، ونحو هذا، وأنهم رأوا العذاب عيانًا.\nأصحاب القول الأول:\nابن عطية: \"وذهب الطبري إلى أن قوم يونس خُصّوا من بين الأمم بأن تيب عليهم من بعد معاينة العذاب ذكر ذلك عن جماعة من المفسرين وليس كذلك، والمعاينة التي لا تنفع التوبة معها هي تلبس العذب أو الموت بشخص الإنسان كقصة فرعون، وأما قوم يونس فلم يصلوا هذا الحد\" (^٣).\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (١٠/ ٣٣٩٩).\n(^٢) أشار إلى هذا الخلاف الماوردي في النكت والعيون (٢/ ٤٥١).\n(^٣) المحرر الوجيز: ابن عطية (٥/ ٢٤٩).","vol":"2","page":785},{"text":"القرطبي: \"معنى: ﴿كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ﴾ أي: العذاب الذي وعدهم به يونس أنه ينزل بهم، لا أنهم رأوه عِيانا ولا مخايلة\" (^١).\nالطيبي: \" ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ﴾: فهلا كانت ﴿قَرْيَةٌ﴾ واحدة من القرى التي أهلكناها، تابت عن الكفر، وأخلصت الإيمان قبل المعاينة وقت بقاء التكليف\" (^٢).\nأصحاب القول الثاني:\nالطبري: \" معنى الكلام: فما كانت قرية آمنت عند معاينتها العذاب ونزول سخط الله بها بعصيانها ربها واستحقاقها عقابه، فنفعها إيمانها ذلك في ذلك الوقت، كما لم ينفع فرعون إيمانه حين أدركه الغرق بعد تماديه في غيه واستحقاقه سخط الله بمعصيته. ﴿إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾ فإنهم نفعهم إيمانهم بعد نزول العقوبة وحلول السخط بهم \" (^٣).\nالزجاج: \"وقوم يونس - واللَّه أعلم - لم يقع بهم العذاب، إنما رأوا الآية التي تدل على العذاب، فلما آمنوا كُشِفَتْ عنهم\" (^٤).\nابن كثير: \"إلا قوم يونس، وهم أهل نِينَوَى (^٥)، وما كان إيمانهم إلا خوفا من وصول العذاب الذي أنذرهم به رسولهم، بعد ما عاينوا أسبابه\" (^٦).\nالبقاعي: \" ﴿إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾ فإنهم آمنوا عند المخايل وقت بقاء التكليف فنفعهم ذلك فإنهم ﴿لَمَّا آمَنُوا﴾ ودل على أنه قد كان أظلهم بقوله: ﴿كَشَفْنَا﴾ أي بعظمتنا ﴿عَنْهُمْ﴾ أي حين إيمانهم، روي أنه لم يبق بينهم وبين العذاب إلاّ قدر ميل\" (^٧).\n_________\n(^١) الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (١١/ ٥٦).\n(^٢) فتوح الغيب: الطيبي (٧/ ٥٧٣).\n(^٣) جامع البيان: الطبري (١٢/ ٢٩١).\n(^٤) معاني القرآن: الزجاج (٣/ ٣٤).\n(^٥) نينوى: وهي قرية يونس بن متى، ﵇، بالموصل، وبسواد الكوفة ناحية يقال لها نينوى منها كربلاء التي قتل بها الحسين، ﵁. ينظر: معجم البلدان: الحموي (٥/ ٣٣٩).\n(^٦) تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٤/ ٤٢٥).\n(^٧) نظم الدرر: البقاعي (٩/ ٢٠٨).","vol":"2","page":786},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-669> دراسة المسألة:</span>\nبعد النظر في أقوال أهل العلم في هذه المسألة، واستقراء ما ذكره المفسرون في تأويل الآية، وما أوردوا فيه من روايات، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني، وهو الذي عليه أكثر أهل العلم (^١)، من أن قوم يونس رأوا علامات العذاب بأعيانهم قبل وقوعه عليهم، وذلك من أوجه:\nالأول: الدلالة في قوله: ﴿كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ والكشف إنما يكون بعد وقوع العذاب أو قرب العذاب (^٢).\nوالكشف كما يقول ابن عاشور: إزالة ما هو ساتر لشيء، وهو هنا مجاز في الرفع. والمراد: تقدير الرفع وإبطال العذاب قبل وقوعه فعبر عنه بالكشف تنزيلا لمقاربة الوقوع منزلة الوقوع (^٣).\nالثاني: أن هذا القول هو المروي عن جماعة من السلف رضوان الله عليهم، وهم أعلم بكتاب الله ممن جاء بعدهم.\nفقد روي عن ابن عباس ﵁: «إن العذاب كان هبط على قوم يونس، حتى لم يكن بينهم وبينه إلا قدر ثلثي ميل، فلما دعوا كشف الله عنهم» (^٤).\nوروي عن مقاتل: «كان العذاب فوق رؤوسهم قدر ميل» (^٥).\nوبنحو ذلك روي عن جماعة من السلف: كقتادة، والربيع بن أنس، وابن أبي نجيح،\n_________\n(^١) نص على هذا السمعاني في تفسيره (٢/ ٤٠٦)، والبغوي في تفسيره (٤/ ١٥١)، والخازن في تفسيره (٢/ ٤٦٥)، وابن عادل الحنبلي في تفسيره (١٠/ ٤١٥).\n(^٢) انظر: تفسير القرآن: السمعاني (٢/ ٤٠٦).\n(^٣) التحرير والتنوير: ابن عاشور (١١/ ٢٩٠).\n(^٤) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (١٢/ ٣٩٥، ٢٩٦)، وانظر: موسوعة التفسير بالمأثور: مجموعة من المؤلفين (١١/ ١٥٨).\n(^٥) تفسير مقاتل بن سليمان (٢/ ٢٥٠) بتصرف، وأورده الثعلبي في تفسيره (١٤/ ٢٩٣)، والسيوطي في الدر المنثور (٢/ ٥٦٤).","vol":"2","page":787},{"text":"وغيرهم (^١).\nالثالث: الروايات الإسرائيلية التي تؤيد القول بأن قوم يونس عاينوا علامات وقوع العذاب، وليس فيها ما يُخالف شرعنا لردها.\nقال وهب: \"أغامت السماء غيما أسود هائلا تدخن دخانا شديدا، فهبط حتى غشي مدينتهم واسودت سطوحهم، فلما رأوا ذلك أيقنوا بالهلاك، فطلبوا نبيهم فلم يجدوه، فقذف الله في قلوبهم التوبة، فخرجوا إلى الصعيد بأنفسهم ونسائهم وصبيانهم ودوابهم، ولبسوا المسوح، وأظهروا الإيمان والتوبة، وأخلصوا النية، وفرقوا بين كل والدة وولدها من الناس والأنعام، فحن بعضهم إلى بعض، وعلت أصواتها، واختلطت أصواته بأصواتهم، وحنينها بحنينهم، وعجوا وتضرعوا إلى الله سبحانه، وقالوا: آمنا بما جاء به يونس ﵇، فرحمهم ربهم، فاستجاب دعاءهم، وكشف عنهم العذاب بعد ما أظلهم وتدلى عليهم، وذلك يوم عاشوراء\" (^٢).\nوروي بنحو ذلك عن سعيد بن جبير (^٣).\n\n•<span data-type='title' id=toc-670> النتيجة:</span>\nمن خلال ما تقدم ذكره من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يظهر أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني من أن قوم يونس ﵇ رأوا علامات وقوع العذاب بأعينهم قبل وقوعه عليهم، لما تقدم إيراده من الأوجه الدالة على ذلك، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) أخرج أقوالهم ابن جرير الطبري في تفسيره (١٢/ ٢٩٤)، وأورده الثعلبي في تفسيره (١٤/ ٢٩٣).\n(^٢) انظر: الكشف والبيان: الثعلبي (١٤/ ٢٤٩)، وانظر: معالم التنزيل: البغوي (٤/ ١٥٢)، وانظر: موسوعة التفسير بالمأثور: مجموعة من المؤلفين (١١/ ١٥٩).\n(^٣) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (١٢/ ٣٩٥، ٢٩٦)، وانظر: موسوعة التفسير بالمأثور: مجموعة من المؤلفين (١١/ ١٥٨).","vol":"2","page":788},{"text":"سورة يوسف","vol":"2","page":789},{"text":"<span data-type='title' id=toc-671>سورة يوسف</span>\n<span data-type='title' id=toc-672>١٣١ - قوله تعالى: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [سورة يوسف: ٥٥].</span>\nقال ابن كثير: خزائن الأرض هي الأهرام التي يجمع فيها الغلات لما يستقبلونه من السنين التي أخبرهم بشأنها، ليتصرف لهم على الوجه الأحوط والأصلح والأرشد (^١).\nقال القاسمي: ولم أر الآن مستنده في كون الأهرام كانت مجمع الغلات، ولم أقف عليه في كلام غيره (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-673> أقوال أهل العلم في المراد من خزائن الأرض، في قوله تعالى حكاية عن يوسف ﵇: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾:</span>\nالقول الأول: أن المراد من خزائن الأرض: أموال الأرض، وهي أرض مصر، دون تخصيص الأهرام.\nالقول الثاني: أن المراد من خزائن الأرض: الأهرام التي يجمع فيها الغلات.\nأصحاب القول الأول:\nالسمرقندي: \" ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ يعني: على خراج مصر\" (^٣).\nابن أبي زمنين: \" ﴿قَالَ﴾ يوسف: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ يعني: أقوات أرض مصر\" (^٤).\nالبغوي: \" ﴿قَالَ﴾ يوسف، ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ الخزائن: جمع خزانة، وأراد\n_________\n(^١) تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٤/ ٥١٩).\n(^٢) محاسن التأويل: القاسمي (١٠/ ٣٥٦٠).\n(^٣) بحر العلوم: السمرقندي (٢/ ١٩٨).\n(^٤) تفسير القرآن العزيز: ابن أبي زمنين (٢/ ٣٣١).","vol":"2","page":790},{"text":"خزائن الطعام والأموال، والأرض: أرض مصر، أي: خزائن أرضك\" (^١).\nابن عطية: \"قوله: ﴿خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ يريد أرض مصر إذ لم تكن مملكة فرعون إلا بها فقط\" (^٢).\nأصحاب القول الثاني:\nالواحدي: \" لما عبر يوسف رؤيا الملك بين يديه قال له الملك: فما ترى أيها الصديق؟ قال: أرى أن تزرع في هذه السنين المخصبة زرعا كثيرا وتبني الأهرام وتجمع فيها الطعام ليأتيك الخلق من النواحي فيمتارون منك لحكمك\" (^٣).\nابن كثير: وتقدم قوله.\n\n•<span data-type='title' id=toc-674> دراسة المسألة:</span>\nبعد التتبع والنظر في أقوال أهل العلم وما ذكره المفسرون في معنى خزائن الأرض في قوله تعالى حكاية عن يوسف ﵇: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ يتبين أن الصواب هو ما عليه أصحاب القول الأول من أن المراد من خزائن الأرض: أموال الأرض، وهي أرض مصر، دون تخصيص الخزائن بالأهرامات، وذلك من أوجه:\nالأول: أنه لم يؤثر عن السلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم أن المراد بالخزائن: الأهرامات، بل المأثور عن السلف في تفسير الخزائن: المعنى العام.\nفقد أخرج ابن جرير الطبري بسنده عن شيبة بن نعامة الضَّبِّيِّ في قوله: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾، يقول: على حفظ الطعام (^٤).\nوأخرج عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾، قال:\n_________\n(^١) معالم التنزيل: البغوي (٤/ ٢٥١).\n(^٢) المحرر الوجيز: ابن عطية (٥/ ٤٨٨)، وانظر: التسهيل: ابن جزي (١/ ٣٩٠).\n(^٣) التفسير الوسيط: الواحدي (٢/ ٦٨١).\n(^٤) أخرجه اين جرير الطبري في تفسيره (١٣/ ٢١٩) وابن أبي حاتم في تفسيره (٧/ ٢١٦٠) برقم: (١١٧١٢).","vol":"2","page":791},{"text":"كان لفرعون خزائنُ كثيرةٌ غير الطعام، فأسلم سلطانَه كُلَّه له، وجعل القضاء إليه؛ أمره، وقضاؤه نافِذ (^١).\nوقال الربيع بن أنس: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ أي: على خراج مصر ودخلها (^٢).\nوبنحو هذا العموم ذهب جمع من المفسرين من أن المراد بالخزائن: الأمكنة التي تخزن فيها الأموال والأطعمة، ونحو ذلك مما يحتاجه الناس (^٣)، دون تخصيص المكان بالأهرامات.\nالثاني: من حيث المراد بالمعنى اللغوي للخزائن: فخزائن الأرض: ما تخرجه الأرض من ثمار الفاكهة والحبّ .. وسمّى ذلك خزائن الأرض، لأنها تخزنه في كيانها إلى أن يظهره الجهد الإنساني، ويكشف عنه، بالغرس، والسقي، وغير هذا، مما يحتاج إليه الزرع كي ينمو ويثمر (^٤).\nوهذا المعنى يُنافي المراد من تخصيص الخزائن بالأهرامات لكونها ليست مكانًا مما تخرجه الأرض من ثمارها.\nالثالث: أن السبب في بناء الأهرام كما يقول المؤرخون ليس لجمع الأموال والغلات، وإنما السبب: لجعلها مدافن لملوك مصر.\nففي كتاب (الأثر الجليل لقدماء وادي النيل): جميع الأهرام ليست إلا مقابر ملوكية آثر أصحابها أن يتميزوا بها بعد موتهم عن سائر الناس، كما تميزوا عنهم مدة حياتهم، وتوخّوا أن يبقى ذكرهم بسببها على تطاول الدهور، وتراخي العصور، وقد أجمع مؤرخو هذا العصر على أن الهرم الأكبر قبر للملك (خوفو) والثاني (خفرع) والثالث للملك (منقرع) وجميعهم من العائلة المنفيسية. ولا عبرة بقول من زعم أنها معابد أو مراصد\n_________\n(^١) أخرجه اين جرير الطبري في تفسيره (١٣/ ٢١٨).\n(^٢) انظر: تفسير القرآن: السمعاني (٣/ ٤٠)، وانظر: معالم التنزيل: البغوي (٤/ ٢٥١)، وانظر: لباب التأويل: الخازن (٢/ ٥٣٥)، وانظر: موسوعة التفسير بالمأثور: مجموعة من المؤلفين (١١/ ٦٦٠).\n(^٣) انظر: المحرر الوجيز: ابن عطية (٥/ ٤٨٨)، وانظر: كشف التنزيل: الحداد (٣/ ٤٩٢)، وانظر: غرائب القرآن: النيسابوري (٤/ ١٠١)، وانظر: فتح القدير: الشوكاني (٣/ ٤٣)، وانظر: تيسير الكريم الرحمن: السعدي (ص: ٤٠٠) وانظر: التحرير والتنوير: ابن عاشور (١٣/ ٨)\n(^٤) انظر: التفسير القرآني للقرآن: عبد الكريم الخطيب (٧/ ٥).","vol":"2","page":792},{"text":"للكواكب، أو مدرسة للمعارف الكهنوتية، أو غير ذلك (^١).\nتنبيه:\nالذي يظهر أن الحافظ ابن كثير استند في قوله على ما روي عن وهب بن منبه: أن يوسف ﵇ قال للملك: أرى أن تجمع الطعام وتزرع زرعا كثيرا في هذه السنين المخصبة، وتبني الأهراء والخزائن، فتجعل الطعام فيها بقصبه وسنبله (^٢).\nفحصل عند الحافظ ﵀ خلط وتصحيف، فكتبها: الأهرام بدل الأهراء أو ظن بأنها الأهرام، وفرق بين الأهرام المعروفة والأهراء.\nفالأهراء: من الهروء: بيت ضخم واسع يجمع فيه طعام السلطان، والجمع الأهراء (^٣).\n\n•<span data-type='title' id=toc-675> النتيجة:</span>\nيتبين من خلال ما تقدم ذكره في هذه المسألة من أقوال أهل العلم، أن الصواب فيها هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن المراد من خزائن الأرض: أموال الأرض، وهي أرض مصر، دون تخصيص الأهرام، لما تقدم إيراده من الأوجه الدالة على ذلك، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: الأثر الجليل لقدماء وادي النيل: أحمد أفندي (ص: ٦٢)، وانظر: محاسن التأويل: القاسمي (١٠/ ٣٥٦٠).\n(^٢) انظر: الكشف والبيان: الثعلبي (١٥/ ٤٩).\n(^٣) انظر: المحيط في اللغة: ابن عباد (٤/ ٥٥).","vol":"2","page":793},{"text":"<span data-type='title' id=toc-676>١٣٢ - قوله تعالى: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ (٩٣)﴾ [سورة يوسف: ٩٣].</span>\nقال القاسمي: وقد جوز في قوله: ﴿يَأْتِ بَصِيرًا﴾ أن يكون معناه يصير بصيرا، أو يجيء إلي بصيرا، على حقيقة الإتيان فـ (بصيرا) حال. قيل: ينصره قوله: ﴿وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ أي: بأبي وغيره، وفيه نظر، لأن اتحاد الفعلين هنا في المبنى لا يدل على اتحادهما في المعنى. ولا يقال: الأصل الحقيقة، لأن ذلك فيما يقتضيه السياق، ولا اقتضاء هنا. فالأول أرق وأبدع، لما فيه من التجانس (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-677> أقوال أهل العلم في المراد من قوله تعالى: ﴿فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا﴾:</span>\nالقول الأول: أن المراد: يصير بصيرا في الحال.\nالقول الثاني: أن المراد: يجيء إليَّ -يعني إلى يوسف ﵇ بصيرا.\nأصحاب القول الأول:\nالفراء: \" قوله: ﴿يَأْتِ بَصِيرًا﴾ أي: يرجع بصيرا\" (^٢).\nالطبري: \" قوله: ﴿يَأْتِ بَصِيرًا﴾ يقول: يعد بصيرا \" (^٣).\nالسمرقندي: \" ﴿يَأْتِ بَصِيرًا﴾ أي: يعود إليه بصره\" (^٤).\nمكي بن أبي طالب: \" ﴿يَأْتِ بَصِيرًا﴾: أي: يعد بصيرا\" (^٥).\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (١٠/ ٣٥٩١).\n(^٢) معاني القرآن: الفراء (٢/ ٥٥).\n(^٣) جامع البيان: الطبري (١٣/ ٣٣٢).\n(^٤) بحر العلوم: السمرقندي (٢/ ٢٠٩).\n(^٥) الهداية: مكي بن أبي طالب (٥/ ٣٦٣٠).","vol":"2","page":794},{"text":"أصحاب القول الثاني:\nالماتريدي: \"قوله: ﴿يَأْتِ بَصِيرًا﴾ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: يصير بصيرًا على ما ذكرنا. والثاني: يأتيني بصيرًا\" (^١).\nالطيبي: \" فإن قلت: أي الدليلين أظهر؛ قوله: ﴿فَارْتَدَّ بَصِيرًا﴾ أم ﴿وَأْتُونِي﴾؟ قلت: الثاني، لأنه أبلغ وأوجز وأقطع لحصول ما ترتب عليه إلقاء القميص\" (^٢).\nأبو حيان: \"ومعنى: ﴿يَأْتِ﴾، يأتيني، وانتصب بصيرا على الحال\" (^٣).\nقال جمع من المفسرين: أراد يأتني بصيرًا، وكان قد دعاه: ﴿وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (^٤).\n\n•<span data-type='title' id=toc-678> دراسة المسألة:</span>\nالمتأمل في كلام أهل العلم في هذه المسألة، وفي أقوال المفسرين في تفسير الآية، يجد أن كلا القولين له وجه من الصحة، وله قرينة تؤيده، إلا أن القول بأن المراد من قوله تعالى: ﴿يَأْتِ بَصِيرًا﴾ أي: يصير بصيرا، لعله يكون هو الأبلغ، والأقرب للصواب، وهو ما عليه أصحاب القول الأول، وذلك من أوجه:\nالأول: مما يدل على أن المراد من الإتيان في قوله تعالى: ﴿يَأْتِ بَصِيرًا﴾ الصيرورة، بأنه يصير بصيرا، أن الله تعالى وصف رد البصر إلى يعقوب ﵇ بأنه يأتي، ولم يصفه بالمجيء، وذلك أن حمل اللفظ على معنى الإتيان في هذا المقام أنسب من حمله على\n_________\n(^١) تأويلات أهل السنة: الماتريدي (٦/ ٢٨٥)، وانظر: الكتاب الفريد: المنتجب الهمذاني (٣/ ٦٣٢).\n(^٢) فتوح الغيب: الطيبي (٨/ ٤٣١).\n(^٣) البحر المحيط: أبو حيان (١٢/ ٥٥٨).\n(^٤) انظر: البسيط: الواحدي (١٢/ ٢٤١، ٢٤٢)، وانظر: الكشف والبيان: الثعلبي (١٥/ ١٤٧)، وانظر: معالم التنزيل: البغوي (٤/ ٢٧٤)، وانظر: التيسير في التفسير: أبو حفص النسفي (٨/ ٤٨٦)، وانظر: مفاتيح الغيب: الرازي (١٨/ ٥٠٧)، وانظر: إرشاد العقل السليم: أبو السعود (٤/ ٣٠٥)، وانظر: فتح القدير: الشوكاني (٣/ ٦٣).","vol":"2","page":795},{"text":"معنى المجيء، وإن كان الإتيان معناه المجيء في اللغة (^١).\nوذلك أن المجيء أعم من الإتيان، فالإتيان مجيء بسهولة، ويكون في بداية المجيء زمانيا أو مكانيا، وقد لا يتم فلا يكون مجيئا.\nوالمجيء أيضًا يدل على الحدوث الفعلي، المحقق الواقع، معلوم التفاصيل، حدوث تقابل وتفاعل وحوار ومشاهدة وتأثير، بينما الاتيان يدل على الحدوث المستقبلي، المتوقع أو المطلوب ولما يقع بعد، أو الماضي مبهم التفاصيل.\nومثال ذلك: قوله تعالى حكاية عن بني إسرائيل: ﴿قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾ [سورة الأعراف: ١٢٩]، وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ﴾ [سورة يوسف: ٥٠] (^٢).\nفدل هذا الفرق على أن المراد من قوله تعالى: ﴿يَأْتِ بَصِيرًا﴾ أي يصير بصيرا، لأن هذه الصيرورة كانت في بداية المجيء، ولم يتحقق المجيء إلى مصر ليوسف ﵇، حتى يكون المعنى: يجيء إليَّ بصيرا.\nوأيضًا: أن إخبار يوسف ﵇ بإتيان البصر لأبيه، المقصود به الإخبار بحدوث مستقبلي، ومما يُتوقع حصوله، وهو مما يدل على أن الأولى هو حمل اللفظ على معنى الإتيان، وليس المجيء، والله أعلم.\nالثاني: أن السبب من طلب يوسف ﵇ من إخوته أن يلقوا القميص على وجه أبيهم، المفاجأة بالبشرى، فُصبح بصيرا على الفور، ويمتلئ قلبه فرحا بخبر ابنه يوسف ﵇، وهذا هو المقصد من إلقاء القميص على وجهه، ولهذا سُمي يهوذا الذي ألقى القميص على وجه أبيه يعقوب ﵇ بالبشير، وأما المجيء إلى يوسف فهو يأتي تبعًا\n_________\n(^١) انظر: مختار الصحاح: الرازي (ص: ١٣)، وانظر: لسان العرب: ابن منظور (١/ ٥١).\n(^٢) انظر: عمدة الحفاظ: السمين الحلبي (١/ ٣٦١)، وانظر: بصائر ذوي التمييز: الفيروز آبادي (٢/ ٤١٢)، وانظر: التوقيف على مهمات التعاريف: المناوي (ص: ٣٧)، وانظر: لمسات بيانية: فاضل السامرائي (ص: ١٠٣٦).","vol":"2","page":796},{"text":"لهذه البشارة، والله أعلم.\nأخرج ابن جرير الطبري بسنده عن السدي، قال: \" قال يوسف: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ \" قال يهوذا: أنا ذهبت بالقميص ملطخا بالدم إلى يعقوب فأخبرته أن يوسف أكله الذئب، وأنا أذهب اليوم بالقميص وأخبره أنه حي، فأفرحه كما أحزنته، فهو كان البشير \" (^١).\nالثالث: سياق الآيات الذي يدل على أن المراد من قوله تعالى: ﴿يَأْتِ بَصِيرًا﴾ أي يصير بصيرا، وذلك أن الله تعالى ذكر بعدها قوله: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا﴾ [سورة يوسف: ٩٦] (^٢)، وكما هو معلوم أن الارتداد يكون على الفور وهو بمعنى الصيرورة، والله أعلم.\nالرابع: الشواهد اللغوية التي تدل على أن المراد من الإتيان في قوله تعالى: ﴿يَأْتِ بَصِيرًا﴾ أي: يصير بصيرًا، كقولك: جاء البناء محكما، بمعنى: صار محكما (^٣).\nتنبيهان:\nالأول: أورد الواحدي في تفسير قوله تعالى: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا﴾ قول ابن عباس ﵁: \"يريد بصيرًا ويذهب البياض الذي على عينيه\" (^٤).\nولم أقف على إسناد هذا القول عن ابن عباس ﵁، وإلا لو صح عنه لكان حجة في تقديمه على غيره، لكونه مأثورا عن صحابي دعا له النبي ﷺ بالفقه ومعرفة التأويل.\n_________\n(^١) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (١٣/ ٣٣٢)، وانظر: بحر العلوم: السمرقندي (٢/ ٢٠٩).\n(^٢) انظر: مفاتيح الغيب: الرازي (١٨/ ٥٠٧).\n(^٣) انظر: الكشاف: الزمخشري (٢/ ٥٠٣)، وانظر: الكتاب الفريد: المنتجب الهمداني (٣/ ٦٣٢).\n(^٤) التفسير البسيط: الواحدي (١٢/ ٢٤١).","vol":"2","page":797},{"text":"الثاني: أصحاب القول الثاني القائلين بأن المراد من قوله تعالى: ﴿يَأْتِ بَصِيرًا﴾: يجيء إليَّ -يعني إلى يوسف ﵇ بصيرا. يؤيد ما ذهبوا إليه أن يوسف ﵇ دعا أبيه بأن يأتي إليه بقوله: ﴿وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾، وما ذهبوا إليه له حظ من النظر، إلا أن الأولى ما قررناه، والله أعلم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-679> النتيجة:</span>\nمن خلال ما تقدم ذكره من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الأقرب للصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن المراد من قوله تعالى: ﴿يَأْتِ بَصِيرًا﴾ أي: يصير بصيرا، لما تقدم إيراده من الأوجه التي تؤيد ذلك، والله أعلم.","vol":"2","page":798},{"text":"سورة الرعد","vol":"2","page":799},{"text":"<span data-type='title' id=toc-680>سورة الرعد</span>\n<span data-type='title' id=toc-681>١٣٣ - قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ (٦)﴾ [سورة الرعد: ٦].</span>\nقال القاسمي: وعجب من الشهاب حيث وافق الرازي في دعواه: \"إن تأخير العقاب لا يسمى مغفرة لأنه مخالف للظاهر، ولاستعمال القرآن. وللزومه كون الكفار كلهم مغفورا لهم لأجل تأخير عقابهم إلى الآخرة\" (^١)، ولا يخفاك صحة تسميته مغفرة لأنه في اللغة الستر. ومن أفراده الستر بالإمهال؟ ودعوى أنه مخالف للظاهر ولاستعمال القرآن، تحكم بحت على أسلوب القرآن، وبإرجاعه إلى ما أصلوه. مع أن التحاكم إليه في الفروع والأصول، وهو الحجة في اللغة والاستعمال! ودعوى فساد اللزوم وتهويل خطبه- فارغة، لأنه لا محذور في ذلك. لا سيما وهو المناسب لاستعجالهم العذاب المذكور قبل، فالتلازم صحيح! ثم من المقرر أن القرآن يفسر بعضه بعضا، فهذه الآية في معناها كآية ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ﴾ الآية [سورة فاطر: ٤٥]. فما ذكر من التأويل مؤيد بهذه الآية، فتفطن ولا تكن أسير التقليد! (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-682> أقوال أهل العلم في تأخير العذاب ودخوله في معنى المغفرة في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ﴾</span> (^٣):\nالقول الأول: أن تأخير العذاب يُسمى مغفرة، ويدخل في معنى قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ﴾.\n_________\n(^١) انظر: مفاتيح الغيب: الرازي (١٩/ ١٢)، وانظر: اللباب: ابن عادل الحنبلي (١١/ ٢٥٥)، وانظر: عناية القاضي: الشهاب الخفاجي (٥/ ٢٢٠).\n(^٢) محاسن التأويل: القاسمي (١٠/ ٣٦٤٧).\n(^٣) أشار بنحو هذا الخلاف الماوردي في النكت والعيون (٣/ ٩٥).","vol":"2","page":800},{"text":"القول الثاني: أن تأخير العذاب لا يسمى مغفرة ولا يدخل في معنى قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ﴾.\nأصحاب القول الأول:\nالكرماني: \"المغفرة ها هنا تأخير العذاب إلى يوم الجزاء لا غفران الذنوب\" (^١).\nابن عطية: \"والظاهر من معنى «المغفرة» هنا إنما هو ستره في الدنيا وإمهاله للكفرة\" (^٢).\nابن جزي: \" ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ يريد ستره وإمهاله في الدنيا للكفار والعصاة، وقيل: يريد مغفرته لمن تاب، والأول أظهر هنا\" (^٣).\nابن عاشور: \"سياق الآية يدل على أن المراد بالمغفرة هنا التجاوز عن المشركين في الدنيا بتأخير العقاب لهم إلى أجل أراده الله أو إلى يوم الحساب\" (^٤).\nأصحاب القول الثاني:\nالرازي والشهاب الخفاجي: وتقدم قولهما.\nالنيسابوري: \"لا يقال: إن المراد من هذه المغفرة تأخير العقاب إلى الآخرة ليقع جوابا عن استعجالهم، أو المراد غفران الصغائر لمجتنب الكبائر، أو غفران الكبائر بشرط التوبة فإن تاب وإلا فهو شديد العقاب لأنا نقول: تأخير العقاب إلى الآخرة لا يسمى مغفرة وإلا كان غافرا للكفار\" (^٥).\n_________\n(^١) غرائب التفسير: الكرماني (١/ ٥٦١)، وانظر: لباب التفاسير: الكرماني (ص: ٩٠٢).\n(^٢) المحرر الوجيز: ابن عطية (٥/ ٥٧٥).\n(^٣) التسهيل: ابن جزي (١/ ٤٠٠).\n(^٤) التحرير والتنوير: ابن عاشور (١٣/ ٩٣).\n(^٥) غرائب القرآن: النيسابوري (٤/ ١٤٠، ١٤١).","vol":"2","page":801},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-683> دراسة المسألة:</span>\nذكر القاسمي في تفسيره أن من أهل العلم من ذهب إلى أن المغفرة المراد بها معناها اللغوي. وهو الستر والصفح، بالإمهال وتأخير العقاب إلى الآخرة، أي: إنه ذو صفح عظيم لا يعاجل بالعقوبة. مع أنهم يظلمون ويخطئون بالليل والنهار. كما قال سبحانه: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾، وهذا التأويل أنسب بالسياق الرهيب! (^١).\nثم تعقب على من اقتصر على معنى الستر والصفح الذي دلت عليه الآية، وأنكر أن يكون تأخير العذاب يدخل في عموم معنى المغفرة، وما ذهب إليه لعله هو الصواب، وهو ما عليه أصحاب القول الأول، وذلك من أوجه:\nالأول: من حيث سياق الآية: فقد ورد في ذكر الآية قوله: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾ وذلك أن لفظ كلمة ﴿مَغْفِرَةٍ﴾ جاءت مُيَسَّرة ومُنَكّرة مقللة، وليس فيها مبالغة كما في قوله: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ﴾ [سورة طه: ٨٢] ونمط الآية يعطي هذا، ألا ترى حكمه عليهم بالنار، ثم قال: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ﴾ فلما ظهر سوء فعلهم وجب في نفس السامع تعذيبهم، فأخبر بسيرته في الأمم وأنه يمهل مع ظلم الكفر، ولم يرد في الشرع أن الله تعالى يغفر ظلم العباد (^٢).\nوجملة ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ عطف على جملة ﴿وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ﴾. وهذا كشف لغرورهم بتأخير العذاب عنهم لأنهم لما استهزأوا بالنبي ﷺ وتعرضوا لسؤال حلول العذاب بهم ورأوا أنه لم يعجل لهم حلوله اعترتهم ضراوة بالتكذيب وحسبوا تأخير العذاب عجزا من المتوعد وكذبوا بالنبيء ﷺ وهم يجهلون أن الله حليم يمهل عباده لعلهم يرجعون، فالمغفرة هنا مستعملة في المغفرة الموقتة، وهي التجاوز عن ضراوة تكذيبهم وتأخير العذاب إلى أجل (^٣).\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (١٠/ ٣٦٤٧).\n(^٢) انظر: المحرر الوجيز: ابن عطية (٥/ ٥٧٥).\n(^٣) انظر: التحرير والتنوير: ابن عاشور (١٣/ ٩٢، ٩٣).","vol":"2","page":802},{"text":"فدل هذا السياق أن تأخير العذاب على مشركو قريش من مغفرة الله تعالى، ولطفه ورحمته بهم، إذ لم يعاجلهم بالعقوبة.\nالثاني: نظائر الآية: فهذه الآية نظيرها قوله تعالى حكاية عن عيسى ﵇: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [سورة المائدة: ١١٨] وذلك أنه قيل في تأويل الآية أن المراد: وإن تؤخر العذاب عنهم في الحال إلى الآخرة ﴿فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾؛ أي: المنتقم منهم في الآخرة، وتأخير العذاب يسمى مغفرة، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾.\nوأيضًا: قوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ﴾ [الكهف: ٥٨]، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة إبراهيم: ٣٦] على ذلك، ولا شك أن القول الذي تؤيده آيات قرآنية مقدم على غيره (^١).\nالثالث: أنه قد أُثر عن بعض من السلف ما يؤيد القول بأن المراد من المغفرة في الآية: تأخير العذاب.\nفروي عن مقاتل أنه قال: \" ﴿مَغْفِرَةٍ﴾ يعنى ذو تجاوز لِلنَّاسِ ﴿عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ يعني على شركهم بالله في تأخير العذاب عنهم إلى وقت، يعني الكفار فإذا جاء الوقت عذبناهم بالنار، فذلك قوله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ \" (^٢).\nوروي عن مجاهد أنه قال: \"إنه لذو تجاوز عن شركهم في تأخير العذاب عنهم، وإنه لشديد العقاب إذا عاقب\" (^٣).\nفائدة: استنبط الزمخشري من قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [سورة الشورى: ٥] احتمالية أن يكون المراد من استغفار الملائكة للمشركين: الحلم عنهم وأن لا\n_________\n(^١) التيسير في التفسير: أبو حفص النسفي (٥/ ٥٤١)، بتصرف، وانظر تقرير قاعدة: \"القول الذي تؤيده آيات قرآنية مقدم على ما عدم ذلك\" في قواعد الترجيح: د. حسين الحربي (١/ ٢٨١ - ٢٨٨).\n(^٢) تفسير مقاتل بن سليمان (٢/ ٣٦٨)، وانظر: زاد المسير: ابن الجوزي (٢/ ٤٨٣).\n(^٣) لباب التأويل: الخازن (٣/ ٦).","vol":"2","page":803},{"text":"يعاجلهم بالانتقام، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾، وهو استنباط جيد وبديع لمن تأمله، والله أعلم (^١).\nتنبيهان:\nالأول: ما أخرجه ابن أبي حاتم بسنده عن سعيد بن المسيب قال: \"لما نزلت هذه الآية وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب قال رسول الله ﷺ: \"لولا عقوبة الله وتجاوزه ما هنأ أحد العيش ولولا وعيده وعقابه لا تكل كل أحد\" (^٢). لم يصح إسناده لأن آفته ابن جدعان وهو ضعيف (^٣)، وابن ماهان لم يذكر بجرح أو تعديل (^٤).\nالثاني: ما أورده جمع من المفسرين في تفسير الآية من أن المراد من المغفرة في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾: التوبة، والستر، والتجاوز عن الذنوب (^٥)، من غير تنصيص على المراد بتأخير العذاب، لا يدل على إنكارهم لهذا المراد، لاحتمال أنهم اقتصروا على ذكر معنى المغفرة من حيث اللغة فقط، دون النظر في سياق الآية، والله أعلم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-684> النتيجة:</span>\nيتبين من خلال ما تقدم ذكره في هذه المسألة، أن الأصوب من الأقوال: هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن تأخير العذاب على المشركين داخل في معنى المغفرة في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ﴾، لما تقدم إيراده من الأوجه الدالة على ذلك، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: الكشاف: الزمخشري (٤/ ٢٠٩)، وانظر: البحر المحيط: أبو حيان (١٩/ ٩).\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٧/ ٢٢٢٤) برقم: (١٢١٤٥)، وأورده النحاس في معاني القرآن (٣/ ٤٧٣)، والثعلبي في الكشف والبيان (١٥/ ٢١٧).\n(^٣) انظر: الجرح والتعديل: ابن أبي حاتم (٦/ ١٨٧).\n(^٤) انظر: بلوغ الأماني في تراجم الرجال الذين لم يعرفهم الإمام الألباني: الدريني (ص: ٨٦٥).\n(^٥) انظر: تفسير القرآن العزيز: ابن أبي زمنين (٢/ ٣٤٦)، وانظر: البسيط: الواحدي (١٢/ ٢٩٨)، وانظر: تفسير القرآن: السمعاني (٣/ ٧٩)، وانظر: مدارك التنزيل: النسفي (٢/ ١٤٣).","vol":"2","page":804},{"text":"<span data-type='title' id=toc-685>١٣٤ - قوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (١٠)﴾ [سورة الرعد: ١٠].</span>\nقال القاسمي بعد ذكر ما قيل في أوجه الصلة والموصول في الآية: وهناك وجه آخر وهو أن يكون الموصول محذوفا وصلته باقية والمعنى: ومن هو مستخف بالليل ومن سارب بالنهار … إلى أن قال:\nوهذا الأخير نقله الناصر في (الانتصاف) (^١) وهو وجيه جدا. وأما تضعيف غيره له، بلزوم حذف الموصول وصدر الصلة معا، وأن النحاة، وإن ذكروا جواز كل منهما، لكن اجتماعهما منكر- فهو المنكر. لأن أسلوب التنزيل هو الحجة، وإليه التحاكم في كل فن ومحجة، والجمود على القواعد ورد ما خالفها، إليها- من التعصب واللجاج، والغفلة عن مقام التنزيل في الاحتجاج! (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-686> أقوال أهل العلم في حذف الموصول وصدر الصلة في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾:</span>\nالقول الأول: أن الموصول (من)، وصدر الصلة - المبتدأ (هو) - في الآية كلاهما محذوف. وتقدير الآية: ومن هو سارب بالنهار.\nالقول الثاني: أن القول بأن الموصول وصدر الصلة كلاهما محذوف، ضعيف.\nأصحاب القول الأول:\nالزجاج: \" ﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ﴾. أي من هو مستتر بالليل، والليل أستر من النهار، ومن هو ﴿وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ \" (^٣).\n_________\n(^١) انظر: الكشاف للزمخشري مذيل بكتاب حاشية الانتصاف فيما تضمنه الكشاف لابن المنيّر (٢/ ٥١٦).\n(^٢) محاسن التأويل: القاسمي (١٠/ ٣٦٥١).\n(^٣) معاني القرآن: الزجاج (٣/ ١٤١).","vol":"2","page":805},{"text":"السخاوي: \" ﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ﴾ تقديره: ومن هو سارب بالنهار\" (^١).\nقال بعض المفسرين: \" تقدير الآية: ومن هو مستخف بالليل ومن هو سارب بالنهار\" (^٢).\nأصحاب القول الثاني:\nظاهر قول الزمخشري: \" فإن قلت: كان حق العبارة أن يقال: ومن هو مستخف بالليل ومن هو سارب بالنهار، حتى يتناول معنى الاستواء المستخفي والسارب، وإلا فقد تناول واحدًا هو مستخف وسارب. قلت: فيه وجهان: أحدهما أنّ قوله: ﴿وَسَارِبٌ﴾ عطف على من هو مستخف، لا على مستخف، والثاني أنه عطف على مستخف، إلا أن ﴿وَمَنْ﴾ في معنى الاثنين\" (^٣).\nالخفاجي: \" وأمّا الحمل على حذف الموصوف بتقدير ومن هو سارب فضعيف جدًا لما فيه من حذف الموصول، وصدر الصلة فإنه، وإن ذكر النحاة جواز كل منهما لكن اجتماعهما منكر\" (^٤).\nالآلوسي: \"وقيل: في الكلام موصول محذوف والتقدير ومن هو سارب، وهو ضعيف جدا لما فيه من حذف الموصول مع صدر الصلة\" (^٥).\n\n•<span data-type='title' id=toc-687> دراسة المسألة:</span>\nأورد القاسمي ﵀ في تفسيره بعضا من أوجه العطف والصلة في الآية التي ذكرها ممن سبقه من أهل العلم، وخلاصتها في أقوال:\nالقول الأول: أن كلمة ﴿وَسَارِبٌ﴾ معطوفة على ﴿وَمَنْ﴾ وليست معطوفة على\n_________\n(^١) تفسير القرآن العظيم: السخاوي (١/ ٤٢١).\n(^٢) انظر: التيسير في التفسير: أبو حفص النسفي (٩/ ٢٩)، وانظر: الدر المصون: السمين الحلبي (٧/ ٢٥).\n(^٣) الكشاف: الزمخشري (٢/ ٥١٦).\n(^٤) عناية القاضي: الشهاب الخفاجي (٥/ ٢٢٣)، بتصرف.\n(^٥) روح المعاني: الآلوسي (١٣/ ٦٣)، بتصرف.","vol":"2","page":806},{"text":"﴿مُسْتَخْفٍ﴾ ويكون المعنى: سواء منكم من هو مستخف، وسواء منكم من هو سارب. أي: أن المستخف بالليل والسارب بالنهار سواء.\nالقول الثاني: أن ﴿وَسَارِبٌ﴾ معطوفة على ﴿مُسْتَخْفٍ﴾ والمعنى: سواء منكم من هو مستخف بالليل وسارب، أي: هذا الرجل مستخف بالليل وسارب بالنهار، وهو اختيار السمين الحلبي (^١).\nالقول الثالث: أن الموصول محذوف: والمعنى: سواء منكم من هو مستخف بالليل ومن هو سارب بالنهار، ويكون المعنى: أن الذين يستخفون بالليل متساوون سواء، والساربون بالنهار سواء (^٢)، وهو قريب من القول الأول، وهو الجدير بالذكر.\nومن خلال النظر فيما ذكره المفسرون في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ عمومًا، وفي هذه المسألة خصوصًا، يظهر أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول، من أنه يجوز أن يكون الموصول، وصدر الصلة في الآية كلاهما محذوف. ويكون تقدير الآية: ومن هو سارب بالنهار، وذلك من وجهين:\nالأول: أن حذف الموصول وصدر الصلة له نظائر من آيات أُخر، ومن ذلك قوله تعالى ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ [سورة الأحقاف: ٩]. والأصل: ولا ما يفعل بكم. وإلا كان حرف النفي دخيلا في غير موضعه. لأن الجملة الثانية لو قدرت داخلة في صلة الأول بواسطة العاطف، لم يكن للنفي موقع وإنما صحب في الأول الموصول لا الصلة (^٣).\nوكذا قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ [سورة الصافات: ١٦٤] أي: إلا من له مقام معلوم (^٤).\n_________\n(^١) انظر: الدر المصون: السمين الحلبي (٧/ ٢٥).\n(^٢) انظر تفصيل هذه الأقوال في: الكتاب الفريد: المنتجب الهمذاني (٣/ ٦٥٨)، والتسهيل: ابن جزي (بالليل ويظهر بالنهار)، وأنوار التنزيل: البيضاوي (اثنان مستخف بالليل)، وفتوح الغيب: الطيبي (٨/ ٤٧٤)، والدر المصون: السمين الحلبي (٧/ ٢٤)، وجامع البيان: الإيجي (٢/ ٢٦٣)، وإرشاد العقل السليم: أبو السعود (٥/ ٨).\n(^٣) انظر: محاسن التأويل: القاسمي (١٠/ ٣٦٥٢).\n(^٤) انظر: فتح القدير: الشوكاني (٤/ ٢٢٨).","vol":"2","page":807},{"text":"الثاني: الشواهد اللغوية والشعرية الدالة على جواز حذف الموصول وصدر الصلة، ومن ذلك: قول حسان ﵁:\nأَمَنْ يَهْجُو رَسُولَ اللَّهِ مِنْكُمْ … وَيَمْدَحُهُ وَيَنْصُرُهُ سَوَاءُ؟! (^١).\nأي: ومن يمدحه وينصره، فأضمر (من) (^٢).\nمن ذلك: قول القائل: أكرم من أتاك وأتى أباك، وأكرم من أتاك ولم يأت زيدا. تريد: ومن لم يأت زيدا، فيكتفي باختلاف الأفعال من إعادة (من) (^٣).\nتنبيه:\nما يذكره كثير من المفسرين لأوجه العطف في الآية، غير ما تقدم تقريره من جواز حذف الموصول وصدر الصلة، لا يدل على تضعيفهم لهذا الوجه، لاحتمال أنهم يرون تلك الأوجه أظهر، لا أن هذا الوجه ضعيف، والله أعلم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-688> النتيجة:</span>\nيتبين من خلال ما تقدم ذكره من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، أن الخلاف بينها ليس خلاف تضاد، فجميعها مؤداها واحد، إلا أن وصف القول الذي ذهب إلى أن الصلة وصدر الصلة محذوفان، وهو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول بأنه ضعيف، غير مُسلّم، لما تقدم إيراده من الوجهيْن الداليْن على ذلك، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: محاسن التأويل: القاسمي (٩/ ٣٦٥٢).\n(^٢) انظر: معاني القرآن: الفراء (٢/ ٣١٥)، وانظر: جامع البيان: الطبري (١٨/ ٣٧٨) وانظر: محاسن التأويل: القاسمي (٩/ ٣٦٥٢)، وانظر: إعراب القرآن وبيانه: محيي الدين درويش (٥/ ٩٠).\n(^٣) انظر: ديوان حسان بن ثابت (ص: ٢٠)، والبيت ورد في صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل حسان بن ثابت ﵁، برقم: (٢٤٩٠) / من حديث عائشة ﵂.","vol":"2","page":808},{"text":"<span data-type='title' id=toc-689>١٣٥ - قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٤١)﴾ [سورة الرعد: ٤١].</span>\nقال القاسمي: يذكرون- هاهنا- رواية عن ابن عباس ومجاهد: أن نقصها من أطرافها هو موت علمائها وفقهائها وأهل الخير منها ..... إلى أن قال: ولا يخفاك أن هذا المعنى لا يذكره السلف تفسيرا للآية على أنه المراد منها، وإنما يذكرونه تهويلا لخطب موت العلماء بسبب أنهم أركان الأرض وصلاحها وكمالها وعمرانها، فموتهم نقص لها وخراب منها (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-690> أقوال أهل العلم في المراد من نقص الأرض في قوله تعالى: ﴿نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾</span> (^٢):\nالقول الأول: أن المراد: ظهور المسلمين على المشركين، بفتح الأرض بعد الأرض (^٣).\nالقول الثاني: أن المراد: موت أهلها وتخريب ديارهم وبلادهم، وهو قريب من القول الأول.\nالقول الثالث: أن المراد: موت علمائها وفقهائها وأهل الخير منها (^٤).\nأصحاب القول الأول:\nابن عباس ﵁ في رواية: \" ﴿أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ قال: «أولم يروا أنا نفتح لمحمد الأرض بعد الأرض» \"، وبحو ذلك روي عن الضحاك، والحسن (^٥).\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (١٠/ ٣٦٩١).\n(^٢) أشار إلى هذا الخلاف الماوردي في النكت والعيون (٣/ ١١٩)، وابن الجوزي في زاد المسير (٢/ ٥٠١).\n(^٣) نص السمعاني أنه قول أكثر المفسرين. ينظر: تفسير القرآن: السمعاني (٣/ ١٠٠)، وكذا الخازن. ينظر: لباب التأويل: الخازن (٣/ ٢٤).\n(^٤) نص مكي بن أبي طالب أنه قول أكثر المفسرين. ينظر: الهداية: مكي بن أبي طالب (٥/ ٣٧٥٩).\n(^٥) أخرج أقوالهم ابن جرير الطبري في تفسيره (١٣/ ٥٧٤، ٥٧٥)، ونحوا منها ابن أبي حاتم في تفسيره (٨/ ٢٤٥٣).","vol":"2","page":809},{"text":"الطبري: \" أولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب قول من قال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ بظهور المسلمين من أصحاب محمد ﷺ عليها، وقهرهم أهلها\" (^١).\nالزجاج: \"أي أو لم يروا أنا قد فتحنا على المسلمين من الأرض ما قد تبين لهم، وهذا بيِّن\" (^٢).\nأصحاب القول الثاني:\nابن عباس ﵁ في رواية: \" ﴿أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ «نقصان أهلها وبركتها»، وبنحو ذلك روي عن مجاهد في رواية، وابن جريج، وعكرمة (^٣).\nالسخاوي: \" ﴿نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ بنقصان أهلها وقلة بركتها\" (^٤).\nأصحاب القول الثالث:\nابن عباس ﵁ في رواية: \" ﴿أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ «ذهاب علمائها، وفقهائها، وخيار أهلها»، وبنحو ذلك روي عن مجاهد في رواية (^٥).\nأبو عبيدة معمر: \" ﴿نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ مجازه: ننقص من في الأرض ومن في نواحيها من العلماء والعباد\" (^٦).\nابن قتيبة: \" ﴿نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ أي بموت العلماء والعُبَّاد\" (^٧).\n_________\n(^١) جامع البيان: الطبري (١٣/ ٥٧٩)، وانظر: تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٤/ ٥٩١).\n(^٢) معاني القرآن: الزجاج (٣/ ١٥١).\n(^٣) أخرج أقوالهم ابن جرير الطبري في تفسيره (١٣/ ٥٧٦).\n(^٤) تفسير القرآن العظيم: السخاوي (١/ ٥٥٨).\n(^٥) أخرج أقوالهم ابن جرير الطبري في تفسيره (١٣/ ٥٧٨، ٥٧٩).\n(^٦) مجاز القرآن: المعمر بن المثنى (١/ ٣٣٤).\n(^٧) غريب القرآن: ابن قتيبة (ص: ٢٢٩).","vol":"2","page":810},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-691> دراسة المسألة:</span>\nالمتأمل والناظر فيما ذكره المفسرون من معنى نقصان الأرض في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾، يجد أن جميع الأقوال التي ظاهرها التعارض محتملة، إلا أن الأقرب للصواب لعله ما ذهب إليه أصحاب القول الأول، وذلك من أوجه:\nالأول: من حيث سياق الآيات: وذلك أن الله توعد الذين سألوا رسوله الآيات من مشركي قومه بقوله: ﴿وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [سورة الرعد: ٤٠] ثم وبخهم تعالى ذكره بسوء اعتبارهم ما يعاينون من فعل الله بضربائهم من الكفار، وهم مع ذلك يسألون الآيات، فقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ بقهر أهلها، والغلبة عليها من أطرافها وجوانبها، وهم لا يعتبرون بما يرون من ذلك (^١).\nالثاني: نظائر الآية: فهذه الآية نظيرها قوله تعالى: ﴿بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [سورة الأنبياء: ٤٤].\nوالشاهد هو قوله تعالى: ﴿أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ أي: أفهؤلاء المشركون غالبونا؟ وقد رأوا قهرنا من أحللنا بساحته بأسنا في أطراف الأرضين؟ ليس ذلك كذلك، بل نحن الغالبون (^٢).\nومن نظائرها: قوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ﴾ [سورة الرعد: ٣١] على قول من قال: إن المراد\n_________\n(^١) جامع البيان: الطبري (١٣/ ٥٧٩)، بتصرف.\n(^٢) انظر: جامع البيان: الطبري (١٦/ ٢٨١، ٢٨٢)، وانظر: معاني القرآن: الزجاج (٣/ ١٥١)، وانظر: معاني القرآن: النحاس (٣/ ٥٠٤، ٥٠٥)، وانظر: الوجوه والنظائر: أبو هلال العسكري (ص: ٧٧)، وانظر: نزهة الأعين النواظر: ابن الجوزي (ص: ١٦٨).","vol":"2","page":811},{"text":"بالقارعة التي تصيبهم سرايا النبي ﷺ تفتح أطراف بلادهم، أو تحل أنت يا نبي الله قريبًا من دارهم (^١).\nالثالث: أن القول بأن المراد من نقصان الأرض: ظهور المسلمين على المشركين، أوفق بالمقام، لأنه عبَّر في الآية بالإتيان المؤذن بعظيم الاستيلاء من الفخامة كما في قوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [سورة الفرقان: ٢٣] (^٢).\nفإن قيل: كيف يكون المراد: ما يفتحه الله من بلاد الكفار وهذه السورة مكية ولم يفتح الله على رسوله حينها شيء من بلاد الكفار؟ (^٣).\nفالجواب: من وجهين:\nالوجه الأول: أنه قد قيل أن سورة الرعد مكية، وفيها آيات كثيرة مدنية، وأشبه آياتها بأن يكون مدنيا قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ (^٤).\nوقد قيل أن سورة الأنبياء المكية، استُثني منها قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾، وعُدَّ من المدني (^٥).\nالوجه الثاني: يُحتمل أن تكون الآية خطاب لأهل مكة: أي: أفلا يري كفار مكة ومن سار سيرهم في تكذيبك يا نبي الله، والكفر بما جئت به ﴿أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ أي بإهلاك الذين كذبوا الرسل كما أهلكنا قوم صالح وقوم لوط، وهم يمرون بديارهم. وكما أهلكنا قوم هود، وجعلنا سبأ أحاديث ومزقناهم كل ممزق كل ذلك بسبب تكذيب الرسل، والكفر بما جاءوا به، وهذا هو معنى قوله: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى﴾ كقوم صالح وقوم لوط وغيرهم (^٦). فيكون المراد من ظهور المسلمين على\n_________\n(^١) انظر: أضواء البيان: الشنقيطي (٤/ ٧٢٧).\n(^٢) انظر: روح المعاني: الآلوسي (١٣/ ١٩١).\n(^٣) ذكر هذا الاشكال: السخاوي في تفسير القرآن العظيم (١/ ٤٢٨)، وأبو حيان في البحر المحيط (١٣/ ١١٦).\n(^٤) انظر: المحرر الوجيز: ابن عطية (٥/ ٥٦١)، وانظر: التحرير والتنوير: ابن عاشور (١٣/ ٧٦).\n(^٥) انظر: الزيادة والإحسان: ابن عقيلة المكي (١/ ٢٣٣).\n(^٦) انظر: أضواء البيان: الشنقيطي (٤/ ٧٢٧).","vol":"2","page":812},{"text":"المشركين: المسلمين أتباع الأنبياء ﵈، والله أعلم.\nويُحتمل أن يكون هذا المراد من باب الإخبار بالغيب، وقد تحقق، والله أعلم (^١).\nتنبيهان:\nالأول: ما تعقب به القاسمي ﵀ على من يورد ما يُروى عن بعض من السلف من أن المراد من نقصان الأرض: موت العلماء، أنه ليس تفسيرا للآية، وإنما هو تهويل لخطب موت العلماء. ليس كما قال، فإن ما روي عن بعض من السلف بهذا المراد صريح بأنهم يُفسرون نقصان الأرض بموت العلماء.\nوقد روي عن عطاء بن أبي رباح في قول الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ قال: \"ذهاب فقهائها وخيار أهلها\".\nقال أبو عمر بن عبد البر: \"قول عطاء في تأويل الآية حسن جدا، تلقاه أهل العلم بالقبول\" (^٢).\nفدل هذا على أن هذا قول صريح في تفسير الآية، وليس كما يقول القاسمي ﵀.\nالثاني: ما أورده السيوطي ﵀ في تفسيره من حديث أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال في قوله: ﴿نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾: \"ذهابُ العُلَماء\" (^٣). لم أقف على إسناده ليتبين إن كان صحيحًا أو ضعيفًا، وإلا لو صح لكان حجة قاطعة لأصحاب القول الثالث.\n\n•<span data-type='title' id=toc-692> النتيجة:</span>\nمن خلال ما تقدم ذكره من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الراجح من أقوالهم والأقرب إلى الصواب: هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول، من أن المراد من نقصان الأرض: ظهور المسلمين على المشركين، لما تقدم إيراده من الأوجه التي تؤيد ذلك، وأن القائلين بأن المراد: موت العلماء: يذكرونه أنه تفسير للآية، لا كما يقول القاسمي ﵀، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: البحر المديد: الفاسي (٣/ ٤٦٥)، التفسير الواضح: الحجازي (٢/ ٥٣٤).\n(^٢) جامع بيان العلم: ابن عبد البر (١/ ٦٠٠)، وانظر: الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (١٢/ ٩٦).\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن مردويه (٤/ ٦٦٥).","vol":"2","page":813},{"text":"<span data-type='title' id=toc-693>١٣٦ - قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ (٤٣)﴾ [سورة الرعد: ٤٣].</span>\nقيل: جعل هذا شهادة (وهو فعل والشهادة قول) على سبيل الاستعارة، لأنه يغني عن الشهادة بل هو أقوى. انتهى.\nقال القاسمي: ولا يخفى أن الشهادة أعم من القول والفعل. على أن المراد من تلك الحجج هي آيات القرآن والذكر الحكيم، وهي كلامه تعالى (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-694> أقوال أهل العلم في المراد من الشهادة في قوله تعالى: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾:</span>\nالقول الأول: أن المراد من الشهادة: الفعل الذي يُغني عن القول، ومن شهادة الفعل: المعجزات.\nالقول الثاني: أن الشهادة في الآية عامة في القول والفعل، ومن شهادة القول: آيات القرآن.\nأصحاب القول الأول:\nظاهر قول الرازي: \"المراد من تلك الشهادة أنه تعالى أظهر المعجزات الدالة على كونه صادقا في ادعاء الرسالة، وهذا أعلى مراتب الشهادة لأن الشهادة قول يفيد غلبة الظن بأن الأمر كذلك. أما المعجز فإنه فعل مخصوص يوجب القطع بكونه رسولا من عند الله تعالى، فكان إظهار المعجزة أعظم مراتب الشهادة\" (^٢).\nالبيضاوي: \" ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ فإنه أظهر من الأدلة على رسالتي\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (١٠/ ٣٦٩٣، ٣٦٩٤).\n(^٢) مفاتيح الغيب: الرازي (١٩/ ٥٤)، وانظر: اللباب: ابن عادل الحنبلي (١١/ ٣٢٥).","vol":"2","page":814},{"text":"ما يغني عن شاهد يشهد عليها\" (^١).\nالآلوسي: \" ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ فإنه جل وعلا قد أظهر على رسالتي من الأدلة والحجج ما فيه غنى عن شهادة شاهد آخر، وتسمية ذلك شهادة مع أنه فعل وهي قول مجاز من حيث إنه يغني غناها بل هو أقوى منها\" (^٢).\nأبو زهرة: \" ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾، أي كفا الله شهيدا بيني وبينكم، فهو الحق وشهادته الحق، وليست شهادته كلاما يردد، ولكن شهادته معجزة تفحم، وقد جاءت الخوارق تترى بشهادة الحق في كل ما ترون من حياته\" (^٣).\nأصحاب القول الثاني:\nمقاتل: ﴿قُلْ﴾ لليهود: ﴿كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ فلا شاهد أفضل من الله ﷿ ﴿بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ بأنِّي نبي رسول\" (^٤).\nالطبري: \" ﴿قُلْ﴾ لهم إذا قالوا ذلك: ﴿كَفَى بِاللَّهِ﴾ يقول: قل حسبي الله ﴿شَهِيدًا﴾ يعني شاهدا، ﴿بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ علي وعليكم بصدقي وكذبكم\" (^٥).\nابن كثير: \" ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ أي: حسبي الله، وهو الشاهد علي وعليكم، شاهد علي فيما بلغت عنه من الرسالة، وشاهد عليكم أيها المكذبون فيما تفترونه من البهتان\" (^٦).\nالسعدي: \" ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ وشهادته بقوله وفعله وإقراره، أما\n_________\n(^١) أنوار التنزيل: البيضاوي (٣/ ١٩١).\n(^٢) روح المعاني: الآلوسي (١٣/ ١٩٤).\n(^٣) زهرة التفاسير: أبو زهرة (٨/ ٣٩٧٤).\n(^٤) تفسير مقاتل بن سليمان (٢/ ٣٨٤).\n(^٥) جامع البيان: الطبري (١٣/ ٥٨١)، وانظر: تفسير القرآن: السمعاني (٣/ ١٠١).\n(^٦) تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٤/ ٥٩٣).","vol":"2","page":815},{"text":"قوله: فبما أوحاه الله إلى أصدق خلقه مما يثبت به رسالته. وأما فعله فلأن الله تعالى أيد رسوله ونصره نصرا خارجا عن قدرته وقدرة أصحابه وأتباعه وهذا شهادة منه له بالفعل والتأييد. وأما إقراره، فإنه أخبر الرسول عنه أنه رسوله، وأنه أمر الناس باتباعه، فمن اتبعه فله رضوان الله وكرامته، ومن لم يتبعه فله النار والسخط وحل له ماله ودمه والله يقره على ذلك، فلو تقول عليه بعض الأقاويل لعاجله بالعقوبة\" (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-695> دراسة المسألة:</span>\nبعد التتبع والنظر واستقراء ما ذكره أهل العلم والمفسرون في هذه المسألة، يتبين أن الراجح هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني، من أن الشهادة في قوله تعالى: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾: عامة في القول والفعل، وذلك من أوجه:\nالأول: من حيث الظاهر: فالشهادة في الآية جاءت ردا على قولهم بإنكار الرسالة، وهو في قوله تعالى حكاية عنهم: ﴿لَسْتَ مُرْسَلًا﴾ والمعنى: كفى بالله شاهدا بيني وبينكم على مقالتكم، فتكون الشهادة على رد هذه المقالة عامة بالقول والفعل، والله أعلم.\nالثاني: الشواهد من الآيات القرآنية الدالة على أن المراد من الشهادة: شهادة القول. ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [سورة يس: ٣] وهو جواب لقول الكفار: ﴿لَسْتَ مُرْسَلًا﴾ (^٢).\nوالشاهد: أن الله تعالى أقسم بالقرآن الحكيم، الذي فيه الحجج الدالة على إثبات رسالة محمد ﷺ، وهو يتضمن شهادة القول.\nالثالث: ما جاء في سبب نزول السورة الذي ظاهره يؤيد القول بأن الشهادة عامة بالقول والفعل.\n_________\n(^١) تيسير الكريم الرحمن: السعدي (ص: ٤٢٠).\n(^٢) انظر: الكشف والبيان: الثعلبي (٢٢/ ٢٤٧)، وانظر: معالم التنزيل: البغوي (٧/ ٧)، وانظر: التيسير في علم التفسير: أبو حفص النسفي (٩/ ٨٩)، وانظر: فتح القدير: الشوكاني (٤/ ٤١٣)، وانظر: أضواء البيان: الشنقيطي (٦/ ٧٠٩).","vol":"2","page":816},{"text":"قال مقاتل في تفسيره: قالت اليهود: لست مُرْسلا يا محمد، لم يبعثك الله رسولا فأنزل الله ﷿: ﴿قُلْ﴾ لليهود: ﴿كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ يقول: ويشهد مَنْ عنده من عنده التوراة عبد الله بن سلام، فهو يشهد أنِّي نبي رسول مكتوب في التوراة\" (^١).\nووجه الدلالة: أنه احتج عليهم بقول من عنده علم الكتاب وهو عبد الله بن سلام - على القول بأن الآية نزلت فيه- (^٢)، فالله شهيد بقوله وفعله، وعبد الله بن سلام شهيد بقوله، والله أعلم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-696> النتيجة:</span>\nيظهر من خلال ما تقدم ذكره من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، أن الراجح هو هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني من أن الشهادة في قوله تعالى: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ عامة في القول والفعل، لما تقدم إيراه من الأوجه التي تؤيد ذلك، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) تفسير مقاتل بن سليمان (٢/ ٣٨٤).\n(^٢) ذهب جمع من المفسرين برد القول أنها نزلت في عبد الله بن سلام، كابن عطية في المحرر الوجيز (٥/ ٦٢٦)، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن (١٢/ ٩٩)، وغيرهم، وعلى التسليم بما ذهبوا إليه، فتحمل الآية على جنس يشمل علماء أهل الكتاب كما يقول ابن كثير ﵀ في تفسيره (٤/ ٥٩٣).","vol":"2","page":817},{"text":"سورة إبراهيم","vol":"2","page":818},{"text":"<span data-type='title' id=toc-697>سورة إبراهيم</span>\n<span data-type='title' id=toc-698>١٣٧ - قوله تعالى: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [سورة ابراهيم: ١٠].</span>\nقال القاسمي: (من) إما تبعيضية أي: بعض ذنوبكم وهو ما بينهم وبين الله تعالى دون المظالم، أو صلة، على مذهب الأخفش وغيره، من زيادتها في الإيجاب، أو للبدل أي: بدل عقوبة ذنوبكم، أو على تضمين (يغفر) معنى (يخلص).\nوادعى الزمخشري مجيئه بـ (من) هكذا في خطاب الكافرين دون المؤمنين في جميع القرآن. قال: وكان ذلك للتفرقة بين خطابين، ولئلا يسوى بين الفريقين في الميعاد (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-699> أقوال أهل العلم في سبب مجيء (من) في قوله تعالى: ﴿يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾:</span>\nالقول الأول: أن (مِنْ) جاءت إما صلة على مذهب الأخفش (^٢)، وإما تبعيضية، وإما بدل على مذهب سيبويه (^٣)، ومن تبعه (^٤).\nالقول الثاني: أن (مِنْ) جاءت للتفرقة بين خطاب المؤمنين وخطاب الكافرين.\nأصحاب القول الأول:\nمكي بن أبي طالب: \" والمعنى: يغفر لكم بعضها، إذ لا يأتي أحد يوم القيامة إلا\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (١٠/ ٣٧١٥).\n(^٢) انظر: التبيان: أبو البقاء (٢/ ٧٦٤).\n(^٣) وهو: عمرو بن عثمان بن قَنْبَر، مولى بني الحارث بن كعب بن عمرو بن عُلَة، قدم البصرة ليكتب الحديث، فلزم حلقة حماد بن سلمة، وكان كثير المجالسة للخليل، وكان سُنِّيًّا على السُّنَّةِ، مات سنة ١٨٠ هـ. ينظر: طبقات النحويين: الزبيدي (ص: ٦٦).\n(^٤) انظر: الكتاب\" لسيبويه (١/ ٣٨) و(٢/ ٣١٦)، و\"شرح كتاب سيبويه\" للسيرافي (١/ ٢٧٨)، وانظر: المحرر الوجيز: ابن عطية (٥/ ٦٤٢)، وانظر: الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (١٢/ ١١٤).","vol":"2","page":819},{"text":"بذنب، إلا النبي محمدا ﷺ، لأنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه، وما تأخر في الدنيا\" (^١).\nالبغوي: \" ﴿يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ أي: ذنوبكم و﴿مِنْ﴾ صلة\" (^٢).\nالخازن: \" ﴿لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ يعني ليغفر لكم ذنوبكم إذا آمنتم وصدقتم وحرف ﴿مِنْ﴾ صلة وقيل: إنها أصل ليست بصلة، وعلى هذا إنه يغفر لهم ما بينهم وبينه من الكفر والمعاصي دون مظالم العباد\" (^٣).\nابن عادل الحنبلي: \" ﴿يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ أي: ذنوبكم و﴿مِنْ﴾ صلة، وقيل: ﴿مِنْ﴾ تبعيضية، وقيل: بمعنى البدل، أي: بدل عقوبة ذنوبكم\" (^٤).\nأصحاب القول الثاني:\nالزمخشري: \" فإن قلت: ما معنى التبعيض في قوله: ﴿مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾؟ قلت: ما علمته جاء هكذا إلا في خطاب الكافرين، كقوله ﴿وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ [سورة نوح: ٤]، ﴿يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ [سورة الأحقاف: ٣١] وقال في خطاب المؤمنين: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ إلى أن قال ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ وغير ذلك مما يقفك عليه الاستقراء، وكان ذلك للتفرقة بين الخطابين، ولئلا يسوى بين الفريقين في الميعاد \" (^٥).\nالبيضاوي: \" قيل جيء بـ ﴿مِنْ﴾ في خطاب الكفرة دون المؤمنين في جميع القرآن تفرقة بين الخطابين، ولعل المعنى فيه أن المغفرة حيث جاءت في خطاب الكفار مرتبة على\n_________\n(^١) الهداية: مكي بن أبي طالب (٥/ ٣٧٨٤).\n(^٢) معالم التنزيل: البغوي (٤/ ٣٣٩).\n(^٣) لباب التأويل: الخازن (٣/ ٣٠).\n(^٤) اللباب: ابن عادل الحنبلي (١١/ ٣٤٨).\n(^٥) الكشاف: الزمخشري (٢/ ٥٤٣)، وانظر: مدارك التنزيل: النسفي (٢/ ١٦٥)، وانظر: زهرة التفاسير: أبو زهرة (٨/ ٤٠٠٢).","vol":"2","page":820},{"text":"الإيمان وحيث جاءت في خطاب المؤمنين مشفوعة بالطاعة والتجنب عن المعاصي ونحو ذلك فتتناول الخروج عن المظالم\" (^١).\nالخفاجي: \"وللتخصيص فائدة أخرى وهي التفرقة بين الخطابين بالتصريح بمغفرة الكل وإبقاء البعض في حق الكفرة مسكوتا عنه لئلا يتكلوا على الإيمان\" (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-700> دراسة المسألة:</span>\nمن خلال الاستقراء والنظر فيما ذكره المفسرون في تفسير الآية، يظهر أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن: ﴿مِنْ﴾ من الآية: يجوز أن تكون تبعيضية، أو صلة أو بدل، وليس كما يقول الزمخشري ومن معه من أن ﴿مِنْ﴾ جيء بها للتفرقة بين خطاب المؤمنين وخطاب الكافرين، وذلك من وجهين:\nالأول: وجود نظائر أخرى من الآيات غير ما ذكره استشهد به الزمخشري، جاء فيها ذكر ﴿مِنْ﴾ في سياق خطاب المغفرة للمؤمنين.\nومن ذلك قوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [سورة الفتح: ٢]، فدل هذا على أن ﴿مِنْ﴾ ليست للتفرقة بين خطاب المؤمنين، وخطاب الكافرين.\nالثاني: مما يدل على أن الآية ليست لتخصيص أهل الكفر بالخطاب أنها دلت على أنه تعالى قد يغفر الذنوب من غير توبة في حق أهل الإيمان والدليل عليه أنه قال: ﴿يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ وعد بغفران بعض الذنوب مطلقا من غير اشتراط التوبة، فوجب أن يغفر بعض الذنوب مطلقا من غير التوبة وذلك البعض ليس هو الكفر لانعقاد الإجماع على أنه تعالى لا يغفر الكفر إلا بالتوبة عنه والدخول في الإيمان فوجب أن يكون البعض الذي يغفر له من غير التوبة هو ما عد الكفر من الذنوب (^٣).\n_________\n(^١) أنوار التنزيل: البيضاوي (٣/ ١٩٤)، وانظر: إرشاد العقل السليم: أبو السعود (٥/ ٣٧).\n(^٢) عناية القاضي: الشهاب الخفاجي (٥/ ٢٥٦).\n(^٣) انظر: مفاتيح الغيب: الرازي (١٩/ ٧٢)، وانظر: اللباب: ابن عادل الحنبلي (١١/ ٣٥١).","vol":"2","page":821},{"text":"الثالث: أن معنى المغفرة مشترك بين المؤمنين والكافرين، فما فائدة الفرق في الخطاب والمعنى مشترك، إذ الكافر إذا آمن، والمؤمن إذا تاب مشتركان في الغفران وما تخيلت فيه مغفرة بعض الذنوب في الكافر الذي آمن هو موجود في المؤمن الذي تاب (^١).\nتنبيهان:\nالأول: ما تعقب به الرازي ﵀ على الزمخشري بقوله: \" وأما قول صاحب «الكشاف»: المراد تمييز خطاب المؤمن عن خطاب الكافر بمزيد التشريف فهو من باب الطامات، لأن هذا التبعيض إن حصل فلا حاجة إلى ذكر هذا الجواب، وإن لم يحصل كان هذا الجواب فاسدا\" (^٢). فيه نظر، لأن جواب المشركين في الآية ذُكر لاثبات عنادهم واعتراضهم وردهم لدعوة الرسل ﵈، وأن الخطاب من باب دعوة المشركين إلى التوبة، وليس لتحقق وقوعها من عدمه، والله أعلم.\nالثاني: ما قيل أن (مِنْ) في قوله تعالى: ﴿يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ زائدة، وهو ما ذهب إليه أبي عبيدة معمر بن المثنى وغيره (^٣)، مردود، رده سيبويه (^٤)، وقد تقدم التنبيه على عدم وجود الحروف الزائدة في القرآن الكريم (^٥).\n\n•<span data-type='title' id=toc-701> النتيجة:</span>\nبعد عرض ما تقدم ذكره من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن (مِنْ) في قوله تعالى: ﴿يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ جاءت إما تبعيضية، وإما بدل، وليس للتفرقة بين خطاب المؤمنين وخطاب الكافرين، لما تقدم إيراده من الأوجه التي تؤيد ذلك، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: البحر المحيط: أبو حيان (١٣/ ١٤٠، ١٤١).\n(^٢) مفاتيح الغيب: الرازي (١٩/ ٧٣)، وانظر: اللباب: ابن عادل الحنبلي (١١/ ٣٥١).\n(^٣) انظر: مجاز القرآن: أبو عبيدة (١/ ٣٣٦)، وانظر: الهداية: مكي بن أبي طالب (٥/ ٣٧٨٣)، وانظر: النكت والعيون: الماوردي (٣/ ١٢٥).\n(^٤) انظر: التيسير في علم التفسير: أبو حفص النسفي (٩/ ١٠٦)، وانظر: مفاتيح الغيب: الرازي (١٩/ ٧٢)، وانظر: الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (١٢/ ١١٤).\n(^٥) انظر ما تقدم ذكره في مسألة رقم: (٢٩) ص: (٣٠٠).","vol":"2","page":822},{"text":"سورة الحجر","vol":"2","page":823},{"text":"<span data-type='title' id=toc-702>سورة الحجر</span>\n<span data-type='title' id=toc-703>١٣٨ - قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [سورة الحجر: ٨٧].</span>\nقال القاسمي: روي عن بعض السلف تفسير السبع بالسور الطوال الأول، وهذا لم يقصد به. إلا أن اللفظ الكريم يتناولها، لا أنها هي المعنية. كيف لا وهذه السورة مكية وتلك مدنيات؟ كالقول بأنها الفاتحة سواء. وأما حديث: (الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته) عند الشيخين (^١)، فمعناه أنها من السبع، لعطف قوله (والقرآن العظيم الذي أوتيته) ولو كان القصر على بابه، لناقضه لمعطوف. لاقتضائه أنها هو لا غيره. وبداهة بطلانه لا تخفى، ..... إلى أن قال: وللأثريّ الواقف مع ظاهر ما صح من الأخبار، الجازم بأن السبع في الآية هي الفاتحة لظاهر الحديث أن يجيب عن القصر بأن المراد بالمعطوف القرآن بمعنى المقروء، لا بمعنى الكتاب كله. والله أعلم (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-704> أقوال أهل العلم في المراد من السبع المثاني في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾</span> (^٣):\nالقول الأول: أن المراد من السبع المثاني: سورة الفاتحة فحسب.\nالقول الثاني: أن المراد من السبع المثاني: السبع الطوال.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب التفسير، باب ما جاء في فاتحة الكتاب، برقم: (٤٤٧٤)، ولم أجده في صحيح مسلم.\n(^٢) محاسن التأويل: القاسمي (١٠/ ٣٧٦٩).\n(^٣) ذكر كثير من المفسرين أقوالا أخرى غير ما ذكرت في المراد من السبع المثاني، كالرازي في مفاتيح الغيب (١٩/ ١٦٠)، والقرطبي في الجامع (١٢/ ٢٥١)، والخازن في لباب التأويل (٣/ ٦٢)، والشوكاني في فتح القدير (٣/ ١٧٠)، ولعل المقام لا يسع للبسط في إيرادها.","vol":"2","page":824},{"text":"أصحاب القول الأول:\nعلي بن أبي طالب ﵁: «السبع المثاني: فاتحة الكتاب»، بنحو ذلك روي عن ابن عباس ﵁ في رواية، وابن مسعود ﵁ في رواية، وأبي بن كعب ﵁، والحسن، وغيرهم (^١).\nالفراء: \" ﴿سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ يعني فاتحة الكتاب وهي سبع آيات في قول أهل المدينة وأهل العراق\" (^٢).\nالواحدي: \" ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ يعني: الفاتحة وهي سبع آيات وتثنى في كلِّ صلاة\" (^٣).\nابن جزي: \" ﴿سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ يعني: أم القرآن لأنها سبع آيات، وقيل: يعني السور السبع الطوال، والأول أرجح لوروده في الحديث\" (^٤).\nأصحاب القول الثاني:\nابن عباس ﵁ في رواية: «السبع الطول»، وبنحو ذلك روي عن ابن مسعود ﵁ في رواية، وابن عمر ﵁، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وغيرهم (^٥).\nالرازي: \"اعلم أن قوله: ﴿آتَيْنَاكَ سَبْعًا﴾ يحتمل أن يكون سبعا من الآيات وأن يكون سبعا من السور وأن يكون سبعا من الفوائد. وليس في اللفظ ما يدل على التعيين\" (^٦).\nابن كثير: \"الحديث نص في أن الفاتحة السبع المثاني والقرآن العظيم، ولكن لا ينافي\n_________\n(^١) أخرج أقوالهم ابن جرير الطبري في تفسيره (١٤/ ١١٣ - ١١٦).\n(^٢) معاني القرآن: الفراء (٢/ ٩١).\n(^٣) الوجيز: الواحدي (ص: ٥٩٧).\n(^٤) التسهيل: ابن جزي (١/ ٤٢١).\n(^٥) أخرج أقوالهم ابن جرير الطبري في تفسيره (١٤/ ١٠٧ - ١٠٩).\n(^٦) مفاتيح الغيب: الرازي (١٩/ ١٥٨)، وانظر: اللباب: ابن عادل الحنبلي (١١/ ٤٨٦).","vol":"2","page":825},{"text":"وصف غيرها من السبع الطول بذلك، لما فيها من هذه الصفة، كما لا ينافي وصف القرآن بكماله بذلك أيضا\" (^١).\nالسعدي: \" ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ وهن على الصحيح السور السبع الطوال، أو أنها فاتحة الكتاب لأنها سبع آيات\" (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-705> دراسة المسألة:</span>\nمن خلال ما تقدم ذكره من أقوال أهل العلم، واستقراء ما ذكره المفسرون في تفسير الآية، وما أوردوه من روايات في بيان معنى السبع المثاني، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن المراد بالسبع المثاني هي سورة الفاتحة، وهو ما ذهب إليه القاسمي ﵀، وهو الذي عليه أكثر المفسرين (^٣)، وذلك من أوجه:\nالأول: دلالة السنة الصحيحة الصريحة على هذا المراد في أحاديث أخرى غير ما تقدم، ولا قول لأحد من قول الرسول ﷺ: فقد روى البخاري بسنده من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ: \"الحمدُ لله أم القرآن وأم الكتاب، والسبعُ المثاني\" (^٤)، وعن أُبَي ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ: \"ما أنزل اللَّه في التوراة والإنجيل مثل أم القرآن؛ وهي السبع المثاني، وهي مقسومة بيني وبين عبدي؛ ولعبدي ما سأل\" (^٥).\nيقول ابن العربي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ بعد أن ذكر الخلاف فيها: \"يحتمل أن يكون السبع من السّور، ويحتمل أن يكون من الآيات؟ لكن النبي ﷺ قد كشف قناع الأشكال، وأوضح شعاع البيان؛ ففي الصحيح عند كل فريق ومن كل طريق أنها أمّ الكتاب، والقرآن العظيم - حسبما تقدم من قول النبي\n_________\n(^١) تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٤/ ٦٥٩)، بتصرف.\n(^٢) تيسير الكريم الرحمن: السعدي (ص: ٤٣٤).\n(^٣) نص على هذا القشيري في لطائف الإشارات (٢/ ٢٧٩)، والواحدي في البسيط (١٢/ ٦٤٦)، والرازي في مفاتيح الغيب (١٩/ ١٥٩)، والنيسابوري في غرائب القرآن (٤/ ٢٣٢).\n(^٤) أخرجه أحمد في مسنده (١٥/ ٤٩١) برقم: (٩٧٩٠) وصححه محققوا المسند.\n(^٥) أخرجه أحمد في مسنده (٣٥/ ١٩) برقم: (٢١٠٩٤) وصححه محققوا المسند.","vol":"2","page":826},{"text":"ﷺ لأبي ابن كعب: «هي السبع المثاني، والقرآن العظيم الذي أوتيت».\nوبعد هذا فالسبع المثاني كثير، والكلّ محتمل، والنصّ قاطع بالمراد، قاطع بمن أراد التكلف والعناد، وبعد تفسير النبي ﷺ فلا تفسير. وليس للمعترض إلى غيره إلا النكير. وقد كان يمكن لولا تفسير النبي ﷺ أن أحرّر في ذلك مقالا وجيزا، وأسبك من سنام المعارف إبريزا، إلا أنّ الجوهر الأغلى من عند النبي ﷺ أولى وأعلى\" (^١).\nالثاني: أنه قد نقل جمع غفير من أهل العلم ومن المفسرين الإجماع أن سورة الحجر مكية، وليست مدنية (^٢)، فإذا ذُكر فيها السبع المثاني فلا شك أن المراد: سورة الفاتحة، لأن فرض الصلاة كان بمكة بلا خلاف، وهذا يدل على تقدم نزول الفاتحة على سورة الحجر إذ يبعد أن يمتن عليه بما لم ينزل بعد (^٣).\nفإذا تقرر أن سورة الحجر مكية بالإجماع، وامتن الله تعالى على رسوله بإيتاء السبع المثاني التي ذُكرت فيها، فلا يُمكن حمل المعنى على السبع الطوال، إذ إن السبع الطوال سور مدنية كما هو معلوم (^٤).\nالثالث: أن حمل المراد من السبع المثاني على سورة الفاتحة وتسميتها بذلك له أوجه، كما أن حمل المراد على السبع الطوال له أوجه.\nفسورة الفاتحة سُميت مثاني لأنها نزلت مرتين: مرة بمكة ومرة بالمدينة، أو لأنها تثنى في الصلاة، فتقرأ في كل ركعة، وقيل: لأن فيها الثناء على الله تعالى، أو لأنها مقسومة بين الله وبين العبد نصفين، نصفها ثناء ونصفها دعاء (^٥). فهذه الأوجه تتفق طباقًا على سورة\n_________\n(^١) أحكام القرآن: ابن العربي (٣/ ١١٣).\n(^٢) انظر: المحرر الوجيز: ابن عطية (١/ ٢٢٣)، وانظر: لباب التأويل: الخازن (٣/ ٦١)، وانظر: البحر المحيط: أبو حيان (١/ ٤٣)، وانظر: اللباب: ابن عادل الحنبلي (١/ ١٦٦)، وانظر: تفسير ابن رجب: طارق عوض الله (ص: ١٨)، وانظر: تفسير ابن عرفة (١/ ٣١)، والسيوطي في الإتقان (١/ ٤٦).\n(^٣) انظر: الإتقان: السيوطي (١/ ٤٦). وانظر: المحرر الوجيز: ابن عطية (١/ ٢٢٣)، وانظر: الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (١/ ١٧٧)، وانظر: البحر المحيط: أبو حيان (١/ ٤٣).\n(^٤) انظر: أضواء البيان: الشنقيطي (٣/ ٢٦٣).\n(^٥) انظر: لطائف الإشارات: القشيري (٢/ ٢٧٩)، وانظر: تفسير القرآن: السمعاني (٣/ ١٥٠)، وانظر: معالم التنزيل: البغوي (٤/ ٣٩٠، ٣٩١)، وانظر: التيسير في التفسير: أبو حفص النسفي (٩/ ٢١٨)، وانظر: التسهيل: ابن جزي (١/ ٤٢١).","vol":"2","page":827},{"text":"الفاتحة وتسميتها بالسبع المثاني، والله أعلم.\nتنبيه:\nيُريد القاسمي ﵀ في تعقبه على من قال أن القصر على بابه في حديث\" هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته\" بأن العطف من باب المغايرة: ما أورده الرازي عن أبي بكر الأصم أنه قال: كان ابن مسعود يكتب في مصحفه فاتحة الكتاب رأى أنها ليست من القرآن. وأقول -يعني الرازي-: لعل حجته فيه أن السبع المثاني لما ثبت أنه هو الفاتحة. ثم/ إنه تعالى عطف السبع المثاني على القرآن، والمعطوف مغاير للمعطوف عليه وجب أن يكون السبع المثاني غير القرآن (^١).\nوالجواب على هذا من وجهين:\nالوجه الأول: أن مثل هذا العطف وارد في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ [سورة الأحزاب: ٧] وكذلك قوله: ﴿وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [سورة البقرة: ٩٨]، ولم يقتضي المغايرة (^٢).\nالوجه الثاني: أن سورة الفاتحة والسبع الطوال، من عطف العام على الخاص، لأن الفاتحة من بعض القرآن، فما وراءهن يطلق عليه اسم القرآن، لأنه اسم يقع على البعض كما يقع على الكل. ألا ترى إلى قوله: ﴿بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ﴾ يعني سورة يوسف (^٣).\n\n•<span data-type='title' id=toc-706> النتيجة:</span>\nيتبين من خلال ما تقدم ذكره من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن المراد بالسبع المثاني: سورة الفاتحة، لما تقدم إيراه من\n_________\n(^١) انظر: مفاتيح الغيب: الرازي (١٩/ ١٥٩).\n(^٢) انظر: مفاتيح الغيب: الرازي (١٩/ ١٥٩).\n(^٣) انظر: الكشاف: الزمخشري (٢/ ٥٨٨)، وانظر: البحر المحيط: أبو حيان (١٣/ ٢٨٤)، وانظر: فتح القدير: الشوكاني (٣/ ١٧٠).","vol":"2","page":828},{"text":"الأوجه الدالة على ذلك، وأن العطف في حديث: \"هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته\"، من باب عطف العام على الخاص، وليس للمغايرة، والله أعلم.","vol":"2","page":829},{"text":"سورة النحل","vol":"2","page":830},{"text":"<span data-type='title' id=toc-707>سورة النحل</span>\n<span data-type='title' id=toc-708>١٣٩ - قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦)﴾ [سورة النحل: ١٢٦].</span>\nقال القاسمي بعد إيراده للروايات الواردة في سبب نزول الآية: أقول: بمعرفة ما قدمنا من معنى سبب النزول- في مقدمة التفسير- يعلم أن لا حاجة إلى الذهاب إلى أنها مدنية ألحقت بالسورة- ولا إلى ما روي من هذه الآثار. إذ به يتضح عدم التنافي. والتقاء الآثار مع الآية فتذكره (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-709> أقوال أهل العلم في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ من حيث المكي والمدني:</span>\nالقول الأول: أن قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ من الآيات المكية.\nالقول الثاني: أن قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ من الآيات المدنية.\nأصحاب القول الأول:\nابن عباس ﵁ في رواية: \"نزلت سورة النحل بمكة\"، وبنحو ذلك روي عن الحسن، وعكرمة، وعطاء، وجابر (^٢).\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (١٠/ ٣٨٨٠).\n(^٢) انظر: النكت والعيون: الماوردي (٣/ ١٧٧)، وانظر: البسيط: الواحدي (١٣/ ٢٣٥، ٢٣٦)، وانظر: زاد المسير: ابن الجوزي (٢/ ٥٤٨)، وانظر: الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (١٢/ ٢٦٦)، وانظر: موسوعة التفسير بالمأثور: مجموعة من المؤلفين (١٢/ ٤٤٤).","vol":"2","page":831},{"text":"ابن قتيبة: \"سورة النحل مكية كلها\" (^١).\nالواحدي: \" سورة النحل مكية، وآياتها ثمان وعشرون ومائة\" (^٢).\nالحداد: \" سورة النّحل مكّيّة، وهي سبعة آلاف وسبعمائة وسبعة أحرف، وألفان وثمانمائة وأربعون كلمة، ومائة وثمان وعشرون آية\" (^٣).\nأصحاب القول الثاني:\nابن عباس ﵁ في رواية: \"وسورة النحل نزلت بمكة فهي مكية سوى ثلاث آيات من آخرها فإنهن نزلن بين مكة والمدينة\" (^٤) وبنحو ذلك روي عن مقاتل، وقتادة، والشعبي (^٥).\nالزجاج: \" سورة النحل مكية ما سوى ثلاث آيات من آخرها فإنهن نزلن بين مكة والمدينة\" (^٦).\nالثعلبي: \" سورة النحل مكية إلا قوله تعالى ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ \" (^٧).\nالزركشي: \" سورة النحل مكية إلى قوله: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ\n_________\n(^١) غريب القرآن: ابن قتيبة (ص: ٢٤١).\n(^٢) الوسيط: الواحدي (٣/ ٥٥).\n(^٣) كشف التنزيل: الحداد (٤/ ٧٥).\n(^٤) أخرجه أبو جعفر النحاس في الناسخ والمنسوخ (ص: ٥٤١).\n(^٥) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان (٢/ ٤٥٧، ٤٥٨)، وانظر: جامع البيان: الطبري (١٤/ ٤٠٣)، وانظر: بحر العلوم: السمرقندي (٢/ ٢٦٥)، وانظر: الهداية: مكي بن أبي طالب (٦/ ٣٩٤٣)، وانظر: البيان في عد آي القرآن: أبو عمر الداني (ص: ١٧٥)، وانظر: زاد المسير: ابن الجوزي (٢/ ٥٤٨)، وانظر: الزيادة والإحسان: ابن عقيلة المكي (١/ ٢٢٩)، وانظر: موسوعة التفسير بالمأثور: مجموعة من المؤلفين (١٢/ ٤٤٤).\n(^٦) معاني القرآن: الزجاج (٣/ ١٨٩)، وانظر: معاني القرآن: النحاس (٤/ ٥١)، وانظر: تفسير القرآن: السمعاني (٣/ ١٥٨)، وانظر: معالم التنزيل: البغوي (٤/ ٧).\n(^٧) الكشف والبيان: الثعلبي (١٦/ ٧)، وانظر: معالم التنزيل: البغوي (٥/ ٥٣).","vol":"2","page":832},{"text":"بِهِ﴾ والباقي مدني\" (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-710> دراسة المسألة:</span>\nأورد القاسمي ﵀ في تفسيره ما روي في سبب نزول الآية - وهي قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ من أن رسول الله ﷺ وقف على حمزة ابن عبد المطلب ﵁، حين استشهد. وقال: أما والله! على ذلك لأمثلن بسبعين كمثلتك، وغيرها من الروايات، التي بنى عليها المفسرون قولهم بأن سورة النحل مكية إلا هذه الآية.\nثم أورد القاسمي ﵀ قول ابن كثير ﵀: بأن إسناد تلك الروايات فيه ضعف (^٢)، فلم يرتضي أن تكون الآية من قبيل المدني.\nومن خلال النظر واستقراء ما ذكره المفسرون وأهل العلم في هذه المسألة، يظهر أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني من أن سورة النحل مكية إلا قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ وهو الذي عليه أكثر المفسرين (^٣)، وليس كما ذهب إليه القاسمي ﵀، وذلك من وجهين:\nالأول: ثبوت الروايات الصحيحة في سبب نزول الآية، الدالة على أن السورة مكية إلا قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ ومن ذلك: ما أخرجه الترمذي والحاكم من حديث أبي بن كعب ﵁ أنه قال: لما كان يوم أحد أصيب من الأنصار أربعة وستون رجلا، ومن المهاجرين ستة منهم حمزة، فمثلوا بهم، فقالت الأنصار: لئن أصبنا منهم يوما مثل هذا لنربين عليهم قال: فلما كان يوم فتح مكة، فأنزل الله تعالى\n_________\n(^١) البرهان: الزركشي (١/ ٢٠٠)، وانظر: الإتقان: السيوطي (١/ ٦٠)، وانظر: المقصد لتلخيص ما في المرشد: السنيكي (ص: ٥٠).\n(^٢) انظر: تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٤/ ٧٢٢).\n(^٣) نص على هذا الثعلبي في الكشف والبيان (١٦/ ١٦٢)، وابن عطية في المحرر الوجيز (٦/ ١٣٨)، والثعالبي في الجواهر الحسان (٣/ ٤٤٨).","vol":"2","page":833},{"text":"﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ فقال رجل: لا قريش بعد اليوم، فقال رسول الله ﷺ: «كفوا عن القوم إلا أربعة» (^١).\nفإن قيل: أن الروايات الواردة في سبب نزول الآية في إسنادها كلام، أو ضعف بحسب ما تقدم من كلام ابن كثير ﵀، وما نص عليه النحاس في قوله: \" فأما حديث أبي هريرة وابن عباس لما قتل حمزة رحمة الله عليه قال النبي ﷺ: «لأمثلن بسبعين منهم فنزلت ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾» فإسنادهما ضعيف\" (^٢).\nفالجواب: على التسليم بضعف إسناد هذه الروايات فإنها صالحة للسببية فإن الآثار الواردة عن السلف تعضدها وتقويها، مع موافقتها للسياق القرآني، واللَّه أعلم.\nالثاني: كما أن لهذه الآية نظائر من السور المكية فلها نظائر من السور المدنية، فهذه الآية نظيرها قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [سورة البقرة: ١٩٤] وسورة البقرة مدنية، وكذا قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [سورة المائدة: ٤٥] الآية، وقوله تعالى في سورة النساء: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ إلى قوله ﴿أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (١٤٩)﴾ [سورة النساء: ١٤٩، ١٤٨]. من السور المدنية (^٣).\nالثالث: مما يدل على أن قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ أشبه بالمدني؛ أن المسلمين لم يملكوا القدرة على العقاب إلا بعد الهجرة، وبعد أن أذن لهم بالقتال في قوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ الآية. [سورة الحج: ٤٠] فبعد\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في سننه، كتاب التفسير، باب ومن سورة النحل، برقم: (٣١٢٩)، والحاكم في مستدركه (٢/ ٣٩١) برقم: (٣٣٦٨) وصححه ووافقه الذهبي، قال الألباني: حديث حسن صحيح الإسناد، وأورد بنحوه ابن جرير الطبري في تفسيره (١٤/ ٤٠٢)، وانظر: الصحيح المسند من أسباب النزول: الوادعي (ص: ١٢٦).\n(^٢) معاني القرآن: النحاس (٤/ ١١٣)، وانظر: التحرير والتنوير: ابن عاشور (١٤/ ٣٣٥).\n(^٣) انظر: أضواء البيان: الشنقيطي (٣/ ٤٦٢).","vol":"2","page":834},{"text":"الهجرة والإذن بالقتال يكون للعقاب موضع؛ إذ كانتا لهم القدرة، ويكون معنى الآية على هذا، وإن عوقبتم أي آذوكم على إيمانكم، وهاجموكم في دياركم وأموالكم، أو أردتم أن تأخذوا منهم حقكم على إيذاء آذوه فعاقبوهم بمثل ما آذوكم (^١).\nتنبيه:\nمن أهل العلم من اجتهد وقال بتكرار النزول في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ للجمع بين القولين (^٢)، وهو قول حسن، ولكن الأظهر هو ما تقدم تقريره، وذلك أن استثناء بعض من الآيات في السور المكية، وعدها من المدني واقع في بعض من السور، كما هو معلوم، والقول بأن هذه الآية مستثناة من سورة النحل المكية لا يُفضي إلى تعارض وإشكال، والله أعلم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-711> النتيجة:</span>\nبعد ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني، من أن سورة النحل مكية إلا قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ﴾ الآية، لما تقدم إيراده من الأوجه الدالة على ذلك، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: زهرة التفاسير: أبو زهرة (٨/ ٤٣٠٦).\n(^٢) انظر: الزيادة والإحسان: ابن عقيلة المكي (١/ ٣٠٣)، وانظر: مناهل العرفان: الزرقاني (١/ ١٢٠)، وانظر: المكي والمدني: عبد الرزاق حسين أحمد (ص: ٨٣٩، ٨٤٠).","vol":"2","page":835},{"text":"سورة الإسراء","vol":"2","page":836},{"text":"<span data-type='title' id=toc-712>سورة الإسراء</span>\n<span data-type='title' id=toc-713>١٤٠ - قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [سورة الإسراء: ١].</span>\nقال القاسمي: وجوز بعضهم أن يكون (أسرى) من (السراة) وهي الأرض الواسعة. وأصله من الواو. أسرى مثل أجبل وأتهم، أي ذهب به في سراة من الأرض، وهو غريب (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-714> أقوال أهل العلم في المراد من الإسراء في قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾:</span>\nالقول الأول: أن المراد: سار بعبده ليلا.\nالقول الثاني: أن المراد: ذهب به في سراة من الأرض.\nأصحاب القول الأول:\nالطبري: \" والإسراء والسرى: سير الليل. فمن قال: أسرى، قال: يسري إسراء، ومن قال: سرى، قال: يسري سرى\" (^٢).\nالزجاج: \"وقوله: ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ معناه سيَّر عبده، يقال أسريت وسريت إذا سرت ليلا\" (^٣).\nالسمرقندي: \" ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ أي: أدلج برسوله ﷺ ليلا أي: في ليلة. ويقال: أسرى يعني: سار بعبده ليلا\" (^٤).\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (١٠/ ٣٨٨٤)\n(^٢) جامع البيان: الطبري (١٤/ ٤١٢).\n(^٣) معاني القرآن: الزجاج (٣/ ٢٢٥).\n(^٤) معالم التنزيل: البغوي (٤/ ٢٥١).","vol":"2","page":837},{"text":"السمعاني: \" قوله: ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ يقال: أسرى به إذا سيره ليلا، وكذا سرى به\" (^١).\nأصحاب القول الثاني:\nالراغب الأصفهاني: \" ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾، أي: ذهب به في سراة من الأرض، وسراة كل شيء: أعلاه، ومنه: سراة النهار، أي: ارتفاعه\" (^٢).\nالسمين الحلبي: \" قيل: إن أسرى ليس من لفظ سرى، وإنما هو من لفظ السراة، وهي الأرض الواسعة، فقوله تعالى: ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ ذهب به في سراة الأرض\" (^٣).\nالفيروز آبادي: \"قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ أَي ذهب به في سَرَاة الأَرض، وهي الواسعة من الأَرض\" (^٤).\n\n•<span data-type='title' id=toc-715> دراسة المسألة:</span>\nبعد التتبع والنظر واستقراء ما ذكره المفسرون في معنى الإسراء في قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ يتبين أن الصواب هو ما عليه أصحاب القول الأول من أن المراد من الإسراء: السير ليلا، وذلك من أوجه:\nالأول: نظائر الآية التي تدل على أن معنى الإسراء: السير بالليل، ومن ذلك قوله تعالى مخاطبا نبيه لوط ﵇: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ [سورة هود: ١٨] والسري: السير في الليل، والقطع من الليل: بعضه وهو مثل القطعة (^٥).\n_________\n(^١) تفسير القرآن: السمعاني (٣/ ٢١٣).\n(^٢) المفردات: الراغب الأصفهاني (ص: ٤٠٩).\n(^٣) عمدة الحفاظ: السمين الحلبي (٢/ ١٩٦).\n(^٤) بصائر ذوي التمييز: الفيروز آبادي (٣/ ٢١٩).\n(^٥) جامع البيان: الطبري (١٤/ ٤١٢)، وانظر: النكت والعيون: الماوردي (٣/ ٢٢٤).","vol":"2","page":838},{"text":"وقوله تعالى مخاطبا موسى ﵇: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾ [سورة الدخان: ٢٣]، وقوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾ [سورة الفجر: ٤] فالليل نفسه يسري، أي يسير متخفّيا في ظلام، مستترا به، لا ننكشف حركته للناس، مما يدل على أن الإسراء إنما يكون في الليل (^١).\nالثاني: الشواهد الشعرية، واللغوية الدالة على أن السراة تكون بالليل، ومن ذلك قول أبو محمد الفقعسي (^٢):\nوَلَيْلَةٍ ذَاتِ دُجًى سَرَيْتُ … وَلَمْ يَلِتْنِي عَنْ سُرَاهَا لَيْتُ (^٣)\nأي: لم يمنعني عن سُراها مانع (^٤).\nوالمراد من السُّرَي: سير اللّيل، وكل شيء طرق ليلا فهو سارٍ. سَرَى يسري سُرىً وسَرْيًا. والسّاريةُ من السَّحاب: التي تجيء بين الغادية والرّائحة ليلا، والعرب تؤنِّث السُّرَى، قال: هنّ الغِياثُ إذا تَهَوّلتِ السُّرَى، وسرى وأسرى، لغتان، وقرئ: ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾. وسَرَى به وأَسرَى به سواء (^٥).\nوأصل الفعل من السرّ، وهو ما خفي عن غير صاحبه من الأمور .. ولأن الليل يستر الناس، ويخفى شخوصهم وأفعالهم عن الناس (^٦).\n_________\n(^١) انظر: التفسير القرآني للقرآن: الخطيب (٨/ ٤٠٩).\n(^٢) وهو: أبو محمد عبد الله بن ربعيّ بن خالد الحذلمي الفقعسي راجز إسلاميّ، مات خلال فترة خلافة أبي بكر الصديق ﵁. ينظر: سمط اللآلي: البكري (١/ ١٤٨)، وينظر كتاب: ما تبقى من أراجيز أبي محمد الفقعسي: د. محمد جبار (ص: ٥).\n(^٣) انظر: جامع البيان: الطبري (١٤/ ٤١٢)، وانظر: لسان العرب: ابن منظور (١٣/ ١٣١).\n(^٤) انظر: الصحاح تاج اللغة: الفارابي (١/ ٢٦٥).\n(^٥) انظر: العين: الفراهيدي (٧/ ٢٩١)، وانظر: جامع البيان: الطبري (١٤/ ٤١٢)، وانظر: المحيط في اللغة: الصاحب ابن عباد (٢/ ٢٧٤)، وانظر: النكت والعيون: الماوردي (٣/ ٢٢٤).\n(^٦) انظر: التفسير القرآني للقرآن: الخطيب (٨/ ٤٠٩).","vol":"2","page":839},{"text":"الثالث: الأحاديث الصحيحة الواردة في حادثة الإسراء التي دلت على أن الإسراء كان بالليل، ومن ذلك ما أخرجه البخاري في صحيحه من حديث أنس بن مالك ﵁ عن مالك بن صعصعة ﵁ «أن رسول الله ﷺ حدثهم عن ليلة أسري به: بينما أنا في الحطيم، وربما قال في الحجر، مضطجعا، إذ أتاني آت\" الحديث (^١).\nوالشاهد هو قوله: \" ليلة أسري به\"، مما يدل على أن الإسراء يكون بالليل.\nفإن قيل: إن لو كان معنى الإسراء: السير بالليل خاصة، لما قيده في قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ وإلا فلا حاجة للتقييد، مما يدل على أنه يجوز أن يكون في وقت غير الليل.\nفالجواب: أن التقييد باليل في قوله: ﴿لَيْلًا﴾ للتأكيد الدال على التعظيم، أو أن ﴿لَيْلًا﴾ للتنكير: لإفادة تقليل مدة الإسراء، وأنه أسرى به في بعض الليل (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-716> النتيجة:</span>\nبعد ذكر ما تقدم من ذكر أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن المراد من الإسراء في قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ السير ليلا، لما تقدم إيراده من الأوجه التي تدل على ذلك، والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب مناقب الأنصار، باب المعراج، برقم: (٣٨٨٧)، وأورده ابن كثير في تفسيره (٥/ ٦).\n(^٢) انظر: الكشاف: الزمخشري (٢/ ٦٤٦)، وانظر: مفاتيح الغيب: الرازي (٢٠/ ٢٩٢)، وانظر: التبيان في إعراب القرآن: أبو البقاء العكبري (٢/ ٨١١)، وانظر: مدارك التنزيل: النسفي (٢/ ٢٤٤)، وانظر: فتح القدير: الشوكاني (٣/ ٢٤٦).","vol":"2","page":840},{"text":"<span data-type='title' id=toc-717>١٤١ - قوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [سورة الإسراء: ٧٩].</span>\nقال ابن جرير: ذهب آخرون إلى أن ذلك المقام المحمود، الذي وعد الله نبيه ﷺ أن يبعثه إياه، هو أن يجلسه معه على عرشه، رواه ليث عن مجاهد. وقد شنع الواحديّ على القائل به، مع أنه رواه عن ابن مسعود أيضا وعبارته- على ما نقلها الرازيّ- وهذا قول رذل موحش فظيع، ونص الكتاب ينادي بفساد هذا التفسير (^١).\nثم قال القاسمي بعد إيراده لكلام الواحدي: وليته اطلع على ما كتبه ابن جرير حتى يمسك من جماح يراعه ويبصر الأدب مع السلف مع المخارج العلمية لهم (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-718> أقوال أهل العلم في تفسير مجاهد لقوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ وموقفهم منه:</span>\nالقول الأول: أن تفسير مجاهد لقوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ مردود.\nالقول الثاني: أن تفسير مجاهد لقوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ مقبول.\nأصحاب القول الأول:\nابن عبد البر: \"وعلى هذا أهل العلم في تأويل قول الله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ أنه الشفاعة. وقد روى عن مجاهد أن المقام المحمود: أن يقعده معه\n_________\n(^١) انظر: البسيط: الواحدي (١٣/ ٤٤٤، ٤٤٥)، وانظر: مفاتيح الغيب: الرازي (٢١/ ٣٨٨)، وانظر: البحر المحيط: أبو حيان (١٤/ ١٦٠)، وانظر: اللباب: ابن عادل الحنبلي (١٢/ ٣٦٥).\n(^٢) محاسن التأويل: القاسمي (١١/ ٣٩٧٠).","vol":"2","page":841},{"text":"يوم القيامة على العرش. وهذا عندهم منكر في تفسير هذه الآية\" (^١).\nالواحدي: \" وروي عن ابن مسعود أنه قال في هذه الآية: يقعده على العرش وهذا تفسير فاسد وقول رذل، وقول مجاهد: معه، قولٌ موحش فظيع، ونص الكتاب ينادي بفساد هذا التفسير\" (^٢).\nالذهبي: \" فأما قضية قعود نبينا على العرش فلم يثبت في ذلك نص بل في الباب حديث واه وما فسر به مجاهد الآية كما ذكرناه فقد أنكر بعض أهل الكلام\" (^٣).\nابن كثير: \"ومثل هذا لا ينبغي قبوله إلا عن معصوم -يعني قول مجاهد-، ولم يثبت فيه حديث يعول عليه، ولا يصار بسببه إليه، وقول مجاهد في هذا المقام ليس بحجة بمفرده\" (^٤).\nأصحاب القول الثاني:\nالإمام أحمد: \"حديث مجاهد \"يقعد محمدا على العرش\" قد تَلَقَّته العلماء بالقبول، نُسَلِّم الخبر كما جاء\" (^٥).\nأبو داود السجستاني (^٦): \"من أنكر هذا - يعني قول مجاهد (أن الله يُقعد محمدًا على عرشه) - فهو عندنا متهم، وقال: ما زال الناس يحدثون بهذا، يريدون مغايظة الجهمية، وذلك أن الجهمية ينكرون أن على العرش شيئا\" (^٧).\nالطبري: \" ما قاله مجاهد من أن الله يقعد محمدا ﷺ على عرشه، قوله غير مدفوع\n_________\n(^١) التمهيد: ابن عبد البر (١١/ ٦٧١).\n(^٢) البسيط: الواحدي (١٣/ ٤٤٤، ٤٤٥).\n(^٣) العلو للعلي الغفار: الذهبي (ص: ١٧٠).\n(^٤) النهاية في الفتن والملاحم: ابن كثير (٢/ ١٢).\n(^٥) إبطال التأويلات: أبو يعلى (ص: ٥٢٠).\n(^٦) وهو: أبو داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير السجستاني؛ صاحب كتاب السنن، أحد حفاظ الحديث وعلمه وعلله، وكان في الدرجة العالية من النسك والصلاح، مات سنة ٢٧٥ هـ. ينظر: وفيات الأعيان: ابن خلكان (٢/ ٤٠٤).\n(^٧) السنة: أبو بكر الخلال (١/ ٢١٤).","vol":"2","page":842},{"text":"صحته. لا من جهة خبر ولا نظر. وذلك لأنه لا خبر عن رسول الله ﷺ ولا عن أحد من أصحابه، ولا عن التابعين، بإحالة ذلك\" (^١).\nالثعلبي: \"عن مجاهد في قوله ﷿: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ قال: يجلسه على العرش، قلت: وهذا تأويل غير مستحيل؛ لأن الله تعالى كان قبل خلقه الأشياء قائما بذاته، ثم خلق الأشياء من غير حاجة له إليها، بل إظهارا لقدرته وحكمته … إلخ\" (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-719> دراسة المسألة:</span>\nبعد التتبع والنظر في أقوال أهل العلم وما ذكره المفسرون في المراد من قول مجاهد في تفسير الآية يتبين أن ما نُسب إلى ابن مسعود ﵁، ومجاهد، وغيرهما من أنهما فسَّرا قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ أن الله تعالى يقعد محمدا ﷺ على عرشه، لم يصح إسناده.\nفقد ذكر الذهبي في كتابه: العلو روايات عديدة عن جمع من السلف كالنبي ﷺ، وابن مسعود، وابن عباس، ومجاهد، وعبد الله بن سلام في تفسير قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ أنهم يقولون أن الله تعالى يُقعد نبيه ﷺ على العرش، ويحكم على هذه الروايات بالضعف في إسنادها (^٣).\nوقد روي عن مجاهد بإسناد صحيح أنه فسَّر المقام المحمود في قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ فقال: «شفاعة محمد ﷺ» (^٤).\n_________\n(^١) جامع البيان: الطبري (١٥/ ٥١)، وانظر: النكت الدالة على البيان: القصاب (٢/ ١٨٢، ١٨٣).\n(^٢) الكشف والبيان: الثعلبي (١٦/ ٤٥٠).\n(^٣) انظر: العلو: الذهبي (ص: ٩٣، ١٢٤، ١٣١)، وقد أطنب العلامة الألباني ﵀ وتوسع في إيراد الروايات الواردة في قعود النبي ﷺ على العرش وإثبات بطلانها في سلسة الأحاديث الضعيفة (٢/ ٢٥٥ - ٢٥٨) (١١/ ١٤) (١٣/ ١٠٤٣).\n(^٤) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره عن مجاهد من طريق ابن أبي نَجيح (١٥/ ٤٥)، وقد نص ابن تيمية أن تفسير ابن أبي نجيح عن مجاهد من أصح التفاسير بل ليس بأيدي أهل التفسير كتاب في التفسير أصح من تفسير ابن أبي نجيح عن مجاهد إلا أن يكون نظيره في الصحة. ينظر: مجموع الفتاوى (١٧/ ٤٠٩).","vol":"2","page":843},{"text":"ولا شك أن تفسير قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ بقعود النبي ﷺ على العرش، مردود -على فرض صحته- وهو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول، وذلك من أوجه:\nالأول: أنه مخالف لدلالة السنة التي نصت على أن المراد من المقام المحمود: الشفاعة، فقد روى الترمذي في سننه بسنده عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ سُئل عن قوله: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ فقال: «هي الشفاعة» (^١).\nوروى الطبري في تفسيره عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ في قوله: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ قال: «هو المقام الذي أشفع فيه لأمتي» (^٢). ولا شك أن تفسير النبي ﷺ مقدم على غيره، فالكتاب عليه أنزل، وهو أعلم بكتاب الله من غيره.\nالثاني: أنه مخالف لما أجمع عليه المفسرون من أن المراد من قوله: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ الشفاعة (^٣).\nقال ابن عبد البر: \"تأويل قول الله ﷿ ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ المقام المحمود هو شفاعته في المذنبين من أمته ولا أعلم في هذا مخالفا إلا شيئًا رويته عن مجاهد ذكرته في التمهيد وقد روي عنه خلافه على ما عليه الجماعة فصار إجماعًا منهم والحمد لله\" (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب تفسير القرآن، باب ومن سورة بني إسرائيل، برقم: (٣١٣٧)، قال الألباني: حديث صحيح.\n(^٢) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (١٥/ ٤٧).\n(^٣) نص على هذا السمعاني في تفسير القرآن (٣/ ٢٦٩)، ونسب ابن جرير الطبري هذا القول إلى أكثر أهل العلم (١٥/ ٤٣).\n(^٤) الاستذكار: ابن عبد البر (٢/ ٥٢٠).","vol":"2","page":844},{"text":"وهذا التأويل عليه جماعة من السلف كابن مسعود في رواية، وحذيفة بن اليمان، وابن عمر، وسلمان الفارسي، وجابر بن عبد الله، والحسن، ورواية عن مجاهد (^١).\nالثالث: أن المتقرر في أصول التفسير وعند أهل العلم أنه إذا لم نجد التفسير في القرآن، ولا في السنة، ولا عند الصحابة، فعندئذ نرجع إلى تفسير التابعين، وأقوال التابعين ليست حجة على أقوال غيرهم ممن خالفهم وسبقهم من الصحابة (^٢).\nوتفسير المقام المحمود بالشفاعة جاء عن النبي ﷺ، وعن الصحابة، وجماعة من التابعين مما يُغني عن الرجوع إلى تفسير التابعي.\nالرابع: أن النبي ﷺ سُئل عن المقام المحمود كما تقدم فقال: هي الشفاعة ولم يذكر الإقعاد، ومن المتقرَّر في الأصول أنَّه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، والحاجةُ في النُّصوص الاعتقادية هي وقت الخطاب (^٣).\nالخامس: أن مثل هذه المسائل تعد من الأمور الغيبية التي لا مجال للرأي فيها، وتحتاج إلى نصوص صحيحة من الوحييْن، أو قول من صحابي ليكون له حكم الرفع، إن لم يثبت ما يُخالفه، فكيف إذا جاء الأثر عن تابعي قد ثبت ما يُخالفه.\nتنبيهات:\nالأول: ما تعقب به الواحدي ﵀ على ما روي عن ابن مسعود ﵁ ومجاهد في تأويل الآية من غير تثبت في صحة ما روي عنهما، ووصف أقوالهما بالفساد والفظاعة، من التسرع والعجلة في الحكم، ومثل هذه الأوصاف غير لائقة بأهل الفضل لاسيما خير الناس بعد النبي ﷺ كالصحابة والتابعين.\n_________\n(^١) أخرج أقوالهم ابن جرير الطبري في تفسيره (١٥/ ٤٤ - ٥٠)، وانظر: زاد المسير: ابن الجوزي (٣/ ٤٧).\n(^٢) انظر: مقدم في أصول التفسير: ابن تيمية (ص: ٤٤ - ٤٦)، وانظر: تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (١/ ٦).\n(^٣) انظر: مجموع رسائل العقيدة (حقيقة التأويل): المعلمي (٦/ ٣١).","vol":"2","page":845},{"text":"وإلا فما عساه إن وقف على ما أخرجه القاضي أبي يعلى بإسناده عن ابن عمر ﵁ عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ قال: يُجلسه معه على السرير (^١)، دون أن يتثبت في صحة إسناده، فهل سيصف قول النبي ﷺ مثل ما وصف قول مجاهد؟!\nالثاني: أن الواحدي ذكر أوجهًا لبطلان قول من قال بأن المراد من قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ بقعود النبي ﷺ على العرش:\nالوجه الأول: أن البعث ضد الإجلاس يقال بعثت النازل والقاعد فانبعث ويقال بعث الله الميت أي أقامه من قبره فتفسير البعث بالإجلاس تفسير للضد بالضد وهو فاسد.\nوالوجه الثاني: أنه تعالى قال مقاما محمودا ولم يقل مقعدا والمقام موضع القيام لا موضع القعود.\nوالوجه الثالث: لو كان تعالى جالسا على العرش بحيث يجلس عنده محمد ﵊ لكان محدودا متناهيا ومن كان كذلك فهو محدث.\nوالوجه الرابع: يقال إن جلوسه مع الله على العرش ليس فيه كثير إعزاز لأن هؤلاء الجهال والحمقى يقولون في كل أهل الجنة إنهم يزورون الله تعالى وإنهم يجلسون معه وإنه تعالى يسألهم عن أحوالهم التي كانوا فيها في الدنيا وإذا كانت هذه الحالة حاصلة عندهم لكل المؤمنين لم يكن لتخصيص محمد ﷺ بها مزيد شرف ورتبة.\nوالوجه الخامس: أنه إذا قيل السلطان بعث فلانا فهم منه أنه أرسله إلى قوم لإصلاح مهماتهم ولا يفهم منه أنه أجلسه مع نفسه فثبت أن هذا القول كلام رذل ساقط لا يميل إليه إلا إنسان قليل العقل عديم الدين والله أعلم (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه القاضي أبي يعلى في إبطال التأويلات (ص: ٥١٦)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن مردويه والديلمي (٥/ ٣٢٦، ٣٢٨)، وقد نص ابن تيمية على أن الأحاديث المرفوعة الواردة في قعود النبي على العرش كلها واهية وموضوعة. ينظر: درء تعارض العقل والنقل (٥/ ٢٣٧).\n(^٢) انظر: التفسير البسيط: الواحدي (١٣/ ٤٤٥ - ٤٤٧)، وانظر: مفاتيح الغيب: الرازي (٢١/ ٣٨٨).","vol":"2","page":846},{"text":"وهذه الأوجه أجاب عنها القاسمي ﵀ فقال: \"لك أن تجيب أيضا عن إيرادات الواحديّ الخمسة، التي أفسد بها قول مجاهد.\nأما جواب إيراده الأول: فإن مجاهدا لم يفسر مادة البعث وحدها بالاجلاس. وإنما فسر بعثه المقام المحمود بما ذكر.\nوعن الثاني: بأن المقام هو المنزلة والقدرة والرفعة، معروف ذلك في اللغة.\nوعن الثالث: بدفع اللازم المذكور، لأنه كما اتفق على أن له ذاتا لا تماثلها الذوات فكذلك كل ما يوصف به مما ورد في الكتاب والآثار، فإنه لا يماثل الصفات.\nولا يجوز قياس الخالق على المخلوق.\nوعن الرابع: بأنه مكابرة. إذ كل أحد يعرف- في الشاهد- لو أن ملكا استدعى جماعة للحضور لديه، ورفع أفضلهم على عرشه، أن المرفوع ذو مقام يفوق به الكل.\nوعن الخامس: بأنه من واد آخر غير ما نحن فيه، إذ لا بعث لإصلاح المهمات في الآخرة، وإنما معنى الآية: إنه يرفعك مقاما محمودا. وذلك يصدق على ما قاله مجاهد وما قال الأكثر. فتأمل وأنصف\" (^١).\nالثالث: احتج القاسمي ﵀ لما ذهب إليه بقول ابن جرير الطبري المتقدم، ولا يسع المقام إلى إيراده بطوله، والعجيب أن الطبري -مع ترجيحه لقول الجمهور- لم يستنكر هذا القول، بل قال: إن ما قاله مجاهد قول غير مدفوع صحته، لا من جهة خبر ولا نظر، وذلك لأنه لا خبر عن رسول الله ﷺ ولا عن أحد من أصحابه، ولا عن التابعين بإحالة ذلك (^٢).\nوقوله مردود من وجهين:\nالوجه الأول: أن عدم ورود الخبر عن المعصوم بذلك يكفي لإبطال هذا القول لا العكس، ولأن هذا الخبر من الأخبار الغيبية التي لا سبيل إلى معرفتها إلا بالنص، ولا نص هنا\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (١١/ ٣٩٧٠).\n(^٢) جامع البيان: الطبري (١٥/ ٥١).","vol":"2","page":847},{"text":"بهذا، بل النصوص متضافرة على أنه الشفاعة (^١).\nالوجه الثاني: أن الأخبار التي اعتمد عليها الطبري في تسويغ الجلوس لا تثبت؛ كما تقدمت الإشارة إلى ذلك.\n\n•<span data-type='title' id=toc-720> النتيجة:</span>\nينتج من خلال ما تقدم ذكره في هذه المسألة من أقوال وأوجه وتنبيهات أربع نتائج:\nالأولى: أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن قول مجاهد في تفسير المقام المحمود، مردود، لما تقدم إيراده من الأوجه الدالة على ذلك.\nالثانية: أن قول الواحدي الذي تعقبه القاسمي بوصفه لقول ابن مسعود ﵁، ومجاهد، بأنه قول رذل موحش فظيع، فيه سوء أدب مع أهل العلم والفضل.\nالثالثة: أن الأوجه التي ذكرها الواحدي في معرض رده على قول مجاهد ليس لها حظ من النظر، والحق أن القاسمي أجاب عليها بأوجه تُبين بطلانها.\nالرابعة: أن قول ابن جرير الطبري الذي احتج به القاسمي لعدم استنكار قول مجاهد في تفسير الآية، لا يُسَلّم به، وقد تقدم بيان عدم صحته، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) انظر: قواعد الترجيح: حسين الحربي (١/ ٢١١، ٢١٢).","vol":"2","page":848},{"text":"سورة الكهف","vol":"2","page":849},{"text":"<span data-type='title' id=toc-721>سورة الكهف</span>\n<span data-type='title' id=toc-722>١٤٢ - قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾ [سورة الكهف: ٩].</span>\nقال القاسمي: (أم) للاستفهام التقريري بمعنى الهمزة. أي أنهم من بين آياتنا آية عجيبة. وجَعلُها منقطعة مقدرة بـ (بل والهمزة، والاستفهام للإنكار) - أي إنكار حسبانهم آية عجيبة بالنسبة إلى آياته الكبرى- فيه بعد. لأن سياق النظم الكريم، أعني سوقها مفصلة منوها بها، ما هو إلا لتقرير التعجب منها (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-723> أقوال أهل العلم في نوع الاستفهام في قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ﴾:</span>\nالقول الأول: أن الاستفهام للتقرير، للإثبات أن أصحاب الكهف آية من آيات الله.\nالقول الثاني: أن الاستفهام للإنكار، أي إنكار حسبانهم آية عجيبة بالنسبة إلى آياته الكبرى.\nأصحاب القول الأول:\nمجاهد: \"قوله: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾ كانوا يقولون هم عجب\" (^٢). ومعنى كلامه: هم عجب، وليس هو على طريقة الإنكار عنده (^٣).\nالزهراوي (^٤): \" تحتمل الآية معنى آخر، وهو أن تكون استفهاما له، هل عَلِمَ أن\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (١١/ ٤٠٢٥).\n(^٢) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (١٥/ ١٥٦).\n(^٣) الهداية: مكي بن أبي طالب (٦/ ٤٣٢٧).\n(^٤) وهو: عمر بن عبيد الله بن يوسف بن حامد الزهراوي القرطبي، الإمام، العالم، الحافظ، المجود، محدث الأندلس مع ابن عبد البر، كان معتنيا بنقل الحديث وجمعه وسماعه، مات سنة ٤٥٤ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء: الذهبي (١٨/ ٢١٩).","vol":"2","page":850},{"text":"أصحاب الكهف كانوا عجبا، بمعنى إثبات أنهم عجب، وتكون فائدة تقريره جمع نفسه للأمر، لأن جوابه أن يقول: لم أحسب ذلك، ولا علمته\" (^١).\nالطيبي: \" إن حُمل -يعني: الاستفهام في (أم) - على التنبيه أفاد التقرير، أي: هم عجبٌ من آياتنا فاعلمه، ولعل هذا أقرب؛ لأن الإضراب عن الكلام الأول إنما يحسن إذا كان الكلام الثاني أغرب وأحسن ليحصل الترقي\" (^٢).\nأصحاب القول الثاني:\nالطبري: \"يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: ﴿أَمْ حَسِبْتَ﴾ يا محمد ﴿أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾، فإن ما خلقت من السماوات والأرض، وما فيهن من العجائب أعجب من أمر أصحاب الكهف\" (^٣).\nالنحاس: \" ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ﴾ أي أبل حسبت أنهم كانوا من آياتنا عجبا وفي آيات الله ﷿ مما ترى أعجب منهم\" (^٤).\nالثعلبي: \" يعني: أظننت يا محمد، ﴿أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾، يعني: ليسوا أعجب آياتنا فإن ما خلقت من السموات والأرضين وما فيهن من العجائب أعجب منهم\" (^٥).\nمكي بن أبي طالب: \"أم: هنا بمعنى: بل. والمعنى: ﴿أَمْ حَسِبْتَ﴾ يا محمد ﴿أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾. فإن ما خلقت من السموات والأرض وما فيهن من العجائب أعجب من أصحاب الكهف\" (^٦).\n_________\n(^١) المحرر الوجيز: ابن عطية (٦/ ٣١٧)، بتصرف.\n(^٢) فتوح الغيب: الطيبي (٩/ ٤١٤).\n(^٣) جامع البيان: الطبري (١٥/ ١٥٥)، وانظر: تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٥/ ١٣٧).\n(^٤) إعراب القرآن: النحاس (٢/ ٢٨٩).\n(^٥) الكشف والبيان: الثعلبي (١٧/ ١٥)، وانظر: معالم التنزيل: البغوي (٥/ ١٤٤).\n(^٦) الهداية: مكي بن أبي طالب (٦/ ٤٣٢٧)، وانظر: إعراب القرآن: الأصبهاني (ص: ٢١٠)، وانظر: التبيان: أبو البقاء (٢/ ٨٣٨).","vol":"2","page":851},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-724> دراسة المسألة:</span>\nبعد النظر والتأمل واستقراء ما ذكره المفسرون في هذه المسألة، يظهر أن الأقرب للصواب، هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني من أن الاستفهام في قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ﴾ للإنكار، وذلك من وجهين:\nالأول: أنه قد وقع في القرآن مثل هذا الاستفهام، كقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [سورة البقرة: ٢١٤]، وقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [سورة آل عمران: ١٤٢]، وقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً﴾ [سورة التوبة: ١٦]، وكما هو معلوم أن الاستفهام في جميع هذه الآي للاستنكار، وجميعها في استنكار الحسبان، وليست للتقرير، فكذا في هذه الآية، والله أعلم.\nوكثير من الآيات التي جاءت في سياق العجب للاستنكار، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ [سورة الصافات: ١٢]، أَي عجبتَ من إِنكارهم البعث لشدّة تحقّقك بمعرفته، وقوله تعالى: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا﴾ [سورة يونس: ٢]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [سورة ص: ٥] أَي: عجيب (^١).\nالثاني: أنه قد ورد عن جماعة من السلف ما يُفيد أن الاستفهام للاستنكار وليس للتقرير.\nفقد أخرج ابن جرير الطبري عن ابن عباس ﵁ في قوله: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾ يقول: الذي آتيتك من العلم والسنة والكتاب أفضل من شأن\"، ونحو هذا روي عن قتادة، وابن إسحاق (^٢).\n_________\n(^١) انظر: بصائر ذوي التمييز: الفيروز آبادي (٤/ ٢١).\n(^٢) أخرج أقوالهم ابن جرير الطبري في تفسيره (١٥/ ١٥٦).","vol":"2","page":852},{"text":"الثالث: الروايات الواردة في تفسير الآية التي تدل على أن الاستفهام للاستنكار: ومن ذلك: أن الكفار لما سألوا رسول الله ﷺ عن قصة فتية ذهبوا فلم يعرف لهم خبر، وتوهموا أن تلك القصة من أعجب ما يكون وأغربه، فأنكر الله ذلك بقوله: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾ (^١).\nومما يدل على هذا الاستنكار أن الآية فيها تعريض بغفلة الذين طلبوا من النبي ﷺ بيان قصة أهل الكهف لاستعلام ما فيها من العجب، بأنهم سألوا عن عجيب وكفروا بما هو أعجب، وهو انقراض العالم، فإنهم كانوا يعرضون عن ذكر فناء العالم ويقولون: ﴿مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [سورة الجاثية: ٢٤] (^٢).\nالرابع: من حيث مناسبة الآية لما قبلها: فقد بين الله تعالى في الآيات عظيم خلقه فقال: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا﴾ إلى قوله: ﴿صَعِيدًا جُرُزًا﴾، ثم أتبع ذلك بقوله: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ﴾ الآية، فدل ذلك على أن المراد أن قصتهم لا عجب فيها بالنسبة إلى ما خلقنا مما هو أعظم منها (^٣).\nالخامس: الدلائل اللغوية التي تدل على أن (أم) المنقطعة بمعنى (بل) والاستفهام الْمُقَدَّرُ بعد (أم) تعجيبي، نحو قول أفنُونُ التغلبي (^٤):\nأَنَّى جَزَوْا عَامِرًا سوءا بضعته … أَمْ كَيْفَ يَجْزُونَنِي السُّوأَى عَنِ الْحَسَنِ (^٥).\n_________\n(^١) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان (٢/ ٥٧٤، ٥٧٦)، وانظر: أسباب النزول: الواحدي (٣٠٠/ ٥٩٠)، وانظر: مفاتيح الغيب: الرازي (٢١/ ٤٨١)، وانظر: تفسير القرآن العظيم: السخاوي (١/ ٤٨٦)،\n(^٢) انظر: التحرير والتنوير: ابن عاشور (١٥/ ٢٥٩).\n(^٣) انظر: مفاتيح الغيب: الرازي (٢١/ ٤٢٨)، وانظر: نظم الدرر: البقاعي (١٢/ ١٥)، وانظر: أضواء البيان: الشنقيطي (٤/ ٢٥).\n(^٤) وهو: أفنون التغلبي واسمه صريم بن معشر، أحد شعراء بني تغلب المشهورين. ينظر: الشعر والشعراء: ابن قتيبة (١/ ٤٠٨)، وينظر: المؤتلف والمختلف في أسماء الشعراء: الآمدي (ص: ١٩٥).\n(^٥) انظر: التحرير والتنوير: ابن عاشور (١٥/ ٢٥٩).","vol":"2","page":853},{"text":"والشاهد هو قوله: (أم كيف يجزونني) ووجه ذلك: استنكار مجازاته بالإساءة مقابل إحسانه.\nومذهب سيبويه أن\" أم\" إذا جاءت دون أن يتقدمها ألف استفهام أنها بمعنى بل وألف الاستفهام، وهي المنقطعة (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-725> النتيجة:</span>\nمن خلال ما تقدم ذكره من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الأقرب للصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني من أن الاستفهام في قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتَ﴾ للاستنكار وليس للتقرير، خلافًا لما ذهب إليه القاسمي ﵀، لما تقدم إيراده من الأوجه التي تؤيد ذلك، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (١٣/ ٢١٠).","vol":"2","page":854},{"text":"<span data-type='title' id=toc-726>١٤٣ - قوله تعالى: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا﴾ [سورة الكهف: ١٦].</span>\nقال القاسمي: زعم قوم أن الآية تفيد مشروعية العزلة واستحبابها مطلقا. وهو خطأ. فإنها تشير إلى التأسي بأهل الكهف في الاعتزال، إذا اضطهد المرء في دينه وأريد على الشرك. وممن رد الاحتجاج بهذه الآية على تفضيل العزلة، الإمام الغزالي حيث قال في (إحيائه): وأهل الكهف لم يعتزل بعضهم بعضا وهم مؤمنون. وإنما اعتزلوا الكفار. أي ولا ريب في مشروعيته فرارا من الفتن (^١).\nفقول السيوطي في (الإكليل): في الآية مشروعية العزلة والفرار من الظلمة وسكون الغيران والجبال عند فساد الزمان- كلام مجمل لا بد من التفصيل فيه. وأي عصر خلا من الفساد؟. وسياق الآية في الاضطهاد فحسب، فافهم ولا تغل (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-727> أقوال أهل العلم في دلالة قوله تعالى: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ﴾ على مشروعية العزلة:</span>\nالقول الأول: أن الآية تفيد مشروعية العزلة، إذا اضطهد المرء في دينه وأريد على الشرك.\nالقول الثاني: أن الآية تفيد مشروعية العزلة مطلقًا.\nأصحاب القول الأول:\nالواحدي: \"المعنى: واعتزلتم ما يعبدون إلا الله، فإنكم لن تتركوا عبادته، وذلك أنهم كانوا يشركون بالله فقال: اعتزلتم الأصنام ولم تعتزلوا الله ولا عبادته\" (^٣).\nالقرطبي: \"جواز الفرار من الظالم هي سنة الأنبياء صلوات الله عليهم والأولياء. وقد فضل رسول الله ﷺ العزلة، وفضلها جماعة العلماء لا سيما عند ظهور الفتن وفساد الناس،\n_________\n(^١) انظر: إحياء علوم الدين: الغزالي (٢/ ٢٢٥).\n(^٢) محاسن التأويل: القاسمي (١١/ ٤٠٣٠).\n(^٣) البسيط: الواحدي (١٣/ ٥٤٨).","vol":"2","page":855},{"text":"وقد نص الله تعالى عليها في كتابه فقال: ﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ﴾ \" (^١).\nابن كثير: \" ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ أي: وإذا فارقتموهم وخالفتموهم بأديانكم في عبادتهم غير الله، ففارقوهم أيضا بأبدانكم\" (^٢).\nالشنقيطي: \"الآية تدل على أن اعتزال المؤمن قومه الكفار ومعبوديهم من أسباب لطف الله به ورحمته\" (^٣).\nأصحاب القول الثاني:\nالقشيري: \"العزلة عن غير الله توجب الوصلة بالله. بل لا تحصل الوصلة بالله إلا بعد العزلة عن غير الله\" (^٤).\nالسيوطي: \" في الآية مشروعية العزلة والفرار من الظلمة وسكون الغيران والجبال عند فساد الزمان\" (^٥).\n\n•<span data-type='title' id=toc-728> دراسة المسألة:</span>\nيتبين من خلال ذكر أقوال أهل العلم واستقراء ما ذكره المفسرون في تفسير الآية، أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول، من أن الآية تفيد التأسي بأهل الكهف، إذا اضطهد المرء في دينه وأريد على الشرك، ولا تفيد استحباب العزلة مطلقًا، وذلك من أوجه:\nالأول: من حيث سياق الآية: فالآية تخبر أن القوم اعتزلوا قومهم المشركين وجميع ما يعبدون من الآلهة إلا الله، فرارا بدينهم، وليس لسبب آخر دون ذلك، وأنهم لما آوَوْ إلى الكهف يسر الله لهم من أمرهم الذي هم فيه من الغم والكرب خوفا منكم على أنفسكم\n_________\n(^١) الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (١٣/ ٢١٧).\n(^٢) تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٥/ ١٤٢).\n(^٣) أضواء البيان: الشنقيطي (٤/ ٤٣).\n(^٤) لطائف الإشارات: القشيري (٢/ ٣٨٢)، وانظر: روح المعاني: الآلوسي (١٥/ ٣٠٤).\n(^٥) الإكليل: السيوطي (ص: ١٧٠)، بتصرف.","vol":"2","page":856},{"text":"ودينهم مرفقا، ويعني بالمرفق: ما يرتفقون به من نجاة ومخرج ورزق (^١).\nالثاني: أن مثل هذ الاعتزال - وهو اعتزال أهل الشرك إذا خاف المرء على نفسه، أو خاف الفتنة في دينه- قد فعله نبي الله إبراهيم ﵇ عندما قال لقومه: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (٤٨) فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا﴾ [سورة مريم: ٤٩]، وبعده نبينا محمد ﷺ فقد خرج من مكة فارا بدينه، وكذلك أصحابه، وجلس في الغار، رجاء السلامة بالدين والنجاة من فتنة الكافرين. فسكنى الجبال ودخول الغيران، والعزلة عن الخلق والانفراد بالخالق، وجواز الفرار من الظالم هي سنة الأنبياء صلوات الله عليهم والأولياء. وقد فضل رسول الله ﷺ العزلة، وفضلها جماعة العلماء لا سيما عند ظهور الفتن وفساد الناس، وقد نص الله تعالى عليها في كتابه فقال: ﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ﴾، وبهذا يتقرر أن مشروعية العزلة إنما هي في حال خوف المرء على دينه (^٢).\nالثالث: أن هذا المراد - وهو مشروعية العزلة في حال خوف المرء على دينه- هو الذي دلت عليه الآثار المروية عن بعض من السلف في تفسير الآية.\nفقد أخرج ابن أبي حاتم بسنده عن عطاء الخراساني (^٣)، في قوله: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾، قال: \"كان قومُ الفتيةِ يعبدون الله، ويعبدون معه آلهة شتّى، فاعتزلت الفتية عبادة تلك الآلهة، ولم تعتزل عبادة الله\" (^٤)، وبنحو هذا قال مقاتل، ويحيى بن سلام (^٥)، ولم يرد عن أحد من السلف أنه فسر العزلة في الآية بمشروعية العزلة مطلقًا، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: جامع البيان: الطبري (١٥/ ١٨١، ١٨٢).\n(^٢) انظر: العزلة: الخطابي (ص: ٨)، وانظر: الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (١٣/ ٢١٧).\n(^٣) وهو: عطاء بن أبي مسلم الخراساني أبو أيوب ويقال أبو عثمان ويقال أبو محمد ويقال أبو صالح البلخي نزيل الشام مولى الملهب بن أبي صفرة الأزدي، اختُلف في توثيقه مات سنة ١٣٥. ينظر: تهذيب التهذيب: ابن حجر (٧/ ٢١٢، ٢١٣).\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٧/ ٢٣٥١) برقم: (١٢٧٢٩)، وانظر: حلية الأولياء: الأصبهاني (٥/ ٢٠٠).\n(^٥) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان (٢/ ٥٧٧)، وانظر: تفسير يحيى بن سلام (١/ ١٧٤).","vol":"2","page":857},{"text":"الرابع: من حيث اقتضاء اللغة: فقوله تعالى: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ﴾ خطاب بعضهم لبعض والعامل فيه الجزاء ﴿وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ عطف على مفعول اعتزل، وهم يعبدون الأصنام مع الله، والمراد: اعتزلتموهم واعتزلتم ما يعبدون من دون الله (^١)، فدل هذا على أن العزلة تشرع في هذه الأحوال، والله أعلم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-729> النتيجة:</span>\nيتبين من خلال ما تقدم ذكره من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن ما تفيده الآية من مشروعية العزلة: ليس على إطلاقه، وإنما تفيد ذلك إن خاف المرء على دينه، لما تقدم إيراده من الأوجه التي تؤيد ذلك، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: جامع البيان: الإيجي (٢/ ٤٢٨)، وانظر: معترك الأقران: السيوطي (٢/ ٣٦٣).","vol":"2","page":858},{"text":"<span data-type='title' id=toc-730>١٤٤ - قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ [سورة الكهف: ٢١].</span>\nقال ابن كثير: حكي في القائلين ذلك قولان (أحدهما) أنهم المسلمون منهم (والثاني) أنهم المشركون. والظاهر أنهم هم أصحاب النفوذ. ولكن هل هم محمودون أم لا؟ فيه نظر. لأن النبي ﷺ قال: (لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد) يحذر ما فعلوا (^١).\nقال القاسمي: وعجيب من تردده في كونهم غير محمودين، مع إيراده الحديث الصحيح بعده، المسجل بلعن فاعل ذلك. وهو أعظم ما عنون به على الغضب الإلهي والمقت الرباني. والسبب في ذلك أن البناء على قبر النبي والولي مدعاة للإقبال عليه والتضرع إليه. ففيه فتح لباب الشرك وتوسل إليه بأقرب وسيلة (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-731> أقوال أهل العلم في الحكم على الذين قالوا: ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ من حيث المدح والذم:</span>\nالقول الأول: أن الذين قالوا: ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ محمودون على فعلهم من اتخاذ المسجد.\nالقول الثاني: أن الذين قالوا: ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ غير محمودين على فعلهم من اتخاذ المسجد.\n_________\n(^١) تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٥/ ١٤٧)، بتصرف.\n(^٢) محاسن التأويل: القاسمي (١١/ ٤٠٣٧).","vol":"2","page":859},{"text":"أصحاب القول الأول:\nظاهر قول الزجاج: \" ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ هذا يدل والله أعلم أنه لما ظهر أمرهم غلب المؤمنون بالبعث والنشور لأن المساجد للمؤمنين\" (^١).\nظاهر قول أبي حفص النسفي: \" ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾: نتعبد فيه؛ لأنهم مسلمون فيتبرك المسلمون بالصلاة في مسجدهم عندهم\" (^٢).\nظاهر قول الزمخشري: \" ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ﴾ من المسلمين وملكهم وكانوا أولى بهم وبالبناء عليهم لنتخذن على باب الكهف مسجدا يصلى فيه المسلمون ويتبركون بمكانهم\" (^٣).\nظاهر قول ابن جزي: \" ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ﴾ قيل: يعني الولاة، وقيل: يعني المسلمين لأنهم كانوا أحق بهم من الكفار، فبنوا على باب الكهف مسجدا لعبادة الله\" (^٤).\nأصحاب القول الثاني:\nابن تيمية: \" فهؤلاء الذين اتخذوا على أهل الكهف مسجدًا كانوا من النصارى، الذين لعنهم النبي ﷺ حيث قال: \"لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد\" (^٥).\nابن رجب: \" اتخاذ القبور مساجد ليس هو من شريعة الإسلام، بل من عمل اليهود، وقد لعنهم النبي ﷺ على ذلك. وقد دل القرآن على مثل ما دل عليه هذا الحديث، وهو قول الله ﷿ في قصة أصحاب الكهف: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ \" (^٦).\n_________\n(^١) معاني القرآن: الزجاج (٣/ ٢٧٧)، وانظر: بحر العلوم: السمرقندي (٢/ ٣٤٢).\n(^٢) التيسير: أبو حفص النسفي (١٠/ ٤٨).\n(^٣) الكشاف: الزمخشري (٢/ ٧١١)، وانظر: مدارك التنزيل: النسفي (٢/ ٢٩٣).\n(^٤) التسهيل: ابن جزي (١/ ٤٦٢).\n(^٥) الاستغاثة في الرد على البكري (ص: ٣١١)، وانظر: قتضاء الصراط المستقيم: ابن تيمية (١/ ٩٠).\n(^٦) تفسير ابن رجب: طارق عوض الله (١/ ٦٤٢)، وينظر: فتح الباري: ابن رجب (٣/ ١٩٣).","vol":"2","page":860},{"text":"سليمان بن عبد الله: \"يخبر تعالى عن الذين غلبوا على أمر أصحاب الكهف أنهم قالوا هذه المقالة ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾، وقد حكى ابن جرير في القائلين في ذلك قولين، أحدهما: أنهم المسلمون. والثاني: أنهم المشركون. وعلى القولين فهم مذمومون\" (^١).\nالسعدي: \" ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ أي: نعبد الله تعالى فيه، ونتذكر به أحوالهم، وما جرى لهم، وهذه الحالة محظورة، نهى عنها النبي ﷺ، وذم فاعليها، ولا يدل ذكرها هنا على عدم ذمها\" (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-732> دراسة المسألة:</span>\nهذه المسألة من المسائل المشكلة في الحقيقة، وذلك أن في ظاهرها التعارض بين ظاهر الآية الذي يدل على جواز اتخاذ المساجد على القبور، مع ما صح عن النبي ﷺ في النهي عن ذلك. فالآية مشكلة الظاهر والنظم، كما يقول الواحدي (^٣).\nوأفضل من حل هذا الإشكال بحسب البحث والنظر هو الشنقيطي في تفسيره إذ يقول: \"اعلم أن ما يزعمه بعض من لا علم عنده: من أن الكتاب دل على اتخاذ القبور مساجد، يعني قوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ في غاية السقوط، وقائله من أجهل خلق الله.\nوالجواب عن الاستدلال أن تقول: من هؤلاء القوم الذين قالوا: لنتخذن عليهم مسجدًا؟ أهم ممن يقتدى به! أم هم كفرة لا يجوز الاقتداء بهم؟ وقد قال أبو جعفر بن جرير الطبري رحمه الله تعالى في هؤلاء القوم ما نصه: \"وقد اختلف في قائلي هذه المقالة، أهم الرهط المسلمون أم هم الكفار\"؟ فإذا علمت ذلك فاعلم أنهم على القول بأنهم كفار فلا إشكال في أن فعلهم ليس بحجة، إذ لم يقل أحد بالاحتجاج بأفعال الكفار كما هو ضروري، وعلى القول بأنهم مسلمون كما يدل له ذكر المسجد لأن اتخاذ المساجد من\n_________\n(^١) تيسير العزيز الحميد: سليمان بن عبد الله (ص: ٣١٠).\n(^٢) تيسير الكريم الرحمن: السعدي (ص:، وانظر: تفسير القرآن الكريم (سورة الكهف): العثيمين (ص: ٤١).\n(^٣) انظر: البسيط: الواحدي (١٣/ ٥٧٤).","vol":"2","page":861},{"text":"صفات المسلمين، فلا يخفى على أدنى عاقل أن قول قوم من المسلمين في القرون الماضية: إنهم سيفعلون كذا لا يعارض به النصوص الصحيحة الصريحة عن النبي ﷺ إلا من طمس الله بصيرته، فقابل قولهم: ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ بقوله ﷺ في مرض موته قبل انتقاله إلى الرفيق الأعلى بخمس \"لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد\" (^١). الحديث. يظهر لك أن من اتبع هؤلاء القوم في اتخاذهم المسجد على القبور ملعون على لسان الصادق المصدوق ﷺ كما هو واضح، ومن كان ملعونًا على لسانه ﷺ فهو ملعون في كتاب الله كما صح عن ابن مسعود ﵁؛ لأن الله يقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ الآية، وبه تعلم أن من اتخذ المساجد على القبور ملعون في كتاب الله جل وعلا على لسان رسوله ﷺ، وأنه لا دليل في آية: ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ \" (^٢).\nوبهذا يتبين أن القوم الذين أمروا باتخاذ المسجد على أصحاب الكهف، لم يكونوا محمودين، وهو ظاهر ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني، وذلك من أوجه:\nالأول: ما دلت عليه السنة الصحيحة من أن بناء المساجد على القبور من سنن الجاهلية، ومن ذلك ما أخرجه الشيخان من حديث عائشة «أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها بالحبشة فيها تصاوير، فذكرتا للنبي ﷺ، فقال: إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات، بنوا على قبره مسجدا، وصوروا فيه تلك الصور، فأولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب الجنائز، باب ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور، برقم: (١٣٣٠)، وأخرجه مسلم، كتاب المساجد، باب النهي عن بناء المساجد على القبور، برقم: (٥٢٩).\n(^٢) انظر: أضواء البيان: الشنقيطي (٣/ ٢١٤، ٢١٥)، وقد توسع الآلوسي في بيان حل هذا الإشكال في روح المعاني (١٥/ ٢٦٠ - ٢٦٦).\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب الصلاة، باب هل تنبش قبور مشركي الجاهلية، برقم: (٤٢٧)، وأخرجه مسلم، كتاب الصلاة، باب النهي عن بناء المساجد على القبور، برقم: (٥٢٨).","vol":"2","page":862},{"text":"وأيضًا ما رواه مسلم في صحيحه بسنده عن أبي مرثد الغنوي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها» (^١)، أي لا تتخذوها قبلة فتصلوا عليها أو إليها كما فعل اليهود والنصارى، فيؤدي إلى عبادة من فيها كما كان السبب في عبادة الأصنام (^٢).\nالثاني: أن القرآن قد دل على مثل ما دل عليه حديث النهي عن اتخاذ القبور مساجد، وهو قول الله ﷿ في قصة أصحاب الكهف: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾، فجعل اتخاذ القبور على المساجد من فعل أهل الغلبة على الأمور، وذلك يشعر بأن مستنده القهر والغلبة واتباع الهوى، وأنه ليس من فعل أهل العلم والفضل المتبعين لما أنزل الله على رسله من الهدى (^٣).\nالثالث: أن قولهم: ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ لا يدل على عدم ذمها، فإن السياق في شأن تعظيم أهل الكهف والثناء عليهم، وأن هؤلاء وصلت بهم الحال إلى أن قالوا: ابنوا عليهم مسجدا، بعد خوف أهل الكهف الشديد من قومهم، وحذرهم من الاطلاع عليهم، فوصلت الحال إلى ما ترى (^٤).\n\n•<span data-type='title' id=toc-733> النتيجة:</span>\nمن خلال ما تقدم ذكره من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الصواب من أقوالهم هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني من أن، القائلين: ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ غير محمودين على فعلهم من اتخاذ المسجد على أصحاب الكهف، لما تقدم إيراده من الوجوه الدالة على ذلك، والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، كتاب الجنائز، باب النهي عن الجلوس على القبر والصلاة إليه، برقم: (٩٧٢).\n(^٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (١٣/ ٢٤٣).\n(^٣) انظر: تفسير ابن رجب: طارق عوض الله (١/ ٦٤٢).\n(^٤) انظر: تيسير الكريم الرحمن: السعدي (ص: ٤٧٣).","vol":"2","page":863},{"text":"<span data-type='title' id=toc-734>١٤٥ - قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [سورة الكهف: ٢٢].</span>\nقال القاسمي: (الواو) في الآية من المحكي لا من الحكاية. فيدل على ثبوته عند القائل لا عند الله، فلا يكون من الإيماء في شيء. وجواب بعضهم بأنه تعالى لما حكى قولهم قبل أن يقولوه هكذا، لقنهم أن يقولوه إذا أخبروا عنه بهذه العبارة، وبأنه لا مانع أن تكون من الحكاية- بعيد غاية البعد، وتكلف ظاهر، وإغراب في القول (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-735> أقوال أهل العلم في دلالة (الواو) في قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ الآية:</span>\nالقول الأول: أن (الواو) من المحكي لا من الحكاية، أي من القائلين لا من عند الله تعالى.\nالقول الثاني: يجوز أن تكون (الواو) من الحكاية، أي أن الله تعالى لقنهم أن يقولوا هذا القول.\nأصحاب القول الأول:\nالثعلبي: \" ﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ وقال المسلمون: كانوا سبعة وثامنهم كلبهم، فحقق الله تعالى قول المسلمين وصدقهم\" (^٢).\nالبغوي: \" ﴿وَيَقُولُونَ﴾ يعني: المسلمين ﴿سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ \" (^٣).\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (١١/ ٤٠٤٠).\n(^٢) الكشف والبيان: الثعلبي (١٧/ ٨٥)، بتصرف.\n(^٣) معالم التنزيل: البغوي (٥/ ١٦١).","vol":"2","page":864},{"text":"الإيجي: \" ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ﴾ والقائل هم المؤمنون\" (^١).\nالعليمي: \" ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ وهذا قول المسلمين، فصدقهم الله تعالى، والواو في قوله: ﴿وَثَامِنُهُمْ﴾ واو عطف دخلت في آخر إخبار عن عددهم؛ لتفصل أمرهم\" (^٢).\nأصحاب القول الثاني:\nالرازي: \" حكم بأن ثامنهم كلبهم باستئنافه الكلام، فحقق ثبوت العدد الأخير لأن الثامن لا يكون إلا بعد السبعة، فعلى هذا يكون قوله: ﴿وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ من كلام الله تعالى حقيقة أو تقديرًا\" (^٣).\nالنسفي: \" ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ﴾ أي قل ربي أعلم بعدتهم وقد أخبركم بها بقوله: ﴿سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ \" (^٤).\nالشهاب الخفاجي: \" لما حكى تعالى قولهم قبل أن يقولوه هكذا لقنهم أن يقولوه إذا أخبروا عنه بهذه العبارة مع أن الثبوت عند هؤلاء القائلين: كاف لأنهم لا يقولونه رجما بالغيب ولا مانع من كونها من الحكاية\" (^٥).\nقال جماعة من المفسرين: أن الواو في قوله: ﴿وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ مستأنفة، فتكون الجملة من كلام الله تعالى، وأن قوله: ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ﴾ يعود إلى الله تعالى فذكر بلفظ الجمع (^٦).\n_________\n(^١) جامع البيان: الإيجي (٢/ ٤٣٢).\n(^٢) فتح الرحمن: العليمي (٤/ ١٦٥).\n(^٣) أنموذج جليل في أسئلة وأجوبة عن غرائب آي التنزيل: الرازي (ص: ٢٩٤).\n(^٤) مدارك التنزيل: النسفي (٢/ ٢٩٤).\n(^٥) عناية القاضي: الخفاجي (٦/ ٨٨)، بتصرف.\n(^٦) انظر: بحر العلوم: السمرقندي (٢/ ٣٤٢)، وانظر: التيسير في التفسير: أبو حفص النسفي (١٠/ ٥٠)، وانظر: الدر المصون: السمين الحلبي (٧/ ٤٦٧)، وانظر: اللباب: ابن عادل الحنبلي (١٢/ ٤٥٥)، وانظر: بصائر ذوي التمييز: الفيروز آبادي (١/ ٣٠٠)، وانظر: روح المعاني: الآلوسي (١٥/ ٢٧٨).","vol":"2","page":865},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-736> دراسة المسألة:</span>\nبعد التتبع والنظر واستقراء ما ذكره أهل العلم والمفسرون في هذه المسألة، يتبين أن الراجح هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول، من أن (الواو) في قوله تعالى: ﴿وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ عاطفة، عَطَفَتْ هذه الجملةَ على جملةِ قولِه «هم سبعة» فتكون جملة: ﴿وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ من كلام المتنازعين وهو من المحكي، لا أنها مستأنفة من الحكاية، أي من عند الله تعالى، وذلك من أوجه:\nالأول: ظاهر الآية وسياقها الذي دل على أن القول بعدد أصحاب الكهف بأنهم ثلاثة رابعهم كلبهم، والقول بأنهم خمسة سادسهم كلبهم، والقول بأنهم سبعة وثامنهم كلبهم، محكي عن البشر، لأنه جاء بصيغة الجمع في قوله: ﴿وَيَقُولُونَ﴾ ولو كان من الحكاية عن الله، لنص على ذلك في الآية.\nولو كان هذا القول حكاية عن الله تعالى، لما قال مُرشدا إلى أن الأحسن في مثل هذا المقام: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ﴾ وهو رد العلم إليه تعالى، فهذا بين أن الله تعالى يحكي عن نفسه بأنه تعالى هو أعلم بعدتهم، وقليل من عباده.\nالثاني: أن هذا القول بأن (الواو) استئنافية يَضعُف من حيث إن الله تعالى قال: ﴿مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ فلو جعل ﴿وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ تصديقا منه تعالى لمن قال سبعة لوجب أن يكون العالم بذلك كثيرا فإن أخبار الله تعالى صدق فدل على أنه لم يصدق منهم أحد، وإذا كان كذلك وجب أن تكون الجملة كلها متساوية في المعنى، وقد تعذر أن تكون الأخيرة وصفا فوجب أن يكون الجميع كذلك (^١).\nالثالث: أن الله تعالى أخبر في الآية زعم قوم من اليهود أو النصارى أن عدد أصحاب الكهف ﴿ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾، وآخرون قالوا: ﴿خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾، ثم رد هذان القولان بوصفهما أنهما: ﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾ ثم أخبر عن قوم - وهو المسلمون- قالوا\n_________\n(^١) انظر: روح المعاني: الآلوسي (١٥/ ٢٧٣).","vol":"2","page":866},{"text":"أنهم: ﴿سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ تحقيقًا لقول المؤمنين. فتكون الضمائر في ﴿سَيَقُولُونَ﴾ ﴿وَيَقُولُونَ﴾ عائدا بعضها على النصارى أو اليهود، وبعضها على المؤمنين (^١)، فدل هذا على أن القول بأنهم: ﴿سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ محكي عن المؤمنين، والله أعلم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-737> النتيجة:</span>\nيظهر من خلال ما تقدم ذكره من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن (الواو) عاطفة وليست استئنافية، فتكون من المحكي لا من الحكاية، أي من القائلين لا عند الله تعالى، لما تقدم إيراه من الأوجه الدالة على ذلك، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: مفاتيح الغيب: الرازي (٢١/ ٤٤٨)، وانظر: لباب التأويل: الخازن (٣/ ١٦١)، وانظر: البحر المحيط: أبو حيان (١٤/ ٢٥١).","vol":"2","page":867},{"text":"<span data-type='title' id=toc-738>١٤٦ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ الآية [سورة الكهف: ٢٤].</span>\nقال القاسمي بعد إيراده للأقوال في المراد من النهي: فدعوى الناصر في (الانتصاف) أنه ليس هو الغرض (^١)، وأن الغرض النهي عن هذا القول إلا مقرونا بمشيئته تعالى (^٢) - قصر للآية على أحد معانيها، وذهاب إلى ما هو المشهور في تأويلها، وعدم تمعن في مثل هذا المعنى الدقيق، بل وفي بقية المعاني الأخر التي اللفظ الكريم يحتملها (^٣). وقد ظهر قوة المعنى الأخير لموافقته لآية ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [سورة الإنسان: ٣٠]، والقرآن يفسر بعضه بعضا. والله تعالى أعلم (^٤).\n\n•<span data-type='title' id=toc-739> أقوال أهل العلم في معنى النهي الوارد في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾:</span>\nالقول الأول: أن المعنى يحتمل وجوه: منها: النهي أن يقول النبي ﷺ ﴿إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ إلا أن يأذن الله، ومنها: النهي عن القول إلا قائلا معه إن شاء الله، ومنها: النهي عن القول قاطعًا بفعله وباتّا له من غير تردد ولا التفات إلى مشيئة الله، ومنها: أن الآية خبر بأن النبي ﷺ لا يقول شيء إلا بمشيئة الله.\nالقول الثاني: أن المعنى: ولا تقولن ذلك إلا أن يشاء الله أن تقول هذا القول، أو إلا أن تقول معه (إن شاء الله).\n_________\n(^١) أي: أن الغرض من النهي الإخبار عن سبق مشيئته تعالى لكل ما يعزم عليه ويقوله. كقوله تعالى ﴿وما تشاؤن إلا أن يشاء الله﴾، وسيأتي إيراده.\n(^٢) انظر: الكشاف للزمخشري مذيل بحاشية الانتصاف لما تضمنه الكشاف لابن المنير (٢/ ٧١٤).\n(^٣) سيأتي إيرادهها.\n(^٤) محاسن التأويل: القاسمي (١١/ ٤٠٤٤).","vol":"2","page":868},{"text":"أصحاب القول الأول:\nالزمخشري: \" وتعلقه بالنهى على وجهين، أحدهما: ولا تقولنّ ذلك القول إلا أن يشاء الله أن تقوله، بأن يأذن لك فيه. والثاني: ولا تقولنه إلا بأن يشاء الله، أي: إلا بمشيئة الله، وهو في موضع الحال، يعنى: إلا ملتبسا بمشيئة الله قائلا إن شاء الله وفيه وجه ثالث، وهو: أن يكون ﴿أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ في معنى كلمة تأبيد، كأنه قيل ولا تقولنه أبدا\" (^١).\nالرازي: \" قوله: إلا أن يشاء الله ليس فيه بيان أنه شاء الله ماذا، وفيه قولان: الأول: التقدير: ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله أن يأذن لك في ذلك القول، والثاني: أن يكون التقدير: ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن تقول: إن شاء الله\" (^٢).\nأبو البقاء: \" ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾: في المستثنى منه ثلاثة أوجه; أحدها: هو من النهي، والمعنى: لا تقولن: أفعل غدا، إلا أن يُؤْذَنَ لك في القول. والثاني: هو من فاعل; أي لا تقولن: إني فاعل غدا، حتى تَقْرِنَ به قول: إن شاء الله. والثالث: أنه منقطع\" (^٣).\nأصحاب القول الثاني:\nالطبري: \" ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾، معنى الكلام: إلا أن تقول معه: إن شاء الله\" (^٤).\nالسمرقندي: \" ولا تقولن لشيء أردت أن أفعله إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله، يعني: إلا أن تستثني فتقول: إن شاء الله\" (^٥).\n_________\n(^١) الكشاف: الزمخشري (٢/ ٧١٤)، وانظر: أنوار التنزيل: البيضاوي (٣/ ٢٧٨).\n(^٢) مفاتيح الغيب: الرازي (٢١/ ٤٥٠).\n(^٣) التبيان: أبو البقاء (٢/ ٨٤٣)، وانظر: الكتاب الفريد: المنتجب الهمذاني (٤/ ٢٦٣).\n(^٤) جامع البيان: الطبري (١٥/ ٢٢٤).\n(^٥) بحر العلوم: السمرقندي (٢/ ٣٤٣).","vol":"2","page":869},{"text":"البغوي: \" ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ يعني: إذا عزمت على أن تفعل غدا شيئا فلا تقل: أفعل غدا حتى تقول إن شاء الله\" (^١).\nابن عطية: \"قوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ في الكلام حذف يقتضيه الظاهر، ويحسنه الإيجاز، تقديره: إلا ان تقول إلا أن يشاء الله، أو إلا أن تقول إن شاء الله، فالمعنى إلا أن تذكر مشيئة الله\" (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-740> دراسة المسألة:</span>\nذكر القاسمي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾، وجوها في معنى النهي الوارد فيها:\nمنها: أن المعنى لا تقولن إلا وقت أن يشاء الله بأن يأذن لك في القول، فتكون قائلا بمشيئته، فالمشيئة على هذا بمعنى الإذن. لأن وقت مشيئة الله لشيء لا تعلم إلا بإذنه فيه أي إعلامه به (^٣).\nومنها: لا تقولن لما عزمت عليه من فعل، إني فاعل ذلك غدا إلا قائلا معه إن شاء الله تبرؤا من لزوم التحكم على الله، ومن الفعل بإرادتك بل بإرادة الله، فتكون فاعلا بمشيئته. ولئلا يلزم الكذب لو لم يشأه الله تعالى (^٤).\n_________\n(^١) معالم التنزيل: البغوي (٥/ ١٦٢).\n(^٢) المحرر الوجيز: ابن عطية (٦/ ٣٤٧)، وانظر: الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (١٣/ ٢٥٠).\n(^٣) وهذا القول عند الزمخشري كما تقدم، ومعناه: أن المشيئة على هذا راجعة إلى القول لا إلى الفعل، ومعناها إباحة القول بالإذن فيه، وقد تعقبه ابن عطية بقوله: \" وهذا قول حكاه الطبري ورُدَّ عليه، وهو من الفساد بحيث كان الواجب ألا يحكى\"، ينظر: المحرر الوجيز: ابن عطية (٦/ ٣٤٨)، وينظر: التسهيل: ابن جزي (١/ ٤٦٣)، وانظر: اللباب: ابن عادل الحنبلي (١٢/ ٤٥٩).\n(^٤) مثل هذا الوجه من استلزام الكذب لعدم الاستثناء بقول: (إن شاء الله) ذكره غير واحد من أهل العلم كالجصاص في أحكام القرآن (٥/ ٤١)، والماوردي في النكت والعيون (٣/ ٢٩٨)، والكيا الهراسي في أحكام القرآن (٤/ ٢٦٦)، وغيرهم.","vol":"2","page":870},{"text":"ومنها: أن المعنى لا تقولن ذلك قاطعا بفعله وباتّا له. لأنه: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ [سورة لقمان: ٣٤]، فلا ينبغي الجزم والبت على فعل أمر مستقبل مجهول كونه. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ أي أن تقول ذلك القول البات نسيانا فحينئذ ارجع إلى ربك بذكره. ولذا قال: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ وعلى هذه الوجوه كلها فـ ﴿وَلَا تَقُولَنَّ﴾ نهي معطوف على النهيين قبله.\nومنها: أن المعنى لا تقولن ذلك إلا أن يشاء الله أن تقول هذا القول. والجملة خبرية قصد بها الإخبار عن سبق مشيئته تعالى لكل ما يعزم عليه ويقوله. كقوله تعالى ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [سورة الإنسان: ٣٠] وهذا المعنى هو الظاهر ببادئ الرأي كما قاله في (الانتصاف) (^١).\nثم قال القاسمي منتصرا لهذا القول: \"وفي هذا المعنى تلويح بأنه صلوات الله عليه كان هم بأمر ما في نبأ هؤلاء الفتية، وعزم على أمر في غد المحاورة به. ولعله الاستفتاء عنهم. فلما نهى عنه أخبر بأن كل شيء كائن بمشيئته تعالى، ليدخل فيه ما كان قاله دخولا أوليا. أي ما قلته وعزمت على فعله كان بمشيئة الله، إذ شاء الله أن تقوله. فالآية بمثابة العناية به والتلطيف بالخطاب، إثر ما يومئ إليه النهي إليها من رقيق العتاب ولذلك اعترضت بين سابق النهي عن استفتائهم، ولا حق الأمر بذكره تعالى إذا نسي، أي نسي ما وصي به. وبما ذكرنا يعلم أن هذا المعنى له وجه وجيه\" (^٢).\nوما ذهب إليه القاسمي ﵀ من احتمال هذه الوجوه صحيح، إذ لا تعارض بينها، وإذا أمكن حمل الآية على جميع تلك الأوجه فتُحمل عليها، وقد تقدم تقرير القاعدة عند أهل العلم وهي أنه: \"إذا احتمل اللفظ معاني عدة ولم يمتنع إرادة الجمع، حمل عليها\" (^٣).\nإلا أنه يُمكن تقديم الوجه الثاني الذي أورده القاسمي ﵀ على غيره من الأوجه\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (١١/ ٤٠٤٤).\n(^٢) محاسن التأويل: القاسمي (١١/ ٤٠٤٥).\n(^٣) انظر ما تقدم تقريره في هذه القاعدة في مسألة (٨٧) ص: (٥٦٧).","vol":"2","page":871},{"text":"وهو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني من أن معنى قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ أي: إلا أن تقول معه (إن شاء الله)، وذلك من وجهين:\nالأول: سياق الآية الذي يدل على هذا المعنى وهو في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ والمعنى: واستثن في يمينك إذا ذكرت أنك نسيت ذلك في حال اليمين، يعني: أن تقول: \"إن شاء الله\" وهذا تفسير باللازم، وإلى هذا المعنى ذهب جمع من السلف كابن عباس، ومجاهد وأبي العالية، والحسن (^١)، وبعدهم جمع من المفسرين (^٢)، ولعل هذا المعنى هو الأظهر لحمل الآية عليه، والله أعلم.\nالثاني: أن لهذا المعنى - وهو الاستثناء بقول: إن شاء الله- له شاهد من السنة: فقد أخرج الشيخان في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁ أن النَّبيّ ﷺ قال: \"قال سليمان: لأطوفن الليلة على تسعين امرأة كلهن تأتي بفارس يجاهد في سبيل الله، فقال له صاحبه: قل إن شاء الله فلم يقل إن شاء الله فطاف عليهن جميعا، فلم تحمل منهن إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجل، وايم الذي نفس محمد بيده لو قال إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرسانا أجمعون\" (^٣).\nوالشاهد: أن الآية دلت على أن الله عاتب نبيه سليمان على عدم قوله: إن شاء الله، كما عاتب نبيه في هذه الآية على ذلك (^٤)، ومثل هذا الشاهد يورده جمع من المفسرين في تفسير الآية (^٥).\n_________\n(^١) أخرج أقوالهم ابن جرير الطبري في تفسيره (١٥/ ٢٢٥، ٢٢٦)، وانظر: الكشف والبيان: الثعلبي (١٧/ ٩٦)، وانظر: معالم التنزيل: البغوي (٥/ ١٦٢)، وانظر: تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٥/ ١٤٩).\n(^٢) انظر: المحرر الوجيز: ابن عطية (٦/ ٣٤٨)، وانظر: مدارك التنزيل: النسفي (٢/ ٢٩٦)، وانظر: فتح الرحمن: العليمي (٤/ ١٦٦)، وانظر: روح المعاني: الآلوسي (١٥/ ٢٨٤)، وانظر: أضواء البيان: الشنقيطي (٤/ ١٠٢).\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب الأيمان والنذور، باب: كيف كانت يمين النبي ﷺ، برقم: (٦٦٣٩). وأخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب: الاستثناء، برقم: (١٦٥٤).\n(^٤) انظر: أضواء البيان: الشنقيطي (٤/ ١٠٠).\n(^٥) انظر: تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٥/ ١٤٩)، أضواء البيان: الشنقيطي (٤/ ١٠٠).","vol":"2","page":872},{"text":"تنبيه:\nما أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره بإسناده من طريق ابن إسحاق أن اليهود قالوا لقريش: سلوا محمدًا ﷺ عن الروح، وعن رجل طواف في الأرض (يعنون ذا القرنين)، وعن فتية لهم قصَّة عجيبة في الزمان الماضي (يعنون أصحاب الكهف). فقال لهم رسول الله ﷺ: \"سأخبركم غدًا عما سألتم عنه\" ولم يقل: (إن شاء الله)، فلبث عنه الوحي مدة، قيل: خمس عشرة ليلة، وقيل غير ذلك. فأحزنه تأخر الوحي عنه، ثم أنزل عليه الجواب عن الأسئلة الثلاثة\"، الحديث (^١)، لم يصح إسناده للإبهام شيخ ابن إسحاق (^٢)، وإلا لو صح لكان حجة دامغة لمن قال بالاستثناء بقول: إن شاء الله، والله أعلم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-741> النتيجة:</span>\nبعد عرض ما تقدم ذكره من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن معنى النهي في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ يحتمل الوجوه المتقدمة التي ذكرها القاسمي ﵀، إلا أن الأقرب للصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني من أن معنى النهي في الآية: أن يقول أحد إني فاعل ذلك غدا دون أن يستثني ويقول: إن شاء الله، لما تقدم إيراده من الوجهين الذيْن يؤيدا ذلك، والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (١٥/ ١٤٣، ١٤٤)، وأورده الزجاج في معاني القرآن (٣/ ٢٧٠)، والبغوي في معالم التنزيل (٥/ ١٦٢)، وابن عطية في المحرر الوجيز (٦/ ٣٤٧)، وغيرهم كثير.\n(^٢) انظر: تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٥/ ١٣٦) (الهامش).","vol":"2","page":873},{"text":"<span data-type='title' id=toc-742>١٤٧ - قوله تعالى: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ [سورة الكهف: ٢٦].</span>\nقال القاسمي: قيل: وعليه فيكون ضمير ﴿وَازْدَادُوا﴾ لأهل الكتاب. وإنه يظهر فيه وجه العدول عن المتبادر وهو ثلاثمائة وتسع سنين. مع أنه أخصر وأظهر.\nوذلك لأن بعضهم قال: ثلاثمائة: وبعضهم قال أزيد بتسعة. ولا يخفى ركاكة ما ذكر، فإن الضمير للفتية. ووجه العدول موافقة رؤوس الآي المقطوعة بالحرف المنصوب. ودعوى الأخصرية تدقيق نحوي لا تنهض بمثله البلاغة. وأما الأظهرية فيأباها ذوق الجملتين ذوقا سليما (^١). فإن الوجدان العربي يجد بينهما في الطلاوة بعد المشرقين. ودعوى أن فيها إشارة إلى أنها ثلاثمائة بحساب أهل الكتاب بالأيام، واعتبار السنة الشمسية، وثلاثمائة وتسع بحساب العرب، واعتبار القمرية، بيانا للتفاوت بينهما، إذ التفاوت بينهما في كل مائة سنة ثلاث سنين- دعوى يتوقف تصحيحها على ثبوت أن أهل الكتاب ازدادوا بالسنة الشمسية وأنه قص علينا ما أرادوه بالسنة الهلالية، فلذلك قال: ﴿وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ لنقف على تحديد ما عنوه، ومن أين يثبت ذلك؟ وما الداعي لهذا التعمق المشوش؟ والآية جلية بنفسها في دعواهم مدة لبثهم (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-743> أقوال أهل العلم في سبب وجه العدول عن قول: (ثلاثمائة سنين وتسع) وقول: ﴿ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾:</span>\nالقول الأول: أن سبب العدول: اختلاف أهل الكتاب في مدة لبثهم، فقال بعضهم ثلاثمائة وقال بعضهم ثلاثمائة وتسع سنين.\n_________\n(^١) يُريد القاسمي ﵀ من قوله: \"ودعوى الأخصرية والأظهرية\" التعقب على قول الشهاب الخفاجي: \" قوله سنين عددًا إلا أنه حينئذ يحتاج إلى بيان وجه العدول عن المتبادر وهو ثلاثمائة وتسع سنين مع أنه أخصر، وأظهر\". ينظر: عناية القاضي: الشهاب الخفاجي (٦/ ٩١).\n(^٢) محاسن التأويل: القاسمي (١١/ ٤٠٤٨).","vol":"2","page":874},{"text":"القول الثاني: أن سبب العدول: موافقة رؤوس الآي المقطوعة بالحرف المنصوب.\nالقول الثالث: أن سبب العدول: الإشارة إلى أنها ثلاثمائة بحساب أهل الكتاب بالأيام، واعتبار السنة الشمسية، وثلاثمائة وتسع بحساب العرب، واعتبار القمرية، بيانا للتفاوت بينهما.\nأصحاب القول الأول:\nظاهر قول قتادة: قوله: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ هذا قول أهل الكتاب، فرده الله عليهم فقال: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ \" (^١).\nالبيضاوي: \"أهل الكتاب اختلفوا في مدة لبثهم كما اختلفوا في عدتهم فقال بعضهم ثلاثمائة وقال بعضهم ثلاثمائة وتسع سنين\" (^٢).\nأصحاب القول الثاني:\nالقاسمي: وتقدم قوله.\nالعثيمين: \" قد يقول قائل: \"لماذا لم يقل ثلاثمائة وتسع سنين؟ فالجواب: هذا بمعنى هذا، لكن القرآن العظيم أبلغ كتاب، فمن أجل تناسب رؤوس الآيات قال: ﴿ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ \" (^٣).\nأصحاب القول الثالث:\nالماوردي: \" ﴿وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ هو ما بين السنين الشمسية والسنين القمرية\" (^٤).\nالسخاوي: \"قوله: ﴿وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ أي لما انتقل الحساب من السنة الشمسية إلى\n_________\n(^١) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (١٥/ ٢٢٩)، وانظر: لباب التفاسير: الكرماني (ص: ١٢٢٦).\n(^٢) أنوار التنزيل: البيضاوي (٣/ ٢٧٨)، بتصرف، وانظر: فتوح الغيب: الطيبي (٩/ ٤٥٦).\n(^٣) تفسير القرآن الكريم (سورة الكهف): العثيمين (ص: ٤٩، ٥٠).\n(^٤) النكت والعيون: الماوردي (٣/ ٣٠٠)، وانظر: زاد المسير: ابن الجوزي (٣/ ٧٨).","vol":"2","page":875},{"text":"السنين العربية صارت الثلاثمائة الشمسية ثلاثمائة وتسعة بالعربية، وفيها تفاوت يسير\" (^١).\nابن كثير: \"هذا خبر من الله تعالى لرسوله ﷺ بمقدار ما لبث أصحاب الكهف في كهفهم، منذ أرقدهم الله إلى أن بعثهم وأعثر عليهم أهل ذلك الزمان، وأنه كان مقداره ثلاثمائة سنة وتسع سنين بالهلالية، وهي ثلاثمائة سنة بالشمسية، فإن تفاوت ما بين كل مائة سنة بالقمرية إلى الشمسية ثلاث سنين؛ فلهذا قال بعد الثلاثمائة: ﴿وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ \" (^٢).\nالشنقيطي: \"لم يبين هنا قدر المدة التي تساءلوا عنها في نفس الأمر - يعني في قوله تعالى: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ -، ولكنه بين في موضع آخر أنها ثلاثمائة سنة بحساب السنة الشمسية، وثلاثمائة سنة وتسع سنين بحساب السنة القمرية، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ \" (^٣).\n\n•<span data-type='title' id=toc-744> دراسة المسألة:</span>\nومن خلال التأمل والنظر واستقراء ما ذكره المفسرون وأهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن هذه المسألة تعود إلى أصل الخلاف في الخطاب في قوله تعالى: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾:\nفمن أخذ بقول من يقول: أن ذلك خبر من الله تعالى ذكره عن أهل الكتاب أنهم يقولون ذلك (^٤)، قال بأن سبب العدول: اختلاف أهل الكتاب في مدة لبثهم، فبعضهم يقول ثلاثمائة وبعضهم يقول ثلاثمائة وتسع سنين وهو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول.\nوكذا من قال أن سبب العدول: الإشارة إلى أنها ثلاثمائة بحساب السنة الشمسية، وثلاثمائة وتسع بحساب السنة القمرية، وهو ما ذهب إليه أصحاب القول الثالث.\n_________\n(^١) تفسير القرآن العظيم: السخاوي (١/ ٤٩١)، وانظر: لباب التأويل: الخازن (٣/ ١٦٢).\n(^٢) تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٥/ ١٥٠).\n(^٣) أضواء البيان: الشنقيطي (٤/ ٢٩).\n(^٤) انظر: جامع البيان: الطبري (١٥/ ٢٢٩).","vol":"2","page":876},{"text":"ومن أخذ بقول من يقول: أن ذلك خبر من الله عن مبلغ ما لبثوا في كهفهم (^١)، قال بأن سبب العدول: موافقة رؤوس الآي المقطوعة بالحرف المنصوب، وهو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني.\nوالذي يظهر أن الأقرب للصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني من أن سبب العدول: موافقة رؤوس الآي، وذلك من أوجه:\nالأول: أنه لا يمكن أن نشهد على الله بأنه أراد بالسنين الثلاثمائة الشمسية، وازدادوا تسعًا بالقمرية، فمن الذي يشهد على الله أنه أراد هذا المعنى؟ حتى لو وافق أن ثلاث مائة سنين شمسية هي ثلاث مائة وتسع سنين بالقمرية فلا يمكن أن نشهد على الله بهذا، لأن الحساب عند الله تعالى واحد، وما هي العلامات التي يكون بها الحساب عند الله؟\nالجواب: هي الأهلَّة، وعليه: فإن القول بأن ﴿ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ﴾ شمسية، ﴿وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ قمرية قول ضعيف.\nالثاني: أن عدة الشهور والسنوات عند الله بالأهلة، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ [سورة يونس: ٥] وقال تعالى ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [سورة البقرة: ١٨٩] (^٢).\nالثالث: أنه لا يُسَلّم بأن قوله تعالى: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ﴾ بحساب الأشهر الشمسية، وقوله تعالى: ﴿وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ بحساب الأشهر القمرية، فتكون التسع سنين مقدار التفاوت، فمثل هذا المراد قد اعتُرض عليه.\nوذلك لأن السنة الشمسية ثلاثمائة وخمسٌ وستون يوما وخمس ساعات وتسعٌ وأربعون دقيقة على مقتضى الرصد الإيلخاني (^٣)، والسنة القمرية ثلاث مئة وأربعة وخمسون يوما\n_________\n(^١) انظر: جامع البيان: الطبري (١٥/ ٢٢٩).\n(^٢) انظر: تفسير القرآن الكريم (سورة الكهف): العثيمين (ص: ٤٩، ٥٠).\n(^٣) وهو رصد وضع سنة ٦٥٧ هـ بمُراعة (إيران).","vol":"2","page":877},{"text":"وثمان ساعات وثمانٍ وأربعون دقيقة، فيكون التفاوت بينهما عشرة أيام وإحدى وعشرين ساعة ودقيقة واحدة، وإذا كان هذا تفاوت سنة، كان تفاوت مئة سنة ألف يوم وسبعةً وثمانين يوما وثلاث عشرة ساعة وأربع دقائق، وهي ثلاثة سنين وأربعة وعشرون يوما وإحدى عشرة ساعة وستَّ عشرة دقيقة، فيكون تفاوت ثلاث مئة سنة تسع سنين وثلاثا وسبعين يوما وتسع ساعات وثمانيًا وأربعين دقيقة (^١).\nتنبيه:\nما روي عن علي بن أبي طالب ﵁ قوله: \"عند أهل الكتاب أنهم لبثوا ثلاثمائة شمسية والله تعالى ذكر ثلاثمائة قمرية والتفاوت بين الشمسية والقمرية في كل مائة سنة ثلاث سنين فيكون في ثلاثمائة تسع سنين فلذلك قال: ﴿وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ (^٢)، لم أقف على إسناده، وأنكرها الشهاب الخفاجي (^٣)، ولو صح عن علي بن أبي طالب لكان حجة لمن ذهب إلى هذا.\n\n•<span data-type='title' id=toc-745> النتيجة:</span>\nبعد ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الأقرب للصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني، وهو ما ذهب إليه القاسمي ﵀ من أن سبب العدول عن قول: (ثلاث مئة وتسع): موافقة رؤوس الآي المقطوعة بالحرف المنصوب، لما تقدم إيراده من الأوجه الدالة على ذلك، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: روح المعاني: الآلوسي (١٥/ ٢٨٩).\n(^٢) معالم التنزيل: البغوي (٥/ ١٦٥)، وانظر: اللباب: ابن عادل الحنبلي (١٢/ ٤٦٤)، وانظر: فتح الرحمن: العليمي (٤/ ١٦٩).\n(^٣) انظر: عناية القاضي: الشهاب الخفاجي (٦/ ٩١)، وانظر: روح المعاني: الآلوسي (١٥/ ٢٨٩، ٢٩٠).","vol":"2","page":878},{"text":"<span data-type='title' id=toc-746>١٤٨ - قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا (٣٢)﴾ [سورة الكهف: ٣٢].</span>\nقال القاسمي: يذكر كثير من المفسرين هنا وجها في هذا المثل. وهو أن الرجلين المذكورين فيه كانا موجودين ولهما قصة. ولا دليل في ذلك ولا اتجاه. فإن التمثيل بشيء لا يقتضي وجوده (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-747> أقوال أهل العلم في قصة صاحب الجنتين من حيث الحقيقة أم ضرب المثل </span>(^٢):\nالقول الأول: أن قصة صاحب الجنتين حقيقية، قد وقعت فيما مضى من السنين.\nالقول الثاني: أن قصة صاحب الجنتين ليست حقيقية، ولم تقع، وإنما ذكرت في القرآن من باب ضرب المثل.\nأصحاب القول الأول:\nالواحدي: \" ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾ يعني: ابني ملكٍ كان فِي بني إسرائيل تُوفِّي وتركهما فاتخذ أحدهما القصور والأجنَّة والآخر كان زاهدًا فِي الدُّنيا راغبًا فِي الآخرة\" (^٣).\nالزمخشري: \" ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾ أي ومثل حال الكافرين والمؤمنين، بحال رجلين وكانا أخوين في بنى إسرائيل: أحدهما كافر اسمه قطروس، والآخر مؤمن اسمه يهوذا\" (^٤).\nالقرطبي: \" قيل: إن هذا مثل ضربه الله تعالى لهذه الأمة، وليس بخبر عن حال متقدمة، لتزهد في الدنيا وترغب في الآخرة، وجعله زجرا وإنذارا، ذكره الماوردي. وسياق الآية يدل على خلاف هذا، والله أعلم\" (^٥).\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (١١/ ٤٠٦٤، ٤٠٦٥).\n(^٢) أشار إلى هذا الخلاف الماوردي في النكت والعيون (٣/ ٣٠٥، ٣٠٦)، والشوكاني في فتح القدير (٣/ ٣٣٨).\n(^٣) الوجيز: الواحدي (ص: ٦٦٠).\n(^٤) الكشاف: الزمخشري (٢/ ٧٢٠)، وانظر: مدارك التنزيل: النسفي (٢/ ٢٩٩).\n(^٥) الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (١٣/ ٢٧٢).","vol":"2","page":879},{"text":"الثعالبي: \"وظاهر هذا المثل أنه بأمر وقع في الوجود، وعلى ذلك فسَّره أكثر المتأولين\" (^١).\nأصحاب القول الثاني:\nالقاسمي: وتقدم قوله.\nما ذهب إليه بعض المفسرين: من أن المراد بالرجلين: رجليْن مقدريْن وليسا في الوجود\" (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-748> دراسة المسألة:</span>\nبعد ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم، وما قيل في تأويل هذه الآية، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن قصة صاحب الجنتين في قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ﴾ الآية. قصة حقيقة قد وقت فيما مضى من السنين، وذلك من أوجه:\nالأول: أن حقيقة هذه القصة أقرها بعض من الصحابة رضوان الله عليهم، وأن الرجليْن كانا من بني إسرائيل، أحدهما مؤمن والآخر كافر، ولا شك أن تفسير الصحابة مقدم على من جاء بعدهم.\nفقد وروي عن ابن مسعود أنه قال: «كانا مشركين من بني إسرائيل، أحدهما مؤمن والآخر كافر، فاقتسما فأصاب كل واحد منهما أربعين ألف درهم».\nوروي عن ابن عباس أنه قال: «كانا أخوين ورث كل واحد منهما من أبيه أربعة آلاف دينار، فالكافر أنفق ماله في زينة الدنيا، نحو شراء المنازل والخدم والحيوان، وأنفق المؤمن ماله في طاعة الله تعالى، وتصدق على الفقراء والمساكين» (^٣).\n_________\n(^١) الجواهر الحسان: الثعالبي (٣/ ٥٢٣).\n(^٢) انظر: أنوار التنزيل: البيضاوي (٣/ ٢٨٠)، وانظر: إرشاد العقل السليم: أبو السعود (٥/ ٢٢١)، وانظر: فتح القدير: الشوكاني (٣/ ٣٣٨)، وانظر: روح المعاني: الآلوسي (١٥/ ٣٣٥).\n(^٣) انظر: بحر العلوم: السمرقندي (٢/ ٣٤٦)، وبنحو ذلك ذكر البغوي في معالم التنزيل (٥/ ١٧٠)، وانظر: كشف التنزيل: الحداد (٤/ ١٧٠).","vol":"2","page":880},{"text":"الثاني: الأخبار التي جاءت عن بني إسرائيل التي تدل على وقوع هذه القصة، وليس فيها مما يُخالف الشرع، ويأباه العقل.\nفقد ذكر مقاتل في تفسيره أن الرَجُلَيْنِ أحدهما مؤمن واسمه يمليخا، والآخر كافر واسمه فرطس، وهما أخوان من بني إسرائيل مات أبوهما، فورث كل واحد منهما عن أبيه أربعة آلاف دينار، فعمد المؤمن فأنفق ماله على الفقراء، واليتامى، والمساكين، وعمد الكافر فاتخذ المنازل، والحيوان، والبساتين، فذلك قوله سبحانه:\n﴿جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا﴾ يعني الكافر ﴿جَنَّتَيْنِ﴾ الآية (^١).\nالثالث: أن المفسرين اختلفوا في تعيين الرجلين فقيل: هما أخوان من بني إسرائيل كما تقدم، وقيل: هما أخوان مخزوميان من أهل مكة أحدهما مؤمن، والآخر كافر، على ما روي في سبب نزول الآية (^٢)، وقيل: هما المذكوران في سورة الصافات في قوله: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ﴾ [سورة الصافات: ٥١].\nفإن قيل: أن اختلاف المفسرين في تعيين الرجلين والروايات الواردة في ذلك ظاهرها التناقض، مما يشكك في وقوع هذه القصة.\nفالجواب: أنه لا يمنع أن تكون الآية نزلت في المخزوميَيْن وتشبيههما برجلين من بني إسرائيل أخوين، بنحو ما قال بعض من المفسرين (^٣).\nوأيًا كان هذا الخلاف، فالشاهد أن هذه القصة قد وقعت فيما مضى من السنين، سواء في زمن بني إسرائيل، أم في زمن النبي ﷺ قبل الهجرة.\n_________\n(^١) تفسير مقاتل بن سليمان (٢/ ٥٨٤)، وانظر: تفسير يحيى بن سلام (١/ ١٨٥)، وانظر: معالم التنزيل: البغوي (٥/ ١٧٠).\n(^٢) انظر: الكشف والبيان: الثعلبي (١٧/ ١٢٩)، وانظر: معالم التنزيل: البغوي (٥/ ١٦٩)، وانظر: الكشاف: الزمخشري (٢/ ٧٢٠)، وانظر: الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (١٣/ ٢٦٩).\n(^٣) انظر: معالم التنزيل: البغوي (٥/ ١٧٠)، وانظر: الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (١٣/ ٢٦٩).","vol":"2","page":881},{"text":"الرابع: أن سياق الكلام في هذه القصة وتسلسل الأحداث يدل على أنها كانت واقعة بلا شك، فإن أسلوب القرآن في ضرب المثل لا يأتي مطوَّلا كما في هذه القصة.\nوالمتأمل في سياق الكلام وصنع التراكيب مثل قوله: ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ﴾ [سورة الكهف: ٣٧] إلخ، يجد أن لفظ: (قَالَ) جاء غير مقترنًا بفاء وذلك من شأن حكاية المحاورات الواقعة.\nوكذا قوله: ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا﴾ [سورة الكهف: ٤٣] فإنه يدل على أن هذا المثل لقصة معلومة، فإنه أوقع في العبرة والموعظة مثل المواعظ بمصير الأمم الخالية\" (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-749> النتيجة:</span>\nيتبين من خلال ما تقدم ذكره من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن قصة الرجليْن في سورة الكهف كانت واقعة فيما مضى من السنين، لما تقدم إيراده من الأوجه الدالة على ذلك، بخلاف ما ذهب إليه القاسمي ﵀، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: التحرير والتنوير: ابن عاشور (١٥/ ٣١٧)؟","vol":"2","page":882},{"text":"<span data-type='title' id=toc-750>١٤٩ - قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا﴾ [سورة الكهف: ٤٤].</span>\nقال القاسمي: ﴿هُنَالِكَ﴾ على الأوجه المتقدمة (^١)، خبر مقدم و﴿الْوَلَايَةُ﴾ مبتدأ مؤخر. والوقف على ﴿مُنْتَصِرًا﴾. وجوز بعضهم كون ﴿هُنَالِكَ﴾ معمولا لـ ﴿مُنْتَصِرًا﴾ وإن الوقف عليه. أي على ﴿هُنَالِكَ﴾ وإن ﴿الْوَلَايَةُ لِلَّهِ﴾ جملة من مبتدأ وخبر مستأنفة. أي ﴿وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا﴾ في ذلك الوطن الذي حل به عذاب الله. فلم يكن منقذ له منه.\nوأقول: هذا الثاني ركيك جدا، مفكك لرؤوس الآي في السورة. فإنها قطعت كلها بالاسم المنصوب. وشبهة قائله جوازه عربية. وما كل جائز عربية رقيق الحواشي بلاغة. ولذلك لم يعول عليه الزمخشري (^٢) ومن تابعه (^٣).\n\n•<span data-type='title' id=toc-751> أقوال أهل العلم في الوقف وما يترتب عليه من معنى في قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ﴾:</span>\nالقول الأول: أن الوقف يكون عند قوله: ﴿مُنْتَصِرًا﴾ ويكون المعنى: وما كان منتصرا في الدنيا ولا في الآخرة.\nالقول الثاني: يجوز أن يكون الوقف عند ﴿هُنَالِكَ﴾ ويكون المعنى: وما كان منتصرا في ذلك الوطن الذي حل به عذاب الله، يعني في الدنيا.\n_________\n(^١) ستأتي الإشارة إيها ضمن الأوجه.\n(^٢) انظر: الكشاف: الزمخشري (٢/ ٧٢٤).\n(^٣) محاسن التأويل: القاسمي (١١/ ٤٠٦٤).","vol":"2","page":883},{"text":"أصحاب القول الأول:\nأبو عمرو الداني: \"الأوجه أن يكون ﴿هُنَالِكَ﴾ مبتدأ، أي: في تلك الحال تبين نصرة الله ﷿ وليه\" (^١).\nالسجاوندي (^٢): \" قيل: يوصل، فيوقف على: ﴿هُنَالِكَ﴾ أي: لا ينصره أحد، ولا ينتصر بنفسه في ذلك الوقت، ثم يبتدأ: ﴿الْوَلَايَةُ لِلَّهِ﴾، وله وجه، والأوجه أن يبتدأ بـ ﴿هُنَالِكَ﴾، أي: عند ذلك يظهر لكل شاك سلطان الله ونفاذ أمره\" (^٣).\nالنيسابوري: \" الأوجه أن يبتدأ بـ ﴿هُنَالِكَ﴾ أي عند ذلك يظهر لكل شاك سلطان الله ونفاد أمره\" (^٤).\nالآلوسي: \" والظاهر أن الوقف على ﴿مُنْتَصِرًا﴾ وقوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ﴾ إلخ ابتداء كلام، وحينئذ فالولاية مبتدأ و﴿لِلَّهِ﴾ الخبر\" (^٥).\nأصحاب القول الثاني:\nالنحاس: \" التمام ﴿وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا﴾ إن ابتدأت ﴿هُنَالِكَ﴾ وإن جعلتها ظرفًا لمنتصر فالتمام ﴿هُنَالِكَ﴾ والكافي بعده ﴿الْوَلَايَةُ لِلَّهِ﴾ \" (^٦).\nمكي بن أبي طالب: \" ﴿هنالك الولاية لله الحق﴾. أي لم يكن ممتنعا ﴿هُنَالِكَ﴾ ثم ابتدأ\n_________\n(^١) المكتفى في الوقف والابتداء: أبو عمرو الداني (ص: ١٢٥).\n(^٢) وهو: محمد بن يزيد بن طيفور الإمام العلامة المفسر ركن الدين السجاوندي البسطامي، مؤلف «عيون المعاني»، ومختصره و«نور العيون في التفسير» و«الوقف والابتداء»، مات سنة ٥٦٠ هـ. ينظر: طبقات المفسرين: الداوودي (٢/ ٢٧٣).\n(^٣) علل الوقف: السجاوندي (٢/ ٦٦٢، ٦٦٣).\n(^٤) الوسيط: الواحدي (٣/ ٥٥).\n(^٥) روح المعاني: الآلوسي (١٥/ ٣٦٠).\n(^٦) القطع والائتناف: النحاس (ص: ٣٨٩).","vol":"2","page":884},{"text":"فقال: ﴿الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ﴾ فلا يوقف على \" منتصرا \" على هذا التقدير. ويجوز أن يكون ﴿هُنَالِكَ﴾ ظرفا للولاية، فيحسن الوقف على ﴿مُنْتَصِرًا﴾ \" (^١).\nابن كثير: \" اختلف القرّاء هاهنا، فمنهم من يقف على قوله: ﴿وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا (٤٣) هُنَالِكَ﴾ أي: في ذلك الموطن الّذي حلّ به عذاب اللّه، فلا منقذ منه، ويبتدئ بقوله: ﴿الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ﴾ ومنهم من يقف على: ﴿وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا﴾ ويبتدئ بقوله: ﴿هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ﴾ \" (^٢).\nالأشموني (^٣): \" ولا يوقف على ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ولا على ﴿مُنْتَصِرًا﴾ إن جعل هنالك من تتمة ما قبله أي ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله هنالك والابتداء بقوله ﴿الْوَلَايَةُ لِلَّهِ﴾ فتكون جملة من مبتدأ وخبر أي في تلك الحالة يتبين نصر الله وليه\" (^٤).\n\n•<span data-type='title' id=toc-752> دراسة المسألة:</span>\nيظهر من خلال النظر واستقراء ما ذكره المفسرون وأهل العلم في هذه المسألة، أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن الوجه في الوقف في قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ﴾ أن يكون عند لفظ: ﴿مُنْتَصِرًا﴾، وذلك من وجهين:\nالأول: القراءات الصحيحة المتواترة الدالة على أن الولاية لله تكون في الدنيا والآخرة.\nفقد قرأ الجمهور: بفتح الواو في قوله: ﴿الْوَلَايَةُ﴾ من: الموالاة والنصرة والصلة كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [سورة البقرة: ٢٥٧]، وهذه الموالاة والنصرة تكون من\n_________\n(^١) الهداية: مكي بن أبي طالب (٦/ ٤٣٨٩، ٤٣٩٠).\n(^٢) تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٥/ ١٥٩).\n(^٣) وهو: احمد بن محمد بن عبد الكريم بن محمد بن احمد الاشموني، الشافعي فقيه، مقرئ. من تصانيفه: منار الهدى في بيان الوقف والابتداء، والقول المتين في بيان امور الدين، مات سنة ١١٠٠ هـ. ينظر: معجم المؤلفين: عمر كحالة (٢/ ١٢١).\n(^٤) منار الهدى: الأشموني (١/ ٤٤٣).","vol":"2","page":885},{"text":"الله تعالى في الدنيا، ففي هذه الحال الشديدة يتولى الله ويؤمن به كلّ مضطر، وعلى هذا المعنى فالآية كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ [سورة غافر: ٨٤]، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [سورة محمد: ١١] ونحو ذلك من الآيات (^١).\nوقرأ حمزة والكسائي: ﴿الوِلاية﴾ بكسر الواو، يعني السلطان والملك. أي هنالك السلطان له والملك. لا يغلب ولا يمتنع منه، فليس في ذلك اليوم سلطان غيره مثل قوله ﷿: ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [سورة الانفطار: ١٩]، وقوله: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [سورة غافر: ١٦]، وقوله: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ [سورة الفرقان: ٢٦] الآية، ونحو ذلك (^٢).\nفدلت هذه القراءات وما يترتب عليها من معاني، أن الوجه في الوقف أن يكون على رأس الآية وهو قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا﴾ لتشمل المعنييْن.\nالثاني: سياق الآيات الذي دل على أن الكافر ما كان منتصرا في الدنيا ولا في الآخرة، فقوله تعالى: ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا﴾ يدل على أن الثواب يكون في الدنيا، والعاقبة تكون يوم القيامة، فهو سبحانه خير ثوابا لأوليائه في الدنيا والآخرة، وخير عقبا أي: عاقبة في الآخرة (^٣).\n_________\n(^١) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان (٢/ ٥٨٧)، وانظر: معاني القراءات: الأزهري (١/ ٤٤٦)، وانظر: الحجة للقراء السبعة: أبو علي الفارسي (٥/ ١٥٠)، وانظر: حجة القراءات: ابن زنجلة (ص: ٤١٨) وانظر: معالم التنزيل: البغوي (٥/ ١٧٣)، وانظر: التبيان في إعراب القرآن: أبو البقاء (٢/ ٨٤٩)، وانظر: محاسن التأويل: القاسمي (١١/ ٤٠٦٣، ٤٠٦٤)، وانظر: أضواء البيان: الشنقيطي (٤/ ١٣٧، ١٣٨).\n(^٢) انظر: معاني القراءات: الأزهري (١/ ٤٤٦)، وانظر: الحجة للقراء السبعة: أبو علي الفارسي (٥/ ١٥٠)، وانظر: حجة القراءات: ابن زنجلة (ص: ٤١٨)، وانظر: معالم التنزيل: البغوي (٥/ ١٧٣)، وانظر: التبيان في إعراب القرآن: أبو البقاء (٢/ ٨٤٩)، وانظر: محاسن التأويل: القاسمي (١١/ ٤٠٦٣، ٤٠٦٤)، وانظر: أضواء البيان: الشنقيطي (٤/ ١٣٨).\n(^٣) انظر: فتح القدير: الشوكاني (٣/ ٣٤٢)، وانظر: فتح البيان: القنوجي (٨/ ٥٨).","vol":"2","page":886},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-753> النتيجة:</span>\nبعد ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول، من أن الوجه في الوقف في قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ﴾ أن يكون عند لفظ: ﴿مُنْتَصِرًا﴾، لما تقدم إيراده من الأوجه الدالة على ذلك، والله أعلم.","vol":"2","page":887},{"text":"<span data-type='title' id=toc-754>١٥٠ - قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ [سورة الكهف: ٨٣].</span>\nقال ابن القيم في (إغاثة اللهفان) في الكلام على الفلاسفة: فذو القرنين كان رجلا صالحا موحدا لله تعالى يؤمن بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. وأما هذا المقدونيّ، فكان مشركا يعبد الأصنام هو وأهل مملكته. وكان بينه وبين المسيح نحو ألف وستمائة سنة. والنصارى تؤرخ له، وكان أرسطاطاليس (^١) وزيره. وكان مشركا يعبد الأصنام (^٢).\nقال القاسمي: وفيه نظر. فإن المرجع في ذلك هم أئمة التاريخ وقد أطبقوا على أنه الإسكندر الأكبر ابن فيليس باني الإسكندرية، وأما دعوى أنه كان مشركا يعبد الأصنام، فغير مُسَلَّم، وإن كان قومه وثنيين، لأنه كان تلميذا لأرسطاطاليس (^٣).\n\n•<span data-type='title' id=toc-755> أقوال أهل العلم في الإسكندر المقدونيّ (^٤) من حيث تعظيمه للشرك وعبادة الأوثان:</span>\nالقول الأول: أن الاسكندر المقدوني كان مشركا يعبد الأصنام.\nالقول الثاني: أن الاسكندر المقدوني كان يُنكر عبادة الأصنام.\n_________\n(^١) وهو: أرسطاطاليس بن الحكيم الفيثاغوري، وكان تلميذ افلاطون الحكيم، وكان افلاطون يقدمه على غيره من تلاميذه، وبه ختمت حكمه اليونانيين، وكان قد صحب الاسكندر. ينظر: بغية الطلب في تاريخ حلب: ابن العديم (٣/ ١٣٤١).\n(^٢) إغاثة اللهفان: ابن القيم (٢/ ١٠٢٧، ١٠٢٨).\n(^٣) محاسن التأويل: القاسمي (١١/ ٤١٠٧).\n(^٤) وهو: الإسكندر بن فيلبس المقدوني الَّذِي غزا دارا بن دارا ملك الفرس فِي عقر داره فاستلبه ملكه بعد إهلاكه وتخطاه إِلَى المشرق من الهند والصين فجرى لَهُ من الاستيلاء عَلَى تِلْكَ الجهات مَا شهدت بِهِ التواريخ. ينظر: إخبار العلماء: القفطي (ص: ٢٧).","vol":"2","page":888},{"text":"أصحاب القول الأول:\nابن تيمية: \" الإسكندر بن فيلبس اليوناني المقدوني التي تُؤَرَّخُ له التاريخ الرومي من اليهود والنصارى، كان مشركا يعبد هو وقومه الأصنام، ولم يكن يسمى ذا القرنين، ولا هو ذا القرنين المذكور في القرآن\" (^١).\nالسيوطي: \" الإسكندر الذي له أرسطو بن فيلبس المقدوني الذي يؤرخ له تاريخ الروم عند اليهود والنصارى، وهو إنما ذهب إلى أرض الفرس، لم يصل إلى السد عند من يعرف أخباره، وكان مشركًا يعبد الأصنام وكذلك أرسطو وقومه كانوا مشركين يعبدون الأصنام، وذو القرنين كان موحدًا مؤمنًا بالله\" (^٢).\nالقنوجي: \" الاسكندر الذي وزر له أرسطو هو المقدوني الذي يؤرخ له تاريخ الروم المعروف عند اليهود والنصارى وهو إنما ذهب إلى أرض القدس لم يصل إلى السد عند من يعرف أخباره، وكان مشركًا يعبد الأصنام، وكذلك أرسطو وقومه كانوا مشركين يعبدون الأصنام وذو القرنين كان موحدًا مؤمنًا بالله\" (^٣).\nابن عاشور: \"إذا تدبرت جميع هذه الأحوال -يعني في قصة ذي القرنين- نفيت أن يكون ذو القرنين إسكندر المقدوني لأنه لم يكن ملكا صالحا بل كان وثنيا فلم يكن أهلا لتلقي الوحي من الله وإن كانت له كمالات على الجملة\" (^٤).\nأصحاب القول الثاني:\nابن العديم (^٥): \"وكان أرسطو طاليس متعلم الاسكندر الملك بن فلغيوس بن\n_________\n(^١) الجواب الصحيح: ابن تيمية (١/ ٣٤٥)، وانظر: مجموع الفتاوى: ابن تيمية (٤/ ١٦١).\n(^٢) جهد القريحة: السيوطي (٢/ ٩٥).\n(^٣) فتح البيان: القنوجي (٨/ ١٠٣).\n(^٤) التحرير والتنوير: ابن عاشور (١٦/ ٢٠)، وانظر: زهرة التفاسير: أبو زهرة (٩/ ٤٥٧٦).\n(^٥) وهو: عمر بن أحمد بن هبة الله ابن أبي جرادة، الصاحب العلامة رئيس الشام، كمال الدين العقيلي الحلبي المعروف بابن العديم، كان محدثًا حافظًا مؤرخًا صادقًا فقيهًا مفتيًا، مات سنة ٦٦٠ هـ. ينظر: فوات الوفيات: صلاح الدين (٣/ ١٢٦).","vol":"2","page":889},{"text":"الاسكندر المقدوني بآدابه عمل في سياسة رعيته وسيرة ملكه، وانقمع له الشرك في بلاد اليونانيين وظهر الخير وفاض العدل\" (^١).\nرزق الله شيخو (^٢): \" وكان - يعني الاسكندر- حكيمًا فاضلًا زاهدًا اشتغل بالرياضة وأعرض عن ملاذ الدنيا. ونهى الناس عن عبادة الأصنام فثارت عليه العامة وألجأوا ملكهم إلى قتله فحبسه ثم سقاه سمًا فمات\" (^٣).\n\n•<span data-type='title' id=toc-756> دراسة المسألة:</span>\nبعد ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم، واستقراء ما قيل في هذه المسألة، يحسن أن نقف مع القاسمي ﵀ فيما ذكر على ثلاث وقفات لبيان ما هو صواب إن شاء الله تعالى:\nالوقفة الأولى:\nقول القاسمي ﵀: \"فإن المرجع في ذلك هم أئمة التاريخ وقد أطبقوا على أنه الإسكندر الأكبر ابن فيليس … إلى أن قال: وأما دعوى أنه كان مشركا يعبد الأصنام، فغير مُسلم\".\nجوابه: إن كان المرجع في ذلك أئمة التاريخ، فإن لنا من المؤرخين من نحسبهم أوثق ممن نقل عنهم، كالحافظ الذهبي والحافظ ابن كثير، فقد نصوا على أن الإسكندر المقدوني، كان مشركا، ومُعظمًا للأصنام.\nقال الذهبي في تاريخه: \"فليس إسكندر صاحب أرسطو طاليس هو الذي قص الله سبحانه قصته في القرآن، فالذي في القرآن رجل مؤمن، وأما الآخر فمشرك يعبد الوثن؛ واسمه إسكندر بن فلبس المقدوني، على دين الحكماء - لا رعاهم الله - ولم يملك الدنيا ولا\n_________\n(^١) بغية الطلب في تاريخ حلب: ابن العديم (٣/ ١٣٤٤).\n(^٢) وهو: لويس شيخو اليسوعي: منشئ مجلة المشرق في بيروت، وأحد المؤلفين المكثرين. كان اسمه قبل الرهبنة: رزق الله بن يوسف بن عبد المسيح شيخو، تعلم في مدرسة الآباء اليسوعيين، مات سنة ١٣٤٦ هـ. ينظر: الأعلام الزركلي (٥/ ٢٤٦).\n(^٣) مجلة الأدب في حدائق العرب: رزق الله شيخو (٢/ ٢٩٢).","vol":"2","page":890},{"text":"طافها؛ بل هو من جملة ملوك اليونان\" (^١).\nوقال ابن كثير في تاريخه: \"فإن الأول - يعني ذي القرنين واسمه الاسكندر- كان عبدا مؤمنا صالحا وملكا عادلا، وكان وزيره الخضر، وقد كان نبيا على ما قررناه قبل هذا. وأما الثاني: - يعني الإسكندر المقدوني- فكان مشركا، وكان وزيره فيلسوفا، وقد كان بين زمانيهما أزيد من ألفي سنة. فأين هذا من هذا، لا يستويان ولا يشتبهان، إلا على غبي لا يعرف حقائق الأمور\" (^٢).\nالوقفة الثانية:\nقول القاسمي ﵀ في هذه المسألة: \" فالوثنية، وإن كانت دين اليونانيين واعتقاد شعبهم، إلا أنه لا ينافي أن يكون الملك وخاصته على اعتقاد آخر يجاهرون به أو يكتمونه، كالنجاشيّ ملك الحبشة. فإنه جاهر بالإيمان بالنبيّ ﷺ. وشعبه وأهل مملكته كلهم نصارى. وهكذا كان الإسكندر وأستاذه والحكماء قبله\" (^٣).\nجوابه: أن هذا القياس في غير محله، فإن الحكم على الناس في الدنيا إنما يكون بالظاهر، فإذا كان دين اليونانيين واعتقاد شعبهم هو عبادة الأوثان، حُكِمَ على من يحكُمهم بأنه مثلهم من حيث الظاهر.\nوأما النجاشي وإن كان شعبه عامتهم من النصارى فإنه لا يُحكم عليه بمثلهم، لما ثبت في الصحيح أنه أسلم وصلى عليه النبي ﷺ صلاة الغائب، كما روى البخاري في صحيحه من حديث جابر ﵁: قال النبي ﷺ حين مات النجاشي: «مات اليوم رجل صالح، فقوموا فصلوا على أخيكم أصحمة» (^٤).\nفهذا نص صريح في ثبوت إسلامه، بخلاف الاسكندر، والله أعلم.\n_________\n(^١) تاريخ الإسلام: الذهبي (١٣/ ٥٨١).\n(^٢) البداية والنهاية: ابن كثير (٢/ ٥٤١، ٥٤٢)، وانظر: تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٥/ ١٨٧)، وانظر: إرشاد العقل السليم: أبو السعود (٥/ ٢٤١).\n(^٣) محاسن التأويل: القاسمي (١١/ ٤١٠٧).\n(^٤) أخرجه البخاري، كتاب مناقب الأنصار، باب موت النجاشي، برقم: (٣٨٧٧).","vol":"2","page":891},{"text":"الوقفة الثالثة:\nقول القاسمي ﵀ مُعَقّبًا على الرازي: وأما قول الفخر الرازيّ: (إن في كون الإسكندر ذا القرنين إشكالا قويّا. وهو أنه كان تلميذ أرسطاطاليس الحكيم وكان على مذهبه، فتعظيم الله إياه يوجب الحكم بأن مذهب أرسطاطاليس حقّ وصدق. وذلك مما لا سبيل إليه) (^١)، فلا يخفى دفع هذا اللزوم. فإن من كان تابعا لمذهب فمدح لأمر ما يوجب مدحه لأجله، فلا يلزم أن يكون المدح لأجل مذهبه ومتبوعه. إذ قد يقوم فيه من الخلال والمزايا ما لا يوجد في متبوعه. وقد يبدو له من الأنظار الصحيحة ما لا يكون في مذهبه الذي نشأ عليه مقلدا. أفلا يمكن أن يكون حرّا في فكره ينبذ التقليد الأعمى ويعتنق الحق. ومن آتاه الله من الملك ما آتاه، أفيمتنع أن يؤتيه من تنور الفكر وحرية الضمير ونفوذ البصيرة ما يخالف به متبوعه. هذا على فرض أن متبوعه مذموم. وقد عرفت أن متبوعه (أعني أرسطاطاليس)، كان موحدا. وهو معروف في التاريخ لا سترة فيه، على أنه لو استلزمت الآية مدح مذهب أستاذه لكان ذلك في الأصول التي هي المقصودة بالذات، وكفى بها كمالا. وللرازيّ فرض يغتنم بها التنويه بالحكماء والتعريف لمذهبهم، وهذه منها. وإن صبغها- سامحه الله- في هذا الأسلوب، عرف ذلك من عرف (^٢).\nوهذا الذي ذكره عين الحق والصواب، إلا أنه يحب التنبيه على أن الحكم على أرسطاطاليس بأنه موحد، لا يستلزم منه أن يكون مسلمًا مُتبعًا لموسى ﵇، أو عيسى ﵇، فربما كان يعتقد بوجود إله واحد فحسب، والله أعلم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-757> النتيجة:</span>\nيتبين من خلال ما تقدم ذكره من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن الإسكندر المقدوني كان مُشركًا معظمًا للأصنام، خلافًا لما ذهب إليه القاسمي ﵀، لما تقدم تقريره، والله أعلم.\n_________\n(^١) مفاتيح الغيب: الرازي (٢١/ ٤٩٤، ٤٩٥).\n(^٢) محاسن التأويل: القاسمي (١١/ ٤١٠٨).","vol":"2","page":892},{"text":"<span data-type='title' id=toc-758>١٥١ - قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾ [سورة الكهف: ٩٤].</span>\nقال القاسمي: القصد أن هذا اللقب (ذو القرنين) شهير وليس من أوضاع العرب خاصة. كما زعمه بعضهم. بل هو معروف عند العبرانيين أيضا. وقد يظهر أنه من رموزهم الخاصة التي سرت إلى العرب. وأقرتهم عليها (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-759> أقوال أهل العلم في الأمة التي أطلقت على ذي القرنين هذا اللقب:</span>\nالقول الأول: أن لقب ذو القرنين من أوضاع العرب خاصة.\nالقول الثاني: أن لقب ذو القرنين مشهور عند الأمم السابقة، وعند العرب كذلك ..\nأصحاب القول الأول:\nظاهر قول ابن حجر: \"والذي يقوي أن ذا القرنين من العرب كثرة ما ذكروه في أشعارهم\" (^٢).\nابن عاشور: \"والذي يجب الانفصال فيه بادئ ذي بدء أن وصفه بذي القرنين يتعين أن يكون وصفا ذاتيا له وهو وصف عربي يظهر أن يكون عرف بمدلوله بين المثيرين للسؤال عنه فترجموه بهذا اللفظ\" (^٣).\nأصحاب القول الثاني:\nوهب بن منبه: \" كان ذو القرنين ملكا، فقيل له: فلم سمي ذا القرنين؟ قال: اختلف فيه أهل الكتاب، فقال بعضهم: ملك الروم وفارس وقال بعضهم: كان في رأسه شبه القرنين. وقال آخرون: إنما سمي ذلك لأن صفحتي رأسه كانتا من نحاس\" (^٤).\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (١١/ ٤١٠٩).\n(^٢) فتح الباري: ابن حجر (٦/ ٣٨٤).\n(^٣) التحرير والتنوير: ابن عاشور (١٦/ ١٨).\n(^٤) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (١٥/ ٣٧١)، وانظر: بحر العلوم: السمرقندي (٢/ ٣٥٩)، وانظر: تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٥/ ١٨٧).","vol":"2","page":893},{"text":"ابن كثير: \"اختلفوا في السبب الذي سمي به ذا القرنين; فقيل: لأنه كان له في رأسه شبه القرنين. وقال وهب بن منبه: كان له قرنان من نحاس في رأسه. وهذا ضعيف. وقال بعض أهل الكتاب: لأنه ملك فارس والروم\" (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-760> دراسة المسألة:</span>\nبعد التتبع والنظر في أقوال أهل العلم في هذه المسألة واستقراء ما ذكره المفسرون، يظهر أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني من أن لقب ذي القرنين كان مشهورا في القديم عند العبرانيين، وليس من أوضاع العرب خاصة وذلك من وجهين:\nالأول: ما روي عن قتادة أنه قال: \" لقي اليهود النبي ﷺ لم فتغشوه، قالوا: إن كان نبيا سيعلم، فسألوه عن الروح، وعن أصحاب الكهف، وعن ذي القرنين، فأنزل الله ﷿: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [سورة الإسراء: ٨٥]، يعني: «اليهود وقص عليهم نبأ أصحاب الكهف، وذي القرنين» (^٢).\nوالشاهد: أن اليهود سألوا النبي ﷺ عن ذي القرنين فأطلقوا عليه هذا اللقب، ولم يُطلقوا عليه اسمًا أو لقبًا آخر، فدل هذا على أن لقب ذي القرنين كان معروفًا عندهم وعند أسلافهم، والله أعلم.\nالثاني: أن لفظ ذو القرنين جاء مقرونًا بلفظ: يأجوج ومأجوج في قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ﴾ [سورة الكهف: ٩٤] وأكثر أهل العلم على أن هذين اسمان أعجميان، مثل: طالوت وجالوت، وهاروت وماروت (^٣)، فيُحتمل أن يكون لقب ذي القرنين مما عُرّب من ألفاظ العجم، والله أعلم.\nالثالث: أنه يجوز أن يكون لقب ذي القرنين من الكناية عن كل ذي قوة وبأس وسلطان. لأن ذا القرون من المواشي أقواها وأشدها. والكناية بالقرن عن القوة والسلطان\n_________\n(^١) البداية والنهاية: ابن كثير (٢/ ٥٣٨).\n(^٢) تفسير مجاهد (ص: ٤٤٢)، وانظر: جامع البيان: الطبري (١٥/ ٣٦٨).\n(^٣) انظر: الوسيط: الواحدي (٣/ ١٦٦)، وانظر: المحرر الوجيز: ابن عطية (٦/ ٤٤٧).","vol":"2","page":894},{"text":"معروفة عند اليهود، الذين هم السائلون. وقد وقع في توراتهم في نبوة دانيال ﵇ قوله عن الملك: (فإذا أنا بكبش واقف عند النهر. وله قرنان) ثم قوله: (وبينما كنت متأملا إذا بتيس معز قد أقبل من المغرب على وجه الأرض كلها. وللتيس قرن عجيب المنظر بين عينيه) قالوا: القرن هنا رمز إلى القوة والسلطان. والتيس رمز إلى مملكة اليونان. وقرنه رمز إلى أول ملك على هذه المملكة وهو الإسكندر الكبير. وما أشار إليه من سرعة مسير هذا التيس إيماء إلى كثرة ما دهم البلاد به من الغارات المتواصلة (^١).\nالرابع: سياق الآيات الذي دل على أن القوم الذين في زمانه كانوا يُخاطبونه بذي القرنين، كما في قوله: ﴿قُلْنَا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ وقوله: ﴿قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾، والقوم الذين كانوا في زمانه، يُحتمل أنهم لم يكونوا من العرب، وذلك لأن ذا القرنين كان معاصرًا لإبراهيم ﵇، وإبراهيم من ذرية سام بن نوح وكان يتكلم بالسريانية (^٢)، فدل هذا على أن لقب ذي القرنين كان مشهورا عند غير العرب، والله أعلم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-761> النتيجة:</span>\nبعد ذكر ما تم الوقوف عليه من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الراجح هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني من أن لقب ذي القرنين كان مشهورا عند العرب وغيرهم من الأمم، لما تقدم إيراده من الأوجه الدالة على ذلك، الله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: سفر دانيال (الإصحاح الثامن): القس أنطونيوس فكري (ص: ٦٥)، وانظر: محاسن التأويل: القاسمي (١١/ ٤١٠٩).\n(^٢) انظر: التنبيه والإشراف: المسعودي (١/ ٧٠)، وانظر: فتح الباري: ابن حجر (٦/ ٣٨٢).","vol":"2","page":895},{"text":"<span data-type='title' id=toc-762>١٥٢ - قوله تعالى: ﴿قُلْنَا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ [سورة الكهف: ٨٦].</span>\nقال الرازي: يدل قوله تعالى: ﴿قُلْنَا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ﴾ على أنه تعالى تكلم معه من غير واسطة. وذلك يدل على أنه كان نبيا. وحمل هذا اللفظ على أن المراد أنه خاطبه على ألسنة بعض الأنبياء فهو عدول عن الظاهر (^١).\nقال القاسمي: ولا يخفى ضعف الاستدلال بهذه الأدلة على نبوته. لأن مقام إثباتها يحتاج إلى تنصيص وتخصيص. وأما تعمق الجري وراء العمومات، لاستفادة مثل ذلك، فغير مقنع (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-763> أقوال أهل العلم في ثبوت نبوة ذي القرنين </span>(^٣):\nالقول الأول: أن ذا القرنين كان نبيًا من أنبياء الله تعالى.\nالقول الثاني: أن ذا القرنين كان ملِكًا، أو كان عبدا صالحًا، ولم يكن نبيًا.\nأصحاب القول الأول:\nعبد الله بن عمرو ﵁: \" كان ذو القرنين نبيًا\"، وبنحو ذلك روي عن مجاهد، وعكرمة، والحسن البصري (^٤).\nالبقاعي: \" ﴿يَاذَا الْقَرْنَيْنِ﴾ إعلامًا بقربه من الله وأنه لا يفعل إلا ما أمره به، إما بواسطة الملك إن كان نبيًا وهو أظهر الاحتمالات، الاحتمالات، أو بواسطة نبي زمانه\" (^٥).\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (١١/ ٤٠٢٥).\n(^٢) مفاتيح الغيب: الرازي (٢١/ ٤٩٥)، بتصرف.\n(^٣) أشار إلى هذا الخلاف الماوردي في النكت والعيون (٣/ ٣٣٧)، وابن الجوزي في زاد المسير (٣/ ١٠٦).\n(^٤) انظر: بحر العلوم: السمرقندي (٢/ ٣٥٩)، وانظر: زاد المسير: ابن الجوزي (٣/ ١٠٥)، وانظر: الوسيط: الواحدي (٣/ ١٦٣)، وانظر: معالم التنزيل: البغوي (٥/ ١٩٧)،\n(^٥) نظم الدرر: البقاعي (١٢/ ١٣١).","vol":"2","page":896},{"text":"الآلوسي: \" والحق أن الآية ظاهرة الدلالة في نبوته -يعني ذي القرنين- ولعلها أظهر في ذلك من دلالة قوله تعالى: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ على نبوة الخضر ﵇\" (^١).\nقال بعض المفسرين: أن ذا القرنين كان نبيًا، لقوله تعالى: ﴿قُلْنَا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ﴾ \" (^٢).\nأصحاب القول الثاني:\nعلي بن أبي طالب ﵁: سألوه عن ذي القرنين أنبيا كان؟ قال: \"كان عبدا صالحا، أحب الله فأحبه، وناصح الله فنصحه، فبعثه الله إلى قومه\"، وبنحو ذلك روي عن بكر بن مضر (^٣)، وابن زيد (^٤)، من أنه عبد صالح أو ملِك وليس نبي.\nالنحاس: \"ولم يصح أن ذا القرنين نبي\" (^٥).\nمكي بن أبي طالب: \" ذو القرنين لم يصح أنه نبي فيخاطبه الله\" (^٦).\nابن عطية: \"واختُلف في ذي القرنَيْن، فقيل: هو نبي، وهذا ضعيف\" (^٧).\nابن جزي: \" وكان -يعني ذي القرنين- رجلا صالحا، وقيل كان نبيا، وقيل كان مَلَكا بفتح اللام والصحيح أنه ملِك -بكسر اللام-\" (^٨).\n_________\n(^١) روح المعاني: الآلوسي (١٥/ ٥٥٧).\n(^٢) انظر: المحرر الوجيز: ابن عطية (٦/ ٤٣٧)، وانظر: زاد المسير: ابن الجوزي (٣/ ١٠٦). وانظر: الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (١٣/ ٣٦٥)، وانظر: مدارك التنزيل: النسفي (٢/ ٣١٦)، وانظر: فتح القدير: الشوكاني (٣/ ٣٦٣).\n(^٣) وهو: بكر بن مضر بن محمد المصري، الإمام، المحدث، الفقيه، الحجة، مولى الأمير شرحبيل بن حسنة ﵁، كان من الثقات العابدين، يفرح إذا جاءه الرجل يسأله المسألة فيعلمه، مات سنة ١٥٤ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء: الذهبي (٨/ ١٩٥).\n(^٤) أخرج نحوا من أقوالهم ابن جرير الطبري في تفسيره (١٥/ ٣٧٠)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٧/ ٢٣٨٢)، برقم: (١٢٩٣٩)، وانظر: الدر المنثور: السيوطي (٥/ ٤٣٦).\n(^٥) معاني القرآن: النحاس (٤/ ٢٨٩).\n(^٦) الهداية: مكي بن أبي طالب (٦/ ٤٤٥٦).\n(^٧) المحرر الوجيز: ابن عطية (٦/ ٤٣٧)، وانظر: الجواهر الحسان: الثعالبي (٣/ ٥٤٠).\n(^٨) التسهيل: ابن جزي (١/ ٤٧٣).","vol":"2","page":897},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-764> دراسة المسألة:</span>\nمن خلال استقراء ما ذكره أهل العلم من بعض الأدلة والأقوالـ، والاجتهادات في هذه المسألة، يتبين أن الأولى هو عدم الخوض في ثبوت نبوة ذي القرنين من عدمها، فإذا كان النبي ﷺ وهو خير البشر وأعلمهم وأتقاهم قد قال: \"وما أدري ذو القرنين نبيا كان أم لا؟ \" (^١)، فكيف بغيره.\nولكن على احتمال أن النبي ﷺ قال ذلك في بداية العهد، ثم أعلمه الله أكان ذو القرنين نبيًا أم لا، فإن الصواب في هذه المسألة أن ذا القرنين كان ملكًا، أو كان عبدا صالحًا، ولم يكن نبيًا، وهو الذي عليه أكثر أهل العلم (^٢)، وهو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني، وذلك من وجهين:\nالأول: أن مثل هذه المسائل تحتاج إلى دليل قاطع، وليس مجرد الوقوف على أقوال فحسب، وذلك لشرف مقام النبوة.\nالثاني: ما روي في الأخبار أن ذا القرنين أسلم على يدي إبراهيم الخليل، وطاف معه بالكعبة المكرمة هو وإسماعيل، ﵇ (^٣).\nوهذا يدل على أن ذا القرنين لم يكن مُسلمًا، إنما كان وثنيًا باعتبار الغالب في القوم الذين كانوا في عهد إبراهيم ﵇ والله أعلم، والأنبياء لم يُعرف من أحدهم أنه كان يعبد صنمًا أو وثنًا حتى قبل أن يوحى إليه، وذلك لسلامة طبعهم وفطنتهم، وما جُبلوا عليه.\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم في مستدركه (٢/ ١٧)، يرقم: (٢١٧٤) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وأورده السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٤٣٥).\n(^٢) نص على هذا البغوي في معالم التنزيل (٥/ ١٩٨)، والخازن في لباب التأويل (٣/ ١٧٥)، وابن عادل الحنبلي في اللباب (١٢/ ٥٥٣).\n(^٣) انظر: البداية والنهاية: ابن كثير (٢/ ٥٣٨).","vol":"2","page":898},{"text":"الجواب على قول الرازي:\nاستدل الرازي بإثبات نبوة ذي القرنين بقوله تعالى: ﴿قُلْنَا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ﴾ وذلك أن الله تعالى تكلم معه من غير واسطة، والجواب من وجهين:\nالوجه الأول: أن قوله تعالى: ﴿قُلْنَا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ﴾ يجوز أن يُفهم منه أن يكون الله جل وعز خاطبه على لسان نبي في وقته، ويجوز أن يكون قال له هذا كما قال ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [سورة محمد: ٤] (^١).\nالوجه الثاني: مما يدل على احتمال أن يكون الله تعالى خاطب نبيًا في وقته، سياق وظاهر الآيات: إذ كيف يقول ذو القرنين لربه سبحانه ﴿ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ﴾ وكيف يقول، ﴿فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ﴾ فيخاطب بالنون (^٢).\nتنبيهان:\nالأول: وروي عن جبير بن نفير: أن أحبارًا من اليهود قالوا للنبي ﷺ: حدثنا عن ذي القرنين إن كنت نبيًّا. فقال رسول الله ﷺ: «هو ملِك مَسَح الأرض بالأسباب» (^٣).\nولم يقف الباحث على إسناد هذه الرواية، وإلا لو صحت لكان دليلا لأصحاب القول الثاني، على أن ذا القرنين كان ملكًا، ولم يكن نبيًا.\nالثاني: روي عن ابن عباس في شأن ذي القرنين روايتان: الأولى أوردها السمرقندي في تفسيره، وهي: أن ابن عباس يقول: أن ذا القرنين كان رجلا صالحا ولم يكن نبيًا (^٤)، والثانية أوردها السيوطي في تفسيره، وهي: أن ابن عباس يقول: أن ذا القرنين نبي (^٥)، ولم\n_________\n(^١) انظر: إعراب القرآن: النحاس (٢/ ٣٠٥)، وانظر: الهداية: مكي بن أبي طالب (٦/ ٤٤٥٦).\n(^٢) انظر: غرائب التفسير: الكرماني (١/ ٦٧٩)، وانظر: إعراب القرآن: النحاس (٢/ ٣٠٥)، وانظر: فتح البيان: القنوجي (٨/ ١٠٩).\n(^٣) عزاه السيوطي إلى ابن مردويه في الدر المنثور (٥/ ٤٣٦).\n(^٤) انظر: بحر العلوم: السمرقندي (٢/ ٣٥٩).\n(^٥) انظر: الدر المنثور: السيوطي (٥/ ٤٣٦).","vol":"2","page":899},{"text":"يقف الباحث على إسناد كلا من الروايتين، ليعرف الصحيح منها من الضعيف.\n\n•<span data-type='title' id=toc-765> النتيجة:</span>\nمن خلال ما تقدم ذكره من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الأقرب للصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني من أن ذا القرنين كان ملِكًا، أو كان عبدا صالحًا، ولم يكن نبيًا، لما تقدم إيراده من الوجهيْن الداليْن على ذلك، والله أعلم.\n* * *","vol":"2","page":900},{"text":"سورة مريم","vol":"2","page":901},{"text":"<span data-type='title' id=toc-766>سورة مريم</span>\n<span data-type='title' id=toc-767>١٥٣ - قوله تعالى: ﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [سورة مريم: ١٧].</span>\nقال القاسمي بعد إيراده لقول من يقول بكيفية تمثل الملك لمريم ﵍: ولا يخفى أن هذا البحث من الرجم بالغيب، واقتفاء ما لم يحط بكنهه، فالخوض فيه عبث ينتهي خائضه إلى حيث ابتدأ. لأنه من عالم الغيب الذي لا يصل علمنا إليه ولن يصل إليه بمجرد العقل. ولم يرد عن المعصوم ﷺ فيه نص قاطع.\nوكل ما كان كذلك فليس من شأننا أن نبحث فيه. فاعرف ذلك فإنه ينفعك في مواضع عديدة (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-768> أقوال أهل العلم في كيفية تمثل المَلَك بصورة بشر:</span>\nالقول الأول: أن الله تعالى أفنى الزائد من خلقة الملَك أثناء التمثل، وهذا لا يوجب موت الملَك، ولا يلزم من ذلك أن ذات المَلَك انقلبت بشر.\nالقول الثاني: أن كيفية التمثل من أمور الغيب التي لا يدركها العقل، فنؤمن بأن الملك يتشكل بشكل البشر.\nأصحاب القول الأول:\nالجويني: \" تمثل جبريل معناه أن اللَّه أفنى الزائد من خلقه، أو أزاله عنه، ثم يعيده إليه بعد\" (^٢).\nالعز بن عبد السلام: \"لا يبعد أن يكون انتقالها - يعني روح جبريل- من الجسد الأول غير موجب لموته لأن موت الأجساد بمفارقة الأرواح ليس بواجب عقلًا، وإنما هو\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (١١/ ٤١٤١).\n(^٢) إمتاع الأسماع: المقريزي (٢/ ٣٧٦)، وانظر: فتح الباري: ابن حجر (١/ ٢١).","vol":"2","page":902},{"text":"بعادة مطّردة أجراها اللَّه في أرواح بني آدم، فيبقى ذلك الجسد حيّا لا ينقص، من معارفه وطاعاته شيء، ويكون انتقال روحه إلى الجسد الثاني كانتقال أرواح الشهداء إلى أجواف الطيور الخضر\" (^١).\nالبُلقيني: \"يجوز ان يكون أتى بشكله الاصلي من غير فناء ولا ازالة الا انه انضم فصار على قدر هيئة الرجل واذا ترك ذلك عاد الى هيئته ومثال ذلك القطن اذا جمع بعد أن كان منتفشا فانه بالنفش يحصل له صورة كبيرة وذاته لم تتغير وهذا على سبيل التقريب\" (^٢).\nابن الملقن: \" قوله: «وَأَحْيَانًا يَتَمَثَّلُ لِيَ المَلَكُ رَجُلًا» يحتمل تمثيل جبريل له رجلًا أن الله تعالى أفنى الزائد من خلقه ثمَّ أعاده إليه\" (^٣).\nأصحاب القول الثاني:\nالطبري: \" ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ يقول تعالى ذكره: فتشبه لها في صورة آدمي سوي الخلق منهم، يعني في صورة رجل من بني آدم معتدل الخلق\" (^٤).\nابن كثير: \" ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ أي: على صورة إنسان تام كامل\" (^٥).\nالإيجي: \" ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ أي: على شكل إنسان تام كامل\" (^٦).\nالشهاب الخفاجي: \"ولهم كلام في كيفية التمثيل هل ما زاد من أجزائه يفنى أو يذهب ثم يعود أو يتداخل ويتصاغر أو يخفيه الله عن النظر والظاهر أنها احتمالات عقلية والأولى التوقف في مثله\" (^٧).\n_________\n(^١) قواعد الأحكام في مصالح الأنام: عز الدين بن عبد السلام (٢/ ٢٣٥).\n(^٢) بهجة المحافل: الحرضي (١/ ٦٨)، وانظر: الحبائك في أخبار الملائك: السيوطي (ص: ٢٦٢) ونسب قول البلقيني إلى كتابه: الفيض الجاري على صحيح البخاري، ولم أقف على الكتاب.\n(^٣) التوضيح لشرح الجامع الصحيح: ابن الملقن (٢/ ٢٢٨).\n(^٤) جامع البيان: الطبري (١٥/ ٤٨٦).\n(^٥) تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٥/ ٢١٥).\n(^٦) جامع البيان: الإيجي (٢/ ٤٧٥).\n(^٧) عناية القاضي: الشهاب الخفاجي (٦/ ١٤٨).","vol":"2","page":903},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-769> دراسة المسألة:</span>\nمن الأصول التي بنى عليها المتكلمين مذهبهم: قياس الغائب على الشاهد، ولا شك أن قياس الغائب على الشاهد تارة يكون حقًا، وتارة يكون باطلا (^١).\nوفي مثل هذه المسألة يقول بعضهم بمثل هذا القياس، بأن تمثل الملك بصورة بشر ليس موجبا لموته، بل يجوز أن يبقى في الجسد حيّا. لأن موت الجسد بمفارقة الروح ليس بواجب عقلا، بل بعادة أجراها الله تعالى في بعض خلقه، مثل انتقال أرواح الشهداء إلى أجواف طيور خضر تسرح في الجنة، كما تقدم من كلام العز بن عبد السلام.\nومن خلال ما تقدم ذكره من أقوال أهل العلم، واستقراء ما قيل في هذه المسألة، يتبين أن الحق مع أصحاب القول الثاني من أن كيفية التمثل من أمور الغيب التي لا يدركها العقل، فلا ينبغي الخوض في مثل هذه الدقائق، وذلك من وجهين:\nالأول: أن القول بأن المراد من تمثل الملك: أن الله تعالى يُفني عن المَلك القدر الزائد، أو يُزيل عنه هذا القدر مع الجسد حيًا، كله من الخوض في أمور الغيب التي لا يجوز للمسلم أن يتكلم فيها إلا بنص من القرآن، وصحيح السنة، أو من آثار الصحابة التي يكون لها حكم الرفع.\nوهذا من القول بلا علم الذي نهى الشارع عنه في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [سورة الإسراء: ٣٦]\nوالواجب على المسلم الإيمان بما جاء في الكتاب والسنة من إثبات تمثل الملك بصورة بشر، من غير الخوض في الكيفية ودقائق الأحوال، والسؤال بـ (لم) و(كيف)؟ ونحو ذلك ..\nيقول الإمام أحمد ﵀: \"ومن السنة اللازمة التي من ترك منها خصلة لم يقبلها ويؤمن بها لم يكن من أهلها، الإيمان بالقدر خيره وشره والتصديق بالأحاديث فيه والإيمان بها لا يقال: لم ولا كيف؟ إنما هو التصديق والإيمان بها\" (^٢).\n_________\n(^١) انظر: بيان تلبيس الجهمية: ابن تيمية (٢/ ٣٢٦).\n(^٢) أصول السنة: الإمام أحمد (ص: ١٨).","vol":"2","page":904},{"text":"الثاني: أنه لم يؤثر عن السلف أنهم خاضوا في مثل هذه المسائل وقالوا بفناء القدر الزائد، أو قالوا بأن روح الملك إذا انتقلت إلى الجسد فلا يلزم من ذلك موته، ونحو ذلك مما يطرأ في الأذهان، ولو كان خيرا لكانوا أسبق الناس إليه، وإنما فسروا تمثل الملك بظاهر النص.\nفقد روي عن عبد الله بن عباس ﵁ من طريق جويبر، عن الضَّحّاك في قوله: ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا﴾ في صورة الآدَمِيِّين، ﴿سَوِيًّا﴾ يعني: مُعْتَدِلًا، شابًّا، أبيض الوجه، جعدًا قَطَطًا، حين اخْضَرَّ شاربُه (^١).\nوروي عن قتادة بن دعامة قال: أرسل إليها فيما ذكر لنا جبريل (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-770> النتيجة:</span>\nيتبين من خلال ما تقدم ذكره من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني من أن المراد من تمثل جبريل في الآية أنه: جاء على شكل إنسان تام كامل، وأنه لا ينبغي الخوض في دقائق كيفية التشكل، وحال الملك عند التشكل، لما تقدم إيراده من الأوجه الدالة على ذلك، والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه ابن عساكر في تاريخه (٤٧/ ٣٤٨، ٣٤٩). وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى إسحاق بن بشر (٥/ ٤٩٥، ٤٩٦)، وانظر: موسوعة التفسير بالمأثور: مجموعة من المؤلفين (١٤/ ٥٨).\n(^٢) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (١٥/ ٤٨٥)، وانظر: موسوعة التفسير بالمأثور: مجموعة من المؤلفين (١٤/ ٥٨).","vol":"2","page":905},{"text":"سورة طه","vol":"2","page":906},{"text":"<span data-type='title' id=toc-771>سورة طه</span>\n<span data-type='title' id=toc-772>١٥٤ - قوله تعالى: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَاسَامِرِيُّ (٩٥) قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا﴾ [سورة طه: ٩٦].</span>\nقال القاسمي: عامة المفسرين قالوا: المراد بالرسول في قوله تعالى: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا﴾ هو جبريل ﵇. وأراد بأثره، التراب الذي أخذه من موضع حافر دابته. ثم اختلفوا: أن السامري متى رآه؟ فقيل: إنما رآه يوم فلق البحر. وقيل: وقت ذهابه بموسى إلى الطور.\nواختلفوا أيضا في: أن السامري كيف اختص برؤية جبريل ﵇، ومعرفته من بين سائر الناس؟ فقيل إنما عرفه لأنه رآه في صغره، وحفظه من قتل آل فرعون له، وكان ممن رباه. وكل هذا ليس عليه أثارة من علم ولا يدل عليه التنزيل الكريم. ولذا قال أبو مسلم الأصفهاني: ليس في القرآن تصريح بهذا الذي ذكره المفسرون (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-773> أقوال أهل العلم فيما روي من أن السامري عرف جبريل ﵇ من صغره:</span>\nالقول الأول: أن السامري كان يعرف جبريل ﵇ من صغره، فحفظه من قتل آل فرعون له، وكان ممن رباه.\nالقول الثاني: أن ما روي من أن السامري كان يعرف جبريل ﵇ من صغره، كله لا يصح ولا دليل عليه.\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (١١/ ٤٢٠٥).","vol":"2","page":907},{"text":"أصحاب القول الأول:\nالسمعاني: \"فإن قال قائل: كيف عرف هذا؟ وكيف رأى جبريل من بين سائر الناس؟ والجواب عنه من وجهين: أحدهما: أن أمه لما ولدته في السنة التي كان يقتل فيها الأنبياء، وضعته في كهف حذرا عليه، فبعث الله جبريل ليربيه ويغذيه لما قضى الله على يده من الفتنة، فلما رآه عرفه وأخذ التراب، والوجه الثاني: أن جبريل كان على فرس حصان أبلق، وكان ذلك الفرس تسمى فرس الحياة، وكان كلما وضع (الفرس) حافره على موضع أخضر ما تحت حافره، فعرف أنه فرس الحياة، وكان سمع بذكره، وأن الذي عليه جبريل، فأخذ القبضة\" (^١).\nالعز بن عبد السلام: \" ﴿الرَّسُولِ﴾ جبريل - ﵇ - عرفه لأنه رآه يوم فلق البحر حين قبض القبضة من أثره، أو عرفه لأنه كان يغذوه صغيرًا لما ألقته أمه خوفًا أن يقتله فرعون لما كان يقتل بني إسرائيل فعرفه في كبره\" (^٢).\nالقرطبي: \"روي في قصص العجل: أن السامري، واسمه موسى بن ظفر، ينسب إلى قرية تدعى سامرة. ولد عام قتل الأبناء، وأخفته أمه في كهف جبل فغذاه جبريل فعرفه لذلك\" (^٣).\nالعُليمي: \" فإن قيل: كيف عرف جبريل ورآه من بين سائر الناس؟ قيل: لأن أمه لما ولدته في السنة التي يقتل فيه البنون، وضعته في كهف حذرا عليه، فبعث الله ﷿ جبريل ﵇ ليربيه لما قضى على يديه من الفتنة\" (^٤).\nأصحاب القول الثاني:\nأبو مسلم الأصبهاني: \" ليس في القرآن تصريح بهذا الذي ذكره المفسرون - يعني\n_________\n(^١) تفسير القرآن: السمعاني (٣/ ٣٥٢)، وانظر: معالم التنزيل: البغوي (٥/ ٢٩٢)، وانظر: لباب التأويل: الخازن (٣/ ٢١١).\n(^٢) تفسير القرآن: العز بن عبد السلام (٢/ ٣١١).\n(^٣) الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (٩/ ٣٣٣)، وانظر: أنوار التأويل: البيضاوي (٤/ ٣٧).\n(^٤) فتح الرحمن: العليمي (٤/ ٣٢١).","vol":"2","page":908},{"text":"فيما روي من أن السامري رأى جبريل في صغره- فههنا وجه آخر وهو أن يكون المراد بالرسول موسى ﵇\" (^١).\nابن عطية: \"وسبب معرفة السامري بجبريل وميزه له فيما روي أن السامري ولدته أمه عام الذبح فطرحته في مغارة فكان جبريل ﵇ يغذوه ويحميه حتى كبر وشب فميزه بذلك، وهذا ضعيف\" (^٢).\nالرازي: \" والذي ذكروه من أن جبريل ﵇ هو الذي رباه -يعني السامري- فبعيد\" (^٣).\nابن عاشور: \"ورووا قصة قالوا: إن السامري فتنه الله، فأراه الله جبريل راكبا فرسا فوطئ حافر الفرس مكانا فإذا هو مخضر بالنبات. فعلم السامري أن أثر جبريل إذا ألقي في جماد صار حيا، فأخذ قبضة من ذلك التراب وصنع عجلا وألقى القبضة عليه فصار جسدا، أي حيا، له خوار كخوار العجل، فعبر عن ذلك الإلقاء بالنبذ. وهذا الذي ذكروه لا يوجد في كتب الإسرائيليين ولا ورد به أثر من السنة وإنما هي أقوال لبعض السلف ولعلها تسربت للناس من روايات القصاصين\" (^٤).\n\n•<span data-type='title' id=toc-774> دراسة المسألة:</span>\nمن خلال التأمل والنظر فيما ذكره المفسرون في هذه المسألة، وما تقدم إيراده من أقوال أهل العلم، يظهر أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني من أن ما روي بأن السامري كان يعرف جبريل ﵇ من صغره، كله لم يصح، ولا دليل عليه وذلك من وجهين:\nالأول: أن الروايات الواردة في هذا الشأن، لم يصح إسنادها، ليُحتج بها.\n_________\n(^١) مفاتيح الغيب: الرازي (٢٢/ ٩٥).\n(^٢) المحرر الوجيز: ابن عطية (٦/ ٦٢٨).\n(^٣) مفاتيح الغيب: الرازي (٢٢/ ٩٦).\n(^٤) التحرير والتنوير: ابن عاشور (١٦/ ٢٩٦).","vol":"2","page":909},{"text":"قال ابن جرير: حدثنا عبد الكريم بن الهيثم، قال: حدثنا إبراهيم بن بشار الرمادي، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، قال: حدثنا أبو سعد، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵁، قال: \" لما هجم فرعون على البحر هو وأصحابه، وكان فرعون على فرس أدهم ذنوب حصان؛ فلما هجم على البحر هاب الحصان أن يقتحم في البحر، فتمثل له جبريل على فرس أنثى وديق، فلما رآها الحصان تقحم خلفها. قال: وعرف السامري جبريل لأن أمه حين خافت أن يذبح خلفته في غار وأطبقت عليه، فكان جبريل يأتيه فيغذوه بأصابعه، فيجد في بعض أصابعه لبنا، وفي الأخرى عسلا، وفي الأخرى سمنا. فلم يزل يغذوه حتى نشأ، فلما عاينه في البحر عرفه، فقبض قبضة من أثر فرسه .... إلخ\" (^١).\nوهذه الرواية إسنادها ضعيف لعلتين:\nالأولى: أن في إسنادها إبراهيم بن بشار الرمادي، وهو وإن كان صدوقًا في الجملة إلا أن روايته عن ابن عيينة فيها ضعف (^٢).\nالثانية: أن في إسنادها أيضًا أبو سعد وهو: سعيد بن المرزبان البقال الاعور مولى حذيفة ابن اليمان العبسي، وهو ضعيف، ضعّفه سفيان ابن عيينة، ويحيى بن معين، والبخاري، وغيرهم (^٣).\nوقال ابن جرير أيضًا في تفسيره: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني الحجاج، عن ابن جريج قال: لما قتل فرعون الولدان قالت أم السامري: لو نحيته عني حتى لا أراه، ولا أدري قتله، فجعلته في غار، فأتى جبرئيل، فجعل كف نفسه في فيه، فجعل يرضعه العسل واللبن، فلم يزل يختلف إليه حتى عرفه، فمن ثم معرفته إياه حين قال: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾ [سورة طه: ٩٦] (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (١/ ٦٦٩، ٦٧٠).\n(^٢) انظر: التاريخ الكبير: البخاري (١/ ٦٧٧)، وانظر: تهذيب الكمال: المزي (٢/ ٥٧، ٥٨).\n(^٣) انظر: الجرح والتعديل: ابن أبي حاتم (٤/ ٦٢)، وانظر: المجروحين: ابن حبان (١/ ٣٩٨)، وانظر: تهذيب الكمال: المزي (١١/ ٥٥).\n(^٤) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (١٦/ ١٤٨).","vol":"2","page":910},{"text":"وهذه الرواية إسنادها ضعيف لعلتين:\nالأولى: أن في إسنادها القاسم شيخ الطبري، ولم يجزم أحد من أهل العلم باسمه والحكم عليه جرحًا أو تعديلا، بحسب اطلاع الباحث.\nالثانية: أن في إسنادها الحسين بن داود المصيصي، ويُلقب بـ (سُنيد)، وهذا وإن كان قد وثقه بعض أهل العلم دون بعض، إلا أنه على القول بتوثيقه فقد تُكُلِّم في روايته عن الحجاج بن محمد الأعور.\nقال أبو بَكْر الخلال: ونرى أن أحاديث الناس عَنْ حجاج صحاح صالحة إلا ما روى سنيد من هذه الأحاديث (^١).\nالثاني: أن تربية جبريل ﵇ للسامري في صغره مما لا يجوز عقلا في حق الملائكة، إذ ليس من صفات الملائكة الكرام تربية الصغار، وإرضاعهم العسل واللبن، لا سيما جبريل ﵇ الموكل بالوحي.\nوإذا كان جبريل ﵇ يُرضع العسل واللبن للسامري، فهذا يدل على أن السامري كان عمره دون السنتين، وليس من المعقول أن يتذكر السامري ويعرف جبريل ﵇ في كبره بعد كل تلك السنين، لا سيما إذا كان السامري عمره دون السنتين، إذ يصعب عليه تحديد ذوات الأشخاص ومعرفتهم، وثباتهم في ذاكرته إلى وقت طويل من الزمن، والله أعلم.\nتنبيه:\nاستدل أبو مسلم الأصبهاني بقوله المتقدم بأن يكون المراد بالرسول موسى ﵇، وليس جبريل ﵇ بأدلة، وقد أوردها الآلوسي في تفسيره وأجاب عليها بما يفي تمامًا، مما لا يسع المقام لإيرادها (^٢).\n_________\n(^١) انظر: تهذيب الكمال: المزي (١٢/ ١٦٢ - ١٦٤).\n(^٢) انظر: روح المعاني: الآلوسي (١٦/ ٤٤٠، ٤٤١).","vol":"2","page":911},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-775> النتيجة:</span>\nبعد ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني من أن ما روي بأن السامري كان يعرف جبريل ﵇ من صغره، كله لم يصح، لما تقدم إيراده من الوجهين الداليْن على ذلك، والله أعلم.\n* * *","vol":"2","page":912},{"text":"سورة الأنبياء","vol":"2","page":913},{"text":"<span data-type='title' id=toc-776>سورة الأنبياء</span>\n<span data-type='title' id=toc-777>١٥٥ - قوله تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [سورة الأنبياء: ٧٩].</span>\nقال القاسمي: دلت هذه الآية على جواز الاجتهاد للأنبياء ﵈. وهو مذهب الجمهور. ومنعه بعضهم. ولا مستند له. لأن قضاء داود لو كان بوحي لما أوثر قضاء ابنه سليمان عليه (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-778> أقوال أهل العلم في دلالة الآية على حكم الاجتهاد للأنبياء:</span>\nالقول الأول: أن الآية دالة على أن الأنبياء يجوز لهم الاجتهاد في الأحكام والقضاء بين الناس.\nالقول الثاني: أن الآية غير دالة على جواز الاجتهاد للأنبياء، لأن داوود ﵇ حكم بحكم ثم نُسخ، ثم حكم سليمان ﵇ فكان حكمه ناسخًا.\nأصحاب القول الأول:\nالجرجاني: \"وقوله: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ دليل على أنّهما حكما باجتهاد الرأي لا بالنصّ، وللنبيّ أن يجتهد في حادثة علم أصولها بالوحي\" (^٢).\nالسمعاني: \"واختلف العلماء أن داود حكم ما حكم بالاجتهاد أو بالوحي؟ وكذلك سليمان، فقال بعضهم: إنهما فعلا بالاجتهاد، وقالوا: يجوز الاجتهاد للأنبياء؛ ليدركوا ثواب المجتهدين، إلا أن داود أخطأ، وسليمان أصاب، والخطأ يجوز على الأنبياء إلا أنهم لا يقرون عليه … إلى أن قال: وهذا هو الأصح\" (^٣).\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (١١/ ٤٢٩١).\n(^٢) درج الدرر: الجرجاني (٣/ ١٢٣٢).\n(^٣) تفسير القرآن: السمعاني (٣/ ٣٩٤، ٤٩٥).","vol":"2","page":914},{"text":"ابن جزي: \"وظاهر قوله: ففهمناها سليمان: أنه كان باجتهاد فخص الله به سليمان ففهم القضية\" (^١).\nأبو حيان: \"والظاهر أن كلا من داود وسليمان حكم بما ظهر له وهو متوجِّه عنده، فحُكمهما باجتهاد، وهو قول الجمهور، واستُدل بهذه الآية على جواز الاجتهاد\" (^٢).\nأصحاب القول الثاني:\nالزمخشري: \" فإن قلت: أحكما بوحي أم باجتهاد؟ قلت: حكما جميعا بالوحي، إلا أن حكومة داود نسخت بحكومة سليمان\" (^٣).\nالجبائي: \"الاجتهاد غير جائز من الأنبياء ﵈\" (^٤).\nالغزالي: \" من أين صح أنهما بالاجتهاد حكما - يعني داود وسليمان ﵉ ومِن العلماء من منع اجتهاد الأنبياء عقلا ومنهم من منعه سمعا ومن أجاز أحال الخطأ عليهم؟ فكيف ينسب الخطأ إلى داود عليه؟ ومن أين يَعْلَمُ أنه قال ما قال عن اجتهاد ﵇؟ \" (^٥).\nقال جماعة من المفسرين: لا دلالة في الآية على أنهما قالا ذلك من جهة الرأي والاجتهاد (^٦).\n_________\n(^١) تفسير القرآن: السمعاني (٣/ ٣٩٤، ٤٩٥).\n(^٢) البحر المحيط: أبو حيان (١٥/ ٢٥٨).\n(^٣) الكشاف: الزمخشري (٣/ ١٢٨).\n(^٤) التسهيل: ابن جزي (٢/ ٢٦).\n(^٥) عناية القاضي: الخفاجي (٦/ ٨٨)، بتصرف.\n(^٦) انظر: أحكام القرآن: الجصاص (٥/ ٥٥)، وانظر: الهداية: مكي بن أبي طالب (٧/ ٤٧٨٩)، وانظر: تفسير القرآن: السمعاني (٣/ ٤٩٥)، وانظر: معالم التنزيل: البغوي (٥/ ٣٣٤)، وانظر: الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (١٤/ ٢٣٥، ٢٣٦)، وانظر: لباب التأويل: الخازن (٣/ ٢٣٣).","vol":"2","page":915},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-779> دراسة المسألة:</span>\nجاء في تفسير الآية أن غنما على عهد داوود وسليمان مرت بحرث لقوم فأفسدته، وروي أن الحرث كان حنطة، وروي أنه كان كَرْما، فأفسدت ذلك الحرث فحكم داود بدفع الغنم إلى أصحاب الكَرْم وحكم سليمان بأن يدفع الغنم إلى أصحاب الكرم فيأخذوا منافعها من ألبانها وأصوافها وعوارضها إلى أن يعود الكرم كهيئته وقت أفسد فإذا عاد الكرم إلى هيئته ردت الغنم إلى أربابها ويُدفع الكرم - وهو العنب- إلى صاحب الكرم، فكان الصواب مع سليمان ﵇، ولهذا قال سبحانه: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ (^١).\nومن خلال التأمل في أقوال أهل العلم واستقراء ما ذكره المفسرون في تأويل الآية، يتبين أن الصواب من أقوالهم: أن الآية دالة على جواز اجتهاد الأنبياء، وان حكم داوود وحكم سليمان ﵉ كان باجتهاد، وهو الذي عليه جمهور المفسرين (^٢)، وهو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول، وذلك من أوجه:\nالأول: ظاهر الآية الذي يدل على أن الأنبياء يجوز لهم الاجتهاد في الإفتاء والقضاء بين الناس، لأن داود وسليمان ﵉، لو حكما من طريق النص لما خص سليمان بالفهم فيها دون داود ﵉، وما يذكر بالتفهيم إنما يكون بالاجتهاد، فأما الوحي والتنزيل، فلا يذكر بالتفهيم (^٣).\nوأن قوله تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا﴾ الآية يدل على أنه فهمه إياها من نصوص ما كان عندهم من الشرع؛ لا أنه أنزل عليه فيها وحيًا جديدًا ناسخًا؛ لأن قوله تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا﴾ أليق بالأول من الثاني (^٤).\n_________\n(^١) انظر: معاني القرآن: الزجاج (٣/ ٣٩٩).\n(^٢) نص على هذا ابن عطية في المحرر الوجيز (٦/ ٧٠٠)، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن (١٤/ ٢٣٦)، والشوكاني في فتح القدير (٣/ ٤٩٣).\n(^٣) انظر: الفصوص في الأصول: الجصاص (٣/ ٢٤٠)، وانظر: المسائل الأصولية: أبو يعلى الحنبلي (ص: ٧٦)، وانظر: أصول السرخسي (٢/ ٩٣)، وانظر: الواضح في أصول الفقه: ابن عقيل البغدادي (٥/ ٣٩٨)، وانظر: روضة الناظر: ابن قدامة (٢/ ٣٤٦).\n(^٤) انظر: الفصوص في الأصول: الجصاص (٣/ ٢٤٠)، وانظر: المسائل الأصولية: أبو يعلى الحنبلي (ص: ٧٦)، وانظر: أصول السرخسي (٢/ ٩٣)، وانظر: الواضح في أصول الفقه: ابن عقيل البغدادي (٥/ ٣٩٨)، وانظر: روضة الناظر: ابن قدامة (٢/ ٣٤٦).","vol":"2","page":916},{"text":"الثاني: أن بعضًا من السلف، استنبطوا من الآية مشروعية الإفتاء في الحوادث والنوازل.\nفقد وروي عن الحسن البصري ﵀ أنه قال: لولا هذه الآية، لم يجرأ أحد منا أن يفتي في الحوادث (^١).\nوالشاهد: أن قضاء سليمان ﵇، كان بفتوى واجتهاد، وإلا لولا هذا الاجتهاد، لما تجرأ أحد على الفُتيا والاجتهاد.\nوأخرج ابن أبي حاتم بسنده أن إياس بن معاوية لما استقضى، أتاه الحسن فرآه حزينا فبكى إياس فقال: ما يبكيك؟! فقال: يا أبا سعيد، بلغني إن القضاة ثلاثة: رجل اجتهد فأخطأ فهو في النار، ورجل مال به الهوى فهو في النار، ورجل اجتهد فأصاب فهو في الجنة، فقال الحسن: إن فيما قص الله من نبأ داود ما يرد ذلك. ثم قرأ: أخذ الله على الحكام ثلاثة: أن لا يشتروا بآياته ثمنا قليلا، ولا يتبعوا الهوى، ولا يخشوا الناس. ثم تلا هذه الآية: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾ [سورة ص: ٢٦] الآية، وقال: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [سورة المائدة: ٤٤] (^٢).\nالثالث: مما يدل على أن حكم داود ﵇ كان اجتهادا وليس وحيًا: روي في الأخبار الكثيرة أن داود لم يكن بت الحكم في ذلك حتى سمع من سليمان أنَّ غير ذلك أولى، وفي بعضها أنّ داود ناشده لكي يورده ما عنده، ولو كان نصًا لكان يظهره ولا يكتمه.\nووجه الاجتهاد فيه ما ذكره ابن عباس ﵁: أن داود ﵇ قَوَّم قدر الضرر في الكرم فكان مساويًا لقيمة الغنم وكان عنده أنّ الواجب في ذلك الضرر أن يزال بمثله من\n_________\n(^١) انظر: أضواء البيان: الشنقيطي (٤/ ٧٤٦).\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٨/ ٢٤٥٨)، برقم: (١٣٦٨٧)، وإسناده حسن، وانظر: تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٥/ ٣٤٦).","vol":"2","page":917},{"text":"النفع، فلا جرم سلم الغنم إلى المجني عليه كما قال أبو حنيفة في العبد إذا جنى على النفس يدفعه المولى بذلك أو يفديه.\nوأما سليمان ﵇ فأداه اجتهاده إلى أنه يجب مقابلة الأصول بالأصول والزوائد بالزوائد وأما مقابلته بالزوائد فغير جائز، لأنه يقتضي الحيف، ولعل منافع الغنم في تلك السنة كانت موازنة فحكم به، كما قال الشافعي: فيمن غصب عبدًا فأبق من يده أنه يضمن القيمة فينتفع بها المغصوب منه بإيزاء ما فوته الغاصب من منافع العبد فإذا ظهر ترادّا (^١).\nالرابع: أن القول بالنسخ دعوى تحتاج إلى دليل، ولو كان فيه نص ناسخ لحكم لما خفي على نبي تلك الشريعة، إذ إن صاحب الشريعة هو الأصل في نزول الوحي، فلا ينزل الوحي على نبي دون آخر (^٢).\nفائدة:\nجاءت قرائن من السنة النبوية تدل على جواز الاجتهاد للأنبياء، كما دلت عليه الآية، ومن ذلك:\nما أخرجه البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: \"كانت امرأتان معهما ابناهما، جاء الذئب فذهب بابن إحداهما، فقالت لصاحبتها: إنما ذهب بابنك. فقالت الأخرى: إنما ذهب بابنك. فتحاكمتا إلى داود ﵇، فقضى به للكبرى، فخرجتا على سليمان بن داود ﵉، فأخبرتاه فقال: ائتوني بالسكين أشقه بينكما. فقالت الصغرى: لا تفعل يرحمك الله هو ابنها؛ فقضى به للصغرى. قال أبو هريرة: والله إن سمعت بالسكين قط إلا يومئذ، وما كنا نقول إلا المدية\" (^٣).\n_________\n(^١) انظر: اللباب: ابن عادل الحنبلي (١٣/ ٦٥٥).\n(^٢) انظر: نهاية الوصول في دراية الأصول: الأرموي (٨/ ٣٨٦١).\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى ﴿ووهبنا لداود سليمان نعم العبد إنه أواب﴾، برقم: (٣٤٢٧)، وأخرجه مسلم، كتاب الأقضية، باب بيان اختلاف المجتهدين، برقم: (١٧٢٠).","vol":"2","page":918},{"text":"تنبيهان:\nالأول: احتج الجبائي على أن الاجتهاد غير جائز من الأنبياء ﵈ بأوجه أوردها الرازي في تفسيره، وقد أجاب عليها الرازي بما هو شافٍ إن شاء الله، ولا يسع المقام لإيرادها، فالتراجع (^١).\nالثاني: مسألة حكم اجتهاد الأنبياء، من المسائل الأصولية التي تكلم فيها أهل العلم قديمًا وحديثًا، وهي مبسوطة في كتب الأصول (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-780> النتيجة:</span>\nيظهر من خلال ما تقدم ذكره من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن قوله تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ يدل على جواز الاجتهاد للأنبياء، لما تقدم إيراه من الأوجه الدالة على ذلك، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: مفاتيح الغيب: الرازي (٢٢/ ١٦٤، ١٦٥).\n(^٢) انظر: المسائل الأصولية: أبو يعلى (ص: ٨٢)، وانظر: الإجهاد: الجوني (ص: ٤٤)، وانظر: التلويح على التوضيح: التفتازاني (٢/ ٢٣٩).","vol":"2","page":919},{"text":"<span data-type='title' id=toc-781>١٥٦ - قوله تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾ [سورة الأنبياء: ٨٤].</span>\nقال القاسمي: روى المفسرون هاهنا في بلاء أيوب روايات مختلفات، بأسانيد واهيات، لا يقام لها عند أئمة الأثر وزن. ولا تعار من الثقة أدنى نظر (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-782> أقوال أهل العلم فيما روي من بلاء نبي الله أيوب ﵇</span>-:\nالقول الأول: أن بلاء أيوب جاءت فيه روايات عن وهب بن منبه، وغيره، أوردها جمع من المفسرين من غير بيان لصحيحها من ضعيفها، وربما اختاروا بعض الأوجه منها، كالطبري، والزمخشري، وابن عطية، والزمخشري، والآلوسي (^٢)، وغيرهم.\nالقول الثاني: أن ما روي من أخبار وروايات في بلاء أيوب، وخاصة مما روي عن وهب بن منبه، ضعيف ولا يصح، كما نبه على هذا ابن كثير، والشوكاني (^٣)، وغيرهم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-783> دراسة المسألة:</span>\nمن خلال التتبع والنظر في أقوال أهل العلم، واستقراء ما أورده المفسرون من روايات في تفسير الآية، وما ورد في بلاء أيوب ﵇، يُمكن أن تُصَنف تلك الروايات على صنفين:\nالصنف الأول: الروايات التي اختُلف في صحتها مما ورد في بلاء أيوب ﵇، ومن ذلك:\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (١١/ ٤٢٩٨).\n(^٢) انظر: جامع البيان: الطبري (١٦/ ٣٣٤ - ٣٥١)، وانظر: الكشاف: الزمخشري (٣/ ١٣١)، وانظر: المحرر الوجيز: ابن عطية (٦/ ٧٠٨)، وانظر: مفاتيح الغيب: الرازي (٢٢/ ١٧٦)، وانظر: روح المعاني: الآلوسي (١٧/ ١٦٨).\n(^٣) انظر: تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٥/ ٣٤٩)، وانظر: فتح القدير: الشوكاني (٤/ ٥٠٤).","vol":"2","page":920},{"text":"ما رواه ابن أبي حاتم بسنده عن انس بن مالك ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: \"إن نبي الله أيوب كان في بلائه ثماني عشرة سنة، فرفضه القريب والبعيد، إلا رجلان من إخوانه، كانا من أخص إخوانه، كانا يغدوان إليه ويروحان، فقال احدهما لصاحبه: تعلم والله، لقد أذنب أيوب ذنبا ما أذنبه أحد من العالمين. فقال له صاحبه: وما ذاك؟ قال: منذ ثماني عشرة سنة لم يرحمه الله، فيكشف ما به\" الحديث (^١).\nالصنف الثاني: الروايات الضعيفة التي وردت في بلاء أيوب ﵇:\nويُمكن اختصارها وتقسيمها بالآتي:\nأولا: ما ورد في ذكر سبب ما أصاب نبي الله أيوب ﵇ من بلاء، ومن ذلك:\nما أخرجه ابن عساكر عن الليث بن سعد (^٢) قال: \" كان السبب الذي ابتلي فيه أيوب انه دخل أهل قريته على ملكهم، -وهو جبار من الجبابرة -، وذكر بعض ما كان من ظلمه الناس، فكلموه فأبلغوا في كلامه، ورفق أيوب في كلامه له؛ مخافة منه لزرعه، فقال الله: \"اتقيت عبدا من عبادي من أجل زرعك\"؟ فأنزل الله به ما أنزل من البلاء\" (^٣).\nولا شك ببطلان هذه الرواية، إذ كيف ينسب إلى نبي الله ايوب انه سكت عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والسكوت على ذلك غير مقبول من القادرين عليه، فكيف إذا\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم في مستدركه وقال: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي (٢/ ٦٣٥)، وقال الهيثمي في مجمعه: رواه أبو يعلى والبزار، ورجال البزار رجال الصحيح (٨/ ٢٠٢)، وذكره الألباني في السلسلة الصحيحة، وصححه (١/ ٥٤).\nوفي مقابل ذلك: نفى أبو بكر ابن العربي صحة الأحاديث الواردة في شأن أيوب ﵇ على وجه العموم، كما نقل عنه القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٢١٥)، وكذا ابن كثير في تفسيره (٥/ ٣٥١)، وانظر: الإسرائيليات: أبو شهبة (ص: ٢٧٩).\n(^٢) وهو: أبو الحارث الليث بن سعد بن عبد الرحمن إمام أهل مصر في الفقه والحديث، وكان ثقة سريا سخيا، قال عنه الشافعي: الليث بن سعد أفقه من مالك، إلا أن أصحابه لم يقوموا به، مات سنة ١٧٥ هـ. ينظر: وفيا الأعيان: ابن خلكان (٤/ ١٢٧).\n(^٣) انظر: الدر المنثور: السيوطي (٥/ ٦٥٣).","vol":"2","page":921},{"text":"كان السكوت من العلماء؟ بل كيف إذا كان من أحد الأنبياء؟ (^١).\nثانيا: طبيعة البلاء الذي أصابه، وقد جاءت روايات في ذلك:\nمنها: أن الدود كان يتناول بدنه فصبر، حتى تناولت دودة قلبه، وأخرى لسانه، فقال: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ (^٢).\nومنها ما روي عن الحسن أنه قال: ما كان بقي من أيوب إلا عيناه، وقلبه ولسانه، فكانت الدواب تختلف في جسده، قال: ومكث في الكناسة سبع سنين وأياما، أو قال وأشهرا (^٣).\nوهذا مما يتنافى مع عصمة الأنبياء وسلامتهم من الأمراض المنفرة التي لا تليق بمنصب النبوة، كما نص على ذلك العلماء (^٤)؟! فكيف يدعى أن أيوب بسبب هذا المرض اخرج إلى خارج البلدة وألقي على مزبلة؟ سبحانك هذا بهتان عظيم.\nثالثًا: في كيفية شفائه من مرضه ﵇ الوارد في قوله تعالى: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ [سورة ص: ٤٣]، وقد جاء في ذلك روايات:\nمنها: ما جاء عن وهب بن منبه قال: إن إبليس لقيها - يعني امرأة أيوب-، في صورة طبيب فدعته لمداواة أيوب، فقال أداويه على أنه إذا برئ قال أنت شفيتني لا أريد جزاء سواه قالت نعم، فأشارت على أيوب بذلك فحلف ليضربنها (^٥).\nوهذه الرواية ونحوها من الروايات ليس عليها دليل، بل إن القرآن يردها، فالله تعالى يقول عن الشيطان: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [سورة النحل: ١٠٠]. وقال\n_________\n(^١) انظر: نظرات في أحسن القصص: محمد السيد الوكيل (١/ ٢٨٨).\n(^٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (١٤/ ٢٥٨)، وانظر: فتح البيان: القنوجي (٨/ ٣٥٩).\n(^٣) انظر: الزهد: الإمام أحمد (ص: ٣٧).\n(^٤) انظر: مثلا ما قاله صاحب كتاب أسنى المطالب في أحاديث مختلف المراتب (ص: ٣٤٨).\n(^٥) انظر: النكت والعيون الماوردي (٥/ ١٠٣).","vol":"2","page":922},{"text":"تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [سورة الحجر: ٤٢]، فالشيطان ليس له سلطة على الإنسان عموما إلا بالوسوسة كما ذكر المفسرون.\nرابعًا: في كيفية رد الله تعالى عليه أولاده بناء على القول بموتهم: وقد جاءت في ذلك روايات:\nمنها: ما رواه الطبراني في معجمه عن الضحاك بن مزاحم، قال: بلغ ابن مسعود أن مروان، يقول: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾، قال: أُتِيَ أهلا غير أهله، فقال ابن مسعود: «بل أُتِيَ بأهله بأعيانهم ومثلهم معهم» (^١).\nوما روي من أن الله تعالى أحيا له أبناءه وبناته الذين ماتوا، وأرجع لزوجته جمالها وشبابها، ووهب له ضعف ما كان يملك من قبل (^٢).\nولا شك هذا الأثر الذي رواه الطبراني مردود من جهة الرواية ومن جهة الدراية:\nأما من جهة الرواية: فإن هذا الأثر ضعيف سندا؛ قال الهيثمي في مجمع الزوائد: \"إسناده منقطع\" (^٣).\nوقال الحافظ ابن حجر: عن الضحاك: \"وقيل لم يثبت له سماع من أحد من الصحابة\" (^٤).\nوأما من جهة الدراية: فلأنه يخالف أصلا ثابتا من أصولنا، وهو إن الإنسان إذا مات لا يرجع إلى الدنيا، إلا ما كان من معجزة المسيح ﵇؛ قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا\n_________\n(^١) رواه الطبراني في المعجم الكبير (٩/ ٢٢٣)، برقم (٩٠٨٥).\n(^٢) انظر: جامع البيان: الطبري (١٦/ ٣٦٤)، وانظر: مفاتيح الغيب: الرازي (٢٦/ ٣٩٧)، وانظر: نظم الدرر: البقاعي (١٢/ ٤٦٢)، وانظر: غرائب القرآن: النيسابوري (٥/ ٦٠٢)، وانظر: تيسير الكريم الرحمن: السعدي (٥٢٨).\n(^٣) انظر: مجمع الزوائد: الهيثمي (٧/ ٦٧)، برقم (١١١٧٤).\n(^٤) تهذيب التهذيب: ابن حجر (٤/ ٤٥٣).","vol":"2","page":923},{"text":"كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [سورة المؤمنون: ١٠٠].\nوبهذا يتبين أن الروايات التي أوردها المفسرون في قصة يونس ﵇ فيما يتعلق بسبب ما أصاب نبي الله أيوب ﵇ من بلاء، وطبيعة البلاء، وسبب شفائه، وكيفية رد الله -تعالى- عليه أولاده، أغلبه إن لم يكن جله لم يصح إما من جهة الرواية، أو من جهد الدراية.\nولمعرفة فيما صح من قصة يونس ﵇ يجب الرجوع إلى الروايات الصحيحة الواردة في قصة أيوب ﵇، التي أخرجها البخاري في صحيحه، وابن أبي حاتم في تفسيره، وغيرهما (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-784> النتيجة:</span>\nبعد عرض ما تقدم ذكره مما جاء من روايات في قصة أيوب ﵇، يتبين أن ما أورده المفسرون من هذه الروايات، أكثره إن لم يكن جله، لم يصح سندًا أو متنًا أو كلاهما، لما تقدم بيانه، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) انظر ما أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى ﴿وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين﴾، برقم: (٣٣٩١)، وما رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٨/ ٢٤٦١) برقم: (١٣٦٩٩)، وما أورده ابن كثير في البداية والنهاية (١/ ٥١١).","vol":"2","page":924},{"text":"سورة الحج","vol":"2","page":925},{"text":"<span data-type='title' id=toc-785>سورة الحج</span>\n<span data-type='title' id=toc-786>١٥٧ - قوله تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ [سورة الحج: ٤٤].</span>\nقال القاسمي: وإيراد من زعم بأن موسى كذبه قومه بعبادة العجل، إيراد من لم يفهم معنى التكذيب الذي هو رد دعوة النبي وعدم الإيمان به والإصرار على الكفر بوحيه، والقيام في وجهه وصد الناس عن اتباعه. وما وقع من قوم موسى هو تخليط، وخطأ اجتهاد، وتعنت ولجاج مع الاستظلال بظل دعوته، والانتظام في سلك إجابته (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-787> أقوال أهل العلم في المراد من القوم الذين كذّبوا موسى في قوله تعالى: ﴿وَكُذِّبَ مُوسَى﴾:</span>\nالقول الأول: أن المراد من القوم: القبط، وهم فرعون وقومه.\nالقول الثاني: أن المراد من القوم: بنو إسرائيل وهم قوم موسى الذين كذبوه بعبادة العجل، أو بطلب رؤية الله جهرة، ونحو ذلك.\nأصحاب القول الأول:\nالكرماني: \" ﴿وَكُذِّبَ مُوسَى﴾ كذبه فرعون وقوم فرعون\" (^٢).\nأبو حفص النسفي: \" ﴿وَكُذِّبَ مُوسَى﴾ على ما لم يسم فاعله، ولم يقل: (وكذبت قوم موسى) لأن قومه بنو إسرائيل وهم صدقوه، وإنما كذبه فرعون وقومه\" (^٣).\nابن عطية: \" أسند التكذيب في موسى ﵇ إلى من لم يُسَمَّ من حيث لم\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (١٢/ ٤٣٤٨).\n(^٢) لباب التفاسير: الكرماني (ص: ١٥٨٩).\n(^٣) التيسير في التفسير: أبو حفص النسفي (١٠/ ٥١٣).","vol":"2","page":926},{"text":"يكذبه قومه، بل كذبه القبط وقومه به مؤمنون\" (^١).\nالقرطبي: \" ﴿وَكُذِّبَ مُوسَى﴾ أي: كذبه فرعون وقومه. فأما بنو إسرائيل فما كذبوه، فلهذا لم يعطِفه على ما قبله فيكون: وقوم موسى\" (^٢).\nأصحاب القول الثاني:\nظاهر قول السمرقندي: \" ﴿وَكُذِّبَ مُوسَى﴾ كذبه قومه\" (^٣).\nظاهر قول أبي السعود: \" ﴿وَكُذِّبَ مُوسَى﴾ غير النظم الكريم بذكر المفعول وبناء الفعل له لا لأن قومه بنو إسرائيل وهم لم يكذبوه وإنما كذبه القبط لما أن ذلك إنما يقتضي عدم ذكرهم بعنوان كونهم قوم موسى لا بعنوان آخر على أن بني إسرائيل أيضا قد كذبوه مرة بعد أخرى حسبما ينطق به قوله تعالى: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ ونحو ذلك من الآيات الكريمة بل للإيذان بأن تكذيبهم له كان في غاية الشناعة لكون آياته في كمال الوضوح\" (^٤).\n\n•<span data-type='title' id=toc-788> دراسة المسألة:</span>\nومن خلال التأمل والنظر واستقراء ما ذكره المفسرون وأهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن المراد من القوم الذين كذبوا موسى في قوله تعالى: ﴿وَكُذِّبَ مُوسَى﴾ هم: القبط من فرعون وقومه، وذلك من أوجه:\nالأول: أن هذا القول هو المأثور عن بعض من السلف، ولا يُعلم لهم مخالف.\nفقد روي عن مقاتل أنه قال: ﴿وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ﴾ يعني: قوم شعيب ﵇، كل هؤلاء كذبوا رسلهم، ﴿وَكُذِّبَ مُوسَى﴾ يعني: عُصِيَ موسى ﵇؛ لأنه وُلِد\n_________\n(^١) المحرر الوجيز: ابن عطية (٧/ ٦٥).\n(^٢) الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (١٤/ ٤١٤)، وانظر: أنوار التنزيل: البيضاوي (٤/ ٧٣)، وانظر: مدارك التنزيل: النسفي (٢/ ٤٤٤).\n(^٣) تفسير يحيى بن سلام (١/ ٣٨١).\n(^٤) إرشاد العقل السليم: أبو السعود (٦/ ١١٠).","vol":"2","page":927},{"text":"فيهم كما وُلِد محمد ﷺ فيهم\" (^١).\nوقال يحيى بن سلام في تأويل الآية: \"يعني: كذبه فرعون\" (^٢).\nالثاني: أن ظاهر الآية الذي يدل على أن المراد القبط من فرعون وقومه وليس قوم موسى، لأن الله تعالى قال: ﴿وَكُذِّبَ مُوسَى﴾ ولم يقل: (وقوم موسى)، كما قال في نوح وعاد وثمود وإبراهيم، فإنما ذلك، لأن قوم موسى هم بنو إسرائيل وكانوا مؤمنين، وإنما كذبه فرعون وقومه من القبط (^٣).\nالثالث: أن بناء الفعل للمفعول في قوله تعالى: ﴿وَكُذِّبَ مُوسَى﴾ يُفيد التنبيه، وذلك أن موسى ﵇ لما أتى من الآيات المرئية ثم المسموعة بما لم يأت بمثله أحد ممن تقدمه، كان تكذيبه في غاية من البعد، وعلى أن الذين أطبقوا على تكذيبه القبط، وأما قومه فما كذبه منهم إلا ناس يسير، ولهذا قال الله سبحانه: ﴿وَكُذِّبَ مُوسَى﴾ (^٤).\nالرابع: سياق الآية الذي دل على أن المراد من القوم الذين كذّبوه هم: قوم فرعون من القبط، وذلك لأن الله تعالى قال: ﴿فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ﴾ أي: أمهلتهم بتأخير عقوبتهم إلى الوقت الذي أردته، وكما هو معلوم أن القوم الذين أهلكم الله ممن بعث إليهم موسى ﵇ هم قوم فرعون من القبط.\nولا يُقال ذلك في قوم موسى، فإن قوم موسى وإن قالوا ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [سورة البقرة: ٥٥] أو أنهم عبدوا العجل واستمروا على العناد، إلا أنه كلما تجدد لهم المعجزة جددوا الإيمان، فبني إسرائيل لم يكذبوا موسى ﵇ بأسرهم ومن\n_________\n(^١) تفسير مقاتل بن سليمان (٣/ ١٣٠).\n(^٢) تفسير يحيى بن سلام (١/ ٣٨١).\n(^٣) انظر: جامع البيان: الطبري (١٦/ ٥٨٩)، وانظر: الهداية: مكي بن أبي طالب (٧/ ٤٩٠٤)، وانظر: الكشاف: الزمخشري (٣/ ١٦١)، وانظر: مفاتيح الغيب: الرازي (٢٣/ ٢٣١)، وانظر: لباب التأويل: الخازن (٣/ ٢٥٩).\n(^٤) انظر: نظم الدرر: البقاعي (١٣/ ٦١)، وانظر: فتح الرحمن: السنيكي (١/ ٣٨٤)، وانظر: السراج المنير: الشربيني (٢/ ٥٥٦).","vol":"2","page":928},{"text":"كذبه منهم تاب إلا اليسير وتكذيب اليسير من القوم كلا تكذيب، والله أعلم (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-789> النتيجة:</span>\nبعد ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الأقرب الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول، من أن المراد من القوم الذين كذبوا موسى في قوله تعالى: ﴿وَكُذِّبَ مُوسَى﴾ هم: القبط من فرعون وقومه، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: نظم الدرر: البقاعي (١٣/ ٦١)، وانظر: روح البيان: إسماعيل حقي (٦/ ٤٢)، وانظر: روح المعاني: الآلوسي (١٧/ ٣٤٦).","vol":"2","page":929},{"text":"<span data-type='title' id=toc-790>١٥٨ - قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [سورة الحج: ٥٢].</span>\nقال تقي الدين بن تيمية: في الآية قولان والمأثور عن السلف يوافق القرآن بذلك. والذين منعوا ذلك من المتأخرين طعنوا فيما ينقل من الزيادة في سورة النجم بقوله (تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى) وقالوا: إن هذا لم يثبت. ومن علم أنه ثبت قال: هذا ألقاه الشيطان في مسامعهم، ولم يلفظ به الرسول ﷺ. ولكن السؤال وارد على هذا التقدير أيضا .... إلخ\" (^١).\nقال القاسمي بعد إيراد كلا ابن تيمية: وفي كلامه ﵀ نظر من وجوه:\nأولا- دعواه أن المأثور يوافق القرآن. فإنه ذهاب إلى أن الإلقاء إلقاء في الآيات. ولا تدل الآية عليه، لا مطابقة ولا التزاما. بل القول بذلك ينافي التنزيل … إلخ (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-791> أقوال أهل العلم في قصة الغرانيق (^٣) من حيث القبول والرد:</span>\nالقول الأول: أن قصة الغرانيق مقبولة، وثابتة.\nالقول الثاني: أن قصة الغرانيق مردودة، وضعيفة، وغير ثابتة.\nأصحاب القول الأول:\nابن قتيبة: \" ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ يريد: إذا تلا ألقى الشيطان في تلاوته -يعزيه، عما ألقاه الشيطان على لسانه،\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى: ابن تيمية (١٠/ ٢٩١).\n(^٢) محاسن التأويل: القاسمي (١٢/ ٤٣٥٨).\n(^٣) الغرانيق: الذكور من الطير، واحدها غِرْنَوْق وغِرْنَيْق، سمي به لبياضه، وقيل هو الكُرْكيّ، وكانوا يزعمون أن الأصنام تقرّبهم من الله ﷿، وتشفع لهم إليه، فشبهت بالطيور التي تعلو وترتفع في السماء. ينظر: لسان العرب: ابن منظور (١٠/ ٢٨٧).","vol":"2","page":930},{"text":"حين قرأ في الصلاة: \"تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن ترتجى\"، غير أنه لا يقدر، أن يزيد فيه، أو ينقص منه. أما تسمعه يقول: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾ أي: يبطل ما ألقاه الشيطان\" (^١).\nالسمعاني: \"الأكثرون من السلف ذهبوا إلى أن هذا شيء جرى على لسان الرسول بإلقاء الشيطان من غير أن يعتقد -يعني قوله: تلك الغرانيق العُلى-، وذلك محنة وفتنة من الله\" (^٢).\nابن حجر: \" لكن كثرة الطرق تدل على أن للقصة أصلا - يعني قصة الغرانيق- مع أن لها طريقين آخرين مرسلين رجالهما على شرط الصحيحين \" (^٣).\nالسعدي: \" وهذه الآيات، فيها بيان أن للرسول ﷺ أسوة بإخوانه المرسلين، لما وقع منه عند قراءته ﷺ: ﴿وَالنَّجْمِ﴾ فلما بلغ ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [سورة النجم: ٢٠]، ألقى الشيطان في قراءته: \"تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لتُرتجى\" فحصل بذلك للرسول حزن وللناس فتنة، كما ذكر الله، فأنزل الله هذه الآيات\" (^٤).\nأصحاب القول الثاني:\nابن خزيمة: \" إن هذه القصة - يعني قصة الغرانيق- من وضع الزنادقة\" (^٥).\nابن عطية: \" وهذا الحديث الذي فيه (هن الغرانقة) وقع في كتب التفسير ونحوها، ولم يدخله البخاري ولا مسلم ولا ذكره -في علمي- مصنف مشهور، بل يقتضي مذهب أهل الحديث أن الشيطان ألقى، ولا يُعَيّنون هذا السبب ولا غيره \" (^٦).\n_________\n(^١) تأويل مختلف الحديث: ابن قتيبة (ص: ٢٦٤).\n(^٢) تفسير القرآن: السمعاني (٣/ ٤٤٩).\n(^٣) فتح الباري: ابن حجر (٨/ ٤٣٩).\n(^٤) تيسير الكريم الرحمن: السعدي (ص: ٥٤٢).\n(^٥) انظر: زاد المسير: ابن الجوزي (٣/ ٢٤٤)، وانظر: مفاتيح الغيب: الرازي (٢٣/ ٢٣٧)، وانظر: فتح القدير: الشوكاني (٣/ ٥٤٦).\n(^٦) المحرر الوجيز: ابن عطية (٧/ ٧٢).","vol":"2","page":931},{"text":"ابن حزم: \" وأما الحديث الذي فيه وأنهن الغرانيق العلى وإن شفاعتها لترتجى فكذب بحت موضوع لأنه لم يصح قط من طريق النقل ولا معنى للاشتغال به إذ وضع الكذب لا يعجز عنه أحد\" (^١).\nابن كثير: \"ذكر كثير من المفسرين هاهنا قصة الغرانيق، وما كان من رجوع كثير من المهاجرة إلى أرض الحبشة، ظنا منهم أن مشركي قريش قد أسلموا. ولكنها من طرق كلها مرسلة، ولم أرها مسندة من وجه صحيح، والله أعلم\" (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-792> دراسة المسألة:</span>\nهذه المسألة من المسائل التي اختلف العلماء فيها قديمًا، وقصة الغرانيق جاءت في بعض الروايات التي تفسِّرُ سبب سجود المشركين مع النبي ﷺ، وسببَ استجابتهم لأمر الله -تعالى، حاصلُها أن الشيطان ألقى في أثناء قراءته كلماتٍ على لسان النبي ﷺ فيها الثناء على آلهتهم، وإثبات الشفاعة لها عند الله، وهذه الكلمات هي: \" تلك الغرانيق العُلى، وإن شفاعتهن لَتُرتَجَى \" وأن المشركين لما سمعوا ذلك فرحوا واطمأنوا وسجدوا مع النبي ﷺ (^٣).\nومن خلال التتبع والنظر في أقوال أهل العلم، يتبين أن هذه المسألة مما يسوغ الخلاف فيها، ولمعرفة الصواب في هذه المسألة يحسن الوقوف على المواضع والأوجه التي تعقب فيها القاسمي ﵀ على شيخ الإسلام ابن تيمية، والحديث عنها، تحسبًا للخروج عن صلب الموضوع:\nأولا: مدى موافقة القرآن لقول جماعة من السلف في المراد من قوله تعالى: ﴿إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾:\nقال ابن تيمية: \"والقرآن يوافق ذلك - يعني قصة الغرانيق-. فإن نسخ الله لما يلقي الشيطان، وإحكامه آياته، إنما يكون لرفع ما وقع في آياته، وتمييز الحق عن الباطل حتى لا\n_________\n(^١) الفصل في الملل والأهواء: ابن حزم (٤/ ١٨).\n(^٢) تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٥/ ٤٣١).\n(^٣) سيأتي إيرادها.","vol":"2","page":932},{"text":"تختلط آياته بغيرها\" (^١).\nويُريد مما أثر عن السلف: ما روي عن أبي العالية قال: قالت قريش لرسول الله ﷺ إنما جلساؤك عبيد بني فلان، ومولى بني فلان، فلو ذكرت آلهتنا بشيء جالسناك، فإنه يأتيك أشرف العرب، فإذا رأوا جلساءك أشرف قومك كان أرغب لهم فيك، قال: فألقى الشيطان في أمنيته، فنزلت هذه الآية: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾، قال: فأجرى الشيطان على لسانه: \"تلك الغرانيق العلى، وشفاعتهن ترتجى، مثلهن لا ينسى\" قال: فسجد النبي ﷺ حين قرأها وسجد معه المسلمون والمشركون، فلما علم الذي أجري على لسانه، كبر ذلك عليه، فأنزل الله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ إلى قوله ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [سورة الحج: ٥٢] (^٢).\nوبنحو ذلك روي عن جماعة من السلف كسعيد بن جبير، ومحمد بن كعب القرظي، وقتادة، وغيرهم (^٣).\nوهذا الذي ذهب إليه ابن تيمية ﵀ تعقبه القاسمي بأنه كلامه فيه نظر فقال: \"فدعواه أن المأثور يوافق القرآن. فإنه ذهاب إلى أن الإلقاء إلقاء في الآيات. ولا تدل الآية عليه، لا مطابقة ولا التزاما\" (^٤).\nوالصواب أن الإلقاء كان في الآيات، لأن ﴿تَمَنَّى﴾ بمعنى: تلا وقرأ، والمعنى: ألقى الشيطان في كتاب الله الذي تلاه وقرأه، وليس كما يميل إليه القاسمي ﵀ من أن المراد بالتمني في الآية: حديث النفس، وأن المراد من الإلقاء: إلقاء الشيطان في سبيل النبي ﷺ العثرات، وبين مقصد النبي ﷺ العثرات (^٥).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى: ابن تيمية (١٠/ ٢٩١).\n(^٢) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (١٦/ ٦٠٦).\n(^٣) أخرج أقوالهم ابن جرير الطبري في تفسيره (١٦/ ٦٠٣ - ٦٠٨)، وأورد نحوا منها ابن كثير في تفسيره (٥/ ٤٣١ - ٤٣٣).\n(^٤) محاسن التأويل: القاسمي (١٢/ ٤٣٥٩).\n(^٥) انظر: محاسن التأويل: القاسمي (١٢/ ٤٣٦٨، ٤٣٦٩).","vol":"2","page":933},{"text":"فقد نقل ابن القيم ﵀ إجماع السلف كلهم على أن المعنى: إذا تلا ألقى الشيطان في تلاوته (^١).\nونسبه الحافظ البغوي ﵀ إلى أكثر المفسرين (^٢).\nويكون تقدير الكلام: وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تلا كتاب الله وقرأ أو حدّث وتكلم، ألقى الشيطان في كتاب الله الذي تلاه وقرأه، أو في حديثه الذي حدّث وتكلم (^٣).\nثانيًا: مدى صحة الروايات الواردة في قصة الغرانيق:\nقال ابن تيمية: \" وأما الذين قرروا ما نقل عن السلف، فقالوا: هذا منقول نقلا ثابتا لا يمكن القدح فيه وقالوا: الآثار في تفسير هذه الآية معروفة ثابتة في كتب التفسير والحديث\" (^٤).\nتعقبه القاسمي بأن قوله فيه نظر: لأن ما روي في قصة الغرانيق قد قدح فيه من لا يحصى من المتقدمين والمتأخرين (^٥).\nوهذا الذي ذهب إليه القاسمي ﵀ هو الصواب، وذلك من وجهين:\nالأول: من جهة الإسناد: فإن جميع ما وري عن جماعة من السلف مما تقدم ذكرهم في قصة الغرانيق من أن الشيطان ألقى في تلاوة النبي ﷺ على لسانه بأن يقول: \"تلك الغرانيق العلى، وشفاعتهن ترتجى\" مما لم يصح، إسناده، إما بإرسال، أو ضعف في بعض الرواة (^٦).\n_________\n(^١) انظر: إغاثة اللهفان: ابن القيم (١/ ١٥٩).\n(^٢) انظر: معالم التنزيل: البغوي (٥/ ٣٩٤)، وانظر: تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٥/ ٤٣٤).\n(^٣) انظر: نصب المجانيق: الألباني (ص: ٩).\n(^٤) مجموع الفتاوى: ابن تيمية (١٠/ ٢٩١).\n(^٥) محاسن التأويل: القاسمي (١٢/ ٤٣٥٩).\n(^٦) أورد هذه الروايات العلامة الألباني في كتابه نصب المجانيق (ص: ١٠) وما بعدها، وأطال الحديث في إثبات ضعفها، فأجاد وأفاد ﵀.","vol":"2","page":934},{"text":"الثاني: من جهة المعنى: فقد قامت الحجة وأجمعت الأمة على عصمته ﷺ، ونزاهته عن مثل هذه الرذيلة إما من تمنيه أن ينزل عليه مثل هذا من مدح آلهة غير الله وهو كفر أو يتسور عليه الشيطان ويشبه عليه القرآن حتى يجعل فيه ما ليس منه ويعتقد النبي ﷺ أن من القرآن ما ليس منه حتى ينبهه جبريل ﵇ وذلك كله ممتنع في حقه ﷺ (^١).\nثالثًا: في مدى اعتراف ابن تيمية ﵀ في تقدير ثبوت قصة الغرانيق:\nقال ابن تيمية: \"في الآية قولان والمأثور عن السلف يوافق القرآن بذلك. والذين منعوا ذلك من المتأخرين طعنوا فيما ينقل من الزيادة في سورة النجم بقوله (تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى) وقالوا: إن هذا لم يثبت. ومن علم أنه ثبت قال: هذا ألقاه الشيطان في مسامعهم، ولم يلفظ به الرسول ﷺ. ولكن السؤال وارد على هذا التقدير أيضا\" (^٢).\nاحتج القاسمي ﵀ على ابن تيمية من أن ما ذهب إليه فيه نظر، فقال: \"اعترافه بأن السؤال وارد على تقدير ثبوتها، وإلقاء الشيطان ذلك في مسامعهم، مما يبرهن أن فيها مغامز تنبذها العقول، كما نبذتها صحة النقول\" (^٣).\nوهذا -والله أعلم- لا يدل على اعترافه بالتقدير والشك في ثبوتها، لأنه ذكر أن من المتأخرين من طعنوا في ثبوتها، وقولهم لا يُقدم ولا يُقارن بقول السلف على فرض صحته.\n\n•<span data-type='title' id=toc-793> النتيجة:</span>\nبعد ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني، من عدم ثبوث قصة الغرانيق سندا ومتنًا، وهو ما ذهب إليه القاسمي ﵀.\nوأن الصواب أن المراد من التمني في الآية: التلاوة، وأن الإلقاء كان في الآيات، وهو ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية بخلاف ما ذهب إليه القاسمي ﵀.\n_________\n(^١) انظر: الشفا: القاضي عياض (٢/ ٢٩٣)، وانظر: أحكام القرآن: ابن العربي (٣/ ٣٠٤ - ٣٠٦).\n(^٢) مجموع الفتاوى: ابن تيمية (١٠/ ٢٩١).\n(^٣) محاسن التأويل: القاسمي (١٢/ ٤٣٦٠).","vol":"2","page":935},{"text":"سورة المؤمنون","vol":"2","page":936},{"text":"<span data-type='title' id=toc-794>سورة المؤمنون</span>\n<span data-type='title' id=toc-795>١٥٩ - قوله تعالى: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾ [سورة المؤمنون: ٦٣].</span>\nقال القاسمي: أغرب الإمام أبو مسلم الأصفهاني فيما نقله عنه الرازي، فذهب إلى أن قوله تعالى: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا﴾ … إلى آخر الآية، من تتمة صفات المؤمنين المشفقين. كأنه سبحانه قال بعد وصفهم ولا نكلف نفسا إلا وسعها ونهايته ما أتى به هؤلاء المشفقون، ولدينا كتاب يحفظ أعمالهم ينطق بالحق وهم لا يظلمون. بل نوفر عليهم ثواب كل أعمالهم، ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا﴾ هو أيضا وصف لهم بالحيرة كأنه قال: وهم مع ذلك الوجل والخوف كالمتحيرين في جعل أعمالهم مقبولة أو مردودة، ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ﴾. أي لهم أيضا من النوافل ووجوه البر سوى ما هم عليه. إما أعمالا قد عملوها في الماضي أو سيعملونها في المستقبل (^١).\nوبعد فإن نظم الآية الكريمة يحتمل لذلك. ولكن لم يرد وصف الغمرة في حق المؤمنين أصلا بل لم يوصف بها إلا قلوب المجرمين، كما تراه في الآيات أولا. فالذوق الصحيح ورعاية نظائر الآيات، يأبى ما أغرب به أبو مسلم أشد الإباء. والله أعلم (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-796> أقوال أهل العلم في القوم الذين وصفهم الله في قوله: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا﴾:</span>\nالقول الأول: أن الذين وصفهم الله تعالى في قوله: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا﴾ هم المشركون.\n_________\n(^١) مفاتيح الغيب: الرازي (٢٣/ ٢٨٥).\n(^٢) محاسن التأويل: القاسمي (١٢/ ٤٤٠٦).","vol":"2","page":937},{"text":"القول الثاني: أن الذين وصفهم الله تعالى في قوله: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا﴾ هم المؤمنون.\nأصحاب القول الأول:\nالزمخشري: \"بل قلوب الكفرة في غفلة غامرة لها ﴿مِنْ هَذَا﴾ أي: مما عليه هؤلاء الموصوفون من المؤمنين\" (^١).\nالبيضاوي: \" ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ﴾ قلوب الكفرة. ﴿فِي غَمْرَةٍ﴾ في غفلة غامرة لها\" (^٢).\nابن كثير: \"قال منكرا على الكفار والمشركين من قريش: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ﴾ أي: غفلة وضلالة\" (^٣).\nالشوكاني: \" ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا﴾ والضمير للكفار، أي: بل قلوب الكفار في غمرة لها عن هذا الكتاب الذي ينطق بالحق\" (^٤).\nأصحاب القول الثاني:\nالرازي: \"وقول أبي مسلم أولى لأنه إذا أمكن رد الكلام إلى ما يتصل به من ذكر المشفقين، كان أولى من رده إلى ما بعد منه، وقد يوصف المرء لشدة فكره في أمر آخرته، بأن قلبه في غمرة، ويراد أنه قد استولى عليه الفكر في قبول عمله أو رده، وفي أنه هل أداه كما يجب أو قصر\" (^٥).\nالنيسابوري: \"قوله ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا﴾ فيه طريقان: أحدهما راجع إلى الكفار والمعنى بل قلوب الكفار في غفلة غامرة لها من هذا الذي بيناه في القرآن، أو من هذا\n_________\n(^١) الكشاف: الزمخشري (٣/ ١٩٣).\n(^٢) أنوار التنزيل: البيضاوي (٤٥/ ٩١)، وانظر: مدارك التنزيل: النسفي (٢/ ٤٧٣).\n(^٣) تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٥/ ٤٦٦).\n(^٤) فتح القدير: الشوكاني (٣/ ٥٧٩).\n(^٥) مفاتيح الغيب: الرازي (٢٣/ ٢٨٥).","vol":"2","page":938},{"text":"الذي ينطق بالحق أو الذي عليه هؤلاء المؤمنون\" (^١).\nما أورده بعض من المفسرين: أن المراد من قوله تعالى: ﴿فِي غَمْرَةٍ﴾ أي: مغمورة بالإشفاق مع هذه الخصال الحسنة (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-797> دراسة المسألة:</span>\nبعد التتبع والنظر في أقوال أهل العلم وما ذكره المفسرون في تفسير الآية، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن المراد بالذين وصفهم الله في قوله: في قوله تعالى: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا﴾ هم المشركون، وذلك من أوجه:\nالأول: من حيث الظاهر من معنى الآية: فالمراد من الغمرة: معظم الماء، ثم استعيرت للجهل. ومنه قوله تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ﴾ [سورة المؤمنون: ٥٤] أي جهلهم. وقيل: في حيرتهم. وقيل: في عمايتهم، وكلها متقاربة فقوله تعالى: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ﴾ أي: في غطاء وغفلة. ورجل غمر، أي جاهل، كأن عقله غُمر بالجهل (^٣)، وهذا لا يكون إلا في وصف الكفار.\nالثاني: أن الله أخبر في الآية أن من صفات القوم أنهم: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ﴾ والمفسرون وأصحاب المعاني مجمعون على أن هذا إخبار عما سيعملونه من أعمالهم الخبيثة التي كتبت عليهم لا بد لهم أن يعملوها (^٤)، وهذا لا شك أنه في وصف المشركين.\nالثالث: من حيث البلاغة: فإنه ورد في الآية لفظ: (بل) وهو حرف إضراب إذا تلاها جملة، ثم تارة تكون بمعنى الإضراب للإبطال لما قبلها، وتارة تكون بمعنى الانتقال من غرض\n_________\n(^١) غرائب القرآن: النيسابوري (٥/ ١٢٧).\n(^٢) انظر: غرائب التفسير: الكرماني (٢/ ٧٨٠)، وانظر: لباب التفاسير: الكرماني (ص: ١٦٤٣)، وانظر: الكتاب الفريد: المنتجب الهمذاني (٤/ ٦١٢).\n(^٣) انظر: جامع البيان: الطبري (١٧/ ٧٣)، وانظر: عمدة الحفاظ: السمين الحلبي (٣/ ١٧٣)، وانظر: فتح القدير: الشوكاني (٣/ ٥٧٩).\n(^٤) نقل هذا الإجماع الواحدي في البسيط (١٦/ ١٨)، وانظر: فتح القدير: الشوكاني (٣/ ٥٧٩).","vol":"2","page":939},{"text":"لآخر، نحو قوله تعالى: ﴿وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٦٢) بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا﴾، فما قبل «بل» فيه على حاله، وكذا قوله تعالى: ﴿(١٣) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [سورة الأعلى: ١٦] (^١).\nوجاء أيضًا في الآية لفظ: ﴿دُونِ﴾ وهو يدل على المخالفة لأحوال المؤمنين، أي ليسوا أهلا للتحلي بمثل تلك المكارم (^٢).\nالرابع: نظائر الآية التي دلت على أن المراد بالذين في قلوبهم غمرة: المشركون، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾ أي المكذبون ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾ [سورة الذاريات: ١١] أي: الجهالة التي غمر قلوبهم - أي: غطاها، وغشاها، كغمرة الماء، وغمرة الموت؛ فغمرات - ما غطاها من جهل، أو هوى، أو سكر، أو غفلة، أو حب، أو بغض، أو خوف، أو هم وغم، ونحو ذلك. قال تعالى: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا﴾؛ أي: غفلة، وقيل: جهالة (^٣).\nالخامس: أن جماعة من السلف ذهبوا إلى أن الذين وصفهم الله في قوله: في قوله تعالى: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا﴾ هم المشركون.\nومن ذلك ما روي عن مقاتل أن قال: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ﴾ يعني الكفار ﴿فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا﴾ يقول في غفلة من إيمان بهذا القرآن (^٤)، وبنحو هذا ذهب عبد الرزاق بن همام الصنعاني (^٥)، وقتادة (^٦).\n_________\n(^١) انظر: الزيادة والإحسان: ابن عقيلة المكي (٨/ ٧٩)، وانظر: التحرير والتنوير: ابن عاشور (٣٠/ ٢٨٩).\n(^٢) انظر: التحرير والتنوير: ابن عاشور (١٨/ ٨٠).\n(^٣) انظر: التبيان في أيمان القرآن: ابن القيم (١/ ٤٣٨).\n(^٤) تفسير مقاتل بن سليمان (٣/ ١٦٠).\n(^٥) انظر: تفسير عبد الرزاق (٢/ ٤١٨)\n(^٦) انظر: غريب القرآن: ابن قتيبة (ص: ٢٩٨)، وانظر: معاني القرآن: النحاس (٤/ ٤٧٢).","vol":"2","page":940},{"text":"وكذا ما روي في سياق الآيات في قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ﴾ أي: سيئة ﴿مِنْ دُونِ ذَلِكَ﴾، يعني: الشرك، ﴿هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾ قال: لا بد أن يعملوها. كذا روي عن مجاهد، والحسن، وغير واحد (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-798> النتيجة:</span>\nبعد ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول، من أن الذين وصفهم الله تعالى في قوله: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا﴾ هم المشركون، لما تقدم إيراده من الأوجه الدالة على ذلك، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٥/ ٤٦٧)، وانظر: الدر المنثور: السيوطي (٦/ ١٠٧).","vol":"2","page":941},{"text":"سورة النور","vol":"2","page":942},{"text":"<span data-type='title' id=toc-799>سورة النور</span>\n<span data-type='title' id=toc-800>١٦٠ - قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [سورة النور: ٣٠].</span>\nأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية: كل شيء في القرآن من (حفظ الفرج) فهو من الزنى، إلا هذه الآية والتي بعدها، فهو أن لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا المرأة إلى عورة المرأة (^١).\nقال القاسمي: وليس بمتعين. وعليه فيكون النهي عن الزنى يعلم منه بطريق الأولى. أو الحفظ عن الإبداء يستلزم الحفظ عن الإفضاء (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-801> أقوال أهل العلم في المراد من حفظ الفروج في قوله تعالى: ﴿وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾</span> (^٣):\nالقول الأول: أن المراد: حفظها عن الإفضاء إلى الزنى.\nالقول الثاني: أن المراد: حفظها عن الإبداء.\nأصحاب القول الأول:\nسعيد بن جبير: \" ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ يعنى يحفظوا من أبصارهم، فمن هنا صلة في الكلام، يعنى: قل للمؤمنين يحفظوا أبصارهم عما لا يحل لهم النظر إليه\"، وبنحو ذلك روي عن قتادة، ومقاتل (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (١٧/ ٢٥٥)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٨/ ٢٥٧١)، برقم: (١٤٣٧٩)، وأورده البغوي في معالم التنزيل (٦/ ٣٢). وأورده ابن الجوزي في زاد المسير (٣/ ٢٨٩)، والزمخشري في الكشاف (٣/ ٢٢٩) عن ابن زيد.\n(^٢) محاسن التأويل: القاسمي (١٢/ ٤٥٠٥).\n(^٣) أشار بنحو هذا الخلاف الماوردي في النكت والعيون (٤/ ٨٩).\n(^٤) أخرج أقوالهم ابن أبي حاتم في تفسيره (٨/ ٢٥٧١، ٢٥٧٢)، وأورد نحوا منها السيوطي في الدر المنثور (٦/ ١٧٦).","vol":"2","page":943},{"text":"ابن عطية: \"وحفظ الفرج يحتمل: في الزنى. ويحتمل أن يريد: بستر العورة، والأظهر أن الجميع مراد واللفظ عام\" (^١).\nابن العربي: \" قوله: ﴿وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ يعني به العفة، وهو اجتناب ما نهى الله عنه فيها \" (^٢).\nابن الفرس: \" ﴿وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ فيه تأويلان أحدهما: أن يريد ترك الزنا. والثاني: أن يريد ستر العورة. والأحسن في هذا أن يقال إن اللفظ عام لهما فيحمل على عمومه\" (^٣).\nأصحاب القول الثاني:\nالشافعي: \" كل شيء من حفظ الفرج في كتاب اللَّه، فهو من الزنا إلا هذه الآية، فإنها من النظر\" (^٤).\nالطبري: \" ﴿وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ أن يراها من لا يحل له رؤيتها، بلبس ما يسترها عن أبصارهم\" (^٥).\nمكي بن أبي طالب: \" ﴿وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾، أن يراها من لا يحل له أن يراها، أي يلبسوا ما يسترها عن أبصارهم\" (^٦).\nأبو حفص النسفي: \" ﴿وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾؛ أي: يستروها عن أن يراها من لا يحل له رؤيتها. وقيل: أي: يحفظوها عن أن يواقعوا بها محرما. والأول أشبه؛ لأن الآية فيما يحل النظر إليه وما لا يحل\" (^٧).\n_________\n(^١) المحرر الوجيز: ابن عطية (٧/ ٢٠٦)، وانظر: الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (١٥/ ٢٠٤).\n(^٢) أحكام القرآن: ابن العربي (٣/ ٣٧٨).\n(^٣) أحكام القرآن: ابن الفرس (٣/ ٣٦٤).\n(^٤) تفسير الإمام الشافعي (٣/ ١١٣٧).\n(^٥) جامع البيان: الطبري (١٧/ ٢٥٤).\n(^٦) الهداية: مكي بن أبي طالب (٨/ ٥٠٦٤).\n(^٧) التيسير في التفسير: أبو حفص النسفي (١١/ ١٢١).","vol":"2","page":944},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-802> دراسة المسألة:</span>\nبعد ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم، واستقراء ما ذكره المفسرون في هذه المسألة، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول، من أن قوله تعالى: ﴿وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ فيه دلالة على تحريم الزنى، وأن الآية عامة في كل مالا يحل، وهو الذي عليه أكثر المفسرين (^١) وذلك من أوجه:\nالأول: أن سبب ذكر الأمر بحفظ الفرج بعد الأمر بغض البصر هو أن إطلاق البصر ذريعة إلى الوقوع في فاحشة الزنى، فذكر سبحانه في الآية أول الحال -وهو غض البصر- وآخر الحال -وهو حفظ الفرج- ليمتنع المؤمنين عن كل ذلك، ونظير ذلك قوله: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾: ذكر أول الحال وآخرها (^٢).\nولا يمتنع أن يكون المؤمن مأمورا بغض البصر وحفظ الفرج من النظر ومن الزنا وغيره من الأمور المحظورة وعلى أنه إن كان المراد حظر النظر فلا محالة أن اللمس والوطء مرادان بالآية من باب أولى، إذ هما أغلظ من النظر، كما أن قوله: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ قد اقتضى حظر ما فوق ذلك من السب والضرب (^٣).\nالثاني: أن لهذه الآية نظائر: فقوله ﷿: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [سورة التحريم: ١٢] إخبار عنها بإحصانها لفرجها، وذلك بالأسباب، وهي ما اتخذت بين نفسها وبين الناس حجابا؛ لئلا يقع بصر الناس عليها، ولا يقع بصرها عليهم لتصل به إلى تحصين فرجها؛ كما قال سبحانه: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾، وهم إذا غضوا الأبصار، وصلوا إلى حفظ الفروج؛ ففي الحجاب غض البصر، وفي غض البصر\n_________\n(^١) نص على هذا الثعلبي في الكشف والبيان (١٩/ ١٤٢)، والواحدي في البسيط (١٦/ ١٩٨)، وابن الجوزي في زاد المسير (٣/ ٢٨٩).\n(^٢) انظر: تأويلات أهل السنة: الماتريدي (٧/ ٢٩).\n(^٣) انظر: أحكام القرآن: الجصاص (٥/ ١٧٢)، وانظر: مفاتيح الغيب: الرازي (٢٣/ ٣٦٣).","vol":"2","page":945},{"text":"وصول إلى حفظ الفرج وإحصانه (^١).\nالثالث: مما يدل على أن المراد من حفظ الفروج في الآية: حفظها من الإفضاء إلى الزنى، أن الله تعالى لم يقل: ويحفظوا من فروجهم كما قال: ﴿يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ وذلك لأن الأمر بغض البصر في الآية في غاية العسر، فجاءت (من) التبعيضية تشير إلى الرخصة في النظرة الأولى، وأن المأخوذ به إنما هو التمادي، بخلاف حفظ الفروج فإنه قال: ﴿وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ فحذفت «من» لقصد العموم، أي عن كل حرام مما لا رخصة فيه من كشف، أو زنى، أو لواط، وغير ذلك، والعياذ بالله (^٢).\nتنبيه:\nما ذهب إليه أبي العالية وابن زيد من أن كل شيء في القرآن من (حفظ الفرج) فهو من الزنى، إلا هذه الآية والتي بعدها، فهو أن لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا المرأة إلى عورة المرأة، قد تعقبه غير واحد من أهل العلم إما بوصفه أنه تخصيص بلا دلالة، أو لا وجه لهذا التخصيص، أو أنه ضعيف، أو لا يتعين، ونحو ذلك (^٣).\n\n•<span data-type='title' id=toc-803> النتيجة:</span>\nيتبين من خلال ما تقدم ذكره من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن المراد من حفظ الفروج في قوله تعالى: ﴿وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ حفظها عن الإفضاء إلى الزنى، لما تقدم إيراده من الأوجه الدالة على ذلك، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: تأويلات أهل السنة: الماتريدي (١٠/ ٩٩).\n(^٢) انظر: مدارك التنزيل: النسفي (٢/ ٤٩٩)، وانظر: نظم الدرر: البقاعي (١٣/ ٢٥٤).\n(^٣) انظر: أحكام القرآن: الجصاص (٥/ ١٧٢)، وانظر: المحرر الوجيز ابن عطية (٧/ ٢٠٦)، وانظر: مفاتيح الغيب: الرازي (٢٣/ ٣٦٣)، وانظر: البحر المحيط: أبو حيان (١٦/ ٦٤)، وانظر: اللباب: ابن عادل الحنبلي (١٤/ ٣٥٤).","vol":"2","page":946},{"text":"<span data-type='title' id=toc-804>١٦١ - قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ الآية [سورة النور: ٦١].</span>\nقال القاسمي: أي في القعود عن الغزو، لضعفهم وعجزهم، وهذه الآية كالتي في سورة الفتح وكآية براءة ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى﴾ الآية [سورة التوبة: ٩١]، وهذا ما ذهب إليه عطاء وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم. وزَعْمُ أنه لا يلائم ما قبله ولا ما بعده، مردود بأن المراد أن كلّا من الطائفتين منفيّ عنه الحرج (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-805> أقوال أهل العلم في المراد من الحرج المنفي في آية النور: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾</span> (^٢):\nالقول الأول: أن الحرج المنفي عن الأعمى والأعرج والمريض هو الغزو والجهاد في سبيل الله.\nالقول الثاني: أن الحرج المنفي عن الأعمى والأعرج والمريض هو المؤاكلة معهم في مجلس واحد (^٣)، أو أن يأكلوا من البيوت التي استُخلفوا عليها أثناء خروج المسلمين للغزو.\nأصحاب القول الأول:\nالحسن البصري: \" ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج في التخلف عن الجهاد في سبيل الله\"، وبنحو ذلك روي عن ابن زيد، وعطاء، وزيد بن أسلم (^٤).\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (١٢/ ٤٥٥١).\n(^٢) أشار إلى هذا الخلاف الماوردي في النكت والعيون (١/ ١٢٣)، وابن الجوزي في زاد المسير (٣/ ٣٠٧).\n(^٣) يعني أن بعض الصحابة كانوا يتحرجون من مؤاكلة الأعمى؛ يَقُولُونَ: لأَنَّنا إِذَا أكلنا معه ربما أكلنا الجيد وتركنا الرديء، ومن جهة أُخْرَى الأعمى أيضًا يتحرج من الأكل مع البصير؛ لأنَّه يَقُول: إِذَا أكلت مع البصير أخاف أن آكل أكثر منه. ينظر: تفسير القرآن الكريم (سورة النور): العثيمين (ص: ٤٠٦).\n(^٤) أخرجه نحوا من أقوالهم ابن جرير الطبري في تفسيره (١٧/ ٣٦٩)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٨/ ٢٦٤٤) برقم: (١٤٨٦٤)، وأوردها الثعلبي في الكشف والبيان (١٩/ ٣٢٨)، والواحدي في البسيط (١٦/ ٣٧٢)، والبغوي في معالم التنزيل (٦/ ٦٤).","vol":"2","page":947},{"text":"الزمخشري: \"ليس على هؤلاء الضعفاء حرج فيما تحرجوا عنه، ولا عليكم أن تأكلوا من هذه البيوت، وهذا كلام صحيح، وكذلك إذا فسر بأن هؤلاء ليس عليهم حرج في القعود عن الغزو، ولا عليكم أن تأكلوا من البيوت المذكورة، لالتقاء الطائفتين في أن كل واحدة منهما منفي عنها الحرج\" (^١).\nالسيوطي: \"والصواب أن يقال: إن الحرج مرفوع عن هؤلاء الثلاثة في كل ما يمنعهم منه أعذارهم من الجهاد وغيره\" (^٢).\nالسعدي: \"أي: ليس على هؤلاء جناح، في ترك الأمور الواجبة، التي تتوقف على واحد منها، وذلك كالجهاد ونحوه، مما يتوقف على بصر الأعمى، أو سلامة الأعرج، أو صحة للمريض\" (^٣).\nأصحاب القول الثاني:\nابن عباس ﵁: \" لما أنزل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [سورة النساء: ٢٩]، قال المسلمون: إن الله قد نهانا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل، والطعام من أفضل الأموال، فلا يحل لأحد منا أن يأكل عند أحد. فكف الناس عن ذلك، فأنزل الله بعد ذلك: ﴿ليس على الأعمى حرج﴾، وبنحو ذلك روي عن الضحاك، ومجاهد، وقتادة (^٤)، من أن المراد: نفي الحرج عن المؤاكلة مع الأعمى والأعرج.\nالطبري: \" وأشبه الأقوال التي ذكرنا في تأويل قوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾ القول الذي ذكرنا عن الزهري -يعني: نفي الحرج عن الأعمى والأعرج والمريض أن يأكلوا من البيوت التي استُخلفوا عليها أثناء الغزو-\" (^٥).\n_________\n(^١) الكشاف: الزمخشري (٣/ ٢٥٦).\n(^٢) معترك الأقران: السيوطي (٢/ ٢٧٩).\n(^٣) تيسير الكريم الرحمن: السعدي (ص: ٥٧٥).\n(^٤) أخرج أقوالهم ابن جرير الطبري في تفسيره (١٧/ ٣٦٦ - ٣٦٨)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٨/ ٢٦٤٤).\n(^٥) جامع البيان: الطبري (١٧/ ٣٧١).","vol":"2","page":948},{"text":"النحاس: \"وهذا القول - يعني: نفي الحرج عن الأعمى والأعرج والمريض أن يأكلوا من البيوت التي استُخلفوا عليها أثناء الغزو - من أجل ما روي في الآية لما فيه عن الصحابة والتابعين من التوقيف أن الآية نزلت في شيء بعينه فيكون التقدير على هذا ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ولا عليكم أن تأكلوا\" (^١).\nالبيضاوي: \"وقيل نفي للحرج عنهم في القعود عن الجهاد وهو لا يلائم ما قبله ولا ما بعده\" (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-806> دراسة المسألة:</span>\nبعد التتبع والنظر في أقوال أهل العلم وما ذكره المفسرون في هذه المسألة، يتبين أن الصواب هو ما عليه أصحاب القول الثاني من أن آية نفي الحرج في سورة النور وهي قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾ ليست على عمومها لتشمل نفي الحرج عن الغزو، وإنما هي خاصة في نفي الحرج عن مؤاكلة الأعمى والأعرج والمريض، وهو الذي عليه الأكثرون (^٣)، أو لنفي الحرج عن الأعمى والأعرج والمريض بأن يأكلوا من البيوت التي استُخلفوا عليها، وذلك من أوجه:\nالأول: ما جاء في سبب نزول الآية الذي يدل على ذلك: فقد روى ابن جرير الطبري في تفسيره بسنده عن معمر، قال: قلت للزهري، في قوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾: ما بال الأعمى ذكر هاهنا والأعرج والمريض؟ فقال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله \" أن المسلمين كانوا إذا غزوا خلفوا زمناهم، وكانوا يدفعون إليهم مفاتيح أبوابهم يقولون: قد أحللنا لكم أن تأكلوا مما في بيوتنا وكانوا يتحرجون من ذلك، يقولون: لا ندخلها وهي غيب. فأنزلت هذه الآية رخصة لهم\" (^٤).\n_________\n(^١) الناسخ والمنسوخ: النحاس (ص: ٦٠٢)، وانظر: نيل المرام: القنوجي (ص: ٤٠٩).\n(^٢) أنوار التنزيل: البيضاوي (٤/ ١١٥).\n(^٣) نص على هذا الرازي في مفاتيح الغيب (٢٤/ ٤٢١).\n(^٤) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (١٧/ ٣٦٨)، وانظر: الصحيح المسند من أسباب النزول: الوادعي (ص: ١٥٢).","vol":"2","page":949},{"text":"وغير ذلك مما روي في سبب نزول الآية مما يؤيد بأن المراد من نفي الحرج عن الأعمى والأعرج والمريض، هو الترخيص لهم من الأكل من بيوت من سمى الله في هذه الآية، أو في المسلمين الذين كانوا يتقون أن يأكلوا مع الأعمى والأعرج، ونحو ذلك (^١).\nالثاني: من حيث السياق: فسياق الآية في نفي الحرج عن الأعمى والأعرج والمريض، ونفي الحرج عن الناس عمومًا من الأكل في بيوتهم، أو بيوت آبائهم، أو من بيوت أمهاتهم، أو من بيوت إخوانهم، أو من بيوت أخواتهم، أو من بيوت أعمامهم، أو من بيوت عماتهم، أو من بيوت أخوالهم، أو من بيوت خالاتهم، أو من البيوت التي ملكوا مفاتحها، أو من بيوت أصدقائهم، إذا أذنوا لهم في ذلك، عند مغيبهم ومشهدهم (^٢). ولا علاقة بنفي الحرج في الغزو من خلال هذا السياق.\nالثالث: أن قوله تعالى في الآية: ﴿أَنْ تَأْكُلُوا﴾ خبر «ليس» و«أن» في موضع نصب على أنها خبر لها، فهي متعلقة بـ «ليس» فمعلوم بذلك أن معنى الكلام: ليس على الأعمى حرج أن يأكل من بيته، وليس أن يغزوا (^٣).\nالرابع: من حيث مناسبة الآية لما قبلها: فلما أتم سبحانه ما ذكر من حرمات البيوت المستلزمة لصيانة الأبضاع في قوله تعالى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ [سورة النور: ٦٠] على وجه يلزم منه إحراز الأموال، أتبعه ما يباح من ذلك للأكل الذي هو من أجلّ مقاصد الأموال اجتماعًا وانفرادًا، فقال في جواب من كأنه سأل: هل هذا التحجير في البيوت سارٍ في الأقارب وغيرهم في جميع الأحوال؟: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾ أي في مؤاكلة غيره وما\n_________\n(^١) انظر: جامع البيان: الطبري (١٧/ ٣٦٨ - ٣٧٠)، وانظر: الكشف والبيان: الثعلبي (١٩/ ٣٢٤ - ٣٢٨)، وانظر: أسباب النزول: الواحدي (ص: ٣٣٩، ٣٤٠)، وانظر: معالم التنزيل: البغوي (٦/ ٦٣)، وانظر: أحكام القرآن: ابن العربي (٣/ ٤٢٠)، وانظر: تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٥/ ٥٦٨).\n(^٢) انظر: جامع البيان: الطبري (١٧/ ٣٧١).\n(^٣) انظر: جامع البيان: الطبري (١٧/ ٣٧١).","vol":"2","page":950},{"text":"يأتي من الأحكام (^١)، وبهذا يتبين أن مناسبة الآية لما قبلها تتفق مع المراد من نفي الحرج عن مؤاكلة الأعمى والأعرج والمريض، وليس نفي الحرج في الغزو.\nتنبيه:\nقول من قال بأن المراد من نفي الحرج في الآية: نفي الحرج في الغزو والجهاد في سبيل الله، قد تعقبه غير واحد من أهل العلم، إما بوصفه أنه لا وجه له، أو أنه ضعيف (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-807> النتيجة:</span>\nبعد ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني من أن الحرج المنفي عن الأعمى والأعرج والمريض هو المؤاكلة معهم في مجلس واحد، أو أن يأكلوا من البيوت التي استُخلفوا عليها أثناء خروج المسلمين للغزو، وليس نفي الحرج عن الجهاد والغزو، خلافًا لما ذهب إليه القاسمي ﵀، لما تقدم إيراده من الأوجه الدالة على ذلك، الله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) انظر: نظم الدرر: البقاعي (١٣/ ٣١٥).\n(^٢) انظر: جامع البيان: الطبري (١٧/ ٣٧١)، وانظر: مفاتيح الغيب: الرازي (٢٤/ ٤٢١).","vol":"2","page":951},{"text":"سورة القصص","vol":"2","page":952},{"text":"<span data-type='title' id=toc-808>سورة القصص</span>\n<span data-type='title' id=toc-809>١٦٢ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [سورة القصص: ٨٨].</span>\nقال ابن كثير: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾: إخبار بأنه الدائم الباقي الحي القيوم، الذي تموت الخلائق ولا يموت، كما قال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [سورة الرحمن: ٢٧]، فعبر بالوجه عن الذات، وهكذا قوله ههنا: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ أي: إلا إياه.\nوقال مجاهد والثوري في قوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ أي: إلا ما أريد به وجهه.\nوهذا القول لا ينافي القول الأول، فإن هذا إخبار عن كل الأعمال، بأنها باطلة إلا ما أريد به وجه الله تعالى من الأعمال الصالحة المطابقة للشريعة (^١).\nقال القاسمي: وفيه بعد وتكلف يذهب رونق النظم، وماء الفصاحة. لا سيما وآي التنزيل يفسر بعضها بعضا. والآية الثانية التي ذكرناها بمعنى هذه. وتلك لا تحتمل ذاك المعنى، فكذا هذه (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-810> أقوال أهل العلم في المراد من قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾</span> (^٣):\nالقول الأول: أن المراد: الإخبار بأن كل شي يزول ويهلك، إلا ذاته جل وعز.\nالقول الثاني: المراد: كل شيء هالك إلا ما أريد به وجهه.\n_________\n(^١) تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٦/ ٤٥، ٤٦)، بتصرف.\n(^٢) محاسن التأويل: القاسمي (١٣/ ٤٧٣٣، ٤٧٣٤).\n(^٣) أشار إلى هذا الخلاف الطبري في جامع البيان (١٨/ ٣٥٣)، والماوردي في النكت والعيون (٣٤/ ٢٧٢)، وابن الجوزي في زاد المسير (٣/ ٣٩٧).","vol":"2","page":953},{"text":"أصحاب القول الأول:\nمقاتل: \" استثنى نفسه- ﷻ بأنه- تعالى- حي دائم لا يموت فقال- ﷻ: «إلا وجهه» يعني إلا هو\"، وبنحو ذلك روي عن يحيى بن سلام، والضحاك (^١).\nابن قتيبة: \" ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ أي: إلا هو\" (^٢).\nالزجاج: \"ومعنى ﴿إِلَّا وَجْهَهُ﴾ إلا إياه\" (^٣).\nمكي بن أبي طالب: \" ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾، أي إلا إياه\" (^٤).\nأصحاب القول الثاني:\nمجاهد: \" ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ قال: إلا ما أريد به وجهه\"، وبنحو ذلك روي عن سفيان الثوري، وأبي العالية (^٥).\nالجصاص: \" ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ يعني ما كان لرضاه وإرادته\" (^٦).\nالسمرقندي: \" ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ يعني: كل عمل هالك لا ثواب له إلا ما يراد به وجه الله ﷿\" (^٧).\nالقشيري: \" ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ كلّ عمل باطل إلا ما كان لوجه الله وللتقرب به إلى الله\" (^٨).\n_________\n(^١) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان (٣/ ٣٦٠)، وانظر: تفسير يحيى بن سلام (٢/ ٦١٤)، وانظر: الكشف والبيان: الثعلبي (٢٠/ ٥٢٤)، وانظر: النكت والعيون: الماوردي (٤/ ٢٧٣).\n(^٢) تأويل مشكل القرآن: ابن قتيبة (ص: ١٥٩).\n(^٣) معاني القرآن: الزجاج (٤/ ١٥٨).\n(^٤) الهداية: مكي بن أبي طالب (٨/ ٥٥٨٨).\n(^٥) أخرج نحوا من أقوالهم ابن أبي حاتم في تفسيره (٩/ ٣٠٢٨)، وانظر: الكشف والبيان: الثعلبي (٢٠/ ٥٢٢).\n(^٦) أحكام القرآن: الجصاص (١/ ٧٧).\n(^٧) بحر العلوم: السمرقندي (٢/ ٦٢٣).\n(^٨) لطائف الإشارات: القشيري (٣/ ٨٤).","vol":"2","page":954},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-811> دراسة المسألة:</span>\nمن خلال استقراء ما ذكره أهل العلم في تفسير قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾، يتبين أن الصواب من أقوالهم ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن المراد: الإخبار بأن كل شي يزول ويهلك، إلا ذاته ﷿، وذلك من وجهين:\nالأول: الشواهد اللغوية التي تدل على جواز التعبير بالوجه عن الذات، كأن تقول: أكرم الله وجهه، وفلان وجه القوم، تريد بذلك ذاته (^١).\nوالعرب تستعملُ الوجه وهم يريدون نفسَ الشيء، إلا أنَّهم يذكرونه باللفظ الأشرف، كما قال: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ (^٢).\nالثاني: ما جاء في سبب نزول الآية: ومن ذلك ما روي عن ابن عباس ﵁ قال: لمّا أنزلت هذه الآية - يعني قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ - قالت الملائكة: هلك أهل الأرض فأنزل الله تعالى ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ فأيقنت الملائكة بالهلاك (^٣).\nوما روي عنه أيضًا في قوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]؛ قال: لما نزلت؛ قيل: يا رسول الله! فما بال الملائكة؟ فنزلت: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ (^٤).\nووجه الدلالة: أن إيقان الملائكة بالهلاك لا يُمكن حمله إلا في مقابلة بقاء الذات، وهي ذاته ﷿، إذ لا يستقيم أن يكون المراد من قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ بالنظر إلى ما جاء في سبب نزول الآية: ما أريد به وجه الله تعالى من الأعمال الصالحة، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: معاني القرآن: النحاس (٥/ ٢٠٨).\n(^٢) انظر: البسيط: الواحدي (٣/ ٢٤٧).\n(^٣) انظر: الكشف والبيان: الثعلبي (٢٥/ ٣٢٠).\n(^٤) انظر: الدر المنثور: السيوطي (٦/ ٤٤٧) ونسبه لابن مردويه، وانظر: الاستيعاب في بيان الأسباب: ابن حجر (٣/ ٤٠).","vol":"2","page":955},{"text":"الثالث: من حيث السياق: فسياق الآية يدل على أنه خطاب موجه إلى النبي ﷺ في الظاهر، لنهية عن دعاء غير الله تعالى والمقصود به إبطال الشرك وإظهار ضلال أهله، وجملة ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ علة لهذا النهي لأن هلاك الأشياء التي منها الأصنام وكل ما عبد مع الله وأشرك به دليل على انتفاء الإلهية عنها لأن الإلهية تنافي الهلاك وهو العدم، كأنه تعالى يقول: هذه الأصنام المعبودة من دون الله لا تبقى، والله تعالى هو الذي يبقى، فهو الذي يستحق أن يعبد، وعلى هذا يكون الوجه مستعمل في معنى الذات. والمعنى: كل موجود هالك إلا الله تعالى (^١).\nالرابع: مما يدل على عدم صحة قول من قال بأن المراد: كل شيء هالك إلا ما أريد به وجهه: أن الأعمال الصالحة ستفنى مع أصحابها، صالحةً كانت أم طالحة (^٢).\nتنبيهان:\nالأول: الآية فيها إثبات صفة الوجه لله تعالى على ما يليق بجلاله كما عليه أهل السنة والجماعة (^٣)، لا كما يزعم الرازي ومن معه من الأشاعرة من إنكار صفة الوجه لله تعالى، ويرمي أهل السنة بالمجسمة، لأنهم أثبتوا هذه الصفة على الحقيقة (^٤).\nالثاني: قول الحافظ ابن كثير ﵀ الذي تعقبه القاسمي من أن قول مجاهد والثوري بأن المراد: إلا ما أريد به وجهه، لا يُنافي القول بأن المراد: إلا إياه. له حظ من النظر، لأن هذا النوع هو من تفسير الشيء بلازمه، وهو من طرق التفسير التي كان عليها جماعة من السلف (^٥)، وهذا التفسير لا يُناقض الأصل في تفسير الآية، فكل شي هالك ولا يبقى إلا الله\n_________\n(^١) انظر: التحرير والتنزير: ابن عاشور (٢٠/ ١٩٦، ١٩٧)، وانظر: تفسير القرآن الكريم (سورة القصص): العثيمين (ص: ٤٠٦).\n(^٢) انظر: موسوعة الألباني في العقيدة (٦/ ٣٢٣).\n(^٣) انظر: نقض عثمان الدارمي على المريسي (٢/ ٧٠٥)، وانظر: الإبانة الكبرى: ابن بطة (٧/ ٢٦٧)، وانظر: العقيدة الواسطية: ابن تيمية (ص: ٦٦).\n(^٤) انظر: مفاتيح الغيب: الرازي (٢٥٢/ ٢٢)، وقد تقدم الحديث عن بطلان وصف أهل البدع لأهل السنة بالمجسمة في مسألة رقم: (٥) ص: (١٧٠)، ومسألة رقم: (٢٦) ص: (٢٨٤).\n(^٥) انظر: مقدمة في أصول التفسير: ابن تيمية (ص: ٤٥)، وانظر: تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (١/ ١٠).","vol":"2","page":956},{"text":"ﷻ، والأعمال الصالحة تبقى كذلك كما قال سبحانه: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾ [سورة مريم: ٧٦]، والله أعلم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-812> النتيجة:</span>\nمن خلال ما تقدم ذكره من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الأقرب للصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن المراد من قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ الإخبار بأن كل شي يزول ويهلك، إلا ذاته جل وعز، كما ذهب إلى هذا القاسمي ﵀، لما تقدم إيراده من الأوجه الدالة على ذلك.\nوأما ما تعقبه على قول الحافظ ابن كثير، ففيه نظر، والله أعلم.\n* * *","vol":"2","page":957},{"text":"سورة العنكبوت","vol":"2","page":958},{"text":"<span data-type='title' id=toc-813>سورة العنكبوت</span>\n<span data-type='title' id=toc-814>١٦٣ - قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [سورة العنكبوت: ٢٢].</span>\nقال القاسمي: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ أي: بالتواري في الأرض، ولا بالتحصن في السماء التي هي أفسح منها، لو استطعتم الرقي فيها. أو القلاع الذاهبة فيها. فيكون المراد بالسماء ما ارتفع. وقيل: المعنى (ولا من في السماء) فحذف اسم الموصول وهو مبتدأ محذوف الخبر. والتقدير (ولا من في السماء بمعجزه) والجملة معطوفة على جملة (أنتم بمعجزين) وفيه تكلف وضعف صناعي (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-815> أقوال أهل العلم في المراد من قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾</span> (^٢):\nالقول الأول: أن المراد: وما أنتم بمعجزين في الأرض، ولا في السماء لو كنتم فيها.\nالقول الثاني: أن المراد: وما أنتم بمعجرين في الأرض، ولا الذين في السماء بمعجزين.\nأصحاب القول الأول:\nمقاتل: \" ﴿وَمَا أَنْتُمْ﴾ يعني كفار مكة ﴿بِمُعْجِزِينَ﴾ يعني بسابقين الله- ﷿ فتفوتوه في الأرض كنتم ولا في السماء كنتم أينما كنتم حتى يجزيكم بأعمالكم السيئة\" (^٣).\nالنحاس: \"المعنى وما أنتم بمعجزين في الأرض ولو كنتم في السماء وخوطب الناس على ما يعرفون وهذا أولى والله أعلم\" (^٤).\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (١٣/ ٤٧٤٤).\n(^٢) أشار إلى هذا الخلاف الزجاج في معاني القرآن (٤/ ١٦٥)، وابن الجوزي في زاد المسير (٣/ ٤٠٤).\n(^٣) تفسير مقاتل بن سليمان (٣/ ٣٧٨).\n(^٤) معاني القرآن: النحاس (٥/ ٢١٨).","vol":"2","page":959},{"text":"السمرقندي: \" ﴿وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ يعني: إن كنتم في الأرض، ولا في السماء لا يقدرون أن يهربوا منه\" (^١).\nالرازي: \" ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ يعني بالهرب لو صعدتم إلى محل السِّمَاكِ في السماء أو هبطتم إلى موضع السُّمُوكِ في الماء لا تخرجون من قبضة قدرة الله\" (^٢).\nأصحاب القول الثاني:\nابن زيد: \" ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ لا يعجزه أهل الأرضين في الأرضين، ولا أهل السماوات في السماوات إن عصوه\" (^٣).\nالفراء: \" وكيف وصفهم أنهم لا يعجزون في الأرض ولا في السماء، وليسوا من أهل السماء؟ فالمعنى- والله أعلم- ما أنتم بمعجزين في الأرض ولا من في السماء بمعجز\" (^٤).\nابن قتيبة: \" ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ أي: ولا من في السماء بمعجزٍ\" (^٥).\nابن كثير: \"قوله: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ أي: لا يعجزه أحد من أهل سماواته وأرضه، بل هو القاهر فوق عباده، فكل شيء خائف منه فقير إليه، وهو الغني عما سواه\" (^٦).\n_________\n(^١) بحر العلوم: السمرقندي (٢/ ٦٩٢).\n(^٢) مفاتيح الغيب: الرازي (٢٥/ ٤٣).\n(^٣) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره، واختار هذا القول (١٨/ ٣٧٨).\n(^٤) معاني القرآن: الفراء (٢/ ٣١٥).\n(^٥) غريب القرآن: ابن قتيبة (ص: ٣٣٨)، وانظر: تأويل مشكل القرآن: ابن قتيبة (ص: ١٣٨).\n(^٦) تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٦/ ٥٤).","vol":"2","page":960},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-816> دراسة المسألة:</span>\nمن خلال ما تقدم ذكره من أقوال أهل العلم، واستقراء ما قيل في هذه المسألة، يتبين أن كُلا من الفريقين له ما يؤيده لما ذهب إليه، وبيان ذلك فيما يلي:\nأولا: أصحاب القول الأول الذين ذهبوا إلى أن المراد: وما أنتم بمعجزين في الأرض، ولا في السماء لو كنتم فيها. يؤيد ما ذهبوا إليه وجهين:\nالأول: أن المراد نفي الإعجاز من المخلوقين من باب التعجيز والتحدي: ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [سورة النساء: ٧٨]. فالمعنى: لا تعجزوننا هربا ولو كنتم في السماء (^١).\nفيكون معنى: ﴿وَمَا أَنْتُمْ﴾ يا أهل الأرض تعجزون الله هربا في الأرض، ولا في السماء لو صعدتم إلى السماء، ولا ينفعكم الهرب إليها، ويكون في معنى قوله: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [سورة الرحمن: ٣٣] (^٢).\nالثاني: الشواهد من اللغة التي تؤيد هذا المراد: كقولك: ما يفوتني فلان بالبصرة ولا هاهنا في بلدي وهو معك في البلد؛ أي: ولا بالبصرة لو صار إليها (^٣).\nونحوه قول الأعشى:\nأَئِنْ كُنْتَ في جُبٍ ثمانينَ قامَةً … وَرُقَّيتَ أَسبابَ السّماءِ بسُلَّمِ\nلَيَستدْرِجَنْكَ القَوْلُ حتى تَهِرَّهُ … وتعلَم أني لستُ عنك بِمحرمِ (^٤).\n_________\n(^١) انظر: الهداية: مكي بن أبي طالب (٩/ ٥٦١٥).\n(^٢) انظر: التيسير في علم التفسير: أبو حفص النسفي (١١/ ٤٩٣)، وانظر: الكشاف: الزمخشري (٣/ ٤٤٩).\n(^٣) انظر: الكشف والبيان: الثعلبي (٢١/ ٣١)، وانظر: تفسير القرآن: السمعاني (٤/ ١٧٥)، وانظر: معالم التنزيل: البغوي (٦/ ٢٣٧).\n(^٤) ديوان الأعشى الكبير: ميمون بن القيس (ص: ١٢٣)، وانظر: تهذيب اللغة: الأزهري (١٠/ ٣٤٠)، وانظر: لسان العرب: ابن منظور (٢/ ٢٦٨).","vol":"2","page":961},{"text":"والمعنى: أن الأعشى يخاطب بهذا الشعر عمير بن عبد الله بن المنذر بن عبدان، وهو من بني تغلب. يقول له: لا تعتصم من هجائي بشيْ. ولا يمكنك دفعه، وإن جعلت في قرر الأرض، وأصعد بك إلى السماء ليلحقك من هجائي ما لا تطيقه (^١).\nثانيًا: أصحاب القول الأول الذين ذهبوا إلى أن المراد: وما أنتم بمعجرين في الأرض، ولا الذين في السماء بمعجزين. يؤيد ما ذهبوا إليه وجهين:\nالأول: نظائر الآيات التي تدل على هذا المراد: ومن ذلك قوله تعالى: ﴿مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [سورة سبأ: ٣] (^٢).\nومن ذلك أيضا: أن التقدير في قوله تعالى: ﴿فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ أي: من في السماء بمعجزي الله. على حرف (من) مرة واحدة، كما قال: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ [سورة الصافات: ١٦٤] أي: إلا من له مقام (^٣).\nالثاني: الشواهد من اللغة التي تؤيد هذا المراد: ومن ذلك: قول حسان بن ثابت ﵁:\nأَمَنْ يَهْجُو رَسُولَ اللَّه مِنْكُمْ … ويَمْدَحُهُ ويَنْصُرَهُ سَوَاءُ (^٤)\nأراد: ومن ينصره ويمدحه، فأضمر (من). قال: وقد يقع في وهم السامع أن النصر والمدح لـ (من) هذه الظاهرة؛ ومثله في الكلام: أكرم من أتاك وأتى أباك، وأكرم من أتاك ولم يأت زيدا. تريد: ومن لم يأت زيدا، فيكتفي باختلاف الأفعال من إعادة (من)، كأنه قال: أمن يهجو، ومن يمدحه، ومن ينصره. ومنه قول الله ﷿: ﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ [سورة الرعد: ١٠] (^٥).\n_________\n(^١) انظر: شرح أبيات سيبويه: السيرافي (١/ ٤١).\n(^٢) انظر: جامع البيان: الطبري (١٨/ ٣٧٨).\n(^٣) انظر: الهداية: مكي بن أبي طالب (٩/ ٥٦١٤، ٥٦١٥).\n(^٤) تقدم إيراد هذا البيت في مسألة رقم: (١٣٤) ص: (٨٠٢).\n(^٥) انظر: جامع البيان: الطبري (١٨/ ٣٧٨)، وانظر: الكشف والبيان: الثعلبي (٢١/ ٣١)، وانظر: البسيط: الواحدي (١٧/ ٥٠٩، ٥١٠)، وانظر: الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (١٦/ ٣٥٢).","vol":"2","page":962},{"text":"وبهذا يتبين أن كُلا من الفريقين له ما يؤيده من نظائر الآيات، أو ما يشهد له من اللغة، ولا ما نع من حمل الآية على المعنيَيْن، إذ ليس في ظاهر المعنيَيْن التعارض، وإذا أمكن حمل الآية على المعنيَيْن والجمع بينهما، بأن يُقال: وما أنتم بمعجزين الله في الأرض ولا في السماء لو كنتم فيها، ولا من في السماء من الجن أو الملائكة بمعجز. حُملت على ذلك، قد تقدم تقرير القاعدة التي تدل على ذلك (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-817> النتيجة:</span>\nيتبين من خلال ما تقدم ذكره من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، أن الصواب بأن يُقال أن كُلا من المعنيَيْن محتمل، فيجوز أن يكون المراد: وما أنتم بمعجزين في الأرض، ولا في السماء لو كنتم فيها. ويجوز أن يكون المراد: وما أنتم بمعجرين في الأرض، ولا الذين في السماء بمعجزين، لما تقدم إيراده من الأوجه التي تؤيد كُلا من ذلك، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) انظر تقرير هذه القاعدة في مسألة (٨٧) ص: (٥٦٧).","vol":"2","page":963},{"text":"سورة الروم","vol":"2","page":964},{"text":"<span data-type='title' id=toc-818>سورة الروم</span>\n<span data-type='title' id=toc-819>١٦٤ - قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [سورة الروم: ٧].</span>\nقال ابن المنيِّر: في تنكير ﴿ظَاهِرًا﴾ تقليلا لمعلومهم. وتقليله يقربه من النفي. فيطابق المبدل منه (^١).\nقال القاسمي: التقليل هو الوحدة المشار لها بقول الزمخشري (وفي تنكير الظاهر أنهم لا يعلمون إلا ظاهرا واحدا، من جملة الظواهر) (^٢).\nأما قول أبي السعود: وتنكير ظاهرا للتحقير والتخسيس دون الوحدة كما توهم (^٣)، فغفلة عن مشاركتها للتعليل الذي به يطابق البدل المبدل منه. فافهم (^٤).\n\n•<span data-type='title' id=toc-820> أقوال أهل العلم في معنى تنكير لفظ: (ظاهرا) في قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا﴾:</span>\nالقول الأول: أن تنكير: ﴿ظَاهِرًا﴾ للتقليل، أي لا يعلمون إلا ظاهرا واحدا، من جملة الظواهر.\nالقول الثاني: أن تنكير: ﴿ظَاهِرًا﴾ للتحقير والتخسيس.\nأصحاب القول الأول:\nالنسفي: \"وتنكير الظاهر يفيد أنهم لا يعلمون إلا ظاهرا واحدا من جملة ظواهرها\" (^٥).\n_________\n(^١) الكشاف للزمخشري مذيل بحاشية الانتصاف فيما تضمنه الكشاف لابن المنيّر (٣/ ٤٦٨).\n(^٢) انظر: الكشاف: الزمخشري (٣/ ٤٦٨)، وانظر: إعراب القرآن وبيانه: محيي الدين درويش (٧/ ٤٧٣)، وانظر: الجدول في إعراب القرآن: محمود صافي (١١/ ٢٦).\n(^٣) إرشاد العقل السليم: أبو السعود (٧/ ٥٠، ٥١)، وانظر: روح البيان: إسماعيل حقي (٧/ ٧).\n(^٤) محاسن التأويل: القاسمي (١٣/ ٤٧٦٧).\n(^٥) مدارك التنزيل: النسفي (٢/ ٦٩١)","vol":"2","page":965},{"text":"النيسابوري: \"وفي تنكير ﴿ظَاهِرًا﴾ إشارة إلى قلة علمهم بظاهر الدنيا\" (^١).\nابن عجيبة (^٢): \" وتنكير ﴿ظَاهِرًا﴾: مُفيدٌ أنهم لا يعلمون إلا ظاهرًا واحدًا من جملة ظواهرها\" (^٣).\nالقنوجي: \"وتنكير الظاهر، يفيد أنهم لا يعلمون إلا ظاهرًا واحدًا من جملة ظواهرها\" (^٤).\nأصحاب القول الثاني:\nإسماعيل حقي (^٥): \"وتنكير ﴿ظَاهِرًا﴾ للتحقير والتخسيس أي يعلمون ظاهرا حقيرا خسيسا من الدنيا\" (^٦).\nالآلوسي: \"فالظاهر أن المراد بالظاهر مقابل الباطن، وتنويه للتحقير والتخسيس، أي: يعلمون ظاهرا حقيرا خسيسا\" (^٧).\n\n•<span data-type='title' id=toc-821> دراسة المسألة:</span>\nمن خلال التأمل في أقوال أهل العلم واستقراء ما ذكره المفسرون في تأويل الآية، يتبين أن الصواب من أقوالهم: ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن تنكير: ﴿ظَاهِرًا﴾ للتقليل، أي لا يعلمون إلا ظاهرا واحدا، من جملة الظواهر، ولا يمنع أن يكون المراد من\n_________\n(^١) غرائب القرآن: النيسابوري (٥/ ٤٠٢).\n(^٢) وهو: العلامة أحمد بن محمد بن المهدى بن الحسين بن محمد، المعروف بابن عجيبة، والمكنى بأبي عباس الفاسي، المالكي مذهبا، الشاذلى طريقة، أعجوبة زمانه، له مؤلفات عدة، مات سنة ١٢٢٤ هـ. ينظر: مقدمة كتاب البحر المديد (١/ ١٩).\n(^٣) البحر المديد: ابن عجيبة (٤/ ٣٢٥).\n(^٤) فتح البيان: القنوجي (١٠/ ٢٢٨).\n(^٥) وهو: إسماعيل حقي بن مصطفى الإسلامبولي الحنفي الخلوتي، المولى أبو الفداء: متصوف مفسر، تركي مستعرب، كان من أتباع الطريقة (الخلوتية)، له كتب عربية وتركية، مات سنة ١١٢٧، ينظر: الأعلام: الزركلي (١/ ٣١٣).\n(^٦) روح البيان: إسماعيل حقي (٧/ ٧)، وانظر: تفسير حدائق الروح والريحان: الهرري (٢٢/ ٨٥).\n(^٧) روح المعاني: الآلوسي (٢٠/ ٤١٣).","vol":"2","page":966},{"text":"التنكير: التحقير والتخسيس، وذلك من وجهين:\nالأول: أن الذي عليه جمع من السلف، وجمهور أهل العلم (^١)، بأن المراد من علمهم بالظاهر من الحياة الدنيا: علمهم بمعايشهم، متى يحصدون، ومتى يغرسون، وإلى هذا ذهب ابن عباس، وعكرمة، وإبراهيم النخعي، والحسن، وغيرهم (^٢).\nوهذا يدل على أنهم يعلمون قليلا من الظواهر في الحياة الدنيا، فيكون هذا المعنى صحيحًا بحسب فهم جماعة من السلف من معنى العلم بالظاهر.\nالثاني: نظائر الآيات التي جاءت في وصف الكفار بأنهم لا يعقلون، وآيات أخرى بأن لهم عقول، وفيها ألفاظ جاءت مُنَكَّرة، تُفَسر التنكير الذي ورد في هذه الآية.\nفمثلا: قوله تعالى: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [سورة البقرة: ١٧٠]. فهذه الآية الكريمة تدل بظاهرها على أن الكفار لا عقول لهم أصلًا؛ لأن قوله: ﴿شَيْئًا﴾ نكرة في سياق النفي، فهي تدل على العموم.\nوقد جاءت آيات أخر تدل على أن الكفار لهم عقول يعقلون بها في الدنيا، كقوله تعالى: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ [سورة العنكبوت: ٣٨].\nوهذه الآيات ظاهرها التعارض، والجواب يكون في آية الروم، بأنهم يعقلون أمور الدنيا دون أمور الآخرة، كما بينه تعالى بقوله: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [سورة الروم: ٧] (^٣).\nوبهذا يتقرر أن المراد من التنكير: التقليل، فهم لا يعلمون إلا ظاهرا واحدا، من جملة\n_________\n(^١) نسب هذا القول إلى جمهور أهل العلم ابن عطية في المحرر الوجيز (٧/ ٦١٠).\n(^٢) أخرج عنهم ابن جرير الطبري في تفسيره (١٨/ ٤٦١، ٤٦٣)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٩/ ٣٠٨٨).\n(^٣) انظر: دفع إيهام الاضطراب: الشنقيطي (ص: ٣٦)، وانظر: أضواء البيان: الشنقيطي (٦/ ٥١٦).","vol":"2","page":967},{"text":"الظواهر في أمور الدنيا، والله أعلم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-822> النتيجة:</span>\nيظهر من خلال ما تقدم ذكره من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن تنكير: ﴿ظَاهِرًا﴾ للتقليل، أي لا يعلمون إلا ظاهرا واحدا، من جملة الظواهر، في أمر الدنيا، لما تقدم إيراده من الوجهين الداليْن على ذلك، والله أعلم.","vol":"2","page":968},{"text":"<span data-type='title' id=toc-823>١٦٥ - قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ [سورة الروم: ٣٩].</span>\nقال ابن كثير: وهذا الصنيع مباح وإن كان لا ثواب فيه، إلا أنه نهى عنه رسول الله ﷺ خاصة، قال الضحاك، واستدل بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [سورة المدثر: ٦]، أي لا تعط العطاء، تريد أكثر منه (^١). وقال ابن عباس: الربا رباءان، فربا لا يصح، يعني ربا البيع، وربا لا بأس به، وهو هدية الرجل يريد فضلها، وإضعافها (^٢).\nقال القاسمي: وأقول: في ذلك كله نظر من وجوه:\nالأول: أن هذه الآية شبيهة بآية ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ [سورة البقرة: ٢٧٦] .. إلخ (^٣).\n\n•<span data-type='title' id=toc-824> أقوال أهل العلم في المراد من الربا في قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ﴾</span> (^٤):\nالقول الأول: أن المراد من الربا: العطاء والهدية بين الناس، مما أباحه الله ﷿.\nالقول الثاني: أن المراد من الربا: ربا البيع، مما حرّمه الله ﷿.\nأصحاب القول الأول:\nالسمرقندي: \" معناه: ما أعطيتم من عطية لتلتمسوا بها الزيادة فلا يربوا عند الله أي: فلا تضاعف تلك العطية عند الله ﷿\" (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (١٨/ ٥٠٥).\n(^٢) تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٦/ ٩٧).\n(^٣) محاسن التأويل: القاسمي (١٣/ ٤٧٨٢)، وسيأتي إيراد كلام القاسمي بتمامه.\n(^٤) أشار إلى هذا الخلاف ابن عطية في المحرر الوجيز (٧/ ٦٣٥)، وابن الفرس في أحكام القرآن (٣/ ٤١٢)، وأبو حيان في ابحر المحيط (١٧/ ١٨٨).\n(^٥) بحر العلوم: السمرقندي (٣/ ١٣، ١٤).","vol":"2","page":969},{"text":"مكي بن أبي طالب: \" ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي: ما أعطى بعضهم بعضا ليرد الآخذ على المعطي أكثر مما أخذ منه فلا أجر فيه للمعطي لأنه لم يبتغ في إعطائه ثواب الله، إنما ابتغى الازدياد من مال الآخذ، فذلك حلال لكم ولا أجر لكم فيه\" (^١).\nأبو حفص النسفي: \" ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾: أي: وما أعطيتم أحدا من شيء طلب الازدياد به لتزيدوا من أموالهم في أموالكم -وهو أن يكون العطاء طلبا للمكافأة في الدنيا والاستكثار- فإنه لا يزداد عند الله؛ أي: لا يضاعف لكم أجره؛ لأنكم قد نلتم أجر ذلك في الدنيا بإعطائكم إياه، فلا مكافأة لكم عند الله\" (^٢).\nابن العربي: \"صريح الآية فيمن يهب يطلب الزيادة من أموال الناس في المكافأة\" (^٣).\nأصحاب القول الثاني:\nالجصاص: \" والربا الذي كانت العرب تعرفه وتفعله إنما كان قرض والدراهم والدنانير إلى أجل بزيادة على مقدار ما استقرض على ما يتراضون به ولم يكونوا يعرفون البيع بالنقد وإذا كان متفاضلا من جنس واحد هذا كان المتعارف المشهور بينهم ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ فأخبر أن تلك الزيادة المشروطة إنما كانت ربا في المال العين لأنه لا عوض لها من جهة المقرض\" (^٤).\nالزمخشري: \"هذه الآية في معنى قوله تعالى ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ سواء بسواء، يريد: وما أعطيتم أكلة الربا ﴿مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ﴾ فِي أموالهم: ليزيد ويزكو في أموالهم، فلا يزكو عند الله ولا يبارك فيه\" (^٥).\n_________\n(^١) الهداية: مكي بن أبي طالب (٩/ ٥٦٩٢).\n(^٢) التيسير في علم التفسير: أبو حفص النسفي (١٢/ ٣٧).\n(^٣) أحكام القرآن: ابن العربي (٣/ ٥٢٣)، وانظر: الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (١٦/ ٤٣٨).\n(^٤) أحكام القرآن: الجصاص (٢/ ١٨٤).\n(^٥) الكشاف: الزمخشري (٣/ ٤٨١).","vol":"2","page":970},{"text":"ابن جزي: \" ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ﴾ الآية: معناها كقوله: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ أي ما أعطيتم من أموالكم على وجه الربا فلا يزكو عند الله\" (^١).\nابن عاشور: \"وهذا التفسير -يعني تفسير الربا في العقود- هو المناسب لمحمل لفظ الربا على حقيقته المشهورة، ولموافقة معنى قوله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ \" (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-825> دراسة المسألة:</span>\nمن خلال التتبع والنظر في أقوال أهل العلم، واستقراء ما أورده المفسرون في تفسير الآية، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن المراد من الربا في الآية: العطاء والهدية بين الناس، مما أباحه الله ﷿، وهو ما عليه عامة أهل التأويل (^٣)، وذلك من وجهين:\nأولا: أن القول بأن المراد من الربا: العطاء والهدية، وهو قول عامة السلف، ممن شهد التنزيل وعرف أحواله، ولم يُعلم من أحدهم أنه نص على أن المراد: الربا المُحرّم، من ربا البيع أو ربا النسيئة.\nفقد روى ابن جرير الطبري في تفسيره عن ابن عباس، قوله: \" ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ قال: هو ما يعطي الناس بينهم بعضهم بعضا، يعطي الرجل الرجل العطية، يريد أن يعطى أكثر منها \" (^٤).\nوعن سعيد بن جبير: \" ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ﴾ قال: هو الرجل يعطي الرجل العطية ليثيبه\"، وروي بنحو ذلك عن مجاهد، وإبراهيم النخعي، وقتادة،\n_________\n(^١) التسهيل: ابن جزي (٢/ ١٣٤).\n(^٢) التحرير والتنوير: ابن عاشور (٢١/ ١٠٦).\n(^٣) نص على هذا الماتريدي في تأويلات أهل السنة (٨/ ٢٨٠)، والسمعاني في تفسيره (٤/ ٢١٥، ٢١٦)، والبغوي في معالم التنزيل (٦/ ٢٧٣).\n(^٤) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (١٨/ ٥٠٣).","vol":"2","page":971},{"text":"والضحاك (^١).\nالثاني: ظاهر الآية الذي يدل على أن الربا المذكور فيها: الربا الجائز من العطايا والهدايا التي يُبتغى بها عرض الدنيا، والتماس الفضل من الناس، لأن قوله تعالى: ﴿فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾، المراد منه: لا يزداد ولا يتضاعف ذلك عند اللَّه، وليس كما في الربا المحرم المحظور؛ حيث يقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ [سورة البقرة: ٢٧٨] (^٢).\nالجواب عن الإيرادات التي أوردها القاسمي ﵀ في تعقبه على الحافظ ابن كثير ﵀، وغيره:\nبعد أن أورد القاسمي ﵀ قول الحافظ ابن كثير ﵀ المتقدم وغيره، تعقبه ووصف أقوالهم بأن فيه نظر من وجوه:\nالأول: أن هذه الآية شبيهة بآية ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾، وهي في ربا البيع الذي كان فاشيا في أهل مكة حتى صار ملكة راسخة فيهم، امتصوا بها ثروة كثير من البؤساء، مما خرج عن طور الرحمة والشفقة والكمال البشريّ. فنعى عليهم حالهم، طلبا لتزكيتهم بتوبتهم منه. ثم أكّد ذلك في مثل هذه الآية. مبالغة في الزجر (^٣).\nوالجواب: أن الآية وإن كانت شبيهة بقوله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ إلا أن سياق الآيات في سورة البقرة في تحريم الربا يختلف عن سياق الآيات ههنا، إذ هي ليست صريحة في تحريم الربا، وإنما إشارة إلى أن الله يمحق الربا بذهاب بركته وهلاكه، فلا ينمو ولا يبارك الله فيه، والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرج أقوالهم ابن جرير الطبري في تفسيره (١٨/ ٥٠٣ - ٥٠٥)، وأورد نحوا منها السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٤٩٥)، وانظر: موسوعة التفسير بالمأثور: مجموعة من المؤلفين (١٧/ ٤٦١ - ٤٦٣).\n(^٢) انظر: تأويلات أهل السنة: الماتريدي (٨/ ٢٨٠، ٢٨١).\n(^٣) محاسن التأويل: القاسمي (١٣/ ٤٧٨٢).","vol":"2","page":972},{"text":"الثاني: أن الربا، على ما ذكر، مجاز. والأصل في الإطلاق الحقيقة، إلا لصارف يرشد إليه دليل الشرع، أو العقل. ولا واحد منهما هنا، إذ لا موجب له (^١).\nوالجواب: وإن كان الأصل الحقيقة، إلا أن أقوال عامة السلف في الآية، وظاهر الآية الذي تقدم بيانه، يدل على أن المعنى الحقيقي هو الزيادة في رأس المال، أو الاستزادة المرجوة من العطايا والهدايا.\nويُحتمل أن القائلين بأن الربا مجاز عن الزيادة يُريدون ما تُجيزه اللغة من معنى الربا بأنه: الزيادة، والله أعلم.\nالثالث: دعوى أن الهبة المذكورة مباحة، لا بأس بها بعد كونها هي المرادة من الآية- بعيدة غاية البعد. لأن في أسلوبها من الترهيب والتحذير ما يجعلها في مصافّ المحرمات. ودلالة الأسلوب من أدلة التنزيل القوية، كما تقرر في موضعه (^٢).\nوالجواب: ليس في ظاهر الآية الترهيب من الربا مما يجعله في مصاف المحرّمات، بل ظاهرها هو الإرشاد والتوجيه بأن ما تهبونه من العطايا والهدايا ابتغاء عرض الدنيا، ليرد الآخذ على المعطي أكثر مما أخذ منه، ليس فيه ثواب من عند الله، وبركته مرتفعة، وإنما الثواب في إيتاء الزكاة ابتغاء وجه الله، ولذلك قال في مقابلته: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾، والله أعلم (^٣).\nالرابع: زعم أن المنهيّ عنه هو الحضرة النبوية خاصة، لا دليل عليه إلّا ظاهر الخطاب. وليس قاطعا.\nلأن اختصاص الخطاب لا يوجب اختصاص الحكم على التحقيق. لا يقال الأصل وجوب حمل اللفظ على حقيقته، وحمله على المجاز لا يكون إلا بدليل (^٤)، وكذا ما يقال إن\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (١٣/ ٤٧٨٢).\n(^٢) محاسن التأويل: القاسمي (١٣/ ٤٧٨٢).\n(^٣) انظر: بصائر ذوي التمييز: الفيروز آبادي (٣/ ٣٤).\n(^٤) يريد القاسمي بمن قال بالمجاز في تفسير الآية: البغوي. ينظر: معالم التنزيل (٨/ ٢٦٥).","vol":"2","page":973},{"text":"ثبوت الحكم في غير محل الخطاب يفتقر إلى دليل- لأنا نقول: الأصل في التشريعات العموم، إلا ما قام الدليل القاطع على التخصيص بالتنصيص، وليس منه شيء هنا. وقد عهد في التنزيل تخصيص مراد به التعميم إجماعا. كآية ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ [سورة الأحزاب: ١]، وأمثالها (^١).\nوالجواب: وإن كان تخصيص الحكم للنبي ﷺ يحتاج إلى دليل، إلا أن جماعة من السلف نصوا على أن الخطاب خاص بالنبي ﷺ كالضحاك ومجاهد، وإبراهيم النخعي (^٢)، وبعدهم جماعة من المفسرين نصوا على ذلك (^٣)، ولا شك بأن فهمهم مقدم على فهم غيرهم، إن كان ينفي هذا التخصيص.\nولعل تخصيص النهي بالنبي خاصة أن الله تعالى أدبه بأشرف الآداب وأجل الأخلاق (^٤).\nتنبيه:\nاختلف أهل العلم قديمًا في سبب نزول الآية، فروي عن السدي أنه قال: نزلت في ثقيف كانوا يعطون الربا\" (^٥). وهذا يؤيد قول من قال بأن المراد من الربا في الآية: الربا المُحرَّم في المعاملات.\nوروي عن جماعة من السلف، كابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد أن الآية نزلت في\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (١١/ ٤٢٩٨).\n(^٢) انظر: جامع البيان: الطبري (١٨/ ٥٠٥)، وانظر: التفسير البسيط: الواحدي (٢٢/ ٤٠٨)، وانظر: تفسير القرآن: السمعاني (٦/ ٩٠)، وانظر: معالم التنزيل: البغوي (٨/ ٢٨٥).\n(^٣) انظر: تفسير القرآن العزيز: ابن أبي زمنين (٥/ ٥٥)، وانظر: الهداية: مكي بن أبي طالب (٩/ ٥٦٩٣)، وانظر: لباب التأويل: الخازن (٣/ ٣٩٢)، وانظر: فتح البيان: القنوجي (١٠/ ٢٥٤).\n(^٤) انظر: البسيط: الواحدي (٢٢/ ٤٠٩).\n(^٥) انظر: الكشاف: الزمخشري (٣/ ٤٨١)، وانظر: المحرر الوجيز: ابن عطية (٧/ ٦٣٦)، وانظر: الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (١٦/ ٤٣٧)، وانظر: البحر المحيط: أبو حيان (١٧/ ١٨٨) جميعهم عن السدي، وانظر: الكشف والبيان: الثعلبي (٢١/ ١٦٣).","vol":"2","page":974},{"text":"هبة الثواب (^١)، وهذا يؤيد قول من قال بأن المراد من الربا في الآية: الهدايا والهبات، ونحوها، ولم يتم الوقوف على إسناد ما روي في ذلك، لمعرفة الحق من الباطل، أم أن الآية نزلت مرتين.\n\n•<span data-type='title' id=toc-826> النتيجة:</span>\nبعد ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الراجح من أقوالهم هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن المراد من الربا في الآية: العطاء والهدية بين الناس، مما أباحه الله ﷿، بخلاف ما ذهب إليه القاسمي ﵀، لما تقدم إيراده من الوجهيْن الداليْن على ذلك، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) انظر: المحرر الوجيز: ابن عطية (٧/ ٦٣٥)، وانظر: الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (١٦/ ٤٣٧)، وانظر: البحر المحيط: أبو حيان (١٧/ ١٨٨)","vol":"2","page":975},{"text":"سورة الأحزاب","vol":"2","page":976},{"text":"<span data-type='title' id=toc-827>سورة الأحزاب</span>\n<span data-type='title' id=toc-828>١٦٦ - روى الإمام أحمد عن أبي بن كعب ﵁ قال: لقد رأيتها وإنها تعادل سورة البقرة -يعني سورة الأحزاب-. ولقد قرأنا فيها (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم)</span> (^١).\nوقال ابن كثير: وهو يقتضي أنه قد كان فيها قرآن ثم نسخ لفظه وحكمه أيضا، والله أعلم (^٢).\nقال القاسمي: قلت: كان يصح هذا الاقتضاء، لو كان هذا الأثر صحيحا. أما ولم يخرجه أرباب الصحاح، فهو من الضعف بمكان (^٣).\n\n•<span data-type='title' id=toc-829> أقوال أهل العلم في الأثر المروي عن أبي بن كعب ﵁: (لقد رأيتها وإنها تعادل سورة البقرة) من حيث الصحة والضعف:</span>\nالقول الأول: أن الأثر المروي عن أبي بن كعب ﵁ صحيح، وأن سورة الأحزاب كانت تعدل سورة البقرة.\nالقول الثاني: أن الأثر المروي عن أبي بن كعب ﵁ ضعيف، وأن سورة الأحزاب لم تكن تعدل سورة البقرة.\nأصحاب القول الأول:\nالحاكم (^٤): \"عن زر بن حبيش، قال: قال لي أبي بن كعب، وكان يقرأ سورة\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في مسنده (٣٥/ ١٣٤)، برقم: (٢١٢٠٧)، والنسائي في السنن الكبرى (٦/ ٤٠٨) برقم: (٧١١٢)، وابن حبان في صحيحه (٢/ ٤٧١) برقم: (١٧٠٨)، وانظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة: الألباني (٦/ ٩٧٨).\n(^٢) تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٦/ ١٥٤).\n(^٣) محاسن التأويل: القاسمي (١٣/ ٤٨٢١).\n(^٤) وهو: أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه المعروف بالحاكم النيسابوري، الحافظ المعروف؛ إمام أهل الحديث في عصره، والمؤلف فيه الكتب التي لم يسبق إلى مثلها، مات سنة ٤٠٥ هـ. ينظر: وفيات الأعيان: ابن خلكان (٤/ ٢٨٠).","vol":"2","page":977},{"text":"الأحزاب قال: قلت: ثلاثا وسبعين آية. قال: «قط». قلت: قط. قال: \" لقد رأيتها وإنها لتعدل البقرة ولقد قرأنا فيما قرأنا فيها: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم. «هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه» (^١).\nابن حزم: \" عن زر بن حبيش قال: قال لي أبي بن كعب: كم تعدون سورة الأحزاب؟ قلت: إما ثلاثا وسبعين آية، أو أربعا وسبعين آية، قال: إن كانت لتقارن سورة البقرة، أو لهي أطول منها، وإن كان فيها لآية الرجم؟ قلت: أبا المنذر وما آية الرجم؟ قال: إذا زنى الشيخ والشيخة فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم؟ \" وهذا إسناد صحيح كالشمس لا مغمز فيه\" (^٢).\nابن كثير: \"وهذا إسناد حسن -يعني أثر أبي بن كعب-، وهو يقتضي أنه قد كان فيها قرآن ثم نُسِخَ لفظه وحكمه أيضًا\" (^٣).\nابن حجر: عن أبي بن كعب ﵁ قال: \"كم تعدون سورة الأحزاب؟ قال: قلت: ثنتين أو ثلاثا وسبعين آية، قال: كانت توازي سورة البقرة أو أكثر، وكنا نقرأ فيها الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من اللَّه\". هذا حديث حسن (^٤).\nأصحاب القول الثاني:\nالباقلاني (^٥): \"هذا الشيء لا يصح عن أبي، ولو صح فمعناه: أنها نسخت تلاوتها وأزيلت\" (^٦).\n_________\n(^١) المستدرك على الصحيحين: الحاكم (٤/ ٤٠٠).\n(^٢) المحلى: ابن حزم (١٢/ ١٧٥).\n(^٣) تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٦/ ١٥٤).\n(^٤) موافقة الخبر الخبر في تخريج أحاديث المختصر: ابن حجر (٢/ ٣٠٤)، وانظر: إتحاف المهرة: ابن حجر (١/ ١٩٨).\n(^٥) وهو: القاضي أبو بكر محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر بن القسم، المعروف بالباقلاني البصري المتكلم المشهور؛ كان على مذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري، ومؤيدا اعتقاده، مات سنة ٤٠٣ هـ. ينظر: وفيات الأعيان: ابن خلكان (٤/ ٢٦٩).\n(^٦) نكت الانتصار: الباقلاني (ص: ٩٥).","vol":"2","page":978},{"text":"قال الكرماني: \" خالف الخوارج، وزعموا أن الرجم لم يصح فيه النقل، وأن الجلد عام في البكريْن والثيبْين\" (^١).\nالبوصيري (^٢): \"ومدار أسانيدهم -يعني الروايات الواردة عن أبي بن كعب- على عاصم بن أبي النجود وهو ضعيف\" (^٣).\n\n•<span data-type='title' id=toc-830> دراسة المسألة:</span>\nومن خلال التأمل والنظر واستقراء ما ذكره المفسرون وأهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن الأثر المروي عن أبي بن كعب ﵁ صحيح، وهذا يقتضي أن سورة الأحزاب كانت تعدل سورة البقرة، وذلك من وجهين:\nالأول: أن جميع الروايات التي جاءت عن أبي بن كعب والتي مفادها أن سورة الأحزاب كانت تعدل سورة البقرة، مدار أسانيدها على عاصم بن أبي النجود.\nوقد اختلف أهل العلم في توثيقه، فمنهم من ضعّفه وتكلم في حفظه، ومنهم من قال بأنه: صدوق في الحديث، منهم من قال: لا بأس به (^٤).\nوإذا كانت العلة في الإسناد وجود أحد الرواة فيه ضعف في الحفظ، دون الاتهام بالكذب، فلا مانع أن يتقوى الأثر بالشواهد.\nفمن الشواهد ما رواه أحمد في مسنده عن أبي بن كعب قَالَ: \" كم تقرؤون سورة الأحزاب؟ قال: بضعا وسبعين آية. قال: \"لقد قرأتها مع رسول الله ﷺ مثل البقرة، أو أكثر\n_________\n(^١) غرائب التفسير: الكرماني (٢/ ٧٨٨).\n(^٢) وهو: أحمد بن أبي بكر بن إسماعيل بن سليم مكبر بن قايماز بن عثمان بن عمر الكناني المحدث شهاب الدين، سمع كثيرا من أهل العلم، وحدث وخرج وألف تصانيف حسنة، مات سنة ٨٤٠ هـ. ينظر: طبقات الحفاظ: السيوطي (ص: ٥٥١).\n(^٣) إتحاف الخيرة المهرة: البوصيري (٦/ ٢٥٧).\n(^٤) انظر: موافقة الخبر الخبر في تخريج أحاديث المختصر: ابن حجر (٢/ ٣٠٤)، وانظر: تهذيب الكمال: المزي (١٣/ ٤٧٦)","vol":"2","page":979},{"text":"منها، وإن فيها آية الرجم\" (^١).\nوروي عن عائشة ﵂ أنها قالت: \"كانت سورة الأحزاب تقرأ في زمن النبي ﷺ مائتي آية، فلما كتب عثمان المصاحف لم نقدر منها إلا ما هو الآن\" (^٢).\nالثاني: الروايات الصحيحة الثابتة التي تدل على جواز نسخ سور طويلة من القرآن، فلا يمنع أن تكون سورة الأحزاب كانت تعدل سورة البقرة، فنُسخ أكثرها.\nومما يدل على وقوع نسخ التلاوة في سورة طويلة من القرآن، ما رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي حرب بن أبي الأسود، عن أبيه قال: «بعث أبو موسى الأشعري إلى قراء أهل البصرة، فدخل عليه ثلاثمائة رجل قد قرءوا القرآن فقال: أنتم خيار أهل البصرة، وقراؤهم فاتلوه، ولا يطولن عليكم الأمد، فتقسو قلوبكم كما قست قلوب من كان قبلكم، وإنا كنا نقرأ سورة كنا نشبهها في الطول، والشدة ببراءة فأنسيتها غير أني قد حفظت منها لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى واديا ثالثا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب» الحديث (^٣).\n\n•<span data-type='title' id=toc-831> النتيجة:</span>\nبعد ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول، من الأثر المروي عن أبي بن كعب ﵁ صحيح، وأن سورة الأحزاب كانت تعدل سورة البقرة، خلافًا لما ذهب إليه القاسمي ﵀، لما تقدم إيراده من الوجهيْن الداليْن على ذلك، والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد قي مسنده (٣٥/ ١٣٤)، برقم: (٢١٢٠٦)، وضعَّف إسناده محققوا المسند لأن في سنده يزيد بن أبي زياد الكوفي، ولا بأس به في الشواهد إن شاء الله، والأسانيد يقوي بعضها بعضا.\n(^٢) انظر: الإتقان: السيوطي (٣/ ٨٢)، وانظر: الزيادة والإحسان: ابن عقيلة المكي (٥/ ٤٢٠، ٤٢١).\n(^٣) أخرجه مسلم، كتاب الزكاة، باب لو أن لابن آدم واديين لابتغى ثالثا، برقم: (١٠٥٠).","vol":"2","page":980},{"text":"<span data-type='title' id=toc-832>١٦٧ - قوله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [سورة الأحزاب: ٥].</span>\nقال ابن كثير: هذا الأمر ناسخ لما كان في ابتداء الإسلام، من جواز ادعاء الأبناء الأجانب وهم الأدعياء. فأمر ﵎ برد نسبهم إلى آبائهم في الحقيقة. وأن هذا هو العدل والقسط والبر .... إلى آخر كلام ابن كثير (^١).\nقال القاسمي: وفي ذهابه إلى أن الأمر في الآية ناسخ- نظر، لأن الناسخ لا بد أن يرفع خطابا متقدما. وأما ما لا خطاب فيه سابقا، بل ورد حكما مبتدأ رفع البراءة الأصلية، فلا يسمى نسخا اصطلاحا. فاحفظه. فإنه مهم ومفيد في عدة مواضع (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-833> أقوال أهل العلم في دلالة قوله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ على نسخ التبني </span>(^٣):\nالنحاس: \" ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ الآية. فكان هذا ناسخا لما كانوا عليه من التبني وكان رسول الله ﷺ قد تبنى زيد بن حارثة فنسخ التبني وأمر أن يدعوا من دعوا إلى أبيه المعروف\" (^٤).\nالسمعاني: \" قوله: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [سورة الأحزاب: ٤]، في الآية نسخ التبني، وقد كان الرجل في الجاهلية يتبنى الرجل ويجعله ابنا له مثل الابن المولود، وعلى ذلك تبنى رسول الله زيد بن حارثة، فنسخ الله تعالى ذلك \" (^٥).\n_________\n(^١) تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٦/ ١٥٦).\n(^٢) محاسن التأويل: القاسمي (١٣/ ٤٨٢٦).\n(^٣) بعد التتبع والنظر في أقوال أهل العلم في هذه المسألة، لم يتم الوقوف على أحد من أهل العلم ممن وافقه القاسمي ﵀ بأن قال أن الآية لا تفيد نسخ التبني.\n(^٤) الناسخ والمنسوخ: النحاس (ص: ٦٢٦).\n(^٥) تفسير القرآن: السمعاني (٤/ ٢٥٨)، وانظر: معالم التنزيل: البغوي (٦/ ٣١٧).","vol":"2","page":981},{"text":"القرطبي: \" قوله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ نزلت في زيد بن حارثة على ما تقدم بيانه. وفي قول ابن عمر: ما كنا ندعو زيد بن حارثة إلا زيد بن محمد دليل على أن التبني كان معمولا به في الجاهلية والإسلام يتوارث به ويتناصر إلى أن نسخ الله ذلك بقوله: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي أعدل. فرفع الله حكم التبني ومنع من إطلاق لفظه\" (^١).\nابن عاشور: \"وهذه الآية ناسخة لما كان جاريا بين المسلمين ومن النبي ﷺ من دعوة المتبنين إلى الذين تبنوهم فهو من نسخ السنة الفعلية والتقريرية بالقرآن\" (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-834> دراسة المسألة:</span>\nمن خلال التتبع والنظر في أقوال أهل العلم، وما ذكروه في هذه المسألة يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه عامة أهل العلم من أن قوله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ الآية. ناسخ لما كان في الجاهلية من التبني، وأقره الإسلام في بداية الأمر، وذلك من وجهين:\nالأول: ما جاء في ظاهر نزول الآية، فقد روى الشيخان في صحيحهما من حديث عبد الله بن عمر ﵁: «أن زيد بن حارثة، مولى رسول الله ﷺ ما كنا ندعوه إلا زيد بن محمد، حتى نزل القرآن: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾» (^٣).\nفدل هذا على أن حكم التبني كان جائزا في أول الأمر، على عادة الجاهلية التي أقرها الإسلام، ثم رُفع هذا الحكم بالخطاب الشرعي في الآية، فَنُسخ هذا الحكم من الجواز إلى التحريم.\n_________\n(^١) الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (١٧/ ٥٧).\n(^٢) التحرير والتنوير: ابن عاشور (٢١/ ٢٦٣).\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب تفسير القرآن (سورة الأحزاب)، باب: ﴿ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله﴾، برقم: (٤٧٨٢)، وأورده ابن كثير في تفسيره (٦/ ١٥٦).","vol":"2","page":982},{"text":"الثاني: أن القول بأن قوله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ الآية. ناسخ لما كان في الجاهلية من التبني هو قول جماهير أهل العلم من المفسرين (^١)، وبعضًا من الأصوليين (^٢)، وجماعة من الفقهاء والمحدثين وشراح السنن (^٣)، وقد عقد البيهقي في السنن الكبرى بابًا سمّاه: \" باب نسخ التبني وإباحة نكاح امرأة فارقها من تبناه أو ابنة من كان في الدين أخاه\"، ثم ساق حديث عبد الله بن عمر ﵁، أن زيد بن حارثة مولى رسول الله ﷺ ما كنا ندعوه إلا زيد بن محمد حتى نزل القرآن: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ (^٤).\nولا يُعلم عن أحد من أهل العلم من المتقدمين أو المتأخرين من رد القول بأن التبني منسوخ بقوله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾، إلا جماعة من المعاصرين (^٥)، ولم يجد الباحث من أحدهم أنه استند على أدلة تؤيد ما ذهب إليه، والله أعلم.\nتنبيه:\nقول ابن العربي في أحكام القرآن: \"قال جماعة: هذا ناسخ لما كانوا عليه في الجاهلية من التبني والتوارث، ويكون نسخا للسنة بالقرآن وقد بينا أن هذا لا يكون نسخا؛ لعدم شروط النسخ فيه؛ ولأن ما جاء من الشريعة لا يقال إنه نسخ لباطل الخلق .... إلخ\" (^٦). قد جاء ما يُناقضه من قوله الصريح بأن التبني منسوخ بالآية.\n_________\n(^١) انظر: أحكام القرآن: الجصاص (٣/ ٥)، وانظر: أحكام القرآن: الكيا الهراسي (٤/ ٣٤٣)، وانظر: تفسير القرآن العظيم: السخاوي (٢/ ٩٨)، وانظر: لباب التأويل: الخازن (٣/ ٤٠٩)، وانظر: فتح الرحمن: العُليمي (٥/ ٣٤٠).\n(^٢) انظر: الفصول في الأصول: الجصاص (٢/ ٣٢٦)، وانظر: مقاصد الشريعة: ابن عاشور (٣/ ١٧٠، ١٧١).\n(^٣) انظر: التمهيد: ابن عبد البر (٥/ ٥٨٠)، وانظر: البيان والتحصيل: ابن رشد (١٧/ ١٨٩)، وانظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم: القرطبي (٦/ ٣٠٦)، وانظر: الفروق: القرافي (٣/ ١٤٧)، وانظر: مجموع الفتاوى: ابن تيمية (٣٥/ ٩٥)، وغيرهم كثير.\n(^٤) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (١٤/ ٢٥٥)، برقم: (١٤٠٢٩)، والحديث أصله في صحيح البخاري، كتاب\n(^٥) انظر: بيان المعاني: عبد القادر آل غازي (٥/ ٤٥٦)، وانظر: النسخ في القرآن: مصطفى زيد (ص: ٦٢٧).\n(^٦) أحكام القرآن: ابن العربي (٣/ ٥٤٠).","vol":"2","page":983},{"text":"قال في الناسخ والمنسوخ: \" ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ هذه الآية ناسخة لما سبق من الناس وأقرته الشريعة في نسبة الابن من التبني إلى الأب، كنسبة الابن من البنوة إلى الأب\" (^١).\nولا شك أن المتناقضان لا يجتمعان، ولا يُعلم المتقدم من أقواله من المتأخر حتى يُقال باحتمال أن أحدهما نسخ الآخر، فالأسلم التوقف في الجزم بما ذهب إليه، والله أعلم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-835> النتيجة:</span>\nبعد ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه جماهير أهل العلم من أن التبني منسوخ بقوله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾، لما تقدم إيراده من الوجهيْن الداليْن على ذلك، بخلاف ما ذهب إليه القاسمي ﵀، والله أعلم.\n_________\n(^١) الناسخ والمنسوخ: ابن العربي (٢/ ٣٣١، ٣٣٢)، وانظر: أحكام القرآن: ابن العربي (٤/ ٣٤٣).","vol":"2","page":984},{"text":"<span data-type='title' id=toc-836>١٦٨ - قوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ [سورة الأحزاب: ٥٢].</span>\nقال القاسمي: ذهب بعض المفسرين إلى أن معنى الآية هو حظر نكاح ما بعد التسع اللاتي عنده ﷺ. وأن التسع نصابه كالأربع لغيره، وأن ذلك جزاء لاختيارهن إياه لما خيرهن. كما تقدم في الآية، ثم قالوا إنه تعالى رفع الحرج عنه في ذلك، ونسخ حكم هذه الآية، وأباح له التزوج، لكنه لم يفعله إتماما للمنة عليهن (^١). ومنهم من قال إنها محكمة. وكل ذلك لا برهان معه، وتفكيك للمعنى، وغفلة عن سر تكريمه صلوات الله عليه بمقصود الخطاب … إلى أن قال: والمطلع على ما كتبوه هنا، يأخذه العجب من البعد عن مقصدها. فالحمد لله على إلهام الحق وتعليمه (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-837> أقوال أهل العلم في المراد من قوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ﴾ الآية، من حيث الإحكام والنسخ:</span>\nالقول الأول: أن الآية مُحكمة، إما أن يكون المراد: أنه لا يحل للنبي ﷺ نكاح ما بعد التسع، ولا أن يُبدل غيرهُن من أزواج، وإما أن يكون المراد: لا يحل للنبي ﷺ نكاح النساء بعد التي أحل الله له بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ الآية. [سورة الأحزاب: ٥٠]، وإما أن يكون المراد: لا يحل للنبي ﷺ نكاح النساء من غير المسلمات؛ حتى من أهل الكتاب.\n_________\n(^١) انظر: تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٦/ ٢١٦)، وانظر: أنوار التنزيل: البيضاوي (٤/ ٢٣٦)، وانظر: مدارك التنزيل: النسفي (٣/ ٤٠).\n(^٢) محاسن التأويل: القاسمي (١١/ ٤٠٦٤).","vol":"2","page":985},{"text":"القول الثاني: أن الآية منسوخة، إما أن تكون نُسخت بالقرآن، نسخها قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾، وإما أن تكون نسخت بالسنة، نسخها حديث عائشة ﵂: \"ما مات رسول الله ﷺ حتى أحل له النساء\" (^١).\nأصحاب القول الأول:\nابن عباس ﵁: «نهي رسول الله ﷺ أن يتزوج بعد نسائه الأول شيئا» وبنحو ذلك روي عن قتادة، والحسن، وابن سيرين، وأبي بن كعب، وعكرمة، والضحاك، ومجاهد (^٢)، من أن الآية ليست منسوخة.\nأبو حيان: \" ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ الظاهر أنها محكمة، وهو قول أبي بن كعب وجماعة، منهم الحسن وابن سيرين، واختاره الطبري\" (^٣).\nالآلوسي: \"والظاهر على القول بأن الآية نزلت كرامة للمختارات، وتطييبًا لخواطرهن، وشكرا لحسن صنيعهن، عدم النسخ، والله تعالى أعلم\" (^٤).\nابن عاشور: \"فلا ناسخ لهذه الآية من القرآن ولا هي ناسخة لغيرها\" (^٥).\nأصحاب القول الثاني:\nابن عباس ﵁ في رواية: \"الآية منسوخة بالآية التي سبقت وهي ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ [سورة الأحزاب: ٥١] \"، وبنحو ذلك روي عن عائشة، وعلي بن أبي طالب، وعلي بن الحسين (^٦)، من أن الآية منسوخة.\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب تفسير القرآن، باب: ومن سورة الأحزاب، برقم: (٣٢١٦)، وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\"، وستأتي التنبيه على ضعف إسناد الحديث.\n(^٢) أخرج أقوالهم ابن جرير الطبري في تفسيره (١٩/ ١٤٦ - ١٤٩)، وانظر: معاني القرآن: النحاس (٥/ ٣٦٧)، وانظر: بحر العلوم: السمرقندي (٣/ ٧٠).\n(^٣) البحر المحيط: أبو حيان (١٧/ ٣٥٣).\n(^٤) روح المعاني: الآلوسي (٢١/ ٤١٥).\n(^٥) التحرير والتنوير: ابن عاشور (٢٢/ ٧٧).\n(^٦) انظر: معاني القرآن: النحاس (٥/ ٣٦٨، ٣٦٩)، وانظر: لباب التفاسير: الكرماني (ص: ٢٢١١)، وانظر: فتح البيان: القنوجي (١١/ ١٢١).","vol":"2","page":986},{"text":"الجصاص: \"عن عائشة قالت \"ما مات رسول الله ﷺ حتى حل له النساء\" وهذا يوجب أن تكون الآية منسوخة وليس في القرآن ما يوجب نسخها فهي إذا منسوخة بالسنة ويحتج به في جواز نسخ القرآن بالسنة\" (^١).\nالمقري: \" ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ وهي من أعاجيب القرآن المنسوخ نسخها الله بآية قبلها في النظم وهي قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ الآية\" (^٢).\nابن حزم: \" ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ﴾ الآية. نسخها الله تعالى بآية قبلها في النظم وهي قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ الآية\" (^٣).\n\n•<span data-type='title' id=toc-838> دراسة المسألة:</span>\nبعد التتبع والنظر في أقوال أهل العلم وما ذكره المفسرون في تفسير الآية، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن الآية وهي: قوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ﴾ الآية، مُحكمة وليست بمنسوخة، وهو ما عليه جمهور أهل العلم (^٤)، ويكون المعنى: لا يحل لك النساء من بعد اللواتي أحللتهن لك بقولي: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾، وذلك من أوجه:\nالأول: أن قوله تعالى ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ﴾ جاء عقيب قوله: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ وغير جائز أن يقول: قد أحللت لك هؤلاء، ولا يحللن لك، إلا بنسخ أحدهما صاحبه، وعلى أن يكون وقت فرض إحدى الآيتين، فعل الأخرى منهما فإذ كان ذلك كذلك ولا برهان ولا دلالة على نسخ حكم إحدى الآيتين حكم الأخرى، ولا تقدم تنزيل إحديهما قبل صاحبتها، وكان غير مستحيل مخرجهما على الصحة إذ لا تعارض بينهما، لم\n_________\n(^١) أحكام القرآن: الجصاص (٥/ ٢٤١)، وانظر: أحكام القرآن: الكيا الهراسي (٤/ ٣٤٩)، وانظر: فتح القدير: الشوكاني (٤/ ٣٣٧، ٣٣٨).\n(^٢) الناسخ والمنسوخ: المقري (ص: ١٤٤).\n(^٣) الناسخ والمنسوخ: ابن حزم (ص: ٥١).\n(^٤) نسب القول إلى جمهور أهل العلم الكرماني في غرائب التفسير (٢/ ٩٢١).","vol":"2","page":987},{"text":"يجز أن يقال: إحداهما ناسخة الأخرى، فيكون المعنى: لا يحل لك النساء من بعد المسميات المتقدم ذكرهن في الآية قبل هذه الآية، ولم يكن في الآية المتقدم فيها ذكر المسميات بالتحليل لرسول الله ﷺ ذكر إباحة المسلمات كلهن، بل كان فيها ذكر أزواجه وملك يمينه الذي يفيء الله عليه، وبنات عمه وبنات عماته، وبنات خاله وبنات خالاته، اللاتي هاجرن معه، وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي (^١).\nالثاني: أن القاعدة المقررة عند أهل العلم أن الناسخ والمنسوخ إنما يؤخذ به إذا تعذر الجمع بين الآيتين، أما إذا طرأ الاحتمال، وأمكن الجمع بين الآيتين والعمل بهما فلا معنى للقول بالنسخ، إذا إن الآية تحتمل جميع المعاني المتقدمة من تحريم النساء على النبي ﷺ إلا اللاتي أحلها الله له في قوله: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾، أو تحريم النساء غير المسلمات عليه.\nيقول الحافظ النووي: \" ولا يصار إلى النسخ مع إمكان الجمع لان في النسخ إخراج أحد الحديثين عن كونه مما يعمل به\" (^٢).\nويقول ابن العربي: \"لا يصح القول على نسخ آية وإحكامها إلا بعد فهم معناها، وذلك أن قوله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ﴾ مفهوم وقوله: ﴿مِنْ بَعْدُ﴾ محتمل، لأنه يحتمل ثلاثة أوجه: أحدها: لا يحل لك النساء من بعد من عندك. والثاني: لا يحل لك النساء من غير المسلمات. الثالث: لا يحل لك النساء من بعد ما أحللنا لك في الآية المتقدمة\" (^٣).\nالثالث: مما يدل على أن الآية مُحكمة، وتدل على أن النبي يجوز له أن ينكح ما بعد التسع أن الله تعالى قال: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ ولفظ: (بعد) يجوز أن يكون بمعنى (غير) كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ [سورة الجاثية: ٢٣] وهو استعمال كثير في\n_________\n(^١) انظر: جامع البيان: الطبري (١٩/ ١٤٩)، وانظر: دراسات أصولية في القرآن الكريم: محمد الحفناوي (ص: ٤٠٨).\n(^٢) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج: النووي (١/ ٣٥)، وتقدم الحديث عن هذه القاعدة في مسألة رقم: (٩٥) ص: (٦٠٤).\n(^٣) الناسخ والمنسوخ: ابن العربي (٢/ ٣٣٣).","vol":"2","page":988},{"text":"اللغة، ومما يؤيد هذا المعنى التعبير بلفظ الأزواج في قوله: ﴿وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ﴾ أي غيرهن، وعلى هذا المحمل حمل الآية ابن عباس ﵁ فقد روى الترمذي عنه قال: «نهي رسول الله ﷺ عن أصناف النساء إلا ما كان من المؤمنات المهاجرات» (^١)، فقال: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ فأحل الله المملوكات المؤمنات ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾، ويجوز أن يكون (بعد) مرادا به الشيء المتأخر عن غيره وذلك حقيقة معنى البعدية فيتعين تقدير لفظ يدل على شيء سابق (^٢).\nتنبيهان:\nالأول: ما روي عن أم المؤمنين عائشة ﵂ أنه قالت: \" ما مات رسول الله ﷺ حتى أحل له النساء \" (^٣). لم يصح إسناده، وعلّق عليه ابن العربي بقوله: «وجماعة وجعلوا حديث عائشة سنة ناسخة، وهو حديث واه، ومتعلق ضعيف» (^٤).\nالثاني: ما تعقب به القاسمي ﵀ على من سبقه بقوله: \" وكل ذلك لا برهان معه، وتفكيك للمعنى، وغفلة عن سر تكريمه صلوات الله عليه بمقصود الخطاب\"، ليس كما قال، فما تقدم بيانه من أقوال أهل العلم في المراد من الآية، ليس فيه تفكيك لمعنى الآية، ولم يذكر القاسمي ﵀ في تفسير الآية سر تكريمه ﵊ بمقصود الخطاب.\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب تفسير القرآن، باب: ومن سورة الأحزاب، برقم: (٣٢١٥)، وقال: \"هذا حديث حسن\"، وضعفه الألباني في ضعيف سنن الترمذي (ص: ٤٠٦).\n(^٢) انظر: التحرير والتنوير: ابن عاشور (٢٢/ ٧٧).\n(^٣) أخرجه أحمد في مسنده (٤٠/ ١٦٥)، برقم: (٢٤١٣٧)، وضعّفه محققوا المسند.\n(^٤) انظر: أحكام القرآن: ابن العربي (٣/ ٦٠٨).","vol":"2","page":989},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-839> النتيجة:</span>\nبعد ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول، من أن قوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ﴾ من المحكم الذي يدل على جواز نكاح النبي ﷺ ما بعد التسع، بخلاف ما ذهب إليه القاسمي ﵀، لما تقدم إيراده من الأوجه الدالة على ذلك، والله أعلم.","vol":"2","page":990},{"text":"سورة يس","vol":"2","page":991},{"text":"<span data-type='title' id=toc-840>سورة يس</span>\n<span data-type='title' id=toc-841>١٦٩ - قال القاسمي: هي مكية. واستثنى منها بعضهم قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾</span> [سورة يس: ١٢] الآية، لما أخرجه الترمذي والحاكم عن أبي سعيد قال: \"كانت بنو سلمة في ناحية المدينة. فأرادوا النقلة إلى قرب المسجد فنزلت هذه الآية\". ولا حاجة لدعوى الاستثناء فيها وفي نظائرها. لأن ذلك مبني على أن المراد بالنزول أن الواقعة كانت سببا لنزولها، مع أن النزول في الآثار يشمل ذلك، وكل ما تصدق عليه الآية، كما بيناه مرارا. لا سيما في المقدمة. يؤيده أنه جاء في هذه الرواية أنه ﷺ قرأ لهم هذه الآية. كما في رواية الصحيحين. وهكذا يقال فيما روي أن آية ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [سورة يس: ٣٧]. من هذه السورة نزلت في المنافقين. فإن المراد ما ذكرناه. ولم يهتد لهذا التحقيق أرباب الحواشي هنا، فاحفظه (^١).\n•<span data-type='title' id=toc-842> أقوال أهل العلم في سورة يس من حيث المكي والمدني:</span>\nالقول الأول: أن سورة يس كلها مكية، من غير استثناء.\nالقول الثاني: أن سورة يس مكية، إلا ما استُثني منها كقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى﴾.\nأصحاب القول الأول:\nابن عباس ﵁ في رواية: \" سورة يس نزلت بمكة\"، وبنحو ذلك روي عن عائشة، والحسن، وعكرمة، وقتادة في رواية (^٢).\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (١١/ ٤٠٦٤).\n(^٢) زاد المسير: ابن الجوزي (٣/ ٥١٦)، وانظر: فتح القدير: الشوكاني (٤/ ٤١١).","vol":"2","page":992},{"text":"ابن قتيبة: \"سورة يس مكية كلها\" (^١).\nأبو حفص النسفي: \"وهذه السورة مكية، وهي ثلاث وثمانون آية، وقيل: اثنتان وثمانون آية\" (^٢).\nأبو حيان: \" هذه السورة مكية، إلا أن فرقة زعمت أن قوله: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ نزلت في بني سلمة من الأنصار\" (^٣).\nأصحاب القول الثاني:\nابن عباس ﵁ في رواية: \"سورة يس مكية إلا آية منها وهي قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا﴾ الآية، وبنحو ذلك روي عن قتادة في رواية (^٤).\nالنيسابوري: \" سورة يس مكية سوى آية نزلت في اليهود قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا﴾ \" (^٥).\nالسيوطي: \" سورة (يس) مكية، واستثني منها: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ \" (^٦).\nالوادعي (^٧): \"إذا ثبت أن هذه الآية نزلت بمكة - يعني: قوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى﴾ - فلا مانع من نزولها مرتين، وإن لم يثبت نزولها بمكة فقد تكون السورة مكية إلا\n_________\n(^١) غريب القرآن: ابن قتيبة (ص: ٣٦٣)، وانظر: تفسير القرآن العزيز: ابن أبي زمنين (٤/ ٣٨).\n(^٢) التيسير في التفسير: أبو حفص النسفي (١٢/ ٣٣١).\n(^٣) البحر المحيط: أبو حيان (١٨/ ٧٢).\n(^٤) النكت والعيون: الماوردي (٥/ ٥).\n(^٥) غرائب القرآن: النيسابوري (٥/ ٥٢٢).\n(^٦) الإتقان: السيوطي (١/ ٦٣)، وانظر: الزيادة والإحسان: ابن عقيلة المكي (١/ ٢٣٧).\n(^٧) وهو: الشيخ العلامة الزاهد المحدث مقبل بن هادي الوادعي، مؤسس دار الحديث بدماج، كان محبا للعلم، له عناية بالحديث، على عقيدة السلف الصالح، حريصًا على التمسك بالسنة، مات سنة ١٤٢٢ هـ. ينظر: نبذة مختصرة من نصائح والدي: أم عبد الله بنت الشيخ مقبل (ص: ١٨).","vol":"2","page":993},{"text":"آية كما هو معروف\" (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-843> دراسة المسألة:</span>\nبعد التتبع والنظر في أقوال أهل العلم وما ذكره المفسرون في هذه المسألة، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن سورة يس كلها مكية بلا استثناء، وذلك من وجهين:\nالأول: أنه قد نقل ابن عطية إجماع المفسرين على أن السورة مكية، ولا شك أن الإجماع حجة باتفاق أهل العلم.\nقال ابن عطية ﵀: \"هذه السورة مكية بإجماع إلا أن فرقة قالت إن قوله، ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ [سورة يس: ١٢] نزلت في بني سلمة من الأنصار حين أرادوا أن يتركوا ديارهم وينتقلوا إلى جوار مسجد رسول الله ﷺ فقال لهم: «دياركم تكتب آثاركم» \" (^٢).\nالثاني: أن السور المكية؛ لها أسلوب تمتاز به، ومنها سورة يس بقوة الأسلوب، وجزالة اللفظ، بخلاف السور المدنية فإن أسلوبها ألين؛ لأنه يخاطب قومًا آمنوا، ويخاطب أيضًا قومًا فيهم أهل كتاب، ليس عندهم من البلاغة في اللغة العربية ما عند العرب، مما يدل على أن السورة مكية، وإذا جعلناها مكية فإننا لا نقول باستثناء شيء منها؛ لأن الأصل أن السورة المكية كلها مكية، وأن السورة المدنية كلها مدنية (^٣).\nوهذه السورة بدأت بذكر الأحرف المُقطعة، وفيها يذكر الله تعالى في الآيات قصص موسى ﵊، وتقرير البعث والنشور، مما يتفق مع ضوابط القرآن المكي.\n_________\n(^١) الصحيح المسند من أسباب النزول: الوادعي (ص: ١٧٤).\n(^٢) انظر: المحرر الوجيز: ابن عطية (٨/ ١٧٣)، وانظر: الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (١٧/ ٤٠٣)، وانظر: بصائر ذوي التمييز: الفيروز آبادي (١/ ٣٩٠)، وانظر: فتح القدير: الشوكاني (٤/ ٤١١).\n(^٣) انظر: تفسير القرآن الكريم (سورة يس): العثيمين (ص: ٤).","vol":"2","page":994},{"text":"الجواب عن استدلال من قال بالاستثناء في سورة يس:\nذهب أصحاب القول الثاني إلى أن سورة يس مكية إلا قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ فهو من المدني.\nواستدلوا على ذلك بحديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: كانت بنو سلمة في ناحية المدينة فأرادوا النُقلَةَ إلى قرب المسجد فنزلت هذه الآية: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ فقال رسول الله ﷺ: «إن آثاركم تكتب فلا تنتقلوا» (^١).\nوالجواب عن هذا الاستدلال من أوجه:\nالوجه الأول: أن أهل العلم اختلفوا في قبول الحديث، فمنهم من ذهب إلى أن الحديث حسن ومقبول كما تقدم عند الترمذي، ومنهم من رده ولم يعتبره سبب لنزول الآية:\nقال ابن كثير بعد ذكر حديث أبي سعيد: (وفيه غرابة من حيث ذكر نزول هذه الآية والسورة بكمالها مكية فاللَّه أعلم) (^٢).\nوقال ابن عاشور: \"وتوهم راوي الحديث عن الترمذي أن هذه الآية نزلت في ذلك، وسياق الآية يخالفه، ومكيتها تنافيه\" (^٣).\nالوجه الثاني: يحتمل أن تكون الآية نزلت بمكة ولكن الله تعالى احتج بها عليهم في المدينة، ووافقها قول النبي ﷺ في المعنى، والله أعلم (^٤).\nالوجه الثالث: أن سياق الآيات قبلها يدل على أن الآية تُخاطب كفار قريش،\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب تفسير القرآن، باب ومن سورة يس، برقم: (٣٢٢٦)، وقال: «هذا حديث حسن غريب»، وقال الألباني: حديث صحيح.\n(^٢) تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٦/ ٣٣١).\n(^٣) التحرير والتنوير: ابن عاشور (٢٢/ ٣٥٦).\n(^٤) انظر: المحرر الوجيز: ابن عطية (٨/ ١٧٣)، وانظر: أحكام القرآن: ابن الفرس (٣/ ٤٤٨) وانظر: الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (١٧/ ٤٠٣).","vol":"2","page":995},{"text":"وليست خطابًا للمؤمنين فقوله تعالى ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى﴾ إلخ تذييل عام للفريقين المصممين على الكفر والمُشْفَعَين بالإنذار ترهيبا وترغيبا ووعيدا ووعدا، وتكرير الضمير لإفادة الحصر أو للتقوية (^١).\nالوجه الرابع: على التسليم بصحة الحديث، فيُحتمل أن تكون الآية نزلت مرتين، وفي هذا يقول ابن القيم ﵀ بعد إيراده قول من قال بنزول الآية: \" وفي هذا القول نظر؛ فإن سورة \"يس\" مكية، وقصة بني سَلِمة بالمدينة، إلا أن يقال: هذه الآية وحدها مدنية.\nوأحسن من هذا أن تكون ذُكِرت عند هذه القصة ودلَّت عليها، وذُكِّروا بها عندها، إما من النبي ﷺ أو من جبريل ﵇، فأطلق على ذلك: النزول، ولعل هذا مراد من قال في نظائر ذلك: نزلت مرتين (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-844> النتيجة:</span>\nبعد ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول، من أن سورة يس كلها مكية، من غير استثناء، لما تقدم إيراده من الوجهيْن الداليْن على ذلك، وما تم إيراده من الجواب على ما استدل به أصحاب القول الثاني، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: روح المعاني: الآلوسي (٢٢/ ٢٨٢).\n(^٢) شفاء العليل: ابن القيم (١/ ١٣٧).","vol":"2","page":996},{"text":"<span data-type='title' id=toc-845>١٧٠ - قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ [سورة يس: ١٣].</span>\nقال القاسمي: وما من حاجة إلى تسمية تلك المبهمات كائنة ما كانت - يعني تعيين المراد من القرية بأنها أنطاكية-، ..... إلى أن قال: إلا أنه يؤاخذ من يجزم بتعيين مبهم ما، إن كان جزمه من غير طريق القواطع فإن القاطع. هو ما تواتر أو صح سنده إلى المعصوم، صحة لا مغمز فيها. وهذا مفقود في الأكثر، .... إلى أن قال: فالمفسر أحسن أحواله أن يمشي مع التنزيل، إجمالا فيما أجمله وتفصيلا فيما فصله، ولا يأخذ من إيضاح مبهماته إلا بما قام عليه قاطع أو كان لا ينبذه العلم الصحيح. وإلا فليعرض عن تسويد وجوه الصحف بذلك، بل عن تشويهها (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-846> أقوال أهل العلم في المراد من القرية في قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ﴾:</span>\nالقول الأول: أن المراد: قرية أنطاكية (^٢).\nالقول الثاني: أن المراد: قرية من القرى، من غير تعيين وجزم بأنها أنطاكية.\nأصحاب القول الأول:\nالطبري: \"يقول تعالى ذكره: ومثل يا محمد لمشركي قومك مثلا أصحاب القرية ذكر أنها أنطاكية\" (^٣).\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (١٤/ ٥٠٠٠، ٥٠٠١).\n(^٢) أَنْطاكِيَة: وهي مدينة تقع في بلاد الشام، طولها تسع وستون درجة وعرضها خمس وثلاثون درجة، موصوفة بالنزاهة والحسن وطيب الهواء وعذوبة الماء وكثرة الفواكه وسعة الخير. ينظر: معجم البلدان: الحموي (١/ ٢٦٦).\n(^٣) جامع البيان: الطبري (١٩/ ٤١٢)، بحر العلوم: السمرقندي (٣/ ١١٨)، وانظر: تفسير القرآن العزيز: ابن أبي زمنين (٤/ ٤٠).","vol":"2","page":997},{"text":"الزجاج: \" جاء في التفسير أنهم أهل إنطاكية، وجه إليهم عيسى اثنين فكذبوهما\" (^١).\nالثعلبي: \" قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ﴾ وهي أنطاكية\" (^٢).\nالبغوي: \" ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ﴾ يعني: اذكر لهم شبها مثل حالهم من قصة أصحاب القرية وهي أنطاكية\" (^٣).\nأصحاب القول الثاني:\nابن كثير: \" هذه القرية المذكورة في القرآن العظيم قرية أخرى غير أنطاكية، كما أطلق ذلك غير واحد من السلف أيضا. أو تكون أنطاكية إن كان لفظها محفوظا في هذه القصة مدينة أخرى غير هذه المشهورة المعروفة، فإن هذه لم يعرف أنها أهلكت لا في الملة النصرانية ولا قبل ذلك، والله أعلم\" (^٤).\nالسعدي: \" وتعيين تلك القرية، لو كان فيه فائدة، لعينها الله، فالتعرض لذلك وما أشبهه من باب التكلف والتكلم بلا علم\" (^٥).\nالعثيمين: \"المراد بالقرية هنا: قرية غير معينة، وتكون (ال) للجنس لا للعهد الذهني، يعني: اضرب مثلًا لهم في قرية غير معينة وهذا هو الصحيح، وذلك لأن الله ﷿ لو كان في بيان هذه القرية بعينها مصلحة لبينها\" (^٦).\n\n•<span data-type='title' id=toc-847> دراسة المسألة:</span>\nبعد ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم، واستقراء ما ذكره المفسرون في هذه المسألة، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول، من أن المراد من القرية في قوله\n_________\n(^١) معاني القرآن: الزجاج (٤/ ٢٨٢).\n(^٢) الكشف والبيان: الثعلبي (٢٢/ ٢٥٩)، وانظر: النكت والعيون: الماوردي (٥/ ١٠).\n(^٣) معالم التنزيل: البغوي (٧/ ١٠)، وانظر: التيسير: أبو حفص النسفي (١٢/ ٣٤٣)، وانظر: الكشاف: الزمخشري (٤/ ٨).\n(^٤) تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٦/ ٣٣٨).\n(^٥) تيسير الكريم الرحمن: السعدي (ص: ٦٩٣).\n(^٦) تفسير القرآن الكريم (سورة يس): العثيمين (ص: ٥٥).","vol":"2","page":998},{"text":"تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ﴾ قرية أنطاكية، وذلك من أوجه:\nالأول: أن القول بتعيين المراد من القرية في قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ﴾ بأنها قرية أنطاكية، هو الذي عليه أكثر المفسرين (^١)، وقيل جميع المفسرين (^٢).\nوقال الكرماني: \"أصحاب القرية وهي: أنطاكية بإجماع المفسرين\" (^٣).\nالثاني: أن القول بتعيين المراد من القرية في قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ﴾ هو الذي عليه جماعة من السلف، كابن عباس، وعكرمة، وقتادة وبريدة، والزهري، ومقاتل، ويحيى بن سلام، وغيرهم (^٤).\nولا يُعلم لم مخالف من السلف إلا ما قاله عبد الملك بن جريج في تفسير الآية: \" ذكر لنا: أنها قرية من قرى الروم\" (^٥)، وهذا لا يعني أنه ينفي بأن تكون هذه القرية: أنطاكية، والله أعلم.\nالثالث: ما جاء عن الحسن: أن الرجل الصالح الذي جاء من أقصى المدينة يسعى، يدعو قومه إلى عبادة الله ويُريد هدايتهم، قد قتله قومه، خرقوا خرقا في حلقه فعلقوه من سور المدينة، وقبره في سوق أنطاكية، فأوجب الله له الجنة (^٦).\nفدل هذا على أن المقصود من القرية في الآية هي: قرية أنطاكية، والله أعلم.\n_________\n(^١) نص على هذا مكي بن أبي طالب في الهداية (٤/ ٢٦٠٣)، والسمعاني في تفسير القرآن (٤/ ٣٧٠).\n(^٢) انظر: البسيط: الواحدي (١٨/ ٤٦٣)، وانظر: تفسير العز بن عبد السلام (٣/ ٣٥)، وانظر: الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (١٧/ ٤٢٣)، وانظر: البحر المحيط: أبو حيان (١٨/ ٨١).\n(^٣) لباب التفاسير: الكرماني (٢٣٣٧).\n(^٤) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان (٣/ ٥٧٥)، وانظر: تفسير يحيى بن سلام (٢/ ٨٠٣)، وانظر: جامع البيان: الطبري (١٩/ ٤١٣)، وانظر: معاني القرآن: النحاس (٣/ ٩٣)، وانظر: تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٦/ ٣٣٢)، وصحح المحقق قول عكرمة وقتادة في الحاشية، وانظر: الدر المنثور: السيوطي (٧/ ٤٩)، وانظر: فتح القدير: الشوكاني (٤/ ٤٢٠)، وانظر: موسوعة التفسير بالمأثور: مجموعة من المؤلفين (١٨/ ٤٣٢).\n(^٥) أورده السيوطي في الدر المنثور (٧/ ٤٩)، وعزاه إلى ابن المنذر.\n(^٦) انظر: الكشف والبيان الثعلبي (٢٢/ ٢٦١)، وانظر: الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (١٧/ ٤٣١) وانظر: البحر المحيط: أبو حيان (١٨/ ٩٠)، وانظر: روح المعاني: الآلوسي (٢٢/ ٣٠٤).","vol":"2","page":999},{"text":"تنبيه:\nذكر القاسمي بأن تعيين البلدة بأنها أنطاكية وتسمية الرسل، إنما روي موقوفا ومنقطعا، وفي بعض إسناده متهمون. ولذا قد يرد على من يقطع بذلك ما لا مخرج له منه (^١).\nوهذا الذي ذكره ليس على جميع ما روي، فإن ما رواه الطبري في تفسيره عن قتادة: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ الآية. [سورة يس: ١٤] قال: «ذكر لنا أن عيسى ابن مريم بعث رجلين من الحواريين إلى أنطاكية مدينة بالروم فكذبوهما، فأعزهما بثالث» (^٢). إسناده حسن لأن فيه بشر بن معاذ العقدي وهو صدوق (^٣)، وباقي رجاله ثقات.\nوكذا ما رواه عن عكرمة: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ﴾ قال: أنطاكية (^٤). فإن رجال إسناده ثقات، وإسناده صحيح.\nأما ما رواه الطبري عن كعب بن الأحبار ووهب بن منبه، قال: \" كان بمدينة أنطاكية فرعون من الفراعنة يقال له أبطيحس بن أبطيحس يعبد الأصنام، صاحب شرك\" الأثر (^٥). فلم يصح إسناده كما قال القاسمي ﵀، لأن فيه: محمد بن حميد الرازي، وهو ضعيف (^٦).\nوفي إسناده أيضًا: أن ابن إسحاق يقول: فيما بلغه عن ابن عباس، والبلاغات ضعيفة لأن فيها انقطاع، فلا يُعلم من بينه وبين ابن عباس وكعب بن الأحبار، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: محاسن التأويل: القاسمي (١٤/ ٥٠٠١).\n(^٢) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (١٩/ ٤١٣).\n(^٣) انظر: الجرح والتعديل: ابن أبي حاتم (٢/ ٣٦٨)، وانظر: تهذيب التهذيب: ابن حجر (١/ ٤٥٨).\n(^٤) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (١٩/ ٤١٣).\n(^٥) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (١٩/ ٤١٣).\n(^٦) انظر: المجروحين: ابن حبان (٢/ ٣٢١)، وانظر: الكامل في ضعفاء الرجال: ابن عدي (٧/ ٥٢٩، ٥٣٠).","vol":"2","page":1000},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-848> النتيجة:</span>\nيتبين من خلال ما تقدم ذكره من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن المراد من القرية في قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ﴾، هي قرية أنطاكية، بخلاف ما ذهب إليه القاسمي ﵀، لما تقدم إيراده من الأوجه الدالة على ذلك، والله أعلم.","vol":"2","page":1001},{"text":"سورة الصافات","vol":"2","page":1002},{"text":"<span data-type='title' id=toc-849>سورة الصافات</span>\n<span data-type='title' id=toc-850>١٧١ - قوله تعالى: ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ﴾ [سورة الصافات: ٨].</span>\nقال القاسمي: ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ﴾ قرئ بالتخفيف والتشديد. وأصله (يتسمعون) أي يتطلبون السماع. والضمير لكل شيطان. لأنه في معنى الشياطين. والجملة مستأنفة لبيان ما عليه حال المسترقة للسمع من أنهم لا يقدرون أن يسمعوا إلى كلام الملائكة إلخ. أو هي علة للحفظ. أي لئلا يسمعوا. فحذفت اللام ثم (أن) وأهدر عملها. وضعفوه بلزوم اجتماع حذفين، وهو منكر. كما ذكروه في قوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [سورة النساء: ١٧٦]، أي لئلا تضلوا، وقد يقال: إنما ينكر حذف شيئين فيما يخل بانسجام الكلام. أما في تقدير أمر له نظائر، ومرجعه إلى تحليل معنى. لا يأباه اللفظ- فلا وجه للتعصب في رده، لمجرد أن الكوفيين، مثلا، ذهبوا إليه أو غيرهم. وشاهد المعنى أعدل من حكم القواعد وتحكيمها (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-851> أقوال أهل العلم في المراد من الجملة في قوله تعالى: ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى﴾:</span>\nالقول الأول: أن الجملة في قوله تعالى: ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ﴾: مستأنفة، والمعنى: أن حال المسترقة للسمع أنهم لا يقدرون أن يسمعوا إلى كلام الملائكة، لعدم جواز اجتماع الحذفين، يعني: (أن) و(لا) إن قيل بأن المراد: لئلا يسمعوا، فإن ذلك منكر.\nالقول الثاني: أن الجملة في قوله تعالى: ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ﴾: تعليلية، والمعنى: لئلا يسمعوا، لجواز اجتماع الحذفين.\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (١٤/ ٥٠٢٧).","vol":"2","page":1003},{"text":"أصحاب القول الأول:\nالزمخشري: \"كل واحد من هذين الحذفين غير مردود على انفراده، فأما اجتماعهما فمنكر من المنكرات، على أن صون القرآن عن مثل هذا التعسف واجب\" (^١).\nالسخاوي: \"و﴿لَا يَسَّمَّعُونَ﴾ مستأنف، التقدير: أن سائلا قال: فما شأنهم عند التسمع؟ قلت: لا يسمعون، وهم مطرودون عن التسمع\" … إلى أن قال: \"الحذف في هذين الحرفين معا منكر، أما حذف أحدهما فجائز\" (^٢).\nالبيضاوي: \" ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى﴾ كلام مبتدأ لبيان حالهم بعد ما حفظ السماء عنهم، ولا يجوز جعله صفة لكل شيطان فإنه يقتضي أن يكون الحفظ من شياطين لا يسمعون، ولا علة للحفظ على حذف اللام … إلى أن قال: فإن اجتماع ذلك منكر\" (^٣).\nأبو حيان: \"قول من قال: إن الأصل لأن لا يسمعوا، فحذفت اللام و(أن)، فارتفع الفعل، قول متعسف يُصان كلام الله عنه\" (^٤).\nأبو السعود: \"فأمَّا اجتماعهما -يعني حذف (أن) و(لا) - فمن أنكر المنكرات التي يجب تنزيه ساحة التنزيل الجليل عن أمثالها\" (^٥).\nأصحاب القول الثاني:\nالطبري: \" الأخبار الواردة عن رسول الله ﷺ وعن أصحابه، أن الشياطين قد تتسمع الوحي، ولكنها ترمى بالشهب لئلا تسمع\" (^٦).\n_________\n(^١) الكشاف: الزمخشري (٤/ ٣٦).\n(^٢) تفسير القرآن العظيم: السخاوي (٢/ ١٩١).\n(^٣) أنوار التنزيل: البيضاوي (٥/ ٦).\n(^٤) البحر المحيط: أبو حيان (١٨/ ١٥٥).\n(^٥) إرشاد العقل السليم: أبو السعود (٧/ ١٨٥).\n(^٦) جامع البيان: الطبري (١٩/ ٤٩٨).","vol":"2","page":1004},{"text":"السمرقندي: \"من قرأ بالتشديد فأصله يتسمعون، فأدغمت التاء في السين، وشددت. يعني: لكيلا يستمعون إلى الملإ الأعلى يعني: إلى الكتبة\" (^١).\nابن أبي زمنين: \" ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ﴾ أي: لئلا يسمعون ﴿إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى﴾ يعني: الملائكة في السماء\" (^٢).\nالكرماني: \" ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى﴾ أي: إلى كلام الملأ الأعلى وهم الملائكة، وتقديره: أن لا يسمعوا أي: لئلا يسمعوا، فلما حذف (أن) رفعه الفعل وعداه بإلى لأنه في معنى الإصغاء\" (^٣).\nابن الجوزي: \" ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ﴾ أي لكيلا يسمعوا إلى الملأ الأعلى وهم الملائكة\" (^٤).\nابن كثير: \" ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى﴾ أي: لئلا يصلوا إلى الملأ الأعلى، وهي السماوات ومن فيها من الملائكة\" (^٥).\n\n•<span data-type='title' id=toc-852> دراسة المسألة:</span>\nبعد التتبع والنظر في أقوال أهل العلم وما ذكره المفسرون في هذه المسألة، يتبين أن الصواب هو ما عليه أصحاب القول الثاني من أن الجملة في قوله تعالى: ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ﴾: تعليلية، والمعنى: لئلا يسمعوا، وأنه يجوز اجتماع الحذفين، وذلك من أوجه:\nالأول: الشواهد من الآيات القرآنية التي تدل على ذلك: ومن ذلك قوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ أي: أي لئلا تضلوا. فحذف اللام و«لا» جميعا من محليهما (^٦).\n_________\n(^١) بحر العلوم: السمرقندي (٣/ ١٣٧).\n(^٢) تفسير القرآن العزيز: ابن أبي زمنين (٤/ ٥٦).\n(^٣) لباب التفاسير: الكرماني (ص: ٢٣٨٠).\n(^٤) تذكرة الأريب: ابن الجوزي (ص: ٣١٨).\n(^٥) تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٦/ ٣٦٤).\n(^٦) انظر: الكشاف للزمخشري مذيل بحاشية الانتصاف فيما تضمنه الكشاف لابن المنيّر (٤/ ٣٥).","vol":"2","page":1005},{"text":"وكذا قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [سورة النحل: ١٥]، أي: لئلا تميد بكم (^١).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾ [سورة فاطر: ٤١]، أي: لئلَاّ تزولا. وقوله: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ﴾ [سورة الحج: ٦٥] يعني لئلا تقع على الأرض (^٢).\nالثاني: الشواهد من اللغة الدالة على جواز اجتماع الحذفين، ومن ذلك قول الشاعر:\nألا أيُّهذا الزاجري أحضرُ الوَغى … وأن أشهدَ اللذّاتِ هل أنت مُخْلدي (^٣).\nفأصل الكلام: ألا أيُّهذا الزاجري عن أن أحضرُ الوَغى. يريد عن حضور الوغى، وحذف (عن) فصار (أن أحضرُ الوَغى) ثم حذف (أنّ) ورفع الفعل\nوالوغى: الأصوات في الحرب، والوغى: الحرب. يقول: يا أيها الرجل، أنت تلحانيْ وتزجرني حتى لا أحضر الحرب، وتلومني على حضورها وعلى أن أنفق مالي في شرب الخمرْ واللذات، وأنا قد علمت أني ميت، لا يمكنني أن أدفع الموت عن نفسي، فإن كنت أنت يمكنك أن تدفع عني الموت، أطعتك فيما تأمرني به من إمساك مالي، وترك إنفاقي. وإن لم يمكنك هذا فاتركني أصرف مالي فيما أشتهي في أيام حياتيْ وانتفع به (^٤).\nالثالث: مما يدل على أن اجتماع الحذفين في الحروف جائز في اللغة، جواز حذف جمل متعددة، وإذا جاز حذف الجمل فلم لا يجوز حذف حرفين (^٥).\nمن أمثلة ذلك: قوله تعالى حكاية عن مريم- ﵍ ﴿قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي\n_________\n(^١) انظر: جامع البيان: الطبري (١٤/ ١٨٩)، وانظر: الكشف والبيان: الثعلبي (٦/ ١١)، وانظر: معالم التنزيل: البغوي (٥/ ١٣)، وانظر: فتح القدير: الشوكاني (٣/ ١٨٤).\n(^٢) انظر: التصاريف لتفسير القرآن: القيرواني (ص: ١٩٦).\n(^٣) البيت لطَرَفة بن العبد. ينظر: ديوان طرفة بن العبد مع الشرح (ص ٢٥)، وانظر: الكتاب (٣/ ٩٩)، وانظر: لسان العرب (١٣/ ٣٢).\n(^٤) انظر: شرح أبيات سيبويه: السيرافي (٢/ ٦١)، وانظر: روح المعاني: الآلوسي (٢٣/ ١٧).\n(^٥) انظر: عناية القاضي: الشهاب الخفاجي (٧/ ٢٧٩).","vol":"2","page":1006},{"text":"غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (٢٠) قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ [سورة مريم: ٢١]، فقوله: ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ﴾، تعليل معلله محذوف: أي وإنما فعلنا ذلك لنجعله آية للناس، فذكر السبب الذي صدر الفعل من أجله، وهو جعله آية للناس، ودل به على المسبب الذي هو الفعل (^١).\nوكذا في قوله تعالى في سورة يوسف: ﴿أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (٤٥) يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ﴾ [سورة يوسف: ٤٦] في الآيات تقدير حذف يفهمه من ينظر في سياق الآيات ﴿أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ﴾ فأرسلوه إلى يوسف، فقابل يوسف فقال له: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا﴾ (^٢).\nالرابع: ما ورد من آثار عن بعض من السلف تدل على أن الجملة في قوله تعالى: ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ﴾: تعليلية، والمعنى: لئلا يسمعوا.\nقال يحيى بن سلام: \"قوله: ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ﴾ أي: لئلا يسمعوا ﴿إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى﴾ الملائكة في السماء، وكانوا يسمعون قبل أن يبعث النبي ﷺ أخبارا من أخبار السماء، فأما الوحي فلم يكونوا يقدرون على أن يسمعوه، وكانوا يقعدون منها مقاعد للسمع، فلما بعث الله النبي ﷺ منعوا من تلك المقاعد\" (^٣).\nوقال مقاتل بن سليمان: ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى﴾، يعني: الملائكة، وكانوا قبل النبي ﷺ يسمعون كلام الملائكة (^٤).\nوأخرج ابن جرير الطبري عن ابن عباس ﵁، قال: \" كانت للشياطين مقاعد في السماء، قال: فكانوا يسمعون الوحي، قال: وكانت النجوم لا تجري، وكانت الشياطين لا\n_________\n(^١) انظر: المثل السائر: ابن الأثير (٢/ ٢٢٤).\n(^٢) انظر: المثل السائر: ابن الأثير (٢/ ٩٠)، وانظر: فتح القدير: الشوكاني (٣/ ٣٨).\n(^٣) تفسير يحيى بن سلام (٢/ ٨٢٣، ٨٢٤)، وانظر: موسوعة التفسير بالمأثور: مجموعة من المؤلفين (١٨/ ٥٤٦).\n(^٤) تفسير مقاتل بن سليمان (٣/ ٦٠٢)، وانظر: موسوعة التفسير بالمأثور: مجموعة من المؤلفين (١٨/ ٥٤٦).","vol":"2","page":1007},{"text":"ترمى، قال: فإذا سمعوا الوحي نزلوا إلى الأرض، فزادوا في الكلمة تسعا؛ قال: فلما بعث رسول الله ﷺ جعل الشيطان إذا قعد مقعده جاء شهاب، فلم يخطه حتى يحرقه\" (^١).\nفدل هذا على أن العلة من الحفظ لئلا يستمع الشياطين إلى الوحي، وإلا لما كان للحفظ معنى في قوله تعالى: ﴿وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ﴾ [سورة الصافات: ٧].\n\n•<span data-type='title' id=toc-853> النتيجة:</span>\nبعد ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني من أن الجملة في قوله تعالى: ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ﴾: تعليلية، والمعنى: لئلا يسمعوا، وأنه يجوز اجتماع الحذفين، لما تقدم إيراده من الأوجه الدالة على ذلك، الله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (١٩/ ٤٩٩).","vol":"2","page":1008},{"text":"<span data-type='title' id=toc-854>١٧٢ - قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ [سورة الصافات: ١٥٨].</span>\nقال القاسمي: فسر بعضهم (الجنة) بالملائكة المحدث عنها قبل. والضمير في (إنهم) للكفرة. ولعل ما ذكرناه أولى، لخلوه عن تشتيت الضمائر، ولموافقته للأغلب من استعمال الجن والجنة. وذلك فيما عدا الملائكة. وقلنا (الأغلب) لما سمع من إطلاق الجن في الملائكة.\nقال الأعشى يذكر سليمان ﵇:\nوَسَخَّرَ مِنْ جِنِّ الْمَلَائِكِ تِسْعَةً … قِيَامًا لَدَيْهِ يَعْمَلُونَ بِلَا أَجْرِ (^١).\nإلى أن قال القاسمي: وبيت الأعشى لا يصلح حجة، لفساد مصداقه. لأن سليمان لم تسخر الملائكة لتشيد له المباني. وليس ذلك من عملهم ﵈. وقد مر الكلام على ذلك في تفسير سورة (سبأ) (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-855> أقوال أهل العلم في المراد من الجِنَّة في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾</span> (^٣):\nالقول الأول: أن المراد من الجِنة: الجن والشياطين.\nالقول الثاني: أن المراد من الجِنة: الملائكة.\n_________\n(^١) البيت ينسب للأعشى، ينظر: التيجان في ملوك حمير: الحميري (ص: ٣٦٨)، وينظر: غريب القرآن: ابن قتيبة (ص: ٢١).\n(^٢) محاسن التأويل: القاسمي (١٤/ ٥٠٦٦، ٥٠٦٧).\n(^٣) أشار إلى هذا الخلاف الماوردي في النكت والعيون (٥/ ٧١)، وابن الجوزي في زاد المسير (٣/ ٥٥٤)، وابن جزي في التسهيل (٢/ ١٩٨).","vol":"2","page":1009},{"text":"أصحاب القول الأول:\nجماعة من السلف وهم: ابن عباس، وعطية السعدي ﵁ (^١)، وقتادة في رواية، والحسن (^٢).\nأبو حفص النسفي: \"قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ﴾: وهم الجن\" (^٣).\nأبو حيان: \"الظاهر أن الجِنة هم الشياطين\" (^٤).\nابن القيم: \"والصحيح: خلاف ما ذهب إليه هؤلاء - يعني: الملائكة-، وأن الجنة هم الجن أنفسهم، كما قال تعالى: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [سورة الناس: ٦] \" (^٥).\nأصحاب القول الثاني:\nجماعة من السلف وهم: مجاهد، وقتادة في رواية، والسدي، وعكرمة (^٦).\nالفراء: \" وقوله: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ يقال: الجنة هاهنا الملائكة. جعلوا بينه وبين خلقه نسبا\" (^٧).\nالزجاج: \" ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ الجنة ههنا الملائكة\" (^٨).\nالزمخشري: \" ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ أي: وجعلوا بين الله وبين الجنة وأراد\n_________\n(^١) وهو: عطية بن عروة السعدي، من بني سعد بن بكر. وقيل: من بني جشم بن سعد، صحابي معروف، له أحاديث. نزل الشام، وجزم ابن حبّان بأنه عطية بن عروة بن سعد، وكان ممن كلّم النبيّ ﷺ في سبي هوازن. ينظر: الإصابة: ابن حجر (٤/ ٤٢٢).\n(^٢) أخرج قول ابن عباس ابن جرير الطبري في تفسيره (١٩/ ٦٤٤)، وقول عطية وقتادة أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (١٠/ ٣٢٣١)، برقم: (١٨٣٠٢)، وانظر: الكشف والبيان: الثعلبي (٢٢/ ٤٣٥).\n(^٣) التيسير في علم التفسير: أبو حفص النسفي (١٢/ ٤٥٣).\n(^٤) البحر المحيط: أبو حيان (١٨/ ٢١٦).\n(^٥) التفسير القيم: ابن القيم (ص: ٥١٢).\n(^٦) أخرج أقوالهم ابن جرير الطبري في تفسيره (١٩/ ٦٤٥)، وانظر: بحر العلوم: السمرقندي (٣/ ١٥٤).\n(^٧) معاني القرآن: الفراء (٢/ ٣٩٤).\n(^٨) معاني القرآن: الزجاج (٤/ ٣١٥).","vol":"2","page":1010},{"text":"الملائكة نسبًا وهو زعمهم أنهم بناته\" (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-856> دراسة المسألة:</span>\nمن خلال استقراء ما ذكره أهل العلم في تفسير قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾، يتبين أن الصواب من أقوالهم ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن المراد من الجِنة: الجن من الشياطين والمردة، وذلك من أوجه:\nالأول: أن الجِنة اسم للجن لا للملائكة، قال الله تعالى: ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ يعني الجن، وقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ﴾ [سورة المؤمنون: ٧٠] أي جن أصابه بمس، ولا يمكن أن يعبر بالجن الذين خلقوا من نار عن الملائكة الذين خلقوا من نور، وهم من أشرف خلق الله ﷿، قال الله تعالى: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [سورة الأنبياء: ٢٨] فالمراد بالجنة هنا الجن الذين هم: خلق غيبي خلقوا من نار، ولكن كيف جعلوا نسبًا؟ المراد بالنسب مجرد الصلة وليس النسب الذي هو القرابة، بل النسب الذي هو الصلة، وذلك أن المشركين لما قالوا: إن الملائكة بنات الله. قيل لهم: لا بنات إلا بزوجة، قالوا: نعم إن الله -جل وعلا وسبحانه عما يصفون- تزوج من الجن جنية فولدت الملائكة -قاتلهم الله- هذا هو النسب الذي جعلوا بين الله وبين الجنة، فالمراد أن النسب هنا مطلق الصلة، لا صلة القرابة فقط، هذا هو المعنى الذي يدل عليه استعمال الجنة في كلام الله، وأن المراد بالجِنة الجن (^٢).\nالثاني: من حيث اللغة: فإن الجِنة تطلق على جماعة الجن خاصة، كما في قوله تعالى: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ وقوله: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ (^٣)، بخلاف لفظ:\n_________\n(^١) الكشاف: الزمخشري (٤/ ٦٤)، وانظر: أنوار التنزيل: البيضاوي (٥/ ٢٠).\n(^٢) تفسير القرآن الكريم (سورة الصافات): العثيمين (ص: ٣٢٩).\n(^٣) تفسير القرآن الكريم (سورة الصافات): العثيمين (ص: ٣٢٩).","vol":"2","page":1011},{"text":"(الجن) فإنه يجوز أن يُراد به: الملائكة باعتبار أنها مستترة عن الحواس، لأن الجن مأخوذ من الاجتنان، وهو الستر فعلى هذا تدخل الملائكة فيه فكل الملائكة جن لاستتارهم وليس كل جن ملائكة (^١).\nالثالث: أن من أهل العلم من رد إطلاق الجن على الملائكة وذلك أن الله خلق الملائكة من نور لا من نار كالجن. والملائكة معصومون. ولا يتناسلون ولا يتصفون بذكورة وأنوثة، بخلاف الجن. ولهذا قال الجماهير: الاستثناء في قوله تعالى: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ [سورة البقرة: ٣٤]، منقطع أو متصل. لكونه كان مغمورا فيهم، متخلقا بأخلاقهم (^٢).\nتنبيه:\nأكثر أهل العلم من المفسرين على أن المراد من الجِنة في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ الملائكة (^٣)، وهذا لا يعني أن يكون الراجح هو ما ذهبوا إليه، فالعبرة ليست بالكثرة، ولعل الصواب هو ما تقدم تقريره، والله أعلم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-857> النتيجة:</span>\nمن خلال ما تقدم ذكره من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الأقرب للصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن المراد من الجِنة في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ﴾: الجن والشياطين، لما تقدم إيراده من الأوجه الدالة على ذلك، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) انظر: المفردات: الراغب الأصفهاني (ص: ٢٠٤).\n(^٢) انظر: محاسن التأويل: القاسمي (١٤/ ٥٠٦٦، ٥٠٦٧).\n(^٣) نص على هذا النحاس في إعراب القرآن (٣/ ٢٩٩)، والقيرواني في النكت في القرآن الكريم (ص: ١٣٥)، والسمعاني في تفسير القرآن (٤/ ٤١٨)، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ١١٠)، والشوكاني في فتح القدير (٤/ ٤٧٥)، وغيرهم.","vol":"2","page":1012},{"text":"سورة الشورى","vol":"2","page":1013},{"text":"<span data-type='title' id=toc-858>سورة الشورى</span>\n<span data-type='title' id=toc-859>١٧٣ - قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [سورة الشورى: ٣٩].</span>\nنقل السيوطي في (الإكليل) عن الكيا الهراسيّ أنه قال: قد ندب الله إلى العفو في مواضع من كتابه، وظاهر هذه الآية ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ أن الانتصار أفضل (^١). قال، وهو محمول على من تعدى وأصرّ، لئلا يتجرأ الفساق على أهل الدين. وآيات العفو فيمن ندم وأقلع (^٢).\nقال القاسمي: وعجيب فهمه الأفضلية من الآية، فإنها لا تدل عليه، عبارة ولا إشارة. فإنه تعالى لم يرغب في الانتصار. وإنما بين أنه مشروع لهم إذا شاءوا. ثم بين بعده أن مشروعيته بشرط رعاية المماثلة. ثم بين أن العفو أولى، وهو الذي انتهى إليه الكلام، وتم به السياق. وكذلك لا حاجة إلى حمل الانتصار على من تعدى. وذلك لأن الانتصار بالمثل من فروع علم العقوبات والجزاء المشروعة لإقامة الحق والعدل، .... إلخ (^٣).\n\n•<span data-type='title' id=toc-860> أقوال أهل العلم في دلالة قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ على أفضلية الانتصار:</span>\nالقول الأول: أن الآية تدل على أن الانتصار أفضل.\nالقول الثاني: أن الآية تدل على أن الانتصار مشروع، وليس بأفضل.\nأصحاب القول الأول:\nالجصاص: \" ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ يدل ظاهره على أن الانتصار في\n_________\n(^١) انظر: أحكام القرآن: الكيا الهراسي (٤/ ٣٦٦).\n(^٢) انظر: الإكليل: السيوطي (ص: ٢٣٠).\n(^٣) محاسن التأويل: القاسمي (١٤/ ٥٢٥١).","vol":"2","page":1014},{"text":"هذا الموضع أفضل، ألا ترى أنه قرنه إلى ذكر الاستجابة لله تعالى وإقامة الصلاة؟ \" (^١).\nابن الفرس: \" ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ يدل ظاهره على أن الانتصار في هذا الموضع أفضل وهو محمول على ما ذكر النخعي من أنهم كانوا يكرهون للمؤمنين أن يدلوا أنفسهم فيجترؤوا عليهم الفساق\" (^٢).\nأصحاب القول الثاني:\nالزبير الغرناطي: \" ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ فأشار إلى أن هؤلاء لا يظلمون أحدا وان أقصى ما يقع منهم الانتصار ممن يظلمهم وذلك مباح لهم غير قبيح\" (^٣).\nالرازي: \" فإنه تعالى لم يرغب في الانتصار بل بين أنه مشروع فقط، ثم بين بعده أن شرعه مشروط برعاية المماثلة، ثم بين أن العفو أولى بقوله فمن عفا وأصلح فأجره على الله\" (^٤).\nابن كثير: \" ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ أي: فيهم قوة الانتصار ممن ظلمهم واعتدى عليهم، ليسوا بعاجزين ولا أذلة، بل يقدرون على الانتقام ممن بغى عليهم، وإن كانوا مع هذا إذا قدروا وعفوا\" (^٥).\nأبو السعود: \" ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ أي ينتقمون ممن بغى عليهم على ما جعله الله تعالى لهم كراهة التذلل وهو وصف لهم بالشجاعة بعد وصفهم بسائر مهمات الفضائل وهذا لا ينافي وصفهم بالغفران فإن كلا منهما فضيلة محمودة في موقع نفسه ورذيلة مذمومة في موقع صاحبه\" (^٦).\n_________\n(^١) أحكام القرآن: الجصاص (٥/ ٢٦٣).\n(^٢) أحكام القرآن: ابن الفرس (٣/ ٤٦٩).\n(^٣) ملاك التأويل: الزبير الغرناطي (١/ ٩٦).\n(^٤) مفاتيح الغيب: الرازي (٢٧/ ٦٠٤).\n(^٥) تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٦/ ٥٥٧).\n(^٦) إرشاد العقل السليم: أبو السعود (٨/ ٣٤).","vol":"2","page":1015},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-861> دراسة المسألة:</span>\nبعد التتبع والنظر في أقوال أهل العلم وما ذكره المفسرون في هذه المسألة، يتبين أن الأصل في هذه المسألة يرجع إلى إمام المسلمين وولي أمرهم، بحسب المصحة التي يراها، إن كان الانتصار أفضل أم العفو.\nوعليه فالآية تدل على أن الانتصار أفضل من العفو في أحوال، وتدل على أنه مشرع في أحوال إن كان العفو أفضل، وذلك مما يلي:\nأولا: فيما يتعلق بالجهاد وقتال الكفار والأذى الجسماني، فإن الانتصار في هذه الحال أفضل من العفو والله أعلم، فإذا نال المسلمين البغي من الكفار فهم ينتصرون بالجهاد؛ كما قال: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ الآية [سورة الحج: ٣٩]. في هذا يقول عطاء في تفسير الآية: يعني المؤمنين الذين أخرجهم الكفار من مكة، وبغوا عليهم، ثم مكنهم الله في الأرض، حتى انتصروا ممن ظلمهم (^١).\nوعن عبد الملك ابن جريج، في قوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ﴾ قال: \"هذا محمد ﷺ ظلم وبغي عليه وكذب ﴿هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ قال: ينتصر محمد ﷺ بالسيف\" (^٢).\nثانيًا: فيما يتعلق بالخصومات والنزاعات التي تحصل بين الناس والأذى اللفظي، ففي مثل هذه الحال يكون العفو أفضل من الانتصار، كما يدل عليه سياق الآيات بعدها، فالمنتصر مستوفٍ لحقٍّ جُعل له، والغافر تارك الحق، لكن إذا جُعل له الاستيفاء دخل فيما ذكر من المستجيبين لله تعالى، لكن تارك الحق أفضل من مستوفي الحق، وعلى ذلك حث اللَّه تعالى رسوله بالعفو عن المظلمة وترك الانتصار والمكافأة، وأخبر أنه من عزم الأمور حيث قال: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [سورة الشورى: ٤٣] (^٣).\n_________\n(^١) انظر: التفسير الوسيط: الواحدي (٤/ ٥٨)، وانظر: معالم التنزيل: البغوي (٧/ ١٩٧)، وانظر: التيسير: أبو حفص النسفي (١٣/ ٢٤٧).\n(^٢) أورده السيوطي في الدر المنثور (٧/ ٣٥٨)، وعزاه إلى ابن المنذر.\n(^٣) انظر: تأويلات أهل السنة: الماتريدي (٩/ ١٣٣، ١٣٤).","vol":"2","page":1016},{"text":"وفي هذا أيضًا يقول إبراهيم النخعي في تفسير الآية: \" كانوا يكرهون للمؤمنين أن يستذلوا، وكانوا إذا قدروا عفوا\" (^١).\nثالثًا: فيما يتعلق في أحوال إقامة العقوبات على أهل الفسق والفجور: فإذا كان الباغي معلنا بالفجور، مُصرا على الظلم، وقحا في الجمهور، مؤذيا للصغير والكبير، فيكون الانتقام منه أفضل، وإذا كان معترفًا بالزلة، ويسأل المغفرة، فالعفو هاهنا أفضل، وفي مثله نزلت: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [سورة البقرة: ٢٣٧] (^٢).\nوبهذا يتبين أن الآية تدل على أن الانتصار أفضل في أحوال، وليس كما يُفهم من قول القاسمي ﵀ من أن الآية لا تدل على ذلك. وتدل أيضًا بأن العفو أفضل في أحوال، كما تقدم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-862> النتيجة:</span>\nيتبين من خلال ما تقدم ذكره من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، أن الصواب بأن الآية تدل على أن الانتصار ليس بأفضل مطلقًا، وإنما أفضل في أحوال، بخلاف ظاهر ما ذهب إليه القاسمي ﵀ من أن الآية تدل على أن العفو أفضل في جميع الأحوال لما تقدم بيانه، والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (١٠/ ٣٢٧٩)، برقم: (١٨٤٨٦).\n(^٢) انظر: أحكام القرآن: الجصاص (٥/ ٢٦٣)، وانظر: أحكام القرآن: ابن العربي (٤/ ٩٣)، وانظر: أحكام القرآن: ابن الفرس (٣/ ٤٦٩)، وانظر: مفاتيح الغيب: الرازي (٢٧/ ٦٠٤).","vol":"2","page":1017},{"text":"<span data-type='title' id=toc-863>١٧٤ - قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [سورة الشورى: ٥١].</span>\nاستدل مالك بقوله: ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ على أن من حلف لا يكلم زيدا، فأرسل إليه رسولا أو كتابا، أنه يحنث. لأنه تعالى استثناه من الكلام، فدل على أنه منه (^١).\nقال القاسمي: وفيه بعد. إذ لا يقال لمن ألهمه الله، إنه كلمه إلا مجازا. فلا يكون الاستثناء متصلا (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-864> أقوال أهل العلم في الاستثناء وما يترتب عليه من معنى في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾:</span>\nالقول الأول: أن الاستثناء متصل، وعليه: يكون الوحي بمعنى الكلام، أو نوعًا من الكلام.\nالقول الثاني: أن الاستثناء منفصل، وعليه: يكون الوحي بمعنى الالهام أو الاعلام، وليس بمعنى الكلام.\nأصحاب القول الأول:\nالعمراني: \"الاستثناء إنما يكون من جنس المستثنى منه، ولقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا﴾ والوحي: هو الرسالة، فدل على أن الوحي كلام. ولأن الجميع وضع لتفهيم الآدمي، فأشبه الكلام\" (^٣).\nابن الحاجب (^٤): \" ويجوز أن يكون استثناء منقطعا، وليس بواضح إذ المفهوم من\n_________\n(^١) انظر: بحر المذهب: الروياني (١٠/ ٥٢٤)، وانظر: الإكليل: السيوطي (ص: ٢٣١).\n(^٢) محاسن التأويل: القاسمي (١٤/ ٥٢٥٥).\n(^٣) البيان في مذهب الإمام الشافعي: العمراني (١٠/ ٥٥٧).\n(^٤) وهو: أبو عمرو عثمان بن عمر الدوني المصري، الفقيه المالكي المعروف بابن الحاجب، الملقب جمال الدين، نشأ في القاهرة، وبرع في علومه وأتقنها غاية الإتقان، ثم انتقل إلى دمشق، مات سنة ٦٤٦ هـ. ينظر: وفيات الأعيان: ابن خلكان (٣/ ٢٤٨).","vol":"2","page":1018},{"text":"سياق الكلام بيان حصول التكليم من الله لبشر، ولأنه لا ينبغي أن يعدل إلى المنقطع إلا بعد تعذر المتصل. والله أعلم\" (^١).\nابن عاشور: \"إسناد فعل يكلمه إلى الله إسناد مجازي عقلي. وبهذا الاعتبار صار استثناء الكلام الموصوف بأنه وحي استثناء متصلا \" (^٢).\nأصحاب القول الثاني:\nأبو علي الفارسي: \" ويجوز في قوله: ﴿إِلَّا وَحْيًا﴾ أمران: أحدهما: أن يكون استثناء منقطعا، والآخر أن يكون حالا\" (^٣).\nابن رشد: \" روى عن مالك: أنه لا يُنَوَّى فيهما جميعا - يعني نوى أن يكلمه بإرسال رسول أم لم ينوي-، وتلا قول الله ﷿: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ الآية، وهو بعيد؛ لأن الصحيح في هذا الاستثناء إنما استثناء منفصل مقدر بـ (لكن) \" (^٤).\nأبو البقاء: \" ﴿إِلَّا وَحْيًا﴾: استثناء منقطع؛ لأن الوحي ليس بتكليم\" (^٥).\n\n•<span data-type='title' id=toc-865> دراسة المسألة:</span>\nمن خلال ما تقدم ذكره من أقوال أهل العلم، واستقراء ما قيل في هذه المسألة، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني من أن أن الاستثناء في قوله تعالى: ﴿إِلَّا وَحْيًا﴾ منفصل، وذلك من أوجه:\nأولا: أن الاستثناء المتصل يجب أن يكون المستثنى منه من جنس الكلام، كما تقول حضر الطلاب إلا زيدا، أو قام القوم إلا زيدًا، وأما في هذه الآية فالمستثنى منه ليس من\n_________\n(^١) أمالي ابن الحاجب (١/ ٢٢٩).\n(^٢) التحرير والتنوير: ابن عاشور (٢٥/ ١٤١).\n(^٣) الحجة للقراء السبعة: أبو علي الفارسي (٦/ ١٣٤).\n(^٤) البيان والتحصيل: ابن رشد (٦/ ٩٦)، بتصرف.\n(^٥) التبيان في إعراب القرآن: أبو البقاء (٢/ ١١٣٥).","vol":"2","page":1019},{"text":"جنس المستثنى، فهناك فرق بين الكلام وفرق بين الوحي وإرسال الرسول.\nفالوحي هو: إلقاء وإلهام، وليس بتكليم، وكذا إرسال الرسول ليس بتكليم (^١).\nومن الشواهد على ذلك قوله تعالى: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ [سورة آل عمران: ٤١] فاستثني الرمز من الكلام، والرمز ليس من جنس الكلام، وهكذا في هذه الآية، فالكلام ليس من جنس الوحي (^٢).\nالثاني: سياق الآية الذي دل على أن الاستثناء منفصل، إذ لو كان الوحي بمعنى الكلام في هذه الآية، للزم أن يقع في الآية تكرار وهذا محال، وذلك لأن قوله تعالى في الآية ﴿أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ يدل على أن هذا النوع من الوحي كلام حقيقي، وكما هو معلوم أن الذي كلمه الله تعالى من وراء حجاب هو موسى ﵇، كما ذكر هذا جمع من المفسرين (^٣).\nالثالث: مما يدل على أن الاستثناء منفصل وأن الوحي ليس كالتكليم: ما جاء عن الزهري أنه سئل عن قول الله: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا﴾ الآية. قال: نزلت هذه الآية تعم من أوحى الله إليه من النبيين، فالكلام: كلام الله الذي كلم به موسى من وراء حجاب، والوحي: ما يوحي الله به إلى نبي من أنبيائه، فيثبت الله ما أراد من وحيه في قلب النبي فيتكلم به النبي ويبينه، وهو كلام الله ووحيه، ومنه ما يكون بين الله ورسله لا يكلم به أحد من الأنبياء أحدا من الناس، ولكنه سر غيب بين الله ورسله، ومنه ما يتكلم به الأنبياء ولا يكتبونه لأحد، ولا يأمرون بكتابته، ولكنهم يحدثون به الناس حديثا، ويبينون لهم أن الله أمرهم أن يبينوه للناس ويبلغوهم، ومن الوحي ما يرسل الله به من يشاء من اصطفى\n_________\n(^١) انظر: البديع في علم العربية: ابن الأثير (١/ ٢٢٤، ٢٢٥)، وانظر: الكتاب الفريد: المنتجب الهمذاني (٥/ ٥٤٠)، وانظر: حاشية الصبان على شرح الأشموني لألفية ابن مالك: الصبان (٣/ ٤٥٩).\n(^٢) انظر: بحر المذهب: الروياني (١٠/ ٥٢٤)، وانظر: المغني: ابن قدامة (١٣/ ٦١٣).\n(^٣) انظر: جامع البيان: الطبري (٢٠/ ٥٤٠)، وانظر: الكشف والبيان: الثعلبي (٢٣/ ٣٩٨)، وانظر: تفسير القرآن: السمعاني (٥/ ٨٧)، وانظر: الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (١٨/ ٥٠٧)، وانظر: تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٦/ ٥٦٣).","vol":"2","page":1020},{"text":"من ملائكته فيكلمون أنبياءه، ومن الوحي ما يرسل به إلى من يشاء فيوحون به وحيا في قلوب من يشاء من رسله\" (^١).\nتنبيه:\nابن تيمية ﵀ له كلام حسن في بيان الفرق بين الوحي والتكليم في الآية، إذ يقول: \"وقد دل كتاب الله على أن اسم الوحي والكلام في كتاب الله فيها عموم وخصوص، فإذا كان أحدهما عاما اندرج فيه الآخر، كما اندرج الوحي في التكليم العام في هذه الآية؛ يعني قوله ﷿: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾. واندرج التكليم في الوحي العام؛ حيث قال تعالى: ﴿فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ [سورة طه: ١٣]. وأما التكليم الخاص الكامل فلا يدخل فيه الوحي الخاص الخفي الذي يشترك فيه الأنبياء وغيرهم .... إلخ (^٢).\nولا شك بأن قوله حسن وله حظ من النظر، ولعل الأقرب للصوام ما تقدم إيراده، والله أعلم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-866> النتيجة:</span>\nيتبين من خلال ما تقدم ذكره من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، أن الأقرب للصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني من أن أن الاستثناء في قوله تعالى: ﴿إِلَّا وَحْيًا﴾ منفصل، بخلاف ما ذهب إليه القاسمي ﵀، لما تقدم إيراده من الأوجه التي تؤيد ذلك، والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (١/ ٤٩٦)، برقم: (٤٢٥).\n(^٢) انظر: مجموع الفتاوى: ابن تيمية (١٢/ ٤٠٢، ٤٠٣).","vol":"2","page":1021},{"text":"سورة الزخرف","vol":"2","page":1022},{"text":"<span data-type='title' id=toc-867>سورة الزخرف</span>\n<span data-type='title' id=toc-868>١٧٥ - قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ [سورة الزخرف: ٣٣].</span>\nقال القاسمي: ما قدمناه من أن معنى ولولا أن يكون الناس أمة واحدة على تقدير (لولا كراهة ذلك) وأن معنى كونهم أمة واحدة اجتماعهم على أمر واحد وهو الكفر، أي أن كراهة الاجتماع على الكفر هي المانعة من تمتيع الكافر بها على الوجه المذكور- هو ما ذكره المفسرون ..... إلى أن قال: وعندي أن لا حاجة لتقدير الكراهة. وأن معنى الآية غير ما ذكروه. وذلك أن المعنى: لولا أن يكونوا خلقوا ليكونوا أمة واحدة، للترافد والتعاون والتضام، وما به قوام حياتهم كالجسم الواحد … إلى أن قال: فليس المعنى على ما ذكروه أبدا كما يظهر واضحا لمن أنعم النظر .. إلخ (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-869> أقوال أهل العلم في المراد من قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً﴾</span> (^٢):\nالقول الأول: أن المراد: لولا كراهية اجتماعهم على الكفر.\nالقول الثاني: أن المراد: لولا أن يكون الناس أمة واحدة على طلب الدنيا ورفض الآخرة.\nأصحاب القول الأول:\nابن عباس ﵁: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ يقول الله سبحانه: «لولا أن أجعل الناس كلهم كفارا، لجعلت للكفار لبيوتهم سقفا من فضة» وبنحو ذلك روي عن الحسن، وقتادة، والسدي (^٣).\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (١٤/ ٥٢٧١).\n(^٢) لم يقف الباحث بعد التتبع والنظر على أحد من أهل العلم قد وافق القاسمي على تفسيره للآية من أن المراد: لولا أن يكونوا خلقوا ليكونوا أمة واحدة، للترافد والتعاون والتضام.\n(^٣) أخرج أقوالهم ابن جرير الطبري في تفسيره (٢٠/ ٥٨٧).","vol":"2","page":1023},{"text":"البغوي: \" ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ أي: لولا أن يصيروا كلهم كفارا فيجتمعون على الكفر\" (^١).\nابن عطية: \"ولولا كراهية أن يكون الناس كفارا كلهم وأهل حب في الدنيا وتجرد لها لوسَّع الله تعالى على الكفار غاية التوسعة ومكنهم من الدنيا\" (^٢).\nالسخاوي: \" ﴿وَلَوْلَا﴾ كراهة ﴿أَنْ يَكُونَ النَّاسُ﴾ كلهم على ملة واحدة، وهي الكفر، لو سعنا على الكفرة أكثر مما وسعنا؛ لحقارة أمر الدنيا عنده\" (^٣).\nأصحاب القول الثاني:\nابن زيد: \"قوله: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾: «لولا أن يختار الناس دنياهم على دينهم، لجعلنا هذا لأهل الكفر» \" (^٤).\nالكرماني: \" ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ أي: مجتمعين على اختيار الدنيا على الآخرة\" (^٥).\n\n•<span data-type='title' id=toc-870> دراسة المسألة:</span>\nمن خلال التأمل في أقوال أهل العلم واستقراء ما ذكره المفسرون في تأويل الآية، يتبين أن الصواب من أقوالهم: ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن المراد من قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾، أي: لولا كراهية اجتماعهم على الكفر، وهو الذي عليه أكثر المفسرين (^٦)، وذلك من أوجه:\n_________\n(^١) معالم التنزيل: البغوي (٧/ ٢١٢).\n(^٢) المحرر الوجيز: ابن عطية (٨/ ٦٢١)، وانظر: غرائب القرآن: النيسابوري (٦/ ٩١)، وانظر: الجواهر الحسان: الثعالبي (٥/ ١٨٠).\n(^٣) تفسير القرآن العظيم: السخاوي (٢/ ٣٠٢)، وانظر: مدارك التنزيل: النسفي (٣/ ٢٧٢).\n(^٤) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٢٠/ ٥٨٨).\n(^٥) لباب التفاسير: الكرماني (ص: ٢٧٤٠).\n(^٦) نص على هذا الثعلبي في الكشف والبيان (٢٣/ ٤٣١)، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ٣٨)، والشوكاني في فتح القدير (٤/ ٦٣٥).","vol":"2","page":1024},{"text":"الأول: من حيث دلالة السياق: فسياق الآيات قبلها يخبر الله تعالى عن أهل الكفر وتمتيعهم بالدنيا، وأنه لما جاءهم الحق وهو القرآن، ورسول مبين وهو: محمد ﷺ، كفروا به وقالوا: ﴿هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ﴾ [سورة الزخرف: ٣٠] وأن رحمة الله تعالى لهم وهي الجنة ﴿خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [سورة الزخرف: ٣٢] من الأموال، فناسب أن يكون المراد من قوله: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ أي: ملة واحدة على دين الكفر، وإلا لجعلنا للكفار ما ذكرنا (^١).\nالثاني: من حيث الظاهر: فظاهر الآية يدل على أن المراد: ولولا كراهية اجتماعهم على الكفر، لقرينة الجواب في قوله تعالى: ﴿لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ﴾، فالتمتع بالدنيا من شيم أهل الكفر، بخلاف شيم أهل الإيمان ولهذا ختم الآية بعدها بقوله: ﴿وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (^٢).\nالثالث: نظائر الآية: فالغالب على أسلوب القرآن في ذكر متاع الدنيا، أن يذكره على سبيل التحقير والذم وسرعة الانقضاء، وهذا يكون للكافر، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [سورة البقرة: ١٢٦]، وقوله: ﴿مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [سورة يونس: ٧٠]، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٢٣) نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [سورة لقمان: ٢٤]، وهكذا في هذه الآية والله أعلم (^٣).\nالرابع: ما جاء عن بعض من السلف أن التوسعة وبسط الرزق ومتاع الدنيا في الغالب مما يبتليه الله تعالى لأهل الكفر، وأنه مفهوم من قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً\n_________\n(^١) انظر: تأويلات أهل السنة: الماتريدي (٩/ ١٦٣).\n(^٢) انظر: فتوح الغيب: الطيبي (١٤/ ١٣٨)، وانظر: إعراب القرآن الكريم وبيانه: محيي الدين درويش (٩/ ٨٤).\n(^٣) انظر: تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (١/ ٦٢٢).","vol":"2","page":1025},{"text":"وَاحِدَةً﴾.\nفقد جاء عن يحيى بن سلام، في قوله ﷿: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾: \"يوسع الرزق على من يشاء من عباده، ﴿وَيَقْدِرُ لَهُ﴾ أي: ويقتر عليه نظرا له، يعني بذلك المؤمن، ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ كقوله: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾ الآية\" (^١).\nفدل هذا على أنه فهم من أن يكون الناس أمة واحدة: أي مطبقة على الكفر، والله أعلم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-871> النتيجة:</span>\nيتبين من خلال ما تقدم ذكره من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من المراد من الآية: لولا كراهية اجتماعهم على الكفر، خلافًا لما ذهب إليه القاسمي ﵀، لما تقدم إيراده من الأوجه الدالة على ذلك، والله أعلم.\n_________\n(^١) تفسير يحيى بن سلام (٢/ ٦٣٩)، وانظر: موسوعة التفسير بالمأثور: مجموعة من المؤلفين (١٧/ ٣٨١).","vol":"2","page":1026},{"text":"<span data-type='title' id=toc-872>١٧٦ - قوله تعالى: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [سورة الزخرف: ٨٩].</span>\nقال الرازي: احتج قوم بهذه الآية على أنه يجوز السلام على الكافر. ثم قال: إن صح هذا الاستدلال فإنه يوجب الاقتصار على مجرد قوله (سلام) وأن يقال للمؤمن (سلام عليكم) والمقصود التنبيه على التحية التي تذكر للمسلم والكافر (^١).\nقال القاسمي: وفيه نظر، لأنه جمود على الظاهر البحت هنا، والغفلة عن نظائره. من نحو قول إبراهيم ﵇ لأبيه ﴿قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ [سورة مريم: ٤٧]، وآية ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [سورة القصص: ٥٥]، على أن الأكثر على أن الخبر هنا محذوف، أي (عليكم) والمقدر كالمذكور، والمحذوف لعلة كالثابت. فالصواب أن السلام للمتاركة. والله أعلم (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-873> أقوال أهل العلم في المراد من السلام في قوله تعالى: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ﴾:</span>\nالقول الأول: أن المراد من السلام: المتاركة، والإعراض.\nالقول الثاني: أن المراد من السلام: أن يقول للمشركين: سلام.\nأصحاب القول الأول:\nمكي بن أبي طالب: \" \"تقديره: قل: أمري مسالمة منكم، ولم يؤمر بالسلام عليهم، وإنما أمر بالتبري منهم ومن دينهم\" (^٣).\nالبغوي: \" ﴿وَقُلْ سَلَامٌ﴾ معناه: المتاركة، كقوله تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ \" (^٤).\n_________\n(^١) مفاتيح الغيب: الرازي (٢٧/ ٦٥٠)، وانظر: روح المعاني: الآلوسي (٢٤/ ٤٣٨).\n(^٢) محاسن التأويل: القاسمي (١٤/ ٥٢٩١).\n(^٣) مشكل إعراب القرآن: مكي بن أبي طالب (٢/ ٦٥٣)، وانظر: الهداية: مكي بن أبي طالب (١٠/ ٦٧١٦).\n(^٤) معالم التنزيل: البغوي (٧/ ٢٢٤)، وانظر: فتح الرحمن: العليمي (٦/ ٢٤١)، وانظر: فتح القدير: الشوكاني (٤/ ٦٥٠).","vol":"2","page":1027},{"text":"الزمخشري: \" ﴿وَقُلْ﴾ لهم ﴿سَلَامٌ﴾ أي: تسلم منكم ومتاركة\" (^١).\nالبقاعي: \" ﴿وَقُلْ﴾ أي لهم: ﴿سَلَامٌ﴾ أي شأني الآن متاركتكم بسلامتكم مني وسلامتي منكم\" (^٢).\nأصحاب القول الثاني:\nالفراء: \"رفع سلام بضمير عليكم وما أشبهه، ولو كان: وقل سلاما كان صوابا، كما قال: ﴿قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ﴾ [سورة هود: ٦٩] \" (^٣).\nالطبري: \" ﴿وَقُلْ﴾ لهم ﴿سَلَامٌ﴾ عليكم ورفع سلام بضمير عليكم أو لكم\" (^٤).\nالقشيري: \" ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ﴾ أي أمهلهم، وقل لكم منى سلام .. ولكن سوف تعلمون عقوبة ما تستوجبون\" (^٥).\nالمنتجب الهمذاني: \"قوله: ﴿وَقُلْ سَلَامٌ﴾ أي: أمري سلام، أو لكم سلام، أي: سلمتم مني لا أُؤاخذكم بسوء أعمالكم. وقيل التقدير: سلام عليكم\" (^٦).\n\n•<span data-type='title' id=toc-874> دراسة المسألة:</span>\nمن خلال التتبع والنظر في أقوال أهل العلم، واستقراء ما أورده المفسرون في تفسير الآية، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن المراد من السلام في قوله تعالى: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ﴾: المتاركة والإعراض، وذلك من أوجه:\nأولا: من حيث السياق: فسياق الآيات في مجادلة النبي ﷺ لقومه ودعوتهم إلى دين\n_________\n(^١) الكشاف: الزمخشري (٤/ ٢٦٨)، وانظر: أنوار التنزيل: البيضاوي (٥/ ٩٨)، وانظر: مدارك التنزيل: النسفي (٣/ ٢٨٥).\n(^٢) نظم الدرر: البقاعي (١٧/ ٥٠١)، وانظر: روح المعاني: الآلوسي (٢٤/ ٤٣٨).\n(^٣) معاني القرآن: الفراء (٣/ ٣٨).\n(^٤) جامع البيان: الطبري (٢٠/ ٦٦٥).\n(^٥) لطائف الإشارات: القشيري (٣/ ٣٧٨).\n(^٦) الكتاب الفريد: المنتجب الهمذاني (٥/ ٥٦٨).","vol":"2","page":1028},{"text":"الإسلام، فكأن حال النبي ﷺ أنه آيس عن إيمانهم عند سماع قولنا له: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [سورة الزخرف: ٨٧]، وقال قولا، وهو: ﴿يَارَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، فأجابه الله تعالى: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ﴾، فبناء على هذا السياق يُحمل المعنى على الأمر بالمتاركة والإعراض الكلي، والله أعلم (^١).\nالثاني: من حيث اللغة: فالسلام يُطلق على عدة معاني، ومنها: المتاركة: كما تقول: سلام بسلام أي تركًا بترك، وهذا كقوله: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ \" (^٢).\nالثالث: لو كان المراد من السلام في الآية: أن يُقال للمشركين: سلام، لما دلت السنة على النهي عن السلام على اليهود، وعموم المشركين، وكذا إذا بدأوا بالسلام فلا يُرد عليهم بالسلام، وإنما يقال لهم: (وعليكم).\nفقد روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تبدئوا اليهود ولا النصارى بالسلام، فإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه» (^٣).\nوروى البخاري في صحيحه من حديث عائشة ﵂ قالت: «دخل رهط من اليهود على رسول الله ﷺ، فقالوا السام عليك ففهمتها فقلت عليكم السام واللعنة، فقال رسول الله ﷺ: مهلا يا عائشة، فإن الله يحب الرفق في الأمر كله. فقلت: يا رسول الله، أولم تسمع ما قالوا؟ قال رسول الله ﷺ: فقد قلت: وعليكم» (^٤).\n\n•<span data-type='title' id=toc-875> النتيجة:</span>\nبعد ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن المراد من السلام في الآية: المتاركة، والإعراض.، لما تقدم إيراده من الأوجه الدالة على ذلك، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: فتوح الغيب: الطيبي (١٤/ ١٨٥).\n(^٢) الكتاب: سيبويه (١/ ٣٢٦)، وانظر: لسان العرب: ابن منظور (١٢/ ٢٨٩)، وانظر: تاج العروس: الزبيدي (٣٢/ ٤٠٥).\n(^٣) أخرجه مسلم، كتاب السلام، باب النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام، وكيف يرد عليهم، برقم: (٢١٦٧).\n(^٤) أخرجه البخاري، كتاب الاستئذان، باب: كيف يرد على أهل الذمة السلام، برقم: (٦٢٥٦).","vol":"2","page":1029},{"text":"جزء الأحقاف","vol":"2","page":1030},{"text":"<span data-type='title' id=toc-876>سورة الأحقاف</span>\n<span data-type='title' id=toc-877>١٧٧ - قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [سورة الأحقاف: ٢٩].</span>\nقال الماوردي: في صرف الجن المذكور في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾، وجهان: أحدهما: أنهم صرفوا عن استراق سمع السماء، برجوم الشهب، ولم يصرفوا عنه بعد عيسى إلا بعد بعث رسول الله ﷺ فقالوا: ما هذا الحادث في السماء، إلا لحادث في الأرض، وتخيلوا به تجديد النبوة، فجابوا الأرض، حتى وقفوا على رسول الله ﷺ ببطن مكة عامدا إلى عكاظ، وهو يصلي الفجر، فاستمعوا القرآن، ورأوه كيف يصلي ويقتدي به أصحابه، فعلموا أنه لهذا الحادث، صرفوا عن استراق السمع برجوم الشهب. وهذا قول ابن عباس ﵁ (^١).\nقال القاسمي: أقول: وعليه تكون (إلى) في (إليك) بمعنى لام التعليل. وذكر في (المغني) أنها تأتي مرادفة اللام، نحو ﴿وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ﴾ [سورة النمل: ٣٣] (^٢). وفيه تكلف وبعد، لنبوه عما يقتضيه سياق بقية الآية (^٣).\n\n•<span data-type='title' id=toc-878> أقوال أهل العلم في المراد من قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾</span> (^٤):\nالقول الأول: أن المراد: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ﴾ أي: أملناهم إليك، وأقبلنا بهم نحوك، فتكون (إلى) على بابها.\n_________\n(^١) النكت والعيون: الماوردي (٥/ ٢٨٥).\n(^٢) مغني اللبيب عن كتب الأعاريب: ابن هشام (ص: ١٠٤)، وانظر: معترك الأقران: السيوطي (٢/ ٦١)، وانظر: الزيادة والإحسان: ابن عقيلة المكي (٨/ ٤٥).\n(^٣) محاسن التأويل: القاسمي (١٥/ ٥٣٦٤).\n(^٤) بنحو هذا الخلاف أشار الماوردي في النكت والعيون (٥/ ٢٨٥، ٢٨٦).","vol":"2","page":1031},{"text":"القول الثاني: أن المراد: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ﴾ أي: لأجلك، أو لأجل بعثتك، فتكون (إلى) تعليلية.\nأصحاب القول الأول:\nالواحدي: \" أمر رسول الله ﷺ أن ينذر الجِنَّة ويدعوهم إلى الله ويقرأ عليهم القرآن، فصرف إليه نفر من الجن ليستمعوا منه وينذروا قومهم\" (^١).\nالسمعاني: \" ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾ الآية معناه: وجهنا وجوههم إليك\" (^٢).\nالراغب الأصفهاني: \" ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾، أي: أقبلنا بهم إليك وإلى الاستماع منك\" (^٣).\nالسخاوي: \" ﴿صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا﴾ أملناهم إليك\" (^٤).\nأصحاب القول الثاني:\nمكي بن أبي طالب: \"أي: واذكر يا محمد إذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن، وصرفه إياهم هو الرجم الذي حل بهم بالشهب من السماء عند الاستماع على عادتهم\" (^٥).\nابن عطية: \" ﴿صَرَفْنَا﴾ معناه: رددناهم عن حال ما، يحتمل أنها الاستماع في السماء\" (^٦).\n_________\n(^١) البسيط: الواحدي (٢٠/ ١٩٩).\n(^٢) تفسير القرآن: السمعاني (٥/ ١٦٢)، وانظر: لباب التفاسير: الكرماني (ص: ٢٨٥٢).\n(^٣) المفردات: الراغب الأصفهاني (ص: ٤٨٢)، وانظر: عمدة الحفاظ: السمين الحلبي (٢/ ٣٣٣).\n(^٤) تفسير القرآن العظيم: السخاوي (٢/ ٣٣٨)، وانظر: الكتاب الفريد: المنتجب الهمذاني (٥/ ٦١٥)، وانظر: التسهيل: ابن جزي (٢/ ٢٧٨).\n(^٥) الهداية: مكي بن أبي طالب (١١/ ٦٨٦٢).\n(^٦) المحرر الوجيز: ابن عطية (٨/ ٧٥٥).","vol":"2","page":1032},{"text":"القرطبي: \"ومعنى: ﴿صَرَفْنَا﴾ وجهنا إليك وبعثنا. وذلك أنهم صُرفوا عن استراق السمع من السماء برجوم الشهب\" (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-879> دراسة المسألة:</span>\nبعد التتبع والنظر واستقراء ما ذكره المفسرون وأهل العلم في هذه المسألة، لم يتم الوقوف على أحد من المفسرين ممن نص على أن (إلى) في قوله تعالى: ﴿إِلَيْكَ﴾ تعليلية، وإنما بناء على فهم القاسمي ﵀ من كلام الماوردي وإيراده المعنى الذي دلت عليه بعض الآثار من أن الجن صرفوا عن استراق سمع السماء برجوم الشهب، من أجل بعثة النبي ﷺ، ولعل تعقبه على الماوردي يرده ما يلي:\nأولا: أن ما ذكره الماوردي من أن الجن صرفوا عن استراق سمع السماء، برجوم الشهب بعد بعثة رسول الله ﷺ، قد جاء عن بعض من السلف، كابن عباس، وسعيد بن جبير (^٢).\nويشهد لذلك ما روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث ابن عباس ﵁ قال: \"انطلق رسول الله ﷺ في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، وأرسلت عليهم الشهب، فرجعت الشياطين، فقالوا: ما لكم؟ قالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء وأرسلت علينا الشهب، قالوا: ما ذاك إلا من شيء حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها فانظروا ما هذا الأمر، فمر النفر الذين توجهوا نحو تهامة بالنبي ﷺ وهو بـ «نخلة» (^٣) وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن تسمعوا له، فقالوا: هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فهنالك رجعوا إلى قومهم فقالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾ [سورة الجن: ٢]، فأنزل الله على\n_________\n(^١) الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (١٩/ ٢٢٠).\n(^٢) أخرج أقوالهم ابن جرير الطبري في تفسيره (٢١/ ١٦٣، ١٦٤)، وانظر: البسيط: الواحدي (٢٠/ ١٩٨)، وانظر: معالم التنزيل: البغوي (٧/ ٢٦٦).\n(^٣) نخلة: موضع بين مكة والطائف. ينظر: فتح الباري: ابن حجر (٨/ ٦٧٤).","vol":"2","page":1033},{"text":"نبيه قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن\" (^١).\nفظاهر هذا الحديث يدل على أن سبب صرف الجن عن استراق سمع السماء هو بعثة النبي ﷺ، والله أعلم.\nثانيًا: أن سياق الآية لا يتعارض مع هذا المعنى، بخلاف ما يقول القاسمي ﵀، فسياق الآيات وظاهرها يخبر الله تعالى أن الجن لما سمعوا القرآن آمنوا، ثم ولوا إلى قومهم منذرين، فأي مانع يمنع أن يكون سبب استراق السمع هو بعثة النبي، وأن تكون (إلى) في قوله: ﴿إِلَيْكَ﴾ تعليلية؟!.\n\n•<span data-type='title' id=toc-880> النتيجة:</span>\nبعد ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن كلا المعنييْن محتمل، وأنه لا مانع بأن يكون المراد من قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ﴾ أي: لأجل بعثتك، فتكون (إلى) في قوله تعالى: ﴿إِلَيْكَ﴾ تعليلية، بخلاف ما ذهب إليه القاسمي ﵀، والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب: ﴿قل أوحي إلي﴾، برقم: (٤٩٢١)، وأخرجه مسلم، كتاب الصلاة، باب: الجهر بالقراءة في الصبح، والقراءة على الجن، برقم: (٤٤٩).","vol":"2","page":1034},{"text":"سورة الحجرات","vol":"2","page":1035},{"text":"<span data-type='title' id=toc-881>سورة الحجرات</span>\n<span data-type='title' id=toc-882>١٧٨ - قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾ [سورة الحجرات: ١٤].</span>\nقال السيوطي: استدل بالآية من لم ير الإيمان والإسلام مترادفين، بل بينهما عموم وخصوص مطلق، لأن الإسلام الانقياد للعمل ظاهرا، والإيمان تصديق القلب كما قال: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ (^١).\nقال القاسمي: وهذا الاستدلال في غاية الضعف. لأن ترادفهما شرعا لا يمنع من إطلاقهما بمعناهما اللغوي في بعض المواضع. وإبانة ذلك موكولة إلى القرائن، وهي جلية، كما هنا. وإلا فآية ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [سورة آل عمران: ١٩]، أكبر مناد على اتحادهما (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-883> أقوال أهل العلم في دلالة قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ على الفرق بين الإسلام والإيمان:</span>\nالقول الأول: أن الآية دالة على أن هناك فرق بين الإسلام والإيمان: فالإسلام الانقياد للعمل ظاهرا، والإيمان تصديق القلب، فالإسلام أعم من الإيمان.\nالقول الثاني: أن الآية دالة على أن الإسلام والإيمان مترادفيْن، وأن الإيمان داخل في الإسلام.\n_________\n(^١) الإكليل: السيوطي (ص: ٢٤٢، ٢٤٣).\n(^٢) محاسن التأويل: القاسمي (١٥/ ٥٤٧٢).","vol":"2","page":1036},{"text":"أصحاب القول الأول:\nابن عطية: \"الإسلام: هو الاستسلام والإظهار الذي يستعصم به ويحقن الدم، وهذا هو الإسلام في قوله: ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾، والْإِيمانُ الذي هو التصديق أخص من الأول وأعم بوجه\" (^١).\nابن الفرس: \"يحتج بهذه الآية من يفرق بين الإيمان والإسلام، وهو الصحيح، لأن الإسلام أعم من الإيمان، فكل مؤمن مسلمًا وليس كل مسلم مؤمنًا. ومن الناس من يقول: الإسلام والإيمان بمعنى واحد والآية حجة عليه\" (^٢).\nابن جزي: \" ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا﴾ نزلت في بني أسد بن خزيمة، وهي قبيلة كانت تجاور المدينة أظهروا الإسلام، وكانوا إنما يحبون المغانم وعرض الدنيا، فأكذبهم الله في قولهم آمنا وصدقهم لو قالوا أسلمنا، وهذا على أن الإيمان هو التصديق بالقلب، والإسلام هو الانقياد بالنطق بالشهادتين، والعمل بالجوارح فالإسلام والإيمان في هذا الموضع متباينان في المعنى\" (^٣).\nابن كثير: \"استفيد من هذه الآية الكريمة: أن الإيمان أخص من الإسلام كما هو مذهب أهل السنة والجماعة\" (^٤).\nأصحاب القول الثاني:\nالمروزي (^٥): \"وقالت طائفة ثالثة وهم الجمهور الأعظم من أهل السنة والجماعة وأصحاب الحديث: الإيمان الذي دعا الله العباد إليه، وافترضه عليهم هو الإسلام الذي جعله دينا\" (^٦).\n_________\n(^١) المحرر الوجيز: ابن عطية (٩/ ١٢٣)، بتصرف، وانظر: الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (١٩/ ٤٢١).\n(^٢) أحكام القرآن: ابن الفرس (٣/ ٥٠٢).\n(^٣) التسهيل: ابن جزي (٢/ ٢٩٩).\n(^٤) تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٦/ ٧٢٦).\n(^٥) وهو: محمد بن نصر بن الحجاج المروزي أبو عبد الله الإمام، برع في علوم الإسلام، وكان إماما مجتهدا علامة، من أعلم أهل زمانه باختلاف الصحابة والتابعين، قل أن ترى العيون مثله، مات سنة ٢٩٣ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء: الذهبي (١٤/ ٣٤).\n(^٦) تعظيم قدر الصلاة: المروزي (٢/ ٥٢٩).","vol":"2","page":1037},{"text":"أبو طالب المكي (^١): \" الإسلام والإيمان كشيء واحد، لا إيمان لمن لا إسلام له، ولا إسلام لمن لا إيمان له، إذ لا يخلو المسلم من إيمان به يصحّ إسلامه\" (^٢).\nالبيهقي (^٣): \" الأحاديث في تسمية شرائع الإسلام إيمانا وأن الإيمان والإسلام عبارتان عن دين واحد إذا كان الإسلام حقيقة ولم يكن بمعنى الاستسلام، وأن الإيمان يزيد وينقص\" (^٤).\nابن عبد البر: \"الذي عليه جماعة أهل الفقه والنظر، أن الإيمان والإسلام سواء، بدليل ما ذكرنا من كتاب الله ﷿ قوله: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [سورة الذاريات: ٣٦] \" (^٥).\n\n•<span data-type='title' id=toc-884> دراسة المسألة:</span>\nمن المسائل التي اختلف فيها أهل العلم قديمًا، مسألة مفهوم الإسلام والإيمان إذا اقترنا، فهل هما شيء واحد، أم بينهما فرق؟.\nوبعد التتبع والنظر في أقوال أهل العلم وما ذكره المفسرون وأهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن أن الآية دالة على أن هناك فرق بين الإسلام والإيمان، وذلك من أوجه:\nالأول: أن القول بالتفريق بين الإسلام والإيمان إذا اجتمعا وهو الذي عليه جماعة من\n_________\n(^١) وهو: أبو طالب محمد بن علي بن عطية، الحارثي المكي، صاحب كتاب قوت القلوب؛ كان رجلا صالحا مجتهدا في العبادة، وله مصنفات في التوحيد، سكن مكة فنسب إليها، مات سنة ٣٨٦ هـ. ينظر: وفيات الأعيان: ابن خلكان (٤/ ٣٠٣).\n(^٢) قوت القلوب: أبو طالب المكي (٢/ ٢١٦)، بتصرف.\n(^٣) وهو: أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي، الحافظ العلامة، الفقيه، شيخ الإسلام، صنف التصانيف النافعة، وهو من كبار أصحاب الحاكم، ويزيد على الحاكم بأنواع من العلوم، مات سنة ٤٥٨ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء: الذهبي (١٨/ ١٦٣).\n(^٤) الاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد: البيهقي (ص: ١٨٠).\n(^٥) التمهيد: ابن عبد البر (٦/ ٣٩١)، قال ابن رجب: \"فحكاية ابن نصر -يعني البيهقي- وابن عبد البر عن الأكثرين التسوية بينهما غير جيد؛ بل قد قيل: إن السلف لم يرو عنهم غير التفريق، والله أعلم\". ينظر: فتح الباري: ابن رجب (١/ ١٣٠).","vol":"2","page":1038},{"text":"السلف كالحسن، وابن سيرين، وشريك، وعبد الرحمن بن مهدي، ويحيي بن معين، وقتادة، والزهري، وحماد بن زيد، وغيرهم (^١).\nالثاني: سياق الآيات الذي يدل على أن هناك فرق بين الإسلام والإيمان في قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا﴾ الآية. وذلك أن السورة من أولها إلى هذه الآية في النهي عن المعاصي، من النهي عن الاقتتال والسخرية والغيبة والتجسس، وليس فيها ذكر المنافقين حتى يكون النفاق في مقابل الإسلام والإيمان في الآية (^٢).\nالثالث: سياق الآيات بعد قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا﴾ الآية. وذلك لأن الله تعالى قال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ [سورة الحجرات: ١٥]، الآية، يعني - والله أعلم - أن المؤمنين الكاملي الإيمان، هم هؤلاء، لا أنتم، بل أنتم منتف عنكم الإيمان الكامل (^٣)، مما يدل على أن هناك عموم وخصوص في مفهوم الإسلام والإيمان.\nالرابع: أن الله تعالى قال في الآية: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ وهذا الحرف - أي: (لما) ينفى به ما قرب وجوده وانتظر وجوده ولم يوجد بعد. فيقول لمن ينتظر غائبا أي (لما). ويقول قد جاء لما يجئ بعد. فلما قالوا: ﴿آمَنَّا﴾ قيل: ﴿لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ بعد بل الإيمان مرجو منتظر منهم (^٤)، فدل هذا على الفرق بين الإسلام والإيمان في الآية وأن بينهما عموم وخصوص.\n_________\n(^١) انظر: فتح الباري: ابن رجب (١/ ١٢٩)، وانظر: تفسير ابن رجب: طارق عوض الله (٢/ ٢٩١).\n(^٢) انظر: شرح الطحاوية: ابن أبي العز (ص: ٣٣٤).\n(^٣) انظر: شرح الطحاوية: ابن أبي العز (ص: ٣٣٤).\n(^٤) انظر: مجموع الفتاوى: ابن تيمية (٧/ ٤٧٧)، وانظر: شرح العقيدة السفارينية: العثيمين (١/ ٣٩٥).","vol":"2","page":1039},{"text":"الخامس: نظائر الآيات القرآنية الدالة على التفريق في مفهوم الإسلام والإيمان إذا اجتمعا (^١).\nومن ذلك: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [سورة الأحزاب ٣٥]\nفقد جاء لفظ الإيمان في هذه الآية مقترنًا بلفظ الإسلام في سياق واحد، فدل لفظ ﴿الْمُسْلِمِينَ﴾ على معنى غير لفظ (المؤمنين)، وكذلك (المسلمات) و(المؤمنات)، مما يدل على أن بينهما تفاوت وعموم وخصوص.\nقال ابن كثير: \" قوله: ﴿الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ دليل على أن الإيمان غير الإسلام، وهو أخص منه، لقوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ (^٢).\nومن ذلك أيضًا: قوله تعالى: ﴿يَاعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٦٨) الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [سورة الزخرف: ٦٩].\nقال ابن كثير: \"أي: آمنت قلوبهم وبواطنهم، وانقادت لشرع الله جوارحهم وظواهرهم\" (^٣)، وهذا يؤكد أن الإسلام يتعلق بالأعمال الظاهرة والإيمان يتعلق بالأعمال الباطنة، والله أعلم.\nوغير ذلك من الآيات الدالة على ذلك.\nالسادس: الدلائل من السنة والأحاديث النبوية الدالة على أن الإسلام والإيمان إذا اقترنا، فإن كلا منهما يُراد به معنى، مغايرا للآخر.\nومن ذلك: حديث جبريل المشهور عندما جاء للنبي ﷺ وقال له: يا محمد، أخبرني\n_________\n(^١) انظر: فتح الباري: ابن رجب (١/ ١٢٩).\n(^٢) تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٦/ ١٩١).\n(^٣) تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٦/ ٥٨٤).","vol":"2","page":1040},{"text":"عن الإسلام، فقال رسول الله ﷺ: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا، … ثم قال: فأخبرني عن الإيمان، قال: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر، خيره وشره\" الحديث (^١).\nقال الشوكاني: \"وقد أوضح رسول الله ﷺ الفرق بين الإسلام والإيمان في الحديث في الصحيحين وغيرهما، الثابت من طرق، أنه سئل عن الإسلام فقال: (أن تشهد أن لا إله إلا الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتحج البيت، وتصوم رمضان)، وسئل عن الإيمان فقال: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، والقدر خيره وشره). فالمرجع في الفرق بينهما هو هذا الذي قاله الصادق المصدوق، ولا التفات إلى غيره مما قاله أهل العلم في رسم كل واحد منهما برسوم مضطربة مختلفة متناقضة، وأما ما في الكتاب العزيز من اختلاف مواضع استعمال الإسلام والإيمان فذلك باعتبار المعاني اللغوية والاستعمالات العربية، والواجب تقديم الحقيقة الشرعية على اللغوية، والحقيقة الشرعية هي هذه التي أخبرنا بها رسول الله ﷺ وإجابة سؤال السائل له\" (^٢).\nوغير ذلك من دلائل السنة التي أوردها ابن كثير ﵀ في تفسيره، وقبله جماعة من أهل العلم (^٣).\n\n•<span data-type='title' id=toc-885> النتيجة:</span>\nبعد ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول، من أن قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا﴾ الآية. دال على أن هناك فرق بين الإسلام والإيمان، فالإسلام أعم من الإيمان، بخلاف ما ذهب إليه القاسمي ﵀، لما تقدم إيراده من الأوجه الدالة على ذلك، والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، برقم: (٨).\n(^٢) فتح القدير: الشوكاني (٥/ ١٠٦، ١٠٧).\n(^٣) انظر: الإبانة الكبرى: ابن بطة (٢/ ٨٦٨)، وانظر: الاقتصاد في الاعتقاد: المقدسي (ص: ١٧٨، ١٧٩)، وانظر: الإيمان: ابن تيمية (ص: ١٤)، وانظر: تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٦/ ٧٢٧).","vol":"2","page":1041},{"text":"جزء الذاريات","vol":"2","page":1042},{"text":"<span data-type='title' id=toc-886>سورة الذاريات</span>\n<span data-type='title' id=toc-887>١٧٩ - قوله تعالى: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾ [سورة الذاريات: ٥٤].</span>\nقول بعض المفسرين هنا- ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ أي فأعرض عن مجادلتهم، بعد ما كررت عليهم الدعوة- بعيد عن المعنى بمراحل، لأن مجادلتهم مما كان مأمورا بها على المدى، لأنها العامل الأكبر لإظهار الحق، كما قال تعالى: ﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ [سورة الفرقان: ٥٢].\nوكذا قول البعض في قوله تعالى: ﴿فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾ أي في إعراضك بعد ما بلغت فإنه مناف للأمر بالذكرى بعد. فالصواب ما ذكرناه في تفسير الآية، لأنه المحاكي لنظائرها. وأقعد التفاسير ما كان بالأشباه والنظائر- كما قيل-: وخير ما فسرته بالوارد (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-888> أقوال أهل العلم في المراد من قوله تعالى: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾:</span>\nالقول الأول: فأعرض عنهم يا محمد إذا لم يستجيبوا لك، أو أعرض عن مقابلتهم بالأسوأ.\nالقول الثاني: أن المراد: أعرض عن مجادلتهم.\nأصحاب القول الأول:\nالماتريدي: \" ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾، فأعرض ولا تكافئهم بإساءتهم إليك بقولهم: إنه ساحر، وإنه مجنون؛ فإن اللَّه تعالى سيكفيهم عنك\" (^٢).\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (١٥/ ٥٥٣٧).\n(^٢) تأويلات أهل السنة: الماتريدي (٩/ ٣٩٣).","vol":"2","page":1043},{"text":"السمرقندي: \" ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ يعني: فأعرض عنهم يا محمد، بعد ما بلغت الرسالة، وأعذرت\" (^١).\nالبغوي: \" ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾، فأعرض عنهم، ﴿فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾، لا لوم عليك فقد أديت الرسالة وما قصرت فيما أمرت به\" (^٢).\nأبو حفص النسفي: \" ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾: أي: تَوَلَّ عن مُكافاتهم ومُبادَأَتِهم بالقتال\" (^٣).\nابن كثير: \" ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ أي: فأعرض عنهم يا محمد، ﴿فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾ يعني: فما نلومك على ذلك\" (^٤).\nأصحاب القول الثاني:\nالبيضاوي: \" ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ فاعرض عن مجادلتهم بعد ما كررت عليهم الدعوة فأبوا إلا الإِصرار والعناد. ﴿فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾ على الإِعراض بعد ما بذلت جهدك في البلاغ\" (^٥).\nالبقاعي: \" ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ أي كلف نفسك الإعراض عن الإبلاغ في إبلاغهم بالمجادلة والصدع بالتغليظ بعد ما تقدم منك من الإبلاغ ﴿فَمَا أَنْتَ﴾ بسبب الإعراض بعد الإنذار\" (^٦).\nأبو السعود: \" ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ فأعرض عن جدالهم فقد كررت عليهم الدعوة فأبوا إلا الإباء\" (^٧).\n_________\n(^١) بحر العلوم: السمرقندي (٣/ ٣٤٨)، وانظر: البسيط: الواحدي (٢٠/ ٤٦٥).\n(^٢) معالم التنزيل: البغوي (٧/ ٣٨٠).\n(^٣) التيسير في علم التفسير: أبو حفص النسفي (١٤/ ٦١).\n(^٤) تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٧/ ٣٨).\n(^٥) أنوار التنزيل: البيضاوي (٥/ ١٥١).\n(^٦) نظم الدرر: البقاعي (١٨/ ٤٨٠).\n(^٧) إرشاد العقل السليم: أبو السعود (٨/ ١٤٤)، وانظر: روح المعاني: الآلوسي (٢٦/ ٤٧).","vol":"2","page":1044},{"text":"الشوكاني: \" فتول عنهم أي: أعرض عنهم، وكف عن جدالهم ودعائهم إلى الحق، فقد فعلت ما أمرك الله به وبلغت رسالته\" (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-889> دراسة المسألة:</span>\nبعد التتبع والنظر في أقوال أهل العلم وما ذكره المفسرون في هذه المسألة، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن المراد من قوله تعالى: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾ أي: فأعرض عنهم يا محمد إذا لم يستجيبوا لك، أو أعرض عن مقابلتهم بالأسوأ، وذلك من وجهين:\nالأول: أنه لم يرد عن أحد من السلف رضوان الله عليهم أنهم فسروا الأمر بالتولي في الآية: النهي عن المجادلة، وإنما الوارد عنهم أن الله تعالى أمر نبيه بالتولي والإعراض عنهم إذا بلغ ولم يستجيبوا له وأصروا على العناد، إذ ليس على الرسول إلا البلاغ، كذا روي بما معناه عن مجاهد، وابن زيد، وقتادة (^٢)، وهم خير ممن جاء بعدهم ممن فسر الآية بالنهي عن المجادلة.\nالثاني: أن القول بأن المراد من الآية: النهي عن المقابلة بالأسوأ، والصبر على الأذى: له نظائر من الآي: كقوله تعالى: ﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾ [سورة الأحزاب: ٤٨]، أي: وأعرض عن أذاهم لك، واصبر عليه، ولا يمنعك ذلك عن القيام بأمر الله في عباده، والنفوذ لما كلفك (^٣).\nوكقوله: ﴿وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ [سورة المزمل: ١٠] يعني: الهجر الذي لا عتاب معه (^٤).\n_________\n(^١) فتح القدير: الشوكاني (٥/ ١١٠)، وانظر: فتح البيان: القنوجي (١٣/ ٢١٠)، وانظر: التحرير والتنوير: ابن عاشور (٢٧/ ٢٣).\n(^٢) أخرج أقوالهم ابن جرير الطبري في تفسيره (٢١/ ٥٥١، ٥٥٢).\n(^٣) انظر: جامع البيان: الطبري (١٩/ ١٢٦).\n(^٤) انظر: تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٧/ ٤١١)، وانظر: محاسن التأويل: القاسمي (١٥/ ٥٥٣٧).","vol":"2","page":1045},{"text":"الثالث: أن الله تعالى أمر نبيه بالتذكير بعد الأمر بالتولي، فقوله تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ معطوف على قوله تعالى: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ أي فتولّ عن هؤلاء المعاندين الضالين، ولا ترهق نفسك بالجري وراءهم، ولكن ذلك لا يمنعك من أن تدعوهم وتذكرهم، ومما يدخل في أساليب التذكير: الحكمة، والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن، والله أعلم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-890> النتيجة:</span>\nبعد ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن المراد بالآية: الاعراض عن المشركين إذا لم يستجيبوا وأصروا في العناد، أو الاعراض عن مقابلتهم بالأسوأ، وليس المراد: النهي عن المجادلة، لما تقدم إيراده من الأوجه الدالة على ذلك، والله أعلم.","vol":"2","page":1046},{"text":"<span data-type='title' id=toc-891>سورة النجم</span>\n<span data-type='title' id=toc-892>١٨٠ - قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [سورة النجم: ١٨].</span>\nقال القاسمي: ذهب بعضهم إلى أن هذه السورة أنزلت لإثبات المعراج النبوي، أعني: عروجه ﷺ، وصعوده وارتقاءه إلى ما فوق السموات السبع، كما ذكر في أحاديث المعراج عن سدرة المنتهى فوق السماوات، ومشاهدة جبريل على صورته .... إلى أن قال: ومما قدمنا يظهر أن نزول السورة لتأييد الرسالة النبوية، وتحقيق الوحي، بأنه تعليم ملك كريم، مرئي للحضرة النبوية رؤية تدفع كل لبس، لا لإثبات المعراج.\nثم قال: وبالجملة، فالمعول عليه هو أن المعراج لم يرد له ذكر في القرآن مطلقا، وما ورد في هذه السورة وسورة التكوير، فلا علاقة له بالمعراج، وإنما هي رؤية النبي صلوات الله عليه لجبريل من الأرض على صورته الحقيقية كما تقدم (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-893> أقوال أهل العلم في السبب الذي من أجله أنزلت سورة النجم:</span>\nالقول الأول: أن السبب الذي من أجله أنزلت سورة النجم هو: تحقيق الوحي، وإثبات المعراج النبوي، وهو عروج النبي ﷺ، وصعوده إلى السموات السبع.\nالقول الثاني: أن السبب الذي من أجله أنزلت سورة النجم هو: تحقيق الوحي.\nأصحاب القول الأول:\nالزركشي: حديث المعراج مصداقه في سورة الإسراء وفي صدر سورة النجم (^٢).\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (١٥/ ٥٥٦٨، ٥٥٦٩).\n(^٢) البرهان: الزركشي (٢/ ١٣٤).","vol":"2","page":1047},{"text":"العثيمين: \"للنبي ﷺ إسراءً ومعراجًا، فالإسراء ذكره الله في سورة الإسراء، والمعراج ذكره الله في سورة النجم وكلاهما في ليلة واحدة\" (^١).\nأصحاب القول الثاني:\nابن عطية: \"سبب نزولها أن المشركين قالوا: إن محمدًا يتقول القرآن ويختلق أقواله، فنزلت السورة في ذلك\" (^٢). أي نزلت للرد على مقالة المشركين.\nالعليمي: \"وسبب هذه السورة أن المشركين قالوا: إن محمدا ﷺ يتقول القرآن، ويختلق أقواله، فنزلت الآية في ذلك\" (^٣).\n\n•<span data-type='title' id=toc-894> دراسة المسألة:</span>\nمن خلال استقراء ما ذكره أهل العلم في دلالة سورة النجم على ثبوت معراج النبي ﷺ، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن سورة النجم فيها دلالة على إثبات المعراج النبوي، وذلك من أوجه:\nالأول: دلالة السنة: فقد أخرج ابن جرير الطبري في تفسيره عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «عرج بي الملك»؛ قال: «ثم انتهيت إلى السدرة وأنا أعرف أنها سدرة، أعرف ورقها وثمرها» الحديث (^٤).\nووجه الدلالة: أن سدرة المنتهى قد جاء ذكرها في سورة النجم عند قوله تعالى: ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ [سورة النجم: ١٤].\n_________\n(^١) تفسير القرآن الكريم (من الحجرات إلى الحديد): العثيمين (ص: ٢٠٨).\n(^٢) المحرر الوجيز: ابن عطية (٩/ ٢٣١).\n(^٣) انظر: فتح الرحمن: العليمي (٦/ ٤٣٢).\n(^٤) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٢٢/ ٣٧)، وله شاهد من حديث أنس في قصة الإسراء الطويلة عند أحمد (١٩/ ٤٥٨)، برقم: (١٢٥٠٥)، قال الألباني: \" صحيح على شرط البخاري\"، ينظر: الإسراء والمعراج: الألباني (ص: ٥٥).","vol":"2","page":1048},{"text":"الثاني: الروايات الواردة عن جماعة من السلف التي تدل على أن سورة النجم فيها دلالة على إثبات المعراج النبوي، ومن ذلك:\nما روي عن شريك بن أبي نمر (^١) قال: سمعت أنس بن مالك ﵁، يحدثنا عن ليلة المسرى، برسول الله ﷺ أنه «عرج جبرائيل برسول الله ﷺ إلى السماء السابعة، ثم علا به بما لا يعلمه إلا الله، حتى جاء سدرة المنتهى، ودنا الجبار رب العزة فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى، فأوحى الله إليه ما شاء، فأوحى الله إليه فيما أوحى خمسين صلاة على أمته كل يوم وليلة» وذكر الحديث (^٢).\nوما روي عن عبد الله ابن عباس ﵁ أنه قال: «لما أسري برسول الله ﷺ انتهي به إلى سدرة المنتهى وهي في السماء السادسة، إليها ينتهي من يعرج من الأرض أو من تحتها، فيقبض منها، وإليها ينتهي ما يهبط من فوقها، فيقبض فيها» (^٣).\nوعن أبي هريرة ﵁ وغيره قال: لما أسري بالنبي ﷺ انتهى به إلى سدرة المنتهى فغشيها نور الخلاق، وغشيتها الملائكة من تحت عرش الله، أمثال الغربان حين يقعن على الشجر، قال: فكلمه عند ذلك فقال: \"سل تعطه\" فقال: \"غفرانك ربنا\" (^٤).\nالثالث: سياق الآيات ودلالاتها التي تدل على ثبوت معراج النبي ﷺ في السورة:\nفقد ذهب جماعة من المفسرين بأن المراد من قوله تعالى: ﴿ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى﴾ أي:\n_________\n(^١) وهو: شريك بن عبد الله بن أبي نمر المدني المحدث، حدث عن: أنس، وسعيد بن المسيب، وجماعة، وحدث عنه: مالك، وسليمان بن بلال، وجماعة، وثَقه أبو داود، وقال ابن معين، والنسائي: ليس به بأس، مات: قبل الأربعين ومائة. ينظر: سير أعلام النبلاء: الذهبي (٦/ ١٥٩).\n(^٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب، التوحيد، باب: قوله ﴿وكلم الله موسى تكليما﴾، برقم: (٧٥١٧)، وأخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٢٢/ ١٥).\n(^٣) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٢٢/ ٣٤)، وانظر: الهداية: مكي بن أبي طالب (١١/ ٧١٥٢)، وانظر: لباب التأويل: الخازن (٤/ ٢٠٥).\n(^٤) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٢٢/ ٤٣)، وانظر: الكشف والبيان: الثعلبي (٢٥/ ١١١، ١١٢)، وانظر: معالم التنزيل: البغوي (٧/ ٤٠٦).","vol":"2","page":1049},{"text":"استوى جبريل ومحمد ﵉ ليلة المعراج ﴿بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى﴾ (^١).\nوأخبر الله تعالى في الآيات: أن النبي ﷺ رأى جبريل ﵇ على صورته عند سدرة المنتهى ليلة المعراج كما قال: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤)﴾ والسدرة شجرة النبق. وهي في السماء السابعة، ويقال: في السادسة، وقد ورد التصريح بها في حديث المعراج من الصحاح عن جمع من الصحابة (^٢).\nوأخبر جل وعلا في السورة أن النبي ﷺ ﴿رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ والآيات الكبرى كانت في ليلة المعراج كما ذهب إلى ذلك جمع من المفسرين (^٣).\n\n•<span data-type='title' id=toc-895> النتيجة:</span>\nمن خلال ما تقدم ذكره من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن سورة النجم فيها دلالة على إثبات المعراج النبوي، وهو: عروج النبي ﷺ، وصعوده إلى السموات السبع، خلافً لما ذهب إليه القاسمي ﵀، لما تقدم إيراده من الأوجه الدالة على ذلك، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: الكشف والبيان: الثعلبي (٢٥/ ٨١)، وانظر: معالم التنزيل: البغوي (٧/ ٤٠٠)، وانظر: الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (٢٠/ ١٧)، وانظر: لباب التأويل: الخازن (٤/ ٢٠٣)، وانظر: فتح الرحمن: العليمي (٦/ ٤٣٤)، وانظر: فتح القدير: الشوكاني (٥/ ١٢٧).\n(^٢) انظر: تفسير القرآن: السمعاني (٥/ ٢٨٩)، وانظر: التيسير في علم التفسير: أبو حفص النسفي (١٤/ ١٠٧)، وانظر: مدارك التنزيل: النسفي (٣/ ٣٩١)، وانظر: التحرير والتنوير: ابن عاشور (٢٧/ ١٠٠).\n(^٣) إلى هذا ذهب جمع من المفسرين كاكرماني في لباب التفاسير (ص: ٣٠٦٠)، والرازي في مفاتيح الغيب (٢٨/ ٢٤٦)، والبيضاوي في أنوار التنزيل (٥/ ١٥٨)، وأبو حيان في البحر المحيط (٢٠/ ٤٦)، وأبو السعود في إرشاد العقل السليم (٨/ ١٥٧)، والآلوسي في روح المعاني (٢٦/ ١٢١، ١٢٢)، والعثيمين في تفسير القرآن الكريم (من الحجرات إلى الحديد): العثيمين (ص: ٢١٣).","vol":"2","page":1050},{"text":"<span data-type='title' id=toc-896>١٨١ - قوله تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [سورة النجم: ٢٩].</span>\nقال القاسمي: المراد من (الإعراض) هجرهم هجرا جميلا، وترك إيذائهم. وقول الزمخشري: \"أي أعرض عن دعوة من رأيته معرضا عن ذكر الله … إلخ\" (^١) لا يصح. لأن الصدع بالحق لا تسامح فيه، لا سيما والدعوة للمعرضين، وهي تستلزم أن يحاجوا به بمنتهى الطاقة لقوله تعالى: ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ [سورة الفرقان: ٥٢]، وإنما معنى الآية: فاصفح عنهم ودع أذاهم في مقابلة ما يجهلون به عليك، كما بين ذلك في مواضع من التنزيل، والقرآن يفسر بعضه بعضا (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-897> أقوال أهل العلم في المراد من الإعراض في قوله تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا﴾:</span>\nالقول الأول: أن المراد من الإعراض: الإعراض عن دعوة من كان معرضا عن ذكر الله.\nالقول الثاني: أن المراد من الإعراض: الهجران والعفو والصفح عن من كان معرضا عن ذكر الله.\nأصحاب القول الأول:\nالبيضاوي: \" ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ فأعرض عن دعوته والاهتمام بشأنه فإن من غفل عن الله وأعرض عن ذكره .... لا تزيده الدعوة إلا عنادًا وإصرارًا على الباطل\" (^٣).\n_________\n(^١) الكشاف: الزمخشري (٤/ ٤٢٤).\n(^٢) محاسن التأويل: القاسمي (١٥/ ٥٥٧٩).\n(^٣) أنوار التنزيل: البيضاوي (٥/ ١٦٠).","vol":"2","page":1051},{"text":"الإيجي: \" ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى﴾: أعرض، ﴿عَنْ ذِكْرِنَا﴾: فلم يتدبر، ولم يتأمل، ﴿وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾: ولا تجادله ولا تدعه إلى الهدى\" (^١).\nأبو السعود: \" ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا﴾ المراد النهي عن دعوته والاعتناء بشأنه\" (^٢).\nمرعي الكرمي: \" والمعنى اعرض عن دعوة من رأيته معرضا عن القرآن وما فيه مقبلا على الدنيا وما فيها\" (^٣).\nأصحاب القول الثاني:\nالكرماني: \" ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى﴾: فاصفح عمَّن أعرض\" (^٤).\nابن كثير: \" ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا﴾ أي: أعرض عن الذي أعرض عن الحق واهجره\" (^٥).\nالعثيمين: \" ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ يعني أعرض عنه لا تتبعه ولا يهمنك أمره، وليس المعنى: أعرض عنه لا تنصحه. لأن التذكير واجب\" (^٦).\n\n•<span data-type='title' id=toc-898> دراسة المسألة:</span>\nبعد التتبع والنظر في أقوال أهل العلم وما ذكره المفسرون في هذه المسألة، يتبين أن الأصل في هذه المسألة: بذل النصح والإرشاد والدعوة لكل مخالف، مسلمًا كان أم كافرا، إلا في أحوال تكون فيه الدعوة غير صالحة لمن كان مُعرضًا، متعصبًا لهواه، ليس همه إلا الحياة الدنيا.\n_________\n(^١) جامع البيان: الإيجي (٤/ ٢١٤).\n(^٢) إرشاد العقل السليم: أبو السعود (٨/ ١٦٠).\n(^٣) قلائد المرجان: مرعي الكرمي (ص: ١٩٧).\n(^٤) لباب التفاسير: الكرماني (ص: ٣٠٦٨).\n(^٥) تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٧/ ٧٠).\n(^٦) تفسير القرآن الكريم (من الحجرات إلى الحديد): العثيمين (ص: ٢٢٤).","vol":"2","page":1052},{"text":"فالنبي ﷺ كان مأمورا بالدعاء بالحكمة والموعظة الحسنة، فلما عارضوه بأباطيلهم قيل له ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [سورة النحل: ١٢٥] ثم لما لم ينفع، قال له ربه: فأعرض عنهم ولا تقابلهم بالدليل والبرهان، فإنهم لا يتبعون إلا الظن، ولا يتبعون الحق (^١).\nوعلى هذا يحمل كلام الزمخشري المتقدم ومن وافقه من أصحاب القول الأول، من أن الإعراض في الآية المراد منه: الإعراض عن دعوة من لا يريد اتباع الحق ممن هو ميؤوس منه، ولا تُرجى منه الهداية (^٢).\nوعليه فيجوز في هذه الحال أن يكون المراد من الإعراض في الآية: الإعراض عن دعوة من كانت هذه صفته، ويجوز أن يكون المراد من الإعراض: الهجران والعفو والصفح عن من كان معرضا عن ذكر الله. وذلك مما يلي:\nأولا: من ذهب إلى أن المراد من الإعراض: الإعراض عن دعوة من كان معرضا عن ذكر الله، يؤيد ما ذهب إليه بعضًا من الأوجه:\nالوجه الأول: ما يذكره جماعة من المفسرين بأن الآية نزلت في النضر بن الحارث، أو في الوليد بن المغيرة (^٣)، ومعلوم أن مثل هؤلاء ممن تولى وأعرض ولم يرد إلا الحياة الدنيا، يكون الأفضل في حقهم: الإعراض عن دعوتهم، والله أعلم.\nالوجه الثاني: مناسبة الآية لما قبلها: وذلك أنه لما كان هذا دأب هؤلاء المذكورين في قوله تعالى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ [سورة النجم: ٢٨] أنهم لا غرض لهم في اتباع الحق، وإنما غرضهم ومقصودهم، ما تهواه نفوسهم، أمر الله رسوله بالإعراض عمن تولى عن ذكره، الذي هو الذكر الحكيم، والقرآن العظيم (^٤)، فمن كانت هذا حاله فالأولى ترك دعوته بالإعراض عنه.\n_________\n(^١) انظر: مفاتيح الغيب: الرازي (٢٨/ ٢٦٠).\n(^٢) انظر: روح المعاني: الآلوسي (٢٦/ ١٤١).\n(^٣) انظر: الكشف والبيان: الثعلبي (٢٥/ ١٣٢)، وانظر: البحر المحيط: أبو حيان (٢٠/ ٥٦)، وانظر: روح المعاني: الآلوسي (٢٦/ ١٤١).\n(^٤) انظر: تيسير الكريم الرحمن: السعدي (ص: ٨٢٠).","vol":"2","page":1053},{"text":"الوجه الثالث: سياق الآيات بعد الآية: وذلك أن الله تعالى لما قال: للنبي ﷺ، أعرض وكان النبي ﷺ شديد الميل إلى إيمان قومه وكان ربما هجس في خاطره، أن في الذكرى بعد منفعة، وربما يؤمن من الكافرين قوم آخرون من غير قتال، قال له: ﴿رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [سورة النجم: ٣٠] فهو يعلم من يجيب ومن لا يجيب، وقد علم أن هؤلاء أهل الطبع، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا﴾ [سورة الكهف: ٥٧] (^١).\nفقد أخبر الله تعالى نبيه ﷺ بأن هؤلاء القوم ممن كتب الله عليه الضلالة، فأعرض عن نصحهم ودعوتهم.\nالوجه الرابع: أن الله تعالى أخبر أن سبب الإعراض هو التولي، لأن من لا يصغي إلى قول، كيف يفهم معناه؟\nفأمر الله نبيه ﷺ بالإعراض عن من هذه حاله، ثم ذكر سبب التولي عن الذكر، وهو حصر إرادته في الحياة الدنيا. فالتولي عن الذكر سبب للإعراض عنهم، وإيثار الدنيا سبب التولي عن الذكر (^٢).\nفمن تولى عن الذكر، وأبى أن يُصغي إليه، فالمشروع في حقه الإعراض عن دعوته، والله أعلم.\nثانيًا: من ذهب إلى أن المراد من الإعراض: الهجران والعفو والصفح عن من كان معرضا عن ذكر الله، يؤيد ما ذهب إليه بعض من الأوجه:\nالوجه الأول: نظائر الآيات التي تؤيد ما ذهب إليه أصحاب هذا القول كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [سورة الفرقان: ٦٣] وقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ\n_________\n(^١) انظر: مفاتيح الغيب: الرازي (٢٩/ ٢٦٥)، وانظر: غاية الأماني: الكوراني (ص: ٢٦)، وانظر: عناية القاضي: الشهاب الخفاجي (٦/ ١١٣).\n(^٢) انظر: البحر المحيط: أبو حيان (٢٠/ ٥٧).","vol":"2","page":1054},{"text":"آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾ [سورة الجاثية: ١٤]، وقوله تعالى: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [سورة الزخرف: ٨٩]، وقوله تعالى: ﴿وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ [سورة المزمل: ١٠].\nالوجه الثاني: أنه قد جاء الأمر بالتذكير والنصح في قوله تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني ذكر كل أحد، فمن الناس من ينتفع، ومنهم لا ينتفع، والذي ينتفع هو المؤمن (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-899> النتيجة:</span>\nيتبين من خلال ما تقدم ذكره من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، أن الصواب أن تحمل الآية على المعنيين بحسب حال المدعو إن كان الأفضل في حقه الإعراض بترك دعوته إن كان معرضًا، أو بهجرانه والصفح عنه، بخلاف ما ذهب إليه القاسمي ﵀ من تعقبه على من قال بأن المراد من الإعراض في الآية: الإعراض عن دعوة من كان معرضا، بهذا الإطلاق، لما تقدم إيراده من الأوجه الدالة على ذلك لكلا الفريقين، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: تفسير القرآن الكريم (من الحجرات إلى الحديد): العثيمين (ص: ٢٢٤).","vol":"2","page":1055},{"text":"<span data-type='title' id=toc-900>سورة الرحمن</span>\n<span data-type='title' id=toc-901>١٨٢ - قوله تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (١٩) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ﴾ [سورة الرحمن: ١٩].</span>\nقال القاسمي: قيل: المراد بحري فارس والروم، فإنهما يلتقيان في البحر المحيط، وبينهما برزخ من الأرض، لا يتجاوزان حديهما بإغراق ما بينهما- وهو مروي عن قتادة والحسن- قال الشهاب: لكنه أورد عليه أنه لا يوافق قوله تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ [سورة الفرقان: ٥٣] الآية. والقرآن يفسر بعضه بعضا (^١).\nواختار ابن جرير ما روي عن ابن عباس ﵁ وغيره، أنه عني به بحر السماء وبحر الأرض وذلك أن الله قال ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [سورة الرحمن: ٢٢]، واللؤلؤ والمرجان إنما يخرج من أصداف بحر الأرض عن قطر ماء السماء. فمعلوم أن ذلك بحر الأرض وبحر السماء (^٢).\nوفيه ما في الذي قبله من عدم موافقته لتلك الآية. والأصل في الآي التشابه (^٣).\n\n•<span data-type='title' id=toc-902> أقوال أهل العلم في المراد من قوله تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾</span> (^٤):\nالقول الأول: أن المراد: خلط البحرين: البحر المالح والبحر العذب، وبينهما حاجز لا يُرى بالعين.\nالقول الثاني: أن المراد: بحري فارس والروم، فإنهما يلتقيان في البحر المحيط، وبينهما برزخ من الأرض.\n_________\n(^١) عناية القاضي: الشهاب الخفاجي (٨/ ١٢٣).\n(^٢) انظر: جامع البيان: الطبري (٢٢/ ٢٠٠).\n(^٣) محاسن التأويل: القاسمي (١٥/ ٥٦١٨، ٥٦١٩).\n(^٤) أشار بحو هذا الخلاف الماوردي في النكت والعيون (٥/ ٤٢٩)، وابن الجوزي في زاد المسير (٤/ ٢٠٩).","vol":"2","page":1056},{"text":"أصحاب القول الأول:\nمقاتل: \" ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ﴾ يعني حاجزا حجز الله أحدهما عن الآخر بقدرته فـ ﴿يَبْغِيَانِ﴾ يعني لا يبغي أحدهما على الآخر فلا يختلطان ولا يتغير طعمهما\"، وبنحو ذلك روي عن قتادة (^١).\nالزجاج: \" ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾ معنى مرج خلط، يعني البحر الملح والبحر العذب، وقوله تعالى: ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ﴾، البرزخ الحاجز، وهو حاجز من قدرة الله، لا يبغيان لا يبغي الملح على العذب فيختلط به، ولا العذب على الملح فيختلط به\" (^٢).\nالثعلبي: \" ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ العذب والملح، أي: خلاهما وأرسلهما وخلقهما ﴿يَلْتَقِيَانِ﴾ وقيل: مرج: خلط ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ﴾ حاجز وحائل من قدرة الله وحكمته\" (^٣).\nالزمخشري: \" ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ أرسل البحر الملح والبحر العذب متجاورين متلاقيين، لا فصل بين الماءين في مرأى العين ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ﴾ حاجز من قدرة الله تعالى ﴿لَا يَبْغِيَانِ﴾ لا يتجاوزان حدّيهما ولا يبغى أحدهما على الآخر بالممازجة\" (^٤).\nأصحاب القول الثاني:\nالحسن البصري: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾ قال: «بحر الروم، وبحر فارس واليمن»، وبنحو ذلك روي عن قتادة في رواية (^٥).\nالبيضاوي: \" ﴿يَلْتَقِيَانِ﴾ يتجاوران ويتماس سطوحهما، أو بحري فارس والروم يلتقيان في المحيط لأنهما خليجان يتشعبان منه\" (^٦).\n_________\n(^١) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان (٤/ ١٩٧)، وانظر: تفسير القرآن العزيز: ابن أبي زمنين (٤/ ٣٢٨).\n(^٢) معاني القرآن: الزجاج (٥/ ١٠٠)، وانظر: البسيط: الواحدي (٢١/ ١٥٤).\n(^٣) الكشف والبيان: الثعلبي (٢٥/ ٣١١)، وانظر: معالم التنزيل: البغوي (٧/ ٤٤٤).\n(^٤) الكشاف: الزمخشري (٤/ ٤٤٥).\n(^٥) أخرج قوليهما ابن جرير الطبري في تفسيره (٢٢/ ٢٠٠).\n(^٦) أنوار التنزيل: البيضاوي (٥/ ١٧١).","vol":"2","page":1057},{"text":"ابن كثير: \" وقوله: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا﴾ أي: بين العذب والمالح ﴿بَرْزَخًا﴾ أي: حاجزا، وهو اليبس من الأرض، ﴿وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ أي: مانعا أن يصل أحدهما إلى الآخر، كقوله تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (١٩) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (٢٠)﴾ \" (^١).\nالسعدي: \"المراد بالبحرين: البحر العذب، والبحر المالح، فهما يلتقيان كلاهما، فيصب العذب في البحر المالح، ويختلطان ويمتزجان، ولكن الله تعالى جعل بينهما برزخا من الأرض، حتى لا يبغي أحدهما على الآخر\" (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-903> دراسة المسألة:</span>\nمن خلال ما تقدم ذكره من أقوال أهل العلم، واستقراء ما قيل في هذه المسألة، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن أن المراد من قوله تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾ خلط البحرين ماء المالح وماء العذب خلع أحدهما على الآخر، وهو الذي عليه أكثر المفسرين (^٣)، وذلك من أوجه:\nأولا: أن المراد من المرج في كلام العرب: الخلط، ومنه قوله تعالى: ﴿فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [سورة ق: ٥].\nفلو كان البرزخ الذي بين العذب الفرات من البحرين والملح الأجاج أرضا أو يبسا لم يكن هناك مرج للبحرين، وقد أخبر جل ثناؤه أنه مَرَجَهما، وإنما عرفنا قدرته بحجزه هذا الملح الأجاج عن إفساد هذا العذب الفرات، مع اختلاط كل واحد منهما بصاحبه. فأما إذا كان كل واحد منهما في حيز عن حيز صاحبه فليس هناك مرج، ولا هناك من الأعجوبة ما\n_________\n(^١) تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٥/ ٦٠١).\n(^٢) تيسير الكريم الرحمن: السعدي (ص: ٨٣٠)، وانظر: تفسير القرآن الكريم (من الحجرات إلى الحديد): العثيمين (ص: ٣٠٨).\n(^٣) نص على هذا الواحدي في البسيط (٢١/ ١٥٤)، بينما نص الكرماني على أن أكثر المفسرين على أنهما بحر فارس والروم وبينهما جزيرة العرب. ينظر: غرائب التفسير: الكرماني (٢/ ١١٧٠)، وليس كما قال، لأن الناظر في عامة كتب التفسير يجد أن أكثرهم يقول بأن البحرين مختلطان وأن بينهما حاجز لا يُرى بالعين.","vol":"2","page":1058},{"text":"يُنَبه عليه أهل الجهل به من الناس ويُذَكرون به (^١).\nثانيًا: أن الله تعالى وصف البحرين بأنهما يلتقيان، والالتقاء يقتضي المجاورة فلا فصل بينهما في مرأى العين، ومع ذلك فلم يختلطا، ولهذا قال: ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ﴾ أي: حاجز يحجز بينهما ﴿لَا يَبْغِيَانِ﴾ أي: لا يبغي أحدهما على الآخر بأن يدخل فيه ويختلط به (^٢).\nثالثًا: نظائر الآيات الدالة على أن المراد من البحرين: البحر العذب والبحر المالح، يلتقيان فلا يبغي المالح على العذب، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ [سورة الفرقان: ٥٣] ولا يصح أن يكون المراد من الآية: بحر الروم وبحر الفرس، لأن كلا هذين البحرين ملح أجاج (^٣)، وقوله تعالى في الآية: ﴿وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ المراد منه المنع، وأن ﴿مَحْجُورًا﴾ توكيد له، أي: منعًا شديدًا للاختلاط بينهما (^٤).\nومن ذلك أيضًا: قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا﴾ [سورة النمل: ٦١] وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ [سورة فاطر: ١٢] (^٥).\nتنبيه:\nما روي عن ابن عباس أنه قال بأن المراد من قوله تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾ «بحر في السماء والأرض يلتقيان كل عام» (^٦)، جاء من طريق عطية العوفي، عن أبيه. وكلاهما\n_________\n(^١) انظر: جامع البيان: الطبري (١٧/ ٤٥٧)، وانظر: مفاتيح الغيب: الرازي (٢٤/ ٤٧٤)، وانظر: فتوح الغيب: الطيبي (١١/ ٢٦٣)، وانظر: روح المعاني (١٩/ ٧٥).\n(^٢) انظر: فتح القدير: الشوكاني (٥/ ١٦١).\n(^٣) انظر: روح المعاني: الآلوسي (١٩/ ٨٠).\n(^٤) انظر: أضواء البيان: الشنقيطي (٦/ ٣٧٦).\n(^٥) انظر: البسيط: الواحدي (٢١/ ١٥٤)، وانظر: مفاتيح الغيب: الرازي (٢٩/ ٣٥٠)، وانظر: لباب التأويل: الخازن (٢/ ٣٢٨)، وانظر: نكن وتنبيهات في تفسير القرآن: أبو العباس البسيلي (٢/ ٣٥٨).\n(^٦) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٢٢/ ٢٠٠).","vol":"2","page":1059},{"text":"ضعيف ومتكلم فيه (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-904> النتيجة:</span>\nيتبين من خلال ما تقدم ذكره من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، أن الأقرب للصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن المراد من قوله تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾ أي: خلع البحرين: البحر المالح والبحر العذب، وبينهما حاجز لا يُرى بالعين، لما تقدم إيراده من الأوجه الدالة على ذلك، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: ميزان الاعتدال (٣/ ٧٩)، وانظر: لسان الميزان: ابن حجر (٤/ ٣٣).","vol":"2","page":1060},{"text":"<span data-type='title' id=toc-905>١٨٣ - قوله تعالى: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ﴾ [سورة الرحمن: ٣٥].</span>\nقال القاسمي بعد إيراده كلام ابن القيم وما استشهد عليه من الآيات التي تؤيد ما ذهب إليه من أن الخطاب في الآية للكفار يكون يوم القيامة: وأنت ترى أن لا قرينة تخصص الآية بالقيامة، وما استشهد به من الآيات لا يؤيده، لأنه ليس من نظائره. فالوجه ما ذكرناه (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-906> أقوال أهل العلم في الزمن الذي يُخاطب الله تعالى الكفار من الإنس والجن بقوله: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ﴾:</span>\nالقول الأول: أن خطاب الله تعالى للكفار من الجن والإنس في الآية يكون في الآخرة.\nالقول الثاني: أن خطاب الله تعالى للكفار من الجن والإنس في الآية يكون في الدنيا، يعني: إن أصررتما على الكفر والعصيان، فما أمامكم في الآخرة إلا هذا العذاب الأليم.\nأصحاب القول الأول:\nالثعلبي: \" وفي الخبر: يحاط على الخلق يوم القيامة بالملائكة، وبلسان من نار، ثم ينادون ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ فذلك قوله تعالى: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ﴾ \" (^٢).\nابن القيم: \"وفي الآية تقرير آخر، وهو أن يكون هذا الخطاب في الآخرة، إذا أحاطت الملائكة بأقطار الأرض، وأحاط سرادق النار بالآفاق، فهرب الخلائق، فلا يجدون مهربا ولا منفذا\" (^٣).\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (١٥/ ٥٦٢٦).\n(^٢) الكشف والبيان: الثعلبي (٢٥/ ٣٣٩)، وانظر: التفسير الوسيط: الواحدي (٤/ ٢٢٣)، وانظر: معالم التنزيل: البغوي (٧/ ٤٤٨)، وانظر: لباب التأويل: الخازن (٤/ ٢٢٩).\n(^٣) طريق الهجرتين: ابن القيم (٢/ ٩٢٢) وما بعدها.","vol":"2","page":1061},{"text":"ابن كثير: \" ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ﴾ والمعنى لو ذهبتم هاربين يوم القيامة، لردتكم الملائكة والزبانية بإرسال اللهب من النار، والنحاس المذاب عليكم لترجعوا \" (^١).\nأصحاب القول الثاني:\nالحداد: \" ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ﴾ أي يرسل على من استحقّ منكما بمعاصيه لهب من النار\" (^٢).\nالشنقيطي: \" ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ﴾ الآية، فهو يدل على ذلك التقدير على أنهم لو أرادوا النفوذ في أقطارها حرقهم ذلك الشواظ والنحاس\" (^٣).\nالعثيمين: \" ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ﴾ يعني لو استطعتم، أو لو حاولتم أن تنفذوا من أقطار السماوات، لكان هذا الجزاء ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ﴾ أي: محمى بالنار\" (^٤).\n\n•<span data-type='title' id=toc-907> دراسة المسألة:</span>\nمن خلال التأمل في أقوال أهل العلم واستقراء ما ذكره المفسرون في تأويل الآية، يتبين أن الأقرب للصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن الخطاب في قوله تعالى: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ﴾ يكون في الآخرة، وذلك من أوجه:\nالأول: نظائر الآية وظاهرها الذي يدل على أن الخطاب يكون في الآخرة: ففي مقام الحشر، والملائكة محدقة بالخلائق، لا يقدر أحد على الذهاب إلا بسلطان، أي بأمر الله، كما يقول جل وعلا: ﴿يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (١٠) كَلَّا لَا وَزَرَ (١١) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾ [سورة\n_________\n(^١) تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٧/ ١٠٩).\n(^٢) لباب التفاسير: الكرماني (ص: ٢٧٤٠).\n(^٣) أضواء البيان: الشنقيطي (٣/ ١٥٣، ١٥٤)، وانظر: دفع إيهام الاضطراب: الشنقيطي (ص: ٢٢٧).\n(^٤) تفسير القرآن الكريم (من الحجرات إلى الحديد): العثيمين (ص: ٣١٦)، بتصرف.","vol":"2","page":1062},{"text":"القيامة: ١٢]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [سورة يونس: ٢٧]، ولهذا قال تعالى: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ﴾ والمعنى لو ذهبتم هاربين يوم القيامة، لردتكم الملائكة والزبانية بإرسال اللهب من النار والنحاس المذاب عليكم لترجعوا (^١).\nالثاني: من حيث دلالة السياق: فسياق الآيات في الحديث عن أهوال يوم القيامة، فما قبل هذه الآية وما بعدها يدل على أن الخطاب يكون في الآخرة، فإن قبلها قوله تعالى: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾، وهذا في الآخرة، وبعدها قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ [سورة الرحمن: ٣٧] وهذا في الآخرة (^٢).\nالثالث: أن الخطاب في الآيات لجميع الإنس والجن، فإنه جاء بصيغة العموم، وهي قوله: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ فلا بد أن يشترك الكل في سماع هذا الخطاب ومضمونه، وهذا إنما يكون إذا جمعهم الله في صعيد واحد، يسمعهم الداعي، وينفذهم البصر. وقال تعالى: ﴿إِنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ ولم يقل: إن استطعتما، لإرادة الجماعة، كما في آية أخرى ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ﴾ [سورة الأنعام: ١٣٠]، وقال: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا﴾، ولم يقل: يرسل عليكم، لإرادة الصنفين، أي لا يختص به صنف عن صنف، بل يرسل ذلك على الصنفين معا (^٣).\n_________\n(^١) انظر: طريق الهجرتين: ابن القيم (٢/ ٩٢٢)، وانظر: تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٧/ ١٠٩)، وانظر: جامع البيان: الإيجي (٤/ ٢٣٦).\n(^٢) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان (٤/ ١٩٩، ٢٠٠)، وانظر: جامع البيان: الطبري (٢٢/ ٢١٧، ٢٢٦)، وانظر: طريق الهجرتين: ابن القيم (٢/ ٩٢٢)، وانظر: إرشاد العقل السليم: أبو السعود (٨/ ١٨١).\n(^٣) انظر: طريق الهجرتين: ابن القيم (٢/ ٩٢٣).","vol":"2","page":1063},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-908> النتيجة:</span>\nيتبين من خلال ما تقدم ذكره من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، أن الأقرب للصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من الخطاب في قوله تعالى: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ﴾، يكون في الآخرة، خلافًا لما ذهب إليه القاسمي ﵀، لما تقدم إيراده من الأوجه التي تؤيد ذلك، والله أعلم.","vol":"2","page":1064},{"text":"* * *\nجزء قد سمع","vol":"2","page":1065},{"text":"<span data-type='title' id=toc-909>سورة الحشر</span>\n<span data-type='title' id=toc-910>١٨٤ - قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة الحشر: ١٠].</span>\nقال القاسمي: جعل الزمخشري قوله: ﴿وَالَّذِينَ﴾ عطفا على ﴿الْمُهَاجِرِينَ﴾ كالموصول قبله في قوله: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا﴾ الآية. فيكون قوله ﴿يُحِبُّونَ﴾ وقوله ﴿يَقُولُونَ﴾ حالين (^١).\nوجوز السمين: وجها ثانيا، وهو كون الموصول فيهما مبتدأ، وما بعده خبره (^٢).\nوعندي أن هذا هو الوجه، وما قبله تكلف، وأن الموصولين مستأنفان لمدح إيمان الأنصار والتابعين لهم بتلك الأخلاق الفاضلة، والخصال الكاملة (^٣).\n\n•<span data-type='title' id=toc-911> أقوال أهل العلم في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ الآية، وموقعه من الإعراب وما يترتب عليه من معني:</span>\nالقول الأول: أن قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ الآية، معطوف على ما قبله، ويكون المعنى: أن الفيء (^٤) في قوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [سورة الحشر: ٧] الآية، وما بعدها يشملهم جميعًا.\nالقول الثاني: أن قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ الآية، ابتداء وحكم جديد لا علاقة له بالفيء، فكل من جاء بعد الصحابة يدعو لهم بالمغفرة.\n_________\n(^١) انظر: الكشاف: الزمخشري (٤/ ٥٠٦).\n(^٢) انظر: الدر المصون: السمين الحلبي (١٠/ ٢٨٧).\n(^٣) محاسن التأويل: القاسمي (١٦/ ٥٧٧٤).\n(^٤) الفيء: ما رد الله تعالى على أهل دينه من أموال من خالف أهل دينه بلا قتال، إما بأن يجلوا عن أوطانهم ويخلوها للمسلمين، أو يصالحوا على جزية يؤدونها عن رؤوسهم، أو مال غير الجزية يفتدون به من سفك دمائهم. ينظر: تهذيب اللغة: الأزهري (١٥/ ٤١٥)، وينظر: التعريفات: الجرجاني (ص: ١٧٠).","vol":"2","page":1066},{"text":"أصحاب القول الأول:\nالجصاص: \" ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ [سورة الحشر: ٧] إلى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ وهم لا محالة داخلون في استحقاق الفيء كالأولين، والواو فيه للجمع\" (^١).\nالثعلبي: \"ولا شك أن قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾: عطف على قوله: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ﴾ وأنهم مشاركون للفقراء المهاجرين والأنصار في الفيء ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا﴾: من صلة: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا﴾ فمعنى الآية: والذين جاؤوا من بعدهم -وهم مع استحقاقهم الفيء\" (^٢).\nالرازي: \"اعلم أن قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ عطف أيضا على المهاجرين وهم الذين هاجروا من بعد، وقيل: التابعون بإحسان وهم الذين يجيئون بعد المهاجرين والأنصار إلى يوم القيامة\" (^٣).\nابن جزي: \" ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ هذا معطوف على المهاجرين والأنصار المذكورين قبل، فالمعنى أن الفيء للمهاجرين والأنصار ولهؤلاء الذين جاءوا من بعدهم\" (^٤).\nأصحاب القول الثاني:\nظاهر قول السمرقندي: \" ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ يعني: التابعين، ويقال: يعني: الذين هاجروا من بعد الأولين. يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان\" (^٥).\n_________\n(^١) أحكام القرآن: الجصاص (٢/ ٢٨٤)، وانظر: تفسير القرآن العزيز: ابن أبي زمنين (٤/ ٣٧٠).\n(^٢) الكشف والبيان: الثعلبي (٨/ ٥٢)، وانظر: لباب التفاسير: الكرماني (ص: ٣٢١٥)، وانظر: أحكام القرآن: الكيا الهراسي (٢/ ٢٧٩).\n(^٣) مفاتيح الغيب: الرازي (٢٩/ ٥٠٩)، وانظر: تفسير القرآن العظيم: السخاوي (٢/ ٤٥٤)، وانظر: مدارك التنزيل: النسفي (٣/ ٤٥٩).\n(^٤) التسهيل: ابن جزي (٢/ ٣٦١)، وانظر: التحرير والتنوير: ابن عاشور (٢٨/ ٩٦)، وانظر: أضواء البيان: الشنقيطي (١/ ٣٢٠).\n(^٥) بحر العلوم: السمرقندي (٣/ ٤٢٩).","vol":"2","page":1067},{"text":"ابن عبد البر: \"قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ إنما هو استئناف كلام للدعاء لهم بدعائهم لمن سبقهم بالإيمان، لا لغير ذلك\" (^١).\nالقرطبي: \"قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ استئناف كلام بالدعاء لمن سبقهم بالإيمان، لا لغير ذلك\" (^٢).\nقال بعض المفسرين: \" ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ مبتدأ، ندبوا بالدعاء للأولين، والثناء عليهم، وهم من يجيء بعد الصحابة إلى يوم القيامة\" (^٣).\n\n•<span data-type='title' id=toc-912> دراسة المسألة:</span>\nبعد التتبع والنظر واستقراء ما ذكره المفسرون وأهل العلم في هذه المسألة، يظهر أن الصواب هو ما عليه أصحاب القول الأول من أن قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ الآية، معطوف على ما قبله، فيكون الفيء شاملا للفقراء ومن معهم، والذين تَبَوَّءُوا الدار، والذين جاءوا من بعدهم، وهو الذي عليه أكثر المفسرين (^٤)، وذلك من أوجه:\nأولا: ما رويَ عن مالك بن أوس بن الحدثان (^٥) أنه قال: قرأ عمر بن الخطاب: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ حتى بلغ ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [سورة التوبة: ٦٠]، ثم قال هذه لهؤلاء، ثم قرأ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾ [سورة الأنفال: ٤١]، ثم قال: هذه لهؤلاء، ثم قرأ: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ حتى بلغ للفقراء ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ﴾ ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا\n_________\n(^١) التمهيد: ابن عبد البر (٤/ ٤٣٢).\n(^٢) الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (١٠/ ١٠).\n(^٣) الكتاب الفريد: المنتجب الهمذاني (٦/ ١٢٥)، وانظر: البحر المحيط: أبو حيان (٢٠/ ٢٧٨)، وانظر: التحرير والتنوير: ابن عاشور (٢٨/ ٩٧).\n(^٤) نص على هذا الواحدي في البسيط (٢١/ ٣٨٤)، والآلوسي في روح المعاني (٢٧/ ٣٩).\n(^٥) وهو: مَالِك بن أَوْس ابن الحَدَثان أحد بنى نَصْر بن معاوية بن بكر بن هَوَازن بن منصور بن عِكْرِمة بن خَصَفة بن قيس بن عَيلان، تأخّر إسلامه، ولم ير النبيّ، ﷺ، ولا روى عنه شيئًا، مات سنة ٧٢ هـ. ينظر: الطبقات الكبرى: ابن سعد (٧/ ٦٠).","vol":"2","page":1068},{"text":"مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ ثم قال: استوعبت هذه الآية المسلمين عامة، وليس أحد إلا له فيها حق (^١).\nووجه الدلالة: أن عمر بن الخطاب فسَّر الآية بأن الذين جاءوا من بعد الصحابة رضوان الله عليهم، من التابعين، بأن الفيء يشملهم جميعًا، فدل هذا بأن قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ معطوف على ما سبقه، والله أعلم.\nوروى عن مالك بن أنس أنه قال: من تنقص أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ، أو كان في قلبه عليه غل فليس له حق في فيء المسلمين، ثم تلا هذه الآيات. قال: وهذا نص في الكتاب بين (^٢).\nالثاني: نظائر الآية الدالة على أن الذين جاء ذكرهم في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ هم القسم الثالث ممن يستحق فقراؤهم من مال الفيء، وهم المهاجرون ثم الأنصار، ثم التابعون لهم بإحسان، كما قال في آية براءة: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ ﵃﴾ [سورة التوبة: ١٠٠] فالتابعون لهم بإحسان هم المتبعون لآثارهم الحسنة وأوصافهم الجميلة، الداعون لهم في السر والعلانية؛ ولهذا قال تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ﴾ أي: قائلين: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا﴾ أي: بغضا وحسدا (^٣).\nالثالث: أن قول من قال: إن قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ مبتدأ خبره ﴿يَقُولُونَ﴾ غير صحيح؛ لأنه يقتضي أنه تعالى أخبر بأن كل من يأتي بعدهم يقول: ﴿رَبَّنَا\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الخراج والإمارة، باب: في صفايا رسول الله ﷺ من الأموال، برقم: (٢٩٦٦)، قال الألباني: حديث صحيح، وأخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٢٢/ ٥١٦)، وأورده ابن كثير في تفسيره (٧/ ٢٣٢).\n(^٢) انظر: الكشف والبيان: الثعلبي (٢٦/ ٢٤٧)، وانظر: معالم التنزيل: البغوي (٨/ ٨٠)، وانظر: زاد المسير: ابن الجوزي (٤/ ٢٦٠)، وانظر: النهي عن سب الأصحاب: الضياء المقدسي (ص: ٨٤).\n(^٣) انظر: تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٧/ ٢٣١).","vol":"2","page":1069},{"text":"اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا﴾ الآية. والواقع خلافه؛ لأن كثيرًا ممن جاء بعدهم يسبون الصحابة ويلعنونهم، والحق أن قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا﴾ معطوف على ما قبله (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-913> النتيجة:</span>\nبعد ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ الآية، معطوف على ما قبله، وأن الفيء يشمل الفقراء، والذين ذكروا بعدهم، لما تقدم إيراده من الأوجه الدالة على ذلك، بخلاف ما ذهب إليه القاسمي ﵀، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري: القسطلاني (٥/ ٢٠٨)، وانظر: أضواء البيان: الشنقيطي (٢/ ٤٣٧).","vol":"2","page":1070},{"text":"جزء تبارك","vol":"2","page":1071},{"text":"<span data-type='title' id=toc-914>سورة المعارج</span>\n<span data-type='title' id=toc-915>١٨٥ - قوله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [سورة المعارج: ٤].</span>\nقال القاسمي: نقل الرازي عن أبي مسلم أن هذا اليوم هو يوم الدنيا كلها، من أول ما خلق الله إلى آخر الفناء. فبين تعالى أنه لا بد في يوم الدنيا من عروج الملائكة ونزولهم، وهذا اليوم مقدر بخمسين ألف سنة. ثم لا يلزم على هذا أن يصير وقت القيامة معلوما، لأنا لا ندري كم مضى وكم بقي (^١). انتهى. وهو بعيد (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-916> أقوال أهل العلم في المراد من اليوم في قوله تعالى: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾</span> (^٣):\nالقول الأول: أن المراد: يوم القيامة، عند وقوف الناس للحساب.\nالقول الثاني: أن المراد: يوم الدنيا كلها، من أول ما خلق الله إلى آخر الفناء.\nأصحاب القول الأول:\nابن عباس ﵁: \"قوله: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ فهذا يوم القيامة، جعله الله على الكافرين مقدار خمسين ألف سنة\"، وبنحو ذلك وري عن عكرمة، وقتادة، والضحاك، وابن زيد (^٤).\nالنحاس: \"فهذا يوم القيامة جعله الله ﷿ على الكفار مقدار خمسين ألف\n_________\n(^١) انظر: مفاتيح الغيب: الرازي (٣٠/ ٦٣٩، ٦٤٠).\n(^٢) محاسن التأويل: القاسمي (١٦/ ٥٩٢٥).\n(^٣) أشار إلى هذا الخلاف الماوردي في النكت والعيون (٦/ ٩٠).\n(^٤) أخرج أقوالهم ابن جرير الطبري في تفسيره (٢٣/ ٢٥٢).","vol":"2","page":1072},{"text":"سنة\" (^١).\nالسمرقندي: \" ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ يعني: ذلك العذاب واقع في يوم القيامة، مقداره خمسين ألف سنة\" (^٢).\nالسمعاني: \" ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ قال ابن عباس: هو يوم القيامة، وهو أصح القولين\" (^٣).\nأصحاب القول الثاني:\nعكرمة في رواية: «﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ الدنيا من أولها إلى آخرها يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، لا يدري أحد ما مضى؟ ولا كم بقي؟ إلا الله» وبنحو ذلك روي عن مجاهد، ووهب بن منبه (^٤).\nقال بعض من المفسرين: \" المراد مدة الدنيا من أولها إلى آخرها خمسون ألف سنة\" (^٥).\n\n•<span data-type='title' id=toc-917> دراسة المسألة:</span>\nمن خلال التتبع والنظر في أقوال أهل العلم، وما ذكروه في هذه المسألة يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن المراد من اليوم الذي مقداره خمسين ألف سنة: يوم القيامة، وذلك من أوجه:\nالأول: ما دل عليه ظاهر قول النبي ﷺ: فقد روى مسلم في صحيحه بسنده عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ، قال: «ما من صاحب كنز لا يؤدي زكاته، إلا أحمي عليه\n_________\n(^١) معاني القرآن: النحاس (٥/ ٢٩٩)، وانظر: الوجيز: الواحدي (ص: ١١٣١)، وانظر: التحرير والتنوير: ابن عاشور (٢٩/ ١٥٧) وانظر: تفسير القرآن الكريم (سورة السجدة): العثيمين (ص: ٣٤).\n(^٢) بحر العلوم: السمرقندي (٣/ ٤٩٤).\n(^٣) تفسير القرآن: السمعاني (٦/ ٤٥)، وانظر: لباب التفاسير: الكرماني (ص: ٣٣٦٤)، وانظر: تفسير القرآن العظيم: السخاوي (٢/ ٩٠)، وانظر: الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (٢١/ ٢٢٥).\n(^٤) أخرج نحوا من أقوالهم عبد الرزاق بن همام الصنعاني في تفسيره (٣/ ٣٤٤)، وأورد نحوا منها مكي بن أبي طالب في الهداية (١٢/ ٧٦٩٩)، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن (٢١/ ٢٢٥).\n(^٥) انظر: جامع البيان: الإيجي (٤/ ٣٧١)، وانظر: معترك الأقران: السيوطي (٢/ ٢٣٩).","vol":"2","page":1073},{"text":"في نار جهنم، فيجعل صفائح فيكوى بها جنباه، وجبينه، حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ثم يرى سبيله، إما إلى الجنة، وإما إلى النار» الحديث (^١).\nودلالة الحديث ظاهرة بأن اليوم الذي مقداره خمسين ألف سنة هو يوم القيامة.\nوروى أحمد في مسنده بسنده عن أبي سعيد الخدري ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: \"ينصب للكافر يوم القيامة مقدار خمسين ألف سنة، كما لم يعمل في الدنيا، وإن الكافر ليرى جهنم، ويظن أنها مواقعته من مسيرة أربعين سنة\" (^٢).\nالثاني: أن جماعة من المفسرين ذكروا أن استطالة هذا اليوم بوقوعه في خمسين ألف سنة، إما لشدته على الكفار أو لكثرة ما فيه من الحالات والمحاسبات (^٣)، وهذا لا يكون إلا في يوم القيامة.\nالثالث: مما يدل على أن المراد باليوم في قوله تعالى: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ يوم القيامة، أن الله تعالى قال في موضع آخر: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [سورة السجدة: ٥]، ولدفع إيهام التعارض بين الآيتين في المقدار المذكور، ذكر جمع من المفسرين بأن الاختلاف باعتبار حال المؤمن والكافر، فيوم القيامة يطول على الكافر ويقصر على المسلم، ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [سورة المدثر: ١٠] (^٤).\nالرابع: سياق الآيات الذي يدل على أن المراد باليوم في الآية: يوم القيامة، فقد ذهب جماعة من المفسرين بأن المراد من العذاب الواقع في قوله تعالى: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، كتاب الزكاة، باب: إثم مانع الزكاة، برقم: (٩٨٧)، وأخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (١١/ ٤٣١).\n(^٢) أخرجه أحمد في مسنده (١٨/ ٢٤٣)، برقم: (١١٧١٥)، وحسَّنه محققوا المسند.\n(^٣) انظر: تفسير القرآن العظيم: السخاوي (٢/ ٥٠٧)، وانظر: أنوار التنزيل: البيضاوي (٥/ ٢٤٤)، وانظر: مدارك التنزيل: النسفي (٣/ ٥٣٦)، وانظر: فتح البيان: القنوجي (١١/ ١٥).\n(^٤) انظر: الإتقان: السيوطي (٣/ ٩٤)، وانظر: دفع إيهام الاضطراب: الشنقيطي (ص: ٢٣٩)، وانظر: أضواء البيان: الشنقيطي (٥/ ٧٨٥).","vol":"2","page":1074},{"text":"[سورة المعارج: ١] يكون يوم القيامة، أو أن المراد من العذاب: واد في جهنم (^١)، والمؤدى واحد.\n\n•<span data-type='title' id=toc-918> النتيجة:</span>\nبعد ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الراجح هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن المراد من اليوم في قوله تعالى: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ يوم القيامة، لما تقدم إيراده من الأوجه الدالة على ذلك، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: جامع البيان: الطبري (٢٣/ ٢٥٠)، وانظر: معاني القرآن: الزجاج (٥/ ٢١٩)، وانظر: الهداية: مكي بن أبي طالب (١٢/ ٧٦٩٦)، وانظر: الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (٢١/ ٢١٨).","vol":"2","page":1075},{"text":"<span data-type='title' id=toc-919>سورة نوح</span>\n<span data-type='title' id=toc-920>١٨٦ - قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [سورة نوح: ٢٣].</span>\nقال الرازي: في انتقالها عن قوم نوح إلى العرب. إشكال، لأن الدنيا قد خربت في زمان الطوفان، فكيف بقيت تلك الأصنام، وكيف انتقلت إلى العرب. ولا يمكن أن يقال إن نوحا ﵇ وضعها في السفينة وأمسكها، لأنه ﵇ إنما جاء لنفيها وكسرها، فكيف يمكن أن يقال إنه وضعها في السفينة سعيا منه في حفظها؟ (^١).\nقال القاسمي: ونحن نقول: إن جوابه بديهي، وهو أن انتقالها إلى العرب بواسطة نقل أحوال قوم نوح وأبنائهم وعوائدهم، على ألسنة الرحل والسّمار، لأن سيرة القرن المتقدم في العصر المتأخر، وسنة الخالف أن يؤرخ السالف. وجلي أن النفس أميل إلى الجهل منها إلى العلم، لا سيما إذ زين له المنكر بصفة تميل إليها، فتكون ألصق به. وهكذا كان بعد انقراض العلم وحملته، أن حدث ما حدث من عبادتها، كما أشارت إليه رواية ابن عباس عند البخاري: حتى إذا هلك أولئك، وتنسّخ العلم، عبدت. وعجيب من الرازيّ أن لا يجد مخرجا من سؤاله، وهو على طرف الثّمام (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-921> أقوال أهل العلم في ثبوت انتقال الأصنام التي كان يعبدها قوم نوح ﵇ إلى جزيرة العرب:</span>\nالزجاج: \"هذه خمسة أصنام كانت في قوم نوح يعبدونها. ثم صارت إلى العرب\" (^٣).\nالسمعاني: \"وفي التفسير: أن ودا كانت لكلب، والسواع كانت لهذيل، ويغوث كانت لبني غطيف بن دارم، ويعوق كانت لهمدان، ونسرا كانت لحمير، وقد قيل على\n_________\n(^١) مفاتيح الغيب: الرازي (٣٠/ ٦٥٧).\n(^٢) محاسن التأويل: القاسمي (١٦/ ٥٩٣٨).\n(^٣) معاني القرآن: الزجاج (٥/ ٢٣٠)، وانظر: درج الدرر: الجرجاني (٢/ ٦٦٤).","vol":"2","page":1076},{"text":"خلاف هذا.، وكانت بقية هذه الأصنام لهم من زمان نوح قد غرقت، فاستخرجها لهم إبليس حتى عبدوها\" (^١).\nالسخاوي: \"كانت هذه الأصنام أكبر الآلهة عندهم، وقد انتقلت هذه الأصنام عن قوم نوح إلى العرب\" (^٢).\nأبو السعود: \" ﴿وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ أي ولا تذرن عبادة هؤلاء خصوها بالذكر مع اندراجها فيما سبق لأنها كانت أكبر أصنامهم وأعظمها عندهم وقد انتقلت هذه الأصنام عنهم إلى العرب\" (^٣).\n\n•<span data-type='title' id=toc-922> دراسة المسألة:</span>\nبعد التتبع والنظر في أقوال أهل العلم وما ذكره المفسرون في هذه المسألة، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه عامة أهل العلم من أن ود وسواع ويغوث ويعوق ونسرا أصنام وصور، كان قوم نوح يعبدونها ثم عبدتها العرب، وذلك من وجهين:\nالأول: أن القول بأن الأصنام كانت في قوم نوح ثم انتقلت إلى أرض العرب بعد الطوفان، أو عبدتها العرب بعد ذلك، هو الذي عليه جماعة من السلف، كابن عباس ﵁، وقتادة (^٤)، ولم يُعلم لهم مخالف في عصرهم، وهو أعلم بالتنزيل ممن جاء بعدهم، بل هو الذي عليه جمهور المفسرين (^٥).\nروى البخاري في صحيحه عن ابن عباس ﵁: \"صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد، أما ود: كانت لكلب بدومة الجندل، وأما سواع: كانت لهذيل، وأما يغوث: فكانت لمراد، ثم لبني غطيف بالجوف عند سبأ، وأما يعوق: فكانت لهمدان، وأما\n_________\n(^١) تفسير القرآن: السمعاني (٦/ ٥٩)، وانظر: لباب التفاسير: الكرماني (ص: ٣٣٨٧).\n(^٢) تفسير القرآن العظيم: السخاوي (٢/ ٥١٤)، وانظر: أنوار التنزيل: البيضاوي (٥/ ٢٥٠).\n(^٣) إرشاد العقل السليم: أبو السعود (٩/ ٤٠).\n(^٤) أخرج عن ابن عباس عبد الرزاق بن همام الصنعاني في تفسيره (٣/ ٣٤٩)، وعن قتادة ابن جرير الطبري في تفسيره (٢٣/ ٣٠٤)\n(^٥) نص على هذا القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (٢١/ ٢٦١).","vol":"2","page":1077},{"text":"نسر: فكانت لحمير، لآل ذي الكلاع، أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم: أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابا وسموها بأسمائهم، ففعلوا، فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك، وتنسخ العلم عبدت\" (^١).\nالثاني: أن من العرب من سُميَ باسم تلك الأصنام، كعمرو بن عبد ود، وعبد يغوث (^٢)، مما يدل على أن تلك الأصنام كانت تعبد وتُقدس عند العرب، فدل هذا على أنها انتقلت إليهم، والله أعلم.\nالجواب عن استشكال الرازي:\nاستشكل الرازي ﵀ انتقال الأصنام من الأرض التي كان يُقيم فيها قوم نوح ﵇ إلى أرض العرب بحجة أن الدنيا خربة وقت الطوفان، والغريب أن القاسمي ﵀ لم يكن جوابه حول إثبات انتقال الأصنام بذاتها ردا على الفخر الرازي، وإنما أجاب بإثبات معرفة العرب لتك الأصنام بأن الخالف يؤرخ للسالف.\nوالجواب عن هذا الاستشكال: ما روي عن ابن عباس ﵁: كان نوح ﵇ يحرس جسد آدم ﵇ على جبل بالهند يحول بين الكافرين، وبين أن يطوفوا بقبره، فقال لهم الشيطان: إن هؤلاء يفتخرون عليكم، ويزعمون أنهم بنو آدم دونكم، وإنما هو جسد، وأنا أصور لكم مثله تطوفون به، فنحت خمسة أصنام، وحملهم على عبادتها، وهي: ود، وسواع، ويغوث، ويعوق، ونسرا. فلما كان أيام الغرق دفن الطوفان تلك الأوثان فطمها بالتراب، فلم تزل مدفونة حتى أخرجها الشيطان لمشركي العرب (^٣).\nفدل هذا الأثر أن الأصنام دفنت في التراب حتى أخرجها الشيطان لمشركي العرب.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب تفسير القرآن (سورة نوح)، باب: ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق، برقم: (٤٩٢٠).\n(^٢) انظر: الكشاف: الزمخشري (٤/ ٦١٩)، وانظر: اللباب: ابن عادل الحنبلي (١٩/ ٣٩٤).\n(^٣) انظر: الكشف والبيان: الثعلبي (٢٧/ ٣٩٩ - ٤٠٨)، وانظر: البسيط: الواحدي (٢٢/ ٢٧٦)، وانظر: معالم التنزيل: البغوي (٨/ ٢٣٣).","vol":"2","page":1078},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-923> النتيجة:</span>\nبعد ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه عامة أهل العلم من أن الأصنام التي كان يعبده قوم نوح ﵇ انتقلت إلى أرض العرب، وليس في ذلك إشكال، لما تقدم إيراه، والله أعلم.","vol":"2","page":1079},{"text":"<span data-type='title' id=toc-924>سورة المرسلات</span>\n<span data-type='title' id=toc-925>١٨٧ - قوله تعالى: ﴿لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ [سورة المرسلات: ١٢].</span>\nقال القاسمي: في (الإكليل) قال إلكيا الهراسي: عنى بالكفات الانضمام. ومراده أنها تضمهم في الحالتين. وهذا يدل على وجوب مواراة الميت فلا يرى منه شيء. وقال ابن عبد البرّ: احتج ابن القاسم في قطع النباش بهذه الآية. لأنه تعالى جعل القبر للميت كالبيت للحيّ، فيكون حرزا (^١).\nونقله القفّال عن ربيعة. وعندي أن مثل هذا الاحتجاج من الإغراق في الاستنباط وتكلف التماس ما يؤيد المذهب المتبوع كيفما كان، مما يعد تعسّفا وتعصّبا. وبين فحوى الآية وهذا الاستنباط ما بين المنجد والمتهم. ومثله أخذ بعضهم من الآية السابقة ﴿لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ تأجيل القضاة الخصوم في الحكومات، ليقع فصل القضاء عند تمام التأجيل. كما نقله في (الإكليل) عن ابن الفرس (^٢).\nومآخذ الدين والتشريع ليست من الأحاجي والمعميات. وبالله التوفيق (^٣).\n\n•<span data-type='title' id=toc-926> أقوال أهل العلم في المراد من قوله تعالى: ﴿لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾:</span>\nالقول الأول: أن الآية على ظاهرها، والمراد: لأي يوم أخرت عن معاجلة الثواب والعقاب.\nالقول الثاني: أن المراد: تأجيل القضاة الخصوم في الحكومات، ليقع فصل القضاء عند تمام التأجيل.\n_________\n(^١) سيأتي إيراده في المسألة القادمة.\n(^٢) سيأتي إيراده.\n(^٣) محاسن التأويل: القاسمي (١٧/ ٦٠٢٥).","vol":"2","page":1080},{"text":"أصحاب القول الأول:\nالطبري: \" ﴿لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ يقول تعالى ذكره معجبا عباده من هول ذلك اليوم وشدته: لأي يوم أجلت الرسل ووقتت\" (^١).\nالسمرقندي: \"يعني: لأي يوم أجلت الرسل، ليشهدوا على قومهم. ثم بين فقال: ﴿لِيَوْمِ الْفَصْلِ﴾ يعني: أجلها ليوم الفصل وهو يوم القضاء\" (^٢).\nمكي بن أبي طالب: \" ﴿لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (١٢) لِيَوْمِ الْفَصْلِ (١٣)﴾ أي: أجلت الرسل ليوم يفصل الله فيه بين خلقه، فيأخذ للمظلوم من الظالم ويجزي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته\" (^٣).\nالسمعاني: \" ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ أي: جمعت لوقتها، وهو يوم القيامة؛ ليشهدوا على الأمم، ﴿لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ أي: لأي يوم أخرت\" (^٤).\nأصحاب القول الثاني:\nابن عطية: \"وفي هذه الآية انتزع القضاة الآجال في الأحكام ليقع فصل القضاء عند تمامها\" (^٥).\nابن الفرس: \" ﴿لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (١٢) لِيَوْمِ الْفَصْلِ (١٣)﴾: انتزع الناس من هذه الآية تأجيل القضاة للخصوم في الحكومات ليقع فصل القضاء عند تمام التأجيل\" (^٦).\n_________\n(^١) جامع البيان: الطبري (٢٣/ ٥٩٣).\n(^٢) بحر العلوم: السمرقندي (٣/ ٥٣٢).\n(^٣) الهداية: مكي بن أبي طالب (١٢/ ٧٩٥٧)، بتصرف.\n(^٤) تفسير القرآن: السمعاني (٦/ ١٢٧)، بتصرف. وانظر: معالم التنزيل: البغوي (٨/ ٣٠٥).\n(^٥) المحرر الوجيز: ابن عطية (١٠/ ٧٩).\n(^٦) أحكام القرآن: ابن الفرس (٣/ ٦١٠).","vol":"2","page":1081},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-927> دراسة المسألة:</span>\nبعد التتبع والنظر في أقوال أهل العلم وما ذكره المفسرون في هذه المسألة، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن قوله تعالى: ﴿لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ على ظاهره، بأن الله تعالى يُعجب عباده من هول ذلك اليوم وشدته، فيُؤخِّر فيه الرسل ليشهدوا على قومهم، وذلك من أوجه:\nالأول: من حيث دلالة السياق: فسياق الآيات جاء في الحديث عن الآخرة، والمتغيرات التي تحصل للعالم من طمس النجوم، وانشقاق السماء، ونسف الجبال، وذلك اليوم هو اليوم الذي أقتت فيه الرسل، وأجلت للحكم بينها وبين أممها، ولهذا قال: ﴿لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ استفهام للتعظيم والتفخيم والتهويل ثم أجاب بقوله: ﴿لِيَوْمِ الْفَصْلِ﴾ أي: بين الخلائق، بعضهم لبعض، وحساب كل منهم منفردا (^١).\nفسياق الآيات في التهويل من يوم الفصل وهو القيامة، وليس هناك أي ذكر أو إشارة إلى تأجيل القضاة الخصوم في الحكومات للحكم بين الناس.\nالثاني: ظاهر الآية الذي يدل على أن تأجيل الرسل ليوم القيامة يدل على التعظيم والتعجيب من هول يوم القيامة الذي يُفصل فيه بين الخلائق (^٢)، وليس فيه أي دلالة ولا إشارة على تأجيل القضاة للخصوم في الحكومات ليقع فصل القضاء عند تمام التأجيل، فظاهر الآية يدل على الحديث عن اليوم الآخر.\nالثالث: أن المقرر عند أهل العلم أن من شروط الاستنباط: أن يكون بينه وبين اللفظ ارتباط صحيح، لا بمجرد فهم العربية.\nوفي هذا يقول القرطبي: \"فمن لم يحكم ظاهر التفسير وبادر إلى استنباط المعاني بمجرد فهم العربية؛ كثر غلطه، ودخل في زمرة من فسر القرآن بالرأي … ولا مطمع في الوصول\n_________\n(^١) انظر: تيسير الكريم الرحمن: السعدي (ص: ٩٠٣).\n(^٢) انظر: التيسير في علم التفسير: أبو حفص النسفي (١٥/ ١٦٦)، وانظر: الكشاف: الزمخشري (٤/ ٦٧٨)، وانظر: تفسير القرآن العظيم: السخاوي (٢/ ٥٥٥)، وانظر: الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (٢١/ ٥٠٠).","vol":"2","page":1082},{"text":"إلى الباطن قبل إحكام الظاهر\" (^١).\nولو أتيح المجال لكل من أراد أن يستنبط حكمًا من القرآن، واعتُد بقوله بمجرد فهمه للعربية، لاستغل كل صاحب بدعة أو هوى، أو متعصب لمذهب، بأن يستنبط من الآيات ما شاء لنصرة مذهبه وطريقته.\nولذلك نجد عددًا من المفسرين يؤكد صحة المعنى المستنبط، ولكن بعدم ربطه بالآية التي استُخرج منها، بل بربطه بدليل آخر، ومن ذلك مثلا ما قاله ابنُ عطية ﵀ معلقًا على ما حُكِيَ عن الخليل بن أحمد، من أن النهار من طلوع الفجر بدليل قول الله ﵎: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ [سورة هود: ١١٤] قال: \"والقول في نفسه صحيح وقد ذكرتُ حُجَّتَه في تفسير قوله تعالى: ﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [سورة البقرة: ١٦٤]، وفي الاستدلال بهذه الآية نظر\" (^٢).\nوهكذا في هذه الآية، فتأجيل القضاة الخصوم في الحكومات، ليقع فصل القضاء عند تمام التأجيل، في ذاته لا بأس به، بل ربما يكون ضروريًا، إلا أن هذا الحكم لا يُستفاد ولا يُستنبط من الآية، والله أعلم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-928> النتيجة:</span>\nبعد ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن الآية على ظاهرها، والمراد: لأي يوم أخرت عن معاجلة الثواب والعقاب، لما تقدم إيراده من الأوجه الدالة على ذلك، والله أعلم.\n_________\n(^١) الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (١/ ٥٩).\n(^٢) انظر: المحرر الوجيز: ابن عطية (١/ ٦٨٧).","vol":"2","page":1083},{"text":"<span data-type='title' id=toc-929>١٨٨ - قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ [سورة المرسلات: ٢٦].</span>\nقال القاسمي: في (الإكليل) قال إلكيا الهراسي: عنى بالكفات الانضمام. ومراده أنها تضمهم في الحالتين. وهذا يدل على وجوب مواراة الميت فلا يرى منه شيء. وقال ابن عبد البرّ: احتج ابن القاسم في قطع النباش بهذه الآية. لأنه تعالى جعل القبر للميت كالبيت للحيّ، فيكون حرزا (^١).\nونقله القفّال عن ربيعة. وعندي أن مثل هذا الاحتجاج من الإغراق في الاستنباط وتكلف التماس ما يؤيد المذهب المتبوع كيفما كان، مما يعد تعسّفا وتعصّبا. وبين فحوى الآية وهذا الاستنباط ما بين المنجد والمتهم (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-930> أقوال أهل العلم في دلالة قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا﴾ على وجوب مواراة الميت، ووجوب قطع يد النباش:</span>\nالقول الأول: أن الآية دالة على وجوب مواراة الميت، ووجوب قطع يد النباش.\nالقول الثاني: أن الآية على ظاهرها، وغير دالة على ذلك.\nأصحاب القول الأول:\nربيعة بن أبي عبد الرحمن (^٣): يقطع - يعني: النباش- وتلا قال: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ\n_________\n(^١) انظر: أحكام القرآن: الكيا الهراسي (٤/ ٤٢٨)، وانظر: أحكام القرآن: ابن الفرس (٢/ ٤١٤)، وانظر: الإكليل: السيوطي (ص: ٢٨٠).\n(^٢) محاسن التأويل: القاسمي (١٧/ ٦٠٢٥).\n(^٣) وهو: ربيعة بن أبى عبد الرحمن مولى التيميين، أبو عثمان، يقال له ربيعة الرأي من فقهاء أهل المدينة وحفاظهم وعلمائهم بأيام الناس وفصحائهم وعنه أخذ مالك الفقه مات سنة ١٣٦ هـ. ينظر: مشاهير علماء الأمصار: ابن حبان (ص: ١٣١).","vol":"2","page":1084},{"text":"كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (٢٦)﴾ (^١).\nالجصاص: \" ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا﴾ وهذا يدل على وجوب مواراة الميت ودفنه ودفن شعره وسائر ما يزايله\" (^٢).\nابن العربي: \"احتج علماؤنا بهذه الآية في قطع النباش لأنه سرق من حرز مكفوت، وحمى مضموم، وقد مهدنا ذلك في مسائل الخلاف، وقررنا أن ينظر في دخوله في هذه الآية بأن نقول: هذا حرز كفات، لقول الله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا﴾ \" (^٣).\nابن عاشور: \"يؤخذ من الآية وجوب الدفن في الأرض إلا إذا تعذر ذلك\" (^٤).\nأصحاب القول الثاني:\nالطبري: \" معنى الكلام: ألم نجعل الأرض كفات أحيائكم وأمواتكم، تكفت أحياءكم في المساكن والمنازل، فتضمهم فيها وتجمعهم، وأمواتكم في بطونها في القبور، فيدفنون فيها\" (^٥).\nالسمعاني: \" ومعنى الكفات هاهنا: هو أن الأرض تضم الخلق أحياء وأمواتا، فالضم في حال الحياة هو باكتنانهم واستقرارهم على ظهرها، وبعد الممات باكتنانهم في بطنها وهو القبور\" (^٦).\nابن الفرس: \"قال أبو عمر عبد البر: احتج من رأى القطع بقول الله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (٢٦)﴾، وأن النبي ﷺ سمى القبر بيتًا (^٧)، وليس في هذا كله ما\n_________\n(^١) أخرج عنه البخاري في التاريخ الكبير (١/ ٦٧٦)، برقم: (٨٨٧)، وانظر: مفاتيح الغيب: الرازي (٣٠/ ٧٧٣)، وانظر: البحر المحيط: أبو حيان (٢١/ ١٧٢).\n(^٢) أحكام القرآن: الجصاص (٥/ ٣٧١).\n(^٣) أحكام القرآن: ابن العربي (٤/ ٣٥٧)، وانظر: الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (٢١/ ٥٠٦).\n(^٤) التحرير والتنوير: ابن عاشور (٢٩/ ٤٣٣).\n(^٥) جامع البيان: الطبري (٢٣/ ٥٩٦).\n(^٦) تفسير القرآن: السمعاني (٦/ ١٢٩)، وانظر: معالم التنزيل: البغوي (٨/ ٣٠٦).\n(^٧) انظر: التمهيد: ابن عبد البر (٨/ ٢٣٩)، وانظر: الاستذكار: ابن عبد البر (٣/ ٨٤).","vol":"2","page":1085},{"text":"يوجب تسليم القطع\" (^١).\nالآلوسي: \"واستدل الكيا بالآية على وجوب مواراة الميت ودفنه. وقال ابن عبد البر: احتج ابن القاسم بها على قطع النباش لأنه تعالى جعل القبر للميت كالبيت للحيّ فيكون حرزا ولا يخفى ضعف الاستدلالين\" (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-931> دراسة المسألة:</span>\nبعد التتبع والنظر في أقوال أهل العلم وما ذكره المفسرون في هذه المسألة، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني من أن الآية على ظاهرها، فقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا﴾ على ظاهره، بأن الأرض تكفت الأحياء في المساكن والمنازل، فتضمهم فيها وتجمعهم، والأموات في بطونها في القبور، وذلك من أوجه:\nالأول: أن القول بأن المراد من الكفت: بأن الأرض تضم الناس في بطنها، وتحفظهم، وأن الآية على ظاهرها، دون الاستدلال على وجوب مواراة الميت أو وجوب قطع يد النباش، هو الذي عليه جماعة من السلف، كابن عباس، ومجاهد، والشعبي، وقتادة (^٣)، وهم أعلم بالتنزيل ممن جاء بعدهم، ولا يُعلم لهم مخالف.\nالثاني: سياق الآيات وظاهرها الذي يدل على أن الله تعالى يمتن على عباده بتعداد نعمه عليهم، وتذكيره بآلائه ونعمه وقدرته وسلطانه، بأن جعل لهم الأرض كفاتا للأحياء والأموات، ليشكروا الله تعالى، ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [سورة طه: ٥٥] (^٤).\nوقوله تعالى بعد الآية ﴿أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ جاءت مُنَكّرة للتفخيم، أي: تكفت أحياء لا\n_________\n(^١) أحكام القرآن: ابن الفرس (٢/ ٤١٤).\n(^٢) روح المعاني: الآلوسي (٢٨/ ١٨٦).\n(^٣) أخرج أقوالهم ابن جرير الطبري في تفسيره (٢٣/ ٥٩٦ - ٥٩٨).\n(^٤) انظر: تأويلات أهل السنة: الماتريدي (١٠/ ٣٨٢)، وانظر: درة التنزيل: الخطيب الإسكافي (١/ ١٣٢٢)، وانظر: تيسير الكريم الرحمن: السعدي (ص: ٩٠٤).","vol":"2","page":1086},{"text":"يعدون، أمواتا لا يحصرون (^١).\nوبهذا يتبين أن الآية ليس فيها أي دلالة تدل على وجوب مواراة الميت، فإن مواراة الميت لا نزاع فيها بين الناس، إلا طوائف من مجوس الهند وبعضًا من الرومان ممن يقوم بحرق الميت (^٢)، وليست فيها إشارة أو مفهوم يدل على وجوب قطع يد النباش الذي ينبش القبور، ويسرق ما يجد فيها، والله أعلم.\nالثالث: مما يدل على عدم دلالة الآية على وجوب مواراة الميت، أو وجوب قطع يد النباش، أن الآية تخبر عن حال الأرض، فقوله: ﴿كِفَاتًا﴾ حال من الأرض، أي: في حال كونها ضامّة جامعة للخلق، وتكون الحال مقدرة (^٣)، فلا يُفهم منها وجوب مواراة الميت، أو وجوب قطع يد النباش.\nالرابع: أن من شروط الاستنباط: أن يحتمل المعنى المُستَنبط ظاهر لفظ القرآن، وليس بمجرد فهم اللغة، وقد تقدم بيان هذا الشرط في المسألة السابقة (^٤).\nفظاهر القرآن يدل على امتنان الله تعالى على عباده ورحمته بهم بأن جعل تلك القبور حفظًا لهم وسترا لأجسادهم لأي تعرض لتلف ونحو ذلك، وليس فيه وجوب قطع يد النباش.\n\n•<span data-type='title' id=toc-932> النتيجة:</span>\nيتبين مما تقدم ذكره في هذه المسألة، أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني من أن الآية على ظاهرها، وغير دالة على وجوب مواراة الميت، أو قطع يد النباش الذي يسرق من القبور، لما تقدم إيراده من الأوجه الدالة على ذلك، والله أعلم.\n_________\n(^١) عادل الحنبلي (٢٠/ ٧٦)، وانظر: فتح البيان: القنوجي (١٥/ ١٦).\n(^٢) انظر: التحرير والتنوير: ابن عاشور (٢٩/ ٤٣٣).\n(^٣) انظر: إعراب القرآن: النحاس (٥/ ٧٥)، وانظر: الكشاف: الزمخشري (٤/ ٦٧٩)، وانظر: التبيان: أبو البقاء (٢/ ١٢٦٤)، وانظر: الكتاب الفريد: المنتجب الهمذاني (٦/ ٣١٣).\n(^٤) انظر ما تقدم قبل قليل، ص: (١٠٦٨).","vol":"2","page":1087},{"text":"جزء عم","vol":"2","page":1088},{"text":"<span data-type='title' id=toc-933>سورة المطففين</span>\n<span data-type='title' id=toc-934>١٨٩ - قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [سورة المطففين: ١].</span>\nقال القاسمي: وهي مكية على الأظهر. فإن سياقها يؤيد أنها كأخواتها اللائي نزلن بمكة، لا سيما خاتمتها، فإنها صفات المستهزئين الذين كانوا بمكة. وحملها على المنافقين بالمدينة بعيد، إذ لم يبلغ بهم الحال ذلك (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-935> أقوال أهل العلم في سورة المطففين من حيث المكي والمدني:</span>\nالقول الأول: أن سورة المطففين مكية.\nالقول الثاني: أن سورة المطففين مدنية.\nالقول الثالث: أن سورة المطففين مكية إلا أمر التطفيف فإنه نزل بالمدينة.\nأصحاب القول الأول:\nابن عباس ﵁ في رواية: \"نزلت بمكة: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ \"، وبنحو ذلك روي عن ابن الزبير، والضحاك، ومجاهد، وعطاء، وغيرهم (^٢).\nالواحدي: \" سورة المطففين ثلاثون وست آيات، مكية\" (^٣).\nابن جزي: \" سورة المطففين مكية وآياتها ستة وثلاثون، نزلت بعد العنكبوت وهي آخر سورة نزلت بمكة\" (^٤).\nالفيروز آبادي: \" السورة مكّية. وآياتها ست وثلاثون. وكلماتها مائة وتسع.\n_________\n(^١) محاسن التأويل: القاسمي (١٧/ ٦٠٩١).\n(^٢) أخرج أقوالهم ابن مردويه في تفسير جزء عم (ص: ١٥٧)، وأورد منها ابن الجوزي في زاد المسير (٤/ ٤١٣) والسيوطي في الدر المنثور (٨/ ٤٤١)، والشوكاني في فتح القدير (٥/ ٤٨٢).\n(^٣) التفسير الوسيط: الواحدي (٤/ ٤٤٠)، وانظر: مفاتيح الغيب: الرازي (٣١/ ٨٢).\n(^٤) أحكام القرآن: الجصاص (٥/ ٣٧١).","vol":"2","page":1089},{"text":"وحروفها أربعمائة وثلاثون\" (^١).\nأصحاب القول الثاني:\nمقاتل: \" هي أول سورة نزلت بالمدينة\"، وبنحو ذلك روي عن الحسن، وعكرمة، من أن السورة مدنية (^٢).\nالثعلبي: \" سورة المطففين مدنية وهي سبعمائة وثمانون حرفا، ومائة وتسع وستون كلمة، وست وثلاثون آية\" (^٣).\nالسمعاني: \"سورة المطففين وهي مدنية، قال ابن عباس: هي أول سورة نزلت بالمدينة\" (^٤).\nابن كثير: \"سورة المطففين وهي مدنية\" (^٥).\nأصحاب القول الثالث:\nابن عباس ﵁ في رواية: \"نزل بعضها بمكة ونزل أمر التطفيف بالمدينة\"، وبنحو ذلك روي عن قتادة (^٦).\nأبو العباس الضرير (^٧): \" أولها مدني وآخرها مكي\" (^٨).\n_________\n(^١) بصائر ذوي التمييز: الفيروز آبادي (١/ ٥٠٦).\n(^٢) انظر: النكت والعيون: الماوردي (٦/ ٢٢٥)، وانظر: زاد المسير: ابن الجوزي (٤/ ٤١٣)، وانظر: فتح القدير: الشوكاني (٥/ ٤٨٢).\n(^٣) الكشف والبيان: الثعلبي (٢٩/ ٢٩، ٣٠).\n(^٤) تفسير القرآن: السمعاني (٦/ ١٧٧).\n(^٥) تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٧/ ٥٠٧).\n(^٦) انظر: أحكام القرآن: ابن الفرس (٣/ ٦١٣)، وانظر: المحرر الوجيز: ابن عطية (١٠/ ١٦٥)، وانظر: الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (٢٢/ ١٢٨)، وانظر: البحر المحيط: أبو حيان (٢١/ ٢٦٣)، وانظر: فتح القدير: الشوكاني (٥/ ٤٨٢)، وانظر: الجواهر الحسان: الثعالبي (٥/ ٥٦٢).\n(^٧) وهو: سلام بن سليمان بن سوار أبو العباس الضرير المدائني، سكن دمشق بأخرة، وحدث عن مغيرة بن مسلم، وأبي عمرو بن العلاء، وروى عنه سلمان النهرواني، ومحمد بن عيسى بن حيان. ينظر: تاريخ بغداد: الخطيب البغدادي (١٠/ ٢٧٤).\n(^٨) التوضيح: ابن الملقن (٢٣/ ٥٠٤).","vol":"2","page":1090},{"text":"ابن عقيلة المكي: \"سورة المطففين مكية، واستثني منها ست آيات من أولها\" (^١).\nقال جماعة من المفسرين: سورة المطففين مكية في الجملة ما عدا آيات التطفيف في أول السورة (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-936> دراسة المسألة:</span>\nمن المسائل التي اختلف فيها أهل العلم قديمًا وكثر فيها الكلام، وتعددت فيها الأقوال: مسألة سورة المطففين من حيث المكي والمدني.\nوالذي يظهر بعد التتبع والنظر والاستقراء في أقوال أهل العلم وما ذكره المفسرون في هذه المسألة، أن الصواب والله أعلم بأن يُقال: أن سورة المطففين مكية في الجملة ما عدا آيات التطفيف في أول السورة، وهو الذي ذهب إليه أصحاب القول الثالث، وذلك مما يلي:\nأولا: أن القول بأن سورة المطففين من السور المكية تؤيده ضوابط المكي التي نص عليها أهل العلم، فكل سورة فيها لفظ كلا فهي مكية، وكل سورة آياتها قصيرة فهي مكية (^٣).\nوسورة المطففين فيها لفظ: (كلا) في قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾ [سورة المطففين: ٧] فهذه الآية وما بعدها يظهر أنها من نمط المكي (^٤).\nوفيها أيضًا ذكر الأساطير في قوله: ﴿تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [سورة المطففين: ١٣] ومعظم ما اشتملت عليه السورة: التعريض بمنكري البعث (^٥)، وكل ذلك من المكي.\n_________\n(^١) الزيادة والإحسان: ابن عقيلة المكي (١/ ٢٤٢).\n(^٢) انظر: المحرر الوجيز: ابن عطية (١٠/ ١٦٥)، وانظر: التسهيل: ابن جزي (٢/ ٤٦٠)، وانظر: الإتقان: السيوطي (١/ ٥١).\n(^٣) انظر: البرهان: الزركشي (١/ ١٨٨)، وانظر: الإتقان: السيوطي (١/ ٦٩)، وانظر: مناهل العرفان: الزرقاني (١/ ١٩٦، ١٩٧).\n(^٤) انظر: المحرر الوجيز: ابن عطية (١٠/ ١٧١).\n(^٥) انظر: الإتقان: السيوطي (١/ ٥١)، وانظر: التحرير والتنوير: ابن عاشور (٣٠/ ١٨٧).","vol":"2","page":1091},{"text":"ثانيًا: أن القول بأن سورة المطففين من السور المدنية تؤيده الآثار الواردة عن بعض من السلف:\nفقد روى ابن جرير الطبري بسنده عن ابن عباس، قال: لما قدم النبي ﷺ المدينة كانوا من أخبث الناس كيلا، فأنزل الله: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ فأحسنوا الكيل (^١).\nوقال محمد بن كعب: كان بالمدينة يهود تجار يطففون، ففيهم نزلت (^٢).\nقال السدي: كان بالمدينة رجل يكنى أبا جهينة له مكيالان يأخذ بالأوفى ويعطي بالأنقص، فنزلت السورة فيه (^٣).\nوبهذا يتبين أن سورة المطففين تُعد من السور المكية لما اشتملت عليه من ضوابط المكي، وفيها آيات قصة التطفيف وما يتعلق بها من أحكام، تدل على أنها مدنية، فالسورة بعضها مكي وبعضها مدني، والله أعلم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-937> النتيجة:</span>\nيتبين مما تقدم ذكره في هذه المسألة، أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثالث من أن سورة المطففين مكية إلا ما جاء من ذكر التطفيف فإنه من المدني، لما تقدم بيانه، والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب التجارات، باب التوقي في الكيل والوزن، برقم: (٢٢٢٣)، قال الألباني: حديث حسن، وأخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٢٤/ ١٨٦)، وأورده ابن كثير في تفسيره (٧/ ٥٠٧).\n(^٢) انظر: الكشف والبيان: الثعلبي (٢٩/ ٣٦)، وانظر: التيسير في علم التفسير: أبو حفص النسفي (١٥/ ٢٥٠)، وانظر: أحكام القرآن: ابن الفرس (٣/ ٦١٣).\n(^٣) انظر: المحرر الوجيز: ابن عطية (١٠/ ١٦٥)، وانظر: البحر المحيط: أبو حيان (٢١/ ٢٦٣).","vol":"2","page":1092},{"text":"<span data-type='title' id=toc-938>سورة التين</span>\n<span data-type='title' id=toc-939>١٩٠ - قوله تعالى: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ [سورة التين: ١].</span>\nقال ابن جرير: والصواب من القول في ذلك عندنا، قول من قال التين هو التين الذي يؤكل والزيتون هو الزيتون الذي يعصر منه الزيت. لأن ذلك هو المعروف عند العرب، ولا يعرف جبل يسمى تينا ولا جبل يقال له زيتون، إلا أن يقول قائل: أقسم ربنا جل ثناؤه بالتين والزيتون، والمراد من الكلام، القسم بمنابت التين ومنابت الزيتون، فيكون ذلك مذهبا وإن لم يكن على صحة ذلك أنه كذلك، دلالة في ظاهر التنزيل ولا من قول من لا يجوز خلافه، لأن دمشق بها منابت التين، وبيت المقدس منابت الزيتون (^١).\nقال القاسمي: وفيه نظر، لأن من حفظ حجة على من لم يحفظ. كيف وجبل الزيتون هو من جبال فلسطين، معروف ذلك عند علماء أهل الكتاب والمؤلفين في تقويم البلاد (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-940> أقوال أهل العلم في المراد من التين والزيتون في قوله تعالى: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾</span> (^٣):\nالقول الأول: أن المراد: (التين) الذي يؤكل (والزيتون) الذي يعصر منه الزيت.\nالقول الثاني: أن المراد: (التين) الجبل الذي عليه دمشق و(الزيتون) الذي عليه بيت المقدس.\n_________\n(^١) جامع البيان: الطبري (٢٤/ ٥٠٤).\n(^٢) محاسن التأويل: القاسمي (١٧/ ٦١٩٥).\n(^٣) أشار بنحو هذا الخلاف ابن الجوزي في زاد المسير (٤/ ٤٦٣).","vol":"2","page":1093},{"text":"أصحاب القول الأول:\nابن عباس ﵁: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ الفاكهة التي يأكلها الناس\"، وبنحو ذلك روي عن الحسن، وعكرمة في رواية، ومجاهد، وإبراهيم النخعي (^١).\nابن العربي: \"قوله تعالى: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾: قيل: هو حقيقة. وقيل: عبر به عن دمشق أو جبلها، أو مسجدها، ولا يعدل عن الحقيقة إلى المجاز إلا بدليل\" (^٢).\nالرازي: \"المراد من التين والزيتون هذان الشيئان المشهوران، قال ابن عباس: هو تينكم وزيتونكم هذا\" (^٣).\nأبو السعود: \" ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ هما هذا التين وهذا الزيتون خصهما الله سبحانه من بين الثمار بالإقسام بهما لاختصاصهما بخواص جليلة\" (^٤).\nأصحاب القول الثاني:\nقتادة: \" ﴿وَالتِّينِ﴾ الجبل الذي عليه دمشق ﴿وَالزَّيْتُونِ﴾ الذي عليه بيت المقدس\"، وبنحو ذلك روي عن عكرمة في رواية، والضحاك، وابن زيد (^٥).\nالفراء: \" سمعت رجلا من أهل الشام وكان صاحب تفسير قال: التين جبال ما بين حلوان إلى همدان، والزيتون: جبال الشام\" (^٦).\n_________\n(^١) أخرج أقوالهم ابن جرير الطبري في تفسيره (٢٤/ ٥٠١ - ٥٠٣)، وابن أبي حاتم في تفسيره (١٠/ ٣٤٤٨)، وأوردها الثعلبي في الكشف والبيان (٣٠/ ٩).\n(^٢) أحكام القرآن: ابن العربي (٤/ ٤١٤)، وانظر: الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (٢٢/ ٣٦٥)، وانظر: فتح القدير الشوكاني (٥/ ٥٦٦).\n(^٣) مفاتيح الغيب: الرازي (٣٢/ ٢١٠)، وانظر: مدارك التنزيل: النسفي (٣/ ٦٥٩).\n(^٤) إرشاد العقل السليم: أبو السعود (٩/ ١٧٤)، وانظر: تيسير الكريم الرحمن: السعدي (ص: ٩٢٩)، وانظر: تفسير القرآن الكريم (جزء عم): العثيمين (ص: ٢٥٢).\n(^٥) أخرج أقوالهم ابن جرير الطبري في تفسيره (٢٤/ ٥٠٣، ٥٠٤)، وأورد نحوها النيسابوري في غرائب القرآن (٦/ ٥٢٥)، والسيوطي في الدر المنثور (٨/ ٥٥٦)، وابن عاشور في التحرير والتنوير (٣٠/ ٤٢١).\n(^٦) معاني القرآن: الفراء (٣/ ٢٧٦).","vol":"2","page":1094},{"text":"ابن قتيبة: \" (التين) و(الزيتون) جبلان بالشام؛ يقال لهما: \"طور تينا، وطور زيتا\" بالسريانية. سميا بالتين والزيتون: لأنهما ينبتانهما\" (^١).\nالعليمي: \" ﴿وَالتِّينِ﴾ هو الجبل الذي عليه دمشق ﴿وَالزَّيْتُونِ﴾ هو طور زيتا الجبل الذي ببيت المقدس من جهة المشرق، وذلك أن التين ينبت كثيرا بدمشق، والزيتون بإيلياء\" (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-941> دراسة المسألة:</span>\nبعد التتبع والنظر واستقراء ما ذكره المفسرون وأهل العلم في هذه المسألة، يظهر أن الصواب بأن يُقال أن كلا المعنيين محتمل، فيجوز أن يكون المراد من (التين) الذي يؤكل (والزيتون) الذي يعصر منه الزيت، على كما هو ظاهر التنزيل، وهو الذي عليه أكثر المفسرين (^٣)، ويجوز أن يكون المراد من (التين) الجبل الذي عليه دمشق و(الزيتون) الذي عليه بيت المقدس. وذلك من أوجه:\nالأول: سياق الآيات الذي يدل على أن المراد من التين: المكان وهو الجبل، وذلك لأن الله تعالى قال في الآية التي بعدها: ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ [سورة التين: ٢] والطور هو الجبل الذي كلم الله عليه موسى على قول أكثر المفسرين (^٤)، أو هو الجبل الذي عليه نبات وشجر، على قول جماعة من السلف (^٥). فإذا كان المراد من الطور الجبل، فالأوفق بالمناسبة أن يكون المراد من التين الجبل.\nوظاهر التنزيل يدل على هذا؛ لأن الله سبحانه عطف على (التين والزيتون) أسماء أماكن، وهذا يشير إلى أماكن نباتهما، ولهذا كانت كل الأقوال المذكورة في التين والزيتون\n_________\n(^١) غريب القرآن: ابن قتيبة (ص: ٥٣٢)، وانظر: غاية الأماني: الكوراني (ص: ٤١٠)، وانظر: جامع البيان: الإيجي (٤/ ٥٠٨).\n(^٢) فتح الرحمن: العليمي (٧/ ٣٩٤).\n(^٣) نص على هذا الشوكاني في فتح القدير (٥/ ٥٦٦)، والقنوجي في فتح البيان (١٥/ ٢٩٩).\n(^٤) نص على هذا السمعاني في تفسير القرآن (٦/ ٢٥٣).\n(^٥) انظر: جامع البيان: الطبري (٢٤/ ٥٠٤ - ٥٠٧).","vol":"2","page":1095},{"text":"لا تخرج عن الشّام التي هي موطن كثير من النبوات، خصوصا نبوات بني إسرائيل، ولذا قال بعض العلماء: «هذه محال ثلاثة بعث الله في كل واحد منها نبيا مرسلا من أولي العزم أصحاب الشرائع الكبار. فالأول: محلة التين والزيتون، وهي بيت المقدِس التي بعث الله فيها عيسى ابن مريم. والثاني: طور سينين، وهو طور سيناء الذي كلَّم اللَّه عليه موسى بن عمران. والثالث: مكة، وهو البلد الأمين الذي من دخله كان آمنا، وهو الذي أرسل الله فيه محمدا ﷺ (^١).\nالثاني: أن قول من قال بأن المراد من (التين): الذي يؤكل (والزيتون) الذي يعصر، وقو من قال بأن المراد من (التين والزيتون) الجبلان، فإن جميعها يؤول إلى معنى واحد لأن القسم إنما هو برب العالمين جل وعز فالتقدير: ورب التين والزيتون (^٢)، فكلا المعنيين جائز، والله أعلم.\nالثالث: مما يدل على جواز أن يكون المراد من الزينون: جبل الزيتون، أن كثيرا ما تسمى الأرض بما ينبت فيها، فيقال: فلان خرج إلى الكرم وإلى الزيتون وإلى الرمان، ونحو ذلك، ويراد الأرض التي فيها ذلك، فإن الأرض تتناول ذلك، فعبر عنها ببعضها (^٣).\nالرابع: من حيث الواقع: فالواقع أن جبل الزيتون يُعد أحد جبال فلسطين التي اشتهر بكثرة نبت الزيتون فيه، وهو الجبل الذي بني عليه المسجد الأقصى (^٤).\nوقد ذكر ابن الوردي (^٥) في حديثه عن بيت المقدس ويسمى إيلياء، وهي حسنة ولها سوران عظيمان وفيها، قبر مريم أم عيسى ﵉ وتعرف بالجسمانية. وهناك جبل\n_________\n(^١) انظر: تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٧/ ٦٠٠، ٦٠١)، وانظر: التحرير والتنوير: ابن عاشور (٣٠/ ٤٢٢)، وانظر: تفسير جزء عم: د. مساعد الطيار (ص: ١٨١، ١٨٢).\n(^٢) انظر: إعراب القرآن: النحاس (٥/ ١٥٨)، وانظر: الهداية: مكي بن أبي طالب (١٢/ ٨٣٤٠).\n(^٣) انظر: منهاج السنة النبوية: ابن تيمية (٧/ ٢٣٠).\n(^٤) انظر: التحرير والتنوير: ابن عاشور (٣٠/ ٤٢١).\n(^٥) وهو: عمر بن المظفر بن عمر بن محمد بن أبي الفوارس بن علي الإمام العلامة الأديب المؤرخ زين الدين أبو حفص المعري الحلبي الشهير بابن الوردي فقيه حلب ومؤرخها وأديبها، مات سنة ٧٤٩ هـ. ينظر: طبقات الشافعية: ابن شهبة (٣/ ٤٥).","vol":"2","page":1096},{"text":"يقال له جبل الزيتون (^١).\nوقال صاحب (الذخيرة) (^٢) في تعداد جبال فلسطين: ويتصل بجبال إسرائيل جبل الزيتون. قال: وقد دعي كذلك لكثرة الزيتون فيه، وهو قريب المسافة من أورشليم، وفيه صعد المسيح لكي يرتفع إلى السماء (^٣).\n\n•<span data-type='title' id=toc-942> النتيجة:</span>\nبعد ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الصواب بأن يقال: أن كلا من المعنييْن المتقدمين محتمل في المراد من التين والزيتون في قوله تعالى: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾، لما تقدم إيراده من الأوجه الدالة على ذلك، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: خريدة العجائب: ابن الوردي (ص: ١٠١).\n(^٢) لم أقف على الكتاب ومؤلفه، وإنما أورد هذا القول القاسمي في تفسيره (١٧/ ٦١٩٦).\n(^٣) محاسن التأويل: القاسمي (١٧/ ٦١٩٥).","vol":"2","page":1097},{"text":"<span data-type='title' id=toc-943>سورة العاديات</span>\n<span data-type='title' id=toc-944>١٩١ - قوله تعالى: ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾ [سورة العاديات: ٢].</span>\nقال القاسمي: أي توري النار بحوافرها. والقدح هو الضرب لإخراج النار، والإيراء يترتب عليه. لأنه إخراج النار وإيقادها. فإيراؤها ما يرى من صدم حوافرها للحجارة. وتسمى نار الحباحب (^١). ولما كان مرتبا على عدوها، عطفه بالفاء، وكون المراد به الحرب بعيد (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-945> أقوال أهل العلم في المراد من قوله تعالى: ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾:</span>\nالقول الأول: أن المراد: الخيل توري النار بحوافرها.\nالقول الثاني: أن المراد: الحرب.\nأصحاب القول الأول:\nعكرمة: \" ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾ أورت وقدحت\"، وبنحو ذلك روي عن قتادة في رواية، وعطاء، والضحاك (^٣).\nالفراء: \" ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾ أورت النار بحوافرها، فهي نار الحباحب\" (^٤).\nابن قتيبة: \" ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾ أي أورت النار بحوافرها \" (^٥).\n_________\n(^١) العرب تسمي تلك النار نار أبي حباحب، وكان أبو حباحب شيخا من مضر في الجاهلية من أبخل الناس، وكان لا يوقد نارا لخبز أو غيره حتى ينام كل ذي عين، فإذا نام أصحابه أوقد نويرة تقد مرة، وتخمد أخرى، فإن استيقظ بها أحد أطفأها كراهية أن ينتفع بها أحد. فشبهت العرب هذه النار بناره، أي لا ينتفع بها أحد كما لا ينتفع بنار أبي حباحب. ينظر: الصحاح: الجوهري (١/ ١٠٧)، وينظر: الكشف والبيان: الثعلبي (٣٠/ ١٧٧).\n(^٢) محاسن التأويل: القاسمي (١٧/ ٦٢٣٧).\n(^٣) أخرج أقوالهم ابن جرير الطبري في تفسيره (٢٤/ ٥٧٥، ٥٧٦).\n(^٤) معاني القرآن: الفراء (٣/ ٢٨٤)، وانظر: معاني القرآن: الزجاج (٥/ ٣٥٣)، وانظر: بحر العلوم: السمرقندي (٣/ ٦٠٨)، وانظر: تفسير القرآن العظيم: السخاوي (٢/ ٦٢٥).\n(^٥) غريب القرآن: ابن قتيبة (ص: ٥٣٦).","vol":"2","page":1098},{"text":"ابن كثير: \" ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾ يعني: اصطكاك نعالها للصخر فتقدح منه النار\" (^١).\nأصحاب القول الثاني:\nابن عباس ﵁: \" سألني علي بن أبي طالب ﵁، عن ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (١) فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾ فقلت له: الخيل تغير في سبيل الله، ثم تأوي إلى الليل، فيصنعون طعامهم ويورون نارهم \"، وبنحو ذلك روي عن قتادة (^٢).\nقال بعض من المفسرين: \" هذه الآيات في الخيل، ولكن إبراؤها أن تهيج الحرب بين أصحابها وبين عدوهم (^٣).\n\n•<span data-type='title' id=toc-946> دراسة المسألة:</span>\nمن خلال التتبع والنظر في أقوال أهل العلم، وما ذكروه في هذه المسألة يظهر أن الصواب بأن يُقال أن كِلا المعنييْن صحيح، ويُمكن حمله على معنى الآية، فيجوز أن يكون المراد من الموريات: الخيل توري النار بحوافرها، وهو الذي عليه الجمهور والأكثر (^٤)، ويجوز أن يكون المراد: الحرب، فالخيل توري النار بحوافرها حال عدوها في الحرب، وذلك من أوجه:\nالأول: من حيث السياق: فسياق الآيات في وصف الخيل أثناء الحرب حين تضبح وتعدو، والموريات عطف على العاديات بـ (الفاء) للتسبيب، فإنها عدت فأورت، وقد روي أن النبي ﷺ بعث سرية إلى حنين من كنانة، واستعمل عليهم المنذر بن عمرو الأنصاري أحد النقباء، فغابت فلم يأت النبي ﷺ خبرها، فأخبره الله- ﷿ عنها فقال:\n_________\n(^١) تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٧/ ٦٣٢).\n(^٢) أخرج عن قتادة ابن جرير الطبري في تفسيره (٣٤/ ٥٧٦)، وأورد عن ابن عباس الماوردي في النكت والعيون (٦/ ٣٢٤)، والواحدي في البسيط (٢٤/ ٢٤١).\n(^٣) انظر: مفاتيح الغيب: الرازي (٣٢/ ٢٦٠)، وانظر: الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (٢٢/ ٤٣٢)، وانظر: لباب التأويل: الخازن (٤/ ٤٦٠)، وانظر: الدر المصون: السمين الحلبي (١١/ ٨٥).\n(^٤) نص على هذا ابن الجوزي في زاد المسير (٤/ ٤٨١)، وابن كثير في تفسير القرآن العظيم (٧/ ٦٣٣).","vol":"2","page":1099},{"text":"﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾ يعني الخيل (^١).\nوالشاهد: أن السرية التي بعثها النبي ﷺ إلى حُنين جاء وصف خيلها بأن أصوات أنفاسها يظهر إذا عدت في الحرب، وهي في هذه الحال تشتد على الأرض الحصاة فتوري النار بحوافرها.\nالثاني: أن لكل قول مما قيل في الآية ما يؤيده من اللغة، أو ظاهر الآيات ونظائرها:\nفمن ذهب إلى أن المراد: الخيل توري النار وتقدح بحوافرها: يدل عليه ظاهر اللغة، فيقال: قدحت النار من الزناد؛ أي: استخرجتها، وورت الزند؛ أي: خرجت ناره، وأوريتها أنا (^٢).\nومن ذهب إلى أن المراد: الحرب: يدل عليه ظاهر الآيات بأنها في الخيل، ولكن إبراؤها أن تهيج الحرب بين أصحابها وبين عدوهم، كما قال تعالى: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ [سورة المائدة: ٦٤] ومنه يقال للحرب إذا التحمت: حمي الوطيس، فالموريات قدحا مستعار لإثارة الحرب لأن الحرب تشبه بالنار (^٣).\nولا تعارض بين ما ذهب إليه كلا من الفريقين.\nالثالث: أن القاعدة المقررة عند أهل العلم أن اللفظ إذا احتمل معاني عدة وأمكن الجمع بينهما فالأولى الجمع (^٤).\nوخير ما يُقال في تفسير الآية: إن الله تعالى ذكره أقسم بالموريات التي توري النيران قدحا؛ فالخيل توري بحوافرها، والناس يورونها بالزند، واللسان مثلا يوري بالمنطق، والرجال يورون بالمكر مثلا، وكذلك الخيل تهيج الحرب بين أهلها: إذا التقت في الحرب؛ ولم يضع\n_________\n(^١) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان (٤/ ٨٢٠)، وانظر: التبيان في أيمان القرآن: ابن القيم (١/ ١٢٣)، وانظر: عمدة الحفاظ: السمين الحبي (٤/ ٣٠٣)، وانظر: التحرير والتنوير: ابن عاشور (٣٠/ ٥٠١).\n(^٢) انظر: التيسير في التفسير: أبو حفص النسفي (١٥/ ٤٤٨)، وانظر: الكشاف: الزمخشري (٤/ ٧٨٧)، وانظر: الكليات: الكفوي (ص: ٨٨٠).\n(^٣) انظر: مفاتيح الغيب: الرازي (٣٢/ ٢٦٠)، وانظر: التحرير والتنوير: ابن عاشور (٣٠/ ٥٠٠).\n(^٤) تقدم تقرير القاعدة في مسألة (٨٧)، ص: (٥٦٧).","vol":"2","page":1100},{"text":"الله دلالة على أن المراد من ذلك بعض دون بعض فكل ما أورت النار قدحا، فداخلة فيما أقسم به، لعموم ذلك بالظاهر (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-947> النتيجة:</span>\nبعد ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الصواب بأن يقال أن قوله تعالى: ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾ معناه: الخيل التي توري النار بحوافرها، ويجوز أن يكون معناه الحرب، ولا تعارض، بخلاف ما ذهب إليه القاسمي ﵀، لما تقدم إيراده من الأوجه الدالة على ذلك، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: جامع البيان: الطبري (٢٤/ ٥٧٨).","vol":"2","page":1101},{"text":"<span data-type='title' id=toc-948>سورة قريش</span>\n<span data-type='title' id=toc-949>١٩٢ - قوله تعالى: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ [سورة قريش: ١].</span>\nقال القاسمي: زعم بعض الناس أن اللام في (لإيلاف) متعلق بما قبله أي فجعلهم كعصف مأكول لإيلاف قريش.\nقال الشهاب: وعلى هذا فلا بد من تأويله. والمعنى: أهلكهم ولم يسلط على أهل حرمه ليبقوا على ما كانوا عليه، أو أهلك من قصدهم ليعتبر الناس ولا يجترئ عليهم أحد، فيتم لهم الأمن في الإقامة والسفر. أو هي لام العاقبة. انتهى (^١). ولا يخفى ما فيه من التكلف (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-950> أقوال أهل العلم في تعلق (اللام) في قوله تعالى: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾</span> (^٣):\nالقول الأول: أن اللام صلة ترجع إلى السورة المتقدمة من قولهم ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ﴾ إلى أن قال: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾، فصار معناه أن ما فعله بأصحاب الفيل لأجل إيلاف قريش.\nالقول الثاني: أن اللام صلة ترجع إلى ما بعدها من قوله ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾ ويكون معناه لنعمتي على قريش، أو لإيلافنا ذلك.\nأصحاب القول الأول:\nابن العربي: \" ﴿إِيلَافِهِمْ﴾ هذا يدل من الأول على معنى البيان. وهو متعلق بما قبله ولا يجوز أن يكون متعلقا بما بعده\" (^٤).\n_________\n(^١) عناية القاضي: الشهاب الخفاجي (٨/ ٣٩٩).\n(^٢) محاسن التأويل: القاسمي (١٧/ ٦٢٧١).\n(^٣) أشار إلى هذا الخلاف الماوردي في النكت والعيون (٦/ ٣٤٥)، والواحدي في البسيط (٢٤/ ٣٣٧)، وابن الجوزي في زاد المسير (٤/ ٤٩٣).\n(^٤) أحكام القرآن: ابن العربي (٤/ ٤٥٠)، وانظر: بحر العلوم: السمرقندي (٣/ ٦٢٣).","vol":"2","page":1102},{"text":"ابن الجوزي: \"الإيلاف وهي متعلقة بما قبلها والمعنى فجعلهم كعصف لإيلاف قريش أي أهلك الله أصحاب الفيل لتبقى قريش وما قد ألفوا من ﴿رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ﴾ \" (^١).\nالأخفش: \" اللام متعلقة بمعنى سورة ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ يا محمد ﴿كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ لتألف قريش\" (^٢).\nالكرماني: \" ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾: قيل: هذه اللام متصلة بالسورة الأولى. والمعنى: أهلكهم\" (^٣).\nأصحاب القول الثاني:\nابن قتيبة: \" يذهب بعض الناس إلى أنّ هذه السورة وسورة الفيل واحدة ..... إلى أن قال: وتوهّم القوم أنهما سورة واحدة، لأنهم رأوا قوله: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ مردودا إلى كلام في سورة الفيل\" (^٤).\nالزجاج: \" وقال النحويون الذين ترتضى عربيتهم: هذه اللام معناها متصل بما بعد فليعبدوا، والمعنى فليعبد هؤلاء رب هذا البيت لإلفهم رحلة الشتاء والصيف\" (^٥).\nمكي بن أبي طالب: \" ﴿لِإِيلَافِ﴾ اللام متعلقة عند الأخفش بقوله فجعلهم كعصف أي فعل بهم ذلك لتأتلف قريش، وفيه بُعد لإجماع الجميع على الجواز على الوقف على آخر\n_________\n(^١) تذكرة الأريب في تفسير الغريب: ابن الجوزي (ص: ٤٧٠)، وانظر: فتح الرحمن: العليمي (٧/ ٤٣٨)، وانظر: تفسير القرآن الكريم (جزء عم): العثيمين (ص: ٣٢١).\n(^٢) الهداية: مكي بن أبي طالب (١٢/ ٨٤٥١)، وانظر: المحرر الوجيز: ابن عطية (١٠/ ٣٨٥)، ولم أجد قول الأخفش في معاني القرآن.\n(^٣) لباب التفاسير: الكرماني (ص: ٣٦٧٨).\n(^٤) تأويل مشكل القرآن: ابن قتيبة (ص: ٢٣٤).\n(^٥) معاني القرآن\" للزجاج (٥/ ٣٦٥)، وانظر: مدارك التنزيل: النسفي (٣/ ٦٨٢)، وانظر: جامع البيان: الإيجي (٤/ ٥٣٣).","vol":"2","page":1103},{"text":"﴿أَلَمْ تَرَ﴾ \" (^١).\nالسخاوي: \"قوله: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ متعلق بقوله: ﴿فَلْيَعْبُدُوا﴾ أمرهم أن يعبدوه لأجل إيلافهم الرحلتين\" (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-951> دراسة المسألة:</span>\nبعد التتبع والنظر في أقوال أهل العلم وما ذكره المفسرون في هذه المسألة، يتبين أن الصواب بأن يُقال أن كلا القولين يجوز حمله على الآية، فيجوز أن تكون (اللام) في قوله تعالى: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ صلة ترجع إلى السورة المتقدمة في قوله تعالى: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ ويجوز أن تكون (اللام) صلة ترجع إلى ما بعدها من قوله: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾، ولكل من القولين ما يؤيده، وبيان ذلك فيما يلي:\nأوجه بيان القول الأول:\nالوجه الأول: أن بعضًا من الصحابة رضوان الله عليهم عد سورة الفيل وهذه السورة واحدة؛ منهم أبي بن كعب لا فصل بينهما في مصحفه، وقالوا: اللام في \" لإيلاف\" تتعلق بالسورة التي قبلها، وذلك أن الله تعالى ذكر أهل مكة عظيم نعمته عليهم فيما صنع بالحبشة، وقال: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ (^٣).\nوهذا الوجه اعتُرض عليه: بأن الذي عليه الجمهور من الصحابة وغيرهم أن سورة قريش منفصلة عن سورة الفيل وأنه لا تعلق بينهما، وكون آيها ليست على نمط آي ما قبلها (^٤).\n_________\n(^١) مشكل إعراب القرآن: مكي بن أبي طالب (٢/ ٨٤٥)، وانظر: البستان في إعراب مشكلات القرآن: ابن الأحنف (٥/ ٧٤).\n(^٢) تفسير القرآن العظيم: السخاوي (٢/ ٦٣٤)، وانظر: إرشاد العقل السليم: أبو السعود (٩/ ٢٠٢).\n(^٣) انظر: معالم التنزيل: البغوي (٨/ ٥٤٢)، وانظر: فتح الباري: ابن حجر (٨/ ٧٣٠).\n(^٤) انظر: روح المعاني (٢٩/ ٣٤٠)، وانظر: فتح البيان: القنوجي (١٥/ ٣٩٧)، وانظر: التحرير والتنوير: ابن عاشور (٣٠/ ٥٥٣).","vol":"2","page":1104},{"text":"وعلى التسليم بهذا الاعتراض، فكون السورتين معدودة في مصحف أبي بن كعب ﵁ سورة واحدة، يدل ذلك على أن هناك صلة بين السورتين، وإن كان الصواب بأن السورتين منفصلتين، والله أعلم.\nالوجه الثاني: مناسبة الآية لما قبلها، وذلك أن الله تعالى لما ذكر ما أحله على أصحاب الفيل بأن جعلهم كعصف مأكول، ناسب أن يذكر الإيلاف تذكيرا لقريش بنعمته. والمعنى: أنه أهلك أولئك ليؤلف قريشا هاتين الرحلتين اللتين بها معاشهم، ومقامهم بمكة (^١).\nأوجه بيان القول الثاني:\nالوجه الأول: ظاهر الآية الذي يدل على أن اللام متصلة بما بعدها، فيكون المراد: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾ لإيلافنا ذلك (^٢).\nالوجه الثاني: من حيث البلاغة، فافتتاح السورة كان بمجرور بلام التعليل وليس بإثره بالقرب ما يصلح للتعليق به ففيه تشويق إلى متعلق هذا المجرور. وزاده الطول تشويقا إذ فصل بينه وبين متعلقة (بالفتح) بخمس كلمات، فيتعلق ﴿لِإِيلَافِ﴾ بقوله: (ليعبدوا). وتقديم هذا المجرور للاهتمام به إذ هو من أسباب أمرهم بعبادة الله التي أعرضوا عنها بعبادة الأصنام والمجرور متعلق بفعل (ليعبدوا).\nوأصل نظم الكلام: لتعبد قريش رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف لإيلافهم رحلة الشتاء والصيف (^٣).\nفإن قيل: لو كانت (اللام) في قوله تعالى: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ صلة ومتعلقة بما قبلها لوجب أن يكون ﴿لِإِيلَافِ﴾ بعض ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ وأن لا تكون سورة منفصلة من ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ وفي إجماع جميع المسلمين على أنهما سورتان تامتان، كل واحدة منهما منفصلة عن\n_________\n(^١) انظر: معاني القرآن: الزجاج (٥/ ٣٦٥)، وانظر: زاد المسير: ابن الجوزي (٤/ ٤٩٣)، وانظر: البحر المحيط: أبو حيان (٢١/ ٤٨٢).\n(^٢) انظر: التيسير في علم التفسير: أبو حفص النسفي (١٥/ ٤٩٢).\n(^٣) انظر: التحرير والتنوير: ابن عاشور (٣٠/ ٥٥٤).","vol":"2","page":1105},{"text":"الأخرى، ما يبين عن فساد القول الذي قاله من قال ذلك (^١).\nفالجواب: أن ذلك ليس بلازم; لأنه إن أراد اتصالهما في المعنى، فالقرآن كله متصلة سوره معنى.\nألا ترى إلى فاتحة الكتاب وفيها ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [سورة الفاتحة: ٦]، فجاءت سورة البقرة: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [سورة البقرة: ٢]، وبعدها ذكر أوصافهم وقال: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [سورة البقرة: ٥]، فأي ارتباط أقوى من هذا، كأنه يقول: الهدى الذي تطلبونه في هذا الكتاب فهو هدى للمتقين، وإن أراد اتصالا حسا بعدم البسملة، فنظيرها سورة براءة مع الأنفال، ولكن لا حاجة إلى ذلك; لأن إجماع القراء على إثبات البسملة بينهما، اللهم إلا مصحف أبي بن كعب.\nوبهذا يظهر أنه لا وجه أرجح من وجه، وصحة الوجهين أقوى وأعم في الامتنان وتعداد النعم (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-952> النتيجة:</span>\nبعد ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الصواب بأن يُقال أن كلا القولين المتقدمين يجوز حمله على الآية، فيجوز أن تكون (اللام) في قوله تعالى: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ صلة ترجع إلى سورة الفيل، ويجوز أن تكون (اللام) صلة ترجع إلى ما بعدها من قوله ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾، لما تقدم إيراه من الأوجه الدالة على ذلك، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) انظر: جامع البيان: الطبري (٢٤/ ٦٥٠)، وانظر: لباب التأويل: الخازن (٤/ ٤٧٥).\n(^٢) انظر: تتمة أضواء البيان للشنقيطي: الشيخ عطية محمد سالم (٢/ ٥٣٤، ٥٣٥).","vol":"2","page":1106},{"text":"<span data-type='title' id=toc-953>الخاتمة</span>\nوفيها:\nأهم النتائج\nوالتوصيات.","vol":"2","page":1107},{"text":"الخاتمة\nالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسلام على محمد النبي المختار، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليمًا كثيرا إلى يوم نلقاه، وبعد:\nفإني أحمد الله تعالى على بما منَّ به عليّ من فضله وتوفيقه أن يسر لي إتمام هذه الرسالة، وتفضّل عليّ بأن أمضيت مدة طويلة من الزمن بالعيش مع العلامة محمد جمال الدين القاسمي ﵀، وتفسيره محاسن التأويل.\nوقد ظهر لي بعد إتمام هذه الرسالة جملة من النتائج والتوصيات، جعلتها خاتمة لهذه الرسالة، وهي مندرجة فيما يلي:\n١ - تميزت شخصية العلامة القاسمي ﵀ بسلامة عقيدته من شوائب البدع والتأويلات المخالفة لعقيدة أهل السنة، فهو علمًا من أعلام التفسير، والحديث، والفقه، واللغة، وفي فنون شتى كما يظهر من مؤلفاته ﵀، وثناء أهل العلم عليه في زمانه وبعد مماته.\n٢ - مما تميز به القاسمي ﵀ أنه نشأ في بيئة وعصر كان يغلب عليه الركود والجمود، ويسوده الجهل، وانتشار البدع، والتعصب المذهبي، ومحاربة السنة، فكان بروزه وتقريره لعقيدة أهل السنة، وذمه للتقليد، وتحري الحق والصواب، من توفيق الله تعالى له.\n٣ - تأثر القاسمي ﵀ ببعض الأئمة الأفاضل كابن تيمية وتلميذه ابن القيم في اختياراتهما وآرائهما، فالملاحظ عليه مثلا أنه في عدة مواضع يتعقب المخالفين لأهل السنة والجماعة في الاعتقاد، ثم يستشهد على ذلك من كلام ابن القيم أو ابن تيمية، وكذا فيما يتعلق بالحقيقة والمجاز، فإنه يتعقب على القائلين بالمجاز، وما ذاك إلا تأثرا بكلام ابن القيم وابن تيمية في إنكار المجاز.\n٤ - تميز منهج القاسمي ﵀ في عرضه لأقوال من سبقه من أهل العلم ونقدها بأسلوب علمي، وبأدب في الغالب، وقدرته على الاختيار والترجيح، كما هو ظاهر في تعقباته على من سبقه من الأعلام والمفسرين.","vol":"2","page":1108},{"text":"٥ - لم يكن ﵀ مُقلّدا في اختياراته، سواء كانت في التفسير وعلوم القرآن، أم في الفقه، أم في اللغة والبلاغة، إنما كان مجتهدا ذامّا للتعصب والتقليد، يعتمد على الدليل وما يراه صوابًا.\n٦ - عند تعقيبه ﵀ على من سبقه يذكر تعليله للتعقيب أحيانًا، وأحيانًا يكتفي بالتضعيف دون ذكر السبب.\n٧ - تعقَب القاسمي ﵀ أقوال مخالفيه بأوجه علمية، من أهمها: مخالفة القول لسياق الآية وسباقها، أو مخالفة الآية لنظائر الآيات، أو لظاهر الآيات، أو مخالفة المفسر لما عليه أهل السنة والجماعة، أو للمعروف عند العرب، وغير ذلك من أوجه علمية لم يرد في أي منها ما يُمكن أن يعد تعصبًا، أو حكمًا بالهوى.\n٨ - تبين بعد الجمع والدراسة لتعقبات القاسمي ﵀ أنه اعتمد على مصادر في التفسير وغيرها غير الذي ذُكر في بداية الرسالة في المبحث الثالث من الفصل الثاني، ككتاب: كشاف القناع للبهوتي (^١)، وكتاب: الفتاوى الكبرى لابن تيمية (^٢)، وكتاب: البحر المحيط لأبي حيان، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي (^٣)، وكتاب: أعلام الموقعين لابن القيم (^٤)، كتاب: فتح البيان للقنوجي (^٥)، وكتاب: بغية الطلب لابن العديم كما يظهر (^٦)، وكتاب: المحرر الوجيز لابن عطية (^٧).\n٩ - اشتملت الدراسة التطبيقية لتعقبات القاسمي ﵀ ما يقارب المائتين تعقبًا من تفسيره محاسن التأويل، تمت دراستها وتصنيفها على النحو التالي:\n_________\n(^١) انظر ما تقدم في مسألة رقم: (٢) ص: (١٥١).\n(^٢) انظر ما تقدم في مسألة رقم: (١٨) ص: (٢٣٨).\n(^٣) انظر ما تقدم في مسألة رقم: (٣٧) ص: (٣٣٧).\n(^٤) انظر ما تقدم في مسألة رقم: (٤٧) ص: (٣٨٨).\n(^٥) انظر ما تقدم في مسألة رقم: (١٢٩) ص: (٧٧٨).\n(^٦) انظر ما تقدم في مسألة رقم: (١٥٠) ص: (٨٨٢).\n(^٧) انظر ما تقدم في مسألة رقم: (١٥٢) ص: (٨٩٠).","vol":"2","page":1109},{"text":"<span data-type='title' id=toc-954>جدول تصنيف المسائل والمواضع لتعقبات القاسمي ﵀</span>-.\n<span data-type='title' id=toc-955>أولا: تعقبات القاسمي من حيث موافقة الباحث مع القاسمي وعدم موافقته:</span>\nالرقم … التصنيف … رقم المسألة … العدد\n\n<span data-type='title' id=toc-956>١ - التعقبات التي اتفق فيها الباحث مع القاسمي [١٢٧]\n(١) (٢) (٣) (٤) (٥) (٧) (٩) (١٠) (١١) (١٢) (١٥) (١٧) (١٨) (٢٠) (٢١) (٢٢) (٢٤) (٢٥) (٢٦) (٢٩) (٣٠) (٣٣) (٣٤) (٣٥) (٣٧) (٣٨) (٣٩) (٤٠) (٤١) (٤٣) (٤٥) (٤٦) (٤٧) (٤٩) (٥٠) (٥١) (٥٤) (٥٥) (٥٧) (٥٩) (٦١) (٦٣) (٦٤) (٦٥) (٦٦) (٦٧) (٦٨) (٧٠) (٧١) (٧٢) (٧٣) (٧٤) (٧٦) (٧٧) (٧٩) (٨٠) (٨١) (٨٢) (٨٣) (٨٥) (٨٦) (٨٧) (٨٨) (٩١) (٩٢) (٩٣) (٩٥) (٩٦) (٩٧) (٩٨) (٩٩) (١٠٣) (١٠٤) (١٠٥) (١٠٦) (١٠٨) (١١٠) (١١١) (١١٢) (١١٣) (١١٤) (١١٥) (١١٦) (١١٨) (١١٩) (١٢٠) (١٢١) (١٢٢) (١٢٤) (١٢٥) (١٢٦) (١٢٨) (١٢٩) (١٣٠) (١٣١) (١٣٢) (١٣٣) (١٣٦) (١٣٧) (١٣٨) (١٤٠) (١٤٣) (١٤٤) (١٤٥) (١٤٦) (١٤٧) (١٤٩) (١٥١) (١٥٢) (١٥٣) (١٥٤) (١٥٥) (١٥٦) (١٥٧) (١٥٩) (١٦٠) (١٦٤) (١٦٩) (١٧١) (١٧٢) (١٧٦) (١٧٩) (١٨٢) (١٨٥) (١٨٦) (١٨٧)</span> (١٨٨)","vol":"2","page":1110},{"text":"<span data-type='title' id=toc-957>٢ - التعقبات التي لم يتفق فيها الباحث مع القاسمي [٤٦]\n(٨) (١٣) (١٩) (٢٨) (٣٢) (٣٦) (٤٨) (٥٢) (٥٣) (٥٦) (٦٠) (٦٢) (٦٩) (٨٤) (٨٩) (٩٤) (١٠٠) (١٠١) (١٠٩) (١١٧) (١٢٣) (١٢٧) (١٣٥) (١٣٩) (١٤٢) (١٤٨) (١٥٠) (١٦١) (١٦٣) (١٦٥) (١٦٦) (١٦٧) (١٦٨)</span> (١٧٠) (١٧٣) (١٧٤) (١٧٥) (١٧٧) (١٧٨) (١٨٠) (١٨١) (١٨٣) (١٨٤) (١٩٠) (١٩١) (١٩٢)\n\n<span data-type='title' id=toc-958>٣ - التعقبات التي اتفق فيها الباحث مع القاسمي من وجه دون وجه [١٩]\n(٦) (١٤) (١٦) (٢٣) (٢٧) (٣١) (٤٢) (٤٤) (٥٨) (٧٥) (٧٨) (٩٠) (١٠٢) (١٠٧) (١٣٤) (١٤١) (١٥٨) (١٦٢) (١٨٩)</span>","vol":"2","page":1111},{"text":"<span data-type='title' id=toc-959>ثانيا: أنواع التعقبات:</span>\nالرقم … أنواع التعقبات … رقم المسألة … العدد\n\n<span data-type='title' id=toc-960>١ - التعقبات الصريحة [١٤٧]\n(١) (٢) (٣) (٥) (٧) (٨) (٩) (١٠) (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١) (٢٢) (٢٣) (٢٤) (٢٥) (٢٦) (٢٨) (٢٩) (٣٢) (٣٣) (٣٤) (٣٥) (٣٦) (٣٧) (٣٨) (٣٩) (٤٠) (٤٢) (٤٤) (٤٥) (٤٦) (٤٧) (٤٩) (٥١) (٥٢) (٥٣) (٥٤) (٥٧) (٥٨) (٥٩) (٦١) (٦٤) (٦٦) (٦٧) (٦٩) (٧٠) (٧١) (٧٢) (٧٣) (٧٥) (٧٦) (٧٧) (٧٨) (٧٩) (٨١) (٨٢) (٨٣) (٨٤) (٨٥) (٨٦) (٨٧) (٨٨) (٨٩) (٩٠) (٩٢) (٩٣) (٩٤) (٩٥) (٩٦) (٩٨) (٩٩) (١٠٠) (١٠٢) (١٠٣) (١٠٤) (١٠٥) (١٠٧) (١٠٨) (١١٠) (١١١) (١١٢) (١١٣) (١١٤) (١١٥) (١١٦) (١١٧) (١١٨) (١١٩) (١٢٠) (١٢٢) (١٢٣) (١٢٤) (١٢٥) (١٢٦) (١٢٧) (١٢٨) (١٢٩) (١٣٠) (١٣٣) (١٣٤) (١٣٧) (١٣٨) (١٤١) (١٤٢) (١٤٣) (١٤٥) (١٤٦) (١٤٧) (١٤٨) (١٤٩) (١٥١) (١٥٢) (١٥٣) (١٥٤) (١٥٥) (١٥٦) (١٥٧) (١٥٩) (١٦٠) (١٦١) (١٦٢) (١٦٣) (١٦٤) (١٦٦) (١٦٨) (١٧٢) (١٧٣) (١٧٤) (١٧٥) (١٧٧) (١٧٨) (١٧٩) (١٨١) (١٨٣) (١٨٤) (١٨٥) (١٨٧)</span> (١٨٨) (١٨٩) (١٩١) (١٩٢)","vol":"2","page":1112},{"text":"<span data-type='title' id=toc-961>٢ - التعقبات غير الصريحة [٤٥]\n(٤) (٦) (١١) (١٦) (١٧) (٢٧) (٣٠) (٣١) (٤١) (٤٣) (٤٨) (٥٠) (٥٥) (٥٦) (٦٠) (٦٢) (٦٣) (٦٥) (٦٨) (٧٤) (٨٠) (٩٧) (١٠١) (١٠٦) (١٠٩) (١٢١) (١٣١) (١٣٢) (١٣٥) (١٣٦) (١٣٩) (١٤٠) (١٤٤) (١٥٠) (١٥٨) (١٦٥)</span> (١٦٧) (١٦٩) (١٧٠) (١٧١) (١٧٦) (١٨٠) (١٨٢) (١٨٦) (١٩٠)","vol":"2","page":1113},{"text":"<span data-type='title' id=toc-962>ثالثًا: المسائل المتعلقة بالتعقبات:</span>\nالرقم … المسائل … رقم المسألة … العدد\n\n<span data-type='title' id=toc-963>١ - المسائل المتعلقة بالتفسير [٨٦]\n(٣) (٧) (٩) (١٢) (١٣) (١٥) (١٦) (١٩) (٢١) (٢٧) (٣٠) (٣١) (٣٥) (٣٩) (٤٠) (٤٣) (٤٤) (٤٥) (٤٦) (٤٨) (٥١) (٥٣) (٥٦) (٦١) (٧٤) (٧٦) (٧٧) (٨٠) (٨٢) (٨٣) (٨٤) (٨٦) (٨٧) (٨٨) (٨٩) (٩١) (٩٢) (٩٣) (٩٤) (٩٧) (٩٩) (١٠٠) (١٠١) (١٠٦) (١١٦) (١١٧) (١١٩) (١٢٥) (١٢٦) (١٢٧) (١٢٨) (١٢٩) (١٣٠) (١٣٢) (١٣٣) (١٣٥) (١٣٦) (١٣٨) (١٤٠) (١٤٣) (١٤٤) (١٤٥) (١٤٦) (١٤٧) (١٤٨) (١٤٩) (١٥٢) (١٥٣) (١٥٤) (١٥٧) (١٥٨) (١٥٩) (١٦٠) (١٦١) (١٦٣) (١٦٤) (١٦٥) (١٧٢) (١٧٣) (١٧٥) (١٧٦)</span> (١٧٩) (١٨١) (١٨٢) (١٨٣) (١٨٥) (١٩٠) (١٩١) (١٩٢)\n\n<span data-type='title' id=toc-964>٢ - المسائل المتعلقة بعلوم القرآن [١٨]\n(٢٤) (٣٤) (٣٦) (٦٥) (٦٦) (٧٠) (٧٨) (٩٥) (١٠٢) (١٠٣) (١١٤) (١٢٢) (١٣٩) (١٦٧) (١٦٩) (١٨٠) (١٨٩)</span>\n\n<span data-type='title' id=toc-965>٣ - المسائل المتعلقة بالعقيدة [٢٤]\n(١) (٢) (٤) (٥) (١٠) (١١) (٢٢) (٢٦) (٦٣) (٦٤) (٧١) (٧٣) (٨٥) (٩٦) (٩٨) (١٠٤) (١١١) (١١٣) (١١٥) (١٢١) (١٢٤) (١٤١)</span> (١٦٢) (١٧٨)","vol":"2","page":1114},{"text":"<span data-type='title' id=toc-966>٤ - المسائل المتعلقة بالحديث وعلومه [٨]</span>\n(٦) (٢٥) (٤٩) (٥٠) (٥٢) (٥٩) (١١٢) (١٦٦)\n\n<span data-type='title' id=toc-967>٥ - المسائل المتعلقة بالفقه، وأحكام القرآن [٢٤]\n(١٤) (١٨) (٢٣) (٣٢) (٣٣) (٣٧) (٣٨) (٤١) (٥٤)</span> (٥٥) (٥٧) (٥٨) (٦٠) (٦٢) (٦٦) (٦٨) (٧٩) (٨١) (١٠٧) (١٠٨) (١٢٣) (١٦٨) (١٨٧) (١٨٨)\n\n<span data-type='title' id=toc-968>٦ - المسائل المتعلقة بأصول الفقه [٤]\n(١٣) (٤٧)</span> (١٠٥) (١٥٥)\n\n<span data-type='title' id=toc-969>٧ - المسائل المتعلقة باللغة والبلاغة [١٩]\n(٨) (١٧) (٢٠) (٢٨) (٢٩) (٤٢) (٦٧) (٦٩) (٧٢) (٩٠) (١٠٩)</span> (١٢٠) (١٣٤) (١٣٧) (١٤٢) (١٧١) (١٧٤) (١٧٧) (١٨٤)\n\n<span data-type='title' id=toc-970>٨ - المسائل المتعلقة بالسيَر والأخبار [٩]</span>\n(٧٥) (١١٠) (١١٨) (١٣١) (١٥٠) (١٥١) (١٥٦) (١٧٠) (١٨٦)","vol":"2","page":1115},{"text":"<span data-type='title' id=toc-971>رابعا: المتعقب عليهم:</span>\nالرقم … المتعقب عليهم … رقم المسألة … العدد\n\n١ - تعقباته على جماعة من السلف: كابن عباس، وقتادة، والحسن، وأبو العالية، والأعمش\n(١١٩) (١٢٦) (١٦٠) (١٨٢) … ٤\n\n٢ - تعقباته على المعتزلة، أبو مسلم، أبو علي الجبائي، أبو هاشم الجبائي، الزمخشري\n(١) (٤) (٥) (٧) (٩) (٢٢) (٤٠) (٤٨) (٦١) (٦٣) (٦٤) (٧١) (٧٣) (٨٥) (٩٦) (٩٨) (١١١) (١١٧) (١٢٤) (١٢٨) (١٢٩) (١٣٧) (١٥٩) (١٨١) (١٨٤) (١٨٥) … ٢٦\n٣ - الشيعة، الزيدية، الحاكم الجشمي\n(١١) (٦٠) (٦٢) (١٠٤) (١١٣) (١٢١) … ٦\n\n٤ - تعقباته على الخوارج … (٢) (٣٧) (٥٤) … ٣\n٥ - المفضِّل الضبي (ت ١٦٨) … (٢٩) … ١\n٦ - الإمام مالك (ت ١٧٩) … (١٧٤) … ١\n٧ - شمر بن حمدويه (ت ٢٥٥) … (١٦) … ١\n٨ - الطبري (ت ٣١٠) … (١٩٠) … ١\n٩ - الزجاج (ت ٣١١) … (٤٩) … ١\n١٠ - مكي (ت ٣٨٦) … (٨٢) … ١\n١١ - الماوردي (ت ٤٥٠) … (١٧٧) … ١\n١٢ - الواحدي (ت ٤٦٨) … (١٤١) … ١","vol":"2","page":1116},{"text":"١٣ - ابن حزم (ت ٤٥٦) … (١٠) … ١\n١٤ - الكيا الهراسي (٥٠٤) … (١٧٣) (١٨٨) … ٢\n١٥ - ابن الفرس (ت ٥٩٩) … (١٠٨) (١٨٧) … ٢\n١٦ - الرازي (ت ٦٠٦) … (١٣) (٢٦) (٣٢) (٣٣) (٤٦) (٩٢) (١٠٩) (١١٤) (١١٥) (١٢٧) (١٥٢) (١٨٦) … ١٢\n١٧ - المجدد ابن تيمية (ت ٦٥٢) … (٦٨) … ١\n١٨ - ابن المنيِّر (ت ٦٨٣) … (٧٤) (٨٦) (٩١) (١٤٦) … ٤\n١٩ - ابن تيمية (ت ٧٢٨) … (١٥٨) … ١\n٢٠ - ابن القيم (ت ٧٥١) … (١٥٠) (١٨٣) … ٢\n٢١ - المهايمي (ت ٨٣٥) … (٩٣) … ٣\n٢٢ … ابن كثير (ت ٧٧٤) … (١٥) (٧٧) (٧٨) (١٠٢) (١٠٧) (١١٦) (١٣١) (١٤٤) (١٦٢) (١٦٥) (١٦٦) (١٦٧) … ١٢\n٢٣ - ابن حجر (ت ٨٥٢) … (٩٤) … ١\n٢٤ - أبو السعود (ت ٩٨٢) … (٣٠) (٣١) (٤٤) (٥٣) (٨٧) (١٢٢) (١٦٤) … ٧\n٢٥ - السيوطي (ت ٩١١) … (٩٥) (١٤٣) (١٧٨) … ٣\n٢٦ - الشهاب الخفاجي (ت ١٠٦٩) … (٤٢) (٦٥) (٧٢) (٨٤) (٩٠) (٩٧) (٩٩) (١٢٠) (١٣٣) (١٣٤) (١٩٢) … ١١\n٢٧ - الوافي وبعض الظاهرية … (٢١) … ١","vol":"2","page":1117},{"text":"٢٨ - تعقباته على الأعلام والمفسرين عمومًا\n(٦) (٣) (٨) (١٢) (١٤) (١٧) (١٨) (١٩) (٢٠) (٢٣) (٢٤) (٢٥) (٢٧) (٢٨) (٣٤) (٣٥) (٣٦) (٣٨) (٣٩) (٤١) (٤٣) (٤٥) (٤٧) (٥٠) (٥١) (٥٢) (٥٥) (٥٦) (٥٧) (٥٨) (٥٩) (٦٦) (٦٧) (٦٩) (٧٠) (٧٥) (٧٦) (٧٩) (٨٠) (٨١) (٨٣) (٨٨) (٨٩) (١٠٠) (١٠١) (١٠٣) (١٠٥) (١٠٦) (١١٠) (١١٢) (١١٨) (١٢٣) (١٢٥) (١٣٠) (١٣٢) (١٣٥) (١٣٦) (١٣٨) (١٣٩) (١٤٠) (١٤٢) (١٤٥) (١٤٧) (١٤٨) (١٤٩) (١٥١) (١٥٣) (١٥٤) (١٥٥) (١٥٦) (١٥٧) (١٦١) (١٦٣) (١٦٨) (١٦٩) (١٧٠) (١٧١) (١٧٢) (١٧٥) (١٧٦) (١٧٩) (١٨٠) (١٨٩) (١٩١) … ٨٤","vol":"2","page":1118},{"text":"<span data-type='title' id=toc-972>خامسا: ألفاظ التعقب:</span>\nالرقم … ألفاظ التعقب … رقم المسألة … العدد\n١ - (باطل)، (يبطله)، (وبداهة بطلانه لا تخفى) .... (١) (٢) (٣٦) (٥٩) (١٣٨) … ٥\n٢ - (زعم)، (زعموا)، (وهذا الزعم)، (زعمه)، (وزعْمُ) .... (٣) (٥) (٢٤) (٣٧) (٥٧) (٦٦) (٧٠) (٩٠) (٩٢) (١٠٤) (١١١) (١٢٥) (١٣٠) (١٤٣) (١٥١) (١٥٧) (١٦١) … ١٧\n٣ - (والجواب) (وجوابه) … (٤) (١٠٣) (١٢١) … ٣\n٤ - (بعيد)، (بعيد جدا)، (لا يخفى بعده)، (لبعده عن الصواب)، (فيه بعد)، (أَبعَد)، (يبعده)، (ما أبعده)، (بعيد عن المعنى بمراحل) .... (٧) (٩) (١٠) (١٥) (٢٨) (٢٩) (٣٥) (٤٤) (٤٥) (٤٦) (٥١) (٥٣) (٧٢) (٧٥) (٧٦) (٨٦) (٨٩) (٩٣) (١٢٧) (١٢٨) (١٤٢) (١٤٥) (١٦٢) (١٧٤) (١٧٩) (١٨٥) (١٨٩) (١٩١) … ٢٨\n٥ - (لا يخفى فساده) .... (٨) … ١\n٦ - (ليس بشيء، (لا يساوي فلسًا) .... (١٢) (٥٤) … ٢\n٧ - (لا حجة فيه)، (لا حجة لمن حاول دفعه)، (لا يصلح حجة) .... (١٤) (٣٣) (٤٠) (١٧٢) … ٤\n٨ - (لا دليل عليه)، (لا مستند له) .... (١٤٨) (١٥٥) … ٢\n٩ - (مردود)، (مفاد الآية يرد هذا)، (ردا على الجبائي) .... (١٨) (٤٢) (٦٧) (١٢٤) (١٠٨) … ٤","vol":"2","page":1119},{"text":"١٠ - (فيه تكلف) (تكلف) (وتكلف التماس ما يؤيد المذهب المتبوع) … (١٩) (٢٠) (٣٨) (٣٩) (٨٢) (٨٣) (٨٤) (٨٧) (١١٩) (١٦٣) (١٧٧) (١٨٤) (١٨٧) (١٨٨) (١٩٢) … ١٥\n١١ - (فيه خفاء) .... (٩٧) … ١\n١٢ - (شاذ)، (شذَّ) .... (٢١) (٢٣) … ٢\n١٣ - (غلط) .... (٤٧) … ١\n١٤ - (مدفوع) (إن نظره مدفوع) … (٧٨) (٩٦) (٩٩) … ٣\n١٥ - (فهو المنكر) … (١٣٤) … ١\n١٦ - (يسقط)، (ساقط) .... (١١٤) (١١٨) … ٢\n١٧ - (غير ناهض) .... (١٢٣) … ١\n١٨ - (لا يساعده) .... (٢٢) (٢٧) (٤٣) (١١٦) … ٤\n١٩ - (لا حاجة إلى هذا)، (ليس مما تشمله الآية)، (خوض في الفضول، وشروع فيما لا حاجة إليه)، (ولا حاجة لدعوى الاستثناء)، (وما من حاجة إلى تسمية تلك المبهمات)، (لا حاجة لتقدير الكراهة) .... (١٦) (٣١) (٥٦) (٨٠) (١٣٩) (١٦٩) (١٧٠) (١٧٥) … ٨\n٢٠ - (وهي من الضعف بمكان)، (ولا يخفى ضعف الاستدلال)، (فهو من الضعف بمكان، (في غاية الضعف) .... (٣٤) (١٥٢) (١٦٦) (١٧٨) … ٤","vol":"2","page":1120},{"text":"٢١ - (فيه نظر)، (فيه نظران)، (ولا نظر) .... (٥٠) (٦٥) (٦٨) (١٠٢) (١٠٧) (١٣٢) (١٥٠) (١٥٨) (١٦٥) (١٦٧) (١٧٦) (١٩٠) … ١٢\n٢٢ - (لا يصح) .... (٥٢) (٦٩) (١٠٠) (١٨١) … ٤\n٢٣ - (كما تُوهّم) (كما توهم فغفلة) … (١٠٦) (١٦٤) … ٢\n٢٤ - (ولا يخفى ركاكة ما ذكر) (ركيك جدا، مفكك لرؤوس الآي) (لا برهان معه، وتفكيك للمعنى) .... (١٤٧) (١٤٩) (١٦٨) … ٣\n٢٥ - (غير ظاهر)، (مخالف لظاهر الآية، (عدول عن الظاهر)، (صرف اللفظ الكريم عن ظاهره بلا داع) .... (١٢) (٥٥) (٦١) (٧٩) (١٢٩) … ٥\n٢٦ - التعقب بنفي القول: (وحيث تطرق الاحتمال لها، على ما رأيت، فلا)، (وأما معه، فلا كما لا يخفى) .... (٤١) (٦٠) … ٢\n٢٧ - (شبهة جهمية) (نزغة اعتزالية) (منزع كلامي لا سلفي) (نزعة كلامية) .... (٢٦) (٦٤) (٧١) (٧٣) (٨٨) … ٥\n٢٨ - (يأباه السباق والسياق) (يدفعه السياق والسباق) (ذهول عن سباق الآية وعن سياقها) .... (٧٧) (٩٤) (١٢٢) … ٣","vol":"2","page":1121},{"text":"٢٩ - (وادّعاء الأظهريّة فيها ممنوع) (ودعوى النسخ أوهى) (لا تسلم دعوى التعين) (ودعوى أنه مخالف لظاهر الآية) (ادعى النسخ بحجة تصلح لذكرها) (ادعى الزمخشري) (فدعوى الناصر في الانتصاف) .... (٨١) (٩١) (٩٥) (١٢٦) (١٣٣) (١٣٧) (١٤٦) … ٧\n٣٠ - (ولا يخفى أنهم إذا أقاموا التوراة والإنجيل) (ولا يخفى أن الشهادة أعم) .... (٧٤) (١٣٦) … ٢\n٣١ - (ولا مستند فيها إلا الرأي) (ولكن هو الرأي قاتله الله!) … (٦٢) (١١٧) … ٢\n٣٢ - (وهو غريب) (يأبى ما أغرب به أبو مسلم أشد الإباء)، (من غرائب استنباط) … (١٤٠) (١٥٩) (١١٣) … ٣\n٣٣ - (وعجيب من تردده) (وعجيب فهمه الأفضلية) (وعجيب من الرازيّ أن لا يجد مخرجا) .... (١٤٤) (١٧٣) (١٨٦) … ٣\n٣٤ - عبارات جاءت في سياق التعقب:\n(ليس في تعيينه لنا فائدة دينية ولا دنيوية) … (٦) … ٣٢\n(استدلال الفرقتين على مدعاهما وقوف مع عموم اللفظ) … (١١)","vol":"2","page":1122},{"text":"(ومعلوم أن اتباع الأنبياء لا يسمى تقليدا) … (١٣)\n(يلزم التفكيك) … (١٧)\n(لا يعرف له سند صحيح) … (٢٥)\n(بل الآية تفيد الأمرين) … (٣٠)\n(لا يجوز أخذه على عمومه) … (٣٢)\n(لا يؤيد ما ذكره) … (٤٨)\n(اختياره غير مختار) … (٤٩)\n(لا يدل عليه الخبر بمنطوقه ولا مفهومه) … (٥٨)\n(هذا الجواب لا يرتضيه من عرف قدر النبي ﷺ … (٦٣)\n(اعتلا بوجوه واهية) … (٨٥)\n(نادى على نفسه بالجهل) … (٩٨)\n(فالصواب أن التفصيل) … (١٠١)\n(وهذا غلو في الاستنباط) … (١٠٥)\n(ليس وفاقًا) … (١٠٩)\n(لا يعتمد) … (١١٠)\n(من تنميق الألفاظ لتمزيق المعاني) … (١١٢)\n(يسقط) … (١١٥)\n(ويعني، سامحه الله، بالمشبهة الحنابلة) … (١٢٠)","vol":"2","page":1123},{"text":"(من الولع بالمناقشة، كما هو دأبه) … (١٣١)\n(ولم أر الآن مستنده) … (١٣٥)\n(هذا المعنى لا يذكره السلف تفسيرا للآية) … (١٤١)\n(وليته اطلع على ما كتبه ابن جرير حتى يمسك من جماح يراعه ويبصر الأدب مع السلف) … (١٥٣)\n(ولا يخفى أن هذا البحث من الرجم بالغيب) … (١٥٤)\n(ليس عليه أثارة من علم) … (١٥٥)\n(ولا تعار من الثقة أدنى نظر) … (١٥٦)\n(وليس بمتعين) … (١٦٠)\n(فلا وجه للتعصب في رده) … (١٧١)\n(لا لإثبات المعراج) … (١٨٠)\n(وفيه ما فيه من عدم موافقته لتلك الآية) … (١٨٢)\n(لا قرينة تخصص الآية بالقيامة) … (١٨٣)","vol":"2","page":1124},{"text":"<span data-type='title' id=toc-973>وأما التوصيات فمنها:</span>\n١ - العناية بكتاب محاسن التأويل للقاسمي، وإخراجه في طبعة مُنَقحة متميزة، متضمنة لتخريج الأحاديث والآثار والحكم بصحتها من ضعفها، ونسبة الأقوال إلى أصحابها، والأشعار إلى دواوينها، وترجمة الأعلام الواردة فيه، وغير ذلك مما يحتاجه الكتاب من خدمة.\n٢ - دراسة بعض المسائل التي تتعلق بتفسير القاسمي، ومن ذلك:\n- علوم القرآن عند القاسمي من خلال كتابه محاسن التأويل (عرض ودراسة).\n- دلالة السياق عند القاسمي وأثرها في التفسير.\n- المسائل التي خالف فيها القاسمي عامة المفسرين (عرض ودراسة).\n٣ - إبراز دراسة التعقبات مع الترجيحات في الدراسات القرآنية عند طلاب الدراسات العليا أثناء الدراسة المنهجية، وتدريبهم على كيفية تحرير المسائل بذكر أقوال أهل العلم في المسألة، وذكر أوجه الترجيح بناء على القواعد والأصول المقررة عند أهل العلم.\n٤ - أن من أراد حصر تعقبات واستدراكات، أو ترجيحات لأحد الأعلام والمفسرين، فعليه أن يجتهد في استقراء الكتاب كاملا، دون الاعتماد على البرامج الحديثة كالبحث في المكتبة الشاملة فحسب، وذلك لأن مثل هذه المواضيع قد تتعدد فيها الألفاظ وأساليب وطرق المفسر في عرضها، فالبحث في مثل هذه البرامج لا يُغني عن الاستقراء.\nوهذا ما أردت جمعه وترتيبه في هذه الرسالة العلمية، فإن أكن وفقت فيه للخير والصواب فذلك ما أردت، وإن كانت الأخرى فأسأل الله تعالى أن يغفر لي ويعفو عني، ويجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.\n* * *","vol":"2","page":1125},{"text":"<span data-type='title' id=toc-974>فهرس المصادر والمراجع</span>\n(أ)\n• الأعلام، المؤلف: خير الدين بن محمود بن محمد بن علي بن فارس، الزركلي الدمشقي، الناشر: دار العلم للملايين، الطبعة: الخامسة عشر - أيار/ مايو ٢٠٠٢ م.\n• الإبهاج في شرح المنهاج (شرح على منهاج الوصول إلى علم الأصول للقاضي البيضاوي المتوفى سنة ٦٨٥ هـ)\n• الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه، مكي بن أبي طالب القيسي، تحقيق: د. أحمد حسن فرحات، دار المنارة (جدة)، الطبعة الأولى، ١٤٠٦ هـ.\n• المؤلف: علي بن عبد الكافي السبكي (ت ٧٥٦ هـ) وولده تاج الدين عبد الوهاب بن علي السبكي، دراسة وتحقيق: الدكتور أحمد جمال الزمزمي - الدكتور نور الدين عبد الجبار صغيري، الناشر: دار البحوث للدراسات الإسلامية وإحياء التراث، الطبعة: الأولى، ١٤٢٤ هـ.\n• الأم، المؤلف: أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي، الناشر: دار الفكر (بيروت)، الطبعة: الثانية ١٤٠٣ هـ.\n• الانحرافات العقدية والعلمية في القرنين الثالث عشر والرابع عشر وآثارها في حياة الأمة، علي بن بخيت الزهراني، دار الرسالة للنشر والتوزيع (مكة).\n• الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف، المؤلف: أبو بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري، تحقيق: أبو حماد صغير أحمد بن محمد حنيف، الناشر: دار طيبة - الرياض - السعودية، الطبعة: الأولى - ١٤٠٥ هـ.\n• إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة، المؤلف: أبو العباس شهاب الدين أحمد بن أبي بكر بن إسماعيل بن سليم بن قايماز بن عثمان البوصيري الكناني الشافعي (ت ٨٤٠ هـ)، تقديم: د. أحمد معبد عبد الكريم، المحقق: دار المشكاة للبحث العلمي بإشراف أبو تميم ياسر بن إبراهيم، دار النشر: دار الوطن للنشر، الرياض، الطبعة: الأولى، ١٤٢٠ هـ - ١٩٩٩ م.\n• إتحاف السائل بما في الطحاوية من مسائل، المؤلف: صالح بن عبد العزيز آل الشيخ، تاريخ النشر بالشاملة: ٨ ذو الحجة ١٤٣١ هـ.","vol":"2","page":1191},{"text":"• إتحاف المهرة بالفوائد المبتكرة من أطراف العشرة، المؤلف: أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني (المتوفى: ٨٥٢ هـ)، تحقيق: مركز خدمة السنة والسيرة، بإشراف د زهير بن ناصر الناصر (راجعه ووحد منهج التعليق والإخراج)، الناشر: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف (بالمدينة) - ومركز خدمة السنة والسيرة النبوية (بالمدينة)، الطبعة: الأولى، ١٤١٥ هـ - ١٩٩٤ م.\n• الإتقان في علوم القرآن، المؤلف: عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي (ت ٩١١ هـ)، المحقق: محمد أبو الفضل إبراهيم، الناشر: الهيئة المصرية العامة للكتاب، الطبعة: ١٣٩٤ هـ/ ١٩٧٤ م.\n• الأثر الجليل لقدماء وادي النيل، أحمد أفندي نجيب، المطبع الكبرى الأميرية ببولاق، (مصر)، الطبعة الثانية، ١٨٩٥ م\n• الاجتهاد (من كتاب التلخيص لإمام الحرمين)، المؤلف: عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (ت ٤٧٨ هـ)، المحقق: د. عبد الحميد أبو زنيد، الناشر: دار القلم، دارة العلوم الثقافية - دمشق، بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤٠٨ هـ.\n• الأجوبة المرضية فيما سئل السخاوي عنه من الأحاديث النبوية، المؤلف: شمس محمد بن عبد الرحمن السخاوي (ت ٩٠٢ هـ)، المحقق: د. محمد إسحاق محمد إبراهيم، الناشر: دار الراية للنشر والتوزيع، الطبعة: الأولى، النشر: ١٤١٨ هـ.\n• الأحكام الفقهية التي قيل فيها بالنسخ وأثر ذلك في اختلاف الفقهاء جمعًا ودراسة، المؤلف: محمد إبراهيم بن سركند، أصل الكتاب: رسالة دكتوراة بقسم الفقه، كلية الشريعة - الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية، بإشراف: عبد العزيز بن مبروك الأحمدي، ١٤٣٠ هـ، وحصلت على تقدير ممتاز، الناشر: عمادة البحث العلمي - الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، الطبعة: الأولى، ١٤٣٢ هـ - ٢٠١٠ م.\n• إحياء علوم الدين، المؤلف: أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي (المتوفى: ٥٠٥ هـ)، الناشر: دار المعرفة - بيروت\n• إخبار العلماء بأخبار الحكماء، المؤلف: جمال الدين أبو الحسن علي بن يوسف بن إبراهيم الشيباني القفطي (ت ٦٤٦ هـ)، المحقق: إبراهيم شمس الدين، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، الطبعة: الأولى ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٥ م.","vol":"2","page":1192},{"text":"• أخصر المختصرات في الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، المؤلف: محمّد بن بدر الدين بن عبد الحق ابن بلبان الحنبلي (ت ١٠٨٣ هـ)، المحقق: محمد ناصر العجمي، الناشر: دار البشائر الإسلامية - بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤١٦، أعيان دمشق في القرن الثالث عشر ونصف القرن الرابع عشر من ١٢٠١ - ١٣٥٠ هـ - محمد جميل الشطي، دار البشائر (دمشق)، الطبعة الأولى، ١٤١٤ هـ.\n• إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري، المؤلف: أحمد بن محمد بن أبى بكر بن عبد الملك القسطلاني القتيبي المصري، أبو العباس، شهاب الدين (ت ٩٢٣ هـ)، الناشر: المطبعة الكبرى الأميرية، مصر، الطبعة: السابعة، ١٣٢٣ هـ.\n• إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول، المؤلف: محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني (ت ١٢٥٠ هـ)، المحقق: الشيخ أحمد عزو عناية، دمشق - كفر بطنا، قدم له: الشيخ خليل الميس والدكتور ولي الدين صالح فرفور، الناشر: دار الكتاب العربي، الطبعة: الطبعة الأولى ١٤١٩ هـ - ١٩٩٩ م.\n• إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل، المؤلف: محمد ناصر الدين الألباني (المتوفى: ١٤٢٠ هـ)، إشراف: زهير الشاويش، الناشر: المكتب الإسلامي - بيروت، الطبعة: الثانية ١٤٠٥ هـ - ١٩٨٥ م.\n• أساس البلاغة، المؤلف: أبو القاسم محمود بن عمرو بن أحمد، الزمخشري جار الله (ت ٥٣٨ هـ)، تحقيق: محمد باسل عيون السود، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، الطبعة: الأولى، ١٤١٩ هـ - ١٩٩٨ م\n• أسباب نزول القرآن، المؤلف: أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي (ت ٤٦٨ هـ)، المحقق: عصام بن عبد المحسن الحميدان، الناشر: دار الإصلاح - الدمام، الطبعة: الثانية، ١٤١٢ هـ - ١٩٩٢ م.\n• أسد الغابة في معرفة الصحابة، المؤلف: أبو الحسن علي بن أبي الكرم محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني الجزري، عز الدين ابن الأثير (ت ٦٣٠ هـ)، المحقق: علي محمد معوض - عادل أحمد عبد الموجود، الناشر: دار الكتب العلمية، الطبعة: الأولى، سنة النشر: ١٤١٥ هـ - ١٩٩٤ م\n• أسرار التكرار في القرآن المسمى البرهان في توجيه متشابه القرآن لما فيه من الحجة والبيان، المؤلف: محمود بن حمزة بن نصر، أبو القاسم برهان الدين الكرماني، ويعرف بتاج القراء (ت نحو ٥٠٥","vol":"2","page":1193},{"text":"هـ)، المحقق: عبد القادر أحمد عطا، مراجعة وتعليق: أحمد عبد التواب عوض، دار النشر: دار الفضيلة.\n• أسرار ترتيب القرآن: [«تَناسُق الدرر في تَناسُب السوَر» كما سَمّاه مؤلفُه]، المؤلف: جلال الدين السيوطي (٩١١ هـ)، دراسة وتحقيق: عبد القادر أحمد عطا، الناشر: دار الفضيلة للنشر والتوزيع بالقاهرة، ١٤٢٢ هـ.\n• الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير، المؤلف: محمد بن محمد بن سويلم أبو شُهبة (ت ١٤٠٣ هـ)، الناشر: مكتبة السنة، الطبعة: الرابعة.\n• الأسماء والصفات للبيهقي، المؤلف: أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي (ت ٤٥٨ هـ)، حققه وخرج أحاديثه وعلق عليه: عبد الله بن محمد الحاشدي، قدم له: فضيلة الشيخ مقبل بن هادي الوادعي، الناشر: مكتبة السوادي، جدة - المملكة العربية السعودية، الطبعة: الأولى، ١٤١٣ هـ.\n• أسنى المطالب في شرح روض الطالب، المؤلف: زكريا بن محمد بن زكريا الأنصاري، زين الدين أبو يحيى السنيكي (ت ٩٢٦ هـ)، الناشر: دار الكتاب الإسلامي.\n• أسنى المطالب في أحاديث مختلفة المراتب، المؤلف: محمد بن محمد درويش، أبو عبد الرحمن الحوت الشافعي (ت ١٢٧٧ هـ)، المحقق: مصطفى عبد القادر عطا، الناشر: دار الكتب العلمية (بيروت)، الطبعة: الأولى، ١٤١٨ هـ.\n• الإشراف على نكت مسائل الخلاف، المؤلف: القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي بن نصر البغدادي المالكي (٤٢٢ هـ)، المحقق: الحبيب بن طاهر، الناشر: دار ابن حزم، الطبعة: الأولى، ١٤٢٠ هـ - ١٩٩٩ م.\n• الإصابة في تمييز الصحابة، المؤلف: أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢ هـ)، تحقيق: عادل أحمد عبد الموجود وعلى محمد معوض، الناشر: دار الكتب العلمية (بيروت)، الطبعة: الأولى - ١٤١٥ هـ.\n• أصل الزراري شرح صحيح البخاري، المؤلف: عبد القادر بن عبد الله الأسطواني (ت ١٣١٤ هـ)، اعتنى به: دار الكمال المتحدة، الناشر: عطاءات العلم - موسوعة صحيح البخاري،  https:// bukhari-pedia.net،  النشرة: الأولى، عدد أوراق المخطوط: ٣٧٥.\n• أصول مذهب الشيعة الإمامية الإثني عشرية - عرض ونقد -، المؤلف: ناصر بن عبد الله بن علي القفاري، دار النشر: بدون، الطبعة: الأولى، ١٤١٤ هـ.","vol":"2","page":1194},{"text":"• أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، آثار الشيخ العلامة محمد الأمين الشنقيطي (١)، المؤلف: محمد الأمين بن محمد المختار الجكني الشنقيطي (١٣٢٥ - ١٣٩٣)، الناشر: دار عطاءات العلم (الرياض)، دار ابن حزم (بيروت)، الطبعة: الخامسة، ١٤٤١ هـ (الأولى لدار ابن حزم).\n• الإعراب المحيط من تفسير البحر المحيط «هو إعراب القرآن مستلًّا من (البحر المحيط) لأبي حيان الغرناطي (ت ٧٤٥ هـ)، المؤلف: د. ياسين جاسم المحيميد، [الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع]، تاريخ النشر بالشاملة: ٨ ذو الحجة ١٤٣١.\n• أعلام الحديث (شرح صحيح البخاري)، المؤلف: أبو سليمان حمد بن محمد الخطابي (ت ٣٨٨ هـ)، المحقق: د. محمد بن سعد بن عبد الرحمن آل سعود، الناشر: جامعة أم القرى (مركز البحوث العلمية وإحياء التراث الإسلامي)، الطبعة: الأولى، ١٤٠٩ هـ.\n• إعلام الموقعين عن رب العالمين، المؤلف: أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب المعروف بابن قيم الجوزية (ت ٧٥١ هـ)، قدم له وعلق عليه وخرج أحاديثه وآثاره: أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان، شارك في التخريج: أبو عمر أحمد عبد الله أحمد، الناشر: دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية، الطبعة: الأولى، ١٤٢٣ هـ.\n• إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان، المؤلف: أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب ابن قيم الجوزية (٧٥١ هـ)، تحقيق: عبد الرحمن بن حسن بن قائد، راجعه: سليمان بن عبد الله العمير - جديع بن جديع الجديع، الناشر: دار عطاءات العلم (الرياض) - دار ابن حزم (بيروت)، الطبعة: الخامسة، ١٤٤٠ هـ - ٢٠١٩ م.\n• الاقتصاد في الاعتقاد، المؤلف: عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور المقدسي الجماعيلي الدمشقي الحنبلي، أبو محمد، تقي الدين (ت ٦٠٠ هـ)، المحقق: أحمد بن عطية بن علي الغامدي، الناشر: مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة، المملكة العربية السعودية، الطبعة: الأولى، ١٤١٤ هـ.\n• الإجماع، المؤلف: محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري، تحقيق ودراسة: د. فؤاد عبد المنعم أحمد، الناشر: دار المسلم للنشر والتوزيع، الطبعة: الأولى لدار المسلم، ١٤٢٥ هـ.\n• الاستغاثة في الرد على البكري، المؤلف: شيخ الإسلام أحمد بن تيمية (ت ٧٢٨ هـ)، دراسة وتحقيق: د. عبد الله بن دجين السهلي: مكتبة دار المنهاج للنشر والتوزيع (الرياض)، الطبعة: الأولى، ١٤٢٦ هـ.\n• الإشارات الإلهية إلى المباحث الأصولية، المؤلف: نجم الدين أبو الربيع سليمان بن عبد القوي بن عبد","vol":"2","page":1195},{"text":"الكريم الطوفي الصرصري الحنبلي (ت ٧١٦ هـ)، تحقيق: محمد حسن محمد حسن إسماعيل، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، الطبعة: الأولى، ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٥ م.\n• الاعتصام، المؤلف: إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي الشهير بالشاطبي (ت ٧٩٠ هـ)، تحقيق: سليم بن عيد الهلالي، الناشر: دار ابن عفان، السعودية، الطبعة: الأولى، ١٤١٢ هـ - ١٩٩٢ م.\n• الاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد على مذهب السلف وأصحاب الحديث، المؤلف: أحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخُسْرَوْجِردي الخراساني، أبو بكر البيهقي (ت ٤٥٨ هـ)، المحقق: أحمد عصام الكاتب، الناشر: دار الآفاق الجديدة - بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤٠١.\n• الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من مسائل الإمام المبجل أبي عبد الله أحمد بن حنبل، ويليه: القراءة عند القبور، المؤلف: أبو بكر أحمد بن محمد بن هارون بن يزيد الخَلَّال (ت ٣١١ هـ)، تحقيق: الدكتور يحيى مراد، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، الطبعة: الأولى، ١٤٢٤ هـ.\n• الانتصار للقرآن، المؤلف: محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر بن القاسم، القاضي أبو بكر الباقلاني المالكي (ت ٤٠٣ هـ)، تحقيق: د. محمد عصام القضاة، الناشر: دار الفتح (عَمَّان)، دار ابن حزم (بيروت)، الطبعة: الأولى ١٤٢٢ هـ.\n• الأغاني، أبو الفرج الأصفهاني، دار الكتب المصرية، ١٣٤٦ هـ.\n• الأصول الخمسة المنسوب إلى القاضي عبد الجبار بن أحمد الأسد أبادي، حققه: د. فيصل بدير عون، الطبعة الأولى، ١٩٩٨ م.\n• إعلاء السنن، ظفر أحمد العثماني التهانوي، المحقق: محمد تقي عثماني إدارة القرآن والعلوم الإسلامية، (باكستان)، الطبعة الثالثة، ١٤١٥ هـ.\n• إمام الشام في عصره جمال الدين القاسمي، جمع وتعليق: محمد ناصر العجمي، دار البشائر الإسلامية (بيروت) الطبعة الأولى، ١٤٣٠ هـ.\n• إصلاح المساجد من البدع والعوائد، المؤلف: محمد جمال الدين بن محمد سعيد بن قاسم الحلاق القاسمي (المتوفى: ١٣٣٢ هـ)، خرج أحادثه وعلق عليه: محمد ناصر الدين الألباني، الناشر: المكتب الإسلامي، الطبعة: الطبقة الخامسة ١٤٠٣ هـ-١٩٨٣ م.\n• إمتاَعُ الفُضَلاء بتَراجِم القرّاء فِيما بَعدَ القَرن الثامِن الهِجري، المؤلف: إلياس بن أحمد حسين - الشهير","vol":"2","page":1196},{"text":"بالساعاتي - بن سليمان بن مقبول علي البرماوي، تقديم: فَضيلة المقرئ الشيخ محمَّد تميم الزّعبي، الناشر: دار الندوة العالمية للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة: الأولى، ١٤٢١ هـ - ٢٠٠٠ م.\n• استدراكات السلف في التفسير في القرون الثلاثة الأولى (دراسة نقدية مقارنة)، نايف بن سعيد الزهراني، دار ابن الجوزي (المملكة العربية السعودية)، الطبعة الأولى، ١٤٣٠ هـ.\n• اختلاف المفسرين دراسة تحليلية نقدية، اطروحة مقدمة لنيل درجة الدكتوراه، الطالب: عادل مقرني، إشراف: د. منصور كافي، جامعة الحاج لخضر (الجزائر)، ١٤٣٣ هـ.\n• أساس البلاغة، المؤلف: أبو القاسم محمود بن عمرو بن أحمد، الزمخشري جار الله (المتوفى: ٥٣٨ هـ)، تحقيق: محمد باسل عيون السود، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، الطبعة: الأولى، ١٤١٩ هـ.\n• الإلزامات والتتبع للدارقطني، المؤلف: أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد بن مهدي بن مسعود بن النعمان بن دينار البغدادي الدارقطني (المتوفى: ٣٨٥ هـ)، دراسة وتحقيق: الشيخ أبو عبد الرحمن مقبل بن هادي الوداعي، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، الطبعة: الثانية، ١٤٠٥ هـ.\n• إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم، المؤلف: أبو السعود العمادي محمد بن محمد بن مصطفى (المتوفى: ٩٨٢ هـ)، الناشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت.\n• الإكليل في استنباط التنزيل، المؤلف: عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي (المتوفى: ٩١١ هـ)، تحقيق: سيف الدين عبد القادر الكاتب، دار النشر: دار الكتب العلمية - بيروت، ١٤٠١ هـ.\n• أحكام القرآن، المؤلف: أبو بكر أحمد بن الحسين الخسروجردي البيهقي (ت ٤٥٨ هـ)، ميزه وجمعه من كلام: الإمام أبي عبد الله المطلبي محمد بن إدريس الشافعي (ت ٢٠٤ هـ)، حققه وعلق عليه: أبو عاصم الشوامي، الناشر: دار الذخائر، الطبعة: الأولى، ١٤٣٩ هـ - ٢٠١٨ م.\n• أحكام القرآن، المؤلف: القاضي محمد بن عبد الله أبو بكر بن العربي المعافري الاشبيلي المالكي (ت ٥٤٣ هـ)، راجع أصوله وخرج أحاديثه وعلَّق عليه: محمد عبد القادر عطا، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، الطبعة: الثالثة، ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م.\n• أحكام القرآن، المؤلف: أحمد بن علي أبو بكر الرازي الجصاص الحنفي (ت ٣٧٠ هـ)، المحقق: محمد صادق القمحاوي، الناشر: دار إحياء التراث العربي (بيروت)، تاريخ الطبع: ١٤٠٥ هـ.","vol":"2","page":1197},{"text":"• أحكام القرآن، المؤلف: القاضي أبو إسحاق إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل بن حماد بن زيد الأزدي البصري ثم البغدادي المالكي الجهضمي (ت ٢٨٢ هـ)، المحقق: عامر حسن صبري، دار النشر: دار ابن حزم (بيروت)، الطبعة: الأولى، ١٤٢٦ هـ.\n• أحكام القرآن الكريم، المؤلف: أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن عبد الملك بن سلمة الأزدي الحجري المصري المعروف بالطحاوي (المتوفى: ٣٢١ هـ)، تحقيق: الدكتور سعد الدين أونال، الناشر: مركز البحوث الإسلامية التابع لوقف الديانة التركي، استانبول، الطبعة: الأولى.\n• أحكام القرآن، المؤلف: أبو الفضل بكر بن محمد بن العلاء القشيري البصري المالكي (ت ٣٤٤ هـ)، رواية: أبي بكر محمد بن عبد الله الأدفوي عنه، المحقق: سلمان الصمدي، الناشر: جائزة دبي الدولية للقرآن الكريم، دبي - الإمارات العربية المتحدة، الطبعة: الأولى، ١٤٣٧ هـ - ٢٠١٦ م.\n• أحكام القرآن، المؤلف: علي بن محمد بن علي، أبو الحسن الطبري، الملقب بعماد الدين، المعروف بالكيا الهراسي الشافعي (المتوفى: ٥٠٤ هـ)، المحقق: موسى محمد علي وعزة عبد عطية، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت، تاريخ الطبع: الطبعة: الثانية، ١٤٠٥ هـ.\n• أحكام القرآن، أبو محمد عبد المنعم بن عبد الرحيم المعروف «بابن الفرس الأندلسي» (ت ٥٩٧ هـ)، تحقيق د/ طه بن علي بو سريح، د/ منجية بنت الهادي النفري السوايحي، الناشر: دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع، (بيروت)، الطبعة: الأولى، ١٤٢٧ هـ.\n• الإحكام في أصول الأحكام، المؤلف: علي بن محمد الآمدي، علق عليه: عبد الرزاق عفيفي، الناشر: المكتب الإسلامي، (دمشق - بيروت)، الطبعة: الثانية، ١٤٠٢ هـ.\n• الإحكام في أصول الأحكام، المؤلف: أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم (ت ٤٥٦ هـ)، قوبلت على الطبعة التي حققها: الشيخ أحمد محمد شاكر، قدم له: الأستاذ الدكتور إحسان عباس، الناشر: دار الآفاق الجديدة، (بيروت).\n• أصول السرخسي، محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (المتوفى: ٤٨٣ هـ)، الناشر: دار المعرفة (بيروت).\n• أصول السنة، المؤلف: أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني (ت ٢٤١ هـ)، الناشر: دار المنار - الخرج - السعودية، الطبعة: الأولى، ١٤١١ هـ.\n• إعراب القرآن العظيم: زكريا بن محمد بن أحمد بن زكريا الأنصاري، زين الدين أبو يحيى السنيكي","vol":"2","page":1198},{"text":" (ت ٩٢٦ هـ)، دراسة وتحقيق: د. موسى على موسى مسعود، رسالة: ماجستير - جامعة القاهرة - كلية دار العلوم - قسم النحو والصرف والعروض، عام النشر: ١٤٢١ هـ.\n• إعراب القرآن الكريم وبيانه: محيي الدين درويش، محيي الدين بن أحمد مصطفى درويش (ت ١٤٠٣ هـ)، الناشر: دار الإرشاد للشئون الجامعية - حمص - سورية، (دار اليمامة - دمشق - بيروت)، (دار ابن كثير - دمشق - بيروت)، الطبعة: الرابعة، ١٤١٥ هـ.\n• إعراب القرآن الكريم، أحمد عبيد الدعاس- أحمد محمد حميدان - إسماعيل محمود القاسم، الناشر: دار المنير ودار الفارابي - دمشق، الطبعة: الأولى، ١٤٢٥ هـ\n• إعراب القرآن، أبو جعفر النحاس أحمد بن محمد بن إسماعيل بن يونس المرادي النحوي (المتوفى: ٣٣٨ هـ)، وضع حواشيه وعلق عليه: عبد المنعم خليل إبراهيم، الناشر: منشورات محمد علي بيضون، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤٢١ هـ\n• إعراب القرآن، المنسوب للزجاج، علي بن الحسين بن علي، أبو الحسن نور الدين جامع العلوم الأصفهاني الباقولي (المتوفى: نحو ٥٤٣ هـ)، تحقيق ودراسة: إبراهيم الإبياري، الناشر: دار الكتاب المصري - القاهرة ودار الكتب اللبنانية - بيروت - القاهرة - بيروت، الطبعة: الرابعة - ١٤٢٠ هـ\n• إعراب القرآن، للأصبهاني، إسماعيل بن محمد بن الفضل بن علي القرشي الطليحي التيمي الأصبهاني، أبو القاسم، الملقب بقوام السنة (المتوفى: ٥٣٥ هـ)، قدمت له ووثقت نصوصه: الدكتورة فائزة بنت عمر المؤيد، الناشر: غير معروف (فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية - الرياض)، الطبعة: الأولى، ١٤١٥ هـ.\n• الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية ومجانبة الفرق المذمومة، أبو عبد الله عبيد الله بن محمد بن بَطَّة العكبري الحنبلي (ت ٣٨٧ هـ)، المحقق: رضا معطي، وعثمان الأثيوبي، ويوسف الوابل، والوليد بن سيف النصر، وحمد التويجري، الناشر: دار الراية للنشر والتوزيع، الرياض.\n• الإبانة الكبرى، لابن بطة، أبو عبد الله عبيد الله بن محمد بن محمد بن حمدان العكبري المعروف بابن بطة العكبري (المتوفى: ٣٨٧ هـ)، المحقق: رضا معطي، وعثمان الأثيوبي، ويوسف الوابل، والوليد بن سيف النصر، وحمد التويجري، الناشر: دار الراية للنشر والتوزيع (الرياض).\n• الإبانة عن أصول الديانة، أبو الحسن علي بن إسماعيل بن إسحاق بن سالم بن إسماعيل بن عبد الله بن موسى بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري (المتوفى: ٣٢٤ هـ)، المحقق: د. فوقية حسين محمود، الناشر: دار الأنصار، القاهرة، الطبعة: الأولى، ١٣٩٧ هـ.\n• الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية ومجانبة الفرق المذمومة، أبو عبد الله عبيد الله بن محمد بن بطة","vol":"2","page":1199},{"text":"العكبري الحنبلي، تحقيق: د. عثمان عبد الله آدم الأثيوبي، دار الراية (الرياض)، الطبعة الثانية، ١٤١٨ هـ.\n• الإبانة عن معاني القراءات، أبو محمد مكي بن أبي طالب حموش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: ٤٣٧ هـ)، المحقق: الدكتور عبد الفتاح إسماعيل شلبي، الناشر: دار نهضة مصر للطبع والنشر\n• الإبانة في اللغة العربية، لسلمة بن مسلم العوتبي الصحاري، المحقق: عبد الكريم خليفة ونصرت عبد الرحمن وصلاح جرار ومحمد حسن عواد وجاسر أبو صفية، الناشر: وزارة التراث القومي والثقافة (مسقط)، الطبعة الأولى، ١٤٢٠ هـ.\n• الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية: أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦ هـ)، المحقق: عمر بن محمود أبو عمر، الناشر: دار الراية، الطبعة: الأولى ١٤١٢ هـ.\n• الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية والمشبهة، أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري (المتوفى: ٢٧٦ هـ)، المحقق: عمر بن محمود أبو عمر، الناشر: دار الراية، الطبعة: الأولى ١٤١٢ هـ.\n• الاستذكار، أبو عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر بن عاصم النمري القرطبي (المتوفى: ٤٦٣ هـ)، تحقيق: سالم محمد عطا، محمد علي معوض، الناشر: دار الكتب العلمية (بيروت)، الطبعة: الأولى، ١٤٢١ هـ.\n• الاستيعاب في بيان الأسباب: سليم بن عيد الهلالي (و) محمد بن موسى آل نصر، الناشر: دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية، الطبعة: الأولى، ١٤٢٥ هـ.\n• الاستيعاب في معرفة الأصحاب، أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النمري القرطبي (المتوفى: ٤٦٣ هـ)، المحقق: علي محمد البجاوي، الناشر: دار الجيل، بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤١٢ هـ-١٩٩٢ م.\n• السماوات السبع بين أقوال المفسرين وعلماء الفلك، اعداد: د. سليمان بن علي الشعيلي، د. صالح بن سعيد الشيذاني، مجلة كلية التربية، جامعة الأزهر، العدد (١٣٠ الجزء الأول) يونيو سنة ٢٠٠٦ م.\n• الإنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به، أبو بكر بن الطيب الباقلاني، تحقيق: محمد زاهد الكوثري، المكتبة الأزهرية للتراث، الطبعة الثانية، ١٤٢١ هـ.","vol":"2","page":1200},{"text":"• الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف (المطبوع مع المقنع والشرح الكبير)، المؤلف: علاء الدين أبو الحسن علي بن سليمان بن أحمد المَرْداوي (ت ٨٨٥ هـ)، تحقيق: د عبد الله بن عبد المحسن التركي - د عبد الفتاح محمد الحلو، الناشر: هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان، القاهرة - جمهورية مصر العربية، الطبعة: الأولى، ١٤١٥ هـ.\n• إبراز المعاني من حرز الأماني، المؤلف: أبو القاسم شهاب الدين عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم المقدسي الدمشقي المعروف بأبي شامة (ت ٦٦٥ هـ)، الناشر: دار الكتب العلمية.\n• إبطال التأويلات لأخبار الصفات، المؤلف: القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين بن الفراء (ت ٤٥٨ هـ)، تحقيق ودراسة: أبي عبد الله محمد بن حمد الحمود النجدي، الناشر: غراس للنشر والتوزيع (الكويت)، الطبعة: الأولى، ١٤٣٤ هـ.\n• أمالي ابن الحاجب، المؤلف: عثمان بن عمر بن أبي بكر بن يونس، أبو عمرو جمال الدين ابن الحاجب الكردي المالكي (ت ٦٤٦ هـ)، دراسة وتحقيق: د. فخر صالح سليمان قدارة، الناشر: دار عمار - الأردن، دار الجيل - بيروت، عام النشر: ١٤٠٩ هـ.\n• إمتاع الأسماع بما للنبي من الأحوال والأموال والحفدة والمتاع، المؤلف: أحمد بن علي بن عبد القادر، أبو العباس الحسيني العبيدي، تقي الدين المقريزي (ت ٨٤٥ هـ)، المحقق: محمد عبد الحميد النميسي، الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤٢٠ هـ.\n• أنموذج جليل في أسئلة وأجوبة عن غرائب آي التنزيل، المؤلف: زين الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الحنفي الرازي (ت ٦٦٦ هـ)، تحقيق: د. عبد الرحمن بن إبراهيم المطرودى، الناشر: دار عالم الكتب المملكة العربية السعودية - الرياض، الطبعة: الأولى، ١٤١٣ هـ.\n• أنوار التنزيل وأسرار التأويل، المؤلف: ناصر الدين أبو سعيد عبد الله بن عمر بن محمد الشيرازي البيضاوي (ت ٦٨٥ هـ)، المحقق: محمد عبد الرحمن المرعشلي، الناشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت، الطبعة: الأولى - ١٤١٨ هـ.\n• إيجاز البيان عن معاني القرآن، المؤلف: محمود بن أبى الحسن بن الحسين النيسابوري أبو القاسم، نجم الدين (ت نحو ٥٥٠ هـ)، المحقق: الدكتور حنيف بن حسن القاسمي، لناشر: دار الغرب الإسلامي - بيروت، الطبعة: الأولى - ١٤١٥ هـ.\n• الإيمان، المؤلف: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (ت ٧٢٨ هـ)، المحقق: محمد ناصر الدين الألباني، الناشر: المكتب الإسلامي، عمان، الأردن، الطبعة: الخامسة، ١٤١٦ هـ.","vol":"2","page":1201},{"text":"• الأدب في حدائق العرب، المؤلف: رزق الله بن يوسف بن عبد المسيح بن يعقوب شيخو (ت ١٣٤٦ هـ)، الناشر: مطبعة الآباء اليسوعيين، بيروت، عام النشر: ١٩١٣ م.\n• اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم، المؤلف: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (ت ٧٢٨ هـ)، المحقق: ناصر عبد الكريم العقل، الناشر: دار عالم الكتب، بيروت، لبنان، الطبعة: السابعة، ١٤١٩ هـ - ١٩٩٩ م.\n(ب)\n• البحر المحيط، المؤلف: أبو حيان محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيان أثير الدين الأندلسي (المتوفى: ٧٤٥ هـ)، تحقيق: ماهر حبوش، دار الرسالة العالمية، الطبعة الأولى، ١٤٣٦ هـ.\n• البحر المحيط في أصول الفقه، المؤلف: أبو عبد الله بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي (ت ٧٩٤ هـ)، الناشر: دار الكتبي، الطبعة: الأولى، ١٤١٤ هـ - ١٩٩٤ م.\n• البحر المديد في تفسير القرآن المجيد، المؤلف: أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي (ت ١٢٢٤ هـ)، المحقق: أحمد عبد الله القرشي رسلان، الناشر: الدكتور حسن عباس زكي (القاهرة)، الطبعة: ١٤١٩ هـ.\n• بحر العلوم، المؤلف: أبو الليث نصر بن محمد بن أحمد بن إبراهيم السمرقندي (المتوفى: ٣٧٣ هـ)، المكتبة الشاملة.\n• البداية والنهاية، المؤلف: أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي (ت ٧٧٤ هـ)، تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي، الناشر: دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان، الطبعة: الأولى، سنة النشر: ١٤٢٤ هـ.\n• البرهان في علوم القرآن، المؤلف: أبو عبد الله بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي (ت ٧٩٤ هـ)، المحقق: محمد أبو الفضل إبراهيم، الطبعة: الأولى، ١٣٧٦ هـ، الناشر: دار إحياء الكتب العربية عيسى البابي الحلبي وشركائه.\n• البيان في مذهب الإمام الشافعي، المؤلف: أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (ت ٥٥٨ هـ)، المحقق: قاسم محمد النوري، الناشر: دار المنهاج - جدة، الطبعة: الأولى، ١٤٢١ هـ.\n• البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة، المؤلف: أبو الوليد محمد بن أحمد بن","vol":"2","page":1202},{"text":"رشد القرطبي (ت ٥٢٠ هـ)، حققه: د محمد حجي وآخرون، الناشر: دار الغرب الإسلامي، (بيروت)، الطبعة: الثانية، ١٤٠٨ هـ.\n• باهر البرهان في معانى مشكلات القرآن، المؤلف: محمود بن أبي الحسن (علي) بن الحسين النيسابورىّ الغزنوي، أبو القاسم، الشهير بـ (بيان الحق) (ت بعد ٥٥٣ هـ)، المحقق (رسالة علمية): سعاد بنت صالح بن سعيد بابقي، الناشر: جامعة أم القرى - مكة المكرمة حرسها الله تعالى، عام النشر: ١٤١٩ هـ.\n• بحر المذهب (في فروع المذهب الشافعي)، المؤلف: الروياني، أبو المحاسن عبد الواحد بن إسماعيل (ت ٥٠٢ هـ)، المحقق: طارق فتحي السيد، الناشر: دار الكتب العلمية، الطبعة: الأولى، ٢٠٠٩ م.\n• بداية المجتهد ونهاية المقتصد، المؤلف: أبو الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن رشد القرطبي الشهير بابن رشد الحفيد (ت ٥٩٥ هـ)، الناشر: دار الحديث - القاهرة، تاريخ النشر: ١٤٢٥ هـ.\n• بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، المؤلف: علاء الدين، أبو بكر بن مسعود الكاساني الحنفي الملقب بـ «بملك العلماء» (ت ٥٨٧ هـ)، الطبعة: الأولى ١٣٢٧ - ١٣٢٨ هـ، مطبعة شركة المطبوعات العلمية (مصر).\n• بدائع الفوائد، المؤلف: أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب ابن قيم الجوزية (٦٩١ - ٧٥١ هـ)، المحقق: علي بن محمّد العمران وآخرون، راجعه: سليمان بن عبد الله العمير، الناشر: دار عطاءات العلم (الرياض).\n• البدر المنير في تخريج الأحاديث والأثار الواقعة في الشرح الكبير.، المؤلف: ابن الملقن سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الشافعي المصري (ت ٨٠٤ هـ)، المحقق: مصطفى أبو الغيط وآخرون، الناشر: دار الهجرة للنشر والتوزيع (الرياض)، الطبعة: الاولى، ١٤٢٥ هـ.\n• البدور الزاهرة في القراءات العشر المتواترة، من طريقَي الشاطبية والدُّرة، المؤلف: عبد الفتاح القاضي [ت ١٤٠٣ هـ]، ويليه: «القراءات الشاذة وتوجيهها من لغة العرب» للمؤلف [وقد خلَتْ منه هذه النسخة الإلكترونية]، الناشر: دار الكتاب العربي، (بيروت)، الطبعة: الأولى ١٤٠١ هـ.\n• البديع في علم العربية، المؤلف: مجد الدين أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد بن محمد ابن عبد الكريم الشيباني الجزري ابن الأثير (ت ٦٠٦ هـ)، تحقيق ودراسة: د. فتحي أحمد علي الدين، الناشر: جامعة أم القرى، (مكة المكرمة)، الأولى، ١٤٢٠ هـ.","vol":"2","page":1203},{"text":"• البرهان في أصول الفقه، المؤلف: عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (ت ٤٧٨ هـ)، المحقق: صلاح بن محمد بن عويضة، الناشر: دار الكتب العلمية (بيروت)، لبنان، الطبعة: الطبعة الأولى ١٤١٨ هـ.\n• البستان في إعراب مشكلات القرآن - من الأنبياء إلى آخره، المؤلف: أحمد بن أبي بكر بن عمر الجبلي المعروف بابن الأحنف اليمني (ت ٧١٧ هـ)، دراسة وتحقيق: الدكتور أحمد محمد عبد الرحمن الجندي، الناشر: مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، الطبعة: الأولى، ١٤٣٩ هـ.\n• بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز، المؤلف: مجد الدين أبو طاهر محمد بن يعقوب الفيروزآبادى (ت ٨١٧ هـ)، المحقق: محمد علي النجار، الناشر: المجلس الأعلى للشئون الإسلامية - لجنة إحياء التراث الإسلامي (القاهرة)، عام النشر: ١٤١٦ هـ.\n• بُغْيَة الطَّلَب في تاريخ حلب، المؤلف: عمر بن أحمد بن هبة الله بن أبي جرادة العقيلي، كمال الدين ابن العديم (ت ٦٦٠ هـ)، المحقق: د. سهيل زكار، الناشر: دار الفكر.\n• بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة، المؤلف: عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي (ت ٩١١ هـ)، المحقق: محمد أبو الفضل إبراهيم، الناشر: المكتبة العصرية - لبنان/ صيدا\n• البلدان، المؤلف: أبو عبد الله أحمد بن محمد بن إسحاق الهمداني المعروف بابن الفقيه (ت ٣٦٥)، المحقق: يوسف الهادي، الناشر: عالم الكتب، بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤١٦ هـ.\n• بلوغ الأماني في تراجم الرجال الذين لم يعرفهم الإمام الألباني رحمه الله تعالى، المؤلف: أبو عبد الرحمن عبد الكريم بن رسمي بن نمر آل الدريني، الناشر: الدار الأثرية، عَمّان - الأردن، الطبعة: الأولى، ١٤٣٣ هـ - ٢٠١٢ م.\n• بهجة المحافل وبغية الأماثل في تلخيص المعجزات والسير والشمائل، المؤلف: يحيى بن أبى بكر بن محمد بن يحيى العامري الحرضي (ت ٨٩٣ هـ)، الناشر: دار صادر (بيروت).\n• بيان المعاني [مرتب حسب ترتيب النزول]، المؤلف: عبد القادر بن ملّا حويش السيد محمود آل غازي العاني (ت ١٣٩٨ هـ)، الناشر: مطبعة الترقي - دمشق، الطبعة: الأولى، ١٣٨٢ هـ.\n• بيان الناسخ والمنسوخ من آي الذكر الحكيم، المؤلف: محمد الأمين بن محمد المختار الجكني الشنقيطي (١٣٢٥ - ١٣٩٣ هـ) المحقق: علي بن محمد العمران، الناشر: دار عطاءات العلم (الرياض) - دار ابن حزم (بيروت)، الطبعة: الخامسة، ١٤٤١ هـ (الأولى لدار ابن حزم).","vol":"2","page":1204},{"text":"• بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية المؤلف: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (ت ٧٢٨ هـ) المحقق: مجموعة من المحققين الناشر: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف الطبعة: الأولى، ١٤٢٦ هـ.\n• البيان في عدّ آي القرآن، المؤلف: عثمان بن سعيد بن عثمان بن عمر أبو عمرو الداني (ت ٤٤٤ هـ)، المحقق: غانم قدوري الحمد، الناشر: مركز المخطوطات والتراث - الكويت، الطبعة: الأولى، ١٤١٤ هـ.\n• البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة، المؤلف: أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (ت ٥٢٠ هـ)، حققه: د محمد حجي وآخرون، الناشر: دار الغرب الإسلامي، (بيروت)، الطبعة: الثانية، ١٤٠٨ هـ.\n• المفضليات، المؤلف: المفضل بن محمد بن يعلى بن سالم الضبي (ت نحو ١٦٨ هـ)، تحقيق وشرح: أحمد محمد شاكر وعبد السلام محمد هارون، الناشر: دار المعارف (القاهرة)، الطبعة: السادسة.\n(ت)\n• تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام، المؤلف: شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قَايْماز الذهبي (المتوفى: ٧٤٨ هـ)، المحقق: عمر عبد السلام التدمري، الناشر: دار الكتاب العربي (بيروت)، الطبعة: الثانية، ١٤١٣ هـ.\n• تاريخ أصبهان=أخبار أصبهان، المؤلف: أبو نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مهران الأصبهاني (ت ٤٣٠ هـ)، المحقق: سيد كسروي حسن، الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤١٠ هـ.\n• تاريخ الدولة العثمانية، د. علي حسون، المكتب الإسلامي، الطبعة الثالثة، ١٤١٥.\n• تاريخ مدينة دمشق، وذكر فضلها وتسمية من حلها من الأماثل أو اجتاز بنواحيها من وارديها وأهلها\n• المؤلف: أبو القاسم علي بن الحسن ابن هبة الله بن عبد الله الشافعي المعروف بابن عساكر (٥٧١ هـ)، دراسة وتحقيق: محب الدين أبو سعيد عمر بن غرامة العمروي، الناشر: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، عام النشر: ١٤١٥ هـ.\n• تاريخ بغداد وذيوله، المؤلف: أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي الخطيب البغدادي","vol":"2","page":1205},{"text":" (المتوفى: ٤٦٣ هـ)، الناشر: دار الكتب العلمية (بيروت)، دراسة وتحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، الطبعة: الأولى، ١٤١٧ هـ.\n• تاريخ الدولة العلية العثمانية، المؤلف: محمد فريد (بك) ابن أحمد فريد (باشا)، المحامي (المتوفى: ١٣٣٨ هـ)، المحقق: إحسان حقي، الناشر: دار النفائس (بيروت)، الطبعة: الأولى، ١٤٠١ هـ.\n• تاريخ الأستاذ الإمام، محمد رشيد رضا، دار الفضيلة (القاهرة)، الطبعة الثانية، ١٤٢٧ هـ.\n• تاريخ الشعوب الإسلامية، كارل بروكلمان، نقلها إلى العربية: نبيه أمين فارس، منير البعلبكي، دار العلم للملايين (بيروت) الطبعة الخامسة، ١٩٦٨ م.\n• تاريخ الطبري، =تاريخ الرسل والملوك، أبو جعفر، محمد بن جرير الطبري (٣١٠ هـ)، المحقق: محمد أبو الفضل إبراهيم [ت ١٩٨٠ م]، الناشر: دار المعارف بمصر، الطبعة: الثانية ١٣٨٧ هـ.\n• التاريخ الكبير، المؤلف: الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري (ت ٢٥٦ هـ)، تحقيق ودراسة: محمد بن صالح بن محمد الدباسي ومركز شذا للبحوث بإشراف محمود بن عبد الفتاح النحال، الناشر: الناشر المتميز للطباعة والنشر والتوزيع، الرياض، الطبعة: الأولى، ١٤٤٠ هـ.\n• تتمة الأعلام للزركلي [وفيات (١٣٩٦ - ١٤١٥ هـ) = (١٩٧٦ - ١٩٩٥ م)، يليه المستدرك الأول والثاني، المؤلف: محمد خير رمضان يوسف، الطبعة: الثانية، ١٤٢٢ هـ.، الناشر: دار ابن حزم، (بيروت).\n• التعليق على كتاب فضل الإسلام للإمام محمد بن عبد الوهاب، العلامة: عبد العزيز ابن باز، مؤسسة الشيخ عبد العزيز ابن باز الخيرية.\n• التسهيل لعلوم التنزيل، المؤلف: أبو القاسم، محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله، ابن جزي الكلبي الغرناطي (المتوفى: ٧٤١ هـ)، المحقق: الدكتور عبد الله الخالدي، الناشر: شركة دار الأرقم بن أبي الأرقم - بيروت، الطبعة: الأولى - ١٤١٦ هـ.\n• تعقبات الحافظ ابن حجر على غيره من العلماء من خلال كتابه: تهذيب التهذيب من بدية حرف السين إلى نهاية حرف العلين (رسالة مقدمة لنيل درجة الماجستير)، اعداد: مناف توفيق سليمان مريان، المشرف: د. شرف القضاة، الجامعة الأردنية، كلية الدراسات العليا.\n• تعقبات الحافظ ابن حجر في فتح الباري على الحافظ ابن عبد البر (رسالة مقدمة لنيل درجة الماجستير)، اعداد: فاطمة علي الحتاوي، المشرف: د. ياسر الشمالي، الجامعة الأردنية، كلية الدراسات العليا، ١٤٢٩ هـ.","vol":"2","page":1206},{"text":"• تعقبات ابن عبد البر على العلماء في كتابه التمهيد (رسالة مقدمة لنيل درجة الماجستير) اعداد: معتصم رجب العوايشة، المشرف: د. ياسر الشمالي، كانون الثاني ٢٠٠٧ م.\n• التحرير في أصول التفسير، د. مساعد الطيار، مركز الدراسات والمعلومات القرآنية بمعهد الإمام الشاطبي، الطبعة الأولى، ١٤٣٥ هـ.\n• التحرير والتنوير «تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد»، محمد الطاهر بن محمد بن محمد الطاهر بن عاشور التونسي (المتوفى: ١٣٩٣ هـ) الناشر: الدار التونسية للنشر - تونس، سنة النشر: ١٩٨٤ هـ.\n• التذييل على كتب الجرح والتعديل، المؤلف: طارق بن محمد آل بن ناجي (المتوفى: ١٤٣٢ هـ)، الناشر: مكتبة المثنى الإسلامية - حولي (الكويت)، الطبعة: الثانية، ١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٤ م.\n• تهذيب اللغة، المؤلف: محمد بن أحمد بن الأزهري الهروي، أبو منصور (المتوفى: ٣٧٠ هـ)، المحقق: محمد عوض مرعب، الناشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت، الطبعة: الأولى، ٢٠٠١ م.\n• تاج العروس من جواهر القاموس، المؤلف: محمّد بن محمّد بن عبد الرزّاق الحسيني، أبو الفيض، الملقّب بمرتضى، الزَّبيدي (المتوفى: ١٢٠٥ هـ)، المحقق: مجموعة من المحققين، الناشر: دار الهداية.\n• التاج المكلل من جواهر مآثر الطراز الآخر والأول، المؤلف: أبو الطيب محمد صديق خان بن حسن بن علي ابن لطف الله الحسيني البخاري القِنَّوجي (المتوفى: ١٣٠٧ هـ)، الناشر: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، قطر، الطبعة: الأولى، ١٤٢٨ هـ.\n• التاج والإكليل لمختصر خليل، المؤلف: محمد بن يوسف بن أبي القاسم بن يوسف العبدري الغرناطي، أبو عبد الله المواق المالكي (ت ٨٩٧ هـ)، الناشر: دار الكتب العلمية، الطبعة: الأولى، ١٤١٦ هـ.\n• تفسير القرآن العظيم لابن أبي حاتم، المؤلف: أبو محمد عبد الرحمن بن محمد بن إدريس بن المنذر التميمي، الحنظلي، الرازي ابن أبي حاتم (المتوفى: ٣٢٧ هـ)، المحقق: أسعد محمد الطيب، الناشر: مكتبة نزار مصطفى الباز - المملكة العربية السعودية، الطبعة: الثالثة - ١٤١٩ هـ.\n• تفسير القرآن العظيم، أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي (المتوفى: ٧٧٤ هـ)، المحقق: د. حكمت بن بشير ياسين، دار ابن الجوزي (الدمام)، الطبعة الأولى، ١٤٣١ هـ.","vol":"2","page":1207},{"text":"• تفسير القرآن المُسمّى (تبصير الرحمن وتيسير المنان)، العلامة علي بن أحمد المهايمي، عالم الكتب، الطبعة الثانية، ١٤٠٣.\n• التفسير البَسيط، المؤلف: أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي (المتوفى: ٤٦٨ هـ)، الناشر: عمادة البحث العلمي - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية (الرياض)، الطبعة: الأولى، ١٤٣٠ هـ.\n• التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، المؤلف: أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النمري القرطبي (المتوفى: ٤٦٣ هـ)، تحقيق: مصطفى بن أحمد العلوي، محمد عبد الكبير البكري، الناشر: وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية (المغرب)، عام النشر: ١٣٨٧ هـ.\n• تنوير المقباس من تفسير ابن عباس، ينسب: لعبد الله بن عباس ﵄ (المتوفى: ٦٨ هـ)، جمعه: مجد الدين أبو طاهر محمد بن يعقوب الفيروزآبادى (المتوفى: ٨١٧ هـ)، الناشر: دار الكتب العلمية - لبنان.\n• التفسير المظهري، المظهري، محمد ثناء الله، المحقق: غلام نبي التونسي، الناشر: مكتبة الرشدية - الباكستان، الطبعة: ١٤١٢ هـ\n• التفسير الوسيط، للزحيلي، د وهبة بن مصطفى الزحيلي، الناشر: دار الفكر - دمشق، الطبعة: الأولى - ١٤٢٢ هـ\n• التفسير الوسيط للقرآن الكريم، محمد سيد طنطاوي، الناشر: دار نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، الفجالة - القاهرة، الطبعة: الأولى، تاريخ النشر: أجزاء ١ - ٣: يناير ١٩٩٧، جزء ٤: يوليو ١٩٩٧، جزء ٥: يونيو ١٩٩٧، أجزاء ٦ - ٧: يناير ١٩٩٨، أجزاء ٨ - ١٤: فبراير ١٩٩٨، جزء ١٥: مارس ١٩٩٨\n• التفسير والمفسرون أساسياته واتجاهاته ومناهجه في العصر الحديث، المؤلف: الأستاذ الدكتور فضل حسن عبَّاس، الناشر: دار النفائس للنشر والتوزيع، الأردن، الطبعة: الأولى، ١٤٣٧ هـ - ٢٠١٦ م.\n• التفسير والمفسرون، الدكتور محمد السيد حسين الذهبي (المتوفى: ١٣٩٨ هـ)، الناشر: مكتبة وهبة، القاهرة (الجزء ٣ هو نقول وجدت في أوراق المؤلف بعد وفاته ونشرها د محمد البلتاجي).\n• تفسير الراغب الأصفهاني، أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهانى (المتوفى:","vol":"2","page":1208},{"text":"٥٠٢ هـ)، تحقيق ودراسة: د. محمد عبد العزيز بسيوني، الناشر: كلية الآداب - جامعة طنطا، الطبعة الأولى: ١٤٢٠ هـ-١٩٩٩ م جزء ٢، ٣: من أول سورة آل عمران - وحتى الآية ١١٣ من سورة النساء، تحقيق ودراسة: د. عادل بن علي الشدي، دار النشر: دار الوطن - الرياض، الطبعة الأولى: ١٤٢٤ هـ-٢٠٠٣ م جزء ٤، ٥: (من الآية ١١٤ من سورة النساء - وحتى آخر سورة المائدة)، تحقيق ودراسة: د. هند بنت محمد بن زاهد سردار، الناشر: كلية الدعوة وأصول الدين - جامعة أم القرى، الطبعة الأولى: ١٤٢٢ هـ-٢٠٠١ م\n• تفسير العز بن عبد السلام، (وهو اختصار لتفسير الماوردي)، أبو محمد عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم بن الحسن السلمي الدمشقي، الملقب بسلطان العلماء (المتوفى: ٦٦٠ هـ)، المحقق: الدكتور عبد الله بن إبراهيم الوهبي، الناشر: دار ابن حزم - بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤١٦ هـ- ١٩٩٦ م.\n• تفسير جزء عم، محمد بن صالح بن محمد العثيمين (ت ١٤٢١ هـ)، إعداد وتخريج: فهد بن ناصر السليمان، الناشر: دار الثريا للنشر والتوزيع، الرياض، الطبعة: الثانية، ١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٢ م.\n• تفسير القرآن الكريم (التفسير القيم لابن القيم)، محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى: ٧٥١ هـ)، المحقق: مكتب الدراسات والبحوث العربية والإسلامية بإشراف الشيخ إبراهيم رمضان، الناشر: دار ومكتبة الهلال - بيروت، الطبعة: الأولى - ١٤١٠ هـ\n• تفسير القرآن، أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزي السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: ٤٨٩ هـ)، المحقق: ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم، الناشر: دار الوطن، الرياض - السعودية، الطبعة: الأولى، ١٤١٨ هـ- ١٩٩٧ م\n• تفسير القرآن، أبو بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري (المتوفى: ٣١٩ هـ)، قدم له الأستاذ الدكتور: عبد الله بن عبد المحسن التركي، حققه وعلق عليه الدكتور: سعد بن محمد السعد، دار النشر: دار المآثر - المدينة النبوية، الطبعة: الأولى ١٤٢٣ هـ.\n• تفسير المراغي، أحمد بن مصطفى المراغي (المتوفى: ١٣٧١ هـ)، الناشر: شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر، الطبعة: الأولى، ١٣٦٥ هـ.\n• تفسير عبد الرزاق، أبو بكر عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميري اليماني الصنعاني (المتوفى: ٢١١ هـ)، الناشر: دار الكتب العلمية، دراسة وتحقيق: د. محمود محمد عبده، الناشر: دار الكتب العلمية (بيروت)، الطبعة: الأولى، سنة ١٤١٩ هـ.\n• تفسير مقاتل بن سليمان، أبو الحسن مقاتل بن سليمان بن بشير الأزدي البلخي (المتوفى: ١٥٠ هـ)،","vol":"2","page":1209},{"text":"المحقق: عبد الله محمود شحاته، الناشر: دار إحياء التراث (بيروت)، الطبعة: الأولى - ١٤٢٣ هـ\n• تفسير يحيى بن سلام، يحيى بن سلام بن أبي ثعلبة، التيمي بالولاء، من تيم ربيعة، البصري ثم الإفريقي القيرواني (المتوفى: ٢٠٠ هـ)، تقديم وتحقيق: الدكتورة هند شلبي، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، الطبعة: الأولى، ١٤٢٥ هـ-٢٠٠٤ م.\n• تهذيب اللغة، محمد بن أحمد بن الأزهري الهروي، أبو منصور (المتوفى: ٣٧٠ هـ)، المحقق: محمد عوض مرعب، الناشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت، الطبعة: الأولى، ٢٠٠١ م.\n• تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله السعدي (المتوفى: ١٣٧٦ هـ)، المحقق: عبد الرحمن بن معلا اللويحق، الناشر: مؤسسة الرسالة، الطبعة: الأولى ١٤٢٠ هـ.\n• التمهيد لشرح كتاب التوحيد: صالح بن عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم آل الشيخ، الناشر: دار التوحيد، الطبعة: الأولى، ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م.\n• التمهيد في أصول الفقه، محفوظ بن أحمد بن الحسن أَبُو الخطاب الكَلْوَذَاني الحنبلي (المتوفى: ٥١٠ هـ)، تحقيق: مفيد محمد أبو عمشة (الجزء ١ - ٢) ومحمد بن علي بن إبراهيم (الجزء ٣ - ٤)، مركز البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي - جامعة أم القرى، الطبعة: الأولى، ١٤٠٦ هـ.\n• التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النمري القرطبي (المتوفى: ٤٦٣ هـ)، تحقيق: مصطفى بن أحمد العلوي، محمد عبد الكبير البكري، الناشر: وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية - المغرب، عام النشر: ١٣٨٧ هـ.\n• التبيان في تفسير القرآن، أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي، تحقيق: أحمد حبيب العاملي، دار إحياء التراث العربي.\n• تحرير تقريب التهذيب للحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، تأليف: الدكتور بشار عواد معروف، الشيخ شعيب الأرنؤوط، الناشر: مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت - لبنان، الطبعة: الأولى، ١٤١٧ هـ - ١٩٩٧ م.\n• التحصيل لفوائد كتاب التفصيل الجامع لعلوم التنزيل، لأبي العباس أحمد بن عمار المهدوي، تحقيق: دار الكمال المتحدة، إصدار: وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، (قطر)، الطبعة الأولى، ١٤٣٥ هـ.\n• التهذيب في التفسير، الحاكم أبي سعد الحسن بن محمد بن كرامة البيهقي الجشمي، تحقيق:","vol":"2","page":1210},{"text":"عبد الرحمن بن سليمان السالمي، دار الكتاب المصري، دار الكتاب اللبناني، الطبعة الأولى، ١٤٣٩ هـ.\n• تتمة أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشنقيطي، الشيخ عطية محمد سالم، طبع على نفقة محمد عوض بن لادن، الطبعة الثانية، ١٤٠٠ هـ.\n• تفسير الثمرات اليانعة والأحكام الواضحة القاطعة، يوسف بن أحمد بن عثمان الشهير بالفقيه يوسف، الناشر: مكتب التراث الإسلامي (الجمهورية اليمنية)، الطبعة الأولى، ١٤٢٣ هـ.\n• تفسير العياشي، أبي النضر محمد بن مسعود العياشي، تحقيق: قسم الدراسات الإسلامية (قم)، الطبعة الأولى، ١٤٢١ هـ.\n• تفسير القمي، أبو الحسن علي بن إبراهيم القمي، مؤسسة الإمام المهدي (قم)، الطبعة الأولى، ١٤٣٥ هـ.\n• تنزيه القرآن الكريم عن المطاعن، القاضي عبد الجبار، تحقيق: د. أحمد عبد الرحيم السايح، مكتبة النافذة (الجيزة)، الطبعة الأولى، ٢٠٠٦ م.\n• تيسير مسائل الفقه (شرح الروض المربع)، د. عبد الكريم بن علي النملة، مكتبة الرشد (الرياض)، الطبعة الثانية ١٤٢٧ هـ.\n• تك تكملة الإكمال (تكملة لكتاب الإكمال لابن ماكولا)، المؤلف: أبو بكر محمد بن عبد الغني البغدادي الحنبلي المعروف بابن نقطة (٥٧٩ - ٦٢٩ هـ)، المحقق: عبد القيوم عبد رب النبي، الناشر: جامعة أم القرى - المملكة العربية السعودية، الطبعة: الأولى، ١٤٠٨ - ١٤١٨ هـ.\n• التبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية عن الفرق الهالكين، المؤلف: طاهر بن محمد الأسفراييني، أبو المظفر (ت ٤٧١ هـ)، المحقق: كمال يوسف الحوت، الناشر: عالم الكتب - لبنان، الطبعة: الأولى، ١٤٠٣ هـ - ١٩٨٣ م.\n• التبيان في إعراب القرآن، المؤلف: أبو البقاء عبد الله بن الحسين بن عبد الله العكبري (المتوفى: ٦١٦ هـ)، المحقق: علي محمد البجاوي، الناشر: عيسى البابي الحلبي وشركاه.\n• التدمرية: تحقيق الإثبات للأسماء والصفات وحقيقة الجمع بين القدر والشرع، المؤلف: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (ت ٧٢٨ هـ)، المحقق: د. محمد بن عودة السعوي، الناشر: مكتبة العبيكان - الرياض، الطبعة: السادسة ١٤٢١ هـ.","vol":"2","page":1211},{"text":"• التفسير القرآني للقرآن، المؤلف: عبد الكريم يونس الخطيب (ت بعد ١٣٩٠ هـ)، الناشر: دار الفكر العربي - القاهرة، التقرير والتحبير، المؤلف: أبو عبد الله، شمس الدين محمد بن محمد بن محمد المعروف بابن أمير حاج ويقال له ابن الموقت الحنفي (ت ٨٧٩ هـ)، الناشر: دار الكتب العلمية، الطبعة: الثانية، ١٤٠٣ هـ.\n• التوضيح لشرح الجامع الصحيح، المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)، المحقق: دار الفلاح للبحث العلمي وتحقيق التراث بإشراف خالد الرباط، جمعة فتحي، تقديم: أحمد معبد عبد الكريم، أستاذ الحديث بجامعة الأزهر، الناشر: دار النوادر، (دمشق)، الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ.\n• التيسير في التفسير، المؤلف: نجم الدين عمر بن محمد بن أحمد النسفي الحنفي (٤٦١ - ٥٣٧ هـ)، المحقق: ماهر أديب حبوش، وآخرون، الناشر: دار اللباب للدراسات وتحقيق التراث، أسطنبول - تركيا، الطبعة: الأولى، ١٤٤٠ هـ.\n• تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد، المؤلف: سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب (ت ١٢٣٣ هـ)، المحقق: زهير الشاويش، الناشر: المكتب الاسلامي، بيروت، دمشق، الطبعة: الأولى، ١٤٢٣ هـ.\n• تأويل مختلف الحديث، المؤلف: أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦ هـ)، الناشر: المكتب الاسلامي - مؤسسة الإشراق، الطبعة: الطبعة الثانية- مزيده ومنقحة ١٤١٩ هـ.\n• تأويل مشكل القرآن، المؤلف: أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦ هـ)، المحقق: إبراهيم شمس الدين، الناشر: دار الكتب العلمية، (بيروت).\n• تأويلات أهل السنة، المؤلف: محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي (ت ٣٣٣ هـ)، المحقق: د. مجدي باسلوم، الناشر: دار الكتب العلمية (بيروت)، الطبعة: الأولى، ١٤٢٦ هـ.\n• التبصرة، المؤلف: علي بن محمد الربعي، أبو الحسن، المعروف باللخمي (ت ٤٧٨ هـ)، دراسة وتحقيق: الدكتور أحمد عبد الكريم نجيب، الناشر: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية (قطر)، الطبعة: الأولى، ١٤٣٢ هـ.\n• التبيان في أيمان القرآن، المؤلف: أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب ابن قيم الجوزية (٧٥١)، المحقق: عبد الله بن سالم البطاطي، راجعه: محمد أجمل الإصلاحي - عبد الرحمن بن معاضة الشهري، الناشر: دار عطاءات العلم (الرياض) الطبعة: الرابعة، ١٤٤٠ هـ.","vol":"2","page":1212},{"text":"• تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق وحاشية الشِّلْبِيِّ، المؤلف: عثمان بن علي الزيلعي الحنفي، الحاشية: شهاب الدين أحمد [بن محمد بن أحمد بن يونس بن إسماعيل بن يونس] الشِّلْبِيُّ [ت ١٠٢١ هـ]، الناشر: المطبعة الكبرى الأميرية - بولاق، القاهرة، الطبعة: الأولى، ١٣١٤ هـ.\n• تحرير التحبير في صناعة الشعر والنثر وبيان إعجاز القرآن، المؤلف: عبد العظيم بن الواحد بن ظافر ابن أبي الإصبع العدواني، البغدادي ثم المصري (ت ٦٥٤ هـ)، تقديم وتحقيق: الدكتور حفني محمد شرف، الناشر: الجمهورية العربية المتحدة - المجلس الأعلى للشئون الإسلامية - لجنة إحياء التراث الإسلامي.\n• التحقيق والبيان في شرح البرهان في أصول الفقه، المؤلف: علي بن إسماعيل الأبياري (ت ٦١٦ هـ)، دراسة وتحقيق: د. علي بن عبد الرحمن بسام الجزائري، أستاذ بالمعهد الوطني العالي لأصول الدين - الجزائر، الناشر: دار الضياء - الكويت (طبعة خاصة بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية - دولة قطر)، الطبعة: الأولى، ١٤٣٤ هـ.\n• تذكرة الأريب في تفسير الغريب (غريب القرآن الكريم)، المؤلف: جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي (ت ٥٩٧ هـ)، تحقيق: طارق فتحي السيد، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، الطبعة: الأولى، ١٤٢٥ هـ.\n• تذكرة الحفاظ، المؤلف: شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي (ت ٧٤٨ هـ)، وضع حواشيه: زكريا عميرات، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت-لبنان، الطبعة: الأولى، ١٤١٩ هـ- ١٩٩٨ م.\n• ترتيب المدارك وتقريب المسالك، المؤلف: أبو الفضل القاضي عياض بن موسى اليحصبي (ت ٥٤٤ هـ)، المحقق: ابن تاويت الطنجي وآخرون، ١٩٦٥ م، الناشر: مطبعة فضالة - المحمدية، المغرب، الطبعة: الأولى.\n• التسعينية، المؤلف: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (ت ٧٢٨ هـ)، دراسة وتحقيق: الدكتور محمد بن إبراهيم العجلان، الناشر: مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، (الرياض)، الطبعة: الأولى، ١٤٢٠ هـ.\n• التصاريف لتفسير القرآن مما اشتبهت أسمائه وتصرفت معانيه، المؤلف: يحيى بن سلام بن أبي ثعلبة، التيمي بالولاء، من تيم ربيعة، البصري ثم الإفريقي القيرواني (ت ٢٠٠ هـ)، قدمت له وحققته: هند شلبي، الناشر: الشركة التونسية للتوزيع، عام النشر: ١٩٧٩ م.\n• تعظيم قدر الصلاة، المؤلف: محمد بن نصر المَرْوَزِي (ت ٢٩٤ هـ)، المحقق: د. عبد الرحمن بن عبد","vol":"2","page":1213},{"text":"الجبار الفريوائي، الناشر: مكتبة الدار - المدينة المنورة، الطبعة: الأولى، ١٤٠٦ هـ.\n• تفسير الإمام ابن عرفة، المؤلف: محمد بن محمد ابن عرفة الورغمي التونسي المالكي، أبو عبد الله (ت ٨٠٣ هـ)، المحقق: د. حسن المناعي، الناشر: مركز البحوث بالكلية الزيتونية - تونس، الطبعة: الأولى، ١٩٨٦ م.\n• تفسير الإمام الشافعي، المؤلف: الشافعي أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن عبد المطلب بن عبد مناف المطلبي القرشي المكي (ت ٢٠٤ هـ)، جمع وتحقيق ودراسة: د. أحمد بن مصطفى الفرَّان (رسالة دكتوراه)، الناشر: دار التدمرية (الرياض)، الطبعة الأولى: ١٤٢٧ هـ.\n• تفسير الجلالين، المؤلف: جلال الدين محمد بن أحمد المحلي (ت ٨٦٤ هـ) وجلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي (ت ٩١١ هـ)، الناشر: دار الحديث - القاهرة، الطبعة: الأولى.\n• تفسير القرآن العزيز، المؤلف: أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عيسى بن محمد المري، الإلبيري المعروف بابن أبي زَمَنِين المالكي (ت ٣٩٩ هـ)، المحقق: أبو عبد الله حسين بن عكاشة - محمد بن مصطفى الكنز، الناشر: الفاروق الحديثة - مصر/ القاهرة، الطبعة: الأولى، ١٤٢٣ هـ.\n• تفسير القرآن العظيم، المؤلف: أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الصمد علم الدين السخاوي المصري الشافعي (ت ٦٤٣ هـ)، تحقيق وتعليق: د موسى علي موسى مسعود، د أشرف محمد بن عبد الله القصاص، الناشر: دار النشر للجامعات، الطبعة: الأولى، ١٤٣٠ هـ.\n• تفسير القرآن الكريم «سورة الأنعام»، المؤلف: محمد بن صالح العثيمين، الناشر: دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية، الطبعة: الأولى، ١٤٣٣ هـ.\n• تفسير الفاتحة والبقرة، المؤلف: محمد بن صالح بن محمد العثيمين (ت ١٤٢١ هـ)، الناشر: دار ابن الجوزي، المملكة العربية السعودية، الطبعة: الأولى، ١٤٢٣ هـ.\n• تفسير القرآن الكريم «سورة السجدة»، المؤلف: محمد بن صالح العثيمين، الناشر: مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية، المملكة العربية السعودية، الطبعة: الأولى، ١٤٣٦ هـ.","vol":"2","page":1214},{"text":"• تفسير القرآن الكريم «سورة الصافات»، المؤلف: محمد بن صالح العثيمين، الناشر: دار الثريا للنشر والتوزيع، الرياض - المملكة العربية السعودية، الطبعة: الأولى، ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م.\n• تفسير القرآن الكريم «سورة القصص»، المؤلف: محمد بن صالح العثيمين، الناشر: مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية، المملكة العربية السعودية، الطبعة: الأولى، ١٤٣٦ هـ.\n• تفسير سورة الكهف، المؤلف: محمد بن صالح بن محمد العثيمين (ت ١٤٢١ هـ)، الناشر: دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية، الطبعة: الأولى، ١٤٢٣ هـ.\n• تفسير القرآن الكريم «سورة المائدة»، المؤلف: محمد بن صالح العثيمين، الناشر: دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية، الطبعة: الثانية، ١٤٣٥ هـ.\n• تفسير القرآن الكريم «سورة النساء»، المؤلف: محمد بن صالح العثيمين، الناشر: دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية، الطبعة: الأولى، ١٤٣٠ هـ - ٢٠٠٩ م.\n• تفسير القرآن الكريم «سورة آل عمران»، المؤلف: محمد بن صالح العثيمين، الناشر: دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية، الطبعة: الثالثة، ١٤٣٥ هـ.\n• تفسير القرآن الكريم «سورة النور»، المؤلف: محمد بن صالح العثيمين، الناشر: مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية، المملكة العربية السعودية، الطبعة: الأولى، ١٤٣٦ هـ.\n• تفسير القرآن الكريم «سورة يس»، المؤلف: محمد بن صالح العثيمين، الناشر: دار الثريا للنشر.\n• تفسير الحجرات - الحديد (الحجرات، ق، الذاريات، الطور، النجم والقمر، الرحمن، الواقعة، الحديد)، المؤلف: محمد بن صالح بن محمد العثيمين (ت ١٤٢١ هـ)، الناشر: دار الثريا للنشر والتوزيع، الرياض، الطبعة: الأولى، ١٤٢٥ هـ.\n• تفسير القرآن الكريم، المؤلف: محمد أحمد إسماعيل المقدم، مصدر الكتاب: دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية.\n• التفسير القرآني للقرآن، المؤلف: عبد الكريم يونس الخطيب (ت بعد ١٣٩٠ هـ)، الناشر: دار الفكر العربي - القاهرة.\n• تفسير المراغي، المؤلف: أحمد بن مصطفى المراغي (ت ١٣٧١ هـ)، الناشر: شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابى الحلبي وأولاده بمصر، الطبعة: الأولى، ١٣٦٥ هـ.\n• تفسير القرآن الحكيم (تفسير المنار)، المؤلف: محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين بن محمد بهاء الدين بن منلا علي خليفة القلموني الحسيني (ت ١٣٥٤ هـ)، الناشر: الهيئة المصرية العامة للكتاب، سنة النشر: ١٩٩٠ م.\n• التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج، المؤلف: وهبة الزحيلي، الناشر: دار الفكر (دمشق - سورية)، دار الفكر المعاصر (بيروت - لبنان)، الطبعة: الأولى، ١٤١١ هـ.\n• التفسير النبوي مُقَدِّمَةٌ تَأْصِيْلِيَّةٌ مَعَ دِرَاسَةٍ حَدِيثِيَّةٍ لِأَحَادِيْثِ التَّفْسِيْرِ النَّبَوِيِّ الصَّريح، المؤلف: خالد بن","vol":"2","page":1215},{"text":"عبد العزيز الباتلي، أصل الكتاب: رسالة دكتوراه من جامعة الإمام بالرياض، الناشر: دار كنوز إشبيليا للنشر والتوزيع، الرياض - المملكة العربية السعودية، الطبعة: الأولى، ١٤٣٢ هـ - ٢٠١١ م.\n• التفسير الواضح، المؤلف: الحجازي، محمد محمود، الناشر: دار الجيل الجديد - بيروت، الطبعة: العاشرة - ١٤١٣ هـ.\n• تفسير آيات الأحكام، المؤلف: محمد علي السايس الأستاذ بالأزهر الشريف، المحقق: ناجي سويدان، الناشر: المكتبة العصرية للطباعة والنشر.\n• تفسير جزء عم للشيخ مساعد الطيار، المؤلف: د مساعد بن سليمان بن ناصر الطيار، الناشر: دار ابن الجوزي، الطبعة: الثامنة، ١٤٣٠ هـ.\n• تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن، المؤلف: محمد الأمين بن عبد الله الأرمي العلوي الهرري الشافعي [ت ١٤٤١ هـ]، المدرس بدار الحديث الخيرية في مكة المكرمة، إشراف ومراجعة: الدكتور هاشم محمد علي بن حسين مهدي خبير الدراسات برابطة العالم الإسلامي، الناشر: دار طوق النجاة، بيروت - لبنان، الطبعة: الأولى، ١٤٢١ هـ.\n• تفسير عبد الرزاق، المؤلف: أبو بكر عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميري اليماني الصنعاني (ت ٢١١ هـ)، الناشر: دار الكتب العلمية، دراسة وتحقيق: د. محمود محمد عبده، الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة: الأولى، سنة ١٤١٩ هـ.\n• تفسير مجاهد، المؤلف: أبو الحجاج مجاهد بن جبر التابعي المكي القرشي المخزومي (ت ١٠٤ هـ)، المحقق: الدكتور محمد عبد السلام أبو النيل، الناشر: دار الفكر الإسلامي الحديثة، مصر، الطبعة: الأولى، ١٤١٠ هـ.\n• تحفة اللبيب بمن تكلم فيهم الحافظ ابن حجر من الرواة في غير «التقريب»، المؤلف: أبو عمرو نور الدين بن علي بن عبد الله السدعي الوصابي، قدم له: محمد بن عبد الله الإمام، الناشر: مكتبة ابن عباس للنشر والتوزيع، المنصورة - جمهورية مصر العربية، الطبعة: الأولى، ١٤٣١ هـ - ٢٠١٠ م.\n• تقريب التهذيب، المؤلف: أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢ هـ)، المحقق: محمد عوامة، الناشر: دار الرشيد - سوريا، الطبعة: الأولى، ١٤٠٦ - ١٩٨٦.","vol":"2","page":1216},{"text":"• التقريب والإرشاد (الصغير)، المؤلف: القاضي أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني (ت ٤٠٣ هـ)، قدم له وحققه وعلق عليه: د. عبد الحميد بن علي أبو زنيد، الناشر: مؤسسة الرسالة، (بيروت)، الطبعة: الثانية، ١٤١٨ هـ.\n• التنبيه والإشراف، المؤلف: أبو الحسن على بن الحسين بن على المسعودي (ت ٣٤٦ هـ)، تصحيح: عبد الله إسماعيل الصاوي، الناشر: دار الصاوي - القاهرة.\n• تنزيه القرآن عن المطاعن: القاضي عبد الجبار، تقديم وتحقيق: عبد الرحيم السايح، الناشر/ مكتبة النافذة، الطبعة الأولى، سنة ٢٠٠٦ م.\n• تهذيب الأسماء واللغات، المؤلف: أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (ت ٦٧٦ هـ)، عنيت بنشره وتصحيحه والتعليق عليه ومقابلة أصوله: شركة العلماء بمساعدة إدارة الطباعة المنيرية، يطلب من: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان.\n• تهذيب التهذيب، المؤلف: أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢ هـ)، الناشر: مطبعة دائرة المعارف النظامية، الهند، الطبعة: الطبعة الأولى، ١٣٢٦ هـ.\n• تهذيب الكمال في أسماء الرجال، المؤلف: جمال الدين أبو الحجاج يوسف المزي (٦٥٤ - ٧٤٢ هـ)، حققه وضبط نصه وعلق عليه: د بشار عواد معروف، الناشر: مؤسسة الرسالة (بيروت)، الطبعة: الأولى، (١٤٠٠ - ١٤١٣ هـ).\n• توضِيحُ الأحكَامِ مِنْ بُلوُغ المَرَام، المؤلف: أبو عبد الرحمن عبد الله بن عبد الرحمن بن صالح بن حمد بن محمد بن حمد بن إبراهيم البسام التميمي (ت ١٤٢٣ هـ)، الناشر: مكتَبة الأسدي، مكّة المكرّمة، الطبعة: الخامِسَة، ١٤٢٣ هـ.\n• التوقيف على مهمات التعاريف، المؤلف: زين الدين محمد المدعو بعبد الرؤوف بن تاج العارفين بن علي بن زين العابدين الحدادي ثم المناوي القاهري (ت ١٠٣١ هـ)، الناشر: عالم الكتب ٣٨ عبد الخالق ثروت-القاهرة، الطبعة: الأولى، ١٤١٠ هـ.\n• التيجَان في مُلوك حِمْيَرْ، المؤلف: عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري المعافري، أبو محمد، جمال الدين (ت ٢١٣ هـ)، تحقيق: مركز الدراسات والأبحاث اليمنية، الناشر: مركز الدراسات والأبحاث اليمنية، (صنعاء)، الطبعة: الأولى، ١٣٤٧ هـ.\n• تيسير البيان لأحكام القرآن، المؤلف: محمد بن علي بن عبد الله بن إبراهيم بن الخطيب اليمني الشافعي المشهور بـ «ابن نور الدين» (ت ٨٢٥ هـ)، بعناية: عبد المعين الحرش، الناشر: دار","vol":"2","page":1217},{"text":"النوادر، سوريا، الطبعة: الأولى، ١٤٣٣ هـ.\n• تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد، المؤلف: سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب (ت ١٢٣٣ هـ)، المحقق: زهير الشاويش، الناشر: المكتب الاسلامي، بيروت، دمشق، الطبعة: الأولى، ١٤٢٣ هـ.\n• التيسير في القراءات السبع، المؤلف: أبو عمرو عثمان بن سعيد الداني الأندلسي (ت ٤٤٤ هـ)، دراسة وتحقيق: د. خلف حمود سالم الشغدلي، قدم له وأشرف عليه: الشيخ علي بن عبد الرحمن الحذيفي، والشيخ عبد الرافع بن رضوان بن علي الشرقاوي، الناشر: دار الأندلس للنشر والتوزيع، حائل - المملكة العربية السعودية، الطبعة: الأولى، ١٤٣٦ هـ - ٢٠١٥ م.\n• التلويح على التوضيح لمتن التنقيح في أصول الفقه، المؤلف: سعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني (ت ٧٩٢ هـ)، ومعه: التوضيح في حل غوامض التنقيح، لصدر الشريعة المحبوبي (ت ٧٤٧ هـ)، الناشر: مطبعة محمد علي صبيح وأولاده بالأزهر - مصر، الطبعة: ١٣٧٧ هـ.\n• ترتيب الأمالي الخميسية للشجري، مؤلف الأمالي: يحيى (المرشد بالله) بن الحسين (الموفق) بن إسماعيل بن زيد الحسني الشجري الجرجاني (المتوفى ٤٩٩ هـ)، رتبها: القاضي محيي الدين محمد بن أحمد القرشي العبشمي (ت ٦١٠ هـ)، تحقيق: محمد حسن محمد حسن إسماعيل، الناشر: دار الكتب العلمية، (بيروت)، الطبعة: الأولى، ١٤٢٢ هـ.\n(ث)\n• ثمار المقاصد في ذكر المساجد ليوسف بن عبد الهادي، محمد أسعد طلس، المعهد الأفرنسي بدمشق (مجموعة النصوص الشرقية) الجزء الثالث، بيروت ١٩٤٣ م.\n(ج)\n• جمال الدين القاسمي وعصره، ظافر القاسمي، مطابع المطبعة الهاشمية (دمشق)، الطبعة الأولى، ١٣٨٥ هـ.\n• جمال الدين القاسمي علمه ودعوته (بحث مكمل لنيل درجة الماجستير)، إعداد: عبد العزيز الأحيدب، إشراف: د. فضل الهي، جامعة الإمام محمد بن سعود (الرياض) كلية الدعوة والاعلام، ١٤٠٧ هـ.\n• الجامع لأحكام القرآن، المؤلف: أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي شمس الدين القرطبي (المتوفى: ٦٧١ هـ)، تحقيق: د. عبد الله بن عبد المحسن التركي، وزارة","vol":"2","page":1218},{"text":"الأوقاف والشئون الإسلامية (دولة قطر)، الطبعة الأولى، ١٤٣٤ هـ.\n• جامع بيان العلم وفضله، المؤلف: أبو عمر يوسف بن عبد البر (ت ٤٦٣ هـ)، المحقق: أبو الأشبال الزهيري، الناشر: دار ابن الجوزي - السعودية، الطبعة: الأولى، ١٤١٤ هـ - ١٩٩٤ م.\n• جامع البيان عن تأويل آي القرآن، المؤلف: محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: ٣١٠ هـ)، تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة، الناشر: دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان، الطبعة: الأولى، ١٤٢٢ هـ.\n• جامع البيان في تفسير القرآن، المؤلف: محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله الحسني الحسيني الإِيجي الشافعيّ (ت ٩٠٥ هـ)، دار النشر: دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٤ م\n• الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي أو الداء والدواء، المؤلف: محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى: ٧٥١ هـ)، الناشر: دار المعرفة - المغرب، الطبعة: الأولى، ١٤١٨ هـ - ١٩٩٧ م.\n• الجامع، (منشور كملحق بمصنف عبد الرزاق)، معمر بن أبي عمرو راشد الأزدي مولاهم، أبو عروة البصري، نزيل اليمن (المتوفى: ١٥٣ هـ)، المحقق: حبيب الرحمن الأعظمي، الناشر: المجلس العلمي بباكستان، وتوزيع المكتب الإسلامي ببيروت، الطبعة: الثانية، ١٤٠٣ هـ.\n• الجامع، أبو محمد عبد الله بن وهب بن مسلم المصري القرشي (المتوفى: ١٩٧ هـ)، المحقق: الدكتور رفعت فوزي عبد المطلب - الدكتور علي عبد الباسط مزيد، الناشر: دار الوفاء، الطبعة: الأولى ١٤٢٥ هـ-٢٠٠٥ م\n• الجرح والتعديل، أبو محمد عبد الرحمن بن محمد بن إدريس بن المنذر التميمي، الحنظلي، الرازي ابن أبي حاتم (المتوفى: ٣٢٧ هـ)، الناشر: طبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية - بحيدر آباد الدكن - الهند، دار إحياء التراث العربي - بيروت، الطبعة: الأولى، ١٢٧١ هـ ١٩٥٢ م.\n• الجرح والتعديل، محمد جمال الدين بن محمد سعيد بن قاسم الحلاق القاسمي (المتوفى: ١٣٣٢ هـ)، الناشر: مؤسسة الرسالة (١٣٩٩ هـ-١٩٧٩ م).\n• جامع الأصول، في أحاديث الرسول، مجد الدين أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد بن محمد ابن عبد الكريم الشيباني الجزري ابن الأثير (المتوفى: ٦٠٦ هـ)، تحقيق: عبد القادر الأرنؤوط - التتمة","vol":"2","page":1219},{"text":"تحقيق بشير عيون، الناشر: مكتبة الحلواني - مطبعة الملاح - مكتبة دار البيان، الطبعة: الأولى.\n• جمع الجوامع في أصول الفقه، تاج الدين عبد الوهاب بن علي السبكي، المحقق: عبد المنعم خليل إبراهيم، دار الكتب العلمية (لبنان)، الطبعة الثانية، ١٤٢٤ هـ.\n• الجامع لمسائل المدونة، المؤلف: أبو بكر محمد بن عبد الله بن يونس التميمي الصقلي (ت ٤٥١ هـ)، المحقق: مجموعة باحثين في رسائل دكتوراه، الناشر: معهد البحوث العلمية وإحياء التراث الإسلامي - جامعة أم القرى (سلسلة الرسائل الجامعية الموصى بطبعها)، توزيع: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة: الأولى، ١٤٣٤ هـ - ٢٠١٣ م.\n• الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، المؤلف: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (ت ٧٢٨ هـ)، تحقيق: علي بن حسن - عبد العزيز بن إبراهيم - حمدان بن محمد، الناشر: دار العاصمة، السعودية، الطبعة: الثانية، ١٤١٩ هـ/ ١٩٩٩ م.\n• الجواهر الحسان في تفسير القرآن، المؤلف: أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن مخلوف الثعالبي (ت ٨٧٥ هـ)، المحقق: الشيخ محمد علي معوض والشيخ عادل أحمد عبد الموجود، الناشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت، الطبعة: الأولى - ١٤١٨ هـ.\n• الجواهر المضية في طبقات الحنفية، المؤلف: محمد بن محمد بن نصر الله بن سالم بن أبي الوفاء القرشي الحنفي المصري (٦٩٦ - ٧٧٥ هـ)، الناشر: مطبعة مجلس دائرة المعارف النظامية - حيدر آباد الدكن - الهند.\n• الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه، مع فوائد نحوية هامة، المؤلف: محمود صافي (طبعة مزيدة بإشراف اللجنة العلمية بدار الرشيد)، تنبيه: كل ما في الكتاب تحت عنوان (البلاغة) أو (الفوائد)، ليس من قلم المؤلف، بل مضاف على ما كتبه، الناشر: دار الرشيد، دمشق - مؤسسة الإيمان، بيروت، الطبعة: الثالثة، ١٤١٦ هـ - ١٩٩٥ م.\n• جمال الدين القاسمي أحد علماء الإصلاح الحديث في الشام، د. نزار أباظة، دار القلم (دمشق)، الطبعة الأولى، ١٤١٨.\n• جمال القراء وكمال الإقراء، المؤلف: علي بن محمد بن عبد الصمد الهمداني المصري الشافعي، أبو الحسن، علم الدين السخاوي (ت ٦٤٣ هـ)، دراسة وتحقيق: عبد الحق عبد الدايم سيف القاضي، أصل التحقيق: رسالة دكتوراة بإشراف د محمد سالم المحيسن، الناشر: مؤسسة الكتب الثقافية - بيروت.","vol":"2","page":1220},{"text":"• جمهرة اللغة، المؤلف: أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد الأزدي (ت ٣٢١ هـ)، المحقق: رمزي منير بعلبكي، الناشر: دار العلم للملايين - بيروت، الطبعة: الأولى، ١٩٨٧ م.\n• جهد القريحة في تجريد النصيحة (مطبوع مع: صون المنطق والكلام عن فني المنطق والكلام)، المؤلف: جلال الدين السيوطي، المحقق: الدكتور علي سامي النشار، السيدة سعاد علي عبد الرازق، الناشر: مجمع البحوث الإسلامية.\n• جواهر الأفكار ومعادن الأسرار المستخرجة من كلام العزيز الجبار، المؤلف: عبد القادر بن أحمد بدران، المحقق: زهير الشاويش، الناشر: المكتب الإسلامي، بيروت - لبنان، الطبعة: الأولى، ١٤٢٠ هـ - ١٩٩١ م.\n(ح)\n• حلية البشر في تاريخ القرن الثالث عشر، المؤلف: عبد الرزاق بن حسن بن إبراهيم البيطار الميداني الدمشقي (المتوفى: ١٣٣٥ هـ)، حققه ونسقه وعلق عليه حفيده: محمد بهجة البيطار - من أعضاء مجمع اللغة العربية، الناشر: دار صادر (بيروت)، الطبعة: الثانية، ١٤١٣ هـ - ١٩٩٣ م.\n• حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، محمد بن أحمد بن عرفة الدسوقي المالكي (المتوفى: ١٢٣٠ هـ)، الناشر: دار الفكر، الطبعة: بدون طبعة وبدون تاريخ.\n• الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزني، المؤلف: أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (ت ٤٥٠ هـ)، المحقق: الشيخ علي محمد معوض - الشيخ عادل أحمد عبد الموجود، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، الطبعة: الأولى، ١٤١٩ هـ -١٩٩٩ م.\n• الحبائك في أخبار الملائك، المؤلف: عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي (ت ٩١١ هـ)، تحقيق: خادم السنة المطهرة أبو هاجر محمد السعيد بن بسيوني زغلول، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، الطبعة: الأولى، ١٤٠٥ هـ - ١٩٨٥ م.\n• الحجة للقراء السبعة، المؤلف: الحسن بن أحمد بن عبد الغفار الفارسيّ الأصل، أبو علي (ت ٣٧٧ هـ)، المحقق: بدر الدين قهوجي - بشير جويجابي، راجعه ودققه: عبد العزيز رباح - أحمد يوسف الدقاق، الناشر: دار المأمون للتراث - دمشق/ بيروت، الطبعة: الثانية، ١٤١٣ هـ - ١٩٩٣ م.\n• حجة القراءات، المؤلف: عبد الرحمن بن محمد، أبو زرعة ابن زنجلة (ت حوالي ٤٠٣ هـ)، محقق","vol":"2","page":1221},{"text":"الكتاب ومعلق حواشيه: سعيد الأفغاني، الناشر: دار الرسالة.\n• حلية الفقهاء، المؤلف: أحمد بن فارس بن زكرياء القزويني الرازي، أبو الحسين (ت ٣٩٥ هـ)، المحقق: د. عبد الله بن عبد المحسن التركي، الناشر: الشركة المتحدة للتوزيع - بيروت، الطبعة: الأولى (١٤٠٣ هـ - ١٩٨٣ م).\n• حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، المؤلف: أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني (ت ٤٣٠ هـ)، الناشر: مطبعة السعادة - بجوار محافظة مصر، عام النشر: ١٣٩٤ هـ - ١٩٧٤ م.\n• حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح، المؤلف: أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب ابن قيم الجوزية (٦٩١ - ٧٥١)، المحقق: زائد بن أحمد النشيري، راجعه: يحيى بن عبد الله الثُّمالي - علي بن محمّد العمران، الناشر: دار عطاءات العلم (الرياض) - دار ابن حزم (بيروت)، الطبعة: الرابعة، ١٤٤٠ هـ - ٢٠١٩ م.\n• حاشية العدوي على شرح كفاية الطالب الرباني، المؤلف: أبو الحسن، علي بن أحمد بن مكرم الصعيدي العدوي (نسبة إلى بني عدي، بالقرب من منفلوط) (ت ١١٨٩ هـ)، المحقق: يوسف الشيخ محمد البقاعي، الناشر: دار الفكر - بيروت، الطبعة: بدون طبعة، تاريخ النشر: ١٤١٤ هـ - ١٩٩٤ م.\n• حاشية رد المحتار، على الدر المختار: شرح تنوير الأبصار، المؤلف: محمد أمين، الشهير بابن عابدين [ت ١٢٥٢ هـ]، الناشر: شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر، الطبعة: الثانية ١٣٨٦ هـ=١٩٦٦ م.\n• الحسنة والسيئة، المؤلف: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (ت ٧٢٨ هـ)، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.\n• حاشية الصبان على شرح الأشموني لألفية ابن مالك، أبو العرفان محمد بن علي الصبان الشافعي (المتوفى: ١٢٠٦ هـ)، الناشر: دار الكتب العلمية بيروت-لبنان، الطبعة: الأولى ١٤١٧ هـ-١٩٩٧ م.\n• الحدائق الوردية في تراجم أئمة الزيدية، حميد الشهيد بن أحمد المحلي، تحقيق: المرتضى بن زيد الحسني، مكتبة مركز بدر (صنعاء)، ١٤٢٣ هـ.","vol":"2","page":1222},{"text":" (خ)\n• الخصال، أبو جعفر محمد بن علي بن بابويه القمي، صححه وعلّق عليه: علي أكبر الغفاري، مؤسسة النشر الإسلامي (قم)، منشورات جماعة المدرسين في الحوزة العلمية (قم)، ١٣٠٣ هـ.\n• الخصائص، المؤلف: أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي (ت ٣٩٢ هـ)، الناشر: الهيئة المصرية العامة للكتاب، الطبعة: الرابعة.\n• خريدة العجائب وفريدة الغرائب، المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن المظفر بن الوردي، البكري القرشي، المعري ثم الحلبي (المتوفى: ٨٥٢ هـ)، المنسوب خطأ: للقاضي زين الدين عمر بن الوردي البكري القرشي، المحقق: أنور محمود زناتي - كلية التربية، جامعة عين شمس، الناشر: مكتبة الثقافة الإسلامية، القاهرة، الطبعة: الأولى، ١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٨ م.\n(د)\n• دراسات التطور التاريخي للصحافة التركية: منذ بدايتها وحتى اليوم الحاضر، محمد الرميزان، مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، شوال ١٤٤٠ هـ\n• دور السلطان عبد الحميد الثاني في تسهيل السيطرة الصهيونية على فلسطين، المؤلف: فدوى أحمد محمود نصيرات، الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية،، ٢٠١٤ م.\n• دستور العلماء=جامع العلوم في اصطلاحات الفنون، المؤلف: القاضي عبد النبي بن عبد الرسول الأحمد نكري (المتوفى: ق ١٢ هـ)، عرب عباراته الفارسية: حسن هاني فحص، الناشر: دار الكتب العلمية - لبنان/ بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤٢١ هـ.\n• الدر المصون في علوم الكتاب المكنون، أبو العباس، شهاب الدين، أحمد بن يوسف بن عبد الدائم المعروف بالسمين الحلبي (المتوفى: ٧٥٦ هـ)، تحقيق: الدكتور أحمد محمد الخراط، الناشر: دار القلم، دمشق.\n• الدر المنثور، عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي (المتوفى: ٩١١ هـ)، الناشر: دار الفكر - بيروت\n• الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة، أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني (المتوفى: ٨٥٢ هـ)، المحقق: مراقبة محمد عبد المعيد ضان، الناشر: مجلس دائرة المعارف العثمانية - صيدر اباد/ الهند، الطبعة: الثانية، ١٣٩٢ هـ- ١٩٧٢ م\n• الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب، إبراهيم بن علي بن محمد، ابن فرحون، برهان الدين اليعمري (ت ٧٩٩ هـ)، تحقيق وتعليق: الدكتور محمد الأحمدي أبو النور، الناشر: دار التراث","vol":"2","page":1223},{"text":"للطبع والنشر، القاهرة.\n• الديباج، إسحاق بن إبراهيم بن سنين أبو القاسم الختلي (المتوفى: ٢٨٣ هـ)، المحقق: إبراهيم صالح، الناشر: دار البشائر، الطبعة: الأولى، ١٩٩٤ م.\n• درء تعارض العقل والنقل، تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: ٧٢٨ هـ)، تحقيق: الدكتور محمد رشاد سالم، الناشر: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، المملكة العربية السعودية، الطبعة: الثانية، ١٤١١ هـ-١٩٩١ م.\n• ديوان حسان بن ثابت، حققه وعلق عليه: وليد عرفات، الناشر: دار صادر - بيروت، د ط، ٢٠٠٦ م.\n• ديوان ذي الرمة، الناشر: المكتب الإسلامي - دمشق- بيروت، ط ١، ١٣٨٤ هـ- ١٩٦٤ م.\n• ديوان طرفة بن العبد، طرفة بن العبد بن سفيان بن سعد البكري الوائلي أبو عمرو الشاعر الجاهلي (المتوفى: ٥٦٤ م)، المحقق: مهدي محمد ناصر الدين، الناشر: دار الكتب العلمية، الطبعة: الثالثة، ١٤٢٣ هـ-٢٠٠٢ م.\n• ديوان أبي فراس الحمداني، شرح د. خليل الدويهي، دار الكتاب العربي (بيروت)، الطبعة الثانية، ١٤١٤ هـ.\n• ديوان الأعشى الكبير، ميمون بن قيس، شرح وتعليق د. محمد حسين، مكتبة الآداب (الجماميزت).\n• ديوان زهير بن أبي سلمى، شرحه وقدم له: الأستاذ علي حسن فاعور، دار الكتب العلمية (بيروت)، الطبعة الأولى، ١٤٠٨ هـ.\n• ديوان عنترة، تحقيق ودراسة: محمد سعيد مولوي، المكتب الإسلامي، وأصل الكتاب رسالة ماجستير من كلية الآداب بجامعة القاهرة.\n• دلائل الصدق لنهج الحق، محمد حسن المظفر، مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، الطبعة الأولى، ١٤٣٨ هـ.\n• الدر الثمين في أسماء المصنفين، المؤلف: علي بن أنجب بن عثمان بن عبد الله أبو طالب، تاج الدين ابن السَّاعي (ت ٦٧٤ هـ)، تحقيق وتعليق: أحمد شوقي بنبين - محمد سعيد حنشي، الناشر: دار الغرب الاسلامي، تونس، الطبعة: الأولى، ١٤٣٠ هـ - ٢٠٠٩ م.\n• دراسات أصولية في القرآن الكريم، المؤلف: محمد إبراهيم الحفناوي، الناشر: مكتبة ومطبعة الإشعاع","vol":"2","page":1224},{"text":"الفنية - القاهرة، عام النشر: ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠٢ م.\n• دراسات في علوم القرآن، المؤلف: محمد بكر إسماعيل (ت ١٤٢٦ هـ)، الناشر: دار المنار، الطبعة: الثانية ١٤١٩ هـ-١٩٩٩ م.\n• درة التنزيل وغرة التأويل، المؤلف: أبو عبد الله محمد بن عبد الله الأصبهاني المعروف بالخطيب الإسكافي (ت ٤٢٠ هـ)، دراسة وتحقيق وتعليق: د/ محمد مصطفى آيدين، الناشر: جامعة أم القرى، وزارة التعليم العالي سلسلة الرسائل العلمية الموصى بها (٣٠) معهد البحوث العلمية مكة المكرمة، الطبعة: الأولى، ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠١ م.\n• دَرْجُ الدُّرر في تَفِسيِر الآيِ والسُّوَر، المؤلف: أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الجرجاني الدار (ت ٤٧١ هـ)، دراسة وتحقيق: (الفاتحة والبقرة) وَليد بِن أحمد بن صَالِح الحُسَيْن، (وشاركه في بقية الأجزاء): إياد عبد اللطيف القيسي، تنبيه: تحقيق (الفاتحة والبقرة) هو أطروحة الماجستير للمحقق، الناشر: مجلة الحكمة، بريطانيا، الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م.\n• دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب، المؤلف: محمد الأمين بن محمد المختار الجكني الشنقيطي (١٣٢٥ - ١٣٩٣ هـ)، الناشر: دار عطاءات العلم (الرياض) - دار ابن حزم (بيروت)، الطبعة: الخامسة، ١٤٤١ هـ - ٢٠١٩ م (الأولى لدار ابن حزم).\n• الطالب لنيل المطالب، المؤلف: مرعي بن يوسف بن أبى بكر بن أحمد الكرمى المقدسي الحنبلى (ت ١٠٣٣ هـ)، المحقق: أبو قتيبة نظر محمد الفاريابي، الناشر: دار طيبة للنشر والتوزيع، الرياض، الطبعة: الأولى، ١٤٢٥ هـ/ ٢٠٠٤ م.\n• ديوان الضعفاء والمتروكين وخلق من المجهولين وثقات فيهم لين، المؤلف: شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قَايْماز الذهبي (ت ٧٤٨ هـ)، المحقق: حماد بن محمد الأنصاري، الناشر: مكتبة النهضة الحديثة - مكة، الطبعة: الثانية، ١٣٨٧ هـ - ١٩٦٧ م.\n• ديوان الهذليين، المؤلف: الشعراء الهذليون، ترتيب وتعليق: محمّد محمود الشنقيطي، الناشر: الدار القومية للطباعة والنشر، القاهرة - جمهورية مصر العربية، عام النشر: ١٣٨٥ هـ - ١٩٦٥ م.\n• ديوان لبيد بن ربيعة العامري، المؤلف: لَبِيد بن ربيعة بن مالك، أبو عقيل العامري الشاعر معدود من الصحابة (ت ٤١ هـ)، اعتنى به: حمدو طمّاس، الناشر: دار المعرفة، الطبعة: الأولى، ١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٤ م.","vol":"2","page":1225},{"text":" (ذ)\n• ذيل وفيات الأعيان المسمى «درّة الحجال فى أسماء الرّجال»، المؤلف: أبو العبّاس أحمد بن محمّد المكناسي الشّهير بابن القاضي (١٠٢٥ هـ)، المحقق: الدكتور محمد الأحمدي أبو النور، الناشر: دار التراث (القاهرة) - المكتبة العتيقة (تونس)، الطبعة: الأولى، ١٣٩١ هـ.\n• ذيل التقييد في رواة السنن والأسانيد، المؤلف: محمد بن أحمد بن علي، تقي الدين، أبو الطيب المكي الحسني الفاسي (المتوفى: ٨٣٢ هـ)، المحقق: كمال يوسف الحوت، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، الطبعة: الأولى، ١٤١٠ هـ/ ١٩٩٠ م.\n• الذيل على طبقات الحنابلة، المؤلف: عبد الرحمن بن أحمد بن رجب (٧٣٦ - ٧٩٥ هـ)، المحقق: عبد الرحمن بن سليمان العثيمين، الناشر: مكتبة العبيكان، الرياض، الطبعة: الأولى، ١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٥ م.\n(ر)\n• الرسائل المتبادلة بين جمال الدين القاسمي ومحمود شكري الألوسي، جمع وتحقيق: محمد ناصر العجمي، دار البشائر الإسلامية (بيروت)، الطبعة الأولى، سنة: ١٤٢٢ هـ.\n• الرسالة، المؤلف: الشافعي أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن عبد المطلب بن عبد مناف المطلبي القرشي المكي (المتوفى: ٢٠٤ هـ)، المحقق: أحمد شاكر، الناشر: مكتبه الحلبي، مصر، الطبعة: الأولى، ١٣٥٨ هـ.\n• الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية، زين الدين العاملي، تحقيق ونشر: مجمع الفكر الإسلامي (إيران)، الطبعة الثالثة عشر، ١٤٣٧.\n• روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، شهاب الدين أبي الثناء محمود بن عبد الله الآلوسي البغدادي، حققه: ماهر حبوش وآخرون، مؤسسة الرسالة (بيروت)، الطبعة الأولى، ١٤٣١ هـ.\n• الرد على الجهمية، المؤلف: أبو سعيد عثمان بن سعيد الدارمي (ت ٢٨٠ هـ)، المحقق: بدر بن عبد الله البدر، الناشر: دار ابن الأثير - الكويت، الطبعة: الثانية، ١٤١٦ هـ - ١٩٩٥ م.\n• الروض المربع شرح زاد المستقنع، المؤلف: منصور بن يونس البهوتى، حققه: المكتب العِلْمي لمؤسسة الرسالة، الناشر: (دار المؤيد- الرياض)، (مؤسسة الرسالة - بيروت)، الطبعة: الأولى ١٤١٧ هـ - ١٩٩٦ م.","vol":"2","page":1226},{"text":"• الروضة الندية (ومعها: التعليقاتُ الرَّضية على «الرَّوضة النّديَّة»)، المؤلف: أبو الطيب محمد صديق خان بن حسن بن علي ابن لطف الله الحسيني البخاري القِنَّوجي (ت ١٣٠٧ هـ)، التعليقات بقلم: العلامة المحدِّث الشيخ محمَّد نَاصِر الدّين الألبَاني، ضبط نصَّه، وحقَّقه، وَقَام على نشره: علي بن حسَن بن علي بن عَبد الحميد الحَلبيُّ الأثريّ، الناشر: دَارُ ابن القيِّم للنشر والتوزيع، الرياض - المملكة العربية السعودية، دَار ابن عفَّان للنشر والتوزيع، القاهرة - جمهورية مصر العربية، الطبعة: الأولى، ١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٣ م\n• روائع التفسير (الجامع لتفسير الإمام ابن رجب الحنبلي)، المؤلف: زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب بن الحسن، السَلامي، البغدادي، ثم الدمشقي، الحنبلي (ت ٧٩٥ هـ)، جمع وترتيب: أبي معاذ طارق بن عوض الله بن محمد، الناشر: دار العاصمة - المملكة العربية السعودية، الطبعة: الأولى ١٤٢٢ - ٢٠٠١ م.\n• الراموز على الصحاح، المؤلف: السيد محمد بن السيد حسن (ت ٨٦٦ هـ)، المحقق: د محمد علي عبد الكريم الرديني، الناشر: دار أسامة - دمشق، الطبعة: الثانية، ١٩٨٦.\n• رجال المعلقات العشر، المؤلف: مصطفى بن محمد سليم الغلايينى (ت ١٣٦٤ هـ)، [الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع]، عدد الصفحات: ٦٢، تاريخ النشر بالشاملة: ٨ ذو الحجة ١٤٣١.\n• رسالة إلى أهل الثغر بباب الأبواب، المؤلف: أبو الحسن علي بن إسماعيل بن إسحاق بن سالم بن إسماعيل بن عبد الله بن موسى بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري (ت ٣٢٤ هـ)، المحقق: عبد الله شاكر محمد الجنيدي، الناشر: عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، المملكة العربية السعودية، الطبعة: ١٤١٣ هـ.\n• رسالة في إثبات الاستواء والفوقية ومسألة الحرف والصوت في القرآن المجيد، المؤلف: عبد الله بن يوسف بن محمد بن حيّويه الجويني، أبو محمد (ت ٤٣٨ هـ)، المحقق: أحمد معاذ بن علوان حقي، الناشر: دار طويق للنشر والتوزيع - الرياض، الطبعة: الأولى، ١٤١٩ هـ ١٩٩٨ م.\n• روح البيان، المؤلف: إسماعيل حقي بن مصطفى الإستانبولي الحنفي الخلوتي، المولى أبو الفداء (ت ١١٢٧ هـ)، الناشر: دار الفكر - بيروت.\n• الروض المعطار في خبر الأقطار، المؤلف: أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عبد المنعم الحِميرى (ت ٩٠٠ هـ)، المحقق: إحسان عباس، الناشر: مؤسسة ناصر للثقافة - بيروت - طبع على مطابع دار السراج، الطبعة: الثانية، ١٩٨٠ م.\n• روضة المحبين ونزهة المشتاقين، المؤلف: أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب ابن قيم الجوزية","vol":"2","page":1227},{"text":" (٦٩١ - ٧٥١)، حققه: محمد عزير شمس، راجعه: سليمان بن عبد الله العمير- محمد أجمل الإصلاحي، الناشر: دار عطاءات العلم (الرياض) - دار ابن حزم (بيروت)، الطبعة: الرابعة، ١٤٤٠ هـ - ٢٠١٩ م (الأولى لدار ابن حزم).\n• روضة الناظر وجنة المناظر في أصول الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، المؤلف: موفق الدين عبد الله بن أحمد بن قدامة الجماعيلي (٥٤١ - ٦٢٠ هـ)، قدم له ووضح غوامضه وخرج شواهده: الدكتور شعبان محمد إسماعيل [ت ١٤٤٣ هـ]، الناشر: مؤسسة الريّان للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة: الطبعة الثانية ١٤٢٣ هـ-٢٠٠٢ م.\n• رؤوس المسائل «المسائل الخلافية بين الحنفية والشافعية»، المؤلف: جار الله أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري (٤٦٧ هـ - ٥٣٨ هـ)، دراسة وتحقيق: عبد الله نذير أحمد، أصل التحقيق: رسالة ماجستير للمحقق، قسم الدراسات العليا الشرعية فرع الفقه والأصول - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة أم القرى، مكة المكرمة، الناشر: دار البشائر الإسلامية للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت - لبنان، الطبعة: الأولى، ١٤٠٧ هـ - ١٩٨٧ م.\n(ز)\n• زاد المسير في علم التفسير، جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي (ت ٥٩٧ هـ)، المحقق: عبد الرزاق المهدي، الناشر: دار الكتاب العربي - بيروت، الطبعة: الأولى - ١٤٢٢ هـ.\n• زاد المستقنع في اختصار المقنع، المؤلف: موسى بن أحمد بن موسى بن سالم بن عيسى بن سالم الحجاوي المقدسي، ثم الصالحي، شرف الدين، أبو النجا (ت ٩٦٨ هـ)، المحقق: عبد الرحمن بن علي بن محمد العسّكر، الناشر: دار الوطن للنشر - الرياض\n• زاد المعاد في هدي خير العباد، المؤلف: أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب ابن قيم الجوزية (٦٥٩ - ٧٥١)، الناشر: دار عطاءات العلم (الرياض) - دار ابن حزم (بيروت)، الطبعة: الثالثة، ١٤٤٠ هـ - ٢٠١٩ م (الأولى لدار ابن حزم).\n• الزهد، المؤلف: أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني (ت ٢٤١ هـ)، وضع حواشيه: محمد عبد السلام شاهين، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، الطبعة: الأولى، ١٤٢٠ هـ - ١٩٩٩ م.\n• زهرة التفاسير، المؤلف: محمد بن أحمد بن مصطفى بن أحمد المعروف بأبي زهرة (ت ١٣٩٤ هـ)، دار النشر: دار الفكر العربي.","vol":"2","page":1228},{"text":"• الزيادة والإحسان في علوم القرآن، المؤلف: محمد بن أحمد بن سعيد الحنفي المكيّ، شمس الدين، المعروف كوالده بعقيلة (ت ١١٥٠ هـ)، المحقق: أصل هذا الكتاب مجموعة رسائل جامعية ماجستير للأساتذة الباحثين: (محمد صفاء حقي، وفهد علي العندس، وإبراهيم محمد المحمود، ومصلح عبد الكريم السامدي، خالد عبد الكريم اللاحم).، الناشر: مركز البحوث والدراسات جامعة الشارقة الإمارات، الطبعة: الأولى، ١٤٢٧ هـ.\n(س)\n• السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير، المؤلف: شمس الدين، محمد بن أحمد الخطيب الشربيني الشافعي (ت ٩٧٧ هـ)، الناشر: مطبعة بولاق (الأميرية) - القاهرة، عام النشر: ١٢٨٥ هـ.\n• سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها، المؤلف: أبو عبد الرحمن محمد ناصر الدين، بن الحاج نوح بن نجاتي بن آدم، الأشقودري الألباني (ت ١٤٢٠ هـ)، الناشر: مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، الرياض، الطبعة: الأولى، (لمكتبة المعارف)، عام النشر: جـ ١ - ٤: ١٤١٥ هـ، جـ ٦: ١٤١٦ هـ، جـ ٧: ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠٢ م.\n• سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة، المؤلف: أبو عبد الرحمن محمد ناصر الدين، بن الحاج نوح بن نجاتي بن آدم، الأشقودري الألباني (ت ١٤٢٠ هـ)، دار النشر: دار المعارف، الرياض - الممكلة العربية السعودية، الطبعة: الأولى، ١٤١٢ هـ/ ١٩٩٢ م.\n• سؤالات السلمي للدارقطني، المؤلف: محمد بن الحسين بن محمد بن موسى بن خالد بن سالم النيسابوري، أبو عبد الرحمن السلمي (المتوفى: ٤١٢ هـ)، تحقيق: فريق من الباحثين بإشراف وعناية د/ سعد بن عبد الله الحميد ود/ خالد بن عبد الرحمن الجريسي، الطبعة: الأولى، ١٤٢٧ هـ.\n• سلم الوصول إلى طبقات الفحول، المؤلف: مصطفى بن عبد الله القسطنطيني العثماني المعروف بـ «كاتب جلبي» وبـ «حاجي خليفة» (المتوفى ١٠٦٧ هـ)، المحقق: محمود عبد القادر الأرناؤوط، إشراف وتقديم: أكمل الدين إحسان أوغلي، الناشر: مكتبة إرسيكا، إستانبول - تركيا، عام النشر: ٢٠١٠ م.\n• سير أعلام النبلاء، المؤلف: شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قَايْماز الذهبي (المتوفى: ٧٤٨ هـ)، المحقق: مجموعة من المحققين بإشراف الشيخ شعيب الأرناؤوط، الناشر: مؤسسة الرسالة، الطبعة: الثالثة، ١٤٠٥ هـ.","vol":"2","page":1229},{"text":"• سنن النسائي، أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي الخراساني، النسائي (المتوفى: ٣٠٣ هـ)، حكم على الأحاديث وعلَّق عليه العلامة المحدث محمد ناصر الدين الألباني، اعتنى به: مشهور بن حسن آل سلمان، مكتبة المعارف (الرياض)، الطبعة الأولى.\n• سنن ابن ماجه ت الأرنؤوط، المؤلف: ابن ماجة - وماجة اسم أبيه يزيد - أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني (المتوفى: ٢٧٣ هـ)، المحقق: شعيب الأرنؤوط - عادل مرشد - محمَّد كامل قره بللي - عَبد اللّطيف حرز الله، الناشر: دار الرسالة العالمية، الطبعة: الأولى، ١٤٣٠ هـ.\n• سنن أبي داود، المؤلف: أبو داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد بن عمرو الأزدي السِّجِسْتاني (ت ٢٧٥ هـ)، المحقق: محمد محيي الدين عبد الحميد، الناشر: المكتبة العصرية، صيدا - بيروت.\n• سنن الترمذي، المؤلف: محمد بن عيسى بن سَوْرة بن موسى بن الضحاك، الترمذي، أبو عيسى (ت ٢٧٩ هـ)، تحقيق وتعليق: أحمد محمد شاكر، الناشر: شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي - مصر، الطبعة: الثانية، ١٣٩٥ هـ - ١٩٧٥ م.\n• سفر دانيال، القس أنطونيوس فكري، مشروع الكنوز القبطية.\n• السنة، المؤلف: أبو بكر أحمد بن محمد بن هارون بن يزيد الخَلَّال البغدادي الحنبلي (ت ٣١١ هـ)، المحقق: د. عطية الزهراني، الناشر: دار الراية - الرياض، الطبعة: الأولى، ١٤١٠ هـ - ١٩٨٩ م.\n• السنن الكبرى، المؤلف: أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي (ت ٣٠٣ هـ)، حققه وخرج أحاديثه: حسن عبد المنعم شلبي، (بمساعدة مكتب تحقيق التراث في مؤسسة الرسالة)، أشرف عليه: شعيب الأرناؤوط، ةقدم له: عبد الله بن عبد المحسن التركي، الناشر: مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤٢١ هـ - ٢٠٠١ م.\n• السبعة في القراءات، المؤلف: أحمد بن موسى بن العباس التميمي، أبو بكر بن مجاهد البغدادي (ت ٣٢٤ هـ)، المحقق: شوقي ضيف، الناشر: دار المعارف - مصر، الطبعة: الثانية، ١٤٠٠ هـ.\n• سلاسل الذهب، المؤلف: بدر الدين الزركشي (٧٤٥ - ٧٩٤ هـ)، تحقيق ودراسة: محمد المختار بن محمد الأمين الشنقيطي، تحقيق الكتاب: رسالة لنيل الشهادة العالمية العالية «الدكتوراه» نوقشت فى ١٦/ ٨/ ١٤٠٤ هـ ونالت مرتبة الشرف الأولى، تقديم: د. عمر عبد العزيز محمد - الشيخ عطية محمد سالم، الناشر: المحقق، المدينة المنورة، الطبعة: الثانية، ١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٢ م.","vol":"2","page":1230},{"text":"• سمط اللآلي في شرح أمالي القالي [هو كتاب شرح أمالي القالي/ لأبي عبيد البكري؛ نسخه وصححه وحقق ما فيه وخرجه وأضاف إليه عبد العزيز الميمني]، المؤلف: أبو عبيد عبد الله بن عبد العزيز بن محمد البكري الأندلسي (ت ٤٨٧ هـ)، نسخه وصححه ونقحه وحقق ما فيه واستخرجه من بطون دواوين العلم: عبد العزيز الميمني، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان.\n• السيرة النبوية لابن هشام، المؤلف: عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري المعافري، أبو محمد، جمال الدين (ت ٢١٣ هـ)، تحقيق: مصطفى السقا وإبراهيم الأبياري وعبد الحفيظ الشلبي، الناشر: شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر، الطبعة: الثانية، ١٣٧٥ هـ - ١٩٥٥ م.\n• السيرة النبوية (من البداية والنهاية لابن كثير)، المؤلف: أبو الفداء إسماعيل بن كثير (٧٠١ - ٧٧٤ هـ)، تحقيق: مصطفى عبد الواحد [على مخطوطتين، وطبعة السعادة من البداية والنهاية]، الناشر: عيسى البابي الحلبي، القاهرة، عام النشر: ١٣٩٥ هـ - ١٩٧٦ م.\n• السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار، المؤلف: محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني (ت ١٢٥٠ هـ)، الناشر: دار ابن حزم، الطبعة: الطبعة الأولى.\n(ش)\n• شيخ الشام جمال الدين القاسمي، بقلم: محمود مهدي الإستانبولي، المكتب الإسلامي (بيروت)، الطبعة الأولى، ١٤٠٥ هـ.\n• شرح السنة، الحسن بن علي البربهاري، دراسة وتحقيق: خالد الردادي، مكتبة الغرباء الأثرية (المملكة العربية السعودية)، الطبعة الأولى، سنة: ١٤١٤ هـ.\n• شرح منتهى الإرادات - المسمى: «دقائق أولي النهى لشرح المنتهى»، المؤلف: منصور بن يونس بن بن إدريس البهوتى، فقيه الحنابلة (ت ١٠٥١ هـ)، الناشر: عالم الكتب، بيروت (وله طبعة مختلفة عن عالم الكتب بالرياض؛ فلْيُنتبه)، الطبعة: الأولى، ١٤١٤ هـ - ١٩٩٣ م.\n• شرح فتح القدير، كمال الدين محمد بن عبد الواحد السيواسي المعروف بابن الهمام (المتوفى: ٨٦١ هـ)، الناشر: دار الفكر، الطبعة: بدون طبعة وبدون تاريخ، بأعلى الصفحة كتاب الهداية للمرغيناني يليه - مفصولا بفاصل - «فتح القدير» للكمال بن الهمام وتكملته «نتائج الأفكار» لقاضي زاده.","vol":"2","page":1231},{"text":"• الشريعة، أبو بكر محمد بن الحسين بن عبد الله الآجري البغدادي (المتوفى: ٣٦٠ هـ)، المحقق: الدكتور عبد الله بن عمر بن سليمان الدميجي، الناشر: دار الوطن - الرياض، السعودية، الطبعة: الثانية، ١٤٢٠ هـ-١٩٩٩ م.\n• الشعر والشعراء، أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦ هـ)، الناشر: دار الحديث، القاهرة، عام النشر: ١٤٢٣ هـ.\n• الشعر أو شرح الأبيات المشكلة الإعراب، الحسن بن أحمد بن عبد الغفار الفارسي الأصل، أبو علي (المتوفى: ٣٧٧ هـ)، تحقيق وشرح: الدكتور محمود محمد الطناحي، الناشر: مكتبة الخانجي، القاهرة - مصر، الطبعة: الأولى، ١٤٠٨ هـ-١٩٨٨ م.\n• شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة والتابعين ومن بعدهم، أبو القاسم هبة الله ابن الحسن بن منصور الطبري اللالكائي، تحقيق: أبو مالك أحمد بن علي الرياشي، الناشر: دار النصيحة - المدينة المنورة، الطبعة: الأولى، ١٤٣٦ هـ.\n• شرح الزركشي على مختصر الخرقي، شمس الدين محمد بن عبد الله الزركشي المصري الحنبلي (المتوفى: ٧٧٢ هـ)، الناشر: دار العبيكان، الطبعة: الأولى، ١٤١٣ هـ-١٩٩٣ م\n• شرح كتاب سيبويه، لأبي سعيد الحسن بن عبد الله بن المرزبان السيرافي (ت ٣٦٨ هـ)، تحقيق: أحمد حسن مهدلي وعلي سيد علي، الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١، ٢٠٠٨ م.\n• شرح كتاب سيبويه (من باب الندبة إلى نهاية باب الأفعال)، لأبي الحسن علي بن عيسى الرماني (ت ٣٨٤ هـ)، دراسة وتحقيق: سيف بن عبد الرحمن بن ناصر العريفي، الناشر: جامعة: الإمام محمد بن سعود الإسلامية - الرياض، ١٤١٨ هـ- ١٩٩٨ م.\n• شرح مختصر الروضة، سليمان بن عبد القوي بن الكريم الطوفي الصرصري، أبو الربيع، نجم الدين (المتوفى: ٧١٦ هـ)، المحقق: عبد الله بن عبد المحسن التركي، الناشر: مؤسسة الرسالة، الطبعة: الأولى، ١٤٠٧ هـ.\n• شرح ديوان الحماسة، أبو على أحمد بن محمد بن الحسن المرزوقي الأصفهاني (ت ٤٢١ هـ)، المحقق: غريد الشيخ، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، الطبعة: الأولى، ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م.\n• الشرح المختصر على زاد المستقنع، معالي الشيخ صالح بن فوزان الفوزان، دار العاصمة (الرياض)، الطبعة الأولى، ١٤٢٤ هـ.","vol":"2","page":1232},{"text":"• شرح السيد الشريف الجرجاني على المواقف للعضد الإيجي، دار الطباعة العامرة، منشورات صهيب حسن الشافعي الأشعري.\n• الشرح الممتع على زاد المستقنع، المؤلف: محمد بن صالح العثيمين، دار النشر: دار ابن الجوزي، الطبعة: الأولى، ١٤٢٢ - ١٤٢٨ هـ.\n• الشريعة، المؤلف: أبو بكر محمد بن الحسين بن عبد الله الآجُرِّيُّ البغدادي (ت ٣٦٠ هـ)، المحقق: الدكتور عبد الله بن عمر بن سليمان الدميجي، الناشر: دار الوطن - الرياض، الطبعة: الثانية، ١٤٢٠ هـ - ١٩٩٩ م.\n• شذرات الذهب في أخبار من ذهب، المؤلف: عبد الحي بن أحمد بن محمد ابن العماد العَكري الحنبلي، أبو الفلاح (ت ١٠٨٩ هـ)، حققه: محمود الأرناؤوط، خرج أحاديثه: عبد القادر الأرناؤوط، الناشر: دار ابن كثير، دمشق - بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م،\n• شرح السنة معتقد إسماعيل بن يحيى المزني، المؤلف: إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل، أبو إبراهيم المزني (ت ٢٦٤ هـ)، المحقق: جمال عزون، الناشر: مكتبة الغرباء الأثرية - السعودية، الطبعة: الأولى، ١٤١٥ هـ - ١٩٩٥ م.\n• شرح العقيدة الطحاوية، المؤلف: صدر الدين محمد بن علاء الدين عليّ بن محمد ابن أبي العز الحنفي، الأذرعي الصالحي الدمشقي (ت ٧٩٢ هـ)، تحقيق: أحمد شاكر، الناشر: وزارة الشؤون الإسلامية، والأوقاف والدعوة والإرشاد، الطبعة: الأولى - ١٤١٨ هـ.\n• شرح العقيدة الأصفهانية، المؤلف: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (ت ٧٢٨ هـ)، المحقق: محمد بن رياض الأحمد، الناشر: المكتبة العصرية - بيروت، الطبعة: الأولى - ١٤٢٥ هـ.\n• شرح العقيدة السفارينية - الدرة المضية في عقد أهل الفرقة المرضية، المؤلف: محمد بن صالح بن محمد العثيمين (ت ١٤٢١ هـ)، الناشر: دار الوطن للنشر، الرياض، الطبعة: الأولى، ١٤٢٦ هـ.\n• شرح العقيدة الواسطية، المؤلف: محمد بن صالح بن محمد العثيمين (ت ١٤٢١ هـ)، خرج أحاديثه واعتنى به: سعد بن فواز الصميل، الناشر: دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية، الطبعة: السادسة، ١٤٢١ هـ.\n• شرح العقيدة الواسطية، ويليه ملحق الواسطية، المؤلف: محمد بن خليل حسن هرّاس (ت ١٣٩٥ هـ)، ضبط نصه وخرَّج أحاديثه ووضع الملحق: علوي بن عبد القادر السقاف، الناشر: دار الهجرة للنشر والتوزيع - الخبر، الطبعة: الثالثة، ١٤١٥ هـ.","vol":"2","page":1233},{"text":"• شرح المفصل للزمخشري، المؤلف: يعيش بن علي بن يعيش ابن أبي السرايا محمد بن علي، أبو البقاء، موفق الدين الأسدي الموصلي، المعروف بابن يعيش وبابن الصانع (ت ٦٤٣ هـ)، قدم له: الدكتور إميل بديع يعقوب، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، الطبعة: الأولى، ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠١ م.\n• شرح شواهد المغني، المؤلف: عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي (ت ٩١١ هـ)، وقف على طبعه وعلق حواشيه: أحمد ظافر كوجان، مذيل وتعليقات: الشيخ محمد محمود ابن التلاميد التركزي الشنقيطي، الناشر: لجنة التراث العربي، الطبعة: بدون، ١٣٨٦ هـ - ١٩٦٦ م.\n• شرح مختصر الطحاوي، المؤلف: أبو بكر الرازي الجصاص (٣٠٥ - ٣٧٠ هـ)، تحقيق: رسائل دكتوراة، في الفقه، كلية الشريعة، جامعة أم القرى مكة المكرمة، أعد الكتاب للطباعة وراجعه وصححه: أ. د. سائد بكداش، الناشر: دار البشائر الإسلامية - ودار السراج، الطبعة: الأولى، ١٤٣١ هـ - ٢٠١٠ م.\n• شرح منظومة التفسير، المؤلف: أبو عبد الله، أحمد بن عمر بن مساعد الحازمي، مصدر الكتاب: دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشيخ الحازمي.\n• شروق أنوار المنن الكبرى الإلهية بكشف أسرار السنن الصغرى النسائية، المؤلف: محمد المختار بن محمد بن أحمد مزيد الجكني الشنقيطي (المتوفى في المدينة: ١٤٠٥ هـ)، تنبيه: توفي المؤلف ﵀ ولم يتم الكتاب، الناشر: مطابع الحميضي (طبع على نفقة أحد المحسنين)، الطبعة: الأولى، ١٤٢٥ هـ.\n• الشفا بتعريف حقوق المصطفى، المؤلف: عياض بن موسى بن عياض بن عمرون اليحصبي السبتي، أبو الفضل (ت ٥٤٤ هـ)، الناشر: دار الفيحاء - عمان، الطبعة: الثانية - ١٤٠٧ هـ.\n• شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل، المؤلف: أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب ابن قيم الجوزية (٦٥٩ - ٧٥١)، تحقيق: زاهر بن سالم بَلفقيه، راجعه: سليمان بن عبد الله العمير - أحمد حاج عثمان، الناشر: دار عطاءات العلم (الرياض) - دار ابن حزم (بيروت)، الطبعة: الثانية، ١٤٤١ هـ - ٢٠١٩ م (الأولى لدار ابن حزم).\n(ص)\n• الصواعق المرسلة على تاريخ الجهمية والمعتزلة، المؤلف: عبد الحميد بن خليوي الرفاعي، مكتبة الرشد، الطبعة الأولى، سنة: ١٤٢٨ هـ.","vol":"2","page":1234},{"text":"• صحيح البخاري، الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله ﷺ وسننه وأيامه، المؤلف: محمد بن إسماعيل أبو عبد الله البخاري الجعفي، المحقق: محمد زهير بن ناصر الناصر، الناشر: دار طوق النجاة (مصورة عن السلطانية بإضافة ترقيم ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي).\n• صحيح مسلم، المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله ﷺ، المؤلف: مسلم بن الحجاج أبو الحسن القشيري النيسابوري (المتوفى: ٢٦١ هـ)، المحقق: محمد فؤاد عبد الباقي، الناشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت.\n• الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية، أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهري الفارابي (المتوفى: ٣٩٣ هـ)، تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار، الناشر: دار العلم للملايين - بيروت، الطبعة: الرابعة ١٤٠٧ هـ-١٩٨٧ م.\n• صحيح ابن خزيمة، إمام الأئمة، أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة السلمي النيسابوري (ولد ٢٢٣ - ت ٣١١ هـ) حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه وقَدّم له: الدكتور: محمد مصطفى الأعظمي [ت ١٤٣٩ هـ]، الناشر: المكتب الإسلامي - بيروت.\n• الصحيح المسند من أسباب النزول، المؤلف: مُقْبلُ بنُ هَادِي بنِ مُقْبِلِ بنِ قَائِدَةَ الهَمْدَاني الوادعِيُّ (ت ١٤٢٢ هـ)، الناشر: مكتبة ابن تيمية - القاهرة، الطبعة: الرابعة مزيدة ومنقحة، ١٤٠٨ هـ- ١٩٨٧ م.\n• الصواعق المحرقة على أهل الرفض والضلال والزندقة، المؤلف: أحمد بن محمد بن علي بن حجر الهيتمي السعدي الأنصاري، شهاب الدين شيخ الإسلام، أبو العباس (ت ٩٧٤ هـ)، المحقق: عبد الرحمن بن عبد الله التركي - كامل محمد الخراط، الناشر: مؤسسة الرسالة - لبنان، الطبعة: الأولى، ١٤١٧ هـ - ١٩٩٧ م.\n• الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، المؤلف: أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب ابن قيم الجوزية (٦٩١ - ٧٥١)، تحقيق: حسين بن عكاشة بن رمضان، تخريج: حسين بن حسن باقر - كريم محمد عيد، راجعه: محمد أجمل الإصلاحي - سعود بن عبد العزيز العريفي، الناشر: دار عطاءات العلم (الرياض) - دار ابن حزم (بيروت).، الطبعة: الأولى (لدار ابن حزم)، ١٤٤٢ هـ - ٢٠٢٠.\n• صحيح سنن أبي داود، المؤلف: الشيخ محمد ناصر الدين الألباني (ت ١٤٢٠ هـ)، الناشر: مؤسسة غراس للنشر والتوزيع، الكويت، الطبعة: الأولى، ١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٢ م.","vol":"2","page":1235},{"text":" (ض)\n• الضوء اللامع لأهل القرن التاسع، المؤلف: شمس الدين أبو الخير محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أبي بكر بن عثمان بن محمد السخاوي (المتوفى: ٩٠٢ هـ)، الناشر: منشورات دار مكتبة الحياة - بيروت.\n• الضعفاء الكبير: أبو جعفر محمد بن عمرو بن موسى بن حماد العقيلي المكي (ت ٣٢٢ هـ)، المحقق: عبد المعطي أمين قلعجي، الناشر: دار المكتبة العلمية - بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤٠٤ هـ - ١٩٨٤ م.\n• الضعفاء، أبو نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مهران الأصبهاني (المتوفى: ٤٣٠ هـ)، المحقق: فاروق حمادة، الناشر: دار الثقافة - الدار البيضاء، الطبعة: الأولى، ١٤٠٥ - ١٩٨٤\n• الضعفاء، محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري، أبو عبد الله (المتوفى: ٢٥٦ هـ)، المحقق: أبو عبد الله أحمد بن إبراهيم بن أبي العينين، الناشر: مكتبة ابن عباس، الطبعة: الأولى ١٤٢٦ هـ-٢٠٠٥ مـ\n• ضعيف سنن الترمذي، محمد ناصر الدين الألباني (المتوفى: ١٤٢٠ هـ)، أشرف على طباعته والتعليق عليه: زهير الشاويش، بتكليف: من مكتب التربية العربي لدول الخليج - الرياض، توزيع: المكتب الاسلامي - بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤١١ هـ-١٩٩١ م.\n• الضروري في أصول الفقه أو مختصر المستصفى، المؤلف: أبو الوليد محمد بن رشد الحفيد (ت ٥٩٥ هـ)، تقديم وتحقيق: جمال الدين العلوي، الناشر: دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان، الطبعة: الأولى، ١٩٩٤ م.\n(ط)\n• طبقات الحنابلة، المؤلف: أبو الحسين ابن أبي يعلى، محمد بن محمد (المتوفى: ٥٢٦ هـ)، المحقق: محمد حامد الفقي، الناشر: دار المعرفة - بيروت.\n• الطبقات السنية في تراجم الحنفية، المؤلف: تقي الدين بن عبد القادر التميمي الداري الغزي (المتوفى: ١٠١٠ هـ)، المكتبة الشاملة.\n• طبقات الشافعية الكبرى، المؤلف: تاج الدين عبد الوهاب بن تقي الدين السبكي (المتوفى: ٧٧١ هـ)،","vol":"2","page":1236},{"text":"المحقق: د. محمود محمد الطناحي د. عبد الفتاح محمد الحلو، الناشر: هجر للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة: الثانية، ١٤١٣ هـ.\n• طبقات الشافعيين، المؤلف: أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي (المتوفى: ٧٧٤ هـ)\n• تحقيق: د أحمد عمر هاشم، د محمد زينهم محمد عزب، الناشر: مكتبة الثقافة الدينية، تاريخ النشر: ١٤١٣ هـ - ١٩٩٣ م.\n• الطبقات الكبرى، محمد بن سعد بن منيع الزهري (ت ٢٣٠ هـ)، المحقق: الدكتور علي محمد عمر، الناشر: مكتبة الخانجي، القاهرة - مصر، الطبعة: الأولى، ١٤٢١ هـ - ٢٠٠١ م.\n• الطبقات، أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي الخراساني، النسائي (المتوفى: ٣٠٣ هـ)، المحقق: مشهور حسن-عبد الكريم الوريكات، الناشر: مكتبة المنار - الأردن-الزرقاء، الطبعة: الأولى، ١٤٠٨ هـ-١٩٨٧ م.\n• طبقات الحفاظ، المؤلف: عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي (ت ٩١١ هـ)، الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤٠٣.\n• طبقات الشافعية، المؤلف: أبو بكر بن أحمد بن محمد بن عمر الأسدي الشهبي الدمشقي، تقي الدين ابن قاضي شهبة (ت ٨٥١ هـ)، المحقق: د. الحافظ عبد العليم خان، دار النشر: عالم الكتب - بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤٠٧ هـ.\n• طبقات المفسرين، المؤلف: أحمد بن محمد الأدنه وي من علماء القرن الحادي عشر (ت ق ١١ هـ)، المحقق: سليمان بن صالح الخزي، الناشر: مكتبة العلوم والحكم - السعودية، الطبعة: الأولى، ١٤١٧ هـ- ١٩٩٧ م.\n• طبقات المفسرين للداوودي، المؤلف: محمد بن علي بن أحمد، شمس الدين الداوودي المالكي (ت ٩٤٥ هـ)، الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت، راجع النسخة وضبط أعلامها: لجنة من العلماء بإشراف الناشر.\n• طبقات النحويين واللغويين (سلسلة ذخائر العرب ٥٠)، المؤلف: محمد بن الحسن بن عبيد الله بن مذحج الزبيدي الأندلسي الإشبيلي، أبو بكر (ت ٣٧٩ هـ)، المحقق: محمد أبو الفضل إبراهيم، الطبعة: الثانية، الناشر: دار المعارف.\n• طبقات علماء الحديث، المؤلف: أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الهادي الدمشقي الصالحي (ت","vol":"2","page":1237},{"text":"٧٤٤ هـ)، تحقيق: أكرم البوشي، إبراهيم الزيبق، الناشر: مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت - لبنان، الطبعة: الثانية، ١٤١٧ هـ - ١٩٩٦ م.\n• الطرق الحكمية في السياسة الشرعية، المؤلف: أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب ابن قيم الجوزية (٦٩١ - ٧٥١)، المحقق: نايف بن أحمد الحمد، راجعه: سليمان بن عبد الله العمير - إبراهيم بن على العبيد، الناشر: دار عطاءات العلم (الرياض) - دار ابن حزم (بيروت)، الطبعة: الرابعة، ١٤٤٠ هـ - ٢٠١٩ م.\n• طريق الهجرتين وباب السعادتين، المؤلف: الإمام أبي عبد اللَّه محمد بن أبي بكر بن أيوب ابن قيم الجوزية (٦٩١ - ٧٥١)، حققه: محمد أجمل الإصلاحي، خرج أحاديثه: زائد بن أحمد النشيري، راجعه: سعود بن عبد العزيز العريفي - علي بن محمد العمران، الناشر: دار عطاءات العلم (الرياض) - دار ابن حزم (بيروت)، الطبعة: الرابعة، ١٤٤٠ هـ - ٢٠١٩ م.\n(ع)\n• العين، المؤلف: أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم الفراهيدي البصري (المتوفى: ١٧٠ هـ)، المحقق: د مهدي المخزومي، د إبراهيم السامرائي، الناشر: دار ومكتبة الهلال.\n• العدة في أصول الفقه: العدة في أصول الفقه، القاضي أبو يعلى، محمد بن الحسين الفراء البغدادي الحنبلي (٤٥٨ هـ) حققه وعلق عليه وخرج نصه: د أحمد بن علي بن سير المباركي، الأستاذ المشارك في كلية الشريعة بالرياض - جامعة الملك محمد بن سعود الإسلامية، الطبعة: الثانية ١٤١٠ هـ - ١٩٩٠ م.\n• العدة شرح العمدة، عبد الرحمن بن إبراهيم بن أحمد، أبو محمد بهاء الدين المقدسي (المتوفى: ٦٢٤ هـ)، الناشر: دار الحديث، القاهرة، الطبعة: بدون طبعة، تاريخ النشر: ١٤٢٤ هـ ٢٠٠٣ م، عمدة الفقه بأعلى الصفحة، يليه - مفصولا بفاصل - شرح بهاء الدين المقدسي\n• العظمة، المؤلف: أبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان الأنصاري المعروف بأبِي الشيخ الأصبهاني (ت ٣٦٩ هـ)، المحقق: رضاء الله بن محمد إدريس المباركفوري، الناشر: دار العاصمة - الرياض، الطبعة: الأولى، ١٤٠٨ هـ.\n• العلم الشامخ في تفضيل الحق على الآباء والمشايخ، صالح بن مهدي المقبلي اليمني، صالح بن مهدي، مكتبة دار البيان.\n• عناية القاضى وكفاية الرَّاضى على تفسير البيضاوي (حاشية الشهاب)، المؤلف: شهاب الدين أحمد","vol":"2","page":1238},{"text":"بن محمد بن عمر الخفاجي المصري الحنفي (المتوفى: ١٠٦٩ هـ)، دار النشر: دار صادر - بيروت.\n• عقيدة السلف وأصحاب الحديث، أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني، دراسة وتحقيق: د. ناصر بن عبد الرحمن الجديع، دار العاصمة (الرياض)، الطبعة الثانية، ١٤٩١ هـ.\n• علل الوقف، محمد بن طيفور السجاوندي، تحقيق: محمد بن عبد الله العيدي، مكتبة الرشد (الرياض)، الطبعة الثانية، ١٤٢٧ هـ.\n• العرش، المؤلف: شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قَايْماز الذهبي (ت ٧٤٨ هـ)، المحقق: محمد بن خليفة بن علي التميمي، الناشر: عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، المملكة العربية السعودية، الطبعة: الثانية، ١٤٢٤ هـ/ ٢٠٠٣ م.\n• العقيدة الواسطية: اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة أهل السنة والجماعة، المؤلف: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (ت ٧٢٨ هـ)، المحقق: أبو محمد أشرف بن عبد المقصود، الناشر: أضواء السلف - الرياض، الطبعة: الثانية ١٤٢٠ هـ/ ١٩٩٩ م\n• العلو للعلي الغفار في إيضاح صحيح الأخبار وسقيمها، المؤلف: شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قَايْماز الذهبي (ت ٧٤٨ هـ)، المحقق: أبو محمد أشرف بن عبد المقصود، الناشر: مكتبة أضواء السلف - الرياض، الطبعة: الأولى، ١٤١٦ هـ - ١٩٩٥ م.\n• العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم، المؤلف: ابن الوزير، محمد بن إبراهيم بن علي بن المرتضى بن المفضل الحسني القاسمي، أبو عبد الله، عز الدين، من آل الوزير (ت ٨٤٠ هـ)، حققه وضبط نصه، وخرج أحاديثه، وعلّق عليه: شعيب الأرنؤوط، الناشر: مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، الطبعة: الثالثة، ١٤١٥ هـ - ١٩٩٤ م.\n• العناية شرح الهداية، المؤلف: محمد بن محمد بن محمود، أكمل الدين أبو عبد الله ابن الشيخ شمس الدين ابن الشيخ جمال الدين الرومي البابرتي (ت ٧٨٦ هـ)، مطبوع بهامش: فتح القدير للكمال ابن الهمام، الناشر: شركة مكتبة ومطبعة مصفى البابي الحلبي وأولاده بمصر (وصَوّرتها دار الفكر، لبنان)، الطبعة: الأولى، ١٣٨٩ هـ=١٩٧٠ م.\n• العجاب في بيان الأسباب، المؤلف: أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢ هـ)، المحقق: عبد الحكيم محمد الأنيس، الناشر: دار ابن الجوزي.","vol":"2","page":1239},{"text":"• العَذْبُ النَّمِيرُ مِنْ مَجَالِسِ الشَّنْقِيطِيِّ فِي التَّفْسِيرِ، المؤلف: محمد الأمين بن محمد المختار الجكني الشنقيطي (١٣٢٥ - ١٣٩٣ هـ)، المحقق: خالد بن عثمان السبت، الناشر: دار عطاءات العلم (الرياض) - دار ابن حزم (بيروت)، الطبعة: الخامسة، ١٤٤١ هـ - ٢٠١٩ م (الأولى لدار ابن حزم).\n• العزلة، المؤلف: أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب البستي المعروف بالخطابي (ت ٣٨٨ هـ)، الناشر: المطبعة السلفية - القاهرة، الطبعة: الثانية، ١٣٩٩ هـ.\n• عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ، المؤلف: أبو العباس، شهاب الدين، أحمد بن يوسف بن عبد الدائم المعروف بالسمين الحلبي (ت ٧٥٦ هـ)، المحقق: محمد باسل عيون السود، الناشر: دار الكتب العلمية، الطبعة: الأولى، ١٤١٧ هـ - ١٩٩٦.\n• عمدة القاري شرح صحيح البخاري، المؤلف: بدر الدين أبو محمد محمود بن أحمد العينى (ت ٨٥٥ هـ)، عنيت بنشره وتصحيحه والتعليق عليه: شركة من العلماء بمساعدة إدارة الطباعة المنيرية، لصاحبها ومديرها محمد منير عبده أغا الدمشقي، وصوَّرتها دور أخرى: مثل (دار إحياء التراث العربي، ودار الفكر) - بيروت.\n• عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير، المؤلف: محمد بن محمد بن محمد بن أحمد، ابن سيد الناس، اليعمري الربعي، أبو الفتح، فتح الدين (ت ٧٣٤ هـ)، تعليق: إبراهيم محمد رمضان، الناشر: دار القلم - بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤١٤/ ١٩٩٣.\n• العقيدة الطحاوية [لأبي جعفر الطحاوي (ت ٣٢١ هـ)، شرح وتعليق: محمد ناصر الدين الألباني [ت ١٤٢٠ هـ]، الناشر: المكتب الإسلامي - بيروت، الطبعة: الثانية، ١٤١٤ هـ.\n(غ)\n• غرائب القرآن ورغائب الفرقان، المؤلف: نظام الدين الحسن بن محمد بن حسين القمي النيسابوري (ت ٨٥٠ هـ)، المحقق: الشيخ زكريا عميرات، الناشر: دار الكتب العلميه - بيروت، الطبعة: الأولى - ١٤١٦ هـ.\n• غرائب التفسير وعجائب التأويل، المؤلف: محمود بن حمزة بن نصر، أبو القاسم برهان الدين الكرماني، ويعرف بتاج القراء (ت نحو ٥٠٥ هـ)، دار النشر: دار القبلة للثقافة الإسلامية - جدة، مؤسسة علوم القرآن - بيروت.\n• غريب القرآن، المؤلف: أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦ هـ)، المحقق: أحمد","vol":"2","page":1240},{"text":"صقر، الناشر: دار الكتب العلمية (لعلها مصورة عن الطبعة المصرية)، السنة: ١٣٩٨ هـ - ١٩٧٨ م.\n(ف)\n• الفتوى الحموية الكبرى، المؤلف: تقي الدين أبو العَباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: ٧٢٨ هـ)، المحقق: د. حمد بن عبد المحسن التويجري، الناشر: دار الصميعي - الرياض، الطبعة: الطبعة الثانية ١٤٢٥ هـ/ ٢٠٠٤ م.\n• الفصول في الأصول، أحمد بن علي أبو بكر الرازي الجصاص الحنفي (المتوفى: ٣٧٠ هـ)، الناشر: وزارة الأوقاف الكويتية، الطبعة: الثانية، ١٤١٤ هـ-١٩٩٤ م.\n• فتح الباري شرح صحيح البخاري، أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني الشافعي، الناشر: دار المعرفة - بيروت، ١٣٧٩، رقم كتبه وأبوابه وأحاديثه: محمد فؤاد عبد الباقي، قام بإخراجه وصححه وأشرف على طبعه: محب الدين الخطيب، عليه تعليقات العلامة: عبد العزيز بن عبد الله بن باز.\n• فتح الباري شرح صحيح البخاري، المؤلف: زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب بن الحسن (ت ٧٩٥ هـ)، تحقيق: محمود بن شعبان بن عبد المقصود، مجدي بن عبد الخالق الشافعي، إبراهيم بن إسماعيل القاضي، السيد عزت المرسي، محمد بن عوض المنقوش، صلاح بن سالم المصراتي، علاء بن مصطفى بن همام، صبري بن عبد الخالق الشافعي، الناشر: مكتبة الغرباء الأثرية - المدينة النبوية، الحقوق: مكتب تحقيق دار الحرمين - القاهرة، الطبعة: الأولى، ١٤١٧ هـ.\n• فتحُ البيان في مقاصد القرآن، المؤلف: أبو الطيب محمد صديق خان بن حسن القِنَّوجي (ت ١٣٠٧ هـ)، عني بطبعهِ وقدّم له وراجعه: خادم العلم عَبد الله بن إبراهيم الأنصَاري، الناشر: المَكتبة العصريَّة للطبَاعة والنّشْر، صَيدَا - بَيروت، عام النشر: ١٤١٢ هـ - ١٩٩٢ م.\n• فتح القدير، محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني (المتوفى: ١٢٥٠ هـ)، الناشر: دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت، الطبعة: الأولى - ١٤١٤ هـ.\n• الفهرس الشامل للتراث العربي الإسلامي المخطوط (علوم القرآن)، مؤسسة آل البيت (مآب)، الأردن، ١٩٨٩ هـ.","vol":"2","page":1241},{"text":"• الفتاوى الكبرى لابن تيمية، المؤلف: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (ت ٧٢٨ هـ)، الناشر: دار الكتب العلمية، الطبعة: الأولى، ١٤٠٨ هـ - ١٩٨٧ م.\n• الفصل في الملل والأهواء والنحل، المؤلف: أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي الظاهري (ت ٤٥٦ هـ)، الناشر: مكتبة الخانجي - القاهرة.\n• الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبية الموضحة للكلم القرآنية والحكم الفرقانية، المؤلف: نعمة الله بن محمود النخجواني، ويعرف بالشيخ علوان (ت ٩٢٠ هـ)، الناشر: دار ركابي للنشر - الغورية، مصر، الطبعة: الأولى، ١٤١٩ هـ - ١٩٩٩ م.\n• فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب للإمام المنذري (ت ٦٥٦ هـ)، المؤلف: أبو محمد حسن بن علي بن سليمان البدر الفيومي القاهري (٨٠٤ - ٨٧٠ هـ)، قدم له: فضيلة الشيخ عبد الله بن محمد الغنيمان، دراسة وتحقيق وتخريج: أ. د. محمد إسحاق محمد آل إبراهيم، الناشر: المُحقِّق، الطبعة: الأولى، ١٤٣٩ هـ - ٢٠١٨ م.\n• الفردوس بمأثور الخطاب، المؤلف: شيرويه بن شهردار بن شيرو يه بن فناخسرو، أبو شجاع الديلميّ الهمذاني (ت ٥٠٩ هـ)، المحقق: السعيد بن بسيوني زغلول، الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م.\n• فتح القدير على الهداية، تأليف: الإمام كمال الدين محمد بن عبد الواحد السيواسي ثم السكندري، المعروف بابن الهمام الحنفي (المتوفى سنة ٨٦١ هـ) [خلافًا لما جاء على غلاف الجزء الأول من ط الحلبي تبعا لطبعة بولاق ٦٨١]، ويليه: تكملة شرح فتح القدير المسماة: «نتائج الأفكار في كشف الرموز والأسرار»، تأليف: شمس الدين أحمد المعروف بقاضي زاده (المتوفى سنة ٩٨٨ هـ)، الناشر: شركة مكتبة ومطبعة مصفى البابي الحلبي وأولاده بمصر (وصَوّرتها دار الفكر، لبنان)، الطبعة: الأولى، ١٣٨٩ هـ=١٩٧٠ م.\n• فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن، المؤلف: زكريا بن محمد بن أحمد بن زكريا الأنصاري، زين الدين أبو يحيى السنيكي (ت ٩٢٦ هـ)، المحقق: محمد علي الصابوني، الناشر: دار القرآن الكريم، بيروت - لبنان، الطبعة: الأولى، ١٤٠٣ هـ - ١٩٨٣ م.\n• فتح الرحمن في تفسير القرآن، المؤلف: مجير الدين بن محمد العليمي المقدسي الحنبلي (ت ٩٢٧ هـ)، اعتنى به تحقيقا وضبطا وتخريجا: نور الدين طالب، الناشر: دار النوادر (إصدَارات وزَارة الأوقاف والشُؤُون الإِسلامِيّة - إدَارَةُ الشُؤُونِ الإِسلَامِيّةِ)، الطبعة: الأولى، ١٤٣٠ هـ - ٢٠٠٩ م.","vol":"2","page":1242},{"text":"• فتاوى نور على الدرب، المؤلف: عبد العزيز بن عبد الله بن باز (ت ١٤٢٠ هـ)، جمعها: الدكتور محمد بن سعد الشويعر، قدم لها: عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ.\n• فتاوى نور على الدرب، المؤلف: محمد بن صالح بن محمد العثيمين (ت ١٤٢١ هـ)، [الكتاب مرقم آليا]، تاريخ النشر بالشاملة: ٨ ذو الحجة ١٤٣١.\n• فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)، المؤلف: شرف الدين الحسين بن عبد الله الطيبي (ت ٧٤٣ هـ)، مقدمة التحقيق: إياد محمد الغوج، القسم الدراسي: د. جميل بني عطا، المشرف العام على الإخراج العلمي للكتاب: د. محمد عبد الرحيم سلطان العلماء، الناشر: جائزة دبي الدولية للقرآن الكريم، الطبعة: الأولى، ١٤٣٤ هـ - ٢٠١٣ م.\n• الفردوس بمأثور الخطاب، المؤلف: شيرويه بن شهردار بن شيرو يه بن فناخسرو، أبو شجاع الديلميّ الهمذاني (ت ٥٠٩ هـ)، المحقق: السعيد بن بسيوني زغلول، الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م.\n• الفروق=أنوار البروق في أنواء الفروق، المؤلف: أبو العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن المالكي الشهير بالقرافي (ت ٦٨٤ هـ)، الناشر: عالم الكتب، الطبعة: بدون طبعة وبدون تاريخ.\n• الفصول في الأصول، المؤلف: أحمد بن علي أبو بكر الرازي الجصاص الحنفي (ت ٣٧٠ هـ)، الناشر: وزارة الأوقاف الكويتية، الطبعة: الثانية، ١٤١٤ هـ - ١٩٩٤ م.\n• فضائل القرآن، المؤلف: أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي (المتوفى: ٧٧٤ هـ)، الناشر: مكتبة ابن تيمية، الطبعة: الطبعة الأولى - ١٤١٦ هـ.\n• فهم القرآن ومعانيه، المؤلف: الحارث بن أسد المحاسبي، أبو عبد الله (ت ٢٤٣ هـ)، المحقق: حسين القوتلي، الناشر: دار الكندي، دار الفكر - بيروت، الطبعة: الثانية، ١٣٩٨.\n• فوات الوفيات، المؤلف: محمد بن شاكر بن أحمد بن عبد الرحمن بن شاكر بن هارون بن شاكر الملقب بصلاح الدين (ت ٧٦٤ هـ)، المحقق: إحسان عباس، الناشر: دار صادر - بيروت، الطبعة: الأولى.\n(ق)\n• قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث، المؤلف: محمد جمال الدين بن محمد سعيد بن قاسم الحلاق القاسمي (المتوفى: ١٣٣٢ هـ)، الناشر: دار الكتب العلمية -بيروت-لبنان.","vol":"2","page":1243},{"text":"• القراءات الشاذة لابن خالويه، أبي عبد الله الحسين بن أحمد بن حمدان، تحقيق: محمد عيد الشعباني، الناشر: دار الصحابة للتراث (طنطا)، الطبعة الأولى، ١٤٢٨ م.\n• القاموس المحيط، المؤلف: مجد الدين أبو طاهر محمد بن يعقوب الفيروزآبادى (المتوفى: ٨١٧ هـ)، تحقيق: مكتب تحقيق التراث في مؤسسة الرسالة، بإشراف: محمد نعيم العرقسُوسي، الناشر: مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت - لبنان، الطبعة: الثامنة، ١٤٢٦ هـ.\n• القطع والائتناف، المؤلف: أبو جعفر أحمد بن محمد بن إسماعيل النَّحَّاس، المحقق: د. عبد الرحمن بن إبراهيم المطرودي، الناشر: دار عالم الكتب - المملكة العربية السعودية، الطبعة: الأولى، ١٤١٣ هـ - ١٩٩٢ م.\n• القول الحق في بيروت ودمشق (رحلة إلى سوريا ولبنان)، عبد الرحمن بك سامي، دار الرائد العربي (بيروت)، ١٤٠١ هـ.\n• القول المفيد في أدلة الاجتهاد والتقليد، المؤلف: محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني (ت ١٢٥٠ هـ)، المحقق: عبد الرحمن عبد الخالق، الناشر: دار القلم - الكويت، الطبعة: الأولى، ١٣٩٦.\n• القول المفيد على كتاب التوحيد، المؤلف: محمد بن صالح بن محمد العثيمين (ت ١٤٢١ هـ)، الناشر: دار ابن الجوزي، المملكة العربية السعودية، الطبعة: الثانية، محرم ١٤٢٤ هـ.\n• قواعد الترجيح عند المفسرين دراسة نظرية تطبيقية، المؤلف: حسين بن علي بن حسين الحربي، أصل الكتاب: رسالة ماجستير- كلية أصول الدين، جامعة الإمام ١٤١٥ هـ بإشرف الشيخ مناع القطان، الناشر: دار القاسم - السعودية، الطبعة: الثانية، ١٤٢٩ هـ.\n• قاعدة في المحبة، المؤلف: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (ت ٧٢٨ هـ)، المحقق: محمد رشاد سالم، الناشر: مكتبة التراث الإسلامي، القاهرة، مصر.\n• قلائد الجمان في التعريف بقبائل عرب الزمان، المؤلف: أبو العباس أحمد بن علي القلقشندي (ت ٨٢١ هـ)، المحقق: إبراهيم الإبياري، الناشر: دار الكتاب المصري، دار الكتاب اللبناني، الطبعة: الثانية، ١٤٠٢ هـ - ١٩٨٢ م.\n• قلائد المرجان في بيان الناسخ والمنسوخ في القرآن، المؤلف: مرعي بن يوسف بن أبى بكر بن أحمد الكرمى المقدسي الحنبلى (ت ١٠٣٣ هـ)، المحقق: سامي عطا حسن، الناشر: دار القرآن الكريم - الكويت.\n• قواعد الأحكام في مصالح الأنام، المؤلف: أبو محمد عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي","vol":"2","page":1244},{"text":"القاسم بن الحسن السلمي الدمشقي، الملقب بسلطان العلماء (ت ٦٦٠ هـ)، راجعه وعلق عليه: طه عبد الرؤوف سعد، الناشر: مكتبة الكليات الأزهرية - القاهرة، ١٤١٤ هـ - ١٩٩١ م.\n• القوانين الفقهية، المؤلف: أبو القاسم، محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله، ابن جزي الكلبي الغرناطي (ت ٧٤١ هـ)، عدد الصفحات: ٢٩٦، [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]، تاريخ النشر بالشاملة: ٨ ذو الحجة ١٤٣١.\n• قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد، المؤلف: محمد بن علي بن عطية الحارثي، أبو طالب المكي (ت ٣٨٦ هـ)، المحقق: د. عاصم إبراهيم الكيالي، الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت، لبنان، الطبعة: الثانية، ١٤٢٦ هـ -٢٠٠٥ م.\n(ك)\n• الكليات (معجم في المصطلحات والفروق اللغوية)، المؤلف: أيوب بن موسى الحسيني القريمي الكفوي، أبو البقاء الحنفي (المتوفى: ١٠٩٤ هـ)، المحقق: عدنان درويش - محمد المصري، الناشر: مؤسسة الرسالة - بيروت.\n• كتاب المصاحف، المؤلف: أبو بكر بن أبي داود، عبد الله بن سليمان بن الأشعث الأزدي السجستاني (المتوفى: ٣١٦ هـ)، المحقق: محمد بن عبده، الناشر: الفاروق الحديثة - مصر/ القاهرة، الطبعة: الأولى، ١٤٢٣ هـ.\n• كتاب التعريفات، المؤلف: علي بن محمد بن علي الزين الشريف الجرجاني (ت ٨١٦ هـ)، المحقق: ضبطه وصححه جماعة من العلماء بإشراف الناشر، الناشر: دار الكتب العلمية بيروت -لبنان، الطبعة: الأولى ١٤٠٣ هـ -١٩٨٣ م.\n• كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب ﷿، المؤلف: أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة بن المغيرة بن صالح بن بكر السلمي النيسابوري (ت ٣١١ هـ)، المحقق: عبد العزيز بن إبراهيم الشهوان، الناشر: مكتبة الرشد - السعودية - الرياض، الطبعة: الخامسة، ١٤١٤ هـ - ١٩٩٤ م.\n• الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، المؤلف: أبو القاسم محمود بن عمرو بن أحمد، الزمخشري جار الله (المتوفى: ٥٣٨ هـ)، الناشر: دار الكتاب العربي - بيروت، الطبعة: الثالثة - ١٤٠٧ هـ.\n• كشاف القناع عن الإقناع، المؤلف: منصور بن يونس البهوتي الحنبلي (ت ١٠٥١ هـ)، تحقيق وتخريج وتوثيق: لجنة متخصصة في وزارة العدل، الناشر: وزارة العدل في المملكة العربية السعودية، الطبعة: الأولى، (١٤٢١ - ١٤٢٩ هـ).\n• كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، المؤلف: مصطفى بن عبد الله كاتب جلبي القسطنطيني","vol":"2","page":1245},{"text":"المشهور باسم حاجي خليفة أو الحاج خليفة (المتوفى: ١٠٦٧ هـ)، الناشر: مكتبة المثنى - بغداد (وصورتها عدة دور لبنانية، بنفس ترقيم صفحاتها، مثل: دار إحياء التراث العربي، ودار العلوم الحديثة، ودار الكتب العلمية)، تاريخ النشر: ١٩٤١ م.\n• كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي، المؤلف: علاء الدين، عبد العزيز بن أحمد البخاري (ت ٧٣٠ هـ)، وبهامشه: «أصول البزدوي» [وقد تم وضعها بأعلى الصفحات في هذه النسخة الإلكترونية]، الناشر: شركة الصحافة العثمانية، إسطنبول، الطبعة: الأولى، مطبعة سنده ١٣٠٨ هـ - ١٨٩٠ م.\n• كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل» للحداد اليمني (ت ٨٠٠ هـ)، المحقق: هشام بن عبد الكريم البدراني الموصلي، الناشر: دار الكتاب الثقافي الأردن - إربد، الطبعة: الأولى، ٢٠٠٨ م.\n• الكامل في التاريخ، أبو الحسن علي بن أبي الكرم محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني الجزري، عز الدين ابن الأثير (المتوفى: ٦٣٠ هـ)، تحقيق: عمر عبد السلام تدمري، الناشر: دار الكتاب العربي، بيروت - لبنان، الطبعة: الأولى، ١٤١٧ هـ-١٩٩٧ م.\n• الكامل في القراءات والأربعين الزائدة عليها، يوسف بن علي بن جبارة بن محمد بن عقيل بن سواده أبو القاسم الهذلي اليشكري المغربي (المتوفى: ٤٦٥ هـ)، المحقق: جمال بن السيد بن رفاعي الشايب، الناشر: مؤسسة سما للتوزيع والنشر، الطبعة: الأولى، ١٤٢٨ هـ-٢٠٠٧ م\n• الكامل في اللغة والأدب، محمد بن يزيد المبرد، أبو العباس (المتوفى: ٢٨٥ هـ)، المحقق: محمد أبو الفضل إبراهيم، الناشر: دار الفكر العربي - القاهرة، الطبعة: الطبعة الثالثة ١٤١٧ هـ-١٩٩٧ م\n• الكامل في ضعفاء الرجال، أبو أحمد بن عدي الجرجاني (المتوفى: ٣٦٥ هـ)، تحقيق: عادل أحمد عبد الموجود-علي محمد معوض، شارك في تحقيقه: عبد الفتاح أبو سنة، الناشر: الكتب العلمية - بيروت-لبنان، الطبعة: الأولى، ١٤١٨ هـ ١٩٩٧ م.\n• الكتاب، عمرو بن عثمان بن قنبر الحارثي بالولاء، أبو بشر، الملقب سيبويه (المتوفى: ١٨٠ هـ)، المحقق: عبد السلام محمد هارون، الناشر: مكتبة الخانجي، القاهرة، الطبعة: الثالثة، ١٤٠٨ هـ-١٩٨٨ م.\n• الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل مع الكتاب حاشية (الانتصاف فيما تضمنه الكشاف) لابن المنير الإسكندري (ت ٦٨٣)، وتخريج أحاديث الكشاف للإمام الزيلعى، المؤلف: أبو القاسم محمود بن عمرو بن أحمد، الزمخشري جار الله (ت ٥٣٨ هـ)، الناشر: دار الكتاب العربي - بيروت، الطبعة: الثالثة - ١٤٠٧ هـ.\n• كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم، المؤلف: محمد بن علي ابن القاضي محمد حامد بن محمّد صابر","vol":"2","page":1246},{"text":"الفاروقي الحنفي التهانوي (ت بعد ١١٥٨ هـ)، تقديم وإشراف ومراجعة: د. رفيق العجم، تحقيق: د. علي دحروج، الناشر: مكتبة لبنان ناشرون - بيروت، الطبعة: الأولى - ١٩٩٦ م.\n• الكشف والبيان عن تفسير القرآن، المؤلف: أبو إسحاق أحمد بن إبراهيم الثعلبي (ت ٤٢٧ هـ)، تحقيق: عدد من الباحثين، أصل التحقيق: رسائل جامعية (غالبها ماجستير) لعدد من الباحثين، الناشر: دار التفسير، جدة - المملكة العربية السعودية، الطبعة: الأولى، ١٤٣٦ هـ - ٢٠١٥ م.\n• الكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها وحججها، مكي بن أبي طالب القيسي، تحقيق: د. محيي الدين رمضان، مؤسسة الرسالة، الطبعة الثالثة، ١٤٠٤ هـ.\n• الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري، حمد بن يوسف بن علي بن سعيد، شمس الدين الكرماني، المحقق: محمد محمد عبد اللطيف، دار إحياء التراث العربي (بيروت)، الطبعة الثانية، ١٤٠١ هـ.\n• الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية، المؤلف: أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب ابن قيم الجوزية (٦٩١ - ٧٥١)، تحقيق وتعليق: محمد بن عبد الرحمن العريفي، ناصر بن يحيى الحنيني، عبد الله بن عبد الرحمن الهذيل، فهد بن علي المساعد، تنسيق: محمد أجمل الإصلاحي، راجعه: محمد عزير شمس - سعود بن عبد العزيز العريفي، الناشر: دار عطاءات العلم (الرياض) - دار ابن حزم (بيروت)، الطبعة: الرابعة، ١٤٤٠ هـ - ٢٠١٩ م (الأولى لدار ابن حزم).\n• الكامل في ضعفاء الرجال، المؤلف: أبو أحمد بن عدي الجرجاني (ت ٣٦٥ هـ)، تحقيق: عادل أحمد عبد الموجود-علي محمد معوض، شارك في تحقيقه: عبد الفتاح أبو سنة، الناشر: الكتب العلمية - بيروت-لبنان، الطبعة: الأولى، ١٤١٨ هـ ١٩٩٧ م.\n• الكبائر، المؤلف: تنسب لشمس الدين أبي عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قَايْماز الذهبي (ت ٧٤٨ هـ)، الناشر: دار الندوة الجديدة - بيروت.\n• الكتاب الفريد في إعراب القرآن المجيد، المؤلف: المنتجب الهمذاني (ت ٦٤٣ هـ)، حقق نصوصه وخرجه وعلق عليه: محمد نظام الدين الفتيح، الناشر: دار الزمان للنشر والتوزيع، المدينة المنورة - المملكة العربية السعودية، الطبعة: الأولى، ١٤٢٧ هـ - ٢٠٠٦ م.\n• كتاب تفسير القرآن، المؤلف: أبو بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري (ت ٣١٩ هـ)، قدم له الأستاذ الدكتور: عبد الله بن عبد المحسن التركي، حققه وعلق عليه الدكتور: سعد بن محمد السعد، دار النشر: دار المآثر - المدينة النبوية، الطبعة: الأولى ١٤٢٣ هـ، ٢٠٠٢ م.","vol":"2","page":1247},{"text":" (ل)\n• لسان الميزان، المؤلف: أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني (المتوفى: ٨٥٢ هـ)، المحقق: عبد الفتاح أبو غدة، الناشر: دار البشائر الإسلامية، الطبعة: الأولى، ٢٠٠٢ م.\n• لسان العرب، المؤلف: محمد بن مكرم بن على، أبو الفضل، جمال الدين ابن منظور الأنصاري الرويفعي الإفريقي (المتوفى: ٧١١ هـ)، الناشر: دار صادر - بيروت، الطبعة: الثالثة - ١٤١٤ هـ.\n• اللباب في علوم الكتاب، أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني (ت ٧٧٥ هـ)، المحقق: الشيخ عادل أحمد عبد الموجود والشيخ علي محمد معوض، الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت/ لبنان، الطبعة: الأولى، ١٤١٩ هـ -١٩٩٨ م.\n• لباب التفاسير، المؤلف: أبو القاسم محمود بن حمزة الكرماني، المتوفى بعد سنة (٥٣١ هـ)، التحقيق: أربع رسائل دكتوراة بقسم القرآن وعلومه بكلية أصول الدين في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض.\n• لباب العقول في الرد على الفلاسفة في علم الأصول، أبو الحجاج يوسف بن محمد المكلاتي، تحقيق: فوقية حسين محمود، دار الأنصار (مصر)، الطبعة الأولى، ١٩٧٧ م.\n• لطائف المنان وروائع البيان في دعوى الزيادة في القرآن، د. فضل حسين عباس، دار النور للطباعة والنشر (بيروت)، الطبعة الأولى، ١٤١٠ هـ.\n• لطائف الإشارات=تفسير القشيري، المؤلف: عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك القشيري (ت ٤٦٥ هـ)، المحقق: إبراهيم البسيوني، الناشر: الهيئة المصرية العامة للكتاب - مصر، الطبعة: الثالثة.\n• لباب التأويل في معاني التنزيل، المؤلف: علاء الدين علي بن محمد بن إبراهيم بن عمر الشيحي أبو الحسن، المعروف بالخازن (ت ٧٤١ هـ)، تصحيح: محمد علي شاهين، الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤١٥ هـ.\n• لقاء الباب المفتوح، المؤلف: محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: ١٤٢١ هـ)، [لقاءات كان يعقدها الشيخ بمنزله كل خميس. بدأت في أواخر شوال ١٤١٢ هـ وانتهت في الخميس ١٤ صفر، عام ١٤٢١ هـ]، مصدر الكتاب: دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية  http:// www.islamweb.net.\n•  لمسات بيانية في نصوص من التنزيل، المؤلف: فاضل بن صالح بن مهدي بن خليل البدري السامرائي، الناشر: دار عمار للنشر والتوزيع، عمان - الأردن، الطبعة: الثالثة، ١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٣ م.","vol":"2","page":1248},{"text":"• لمعة الاعتقاد، المؤلف: أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي، الشهير بابن قدامة المقدسي (ت ٦٢٠ هـ)، الناشر: وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد - المملكة العربية السعودية، الطبعة: الثانية، ١٤٢٠ هـ - ٢٠٠٠ م.\n• لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لشرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية، المؤلف: شمس الدين، أبو العون محمد بن أحمد بن سالم السفاريني الحنبلي (ت ١١٨٨ هـ)، الناشر: مؤسسة الخافقين ومكتبتها - دمشق، الطبعة: الثانية - ١٤٠٢ هـ - ١٩٨٢ م.\n(م)\n• مسند الإمام أحمد بن حنبل، أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني، المحقق: شعيب الأرنؤوط - عادل مرشد، وآخرون، إشراف: د عبد الله بن عبد المحسن التركي، الناشر: مؤسسة الرسالة، الطبعة: الأولى، ١٤٢١ هـ - ٢٠٠١ م.\n• محاسن التأويل: جمال الدين القاسمي، اعتنى به وضبطه: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء الكتب العربية (عيسى البابي الحلبي)، الطبعة الأولى، ١٣٧٦ هـ.\n• الموجز في الأديان والمذاهب المعاصرة، تأليف: ناصر القفاري وناصر العقل، دار الصميعي، الطبعة الأولى، ١٤١٣ هـ.\n• الماسونية بين الشيوعية والصهيونية، د. عفيفي ابراهيم حسن، الناشر: د. م: دار الفتح للطباعة والنشر، تاريخ النشر: ١٩٦٩ م.\n• الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة، المؤلف: الندوة العالمية للشباب الإسلامي، إشراف وتخطيط ومراجعة: د. مانع بن حماد الجهني، الناشر: دار الندوة العالمية للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة: الرابعة، ١٤٢٠ هـ\n• مجلة المقتبس، أصدرها: محمد بن عبد الرزاق بن محمَّد، كُرْد عَلي (المتوفى: ١٣٧٢ هـ) الأعداد: ٩٦ عددا.\n• معالم التنزيل في تفسير القرآن=تفسير البغوي، المؤلف: محيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي (المتوفى: ٥١٠ هـ)، المحقق: حققه وخرج أحاديثه محمد عبد الله النمر - عثمان جمعة ضميرية - سليمان مسلم الحرش، الناشر: دار طيبة للنشر والتوزيع، الطبعة: الرابعة، ١٤١٧ هـ - ١٩٩٧ م.","vol":"2","page":1249},{"text":"• معالم السنن، وهو شرح سنن أبي داود، المؤلف: أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب البستي المعروف بالخطابي (ت ٣٨٨ هـ)، الناشر: المطبعة العلمية - حلب، الطبعة: الأولى ١٣٥١ هـ - ١٩٣٢ م.\n• معجم المؤلفين، المؤلف: عمر رضا كحالة، الناشر: مكتبة المثنى - (بيروت)،، دار إحياء التراث العربي (بيروت).\n• معجم المفسرين «من صدر الإسلام وحتى العصر الحاضر» المؤلف: عادل نويهض، قدم له: مُفتي الجمهورية اللبنانية الشَّيْخ حسن خالد، الناشر: مؤسسة نويهض الثقافية للتأليف والترجمة والنشر، بيروت - لبنان، الطبعة: الثالثة، ١٤٠٩ هـ - ١٩٨٨ م.\n• الموسوعة العربية، مجموعة من الباحثين، إصدار: هيئة الموسوعة العربية (الجمهورية العربية السورية)، تأسست عام ١٩٨١ م.\n• موسوعة مواقف السلف في العقيدة والمنهج والتربية (أكثر من ٩٠٠٠ موقف لأكثر من ١٠٠٠ عالم على مدى ١٥ قرنًا)، المؤلف: أبو سهل محمد بن عبد الرحمن المغراوي، الناشر: المكتبة الإسلامية للنشر والتوزيع، القاهرة - مصر، النبلاء للكتاب، مراكش - المغرب، الطبعة: الأولى.\n• موعظة المؤمنين من إحياء علوم الدين، المؤلف: محمد جمال الدين بن محمد سعيد بن قاسم الحلاق القاسمي (المتوفى: ١٣٣٢ هـ)، المحقق: مأمون بن محيي الدين الجنان، الناشر: دار الكتب العلمية، سنة النشر: ١٤١٥ هـ - ١٩٩٥ م.\n• مشاهير علماء نجد وغيرهم، المؤلف: عبد الرحمن بن عبد اللطيف بن عبد الله بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب، الناشر: طبع على نفقة المؤلف بإشراف دار اليمامة للبحث والترجمة والنشر، الرياض، الطبعة: الأولى، ١٣٩٢ هـ/ ١٩٧٢ م.\n• مشاهير علماء الأمصار وأعلام فقهاء الأقطار، المؤلف: محمد بن حبان بن أحمد بن حبان بن معاذ بن مَعْبدَ، التميمي، أبو حاتم، الدارمي، البُستي (ت ٣٥٤ هـ)، حققه ووثقه وعلق عليه: مرزوق على إبراهيم، الناشر: دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع - المنصورة، الطبعة: الأولى ١٤١١ هـ - ١٩٩١ م.\n• مجلة المنار، المؤلف: (مجموعة من المؤلفين) محمد رشيد بن علي رضا (المتوفى: ١٣٥٤ هـ) وغيره من كتاب المجلة، الناشر: مطبعة المنار، سنة النشر: ١٣١٥ هـ.\n• المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، المؤلف: أبو محمد عبد الحق بن غالب بن عبد الرحمن بن تمام","vol":"2","page":1250},{"text":"بن عطية الأندلسي المحاربي (المتوفى: ٥٤٢ هـ)، تحقيق: مجموعة من الباحثين، وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية (دولة قطر)، الطبعة الأولى، ١٤٣٦ هـ.\n• المسح على الجوربين والنعلين، المؤلف: محمد جمال الدين القاسمي (المتوفى: ١٣٣٢ هـ)، الناشر: المكتب الإسلامي - بيروت، قدم له العلامة أحمد محمد شاكر، حققه: المحدث ناصر الدين الألباني.\n• مجلة المقتبس، أصدرها: محمد بن عبد الرزاق بن محمَّد، كُرْد عَلي (المتوفى: ١٣٧٢ هـ)\n• معاني القرآن، المؤلف: أبو زكريا يحيى بن زياد بن عبد الله بن منظور الديلمي الفراء (المتوفى: ٢٠٧ هـ)\nالمحقق: أحمد يوسف النجاتي/ محمد علي النجار/ عبد الفتاح إسماعيل الشلبي، الناشر: دار المصرية للتأليف والترجمة - مصر، الطبعة: الأولى.\n• معاني القرآن وإعرابه، المؤلف: إبراهيم بن السري بن سهل، أبو إسحاق الزجاج (المتوفى: ٣١١ هـ)، المحقق: عبد الجليل عبده شلبي، الناشر: عالم الكتب - بيروت، الطبعة: الأولى ١٤٠٨ هـ - ١٩٨٨ م.\n• مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، مؤلف الأصل: محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى: ٧٥١ هـ)، اختصره: محمد بن محمد بن عبد الكريم بن رضوان البعلي شمس الدين، ابن الموصلي (المتوفى: ٧٧٤ هـ)، المحقق: سيد إبراهيم، الناشر: دار الحديث، القاهرة - مصر، الطبعة: الأولى، ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠١ م.\n• مصادر السيرة النبوية دراسة تحليلية نقدية، د. ضيف الله بن يحيى الزهراني، وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف (المدينة المنورة)\n• مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين، المؤلف: أبو الحسن علي بن إسماعيل بن إسحاق بن سالم بن إسماعيل بن عبد الله بن موسى بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري (المتوفى: ٣٢٤ هـ)، المحقق: نعيم زرزور، الناشر: المكتبة العصرية، الطبعة: الأولى، ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٥ م.\n• مقاييس اللغة، المؤلف: أحمد بن فارس بن زكرياء القزويني الرازي، أبو الحسين (المتوفى: ٣٩٥ هـ)، المحقق: عبد السلام محمد هارون، الناشر: دار الفكر، عام النشر: ١٣٩٩ هـ.\n• مختار الصحاح، المؤلف: زين الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الحنفي الرازي (المتوفى: ٦٦٦ هـ)، المحقق: يوسف الشيخ محمد، الناشر: المكتبة العصرية - الدار النموذجية،","vol":"2","page":1251},{"text":"بيروت - صيدا، الطبعة: الخامسة، ١٤٢٠ هـ.\n• المستدرك على الصحيحين، المؤلف: أبو عبد الله الحاكم محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه بن نُعيم بن الحكم الضبي الطهماني النيسابوري المعروف بابن البيع (المتوفى: ٤٠٥ هـ)، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤١١ هـ.\n• المقفى الكبير، المؤلف: تقي الدين المقريزي (المتوفى: ٨٤٥ هـ)، المحقق: محمد اليعلاوي، الناشر: دار الغرب الاسلامي، بيروت - لبنان، الطبعة: الثانية، ١٤٢٧ هـ.\n• مجمع البيان في تفسير القرآن، الفضل بن الحسن الطبرسي، دار العلوم (بيروت)، الطبعة الأولى، ١٤٢٧ هـ.\n• مفاتيح الغيب=التفسير الكبير، المؤلف: أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي الملقب بفخر الدين الرازي خطيب الري (المتوفى: ٦٠٦ هـ)، الناشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت، الطبعة: الثالثة - ١٤٢٠ هـ\n• المحرر في الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، المؤلف: عبد السلام بن عبد الله بن الخضر بن محمد، ابن تيمية الحراني، أبو البركات، مجد الدين (ت ٦٥٢ هـ)، ومعه: «النكت والفوائد السنية على مشكل المحرر» لشمس الدين ابن مفلح، الناشر: مطبعة السنة المحمدية ١٣٦٩ هـ.\n• المخصص، أبو الحسن علي بن إسماعيل بن سيده المرسي (المتوفى: ٤٥٨ هـ)، المحقق: خليل إبراهيم جفال، الناشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤١٧ هـ ١٩٩٦ م.\n• مذكرات السلطان عبد الحميد، تقديم وترجمة د. محمد حرب، دار القلم (دمشق)، الطبعة الثالثة، ١٤١٢ هـ.\n• المستدرك على الصحيحين، أبو عبد الله الحاكم محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه بن نعيم بن الحكم الضبي الطهماني النيسابوري المعروف بابن البيع (المتوفى: ٤٠٥ هـ)، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤١١ - ١٩٩٠.\n• المستدرك على مجموع فتاوى شيخ الإسلام، المؤلف: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (ت ٧٢٨ هـ)، جمعه ورتبه وطبعه على نفقته: محمد بن عبد الرحمن بن قاسم (ت ١٤٢١ هـ)، الطبعة: الأولى، ١٤١٨ هـ.\n• المسند الصحيح على التقاسيم والأنواع من غير وجود قطع في سندها ولا ثبوت جرح في ناقليها، المؤلف: أبو حاتم محمد بن حبان بن أحمد التميمي البُستي (ت ٣٥٤ هـ)، المحقق: محمد علي","vol":"2","page":1252},{"text":"سونمز، خالص آي دمير، الناشر: دار ابن حزم - بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤٣٣ هـ - ٢٠١٢ م.\n• المصنف، أبو بكر عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميري اليماني الصنعاني (المتوفى: ٢١١ هـ)، المحقق: حبيب الرحمن الأعظمي، الناشر: المجلس العلمي- الهند، يطلب من: المكتب الإسلامي - بيروت، الطبعة: الثانية، ١٤٠٣\n• المصنف في الأحاديث والآثار، لأبي بكر بن أبي شيبة، عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن خواستي العبسي (ت ٢٣٥ هـ)، المحقق: سعد بن ناصر الشثري، الناشر: دار كنوز إشبيليا - الرياض، ط ١، ١٤٣٦ هـ- ٢٠١٥ م.\n• المعجم الكبير، للطبراني، سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير اللخمي الشامي، أبو القاسم الطبراني (المتوفى: ٣٦٠ هـ)، تحقيق: فريق من الباحثين بإشراف وعناية د. سعد بن عبد الله الحميد ود. خالد بن عبد الرحمن الجريسي، الطبعة: الأولى: ١٤٢٧ هـ-٢٠٠٦ م.\n• المعجم، أبو يعلى أحمد بن علي بن المثنى بن يحيى بن عيسى بن هلال التميمي، الموصلي (المتوفى: ٣٠٧ هـ)، المحقق: إرشاد الحق الأثري، الناشر: إدارة العلوم الأثرية - فيصل آباد، الطبعة: الأولى، ١٤٠٧ هـ.\n• الموافقات، إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي الشهير بالشاطبي (المتوفى: ٧٩٠ هـ)، المحقق: أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان، الناشر: دار ابن عفان، الطبعة: الطبعة الأولى ١٤١٧ هـ- ١٩٩٧ م\n• المؤتلف والمختلف في أسماء الشعراء وكناهم وألقابهم وأنسابهم وبعض شعرهم، أبو القاسم الحسن بن بشر الآمدي (ت ٣٧٠ هـ) المحقق: الأستاذ الدكتور ف. كرنكو، الناشر: دار الجيل، بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤١١ هـ - ١٩٩١ م\n• موسوعة الفقه الإسلامي، كان اسمها حتى جـ ١٠: موسوعة جمال عبد الناصر في الفقه الإسلامي\n• إصدار: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، مصر، ١٣٨٦ هـ.\n• الموسوعة الفقهية الكويتية، صادر عن: وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية - الكويت جزءا، الطبعة: (من ١٤٠٤ - ١٤٢٧ هـ)، الأجزاء ١ - ٢٣: الطبعة الثانية، دار السلاسل - الكويت، .. الأجزاء ٢٤ - ٣٨: الطبعة الأولى، مطابع دار الصفوة - مصر، الأجزاء ٣٩ - ٤٥: الطبعة الثانية، طبع الوزارة.","vol":"2","page":1253},{"text":"• مجلة البحوث الإسلامية، مجلة دورية تصدر عن الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.\n• مجمع الزوائد ومنبع الفوائد أبو الحسن نور الدين علي بن أبي بكر بن سليمان الهيثمي (ت ٨٠٧ هـ)، المحقق: حسام الدين القدسي، الناشر: مكتبة القدسي، القاهرة، عام النشر: ١٤١٤ هـ، ١٩٩٤ م.\n• مجموع الفتاوى، تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (المتوفى: ٧٢٨ هـ)، المحقق: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، الناشر: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعودية، عام النشر: ١٤١٦ هـ-١٩٩٥ م.\n• مجموع رسائل العقيدة، لعبد الرحمن بن يحيى المعلمي، ت: عدنان البخاري، دار عالم الفوائد، مكة المكرمة، الطبعة الأولى، ١٤٣٤ هـ.\n• مدارك التنزيل وحقائق التأويل، =تفسير النسفي، أبو البركات عبد الله بن أحمد بن محمود حافظ الدين النسفي (المتوفى: ٧١٠ هـ)، حققه وخرج أحاديثه: يوسف علي بديوي، راجعه وقدم له: محيي الدين ديب مستو، الناشر: دار الكلم الطيب، بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤١٩ هـ-١٩٩٨ م.\n• مسائل أحمد بن حنبل رواية ابنه عبد الله، أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني (المتوفى: ٢٤١ هـ)، المحقق: زهير الشاويش، الناشر: المكتب الإسلامي - بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤٠١ هـ\n• معاني القرآن، أبو جعفر النحاس أحمد بن محمد (المتوفى: ٣٣٨ هـ)، المحقق: محمد علي الصابوني، الناشر: جامعة أم القرى - مكة المرمة، الطبعة: الأولى، ١٤٠٩\n• معاني القرآن، للأخفش [معتزلى]، أبو الحسن المجاشعي بالولاء، البلخي ثم البصري، المعروف بالأخفش الأوسط (المتوفى: ٢١٥ هـ)، تحقيق: الدكتورة هدى محمود قراعة، الناشر: مكتبة الخانجي، القاهرة، الطبعة: الأولى، ١٤١١ هـ-١٩٩٠ م\n• معجم مقاييس اللغة، أحمد بن فارس بن زكرياء القزويني الرازي، أبو الحسين (المتوفى: ٣٩٥ هـ)، المحقق: عبد السلام محمد هارون، الناشر: دار الفكر، عام النشر: ١٣٩٩ هـ-١٩٧٩ م.\n• معجم رجال الفكر والأدب، د. محمد هادي الأميني، مطبعة الآداب (النجف)، الطبعة الأولى، ١٣٨٤.\n• مطلع البدور ومجمع البحور في تراجم رجال الزيدية، تأليف القاضي العلامة المؤرخ شهاب الدين","vol":"2","page":1254},{"text":"أحمد بن صالح بن أبي الرجال، تحقيق عبد الرقيب مطهر محمد حجر، مركز أهل البيت للدراسات الإسلامية، الطبعة الأولى، ١٤٢٥.\n• مفاتيح الغيب، =التفسير الكبير، أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي الملقب بفخر الدين الرازي خطيب الري (المتوفى: ٦٠٦ هـ)، الناشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت، الطبعة: الثالثة - ١٤٢٠ هـ\n• نصب المجانيق لنسف قصة الغرانيق، أبو عبد الرحمن محمد ناصر الدين، بن الحاج نوح بن نجاتي بن آدم، الأشقودري الألباني (المتوفى: ١٤٢٠ هـ)، الناشر: المكتب الإسلامي، الطبعة: الطبعة الثالثة: ١٤١٧ هـ-١٩٩٦ م\n• نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، إبراهيم بن عمر بن حسن الرباط بن علي بن أبي بكر البقاعي (المتوفى: ٨٨٥ هـ)، الناشر: دار الكتاب الإسلامي، القاهرة ١ م.\n• المنتقى في الأحكام الشرعية من كلام خير البرية، مجد الدين أبي البركات عبد السلام بن عبد الله ابن تيمية الحراني، تحقيق: طارق عوض الله، دار ابن الجوزي (المملكة العربية السعودية)، الطبعة الأولى، ١٤٢٩ هـ.\n• ميزان الاعتدال في نقد الرجال، المؤلف: شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قَايْماز الذهبي (ت ٧٤٨ هـ)، تحقيق: علي محمد البجاوي، الناشر: دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت - لبنان، الطبعة: الأولى، ١٣٨٢ هـ - ١٩٦٣ م.\n• الميزان في تفسير القرآن، السيد محمد حسين الطبطبائي، شبكة الفكر، جماعة المدرسين في الحوزة العلمية (قم).\n• المسائل العقدية التي حكى فيها ابن تيمية الإجماع (جمعا ودراسة)، اعداد: خالد بن مسعد الجعيد، علي جابر العلياني، إشراف: د. عبد الله الدميجي، دار الهدي النبوي (مصر) ودار الفضيلة (السعودية)، الطبعة الأولى، ١٤٢٨ هـ.\n• ما تبقى من أراجيز أبي محمد عبد الله بن ربعي بن خالد الحذلمي الفقعسي الأسدي، جمعها وحققها وشرحها: د. محمد جبار المعيبد، دار الشئون الثقافية العامة (بغداد)، الطبعة الأولى، ٢٠٠١ م.\n• المفسرون بين التأويل والإثبات في آيات الصفات، د. محمد بن عبد الرحمن المغراوي، مؤسسة الرسالة (بيروت)، الطبعة الأولى، ١٤٢٠ هـ.\n• مكتب عنبر صور وذكريات من حياتنا الثقافية والسياسية والاجتماعية، ظافر القاسمي، المطبعة الكاثوليكية (بيروت).","vol":"2","page":1255},{"text":"• المكي والمدني في القرآن الكريم دراسة تأصيلية نقدية للسور والآيات، عبد الرزاق حسين أحمد، دار ابن عفان (مصر)، الطبعة الأولى، ١٤٢٠ هـ.\n• منهج المدرسة العقلية الحديثة في التفسير، فهد بن عبد الرحمن الرومي، مؤسسة الرسالة (بيروت)، الطبعة الثانية، ١٤٠٣ هـ.\n• المنية والأمل في شرح كتاب الملل والنحل، أحمد بن يحيى المرتضى، مطبعة دائرة المعارف (حيدر آباد)، ١٣١٦ هـ.\n• المبدع في شرح المقنع، المؤلف: إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن محمد ابن مفلح، أبو إسحاق، برهان الدين (ت ٨٨٤ هـ)، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، الطبعة: الأولى، ١٤١٨ هـ - ١٩٩٧ م.\n• المبسوط، المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ)، باشر تصحيحه: جمع من أفاضل العلماء، الناشر: مطبعة السعادة - مصر.\n• المجموع شرح المهذب.، المؤلف: أبو زكريا محيي الدين بن شرف النووي (ت ٦٧٦ هـ)، باشر تصحيحه: لجنة من العلماء، الناشر: (إدارة الطباعة المنيرية، مطبعة التضامن الأخوي) - القاهرة، عام النشر: ١٣٤٤ - ١٣٤٧ هـ.\n• المحرر في أسباب نزول القرآن من خلال الكتب التسعة دراسة الأسباب رواية ودراية، المؤلف: خالد بن سليمان المزيني، الناشر: دار ابن الجوزي، الدمام - المملكة العربية السعودية، الطبعة: الأولى، (١٤٢٧ هـ - ٢٠٠٦ م).\n• المحرر في علوم القرآن، المؤلف: د مساعد بن سليمان بن ناصر الطيار، الناشر: مركز الدراسات والمعلومات القرآنية بمعهد الإمام الشاطبي، الطبعة: الثانية، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م.\n• المحرر في الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، المؤلف: عبد السلام بن عبد الله بن الخضر بن محمد، ابن تيمية الحراني، أبو البركات، مجد الدين (ت ٦٥٢ هـ)، ومعه: «النكت والفوائد السنية على مشكل المحرر» لشمس الدين ابن مفلح، الناشر: مطبعة السنة المحمدية ١٣٦٩ هـ.\n• المحصول، المؤلف: أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي الملقب بفخر الدين الرازي خطيب الري (ت ٦٠٦ هـ)، دراسة وتحقيق: الدكتور طه جابر فياض العلواني، الناشر: مؤسسة الرسالة، الطبعة: الثالثة، ١٤١٨ هـ - ١٩٩٧ م.\n• المحكم والمحيط الأعظم، المؤلف: أبو الحسن علي بن إسماعيل بن سيده المرسي [ت: ٤٥٨ هـ]، المحقق:","vol":"2","page":1256},{"text":"عبد الحميد هنداوي، الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤٢١ هـ.\n• المحلى بالآثار، المؤلف: أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي [الظاهري]، المحقق: عبد الغفار سليمان البنداري، الناشر: دار الفكر - بيروت.\n• المحيط البرهاني في الفقه النعماني: فقه الإمام أبي حنيفة ﵁، المؤلف: برهان الدين أبو المعالي محمود بن أحمد بن عبد العزيز بن عمر بن مَازَةَ البخاري الحنفي (ت ٦١٦ هـ)، المحقق: عبد الكريم سامي الجندي، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، الطبعة: الأولى، ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٤ م.\n• المحيط في اللغة، المؤلف: كافي الكفاة، الصاحب، إسماعيل بن عباد (٣٢٦ - ٣٨٥ هـ)، المحقق: محمد حسن آل ياسين، الناشر: عالم الكتب، بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤١٤ هـ - ١٩٩٤ م.\n• مختصر اختلاف العلماء، المؤلف: أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن عبد الملك بن سلمة الأزدي الحجري المصري المعروف بالطحاوي (ت ٣٢١ هـ)، اختصار: أبي بكر أحمد بن علي الجصاص (ت ٣٧٠ هـ)، المحقق: د. عبد الله نذير أحمد، الناشر: دار البشائر الإسلامية - بيروت، الطبعة: الثانية، ١٤١٧،\n• مختصر العلو للعلي العظيم للذهبي، المؤلف: شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قَايْماز الذهبي (ت ٧٤٨ هـ)، حققه واختصره: محمد ناصر الدين الألباني، الناشر: المكتب الإسلامي، الطبعة: الطبعة الثانية ١٤١٢ هـ-١٩٩١ م.\n• مختصر في قواعد التفسير، المؤلف: خالد بن عثمان السبت، الناشر: دار ابن القيم- دار ابن عفان، الطبعة: الأولى ١٤٢٦ هـ/ ٢٠٠٥.\n• مدارج السالكين في منازل السائرين، المؤلف: أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب ابن قيم الجوزية (٦٥٩ - ٧٥١)، الناشر: دار عطاءات العلم (الرياض) - دار ابن حزم (بيروت)، الطبعة: الثانية، ١٤٤١ هـ - ٢٠١٩ م (الأولى لدار ابن حزم).\n• المدخل إلى السنن الكبرى، المؤلف: أبو بكر البيهقي (ت ٤٥٨ هـ)، المحقق: د محمد ضياء الرحمن الأعظمي، الناشر: دار الخلفاء للكتاب الإسلامي - الكويت.\n• المدونة، المؤلف: مالك بن أنس بن مالك بن عامر الأصبحي المدني (ت ١٧٩ هـ)، الناشر: دار الكتب العلمية، الطبعة: الأولى، ١٤١٥ هـ - ١٩٩٤ م.\n• مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، المؤلف: أبو الحسن عبيد الله بن محمد عبد السلام بن خان","vol":"2","page":1257},{"text":"محمد بن أمان الله بن حسام الدين الرحماني المباركفوري (ت ١٤١٤ هـ)، الناشر: إدارة البحوث العلمية والدعوة والإفتاء - الجامعة السلفية - بنارس الهند، الطبعة: الثالثة - ١٤٠٤ هـ، ١٩٨٤ م.\n• المسالك والممالك، المؤلف: أبو القاسم عبيد الله بن عبد الله المعروف بابن خرداذبة (ت نحو ٢٨٠ هـ)، الناشر: دار صادر أفست ليدن، بيروت، عام النشر: ١٨٨٩ م.\n• المسائل الأصولية من كتاب الروايتين والوجهين، المؤلف: القاضي أبو يعلى الحنبلي، المحقق: الدكتور عبد الكريم محمد اللاحم، الناشر: مكتبة المعارف، الرياض - المملكة العربية السعودية، الطبعة: الأولى، ١٤٠٥ هـ - ١٩٨٥ م.\n• مسائل الإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، المؤلف: إسحاق بن منصور بن بهرام، أبو يعقوب المروزي، المعروف بالكوسج (ت ٢٥١ هـ)، الناشر: عمادة البحث العلمي، الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، المملكة العربية السعودية، الطبعة: الأولى، ١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٢ م.\n• المستصفى، المؤلف: أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي (ت ٥٠٥ هـ)، تحقيق: محمد عبد السلام عبد الشافي، الناشر: دار الكتب العلمية، الطبعة: الأولى، ١٤١٣ هـ - ١٩٩٣ م.\n• مشكل إعراب القرآن، المؤلف: أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (ت ٤٣٧ هـ)، المحقق: د. حاتم صالح الضامن، الناشر: مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة: الثانية، ١٤٠٥ هـ.\n• المعاني الكبير في أبيات المعاني، المؤلف: أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦ هـ)، المحقق: المستشرق د سالم الكرنكوي (ت ١٣٧٣ هـ)، عبد الرحمن بن يحيى بن علي اليماني (١٣١٣ - ١٣٨٦ هـ)، الناشر: مطبعة دائرة المعارف العثمانية - حيدر آباد الدكن، بالهند [الطبعة الأولى ١٣٦٨ هـ، ١٩٤٩ م].\n• معترك الأقران في إعجاز القرآن، ويُسمَّى (إعجاز القرآن ومعترك الأقران)، المؤلف: عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي (ت ٩١١ هـ)، دار النشر: دار الكتب العلمية - بيروت - لبنان، الطبعة: الأولى ١٤٠٨ هـ - ١٩٨٨ م.\n• معجم الأدباء=إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب، المؤلف: شهاب الدين أبو عبد الله ياقوت بن عبد الله الرومي الحموي (ت ٦٢٦ هـ)، المحقق: إحسان عباس، الناشر: دار الغرب الإسلامي، بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤١٤ هـ - ١٩٩٣ م.","vol":"2","page":1258},{"text":"• معجم البلدان، المؤلف: شهاب الدين أبو عبد الله ياقوت بن عبد الله الرومي الحموي (ت ٦٢٦ هـ)، الناشر: دار صادر، بيروت، الطبعة: الثانية، ١٩٩٥ م.\n• معجم الشيوخ، المؤلف: تاج الدين عبد الوهاب بن تقي الدين السبكي (ت ٧٧١ هـ)، تخريج: شمس الدين أبي عبد الله ابن سعد الصالحي الحنبلي ٧٠٣ - ٧٥٩ هـ، المحقق: الدكتور بشار عواد - رائد يوسف العنبكي - مصطفى إسماعيل الأعظمي، الناشر: دار الغرب الإسلامي، الطبعة: الأولى ٢٠٠٤ م.\n• المعجم المختص بالمحدثين، المؤلف: شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قَايْماز الذهبي (ت ٧٤٨ هـ)، تحقيق: د. محمد الحبيب الهيلة، الناشر: مكتبة الصديق، الطائف، الطبعة: الأولى، ١٤٠٨ هـ - ١٩٨٨ م.\n• المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، المؤلف: أحمد بن محمد بن علي الفيومي ثم الحموي، أبو العباس (ت نحو ٧٧٠ هـ)، الناشر: المكتبة العلمية - بيروت.\n• مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى، المؤلف: مصطفى بن سعد بن عبده السيوطي شهرة، الرحيبانى مولدا ثم الدمشقي الحنبلي (ت ١٢٤٣ هـ)، الناشر: المكتب الإسلامي، الطبعة: الثانية، ١٤١٥ هـ - ١٩٩٤ م.\n• مع الاثنى عشرية في الأصول والفروع [موسوعة شاملة]، وملحق بها السنة بيان الله تعالى على لسان الرسول ﷺ، المؤلف: د علي بن أحمد علي السالوس، الناشر: دار الفضيلة بالرياض، دار الثقافة بقطر، مكتبة دار القرآن بمصر، الطبعة: السابعة، ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م.\n• معاني القراءات للأزهري، المؤلف: محمد بن أحمد بن الأزهري الهروي، أبو منصور (ت ٣٧٠ هـ)، الناشر: مركز البحوث في كلية الآداب - جامعة الملك سعود، المملكة العربية السعودية، الطبعة: الأولى، ١٤١٢ هـ - ١٩٩١ م.\n• المعجم الأوسط، المؤلف: أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني (٢٦٠ - ٣٦٠ هـ)، المحقق: أبو معاذ طارق بن عوض الله بن محمد - أبو الفضل عبد المحسن بن إبراهيم الحسيني، الناشر: دار الحرمين - القاهرة.\n• معرفة الصحابة، المؤلف: أبو نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مهران الأصبهاني (ت ٤٣٠ هـ)، تحقيق: عادل بن يوسف العزازي، الناشر: دار الوطن للنشر، الرياض، الطبعة: الأولى ١٤١٩ هـ - ١٩٩٨ م.","vol":"2","page":1259},{"text":"• معرفة علوم الحديث، المؤلف: أبو عبد الله الحاكم محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه بن نُعيم بن الحكم الضبي الطهماني النيسابوري المعروف بابن البيع (ت ٤٠٥ هـ)، المحقق: السيد معظم حسين، الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة: الثانية، ١٣٩٧ هـ - ١٩٧٧ م.\n• المغني، المؤلف: موفق الدين أبو محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي الجماعيلي الدمشقي الصالحي الحنبلي (٥٤١ - ٦٢٠ هـ)، المحقق: الدكتور عبد اللَّه بن عبد المحسن التركي، الدكتور عبد الفتاح محمد الحلو، الناشر: دار عالم الكتب للطباعة والنشر والتوزيع، الرياض - المملكة العربية السعودية، الطبعة: الثالثة، ١٤١٧ هـ - ١٩٩٧ م.\n• مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، المؤلف: عبد الله بن يوسف بن أحمد بن عبد الله ابن يوسف، أبو محمد، جمال الدين، ابن هشام (ت ٧٦١ هـ)، المحقق: د. مازن المبارك/ محمد علي حمد الله، الناشر: دار الفكر - دمشق، الطبعة: السادسة، ١٩٨٥.\n• مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج، المؤلف: شمس الدين، محمد بن محمد، الخطيب الشربيني [ت ٩٧٧ هـ]، حققه وعَلّق عليه: علي محمد معوض - عادل أحمد عبد الموجود، الناشر: دار الكتب العلمية، الطبعة: الأولى، ١٤١٥ هـ - ١٩٩٤ م.\n• المفردات في غريب القرآن، المؤلف: أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهانى (ت ٥٠٢ هـ)، المحقق: صفوان عدنان الداودي، الناشر: دار القلم، الدار الشامية - دمشق بيروت، الطبعة: الأولى - ١٤١٢ هـ.\n• المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، المؤلف: أبو العباس أحمد بن عمر بن إبراهيم القرطبي (٥٧٨ - ٦٥٦ هـ)، حققه وعلق عليه وقدم له: محيي الدين ديب ميستو - أحمد محمد السيد - يوسف علي بديوي - محمود إبراهيم بزال، الناشر: (دار ابن كثير، دمشق - بيروت)، (دار الكلم الطيب، دمشق - بيروت)، الطبعة: الأولى، ١٤١٧ هـ - ١٩٩٦ م.\n• المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة، المؤلف: شمس الدين أبو الخير محمد بن عبد الرحمن بن محمد السخاوي (ت ٩٠٢ هـ)، المحقق: محمد عثمان الخشت، الناشر: دار الكتاب العربي - بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤٠٥ هـ - ١٩٨٥ م.\n• مقاصد الشريعة الإسلامية، المؤلف: محمد الطاهر بن محمد بن محمد الطاهر بن عاشور التونسي (ت ١٣٩٣ هـ)، المحقق: محمد الحبيب ابن الخوجة، الناشر: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، قطر، عام النشر: ١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٤ م.\n• مقدمة في أصول التفسير، المؤلف: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد","vol":"2","page":1260},{"text":"الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (ت ٧٢٨ هـ)، الناشر: دار مكتبة الحياة، بيروت، لبنان، الطبعة: ١٤٩٠ هـ/ ١٩٨٠ م.\n• المقصد لتلخيص ما في المرشد في الوقف والابتداء، المؤلف: زكريا بن محمد بن أحمد بن زكريا الأنصاري، زين الدين أبو يحيى السنيكي (ت ٩٢٦ هـ)، الناشر: دار المصحف، الطبعة: الثانية، ١٤٠٥ هـ - ١٩٨٥ م.\n• المكتفى في الوقف والابتدا، المؤلف: عثمان بن سعيد بن عثمان بن عمر أبو عمرو الداني (ت ٤٤٤ هـ)، المحقق: محيي الدين عبد الرحمن رمضان، الناشر: دار عمار، الطبعة: الأولى ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠١ م.\n• ملاك التأويل القاطع بذوي الإلحاد والتعطيل في توجيه المتشابه اللفظ من آي التنزيل، المؤلف: أحمد بن إبراهيم بن الزبير الثقفي الغرناطي، أبو جعفر (ت ٧٠٨ هـ) / وضع حواشيه: عبد الغني محمد علي الفاسي، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان.\n• الملل والنحل، المؤلف: أبو الفتح محمد بن عبد الكريم بن أبى بكر أحمد الشهرستاني (ت ٥٤٨ هـ)، الناشر: مؤسسة الحلبي.\n• منار الهدى في بيان الوقف والابتدا، المؤلف: أحمد بن عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم الأشموني المصري الشافعي (ت نحو ١١٠٠ هـ)، المحقق: عبد الرحيم الطرهوني، الناشر: دار الحديث - القاهرة، مصر، عام النشر: ٢٠٠٨ م.\n• مناهل العرفان في علوم القرآن، المؤلف: محمد عبد العظيم الزُّرْقاني (ت ١٣٦٧ هـ)، الناشر: مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه، الطبعة: الطبعة الثالثة.\n• منتهى الإرادات مع حاشية ابن قائد، المؤلف: تقي الدين محمد بن أحمد الفتوحي الحنبلي الشهير بابن النجار (٩٧٢ هـ)، المحقق: عبد الله بن عبد المحسن التركي، الناشر: مؤسسة الرسالة، الطبعة: الأولى، ١٤١٩ هـ - ١٩٩٩ م.\n• منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية، المؤلف: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (ت ٧٢٨ هـ)، المحقق: محمد رشاد سالم، الناشر: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الطبعة: الأولى، ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م.\n• المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، المؤلف: أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (ت","vol":"2","page":1261},{"text":"٦٧٦ هـ)، الناشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت، الطبعة: الثانية، ١٣٩٢.\n• منهج النقد الحديث، أماني الأنصاري، جامعة أم القرى (مكة)، مكتبة وقرطاسية أم القرى، بجوار الأحوال المدنية.\n• الْمُهَذَّبُ في عِلْمِ أُصُولِ الفِقْهِ الْمُقَارَنِ (تحريرٌ لمسائِلِه ودراستها دراسةً نظريَّةً تطبيقيَّةً)، المؤلف: عبد الكريم بن علي بن محمد النملة، دار النشر: مكتبة الرشد - الرياض، الطبعة الأولى: ١٤٢٠ هـ - ١٩٩٩ م.\n• المهذب في فقه الإمام الشافعي، المؤلف: أبو اسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الشيرازي (ت ٤٧٦ هـ)، الناشر: دار الكتب العلمية.\n• موافقة الخبر الخبر في تخريج أحاديث المختصر، المؤلف: أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢ هـ)، حققه وعلق عليه: حمدي عبد المجيد السلفي، صبحي السيد جاسم السامرائي، الناشر: مكتبة الرشد للنشر والتوزيع، الرياض - المملكة العربية السعودية، الطبعة: الثانية، ١٤١٤ هـ - ١٩٩٣ م.\n• موسوعة أحكام الطهارة، المؤلف: أبو عمر دبيان بن محمد الدبيان، الناشر: مكتبة الرشد، الرياض - المملكة العربية السعودية، الطبعة: الثانية، ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٥ م.\n• موسوعة مواقف السلف في العقيدة والمنهج والتربية (أكثر من ٩٠٠٠ موقف لأكثر من ١٠٠٠ عالم على مدى ١٥ قرنًا)، المؤلف: أبو سهل محمد بن عبد الرحمن المغراوي، الناشر: المكتبة الإسلامية للنشر والتوزيع، القاهرة - مصر، النبلاء للكتاب، مراكش - المغرب، الطبعة: الأولى.\n• موسوعة العلامة الإمام مجدد العصر محمد ناصر الدين الألباني «موسوعة تحتوي على أكثر من (٥٠) عملًا ودراسة حول العلامة الألباني وتراثه الخالد»، المؤلف: أبو عبد الرحمن محمد ناصر الدين، بن الحاج نوح بن نجاتي بن آدم، الأشقودري الألباني (ت ١٤٢٠ هـ)، صَنَعَهُ: شادي بن محمد بن سالم آل نعمان، الناشر: مركز النعمان للبحوث والدراسات الإسلامية وتحقيق التراث والترجمة، صنعاء - اليمن، الطبعة: الأولى، ١٤٣١ هـ - ٢٠١٠ م.\n• موسوعة التفسير المأثور، إعداد: مركز الدراسات والمعلومات القرآنية، المشرفون: أ. د. مساعد بن سليمان الطيار - د. نوح بن يحيى الشهري، الناشر: مركز الدراسات والمعلومات القرآنية بمعهد الإمام الشاطبي- دار ابن حزم - بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤٣٩ - ٢٠١٧.\n• موسوعة الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور، المؤلف: أ. د. حكمت بن بشير بن ياسين، الناشر:","vol":"2","page":1262},{"text":"دار المآثر للنشر والتوزيع والطباعة- المدينة النبوية، الطبعة: الأولى، ١٤٢٠ هـ - ١٩٩٩ م.\n• الموسوعة الميسرة في تراجم أئمة التفسير والإقراء والنحو واللغة «من القرن الأول إلى المعاصرين مع دراسة لعقائدهم وشيء من طرائفهم»، جمع وإعداد: وليد بن أحمد الحسين الزبيري، إياد بن عبد اللطيف القيسي، مصطفى بن قحطان الحبيب، بشير بن جواد القيسي، عماد بن محمد البغدادي، الناشر: مجلة الحكمة، مانشستر - بريطانيا، الطبعة: الأولى، ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م.\n• الموضوعات، المؤلف: جمال الدين عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي (ت ٥٩٧ هـ)، ضبط وتقديم وتحقيق: عبد الرحمن محمد عثمان، الناشر: محمد عبد المحسن صاحب المكتبة السلفية بالمدينة المنورة، الطبعة: الأولى.\n• التلقين في الفقة المالكي، المؤلف: أبو محمد عبد الوهاب بن علي بن نصر الثعلبي البغدادي المالكي (ت ٤٢٢ هـ)، المحقق: ابي أويس محمد بو خبزة الحسني التطواني، الناشر: دار الكتب العلمية، الطبعة: الأولى ١٤٢٥ هـ-٢٠٠٤ م.\n• التلويح على التوضيح لمتن التنقيح في أصول الفقه، المؤلف: سعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني (ت ٧٩٢ هـ)، ومعه: التوضيح في حل غوامض التنقيح، لصدر الشريعة المحبوبي (ت ٧٤٧ هـ)، الناشر: مطبعة محمد علي صبيح وأولاده بالأزهر - مصر، الطبعة: ١٣٧٧ هـ - ١٩٥٧ م.\n• تمهيد الأوائل في تلخيص الدلائل، المؤلف: محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر بن القاسم، القاضي أبو بكر الباقلاني المالكي (ت ٤٠٣ هـ)، المحقق: عماد الدين أحمد حيدر، الناشر: مؤسسة الكتب الثقافية - لبنان، الطبعة: الأولى، ١٤٠٧ هـ - ١٩٨٧ م.\n• مجموع فتاوى ومقالات متنوعة، المؤلف: عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الرحمن بن باز، جمع وإشراف: د. محمد بن سعد الشويعر، الناشر: رئاسة إدارة البحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية.\n• المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية، المؤلف: أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢ هـ)، المحقق: (١٧) رسالة علمية قدمت لجامعة الإمام محمد بن سعود، تنسيق: د. سعد بن ناصر بن عبد العزيز الشثري، الناشر: دار العاصمة، دار الغيث - السعودية، الطبعة: الأولى، ١٤١٩ هـ.\n• متن الرسالة، المؤلف: أبو محمد عبد الله بن (أبي زيد) عبد الرحمن النفزي، القيرواني، المالكي (ت ٣٨٦ هـ)، الناشر: دار الفكر.\n• مسند الإمام الدارمي، المؤلف: أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، درسه وضبط نصوصه وحققها: الدكتور/ مرزوق بن هياس آل مرزوق الزهراني، الناشر: (بدون ناشر) (طُبع على نفقة","vol":"2","page":1263},{"text":"رجل الأعمال الشيخ جمعان بن حسن الزهراني)، الطبعة: الأولى، ١٤٣٦ هـ - ٢٠١٥ م\n• منح الجليل شرح مختصر خليل، المؤلف: محمد عليش، الناشر: دار الفكر - بيروت، الطبعة: الأولى،: ١٤٠٤ هـ - ١٩٨٤ م.\n• المجروحين من المحدثين، المؤلف: ابن حبان، المحقق: حمدي عبد المجيد السلفي، الناشر: دار الصميعي للنشر والتوزيع، الرياض - المملكة العربية السعودية، الطبعة: الأولي، ١٤٢٠ هـ - ٢٠٠٠ م.\n• مباحث التفسير (وهو استدركات وتعليقات على تفسير الكشف والبيان للثعلبي)، المؤلف: أبو العباس، أحمد بن محمد بن المظفر بن المختار الرازيّ الحنفي (ت ٦٣١ هـ)، دراسة وتحقيق: حاتم بن عابد بن عبد الله القرشي، الناشر: كنوز إشبيليا - المملكة العربية السعودية، الطبعة: الأولى، ١٤٣٠ هـ - ٢٠٠٩ م.\n• المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر، المؤلف: ضياء الدين بن الأثير، نصر الله بن محمد (ت ٦٣٧ هـ)، المحقق: أحمد الحوفي، بدوي طبانة، الناشر: دار نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، الفجالة - القاهرة.\n• مجاز القرآن، المؤلف: أبو عبيدة معمر بن المثنى التيمى البصري (ت ٢٠٩ هـ)، المحقق: محمد فواد سزكين، الناشر: مكتبة الخانجى - القاهرة.\n• مجموع فتاوى ومقالات متنوعة، المؤلف: عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الرحمن بن باز، جمع وإشراف: د. محمد بن سعد الشويعر، الناشر: رئاسة إدارة البحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية.\n(ن)\n• النكت والعيون، =تفسير الماوردي، أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (المتوفى: ٤٥٠ هـ)، المحقق: السيد ابن عبد المقصود بن عبد الرحيم، الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت، لبنان.\n• النكت في القرآن الكريم (في معاني القرآن الكريم وإعرابه)، المؤلف: علي بن فَضَّال بن علي بن غالب المُجَاشِعِي القيرواني، أبو الحسن (ت ٤٧٩ هـ)، دراسة وتحقيق: د. عبد الله عبد القادر الطويل، دار النشر: دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م.\n• النوادر والزيادات على مَا في المدَوَّنة من غيرها من الأُمهاتِ، المؤلف: أبو محمد عبد الله بن (أبي زيد) عبد الرحمن النفزي، القيرواني، المالكي (ت ٣٨٦ هـ) تحقيق: د. عبد الفتّاح محمد الحلو/ محمَّد","vol":"2","page":1264},{"text":"حجي، الناشر: دار الغرب الإسلامي، بيروت، الطبعة: الأولى، ١٩٩٩ م.\n• النسخ في القرآن الكريم، دراسة تشريعية تاريخية نقدية، د. مصطفى زيد، دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع (المنصورة)، الطبعة الثالثة، ١٤٠٨ هـ.\n• نبذة مختصرة من نصائح والدي العلامة مقبل بن هادي الوادعي وسيرته العطرة، تأليف: أم عبد الله بنت الشيخ مقبل، دار الآثار (صنعاء)، الطبعة الأولى، ١٤٢٣ هـ.\n• نظرات في أحسن القصص، محمد السيد الوكيل، دار القلم للطباعة والنشر والتوزيع (دمشق)، الطبعة الأولى، ١٤١٥ هـ.\n• نكت الانتصار لنقل القرآن، أبو بكر الباقلاني، دراسة وتحقيق: د. محمد زغلول السلام، منشأة المعارف (الإسكندرية)، ١٤١٥ هـ.\n• نواقض الإيمان الاعتقادية وضوابط التكفير عند السلف، د. محمد بن عبد الله بن علي الوهيبي، دار المسلم للنشر والتوزيع.\n• الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم، المؤلف: أبو بكر بن العربي المعافري، المحقق: الدكتور عبد الكبير العلوي المدغري، تقديم: د عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ)، أصل التحقيق: رسالة دكتوراة للمحقق، الناشر: مكتبة الثقافة الدينية، الطبعة: الأولى، ١٤١٣ هـ - ١٩٩٢ م.\n• الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم، المؤلف: أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي الظاهري (ت ٤٥٦ هـ)، المحقق: د. عبد الغفار سليمان البنداري، الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت، لبنان، الطبعة: الأولى، ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م.\n• الناسخ والمنسوخ، المؤلف: أبو القاسم هبة الله بن سلامة بن نصر بن علي البغدادي المقري (ت ٤١٠ هـ)، المحقق: زهير الشاويش، محمد كنعان، الناشر: المكتب الإسلامي - بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤٠٤ هـ.\n• الناسخ والمنسوخ، النحوي (ت ٣٣٨ هـ)، المحقق: د. محمد عبد السلام محمد، الناشر: مكتبة الفلاح - الكويت، الطبعة: الأولى، ١٤٠٨ هـ.\n• الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز وما فيه من الفرائض والسنن، المؤلف: أبو عُبيد القاسم بن سلاّم بن عبد الله الهروي البغدادي (ت ٢٢٤ هـ)، دراسة وتحقيق: محمد بن صالح المديفر (أصل التحقيق رسالة جامعية)، الناشر: مكتبه الرشد/ شركة الرياض - الرياض، الطبعة: الثانية، ١٤١٨ هـ - ١٩٩٧ م.","vol":"2","page":1265},{"text":"• الناسخ والمنسوخ، المؤلف: قتادة بن دعامة بن قتادة بن عزيز، أبو الخطاب السدوسي البصري (ت ١١٧ هـ)، المحقق: حاتم صالح الضامن، كلية الآداب - جامعة بغداد، الناشر: مؤسسة الرسالة، الطبعة: الثالثة، ١٤١٨ هـ/ ١٩٩٨ م.\n• نزهة الألباء في طبقات الأدباء، المؤلف: عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله الأنصاري، أبو البركات، كمال الدين الأنباري (ت ٥٧٧ هـ)، المحقق: إبراهيم السامرائي، الناشر: مكتبة المنار، الزرقاء - الأردن، الطبعة: الثالثة، ١٤٠٥ هـ - ١٩٨٥ م.\n• نزهة الأعين النواظر في علم الوجوه والنظائر، المؤلف: جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي (ت ٥٩٧ هـ)، المحقق: محمد عبد الكريم كاظم الراضي، الناشر: مؤسسة الرسالة - لبنان/ بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤٠٤ هـ - ١٩٨٤ م.\n• نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواظر، المؤلف: عبد الحي بن فخر الدين بن عبد العلي الحسني الطالبي (ت ١٣٤١ هـ)، دار النشر: دار ابن حزم - بيروت، لبنان، الطبعة: الأولى، ١٤٢٠ هـ، ١٩٩٩ م.\n• النشر في القراءات العشر، المؤلف: شمس الدين أبو الخير ابن الجزري، محمد بن محمد بن يوسف (المتوفى: ٨٣٣ هـ)، المحقق: علي محمد الضباع (المتوفى ١٣٨٠ هـ)، الناشر: المطبعة التجارية الكبرى [تصوير دار الكتاب العلمية].\n• نفائس الأصول في شرح المحصول، المؤلف: شهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي (ت ٦٨٤ هـ)، المحقق: عادل أحمد عبد الموجود، علي محمد معوض، الناشر: مكتبة نزار مصطفى الباز، الطبعة: الأولى، ١٤١٦ هـ - ١٩٩٥ م.\n• نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب، وذكر وزيرها لسان الدين بن الخطيب، المؤلف: شهاب الدين أحمد بن محمد المقري التلمساني (ت ١٠٤١ هـ)، المحقق: إحسان عباس، الناشر: دار صادر- بيروت - لبنان ص. ب ١٠، الطبعة: الأولى ١٩٦٨ هـ.\n• نقض الإمام أبي سعيد عثمان بن سعيد على المريسي الجهمي العنيد فيما افترى على الله ﷿ من التوحيد، المؤلف: أبو سعيد عثمان بن سعيد بن خالد بن سعيد الدارمي السجستاني (ت ٢٨٠ هـ)، الناشر: مكتبة الرشد للنشر والتوزيع، المحقق: رشيد بن حسن الألمعي، الطبعة: الطبعة الأولى ١٤١٨ هـ - ١٩٩٨ م.\n• النكت الدالة على البيان في أنواع العلوم والأحكام، المؤلف: أحمد محمد بن علي بن محمد الكَرَجي","vol":"2","page":1266},{"text":"القصَّاب (ت نحو ٣٦٠ هـ)، تحقيق: علي بن غازي التويجري وآخرون، دار النشر: دار القيم - دار ابن عفان، الطبعة: الأولى ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م.\n• نكت وتنبيهات في تفسير القرآن المجيد، المؤلف: أبو العباس البسيلي التونسي (المتوفي ٨٣٠ هـ)، تقديم وتحقيق: الأستاذ/ محمد الطبراني، الناشر: منشورات وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية - المملكة المغربية، الطبع: مطبعة النجاح الجديدة - الدار البيضاء، الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م.\n• نصب الراية لأحاديث الهداية مع حاشيته بغية الألمعي في تخريج الزيلعي، المؤلف: جمال الدين أبو محمد عبد الله بن يوسف بن محمد الزيلعي (ت ٧٦٢ هـ)، قدم للكتاب: محمد يوسف البَنُوري، صححه ووضع الحاشية: عبد العزيز الديوبندي الفنجاني، إلى كتاب الحج، ثم أكملها محمد يوسف الكاملفوري، المحقق: محمد عوامة، الناشر: مؤسسة الريان للطباعة والنشر - بيروت -لبنان/ دار القبلة للثقافة الإسلامية- جدة - السعودية، الطبعة: الأولى، ١٤١٨ هـ/ ١٩٩٧ م.\n• النكت على كتاب ابن الصلاح، المؤلف: أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢ هـ)، المحقق: ربيع بن هادي عمير المدخلي، الناشر: عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، المملكة العربية السعودية، الطبعة: الأولى، ١٤٠٤ هـ/ ١٩٨٤ م.\n• النهاية في الفتن والملاحم، المؤلف: أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي (ت ٧٧٤ هـ)، المحقق: محمد أحمد عبد العزيز، الناشر: دار الجيل، بيروت - لبنان، الطبعة: ١٤٠٨ هـ - ١٩٨٨ م.\n• النهاية في غريب الحديث والأثر، المؤلف: مجد الدين أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد بن محمد ابن عبد الكريم الشيباني الجزري ابن الأثير (ت ٦٠٦ هـ)، الناشر: المكتبة العلمية - بيروت، ١٣٩٩ هـ - ١٩٧٩ م، تحقيق: طاهر أحمد الزاوى - محمود محمد الطناحي.\n• نهاية المطلب في دراية المذهب، المؤلف: عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (ت ٤٧٨ هـ)، حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب، الناشر: دار المنهاج، الطبعة: الأولى، ١٤٢٨ هـ-٢٠٠٧ م.\n• نهاية الوصول في دراية الأصول، المؤلف: صفي الدين محمد بن عبد الرحيم الأرموي الهندي (٧١٥ هـ)، المحقق: د. صالح بن سليمان اليوسف - د. سعد بن سالم السويح، أصل التحقيق: رسالتا دكتوراة بجامعة الإمام بالرياض، الناشر: المكتبة التجارية بمكة المكرمة، الطبعة: الأولى، ١٤١٦ هـ - ١٩٩٦ م.","vol":"2","page":1267},{"text":"• النهي عن سب الأصحاب وما فيه من الإثم والعقاب، المؤلف: ضياء الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي (ت ٦٤٣ هـ)، المحقق: د. محمد أحمد عاشور - م. جمال عبد المنعم الكومي، الناشر: الدار الذهبية - مصر - القاهر، الطبعة: الأولى، ١٩٩٤ م.\n• نواسخ القرآن=ناسخ القرآن ومنسوخه، المؤلف: جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي (ت ٥٩٧ هـ)، تحقيق: محمد أشرف علي المليباري، وأصله رسالة ماجستير - الجامعة الإسلامية - الدراسات العليا - التفسير - ١٤٠١ هـ، الناشر: عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، المملكة العربية السعودية.\n• نواهد الأبكار وشوارد الأفكار=حاشية السيوطي على تفسير البيضاوي، المؤلف: عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي (ت ٩١١ هـ)، الناشر: جامعة أم القرى - كلية الدعوة وأصول الدين، المملكة العربية السعودية (٣ رسائل دكتوراة)، عام النشر: ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٥ م.\n• نور الإيضاح ونجاة الأرواح في الفقه الحنفي، المؤلف: حسن بن عمار بن علي الشرنبلالي المصري الحنفي (ت ١٠٦٩ هـ)، المحقق: محمد أنيس مهرات، الناشر: المكتبة العصرية، الطبعة: ١٢٤٦ هـ- ٢٠٠٥ م.\n• نيل الأوطار، المؤلف: محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني (ت ١٢٥٠ هـ)، تحقيق: عصام الدين الصبابطي، الناشر: دار الحديث، مصر، الطبعة: الأولى، ١٤١٣ هـ - ١٩٩٣ م.\n• نيل المرام من تفسير آيات الأحكام، المؤلف: أبو الطيب محمد صديق خان بن حسن بن علي ابن لطف الله الحسيني البخاري القِنَّوجي (ت ١٣٠٧ هـ)، تحقيق: محمد حسن إسماعيل - أحمد فريد المزيدي، دار النشر: دار الكتب العلمية، تاريخ النشر: ٣٠/ ٠١/ ٢٠٠٣ م.\n(هـ)\n• الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، المؤلف: أبو محمد مكي بن أبي طالب، المحقق: مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، الناشر: مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة، الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ.\n(و)\n• وبل الغمام على شفاء الأُوام، محمد بن علي الشوكاني، تحقيق: محمد صبحي حلاق، مكتبة ابن تيمية (القاهرة)، الطبعة الأولى، ١٤١٦ هـ.","vol":"2","page":1268},{"text":"• وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، المؤلف: أبو العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر ابن خلكان البرمكي الإربلي (المتوفى: ٦٨١ هـ)، المحقق: إحسان عباس، الناشر: دار صادر - بيروت، الطبعة: الأولى، ١٩٩٤ م.\n• الوسيط في المذهب، أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي (المتوفى: ٥٠٥ هـ)، المحقق: أحمد محمود إبراهيم، محمد محمد تامر، الناشر: دار السلام - القاهرة، الطبعة: الأولى، ١٤١٧ هـ.\n• الوسيط في تفسير القرآن المجيد، المؤلف: أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي (ت ٤٦٨ هـ)، تحقيق وتعليق: الشيخ عادل أحمد عبد الموجود، الشيخ علي محمد معوض، الدكتور أحمد محمد صيرة، الدكتور أحمد عبد الغني الجمل، الدكتور عبد الرحمن عويس، قدمه وقرظه: الأستاذ الدكتور عبد الحي الفرماوي، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، الطبعة: الأولى، ١٤١٥ هـ - ١٩٩٤ م.\n• الواضح في أصول الفقه، المؤلف: أبو الوفاء، علي بن عقيل بن محمد بن عقيل البغدادي الظفري، (ت ٥١٣ هـ)، المحقق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي، الناشر: مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت - لبنان، الطبعة: الأولى، ١٤٢٠ هـ - ١٩٩٩ م.\n• الوافي بالوفيات، المؤلف: صلاح الدين خليل بن أيبك بن عبد الله الصفدي (ت ٧٦٤ هـ)، المحقق: أحمد الأرناؤوط وتركي مصطفى، الناشر: دار إحياء التراث - بيروت، عام النشر: ١٤٢٠ هـ- ٢٠٠٠ م.\n• الوجوه والنظائر لأبي هلال العسكري (معتزلي)، المؤلف: أبو هلال الحسن بن عبد الله بن سهل بن سعيد بن يحيى بن مهران العسكري (ت نحو ٣٩٥ هـ)، حققه وعلق عليه: محمد عثمان، الناشر: مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة، الطبعة: الأولى، ١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م.\n• الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، المؤلف: أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي (ت ٤٦٨ هـ)، تحقيق: صفوان عدنان داوودي، دار النشر: دار القلم، الدار الشامية - دمشق، بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤١٥ هـ.","vol":"2","page":1269}]}