{"ً":{"ٌ":30150,"ٍ":"البينات في شرح كشف الشبهات","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"shamela","files":["30150/30150.pdf"]},"ّ":"الكتاب: البينات في شرح كشف الشبهات\n(مطبوع مع الأبدع في شرح القواعد الأربع)\nالمؤلف: أحمد بن عبد الرحمن بن عثمان القاضي\nالناشر: دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع، الرياض - السعودية\nالطبعة: الأولى، ١٤٤٣ هـ\nعدد الصفحات: ١٤٩\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"2.0","ٔ":2853,"ٕ":1,"ٖ":1781462464,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مقدمة","level":1,"page":1},{"title":"بيان معنى التوحيد وأن التوحيد هو دين الرسل ﵈","level":1,"page":3},{"title":"فصل في بيان أن المشركين الأولين يقرون بالربوبية والدليل على ذلك","level":1,"page":13},{"title":"فصل في بيان التوحيد الذي جاء به الرسل","level":1,"page":17},{"title":"فصل في بيان أن التوحيد هو معنى لا إله إلا الله","level":1,"page":21},{"title":"فصل في بيان أن المشركين الأولين أعلم من المشركين المتأخرين بمعنى لا إله إلا الله","level":1,"page":23},{"title":"فائدة معرفة التوحيد والشرك","level":1,"page":27},{"title":"فصل في بيان حكمة الله أن جعل لكل داع إلى الحق أعداء","level":1,"page":39},{"title":"فصل في أن القرآن حجة على كل مبطل إلى يوم القيامه","level":1,"page":49},{"title":"الشبهة الأولى","level":1,"page":64},{"title":"الشبهة الثانية","level":1,"page":66},{"title":"الشبهة الثالثة","level":1,"page":70},{"title":"الشبهة الرابعة","level":1,"page":73},{"title":"الشبهة الخامسة","level":1,"page":75},{"title":"الشبهة السادسة","level":1,"page":81},{"title":"الشبهة السابعة","level":1,"page":82},{"title":"الشبهة الثامنة","level":1,"page":90},{"title":"الشبهة التاسعة","level":1,"page":94},{"title":"الشبهة العاشرة","level":1,"page":99},{"title":"الشبهة الحادية عشرة","level":1,"page":121},{"title":"الشبهة الثانية عشرة","level":1,"page":128},{"title":"الشبهة الثالثة عشرة","level":1,"page":134},{"title":"خاتمة المتن","level":1,"page":136},{"title":"فهرس المراجع","level":1,"page":144}],"ٛ":{"1,5":1,"1,6":2,"1,7":3,"1,8":4,"1,9":5,"1,10":6,"1,11":7,"1,12":8,"1,13":9,"1,14":10,"1,15":11,"1,16":12,"1,17":13,"1,18":14,"1,19":15,"1,20":16,"1,21":17,"1,22":18,"1,23":19,"1,24":20,"1,25":21,"1,26":22,"1,27":23,"1,28":24,"1,29":25,"1,30":26,"1,31":27,"1,32":28,"1,33":29,"1,34":30,"1,35":31,"1,36":32,"1,37":33,"1,38":34,"1,39":35,"1,40":36,"1,41":37,"1,42":38,"1,43":39,"1,44":40,"1,45":41,"1,46":42,"1,47":43,"1,48":44,"1,49":45,"1,50":46,"1,51":47,"1,52":48,"1,53":49,"1,54":50,"1,55":51,"1,56":52,"1,57":53,"1,58":54,"1,59":55,"1,60":56,"1,61":57,"1,62":58,"1,63":59,"1,64":60,"1,65":61,"1,66":62,"1,67":63,"1,68":64,"1,69":65,"1,70":66,"1,71":68,"1,72":69,"1,73":70,"1,74":71,"1,75":72,"1,76":73,"1,77":74,"1,78":75,"1,79":76,"1,80":77,"1,81":78,"1,82":79,"1,83":80,"1,84":81,"1,85":82,"1,86":83,"1,87":84,"1,88":85,"1,89":86,"1,90":87,"1,91":88,"1,92":89,"1,93":90,"1,94":91,"1,95":92,"1,96":93,"1,97":94,"1,98":95,"1,99":96,"1,100":98,"1,101":99,"1,102":100,"1,103":101,"1,104":102,"1,105":103,"1,106":104,"1,107":105,"1,108":106,"1,109":107,"1,110":108,"1,111":109,"1,112":110,"1,113":111,"1,114":112,"1,115":113,"1,116":114,"1,117":115,"1,118":116,"1,119":117,"1,120":118,"1,121":119,"1,122":120,"1,123":121,"1,124":122,"1,125":123,"1,126":124,"1,127":125,"1,128":126,"1,129":127,"1,130":128,"1,131":129,"1,132":130,"1,133":131,"1,134":132,"1,135":133,"1,136":134,"1,137":135,"1,138":136,"1,139":137,"1,140":138,"1,141":139,"1,142":140,"1,143":141,"1,144":142,"1,145":143,"1,146":144,"1,147":145,"1,148":146,"1,149":147},"ٜ":{"1":[5,149]},"ٝ":["1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149"],"ٞ":{"1":[1],"3":[2],"13":[3],"17":[4],"21":[5],"23":[6],"27":[7],"39":[8],"49":[9],"64":[10],"66":[11],"70":[12],"73":[13],"75":[14],"81":[15],"82":[16],"90":[17],"94":[18],"99":[19],"121":[20],"128":[21],"134":[22],"136":[23],"144":[24]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"﷽\n\n<span data-type='title' id=toc-1>مقدمة</span>\nالحمد لله الذي قذف بالحق على الباطل فأزهقه، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على نبيه محمد، الذي بعثه بالهدى ودين الحق، وأظهره، وجعل من أتباعه، وحفاظ سنته من يسير على نهجه، ويقفو أثره، ويكشف شبهات المعرضين المزوَّقة.\nأما بعد:\nفقد جدد الله هذا الدين، في القرن الثاني عشر الهجري، بشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب (١١١٥ - ١٢٠٦ هـ)، ﵀. فدعا إلى توحيد الأنبياء والمرسلين، وحذر من مظاهر الشرك العقدية، والقولية، والعملية، التي تسللت إلى عوام المسلمين وخواصهم، فصنف المصنفات، ودبَّج الرسائل والعظات، ونازل أرباب الباطل، وسدنة الشرك، في مواطن مشهورة، ومواقف مذكورة.\nوكان منها هذا السفر البديع، والحجة البالغة، والسلاح المضَّاء، الذي اجتث به كل كلمة خبيثة تسوغ الشرك، وتروج له. فتتبع شبهات أهل الأهواء، وسدنة القبور والمشاهد، والمزارات، الذين يقتاتون من ورائها، ويأكلون بها أموال الناس بالباطل، ويصدون عن سبيل الله. فاستخلص من كلامهم نحو ثلاث عشرة شبهة، درجوا على تسويقها، وتسليكها، والتذرع بها، لدى الأتباع، فكشفها، وزيَّفها، واحدةً تلو الأخرى، بحجج شرعية قاطعة، لا تبقي ولا تذر، فكان هذا الكتاب: (كشف الشبهات).","vol":"1","page":5},{"text":"قال حفيده، الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، ﵀: (هذا الكتاب جواب لشبهٍ اعترض بها بعض المنتسبين للعلم في زمانه عليه؛ فإن الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ لما تصدى لبيان التوحيد، والدعوة إليه، وتفصيل أنواعه، والموالاة والمعاداة فيه، ومصادمة من ضاده، وكشف شبه من شبَّه عليه -وإن كانت أوهى من خيط العنكبوت، وبيَّن ما عليه الكثير من الشرك الأكبر- اعترض عليه بعض الجهلة المُتَمعْلِمين؛ أزَّهم إبليس، فجمعوا شبهًا شبهوا بها على الناس، وزعموا أن الشيخ، ﵀، يكفر المسلمين، وحاشاه عن ذلك؛ بل لا يكفر إلا من عمل مكفرًا، وقامت عليه الحجة، فأجابهم المصنف بهذا الكتاب، وما يميز به المنصف ما عليه الشيخ وأتباعه، وما عليه أولئك) (^١)\nوهذا الكتاب مكنز نفيس، ومرجع وثيق، وركن شديد، لدعاة التوحيد والسنة، في كل جيل وقبيل، يشهرون حججه في وجوه دعاة الشرك والوثنية، المتلبسة بالرفض والصوفية. وقد أتاح الله شرحه ومدارسته في إحدى الدورات العلمية، وجرى تفريغه من الأوعية الصوتية، ثم تنقيحه بما تقتضيه الصياغة التحريرية؛ فجاء-بحمد الله- على هذا النحو، وسميته: (البيّنات في شرح كشف الشبهات).\nوالله المسؤول وحده، أن يعز دينه، ويعلي كلمته، وينصر أولياءه، ويخذل أعداءه.\nكتبه\nأ. د. أحمد بن عبد الرحمن بن عثمان القاضي\nرمضان ١٤٤١ هـ\n_________\n(^١) شرح كشف الشبهات لمحمد بن إبراهيم آل الشيخ (ص: ١٣) جمع وترتيب: محمد بن عبد الرحمن بن قاسم","vol":"1","page":6},{"text":"﷽\n\n<span data-type='title' id=toc-2>بيان معنى التوحيد وأن التوحيد هو دين الرسل ﵈</span>\n﷽\nوبه ثقتي: (كتاب كشف الشبهات).\nقال المؤلف -رحمه الله تعالى-:\n(اعلم، رحمك الله، أن التوحيد: هو إفراد الله ﷾ بالعبادة، وهو دين الرسل الذي أرسلهم الله به إلى عباده. فأولهم: نوح ﵇، أرسله الله إلى قومه لما غلوا في الصالحين؛ ودًا، وسواعًا، ويغوث، ويعوق، ونسرًا، وآخر الرسل: محمد ﷺ وهو الذي كسر صور هؤلاء الصالحين).\n<hr><s0>\n\n(بسم الله الرحمن الرحيم): قد تقدم معنى البسملة، وما تضمنته، ومعنى الرحمن والرحيم، في شرح ثلاثة الأصول فلا حاجة لإعادته (^١).\nقوله: (اعلم رحمك الله): تقدم أيضًا، أن من طريقة المؤلف ﵀\n_________\n(^١) ينظر: الأصول الثلاثة لفضيلة الشيخ: أحمد بن عبد الرحمن القاضي (ص ١٧)، وما بعدها.","vol":"1","page":7},{"text":"أن يعبر بهذا الأسلوب: \"اعلم\" بصيغة فعل الأمر، لما يحصل بذلك من التنبه، وأنه يردف ذلك بالدعاء للمخاطب بالرحمة، وفي هذا استمالة لقلبه، وتحبب إليه. وهكذا ينبغي أن يكون الداعية إلى الله ﷿، سواءٌ خطب، أو كتب، أو ناظر، رفيقًا، لطيفًا، ناصحًا. لأن المقصود نفع المخاطب، ولا يحصل ذلك غالبًا، إلا بالرفق.\nوتقدم تعريف العلم، وأنه: إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكًا جازمًا. أما عدم الإدراك بالكلية، فهو الجهل البسيط، وأما إدراك الشيء على خلاف ما هو عليه، فهو جهل مركب، وأما الظن: فهو إدراك الشيء مع احتمال ضد مرجوح، والوهم: إدراك الشيء مع احتمال ضد راجح، والشك: إدراك الشيء مع احتمال ضد مساو. تلك أقسام المدارك.\nقوله: (التوحيد): التوحيد لغة: مصدر وحّد يوحد توحيدا، أي: جعْل الشيء واحدًا. والمراد به في هذا المقام اعتقاد الله واحدا، لا جعل الله واحدًا لأن الجعل ليس إلينا، لأنه سبحانه واحدٌ، شئنا أم أبينا.\nقوله: (هو إفراد الله ﷾ بالعبادة): أراد المؤلف نوعًا من أنواع التوحيد، وهو توحيد العبادة. ولكن التوحيد أعم من ذلك، فهو ثلاثة أنواع:\n١) توحيد الربوبية.\n٢) توحيد الألوهية.\n٣) توحيد الأسماء والصفات.\nفالتعريف العام للتوحيد: هو اعتقاد الله واحدًا في ربوبيته، وألوهيته، وأسمائه وصفاته، وإفراده تعالى بذلك.\nفأما توحيد الربوبية؛ فهو الاعتقاد الجازم بأن الله:\n- هو الخالق، لا خالق سواه.","vol":"1","page":8},{"text":"- وأنه المالك، لا مالك سواه.\n- وأنه المدبر، لا مدبر سواه.\nفمدار الربوبية على ثلاثة أوصاف: الخلق، والملك، والتدبير.\nوتوحيد الألوهية: هو توحيد العبادة، وهو: الاعتقاد الجازم بأن الله وحده هو المستحق للعبادة، دون ما سواه، فلا يشرك بعبادته أحدًا ..\nوهذا هو الذي أراده المؤلف ﵀ في [كتاب التوحيد]، وفي هذا الكتاب، لأنه حلبة الصراع، ومعترك النزاع، بين الأنبياء وأقوامهم؛ إذ كانت الأمم لا تنازع في توحيد الربوبية، بل تقر به، من حيث العموم؛ بأن الله هو الخالق، المالك، المدبر وإنما تنازع في توحيد العبادة. فبعث الله تعالى الرسل جميعًا، ليقولوا جملة واحدة: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩].\nوالدليل على ذلك قوله تعالى في سورة الأنبياء: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]، قالها نوح، وهود، وصالح، وشعيب، ﵈ كما رتبهم الله تعالى في سورة الأعراف، وغيرها، وهذا أساس دعوة المرسلين.\nوتوحيد الأسماء والصفات: الاعتقاد الجازم بأن الله ﷾ لا سمي له، ولا ند له، ولا نظير له، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، فلا يماثله أحد في أي اسم سمى به نفسه، أو وصفٍ وصفَ به نفسه، بل له المثل الأعلى، في السموات والأرض.\nوهذا النوع الثالث وقع الخلاف فيه بين أهل القبلة: فصار منهم من يعطل، ومن يمثل، وهدى الله أهل السنة لما اختلف فيه من الحق بإذنه فأثبتوا إثباتًا بلا تمثيل، ونزهوا الله تعالى تنزيهًا بلا تعطيل. وصار طريقهم وسطًا بين طرفين وعدلًا بين عوجين.","vol":"1","page":9},{"text":"فأراد المؤلف أن يخص النوع الثاني، وهو توحيد العبادة، إذ كان فاشيًا في زمنه مظاهر الشرك المتنوعة؛ في الأقوال، وفي الأفعال؛ من دعاء غير الله، والذبح لغير الله، وطلب الشفاعة من غير الله، إلى غير ذلك، ووجد من أهل الأهواء، والبدع، والخرافة، من يحتج لها، ويطلق الشبهات المضلة لتسويغها. فأراد المؤلف بهذه الرسالة كشف تلك الشبهات وتزييفها.\nقوله: (وهو دين الرسل الذي أرسلهم الله به إلى عباده): بين ﵀ أن التوحيد ليس دين محمد ﷺ وحسب، بل هو دين جميع النبيين من أولهم إلى آخرهم.\nقوله: (فأولهم نوح ﵇: الدليل على أوليته رسولًا في حديث الشفاعة: (فَيَأْتُونَ نُوحًا، فَيَقُولُونَ: يَا نُوحُ، أَنْتَ أَوَّلُ الرُّسُلِ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ) (^١)، والدليل على أوليته نبيًا، قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء: ١٦٣]، فهو أول الأنبياء والمرسلين، ﵊، وبهذا يتبين خطأ بعض المؤرخين الذين يجعلون إدريس، أو شيت، قبل نوح ﵈، لأنه معارض لظاهر الكتاب والسنة.\nقوله: (أرسله الله إلى قومه لما غلوا في الصالحين؛ ودًا، وسواعًا، ويغوث، ويعوق، ونسرًا): سبب شرك قوم نوح هو الغلو في الصالحين. وأراد بهم المذكورين في سورة نوح: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح: ٢٣]، فهؤلاء الخمسة، قد بين ابن عباس ﵄ أنهم رجال صالحون، قال: (فَلَمَّا هَلَكُوا أَوْحَى الشَّيْطَانُ إِلَى قَوْمِهِمْ، أَنِ انْصِبُوا إِلَى مَجَالِسِهِمُ الَّتِي كَانُوا يَجْلِسُونَ أَنْصَابًا،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري رقم (٣٣٤٠)، ومسلم رقم (١٩٤).","vol":"1","page":10},{"text":"وَسَمُّوهَا بِأَسْمَائِهِمْ، فَفَعَلُوا، فَلَمْ تُعْبَدْ، حَتَّى إِذَا هَلَكَ أُولَئِكَ، وَتَنَسَّخَ العِلْمُ، عُبِدَتْ) (^١).\nلما فني ذلك الجيل الأول، واندرس العلم، أتى الشيطان إلى من بعدهم، وقال: هؤلاء شفعاؤكم عند الله، هؤلاء يقربونكم إلى الله زلفى! فعبدوهم. هكذا نشأ الشرك في بني آدم.\nوكان عمرو بن لحي الخزاعي، الذي قال عنه النبي ﷺ: (رَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ عَامِرٍ الخُزَاعِيَّ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ) (^٢)، أول من أدخل الشرك، وعبادة الأصنام، إلى العرب. وقد كان العرب على الحنيفية، ملة إبراهيم. روى الكلبي في كتاب الأصنام: أن عمر بن لحي كان له رِئي من الجن، فقال له: ايت ضف جدة، تجد أصنامًا معدَّة، فأوردها تهامة ولا تهب، وادع العرب إلى عبادتها تجب. فدله على موضع عند سِيف البحر فكشف عن هذه الأصنام، واستخرجها، ثم بثها في قبائل العرب، فكان عند كل قبيلة من قبائل العرب صنم من هذه الأصنام ثم إنه ذهب إلى بلقاء الشام، واستحضر هبل، وجعله في مكة (^٣).\nوليس المراد بكون أولئك الصالحين من قوم نوح، أنهم من معاصريه، وإنما المراد أنهم من أسلافهم، فلما هلكوا، جرى ما جرى من الشيطان، وتزيينه عبادتهم.\nقوله: (وآخر الرسل محمد ﷺ: لابد من هذه العقيدة؛ عقيدة \"ختم النبوة\" فلا نبي بعد رسول الله ﷺ فآخر الرسل محمد ﷺ  K  كما دل على ذلك صريح القرآن، قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾\n_________\n(^١) أخرجه البخاري رقم (٤٩٢٠).\n(^٢) أخرجه البخاري رقم (٤٦٢٣)، ومسلم رقم (٢٨٥٦).\n(^٣) كتاب الأصنام للكلبي (ص ٥٤).","vol":"1","page":11},{"text":"[الأحزاب: ٤٠]، وهو ﷺ قد صرح بذلك فقال (وَإِنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي) (^١).\nفكل من ادعى النبوة بعده فهو كاذب أفاك، وقد أخبر ﷺ أنه سيكون بعده ثلاثون كذابون، كلهم يزعم أنه نبي. وقد وقع، فكان من أوائلهم: مسيلمة الكذاب، ومن أواخرهم: ميرزا غلام أحمد القادياني.\nفالنبيون من نوح إلى محمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين دعوتهم واحدة؛ كلهم يدعون إلى إفراد الله بالعبادة.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري رقم (٣٤٥٥)، ومسلم رقم (١٨٤٢).","vol":"1","page":12},{"text":"قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:\n(وهو الذي كسر صور هؤلاء الصالحين، أرسله إلى أناس يتعبدون، ويحجون، ويتصدقون، ويذكرون الله، ولكنهم يجعلون بعض المخلوقين وسائط بينهم وبين الله ﷿؛ يقولون: نريد منهم التقرب إلى الله، ونريد شفاعتهم عنده؛ مثل: الملائكة، وعيسى، ومريم، وأناس غيرهم من الصالحين).\nحينما دخل النبي ﷺ مكة عام الفتح، كان حول البيت ثلاثمائة وستين صنمًا، فجعل النبي ﷺ يطعنها برمحه، وهو يقول: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١]. ودخل جوف الكعبة، ووجد صورًا معلقة لإبراهيم، والمسيح، ﵉، فأمر بمحوها بالماء، وأزال جميع مظاهر الشرك ﷺ.\nفالأنبياء أتوا بإفراد الله بالعبادة قولًا، بقولهم: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩]، وفعلًا، بقضائهم على مظاهر الشرك.\nوقد يظن بعض الناس، أن النبي ﷺ أرسل إلى قوم ملحدين، إباحيين، لا يأتون شيئًا من الشعائر ألبته، بمنزلة الغفل من الناس الذين لا دين لهم! كلا! قد بعث النبي ﷺ في العرب، وكان العرب يتعبدون، ويحجون، ويعظمون البيت وحرماته، ويتصدقون، ويذكرون الله في شعرهم، ونثرهم كثيرًا، ذلك أنهم قد بقي لهم بقية من دين إبراهيم، ﵇.\nفكانت جميع قبائل العرب تفد إلى مكة، في الموسم، ويخرجون من منى، ويجوزون المزدلفة، ويقفون بعرفة، إلا قريشًا، لم تكن تخرج","vol":"1","page":13},{"text":"إلى عرفة، يقول قائلهم: نحن الحمس، نحن أهل الحرم، لا نخرج منه. ولهذا جاء في حديث جابر بن عبد الله، ﵁، في سياق حجة الوداع، قال: (وَأَمَرَ بِقُبَّةٍ مِنْ شَعَرٍ، فَضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ، فَسَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، لَا تَشُكُّ قُرَيْشٌ، إِلَّا أَنَّهُ وَاقِفٌ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ، أَوِ الْمُزْدَلِفَةِ، كَمَا كَانَتْ قُرَيْشٌ تَصْنَعُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَأَجَازَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ، فَوَجَدَ الْقُبَّةَ، قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ) (^١)، فخالف رسوم قريش، وإنما سميت المزدلفة جمعًا، لأنها تجمع قريشًا مع بقية العرب، فإذا أفاض الناس من عرفة، ونزلوا المزدلفة، اجتمعوا مع قريش، ثم إنهم بعد ذلك، يأتون منى، ويذكرون مفاخر آبائهم، طوال أيام التشريق.\nوكانوا يتصدقون، فكانت قريش تسقي الحجاج، وتطعمهم، بل كانوا ينزلونهم بيوتهم، ويعدون ذلك من القربات.\nوكان منهم من يفك العاني، وينصر المظلوم، ونحو ذلك من الأمور الحسنة، والمكرمات.\nمنهم: عبد الله بن زيد بن جدعان، حتى إن عائشة ﵂، سألت النبي ﷺ، عن ابن جدعان، فقالت: (يَا رَسُولَ اللهِ، ابْنُ جُدْعَانَ، كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَصِلُ الرَّحِمَ، وَيُطْعِمُ الْمِسْكِينَ، فَهَلْ ذَاكَ نَافِعُهُ؟ قَالَ: \" لَا يَنْفَعُهُ، إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا: رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ) (^٢)، قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣].\nقوله: (ولكنهم يجعلون بعض المخلوقين وسائط بينهم وبين الله ﷿: يعني أنهم أفسدوا عباداتهم تلك بالشرك، فكانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك، إلا شريكًا هو لك، ملكته وما\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه رقم (٣٠٧٤).\n(^٢) أخرجه مسلم رقم (٢١٤).","vol":"1","page":14},{"text":"ملك. فلأجل ذلك، لم يغن عنهم ما وقع من حج، وصدقة، وذكر، بسبب شائبة الشرك، شيئًا. والمقصود أن النبي ﷺ بعث في بيئة ذات تدين، لا في بيئة ملحدة تنكر الله، ولكنهم كانوا مشركين.\nقوله: (يقولون: نريد منهم التقرب إلى الله، ونريد شفاعتهم عنده، مثل: الملائكة، وعيسى، ومريم، وأناس غيرهم من الصالحين): بهذا خدعهم الشيطان، وسوَّل لهم، وأملى لهم. دخل عليهم من باب الغلو في الصالحين، فاتخذوهم شفعاء، يتقربون إليهم بالدعاء، وسائر صنوف العبادة، كما وقع لمشركي العرب، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]","vol":"1","page":15},{"text":"قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:\n(فبعث الله تعالى إليهم محمدًا ﷺ، يجدد لهم دينهم، دين أبيهم إبراهيم، ويخبرهم أن هذا التقرب، والاعتقاد، محض حق الله -تعالى- لا يصلح منه شيء لغيره؛ لا لملك مقرب، ولا لنبي مرسل، فضلًا عن غيرهما): سبب بعثة محمد ﷺ: تجديد ملة إبراهيم ﵇، قال الله ﷿: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣]، ولهذا كان إذا دعا بعض العرب يغريه بذلك؛ لما جاءه التنوخي رسولًا من لدن هرقل، عرض عليه الإسلام، مع أنه رسول، وهذا يدل على أن الرسل يعرض عليهم الإسلام، لا يقال هو رسول لا نبادؤه بالدعوة، بل من حقه أن يدعى إلى الإسلام، فقال له النبي ﷺ: (يَا أَخَا تَنُوخٍ، هَلْ لَكَ فِي الْإِسْلَامِ؟ \" قُلْتُ: لَا، إِنِّي أَقْبَلْتُ مِنْ قِبَلِ قَوْمٍ وَأَنَا فِيهِمْ عَلَى دِينٍ، وَلَسْتُ مُسْتَبْدِلًا بِدِينِهِمْ حَتَّى أَرْجِعَ إِلَيْهِمْ) (^١)، ثم أنه أسلم بعد ذلك.\nفجدد دين إبراهيم ﵇، وهو الحنيفية، وبينّ لقومه أن هذا التقرب الذي يبذلونه لهؤلاء الوسطاء، من الملائكة، والمسيح، وأمه، والصالحين، حق خالص لله، وأن ذلك التقرب لا يجوز صرفه لكائن من كان، ولو كان ملكًا مقربًا، أو نبيًا مرسلًا، ا بل هو محض حق الله، وأنه لا يجوز دعاء غير الله.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد رقم (١٦٦٩٤).","vol":"1","page":16},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3>فصل في بيان أن المشركين الأولين يقرون بالربوبية والدليل على ذلك</span>\nقال المؤلف -رحمه الله تعالى-:\n(وإلا، فهؤلاء المشركون يشهدون أن الله هو الخالق وحده لا شريك له، وأنه لا يرزق إلا هو، ولا يحيي ولا يميت إلا هو، ولا يدبر الأمر إلا هو، وأن جميع السماوات السبع ومن فيهن، والأرضين السبع ومن فيها، كلهم عبيده، وتحت تصرفه، وقهره).\n<hr><s0>\n\nالعرب الذين بعث فيهم نبينا ﷺ كانوا مقرين بتوحيد الربوبية؛ مقرين بأن الله هو الخالق المالك ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف: ٩]، مقرين بأن الله، ﴿يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ﴾ [المؤمنون: ٨٨]، مقرين بأن الله ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ [يونس: ٣]، مقرين بأن الله، ﴿يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: ٦٢]، فلا ينازعون في توحيد الربوبية.\nذلك أن توحيد الربوبية مغروس في الفطر، لا يكاد ينكره إلا أفاك أثيم، وأشهر من عرف في البشرية بإنكار توحيد الربوبية: فرعون، الذي حمله الإباء والاستكبار أن يقول: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣]، لكنه كان في الحقيقة مكابرًا معاندً؛. فإن ما في قلبه خلاف ذلك، ودليل","vol":"1","page":17},{"text":"ذلك أن موسى ﵇ قال بعبارة واثقة، وكأنما فلق صدره: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الإسراء: ١٠٢]، أي: فلا تغالط! وكذلك حكى الله عنه وعن ملئه، فقال ﷾: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤]، فهم في الحقيقة معترفون في قرارة أنفسهم بالحق. فتوحيد الربوبية أمر فطري. على أنه قد يلحقه نوع تشوش وغلط، فلا نقول إن المشركين كانوا على صفاء ونقاء في توحيدهم الربوبية، بل كان فيهم شوائب وشرك، كاعتقادهم بأن من المخلوقات من له تأثير وتدبير.","vol":"1","page":18},{"text":"قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:\n(فإذا أردت الدليل على أن هؤلاء المشركين الذين قاتلهم رسول الله ﷺ يشهدون بهذا، فاقرأ عليه: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُم مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ﴾ [يونس: ٣١] وقوله تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٤ - ٨٩] وغير ذلك من الآيات).\n<hr><s0>\n\nلا مزيد ولا بيان، أوضح وأصرح من هذا البيان الذي ذكره الله تعالى في آيات سورة يونس، وفي سورة المؤمنون، من إقرار المشركين بالربوبية ومقتضيات ومقتضياتها. لكن العجب لا ينقضي كيف لا يسلمهم ذلك إلى الإقرار بتوحيد العبادة! لهذا كرر النكير عليهم بقوله: ﴿أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ٦٥]، ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [يونس: ٣]، ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٩].\nإن الترتيب المنطقي يقتضي إنك إذا أقررت بأن الله هو الخالق، المدبر، المالك، الذي يجير ولا يجار عليه، ويُطعم ولا يطعم، إلى غير ذلك من صفات الربوبية، أن تعبده وحده، ولا تعبد سواه. لكن الشيطان تلاعب بعقول بني آدم، فرغم إقرارهم بهذا، إلا أنهم صرفوا العبادة","vol":"1","page":19},{"text":"لغير الله! فالعلاقة بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، تتلخص في قضيتين:\n١ - توحيد الربوبية مستلزم لتوحيد الألوهية.\n٢ - توحيد الألوهية متضمن لتوحيد الربوبية.\nوبيان ذلك: أن توحيد الربوبية مستلزم لتوحيد الألوهية؛ لأن من أقر بربوبية الله ﷿ فلازم ذلك أن يعبده وحده دون ما سواه، ومن كان يعبد الله وحده دون ما سواه، فذلك يدل على اعتقاده بأن الله تعالى هو الرب الخالق، المالك، المدبر. فبينهما علاقة وثيقة. لكن الشيطان فصم هذه العلاقة وبترها، حتى وجد هؤلاء المشركون الذين يقرون بتوحيد الربوبية، ولا يأتون بتوحيد الألوهية.\nإن أول أمر في كتاب الله قوله تعالى في سورة البقرة قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾، هذا أمر بتوحيد الألوهية، ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾، هذا استدلال بتوحيد الربوبية، ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١، ٢٢]، هذا نهي عن الشرك المنافي لتوحيد الألوهية. فصدر النداء بالأمر بتوحيد الألوهية، وأسسه على الإقرار بتوحيد الربوبية، وختمه بنبذ الشرك. هذه طريقة القرآن في الإلزام.","vol":"1","page":20},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4>فصل في بيان التوحيد الذي جاء به الرسل</span>\nقال المؤلف -رحمه الله تعالى-:\n(إذا تحققت أنهم مقرون بهذا، وأنه لم يُدخلهم في التوحيد الذي دعت إليه الرسل ودعاهم إليه رسول الله ﷺ، وعرفت أن التوحيد الذي جحدوه هو توحيد العبادة، الذي يسميه المشركون في زماننا (الاعتقاد)، وكانوا يدعون الله ﷾ ليلًا ونهارًا، ثم منهم من يدعو الملائكة، لأجل صلاحهم، وقربهم من الله ﷿، ليشفعوا لهم، أو يدعوا رجلًا صالحًا مثل اللات، أو نبيًا مثل عيسى، وعرفت أن رسول الله ﷺ، قاتلهم على هذا الشرك، ودعاهم إلى إخلاص العبادة لله، كما قال تعالى: ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨] وقال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ [الرعد: ١٤]، وتحققت أن رسول الله ﷺ قاتلهم ليكون الدعاء كله لله، والذبح كله لله، والنذر كله لله، والاستغاثة كلها بالله، وجميع أنواع العبادات كلها لله، وعرفت أن إقرارهم بتوحيد الربوبية لم يدخلهم في الإسلام، وأن قصدهم الملائكة، أو الأنبياء، أو الأولياء، يريدون شفاعتهم، والتقرب إلى الله بذلك، هو الذي أحل دماءهم، وأموالهم، عرفت حينئذٍ التوحيد الذي دعت إليه الرسل، وأبى عن الإقرار به المشركون).\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .","vol":"1","page":21},{"text":"هذه قطعة تضمنت خمسة أفعال شرط متعاطفة: (فإذا تحققت)، (وعرفت)، (وعرفت)، (وتحققت)، (وعرفت). ثم جاء الجواب: (عرفت حينئذ التوحيد)، وكأن جواب الشرط وجزاءه، لا يتحقق إلا بمجموعها. وقد يتشتت الذهن أثناء قراءة هذه المتعاطفات، فلا يدرك المراد. فلننظر كيف رتب المؤلف-﵀ النتيجة على هذه المقدمات يقول-﵀:\n١ - إذا تحققت: يعني حصل عندك تحقيق، ويقين، أن المشركين مقرون بالربوبية. ولم يدخلهم في التوحيد الذي دعاهم إليه رسول الله ﷺ: لو كان توحيد الربوبية هو التوحيد الذي دعاهم إليه رسول الله ﷺ لكان هذا تحصيل حاصل ولما كان هناك داع لبعثة محمد ﷺ.\n٢ - وعرفت: أن التوحيد الذي جحدوه هو توحيد العبادة، يقول قائلهم: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥) وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ (٦) مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ [ص: ٥ - ٧]. عن ابن عباس، ﵄، قال: (لما مرض أبو طالب، دخل عليه رهط من قريش، فيهم أبو جهل بن هشام، فقالوا: إن ابن أخيك يشتم آلهتنا، ويفعل ويفعل، ويقول ويقول، فلو بعثت إليه فنهيته. فبعث إليه، فجاء النبي ﷺ فدخل البيت، وبينه وبين أبي طالب قدر مجلس رجل، قال: فخشي أبو جهل إن جلس إلى جنب أبي طالب، أن يكون أرق له عليه، فوثب فجلس في ذلك المجلس، ولم يجد رسول الله ﷺ مجلسًا قرب عمه، فجلس عند الباب، فقال له أبو طالب: أي ابن أخي، ما بال قومك يشكونك؟ يزعمون أنك تشتم آلهتهم، وتقول وتقول! قال: فأكثروا عليه القول، وتكلم رسول الله ﷺ فقال: \"يا عَمّ إنّي أُرِيدهُمْ عَلى كَلِمَةٍ","vol":"1","page":22},{"text":"وَاحِدةٍ يَقُولُونَهَا، تَدِينُ لَهُمْ بِها العَرَبُ، وتُؤَدِّي إلَيْهِم بِها العَجَمُ الجِزْيَةَ\"، ففزعوا لكلمته، ولقوله، فقال القوم: كلمة واحدة؟ نعم وأبيك، عَشْرًا. فقالوا: وما هي؟ فقال أبو طالب: وأيّ كلمة هي يا ابن أخي؟ قال: \"لا إلَهَ إلا الله\". قال: فقاموا فزِعين، ينفضون ثيابهم، وهم يقولون: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾، قال: ونزلت من هذا الموضع إلى قوله: ﴿لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾) (^١).\nهكذا كانت طريقة تفكيرهم! يريدون الإبقاء على تعدد الآلهة، لا يريدون أن يوحدوا الله الواحد القهار. فهذا معنى قول المؤلف: (وعرفت أن التوحيد الذي جحدوه هو توحيد العبادة الذي يسميه المشركون في زماننا الاعتقاد). ولعل هذا الاصطلاح (الاعتقاد)، كان ذا دلالة عرفية في زمن المؤلف، يعبر به مشركو زمانه عن تعلقهم ببعض المدعوين من المقبورين، أو الأولياء، فيقول أحدهم إنه يعتقد بالسيد فلان، يعتقد بالشيخ فلان؛ أنه وسيلة إلى الله في جلب النفع ودفع الضر، وقضاء الحاجات، وربما اعتقدوا أنه يملك ذلك أيضًا، فيدعونه.\nوقوله: (وكانوا يدعون الله ﷾ ليلًا ونهارًا، ثم منهم من يدعو الملائكة، لأجل صلاحهم، وقربهم من الله ﷿، ليشفعوا له، أو يدعوا رجلًا صالحًا مثل اللات، أو نبيًا مثل عيسى): يعني أنهم كانوا يجمعون بين دعاء الله، ودعاء غير الله، وهو عين الشرك.\nواللاَّت بالتشديد: اسم لرجل كان يلت السويق للحجاج، فلما مات عظموه. وبالتخفيف: صخرة بيضاء منقوشة، كانت بالطائف. وقيل إنه كان يلت السويق على تلك الصخرة. والظاهر أن مراد المؤلف في هذا السياق الشخص، لا الصخرة.\n_________\n(^١) تفسير الطبري رقم (٢١/ ١٥٠).","vol":"1","page":23},{"text":"٣ - وعرفت أن رسول الله ﷺ قاتلهم على هذا الشرك: يعني بلغ الأمر بالنبي ﷺ أن يقاتل قومًا مقرين بأن الله هو الخالق، الرازق، المالك، المدبر، بعد أن دعاهم إلى إخلاص العبادة لله، فأبوا، فأمر بقتالهم.\n٤ - وتحققت أن رسول الله ﷺ قاتلهم ليكون الدعاء كله لله: أراد منهم النبي ﷺ توحيد العبادة، بأن يكون الدعاء كله لله، إذ الدعاء هو العبادة، كما قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠]، وفي الحديث: (الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ (^١).\nقوله: (والذبح كله لله، والنذر كله لله، والاستغاثة كلها لله، وجميع أنواع العبادات كلها لله): كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢].\n٥ - وعرفت أن إقرارهم بتوحيد الربوبية لم يدخلهم في الإسلام، وأن قصدهم الملائكة، أو الأنبياء، أو الأولياء، يريدون شفاعتهم، والتقرب إلى الله بذلك، هو الذي أحل دماءهم وأموالهم): فتوحيد الربوبية لم يحقن دماءهم، والشرك في العبادة أحل دماءهم وأموالهم.\nفبعد هذه المقدمات الشرطية الخمس، تأتي النتيجة القطعية: (عرفت حينئذ التوحيد الذي دعت إليه الرسل، وأبى عن الإقرار به المشركون): وهو توحيد العبادة. فهذا جواب الشرط وجزاؤه.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود رقم (١٤٧٩)، والترمذي رقم (٢٩٦٩).","vol":"1","page":24},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5>فصل في بيان أن التوحيد هو معنى لا إله إلا الله</span>\nقال المؤلف -رحمه الله تعالى-:\n(وهذا التوحيد هو معنى قولك: (لا إله إلا الله)، فإن الإله عندهم هو الذي يقصد لأجل هذه الأمور، سواء كان ملكًا، أو نبيًا، أو وليًا، أو شجرة، أو قبرًا، أو جنيًا، لم يريدوا أن الإله هو الخالق، الرازق، المدبر، فإنهم يعلمون أن ذلك لله وحده، كما قدمت لك، وإنما يعنون بالإله ما يعني المشركون في زماننا بلفظ (السيد). فأتاهم النبي ﷺ يدعوهم إلى كلمة التوحيد، وهي (لا إله إلا الله).\n<hr><s0>\n\nبيَّن المؤلف ﵀ حقيقة مهمة وهي: أن مشركي العرب الذين بعث فيهم النبي ﷺ كانوا يدركون مدلولات الألفاظ: ويعرفون مراد النبي ﷺ بشكل جلي، ولم يلتبس عليهم الأمر. كانوا يعرفون معنى (الإله)، وأنه المعبود الذي يقصد لأجل كشف الضر، ويتقرب إليه بالدعاء، والنذر، والاستغاثة، والاستعانة، وغير ذلك من العبادات، ولا يفسرون الإله بأنه الرب، بل يميزون بين لفظ \"الإله\" وبين لفظ \"الرب\". فالرب عندهم: هو الخالق، المالك، المدبر. وأما الإله: فهو من تألهه القلوب محبة، وتعظيمًا، وتتعلق به، مشتق من: أَلُه يألُه أُلوهة، من الوله، وهو التعلق والانجذاب.","vol":"1","page":25},{"text":"قوله: (وإنما يعنون بالإله ما يعني المشركون في زماننا بلفظ السيد): هذا، أيضًا، اصطلاح عرفي كان موجودًا زمن المؤلف، ولا يزال في بعض الأوساط، وخاصة عند الروافض، والصوفية، فيعتقدون في (السيد)، أنه وسيلة، وزلفى إلى الله ﷿ فيتقربون إليه، ويدعونه، ويتمسحون به، ويتبركون بآثاره، ويعتقدون فيه. فهم في الواقع يخلعون صفة الإله لهؤلاء المعظمين ممن يدعونهم من دون الله ﷿.\nقوله: (فأتاهم النبي ﷺ يدعوهم إلى كلمة التوحيد وهي لا إله إلا الله): هذه الكلمة الشريفة، الثقيلة، العظيمة، مكونة من شقين: نفي، وإثبات؛ ف \"لا إله\" نفي، و\"إلا الله\" إثبات، ولا يتم التوحيد إلا بنفي وإثبات؛ نفي كل ألوهية لغير الله، وإثباتها لله وحده. فلو اقتصرت على النفي وحده، لكان في ذلك تعطيلٌ لألوهية الله ﷿. ولو اقتصرت على الإثبات وحده، وقلت: الله إله! فهذا لا يمنع المشاركة؛ فقد يقول قائل: نعم هو إله، وفلان إله، وفلان إله. فإذا قلت: لا إله إلا الله، فقد أفردته ﷾ بالألوهية. كما إذا قلت: زيد قائم، فقد أثبت القيام لزيد، لكن لا يمنع أن يكون عمرو قائم. وإذا قلت: لا قائم إلا زيد، فقد أفردت زيدًا بالقيام. ولهذا يقرن الله ﷾ دومًا بين النفي والإثبات، ولما قال الله تعالى في موضع: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [البقرة: ١٦٣]، أردفه فورًا بقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [البقرة: ١٦٣].","vol":"1","page":26},{"text":"<span data-type='title' id=toc-6>فصل في بيان أن المشركين الأولين أعلم من المشركين المتأخرين بمعنى لا إله إلا الله</span>\nقال المؤلف -رحمه الله تعالى-:\n(والمراد من هذه الكلمة معناها لا مجرد لفظها. والكفار الجهال يعلمون أن مراد النبي ﷺ بهذه الكلمة هو إفراد الله تعالى بالتعلق، والكفر بما يعبد من دونه، والبراءة منه، فإنه لما قال لهم: ﴿قولوا: لا إله إلا الله﴾، قالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾).\n<hr><s0>\n\nقوله: (والمراد من هذه الكلمة معناها لا مجرد لفظها): لو أن إنسانا ملأ الجو ب \"لا إله إلا الله\"، وهو مقيم على الشرك، لم تغنِ عنه شيئًا. لو أن إنسانًا طقطق بسبحته ب\"لا إله إلا الله\" وهو يدعو غير الله، ويرجو غير الله، ويذبح لغير الله، لم تغنِ عنه شيئًا، لأن فعله ناقض قوله. وكثير من الناس يقول: لا إله إلا الله دون أن يدرك معناها، ومقتضاها؛ إما إنه يظن أنها كلمة تقال للبركة! وإما أن يظن أنها تعني: لا خالق إلا الله؛ يفسر الألوهية بالربوبية. فالعبرة باعتقاد المعنى، لا بمجرد اللفظ.\nقوله: (والكفار الجهال يعلمون أن مراد النبي ﷺ بهذه الكلمة هو","vol":"1","page":27},{"text":"إفراد الله تعالى بالتعلق): قد يقول قائل: كيف يقول المؤلف والكفار الجهال يعلمون؟! هل الجهال يعلمون؟! مراد المؤلف بقوله الجهال: الدهماء والعامة، ومع ذلك يعلمون المعنى ولهذا كان رد فعلهم لما قال لهم قولوا لا إله إلا الله، قالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: ٥]، لم يحملهم على ذلك جهل بالمعنى، بل كبر في النفوس، كما وصف تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥) وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [الصافات: ٣٥، ٣٦].","vol":"1","page":28},{"text":"قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:\n(فإذا عرفت أن جهال الكفار يعرفون ذلك، فالعجب ممن يدعي الإسلام، وهو لا يعرف من تفسير هذه الكلمة ما عرفه جهال الكفار، بل يظن أن ذلك: هو التلفظ بحروفها، من غير اعتقاد القلب لشيء من المعاني! والحاذق منهم يظن أن معناها لا يخلق، ولا يرزق إلا الله، ولا يدبر إلا الله. فلا خير في رجل جهال الكفار أعلم منه بمعنى لا إله إلا الله).\nحُقَّ له أن يعجب، ﵀! إذا كان جهال الكفار وعوامهم ودهماؤهم يعرفون معنى لا إله إلا الله، ومقتضياتها ولوازمها، فكيف يخفى على من ينتسب إلى الإسلام، ولا يعرف تفسيرها كما يعرفه جهال قريش والعرب. بل يظن، مع انتسابه إلى الإسلام، بأن المراد التلفظ بحروفها فقط، دون فهم لمعناها. وربما كان مرد ذلك لأمرين:\nأحدهما: الجهل باللسان العربي، ومدلولات الألفاظ، فلا يفهم العامي اليوم، ما يفهمه العربي القُحُّ، في الجاهلية.\nالثاني: وجود علماء السوء، وسدنة الشرك، الذين يلبِسون على العوام دينهم، ويضلونهم على علم، لأجل لعاعة من الدنيا، وحفاظًا على وجاهتهم وسدانتهم.\nولكن العجب لا ينقضي إذا كان حاذقًا، فإنه يفسرها بتوحيد الربوبية! وكأنه يشير بذلك إلى تفسير المتكلمين لكلمة التوحيد، حيث","vol":"1","page":29},{"text":"يجعلون \"الإله\" على وزن الفاعل، لا المفعول، أي: بمعنى \"الآلِه\"، وليس \"المألوه\"، ويفسرونه بالقادر على الاختراع! أي بمعنى الرب الخالق. قال شيخ الإسلام، ابن تيمية، ﵀: (وبهذا وغيره يعرف ما وقع من الغلط في مسمى «التوحيد»، فإن عامة المتكلمين الذين يقرّرون التوحيد في كتب الكلام والنظر - غايتهم أن يجعلوا التوحيد ثلاثة أنواع، فيقولون: هو واحد في ذاته لا قسيم له، وواحد في صفاته لا شبيه له، وواحد في أفعاله لا شريك له، وأشهر الأنواع الثلاثة عندهم هو الثالث: وهو توحيد الأفعال وهو أن خالق العالم واحد، وهم يحتجون على ذلك بما يذكرونه من دلالة التمانع وغيرها، ويظنون أن هذا هو التوحيد المطلوب، وأن هذا هو معنى قولنا: لا إله إلا الله، حتى قد يجعلون معنى الإلهية القدرة على الاختراع) (^١). ثم شرع في بيان غلطهم.\n_________\n(^١) التدمرية: تحقيق الإثبات للأسماء والصفات وحقيقة الجمع بين القدر والشرع. (ص: ١٧٩ - ١٨٠)","vol":"1","page":30},{"text":"<span data-type='title' id=toc-7>فائدة معرفة التوحيد والشرك</span>\nقال المؤلف -رحمه الله تعالى-:\n(إذا عرفت ما قلت لك معرفة قلب، وعرفت الشرك بالله الذي قال الله فيه: ﴿إِنَّ اللّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾، وعرفت دين الله الذي بعث به الرسل من أولهم إلى آخرهم، الذي لا يقبل الله من أحد سواه، وعرفت ما أصبح غالب الناس عليه من الجهل بهذا، أفادك فائدتين:\nالأولى: الفرح بفضل الله ورحمته، كما قال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾، وأفادك أيضًا الخوف العظيم).\n<hr><s0>\n\nذكر المؤلف-﵀ أربع معارف:\n١. أولها: أن يعرف، معرفة قلب، حقيقة التوحيد، وأنه إفراد الله تعالى بالعبادة.\n٢. ثانيها: أن يعرف حقيقة الشرك؛ وأنه جعل الأنداد لله، وأن الله لا يغفر لصاحبه أبدًا.\n٣. ثالثها: أن يعرف دين الله الذي بعث به الأنبياء جميعًا، الذي لا يقبل دينًا سواه.","vol":"1","page":31},{"text":"٤. رابعها: أن يعرف ما آل إليه حال الناس في الأزمان المتأخرة، من الجهل بمعنى التوحيد، والخلط بين معنى الإله ومعنى الرب، حتى صار كثير من الناس يظنون أن معنى لا إله إلا الله، أي لا خالق إلا الله. وقد بين المؤلف ﵀ هذه المسائل الأربع فيما تقدم.\nفإذا تيقن الإنسان، وتحقق من هذه المعارف، أثمر له ذلك فائدتين:\n١) أحداهما: الفرح بفضل الله ورحمته: فإن ثمرة العلم الفرح، والسرور، والبهجة، لأن القلب لا يزال مضطربًا، قلقًا، حتى يصل إلى برد اليقين، وانثلاج الصدور، فحينئذ يسر، ويستبشر. فمن عرف حقيقة التوحيد، وحكمة الخلق، ووظيفته في هذه الدنيا، وعرف قبح الشرك، وشؤمه في الدنيا والآخرة، فإنه ينال سعادة عظيمة، ويرى أن الله ﷾ استنقذه، واصطفاه، وصرف عنه شرًا مستطيرًا:\nفإن تنج منها تنج من ذي عظيمة … وإلا فإني لا إخالك ناجيا\n٢) الفائدة الثانية: الخوف من أن تزل به قدم، فيقع في هذه الورطة العظيمة، التي هي الشرك بالله ﷿. ولا مانع من اجتماع هذين الأمرين الذين يبدوان متقابلين؛ فرح، وخوف، فكما يجتمع في قلب المؤمن الخوف والرجاء، كذلك يجتمع في قلبه الفرح والخوف؛ الفرح بفضل الله ورحمته على الهدى، والتوفيق، والعلم، والخوف من أن يزيغ بعد إذ هداه الله ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٨].","vol":"1","page":32},{"text":"قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:\n(فإنك إذا عرفت أن الإنسان يكفر بكلمة يخرجها من لسانه، وقد يقولها وهو جاهل، فلا يعذر بالجهل، وقد يقولها وهو يظن أنها تقربه إلى الله تعالى، كما كان يظن الكفار، خصوصًا إن ألهمه الله ما قص عن قوم موسى ﵇ مع صلاحهم، وعلمهم، أنهم أتوه قائلين: ﴿اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾، فحينئذٍ يعظم خوفه، وحرصه، على ما يخلصه من هذا وأمثاله).\nقد يقول الإنسان كلمة بائرة، توبق دنياه وأخراه، فمن تكلم بكلمة الكفر مريدًا لمعناها، عارفًا بمقتضاها، فلا ريب أن هذا من الكفر؛ إذ الكفر نوعان: كفر اعتقادي، وكفر عملي. فقد يكفر الإنسان بالاعتقاد، وقد يكفر بالقول، وقد يكفر بالفعل. ولكن المؤلف ﵀ في هذا الموضع، قال كلامًا فيه إجمال واشتباه: (وقد يقولها وهو جاهل فلا يعذر بالجهل)! وهذا من المواضع المشكلة التي لا تتناسب في ظاهرها مع كلام المؤلف وتقريره، في كتبه الأخرى. وذلك أن ظاهر هذه الجملة يفيد أن المؤلف لا يعذر بالجهل، وأنه يكفِّر به. والمحفوظ عنه في مواضع أخر، أنه يعذر به. وقد جعل الشارع للتكفير شروطًا:\nأحدها: العلم، المنافي للجهل: فلو كان جاهلا، بمعنى أنه لا يدري أن هذه الكلمة، أو أن هذا الفعل، يقتضي الكفر فإنه لا يؤاخذ به، لأن الله ﷾ قد جعل الحجة الرسالية عذرًا لكل أحد. فالله تعالى لا يقبل من أحد حجةً إلا أن يقول: ما جاءني من بشير ولا نذير! فقطع الله","vol":"1","page":33},{"text":"تعالى هذه الحجة، بأن أرسل الرسل مبشرين ومنذرين، كما قال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]، وقال: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: ١٩]، فإذا تحقق البلاغ، وانتفى الجهل، فحينئذ لا عذر للمخاطب. أما إذا لم يبلغه، فإنه معذور. ولهذا قال ربنا ﷿: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، فدلت هذه الآيات البينات، المحكمات، على أن العلم شرط في التكليف، وأن الجهل مانع من موانع التكليف.\nالثاني: العمد المنافي للخطأ: فلو وقع منه سبق لسان، فإنه لا تترتب عليه آثاره لحديث: (لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ، مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ، فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَأَيِسَ مِنْهَا، فَأَتَى شَجَرَةً، فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا، قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ، فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا، قَائِمَةً عِنْدَهُ، فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا، ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ: اللهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ، أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ) (^١). ومثله لو تكلم النائم دون قصد، أو هذى المحموم، وفاه بكلمة كفر، فلا إثم عليه، ولا مؤاخذة.\nالثالث: الاختيار، المنافي للإكراه: قال الله ﷿: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ١٠٦]، فدل ذلك على أن المكره لو فاه بكلمة الكفر، فإنه لا يكون كافرًا بذلك.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم رقم (٢٧٤٧).","vol":"1","page":34},{"text":"جاء في الحديث: (أَخَذَ الْمُشْرِكُونَ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ، فَلَمْ يَتْرُكُوهُ حَتَّى سَبَّ النَّبِيَّ ﷺ، وَذَكَرَ آلِهَتَهُمْ بِخَيْرٍ، ثُمَّ تَرَكُوهُ، فَلَمَّا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَا وَرَاءَكَ؟» قَالَ: شَرٌّ يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا تُرِكْتُ حَتَّى نِلْتُ مِنْكَ، وَذَكَرْتُ آلِهَتَهُمْ بِخَيْرٍ قَالَ: «كَيْفَ تَجِدُ قَلْبَكَ؟» قَالَ: مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ قَالَ: «إِنْ عَادُوا فَعُدْ») (^١).\nوالمقصود أن الإنسان إذا لم تبلغه الحجة الرسالية فإنه معذور. وهذا الذي تدل عليه النصوص الشرعية، وهو الذي مشى عليه المؤلف وصرَّح به في بعض كتبه، ورسائله، وردوده على خصومه الذين يهيجون الناس ضده، ويشوهون دعوته، فقال ما نصه: (وإذا كنا لا نكفر من عبد الصنم الذي على عبد القادر، والصنم الذي على قبر أحمد البدوي، وأمثالهما لأجل جهلهم، وعدم من ينبههم، فكيف نكفر من لم يشرك بالله إذا لم يهاجر إلينا، أو لم يكفر، ويقاتل؟ سبحانك هذا بهتان عظيم!) (^٢)\nوهذا نص واضح الدلالة على مراد المؤلف؛ فإن المؤلف ﵀ يبرأ من أن يكفر هؤلاء الجهال الذين يطوفون بقبر عبد القادر، وقبر أحمد البدوي، التي عقدت عليها القباب، وشيدت لها المقامات، وأقيمت عندها الطقوس التي أحدثها سدنة الشرك، وعلماء السوء، وخدعوا بها العامة، ليأكلوا أموالهم بالباطل، فيصرِّح، ﵀ بأنه لا يكفر أولئك الجهال، بسبب جهلهم، وعدم من ينبههم، ويعجب ممن يرميه من خصومه بتكفير من لم يشرك بالله، إذا لم يهاجر إليه، أو يقاتل معه.\nويبقي النظر في توجيه هذه الجملة، في هذا السياق:\nبعد التأمل، رأيت أن المؤلف ﵀: أراد بالجهل الذي لا يعذر\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم رقم (٣٣٦٢)، والبيهقي رقم (١٧٣٥٠).\n(^٢) الدرر السنية (١/ ١٠٤).","vol":"1","page":35},{"text":"صاحبه، الجهلَ الذي وصف الله به المشركين، في مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ [الزمر: ٦٤]، وذكره المؤلف آنفًا بقوله: (جهال الكفار أعلم منه بمعنى لا إله إلا الله)، فسماهم جهالًا، مع علمهم، وقيام الحجة الرسالية عليهم، وليس مراده بالجهل، هنا، عدم العلم بمراد الرسول، فمن كان عالمًا بحقيقة التوحيد، ومع ذلك قال كلمة منافية للتوحيد، فإنه يحقق عليه وصف الكفر.\nوالخلاصة أن الجهل نوعان:\n- جهل بمعنى عدم الإدراك، وعدم العلم، فهذا مانع من موانع التكليف، يعذر صاحبه.\n- جهل بمعنى السفه، واطّراح العلم، إما بالإعراض عنه، أو برده وجحده، فهذا لا عذر به، كما في قول الله تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ [الزمر: ٦٤]، وقوله: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٥]، وقوله: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]. ومنه قول عمرو بن كلثوم:\nألا لا يجهلن أحد علينا … فنجهل فوق جهل الجاهلينا\nوإذا اختلف كلام إمام ما، في موضع، مع كلامه في موضع آخر، ورأينا في أحد الموضعين اشتباهًا والتباسًا، ورأينا في الموضع الآخر وضوحًا وبيانًا، فالمنهج العلمي أن نحمل المتشابه من قوله على المحكم منه؛ فإن الله ﷿، قد قال عن كتابه المنزل: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧]، فقد جعل الله بعض آيات الكتاب، وهن القليل، متشابهات، حمالة أوجه، ابتلاء وفتنة لعباده، ليعلم من يأوي إلى الحق، ممن تزيغ به الأهواء، ولهذا قال بعدها: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ","vol":"1","page":36},{"text":"تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾، ثم أثنى على طريقة الراسخين في العلم، فقال: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾، فكان من شأن الراسخين في العلم رد المتشابه إلى المحكم؛ فيعتصمون بالمحكم، ويحملون عليه المتشابه، فإذا كان هذا مسلكا رشيدًا، راسخًا، في أعظم كتاب؛ وهو كتاب رب العالمين، القرآن المجيد، فلأن نصنع ذلك فيما دونه من باب أولى.\nفقول المؤلف هنا: (فلا يعذر بالجهل) لم يُرد بها المسألة التي اشتغل بها المتأخرون في العقود الأخيرة؛ \"مسألة العذر بالجهل\" هل يعذر بالجهل أم لا يعذر بالجهل؟ فليس من مذهب المؤلف ﵀ عدم العذر بالجهل، وإنما أراد بالجهل هنا مخالفة ما علم من حقيقة التوحيد، كما خالفها جهال المشركين زمن النبي ﷺ.\nولا شك أن مسألة التكفير من المسائل الخطيرة، فهي مزلة أقدام، ومضلة أفهام، وتشتد الحاجة إلى تحريرها في هذه الأزمان التي ابتليت فيه الأمة الإسلامية ببعض المسارعين في التكفير للأعيان. والأمر لا يقتصر على كلام يقال باللسان، ويطير بالعنان، بل له تبعات خطيرة، وآثار وخيمة. لقد أدى هذا المسلك الغالي، إلى تفكك الأمة واحترابها، ونشأ عنه فساد عريض، ووجد في أهل الإسلام من يتنابزون بالألقاب، ويكفر بعضهم بعضًا، ويستحل بعضهم دماء بعض. وكان من آثار ذلك ومظاهره، استحلال التفجير؛ فيقصد قومًا غارِّين من جملة المسلمين، فيقتلهم أجمعين، بدعوى أن من يرى كفره، وقد لا يكون كذلك، أو يكون كذلك، لكنه من جملة المعصومين من المعاهدين والمستأمنين، يتترس بهم! ويهلك الحرث والنسل.","vol":"1","page":37},{"text":"فيجب على طالب العلم أن يتقي الله تعالى في نفسه، وفي علمه، وفي مجتمعه، وأمته، وأن يحسب خطاه، فإنه لا يزال في سعة من دينه، ما لم يصب دمًا حرامًا، وأن يحذر أن تزل به قدم، أو يذهب به فكر زائغ، ضال، وعاطفة هوجاء، فيخرج عن السبيل، وعما عليه أهل السنة والجماعة.\nوقد كان شيخ الإسلام ابن تيمية يحذر أشد التحذير من هذا الأمر، ويذكر عن نفسه ﵀ أنه من أشد الناس تحرزًا منه، فيقول: (إنِّي دَائِمًا، وَمَنْ جَالَسَنِي يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنِّي: أَنِّي مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ نَهْيًا عَنْ أَنْ يُنْسَبَ مُعَيَّنٌ إلَى تَكْفِيرٍ وَتَفْسِيقٍ وَمَعْصِيَةٍ، إلَّا إذَا عُلِمَ أَنَّهُ قَدْ قَامَتْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ الرسالية، الَّتِي مَنْ خَالَفَهَا كَانَ كَافِرًا تَارَةً، وَفَاسِقًا أُخْرَى، وَعَاصِيًا أُخْرَى. وَإِنِّي أُقَرِّرُ: أَنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ خَطَأَهَا؛ وَذَلِكَ يَعُمُّ الْخَطَأَ فِي الْمَسَائِلِ الْخَبَرِيَّةِ الْقَوْلِيَّةِ، وَالْمَسَائِلِ الْعَمَلِيَّةِ. وَمَا زَالَ السَّلَفُ يَتَنَازَعُونَ فِي كَثِيرٍ مِنْ هَذِهِ الْمَسَائِلِ، وَلَمْ يَشْهَدْ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى أَحَدٍ لَا بِكُفْرِ، وَلَا بِفِسْقِ، وَلَا مَعْصِيَةٍ)، إلى أن قال ﵀: (وَكُنْت أُبَيِّنُ لَهُمْ أَنَّمَا نُقِلَ لَهُمْ عَنْ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ، مِنْ إطْلَاقِ الْقَوْلِ بِتَكْفِيرِ مَنْ يَقُولُ كَذَا وَكَذَا، فَهُوَ أَيْضًا حَقٌّ، لَكِنْ يَجِبُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الْإِطْلَاقِ وَالتَّعْيِينِ). يعني أنه ﵀ كان يوجه كلام السلف في تكفير الجهمية، وغيرهم، أن ذلك خرج مخرج العموم، وأن ثم فرق بين التكفير المطلق، والتكفير المعين. ثم قال: (وَالتَّكْفِيرُ هُوَ مِنْ الْوَعِيدِ. فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ الْقَوْلُ تَكْذِيبًا لِمَا قَالَهُ الرَّسُولُ، لَكِنْ قَدْ يَكُونُ الرَّجُلُ حَدِيثَ عَهْدٍ بِإِسْلَامِ، أَوْ نَشَأَ بِبَادِيَةِ بَعِيدَةٍ. وَمِثْلُ هَذَا لَا يَكْفُرُ بِجَحْدِ مَا يَجْحَدُهُ، حَتَّى تَقُومَ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ. وَقَدْ يَكُونُ الرَّجُلُ لَا يَسْمَعُ تِلْكَ النُّصُوصَ، أَوْ سَمِعَهَا وَلَمْ تَثْبُتْ عِنْدَهُ، أَوْ عَارَضَهَا","vol":"1","page":38},{"text":"عِنْدَهُ مُعَارِضٌ آخَرُ، أَوْجَبَ تَأْوِيلَهَا، وَإِنْ كَانَ مُخْطِئًا) (^١).\nفهذا الباب باب خطير، يجب التوقي منه، والحذر من التسرع فيه. وليس مقتضى ذلك ألا يحقق الكفر على مستحقه، فلا شك أن الله تعالى خلق الخلق؛ فمنهم كافر ومنهم مؤمن. كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: ٢].\nلكن تحقيق الكفر على معين يستلزم توفر شروط، وانتفاء موانع، كما أسلفنا. فإذا تحقق ذلك، فإنه يجب أن يوصف بما يستحق. وإذا لم يتحقق فإنه يجب التوقي والحذر، فلأَن تخطئ في إدخال أو في إبقاء وصف الإسلام على من لا يستحقه، خير من أن تخطئ في إخراج مسلم عن وصف الإيمان، لأن الخطأ في هذا أعظم.\nوهؤلاء الذين يأتون هذه المكفرات، إن كان الأصل فيهم الإسلام، كما هو حال كثير من عوام المسلمين، إما لأنهم نشأوا في بادية بعيدة، ولم يوجد من يعلمهم، أو أضلهم علماء السوء، وأغروهم ببعض الأعمال الشركية، فإنهم لا يكفرون بأعيانهم، لأن الأصل فيهم الإسلام. والحكم الدنيوي، إذا مات أحدهم: أن يغسل، ويكفن، ويصلى عليه، ويدفن في مقابر المسلمين، وأمره إلى الله. ولا يمكن أن نخرج من الإسلام من دخل فيه، إلا ببينة وبرهان، كالشمس في رابعة النهار، بأن يبلغه العلم البين الواضح، وتقوم عليه الحجة الرسالية، فيأبى ويستكبر.\nأما من كان من غير أهل الإسلام:\n- فإنه في الأحكام الدنيوية: يحكم عليه بالكفر، ويعامل معاملة الكفار، بحسب حاله؛ من ذمي، أو معاهد، أو مستأمن، أو حربي.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى لابن تيمية (٣/ ٢٣٠)، وما بعدها.","vol":"1","page":39},{"text":"- أما الحكم الأخروي: فنقول كل كافر في النار، كل يهودي في النار، كل نصراني في النار. لكن ليس من لازم ذلك أن نحكم على معين بالنار، فلا نقول: فلان بن فلان في النار، فإن هذا أمر لا يعلمه إلا الله ﷿، بل نكتفي بالحكم العام. فلعل هذا الإنسان يكتم إيمانه! كما يحكى عن بعض القسيسين، في بعض البلاد، أنه يفتح عليهم الباب فجأة، فيوجد قد صف قدميه يصلي! لكنه يخاف من قومه أن يقتلوه، فيستخفي بإيمانه، كمؤمن آل فرعون: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾ [غافر: ٢٨].\nوقد أخبر النبي ﷺ عن رجل أتى بكلمة كفر محققة، ومع ذلك ما لبث أن غفر الله له: فعنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: \" (أَنَّ رَجُلًا فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، رَاشَهُ اللهُ مَالًا وَوَلَدًا، فَقَالَ لِوَلَدِهِ: لَتَفْعَلُنَّ مَا آمُرُكُمْ بِهِ أَوْ لَأُوَلِّيَنَّ مِيرَاثِي غَيْرَكُمْ، إِذَا أَنَا مُتُّ، فَأَحْرِقُونِي - وَأَكْثَرُ عِلْمِي أَنَّهُ قَالَ - ثُمَّ اسْحَقُونِي، وَاذْرُونِي فِي الرِّيحِ، فَإِنِّي لَمْ أَبْتَهِرْ عِنْدَ اللهِ خَيْرًا، وَإِنَّ اللهَ يَقْدِرُ عَلَيَّ أَنْ يُعَذِّبَنِي، قَالَ: فَأَخَذَ مِنْهُمْ مِيثَاقًا، فَفَعَلُوا ذَلِكَ بِهِ، وَرَبِّي، فَقَالَ اللهُ: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا فَعَلْتَ؟ فَقَالَ: مَخَافَتُكَ، قَالَ فَمَا تَلَافَاهُ غَيْرُهَا) (^١)\nقد قال كلمة كفر، وشك في قدرة الله: \"وَإِنَّ اللهَ يَقْدِرُ عَلَيَّ أَنْ يُعَذِّبَنِي\"، فهذه الجملة في حد ذاتها كفرية، لأنها تتضمن الشك في قدرة الله، والشك في البعث، وذلك كفر باتفاق. وأخذ عليهم العهود والمواثيق على ذلك. فلما أن مات صنع بنوه ما أوصاهم به، فأحرقوه، وسحقوه. فلما كان في يوم شديد الريح، ذرُّوا رماده؛ نصفه في البر، ونصفه في البحر، كما جاء في بعض الروايات. أمر الله البحر، وأمر البر\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (٢٧٥٧)","vol":"1","page":40},{"text":"فألقيا مادته، فاستقام بين يديه خلقًا سويًا، فقال: أي عبدي! ما حملك على ما صنعت؟ قال: خشيتك. فما تلافاه أن غفر له.\nفهذا يدل على أن الحكم على معين يجب التوقي فيه، حتى وإن بدا منه ما يوجب وصفه بالكفر؛ من شك، أو كفر، أو فعل ناقض. فالذي يتعلق بنا هو الأحكام الدنيوية الظاهرية، المتعلقة بالحياة؛ كالنكاح، والولايات، وبعد الممات؛ من غسل، ودفن، وتكفين، وميراث. وأما الحكم الأخروي فإلى الله، والله تعالى أعلم بما كانوا عاملين.\nقوله: (وقد يقولها وهو يظنها تقربه إلى الله كما كان يظن المشركون): كما كان يظن المشركون، ويقول قائلهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]، ومع ذلك، فقد حقق عليهم الكفر. فكذلك من شابه المشركين من المعاصرين؛ شابهوهم في علمهم بلا إله إلا الله، وأنها تعني توحيد الله بالعبادة، وناقضوا ذلك بأن صرفوا بعض أنواع العبادة لغير الله. فإن وقع ذلك ممن يدعي الإسلام، فلا فرق بينه وبين المشرك الأصلي.\nقوله: (خصوصا إن ألهمك الله تعالى ما قص عن قوم موسى ﵇ مع صلاحهم وعلمهم أنهم أتوه قائلين اجعل لنا إلها كما لهم آلهة): يشير إلى قوله تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨) إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٨، ١٣٩].\nقوله: (فحنئذ يعظم خوفه وحرصه على ما يخلصه من هذا وأمثاله): أراد المؤلف ﵀ التنبيه على خطر الشرك، وسرعة تسلله إلى","vol":"1","page":41},{"text":"النفس؛ إذ الشيطان يسوغه، ويسلكه في النفس، لأنه أعظم مطالبه. فأعظم ما يتمنى الشيطان:\n- أن يوقع العبد في الشرك، لأنه يدرك أنه إن أشرك أكبه الله معه في النار.\n- فإن لم يتمكن من الشرك الأكبر، أوقعه في الشرك الأصغر.\n- فإن لم ينل ذلك منه، أوقعه في البدعة.\n- فإن لم ينل ذلك منه، أوقعه في الكبائر.\n- فإن لم ينل ذلك منه، أوقعه في الصغائر.\n- فإن لم ينل ذلك منه اكتفى منه بترك المستحبات، والوقوع في المكروهات.\nفالشيطان عدو مبين، يتفنن في إغواء بني آدم، ويحاول أن ينال منهم ما استطاع. ولا يعيذ العبد من الشيطان إلا الله ﷿. ولو أن إنسانًا اعتمد على علمه، وعقله، وحذقه، ولم يستعن بالله، فما أسهل أن يلتقمه الشيطان. ولهذا يجب أن يقوي العبد اعتصامه بالله، وأن يكثر من الاستعاذة به من الشيطان الرجيم؛ من همزه، ونفخه، ونفثه، حتى يحفظه الله منه.","vol":"1","page":42},{"text":"<span data-type='title' id=toc-8>فصل في بيان حكمة الله أن جعل لكل داع إلى الحق أعداء</span>\nقال المؤلف -رحمه الله تعالى-:\n(وأعلم أن الله سبحانه، من حكمته لم يبعث نبيًا بهذا التوحيد إلا جعل له أعداء، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾. وقد يكون لأعداء التوحيد علوم كثيرة وحجج كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾).\n<hr><s0>\n\nهذه فائدة عظيمة: وهي أن يعلم كل مؤمن أن من حكمة الله البالغة أن ينصب لرسله أعداء يخاصمونهم، ويؤذونهم بشتى أنواع الأذى. وقد يقول قائل: لم لا يمكِّن الله لرسله، ويجنبهم الأذى، لتتم دعوتهم دون مواجهة؟ والجواب: أن الله ﷿ حكيم في قدره، فإنه بذلك يتبين من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه، ويتبين الصادق من الدَّعي. قال تعالى: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ١ - ٣]. فلو كان الأنبياء إذا دعوا إلى الله لم ينبرِ لهم أحد بالرد، والمحاربة، والمواجهة بالكلام ولا بالسنان، لكان كل أحد يدخل في","vol":"1","page":43},{"text":"دينهم دون تمييز، ودون وعي، ودون تحقيق عبودية. لكن لما جعل الله الأمور على هذا المحك، أثمر هذه الفائدة التي يحصل بها تمحيص المؤمنين، واصطفاؤهم وإثابتهم.\nومن لازم ذلك، أن من سار على طريق الأنبياء؛ من الأولياء، فليرتقب ما جرى للأنبياء؛ من سار على طريق الأنبياء في تحقيق التوحيد، والدعوة إلى دين الله، فلينتظر ما جرى للأنبياء! سينبري له الخصوم، من شياطين الإنس والجن؛ يؤذونه، ويحاربونه، ولكن عليه أن يعتصم بالله، فإن العاقبة للتقوى. قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ [الفرقان: ٣١]. وتأمل قوله: ﴿هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾، فقد دل على أن أولئك الخصوم يستخدمون أسلوب التلبيس والإضلال، لكن الله، ﷿، يدفعه بالهداية. ودل على أن أولئك الخصوم يستخدمون الأساليب العدوانية التي يرهبون بها أتباع الأنبياء، لكن الله ينصر أولياءه، ويؤيدهم. عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلاءً؟ قَالَ: (الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الصَّالِحُونَ، ثُمَّ الْأَمْثَلُ، فَالْأَمْثَلُ مِنَ النَّاسِ، يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ صَلابَةٌ زِيدَ فِي بَلائِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ خُفِّفَ عَنْهُ، وَمَا يَزَالُ الْبَلاءُ بِالْعَبْدِ، حَتَّى يَمْشِيَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ لَيْسَ عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ) (^١).\nقوله: (وقد يكون لأعداء التوحيد علوم كثيرة وحجج كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾): هذه لفتة مفيدة، وهي أن يعلم الموحِّد أن المخالفين للتوحيد ليسوا،\n_________\n(^١) أخرجه أحمد رقم (١٤٨١).","vol":"1","page":44},{"text":"بالضرورة، قومًا أمِّيين، لا علم عندهم، ولا قلم، ولا محبرة، ولا كتب، كلا! قد يكون عندهم علوم كثيرة يشتغلون بها، وزخرفٌ من القول، وبهرجٌ من العمل؛ بدليل قوله: ﴿فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾، يعني زين لهم ما عندهم من العلوم، فيزدرون دعاة التوحيد، ويفتخرون بأن عندهم من علوم الآلة، ما لا يبلغونه ولا يدركونه، ويجلبون عليهم، ويستطيلون، كما وقع من المتكلمين.\nوالمتكلمون: طائفة ظهرت في الأمة الإسلامية، بعد ترجمة كتب اليونان، خاصة المنطق الأرسطي، فسرى هذا الداء في بعض الأذكياء، وأرادوا إثبات العقائد الدينية، بالطرق العقلية، بناءً على قواعد المنطق اليوناني، فوضعوا مقدمات أفضت إلى نتائج مخالفة لعقيدة السلف. وصاروا ينبزون أهل الحديث بألقاب السوء، ويهجنون طريقتهم، فإذا واجهوهم ودعوهم إلى ما أنزل الله وإلى الرسول، قالوا عندنا علوم، وقواعد، ومقدمات نسير عليها. وفرحوا بما عندهم من العلم.\nأما السلف ﵏ فقد اعتمدوا الكتاب والسنة، واستغنوا بهما عما سواهما. فإن الله ﷿، أودع فيهما حقائق إيمانية، صافيةً نقيةً من كل شائبة.\nفالمؤلف ﵀ أراد أن ينبه دعاة التوحيد إلى أن أعداء التوحيد ليسوا، دومًا، أميين من دهماء الناس، بل قد يكونون من المنسوبين إلى العلم، المتبحرين في علوم الآلة، العارفين بفنون الفروع.","vol":"1","page":45},{"text":"قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:\n(إذا عرفت ذلك، وعرفت أن الطريق إلى الله لا بد له من أعداء قاعدين عليه؛ أهل فصاحة، وعلمٍ، وحُجج، فالواجب عليك أن تعلم من دين الله ما يصير سلاحًا تقاتل به هؤلاء الشياطين الذين قال إمامهم ومقدمهم لربك ﷿: ﴿لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾).\nإذا عرف الموحد أن المخالفين له، على حظ من العلوم، والحجج، والفصاحة، والبيان، والتأثير، فإن ذلك يدعوه إلى التعرف على حججهم وشبهاتهم، ليتمكن من حلها، ونقضها، فلا يدخل في هذه المضامير خلو الذهن، فتفجؤه المسائل والإيرادات، وربما تدهشه، وتبلبله، فلا يحير جوابًا، ولو كان على يقين بما عنده من العلم. فعليه أن يتمكن من العلم الذي هُدي إليه، وأن يحيط علمًا بالشبهات التي تورد عليه، لكي يُعد لكل شبهة جوابًا، فإن هذا من أخذ العدة. وإذا كان الله تعالى أمرنا بالإعداد، والقوة، في جهاد العدو الحربي، بقوله: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠]، فلا يليق بنا أن نذهب إلى ساحة المعركة ونحن نحمل العِصي، وخصومنا يحملون الأسلحة المتطورة، فلأَن نتهيأ بسلاح العلم الذي نقارع به تلك الحجج، من باب أولى.\nوكأن هذا من المؤلف ﵀ من التمهيد، وحسن المدخل، بين يدي \"كشف الشبهات\" التي يشبه بها مشركو الزمان.","vol":"1","page":46},{"text":"قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:\n(ولكن إن أقبلت إلى الله، وأصغيت إلى حجج الله وبيناته، فلا تخف، ولا تحزن، ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾. والعامي من الموحدين يغلب الألف من علماء هؤلاء المشركين، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾، فجند الله تعالى هم الغالبون بالحجة واللسان، كما هم الغالبون بالسيف والسنان، وإنما الخوف على الموحد الذي يسلك الطريق، وليس معه سلاح)\nأحسن المؤلف ﵀ صنعَا، بهذا التقرير؛ إذ أنه لما عظَّم أمر الاستعداد، والتهيؤ لمواجهة المبطلين من أعداء التوحيد، ربما داخل القارئ نوع تهيب، فيجبن، ويرى من نفسه عدم الأهلية لخوض هذا الغمار. لكن المؤلف طمأنه طمأنة حقيقية، بأن الإقبال على الله ﷿ بقلب صادق والإصغاء إلى حججه، وبيناته التي أودعها في كتابه، أو جاءت على لسان نبيه ﷺ تنفي الخوف والحزن. والخوف: يكون من أمر مستقبل، والحزن: على أمر ماض. فيقول: لا تخف، ولا تحزن، ولا يهولنك الكلام المنمق المزخرف، فليس تحته شيء. كما قيل:\nحجج تهافت كالزجاج تخالها حقا وكل كاسر مكسور\nقال: (والعامي من الموحدين يغلب الألف من علماء هؤلاء المشركين): العامي من الموحدين الذي لم يتبحر في علوم الآلة، ولم","vol":"1","page":47},{"text":"يتقن الفروع، ولكن أدرك حقيقة التوحيد، وأصل الدين، يغلب ألفًا من هؤلاء المشركين، لأن الحق معه، فحجته سهلة واضحة، وأولئك يحاولون مصادمة الحقائق بأنواع التكلفات، ولذلك يغلبهم بكلمة واحدة. فإذا استدل بقول الله، أو قوله رسوله، خضعت له الرقاب. وليس مراده بالعامي هنا الجاهل جهلًا مطلقًا.\nوكل واحد من المسلمين يجب ألا ينزل عن هذا الحد، فقد الرجل يأتي النبي ﷺ فيعرض عليه الإسلام في مجلس واحد، ثم يذهب إلى قومه، فتسلم القبيلة بأكملها، ولا يستدعي الأمر أن يجتاز \"دورة مكثفة\" في فنون الشريعة، حتى يكون مؤهلًا للدعوة إلى الله.\n(قدم الطفيل بن عمرو الدوسي مكة، ورسول الله ﷺ بها، فمشى إليه رجال من قريش، وكان الطفيل رجلًا شريفًا، شاعرًا، لبيبًا، فقالوا له: يا طفيل! إنك قدمت بلادنا، وهذا الرجل الذي بين أظهرنا قد اعضل بنا، وقد فرق جماعتنا، وشتت أمرنا، وإنما قوله كالسحر؛ يفرق بين الرجل وبين أبيه، وبين الرجل وبين أخيه، وبين الرجل وبين زوجته، وإنا نخشى عليك، وعلى قومك ما قد دخل علينا، فلا تكلمنَّه، ولا تسمعنَّ منه شيئًا.\nقال: فوالله، ما زالوا بي، حتى أجمعت أن لا أسمع منه شيئًا، ولا أكلمه، حتى حشوت في أذنيَّ، حين غدوت الى المسجد، كرسفًا، فرقًا من أن يبلغني شيء من قوله وأنا لا أريد أن أسمعه. قال: فغدوت الى المسجد، فإذا رسول الله ﷺ، قائم يصلي عند الكعبة، قال: فقمت منه قريبًا، فأبى الله إلا أن يسمعني بعض قوله. قال: فسمعت كلامًا حسنًا، قال: فقلت في نفسي: واثكل أمي! والله إني لرجل لبيب شاعر، ما يخفي علي الحسن من القبيح، فما يمنعني أن اسمع من هذا الرجل ما","vol":"1","page":48},{"text":"يقول؟ فإن كان الذي يأتي به حسنًا قبلته، وإن كان قبيحًا تركته. قال: فمكثت حتى انصرف رسول الله ﷺ، إلى بيته، فاتبعته حتى إذا دخل بيته دخلت عليه، فقلت: يا محمد! إن قومك قد قالوا لي كذا وكذا، للذي قالوا، فوالله ما برحوا يخوفونني أمرك، حتى سددت أذنيَّ بكرسف، لئلا أسمع قولك، ثم أبى الله إلا أن يسمعني قولك، فسمعته قولًا حسنًا، فاعرض علي أمرك. قال: فعرض علي رسول الله ﷺ الإسلام، وتلا علي القرآن، فلا والله، ما سمعت قولًا قط أحسن منه، ولا أمرًا أعدل منه. قال: فأسلمت، وشهدت شهادة الحق، وقلت، يا نبي الله، إن امرؤ مطاع في قومي، وأنا راجع إليهم، وداعيهم الى الإسلام، فادع الله أن يجعل لي آية تكون لي عونًا عليهم فيما أدعوهم إليه. فقال اللهم اجعل له آية) (^١). لم يحتج الطفيل بن عمرو الدوسي، ﵁، أن ينخرط في دورة تأصيلية، أو مكثفة، حتى يعرف بالإسلام، ويدعو إليه.\nفالواجب على كل مسلم يرى في نفسه الأهلية، أن يدعو إلى دين الله ﷿، وتوحيده. ولا يلزم أن يكون مفتيًا، ولا فقيهًا، لكن الدعوة إلى التوحيد أول الأمر.\nوقد طمأن المؤلف ﵀ دعاة التوحيد بأنهم منصورون، لأن الله ﷾ قضى بذلك، فقال سبحانه: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧٣]، وقال: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٣]. وهذا الظهور للدين يكون على نوعين:\n١. ظهور بالحجة والبيان.\n٢. ظهور بالسيف والسنان.\n_________\n(^١) السيرة النبوية لابن هشام (٢/ ٢٢٧).","vol":"1","page":49},{"text":"أما الظهور بالحجة والبيان: فهذا لا ينقطع أبدا لأنه لا دين يسامي، أو يداني دين الله ﷿ بحال؛ فجميع الفلسفات، والأديان المحرفات، والنظريات المختلفات، كلها مجرد عبثيات، إذا قورنت بدين الله ﷿. فدين الله غالب بالحجة والبيان، لأنه دين كامل، شامل، متوازن، محقق لمصالح البشر، في كل مكان، وفي كل زمان، ولكل جيل، وقبيل.\nوأما الظهور بالسيف والسنان: فهذا يختلف باختلاف الأحوال؛ لأنه سبقت سنة الله ﷿ أن يداول الأيام بين الناس، كما قال: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٤٠]. ولم يخرج عن هذه السنن أهل الإسلام لأن الله ﷾ قد علق نصرهم بنصر دينه، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧].\nولما أخلوا بشيء من أسباب النصر يوم أحد، قال مذكرًا لهم، معاتبًا إياهم: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا﴾ [آل عمران: ١٦٥]، لما قالوا: كيف نهزم وفينا رسول الله ﷺ؟ - يقتل منا سبعون، ويجرح مثل ذلك، ونبينا ﷺ يُكْلم، ويقع في حفرة! كيف يكون هذا؟ فأجابهم: ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾، أمرهم نبيهم ﷺ بالثبات، وعدم النزول من جبل الرماة، فخالفوا بعد ما أراهم ما يحبون، ذلك أن منهم من يريد الدنيا ومنهم من يريد الآخرة. فجعل الله هذا الظهور مقترنًا بالأسباب الشرعية، والأسباب الحسية التي يعتمدها البشر.\nولأجل ذا رأينا حال أهل الإسلام تعتريه أحوال مختلفة. مازال أمر الإسلام في ارتقاء زمن النبوة، فما مات رسول الله ﷺ إلا وقد استوسقت جزيرة العرب إسلامًا؛ طبَّق الإسلام الجزيرة بأكملها، فكان","vol":"1","page":50},{"text":"علوًا وظهورًا بالحجة والبيان، وبالسيف والسنان. ثم جاء الخلفاء الراشدون من بعده، وأمر الإسلام يشتد، حتى بلغ الخافقين؛ بلغ المسلمون شرقًا بلاد الصين، وبلغوا غربًا المحيط الأطلسي، ووقفوا شمالًا على أبواب القسطنطينية، وفتحوا بلاد الأندلس، أسبانيا والبرتغال، وتسلقوا جبال البرانس، ودخلوا بلاد الغال، فرنسا، ومكثوا فيها سبعين سنة. وتحقق وعد الله ﷿: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور: ٥٥]، فلما وفوا بالشرط، وفى الله لهم بالجزاء، وحصل لهم ما يحبون. وحينما ارتخت قبضتهم، ومالوا إلى الدنيا، واشتغلوا بالخصومات، وتركوا الجهاد، سلط الله عليهم عدوهم، فغزاهم التتر، والصليبيون، وجاء الاستعمار الحديث.\nفالله تعالى، يريد منا أن ننشر دينه بجهدنا، وبذلنا، وعملنا، لا بأمانينا، فإن نحن فعلنا نصرنا كما وعدنا بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧] والله لا يخلف وعده، ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧٣]، فإذا وجد هذا الجند، فإن الله ﷾ ينصرهم ويمكنهم.\nقوله: (وإنما الخوف على الموحد الذي يسلك الطريق وليس معه سلاح): ليس الخوف أن يتخلف نصر الله، فالله ناصر دينه، ومعز عباده، لكن الخوف على الموحد ألا يكون معه سلاح الحجة والبيان، التي يقارع بها شبهات المبطلين. لا يكفي، ولا يجدي إذا انبرى لك خصم من القبوريين والمشركين، وألقى عليك شبهة أن تقول له: اخرس! لا تتكلم! الواجب أن ترد الشبهة بالحجة. أقم عليه الحجة، واقصد في","vol":"1","page":51},{"text":"دعوتك له هدايته، فقد يهديه الله تعالى على يديك. فإن لم يكن، فأقل الأحوال أن يسلم الآخرون من التأثر به، بانكشاف شبهته، وافتضاح أمره، فلا يلتفت إليه أحد. فلابد من سلاح العلم والإيمان لمواجهة المبطلين.","vol":"1","page":52},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9>فصل في أن القرآن حجة على كل مبطل إلى يوم القيامه</span>\nقال المؤلف -رحمه الله تعالى-:\n(وقد من الله تعالى علينا بكتابه الذي جعله (تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً)، فلا يأتي صاحب باطل بحجة إلا وفي القرآن ما ينقضها، ويبين بطلانها، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾، قال بعض المفسرين: هذه الآية عامة في كل حجة يأتي بها أهل الباطل إلى يوم القيامة).\n<hr><s0>\n\nزاد المؤلف القارئ طمأنة بأن الله ﷾ -قد من عليه بمصدر العلم الحق، والسلاح المضاء، الذي يواجه به الأعداء، وهو الكتاب العزيز، فما أسعدنا بهذا الكتاب الذي حوى جميع هذه الأوصاف: التبيان، والهدى، والرحمة، والبشرى. لكن هذا التبيان:\n- قد يكون تبيانًا تفصيليًا لمسألة معينة.\n- وقد يكون تبيانًا عامًا، تندرج تحنه أفراد مسائل.\nفلا يلزم أن يكون القرآن العظيم دائرة معارف يتضمن تفاصيل ودقائق المسائل، في الأمور الدنيوية المعاشية، في مختلف الفنون، لكنه يُرسي قواعد كلية ترسم منهجًا للمؤمنين، وفي بعض الحالات يعطي أمورًا تفصيلية لدعاء الحاجة إلى ذلك.","vol":"1","page":53},{"text":"- فإذا قال الله ﷾: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ الآية [المائدة: ٣]، فهذا تبيان تفصيلي للمحرمات من المطعومات.\n- وإذا قال الله ﷿: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ الآية [النساء: ٢٣]، فهذا تبيان تفصيلي للمحرمات في النكاح؛ من النسب، المصاهرة، والرضاعة.\n- وإذا قال الله ﷿: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، فهذا تبيان إجمالي بوجوب التأسي والأتباع.\n- وإذا قال الله تعالى ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]، فهذا تبيان إجمالي في الرجوع إلى أهل العلم.\nفلا يخرج شيء عن القرآن، لأن فيه (تبيان)، لكل شيء (وهدى)، الهدى في مقابل الضلال، (ورحمة)، الرحمة في مقابل العذاب، و(بشرى) البشرى في مقابل الأمر المخوف. كل هذه المزايا، بحمد الله، موجودة في كتابنا. فكن أيها المؤمن الموحد على طمأنينة.\nقوله: (فلا يأتي صاحب باطل بحجة إلا وفي القرآن ما ينقضها، ويبين بطلانها): لكن قد يُهدى إليها المرء، وقد لا يهدى إليها، وإنما يستنبطها الراسخون في العلم. فلا يوجد شبهة يطلقها مبتدع مبطل من؛ خرافي، أو قبوري، أو صوفي، أو متكلم، ممن يخالف السنة، إلا وفي القرآن العظيم لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ﴾: يعني المشركون ليعارضوا به دينك ودعوتك. ﴿إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾، وقد بقي هذا الحق الذي آتاه الله نبيه ﷺ مذخورًا، مزبورًا في كتابه، نرجع إليه في كل نازلة.\nقوله: (قال بعض المفسرين هذه الآية عامة في كل حجة يأتي بها أهل الباطل إلى يوم القيامة): ما ترك الله شاذة ولا فاذة، إلا وأودعها في كتابه، يستنبطها الراسخون في العلم.","vol":"1","page":54},{"text":"ومن عجائب ما نبه عليه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أنه ما من أحد من المبطلين يستدل بآية على باطله، إلا وكان في تلك الآية ما ينقض باطله، لأن القرآن كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤١، ٤٢]، فكل مبطل من هؤلاء الزائغين، الذين يريدون أن يسوقوا الباطل وينشروا البدعة، ويستدلوا على باطلهم بآية من كتاب الله، فإنه يكون في هذه الآية ما ينقض مرادهم ويعكس القضية عليهم. وقد ذكر شيخ الإسلام هذا الملحظ في مقدمة كتابه \"درء تعارض العقل والنقل\" ولهذا أمثلة يطول ذكرها.","vol":"1","page":55},{"text":"قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:\n(وأنا أذكر لك أشياء مما ذكر الله تعالى في كتابه، جوابًا لكلام احتج به المشركون في زماننا علينا. فنقول: جواب أهل الباطل من طريقين: مجمل، ومفصل. أما المجمل: فهو الأمر العظيم، والفائدة الكبيرة لمن عقلها، وذلك قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِيَ أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾، وقد صح عن رسول الله، أنه قال: «إِذَا رَأَيْتِم الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ المتَشَابَهَ ويتركون المحكم فأولئك الَّذِينَ سَمَّى اللَّهُ في كتابه فَاحْذَرُوهُمْ) (^١).\nمثال ذلك: إذا قال لك بعض المشركين: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، أو: إن الشفاعة حق، أو: إن الأنبياء لهم جاه عند الله، أو: ذكر كلامًا للنبي ﷺ يستدل به على باطله، وأنت لا تفهم معنى الكلام الذي ذكره، فجاوبه بقولك: إن الله تعالى ذكر أن الذين في قلوبهم زيغ يتركون المحكم، ويتبعون المتشابه، وما ذكرته لك من أن الله ذكر أن المشركين يقرون بالربوبية، وأن كفرهم بتعلقهم على الملائكة، أو الأنبياء، أو الأولياء، مع قولهم: ﴿هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري رقم (٤٥٤٧)، ومسلم رقم (٢٦٦٥)، من حديث عائشة بدون قوله: (ويتركون المحكم).","vol":"1","page":56},{"text":"اللّهِ﴾، وهذا أمر محكم، لا يقدر أحد أن يغير معناه، وما ذكرته لي أيها المشرك من القرآن، أو كلام رسول الله ﷺ، لا أعرف معناه، ولكن أقطع أن كلام الله لا يتناقض، وأن كلام النبي لا يخالف كلام الله ﷿.\nهذا شروع من المؤلف ﵀ بعد هذه المقدمة الحافلة، في الحديث عن الشبهات التي يحتج بها أهل البدع، من مروجي الشرك، ووسائله، وأسبابه. ذلك أن مشركي زمانه، من مروجي الشرك، ودعاء غير الله ﷿ يتذرعون ببعض النصوص، والأدلة، يلبسون بها الحق بالباطل، ويشوشون بها أذهان العوام. فهم لا يقولون للعامة: أشركوا بالله! ادعوا غير الله! لكنهم يأمرونهم بأمور، هي في الحقيقة شرك في العبادة، ويلبسون على أتباعهم، ويحتجون على من نازعهم ببعض الأدلة. والمؤلف ﵀ قد تصدى لهم، ونازلهم في مواطن كثيرة، فجمع كثيرًا من هذه الشبهات في هذا السفر، الذي سماه كشف الشبهات. وقد ذكر فيه بضع عشرة شبهة من شبهاتهم التي يرددونها، وناقشهم على طريقة السؤال والجواب، وألحق بذلك فوائد متنوعة.\nقوله: (فنقول إن جواب أهل الباطل من طريقين مجمل، ومفصل. أما المجمل: فهو الأمر العظيم، والفائدة الكبيرة لمن عقلها، وذلك قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِيَ أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ الآية): هذا تقعيد عام. والواقع أن هذه القاعدة تنطبق على كل شبهة من الشبهات. فيمكن للمرء أن يجيب جوابًا مجملًا، ويمكن أن يجيب جوابًا","vol":"1","page":57},{"text":"مفصلً. ا أما الجواب المجمل: فهو المنهج الذي دل عليه قول الله تعالى في سورة آل عمران: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ). ف (الكتاب): القرآن. و(منه): للتبعيض، (آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ): أي: واضحات الدلالة، لا تحتمل إلا معنى واحدًا في الأذهان. (هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ) أي: أكثره وغالبه. (وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ): آيات أخر قليلة، لأن أم الكتاب وعامته من المحكم، فصار ما سواه قليل. (مُتَشَابِهَاتٌ)، أي يشتبه معناها على بعض الناس، فهي حمالة أوجه، يقع في النفس أنها كذا، أو أنها كذا، بسبب احتمال اللفظ لعدة معان في بعض الأذهان. وقد جعل الله ﷿ ذلك ابتلاء واختبارًا، لا أن هذه الآيات مجهولة المعنى بإطلاق، لا يمكن العلم بها، كلا! لكنها قابلة أن تلتبس على أهل الأهواء.\nثم ذكر انقسام الناس حيال هذا المتشابه، فجعلهم قسمين، وبدأ بالمذموم منهما:\n١ - الزائغون: (فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ): يعني الذين انطوت قلوبهم على هوى وبدعة، (فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ): لأن النفوس المريضة، والقلوب المعتلة، تكون شغوفة بتتبع المتشابه، وحمله على المحامل الباطلة. (ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ)، لإثارة الفتنة، والفتنة هنا: لبس الحق بالباطل. (وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ)، أي محاولة بلوغ حقيقته، وكنهه، الذي هو عليه في الواقع. (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ)، أي لا سبيل لهم بالعلم بحقيقته وكنهه، فإن ذلك مما اختص الله بعلمه. وهذا التوجيه على القراءة المشهورة، قراءة الوقف.\n٢ - الراسخون: (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا","vol":"1","page":58},{"text":"يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. فقراءة الوقف، وهي القراءة المشهورة، مقتضاها أنه لا يعلم حقيقة ما أخبر الله تعالى به عن نفسه، وعن اليوم الآخر، من الأمور المغيبة، على ما هي عليه في الواقع، إلا الله. فلا سبيل لأحد أن يكيف صفات الله ﷿، ولا أن يكيف الأمور الغيبية مما يتعلق بيوم القيامة؛ من نصب الموازين، ونشر الدواوين، والمرور على الصراط، لا يمكن لأحد أن يحكي كيفيتها، بل هذا مما استأثر الله بعلمه.\nقوله: (وعليه يحمل قول ابن عباس ﵄: (نَزَلَ الْقُرْآنُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ» (^١):\n١ - فالضرب الأول: تعرفه العرب من لغتها: كما تعرف العرب معنى \"الغاسق\"، ومعنى \"وقب\"، ومعنى \"عسعس\"، ومعنى \"الرقيم\"، ونحو هذه الألفاظ التي تطلب من المعاجم والقواميس، فيهتدي الإنسان إلى معاني هذه الألفاظ.\n٢ - الضرب الثاني: لا يعذر أحد بجهالته: ومراده من ذلك المعلوم من الدين بالضرورة؛ فإذا قال الله تعالى: (أَقِيمُوا الصَّلَاةَ) فلا يسع أحدًا أن يفسر الصلاة على ما تعرفه العرب من لغتها، إذ الصلاة في لغة العرب معناها الدعاء، فليس لأحد أن يقول: إن معنى أقيموا الصلاة، أي: أقيموا الدعاء. معلوم أن الصلاة في لسان الشرع: عبادة ذات أقوال وأفعال، مفتتحة بالتكبير، مختتمة بالتسليم. فهذا الضرب لا يعذر أحد بجهالته، لأن الشرع نقله من الوضع اللغوي، إلى الوضع الاصطلاحي.\n٣ - الضرب الثالث: ضرب لا يعرفه إلا العلماء: وذلك ما يتعلق\n_________\n(^١) تفسير الطبري (١/ ٧٠).","vol":"1","page":59},{"text":"بالناسخ والمنسوخ، والمطلق والمقيد، والمجمل والمبين، والعام والخاص، وأسباب النزول. فهذه تتطلب سعيًا، وبحثًا، وإدراكًا. ولهذا لا يعرفها إلا العلماء، لكن يمكن الوصول إليها.\n٤ - الضرب الرابع: لا يعلمه إلا الله: فمن ادعى علمه فقد كذب. وهو حقيقة، وكيفية ما أخبر الله تعالى به عن نفسه، أو عن اليوم الآخر، من الأمور المغيبة.\nومن أمثلة المتشابه:\nالآيات الدالة على طلاقة المشيئة: كقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [فاطر: ٨]، فيظن الجبري أن الإنسان مجبور على فعله، لا فعل له ولا اختيار. ويقابله القدري، بالآيات الدالة على إسناد الأفعال إلى العباد، كقول الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل: ٥ - ٧] فيعتقد أن الإنسان يخلق فعل نفسه، وأن الله ﷾ ليس له مشيئة، ولا خلق لأفعال العباد. فيقع في نوع آخر من اتباع المتشابه.\nأما المؤمن الراسخ، فيبصر هذه الطائفة من النصوص، وهذه الطائفة المقابلة من النصوص، بكلتا عينيه، فيفهم من مجموعها ما دل عليه قول الله تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٨، ٢٩]، فيتبين له أن الله ﷾ أعطى العباد قدرة، ومشيئة، وفعلًا حقيقيًا، به يأتون ويذرون، وأن ذلك لا يخرج عن تقدير الله العام، الذي قدره منذ الأزل، فلا تتصادم عنده النصوص، بل تلتئم، وتتفق.\n- مثال آخر: الآيات الواردة في إثبات الصفات: الدالة على أن الله له سمع، وبصر، ووجه، ويدان. فيقول الممثل: لا نعرف إلا ما هو","vol":"1","page":60},{"text":"معهود في الأذهان، فيثبت لله تلك الصفات على وجه ويماثل صفات المخلوقين. ويقابله المعطل بالآيات الدالى على التنزيه كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤]، وقوله: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ [النحل: ٧٤] فيتوهم أن الله تعالى ليس له صفات، فيقع في التعطيل.\nأما المؤمن الموحد، فيبصر هذه الطائفة من الآيات، وهذه الطائفة من الآيات، بكلتا عينيه، ويتبين له من مجموع الآيات أن لله سبحانه أسماء وصفات تليق بجلاله وعظمته، لا تماثل صفات المخلوقين، فيرتفع عنه التشابه.\nوهكذا في جميع الأمور التي وقع فيها اشتباه عند أهل الزيغ والأهواء\nأما الصنف المقابل لأهل الزيغ، فهم الراسخون في العلم، وهو مراد المؤلف بالجواب المجمل فقد وصف الله طريقتهم بقوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾: أي أن الراسخين في العلم إذا أشكلت عليهم بعض هذه الآيات، واشتبهت عليهم لأول وهلة، لم يتهموا النقل، بل اتهموا العقل، وردوا المتشابه إلى المحكم، لأن مصدرها جميعًا من عند الله. فما دامت هذه من عنده، وهذه من عنده، فلا يمكن أن تتعارضا. فإذا رأوا آيات تدل على طلاقة مشيئة الله، وأن الله يقضي ما يشاء، ويحكم ما يريد، ووقع في نفس أحدهم كيف قدر عليهم المعصية والكفر وعذبهم عليه! رجعوا إلى المحكم، كقوله: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦]، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠]، فاعتصموا بهذه المحكمات، وتمسكوا بها، وتأنوا حتى يتبين لهم محمل ما تشابه عليهم، وأمعنوا","vol":"1","page":61},{"text":"النظر، وازدادوا بحثًا، وتأملًا، وسألوا أهل الذكر، فما قد يكون مشتبهًا على زيد، لا يلزم أن يكون مشتبهًا على عمرو، وما يكون مشتبهًا على طالب العلم في أول طلبه، لا يلزم أن يبقى مشتبهًا عليه طول عمره، فإن الله يكشف له الحقائق، ويزيل عنه اللبس، فيصبح المتشابه عنده محكمًا.\nوليس في القرآن آيات مخصوصة، يشار إليها بالبنان، يقال عنها: الآيات المتشابهات بإطلاق، كلا! بل التشابه نسبي، مطلقا، إلا ما يتعلق بالكيفيات، فلا سبيل لدركه والإحاطة به. فثمَّ آيات تشتبه على أهل التمثيل، وآيات تشتبه على أهل التعطيل، آيات تشتبه على القدرية، وآيات تشتبه على الجبرية، آيات تشتبه على الوعيدية، وآيات تشتبه على المرجئة. أما أهل السنة والجماعة، فإنهم هدوا لما اختلف فيه من الحق بإذنه، فصار كتاب الله ﷿، في حقهم، بمجموعهم، محكمًا.\nوقد استدل المؤلف بقول النبي ﷺ: (إِذَا رَأَيْتِم الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ المتَشَابَهَ ويتركون المحكم فأولئك الَّذِينَ سَمَّى اللَّهُ في كتابه فَاحْذَرُوهُمْ) (^١)، وهو حديث متفق عليه، حذر فيه ﷺ من أهل الأهواء والبدع، الذين يزوقون باطلهم، ويزخرفونه بأنواع الشبه، ليسلكوه بين الناس. فإذا رأى الإنسان الذين يتبعون المتشابه، فيجب أن يحذر منهم؛ من أشخاصهم، ومن أساليبهم، وطرائقهم، وينأى بنفسه عنها، ويسلك طريقة الراسخين في العلم، المعتصمين بالكتاب والسنة.\nوقد وصف الله كتابه كله بالإحكام تارة، وبالتشابه تارة، وبالإحكام والتشابه معًا. فينبغي التمييز بين أربعة مصطلحات:\n_________\n(^١) سبق تخريجه.","vol":"1","page":62},{"text":"١ - الإحكام العام: قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ [هود: ١]، وهو بمعنى الإتقان في أخباره وأحكامه. فالقرآن كله محكم بهذا الاعتبار، فليس في القرآن خلل ولا اضطراب بحال. ولو وقع عند إنسان اشتباه والتباس فمرده إليه هو، لا إلى الكتاب.\n٢ - التشابه العام: قال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ [الزمر: ٢٣]، وهو بمعنى تماثله وتناسبه، وأن بعضه يشبه بعضًا، ويصدق بعضًا، ويشهد بعضه لبعض.\n٣ - التشابه الخاص: قال تعالى: (وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ): وهو مشابهة الشيء لغيره من وجه، ومخالفته له من وجه آخر، فيقع من جراء ذلك اشتباه بعض الآيات على بعض الناس لعلة في الفهم والإدراك، أو نقص العلم، أو زيغ وهوى.\n٤ - الإحكام الخاص: قال تعالى: (مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ): هو الفصل بين الشيئين المشتبهين من وجه، المختلفين من وجه آخر. أي رفع التشابه الخاص، وبيانه، وتوجيهه، بحيث لا يعارض بعضه بعضًا.\nومراد المؤلف-﵀ من إيراد الآية، بيان الطريق الأول، وهو الطريق المجمل، بأن تعلم أن ما يورده عليك هؤلاء المشركون من شبهات، يتذرعون فيها بآيات قرآنية، أو نصوص نبوية، ينبغي ألا يزعزعك، بل تجيبهم بالقول: أنا لا أعرف ما تقولون، لكني أعلم قطعًا بكذا وكذا، من المحكم الذي لا يختلف عليه اثنان.\nقوله: (مثال ذلك إذا قال لك بعض المشركين: \"أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ\"): يقصد مشركي زمانه، ممن يسوق للبدعة والشرك، فيستدلون بكرامة الأولياء عند الله، ويقولون: نحن ندعوهم لمنزلتهم عند الله!","vol":"1","page":63},{"text":"قوله: (أو: إن الشفاعة حق): أي: فلم تنكر علينا أن نطلبها من النبي ﷺ وندعوه قائلين يا رسول الله! اشفع لنا عند ربك؟\nقوله: (أو: إن الأنبياء لهم جاه عند الله): أي: فنحن ندعو إبراهيم، أو موسى، أو عيسى، لأن لهم جاه عند الله، كما قال إبراهيم، ﵇: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥]، وعن موسى، ﵇: ﴿وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب: ٦٩]، وعن عيسى، ﵇: ﴿وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [آل عمران: ٤٥].\nقوله: (أو ذكر كلامًا للنبي يستدل به على شئ من باطله، وأنت لا تفهم معنى الكلام الذي ذكره): وهذا أمر وارد، يقع لكثير من عامة المؤمنين، من غير العلماء.\nفهذه أربع شبه يوردها أهل الأهواء والبدع، على آحاد الموحدين، فماذا يصنع الإنسان الذي قد يخفى عليه الجواب المفصل؟ يلجأ إلى الجواب المجمل:\nقوله: (فجاوبه بقولك: إن الله تعالى ذكر في كتابه أن الذين في قلوبهم زيغ يتركون المحكم ويتبعون المتشابه. وما ذكرته لك من أن الله تعالى ذكر أن المشركين يقرون بالربوبية، وأن كفرهم بتعلقهم على الملائكة والأنبياء والأولياء، مع قولهم هؤلاء شفعاؤنا عند الله، هذا أمر محكم بين لا يقدر أحد أن يغير معناه): أرشده المؤلف إلى أن يستدل عليهم بأمر محكم: وهو أن مشركي العرب كانوا مقرين بتوحيد الربوبية، وكان كفرهم بسبب دعاء الأولياء والملائكة والنبيين والصالحين، فلم يسلموا من مغبة الشرك مع إقرارهم بتوحيد الربوبية، بل أكفرهم الله تعالى، وقاتلهم رسول الله ﷺ ولم يغن عنهم ذلك شيئًا. وهذا أمر لا شك فيه، ولا نزاع.","vol":"1","page":64},{"text":"قوله: (وما ذكرت لي أيها المشرك من القرآن، أو كلام رسول الله ﷺ، لا أعرف معناه): يعني: أنا، شخصيًا، لا أعرف معناه وتوجيهه، ولا غضاضة أن يقول المرء لما لا يعلم: لا أعلم.\nقوله: (ولكن أقطع أن كلام الله لا يتناقض، وأن كلام النبي ﷺ لا يخالف كلام الله ﷿: فإذا كان ذلك ممتنعًا، تبين أن في استدلالك خللًا. وهذا مسلك عام يمكن أن يسلكه المؤمن في جميع أبواب الدين والاعتقاد، وهو أن يعتصم بنص محكم، واضح، بيَّن، يأوي إليه، ويتشبث به، وكل ما اشتبه عليه نص رده إليه.\nفلو احتج عليك معطل للأسماء والصفات، بشبهات عقلية مزعومة؛ كشبهة \"التجسيم\" أو \"التركيب\" في نفي الصفات الخبرية، أو \"حلول الحوادث\" في نفي الصفات الفعلية، فاعتصم بما أخبر الله تعالى به في سورة الصمد، وفي آخر سورة الحشر، وفي آية الكرسي، من إثبات الأسماء والصفات لله. وإذا ادعى مدعٍ أنها على وجه يماثل المخلوقين: فاقرأ عليه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١].\nوإذا قال لك إنسان: إن العبد يخلق فعل نفسه، فاقرأ عليه: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٦]، ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢]، وإذا قال آخر: العبد مجبور على فعله، كالريشة في مهب الريح، فاقرأ عليه: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير: ٢٨]، فأثبت لنا مشيئة، واقرأ عليه: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ [الليل: ٥]، فأثبت لنا فعلا.\nثم علق المؤلف ﵀ على هذا الجواب بقوله: (وهذا جواب جيد سديد، ولكن لا يفهمه إلا من وفقه الله تعالى، ولا تستهونه، فإنه كما قال تعالى: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾).","vol":"1","page":65},{"text":"السداد: إصابة كبد الحقيقة. فمن عمل بالمحكم، وآمن بالمتشابه، فهو مسدد. وينبغي للعبد أن يسأل ربه الهدى والسداد، كما في حديث عَلِيٍّ، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ: (قُلِ اللهُمَّ اهْدِنِي وَسَدِّدْنِي، وَاذْكُرْ، بِالْهُدَى هِدَايَتَكَ الطَّرِيقَ، وَالسَّدَادِ، سَدَادَ السَّهْمِ) (^١). أي: إذا سألت الله الهدى، فاستحضر حالك، لو كنت بين مفارق طرق، تريد أن تقطع مفازة، لا تدري أين تذهب! كذلك الحال في هذه الدنيا، حيال الأقوال، والمذاهب، والاتجاهات. وفي الحديث القدسي: (يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ، فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ) (^٢)، فيجب الإنسان أن يستهدي بربه ﷾.\nوإذا سألت الله السداد فاستحضر حالك، لو كنت تصوب سهمًا تريد أن يقع على هدف معين، فكذلك في الأمور التي تقصدها، اسأل الله ﷿ أن يوقعك الموقع الصواب، وأن يقود خطاك إلى مراده ومرضاته.\nقوله: (ولكن لا يفهمه إلا من وفقه الله، ولا تستهونه): أي الاعتصام بالمحكم، وعدم اتباع المتشابه، وهو الجواب المجمل، فإنه من توفيق الله. وذلك يريحك من شر كثير، ومن لغط كثير، وقد لا تملك الجواب المفصل في كل موقف، فاعتصم بالجواب العام المحكم.\nوأهل البدع يأتون إلى المناظرات، والسجالات، وقد تسلحوا بعديد من الشبهات، فربما يلقونها عليك دفعة واحدة، فتلحقك دهشة. فلا يهولنك ما ترى، و﴿لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾ [طه: ٦٨]، كن في موقع الهجوم، لا في موقف الدفاع.\nوبعض من يتصدى للمناظرات من الصالحين، في القنوات\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (٢٧٢٥)\n(^٢) أخرجه مسلم رقم (٢٥٧٧).","vol":"1","page":66},{"text":"الإعلامية، أو في مواقع \"الإنترنت\"، يجره خصمه إلى مغالطات، ويشغله بأمور جانبية، فينسى موضوعه الأساسي. فلا تجعل الخصم يرسم لك الخطة! بادئه بناطق الكتاب، وصحيح السنة، ليشتغل هو بالجواب، ولا تجعل نفسك لقمة سائغة له، يقلبك يمنة ويسرة، ويوجه مسيرة الحديث، ارسم خارطة الطريق قبل أن تسير، واعرف ماذا تريد أن تدعوه إليه حتى لا يكسب الجولة، ويلبس على السامعين، ويضيع وقتك.\nقوله: (فإنه كما قال تعالى: ﴿وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم﴾): استدل به المؤلف ﵀ بالمعنى العام للآية، وقد وقعت بعد قوله: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٤، ٣٥]، يعني لا يصل إلى هذه المرتبة، وهي الدفع بالتي هي أحسن، إلا الصابرون، ممن لهم نصيب وافر. فهي تشمل فيما تشمل الدفع بالتي هي أحسن في مقام المناظرة. ومن ذلك: أن يوفق إلى جواب مجمل، يحسم به الأمر.","vol":"1","page":67},{"text":"<span data-type='title' id=toc-10>الشبهة الأولى</span>\nقال المؤلف -رحمه الله تعالى-:\n(وأما الجواب المفصّل: فإن أعداء الله لهم اعتراضات كثيرة على دين الرسل، يصدون بها الناس عنه، منها قولهم: نحن لا نشرك بالله شيئًا، بل نشهد أنه لا يخلق، ولا يرزق، ولا ينفع، ولا يضر، إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا ﷺ -لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا، فضلًا عن عبد القادر، أو غيره، ولكن أنا مذنب، والصالحون لهم جاه عند الله، وأطلب من الله بهم.\nفجاوبه بما تقدم، وهو أن الذين قاتلهم رسول الله مُقرِّون بما ذكرت لي أيها المبطل، ومُقرِّون أن أوثانهم لا تدبر شيئًا، وإنما أرادوا ممن قصدوا الجاه والشفاعة. واقرأ عليه ما ذكر الله في كتابه، ووضحه).\n<hr><s0>\n\nهذه أولى الشبهات التي أراد المؤلف ﵀ كشفها. وهي من أشهر شبهاتهم عند المناظرة. يشهرها أولئك السدنة، الذين يحيطون بالقبور والمقامات والمشاهد المزعومة، حينما يُنكر عليهم صنيعهم، فيقولون: نحن لا نشرك بالله! ويفسرون ذلك بتوحيد الربوبية، ونفيه عمن سواه. ثم يظهرون التمسكن والانكسار، فيقول قائلهم: أنا مذنب! أنا متلطخ","vol":"1","page":68},{"text":"بالذنوب والأوزار! من أنا حتى أسأل الله مباشرة؟ أحتاج إلى من يدخلني على الله ﷿. وهؤلاء الصالحون لهم جاه عند الله ﷿ -أعطاهم إياه، ومنَّ عليهم به، فأنا أطلب من الله بهم. كما أن الإنسان، في هذه الدنيا، لو كان مذنبًا مجرمًا، لا يستطيع أن يدخل على السلطان إلا بواسطة. هكذا صوروا القضية! فلربما لو ألقيت هذه الشبهة على بعض البسطاء، لأُرتج عليه، ولم يُحر جوابًا.\nقوله: (فجاوبه بما تقدم): يعني بما تقرر سابقًا، وخلاصته أنه لا فرق بين دعواكم هذه، وما ادعاه المشركون زمن النبي ﷺ، فقد كان المشركون زمن النبي ﷺ مقرين بالربوبية، وأن الله هو الخالق، المالك، المدبر، مقرين بأن أوثانهم لا تدبر شيئًا، ومع ذلك أكفرهم، وقاتلهم. والذي أوقعهم في الشرك قولهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]. فلا فرق بين تسويغ المشركين الأوائل لشركهم، وبين ما تقولون وتفعلون أنتم، لتسويغ شرككم. وقد رد الله عليهم بقوله: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨]","vol":"1","page":69},{"text":"<span data-type='title' id=toc-11>الشبهة الثانية</span>\nقوله: (فإن قال: إن هؤلاء الآيات نزلت فيمن يعبد الأصنام، كيف تجعلون الصالحين مثل الأصنام؟ أم كيف تجعلون الأنبياء أصنامًا؟).\n<hr><s0>\n\nهذا إيراد على الجواب السابق. سيقول لك: شتان! البون شاسع، هذه الآيات نزلت فيمن يعبد الأصنام، فكيف تنظِّرون بين حال الصالحين، وحال الأصنام؟! نحن ندعو قومًا صالحين، من أولياء الله، كعبد القادر الجيلاني، ﵀، وكان من سادات المسلمين، على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، وكان من الصلاح والتقى بمكان، شهدت له الأمة بذلك. فكيف تجعلونه وأمثاله، بمنزلة الأصنام؟! بل وكيف تجعلون الأنبياء بمثابة الأصنام؟!","vol":"1","page":70},{"text":"قوله: (فجاوبه بما تقدم، فإنه إذا أقر أن الكفار يشهدون بالربوبية كلها لله، وأنهم ما أرادوا ممن قصدوا إلا الشفاعة، ولكن أراد أن يفرق بين فعلهم وفعله بما ذكر، فاذكر له أن الكفار منهم من يدعو الأصنام، ومنهم من يدعو الأولياء، الذين قال الله فيهم: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾،\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .","vol":"1","page":70},{"text":"ويدعون عيسى ابن مريم وأمه، وقد قال الله تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾، واذكر قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاء إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ﴾، وقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ﴾ فقل له: أعرفتَ أن الله كفَّر من قصد الأصنام، وكفَّر أيضًا من قصد الصالحين، وقاتلهم، رسول الله ﷺ.\n<hr><s0>\n\nنسف المؤلف شبهتهم من أصولها، لأنهم أرادوا أن يثبتوا فرقًا بين من يدعو الأصنام، ومن يدعو الصالحين. فبيَّن المؤلف-﵀ أن النكير على هذا، وعلى هذا سواء؛ لأن المقصود في الحالين هو دعاء غير الله ﷿ بصرف النظر عن المدعو، وأن المشركين الذين أنكر عليهم النبي ﷺ وقاتلهم كانوا يدعون أناسًا صالحين من الخلق؛ فمنهم من كان يدعو الأولياء والصالحين كما قال الله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ [الإسراء: ٥٧] يعني أن أولئك المدعوين، الذين يتخذونهم شفعاء، هم، أنفسهم، يتنافسون في التقرب إلى الله، ويرجون رحمته، ويخافون عذابه. فإذا كان هذا حالهم، فكيف تخالفونهم وتفعلوا غير فعلهم؟ كان الأجدر بكم أن تكونوا مثلهم؛ ترجون رحمته، وتخافون عذابه.\nوالمقصود أن الكفار الأولين، كانوا يدعون قومًا صالحين. ويدعون المسيح ابن مريم وأمه، فأعظم الله عليهم النكير وقال: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ","vol":"1","page":71},{"text":"كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٧٥) قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [المائدة: ٧٥، ٧٦]، ويدعون الملائكة الكرام لهذا يقول الله للملائكة يوم القيامة، ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ﴾ [سبأ: ٤٠، ٤١]، فدل ذلك على أن المشركين السابقين، كانوا يدعون قومًا صالحين، كالملائكة، وعيسى، وأمه، فسقطت حجة المشركين المعاصرين.\nفلما كشف المؤلف شبهتهم قال: (فقل له: أعرفتَ أن الله كفَّر من قصد الأصنام، وكفَّر أيضًا من قصد الصالحين، وقاتلهم، رسول الله ﷺ، فإن كان المخالف منصفًا فسيقول: عرفتُ. وهذا هو مقتضى العقل والإنصاف، إلا أن تأخذه العزة بالإثم، واتباع الهوى.","vol":"1","page":72},{"text":"<span data-type='title' id=toc-12>الشبهة الثالثة</span>\nقال المؤلف -رحمه الله تعالى-:\n(فإن قال: الكفار يريدون منهم: وأنا أشهد أن الله هو النافع الضار، المدبر، لا أريد إلا منه، والصالحون ليس لهم من الأمر شيء، ولكن أقصدهم أرجو من الله شفاعتهم.\nفالجواب: أن هذا قول الكفار سواء بسواءٍ، فاقرأ عليه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾، وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللّهِ﴾.\nواعلم أن هذه الشبه الثلاث هي أكبر ما عندهم، فإذا عرفت أن الله وضحها في كتابه، وفهمتها فهمًا جيدًا فما بعدها أيسر منها).\n<hr><s0>\n\nقوله: (الكفار): أي الذين بعث فيهم النبي ﷺ.\nقوله: (يريدون منهم): يعني يريدون من أولئك الصالحين، مباشرة.\nقوله: (وأنا أشهد أن الله هو النافع الضار): رجع إلى التذرع بتوحيد الربوبية.","vol":"1","page":73},{"text":"قوله: (والصالحون ليس لهم من الأمر شيء ولكن أقصدهم أرجو من الله شفاعتهم): لاحظ هذا إقرار منه بحصول القصد، وطلب الشفاعة منهم.\nفبين المؤلف-﵀: أنه لا فرق بين مقالته ومقالة المشركين الأولين، الذين كانوا يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]، وقد حكم الله عليهم بالشرك، وأنكر عليهم قولهم: ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨]. فهذا عين ما وقع منك؛ توجهتَ إلى قبة زيد بن الخطاب ﵁، أو مشهد الحسين، أو قبر عبد القادر الجيلاني، أو مقام السيد البدوي، أو الدسوقي، أو غيرهم من أهل الصلاح، وصرتَ تدعوهم من دون الله ﷿، وتطلبَ منهم المدد، والفرج، وكشف الكربات، وقضاء الحاجات، وعلقتَ قلبك بهم. هذا عين الشرك الذي بعث الله تعالى أنبياءه ورسله بدفعه.\nتجد من نشأ على هذا، وأشرب قلبُه حبَّه، إذا وقع في كربة، نادى في غيبة من مدعوِّه، قائلًا: مدد يا سيد! يطلب المدد من ولي مغيب في قبره منذ قرون، لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا، فضلا عن أن يملك لغيره. يدعوه على بعد المسافات، دعاء عبادة، من دون الله.\nلو طلب من إنسانٍ حاضرٍ، قادرٍ، المدد والمساعدة، ما أنكرنا عليه ذلك، لكنه يطلب غائبًا، غير قادر، لا يملك له نفعًا ولا ضرًا.\nوتذهب بعض النساء اللواتي تأخر حملهن، ويطفن ببعض هذه القبور ويسألن الولد!. كان يوجد في بلاد نجد، في زمن المؤلف ﵀ فحل نخل تطوف به المرأة، وتطلب منه الزوج، قائلة: يا فحل الفحول، ابغني زوجًا قبل الحول!\nوكانوا يصنعون أمورًا شركية، عند قبة زيد بن الخطاب، التي كانت","vol":"1","page":74},{"text":"بموضع في اليمامة؛ كانوا يذبحون عندها، ويقدمون النذور، حتى قام المؤلف ﵀ بهدمها، وقضى على كثير من مظاهر الشرك. (^١)\nفينبغي لكل طالب علم موحد، أن يعرف هذه الشبهات، ويعرف كشفها. ومدار الجواب عنها أنه لا فرق أبدًا بين دعوى المشركين المعاصرين، ودعوى المشركين السابقين، فإن المشركين الأوائل مقرون، مثلكم، بتوحيد الربوبية، وأنه، سبحانه، الخالق، المالك، المدبر، النافع، الضار، وأن من سوى الله لا يملك من الأمر شيئًا، ولكنهم يعتقدون في أوليائهم، ومن يشركون بهم، أن لهم منزلة تسوِّغ دعوتهم من دون الله. فلا فرق بين هؤلاء وهؤلاء. والواجب توحيد رب العالمين كما قال: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨].\n_________\n(^١) انظر في ذلك: مقدمة تاريخ ابن غنام: (روضة الأفكار والأفهام، لمرتاد حال الإمام، وتعداد غزوات ذوي الإسلام)","vol":"1","page":75},{"text":"<span data-type='title' id=toc-13>الشبهة الرابعة</span>\nقال المؤلف -رحمه الله تعالى-:\n(فإن قال: أنا لا أعبد إلا الله! وهذا الالتجاء إليهم، ودعاؤهم ليس بعبادةٍ.\nفقل له: أنت تقر أن الله فرض عليك إخلاص العبادة، وهو حقه عليك؟\nفإذا قال: نعم.\nفقل له: بيِّن لي هذا الذي فرضه الله عليك، وهو إخلاص العبادة، وهو حقه عليك. فإنه لا يعرف العبادة، ولا أنواعها، فبيِّنها له بقولك: قال الله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾، فإذا أعلمته بهذا، فقل له: هل هو عبادة لله تعالى؟ فلا بد أن يقول: نعم، والدعاء من العبادة، فقل له: إذا أقررت أنها عبادة لله، ودعوت الله ليلًا ونهارًا، خوفًا وطمعًا، ثم دعوت في تلك الحاجة نبيًا، أو غيره، هل أشركت في عبادة الله غيره؟ فلا بد أن يقول: نعم.\nفقل له: قال الله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾، فإذا أطعت الله، ونحرت له، هل هذه عبادة؟ فلا بد أن يقول: نعم.\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .","vol":"1","page":76},{"text":"فقل له: إذا نحرت لمخلوق؛ نبي، أو جني، أو غيرهما، هل أشركت في هذه العبادة غير الله؟ فلا بد أن يقول: نعم.\nوقل له أيضًا: المشركون الذين نزل فيهم القرآن، هل كانوا يعبدون الملائكة، والصالحين، واللات، وغير ذلك؟ فلا بد أن يقول: نعم.\nفقل له: وهل كانت عبادتهم إياهم إلا في الدعاء، والذبح، والالتجاء، ونحو ذلك، وإلا فهم مقرون أنهم عبيده، وتحت قهر الله، وأن الله هو الذي يدبر الأمر، ولكن دعوهم، والتجئووا إليهم، للجاه، والشفاعة، وهذا ظاهر جدا.)\n<hr><s0>\n\nلا مزيد على ما قرر المؤلف، ﵀، في هذه القطعة، من الأدلة القاطعة، والحجج الدامغة، بأسلوب الحوار المقنع، والإلزام المنطقي. فينبغي لطالب العلم أن يمرن نفسه على السجال، وأساليب الحوار، وقواعد المناظرة والجدال، لمقارعة المخالفين، وتفنيد الشبهات، بتصور ما يوردونه مما هو ناتج عن جهل، أو هوى، وإلزامهم باللوازم التي لا محيد عنها.","vol":"1","page":77},{"text":"<span data-type='title' id=toc-14>الشبهة الخامسة</span>\nقال المؤلف -رحمه الله تعالى-:\n(فإن قال: أتنكر شفاعة رسول الله، وتبرأ منها؟ فقل: لا أنكرها، ولا أتبرأ منها، بل هو ﷺ الشافع، والمشفع، وأرجو شفاعته، ولكن الشفاعة كلها لله، كما قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعا﴾، ولا تكون إلا بعد إذن الله، كما قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾، ولا يُشفع في أحد إلا بعد أن يأذن الله فيه، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾، وهو لا يرضى إلا التوحيد، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾، فإذا كانت الشفاعة كلها لله، ولا تكون إلا بعد إذنه، ولا يشفع النبي ﷺ، ولا غيره في أحدٍ حتى يأذن الله فيه، ولا يأذن إلا لأهل التوحيد، تبين أن الشفاعة كلها لله، وأطلبها منه، فأقول: اللهم لا تحرمني شفاعته، اللهم شفعه في، وأمثال هذا).\n<hr><s0>\n\nهذه من الشبة المشهورة التي يحتج بها هؤلاء المشركون، فيقولون: ألا تثبتون شفاعة النبي ﷺ؟ لماذا تنكرون علينا أن نقول: يا رسول الله اشفع لنا عند ربك؟ لماذا تعيبون علينا أن ندعو النبي ﷺ أن","vol":"1","page":78},{"text":"يشفع لنا عند ربه؟ ويجلبون بخيلهم، ورجلهم، ويشغبون بهذا الكلام على دعاة التوحيد، ويصورونهم وكأنما هم مبغضين للنبي ﷺ! وما ذاك إلا ضرب من التهويش والإثارة. ولكن عند النظرة المطمئنة يتبين الحق:\nفأهل التوحيد المحض، يثبتون شفاعة النبي ﷺ بالكتاب والسنة، فقد قال تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]، وهي الشفاعة العظمى. وفي الصحيح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ القِيَامَةِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَنْ لَا يَسْأَلُنِي عَنْ هَذَا الحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ، لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الحَدِيثِ. أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ، مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ، أَوْ نَفْسِهِ) (^١)،\nفنحن لا ننكرها ولا نبرأ منها بل نرجوها، ونطلبها، فإنه ﷺ في عقيدتنا الشافع المشفع، لكن غاب عنكم أن ﴿الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٤٤]، فنحن نطلبها من مالكها، وهو الله ﷿، ولا نطلبها ممن لا يملكها، كما قال: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ﴾ [الزخرف: ٨٦]. فنقول: اللهم شفع فينا نبيك، ولا نقول: يا رسول الله! اشفع لنا عند ربك، وقد مات. لو كان ذلك في حياته لساغ، لأن شفاعته في حياته دعاؤه لنا، وكذلك تطلب منه يوم المحشر، لأنه حي حاضر. أما وقد واراه الثرى، وغاب عن المخاطب، فلا يجوز أن يدعى، ويقال: يا رسول الله! بل تطلب من الله ﷿، كما عبر المؤلف ﵀ بمثل هذه العبارات: اللهم لا تحرمني شفاعته، اللهم شفِّعه فيَّ، وأمثال ذلك.\nوسر الأمر أن نفقه معنى قول الله، ﷿: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٤٤]،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري رقم (٩٩).","vol":"1","page":79},{"text":"فلا تكون كذلك، إلا بشرطين: إذن الله للشافع أن يشفع، ورضاه عن المشفوع له. فلا يمكن لأحد أن يشفع إلا من بعد إذنه، كما قال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، ولا يقبل سبحانه شفاعة في أحد إلا أن يكون المشفوع له مرضيًا عنده، كما قال: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]. وقد جمع الله تعالى بين الشرطين في آية النجم فقال: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦].\nفإذا كانت الشفاعة كلها لله، فإنها تطلب منه سبحانه. ولهذا أبطل ربنا -سبحانه وبحمده- جميع متعلقات المشركين بغيره، فقال سبحانه: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٢ - ٢٣]، فهذه أربع مراتب:\n١ - ﴿لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾، فمن تدعونهم من دون الله لا يملكون استقلالًا.\n٢ - ﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ﴾، ولا يملكون مشاركة.\n٣ - ﴿وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾، ولا يملكون معاونةً، كشأن الوزراء، والأعوان، الذين لا يستغني عنهم السلطان.\n٤ - ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾، ولا يملكون الشفاعة، التي يستطيلون بها على ذي السلطان، لأن الشفاعة لا تنفع إلا لمن أذن له. فما بقي شيء يتعلقون به. فما دام أن الأمر كله بيد الله ﷿ فعلام التعويل على غيره؟ بهذا محق الله ﷿، جميع متعلقات المشركين.\nفتبين أن الشفاعة عند الله، ﷿، ليست كالشفاعة عند ملوك الدنيا. الشفاعة عند ملوك الدنيا تقع إما رغبة، أو رهبة؛ يفاجأ السلطان، أو","vol":"1","page":80},{"text":"الأمير، بداخل يدخل عليه قائلًا: اقبل شفاعتي في فلان! اعف عنه! أعطه كذا! دون ترتيب وإذن سابق. فقد يستجيب السلطان لهذا الشافع رغبة، أو رهبة؛ إما رغبة في استمالته، ليتخذ يدًا عنده، أو رهبة من شره، لو رد شفاعته، فيخشى أن ينتقض عليه. وربما كان ساخطًا على المشفوع فيه. لكن الله ﷿، لا يستكثر بنا من قلة، ولا يستعز بنا من ذلة، هو الغني الحميد، سبحانه وبحمده.\nفإن قال قائل: ما دام الأمر كذلك فما فائدة الشفاعة؟ لم جعل الله تعالى لنبيه، ولغيره من النبيين، والشهداء، والصالحين، الشفاعة، وهي كلها له؟ فالجواب عن هذا أن يقال: إن ذلك لإظهار كرامة الشافع، وبيان منزلته عند الله، ﷿، على رؤوس الخلائق، فتكون له حظوة، ومنزلة، وكرامة، عند الله تعالى.","vol":"1","page":81},{"text":"قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:\n(فإن قال: النبي ﷺ أعطي الشفاعة، وأنا أطلبه مما أعطاه الله، فالجواب: أن الله أعطاه الشفاعة، ونهاك عن هذا، وقال تعالى: ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾، وطلبك من الله شفاعة نبيه ﷺ عبادة، والله نهاك أن تشرك في هذه العبادة أحدًا، فإذا كنت تدعو الله أن يشفعه فيك، فأطعه في قوله: ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾، وأيضًا، فإن الشفاعة أُعطيها غيرُ النبي، فصح أن الملائكة يشفعون، والأفراط يشفعون، والأولياء يشفعون، أتقول: إن الله أعطاهم الشفاعة، فأطلبها منهم؟ فإن قلت هذا، رجعت إلى عبادة الصالحين التي ذكرها الله في كتابه، وإن قلت لا، بطل قولك: أعطاه الله الشفاعة، وأنا أطلبه مما أعطاه الله).\nهذا جواب مفحم سديد، ليس عليه مزيد. فقد أبطل شبهته من جهتين:\nإحداهما: أن طلب الشفاعة منه ﷺ، دعاء، والدعاء عبادة، ودعاء غير الله شرك.\nالثانية: أن الله تعالى أعطى الشفاعة لغير نبيه ﷺ، فهل يستجيز المخالف طلبها منهم؟\nوبهذا يتبين أن هذه الشبهات التي يتذرع بها، ويشبه بها دعاة الشرك، أوهى من بيت العنكبوت، ولكنها تبدو للوهلة الأولى منتفشة في","vol":"1","page":82},{"text":"زخرف من القول، تشوش الأذهان، وتبلبل العوام. وعند البحث والنظر والتحقيق، تتلاشى وتضمحل، ويتبين مناقضتها للتوحيد الخالص. فالواجب علينا أن نحفظ سرائرنا، وقلوبنا من التعلق بغير الله الواحد القهار، فلا تلتفت لغير الله محبة، وخوفًا، وتوكلًا، ورجاء، لأنه سبحانه، هو المستحق أن يعبد وحده، وأن يتوجه إليه وحده.","vol":"1","page":83},{"text":"<span data-type='title' id=toc-15>الشبهة السادسة</span>\nقال المؤلف -رحمه الله تعالى-:\n(فإن قال: أنا لا أشرك بالله شيئًا، حاشا وكلا! ولكن الالتجاء إلى الصالحين ليس بشرك، فقل له: إذا كنت تقر أن الله حرم الشرك أعظم من تحريم الزنا، وتقر أن الله لا يغفره، فما هذا الأمر الذي عظمه الله، وذكر أنه لا يغفره؟ فإنه لا يدري، فقل له: كيف تبرئ نفسك من الشرك وأنت لا تعرفه؟! كيف يحرم الله عليك هذا، ويذكر أنه لا يغفره، ولا تسأل عنه، ولا تعرفه؟! أتظن أن الله ﷿ يحرمه، ولا يبينه لنا).\n<hr><s0>\n\nكما أن هؤلاء المشركين لا يحسنون معرفة العبادة، ولا يدركون حقيقتها، فهم أيضًا لا يعرفون الشرك. فإذا سئل أحدهم عن الشرك، فقد يقر بأنه لا يدري، فيقال له: كيف تُبرئ نفسك من شيء لا تعرفه؟ كان الأجدر بك أن تعرفه لئلا تقع فيه. وكيف تسوِّغ لنفسك الجهل به مع عظيم خطره؟ هل تظن أن الله تعالى يغلِّظ تحريم أمر من الأمور، ولا يبينه غاية البيان؟! لابد أن يكون ذلك المحرم من الوضوح بمكان، بحيث لا يلتبس على كائنٍ من كان.","vol":"1","page":84},{"text":"<span data-type='title' id=toc-16>الشبهة السابعة</span>\nقال المؤلف -رحمه الله تعالى-:\n(فإن قال: الشرك عبادة الأصنام، ونحن لا نعبد الأصنام. فقل له: ما معنى عبادة الأصنام؟ أتظن أنهم يعتقدون أن تلك الأحجار، والأخشاب، تخلق، وترزق، وتدبر أمر من دعاها؟ فهذا يكذبه القرآن.\nفإن قال: إنهم يقصدون خشبة، أو حجرًا، أو بَنِيَّةً على قبر، أو غيره، يدعون ذلك، ويذبحون له، ويقولون: إنه يقربنا إلى الله زلفى، ويدفع عنا الله ببركته، ويعطينا ببركته.\nفقل: صدقت، وهذا هو فعلكم عند الأحجار، والبِنَا الذي على القبور وغيرها، فهذا أقرَّ أن فعلهم هذا هو عبادة الأصنام، وهو المطلوب).\n<hr><s0>\n\nهذا تحرير، وتمحيص لمعنى عبادة الأصنام، التي يبرئ المشبِّه نفسه منها، بدعوى أنه لم يتخذ صنمًا، أو نصبًا، أو ثنًا، يركع له ويسجد من دون الله. فبين المؤلف، أن مشركي العرب الذين قاتلهم النبي ﷺ ما كانوا يعتقدون أن هذه الأحجار، والأشجار، والمباني وغيرها، أنها تخلق وترزق وتدبر. فهذا المعنى يكذبه القرآن، فالقرآن","vol":"1","page":85},{"text":"يثبت أن المشركين ينسبون الخلق، والرزق، والتدبير، إلى الله ﷿.\nوإن أقرَّ أن عبادة الأصنام: أن يقصدها يدعوها، ويذبح لها، ويدعي إنها تقربه إلى الله زلفى، وأن الله يدفع عنه ببركتها، أو يعطيه ببركتها، فقد أصاب كبد الحقيقة، ووصف الشرك حقًا، وأقر على نفسه أنه يفعل الشرك الذي فعله الأولون.","vol":"1","page":86},{"text":"قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:\n(وأيضًا قولك: \"الشرك عبادة الأصنام\"، هل مرادك أن الشرك مخصوص بهذا، وأن الاعتماد على الصالحين، ودعاءهم، لا يدخل في ذلك؟ فهذا يرده ما ذكر الله تعالى في كتابه من كفر من تعلَّق على الملائكة، أو عيسى، أو الصالحين. فلا بد أن يقر لك أن من أشرك في عبادة الله أحدًا من الصالحين، فهو الشرك المذكور في القرآن. وهذا هو المطلوب).\n<hr><s0>\n\nبل إن الشرك في دعاء غير الله، من هؤلاء الصالحين، أبين؛ فإن الذي يتوجه إليهم، ويتضرع لهم، ويرجوهم، ويتوكل عليهم، ويقول: أنا في حسبك، قد وقع في الشرك الأعظم بصفة أبين ممن أطاف بصنم، أو سجد له، دون أن يدعوه؛ فإن الأول قد أتى بحقيقة العبادة، والثاني أتى بصورتها، لأن الدعاء هو العبادة. فأجلى ما تتمظهر به العبادة هو الدعاء ولهذا قال ربنا ﷿: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ [غافر: ٦٠]، فسمى الله الدعاء عبادة. فالشرك لا ينحصر بصورة واحدة، بل له عدة صور. ومنها ما رواه عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، ﵁ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ، وَفِي عُنُقِي صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ، قَالَ: فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: \" ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ﴾ \"، قَالَ: قُلْتَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهُمْ قَالَ: \" أَجَلْ، وَلَكِنْ يُحِلُّونَ لَهُمْ مَا حَرَّمَ اللهُ","vol":"1","page":87},{"text":"فَيَسْتَحِلُّونَهُ، وَيُحَرِّمُونَ عَلَيْهِمْ مَا أَحَلَّ اللهُ فَيُحَرِّمُونَهُ، فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ لَهُمْ) (^١).\nفينبغي أن تتسع المدارك لحقيقة الشرك، وأن يعلم الإنسان أن صور العبادة لا تنحصر في الركوع أو السجود للأصنام، بل كل عبادة صرفت لغير الله، فهي شرك أكبر.\n- سواء كانت عبادة قلبية: كالمحبة، والخوف، والرجاء، والتوكل، والاستعانة، والاستغاثة وغير ذلك، مما لا ينبغي إلا لله، وفيما لا يقدر عليه إلا الله.\n- أو كانت عبادة لسانية: كالدعاء، والاستعاذة، والاستغاثة.\n- أو كانت عبادة بدنية: كالركوع، والسجود، والطواف.\n- أو كانت عبادة مالية: كالذبح، والنذر. فإن صرف ذلك لغير الله شرك أكبر.\nلو أن إنسانا حلق رأسه تعظيمًا لفلان من الناس، فقد وقع في الشرك الأكبر! لأن حلق الرأس عبادة ونسك، كما لو دعا ذلك الشخص من دون الله، ﷿.\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي رقم (٣٠٩٥).","vol":"1","page":88},{"text":"قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:\n(وسر المسألة أنه إذا قال: أنا لا أشرك بالله، فقل له: وما الشرك بالله؟ فسره لي. فإن قال: هو عبادة الأصنام، فقل له: وما عبادة الأصنام؟ فسرها لي. وإن قال أنا لا أعبد إلا الله، فقل: ما معنى عبادة الله؟ فسرها لي. فإن فسرها بما بينته فهو المطلوب، وإن لم يعرفه، فكيف يدَّعي شيئًا وهو لا يعرفه؟! وإن فسره بغير معناه بينت له الآيات الواضحات في معنى الشرك بالله، وعبادة الأوثان، أنه الذي يفعلون في هذا الزمان بعينه، وأن عبادة الله وحده، لا شريك له، هي التي ينكرون علينا، ويصيحون منه، كما صاح إخوانهم، حيث قالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾).\n<hr><s0>\n\nكرر المؤلف ﵀-في هذه القطعة ما تقدم من الكشف عن حال كثير من هؤلاء المعاندين، والمغالطين؛ وأنه لا يخلو من ثلاث أحوال:\n- إما أن يكون عارفًا بمعناها، فذاك هو المطلوب، وقد قامت عليه الحجة.\n- وإما أن لا يعرف حقيقة الشرك، ولا حقيقة العبادة، فكيف ينافح عما يجهل؟!\n- وإما أن يفسرها بغير معناها، فالواجب تعريفه، وإقامة الحجة عليه.","vol":"1","page":89},{"text":"ولابد لدعاة التوحيد أن يستصحبوا النصح والشفقة للمدعوين، لأن منهم من يكون جاهلًا غُرر به، وسُقي هذه الأباطيل منذ نعومة أظفاره، ففتح عينيه، وأذنيه، على هذه المشاهد والممارسات، ولو أتيح له أن يسمع الحق واضحًا جليًا لكان أسرع الناس إليه. فينبغي التحلي بروح الرحمة والشفقة على هؤلاء، حتى لاستنقاذهم، وإخراجهم من الظلمات إلى النور، ليحي من حي عن بينة، ويهلك من هلك عن بينة. ولنا في رسول الله ﷺ أسوة حسنة: فعن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ، كَانَ يُصَلِّي عِنْدَ البَيْتِ، وَأَبُو جَهْلٍ، وَأَصْحَابٌ لَهُ جُلُوسٌ، إِذْ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: أَيُّكُمْ يَجِيءُ بِسَلَى جَزُورِ بَنِي فُلَانٍ، فَيَضَعُهُ عَلَى ظَهْرِ مُحَمَّدٍ إِذَا سَجَدَ؟ فَانْبَعَثَ أَشْقَى القَوْمِ، فَجَاءَ بِهِ، فَنَظَرَ، حَتَّى سَجَدَ النَّبِيُّ ﷺ، وَضَعَهُ عَلَى ظَهْرِهِ، بَيْنَ كَتِفَيْهِ، وَأَنَا أَنْظُرُ لَا أُغْنِي شَيْئًا، لَوْ كَانَ لِي مَنَعَةٌ، قَالَ: فَجَعَلُوا يَضْحَكُونَ، وَيُحِيلُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَاجِدٌ لَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ، حَتَّى جَاءَتْهُ فَاطِمَةُ، فَطَرَحَتْ عَنْ ظَهْرِهِ) (^١).\nوعن عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، يَا رَسُولَ اللهِ، هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ؟ فَقَالَ: \"لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ، وَكَانَ أَشَدَّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ الْعَقَبَةِ، إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ، فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ، فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي، فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلَّا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي، فَنَظَرْتُ، فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ، فَنَادَانِي، فَقَالَ: إِنَّ اللهَ ﷿ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وَمَا رُدُّوا عَلَيْكَ، وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري رقم (٢٤٠)، ومسلم رقم (١٧٩٤).","vol":"1","page":90},{"text":"قَالَ: فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ، وَسَلَّمَ عَلَيَّ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ اللهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وَأَنَا مَلَكُ الْجِبَالِ، وَقَدْ بَعَثَنِي رَبُّكَ إِلَيْكَ لِتَأْمُرَنِي بِأَمْرِكَ، فَمَا شِئْتَ؟ إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمُ الْأَخْشَبَيْنِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا) (^١).\nولهذا فإني أدعو إخواني - وفقهم الله - إذا قُدِّر لهم أن يواجهوا أمثال هؤلاء مواجهة مباشرة، أو عن طريق الوسائل الإعلامية، أن يستصحبوا روح الشفقة والرحمة في أول الأمر، فلعل الله ﷿ أن يستنقذ بهم من شاء من النار. فأما إذا تمحض الإنسان لبدعته، وشركه، فلا، ولا كرامة! وليس أهلا للرحمة، ولا للشفقة. لأن الإنسان مطالب أن يبرأ من كل من عادى الله ورسوله. وأعظم الظلم الشرك بالله ﷿. قال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: ٤].\nفينبغي للمؤمن أن يستفرغ جهده، ووسعه، في هداية العباد، فإن أبى من أبى، وأصر من أصر، فحينئذ يمحض العداوة له، لأنه صار عدوًا لله رب العالمين،\nوهكذا كان أصحاب نبينا ﷺ يدعون الناس، ويجتهدون في هدايتهم، ودلالاتهم، فإن هم أبوا، لم يجدوا لهم مودة، مهما كان الحال. قال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري رقم (٣٢٣١)، ومسلم رقم (١٧٩٥).","vol":"1","page":91},{"text":"أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: ٢٢]، مثال ذلك: أم المؤمنين، أم حبيبة، رملة بنت أبي سفيان، ﵂، لما قدم عليها أبو سفيان، وكان إذ ذاك مشركًا، لتوثيق عقد صلح الحديبية، بعد أن أخفرته قريش وبكر، بقتل خزاعة، قال ابن كثير، ﵀: خَرَجَ أَبُو سُفْيَانَ حَتَّى قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَة، فَدَخَلَ عَلَى ابْنَتِهِ أُمِّ حَبِيبَةَ، فَلَمَّا ذَهَبَ لِيَجْلِسَ عَلَى فِرَاشِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ طَوَتْهُ، فَقَالَ: يَا بُنَيَّةُ مَا أَدْرِي أَرَغِبْتِ بِي عَنْ هَذَا الْفِرَاشِ، أَوْ رَغِبْتِ بِهِ عَنِّي؟ فَقَالَتْ: هُوَ فِرَاشِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَأَنْتَ مُشْرِكٌ نَجِسٌ، فَلَمْ أُحِبَّ أَنْ تَجْلِسَ عَلَى فِرَاشِهِ. فَقَالَ: يَا بُنَيَّةُ! وَاللَّهِ لَقَدْ أَصَابَكِ بَعْدِي شَرّ!) (^١). ولا والله، ما أصابها بعده إلا الخير، والإيمان، والتقى، والتوحيد. ثم إن الله ﷾ منَّ عليه فأسلم.\n_________\n(^١) السيرة النبوية لابن كثير (٣/ ٥٣٠)","vol":"1","page":92},{"text":"<span data-type='title' id=toc-17>الشبهة الثامنة</span>\nقال المؤلف -رحمه الله تعالى-:\nفإن قال: إنهم لم يكفروا بدعاء الملائكة، والأنبياء، وإنما كفروا لما قالوا: الملائكة بنات الله. ونحن لم نقل: إن عبد القادر، ولا غيره، ابن الله. فالجواب: إن نسبة الولد إلى الله تعالى كفر مستقل؛ قال الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ﴾، والأحد: الذي لا نظير له، والصمد: المقصود في الحوائج. فمن جحد هذا فقد كفر، ولو لم يجحد آخر السورة. ثم قال تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾، فمن جحد هذا فقد كفر، ولو لم يجحد أول السورة. وقال تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ﴾، ففرَّق بين النوعين، وجعل كلًا منهما كفرًا مستقلًا. وقال الله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلّهِ شُرَكَاء الْجِنَّ﴾، ففرَّق بين الكفرين).\n<hr><s0>\n\nيزعم هؤلاء المشركون أن دعاء عبد القادر، وغيره، ليس شركًا، وإنما الشرك الذي حصل عند الأولين كان بزعمهم أن الملائكة بنات الله، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾ [الزخرف: ١٥]، وإنما الكفر","vol":"1","page":93},{"text":"لو قلنا: إن عبد القادر ابن الله، كما قالت النصارى: المسيح ابن الله. فأبطل المؤلف شبهتهم هذه ببيان أن الكفر أنواع، وله موارد شتى، فمن سلم من نوع، ووقع في آخر، لم يسلم من وصمة الكفر. والشرك نوع من أنواع الكفر، قال تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ [البينة: ١]، فالكفر أعم من الشرك، والشرك أحد أنواعه، كما أن كفر أهل الكتاب نوع آخر.\nقال ابن القيم، ﵀: (وَأَمَّا الْكُفْرُ الْأَكْبَرُ، فَخَمْسَةُ أَنْوَاعٍ: كُفْرُ تَكْذِيبٍ، وَكُفْرُ اسْتِكْبَارٍ وَإِبَاءٍ مَعَ التَّصْدِيقِ، وَكُفْرُ إِعْرَاضٍ، وَكُفْرُ شَكٍّ، وَكُفْرُ نِفَاقٍ.\n- فَأَمَّا كُفْرُ التَّكْذِيبِ: فَهُوَ اعْتِقَادُ كَذِبِ الرُّسُلِ، وَهَذَا الْقِسْمُ قَلِيلٌ فِي الْكُفَّارِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَيَّدَ رُسُلَهُ، وَأَعْطَاهُمْ مِنَ الْبَرَاهِينِ وَالْآيَاتِ عَلَى صِدْقِهِمْ مَا أَقَامَ بِهِ الْحُجَّةَ، وَأَزَالَ بِهِ الْمَعْذِرَةَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤]، وَقَالَ لِرَسُولِهِ ﷺ ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣]. وَإِنَّ سُمِّيَ هَذَا كُفْرَ تَكْذِيبٍ أَيْضًا فَصَحِيحٌ، إِذْ هُوَ تَكْذِيبٌ بِاللِّسَانِ.\n- وَأَمَّا كُفْرُ الْإِبَاءِ وَالِاسْتِكْبَارِ: فَنَحْوُ كُفْرِ إِبْلِيسَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَجْحَدْ أَمْرَ اللَّهِ وَلَا قَابَلَهُ بِالْإِنْكَارِ، وَإِنَّمَا تَلَقَّاهُ بِالْإِبَاءِ وَالِاسْتِكْبَارِ، وَمِنْ هَذَا كُفْرُ مَنْ عَرَفَ صِدْقَ الرَّسُولِ، وَأَنَّهُ جَاءَ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَلَمْ يَنْقَدْ لَهُ إِبَاءً وَاسْتِكْبَارًا، وَهُوَ الْغَالِبُ عَلَى كُفْرِ أَعْدَاءِ الرُّسُلِ، كَمَا حَكَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٧]، وَقَوْلِ الْأُمَمِ لِرُسُلِهِمْ: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ [إبراهيم: ١٠] وَقَوْلِهِ:","vol":"1","page":94},{"text":"﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا﴾ [الشمس: ١١]. وَهُوَ كُفْرُ الْيَهُودِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩] وَقَالَ: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦]، وَهُوَ كُفْرُ أَبِي طَالِبٍ أَيْضًا، فَإِنَّهُ صَدَّقَهُ، وَلَمْ يَشُكَّ فِي صِدْقِهِ، وَلَكِنْ أَخَذَتْهُ الْحَمِيَّةُ، وَتَعْظِيمُ آبَائِهِ أَنْ يَرْغَبَ عَنْ مِلَّتِهِمْ، وَيَشْهَدَ عَلَيْهِمْ بِالْكُفْرِ.\n- وَأَمَّا كُفْرُ الْإِعْرَاضِ: فَأَنْ يُعْرِضَ بِسَمْعِهِ وَقَلْبِهِ عَنِ الرَّسُولِ، لَا يُصَدِّقُهُ وَلَا يُكَذِّبُهُ، وَلَا يُوَالِيهِ وَلَا يُعَادِيهِ، وَلَا يُصْغِي إِلَى مَا جَاءَ بِهِ الْبَتَّةَ، كَمَا قَالَ أَحَدُ بَنِي عَبْدِ يَالِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: وَاللَّهِ أَقُولُ لَكَ كَلِمَةً: إِنْ كُنْتَ صَادِقًا، فَأَنْتَ أَجَلُّ فِي عَيْنِي مِنْ أَنْ أَرُدَّ عَلَيْكَ، وَإِنْ كُنْتَ كَاذِبًا، فَأَنْتَ أَحْقَرُ مِنْ أَنْ أُكَلِّمَكَ.\n- وَأَمَّا كُفْرُ الشَّكِّ: فَإِنَّهُ لَا يَجْزِمُ بِصِدْقِهِ وَلَا يُكَذِّبُهُ، بَلْ يَشُكُّ فِي أَمْرِهِ، وَهَذَا لَا يَسْتَمِرُّ شَكُّهُ إِلَّا إِذَا أَلْزَمَ نَفْسَهُ الْإِعْرَاضَ عَنِ النَّظَرِ فِي آيَاتِ صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ جُمْلَةً، فَلَا يَسْمَعُهَا، وَلَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهَا، وَأَمَّا مَعَ الْتِفَاتِهِ إِلَيْهَا، وَنَظَرِهِ فِيهَا فَإِنَّهُ لَا يَبْقَى مَعَهُ شَكٌّ، لِأَنَّهَا مُسْتَلْزِمَةٌ لِلصِّدْقِ، وَلَا سِيَّمَا بِمَجْمُوعِهَا، فَإِنَّ دَلَالَتَهَا عَلَى الصِّدْقِ كَدَلَالَةِ الشَّمْسِ عَلَى النَّهَارِ.\n- وَأَمَّا كُفْرُ النِّفَاقِ فَهُوَ أَنْ يُظْهِرَ بِلِسَانِهِ الْإِيمَانَ، وَيَنْطَوِيَ بِقَلْبِهِ عَلَى التَّكْذِيبِ، فَهَذَا هُوَ النِّفَاقُ الْأَكْبَرُ) (^١)\n_________\n(^١) مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (١/ ٣٤٦)","vol":"1","page":95},{"text":"قوله: (والدليل على هذا أيضًا: أن الذين كفروا بدعاء اللات، مع كونه رجلًا صالحًا؛ لم يجعلوه ابن الله، والذين كفروا بعبادة الجن، لم يجعلوهم كذلك، وكذلك العلماء أيضًا، في جميع المذاهب الأربعة؛ يذكرون في \"باب حكم المرتد\" أن المسلم إذا زعم أن لله ولدًا؛ فهو مرتد، وإن أشرك بالله فهو مرتد، فيفرِّقون بين النوعين، وهذا في غاية الوضوح).\nهذه أدلة متضافرة، متوافرة، على عدم انحصار الكفر في صورة واحدة، كما زعم المشبه. فعبَّاد اللات، والجن، وغيرهم، لم يدَّعوا فيهم البنوَّة، وعلماء الملة يذكرون في حد الردة صورًا متعددة، على سبيل التمثيل، لا الحصر، سوى دعوى البنوة.","vol":"1","page":96},{"text":"<span data-type='title' id=toc-18>الشبهة التاسعة</span>\nقال المؤلف -رحمه الله تعالى-:\n(وإن قال: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، فقل: هذا هو الحق، ولكن لا يُعبدُون، ونحن لا ننكر إلا عبادتهم مع الله، وإشراكهم معه، وإلا؛ فالواجب عليك حبهم، واتباعهم، والإقرار بكرامتهم، ولا يجحد كرامات الأولياء إلا أهل البدع والضلالات، ودين الله وسط بين طرفين، وهدى بين ضلالتين، وحق بين باطلين).\n<hr><s0>\n\nهذا مسلك من مسالك الشغب التي يهوش بها هؤلاء القبوريون على الموحدين، ويضلون أتباعهم من السذّج المغفلين، فيتهمون أهل التوحيد بأنهم لا يحبون الصالحين، ولا يحبون النبي ﷺ! والغِر الساذج، إذا قيل له هذا الكلام، شعر بالتغيظ والغضب. فيهيجونهم بمثل هذه المزاعم والتهم على دعاة التوحيد. فيجب على أهل السنة والتوحيد أن يدفعوا هذه الشائنة عنهم، ويقطعوا الطريق على هؤلاء المضلين، وأن يظهروا محبتهم للنبي ﷺ وأنهم أولى الناس به، ويظهروا محبتهم للصالحين، وإثبات كراماتهم، وبيان أن محبتهم الحقيقية تكون بالتأسي بهم، واتباعهم. وبهذا يقلب الأمر عليهم.","vol":"1","page":97},{"text":"قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:\n(فإذا عرفت أن هذا الذي يسميه المشركون في زماننا \"الاعتقاد\"، هو الشرك الذي أنزل فيه القرآن، وقاتل رسول الله ﷺ الناس عليه، فاعلم أن شرك الأولين أخف من شرك أهل وقتنا بأمرين:\nأحدهما: أن الأولين لا يشركون، ولا يدعون الملائكة، أو الأولياء أو الأوثان، مع الله، إلا في الرخاء، وأما في الشدة فيخلصون الدين لله، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ﴾، وقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُكُم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللّهِ تَدْعُونَ﴾، إلى قوله: ﴿مَا تُشْرِكُونَ﴾، وقوله: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَّوْجٌ كَالظُّلَلِ﴾ الآية.\nفمن فهم هذه المسألة التي وضحها الله في كتابه، وهي أن المشركين الذين قاتلهم رسول الله يدعون الله، ويدعون غيره في الرخاء، وأما في الشدة، فلا يدعون إلا الله وحده، وينسون ساداتهم، تبين له الفرق بين شرك أهل زماننا، وشرك الأولين، ولكن أين من يفهم قلبُه هذه المسألة فهمًا راسخًا؟ والله المستعان).\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .","vol":"1","page":98},{"text":"ذكر المؤلف، ﵀، هذين الوجهين، في القاعدة الرابعة من \"القواعد الأربع\"، في بيان أن شرك المتأخرين أغلظ من شرك المتقدمين. وهذا الوجه مشاهد لدى الرافضة والقبوريين، فتسمعهم يهتفون في المآزق، ويصيحون: يا علي! يا حسين! يا زهراء! يا سيد!","vol":"1","page":99},{"text":"قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:\n(والأمر الثاني: أن الأولين يدعون مع الله أناسًا مقربين عند الله؛ إما أنبياء، وإما أولياء، وإما ملائكة، أو يدعون أحجارًا، وأشجارًا مطيعة لله تعالى، ليست بعاصية. وأهل زماننا يدعون مع الله أناسًا من أفسق الناس، والذين يدعونهم هم الذين يحكون عنهم الفجور؛ من الزنا، والسرقة، وترك الصلاة، وغير ذلك. والذي يعتقد في الصالح، والذي لا يعصي؛ مثل الخشب، والحجر، أهون ممن يعتقد فيمن يشاهد فسقه، وفساده، ويشهد به).\n<hr><s0>\n\nهذا هو الوجه الثاني في المقارنة بين شرك المعاصرين، وشرك الأولين. فالأولون يصرفون ذلك الاعتقاد لقوم صالحين، لا يحفظ عنهم شيء من الفجور والشرك، أو لمخلوقات خاضعة لله، مسبحة بحمده؛ كالأشجار والأحجار. أما المشركون في زمن المؤلف ﵀ -فإنهم يصرفون هذا الاعتقاد الذي يسمونه \"كبير الاعتقاد\"، لقوم يمارسون صنوف الفسق والفجور! ومع ذلك على أعينهم غشاوة، وفي آذانهم وقر، وعلى قلوبهم أكنة. ولا شك أن من اعتقد بحجر أو شجر مطيع لله ﷿، أو رجل صالح موافق لأمر الله، مجتنب لنهيه، أهون ممن اعتقد فيمن يبارز الله تعالى بالعصيان، ويقع في الموبقات.","vol":"1","page":99},{"text":"ومن قرأ في \"طبقات الشعراني\"، وجد العجب العجاب! يترجم لأشخاص يصفهم بالولاية، ويحكي عنهم من مقارفة الموبقات، ما تقشعر له الأبدان، من اللواط، وإتيان البهائم، وشرب الخمور، ويزعم أن هذه أحوال خاصة، وأن لهم مع الله حال ليس كحال العامة، وأنه يجوز لهم ما لا يجوز لغيرهم، وأنهم تخطوا درجة التكليف، لأن الله تعالى يقول: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩]، فهم قد بلغوا درجة اليقين، فحلت له المحرمات، وسقطت عنه الواجبات! هكذا تلاعب الشيطان في عقول هؤلاء المهووسين.\nوتروج هذه الخرافات على أصحاب العقول البليدة، بسبب سدنة المشاهد والقبور، الذين يروجون للشرك ويأكلون أموال الناس بالباطل.\nحدثني بعض الإخوة السودانيين، أن شركة صينية كانت تعمل في بلاد السودان، فمات أحد أفرادها، وكان بوذيًا، أو كنفوشيسيًا، فحزن عليه أصحابه، فدفنوه، وأقاموا على قبره قبة، وزوقوها بالزخارف، كعادة الصينيين في مقابرهم. ثم لم تلبث هذه الشركة بضع سنين، حتى نفذت المشروع، ورحلت إلى بلادها. يقول محدثي: فما هي إلا سنة أو سنتان، حتى صار العامة يقصدون هذا القبر، ويطوفون به، ويتبركون بتربته، ويدعونه من دون الله، ويسمونه مقام الشيخ الصيني! تحول هذا البوذي إلى ولي! وحُدِّثت أيضًا، عن قبر كان يزار في بلاد الجزائر، فنبش لسبب من الأسباب، فلم يجدوا فيه إلا عظام كلب! وهكذا يتلاعب الشيطان بهذه العقول، ويوردها المهالك، ويوقعها في الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله ﷿.","vol":"1","page":100},{"text":"<span data-type='title' id=toc-19>الشبهة العاشرة</span>\nقال المؤلف -رحمه الله تعالى-:\n(إذا تحققت أن الذين قاتلهم رسول الله ﷺ أصح عقولًا، وأخف شركًا من هؤلاء، فاعلم أن لهؤلاء شبهة يوردونها على ما ذكرنا، وهي من أعظم شبههم، فاصغ سمعك لجوابها.\nوهي أنهم يقولون: إن الذين نزل فيهم القرآن لا يشهدون ألا إله إلا الله، ويكذبون رسول الله، وينكرون البعث، ويكذبون القرآن، ويجعلونه سحرًا، ونحن نشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ونصدق بالقرآن، ونؤمن بالبعث، ونصلي، ونصوم، فكيف تجعلوننا مثل أولئك؟\nفالجواب: أنه لا خلاف بين العلماء كلهم، أن الرجل إذا صدَّق رسول الله في شيء، وكذبه في شيء، أنه كافر لم يدخل في الإسلام.\nوكذلك إذا آمن ببعض القرآن، وجحد بعضه؛ كمن أقر بالتوحيد، وجحد وجوب الصلاة، أو أقر بالتوحيد والصلاة، وجحد وجوب الزكاة، أو أقر بهذا كله، وجحد وجوب الصوم، أو أقر بهذا كله، وجحد وجوب الحج. ولمَّا لم ينقد أناس في زمن\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .","vol":"1","page":101},{"text":"النبي ﷺ للحج، أنزل الله تعالى في حقهم: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾.\nومن أقر بهذا كله، وجحد البعث، كفر بالإجماع، وحل دمه وماله، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللّهِ وَرُسُلِهِ﴾ الآية، فإذا كان الله تعالى قد صرح في كتابه أن من آمن ببعضٍ وكفر ببعض، فهو الكافر حقًا، وأنه يستحق ما ذكر. زالت هذه الشبهة، وهذه هي التي ذكرها بعض أهل الإحساء في كتابه الذي أرسل إلينا).\n<hr><s0>\n\nهذه الشبة شبهة يتذرع بها أهل الإشراك، ويروجونها على بعض العقول الساذجة، وهو أن يقول قائلهم: إن الذين أكفرهم القرآن قوم لا يقرون بالشهادتين، ولا بالبعث، ولا بالقرآن، ويزعمون أنه سحر، ونحن نقر بذلك كله، فكيف تجعلوننا مثلهم؟!\nفأجاب المؤلف عن هذه الشبهة من وجوه متعددة:\nالوجه الأول:\nأن العلماء مجمعون على أن من آمن ببعض الكتاب، وكفر ببعض، فإنه لا ينفعه إيمانه ذلك. بل الواجب أن يصدق النبي ﷺ في كل ما جاء به، ويقبل كل ما جاء به، وليس لأحد، كائنًا من كان، أن يصطفي، وينتقي، ويختار من الدين والشرع ما يروق له، ويرفض ما لا يروق له. فلو قال قائل للنبي ﷺ: أنا أومن بكل ما جئت به، إلا كذا وكذا، فإنه","vol":"1","page":102},{"text":"لا يقبل منه إيمانًا. ولما قالت ل ثقيف، حينما دعاهم للإسلام، سألوه، مع ترك الطاغية، أن يعفيهم من الصلاة، وأن لا يكسروا أوثانهم بأيديهم، فقال ﷺ: أما كسر أوثانكم بأيديكم فسنعفيكم منه، وأما الصلاة فإنه لا خير في دين لا صلاة فيه. فقالوا: يا محمد فسنؤتيكها وإن كانت دناءة. (^١)\nفتبين أن شبهتهم ساقطة، وأنهم إذا أقروا بكل شيء، وأنكروا التوحيد، لم يغن عنهم عملهم شيئًا. وإذا كان الله قد قال لنبيه ﷺ: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥]، فكيف بمن دونه؟ فالشرك محبط لجميع الأعمال.\nفلا يغني عن الإنسان أن يؤمن ببعض الكتاب، ويكفر ببعض. قال الله ﷿: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾ [البقرة: ٨٥].\nوقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [النساء: ١٥٠، ١٥١]، وذم الله المشركين بقوله: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ [الحجر: ٩١]، أي اقسامًا، وأجزاءًا، مفرقًا، يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض.\nوقوله: (وهذه هي التي ذكرها بعض أهل الأحساء في كتابه الذي أرسله إلينا): كان المؤلف ﵀ يناظر، ويراسل، ويرد على مخالفيه،\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام (٥/ ٢٢٥).","vol":"1","page":103},{"text":"ويردون عليه. وهذا واضح لمن قرأ \"الدرر السنية\" التي ضمت مراسلات المؤلف إلى أهل زمانه، من الكبار، والعلماء، والأمراء، ويدعوهم إلى توحيد الله. وكان بعضهم علماء سوء، يردون عليه بالباطل، فأشار إلى بعض من وقع منه ذلك، من أهل الإحساء.","vol":"1","page":104},{"text":"الوجه الثاني:\nقال المؤلف -رحمه الله تعالى-:\n(ويقال: إذا كنت تقر أن من صدق الرسول ﷺ في كل شيء، وجحد وجوب الصلاة، فهو كافر، حلال الدم والمال، بالإجماع، وكذلك إذا أقر بكل شيء إلا البعث، وكذلك لو جحد وجوب صوم رمضان، وكذَّب بذلك لا يُجحد هذا، ولا تختلف المذاهب فيه، وقد نطق به القرآن كما قدمنا، فمعلوم أن التوحيد هو أعظم فريضة جاء بها النبي محمد ﷺ، وهو أعظم من الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، فكيف إذا جحد الإنسان شيئًا من هذه الأمور كفر، ولو عمل بكل ما جاء به الرسول، وإذا جحد التوحيد الذي هو دين الرسل كلهم لا يكفر؟!، سبحان الله! ما أعجب هذا الجهل!).\nحق للمؤلف له أن يعجب. لأن التوحيد أعظم مأمور به. ما عُبد الله ﷿ بأعظم من التوحيد، ولا عُصي بأعظم من الشرك. فإذا كان يقر أنه لو جحد الصلاة، أو الزكاة، أو الحج، صار كافرًا، حلال الدم والمال، فلأن يقول ذلك في التوحيد من باب أولى.","vol":"1","page":105},{"text":"الوجه الثالث:\nقال المؤلف -رحمه الله تعالى-:\n(ويقال أيضًا لهؤلاء: أصحابُ رسول الله ﷺ، قاتلوا بني حنيفة، وقد أسلموا مع النبي ﷺ، وهم يشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، ويصلون، ويؤذنون، فإن قال: إنهم يشهدون أن مسيلمة نبي، قلنا: هذا هو المطلوب، إذا كان من رفع رجلًا في رتبة النبي ﷺ، كفر، وحل ماله ودمه، ولم تنفعه الشهادتان، ولا الصلاة، فكيف بمن رفع شمسان أو يوسف (^١)، أو صحابيًا، أو نبيًا، في مرتبة جبار السماوات والأرض؟ سبحانه ما أعظم شأنه ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾).\n_________\n(^١) سئل الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ -رحمه الله تعالى-، عن هؤلاء المذكورين، فأجاب:\nفأجاب: يوسف وشمسان وتاج، أسماء أناس كفرة وطواغيت. فأما تاج: فهو من أهل الخرج، تصرف إليه النذور، ويدعى، ويعتقد فيه النفع والضر، وكان يأتي إلى أهل الدرعية من بلده الخرج لتحصيل ما له من النذور، وقد كان يخافه كثير من الناس الذين يعتقدون فيه، وله أعوان وحاشية، لا يتعرض لهم بمكروه، بل يدعى فيهم الدعاوى الكاذبة، وتنسب إليهم الحكايات القبيحة.، ومما ينسب إلى تاج، أنه أعمى ويأتي من بلده الخرج، من غير قائد يقوده.\nوأما شمسان: فالذي يظهر من رسائل إمام الدعوة ﵀ أنه لا يبعد عن العارض، وله أولاد يعتقد فيهم.\nوأما يوسف: فقد كان على قبره وثن يعتقد فيه، ويظهر أن قبره في الكويت، أو الأحساء. كما يفهم من رسائل الشيخ ﵀. فتاوى ورسائل الشيخ محمد (١/ ١٣٤).","vol":"1","page":106},{"text":"لله دره! ألهمه الله الحجة. فإن هؤلاء لما استدل عليهم المؤلف ﵀ بقتال الصحابة لبني حنيفة، الذين ناصروا مسيلمة الكذاب، وخرجوا عن دين الإسلام، زعموا أن كفرهم لكونهم اعتقدوا مسيلمة نبيًا، فقال: هذا هو المطلوب، وقلب عليهم الأمر. فإذا كان من رفع مسيلمة عن رتبته إلى مرتبة النبي ﷺ كفر، فكيف بمن رفع فلانًا وفلانًا من البشر الآدميين إلى رتبة الألوهية، أي ذلك أعظم؟ لا شك أن الثاني أعظم. فهم أولى أن يوصفوا بالشرك، ويستحقوا القتال حتى يرجعوا إلى التوحيد.","vol":"1","page":107},{"text":"الوجه الرابع:\nقال المؤلف -رحمه الله تعالى-:\n(ويقال أيضًا: الذين حرقهم علي بن أبي طالب ﵁ بالنار، كلهم يدعون الإسلام، وهم من أصحاب علي ﵁، وتعلموا العلم من الصحابة، ولكن اعتقدوا في علي مثل الاعتقاد في يوسف، وشمسان، وأمثالهما، فكيف أجمع الصحابة على قتلهم، وكفرهم؟ أتظنون الصحابة يكفرون المسلمين؟ أم تظنون أن الاعتقاد في تاجٍ وأمثاله لا يضر، والاعتقاد في علي بن أبي طالب يكفِّر؟).\nروى البخاري بسنده، عَنْ عِكْرِمَةَ، أَنَّ عَلِيًّا ﵁، حَرَّقَ قَوْمًا، فَبَلَغَ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ: لَوْ كُنْتُ أَنَا لَمْ أُحَرِّقْهُمْ، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (لَا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللَّهِ)، وَلَقَتَلْتُهُمْ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: (مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ) (^١)\nوروى الآجري بسنده، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي عُثْمَانَ قَالَ: جَاءَ نَاسٌ مِنَ الشِّيعَةِ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْتَ هُوَ؟ قَالَ: مَنْ أَنَا؟ قَالُوا: أَنْتَ هُوَ؟ قَالَ: وَيْلَكُمْ مَنْ أَنَا؟ قَالُوا: أَنْتَ رَبُّنَا. قَالَ: ارْجِعُوا فَتُوبُوا، فَأَبَوْا فَضَرَبَ أَعْنَاقَهُمْ، ثُمَّ خَدَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ أُخْدُودًا، ثُمَّ قَالَ لِقَنْبَرٍ: ائْتِنِي بِحِزَمِ الْحَطَبِ، فَأَتَاهُ بِهَا، فَأَحْرَقَهُمْ بِالنَّارِ، ثُمَّ قَالَ:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم: (٣٠١٧)","vol":"1","page":108},{"text":"لَمَّا رَأَيْتُ الْأَمْرَ أَمْرًا مُنْكَرَا … أَوْقَدْتُ نَارًا وَدَعَوْتُ قَنْبَرَا (^١)\nوذلك بمحضر من الصحابة، ولم ينكروا عليه. وأما ما نقل من استدراك ابن عباس عليه، بعدم التحريق بالنار، وقول علي، ﵄: (وَيْحُ ابْنِ أُمِّ الْفَضْلِ إِنَّهُ لَغَوَّاصٌ عَلَى الْهَنَاتِ) (^٢)، فليس إنكارًا لقتلهم، وإنما على طريقة قتلهم. وإلا فلا يختلف الصحابة، رضوان الله عليهم أن هؤلاء السبئية كفار، مستحقون للقتل.\n_________\n(^١) الشريعة: (٥/ ٢٥٢٠). وقال في موضع: (قَتَلَ بِالْكُوفَةِ فِي صَحْرَاءَ أَحَدَ عَشَرَ جَمَاعَةً ادَّعَوْا أَنَّهُ إِلَهُهُمْ، خَدَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ أُخْدُودًا وَحَرَّقَهُمْ بِالنَّارِ) الشريعة: (٥/ ٢٥٥٤)\n(^٢) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٨/ ٣٥١) برقم (١٦٨٥٩)","vol":"1","page":109},{"text":"الوجه الخامس:\nقال المؤلف -رحمه الله تعالى-:\n(ويقال أيضًا: بنو عبيدٍ القدَّاحِ، الذين ملكوا المغرب ومصر، في زمان بني العباس، كلهم يشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويدعون الإسلام، ويصلون الجمعة والجماعة. فلما أظهروا مخالفة الشريعة في أشياء دون ما نحن فيه، أجمع العلماء على كفرهم وقتالهم، وأن بلادهم بلاد حرب، وغزاهم المسلمون، حتى استنقذوا ما بأيديهم من بلدان المسلمين).\nالعبيديون الذين يلقبون أنفسهم زورًا وبهتانًا بالفاطميين، كانوا يتظاهرون بالإسلام، ويشهدون ألا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويتخذوا مؤذنين وقضاة، ومع ذلك أجمع علماء الملة على كفرهم، وعلى وجوب قتالهم، وأنهم ليسوا مسلمين.\nوقد حكموا في القرن الرابع الهجري، وانطلقوا من بلاد المغرب، حتى استولوا على مصر، وبنوا القاهرة، ومدوا سلطانهم إلى بلاد فلسطين، وأطراف من شمال الجزيرة والحجاز، ولبَّسوا على الناس دينهم، وقتلوا علماءهم، وكانت سنوات عصيبة حلت بالمسلمين، حتى أهلكهم الله ﷿.\nولما ذكرهم السيوطي في تاريخ الخلفاء قال: (فصل: في الدولة","vol":"1","page":110},{"text":"الخبيثة العبيدية) (^١)، فهي دولة خبيثة وهي التي أسست للشرك في كثير من بلاد المسلمين، وأسست للبدعة، ولا زال المسلمون وللأسف يتجرعون آثار حكم العبيديين لبلادهم فقد غرسوا فيها البدع والشرك في أمور لم يكن يعرفها أهل الإسلام. قال الذهبي، ﵀: (وأزال اللَّه تلك الدّولة المخذولة. وكانوا أربعة عشر متخلّفًا، لا مستخلفًا) (^٢)\n_________\n(^١) تاريخ الخلفاء (ص: ٣٦٧)\n(^٢): تاريخ الإسلام (١٢/ ٣٦٨). تحقيق: بشار عواد معروف.","vol":"1","page":111},{"text":"الوجه السادس:\nقال المؤلف -رحمه الله تعالى-:\n(ويقال أيضًا: إذا كان الأولون لم يكفروا إلا لأنهم جمعوا بين الشرك، وتكذيب الرسول والقرآن، وإنكار البعث، وغير ذلك، فما معنى الباب الذي ذكر العلماء في كل مذهب \"باب حكم المرتد\"؟! وهو المسلم الذي يكفر بعد إسلامه، ثم ذكروا أشياء كثيرة؛ كل نوعٍ منها يكفِّر، ويُحل دم الرجل وماله، حتى أنهم ذكروا أشياء يسيرة عند من فعلها، مثل كلمة يذكرها بلسانه دون قلبه، أو كلمة يذكرها على وجه المزح واللعب).\nعلماء الملة، في جميع المذاهب الأربعة، يعقدون هذا الباب، مع أن ذلك القائل، أو الفاعل، قد يأتي بشرائع الإسلام الأخرى؛ فيصلي، ويزكي، ويصوم، ويحج، ومع ذلك يحكمون بكفره، بكلمة قالها، كالحلاج، وابن الفارض، والسهروردي، وغيرهم. فما معنى ذلك؟ فلو لم يكن الواحد يكفر إلا بما ذكرتم، لما كان هناك حاجة لعقد مثل هذا الباب.","vol":"1","page":112},{"text":"الوجهان السابع والثامن:\nقال المؤلف -رحمه الله تعالى-:\n(ويقال أيضًا: الذين قال الله فيهم: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ﴾، أما سمعت الله كفرهم بكلمة، مع كونهم في زمن رسول الله يجاهدون معه، ويصلون معه، ويزكون، ويحجون، ويوحدون، وكذلك الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ فهؤلاء الذين صرح الله أنهم كفروا بعد إيمانهم، وهم مع رسول الله في غزوة تبوك، قالوا كلمة ذكروا أنهم قالوها على وجه المزح.\nفتأمل هذه الشبهة، وهي قولهم: تكفرون المسلمين؛ أناسًا يشهدون أن لا إله إلا الله، ويصلون، ويصومون. ثم تأمل جوابها، فإنه من أنفع ما في هذه الأوراق).\nبين المؤلف مثالين من السيرة النبوية، يدلان على أنه ربما خرج المرء من حد الإيمان، رغم أنه يقع منه صلاة، وزكاة، بل وجهاد في سبيل الله.\nالمثال الأول: فهو من نزل فيه قول الله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ﴾ [التوبة: ٧٤]. وقد اختلف المفسرون في سبب نزولها على أقوال متعددة:","vol":"1","page":113},{"text":"- فقال بعضهم: نزلت في الجُلاس بن سويد بن الصامت. فعن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: نزلت في الجلاس بن سويد بن الصامت، قال: \"إن كان ما جاء به محمد حقًّا، لنحن أشرُّ من الحُمُر! \"، فقال له ابن امرأته: والله، يا عدو الله، لأخبرن رسول الله ﷺ بما قلت، فإني أن لا أفعل، أخاف أن تصيبني قارعةٌ، وأؤاخذ بخطيئتك! فدعا النبي ﷺ الجلاس، فقال: \"يا جُلاس، أقلت كذا وكذا؟ فحلف ما قال، فأنزل الله ﵎: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [التوبة: ٧٤].\n- وعن قتادة قال: ذكر لنا أنّ رجلين اقتتلا؛ أحدهما من جهينة، والآخر من غِفار، وكانت جهينة حلفاء، الأنصار، وظهر الغفاريّ على الجهنيّ، فقال عبد الله بن أبيّ للأوس: انصروا أخاكم، فوالله ما مثلنا ومَثَلُ محمد، إلا كما قال القائل: \"سمِّن كلبك يأكلك\"، وقال: (لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنْهَا الأذَلَّ) [المنافقون: ٨]، فسعى بها رجل من المسلمين إلى نبيّ الله ﷺ، فأرسل إليه فسأله، فجعل يحلف بالله ما قاله، فأنزل الله ﵎: (يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ) (^١).\nفالآية تدل على أن أولئك المنافقين كانوا يشهدون مع النبي ﷺ الجمع والجماعات، ويجاهدون معه في سبيل الله، وربما أنفقوا من أموالهم، ولكن ذلك لم يكن مانعًا من أن تحقيق وصف الكفر عليهم، بسبب كلمة قالوها. فمم تعجبون أيها المشركون، إذا كنتم تأتون شيئًا من\n_________\n(^١) تفسير الطبري (١٤/ ٣٦٢)، وما بعدها.","vol":"1","page":114},{"text":"الشرائع، ثم تخرقونها بالشرك الأكبر؛ من دعاء غير الله، والنذر لغيره، والتقرب إليه، فأنتم وهم سواء، لا فرق. فكما أن للإيمان شروط يجب توافرها، فله نواقض يجب تجنبها.\nالمثال الثاني: وهو ما جاء في قول الله تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥، ٦٦].\nنزلت في نفر من المنافقين، قال قائلهم: (ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء، أرغبَ بطونًا، ولا أكذبَ ألسنًا، ولا أجبن عند اللقاء! فقال رجل في المجلس: كذبتَ، ولكنك منافق! لأخبرن رسول الله ﷺ، فبلغ ذلك النبي ﷺ، ونزل القرآن. قال عبد الله بن عمر: فأنا رأيته متعلقًا بحَقَب ناقة رسول الله ﷺ، تَنْكُبه الحجارة، وهو يقول: \"يا رسول الله، إنما كنا نخوض ونلعب! \"، ورسول الله ﷺ يقول: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾) (^١).\nفهؤلاء لم يكن خروجهم مع النبي ﷺ في غزوة تبوك، ولا صلاتهم معه، ولا تظاهرهم بالإسلام، مانعًا من تحقيق وصف الكفر عليهم، بسبب استهزائهم. فمم تعجبون أيها المشركون؟ يا من تطوفون بالأضرحة والقبور، وتبذلون لها خالص العبادة، وهو الدعاء! فلا تنفعكم صلاتكم، ولا صومكم، ولا حجكم، حتى توحدوا الله تعالى. ولهذا عظم المؤلف هذا الجواب، وقال إنه من أنفع ما في هذه الأوراق، لقوة دلالته على المقصود، وصدق، ﵀.\n_________\n(^١) تفسير الطبري (١٤/ ٣٣٤).","vol":"1","page":115},{"text":"الوجهان التاسع والعاشر:\nقال المؤلف -رحمه الله تعالى-:\n(ومن الدليل على ذلك أيضًا: ما حكى الله ﷿ عن بني إسرائيل، مع إسلامهم، وعلمهم، وصلاحهم، أنهم قالوا لموسى: ﴿اجْعَل لَنَا إِلَهًا)، وقول ناسٍ من الصحابة: (اجعل لنا يا رسول الله ذات أنواط)، فحلف رسول الله ﷺ أن هذا مثل قول بني إسرائيل: ﴿اجْعَل لَنَا إِلَهًا﴾.\nولكن للمشركين شبهة يدلون بها عند هذه القصة، وهي أنهم يقولون: إن بني إسرائيل لم يكفروا بذلك، وكذلك الذين سألوا النبي ﷺ: (أن يجعل لهم ذات أنواط).\nفالجواب أن تقول: إن بني إسرائيل لم يفعلوا، وكذلك الذين سألوا النبي لم يفعلوا، ولا خلاف في أن الذين نهاهم النبي ﷺ لو لم يطيعوه، واتخذوا ذات أنواط، بعد نهيه لكفروا، وهذا هو المطلوب)\nاستدل المؤلف بقصتين:\nإحداهما: قصة وقعت في بني إسرائيل، قال تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨) إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٨، ١٣٩]، وأنكر عليهم أنكارًا غليظًا،","vol":"1","page":116},{"text":"فمع أنهم كانوا على علم، وصلاح، لكن ذلك لم يمنع موسى ﵇ من أن يحقق عليهم الخطأ، وينهرهم عنه، ويزجرهم زجرًا بليغًا.\nالثانية: قصة وقعت لأصحاب النبي ﷺ: فعَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا خَرَجَ إِلَى حُنَيْنٍ مَرَّ بِشَجَرَةٍ لِلْمُشْرِكِينَ يُقَالُ لَهَا: ذَاتُ أَنْوَاطٍ يُعَلِّقُونَ عَلَيْهَا أَسْلِحَتَهُمْ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: (سُبْحَانَ اللَّهِ هَذَا كَمَا قَالَ قَوْمُ مُوسَى ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَرْكَبُنَّ سُنَّةَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ) (^١)، فشبه حالهم بحالهم.\nلكن هؤلاء المغالطين يجيبون عن هذا الإيراد بالقول إن بني إسرائيل لم يكفروا، وأصحاب محمد ﷺ لم يكفروا، فلا يتم لكم الاستدلال بهاتين الواقعتين. فعاجلهم المؤلف بالجواب، وقال: إنهم لم يفعلوا! كان هذا مجرد اقتراح ألقاه الشيطان في قلوبهم، فسألوا نبيهم؛ سأل بنو إسرائيل موسى، ﵇، وسأل أصحاب محمد ﷺ نبينا محمدًا ﷺ، إذ كانوا حدثاء عهد بإسلام. فهم ما فعلوا ذلك، ولا باشروه، ولا أصروا عليه، بل عرضوا هذا الاقتراح على نبيهم، فزجرهم فازدجروا - رضوان الله عليهم - فلم يقع منهم ما يوجب تحقيق الكفر.\nوهذا يقال في حق كل من جرى منه مثل ذلك. فلا نحقق الكفر على من قال كلمة الكفر، أو فعل الكفر، إلا بتوافر شروطه، وانتفاء موانعه؛ من العلم المنافي للجهل، والذكر المنافي للنسيان، والقصد المنافي للإكراه. فإذا تحقق ذلك، وأصر على قوله، أو فعله، فحينئذ يحقق عليه وصف الكفر. وإن اعتذر بالجهل، أو الخطأ، أو الإكراه، فهو معذور.\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي رقم (٢١٨٠)، وأحمد رقم (٢١٨٩٧).","vol":"1","page":117},{"text":"قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:\n(ولكن هذه القصة تفيد أن المسلم، بل العالم، قد يقع في أنواع من الشرك لا يدري عنها، فتفيد التعلم، والتحرز، ومعرفة أن قول الجاهل: \"التوحيد فهمناه\" أن هذا من أكبر الجهل، ومكائد الشيطان)\nربما وقع الخطأ من العالم، فالعالم بشر كسائر البشر، يعتريه القصور والتقصير، حتى ولو بلغ في العلم مبلغًا عظيمًا، فربما أدركه خطأ، وربما أصابه ذهول، وربما جرى منه شيء الهوى، والظلم، والجهل، أدى به إلى التلبس بنوع شرك، لا يدرى أن ذلك من الشرك.\nوثمرة علمنا بهذه القضية: أن يحملنا على دوام التعلم، والتحرز، فإن إبراهيم ﵇، وهو إمام الناس قال: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥]، عَنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ قَالَ: (مِنْ يأمن البلاء بعد قول إبراهيم وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ إِنَّ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ؟) (^١)\nفالشرك يتسلل إلى النفس بطرق خفية. فحري بالعاقل اللبيب أن يحذر مداخل الشيطان أن تنفذ إلى قلبه، فقول بعض الناس، زمن المؤلف: (التوحيد فهمناه)، وقول بعض الناس اليوم: نحن نشأنا في بلاد التوحيد، ودرسناه، ولا يوجد عندنا أضرحة، ولا مشاهد، ففيم الخوف؟! هذا ضرب من الغرور! يخيل إليه أنه أحاط علمًا بالتوحيد، وقد بقي عليه أشياء لم يدركها، وجدّت أشياء لم يستوعبها. فعلينا أن\n_________\n(^١) تفسير ابن أبي حاتم: (٧/ ٢٢٤٩)","vol":"1","page":118},{"text":"نحذر من هذه الطمأنينة الخداعة؛ كأن يقول قائل: يجب على الإنسان أن يكون على وجل، وحذر من أن يقع في الشرك من حيث لا يعلم. فهذه الجملة المتداولة على ألسنة الناس في زمن المؤلف: (التوحيد فهمناه)، من أكبر أسباب الجهل، ومكائد الشيطان التي يخدر بها عقول الناس، فيتطرق إليها الشرك من حيث يعلم أو لا يعلم.","vol":"1","page":119},{"text":"قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:\n(وتفيد أيضًا أن المسلم المجتهد الذي إذا تكلم بكلام الكُفر، وهو لا يدري، فنبه على ذلك، وتاب من ساعته، أنه لا يكفر، كما فعل بنو إسرائيل، والذين سألوا النبي ﷺ.\nهذا - بحمد الله - من رحمة الله بعباده؛ إذ أن الإنسان ربما تكلم بكلمة الكفر، لا يدري أنها كفر، أو فعل الكفر لا يدرى أنه كفر، فبين له، فقبل الحق، فلا حرج، ولا إثم عليه. أَبْصَرَ النبي ﷺ عَلَى عَضُدِ رَجُلٍ حَلْقَةً مِنْ صُفْرٍ، فَقَالَ: \"وَيْحَكَ مَا هَذِهِ؟ \" قَالَ: مِنَ الْوَاهِنَةِ؟ قَالَ: \"أَمَا إِنَّهَا لَا تَزِيدُكَ إِلَّا وَهْنًا. انْبِذْهَا عَنْكَ؛ فَإِنَّكَ لَوْ مِتَّ وَهِيَ عَلَيْكَ مَا أَفْلَحْتَ أَبَدًا) (^١)، فسلم من عاقبة الشرك. وقال رجل للنبي ﷺ: مَا شَاءَ اللهُ، وَشِئْتَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: \" أَجَعَلْتَنِي وَاللهَ عَدْلًا! بَلْ مَا شَاءَ اللهُ وَحْدَهُ) (^٢)، فنُبه فتنبه، وقبل الحق، فلا ضرر عليه.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد رقم (٢٠٠٠٠)، وابن ماجه رقم (٣٥٣١).\n(^٢) أخرجه أحمد رقم (١٨٣٩).","vol":"1","page":120},{"text":"قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:\n(وتفيد أيضًا أنه لو لم يكفر، فإنه يغلظ عليه الكلام تغليظًا شديدًا، كما فعل رسول الله ﷺ: وإن كان معذورًا فإنه لابد أن يجعل الإنكار مناسبًا للقول والفعل؛ فلا يكون إنكار مسألة فرعية كإنكار مسألة أصلية، بل لابد أن يظهر للمخاطب وللسامعين الاحتفاء بالقضية، وألا تساق المنكرات سوقا واحد:\n- فإذا كان المنكر عظيمًا يتعلق بأصل الاعتقاد، ومفاصل الإيمان، فلابد أن تعلو النبرة ويظهر التأثر والإنفعال على من ينكر عليه، كما صنع مالك بن أنس، ﵀، إمام دار الهجرة، لما سأله رجل عن كيفية الاستواء! فأطرق ساعة، وعلته الرحضاء، ثم رفع رأسه، وقال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا صاحب بدعه. ثم أمر به فأخرج (^١). ولو كان العالم، أو المربي، إذا ألقيت عليه مثل هذه الكلمات الفظيعة ابتسم، وقابل الأمر برخاوة، ولم يظهر عليه تأثر، لهان الأمر في نفس مخاطِبه. فمن الخير للمخاطَب أن يظهر التأثر.\nوليس المقصود بتغليظ الكلام، الفحش فيه؛ بأن يسب ويشتم ونحو ذلك، بل يعظم الأمر، والحال. لكي يكون ذلك أوقع في قلبه من\n_________\n(^١) العرش للذهبي (١/ ١١٧).","vol":"1","page":121},{"text":"الناحية التربوية. ولا يخرج المعلم إلى نوع من البذاءة في المنطق، أو الإساءة الشخصية.\n- كذلك في المنكرات العامة، فإذا جاءك الرجل يكلمك عن منكر، قد علمت به، فلا تظهر له سابق علمك، فتقول: عندي خبر! ونحو ذلك، بل أظهر احتفاءك، واهتمامك بالأمر، وليظهر على تعابير وجهك التأثر من ذلك، لأنك لو قابلته بشيء من البرود، وهزِّ الرأس، لربما هان ذلك في نفسه. ولست في هذا كاذبا أنت صادق فيما تقول وما تفعل. وكان شيخنا محمد بن صالح العثيمين- ﵀ يسلك هذا المسلك، ويحكيه عن الإمام مالك، ﵀. ومن كان في منزلته، يأتيه الناس يحدثونه؛ كل واحد يظن أنه أول من ساق الخبر، فربما سمع الخبر مرة، ومرتين، وثلاثًا، فيظهر الاهتمام لكل من حدثه، حتى يظن المتحدث أنه صاحب السبق في هذا، وما ذاك إلا ليعظِّم أثره في نفسه، فإذا حصل ما يشابهه، أو يقاربه، لم يهن في نفسه.","vol":"1","page":122},{"text":"<span data-type='title' id=toc-20>الشبهة الحادية عشرة</span>\nقال المؤلف -رحمه الله تعالى-:\n(وللمشركين شبهة أخرى، يقولون: إن النبي ﷺ أنكر على أسامة ﵁ قتل من قال: لا إله إلا الله، وقال له: ﴿أقتلته بعد ما قال: لا إله إلا الله؟﴾ وكذلك قوله ﷺ: ﴿أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله﴾، وكذلك أحاديث أخرى في الكف عمن قالها، ومراد هؤلاء الجهلة أن من قالها لا يكفر، ولا يقتل، ولو فعل ما فعل.\nفيقال لهؤلاء الجهلة المشركين: معلوم أن رسول الله قاتل اليهود، وسباهم، وهو يقولون: لا إله إلا الله، وأن أصحاب رسول الله ﷺ قاتلوا بني حنيفة، وهم يشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويصلون، ويدَّعون الإسلام، وكذلك الذين حرقهم على بن أبي طالب ﵁ بالنار).\n<hr><s0>\n\nحديث أسامة بن زيد، ﵄، المشار إليه، قوله: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الحُرَقَةِ مِنْ جُهَيْنَةَ، قَالَ: فَصَبَّحْنَا القَوْمَ فَهَزَمْنَاهُمْ، قَالَ: وَلَحِقْتُ أَنَا وَرَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ رَجُلًا مِنْهُمْ، قَالَ: فَلَمَّا غَشِينَاهُ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ،","vol":"1","page":123},{"text":"قَالَ: فَكَفَّ عَنْهُ الأَنْصَارِيُّ، فَطَعَنْتُهُ بِرُمْحِي حَتَّى قَتَلْتُهُ، قَالَ: فَلَمَّا قَدِمْنَا بَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ، قَالَ: فَقَالَ لِي: (يَا أُسَامَةُ، أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟) قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا كَانَ مُتَعَوِّذًا، قَالَ: (أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟)، قَالَ: فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا عَلَيَّ، حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْتُ قَبْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ) (^١)، فيحتجون به، ويقولون: ألا ترون أننا نقول لا إله إلا الله؟ ويحتجون أيضًا، بقول النبي ﷺ: (أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) (^٢)، فكيف تجعلوننا كفارًا، ونحن نقول لا إله إلا الله؟\nوكشف هذه الشبهة التي يلبسون بها على العامة أن (لا إله إلا الله)، التي تعصم الدم والمال، ما اقتضت توحيد الله حقًا وصدقًا، وأنه لو قالها بلسانه، ولم يأت بمقتضاها فإنها لا تفيده. فلو أن مشركًا أعجميًا، لا يحسن العربية، كتب له بحروف لغته: لا إله إلا الله، وقالها وهو لا يعرف معناها، لم تغن عنه شيئًا، ولم تنجه من النار.\nهذه الكلمة العظيمة ذات معنى، ولها أثر، فإذا قال لا إله إلا الله، حقًا وصدقًا، حصلت له العصمة، فإن أتى بما يناقضها، تبين بطلان دعواه. فنحن نقبل ممن قال لا إله إلا الله، ولم يكن النبي ﷺ يشترط على أحد أتاه مسلمًا إلا أن يقول: لا إله إلا الله، محمد رسول الله. فإن عمل ما يناقض هاتين الشهادتين، علم أنه نقض شهادته فلم تنفعه لا إله إلا الله.\nواحتج المؤلف بعدة أمثلة:\nالمثال الأول: مقاتلة النبي ﷺ لليهود، مع أن اليهود كانوا يقولون:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري رقم (٦٨٧٢)، ومسلم رقم (٩٦).\n(^٢) أخرجه البخاري رقم (٢٥)، ومسلم رقم (٢٠).","vol":"1","page":124},{"text":"لا إله إلا الله. وأول وصية فيما يسمى عندهم بالوصايا العشر: (لا يكن لك آلهة أخرى تجاهي. لا تصنع لك منحوتًا ولا صورة شيءٍ مما في السماء من فوق، ولا مما في الأرض من أسفل، ولا مما في المياه من تحت الأرض؛ لا تسجد لها، ولا تعبدها) (سفر الخروج: ٢٠/ ٣ - ٥) (^١). فالتوحيد في أصل اعتقادهم، ومع ذلك لم تحقن دماءهم، لأنهم فعلوا خلاف مقتضاها.\nالمثال الثاني: بنو حنيفة، أصحاب مسيلمة الكذاب، كانوا يقولون: لا إله إلا الله، ومع ذلك قاتلهم الصحابة قتال المرتدين.\nالمثال الثالث: السبئية الذين حرقهم علي ﵁، كانوا يقولون: لا إله إلا الله، وقد أجمع العلماء على أنهم زنادقة كفار. فيقال لهؤلاء العوام الجهلة: ليس مجرد النطق بلا إله إلا الله، مع فعل ما يناقضها، رافع لوصمة الكفر عنكم.\n_________\n(^١) العهد القديم: ص: ١٨٧","vol":"1","page":125},{"text":"قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:\n(وهؤلاء الجهلة مقرون: أن من أنكر البعث كفر، وقتل، ولو قال: لا إله إلا الله، وأن من أنكر شيئًا من أركان الإسلام كفر، وقتل، ولو قالها، فكيف لا تنفعه إذا جحد شيئًا من الفروع؟ وتنفعه إذا جحد التوحيد الذي هو أساس دين الرسل، ورأسه، ولكن أعداء الله ما فهموا معنى الأحاديث).\nهذا إلزام لهم بما يناقض قولهم، فهم مقرون بأن من أنكر البعث، أو أنكر أمرًا معلومًا من الدين بالضرورة، لم يغن عنه قول لا إله إلا الله، وكفر، وقتل. فدعواهم أن من قال لا إله إلا الله، فلا يمكن أن يكون مشركًا بحال، ولا تجري عليه أحكام الكفار بحال. دعوى مردودة، فإن لا إله إلا الله التي تعصم صاحبها من وصمة الشرك، هي لا إله إلا الله، التي بمعنى لا معبود بحق إلا الله، بحيث لا يصرف قائلها نوعًا من أنواع العبادة لغير الله. فإن أتى بها فنعم ونعمة عين، وحبًا وكرامة. هذا فيصل التفرقة بين الإيمان والكفر، أما إذا كانت مجرد كلمة تقال باللسان، وتخالف في العيان، فلا تغني عن صاحبها شيئًا.","vol":"1","page":126},{"text":"قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:\n(فأما حديث أسامة ﵁، فإنه قتل رجلًا ادعى الإسلام، بسبب أنه ظن أنه ما ادعاه إلا خوفًا على دمه وماله، والرجل إذا أظهر الإسلام وجب الكف عنه حتى يتبين منه ما يخالف ذلك. وأنزل الله تعالى في ذلك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾، أي تثبتوا، فالآية تدل على أنه يجب الكف عنه، والتثبت، فإن تبين منه بعد ذلك ما يخالف الإسلام قُتل، لقوله تعالى: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ ولو كان لا يقتل إذا قالها، لم يكن للتثبت معنى)\nبهذا تبين الجواب عن قصة أسامة، وأن الأصل فيمن قال لا إله إلا الله الكف عنه. فليس لنا إلا الظاهر، ثم بعد ذلك ننظر في حاله؛ فإن أتى بما يناقضها تبين أنه إنما قالها نفاقًا وتعوذا، فنجري عليه أحكام الكفار، وأما إذا لم يفعل ما يناقض ذلك، فالأصل أنه من جملة المسلمين، معصومي الدم والمال. فلا حجة لهم في حديث أسامة. فلهذا الله تعالى أمر عباده المؤمنين أن يتبينوا ولا يسارعوا في قتل أحد، فنحن دعاة، لا عتاة، ولا جُباة، هدفنا أن يدخل الناس في دين الله، لا أن نسفك دماءهم، ونغنم أموالهم.","vol":"1","page":127},{"text":"قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:\n(وكذلك الحديث الآخر وأمثاله. معناه ما ذكرت إن من أظهر الإسلام والتوحيد، وجب الكف عنه، إلا أن يتبين منه ما يناقض ذلك. والدليل على هذا أن رسول الله ﷺ الذي قال: (أقتلته بعد ما قال: لا إله إلا الله؟) (^١)، وقال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله) (^٢)، هو الذي قال في الخوارج: (أينما لقيتموهم فاقتلوهم لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ) (^٣)، مع كونهم من أكثر الناس عبادةً، وتهليلًا، حتى إن الصحابة يحقرون أنفسهم عندهم، وهم تعلموا العلم من الصحابة، فلم تنفعهم \"لا إله إلا الله\" ولا كثرة العبادة، ولا ادعاء الإسلام، لما ظهر منهم مخالفة الشريعة\nوكذلك ما ذكرنا من قتال اليهود، وقتال الصحابة، ﵃، بني حنيفة، وكذلك أراد النبي ﷺ أن يغزو بني المصطلق، لما أخبره رجل منهم أنهم منعوا الزكاة، حتى أنزل الله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ﴾، وكان الرجل كاذبًا عليهم. فكل هذا يدل على أن مراد النبي ﷺ في الأحاديث التي احتجوا بها ما ذكرناه)\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) سبق تخريجه.\n(^٣) أخرجه البخاري رقم (٧٤٣٢).","vol":"1","page":128},{"text":"المثال الرابع: قتال الخوارج: في الحديث المتفق عليه: (يَخْرُجُ فِيكُمْ قَوْمٌ تَحْقِرُونَ صَلَاتَكُمْ مَعَ صَلَاتِهِمْ، وَصِيَامَكُمْ مَعَ صِيَامِهِمْ، وَعَمَلَكُمْ مَعَ عَمَلِهِمْ، وَيَقْرَءُونَ القُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ) (^١)، مع أن القوم يقولون: لا إله إلا الله، ويجتهدون بأنواع العبادات، ووصفهم ابن عباس، ﵄، وصفًا عجيبًا، حين وفد عليهم لمناظرتهم، بأن جباههم، وأيديهم، وركبهم، قد ثفنت من طول القيام، كثفن البعير، وقد اصفرت وجوههم من كثرة الصيام، ومع ذلك، لم يغن ذلك عنهم شيئًا، إذ أنهم خرجوا عن مقتضى لا إله إلا الله.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري رقم (٥٠٥٨)، ومسلم رقم (١٠٦٤).","vol":"1","page":129},{"text":"<span data-type='title' id=toc-21>الشبهة الثانية عشرة</span>\nقال المؤلف -رحمه الله تعالى-:\n(ولهم شبهة أخرى: وهي ما ذكر النبي ﷺ أن الناس يوم القيامة يستغيثون بآدم، ثم بنوح، ثم بإبراهيم، ثم بموسى، ثم بعيسى، فكلهم يعتذرون، حتى ينتهوا إلى رسول الله ﷺ، قالوا: فهذا يدل على أن الاستغاثة بغير الله ليست شركًا.\nفالجواب أن تقول: سبحان من طبع على قلوب أعدائه! فإن الاستغاثة بالمخلوق على ما يقدر عليه، لا ننكرها، كما قال تعالى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾، وكما يستغيث إنسان بأصحابه، في الحرب وغيره، في أشياء يقدر عليها المخلوق، ونحن أنكرنا استغاثة العبادة، التي يفعلونها عند قبور الأولياء، أو في غيبتهم، في الأشياء التي لا يقدر عليها إلا الله تعالى).\n<hr><s0>\n\nهذه الاستغاثة التي شبهوا بها تجري يوم القيامة، وطلب الشفاعة ذلك اليوم، موجه لمن يقدر على ذلك، ويصح منه. بخلاف ما يفعلونه من الاستغاثة بالأموات، والغائبين؛ فهم يتوجهون إلى غير قادر، أو إلى غائب، فيستغيثون به، وربما كان المستغيث في صحراء من الأرض، أو","vol":"1","page":130},{"text":"في عرض البحر، تفصله عن المستغاث به آلاف الأميال، وربما كان إلى جوار قبره، فاستغاث به أن يعافيه من المرض، أو يغنيه من الفقر، أو يهب له الذرية، أو غير ذلك من المطالب، فهذه استغاثة بغير قادر؛ بشخص مدفون قد فنيت عظامه، لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا، فضلًا عمن دعاه. فهذه استغاثة شركية تورد صاحبها النار.\nأما الاستغاثة بمن يقدر على الإغاثة، من حي قادر، فلا حرج فيها، كما قص الله علينا من نبأ موسى مع القبطي: قال الله ﷿: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ [القصص: ١٥]، فأقر الله تعالى ذلك ولم ينكره. فالإسرائيلي قال لموسى: أغثني من هذا المعتدي. ومثل ما يقع لبني آدم دومًا، كما لو أن إنسانًا وقع في لجة البحر، وهو لا يحسن السباحة فجعل يخبط في الماء وينادي: الغوث! الغوث! النجدة! النجدة!. فهذه ليست استغاثة شركية. فقياس هؤلاء المبطلين قياس فاسد؛ ففرق بين استغاثتهم الشركية بغائب، أو حاضر غير قادر، وبين الاستغاثة الجائزة بمن يقدر على فعل الشيء.","vol":"1","page":131},{"text":"قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:\n(إذا ثبت ذلك، فالاستغاثة بالأنبياء يوم القيامة؛ يريدون منهم أن يدعوا الله أن يحاسب الناس، حتى يستريح أهل الجنة من كرب الموقف، وهذا جائز في الدنيا والآخرة، أن تأتي عند رجل صالح، يجالسك، ويسمع كلامك، تقول له: ادع لي! كما كان أصحاب رسول الله ﷺ يسألونه في حياته، وأما بعد موته، فحاشا، وكلا، أنهم سألوا ذلك عند قبره، بل أنكر السلف على من قصد دعاء الله عند قبره، فكيف بدعائه نفسه؟!)\nطلب الدعاء من حي، قادر، حاضر، لا بأس به، فقد كان الصحابة يطلبون من النبي ﷺ أن يدعو لهم، كقول عكاشة بن محصن، ﵁: (ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ) (^١) وكانوا يستسقون به، أي يطلبون منه أن يدعو ربه أن يسقيهم، كقول الرجل: (هَلَكَتِ الأَمْوَالُ وَانْقَطَعْتِ السُّبُلُ، فَادْعُ اللَّهَ يُغِيثُنَا) (^٢). فلا بأس أن يقصد الإنسان حيًا، يتوخى فيه الصلاح، ويقول: ادع الله لي.\nإلا أن مسألة طلب الدعاء من الحي، من حيث الأفضلية والكمال محل نظر، فيرى شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن كمال التوحيد ألا تسأل أحدًا شيئًا، فعن عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيُّ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٦٥٤١)، وأخرجه مسلم برقم (٢١٦)\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (١٠١٤)، وأخرجه مسلم برقم (٨٩٧)","vol":"1","page":132},{"text":"تِسْعَةً أَوْ ثَمَانِيَةً أَوْ سَبْعَةً، فَقَالَ: (أَلَا تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللهِ؟)، وَكُنَّا حَدِيثَ عَهْدٍ بِبَيْعَةٍ، فَقُلْنَا: قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ، ثُمَّ قَالَ: (أَلَا تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللهِ؟)، فَقُلْنَا: قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ، ثُمَّ قَالَ: (أَلَا تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللهِ؟) قَالَ: فَبَسَطْنَا أَيْدِيَنَا وَقُلْنَا: قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ، فَعَلَامَ نُبَايِعُكَ؟ قَالَ: (عَلَى أَنْ تَعْبُدُوا اللهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَتُطِيعُوا - وَأَسَرَّ كَلِمَةً خَفِيَّةً - وَلَا تَسْأَلُوا النَّاسَ شَيْئًا) فَلَقَدْ رَأَيْتُ بَعْضَ أُولَئِكَ النَّفَرِ، يَسْقُطُ سَوْطُ أَحَدِهِمْ، فَمَا يَسْأَلُ أَحَدًا يُنَاوِلُهُ إِيَّاهُ (^١). أرادوا أن يحققوا كمال الاستغناء بالله ﷿ فلا يسألوا الناس شيئُا، ومن ذلك ألا يسأل غيره الدعاء، بل يدعو الله ﷾ رأسًا، إلا أن ينوي بطلب الدعاء نفع الداعي، لترتفع المنَّة، وتحصل المكافأة، وذلك أن يستحضر معنى قول النبي ﷺ (مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يَدْعُو لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ، إِلَّا قَالَ الْمَلَكُ: وَلَكَ بِمِثْلٍ) (^٢)، فإذا استصحبت هذا المعنى ساغ لك أن تطلب من غيرك الدعاء، بأن تقول في نفسك: هذا أخي، رجل صالح، فأطلب منه أن يدعو لي، علَّ الله أن ينفعني وإياه، لأنني إذا طلبت منه الدعاء لي، فإن الملك سيدعو له، ويقول: آمين، ولك بمثل، فيحصل في هذا نوع مكافأة. فبهذا الاستصحاب يزول المحذور المنافي لكمال التوحيد. على أن الإنسان لو طلب من أحد أن يدعو له، دون ما ذكر، فلا بأس، ولا يعد ذلك ممنوعًا. لكن شيخ الإسلام رأى أن هذا الطلب ينافي كمال التوحيد، وناقش بعض الإيرادات عليه مثل: الحديث المروي أن النبي ﷺ لما أراد عمر ﵁ العمرة قال له النبي ﷺ: (لَا تَنْسَنَا يَا\n_________\n(^١) أخرجه مسلم رقم (١٠٤٣).\n(^٢) أخرجه مسلم رقم (٢٧٣٢).","vol":"1","page":133},{"text":"أُخَيَّ مِنْ دُعَائِكَ) (^١)، فطلب منه الدعاء فأجاب عنه بجوابين (^٢):\n- جواب يتعلق بالحديث من حيث الثبوت، ففي سنده مقال.\n- الجواب الثاني: أن فضل النبي ﷺ على الأمة يغمر كل شيء، فلا يمكن لأحد من الأمة أن يكافئ النبي ﷺ على ما ساق له من الخير. فالذي علَّم عمر ﵁ وغير عمر، الدعاء، هو رسول الله ﷺ فلا يسعف هذا المثال في هذا المقام.\nوناقش قول النبي ﷺ لعمر ﵁: (يأْتِي عَلَيْكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ مَعَ أَمْدَادِ أَهْلِ الْيَمَنِ، مِنْ مُرَادٍ، ثُمَّ مِنْ قَرَنٍ، كَانَ بِهِ بَرَصٌ فَبَرَأَ مِنْهُ إِلَّا مَوْضِعَ دِرْهَمٍ، لَهُ وَالِدَةٌ، هُوَ بِهَا بَرٌّ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لَأَبَرَّهُ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَكَ فَافْعَلْ) (^٣)، فأجاب أن هذه قضية عين، وحادثة خاصة.\nولا شك أن استغناء العبد بربه، من أكمل درجات التوحيد؛ فلا يحتاج إلى أحد، ولا يسأل أحدًا، وقد يقع فتنة لبعض الناس، إذا صار يُلاحق، ويؤتى إليه، ويقال: يا فلان! ادع لنا، ربما وقع في قلبه نوع عُجب، وزهو، وأراه الشيطان لنفسه مقامًا، ففاته الإخبات لله، ﷿، ويروى أَنَّ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، رَأَى نَاسًا يتَّبِعُونَهُ فَنَهَاهُمْ، وَقَالَ: (إِنَّ هَذَا مَذَلَّةٌ لِلتَّابِعِ، فِتْنَةٌ لِلْمَتْبُوعِ) (^٤). فعلى الإنسان أن يحذر من هذه المداخل، لأن النفس الإنسانية ضعيفة، يمكن أن يقع منها الزلل والاستزلال لأدنى الأسباب. والمعصوم من عصمه الله.\nوأنبه في هذا المقام على مسألة مهمة، وهو أن بعض طلبة العلم،\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود رقم (١٤٩٨).\n(^٢) انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (١/ ٧٨)، وما بعدها.\n(^٣) أخرجه مسلم رقم (٢٥٤٢).\n(^٤) المدخل إلى السنن الكبرى للبيهقي (ص: ٣٢٠)","vol":"1","page":134},{"text":"قال عن الرجل، يأتي إلى قبر رجل صالح، فيقول: يا فلان! سل الله ﷿ أن يغفر لي، اشفع لي عند ربك! أو نحو هذا، أن هذا من البدع لا من الشرك.\nوالحقيقة أن هذا الصنيع كصنيع المشركين، لأنه دعاء لميت، مقبور، غائب، لا يسمع كلامه، ولا يرى مكانه، ولا يعلم حاله، ولا يملك لنفسه، فضلًا عن غيره، نفعًا ولا ضرًا، فلا يخرجه من صورة الشرك، أن يقول: ما سألته هو، وإنما سألته أن يدعو الله لي، أو يشفع لي! فلا يكفي وصفه بالبدعة، بل هو في الواقع شرك. فيجب الحذر من هذا، وعدم تأنيس هذه الأفعال المحدثة، التي يتوصل بها إلى الشرك الصراح، بل يجب سد الباب. وعندي أنها من بابة واحدة، لا تختلف. بل يُدعى الله وحده ﷿، وكان من حرص النبي ﷺ، وحمايته جناب التوحيد، النهي عن دعاء الله عند قبر رجل صالح، كما بوَّب المؤلف في \"كتاب التوحيد\". فكل ما يفضي إلى الشرك، من قريب أو بعيد، فيجب أن يُسد.\nقال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ -رحمه الله تعالى-: (وأما التوسل بالأموات إلى الله ﷾، وجعلهم واسطة بينهم وبين الله، فهذا من أكبر المحرمات، بل هو عين ما يفعله المشركون؛ فإن المشركين ما كانوا يعتقدون أن اللات والعزى ونحوها تخلق، وترزق، وإنما كانوا يتوسلون بها إلى الله، كما قال تعالى حاكيًا عنهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾، وقالوا: ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾) (^١).\n_________\n(^١) فتاوى ورسائل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ (١/ ١٢٤).","vol":"1","page":135},{"text":"<span data-type='title' id=toc-22>الشبهة الثالثة عشرة</span>\nقال المؤلف -رحمه الله تعالى-:\n(ولهم شبهة أخرى: وهي قصة إبراهيم، ﵇، لما ألقي في النار، اعترض له جبرائيل في الهواء، فقال له: ألك حاجة؟ فقال إبراهيم ﵇: أما إليك فلا (^١)، قالوا: فلو كانت الاستغاثة شركًا لم يعرضها على إبراهيم.\nفالجواب: أن هذا من جنس الشبهة الأولى، فإن جبرائيل ﵇ عرض عليه أن ينفعه بأمر يقدر عليه، فإنه كما قال الله تعالى فيه: ﴿شَدِيدُ الْقُوَى﴾، فلو أذن الله له أن يأخذ نار إبراهيم، وما حولها من الأرض، والجبال، ويلقيها في المشرق أو المغرب، لفعل، ولو أمره الله أن يضع إبراهيم في مكانٍ بعيد لفعل، ولو أمره أن يرفعه إلى السماء لفعل. وهذا كرجل غني، له مال كثير، يرى رجلًا محتاجًا، فيعرض عليه أن يقرضه، أو يهبه شيئًا يقضي به حاجته، فيأبى ذلك الرجل المحتاج أن يأخذ، ويصبر، حتى يأتيه الله برزق لا منة فيه لأحد. فأين هذا من استغاثة العبادة والشرك، لو كانوا يفقهون؟).\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n(^١)  تفسير الطبري (١٧/ ٤٥).","vol":"1","page":136},{"text":"هذه القصة التي يشبهون بها، في ثبوتها نظر، والمحفوظ عنه ما رواه البخاري عن ابن عباس، ﵄، قال: (كَانَ آخِرَ قَوْلِ إِبْرَاهِيمَ حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ: حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ) (^١). وعلى فرض ثبوتها فهي لا تسعفهم في دعواهم. فأين هذا من هذا؟! بل هي عليهم، لا لهم؛ وذلك أن جبرائيل، ﵇، عرض عليه الغوث في أمر يستطيعه، وليس فيه أن إبراهيم استغاث به، بل قال له جبريل: (أَلَكَ حَاجَةٌ؟ فقَالَ إبراهيم: أَمَّا إِلَيْكَ فَلَا) (^٢)، وليتهم نظروا إلى هذا الجانب الذي يدل على كمال التوحيد، لكنهم عموا عنه، ونظروا إلى كون جبرائيل عرض عليه الأمر، وقالوا: ما عرض ذلك عليه إلا لجوازه. ونحن نقول: إذا كان قادرًا فله العرض، وللمعروض عليه القبول أو، الرد. لكن إبراهيم ﵇ اختار الأكمل والأتم، وهو الاكتفاء بالله ﷿، والاستغناء به عما سواه. فلا حجة لهم. والمثال الذي ضربه المؤلف للغني الذي يعرض على الفقير هبة أو قرضًا، مثال منطبق صحيح. وليس في ذلك شائبة من شوائب الشرك.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٤٥٧٤)\n(^٢) أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء (١/ ٢٠)، وأصله في الصحيحين.","vol":"1","page":137},{"text":"<span data-type='title' id=toc-23>خاتمة المتن</span>\nقال المؤلف -رحمه الله تعالى-:\n(ولنختم الكتاب بذكر آية عظيمة، مهمة، تفهم بما تقدم، ولكن نفرد لها الكلام لعظم شأنها، ولكثرة الغلط فيها، فنقول:\nلا خلاف أن التوحيد لا بد أن يكون بالقلب، واللسان، والعمل. فإن اختل شيءٌ من هذا لم يكن الرجل مسلمًا، فإن عرف التوحيد ولم يعمل به، فهو كافر معاند، كفرعون، وإبليس، وأمثالهما، وهذا يغلط فيه كثير من الناس يقولون: هذا حق، ونحن نفهم هذا، ونشهد أنه الحق، ولكنا لا نقدر أن نفعله، ولا يجوز عند أهل بلدنا إلا من وافقهم، وغير ذلك من الأعذار، ولم يعرف المسكين أن غالب أئمة الكفر يعرفون الحق، ولم يتركوه إلا لشيء من الأعذار، كما قال تعالى: ﴿اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾، وغير ذلك من الآيات، كقوله: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ﴾.\nفإن عمل بالتوحيد عملًا ظاهرًا، وهو لا يفهم، ولا يعتقد بقلبه، فهو منافق، وهو شر من الكافر الخالص كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾.\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .","vol":"1","page":138},{"text":"وهذه مسألة طويلة، تَبينُ لك إذا تأملتها في ألسنة الناس، ترى من يعرف الحق ويترك العمل، لخوف نقص دنياه، أو جاهه، أو ملكه، وترى من يعمل به ظاهرًا، لا باطنًا، فإذا سألته عما يعتقده بقلبه، إذا هو لا يعرفه).\n<hr><s0>\n\nهذه المسألة الأخيرة، التي عظم المؤلف من شأنها، وحُقَّ له، تتعلق بأصل الإيمان. فإن الإيمان قول وعمل؛ له حقيقة مركبة من القول والعمل، فليس الإيمان قولًا دون عمل، ولا عملًا دون قول. هذا مذهب أهل السنة والجماعة، حتى قال الإمام البخاري: لَقِيتُ أَكْثَرَ مِنَ أَلْفِ رَجُلٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ بِالْأَمْصَارِ؛ فَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا مِنْهُمْ يَخْتَلِفُ فِي أَنَّ الْإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ، وَيَزِيدُ وَيَنْقُصُ (^١).\nفحد الإيمان يشمل اعتقاد القلب، وقول اللسان، وعمل الجوارح. وقول القلب مستلزم لقول اللسان وعمل الجوارح، لا ينفك عنه. والتوحيد هو أس الإيمان وأصله، فلو زعم زاعم أنه موحد بقلبه، لكن لا شأن للقول ولا للعمل بذلك، فدعواه باطله. وهذا مذهب غلاة المرجئة، من الجهمية، والصالحية، ومن وافقهم. بل التوحيد يتعلق باعتقاد القلب، وقول اللسان، وعمل الجوارح. ولا يمكن قصر معنى التوحيد على ما يقوم بالقلب، إذ لو كان كذلك لكان فرعون وإبليس، ومشركو العرب، وأهل الكتاب، موحدين:\n- ففرعون وملؤه: كان مستيقنين بقلوبهم، كما أخبر تعالى:\n_________\n(^١) فتح الباري لابن حجر (١/ ٤٧).","vol":"1","page":139},{"text":"﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤]، وجبهه موسى، ﵇، بهذا فقال: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الإسراء: ١٠٢]، وكان من من الكافرين.\n- فإبليس: يقول: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٢]، ويثبت لله القدرة: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [ص: ٧٦]، فكان عنده عقد قلبي بأن الله يخلق، ويقدر، ويأمر، وينهى. لكن ذلك لم يخرجه من أن يكون رأس الطواغيت.\n- ومشركو العرب: كانوا يعتقدون في قلوبهم أن الله يخلق، ويرزق، ويدبر، ويطعِم، ولا يُطعَم، ويجير، ولا يجار عليه، ولكن هذا الاعتقاد القلبي، مع النطق اللساني لم ينفعهم، إذ كانوا لا يفعلون مقتضاه من العمل، بل يشركون مع الله غيره.\n- واليهود والنصارى: أخبر الله عنهم في موضعين: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦]، [الأنعام: ٢٠]، فعلمهم بالحق، مع عدم انقيادهم له بالعمل، لم يخرجهم عن وصف الكفر.\nكل هذه الشواهد تدل دلالة قطعية على أن التوحيد لا يكفي أن يكون عقيدة في القلب، حتى يعرب عنه اللسان، وتنقاد له الجوارح، اللهم إلا أن يقوم مانع وعذر دون ذلك.\nوقد أشار المؤلف إلى حال بعض أهل زمانه، الذين يقول قائلهم: نحن نعلم أن هذا حق، وأن ما تدعو إليه هو التوحيد الذي جاءت به الرسل، لكننا لا نقدر أن نفعله، لأن هذا لا يجوز عند أهل بلدنا، ولا يقبلون ذلك منا، ويفسدون علينا تجارتنا ودنيانا، ونحو ذلك من المعاذير، فبين المؤلف ﵀ أن هذا ليس عذرًا مانعًا مقبولًا، لأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة، ورأى أن حالهم ينطبق عليه قول الله","vol":"1","page":140},{"text":"تعالى: ﴿اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [التوبة: ٩]. فلابد من العمل بالتوحيد ظاهرًا وباطنا.\nولو قُدِّر أن أحدًا عمل بالتوحيد ظاهرًا دون أن يعتقد ذلك باطنًا، لم ينفعه، بل كان كالمنافقين، الذين يظهرون الإسلام، ويبطنون الكفر. وهذا من أشد أنواع الكفر. فكذلك من أقر بالتوحيد باطنًا ولم ينقد له ظاهرًا، ولم يوحد الله تعالى؛ لا بلسانه، ولا بفعاله، فإنه لم يأت بحقيقة التوحيد. قال تعالى عن إبراهيم ومن آمن معه: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: ٤]\nفهذه مسألة عظيمة كان المؤلف ﵀ يقررها، ويلِحُّ عليها، ويرى أن كثيرًا من الناس يعرف الحق، لكنه يرعى دنياه، أو جاهه، أو ملكه، وليس في ذلك عذرًا له.","vol":"1","page":141},{"text":"قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:\nولكن عليك بفهم آيتين من كتاب الله تعالى:\nأولاهما: ما تقدم وهي قوله: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾، فإذا تحققت أن بعض الصحابة الذين غزوا الروم مع رسول الله ﷺ، كفروا بسبب كلمة قالوها على وجه المزح، تبين لك أن الذي يتكلم بالكفر، ويعمل به، خوفًا من نقص مالٍ، أو جاهٍ، أو مداراة لأحد، أعظم ممن يتكلم بكلمة يمزح بها.\nوالآية الثانية: قوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللّهِ مِنْ بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾، فلم يعذر الله من هؤلاء إلا من أكره، مع كون قلبه مطمئنًا بالإيمان، وأما غير هذا، فقد كفر بعد إيمانه، سواء فعله خوفًا، أو طمعًا، أومدارة لأحد، أو مشحةً بوطنه، أو أهله، أو عشيرته، أو ماله، أو فعله على وجه المزح، أو لغير ذلك من الأغراض، إلا المكره.\nفالآية تدل على هذا من جهتين:\n-الأولى: قوله تعالى: (إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ)، فلم يستثن إلا من أكره، ومعلوم أن الإنسان لا يكره إلا على العمل، والكلام، والفعل، لا عقيدة القلب، فلا يكره عليها أحد.\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .","vol":"1","page":142},{"text":"- الثانية: قوله تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الْدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ)، فصرح أن العذاب لم يكن بسبب الاعتقاد، والجهل، والبغض للدين، أو محبة الكفر، وإنما سببه أن له في ذلك حظًا من حظوظ الدنيا، فآثره على الدين. والله أعلم).\n<hr><s0>\n\nالآية الأولى: أفادت أن قائل كلمة الكفر، ولو على سبيل المزاح، يكون كافرًا، ولو كان من عِداد الصحابة، فكيف بمن يقول، ويعمل، من غيرهم؟!.\nالآية الثانية: أفادت أن تارك التوحيد لا يعذر إلا أن يكون مكرهًا، كما جرى لعمار بن ياسر، ﵄، فقد كان الْمُشْرِكُونَ يعذبونه فَلَمْ يَتْرُكُوهُ حَتَّى سَبَّ النَّبِىَّ ﷺ وَذَكَرَ آلِهَتَهُمْ بِخَيْرٍ، ثُمَّ تَرَكُوهُ. فَلَمَّا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (مَا وَرَاءَكَ؟)، قَالَ: شَرٌّ يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ مَا تُرِكْتُ حَتَّى نِلْتُ مِنْكَ، وَذَكَرْتُ آلِهَتَهُمْ بِخَيْرٍ؟! قَالَ: (كَيْفَ تَجِدُ قَلْبَكَ؟)، قَالَ: مُطْمَئِنًا بِالإِيمَانِ. قَالَ: (إِنْ عَادُوا فَعُدْ) (^١).\nأما غير المكره، الذي لم يبلغ به الأمر مبلغ الضرر، فإنه لا يسعه أن يوافق المشركين على شركهم، ولا أن يضاهيهم على فعلهم، بل عليه أن يلزم التوحيد، وأن ينكر الشرك، ولا يمنعه من ذلك خوف على دنياه، فقد أبطل الله ذلك بقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ﴾ [النحل: ١٠٧]، فأفاد بأن من تعلل بهذا اللون، وهو حب الدنيا، والتجارة، والخوف\n_________\n(^١) سبق تخريجه.","vol":"1","page":143},{"text":"على المنصب، ونحو ذلك من الأغراض الدنيوية، لا يبيح له الوقوع في الشرك، أو إقراره، وإنما يعذر في حالة واحدة؛ وهي أن يكون مكرها.\nقال سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ-رحمه الله تعالى-: (فالإنسان الذي يُلجئُه من يُلجئُه إلى أن يصدر منه الكفر، له حالات:\nأحدها: أن يمتنع ويصبر عليها، فهذه أفضل الحالات.\nالثانية: أن ينطق بلسانه، مع اعتقاد جنانه الإيمان، فهذا جائز له، تخفيفًا ورحمة.\nالثالثة: أن يُكره، فيجيب، ولا يطمئن قلبه بالإيمان؛ فهذا غير معذور، وكافر.\nالرابعة: أن يُطلب منه، ولا يُلجأ؛ فيجيب، -ما وصل إلى حد الإكراه- ولكن يوافق بلسانه، وقلبه مطمئن بالإيمان، فهذا كافر.\nالخامسة: أن يُذكر له، ولا يصل إلى حد الإكراه، فيوافق بقلبه ولسانه، فهذا كافر) (^١)\nوبهذا أتم المؤلف ﵀ هذا الكتاب العظيم، المفيد \"كشف الشبهات\"، والذي خرج من معاناة واقعية، ومن تجربة شخصية، خاضها المؤلف ﵀ عمره كله، وهو يدعو إلى توحيد الله تعالى، ورد الناس إلى الجادة، وتمسيكهم بالكتاب، ودلالتهم إلى دين البينة، الذي قال الله تعالى عنه: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١) رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً (٢) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (٣) وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤) وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ١ - ٥].\n_________\n(^١) شرح كشف الشبهات (ص ١٦٦)","vol":"1","page":144},{"text":"فنبغي أن تكون عناية طالب العلم بتحقيق التوحيد، والدعوة إليه، مقدمة على كل شيء، فإن هذا هو أصل الدين، وهو إرث الأنبياء والمرسلين، وما بعده تبع له. فإذا أصلحنا القلوب ووجهناها إلى بارئها، فإنها حينئذ تنقاد، وتقبل الأوامر والنواهي، ويهون عليها فعل الواجبات، وترك المحرمات. أما إذا كان القلب موزعًا مفرقًا، لا يوحد الله تعالى، ثقل عليه ذلك.\nفرحم الله شيخ الإسلام، الإمام المجدد، محمد بن عبد الوهاب، على ما أودع في هذا الكتاب النافع، من حجج، وبينات، تكشف الشبهات.\nوصلِّ اللهم علي نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"1","page":145},{"text":"<span data-type='title' id=toc-24>فهرس المراجع</span>\n١. تاريخ ابن غنام روضة الأفكار والأفهام لمرتاد حال الإمام وتعدداد غزوات ذوي الإسلام. المؤلف العلامة الشيخ: حسين بن أبي بكر بن غنام. اعتنى به سليمان بن صالح الخراشي.\n٢. تاريخ الإسلام وَوَفيات المشاهير وَالأعلام. المؤلف: شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قَايْماز الذهبي (المتوفى: ٧٤٨ هـ)، المحقق: الدكتور بشار عوّاد معروف الناشر: دار الغرب الإسلامي الطبعة: الأولى، ٢٠٠٣ م.\n٣. تاريخ الخلفاء. المؤلف: عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي (المتوفى: ٩١١ هـ)، المحقق: حمدي الدمرداش الناشر: مكتبة نزار مصطفى الباز، الطبعة: الطبعة الأولى: ١٤٢٥ هـ-٢٠٠٤ م.\n٤. التدمرية: تحقيق الإثبات للأسماء والصفات وحقيقة الجمع بين القدر والشرع. المؤلف: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: ٧٢٨ هـ)، المحقق: د. محمد بن عودة السعوي الناشر: مكتبة العبيكان - الرياض الطبعة: السادسة ١٤٢١ هـ/ ٢٠٠٠ م.\n٥. تفسير القرآن العظيم لابن أبي حاتم. المؤلف: أبو محمد عبد الرحمن بن محمد بن إدريس بن المنذر التميمي، الحنظلي، الرازي ابن أبي حاتم (المتوفى: ٣٢٧ هـ)، المحقق: أسعد محمد الطيب الناشر: مكتبة نزار مصطفى الباز - المملكة العربية السعودية. الطبعة: الثالثة - ١٤١٩ هـ.\n٦. جامع البيان في تأويل القرآن المؤلف: محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: ٣١٠ هـ)، المحقق: أحمد محمد شاكر الناشر: مؤسسة الرسالة الطبعة: الأولى، ١٤٢٠ هـ - ٢٠٠٠ م عدد الأجزاء: ٢٤.","vol":"1","page":146},{"text":"٧. حلية الأولياء وطبقات الأصفياء. المؤلف: أبو نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مهران الأصبهاني (المتوفى: ٤٣٠ هـ)، الناشر: السعادة - بجوار محافظة مصر، ١٣٩٤ هـ - ١٩٧٤ م، ثم صورتها عدة دور منها دار الكتاب العربي - بيروت، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، دار الكتب العلمية- بيروت (طبعة ١٤٠٩ هـ بدون تحقيق) عدد الأجزاء: ١٠.\n٨. الدرر السنية في الأجوبة النجدية. المؤلف: علماء نجد الأعلام، المحقق: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم. الطبعة: السادسة، ١٤١٧ هـ/ ١٩٩٦ م.\n٩. سنن ابن ماجه، المؤلف: ابن ماجة أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني، وماجة اسم أبيه يزيد (المتوفى: ٢٧٣ هـ)، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، الناشر: دار إحياء الكتب العربية - فيصل عيسى البابي الحلبي، عدد الأجزاء: ٢.\n١٠. سنن أبي داود المؤلف: أبو داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد بن عمرو الأزدي السِّجِسْتاني (المتوفى: ٢٧٥ هـ)، المحقق: محمد محيي الدين عبد الحميد، الناشر: المكتبة، العصرية، صيدا - بيروت، عدد الأجزاء: ٤.\n١١. سنن الترمذي المؤلف: محمد بن عيسى بن سَوْرة بن موسى بن الضحاك، الترمذي، أبو عيسى (المتوفى: ٢٧٩ هـ)، تحقيق وتعليق: أحمد محمد شاكر (ج ١، ٢)، ومحمد فؤاد عبد الباقي (ج ٣)، وإبراهيم عطوة عوض المدرس في الأزهر الشريف (ج ٤، ٥)، الناشر: شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي - مصر، الطبعة: الثانية، ١٣٩٥ هـ - ١٩٧٥ معدد الأجزاء: ٥ أجزاء.\n١٢. السنن الصغرى للنسائي، المؤلف: أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي الخراساني، النسائي (المتوفى: ٣٠٣ هـ)، تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة، الناشر: مكتب المطبوعات الإسلامية - حلب الطبعة: الثانية، ١٤٠٦ - ١٩٨٦، عدد الأجزاء: ٩ (٨ ومجلد للفهارس).\n١٣. السنن الكبرى المؤلف: أحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخُسْرَوْجِردي الخراساني، أبو بكر البيهقي (المتوفى: ٤٥٨ هـ)، المحقق: محمد عبد القادر عطا الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان الطبعة: الثالثة، ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م.","vol":"1","page":147},{"text":"١٤. السيرة النبوية (من البداية والنهاية لابن كثير)، المؤلف: أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي (المتوفى: ٧٧٤ هـ)، تحقيق: مصطفى عبد الواحد الناشر: دار المعرفة للطباعة والنشر والتوزيع بيروت - لبنان. عام النشر: ١٣٩٥ هـ - ١٩٧٦ م.\n١٥. السيرة النبوية لابن هشام المؤلف: عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري المعافري أبو محمد [ت: ٢١٣ هـ]، المحقق: طه عبد الرءوف سعد الناشر: دار الجيل - بيروت الطبعة: الأولى، ١.\n١٦. شرح كتاب كشف الشبهات: من تقريرات سماحة الشيخ: محمد بن إبراهيم آل الشيخ. جمعه ورتبه: محمد بن عبد الرحمن بن قاسم النجدي: الطبعة الثالثة لعام ١٤٢٨ هـ.\n١٧. الشريعة. المؤلف: أبو بكر محمد بن الحسين بن عبد الله الآجُرِّيُّ البغدادي (المتوفى: ٣٦٠ هـ)، المحقق: الدكتور عبد الله بن عمر بن سليمان الدميجي، الناشر: دار الوطن - الرياض/ السعودية. الطبعة: الثانية، ١٤٢٠ هـ - ١٩٩٩ م.\n١٨. صحيح البخاري: المؤلف: محمد بن إسماعيل أبو عبد الله البخاري الجعفي، المحقق: محمد زهير بن ناصر الناصر، الناشر: دار طوق النجاة (مصورة عن السلطانية بإضافة ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي)، الطبعة: الأولى، ١٤٢٢ هـ، عدد الأجزاء: ٩.\n١٩. صحيح مسلم لمسلم بن الحجاج أبو الحسن القشيري النيسابوري (المتوفى: ٢٦١ هـ)، المحقق: محمد فؤاد عبد الباقي، الناشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت، عدد الأجزاء: ٥.\n٢٠. العرش للذهبي شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قَايْماز الذهبي (المتوفى: ٧٤٨ هـ)، المحقق: محمد بن خليفة بن علي التميمي، الناشر: عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، المملكة العربية السعودية، الطبعة: الثانية، ١٤٢٤ هـ/ ٢٠٠٣ م، عدد الأجزاء: ٢.\n٢١. العهد القديم: المؤلف الأبوان بولس الفغالي وأنطوان عوكر، الجامعة الانطونية. ٢٠٠٧ م.\n٢٢. فتاوى ورسائل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ. المؤلف: محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ (المتوفى: ١٣٨٩ هـ)، جمع وترتيب وتحقيق: محمد بن عبد الرحمن بن قاسم. الناشر: مطبعة الحكومة بمكة المكرمة الطبعة: الأولى، ١٣٩٩ هـ.","vol":"1","page":148},{"text":"٢٣. فتح الباري شرح صحيح البخاري المؤلف: أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني الشافعي، الناشر: دار المعرفة - بيروت، ١٣٧٩، رقم كتبه وأبوابه وأحاديثه: محمد فؤاد عبد الباقي، قام بإخراجه وصححه وأشرف على طبعه: محب الدين الخطيب عليه تعليقات العلامة: عبد العزيز بن عبد الله بن باز عدد الأجزاء: ١٣.\n٢٤. كتاب الأصنام المؤلف: أبو المنذر هشام بن محمد أبي النضر ابن السائب ابن بشر الكلبي (المتوفى: ٢٠٤ هـ)، المحقق: أحمد زكي باشا، الناشر: دار الكتب المصرية - القاهرة الطبعة: الرابعة، ٢٠٠٠ م.\n٢٥. مجموع الفتاوى لتقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (المتوفى: ٧٢٨ هـ)، المحقق: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم الناشر: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعودية عام النشر: ١٤١٦ هـ/ ١٩٩٥ م.\n٢٦. مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين. المؤلف: محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى: ٧٥١ هـ. المحقق: محمد المعتصم بالله البغدادي الناشر: دار الكتاب العربي - بيروت الطبعة: الثالثة، ١٤١٦ هـ - ١٩٩٦ م.\n٢٧. المدخل إلى السنن الكبرى. المؤلف: أحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخُسْرَوْجِردي الخراساني، أبو بكر البيهقي (المتوفى: ٤٥٨ هـ)، المحقق: د. محمد ضياء الرحمن الأعظمي الناشر: دار الخلفاء للكتاب الإسلامي - الكويت.\n٢٨. المستدرك على الصحيحين المؤلف: أبو عبد الله الحاكم محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه بن نُعيم بن الحكم الضبي الطهماني النيسابوري المعروف بابن البيع (المتوفى: ٤٠٥ هـ)، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت الطبعة: الأولى، ١٤١١ - ١٩٩٠ عدد الأجزاء: ٤.\n٢٩. مسند الإمام أحمد بن حنبل، المؤلف: أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني (المتوفى: ٢٤١ هـ)، المحقق: شعيب الأرنؤوط - عادل مرشد، وآخرون، إشراف: د عبد الله بن عبد المحسن التركي، الناشر: مؤسسة الرسالة الطبعة: الأولى، ١٤٢١ هـ - ٢٠٠١ م.","vol":"1","page":149}]}