{"ً":{"ٌ":30163,"ٍ":"التعليقة في أصول الفقه للكيا - قطعة منه","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"shamela","files":["30163/30163.pdf"]},"ّ":"الكتاب: التعليقة في أصول الفقه\n(قطعة تمثل النصف الأول من الكتاب)\nعُلقت عن: إلكيا الهراسي عماد الدين علي بن الحسن الطبري الشافعي (ت ٥٠٤ هـ)\nويليه: ملحق بآراء ونصوص الهراسي الأصولية\nالمحقق: مَقصد فِكْرَت أُوغلُوكرِيمُوف - المُثَنى بن عبد العزيز الجرباء\nالناشر: دار أسفار - الكويت\nالطبعة: الأولى، ١٤٤٢ هـ - ٢٠٢١ م\nعدد الصفحات: ٣٧٨\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":33,"ٕ":11,"ٖ":1781462446,"ٗ":55},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مقدمة الناشر","level":1,"page":1},{"title":"مقدمة التحقيق","level":1,"page":3},{"title":"أولا: المؤلف","level":2,"page":6},{"title":"١ - اسمه ونسبه","level":3,"page":6},{"title":"٢ - نشأته ومناصبه","level":3,"page":8},{"title":"المرحلة الأولى من حياته من ولادته إلى سن (١٨) نشأته في مسقط رأسه","level":4,"page":8},{"title":"المرحلة الثانية (من سن ١٨ إلى ٢٨) ملازمته لإمام الحرمين","level":4,"page":9},{"title":"المرحلة الثالثة (من سن ٢٨ إلى ٤٢) الاستقلال وتولي المناصب","level":4,"page":9},{"title":"المرحلة الرابعة: (من سن ٤٢ إلى ٥٤) العطاء العلمي","level":4,"page":11},{"title":"٣ - أسرته","level":3,"page":12},{"title":"٤ - شيوخه وأساتذته","level":3,"page":13},{"title":"٥ - تلاميذه","level":3,"page":14},{"title":"٦ - من أقوال العلماء فيه، وشيء من صفاته","level":3,"page":17},{"title":"٧ - من علاقته بأهل العلم في زمانه","level":3,"page":18},{"title":"٨ - من الأقوال المشهورة عنه","level":3,"page":20},{"title":"٩ - محنته","level":3,"page":20},{"title":"١٠ - وفاته","level":3,"page":22},{"title":"١١ - مؤلفاته","level":3,"page":23},{"title":"ثانيا: كتاب التعليقة في أصول الفقه","level":2,"page":33},{"title":"١ - مفهوم التعليقة","level":3,"page":33},{"title":"٢ - تحقيق اسم الكتاب، وإثبات نسبته","level":3,"page":34},{"title":"٣ - محتوى الكتاب ومباحثه","level":3,"page":41},{"title":"٤ - مصادر التعليقة ومواردها","level":3,"page":43},{"title":"٥ - بعض المزايا والمعالم في «التعليقة»","level":3,"page":44},{"title":"٦ - ملحوظات على الكتاب","level":3,"page":46},{"title":"ثالثا: وصف المخطوط","level":2,"page":47},{"title":"منهج العمل في إخراج النص والتعليق عليه","level":2,"page":51},{"title":"نماذج من المخطوط المعتمد","level":2,"page":54},{"title":"[تعريف أصول الفقه واستمداده]","level":1,"page":55},{"title":"فأما الطريقة الجدلية","level":2,"page":67},{"title":"وأما الطريقة الإلزامية","level":2,"page":73},{"title":"أما الطريقة البرهانية","level":2,"page":75},{"title":"مسألة","level":2,"page":77},{"title":"مسألة","level":2,"page":81},{"title":"كتاب التكاليف","level":1,"page":82},{"title":"«المندوب إليه» هل هو داخل في التكاليف أم لا؟","level":2,"page":83},{"title":"مسألة","level":2,"page":83},{"title":"مسألة","level":2,"page":84},{"title":"فصل معقود فيما يجوز أن يرد الشرع به من التكاليف وما لا يجوز، ومن يجوز تكليفه ومن لا يجوز","level":2,"page":86},{"title":"فصل","level":2,"page":87},{"title":"مسألة","level":3,"page":87},{"title":"فصل","level":2,"page":88},{"title":"كتاب اللغات","level":1,"page":90},{"title":"فصل","level":2,"page":90},{"title":"فصل معقود في النفي المضاف إلى الجنس المطلق","level":2,"page":91},{"title":"مسألة","level":3,"page":94},{"title":"مسألة","level":3,"page":94},{"title":"مسألة","level":3,"page":95},{"title":"مسألة","level":3,"page":96},{"title":"كتاب البيان","level":1,"page":97},{"title":"فصل معقود في مراتب البيان","level":2,"page":97},{"title":"فصل في تأخير البيان","level":2,"page":99},{"title":"كتاب الأوامر","level":1,"page":100},{"title":"مسألة","level":2,"page":101},{"title":"مسألة","level":2,"page":101},{"title":"فصل ومما يتعلق بهذه المسألة مسألتان","level":2,"page":102},{"title":"فصل","level":2,"page":108},{"title":"كتاب النواهي","level":1,"page":112},{"title":"مسألة مشكلة","level":2,"page":116},{"title":"كتاب العموم والخصوص","level":1,"page":118},{"title":"فصل","level":2,"page":119},{"title":"مسألة في صيغة العموم","level":2,"page":119},{"title":"فصل","level":2,"page":121},{"title":"فصل","level":2,"page":121},{"title":"فصل","level":2,"page":122},{"title":"فصل","level":2,"page":123},{"title":"فصل","level":2,"page":124},{"title":"فصل","level":2,"page":125},{"title":"فصل","level":2,"page":126},{"title":"فصل معقود في بيان مجمل الأدلة المخصصة التي بها يعرف التخصيص","level":2,"page":127},{"title":"فصل معقود في بيان القرائن المخصصة للعموم","level":2,"page":128},{"title":"فصل","level":2,"page":130},{"title":"فصل","level":2,"page":130},{"title":"فصل","level":2,"page":131},{"title":"فصل في أن المخاطب؛ هل يدخل تحت الخطاب العام أم لا؟","level":2,"page":131},{"title":"فصل","level":2,"page":132},{"title":"فصل","level":2,"page":134},{"title":"فصل فيما ألحق بالعموم وليس منه","level":2,"page":136},{"title":"فصل اعلم أن التخصيص يقع بالأدلة المنفصلة، والأدلة المتصلة.","level":2,"page":138},{"title":"فصل","level":2,"page":139},{"title":"فصل","level":2,"page":139},{"title":"فصل معقود في الأدلة المخصصة","level":2,"page":142},{"title":"فصل في الشروط","level":2,"page":144},{"title":"فصل في حمل المطلق على المقيد وكيفية الكلام فيه","level":2,"page":145},{"title":"فصل","level":2,"page":147},{"title":"فصل","level":2,"page":149},{"title":"فصل معقود في أفعال رسول الله صلى الله عليه؛ هل يخص بها العموم أم لا؟","level":2,"page":156},{"title":"فصل معقود في جواز نسخ العموم بعادات المخاطبين","level":2,"page":158},{"title":"فصل معقود في اللفظ إذا كان له عرفان","level":2,"page":160},{"title":"فصل ومما يجوز تخصيص العموم به أيضا: إقراره صلى الله عليه.","level":2,"page":161},{"title":"فصل","level":2,"page":162},{"title":"فصل هل يجوز تخصيص العموم بفعل الراوي ورأيه ومذهبه أم لا؟","level":2,"page":163},{"title":"فصل معقود فيما يجوز ادعاء العموم فيه وما لا يجوز.","level":2,"page":166},{"title":"فصل","level":2,"page":167},{"title":"فصل معقود في بناء الخاص على العام","level":2,"page":169},{"title":"فصل","level":2,"page":172},{"title":"كتاب المفهوم","level":1,"page":180},{"title":"كتاب الأفعال","level":1,"page":183},{"title":"فصل معقود في جواز التأسي بأفعال النبي صلى الله عليه","level":2,"page":185},{"title":"فصل معقود في تقرير رسول الله صلى الله عليه؛ هل هو حجة أم لا؟","level":2,"page":185},{"title":"فصل معقود في سكوته صلى الله عليه؛ هل يحتج به أم لا؟","level":2,"page":188},{"title":"فصل معقود في سكوت الراوي عن نقل حكم من أحكام الفعل؛ هل يكون حجة أم لا؟","level":2,"page":191},{"title":"فصل معقود في أفعال رسول الله ﷺ عليه إذا اختلفت؛ هل يعارض بعضها بعضا أو ينسخ بعضها بعضا؟","level":2,"page":193},{"title":"فصل اختلف الأصوليون في شرع من قبلنا؛ هل هو شرع لنا أم لا؟","level":2,"page":194},{"title":"باب التأويلات","level":2,"page":195},{"title":"فصل","level":2,"page":195},{"title":"فصل معقود في بيان ما يعد مجملا وليس منه","level":2,"page":195},{"title":"فصل آخر فيما أخرج من العموم ولا يجوز إخراجه منه","level":2,"page":196},{"title":"فصل","level":2,"page":197},{"title":"فصل معقود في بيان من التأويلات الفاسدة","level":2,"page":198},{"title":"فصل معقود في بيان من فاسد التأويل","level":2,"page":199},{"title":"فضل معقود في بيان آخر من فاسد التأويل","level":3,"page":200},{"title":"فصل معقود في بيان من فاسد التأويل","level":2,"page":201},{"title":"فصل","level":2,"page":203},{"title":"فصل معقود في بيان من فاسد التأويل","level":2,"page":205},{"title":"[من كتاب النسخ]","level":3,"page":208},{"title":"[بم يعرف النسخ]","level":3,"page":208},{"title":"فصل","level":2,"page":209},{"title":"كتاب الإجماع","level":1,"page":210},{"title":"فصل","level":2,"page":210},{"title":"فصل","level":2,"page":210},{"title":"فصل","level":2,"page":211},{"title":"فصل","level":2,"page":211},{"title":"فصل","level":2,"page":212},{"title":"فصل","level":2,"page":213},{"title":"فصل","level":2,"page":213},{"title":"فصل","level":2,"page":213},{"title":"فصل في الإجماع وانقسامه","level":2,"page":215},{"title":"فصل","level":2,"page":217},{"title":"فصل","level":2,"page":218},{"title":"فصل","level":2,"page":220},{"title":"كتاب الأخبار","level":1,"page":222},{"title":"فصل","level":2,"page":222},{"title":"فصل","level":2,"page":222},{"title":"فصل معقود في الشرائط المعتبرة في حصول العلم بخبر التواتر","level":2,"page":224},{"title":"فصل معقود في بيان حكم الزيادة إذا لم تنقل نقل الأصل؛ هل تقبل أم لا؟","level":2,"page":224},{"title":"فصل معقود في خبر الواحد إذا ورد مخالفا لقضية العقل","level":2,"page":226},{"title":"فصل","level":2,"page":226},{"title":"فصل","level":2,"page":228},{"title":"فصل معقود في وجوب العمل بخبر الواحد","level":2,"page":229},{"title":"فصل","level":2,"page":229},{"title":"فصل معقود في شروط الراوي","level":2,"page":230},{"title":"فصل","level":2,"page":232},{"title":"فصل","level":2,"page":233},{"title":"فصل","level":2,"page":234},{"title":"فصل في المراسيل","level":2,"page":235},{"title":"فصل في تعديل الصحابة","level":2,"page":237},{"title":"فصل في بيان خبر المدلس","level":2,"page":238},{"title":"فصل معقود في رواية أهل الأهواء","level":2,"page":239},{"title":"فصل معقود في تردد الشيخ المروي عنه في الحديث هل يكون قدحا أم لا؟","level":2,"page":239},{"title":"فصل","level":2,"page":241},{"title":"فصل معقود في أن الأخبار هل يجوز روايتها بالمعنى أم لا؟","level":2,"page":243},{"title":"فصل","level":2,"page":244},{"title":"فصل في بيان قبول الرواية على النفي","level":2,"page":245},{"title":"فصل معقود في الرواية والنسبة","level":2,"page":247},{"title":"ملحق يجمع النصوص والآراء المنقولة عن المصنف إلكيا الهراسي","level":1,"page":249},{"title":"القسم الأول النصوص","level":2,"page":253},{"title":"المقدمات، التكاليف","level":3,"page":254},{"title":"بيان مذهب المعتزلة في جعل العقل حاكما على المكلفين","level":3,"page":254},{"title":"مسائل الحكم الشرعي","level":3,"page":255},{"title":"مسألة إثبات الواجب الموسع","level":3,"page":255},{"title":"الاستناد على الإجماع في عدم وجوب قضاء الصلوات لمن صلاها في الأرض المغصوبة","level":3,"page":255},{"title":"هل المكروه يدخل تحت الأمر؟","level":3,"page":256},{"title":"هل الواجبات يوصف شيء منها بالرخصة؟","level":3,"page":256},{"title":"سبب تناول الأصوليين مسألة خطاب الكفار بفروع الشريعة","level":3,"page":257},{"title":"حقوق الله على المكلفين والأعذار المسقطة للتكليف","level":3,"page":257},{"title":"مباحث اللغة","level":3,"page":260},{"title":"اشتراط وجود العلاقة في المجاز","level":3,"page":260},{"title":"نقل مذهب القاضي في إرادة الحقيقة والمجاز بعبارة واحدة","level":3,"page":261},{"title":"الاطراد","level":3,"page":261},{"title":"اشتقاق الصفة","level":3,"page":261},{"title":"حقيقة المشترك","level":3,"page":262},{"title":"الألفاظ المتواردة والمترادفة","level":3,"page":262},{"title":"مذاهب العلماء في الواو العاطفة","level":3,"page":262},{"title":"توضيح مذهب الفراء","level":3,"page":262},{"title":"توضيح مذهب إمام الحرمي","level":3,"page":263},{"title":"استعمال «من» لابتداء الغاية، وإنكار مجيئها للتبعيض","level":3,"page":263},{"title":"استعمال «إلى» لانتهاء الغاية زمانا ومكانا","level":3,"page":264},{"title":"مباحث العموم والخصوص","level":3,"page":265},{"title":"هل النهي المقيد بشرط أو صفة يقتضي التكرار؟","level":3,"page":265},{"title":"هل الصورة النادرة تدخل تحت العموم؟","level":3,"page":265},{"title":"مراتب اللفظ العام بوضع اللغة","level":3,"page":266},{"title":"نفي المساواة بين الشيئين","level":3,"page":267},{"title":"أقسام ألفاظ العموم","level":3,"page":267},{"title":"تحرير مذهب القاضي الباقلاني في استثناء الأكثر","level":3,"page":268},{"title":"رأي ابن فورك في الاحتجاج بمفهوم اللقب","level":3,"page":268},{"title":"صيغ مفهوم الحصر","level":3,"page":268},{"title":"مباحث النسخ","level":3,"page":270},{"title":"الرد على القاضي الباقلاني في تعريف النسخ","level":3,"page":270},{"title":"هل النسخ يستلزم البداء؟","level":3,"page":270},{"title":"من شروط النسخ","level":3,"page":271},{"title":"اشتراط أن يكون الناسخ منفصلا","level":3,"page":271},{"title":"أن يكون الناسخ أقوى من المنسوخ أو مثله","level":3,"page":271},{"title":"أن يكون المقتضى بالمنسوخ غير المقتضى بالناسخ","level":3,"page":271},{"title":"أن يكون مما يجوز أن يكون مشروعا","level":3,"page":272},{"title":"النسخ قبل علم المكلف بالوجوب","level":3,"page":272},{"title":"النسخ قبل التمكن من الفعل","level":3,"page":273},{"title":"ما نسخ حكمه ورسمه، ونسخ رسم الناسخ وبقي حكمه","level":3,"page":273},{"title":"جواز نسخ المتواتر بالآحاد عقلا","level":3,"page":273},{"title":"حكاية مذهب الإمام الشافعي في نسخ القرآن بالسنة بالمنع وموقف إلكيا من ذلك","level":3,"page":274},{"title":"نسخ السنة بالكتاب","level":3,"page":276},{"title":"هل الإجماع يكون ناسخا؟","level":3,"page":277},{"title":"القياس لا ينسخ ولا ينسخ به","level":3,"page":277},{"title":"الحكم الثابت بالقياس إذا نسخ أصله؛ ما حكمه؟","level":3,"page":278},{"title":"الزيادة على النص هل هي نسخ أو لا؟","level":3,"page":279},{"title":"النقصان من العبادة هل هو نسخ لها أم لا؟","level":3,"page":280},{"title":"من دلائل النسخ","level":3,"page":280},{"title":"إخبار الصحابي","level":3,"page":280},{"title":"إذا كان راوي أحدها متقدم الصحبة والآخر متأخرا","level":3,"page":281},{"title":"مباحث القرآن والسنة","level":3,"page":282},{"title":"حكم الاحتجاج بالقراءة الشاذة","level":3,"page":282},{"title":"تعريف السنة لغة","level":3,"page":283},{"title":"فعل النبي ﷺ المطلق والمجرد؛ ما حكمه؟","level":3,"page":283},{"title":"التعارض بين قول النبي ﷺ وفعله","level":3,"page":284},{"title":"إقرار النبي ﷺ","level":3,"page":284},{"title":"الاعتماد على كتب الحديث من غير الرواية بالإسناد","level":3,"page":285},{"title":"انتقاء الإمام مالك أحاديث «الموطأ»","level":3,"page":285},{"title":"إفادة أحاديث الصحيحين العلم","level":3,"page":285},{"title":"اختلاف الثقات في رواية الحديث متصلا أو مرسلا","level":3,"page":286},{"title":"الإجماع على وفق خبر من الأخبار؛ هل يكون دليلا على صحته؟","level":3,"page":286},{"title":"مباحث القياس","level":3,"page":288},{"title":"تعريف القياس اصطلاحا","level":3,"page":288},{"title":"الفرق بين القياس والاجتهاد","level":3,"page":288},{"title":"إثبات الحدود والكفارات والمقدرات - التي لا نص فيها ولا إجماع - بالقياس","level":3,"page":288},{"title":"جواز القياس في الرخص","level":3,"page":290},{"title":"إطلاقات «الأصل» عند الأصوليين","level":3,"page":291},{"title":"حكم الأصل إذا كان ثابتا بالقياس؛ هل يجوز القياس عليه؟","level":3,"page":291},{"title":"القياس في المركب","level":3,"page":292},{"title":"المعدول به عن سنن القياس","level":3,"page":292},{"title":"القياس على المخصوص بالذكر والمعنى","level":3,"page":295},{"title":"ما يمتنع فيه القياس","level":3,"page":295},{"title":"الاختلاف في السابع من شروط الفرع: وهو ألا يكون الحكم في الفرع ثابتا قبل الأصل","level":3,"page":296},{"title":"اشتراط دلالة دليل غير القياس على ثبوت الحكم في الفرع بطريق الإجمال","level":3,"page":296},{"title":"معنى العلة في اللغة","level":3,"page":297},{"title":"معنى العلة في الاصطلاح","level":3,"page":297},{"title":"إطلاقات الفقهاء للسبب في الاصطلاح","level":3,"page":298},{"title":"هل الأحكام الشرعية وضعت لعلل حكمية أو لا؟","level":3,"page":299},{"title":"فصل في ذكر شروط العلة","level":3,"page":301},{"title":"اقتصار الشارع على أحد الوصفين","level":3,"page":303},{"title":"التعليل بالعدم","level":3,"page":304},{"title":"ألا يكون الدليل الدال عليها متناولا لحكم الفرع، لا بعمومه ولا بخصوصه","level":3,"page":304},{"title":"منشأ الخلاف في التعليل بالعلة القاصرة","level":3,"page":305},{"title":"من شروط التعليل بالأوصاف العرفية كونها ذات أوصاف","level":3,"page":305},{"title":"تعدد العلل الشرعية مع اتحاد الحكم وعكسه","level":3,"page":305},{"title":"فرع مرتب على المسألة السابقة","level":3,"page":306},{"title":"تعليل الحكمين بعلة واحدة","level":3,"page":306},{"title":"أقسام السبر في مسالك العلة","level":3,"page":307},{"title":"من مسالك إثبات العلة: الشبه","level":3,"page":308},{"title":"شروط قياس الشبه","level":3,"page":309},{"title":"الخلاف في إفادة الدوران العلية","level":3,"page":310},{"title":"من مسالك إثبات العلة: الطرد","level":3,"page":311},{"title":"الاعتراضات على القياس","level":3,"page":313},{"title":"قادح النقض","level":3,"page":313},{"title":"قادح عدم التأثير","level":3,"page":314},{"title":"قادح القول بالموجب","level":3,"page":314},{"title":"قادح فساد الوضع","level":3,"page":316},{"title":"قادح المنع، ويتوجه على الأصل والفرع","level":3,"page":316},{"title":"قادح المعارضة","level":3,"page":318},{"title":"قبول المعارضة في حكم الفرع","level":3,"page":319},{"title":"أقسام المعارضة عند الجدليين","level":3,"page":320},{"title":"فصل في التعلق بمناقضات الخصوم","level":3,"page":322},{"title":"ما المطلوب من المعلل: إذا ذكر وصفا وقاس على أصل؟","level":3,"page":323},{"title":"الخلاف في حجية الاستصحاب","level":3,"page":326},{"title":"صور استصحاب الحال","level":3,"page":327},{"title":"اختلاف الحنفية في حقيقة الاستحسان","level":3,"page":329},{"title":"التعادل والترجيح","level":3,"page":330},{"title":"التعادل بين الدليلين القطعيين والظنيين","level":3,"page":330},{"title":"تعارض الدليلين عند المجتهد","level":3,"page":331},{"title":"معنى الترجيح","level":3,"page":331},{"title":"الترجيح إذا كان مع أحد الخبرين قياس","level":3,"page":332},{"title":"الترجيح بين الكثرة والعدالة في الإسناد","level":3,"page":332},{"title":"عدم اعتبار الذكورية في الترجيح في الإسناد","level":3,"page":333},{"title":"من المرجحات في كيفية الرواية: اتفاق رواة أحد الحديثين","level":3,"page":334},{"title":"القول في الترجيح من جهة المتن","level":3,"page":335},{"title":"الترجيح بحسب اللفظ","level":3,"page":335},{"title":"من المرجحات: المقصود به بيان الحكم","level":3,"page":335},{"title":"الترجيح بالاحتياط","level":3,"page":336},{"title":"الترجيح بحسب الأمور الخارجية","level":3,"page":337},{"title":"فصل في المجتهد من القدماء، ومن الذي حاز الرتبة منهم","level":3,"page":339},{"title":"جواز الاجتهاد من غير الأنبياء في زمانهم","level":3,"page":340},{"title":"تصويب المجتهدين في العقليات","level":3,"page":341},{"title":"تصويب المجتهدين في الظنيات","level":3,"page":341},{"title":"تقليد المجتهد لمثله قبل الاجتهاد في الواقعة","level":3,"page":343},{"title":"التقليد في أصول الدين","level":3,"page":344},{"title":"حكم انتقال المقلد من مذهب إلى آخر","level":3,"page":344},{"title":"حكم البحث عن الأعلم في الاستفتاء","level":3,"page":345},{"title":"إعمال الخاطر في الترجيح بين المفتيين إذا تساويا في ظنه","level":3,"page":345},{"title":"حكم التخير بين المذاهب في آحاد المسائل","level":3,"page":346},{"title":"هل يجب على العامي أن يقلد مذهبا معينا؟","level":3,"page":346},{"title":"العامي إذا اتبع مجتهدا ثم مات، وفي العصر مجتهد آخر","level":3,"page":346},{"title":"القسم الثاني الاختيارات","level":2,"page":347},{"title":"العلم الحاصل عقيب النظر؛ هل هو ضروري أم نظري؟","level":3,"page":348},{"title":"وجوب الصوم على أهل الأعذار","level":3,"page":348},{"title":"هل المندوب مأمور به؟","level":3,"page":348},{"title":"ثبوت المجاز في اللغة","level":3,"page":349},{"title":"الخلاف في تسمية المجاز بالنقصان مجازا كقوله تعالى: «واسأل القرية»","level":3,"page":349},{"title":"استعمال «إنما» في الحصر","level":3,"page":349},{"title":"هل يجب العمل بالعام قبل البحث عن مخصص؟","level":3,"page":349},{"title":"فرع مرتب على المسألة السابقة","level":3,"page":349},{"title":"الفرق بين عموم الجمع وعموم اسم الجمع","level":3,"page":350},{"title":"نوع الخلاف في استثناء الأكثر","level":3,"page":350},{"title":"إثبات مفهوم الحال، وأنه مستقل عن مفهوم الصفة","level":3,"page":350},{"title":"تعليق الحكم بـ: «إن»","level":3,"page":351},{"title":"هل قواعد أصول الفقه المتعلقة بالألفاظ تختص بكلام الشارع؟","level":3,"page":351},{"title":"هل يجوز أن يجمع على شيء سبق خلافه؟","level":3,"page":351},{"title":"القياس من أصول الفقه","level":3,"page":351},{"title":"اختلفوا في المعلول ما هو؟","level":3,"page":352},{"title":"انقسام العلة باعتبار عملها في الابتداء والدوام","level":3,"page":352},{"title":"اشتراط الوصف الموما إليه للحكم في أقسام الإيماء والتنبيه","level":3,"page":352},{"title":"هل يجوز أن يقول الله لنبيه: «احكم فإنك لا تحكم إلا بالحق»؟","level":3,"page":353},{"title":"نقل المذاهب في مسألة حكم التعادل في نفس الأمر","level":3,"page":353},{"title":"الترجيح بين العلل","level":3,"page":354},{"title":"شروط المجتهد الفقيه","level":3,"page":354},{"title":"توجيه مذهب القاضي في تسمية قبول العامي قول العالم تقليدا","level":3,"page":355},{"title":"الإفتاء بالحديث","level":3,"page":355},{"title":"تقليد غير المجتهد للمجتهد الميت","level":3,"page":356},{"title":"هل يجب على العامي التزام تقليد معين في كل واقعة؟","level":3,"page":356}],"ٛ":{"1,5":1,"1,6":2,"1,7":3,"1,8":4,"1,9":5,"1,10":6,"1,11":7,"1,12":8,"1,13":9,"1,14":10,"1,15":11,"1,16":12,"1,17":13,"1,18":14,"1,19":15,"1,20":16,"1,21":17,"1,22":18,"1,23":19,"1,24":20,"1,25":21,"1,26":22,"1,27":23,"1,28":24,"1,29":25,"1,30":26,"1,31":27,"1,32":28,"1,33":29,"1,34":30,"1,35":31,"1,36":32,"1,37":33,"1,38":34,"1,39":35,"1,40":36,"1,41":37,"1,42":38,"1,43":39,"1,44":40,"1,45":41,"1,46":42,"1,47":43,"1,48":44,"1,49":45,"1,50":46,"1,51":47,"1,52":48,"1,53":49,"1,54":50,"1,55":51,"1,56":52,"1,57":53,"1,59":54,"1,65":55,"1,66":56,"1,67":57,"1,68":58,"1,69":59,"1,70":60,"1,71":61,"1,72":62,"1,73":63,"1,74":64,"1,75":65,"1,76":66,"1,77":67,"1,78":68,"1,79":69,"1,80":70,"1,81":71,"1,82":72,"1,83":73,"1,84":74,"1,85":75,"1,86":76,"1,87":77,"1,88":78,"1,89":79,"1,90":80,"1,91":81,"1,93":82,"1,94":83,"1,95":84,"1,96":85,"1,97":86,"1,98":87,"1,99":88,"1,100":89,"1,101":90,"1,102":91,"1,103":92,"1,104":93,"1,105":94,"1,106":95,"1,107":96,"1,109":97,"1,110":98,"1,111":99,"1,113":100,"1,114":101,"1,115":102,"1,116":103,"1,117":104,"1,118":105,"1,119":106,"1,120":107,"1,121":108,"1,122":109,"1,123":110,"1,124":111,"1,125":112,"1,126":114,"1,127":115,"1,128":116,"1,129":117,"1,131":118,"1,132":119,"1,133":120,"1,134":121,"1,135":122,"1,136":123,"1,137":124,"1,138":125,"1,139":126,"1,140":127,"1,141":128,"1,142":129,"1,143":130,"1,144":131,"1,145":132,"1,146":133,"1,147":134,"1,148":135,"1,149":136,"1,150":137,"1,151":138,"1,152":139,"1,153":140,"1,154":141,"1,155":142,"1,156":143,"1,157":144,"1,158":145,"1,159":146,"1,160":147,"1,161":148,"1,162":149,"1,163":150,"1,164":151,"1,165":152,"1,166":153,"1,167":154,"1,168":155,"1,169":156,"1,170":157,"1,171":158,"1,172":159,"1,173":160,"1,174":161,"1,175":162,"1,176":163,"1,177":164,"1,178":165,"1,179":166,"1,180":167,"1,181":168,"1,182":169,"1,183":170,"1,184":171,"1,185":172,"1,186":173,"1,187":174,"1,188":175,"1,189":176,"1,190":177,"1,191":178,"1,192":179,"1,193":180,"1,194":181,"1,195":182,"1,197":183,"1,198":184,"1,199":185,"1,200":186,"1,201":187,"1,202":188,"1,203":189,"1,204":190,"1,205":191,"1,206":192,"1,207":193,"1,208":194,"1,209":195,"1,210":196,"1,211":197,"1,212":198,"1,213":199,"1,214":200,"1,215":201,"1,216":202,"1,217":203,"1,218":204,"1,219":205,"1,220":206,"1,221":207,"1,223":208,"1,224":209,"1,225":210,"1,226":211,"1,227":212,"1,228":213,"1,229":214,"1,230":215,"1,231":216,"1,232":217,"1,233":218,"1,234":219,"1,235":220,"1,236":221,"1,237":222,"1,238":223,"1,239":224,"1,240":225,"1,241":226,"1,242":227,"1,243":228,"1,244":229,"1,245":230,"1,246":231,"1,247":232,"1,248":233,"1,249":234,"1,250":235,"1,251":236,"1,252":237,"1,253":238,"1,254":239,"1,255":240,"1,256":241,"1,257":242,"1,258":243,"1,259":244,"1,260":245,"1,261":246,"1,262":247,"1,263":248,"1,265":249,"1,267":250,"1,268":251,"1,269":252,"1,271":253,"1,273":254,"1,274":255,"1,275":256,"1,276":257,"1,277":258,"1,278":259,"1,279":260,"1,280":261,"1,281":262,"1,282":263,"1,283":264,"1,284":265,"1,285":266,"1,286":267,"1,287":268,"1,288":269,"1,289":270,"1,290":271,"1,291":272,"1,292":273,"1,293":274,"1,294":275,"1,295":276,"1,296":277,"1,297":278,"1,298":279,"1,299":280,"1,300":281,"1,301":282,"1,302":283,"1,303":284,"1,304":285,"1,305":286,"1,306":287,"1,307":288,"1,308":289,"1,309":290,"1,310":291,"1,311":292,"1,312":293,"1,313":294,"1,314":295,"1,315":296,"1,316":297,"1,317":298,"1,318":299,"1,319":300,"1,320":301,"1,321":302,"1,322":303,"1,323":304,"1,324":305,"1,325":306,"1,326":307,"1,327":308,"1,328":309,"1,329":310,"1,330":311,"1,331":312,"1,332":313,"1,333":314,"1,334":315,"1,335":316,"1,336":317,"1,337":318,"1,338":319,"1,339":320,"1,340":321,"1,341":322,"1,342":323,"1,343":324,"1,344":325,"1,345":326,"1,346":327,"1,347":328,"1,348":329,"1,349":330,"1,350":331,"1,351":332,"1,352":333,"1,353":334,"1,354":335,"1,355":336,"1,356":337,"1,357":338,"1,358":339,"1,359":340,"1,360":341,"1,361":342,"1,362":343,"1,363":344,"1,364":345,"1,365":346,"1,367":347,"1,369":348,"1,370":349,"1,371":350,"1,372":351,"1,373":352,"1,374":353,"1,375":354,"1,376":355,"1,377":356,"1,378":357},"ٜ":{"1":[5,378]},"ٝ":["1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,59","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,109","1,110","1,111","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125",null,"1,126","1,127","1,128","1,129","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,265","1,267","1,268","1,269","1,271","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,367","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378"],"ٞ":{"1":[1],"3":[2],"6":[3,4],"8":[5,6],"9":[7,8],"11":[9],"12":[10],"13":[11],"14":[12],"17":[13],"18":[14],"20":[15,16],"22":[17],"23":[18],"33":[19,20],"34":[21],"41":[22],"43":[23],"44":[24],"46":[25],"47":[26],"51":[27],"54":[28],"55":[29],"67":[30],"73":[31],"75":[32],"77":[33],"81":[34],"82":[35],"83":[36,37],"84":[38],"86":[39],"87":[40,41],"88":[42],"90":[43,44],"91":[45],"94":[46,47],"95":[48],"96":[49],"97":[50,51],"99":[52],"100":[53],"101":[54,55],"102":[56],"108":[57],"112":[58],"116":[59],"118":[60],"119":[61,62],"121":[63,64],"122":[65],"123":[66],"124":[67],"125":[68],"126":[69],"127":[70],"128":[71],"130":[72,73],"131":[74,75],"132":[76],"134":[77],"136":[78],"138":[79],"139":[80,81],"142":[82],"144":[83],"145":[84],"147":[85],"149":[86],"156":[87],"158":[88],"160":[89],"161":[90],"162":[91],"163":[92],"166":[93],"167":[94],"169":[95],"172":[96],"180":[97],"183":[98],"185":[99,100],"188":[101],"191":[102],"193":[103],"194":[104],"195":[105,106,107],"196":[108],"197":[109],"198":[110],"199":[111],"200":[112],"201":[113],"203":[114],"205":[115],"208":[116,117],"209":[118],"210":[119,120,121],"211":[122,123],"212":[124],"213":[125,126,127],"215":[128],"217":[129],"218":[130],"220":[131],"222":[132,133,134],"224":[135,136],"226":[137,138],"228":[139],"229":[140,141],"230":[142],"232":[143],"233":[144],"234":[145],"235":[146],"237":[147],"238":[148],"239":[149,150],"241":[151],"243":[152],"244":[153],"245":[154],"247":[155],"249":[156],"253":[157],"254":[158,159],"255":[160,161,162],"256":[163,164],"257":[165,166],"260":[167,168],"261":[169,170,171],"262":[172,173,174,175],"263":[176,177],"264":[178],"265":[179,180,181],"266":[182],"267":[183,184],"268":[185,186,187],"270":[188,189,190],"271":[191,192,193,194],"272":[195,196],"273":[197,198,199],"274":[200],"276":[201],"277":[202,203],"278":[204],"279":[205],"280":[206,207,208],"281":[209],"282":[210,211],"283":[212,213],"284":[214,215],"285":[216,217,218],"286":[219,220],"288":[221,222,223,224],"290":[225],"291":[226,227],"292":[228,229],"295":[230,231],"296":[232,233],"297":[234,235],"298":[236],"299":[237],"301":[238],"303":[239],"304":[240,241],"305":[242,243,244],"306":[245,246],"307":[247],"308":[248],"309":[249],"310":[250],"311":[251],"313":[252,253],"314":[254,255],"316":[256,257],"318":[258],"319":[259],"320":[260],"322":[261],"323":[262],"326":[263],"327":[264],"329":[265],"330":[266,267],"331":[268,269],"332":[270,271],"333":[272],"334":[273],"335":[274,275,276],"336":[277],"337":[278],"339":[279],"340":[280],"341":[281,282],"343":[283],"344":[284,285],"345":[286,287],"346":[288,289,290],"347":[291],"348":[292,293,294],"349":[295,296,297,298,299],"350":[300,301,302],"351":[303,304,305,306],"352":[307,308,309],"353":[310,311],"354":[312,313],"355":[314,315],"356":[316,317]},"ٟ":[1,2,3,4,5,6,7,8,9,10,11,12,13,14,15,16,17,18,19,20,21,22,23,24,25,26,27,28,29,30,31,32,33,34,35,36,37,38,39,40,41,42,43,44,45,46,47,48,49,50,51,52,53,54,249,250,251,252,253,254,255,256,257,258,259,260,261,262,263,264,265,266,267,268,269,270,271,272,273,274,275,276,277,278,279,280,281,282,283,284,285,286,287,288,289,290,291,292,293,294,295,296,297,298,299,300,301,302,303,304,305,306,307,308,309,310,311,312,313,314,315,316,317,318,319,320,321,322,323,324,325,326,327,328,329,330,331,332,333,334,335,336,337,338,339,340,341,342,343,344,345,346,347,348,349,350,351,352,353,354,355,356,357]},"pages":[{"text":"﷽\nيسر «مشروع أسفار» أنْ يقدّم للقارئ الكريم الإصدار التاسع والثلاثين من إصدارات المشروع: (التَّعليقة في أصول الفقه)، لشيخ الشافعية الإمام إلكيا الهراسي (ت ٥٠٤).\nكتابنا؛ من مهمات كتب الأصول، التي زخرت مدونات الفنّ بالنقل عنه، يعتبر امتدادًا مهما لمدرسة شيخه «إمام الحرمين الجويني» ذات المعالم الأصولية المميزة.\nكان مؤلفه إلكيا من محققي الشافعية المهرة بالتدريس والتعليم، وقد رُزِق في التعليم حسن البيان والتفهيم، وقصده للتعلم الأكابر من أهل عصره، وأثنوا عليه فقالوا: «تخرَّجَ بِهِ الأَئِمَّةُ»، وكانت تُعلَّق عنه التعاليق في «مجالس الدروس والتعليم» ومنها كتابنا القيّم الذي نقدّمه مطبوعًا لأول مرة، فمن مميزاته: أنه يتجلّى من الكتاب تحقيقه في النظر الأصولي؛ وتحريره للنزاع، والشرح وفق طريقة السؤال والجواب، وعنايته بربط مسائل الأصول وبناء بعضها على بعض؛ كما عُني بذلك تلميذه «الإمام ابن برهان» أيضًا في كتابه الأوسط؛ من منشوراتنا.\nونظرًا لتعدد التعاليق عن إلكيا الهراسي، واشتمال المصادر المرجعية على نُقول أصولية عنه ليست موجودة ضمن تعليقنا أو هي من الجزء المفقود منه = اعتنى المحققان الفاضلان بجمع شتات تلك (النصوص المبثوثة) بتتبع دقيق، وجعلوه في ملحق آخر الكتاب، كما قاما بالتقديم للكتاب بمقدمة تميزت بدراسة","vol":"1","page":5},{"text":"موسعة عن المؤلف ﵀ ومصنفاته.\nويؤكد أهمية قطعة الكتاب التي بأيدينا أنَّ الإمام إلكيا لم يطبع من تراثه إلا كتاب واحد هو «أحكام القرآن»؛ ثمَّ إِنَّ الله تعالى ساق لنا بفضله قطعةً صالحةً من كتابه «التعليقة في أصول الفقه» التي علقها عنه بعض تلاميذه، وكانت مخبوءةً ضمن مجموع عتيق منسوخ سنة (٥٠٧) فوفق الله «الشيخ كريموف» للكشف عن حالها وإثبات نسبتها لإلكيا بما تجده مسطورًا في الدراسة.\nفإلكيا شخصية علمية نشطة في طبقتها بمجالات الدرس الفقهي والأصولي، والسفارة بين الملوك والساسة، حريةٌ بالاهتمام والإبراز، فجزى الله الشيخين الكريمين خير الجزاء على عملهما وبارك لهما جهدهما.\nوفي الختام نسأل الله لهذا المشروع المبارك (أسفار) مزيد توفيق وسداد واقتناص لعيون التراث ونفيس الكتب، وأن يكتب للقائمين عليه والداعمين له بأموالهم أعظم الأجر وأجزله وأوفاه، وأن يصب عليهم بركاته صبا، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.\n\nأَسْفَار\nلِنَشْرِ نَفِيسِ الكُتُب وَالرَّسَائِلِ العِلْمِيَّةِ\nدولة الكويت","vol":"1","page":6},{"text":"﷽\nالحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. «الحمد لله الذي أكرمنا بتنزيله، وشرَّفنا بمعرفة تأويله، وشفى صدورنا بواضح بيانه، وهدانا من ظلم الضلالة، وعماية الجهالة به، وجعله ميزان قسط لا يحيف عن الحق غرب لسانه، وضوء هدى لا يجتنى من الشهاب نور برهانه، وعَلَمَ نجاة لا يضلُّ من أم قصد سُنَّتِه، ولا تنال أيدي الهلكات من تعلق بعروة عصمته.\nنحمده على فنون بلائه، وضروب آلائه، ونشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة من يعتصم بحبله، ويأوي في الشبهات إلى حرز عدله، ونشهد أنَّ محمدا عبده ورسوله، وصفيه ونبيه، أرسله ببيان أوضحه، ولسان أفصحه، وشرع شرحه، ودين فسحه، فلم يدع صلوات الله عليه فسادًا إلا أصلحه، ولا عنادًا إلا زحزحه، صلوات الله عليه ما هلَّل ملك وسبحه، وعلى من نصره وصحبه، وبَعْدُ» (^١):\nفإن أشرف العلوم ما ارتبط بكتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ فهمًا واستنباطا، وحفظًا وصونًا، ولما كانت صنعة أصول الفقه لها حظ وافر من هذا الشرف؛ فقد حرصنا على نشر بعض كتبه المخطوطة مما لم ينشر، فوقع اختيارنا على هذا\n_________\n(^١) مقتبس من مقدمة إلكيا في «أحكام القرآن» (١/¬١).","vol":"1","page":7},{"text":"العلق النادر الذي يكشف لنا جانبًا من جوانب الحالة العلمية في القرن الخامس الهجري؛ حيث إنه أول كتاب يصدر مطبوعًا في التقييد الأصولي. فقد انتشرت في ذاك الزمن: «التعاليق» و«التقاييد» في عدد من الفنون، ومنها علم أصول الفقه، ولم يطبع - إلى الآن - حسب علمنا تعليق في الأصول العالم قبل كتابنا هذا. ولذا؛ فإنك ستجد في هذا الكتاب نموذجا من أساليب التعليم - من عالم بارع في البيان ممارس للتدريس - في تكرار بعض المعلومات وتيسيرها وبسطها والإكثار من الأمثلة بما يخالف ما استقر عليه الحال في علم الأصول في العصور المتأخرة من الإيجاز واستعمال بعض العبارات العويصة أو التعمية والإغراب في أسلوب النظم.\nكما أنه يُبرز جانبًا من أثر مدرسة أبي المعالي الجويني الأصولية الذي لم يكن معروفا عند الباحثين؛ فإن مصنفات الغزالي (ت ٥٠٥ هـ) مشهورة بين أهل العلم قديما وحديثا؛ وأما قرينه - علما وسنا - إلكيا الهراسي، فلم يُعرف في عصرنا إلا بواسطة بعض العلماء - كابن السبكي (ت ٧٧١ هـ) والزركشي (ت ٧٩٤ هـ) والسيوطي (ت ٩١١ هـ) - الذين وقفوا على كتبه ونقلوا منها.\nفجاء هذا الكتاب حاويا لفرائد ونفائس، من استنباط لأصول العلماء وتخريج للفروع على الأصول، وبيان مآخذ بعض المسائل، وعناية بتحرير مذهب الشافعي، مع تطبيق للجدل الأصولي الرفيع في مسائل متعددة. ولم يخل مع ذلك من نقولات عن بعض أعلام الأصول استفادة أو تعقبًا.\nونظرًا لوجود الاختلاف بين إبرازات التعاليق، حرصنا على مقارنة ما وُجد في هذه التعليقة بما نقله الأصوليون عن إلكيا، وجعلناها في الهامش، سواء جاء","vol":"1","page":8},{"text":"النص متطابقا أو مع زيادة لم تكن في تعليقتنا؛ وذلك إكمالا للفائدة، وتيسيرا على القارئ بجمع ما تفرق من آراء الإمام الكيا في مكان واحد. ولم يعكر صفو كتابنا إلا أمران:\nأحدهما: أننا لم نجده تاما، فهذه القطعة تمثل النصف من حيث الموضوعات تقريبا، ولذا اجتهدنا في وضع ملحق نجمع فيه ما نُقل عن إلكيا من مسائل تسد جزءًا من هذا النقص.\nوالثاني: أنَّ المعلق لم يدوّن كل ما دار في الدرس، بل انتخب، واختصر أحيانا، وفاته أشياء، وليته كان من الموفقين في تقييد الدروس - حسب تعبير الإمام الكيا ـ، حيث يقول: «… المجلس الواحد قد يكون فيه من يُصغي إلى الكلام، ثُمَّ يختلفون في الإصغاء والاستماع، فيكون بعضُهم أحسن استماعا وتلقفا من بعض. وقد يظهر ذلك في الدروس والروايات، فيجوز أن يوفّق بعضهم أو واحد منهم لحسن التلقف، واستياق القصة من أولها إلى آخرها».\nومع كوننا لم نعرف هذا المعلّق إلا أنه وصل إلينا ما كتبه - على ما فيه - وفقد كثيرٌ من تعليقات المبرزين من أقرانه، فنسأل الله تعالى له الرحمة والمغفرة، وأن يجعل ذلك في ميزان أعماله الصالحة، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.","vol":"1","page":9},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3>أوَّلًا: المؤلّف </span>(^١)\n(٤٥٠ - ٥٠٤ هـ) (١٠٥٨ - ١١١٠ م)\n\n<span data-type='title' id=toc-4>١ - اسمه ونسبه:</span>\nهو أبو الحسن شمس الإسلام (^٢) علي بن محمد بن علي بن إبراهيم الطبرستاني الشافعي، الملقب بـ: عماد الدين (^٣)، والمعروف اختصارا بـ:\n_________\n(^١) جمعنا ترجمة المؤلف من مصادر متنوعة، وهذه أهمها:\n«معجم السفر» (ص ١٦١، ٢٦٨، ٤٥٤)، «المنتخب من كتاب السياق» (ص ٤٣٣)، «تبيين كذب المفتري» (ص ٥٣٨)، «المستفاد من ذيل تاريخ بغداد» (ص ٣٤٧ - ٣٤٨)، «مرآة الزمان» (٢٠/¬٤٦)، وفيات الأعيان (٣/ ٢٨٦)، «سير أعلام النبلاء» (١٩/ ٣٥٠)، «البداية والنهاية» (١٢/¬١٤)، «طبقات الشافعية الكبرى» (٧/ ٢٣١)، «طبقات الشافعية (الصغرى)» (١/ ٥٧٠)، «طبقات الفقهاء الكبرى» (١/ ٥٣٣)، «العقد المذهب في طبقات حملة المذهب (ص ١١٤)، «شذرات الذهب» (٦/¬١٤)، ذيل لب اللباب» (ص ٢٣٨)، «الأعلام» (٤/ ٣٢٩). وقد أفرد الأستاذ برهان الدين محمد الداغستاني ﵀ مقالا في ترجمته في مجلة «الرسالة»، ونُشر في السنة الخامسة عشرة منها، في العددين العدد ٧٢١ (ص ٤٨٠ - ٤٨٢)، وتتمته في العدد ٧٢٢ (ص ٥٠٨ - ٥١٠).\nتنبيه: ذكرت بعض المصادر شخصية تشترك مع صاحبنا في الاسم والكنية واسم الأب والجد والبلد، وهو علي بن محمد بن علي الطبري الآملي الشافعي، وكان أسن من إلكيا، فقد ذكروا في ترجمته أنه سمع ببلده من إملاء الحافظ الجِنَاري المتوفى سنة ٤٣٢ هـ. انظر: «طبقات الشافعية» لابن الصلاح (٢/ ٦٤٣).\n(^٢) جاء في «الفنون» (١/ ١٢٣) في موضع واحد تلقبيه بـ: «شمس الأئمة»، وفي موضعين آخرين (١/ ١١٩ - ١٢٠) بـ: «شمس الإسلام»، وهو المشهور.\n(^٣) جاء في «التعليقة الكلامية» لإلكيا (ق/ ٩/ ظ): «قال إمامنا كمال الدين ﵀ فنقول: يأتي على إمامنا أبي المعالي أن النظر المهجوم عليه لا يضاد الجهل …». والذي يظهر لنا أن المقصود=","vol":"1","page":10},{"text":"«إلكيا»، و«إِلْكِيَا الهَرَّاسِي»، و«إِلْكِيَا الطَّبَرِي».\nوَإِلْكِيَا (^١): بهمزة مكسورة، ولام ساكنة، ثُمَّ كاف مكسورة، بعدها ياء مثناة من تحت، هذا هو الأشهر في ضبطها، فعلى هذا الضبط تكون الهمزة واللام من أصل الكلمة، وهو المشهور، وقد نص عليه غير واحد، منهم الحافظ ابن كثير في «طبقات الشافعية» (^٢).\nوذهب آخرون إلى أنهما للتعريف فقط. قال شهاب الدين الكوراني (ت ٨٩٣ هـ): «لفظ الكيا … بكسر الكاف، وفتح همزة الوصل؛ إذ اللام فيه للتعريف، ولفظ \"كيا\" مجردًا عن اللام اسم جنس لطائفة من ملوك العجم - كتبع لملوك حمير، وقيصر لملوك الروم -، وكسر الهمزة … سهو ظاهر» (^٣). ويؤيد ذلك ما جاء في القطعة التي بين أيدينا من كتاب «الفنون» (^٤) لابن عقيل (ت ٥١٣ هـ) وهو معاصر له - في سبعة مواضع تسميته إياه بـ: «كيا». وهذا يلائم إطلاق الألقاب والأسماء عند العجم، حيث تأتي مجردةً عن (ال).\nفالظاهر أن كليهما سائغ إن شاء الله، لكن لما كان المشهور هو القول\n_________\nبكمال الدين هنا هو إلكيا الهراسي، وأن المقيّد - أو الناسخ - كتب ذلك بعد وفاته، ولم نقف في كتب التراجم على تلقيبه بهذا اللقب، فقد يكون هذا أحد ألقابه غير المنتشرة أو أنه وهم من الكاتب.\n(^١) قال السخاوي: قال ابن خلكان: هو بفتح الكاف، ولا أعلم لأي معنى قيل له إلكيا. انتهى. وقال غيره من أهل الأدب: إن معناه الأمير، وضبطه بكسر الكاف، وهو المشهور على الألسنة. «الجواهر والدرر» (١/ ١٣١). ومعنى إلكيا: الكبير القدر، العظيم الشأن، المقدم بين الناس.\n(تعليق الشاملة): كذا (بفتح الكاف) في حاشية «الجواهر والدرر» بخط السخاوي، كما نقله محقق الجواهر. والذي في مطبوع «وفيات الأعيان» (٣/ ٢٨٩): «وهو بكسر الكاف وفتح الياء المثناة من تحتها وبعدها ألف»، فالله أعلم\n(^٢) (٢/ ٩٤).\n(^٣) «الدرر اللوامع في شرح جمع الجوامع» (١/ ٤٧٩).\n(^٤) (١/ ١١٩، ١٢٢، ١٢٣، ١٢٤، ١٢٥، ١٣٦). وينظر أيضا: «سلم الوصول» (٥/ ٢٥٩).","vol":"1","page":11},{"text":"الأول، جرينا عليه في كتابنا هذا، والله أعلم.\nوالهراسي (^١): براء مشدَّدةٍ، وسين مهملتين؛ ذكر عامة من ترجمه أنه لا يُعلم نسبته لأي شيء، وانفرد ابن الملقن، فذكر أن هراس إحدى مدن طبرستان. وأما معناها: فقيل: إنها فارسية بمعنى: الذعر.\nولعل معنى: «إلكيا الهراسي» يعني: كبير القدر، مهيب الجانب، فهو لقب يدل على التعظيم والمهابة، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-5>٢ - نشأته ومناصبه:</span>\nولد في خامس ذي القعدة سنة ٤٥٠ هـ في طبرستان، وتفقه ببلده، ثم رحل إلى نيسابور؛ قاصدًا إمام الحرمين وعمره ثماني عشرة سنة (^٢)، وقيل: كان عمره حين رحلته عشرون سنةً. وأيا كان الأمر؛ فإنَّ رحلته إلى أحد مشاهير عصره وهو في سن العشرين أو قبيله - وقد تفقه قبل ذلك - يدل على نيله حظا وافرا من العلم في سن مبكرٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6>المرحلة الأولى من حياته من ولادته إلى سن (١٨) نشأته في مسقط رأسه:</span>\nلم نقف على معلومات تسلط الضوء على حياته في هذه المرحلة المبكرة، لكن الظاهر من خلال النظر في مصادر ترجمته أنه قد تعلّم وتفقه مبكرا، ولم يخرج من بلده إلى نيسابور إلا وقد استكمل مبادئ العلوم، ورغب في الفقه والأصول.\n_________\n(^١) وفي بعض المصادر: «الهراس». انظر: «الفنون» (١/ ١٢٢، ١٢٣، ١٢٤)، «معجم السفر» (ص ١٦١)، «الرياض المونقة» (ص ١٨٣)، «رفع الحاجب» (١/ ٢٣٥).\n(^٢) أي في حدود سنة ٤٦٨ هـ؛ وعلى القول الثاني في حدود سنة ٤٧٠ هـ.","vol":"1","page":12},{"text":"<span data-type='title' id=toc-7>المرحلة الثانية (من سن ١٨ إلى ٢٨) ملازمته لإمام الحرمين:</span>\nوأما ما بعد نشأته في طبرستان - مسقط رأسه ـ، فقد رحل إلى نيسابور قاصدا إمام الحرمين، وتعتبر هذه هي المرحلة الثانية من نشأته العلمية، وهي الأهم في تكوينه؛ فقد صحب إمام الحرمين وتخرج به ولازمه حتى وفاته، فكان مدة ملازمته إياه قرابة عشر سنوات. وأصبح أثناء صحبته لأبي المعالي من رؤوس معيديه، وصار من أكبر أصحابه وأعظم طلابه مع قرينه أبي حامد الغزالي وغيره.\nومن الدلائل على جده واجتهاده في طلب العلم وحرصه على الحفظ والإتقان ما قاله عن نفسه: «كنتُ في مدرسة سرهنك بنيسابور، وفيها قناةٌ لها سبعون درجة، وكنتُ إذا حفظت الدرس أنزِلُ القناة وأُعيد الدرس في كل درجة؛ مرَّةً في النزول، ومرَّةً في الصُّعود. قال: وكذا كنتُ أفعل في كل درس حفظته».\n\n<span data-type='title' id=toc-8>المرحلة الثالثة (من سن ٢٨ إلى ٤٢) الاستقلال وتولي المناصب:</span>\nبعد وفاة شيخه خرج إلى بيهق، فأقام بها مُدَّةً يدرّس ويُفيد الناس.\nواتصل بخدمة الملك مجد الملك بركياروق بن ملك شاه السلجوقي (ت ٤٩٨ هـ)، وحظي عنده بالمال والجاه وارتفع شأنه، وتولى القضاء بتلك الدولة.\nوأما طبيعة خدمته للملك بركياروق، فقد وقفنا على إشارات في بعض المصادر:\nفمنها ما ذكره ابن عقيل الحنبلي ﵀ في «الفنون» (^١) في سياقه لمسألة\n_________\n(^١) (١/ ١١٩، ١٢٤ - ١٢٥)","vol":"1","page":13},{"text":"علمية، فقال في الموضع الأول: «استدل الشيخ الإمام شمس الإسلام عماد الدين كيا رسول الملك بكيارق إلى الإمام المستظهر بالله أدام الله سلطانهما». وقال في موضع آخر: «جرى بالمدرسة النظامية يوم حضر رسول الملك إلى الإمام المستظهر بالله - حفظ الله مجده، وأعز نصره، وخذل أعداءه ـــ المعروف بـ: كيا الهراس حفظه الله …».\nومنها ما ذكره ابن كثير الشافعي (ت ٧٧٤ هـ) في «تاريخه» (^١): «حكى إلكيا الهراسي - حين بعثه السلطان بركياروق إلى السلطان إبراهيم بن محمود بن مسعود بن سبكتكين (ت ٤٩٢ هـ) صاحب غزنة وأطراف الهند - في رسالة عما شاهده عنده من أمور السلطنة في ملبسه ومجلسه، وما عنده من السعادة الدنيوية، قال: \"رأيتُ شيئًا عجيبًا\"، وقد وعظه بحديث: «لمناديل سعد بن معاذ في الجنة خير من هذا» (^٢)، فبكى. قال: \"وكان لا يبني لنفسه منزلًا إلا بنى قبله مسجدًا أو مدرسة أو رباطا\"».\nفمن خلال هذه النصوص يظهر لنا قرب الإمام إلكيا الهراسي من الملك بركياروق، حيث جعله رسولا إلى الخليفة والسلاطين (^٣)، وهذا يؤكد مكانته عند الملك وثقته فيه، إضافةً إلى ما نُقل أنه تولى القضاء في دولة هذا السُّلطان، فربما يكون قد تولى القضاء ابتداءً، ثم علا منصبه ليكون رسولا له، والله أعلم.\nوهاهنا أمر؛ لا تجيب عنه المصادر التي بين أيدينا بدقة، وهو: متى كان\n_________\n(^١) «البداية والنهاية» (١٦/ ١٦٨).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٦١٥)، ومسلم (٢٤٦٩) من حديث أنس.\n(^٣) وقارن مع: «تارخ ابن خلدون» (٣/ ٦٠٣).","vol":"1","page":14},{"text":"اتصاله بالملك بركياروق؟\nفنقول: من المحتمل أن يكون ذلك بعد وفاة شيخه وهو في نيسابور، ويحتمل أن يكون في بيهق بعد خروجه من نيسابور، وهذا أقرب، ويشهد له سياق كلام ابن عساكر (ت ٥٧١ هـ)، حيث قال: «ثُمَّ اتصل بعد موت إمام الحرمين بمجد الملك في زمان بركياروق وحظي عنده، ثُمَّ خرج إلى العراق … .».\n\n<span data-type='title' id=toc-9>المرحلة الرابعة: (من سن ٤٢ إلى ٥٤) العطاء العلمي:</span>\nخرج إلكيا من بيهق، وقدم بغداد سنة ٤٩٢ هـ، وتولَّى التدريس بالمدرسة النظامية في سنة ٤٩٣ هـ، واجتمع عليه الفقهاء، وقصده الطلبة من البلاد، وارتفع قدره وعلا شأنه وعظم جاهه؛ حتى أنَّ الوزير سعد الملك (ت ٥٠٠ هـ) لما زار المدرسة النظامية، حضر درسه ليرغب الناس في العلم.\nولم يزل على التدريس إلى حين وفاته (^١)، ثُمَّ خلفه بعد وفاته في تدريس النظامية أبو بكر الشاشي المعروف بالمستظهري (ت ٥٠٧ هـ).\nوكان في خدمة إلكيا بالمدرسة النظامية أبو إسحاق إبراهيم بن عثمان الغزي الأشهبي (ت ٥٢٤ هـ) - الشاعر المشهور (^٢)، وقد رثاه ارتجالًا على ما حكاه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (^٣).\nوبهذا ينتهي الحديث عن نشأته العلمية باختصار، وهي حافلة بالتعليم\n_________\n(^١) مع الإشارة إلى أن تدريسه في النظامية كانت عشر سنوات تقريبا، وفي سنة ٤٩٥ هـ انتزع من التدريس فترة، ثم عاد إليها. وسيأتي سبب ذلك في ذكر محنته.\n(^٢) ترجمته في «وفيات الأعيان» (١/ ٥٧).\n(^٣) (٧/ ٥٢). وانظر: (ص ٢٦) من هذا الكتاب","vol":"1","page":15},{"text":"والتدريس وتخريج الطلاب، ومع أنه توفي في سن النضج ولم يبلغ الشيخوخة إلا أنه خرج علماء فقهاء وألف في فنون متنوعة، فرحمه الله تعالى.\n\n<span data-type='title' id=toc-10>٣ - أسرته:</span>\nلم نقف في مصادر ترجمته على شيء في الحديث عن والديه وعائلته، فهل عاش في أكنافهما أم نشأ يتيما؟ إلا أن نشأته في التعليم وتميزه فيه منذ الصغر يدل على وجود رعاية وعناية به.\nأما أسرته الخاصة؛ فقد تزوج إلكيا وأنجب، لكن لم نجد في كتب التراجم رصدًا لتفاصيله حياته سوى ما نُقل من أخبار يسيرة عن ابنه وحفيده.\nأما ابنه، فهو: عبد الملك، وكنيته أبو المعالي، ويظهر لنا من كنيته واسمه إعجاب أبيه بشيخه أبي المعالي الجويني ووفاؤه له، حتى أنه سمى ولده باسمه.\nولد عبد الملك بن إلكيا في بغداد ونشأ بها؛ سمع الحديث عن بعض العلماء وحدث باليسير، ولم يكن له كبير اشتغال بالعلم، فلم يسلك طريقة والده في العلم والسياسة الشرعية.\nعمل مع أصحاب الديوان، وخدم في أشغالهم وعلت مرتبته، فرتّب حاجبا بالباب النوبي، وناظرًا في المظالم في سنة ٥٥٠ هـ، فأقام نحوا من أربعين يومًا، ثُمَّ عُزل (^١)، وحبس لمدة ١٠ سنين أيَّامَ الخليفة العباسي المستنجد بالله (ت ٥٦٦ هـ)، وأطلق بعد وفاته، فلم يلبث طويلا، فتوفي في يوم الأربعاء ثامن ربيع الآخر سنة ٥٦٧ هـ، ودفن في مقبرة الشونيزية.\n_________\n(^١) انظر مزيد تفصيل للقصة في: «المنتظم» (١٨/ ١٠١)، و«تاريخ الإسلام» (١٢/ ٣٥٧).","vol":"1","page":16},{"text":"أما حفيده، فهو: أبو الفتوح يحيى بن عبد الملك، ولد سنة ٥٤٢ هـ، سمع من أبيه، ومن أبي الوقت عبد الأول بن عيسى السجزي، حدث ببغداد ودمشق. ذكر المنذري (ت ٦٥٦ هـ) في «التكملة» (^١) «أنه لقيه في دمشق وسمع منه». تولّى يحيى ديوان الأوقاف بدمشق، وكان ناهضًا أمينًا، وله شعر. توفي سنة ٦١٤ هـ.\nهذا ما وقفنا عليه من أخبار أسرته، ويبقى هنا أمر، وهو أن كنية إلكيا: أبو الحسن، ولا نعلم: هل له ابن اسمه الحسن، أو أن التكنية كانت لأجل أن اسمه علي، فكني به كما اشتهر من تكنية الصغار بأسماء الأئمة والقدوات من المسلمين.\n\n<span data-type='title' id=toc-11>٤ - شيوخه وأساتذته:</span>\nلم نقف فيما بين أيدينا من المصادر إلا على شيوخ ثلاثة ممن أخذ عنهم إلكيا، فقد تتلمذ لأبي المعالي الجويني، وصحبه وبه تخرّج ــ كما سبق ــ. وهو أعظم شيوخه وأكثرهم تأثيرًا عليه، سواء في علم الكلام أو الأصول أو الخلاف، وهو يُكثر من ذكره والنقل عنه، ومع ذلك فلم يكن تابعا له مقلدا إياه، بل كان يصرّح بمخالفته في أكثر من مسألة (^٢).\nوسمع من الفقيه أبي علي النيسابوري الحسن بن محمد الصفار (ت ٤٧٥ هـ) (^٣)، وأبي الفضل زيد بن صالح الطبري الأملي الحنفي (^٤).\n_________\n(^١) (٢/ ٤١٤).\n(^٢) انظر مثلا: التعليقة الكلامية (ق/ ٤/ ظ).\n(^٣) ترجمته في «تاريخ الإسلام» (١٠/ ٣٧٧).\n(^٤) لم نجد له ترجمة. قال الذهبي في ترجمة إلكيا: «حدث عن زيد بن صالح الآملي، وجماعة». «السير» (١٩/ ٣٥١). وجاء ذكره عابرا أثناء رواية إلكيا عنه في: «المنتظم» (١٤/ ٣٧٦).","vol":"1","page":17},{"text":"تَتِمَّةٌ:\nإلكيا الهراسي من فقهاء الشافعية على طريقة الخراسانيين (المراوزة) (^١)، وشيخه في هذه الطريقة: أبو المعالي الجويني (ت ٤٧٨ هـ)، الذي تفقه على والده أبي محمد الجويني (ت ٤٣٨ هـ)، وأبو محمد تفقه على أبي بكر القفال المروزي (ت ٤١٧ هـ)، والقفال تفقه على أبي زيد المروزي (ت ٣٧١ هـ)، وأبو زيد تفقه على أبي إسحاق المروزي (ت ٣٤٠ هـ)، وأبو إسحاق تفقه على أبي العباس ابن سريج (ت ٣٠٦ هـ)، وهو تفقه على أبي القاسم الأنماطي (ت ٢٨٨ هـ)، والأنماطي تفقه على أبي إبراهيم المزني (ت ٢٦٤ هـ)، الذي تفقه على الإمام الشافعي. وقد ذكر هذه السلسلة ابن الصلاح (ت ٦٤٣ هـ) أثناء سرده لإسناد طريقته في التفقه، فذكر أنه أخذ الفقه عن والده صلاح الدين (ت ٦١٨ هـ)، الذي تفقه على شيخ المذهب في زمانه أبي القاسم ابن البزري (ت ٥٦٠ هـ)، وهو تلميذ الإمام الكيا (ت ٥٠٤ هـ)، ثم سرد باقي الإسناد إلى الإمام الشافعي.\n\n<span data-type='title' id=toc-12>٥ - تلاميذه:</span>\nكان ابتداء تدريس الكيا لما كان معيدًا عند إمام الحرمين في نيسابور، واستقل بالتدريس أولًا في بيهق، ثُمَّ في المدرسة النظامية، وتتلمذ له هناك كثير من الأعلام، ولئن قل شيوخه - فيما بين أيدينا من كتب التراجم ـ، فإنه قد رُزِق من التلاميذ بعدد يصعب حصرهم، ولذا؛ فقد اقتصرنا على أهم هؤلاء الأعلام، وهم حسب تواريخ وفياتهم:\n_________\n(^١) للاستزادة راجع: «طبقات الشافعية الكبرى» لابن السبكي في ترجمة القفال الصغير المروزي (ت ٤١٧ هـ) (٥/ ٥٤).","vol":"1","page":18},{"text":"* أبو الفتح أحمد بن علي بن محمد، المعروف بـ: ابن برهان (ت ٥١٨ هـ)، الفقيه الحنبلي ثُمَّ الشَّافعي، تفقه على ابن عقيل والشاشي والغزالي، وصحب إلكيا ولازمه.\n* وأبو القاسم الرازي الفقيه (٥٢٢ هـ)، وهو: عبد الكريم بن علي بن أبي طالب، أخذ عن الكيا وصحب الغزالي.\n* وأبو الحجاج اللخمي الميورقي (ت ٥٢٣ هـ)، وهو: يوسف بن عبد العزيز بن علي، تفقه ببغداد على إلكيا.\n* ومحمد بن عبد الله بن تومرت (ت ٥٢٤ هـ)، الملقب نفسه بـ: «المهدي».\n* وأبو القاسم الجيلي، وهو: عبد السلام بن الفضل (ت ٥٣٤ هـ)، تفقه على الكيا في النظامية.\n* وأبو منصور الرزاز (ت ٥٣٩ هـ)، وهو: سعيد بن محمد بن عمر، كان من كبار الشافعية ببغداد، ومدرسًا في النظامية، تفقه على الغزالي وإلكيا وأبي بكر الشاشي وغيرهم.\n* ومحمد بن عشير، أبو بكر الدربندي الشَّرواني (ت ٥٣٩ هـ)، تفقه على إلكيا.\n* وسعد الخير الأنصاري ابن محمد بن سهل الأندلسي (ت ٥٤١ هـ)، أخذ عنه الحديث والفقه.\n* وأبو عبد الله الجيلي (ت ٥٤١ هـ)، وهو: شافع بن عبد الرشيد بن القاسم، تفقه على إلكيا والغزالي.","vol":"1","page":19},{"text":"* ومحمد بن علي بن عبد الله البغدادي (ت ٥٤١ هـ)، تفقه على الكيا والغزالي والشاشي وابن عقيل وغيرهم.\n* وعبد الله بن علي بن سعيد البغدادي (ت ٥٤٢ هـ)، الفقيه، أخذ عن إلكيا وأبي بكر الشاشي.\n* ومحمد بن محمد بن أحمد بن القاسم البغدادي (ت ٥٤٤ هـ)، تفقه على إلكيا.\n* وعلي بن محمد بن عيسى بن المؤمل المعروف بـ: ابن كراز الواسطي (ت ٥٤٥ هـ)، تفقه على الإمام إلكيا.\n* ومحمد بن منصور النيسابوري الحرضي (ت ٥٤٧ هـ)، سمع القشيري ويعقوب الصيرفي وإلكيا.\n* ومحمد بن عبد الله بن محمد، أبو علي البسطامي (ت ٥٤٨ هـ)، الفقيه، المعروف بـ: إمام بغداد، تفقه على إلكيا.\n* وأبو الفتح الباقرحي (ت ٥٥٣ هـ)، وهو: عبد الواحد بن الحسن بن محمد البغدادي، تفقه على إلكيا ببغداد، وعلى الغزالي بخراسان.\n* وعمر بن محمد بن أحمد أبو القاسم ابن البزري (ت ٥٦٠ هـ)، الفقيه الشافعي، اشتغل على إلكيا وأبي حامد الغزالي وجماعة.\n* وأبو العباس الإربلي (ت ٥٦٧ هـ)، وهو: الخضر بن نصر بن عقيل، الفقيه الشافعي، تفقه على إلكيا وأبي بكر الشاشي.\n* والحافظ أبو طاهر السَّلَفيُّ (ت ٥٧٦ هـ)، وهو: أحمد بن محمد بن","vol":"1","page":20},{"text":"أحمد، تفقه على الكيا وروى عنه.\n* وأبو الفضل الطوسي ثُمَّ البغدادي (ت ٥٧٨ هـ)، وهو: عبد الله بن أحمد بن محمد، قرأ على الكيا في الفقه والأصول، وتوفّي وله اثنتين وتسعين سنة.\n* وأبو زكريا الزناتي، وهو: يحيى بن أبي ملول بن عشيرة، الفقيه المالكي، دخل بغداد، وتفقه بها على إلكيا.\nهذا؛ وقد أطلنا في ذكر التلاميذ نسبيًّا - وإن لم نستقص ـ؛ لاحتمال أن يكون أحدهم هو من كتب التعليقة التي بين أيدينا، نسأل الله أن يرحم الجميع.\nويلحظ مما سبق أن أكثر التلاميذ - إن لم يكن كلهم - كانوا في بغداد من طلاب المدرسة النظامية، ونعزو ذلك إلى أمرين:\nالأول: أن بغداد كانت من أشهر مواطن العلم والعلماء، وكانت عاصمةً للخلافة الإسلامية، إضافةً إلى وجود المدرسة النظامية فيها، التي كانت محل اهتمام ورغبة من العلماء وطلاب العلم.\nوالثاني: أن التدوين في رصد الحركة العلمية وأهلها في مثل هذه البلدان أكثر شيوعا من غيرها. وذلك أن غالب المصادر التاريخية تعتني في العادة بتراجم علماء المدن الشهيرة.\n\n<span data-type='title' id=toc-13>٦ - من أقوال العلماء فيه، وشيء من صفاته:</span>\nإلكيا الهراسي علم مشهور، وفقيه من فقهاء الشافعية، وشهرته بين العلماء تغني عن الاستقصاء في جمع أقوال العلماء عنه، ومن باب التأكيد على مكانته العلمية نذكر بعض النماذج على ذلك:","vol":"1","page":21},{"text":"قال الحافظ السلفي: «سمعتُ الفقهاء يقولون: كان الجويني يقول في تلاميذه إذا ناظروا: التحقيق للخَوَافي (ت ٥٠٠ هـ)، والجريان للغزاليّ، والبيان لإلكيا».\nوقال ابن عساكر: «الإمام البالغ في النَّظر مبلغ الفحول».\nوقال ابن كثير (ت ٧٧٤ هـ): «أحدُ الفقهاء الكبار من رؤوس الشافعية …، وكان من أكابر العلماء، وسادات الفقهاء».\nوقال الخيضريّ (ت ٨٩٤ هـ): «الإمام الكبير، الجليل القدر، المعظم بين الأئمة، إمام الأصحاب».\nومن صفاته التي نقلها من ترجم له أنه كان فاضلًا، فصيح العبارة، جهوريّ الصوت حسنه، وحسن المنظر.\nوقد اشتهر عنه البيان؛ وهذا الوصف تكاد تتفق عليه المراجع، والبيان صفة يتحقق منها من يسمع منه مباشرة؛ ويوصف كذلك البيان في الكتابة، وقد وجدناه كذلك في هذه «التعليقة» وكتاب «أحكام القرآن»؛ ويعزز ذلك أنه كان من العلماء المتفّننين؛ فقد برع في الأصلين والفقه والتفسير والخلاف وغيرها من العلوم، فمن حاز هذه العلوم وتمكّن منها، فهو حقيق أن يكون من أهل البيان.\n\n<span data-type='title' id=toc-14>٧ - من علاقته بأهل العلم في زمانه:</span>\nممّا تميّز به الكيا الهراسيُّ أنه كان طيّب المعشر، حسن الأخلاق كما جاء في وصفه عند مترجميه، وقد وقفنا على عدد من النماذج التي تشهد لذلك، وقبل أن نسردها يحسن بيان أن ما حصل من منافسة ومنازعة وجدل في المسائل العلمية","vol":"1","page":22},{"text":"وغيرها، لم تكن مؤثرةً في علاقته الاجتماعية بأهل العلم والفضل.\n- فمما نُقل عن علاقته مع بعض أعلام الحنابلة: ثناؤه على الإمام الفقيه أبي الخطاب الكلوذاني (ت ٥١٠ هـ). ففي «سير أعلام النبلاء» (^١): «كان إلكيا إذا رأى الكلوذاني مُقبلا قال: قد جاء الجبل»، وفي نقل آخر: «كان إلكيا إذا رأى أبا الخطّاب قال: قد جاء الفقه».\n- وكذلك ما جاء عن علاقته العلمية بالعالم الفقيه ابن عقيل الحنبلي أنهما كانا يتناظران كثيرًا (^٢)، فكان يُنشد إلكيا - تلطفا مع ابن عقيل - في المناظرة:\n«أرفق بعبدك إن فيه فهاهةً … جبلية ولك العراق وماؤها» (^٣)\n- وقال السلفي: «ولقد تكلم - يعني ابن عقيل - يومًا مع شيخنا أبي الحسن إلكيا الهراسي في مسألة، فقال شيخُنا: هذا ليس مذهبك، فقال: أنا لي اجتهادٌ، متى ما طالبني خصمي بحُجَّةٍ: كان عندي ما أدفع به عن نفسي، وأقوم له بحجتي، فقال له شيخنا: كذلك الظن بك» (^٤).\n- سياق إيراد ابن خلكان فتوى إلكيا الهراسي في حكم لعن يزيد بن معاوية، ثُمَّ تعقيبه بفتوى مخالفة لأبي حامد الغزالي في نفس المسألة قد يُشعر بوجود منافسة بينهما، وهو أمر طبيعي بين الأقران، لا سيما وقد جمعهم بلدٌ واحد والتتلمذ لشيخ واحد.\n_________\n(^١) (١٩/ ٣٤٨).\n(^٢) وقد سجل ابن عقيل شيئا من تلك المناظرات في «فنونه».\n(^٣) «ذيل طبقات الحنابلة» (١/ ٣٢٦).\n(^٤) المصدر السابق.","vol":"1","page":23},{"text":"<span data-type='title' id=toc-15>٨ - من الأقوال المشهورة عنه:</span>\n- حدَّث الحافظ أبو طاهر السِّلَفيُّ قال: «استفتيتُ شيخنا إِلكْيا الهراسيَّ ببغداد سنة ٤٩٥ هـ - أو قبلها أو بعدها بقليل - لكلامٍ جرى بيني وبين الفقهاء بالمدرسة النظامية التي هو مدرسها: ما يقول الإمام وفَّقه الله تعالى في رجلٍ أوصى بثلث ماله للعلماء والفقهاء، هل يدخل كتَبَةُ الحديث تحت هذه الوصية أم لا؟\nكتب بخطِّه تحت السؤال: نعم، وكيف لا، وقد قال النبيُّ ﷺ: من حفظ على أمتي أربعين حديثًا من أمر دينها بعثه الله يوم القيامة فقيهًا عالمًا» (^١).\n- ومنها قوله: «إذا جالت فرسان الأحاديث في ميادين الكفاح، طارت رؤوس المقاييس في مهاب الرِّياح».\n\n<span data-type='title' id=toc-16>٩ - محنته:</span>\nمن ابتلاء الله تعالى لإلكيا الهراسيِّ أنه اتُّهم ورُمي عند السلطان بمذهب الباطنية، فعزم السلطان السلجوقيُّ على قتله، فحماه الخليفة المستظهر، وشهد له جماعة من العلماء بالبراءة.\n_________\n(^١) أخرجه ابن عبد البر في «جامع بيان العلم» (١/ ٢٩٢) عن أنس وأبي هريرة ومعاذ بن جبل، والبيهقي في «شعب الإيمان» (١٥٩٦) من حديث أبي هريرة، ومن حديث أبي الدرداء (١٥٩٧). قال النووي: «طرقه كلها ضعيفة»، وقال ابن حجر: «جمعت طرقه في جزء ليس فيها طريق تسلم من علة قادحة»، لكن يُفهم من كلام الحافظ السلفي في «الأربعين البلدانية» (ص ٢٨) أن بعض العلماء يراه ثابتًا، وسياق إيراد إلكيا للحديث يؤيد ذلك؛ ولعله بناء على كثرة طرقها وانضمام بعضها إلى بعض. انظر: «البدر المنير» (٧/ ٢٧٨)، «كشف الخفاء» (٢/ ٢٤٦).","vol":"1","page":24},{"text":"وممن ذكر تفاصيل هذه القضية: ابن الجوزي في «المنتظم» (^١)، فقال في حوادث سنة ٤٩٥ هـ: «في يوم الخميس سادس محرم قبض على إلكيا أبي الحسن عل بن محمد - المدرس بالنظامية ـ، فحمل إلى موضع أفرد له، ووكل به جماعة؛ وذلك أنه رفع عنه إلى السلطان محمد بأنه باطني، فتقدم بالقبض عليه فتجرَّد في حقه أبو الفرج بن السيبي القاضي (ت ٥٠٤ هـ)، وأخذ المحاضر، وكتب أبو الوفاء بن عقيل خطه له بصحة الدين، وشهد له بالفضل، وخوطب من دار الخلافة في تخليصه فاستنقذ».\nوقد بين ابن السبكي سبب هذه الفتنة قائلا: «ومن غريب ما اتفق له أنه أُشيع أنَّ إلكيا باطني يرى رأي الإسماعيلية، فنمت له فتنة هائلةٌ، وهو بريء من ذلك، ولكن وقع الاشتباه على الناقل؛ فإنَّ صاحب الألموت ابن الصباح الباطني الإسماعيلي كان يُلقب بـ: إلكيا أيضًا، ثم ظهر الأمر وفرجت كربة شمس الإسلام ﷺ، وعلم أنَّه أُتي من توافق اللقبين» (^٢)، وكان من آثار هذه المحنة أنه نزع من التدريس في النظامية وقت الفتنة، ثم بعد ما شهد له العلماء بالبراءة، أعيد له التدريس.\nتنويه: جاء في كتاب «يوميات فقيه حنبلي» (^٣) لابن البناء (ت ٤٧١ هـ) ما نصه: «وفي يوم الجمعة الثالث عشر منه (^٤)، وكانت نوبتي في جامع المنصور، عُرفتُ أَنَّ الهراسي الواعظ حُطَّ من الكرسي، وأنكر عليه أسباب يوردها فظيعة.\n_________\n(^١) (١٧/ ٧٤).\n(^٢) «طبقات الشافعية الكبرى» (٧/ ٢٣٣).\n(^٣) (ص ١٥٤ - ١٥٥).\n(^٤) أي: من عام ٤٦١ هـ.","vol":"1","page":25},{"text":"ومناكير يذكرها، وتعريضات بأهل السُّنَّة، وتلويحات بفضل الأشعري ومن وافقهم، وتوهيمات على العوام بأنّ أصحاب الحديث مشبهة، وفعل ثانيةً كذاك، وكسر كرسيه الذي بجامع المنصور، وتولَّى ذلك ابن سُكَرة الهاشمي حفظه الله».\nولنا مع هذا النص وقفةٌ، وهي أن يقال: إنَّ هذا المذكور في القصة ليس هو إلكيا الهراسي، الفقيه المشهور - صاحب هذه التعليقة - كما توهم المعلق على الكتاب المذكور؛ لأنَّ الهراسي كان وقتها عمره قرابة إحدى عشرة سنة، ولم يكن قد دخل بغداد كما سبق بيانه في رحلاته، فضلا عن كونه يتصدر مجالس الوعظ في هذا السن المبكر من عمره. ولعل المذكور في تلك القصة شخص آخر يشابهه في هذه النسبة إن صحت قراءة المحقق؛ وإلا فإنها تحتمل - حسب الرسم الذي اطلعنا عليه في النسخة الخطية من الكتاب المذكور - أوجها أخرى، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-17>١٠ - وفاته:</span>\nتوفي الإمام إلكيا في بغداد، عصر يوم الخميس، مستهل شهر محرم عام ٥٠٤ للهجرة، - وله ثلاث وخمسون (٥٣) سنة ـ، ودفن من الغد في مقبرة باب أبرز بتربة الشيخ أبي إسحاق الشيرازي -رحمهما الله-. ورثاه تلميذه وخادمه في النظامية أبو القاسم إبراهيم بن عثمان الغزي ارتجالًا من قصيدة، وهي:\nهي الحوادث لا تبقي ولا تذر … ما للبرية من محتومها وَزَرُ\nلَو كَانَ يُنجِي عُلُوٌّ مِنْ بَوَائِقِهَا … لَمْ تُكْسَفِ الشَّمْسُ، بَلْ لَم يُكْسَفِ (^١) الْقَمَرُ\nقُلْ للجبان الَّذِي أَمْسَى عَلَى حَذَرٍ … مِنَ الْحِمَامِ مَتَى رَدَّ الرَّدَى الْحَذَرُ\n_________\n(^١) في بعض المصادر: (لم يخسف).","vol":"1","page":26},{"text":"بكى على شمسه الإسلام إذ أفلت … بأدمع قل في تشبيهها المطر\nحبر عهدناه طلق الوجه مبتسما … والبشر أحسن ما يلقى به البشر\nلئن طوته المنايا تحت أخمصها … فعلمه الجم في الآفاق منتشر\nسقى ثراك - عماد الدين - كل ضحى … صافي الغمام ملئ الودق منهمر\nعند الورى من أسى ألفيته خبر … فهل أتاك من استيحاشهم خبر\nأحيا ابن إدريس درس كنت تورده … تحار في نظمه الأذهان والفكر\nمن فاز منه بتعليق فقد علقت … يمينه بشهاب (^١) ليس ينكسر\nكأنما مشكلات الفقه يوضحها … جباه دهم لها من لفظه غرر\nولو عرفت له مثلا دعوت له … وقلت دهري إلى شرواه مفتقر (^٢)\n\n<span data-type='title' id=toc-18>١١ - مؤلفاته:</span>\nذكر في ترجمة إلكيا أن له مصنفات كثيرة، إلا أنه لم يصل إلينا منها - مما استطعنا الاطلاع عليه - إلا ثلاثة كتب، ولم ينشر منها حتى كتابة هذه المقدمة إلا «أحكام القرآن».\nوكتب التراجم لم تسرد لنا عناوينها بشكل واضح، ولقد اجتهدنا في جمع هذه الكتب ووصف محتواها قدر الوسع، وحاولنا تحرير عناوينها بما تيسر لنا من معلومات.\n١ - «أحكام القرآن» (^٣)، مطبوع بهذا العنوان. أغلب المصادر لم تذكره في\n_________\n(^١) في بعض المصادر: (بحسام).\n(^٢) «تاريخ دمشق» (٧/ ٥٢). وقارن مع: «معجم السفر» (ص ٤٥٤).\n(^٣) «اللمع الألمعية» (١/ ٤١١)، «العقد المذهب» (ص ١١٥)، «كشف الظنون» (١/¬٢٠).","vol":"1","page":27},{"text":"ترجمته؛ وأول من وجدنا ينسبه إليه بهذا العنوان هو قطب الدين الخيضري (٨٩٤ هـ)؛ وعند ابن الملقن (ت ٨٠٤ هـ) جاء تسميته بـ: «الأحكام»، ولعله من باب الاختصار في التسمية. والكتاب اشتهر بهذه التسمية عند المتأخرين، وطبع بهذا العنوان، ويؤيد هذه التسمية ما ذكره إلكيا في مقدمة كتابه قائلا: «أردت أن أصنف في أحكام القرآن كتابا …».\nإلا أن عنوان الكتاب في نسخة خطية: «شفاء الغليل في غوامض التنزيل» (^١). وجاء في المقدمة: «أردت أن أصنّف في أحكام القرآن كتابا أشرح فيه ما انتزعه الشافعي ﵁ من أخذ الدلائل في غوامض المسائل … حرَّرتُ في شرحها: هذه الفصول المتضمنة من اللفظ والمعنى، شفاء كل عليل مع انتخابي فيها قصد السبيل» (^٢). ومن خلال هذا النص نجد إلكيا أشار إلى هذا العنوان، وهذه التسمية أقرب لبيان محتواه، ويناسب طريقة إلكيا في تسمية كتبه.\nثم إننا بالنظر في محتوى الكتاب وجدنا أن إلكيا اعتنى باستنباط مسائل أصولية وفقهية وعقدية ولغوية، ولم يقتصر على الأحكام الفقهية، ومع ذلك لا يمكن الجزم بعنوان الكتاب الذي وضعه مصنفه، وإن كان كلاهما صادقا في الدلالة على مضمونه.\nوأول من نقل عنه - فيما وقفنا عليه - هو ابن السبكي (^٣)، ثم الزركشي (^٤)،\n_________\n(^١) وقد ذكر إسماعيل باشا في «إيضاح المكنون» (٢/ ٥١) هذا الكتاب ونسبه للطبري، والمقصود إلكيا الطبري الهراسي.\n(^٢) (١/¬٢، ٣).\n(^٣) انظر: الأشباه والنظائر (٢/ ١٢٦). والنقل في «أحكام القرآن» (٢/ ٤٢٤)\n(^٤) «المنثور في القواعد» (٢/ ١٦٤)، «تشنيف المسامع» (١/ ٦٤٣)، «البحر المحيط» (٣/ ٤٥٧)، =","vol":"1","page":28},{"text":"وهذه النقول موجودة في المطبوع من «أحكام القرآن».\nكما قد أشار إلكيا في هذا الكتاب إلى تصانيفه في الأصول والخلاف دون تسميتها، مما يدل على تأخر «أحكام القرآن» في التأليف عنها.\nومن مقاصد الكيا في هذا الكتاب: الرد على أبي بكر الجصاص (ت ٣٧٠ هـ) في كتابه: «أحكام القرآن» انتصارًا للإمام الشافعي، كما ألمح إليه في مقدمته، وصرح به في ثنايا كتابه؛ كما أنه يرد على القاضي إسماعيل المالكي (ت ٢٨٢ هـ) في عدد من المواضع فيما يتعلق بالنقل عن الإمام الشافعي.\n٢ - «تعليق في الكلام»، ويسمى أيضًا: «التعليقة الكلامية» أو «كتاب في أصول الدين» (^١). ذكر الرازي في «الرِّياض المونقة» (^٢) في باب «شرح أقوال أهل السنة والجماعة» ضمن مصنفات وأعلام الأشاعرة ما نصه: «… والإمام شمس الإسلام أبو الحسن الهراس، وله تعليقة في الكلام، لو قلت إنها أحسن ما صنف في مذهبنا لصدقت». وقد نقل عنها أبو العباس ابن تيمية (ت ٧٢٨ هـ) في «درء التعارض» (^٣)، في موضعين وصفه بأنه في الكلام، وبالمقارنة بين نقوله والمخطوطة التي بين أيدينا من التعليقة وقفنا على وجودها فيها بألفاظها (^٤).\nومن الأهمية بمكان أن نذكر هنا أن ابن تيمية قال في موضعين: «وممن ذكر ذلك: أبو الحسن الطبري المعروف بـ: إلكيا في كتابه في الكلام أو بعض\n_________\n= والنقل بمعناه: في «أحكام القرآن» (١/¬٤٢)، (٤/ ٢٥٩).\n(^١) مخطوط في دار الكتب المصرية كلام/ ٢٩٠، ناقص.\n(^٢) (ص ١٨٣).\n(^٣) (٣/ ١٠٨ - ١٠٩)، (٧/ ٣٥٧)، (٨/ ٩٤).\n(^٤) انظر: التعليقة الكلامية (ق/ ١٢/ ظ - ١٣/ ظ)","vol":"1","page":29},{"text":"نظرائه …»، و«ذكره بعض فضلاء المتكلمين من أصحاب أبي المعالي، أظنه أبا الحسن الطبري المعروف بـ: إلكيا، أو بعض نظرائه …»، إشارة إلى عدم جزمه بالنسبة إليه، وفي المخطوط الذي بين أيدينا هو منسوب إلى إلكيا، والله أعلم.\n٣ - «التعليقة - أو: التعليق - في الأصول» (^١). وسيأتي الكلام عليه مفصلا.\n٤ - «تلويح مدارك الأحكام» (^٢)، وقد أحال عليه الزركشي في كتبه في أكثر من موضع (^٣)، فتارة يذكره بعنوانه كاملا، وتارة يختصره بالتلويح، وتارة بالمدارك، وتارة بمدارك الأحكام.\n٥ - «الجدل». ذكره ابن تيمية في «المسودة» (^٤).\n_________\n(^١) انظر: «سلاسل الذهب» (ص ٩٩)، «البحر المحيط» (٢/ ٢٥٩)، «البحر الذي زخر في شرح ألفية الأثر» (٢/ ٧٩٤)، مسالك الحنفا (ضمن الحاوي للفتاوى) (٢/ ٣٥٩)، «كشف الظنون» (١/ ٤٢٣).\nذكر ابن السبكي في «الطبقات الكبرى» من تصانيفه: «كتاب في أصول الفقه». لكن جاء في «الوسطى» له و«اللمع الألمعية»: «كتابان»، وفي الطبقات الصغرى لابن السبكي و«شذرات الذهب»: «كتب». ومما يؤيد أنها ثلاثة فأكثر ما ذكره إلكيا نفسه في كتابه «أحكام القرآن» بعد تقرير صحة الإجماع، قال ما نصه (٢/ ٤٩٩): «فدل على صحة إجماع الأمة؛ على ما قررناه في تصانيفنا في الأصول، وبينا ما يرد عليه من الاعتراض ومنع الاحتجاج»، والذي يمكن أن نقوله هنا أن لإلكيا أكثر من كتاب في أصول الفقه.\n(^٢) انظر: «النكت على ابن الصلاح» للزركشي (٢/ ٢٨٨)، «البحر الذي ذخر في شرح ألفية الأثر» (١/ ٣٥٥).\n(^٣) انظر مثلا: «البحر المحيط» (١/ ٤٧٥)، (٣/¬٢٧، ٣٧، ٥٢، ١١٦، ١٣٠ - ١٣١، ١٧٧، ٣١٥، ٣٧٨)، (٤/¬٢٥، ٢٩٤)، «النكت على ابن الصلاح» (٢/ ٢٨٨ - ٢٨٩)، «سلاسل الذهب» (ص ٤٣٢).\n(^٤) (٢/ ٩٧١).","vol":"1","page":30},{"text":"٦ - «شفاء المسترشدين في مباحث المجتهدين» (^١). قال عنه ابن السبكي: «وهو من أجود كتب الخلافيات»، ونقل عنه فوائد في «طبقاته الكبرى». ونقل ابن إمام الكاملية (ت ٨٦٤ هـ) قولًا لإلكيا الهراسي وعزاه لكتابه «تعليق في الخلاف» (^٢)، والنَّص موجود في «البحر المحيط» منسوبًا إليه دون ذكر الكتاب (^٣)؛ فهل كتاب «شفاء المسترشدين» هو نفس «تعليقة في الخلافيات»؟ نحن وإن كنا نميل إلى ذلك إلا أننا لا نستطيع أن نجزم بشيء (^٤)، والله أعلم.\n٧ - «الكتاب المصنف في الروايات»، أحال عليه في «أحكام القرآن» أثناء كلامه على مسألة الإيتاء (^٥). والكتاب لم يتبين لنا موضوعه بدقة؛ فقد يكون في الروايات الحديثية، وقد يكون في الروايات عن الإمام الشافعي أو المذهب (^٦)، حيث إن سياق كلامه أثناء إحالته على الكتاب كانت في مسألة فقهية، حرّر فيها قول الشافعي (^٧).\n٨ - «لوامع الدلائل في زوايا المسائل». أحال عليه مختصرًا عنوانه بـ:\n_________\n(^١) «كشف الظنون» (٢/ ١٠٥٦).\n(^٢) «مختصر تيسير الوصول» (٢/ ٩٩٣). وانظر أيضا: «أحكام القرآن» (٢/ ٤٧٩)، «البحر المحيط» (٢/ ٢٠٥).\n(^٣) «البحر المحيط» (٤/ ١٠٥)، «المنثور في القواعد» (١/ ١٦٠).\n(^٤) وقد أطلق بعضهم - كصاحب: «اللمع الألمعية» - أنَّ له تعليقًا، وهو وإن كان يحتمل أن يكون تعليقته في الأصول أو الكلام أو الخلاف؛ إلا أنَّ المشهور هو إطلاقها في الخلافيات. انظر: «الإبرازات المتعددة للكتاب» (ص ٣٣٠).\n(^٥) (٤/ ٣١٨).\n(^٦) قارن بـ: «أحكام القرآن» (٣/ ٥٣).\n(^٧) وعلى الاحتمال الثاني؛ فهل له علاقة بكتاب: «نصرة القولين» (انظر: ص ٣٣) أو هو غيره؟ يحتمل الأمرين.","vol":"1","page":31},{"text":"«الزوايا» في كتابه «أحكام القرآن» (^١)، ونسبه إليه كذلك ابن الصلاح (ت ٦٤٣) في موضعين من كتابين له؛ أما الموضع الأول، فهو في «شرح مشكل الوسيط» (^٢)، وأما الموضع الثاني، فهو ما نقله كمال الدين الدميري (ت ٨٠٨ هـ) في كتابه «حياة الحيوان الكبرى» (^٣) عن ابن الصلاح (ت ٦٤٣ هـ) في «رحلته». ونسبه إليه كذلك النووي (ت ٦٧٦ هـ) (^٤)؛ وكلها في مسائل فقهية؛ وعلى هذا؛ فنستطيع أن نقول إن محتوى الكتاب في المسائل الفقهية، وعنوانه يوحي بأنه في المسائل غير المشهورة التي ليست في مظنتها. ولكن يعكر على ذلك أن إلكيا لما نقل عنه مسألة في كتاب «أحكام القرآن» تتعلق بالفرق بين حجب النقصان وحجب الحرمان، قال بعد ذلك ما نصه: «وذكرنا فرقة بين الحجبين في مسائل الزوايا» (^٥)، وهو فرق حسن … وذكرنا فرقة بينهما، فيفهم من خلال هذا النص أن محتواه في ذكر الفروق الفقهية، فالكتاب في الفقه، لكن تفاصيل محتواه غير معلومة لدينا، والله أعلم.\n٩ - «مسائل الدور»، وقد صنف في ذلك عدد من العلماء، كالغزالي وابن السبكي (^٦). وقد ذكر جمال الدين الإسنوي (٧٧٢ هـ) تصنيفا في ذلك لإلكيا، فقال أثناء الحديث على مسألة من مسائل الطلاق في شرح كلام النووي: «إذا قال لامرأته: إذا طلقتك - أو مهما أو متى ـ، فأنت طالق قبله ثلاثا، ثم طلقها،\n_________\n(^١) (٢/ ٣٥٢).\n(^٢) «شرح مشكل الوسيط» (١/ ١٢٤).\n(^٣) (٢/ ١٥٦٩).\n(^٤) «المجموع شرح المذهب» (١/ ٢٥٩).\n(^٥) وقع في المطبوع من «أحكام القرآن»: الروايا، وهو تصحيف.\n(^٦) انظر: «كشف الظنون» (٢/ ١٣٥٣، ١١٩٢، ١٩٨٨).","vol":"1","page":32},{"text":"ففيه ثلاثة أوجه …»، نقلا عن إمام الحرمين: «ذهب معظم الأصحاب إلى أنه لا يقع شيء بالكلية، وكذلك إلكيا الهراسي، وصنَّف في ذلك تصنيفا إلا أنه صحَّح فيه وقوع المنجَّز وطلقتين من المعلَّق» (^١). ولا نعلم إن كان المؤلِّف قد وضع له عنوانا خاصا.\n١٠ - «مطالع الأحكام»، ذكره البدر الزركشي ونقل منه في موضع واحد قائلا: «قال إلكيا الهراسي في مطالع الأحكام …» (^٢)، لكن ورد نفس النقل في «شرح مختصر الروضة» للطوفي (٧١٦ هـ) منسوبًا إلى الكناني في «مطالع الأحكام» (^٣)، وفي موضع آخر نقل منه الطوفي وسماه: «مطالع الشريعة» منسوبا إلى الكناني كذلك (^٤)، فالذي يظهر أن الاسم في كلا الموضعين تحرف من «إلكيا» (^٥) إلى «الكناني»؛ لأن رسمهما متقارب؛ ولأن الزركشي قد نقل منه الموضع الأول منسوبا إلى إلكيا الهراسي صريحًا، ثم إنه لا يُدرى من هذا الكناني (^٦)، والله أعلم.\n١١ - نصرة القولين. والمقصود أن يكون العالم له قولان مختلفان في مسألة واحدة، وهو مشهور عن الإمام الشافعي، ولذلك أفرد فيه عدد من علماء\n_________\n(^١) انظر: «المهمات في شرح الروضة والرافعي» (٧/ ٤٠٣).\n(^٢) انظر: «البحر المحيط» (١/ ٤١٤).\n(^٣) (٢/ ٢٠٥) تحقيق آل إبراهيم، (١/ ٢٠٨) تحقيق التركي.\n(^٤) (٢/ ٢٢٧) تحقيق آل إبراهيم، (١/ ٢٢٧) تحقيق التركي.\n(^٥) وقد نبه الدكتور إبراهيم آل إبراهيم محقق «شرح مختصر الروضة» أن في إحدى النسخ وردت «الكتاني» بدل الكناني.\n(^٦) ثم رأينا بعد ذلك أن الدكتور محمد بن طارق الفوزان قد أشار إلى ذلك في كتابه: «الإخلال بالنقل» (١/ ١٤٩)، ونبه على هذا الخطأ، فحمدنا الله تعالى على هذا التوارد والاتفاق في الوصول إلى نفس النتيجة البحثية.","vol":"1","page":33},{"text":"الشافعية، طبع منها: «نصرة القولين» لابن القاص (ت ٣٣٥ هـ)، و«حقيقة القولين» للغزالي. وقد ذكره الزركشي أثناء الحديث عن المسألة ذاتها، فقال ما نصه: «وقد صنف أصحابنا في نصرة القولين، منهم ابن القاص والغزالي والكيا والروياني» (^١). فنحن لا نعرف اسم الكتاب إن كان المؤلف وضع له عنوانا خاصا (^٢).\n١٢ - «نقض - أو: نقد - مفردات الإمام أحمد» (^٣)، ويسمى أيضا: «الرد على مفردات الحنابلة»، وفي بعض المصادر (^٤): «الرد على الإمام أحمد». ذكر ابن كثير أنه في مجلد، وهو في الرد على ما انفرد به الإمام أحمد عن الإمامين أبي حنيفة والشافعي، - وإن كان قول الإمام مالك موافقا لقول الإمام أحمد أو قريبا منه (^٥). نقل الزركشي منه نصين يبينان بعض محتواه وطريقته، فقال في الموضع الأول: «قال إلكيا الهراسي في كتاب «نقد مفردات أحمد»: «منع أحمد الفرض في الكعبة، وجوز النفل، ولا شك أن عموم قوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ يتناول المصلي إليها وفيها، وصح أنه دخل البيت وصلى فيه. وهم يحملونه على النافلة، والحكاية حكاية حال. ونذرت عائشة ﵂ أَنَّ تصلي في البيت، فقال ﷺ: \"صلي في الحجر؛ فإنه من البيت\" ومعلوم أن النذر مفروض. ولعل أحمد يجوز ذلك. وإنما منع الفرض المطلق. انتهى» (^٦).\n_________\n(^١) «البحر المحيط» (٦/ ١٢٤).\n(^٢) وللاستزادة حول نسبة الكتاب ينظر: «الإخلال بالنقل» (٢/ ٧٦٤ - ٧٦٥).\n(^٣) «اللمع الالمعية» (١/ ٤١١)، «النكت على ابن الصلاح» (٢/ ٤٥٠)، «إعلام الساجد» (ص ١٠١)\n(^٤) «العقد المذهب» (ص ١١٥).\n(^٥) انظر: «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٢٢٩ - ٢٣٠).\n(^٦) «إعلام الساجد» (ص ١٠١). وقد يستفاد من هذا النقل أيضًا أن الزركشي وقف على الكتاب=","vol":"1","page":34},{"text":"وقال الزركشي في مسألة الشيخ إذا لم يتذكر ما رواه: هل له أن يتبع روايته ويرويه: «قال إلكيا الطبري في كتاب \"نقض مفردات أحمد\": هذا موضع نظر، يحتمل أن يقال: تتبع روايته تشوفًا إلى العمل بالحديث، ويحتمل خلافه» (^١). وسبب الحديث عن مثل هذا الموضوع - وهو موضوع مفردات الحنابلة عن المذهب الشافعي خصوصا - والتأليف فيه: هو ما أثاره بعض علماء الشافعية من القول بأنَّ ما بين الإمامين - الشافعي وأحمد - -رحمهما الله- من الاختلاف يسير في الفروع، وأنه ينبني على ذلك الاستغناء عن مذهب الإمام أحمد اكتفاء بمذهب الإمام الشافعي. ولم يتبين لنا من أول من أثار هذه القضية؛ إلا أننا نجزم بأن إلكيا الهراسي كان ممن انتصر لمذهبه، وألف كتابه المذكور، فجاءت كتب الحنابلة للرد عليه بعينه (^٢)، ولذا قال ناظم «المفردات» محمد بن علي العمري (ت ٨٢٠ هـ) (^٣):\nواعلم بأن أصحابنا قد صنفوا … في «المفردات» جُملا وألفوا\nلكنهم لم يقصدوا هذا النمط … بل قصدوا الرد على الكيا فقط\nولم نقف على الكتاب لنحكم عليه أو نتبين تفاصيل محتواه بدقة، لكن قال عنه الذهبي الشافعي: «وصنف كتابا في الرد على مفردات الإمام أحمد، فلم يُنصف فيه، ولعل هذا ما دفع عددا من علماء الحنابلة إلى تصنيفهم ردا على\n_________\n= وهو مصري عاش في النصف الثاني من القرن الثامن الهجري، فالكتاب انتقل من بغداد، ولم يكن ضمن ما فقد أو نهب أيام المغول.\n(^١) «البحر المحيط» (٤/ ٤٢٥).\n(^٢) ويؤكد ذلك تصريح عناوين بعض الكتب المؤلفة في ذلك، ككتابي ابن قاضي الجبل (ت ٧٧١ هـ)، وابن عبد الهادي (ت ٧٤٤ هـ): «الرد على إلكيا الهراسي».\n(^٣) انظر: «المنح الشافيات» (١/ ١٢٣). وللأبيات تتمة، يمكن مراجعتها في المصدر.","vol":"1","page":35},{"text":"إلكيا وبيان أصل القضية (^١).\nتنبيه: نقل الزركشي في مسألة تفاوت العلوم قول الكيا الهراسي بعدم تفاوتها، ثم قال: «واختاره الكيا الطبري في «كتاب الترجيح»، فلا نعلم هل قصد به كتاب الترجيح ضمن أحد كتبه الأصولية - وهذا الذي نميل إليه ــ أم أنه كتاب مستقل بهذا الاسم؟\n_________\n(^١) ينظر: «كتاب فيما انفرد به الإمام أحمد عن الشافعي» (ص ٢٣)، «الفواكه العديدة» (١/ ٥٢)، «المدخل المفصل» (٢/ ٩٠٨). وهنا إشارة: وهي أنه في القرنين الرابع والخامس الهجريين ظهرت كتب في الانتصار للمذاهب وتفضيلها، وبالغ بعض العلماء إثارة المسألة ضمن كتبهم الأصولية، وذلك ببيان فضل إمامهم ومذهبهم، وزاد في ذلك إلى أن استنقص من قدر الأئمة والمذاهب الأخرى أحيانا. ونظرًا لأنَّ إلكيا الهراسي هو ابن بيئته؛ فقد شارك في هذا الأمر، ومثله قرينه الغزالي - خصوصًا في خاتمة المنخول -؛ فقد زاد الكيل في استنقاص أحد المذاهب. ولعلهما في ذلك تأثرا أيضا بشيخهما إمام الحرمين، حيث إنّه قد تناول هذه القضية في البرهان وغيره من مصنفاته.","vol":"1","page":36},{"text":"<span data-type='title' id=toc-19>ثانيا: كتاب التعليقة في أصول الفقه</span>\n<span data-type='title' id=toc-20>١ - مفهوم التعليقة:</span>\nمصطلح «التعليق» أو «التعليقة» منتشر في التأليف في العلوم الشرعية والعربية، وخصوصا في القرنين الرابع والخامس. والمقصود به: «ما يقيده الطالب في مجلس الدرس لعلم من العلوم مما يسمعه فيه من شيخه» (^١)، وقد يسمى «تقييدا» كذلك، فلا فرق بينهما في المعنى؛ إلا أن الاستعمال الشائع عند الشرق الإسلامي مصطلح «التعاليق»، وفي الغرب الإسلامي: «(التقاييد)» (^٢).\nوكتابنا هذا هو مما عُلِّق عن الإمام الكيا. ومن التعاليق الأصولية قبله ما ذُكر في ترجمة أبي حامد الإسفراييني (ت ٤٠٦ هـ): «وعلق عنه تعاليق في شرح المزني، وعُلِّق عنه أصول الفقه وطبق الأرض بالأصحاب …» (^٣).\nومن الأمثلة على ما ألف من التعاليق الأصولية في زمن الإمام إلكيا ما جاء في ترجمة محمد بن الفضل أبي عبد الله الفراوي (ت ٥٣٠ هـ) أنه كان يختلف إلى مجلس إمام الحرمين أبي المعالي الجويني، فلازم درسه وتفقه، وعلق عنه الأصول … (^٤). هذه النماذج في علم الأصول والفقه.\n_________\n(^١) «الإبرازات المتعددة للكتاب» (ص ٣١٠).\n(^٢) انظر: المرجع السابق.\n(^٣) «طبقات الفقهاء» للشيرازي نشرة: إحسان عباس (ص ١٢٤)، ونشرة: خليل الميس (ص ١٣١).\n(^٤) «وفيات الأعيان» (٤/ ٢٩٠).","vol":"1","page":37},{"text":"ومن النماذج على التعاليق في العربية: التعليقة على كتاب سيبويه لأبي علي الفارسي (ت ٣٧٧ هـ)، وهي مطبوعة.\nوهذا الكتاب الذي بين أيدينا هو داخل ضمن هذا النوع من التأليف حيث قيد فيه أحد تلاميذ إلكيا ما سمعه من الدرس عنه، ولذا؛ فطبيعة هذا الكتاب تختلف عن الكتب التي حررها مؤلفوها بأنفسهم، سواء من حيث العبارة أو الترتيب؛ لأن هذا النوع من التآليف يعتبر من التأليف المشتركة بين التلميذ والأستاذ، فقد تجد بين التعاليق لشيخ واحد اختلافا وتباينا في الطول والقصر وتنوعا في بعض العبارات.\n\n<span data-type='title' id=toc-21>٢ - تحقيق اسم الكتاب، وإثبات نسبته:</span>\nوأما ما يتعلق بتعليقة إلكيا، فقد جاء في ترجمته أنه عُلّق عنه في أصول الفقه، وقد نقل عنها: ابن الصلاح وابن السبكي والزركشي، والسيوطي وغيرهم، وهي منثورة في كتبهم في مواضع متفرقة، فتارة يسمونها: بـ «التعليقة في أصول الفقه»، وتارة بـ: «التعليق في الأصول»، وتارة بـ: «تعليق». وله كذلك «تعليق في الكلام»، لكن عند الإطلاق في كتب الأصول يكون المقصود هو التعليقة الأصولية.\nوأما النسخة التي بين أيدينا؛ فالذي يظهر بعد تحقيقها ودراستها أنها تعليقة مختصرة في الجملة، متباينة في المباحث والفصول بالطول والقصر، يوجد فيها بعض الخروم والسقط، وبالمقارنة مع ما نقله الزركشي والسيوطي وغيرهما - كما أثبتناه في الهوامش والملحق - تبين أن هناك مباحث نقلوها غير موجودة في تعليقتنا مع وجود المسألة عندنا، أو توسعهم فيها مع اختصارها عندنا. وذلك","vol":"1","page":38},{"text":"لأن نسخ التعاليق تتباين لعدة اعتبارات، فمنها: نشاط المعلق وضعفه، ومنها: وجود أكثر من تعليقة للشيخ على مدى سنين من التدريس.\nولا ندري متى وأين عُلِّقَ عنه هذا الكتاب، فمن المحتمل أن يكون زمن تدريسه في بيهق، ويحتمل أن يكون بعد ذلك في المدرسة النظامية، إلا أنها ليست نسخة مشهورة، كالتي ينقل عنها الزركشي.\nولم نعرف كذلك من هو المعلّق لعدم وجود نسخة كاملة لدينا، إلا أننا نستطيع الوصف بإجمال: أنه من متوسط المعلقين، وليس من المتميزين.\nالقطعة التي بين أيدينا وجدت ضمن مجموع - على ما سيأتي في وصف النسخة الخطية ـ، ولم يصلنا غلاف المجموع، وسقطت الورقة الأولى (^١) من الكتاب الذي هو محل التحقيق، وآخره مبتور، لكن أمكننا تعيين الكتاب ومؤلفه ولله الحمد ـ، ويدل على ذلك أمور:\n١ - أنَّ الكتاب في أصول الفقه، ومؤلفه شافعي المذهب في الفروع، وهذا الأمر ظاهر جدًّا في عرضه للمسائل، وكلامه فيها.\n٢ - أنَّ الكتاب من كتب التعاليق؛ ويدل على ذلك قول المعلّق في عدة مواطن: «قال الشيخ» (^٢) أو (قال) (^٣). ويظهر للناظر في هذه التعليقة تصرُّف المعلق بالاختصار؛ وذلك أنَّ بعض المواطن مشعرة بأنَّ الكلام والبحث ممتد له تكملة؛\n_________\n(^١) انظر: (ص ٦٥) من هذا الكتاب.\n(^٢) انظر: (ص ٧٠، ١٦٦).\n(^٣) انظر: (ص ١٠٢).","vol":"1","page":39},{"text":"إلَّا أنَّ التعليقة قصرت وعريت عنه، كما نبهنا عليها في مواضعها. كذلك أحال المؤلف على كلام متقدّم لم نجد له أثرًا (^١)؛ وأيضا نجد أن مبحث العموم والخصوص مبحث طويل جدا بالنسبة لبقية المباحث، وكأن المعلق استوفاه أو قارب من استيفاءه بخلاف بقية الأبواب.\n٣ - تميز الكتاب في كثير من المواطن بفوائد خلت عنها المصنفات الأصولية، مع طريقة عرض مغايرة لأسلوب التصنيف الأصولي، مما يُشعر المطالع لبعض المواطن بأن الكتاب تدوين لدرس، وليس تصنيفا.\n٤ - كثرة التصحيف الواقع في المخطوط، فربما كان التصحيف من الأصل المنقول عنه، وهو تصحيف سماع، أو تصحيف بسبب سرعة الكتابة.\n٥ - أنَّ الناسخ فرغ من نسخ المجموع سنة ٥٠٧ هـ، وذلك بعد وفاة الإمام إلكيا بثلاث سنوات فقط، ثم إن جميع من ذكر في هذه القطعة من الأعلام، لا يتعدون القرن الخامس، كالقاضي الباقلاني (ت ٤٠٣ هـ)، والقاضي عبد الجبار (ت ٤١٥ هـ)، وأبي زيد الدبوسي (٤٣٠ هـ)، وأبي الحسين البصري (ت ٤٣٦ هـ)، وأبي المعالي الجويني (ت ٤٧٨ هـ)، وهو آخر من مات منهم.\nفانحصر البحث عن المؤلف في نطاق ضيق جدا؛ فالمؤلف شافعي أصولي له «تعليقة» في أصول الفقه، وهو من أهل الربع الأخير من القرن الخامس وأول السادس، وهذا الوصف منطبق على: إلكيا الهراسي (ت ٥٠٤)، فإنَّ له تعليقةً في أصول الفقه، كما سبق بيانه في مؤلفاته.\n_________\n(^١) انظر: (ص ١٥٧).","vol":"1","page":40},{"text":"ثُمَّ إنَّ مما يؤكد نسبة هذه التعليقة إلى إلكيا الهراسي: النُّصوص والآراء المنقولة من هذه التعليقة، ويمكن تقسيمها إلى قسمين:\nالقسم الأول: النصوص المنقولة باللفظ أو بالمعنى، وهي كما يلي:\n١ - قال السيوطي (ت ٩١١ هـ): «قال إلكيا الهراسي في تعليقه في الأصول: اعلم أن الذي استقر عليه آراء أهل السنة قاطبةً أنه لا مدرك للأحكام سوى الشرع المنقول، ولا يتلقى حكم من قضيات العقول. فأما من عدا أهل الحق من طبقات الخلق - كالرافضة، والكرامية، والمعتزلة، وغيرهم ـ؛ فإنهم ذهبوا إلى أن الأحكام منقسمة، فمنها: ما يتلقى من الشرع المنقول، ومنها: ما يتلقى من قضيات العقول» (^١)، وهذا النص بعينه موجود في التعليقة التي بين أيدينا (^٢).\n٢ - وقال السيوطي أيضًا: «قال إلكيا الهراسي في تعليقه الذي استقر عليه آراء المحققين من الأصوليين: أن اللغة لا تثبت قياسا، ولا يجري القياس فيها. وقال كثير من الفقهاء: القياس يجري في اللغة وعزي هذا إلى الشافعي ﵁ ولم يدل عليه نصه، إنما دلت عليه مسائله …» (^٣). وهذا النص كذلك موجود في كتابنا (^٤).\n٣ - قال الزركشي في مسألة: «تردُّد الشيخ في رواية الحديث» (^٥): «واعلم أن الخلاف هكذا ليس منصوصًا عن الشافعي وأبي حنيفة؛ هكذا قال إلكيا\n_________\n(^١) انظر: «مسلك الحنفا ضمن الحاوي للفتاوى» (٢/ ٢٤٨).\n(^٢) انظر: (ص ٧٣).\n(^٣) «المزهر في علوم اللغة» (١/¬٤٩).\n(^٤) انظر: (ص ١٠٣).\n(^٥) «سلاسل الذهب» (٣٢٣ - ٣٢٤).","vol":"1","page":41},{"text":"الهراسي في تعليقه، قال: وإنما نشأ هذا الخلاف من مسألة، وهو: حديث النكاح بلا وليّ، الذي روته عائشة؛ فرده الحنفية، وقالوا: تردد الشيخ يوجب ريبة، وأصحابنا قالوا: هذا الحديث قد روي من طريق آخر غير طريق الزهري؛ فاعتقد معتقد أن عندهم لا يؤثر تردد الشيخ … . فقد جاء هذا النص عندنا على النحو التالي: «قال أصحابُ الشَّافعيّ: إِنَّ تردُّد الشيخ في الحديث الذي يروى عنه عند الرجوع إليه لا يقدح فيه؛ وقال أصحاب أبي حنيفة: إن تردُّده قادح فيه. وليس عن أبي حنيفة والشافعي في هذه المسألة نص على ما نقله أتباعهما، وإنَّما أُخذ ذلك من مسألة النكاح بغير ولي …».\n٤ - وقال الزركشي في مسألة: «المكره هل يصح تكليفه؟» ما نصه: «وما نقلوه عن المعتزلة قد نازع فيه جماعة منهم إلكيا الطبري، فقال: نُقل عن بعض المعتزلة أن الإكراه ينافي التكليف. قال: وليس هذا مذهبا لأحد، وإنما مذهبهم أن الإلجاء الذي ينافي اختيار العبد ينافي التكليف كالإيمان حالة اليأس» (^١)، وهو في التعليقة التي بين أيدينا بلفظ: «ونقل عن المعتزلة أنَّ المكره غير مكلَّفٍ. وهذا النقل غلط، وذلك من وجهين: أحدهما: أنَّ المسطور عنهم أنَّ الملجأ ليس بمكلَّف - وهو المضطر المضطهد الذي لا قدرة له ولا اختيار ـ؛ فاعتقد الفقهاء بأنَّ المكره أيضا غير مكلَّف وهو في معنى الملجأ، وليس الملجأ والمكره سِيَّانِ. الوجه الثاني: أنَّ القدرة إذا لم تكن صالحة للضّدَّين، بطلت المحنة واستحقاق الثواب والعقاب …».\nوالملاحظ على هذا القسم أن هناك تطابقا بين ما في أيدينا من القطعة\n_________\n(^١) «البحر المحيط» (١/ ٣٥٩).","vol":"1","page":42},{"text":"والمصدر الناقل؛ إلا نقص في آخرها يظهر أنه من المعلق أو الناسخ.\nالقسم الثاني: الآراء المنسوبة إلى الكيا، وهي موجودة في القطعة التي بين أيدينا، فمن ذلك:\n١ - قال الزركشي في «النكت على ابن الصلاح» في تعريف الحديث المنقطع (^١): «وفات المصنّف من الأقوال: أنَّ المرسل: قول الراوي: حدثني فلان عن رجل فيرسل صفته، والمنقطع: أن يقول: قال رسول الله ﷺ من غير ذكر راو أصلا، حكاه الكيا الطبري في تعليقه وقال: \"فالمرسل إذا ذكر راويا ولم يذكر اسمه وصفته، والمنقطع إذا لم يذكر راويا أصلا، وإن كان على الحقيقة لا بد من إسناد، هذا مصطلح المحدثين\". انتهى، وكتبته من خط المصنف (^٢) في فوائد رحلته، وأنكره عليه وقال: \"هذا لا نعرفه وإنما هو من كيسه \"»، وتجد معنى هذا الكلام في تعليقتنا بلفظ: «اعلم أنَّ المرسل عند الأصوليين هو أن يقول الراوي: «حدثني فلان عن رسول الله صلى الله عليه» من غير أن يذكر اسمه وصفته. وأما المنقطع: فهو أن يقول الراوي: \"قال رسول الله صلى الله عليه\" من غير أن يذكر راوي أصلا ولا هو فقيه؛ هذا ما اصطلحوا عليه» (^٣).\n٢ - وقال الزركشي في مسألة «عصمة الأنبياء من الكبائر»: «وقال القاضي عياض: إنها ممتنعة سمعا، والإجماع دل عليه. ولو رددنا إلى العقل فليس فيه ما يحيلها، واختاره إمام الحرمين، والغزالي والكيا». وفي التعليقة التي بين أيدينا: «فقال أهل الجماعة: الإجماع بأنَّهم معصومون، وأنَّ ذلك مُدرَك بالسمع، ولا\n_________\n(^١) في «النكت على ابن الصلاح» (٢/ ٥٧٣).\n(^٢) يعني ابن الصلاح.\n(^٣) انظر: (ص ٢٥٠).","vol":"1","page":43},{"text":"مجال للعقل في إثبات عصمتهم» (^١).\nفبان بذلك ولله الحمد أن التعليقة التي بين أيدينا هي للإمام الكيا الهراسي. إشكال في نسبة الكتاب لإلكيا الهراسي\nيبقى إشكال قد يقدح في التقرير السابق لولا ما يأتي من رده والجواب عليه؛ وذلك أن القطعة التي بين أيدينا ليست كبيرة الحجم، والنقل عن الكيا في كتب الأصول كثير جدا، بل أضف إلى ذلك أن من النقول عن تعليقة إلكيا ما ليس في القطعة التي بين أيدينا (^٢)، وقد يوجد نص طويل، نصفه الأول موجود في كتابنا دون نصفه الثاني (^٣)، وهذا إشكال، فيقال في الجواب:\nأما النقل المجرد عن الكيا من غير نسبة لكتاب معين: فلا يلزم أن يكون من كتاب التعليقة؛ فللإمام الكيا عدة مصنفات أصولية كما سبق.\nوكذلك النقل عن «التعليقة» في المباحث التي لا تكون ضمن القطعة التي وصلت إلينا لا يقدح فيما نحن فيه، كالنقل عن مباحث القياس والاجتهاد وغيرهما.\nبقي البحث في النصوص المنسوبة إلى تعليقة إلكيا الأصولية، وهي ضمن المباحث التي تشملها قطعتنا لكن عريت عن تلك النقول؛ فالجواب عن هذا:\nأنَّ «التعاليق»: هي ما يقيده التلاميذ في مجلس الدرس عن شيخهم (^٤)،\n_________\n(^١) انظر: (ص ١٩٨).\n(^٢) راجع الملحق؛ ففيه أمثلة كثيرة.\n(^٣) انظر:\n(^٤) انظر: «الإبرازات» (ص ٣١٠).","vol":"1","page":44},{"text":"ولذلك يختلف المعلِّق من طالب إلى طالب في الحجم والعبارة (^١)؛ لأن كل معلِّق يقيِّد ما بدا له، من غير التزام بلفظ الشيخ - بخلاف الأمالي -، فتختلف تعاليق المعلِّقين مع اشتراك المجالس أشد الاختلاف (^٢)؛ فمنهم حريص يدوِّن كل شيء، ومنهم من ينتخب من كلام الشيخ، إلى غير ذلك من تصرفاتهم. وقد يكون الشيخ له أكثر من تعليقة، ثم قد يزيد الشيخ في إحداها عن الأخرى. وقد حرر د. حاتم باي ظاهرة اختلاف التعاليق بما لا مزيد عليه، فليراجع (^٣). وبهذا ينحل إشكال تجرُّد التعليقة التي وصلت إلينا عن النقول المنسوبة لتعليقة إلكيا.\nفالتعليقة التي بين أيدينا هي إحدى النسخ لـ: «تعليقة» إلكيا، وهذا يفسر عدم وجود بعض المسائل في نسختنا مع كون العلماء ينقلونها عن «تعليقة إلكيا». لكننا لم نتمكن من الكشف عن المعلِّق؛ من هو؟ ولم تخدمنا كتب التراجم فيما وقفنا عليه في وصف المعلِّقين عن إلكيا الهراسي، ولعل هذه الدراسة تكون نواة لكشف مزيد من الحقائق عن إلكيا الهراسي وتعليقته. والله أعلم، والحمد لله رب العالمين.\n\n<span data-type='title' id=toc-22>٣ - محتوى الكتاب ومباحثه:</span>\nتبدأ التعليقة أثناء حديثة عن تعريف أصول الفقه باعتباره مركبا ومفردا، وهو أول المقدمات الأصولية، فالظاهر أنه لم يفقد من بدايتها إلا ورقة واحدة،\n_________\n(^١) انظر: «الإبرازات» (ص ٣١٥).\n(^٢) انظر: «الإبرازات» (ص ٣٢١).\n(^٣) انظر: «الإبرازات» (ص ٣٢٢ - ٣٢٧). وتعرض د. حاتم أيضا للأمالي والتقاييد، وما يقع فيهما من اختلاف، وعلاقتهما بالتعاليق. انظر: «الإبرازات» (ص ٢٨٤) وما بعدها. وانظر: «التعاليق وأثرها في تطوير الدرس الفقهي» (ص ٣٥).","vol":"1","page":45},{"text":"ومما يدل على ذلك أن التعليقة في الجملة لا تخرج عن ترتيب البرهان، والجويني قد صدر مقدماته الأصولية بتعريف أصول الفقه. شملت هذه القطعة من التعليقة:\nالمقدمات الأصولية التي تضمنت المسائل التالية:\nتعريف أصول الفقه مفردا ومركبا، ومسائل التحسين والتقبيح، وبعد ذلك ذكر الكتب والأبواب الآتية:\n١ - كتاب التكاليف\n٢ - كتاب اللغات\n٣ - كتاب البيان\n٤ - كتاب الأوامر\n٥ - كتاب النواهي\n٦ - كتاب العموم والخصوص\n٧ - كتاب المفهوم\n٨ - كتاب الأفعال\n٩ - باب التأويلات\n١٠ - آخر كتاب النسخ\n١١ - كتاب الإجماع\n١٢ - كتاب الأخبار","vol":"1","page":46},{"text":"وينقطع المخطوط أثناء كتاب الأخبار، فيبقى كتاب القياس وكتاب الاستدلال وكتاب الترجيحات وكتاب الاجتهاد.\nوقد أحال المؤلف في الجزء الذي حققناه إلى كتاب الترجيحات وكتاب النسخ، وهذا يدل على أن التعليقة قد كملت في أصلها.\n\n<span data-type='title' id=toc-23>٤ - مصادر التعليقة ومواردها:</span>\nالأصل أن ما في التعليقة من كلام إلكيا، وقد يذكر نقولات دون عزوها إلى مصادرها، وصرح بالعزو إلى مصدرين، وهما كتاب «الرسالة» للإمام الشافعي، و«جوابات الأسئلة» لأبي الحسن الأشعري.\nوالكتاب فيه عزو لآراء بعض الأصوليين، ومن أكثر من ورد نسبة أقواله:\n- القاضي الباقلاني، ويذكره تارة بالقاضي - اختصارا ــ، وتارة بأبي بكر، وقد يجمع الأمرين؛ وهو أكثر من نقل عنه.\n- ومن الأعلام كذلك: القاضي عبد الجبار، ونقل عنه في موضع واحد ضمن مسائل الأمر، ولم نجزم بمصدره في هذا النقل، هل هو من كتب عبد الجبار أو بالواسطة من البرهان؟.\n- ومنهم: أبو الحسين البصري، وبتتبع هذه الآراء وجدنا بعضها في كتاب المعتمد التي بين أيدينا، مما يدل على أنه كان أحد مصادره.\n- ومنهم: أبو المعالي الجويني، وقد نص على كنيته في موضع واحد في","vol":"1","page":47},{"text":"مسألة أقل الجمع، ونسب إليه اختياره أنه ثلاثة، ولم ينص الجويني عليه في البرهان، فلعل إلكيا نقله إما من كتب الجويني الأخرى، أو كان يصرح به في دروسه، أو هو مما استنبطه إلكيا عنه.\n*وقد ظهر لنا بالتتبع أن إلكيا استفاد من كتاب البرهان؛ ولا غرابة في ذلك؛ فإنَّ الجويني شيخه.\n*ورد ذكر بعض الأسماء في التعليقة في مسائل مشهورة بين الأصوليين - كالكعبي، والنظام، والجاحظ، وعيسى بن أبان، وزفر، وأبي علي وابنه الجبائيين، وهؤلاء لا نجزم بأن إلكيا وقف على كتبهم، والظاهر أنه نقلها بالواسطة؛ لشهرة آرائهم في كتب الأصوليين، وخصوصا المعتزلة.\n*أكثر إلكيا من نقل آراء الحنفية، ولم يصرح بذكر مصادره في ذلك.\n*لم نجد إلكيا أحال في هذه التعليقة إلى شيء من كتبه الأخرى.\n\n<span data-type='title' id=toc-24>٥ - بعض المزايا والمعالم في «التعليقة»:</span>\n*العناية في مواضع بالأمثلة الفقهية في عدد من المسائل، وذلك يجعلها شبيهةً بكتب تخريج الفروع على الأصول.\n*إشاراته إلى استخراج أصول الأئمة في بعض المسائل، كمسألة: هل الكفار مخاطبون بالفروع؟ ومسألة القياس هل يجري في اللغات أم لا؟ ومسألة الاستثناء عقب الجمل المعطوفة بعضها على بعض. ومسألة تردد الشيخ المروي عنه الحديث هل يكون قدحا؟","vol":"1","page":48},{"text":"* التنبيه في بعض المواضع على الإخلال بالنقل عن المذاهب، من أمثلة ذلك: بيان مذهب المعتزلة في تكليف المكره.\n* عنايته بتحرير مذهب إمام مذهبه الشافعي في مسائل عديدة، كـ: «مسألة الأقارير ضمن مسألة: ورود الأمر بعد الأمر»، و«مسألة هل للعموم صيغة؟»، و«مسألة صيغ التذكير في جموع السلامة إذا ورد مطلقا»، ومسألة: «هل يجوز تخصيص العموم بالقياس؟» وغيرها.\n* كثيرا ما يذكر أصحابه بأهل الجماعة أو بالجماعة أو بأهل السنة والجماعة، وبأهل الحق.\n* ورود بعض الأمثلة الفقهية والاستطرادات الإثرائية التي قل أن توجد في غيره من كتب الأصول.\n* إطالته النفس في مسألة التحسين والتقبيح، حيث أخذت حيزا كبيرا من القطعة التي بين أيدينا.\n* الكتاب أول تراث أصولي يخرج لإلكيا، وتكمن أهمية ذلك أنه من العلماء المحققين في أصول الفقه، ولا تنقل آراؤه إلا بالواسطة.\n* أن التعليقة لها أثر فيمن بعده من أهل العلم، ويظهر ذلك جليا عند ابن برهان - لا سيما في كتابه: «الوصول» - والزركشي وغيرهما.\n* أن الكتاب سهل الأسلوب، واضح في عرض المسائل.\n* تطبيقه لبعض أساليب الجدل والمناظرة في مسائل؛ ومن أبرزها إيراد الأسئلة والاعتراضات والإجابة عنها.","vol":"1","page":49},{"text":"* تحريره لمحل النزاع في بعض المسائل، منها: «مسألة تخصيص أفعال رسول الله ﷺ للعموم». و«مسألة جواز نسخ العموم بعادات المخاطبين»، و«مسألة أقل الجمع»، و«مسألة حكم إحداث دليل ثالث».\n\n<span data-type='title' id=toc-25>٦ - ملحوظات على الكتاب:</span>\n* التباين الظاهر في عرض المسائل، بين التطويل والاختصار والاختزال، حتى إنه في بعض المسائل الخلافية المشهورة يقتصر على قولين في المسألة دون ذكر أدلة أو تحرير لمحل النزاع أو نسبة الأقوال.\n* الكتاب لما كان إلقاء - ويختلف حال النساخ والكتاب في التدوين -، فقد وجد بعض الإشكالات الأسلوبية.\n* عدم وضوح التقسيمات، خصوصا بين الفصل والمسألة.\n* الاختلاف في ترجمة الفصول والمسائل طولا وقصرا، ذكرا وعدما.\n* ترتيب الكتاب وإن كان في الجملة متوافقا مع الكتب الأصولية قبله إلا أن موضع بعض المسائل داخل الكتب لم تتبين مناسبته، خصوصا مع وجود التكرار في بعض مباحث الفصول.\n* السقط والخروم الموجودة في بعض المسائل، بالإضافة لعدم اكتمال الكتاب، حيث لم نجد في نسختنا الخطية إلا قرابة النصف من محتوى الكتاب.","vol":"1","page":50},{"text":"<span data-type='title' id=toc-26>ثالثا: وصف المخطوط </span>(^١)\nالنسخة الخطية: نسخة وحيدة، وتقع ضمن مجموع، محفوظ في مكتبة فيينا تحت رقم (٢٠٥.  GP)،  في ٢٦٥ ورقة، ويحوي على الكتب التالية:\n١ - «مختصر في أصول الفقه» غير منسوب لأحد (^٢)، ويبدأ من (ق/ ٢/ ظ) إلى (ق/ ٦٣/ ظ)، وهو ناقص من آخره، ويقدر النقص بلوح واحد.\n٢ - رسالة لأبي حامد الغزالي، وعنوانها كما في المخطوط: «مسألة قتل المسلم بالذمي»، تأليف أبي حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالي، وهي في بضعة أوراق، تبدأ مع (ق/ ٦٤/ و) وتنقطع مع نهاية (ق/ ٧٢/ ظ). وهي ناقصة أيضا.\n٣ - كتابنا هذا، وهو «التعليقة في أصول الفقه» لإلكيا الهراسي (ت ٥٠٤ هـ)\n_________\n(^١) لما صدر كتاب «مسائل الخلاف» للصيمري (ت ٤٣٦ هـ) بتحقيقي على نسخة وحيدة عام ١٤٤٠ هـ ولله الحمد، تواصل معي أحد الإخوة الفضلاء بهذا الشأن، وأفادني أنه وقف على مجموع، في أوله كتاب: «مختصر في أصول الفقه»، شبيه بكتاب «مسائل الخلاف» للصيمري في محتواه، فذكر لي مصدره لأطلع عليه، عله يكون نسخة أخرى للكتاب، وبعد أن تصفّحته، وجدته مختلفًا عن «مسائل الخلاف» للصيمري، لذلك أهملته. ثم بمضي بضعة أشهر قدر الله أن أعيد النظر في المجموع نفسه، وبعد تفحصه تبين أن الكتاب الثالث في المجموع ما هو إلا قطعة من «تعليقة» إلكيا الهراسي، فعرضت على الشيخ الفاضل د. المثنى بن عبد العزيز الجرباء أن تعنى به بالشراكة، فوافق على ذلك مشكورا مأجورا، فعند ذلك عزمنا على تحقيقه وإخراجه. كتبه: مقصد كريموف.\n(^٢) وقد تبيّنا بحمد الله من عنوانه ومؤلفه، يسّر الله إخراجه.","vol":"1","page":51},{"text":"كما أثبتناه، وهو ناقص من أوله بمقدار صفحة واحدة، بالإضافة إلى غاشيته، وينتهي كتابنا مع نهاية (ق/ ٩٩/ ظ)، وهي ضمن باب التأويلات مع وجود قلب في الأوراق، حيث إن كتابنا ينتهي حقيقة بعد إعادة الترتيب ضمن كتاب الأخبار، وهو بعد باب التأويلات في الترتيب. وقد تخلل كتابنا ورقتان ليست منه، وهي من (ق/ ٩٦/ و) حتى نهاية (ق/ ٩٧/ ظ)، وهما جزء من الكتاب الآتي. وننبه إلى أن صفحة (ق/ ٩٩/ ظ) شبه تالفة، وتكاد تنعدم قراءتها.\n٤ - «المجازات النبوية» للشريف المرتضى الإمامي (ت ٤٣٦ هـ)، وهي ناقصة من أولها.\nالمجموع فيما يظهر لنا قد تفكّك وأُعيدت خياطته، وترقيمه بعد ذلك، ولذلك في أواخر كتابنا دخلت ورقتان من الكتاب الذي يليه في المجموع، وهو: «المجازات النبوية»، كما سبقت الإشارة إلى ذلك، ويلحظ أن أغلب الكتب في هذا المجموع ناقصة من أولها، ولا ندري سبب ذلك.\nالمجموع مكتوب بخط ناسخ واحد، ويعود تاريخ نسخه إلى بداية القرن السادس الهجري، فقد قيد الناسخ في آخره ما يلي: «وكان فراغي من نسخه في العشر الأواخر من ذي القعدة سنة سبع وخمسمئة (٥٠٧ هـ)».\nوكتب تحته بخط أكبر: «والحمد لله أولا وآخرا، وصلى الله على خير خلقه وصفوته من بريته سيدنا ونبينا محمد وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين، وسلم تسليما كثيرا، وحسبنا الله ونعم الوكيل».\nوفي الطرة قيد تملك، ونصه: «انتقل هذا الكتاب بما اشتمل عليه من الكتب إلى ملك الفقير إلى الله سبحانه الراجي عفوه: عيسى يحيى محمد …،","vol":"1","page":52},{"text":"وقفه الله تعالى وقفا صحيحا … كوقف سائر كتبه».\nوأما الحديث عما يتعلق بوصف المخطوط لكتابنا، فهو على النحو الآتي:\n- مخطوطنا في المجموع يبدأ مع (ق/ ٧٣/ و) إلى نهاية (ق/ ٩٥/ ظ)، ومن (ق/ ٩٨/ و) إلى نهاية (ق/ ٩٩/ ظ)، فيصبح المجموع لكتابنا ٢٥ لوحا، والخط مقروء، وهو على نسق واحد في الجملة. عدد الأسطر ما بين ٢٤ - ٢٨، والغالب أنها ٢٦ سطرا، عدد الكلمات في السطر ما بين ١٣ - ١٥.\n- النسخة تأثرت بالرطوبة في مواضع متعددة، بل بعض الألواح يصعب قراءتها ولا يكاد يبين منها شيء، انظر مثلا: (ق/ ٩٥/ و)، (ق/ ٩٥/ ظ)، (ق/ ٩٦/ و).\n- على النسخة لَحْقٌ في مواضع قليلة، غالبا بنفس اللون الأسود، وأحيانا بخط أحمر، لم يتبين لنا هل هو نفس الناسخ أو لا.\n- كتب الناسخ في خاتمة «المجازات النبوية» - وهو آخر المجموع -: «بلغ مقابلة بحمد الله ومنه على الأصل، فلم يتبين لنا: هل المقابلة للمجموع كاملا أو لآخر كتاب فقط؟ ومخطوطنا فيه دارات منقوطة، وهي عرفا تدل على المقابلة، لكن يظهر أنه غير مقابل على أصل صحيح؛ وذلك لكثرة الأخطاء وبتر الكلام دون إشارة أو تصحيح.\n- يرمز الناسخ للمهملة بوضع علامة تشبه الشدة أو المد، فيضعها - مثلا - فوق السين والراء. وفي مواضع قليلة يختصر نسبة الأقوال بوضع حرف: «ح» أو «ش»، ويعني بالحاء الحنفية أو أبا حنيفة، وبالشين الشافعي أو الشافعية.","vol":"1","page":53},{"text":"- لم يعتن الناسخ بالنقط بشكل سليم، فقد ينقط للمذكر والسياق للمؤنث أو العكس.\n- النسخة فيها كثير من التصحيف والتحريف، ومن الأمثلة على ذلك قوله: (مسألة وهو جواز القيافة)، والصواب: وهي؛ وقوله: (يتمكن به من ضرب المهثال)، والصواب: المثال، وقوله: (… وأن يبنى على علم ضروري في حسنه)، والصواب: (في جنسه)، وقوله: (لأنَّ التخصيص: «هو أن يُخرج من اللفظ بعض ما دخل تحته اللفظ»، والصواب: (تحت اللفظ)، وغير ذلك. كما أنه حصل للناسخ قلب في الحروف لبعض الكلمات، يظهر أنه من سرعة الكتابة.","vol":"1","page":54},{"text":"<span data-type='title' id=toc-27>منهج العمل في إخراج النص والتعليق عليه</span>\n* نسخنا المخطوط حسب قواعد الإملاء الحديث، ثم قابلنا المنسوخ بالنسخة الخطية، ولما كان المخطوط سقيما، اجتهدنا في إثبات ما نراه صوابا وموافقا للسياق:\n* فإذا وجدنا بعض الأحرف مقحمة - مثل الواو والفاء ــ، حذفناها دون الإشارة إلى ذلك؛ ومن أمثلة ذلك: قوله: (وأما وحد التكليف …)، صوابها: (وأما حد التكليف …) بحذف حرف الواو، ومنها قوله: (فنشأ من هذا الاختلاف في مسائل لفظية ومعنوية)، صوابها حذف حرف: (في)؛ ومنها قوله: (حتى ننبني عليه المقصود)، صوابها: (حتى نبني عليه المقصود).\n* إذا جزمنا بأن هناك خطأ، صوبناه دون الإشارة إلى ذلك؛ وما غلب على ظننا خطؤه، أثبتنا في النص ما نراه صوابا، وأشرنا في الهامش إلى ما في المخطوط.\nأضفنا بعض الأحرف كـ: الواو، والفاء، و«ال» التعريف عندما يستدعي المقام ذلك دون الإشارة إليها؛ وإن كان السقط كلمة فأكثر، فأثبتناه في النص بين معقوفين [].\n* وأما الكلمات المقحمة، فنشير في الهامش أنها زائدة؛ وإن كانت ساقطة فنثبتها بين المعقوفتين [] في النص.\n* والناسخ لما كان غير ضابط للنقط في مواطن كثيرة، أثبتنا ما نراه صوابا","vol":"1","page":55},{"text":"وموافقا للسياق دون إثقال الحواشي بالفروق، فمن أمثلة ذلك قوله: إلا أن تعفون، وهي: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ بالياء، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك.\n* اعتنينا بتشكيل الكلمات المشتبهة توضيحا للقارئ، وإذا رأينا الكلمة تحتمل قراءتين مناسبتين في السياق، أهملناها لكي لا نحصر كلام المؤلف في أحد وجهيه.\n* عزونا الآيات القرآنية بأرقامها إلى سورها في الهامش.\n* خرجنا الأحاديث من مصادرها الأصلية؛ فإن كان الحديث في الصحيحين أو أحدهما، اكتفينا بتخريجه منه؛ وإلا فخرجناه من دواوين السنة المشهورة دون توسع في ذلك مع الإحالة عند اختلاف درجته إلى بعض مصادر التخريج، كـ: نصب الراية، وتلخيص الحبير.\n* في توثيق المسائل التزمنا في الغالب الرجوع إلى ثلاثة مصادر، وهي: كتاب شيخه الجويني البرهان، وكتاب قرينه الغزالي: المنخول، وكتاب تلميذه ابن برهان الوصول إلى الأصول؛ وإذا لم نجد المسائل في هذه الكتب الثلاثة، اجتهدنا في التوثيق من غيرها، وقد نزيد على المراجع المذكورة عند الحاجة، ك: المعتمد لأبي الحسين البصري والتلخيص للجويني وغيرهما. ولم نوثق جزئيات الأقوال؛ اكتفاء بالإحالة العامة لهذه المصادر في صدر المسألة.\n* قصدنا بـ: «انظر» توثيق المسألة بشكل عام، واصطلحنا بـ: «قارن» على الإشارة بوجود اختلاف في الرأي أو زيادة المسألة أو نقص فيها.\n* علقنا على بعض المواضع المشكلة أو المختزلة بما يناسب المقام.","vol":"1","page":56},{"text":"* قارنا النصوص المنقولة عن الكيا في كتب الأصوليين - وخصوصا البحر المحيط ــ، مع ما ورد في تعليقتنا، وبيَّنا في الحاشية موافقته لمعنى النص الموجود أو مخالفته، إن كانت المسألة موجودة بعينها، وأما المسائل غير الموجودة في نسختنا، فقد جعلناها في الملحق، كما سيأتي بيانه.\nوختاما نحمد الله تعالى أن يسَّر لنا هذا العمل، ونسأله تعالى التوفيق والسداد، وأن يكتب أجر المؤلف والمعلق والمعتنيين.\nونشكر الدكتور محمد بن طارق الفوزان على مراجعة المقدمة الدراسية والنص المحقق وإفادته بملحوظات وفوائد أثبتناها في مواضعها.\nكما أننا نشكر أم لطيفة الجرباء وأم يونس كريموف على تهيئتهما الجو المناسب، وصبرهما على الانقطاع والانشغال الذهني، فبارك الله فيهما وشكر سعيهما.\nوالشُّكر موصول لكلّ من أفاد وأعان في إخراج هذا العمل على أمثل وجه، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.\nللتواصل مع المحققين:\nمقصد كريموف\nabumaryam ٠٠٠٠@gmail.com\nالمثنى بن عبد العزيز الجرباء\nalmuthana.aj@gmail.com","vol":"1","page":57},{"text":"<span data-type='title' id=toc-28>نماذج من المخطوط المعتمد</span>","vol":"1","page":59},{"text":"<span data-type='title' id=toc-29>[تعريف أصول الفقه واستمداده]</span> (^١)\n. . . . . . (^٢) والفقه مدلول، وللدليل ارتباط بمدلوله (^٣).\nوأيضا؛ فإنَّه يحتاج إلى ضرب الأمثلة والاستشهادات، فيُعتبر أن يعرف من الفقه القدر الذي يتمكن به من ضرب المثال في بيان غرضه، وكشف مقصوده؛ ولا نعتبر أن يتبحر فيه.\nفهذا بيان مادة هذا العلم.\nوأما بيان حقيقته: فهو أنَّ «أصول الفقه» أدلة الفقه.\n* فإن قال قائل: فما «الدليل»؟ وما حده على أصلكم؟\n• قيل: الدَّليل: هو ما يتضمن النظر فيه علما بالمنظور فيه.\nوعبارة القاضي فيه هو: «أنَّ الدليل ما يُتوصل بصحيح النظر فيه إلى علم ما لا يعلم في مستقر العادة اضطرارا» (^٤).\n_________\n(^١) «التقريب» (١/ ١٧١)، «التلخيص» (١/ ١٠٥)، «البرهان» (١/ ٧٧)، «الوصول» (١/¬٤٧).\n(^٢) بداية ما وجد من الأصل الخطي. وبالمقارنة مع «البرهان» لشيخه أبي المعالي الجويني، وجدنا أنه قد ابتدأ الكتاب بذكر استمداد أصول الفقه من: الكلام، والعربية، والفقه؛ ومخطوطتنا تبدأ أثناء الكلام على استمداده من الفقه، وعلى هذا فالسقط الذي فاتنا من التعليقة يقدر بوجه واحد يشمل الديباجة وبداية الحديث عن الاستمداد، والله أعلم.\n(^٣) قال في «البرهان»: «ومن مواد الأصول الفقه؛ فإنه مدلول الأصول، ولا يتصور درك الدليل دون درك المدلول».\n(^٤) انظر: «التقريب» (١/ ٢٠٢).","vol":"1","page":65},{"text":"* فإن قال قائل: فما هذه الأدلة؟\n• قلنا: الكتاب، والسُّنَّةُ، وإجماعُ الأُمَّة.\n* فإن قالوا: نراكم قد أعرضتم عن كثير من الأصول وأغفلتموها؛ وهي: القياس، وخبر الواحد، وصفة المجتهد، والترجيحات، وغير ذلك!\n• قلنا: اعلم أنَّ هذه الأشياء ليست من أصول الفقه في شيء، وذلك أنَّ أصول الفقه هي الأدلة المقطوع بها؛ فأما هذه الأمور التي ذكرتم: كُلُّها ظَنِّيَّةٌ، فكيف تجعل أصولًا للأحكام؟ فلو تركنا وآراؤنا (^١)، ولم يرد دليل قطعي على وجوب العمل بها، لما كُنَّا نَحكم بالظنون المرجمة، والآراء المجردة؛ من إراقة الدماء المحقونة، وإباحة الأبضاع المصونة، واقتطاع الأملاك المعصومة.\nغير أن الصحابة أجمعوا على وجوب العمل بالقياس وبخبر الواحد، وقد تواتر عن رسول الله صلى الله عليه أنَّه كان يبعث كتبه إلى الأقطار والأمصار - مضمنة أوامره ونواهيه -، ويكلف العمل بها، فصار العمل بهذه الأشياء الظنية يستند إلى الأمور (^٢) القطعية.\nوتسمى هذه الظَّنِيَّةُ: أمارة، والقطعية: أدلة، وهذا اصطلاح منا، ولو اصطلح على عكسه فسمّي الظَّنِّي دليلا، والقطعي أمارة: لصح، وجاز.\nواعلم أنَّ الدليل هو: «الخطاب»، أو: «ما دلّ عليه الخطاب».\nوالأصل في الخطاب: خطاب الله تعالى. وخطاب الرسول إِنَّما عُلِمَ كونُه\n_________\n(^١) ويحتمل أن تقرأ: (تركنا وآراءنا)، أي: الشارع.\n(^٢) الرسم مشتبه في المخطوط، ولعل الصواب ما أثبت. ويحتمل أنها محرفة عن: (الأصول).","vol":"1","page":66},{"text":"دليلا بخطاب الله تعالى، قال تعالى: ﴿مَا آتَنَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ (^١)، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ (^٢)، وقال: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ الآية (^٣).\nواعلم أنَّ الخطاب إنَّما يُعلم وجاهَا شِفاها؛ هذا حقيقته، غير أنَّه في غرضنا منقسم:\n* إلى ما يكون شفاها،\n* وإلى ما لا يكون وجاها شفاها.\n- فأما خطاب الله تعالى؛ فلا يتصوّر أن يكون شفاها ولا وجاها، وإنَّما الطَّريق إلى معرفته: تبليغ النَّبي صلى الله عليه.\n- وأما خطاب النَّبي صلى الله عليه؛ فمنقسم:\n* إلى ما يكون وجاها،\n* وإلى ما لا يكون وجاها؛ ولا يُعلم إلا بالنقل والإخبار، كما في حقنا معه؛ فما لا يُعلم إلا بالنقل والإخبار، فطريق معرفته الأخبار.\nوهو ينقسم:\n* إلى صدق حق يقينا،\n* وإلى كذب محض يقينًا،\n_________\n(^١) الحشر: ٧.\n(^٢) النور: ٥٤.\n(^٣) النساء: ٦٥.","vol":"1","page":67},{"text":"* وإلى متردد بينهما.\n- وأما [الصدق] الحقُّ الصَّحيحُ: فهو ما تواتر نقله؛ وذلك: يجب العمل به، ويحصل به العلم قطعًا.\n- وأما ما هو كذب محضا يقينا: فما لا أصل له، ولم يُنقل عنه أنه قاله أو فعله؛ وهذا ما لا يجوز [ط/ ٧٣] ولا يسوغ العمل به.\n- وأما المتردد: فهو أخبار الآحاد.\nوالكلام على جميع ذلك يأتي مفصلا في كتاب الأخبار (^١).\n* فأما ما دلّ عليه الخطاب - كالإجماع ـ؛ فإنَّه مدلول الخطاب وليس بخطاب، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ … الآية (^٢).\n* وكذلك أفعال رسول الله صلى الله عليه دلّ عليها الخطاب؛ فإنَّه قال صلى الله عليه: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (^٣)، وقال: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُم» (^٤)، إلى غير ذلك.\n* وكذلك العمل بخبر الواحد والقياس؛ دلَّ عليه مدلول الخطاب - وهو الإجماع -.\n_________\n(^١) انظر: (ص ٢٣٧).\n(^٢) النساء: ١١٥.\n(^٣) أخرجه البخاري (٦٣١) من حديث مالك بن الحويرث.\n(^٤) أخرجه نحوه مسلم (١٢٩٧) من حديث جابر بن عبد الله.","vol":"1","page":68},{"text":"فإذا ثبت ذلك؛ فاعلم أن الخطاب ينقسم إلى «أمرٍ»، و«نهي»، و«خاص»، و«عامٌ»، و«مجمل»، و«مبين»، و«محكم»، و«متشابه»، و«ناسخ»، و«منسوخ».\nوالأمر والنهي حقيقتهما واحدة، وهو: الاقتضاء والطلب؛ إلَّا أنَّ المقتضى مختلف؛ فإنَّ مقتضى الأمر: الفعل، ومقتضى النهي: ترك الفعل.\nوكذلك الخصوص والعموم حقيقتهما واحدةٌ، وإنَّما يختلفان بالإضافات؛ فالعام بالإضافة إلى ما دونه عام، والخاص بالإضافة إلى ما فوقه خاص؛ وسنبين سائر أنواع الخطاب إن شاء الله.\n* فإن قال قائل: فقد بينتم حقيقة «أصول الفقه»، فما مقصودها؟\n• قلنا: المقصود هو معرفة الفروع؛ لأنَّ من رام أحكام الفروع دون الاطلاع على المعالم والأصول، كان طامعا في غير مطمع.\n* فإن قال قائل: فقد ذكرتم أن المقصود من الأصول: الفقه، فما «الفقه»؟\n• قلنا: الفقه في اللُّغة هو: العلم (^١)، يقال: فقهت الشي ء: إذا علمته؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَكِن لَا تَفْقَهُونَ﴾ (^٢)، معناه: لا تعلمون، والفقه إذن هو العلم؛ غير أنَّه في غرضنا واصطلاحنا: علم خاص، وهو علم الشريعة.\nوحده: «العلم بالأحكام السمعية المبنية على الخطاب».\n_________\n(^١) قال الزركشي: «والفقه - لغة - اختلف فيه، فقال ابن فارس في المجمل: هو العلم، وجرى عليه إمام الحرمين في التلخيص، وإلكيا الهراسي، وأبو نصر بن القشيري، والماوردي؛ إلا أن حملة الشرع خصّصوه بضرب من العلوم». «البحر المحيط» (١/¬١٣).\n(^٢) الإسراء: ٤٤.","vol":"1","page":69},{"text":"قال الشيخ (^١): لا تَقُلْ: هو العلم بالأحكام السمعية فقط؛ فإنَّ معرفة الله تعالى واجبةٌ بالسمع، وليس هي من الفقه؛ لأنَّ العلم بالله سابق على الخطاب، فليس طريق المعرفة هو الخطاب.\n* فإن قال قائل: فلِمَ قلتم: إنَّ الفقه هو العلم بالأحكام السمعية ونحن نرى كثيرًا من الأحكام أنَّها ظنية؟\n• قلنا: اعلم أنَّ الظَّنَّ ليس هو الفقه، وإِنَّما الظَّنُّ طريق وأمارة علم الفقه، والفقه علمك بوجوب الحكم عليك بما انتهى ظَنُّك.\nبيانُه: أَنَّ الشَّاهدين إذا شهدا عند الحاكم فغلب على ظنه صدقهما في قولهما، فوجوب العمل عليه بما غلب على ظنه: أمر مقطوع به من أنَّ (^٢) الحاكم لو ارتاب فيه: كَفَرَ؛ ولو ترك الحكم: عصى الله تعالى.\n* فإن قال قائل: فقد بينتم الفقه، فما «الحكم»؟ وإلى أي شيء يرجع؟\n• قلنا (^٣): اعلم أنَّ الحُكم لا يرجع إلى صفةٍ نفسيَّةٍ في المحكوم فيه، ولا\n_________\n(^١) أي: إلكيا. وفي المخطوط بعدها بياض مقدار ثلاث كلمات.\n(^٢) قوله: (من أن) كذا في المخطوط، ويحتمل أنها محرفة من: (فإنَّ).\n(^٣) نقل الزركشي في «البحر المحيط» (١/ ١٢١) مضمون هذا الكلام عن الكيا مع اختلاف في ألفاظه، فقال ما نصه: «قال إلكيا الطبري: الحكم لا يرجع إلى ذات المحكوم ولا إلى صفة ذاتية له إن قلنا: إنها زائدة على الذات، أو صفة عرضية له، وإنما هو تعلق أمر الله بالمخاطب، وهذا التعلق معقول من غير وصف محدث للمتعلق به؛ كالعلم يتعلق بالمعلوم. وإذا سمعت الفقيه يقول: حقي يتعلق بالعين فمعناه أنه ثبت لمعنى في العين كالخمر حرمت لمعنى فيها، فتعلق الحكم تابعا للمعنى، فكانت على حال ما يتعلق بالعين، وإن لم يتعلق بها حقيقة. قال: وهذا أصل كبير في الشرع تمس الحاجة إليه في مواضع. ومن فروعه: أن العقل لا مدخل له في أحكام الله تعالى خلافا للمعتزلة».","vol":"1","page":70},{"text":"صفة معنوية، ولا يرجع أيضا إلى صفةٍ في الفعل؛ فإنَّ الخمر حرام والميتة حرام، وليس الحكم بكونها حرامًا لصفةٍ في ذاتها لكونه عليها اقتضى التحريم؛ فإنَّها كانت موجودةً قبل الحكم بتحريمها بهذه الصفة في الجاهلية وصدر الإسلام؛ وأنَّها لما حرمت، لم تحدث لها صفةٌ، [٧٤/ و] ولم يستجد لها نعت في ذاتها.\nوكذلك تناول الميتة في حال الاضطرار مباح، وفي حال الاختيار حرام، والتَّناولُ على صفةٍ واحدةٍ في الحالتين جميعًا، فدل أن التحريم ليس هو لأمر يرجع إلى الفعل.\n* فإن قال: فإذا ثبت أن الحكم بالتحريم لا يرجع إلى العين، ولا إلى الفعل، ولا إلى صفات نفسيَّةٍ فيها، ولا معنوية؛ فما «الحكم»؟\n• قلنا: الحكم: «عبارةٌ عن تعلّق خطاب الله تعالى بالمخاطبين في المطالب السمعية إقدامًا وإحجاما».\n* فإن قيل: فالتَّعَلُّق يقتضي تجدد صفة للمُتعَلَّقِ به.\n• قلنا: التَّعَلُّق لا يجدّد صفةً للمتعلق به؛ فإنَّ تعلق العلم بالمعلوم لا يغيّر المعلوم عما كان عليه؛ وكذلك الرؤية؛ فإنَّ الله تعالى لم يكن معلوما لنا، ثُمَّ صار معلوما لنا؛ ولم يكن تجدد عِلْمِنا يقتضي تجدُّدَ صفة للباري تعالى الله عن ذلك.\n* فإن قيل: فما معنى قول الفقهاء: «الخمر حرام لعينها»، و«هذه العين حرام»، و«هذه نجاسة عينيَّة» (^١)؟\n_________\n(^١) بعدها في المخطوط: (ومحق دقيق، ومحل حسن)، ولم يظهر لنا مناسبته في هذا الموضع، =","vol":"1","page":71},{"text":"* قلنا: هذه الدُّعوى [لها محمل] (^١) صحيح تَحَمَّل عليه، ونحن نبين ذلك لنجمع بين الحقيقة والعبارات التي تداولها الفقهاء.\nفمعنى قولهم: «الخمر حرامٌ»: أنَّ التَّحريمَ عُلِّقَ على معنى نشأ من عينها - وهي الشِّدَّةُ المطربة والقوة المسكرة ـ، فلما كان الحكم بالتحريم لمعنى قائم بها، أُضيفَ الحكم إليها، لا أنَّ الحكم كان مقتضى عينها أو وجودًا ذَاتِيًّا (^٢) فيها.\nوكذلك الميتة؛ لما كان الموتُ قائمًا بها قيل: «الميتة حرام»، فصار الحكم يضاف إلى المحل، وصار في ضرب المثال كقول النُّحاة: «الفاعل مرفوع بفعله» كقولك: «قام زيدٌ»، ثُمَّ قالوا: «مات زيدٌ»، و«طلعت الشَّمسُ»، وإن كان زيد لم يفعل الموت، والشَّمسُ لم تفعل الطُّلوع، لكن لما كان الفعل مضافًا إليه لفظًا وأنه محل للفعل، رفع الفاعل حقيقةً.\n* فإن قال قائل: فقد بينتم «الحكم» ما هو، فمن أين يتلقى أمر الشرع المنقول؟ أَمِنْ قَضِيَّاتِ العقول؟\n• قلنا: هذا افتتاح الكلام في المسألة العظيمة الملقبة بـ: «التحسين والتَّقبيح».\n* * *\n_________\n= ورجحنا أنها مقحمة، والله أعلم.\n(^١) زيادة يقتضيها السياق.\n(^٢) قوله: (وجودا ذاتيا)، في المخطوط: (وجوداتي)، ولعل الصواب ما أثبت.","vol":"1","page":72},{"text":"مسألة (^١)\nاعلم أنَّ الذي استوت (^٢) عليه آراء أهل السُّنَّة والجماعة قاطبةً أَنَّه لا مَدْرَكَ للأحكام سوى الشرع المنقول؛ ولا يُتلقَّى حكم ما من قضيات العقول.\nفأما من عدا أهلِ السُّنَّة الحقِّ من طبقات الخلق - كالرافضة، والكرامية، والمعتزلة، وغيرهم ـ، فصاروا إلى أن الأحكام تنقسم:\n* منها: ما يُتلقّى من الشرع المنقول،\n* ومنها ما يُتلقَّى من قضيَّات العقول.\n- وما يتلقّى من قضيَّات العقول ينقسم:\n* إلى ما يُعلم بضرورة العقل وبديهة الرأي،\n* وإلى ما يُعلم بنظرٍ ورَوِيَّةِ:\n- فأما ما يُعلم بضرورة العقل وأوائل الذهن:\n* فكقبح الكذب الذي لا منفعة فيه\n* وحسن الصدق الذي فيه المنفعة.\n* وكذلك إيلامُ البَرِيء عن الجُرم، العري عن الظلم: قبيح بضرورة العقل.\n_________\n(^١) «التقريب» (١/ ٢٧٨)، «المعتمد» (٢/ ٨٨٦)، «التلخيص» (١/ ١٥٣)، «البرهان» (١/ ٧٩)، «الوصول» (١/ ٥٦)، «الأوسط» (ص ٣١٩).\n(^٢) في «مسلك الحنفا» للسيوطي/ ضمن «الحاوي للفتاوى» (٢/ ٣٥٩): (استقر)، والمعنى متقارب.","vol":"1","page":73},{"text":"* وحُسنُ الإنعام والتَّعطُّف والإكرام وإذلال المعروف والإحسان إلى مَنْ نَأَى ودَنَا معلوم بضرورة العقل.\n- وأمَّا ما يُعلم حُسنه وقُبحه بنظر العقل:\n* كالكذب الذي فيه منفعة،\n* والإيلام الذي فيه مصلحة.\n- وأمَّا ما يُعلم من السَّمع المنقول:\n* فالعبادات وتفاصيلها - كالصَّلاة والصيام والحج والزكاة إلى غير ذلك ممَّا يُتَلَقَّى سمعا -.\nوزعموا أنَّ هذه الشَّرعيَّاتِ والأحكام [د/ ٧٤] التعبديات غير منقطعة عن نظر العقل، بل نقول: إنَّ الله تعالى إنَّما أمر بما أمر من الطاعات لعلمه بما تفضي إليه من المستحسنات عقلًا، ونهى عمَّا نهى عنه؛ لعلمه بما تؤدي إليه من المستقبحات عقلا، فالتكاليف اللطاف تدعو إلى مستحسنات، وتنهى عن مستقبحاتٍ:\nقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ (^١)، أشار بذلك إلى أنَّ التمرين على الصلوات والطاعات يصد عن الفحشاء.\nوقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء﴾ … الآية (^٢)، يُبيّن أنَّ ارتكاب الفواحش والمناهي يوقع العداوة، ويُفضي إلى ترك المستحسنات والطاعات.\n_________\n(^١) العنكبوت: ٤٥.\n(^٢) المائدة: ٩١.","vol":"1","page":74},{"text":"* قالوا: غير أنا لما لم نعلم مقادير الطَّاعات التي تفضي إلى ما هو حسن، وتنهى عما هو قبيح: جاء الشرع بمقادير ذلك وتفاصيله، فرجعنا إليه.\nولو كنا نعلم ذلك بعقولنا، ونستقل بمعرفتها بأنفسنا، لكنَّا نعقل وجوبها، ونُدرك بمجرد العقل، ولم نحتج إلى شرع (^١).\nثُمَّ إِنَّ هؤلاء اختلفوا فيما يُعلم حسنه وقبحه:\n* فمنهم من قال: الحسن والقبيح صِفَتا نفس للحسن والقبيح؛ فالقبيح قبيح بجنسه، وصفة نفسيَّة؛ والحسن حسن لجنسه، وصفة هو في نفسه عليها.\n* ومنهم من قال: الحسن حسن لنفسه وذاته؛ فأما القبيح ليس قبيحًا بصفة نفسه.\n* ومنهم من عكس، وقال: القبيح قبيح لنفسه، والحسن ليس حسنًا لصفة نفسه.\n_________\n(^١) نقل السيوطي عن الكيا في هذا الموضع كلاما ليس عندنا، فقال ما نصه: «وأما نحن فنقول: لا يجب شيء قبل مجيء الرسول، فإذا ظهر وأقام المعجزة تمكن العاقل من النظر، فنقول: لا يعلم أول الواجبات إلا بالسمع، فإذا جاء الرسول وجب عليه النظر.\nوعند هذا يسأل المستطرفون: ما الواجب الذي هو طاعة وليس بقربة؟\nوجوابه: أن النظر الذي هو أول الواجبات طاعة وليس بقربة؛ لأنه ينظر للمعرفة، فهو مطيع وليس بمتقرب؛ لأنه إنما يتقرب إلى من يعرفه.\nقال: وقد ذكر شيخنا الإمام في هذا المقام شيئا حسنا، فقال: قبل مجيء الرسول تتعارض الخواطر والطرق؛ إذ ما من خاطر يعرض له إلا ويمكن أن يقدر أن يخطر خاطر آخر على نقيضه، فتتعارض الخواطر ويقع العقل في حيرة ودهشة، فيجب التوقف إلى أن تنكشف الغمة، وليس ذلك إلا بمجيء الرسول، وهاهنا قال الأستاذ أبو إسحاق: إن قول \"لا أدري\" نصف العلم، ومعناه: أنه انتهى علمي إلى حد وقف عند مجازه العقل، وهذا إنَّما يقوله من دقق في العلم، وعرف مجاري العقل مما لا يجري فيه ويقف عنده، انتهى». «مسالك الحنفا» (٢/ ٣٥٩ - ٣٦٠).","vol":"1","page":75},{"text":"وقال أبو الحسين البصري: «أنا لا أقول: إنَّ الحسن والقبيح صِفَتا نفس للحسن والقبيح، وإنَّما أقول: نحن ندرك بمجرد العقل الفرق بين الحسن والقبيح؛ لا لأنَّ لهذا صفة نفس تُعلَم عليها، وللآخر تمييزٌ عنه بصفة نفس هو عليها»، وهذا جزء يأتي الشرح عليه (^١).\nواعلم أنَّ جميع (^٢) ما ذكره أصحابنا من طريق الرد عليهم تحصره ثلاث طرق:\n* الطَّريقة الأولى: طريقة جدلية.\n* والثانية: إلزامية.\n* والثالثة: برهانية (^٣).\n_________\n(^١) وقد نقل الزركشي تفصيلًا في بيان أقسام الحسن عن إلكيا، وهو غير موجود في نسختنا، فقال: «وقسمه إلكيا الطبري إلى أقسام:\nأحدها: ما حسَّنه الشرع لمعنى في عينه، كالإيمان والصلاة، وضده من القبيح الزنى والقتل، فكل منهما لا يتغير عن وصفه بتقدير.\nالثاني: ما حسن لمعنى في غيره كالزكاة، فإنها تمليك لمال الغير، وحسنها من حاجة الفقير، وكذا الصوم فإنه ترك الأكل، ولكن حسن بواسطة قهر النفس الأمارة بالسوء، وضده من القبيح كلمة الردة، فإنها قبحت لدلالتها على سوء الاعتقاد، وهذا النوع قد يزايله وصف القبح بالإكراه، وكتناول الميتة فإنه حرام نظرا إلى التناول، وقد يحل عند الضرورة.\nالثالث: ما حسن لمعنى في غيره، وذلك المعنى لا يتم إلا بفعل مقصود من العبد كالسعي إلى الجمعة، والوضوء - على رأي -، فلا جرم انحط عن القسمين للتوسط حتى اختلف في كونه عبادة أم لا، ويأتي ضده في القبيح (كذا)» انظر: «البحر المحيط» (١/ ١٧٢).\n(^٢) فوقها بخط الناسخ: (مجامع).\n(^٣) انظر: «المنخول» (ص ٩). وهذا الموضع مما استفاده ابن برهان من كتابنا، فعبر عنه بتفصيل أكثر. قارن مع: «الوصول» (١/ ٥٨ - ٦٦)، و«الأوسط» (ص ٣٢١ وما بعدها).","vol":"1","page":76},{"text":"<span data-type='title' id=toc-30>فأما الطريقة الجدلية</span>\nفاعلم أن كل دليل أو علم نظري؛ لا بُدَّ وأن يُبنى على علم ضروري في جنسه، ولا بد من إسناد النظري إلى الضروري فيه؛ وإلا فلو كان النَّظري يُبنى على النظري، لتسلسل؛ إذ الخلاف يقع في الجميع، والنزاع فيها واحدٌ؛ فلا بُدَّ من أصل يقف الخصمان عنده؛ وإلا لم يستقم نظر، ولم يتم دليل.\nفلو لم يسلم لنا الملحد الدهري أنَّه يدرك تفرقة ضرورية بين تحرك الجسم وسكونه، لم يُمْكِنَّا أن نبني عليه إثبات الأعراض؛ لكن لما حصل الفرق بين التَّحَرُّكِ والسُّكون ضرورةً، قلنا بعد ذلك: لا تخلو؛ إما أن يكون تحرك الجسم لنفسه، أو لأمر زائد عليه؛ فنسوقُ دليل إثباتِ العَرَض؛ فإثبات معنى زائد على الجسم والجوهر إنَّما يُعلم عن نظر وروية، ويستند إلى ضروري، وهو تحرك الجوهر وسكونه. فإذا؛ ثبت أنه لا بُدَّ من أمر ضروري يستند إليه النظري.\nفإذا لم يُسلَّم لهم (^١) الضروري - الذي هو المستند: لم يستقم لهم النَّظَرُ، ولا يمكنهم الجدل، فينقطع جدالهم، وتكون هذه الطريقة إفحاما (^٢) لهم عن الكلام.\nفنقول لهم: نراكم تقولون: «إنَّ قبح الكذب الذي فيه منفعة يُدرك بنظر\n_________\n(^١) يعني: المعتزلة.\n(^٢) ويحتمل أن تقرأ: (اقحاما).","vol":"1","page":77},{"text":"العقل (^١)»، فما (^٢) الأصل الضَّروريُّ المجمع عليه لهذا؟\n* فإن قلتم: قبح الكذب الذي لا منفعة [٧٥/ و] فيه.\n• قلنا: من شرط هذا الفصل أن يكون متفقًا عليه، ونحن لا نسلم أنَّ هذا النوع قبيح ضرورة.\n* فإن قلتم: ندلُّ عليه.\n• قلنا: ما كان ضرورةً فإقامة الدليل عليه محال؛ لأنَّ الدَّليل إنَّما يُراد لإيضاح مشكل وإبانة ملتبس، وذلك مستحيل في الضروريات؛ فإنَّه لو قال قائل: ما الدليل على أنَّ الشَّمس طالعةٌ؟ قلنا: طلوعها، فإذا وضح بنفسه، لا يستوضح بأكثر مما وضح.\nونقرر هذا الطريق، فنقول: لو كان معلومًا ضرورةً، لما اختلف فيه العقلاء، كما أنهم لم يختلفوا في سائر الضروريات، وإنَّما يقع الخلاف في النَّظريات؛ لأنَّها مبنية على أسباب يقع الخلاف فيها.\nوكان الأصل في الاختلاف أنَّ النَّاس على قسمين:\n* ناظر.\n* وغير ناظر.\nفالناظر هو المدرك.\n_________\n(^١) يراجع «البرهان» (١/ ٨١ - ٨٢) الفقرة رقم ١١، المسلك الثاني للقاضي أبي بكر في الرد على مخالفيه من المعتزلة.\n(^٢) بعدها في المخطوط: (ده)، ولعلها مقحمة، والسياق مستقيم دونها.","vol":"1","page":78},{"text":"- فأَمَّا مَنْ ردَّ النَّظَر، وركن إلى الدَّعَة والرفاهة والتقليد، وتكاسل عن النظر والجد والتشمير في الأمر، ولم يُكلّف نفسه تعب النظر قط: لا يصل إلى شيء من العلم، ولا يدرك الحق.\nوالناظرون ينقسمون:\n* إلى مستد (^١) في صوب نظره.\n* وإلى حائد منحرف عن الصوب والسمت.\n- فالمنحرف لا يدركه.\n- والمستد في صوب واحد غير منحرف عنه على قسمين:\n* قسم وَفَّى النَّظر حقه، وأنهاه إلى غايته القصوى وذروته العليا.\n* وقسم وقف دون الحد والغاية.\nفمن لم ينته إلى الغاية، لا يدرك؛ ومن ترقى إلى الدرجة العليا، يدرك.\nفإذا؛ صار المدرك للحقِّ من أقسام الناظرين هو الفرد الواحد النَّادر من الجم الغفير، وهم الأقلُّون عددًا، الأعظمون عند الله قدرًا، وهم داخلون تحت قوله تعالى: ﴿مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ (^٢)، وقوله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ (^٣)، وقوله تعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ (^٤)، وقول النبي ﷺ في وصفهم\n_________\n(^١) كذا استظهرناها، والرسم مشتبه في المخطوط.\n(^٢) الكهف: ٢٢.\n(^٣) ص: ٢٤.\n(^٤) الواقعة: ١٣، ١٤.","vol":"1","page":79},{"text":"أنَّهم «كالشامة البيضاء في مسك الثور الأسود» (^١).\n* فإن قالوا: أنتم تعلمون قبحه ضرورةً؛ غير أنكم كابرتم وعاندتم، وحملكم على ذلك التلد، والميل إلى الهوى، وحب المذهب؛ فتتعصبون لأجل هذا، فتظهرون غير ما تُضمرون.\n• قلنا: تقلب هذه الدعوى عليكم، ونعكس؛ فنقول: بل أنتم قد عرفتم أنَّه غير معلوم ضرورةً، وإنَّما عاندتم ميلا إلى الهوى، وتعصبا للمذهب، فكل ما أمكن عكسه على الخصم، وتساوى الخصمان في دعواه لم يكن دليلا.\nجواب آخر: وهو أنا نمزج هذا بضرب من البرهان، فنقول: إنكار الضروريات مما لا يمكن التواطؤ عليه، والتواصي بكتمانه؛ فإنْ تُصُوِّرَ ذلك من فئة قليلة، وزمرة يسيرة، وشرذمة من النَّاس في مدة قريبة؛ فإنَّه يتبيَّن بطلانه، وينكشف كتمانه على قُربِ وكَثَبٍ.\nفأما الفئة الكثيرة العظيمة التي لا يُحصيهم عدد، ولا يحويهم بلد؛ فلا يجوز عليهم التواطؤ في ذلك على تعاقب العصور واختلاف الدهور، وأنتم تعلمون أن مخالفيكم قد طبقوا طباق الأرض ذات الطُّول والعرض؛ فلو [٧٥/ ظ] كانوا مبطلين، لانكشف الغطاء وتبين الخطأ في أقرب مُدَّةٍ.\nفلو جاز أن يقال مثل هذا، لجاز أن يقال بأنَّ مَنْ أخبر أنَّ في الدُّنيا بلدًا يقال له مكة أو الصين، فهو كذب باطل؛ لأنَّه يحتمل أن يكون قد تواطأ\n_________\n(^١) أخرجه عبد بن حميد في «مسنده» من حديث أبي سعيد الخدري ضمن حديث. انظر: «المنتخب من مسند عبد بن حميد» (٩١٧).","vol":"1","page":80},{"text":"المخبرون على ذلك، ولا يقال ذلك.\nلكن يقال: هذا باطل؛ لأنَّ التَّواطؤ من مثل هذا العدد لا يتصور، وفيه إبطال الشرائع والنبوات، وسدّ باب التواتر مع الاتفاق من الأعصار في ثبوتها؛ فبان بهذا فساد قولهم.\n* فإن قالوا (^١): فنحن نرى الحشوية والمجسمة وهم خلق كثير يتواطؤون على المحال، ويُنكرون الضروريات، ويقولون بقدم الحروف، ولا ينكشف لهم، ولا يرجعون عنه.\n• قلنا: هؤلاء إذا حقق عليهم القولُ: لا يقولون بالقدم حقيقةً؛ فإنَّا إذا قلنا لهم: هذا المصحف متى ابتدئ؟ ومتى كُتب؟ ومتى خُتم؟ ذكروا زمانًا؛ وجريان الزمان وتجدد المدَّة على القديم محال، وإنَّما أتوا بلفظ «القدم»؛ لأنهم اعتقدوا أنَّ فيه نوع تعظيم، ولفظ «الخلق» و«الحدث» فيه إهانة وابتذال؛ فصاروا إلى العبارة، لا إلى الحقيقة.\n* فإن قيل: أنتم قد علمتم قُبْحَ ما قبَّحناه، وحُسْنَ ما حسَّنَّاه، فجميع ما قلنا إنه حسن قلتم إنَّه حسن، وجميع ما قلناه إنَّه قبيح قلتم إنَّه قبيح؛ فقد توافقنا على الحكم، وإنَّما اختلفنا في الطريق والمدرك فيه والمسلك؛ ولا يضرُّ الاختلاف في الطَّريق بعد التوافق على الحكم؛ هذا كما أنَّ الكعبي قال: «إِنَّ العلم الحاصل عقيب خبر التواتر نظري، وسائر العلماء قالوا: ضروري (^٢)».\n_________\n(^١) قارن مع: «الأوسط» لابن برهان (ص ٣٢٣).\n(^٢) نقل الزركشي عن الكيا أنَّ «الخلاف بين الكعبي والجمهور في هذه المسألة لفظي». قارن مع: «البحر المحيط» (٤/ ٢٤٠).","vol":"1","page":81},{"text":"وإنَّما وقع الخلاف في طريقه بعد الوفاق على حصول أصل العلم، فلم يضر ذلك؛ كذلك فيما نحن فيه.\n• قلنا: نحن نبني الخلاف بيننا وبينكم في الحكم من وجهين:\nأحدهما: أن عندكم إِنَّما حَسُنَ من الله تعالى إيلام البهائم والأطفال؛ لأنَّه يعوّضهم عليه في العقبى، فيحشرهم وينشرهم، ويجعل لهم مراتع يرتعون فيها، ويجب عليه ذلك؛ ولو لم يفعله، لقبح ذلك منه عقلا، وعندنا لا يجب على الله تعالى التعويض، ولا هو قبيح منه ذلك، فهذا خلاف في الحكم، لا في الطَّريق.\nالثاني: أنَّ عندنا يجوز أن يَرِدَ الشَّرع، فيحسن ما نقبّحه، ويقبح ما نعده حسنًا، وعندكم لا يجوز أن يرد الشرع بذلك؛ فبان أن الخلاف بيننا حاصل في الحكم أيضا.","vol":"1","page":82},{"text":"<span data-type='title' id=toc-31>وأما الطريقة الإلزامية</span>\nفهو أنا نقول: إذا قلتم «إنَّ الحَسَن إنَّما كان حسنًا بصفة نفسه، ولما هو عليه من ذاته»، فلا يجوز أن يتغيَّر ويتبدل عن صفة نفسه، ويصير القبيح حسنًا والحسن قبيحا.\n* قالوا: كذا نقول، لا يجوز أن ينقلب ويتبدل صفة نفسه ما دامت النفس باقيةً.\n• قلنا: فإذا كان الأمر بهذه الصفة، فيلزم من مساق هذا الكلام ألا يجوز أن يوجد صدق إلا وهو حسن، ولا كذب إلا وهو قبيح.\n* قالوا: كذلك نقول؛ لا يجوز أن يكون صدق قبيح، ولا كذب حسن.\n• قلنا: فنحن نريكم [فساد] ذلك:\nبيانه (^١): وهو أنَّ بعض الظَّلمة لو أنه طلب قتل نبيٍّ، فهرب النَّبيُّ من بين يديه، وهو يقتص أثره، ويطلب حتفه شاهرًا سيفه ليقتله، فانتهى [٧٦/ و] النَّبيُّ إلى طريق ضيّق - هو مفرق طرق كثيرة - فدخل في بعض تلك المنافذ والعواطف فابتنى فيه، فصادف الظَّالم رجلًا على مفرق الطريق فسأله: أين النَّبيُّ؟ وأين استقر؟ (^٢) أتقولون: إنَّه يصدق هذا الرجل أو يكذب؟\n_________\n(^١) قارن مع: «المنخول» (ص ١١).\n(^٢) رسمها في المخطوط مشتبه، ويحتمل أن تقرأ: (اختفى).","vol":"1","page":83},{"text":"* إن قلتم يصدق، فمعاذ الله من هذا الكلام؛ لأن فيه فسادين: قتل لنبي معصوم، وإبطال شريعة (^١)، فكيف يقال: إنَّه يصدق مع ما فيه من الانطواء على هذه المفاسد.\n* وإن قلتم يكذب، فقد صار الكذب حسنًا في بعض الأحوال (^٢)؟!\n* فإن قالوا: نقول: إنَّه يصدق، والصدق على حالته هذه حسن، والكذب قبيح.\n* قلنا: أجمع الناس على أنَّ الصدق في هذه الحال قبيح، وأنَّ الكذب حسن، وكذلك لا قبيح في عالم (^٣) الله تعالى أعظم من القول بأنَّ الله ثالث ثلاثة، وأن محمدًا ساحر، ثُمَّ قد أباح الشَّرع هذا القول والتلفظ به في حال الضرورة حتَّى إِنَّ مِنْ العلماء من قال: يجب ذلك؛ فدلَّ أنَّه ليس قبيحًا لنفسه؛ إذ لو كان قبيحًا لعينه، لما تغيرت صفة نفسه.\n* فإن قالوا: إِنَّما حَسُن في هذه المواضع؛ لأنَّه اقترنت به أمور حسنةٌ غطت على قبحه، فصار مغمورًا بما اقترن به من الحسن، كالصغائر في جنب الطاعات.\n• قلنا: هذا غير صحيح؛ لأنه لو كان مُبقى على ما كان من صفة النفس إلَّا أنه تغطى بأمورٍ، لَبَقِيَ على ما كان عليه من قبل اقتران الأمور به، ونحن نعلم أنه لم يبق على ما كان، بل قد زال حكم صفة النفس حتى لا يحسن الدم واللوم عليه.\n_________\n(^١) قوله: (لأن فيه فسادين: قتل لنبي معصوم، وإبطال شريعة) في المخطوط: (لأن فيه قتل لنبي معصوم وفسادان وإبطال شريعة)، ولعل الصواب ما أثبت.\n(^٢) في المخطوط: (الأقوال)، ولعل الصواب ما أثبت.\n(^٣) كذا في المخطوط، ولها وجه، ويحتمل أنها مصحفة من: (علم).","vol":"1","page":84},{"text":"<span data-type='title' id=toc-32>أما الطريقة البرهانية</span>\nاعلم أنَّ غموض المسألة إنَّما كان وتَنَشَّأَ من تلبس في عبارتها؛ فإذا كشف عن ذلك، اتضح مقصودها، وذلك أن يقال:\nهذه الأمور مما يعرفها العقلاء بعقولهم، ويدركون قُبح المقبَّحات، وحُسن المستحسنات بأوائل أذهانهم، وإنما كان ذلك لسر؛ وهو ميل الطباع ونفرتها. وذلك لأن الطباع تميل إلى ما فيه مسرتها، وتنفر عما فيه مضرتها، وهذا لا يختص بالعقلاء؛ فإنَّ البهائم تميل طباعها إلى نفعها، وتنفر عن مضارها.\nغيرَ أَنَّ مِنْ النَّاسِ مَنْ يسمَّى «حكيمًا» لأنَّه ينظر ويتفكر في عاقبة الأمر، ويفرّق بين الخير والشَّرِّ، ومنهم مَنْ لا ينظر في ذلك، فلا يقال له «حكيم». فنقول: هذا الذي تميل إليه الطباع وتنفر عنها، إنَّما هو لأغراض ومقاصد، فمالت الطباع ونفرت لأغراضها.\nفالكل متفقون على مراعاة المصلحة والفائدة، وليس كلامنا في هذا الفن، إنَّما كلامنا فيما هو حَسَنٌ وقبيح، وذلك إنَّما هو من تكاليف الشرع وأمره ونهيه.\n* فإن قيل: نرى الخلق مطبقين مجمعين من لدن آدم إلى زماننا هذا على حسن الثناء والمدح لمن فعل الحسن، وعلى استحسان مكارم الأخلاق والإنعام والإكرام وإذلال المعروف وابتداء الجميل، ويطبقون على ضدّ ذلك من ذم من أساء وظلم وتعدى وأتى بالقبائح!","vol":"1","page":85},{"text":"* قلنا: إنَّما كان ذلك كذلك؛ لأنَّ فيه انتظام أمر المعاش، وصلاح الخلق، وقوام الدُّنيا، وكلُّ ذلك عائد إلى الأغراض. [٧٦/ ظ]\n* فإن قيل: لو كان حُسن المستحسنات وقبح المقبحات لا يُعلم إلا بالسمع: كان ينبغي ألا يعلمه إلَّا مَنْ علم السمع وقال به، وأَنَّ مَنْ لا يعلم السمع ولا عرفه قط ولا صدق رسوله: لا يعرفه، ونحن نرى البراهمة والمنجمين وجميع من عدا الشرعيين يعرفون حُسن الحَسَن وقبح القبيح؛ فعلمنا أن ليس طريق ذلك السمع، وإنَّما طريقه العقل.\n* قلنا: هذا الكلام يتطرق إليه تقسيم، وذلك أنهم يعرفون ذلك على معنى ميل طباعهم إلى أهويتهم (^١).\n_________\n(^١) الكلام لم يكتمل، ويظهر ذلك بالمقارنة مع ما ذكره ابن برهان، حيث ذكر وجهين في الرد على الشبهة:\nالأول: أنَّ استحسانهم إنما هو بميل طباعهم. وهذا قد ذكره إلكيا.\nوالثاني: يلزم المعتزلة موافقة البراهمة والمنجمين - ومن على شاكلتهم - على مقالتهم في تحريم ذبح الحيوانات.\nراجع إكمالا للفائدة: «البرهان» (١/ ٨٣)، «الوصول» (١/ ٦٢ - ٦٣).","vol":"1","page":86},{"text":"<span data-type='title' id=toc-33>مسألة </span>(^١)\n* شكر المنعم واجب بالسمع.\n* وقالت المعتزلة: يجب عقلا.\n* قالوا: نقول: الشكر هو الإقدام على المستحسنات، والإحجام عن المستقبحات العقلية (^٢).\nقلنا لهم: لا يخلو أن يكون الشكر عائدًا إلى غرض الشاكر أو المشكور:\n_________\n(^١) انظر: «البرهان» (١/ ٨٤)، «المنخول» (ص ١٤)، «الوصول» (١/ ٦٦)، «الأوسط» (ص ٣٣٩).\n(^٢) نقل ابن السبكي عن الكيا كلاما يحسن إيراده هنا، فقال ما نصه: «قال الإمام أبو الحسن الطبري المعروف بـ: إلكيا في تعليقه في الأصول - ومن خط ابن الصلاح نَقَلتُ ذلك:\n«مسألة شكر المُنْعِم عين مسألة التحسين والتقبيح، بيانه:\nأنا نقول: ليس الشكر اللفظ، فما معناه؟\nقالوا: المعرفة.\nقلنا: المعرفة تراد للشكر، فكيف تكون نفس الشكر! فلا بد أن تتقدم على الشكر، فإِنما شَكَرَ مَنْ عَرَف.\nقالوا: فلا نُطَوّل، نعني بالشكر ما تعنون أنتم.\nقلنا: الشكر عندنا امتثال أوامر الله تعالى، واجتناب نواهيه.\nقالوا: فنحن نقول الشكر: هو الإقدام على المستحسنات واجتناب المستقبحات.\nقلنا: فهذه هي مسألة التحسين والتقبيح بعينها.\nقال: ولكننا أفردناها بالكلام على عادة المتقدمين».\nانظر: «الإبهاج» لابن السبكي (٢/ ٣٧٨ - ٣٧٩). ويراجع: «سلاسل الذهب» (ص ٩٩ - ١٠٠).","vol":"1","page":87},{"text":"أما الشاكر، فلا غرض له في الشكر (^١).\n* فإن قالوا: فإذا قلتم: «لا يُعلم شيء إلَّا بالسمع»، كان فيه إبطال للسمع ورد لما جاءت به الرسل، وهذا هو السؤال الملقب بـ: «إفحام الأنبياء» صلوات الله عليهم (^٢).\nوبيان ذلك: وهو أنَّ «النَّبيَّ» إذا تصدَّى للنبوة والرسالة، وتحدى النَّاس بمعجزاته، ودعا الخلق إلى طاعته واتباعه فيما جاء به يقول هذا المدعو: «لا يلزمني قبول قولك، والنَّظر في معجزتك؛ لأنَّ ذلك لا يلزمني إلا بالسمع، ولم يثبت السمع عندي، ولا استقرَّ الشَّرع الموجب للنظر؛ والعقل لا يوجب، فلا يجب عليَّ النَّظَرُ»، وفي هذا إفحام للأنبياء، ورد الحجج الله تعالى على خلقه، وسد لباب الإيمان على الخلق، وفيه إبطال الشرائع؛ وكلُّ مذهب يؤدي القول به إلى بطلان الشرائع، فهو باطل.\nوقرروا هذا على وجه آخر، فقالوا: أنتم إذا قلتم بأنَّ النظر في السمع يجب بالسمع، كان فيه إبطال للسمع؛ لأنَّه إنَّما يكون النظر واجبًا بالسمع في فروع السمع دون أصله، فأنتم إذا أوجبتم النظر في السمع بالسمع، فقد أوجبتموه لتعلموا السمع بالسمع، وفي هذا جعلُ السَّبب مُسَبَّبا والموجِبِ مُوجَبًا، وهذا باطل.\n_________\n(^١) يظهر أن الجواب لم يكتمل. ولعل تقدير الكلام:\n«أما الشاكر، فلا غرض له في الشكر.\nوأما المشكور: فلا ينتفع به». وللمزيد يُراجع: «الوصول» (١/ ٦٦).\n(^٢) تنظر المسألة في: «البرهان» (١/ ٨٥)، «الوصول» (١/ ٦٨).","vol":"1","page":88},{"text":"• قلنا: نقلب السؤال والإلزام عليكم؛\nفنقول: ما ألزمتمونا في الشرع المنقول، يلزمكم قبله في قضيَّات العقول؛ فإنَّا نقول: أنتم ماذا تقولون؟ أتقولون إنَّ النَّظر يجب بمجرد العقل، أم بأمرٍ زائد عليه؟\n* فإن قلتم بمجرد العقل، فباطل؛ لأنه لو كان يُعلم، لاشترك العقلاء فيه. فلما وقع الخلاف، دل أنَّه لا يُعلم (^١) بمجرد العقل.\n* فإن قالوا: لا بُدَّ من أمر زائد.\n• قلنا: وما ذلك الأمر الزائد؟\n* قالوا: الخاطرة (^٢) التي تخطر للعاقل في نفسه وتُجاري حسه، فيقول: «لعل لي ربا إن شكرته أثابني، وإن كفرته عاقبني»، فيحدوه عقله عند جريان الخواطر له على النظر في سلوك طريق النجاة والإعراض عن سلوك طريق الهلاك.\n• قلنا: فهذه الخواطر تقع بكل عاقل أم ينفك منها عاقل؟\n* فإن قالوا: لا يتصور أن ينفك منها عاقل، فمحال؛ فإنَّا نعلم أهل القرى والرساتيق (^٣) لا تجري لهم هذه الخواطر.\n_________\n(^١) قوله: (لا يُعلم) في المخطوط: (لا يعمل)، والمثبت هو الموافق لسياق الكلام.\n(^٢) في المخطوط: (الخاطر). والمثبت هو الموافق للسياق.\n(^٣) جمع رستق، معناه السواد والقرى، ويقال أيضا: رزداق، معرب: «رستا»، أو: «رسته». انظر: «المعرب» للجواليقي (ص ٢٠٥ - ٢٠٦)، «المصباح المنير» (ص ١١٩)، «القاموس المحيط» (ص ٨٨٦).","vol":"1","page":89},{"text":"* وإن قالوا: بل يتصور أن ينفك بعض العقلاء عنها.\n• قلنا: فهذا الخاطر (^١) يخلقها الله تعالى وتقع ضرورةً، أم هو يخطر بها [و] ويجيلها بباله؟\n* فإن قالوا: يخلقها الله تعالى، فباطل؛ لأنَّه لو وقع ذلك، لكان يشترك فيه العقلاء.\n* وإن قالوا: بل يقف على اختياره وإيثاره وهو يخطرها بقلبه.\n• قلنا: هذا غرضنا، ليس أنَّ النظر يجب عليه بهذا الخاطر مع تمكنه من الإعراض عن إجالته بقلبه وتركه إيَّاها، فكذلك نقول: إنَّ النَّظر واجب عليه بالسمع، ولا يجب قبل مجيء الرسول (^٢).\n_________\n(^١) قوله: (فهذا الخاطر)، هكذا في المخطوط، ولعل الصواب: (فهذه الخواطر)؛ ليتوافق عود الضمائر وينسجم سياق الكلام.\n(^٢) حكى الزركشي عن الكيا الهراسي في الحديث عن فائدة مسألة شكر المنعم، أن بعض المتكلمين قال: لا معنى للكلام في هذه المسألة …، وقد تعقبهم إلكيا بقوله: «وهو بعيد؛ فإنه يمكن تقدير المسألة فيمن خُلق في جزيرة، ولم يبلغ أهلها دعوة الملك، فهل يعلم أهلها إباحة هذه الأجناس أم لا؟ وإن حاول محاول ترتيب فائدة شرعية على هذه المسألة لم يعدمها.\nفإنَّ ما لم يوجد فيه حكم شرعي، كان على حكم العقول من الإباحة في رأي، أو على الحظر في رأي، وإن كان من العلماء من لا يجوز خلو واقعة عن حكم الله متلقى من الشرع كالصيرفي، وهو اختيار إمام الحرمين. وهو الحق عندنا. فعلى هذا الشافعي يبني على الإباحة تلقيا من الأئمة. وأبو حنيفة يبني على الحظر تلقيا من الشرع، فلا مخرج عن الشرع». «البحر المحيط» (١/ ١٦٠ - ١٦١).","vol":"1","page":90},{"text":"<span data-type='title' id=toc-34>مسألة </span>(^١)\nاختلف النَّاس في أحكام أفعال العقلاء قبل ورود الشرع:\n* فقال أهل السُّنَّة: إنَّه لا حكم لها (^٢).\n* فأَمَّا مَنْ عداهم من طبقات الخلق، فإنَّهم اختلفوا:\n- فمنهم من قال: هي على الحظر.\n- ومنهم من قال: على الإباحة.\n- ومنهم من قال: على الوقف (^٣).\n_________\n(^١) «مسائل الخلاف» (ص ٤٠١)، «البرهان» (١/ ٨٦)، «المنخول» (ص ١٩)، «الوصول» (١/ ٧٢)، «الأوسط» (ص ٣٥٣).\n(^٢) أي: «أنها على الوقف؛ لا توصف بحظر ولا إباحة ولا وجوب، بل هي كأفعال البهائم». «الأوسط» (ص ٣٥٣).\n(^٣) يظهر من السياق أن المسألة لم تكتمل، وهي طويلة الذيل، يراجع: «الأوسط» (ص ٣٥٣ - ٣٦٢).","vol":"1","page":91},{"text":"<span data-type='title' id=toc-35>كتاب التكاليف </span>(^١)\nاعلم أنَّ «التكليف» مأخوذ من الكلفة والمشقة، وهو تحمل ما فيه تعب على النفس، وثِقَل على البدن.\n* فإن قيل: فما تقولون إن ورد (^٢) الشَّرع بأكل الطَّيِّبات والملاذ، والاستمتاع بالوجوه الحسان: أيكون هذا تكليفا أم لا؟\n• قلنا:\n- إن قال لنا: اعملوا ما شئتم، وجعل زمام الخيرة إلينا فيما نفعله: لم يكن تكليفا.\n- وإن حد لنا حدا، وبَيَّنَ مرادًا، وعيَّنَ وقتًا، وشرط شروطًا: كان هذا تكليفا.\nوأما حد «التكليف» في الشرع؛ فقد اختلفت عبارتهم:\n* فمنهم من قال: «هو الدُّعاء إلى ما فيه مشقَةٌ وكُلفةٌ».\n* ومنهم من قال: «هو إلزام ما فيه كلفة ومشقة».\nفنشأ من هذا الاختلاف مسائل لفظية ومعنوية.\nفأما اللفظية؛ فمن ذلك:\n_________\n(^١) انظر: «البرهان» (١/ ٨٨)، «المنخول» (ص ٢١)، «الوصول» (١/ ٧٥).\n(^٢) قوله: (إن ورد) في المخطوط: (إن بورود)، ولعل الصواب ما أثبت؛ ويحتمل أن: (إن) مقحمة، فتكون العبارة: (فما تقولون بورود الشرع …).","vol":"1","page":93},{"text":"<span data-type='title' id=toc-36>«المندوب إليه» هل هو داخل في التكاليف أم لا؟</span> (^١)\n* فمنهم من قال هو داخل في التكليف، وهو قول من قال: «إنَّ التكليف هو الدعاء إلى ما فيه كلفة ومشقة».\nوأمَّا مَنْ قال: «هو إلزام ما فيه مشقَّةٌ»، قال: «المندوب إليه ليس بداخل تحت التكليف».\n\n<span data-type='title' id=toc-37>مسألة </span>(^٢)\n«المباح» هل هو داخل تحت التكليف أم لا؟\nللسنة في ذلك مخالفان:\n* منهم من قال: هو من قبيل التكاليف؛ لأنه يجب على كل عاقل أن يُميّز بين المباح وغيره، وهو قولُ بعض أصحابنا (^٣).\n* والثاني من المخالفين - وهو قول [الكعبي من] (^٤) المعتزلة؛ فقال: «لا مُباحَ في الشريعة؛ لأنَّه ما من مباح إلا ويتضمَّنُ فعله ترك المحظور المنهي عنه المحرم فعله، وبنى ذلك على أنَّ الأمر بالشَّيء نهي عن ضده، والنهي عن الشيء أمر بضده» (^٥).\n_________\n(^١) انظر: «البرهان» (١/ ٢٠٦)، «التلخيص» (١/ ١٦٢)، «المنخول» (ص ٢١)، «الوصول» (١/ ٧٥)\n(^٢) انظر: «التقريب» (١/ ٢٥٩)، «المغني» قسم الشرعيات (ص ٩٥، ١٤٤)، «البرهان» (١/ ٢٠٥)، «التلخيص» (١/ ١٦١)، «المنخول» (ص ٢١، ١١٦)، «الوصول» (١/ ٧٧).\n(^٣) منهم: الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني.\n(^٤) زيادة متعينة.\n(^٥) نقل الزركشي عن إلكيا مزيد كلام في هذه المسألة، فقال ما نصه: «وقال إلكيا الطبري: مذهب=","vol":"1","page":94},{"text":"<span data-type='title' id=toc-38>مسألة </span>(^١)\nومن هذا القبيل أيضا - ما يرجع الخلاف فيه إلى عبارة -: ما قاله أصحاب أبي حنيفة من الفرق بين الواجب والفرض (^٢)؛ فقالوا: «الفرض: ما ثبت بدليل مقطوع به، والواجب: ما ثبت بدليل مجتهد فيه».\nواعلم بأنه لا بُدَّ أوَّلًا من أن نبيِّن معنى «الواجب» و«الفرض» في اللُّغة حتَّى نَبني عليه المقصود.\nاعلم بأنَّ «الفرض» في اللغة: هو التَّقدير والتَّحديد؛ قال الله تعالى: ﴿سُورَةٌ\n_________\n= الكعبي يتجه على القول بأن الأمر بالشيء نهي عن ضده، ولا طريق إلى الجمع بين ذلك المذهب وخلاف الكعبي. ونحن نقول: إنَّ الواجب ما تعلَّق به خطاب مقصود، والإباحة مقصودة في الإباحات، ولم يشرع للنهي عن المحظورات، وقول القائل: \"لا تزن ولا تسرق\" لم يطلق له الرواح والمجيء من غير خطور النهي عن السرقة. وليس الوجوب وصفا راجعا إلى العين حتى يقال: لا أثر لقصد المخاطب فيه، ولعل الكعبي يعتقد الوجوب وصفا راجعا إلى العين - كما قالوا في الحسن والقبح - أو يخالف في العبارة. قال: وبالجملة فالخلاف في هذه المسألة يرجع إلى عبارة؛ إذ لا تتعلق به فائدة شرعيَّةٌ ولا عقليَّةٌ.\nنعم، قد يتعلق به فوائد شرعيَّةٌ؛ فإنَّ النَّاوي للصوم لا يقصد الإمساك ليلا، ولا ينوي بصومه تقربا، وقد يقال ذلك؛ لأن الواجب منه مجهول لا يُدرى مقداره فيقال: المجهول كيف يكون واجبا ولا إمكان فيه؟ والمخالف فيه يقول: لا جرم هذا النوع وآخِرُ جزء من الرأس لا يتصفان بالوجوب؛ لأنَّ الواجب منهما لا يتبين، فلا يندرج تحت اختيار العبد فتبقى تسمية الواجب من هذه الجهة؛ وإلا فما علم الحكيم أنه لا يتأتى أداء الواجب إلا به يجعله واجبا. انتهى». «البحر المحيط» (١/ ٢٨٠ - ٢٨١). وانظر: (١/ ٢٧٩) من نفس الكتاب.\n(^١) «التقريب» (١/ ٢٩٤)، «التلخيص» (١/ ١٦٤)، «الوصول» (١/ ٧٨).\n(^٢) نقل الزركشي عن الكيا قوله: «وهذه التفرقة عندهم بالنسبة إلينا؛ أما عند الله فهو سواء». انظر: «البحر المحيط» (١/ ١٨٣).","vol":"1","page":95},{"text":"أَنزَلْنَهَا وَفَرَضْنَهَا﴾ (^١)، وسميت الفرائض فرائض؛ لأنَّها مقدرة، ومنه فرض القاضي، ومنه فُرضة القوس.\nوأما الواجب في اللُّغة: هو الثَّابت اللازم، ومنه يقال: «وجب الحائط»، إذا سقط، ووجبت الشمس، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ (^٢)، يعني إذا سقطت، وقال النبي صلى الله عليه: «إذا وجب المريض فلا تبكين بائسا (^٣)» (^٤)، يعني [/] إذا فاضت نفس الميت، فلا تبكوا عليه (^٥).\nمسألة (^٦)\nومن المسائل اللفظية: إطلاق الفقهاء وقولهم بأنَّ: «هذا فرض عين»، و«هذا فرض كفاية»، وهذا خلاف في اللفظ.\nويتبين ذلك بأن نذكر حد الواجب وحقيقته؛ وأسد العبارات فيه: «هو ما تُعرّض للعقاب بتركه»، وهذا موجود في فرض الكفاية؛ فإنَّهم إذا تركوه وعطلوه: حرجوا كلهم، فصار كما في فرض العين، فلا فرق بينهما على التحقيق.\n_________\n(^١) النور: ١.\n(^٢) الحج: ٣٦.\n(^٣) كذا في المخطوط، وفي المصادر الأصولية الأخرى: (باكية).\n(^٤) أخرج نحوه مالك في «الموطأ» (٩٣٥)، (برواية الزهري)، وأحمد (٢٣٧٥١)، وأبي داود (٣١١١)، والنسائي في «الكبرى» (٧٤٥٥)، وفي «المجتبى» (٣١٩٥)، وابن حبان (٣١٩٠) (بترتيب ابن بلبان)، وغيرهم من حديث جابر بن عتيك.\n(^٥) يظهر من سياق كلامه أن هنا سقطا، حيث لم يُكمل ما يتعلق بالجواب عن قول الحنفية في التفريق بين الفرض والواجب.\n(^٦) انظر: «الوصول» (١/ ٨٠).","vol":"1","page":96},{"text":"* فإن قال قائل: كيف تقولون إنَّه واجب على الجميع، ومعلوم أنه إذا قدم البعض على فعله وفعلوه، سقط عن الباقين؟\n• قلنا: نحن لا نقول إنَّه سقط بفعل البعض، ولكن هذا واجب أوجبه الله تعالى لمقصود؛ فإذا فعل البعض، فقد حصل المقصود الذي لأجله وجب، فزال الحكم لزوال عِلَّتِهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-39>فصل معقود فيما يجوز أن يَرِدَ الشَّرع به من التكاليف وما لا يجوز، ومن يجوز تكليفه ومَن لا يجوز </span>(^١)\nنبدأ بما يجوز أن يرد الشرع به من التكاليف وما لا يجوز، ونُصدّر هذا الفصل بـ: «تكليف العاجز هل يجوز أم لا؟»، وهذا مفتاح الكلام.\n* فعلى مذهب أهلِ السُّنَّة القول بجواز ورود (^٢) الشرع بتكليف ما لا يطاق.\n* وأما من خالفهم من المعتزلة وغيرهم قالوا: لا يجوز؛ لأنه لا يليق بحكمة الله تعالى.\nفصل معقود فيمن يجوز تكليفه ومن لا يجوز\n* قال مخالفو أهل السواد: إِنَّ كُلَّ حالةٍ تنافي فهم الخطاب؛ فإنَّها تنافي التكليف.\n_________\n(^١) انظر: «البرهان» (١/ ٨٩)، «المنخول» (ص ٢٢)، «الوصول» (١/ ٨٢).\n(^٢) كتب في المخطوط أولا: (القول بورود الشرع)، ثم استدرك في الطرة: (بجواز)، فنسي أن يعدل (بورود).","vol":"1","page":97},{"text":"* وهم - يعني السواد - يجوزون ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-40>فَصْلٌ </span>(^١)\n* المجنون غير مخاطب بشيء أصلا، ولا مكلف.\n* [وقال] (^٢) من خالف أهل السواد: أليس يقال: إنَّ الدين واجب على المجنون، وكذلك الميت؟ فلو لم يكن مكلفا، لم يوصف بأنه يجب عليه الدين.\n\n<span data-type='title' id=toc-41>مسألة </span>(^٣)\n* السكران الذي لا يفهم الخطاب غير مخاطب؛ لأنَّه غير عالم بما يُكلّف.\n* وقال من خالف أهل السُّنَّة: هو مخاطب؛ لأنه أثم بترك الصوم والصلاة، فدل على أنه مخاطب، وكذلك طلاقه واقع.\nمسألة (^٤)\nالكُفَّار مخاطبون بالفروع؛ هذا ما وقع عليه الإطباق من معظم الأصوليين من المعتزلة وغيرهم (^٥).\n_________\n(^١) انظر: «التلخيص» (١/ ١٣٥)، «الوصول» (١/ ٩١).\n(^٢) موضعها بياض في المخطوط بمقدار كلمة، والمثبت هو الموافق للسياق.\n(^٣) انظر: «البرهان» (١/ ٩١)، «المنخول» (ص ٢٨)، «الوصول» (١/ ٨٩).\n(^٤) انظر: «البرهان» (١/ ٩٢)، «المنخول» (ص ٣١)، «الوصول» (١/ ٩٢).\n(^٥) جاء الكلام في هذه المسألة في مخطوطنا مختصرا فيما يظهر، حيث إن الزركشي قد نقل عن الكيا الهراسي بأنَّ الجواز عقلا محل وفاق عند أصحابه. والذي يظهر أن ما جاء في مخطوطنا هو في جواز التكليف شرعًا. قارن مع: «البحر المحيط» (١/ ٣٩٧). ويعزّز كون المسألة في نسختنا=","vol":"1","page":98},{"text":"ولم يُحْكَ عن الشافعي، ولا عن أبي حنيفة نص في الخطاب، وإِنَّما اسْتُدِلَّ على مذهب كل واحدٍ منهما في هذه المسألة بفروع المسائل:\n- فعند الشافعي في فروعه: مذهبه خطاب الكفار.\n- وعند أبي حنيفة أنَّ الكُفَّار غير مخاطبين؛ دل على ذلك فروعه.\n\n<span data-type='title' id=toc-42>فَصْلٌ </span>(^١)\nومما يتصل بذلك: «المكره».\n* وهو مكلّف عند أهل السنة، والإكراه لا ينافي التكليف.\n* ونقل عن المعتزلة أنَّ المكره غير مكلف.\nوهذا النقل غلط، وذلك من وجهين:\nأحدُهما: أنَّ المسطور عنهم (^٢) أنَّ الملجأ ليس بمكلف - وهو المضطر المضطهد الذي لا قدرة له ولا اختيار ـ؛ فاعتقد الفقهاء بأنَّ «المكره أيضا غير\n_________\n= مختصرا ما نقله الزركشي في بيان اختيار إلكيا في المسألة، حيث نقل عنه ما نصه: «إطلاق القول بتكليفهم لا يصح؛ لأنه كيف يكلفون بما لو فعلوه لما صح؟! ولأنه تكليف ما لا يطاق. والصواب أن نقول: مكلفون بالتوصل إلى الفروع به، وتقدم الأصل، فإذا مضى زمن يمكن فيه تحصيل الأصل والفرع أثموا عليها معا، كالمحدث على ترك الصلاة؛ وهذا نافع في الجمع بين إطلاق أصحابنا في الأصول التكليف، وفي الفروع أن الصلاة والزكاة والصيام والحج لا تجب على الكافر الأصلي، ولم يزل هذا الإشكال يدور في النفس». «البحر المحيط» (١/ ٤٠٤).\n(^١) انظر: «البرهان» (١/ ٩١)، «المنخول» (ص ٣٢).\n(^٢) ينظر: «الفائق في أصول الدين» (ص ٢١٧).","vol":"1","page":99},{"text":"مكلَّف وهو في معنى الملجأ»، وليس الملجأ والمكره سِيَّانِ (^١).\nالوجه الثاني: أنَّ القدرة إذا لم تكن صالحةً للدين، بطلت المحنة واستحقاق الثواب والعقاب.\nوعند الفقهاء لفظ «الإكراه» و«الإلجاء» بمعنى [٧٨/ و] واحد، لا يفرّقون بينهما، والمعتزلة تفرّق على ما نُقل؛ وأصح ما قيل عنهم: إنَّ المكره أولى أن يكون مكلفا، وعلى هذا بنى المعتزلة أصولهم.\n_________\n(^١) قارن مع: «البحر المحيط» (١/ ٣٥٩).","vol":"1","page":100},{"text":"<span data-type='title' id=toc-43>كتاب اللغات </span>(^١)\n<span data-type='title' id=toc-44>فصل</span>\nاعلم بأن الإنسان (^٢) لما لم يكن مكتفيا بنفسه في مهماته وغير ذلك، احتاج إلى معرفة اللغة، القدر الذي ينال به معرفة ما يجب عليه معرفته (^٣).\nواعلم أن للأسماء حقيقة ومجازا (^٤).\n_________\n(^١) انظر: «البرهان» (١/ ١٣٠)، «المنخول» (ص ٧٠)، «الوصول» (١/ ٩٧).\n(^٢) الرسم في المخطوط مشتبه، وقد اجتهدنا في قراءتها، ويراجع «البرهان» (١/ ١٣٠).\n(^٣) قال إلكيا - فيما نقل عنه السيوطي -: «إن الإنسان لما لم يكن مكتفيا بنفسه في مهماته ومقيمات معاشه: لم يكن له بد من أن يسترفد المعاونة من غيره؛ ولهذا المعنى اتخذ الناس المدن ليجتمعوا ويتعاونوا.» انظر: «المزهر في علوم اللغة» (١/¬٣٦)، «شرح الكوكب المنير» (١/ ١٠٠).\n(^٤) كذا في المخطوط، ويظهر لنا سقط بين هذه العبارة والتي قبلها وما يليها. قارن مع: «الوصول» (١/ ٩٧)، و«البحر المحيط» (٢/ ١٨٠، ٢٠٨).\nومما وقفنا عليه في هذا الباب ما نقله السيوطي عن الكيا حكايته عن القاضي في الحقيقة والمجاز والفرق بينهما، حيث قال: «وفي تعليق إلكيا: قد ذكر القاضي أبو بكر فروقا بين الحقيقة والمجاز؛ فمن ذلك:\n- أن الحقيقة يقاس عليها والمجاز لا يقاس عليه؛ فإن من وجد منه الضرب يقال: ضرب يضرب فهو ضارب، فيطلق هذا الاسم على كل ضرب؛ إذ هو حقيقة فيطلق ذلك على من كان في زمن واضع اللغة وعلى من يأتي بعده، ولا يقال: اسأل البساط، واسأل الحصير، واسأل الثوب … بمعنى صاحبه - قياسا على ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾.\n- الثاني: إن الحقيقة يشتق منها النعوت؛ يقال آمر يأمر فهو آمر، والمجاز لا يشتق منه النعوت والتفريعات.\n- الثالث: إن الحقيقة والمجاز يفترقان في الجمع؛ فإن جمع \"أمر\" الذي هو ضد للنهي \"أوامر\"، وجمع \"الأمر\" الذي هو بمعنى القصد والشأن \"أمور\". «المزهر في علوم اللغة» (١/ ٣٦٤).","vol":"1","page":101},{"text":"قال (^١):\n\n<span data-type='title' id=toc-45>فصل معقود في النفي المضاف إلى الجنس المطلق </span>(^٢)\nكقوله صلى الله عليه: «لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل» (^٣)، و«لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد» (^٤)، و«لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب» (^٥):\n- فهذا نفي للجنس، وهو صحيح.\n- حُجَّةٌ عندنا، نحتج به.\n- وليس بمجمل.\n* وقال أبو علي الجبائي، وابنه أبو هاشم: «هذا من قبيل المجملات التي لا يُحتج بها، ولا يصح التَّعلُّق بها».\nووجه إجماله: أنه متردّد بين نفي الصوم الحقيقي الذي هو الإمساك لغةً، وبين نفي الصوم الشرعي؛ وإذا كان محتملا لهما جميعًا، ثبتا مجملا؛ فوجب التوقف فيه.\n_________\n(^١) أي: إلكيا.\n(^٢) انظر: «البرهان» (١/ ٢١١)، «المنخول» (ص ٧٧)، «الوصول» (١/ ١٠٥).\n(^٣) أخرجه أبو داود (٢٤٥٤)، والترمذي (٧٣٠)، والنسائي (٢٣٣٦)، وابن ماجه (١٧٠٠) وغيرهم من حديث حفصة.\n(^٤) أخرجه الدارقطني (١٥٥٢، ١٥٥٣)، والحاكم (٨٩٨) وغيرهما من حديث جابر بن عبد الله وأبي هريرة مرفوعًا، وضعفه عبد الحق الإشبيلي وزين الدين العراقي وابن حجر وغيرهم. انظر: «الأحكام الوسطى» (١/ ٢٧٥)، «المغني عن حمل الأسفار» (ص) (١٧٩)، «التلخيص الحبير» (٢/ ٧٧).\n(^٥) أخرج نحوه البخاري (٧٥٦)، ومسلم (٣٩٤) من حديث عبادة بن الصامت.","vol":"1","page":102},{"text":"مسألة أخرى يُدعى فيها الإجمال، وليس بمجمل (^١)\nوذلك مثل قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ (^٢)، و﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ (^٣).\n* قال قوم (^٤): «هذا مجمل»، وليس ذلك بمجمل.\n* [وقال …] (^٥): عندنا - يعني مذهب أبي حنيفة - أنه ليس بمجمل (^٦).\nمسألة معقودة في أنَّ القياس هل يجري في اللغات أم لا (^٧)؟ (^٨)\nاستقرار المحققين من الأصوليين أنَّ اللُّغات لا تثبت قياسًا، ولا يجري ذلك فيها (^٩).\n_________\n(^١) هذه المسالة مشهورة بـ: الأحكام المضافة إلى الأعيان. انظر: «التقريب» (١/ ٣٤٤)، «الوصول» (١/ ١٠٨).\n(^٢) النساء: ٢٣.\n(^٣) المائدة: ٣.\n(^٤) كأبي الحسن الكرخي، وأبي عبد الله البصري، والقاضي أبي يعلى.\n(^٥) زيادة متعينة، ويظهر من السياق أنه ذكر هنا أحد أعلام الحنفية.\n(^٦) انظر: «أصول البزدوي» مع شرحه «كشف الأسرار» (٢/ ١٠٦)، «التبصرة» (ص ٢٠١)، «أصول السرخسي» (١/ ١٩٥).\n(^٧) قوله: (أم لا) في المخطوط: (امره)، ولعل الصواب ما أثبت.\n(^٨) «البرهان» (١/ ١٣١)، «المنخول» (ص ٧١)، «الوصول» (١/ ١٠٩)، «الردود والنقود» (١/ ٢٩٤).\n(^٩) وهذا اختيار إلكيا، كما نقله الزركشي في «البحر المحيط» (٢/¬٢٥). وقد نقله كذلك عن معظم المحققين. وجاء في موضع آخر عن إلكيا بيانه لقول ابن سريج في جواز إثبات الأسامي بالقياس، ثم رد على ذلك، فقال ما نصه: «كان ابن سريج يقول: إنما ثبتت الأسامي بالقياس ثم تعلق الأحكام بها، نحو ما كان يقول: إن القياس يوصل إلى أن وطء البهيمة زنا، ثم ثبت الحد فيه=","vol":"1","page":103},{"text":"وقال كثير من الفقهاء: القياس يجري في اللغة، وعزي هذا إلى الشافعي، ولم يدل عليه نصه، وإنَّما دلت عليه مسائله (^١) (^٢).\n_________\n= بظاهر الآية، ووجه كونه زنى أنه إيلاج فرج في فرج تمحض تحريما فكان زنى، والنبيذ خمر للشدة والخمر محرمة.\nقال إلكيا: وهذا النوع باطل من كل وجه؛ لأن القياس في الأسامي يتلقى من فهم مقاصد اللغة ومعرفة موضع اشتقاق الاسم، ثم يجري على ما فيه ذلك المعنى ذلك الاسم، فيكون نهاية نصهم على فائدة التسمية ذلك، وليس لهذا القول تعلق بالشرع، لأنه قد يصح، سواء كان هناك شرع أم لا، وأما القياس الذي يختص الشرع به فإنما تثبت به الأحكام فقط بأن يعلل الأصول التي يثبت الحكم فيها، لتعدية الحكم بالتعليل إلى ما شاركها في العلة». «البحر المحيط» (٥/ ٦٥).\n(^١) كتب في الطرة: (وعند أبي حنيفة لا يجري).\n(^٢) كذا جاءت المسألة في مخطوطتنا، وقد نقلها السيوطي عن الكيا الهراسي بأطول مما هنا، فقال ما نصه: «قال إلكيا الهراسي في تعليقه»:\n«الذي استقر عليه آراء المحققين من الأصوليين: أن اللغة لا تثبت قياسا، ولا يجري القياس فيها».\nوقال كثير من الفقهاء القياس يجري في اللغة وعزي هذا إلى الشافعي ﵁ ولم يدل عليه نصه، إنما دلت عليه مسائله. فنُصدّر المسألة بتصويرها فنقول:\n* أما أسماء الأعلام الجامدة والألقاب المحضة، فلا يجري القياس فيها؛ لأنه لا يُفيد وصفا للمُسَمَّى، وإنما وُضِعَت لمجرد التعيين والتعريف، ولو قَلَبْتَ فَسَمَّيْت زيدًا بعمرو وعكسه، لصح؛ إذ كل اسم منها لم يختص بمن سُمِّي به لمعنى حتَّى لا يجوز أن يُعدل به إلى غيره. فليست هذه الصورة من محل الخلاف.\n* ولا يجوز أيضا أن يكون محل الخلاف: المصادر التي يُقال هي مشتقة من الأفعال، نحو: ضرب ضربًا فهو ضارب، وقتل قتلا فهو قاتل؛ فهذا ليس بقياس، بل هو معلوم ضرورةً من لغتهم ونُطْقِهم به على هذا الوجه.\n* ولكن محل الخلاف: الأسماء المشتقة من المعاني، كما يُقال في الخمر إنَّه مشتق من المخامرة أو التخمير؛ فإذا سُمِّي خَمْرًا من هذا الاشتقاق، كان ما وُجِد فيه ذلك خمرا؛ كالنبيذ وغيره.\nقال: وهذا عندنا باطل. والدليل عليه أنَّ إجراء القياس في اللغة لا يخلو؛ إما أن يُعْلَمَ عقلا أو نقلًا.","vol":"1","page":104},{"text":"<span data-type='title' id=toc-46>مسألة </span>(^١)\n* إذا كان اللفظ الواحد له عُرفٌ: محمل في اللغة، ومحمل في الشرع؛ فإذا أُطلق في اللغة، ثُمَّ استولى عليه عُرف الشريعة، وجب حمله - إذا أُطلق - على عُرف الشرع، ولا يُحمل على عُرف اللغة إلا بدليل.\n* وقال كثير من أصحاب أبي حنيفة: بأنَّه يُحمل عليهما جميعًا، كالنكاح يقع على الجماع، ويقع على العقد.\n\n<span data-type='title' id=toc-47>مسألة </span>(^٢)\n* يجوز (^٣) إطلاق اللفظ الواحد ويُراد به معنيان مختلفان ويُحمل عليهما\n_________\n= أما العقل؛ فلا مجال له في ذلك؛ لأنه يجوز أن يكون واضع اللغة قد قصد بهذا الاسم أن يختص بما سُمِّي به، ويجوز أن يكُونَ لم يقصد الاختصاص، بل يُسمى به كلُّ ما في معناه. وإذا كان الأمران جائزين في العقل: لم يرجح أحدهما على الآخر من غير مرجّح.\nوإن كان بطريق النقل؛ فالنقل إما تواتر أو أحادٌ؛ أما التواتر فلا مطمع فيه؛ إذ لو كان لعلمناه، ولكان مخالفه مكابرا؛ وأما الآحاد، فظن وتخمين، لا يستند إلى أصل مقطوع به.\nفإن قيل: فالأقيسة الشرعية كلها مظنونةٌ ويُعمل بها.\nقلنا: تلك مستندة إلى سمعي مقطوع به في وجوب العمل - وهو إجماع الصحابة - وليس في قياس اللغة شيء من ذلك.\nفإن قيل: فالمعنى الظاهر في موضع الاشتقاق أصل يُقاس عليه؛ فكلُّ محلّ يوجد فيه ذلك المعنى ينبغي أن يجري عليه ذلك الاسم.\nقلنا: «قد بينا أن ذلك ظن وتخمين لا يَسْتَنِدُ العمل به إلى أصل مَقطوع به، فكيف يقاس عليه؟!».\n«المزهر في علوم اللغة للسيوطي» (١/¬٤٩، ٥٠).\n(^١) انظر: «البرهان» (١/¬١)، «المنخول» (ص ٧٣)، «الوصول» (١/ ١١٦).\n(^٢) انظر: «المعتمد» (١/ ٣٢٤)، «البرهان» (١/ ٢٣٦)، «الوصول» (١/ ١١٨).\n(^٣) كتب في الطرة: (عند أبي حنيفة). أي: وهو مذهب أبي حنيفة كذلك.","vol":"1","page":105},{"text":"جميعًا، ما لم يكونا متضادين (^١)، كالنهي عن الفعل بلفظ: «افعل»، في مثل قوله: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم﴾ (^٢)، وقوله تعالى: ﴿أَعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ (^٣)؛ فإنَّ الفعل والتّرك متضادان كالأمر والنهي.\n* وقال الجبائي، وأبو الحسين البصري: «لا يجوز حمل اللفظ الواحد على معنيين مختلفين إلا أن يكونا مشتركين في معنى وتجمعهما حقيقةٌ واحدةٌ، وذلك كاللون؛ فإنه وإن دخل تحته أشياء مختلفة ومتضادة - كالسواد والبياض - لكن الجميع مشترك في اللونية».\n\n<span data-type='title' id=toc-48>مسألة </span>(^٤)\nهل يجوز أن يكون في القرآن لفظ لا يُعقل معناه أم لا؟\nاختلف الناس في ذلك:\n* فقال قوم: لا يجوز ذلك، وليس في كتاب الله تعالى لفظ لا يُعقل معناه.\n* وقال قوم: يجوز ذلك؛ وقد ورد ذلك، وذلك قول الله: ﴿كهيعص﴾ (^٥)، و﴿حم﴾ (^٦)، و﴿الم﴾ (^٧)، و﴿الر﴾ (^٨)، وما أشبه هذا.\n_________\n(^١) أي: متناقضين.\n(^٢) الإسراء: ٦٤\n(^٣) فصلت: ٤٠.\n(^٤) انظر: «الوصول» (١/ ١١٣).\n(^٥) مريم: ١.\n(^٦) غافر: ١.\n(^٧) البقرة: ١.\n(^٨) ونس: ١.","vol":"1","page":106},{"text":"<span data-type='title' id=toc-49>مسألة </span>(^١)\nاختلف النَّاس هل يجوز أن يكون في القرآن ما ليس من لغة العرب أم لا؟\nأما الشافعي؛ فقد شدَّد القول في ذلك، وقال: «ذلك فريةٌ على الله تعالى»، وجوز ذلك غيره (^٢).\n_________\n(^١) انظر: «العدة» لأبي يعلى (٣/ ٧٠٧)، «الوصول» (١/ ١١٥).\n(^٢) هذا مثال على الاختزال في العرض مما لا يتناسب مع طريقته في غالب ما سبق من المسائل، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك في المقدمة، وانظر للمقارنة: «الوصول» (١/ ١١٣ - ١١٨)","vol":"1","page":107},{"text":"<span data-type='title' id=toc-50>كتاب البيان </span>(^١)\nوهو أوَّلُ كتاب صدر الشافعي [رسالته به] (^٢).\nاختلف الناس في حده:\nفقال بعض أصحاب أبي حنيفة (^٣): البيان هو إخراج الشيء من حيز الإشكال إلى حيز التَّجَلِّي، وقد استطرف الناس هذا الحد، وقالوا: البيان أوضح ممَّا حُدَّ به.\n\n<span data-type='title' id=toc-51>فصل معقود في مراتب البيان </span>(^٤)\nفقد قسم الشافعي البيان في كتاب «الرسالة» (^٥) على خمسة أقسام (^٦):\n* الأول: البيان التام الذي يظهر ويشترك في دركه الخاص والعام من غير احتياج إلى نظر، مثل قوله: ﴿فَصِيَامُ ثَلَثَةِ أَيَّامِ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ (^٧)، وكذلك قوله: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَهَا بِعَشْرِ﴾ (^٨)، فهذا لا يختلف\n_________\n(^١) انظر: «البرهان» (١/ ١٢٤)، «المنخول» (ص ٦٣)، «الوصول» (١/ ١٢١).\n(^٢) زيادة متعينة. وانظر: «الرسالة» للإمام الشافعي (١/¬٢١).\n(^٣) المشهور أنَّ هذا التعريف لأبي بكر الصيرفي الشافعي (ت ٣٣٠ هـ)، ونسبه الجويني لبعض الأصوليين. انظر: «البرهان» (١/ ١٢٤)، «المنخول» (ص ٦٣).\n(^٤) انظر: «البرهان» (١/ ١٢٥)، «المنخول» (ص ٦٥).\n(^٥) (ص ٢٦ - ٥٠).\n(^٦) قارن مع: «البرهان» (١/ ١٢٤).\n(^٧) البقرة: ١٩٦.\n(^٨) الأعراف: ١٤٢.","vol":"1","page":109},{"text":"فيه اثنان.\n* القسم الثاني: ما انحط عن الأوَّل في الرتبة وافتقر إلى معرفته بنظر وتأمل، مثل قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوةِ … الآية﴾ (^١)؛ فإن معرفة وجوب الغسل متحققة، فأما كون الواو مرتبةً أو عاطفةً، وكون الفاء للتعقيب أم لا؛ فيحتاج إلى زيادة نظر وتأمل.\n* والقسم الثالث: ما دون ذلك في الرتبة، وهو ما بين الله تعالى أصله جُملةً، ووكل بيان تفصيله إلى الرسول صلى الله عليه وآله، كقوله: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (^٢)، وآية الحج (^٣)، وما أشبه ذلك من شروط السرقة والحد في الزنا؛ فإنَّه لو اقتصر على مجرد قوله: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، لم يعقل المراد به، بل كان يقال: أي رب كيف نقيم الصلاة؟ فبين النَّبيُّ صلى الله عليه مواقيتها وغير ذلك من الأحكام؛ وكذلك سائر الفرائض.\n* القسم الرابع: ما وكل بيانَ جُمَلِه، وتفاصيله، وشرعه، وبيانه إلى الرسول ﷺ، كالأحكام التي بدأ ببيانها أو حكم فيها عند سؤالهم إياه من القضايا والحكومات، فبينه بأقواله وأفعاله.\n* القسم الخامس: هو القياس.\nوهذا تقسيم حسن؛ إلا أنه لم يذكر فيه بيان الإجماع وهو المقصود\n_________\n(^١) المائدة: ٦.\n(^٢) البقرة: ٤٣.\n(^٣) وهي قوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيق﴾. الحج: ٢٧.","vol":"1","page":110},{"text":"الأعظم؛ لأنه من أعلى مراتب البيان (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-52>فصل في تأخير البيان </span>(^٢)\nلا خلاف في أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز؛ إلا على القول بجواز تكليف ما لا يطاق؛ إذا قلنا بجوازه: جاز (^٣).\nفأما تأخير البيان إلى وقت الحاجة، فقد اختلف الأصوليون فيه: فذهب أهل الجماعة إلى أن تأخيره إلى وقت الحاجة جائز على الإطلاق.\n* وذهب جمهور المعتزلة إلى أنه لا يجوز تأخير بيان المجمل وتأخير تخصيص العموم إلى وقت الحاجة (^٤).\n* وذهب أبو الحسين البصري منهم إلى أنه يجوز تأخير بيان المجمل، ولا يجوز تأخير تخصيص العموم (^٥).\n* ومنهم من عكس وقال بالضّدّ.\n_________\n(^١) وهذا الاستدراك نسبه الجويني إلى أبي بكر بن داود الأصفهاني الظاهري، وبين أنه لا دفع له.\nينظر: «البرهان» (١/ ١٢٦)\n(^٢) انظر: «البرهان» (١/ ١٢٨)، «المنخول» (ص ٦٨)، «الوصول» (١/ ١٢٣).\n(^٣) قال ابن برهان: «ولا خلاف بين العلماء أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة؛ لأنه تكليف المحال؛ إلا على قول من أجاز تكليف ما لا يطاق». «الوصول» (١/ ١٢٤).\n(^٤) قارن مع: «البحر المحيط» (٣/¬٤٦).\n(^٥) قارن مع: «الوصول» (١/ ١٢٤).","vol":"1","page":111},{"text":"<span data-type='title' id=toc-53>كتاب الأوامر </span>(^١)\n* قال أهل الجماعة (^٢): الأمر من قبيل الكلام، وقسم من أقسامه؛ وذلك أنَّ الكلام هو المعنى القائم بالنفس - وهو شيء زائد على العلم والقدرة والإرادة والاعتقاد وما أشبه هذه الأعراض -؛ فأما الصيغ والعبارات التي هي هذه الأصوات المقطّعة والحروف المنظومة؛ فإنَّها دلالاتُ وُضعت اصطلاحًا.\n* وقالت المعتزلة وغيرهم: لا نعرف كلام النفس، وقالوا: الكلام هو هذه الحروف والأصوات.\nواختلفت أجوبة الشيخ أبي الحسن في هذه الصيغ والعبارات: هل تُسمَّى كلاما حقيقةً أم لا؟\n-فقال في موضع: إنَّها ليست كلامًا حقيقةً، إنما الكلام الحقيقي هو القائم بالنفس.\n- وه وقال في «الأجوبة عن المسائل» (^٣): إنَّها كلام حقيقةً.\n_________\n(^١) انظر: «البرهان» (١/ ١٤٩)، «المنخول» (ص ٩٨)، «الوصول» (١/ ١٢٩).\n(^٢) قارن مع: «الوصول» (١/ ١٢٨).\n(^٣) لأبي الحسن الأشعري عدة مصنفات تسمى بـ: «الجوابات» أو «الأجوبة»، فمنها: «الأجوبة البغدادية»، و«جوابات أهل فارس»، و«جوابات الجرجانيين»، وهو في المسائل الخلافية بينهم وبين المعتزلة، و«جوابات الرامهرمزيين»، وهو أجوبة عن أسئلة أحد المعتزلة.\nلكن لعل أقرب كتاب لما ذكره إلكيا هو: «الجوابات في الصفات عن مسائل أهل الزيغ والشبهات»، وهو رد على كتاب صنفه الأشعري نفسه لما كان على مذهب الاعتزال، فنقض مسائله في هذا الكتاب، ويُعتبر أكبر كتب الأشعري. انظر: «تبيين كذب المفتري» (ص ٢٨٢)، =","vol":"1","page":113},{"text":"<span data-type='title' id=toc-54>مسألة </span>(^١)\nاختلف الناس في صيغة الأمر المجردة؛ ما مقتضاها؟\n* فمذهب أهل الجماعة: أنَّ الأمر هو المعنى القائم بالذات، وقول القائل: «افعل»؛ عبارةٌ عنه، وصيغة له.\n* والأمر عند المعتزلة: قول القائل: «افعل»؛ قال قاضي القضاة عبد الجبار بن أحمد: «الأمر يدلُّ على الطلب وإرادة الامتثال وطاعة المأمور للأمر» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-55>مسألة </span>(^٣)\nاختلف الأصوليون في الأمر المطلق إذا ورد: ما مقتضاه؟ هل يقتضي التكرار أو يقتضي الفعل مرَّةً واحدةً؟ (^٤)\n_________\n= \"الإمام أبو الحسن الأشعري ومؤلفاته\" (ص ٨٤، ٩٤ - ٩٥).\n(^١) انظر: «البرهان» (١/ ١٥٦)، «المنخول» (ص ١٠٤)، «الوصول» (١/ ١٣٤).\n(^٢) بعدها في المخطوط: (فأما الوجوب)، ثم ضرب عليها وابتدأ بالمسألة التالية، وسياق الكلام يوحي بأن في الكلام نقصا، حيث لم تكمل حكاية رأي القاضي عبد الجبار في المسألة، فلعل تقدير الكلام في الأصل كان (والوجوب والندب يتبين بالوعد والوعيد)، فلم يكملها الناسخ. انظر: «البرهان» (١/ ١٥٨ - ١٥٩).\n(^٣) انظر: «البرهان» (١/ ١٦٤)، «المنخول» (ص ١٠٨)، «الوصول» (١/ ١٤١).\n(^٤) محل الخلاف في المسألة إذا ورد مطلقا عاريا عن القيود؛ فذكر الزركشي أن العلماء اختلفوا على مذاهب؛ أحدها: أنه لا يدل بذاته لا على التكرار ولا على المرة، وإنما يفيد طلب الماهية من غير إشعار بالوحدة والكثرة؛ ثم لا يمكن إدخال الماهية في الوجود بأقل من مرة، فصارت المرة من ضروريات الإتيان بالمأمور به؛ إلا أن الأمر لا يدل عليها بذاته، بل بطريق الالتزام، ثم قال الزركشي: وقال إلكيا الطبري: إنه الصحيح. «البحر المحيط» (٢/ ٣٨٥).","vol":"1","page":114},{"text":"* فصار صائرون إلى التكرار.\n*وصار آخرون إلى أنه لا يقتضي التكرار.\n\n<span data-type='title' id=toc-56>فَصْلٌ ومما يتعلق بهذه المسألة مسألتان</span>\n* إحداهما (^١):\nأنه إذا ورد الأمر، وأُمِرَ المكلف بإيجاد فعل؛ هل يقع الاكتفاء فيه بما يقع عليه اسم الفعل المأمور به أم لا؟ اختلفوا:\n* فقال بعضهم: يجزئ، ولا يجب فعل كُلّ ما تناوله الاسم.\n* وقال بعضهم: لا يجزئ ذلك.\nمثاله: ﴿إنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ (^٢) (^٣).\nالمسألة الثانية (^٤):\n* أنَّ الأمر إذا كان مقيدًا بالشرط أو معلقًا على صفة؛ فإنَّ الحكم لا يتكرر بتكرر الشَّرط والصفة إذا لم تكن الصفة عِلَّةً (^٥).\n_________\n(^١) قارن مع: «البحر المحيط» (٢/ ٤١٦).\n(^٢) المائدة: ٦.\n(^٣) نقل الزركشي عن إلكيا تصحيح القول بأنه يجزئ ما وقع عليه الاسم. انظر: المصدر السابق.\n(^٤) انظر: «التلخيص» (١/ ٣٠٩)، «الوصول» (١/ ١٤٦).\n(^٥) قال الزركشي: «قال إلكيا الهراسي: منشأ الخلاف أن إضافة الحكم إلى الشرط هل تدل على فعل\nالشرط مؤثرًا كالعلة؟ والصحيح: أنه لا يدل إلا على كونه أمارةً على جواز الفعل، والعلة وضعت\nمؤثرة جالبة». «البحر المحيط» (٢/ ٣٩١). وانظر أيضًا: (٢/ ٣٩٠) من نفس الكتاب.","vol":"1","page":115},{"text":"* وقال كثير من الفقهاء: إنَّ الحكم يتكرر بتكرر الشرط والصفة.\nمسألة (^١)\nمطلق الأمر هل يقتضي الفور أم لا؟\nفالذي عليه الجمهور من الأصوليين والفقهاء أنه لا يقتضي الفور، وهو الذي كان يميل إليه القاضي أبو بكر.\nوالشافعي تكلَّم في الوجوب الموسّع (^٢) وقرَّره (^٣).\nوحكي عن زفر - وهو مذهب أبي حنيفة - أنه على الفور.\nمسألة (^٤)\n* إذا قيد الأمر بالفعل في نص مخصوص، ووقت بوقت معين، فغاب ذلك الوقت: لم يجب القضاء بعد خروج الوقت إلا بأمر ثاني (^٥) متجدّد؛ هذا الذي عليه المحصّلون من الأصوليين.\n* وقال شرذمة من الفقهاء: إنَّ القضاء يجب بالأمر الأول.\n_________\n(^١) انظر: «البرهان» (١/ ١٦٨)، «المنخول» (ص ١١١)، «الوصول» (١/ ١٤٩).\n(^٢) انظر: «الأم» (٢/ ١٢٨).\n(^٣) كذا في المخطوط، ويظهر أنَّ في الكلام سقطا، ومما يدل على ذلك أن الزركشي قد نقل عن إلكيا قوله: «إن الكلام في هذه المسألة مبني على ثبوت الواجب الموسع، وهو الصحيح؛ ومن لا يعترف به فلا كلام معه». قارن مع: «البحر المحيط» (٢/ ٣٩٩).\n(^٤) انظر: «البرهان» (١/ ١٨٨)، «المنخول» (ص ١٢٠)، «الوصول» (١/ ١٤٦).\n(^٥) كذا في المخطوط، وهو جائز في اللغة.","vol":"1","page":116},{"text":"مسألة (^١)\nوهي أنَّ موافقة المأمور للأمر؛ هل يدلُّ على إجزاء المأمور به إذا أتى به على الوجه الذي اقتضاه الأمر أم لا؟\nاختلف العلماء في ذلك:\nفالذي عليه الجمهور من العلماء أنَّه إذا أتى به على الوجه الذي اقتضاه الأمر أنَّه يدلُّ على إجزاء المأمور به، ووقع الموقع، خلافًا لأبي هاشم وشراذم من الفقهاء (^٢).\nمسألة (^٣)\n* أجمع المحققون من الأصوليين على أنَّ الوجوب لا يتضمن الجواز ولا الإباحة.\n* وذهب ناشئة الفقهاء إلى أنَّ الوجوب يتضمن الجواز ويقتضي الإباحة، فقالوا: إنَّ كلَّ واجب جائز، وليس كل جائز واجبًا، كما أن كل سواد لون، وليس كل لون سوادًا.\n_________\n(^١) «المنخول» (ص ١١٧)، «الوصول» (١/ ١٥٤)، «البحر المحيط» (٢/ ٤٠٦).\n(^٢) كذا في المخطوط، وقد نقل الزركشي عن الكيا مزيد تفصيل فيها، حيث قال في «البحر المحيط» (٢/ ٤٠٩): «الخلاف في هذه المسألة لا يتحقق؛ لأنه إن كان المراد لزوم الإتيان بمثله فهي مسألة التكرار، والأول يجزئ عن الآخر لكن لم يستكمل، وإن كان؛ لأنه لم يقع الموقع فهو غير مجزئ بالاتفاق. وقال - أي إلكيا: هذه المسألة مقلوبة بالمسألة الأخرى، وهي كون النهي يدل على الفساد».\n(^٣) انظر: «المنخول» (ص ١١٨)، «الوصول» (١/ ١٧٨)، «البحر المحيط» (٢/ ٣٧٦).","vol":"1","page":117},{"text":"مسألة (^١)\n* ذهب جماهيرُ الجماعة إلى أنَّ الأمرَ بالشَّيءِ نهيٌ عن ضدّه، والنهيُ عن الشيء أمرٌ بضده.\n* وذهب البعضُ إلى أنَّ الأمرَ بالشَّيءِ ليس نهيًا عن ضدّه (^٢).\nمسألة (^٣)\nذهب الكعبيُّ - شيخُ المعتزلةِ البغداديين - إلى أنه لا مباحَ في الشريعةِ، وإذا قال: لا مباحَ، قال: لا ندبَ فيها أيضًا (^٤).\nمسألة (^٥)\nإذا تناول الأمرُ أشياءَ على جهةِ التخييرِ بأن يوجبَ اللهُ خصلةً [٧٩/ ظ] من الخصال فيقول: افعل كذا أو كذا، كان الوجوبُ متعلقًا بواحدٍ منها غيرِ معينٍ، وأيهما فعل، خرج عن عُهدةِ الأمرِ به؛ كقوله تعالى في كفارةِ اليمينِ: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (^٦).\n_________\n(^١) انظر: «البرهان» (١/ ١٧٩)، «المنخول» (ص ١١٤)، «الوصول» (١/ ١٦٣).\n(^٢) كذا في المخطوط، وقد نقل الزركشيُّ اختيار إلكيا لهذا القول. ونقل أيضا عن إلكيا تفصيلا فيما استقر عليه رأيُ القاضي الباقلانيِّ، حيث قال: «إن هذا الذي استقر عليه رأيُ القاضي أبي بكر بعد أن كان يقول: إنه نهي عن ضده». «البحر المحيط» (٢/ ٤١٦ - ٤١٧). وانظر: «تشنيف المسامع» (٢/ ٤٣٣).\n(^٣) انظر: «البرهان» (١/ ٢٠٥)، «المنخول» (ص ١١٦)، «الوصول» (١/ ١٦٦).\n(^٤) تقدمت هذه المسألة. انظر: (ص ٩٤).\n(^٥) انظر: «البرهان» (١/ ١٨٩)، «المنخول» (ص ١١٩)، «الوصول» (١/ ١٧١).\n(^٦) المائدة: ٨٩.","vol":"1","page":118},{"text":"* فمذهب أهل الجماعة الواجب أحدها لا بعينه، وبأيّها كفر، سقط عنه الفرض (^١).\n* ونُقل عن أبي هاشم بن الجبائي أنَّه قال: «الوجوب يتعلق بالجميع».\nمسألة (^٢)\nحكي عن الشيخ من أهل الجماعة: «أمر المعدوم جائز سائغ»، وصحتْ الحكاية عنه، وإنَّما رُسمت هذه المسألة لإثبات الكلام القديم (^٣).\nوأما المعتزلة؛ فإنَّهم أطبقوا على أنَّ الأمر للمعدوم لا يجوز، وأَبَوْا هذا غاية الإباء، وشدَّدوا القول فيه والنكير على قائله (^٤).\n_________\n(^١) نقل الزركشي عن إلكيا مزيد بيان في هذه المسألة. انظر: «البحر المحيط» (١/ ٢٧٣ - ٢٧٤).\n(^٢) انظر: «البرهان» (١/ ١٩١)، «المنخول» (ص ١٢٤)، «الوصول» (١/ ١٧٥).\n(^٣) قال ابن برهان: «وهذه المسألة إنما رُسمت لإثبات كلام الله تعالى؛ فإنَّ الله تعالى متكلم بكلام\nأزلي قديم، آمر بأمر قديم وليس هناك مأمور، والمعتزلة تنكر ذلك». «الوصول» (١/ ١٧٦).\n(^٤) نقل الزركشي مزيد تفصيل في هذه المسألة عن إلكيا، فقال ما نصه: «قال إلكيا: تعلق الأمر على\nتقدير الوجود: منعه الأكثرون، وجوزه الأشعري، بل أوجبوه (كذا)، لأنَّ أمر الله قديم ولا\nمخاطب أزلا. وأنكره المعتزلة مستمسكين بأن الأمر طلب، ولا يعقل الطلب من المعدوم، فقيل:\nهذا الطلب لا متعلق له، فإن المعدوم يستحيل أن يكون مخاطبا أو متعلقا، فإنه نفي، وإذا قلت:\nالنفي متعلق فكأنك قلت: لا متعلق، فقيل لهم: المعدوم كيف يكون مأمورا به، ولا يجوز أن\nيكون متعلقا؟\nقلنا: هذا مبني على أصلنا.\nفقيل: هذا أمر ولا مأمور.\nقلنا: هو بتقدير أمر فإن الطلب من الصفات المتعلقة فلا يثبت دون متعلقه أصلا، كالعلم لا يثبت دون معلوم والكلام الأزلي ليس تقديرا.\nقال: وأصحاب الشيخ يقولون: معنى قولنا: إنه في الأزل أمر أنه صالح لأن يكون خطابا للموجود=","vol":"1","page":119},{"text":"مسألة (^١)\nأجمع جماهير العلماء على أنَّ المأمور بالشَّيء يعلم أنَّه مأمور قبل أن يفعل ما أمر به؛ هذا ما أطبقت الأمة عليه قبلنا، إلى أن نبغ أبو هاشم، فقال: «المأمور لا يعلم ما أمر به، ولا أنَّه مأمور قبل الإتيان بالفعل» (^٢).\nمسألة (^٣)\n* الذي اتفق عليه آراء أهل الجماعة أنَّ الفعل الحادث حال حدوثه يكون مأمورا به (^٤).\n* فأما المعتزلة؛ فإنَّهم أبوا ذلك كُلَّ الإباء، وقالوا: لا يجوز أن يكون مأمورا به حال حدوثه، وإنَّما يكون مأمورا به حالة عدمه (^٥).\n_________\n= بعد وجوده كالقدرة والعلم وغيرهما من الصفات، وإنكار بعضها بهذا الطريق يجر إلى ما سواه».\n«البحر المحيط» (١/ ٣٧٧).\n(^١) انظر: «البرهان» (١/ ١٩٦)، «المنخول» (ص ١٢٢)، «الوصول» (١/ ١٦٩).\n(^٢) انظر: «البحر المحيط» (١/ ٣٦٥). وقد نقل الزركشي عن الكيا أن الخلاف في هذه المسألة مع أبي هاشم لفظي. انظر: (١/ ٣٦٩) من نفس الكتاب.\n(^٣) انظر: «البرهان» (١/ ١٩٤)، «المنخول» (ص ١٢٢ - ١٢٣)، «الوصول» (١/ ١٧٤).\n(^٤) قارن مع: «البحر المحيط» (١/ ٤٢١).\n(^٥) نقل الزركشي عن الكيا مزيد بيان في المسألة، فقال: «وقال إلكيا: اختلفوا في أن الحادث حال حدوثه هل يكون مأمورا به؟ فقال أصحاب الأشعري: مأمور به في تلك الحالة. وقالت المعتزلة: مأمور به قبل الحدوث، وإذا حدث خرج عن أن يكون مأمورا به، لأن الأمر استدعى التحصيل، والحاصل لا يحصل. وأصحابنا بنوا ذلك على أن الاستطاعة مع الفعل، وأن المعدوم مأمور به، وعلى هذا فلا أمر عندهم قبل الفعل، وإنما هو إعلام على معنى تعلق الأمر الأزلي به». «البحر المحيط» (١/ ٤٢٣).","vol":"1","page":120},{"text":"<span data-type='title' id=toc-57>فَصْلٌ</span>\nالأمر مطلق ومقيد … (^١)\nمسألة (^٢)\nإذا ورد الأمر بعد الحظر؛ فما حكمه؟ اختلف الناس فيه:\n* فقال قوم: إنه يُحمل على الإيجاب.\n* وقال آخرون: إنه على الإباحة (^٣).\n_________\n(^١) في المخطوط بياض مقدار سطرين ونصف. وبالنظر إلى المراجع المشابهة لمحتوى التعليقة يتبين أنها مسألة الواجب الموسع والمضيق. انظر: «المنخول» (ص ١٢١)، «الوصول» (١/ ١٧١).\n(^٢) انظر: «البرهان» (١/ ١٨٧)، «الوصول» (١/ ١٥٩).\n(^٣) هكذا جاءت المسألة في المخطوط، وبالمقارنة مع ما نقله الزركشي يظهر أن إلكيا له تفصيل واختيار في المسألة لم يقيده المعلّق أو أن الزركشي نقله من كتاب آخر له. فقد ذكر الزركشي أن مذهب الشافعي هو القول بالإباحة، ونقل تقرير ذلك عن عدد من أئمة الشافعية، ثم عقب: «لكن قال إلكيا الهراسي: الشافعي يجعل تقدم الحظر من مولدات التأويل، وهذا منه اعتراف بأن تقديم الحظر يوهن الظهور، ولكن لا يسقط أصل الظهور، كانطباق العموم على سبب. انتهى». «البحر المحيط» (٢/ ٣٧٩)\nثم ذكر الزركشي قولًا ثالثًا في المسألة - وهو القول بالتفصيل؛ وحاصله أنه يُنظر: فإن كان الحظر السابق عارضًا لعلة، وعُلقت صيغة: افعل بزواله، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَأَصْطَادُوا﴾: فعُرف الاستعمال يدلُّ على أنه لرفع الذم فقط، حتى يرجع حكمه إلى ما قبله؛ أما إذا لم يكن الحظر عارضًا لعلَّةٍ ولا: «افعل» عُلّق بزوالها فيبقى موجب الصيغة على أصل التردد بين الندب والإيجاب، ويزيد في هذه الحالة احتمال الإباحة، ثم قال الزركشي: «واختاره الغزالي وإلكيا الهراسي». «البحر المحيط» (٢/ ٣٨٠).","vol":"1","page":121},{"text":"مسألة\nإذا ورد الأمر بعد الأمر من غير أن يتصل أحدهما بالآخر، ومن غير قرينة تدلُّ على أنه أريد به الأمرُ الأَوَّلُ؛ ما حكمه؟\nاختلف العلماء فيه:\n* فقال بعضهم: يُحمل الثاني على التأكيد - إذا لم يرتبط أحدهما بالآخر ـــ، ويكون كلُّ واحدٍ منهما مُنَكَّرًا (^١).\nوقال آخرون: يحمل على الاستئناف؛ لأنه مستقل بنفسه من غير أن يُحمل على ما يُحمل [عليه] الأَوَّلُ (^٢).\nوليس صورة المسألة أن يقول له: «ادخل الدار»، ثُمَّ يقول بعد ذلك: «ادخل الدار».\nوإنما المسألة فيما إذا قال له اليوم: «صَلّ»، ثُمَّ قال مِنْ الغد: «صَلّ».\nوحكي عن الشافعي «مسألة في الأقارير»، اعتقد كلُّ واحدٍ من الفريقين أنَّ الشافعي صار إلى ما قاله، ظنا (^٣) بموافقة الشافعي.\nوالأصوليون بأجمعهم أبدًا تراهم يتنافسون على مذهب الشافعي في\n_________\n(^١) نقل الزركشي عن إلكيا الهراسي زيادة بيان في حكاية هذا القول، حيث قال: «ولا فرق في هذا\nالقسم بين أن يقرن بحرف العطف أو لا، ولا بين التعريف والتنكير، كما ذكره إلكيا الهراسي\nوغيره». «البحر المحيط» (٢/ ٣٩٤).\n(^٢) وهذا القول هو الذي صححه إلكيا - على ما نقله الزركشي. انظر: «البحر المحيط» (٢/ ٣٩٣).\n(^٣) الرسم مشتبه في المخطوط، ولعل الصواب ما أثبت.","vol":"1","page":122},{"text":"الأصول؛ علما منهم بتلطف نظره، وتدقيق فكره فيما يرجع إلى الأصول.\nوالمسألة المحكية عن الشافعي أنَّه قال: «إذا قال يوم السبت: لفلان عليَّ درهم، ثُمَّ قال في يوم الأحد: عليَّ له درهم، فإنَّه لا يلزمه إلا درهم واحد، ولا يُحمل يوم الأحد على درهم مستأنف، بل يُحمل على الأول» (^١).\n* فمن صار إلى أنَّ الأمر الثاني يُحمل على التأكيد قال: إِنَّ الشَّافعي غلب فرعًا في الأقارير، ومذهبه أنَّ الثاني يُحمل على الأول، فيكون تأكيدًا.\n* وقال من صار إلى أنَّه يُحمل على الاستئناف: إنَّ الشَّافعي لم يرد ما ذكره؛ لأنه إنما قال ذلك في الإقرار، والإقرار خبر، والخبر قد يتكرر ويتردد على المخبر الواحد مرارًا؛ وما تنازعنا فيه: إنشاء - فإن قوله: «افعل»، ليس خبرًا وإقرارًا -؛ والإنشاء لا يرجع إلى الأول.\nمسألة (^٢)\nاختلف العلماء في العبادات البدنية؛ هل يدخلها النيابة أم لا؟\n* فالذي عليه أهل الجماعة جواز ذلك.\n* وخالف أصحاب أبي حنيفة في ذلك.\n* وأنكرت المعتزلة ذلك أشدَّ إنكار، وإنَّما قالوا ذلك؛ لما تقرر من أصلهم أنَّ العبادات الصادرة والأوامر الصادرة من الشرع في حق العبد إنَّما توجه نحوه\n_________\n(^١) لم نجده بنصه، ومعناه في «الأم» (٦/ ٢٣٩).\n(^٢) انظر: «الوصول» (١/ ١٧٣ - ١٧٤)، «البحر المحيط» (١/ ٤٣١).","vol":"1","page":123},{"text":"على سبيل الابتلاء والاختبار؛ ليرى المطيع من غيره، ويستحق الثوابَ على فعلها بطاعته لمولاه؛ والابتلاء والامتحانُ إنَّما يتحقق بفعل الإنسان بنفسه؛ فأمَّا ابتلاء زيد بفعل عمرو: ليس له معنى.","vol":"1","page":124},{"text":"<span data-type='title' id=toc-58>كتاب النواهي </span>(^١)\nعند أهل الجماعة أن حقيقة الأمر والنهي واحدة، وهو: الاقتضاء والطلب؛\nإلا أن الأمر اقتضاء الفعل، والنهي اقتضاء الترك. فأما في أصل الطلب: فعلى صفة واحدة (^٢)، وبينهما افتراق في تفاصيل، من ذلك:\n- أن الأمر لا يقتضي الدوام، والنهي يقتضي الدوام.\n- والأمر قد يكون على الفور وقد لا يكون - على ما اختلف الناس فيه ـ، والنهي على الفور.\n- وكذلك الأمر يجوز أن يرد بشيء من أشياء لا بعينه على سبيل التخيير.\nوهل يجوز أن يرد النهي عن شيء من أشياء لا بعينه؟ - مثل أن يقول: «لا تفعل هذا أو هذا» ـ؛ اختلف الناس في ذلك:\n* قال قوم: ليس هذا تخييرا في ترك أحدهما، بل قوله: «لا تفعل هذا»، نهي عنه صريحا، وقوله: (أو هذا)، ضم نهي آخر إلى النهي الأول، قالوا: فهذا نظير قوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آَثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ (^٣)، معناه: ولا كفورا (^٤).\n_________\n(^١) انظر: «البرهان» (١/ ١٩٩).\n(^٢) في المخطوط: (زائدة)، ولعل الصواب ما أثبت.\n(^٣) الإنسان: ٢٤.\n(^٤) لم يحك القول الثاني، فيحتمل أن هنا سقطا، وقد نقل الزركشي عن إلكيا مزيد بيان في هذه المسألة، فقال ما نصه: «وقال الكيا الهراسي: الذي يقتضيه رأي أصحابنا في النهي عن أشياء على=","vol":"1","page":125},{"text":"D:\\  تنسيق\\مراجعة ٧\\مراجعة ٨\\جديد\\التعليقة في الأصول للكيا\\التعليقة في الأصول للكيا ٠١","vol":"1","page":null},{"text":"[مسألةً: هل النهي يقتضي الفساد؟] (^١)\nاختلف الناس:\n* فقال الفقهاء وأهلُ الظَّاهر في النهي المطلق: يدلُّ على فساد المنهي عنه.\n* وقال المحققون من الأصوليين (^٢): إنَّ مجرد النهي ومطلقه لا يدلُّ على فساد المنهي عنه.\n* وقال أبو الحسين البصري (^٣): «إن كان ذلك في العبادات: دلّ على فساد المنهي عنه؛ وإن كان في غيرها من عقود المعاملات: لا يدل على فساد المنهي عنه».\n_________\n= التخيير أن النهي يقتضي قبح المنهي عنه، وولا يصح أن يكون الأضداد بجملتها قبيحةً، ولا ينفك الإنسان عن واحد منها، فلا يحسن أن ينهى عنها بأجمع، فإذا نهى عن ضدين قد ينفك عنهما إلى ثالث: صح، ويصح منه فعلها جميعا؛ لأنَّ أي واحد منها فعله كان قبيحًا، والنهي عنهما مع تضادهما عن الجمع لا يحسن؛ لأنَّ الجمع بينهما ليس في المقدور، وما لا يقدر عليه لا يُكلّف به، ومتى ما أمر بشيئين ضدين كان له فعل كل واحد منهما. وهذا يبين صحة ما قدمناه من أنه إذا لزم المكلف أن يفعل أحد الضدين: كانا واجبين على التخيير، فإذا نهي عن أحدهما لا يصح إلا أن يكون محل النهي، فأما النهي عن شيئين مختلفين يصح الجمع بينهما على التخيير: فلا يصح، ويفارق الأمر في ذلك.\nوقال في موضع آخر: ممَّا يفارق الأمرُ النَّهي: أنه إذا نهي عن أشياء بلفظ التخيير: لم يجز له فعل واحد منهما، ولفظ التخيير فيه كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ﴾ الآية» انظر: «البحر المحيط» (١/ ٢٧٣ - ٢٧٤).\n(^١) انظر: «البرهان» (١/ ١٩٤، ٢٠٤)، «المنخول» (ص ١٢٦)، «الوصول» (١/ ١٨٥).\n(^٢) نقل الزركشي عن إلكيا نسبة هذا القول عن «أكثر الأصوليين». «البحر المحيط» (٢/ ٤٤٣).\n(^٣) ينظر: «المعتمد» (١/ ١٨٤).","vol":"1","page":126},{"text":"مسألة (^١)\nاختلف العلماء في الصَّلاة في الدار المغصوبة على مذاهب:\n* فالذي ذهب إليه أبو هاشم الجبائي أنَّها باطلة غير مجزئة، وهي معصية لله تعالى، ولا يجوز أن يرد الشرع بصحتها وكونها طاعةً، ويستحيل ذلك.\n* وقال الفقهاء: إنَّها طاعةٌ من وجه، ومعصية من وجه؛ فمن حيث كونها صلاة طاعةٌ، ومن حيث كونها شغلًا لملك الغير معصيةٌ.\nمسألة (^٢)\nوهي أن من توسط أرضًا مغصوبةً، ثُمَّ تاب وأناب؛ فما الذي يفعل؟ وماذا يجب عليه؟\nأطبق المسلمون على أنه يجب عليه أن يقصد أقرب الطرق، ويتوخى أقصر (^٣) المسالك، ويختاره للخروج منها، ويُسرع في عدوه ويشتد في خروجه؛ فإذا فعل ذلك كان طائعا الله تعالى في خروجه ولا إثم عليه؛ هذا ما اتفقت عليه الفرق؛ إلَّا ما حكي عن أبي شِمْرٍ المرجئ أنه قال: «يكون عاصيا بخروجه، كما كان عاصيا بدخوله»، ولم يتابعه على ذلك أحد (^٤).\n***\n_________\n(^١) انظر: «البرهان» (١/ ١٩٤)، «المنخول» (ص ١٢٩)، «الوصول» (١/ ١٨٨).\n(^٢) انظر: «البرهان» (١/ ٢٠٨)، «المنخول» (ص ٣١)، «الوصول» (١/ ١٩٤).\n(^٣) ظاهر الرسم في المخطوط: (أقصد)، ويحتمل المثبت، وهو الموافق للسياق.\n(^٤) قارن مع: «الوصول» (١/ ١٩٦).","vol":"1","page":127},{"text":"مسألة (^١)\nوقد بنى الفقهاء على ذلك مسألة فقهيَّةً، فقالوا: لو أنَّ الرَّجل كان مخالطًا لأهله في ليل شهر رمضان، ثُمَّ طلع عليه الفجر وهو مخالط؛ فإنَّه يجب عليه النزع، وهو مأمور به؛ فنزع، فإلى أن يستكمل النزع فهو مخالط مواقع مجامع، فهل يكون عاصيا بالنزع أم لا؟\nاختلف الناس في ذلك:\n* فمذهب أهل الجماعة: أنه لا يكون عاصيا؛ لأنَّ هذا الفعل متردد بين أن يكون مباحًا وبين أن يكون واجبًا؛ فأيهما كان: فلا وجه للتأثيم.\n* ومن الناس من قال: إنَّه يكون عاصيًا، والفعل يكون معصيةً؛ لأنَّه مخالط بعد الفجر.\n\n<span data-type='title' id=toc-59>مسألة مشكلة </span>(^٢)\nوهي أن يقال: إذا علم قطعًا أنَّ الفجر يطلع عليه وهو مخالط؛ بأن يُخبره نبي صادق أنه قد بقي من الليل زمان لا يمكنه أن يخالط فيه، فلا ينزع إلا مع الفجر؛ فإنه إذا جامع وطلع عليه الفجر فنزع: فهل يأثم إلى أن يستكمل النزع؟ وهل تحرم عليه المخالطة أم لا؟\nفنقول: الأمر فيه متردد (^٣): يحتمل أنه لا يحرم عليه ذلك ولا يأثم؛ ويحتمل\n_________\n(^١) انظر: «تحصين المآخذ» (٢/ ٦٣)، «الفنون» (١/ ١١١ - ١١٢) فقرة ١٥٦.\n(^٢) يظهر لنا أن هذه مسألة افتراضية؛ قارن مع «الوصول» (١/ ١٩٦).\n(^٣) الرسم مشتبه في المخطوط، وقد اجتهدنا في قراءتها.","vol":"1","page":128},{"text":"أن يأثم ويَخْرَجَ.\nومقتضى الأصول ألا يحرج؛ لأنَّ مخالطة الليل مباحة، وهو في ابتداء المخالطة في الليل؛ فأما النزع مع الفجر: فهو أمر واجب، وهو مأمور به؛ فلا يأثم، ولا يكون الفعل محرمًا عليه.\nمسألة (^١)\nنرى الفقهاء يقولون: إنَّه يجوز أن يجتمع الأمر والكراهة في الشيء الواحد، فيكون مأمورا به وهو مكروه.\nفيقال لهم: هذا لا يصح؛ لأنَّ الأمر هو الطلب الجزم، والاقتضاء المحض؛ فمقتضاه: كونُ الفعل أولى من التّرك؛ وأما الكراهة فمعناها: كون الترك أولى من الفعل؛ فالمكروه ما قيل فيه: «الأولى ألا يفعل»، وهذا تناقض؛ فكيف يجتمعان؟! فأحدهما طلب الفعل، والآخر طلب ترك الفعل؛ فمثل هذا لا يجوز أن يرد الشرع به.\n***\n_________\n(^١) انظر: «أصول السرخسي» (١/ ٨٩)، «المستصفى» (١/ ٢٢٠).","vol":"1","page":129},{"text":"<span data-type='title' id=toc-60>كتاب العموم والخصوص </span>(^١)\nاعلم أنَّ الأمر والنهي ينقسم إلى «العام» و«الخاص» و«المشترك».\nوإن شئت قلت: إلى «ظاهر» و«نص» و«مجمل»؛ ورُبَّما جعل الشافعي المجمل نصًا في شيء، وربَّما جعل الظاهر نصا (^٢).\nومعنى «العُموم» في اللغة: مأخوذ من الشمول، ومنه سُمِّيت العامة: عامةً، وقولهم: سَنةٌ عامة، ومطر عام.\nو[أما] معناه في الاصطلاح؛ فقد اختلف فيه:\n* فقال قوم: «هو كلُّ لفظ عم به شيئين فصاعدا في جهة واحدة» (^٣)، فعلى هذا قول القائل: «ضرب زيد عمرا»، ليس بعموم؛ لأنَّ النُّطق شملهما، ولكن من جهتين؛ فهذا من حيث كونه ضاربًا، وذاك من حيث كونه مضروبا.\n* وقال آخرون: «العموم ما تناول كُلَّ ما صلح له، واستغرق جميعه»، فعلى هذا التثنية والعدد المخصوص ليس بعام.\n_________\n(^١) انظر: «البرهان» (١/ ٢٢٠)، «المنخول» (ص ١٣٨)، «الوصول» (١/¬١/¬٢٠١).\n(^٢) أورد الزركشي في مسألة إطلاق النّصّ على الظاهر عن إلكيا نقله تعريف الإمام الشافعي للنصّ، ثم قال - أي إلكيا: «وهذا يلائم وضع الاشتقاق؛ لأنه إذا كان كذلك، كان قد أظهر المراد به وكشف عنه، ثم على هذا ينقسم النص إلى ما يحتمل، وإلى ما لا يحتمل». «البحر المحيط» (١/ ٤٦٢).\n(^٣) قارن مع: «البحر المحيط» (٣/¬٦).","vol":"1","page":131},{"text":"<span data-type='title' id=toc-61>فَصْل </span>(^١)\nاعلم أَنَّ النَّاس اختلفوا في العموم؛ هل يوجد في المعاني أو يختص بالألفاظ؟\n* فقال قوم: إنَّه يوجد في المعاني، واستدلُّوا على ذلك بقولهم: «شملهم العطاء»، و«شملهم الإحسان»، و«عمَّهم العطاء والإحسان».\n* وقال آخرون (^٢): إنَّه يختص بالألفاظ فقط، ولا يقع العموم [في المعاني]؛ لأنَّ المعنى الواحد لا يشمل الكُلَّ؛ فإنَّ اللذة التي حصلت لزيد غير اللذة التي حصلت لعمرو.\n\n<span data-type='title' id=toc-62>مسألة في صيغة العموم </span>(^٣)\nاعلم أنَّ النَّاس مختلفون في أنَّه هل للعموم صيغةٌ أو لا؟\n* (فحكي عن بعضهم: أنَّه ليس للعموم صيغةٌ.\n* وقال [آخرون]: له صيغة) (^٤).\n_________\n(^١) انظر: «المعتمد» (١/ ٢٠٣)، «المنخول» (ص ١٤٧)، «الوصول» (١/ ٢٠٢).\n(^٢) كذا في المخطوط اكتفى بحكاية القولين، ونقل الزركشي في «البحر المحيط» (٣/¬١١) تصحيح إلكيا لهذا القول، حيث قال ما نصه: (وقال إلكيا الهراسي في تعليقه: الصحيح أنه لا يقع حقيقةً إلا على الألفاظ؛ لأنَّ المعنى الواحد لا يشمل الكُلَّ؛ فإنَّ اللَّذة التي حصلت لزيد غير التي حصلت لعمرو).\n(^٣) انظر: «البرهان» (١/ ٢٢١)، «المنخول» (ص ١٣٨)، «الوصول» (١/ ٢٠٥).\n(^٤) كذا جاء في المخطوط، وفيه تكرار؛ حيث إنه أعاد نفس القولين بشيء من التفصيل، ولعل طبيعة مثل هذا التأليف يحتمل ذلك.","vol":"1","page":132},{"text":"* وحكي عن أبي الحسن (^١): «أنَّه لا صيغة للعموم»، وهو مذهب المرجئة.\n* وأما الفقهاء وأهلُ الظَّاهر: فذهبوا إلى أن للعموم صيغة تقتضي الاستغراق والشمول؛ لا من طريق نص في الاستغراق، ولكن من طريق الظاهر، وهو الذي نصره الشافعي في كثير من كتبه (^٢).\nقالوا (^٣): والوعيد لا يلحق العصاة؛ لأنَّ الآيات المتناولة للوعيد متعارضةٌ، كقوله: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمِ﴾ (^٤)، وقول تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ (^٥)، وقوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ … الآية﴾ (^٦). وهذه الآياتُ في معارضتها ومقابلتها آيات، كقوله تعالى: ﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَّحْمَةِ اللَّهِ﴾ (^٧)، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (^٨)، فلم يمكن القول بالعموم مع التعارض، وهذا\n_________\n(^١) في المخطوط: (حنيفة)، وهو تحريف. قارن مع: «البحر المحيط» (٣/¬٢٠).\n(^٢) نقل الزركشي عن إلكيا إنكاره أن يكون مذهب الشافعي هو أن دلالة العام على أفراده قطعية ــ كما نقله عنه إمام الحرمين والغزالي وابن القشيري والأبياري في شرح البرهان ــ، فقال الزركشي ما نصه: «قد أنكره الإمام أبو الحسن الطبري المعروف بـ إلكيا، فقال في كتابه التلويح: نُقل عن الشافعي أن الألفاظ إذا تعرت عن القرائن المخصصة كانت نصا في الاستغراق، لا يتطرق إليها احتمال، وهذا لم يصح عنه، وإن صح عنه فالحق غيره، فإن المسميات النادرة يجوز أن لا تراد بلفظ العام، ويجب منه أن التخصيص إذا ورد في موضع آخر كان نسخا، وذلك خلاف رأي الشافعي. انتهى». «البحر المحيط» (٣/¬٢٧). وانظر: «تخريج الفروع على الأصول» (ص ٢٨٢).\n(^٣) أي: المرجئة. ويحتمل أنها محرفة من: (قال)، أي: الأشعري. قارن مع: «البحر المحيط» (٣/¬٢٤).\n(^٤) الانفطار: ١٣، ١٤.\n(^٥) النساء: ٩٣.\n(^٦) النساء: ١٤.\n(^٧) الزمر: ٥٣.\n(^٨) النساء: ٤٨، ١١٦.","vol":"1","page":133},{"text":"لا يعتمد عليه (^١) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-63>فصل </span>(^٣)\nاعلم أنَّ «الألف واللام» إذا دخلت على ألفاظ الجموع، كان مقتضاها الاستغراق؛ هذا ما صار إليه كثير من الأصوليين والفقهاء.\nوحكي عن أبي هاشم الجُبَّائي أنَّه قال: «لا يدلُّ على الاستغراق، بل يقتضي تعريف الجنس» (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-64>فصل </span>(^٥)\nالاسم المفرد إذا دخل عليه الألف واللام، كان مقتضيا للاستغراق (^٦).\n_________\n(^١) قوله: (وهذا لا يُعتمد عليه) ملحق بالطرة دون الإشارة إلى موضعه، ولعل هذا موضعه الصحيح.\n(^٢) قارن مع: «البحر المحيط» (٣/¬٢٤ - ٢٥).\n(^٣) انظر: «الوصول» (١/ ٢١٥).\n(^٤) وقد أورد الزركشي هنا عن إلكيا مزيد تفصيل، ونصه: «ثم أنكر إلكيا هذا، وقال: الألف واللام معناها في لسان العرب تعريف العهد لا غير، هكذا قال سيبويه، وأن الألف الأصل لما كانت ساكنة، ولم يتوصل إلى النطق بها، وأن حرف التعريف هو اللام، فثبت أنه لا يصير عاما ومستوعبا بدخول الألف واللام، وقد كان ولم يكن مستوعبا قبل دخولها، ولو كان اللام مفيدا للاستيعاب لما صح دخوله على الأسماء المفردة؛ لأن معناه لا يتغير بكون الاسم مفردا أو مجموعا، كما لا يتغير معنى سائر الحروف.\nقال: ولذلك زعم المحققون أن عموم قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾، ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ في معناه، وهو ترتب الحكم على الوصف بفاء التعليل، وهو أقرب من ادعاء العموم من لفظه. ولعل إلكيا بني هذا على قول أرباب الخصوص، فإنه قال بعد ذلك: الصحيح أن هذه الألفاظ للعموم».\n«البحر المحيط» (٣/ ٨٧). وقارن مع نفس الكتاب (٣/ ٨٨، ٢١٤).\n(^٥) انظر: «المنخول» (ص ١٤٤)، «الوصول» (١/ ٢١٧).\n(^٦) أي: لاستغراق الجنس. وقد نقل الزركشي عن الكيا تصحيحه لهذا القول. انظر: «البحر المحيط»\n(٣/ ٩٨)","vol":"1","page":134},{"text":"وحكي عن أبي هاشم أيضًا أنه قال: لا يقتضي الاستغراق، وإنَّما هو [لتعريف] الجنس، كما تقدم مثل ذلك.\nواعلم أن فائدة قولِ مَنْ قال: «إِنَّ ذكر الألف واللام لا يدلُّ على الاستغراق، وإنَّما يقتضي الجنس» يظهر فيما إذا حمل اللفظ على واحدٍ ممَّا يقتضيه؛ فإنَّه يقول: «قضيتُ حقَّ اللفظ لما ورد وإنَّما يقتضي الجنس، والواحد من الجنس».\nومن قال: «إنَّ ذكرهما يدلُّ على الاستغراق» يقول: «يجب (^١) حمله على العموم إلا أن يَرِدَ دليل يقتضي التخصيص، ولا يكون قاضيًا حق اللفظ عند وروده إلا أن يحمله على الجمع والاستغراق، ولا يجوز حمله على واحد من الجنس»، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-65>فصل </span>(^٢)\nإذا ورد صيغة جمع الكثرة منكَرةً، دلت على الاستغراق عند علماء الجماعة.\nوعند أبي هاشم الجُبَّائي: أنَّه لا يقتضي الاستغراق، بل يُحمل على أقل الجمع. قال: لأنَّ النَّاس قد اختلفوا في أقل الجمع؛ فقال قوم: هو اثنان، وقال قوم: هو ثلاثة؛ فقد اتفقوا على أنَّ الثلاثة جمع حقيقةً.\nفمن قال: «إنَّ لفظ الجمع إذا ورد لا يقتضي الاستغراق» قال: «لأنه إذا حمل على ثلاثة، كان محمولًا على حقيقته؛ لأنه حقيقة في الثلاثة».\n_________\n(^١) في المخطوط: (لا يجوز)، وهو تحريف يحيل المعنى. والصواب ما أثبت.\n(^٢) انظر: «المنخول» (ص ١٤١)، «الوصول» (١/ ٢٠٦).","vol":"1","page":135},{"text":"<span data-type='title' id=toc-66>فَصْلٌ </span>(^١)\nفأما ما أُلحق بالعموم وليس منه:\nفمن ذلك: الأسماء المشتركة - كلفظ العين والقُرْء واللون (^٢) - وما جرى مجرى ذلك من الاسم الواحد الواقع على معاني مختلفةٍ إذا ورد مطلقًا، ولم يكن هناك قرينة تدل على أحدهما؛ قد اختلف الناس فيها:\n* فصار صائرون إلى أنَّها تُحمل على الاستغراق، وكان عامًا فيهما جميعًا إذا تجرد عن قرينة تخصصه بأحدهما.\n* وصار آخرون إلى أنها لا تقتضي الاستغراق، ولا يُحمل (^٣) عليهما جميعًا.\nأما مَنْ قال: «يُحمل عليهما جميعًا» استدل على ذلك بأنَّ شوف الشَّرع إلى تكثير الفوائد والمنافع، لا إلى تقليل ذلك؛ وإذا لم ترد قرينةٌ، فقد تصدى لنا أمران؛ إما أن تُهمَل اللفظ ونطرحه؛ وإما أن نستعمله ونقرّره، فرأينا الإعمال أولى من الإهمال، فحملناه على العموم.\nقيل لهم: إذا قلتم إنَّها مستغرقة وحملتم هذه الأسماء على العموم، لم يكن فرق بينها وبين ألفاظ العموم، فلا بُدَّ من الفرق وإظهار المزية، فما الفرق؟\n* قالوا: الفرق بينهما أنَّ ألفاظ العموم إذا وردت وطرقت الأسماع بها:\n_________\n(^١) انظر: «البرهان» (١/ ٢٣٥)، «المنخول» (ص ١٤٧).\n(^٢) كذا في المخطوط و«البرهان» (١/ ٢٣٥)، وفي أكثر المصادر: (الجون)، وفي بعضها - كـ: «الواضح» (٣/ ٢٣٢) - (اللون والجون).\n(^٣) أي: الاسم المشترك.","vol":"1","page":136},{"text":"- تُحمل على العموم قبل الفرض على [وجود] أدلة التخصيص، والبحث والفحص عنها؛ فإذا لم نلق (^١)، حملناه على عمومه.\n- فأما الأسماء المشتركة، فلا تحمل على الاستغراق إلا بعد البحث عن قرينة التخصيص، فإذا لم نلق، بل تجردت عن القرائن المخصصة بأحد معنييه، فحينئذ حملناه عليهما جميعًا. وهذا قول من خالف العامة والسُّنَّة (^٢) (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-67>فَصْلٌ </span>(^٤)\nحُكي عن الشافعي أنَّه قال: «ترك الاستفصال في حكايات الأحوال مع الاحتمال يتنزل منزلة العموم في المقال» (^٥).\nمثال ذلك: أن يُذكر للنَّبي صلى الله عليه وآله أنَّ زيدًا قد أفطر، فيقول: «عليه كفَّارةٌ»؛ فإنَّ إجابة الرسول صلى الله عليه عن السؤال وتركه للاستفصال عن كيفية الحال مع الاحتمال يُتنزَّل منزلة صريح المقال.\nوذلك لأنَّ اللفظ يحتمل أن يكون بالجماع أو بالأكل والشرب؛ فإيجابه\n_________\n(^١) أي: أدلة التخصيص. والرسم مشتبه في المخطوط، والمثبت هو الأقرب للرسم والسياق.\n(^٢) قوله: «وهذا قول من خالف العامة والسنة» ملحق بالطرة دون إشارة، فلعل هذا موضعه. انظر: الحاشية التالية.\n(^٣) نقل الزركشي عن إلكيا مبالغته في رد هذا القول، ونقل عنه عبارةً ليست في تعليقتنا إلا أنها تتفق مع مضمون الكلام هنا، ونص ما نقله عنه: «هذا غلط، فإنه لم يوضع وضع عموم، ولكن وضع لأحاد المحامل على البدل، فالتعميم فيه إخراجه عن موضوعه، وإلحاقه بقبيل آخر. قال: وهذا قاطع». «البحر المحيط» (٣/ ١٦٦).\n(^٤) انظر: «البرهان» (١/ ٢٣٧)، «المنخول» (ص ١٥٠).\n(^٥) في المخطوط وردت العبارة هكذا: (ترك الاستفصال في محل الأقوال وكنايات الأحوال تثزد منزلة العموم في المقال)، وهي محرفة كما ترى، والمثبت من المصادر السابقة.","vol":"1","page":137},{"text":"الكفَّارة عليه مع هذا الاحتمال يقتضي كونَ الحُكم عاما في المواضع؛ سواءً كان الجماع هو الذي أفطر به أو غيرُه، فيكون كأنه صلى الله عليه صرَّح بلفظ عام ابتداءً فقال: «من أفطر فعليه كفَّارةٌ»؛ فإنَّه يُحمل على العموم في حق كلِّ من أفطر؛ فكذلك في المثال الذي ذكرناه؛ لأنه لم يستفصل عن الحال عند السؤال.\nفهذا عام لا من جهة اللفظ (^١)، بل بقرينة [حال] الرسول صلى الله عليه؛ حيث لم يستفصل، ولم يسأل عن حقيقة الحال؛ فإنَّ هذا وقت الحاجة، ولا يجوز له صلى الله عليه أن يؤخّر البيان عن وقت الحاجة؛ فلما أمسك، عُلم أنَّ الحكم لا يختلف، بل هو عام، والعموم المتلقّى من حاله لا يجوز أن يُضاف إلى اللفظ الذي لا دلالة فيه على العموم (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-68>فَصْل </span>(^٣)\nومما يلحق بالعام أيضا:\nإذا سأل سائل النَّبيَّ صلى الله عليه عن حكم خاص في حق نفسه، وعن شيء وقع له، وواقعة حدثت له، فيجيبه صلى الله عليه، فيقول: «عليك كذا وكذا» ــ كما قال للمجامع: «أعتق رقبة» (^٤):\n_________\n(^١) هذا القول حكاه الزركشي عن إلكيا، وجعله مذهبا مستقلا في المسألة، حيث قال: «والثالث: أنه\nليس من أقسام العموم، بل إنما يكفي الحكم فيه من حاله ﵇، لا من دلالة الكلام، وهو قول\nإلكيا الهراسي». «البحر المحيط» (٣/ ١٤٩).\n(^٢) كتب على الطرة بمحاذاتها بقلم أحمر: «أصحاب أبي حنيفة يخالفون هذا». وكتب بعدها بالسواد:\nقالوا: إن كان النَّبيُّ عالما بالحال: لم يكن الحكم عاما، وإن لم يكن عالما بالقضية: اقتضى\nالعموم، والظاهر أنها من إضافات الناسخ.\n(^٣) انظر: «البرهان» (١/ ٢٣٨)، «المنخول» (ص ١٥٠).\n(^٤) أخرجه البخاري (٦١٦٤) من حديث أبي هريرة.","vol":"1","page":138},{"text":"فإنَّ هذا الحكم يكون عاما، ويكون غيرُ السائل داخلا في هذا الحكم، ويلزمه مثل ما يلزم السَّائل إذا وُجد منه مثل ذلك السبب؛ لا تلقيا من اللفظ، ولكن من دليل آخر - وهو قوله صلى الله عليه: «حكمي في الواحد حكمي في الجماعة» - (^١).\nوأما اللفظ المنقول، فلا دلالة فيه على العموم بحال، ولأنه قد ثبت من وضع الدين وقواعد الشرع أنَّ النَّاس في الشَّرع شَرَع (^٢)، وفي الدُّنيا (^٣) فوضى.\n\n<span data-type='title' id=toc-69>فَصْل </span>(^٤)\nومما ألحق بالعموم:\nوهو أن يُسأل النبي صلى الله عليه عن حكم، فيعلله بعلَّةٍ تُوجد في غيره، فيكون ذلك الحكم عاما، حتَّى إِنَّ حكم غير المسئول عنه إذا وجدت العلة التي علل بها صلى الله عليه - حُكْمُ المسئول عنه.\nمثال ذلك: ما روي عنه صلى الله عليه [أنه] سئل عن الهرة، فعلل فقال: «إنَّها من الطَّوافين عليكم والطَّوافات» (^٥)؛ فإنَّه يُلحق بهذا الفأرة وابنُ\n_________\n(^١) هذا مشهور في كتب الأصوليين، إلا أنه لا يوجد حديث بهذا اللفظ. ويؤدي معناه ما أخرجه أحمد (٢٧٠٠٨)، والترمذي (١٥٩٧) وغيرهما أن النبي ﷺ قال: «إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة». انظر: «تحفة الطالب» لابن كثير (ص ٢٤٥)، «موافقة الخبر الخبر» (١/ ٥٢٧)، «كشف الخفاء» (١/ ٣٦٤).\n(^٢) أي: سواء.\n(^٣) في المخطوط: (الدين).\n(^٤) انظر: «المعتمد» (١/ ٢٠٨)، «القواطع» (١/ ٢٧٢)، «الواضح» (٥/ ٤٩٧).\n(^٥) أخرجه أحمد (٢٢٥٢٨، ٢٢٥٨٠، ٢٢٦٣٦)، وأبو داود (٧٥)، والترمذي (٩٢)، والنسائي=","vol":"1","page":139},{"text":"عرس والحشرات وغيرها ممَّا وُجد فيه هذه العلة.\nيبقى أن يقال: هل هذا الإلحاق على هذا الوجه طريق مسلوك معمول به أم لا؟\nنحن نشرح ذلك في كتاب القياس إن شاء الله (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-70>فَصْلٌ معقود في بيان مجمل (^٢) الأدلة المخصصة التي بها يُعرف التخصيص </span>(^٣)\nوينبغي أن يُقدم على ذلك بيان معنى التخصيص في نفسه لغة واصطلاحا.\nاعلم أنَّ التخصيص - في اللغة -: «هو إفراد الشَّيء بالذكر»، وقولنا: «خصَّ الشَّيْءَ»، أي أفرده بالذكر.\nوهو في اصطلاح الأصوليين: «عبارة عن بيان مراد المتكلم من اللفظ العام، وأنَّ ما قام الدليل على تخصيصه لم يكن مرادًا باللفظ»؛ فإذا سمعت الفقيه يقول: «إِنَّ هذا مخصوص أو خاص»، «أو خُصَّ العموم»: فاعلم أنه ليس المراد به أنَّ اللفظ العام صار خاصا، ولا أنَّ اللفظ انقلب عن وصفه وحقيقته، وإنَّما معناه أنه علم مراد المتكلم من خطابه (^٤).\n_________\n= في «الكبرى» (٦٣)، وفي «المجتبى» (٦٨، ٣٤٠)، وابن ماجه (٣٦٧) وغيرهم من حديث أبي قتادة.\n(^١) وهذا الكتاب غير موجود في تعليقتنا.\n(^٢) الرسم مشتبه في المخطوط، وقد اجتهدنا في قراءته.\n(^٣) انظر: «المعتمد» (١/ ٢٥١)، «البرهان» (٢/ ٨٥٦)، «المنخول» (ص ١٦٢).\n(^٤) قارن مع: «البحر المحيط» (٣/ ٢٤١).","vol":"1","page":140},{"text":"إذا ثبت هذا؛ فاعلم أنَّ التخصيص ينقسم:\n* إلى تخصيص زمان.\n* وتخصيص أعيان.\nفالتخصيص في الأزمان هو النَّسخُ.\nوالتخصيص في الأعيان هو ما قصد إثباته، وأنَّ ما خُصَّ، لم يكن مرادًا باللفظ.\nوالحقيقة في النسخ وفي التخصيص واحدةٌ؛ فهذا بيان ما لم يرد من الأعيان، وذا بيان ما لم يُرد من الزَّمان بعد (^١) النسخ.\nوبيانه: الأمر بالصلاة إلى بيت المقدس، ثُمَّ بعد ذلك الأمر بالصلاة إلى الكعبة؛ فإنَّا لما أمرنا بالصلاة إلى الكعبة، علمنا أن مراد الله تعالى كان في فعل الصلاة إلى بيت المقدس ذلك القدر من الزمان.\nوقد قال بعض الفقهاء: إِنَّ النَّسخ ليس بتخصيص، وبينهما فروق؛ لأنَّ النسخ إنَّما يكون في النصوص، والتخصيص يكون في العمومات والظواهر.\n\n<span data-type='title' id=toc-71>فصل معقود في بيان القرائن المخصصة للعموم </span>(^٢)\nاعلم أن القرائن تنقسم:\n* إلى قرائن حالية.\n_________\n(^١) في المخطوط: (نظر)، ويظهر أنه تحريف. ولعل المثبت هو الصواب.\n(^٢) انظر: «البرهان» (١/ ٢٥٣)، «المنخول» (ص ١٥٤).","vol":"1","page":141},{"text":"* وإلى قرائن مقالية:\n- فأما القرائن الحالية؛ فلا يمكن حصرها وعدها، ولا وصفها ونعتُها؛ وإِنَّما يختص علمها بمن يشاهدها ويعاينها.\n- وأما المقالية، فتنقسم إلى:\n* متصلة.\n* ومنفصلة.\n- فالمنفصلة تنقسم:\n* إلى قطعي يوجب العلم.\n* وإلى ظنّي يوجب الظَّنَّ.\n- فأما ما يوجب العلم: فأدلة العقل؛ فإنَّ الله تعالى قال: ﴿اللَّهُ خَلِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (^١)، فدل العقل أنه تعالى وصفاته لا تدخل تحت هذا اللفظ. وكذلك قوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ (^٢).\nومن الأدلة القطعية: نص كتاب الله تعالى، والأخبار المتواترة، والإجماع.\n- وأما التي توجب الظَّنَّ: فأخبار الآحاد، والأقيسة الجلية.\n_________\n(^١) الرعد: ١٦، الزمر: ٦٢.\n(^٢) آل عمران: ١٨٥، الأنبياء: ٣٥، العنكبوت: ٥٧.","vol":"1","page":142},{"text":"<span data-type='title' id=toc-72>فَصْلٌ </span>(^١)\nوممّا عُدَّ من القرائن المخصصة وليس منها:\nالرّقُّ ليس بقرينة مانعة من دخول العبيد تحت مطلق الخطاب الذي يتناول المسلمين؛ هذا ما عليه الجمهور من الأصوليين، وهو الصحيح (^٢).\nوقال قوم: إِنَّ الرِّقَّ قرينة مانعة تمنع دخولهم تحت مطلق الخطاب (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-73>فَصْلٌ </span>(^٤)\nوممّا عُدَّ من القرائن المخصّصة وليس منها: هو أنَّ الرسول صلى الله عليه؛ هل يدخل في الخطاب العام أم لا؟\nقد اختلف النّاس في ذلك:\n* فقال قوم: إنَّه لا يدخل تحت مطلق خطاب الأمة.\n* وقال آخرون: إنَّه يدخل تحت مطلق الخطاب؛ ويقولون: إنَّ اللفظ شامل صالح للرسول ﵇ وغيره، وهو الصحيح.\n_________\n(^١) انظر: «البرهان» (١/ ٢٤٣)، «المنخول» (ص ١٤٣)، «الوصول» (١/ ٢١٩).\n(^٢) نقل الزركشي اختيار إلكيا في هذه المسألة. انظر: «البحر المحيط» (٣/ ١٨١).\n(^٣) كتب في الطرة: (الأول عند ح). ويعني بذلك أبا حنيفة أو الحنفية. انظر: «تيسير التحرير» (١/ ٢٥٣).\n(^٤) انظر: «البرهان» (١/ ٢٤٩)، «الوصول» (١/ ٢٢٢).","vol":"1","page":143},{"text":"<span data-type='title' id=toc-74>فَصْلٌ </span>(^١)\nإذا حكم الله تعالى في حقّ رسوله صلى الله عليه بحكم وأمره بأمر؛ هل تشاركه فيه الأمة (^٢)، ويكون الحكم عامًا لهم، أم يكون النبي صلى الله عليه مختصًا به؟ اختلف فيه:\n* فالصحيح: أنه يكون عامًا، ويكون حكم غيره حكمه فيه (^٣)، كما إذا حكم النبي صلى الله عليه في حق واحد من أمته بحكم؛ فإن الحكم يكون عامًا في الكل، شائعًا في حق الجميع؛ كذلك هاهنا؛ تأسّسيا بالنَّبي صلى الله عليه وآله؛ لقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (^٤).\n* وقال قوم: إنه يكون مختصا به (^٥)؛ لأنَّه يختص بخصائص لا يشاركه فيها أحد، فكان هذا من جملتها.\n\n<span data-type='title' id=toc-75>فَصْلٌ في أنَّ المخاطب؛ هل يدخل تحت الخطاب العام أم لا؟</span> (^٦)\nاختلف الأصوليون فيه:\n* فقال قوم: لا يدخل تحته.\n_________\n(^١) انظر: «التبصرة» (ص ٢٤٠)، «البرهان» (١/ ٢٥٠).\n(^٢) كتب في الطرة بجنبها: (أمته).\n(^٣) بمحاذاتها في الطرة بقلم أحمر: (عند ح)، ويعني أبا حنيفة أو الحنفية.\n(^٤) الأحزاب: ٢١.\n(^٥) إلا بدليل. ونسبه الشيرازي في «التبصرة» إلى الأشعرية.\n(^٦) انظر: «البرهان» (١/ ٢٤٧)، «المنخول» (ص ١٤٣)، «الوصول» (١/ ١٧٩).","vol":"1","page":144},{"text":"* وقال آخرون: يدخل تحته (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-76>فَصْل </span>(^٢)\nومما عُدَّ من القرائن المخصصة وليس منها:\nخصوص السَّبَب الذي ورد الخطاب عليه.\nفلقد اختلف الأصوليون في خصوص السَّبَب، هل يمنع التَّعلُّق بعموم اللفظ أم لا؟\n* فقال قوم: إنَّ ورود الخطاب العام على سبب خاص يمنع التعلُّق بعموم اللفظ، ويقتصر اللفظ على السَّبَب.\n* وقال آخرون: إنَّه لا يمنع التعلُّق بعموم اللفظ، ولا يقتصر اللفظ على السَّبَب، بل يجري على عمومه؛ وهو الصحيح (^٣).\n_________\n(^١) هكذا جاءت المسألة في المخطوط، وفيها نقص ظاهر، ونقل الزركشي عن الكيا كلاما فيها ليس موجودا عندنا، حيث قال ما نصه: «القول الموجز فيه أن موجب الخلاف الاندراج، ولكن اشتهر عرف الاستعمال بخلافه، وذلك لا يوجب تأثيرا في موجب اللفظ إلا أن يكون عرف الاستعمال راجعا إلى غير اللفظ، لا إلى حال المخاطب. قال: وهذا دقيق قاطع خيال المخالف». «البحر المحيط» (٣/ ١٩٣).\n(^٢) انظر: «البرهان» (١/ ٢٥٣، ٣٦٣)، «المنخول» (ص ١٥١)، «الوصول» (١/ ٢٢٥).\n(^٣) نقل الزركشي تصحيح إلكيا. «البحر المحيط» (٣/ ٢٠٣). ونقل كذلك عنه مسألة أخرى، وهي: أن العام الذي لم يرد على سبب أقوى من الذي ورد على سبب. انظر: (٣/ ١٣١) من نفس الكتاب. وجاء في موضع آخر كذلك أنه قال: «العام الذي لم يرد على سبب أقوى وهذا دونه، قال: ولا جرم قال الشافعي إن قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ الآية لا نرى دلالته على حصر المحرمات فيما رآه مالك؛ فإنه نزل على سبب، وهو عادة العرب في تناول الموقوذة والمتردية، فيحتمل أن يكون أراد لا محرم مما يأكلون إلا كذا وكذا يعم، قد بان الشرع بصيغة=","vol":"1","page":145},{"text":"واعلم: أنَّ المسألة مفروضة في لفظ لا يستقل بنفسه دون سببه، كقوله صلى الله عليه - وقد سئل عن بيع الرطب بالتمر: «أينقص الرطب إذا يبس؟» فقيل: نعم، فقال: «فلا إذا» (^١).\nولذلك أمثلة كثيرة:\n* منها: ما رُوي أنه صلى الله عليه سئل عن ماء بئر بضاعة، أيتوضأ بها؟ - وأنَّها يُطرح فيها لحوم الكلاب والمحايض -، فقال صلى الله عليه وآله: «خُلق الماء طهورا، لا ينجسه شيء؛ إلا ما غير طعمه أو ريحه» (^٢).\n* وكذلك: قوله صلى الله عليه - وقد سئل عن رجل اشترى عبدا فاستغله، ثُمَّ وجد به عيبًا فردَّه، فطالبه البائع بالغلة والخراج، فقال: «الخراج بالضمان» (^٣).\n_________\n= في تمهيد قاعدة. ثم يجعل محل السؤال كالفرع له، أو كالمثال، فذلك لا يوهن التعلق بعموم اللفظ، كقوله: \"إنما الأعمال بالنيات\"، ثم قال: فمن كانت هجرته الحديث. ومحل السؤال الهجرة، ولكن اللفظ لا يتأثر ولا ينحط عن غيره …». «البحر المحيط» (٣/ ٢٠٩ - ٢١٠).\n(^١) أخرجه أبو داود (٣٣٥٩)، والترمذي (١٢٢٥)، والنسائي في «الكبرى» (٥٩٩١)، وابن ماجه (٢٢٦٤)، وأبو يعلى في «مسنده» (٨٢٥)، والطوسي في «مستخرجه» (١١٣٤) وغيرهم من حديث سعد بن أبي وقاص.\n(^٢) لم نجده بهذا اللفظ، وأخرجه أحمد (١١١١٩)، وأبو داود (٦٧)، والترمذي - وحسنه - (٦٦) وغيرهم من حديث أبي سعيد الخدري بلفظ: «إنَّ الماء طهور لا ينجسه شيء»، وأخرج ابن ماجه (٥٢١)، والطبراني في (الكبير) (٧٥٠٣) «والأوسط» (٧٤٤)، والدارقطني (٤٧، ٤٩)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (١٢٢٩) من حديث أبي أمامة مرفوعا: «الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه أو طعمه»، وفيه رشدين بن سعد، وهو ضعيف. وله طريق آخر عند عبد الرزاق (٢٦٤) عن عامر بن سعد مرسلا، وقال البيهقي عقب الحديث: «والحديث غير قوي …»، يعني قوله: «إلا ما غلب على ريحه أو طعمه».\n(^٣) أخرجه أحمد (٢٤٢٢٤، ٢٥٩٩٩)، أبو داود (٣٥٠٨، ٣٥٠٩، ٣٥١٠)، والترمذي","vol":"1","page":146},{"text":"* وكذلك: روي أنه صلى الله عليه اجتاز على جماعة واقفين على شيء، فسأل عن ذلك، فقيل: «امرأة مقتولة»، فقال صلى الله عليه: «ما بالها قُتلت وهي لا تقاتل؟!» (^١).\nففي مثل هذه المواضع نقول: المعتبر عموم اللفظ، لا خصوص السبب، ونحتج بعموم اللفظ، فنسوي بين بئر بضاعة وغيرها، ويُسوَّى بين البيع وغيره.\n\n<span data-type='title' id=toc-77>فَصْلٌ </span>(^٢)\nومما عُدَّ من القرائن المخصصة وليس منها (^٣):\nتخصيص العموم.\nاختلف النَّاس في العموم إذا خُصَّ؛ هل يجوز التعلق به أم لا؟\n* فالذي عليه جماهير العلماء: جواز التعلق بالعموم المخصوص.\n* وقال عيسى بن أبان: «لا يجوز الاحتجاج به» (^٤).\n_________\n= (١٢٨٥، ١٢٨٦)، والنسائي في «الكبرى» (٦٠٨١)، و«المجتبى» (٤٤٩٠)، وابن ماجه (٢٢٤٣) وغيرهم من حديث عائشة ﵄.\n(^١) أخرج نحوه أحمد (١٥٩٩٢)، وأبو داود (٢٦٦٩)، وابن حبان في «الصحيح» (ترتيب ابن\nبلبان) (٤٧٩١) وغيرهم من حديث رباح بن الربيع ﵁.\n(^٢) انظر: «البرهان» (١/ ٢٧٥)، «المنخول» (ص ١٥٣)، «الوصول» (١/ ٢٣٣).\n(^٣) كذا في المخطوط، والمسألة معقودة لبيان أن العام إذا خص هل يجوز الاحتجاج به أم لا؟ وأما قوله: (ومما عد من القرائن المخصصة، وليس منها) يحتمل أن المعلق أضافه خطأ أو أن هناك مسألة ساقطة قبل مسألتنا هذه.\n(^٤) حكاه القفال الشاشي عن أهل العراق، والغزالي عن القدرية. ونقل الزركشي عن الكيا مزيد كلام في المسألة، حيث قال: «وحُجَّتُهم أنَّ اللفظ موضوع للاستغراق، وإنَّما يخرج عنه بقرينة، =","vol":"1","page":147},{"text":"* وقال القاضي أبو بكر: «العموم إذا خُصَّ: صار مجازا، ولكن يجوز التعلق به، بل ربما وجب أن يُحتج به» (^١).\n* وقال آخرون (^٢): إن كان التخصيص بدليل منفصل: صار مجازا، لا يجوز التعلق به؛ وإن كان بدليل متّصل - كالتقييد بالشَّرط والصفة أو الاستثناء -: لا يصير مجازًا، ويجوز التمسك به.\n* وقال قوم (^٣): إن خُصَّ بدليل معلوم: جاز التعلق به؛ وإن خُصَّ بدليل\n_________\n= ومقدار التأثير للقرينة في اللفظ مجهول، فلا يدل عليه فيصير مجهولا.\nقال: وهو متجه جدا، وغاية ما يرد عليه بأمرين:\nأحدهما: أن الصحابة والتابعين علموا بما تطرق إليه التخصيص من العموم. وله أن يجيب بأنهم نقلوه من القرائن التي شاهدوها وألفوها، وكانوا بمرأى من الرسول، ومسمع من الوحي.\nالثاني: أن صيغة العموم ليست نصا في الاستغراق لاحتمال إرادة الخصوص، وإجراء اللفظ على غالب المسميات من غير قرينة تخطر بالبال. نعم، إن كان مضمون التخصيص استثناء ما لا يشذ عن الذهن عند إطلاق اللفظ، فيتجه ما قاله عيسى بن أبان، ثم قضيته أنه لا يجوز التخصيص إلا بما يجوز النسخ به بأنه إسقاط أمر اللفظ العام، والممكن في الجواب عنه أن القدر الذي ظهر من القرينة أمرنا باتباعه، ولا يقدر وراءه قرينة هي غائبة عنا؛ فإن ذلك يلزم مثله في العموم الذي لم يتناوله تخصيص إجماعا؛ لإمكان أنه بناه على سؤال، وقرينة حال». «البحر المحيط». (٣/ ٢٦٩).\n(^١) نقل الزركشي أنَّ إلكيا نسب هذا القول إلى المحققين. انظر: «البحر المحيط» (٣/ ٢٥٩).\n(^٢) وهو قول أبي الحسن الكرخي وأبي الحسين البصري وغيرهما. انظر: «التبصرة» (ص ١٢٢، ١٢٣). ونقل الزركشي عن إلكيا أنه قال: «ولكنه دونه (كذا، ولعلها دون) ما لم يتطرق التخصيص إليه، فيكسبه ضربا من التجوز، ولو رُجح نهيه ﵇ عن أكل كل ذي ناب من السباع، ومخلب من الطير على عموم قوله: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ الآية بأن التخصيص يتطرق إليها، لكان الخمر والقاذورات المحرمة خارجة عنها». «البحر المحيط» (٣/ ٢٦٨ - ٢٦٩).\n(^٣) نسبه البدر الزركشي لبعض الحنفية. انظر: «سلاسل الذهب» (ص ٢٤٤).","vol":"1","page":148},{"text":"مجهول: لا يجوز التعلُّق به (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-78>فَصْلٌ فيما أُلْحِق بالعموم وليس منه </span>(^٢)\nوهو صيغ التذكير في جموع السلامة؛ إذا ورد مطلقا:\n* يختص بالذكور، ولا يتناول الإناث (^٣)؛ هذا ما اختاره الشافعي، وإليه صار المحققون من الأصوليين.\n* وذهب شراذم من الأصوليين إلى أنهنَّ يدخلن تحت مطلق اللفظ، وبه قال داود.\nواعلم أنَّ ما ذكره الشافعي [مبنيٌّ] على أمرين:\nأحدهما: أن صيغة الجمع يبتني على التثنية ويتنوع عليه، والتثنية مبنية على لفظ الوحدان، وقد فرّق في الوحدان والتثنيات بين المذكر والمؤنث في وضع اللغة قطعًا؛ فإنَّه يقال: مسلم، ومسلمان، ومسلمةٌ، ومسلمتان.\n_________\n(^١) وقد نقل الزركشي عن الكيا أن الكلام في هذه المسألة يقرر: «هل العام المخصوص حجة أم لا؟»، ثم إذا تقرر يكون الخلاف: «هل هو مجاز أو حقيقة؟»، وقد نبه الزركشي أن هذا عكس ما ذكره أبو حامد الإسفراييني وسليم، فقال ما نصه: «لكن إلكيا الطبري عكس ذلك، فقرر كونه حجة. ثم قال: وإذا تقرر أنه ليس بمجمل فاختلفوا هل هو مجاز أم حقيقة؟ والطريقة الأولى أقعد وأحسن». انظر: «البحر المحيط» (٣/ ٢٦٥).\n(^٢) انظر: «البرهان» (١/ ٢٤٤)، «المنخول» (ص ١٤٣)، «الوصول» (١/ ٢١١).\n(^٣) فدخول النساء يكون تبعا، وليس من عموم اللفظ. وقد نقل الزركشي اختيار إلكيا في هذه المسألة. انظر: «البحر المحيط» (٣/ ١٧٩).","vol":"1","page":149},{"text":"والثاني: أن قال: وقد صح في الحديث (^١) أن أم سلمة قالت: «يا رسول الله، إنَّ الله تعالى أكثر ذكرَ الرّجال في القرآن، ولا نجد للنساء ذكرًا، فنزلت الآية: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ (^٢)، وقوله: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتِ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ (^٣)»، فلو كان جمع الذكران يتناول الإناث وأنَّ النساء يدخلن في مطلق الجمع: لما سألتِ النَّبيَّ صلى الله عليه عن ذلك.\nمسألة (^٤)\n* اعلم أنَّ أدوات الشروط كُلَّها تقتضي العموم، [مثل]: «من» (^٥)، و«ما»، و«أينما»، و«حيثما»؛ هذا ما عليه أهل اللغة، وطابقهم عليه الأصوليون.\n* وذهب شراذم من متفقهة أصحاب أبي حنيفة الذين لا علم لهم بالأصول: أن لفظة «من» تختص بالذكور، ولا تقع على الإناث.\nوهذا الذي ذكره هؤلاء غير صحيح؛ فإنَّ صيغة «من» موضوعةٌ للذكور والإناث، وتشتمل الفريقين شمولًا واحدًا (^٦). وقد قالوا: إِنَّ «من» لمن يعقل،\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢٦٥٧٥، ٢٦٦٠٣)، والنسائي في «الكبرى» (١١٣٤١) وغيرهما، وليس في شيء من روايات الحديث ذكر للآية الثانية التي أوردها الإمام الكيا.\n(^٢) الأحزاب: ٣٥.\n(^٣) الفتح: ٥.\n(^٤) انظر: «المستصفى» (٢/ ٧٣٣)، «الوصول» (١/ ٢١٤).\n(^٥) في المخطوط: (كم)، وهو خطأ ظاهر؛ إذ إنها ليست من أدوات الشروط، والمثبت هو الموافق للسياق.\n(^٦) قارن مع: «البحر المحيط» (٣/ ١٧٧).","vol":"1","page":150},{"text":"وأذن لنا في إطلاقها على الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ (^١)، ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا﴾ (^٢) (^٣)\n\n<span data-type='title' id=toc-79>فصل (^٤) اعلم أن التخصيص يقع بالأدلة المنفصلة، والأدلة المتصلة.</span>\nأما المتصلة: فتكون بالاستثناء والتقييد بالشرط (^٥) والصفة.\nوالاستثناء مأخوذ من: «ثنى الشيء»؛ أي عطفه، فكأن الكلام كان مسترسلا على مقتضاه، ثم بالاستثناء ثنى أعطافه، فرد أطرافه، صار كأنه قبض بعضه عن بعض؛ قال الله تعالى: ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾ (^٦)، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ (^٧).\n_________\n(^١) الملك: ١٦.\n(^٢) النمل: ٦١.\n(^٣) نقل الزركشي عن الكيا تصريحه بأن (أي) ليست من صيغ العموم، وليس هذا مما هو موجود في تعليقتنا. فقال عنه ما نصه: «وأما \"أي\" فهو اسم فرد يتناول جزءا من الجملة المضافة، قال تعالى: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا﴾، وإنما جاء به واحد، وقال: ﴿أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾. والعرب تقول: أي الرجال أتاك؟ ولا تقول: أي الرجال أتوك؛ إذ لا عموم في الصيغة. انتهى». «البحر المحيط» (٣/ ٧٨ - ٧٩). وقارن مع: «البحر المحيط» (٣/ ٢٥٧).\n(^٤) وسيتكرر هذا الفصل بأتم مما هنا، وسبق نحوها. أما ما يتعلق بتعريف الاستثناء وحقيقته، فانظر: «التقريب» (٣/ ١٢٦)، «التلخيص» (٢/ ٦٠)، «الواضح» (٣/ ٤٦٠).\n(^٥) نقل الزركشي عن الكيا قوله: «من حق الشرط أن يخص المشروط، وليس من حقه أن يختص به». «البحر المحيط» (٣/ ٣٣٤). ونقله عنه تصريحه «بأنه إذا قدر للعموم شرط متقدم أو متأخر اقتضى تخصيص المشروط». المصدر السابق (٣/ ٣٣٧).\n(^٦) الحج: ٩.\n(^٧) هود: ٥.","vol":"1","page":151},{"text":"<span data-type='title' id=toc-80>فصل </span>(^١)\nفأما الاستثناء المنفصل: فباطل؛ هذا ما اتفق عليه الكل.\nوروي عن عبد الله بن عباس ﵀ أنه قال: «هو صحيح»، وهذا لا يليق به، ولا يصح عنه.\nووجه فساده: إجماع الناس على [أن] من أقر لغيره بمال، ثم بعد شهر استثنى: عد هاذيا بنفسه، وإقراره لازم.\nوحكم الاستثناء المنفصل حكم خبر المبتدأ إذا تأخر، كقول القائل: «زيد»، ثم يقول بعد أيام: «قائم»، فإنه لا يعقل (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-81>فصل </span>(^٣)\n* الاستثناء من غير الجنس جائز، وقد نقل الفقهاء عن الشافعي أنه قال: «لو أقر مقر فقال له: \"علي عشرة إلا ثوبا\"، صح الاستثناء».\n* أما أصحاب أبي حنيفة: فأنكروا ذلك. وأما أبو حنيفة؛ فنقل (^٤) عنه أنه يجوز استثناء المكيل من المكيل والموزون من الموزون؛ فإن اختلف الجنس فيقول (^٥): «له علي عشرة دنانير إلا درهمين»، وكذلك يقول: «له علي\n_________\n(^١) انظر: «البرهان» (١/ ٢٦١)، «المنخول» (ص ١٥٧)، «الوصول» (١/ ٢٣٨).\n(^٢) كذا في المخطوط، ويظهر أن المسألة لم تكتمل.\n(^٣) انظر: «البرهان» (١/ ٢٦٠، ٢٦٨)، «المنخول» (ص ١٥٩)، «الوصول» (١/ ٢٤١).\n(^٤) قوله: (وأما أبو حنيفة) في المخطوط: (وقال أبو حنيفة نقل)، ولعل الصواب ما أثبت.\n(^٥) أي: المستثني.","vol":"1","page":152},{"text":"عشرة أكرار (^١) حنطةٍ إِلَّا كُرَّ شعير»؛ صح وجاز، إلَّا أنَّه يقول (^٢): «لا بُدَّ أن يكون التقدير الواحد شملهما، كاستثناء المكيل من المكيل والموزون من الموزون».\nوالشافعي يقول: «لا بُدَّ أن تكون المالية شاملةً لهما جميعًا، كما يقول: «لفلان عليَّ عشرة أكرارٍ من الحنطة إلا ثوبًا»، أو: «عليَّ ألف دينار إلَّا كُرَّ حنطة». واختلاف الجنس لا يؤثر عندهما جميعا: ح وش (^٣)، إذا كان التقدير الواحد شملهما» (^٤).\nمسألة (^٥)\nالاستثناء إذا تعقب جملا قد عُطف بعضُها على بعض؛ فهل يعود إلى جميعها أو يعود إلى الجملة الأخيرة؟\nاختلف الناس في ذلك (^٦):\n_________\n(^١) الكُرُّ - بضم الكاف وتشديد الراء -، جمعه: أكرار، وهو: مكيال لأهل العراق، قدره ٦٠ قفيزًا، أو ٧٢٠ صاعا. انظر: «معجم لغة الفقهاء» (ص ٣٧٩).\n(^٢) أي: أبو حنيفة.\n(^٣) قوله: (ح وش) اختصار من الناسخ، ويعني بهما الإمامين أبا حنيفة والشافعي رحمة الله عليهما.\n(^٤) نقل الزركشي عن إلكيا أنه اختار المنع في مسألة الاستثناء من غير الجنس. «البحر المحيط» (٣/ ٢٧٩).\n(^٥) انظر: «البرهان» (١/ ٢٦٣)، «المنخول» (ص ١٦٠)، «الوصول» (١/ ٢٤٨).\n(^٦) نقل الزركشي عن إلكيا قولا ثالثا في المسألة - وهو التوقف فيها ـ، فقد حكى عن شيخه إمام الحرمين أنه قيل له: «\"فقد قال الشافعي: إذا قال الواقف وقفت داري على بني فلان، وحبست أرضي على بني فلان، وذكر نوعا آخر، ثم قال: إلا الفساق، فيصرف الاستثناء إلى الكل\".","vol":"1","page":153},{"text":"* فالذي نُقل عن أصحاب الشافعي: أنَّه يعود إلى جميع الجُمَل (^١).\n* ونُقل عن أصحاب أبي حنيفة: أنَّه يعود إلى الجملة الآخرة (^٢).\n_________\nفأجاب: \"بأن ذلك ليس لظهور الاستثناء في الأنواع، ولكن للتعارض بين الأمرين، وهما احتمال عوده إلى الجميع، أو إلى ما يليه، والتوقف فيه، ولا صرف مع التوقف\". قال إلكيا: \"وهذا المأخذ غير مرضي. فإن التوقف في المستثنى، يوجب التوقف في المستثنى منه، حتى لا ينصرف إلى العدول أيضا. ونحن نصرف كل المال إلى العدول، والتوقف يقتضي التوقف في حق الكل، فإنا لا ندري أنهم يستحقون أم لا، وهو كالتوقف في الميراث للحمل\"». «البحر المحيط» (٣/ ٣١٠، ٣١٧).\n(^١) وقد ذهب إلكيا إلى قريب من هذا القول مع مزيد تفصيل فيه - حسب نقل الزركشي ـ، حيث قال: «فقال: نعم، لو تباينت الجمل في الأحكام بأن يذكر حكما، ثم يأخذ في حكم آخر؛ فالأول: منقطع والاستثناء لا يعمل فيه، وإن صرح به، والواو هنا لا تعد مشركة ناسقة للنظم، كقولك: ضرب الأمير زيدا، وخرج إلى السفر، وخلع على فلان. قال: وهذا حسن جدا، وبه تهذب (كذا، ولعلها: يتهذب) مذهب الشافعي، ويغني عما عداه». (٣/ ٣١٠). وذكر الزركشي لإلكيا قولا أو تفصيلا آخر نقلا من كتابه: التلويح. قارن مع: «البحر المحيط» (٣/ ٣١٥).\nثم إن الشافعية اشترطوا لذلك شروطا استوفاها الزركشي، فذكر من تلك الشروط: أن يتحد العامل، فقال: «وصرح إلكيا الطبري بأن الشرط اتحاد العامل والمعمول. قال: فإن اختلفا اختص بما يليه، نحو ضرب الأمير زيدا، وخرج إلى السفر، وخلع على فلان. قال: وهو حسن جدا. وبه يتهذب مذهب الشافعي». انظر: «البحر المحيط» (٣/ ٣١٧).\n(^٢) نقل الزركشي حكاية هذا القول كذلك عن أبي علي الفارسي. «البحر المحيط» (٣/ ٣٠٨)، ونقل في موضع آخر مزيد تفصيل عنه قائلا ما نصه: «وقال إلكيا الطبري: قد نقل عن أبي علي الفارسي - مقدم أئمة النحو ومتبوعهم - عود الاستثناء إلى الأخيرة، كمذهب أبي حنيفة. وهذا بناه أبو علي على مذهبه أن العامل في الاستثناء: الفعل الذي قبل \"إلا \"، وقد قام الدليل اللغوي والقياس النحوي على أنه يجوز أن يعمل عاملان في معمول واحد، وهذا مقطوع به في المعمول أيضا.\nقال شيخنا أبو الحسن: لا يجوز أن يجتمع سوادان في محل واحد، لأنهما لو اجتمعا لجاز أن يرتفع أحدهما بضده، وإذا جاز ذلك عقلا فلو قدرنا رفع أحد السوادين ببياض لأدى إلى اجتماع =","vol":"1","page":154},{"text":"وليس عنهما في ذلك نصّ؛ غير أنَّ قولهما يدلُّ على ذلك في مسألة، وهي أنَّ القاذف إذا أناب:\n- قُبلت شهادته عند الشافعي؛ لأنَّ الاستثناء تعقّب جملا، فرجع حكمه إلى الكل.\n- وقال أبو حنيفة: لا يُقبل؛ لأن الاستثناء يرجع إلى الجملة الأخيرة.\n\n<span data-type='title' id=toc-82>فَصْلٌ معقود في الأدلة المخصصة </span>(^١)\nاعلم أنَّ الأدلة المخصصة منقسمة:\n* إلى أدلة متَّصلة.\n* وأدلة منفصلة.\n_________\n= السواد والبياض في محل واحد، وذلك ممتنع عقلا؛ فكذلك لا يجوز أن يعمل عاملان في معمول واحد، لأنه يجوز أن يرتفع أحد العاملين بضده، فيكون أحدهما مثلا يوجب الرفع، والآخر يوجب النصب، فيؤدي إلى أن يكون اللفظ الواحد مرفوعا ومنصوبا، وذلك باطل». «البحر المحيط» (٣/ ٣٢١ - ٣٢٢). وانظر: «سلاسل الذهب» (ص ٢٥٩)، وفيه مزيد بيان.\n(^١) لم يتبين لنا وجه وضع هذا الفصل هنا، ومحتواه ينقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: من بداية الفصل إلى قوله: (وإلى ما يوجب الظن) سبق أن بين نحوه في فصل سابق، والقسم الثاني من قوله: (ومعنى التخصيص لا يرجع إلى الألفاظ حقيقةً …) إلى قوله: (وإنما المخصص هو قصد المتكلم) يتناسب مع أول الحديث عن الأدلة المخصصة، وآخره من قوله: (وأما المنفصل المنقطع منه …) إلى نهاية الفصل يلائم أن يكون ضمن مباحث الاستثناء السابقة؛ إلا أن طبيعة التعليقات لا تنافي التكرار وإعادة الكلام في أكثر من موضع.","vol":"1","page":155},{"text":"فأما المتصلة؛ فتنقسم أيضا:\n* إلى الاستثناء،\n* وإلى التقييد بالشرط والصفة.\nوالمنفصلة أيضا منقسمة:\n* إلى ما يوجب العلم،\n* وإلى ما يوجب الظن.\nومعنى التخصيص لا يرجع إلى الألفاظ حقيقة، وإنما يرجع إلى قصد المتكلم إلى بعض المسميات التي تندرج في اللفظ عند إطلاقه؛ فهو بقصده خصص مسميات، وعبر عنها بلفظ يقتضي الاستغراق لولا أنه قصده.\nفقصد المتكلم هو المخصص على الحقيقة، لا أن اللفظ العام صار خاصا؛ فإن العام قط لا يصير خاصا، كما الخاص لا يصير عاما؛ فعلى هذا إذا سمعت الفقيه يقول: «إن أدلة الكتاب أو السنة أو القياس خصت هذا العموم»؛ فهذا الكلام ليس على حقيقته؛ لأن العام لا يصير خاصا، والدليل لا يجعل العموم خصوصا، وإنما المخصص هو قصد المتكلم.\nوأما المنفصل المنقطع منه (^١) -: فباطل على ما بينا.\nوكذلك إذا كان التخصيص بالأدلة المنفصلة جاز تأخيره (^٢)، وقد بينا فيما\n_________\n(^١) يعني: الاستثناء.\n(^٢) لعله يعني بيان المخصص.","vol":"1","page":156},{"text":"تقدَّم؛ فهذه الفروقُ كلُّها راجعة إلى الدليل المخصص (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-83>فَصْلٌ في الشُّرُوطِ </span>(^٢)\nاعلم أن الشروط منقسمة:\n* إلى شروط عقلية.\n* وإلى شروط نقلية شرعية.\n- فأما الشروط العقلية: فهي كالحياة شرط للعلم والقدرة.\n- وأما الشروط الشرعية: فكالطَّهارة والستارة شرطان لصحة الصلاة.\nفافتقار العقلي إلى شرط كافتقار الشرعي إلى شرطه.\nوقد يكون الشيء الواحد شرطًا في أشياء كثيرة، كالإيمان: شرط في صحة جميع العبادات، والحياة: شرط للعلم [والقدرة] (^٣).\nوقد تكون الشروط الكثيرة شرطًا لصحة الشيء الواحد، كالطَّهارة والستارة واستقبال القبلة؛ [فإنها] شرط لصحة الصلاة.\nومتى زادت الشروط: قلَّ المشروط؛ ومتى قلَّت الشروط: كثر المشروط (^٤).\n_________\n(^١) من قوله: (وأما المنفصل المنقطع منه …) إلى هنا كذا في المخطوط، ولعل في الكلام سقطا.\n(^٢) انظر: «البحر المحيط» (٣/ ٣٢٨).\n(^٣) زيادة يقتضيها السياق. ويشمل غيرها، كالإرادة.\n(^٤) جاء عند الزركشي نص مقارب لمعنى هذا الكلام، فقال ما نصه: «العلة إذا كثرت أوصافها: =","vol":"1","page":157},{"text":"مثال ذلك: أنه إذا قال القائل: «اقتلوا المشركين»؛ كان ذلك مقتضيا لقتل الكلّ؛ لعدم شرط مخصص؛ فإذا قال القائل الآمر (^١): «إِلَّا من أدَّى الجزية»، فقد قلَّ مَنْ وجب قتله؛ ولو قال أيضا: «إِلَّا النساء والصبيان والرهبان والمشايخ»، قل أيضًا (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-84>فَصْلٌ في حمل المطلق على المقيد وكيفية الكلام فيه </span>(^٣)\n* بعض الفقهاء قالوا: المطلق والمقيد من قبيل العموم والخصوص.\n* وقال بعضهم: ليس من قبيل العموم والخصوص (^٤)، وإنَّما هو من قبيل الزيادة (^٥).\n* اعلم أنَّ المطلق: هو العام، والمقيَّد: هو الخاص، وإنَّما يُحمل المطلق\n_________\n= قلت ملولاتها، وَإذَا قُلت: كَثُرَت. ذَكَرهُ بَعْضُ تلامذة إلكيا». «البحر المحيط» (٥/ ١٦٨).\n(١) في المخطوط: (الآخر)، ولعل الصواب ما أثبت.\n(^١) في المخطوط: (الآخر)، ولعل الصواب ما أثبت.\n(^٢) نقل الزركشي عن إلكيا كلاما في هذه المسألة غير موجود في تعليقتنا - وإن كان يتفق مع مضمونه في الجملة -، ونصه: «قال إلكيا الطبري: ومتى زيد في شرطه زيد في تخصيصه لا محالة، فإنه يحطه في كل دفعة عن رتبة الإطلاق. قال: وينشأ من جواز مشروط لمشروط أن لا يشعر انتفاء الشرط بانعكاس حكم المشروط إلا في العموم، وقد يتعدد المشروط ويتحد الشرط، بأن يكون للشرط الواحد مشروطات، فإما على الجمع، كقوله: إن زنيت جلدتك، وعزرتك -، فإذا حصل الزنى حصل استحقاق الأمرين؛ وإما على البدل، كقوله: جلدتك أو عزرتك، والمحقق أحدهما». «البحر المحيط» (٣/ ٣٣٢).\n(^٣) انظر: «البرهان» (١/ ٢٨٨)، «المنخول» (ص ١٧٧)، «الوصول» (١/ ٢٨١).\n(^٤) قوله: (وقال بعضهم ليس من قبيل العموم والخصوص) مكرر في المخطوط.\n(^٥) على النص.","vol":"1","page":158},{"text":"على المقيد بدليل؛ من قياس أو غيره.\nوقال قوم: «إِنَّ المطلق يُحمل على المقيد من غير دليل ولا قياس»، وهذا جهل؛ لأن المطلق إذا كان في واقعة، والمقيد في واقعة أخرى؛ لا يقتضي ذلك على مجرده حمل أحدهما على الآخر - لأنَّ كُلَّ واحدٍ منهما مستقل في صفته (^١) -، وإنما (^٢) إذا كان مع المقيد دليل أقوى وأرجح مما في المطلق، وأدلّ على العمل به من دلالة دليل الإطلاق على الاستغراق.\nأما الذين قالوا: «يجوز حمل المطلق على المقيد من غير دليل»، فقالوا ذلك من وجهين:\nأحدهما: ظاهر ما وجدوه في كتاب الله من حمل المطلق على المقيد، مثل قوله تعالى: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ (^٣). قالوا: قيد المعطوف بما قيد المعطوف عليه حتى صار المراد بقوله (^٤): «والذاكرات الله كثيرا».\nوكذلك قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ﴾ (^٥)، تقديره: «ونقص من الأموال، ونقص من الأنفس، ونقص من الثَّمرات»، فلما كان كلُّ مطلق من هذا مقيدًا بما تقدم من مقيد، دلنا ذلك أنه يُحمل المطلق على المقيد من غير دليل.\n_________\n(^١) كذا في المخطوط، ولعل الأنسب: (نفسه).\n(^٢) يُحمل المطلق على المقيد.\n(^٣) الأحزاب: ٣٥.\n(^٤) كذا في المخطوط، والأليق بالسياق: (كقوله).\n(^٥) البقرة: ١٥٥.","vol":"1","page":159},{"text":"جواب ذلك: أنا لو لم نحمل المطلق على المقيد في هذا الموضع: أدى إلى أن [لا] يكون الكلام مستقيمًا ولا منتظمًا؛ لأنه ليس إذا حمل مطلق لا يستقل بنفسه، ولا يصح الابتداء [به]، على مقيد يستقل بنفسه عند عطفه عليه وارتباطه به: ما يدل على أنه يجب أن يُحمل مطلق مستقل بنفسه يصح الابتداء به على مقيد مستقل بنفسه يصح الابتداء به من غير عطف ولا رابطة ودليل يقتضي حمل أحدهما على الآخر (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-85>فَصْلٌ</span>\nاعلم أن من قال بحمل المطلق على المقيد عند وجود الدليل، اشترط في جواز ذلك شروطا:\n* من ذلك (^٢): ألا يكون المطلق يتجاذبه أصلان مقيدان؛ كلُّ واحدٍ منهما بالإضافة إلى المطلق على حد سواء، ولا يكون انجذابه إلى أحدهما أولى من انجذابه إلى الآخر؛ فإنه إذا كان كذلك، توقفنا في حمله على أحدهما؛ لعدم الدليل.\nمثاله: هو أنَّ الله تعالى ذَكَرَ الصّيام في كفَّارة اليمين مطلقًا من غير تقييدٍ بالتتابع، ولا بالتفريق، فقال تعالى: ﴿فَمَنْ لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ (^٣)، وفي صوم كفارة الظهار قيَّد بالتتابع، فقال: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ (^٤)، وفي صوم\n_________\n(^١) يظهر أن في المسألة سقطا، حيث لم يذكر الوجه الثاني ولا الجواب عنه.\n(^٢) ذكر الزركشي أن إلكيا الطبري ممن يشترط هذا الشرط. انظر: «البحر المحيط» (٣/ ٤٢٧).\n(^٣) المائدة: ٨٩.\n(^٤) المجادلة: ٤.","vol":"1","page":160},{"text":"التمتع قيد بالتفريق، فقال: ﴿فَصِيَامُ ثَلَثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ (^١).\nفلما كان المطلق قد عارضه هذان الأصلان، ولم يكن لما نص فيه على التتابع مزية على ما نص فيه على التفريق: لم يكن حمله على أحدهما بأولى من حمله على الآخر، وهذا يرجع إلى عدم الدليل، ويبطل الإلحاق (^٢).\n* ومن الشروط: ألا يكونا متباينين متباعدين، كالعتق في الكفَّارة والشهادة؛ فإنَّ الله تعالى أطلق ذكر الرقبة في كفَّارة الظهار، فقال: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (^٣)، وقال في كفارة القتل: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ (^٤)، فأطلق ذكر الرقبة ولم يقيد بالعدالة، وقال في الشهادة ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ (^٥)، فقيد الشهادة بالعدالة.\nولكن لما تباعد ما بين الشَّهادة والكفَّارة، لم يكن نصه على اعتبار العدالة في الشهادة قاضيًا وموجبًا اعتبار صفة العدالة في الكفارة أيضا؛ ولذلك (^٦) لما تباعدا: عدم الدليل المقرّب لأحدهما من الآخر (^٧).\n_________\n(^١) البقرة: ١٩٦.\n(^٢) قارن مع: «البحر المحيط» (٣/ ٤٢٧).\n(^٣) المجادلة: ٣.\n(^٤) النساء: ٩٢.\n(^٥) الطلاق: ٢.\n(^٦) في المخطوط: (وكذلك)، ولعل الصواب ما أثبت.\n(^٧) هذا هو القسم الثالث، وهو محل الخلاف، وهو أن يختلفا في السبب دون الحكم. ونقل الزركشي عن الكيا وغيره الاتفاق على القسمين الآخرين من حمل المطلق على المقيد، الأول: أن يختلفا في السبب والحكم، فلا يحمل أحدهما على الآخر، والثاني: أن يتفقا في السبب والحكم، فيحمل أحدهما على الآخر. «البحر المحيط» (٣/ ٤١٧).","vol":"1","page":161},{"text":"* فمذهب الشافعي: أنَّه يُحمل المطلق على المقيد، وهو مذهب مالك (^١).\n* ومذهب أبي حنيفة: أنَّه لا يُحمل؛ واختلف أصحاب أبي حنيفة في علة المنع من الحمل:\n- فقال معظمهم: إنَّما لم يجز ذلك لأنَّه إذا شُرط في المطلقة الإيمان: فقد زاد في نص القرآن، والزيادة في النص نسخ، ونسخ القرآن لا يجوز إلا بمثله.\n- وقال آخرون منهم: إنَّما لم يُحمل المطلق على المقيد لا لأنَّ ذلك يعقب زيادةً، ولكن نقول إنه تخصيص، غير أنَّ هذا النوع من الدليل الذي تذكرونه لا يجوز التخصيص به، ولا يصلح أن يكون مخصصًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-86>فصل </span>(^٢)\nفأما الأدلة المنفصلة؛ فهي تنقسم قسمين:\n* إلى ما يوجب العلم ويفضي إلى اليقين.\n* وإلى ما يوجب الظَّنَّ.\n- فأما الأدلة الموجبة للعلم: فهي مصدَّرة بأدلة العقل؛ لأنَّ العمومات لا يجوز انطواؤها على ما يخالف الأدلة العقلية.\n_________\n(^١) قال الزركشي: «قال إلكيا الطبري وغيره: القائلون بأنه يحمل عليه من جهة القياس اختلفوا، هل القياس مخصص للمطلق أو زائد فيه، فمنهم من قال: إنه يقتضي تخصيص المطلق لا الزيادة فيه. قال القاضي عبد الوهاب: وهو الصحيح. ومنهم من قال: يقتضي الزيادة فيه، وجوز الزيادة بالقياس، ولم يقدره نسخا». «البحر المحيط» (٣/ ٤٢٢).\n(^٢) هذا الفصل مكرر، حيث سبق نحوه في (ص ١٥٦).","vol":"1","page":162},{"text":"كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ (^١)، وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ (^٢)، وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ (^٣)، وما أشبه ذلك؛ فإنَّ هذه الآيات دالة على الاستغراق وقد أخرجنا منها المجانين، ومن لا عقل له - كالصغار -.\nوكذلك قوله تعالى: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (^٤)، فاقتضى دليل العقل إخراج ذاته سبحانه وصفاته عن انطواء هذا اللفظ عليها وإن كانت أشياء.\nواعلم أن من النَّاس من خالف في هذا فقال: لا يُعَدُّ تخصيصًا، ولا يسمى به؛ لأنَّ التخصيص: «هو أن يُخرج من اللفظ بعض ما دخل تحت اللفظ»، وهاهنا المخرج لم يتناوله اللفظ، ولا يتوهم دخول ما يقتضي العقل إخراجه في اللفظ، بل يقال: لم يدخل ذلك في اللفظ، ولهذا سفّه الله آراء أقوام، حيث توهموا مثل ذلك واعتقدوا أنَّ من جرى هذا المجرى تناولهم اللفظ، وإنَّما أخرج بدليل العقل، وذلك في قصة عبد الله بن الزبعرى، لما نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ (^٥) قال: «اليوم أخصم محمدًا»، فجاء إليه وقال: «يا محمد، إنَّ المسيح والملائكة عبدوا من دون الله، أفيكونون في النَّارِ حَصَبَ جَهَنَّمَ؟»، فنزل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى\n_________\n(^١) النساء: ١.\n(^٢) البقرة: ٢١.\n(^٣) النساء: ١٣٥.\n(^٤) الأنعام: ١٠٢.\n(^٥) الأنبياء: ٩٨.","vol":"1","page":163},{"text":"أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ (^١) (^٢) في معرض الإنكار عليهم في اعتقادهم دخول\nهؤلاء تحت اللفظ (^٣).\nمسألة: هل يجوز تخصيص العموم بالقياس أم لا؟ (^٤)\n* أما الفقهاء وكلُّ مَنْ خصَّ بخبر الواحد، خصَّ بالقياس أيضًا.\n* وقال قوم: يخص بالقياس الجلي، ولا يخص بالقياس الخفي.\nوالقياس الجلي مثاله: قوله صلى الله عليه: «لا يقضي القاضي حين يقضي وهو غضبان» (^٥)، فعلمنا من هذا أنَّ العلة فيه كونه غير مقتدر على استيفاء النَّظر وكمال الاجتهاد؛ لأنَّ الغضب يُذهل خاطره، ويأخذه حيرة ودهشة تمنعه من توفر النَّظَر، ثُمَّ نحن قسنا عليه الخائف والحزين والذي يعرض له من العوارض الجبلية والأمور التي تشغله عما هذا سبيله، - كالجوع المفرط، ومدافعة الخارج، وما شاكل ذلك - في كونه مانعا من توفر النَّظَر.\n* قال القاضي: «أنا أتوقف فيه؛ فإنّي إذا توقفت عند معارضة خبر الواحد الصريح، فعند معارضة القياس أولى» (^٦).\n_________\n(^١) الأنبياء: ١٠١.\n(^٢) أخرجه الطبراني في «الكبير» (١٢٧٣٩)، والطحاوي في «شرح مشكل الآثار» (٩٨٦)، والحاكم في «المستدرك» (٣٤٤٩)، والضياء في «المختارة» (٣٢٤، ٣٥١) وغيرهم من حديث ابن عباس.\n(^٣) وقد نقل الزركشي عن الكيا وغيره أن النزاع هنا لفظي. انظر: «البحر المحيط» (٣/ ٣٥٧).\n(^٤) انظر: «مسائل الخلاف» (ص ١١٨)، «البرهان» (١/ ٢٨٦)، «الوصول» (١/ ٢٦٢).\n(^٥) أخرج نحوه البخاري (٧١٥٨)، ومسلم (١٧١٧) من حديث أبي بكرة.\n(^٦) بعدها في المخطوط فراغ بمقدار كلمتين تقريبا، وسياق الكلام يقتضي أن في الكلام سقطا=","vol":"1","page":164},{"text":"والذي ذكره القاضي من قوله: «إنَّ هذا مظنونٌ، وفي العموم أيضا ظن من وجه؛ فقد تعارضا» (^١): هذا فيه نظر (^٢)؛ وذلك أن يقال:\nاعلم أنَّ الظُّنون مختلفة الأنواع؛ قد يزيد بعضُها على بعض، فلا تنحصر مراتبها:\n- فمنها ما يتأخر [عن] العلم ويقارب أوائل اليقين.\n- ومنها ما يتأخر [عن] الشك ويقارب الجهل.\n[فلا يساوى] في النظر في كلِّ واحدٍ من الظَّنَّين (^٣)؛ فقد يكون منها ما هو\n_________\nأو هناك اختزال في العبارة؛ بدليل ما يأتي بعده.\n(^١) وأما إذا تساوى الظنان: فقد نقل الزركشي بأن إلكيا وغيره يتوفقون في القدر الذي تعارضا فيه، ونقل عنه ما نصه: «قال: ولا يظهر فيه دعوى القطع من الصحابة بخلافه في خبر الواحد. وهذا المذهب شارك القول بالتخصيص من وجه، وباينه من وجه، أما المشاركة فلأن المطلوب من تخصيص العام بالقياس إسقاط الاحتجاج، والواقف يقول به؛ وأما المباينة، فهي أن القائل بالتخصيص يحكم بمقتضى القياس، والواقف لا يحكم به». «البحر المحيط» (٣/ ٣٧٣ - ٣٧٤).\n(^٢) وكذلك نقل الزركشي عن الكيا - في مسألة التخصيص بخبر الواحد، وهي غير مذكورة في التعليقة التي بين أيدينا - كلاما يتفق مع مضمون هذه المسألة في الرد على القاضي أبي بكر في توقفه، ونص كلامه: «هو متجه جدا، ولكن الصحيح الجواز؛ لإجماع الصحابة عليه في مسائل، كنفي ميراث القاتل بقوله: «لا يرث القاتل»، مع قوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾، والنهي عن الجمع بين المرأة وعمتها مع قوله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾، إلى غير ذلك. وغاية المخالف أن يقول: لعل الخبر كان متواترا عندهم، ثم استغني عنه فصار آحادا، فقيل لهم: قد روى الصديق ﵁؛ «إنا معشر الأنبياء لا نورث» وطرحوا به ميراث فاطمة ﵂، فقالوا: كانوا علموا ذلك، وإنما ذكرهم الصديق. قلنا: لو كان متواترا لم يخف على فاطمة». «البحر المحيط» (٣/ ٣٦٨).\n(^٣) كانت العبارة في المخطوط كما يلي: (من النظر في كل واحد من الظنيين)، فتم إصلاحها مع تقدير ما يلزم حسب اجتهادنا. وانظر: «الوصول» (١/ ٢٦٧)","vol":"1","page":165},{"text":"أقوى وأغلب من الآخر فيترجح ظنٌّ على ظنٍّ (^١)؛ وما وضع «كتاب الترجيح» إلَّا لهذا؛ فإن كان الظَّنِّيُّ الموجود في العموم أغلب: عُمل به؛ وإن كان الظَّنُّ المستفاد من القياس أغلب: عُمل به؛ ليس كالعلمين إذا حصلا لا يتضادان؛ لأنَّ اليقين ليس وراءه درجة أصلا يترقى إليها.\nأما ما يتعلق بما ذكره بعض العلماء من الفرق بين القياس الجلي والخفي:\nقال الشيخ (^٢): ليس هذا بقياس؛ لأنَّه مقطوع به، والقياس ما كان في رتبة الظَّنِّ، وهذا ليس في مقام الظَّنِّ، وإنَّما هو المنصوص عليه.\nأما القاضي قال: «هذا الذي قالوه إنَّه قياس جلي: جهل من هؤلاء المدعين، بل هذا أمر يكاد يُعرف قطعًا من فحوى قوله صلى الله عليه».\n[فقد] تبيَّن سفه رأي أصحاب داود ومن وافقهم على قولهم حيث قالوا: إنَّ قول رسول الله صلى الله عليه: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثُمَّ يغتسل به» (^٣) يُحمل على ظاهره في أنَّ الإنسان لو بال في كوز، ثُمَّ صبَّ ذلك في الماء، جاز أن يغتسل به فيه؛ أو تغوط فيه: حلَّ له أن يتطهر به؛ ومن قال مثل ذلك لا يُكَالَمُ.\n_________\n(^١) قارن بـ: «التلخيص» (٢/ ١٠٩ - ١١٠).\n(^٢) أي: إلكيا.\n(^٣) الحديث في «الصحيحين»، لكن ليس بهذا اللفظ، بل باختلاف يسير، فقد أخرجه البخاري برقم (٢٣٩) ولفظه: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري، ثم يغتسل فيه»، وهو في مسلم (٢٨٢) بلفظ: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل منه». وعند أبي عوانة في «مستخرجه» (٨٤٩)، والبغوي في «شرح السنة» (٢٨٤) بلفظ: «لا يُبال في الماء الدائم الذي لا يجري، ثم يغتسل به».","vol":"1","page":166},{"text":"وبهذا الطريق حرمنا أكل مال الغير ولبسه والانتفاع به وأخذ مال اليتيم، وإن كانت الآية إنَّما تناولت الأكل، فقال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا﴾ (^١)، فلا يقال: إنَّ التحريم مقصور عليه، بل الأكل وغيره سواء في التحريم واستحقاق الوعيد؛ لأنَّه يُعلم من فحوى الآية، وقرينة الحال: التسوية بينهما.\nوكذا قوله سبحانه: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾ (^٢) على هذا التقدير.\n[فإن قيل:] فقد حكي عن الشافعي أنَّه قال: «إذا استنبط من العموم قياس، وذلك القياس يعكس على المستنبط منه بالإبطال: كان القياس باطلًا في نفسه».\nواعلم أنَّ هذا على خلاف ما تدلُّ عليه مسائله.\n- والذي صح عنه: أنَّه قال - مع اختلاف أقواله في القاتل هل يرث أم لا؟: «إنَّ القاتل إذا كان حاكمًا أو جلادًا أو ما جرى هذا المجرى أنَّه يرث. فقيل له: كيف يرث وقد قال النبيُّ صلى الله عليه: \"لا يرث القاتل من مال مقتوله شيئًا\" (^٣)، وهذا قاتل؟ أجاب بأنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه إنَّما أراد بقوله القاتل الذي\n_________\n(^١) النساء: ٢.\n(^٢) البقرة: ١٨٨.\n(^٣) لم نجده بهذا اللفظ؛ لكن أخرج الشافعي في «مسنده» (١٣٤٨)، «ترتيب سنجر، باب: لا يرث القاتل من مقتوله شيئًا»، وأحمد (٣٤٦) وغيرهما - ضمن قصة - من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده بلفظ: «لا يرث القاتل». وفي رواية أبي داود (٤٥٦٤) والبيهقي (١٢٢٤٠) وغيرهما: «ولا يرث القاتل شيئا»، وأخرج ابن أبي شيبة (٣١٣٩٨) عن سعيد بن المسيب=","vol":"1","page":167},{"text":"يكون القتل منسوبًا إليه من كلّ وجه، ولم يكن قاتلًا بحق، فتأثير القتل (^١) بغير حق، ففهم من مقصوده صلى الله عليه أنَّ المحروم: هذا القاتل؛ فأما إذا لم يكن القتل منسوبًا إليه من جميع الوجوه؛ فلا. والقاتل بحق لا تنسب إليه القتل من كل وجه، بل هو منتف عنه؛ لأنَّ المغلّب جهة الحق الذي استحق عليه، فيكون الحق قد قتله، ولهذا لا يُنسب إليه، وعن هذا قال علي ﵇: «ما من مسلم يموت في حد فأجد في نفسي شيئًا منه - الحق (^٢) قتله - إلا شارب الخمر؛ فإنَّه شيء رأيناه بعد رسول الله صلى الله عليه» (^٣). فإذا كان على هذا السبيل، خرج عن العموم.\n_________\n= مرفوعا: «لا يرث قاتل من قاتل قريبه شيئا من الدية عمدا أو خطأ». وأخرج ابن أبي شيبة (٦/ ٢٨٠)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٦/ ٣٦١) نحوها عن عدد من الصحابة.\n(^١) أي: الوارد في الحديث، هو ما كان بغير حق.\n(^٢) كذا في المخطوط، وهي موافقة لما جاء في بعض المصادر - كـ: «الجمع والفرق» لأبي محمد الجويني (٣/ ٤٨٢)، و«غياث الأمم» لأبي المعالي الجويني (ص ٢٢٦) ـ، وهذ وإن كان له وجه، إلا أن الذي في أكثر المصادر بالدال المهملة (الحد) - وهو أقرب، ولا يبعد أن يكون ما وقع عند أبي محمد الجويني وإمام الحرمين وإلكيا هو من التصحيفات القديمة، والله أعلم.\nوانظر الحاشية التالية.\n(^٣) لم نجده بهذا اللفظ مرفوعا، لكن أخرج البخاري عن علي (٦٧٧٨) أنه قال: «ما كنت لأقيم حدا على أحد فيموت، فأجد في نفسي، إلا صاحب الخمر، فإنه لو مات وديته، وذلك أن رسول الله ﷺ لم يَسُنَّهُ»، وهو كما ترى خال عن محل الشاهد - فيما أورده الإمام إلكيا - الذي هو: «الحق قتله»، لكن أخرج عبد الرزاق (١٨٠٠٢) عن علي أنه قال في الذي مات في قصاص: «قتله كتاب الله». وانظر: «مصنف» ابن أبي شيبة (٢٧٦٦٦، ٢٧٦٧٢). فإما أن يكون لفظ إلكيا مركبا من أثرين، وإما أن (الحق) الواقعة في نسختنا مصحفة من (الحد)، وانظر: «البدر المنير» (٨/ ٤٠٧)، «إرواء الغليل» (٧/ ٢٩٧). والله أعلم.","vol":"1","page":168},{"text":"- ومن ذلك أيضا ما صح عنه (^١) أنه قال: «إنَّ لمس ذوات المحارم لا ينقض الوضوء»، فقيل له: أليس قد قال الله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (^٢)، وهذا قد لمس، فيجب أن ينتقض وضوؤه؟ فقال: «نعم؛ إِلَّا أَنَّ الله تعالى استاق اللمس في استياق الأحداث الناقضة من خروج الخارج وغيره، وذكر اللمس لأنَّه أمر قد يتعقبه خروج الخارج في العادة، فالظاهر في هذا المحل أنَّه إنَّما أراد في هذا المحل اللمس المجرَّدِ للشَّهوة، وهذا إنَّما يتحقق في لمس غير المحرمات؛ فأَمَّا لمسهن، فلا؛ وهذا أمر يلوح مقترنًا بسماع اللفظ ومعرفة الاستنباط» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-87>فصل معقود في أفعال رسول الله صلى الله عليه؛ هل يُخص بها العموم أم لا؟</span> (^٤)\nاعلم أنَّ الناس اختلفوا في أفعال رسول الله صلى الله عليه؛ هل يُخص بها أم لا؟\nوليس الكلام في الفعل الصادر من رسول الله صلى الله عليه المنقول آحادًا، وإنما الكلام فيما نُقل ورُوي عنه تواترا؛ لأنَّه إذا كان أحادا ولا صيغة له يُفصح بالمقصود: فهو مطَّرَحُ.\n_________\n(^١) أي: عن الإمام الشافعي.\n(^٢) النساء: ٤٣، المائدة: ٦.\n(^٣) ينظر: «بحر المذهب» (١/ ١٤٦)، «البيان في مذهب الإمام الشافعي» (١/ ١٨٠).\n(^٤) انظر: «المستصفى» (٢/ ٧٧٨)، «الوصول» (١/ ٢٦٠).","vol":"1","page":169},{"text":"إنَّما إذا كان ثابتًا متواترا مقطوعًا به، وكان بعد هذا محتملا لأمور، متردّدًا بين أشياء؛ هل يُخص به أم لا؟\n* صار صائرون إلى أنَّه يُخَصُّ به العموم، وإلى هذا ذهب الشافعي والفقهاء بأسرهم.\n* وصار آخرون إلى أنَّه لا يُخَصُّ به العموم، وإليه ذهب القاضي.\nاعلم بأن الذي يقتضيه نظر الأصول أن يكون الحقُّ فيما قاله القاضي (^١)، والكلام في هذه المسألة يأتي مستوفى في أفعال رسول الله صلى الله عليه (^٢)، إلَّا أنا نذكر هاهنا شيئًا، فنقول:\nإنَّ العموم بصيغه يدلُّ على الاستغراق ويقتضيه، وفي القول دعاء للغير إلى اعتقاد ذلك، وأما الفعل فليس له صيغة تدلُّ على شيء، فيحتمل أن يكون ذلك الفعل الذي فعله من خصائصه؛ لأنه صلى الله عليه اختص بأشياء لا خفاء بها. وينضم إلى هذا أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه قد ينسى وقد يُخطئ وإن كان لا يقر عليه، ومن النَّاسِ مَنْ يجوز الصغائر - على الأنبياء - والغلط والنسيان، فيحتمل الفعل أحد هذه الوجوه؛ فإذا تعددت وجوه صارفة (^٣): لم يجز أن يُقصر على وجه واحد، ولا يكون بيانًا لشيء، ولم يظهر من جهته صلى الله عليه الدُّعاء إلى فعله الذي فعله؛ فإن ظهر ذلك بقوله: كانت الحُجَّةُ في قوله، كما قال صلى\n_________\n(^١) نقل الزركشي عن إلكيا اختيارا في هذه المسألة قد يخالف ما هو مثبت هنا. قارن مع: «البحر المحيط» (٣/ ٣٨٨).\n(^٢) لم يتبين لنا المسألة المحال إليها بالتحديد إن كانت مما هي موجودة في هذه التعليقة.\n(^٣) ويحتمل أن تقرأ: (مصارفة) أو: (مصادقة) أو (صادقة)، ولعل المثبت أقرب.","vol":"1","page":170},{"text":"الله عليه: «صلُّوا كما رأيتموني أصلّي» (^١).\nفإذا ثبت ذلك: فقد كان العمل بمقتضى ما له صيغة تدلُّ على الغرض أولى؛ - لأنه اتحد فيه وجه الدلالة - ممَّا لم يبين فيه دلالته على غرض (^٢).\n* وقال الشافعي (^٣): «يجوز تخصيص العموم بفعل رسول الله صلى الله عليه». واحتج بحديث ابن عمر أنَّه قال: «رأيتُ رسول الله صلى الله عليه جالسًا على لبنتين يقضي حاجته مستقبلًا بيت المقدس» (^٤)، «وإذا كان على ما ذكر، يكون مستدبرًا للكعبة»، فخصَّ به عموم قوله صلى الله عليه: «إذا ذهب أحدكم لقضاء الحاجة، فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها بغائط ولا بول» (^٥)، فخص اللفظ العام بالصحراء دون البنيان، فقال: «يجوز إذا كان هنالك شيء شاخص من جدار أو سترة».\n\n<span data-type='title' id=toc-88>فصل معقود في جواز نسخ العموم بعادات المخاطبين </span>(^٦)\nاختلف الناس في ذلك (^٧).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه. انظر: (ص ٦٨).\n(^٢) قارن مع: «البحر المحيط» (٤/ ١٩٨).\n(^٣) ينظر: «اختلاف الحديث» (مطبوع ملحقا بـ «الأم») (٨/ ٦٤٩).\n(^٤) أخرجه البخاري (١٤٥، ١٤٩)، ومسلم (٢٦٦).\n(^٥) أخرج نحوه البخاري (١٤٤) من حديث أبي أيوب الأنصاري، ومسلم (٢٦٥) من حديث أبي هريرة، وأقرب لفظ لما أورده إلكيا هو لفظ أبي عوانة في «مستخرجه» (٥٨٣).\n(^٦) انظر: «البرهان» (١/ ٢٩٦)، «المستصفى» (٢/ ٧٧٩)، «الوصول» (١/ ٣٠١).\n(^٧) كذا في المخطوط، ويحتمل أنها مقحمة في هذا الموضع.","vol":"1","page":171},{"text":"اعلم أنا لا نعني بذلك عادة الناس التي كانوا ألفوها فيما بينهم؛ فإنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه بعث لنقلهم عن تلك العادات المألوفة إلى الأحكام التي لم تكن عندهم معروفةً.\nوإنَّما نعني بالعادة أن يكون اللفظ موضوعًا في الأصل للاستغراق، ثُمَّ أَلِفوا التخاطب والاستعمال عند الإطلاق في شيء من تلك الأشياء.\nمثال ذلك: أنَّ «الدَّابَّة» اسم وضع في اللغة لكل ما دبَّ ودرج، ثُمَّ صار مستعملا في العرف في الدابَّة المخصوصة، - البهيمة المعروفة ـ؛ فإذا ورد لفظ (الدَّابَّة) من الشارع؛ هل يختص بهذه البهيمة المعروفة ويُحمل على ما ألفوه فيما بينهم أم يكون اللفظ عاما في كل ما يدبُّ؟\nيُنظر في ذلك:\n* فما كان على عهد رسول الله صلى الله عليه واستعمل ذلك أو أقرهم عليه أو وافقهم على استعماله ونقله صاغر عن كابر، وأداه أوَّل إلى آخر، أو ثبت أنه صلى الله عليه كان يخاطب كلَّ قوم بلغتهم: حُمِلَ ذلك على العادة المعروفة عند المخاطبين.\n* وإن كان لا يخاطبهم في جميع خطابه إلا بلغة الحجاز ولغة بني هاشم؛ فإنَّ الحكم يكون على ما عُرف من خطابه في لغته دون العادة، فلا يجوز أن يُخص به العموم.\nهذا كما استدلَّ الشَّافعي في إثبات العلة في الربا بقول رسول الله صلى الله عليه ونهيه عن بيع الطعام بالطعام (^١):\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٥٩٢) من حديث معمر بن عبد الله.","vol":"1","page":172},{"text":"* قال الشافعي: «وهذا اسم شامل لكل مطعوم».\n* وأصحاب أبي حنيفة حملوا هذا الحديث على الحنطة والشعير، وقالوا: اسم الطعام إذا أُطلق إنَّما ينصرف إلى الحنطة والشعير، فلهذا يقال: «سُوق الطَّعام».\n- … (^١)\n- ولأنَّ هذه لغةٌ مولدةٌ، ولم يكن في زمن رسول الله صلى الله عليه، ولم يخاطبهم به؛ فإذا لم يكن ذلك ثابتًا في عصره، فلا يُحمل اللفظ عليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-89>فَصْلٌ معقود في اللفظ إذا كان له عُرفان </span>(^٢)\n* عُرف لغوي، وعُرف شرعي؛ ثُمَّ أُطلق في الشرع؛ فإنَّه يُحمل على عُرف الشرع دون عُرف اللغة؛ لأنَّه أقرب إلى حال رسول الله صلى الله عليه:\nفإنَّه إنَّما يقصد البيان لأحكام الشرع؛ لأنَّه بعث مبينا للشرائع لا للغات؛ وصدر عن صاحب الشرع لفظ يجب أن يُحمل على عُرف الشرع إلَّا أَنْ يَصرفه صارف من قرينة أو غيرها.\n* فإن لم يكن له عُرف شرعي: حمل على مقتضى الموضوع العقلي في اللغة، ولا يُحمل على غير ذلك من اللغات المولدة على ما بينا (^٣).\n_________\n(^١) سياق الكلام يقتضي وجود سقط هنا - هو بداية رد الكيا -.\n(^٢) انظر: «التبصرة» (ص ١٩٥)، «البرهان» (١/ ٣١٣ - ٣١٦)، «المستصفى» (٢/ ٦١٥).\n(^٣) نقل الزركشي مضمون هذا الفصل والذي قبله ملخصا عن إلكيا. انظر: «البحر المحيط» (٣/ ٣٩٥).","vol":"1","page":173},{"text":"<span data-type='title' id=toc-90>فَصْل (^١) ومِمَّا يجوز تخصيص العموم به أيضًا: إقراره صلى الله عليه </span>(^٢).\nوإقراره ينقسم قسمين:\n* إقرار على الفعل.\n* وإقرار على الترك.\n- أما الإقرار على الفعل: مثل أن يرى صلى الله عليه فاعلا يفعل فعلا على مناقضة عموم الكتاب أو السُّنَّة، فيدل إقراره عليه على جوازه، وكونه شرعًا، فيكون ذلك تخصيصا للعموم.\n- وأما إقراره على الترك: فمثل ما روي عنه ﷺ -شائعا مستفيضًا- أنَّه كان يبت دعاته ويُنفذ جُباته إلى الأقطار والأطراف لأخذ الزكاة، ولم يُنقل أن أحدًا منهم أخذ الزكاة من الخضراوات، ولا نُقل أنه صلى الله عليه أمر أحدًا منهم بأخذها من الخضراوات؛ فإقراره على ترك الأخذ يدلُّ على تخصيصه؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (^٣).\nوأبو حنيفة يذهب إلى إيجاب الزكاة في الخضراوات، ثُمَّ إنَّه لما رأى هذا\n_________\n(^١) انظر: «مسائل الخلاف» (ص ١٣٠)، «المستصفى» (٢/ ٧٧٨)، «الوصول» (١/ ٢٩١).\n(^٢) وعلى القول بجواز التخصيص، فهل نقول إنه يستدل بذلك على أنه قد خُصَّ بقول منه ﷺ سابق أم أن التخصيص وقع بنفس الإقرار؟ والذي قاله الكيا - فيما نقله الزركشي عنه أن الثاني هو الظاهر من الحال. انظر: «البحر المحيط» (٣/ ٣٩٠).\n(^٣) الأنعام: ١٤١.","vol":"1","page":174},{"text":"الدليل صادمًا له ورافعا لمذهبه: أحدث مذهبًا، [فقال]: «إذ يقال (^١): «إنَّ الإمام لا يجب عليه أخذ الصدقة من هذه الأشياء، وإنَّما الواجب على ربِّ المال أن يفرقها بنفسه، بخلاف سائر الزكوات»».\n\n<span data-type='title' id=toc-91>فَصْلٌ </span>(^٢)\nومما يُخص به العموم أيضا: دليل الخطاب.\nعلى القول الذي نقول إنَّه حُجَّةٌ: فهو كسائر الأدلة التي يُخص بها العموم، وذلك مثل أن يقول: «أكرم الناس جميعًا؛ مَنْ دخل الدار منهم». دليل خطاب هذا اللفظ يقتضي أنَّ من لا يدخل: لا يستحق الإكرام، ولم يكن ذلك في اللفظ.\nفنقول: اجتمع دليلان أحدهما خاص، والآخر عام، فقدم الخاص على العام، فيُغلّب (^٣) الخاص؛ وبهذا استدلَّ الشَّافعي على مَنْ ادَّعى وجوب الزكاة في المعلوفة لعموم قوله: «في الماشية صدقة» أو «في النعم زكاة» (^٤). فقال الشَّافعي: «بلى، ولكن صح أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: «في سائمة الغنم زكاة» (^٥)، فلمَّا\n_________\n(^١) في الجواب عن ذلك الدليل.\n(^٢) انظر: «التقريب» (٣/ ٢٥٦)، «المستصفى» (٢/ ٧٧٦).\n(^٣) في المخطوط: (فتعلّق)، ولعل الصواب ما أثبت.\n(^٤) لم نجدهما، وانظر تخريج الحديث الآتي.\n(^٥) غير موجود بهذا اللفظ، بل هو مروي بالمعنى. قال ابن الصلاح: «أحسب أن قول الفقهاء والأصوليين: في سائمة الغنم الزكاة، اختصار منهم»، أخرج معناه البخاري (١٤٥٤)، وأبو داود (١٥٦٧) وغيرهما ضمن حديث طويل عن أنس. وانظر: «التلخيص الحبير» (٣/ ١٣٠٩)، «الهداية في تخريج أحاديث البداية» (١/ ٨٣).","vol":"1","page":175},{"text":"خص السائمة بالذكر، عُلم أنَّه لا بُدَّ أن يكون لهذا القدر من التخصيص فائدةٌ؛ ولم تكن تلك الفائدة إلا قصر الحكم عليه؛ لأنَّ دلالته خاصة، ودلالة ذاك عامة، فقضى بالخاص على العام، وهو قوله: «في النَّعم الزَّكاةُ»».\nوعلى هذا؛ إذا تعارض قياسان: أحدهما كُلِّيٌّ والآخرُ جزئي؛ فإنَّما يُقدَّم الجزئي؛ لأنَّه أخص، وهذا يأتي في كتاب الترجيحات إن شاء الله (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-92>فصل (^٢) هل يجوز تخصيص العموم بفعل الراوي ورأيه ومذهبه أم لا؟</span>\n* فالذي عليه المعظم من المحققين أنه لا يجوز ذلك، وهذا هو مذهب الشافعي؛ قال الشافعي: «الاعتبار بما رواه، لا بما رآه». ونُقل أنَّه قال: «رواية الراوي أولى من مذهبه ورأيه»، وفعله لا عبرة به مع نقله.\n* ونقل عن أصحاب أبي حنيفة أنهم قالوا: «يجوز تخصيص العموم بمذهب الراوي».\nوهذا غير صحيح:\nلأن رأيه ليس بأولى من رأي غيره.\nولأنَّه ممَّن يُقَرُّ على الخطأ ويجوز عليه الزلل، فكيف يترك القول المقطوع به بقول موهوم صحتُه؟! قال الشافعي: «كيف أترك الحديث لآراء قوم لو لقيتهم\n_________\n(^١) هذا الكتاب غير موجود في النسخة التي حققناها.\n(^٢) انظر: «البرهان» (١/ ٢٩٤)، «المستصفى» (٢/ ٧٨٠)، «الوصول» (١/ ٢٨٨).","vol":"1","page":176},{"text":"لحاججتهم بالحديث!» (^١).\n- ولأن قول رسول الله صلى الله عليه حُجَّةٌ، وقول الراوي ليس بحُجَّةٍ، وفعله صلى الله عليه أيضًا حُجَّةٌ، وفعل الراوي (^٢) ليس بحُجَّةٍ، فكيف يُترك الحُجَّة بما ليس بحُجَّةٍ!؟ فكان عموم اللفظ مقدما على أقوالهم وآرائهم.\nفالعمل بالعموم أولى من تركه والرجوع إلى رأي الراوي ومذهبه.\nهذا كما روي عن ابن عباس أنَّه قال: قال صلى الله عليه: «من بدل دينه فاقتلوه» (^٣)، وصح من مذهبه أن المرتدة لا تقتل.\nفهذا كلام رسول الله صلى الله عليه؛ كيف يُترك بمجرد رأي الراوي واجتهاده، وليس له تعلق باللفظ، ولا يرتبط به بحال.\nبلى، لو كان لفظ الحديث مترددًا بين محامل جمةٍ وجهات شتى - مثل أن يكون محتملا عدة احتمالات -، ثُمَّ حَمل الراوي الحديث على بعض محتملاته وخص به، فيكون ما حمله الراوي عليه أولى بالاعتبار، فيقدم ذلك على غيره؛ لأنه أعرفُ بشواهد الأحوال وقرائن المقال (^٤).\n_________\n(^١) انظر: «البرهان» (٢/ ٧٦١).\n(^٢) بعدها في المخطوط: (قال). الظاهر أنها مقحمة.\n(^٣) أخرجه البخاري (٣٠١٧) من حديث ابن عباس.\n(^٤) نقل الزركشي عن إلكيا وابن فورك أنها حالتان، فقال ما نصه: «المختار أنا إن علمنا من حال الراوي أنه إنما حمل على ذلك بما علم من قصد النبي ﷺ: وجب اتباعه لئلا يفضي إلى مخالفة النبي ﵇، وإن حمله على وجه استدلال أو تخصيصا بخبر آخر: فلا يجب اتباعه». انظر: «البحر المحيط» (٣/ ٤٠٢). وقارن مع نفس الكتاب (٤/ ٣٦٧، ٣٦٩).","vol":"1","page":177},{"text":"مثال ذلك: ما رُوي أنَّ عمر اجتاز على طلحة الصراف (^١) وعنده مالك بن أوس بن الحدثان - وقد أعطاه ورقًا ليأخذ منه ذهبًا ـ، فقال له طلحة: إنَّ الخازنة غائبة، فلو غبت ساعةً وجئتَ حتّى تجيء الخازنة الغائبة، فسمعه عمر فعلاه بالدرة فقال: لا تفارقه حتى يعطيك حقك أو يرد عليك ورقك، سمعت رسول الله صلى الله عليه: «الذهب بالذهب رِبًا إِلَّا هاء وهاء، والفضة بالفضة ربًا إلَّا هاء هاء …» وساق الحديث (^٢).\nقال الشافعي: «لما كان قوله صلى الله عليه «يدا بيد» يحتمل الغيبية، ويحتمل القبض في المجلس، وحَمَلَهُ عمر على القبض: رجعنا إلى تأويله لذلك اللفظ، فرجَّحناه على تأويل غيره».\nقال الشافعي: «وكيف لا يكون كذلك ولا نتبع تأويلهم، وقد شهدوا وغبنا، وسمعوا وأخبرنا، واطلعوا على القرائن وما اطلعنا». وقد يشاهد المعاين قرائن ما يغيب عنا، فيكون ما يراه من الوجوه أولى؛ لأنَّه أعرفُ بمخارج الكلام ومقصودِ الرسول صلى الله عليه، فكان المصير إلى تأويلهم أولى من هذا، بخلاف مخالفة الحديث بمجرد الرأي والمذهب ومجرّد المعتقد من غير أن يكون راجعا إلى احتمال اللفظ أو غيره؛ لأنَّ ذلك ترك للحديث من غير دليل ولا احتمال وجه له، وذلك باطل؛ فإنَّ الرَّاوي محجوج بالحديث في هذه الحالة كغيره، فكيف يترك الحديث بقوله؟! وهذا واضح لا غبار عليه.\n_________\n(^١) كذا في المخطوط، والمقصود طلحة بن عبيد الله، أحد العشرة المبشرين بالجنة.\n(^٢) أخرج نحوه البخاري (٢١٧٤)، وعبد الرزاق (١٤٥٤١)، وأحمد (٢٣٨)، البيهقي في «السنن الكبرى» (١٠٤٧٤) وغيرهم، ولفظ البيهقي للقصة أتم.","vol":"1","page":178},{"text":"<span data-type='title' id=toc-93>فَصْلٌ معقود فيما يجوز ادعاء العموم فيه وما لا يجوز </span>(^١).\n* اعلم أنَّ العموم يجوز ادعاؤه في الألفاظ المستغرقة كلها -كألفاظ العموم، والجموع، والمعرَّف بالألف واللام إلى غير ذلك-.\n* ومما يُدعى فيه العموم: الأسماء المبهمة كـ: «من»، و«ما»، و«أين»، و«حيثما» (^٢)، وكذلك النكرة في سياق النفي، كقوله: «ما رأيت رجلًا» (^٣).\n* ويجوز ادعاؤه أيضًا في فتوى رسول الله صلى الله عليه وحكمه:\nكما لو حكم وأفتى في حق شخص بحكم؛ فإنَّه يعم ذلك الحكم لكل\n_________\n(^١) «القواطع» (١/ ٢٦٨)، «أصول السرخسي» (١/ ٢٧١).\n(^٢) نقل الزركشي عن الكيا أن الأسماء المبهمة مثل: «من» و«ما» و«أي» و«متى» لا تستوعب بظاهرها، وإنما تستوعب بمعناها عند قوم. «البحر المحيط» (٣/ ٨٣).\n(^٣) نقل الزركشي عن إلكيا أن النكرة - المفردة - في سياق النفي تعم ضرورة صحة الكلام، لا أنه يتناوله الجمع بصيغته، فقال: «زعم أبو الحسين في المعتمد أن النكرة في النفي أفادت العموم بصيغتها لا بزيادة عليها، وصرح الرازي بخلافه وهو الحق؛ لأن: \"لا\" رجل\" عمت بزيادة دخلت على \"رجل\"، وكذا قال إلكيا الطبري: \"إنما عمت النكرة لضرورة صحة الكلام، وتحقيق غرض المتكلم من الإفهام، لا أنه يتناول الجمع بصيغته، فالعموم فيه من القرينة\"، هذا لفظه». «البحر المحيط» (٣/ ١١٤).\nوأما إذا كانت النكرة المنفية جمعا، فقد نقل الزركشي أن إلكيا نقل فيها قولين في كتابه: التلويح، وصحح أنها لا تقتضي العموم، فقال ما نصه: «لأن الإبهام في النكرة اقتضى الاستغراق، وإذا ثني أو جمع زال معنى الإبهام، ويحسن أن يقال: ما رأيت رجالا، وإنما رأيت رجلا أو رجلين ولا يحسن أن يقال: ما رأيت رجلا وإنما رأيت رجالا، سيما إذا قال: ما رأيت من أحد». «البحر المحيط» (٣/ ١١٦).","vol":"1","page":179},{"text":"شخص؛ إلَّا أنَّ هذا العموم لا يكون مُتَلَقَّىً من اللفظ، وإنَّما هو يُستفادُ من دليل آخر، وهو قوله صلى الله عليه: «حكمي في الواحد حكمي في الجماعة» (^١).\n- وكذلك لو حكم بحكم وعلَّله: كان المعتبر عموم علَّتِه.\n* وكذلك أيضًا يجوز ادّعاء العموم في المعاني المُطَّردة والعلل العامة، كما رُوي أنَّه صلى الله عليه «سها فسجد» (^٢)، وما أشبه ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-94>فَصْلٌ </span>(^٣)\nاختلف الناس في أقلِّ الجمع (^٤):\n_________\n(^١) تقدم تخريجه. انظر: (ص ١٣٩).\n(^٢) أخرجه نحوه أبو داود (١٠٣٩)، والترمذي (٣٩٥)، والنسائي في «الكبرى» (٦٠٩) وغيرهم من حديث عمران بن حصين.\n(^٣) انظر: «مسائل الخلاف» (ص ١٤٤)، «البرهان» (١/ ٢٣٩)، «المنخول» (ص ١٤٨)، «الوصول» (١/ ٢٩٥). ويلحظ في هذا الفصل اختزال ووجود اضطراب في بعض العبارات في المخطوط، مما يدل على أن المسألة لم تكتب كما ذكرها الإمام إلكيا. يوضح ذلك ما يأتي من الاستدراكات.\n(^٤) ومن الأقوال التي لم تذكر:\n١ - ما نقله الزركشي عن إلكيا أن من العلماء من قال إن أقله واحد، وبعضهم فهمه من كلام إمام الحرمين في البرهان: «والذي أراه أن الرد إلى واحد ليس بدعا، ولكنه أبعد من الرد إلى اثنين، كأن ترى امرأة تبرجت لرجل فتقول: أتتبرجين للرجال؟». وقد بيّن إلكيا أن مراد الإمام حمل ذلك بطريق المجاز. «البحر المحيط» (٣/ ١٣٨).\n٢ - «ومنها ما حكاه إلكيا الطبري عن إمام الحرمين من التفصيل بين جمع الكثرة، فهو ظاهر في الاستغراق؛ وبين جمع القلة فهو ظاهر فيما دون العشرة، ولا يمتنع رجوعه إلى الاثنين بقرينة، وكذلك إلى الواحد وهو مجاز». «البحر المحيط» (٣/ ١٤٠ - ١٤١). ونقل الزركشي عن إلكيا أنه يخالف إمام الحرمين في ذلك. «البحر المحيط» (٣/ ١٤٢).","vol":"1","page":180},{"text":"فقال قوم: اثنان، وبه قال القاضي.\nوقال آخرون: ثلاثة، وبه قال الشيخ أبو المعالي (^١).\nونقول:\n- ليس من صورة المسألة (^٢) ولا من غرضنا: الجمع المتصل المضمر (^٣) المخاطب أو النظم (^٤) المتّصل بكلام الواحد وإشارته فيه إلى نفسه إذا كان معه غيره، كقوله: «فعلنا»، و«صنعنا»، فرُبَّما يكون الفاعل واحدا وليس معه غيره؛ لأنَّ هذا اللفظ مما لا يجري فيه التثنية والجمع.\n- وليس تصور المسألة أن يُضاف شيء إلى شيء فيجمع نحو قوله تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ (^٥)، والمعنى «قَلْبَاكُما»،: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (^٦)، فهذا جمع.\nوالمسألة موضوعة على رأي المعممين، لا على ما جرى النزاع فيه (^٧).\n_________\n(^١) بعدها بياض في المخطوط بمقدار كلمتين تقريبا. نقل الزركشي عن إلكيا أنه قال: «هو مختار الشافعي». «البحر المحيط» (٣/ ١٣٧).\n(^٢) انظر: «البحر المحيط» (٣/ ١٣٥).\n(^٣) في المخطوط: (بمضمر)، ولعل الصواب ما أثبت.\n(^٤) كذا في المخطوط، ولعلها: (الجمع).\n(^٥) التحريم: ٤.\n(^٦) المائدة: ٣٨.\n(^٧) نقل الزركشي عن الكيا:\n١ - أن الخلاف في الصيغ الموضوعة للجمع، سواء كانت للسلامة أو للتكسير، نحو: مسلمين ورجال. «البحر المحيط» (٣/ ١٣٦).","vol":"1","page":181},{"text":"<span data-type='title' id=toc-95>فَصْلٌ معقود في بناءِ الخاصِّ على العامِّ </span>(^١)\nإذا اجتمع عامٌّ وخاصٌّ في قضيةٍ واحدة؛ كيف العملُ؟\nاختلف الناسُ في حَمْلِ كلِّ واحدٍ منهما على صاحبه - العامُّ والخاصُّ - إذا لم يُمكِنِ الجمعُ بينهما:\n* فالذي نُقِلَ عن الشافعيِّ - وهو مذهبُ الفقهاءِ -: أنَّ الخاصَّ يُقضى به على العامِّ كيف تصرفتِ الحالُ، سواءٌ كان الخاصُّ متقدِّمًا والعامُّ وَرَدَ بعدَه، أو كان العامُّ متقدِّمًا والخاصُّ واردٌ بعدَه (^٢).\n* والصحيح فيه: ما ذكرَه القاضي، فقال: هذا يستدعي تفصيلًا، وهو أن يقال:\n- لا خلافَ أنَّهما إذا وَرَدَا معًا؛ فإنَّه يُقضَى بالخاصِّ على العامِّ، كقوله تعالى: «اقتُلوا المشركين إلاَّ من أعطى الجزية» (^٣).\n_________\n= ٢ - وأن الخلاف في هذه المسألة إنما هو حيث قامت قرينة على أنه لم يرد بالجمع الاستغراق؛ أما مطلق الكلام عند المعممين، فحقيقة في الاستغراق. وذكر الزركشي أن إلكيا أخذ هذا عن شيخه إمام الحرمين. «البحر المحيط» (٣/ ١٤٣).\n(^١) انظر: «التقريب» (٣/ ٢٦٥)، «الوصول» (١/ ٢٩٢).\n(^٢) نقل الزركشي عن الكيا الطبري بناء هذه المسألة عند الحنفية، فقال: «خلاف الحنفية في هذه المسألة مبني على أن العام الذي لم يدخله التخصيص نص في الاستغراق حتى لا يجوز تخصيصه بالقياس، وحينئذ فإذا قضى الخاص على العام في جزء تناوله الخاص، والعام يقضي على الخاص في خبر تناوله العموم، فيتعارضان من هذه الجهة». «البحر المحيط» (٣/ ٤١٢).\n(^٣) ليست هذه آيةً، ولعله يعني قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ … =","vol":"1","page":182},{"text":"- فأما إذا وردا مفترقين:\n- إن كان الخاص واردا بعد العام؛ فلا شك في أن الخاص يقضى به على العام إذا كان الخاص نصا لا يحتمل التأويل، ويكون العمل به فيما خصه.\n- «فأما إذا كان الخاص واردا بعد العام وكان الخاص في احتمال التأويل بمثابة العام؛ فإنهما يقعان (^١) ويتعارضان، ولا يترجح أحدهما على الآخر» (^٢).\nمثال ذلك:\nأن يستدل الشافعي: على أن الزكاة لا تجب في الخضراوات، ولا في الناقص عن خمسة أوسق من التمر صدقة.\nويستدل الحنفي: على وجوب الزكاة في هذه الأموال بقوله صلى الله عليه: «فيما سقت السماء العشر، وفيما سقي بنضح أو دالية نصف العشر» (^٣)، وهذا\n_________\nحَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [التوبة: ٢٩]، أو ربما يكون قوله: (تعالى) مقحمة، وأن الإمام إلكيا قصد مجرد التمثيل.\n(^١) كذا في المخطوط.\n(^٢) وبقي قسم ثالث ورابع لم تذكر هنا.\nأما القسم الثالث: «وهو أن يتأخر العام عن وقت العمل بالخاص، فنقل الزركشي عن إلكيا أنه في هذه الحالة يبنى العام على الخاص؛ لأن ما تناوله الخاص متيقن، وما تناوله العام ظاهر مظنون، والمتيقن أولى». ثم نقل عنه ما نصه: «قال إلكيا: وهذا أحسن ما علل به». «البحر المحيط» (٣/ ٤٠٩)\nوأما القسم الرابع: أن يتأخر العام عن وقت الخطاب بالخاص، فقد ذكر الزركشي أن إلكيا الطبري جعل الخلاف في هذه الحالة مبنيا على تأخير البيان، ثم نقل عنه ما نصه: «قال: فمن لم يجوز تأخيره عن مورد اللفظ: جعله نسخا للخاص». «البحر المحيط» (٣/ ٤١٠).\n(^٣) أخرج البخاري نحوه (١٤٨٣) من حديث ابن عمر.","vol":"1","page":183},{"text":"عام في كل مال؛ فيُحمل على مقتضاه؛ ويقول: إِنَّ العُشر واجب في كلّ ما يُنبته الآدميون، وفي كلّ قدرٍ؛ فلم يعتبر جنسًا مخصوصًا من الزرع، ولا قدرًا مخصوصًا.\nفقال له الشافعي: فقد قال صلى الله عليه: «ليس في الخضراوات زكاة» (^١)، وقال أيضا: «ليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة» (^٢)، فالخبر الذي ذكرتم إذا يُخرجه التخصيص (^٣)، فَأَحْمِلُه:\n- على غير الخضراوات ممَّا يُسقى، ويُعشر؛\n- وعلى التمر إذا كان خمسة أوسق؛ بدليل هذين الخبرين.\nفقال أبو حنيفة: أنا أؤوّل ذاك الخبر الخاص، وأقول: «المراد: ليس فيه صدقة يأخذها الإمام ويفرّقها، بل ما فيه من الصدقة يؤديها ربُّ المال ويفرّقها؛ لأنه قدر يسير لا يُدفع إلى الإمام؛ بدليل خَبَرِي العام»، وهو قوله صلى الله عليه: فيما سقت السَّماءُ العُشْرُ.\nالشافعي يعارضه، ويتأوَّل خبره، ويقول: المراد بقوله: «فيما سقت السَّماء العُشْرُ»، مما يقتات وقد بلغ خمسة أوسقٍ؛ بدليل قوله: «ليس في الخضراوات صدقة»، و«ليس فيما دون خمسة أوسقٍ من التَّمر صدقةٌ».\nفقد وقع التعارض في هذه الأخبار بكلِّ حالٍ، وحظ الأصول: التوقف فيما\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٦٣٨) - وضعفه -، وعبد الرزاق (٧١٨٥)، والبزار في «مسنده» (٩٤٠)،\nوالدارقطني (١٩١٠، ١٩١١) وغيرهم عن طلحة بن معاذ. وروي عن عدد من الصحابة. وانظر\nالكلام حول الحديث وطرقه وأسانيده: «نصب الراية» (٢/ ٣٨٦).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٤٥٩) من حديث أبي سعيد الخدري.\n(^٣) أي: عن عمومه.","vol":"1","page":184},{"text":"هذا سبيله؛ إلَّا أَنَّ الترجيح يقع في كل واحدٍ من المذهبين بأدلَّةٍ أُخَرَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-96>فصل </span>(^١)\nإذا ورد عامان وأمكن تخصيص كلّ واحدٍ منهما بدليل العموم؛ فإنَّهما يتعارضان ولا يُقدَّم أحدهما على الآخر إلى أن يظهر وجه الترجيح.\nمثال ذلك: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ (^٢)، هذا عام في جواز وطء كلّ ما ملكت بملك اليمين والنكاح جميعًا حتّى قال قوم: يجوز الجمع بين وطء الأختين في ملك اليمين؛ وورد عموم آخر، وهو قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (^٣)، وهذا عام في تحريم الجمع بكلّ حالٍ في ملك اليمين وملك النكاح جميعًا:\n* فمن ذهب إلى إباحة الجمع بين وطء الأختين في ملك اليمين قال: المراد به الجمع بين الأختين في النكاح.\n* ومن قال: يحرم الجمع بين الأختين بكل حال قال: المراد بقوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ في غير الأختين؛ فقد تساويا وتعارض العمومان من كل وجه.\nفمقتضى نظر الأصول أن يُتوقف في ذلك، وهذا المعنى الذي أشار إليه علي ﵇، وقال: «التحريم أولى» (^٤). واعلم أنَّ التحريم هاهنا ليس لأنه اتضح\n_________\n(^١) «التقريب» (٣/ ٢٧٢)، «البرهان» (٢/ ٧٧٤)، «المنخول» (ص ٤٣٦).\n(^٢) المؤمنون: ٥ - ٦.\n(^٣) النساء: ٢٣.\n(^٤) لم نجده عن علي، وذكره الماوردي عن عثمان. ينظر: «الحاوي» (٩/ ٢٠٢)، (١٦/ ٨٢).","vol":"1","page":185},{"text":"دليل - لأن التعارض لا يقتضي إلَّا التَّوقف، ولا يقتضي حكما ـ؛ ولكن التحريم هو بدليل آخرَ، وهو التمسك بمقتضى الأصل.\nومن هذا القبيل: قوله تعالى: ﴿اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ إلى أن قال: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ (^١)، فخصَّ أهل الكتاب بذلك دون سائر المشركين. وقال صلى الله عليه لمعاذ: «خُذْ مِنْ كلّ حالم دينارًا» (^٢)، فهذان عامان.\n* قال الشافعي: تمنع أخذ الجزية من عبدة الأوثان من العرب، وإِنَّما تُؤخَذ من أهل الكتاب، بدليل قوله تعالى: ﴿اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ (^٣)، هذا عام في حقٌّ مَنْ أدى الجزية ومن لم يؤد؛ ويُحمل خبر معاذ على الحالم الكتابي.\n* وأبو حنيفة يجوز أخذ الجزية من الوثني، ويتمسك بقوله صلى الله عليه المعاذ: «خُذْ مِنْ كلِّ حالم دينارًا»، أو يحمل الآية على أهل الحرب؛ والمنع محتمل.\nفهذا تعارض بين العمومين، فيحكم بالتوقف إلى حين ظهور دليل الترجيح.\nومن هذا القبيل أيضا: قوله صلى الله عليه: «من بدل دينه فاقتلوه» (^٤):\n* فمن أوجب قتل المرتدة: احتج بعموم هذا.\n_________\n(^١) التوبة: ٢٩.\n(^٢) أخرجه أبو داود (١٥٧٦)، والترمذي (٦٢٣)، والنسائي (٢٤٥٠ - ٢٤٥٢)، وأحمد (٢٢٠١٣)، (٢٢٠٣٧)، (٢٢١٢٩) وغيرهم من حديث معاذ.\n(^٣) التوبة: ٥.\n(^٤) تقدم تخريجه. انظر: (ص ١٧٧).","vol":"1","page":186},{"text":"* وَمَنْ منع: احتج بعموم قوله صلى الله عليه: «لا تقتلوا امرأةً ولا عسيفا» (^١).\nفالشافعي يقتل المرتدة، ويحمل قوله: «لا تقتلوا امرأةً» على غير المرتدة؛ ومن لم يقتل المرتدة، تمسك بقوله صلى الله عليه: «لا تقتلوا امرأةً»، وحَمَلَ قوله: «من بدل دينه فاقتلوه» على الرجال.\nفهذه أمثلة تعارض العموم؛ فافهمه وقس عليه.\nمسألة (^٢)\nإذا ورد لفظ عام ثُمَّ تعقبه استثناء أو تقييد بصفة أو شرط يقتضي استنزال اللفظ العام عن عمومه وشموله، فهل يكون اللفظ العام باقيا على مقتضى الاستغراق والعموم؟ والتَّقييد بالصفة يختص بمن وُجدت تلك الصفة به، ويكون التقييد والتخصيص عائدا إلى العام بالتخصيص؟\nهذا ما اختلف الأصوليون فيه؛ إلا أبا الحسين البصري؛ فإنَّه قال: يجب التوقف في ذلك (^٣).\nمثال هذا قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٢٦٦٩)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (١٨١٠٤) من حديث رباح بن الربيع.\n(^٢) في أن تخصص بعض العام بالشرط أو الاستثناء لا يوجب تخصيص جميعه. انظر المسألة في: «التقريب» (٣/ ١٦٨)، «المعتمد» (١/ ٣٠٦)، «الوصول» (١/ ٢٧٠).\n(^٣) عبارة أبي الحسين في «المعتمد»: «والأولى عندنا التوقف في ذلك. وقد نسب ابن برهان له في الوصول»، قولا غير التوقف، وهو وهم منه.","vol":"1","page":187},{"text":"فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ (^١) خاص في حقٌّ مَنْ يصح منها العفو. وقوله: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ عام في حق (^٢) كل مطلقة يقتضي إيجاب نصف المسمى لها، سواء كانت بالغةً أو غير بالغة؛ لأنه علق وجوبه على عدم المسيس، وعِلَّةُ الحكم قد وجدت. وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ يقتضي [أنها] يصح منها العفو، وهي البالغة. فهل تكون هذه الصفة قاضية على العموم الأوَّلِ بالتّخصيص حتَّى لا يجب نصف المسمى قبل الدخول إلا للبالغة؟\nأو يكون العام على ما يقتضيه، ويكون الإسقاط مختصا بالبالغات؟\nاختلف الناس في ذلك:\n* فمذهب الشافعي وأصحابه وعامة المتكلمين: أنَّ اللفظ العام الأول على ما يقتضيه من الاستغراق (^٣).\n* وقال أبو حنيفة: بل ما تعقّب من الصفة يقتضي تخصيص اللفظ وتقييده بمَن وُجدت به تلك الصفة.\n* وتوقف أبو الحسين البصري فيه.\nوالذي يدلُّ على ذلك (^٤): أنَّ العموم ظاهر في الاستغراق، وهذا خصوص تطرق إليه بالشرط أو الاستثناء (^٥)، فحمل كلُّ واحدٍ منهما على مقتضاه؛ أو صار\n_________\n(^١) البقرة: ٢٣٧.\n(^٢) أفاد الزركشي أن هذا اختيار إلكيا. انظر: «البحر المحيط» (٣/ ٢٣٣).\n(^٣) قوله: (في حق) في المخطوط: (حق في).\n(^٤) الظاهر أن قبل هذه العبارة سقطا. ويعني بـ: «ذلك» قول الشافعي وموافقيه.\n(^٥) قوله: (تطرق إليه بالشرط أو الاستثناء) في المخطوط: (تطرق إلى الشرط أو إلى الاستثناء)، =","vol":"1","page":188},{"text":"بمنزلة جملتين عُطف إحداهما على الأخرى، ثُمَّ خُصَّ المعطوف بأمرٍ يَخصه بصفة أو بشرط: لا يقتضي هذا عود التخصيص إلى المعطوف عليه، بل لكل حكمه، فلا يشتركان في الوصف (^١).\nنظير هذه المسألة: قوله صلى الله عليه: «لا تبيعوا البر بالبر … إِلَّا كيلا بكيل» (^٢).\n* فالشافعي يحرّم بيع الحفنة بالحفنتين بهذا الحديث، ويقول: قوله: «لا تبيعوا البر بالبر» عام يشمل المكيل وغير المكيل؛ فأحمله على مخصوصه، وأحرم البيع على الإطلاق في البر؛ وقوله: «إِلَّا كيلا بكيل» تخصيص لبعض المحال؛ فاستثناء المكيل يعود إلى المكيل، ويبقى الباقي على عمومه، فلا يجوز بيع المكيل بالمكيل ولا بيع الحفنة بالحفنتين؛ غير أنَّ حُرمة بيع المكيل بالمكيل يكون معللا؛ لعدم (^٣) التساوي، وما ليس بمكيل محرَّم بما ورد فيه من اللفظ العام.\n* وأبو حنيفة يقول: قوله: «إلا كيلا بكيل» راجع إلى ما تقدم من نهيه عن بيع البر بالبر، فيصير كأنَّ النَّهي تناول المكيل فقط؛ لأنَّ ما تعقّب من الاستثناء ولعل الصواب ما أثبت.\n_________\n(^١) قوله: (بل لكل حكمه، فلا يشتركان في الوصف) في المخطوط: (بل بكل جمله، وإنما يشتركان في الوصف)، ولعل الصواب ما أثبت.\n(^٢) أقرب لفظ لما أورده المصنف هو ما أخرجه الشاشي في «مسنده» (١٢٤٤)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (٥٧٥٩)، و«شرح مشكل الآثار» (٦١٠٤)، والبيهقي في «معرفة السنن والآثار» (١١٠٢٣)، و«السنن الكبرى» (١٠٥٤١) من حديث عبادة بن الصامت.\n(^٣) ويحتمل أن تقرأ: (بعدم).","vol":"1","page":189},{"text":"يقتضي الرجوع إلى ما تقدم، فيجعله جملةً واحدةً.\nوأبو الحسين البصري خالف القولين، وقال: «أتوقّف».\nمسألة (^١)\nإذا وردت جملتان؛ إحداهما مستقلة والأخرى [غير] مستقلة، وعطف ما لا يستقل على ما يستقل، وأضمر في الجملة المعطوفة زيادة؛ هل يكون في المعطوفة عليه مثل ذلك الإضمار ويعود الإضمار [٨٩/ ظ] إلى (^٢) الجملة الأولى المعطوف عليها أم لا؟\n… (^٣)\nقال أبو الحسين البصري: بل تكون الزيادة المضمرة في الجملة المعطوفة راجعة إلى الجملة الأولى، وإليه ذهب أبو حنيفة.\nفنبين أولا مثال ذلك:\n* قوله صلى الله عليه: «ألا لا يُقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده» (^٤):\n- فأبو حنيفة يقول: المضمر في قوله: «ولا ذو عهد» معناه: لا يُقتل ذو عهد\n_________\n(^١) انظر: «المعتمد» (١/ ٣٠٨)، «التمهيد» (٢/ ١٧٢)، «الوصول» (١/ ٢٧٣).\n(^٢) مكررة في المخطوط.\n(^٣) يظهر أنَّ هنا سقطا، ولعله حكاية قول الشافعي في المسألة. قارن مع: «المعتمد» (١/ ٣٠٨).\n(^٤) أخرجه بهذا اللفظ: أحمد (٩٥٩)، وأبو داود (٤٥٣٠)، والنسائي في «الكبرى» (٦٩١٠، ٨٦٢٩)، والبزار (٧١٤) من حديث علي.","vol":"1","page":190},{"text":"بكافرٍ، فالمظهر في المعطوف عليه هو الذي أضمر في المعطوف، فكان تقدير الكلام: «لا يقتل مؤمن، ولا ذو عهد بكافر». قال: لأن الوصف يقتضي التشريك، والواو ظاهر العطف والتشريك، ومن قضيَّة العطوف والتشريك أن يشتركا في الإعراب والمعنى، ولا يتحقق حكم العطف والتشريك إلَّا إذا رُدَّت إلى الجملة الأولى وساوتها في حكمها.\n- والشافعي يقول: قوله: «لا يُقتل مسلم بكافر» مستقل بنفسه يحمل على ظاهره، وقوله: «ولا ذو عهد في عهده» محمول على أنَّه لا يجوز قتله ابتداءً بكفره. قال: لأن العطف فيما لا يتصل يقتضي أن يُشرك (^١) بين المعطوف والمعطوف عليه في قدر ما يستقل به؛ فإذا استقل بأن يُشرك بينهما في معنى، فقد زالت الضرورة وحصل الاستقلال.\nونحن نقول: قد اشتركا في نفي أصل القتل، فلا يقتل مؤمن بكافر، ولا يُقتل ذو العهد، وليس من شرطه أن يشتركا في جميع الأحكام، وهذا لأن العطف إذا كان له وجه صحيح مستقل - وهو التسوية بينهما في نفي أصل القتل، وهو الحكم الخاص - كان أولى من إثبات التَّزَيُّد في كل حكم، وهذا لأنَّ الجملتين إذا أمكن إفراد كل واحدة منهما بحكم، وجب تمييزها عن الأخرى، فلا تجعل الواو موجبةً لتساويهما مع ظهور الفائدة، فصارت هذه بمثابة قول القائل: «لا تقتل النصارى بالحديد، ولا اليهود في الأشهر الحرم»، هذا العطف لا يقتضي إلا الاشتراك في نفي أصل القتل؛ وإن اختلفا في صفته، فلا يقتل النصارى بالحديد في الأشهر الأخر، ولا في أشهر الحرم، ولكن يجوز قتلهم بغير حديدٍ؛\n_________\n(^١) في المخطوط: (يشترك)، ولعل الصواب ما أثبت.","vol":"1","page":191},{"text":"ولا يُقتل اليهود في أشهر الحرم؛ فيُحمل قتل النّصارى على أنه نهي عنه في الأشهر كلها بالحديد، وأنه نهي عن قتل اليهود في أشهر الحُرُمِ بالحديد وبغيره؛ تسوية بين الجملتين من غير أن يُشرك بينهما من كل وجه؛ كذلك في مسألتنا.\n* * *","vol":"1","page":192},{"text":"<span data-type='title' id=toc-97>كتاب المفهوم </span>(^١)\nاعلم أنَّ هذا النوع من الدَّليل سُمِّي بأسماء؛ منها: «مفهوم الخطاب»، و«دليل الخطاب»، و«لحن الخطاب»، و«فحوى الخطاب»، و«التنبيه».\nوهو منقسم إلى:\n* مفهوم الموافقة.\n* ومفهوم المخالفة.\nفأما مفهوم الموافقة؛ فهو إثبات الحكم في غير المنطوق به على الوجه الذي ثبت في المنطوق به على موافقته ومطابقته.\nمثال ذلك: قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ [لَهُمَا] أُفٍّ﴾ (^٢)؛ نص على تحريم التأفيف، ثُمَّ فُهم من هذا الكلام تحريم أنواع التعنيف وضروبه من السب والشتم والضرب وغير ذلك، حتى لو نص الشرع على الجمع بينهما: استحال ذلك وعُدَّ تناقضًا؛ فإنَّه لو قال: «لا تقل لهما أف واشتمهما» … (^٣).\nواختلف الأصوليون بعد ذلك في أنَّ هذا الحكم؛ هل هو مستفاد؟\n_________\n(^١) انظر: «البرهان» (١/ ٢٩٨)، «المنخول» (ص ٢٠٨)، «الوصول» (١/ ٣٢٩).\n(^٢) الإسراء: ٢٣.\n(^٣) يظهر أن هنا سقطًا. ولعل تقديره: «… لكان هذا خارجًا عن لسان العرب». انظر: «إيضاح المحصول» (ص ٣٣٦). ويحتمل أن لا سقط، وأنَّ أصل الكلام: (كما لو قال …)، بدل: (فإنه لو قال …).","vol":"1","page":193},{"text":"من نفس اللفظ فحسب، أو هو مستفاد من قرائن ومخايل اقترنت باللفظ؟\n* فقال قوم: إنَّه مفهوم من نص اللفظ؛ بدليل التناقض عند الجمع.\n* وقال قوم - وهم المحققون -: إنَّ هذا غير نص، وإنَّما هو مستفاد ومفهوم من قرائن ومخايل اقترنت باللفظ، وهو سياق الآية (^١).\nولهذا نظائر في كتاب الله تعالى، و[من] ذلك:\nقوله: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ (^٢)، وقال تعالى: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ (^٣)، ولا حبل ممدود، ولا عُروة، وإِنَّما أراد أوامر الله تعالى والمحافظة على دينه وحدوده.\nوقوله: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ﴾ (^٤)، ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ﴾ (^٥)، ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَهُمْ﴾ (^٦)، إلى غير ذلك؛ فهذا القسمُ الأَوَّلُ.\nوالقسم الثاني: وهو مفهوم المخالفة.\nمثاله: قوله صلى الله عليه: «في سائمة الغنم زكاة» (^٧)، دل تخصيصه السائمة بالزكاة على أن المعلوفة لا زكاة فيها.\n_________\n(^١) بعدها في المخطوط بياض مقدار كلمة أو كلمتين.\n(^٢) آل عمران: ١٠٣.\n(^٣) البقرة: ٢٥٦.\n(^٤) الشعراء: ٢٠٨\n(^٥) الأنبياء: ١١.\n(^٦) الكهف: ٥٩.\n(^٧) تقدم تخريجه. انظر: (ص ١٧٥).","vol":"1","page":194},{"text":"والمشهورُ عن الشافعيِّ وجُلُّ أصحابه: [أنه] يدلُّ على نفي الحكم عما عدا المذكور، وإليه ذهب أكثر الأصوليين (^١) (^٢).\n_________\n(^١) يلحظ في القسم الثاني من هذه المسألة اختزال لا يناسب ما ذكره في القسم الأول، فلم يذكر أنواعه ولا تفصيل الخلاف فيه، وهذا مما قد سبق التنبيه عليه في مسائل أخرى من وجود التباين في النسخة الخطية في عرض المسائل بين توسع واختصار مخل أحيانا. وقد أورد الزركشي أن إلكيا ذكر بعض أنواع المفاهيم، ومنها مفهوم الحال. انظر: «البحر المحيط» (٤/¬٤٤)، وكذلك أورد عنه مفهوم الحصر، ونص ما نقل عنه: «وقال إلكيا: المفهوم يجري في النفي كالإثبات، ولا فرق بين قوله: القطع في ربع دينار، وبين قوله: لا قطع إلا في ربع دينار. قال: ومن العلماء من قال: إذا قال: لا قطع إلا في ربع دينار، كان نصا في القطع في الربع، مفهوما في الذي فوقه ودونه». «البحر المحيط» (٤/¬٥٠)، وانظر: (٤/ ٥١ - ٥٢، ٥٥) من نفس الكتاب.\n(^٢) نقل الزركشي عن الكيا أن دلالة المفهوم أقوى من دلالة العموم المنطوق، فقال ما نصه: «وقال إلكيا الطبري: دلالة المفهوم أقوى من دلالة العموم المنطوق، فإذا قال: \"أعط زيدا درهما\"، ثم قال: \"إن دخل الدار فأعطه درهما\"، كان الثاني أقوى. والدليلان إذا تعارضا قضي بأقواهما». «البحر المحيط» (٣/ ٣٨٥).","vol":"1","page":195},{"text":"<span data-type='title' id=toc-98>كتابُ الأفعال </span>(^١)\nالأفعال تنقسم:\n* إلى فعل لا حكم له.\n* وإلى فعل له حكم.\nأما الذي ليس له حكم زائد على وجوده:\nفهو كفعل الشاهي والغافل والذاهل وأفعال المجانين والصبيان والبهائم؛ فإنَّ هذه الأفعال لا تُوصَف بالحُسن والقبح، ولا بالإباحة والحظر، فلا يتعلق به ذم ولا مدح.\nوأما ما له حكم زائد على وجوده فينقسم:\n* إلى أفعال الباري تعالى.\n* وإلى أفعال المكلفين.\nأما أفعال الباري تعالى: فكلها حسنةٌ.\nوأما أفعال المكلفين فتنقسم:\n* إلى أفعال الأنبياء.\n* وإلى أفعال غيرهم من العباد.\n_________\n(^١) انظر: «البرهان» (١/ ٣١٩)، «المنخول» (ص ٢٢٣)، «الوصول» (١/ ٣٤٩).","vol":"1","page":197},{"text":"أما أفعال الأنبياء صلوات الله عليهم - وهي المقصودة:\n- فقال أهل الجماعة: الإجماع بأنَّهم معصومون، وأنَّ ذلك مُدرَك بالسَّمع (^١)، ولا مجال للعقل في إثبات عصمتهم (^٢).\n- وأما المعتزلة؛ فإنَّهم قالوا: إِنَّ ذلك مُدرَك بالعقل؛ وذلك أنه لو جاز عليهم مقارفةُ الكبائر والفواحش، لكان في ذلك تنفير الأتباع عن الاتباع، وما أدى إلى ذلك، كان ممتنعًا عقلا؛ لأنَّهم بعثوا للاتِّباع والاقتداء بهم؛ فإذا ارتكبوا الكبائر، نفروا عنهم.\nوأما الصغائر؛ فاختلف النَّاس في ذلك:\n* فمن أصحابنا من قال: ليس هنالك صغائر.\n- ومنهم (^٣) من أثبت الصَّغائر - في الذُّنوب (^٤) - والكبائر.\nواختلفوا في جواز الصغائر على الأنبياء:\n* فمنهم من جوَّزها (^٥).\n_________\n(^١) قوله: (الإجماع بأنهم معصومون وأن ذلك مدرك بالسمع) في المخطوط: (إن ذلك مدرك بالسمع، والإجماع بأنهم معصومون)، فقد حصل في هذه العبارة تقديم وتأخير. قارن مع: «الوصول» (١/ ٣٤٩).\n(^٢) نقل الزركشي اختيار إلكيا في هذه المسألة في «البحر المحيط» (٤/ ١٧٠)، وهو موافق لما في تعليقتنا.\n(^٣) كتب بمحاذاتها في الطرة: (الجماعة) دون الإشارة إلى موضع اللحق، ويبدو أنها تفسيرية لـ: (منهم). أي: من الجماعة.\n(^٤) قوله: (في الذنوب) كذا في المخطوط، وهو من الأوصاف الكاشفة.\n(^٥) أي: شرعًا، أما عقلا: فلم يذكره هنا، وقد نقل الزركشي عن الكيا وغيره حكاية الجواز عقلا عن =","vol":"1","page":198},{"text":"* ومنهم من لم يجوز - وهو الصحيح على مذهب أهل الجماعة ..\n* وأما المعتزلة؛ فإنَّهم أثبتوا الصغائر وجوزوها على الأنبياء ﵇ وقالوا: هي التي لا وعيد عليها، وإذا فعلها لا يَفْسُقُ بها.\n\n<span data-type='title' id=toc-99>فصل معقود في جواز التأسي بأفعال النبي صلى الله عليه </span>(^١)\nالناس مختلفون في ذلك:\n* أَمَّا مَنْ جوز الصغائر على الأنبياء صلوات الله عليهم فقال: لا يجوز التأسي بفعل النَّبي صلى الله عليه قبل أن يدل الدليل على جوازه.\n* وأما من لم يجوز عليه الصغائر … (^٢).\nوقالت المعتزلة: يجب علينا أن نتأسى برسول الله صلى الله عليه فيما يفعله - عقلا ـ، ولا يجوز لنا مخالفته.\n\n<span data-type='title' id=toc-100>فصل معقود في تقرير رسول الله صلى الله عليه؛ هل هو حُجَّةٌ أم لا؟</span> (^٣)\nتقريره ﵇ على الفعل والتَّركِ حُجَّةٌ بشرطين:\n_________\n= الأكثرين. «البحر المحيط» (٤/ ١٧٠).\n(^١) انظر: «البرهان» (١/ ٣٢٢)، «الوصول» (١/ ٣٥٩، ٣٦١).\n(^٢) هنا سقط. ولعل تقدير الكلام الساقط: (… فقال: لا يوجد في العقل ما يوجب التأسي بفعل النبي ﷺ. وقالت المعتزلة …). قارن مع: «الوصول» (١/ ٣٥٩).\n(^٣) انظر: «البرهان» (١/ ٣٢٨)، «المنخول» (ص ٢٣٠).","vol":"1","page":199},{"text":"أحدهما: أن يكون الفاعل مسلما يرى امتثال أوامره، واتباع مراسمه، واجتناب نواهيه.\nوالثاني: أن يكون النَّبيُّ صلى الله عليه عالما بما يجري، غير ساهي، ولا غافل، ولا ناسي.\nوأما الكُفَّار الذين لا ينفعهم وعظه؛ فإذا فعلوا فعلا بمشاهدة النَّبي صلى الله عليه؛ فإقراره لهم على أفعالهم لا عبرة بهم (^١).\nقال الشافعي: إذا كان هذا في مجرد إقراره، فما ظنك باستبشاره بالأمر وابتهاجه وفرحه به، فأولى أن يكون ذلك حُجَّةً وأدلَّ على كونه مشروعًا من الإقرار، وبنى (^٢) [على] هذا الأصل:\nمسألة (^٣)\nوهي جواز القيافة وصحتها وكونها حُجَّةً يثبت بها الحكم؛ لما رُوي أنَّ النَّبي صلى الله عليه دخل على عائشة وأسارير وجهه تبرق (^٤) فقال: «يا عائشة،\n_________\n(^١) وألحق به إلكيا المنافق، تبعًا لشيخه إمام الحرمين. نقل أبو شامة المقدسي (٦٦٥ هـ) في كتابه: المحقق من علم الأصول (ص ٣٧٤ - ٣٧٥) في أثناء مسألة تقرير النبي ﷺ: «وقال الطبري المعروف بـ: إلكيا: لا يكون في حق المنافق؛ لأنه كان كثيرا يتسامح ويسكت عن المنافقين؛ علما منه أنه لا تنفعهم العظة، وأنه قد حقت عليهم كلمة العذاب». (ص ٣٧٤ - ٣٧٥). وانظر: «البحر المحيط» (٤/ ٢٠٤).\n(^٢) أي: الشافعي.\n(^٣) انظر: «البرهان» (١/ ٣٢٩)، «المنخول» (ص ٢٢٨).\n(^٤) في المخطوط: (تريد) أو (تزيد) والمثبت من مصادر التخريج.","vol":"1","page":200},{"text":"أما ترين إلى مجزّز ابن عمرو (^١) المدلجيّ، وقد نظر إلى أسامة وزيد وقد غطيا رؤوسهما وبدت أقدامهما، فقال: إنَّ هذه الأقدام بعضُها من بعض» (^٢)، فاستبشر بذلك وبَشَّر، وهو لا يُسَرُّ بغير حقّ؛ فدل ذلك على جواز القيافة.\nقيل له: إنما يكون حُجَّةً إذا اتحد محمله فلم يحتمل إلا ما ذكرتم؛ وأما إذا تعدد المحمل، فلا يكون حُجَّةً، وههنا تعدد محمله:\n- لأنه يحتمل أن يكون فرحةً بانقطاع مطاعن الكفار والمنافقين عن سب أسامة وزيد؛ فإنَّهم كانوا قد طعنوا في أسامة، فسُرَّ رسول الله ﷺ عليه بالرد عليهم.\n- ويحتمل أن يكون فرحه لما ذكرتم، فلا يكون حُجَّةً فيه؛ يحقق ذلك أنَّ القيافة إنَّما تكون حُجَّةً ويثبت بها النسب إذا لم يكن هناك نسب ثابت؛ وأما إذا كان النسب ثابتًا، فلا تكون حُجَّةً (^٣).\n_________\n(^١) قوله: (مجزز ابن عمرو) في المخطوط: (عمرو بن مجزز)، وهو خطأ؛ لأن المقصود في الحديث هو مجزز المدلجي، وكان معروفا بالقيافة، وليس له ابن اسمه عمرو، فضلا عن أن يكون معروفا بالقيافة. ومجزّز هو: بن الأعور بن جعدة بن معاذ بن عُثْوَارة بن عمرو بن مدلج الكناني المدلجي.\nفعمرو أحد أجداده. انظر: «أسد الغابة» (٣/ ٥٨٤).\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٧٧١)، ومسلم (١٤٥٩) من حديث عائشة ﵂.\n(^٣) كذا في المخطوط، وبالمقارنة مع ما نقله الزركشي يظهر أن الكلام لم يتم، حيث أورد الكيا جواب الشافعي عن الاعتراض، فقال ما نصه: «فقال مجيبا - أي: الشافعي -: لو لم يكن للقيافة أصل لم يستبشر، فإن ذلك يوهم التلبيس، وقد كان شديد النكير على الكهان والمنجمين، ومن لا يستند قولهم إلى أصل شرعي، ولو لم تكن القيافة معتبرة، لكانت من هذا القبيل». «البحر المحيط» (٤/ ٢١٠).","vol":"1","page":201},{"text":"<span data-type='title' id=toc-101>فَصْلٌ معقود في سكوته صلى الله عليه؛ هل يُحتج به أم لا؟</span>\nاعلم أن سكوته ينقسم:\n• إلى ما يكون حُجَّةً.\n• وإلى ما لا يكون حُجَّةً.\nأما ما لا يكون حُجَّةً: فهو كلُّ موضع:\n- لو قُدِّرَ ثبوتُ الحكم: لم يُحتج إلى بيان.\n- وأن يكون المسكوت عنه ما يُفهم من المنطوق به.\n- أو يكون السائل ممَّن يعلم حكم المسكوت عنه من بيان سابقٍ.\n- أو يمكنه الاستدلال في تعرف حكمه.\nأما ما يكون سكوتُه حُجَّةً (^١)؛ فهو مثل: أن يُسأل صلى الله عليه عن قضية وسبب يتضمن عدة أحكام، فيُبيّن بعضها، ويكون الحكم المسكوت عنه مما لو قُدِّرَ ثبوته لوجب بيانه:\n- لأنه مما يُحتاج إلى بيانه؛ ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة.\n- ولم يكن قد وكله إلى بيان سابق.\n_________\n(^١) من هنا إلى نهاية هذا الفصل نقله الزركشي بتصرف واختصار مع الاتفاق في المضمون في الجملة.\nانظر: «البحر المحيط» (٤/ ٢٠٨ - ٢٠٩).","vol":"1","page":202},{"text":"- ولم يكن السَّائلُ ممَّن يمكنه الاستدلال على المسكوت بالمنطوق.\n- ولم يكن المسكوت عنه مما يُفهم من المنطوق به.\nفنقول: إنَّ السكوت عن الحكم مع هذه الشروط دليل على عدم ثبوته.\nمثاله: ما رُوي أنَّ أعرابيا رآه النَّبيُّ صلى الله عليه وعليه جُبَّةُ صوفٍ مضمَّخةٌ بالخلوق، فقال له صلى الله عليه: «انزع الجُبَّة واغسل الصفرة، واصنع في عُمرتك ما كنت صانعا في حَجَّتك» (^١)، [٩١/ و] وسكت عن ذكر الفدية ولم يبينها، والوقت وقت الحاجة، والأعرابي جاهل بالاستدلال وبالحكم أيضا؛ فإنَّه إذا كان جاهلا بتحريم اللبس، فلأن يجهل وجوب الفدية أولى، ومع هذا لم يبينه؛ فدلَّ أنه لا يجب.\nومن شرائط كون الشكوتِ حُجَّةً: أن يكون الحُكم المسكوت عنه مما لو قدر ثبوته، لتشوقت الطباع إلى نقله، وتسارع إلى ذكره؛ لغرابته وكونه بِدْعًا عجيبًا، وجميع هذه الشرائط كانت موجودةً في حقّ الأعرابي.\nومن هذا القبيل: ما روي أن أعرابيا جاء إلى النبي ﷺ عليه فقال: «هلكتُ وأهلكتُ، فقال له صلى الله عليه: ماذا صنعت؟» فقال: «واقعتُ أهلي في نهار شهر رمضان»، فقال له صلى الله عليه: «أعتق رقبة» (^٢)، وسكت عن إيجابها عن امرأته، مع أنَّ الأعرابي لم يُحسن الاستدلال بأنَّها لا تجب عليها، والوقت وقت الحاجة، فدل أنَّ الكفارة لا تجب عليها.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٥٣٦، ١٧٨٩)، ومسلم (١١٨٠) من حديث يعلى بن أمية ﵁.\n(^٢) تقدم تخريجه. انظر: (ص ١٣٨).","vol":"1","page":203},{"text":"• فإن قيل: النَّبيُّ صلى الله عليه قد سكت في هذا الموضع عن أشياء كثيرة، ثُمَّ لا يدلُّ سكوته على أنَّها غيرُ واجبة؛ بل هي واجبة، كالغُسل والمهر (^١) والقضاء وغير ذلك، ثُمَّ لا يُستدلُّ بسكوته على انتفاء هذه الأحكام، فكذلك لا تنتفي بسكوته الكفَّارةُ.\nقيل له: إنَّما كان ذلك؛ لأن تلك الأحكام ممَّا وكله إلى البيان السَّابق، وكان الأعرابيُّ عالمًا بها، فلم يحتج إلى بيانها؛ أمَّا الكفَّارةُ لمَّا جهل أمرها، بينها له، ولولا جهله لما احتاج إلى بيان؛ فسكوته عن البيان وقت الحاجة دليل على عدم الوجوب.\n• فإن قيل: لا نُسلِّم أنَّه أخر البيان عن وقت الحاجة في حق المرأة؛ لأنَّ وقت الحاجة في حقِّها أن تكون هي قد سألت عن واقعتها، وإنَّما هي وقتُ الحاجة في حق السَّائل وقد بيَّن له، ولعلَّ المرأة لو كانت حاضرةً لأنكرت، فكيف يكون بيانُ حكمه بيانَ حكمها ولم تسأل هي؟! (^٢).\n_________\n(^١) كذا في المخطوط، ولم يتبين لنا وجه الارتباط في هذا السياق.\n(^٢) لم يذكر جواب الاعتراض؛ فلعله سقط على الناسخ أو المعلّق. وبالرجوع إلى ما نقله الزركشي عن إلكيا في هذا الموضع يتبين أنه ذكر أمثلةً أخرى عن إلكيا، ولا توجد في تعليقتنا.","vol":"1","page":204},{"text":"<span data-type='title' id=toc-102>فَصْلٌ معقود في سكوت الراوي عن نقل حكم من أحكام الفعل؛ هل يكون حُجَّةً أم لا؟</span> (^١)\nقال الشافعي في «الرسالة»: «سكوتُ الرَّاوي عن نقل حكم من الأحكام» ينقسم:\n• إلى ما يكون سكوته دليلا على عدم ثبوت الحكم،\n• أو إلى ما لا يكون دليلا [عدم] على ثبوت الحكم.\nأمَّا المحل الذي يكون السكوت فيه حُجَّةً؛ فهو أن ينقل القصة مستقصاة (^٢) والحديث مستوفى (^٣) من أوله إلى آخره، ولا يذر منه شيئًا، ثُمَّ إذا اختلف في حكم مضافًا إلى تلك القصة المنقولة ولم يذكره الراوي، فيدل على أنَّ ما لم يروه ولم ينقله: غير ثابت.\nمثال هذا: ما روي عن بعض النَّاس أنَّه قال: يُضم الجلد إلى الرجم في حق المحصن إذا زنا، والشَّافعي قال: «لا يُضمُّ الجَلد إلى الرجم»؛ واحتج بقصة ماعز، وأنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه رجمه ولم يجلده؛ فلو جلده لنقله الراوي، كما نقل الحديث جملةً.\n_________\n(^١) نقل الزركشي خلاصة هذا الفصل بتصرف واختصار مع الاتفاق في المضمون. انظر: «البحر المحيط» (٤/ ٢٠٨). وقارن بـ: «الرسالة» (ص ٢٤٨).\n(^٢) في المخطوط: (مقتضاه).\n(^٣) في المخطوط: (مستوفاه).","vol":"1","page":205},{"text":"• فإن قيل: إنَّما يُنقل ما تتوق النفس إلى قوله وتتوفر الدواعي عليه، ويكون من المهمات ويعظم وقعه في النفوس، وذلك هو الرجم؛ فأما الجلد، فهو بالإضافة [٩١/] إلى الرجم كالمتلاشي (^١)؛ فمن نقل الرجم، يجوز ألا ينقل الجلد، فلا يدل ذلك على أنَّه غير ثابت (^٢).\nويتصل بهذا أمر:\nوهو أنَّ ما كان من الغرائب والعجائب إذا لم ينقله الرَّاوي، دلَّ ذلك على عدمه.\nمثاله: ما روي عن النَّبي صلى الله عليه أنه أقاد مسلما بكافر، وقال: «أنا أحقُّ مَنْ وفى بذمته» (^٣).\n• فالشَّافعيُّ يردُّ هذا الخبر ولا يصحِّحه (^٤).\n• ومن أصحاب أبي حنيفة من يصحِّحه ويبتغي له تأويلا (^٥).\n_________\n(^١) الرسم مشتبه في المخطوط، وما أثبتنا هو ظاهر الرسم، ويحتمل أنها محرفة من: (كاللاشيء).\n(^٢) لم يذكر الجواب عن هذا الاعتراض في نسختنا؛ فهو مما سقط على الناسخ، لكن ذكر الزركشي خلاصته نقلا عن الكيا، فقال ما نصه: «ويُجاب بأن سياق القضية واستغراقه بتفاصيلها بالحكاية من غير تعرض للجلد دليل على نفي الجلد، إذ لو جرى الجلد لنقله». «البحر المحيط» (٤/ ٢٠٨ - ٢٠٩)\n(^٣) أخرجه الشافعي في «المسند» (١٦٢٢) (ترتيب سنجر)، وأبو داود في «المراسيل» (٢٥٠)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (١٥٩٢١) وغيرهم من حديث عبد الرحمن البيلماني مرفوعا إلى النبي ﷺ.\n(^٤) انظر: «اختلاف الحديث» (المطبوع ملحقا بكتاب «الأم») (٨/ ٦٧٦).\n(^٥) انظر: «شرح معاني الآثار» (٣/ ١٩٥)، «مختصر اختلاف العلماء» (٥/ ١٥٧ - ١٥٩)، «التجريد» (١١/ ٥٤٤٣)، «المبسوط» (٢٦/ ١٣٢).","vol":"1","page":206},{"text":"<span data-type='title' id=toc-103>فَصْلٌ معقود في أفعال رسول الله ﷺ عليه إذا اختلفت؛ هل يعارض بعضها بعضًا أو ينسخ بعضها بعضًا؟</span> (^١)\nاعلم أنَّ رسول الله ﷺ عليه إذا فعل فعلين مختلفين لم ينف أحدهما الآخر: فيكونان جائزين.\nمثاله: ما روي عن رسول الله ﷺ عليه في صلاة الخوف أنَّه صلَّى في موضع على وجه، وصلى في وقت آخر على وجه.\nقال (^٢): الشافعي أخذ بأحدهما، وأبو حنيفة أخذ بالآخر، فكان كلُّ واحدةٍ من الصلاتين صحيحتين؛ إذ لا يتصور التعارض بينهما حقيقةً؛ لأنه لا يجتمع الفعلان في وقت واحد، فلا يُقضى بالتعارض. هذا من حيث التعارض.\nوأما النسخ: فلا يُقضى أيضًا بكون الفعل الثاني ناسخا للأول؛ لأنَّ النَّسخَ إنَّما يكون للدائم المستمر.\nوفي التعارض أيضًا: مثل ما روي أنَّه صلى الله عليه سجد للسَّهو قبل السَّلام (^٣)، ورُوي أيضًا أنَّه سجد للسهو بعد السلام (^٤)، فالشافعي قال: «السجود قبل السلام»، وأبو حنيفة يقول: «بعد السَّلام»؛ والجميع جائز (^٥).\n_________\n(^١) انظر: «المعتمد» (١/ ٣٨٨). «البرهان» (١/ ٣٢٧)، «المنخول» (ص ٢٢٧).\n(^٢) يعني إلكيا.\n(^٣) ورد هذا في أحاديث، منها ما أخرجه مسلم (٥٧١) من حديث أبي سعيد الخدري.\n(^٤) ورد هذا في أحاديث، منها ما أخرجه مسلم (٥٧٢) من حديث ابن مسعود.\n(^٥) ذكر الزركشي مضمون هذا الفصل نقلا عن إلكيا، فقال ما نصه: «وأطلق إلكيا عدم تصور تعارض الفعلين، ثم استثنى من ذلك ما إذا علم بدلالة أنه أريد به إدامته في المستقبل؛ فإنه يكون ما بعده ناسخا له. قال: وعلى مثله بنى الشافعي مذهبه في سجود السهو قبل السلام وبعده. فقال: وإن=","vol":"1","page":207},{"text":"<span data-type='title' id=toc-104>فصل (^١) اختلف الأصوليون في شرع من قبلنا (^٢)؛ هل هو شرع لنا أم لا؟</span>\n• فصار صائرون إلى أنه يلزمنا، وهو قول كثير من أصحاب أبي حنيفة - كمحمد بن الحسن وغيره - ما لم يثبت نسخه.\n• وصار آخرون إلى أنه ليس شرعا لنا، وهذا مال إليه كثير من أصحاب الشافعي، وقد ذهب إليه الشافعي في بعض أجوبته، وعليه المحققون من الأصوليين.\n• ونقل عن أبي زيد في ذلك تفصيل؛ وذلك أنه قال: «ما حكاه الله تعالى في كتابه من الأحكام الثابتة في شرع من قبلنا، فهو شرع لنا ويلزمنا؛ وما لم يحكه لنا، فلا يكون شرعا لنا» (^٣).\n_________\n= اختلفت الأخبار في فعل رسول الله ﷺ في ذلك، ولكن كان آخر الأمرين على ما رواه الزهري قبل السلام، وكان يؤخذ من مراسيم الرسول بالأحدث فالأحدث». «البحر المحيط» (٤/ ١٩٣).\nوقال أيضا: «ونقل إلكيا في مثل هذا عن الشافعي أنه يتلقى منهما جواز الفعلين، ويحتاج في تفضيل أحدهما على الآخر إلى دليل. قال إلكيا: وهذا هو الحق الذي لا يجوز غيره». «البحر المحيط» (٤/ ١٩٤). وراجع الملحق.\n(^١) انظر: «البرهان» (١/ ٣٣١)، «المنخول» (ص ٢٣١)، «الوصول» (١/ ٣٧٤).\n(^٢) نقل الزركشي عن إلكيا تصوير المسألة ما حاصله: «المراد بشرع ما قبلنا ما حكاه الله ورسوله عنهم؛ أما الموجود بأيديهم فممنوع اتباعه بلا خلاف. قال: وعلة المنع إما لتهمة التحريف، وإما لتحقق النسخ. قال: ووقع الإجماع على أحد هذين الاحتمالين. وتظهر فائدتهما فيما حكاه الله لنبيه من شرعهم. فإن قلنا: التهمة التحريف فلا يتجه. وإن قلنا لتحقق النسخ اطرد ذلك في المحكي وغيره». «البحر المحيط» (٦/¬٤٥).\n(^٣) «تقويم أصول الفقه» (٢/ ٥٦٠). ونقل الزركشي ضمن «شرع من قبلنا» في مسألة «فيما كان النبي ﷺ متعبدا به قبل البعثة» أن إلكيا ممن اختار التوقف. «البحر المحيط» (٦/¬٤٠).","vol":"1","page":208},{"text":"<span data-type='title' id=toc-105>بابُ التَّأْوِيلَاتِ</span>\n<span data-type='title' id=toc-106>فَصْلٌ </span>(^١)\n• المجمل لا يجوز التَّعلُّق به أصلًا؛ لا في المظنون فيه ولا في المقطوع به؛ لأنه مجهول لا يُعلم المراد به.\n• فأمَّا الظَّاهر؛ فيجوز أن يُحتج به في المظنونات؛ لأنَّ الظَّاهر يفيد الظَّنَّ، وهو المطلوب.\n\n<span data-type='title' id=toc-107>فَصْلٌ معقود في بيان ما يُعَدُّ مُجملًا وليس منه </span>(^٢)\n[ومنه] ما حُكي عن أبي عبد الله البصري أنَّه قال: «العامُّ إذا افتقر إلى شروط تضم إليه لا يُنبئ اللفظ عنها: كان مجملًا لا يُحتج به»؛ لأنه لا يمكن العمل به إلا بتلك الشُّروط، واللفظ لا ينبئ عنها.\nوذلك مثل قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (^٣)، لما كان هذا اللفظ يفتقر [٩٨/ و] إلى شروط أُخر تضم إليه: كان مجملًا.\n_________\n(^١) انظر: «البرهان» (١/ ٣٣٦)، «المنخول» (ص ١٦٤).\n(^٢) انظر: «اللمع» (ص ١٥٤).\n(^٣) المائدة: ٣٨.","vol":"1","page":209},{"text":"وكذلك قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ (^١)، وما جرى هذا المجرى من الألفاظ، فقال: «إنَّ الحكم يفتقر إلى بيان شروط لا يُنبئ اللفظ عنها، فوجب أن يكون مُجملا».\nوحقق هذا فقال: «اتفقنا على أن قوله سبحانه: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (^٢) مُجمل؛ لأنَّ الحكم يفتقر إلى بيان شروط لا ينبئ اللفظ عنها؛ كذلك غيرها».\nثُمَّ قال: «الحاجة إلى بيان شروط الحكم كالحاجة إلى بيان نفس الحكم، ثُمَّ الاحتياج إلى بيان نفس الحكم يجعل اللفظ مُجملا؛ فكذا الحاجة إلى بيان شرط الحكم؛ وجب أن تجعل اللفظ مُجملا» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-108>فَصْلٌ آخر فيما أُخرج من العموم ولا يجوز إخراجه منه </span>(^٤)\nمثل قوله صلى الله عليه: «أيُّما امرأة نكحت نفسها من غير إذن وليُّها فنكاحها باطل» (^٥)، هذا لفظ عام ذكره صلى الله عليه مبتدئا به، شارعًا شارحًا من غير سؤال، ولا يجوز حمله إلا على الأشهر الأظهر الأغلب الأبدر إلى\n_________\n(^١) النور: ٢.\n(^٢) البقرة: ٤٣.\n(^٣) لم يعقب إلكيا على كلام أبي عبد الله البصري، مع أن العنوان يدل على عدم موافقته له. فلعله مما أهمله الناسخ عنه.\n(^٤) انظر: «البرهان» (١/ ٣٣٩).\n(^٥) أخرجه أبو داود (٢٠٨٣)، وابن ماجه (١٨٧٩) من حديث عائشة.","vol":"1","page":210},{"text":"الأفهام، ولا يجوز أن يُحمل على الشَّاذَّ الأندر الذي يجوز ألا يكون مقصودًا له صلى الله عليه، ولا يخطر بباله.\nأصحاب أبي حنيفة قالوا: هذا ما أراد به الأحرار، ولا العبيد، ولا الحرائر والإماء، وإنما أراد به المكاتبة.\nقيل لهم: يخاطبنا الشَّرع بمثل هذا اللفظ العام، ثُمَّ لا يريد به ما هو الأعم الأكثر الأغلب الأشهر، بل يريد به النادر وهي المكاتبة؟! فهذا لا يجوز (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-109>فَصْلٌ </span>(^٢)\nومما يتصل بما ذكرنا:\n• المناهي التي رويت في البيع؛ كنهيه صلى الله عليه عن بيع حبل الحبلة والملاقيح والمضامين (^٣)، وعن بيعتين في بيعة (^٤)، كل هذا يدلُّ على التحريم.\nفيستدل الشافعي على تحريم بيع اللحم بالحيوان بقوله صلى الله عليه: «لا تبيعوا اللحم بالحيوان» (^٥)، فيقول: هذا نهي وتحريم.\n_________\n(^١) هذه المسألة موضعها المناسب هو التأويلات الفاسدة التي ستأتي بعد قليل.\n(^٢) انظر: «البرهان» (١/ ٣٦٤).\n(^٣) أخرجه بهذا اللفظ: البزار (٧٧٨٥)، والطبراني في «الكبير» (١١٥٨١) من حديث ابن عباس.\n(^٤) أخرجه أحمد (٦٦٢٨)، من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وهو عند أبي داود (٣٤٦١)، والترمذي (١٢٣١)، والنسائي في «الكبرى» (٦١٨٣)، و«المجتبى» (٤٦٣٢) - بمعناه - من حديث أبي هريرة.\n(^٥) لم نجده بهذا اللفظ، ومعناه عند أبي داود في «المراسيل» (١٧٨) عن سعيد بن المسيب، والبزار (٥٨٨٨) من حديث ابن عمر، والدارقطني (٣٠٥٦) من حديث سهل بن سعد؛ كلهم بلفظ: =","vol":"1","page":211},{"text":"فيقول أصحاب أبي حنيفة: «هذا محمولٌ على الكراهة والتَّنزيه»، وله نظائر.\nفيقول الشَّافعيُّ: هذا نهيٌ من جهة رسول الله صلى الله عليه فيما يرجع إلى باب البيع، ونواهيه كلها محمولةٌ على التَّحريم في هذا القبيل.\nومن هذا القبيل: النَّهيُ عن نكاح الشِّغار (^١):\nفيقول الحنفيُّ: هذا محمولٌ على الكراهة.\nويقول الشَّافعيُّ: إذا كانت نواهيه في البيع محمولةً على التَّحريم؛ ففي النكاح أولى.\n\n<span data-type='title' id=toc-110>فَصْلٌ معقودٌ في بيان من التَّأويلات الفاسدة </span>(^٢)\nاعلم أنَّ «كُلَّ تَأويلٍ يتضمَّن إبطال تعليل رسول الله صلى الله عليه: فهو باطِلٌ - أو يكون مُبطِلًا».\nمثاله: ما يستدلُّ أصحاب أبي حنيفة في عتق القريب بالملك بقوله صلى الله عليه: «من ملك ذا رَحِمٍ مُحَرَّم، عُتِق عليه» (^٣).\n_________\n= «أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع اللحم بالحيوان». وأخرج الشافعي في «المسند» (١٤٥٧) (ترتيب سنجر) موقوفا على أبي بكر الصديق ﵁ «أنه كره بيع اللحم بالحيوان».\n(^١) أخرجه البخاري (٥١١٢، ٦٩٦٠)، ومسلم (١٤١٥) من حديث ابن عمر.\n(^٢) انظر: «البرهان» (١/ ٣٥٢).\n(^٣) أخرجه أبو داود (٣٩٤٩ - ٣٩٥٢)، والترمذي (١٣٦٥)، وابن ماجه (٢٥٢٤، ٢٥٢٥)،\nوأحمد (٢٠١٦٧) وغيرهم من حديث الحسن عن سمرة.","vol":"1","page":212},{"text":"قالوا: هذا الحديث لم يصح عن رسول الله ﷺ عليه؛ غير أنا نتأوَّله على تقدير الصحة، فنحمله على الأصول والفصول - وهم الوالدون [٩٨/ ظ] والمولودون دون غيرهم ـ، وحمله على هؤلاء أولى.\nوهذا تأويل بعيد؛ لأنه ﷺ عليه أخرج الكلام في ذكر الرحم المحرم.\n\n<span data-type='title' id=toc-111>فَصْلٌ معقود في بيان من فاسد التأويل </span>(^١)\nأن نقول: «كُلُّ تأويل يَعُمُّ أحاديث رسول الله ﷺ عليه بأسرها ويشمل معظمها: فهو باطل».\nمثل: ما يستدلُّ أصحاب الشافعي في أنَّ الكافر إذا أسلم وتحته أكثر من أربع نسوة، يختار أربعًا بحكم العقد الأول ويفارق البواقي؛ لما روي أن ابن غيلان أسلم وتحته عشر نسوة، فقال له النبي ﷺ عليه: «أمسك أربعًا منهن وفارق البواقي» (^٢).\nوأصحاب أبي حنيفة يقولون: يحتمل أن يكون هذا في ابتداء الإسلام قبل الحصر في الأنكحة ولم يكن على الناكح حجرٌ، ثُمَّ بعد ذلك طرأ التحريم ونسخ الإطلاق.\nفيقول الشافعي: هذا تأويل باطل؛ لأنَّه لا ينفك منه حديث، فيقال: لعل\n_________\n(^١) انظر: «البرهان» (١/ ٣٤٦).\n(^٢) أخرجه الترمذي (١١٢٨)، وابن ماجه (١٩٥٣)، وأحمد (٤٦٠٩)، وابن حبان في «صحيحه» (ترتيب ابن بلبان) (٤١٥٧) وغيرهم من حديث ابن عمر. وقد اختلف في وصله وإرساله. انظر: «موافقة الخبر الخبر» (٢/ ١٩٥ - ١٩٨).","vol":"1","page":213},{"text":"هذا كان قبل التحريم فيتضمن منع التعلُّق بالأخبار؛ فإنَّه ما من حديث مروي إلَّا ويمكن أن يقال في تأويله: «لعله كان في الوقت الذي كان هذا الحكم جائزا، ثُمَّ نسخ ذلك!».\n\n<span data-type='title' id=toc-112>فَضْلٌ معقود في بيان آخر من فاسد التأويل </span>(^١)\nأن نقول: «كُلُّ تأويل مقتضاه إبطال مقصود الشارع فيما قصده من التعميم الذي دل عليه لفظه: هو باطل».\nمثاله: قوله صلى الله عليه: «لا يُقتل مؤمن بكافر» (^٢)، وقد استدل بذلك (^٣) أصحاب الشافعي (^٤) على الحنفي.\nفيقول الحنفي: هذا محمول على المعاهد أو على النساء والصبيان دون الذمي.\nفيقول الشافعي: هذا باطل؛ لأنَّه تأويل يتضمن إبطال ما قصده الشارع من التعميم؛ والدليل على أنه قصد صلى الله عليه التعميم وجوه:\n• أحدها: أنه ذكر النكرة في سياق النفي، والنكرة متى تعقب النفي كانت من أبلغ الصيغ في اقتضاء التعميم، فيصير كأنه قال: «لا يقتل مؤمن ما بكافر ما».\n_________\n(^١) انظر: «التجريد» (١١/ ٥٤٥٨)، «الخلافيات» للبيهقي (٦/ ٥٠١)، «تحصين المآخذ» (٤/¬١١).\n(^٢) تقدم تخريجه. انظر: (ص ١٩٠).\n(^٣) يعني عموم الحديث.\n(^٤) بعدها في المخطوط: (بهذا)، وهي مقحمة فيما يظهر.","vol":"1","page":214},{"text":"• الثاني: أنَّ النبي ﷺ عليه حزب النَّاس حزبين، وقسمهم قسمين، وحكم في حق أحد القبيلين بحكم ونفاه عن الآخر، فاقتضى ذلك تفاوت ما بين القسمين.\n• الثالث: أنه ﷺ عليه أشار إلى التعليل بقوله: «لا يقتل مؤمن بكافر»، لا يُقتل «مؤمن» لإيمانه «بكافر» لكفره، وهذا إشارة إلى التعليل، فالعلة موجودة في حق كل كافر؛ فاقتضى ذلك عموم الحكم في حق كُلّ كافر، ولا يخص بعضهم عن بعض.\n\n<span data-type='title' id=toc-113>فصل معقود في بيان من فاسد التأويل</span>\nوالضابط: هو أنَّ «كل تأويل إذا عُضد بقياس وأيد به، وكان متضمن التأويل إبطال القياس، بأن يكون (^١) القياس منتقضًا بمجمل الحديث: فذلك التأويل باطل في نفسه».\nمثال ذلك: ما يستدلُّ الشَّافعي في أنَّ بيع اللحم بالحيوان لا يجوز بقوله صلى الله عليه: «لا تبيعوا اللحم بالحيوان» (^٢).\nفيقول الحنفي: هذا محمول على الكراهة.\nفيقال: هذا محتمل، ولكنه [٩٩/ و] لا بُدَّ من دليل، فبأي دليل حملتم عليه؟\n_________\n(^١) قوله: (بأن يكون) في المخطوط: (فيكون)، ولعل الصواب ما أثبت.\n(^٢) تقدم تخريجه. انظر: (ص ٢١١).","vol":"1","page":215},{"text":"فيقول: بالمعنى الجلي والقياس الظاهر؛ وذلك أنَّ الحيوان ليس بمال ربوي، واللحم مال ربوي؛ فقد باع مال الربا بما ليس بمال الربا، فصح البيع؛ كما لو باع الثياب بالدراهم.\nفيقال لهم: فلم يكن أيضا [مكروها]؛ كبيع الثوب بالدرهم، فبطل التأويل. وإنَّما كان كذلك؛ لأنَّ هذا التعليل يقتضي ألا يكره بيع اللحم بالحيوان لما ذكرتم من المعنى.\nومن هذا القبيل أيضا: ما يذكره أصحاب أبي حنيفة على استدلال أصحاب الشافعي في مسألة الكافر إذا أسلم وتحته أكثر من أربع نسوة، فإنّه يختار أربعًا منهن ويفارق البواقي بقوله صلى الله عليه لابن غيلان - وكان قد أسلم وتحته عشر نسوة: «اختر أربعًا منهنَّ، وفارق البواقي» (^١).\nفيقول الحنفي (^٢): يحتمل أن يكون نكاحه في صدر الإسلام حين لم يكن في العدد حصر، فكان الانعقاد على حكم الإسلام جائزًا صحيحًا، ثُمَّ طرأ التحريم بعد ذلك، فلم يبطل الكلّ.\nفيقول الشافعي: هذا يبطل بحديث ابن غيلان؛ فإنَّ الإسلام لما طرأ اقتضى بطلان بعض الأنكحة، وليس بطلان بعض الأنكحة أولى من بعض، فهلا قلت: «يبطل الجميع؛ لأن مقتضى القياس أن يبطل الجميع لموضع التدافع، ثُمَّ لم يفعل النبي ﷺ عليه ذلك.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه. انظر: (ص ٢١٣).\n(^٢) بعدها في المخطوط: (به)، والظاهر أنها مقحمة.","vol":"1","page":216},{"text":"<span data-type='title' id=toc-114>فصل</span>\nومما يتصل بما قدمنا (^١):\n«أنَّ التأويل متى كان يتضمن إبطال ما قصده رسول الله ﷺ عليه: كان باطلًا».\nمثال ذلك (^٢): ما يستدل به الشافعي في نفي جواز أداء القيم والأبدال في الزكوات من الحديث النَّص، وهو ما روي عن النَّبيِّ صلى الله عليه أنه قال: «في أربعين شاة شاة، وفي خمس من الإبل شاة»، واستاق الأوقاص حتى ذكر بنت مخاض، ثُمَّ قال: «فإن لم يكن في إبله بنت مخاض، فابن لبون ذَكَرٌ» إلى أن قال: «في كُلِّ أربعين بنت لبون، وفي كُلِّ خمسين حِقَّةٌ» (^٣).\nقال الشافعي: فهذا الاستياق على هذا الوجه فيما يجب في كُلِّ نصاب يدل على أنه لا يجوز أخذ القيم والبدل في الزكوات.\nوأصحاب أبي حنيفة يتأوَّلون هذا ويحملونه على محمل، ويقولون: إنَّما ذكر ما يجب في النُّصُب، ولم يذكر القيمة تسهيلا على أرباب الأموال؛ لتعذر النقد على أهل المواشي وتمكن أهل المدن من النقود.\nقال الشافعي: هذا التأويل باطل؛ لأنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه تولى البيان واستقصاه. وهذا إجراء للقياس في العبادات، وإجراؤه في العبادات لا يجوز.\n_________\n(^١) بعدها في المخطوط: (من)، والظاهر أنها مقحمة.\n(^٢) قارن مع: «البحر المحيط» (٣/ ٣٧٨).\n(^٣) تقدم تخريجه. انظر: (ص ١٧٥).","vol":"1","page":217},{"text":"ومن هذا القبيل: «أن يتأول بتأويل مقتضاه إسقاط ما ذُكر وإظهار ما أسقط».\nمثاله: ما يستدل به علماء أصحاب الشافعي من أن الفقراء في الكفارة يتعين اعتبار أعدادهم واستيفاؤها، من قوله تعالى: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ (^١)؛ نصَّ على ستين، فتعين اعتبارهم.\nوأبو حنيفة يقول: لا يُشترط اعتبار عدد المساكين، بل يجوز صرفُ الطَّعام إلى مسكين في ستين يومًا؛ لأن تقدير الكلام: «فإطعام طعام ستين مسكينًا».\n[٩٩/ ظ]\nقال الشافعي: هذا فاسد بقضيَّةٍ لغويَّةٍ، وقضيَّةٍ شرعيَّةٍ:\n- أمَّا اللُّغويَّة: فهي (^٢) أن نقول: الإطعام فعل متعدّي، والأفعال المتعدية تتعدّى إلى مفعول واحدٍ وإلى مفعولين، وهذا مما يتعدَّى إلى مفعولين.\n- وأمَّا القضية الشرعية: فهي أنَّ أبا حنيفة يقول: «لو دفع طعام ستين مسكينًا إلى واحدٍ في يوم واحدٍ، لا يجوز»؛ فلو كان تقدير الكلام ما ذكر، لوجب أن يجوز، ومع هذا لا يجوز بإجماع المسلمين.\nومن هذا القبيل: قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى﴾ (^٣)، أشار إلى نَصْب القرابة عِلَّةً في الاستحقاق.\n_________\n(^١) المجادلة: ٤.\n(^٢) قوله: (اللغوية فهي) في المخطوط: (اللغوي وهو)، ولعل الصواب ما أثبت.\n(^٣) الأنفال: ٤١.","vol":"1","page":218},{"text":"فيقول الشافعي: يجب أن يُعطوا حيث كانوا وكيف كانوا.\nوأبو حنيفة يقول: لا يستحقون بالقرابة إلا أن يكونوا فقراء.\nقال الشافعي (^١): «الله تعالى نص (^٢) على ذوي القربى من غير ذكر الفقر. والذي يحقق ذلك أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وآله كان يعطي المياسير من قرابته، كالعباس والزبير، لأجل القرابة».\n\n<span data-type='title' id=toc-115>فصل معقود في بيان من فاسد التأويل</span>\nوذلك أن نقول: «كلام الرسول صلى الله عليه لا يُحمل إلا على إيضاح المشكلات، ولا يُحمل على الواضحات الجليَّاتِ».\nألا ترى أنه لو جلس أديب يبين لنا الأسماء الظاهرة، كان هذا هزوا؛ وكذلك لو جلس مدرس يبين لنا بأنَّ هذا الثوب طاهر، والخشب طاهر لكان لعبا.\nولذلك أمثلة في الشرع:\nمنها: ما يستدل به الشافعي من أن المسلم لا يُقتل بالكافر من قوله: «ألا لا يُقتل مؤمن بكافر» (^٣).\nقال أبو حنيفة: أراد الحربي.\n_________\n(^١) ينظر: «الأم» (٤/ ١٥٧).\n(^٢) قوله تعالى نص في المخطوط: (نص تعالى).\n(^٣) تقدم تخريجه. انظر: (ص ١٩٠).","vol":"1","page":219},{"text":"• ومن ذلك: استدلال الشافعي في أنَّ عدد الطلاق معتبر بالرجال من قوله صلى الله عليه: «الطلاق بالرجال والعِدَّة بالنساء» (^١).\nفيقول الحنفي: المراد به أن الرجل يملك الطلاق ويُطلق.\nقال الشافعي: هذا لا يخفى على صَبِيٌّ غَبِيٌّ (^٢)، فأي فائدة في قول النبي ﷺ عليه!؟\n• ومن ذلك: قوله صلى الله عليه: «المتبايعان بالخيار ما لم يفترقا» (^٣).\nفيقول الحنفي: المراد به: «المتساومان بالخيار ما لم يتبايعا».\nقال الشافعي: هذا أمر لا يُشكل على أحدٍ حتَّى يحتاج إلى بيان الشارع.\n• ومن ذلك: ما يستدلّ به أصحاب أبي حنيفة من المنفرد برؤية الهلال إذا أفطر بالجماع في ذلك اليوم لا تلزمه الكفارة بقوله صلى الله عليه: «صومكم يوم تصومون، وفطركم يوم تفطرون» (^٤).\n_________\n(^١) لم نجده مرفوعا. وأخرجه البيهقي في «السنن الكبرى» (١٥١٦٣، ١٥١٧٦، ١٥١٧٨) موقوفا على ابن مسعود وزيد بن ثابت وابن عباس. قال ابن الجوزي: وقد روى بعض من نصر هذه المسألة عن ابن عباس عن رسول الله ﷺ أنه قال: «الطلاق بالرجال والعدة بالنساء\"، إنما هذا من كلام ابن عباس»، وقال الزيلعي: «غريب مرفوعا». انظر: «التحقيق» (٢/ ٢٩٩)، «نصب الراية» (٣/ ٢٢٥)، «تنقيح التحقيق» (٤/ ٤٢٨).\n(^٢) مثل هذه العبارات لا يليق إطلاقها في مقام الرد، لكن لعل كونه درسا وإلقاء يجعل الشيخ يتبسط في الحديث.\n(^٣) أخرجه البخاري (٢٠٧٩) من حديث حكيم بن حزام ﵁، وأخرجه (٢١١١)، ومسلم (١٥٣١) من حديث ابن عمر ﵄.\n(^٤) أخرجه بهذا اللفظ عبد الرزاق (٧٣٠٤)، وابن راهويه في «مسنده» (٤٩٦)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٨٢٠٨) من حديث أبي هريرة.","vol":"1","page":220},{"text":"فيقول الحنفي (^١): أراد به: صوم كلُّ أحدٍ منكم يوم يصومه، وفطره يوم يفطره.\nفيقال له: هذا أمر لا يُشكل على أحدٍ حَتَّى يقصد الشارع بيانه، فلا بُدَّ أن يكون لقوله صلى الله عليه فائدة.\n• ومما يتصل بما قدمنا من الأمثلة: ما يستدل به الشافعي على [أنَّ] تعميم الأصناف الثمانية واجبُ بالزَّكاة.\nقال الحنفي: يجوز الاقتصار على واحد من هؤلاء الأصناف؛ لأنَّ الله إنَّما قصد بهذا بيان جهة الحاجة؛ ليكون الخطاب (^٢) مصادفا للحاجة، وذلك يحصل إذا دفعه إلى بعضهم.\nمن التأويل:\nقال الشافعي: لمس النساء يوجب الطهارة، وهو قوله: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاء﴾ (^٣)، فأوجب الطهارة عند (^٤).\n_________\n(^١) في المخطوط: (الشافعي)، وهو خطأ، راجع: «تحصين المآخذ» (٢/¬٢٧).\n(^٢) مطموسة في المخطوط، اجتهدنا في تقديرها.\n(^٣) النساء: ٤٣.\n(^٤) هنا بانتهاء (ق/ ٩٩/ ظ) ينتهي المخطوط. راجع المقدمة (ص ٥٢).","vol":"1","page":221},{"text":"<span data-type='title' id=toc-116>[من كتاب النُّسَخ]</span>\n<span data-type='title' id=toc-117>[بم يُعرف النُّسَخ]</span>\n[٩٢/ و] (^١) قاعدًا أو المؤتم قائمًا، بل يجب عليهم أن يقعدوا.\nقال الشافعيُّ: وقد صحَّ عن رسول الله ﷺ عليه أنَّه صلَّى في مرض موته بالنَّاس قاعدًا وهم قيام؛ وهذا تاريخ.\n• وقد يُعرف ذلك أيضًا بحالِ الرَّاوي: بأن يكون من متأخري الإسلام، فتكون روايته ناسخةً لرواية راوي متقدم الإسلام.\nمثاله: أنَّ الشَّافعيَّ احتجَّ في مسِّ الذَّكر برواية أبي هريرة، وهو من متأخري الإسلام، فكانت روايته أولى، مقدَّمةً ناسخةً لرواية طلق بن علي، وقد ثبت أنَّه كان يؤخذ من مراسم رسول الله ﷺ عليه بالأحدث فالأحدث.\nوأصحاب أبي حنيفة يستدلُّون على أنَّ مسَّ الذَّكر لا ينقض الوضوء برواية قيس بن طلق عن أبيه أنَّ النبيَّ صلى الله عليه سُئل عن مسِّ الذَّكر فقال صلى الله عليه: «هل هو إلَّا بضعة منك» (^٢).\n_________\n(^١) ما بقي من هذه المسألة والفصل الذي يليها تابعتان لكتاب النسخ، وبالمقارنة مع المصادر الأخرى - لا سيما «البحر المحيط» - يظهر أن كتاب النسخ في حدود ٢٠ مسألة، وما بعد النسخ - وهو كتاب الإجماع - موجود في هذه التعليقة، وجزء من كتاب الأخبار. وقد أورد الزركشي عن إلكيا كثيرًا من النصوص في باب النسخ، نقلناها في الملحق.\n(^٢) أخرجه أبو داود (١٨٢)، والترمذي (٨٥)، والنسائي (١٦٥) وغيرهم من حديث طلق بن علي.","vol":"1","page":223},{"text":"<span data-type='title' id=toc-118>فَصْلٌ </span>(^١)\nإذا قال الصَّحَابِيُّ - وقد رُوي له حديثٌ: «هذا منسوخ»، لا يُقبل منه حتَّى يُبَيِّنَ النَّاسِخَ؛ لأنه ربَّما اعتقد ما ليس بناسخ ناسخًا، وما ليس بمنسوخ منسوخًا.\nمثال ذلك: ما رُوي عن ابن مسعودٍ (^٢) أَنَّه لمَّا رُوي له عن رسول الله ﷺ عليه [أنه] قال: «لا تحرّم الرَّضعة ولا الرَّضعتان» (^٣)، قال: «كان ذلك ثُمَّ نُسخ، وآل أمر الرضاع إلى أن صار يحرم؛ قليله وكثيره» (^٤).\n_________\n(^١) انظر: «المعتمد» (١/ ٤٤٩ - ٤٥١).\n(^٢) وفي بعض المصادر ابن عباس. انظر: «شرح مختصر الطحاوي» للجصاص (٥/ ٢٦١)، والمروي في كتب الحديث رأيه في المسألة دون تنصيصه على النسخ، فقد أسند الطحاوي في «شرح مشكل الآثار» (١١/ ٤٩٢)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (١٥٦٤٥) عنه قوله: «قليل الرضاع وكثيره يحرم في المهد».\n(^٣) أخرجه مسلم (١٤٥١) من حديث أم الفضل ﵂.\n(^٤) لم نقف على أثر ابن مسعود بهذا اللفظ مسندا، ولم نجد تنصيصه على النسخ، والذي أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (١٧٠٣٢، ١٧٠٣٣)، والطحاوي في «شرح مشكل الآثار» (١١/ ٤٩٢)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (١٥٦٤١) عنه أنه قال: «يحرم من الرضاع قليله وكثيره». وانظر: «التجريد» للقدوري (١٠/ ٥٣٥٣).","vol":"1","page":224},{"text":"<span data-type='title' id=toc-119>كتاب الإجماع </span>(^١)\nحقيقة الإجماع وحده: «هو اتفاق علماء العصر من أهل الحل والعقد على حكم سمعي».\n• فإن قيل: ومن أهل الحل والعقد؟\n• قلنا: هم أهل الاجتهاد.\n\n<span data-type='title' id=toc-120>فصل </span>(^٢)\nاتفق المسلمون بأسرهم على أنَّ الإجماع حُجَّةٌ مقطوع به، تحرم مخالفته؛ ولم يخالف في ذلك أحدٌ إِلَّا النَّظام (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-121>فصل </span>(^٤)\n• لا يُعتد بخلاف العامة؛ لأنهم أتباع المجتهدين.\n• فأمَّا من شدا طرفًا من العلوم ولم يتبحّر فيها - كعلماء عصرنا ـ؛ فإنَّه لا يعتد بخلافهم (^٥).\n_________\n(^١) انظر: «المنخول» (ص ٣٠٣)، «الوصول» (٢/ ٦٣).\n(^٢) انظر: «البرهان» (١/ ٤٣٤)، «المنخول» (ص ٣٠٣)، «الوصول» (٢/ ٦٨).\n(^٣) حكى الزركشي عن الكيا وغيره قول النظام في الإجماع بأنه يسوي بين قول جميع الأمة وبين قول آحادها في جواز الخطأ على الجميع، ولا يرى في الإجماع حجة، وإنما الحجة في مستنده إن ظهر، وإن لم يظهر: لم يقدر له دليلا تقوم به الحجة. «البحر المحيط» (٤/ ٤٤٠).\n(^٤) انظر: «البرهان» (١/ ٤٣٩ - ٤٤٠)، «المنخول» (ص ٣١٠)، «الوصول» (٢/ ٧٧، ٨٠).\n(^٥) نقل الزركشي عن الكيا في مسألة اعتبار خلاف الأصولي في الفقه، وأن جمهور الأصوليين على=","vol":"1","page":225},{"text":"[مسألة] (^١)\n• واختلف العلماء فيمن أحكم بعض أدوات الاجتهاد ولم يبق إلا شيء يسير منها وقد أشرف على المعظم وقارب رتبة المجتهدين:\nفقال الأكثرون من علماء الأصول: لا يُعتد بخلافه (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-122>فَصْل </span>(^٣)\nالصَّبِيُّ إذا أحكم رتبة الاجتهاد، وأحكم أدواته وخالف: لا يعتد بخلافه؛ وكذلك الكافر.\n\n<span data-type='title' id=toc-123>فَصْل </span>(^٤)\nوأما الفاسق: إذا أحكم أدوات الاجتهاد؛ اختلف الناس:\nفقال الأكثر: لا يُعتد (^٥) بخلافه (^٦).\n_________\n= أن خلافه لا يعتبر. فنقل عنه ما نصه: «والحق قول الجمهور؛ لأن من أحكم الأصول، فهو مجتهد فيها، ويقلد فيما سنح له من الوقائع، والمقلد لا يعتد بخلافه». «البحر المحيط» (٤/ ٤٦٦).\n(^١) انظر: «البرهان» (١/ ٤٤٠)، «الوصول» (٢/ ٧٧).\nذكر الزركشي أن إلكيا الطبري ترجم هذه المسألة بقوله: «من أشرف على رتبة المجتهدين». انظر: «البحر المحيط» (٤/ ٤٧٥).\n(^٢) نقل الزركشي عن الكيا مزيد بيان في هذه المسألة، فقال ما نصه: «قال أكثر الأصوليين: لا يعتد بخلافه، وصار قاضينا أبو بكر إلى أنه يعتد، ولعله أراد أن يدخل نفسه في رتبة المجتهدين». «البحر المحيط» (٤/ ٤٧٥).\n(^٣) انظر: «المنخول» (ص ٣١١)، «الأوسط» (ص ٩٤).\n(^٤) انظر: «البرهان» (١/ ٤٤١)، «المستصفى» (١/ ٤٦٢)، «الوصول» (٢/ ٨١).\n(^٥) كتب في محاذاتها في الطرة: (جاز) دون الإشارة إلى موضع لحقها، ولم يتبين لنا موضعها.\n(^٦) لأن الورع معتبر عندهم في أهل الإجماع، والفاسق غير مصدق فيما يقول وافق أم خالف؛ =","vol":"1","page":226},{"text":"وقال آخرون: يُعتد بخلافه.\n\n<span data-type='title' id=toc-124>فَصْلُ </span>(^١)\nيجوز أن ينقص عددُ المجمعين عن عدد أهل التواتر (^٢).\nومن النَّاسِ مَنْ قال: لا يجوز أن ينقص أهل الإجماع عن عدد أهل التواتر؛ لأنَّ الله تعالى ضمن حفظ الدين، فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لحَافِظُونَ﴾ (^٣).\n_________\n= واستشكل بأن المجتهد الفاسق لا يجوز له تقليد غيره، فانعقاد الإجماع في حقه مشكل، ولا يمكن تجزئة الإجماع، حتى يكون حجة في حق غيره، ولا يكون حجة في حقه، واستحسنه إلكيا، وقال: «المسألة محتملة». «البحر المحيط» (٤/ ٤٧٠).\n(^١) انظر: «البرهان» (١/ ٤٤٣)، «المنخول» (ص ٣١٣)، «الأوسط» (ص ٩٨)، «الوصول» (٢/ ٨٣).\n(^٢) نقل الزركشي عن إلكيا مسألة متعلقة بهذه المسألة، وهي أنه إذا لم يبق إلا مجتهد واحد، فهل قوله حجة كالإجماع؟ فنقل عنه ما نصه: «وقال إلكيا: المسألة مبنية على تصور اشتمال العصر على المجتهد الواحد، والصحيح تصوره، وإذا قلنا به، ففي انعقاد الإجماع بمجرد قوله خلاف، وبه قال الأستاذ أبو إسحاق. قال: والذي حمله على ذلك أنه لم ير في اختصاص الإجماع بمحل معنى يدل عليه، فسوى بين العدد والفرد. وأما المحققون سواه فإنهم يعتبرون العدد، ثم يقولون المعتبر عدد التواتر، فإذن مستند الإجماع مستند إلى طرد العادة بتوبيخ من يخالف العصر الأول، وهو يستدعي وفور عدد من الأولين، وهذا لا يتحقق فيما إذا لم يكن في العصر إلا مجتهد واحد، فإنه لا يظهر فيه استيعاب مدارك الاجتهاد. قال: وينشأ من هذا خلاف في مسألتين إحداهما: أن الصحابة إذا أجمعوا على قول وانفرد واحد منهم بخلاف، والمجمعون عدد التواتر، فهل ينعقد الإجماع دونه؟ فقيل: لا يعتد بخلاف الواحد. وهو مذهب ابن جرير. والصحيح أنه يعتد بخلافه إن كان استناد الإجماع إلى قياس، إذ لا يبعد أن يقال: الجماعة إذا ابتدروا أجلى القياس وظهر الواحد منهم بقياس غامض يخالف فيه. نعم إن قطعوا في مظنة الظن، فأهل التواتر لا يقطعون في مظنة الظن إلا بقاطع، ثم ذلك القاطع لا بد وأن يظهر للمخالف. الثانية: أن إجماع أهل سائر الأعصار، هل يكون حجة؟ وفيه خلاف، والأكثرون على التسوية بين إجماع الصحاب ومن عداهم، خلافا لداود». «البحر المحيط» (٤/ ٥١٦ - ٥١٧).\n(^٣) الحجر: ٩.","vol":"1","page":227},{"text":"<span data-type='title' id=toc-125>فَصْلٌ </span>(^١)\nاختلف الناس في المجتهد الواحد (^٢)؛ هل يُعتدُّ بخلافه أم لا؟\n• فقال قوم: لا يُعتدُّ بخلافه.\n• وقال الأكثرون من علماء الأصول: إنَّ خلافَ الواحدِ مُعتدٌّ به.\n\n<span data-type='title' id=toc-126>فَصْلٌ </span>(^٣)\nاختلف الناس في إجماع من عدا الصحابة - من التابعين وغيرهم -؛ هل هو حُجَّةٌ أم لا؟\n• فقال قوم: إنَّه لا يكون حُجَّةً.\n• [٩٢/ ظ] وقال آخرون: إجماعهم حُجَّةٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-127>فَصْلٌ </span>(^٤)\nاختلف الأصوليون في انقراض عصر المجمعين؛ هل هو شرط في انعقاد الإجماع وكونه حُجَّةً أم لا؟\n• فصار الأكثر من الأصوليين إلى أنَّه ليس بشرط.\n• وقال آخرون: هو شرط في انعقاد الإجماع، وكونه حُجَّةً (^٥).\n_________\n(^١) انظر: «البرهان» (١/ ٤٦٠)، «المستصفى» (١/ ٤٩٦)، «الوصول» (٢/ ٨٨).\n(^٢) إذا خالف.\n(^٣) انظر: «البرهان» (١/ ٤٦٠)، «المستصفى» (١/ ٤٦٥، ٤٧٧)، «الوصول» (٢/ ٧٣).\n(^٤) انظر: «البرهان» (١/ ٤٤٤)، «المنخول» (ص ٣١٧)، «الوصول» (٢/ ٩١)، «الأوسط» (ص ٧٣).\n(^٥) كذا في المخطوط مختصرًا، وقد نقل الزركشي عن إلكيا مزيد كلام في المسألة. =","vol":"1","page":228},{"text":"مسألة (^١)\nاختلف الأصوليون في الإجماع؛ هل يجوز أن يكون صدر عن الاجتهاد والرأي أم لا؟\n• فقال قائلون (^٢): إنَّه لا يجوز أن يكون الإجماع صادرًا عن الاجتهاد.\n• وقال آخرون: إنَّه يجوز أن ينعقد الإجماع عن الاجتهاد، وهو الذي\nاختاره الشافعي.\nوالذي قال لا يجوز أن يصدر الإجماع عن اجتهاد قال: إنَّ الاجتهاد والقياس ظن وتخمين، وهو أمر يختلف فيه.\n_________\n= ١ - فمنها ما نقله ضمن المذاهب في المسألة قول الكيا، ونصه: «قال الإمام: إن قطع أهل الإجماع في مظنة الظن، فلا يعتبر انقراضه؛ فإن ذلك لا يصدر إلا عن توقيف وتقدير يقتضيه خرق العادة، والعادة لا تخرق لا في لحظة ولا في أمد طويل. قال: وهذا الذي ذكر الإمام لا يختص بالإجماع، فإن المجتهد لو قطع في مظنة الظن: كان كذلك، ولا فائدة له كبيرة هنا.\nقال: وإن كان الإجماع في الحكم مع الاعتراف باستناده إلى اجتهاده فما داموا في مهلة البحث فلا مذهب لهم، فضلا عن أن يكون إجماعا، وإن جزموا الحكم بناء على أحد النظرين، فهذا مما يبعده الإمام، ويرى أن الرأي الذي أجمع عليه أهل التواتر مستند للقاطع». «البحر المحيط» (٤/ ٥١٣).\n٢ - ومنها أنه قال: «مقتضى اشتراط انقراض العصر ألا يستقر الإجماع ما بقي من الصحابة واحد، ولو لحقهم زمرة من المجتهدين قبل أن [ينقرضوا]، فلا شك أنهم صاروا معتبرين فيما بينهم وصار خلافهم معتبرا، ومع هذا أجمعوا على أنه لا يشترط انقراض عصر اللاحقين، فإنا لو اعتبرنا ذلك لم يستقر الإجماع، ومعلوم أن اللاحق صار كالسابق في اعتبار قوله، وإذا كان اعتبار قوله يمنع من استقرار الإجماع فينبغي عدم اشتراطه؛ لأن المخالف لو خالف قبل انقراض عصر الأولين اعتبر خلافهم، فإذا مات الأولون بعد تحقق انقراض العصر، فينبغي أن تصير المسألة إجماعية». «البحر المحيط» (٤/ ٥١١ - ٥١٢).\n(^١) انظر: «المستصفى» (١/ ٤٩٠)، «الوصول» (٢/ ١١١).\n(^٢) بعدها في المخطوط: (إلى)، وهي مقحمة.","vol":"1","page":229},{"text":"<span data-type='title' id=toc-128>فَصْلٌ في الإجماع وانقسامه </span>(^١)\nاعلم أنَّ الإجماع ينقسم إلى قسمين (^٢):\n• إجماع على أمر لا أثر للإجماع فيه؛ كالإجماع على الإيمان وشرائطه، والإجماع على الصلوات الخمس والحج والزَّكوات؛ فهذا وما شاكله من الأحكام - كالبيع والنكاح وغير ذلك - ليس لأهل الإجماع فيه إلا النقل، فيؤديه صاغر عن كابر، ويأخذهُ خَلَفٌ عن سلف؛ لأنها ثابتة بنص الكتاب والسُّنَّة. فهذا النوع من الإجماع يكفر جاحده (^٣)، ويفسق تاركه (^٤).\n• والقسم الثاني: ما اتفق المجتهدون على إثبات حكمه ولا مدخل للعامة فيه، ولا لمن تميز بطرف من العلوم؛ غير أنَّه يُضاف إلى كل الأمة؛ لأنَّ العامة أتباع للعلماء، وإنَّما عليهم الانقياد لما يذكره العلماء. ومن شدا طَرَفًا من العلم أيضًا، فهو مقلد للمجتهد، وهذا النوع من الإجماع (^٥) لا يكفر جاحده، ويُفسق.\n_________\n(^١) انظر: «البرهان» (١/ ٤٦٢)، «المستصفى» (١/ ٤٥٧).\n(^٢) قارن مع: «البحر المحيط» (٤/ ٥٢٥)\n(^٣) نقل الزركشي عن الكيا في القسم الأول من أقسام الإجماع والذي سماه «ما يشترك الخاصة والعامة فيه» ما نصه: «ويكفر مخالفه من حيث إنه منقول عن الشرع قطعا، فإنكاره كإنكار أصول الدين». «البحر المحيط» (٤/ ٥٢٥).\n(^٤) أورد الزركشي مسألة لها تعلق بهذه المسألة، وهي جريان الإجماع في العقليات، فذكر ثلاثة مذاهب، ولما نقل القول بالمنع مطلقا، نقل عن الكيا الطبري ما نصه: «وقال إلكيا: ينشأ من أن الإجماع حجة من جهة السمع أنه إنما يحتج به فيما طريق معرفته السمع، ولا يصح أن يعرف بالإجماع ما يجب أن تتقدم معرفته قبل معرفة الإجماع، كإثبات الصانع والنبوات». «البحر المحيط» (٤/ ٥٢٢)\n(^٥) في المخطوط: (الاجتهاد)، فلعله سبق لسان أو قلم، والصواب ما أثبت، والله أعلم.","vol":"1","page":230},{"text":"واعلم أنَّ هذا الإجماع ينقسم قسمين:\n• قسم: صرَّحوا به وأفصحوا: فهو حُجَّةٌ تحرم مخالفته - كاتفاقهم على قتال البغاة ومانعي الزَّكاة وغير ذلك -.\n• القسم الثاني: ألا يُفصحوا به ولا ينطقوا بحكمه، لكنهم سكتوا؛ وهو مثل أن يجتمع جمع من الصحابة (^١) ثُمَّ يُفتي واحد منهم في مسألة فيما بينهم، وسمعوا ذلك منه وسكتوا عنه، ولم ينكروا عليه؛ فسكوتهم في هذا الموضع إجماع منهم على أنَّ ما أفتى به حكم شرعي يجوز الأخذ به.\nوبمثل هذا الطريق ثبت كونُ القياس حُجَّةً مجمعا عليه؛ فإنَّ بعض الصحابة كان يحكم بالقياس، ويرى أنه طريق شرعي؛ ومنهم من لم يعمل به ولم يُنكر على من عمل به، فسكوتُ السَّاكتين مع علمهم بأن غيرهم عمل به دليل وإجماع منهم على كونه حُجَّةً وطريقًا شرعيا؛ وإلا فلو كان حرامًا لما سكتوا عن إنكاره.\nوكذلك إذا سكتوا عند فتوى أحدهم بما لا مجال للقياس فيه: يُعلم أنَّه لا يستند إلا إلى قاطع، فيُعلم أنهم ما سكتوا إلا لأنهم علموا القاطع.\nمثاله: ما روي عن عمر أنه قضى في دية اليهود والنصارى بثلث دية [٩٣/ و] المسلم، وفي دية المجوسي ثمانمئة درهم (^٢)؛ فهذا أمر لا يهتدى إليه بالقياس؛ فلما سكتوا عنه: علمنا أنهم علموا القاطع المُثبت لهذا الحكم، فسكتوا عن إنكاره.\n_________\n(^١) نقل الزركشي في مسألة الإجماع السكوتي هل هو خاص بعصر الصحابة أو يشمل من بعدهم من المجتهدين؟ وقد نقل اختيار إلكيا بالتسوية بين عصر الصحابة وغيرهم. «البحر المحيط» (٤/ ٥٠٦).\n(^٢) انظر: «معرفة السنن والآثار» (١٢/ ١٤١).","vol":"1","page":231},{"text":"<span data-type='title' id=toc-129>فَصْل </span>(^١)\nإذا ثبت أنهم لا يسكتون إلا على ما هو شَرْع؛ فإذا أفتى بعضُهم وسكت الباقون؛ فهل يكون سكوتُ الساكتين موافقةً أم لا؟\n• فعند الشافعي لا يدلُّ على الموافقة.\n• وذهب أصحاب أبي حنيفة إلى أنه يدلُّ على الموافقة (^٢).\nمسألة (^٣)\nإجماع أهل المدينة ليس بحجة على تجردهم وانفرادهم؛ هذا ما اتفق عليه الكل.\nوحُكي عن مالك أنَّه قال: إجماع أهل المدينة حُجَّةٌ ويحرم مخالفته.\n_________\n(^١) انظر: «البرهان» (١/ ٤٤٧)، «المنخول» (ص ٣١٨)، «الأوسط» (ص ١٠٣)، «الوصول» (٢/ ١١٨)\n(^٢) نقل الزركشي عن الكيا بعض القيود التي لا بد منها في الإجماع السكوتي، ومنها:\n١ - ألا تتكرر الفتيا مع طول مدة السكوت مع عدم مخالفتهم؛ فإن تكررت الفتيا، وطالت المدة مع عدم المخالفة، فإن ظن مخالفتهم يترجح، بل يقطع بها، ذكره إمام الحرمين والكيا. ثم نقل الزركشي ما نصه: «وقول الشافعي: «لا ينسب إلى ساكت قول»، أراد به ما إذا كان السكوت في المجلس، ولا يتصور السكوت إلا كذلك، وفي غيره لا سكوت على الحقيقة». «البحر المحيط» (٤/ ٥٠٥)\n٢ - أن يكون ذلك قبل استقرار المذاهب، قال الزركشي: «فأما بعد استقرارها فلا أثر للسكوت قطعا، كإفتاء مقلد سكت عنه المخالفون للعلم بمذهبهم ومذهبه، كشافعي يفتي بنقض الوضوء بمس الذكر، فلا يدل سكوت الحنفي عنه على موافقته للعلم باستقرار المذاهب، ذكره إلكيا الطبري وغيره». «البحر المحيط» (٤/ ٥٠٥).\n(^٣) انظر: «البرهان» (١/ ٤٥٩)، «المنخول» (ص ٣١٤)، «الوصول» (١/ ١١٣).","vol":"1","page":232},{"text":"وقال قوم من أصحابه: إنَّما أراد مالك بهذا أنَّ روايتهم مقدَّمة على رواية غيرهم.\nمسألة (^١)\nإذا اختلفت الصحابة على قولين؛ هل يجوز إحداث قول ثالث أم لا؟\nاختلف العلماء في ذلك وأطلقوا أقوالهم في النفي والإثبات:\n• فقال قوم: لا يجوز إحداث ثالث (^٢).\n• وقال آخرون: يجوز.\n\n<span data-type='title' id=toc-130>فصل </span>(^٣)\nإذا اجتمعت الصحابة على دليل حكم: لم يجز إحداث دليل آخر.\nفأما إذا استدلُّوا بدليل في مسألة من غير أن يقطعوا القول بأنَّ الحكم صادر عنه، وإنَّما أجمعوا على الحكم؛ فإنَّه يجوز أن يُحدَثَ دليل آخر.\n• مثال ذلك: أنا عرفنا من وضع الشرع أنَّه يجب في التَّيَمُّمِ القَصدُ إلى الصعيد؛ فلو أنَّه وقف في مهب الريح حتَّى سَفِتَ التُّرابُ على أعضاء تيممه ونوى؛ هل يجزئه ذلك، كما لو وقف تحت ميزاب حتَّى جرى الماء عليه؟\nقال بعض أصحابنا (^٤): إذا تحقق وصول الغبار إليه يجزئه، والعِلَّةُ فيه أنَّ\n_________\n(^١) انظر: «البرهان» (١/ ٤٥١)، «المنخول» (ص ٣٢٠)، «الوصول» (٢/ ١٠٣).\n(^٢) نقل الزركشي عن إلكيا قوله: إنه الصحيح، وبه الفتوى. انظر: «البحر المحيط» (٤/ ٥٤٠).\n(^٣) انظر: «الوصول» (٢/ ١٠٦)، «الأوسط» (ص ١١٦).\n(^٤) كتب في الطرة هنا: (يعني أصحاب الشافعي).","vol":"1","page":233},{"text":"القصد وصول الطهور إلى محل الفرض وقد وجد.\nيقال لهم: هذا ما لا يخفى على السابقين والصدر الأول، فقالوا (^١): «هذا لا يجزئه»، فدل أنهم صاروا إلى التعبد وأنَّ الشرع ورد بالقصد إلى الصعيد، وأنَّ ما أثبتناه من الدليل لا يصلح أن يكون دليلًا.\nوكذلك أيضًا اختلفوا في إيجاب الكفارة على المطاوعة في نهار رمضان على الوقاع:\n- فقال قوم: لا يجب عليها.\nوتردد قولُ الشَّافعي في هذه المسألة - في وجوب الكفّارة عليها ـ؛ ولو كان معنى يعول عليه: لما اختلف قوله فيه.\nمسألة (^٢)\nإذا اتفق أهلُ الإجماع على فعل من الأفعال؛ فهل تكون أفعالهم وإجماعهم عليه - حُجَّةً تدلّ على وجوبه أم لا؟\nاختلف الأصوليون في ذلك:\nفقال القاضي أبو بكر: لا يتصور الاجتماع على فعل واحدٍ؛ فإنَّ إجماع أهل التَّواتر في ساعةٍ واحدةٍ على فعل واحد مستحيل وجوده (^٣).\n_________\n(^١) كذا في المخطوط.\n(^٢) انظر: «البرهان» (١/ ٤٥٦)، «المنخول» (ص) (٣١٨).\n(^٣) كذا في المخطوط، والسياق يقتضي أن الكلام لم يتم، وقد نقل الزركشي الخلاف في المسألة، وذكر المذهب الثالث فيها - وهو قول إما الحرمين بأنه يحمل على الإباحة ما لم تقم قرينة دالة =","vol":"1","page":234},{"text":"<span data-type='title' id=toc-131>فَصْل </span>(^١)\nإجماعُ مَنْ تقدَّم من الأمم السالفةِ قبلنا؛ هل هو حُجَّةٌ أم لا؟ (^٢)\nفقال قومٌ: ليس هو حُجَّةً.\nوقال آخرون: يكون حُجَّةً (^٣).\n_________\n= على الندب أو الوجوب؛ فإنا نعلم أن الواحد من التابعين لو باشر فعلا، فروجع فيه، فقال: كيف لا أفعله، وقد فعله المهاجرون والأنصار قبل المشورة عليه، والعادة أيضا تدل على مثل ذلك، فإن الأمة إذا اتفقت على فعل، وتكرر الفعل فيما بينهم، فإن كان معصية اشتهر كونه معصية، ولا يخفى ـ، قال إلكيا: والحق ما قاله، فليلتحق بمسائل الإجماع. «البحر المحيط» (٤/ ٥٠٨). وقارن مع: «البرهان» (١/ ٤٥٧).\n(^١) انظر: «البرهان» (١/ ٤٥٨)، «الوصول» (٢/ ١٢١)، «الأوسط» (ص ١١٨).\n(^٢) نقل الزركشي عن إلكيا مزيد بيان في هذه المسألة، وأنه قال بالتوقف فيها، حيث قال: «لا معنى للخلاف في هذه المسألة؛ لأن العقل يجوز كلا الوجهين، وإذا تقابل الجائزان يوقف الأمر على السمع، ولا قاطع من جهته، فتوقفنا، ولم يثبت عندنا أن سلف كل أمة كانوا ينكرون على من يخالف أصحاب المرسلين في أحكام الوقائع بناء على أدلة تلك الشرائع». «البحر المحيط» (٤/ ٤٤٨ - ٤٤٩)\n(^٣) نقل الزركشي عن إلكيا مسائل أخرى في باب الإجماع ليست في التعليقة التي بين أيدينا.\n١ - فمنها: الإجماع في الأمور الدنيوية، ونقل عنه إطلاق القول بأنه ليس بحجة، ثم نقل عنه ما نصه: «لا يبعد خطأ الأمة في ذلك، وعمدتهم أن المصالح تختلف باختلاف الأزمان، فلو قيل بحجيته، فربما اختلفت تلك المصلحة في زمن، وصارت في غيره، فيلزم ترك المصلحة، وإثبات ما لا مصلحة فيه، وهو محذور». «البحر المحيط» (٤/ ٥٢٣).\n٢ - ومنها ما نقله الزركشي في مسألة الإجماع بعد الخلاف نقلا عن إلكيا وابن برهان: «ذهب الشافعي إلى أن حكم الخلاف لا يرتفع»، ونقل الزركشي القول الثاني في المسألة أنه جائز، ونسبه لعدد من العلماء، وذكر أن إلكيا نقله عن الجبائي وابنه وأبي عبد الله البصري. ونقل عنه في هذه المسألة في إمكان وقوعها ما نصه: «وقال إلكيا: ذهب قوم إلى أن هذا النوع لا يتصور، وإليه ميل إمام الحرمين، والذين أحالوا تصوره اختلفوا فيه على ثلاثة أنحاء، فقيل: لأن إجماع =","vol":"1","page":235},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= التابعين لا يحتج به. وقد تقدم أن الصحيح خلافه، وإن لم يكن إجماع التابعين حجة لم يكن لهذا الخلاف معنى. وقيل: لأن الإجماع لا يصدر إلا عن اجتهاد، والاختلاف على قولين يقتضي صدور الأقوال عن اجتهاد، وقد تقدم ما فيه. وقال الإمام (البرهان: ١/ ٤٥٥): واستحالة تصوره من حيث إنه إذا تمادى الخلاف في زمان متطاول، بحيث يقتضي العرف بأنه لو كان ينقدح وجه في سقوط أحد القولين مع طول المباحثة، لظهر ذلك للباحثين، فإذا انتهى الأمر إلى هذا انتهى، ورسخ الخلاف، وتناهى الباحثون، ثم لم يتجدد بلوغ خبر أو أثر يجب الحكم به، فلا يقع في العرف دروس مذهب طال الذب عنه. فإن فرض فارض ذلك، فالإجماع محمول على بلوغ خبر يجب بمثله سوى ما كانوا خائضين فيه من مجال الظنون. قال إلكيا: وما ذكره الإمام مخيل، لكن جوابه سهل، فإنا نرى أهل كل عصر يظهرون مذهبا غير الذي عهده من تقدمهم في العصور الخالية مع أن النظم يحتمله وغيره، وإذا ثبت أنه متصور انبنى عليه أن الإجماع هل يزيل الحكم السابق أم لا؟ قال إلكيا: وهذه المسألة يلاحظ في مجاريها أصل تصويب المجتهدين». «البحر المحيط» (٤/ ٥٣٣، ٥٣٤، ٥٣٥، ٥٣٦)","vol":"1","page":236},{"text":"<span data-type='title' id=toc-132>كتاب الأخبار </span>(^١)\n<span data-type='title' id=toc-133>فصل</span>\nحكي عن الجاحظ أنه قال: الأخبار تنقسم إلى أربعة أقسام:\n• قسم منها صدق لا ريب فيه - كخبر الله تعالى ورسوله -.\n• ومنها كذب قطعا - وهو قول الكفار: ﴿إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةِ﴾ (^٢).\n• وقسم متردد بين الصدق والكذب - كقول القائل: «زيد في الدار»، وما جرى هذا المجرى -.\n• القسم الرابع: أن يعلم الإنسان أن زيدا في الدار، ثم خرج زيد عن الدار ولم يعلم بخروجه فسئل عنه: «هل زيد في الدار؟»، فقال: «نعم»؛ فإن هذا لا يوصف بكونه صدقا ولا كذبا.\n\n<span data-type='title' id=toc-134>فصل </span>(^٣)\nإذا ثبت ما ذكرناه من انقسام الخبر إلى الصدق والكذب؛ فنقول:\nالصدق ينقسم:\n_________\n(^١) انظر: «البرهان» (١/ ٣٦٧، ٣٧٨)، «المنخول» (ص ٢٣٥، ٢٤٥)، «الوصول» (١/ ١٢٣)، «الأوسط» (ص ١٢٢).\n(^٢) المائدة: ٧٣.\n(^٣) انظر: «البرهان» (١/ ٣٧٨)، «المنخول» (ص ٢٣٥، ٢٤٥)، «الوصول» (٢/ ١٢٦، ١٣٠)، «الأوسط» (ص ١٢٥).","vol":"1","page":237},{"text":"• إلى ما يُعلم ضرورةً من جهة الخبر نفسه.\n• وإلى ما يُعلم صدقه لا من جهة الخبر، وإنَّما يُعلم من دليل آخر.\n- أما ما يُعلم الصدق بدليل آخر لا من جهة الخبر: كقول القائل في النهار: «إنَّ هذا نهار، وهذه شمس»، «وأنَّ السَّواد والبياض لا يجتمعان في محلّ واحد».\n- وأما ما يُعلم صدقه من نفس الخبر؛ فينقسم:\n• إلى ما يُعلم ضرورةً.\n• وإلى ما يُعلم بطريق النَّظَرِ والاستدلال.\n- أما ما يُعلم بالنظر والاستدلال، فكخبر الرسول؛ يُعلم صدقه بالنظر والاستدلال في معجزته.\n- وأما ما يُعلم ضرورةً: فهو كالإخبار (^١) عن البلدان النائية والأمم السالفة.\nوقالت السمنيَّة: خبر التواتر لا يوجب العمل بحال، وإنَّما يفيد الظَّنَّ؛ كأخبار الآحاد.\nوهكذا السوفسطائية يذهبون.\n_________\n(^١) كتب الناسخ أولا: (كخبر)، ثم ألحق فوقها: (كالإخبار)، وهو الموافق للسياق، فلعله نسي أن يضرب على الأولى.","vol":"1","page":238},{"text":"<span data-type='title' id=toc-135>فصل معقود في الشرائط المعتبرة في حصول العلم بخبر التواتر </span>(^١)\nاعلم أن الشرائط المعتبرة في حصول العلم [تنقسم]:\n• إلى متفق عليها.\n• وإلى شرائط مختلف فيها:\n- فمن الشرائط المتفق عليها (^٢):\nهو خبر التواتر بالأمم الخالية والبلاد النائية.\n\n<span data-type='title' id=toc-136>فصل معقود في بيان حكم الزيادة إذا لم تنقل نقل الأصل؛ هل تقبل أم لا؟</span> (^٣)\nفي ذلك خلاف:\nفالذي استقر من مذهب أبي حنيفة: أن الجماعة إذا رووا حديثا على وجه، وانفرد أحدهم بزيادة لم تنقلها الجماعة: لا تقبل الزيادة.\nوالذي اشتهر من مذهب الشافعي: أنها تقبل إذا كان الراوي لذلك عدلا ثقة.\n_________\n(^١) انظر: «البرهان» (١/ ٣٦٨)، «المنخول» (ص ٢٤٠)، «الأوسط» (ص ١٢٨).\n(^٢) هنا سقط، ويظهر أنه طويل.\n(^٣) انظر: «البرهان» (١/ ٤٢٤)، «المنخول» (ص ٢٨٣)، «الوصول» (٢/ ١٧٣)، «الأوسط» (ص ١٦٤)","vol":"1","page":239},{"text":"• احتجَّ مَنْ قال: «لا تُقبل»:\n- بأنَّ كُلَّهم سمعوا من شيخ واحدٍ في حالة واحدة، فيبعد كُلَّ البعد أن ينفرد بعضهم بشيء ولا يرويه الآخرون.\n- ولأنَّ انفراده بالزيادة يقتضي إثبات شبهة (^١).\n• احتجَّ مَنْ قال: «بأنَّ الزيادة تقبل»:\nقلنا ذلك (^٢)؛ لأنَّ المجلس الواحد قد يكون فيه مَنْ يُصغي إلى الكلام، ثُمَّ يختلفون في الإصغاء والاستماع، فيكون بعضهم أحسن استماعًا وتلقفًا من بعض. وقد يظهر ذلك في الدُّروس والرُّوايات، فيجوز أن يوفَّق بعضُهم أو واحدٌ منهم لحسن التَّلقُّف، واستياق القصة من أولها إلى آخرها (^٣).\n_________\n(^١) في نقله.\n(^٢) ومن شروط قبول زيادة الثقة التي ذكرها الزركشي عن إلكيا في هذه المسألة:\n١ - ألا تكون عظيمة الوقع، بحيث لا يذهب عن الحاضرين علمه ونقلها، أما ما يجل خطره فبخلافه. «البحر المحيط» (٤/ ٣٣٤).\n٢ - ألا يكذبه الناقلون في نقل الزيادة. «البحر المحيط» (٤/ ٣٣٤).\n(^٣) نقل الزركشي عن إلكيا في هذا الفصل ما نصه: وقال إلكيا الطبري: ونحن وإن قبلنا الزيادة بالشرط السابق فيتطرق إليها احتمال الضعف، ويخدش وجه الثقة، فلو عارضه حديث آخر على مناقضة لقدم عليه، فلأجله قدم الشافعية خبر السراية على خبر السعاية؛ لأنه تفرد بنقل السعاية سعيد بن أبي عروبة من بين أصحاب الزهري. «البحر المحيط» (٤/ ٣٣٥).","vol":"1","page":240},{"text":"<span data-type='title' id=toc-137>فَصْلٌ معقود في خبر الواحد إذا ورد مخالفًا لقضية العقل </span>(^١)\nفلا يخلو:\n• إما أن يكون له وجه في التأويل.\n• أو لا يكون له وجه في التأويل.\nفإن كان الخبر مما لا تأويل له بحال: فهو باطل مردود (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-138>فَصْلٌ </span>(^٣)\nاعلم أنا قد نترك أخبار رجال ورواياتهم في مواضع، ولا يكون ذلك تكذيبًا لهم، ولا يقتضي طعنا فيهم، ولكن يكون الترك لنوع خلل جرى في سماعه.\nمثل أن يدخل المجلس وقد شرع رسول الله ﷺ عليه في كلامه، وذكر [٩٤/ و] بعضه، فأدرك هذا الرجل العجز دون الصدر، فروى ما سمع اعتقادًا منه أنه مستقل وهو مرتبط بما تقدم مما لم يسمعه، أو كان سمع الصدر دون العجز.\nولذلك أمثلة:\n• منها: ما روي أنَّ عائشة لما روي لها أنَّ النبي ﷺ عليه وآله قال: «الشَّؤم في ثلاثة: الدار، والفرس، والمرأة» قالت: ما هكذا الحديث، إنَّما كان\n_________\n(^١) انظر: «المنخول» (ص ٢٨٦).\n(^٢) كذا في المخطوط، ويظهر من السياق أن الكلام لم يتم، وقد نقل الزركشي عن الغزالي وإلكيا أنهما قالا: وأما أحاديث الصفات؛ فكل ما صح تطرق التأويل إليه - ولو على بعد: قُبِلَ، وما لا يُؤول، وأوهم فهو مردود. «البحر المحيط» (٤/ ٣٤٢).\n(^٣) انظر: «المعتمد» (٢/ ٥٥٠)، «بذل النظر» (ص ٣٧٦ - ٣٧٧)، «نفائس الأصول» (٧/ ٢٨٨٥).","vol":"1","page":241},{"text":"رسول الله ﷺ عليه يحكي عن الجاهلية فقال: «كان يقال: الشُّؤم في ثلاثة» (^١).\n• وكذلك قيل لها: إنَّ النبي ﷺ عليه قال: «التاجر فاجر» (^٢)، و«ولد الزنا شر الثلاثة»، فقالت: ما هكذا الحديث، إنَّما هذا مرتب على شيء تقدمه، وهو أنه ذكر للنبي صلى الله عليه أن تاجرًا خان أو كذب، فقال: «إنَّ التاجر فاجر»، يعني ذلك الذي ذكر.\nوقوله: «ولد الزنا شر الثلاثة»؛ لأنه كان قد عقَّ أُمَّه وقال لها: «أنتِ فعلتِ كيت وكيت بعد توبتها». وليس يؤاخذ بجرم غيره ولا ذنب له (^٣).\n_________\n(^١) أخرج القصة أبو داود الطيالسي (١٦٤١)، وأحمد (٢٦٠٣٤) وغيرهما.\n(^٢) لم نجد القصة، لكن روى عبد الرزاق (١٣٢٦٣) عن الحسن أو غيره قال: جاءت امرأة إلى النبي فقالت إنها زنت، فقال رجل إنها غيران يا رسول الله، فقال النبي ﷺ: «إن شئتم لأحلفن لكم أن التاجر فاجر، وأن الغيران ما يدري أين أعلى الوادي من أسفله». والمصنف ضرب هذا المثال ليبين أن قوله ﷺ: «التاجر فاجر خاص وواقعة عين، لكن يشكل عليه: ما أخرجه الترمذي وقال حسن صحيح - (١٢١٠) وابن ماجه (٢١٤٦) وغيرهما من طريق إسماعيل بن عبيد بن رفاعة، عن أبيه، عن جده أنه خرج مع النبي ﷺ إلى المصلى، فرأى الناس يتبايعون، فقال: «يا معشر التجار!»، فاستجابوا لرسول الله ﷺ، ورفعوا أعناقهم وأبصارهم إليه، فقال: «إنَّ التجار يبعثون يوم القيامة فجارا، إلا من اتقى الله وبر وصدق»؛ وما أخرجه الخرائطي في مساوئ الأخلاق» (١٥٣) عن علي بن أبي طالب كان يأتي السوق كل غداة، ويقول: «السلام عليكم، يا معشر التجار، إياكم والحلف، فإن الحلف ينفق السلعة، ويمحق البركة، وإن التاجر فاجر إلا من أخذ الحق وأعطاه، ولذلك قال الزركشي: وهذا يدل على إرادة الاستغراق لوجود الاستثناء فيه». «الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة» (ص ١٠٣).\n(^٣) أخرج نحوه الحارث في «مسنده» - كما في بغية الباحث (٤٧٤، ٥١٤)، وفيه أن عائشة ﵂ قيل لها: إن أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ: «ولد الزنا شر الثلاثة». فقالت عائشة: ليس كذا، إنما كان رسول الله ﷺ يقابل رجلا شديد البأس شديد العداوة، فقيل لرسول الله ﷺ: إنه ولد =","vol":"1","page":242},{"text":"• وكذلك: الحديث المروي عنه: «أنَّ الميّت ليُعذَّب ببكاء أهله»، لما قيل لعائشة أن أبا هريرة يروي هذا، فقالت: إنَّما مر بقبر كافر وأهله يبكون عليه [فقال]: «إِنَّ الميّت ليُعذب وأهله يبكون عليه» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-139>فَصْلٌ </span>(^٢)\n• اعلم أنَّ أخبار الآحاد إذا رواها الثقات؛ فإنَّها لا توجب العلم واليَقين (^٣).\n_________\n= زنًا، فقال: «ولد الزنا شر الثلاثة»، يعني ذلك الرجل».\n(^١) أخرجه الحاكم في «المستدرك» (٢٨٥٥) عن عروة بن الزبير، قال: بلغ عائشة ﵂: أن أبا هريرة يقول: إن رسول الله ﷺ قال: «لأن أمتع بسوط في سبيل الله، أحب إلي من أن أعتق ولد الزنا»، وإن رسول الله ﷺ قال: «ولد الزنا شر الثلاثة»، «وإن الميت يعذب ببكاء الحي». فقالت عائشة: رحم الله أبا هريرة أساء سمعًا فأساء إصابةً؛ أما قوله: «لأن أمتع بسوط في سبيل الله، أحب إلي من أن أعتق ولد الزنا» أنها لما نزلت: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ • وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ﴾، قيل: يا رسول الله، ما عندنا ما نعتق إلا أن أحدنا له جارية سوداء تخدمه، وتسعى عليه، فلو أمرناهن فزنين، فجئن بالأولاد فأعتقناهم، فقال رسول الله ﷺ: «لأن أمتع بسوط في سبيل الله أحب إلي من أن آمر بالزنا، ثم أعتق الولد». وأما قوله: ولد الزنا شر الثلاثة فلم يكن الحديث على هذا، إنما كان رجل من المنافقين، يؤذي رسول الله ﷺ فقال: «من يعذرني من فلان؟» قيل: يا رسول الله، مع ما به ولد زنا، فقال رسول الله ﷺ: «هو شر الثلاثة»، والله ﷿ يقول: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾.\n(^٢) انظر: «مسائل الخلاف» (ص ٢٠٨)، «التبصرة» (ص ٢٩٨)، «البرهان» (١/ ٣٩٢)، «المنخول» (ص ٢٥٢).\n(^٣) نقل الزركشي عن إلكيا في مسألة خبر الواحد والطائفة المحصورة إذا أجمع الفقهاء على قبوله والعمل به أنه يدل على الصدق قطعًا، ونقله إلكيا عن الأكثرين، لكنه اختار أنه يفيد غلبة الظن.\nونقل الزركشي بعد ذلك عنه ما نصه: «وقال إلكيا الطبري: فأما إذا اجتمعت الأمة على العمل بخبر الواحد لأجله، فهذا هو المسمى مشهورا عند الفقهاء، وهو الذي يكون وسطه وآخره على حد التواتر، وأوله منقول عن الواحد، ولا شك أن ذلك لا يوجب العلم ضرورة، فإنه لو أوجبه=","vol":"1","page":243},{"text":"• وقالت الرَّافِضَةُ: لا توجب العمل أيضًا.\n• وقال قوم من أصحاب الحديث: إنَّ الأحاديث متى رواها الثقات الأثبات توجب العلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-140>فَصْلٌ معقودٌ في وجوب العمل بخبر الواحد </span>(^١)\n• أخبار الآحاد عند أهل الجماعة توجب العمل:\n- إذا ظهرت عدالة الرَّاوي.\n- وغلب الظنُّ على صدقه.\n• وقالت الرَّافِضة: لا يجب العمل إلا بما يوجب العلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-141>فَصْلٌ </span>(^٢)\n• حكي عن أبي عليٍّ الجُبَّائيُّ أنه قال: «إنَّ العدد معتبر في أخبار الآحاد، فلا يقبل الخبر إلا أن يرويه عن رسول الله ﷺ عليه اثنان عدلان؛ كالشهادة».\n• وقال أهل الجماعة: خبر الواحد مقبول (^٣).\n_________\n= ثبتت حجة النصارى، واليهود، والمجوس في أشياء نقلوها عن أسلافهم، ونحن نخالفهم». «البحر المحيط» (٤/ ٢٤٤)، وقد نقل إلكيا بعد ذلك عن القاضي أبي بكر الباقلاني مزيد بيان لهذا القول. انظر: «البحر المحيط» (٤/ ٢٤٥).\n(^١) انظر: «البرهان» (١/ ٣٨٨)، «المنخول» (ص ٢٥٢)، «الأوسط» (ص ١٤٤).\n(^٢) انظر: «البرهان» (١/ ٣٩٢)، «المنخول» (ص ٢٥٥)، «الوصول» (٢/ ١٥٢)، «الأوسط» (ص ١٥٧).\n(^٣) هكذا في المخطوط، وقد ذكر إلكيا مزيد كلام فيها نقلا عن القاضي أبي الطيب، فقال الزركشي: =","vol":"1","page":244},{"text":"<span data-type='title' id=toc-142>فَصْلٌ معقود في شروط الراوي </span>(^١)\nفذلك على وجهين:\n• متفق عليها - وهو البلوغ ـ؛ فلا بد من اعتباره.\n• ومختلف فيها - وهو:\nالصَّبيُّ، ولا يخلو:\n- إما أن يكون ماجنا متهتكًا.\n- أو يكون فطنا ملازمًا للفقه والوقار.\nفإن كان داخلا في المجون، فهو كالفاسق، ثُمَّ الفاسق مع كماله بالبلوغ لا يقبل خبره؛ فالصبي أولى (^٢).\nفأمَّا مستورُ الحال الذي لا يتحقَّق حاله، ومن لا يعلم باطن عدالته: لا تُقبل\n_________\n= «ونقل إلكيا الطبري عنه تعليل ذلك؛ فإنَّا لو لم نقل ذلك: تضاعفت الأعداد حتى يخرج عن الحصر. كما يقال ذلك في تضعيف أعداد بيوت الشطرنج. قال: ولا يتجه له اعتبار ذلك بالشهادة؛ لقيام الفرق بينهما في أمور كثيرة، فلعله اعتمد في ذلك على أخبار صحت عن الصديق والفاروق في التماس شاهد آخر مع الراوي الواحد، كقول الصديق للمغيرة: من شهد معه؟ وقول عمر الفاروق لأبي موسى مثله، وهو باطل؛ فإنه لا خفاء في قبول الصحابي رواية الصديق وحده، ورواية جلة الصحابة، إلا أنه طلب في بعض الأحوال مزيد استقصائهم لريب اعتراهم في خصوص أحواله، كإحلاف علي بعض الرواة». «البحر المحيط» (٤/ ٣١٧ - ٣١٨).\n(^١) انظر: «البرهان» (١/ ٣٩٥، ٣٩٦)، «المنخول» (ص ٢٥٧)، «الوصول» (٢/ ١٦٣)، «الأوسط» (ص ١٧٠)\n(^٢) نقل الزركشي مضمون هذا الكلام حكاية عن إلكيا. «البحر المحيط» (٤/ ٢٦٧).","vol":"1","page":245},{"text":"روايته دون أن تنكشف حاله (^١).\nوالحرية ليست شرطًا؛ لأنهم كانوا يقبلون أخبار العبيد (^٢).\nوليس من الشرائط (^٣): الذُّكوريَّة؛ فإنَّهم لم يزالوا يأخذون دينهم عن النساء.\nومن الشرائط المتفق عليها (^٤): العدالة، فلا بُدَّ منها؛ وأخبار الفساق مردودة؛ لأنَّ الفاسق غير مأمون.\nوقول أصحاب أبي حنيفة: «إنَّ الفاسق من أهل الشهادة»، فذلك مخالفة منهم للإجماع. [٩٤/]\n_________\n(^١) انظر: «البحر المحيط» (٤/ ٢٨٠). وقد ذكر الزركشي أن إلكيا نقله عن الأكثرين.\n(^٢) نقل الزركشي عن الكيا ما نصه: «لا خلاف بين العلماء في عدم اشتراط الحرية والذكورة».\n«البحر المحيط» (٤/ ٣١٥).\n(^٣) • وليس من الشرائط كذلك كونه لم يرو غير القليل، ونقل الزركشي عن إلكيا أنه جزم به، وقال: «ولكن يرجح عليه رواية من اعتنى بالروايات». «البحر المحيط» (٤/ ٣١٧).\n• وليس من الشرائط كذلك كونه أجنبيا؛ فلو روى خبرا ينفع به نفسه أو ولده: قُبل؛ فإنه إنما يرجع نفعه إليه، ثم بعد موته يصير شرعا، وهو لا يختص بأحد. «البحر المحيط» (٤/ ٣١٧).\n(^٤) ومن الشروط المتعلقة بالراوي أن يكون ضابطا، وقد نقل الزركشي عن إلكيا أنه لا يشترط انتفاء الغفلة، فقال ما نصه: «لا يشترط انتفاء الغفلة، فكون الراوي ممن تلحقه الغفلة لا يوجب رد حديثه، إلا أن يعلم أنه قد لحقته الغفلة فيه بعينه، وأكثر المحدثين لا يخلون من جواز يسير الغفلة، وإنما يرد إذا غلبت الغفلة على أحاديثه، وعليه يخرج ما قاله الشافعي في إسماعيل بن عياش، قال: إنه كان سيئ الحفظ فيما يرويه عن غير الشاميين، وعنى به أن الغفلة كانت غالبة عليه في ذلك، فاختلطت رواياته، ولكن إذا تعارضت روايات من تناهى بحفظه، ومن تلحقه الغفلة، رجح الأول». «البحر المحيط» (٤/ ٣٠٧ - ٣٠٨).","vol":"1","page":246},{"text":"<span data-type='title' id=toc-143>فَصْلٌ </span>(^١)\nإذا ثبت أن معرفة الحال لا بُدَّ منها، وأنَّ العدالة شرطٌ؛ فقد اختلف الناس في الجرح والتعديل:\nقال الشافعيُّ: «يقول: هو عدلٌ لي وعليَّ» (^٢)، والجرح لا يكفي دون أن يصرح ويفسر ذلك.\nومذهب الشافعيُّ: لا فرق بين الشهادة وبين الخبر والرواية.\nوقال القاضي أبو بكر: «الأمر على الضّدّ ممّا قاله الشافعيُّ؛ فالجرح يقبل مطلقا، والعدالة لا تُقبل مطلقا» (^٣).\n_________\n(^١) انظر: «البرهان» (١/ ٣٩٩)، «المنخول» (ص ٢٦٥).\n(^٢) انظر: «التلخيص» (٢/ ٣٦٣)، «الكفاية» للخطيب (ص ٨٤).\n(^٣) انظر: «البحر المحيط» (٤/ ٢٩٤).\n١ - ومن الأقوال في المسألة: أن المزكي إن كان عالما بأسباب الجرح والتعديل: اكتفي بإطلاقه فيهما؛ وإن لم يعرف اطلاعه على شرائطهما: استُخبر عن أسبابهما؛ حكاه إلكيا عن شيخه إمام الحرمين مع تعقبه إياه. فقال الزركشي: حكاه إلكيا الطبري عن إمام الحرمين بلفظ: إن كان لا يطلق التعديل إلا بعد استقصاء، - كمالك -: فمطلق تعديله كاف؛ وإن كان من المتساهلين: فلا. ثم قال: ويرد عليه أنه إذا كان من العالمين بشرائط العدالة فالظن أنه استقصى، وتقدير خلاف ذلك فيه نسبة إلى مخالفة الشرع. فإن علم من حاله ذلك، وإلا فليس هو من أهل التعديل. وكلامنا في التعديل المطلق فيمن هو من أهل التعديل؛ فإن من الناس من يقول: هو وإن كان من أهل التعديل إلا أنه عرضة للغلط، فلا بد وأن يبين لنا المستند؛ لئلا نكون مقلدين غير معصوم، وهذا هو الأصل إلا أن يسقط اعتباره. والإمام يقول: المعتبر غلبة الظن متى حصلت، وإذا لاح لنا من حال مثل مالك أنه لا يتساهل، حصلت غلبة الظن، فيقال: غلبة الظن لا بد أن تستند إلى ضابط الشرع الواضح، وقد روينا من روى عنه مالك في الموطا، وقد طعن فيه غيره، مثل عبد الله بن أبي بكر، فإنه من رجال الموطا، وقد قدح فيه سفيان بن عيينة، فلا بد من بيان حاله إلا أن يتضمن =","vol":"1","page":247},{"text":"<span data-type='title' id=toc-144>فصل </span>(^١)\nالعدل إذا روى عن شيخ:\n• قال بعضهم: إن روايته تكون تعديلا له.\n• وقال آخرون: لا تكون تعديلا إلا:\n- أن تصح عدالة الشيخ.\n- وضبط الراوي العدل (^٢).\n_________\n= ذلك عسرا، كما قاله الشافعي. «البحر المحيط» (٤/ ٢٩٥).\n٢ - ونقل الزركشي عن الكيا في مسألة متعلقة بهذا الفصل أن العدل إذا قال في حديث رواه العدل المرضي إنه ليس بصحيح، ولم يبين وجه القدح: لم يسمع منه، ثم قال إلكيا … كما نقله الزركشي -: «لأن الأسباب المعدلة إذا اجتمعت لم يبق للتهمة موضع، إلا أن يبين السبب. وبمثله رددنا قول يحيى بن معين: لم يصح في النكاح بغير ولي حديث أصلا. وإن زعم زاعم أن مطلق قدحه يورث تهمة: قلنا إنه لا مبالاة بمخايل التهمة، إنما التعويل على الأسباب». «البحر المحيط» (٤/ ٣٢٩).\n(^١) انظر: «البرهان» (١/ ٤٠١)، «المنخول» (ص ٢٦٤)، «الأوسط» (ص ١٨٦).\n(^٢) كذا العبارة في المخطوط.\nوقد نقل الزركشي عن الكيا مزيد بيان في المسألة، ونصه: وقال إلكيا الطبري: يعرف ذلك بإخباره صريحا، أو عرفناه بالقرائن الكاشفة عن سيرته. قال: وجرت عادة المحدثين في التعديل أن يقولوا: فلان عدل، روى عنه مالك، أو الزهري، أو هو من رجال الموطا، أو من رجال الصحيحين. والتحقيق في هذا أنه إن جرت عادته بالرواية عن العدل وغيره فليست روايته تعديلا، وكذلك إذا لم يعلم ذلك من حاله، فإن من الممكن روايته عن رجل لم يعتقد عدالته، حتى إذا استقرئ أحواله، وعرف عدالته ببينة، فلا يظهر بذلك عدالة المروي عنه. وإن اطردت عادته بالرواية عمن عدله، ولا يروي عن غيره أصلا، فإن لم يعلم مذهبه في التعديل، فلا يلزمنا اتباعه؛ لأنه لو صرح بالتعديل لم يقبل، فكيف إذا روى؛ وإن علمنا مذهبه في التعديل، ولم يكن موافقا لمذهبنا، لم يعتمد تعديله وروايته عنه؛ وإن كان موافقا عمل به. «البحر المحيط» (٤/ ٢٩٠).","vol":"1","page":248},{"text":"<span data-type='title' id=toc-145>فَصْلٌ </span>(^١)\nفَأَمَّا العمل بالحديث؛ فهل يكون تعديلًا لمن رُوي عنه أم لا؟\nفاعلم أنَّ العمل:\n• إِمَّا أنْ يكونَ ممّا يقتضيه الاحتياط،\n• أو لا يقتضيه.\n- فإنْ كان يقتضيه، فلا يدلُّ ذلكَ على تعديله؛ لأنَّه يحتمل أنْ يكونَ إِنَّمَا عَمِلَ ذلك طلبًا للاحتياط على ما يقتضيه الأصل، لا أنَّه عدل (^٢).\n- وإن لم يكن ما رواه يقتضيه الاحتياط فلا يخلو:\n• أنْ يكون ممَّا يوافق موجب القياس.\n• أو يناقضه.\n- فإنْ كان يوافق، فلا يكون تعديلًا؛ لأنَّه يحتمل أنْ يكون رجَّحَ القياس\nوعمل بمقتضاه.\n- وإن كان من غير أنْ يكونَ الاحتياط يقتضيه ولا القياس يوافقه، فإنَّه يكون تعديلًا بشرط في التعديل: وهو الضَّبط (^٣).\n_________\n(^١) انظر: «البرهان» (١/ ٤٠٢)، «المنخول» (ص ٢٦٤).\n(^٢) كذا في المخطوط، والمقصود: (لا أن الراوي عدلًا)، ويحتمل أنَّها سقطت عليه هاء: (عدله).\n(^٣) نقل الزركشي عن الكيا نصا في هذه المسألة، وفيه مزيد تفصيل غير موجود عندنا، حيث قال: =","vol":"1","page":249},{"text":"<span data-type='title' id=toc-146>فَصْلٌ في المراسيل </span>(^١)\nاعلم أنَّ المرسل عند الأصوليين هو أن يقول الراوي: «حدثني فلانٌ عن رسول الله ﷺ عليه» من غير أن يذكر اسمه وصفته.\nوأما المنقطع: فهو أن يقول الراوي: «قال رسول الله ﷺ عليه» من غير أن يذكر راويًا أصلًا (^٢) ولا هو فقيه؛ هذا ما اصطلحوا عليه.\nوقد اختلف النَّاس في العمل بهذا النُّوع:\n• فالذي صح عن الشافعي أنه قال: «لا أقبل في حديث رسول الله صلى\n_________\n= «قال إلكيا الطبري: إن كان الذي عمل به من باب الاحتياط، ولم يكن من المحظورات التي يخرج المتحلي بها عن سمة العدالة: لم يكن تعديلًا؛ وإلا كان تعديلًا على التفصيل السابق. قال: هذا كله بشرط أن لا يكون ما عمل به يتوصل إليه بظاهر أو قياس جلي، وقد ينقدح في خاطر الفقيه أنه وإن لم يتوصل إليه بقياس أو ظاهر أمكن أنه عمل برواية غيره لهذا الحديث لا من روايته، ويتجه على هذا أنه إذا لم يظهر عنه رواية فلا محمل له إلا روايته. قال: ومن فروع هذا: قبول المرسل». «البحر المحيط» (٤/ ٢٨٨ - ٢٨٩)، «إرشاد الفحول» (١/ ١٨٠).\n(^١) انظر: «البرهان» (١/ ٤٠٧ - ٤١٢)، «المنخول» (ص ٢٧٢)، «الوصول» (٢/ ١٦٥)، «الأوسط» (ص ١٧٩).\n(^٢) وقد تعقب الإمام الكيا غير واحد من العلماء في هذا التعريف، كابن الصلاح والزركشي وابن حجر والسخاوي، فقد قال السخاوي: «وأبعد منه قول إلكيا الهراسي: إنه قول الرجل بدون إسناد: قال رسول الله ﷺ، وزعم أنه مصطلح المحدثين، وردَّه ابن الصلاح في فوائد رحلته، وقال: إنه لا يُعرف لغيره. قلتُ - أي: السخاوي -: وهو شبيه بقول من توسع في المرسل من الحنفية، كما بينته هناك مع ردّه. انظر: فتح المغيث (١/ ٢٧٨). ونحو ذلك في: «النكت على ابن الصلاح» لابن حجر (٢/ ٥٧)، وفيه كذلك رد ابن الصلاح على الكيا، وزاد الزركشي: «وكتبته من خط المصنف في فوائد رحلته، وأنكره عليه وقال هذا لا نعرفه، وإنَّما هو من كيسه».","vol":"1","page":250},{"text":"الله عليه إلا أن يتصل إسناده برسول الله ﷺ عليه، ولا أقبل المرسل ولا المنقطع، بلى مراسيل سعيد بن المسيب حسنة» (^١).\n• وقال غيره: هذا النوع مقبول يجب العمل به.\n• قال القاضي أبو بكر: «المراسيل غير مقبولة على الإطلاق والعموم حتَّى مراسيل الصحابة لا أقبلها (^٢)، ولا بُدَّ من الإسناد والإفصاح بصفات الراوي (^٣) واسمه (^٤).\n_________\n(^١) «التلخيص» (٢/ ٤٢٨).\n(^٢) نقل الزركشي عن إلكيا ذكره لأقسام مراسيل الصحابة، فقال ما نصه: «وقال إلكيا الهراسي:\nوأما مراسيل الصحابة فعلى قسمين:\nأحدهما: أن يقول الواحد منهم قال رسول الله ﷺ من غير أن يقول سمعته.\nوالثاني: أن يقول حدثني رجل عن رسول الله ﷺ، وفيها خلاف عند من يرد المراسيل. ومن قبله يقول الاعتماد على الظاهر؛ فإن الصحابي إذا قال: قال رسول الله ﷺ، فالظاهر أنه سمعه لوجود دليل السماع - وهو الصحبة -.\nفإن قيل: ظهر من حال ابن عباس إرسال الأحاديث؛ فإن رسول الله ﷺ توفي وهو صبي لم يبلغ، فكان أكثر ما رواه مرسلا، وأطلقه عن رسول الله ﷺ وروى عن النبي ﷺ أفعال الحج ولم يكن شاهدها؛ فإنه ﵇ بعثه مع أغيلمة بني عبد المطلب ليلة المزدلفة وأنه سمع ذلك من أخيه الفضل بن عباس وروى أبو هريرة أنه ﵇ قال من أصبح جنبا فلا صوم له ثم قال بعد ذلك سمعته من الفضل.\nوقال البراء بن عازب ما كل ما نحدثكم به عن رسول الله ﷺ سمعناه، بل سمع بعضنا من بعض؛ ولكنا لا نكذب.\nقيل: هب أن الأمر كذلك؛ فظاهر ذاك الصحابي لا يخلو من أن يكون سمع الرسول أو سمع منهم وهم معدلون فلا تضر الجهالة بهم انتهى. «النكت على ابن الصلاح» (٢/ ٥٢٧ - ٥٢٨).\n(^٣) كتب الناسخ أولا: (الرجال)، ثم فوقها: (الراوي)، والظاهر أنها عدل عن الأولى إلى المثبت.\n(^٤) كذا جاءت المسألة في المخطوط، وقد ذكر الزركشي عن الكيا مزيد بيان في تحرير المذاهب، فنقل عنه ما نصه: «إذا تبين من حال المرسل أنه لا يروي إلا عن صحابي عن رسول الله ﷺ =","vol":"1","page":251},{"text":"<span data-type='title' id=toc-147>فَصْلٌ في تعديل الصحابة </span>(^١)\nقال أبو علي الجُبَّائي (^٢): «إنَّ في الصحابة مَنْ لا تُقبل شهادته. ولو أنَّ أمرًا يقتضي أن يجتمع جماعة على شهادة - كالزنا -، فاجتمع عليه: عليٌّ وطلحة والزبير ومعاوية، فشهدوا عندي: لا أقبل شهادتهم؛ بسبب الفتن والحروب التي جرت بينهم؛ لأنَّ أحدهم مردود القول؛ غير أنه لم يتعين؛ ولو انفرد كلُّ واحد منهم في غير هذه الشهادة: قبلت شهادته».\nوعند أبي حنيفة والشافعي لا يقدح ما وقع من الفتن والحروب في عدالتهم (^٣)\n_________\n= أو عن رجل تتفق المذاهب على تعديله صار حجة - وادعى أن ذلك مذهب الشافعي. ثم قال: «وهذه المسألة لا ينبغي أن يقع فيها خلاف، فإن أحدا لا يوجب التقليد، ولا ينكر اختلاف المذاهب في التعديل، والشافعي يقول: أخبرني الثقة، فإنه لا يلزم غير أهل مذهبه قبوله. وإنما قال الأصحاب مذهبه وقوله حجة عليهم، ومذهبه في التعديل مذهبهم». «البحر المحيط» (٤/ ٤١٢). ونقل الزركشي في موضع آخر عن إلكيا: «قبل الشافعي مرسل سعيد دون غيره»، ثم قال: «إذا تبين من حال المرسل أنه لا يروي إلا عن صحابي عن رسول الله ﷺ، أو عن رجل تتفق المذاهب على تعديله، صار حجة». قال: «وهذا معنى قول الشافعي: أقبل من المراسيل ما أرسله كل معتبر من الأئمة، وهذا تصريح بما قلناه». «البحر المحيط» (٤/ ٤١٥).\n(^١) «التلخيص» (٢/ ٣٧٣ - ٣٧٦)، «المنخول» (ص ٢٦٦)، «الأوسط» (ص ١٧٠).\n(^٢) نقل الزركشي والسخاوي عن إلكيا فيما يتعلق بـ: «ضابط الصحبة، وهل للصحبة مدة معينة»، أنه قال: «هو من ظهرت صحبته لرسول الله ﷺ صحبة القرين قرينه، حتى يعد من أحزابه وخدمته المتصلين». «البحر المحيط» (٤/ ٣٠٢)، (فتح المغيث) (٤/¬١٩ - ٢٠).\n(^٣) وهو صريح قول إلكيا، حيث قال: «وأما ما وقع بينهم من الحروب والفتن؛ فتلك أمور مبنية على الاجتهاد، وكل مجتهد مصيب، أو المصيب واحد، والمخطئ معذور، بل ومأجور. وكما قال عمر بن عبد العزيز: تلك دماء طهر الله منها سيوفنا، فلا نخضب بها ألسنتنا». «البحر المحيط» =","vol":"1","page":252},{"text":"<span data-type='title' id=toc-148>فَصْلٌ في بيان خبر المدلس </span>(^١)\nالمدلس ينقسم قسمين:\n• [الأول]: وهو أن يقول الراوي - وهو تابعي -: «قال رسول الله ﷺ عليه، ولا يسند إلى واسطة، ويوهم السامع أنَّه سمع».\nأما إذا أرسل الخبر؛ فإنَّه يُنظر فيه:\n- فإن كان المروي له ممَّن يرى العمل بالمراسيل، قبل مرسله وعمله به؛ لأنَّ قصارى هذا الراوي أنَّه أرسل الخبر، وإرساله تدليس، ولكنه لا يمنع قبول روايته على مذهب من يحتجُّ بالمراسيل (^٢).\n- وإن كان ممَّن لا يرى العمل بالمراسيل، فلا يقبل من هذا المدلس ولا يعمل به.\n• والقسم الثاني من حال المدلس: أن يُدرج في روايته رجلًا فيقول: «حدَّثني رجل عن رسول الله ﷺ عليه» من غير أن يذكر اسمه وصفته؛ لنوع طعن وقدح يتوجه نحوه ويتطرق إليه؛ فإِنَّ هذا يقدح في روايته، ولا يُقبل منه؛\n_________\n= (٤/ ٢٩٩). ونقل الزركشي والسخاوي عن إلكيا تعديل الصحابة، فقال - أي: إلكيا: «عليه كافة أصحابنا»، وزاد السخاوي قبل هذا الكلام: «ولكن قد أشار إلى الخلاف إلكيا الطبري، حيث قال …». «البحر المحيط» (٤/ ٢٩٩)، «فتح المغيث» (٤/¬٣٦).\n(^١) انظر: «الوصول» (٢/ ١٦٥)، «الأوسط» (ص ١٩٧).\n(^٢) قد ورد نحو هذا النص عند الزركشي: «وقال إلكيا الطبري: من قبل المراسيل: لم ير له أثرا؛ إلا أن يدلس لضعف عمن سمع منه فلا يعمل به؛ وأما إذا لم يعلم بمطلق روايته: فلا بد أن يقول: حدثني أو أخبرني أو سمعته». «البحر المحيط» (٤/ ٣١١).","vol":"1","page":253},{"text":"لأنه يلبس على الناس.\n\n<span data-type='title' id=toc-149>فصل معقود في رواية أهل الأهواء </span>(^١)\nقال القاضي أبو بكر: «كنتُ أقول بقبول رواياتهم وشهاداتهم برهةً من الزمان، فالآن استقر رأيي على ألا أقبل لهم روايةً ولا شهادةً».\nوأما مذهب الشَّافعيُّ والمحصلين من أهل الأصول، فقبول رواياتهم وشهاداتهم (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-150>فصل معقود في تردُّد الشيخ المروي عنه في الحديث هل يكون قدحًا أم لا؟</span> (^٣)\n• قال أصحابُ الشَّافعيّ: إِنَّ تردُّد الشيخ في الحديث الذي يروى عنه عند\n_________\n(^١) انظر: «المعتمد» (٢/ ٦١٧)، «الوصول» (٢/ ١٧٠)، «سلاسل الذهب» (ص ٣٢٣ - ٣٢٤).\n(^٢) هكذا جاء المسألة في تعليقتنا، وفيها - فيما يظهر - نقص، حيث نقل الزركشي عن إلكيا مزيد بيان فيها واختياره، حيث قال ما نصه: «قال إلكيا الطبري: الفساق بسبب العقيدة كالخوارج والروافض وغيرهم من أهل البدع اختلف في قبول روايتهم، والصحيح الذي عليه الجمهور أن رواياتهم مقبولة، فإن العقائد التي تحلوا بها لا تهون عليهم افتعال الأحاديث على رسول الله ﷺ، والأصل الثقة، وهو في حق المتأول والمحق سواء. نعم الشافعي لا يقبل شهادة الكافر على الكافر مع أنه عدل في دينه من حيث إن الشهادة تستدعي رتبة ووقارا، ولذلك لم يكن العبد من أهلها بخلاف الرواية، فإنها إثبات الشرع على نفسه وغيره، فاستدعت مزد منصب». «البحر المحيط» (٤/ ٢٧١).\n(^٣) انظر: «البرهان» (١/ ٤١٧)، «المنخول» (ص ٢٨٦)، «الأوسط» (ص ١٨٦).","vol":"1","page":254},{"text":"الرجوع إليه لا يقدح فيه.\n• وقال أصحاب أبي حنيفة (^١): إن تردُّده قادح فيه (^٢).\nوليس عن أبي حنيفة والشافعي في هذه المسألة نص على ما نقله أتباعهما،\n_________\n(^١) المقصود بعض أصحاب أبي حنيفة، أو المتأخرون منهم. قال السخاوي: \"وحكي الإسقاط عن بعضهم\": «أي: بعض العلماء، وهم قوم من الحنفية - كما قال ابن الصلاح - ـ، ونسبه النووي في شرح مسلم للكرخي منهم، بل حكاه ابن الصَّباغ في العدة عن أصحاب أبي حنيفة، لكن في التعميم نظر؛ إلا أن يُريد المتأخرين منهم، لا سيما وسيأتي في المسألة الثانية من صفة رواية الحديث وأدائه عن أبي يوسف ومحمد بن الحسن أنه إذا وجد سماعه في كتابه وهو غير ذاكر لسماعه يجوز له روايته.\nويتأيد بقول إلكيا الطبري: إنه لا يُعرف لهم في مسألتنا بخصوصها كلام إلا إن أخذ من ردهم حديث: \"إذا نكحت المرأة بغير إذن وليها فنكاحها باطل». «فتح المغيث» (٢/ ٢٤٦).\n(^٢) نقل الزركشي في موضع آخر عن الكيا تفصيلًا في هذا الفصل، فقال ما نصه: «وفصل الكيا الطبري منا:\n- بين ألا يكون هناك دليل يستقل؛ فإنَّ التردد وإن لم يعارض قطع الراوي، لكنه يورث ضعفًا، فيصير بمثابة خبرين يتعارضان، وأحد الراويين أوثق؛ فإن معارضة الثاني له يخرجه عن أحد الأدلة المستقلة.\n- وإن وجدنا وراءه دليلا مستقلا، فهو أولى، فإن ما في أحد الحديثين من مزيد وضوح لا يستقل دليلا.\nقال: وهذا حسن جدا؛ إلا أنا سنذكر ترددا في أن مزية الحديث أولى بالاعتبار أو القياس، ويضطرب الراوي فيه، سيما إذا كان القياس جليا، كالذي يقررونه في مسألة النكاح بغير ولي.\nفإن قيل: إذا لم يكن معكم خبر مستقل في تلك المسألة، فعلى ماذا تعتمدون ما رواه؟ فقيل: روي الخبر الذي تردد فيه الزهري من طريق آخر غير طريق الزهري. قال: وكان إمام الحرمين يرى الخبر دليلا مستقلا، مع تردد الشيخ، ولكن كان يرى إذا قطع الشيخ بالرد أن ذاك يمنع قبول روايته. قال إلكيا: ومن لم يسلك الطريق الذي سلكناه لا يعدم من التعرض على ما ذكره الإمام كلاما مخيلا، فإن قطع النافي قد لا يعارض قطع المثبت، فمن الممكن أنه رواه، ثم نسي، وظهر عنده أنه لم يرو». «البحر المحيط» (٤/ ٣٢٤ - ٣٢٥).","vol":"1","page":255},{"text":"وإنَّما أخذ ذلك من مسألة النكاح بغير وليّ، الذي رواه سليمان بن موسى عن الزهري عن عروة عن عائشة عن النبي ﷺ عليه أنه قال: «أيما امرأة نكحت بغير إذن وليّها فنكاحها باطل»، قال ابن جريج: لما روى لي سليمان هذا الحديث لقيت الزهري بعد ذلك فسألته عن هذا الحديث، فتوقف فيه فقال: «لا أعرفه» (^١).\nوقول الشيخ: «لا أعرفه» يورث تهمةً وريبةً؛ هذا عند أصحاب أبي حنيفة (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-151>فَصْلٌ </span>(^٣)\nإذا تعارض خبرٌ واحدٌ وقياسٌ، ففيه ثلاثة مذاهب (^٤):\n_________\n(^١) انظر: «الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي (٤/ ٢٥٥)، «علل الدارقطني» (١٥/¬١٨)، «معرفة السنن والآثار» للبيهقي (١٠/¬٢٩).\n(^٢) كذا في المخطوط، دون بيان مذهب الشافعي، وقد نقل الزركشي في «سلاسل الذهب» (ص ٣٢٣ - ٣٢٤) عن الكيا من تعليقه هذا الكلام، وهو أتم وأكمل مما في تعليقتنا، حيث قال ما نصه: واعلم أنَّ الخلاف هكذا ليس منصوصًا عن الشافعي وأبي حنيفة، هكذا قال إلكيا الهراسي في تعليقه، وإنَّما نشأ هذا الخلاف من مسألة، وهو حديث النكاح بلا ولي، الذي روته عائشة؛ فرده الحنفية، وقالوا: تردد الشيخ يوجب ريبةً، وأصحابنا قالوا: هذا الحديث قد روي من طريق آخر غير طريق الزهري، فاعتقد معتقد أن عندهم لا يؤثر تردد الشيخ، وليس الأمر كذلك، بل لا يبعد أن يكون مذهب الشافعي: التَّوقف في الحديث إذا أنكر راوي الأصل». ونقل الزركشي كذلك عن الكيا في مسألة الشيخ إذا لم يتذكر، هل له أن يتبع روايته ويرويه؟ - كما يقول سهيل: حدثني ربيعة عني. - قال إلكيا الطبري في كتاب نقض مفردات أحمد: هذا موضع نظر، يحتمل أن يقال: تتبع روايته تشوفا إلى العمل بالحديث، ويحتمل خلافه. «البحر المحيط» (٤/ ٣٢٥).\n(^٣) انظر: «المعتمد» (٢/ ٦٥٣)، «الوصول» (٢/ ١٨٨)، «الأوسط» (ص ١٦٦).\n(^٤) نقل الزركشي عن الكيا ما نصه: لم أجد من سوى بين خبر الواحد والقياس على الإطلاق؛ لأن كل واحد مظنون من وجه، ولو صار إليه صائر لم يكن بعيدا، قال إلكيا بعدها - فيما نقله =","vol":"1","page":256},{"text":"• قال مالك: يُقدم القياس على الخبر.\n• وقال الشافعي: يُقدَّمُ الخبر على القياس على الإطلاق.\n• وأبو حنيفة فَصَّل بينهما؛ فقال:\n- إن كان الراوي فقيهًا متيقظًا قدمت روايته [٩٥/ ظ] على القياس، كابن مسعود لما روى حديث النبيذ (^١)، قدمنا روايته على القياس؛ لقول رسول الله صلى الله عليه: «كنيف مُلئ علما» (^٢).\n- وأما إذا لم يكن الراوي فقيها: قدمنا القياس على روايته (^٣).\n_________\n= الزركشي أيضًا -: لكن الجمهور قدموا خبر الضابط على القياس؛ لأن القياس عرضة الزلل، والوجه التعلق بالإجماع، وقد صح عن عمر ترك الرأي للخبر في التسوية بين دية الأصابع للحديث، [ونقض] أبو بكر حكما حكمه برأيه لحديث سمعه من بلال، ومن هذا قدمنا رواية أبي هريرة في المصراة والعرايا على القياس. قال: العجب منهم في رده مع أن من جملة من رواه ابن مسعود، وعندهم أن الراوي إذا كان فقيها كابن مسعود قبل حديثه، سواء وافق القياس أم لا، ولا يضره عمل أكثر الأمة بخلافه؛ لأن قول البعض ليس حجة خلافا لقوم، لكن قول الأكثر من المرجحات، فتقدم عند التعارض، بمعنى أنه إذا عارض خبر الواحد خبرا آخر مثله معتضدا بعمل الأكثر قدم على الآخر الذي ليس معه عمل الأكثر، وتعقبه الزركشي بقوله: «قلت: وقد صار إليه القاضي فيما نقله الباجي»، يعني التسوية المطلقة بين خبر الواحد والقياس دون ترجيح أحدهما على الآخر. «البحر المحيط» (٤/ ٣٤٣ - ٣٤٤).\n(^١) أخرجه أبو داود (٨٤، ٨٥)، وابن ماجه (٣٨٤، ٣٨٥)، والدارقطني (٢٤٣ - ٢٥١)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٢٦ - ٣١) وغيرهم.\n(^٢) لم نجده مرفوعا، لكن ورد من قول عمر. أخرجه عبد الرزاق (١٨١٨٧)، وأحمد في «فضائل الصحابة» (١٥٥٠)، والطبراني في «الكبير» (٨٤٧٧) وغيرهم.\n(^٣) جزء من الكلمة مطموس في المخطوط بأثر الرطوبة، والمثبت هو الموافق للسياق.","vol":"1","page":257},{"text":"أما ما جاء في المصرَّاة (^١) والعارية (^٢)؛ فإنَّ الرَّاوي أبو هريرة، ولم يكن فقيها (^٣)؛ لأنَّه قال: «التَّعوذ بعد البسملة» (^٤)، وهذا لا يقوله فقيه. وكذلك قال: «الوضوء مما مسته النار»، فقال له ابن عباس: «ألسنا نتوضأ بالحميم، لنتوضأ مما يتوضأ به! فقال: «إذا رويت لكم الأخبار فلا تضربوا (^٥) لها الأمثال (^٦)!».\n\n<span data-type='title' id=toc-152>فصل معقود في أنَّ الأخبار هل يجوز روايتها بالمعنى أم لا؟</span> (^٧)\nفقد اختلف العلماء في ذلك:\n• فقال قوم: إِنَّ ذلك لا يجوز.\n• وقال آخرون: ذلك جائز (^٨).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢١٥١)، ومسلم (١٥٢٤).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢١٩٠)، ومسلم (١٥٤١١).\n(^٣) قارن مع: «تقويم أصول الفقه» (١/ ٤١٤).\n(^٤) لم نقف عليه.\n(^٥) مطموسة في المخطوط بأثر الرطوبة، والمثبت من المصادر.\n(^٦) أخرج نحوه البزار في «مسنده» (٧٩٦٩)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٧١٣)، والخطيب البغدادي في «الفقيه والمتفقه» (١/ ٣٨٤).\n(^٧) انظر: «البرهان» (١/ ٤٢٠)، «المنخول» (ص ٢٧٩)، «الوصول» (١/ ١٧٥)، «الأوسط» (ص ١٩١)\n(^٨) كذا في المخطوط، وهذا الصنيع لا يمكن أن يكون من إلكيا ابتداء، وذلك لأهمية المسألة، ولما وجدنا من نقول عنه فيها. فمما نقله الزركشي عنه في تحرير محل النزاع وذكر شروط جواز نقل الحديث بالمعنى:\n- الاتفاق على ألا يكون مما تعبد بلفظه: «فأما ما تعبدنا به، فلا بد من نقله باللفظ قطعا - كألفاظ التشهد -، ولا يجوز نقله بالمعنى». «البحر المحيط» (٤/ ٣٥٧). =","vol":"1","page":258},{"text":"<span data-type='title' id=toc-153>فَصْلٌ </span>(^١)\nالخبر إذا اشتمل على أحكام كثيرة؛ هل يجوز أن ينقل بعض الأحكام ويترك البعض أم لا؟ اختلفوا في ذلك:\n• فقال قومٌ: يتعين نقل جميع الخبر.\n• وقال آخرون: يجوز نقل بعض الحديث دون بعض.\n• وهذا يستدعي تفصيلًا؛ وهو:\n- إن كان ما أغفله يتصل بما نقله - ويرتبط به ارتباطًا لو فُصِلَ عنه بطل مقصوده ـ، لم نجوّز نقل بعضه وترك بعضه.\n- وإن كان مشتملًا على أحكام شتَّى ينفصل بعضها عن بعض: جاز ذلك (^٢).\nولهذا مثال: وهو ما روي (^٣) عن ابن مسعود أنه قال: كنتُ مع رسول الله\n_________\n= الإجماع على ألا يكون من باب المتشابه - كأحاديث الصفات -؛ أما هي فلا يجوز نقلها بالمعنى». «البحر المحيط» (٤/ ٣٥٧).\n- جواز نقل الحديث بالمعنى إذا كانت الألفاظ لا مجال للتأويل فيها؛ وإن كان للتأويل فيها مجال: لم يجز إلا أداء اللفظ. «البحر المحيط» (٤/ ٣٥٨).\n- نُقل عنه الخلاف في حكم رواية الحديث بالمعنى في الأحاديث التي هي منه جوامع الكلم، مثل: «الخراج بالضمان»، «العجماء جبار». «البحر المحيط» (٤/ ٣٦٠).\n(^١) انظر: «البرهان» (١/ ٤٢٢)، «المنخول» (ص ٢٨٠).\n(^٢) قال الشوكاني أثناء سرد الأقوال في المسألة: «وسادسها: التفصيل بين أن يكون المحذوف حكمًا متميزًا عما قبله - والسامع فقيه عالم بوجه التميز: فيجوز الحذف؛ وإلا لم يجز. قال إلكيا الطبري:\nوهذا التفصيل هو المختار». «إرشاد الفحول» (١/ ١٦٠).\n(^٣) قوله: (ما روي) مطموس في المخطوط بأثر الرطوبة، والمثبت هو الموافق للسياق.","vol":"1","page":259},{"text":"صلّى الله عليه ليلة الجنّ …، الخبر، إلى أن قال: فلمّا (^١) قضى حاجته، قال: «ائتني [بثلاثة أحجار] (^٢)»، فأتيته بحجرين وروثة، فرمى بالروثة، وقال: «إنّها رجس، ابغني ثالثًا» (^٣)؛ فهذا يجمع حكمين:\nأحدهما: أنّ الاستنجاء بالرجس لا يجوز.\nوالثاني: اعتبار عدد الأحجار (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-154>فَصْلٌ في بيان قبول الرّواية على النّفي </span>(^٥)\nقد اختلف النّاس في ذلك:\n_________\n(^١) قوله: (الخبر إلى أن قال: فلمّا) شبه مطموس في المخطوط، ولعل المثبت هو الصواب.\n(^٢) زيادة متعينة من مصادر التخريج.\n(^٣) أخرجه أحمد (٣٦٨٥، ٤٠٥٦، ٤٢٩٩)، والترمذي (١٧)، وابن ماجه (٣١٤) من حديث ابن مسعود، دون ذكر ليلة الجن؛ وأصل الحديث في البخاري (٣٦٨٠) من حديث أبي هريرة. وانظر: «العلل» للدارقطني (٥/¬٣٠ - ٣١).\n(^٤) فإذا روى ما يتضمن أحد الحكمين دون الآخر: جاز. انظر: «المنخول» (ص ٢٨١).\nوقد نقل الزركشي عن الكيا مزيد كلام في هذا الفصل، فقال ما نصه: «الحق في هذه المسألة التفصيل بين أن يكون المحذوف حكمًا متميّزًا عما قبله، والناقل فقيه عالم بوجه التمييز: فيجوز، كحديث ابن مسعود، فحيث لم ينقل الحجر الثالث: كان مقصوده منع الاستنجاء بالروث، وإن كان مقصوده مراعاة العدد وجب عليه نقل جميعه. وإن كان الناقل ظاهر حاله الاعتناء بنقله واستيفاء روايته، فظاهر حاله أن لا ينقل سواه كقضية ماعز، فإن الراوي استوفاها ولم يذكر رجمه. قال: وهذه المسألة ومسألة نقل الخبر بالمعنى في المأخذ والمنشأ سواء، وقد ينتهي الأمر فيهما إلى التفصيل بين الراوي الفقيه وغيره، وقد يسوى بينهما كما يسوى بين الراوي الفقيه وغيره». «البحر المحيط» (٤/ ٣٦٣).\n(^٥) انظر: «البرهان» (٢/ ٧٨٠)، «المنخول» (ص ٤٣٤)، «الأوسط» (ص ١٩٩).","vol":"1","page":260},{"text":"• فقال قوم: الرواية على النفي لا تُقبل، كما لا تقبل الشهادة؛ وعليه أصحاب أبي حنيفة.\n• وقال آخرون: [هي] مقبولةٌ.\n• مثال ذلك: أن يروي الراوي أنَّ النبي ﷺ عليه قال: «لا شفعة للجار»، ويروي الآخر أنه قال: «للجار الشفعة»؛ فإن ذلك يعود إلى الحكم بإثبات (^١) نفس اللفظ المنقول.\nوكذلك إن روى راوي النفي ممن لا يخفى عليه شيء من أحوال رسول صلى الله عليه وآله وباطن أمره، فهذا إن نفى عنه شيئا: صح (^٢).\nمثل ما روي عن علي ﵇ أنه قال: «كان رسول الله ﷺ عليه لا يحجبه عن قراءة القرآن شيء إلا الجنابة» (^٣)، فهذا مقبول من مثله.\n_________\n(^١) هذا الموضع شبه مطموس في المخطوط واجتهدنا في قراءته.\n(^٢) نقل الزركشي عن الكيا ما نصه: «إذا تعارض رواية النفي والإثبات وكانا جميعًا شرعيين: استفسر النافي:\n• فإن أخبر عن سبب علمه بالنفي، صار هو والمثبت سواءً؛ ولهذا لم يرجح الشافعي رواية نفي الصَّلاة على شهداء أُحُدٍ على رواية الإثبات؛ لأنَّ النَّفي اعتضد بمزيد ثقة - وهو أنَّ الراوي جابر وأنس، والمقتول عم أحدهما ووالد الآخر، ولا يخفى ذلك عليهما -.\n• وإن قال النافي: لم أعلم بما يزيله، فعدم العلم لا يعارض الإثبات، كرواية عائشة أنه ﷺ قبلها وهو صائم، وأنكرته أم سلمة؛ لأنها أخبرت عن علمها، فلا يدفع حديث عائشة، وكحديث الصلاة في الكعبة». «البحر المحيط» (٦/ ١٧٣).\n(^٣) أخرجه أحمد (١٠١١)، وابن ماجه (٥٩٤)، والبزار (٧٠٨) من حديث علي بن أبي طالب ﵁.","vol":"1","page":261},{"text":"<span data-type='title' id=toc-155>فَصْلٌ مَعْقُودٌ في الرّواية والنّسبة </span>(^١)\nوذلك مثل أن يقول الصحابي … على أنه قال … .. بجهل في دين الله تعالى (^٢).\n_________\n(^١) كذا استظهرناها، ويحتمل أنها: (السنة)، ويحتمل غير ذلك.\n(^٢) آخر ما وُجد من الأصل الخطي، وهناك مسائل أخرى متعلقة بباب الأخبار وقفنا عليها منقولة عن إلكيا، فنوردها هنا لعموم الفائدة:\n١ - منها ما نقله الزركشي في: مسألة الخبر فيما تعم به البلوى: «قال إلكيا الطبري: والحق في هذه المسألة أن الأخبار على قسمين: أحدهما: يلزم الكافة علمه، فذلك يجب ظهوره لا محالة.\nوالثاني: ما يلزم أفراد الناس من العلماء العلم به دون العامة، والعامة كُلّفوا العمل به دون العلم، أو لم يكلفوا بأسرهم العمل به، نحو ما يرجع العوام فيه إلى العلماء من الحوادث في إقامة الحد وغيره. فيجوز أن تعم به البلوى، ولكن العامي فيه مأمور بالرجوع إلى العالم، وإذا ظهر للعالم لم يجب نقله إليه. وأما إذا كان الخبر عن شيء اشتهر عن رسول الله ﷺ على الكُرّات، كالجهر بالبسملة، وكان الناقل منفردا ففيه خلاف، والأكثرون على ردّه، ولأجله قالوا: إنه ﷺ كان يجهر مرة، ويخافت أخرى، وهذا مردود؛ لأن هذا الوجه لم ينقل أصلا، وقد يقال: لعل ذلك لم يكن من عظائم العزائم، وأمهات المهمات من حيث الجواز، فقل الاعتناء به». «البحر المحيط» (٤/ ٣٤٧ - ٣٤٨)\n٢ - ومنها: ما ذكره الزركشي ضمن حالات ألفاظ الراوي إذا كان غير صحابي، في حالة «أن يقرأ على الشيخ وهو يسمع»، فقد ذكر فيها مجموعة من المسائل، منها:\nأ - اشتراط كون الشيخ عالما بصحة ما يقرأ عليه، فقد نقل الزركشي أن إلكيا وافق إمام الحرمين على أن شرط صحة الرواية العلم بما يقرأ عليه. «البحر المحيط» (٤/ ٣٨٥).\nب - هل يجوز التحديث بالكتاب عند عدم ذكره خطه فيه؟ فقد نقل الزركشي تصحيح إلكيا للمنع من ذلك. «البحر المحيط» (٤/ ٣٨٧).\nت - عدم اشتراط لفظ الإجازة ولا المناولة إذا قرئ على الشيخ بحضرته وهو يسمع ويصغي وقال الشيخ: هذا الكتاب سماعي: فتحل له الرواية. قال الزركشي: «وقال إلكيا الطبري: إذا قرئ على","vol":"1","page":262},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الشيخ بحضرته وهو يسمع ويصغي، حلت الرواية إذا قال الشيخ: هذا الكتاب سماعي، ولا يشترط لفظ الإجازة، ولا المناولة، ولكن اصطلح المحدثون مع ذلك على المناولة والإجازة؛ فإن الواحد قد يقول: هذا سماعي، ويعني به أكثره، أو ربما كان أحكم حروفه، فإذا قال: أجزت لك أن ترويه عني، كان دالا على الثبت، ولذلك يشترط في شهود الأصل تحمل الفرع شهادته. قال:\nوهذا الذي ذكروه محتمل من قبيل الاستقصاء، وإلا فالظاهر أن الشيخ إذا قال: هو سماعي، صار مخبرا عن آحاد ما في الكتاب. «البحر المحيط» (٤/ ٣٨٩).\n٣ - ما ذكره الزركشي أيضا ضمن حالات ألفاظ الراوي إذا كان غير صحابي: «أن يكتب الشيخ إلى غيره»، فإن تجردت الكتابة عن لفظ الإجازة، فهل تجوز روايتها؟ نقل بأن ظاهر كلام إلكيا أنه بمنزلة السماع، ثم نقل عنه ما نصه: «لأن الكتاب أحد اللسانين، وكان ﷺ يبلغ بالكتاب الغائب، وبالخطاب الحاضر. قال: ولو بعث إليه رسولا وأخبره بالحديث، حلت له الرواية؛ لأن الرسول ينقل كلام المرسل، فكان بمنزلة الكتاب، بل أوثق منه؛ لأنه لا ينطق بما فيه، والرسول ناطق، وكان ﵇ يكتب إلى عماله تارة ويرسل أخرى». «البحر المحيط» (٤/ ٣٩١).\n٤ - ومنها: ما ذكره ضمن أحوال الإجازة:\nأ - فذكر الزركشي عن إلكيا أن الإجازة تنقسم قسمين، فقال ما نصه: «وقسم إلكيا الطبري الإجازة إلى قسمين. أحدهما: أن يعلم المجاز له ما في الكتاب فله الرواية بها. والثاني: لا يعلم، ولكن قال الشيخ: أجزت لك أن تروي عني، فلا تحل الرواية إذا كان الكتاب يحتمل الزيادة والنقصان. قال: وإن لم يحتملهما فالمحتمل أن يقال: لا يجوز؛ لأنه لم يسمع، ولم يعلم وإذا كان لا تحل الرواية له إذا سمع ولم يعلم، فهذا أولى. ويحتمل أن يقال: إنه يروي عنه ما صح عنده من مسموعاته توسعة للأمر، ودفعا للحرج على تقدير أنه أخبره بما في الكتاب إخبارا إجماليا، كما إذا أرسل إليه كتابا مشتملا على عدة مهمات». «البحر المحيط» (٤/ ٣٩٨).\nب - هل يقول في الرواية حدثني مطلقا أو حدثني إجازة؟ فقال الزركشي: «وقال إلكيا الطبري: يحتمل أن يقال: يتعين عليه أجازني، ويحتمل أن يجوز أخبرني، وحدثني. «البحر المحيط» (٤/ ٣٩٩)\nهذا، والله أعلم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.","vol":"1","page":263},{"text":"<span data-type='title' id=toc-156>ملحق يجمع النصوص والآراء المنقولة عن المصنف إلكيا الهراسي</span>","vol":"1","page":265},{"text":"﷽\nالحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:\nلما انتهينا - بحمد الله - من تحقيق كتاب «التعليقة»، ومقارنة محتواها مع النقول عن الكيا في كتب الأصوليين، وأثبتنا منها المواضع الموجودة في «التعليقة» التي عندنا في هوامش المسائل، فرأينا من الأهمية بمكان جمع النقول والاختيارت غير الموجودة في تعليقتنا؛ وذلك إتماما للفائدة، وتكميلا للنقص الموجود في مخطوطنا، فقصدنا بهذا الملحق تيسير الوقوف على ما فات من النصوص والاختيارات الإلكيا الهراسي.\nوكان منهجنا في جمع وترتيب هذا الملحق على النحو الآتي:\n• حصر النصوص والاختيارات المنقولة عن إلكيا من كتب الأصوليين، وكان أكثرهم حظًّا في ذلك الزركشيُّ، وخصوصا في كتابه: «البحر المحيط».\n• بعد جمع النصوص والنظر فيها، قمنا بفرزها على قسمين أساسيين:\nنصوص منقولة - وهي الأكثر ـ، وآراء منسوبة؛ ثم اجتهدنا قدر الوسع والطاقة في إبقاء المسائل الأصولية، واستبعدنا بعض النقولات الكلامية المحضة وغيرها مما ليس لها علاقة مباشرة بعلم أصول الفقه.\n• اعتمدنا في نقل النصوص على ما جاءت في المصادر دون تصرف، مع غلبة الظن عندنا أن بعض هذه النصوص فيها اختصار أو نقل بالمعنى، ومع ذلك","vol":"1","page":267},{"text":"أثبتناها كما هي، والعهدة في ذلك على الناقل.\n• وأما في جانب الاختيارات، فقد حرصنا في صياغتها أن تكون موافقة لرأيه بدقة؛ حيث إنه قد يورد الاختيار ضمن مسألة عامة، واختياره فيها - حسب السياق - لجزئية منها فقط، كإضافة قيد أو مناقشة رأي (^١).\n• ترجمنا للمسائل بما نراه مناسبا، مع مراعاة ما استقر عليه عبارات الأصوليين في هذه الترجمة قدر الاستطاعة.\n• جاء ترتيب هذا الملحق في قسمين أساسيين - كما سبقت الإشارة إليه -:\nالأول: النصوص المنقولة\nوالثاني: الاختيارات المنسوبة\nوبعض المسائل يتجاذبها كل من القسمين؛ ففي هذه الحالة نجتهد في كل موضع على حدة في تغليب مناسبته لأحد القسمين.\nوقد رتبنا المسائل تحت كل قسم على ترتيب كتاب: «البحر المحيط»، وذلك لأنه أهم مصادر هذا الجمع.\n• بعض الكلمات استشكلناها فوضعنا بعدها عبارة (كذا)؛ للتنبيه على الإشكال، ومواضع قليلة أخرى قدرنا فيها سقطا، فوضعناه بين معكوفين []، وذلك أن طبعة «البحر المحيط» لا تخلو من إشكال (^٢).\n_________\n(^١) وننبه أن بعض المواضع لا تخلو من إشكال، لا سيما إذا حصلت النسبة في أكثر من موضع مع وجود اختلاف يسير في ذلك، وكذا عند نسبة جملية إلى أكثر من عالم، من ضمنهم إلكيا.\n(^٢) هنا يحسن ذكر أمر لحظناه، وهو أن كثيرا من النصوص الطويلة المنقولة عن إلكيا في =","vol":"1","page":268},{"text":"• قد نجد نقلين في نفس المسألة، فنجتهد في اختيار النقل الأنسب، ونحيل إلى الموضع الآخر.\n• هذا وقد اجتهدنا في هذا الجمع والترتيب، ولا يسلم عمل البشر من السهو والخطأ؛ فمن وجد تكميلًا لنقص أو تصويبًا لخطأ فمؤمل منه أن يزودنا بذلك مشكورًا.\n_________\n= «البحر المحيط» لا تخلو من بياض أو اضطراب في بعض عباراتها، وهذا إما أن يكون من نُسخ «البحر المحيط»، أو من نسخة «التعليقة» التي كانت عند الزركشي.","vol":"1","page":269},{"text":"<span data-type='title' id=toc-157>القسم الأول النصوص</span>","vol":"1","page":271},{"text":"<span data-type='title' id=toc-158>المقدمات، التكاليف</span>\n•<span data-type='title' id=toc-159> بيان مذهب المعتزلة في جعل العقل حاكمًا على المكلفين</span>\nقال الزركشي: «قال إلكيا الطبري: قالت المعتزلة: \"العقل يوجب\"، ولا يعنون هاهنا إيجاب العلة معلولها، أو أن العقل يأمر؛ فإن الاقتضاء منه غير معقول، وهو عرض والأمر يستدعي الرتبة؛ فإذا: المعني به أن العقل يعلم وجوب بعض الأفعال عليه. والمعنى بوجوبه علمه باقتران ضرر بتركه؛ وإليه يرجع معنى الوجوب والحسن والقبح. وهذا منهم ادعاء العلم ضرورةً على وجه يشترك العقلاء فيه.\nثُمَّ قال: وقد مال إلى ما ذكروه طوائف من القائلين بقدم العالم من حيث إن الذي يتعلق به نظام المعيشة وعمارة الدُّنيا هو أقرب إلى الاعتدال، وحسن النظام من الذي يتضمن خراب الدُّنيا، وهذا المذهب لا شك في بطلانه قطعا.\nوقال في موضع آخر: العقل يستقل بوجوب اتباع الرسل من حيث إن الاتباع تمحض نفعًا لا يشوبه ضرر، والامتناع من الاتباع محض ضرر. ولا يتأتى ذلك إلا بعد أن يعلم أنَّ الله تعالى أظهر المعجزة على يده ليصدقه. وهذا العلم يحصل عند المعتزلة من جهة أنَّ الله لا يفعل القبيح؛ وعند الأشعرية من جهة أنه لو لم يقدر ذلك لم تكن معرفة الصدق من جائزات العقل، وذلك محال.\nوالذي يعلم بالشرع أنه مصلحة ونفع محض على ثلاثة أضرب: حكم، وما يتعلق الحكم به من عِلَّةٍ وتسبب، والأدلة على علة الحكم». «البحر المحيط» (١/ ١٣٤).","vol":"1","page":273},{"text":"<span data-type='title' id=toc-160>مسائل الحكم الشرعي</span>\n•<span data-type='title' id=toc-161> مسألة إثبات الواجب الموسع</span>\nنقل الزركشي عن إلكيا الطبري - في دفع الإشكال الوارد من بعض الأصوليين في إثبات الواجب الموسع - ما نصه: «ولأجل هذا الإشكال اضطرب المحصلون في الجواب عنه:\n• فقيل: إنَّما يعصي بتفويته، ولا تفويت إلَّا بالموت، والزمان ظرف للوجوب، والواجب لا ينسب إلى زمانٍ، كما إذا لم يكن مقيَّدًا.\n• وقيل: يجوز تأخيره إلى بدل - وهو العزم على فعله في الثاني -. فقيل لهم: العزم نتيجة الاعتقاد ضرورةً، لا بمقتضى اللفظ.\n• وقيل: يجوز تأخيره بشرط سلامة العاقبة، ولا يُتخيَّل ذلك مع التَّمكُّن». «البحر المحيط» (١/ ٢٠٩).\nوكذا نقل الزركشي عن إلكيا تضعيف القول بأنه يجوز ترك الواجب الموسع في الأول إلى بدل - وهو العزم على فعله في الثاني -، فقال ما نصه: «وأطنب إلكيا الهراسي في تزييف القول بالعزم، وقال: يجب طرحه». «البحر المحيط» (١/ ٢١١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-162> الاستناد على الإجماع في عدم وجوب قضاء الصلوات لمن صلاها في الأرض المغصوبة</span>\n«قال إلكيا: مستنده - أي: القاضي أبي بكر الباقلاني - في سقوط القضاء:","vol":"1","page":274},{"text":"إجماع الأولين، والإجماع إن لم يُسلَّم في هذه الصورة، ممكن تحقيقه ممن عليه دين، وهو مماطل يصلي مع المطل، فصلاته مجزئة؛ وإمكان الإجماع هاهنا بعيد». «البحر المحيط» (١/ ٢٦٤).\n\n•<span data-type='title' id=toc-163> هل المكروه يدخل تحت الأمر؟</span>\nنقل الزركشي عن إلكيا - بعد أن بين أن المكروه لا يدخل تحت الأمر المطلق - ما نصه: «إلا أن تكون الكراهة لمعنى في غير ما تعلّق به لفظها، كما قيل في تنكيس الوضوء: إنه مكروه؛ لأنه يخالف عادة السلف في هيئته، لا في أصل الوضوء وهو إمرار الماء، ولا في شرائطه، فلم يمنع الإجزاء».\n«البحر المحيط» (١/ ٢٩٩).\n\n•<span data-type='title' id=toc-164> هل الواجبات يوصف شيء منها بالرخصة؟</span>\nقال إلكيا: «وليس أكل الميتة عند الضرورة رخصة، بل هو عزيمة واجبة، ولو امتنع من أكل الميتة كان عاصيا. وليس تناول الميتة من رخص السَّفَر، أو متعلقا بالسَّفَر، بل هو من نتائج الضرورة سفرًا كان أو حضرًا، وهو كالإفطار للعاصي المقيم إذا كان مريضًا، وكالتَّيَمُّم للعاصي المسافر عند عدم الماء، وهو الصحيح عندنا». «أحكام القرآن» (١/¬٤٢).\nوقد نقله الزركشي مع تصرُّف في العبارة، فقال ما نصه: «يجوز أن يقال: أكل الميتة ليس برخصة؛ فإنه واجب، ولأجله قال إلكيا الهراسي في أحكام القرآن: الصحيح عندنا: أن أكل الميتة للمضطر عزيمة لا رخصة، كالفطر للمريض في رمضان». «البحر المحيط» (١/ ٣٢٨).","vol":"1","page":275},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-165> سبب تناول الأصوليين مسألة خطاب الكفار بفروع الشريعة</span>\nنقل الزركشي عن إلكيا بيانه لمأخذ هذه المسألة، وأن ذكرها في كتب الأصول هو لبيان أصل مختلف فيه، وهو أن الإمكان المشترط في التكليف؛ هل يشترط فيه أن يكون ناجزًا مع الخطاب أم لا؟ فنقل عنه ما نصه:\n«وقال إلكيا الهراسي في مطالع الأحكام: مأخذ هذه المسألة أنه ليس في ترتيب الثواني على الأوائل ما يُخرجها عن أن تكون ممكنةً. يعني أن ترتيب التكليف على اشتراط تقديم الإيمان، وهو ترتيب أمر ثانٍ على وجود أمر أول، وليس ذلك ممتنعًا، ولا موجبًا للامتناع، كالآحاد المترتبة في مراتب العدد: كلُّ واحدٍ منها مرتب الوجود على ما قبله؛ الثاني على الأول، والثالث على الثاني، وهلم جرا». «البحر المحيط» (١/ ٤١٤).\n\n•<span data-type='title' id=toc-166> حقوق الله على المكلفين والأعذار المسقطة للتكليف</span>\nقال إلكيا الطبري: «وجملة حقوق الله تعالى على الإنسان: النَّظَرُ أوَّلًا، ثم المعرفة ثانيًا، ثم العبادات.\nفالشافعي يقول: العبادات البدنية ساقطة عن الصبي دون العبادات المالية، والعبادات المالية إذا أُخذت من ماله، فلا نقول: يستحق بها ثواب من يمتحن بتنقيص الملك ومراغم الشيطان - الذي يعد الفقر -، ولكن يؤخذ من ماله نظرًا للفقراء، لا نظرًا للصبي المؤدي. وهذا معنى قولنا: \"إنما تؤخذ منه باعتبار المواساة لا باعتبار العبادة\". فعلى هذا ليس على الصبي عبادة مالية ولا بدنية، وإنما المأخوذ من ماله نفقةُ أُخوة الدين.","vol":"1","page":276},{"text":"ثم لا يلزم قضاء العبادات بعد البلوغ؛ لعلم الشرع بأنَّ ذلك يجر حرجًا عظيمًا من حيث إنَّ الصّبا عام في أصل الفطرة، وقد صح قطعًا مُدَّةً مديدة.\nوالجنون عند الشافعي يُسقط القضاء، مع أنه لا يقطع بدوامه ولا أنه عام، فليس ملتحقا بالصّبا مع الفرق القاطع؛ ولكن لأنَّ أصله مسقط للقضاء، ومقاديره ملحقة بأصله.\nوأبو حنيفة يُلحق تفاصيله بأصل آخر: وهو الإغماء؛ ونظر الشافعي أولى.\nويتصل بذلك أن عقله وتمييزه يقتضي تصحيح عبارته؛\nإلا أن الشافعي يقول: \"فسدت عبارته فيما صار مولى عليه فيها، وأما ما لم يصر مولى عليه فيها: ففاسد فيما يضره، صحيح فيما ينفعه، حتى لو قال: أنا جائع يُسمع منه ويطعم.\nوأبو حنيفة فصل فقال: والأعذار المسقطة للوجوب بعد البلوغ تسعة: جنون، ونوم، وإغماء، ونسيان، وخطأً، وإكراه، وجهل بأسباب الوجوب، وحيض، ورق.\nفالجنون: رآه أبو حنيفة شبيها بالصبا في عدم العقل بالجنون من أصله، والصبا في كماله، وألحقه به من وجه دون وجه، والصبا يمنع وجوب حقوق الله كلها؛ ماليها وبدنيها، وعندنا لا يمنع وجوب الحقوق المالية.\nوالسفه: لا يؤثر في العبادات إجماعًا، وفي الطلاق والإقرار بالدم، ويؤثر في التصرفات عند الشافعي، خلافًا لأبي حنيفة.\nوالنوم والإغماء: يمنعان استكمال العقل، فلم نعتبر النوم لشيء من","vol":"1","page":277},{"text":"الأعذار المسقطة للعبادة، وفي العبادة كلام.\nوالسكر: وإن شابه الإغماء في الصورة، ولكنه لما كان مقصودا للعقلاء، صار السكران كالصاحي.\nوما يقتضي (كذا) النسيان والإكراه والرق عذر يستقصى في الفقه.\nوالكفر: ليس مسقطا للخطاب عندنا، ولكن الشرع رخص مع وجود سبب الوجوب بإسقاط القضاء بعد الإسلام، ورخص بإسقاط ضمان المتلفات، ورخص تصحيح أنكحتهم ومعاملتهم كثيرا مما يخالف وضع الشرع؛ ترغيبا لهم في الإسلام. وكل ذلك مستقصى في الفقه.\nفهذا مجموع الأعذار المسقطة مع وجود السبب الموجب؛ إلا أن الشرع رجح سببا على سبب من غير أن يظهر عند تفاوت مراتب الأدلة في بعضها.\nواعلم أن الصبا، إنما ينتصب عذرا في العبادات التي تقرر وجوبها بالشرع، ومن قال: \"إن وجوب الإسلام بالعقل\"، فلا يتصور أن يقدر (^١) الصبا عذرا أصلا ويقول: \"يجب على الله أن يعاقبه\"؛ وهو قول باطل.\nوبنى عليه الحنفية صحة إسلامه على معنى تعلق الأحكام به لترتيبها على الإسلام المرفوع، وأبطله الشافعي؛ لأنه لم يظهر انطواء ضميره، أو يقول: \"لا يحتمل الإسلام إلا فرضا، ولا يمكن تقديره فرضا\"، فخرج لذلك عن كونه مشروعا. «البحر المحيط» (١/ ٤٣٦ - ٤٣٧).\n_________\n(^١) كذا. وتحتمل أنها ويقرر.","vol":"1","page":278},{"text":"<span data-type='title' id=toc-167>مباحث اللغة</span>\n• مسألة: معنى «الاصطلاح» في وضع اللغة\nنقل الزركشي عن إلكيا بيانه لمعنى الاصطلاح في وضع اللغة، فقال:\n«وقال إلكيا الطبري: معنى الاصطلاح أن يعرفهم الله مقاصد اللغات، ثم يهجس في نفس واحد منهم أن ينصب أمارةً على مقصوده، فإذا نصبها وكررها واتصلت القرائن بها: أفادت العلم، كالصبي يتلقى من والده.\nوالقائلون بالتوقيف يقولون: لا بد وأن يلهموا الأمارات.\nقال: ومن فهم المسألة وتصوّرها لا يُحيل تصويرها؛ نعم يستحيل تواطؤ العالمين على أمارةٍ واحدةٍ مع اختلاف الدواعي؛ فإن عني بالاصطلاح هذا فمسلم؛ وإن عني ما ذكرناه، فلا؛ وإذا تعارض الإمكانات توقف على السمع».\n«البحر المحيط» (٢/¬١٤).\n\n•<span data-type='title' id=toc-168> اشتراط وجود العلاقة في المجاز</span>\nنقل الزركشي عن إلكيا - في مسألة أن المجاز لا بُدَّ فيه من العلاقة بينه وبين الحقيقة، ولا يكفي مجرد الاشتراك في أمر ما … في الوجه الثالث، وهو باعتبار ما يؤول إليه - ما نصه:\n«وقد اختلف الأصوليون؛ هل لا بُدَّ من تحقق المآل قطعًا أو ظنًا؟","vol":"1","page":279},{"text":"وشرط إلكيا أن يكون المال مقطوعًا به، ولا يكفي الظُّنُّ. «تشنيف المسامع» (٢/ ٢١٦). وفي «البحر المحيط» (٢/ ٢٠٥) نقل عنه من كتاب تعليق الخلاف ما نصه: «إنَّما يسمى الشيء باعتبار ما يؤول إليه إذا كان المال مقطوعًا بوجوده؛ كالقيامة لا بُدَّ منها، والموت لا بد من نزوله، فيبطل تأويل الحنفية: \"فنكاحها باطل على أنه سيبطل\"، وللولي أن يرده ويفسخه».\n\n•<span data-type='title' id=toc-169> نقل مذهب القاضي في إرادة الحقيقة والمجاز بعبارة واحدة</span>\nقال إلكيا في التلويح: «قال القاضي أبو بكر: لا يجوز أن يراد بالعبارة الواحدة الحقيقة والمجاز، والكناية والتصريح؛ ولهذا لا يجوز أن يراد باللمس الوقاع والجس باليد معًا، ولا يراد بالنكاح العقد والوطء معًا، وصار إلى هذا الرأي أبو عبد الله البصري من المعتزلة. انتهى. تشنيف المسامع» (٢/ ١٨٠).\nللحقيقة علامات، منها:\n\n•<span data-type='title' id=toc-170> الاطراد.</span>\nيرى إلكيا أنَّ الخلاف في هذه المسألة مبني على أن الحقائق تقاس عليها. ثم قال: «وفيه نظر؛ لأنَّا قد بينا ألا قياس في اللغة أصلا، فلا يسمى من صدر منه الضرب ضاربًا قياسًا، ولكن توقيفا، ولو ثبت الاطراد في المجاز نقلًا طردناه». «البحر المحيط» (٢/ ٢٣٧).\n\n•<span data-type='title' id=toc-171> اشتقاق الصفة.</span>\nاختار إلكيا أنَّ الحقيقة يُشتق منها الصفة، والمجاز لا يشتق منه. «البحر المحيط» (٢/ ٢٣٨).","vol":"1","page":280},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-172> حقيقة المشترك</span>\nقال إلكيا في تعليقه: «المشترك يقع على شيئين ضدين، وعلى مختلفين غير ضدين.\nفما يقع على الضدين: كالجون.\nوجعلوا ما يقع على مختلفين غير ضدين: كالعين». «المزهر في علوم اللغة» (١/ ٣٨٧)\n\n•<span data-type='title' id=toc-173> الألفاظ المتواردة والمترادفة</span>\nقال إلكيا في تعليقه في الأصول: «الألفاظ التي بمعنى واحد تنقسم إلى ألفاظ متواردة، وألفاظ مترادفة:\n• فالمتواردة كما تسمى الخمر: عُقارًا وصهباء وقهوةً؛ والسَّبْعُ: أسدًا وليثًا وضرغامًا.\nوالمترادفة هي التي يقام لفظ مقام لفظ؛ لمعان متقاربة يجمعها معنى واحد، كما يقال: أصلح الفاسد، ولمَّ الشعثَ ورَتَقَ الفتق وشَعَبَ الصَّدع».\n«المزهر في علوم اللغة» (١/ ٤٠٦ - ٤٠٧).\n\n•<span data-type='title' id=toc-174> مذاهب العلماء في الواو العاطفة</span>\n•<span data-type='title' id=toc-175> توضيح مذهب الفراء.</span>\nسرد الزركشي مذاهب العلماء في الواو العاطفة، وذكر في المذهب الرابع: \"أنَّها للترتيب حيث يستحيل الجمع\"، وأنَّ هذا المذهب محكي عن الفراء. ونقل عن إلكيا توضيحه لقول الفراء، فقال:","vol":"1","page":281},{"text":"«قال إلكيا الهراسي: ويشبه إن صح هذا عن الفراء أنه أراد به أنه في المعنى يفيد الترتيب إذا كان الجمع بينهما لا يصلح من حيث اللفظ؛ ولأنَّ اللفظ لو أفاد ذلك لأفاده وإن صح الجمع بينهما؛ لأنَّ موجبه لا يتغير كما لا يتغيَّر ما يقتضيه \" ثُمَّ\"، والفاء كذلك؛ فإن كان في هذا التأويل بعد، فقول الجمهور». «البحر المحيط» (٢/ ٢٥٨).\n\n•<span data-type='title' id=toc-176> توضيح مذهب إمام الحرمي </span>ن.\nذكر الزركشي في المذهب السابع: \"أنَّها للعطف والاشتراك، ولا تقتضي بأصلها جمعا ولا ترتيبا، وإنَّما ذلك يؤخذ من أمر زائد عليها\"، حكاه إلكيا في تعليقه عن إمام الحرمين، ثُمَّ قال - أي إلكيا -: «وكان سَيِّئَ الرأي في قول الترتيب وفي قول الجمع. قال: وأنكر الإمام أبو بكر الشاشي هذا، وقال: القائل قائلان، قائل بالجمع وقائل بالترتيب، والإجماع منعقد على ذلك، فإحداث قول ثالث لا يجوز. ا هـ. ونقلته من فوائد رحلة ابن الصلاح بخطه». «البحر المحيط» (٢/ ٢٥٩)\n\n•<span data-type='title' id=toc-177> استعمال «من» لابتداء الغاية، وإنكار مجيئها للتبعيض</span>\nذكر الزركشي أنَّ إلكيا الهراسي أنكر مجيء «من» للتَّبعيض، ونقل عنه ما نصه: «قال: وإِنَّما وُضعت للابتداء، عكس \"إلى\"، ورد بعضهم التبيين إلى ذلك، فقال في قوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ إِنَّ المراد: ابتداء اجتنابهم الرجس من الأوثان». «البحر المحيط» (٢/ ٢٩٢).\nوفي موضع آخر من نفس المسألة نقل الزركشي عن الكيا الهراسي أنَّه حكى الخلاف في قوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ﴾؛ هل «من»","vol":"1","page":282},{"text":"لابتداء الغاية أو للتبعيض؟\n\n•<span data-type='title' id=toc-178> استعمال «إلى» لانتهاء الغاية زمانًا ومكانا</span>\nنقل الزركشيُّ عن الكيا ما نصه: «وقال إلكيا الهراسي: وما ذكروه من دخوله في المحدود ليس مأخوذًا من معنى \"إلى\"، وإنما فائدة \"إلى\" التنبيه عن أنها ما ابتدئ به، فبـ: (من)؛ وأما دخول ما ينتهي إليه فيه وعدمه، فبدليل من خارج» «البحر المحيط» (٢/ ٣١٣).","vol":"1","page":283},{"text":"<span data-type='title' id=toc-179>مباحث العموم والخصوص</span>\n•<span data-type='title' id=toc-180> هل النهي المقيد بشرط أو صفة يقتضي التكرار؟</span>\nنقل الزركشي عن الكيا ما نصه:\n«وقال الكيا الهراسي: النَّهي المقيد بشرط أو صفة لا يقتضي التكرار، بخلاف النهي المطلق؛ لأنه إذا قيَّده بوصف، صار مغلوبًا على الاعتماد مختصا به، فلو اقتضى التّكرار مع فهم تعدُّده، كان كالأمر». «البحر المحيط» (٢/ ٤٣٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-181> هل الصورة النادرة تدخل تحت العموم؟</span>\nأورد الزركشي عن إلكيا في هذه المسألة تفصيلا، فنقل ما نصه:\n«تخصيص العام بالصورة النادرة:\nإن تقدم عهد يدلُّ عليه لم يبعد، مثل أن يقول: أيُّما رَجُلٍ دخل الدار أكرمه، ثُمَّ يقول: عنيتُ به من تقدَّم ذكرهم من خواصي.\nوإن لم يظهر سبق عهد، فاختلفوا فيه:\nفقيل: يجوز تخصيص اللفظ به؛ اتكالًا على احتمال اللفظ للقرائن.\nوقيل: لا يجوز إزالة الظاهر؛ بناءً على تقدير حكايات وقرائن؛ فإنَّ ذلك لا يسلم عنه حديث.\nوبالجملة فيمكن أخذ الخلاف من هذه الصورة في مسألتنا؛ لأن جواز","vol":"1","page":284},{"text":"التّخصيص فرع شمول اللفظ». «البحر المحيط» (٣/ ٥٦ - ٥٧).\n\n•<span data-type='title' id=toc-182> مراتب اللفظ العام بوضع اللغة</span>\nنقل الزركشي أن مراتب اللفظ العام بوضع اللغة ثلاثة:\nإحداها: ما ظهر منه قصد التعميم بقرينة زائدة على اللفظ - مقالية أو حالية - بأن أورد مبتدأ لا على سبب، لقصد تأسيس القواعد، فلا إشكال في العمل بمقتضى عمومه؛ ونقل عن الكيا ما نصه:\n«والقرائن إما أن تنشأ عن غير اللفظ - كالنكرة في سياق النفي والتعليل؛ فإنه أمارة الحكم على الإطلاق -؛ وإما أن تنشأ من اتساق الكلام ونظمه على وجه يظهر منه قصد العموم، كقوله: \"لا يقتل مؤمن بكافر».\nالثانية: ما يُعلم أنَّ مقصود الشرع فيه التَّعرُّض لحكم آخر، وأنَّه بمعزل عن قصد العموم:\n• فهل يتمسك بعمومه - إذ لا تنافي بينه وبين إرادة اللفظ بغيره؟\n• أو يقال: لا؛ لأنَّ الكلام فيه مجمل، فيتبين من الجهة الأخرى فيه؟\nقولان. قال إلكيا: «والصحيح أنه لا يتعلق بعمومه، كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ﴾؛ لأنَّ العرب ما وضعت للوعيد لفظا أحسن منه …».\nالثالثة: ما يحتمل الأمرين، ولم يظهر فيه قرينة زائدة تدلُّ على التعميم ولا على عدمه - كقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ -، فيُحتج به على إبطال شراء الكافر للعبد المسلم؛ فإنَّ الملك نفي السبيل قطعا، ويجوز ألا يراد ذلك باللفظ. قال الطَّبري: «وهو محتمل والمنع منه ظاهر». «البحر المحيط» (٣/ ٥٩ - ٦١).","vol":"1","page":285},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-183> نفي المساواة بين الشيئين</span>\nنقل الزركشيُّ أنَّ مما يتفرع على إفادة النكرة في سياق النفي العموم هذه المسألة، وأن إلكيا حكى عن قوم أنه من باب المجمل؛ لأن نفي الاستواء إذا أطلق فيما ثبت بالدليل أنه متماثل بالذات إنَّما يعنى به في بعض أوصافه، وذلك غير بين من اللفظ، فهو مجمل؛ إذ قال ما نصه:\n«ومتى عقب هذا النوع بشيء فرّق بينهما فيه، وجب حمل أوله عليه، والمراد بذلك أنهما لا يستويان في الفوز بالجنة، ولذا قال في آخره: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾. «البحر المحيط» (٣/ ١٢٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-184> أقسام ألفاظ العموم</span>\nنقل الزركشيُّ عن إلكيا من كتابه التلويح أنه قال: «ألفاظ العموم أربعة:\nأحدها: عام بصيغته ومعناه، كالرِّجال والنِّساء.\nوالثاني: عام بمعناه لا بصيغته، كالرهط والإنس والجن وغيرهما من أسماء الأجناس؛ وهذا لا خلاف فيه.\nوالثالث: ألفاظ مبهمة، نحو «ما» و«من»، وهذا يعم كلَّ واحد.\nوالرابع: النكرة في سياق النفي، نحو لم أر رجلًا؛ وذلك يعم لضرورة صحة الكلام، وتحقيق غرض المتكلم من الإفهام، لا أنه يتناول الجمع بصيغته، فالعموم فيه من القرينة، فلهذا لم يختلفوا فيه. انتهى». «البحر المحيط» (٣/ ١٣٠ - ١٣١).","vol":"1","page":286},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-185> تحرير مذهب القاضي الباقلاني في استثناء الأكثر</span>\nنقل الزركشيُّ عن إلكيا ما نصُّه: «قال إلكيا الطبري: كان القاضي أولا يجوز استثناء الأكثر، ثُمَّ رجع عنه آخرًا في التقريب والإرشاد، وقال: لا يجوز ذلك، وهو مخالف لإجماع الفقهاء؛ فإنَّهم قالوا: لو قال لامرأته: أنت طالق ثلاثًا إلَّا اثنتين: صح». «البحر المحيط» (٣/ ٢٩١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-186> رأي ابن فورك في الاحتجاج بمفهوم اللقب</span>\n«قال إلكيا الطبري في التلويح: إنَّ أبا بكر بن فورك كان يميل إليه، ويقول: إنه الأظهر والأقيس». «البحر المحيط» (٤/¬٢٥).\n\n•<span data-type='title' id=toc-187> صيغ مفهوم الحصر</span>\n• نقل الزركشيُّ عن إلكيا في الصيغة الأولى - وهي: تقديم النفي على إلا - ما نصُّه: «قال إلكيا: المفهوم يجري في النفي كالإثبات، ولا فرق بين قوله: القطع في ربع دينار، وبين قوله: لا قطع إلا في ربع دينار».\nقال - أي إلكيا -: ومن العلماء من قال: إذا قال: لا قطع إلا في ربع دينار، كان نصًا في القطع في الربع، مفهوما في الذي فوقه ودونه. «البحر المحيط» (٤/¬٥٠).\n• نقل الزركشيُّ عن إلكيا في الصيغة الثانية - وهي الحصر بـ: إِنَّما - قوله: «وهو أقوى من الغاية». يعني مفهوم الغاية. «البحر المحيط» (٤/ ٥١).\n• ونقل الزركشيُّ في الصيغة الثالثة من مفهوم الحصر - وهي حصر المبتدأ في الخبر، سواءٌ كان الخبر مقرونا بلام أو مضافًا - عن إلكيا وغيره أنها تفيد الحصر. «البحر المحيط» (٤/ ٥٢).","vol":"1","page":287},{"text":"• في مسألة «المبتدأ إذا كان معرفة والخبر نكرةً؛ هل يفيد الحصر؟» نقل الزركشي عن الكيا أنه يفيد الحصر، وأنَّ إفادته الحصر من المنطوق، فنقل عنه ما نصه:\n«إنَّ تلقي الحصر فيه مأخوذ من حيث اللفظ، فجعل جنس التحريم محصورًا في \"المسكر\" و\"الصداقة\" مبتدأ، والمبتدأ لا بُدَّ أن يكون معلومًا للمخاطب وضعا، والصداقة لا تُعرف إلا بصرفها إلى الجنس، فكأنه قال: جنس الصداقة محصور في زيد.\nولو قال: زيد صديقي، لا يُفهم منه أنه لا صديق سواه؛ لأنه جعل الصداقة خبرًا، ولم يجعلها مبتدأ، فلم يعرفه المخاطب.\nقال: ويتلقى الحصر من فحوى اللفظ، ونظم الكلام.\nقال: ولهذا قال (^١): إن تلقي المفهوم من الفحوى لا يسقط، لظهور فائدة التخصيص من جهة موافقة العادة أو السُّؤال حتَّى يجوز الاحتجاج بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ في نفي الحكم حالة المصافاة.\nقال: فيرجع حاصل نظر الإمام إلى أنَّ التخصيص لا يدلُّ على المخالفة في هذه الصورة وغيرها، ولكن حكم المخالفة يتلقى من الفحوى، فهو يدل بالمنطوق لا بالمفهوم. اهـ». «البحر المحيط» (٤/ ٥٥).\n_________\n(^١) لعله إمام الحرمين، كما يفهم من سياق الكلام.","vol":"1","page":288},{"text":"<span data-type='title' id=toc-188>مباحث النسخ</span>\n•<span data-type='title' id=toc-189> الرد على القاضي الباقلاني في تعريف النسخ</span>\nقال إلكيا: «زعم القاضي أنَّ النسخ رفع، وإنَّما يستقيم إذا جعلنا النَّصَّ الأول موجِبًا حقيقةً تاما، والموجب هو الله تعالى، والوجوب باقتضائه؛ فقد تبين انتهاء الأول في علم الله بالنسخ بأمر يخالف الأمر الأول، ويستحيل تقدير وضع أمرين متناقضين في زمانٍ واحدٍ». «البحر المحيط» (٤/ ٦٧).\n\n•<span data-type='title' id=toc-190> هل النسخ يستلزم البداء؟</span>\nقال الزركشيُّ: «وقال إلكيا: لا يستلزم البداء؛ لأنَّ النسخ هو النَّصُّ الدَّالُّ على أنَّ مثل الثابت زائل في الاستقبال، وذلك يقتضي أنَّ الفعل المأمور به غير المنهي عنه، وأن وقت المنهي عنه غير وقت المأمور به. وبنوا (^١) على هذا الأصل أن نسخ الفعل قبل وقت إمكانه غير جائز».\nوأما الأشعرية؛ فجوزوه بناءً على أنَّ الذي أمر به لمصلحة، والذي نهى عنه لمفسدة، لا أنَّه أمر به ونهى عنه عبئًا، وتقدير النهي بعد الأمر قبل إمكان الأول ضرب من البداء، وغاية ما تمسكوا به أنَّ الأمر بالفعل مشروط ببقائه أو مشروط بانتفاء النهي. فإذا نهي عنه فقد زال الشرط بعد نهيه عن الفعل غير الوجه الذي أمر به. وليس كما إذا قال: «أمرتكم بكذا وكذا. ونهيتكم عنه» متصلا به؛\n_________\n(^١) أي: المعتزلة.","vol":"1","page":289},{"text":"لأنه نهي عن الفعل على وجه الأمر. وهاهنا النهي على غير وجه الأمر، فهو كقولك: «أمرتكم بشرط ألا يظهر لكم ما ينافيه»». «البحر المحيط» (٤/ ٧٠ - ٧١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-191> من شروط النسخ</span>\n•<span data-type='title' id=toc-192> اشتراط أن يكون الناسخ منفصلًا</span>\nقال الزركشي: «قال إلكيا: هذا إذا كانت الغاية معلومةً، فإن كانت مجملةً - وهي التي رمز الشرع إليها، ولو لم ترد أمكن إجراء حكم النَّص كقوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ - فهل يجعل بيان الحكم على خلاف الحكم السابق بعدها نسخا للحكم المتقدم أم لا؟\nقال: فيه قولان لأصحاب الشافعي، والأقرب أنه نسخ بحق شرعية الجلد بعد قوله: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾، وبه جزم الأستاذ أبو منصور، كما لو قال: افعلوه إلى أن أنسخه». «البحر المحيط» (٤/ ٧٨).\n\n•<span data-type='title' id=toc-193> أن يكون الناسخ أقوى من المنسوخ أو مثله</span>\nذكره الزركشي ضمن شروط النسخ: «أن يكون الناسخ أقوى من المنسوخ أو مثله؛ فإن كان أضعف منه لم ينسخه؛ لأنَّ الضعيف لا يزيل القوي.\nقال إلكيا: وهذا مما قضى به العقل، بل دلّ الإجماع عليه؛ فإنَّ الصحابة لم ينسخوا نص القرآن بخبر الواحد». «البحر المحيط» (٤/ ٧٩).\n\n•<span data-type='title' id=toc-194> أن يكون المقتضى بالمنسوخ غير المقتضى بالناسخ</span>\nنقل الزركشي عن إلكيا ما نصه: «وأن يكون المقتضى بالمنسوخ غير","vol":"1","page":290},{"text":"المقتضى بالناسخ، حتَّى لا يلزَم البَدَاء.\nقال: ولا يشترط بالاتفاق أن يكون اللفظ الناسخ متناولا لما تناوله المنسوخ، أعني التكرار والبقاء؛ إذ لا يمنع فهم البقاء بدليل آخر سوى اللفظ، ومن هنا يفارق التَّخصيص». «البحر المحيط» (٤/ ٧٩).\n\n•<span data-type='title' id=toc-195> أن يكون مما يجوز أن يكون مشروعًا.</span>\nنقل الزركشي عن إلكيا ضمن شروط النسخ: «وأن يكون مما يجوز أن يكون مشروعًا. وألا يكون مما لا يحتمل التوقيت نسخًا، فلا يكون النسخ في الأخبار؛ إذ لا يتصوّر وقوعها على خلاف ما أخبر به الصادق».\nونقل عنه بعد ذلك ما نصه: «الضَّابط فيما ينسخ: ما يتغير حاله من حسن لقبح». «البحر المحيط» (٤/ ٧٩).\n\n•<span data-type='title' id=toc-196> النسخ قبل علم المكلف بالوجوب</span>\nنقل الزركشي عن إلكيا أنَّ في المسألة وجهان لأصحابهم، ونقل بعد ذلك ما نصه: «لا يتحقق الخلاف؛ لأنَّ النسخ نوع تكليف أو حطّ تكليف؛ فإن كان إلى بدل: كان تكليفًا؛ وإلا حط تكليف، وقد شرع لمثل ما شرع له أصل التكليف. والعلم شرط لحصول أصل التكليف إلا حيث لا يتوقف الإمكان عليه، فالنسخ مثله بلا فرق».\nقال - أي إلكيا: «وإنَّما يظهر الخلاف في أن القضاء هل يلزمهم بعد العلم والتدارك أو لا يتحتم عليهم؟","vol":"1","page":291},{"text":"وينبغي التغاير، على أنَّ القضاء هل يجب بالأمر الأول أو بأمر جديد؟\nفإن قلنا بالأول وجب؛ وإلا فلا. ولا مزيد على حسن هذا». «البحر المحيط» (٤/ ٨١، ٨٤)\n\n•<span data-type='title' id=toc-197> النسخ قبل التمكن من الفعل</span>\nقال الزركشي: «وقال الكيا الطبري: إنَّه قول الفقهاء، ولهذا حُدَّ النَّسخ باللفظ الدال على زوال مثل الحكم الثابت في المستقبل.\nقال: وإنَّما منعه الأشاعرة». «البحر المحيط» (٤/ ٨٦).\n\n•<span data-type='title' id=toc-198> ما نُسخ حكمه ورسمه، ونسخ رسم الناسخ وبقي حكمه</span>\nقال الزركشي: «وقال إلكيا الطبري: القرآن وإن لم يثبت بخبر الواحد، لكن يثبت حكمه والعمل به بقول عائشة: «وهي مما يتلى»، أي في حق الحكم.\nوضعف هذا بأنَّ التَّلاوة لا تجوز بذلك». «البحر المحيط» (٤/ ١٠٥).\n\n•<span data-type='title' id=toc-199> جواز نسخ المتواتر بالآحاد عقلا</span>\nقال إلكيا: «لا يُمنع منه، ولا يلتفت إلى من قال: إنَّ خبر الواحد يفيد الظَّنَّ، وكتاب الله قطعي، فكيف يُرفع المقطوع بمظنون؟ فإنَّ هذا شاع مما يلوح في الظاهر؛ لأن خبر الواحد وإن كان مفضيًا إلى الظَّنِّ، لكن العمل به مستند إلى قاطع، وذلك القاطع أوجب علينا العمل بالظَّنِّ، ولولاه لما صرنا إلى العمل به. فوجوب العمل به مقطوع، والظَّنُّ وراء ذلك. فعلى هذا ما رفعنا المقطوع بمظنون». «البحر المحيط» (٤/ ١٠٨).","vol":"1","page":292},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-200> حكاية مذهب الإمام الشافعي في نسخ القرآن بالسنة بالمنع وموقف إلكيا من ذلك</span>\nنقل الزركشيُّ استنكار إلكيا لهذا، فقال: «وقد استنكر جماعةٌ من العلماء ذلك، حتى قال إلكيا الهراسيُّ: هفوات الكبار على أقدارهم، ومن عد خطؤه عظم قدره.\nقال - أي إلكيا -: وقد كان عبد الجبار بن أحمد كثيرا ما ينصر مذهب الشافعي في الأصول والفروع، فلما وصل إلى هذا الموضع، قال: هذا الرجل كبير، ولكن «الحق» أكبر منه». انتهى. «البحر المحيط» (٤/ ١١٢). وانظر: «الإبهاج» (٢/ ٢٤٧).\nوقال إلكيا في «التلويح»: «لم نعلم أحدًا منع جواز نسخ الكتاب بخبر الواحد عقلا، فضلا عن المتواتر، فلعله يقول: دلَّ عرف الشرع على المنع منه، وإذا لم يدل قاطع من السمع توقفنا، وإلا فمن الذي يقول إنه ﵇ لا يحكم بقوله من نسخ ما ثبت في الكتاب، وهذا مستحيل في العقل».\nقال: والمغالون في حبّ الشافعي لما رأوا هذا القول لا يليق بعلو قدره، - كيف وهو الذي مهد هذا الفنّ ورتبه، وأوَّل مَنْ أخرجه -، قالوا: لا بد وأن يكون لهذا القول من هذا العظيم محمل، فتعمقوا في محامل ذكروها.\nقال: وغاية الإمكان في توجيهه شيئان:\nأحدهما: أنَّ الرسول كان له أن يجتهد، وكان اجتهاده واجب الاتباع قطعًا، فقال الشافعي: لا يجوز أن يبين الرسول باجتهاده ما يخالف نص الكتاب، مع أن","vol":"1","page":293},{"text":"اجتهاده مقطوع به؛ لأنه لا بُدَّ له من مستند في الشرع، ولا يتصور أن يلوح له من وضع الشرع ما يقتضي نسخ الكتاب، وهذا بعيد، لأن الاجتهاد لا يتطرق إلى النسخ أصلا.\nالثاني: - لأصحاب الشافعي - قالوا: قال الله تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾، يحتمل الكتاب وغيره مما هو أجزل في المثوبة وأصلح في الدارين، فلما قال بعده: ﴿أَلَمْ تَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرُ﴾، علمنا أنه أراد بما تقدم ما تفرد هو بالقدرة عليه، وهو القرآن المعجز.\nفكأنه تعالى قال: نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا مما يختص بالقدرة عليه، وهو بعيد؛ فإنَّ المراد بذلك أنه القادر على العلم بالمصالح أو إنشائها أو إزالتها عن الصدور. وقد قيل: نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا بعد النسخ إذا قدم النسخ عليه، وليس في الآية نسخ حكم الآية، ولأن المراد: خير منها لكم. انظر: «البحر المحيط» (٤/ ١١٢ - ١١٣).\nونقل الزركشي عن الكيا في المسألة السابقة في تقدير جواب على ما اعترض به عليه، وهو أنَّ في الكتاب آياتٍ نسخت أحكامها، ولا ناسخ لها في القرآن، فقال ما نصه:\n«وقال إلكيا الطبري: يمكن أن يقال: نُسخ بآية أخرى لم يُنقل رسمها ونظمها إلينا، كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾، فإن هذا الحكم منسوخ اليوم، إلا أنه لم يظهر له سُنَّةٌ ناسخةٌ؛ فإن جاز لكم الحمل على سنة لم تظهر، جاز لنا الحمل على كتاب لم يظهر». «البحر المحيط» (٤/ ١١٥).","vol":"1","page":294},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-201> نسخ السُّنَّة بالكتاب</span>\nقال الزركشي: «استعظم الكيا الهراسيُّ القول بالمنع هاهنا أيضًا، وقال: توجيهه عسر جِدًّا، والممكن فيه أن يقال: إنه ﵇ إذا قال عن اجتهاد، فلا يجوز أن يرد الكتاب من بعد بخلافه؛ لما فيه من تقرير الرسول ﷺ على الباطل، وإيهام المخالفة». «البحر المحيط» (٤/ ١١٨).\nوقال الزركشي نقلا عن الكيا: «وقال في تعليقه: قد صح عن الشافعي أنَّه قال في رسالتيه جميعًا: إنَّ ذلك غير جائز، وعُدَّ ذلك من هفواته، وهفوات الكبار على أقدارهم، ومن عد خطؤه عظم قدره. وقد كان عبد الجبار بن أحمد كثيرا ما ينصر مذهب الشافعي في الأصول والفروع، فلما وصل إلى هذا الموضع، قال: هذا الرجل كبير، لكن الحقَّ أكبر منه، ثُمَّ نصر هو الحق.\nقال إلكيا: والمتغالون في محبة الشافعي لما رأوا أنَّ هذا القول لا يليق به طلبوا له محامل: فقيل: إنما قال هذا بناءً على أصل، وهو جواز الاجتهاد للرسول؛ فإذا جاز له الاجتهاد في … بنص الكتاب وحكم، ثم أراد الرسول نسخه باجتهاده: لا يجوز له؛ لأن الاجتهاد لا يؤدي إلى بيان أمد العبادة، ولا يهدي إلى مقدار وقتها.\nوهذا باطل، لأنَّ الشافعي منع من النسخ بالمتواتر، وقضية هذا الكلام تجويز نسخ القرآن للسُّنَّة التي لا توجد، وبيانه: أن ما كان بيانًا في كتاب الله بالنص كان ثبوته عنه باجتهاد الرسول؛ لأن الاجتهاد استخراج من جهة الله، وهو لا يجوز مع وجود الكتاب. فكأنه يقول: الشافعي يمنع من نسخ الكتاب لسُنَّةِ لا يتصوَّر وجودها». «البحر المحيط» (٤/ ١١٩).","vol":"1","page":295},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-202> هل الإجماع يكون ناسخا؟</span>\nنقل الزركشي عن إلكيا ما نصه:\n«يُتصور نسخ الإجماع بأنَّ الأولين إذا اختلفوا على قولين، ثم أجمعوا على أحدهما، فنقول: إنَّ الخلاف نُسخ، وجزم القول به مع إجماع الأولين على جواز الاختلاف.\nقلنا: الصحيح أنَّ الخلاف الأول يزول به، ومن قال: [لا] يزول به، قال: هذا لا يعد ناسخا؛ لأنَّهم إنَّما سوغوا القول الأول، بشرط ألا يكون هناك ما يمنع من الاجتهاد، كالغائب عن الرسول لا يجتهد إلا بشرط فقد النص، والإجماع كالنَّص في ذلك، والاختلاف مشروط بشرط. وهذا بعيد؛ فإن نص الرسول ذلك الحكم المخالف لم يكن حكم الله، وهنا الإجماع بعد الخلاف لا يبين أنَّ الخلاف لم يكن شرعيًّا، وإنَّما اعترض على دوام حكم الخلاف نسخا؛ فإن قيل بهذا المذهب، فهو نسخ الإجماع على الخلاف لا محالة. «البحر المحيط» (٤/ ١٣٠ - ١٣١). وانظر: سلاسل الذهب» (ص ٣١٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-203> القياس لا ينسخ ولا يُنسخ به</span>\nنقل الزركشي عن إلكيا: «أما كونه ناسخًا؛ فالجمهور على منعه، ومنهم الصيرفي في كتابه، وإلكيا في التلويح …». «البحر المحيط» (٤/ ١٣١).\nوفي كونه منسوخا نَقَلَ عن الكيا: وكذا قال إلكيا: قيل لا يصح نسخه؛ لأنه مع الأصول، فما دامت الأصول ثابتةً فنسخه لا يصح.\nقال: وهذا عندنا بعد الرسول، فإنَّه إنَّما تبين (كذا) بطلانه من أصله، وذلك","vol":"1","page":296},{"text":"ليس من النسخ في شيء، بل يظهر مخالف أو لا يظهر، وكيفما قدّر فلا يكون نسخا.\nوإن كان في عهد الرسول، فيجوز ذلك إن قلنا بجواز الاجتهاد للغائب عنه، بناءً على الأصول. فإذا طرأ ناسخ بعده صح نسخ القياس، ثُمَّ يتجه أن يقال: «ليس نسخ القياس؛ فإنه تبع للأصول؛ فإذا ارتفعت، ارتفع التبع». «البحر المحيط» (٤/ ١٣٤)\n\n•<span data-type='title' id=toc-204> الحكم الثابت بالقياس إذا نُسخ أصله؛ ما حكمه؟</span>\nقال الزركشي في بيان رأي إلكيا ما نصه: «وفصل الكيا الهراسي:\nبين أن ينسخ الأصل لا إلى بدل، فلا يبقى الفرع؛ وبين أن ينسخ إلى بدل فيبقى»، واستغربه. أي الزركشي.\nوقال أيضا: «وقال إلكيا: ذهب أكثر الحنفية إلى جواز الاستنباط من المنسوخ في أمثلة لا بُدَّ من مساعدتهم على بعضها. كقولهم في صوم يوم عاشوراء: كان واجبًا، وجوزه الرسول بنيَّةٍ من النهار، ثم نسخ وجوبه، فادعوا أنَّ النسخ يرجع إلى تبديل النية، وما فهمناه من جواز النية من النَّهار باقٍ بحاله، لا يتأثر بنسخه، فإذا عرفنا تماثل الحكمين عند وجوبها من النية، فالنسخ راجع إلى أحدهما في الوجوب؛ لأنه المعنى المنقول منه.\nقال إلكيا: وهذا حسن لا ريب فيه. نعم، لو نُسخ الأصل لا إلى بدل، فالفرع لا يبقى دون الأصل. وهاهنا نُسخ إلى بدل؛ كما إذا نسخ تحريم التفاضل في الأشياء الأربعة، لا يمكن إثبات الحكم بالمعنى المستنبط منه في","vol":"1","page":297},{"text":"المطعومات؛ لأنه يكون فرعًا بلا أصل.\nوعلى هذا يبطل قولهم: إنَّ التوضؤ بالنبيذ جائز بحديث ابن مسعود … أنَّه وإن تم أداؤه من حيث كان نقع التمر (^١)، ولكن يُفهم منه إجزاؤه بنبيذ التمر، حيث إن هذا فرع بلا أصل.\nقال: وقد يلتبس بهذا ما احتج به الشافعي من حيث وجوب التيمم لكل صلاة تلقيًا من قوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾، ثُمَّ فعل الوضوء لكل صلاة [غير واجب]، فكان التيمم بذلك أولى، ثُمَّ روي الجمع بين صلاتين فأكثر بوضوء واحد، ولا يجوز ذلك في التيمم عند الشافعي. فلم يعقل من حكم النسخ ما عقل من حكم الأصل، وهذا خطأ من الظَّان، فإِنَّ الظَّاهر دلّ عليها». «البحر المحيط» (٤/ ١٣٧ - ١٣٨).\n\n•<span data-type='title' id=toc-205> الزيادة على النص هل هي نسخ أو لا؟</span>\nنقل الزركشي في القول الأول - وهو أنه لا يكون نسخا مطلقا - عن ابن فورك وإلكيا أنهما قالا: «قال الشافعي في اليمين مع الشاهد: إنه زيادة على ما في الكتاب وليس بنسخ، وأن ذلك كالمسح على الخفين». «البحر المحيط» (٤/ ١٤٣).\nونقل في القول الثاني أنَّها نسخ، فقال: «قال ابن فورك، وإلكيا: عُزي إلى الشافعي أيضا؛ فإنَّه قال في قوله: «إنَّما الماء من الماء»: منسوخ في وجه دون وجه؛ فإنَّ هذا النَّصَّ تضمن أمرين: أحدهما نصه، وهو غير منسوخ. والثاني: ألا غسل فيما سواه، وهو منسوخ بحديث التقاء الختانين. وإنَّما صار منسوخا بالزيادة على الأصل». «البحر المحيط» (٤/ ١٤٤).\n_________\n(^١) في الكلام اضطراب من المصدر المنقول منه.","vol":"1","page":298},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-206> النُّقصان من العبادة هل هو نسخٌ لها أم لا؟</span>\nنقل الزركشيُّ عن إلكيا قوله: «الذي يجب أن يقال هنا نحو ما سبق في الزيادة على النَّصِّ». «البحر المحيط» (٤/ ١٥١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-207> من دلائل النسخ</span>\n•<span data-type='title' id=toc-208> إخبار الصَّحابيُّ:</span>\nقال الزركشيُّ في نقل رأي إلكيا: «وهو إخبار الرَّاوي الصَّحابيُّ بأنَّ هذا ناسخٌ دون ذكر دليله؛ فإنَّه لا يقبل، وجزم به الغزالي في المستصفى، وإلكيا في التلويح»، وقال الزركشيُّ بعد ذلك:\n«ثم قال - أي: إلكيا -: فأما إذا قال الصحابيُّ: إنَّ كذا كان حُكما ثابتا من قبل، وإنَّه نسخ الآن، ولم يذكر ما به نسخ؛ فإنَّ الكرخيَّ كان يتابعه، كقول ابن مسعود حين ذكر له في التَّشهد: … «التَّحيَّات الزَّاكيات …»، قال: كان هذا، ثم نُسخ. ونحوه ما روي عن ابن عمر، وابن عباس في الرضاع أنَّهما قالا: «قد كان التوقيت، وأما الآن فلا»».\nقال - أي إلكيا -: والذي رآه أكثر الأصوليين أنه لا يُرجع إلى قول الصحابي في ذلك؛ لأنه إذا كان فيما صرَّح به بأنه ناسخٌ للآية ألا يكون ناسخا لها في الحقيقة وإن اعتقده، فغير ممتنع أن يطلق ذلك إطلاقا، ولا يذكر ما لأجله النسخ، ولو ذكره، لكان مما لا يُنسخ به.\nقال: نعم، ولو عُلم من حاله أنه إنَّما ذكر أنه منسوخ لأمر لا يلتبس، وجب الرُّجوع إلى قوله.","vol":"1","page":299},{"text":"قال: وهذا قريب من مخالفة الرَّاوِي مضمون الحديث الذي رواه». «البحر المحيط» (٤/ ١٥٥ - ١٥٦).\n\n*<span data-type='title' id=toc-209> إذا كان راوي أحدها متقدّم الصُّحبة والآخر متأخرًا</span>\nذكر الزركشي أنَّ ابن السمعاني قسمه قسمين:\nأحدهما: أن تنقطع صحبة الأول عند صحبة الثاني، فيكون الحكم الذي رواه المتأخر ناسخا للذي رواه الأول، كرواية قيس بن طلقٍ، وأبي هريرة في مس الذكر.\nوالثاني: «ألا تنقطع صحبة المتقدم عند صحبة المتأخر، فلا تكون رواية المتأخر الصُّحبة ناسخةً لرواية المتقدّم؛ لجواز أن يكون المتقدم راويًا لما تأخر، كما لا يجوز أن يكون راويًا لما تقدَّم، وإثبات النسخ بمجرد الاحتمال ممتنع، كرواية ابن عباس، وابن مسعود في التشهد، فلا تكون رواية ابن عباس ناسخةً لرواية ابن مسعود، ولكن يُطلب الترجيح من خارج»، ثُمَّ قال الزركشي: «والقسم الأول ذكره إلكيا». «البحر المحيط» (٤/ ١٥٧).","vol":"1","page":300},{"text":"<span data-type='title' id=toc-210>مباحث القرآن والسُّنَّة</span>\n•<span data-type='title' id=toc-211> حكم الاحتجاج بالقراءة الشاذة</span>\nحكى الزركشي عن إلكيا متابعته لإمام الحرمين نسبة القول بعدم حجية القراءة الشاذة إلى الإمام الشافعي، ثُمَّ نقل عنه ما نصه: «القراءة الشَّاذَّة مردودة لا يجوز إثباتها في المصحف، وهذا لا خلاف فيه بين العلماء.\nقال: وأما إيجاب أبي حنيفة التتابع في صوم كفّارة اليمين لأجل قراءة ابن مسعود، فليس على تقدير أنه أثبت نظمه من القرآن، ولكن أمكن أنه كان من القرآن في قديم الزمان، ثم نسخت تلاوته، فاندرس مشهور رسمه فنقل آحادًا، والحكم باق، وهذا لا يستنكر في العرف.\nقال: والشافعي لا يرد على أبي حنيفة اشتراط التتابع على أحد القولين من هذه الجهة، ولكنه يقول: لعل ما زاده ابن مسعود [كان] تفسيرا منه، ومذهبا رآه، فلا بعد في تقديره، ولم يصرح بإسناده إلى القرآن.\nفإن قالوا: \"لا يجوز ضم القرآن إلى غيره، فكذلك لا يجوز ضم ما نُسخت تلاوته إلى القرآن تلاوة\".\nوهذا قد يدلُّ من وجه على بطلان نقل هذه القراءة عن ابن مسعود؛ فإنا على أحد الوجهين نبعد قراءة ما ليس من القرآن مع القرآن.\nوقال: والدليل القاطع على إبطال نسبة القراءات الشاذة إلى القرآن أنَّ","vol":"1","page":301},{"text":"الاهتمام بالقرآن من الصحابة الذين بذلوا أرواحهم في إحياء معالم الدين يمنع تقدير دروسه وارتباط نقله بالآحاد». «البحر المحيط» (١/ ٤٧٥ - ٤٧٦).\n\n•<span data-type='title' id=toc-212> تعريف السنة لغة</span>\nنقل الزركشي عن الكيا قوله: «معناها الدوام. فقولنا: \"سُنَّة\" معناه: الأمر بإدامته، من قولهم: سننت الماء إذا واليت في صبّه». «البحر المحيط» (٤/ ١٦٣).\n• النوع الثالث من أفعال النبي ﷺ:\nوهو ما احتمل أن يخرج عن الجبلية إلى التشريع بمواظبته على وجه خاص\nنقل الزركشي عن الكيا حكايته للخلاف في هذا النوع، فقال ما نصه:\n«وعلّل الوقت (كذا) بأنَّ الفعل لا يدل على جواز الإيقاع، والمصالح مختلفة باختلاف أحوال المكلفين.\nقال: وفي هذا نظر للأصوليين متجه، إلَّا أنَّ الذي عليه الأكثرون أنه مباح؛ لإجماع الصحابة، وقد سئلت أم سلمة عن القبلة للصائم، فأجابت بأنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم يكن يبتعد عن ذلك». «البحر المحيط» (٤/ ١٧٧).\n\n•<span data-type='title' id=toc-213> فعل النبي ﷺ المطلق والمجرد؛ ما حكمه؟</span>\nفقد ذكر الزركشي الخلاف فيه، ونقل عن الكيا ضمن من يقول بالقول الأول - وهو أنه واجب في حقه وحقنا، وأنَّ إدراك الوجوب بالسمع، لا بالعقل -، ما نصه: «الصحيح أنَّه لا يُتلقّى من حيث العقل؛ لأنه لا دلالة فيه، والمخالف يسلم ذلك، ولكنه يقول: دليل السمع دلّ عليه، فيرجع النزاع إلى","vol":"1","page":302},{"text":"دليل السمع، إذن لا متعلق لهم، والألفاظ دلت على التأسي به، وتهديد تارك التأسي به والاتباع له». «البحر المحيط» (٤/ ١٨٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-214> التعارض بين قول النبي ﷺ وفعله</span>\n* ذكر الزركشي في الموضع الثاني من تعارض الأقوال والأفعال - وهو ألا يكون القول من صيغ العموم، ويُجهل التاريخ في تقدمه على الفعل أو تأخره عنه - أنَّ المسألة فيها ثلاثة أقوال، ونقل جزم إلكيا بالقول الأول - وهو تقديم القول لقوته بالصيغة، وأنَّه حُجَّةٌ بنفسه -، فنقل عنه ما نصه: «لأن فعله لا يتعدى إلى غيره إلا بدليل، وحق قوله أن يتعداه؛ فإذا اجتمعا تمسكنا بقوله، وحملنا فعله على أنه مخصوص به». «البحر المحيط» (٤/ ١٩٨).\n* ثم ذكر الزركشي أنَّ الخلاف هنا إنَّما يتجه من القائلين بحمل فعله ﷺ على الوجوب، ونقل عن الأستاذ أبي منصور وإلكيا:\n* «إن تقدم القول ومضى وقت وجوبه، ولم يفعله ﷺ، أو فعل ضده: علمنا نسخه، كتركه قتل شارب الخمر في الرابعة بعد أمره به؛\n* وإن فعل ما يضاده قبل وقت وجوبه: دلَّ على نسخ حكم قوله عند من أجاز نسخ الشَّيء قبل مجيء وقته، ولم يُنسخ عند من منعه.\n* وإن قدم الفعل: كان القول ناسخا له». «البحر المحيط» (٤/ ١٩٩).\n\n•<span data-type='title' id=toc-215> إقرار النبي ﷺ</span>-\nعلى القول بأنه يتضمن رفع الحرج - سواء كان خاصا أو عاما ـ؛ هل يُحمل على الإباحة أو يتوقف فيه للاحتمال؟","vol":"1","page":303},{"text":"نقل الزركشي أنَّ من يقول بالإباحة؛ اختلفوا في حكم الاستباحة لما أقرَّ، على وجهين، حكاهما إلكيا وغيره:\n«أحدهما: أنه مباح بالأصل المتقدّم، وهو براءة الذمة، فلا ينتقل إلَّا بسبب، وهذا منهم تعلق باستصحاب الحال.\nوالثاني: أنَّه مباح بالشرع حين أُقِرُّوا عليها». «البحر المحيط» (٤/ ٢٠٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-216> الاعتماد على كتب الحديث من غير الرواية بالإسناد</span>\nنقل الزركشي عن إلكيا جزمه بوجوب العمل بالكتاب إذا كان لرجل موثوق به، عُرف منه أنه لا يجازف - وإن لم يره مذكورًا بإسناده إلى النبي ﷺ ـ، ثم نقل عنه ما نصه:\n«وقال قائلون من المحدثين: ليس له ذلك، وهو بعيد، فله أن يقول: قال رسول الله ﷺ مستندا إلى كتاب، وكما أن عليه أن يعمل، فعليه أن يحتج به على غيره اعتمادا على ما في الكتاب، واستنادًا إليه». «البحر المحيط» (٤/ ٣١٩).\n\n*<span data-type='title' id=toc-217> انتقاء الإمام مالك أحاديث «الموطأ»</span>\nذكر إلكيا الهراسي في تعليقه في الأصول: «أنَّ موطأ مالك كان اشتمل على تسعة آلاف حديث، ثُمَّ لم يزل ينتقي حتى رجع إلى سبعمائة». «النكت على ابن الصلاح» (٢/ ١٩٥).\n\n•<span data-type='title' id=toc-218> إفادة أحاديث الصحيحين العلم</span>\nنقل الزركشي عن ابن فورك: أنَّ الخبر الذي تلقته الأمة بالقبول يقطع","vol":"1","page":304},{"text":"بصدقه وأنه أشار في موضع آخر إلى تلقيهم قولا، لا عملا؛ لأنهم متعبدون بالعمل بخبر الواحد، وأنَّ القاضي أبا بكر لم يسلّم القطع ولو تلقوه بالقبول …، ونقله إلكيا الطبري في كتابه المسمى بـ: «تلويح مدارك الأحكام» عن الأكثرين.\nقال - أي إلكيا -: «لأنَّ الأمة لا يجوز أن تنطق عن التصديق بالكذب؛ لأن في ذلك إجماعًا على الباطل، وهو منفي عنها».\nقال: «وقال القاضي أبو بكر: هذا لا يتصور عندي؛ فإنَّ الخبر الواحد إذا لم يوجب العلم، فلا يتصور اتفاق الأمة على انقطاع الاحتمال حيث لا ينقطع والإجماع إنَّما يتصور فيما يجوزه العقل، وهذا لا يجوزه العقل».\nقال: «والحقُّ ما قاله القاضي، ومن خالفه في ذلك، لم يحصل على علم ما قاله». «النكت على ابن الصلاح» (٢/ ٢٨٨ - ٢٨٩).\n\n•<span data-type='title' id=toc-219> اختلاف الثقات في رواية الحديث متصلا أو مرسلًا</span>\nنقل الزركشي اختلاف أهل العلم على أقوال، والخامس منها نسبه لإلكيا الهراسي، وهو قوله: «إنَّه بمثابة الزيادة من الثقة، فيُقدم الوصل بشرطين:\n* ألا يكون الحديث عظيم الوقع بحيث يزيد الاعتناء به.\n* وألا يكذبه راوي الإرسال». «البحر المحيط» (٤/ ٣٤٠).\n\n•<span data-type='title' id=toc-220> الإجماع على وفق خبر من الأخبار؛ هل يكون دليلا على صحته؟</span>\nنقل الزركشي عن الكيا ما نصه:\n«إذا ظهر أن مستند الإجماع نص: كان هو مستند الحكم، ونحن إنَّما نتلقّى","vol":"1","page":305},{"text":"الحكم من الإجماع إذا لم نر مستندًا مقطوعًا به.\nفأما إذا أجمعت الأمة على موجب الخبر المروي من خبر الواحد، فهل يدلُّ القطعي على أنَّ إجماعهم كان لأجله أم لا؟\nقال: فيه تفصيل، وهو:\n* إن عملوا بما علموا، وحكموا مستندين إلى الخبر مصرحين بالمستند، فلا شكَّ، وإن لم يظهر ذلك، فالشافعي ﵀ يقول في مواضع من كتبه: إنَّ إجماعهم يصرف إلى الخبر، وبه قال أبو هاشم، وزاد عليه، فقال: أجمعت الصَّحابة على القراض، ولا خبر فيه، فالظاهر أنَّهم أجمعوا عليه بخبر المساقاة، ولكن اشتهر الإجماع في القراض؛ لعموم البلوى به، دون المساقاة.\n* وذهب غيرهما إلى أنه يجوز أن يكون إجماعهم لأجل الاجتهاد، أو لأجل خبر آخر لم ينقل، ويبعد كل ذلك ليس خرقًا للعادة (كذا)، وهذا لا دافع له إلا أن يقال: لا يجوز أن يجمعوا لأجل خبرٍ، ثُمَّ لا ينقل ما أجمعوا عليه، وهذا لا يمشي؛ إذ يمكن أن يقال: إجماعهم أعني نقل ما له أجمعوا (كذا)». «البحر المحيط» (٤/ ٤٥٦ - ٤٥٧).","vol":"1","page":306},{"text":"<span data-type='title' id=toc-221>مباحث القياس</span>\n•<span data-type='title' id=toc-222> تعريف القياس اصطلاحًا</span>\nلما ذكر الزركشي تعريف القاضي الباقلاني للقياس اصطلاحًا بأنه: «حمل معلوم على معلوم في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما بجامع حكم أو صفة أو نفيهما»، نقل عن الكيا ما نصه:\n«وهو أسد ما قيل على صناعة المتكلمين». «البحر المحيط» (٥/¬٨).\nوقد اعترض على هذا التعريف باعتراضات، منها: أنَّ القياس الفاسد خارج عنه؛ لأن الجامع متى حصل: صح القياس، فنقل الزركشي عن إلكيا ما نصه: «هو شامل للصحيح والفاسد، والتفاوت بينهما يرجع إلى شروط لا مدخل لها للتحديد». «البحر المحيط» (٥/¬٩).\n\n•<span data-type='title' id=toc-223> الفرق بين القياس والاجتهاد</span>\nنقل الزركشي عن الكيا ما نصه: «يمتاز القياس عن الاجتهاد بأنه في الأصل بذل المجهود في طلب الحقِّ، سواء طلب من النَّصّ أو القياس». «البحر المحيط» (٥/¬١١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-224> إثبات الحدود والكفارات والمقدرات - التي لا نص فيها ولا إجماع - بالقياس</span>\nنقل الزركشي عن إلكيا ما نصه: «نقل عن زعماء الحنفية امتناع القياس في","vol":"1","page":307},{"text":"التقديرات والحدود والكفارات والرخص، ولذلك منعوا إثبات حد السارق في المختلس. وحكي عن أبي حنيفة ما يدل على ذلك؛ فإنَّه لم يثبت لهذا المحصر بدلًا عن الصوم، وقال: إنه يقتضي إثبات عبادة مبتدأة، وكان يقول: إنَّ النُّصُب لا يصح أن تبتدأ بقياس ولا بخبر الواحد، ولذلك اعتد في إسقاط الزكاة في الفصيل، وكان يجوز أن يعمل القياس في نصب ما قد يثبت الزكاة فيها، كما يجوز أن يعمل القياس في صفة العبادة من وجوب وغيره، ولذلك قبلوا خبر الواحد في إثبات النصاب فيما زاد على المائتين، وفي وجوب الوتر.\nفقيل لهم: تكلم الناس في الحدود والأيمان بالقياس، فأجابوا أنه ليس لأجل إثبات حدّ به، وإنما تكلموا لبيان الشبه المسقطة له مع تحقق إثباتها، وسقوط الحد ليس بحد، فيصح القياس. وأوجبوا الكفارة على القتل قياسًا على المجامع، وعلى المرأة كالرجل، وعلى المجامع ناسيًّا في الإحرام، كما لو قتل الصيد خطًا وليس في ذلك شيء من نص ولا عموم ولا إجماع.\nفأجابوا بأن هذا لم نعلمه قياسًا، بل استدلالا بالأصول على الأحكام، [وهو] مغاير للقياس لنحو السر (كذا). وهذا كله مردود؛ لأنَّه لا شيء فيها غير القياس».\nقال الزركشي: «ثم بين ذلك وأطال، وقال:\nالذي يستقيم مذهبًا - للمحصل على ما يراه - أنَّ أبا حنيفة إنما قال ذلك في إجراء القياس في أصول الكفارات وأصول الحدود، كإلحاق الرّدة والقذف بالقتل في الكفارة، وكإلحاق من يكاتب الكفَّار ويُطلعهم على عوراتنا بالسارق من حيث إن ذلك يقتضي التصرُّف في علائق غيب لا يهتدى إليه، فانعدم طريق","vol":"1","page":308},{"text":"القياس. فامتنع القياس من حيث إنَّ الذي يكاتب الكفار وإن زاد ضرر فعله على ضرر السارق الواحد، فهو بالإضافة إلى [العين] سارق واحد، أما بالإضافة إلى الجنس فلا، من حيث إنَّ السّرقة مما يتشوف إليها الرعاع، بخلاف مكاتبة المسلم؛ فإنَّها لا تكاد توجد، أو لا يظهر استواء السبب، فكلُّ ما كان من هذا الجنس، فلا يجري فيه القياس لفقد الشرط». «البحر المحيط» (٥/ ٥٤ - ٥٥).\n\n•<span data-type='title' id=toc-225> جواز القياس في الرخص</span>\nقال إلكيا: «إنَّما نمنع القياس على الرخص إذا كانت مبنيةً على حاجات خاصَّةٍ لا توجد في غير محل الرخصة، فيمتنع القياس لعدم الجامع، كغير المسافر يعتبر بالمسافر في رخص السفر؛ إذ يتضمن إبطال تخصيص الشَّرع. وقد يمتنع أيضًا مع شمول الحاجة إذا لم يبن عندنا استواء السببين في الحاجة الداعية إلى شرع القصر مع أنَّ المريض خُفّف عنه في بعض الجهات ذلك في الرخصة سادا لحاجته، كالقعود في الصَّلاة، وذلك تخفيف في الأركان، مقابل للتخفيف في عدد الركعات. انتهى». «البحر المحيط» (٥/ ٥٨).\n• جواب إلكيا عن القول: بأنَّ القياس الشرعي إنَّما يجوز في تعيين ما ورد النَّص به على الجملة، فيُعرف بالقياس تفصيله.\nنقل عنه الزركشي ما نصه: ما قاله أبو هاشم هو عين ما حكيناه عن أبي زيد وأبطلناه، ومما يدلُّ على بطلانه أنَّ الأولين أثبتوا قول الرجل لامرأته: \"أنت علي حرام\" بالقياس، ولم يكن عليه نص على جهة الجملة؛ لأن قوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ أمارة في المنع من تحريم ذلك، ولا يفيد حكمه إذا وقع التحريم.","vol":"1","page":309},{"text":"ويحتمل أن يقال: علموا أصلا غاب عنا، فيقال: رأيناهم يتشوفون للقياس باتباع الأوصاف المخيلة المؤثرة من غير قصد إلى جُملي». «البحر المحيط» (٥/ ٧١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-226> إطلاقات «الأصل» عند الأصوليين</span>\nذكر إلكيا أربعة من إطلاقات \"الأصل\"، وهي كما يلي:\nأحدها: ما يقتضي العلم به علما بغيره، أو يوصل به إلى غيره، كما يقال: إنَّ الخبر أصل لما ورد به، والكتاب أصل السُّنَّة لما علم صحتها به.\nوالثاني: لا يصح العلم بالمعنى إلا به.\nالثالث: في الحكم الذي لا يعتريه ما سواه، فيقال: هذا الحكم أصل بنفسه لا يقاس عليه.\nالرابع: الذي يقع به القياس. «البحر المحيط» (٥/ ٧٥).\nوقد اختلفوا في المراد بالذي يقع به القياس، فحكى الزركشي عن المحققين أنه نقيض الحكم الثابت بالخبر، ثُمَّ نقل عن إلكيا ما نصه: «وهذا هو الأوجه عندنا، ولم نر في كلام المخالف ما يُضعفه». «البحر المحيط» (٥/ ٧٥).\n\n•<span data-type='title' id=toc-227> حكم الأصل إذا كان ثابتا بالقياس؛ هل يجوز القياس عليه؟</span>\nنقل الزركشي عن الكيا أنَّ محل الخلاف في هذه المسألة فيما إذا لم يكن الحكم في الفرع بنص أو دليل نص يُستدل به على مثله، ويكون الفرع الثاني مثلا، فإن كان كذلك، فلا يمتنع منه قطعًا، كما أن الحكم ثبت بالنص، ومع ذلك يمتنع حمل الفرع عليه بعلة.","vol":"1","page":310},{"text":"فرجع حاصل الخلاف إلى أن الذي ثبت بالقياس لا يجوز أن يجعل أصلا، وما لا يثبت بالقياس من المختلف فيه يجوز أن يجعل أصلا إذا كان ثبوته بعموم أو نص أو غيره؛ لأنه يخرج بذلك عن كونه فرعا ثابتا بالقياس.\nثم قال الزركشي: «قال - أي إلكيا -: وهذا قول الأصوليين، وهو يستدعي البناء على أصل: وهو أنَّ الحكم الواحد؛ هل يجوز إثباته بعلتين مختلفتين؟\nفإن قلنا: يمتنع، نشأ منه أنَّ الفرع لا يجوز أن يجعل أصلا لفرع آخر». «البحر المحيط» (٥/ ٨٥).\n\n•<span data-type='title' id=toc-228> القياس في المركب</span>\nنقل الزركشي عن الكيا - ضمن شروط حكم الأصل في القياس عدم صحة القياس في المركب -، ما نصه: «قال إلكيا في تعليقه: لا يصح القياس في المركب؛ لأنَّه لو صح، لتركب عليه مسائل كثيرة، ولو أنَّ الأولين من الصحابة والسلف يتعرضون له (كذا)، ولم ينقل عنهم». «البحر المحيط» (٥/ ٨٩).\n\n•<span data-type='title' id=toc-229> المعدول به عن سنن القياس</span>\n* نقل الزركشي أنَّ إلكيا حكى عن أصحاب أبي حنيفة إطلاقهم القول بأنَّ القياس لا يجري في المعدول به عن القياس، ثُمَّ قال: «وهذا فيه تفصيل عندنا». ثُمَّ نقل الزركشي عنه أقسام ما عُدل به عن سنن القياس، فقال:\n«أحدها: أن يكون ذلك الشيء قاعدةً متأصلة في نفسها مختصةً بأحكام غيرها (كذا، ولعلها: عينها). فلا يقال لهذا المعنى إنَّه مخالف؛ لأنَّه ليس أصل أولى به.","vol":"1","page":311},{"text":"كقولهم: النكاح عقد على المنفعة، يصح مع جهالة المدة، فصحته مع جهالة المدة على خلاف القياس؛ فإنَّ ما في النكاح من المقصود لا يتأتى إلا بإبهام المدَّة كالتناسل، فالإبهام فيه كالإعلام.\nومنه قولهم: السَّلَم خارج عن القياس؛ لأنَّه معاملة موجود بمعدوم، وكذا الإجارة؛ فإنا لم نجوز المعاملة بموجود لمعدوم (كذا) لغرر متوقع؛ وإلا فالعقل لم يمنع منه إذا وجد الرّضا، ولكن الاغترار مما يجرُّ ندما وضررا؛ فإذا ظهر لنا في السلم أن الحالة الداعية إلى تجويزه هي الغرر المقرون بالعقد، لم يكن له من الوزن ما يخالف أنَّه مخالف للقياس؛ فإنَّ القياس الأصلي هو الرضا، ويعتد به الشارع للمصالح الجزئية، وحيث لا مصلحة في نفي الغرر، رُدَّ إلى الأصل؛ والأصل الرضا، فغلبنا مصلحةً على أخرى.\nالثاني: أن يكون الحكم الثابت فيه مما لا يُمكن أن يتلقى من أصل آخر، ولا يظهر لنا أنه أولى بالاعتبار من الأصل المنتقل عنه، وبه يتميز هذا القسم مما قبله.\nونظيره: أن الوالد لا يُقتل بولده مع الجريمة الظاهرة، ولكن الشرع غلب حرمة الأبوة، فقال: لا يقتل به، فهذا لا يظهر لنا وجه تغليبه. بخلاف السلم؛ فإنه يظهر لنا من قياس الأصول تغليب حاجة المسلم، فهذا وما أشبهه معدول به عن القياس الجلي لمعنى خفي.\nومنه: الدية على العاقلة؛ فإنَّها أثبتت على خلاف قياس المضمونات، وكلُّ قياس يتضمن إبطال هذا الاختصاص مردود، وكل قياس يتضمن تقريبا مقبول، فهو على اعتبار ما دون الموضحة بمقدار الموضحة، وتحمل العاقلة أُثبت باعتبار","vol":"1","page":312},{"text":"الجزئية حتى لا يهتدي البدل (كذا، ولعلها: لا يهدر الدم)، وتتعاون العاقلة على أدائه، والقليل والكثير في هذا سواء.\nواختلف قول الشافعي في بدل العبد، واختلف قوله في إخراج الصيد من قيمته، وهل هو كإخراج الحر من ديته؟\nولكن ذلك على مخالفة القياس من وجه اعتبار قياس الغرامات، ويجوز إجراء القياس فيه على شرط التزام التقريب، بحيث لا يلتزم إبطال التخصيص أو تصرفًا في غيب، والتقريب الخاص أولى من المعنى الكلي المخيل، فهذا هو العدول به عن القياس، فإذا لم يمتنع ذلك، فهاهنا أولى.\nالثالث: إذا كان أصله لا يتعلق بمصلحة كلية، ولا جزئية ظاهرة لنا، كما قاله الشافعي في العرايا: إنَّه مخالف لقياس الرّبا، وفي العرايا مصلحة ظاهرة، ولا يتخيل ذلك في الربا، ولكنه على وجهين:\nأحدهما: أن يقال في الربا، وإن لم نطلع على مصلحة خفية، كما اطلعنا عليها في ربا النساء، ولكنا نعلم أنَّ الرَّبَّ تعالى إنَّما حرمه؛ لأنَّ التوسع فيه يجرُّ إلى ربا النساء، ولا شك أنَّ العرايا مخالفة لهذا.\nوالثاني: أن معنى قولنا: \"العرايا مخالفة لقياس الربا\" أنها على مخالفة المعهود من قياس الربا، وإن لم يكن معنى المصلحة معهودًا لنا؛ وإذا ساغ - دون فهم المعنى - إلحاق ما عدا المنصوص به، ساغ تقدير مخالفة القياس حيث امتنع الاعتبار والتقريب منه.\nوأما قول الشافعي: إنَّ الأجل والخيار على مخالفة الأصل، مع أن الأصل","vol":"1","page":313},{"text":"اتباع التراضي - وهو القياس الأصلي -؛ فإنه لا قوام للعالم إلا به، وتجويز الخيار من تفاصيل أصل الرّضا، فصح أنه على خلاف القياس، لكنه خلاف قياس هو أولى به، وهذا تأويل حسن». «البحر المحيط» (٥/ ٩٥ - ٩٧).\n* قسم الزركشي المعدول به عن القياس إلى أقسام الثالث منها: ما استثني من قاعدة عامة، وثبت اختصاص المستثنى بحكمه، فلا يقاس عليه، ونقل ضمنه عن إلكيا ما نصه:\n«التخصيص ثلاثة أضرب: تخصيص عينٍ، أو مكانٍ، أو حالٍ؛\nفالعين كقوله تعالى: ﴿خَالِصَةً لَكَ﴾، والمكان كقوله ﷺ: \"أحلت لي ساعة من نهار … \"، والحال كالميتة للمضطر». «البحر المحيط» (٥/ ٩٨).\n\n•<span data-type='title' id=toc-230> القياس على المخصوص بالذكر والمعنى</span>\nنقل الزركشي عن الكيا ضمن المسألة ما نصه: «المخصوص بالذكر قد يقع القياس عليه، وأكثر القياس كذلك؛ والمخصوص بالمعنى لا يقاس عليه؛ لأنه اختص بمعناه، فلم يوجد في غيره، فلا يقاس عليه لعدم الجامع». «البحر المحيط» (٥/ ١٠١)\n\n•<span data-type='title' id=toc-231> ما يمتنع فيه القياس</span>\nقال إلكيا: «مما يمتنع فيه القياس أن يكون الاعتبار مقتضيا تصرفًا في عين لا يتصور إحاطة علم العبد به؛ فالقياس ممتنع لعدم شرطه، وهو ظهور الظن؛ إذ لا يتصور ارتباط الظَّنِّ به. فنحن نعلم أنَّ الطَّهارة شرعت للنظافة، والصَّلاة للخشوع؛ فمن أراد أن يضع شيئًا آخر ويجعله مثلًا للصلاة في إفادة مثل مقصود","vol":"1","page":314},{"text":"الصَّلاة والطهارة من الخشوع والنظافة: كان مردودا؛ لأنه لا يهتدى إليه.\nوعلى هذا أكثر ضوابط الشرع، كنُصُب الزَّكوات، وتقدير البلوغ، وتقدير الزواجر، وغيرها». «البحر المحيط» (٥/ ١٠٣).\n\n•<span data-type='title' id=toc-232> الاختلاف في السابع من شروط الفرع: وهو ألا يكون الحكم في الفرع ثابتا قبل الأصل</span>\nذكر الزركشي أن من العلماء من منع هذا الشرط، وجوز أن يكون الحكم عليه أمارات متقدمة ومتأخّرةٌ؛ فالمستدل أن يحتج بالمتقدم منها والمتأخر؛ فإنَّ الدليل يجوز تأخره عن ثبوته. ولهذا معجزات النبي ﷺ منها ما قارن نبوته، ومنها ما تأخر عنه، ويجوز الاستدلال على نبوته بما نزل من القرآن بالمدينة؛ وكذا في الأحكام المظنونة.\nثم قال الزركشي: وكذا نقل إلكيا في تعليقه عن الأصحاب أنَّهم جوزوا ذلك؛ فإنَّ العالم متراخ عن القديم، فيستدل به على إثبات القديم.\nثم قال - أي إلكيا -: وهذا غير صحيح؛ فإنا لا نستدل بوجود العالم على إثبات الصانع؛ لأنه ثابت قطعًا. وإنَّما استدللنا بالعالم على العلم بالصانع. فيحتاج أن يقول هنا: النِّيَّة في الوضوء كانت ثابتةً بدليلها، وهو إخالة ومناسبة. «البحر المحيط» (٥/ ١٠٩).\n\n•<span data-type='title' id=toc-233> اشتراط دلالة دليل غير القياس على ثبوت الحكم في الفرع بطريق الإجمال</span>\nذكر الزركشي ضمن الحديث عن شروط الركن الثالث من أركان القياس وهو الفرع ـ، أن أبا هاشم اشترط دلالة دليل غير القياس على ثبوت الحكم","vol":"1","page":315},{"text":"في الفرع بطريق الإجمال، ويكون حظ القياس إبانة فيصله، والكشف عن موضوعه، وحكاه إلكيا الطبري عن أبي زيد أيضًا. ورده بأنَّ الأولين تشوفوا إلى إجراء القياس اتّباعًا للأوصاف المخيلة المؤثرة من غير تقييد، وقد أثبتوا قوله \"أنت علي حرام\" بالقياس، وإن لم يكن عليه نص على جهة الجملة على وجه ما؛ لأن قوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ إنَّما يمكن عن المنع من تحريمه (كذا)، ولا يفيد حكمه إذا وقع التحريم. قال - أي إلكيا: «ويمكن أن يقول: لعلهم علموا له أصلا غاب عنا». «البحر المحيط» (٥/ ١١٠).\n\n•<span data-type='title' id=toc-234> معنى العلة في اللغة:</span>\n* معنى العِلَّة في اللغة قيل: هي اسم لما يتغيَّر حكم الشيء بحصوله، مأخوذ من العلة التي هي المرض، ويقال: اعتلَّ فلانٌ إذا حال عن الصحة إلى السقم. وهذا المعنى اعتمده القاضي أبو بكر، وجرى عليه إلكيا …\n* ونقل عن الكيا في معنى العلة - لغةً - أنَّه قال: «وقد يُعبر بها عما لأجل ذلك يقدم على الفعل أو يمنع منه؛ يقال: فعل الفعل لعلة كيت، أو لم يفعل لِعِلَّةٍ كيت. وقد استعملت في المعلولات في المعنى الذي يوجب لغيره حالا، كالعلم يوجب العالمية، والوصف من غير حال السواد. فقال: إِنَّه عِلَّةٌ في وصف المحل بأنه أسود». «البحر المحيط» (٥/ ١١١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-235> معنى العلة في الاصطلاح</span>\nقال إلكيا: «العِلَّةُ في عرف الفقهاء: الصفة التي يتعلق الحكم الشرعي بها، والعقلية موجبة على رأي القائلين بها، والشرعية موضوعةٌ، ولكنها مشبهة بها في","vol":"1","page":316},{"text":"الشَّرعُ، أثبت الحكم لأجلها في طريق الفقهاء، فكان أقرب عبارة على هذا التَّقدير عبارة: العِلَّة؛ ليكون الحكم تبع الحقيقة على مثالها». «البحر المحيط» (٥/ ١١٣).\n\n•<span data-type='title' id=toc-236> إطلاقات الفقهاء للسَّبب في الاصطلاح</span>\nقال إلكيا: «يطلق السَّبب في اصطلاح الفقهاء على أربعة أمور:\nأحدها: السَّبب الذي يقال: إنَّه مثل العِلَّة، كالرمي؛ فإنَّه سبب حقيقةً، إِلَّا أنَّه في حكم العلة؛ لأنَّ عين الرمي لا أثر له في الحكم حيث لا فعل منه، ومنه الزِّنى.\nالثاني: ما يكون الطارئ مؤثّرًا، ولكن تأثيره مستند إلى ما قبله، فهو سبب من حيث استناد الحكم إلى الأول، لا استناد الوصف الآخر إلى الأصل.\nالثالث: ما ليس سببًا بنفسه، ولكن يصير سببًا بغيره، كقولهم: القصاص وجب ردعًا وزجرًا، ثُمَّ قالوا: وجب لسبب القتل؛ إذ القتل عِلَّةُ القصاص، فقطعوا الحكم عن العلة، وجعلوه متعلقا بالعلة، والعلَّة غير الحكم.\nواعلم أنَّه لولا الحكمة، لكان الحكم صورةً غير صالحة للحكم، فبالحكمة خرج عن كونه صورةً، والعلة صارت جالبة للحكم بمعناها لا بصورتها، ودون الحكمة لا شيء إلا صورة الفعل، والصورة لا تكون علةً قط، فعلى هذا، الحكمة راجعة إلى العلة فلا علة بدونها، والخلاف يرجع إلى اللفظ.\nالرابع: ما يسمى سببًا مجازًا من حيث إنَّه سبب لما يجب، كقولهم الإمساك سبب القتل، وليس سبب القتل حقيقةً؛ فإنَّه ليس يفضي إلى القتل، بل القتل باختيار القاتل، ولكنه سبب للتمكن من القتل بإلحاق، وقيل: سبب القتل.","vol":"1","page":317},{"text":"فالأسباب لا تعدو هذه الوجوه. انتهى».\nوقال في تعليقه: «المتكلمون لا يفرّقون بين العلة والسبب، والفقهاء يقولون: العلة هي التي يعقبها الحكم، والسبب ما تراخى عنه الحكم ووقف على شرط أو شيء بعده». «البحر المحيط» (٥/ ١١٦).\n\n•<span data-type='title' id=toc-237> هل الأحكام الشرعية وضعت لعلل حِكَمِيَّة أو لا؟</span>\nقال الزركشي: «قال إلكيا: فصل: في أنَّ الأحكام الشرعية هل وُضعت لعلل حكميَّة أم لا؟\nذهب بعضهم إلى امتناع أن يتعبد الله عباده بما لا استصلاح فيه. وهذا قول مرغوب عنه. ونحن وإن جوزنا أن يتعبد الله عباده بما شاء، ولكن الذي عرفناه من الشرائع أنها وضعت على الاستصلاح، دلت آيات الكتاب والسنة وإجماع الأمة على ملاءمة الشرع للعبادات الجبلية والسياسات الفاضلة، وأنَّها لا تنفك عن مصلحة عاجلة وآجلة. قال الله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ﴾، وقال ﴿وَلِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ﴾، ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾، وهذا كله يدلُّ على أنه تعالى إنَّما تعبدهم بالشرائع لاستصلاح العباد، وهذا لا يُعلم إلَّا بالشرع، وأنَّ العقل لا يدلُّ على أنَّ عند وقوع أحد الفعلين يقع الآخر على سبيل الاختيار إذا لم يكن المختار ممن ثبتت حكمته، فإذا صح ذلك السمع فأحدها القياس على ما سنبينه.\nثُمَّ الأحكام الشرعية تنقسم إلى:\n* ما اطلعنا عليه وعلى وجه الحكمة فيه بأدلة موضوعة من النص تارةً،","vol":"1","page":318},{"text":"ومن مفهوم وتنبيه وسبر وإيجاز (كذا).\n* ومنها ما لا يُطلع فيه على وجه الحكمة الخفية، وهي من ألطاف الله التي لا يُطلع عليها، فمن هاهنا تخصيص التكاليف بوقت دون وقتٍ، وتخصيص بعض الأفعال بالنَّدب، وبعضُها بالوجوب، وهذه المصالح بحسب المعلوم من حال المتعبدين به، واحدا (كذا، ولعلها ولهذا) اختلف الأفعال من الله تعالى في النقل من شريعة إلى أخرى، وقد بنى الله أمور عباده على أن عرَّفهم معاني دلائلها وجملها، وغيَّب عنهم معاني دقائقها وتفاصيلها، كما إذا رأينا رجلين عليلين تفاوتت عللهما، عرفنا الوجه في افتراقهما، ولو سألنا عن تعداد الاختلاف جهلنا، وهذا فن يهون بسطه.\nإذا عرفت هذا؛ فهل يجوز أن يقول الله لرسوله: احكم فكل ما حكمت هو الصواب؟ أو يأمر عامة الخلق أن يحكموا بما عنَّ لهم، أو بعض العالم من غير اجتهاد؟ فيه خلاف سيأتي (^١).\nفقيل: الله أن يتعبَّد بذلك، والصحيح خلافه؛ فإنَّ هذه الأحكام إذا وضعت لمصالح العباد يجوز أن يختار الفساد والصلاح جميعًا، وليس اختياره علمًا على الصواب، وبمثله لم يجز ورود التعبد بتصديق نبي من غير أمارة، فكما يجوز تفويض الأمر إلينا في الخبر على اتفاق الصدق، فكذلك القول في المصلحة.\nقال: والفرق بينه وبين الاجتهاد أنَّ الأمارة على التعبد به مقطوع بها، والظَّنُّ مبني على أمارة تفضي إلى الظَّنِّ قطعًا، وهنا بخلافه؛ إذ لا أمارة.\n_________\n(^١) انظر: (ص ٣٧٤). والكلام هناك مخالف لما قرره هنا، فقد يكون في هذا النص سقط.","vol":"1","page":319},{"text":"إذا علمت ذلك؛ فما ذكرناه من اشتمال كليات الشرع وجزئياته على المصالح وانقسامها إلى ما يلوح للعباد وإلى ما يخفى عليهم: لا خلاف فيه.\nولكن اختلفوا وراء ذلك في القياس الشرعي، وأنه من مدارك الأحكام أو من القول بالشبه المحض.\nوالذين ردوا القياس اختلفوا فيه:\nفقيل: لا يجوز ورود التعبد به أصلا.\nوقيل: يجوز، ولكن يمتنع ورود التعبد.\nقال - أي إلكيا -: ويمتنع ورود التعبد بالقياس في جميع الحوادث؛ لأنه لا بُدَّ من أصول تُعلَّل وتُحمل الفروع عليها، ولهذا قلنا: إنَّه مظنون من حيث إِنَّ جهات المصالح مغيبة عنا، فلا وصول إلى المعنى الواحد من بين المعاني على وجه يُعلم أنه الأصلح دون ما سواه قطعا، ولأجله تفاوتت الآراء.\nوإنَّما اعتبرنا الأصول السمعية لصحة القياس؛ لأنه لا يجوز رد الفرع إلى الأصول العقلية، ولا يجوز أن يتوصل إلى أحكامها بالأمارات التي يتوصل بمثلها إلى مصالح الدُّنيا؛ لأنَّ لها أمارات معلومةً بالعادة. انتهى». «البحر المحيط» (٥/ ١٢٦ - ١٢٨)\n\n<span data-type='title' id=toc-238>فصل في ذكر شروط العِلَّة</span>\nنقل الزركشي ضمن الشرط السادس من شروط العِلَّة وهو أن تكون مطردة، أي كلما وجدت وُجد الحكم ليسلم من النقض والكسر - عن جمهور","vol":"1","page":320},{"text":"أصحابه المنع من تخصيص العلة المنصوصة كالمستنبطة، ونقل عن إلكيا أنه هو المشهور عند أصحاب الشافعي. «البحر المحيط» (٥/ ١٣٦).\nونقل عنه في نفس المسألة في القول بالجواز أنَّ عليه قدماء الحنفية. «البحر المحيط» (٥/ ١٣٧).\nوقال الزركشي ضمن حديثه في تحريرات لهذه المسألة: «إلكيا الطبري قسم المسألة إلى قسمين:\nأحدهما: بحسب المناظرة، والآخر: المجتهد.\nفأما المناظرة إذا توجه إليها النقض؛ فهل له أن يقول: ثُمَّ لم أحكم بمثل ما حكمت به هاهنا لمانع، ويتكلف عذرا، أم لا يُقبل ذلك من حيث إنّه يناقض كلامه، فلزمه أن يسكت؟ فيه خلاف.\nوأما المجتهد فيتبع العلة المطردة في محالها». «البحر المحيط» (٥/ ١٤١).\nوقال ضمن حديثه في تحريرات لنفس المسألة: أنَّ المانعين من تخصيص العلة تعلقوا بأنَّ التخصيص يؤدي إلى تكافؤ الأدلة …، ثُمَّ نقل عن الطبري (^١) ما نصه: «وهذا فيه نظر:\nفإنَّ العلة إذا كانت دالة على الحكم بإخالتها وتأثيرها في محلّ النَّص، ففيما عداه لا يكون دلالتها من ناحية الاطراد فقط، لكن من ناحية التأثير والإخالة، ولا يتصوّر تناقض شهادتهما حينئذ.\n_________\n(^١) كذا في مطبوعة «البحر المحيط»، ويغلب على ظننا أنه إلكيا الطبري؛ لأن سياق الكلام يدل عليه.","vol":"1","page":321},{"text":"أما إذا كانت الدلالة تتلقى من الاطراد المحض، فيتجه ادعاء التكافؤ في بعض الصور إن صح القول بالطَّرد، قال الأستاذ أبو إسحاق: نقول لمن خصّ العلة بما استنبط: عام أو خاص؟ إن ادعيت عمومه واستغراقه بطلت الدعوى بالمناقضة لا محالة، وإن لم تدع عمومه وقلت: إنَّها علةٌ في محل دون محل، فلعلها علةٌ في الأصل المقيس عليه دون الفرع».\nثُمَّ قال إلكيا: «من اشترط الاطراد ومنع التخصيص، فإنَّما يشترط اطراد كلِّ عِلَّةٍ في فروع معلولاتها، لا في فروع معلولات غيرها، وهذا لا نزاع فيه، وإنَّما النزاع في علَّةٍ جزئيَّةٍ لا تطرد في فروع معلولاتها، فلا يغلب على الظَّنَّ كونها علةً». «البحر المحيط» (٥/ ١٤١ - ١٤٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-239> اقتصار الشارع على أحد الوصفين</span>\nقال الزركشي: «لا يجوز أن يقتصر الشارع على أحد الوصفين ويقول: إنَّه المستقلُّ ويكون الحكم متعلقا بوصفين؛ فإنَّ ذلك خُلفٌ، قاله إلكيا.\nقال - أي إلكيا -: وأما غير ذلك؛ فإن صرّح به وقال: إنَّه تعليل، ولكن لم أطرده في حكم خاص:\n* فقال الأستاذ أبو إسحاق: إنَّ ذلك ممتنع؛ فإنَّه يكون تناقضا منه، إلَّا أن يقول هو: دلالة الحكم دلالة العموم.\n* وقال غيره: يجوز؛ فإنَّه لا يبعد أن يكون متضمنا مصلحةً في المحال كلها إلا في محلّ واحدٍ، وصار عِلَّة كمثل ذلك (كذا) إلا حيث يعلم الشرع أنه لو جعله تعليلا لم يكن مصلحةً في محلّ واحدٍ، فيكون المحل كالزمان من جهة","vol":"1","page":322},{"text":"(كذا، ولعلها: هذا) الوجه. «البحر المحيط» (٥/ ١٤٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-240> التعليل بالعدم</span>\nنقل الزركشي ضمن المسألة عن إلكيا:\n«إن كان الحكم من قبيل الأحكام الجزئية المبنية على الأصول، تطرَّق القياس إليه من جهتي الإثبات والنفي، كقولنا: لا كفَّارة على الأكل، ولا على من أفطر ظنا؛ وإن أمكن تلقيه من أمارة غير القياس، لم يمتنع تلقيه من القياس». «البحر المحيط» (٥/ ١٤٩ - ١٥٠).\nمن شروط العلة:\n\n•<span data-type='title' id=toc-241> ألا يكون الدليل الدالُّ عليها متناولًا لحكم الفرع، لا بعمومه ولا بخصوصه</span>\nنقل الزركشي ضمن المسألة عن إلكيا ما نصُّه:\n«وقال إلكيا: ذهب بعضهم إلى أنَّ المنصوصات لا يقاس بعضها على بعض، ومتى وُجد في الفرع نص أمكن العمل به من غير اعتباره بأصل آخر، كان القياس فاسد الوضع؛ لعدم شرطه، كقياس القتل عمدًا على القتل خطأ في إيجاب الكفَّارة، وقياس المحصر على المتمتّع في إيجاب الصوم بدلا عن الهدي عند العدم؛ لأنَّ كُلَّ حادثة منصوص عليها.\nقال: وهذا إنَّما يتم إذا دلَّت الأمارات على أنَّه استقصي حكم الواقعة ولم يقارب (كذا، ولعلها: يغادر) مما يتعلق بها شيء.\nأمَّا إذا أمكن أن يقال: إنَّه ذكر في كلّ واقعةٍ مما يختص به مما لا يشاركه","vol":"1","page":323},{"text":"فيه غيره أو قصد به ما يدل فحواه على استقصاء حكمه وبقي ما عدا المذكور، فذلك محض تخصيص حكم، لا يدل على نفي ما عداه، وذلك بين في باب المفهوم». «البحر المحيط» (٥/ ١٥٥).\n\n•<span data-type='title' id=toc-242> منشأ الخلاف في التعليل بالعلة القاصرة</span>\nقال إلكيا: «الخلاف راجع إلى أنَّ علة الشرع هل تقبل التخصيص أم لا؟». «البحر المحيط» (٥/ ١٦١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-243> من شروط التعليل بالأوصاف العرفية كونها ذات أوصاف</span>\nقال إلكيا: «يجوز أن يكون التعليل أوصافًا، ويجوز أن يكون واحدا وفيه إخالةٌ، ثُمَّ هذا المعنى يقتضي إفراد كل وصف بالتعليل؛ لأنه إذا كان مُخِيلًا، كفى ذلك. وقد يمتنع الإجماع ولا يهتدي العقل أنَّ الوصف مُخِيلٌ، لكن يجب ألا يكتفي بأنه ليس كالإخالة المعتبرة في العلة التي ليس لها وصف واحدٌ، وقد يكون أحدهما وصفًا، والآخر مخيلا، وإنَّما يعلم كونه مخيلا بألا يؤثر في الحكم أصلا، ولكن يؤثر في العلة لتعظيم وقعها، أو لا يكون مؤثرًا في الحكم والعلة، فيكون علما محضا، وهذا هو الذي يُلقّب بالشَّرط، والشرط: العلامة». «البحر المحيط» (٥/ ١٦٧).\n\n•<span data-type='title' id=toc-244> تعدد العلل الشرعية مع اتحاد الحكم وعكسه</span>\nحكى الزركشي الخلاف في المسألة، ونقل ضمن القول بالمنع مطلقا عن إلكيا ما نصه: ونظيره ما قدَّمناه في الأسماء الشرعية أنه لا يتصور تقدير العموم في نفي الإجزاء والفضيلة؛ والعموم الشرعي والحسي جميعًا، فإن انتفاء الشرعي","vol":"1","page":324},{"text":"يوجب ثبوت الحِسّيّ لا محالة، فلا يتصور تقدير اجتماعهما». «البحر المحيط» (٥/ ١٧٥).\n\n•<span data-type='title' id=toc-245> فرع مرتب على المسألة السابقة</span>\nقال الزركشي: «إن قلنا بالجواز، فالجمهور على الوقوع. وقال إمام الحرمين: إنَّه جائز غير واقع، وأراد بالجواز العقلي؛ فإنَّه قال في البرهان: ليس ممتنعا عقلا وتسويعا ونظرًا إلى المصالح الكلية، ولكنه يمتنع شرعًا. وجرى عليه إلكيا وقال: إنَّ المانع له استقراء عرف الشرع، لا العقل». «البحر المحيط» (٥/ ١٧٧).\nوقال الزركشي في موضع آخر: «قال إلكيا الطبري - وهو من المانعين -:\n* إن قيل: لو وجدت العلتان في حكم فماذا يعمل؟\n• قيل: لا بد وأن تكون إحداهما عِلَّةً باطلةً، أو إحداهما راجحةً، لما بينهما من التنافي، ولا يجوز تقدير تساويهما بحيث لا يظهر رجحان. انتهى». «البحر المحيط» (٥/ ١٧٨).\n\n•<span data-type='title' id=toc-246> تعليل الحكمين بعلَّةٍ واحدةٍ</span>\nذكر الزركشي ضمن المسألة: أنه قد يعلل بعلة واحدة الحكمان المختلفان المتضادان بشرطين متضادين بعِلَّةٍ واحدةٍ، كالجسم يكون علةً للسكون بشرط البقاء في الحيّز، وعِلَّةً للحركة بشرط الانتقال عنه.\nثُمَّ قال: «ومثله إلكيا بما يكون مبطلا لعقد، مصححا لآخر: قلت - أي: الزركشي -: كالتأبيد في الإجارة والبيع.","vol":"1","page":325},{"text":"قال إلكيا: ويمتنع أن يكون لحكمين في شيء واحد في حالة واحدة، لاستحالة حصول الحكم على هذا الوجه. ولا يمتنع كونهما علّتين لحكمين مثلين في شيئين.\nفأما كونهما عِلَّةً لحكمين مثلين في شيء واحد فمحالٌ؛ لأنَّ الأحكام الشرعية لا يصح فيها الزائد، وإنَّما تتماثل الأحكام وتُعلَّل بعلل مختلفة في أحوال، كقطع اليد قصاصًا وسرقةً، فلا يمنع منه، ولكنهما حكمان مختلفان في الآثار، وإن تماثلا في الصورة، والله أعلم». «البحر المحيط» (٥/ ١٨٣).\n\n•<span data-type='title' id=toc-247> أقسام السبر في مسالك العلة</span>\nنقل الزركشي ضمن التنبيه الرابع عن الكيا ما نصه: «قسم الكيا السبر:\n* إلى ما يستعمل في القطعيات، وهو المفضي إلى اليقين بأن يكون حاصرًا يقينًا بالدور بين النفي والإثبات. قال: وهو الملقب بـ: \"برهان الخُلف\"، وكان العقل دالا على أنَّ الحقَّ أحدهما؛ فإذا بان بطلان أحدهما، تعين الثاني للصحة، فقد قام دليل الثاني على الخصوص ببطلان ضدّه.\n* وإلى ما يستعمل في الظنيات، ولا يخلو؛ إما أن يكون المقصود إثبات حكمه أو دليله؛\nوالأول: يكفي فيه انتهاء السبر إلى حدّ الظَّنِّ، سواء كان في شيئين أو أشياء؛ لأنَّ الظَّنَّ لا يختص بالنفي والإثبات، بل قد يقع بين شيئين متعاقبين، كقولنا: الإيلاء لا يخلو؛ إما أن يوجب التوقف عند انقضاء المدة أو البينونة، فلما قام الدليل على أنَّ مضي المدة لا يوجب البينونة، دلّ على أنه يوجب","vol":"1","page":326},{"text":"التَّوقُّفُ؛ إذ لا حكم بينهما. ثُمَّ طريق إبطال أحدهما بين. ومسألة اتفاق العلماء على قولين تقتضي أن الحكم لا يخرج عنهما، فإذا بطل أحدهما، ثبت الآخر.\nوالثاني: ما علم أن بطلان دليل الحكم دليل على صحة العلل، إلا أن يتفق على كونه معلَّلا، ثُمَّ يُسبر ما عدا العلة التي يذهب إليها ويبطله، فتصح علته، وعند ذلك لا يشترط الدليل عليه، بل يكفي ذكر مجرد الوصف.\nوقيل: إذا لم يكن مقطوعًا به، فلا بُدَّ من النظر إلى تلك العلة، فعساها تبطل هذا، فينظر في غيرها. وهذا بعيد؛ فإنَّ السَّبر لا يفيد على هذا التقدير.\nومقصودنا أنَّ الظَّنَّ يحصل عند ذلك بمجرد السَّبر. وإذا بطل ذلك، فقد ظَنَّ قوم أنَّ هذا يعسر وجوده، ولا بعد عندنا في تقديره؛ فإنَّ العلماء يتفقون على تعليل الرِّبا، وإذا ثبت بالسَّبر غير الطعم والكيل، ثبت ما بقي». «البحر المحيط» (٥/ ٢٢٨ - ٢٢٩).\n\n•<span data-type='title' id=toc-248> من مسالك إثبات العلة: الشَّبَه</span>\n* نقل الزركشي عن إلكيا في تحرير مذهب القاضي الباقلاني في حكمه ما نصه: «وقال إلكيا:\nوربَّما تردد القاضي أبو بكر في تصانيفه في إبطال الشَّبَه، فقال: إن لم يبين مستند ظنّه، كان متحكّمًا؛ وإن بيَّن، كان مُخِيلًا.\nوربما قال: الأشباه لا بُدَّ وأن تستند إلى معنى كُلِّيّ.\nقال: وقد بينا تصورها لا على هذا الوجه». «البحر المحيط» (٥/ ٢٣٦).\n* ذكر الزركشي الخلاف في الأشباه التي يغلب بها، فذكر في المذهب","vol":"1","page":327},{"text":"الثاني اعتبار المشابهة في الصورة، فقال: «واختار إلكيا اعتبار الشبه في الصورة إذا دلّ دليلٌ على اعتباره، كالمعتبر في جزاء الصيد.\nقال - أي إلكيا -: وهذا أضعف الأنواع؛ إذ لا يُعرف له نظير.\nقال - أي إلكيا -: وأما الشبه في الحكم، وهو دلالة الحكم على الحكم فقط، كقول الشافعي: العبد أشبه بالحرّ في القصاص والكفّارة للحرمة، وتحمل العقل مثله. فإن أوجب لاحترام المحلّ والشَّبه في المقصود - كاعتبار خيار الشرط بخيار العيب إذا ثبت استواؤهما في المقصود، وهو دفع الغبن - فمعتبران». «البحر المحيط» (٥/ ٢٣٧).\n\n•<span data-type='title' id=toc-249> شروط قياس الشبه</span>\nقال إلكيا: «شرطوا لقياس الشبه شروطا:\nمنها: أن يلوح في الأصل المردود إليه معنى؛ فإنَّه إذا كان كذلك، يقطع نظام الشبه، وغاية من يدعي الشبه إيهام اجتماع الفرع والأصل في مقصود الشارع، فإذا لاح في الأصل معنى: انقطع نظام الجمع.\nهكذا أطلقوه، وإنَّما يستقيم إذا لاح في أحدهما معنى جزئي وفقد في الثاني. أما إذا كان استناد الأصل إلى معنى كُلِّي لا يتصور اطراده في آحاد الصور ولكن القياس سبق لإبانة المحل: فتعليل الأصل لا يضر في مثله، على ما قدمناه.\nوقد ضرب الشافعي له مثالًا فقال: بدأ عليه بيمين المدعي في القسامة في القصّة المشهورة، فكان فيه خيال اللوث، فاختصها بتلك الصورة وإن كانت المشابهة بين الدعويين حالة اللوث وحالة عدمها ظاهرة، ولكن أمكن فهم","vol":"1","page":328},{"text":"تخصيص الحكم بتلك الصورة. أما عند اللُّوثِ، فلا يعتبر به غير تلك الحالة، وهذا بَيِّنٌ.\nومنها: أنَّ الشبه إذا لاح كان من ضرورته أن يكون الأصل مُبْطِلا معاني الخصم؛ فإنَّه لا يكون خاصًا إلا على هذا الوجه، ولا يكون للخصم في مقابلته إلا معنى عام بنهي (كذا) من الأصل نقضا له.\nوله نظائر، منها: أنَّ التَّيَمُّمَ إذا صار أصلا؛ فالمعنى الذي يتعلق به منقوض بالتيمم، وهو أنَّ الوضوء ليس مقصودًا، فلم يكن عبادةً. انتهى». «البحر المحيط» (٥/ ٢٣٩ - ٢٤٠).\n\n•<span data-type='title' id=toc-250> الخلاف في إفادة الدَّوْرانِ العِلِّيَّةَ</span>\n* نقل الزَّرْكَشيُّ عن إلكيا أنه حكى عن الأكثرين أنه يفيد ظنَّ العِلِّيَّةَ بشرط عدم المُزَاحمة. «البحر المحيط» (٥/ ٢٤٣). وانظر: «سلاسل الذهب» (ص ٣٨٧).\n* وحكى عن القاضي أبي بكر أنه يميل إلى القول بأنه لا يدلُّ بمجرَّده لا قطعًا ولا ظنًا. «البحر المحيط» (٥/ ٢٤٤).\n* ذكر الزَّرْكَشيُّ أنَّ القائلين بعدم اعتبار الدوران شرطوا شرطين:\nأحدهما - وبه صرح إلكيا وغيره -: أن يكون الوصف غير مناسب؛ فإنَّه متى كان مناسبًا، كانت العلة صحيحة من جهة المناسبة.\nثُمَّ نقل عنه ما نصه: «والحق أنَّ الأمارة لا تطرد ولا تنعكس إلا إذا كانت اجتماع الفرع والأصل في مقصود خاص في حكم خاص؛ فإنَّ الأحكام إذا تباعد ما حدَّها، لا يتصور أن تكون الأمارة الواحدة جارية فيها على نسق الاطراد","vol":"1","page":329},{"text":"والانعكاس، كقول القائل في الطهارة: إنَّها وظيفة تشطر (كذا، ولعلها: تشترط) في وقت، فافتقرت إلى النية كالصلاة؛ فهذا لا يتصور انعكاسه، وقد تطرد وتنعكس بعض الأمارات فإنها مجرى الحدود العقلية.\nفالحاصل أن الاطراد والانعكاس من باب الأشباه الظاهرة، ومن قبيل تنبيه الشرع على نصبه ضابطًا لخاصة، فعلقت به.\nومما يتنبه له أن ما يوجد الحكم بوجودها وينعدم بعدمها ـــ كالإحصان ـــ، فليس بتعليل اتّفاقًا من حيث إنَّ الطَّرد والعكس إنَّما كان تعليلا للإشعار باجتماع الفرع والأصل في معنى مؤثّر أو مصلحة لا يعلمها إلا الله، فكان الاطراد من الشارع تنبيها على وجود معنى جُمْلِي اقتضى الاجتماع، ولا يتحقق ذلك مع وجود المعنى الظاهر؛ فإنَّ الإيهام لا ميزان له مع وجود المعنى المصرح به». «البحر المحيط» (٥/ ٢٤٦ - ٢٤٧).\n\n•<span data-type='title' id=toc-251> من مسالك إثبات العلة: الطَّرد</span>\n* ذكر الزركشي بعد نقل الخلاف في حجيته: أنَّ المعتبرين من النظار يرون أن التمسك به باطل، ونقل عن الكيا نسبته إلى الأكثرين من الأصوليين. «البحر المحيط» (٥/ ٢٤٩).\n* ثم نقل الزركشي عن الكيا ما نصه: «وهاهنا أمور ذكرها إلكيا:\nأحدها: أن هذا كله في غير المحسوسات. أما المحسوسات فقد تكون صحيحةً، مثل ما نعلمه أنَّ البرق يستعقب صوت الرعد؛ فلهذا اطرد وغلب على الظن به.","vol":"1","page":330},{"text":"الثاني: أنَّ الخلاف في هذه المسألة لفظي؛ فإنَّ أحدا لا ينكره إذا غلب على الظن، وأحدٌ لا يتبع كلَّ وصف لا يغلب على الظَّنِّ، وإن أحالوا اطرادا لا ينفك عن غلبة الظن.\nالثالث: إذا قلنا بأنَّه ليس بحُجَّةٍ؛ فهل يجوز التعلق به لدفع النقض أم لا؟ قال إلكيا: فيه تفصيل:\n* فإن كان يرجع ما قيد الكلام به إلى تخصيص العِلَّة بحكمها؛ فالكلام في تخصيص العلّة سبق.\n* وإن كان التقييد كما قيد به تقييدا بما يظهر، تقيد من الشرع الحكم به.\nوصورة النقض آيلة إلى استثناء الشرع؛ فلا يمنع من هذا التخصيص، كما إذا علّل إيجاب القصاص على القاتل، فنقض بالأب؛ فلا يمنع من هذا التخصيص، وإن كان يدل على معنى في عرف الفقهاء إلا اللغة وذلك المعنى صالح لأن يجعل وصفا ومناطا للحكم، فيجوز دفع النقض به، كقولنا: ما لا يتجزأ في الطلاق فذكر بعضه كذكر كله؛ فلا يلزم عليها النكاح؛ فإن كان النكاح ينبئ في الشرع عن خصائص ومزايا في القوة لا يلغى في غيره فيندفع النقض». «البحر المحيط» (٥/ ٢٥٠).","vol":"1","page":331},{"text":"<span data-type='title' id=toc-252>الاعتراضات على القياس</span>\n•<span data-type='title' id=toc-253> قادح النقض</span>\nقال الزركشي في المذهب الثاني عشر من الاختلاف في كون النقض قادحًا:\n«وهو اختيار إمام الحرمين:\n* إن كانت العلة مستنبطة:\n- فإن اتجه فرق بين محلّ التعليل وبين صورة النقض: بطلت عليته.\n- وإن لم يتجه: فرق بينهما.\n* فإن لم يكن الحكم مجمعًا عليه أو ثابتًا بمسلك قاطع سمعي: بطلت عليته أيضا.\n* وإن طرد مسألةً إجماعيَّةً لا فرق بينها وبين محل العلة، فهو موضع التوقف.\nثم نقل عن إلكيا ما نصه: «وقال إلكيا: ميل الإمام إلى أنه إن كان لا يتجه في صورة النقض معنى، أمكن تقدير مشابهة محل النزاع إيَّاها في ذلك المعنى، فلا يعد نقضا؛ فإنَّ منشأ النقض عنده أن يبين كون محل النزاع نازعًا إلى أصلين متنافيين وليس أحدهما بأولى من الآخر؛ فإنه إذا كانت شهادة الأصل متأيدةً بالمعنى، فلا شهادة بصورة النقض من حيث لا مشابهة، فاعتبار وجه الشهادة أولى.\nقال إلكيا: وهذا حسن بيّن، فلو كان يتجه معه ولو على بعد؛ فإن ذلك يعد","vol":"1","page":332},{"text":"نقضًا. وحاصله أنَّ النقض لا يبطل أصل الدَّلالة، ولكن يقدح في ثبوتها، فلا يتبين به انعدامه.\nقال إلكيا: والذي عندنا أنَّ ما لا يبين به معيَّن ولا يتأتى فيه وجه تشبيه، فهو لا ينفك عن ظهور استثناء في مقصود الشرع. هذا في العلل المخيلة؛ أما الأشباه فستأتي مراتبها.\nثُمَّ قال: والحاصل أن شهادة العلة إن ترجحت قطعًا على شهادة صورة النقض لمحل النزاع: فلا نقض به. فعلى هذا النقض ليس أصلا بنفسه، ولكن هو من قبيل المعارضة، وفيها مزيد قوَّةٍ؛ لما تقدَّم». «البحر المحيط» (٥/ ٢٦٥).\n\n•<span data-type='title' id=toc-254> قادح عدم التأثير</span>\nنقل الزركشي عن ابن الصباغ قوله: «وهو من أصح ما يعترض به على العلة …، وهو معنى قول الفقهاء: إنَّ الحكم إذا تعلَّق بعلةٍ، زال بزوالها؛ ولهذا التزموا الطَّرد والعكس في باب الرّبا بأنَّ حكم الربا لا يثبت اتفاقا دون علة الربا.\nقال إلكيا: وعلى هذا فلا معنى لقولهم: إنَّ العلل الشرعية أمارات منصوبةٌ على الحكم؛ ومن أثبت علامةً على حكم، فليس له أن ينصب ضدها؛ فإِنَّا بَيَّنَّا أنَّ الحكم إذا تعلق بعلةٍ وثبت بها، فذلك الحكم الذي صار نتيجة العلة لا يبقى دون العلة؛ فإنَّ النتيجة لا تبقى دون الناتج». «البحر المحيط» (٥/ ٢٨٤).\n\n•<span data-type='title' id=toc-255> قادح القول بالموجب</span>\nقال الزركشي: «قال إلكيا: وإنَّما يتصور القول بالموجب إذا لم يأت المعلل بما يؤثر في نفس الحكم المتنازع فيه، بل يعترض لإبطال ما ظنه موجبا ومؤثرا","vol":"1","page":333},{"text":"عند الخصم - والمؤثر غيره ـ، ولو صرّح بنفس الحكم، فلا يتصور توجه القول بالموجب». «البحر المحيط» (٥/ ٣٠٠).\n• قادح الفرق\nذكر الزركشي الاختلاف في قبوله وقدحه في العلة على مذاهب، ثُمَّ ذكر القول الثالث قائلا:\n«قال إمام الحرمين، وهو المختار عندنا، وارتضاه كل من ينتمي إلى التحقيق من الفقهاء والأصوليين: إنه صحيح مقبول …\nوذكر أن القاضي استدل على قبوله: بأنَّ السلف كانوا يجمعون ويفرّقون، ويتعلقون بالفرق كما يتعلقون بالجمع، ثم قال الزركشي:\n«ونقل إلكيا ما حكاه الإمام في استدلال القاضي عن عامة الأصوليين، ثم قال: والحق عندنا أنَّ الفرق إنَّما يقدح إذا كان أخص من جميع العلل؛ فإذ ذاك يتبيَّن به فساد الجمع، إلا أنَّ الفرق ابتداء تعليل في الأصل، وعكسه في الفرق.\nورُبَّ فرق يظهر فتخرج علة المعلّل عن اعتبارها شرعًا، وحينئذ فيلحق تعليل المعلل بالطرد؛ فإنَّه أخص من الجمع على كل حال.\nفإن كان الجمع مثلًا للفرق أو أخص، فلا نبالي به، كقول المالكي في الهبة: عقد تمليك ترتب على صحة الإيجاب والقبول فيها الملك بالمعاوضة.\nفيقول الفارق: المعاوضة يتضمنها النزول عن العوض، والرضا بالمعوض، وذلك يحصل بنفس العقد، والهبة قد عارت بها (كذا، ولعلها: عنها). فالمعلل","vol":"1","page":334},{"text":"يقول: تلك الصيغة مطرحة فيضطرب النظر فيها.\nقال: وحرف المسألة أن نكتة الفرق كونه أخص من الجمع، والجمع أعم، فإذا في الفرق ثلاثة مذاهب:\nأصحها: أنَّ الفرق يرجع إلى قطع الجمع من حيث الخصوصية.\nالثاني: إبطال الفرق من جهة كونه معارضةً في جانب الأصل والفرع، والمعارضة باطلة.\nوالثالث: أنه مقبول من جهة كونه قدحًا في غرض الجمع». «البحر المحيط» (٥/ ٣٠٦).\n\n•<span data-type='title' id=toc-256> قادح فساد الوضع</span>\nقال الزركشي: «وقال إلكيا: هو تقدم العلة على ما يجب تأخرها عنه، كالجمع في محل فرق الشرع، أو على العكس.\nكما يقال للحنفية: جمعتم في محلّ فرَّق الشرع؛ إذ قستم النفقة على السكنى في وجوبها للمبتوتة مع قوله تعالى: ﴿أَسْكُنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ مطلقا، وقوله: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، ففرق وجمعتم». «البحر المحيط» (٥/ ٣٢٠).\n\n•<span data-type='title' id=toc-257> قادح المنع، ويتوجه على الأصل والفرع</span>\n* ذكر الزركشي أنَّ منع الأصل على وجوه:\nمنها: منع كون الأصل معللًا: بأنَّ الأحكام تنقسم بالاتفاق إلى ما يعلل","vol":"1","page":335},{"text":"وإلى ما لا يعلل؛ فمن ادعى تعليل شيء: كُلِّف بيانه.\nوقد اختلف في هذا؛ فقال إمام الحرمين: إنَّما يتجه على من لم يذكر تحريرا، فإن الفرع في العلة المجردة يرتبط بالأصل بمعنى الأصل، ونقل عن إلكيا ما نصه:\n«هذا الاعتراض باطل؛ لأنَّ المعلّل إذا أتى بالعلة، لم يكن لهذا السؤال معنى، وقبل العلة لا يكون آتيًا بالدليل إلا أن يبقى تقسيمًا وسبرا». «البحر المحيط» (٥/ ٣٢٣).\n* ومنها: منع الحكم في الأصل.\nواختلف في أنه انقطاع للمستدل على مذاهب، فنقل الزركشي جزم الكيا وغيره أنه لا ينقطع إذا دلَّ على محل المنع. «البحر المحيط» (٥/ ٣٢٧).\n* قال الزركشي: «قال الكيا الطبري: حق السائل أن يكون منكرًا غير مدَّعٍ، وليس له أن يدل؛ فإنه ليس على المنكر إقامة البيّنة شرعًا، وعلى مثله بنيت المناظرة؛ صونًا للمقام عن الاختلاط.\nقال: ويجوز للمستدل الانتقال من حكم إلى آخر بالعلة الأولى؛ فإنَّ العلة كافية في إثبات الحكم.\nنعم، الانتقال من علةٍ إلى علةٍ أخرى فسخ لا يتعلق بمصلحة النظر.\nقال: وأجمعوا على أنه ليس للمسئول أن يدل على النقض؛ فإنَّ به ينتقل إلى مسألة أخرى خارجة عن مقصود السُّؤال. ونقل عن القاضي أبي بكر أنَّه جوز","vol":"1","page":336},{"text":"ذلك؛ لأنه إذا ثبت النقض، ثبت مطلوبه؛ فالاختيار يدلُّ على أنه خارج عن مصلحة المناظرة». «البحر المحيط» (٥/ ٣٣٠).\n* ومنها: المنع في الفرع.\nفلا يتوجّه عليه إلا سؤال واحدٌ، وهو منع وجود علة الأصل فيه. ثم قال الزركشي: «قال إلكيا: وهذا غير معنى الاعتبار؛ لأن معنى الاعتبار مطالبة ترجع إلى الأصل لا إلى الفرع.\nقال: وتبطل به المطالبة بالإخالة وإيضاح وجه الدلالة، وهو من أقسام المنع. وقيل: إنَّه لا يتحقق بعد وجود التعليل، وما يفرض قبله التّعليل، فليس باعتراض عليه». «البحر المحيط» (٥/ ٣٣١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-258> قادح المعارضة</span>\n* قال الزركشيُّ: «قال إلكيا الطبري: المعارضة إظهار علَّةٍ معارضة لعلَّةٍ، - أو لعلل - في نقيض مقتضاها. هذا أصل الباب، ولا يجري إلا في الظنيات، ثم يرجح أحد الظنين على الآخر بوجه من وجوه الترجيح.\nوكذلك المعارضة بعد العجز عن كلّ اعتراض قدمناه؛ فإنَّ فساد الوضع والمنع لا يصلح على حياله اقتضاء الحكم حتى يعارض به. وإنَّما المعارضة حيث لو لم يقدر لاستقلت العلة في نفسها أو جنسها باقتضاء الحكم لوجود أصل الظَّنِّ المعتبر، ولكن المعارض منع اعتبارها دون ترجيح.\nفالحرف: المعارضة تبين أنَّه لا بُدَّ من زيادة على أصل الظَّنَّ المعتبر في هذا المجال على الخصوص». «البحر المحيط» (٥/ ٣٣٣ - ٣٣٤).","vol":"1","page":337},{"text":"* قال الزركشي: «واعلم أنَّ بناء الخلاف في قبول هذا السؤال ورده على تعليل الحكم بعلتين: فإن جوزنا لم يُقبل؛ وإلا قبل. ذكره إمام الحرمين في البرهان والكيا الطبري». «البحر المحيط» (٥/ ٣٣٥).\n\n*<span data-type='title' id=toc-259> قبول المعارضة في حكم الفرع.</span>\nقال الزركشي: «وهذا القول صححه الغزالي في المنخول، وقد رأيتُ ابن برهان في الأوسط نقل عنه إبطال المعارضة، ثُمَّ رأيت إلكيا الطَّبَرِيَّ سبقه إلى نقل ذلك عنه، فقال في كتاب التلويح:\nصار الغزالي (^١) إلى بطلان المعارضة على ما سمعنا الإمام ينقله عنه، وكان الحامل له على ذلك امتناع التناقض في أدلة الشرع؛ فإذا اعترف السائل بصحة علة المعلل واستقلالها بالحكم، والمسئول ينكر صحة تعليله؛ وإن هو أراد إظهاره: فقد تناقض وقال بتعارض النصوص.\nولأن حق السائل أن يكون هادما غير بان، والمعارضة تقتضي البناء إن كان الترجيح لتعليل السائل، أو ساقطة إن كان الترجيح لعلة المسئول، فلا يخلو من طرفي نقيض ووجهي فساد.\nونحن نقول: السائل لم يقصد البناء، وإنَّما يقصد الهدم؛ فإنَّ مقصوده إعانة المسئول على إتمام غرضه بإيضاح الترجيح، ولا ينال هذه إلا بالمعارضة.\n_________\n(^١) لعل المقصود به هنا هو الغزالي الكبير، وليس أبا حامد الغزالي، كما يُفهم ذلك من سياق كلام الزركشي، وقد جاء مصرحًا بوصفه (الكبير) في «الأوسط» في نفس المسألة. انظر: (ص ٤٨٣). والظاهر من سياق الكلام هنا أنه في طبقة شيوخ إمام الحرمين.","vol":"1","page":338},{"text":"قال - أي إلكيا -: ولا خلاف أنَّ المعلل لو استدل بظاهر، فللسائل أن يؤوّل ويعتضد بالقياس، وإذا صحت المعارضة، فالسائل لا يرجح؛ فإنه يكون بانيا، هذا إذا أمكنه قطع الترجيح عن الدليل. فأما إذا كان الدليل في وضعه أرجح، فلا وجه لمنعه على قول من قبل المعارضة؛ فإنه ربما لا يجد غيره؛ فإن رجح المسئول مكن السائل من معارضة الترجيح. انتهى». «البحر المحيط» (٥/ ٣٤٠ - ٣٤١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-260> أقسام المعارضة عند الجدليين.</span>\n«قال إلكيا الطَّبَرِيُّ: قسم الجدليون المعارضة إلى ثلاثة أقسام: معارضة الدعوى بالدعوى، والخبر بالخبر، والقياس بالقياس:\n* فأما معارضة الدعوى بالدعوى؛ فلا معنى لها إلا على تقدير وقع التشنيع.\n* وأما معارضة الخبر بالخبر؛ فصحيحةٌ، مثل أن يسأل عن قضاء الفوائت في الأوقات المنهي عنها، فيقول: لأنه قال: من نام عن صلاة أو نسيها …، الحديث، فيرجع الكلام بعده إلى الترجيح.\n* وأما معارضة المعنى بالمعنى فعلى قسمين:\nأحدهما: بين أصلين مختلفين.\nوالثاني: من أصل واحد. ثُمَّ يتنوع نوعين:\nأحدهما: في ضد حكمه، فيكون معارضةً صحيحةً.\nوالثاني: في عين حكمه، ولكن يتعذَّر الجمع بينهما.","vol":"1","page":339},{"text":"فما كان بين أصلين مختلفين، فهو الأصل في المعارضات.\nمثاله: طهارة الوضوء حكميَّةٌ، فتفتقر إلى النية؛ قياسًا على التَّيَمُّم.\nفيقول المعارض: طهارة بالماء، فلا تفتقر إلى النية؛ قياسًا على إزالة النَّجاسة، فلا بُدَّ عند ذلك من الترجيح.\nوأما ما كان من أصل واحدٍ على الضّدّ، فضربان:\nأحدهما: أن يجعل الأصل الواحد بينهما معنيين مختلفين.\nوالثاني: أن يجعل نفس ما علل به معنى له.\n* فالأول كقوله: لما كان عدد الأقراء معتبرًا بالمرأة، وجب أن يعتبر بها عدد الطلاق؛ لأنَّ البينونة متعلقة بها.\nفيعارضه بأنه يجب أن يعتبر بالفاعل؛ قياسًا على العدة.\n* وفي الثاني يقول: نفس هذا المعنى يدلُّ على أنَّ الاعتبار بالفاعل؛ كالعدة. قال - أي إلكيا -: وأما معارضة الفاسد بالفاسد فهل تجوز؟\n- إن أمكنه إيضاح الفساد بجهةٍ أخرى، فلا معنى للمعارضة.\n- وإن كانت المعارضة أقرب إلى إيضاح الفساد، فلا يمنع منها.\nومثلها - أي إلكيا - بقول بعضهم: لا يصير مفرّطًا بتأخير الزكاة، فلا يلزم إخراجها إذا تلف المال أو مات.\nفيقال: ولا يجب عليه الزَّكاة بحال، من حيث إنه [لم يفرط] بتأخيرها،","vol":"1","page":340},{"text":"ولا تركها أصلا.\nقال - أي إلكيا -: وقد يعارض المحال بالمحال:\nكقول الحنفي: ما أدركه المأموم من صلاة الإمام، فهو آخر صلاته.\nفيقال له: لو جاز أن يكون آخر بلا أول، جاز أن يكون أول بلا آخر، ولو جاز أن يكون ماء لا نجس ولا طاهر، جاز أن يكون ماء نجس وطاهر؛ بناء على أنَّ القابل للضدين لا يخلو عن أحدهما.\nقال: وهذا النوع ليس بمعارضة حقيقةً، ولكن قصد به امتحان المذاهب. انتهى». «البحر المحيط» (٥/ ٣٤٢ - ٣٤٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-261>فصل في التعلُّق بمناقضات الخصوم</span>\nقال الزركشي: «لخصته من كلام إلكيا:\nلا خلاف أنه لا يجوز إثبات المذاهب إلا بدليل إجماعي، أو مستقل من أوضاع الشرع وفاقًا.\nولكن اختلفوا في التعلق بمناقضات الخصوم في المناظرة:\n* فذهب جماعة إلى جوازه، من حيث إنَّ المقصود من الجدل تضييق الأمر على الخصم، وإبانة استقامة أصله.\n* وفصل القاضي تفصيلًا حَسَنًا لا غبار عليه، فقال:","vol":"1","page":341},{"text":"- إن كانت المناقضة عائدةً إلى تفاصيل أصل لا يرتبط فسادها وصحتها بفساد الأصل بحال، بل الأصل إذا ثبت، استصحب حكمه على الفرع: فلا يجوز التَّعَلُّق بها، من حيث إنه لا يعود على المقصود.\nولئن قيل: فيها مقصود صحيح، وهو اضطرار الخصم إلى إبانة الحجة التي يعوّل الخصم عليها، فبه يتم النَّظَرُ.\nثُمَّ تكلم على المأخذ على هذا التدريج، وحينئذ فيجوز التعلق به، ولكن كلامنا فيما إذا علم أنَّ الفرع فاسد لفساد نظر الخصم فيه على الخصوص لا في الأصل، وهذا يعزُّ وجوده؛ ولكن إذا وجد، كان حكمه ما ذكرنا.\n- وإن كان التعلق بالفرع من قبل امتحان الأصل بسياقه، وعلم أنَّ الفرع من ضرورات الأصل: فيجوز التَّعَلُّق به وفاقًا.\nوسبب هذا التفصيل أنَّ الذي يُسأل عن مسألة فيفتي فيها؛ فلا بد له من نصب دليل على ما أفتى به، ولن يتحقق نصب الدليل على ذلك إلا بوجهين:\nأحدهما: الهجوم على ذكر الدليل والبحث عن المعنى، وهذا هو الأصل.\nوالثاني: أن ينقدح بإبطال مذهب الخصم إلى إثبات مذهبه إذا لم يكن في المسألة إلا مذهبان؛ أو اعترافًا بأن ما عدا المذهبين باطل. وإقرارهما على أنفسهما حُجَّةٌ». «البحر المحيط» (٥/ ٣٦٠).\n\n•<span data-type='title' id=toc-262> ما المطلوب من المعلل: إذا ذكر وصفا وقاس على أصل؟</span>\nإذا ذكر المعلل وصفًا وقاس على أصل؛ فهل عليه إثبات علة الأصل بطريقٍ","vol":"1","page":342},{"text":"من مسالك العلة، أم لا يجب عليه ويقال للسائل: إن أنت أثبت أنه ليس بصالح لإثبات الحكم بطل تعليله؟\nقال إلكيا: «فيه خلاف:\n* فصار صائرون إلى أنَّ ذلك على السائل من حيث إنَّ المعلل ذكر وصفا أصلا، فقد وُجد فيه حد القياس وركنه. والأصل أنَّ القياس حُجَّةٌ، وأَنَّ كلَّ وصف يربط الفرع بالأصل فهو حُجَّةٌ، وإنَّما يفسد لاختلال الشَّرائط، وهذا ليس بالعري عن التحصيل. ولو فرض التواطؤ عليه، لم يكن هذا.\nولكن الصحيح مع هذا أنَّ ذلك على المعلّل؛ فإنَّ عليه أن يأتي بما يظهر من مقصوده؛ ليخرج الكلام عن حد الدعوى بظهور مخيل. ثُمَّ القوادح على المعترض.\nوإذا عرف هذا؛ فلو ذكر معنى مناسبا، كفاه؛ وإن كانت المعاني منقسمةً إلى صحيح وفاسد؛ لأنَّ الأصل اعتبار المعاني التي لها أصول، والبطلان معارض؛ فإن ثبت أنَّ للأصل اعتبار أوصاف لها أصول؛ فإن لم تتحقق المناسبة؛ فالأمر في الوصف كذلك.\nوإنما يمكن ذلك بإثبات الطَّرد حُجَّةٍ وراء … الذي يقال فيه: إنَّ الحكم يدلُّ على الحكم، والأوصاف تدلُّ على الاجتماع في الطَّرد، والوصف عند مثبته يدل على الحكم في الفرع والأصل على السواء.\nفإن ثبت هذا، فالوصف المطلق كالمخيل. وقيل: لا بد من إبراز الإخالة والعرض على الأصول، تحقيقا لشرطه. «البحر المحيط» (٥/ ٣٦١).","vol":"1","page":343},{"text":"• التَّعَلُّقُ بِالْأَوْلَى\nنقل الزركشي عن الكيا ما نصه:\n«وهذا باب تنازعوا في تعيينه بعد اتفاقهم على أنَّ ما جمع معنى الشيء وأكثر منه، فهو أولى منه، وقد نطق القرآن بأمثاله:\nقال تعالى لمن اعتل عن التخلف بشدَّة الحر: ﴿وَقَالُوا لَا تَنفِرُوا فِي الْحَرِ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا﴾، يعني: فليتخلفوا عنها.\nوقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾؛ لأنَّ حقهم أوجب، ونعمتهم أعظم.\nوقال: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾، وقال: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾.\nوقال ﷺ: فدين الله أحق أن يُقضى.\nوقال العلماء: إذا حرم التأفيف، فالضرب أولى بالتحريم.\nوقال الشافعي: إذا جاز السَّلَمُ مؤجلًا، فهو حالا أجوزُ؛ وإذا وجبت الكفَّارة في الخطأ، ففي العمد أولى؛ وإذا قبلت شهادة الفاسق في أسوأ حاليه - أعني قبل التوبة - فبعد التوبة أولى.\nوأبو حنيفة يقول: وطء الزوج الثاني إذا كان يرفع الثلاث، فَلَأنْ يرفع [ما] دونها أولى.\nقال الطَّبَرِيُّ: والذي يجب أن يحصل أنَّ التعلق بعد إيضاح الإجماع في أصل المعنى؛ فإنَّ الترجيح زيادة في عين الدليل أو في مأخذه، وليس الأولى","vol":"1","page":344},{"text":"عين الدليل ولا ركنا منه، وإنَّما يتبين ذلك بشيء، وهو أنه إذا بان المعنى الحاضر (كذا) غيره، بطل التعلق، كقول أبي حنيفة ﵀: \"هدم الثلاث، فلأن يهدم ما دونه أولى\"؛ فإنَّا بَيَّنَّا أَلَّا هدم، وإذا امتنع القول بالهدم، فلا جمع.\nقال: ولسنا نرى في التعلق كثير فائدة من حيث إثبات الحكم.\nنعم، نبه على معنى الأصل، كما نطق به القرآن، فهو يرجع إلى التنبيه على العلة، وليس شيئًا زائدا». «البحر المحيط» (٦/¬١٦).\n\n•<span data-type='title' id=toc-263> الخلاف في حجية الاستصحاب</span>\nذكر الزركشي أن المذهب الرابع: «أنه يصلح للدفع، لا للرفع»، ونسبه لأكثر الحنفية، ثُمَّ نقل عن الكيا ما نصه:\n«ويعبّرون عن هذا بأنَّ استصحاب الحال صالح لإبقاء ما كان على ما كان، إحالة على عدم الدليل، لا لإثبات أمر لم يكن. وبنوا على هذا مسائل:\nمنها: ما لو شهد شاهدان أنَّ الملك كان للأب المدعي، والأب ميت؛ فإنَّها لا تقبل عند أبي حنيفة؛ لأنَّ الملك ثبت لا بهذه الشهادة، والبقاء بعد الثبوت إِنَّما يكون باستصحاب الحال، فيثبت دفعا عن المشهود عليه بحق الشهادة؛ فإنه كان أحد المدعيين. فأما لإيجاب حكم مبتدأ فلا، وملك الوارث لم يكن.\nوعلى هذا قالوا: المفقود لا يرث أباه، وإن كان الملك ذلك الملك بعينه؛ لأنَّ المالك غير الأول.\nقال: ونحن نسلّم لهم أنَّ دلالة الثبوت غير دلالة البقاء؛ لأنَّ أحدهما نص","vol":"1","page":345},{"text":"والآخر ظاهر، ولكن لا نقول: البقاء [ليس] لعدم المزيل، بل لبقاء الدليل الظاهر عليه. وهذا لا يجوز أن يكون فيه خلاف. انتهى». «البحر المحيط» (٦/¬١٩).\n\n•<span data-type='title' id=toc-264> صور استصحاب الحال</span>\nذكر الزركشيُّ في الصورة الرابعة من صور استصحاب الحال - وهو استصحاب الدليل مع احتمال المعارض - أنَّ جمهور الأصوليين على إثباته، ومنعه المحققون، منهم إمام الحرمين في البرهان. وإلكيا في تعليقه منع تسمية هذا النوع استصحابًا.\nثُمَّ نقل عنه الزركشيُّ ما نصه: «وهذا ليس بشيء؛ لأنَّ الدليل:\n* إما ألا يقتضي الدوام، كالمقيد بالمرَّة أو المطلق، وقلنا: لا يقتضي التكرار، فلا يرد على هذا النَّسْخ؛ لأنه قد تم بفعل مرَّةٍ واحدة.\n* وإما أن يدل على التقرير والبقاء نصًّا، كقوله: افعلوه دائما أبدا، وهو في الاستمرار ظاهر. فهما دليلان: نص في الثبوت وظاهر في الاستمرار. فهذا هو الذي يرد عليه النَّسْخ.\nوأبو زيد أطلق، وأصاب في قوله: دليل الثبوت غير دليل البقاء، وأخطأ في قوله: دليل البقاء عدم المزيل، فهذا ليس من الاستصحاب في شيء. انتهى». «البحر المحيط» (٦/¬٢١).\n• من صور استصحاب الحال: استصحاب الحكم الثابت في محل الخلاف\nقال الزركشي: «ونقل إلكيا عن الأستاذ أبي إسحاق أنه استدل على النكاح بلا ولي بأن الأصل في الأبضاع التحريم؛ فمَن ادعى ما يبيح، فعليه الدليل.","vol":"1","page":346},{"text":"قال: وهذا ليس بشيء؛ فإنَّه يقال: الأصل التحريم: قبل وجود أصل النكاح أو بعده؟\nإن قلت: قبله، فمسلم، أو بعده: فهو محل النزاع، ويُمكن أن يجعل ذلك معارضةً لكلامه». «البحر المحيط» (٦/¬٢٣).\n• الاحتجاج بقول الصحابي\nقال الزركشي: «وقال إلكيا: إن لم يُعرف له مخالف: فهو موضع الخلاف.\nفإذا اختلفوا فلا شك أنَّه لا حُجَّةَ فيه.\nوقيل: يُحتج بأقوالهم وإن اختلفت على تقدير اتباع قول الأعلم منهم، وبه قال الشافعي في رسالته القديمة؛ لأنَّه جوز تقليد الصحابي، وقال: إن اختلفوا: آخذ بقول الأئمة أو بقول أعلمهم بذلك، ورجحه على القياس المخالف له.\nقال إلكيا: وإن لم يكن بد من تقليد الصحابة، فالواجب ألا يفصل بين أن يختلفوا أو لا؛ لأن فقد معرفة الخلاف لا ينتهض إجماعًا. وفي جواز تقليد العالم من هو أعلم منه خلاف؛ رأى محمد بن الحسن جوازه، وإن لم ينقل عنه وجوب ذلك.\nقال: ثُمَّ مذهب الشافعي قديمًا وجديدًا اتباع قضاء عمر ﵁ في تقدير دية المجوسي بثمانمائة درهم، وتغليظ الدية بالأسباب الثلاثة اتباعا لآثار الصَّحابة. واختلف الأصحاب في سبب ذلك:\n* فقيل: لأنَّ الواقعة اشتهرت وسكتوا، وذلك دليل الإجماع.","vol":"1","page":347},{"text":"* وقيل: لأنه يرى الاحتجاج بقول الصحابي إذا خالف القياس من حيث لا محمل له سوى التوقيف. قال - أي إلكيا -: ويظهر هذا في التابعي إذا علم مسالك الأحكام وكان مشهورًا بالورع لا يميل إلى الأهواء، إلا أن يلوح لنا في مجاري نظره فساد في أصل له عليه بنى ما بنى». «البحر المحيط» (٦/ ٦٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-265> اختلاف الحنفية في حقيقة الاستحسان</span>\nنقل الزركشي عدة أقوال في حقيقته، ثُمَّ قال في القول الخامس:\n«قال إلكيا: وهو أحسن ما قيل في تفسيره: ما قاله أبو الحسن الكرخي أنَّه قطع المسائل عن نظائرها لدليل خاص يقتضي العدول عن الحكم الأول فيه إلى الثاني، سواء كان قياسًا أو نصا، يعني أنَّ المجتهد يعدل عن الحكم في مسألة بما يحكم في نظائرها إلى الحكم بخلافه، لوجه يقتضي العدول عنه، كتخصيص أبي حنيفة قول القائل: مالي صدقة على الزَّكاة؛ فإنَّ هذا القول منه عام في التصديق بجميع ماله. وقال أبو حنيفة: يختص بمال الزكاة، لقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾، والمراد من الأموال المضافة إليهم أموال الزكاة، فعدل عن الحكم في مسألة المال الذي ليس هو بزكوي بما حكم به في نظائرها من الأموال الزكوية إلى خلاف ذلك الحكم، لدليل اقتضى العدول، وهو الآية». «البحر المحيط» (٦/ ٩١).","vol":"1","page":348},{"text":"<span data-type='title' id=toc-266>التعادل والترجيح</span>\n•<span data-type='title' id=toc-267> التعادل بين الدليلين القطعيين والظَّنَّيين</span>\nقال الزركشي:\n* «التعادل بين الدليلين القطعيين المتنافيين ممتنع اتفاقًا، سواء كانا عقليّين، أو نقليّين، وكذلك بين القطعي والظَّنِّي؛ لتقدم القطعي؛ لأنه لو وقع، لاجتمع النقيضان أو ارتفعا، وهذا فيه أمران:\nأحدهما: أنه بناء منهم على أن العلوم غير متفاوتةٍ؛ فإن قلنا بتفاوتهما: اتّجه الترجيح بين القطعيات؛ لأن بعضها أجلى من بعض.\nثانيها: أنه بالنسبة إلى ما في نفس الأمر. وأما في الأذهان: فجائز؛ فإنَّه قد يتعارض عند الإنسان دليلان قاطعان بحيث يعجز عن القدح في أحدهما، وقد ذكروا هذا التفصيل بالنسبة إلى الأمارتين، فليجئ مثله في القاطعين.\n* وأما التعادل بين الأمارتين في الأذهان فصحيح. وأما في نفس الأمر على معنى أنه ينصب الله تعالى على الحكم أمارتين متكافئتين في نفس الأمر بحيث لا يكون لأحدهما مرجح، فاختلفوا فيه:\nفمنعه الكرخي وغيره، وقالوا: لا بُدَّ أن يكون أحد المعنيين أرجح، وإن جاز خفاؤه على بعض المجتهدين، ولا يجوز تقدير اعتدالهما. قال إلكيا: وهو الظاهر من مذهب عامة الفقهاء (^١).\n_________\n(^١) كذا في البحر والسياق يقتضي أن هناك كلاما ساقطا هو القول الثاني.","vol":"1","page":349},{"text":"قال إلكيا: وهو المنقول عن الشافعي، ثُمَّ اختار إلكيا قول الكرخي، ونقله عن إمام الحرمين، وقال: إنَّه قطع به.\nقال: والاستحالة متلقاة من العادة المطردة، وما نقله عن الشافعي:\n- إن كان من جهة قوله بالقولين في مسائل كثيرة: فلا يدلُّ؛ لأنَّه تعادل ذهني، ولا نزاع فيه.\n- وإن كان من جهة قوله في البينتين: فالمأخذ مختلف، بل نص على الامتناع في الرسالة، فقال في باب علل الأحاديث: ولم نجد عنه ﷺ حديثين نُسِبا للاختلاف فكشفناه إلا وجدنا لهما مخرجًا، وعلى أحدهما دلالة بموافقة كتاب أو سُنَّة، أو غيره من الدَّلائل. انتهى». «البحر المحيط» (٦/ ١١٣).\n\n•<span data-type='title' id=toc-268> تعارض الدليلين عند المجتهد</span>\nنقل الزركشي عنه من كتابه التلويح في مسألة: إذا تعارض دليلان عند المجتهد وعجز عن الترجيح ولم يجد دليلا آخر، بأنه نقل الخلاف فيها، واختار قول الكرخي، وهو أنه لا بُدَّ وأن يكون أحد المعنيين أرجح، ولا يجوز تقدير اعتدالهما. «سلاسل الذهب» (ص ٤٣٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-269> معنى الترجيح</span>\nنقل الزركشي عن الكيا ما نصه:\n«الترجيح إظهار الزيادة لأحد المثلين على الآخر وضعًا، لا أصلًا؛ مأخوذ من رجحت الوزن، إذا زدت جانب الموزون حتى مالت كفته. ولو أفردت الزيادة على الوزن لم يقم بها الوزن في مقابلة الكفّة الأخرى». «البحر المحيط» (٦/ ١٣٠).","vol":"1","page":350},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-270> الترجيح إذا كان مع أحد الخبرين قياس</span>\nبعد أن ذكر الزركشي الشرط الرابع - وهو أن يترجح بالمزية التي لا تستقل ـ، حكى الخلاف في أنَّه: هل يجوز الترجيح بالدليل المستقل؟ ثُمَّ قال: وانبنى على هذا الخلاف في هذا الأصل مسائل كثيرة:\n* منها: أنه [إذا] انضم إلى أحد الخبرين قياس، فنقل عن الكيا ما نصه: إن كان مع أحدهما قياس، وفي الجانب الآخر مزيد وضوح - كزيادة الرواة والعدالة ـ، فيحتمل أن يُعمل بالقياس؛ لاستقلاله. ويحتمل خلافه من جهة أنَّ القياس حُجَّةٌ ضرورةً عند فقد النّصّ، ودلالة النّص ثابتة في أحد الجانبين؛\nإلَّا أن يقال: إنَّها ضعفت بالتعارض، والقياس مستقل فيتعارض النَّظرانِ.\nقال: والأشبه بمذهب الشافعي تقديم الخبر الراجح.\nثُمَّ حكى قولًا أنه كالحكم قبل ورود الشريعة، فيجيء فيه الخلاف المشهور». «البحر المحيط» (٦/ ١٣٨ - ١٣٩).\n\n•<span data-type='title' id=toc-271> الترجيح بين الكثرة والعدالة في الإسناد</span>\nقال الزركشي ضمن الحديث عن الترجيح بكثرة الرواة:\n«لو تعارضت الكثرة من جانب، والعدالة من جانب آخر؛ ففيه احتمالان لإلكيا:\nأحدهما: ترجيح الكثرة؛ لقربها من المستفيض والتَّواتر.\nوالثاني: ترجيح العدالة؛ فإنَّه رُبَّ رجل يعدل ألفَ رَجُلٍ في الثقة، ونعلم","vol":"1","page":351},{"text":"أنَّ الصحابة كانوا يقدمون رواية الصدّيق على رواية عدد من أوساط النَّاس.\nقال: وهذا لا نجد له مثالًا من النَّصّ؛ فإنَّ الذي أورده كثير من العلماء يحتمل التأويل، كتعارض الأخبار في القراءة خلف الإمام، وتعارض الأخبار في الأذان للصبح قبل الوقت. وللقياس مجال وراء الخبر. وإن وجدنا مثالًا، فحكمه ما ذكرنا». «البحر المحيط» (٦/ ١٥١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-272> عدم اعتبار الذكورية في الترجيح في الإسناد</span>\nونقل في باب ترجيح الأخبار في مسألة: الترجيح بحسب الراوي ما نصه:\n«وحكى إلكيا الطَّبَرِيُّ الاتفاق عليه، فقال:\nاعلم أنَّنا لا ننكر تفاوتا بين الذكور والإناث في جودة الفهم، وقوة الحفظ، ومع هذا كله لم يقل أحدٌ: إنَّ رواية الرجال مرجحة على رواية النساء.\nولم نر أحدًا من المتقدمين ذكره مع استقصائهم وجوه الترجيح، وكأنَّ المانع من ذلك أنَّ الذي يقتضي الترجيح يجب رجوعه إلى عين ما وقع الاحتجاج به ويظهر به التفاوت بين المتعارضين.\nوالتفاوت بين الذكور والإناث في قوة الحفظ أمر كلي، يرجع إلى الجنس، كما يقال: الفرس أعقل، وهذا النوع لا يظهر رجوعه إلى آحاد الجنس، فلا يمتنع في التفاصيل، وقد يُفرض امرأة أضبط من الرجل أو أحفظ؛ فإذا لم يظهر التفاوت في عين الجنس، لم يُنظر إلى الجنس، وإنَّما يُنظر إليه في تمهيد الصواب، وذلك في الشرع، كما فعل في شهادة النّسوة مع الرجال، وهذا مقطوع به لا ريب فيه، انتهى. تشنيف المسامع (٣/ ٦٩٤ - ٦٩٥). وانظر: «البحر المحيط» (٦/ ١٥٩).","vol":"1","page":352},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-273> من المرجحات في كيفية الرّواية: اتفاق رُواة أحد الحديثين</span>\nقال الزركشي ضمن حديثه عن المرجح السادس - وهو أن يختلف رواة أحد الحديثين، ويتفق رواة الآخر: «ومثله إلكيا بحديث وائل: «أنه ﵊ كان يضع ركبتيه، ثُمَّ يديه، ثُمَّ جبهته وأنفه»، ولم يختلف الرواة عنه.\nفذهب الشافعي إليه، وروي حديث أبي هريرة مثل ذلك. وروي عنه النَّهْيُ عن البروك برك الإبل في الصَّلاة، أي وضع الركبتين قبل اليدين، فقال الشافعي: حديث وائل انفرد من المعارضة، فهو أولى من حديث أبي هريرة، وحديثه قد عاضدته إحدى روايتي أبي هريرة فهو أولى.\nقال: ويدخل في هذا: نكاح المحرم، وتخيير بريرة، وغير ذلك. وهو راجع إلى الترجيح بكثرة العدد.\nقال: ومما يقارب هذا، ما نُقل عن الشافعي في ترجيح أحد الخبرين على الآخر، إذا كان مثل معنى أحدهما منقولًا بألفاظ مختلفةٍ من وجوه، كرواية وابصة بن معبد في الصلاة خلف الصَّفّ: أعد صلاتك، فإنَّه لا صلاة لمنفرد خلف الصَّفّ، وروى الجمهور أنَّ أبا بكر وقف بين النبي ﷺ وبين الناس، فكان يُؤْذِنهم بتكبير النبي ﷺ. وروى من وجه آخر: أنَّ أبا بكرة أحرم خلف الصف، ثُمَّ تقدم فدخل فيه، ولم يأمره بإعادة. ووقف أعرابي على يسار الرسول، فأداره عن يمينه. وروي: أنَّه ﵊ أم أنسًا وعجوزًا منفردةً خلف «أنس»، فتُقدَّم على رواية وابصة. وهو يرجع أيضًا إلى الترجيح بكثرة العدد». «البحر المحيط» (٦/ ١٦١)","vol":"1","page":353},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-274> القول في الترجيح من جهة المتن</span>\n*<span data-type='title' id=toc-275> الترجيح بحسب اللفظ:</span>\nقال الزركشي: «ثانيها: يُرجّح الخاص على العام. قال إلكيا: والفقه على ذلك يدور، كقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾، ثُمَّ رُوي أنه نهى عن نكاح المتعة، والشَّغار، والمحرم، ونكاح المرأة على عمتها، والنكاح بلا ولي وشاهد.\nوقال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبوا﴾، ثُمَّ نهى عن بيع الغرر، والحصاة، وبيعتين في بيعة، وبيع وسلف.\nوقال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَى﴾ الآية، ثُمَّ نهى عن أكل ذي ناب من السباع، ومخلب من الطير.\nولئن حمل حامل النهي على التنزيه بدلالة العموم: وجد مقالا، ولكن يقال: الخاص يقضي على العام؛ فإنَّ الخاص أقرب إلى التعيين من الجملة؛ إذ لا يبعد أن يقصد بها تمهيد الأصول». «البحر المحيط» (٦/ ١٦٥). وانظر: (٦/ ١٦٦) من نفس الكتاب.\n\n•<span data-type='title' id=toc-276> من المرجحات: المقصود به بيان الحكم:</span>\nنقل الزركشي عن إلكيا ما نصه: «ومنه قوله: في سائم الغنم زكاة، مع قوله: في أربعين شاة شاة، وكذلك: ليس فيما دون خمسة أوسق من الورق صدقة، مع قوله: في الرقة ربع العشر، فيحمل الأمر على بيان المزكى والزكاة، لا على ما لم ينقل له الخبر، ولم يدل عليه المسموع، ذكره إلكيا. ثُمَّ قال:\nنعم؛ قد يرد على صورة البيان وإن لم يكن بيانًا حقا، كقوله في حديث","vol":"1","page":354},{"text":"ماعز: أشهدت على نفسك أربعًا؟ وفي لفظ: أنت تشهد؟ وأنَّه ردّده؛ فقال أهل العراق: إنَّه لما ردَّده مرارًا، ثُمَّ قال: أشهدت على نفسك أربعًا، دلّ على أن قوله: فإن اعترفت فارجمها، أي اعترفت أربعًا.\nفقلنا: لم يكن التَّردُّد والرَّدُّ لأنَّه لا يجب الحد بالاعتراف الأول، ولكن لم يُفصح أولًا بما يلزمه الحد، ورأى فيه دلائل الخبل والجنون، ولذلك قال: لعلك لمست، وسأل عن النُّون والكاف، فقلنا في مثل ذلك: رواية ماعز مقدمةٌ.\nوقلبوا الأمر، فلم يجعلوا البيان في القسم المتقدم معتبرًا، قدموا العموم عليه، وقدموا البيان على العموم هاهنا.\n* ومن هذا اختلاف الرّوايات في سجود السهو قبل السلام وبعده، فكان ما رواه الشافعي أولى؛ لأنَّ فيما رواه: واسجد سجدتي السهو قبل السلام؛ فإن كان أربعًا، فالسجدتان كانتا ترغيما للشيطان؛ وإن كان خمسا شفعتها بالسجدتين، فذكر الترغيم، والشفع لا يكون مع الفصل والتَّخلُّل، فكان ما نقلناه إيماءً إلى بيان السبب على ما ردده.\nوله وجه آخر من الترجيح، وهو ورود الأمر والفعل، ونقلوا الأمر فقط، والأمر أبين من الفعل الذي يمكن تقدير اختصاصه برسول الله ﷺ». «البحر المحيط». (٦/ ١٦٨ - ١٦٩)\n\n•<span data-type='title' id=toc-277> الترجيح بالاحتياط</span>\nنقل الزركشي ضمن المسألة الثانية - وهي أن يكون أحدهما أقرب إلى الاحتياط بأن يقتضي الحظر، والآخر الإباحة ــ، عن إلكيا ما نصه:","vol":"1","page":355},{"text":"* «إن كانت الإباحة هي الأصل؛ فالحظر أولى، وهذا ليس من المتعارض، فنقدم الإباحة على طريان الحظر، فكان الإباحة في حكم المنسوخ».\n* وإن كان الحظر هو الأصل؛ فالأخذ بالإباحة أولى.\n* أما إذا تعارضا ولم يُعلم أصل أحدهما؛ فهو موضع التَّوقُّف:\n- فذهب عيسى بن أبان إلى أنَّ الحظر يُرجَّح، وقيل: إنَّه مذهب الكرخي؛ لأنَّ الحرام يُغلَّب.\n- وقال أبو هاشم: يستحيل ورود الخبرين في الحظر والإباحة، ولا يمكن تقدير المستحيل.\nثُمَّ قال إلكيا: والحقُّ ما قاله أبو هاشم، [إلا] إذا أمكن من تعارضهما من هذا الوجه (كذا)، والرجوع إلى وجه آخر في الترجيح؛ إمَّا من حيث الاحتياط إذا أمكن القول به في الترجيح على ما بيَّناه، أو بوجه آخر قدَّمناه». «البحر المحيط» (٦/ ١٧١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-278> الترجيح بحسب الأمور الخارجية</span>\n* منها: اعتضاد أحد الخبرين بقرينة الكتاب:\nنقل الزركشيُّ تحرير إلكيا لمذهب الإمام الشافعيُّ، قائلا: «قال إلكيا: وما ذكره الشافعيُّ أوجه في مطرد العادة والعرف، ولا يظهر للمسألة فائدة في الحكم، وإنما الخلاف في الطريق، وهذا الخلاف بين الشافعيُّ والقاضي فيما يرجع إلى النص.\n- أمَّا إذا تعارض ظاهران، واعتضد أحدهما بقياس، فلا شك أنَّ الذي لم يتجه فيه تأويل متأيد للقياس لا يبالى به.","vol":"1","page":356},{"text":"- ولو تعارض قياسان عاضدان للتأويل، وأحدهما أجلى: قُدّم الأجلى.\n- ولو تعارض ظاهرانِ أو نصَّانِ، وأحدهما أقرب إلى الاحتياط: فالقاضي يرى تعارضهما أخذا ممَّا تقدَّم؛ والشَّافعي يرى تقديم الأحوط؛ لأنه أقرب إلى مقصود الشارع، كرواية خوات مع ابن عمر، وكإحدى الآيتين إذا تضمنت إحداهما تحليلا، والأخرى تحريمًا. وقد قال عثمان: أحلتهما آيةٌ، وحرمتهما آيةٌ. فلا يتجه في ذلك إلا الحكم بالاحتياط». «البحر المحيط» (٦/ ١٧٦ - ١٧٧).\n* ومنها: أن يكون أحدهما عليه عمل أكثر أهل السلف:\nقال الزركشي: «قال إلكيا: والذي قاله المحققون أنَّا:\n* إن تحققنا بلوغ الحديثين الصحابة وخالفوا أحدهما؛ فمخالفة الصحابة للحديث قادحة فيه، سواء عارضه غيره أم لا، وفيه خلاف.\n* وإن لم يتحقق بلوغ الحديث إيَّاهم؛ فالشافعي يرجح به، وفيه نظر على الجملة؛ فإنَّ الحديث الآخر إذا لم يبلغهم، لم يكونوا مخالفين له حتّى يقال: لعلهم عملوا بناسخ؛ إلا أن يقال: ما عملوا به مُدَّة عمرهم يدلُّ على أنه الأصح والأوضح». «البحر المحيط» (٦/ ١٧٨).\n* ومنها: موافقة الخبر لعمل أهل المدينة:\nذكر إلكيا الطَّبَرِيُّ هذا الترجيح بالنسبة إلى الرواية، فقال:\n«حديث يُنقل بمكة، وآخرُ يُنقل بالمدينة؛ تُقدَّم رواية المدينة من حيث إنَّ الهجرة تراخت، وإن اتفقت له غزوات إلى مكة». انظر: «تشنيف المسامع» (٣/ ٧١٨).","vol":"1","page":357},{"text":"<span data-type='title' id=toc-279>فَصْلٌ في المجتهد من القدماء، ومن الذي حاز الرتبة منهم</span>\nقال الزركشيُّ: ذكره إلكيا، وهو فصل عظيم النفع؛ فإنَّ مذاهبهم نُقلت إلينا، ولا بُدَّ من معرفة المجتهد منهم؛ ليُعلم من الذي تُعتبر فتواه، ومَن يقدح الإجماع مخالفته، ومن لا يقدح. قال:\n- اعلم أن الخلفاء الراشدين الأربعة، لا شك في حيازتهم هذه الرتبة.\n- وألحق بهم أهل الشورى الذين جعلهم عمر ﵃.\n- قال: وأما أبو هريرة؛ فقد مال الأكثرون إلى إخراجه عن أحزاب المجتهدين؛ لأنه لم يُنقل عنه التصدّي للفتوى، وإنما كان يتصدى للرواية.\n- وتوقف في ابن عمر ﵄؛ إذ لم يُنقل عنه التصدّي للفتوى.\n- وأما ابن مسعود، فكان فقيه الصحابة ومنتدبًا للفتوى.\n- وكذلك ابن عباس.\n- وزيد بن ثابت ممن شهد الرسول بأنه أفرض الأئمة، والمعتبر تصديه لهذا المعنى من غير نكير، أو شهادة الرسول، ومراجعة الأولين له.\nوبعد النزول عن هذه الطبقة العالية، للشافعي وقفة في الحسن وابن سيرين، ويقول فيهما: واعظ ومعبّر، ولم يرهما متصديين لهذا الشأن، والظاهر أنهما من المجتهدين؛ فإنَّهما كانا يفتيان، على ما قاله السلف. «البحر المحيط» (٦/ ٢١١).\nوقال الزركشيُّ بعد ذلك معقبًا: قلتُ: وما ذكره إلكيا في أبي هريرة تابع","vol":"1","page":358},{"text":"فيه القاضي؛ فإنَّه قال: إنَّه لم يكن مفتيًا، وإنما كان من الرواة، والصواب ما قاله ابن برهان، وقد ذكره ابن حزم في الفقهاء من الصحابة …». «البحر المحيط» (٦/ ٢١٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-280> جواز الاجتهاد من غير الأنبياء في زمانهم</span>\nكاجتهاد الصّحابة في عصر الرسول. وقد بين الزركشي أنَّ الكلام فيه في مقامين: الجواز، والوقوع.\n* أما الجواز:\n- فمنهم من منع منه مطلقا، ونُقل عن الجبائي وأبي هاشم. وهو ضعيف؛ لأنه لا يؤدي إلى مستحيل.\n- فإن أرادوا منع الشرع، توقف على الدليل، فهو مفقود.\n- ومنهم من جوزه مطلقا، وبه قال أكثر أصحابنا، كما نقله ابن فورك والقاضي أبو الطيب وغيرهما، ونقله إلكيا عن محمد بن الحسن …\n* وأما الوقوع؛ فاختلف المجوّزون فيه:\n- فمنهم من منعه؛ لقدرته على اليقين بأن يسأل النبي ﷺ\n- ومنهم من قال: وقع ظنَّا لا قطعا، واختاره الآمدي وابن الحاجب.\n- ومنهم من فصل بين الحاضر والغائب، فقال: وقع للغائب دون الحاضر. واختاره القاضي في التقريب، والغزالي، وابن الصَّباغ في العدة، وإليه ميل إمام الحرمين، ونقله إلكيا عن أكثر الفقهاء والمتكلمين. قال: «وهو أدخل في","vol":"1","page":359},{"text":"الاستقامة، وأميل إلى الاقتصاد من حيث تعذر المراجعة مع تأني الدار في كلّ واقعة». «البحر المحيط» (٦/ ٢٢٠ - ٢٢١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-281> تصويب المجتهدين في العقليات</span>\nقال الزركشي في مسألة: التصويب والتخطئة:\n«قال إلكيا الهراسي: ذهب العنبري إلى أنَّ المصيب في العقليات واحد.\n- ولكن ما تعلّق بتصديق الرُّسل وإثبات حدث العالم والصانع؛ فالمخطئ فيه غير معذور.\n- وأما ما يتعلق بالقدر والجبر وإثبات الجهة ونفيها؛ فالمخطئ فيه معذور، ولو كان مبطلا في اعتقاده بعد الموافقة في تصديق الرسل والتزام الملة، وبنى على ذلك أن الخلق ما كُلِّفوا إلَّا باعتقاد تعظيم الله وتنزيهه من وجه؛ ولذلك لم يبحث الصحابة عن معنى الألفاظ الموهمة للتشبيه علما منهم بأن اعتقادها لا يجر حرجا». انظر: «تشنيف المسامع»: (٤/¬٣٥)، وانظر: «البحر المحيط» (٦/ ٢٣٧ - ٢٣٨).\n\n•<span data-type='title' id=toc-282> تصويب المجتهدين في الظَّنِّيَّات</span>\nنقل الزركشي عن الكيا ما نصه: «انقسموا (^١) على قسمين: غلاة ومقتصدة.\n* فالغلاة افترقوا من وجهين:\nأحدهما: ذهب بعضهم إلى أنه يجوز لكل منها أن يأخذ بالتحريم والتحليل من غير اجتهاد إذا علم أنه يستدرك كل واحد منهم بالاجتهاد، ويأخذ بما يشاء.\n_________\n(^١) أي القائلون بأن الحق متعدد.","vol":"1","page":360},{"text":"وقال الأستاذ أبو إسحاق: هذا المذهب: أوَّله سفسطة، وآخره زندقة، أما السفسطة، فلكونه حلالًا حرامًا في حقّ كلّ واحدٍ؛ وأما الزندقة، فهو مذهب أصحاب الإباحة.\nوالثاني: ذهب بعضهم إلى أنَّ المطالب متعدّدة، فلا بد من أصل الاجتهاد، ولكن المطلوب من كل مجتهد ما يؤدي إليه الاجتهاد.\n* وأما المقتصدة فقالوا: كلُّ مجتهد مصيبٌ في عمله قطعا، ولا يُقطع بإصابة ما عند الله، وادعوا أنَّ في الآراء المختلفة حكمًا عند الله، هو أشبه بالصواب، وهو شوق المجتهدين ومطلوب الباحثين، وربَّما عُبّر عنه بأنَّه الحق والصواب؛ غير أنَّ المجتهد لم يُكلّف غير إصابته. وهذا القول [روي] عن أبي حنيفة نصا.\n* وأما القائلون بأن الحق في واحد فيما دل عليه دليل، والمجتهد مقصر بالنظر فيه والمصير إليه، ومن قصر في ذلك ولم يصر إليه؛ فإنَّه مخطئ فيه، ويختلف خطؤه على قدر ما يتعلق به الحكم، فقد يكون كبيرةً، وقد يكون صغيرةً. وهذا مذهب الغلاة، ومنهم الأصم والمريسي، وهو قول أصحاب الظواهر فيما طريقه الاستدلال.\nوقيل: في واحد منهما وعليه دليلٌ؛ إلَّا أنَّ المجتهد إذا لم يصل إليه لدقته وغموض طريقه، فهو معذور آثم، وهو قول أكثر أصحاب الشافعي، ونفر من الحنفية.\nوحكي عن الشافعي أنَّه قال في الفروع التي لها أصل واحد - وهو الذي يسمى طريق إثباتها: القياس الجلي، والقياس المعنى ـ؛ أنَّ المصيب فيها واحد،","vol":"1","page":361},{"text":"والفروع التي تتجاذبها أصول كثيرةٌ، ويسمى طريق إثباتها: قياس علية الأشباه: أنَّ كلَّ مجتهد فيها مصيبٌ، وهو الذي حكاه عنه المحصلون.\nوقال في بعض مجموعاته في جواب سئل عنه في قوله: إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد، أنه لو كان أحد القولين خطًا، لم يجز أن يُثاب عنه؛ لأنَّ الثَّواب لا يكون فيما لا يسوغ، ولا في الخطأ الموضوع.\nثم قال: لو كان خطأ، قصارى أمره أن يُغفر له، فكيف يطمع في الثواب على خطأ لم يصنعه. وقد تكررت ألفاظه في كتبه على موافقة ما حكيناه عنه من أنَّ كل مجتهد مصيب.\nوالفرق بين ما حكينا عن أبي حنيفة آخرًا وبين قول المخالف:\n- أنَّ أبا حنيفة يقول: إنَّ المجتهد لم يُكلف الأشبه، والذي هو الحق عند الله.\n- وهؤلاء يقولون أنَّه كُلّف إصابته، ولكنه يكون معذورا إن كان خطؤه صغيرا.\nواختلف القائلون باتحاد الحق في هذه المسائل:\n- فقيل: يُمنع من ورود التعبد في الفروع بالأحكام المتضادة.\n- وقيل: السمع هو الذي يمنع من ذلك. «البحر المحيط» (٦/ ٢٤٨ - ٢٤٩). وانظر: (٦/ ٢٤٩، ٢٥٢) من نفس الكتاب.\n\n•<span data-type='title' id=toc-283> تقليد المجتهد لمثله قبل الاجتهاد في الواقعة</span>\nقال الزركشي في المذهب السادس - وهو أنه يقلد من هو أعلم منه، ولا","vol":"1","page":362},{"text":"يقلد من هو مثله: «ونقله القاضي في التَّقريب، والروياني عن محمد بن الحسن، وكذا إلكيا. قال: وربَّما قال: إنَّهما سواءٌ، وعن هذا أوجب قوم تقليد الصحابة؛ لأنهم أعلم». «البحر المحيط» (٦/ ٢٨٦).\n\n•<span data-type='title' id=toc-284> التقليد في أصول الدين</span>\nنقل الزركشي عن إلكيا من تعليقته في مسألة: التقليد في أصول الدين إجماع أصحابه على أنَّ المقلدين مؤمنون، وإنما الخلاف في أنهم عارفون بالأدلة.\n«وإِنَّما قصرت عباراتهم عن أدائها، أو أنهم مؤمنون غير عالمين؛ فإنَّ العلم معرفة المعلوم على وجه لا يمكن الانفكاك عنه، وإذا جرت شبهة لا يرتاع لها، وهذا منتف في حقهم.\n* فإن قيل: كيف يكونون مؤمنين غير عارفين؟\n• قلنا: لأنَّ الله لم يوجب عليهم غير هذا القدر؛ فإنَّ النبي ﷺ كان يكتفي من الأعراب بالتصديق مع العلم بقصورهم عن معرفة النَّظَرِ والأدلة». «تشنيف المسامع» (٤/ ٨٦).\n\n•<span data-type='title' id=toc-285> حكم انتقال المقلّد من مذهب إلى آخر</span>\nقال الزركشي: «وقال الكيا - بعد أن قرر منع الانتقال: الواحد منا لا يأخذ بمذهب الصحابة إذا كان مقلّدًا، بل يأخذ بمذهب الشافعي أو غيره من أرباب المذاهب، من حيث إنَّ الأصول التي وضعها أبو بكر لا تفي بمجامع المسائل. وأما الأصول التي وضعها الشافعي وأبو حنيفة، فهي وافية بها. فلو قلنا بتقليد","vol":"1","page":363},{"text":"الصديق في حكم، لزم أن يُرجع إليه في حكم آخر، وقد لا يجده». «البحر المحيط» (٦/ ٢٩٠ - ٢٩١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-286> حكم البحث عن الأعلم في الاستفتاء</span>\nقال الزركشي:\n* «إذا لم يكن هناك إلَّا مُفت واحد، تعينت مراجعته.\n* وإن كانوا جماعة؛ فهل يلزمه النظر في الأعلم؟\nفيه وجهان:\nأحدهما: أنَّ عليه اجتهادًا آخر في طلبه؛ لأنه يتوصل إليه بالسماع من الثقات ولا يشق عليه، وصححه الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني، وإلكيا».\nثُمَّ قال الزركشي: «قال إلكيا: ويحتمل أن يقال: إنَّما يجب عند اختلاف الرأيين؛ فإن لم يظهر، فلا يجب الأفضل». «البحر المحيط» (٦/ ٣١١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-287> إعمال الخاطر في الترجيح بين المفتيين إذا تساويا في ظنه</span>\nقال الزركشي: «قال إلكيا: إن تساويا في ظنّه، ولا ترجيح؛ اختلف فيه:\n- فقيل: يحكم بخاطره، وهو قول أصحاب الإلهام.\n- وقيل: يتعين عليه التعليق بعلم الأدلة العقليَّة بتلك الواقعة؛ ليكون بانيًا على اجتهاد نفسه.\n- وقيل: يتوقف في ذلك». «البحر المحيط» (٦/ ٣١٥).","vol":"1","page":364},{"text":"ونقل أيضًا في مسألة: إذا أفتاه مجتهدان بحكمين مختلفين واستويا في ظنّه ولم يترجح أحدهما على الآخر؛ فقد حكى الخلاف في المسألة، وقال: «إنَّه يلتفت على أنَّ الإلهام أهو حُجَّةٌ أم لا؟\nفمن اعتبره: حَكَّم الخاطر، وإلا فلا». «سلاسل الذهب» (ص ٤٥٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-288> حكم التخير بين المذاهب في آحاد المسائل</span>\nقال الزركشي: «قال إلكيا: أما اتباع الشافعي أو أبي حنيفة على التّخيير من غير اجتهاد مع اختلاف مذاهبهم؛ فاختلفوا فيه:\n- فقيل: يجوز، كما يتبع مجتهدي العصر في آحاد المسائل.\n- وقيل: لا يجوز من حيث إمكان درك التناقض». «البحر المحيط» (٦/ ٣١٣).\n\n•<span data-type='title' id=toc-289> هل يجب على العامي أن يقلد مذهبًا معينا؟</span>\nنقل الزركشي عن الكيا أنه قال: «يجب عليه، ويلزمه أن يختار مذهبًا يقلّده في كل شيء، وليس له التمذهب بمجرد التشهي». انظر: «المجموع شرح المذهب» (١/ ٥٥)، «سلاسل الذهب» (ص ٤٥٤)، «تشنيف المسامع» (٤/ ٧٨).\n\n•<span data-type='title' id=toc-290> العامي إذا اتبع مجتهدًا ثُمَّ مات، وفي العصر مجتهد آخر</span>\nفقيل: عليه اتِّباعُ مَنْ عاصره؛ فإنَّ نظره أولى من نظر الميت. قال إلكيا: «وهذا ليس مقطوعًا به؛ فإنَّا نعلم أنَّ محمد بن الحسن من المجتهدين، وما كلّف الناس باتباع مذهبه بعد أبي حنيفة، فإذن؛ الاختيار مفوض إلى العامي في القبول». «البحر المحيط» (٦/ ٣٢٧).","vol":"1","page":365},{"text":"<span data-type='title' id=toc-291>القسم الثاني الاختيارات</span>","vol":"1","page":367},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-292> العلم الحاصل عقيب النَّظر؛ هل هو ضروري أم نظري؟</span>\nاختار إلكيا في مسألة العلم الحاصل عقب النَّظر أنَّه ضروري. «البحر المحيط» (١/¬٤٧).\n• هل تتفاوت العلوم؟\nاختار إلكيا الهراسي في كتاب الترجيح عدم تفاوت العلوم، وأنَّ التَّفاوت إنَّما هو بحسب المتعلقات. «البحر المحيط» (١/ ٥٥).\n• إذا ثبت الوجوب في شيء، ثُمَّ نُسخ الوجوب، فهل تبقى الإباحة أم لا؟\nاختار إلكيا أنَّه لا تبقى الإباحة التي تثبت في ضمن الوجوب، بل يرجع الأمر إلى ما كان قبله من تحريم أو إباحة، وصار الوجوب بالنسخ كأن لم يكن؛ إلا أن يأتي ما يدلُّ على الإباحة. «البحر المحيط» (١/ ٢٣٣).\n\n•<span data-type='title' id=toc-293> وجوب الصوم على أهل الأعذار</span>\nنقل الزركشي في معنى وجوب الصوم على الحائض حكاية إلكيا الطَّبَرِيِّ أنَّ وجوبه عليها بمعنى ترتبه في ذِمَّتها، لا وجوب أدائه؛ ولهذا يسمى ما تؤديه بعد الحيض قضاء. «البحر المحيط» (١/ ٢٤٠).\n\n•<span data-type='title' id=toc-294> هل المندوب مأمور به؟</span>\nنقل الزركشي عن الكيا اختياره بأنَّ المندوب ليس مأمورا به حقيقةً، بل مجازا. «البحر المحيط» (١/ ٢٨٦).","vol":"1","page":369},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-295> ثبوت المجاز في اللغة</span>\nنقل الزركشي عن الكيا الطبري أن الخلاف بين الأستاذ والجمهور لفظي؛ إذ هو لا ينكر استعمال الأسد للشجاع وأمثاله، بل يشترط في ذلك القرينة، ويسميه حينئذ حقيقةً، ولكن ينكر تسميته مجازًا. «البحر المحيط» (٢/ ١٨٠).\n\n•<span data-type='title' id=toc-296> الخلاف في تسمية المجاز بالنقصان مجازًا كقوله تعالى: «واسأل القرية»</span>\nيرى إلكيا أنَّ الخلاف في هذه المسألة لفظي، ولا خلاف في المعنى.\nوحاصل الخلاف: أنَّ المضمر؛ هل هو سبب التجوز أو محل التجوز؟ وطريقة البيانيين تقتضي الثاني. «البحر المحيط» (٢/ ٢٠٨).\n\n•<span data-type='title' id=toc-297> استعمال «إنما» في الحصر</span>\nنقل الزركشي موافقة إلكيا الطبري للقاضي في أنها ظاهرة في الحصر، وتحتمل التأكيد. «البحر المحيط» (٢/ ٣٢٥). وانظر: «تشنيف المسامع» (٢/ ٩٨).\n\n•<span data-type='title' id=toc-298> هل يجب العمل بالعام قبل البحث عن مخصص؟</span>\nنقل الزركشي عن إلكيا في المدارك أنه حكى الخلاف فيها، وأنه نقل موافقة ابن سريج لمن يقول إنه لا يسوغ اعتقاد العموم إلا بعد النظر في الأدلة. «البحر المحيط» (٣/¬٣٧).\n\n•<span data-type='title' id=toc-299> فرع مرتب على المسألة السابقة</span>\nوهو تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة:\n- فمن ذهب إلى الاقتضاء بنفس السماع، قال: لا يجوز أن يتأخر عنه بيان","vol":"1","page":370},{"text":"الخصوص إن كان ثَمَّ مراد.\n- ومن أبى المبادرة إلى الإمضاء جوزه. قال الزركشي: «وكذا قال إلكيا الهراسي». «البحر المحيط» (٣/¬٤٦).\n\n•<span data-type='title' id=toc-300> الفرق بين عموم الجمع وعموم اسم الجمع</span>\nنقل الزركشي عن إلكيا أنَّ الجمع ممّا يعم بصيغته ومعناه، واسم الجمع ممّا يعم بمعناه لا بصيغته. «البحر المحيط» (٣/ ٩٥).\n• القول في إفادة اسم الجنس لاستغراق الجنس إذا دخلت عليه «ال»، ولم يرد به معهود\nنقل الزركشي تصحيح إلكيا لهذا القول. «البحر المحيط» (٣/ ٩٨).\n• اللفظ العام؛ هل يُصرف عن عمومه إذا خرج على جهة المدح أو الذم؟\nنقل الزركشي خلاف العلماء على قولين، ثم نقل تصحيح إلكيا للقول بأنه لا يقتضي العموم. «البحر المحيط» (٣/ ١٩٥).\n\n•<span data-type='title' id=toc-301> نوع الخلاف في استثناء الأكثر</span>\nنقل الزركشي تصريح إلكيا بأنَّ العرب لم تستعمل استثناء الأكثر، وأنَّ الخلاف في المسألة لفظي. «البحر المحيط» (٣/ ٢٩٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-302> إثبات مفهوم الحال، وأنه مستقل عن مفهوم الصَّفَة</span>\nنقل الزركشي أنَّ إلكيا ذكر هذا المفهوم، وفصله عن مفهوم الصَّفَة، ومثل","vol":"1","page":371},{"text":"له بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾. «البحر المحيط» (٤/¬٤٤).\n\n•<span data-type='title' id=toc-303> تعليق الحكم بـ: «إنْ»</span>\nنقل الآمدي في مسألة: الحكم المعلق على شيء بكلمة (إن)، هل الحكم على العدم عند عدم ذلك الشيء أو لا؟ أنَّ إلكيا الهراسي يقول بأن الحكم على العدم مع عدم ذلك الشرط. «الإحكام في أصول الأحكام» (٤/ ١٤٥٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-304> هل قواعد أصول الفقه المتعلقة بالألفاظ تختص بكلام الشارع؟</span>\nنقل الزركشي في مسألة: أنَّ قواعد أصول الفقه المتعلقة بالألفاظ - كالعموم والخصوص وغير ذلك - هل تختص بكلام الشارع أو تجري في كلام الآدمي، أنه حكى الخلاف فيها، ثُمَّ قال بعدها: والرَّاجح الاختصاص. «تشنيف المسامع» (٢/ ٨٤).\n\n•<span data-type='title' id=toc-305> هل يجوز أن يجمع على شيء سبق خلافه؟</span>\nنقل الزركشي عن الكيا أن حدوث الإجماع بعد سبق الخلاف ــ بأن يختلف أهل العصر على قولين في مسألة لم يقع الإجماع منهم على أحدهما ـ، متفرع على جواز صدوره عن الاجتهاد. «البحر المحيط» (٤/ ٥٣٠).\n\n•<span data-type='title' id=toc-306> القياس من أصول الفقه</span>\nذكر الزركشي أنَّ القياس من أصول الفقه، أي: من أدلته، وأنه خالف في ذلك إمام الحرمين، والغزالي والكيا، ثُمَّ ذكر أنَّ مآخذهم مختلفة، فبين مأخذ إمام الحرمين والغزالي، ولم يذكر مأخذ إلكيا في النسخة التي بين أيدينا. «البحر المحيط» (٥/¬٢٧).","vol":"1","page":372},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-307> اختلفوا في المعلول ما هو؟</span>\nنقل الزركشي عن الجمهور أنَّ المعلول هو الحكم، لا نفس المحكوم فيه، كالمدلول حكم الدليل، وكذا المعلول حكم العلة، وحكاه الشيخ أبو إسحاق وسليم عن أبي بكر القفال وصححاه، وكذا الكيا الطَّبَرِيُّ. «البحر المحيط» (٥/ ١٢١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-308> انقسام العلَّة باعتبار عملها في الابتداء والدوام</span>\nقسم الزركشي هذه المسألة إلى ثلاثة أقسام، فذكر في الثاني منها: ما تكون عِلَّةً للابتداء دون الاستدامة، كالعِدَّة والرَّدَّة، هما عِلتان في منع ابتداء النكاح دون استدامته، ثُمَّ بين الزركشي أنَّ إلكيا وغيره من الأصوليين أثبتوا هذا القسم. «البحر المحيط» (٥/ ١٧٣).\n\n•<span data-type='title' id=toc-309> اشتراط الوصف المومًا إليه للحكم في أقسام الإيماء والتنبيه</span>\nذكر الزركشي أنَّ إلكيا اختار القول بعدم الاشتراط. «البحر المحيط» (٥/ ٢٠٣).\n• الاختلاف في التعليل بالدوران، وهو المسمى بالطَّرد والعكس\nوأصل الخلاف - كما قال إلكيا - مبني على جواز تعليل الحكم الواحد بعلتين، ووجهه أنَّه من جوز ذلك، لا يشترط العكس؛ لجواز أن تخلف العلة السببية على عِلَّةٍ أخرى؛ ومَن منع اشتراطه؛ لأنَّه لا يجوز أن تخلف العلة السببية علة أخرى، فلا بُدَّ إِذَنْ من انتفاء الحكم. «سلاسل الذهب» (ص ٣٨٧ - ٣٨٨).\n• إذا قال الفقيه: بحثتُ وفحصت، فلم أظفر بالدليل؛ هل يقبل منه ويكون الاستدلال بعدم الدليل؟\nقال الزركشي: «قال ابن برهان في الأوسط:","vol":"1","page":373},{"text":"* «إن صدر هذا عن المجتهد في باب الاجتهاد والفتوى قبل منه،\n* أو في محل المناظرة: لا يُقبل؛ لأن قوله: \"بحثت فلم أظفر \" يصلح أن يكون عذرًا بينه وبين الله تعالى؛ أما انتهاضه في حق خصمه فلا؛ لأنه يدعو نفسه إلى مذهب خصمه. وقوله: \"لم أظفر به \" إظهار عجز، ولا يحسن قبوله، فيجب على خصمه إظهار الدليل إن كان.\nوهذا التفصيل هو حاصل ما ذكره إلكيا - على طول فيه ـ، بعد أن قيد الجواز عدم التعلق بالدليل بشرط الإحاطة بمآخذ الأدلة؛ إما من جهة العبارة أو غيرها، كقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ﴾، فجعل عدم الوحي في الأمر دليلا؛ إذ هو عالم بالعدم». «البحر المحيط» (٦/¬٣٦ - ٣٧).\n\n*<span data-type='title' id=toc-310> هل يجوز أن يقول الله لنبيه: «احكم فإنك لا تحكم إلا بالحقِّ»؟</span>\nقال الزركشي: «يجوز أن يقال لنبي أو مجتهد: احكم بما شئت من غير اجتهاد فهو صواب، أي فهو حكمي في عبادي؛ إذا علم أنه لا يختار إلا الصواب، ويكون قوله إذ ذاك من جملة المدارك الشرعية، ويسمى: التفويض، قاله القاضي في التقريب، وتبعه جماعةٌ؛ منهم إلكيا». «البحر المحيط» (٦/¬٤٨).\n\n*<span data-type='title' id=toc-311> نقل المذاهب في مسألة حكم التعادل في نفس الأمر</span>\nالتعادل الذهني حكمه: الوقف، أو التساقط، أو الرجوع إلى غيرهما.\nوأما التعادل في نفس الأمر؛ فإن قلنا بالجواز وتعادلا، وعجز المجتهد عن الترجيح وتحير ولم يجد دليلا آخر؛ فاختلفوا على مذاهب:\nأحدها: أنه يتخير، وبه قال الجُبَّائي وابنه أبو هاشم، قال إلكيا: «وسويا في","vol":"1","page":374},{"text":"ذلك بين تعارض الخبرين والقياسين». «البحر المحيط» (٦/ ١١٥).\nوالثاني: التساقط كالبينتين إذا تعارضتا، ويُطلب الحكم من موضع آخر، ويُرجع إلى العموم أو إلى البراءة الأصلية، نقله إلكيا عن القاضي. «البحر المحيط» (٦/ ١١٥).\nوالتاسع: أنه كالحكم قبل ورود الشرع، فتجيء فيه الأقوال المشهورة، حكاه الكيا الطَّبَرِيُّ. «البحر المحيط» (٦/ ١١٦).\n\n•<span data-type='title' id=toc-312> الترجيح بين العلل</span>\nقال الزركشي: «إذا كانت إحدى العلتين ناقلةً عن حكم العقل، والأخرى مقررة على الأصل:\n- فالناقلة أولى على الصحيح، كما قاله الغزالي، وابن السمعاني، وغيرهما؛ لأنَّ الناقلة أثبتت حكمًا شرعيا، والمقررة ما أثبتت شيئًا.\n- ومنهم من قال: المبقية أولى، لاعتضادها بحكم العقل المستقل بالنفي لولا هذه العلة.\n… قال الأستاذ أبو منصور: ذهب أكثر أصحابنا إلى ترجيح الناقلة عن العادة، وبه جزم الكيا». «البحر المحيط» (٦/ ١٩١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-313> شروط المجتهد الفقيه</span>\nنقل الزركشي ضمن شروط المجتهد الفقيه عن إلكيا أن يكون فيه الفطنة والذكاء؛ ليصل بهما إلى معرفة المسكوت عنه من أمارات المنطوق؛ فإن قلت","vol":"1","page":375},{"text":"فيه الفطنة والذكاء: لم يصح.\nوقال أيضا: «وشرط الأستاذ أبو منصور، والغزالي، وإلكيا، وغيرهم العدالة بالنسبة إلى جواز الاعتماد على قوله. قالوا: وأما هو في نفسه إذا كان عالما، فله أن يجتهد لنفسه، ويأخذ باجتهاده لنفسه؛ فالعدالة شرط لقبول الفتوى، لا لصحة الاجتهاد». «البحر المحيط» (٦/ ٢٠٤).\n\n•<span data-type='title' id=toc-314> توجيه مذهب القاضي في تسمية قبول العامي قول العالم تقليدًا</span>\nنقل إلكيا توجيهه لقول القاضي أبي بكر في أن قبول العامي قول العالم ليس بتقليد؛ لأنه يستند إلى حُجَّةٍ قاطعة - وهو الإجماع ـ، حيث قال: «وهو متجه والأمر فيه قريب». «سلاسل الذهب» (ص ٤٣٩).\n• من قلد بعض الأئمة، ثُمَّ ارتفع قليلًا إلى درجة الفهم والاستبصار؛ فإذا رأى حديثا محتجا به يخالف رأي إمامه وقال به قوم، فهل له الاجتهاد؟\nقال الزركشي: «وفي ذلك أطلق إلكيا الطَّبَرِيُّ، وابن برهان في الوجيز أنَّه يجب عليه الأخذ بالحديث؛ لأنَّه مذهب الشافعي، فقد قال: إذا رأيتم قولي بخلاف قول النبي ﷺ، فخذوا به، ودعوا قولي». «البحر المحيط» (٦/ ٢٩٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-315>الإفتاء بالحديث</span>\n• قال الإمام النووي: «صح عن الشافعي ﵀ أنه قال: إذا وجدتم في كتابي خلاف سُنَّةِ رسول الله ﷺ، فقولوا بسنة رسول الله ﷺ، ودعوا قولي …\nوقد عمل بهذا أصحابنا في مسألة: التثويب واشتراط التحلل من الإحرام","vol":"1","page":376},{"text":"بعذر المرض وغيرهما، مما هو معروف في كتب المذهب …، وممن حُكي عنه أنه أفتى بالحديث من أصحابنا أبو يعقوب البويطيُّ، وأبو القاسم الداركيُّ، وممن نص عليه أبو الحسن إلكيا الطَّبَرِيُّ في كتابه في أصول الفقه». «المجموع شرح المهذب» (١/ ٦٤).\n\n•<span data-type='title' id=toc-316> تقليد غير المجتهد للمجتهد الميت</span>\nنقل الزركشيُّ في المذهب الثالث منها: الجواز بشرط فقد الحي، وأنه جزم به الكيا. «البحر المحيط» (٦/ ٢٩٩).\n\n•<span data-type='title' id=toc-317> هل يجب على العامي التزام تقليد معين في كل واقعة؟</span>\nقال الزركشيُّ: فيه وجهان. قال إلكيا: يلزمه. «البحر المحيط» (٦/ ٣١٩).\n• تحرير مذهب الشافعي في الاحتجاج بقول الصحابي\nقال الزركشي: «ويخرج من هذا قول آخرُ أنَّه حُجَّةٌ إذا لم يكن مدركًا بالقياس دون ما للقياس فيه مجال، وهذا القول هو المختار. وبه تنجمع نصوص الشافعي ﵁. وهذا حكاه القاضي في التقريب، والغزاليُّ استنباطا من قول الشافعي في كتاب اختلاف الحديث: أنه روي عن علي كرم الله وجهه أنه صلى في ليلة ست ركعاتٍ، كُلَّ ركعة بست سجدات، ثُمَّ قال: إن ثبت ذلك عن علي قلتُ به؛ فإنَّه لا مجال للقياس فيه، فالظاهر أنَّه جعله توقيفا. هذا لفظه.\nقال القاضي: وهذا من قوله يدلُّ على أنه كان يعتقد أنَّ الصحابي إذا قال قولا ليس للاجتهاد فيه مدخل؛ فإنَّه لا يقوله إلَّا سمعًا وتوقيفا، وأنه يجب اتباعه عليه؛ لأنه لا يقول ذلك إلا عن خبر. انتهى.","vol":"1","page":377},{"text":"لكن الغزاليّ جعله من تفاريع القديم، وهو مردود؛ لأنَّ اختلاف الحديث من الكتب الجديدة قطعًا، رواه عنه الربيع بن سليمان بمصر، وبهذا جزم ابن الصَّباغ في كتاب الكامل في الخلاف، وقال إلكيا في التلويح: إنَّه الصحيح. «البحر المحيط» (٦/ ٦٣).\n\nتم","vol":"1","page":378}]}