{"ً":{"ٌ":30167,"ٍ":"الحافظ العراقي وأثره في السنة","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"shamela","files":["30167/30167.pdf"]},"ّ":"الكتاب: الحافظ العراقي وأثره في السنة\nالمؤلف: أحمد معبد عبد الكريم\nأصل الكتاب: رسالة دكتوراه في الحديث وعلومه، كلية أصول الدين بالقاهرة، جامعة الأزهر، ١٣٩٨ هـ - ١٩٧٨ م\nالناشر: مكتبة أضواء السلف، الرياض - السعودية\nالطبعة: الأولى، ١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٤ م\nعدد الأجزاء: ٥ (متسلسلة الترقيم)\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":1585,"ٕ":10,"ٖ":1781462459,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1","2","3","4","5"],"ٚ":[{"title":"مقدمة","level":1,"page":2},{"title":"أهمية الموضوع ومنهج بحثه وصعوباته","level":2,"page":2},{"title":"من صعوبات الموضوع","level":2,"page":12},{"title":"الباب الأول: السنة وعصر العراقي","level":1,"page":14},{"title":"القسم الأول تحقيق مفهوم السنة","level":2,"page":16},{"title":"أ - عربية «السنة» وعالميتها","level":3,"page":17},{"title":"ب - اشتقاق السنة واستعمالها اللغوي","level":3,"page":18},{"title":"جـ - السنة في اصطلاح علمائها","level":3,"page":21},{"title":"الجمع بين التعريفين ودليله","level":4,"page":24},{"title":"(١) ما استقر عليه علماء السنة المعتمدون منذ فجر تدوينها العام وما تلاه من التصنيف المنظم حتى الآن","level":5,"page":24},{"title":"(٢) تقرير مصطلح علوم السنة","level":5,"page":27},{"title":"(٣) الاعتماد على ما جاء عن الصحابة والتابعين في التشريعات","level":5,"page":28},{"title":"أمثلة لمشتملات مفهوم السنة عند علمائها","level":4,"page":28},{"title":"١ - السنة القولية والرد على من ينكرها","level":5,"page":28},{"title":"٢ - السنة العملية","level":5,"page":29},{"title":"٣ - صفاته ﷺ الخلقية والخلقية","level":5,"page":30},{"title":"٤ - سيرته ﷺ","level":5,"page":31},{"title":"٥ - أقوال الصحابة والتابعين وأعمالهم وتقريراتهم","level":5,"page":31},{"title":"د - السنة في اصطلاح الأصوليين","level":3,"page":33},{"title":"هـ - السنة في اصطلاح الفقهاء","level":3,"page":35},{"title":"و- السنة في اصطلاح الوعاظ","level":3,"page":35},{"title":"ز - تطابق مفهوم السنة في الاصطلاح مع مفهومها في لغة العرب دون المنافاة لعالميتها","level":3,"page":37},{"title":"ح - منزلة السنة في الإسلام ومخالفتها لمنزلة المشناة عند اليهود","level":3,"page":41},{"title":"(١) السنة تستمد عموم مشروعيتها من القرآن الكريم","level":4,"page":41},{"title":"(٢) السنة مبينة للقرآن وملازمة له","level":4,"page":43},{"title":"(٣) السنة نوع من الوحي ومتصلة السند","level":4,"page":47},{"title":"ط - ألفاظ مرادفة للسنة وإقرار العراقي لها","level":3,"page":49},{"title":"خلاصة البحث","level":3,"page":53},{"title":"القسم الثاني بيان علوم السنة","level":2,"page":56},{"title":"تقسيم علوم السنة إلى رواية ودراية","level":3,"page":58},{"title":"١ - علم الرواية والدراية عند المتقدمين","level":4,"page":58},{"title":"٢ - علم الدراية","level":4,"page":61},{"title":"علمي الرواية والدراية عند المتأخرين وعمل العراقي به","level":3,"page":64},{"title":"علم الرواية","level":3,"page":64},{"title":"تعريف الكرماني والرد على منتقديه","level":3,"page":67},{"title":"الجمع بين التعريفات وعمل العراقي به","level":3,"page":68},{"title":"أقسام علم الرواية","level":3,"page":69},{"title":"علم الدراية","level":3,"page":70},{"title":"أقسام علم الدراية","level":3,"page":72},{"title":"أسماء علم الدراية","level":3,"page":73},{"title":"القسم الثالث عصر العراقي","level":2,"page":75},{"title":"سياسة العصر الخارجية","level":3,"page":76},{"title":"أحوال العصر الداخلية وصلة العراقي بها","level":3,"page":87},{"title":"١ - نظام الإدارة","level":4,"page":87},{"title":"٢ - القضاء وإلزامه بالمذاهب الأربعة","level":4,"page":89},{"title":"٣ - المجتمع والاقتصاد","level":4,"page":91},{"title":"الحالة العلمية ومكانة السنة فيها","level":3,"page":99},{"title":"أول هذين العاملين وأهمهما","level":3,"page":103},{"title":"الباب الثاني: شخصية الحافظ العراقي","level":1,"page":125},{"title":"القسم الاول مشخصات عامة","level":2,"page":126},{"title":"قرار بعض أسرة العراقي من العراق إلى مصر وتوطنهم بها","level":3,"page":127},{"title":"ولادة العراقي وتسميته وتحديد مكان الولادة حاليا وتاريخها وتصحيح الخطأ في ذلك","level":3,"page":131},{"title":"نسب العراقي وتصحيح سلسلته وتحقيق أصله","level":3,"page":142},{"title":"كنية العراقي ولقبه","level":3,"page":147},{"title":"تعدد نسبة العراقي واشتباهه في بعضها بغيره واثره، وما يميز به","level":3,"page":149},{"title":"نسبته إلى مذهب الإمام الشافعي","level":3,"page":159},{"title":"القسم الثاني جوانب شخصية العراقي","level":2,"page":162},{"title":"نشأة العراقي ومؤثراتها، وتصحيح خطا القول بأنه نشأ يتيما","level":3,"page":163},{"title":"حياة العراقي الزوجية والأسرية وأثرها في السنة","level":3,"page":169},{"title":"توثيق العراقي من خلال أوصافه الظاهرية ومواهبه العقلية وعقيدته وأخلاقه","level":3,"page":174},{"title":"أ - أوصافه الظاهرية","level":4,"page":174},{"title":"ب - مواهبه العقلية","level":4,"page":178},{"title":"جـ - عقيدة العراقي","level":4,"page":181},{"title":"د - أخلاق العراقي","level":4,"page":191},{"title":"النتيجة العامة","level":3,"page":199},{"title":"دراسات العراقي الأولى والعامة","level":3,"page":200},{"title":"حفظه للقرآن الكريم","level":3,"page":200},{"title":"دراسته الفقهية والأصولية","level":3,"page":201},{"title":"أبرز شيوخه في الفقه وأصوله وتأثيرهما فيه","level":3,"page":213},{"title":"أولا: تقي الدين السبكي","level":4,"page":213},{"title":"ثانيا: جمال الدين الإسنوي","level":4,"page":215},{"title":"مكانة العراقي الفقهية والأصولية","level":3,"page":219},{"title":"دراسته لعلوم اللغة والأدب وأهم شيوخه ومكانته فيها","level":3,"page":221},{"title":"دراساته وأهم شيوخه في ذلك","level":4,"page":221},{"title":"مكانته في اللغة وعلومها","level":4,"page":223},{"title":"درايته بقواعد النظم، وشعره العلمي، ومكانة السنة فيه","level":4,"page":226},{"title":"شعره الأدبي ومكانة السنة فيه، تأثيرا وتأثرا","level":4,"page":229},{"title":"من مراجع شعر العراقي","level":4,"page":236},{"title":"القسم الثالث اختصاص العراقي بعلوم السنة وشيوخه وتلاميذه ومكانته","level":2,"page":237},{"title":"اتجاهه للاختصاص بعلم القراءات، ثم عدوله إلى السنة، ومرشحاته لذلك","level":3,"page":238},{"title":"التقاء العراقي بشيخه ابن جماعة وتوجيهه للتخصص في السنة","level":3,"page":240},{"title":"مرحلة طلب العراقي الحديث بنفسه، ومتى بدأت؟","level":3,"page":261},{"title":"الموقف الرابع: «متى التقى ابن جماعة بالعراقي ووجهه للسنة؟، والرد على ابن حجر ومن تبعه»","level":3,"page":264},{"title":"النتيجة العامة","level":3,"page":279},{"title":"دراسة العراقي لعلوم السنة وتخرجه فيها وشيوخه","level":3,"page":280},{"title":"أبرز شيوخ العراقي بمصر، وتأثيرهم فيه","level":3,"page":302},{"title":"أولا: «الحافظ ابن البابا»","level":4,"page":302},{"title":"ثانيا: الحافظ علاء الدين ابن التركماني","level":4,"page":305},{"title":"ثالثا: (الحافظ ابن جماعة)","level":4,"page":310},{"title":"رابعا: «الميدومي»","level":4,"page":316},{"title":"رحلات العراقي في سبيل السنة ونتائجها","level":3,"page":324},{"title":"١ - الرحلات الشامية وأهم نتائجها","level":4,"page":326},{"title":"أ - الرحلة الأولى","level":5,"page":326},{"title":"ب - الرحلة الثانية","level":5,"page":345},{"title":"جـ - الرحلة الثالثة","level":5,"page":347},{"title":"د - الرحلة الرابعة","level":5,"page":353},{"title":"هـ - الرحلة الخامسة والأخيرة","level":5,"page":354},{"title":"من أبرز شيوخ العراقي وشيخاته بالشام وتأثيرهم فيه","level":5,"page":359},{"title":"أولا: العلائي، أستاذه في علم الحديث وملقبه بـ «الحافظ»","level":6,"page":359},{"title":"ثانيا: «ابن الخباز» مسند الشام ومن أكثر العراقي الرواية عنه","level":6,"page":364},{"title":"ثالثا: «ست العرب» شيخة العراقي، والرد على المستشرقين","level":6,"page":368},{"title":"الرد على المستشرقين","level":6,"page":370},{"title":"النتيجة العامة لرحلات العراقي الشامية","level":6,"page":373},{"title":"٢ - الرحلات المحلية للعراقي داخل مصر ونتائجها","level":4,"page":374},{"title":"٣ - رحلات العراقي الحجازية وأهم نتائجها","level":4,"page":382},{"title":"أ - الرحلة الأولى","level":5,"page":384},{"title":"ب - الرحلة الثانية","level":5,"page":387},{"title":"جـ - الرحلة الثالثة، وتغير الطابع العام لرحلات العراقي ابتداءا منها","level":5,"page":388},{"title":"د - الرحلة الرابعة","level":5,"page":391},{"title":"هـ - الرحلة الخامسة","level":5,"page":394},{"title":"الرحلات الحجازية في الميزان","level":5,"page":395},{"title":"رحلتان في ضمير الزمن","level":5,"page":396},{"title":"اشتغال العراقي بالسنة فيما بين رحلاته، ونتائج ذلك","level":3,"page":399},{"title":"المصادر الجامعة لشيوخ العراقي وحصيلته الدراسية وهل ألف في ذلك معجما؟","level":3,"page":419},{"title":"ترجمة ولي الدين بن العراقي لوالده","level":3,"page":421},{"title":"أهم المصادر المبينة لدراسات العراقي ولشيوخه","level":3,"page":422},{"title":"مكتبة الحافظ العراقي وأهميتها في تكوينه العلمي ونتاجه","level":3,"page":424},{"title":"النتيجة العامة","level":3,"page":427},{"title":"وظائف العراقي العلمية وأثرها في السنة","level":3,"page":429},{"title":"أولا: مرحلة عمله الأولى بالقاهرة ونتائجها","level":4,"page":431},{"title":"روايته للسنة وتدريس علومها","level":5,"page":431},{"title":"ريادة العراقي المدرسة السنة في مصر ومواقفه من أجلها","level":5,"page":442},{"title":"أستاذية العراقي لجيل المحدثين والمحدثات وحفاظ السنة من بعده في العالم الإسلامي","level":5,"page":450},{"title":"من أبرز تلاميذ العراقي في هذه المرحلة وتأثيره فيهم","level":6,"page":456},{"title":"١ - الأبناسي قرينه ورفيقه في مواقفه من أجل السنة","level":7,"page":457},{"title":"٢ - ومنهم: رفيق عمره وصهره الحافظ الهيثمي","level":7,"page":458},{"title":"تحقيق ما انفرد به كل من العراقي والهيثمي عن بعضهما من الشيوخ والمرويات","level":8,"page":460},{"title":"إشراف العراقي العلمي والعملي على الهيثمي في مؤلفاته","level":8,"page":461},{"title":"حفظ الهيثمي للمتون الحديثية نتيجة لتدريب العراقي له","level":8,"page":466},{"title":"الرد على ابن حجر ومن تبعه في بيان مدى التأثير والاستفادة المتبادلة بين العراقي والهيثمي","level":8,"page":468},{"title":"رؤية الهيثمي للعراقي في المنام بجانب الرسول ﷺ","level":8,"page":474},{"title":"٣ - ومنهم: حافظ حلب ورئيسها ناصر الدين بن عشائر","level":7,"page":475},{"title":"٤ - ومن مشاهيرهم: كمال الدين الدميري شارح ابن ماجة ومؤلف حياة الحيوان","level":7,"page":476},{"title":"٥ - ومنهم: «جمال الدين بن ظهيرة حافظ مكة وعالم الحجاز»","level":7,"page":477},{"title":"٦ - ومنهم: «الحافظ ابن الجزري إمام القراء، وناشر السنة في بلاد الروم وفارس»","level":7,"page":478},{"title":"٧ - ومنهم: «السرائي» نزيل القاهرة الذي لازمه وقرأ عليه مقدمة ابن الصلاح.","level":7,"page":480},{"title":"٨ - ومنهم: «مسند الديار المصرية في زمنه، عز الدين بن الفرات»","level":7,"page":481},{"title":"٩ - ومنهم: «أبو ذر الزين الزركشي» مسند مصر، ومدرس الحديث بها","level":7,"page":482},{"title":"١٠ - ومنهم: «الحافظ ولي الدين أبو زرعة بن العراقي قاضي القضاة ومدرس السنة وممليها بمصر».","level":7,"page":483},{"title":"تطبيق والده عليه عامة قواعد الطلب، والتحديث وتخريجه له","level":8,"page":483},{"title":"تتميمه لرسالة والده وجهوده","level":8,"page":487},{"title":"عدم مجاملة والده له في العلم","level":8,"page":489},{"title":"١١ - ومنهم: «منافس ابن حجر» الحافظ المدرس شهاب الدين الكلوتاتي صهر العراقي","level":7,"page":490},{"title":"١٢ - ومنهم «الإمام العيني» منافس ابن حجر في علم الحديث وقاضي قضاة الحنفية بمصر","level":7,"page":491},{"title":"١٣ - ومنهم «شمس الدين البرماوي» شارح البخاري ومدرس الحديث بالقدس ودمشق ومكة","level":7,"page":494},{"title":"١٤ - ومنهم: «الشهاب الأشليمي، ناشر السنة بالإسكندرية والفيوم والجيزة»","level":7,"page":495},{"title":"١٥ - وممن لازمه: «ابن مراوح مدرس الحلة وشيخها»","level":7,"page":496},{"title":"١٦ - ومن مشاهيرهم: «تقي الدين المقريزي، مؤلف «خطط القاهرة» ومدرس الحديث بها وبغيرها»","level":7,"page":496},{"title":"بقية أعمال العراقي الوظيفية بالقاهرة، بتلك المرحلة وصلتها بالسنة","level":5,"page":497},{"title":"١، ٢، ٣: التصدير والمواعيد والخطابة","level":6,"page":498},{"title":"٤ - الفتوى","level":6,"page":500},{"title":"٥ - تدريس علمي الفقه وأصوله","level":6,"page":501},{"title":"ثانيا: هل تولى العراقي وظائف مشيخة الحديث والتدريس والإفتاء بالشام؟","level":4,"page":505},{"title":"ثالثا: مرحلة عمل العراقي بالمدينة المنورة ونتائجها","level":4,"page":506},{"title":"أ - رئاسة القضاة بالمدينة وصلته بالحكام","level":5,"page":507},{"title":"ب - إمامته بالمسجد النبوي وإزالته للبدع وإحياء السنن","level":5,"page":511},{"title":"ج - خطابته بالمسجد النبوي وإذاعتها للسنة","level":5,"page":512},{"title":"د - نشاطه في علوم السنة، تحديثا وتدريسا وتأليفا، وإحياؤه سنة إملائها","level":5,"page":513},{"title":"تنوع تلاميذ العراقي وبعض تلميذاته بالمدينة المنورة","level":5,"page":516},{"title":"رابعا: عودة العراقي إلى القاهرة ومرحلة عمله الأخيرة بها ونتائجها","level":4,"page":520},{"title":"أ - إسماع العراقي السنة وتدريس علومها منهجيا، بأعلا مدارس القاهرة وجوامعها، وخانقاتها، ومنازلها","level":5,"page":522},{"title":"ب - جمعه الناس على دراسة السنة بمجالس الأمراء، وتلمذتهم له وتقرير مشيخته للسنة","level":5,"page":533},{"title":"جـ - تدريسه للفقه وأصوله وغيرهما","level":5,"page":536},{"title":"د - إحياؤه سنة إملاء الحديث بمصر","level":5,"page":539},{"title":"١ - مفهوم الإملاء، وسنيته، وأهميته في الرواية","level":6,"page":539},{"title":"٢ - انقطاع الإملاء قبل العراقي ثم إحياؤه له","level":6,"page":541},{"title":"٣ - لماذا لم يشرع العراقي في الإملاء مبكرا؟ وما رأيه في القطاعه ثم إحيائه؟","level":6,"page":543},{"title":"٤ - تصحيح بداية شروعه في الأمالي القاهرية","level":6,"page":546},{"title":"٥ - اشتغاله بالإملاء فوق عشر سنوات حتى أواخر حياته، وعدد أماليه","level":6,"page":548},{"title":"٦ - المجلس الختامي للإملاء وإسهامه به في أحداث عصره","level":6,"page":551},{"title":"٧ - كيفية إعداد العراقي لأماليه وأدائه لها بجانب غيرها","level":6,"page":552},{"title":"٨ - إقبال طلاب السنة على مجالس إملاء العراقي ونشرها","level":6,"page":553},{"title":"٩ - الأماكن التي عقد العراقي بها مجالس الإملاء في القاهرة","level":6,"page":556},{"title":"هـ - آخر الأعمال العلمية للعراقي وتلقي تلاميذه لها وإسهامه بها في الأحداث العامة لمجتمعه","level":5,"page":557},{"title":"و- من أبرز تلاميذ العراقي وتلميذاته في تلك المرحلة وتأثيره فيهم","level":5,"page":559},{"title":"١ - فممن تخرج به من المغاربة «الكمال الشمني» كما أحضر عليه ولده","level":6,"page":560},{"title":"٢ - ومنهم: «الشهاب الحناوي»","level":6,"page":561},{"title":"٣ - ومنهم: «المحدث شهاب الدين البوصيري»","level":6,"page":561},{"title":"٤ - ومنهم «جمال الدين الحلبي»","level":6,"page":563},{"title":"٥ - ومنهم: «المحدث ابن يعقوب»","level":6,"page":564},{"title":"٦ - ومنهم: «الحافظ: صلاح الدين الأقفهسي»","level":6,"page":565},{"title":"٧ - ومنهم الحافظ: «تقي الدين الفاسي»","level":6,"page":567},{"title":"٨ - وممن تخرج بالعراقي: «سبط ابن العجمي»","level":6,"page":569},{"title":"تصحيح تاريخ رحلة السبط الثانية للقاهرة وإذن العراقي له بالتدريس والتأليف","level":7,"page":571},{"title":"٩ - وممن تخرج به أيضا وشرح بعض مؤلفاته: «ابن حجر العسقلاني»","level":6,"page":573},{"title":"أولية تخريج العراقي لابن حجر ونص إجازته له بالرواية عنه وبتدريس علوم السنة وغيرها وترشيحه لخلافته","level":7,"page":579},{"title":"١٠ - ومن تلميذاته","level":6,"page":584},{"title":"خلاصة نتائج وظائف العراقي العلمية واثرها في السنة","level":4,"page":588},{"title":"وفاة العراقي وتصحيح تاريخها وتحديد مكانها بالقاهرة","level":4,"page":592},{"title":"تحديد مكان دفن العراقي ومن صلى عليه، ومسجده حاليا بالقاهرة","level":4,"page":596},{"title":"ألقاب العراقي العلمية، وتجديده للقرن الثامن وتقدير العلماء وغيرهم له حتى الآن","level":3,"page":602},{"title":"١ - الشيخ","level":4,"page":603},{"title":"٢ - المسند - بكسر النون -","level":4,"page":604},{"title":"٣ - المفيد","level":4,"page":604},{"title":"٤ - المحدث ومؤكداته","level":4,"page":605},{"title":"٥ - الحافظ ومؤكداته","level":4,"page":608},{"title":"٦ - الناقد، وتأكيده: علم الناقدين","level":4,"page":622},{"title":"٧ - المتقن","level":4,"page":623},{"title":"٨ - الحجة","level":4,"page":623},{"title":"٩ - الإمام","level":4,"page":624},{"title":"١٠ - العلامة","level":4,"page":624},{"title":"١١ - الحبر","level":4,"page":624},{"title":"١٢ - المفنن","level":4,"page":625},{"title":"١٣، ١٤، ١٥ - المفتى، الفقيه، الأصولي","level":4,"page":626},{"title":"١٦ - شيخ الإسلام","level":4,"page":627},{"title":"١٧ - مجدد القرن الثامن الهجري في علوم السنة","level":4,"page":628},{"title":"من تقدير العلماء وغيرهم للعراقي بعد وفاته حتى الآن","level":5,"page":634},{"title":"الباب الثالث: أثر العراقي بمؤلفاته وآرائه في مصطلح علوم السنة وعلوم رجالها","level":1,"page":641},{"title":"القسم الأول: أثر العراقي بمؤلفاته وآرائه في مصطلح علوم السنة","level":2,"page":643},{"title":"١ - ألفيته في المصطلح وآثارها","level":3,"page":644},{"title":"أ - ترتيبها بين مؤلفاته ونسبتها إليه وزمن تأليفها وتبييضها","level":4,"page":644},{"title":"ب - تعدد تسمية العراقي وغيره للألفية، وأهم نسخها الخطية في العالم","level":4,"page":645},{"title":"ج - أهم طبعات الألفية وتقويمها","level":4,"page":659},{"title":"د - موضوع الألفية والغاية من تأليفها وتحقق تلك الغاية","level":4,"page":664},{"title":"هـ - مصادر العراقي في الألفية وطرق اعتماده عليها","level":4,"page":668},{"title":"أولا: مقدمة ابن الصلاح","level":5,"page":668},{"title":"ثانيا: مصادر أخرى ونماذجها","level":5,"page":671},{"title":"و- منهج العراقي في الألفية وآراؤه: تحليل ومقارنة ونقد","level":4,"page":686},{"title":"أولا: التزام نظم مصطلح علوم السنة في ألف بيت وأوليته في ذلك","level":5,"page":686},{"title":"ثانيا: اصطلاح العراقي في الألفية","level":5,"page":688},{"title":"دفع نقد اصطلاح العراقي في الألفية","level":6,"page":690},{"title":"ثالثا: التقسيم الموضوعي لأنواع علوم السنة، وترتيب مباحثها في الألفية","level":5,"page":693},{"title":"أهمية التقسيم والترتيب","level":6,"page":693},{"title":"١ - جمع العراقي لما فرقه ابن الصلاح من الأنواع وترتيبها","level":7,"page":694},{"title":"٢ - جمع العراقي لما فرقه ابن الصلاح من المباحث التفصيلية، وترتيبها","level":7,"page":700},{"title":"نقد العراقي في جمعه وترتيبه للمباحث التفصيلية","level":7,"page":702},{"title":"٣ - تفريق العراقي لما جمعه ابن الصلاح من المباحث التفصيلية وترتيبها","level":7,"page":703},{"title":"٤ - تنويع العراقي بعض أنواع لم يفردها ابن الصلاح","level":7,"page":705},{"title":"نوع الحديث المعلق","level":8,"page":706},{"title":"الحديث المعنعن","level":8,"page":707},{"title":"٥ - تقسيم العراقي للمباحث التفصيلية وعنونتها وترتيبها","level":7,"page":708},{"title":"نقد عنونة العراقي لبعض المباحث","level":7,"page":709},{"title":"٦ - تغيير العراقي لعناوين بعض الأنواع، وعنونة ما أهمله ابن الصلاح","level":7,"page":710},{"title":"نقد عنونة العراقي لبعض الأنواع","level":7,"page":712},{"title":"رابعا: الحذف من مضمون كتاب ابن الصلاح","level":5,"page":716},{"title":"١ - حذف العراقي كثيرا من الأمثلة التي ذكرها ابن الصلاح في كتابه ورأيه في ذلك","level":6,"page":718},{"title":"ومن الأمثلة ما ترك نظمه في الألفية، لاختلاف رأيه فيه عن رأي ابن الصلاح وغيره، من المتقدمين والمتأخرين","level":7,"page":721},{"title":"ومن الأمثلة ما حذفه للاختصار اكتفاء بغيره","level":7,"page":723},{"title":"نقد العراقي في حذفه لبعض الأمثلة","level":7,"page":723},{"title":"٢ - حذف أدلة وتوجيهات بعض الأقوال الواردة في كتاب ابن الصلاح","level":6,"page":725},{"title":"٣ - حذف أصحاب بعض الأقوال الواردين في كتاب ابن الصلاح","level":6,"page":727},{"title":"التعقيب على حذف العراقي لأصحاب كثير من الأقوال","level":7,"page":729},{"title":"٤ - حذف العراقي لما كرره ابن الصلاح في كتابه","level":6,"page":730},{"title":"خامسا: حذف العراقي لبعض مسائل كتاب ابن الصلاح، ورأيه في ذلك","level":5,"page":732},{"title":"نقد حذف العراقي لبعض المسائل","level":6,"page":736},{"title":"سادسا: زيادات العراقي في الألفية، على كتاب ابن الصلاح وغيره","level":5,"page":736},{"title":"زياداته في مراتب التعديل والتجريح، وألفاظهما","level":6,"page":740},{"title":"إثباته صحة الإجازة للكافر استنباطا","level":7,"page":745},{"title":"٢ - ما زاده العراقي في الألفية بديلا عما حذفه","level":8,"page":747},{"title":"٣ - زيادات العراقي الانتقادية","level":8,"page":750},{"title":"نقده لابن الصلاح","level":9,"page":750},{"title":"نقده للإمام الترمذي","level":9,"page":751},{"title":"نقده للإمام النووي","level":9,"page":753},{"title":"٤ - ما انتقد على العراقي من زياداته","level":8,"page":756},{"title":"٥ - تصريح العراقي بالرجوع عن بعض زياداته في الألفية","level":8,"page":761},{"title":"ز - الأثر العام للألفية في مصطلح علوم السنة","level":6,"page":764},{"title":"١ - محاذاة السيوطي لها في ألفيته في المصطلح","level":7,"page":764},{"title":"مقارنة السيوطي لألفيته بألفية العراقي، والرد عليه في ذلك","level":8,"page":765},{"title":"٢ - الاستفادة العامة بالألفية دراسة واستدلالا","level":7,"page":770},{"title":"ح - عناية العراقي بألفيته","level":6,"page":773},{"title":"ط - شرح العلماء لألفية العراقي وأهميته","level":6,"page":774},{"title":"١ - شرح ولي الدين ابن العراقي، وبعض نصوصه النادرة","level":7,"page":774},{"title":"٢ - نكت الحافظ ابن حجر على الألفية","level":7,"page":776},{"title":"٣ - شرح الشيخ إسماعيل بن جماعة","level":7,"page":776},{"title":"٤ - شرح السخاوي","level":7,"page":777},{"title":"إثبات تسمية السخاوي له «بفتح المغيث»","level":8,"page":777},{"title":"أهم نسخ الشرح الخطية","level":8,"page":779},{"title":"طبع الشرح","level":8,"page":781},{"title":"منهج السخاوي في شرحه للألفية، ونقده وأنموذجه","level":8,"page":782},{"title":"٥ - شرح السيوطي للألفية","level":7,"page":787},{"title":"نسخه الخطية، ومنهجه، وهدفه، ومميزاته، وأنموذجه","level":8,"page":787},{"title":"٦ - حاشية محمد بن خليل الدمشقي، على الألفية","level":7,"page":791},{"title":"٧ - شرح الحافظ قطب الدين الخيضري الدمشقي للألفية","level":7,"page":792},{"title":"٨ - شرح شيخ الإسلام زكريا الأنصاري للألفية","level":7,"page":793},{"title":"٩ - حاشية الطوخي على شرح الأنصاري، وإثبات نسبتها له، وبيان صلتها بالألفية وغيرها، من مؤلفات العراقي","level":7,"page":797},{"title":"١٠ - حاشية العدوي على شرح الأنصاري","level":7,"page":801},{"title":"١١ - شرح إبراهيم الشبراخيتي للألفية، وبعض نصوصه النادرة","level":7,"page":803},{"title":"١٢ - حاشية أبي سعيد الهزاروي على الألفية","level":7,"page":804},{"title":"أنموذج تحفة الباقي","level":8,"page":805},{"title":"٢ - الشرح الكبير للعراقي لألفيته وأهميته، ولماذا لم يكمله؟","level":3,"page":808},{"title":"القدر الذي أنجزه العراقي من الشرح","level":4,"page":810},{"title":"الآراء في أصح الأسانيد","level":4,"page":812},{"title":"بيان العراقي لأوائل المصنفين للحديث","level":4,"page":813},{"title":"رأي العراقي في الرواة الذين احتج بمثلهما البخاري ومسلم، أو غيرهما وبماذا تعرف المثلية؟","level":4,"page":814},{"title":"رأي العراقي في التقسيم، والترتيب الموضوعي لبعض المباحث مقارنا بغيره","level":4,"page":816},{"title":"تعريف العراقي للمحدث","level":4,"page":818},{"title":"انتقاد بعض مضامين الشرح","level":4,"page":819},{"title":"٣ - الشرح المتوسط للعراقي على ألفيته","level":3,"page":820},{"title":"تعدد أسمائه وأهم نسخه الخطية في مكتبات العالم","level":4,"page":821},{"title":"طبعات الكتاب وتصحيح الخطأ في ذلك","level":4,"page":830},{"title":"تعليقات شيخنا الشيخ محمود ربيع، على الشرح، ونقدها","level":4,"page":834},{"title":"مصادر العراقي في شرحه، وكيفية اعتماده عليها ونقدها","level":4,"page":835},{"title":"منهج العراقي في شرحه وأهم آرائه عرض ومقارنة ونقد","level":4,"page":843},{"title":"١ - المنهج الشكلي للشرح","level":5,"page":843},{"title":"٢ - بيان العراقي المراده بألفاظ وعبارات الألفية","level":5,"page":845},{"title":"٣ - شرحه لاصطلاحه في الألفية، وتحديده للزيادة، والنقص، والتغيير فيها عن كتاب ابن الصلاح","level":5,"page":851},{"title":"٤ - الجوانب اللغوية في الشرح، وأهميتها، وتأثيرها","level":5,"page":853},{"title":"٥ - بيان العراقي للضوابط والتعريفات الاصطلاحية، وآراؤه في ذلك وآثارها","level":5,"page":868},{"title":"نقد بعض التعريفات والضوابط التي ذكرها العراقي","level":6,"page":874},{"title":"٦ - بيان العراقي للأدلة، والأمثلة التطبيقية، وآراؤه في ذلك، وأثره: أولا: الأدلة","level":5,"page":877},{"title":"٧ - بيان العراقي لآراء العلماء، وموقفه منها، تعبيرا عن رأيه الخاص، وأثر ذلك فيمن بعده","level":5,"page":885},{"title":"نقد بعض استنباطات العراقي","level":6,"page":892},{"title":"٨ - رجوع العراقي عن بعض آرائه الواردة في الشرح، ورأيه في تقليد الغير","level":5,"page":910},{"title":"مؤلفات العلماء عن شرح العراقي لألفيته، وأهميتها","level":4,"page":913},{"title":"١ - مختصرات الشرح","level":5,"page":915},{"title":"أ - مختصر الشمس بن العماد المالكي","level":6,"page":915},{"title":"ب - مختصر عبد الرحمن العيني، وما وجدته من نسخه الخطية","level":6,"page":915},{"title":"٢ - أهم الحواشي على الشرح","level":5,"page":918},{"title":"أ - حاشية إبراهيم الحلبي، المعروف بسبط ابن العجمي","level":6,"page":918},{"title":"ب - حاشية ابن حجر العسقلاني","level":6,"page":919},{"title":"هـ - حاشية السخاوي، أو نكته","level":6,"page":926},{"title":"و- حواشي شيخنا الشيخ محمود ربيع ﵀","level":6,"page":927},{"title":"٤ - نكت العراقي على كتاب ابن الصلاح ومكانتها، وأثرها","level":3,"page":929},{"title":"أ - مكانتها","level":4,"page":929},{"title":"ب - تسميتها","level":4,"page":930},{"title":"جـ - تحقيق زمن تأليفها، وتصحيح الخطأ فيه","level":4,"page":932},{"title":"د - أهم النسخ الخطية في مكتبات العالم","level":4,"page":934},{"title":"هـ - بعض النسخ الدالة على أثر العراقي في منهج تحقيق النصوص، وبه يرد زعم المستشرقين في السبق إلى ذلك","level":4,"page":935},{"title":"و- طبعات الكتاب ونقدها","level":4,"page":939},{"title":"ز - الداعي لتأليف الكتاب والهدف منه","level":4,"page":943},{"title":"ح - مصادر العراقي في النكت، ورأيه في الرجوع إلى المصادر ونقده","level":4,"page":944},{"title":"بعض ما توقف العراقي فيه","level":5,"page":966},{"title":"ى - منهج العراقي في الكتاب، وآراؤه، وأثر ذلك","level":4,"page":967},{"title":"١ - تقييد العراقي لما يحتاج إلى التقييد، مما أطلقه ابن الصلاح، وبالعكس","level":5,"page":968},{"title":"نقد بعض تقييدات العراقي لما أطلقه ابن الصلاح","level":5,"page":975},{"title":"أولا: الإيضاحات اللغوية","level":6,"page":978},{"title":"ثانيا: تحديد المبهم","level":6,"page":980},{"title":"الاعتراضات الموجهة إلى ابن الصلاح ومواقف العراقي منها، وأثرها","level":5,"page":988},{"title":"أولا: الاعتراضات غير الصحيحة، واصطلاح العراقي فيها، وجوابه عنها","level":5,"page":988},{"title":"مما اعترض به المزي وأجاب عنه العراقي","level":5,"page":992},{"title":"مما اعترض به الحافظ مغلطاي، شيخ العراقي، وجوابه عنه","level":5,"page":993},{"title":"من الاعتراضات الصحيحة على ابن الصلاح، وإقرار العراقي لها","level":5,"page":998},{"title":"بحوث العراقي المفردة التي ألحقها بموضوعات النكت","level":5,"page":1007},{"title":"ك - الأنواع التي لم يعلق عليها العراقي من كتاب ابن الصلاح","level":4,"page":1012},{"title":"٥ - نظم العراقي لكتاب الإقتراح لابن دقيق العيد","level":3,"page":1014},{"title":"أ - نسبة الكتاب للعراقي وتاريخ تأليفه","level":4,"page":1014},{"title":"ب - نسخة الكتاب الخطية وعدد أبياته","level":4,"page":1015},{"title":"الداعي لتأليف الكتاب","level":5,"page":1016},{"title":"منهج العراقي في الكتاب وموازنته بمنهجه في الألفية","level":5,"page":1019},{"title":"أولها: استعمال اصطلاح خاص، طلبا للاختصار","level":5,"page":1019},{"title":"ثانيها: تغيير ترتيب بعض الموضوعات عما هي عليه في «الاقتراح»","level":5,"page":1020},{"title":"ثالثها: زيادة بعض الإضافات العلمية على ما في «الاقتراح»","level":5,"page":1022},{"title":"ثانيا: أقسام الحديث الضعيف، ورأي العراقي فيها، وأثره","level":5,"page":1026},{"title":"عناية العلماء بشرح «نظم الاقتراح» وبحثه","level":5,"page":1029},{"title":"٦ - شرح كتاب النووي المسمى بـ «التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير» في أصول الحديث، والرد على السيوطي","level":4,"page":1031},{"title":"القسم الثاني: اثر العراقي بمؤلفاته وآرائه في علوم رجال السنة","level":2,"page":1033},{"title":"المقصود بعلم رجال السنة، وتقسيمه","level":3,"page":1034},{"title":"إجمال مهمات العراقي وغيره من المتأخرين في خدمة علم رجال السنة","level":3,"page":1035},{"title":"تفصيل مهمات العراقي في علم رجال السنة","level":3,"page":1036},{"title":"أولا: تأليفه وآراؤه في الصحابة","level":4,"page":1036},{"title":"تذييله على مختصر الذهبي الأسد لغابة في معرفة الصحابة","level":5,"page":1036},{"title":"أنموذج ترجمته لبعض الصحابة","level":5,"page":1038},{"title":"ثانيا: تأليف العراقي ومنهجه في: جمع المؤتلف والمختلف من أسماء، وألقاب، وكنى رواة السنة، وأثره","level":4,"page":1039},{"title":"ثالثا: تأليف العراقي في جمع بعض الأكابر، الرواة عن الأصاغر، ورأيه، وأثره في هذا النوع","level":4,"page":1041},{"title":"رابعا: تأليفه وآراؤه في نقد رجال السنة","level":4,"page":1043},{"title":"أ - تذييله على «ميزان الاعتدال في نقد الرجال» للذهبي: أهمية الكتاب وتاريخ تأليفه","level":5,"page":1043},{"title":"أهمية الكتاب وتاريخ تأليفه","level":6,"page":1043},{"title":"نسخ الكتاب وما وقفت عليه من نصوصه","level":6,"page":1044},{"title":"بيان نصوص الكتاب الموجودة في «لسان الميزان» لابن حجر، وتحريرها","level":6,"page":1046},{"title":"مصادر العراقي في «ذيل الميزان»، وكيفية اعتماده عليها","level":6,"page":1049},{"title":"منهج العراقي في الكتاب، وآراؤه النقدية","level":6,"page":1052},{"title":"١ - ترتيب التراجم على حروف المعجم.","level":7,"page":1052},{"title":"٢ - أنواع الرجال المذكورين في كتاب العراقي من حيث التوثيق والتجريح","level":7,"page":1055},{"title":"فممن ذكر جرحهم بالإختلاط وأقره","level":8,"page":1057},{"title":"وممن ذكر أن حديثه يخرج للاعتبار","level":8,"page":1057},{"title":"وممن ذكرهم من الشيعة المقبولين","level":8,"page":1058},{"title":"٣ - بيان الاسم، والنسب، والنسبة، والكنية، واللقب، وتحقيق المختلف فيه أو المشتبه","level":7,"page":1058},{"title":"٤ - بيانه لشيوخ الراوي وتلاميذه وأهمية ذلك","level":7,"page":1063},{"title":"٥ - بيانه للتعديل والتجريح واعتداله فيهما","level":7,"page":1064},{"title":"موقفه من المتساهلين والمعتدلين","level":8,"page":1065},{"title":"موقفه من المتشددين","level":8,"page":1067},{"title":"٦ - بيانه التاريخي الميلاد والوفاة","level":7,"page":1069},{"title":"٧ - ذكره لبعض الأحاديث مع بيان درجتها","level":7,"page":1070},{"title":"٨ - بعض الانتقادات الموجهة إلى الكتاب.","level":7,"page":1071},{"title":"أثر الكتاب فيما بعده","level":8,"page":1074},{"title":"ب - تذييل العراقي على ما جمعه شيخه العلائي من أسماء الرواة المدلسين وأثره","level":5,"page":1075},{"title":"جـ - تأليف العراقي في رواة المراسيل وأثره","level":5,"page":1082},{"title":"نسبة الكتاب إلى العراقي وزمن تأليفه وتسميته","level":6,"page":1084},{"title":"نسخ الكتاب وتصحيح خطأ المفهرسين فيها","level":6,"page":1084},{"title":"أثر الكتاب فيمن بعده","level":6,"page":1086},{"title":"خامسا: (تأليفه وآراؤه في بعض رجال الصحيحين وغيرهما من كتب السنة وأثر ذلك)","level":4,"page":1087},{"title":"أ - تأليفه في الوحدان من رجال الصحيحين ودفعه لجهالتهم","level":5,"page":1088},{"title":"منهج الكتاب إجمالا، وجهد العراقي فيه","level":5,"page":1089},{"title":"تعبير الكتاب عن اختيار العراقي فيما تزول به الجهالة عن الراوي","level":5,"page":1094},{"title":"مميزات كتاب العراقي عن غيره من كتب الوحدان","level":5,"page":1105},{"title":"أثر الكتاب واتجاهه فيمن بعده","level":5,"page":1110},{"title":"ب - تأليفه في (رجال صحيح ابن حبان وأثره) وبعض نماذجه النادرة","level":5,"page":1112},{"title":"ج - (رجال سنن الدارقطني)","level":5,"page":1114},{"title":"بعض نماذج من بيان العراقي لرجال «سنن الدارقطني»","level":5,"page":1114},{"title":"د - تأليف العراقي جزءا في رجال كتابه: «تقريب الأسانيد» وأثر ذلك.","level":5,"page":1115},{"title":"١ - الداعي إلى تأليف هذا الجزء","level":5,"page":1115},{"title":"٢ - نسخ الجزء وطبعاته","level":5,"page":1116},{"title":"٣ - عدد تراجم الجزء وأنواع المترجمين فيه وأهميته","level":5,"page":1117},{"title":"٤ - مصادر الجزء المذكور ونقد العراقي في كيفية الإحالة عليها","level":5,"page":1119},{"title":"٥ - منهج العراقي وآراؤه في هذا الجزء، تحليل نقدي مقارن.","level":5,"page":1120},{"title":"أولا: ترتيب التراجم وتقسيمها","level":6,"page":1120},{"title":"ثانيا: عناصر الترجمة ومميزات أنواع التراجم في الجزء","level":6,"page":1123},{"title":"ثالثا: آراء العراقي","level":6,"page":1127},{"title":"نماذج مقارنة من تراجم الكتاب","level":7,"page":1130},{"title":"نقد العراقي، والإستدراك عليه في هذا الجزء","level":7,"page":1143},{"title":"أثر الجزء فيما بعده","level":7,"page":1144},{"title":"سادسا: تذييل العراقي على بعض كتب تاريخ الرجال ووفياتهم، وأثر ذلك","level":4,"page":1146},{"title":"أ - تذييله على كتاب «العبر» للذهبي، وأثره","level":5,"page":1146},{"title":"نسخ الكتاب وتصحيح خطأ المفهرسين فيها","level":6,"page":1148},{"title":"نسخة نادرة لمختارات من الكتاب","level":7,"page":1149},{"title":"الاستنتاج","level":7,"page":1152},{"title":"أهم مصادر العراقي في الذيل المذكور، ووهمه تبعا لبعضها، واعتماده على خبرته وسماعه","level":6,"page":1153},{"title":"منهج العراقي في ذيله على العبر: تحليل ومقارنة ونقد","level":6,"page":1155},{"title":"آراء العراقي في الكتاب","level":6,"page":1160},{"title":"مناقشة ابن حجي في انتقاده للعراقي في هذا الكتاب","level":6,"page":1167},{"title":"أثر الكتاب فيما بعده","level":6,"page":1169},{"title":"ب - وتذييل العراقي على: «وفيات نقلة العلم وذوي الشأن للحافظ ابن أيبك الدمياطي، وأثر ذلك»","level":5,"page":1171},{"title":"مكانة الكتاب والداعي إلى تأليفه","level":6,"page":1171},{"title":"زمن تأليف الكتاب، ومنهجه، والفترة الزمنية التي تناولها، وتصحيح خطأ السخاوي فيها","level":6,"page":1174},{"title":"نسخ الكتاب، وبعض النقول عنه","level":6,"page":1176},{"title":"أثر الكتاب فيما بعده","level":6,"page":1176},{"title":"أثره في تأليف كل من ابن حجر العسقلاني، وأبي زرعة ابن العراقي","level":6,"page":1176},{"title":"نقل السخاوي عن وفيات العراقي","level":6,"page":1182},{"title":"بعض مميزات هذا الكتاب عن غيره","level":6,"page":1183},{"title":"تلخيص شهاب الدين بن حجي لوفيات العراقي","level":6,"page":1186},{"title":"جـ - «تذييل العراقي على ذيل الحافظ ابن أيبك الدمياطي على «وفيات الأعيان» لابن خلكان، وأثر ذلك»","level":5,"page":1187},{"title":"بعض نسخ الكتاب الخطية وتصحيح خطأ المفهرسين في نسبتها لغير العراقي","level":6,"page":1191},{"title":"مصادر العراقي في الكتاب","level":6,"page":1198},{"title":"منهج العراقي في الكتاب، عرض ونقد","level":6,"page":1199},{"title":"أولا: ترتيب التراجم وتبويبها","level":7,"page":1199},{"title":"ثانيا: مقومات الترجمة","level":7,"page":1200},{"title":"آراء العراقي في الكتاب","level":6,"page":1202},{"title":"نماذج من تراجم الكتاب مقارنة بغيرها","level":6,"page":1205},{"title":"الاستدراك على العراقي في هذا الكتاب","level":6,"page":1208},{"title":"أثر الكتاب فيما بعده","level":6,"page":1209},{"title":"١ - منتقى ابن خطيب الناصرية من الكتاب","level":7,"page":1209},{"title":"٢ - نقل الحافظ ابن حجر عن الكتاب","level":7,"page":1211},{"title":"سابعا: تأليف العراقي في التراجم المفردة لبعض الثقات أو المتكلم فيهم وأثر ذلك.","level":4,"page":1211},{"title":"أ - «ترجمته لشيخه جمال الدين الإسنوي وأثرها»","level":5,"page":1212},{"title":"منهج العراقي وأهم آرائه في تلك الترجمة: عرض تحليلي نقدي مقارن: بيان الاسم واللقب وسببهما","level":6,"page":1215},{"title":"بيان سلسلة نسب الإسنوي إلى معد بن عدنان، ونسبته، وكنيت","level":6,"page":1215},{"title":"تحديد مكان الولادة وتاريخها","level":6,"page":1217},{"title":"نشأته ودراساته العامة والمتخصصة","level":6,"page":1217},{"title":"نشاطه الوظيفي والعلمي","level":6,"page":1220},{"title":"عد الإسنوي من المجددين، ورأي العراقي في حديث بعث الله تعالى لهذه الأمة من يجدد لها أمر دينها","level":6,"page":1225},{"title":"إثبات بعض كرامات الإسنوي ورأي العراقي في كرامات الصالحين عموما","level":6,"page":1234},{"title":"ذكر تفاصيل مرض الإسنوي ووفاته، ومباشرة العراقي لذلك","level":6,"page":1236},{"title":"استطرادات العراقي في الترجمة","level":6,"page":1238},{"title":"ذكر رثاء العراقي وغيره للإسنوي","level":6,"page":1239},{"title":"مقارنة الترجمة المذكورة بالبحوث المعاصرة في الشخصيات العلمية","level":6,"page":1241},{"title":"أثر الترجمة فيما بعدها","level":6,"page":1241},{"title":"ب - ترجمة العراقي لشيخه «مغلطاي» وزمن تأليفها وأهميتها","level":5,"page":1243},{"title":"مما وقفت عليه من نصوص الترجمة","level":6,"page":1244},{"title":"من تجريح العراقي لشيخه مغلطاي مع المقارنة بصنيع غيره","level":6,"page":1245},{"title":"أثر الترجمة فيما بعدها","level":6,"page":1249},{"title":"ثامنا: «تأليف العراقي في مشيخات ومعاجم رجال السنة، وأثر ذلك» المشيخات والمعاجم وقيمتها العلمية","level":4,"page":1250},{"title":"١ - الإسهام في المحافظة على خصوصية الأمة المحمدية","level":5,"page":1252},{"title":"٣ - ضبط روايات علماء السنة بأسانيدهم","level":5,"page":1256},{"title":"٤ - تيسير نشر مرويات أصحاب المعاجم والمشيخات","level":5,"page":1257},{"title":"٥ - التعريف بعلماء السنة وتراثها، وتمرس المؤلف بهما","level":5,"page":1258},{"title":"٦ - التطبيق العلمى القواعد علوم السنة في طرق التحمل والأداء","level":5,"page":1259},{"title":"أ - مشيخة ابن التونسي وذيلها","level":6,"page":1260},{"title":"أهمية هذه المشيخة وذيلها، وزمن تأليفهما وأثرهما","level":6,"page":1261},{"title":"ب - مشيخة مسند القاهرة: ابن القارئ، شيخ العراقي، وأثرها","level":6,"page":1262},{"title":"أثر هذه المشيخة حتى وقتنا الحاضر","level":6,"page":1262},{"title":"بعض ما وقفت عليه من نصوص هذه المشيخة","level":6,"page":1264},{"title":"ج - ذيل مشيخة القلانسي، شيخ العراقي، وأهميته، وزمن تأليفه، وأثره","level":6,"page":1265},{"title":"د - ذيل مشيخة البياني، شيخ كل من العراقي وولده وأهميته وأثره","level":6,"page":1267},{"title":"هـ - معجما شيوخ ابن جماعة، موجه العراقي الأول للتخصص بالسنة، والداعي لتأليفهما","level":6,"page":1269},{"title":"الباب الرابع: أثر العراقي بمؤلفاته وآرائه في علم التخريج وفقه السنة ونقدها وشرحها والسيرة النبوية","level":1,"page":1273},{"title":"القسم الأول: تأليف العراقي وآراؤه في أنواع علم التخريج وأثر ذلك","level":2,"page":1274},{"title":"مفهوم علم التخريج","level":3,"page":1275},{"title":"تخريج العراقي لأحاديث (كتاب إحياء علوم الدين)، للغزالي وأوليته في ذلك، وأهمية تخريجه","level":3,"page":1276},{"title":"أ - التخريج الكبير للإحياء","level":4,"page":1280},{"title":"ترتيبه بين مؤلفات العراقي، وزمن تأليفه، والدافع إليه","level":5,"page":1280},{"title":"تسمية الكتاب، وحجمه، والقدر المبيض منه","level":5,"page":1281},{"title":"ما وقفت عليه من نصوص الكتاب","level":5,"page":1283},{"title":"التعريف بمشتملات الكتاب، وبعض آراء العراقي فيه، مقارنة بغيرها، وما يتميز به التخريج الكبير، عن الصغير.","level":5,"page":1285},{"title":"رأي العراقي في كتاب الإحياء","level":5,"page":1286},{"title":"جمع طرق الأحاديث المخرجة، ورواتها من الصحابة","level":5,"page":1290},{"title":"سياق أسانيد الأحاديث ورواياتها، وبيان درجاتها وعللها","level":5,"page":1292},{"title":"بيانه لاختلاف درجة الحديث باختلاف حال أسانيده","level":5,"page":1297},{"title":"استدراك العراقي على سابقيه، ومخالفته لهم في تقدير درجات الأحاديث","level":5,"page":1298},{"title":"رأي العراقي في أحاديث العقل، وفيما أورده الغزالي منها، ونقده للغزالي وغيره في ذلك","level":5,"page":1304},{"title":"بيان العراقي لدرجة بعض الأحاديث من كل طرقها، ورد نقده في ذلك","level":5,"page":1306},{"title":"بيان أحوال رجال الأسانيد، وطبقاتهم، وآراؤه في ذلك، مع المقارنة والنقد","level":5,"page":1308},{"title":"اختلاف بعض آراء العراقي في «التخريج الكبير» عما في «الصغير»","level":5,"page":1325},{"title":"زيادته تخريج أحاديث مناسبة لأبواب أحاديث «الإحياء»، وأهمية ذلك","level":5,"page":1328},{"title":"توسعه في بيان مصادر الحديث المخرج، وفوائد ذلك","level":5,"page":1333},{"title":"تخريجه في الكبير بعض ما لم يخرجه في الصغير، من الأحاديث والآثار.","level":5,"page":1341},{"title":"شرط العراقي في (تخريجه الكبير)، مقارنا بغيره من أشهر معاصريه","level":5,"page":1345},{"title":"أنموذج عام لعناصر التخريج الموسع للحديث، في «التخريج الكبير» مقارنا بما يقابله من تأليف أشهر أقران العراقي ومعاصريه.","level":5,"page":1351},{"title":"أثر الكتاب فيما بعده","level":5,"page":1358},{"title":"ب - التخريج المتوسط للإحياء.","level":4,"page":1359},{"title":"إثبات نسبته إلى العراقي","level":5,"page":1359},{"title":"زمن تأليفه، وما أنجزه العراقي منه","level":5,"page":1360},{"title":"تسمية الكتاب ومجمل منهج العراقي فيه","level":5,"page":1361},{"title":"أثر الكتاب، رغم افتقاد نسخه","level":5,"page":1362},{"title":"ج - التخريج الصغير للإحياء.","level":4,"page":1362},{"title":"زمن تأليفه، وهدف العراقي منه","level":5,"page":1362},{"title":"تسمية العراقي للكتاب ونقدها","level":5,"page":1364},{"title":"أهم نسخ الكتاب الخطية في مكتبات العالم","level":5,"page":1367},{"title":"طبعات الكتاب، تعريف وتقويم ونقد","level":5,"page":1371},{"title":"منهج العراقي في هذا التخريج","level":5,"page":1380},{"title":"«تحليل ومقارنة ونقد»","level":5,"page":1380},{"title":"مصادره في التخريج وموقفه منها، وطريقة تخريجه منها، وعزوه إليها، مع النقد والمقارنة","level":5,"page":1380},{"title":"«تحقيق القول بتعاون العراقي مع الزيلعي في التخريج»","level":5,"page":1406},{"title":"«معارضة القول بانتفاع العراقي في التخريج بمؤلفات تلميذه الهيثمي»","level":5,"page":1411},{"title":"شرط العراقي فيما التزم بتخريجه في الكتاب واهمية معرفته ونقده","level":5,"page":1415},{"title":"ما تعرض العراقي لتخريجه، زيادة على شرطه","level":5,"page":1437},{"title":"تخريجه للآثار الموقوفة على الصحابة، أو التابعين، أو ما أطلق عليه الغزالي اسم «الأثر»","level":5,"page":1438},{"title":"ما أورده الغزالي بعبارة تحتمل الرفع وغيره","level":5,"page":1446},{"title":"موقف العراقي من تخريج الأحاديث المقتبسة","level":5,"page":1471},{"title":"موقف العراقي من تخريج الإسرائيليات","level":5,"page":1473},{"title":"موقف العراقي من تخريج ما في «الإحياء» من الأحاديث القدسية","level":5,"page":1480},{"title":"تخريج العراقى للأحاديث التي تتكرر في الإحياء، عرض، ونقد.","level":5,"page":1486},{"title":"ما فات العراقي تخريجه من أحاديث الإحياء، وتحقيق القول في ذلك.","level":5,"page":1522},{"title":"«عدد أحاديث الإحياء التي خرجها العراقي في المغني، وترقيمها»","level":5,"page":1554},{"title":"ما صرح العراقي بأنه لم يجده، أو عبر عن ذلك بعبارة اصطلاحية","level":5,"page":1559},{"title":"بيان العراقي لما لم يجد له أصلا من أحاديث الإحياء تحليلا ومقارنة ونقدا","level":5,"page":1568},{"title":"ومما يحمل فيه المقصود «بالأصل» على المتن ولو كان له سند","level":5,"page":1572},{"title":"بيان العراقي لدرجات الأحاديث، وأهميته وموقفه من الغزالي في هذا","level":5,"page":1601},{"title":"نقله عن الحاكم، وموقفه منه","level":5,"page":1628},{"title":"نقله درجة الحديث من مصدر غير الذي خرجه منه","level":5,"page":1635},{"title":"بيان العراقي للخلاف في درجة الحديث، وموقفه من ذلك","level":5,"page":1637},{"title":"بيان العراقي لدرجات الأحاديث بدون عزو لغيره، أو بالعزو مع الزيادة","level":5,"page":1645},{"title":"بيانه لدرجات الأحاديث بما لم يصرح به في مقدمة الكتاب، وتقويم ذلك","level":5,"page":1652},{"title":"الحكم على الإسناد بأنه: لا بأس به، أو جيد","level":5,"page":1653},{"title":"وصفه للحديث بأن رجاله ثقات، أو رجال الصحيح","level":5,"page":1660},{"title":"من عباراته المنوعة عن الضعف المطلق للحديث","level":5,"page":1664},{"title":"الوصف بما يتعلق بأحوال الرواة، أو جهالتهم، أو نحوها","level":5,"page":1665},{"title":"فمن أمثلة وصفه لأحد الرواة في الإسناد بالجهالة المطلقة","level":5,"page":1669},{"title":"ممن توقف العراقي في معرفته من الرواة، فتوقف عن درجة حديثه، وما يتعقب به في ذلك","level":5,"page":1674},{"title":"الإشارة إلى الحديث ببيان وجود راو مبهم في السند، أو معدل على الإبهام","level":5,"page":1682},{"title":"الإشارة إلى درجة الحديث بوصف الراوي بأنه «متكلم فيه»","level":5,"page":1683},{"title":"تصريح العراقي بوصف الراوي ببعض الألفاظ الاصطلاحية، إشارة إلى درجة الحديث من طريقه","level":5,"page":1687},{"title":"إشارة العراقي لدرجة الحديث بوصف راويه بأنه «مختلف فيه»، أو ذكر ما يفيد الخلاف فيه، دون تصريح بالراجح","level":5,"page":1691},{"title":"الوصف بما يتعلق بحال الإسناد، للإشارة به إلى درجة الحديث","level":5,"page":1700},{"title":"ذكر الإعضال، مشارا به إلى درجة الحديث","level":5,"page":1711},{"title":"ذكر العراقي التعليق في الإسناد، للإشارة به إلى درجة الحديث","level":5,"page":1717},{"title":"ذكر العراقي أيضا «البلاغ» مشيرا به إلى درجة الحديث وبعض ما ينتقد عليه، فيه","level":5,"page":1719},{"title":"إشارة العراقي إلى درجة الحديث بعنعنة المدلس القادحة","level":5,"page":1725},{"title":"بيان العراقي للضعف الشديد للحديث، وتعقب المخالف","level":5,"page":1726},{"title":"فمما ذكر العراقي فيه أكثر من سبب للضعف: -","level":5,"page":1732},{"title":"جمع العراقي بين الحكم بشدة الضعف، والرد على من خالف في ذلك","level":5,"page":1738},{"title":"مما يتعقب به العراقي في بعض اصطلاحات التخريج، وتضعيف بعض الأحاديث","level":5,"page":1740},{"title":"بيان العراقي لدرجة الحديث المختلف على بعض رواته، واختلافه مع غيره في هذا","level":5,"page":1748},{"title":"تصريح العراقي بوصف الحديث بالاضطراب، ونقده في ذلك","level":5,"page":1757},{"title":"من نقد العراقي لمتن الحديث بالنكارة أو الشذوذ أو نحوهما","level":5,"page":1763},{"title":"عناية العراقي بذكر ما يجبر ضعف الحديث، أو يغنى عنه في الاستدلال","level":5,"page":1775},{"title":"بيان العراقي للحديث الموضوع، مع المقارنة، وتحقيق القول بتساهله في ذلك","level":5,"page":1778},{"title":"من اختلاف حكم العراقي على الحديث بالضعف والوضع","level":5,"page":1822},{"title":"من الأحكام العامة للعراقي على مجموعة الأسانيد أو المتون الخاصة بحديث معين، أو بموضوع معين","level":5,"page":1830},{"title":"التعقب والاستدراك على العراقي في كتابه «المغني» والتأليف في ذلك","level":5,"page":1837},{"title":"أولا: تعقبات واستدراكات متفرقة من بعض العلماء المتأخرين عن العراقي، مع استفادتهم مما لم ينتقدوه فيه.","level":6,"page":1837},{"title":"ثانيا: تعقبات واستدراكات مجتمعة في تأليف","level":6,"page":1840},{"title":"أثر كتاب المغني فيما بعده","level":5,"page":1843},{"title":"الاستنتاج العام لأثر الكتاب","level":5,"page":1852},{"title":"تخريج أحاديث وآثار كتاب: منهاج الوصول إلى علم الأصول","level":3,"page":1853},{"title":"أولا: التعريف بكتاب منهاج الوصول، واعتناء العلماء به.","level":4,"page":1853},{"title":"ثانيا: ممن شارك العراقى فى تخريج أحاديث الكتاب وآثاره","level":4,"page":1854},{"title":"ثالثا: تسمية الكتاب، وثبوت نسبته إلى العراقي، وزمن تأليفه له","level":4,"page":1855},{"title":"رابعا: نسخ الكتاب الخطية، وطبعاته، وتقويمهما.","level":4,"page":1859},{"title":"خامسا: طبعات الكتاب وتقويمها","level":4,"page":1864},{"title":"سابعا: منهج العراقي في الكتاب، مع المقارن والتقويم","level":4,"page":1868},{"title":"أ - نوع التخريج","level":5,"page":1868},{"title":"ب - مصارد العراقي في الكتاب","level":5,"page":1869},{"title":"ج - بيانه لدرجة الأحاديث","level":5,"page":1870},{"title":"د - مما خالف فيه العراقي غيره في بيان درجة الأحاديث","level":5,"page":1887},{"title":"ثامنا: أهم مميزات الكتاب","level":4,"page":1892},{"title":"تاسعا: من المآخذ على الكتاب","level":4,"page":1896},{"title":"عاشرا: أثر الكتاب فيما بعده","level":4,"page":1899},{"title":"تأليف العراقي في تخريج بعض الأربعينات الحديثية وفي عواليها","level":3,"page":1904},{"title":"التعريف بالأربعينات الحديثية وعواليها","level":4,"page":1904},{"title":"أولا: تخريج الأربعين حديثا العشارية الإسناد، للعراقي","level":4,"page":1908},{"title":"١ - نسبة الكتاب إلى العراقي","level":5,"page":1908},{"title":"٢ - تسمية الكتاب وتاريخ تأليفه","level":5,"page":1908},{"title":"من نسخ الكتاب الخطية، وطبعه","level":6,"page":1911},{"title":"أسباب تأليف الكتاب، وموضوعه","level":6,"page":1915},{"title":"منهج العراقي في الكتاب، عرضا، وتحليلا مقارنا، وتقويما.","level":6,"page":1917},{"title":"أولا: مصادر العراقي في الكتاب","level":7,"page":1917},{"title":"ثانيا: طريقة العراقي في تخريج أحاديث الكتاب","level":7,"page":1923},{"title":"ثالثا: التزامه في الكتاب بعلو الإسناد، مع قبوله، وبيانه لنوع العلو، ولبعض لطائف الإسناد.","level":7,"page":1926},{"title":"أ - بيانه للصحيح، والحال رواته، وللمتواتر منه.","level":8,"page":1940},{"title":"ب - بيانه للحسن، ولحال رواته.","level":8,"page":1947},{"title":"جـ - بيانه للضعيف أو الموضوع، والحال راويهما، ونقده لغيره في هذا","level":8,"page":1964},{"title":"أثر الكتاب فيما بعده","level":6,"page":1996},{"title":"ثانيا: تخريج العراقي للأربعين حديثا النووية","level":4,"page":2000},{"title":"أ - نسبة الكتاب إلى العراقى، وبيان عدم الوقوف على تسميته","level":5,"page":2000},{"title":"ب - التعريف بالكتاب إجمالا، وتاريخ تأليفه، وافتقاد نسخه حاليا.","level":5,"page":2000},{"title":"ثالثا: تخريج أربعين حديثا من تساعيات البياني","level":4,"page":2004},{"title":"١ - نسبة الكتاب إلى العراقي، وتحديد المراد «بالبياني» الذي يروي هذه التساعيات","level":5,"page":2004},{"title":"٢ - ما وقفت عليه من نسخ الكتاب","level":5,"page":2005},{"title":"٣ - عنوان النسخة: جزء فيه أربعون حديثا تساعيات الإسناد.","level":5,"page":2005},{"title":"٤ - إسناد النسخة","level":5,"page":2005},{"title":"٥ - موضوع الكتاب","level":5,"page":2006},{"title":"٦ - منهج العراقي في الكتاب","level":5,"page":2007},{"title":"أولا: المصادر المباشرة في هذا الكتاب ليست شيوخ العراقي","level":6,"page":2007},{"title":"ثانيا: في الأربعين العشارية للعراقي جمع بين التخريج بالرواية بإسناده وبين التخريج بالعزو إلى المصادر الحديثية الأصلية، وذلك في أغلب الأحاديث أما هنا ففعل العكس","level":6,"page":2007},{"title":"ثالثا: بيانه لدرجات الأحاديث وأحوال الرواة، مع المقارنة والنقد","level":6,"page":2008},{"title":"أ - أشار العراقي في عشارياته - كما تقدم - إلى حرصه والتزامه فيها - مع علو الإسناد - بأن يكون صحيحا أو حسنا","level":7,"page":2008},{"title":"ب - وقد أخرج العراقي في هذه الأربعين خمسة أحاديث من طريق سلمة بن وزدان","level":7,"page":2010},{"title":"ج - قد ظهر في هذه الأربعين أيضا تطبيق العراقي للحكم بتحسين الحديث لغيره، حسب التعريف الاصطلاحي له عند الترمذي واستقرار عمل من بعده عليه إلى الآن","level":7,"page":2013},{"title":"د - لكن لم يلتزم العراقي بهذا في بقية أحاديث الكتاب التي تحتاج إلى ما يجبر ضعفها","level":7,"page":2014},{"title":"هـ - ذكره الوصف بالحسن خلاف الاصطلاح العام، ورده.","level":7,"page":2016},{"title":"و- بيانه للانقطاع في موضع التصريح بالتحديث","level":7,"page":2019},{"title":"من مميزات الكتاب","level":5,"page":2023},{"title":"بعض المآخذ على الكتاب","level":5,"page":2023},{"title":"أثر الكتاب فيما بعده","level":5,"page":2024},{"title":"رابعا: تخريج عشرين حديثا من ثمانيات البياني","level":4,"page":2030},{"title":"نسبة الكتاب إلى العراقي، وبيان موضوعه","level":5,"page":2030},{"title":"خامسا: تخريج أربعين حديثا تساعيات الإسناد من مرويات الميدومي","level":4,"page":2032},{"title":"نسبة الكتاب إلى العراقي وبيان موضوعه.","level":5,"page":2032},{"title":"سادسا: تخريج أربعين حديثا بلدانية، من مرويات العراقي نفسه","level":4,"page":2034},{"title":"١ - نسبة الكتاب إلى العراقي، وبيان موضوعه، وما أنجزه العراقي منه","level":5,"page":2034},{"title":"٢ - مشتملات الكتاب، ودرجة أحاديثه إجمالا.","level":5,"page":2036},{"title":"٣ - أثر الكتاب فيما بعده","level":5,"page":2037},{"title":"تخريجه للأمالي الحديثية","level":3,"page":2040},{"title":"١ - الأمالي المتفرقة وأثرها","level":4,"page":2040},{"title":"أ - الحديث المسلسل بالأولية، وشرحه","level":5,"page":2040},{"title":"ب - ما كان العراقي يستفتح به مجالس إملائه، وتحديد يوم الإملاء وإعداد مادته العلمية وحفظها، والمقارنة الإجمالية لها.","level":5,"page":2043},{"title":"جـ - المجلسان العاشر والحادي عشر من الأمالي المتفرقة «عرض وتحليل».","level":5,"page":2044},{"title":"د - المجلس الثاني والثمانون من الأمالي، وأثره. «عرض وتحليل ومقارنة»","level":5,"page":2047},{"title":"٢ - الإملاء لكتاب مستقل من مؤلفات العراقي.","level":4,"page":2053},{"title":"أ - تخريج طرق حديث «الموت كفارة لكل مسلم».","level":5,"page":2053},{"title":"أولا: المراد بطرق الحديث","level":6,"page":2053},{"title":"ثانيا: إملاء العراقي كتاب «طرق حديث: الموت كفارة لكل مسلم»","level":6,"page":2054},{"title":"نسبته إلى العراقي، وموضوعه، وأثره","level":7,"page":2054},{"title":"ب - إملاء العراقي «كتاب تخريج الأربعين حديثا النووية»","level":5,"page":2059},{"title":"ج - تأليف العراقي في المستخرجات، وإملاؤه لما ألفه، وأثره.","level":5,"page":2059},{"title":"تعريف الاستخراج، والمستخرج، وأهميته","level":6,"page":2059},{"title":"١ - كتاب: المستخرج على كتاب الأمالي الشارحة لأبى القاسم الرافعي","level":6,"page":2060},{"title":"موضوع الكتاب، وأهميته","level":7,"page":2062},{"title":"أنموذج تحليلى من الكتاب","level":7,"page":2063},{"title":"التحليل والاستنتاج","level":7,"page":2069},{"title":"أثر المستخرج على أمالي الرافعي فيما بعده","level":7,"page":2076},{"title":"٢ - كتاب المستخرج على المستدرك على الصحيحين للحاكم أبي عبد الله","level":6,"page":2080},{"title":"أنموذج تحليلي من الكتاب.","level":7,"page":2083},{"title":"طريقة العراقي في الاستخراج والتخريج","level":7,"page":2085},{"title":"من بيان العراقي لدرجات الحديث، وللصناعة الحديثية، وموقفه من النقاد وقبله","level":7,"page":2089},{"title":"من مواقف العراقي في مستخرجه من الحاكم","level":7,"page":2096},{"title":"مما يتعقب به العراقي في مستخرجه.","level":7,"page":2104},{"title":"سبق العراقي إلى الكتاب، ومميزاته وأثره فيما بعده.","level":7,"page":2106},{"title":"٣ - مختصر كتاب، المائتين، من حديث أبي عثمان الصابوني","level":6,"page":2113},{"title":"نسبة الكتاب للعراقي وموضوعه وحجمه","level":7,"page":2113},{"title":"مما نسب خطأ إلى العراقي من كتب التخريج، جزء عوالى ابن الشيخة.","level":6,"page":2116},{"title":"تأليف العراقي في كتب الأطراف والتعليق عليها","level":5,"page":2118},{"title":"أ - التعريف بكتب الأطراف، وأهميتها في التخريج","level":6,"page":2118},{"title":"ب - كتاب أطراف صحيح ابن حبان، للعراقي، وأهميته، وما أنجزه منه، وأوليته في ذلك","level":6,"page":2119},{"title":"ظهور أثر فكرة الكتاب، رغم افتقاده حاليا","level":7,"page":2121},{"title":"ج - حواشي العراقي على تحفة الأشراف للمزي","level":6,"page":2122},{"title":"١ - نسبتها للعراقي وتاريخ الفراغ منها، ومحتواها العام","level":7,"page":2122},{"title":"٢ - أثر حواشي العراقي فيما بعده","level":7,"page":2127},{"title":"القسم الثاني: تأليف العراقي وآراؤه في فقه السنة وشرحها وبيان غريبها وأثر ذلك","level":2,"page":2128},{"title":"أولا: تقريب الأسانيد وترتيب المسانيد","level":3,"page":2129},{"title":"نسبة الكتاب إلى العراقي","level":4,"page":2129},{"title":"تسمية الكتاب. وبيان مناسبة الاسم للمسمى","level":4,"page":2130},{"title":"نسخ الكتاب الخطية","level":4,"page":2131},{"title":"موضوع الكتاب، والهدف منه ونقده، وشرط المؤلف في أصله، وأوليته في ذلك.","level":4,"page":2138},{"title":"مصادر العراقي في الكتاب","level":4,"page":2150},{"title":"تبويب أحاديث الكتاب، ودلالة تراجمه على فقه العراقي للسنة ومقارنته، وتأثره بغيره.","level":4,"page":2154},{"title":"بعض ما انتقد على العراقي في مناسبة التراجم لما ذكر تحتها من الأحاديث","level":4,"page":2163},{"title":"استنباط العراقي لبعض الأحكام من الحديث","level":4,"page":2164},{"title":"تخريجه للأحاديث وسوقه لها، واصطلاحاته في ذلك","level":4,"page":2165},{"title":"أما سوق المتون وتخريجها، فسلك العراقي فيه مسلكين","level":4,"page":2169},{"title":"من نقد تخريجه للأحاديث ومخالفته لاصطلاحه في ذلك","level":4,"page":2170},{"title":"بيان العراقي لدرجات الأحاديث.","level":4,"page":2172},{"title":"أولا: شرطه في أصل أحاديث الكتاب","level":5,"page":2172},{"title":"ثانيا: من بيان العراقي لدرجات الأحاديث أيضا تخريج الحديث بالعزو إلى بعض المصادر التي اشترط مؤلفوها فيها الصحة","level":5,"page":2173},{"title":"جوانب الصناعة الحديثية","level":4,"page":2180},{"title":"بيانه لأحوال الرواة، والتعريف بالمبهم","level":4,"page":2181},{"title":"بيانه لانقطاع الإسناد بالإرسال، أو التعليق، أو البلاغ، أو التدليس، مع بيان الوصل، في الغالب","level":4,"page":2190},{"title":"بيانه للعلة إثباتا أو نفيا","level":4,"page":2196},{"title":"مما يتعقب به العراقي في الإعلال","level":4,"page":2206},{"title":"بيانه للناسخ والمنسوخ","level":4,"page":2209},{"title":"أثر الكتاب فيما بعده","level":4,"page":2210}],"ٛ":{"1,4":1,"1,5":2,"1,6":3,"1,7":4,"1,8":5,"1,9":6,"1,10":7,"1,11":8,"1,12":9,"1,13":10,"1,14":11,"1,15":12,"1,16":13,"1,18":14,"1,19":15,"1,21":16,"1,23":17,"1,24":18,"1,25":19,"1,26":20,"1,27":21,"1,28":22,"1,29":23,"1,30":24,"1,31":25,"1,32":26,"1,33":27,"1,34":28,"1,35":29,"1,36":30,"1,37":31,"1,38":32,"1,39":33,"1,40":34,"1,41":35,"1,42":36,"1,43":37,"1,44":38,"1,45":39,"1,46":40,"1,47":41,"1,48":42,"1,49":43,"1,50":44,"1,51":45,"1,52":46,"1,53":47,"1,54":48,"1,55":49,"1,56":50,"1,57":51,"1,58":52,"1,59":53,"1,60":54,"1,61":55,"1,63":56,"1,65":57,"1,66":58,"1,67":59,"1,68":60,"1,69":61,"1,70":62,"1,71":63,"1,72":64,"1,73":65,"1,74":66,"1,75":67,"1,76":68,"1,77":69,"1,78":70,"1,79":71,"1,80":72,"1,81":73,"1,82":74,"1,84":75,"1,85":76,"1,86":77,"1,87":78,"1,88":79,"1,89":80,"1,90":81,"1,91":82,"1,92":83,"1,93":84,"1,94":85,"1,95":86,"1,96":87,"1,97":88,"1,98":89,"1,99":90,"1,100":91,"1,101":92,"1,102":93,"1,103":94,"1,104":95,"1,105":96,"1,106":97,"1,107":98,"1,108":99,"1,109":100,"1,110":101,"1,111":102,"1,112":103,"1,113":104,"1,114":105,"1,115":106,"1,116":107,"1,117":108,"1,118":109,"1,119":110,"1,120":111,"1,121":112,"1,122":113,"1,123":114,"1,124":115,"1,125":116,"1,126":117,"1,127":118,"1,128":119,"1,129":120,"1,130":121,"1,131":122,"1,132":123,"1,133":124,"1,135":125,"1,137":126,"1,139":127,"1,140":128,"1,141":129,"1,142":130,"1,143":131,"1,144":132,"1,145":133,"1,146":134,"1,147":135,"1,148":136,"1,149":137,"1,150":138,"1,151":139,"1,152":140,"1,153":141,"1,154":142,"1,155":143,"1,156":144,"1,157":145,"1,158":146,"1,159":147,"1,160":148,"1,161":149,"1,162":150,"1,163":151,"1,164":152,"1,165":153,"1,166":154,"1,167":155,"1,168":156,"1,169":157,"1,170":158,"1,171":159,"1,172":160,"1,173":161,"1,175":162,"1,177":163,"1,178":164,"1,179":165,"1,180":166,"1,181":167,"1,182":168,"1,183":169,"1,184":170,"1,185":171,"1,186":172,"1,187":173,"1,188":174,"1,189":175,"1,190":176,"1,191":177,"1,192":178,"1,193":179,"1,194":180,"1,195":181,"1,196":182,"1,197":183,"1,198":184,"1,199":185,"1,200":186,"1,201":187,"1,202":188,"1,203":189,"1,204":190,"1,205":191,"1,206":192,"1,207":193,"1,208":194,"1,209":195,"1,210":196,"1,211":197,"1,212":198,"1,213":199,"1,214":200,"1,215":201,"1,216":202,"1,217":203,"1,218":204,"1,219":205,"1,220":206,"1,221":207,"1,222":208,"1,223":209,"1,224":210,"1,225":211,"1,226":212,"1,227":213,"1,228":214,"1,229":215,"1,230":216,"1,231":217,"1,232":218,"1,233":219,"1,234":220,"1,235":221,"1,236":222,"1,237":223,"1,238":224,"1,239":225,"1,240":226,"1,241":227,"1,242":228,"1,243":229,"1,244":230,"1,245":231,"1,246":232,"1,247":233,"1,248":234,"1,249":235,"1,250":236,"1,252":237,"1,253":238,"1,254":239,"1,255":240,"1,256":241,"1,257":242,"1,258":243,"1,259":244,"1,260":245,"1,261":246,"1,262":247,"1,263":248,"1,264":249,"1,265":250,"1,266":251,"1,267":252,"1,268":253,"1,269":254,"1,270":255,"1,271":256,"1,272":257,"1,273":258,"1,274":259,"1,275":260,"1,276":261,"1,277":262,"1,278":263,"1,279":264,"1,280":265,"1,281":266,"1,282":267,"1,283":268,"1,284":269,"1,285":270,"1,286":271,"1,287":272,"1,288":273,"1,289":274,"1,290":275,"1,291":276,"1,292":277,"1,293":278,"1,294":279,"1,295":280,"1,296":281,"1,297":282,"1,298":283,"1,299":284,"1,300":285,"1,301":286,"1,302":287,"1,303":288,"1,304":289,"1,305":290,"1,306":291,"1,307":292,"1,308":293,"1,309":294,"1,310":295,"1,311":296,"1,312":297,"1,313":298,"1,314":299,"1,315":300,"1,316":301,"1,317":302,"1,318":303,"1,319":304,"1,320":305,"1,321":306,"1,322":307,"1,323":308,"1,324":309,"1,325":310,"1,326":311,"1,327":312,"1,328":313,"1,329":314,"1,330":315,"1,331":316,"1,332":317,"1,333":318,"1,334":319,"1,335":320,"1,336":321,"1,337":322,"1,338":323,"1,339":324,"1,340":325,"1,341":326,"1,342":327,"1,343":328,"1,344":329,"1,345":330,"1,346":331,"1,347":332,"1,348":333,"1,349":334,"1,350":335,"1,351":336,"1,352":337,"1,353":338,"1,354":339,"1,355":340,"1,356":341,"1,357":342,"1,358":343,"1,359":344,"1,360":345,"1,361":346,"1,362":347,"1,363":348,"1,364":349,"1,365":350,"1,366":351,"1,367":352,"1,368":353,"1,369":354,"1,370":355,"1,371":356,"1,372":357,"1,373":358,"1,374":359,"1,375":360,"1,376":361,"1,377":362,"1,378":363,"1,379":364,"1,380":365,"1,381":366,"1,382":367,"1,383":368,"1,384":369,"1,385":370,"1,386":371,"1,387":372,"1,388":373,"1,389":374,"1,390":375,"1,391":376,"1,392":377,"1,393":378,"1,394":379,"1,395":380,"1,396":381,"1,397":382,"1,398":383,"1,399":384,"1,400":385,"1,401":386,"1,402":387,"1,403":388,"1,404":389,"1,405":390,"1,406":391,"1,407":392,"1,408":393,"1,409":394,"1,410":395,"1,411":396,"1,412":397,"1,413":398,"1,414":399,"1,415":400,"1,416":401,"1,417":402,"1,418":403,"1,419":404,"1,420":405,"1,421":406,"1,422":407,"1,423":408,"1,424":409,"1,425":410,"1,426":411,"1,427":412,"1,428":413,"1,429":414,"1,430":415,"1,431":416,"1,432":417,"1,433":418,"1,434":419,"1,435":420,"1,436":421,"1,437":422,"1,438":423,"1,439":424,"1,440":425,"1,441":426,"1,442":427,"1,443":428,"1,444":429,"1,445":430,"1,446":431,"1,447":432,"1,448":433,"1,449":434,"1,450":435,"1,451":436,"1,452":437,"1,453":438,"1,454":439,"1,455":440,"1,456":441,"1,457":442,"1,458":443,"1,459":444,"1,460":445,"1,461":446,"1,462":447,"1,463":448,"1,464":449,"1,465":450,"1,466":451,"1,467":452,"1,468":453,"1,469":454,"1,470":455,"1,471":456,"1,472":457,"1,473":458,"1,474":459,"1,475":460,"1,476":461,"1,477":462,"1,478":463,"1,479":464,"1,480":465,"1,481":466,"1,482":467,"2,483":468,"2,484":469,"2,485":470,"2,486":471,"2,487":472,"2,488":473,"2,489":474,"2,490":475,"2,491":476,"2,492":477,"2,493":478,"2,494":479,"2,495":480,"2,496":481,"2,497":482,"2,498":483,"2,499":484,"2,500":485,"2,501":486,"2,502":487,"2,503":488,"2,504":489,"2,505":490,"2,506":491,"2,507":492,"2,508":493,"2,509":494,"2,510":495,"2,511":496,"2,512":497,"2,513":498,"2,514":499,"2,515":500,"2,516":501,"2,517":502,"2,518":503,"2,519":504,"2,520":505,"2,521":506,"2,522":507,"2,523":508,"2,524":509,"2,525":510,"2,526":511,"2,527":512,"2,528":513,"2,529":514,"2,530":515,"2,531":516,"2,532":517,"2,533":518,"2,534":519,"2,535":520,"2,536":521,"2,537":522,"2,538":523,"2,539":524,"2,540":525,"2,541":526,"2,542":527,"2,543":528,"2,544":529,"2,545":530,"2,546":531,"2,547":532,"2,548":533,"2,549":534,"2,550":535,"2,551":536,"2,552":537,"2,553":538,"2,554":539,"2,555":540,"2,556":541,"2,557":542,"2,558":543,"2,559":544,"2,560":545,"2,561":546,"2,562":547,"2,563":548,"2,564":549,"2,565":550,"2,566":551,"2,567":552,"2,568":553,"2,569":554,"2,570":555,"2,571":556,"2,572":557,"2,573":558,"2,574":559,"2,575":560,"2,576":561,"2,577":562,"2,578":563,"2,579":564,"2,580":565,"2,581":566,"2,582":567,"2,583":568,"2,584":569,"2,585":570,"2,586":571,"2,587":572,"2,588":573,"2,589":574,"2,590":575,"2,591":576,"2,592":577,"2,593":578,"2,594":579,"2,595":580,"2,596":581,"2,597":582,"2,598":583,"2,599":584,"2,600":585,"2,601":586,"2,602":587,"2,603":588,"2,604":589,"2,605":590,"2,606":591,"2,607":592,"2,608":593,"2,609":594,"2,610":595,"2,611":596,"2,612":597,"2,613":598,"2,614":599,"2,615":600,"2,616":601,"2,617":602,"2,618":603,"2,619":604,"2,620":605,"2,621":606,"2,622":607,"2,623":608,"2,624":609,"2,625":610,"2,626":611,"2,627":612,"2,628":613,"2,629":614,"2,630":615,"2,631":616,"2,632":617,"2,633":618,"2,634":619,"2,635":620,"2,636":621,"2,637":622,"2,638":623,"2,639":624,"2,640":625,"2,641":626,"2,642":627,"2,643":628,"2,644":629,"2,645":630,"2,646":631,"2,647":632,"2,648":633,"2,649":634,"2,650":635,"2,651":636,"2,652":637,"2,653":638,"2,654":639,"2,655":640,"2,657":641,"2,659":642,"2,661":643,"2,663":644,"2,664":645,"2,665":646,"2,666":647,"2,667":648,"2,668":649,"2,669":650,"2,670":651,"2,671":652,"2,672":653,"2,673":654,"2,674":655,"2,675":656,"2,676":657,"2,677":658,"2,678":659,"2,679":660,"2,680":661,"2,681":662,"2,682":663,"2,683":664,"2,684":665,"2,685":666,"2,686":667,"2,687":668,"2,688":669,"2,689":670,"2,690":671,"2,691":672,"2,692":673,"2,693":674,"2,694":675,"2,695":676,"2,696":677,"2,697":678,"2,698":679,"2,699":680,"2,700":681,"2,701":682,"2,702":683,"2,703":684,"2,704":685,"2,705":686,"2,706":687,"2,707":688,"2,708":689,"2,709":690,"2,710":691,"2,711":692,"2,712":693,"2,713":694,"2,714":695,"2,715":696,"2,716":697,"2,717":698,"2,718":699,"2,719":700,"2,720":701,"2,721":702,"2,722":703,"2,723":704,"2,724":705,"2,725":706,"2,726":707,"2,727":708,"2,728":709,"2,729":710,"2,730":711,"2,731":712,"2,732":713,"2,733":714,"2,734":715,"2,735":716,"2,736":717,"2,737":718,"2,738":719,"2,739":720,"2,740":721,"2,741":722,"2,742":723,"2,743":724,"2,744":725,"2,745":726,"2,746":727,"2,747":728,"2,748":729,"2,749":730,"2,750":731,"2,751":732,"2,752":733,"2,753":734,"2,754":735,"2,755":736,"2,756":737,"2,757":738,"2,758":739,"2,759":740,"2,760":741,"2,761":742,"2,762":743,"2,763":744,"2,764":745,"2,765":746,"2,766":747,"2,767":748,"2,768":749,"2,769":750,"2,770":751,"2,771":752,"2,772":753,"2,773":754,"2,774":755,"2,775":756,"2,776":757,"2,777":758,"2,778":759,"2,779":760,"2,780":761,"2,781":762,"2,782":763,"2,783":764,"2,784":765,"2,785":766,"2,786":767,"2,787":768,"2,788":769,"2,789":770,"2,790":771,"2,791":772,"2,792":773,"2,793":774,"2,794":775,"2,795":776,"2,796":777,"2,797":778,"2,798":779,"2,799":780,"2,800":781,"2,801":782,"2,802":783,"2,803":784,"2,804":785,"2,805":786,"2,806":787,"2,807":788,"2,808":789,"2,809":790,"2,810":791,"2,811":792,"2,812":793,"2,813":794,"2,814":795,"2,815":796,"2,816":797,"2,817":798,"2,818":799,"2,819":800,"2,820":801,"2,821":802,"2,822":803,"2,823":804,"2,824":805,"2,825":806,"2,826":807,"2,827":808,"2,828":809,"2,829":810,"2,830":811,"2,831":812,"2,832":813,"2,833":814,"2,834":815,"2,835":816,"2,836":817,"2,837":818,"2,838":819,"2,839":820,"2,840":821,"2,841":822,"2,842":823,"2,843":824,"2,844":825,"2,845":826,"2,846":827,"2,847":828,"2,848":829,"2,849":830,"2,850":831,"2,851":832,"2,852":833,"2,853":834,"2,854":835,"2,855":836,"2,856":837,"2,857":838,"2,858":839,"2,859":840,"2,860":841,"2,861":842,"2,862":843,"2,863":844,"2,864":845,"2,865":846,"2,866":847,"2,867":848,"2,868":849,"2,869":850,"2,870":851,"2,871":852,"2,872":853,"2,873":854,"2,874":855,"2,875":856,"2,876":857,"2,877":858,"2,878":859,"2,879":860,"2,880":861,"2,881":862,"2,882":863,"2,883":864,"2,884":865,"2,885":866,"2,886":867,"2,887":868,"2,888":869,"2,889":870,"2,890":871,"2,891":872,"2,892":873,"2,893":874,"2,894":875,"2,895":876,"2,896":877,"2,897":878,"2,898":879,"2,899":880,"2,900":881,"2,901":882,"2,902":883,"2,903":884,"2,904":885,"2,905":886,"2,906":887,"2,907":888,"2,908":889,"2,909":890,"2,910":891,"2,911":892,"2,912":893,"2,913":894,"2,914":895,"2,915":896,"2,916":897,"2,917":898,"2,918":899,"2,919":900,"2,920":901,"2,921":902,"2,922":903,"2,923":904,"2,924":905,"2,925":906,"2,926":907,"2,927":908,"2,928":909,"3,929":910,"3,930":911,"3,931":912,"3,932":913,"3,933":914,"3,934":915,"3,935":916,"3,936":917,"3,937":918,"3,938":919,"3,939":920,"3,940":921,"3,941":922,"3,942":923,"3,943":924,"3,944":925,"3,945":926,"3,946":927,"3,947":928,"3,948":929,"3,949":930,"3,950":931,"3,951":932,"3,952":933,"3,953":934,"3,954":935,"3,955":936,"3,956":937,"3,957":938,"3,958":939,"3,959":940,"3,960":941,"3,961":942,"3,962":943,"3,963":944,"3,964":945,"3,965":946,"3,966":947,"3,967":948,"3,968":949,"3,969":950,"3,970":951,"3,971":952,"3,972":953,"3,973":954,"3,974":955,"3,975":956,"3,976":957,"3,977":958,"3,978":959,"3,979":960,"3,980":961,"3,981":962,"3,982":963,"3,983":964,"3,984":965,"3,985":966,"3,986":967,"3,987":968,"3,988":969,"3,989":970,"3,990":971,"3,991":972,"3,992":973,"3,993":974,"3,994":975,"3,995":976,"3,996":977,"3,997":978,"3,998":979,"3,999":980,"3,1000":981,"3,1001":982,"3,1002":983,"3,1003":984,"3,1004":985,"3,1005":986,"3,1006":987,"3,1007":988,"3,1008":989,"3,1009":990,"3,1010":991,"3,1011":992,"3,1012":993,"3,1013":994,"3,1014":995,"3,1015":996,"3,1016":997,"3,1017":998,"3,1018":999,"3,1019":1000,"3,1020":1001,"3,1021":1002,"3,1022":1003,"3,1023":1004,"3,1024":1005,"3,1025":1006,"3,1026":1007,"3,1027":1008,"3,1028":1009,"3,1029":1010,"3,1030":1011,"3,1031":1012,"3,1032":1013,"3,1033":1014,"3,1034":1015,"3,1035":1016,"3,1036":1017,"3,1037":1018,"3,1038":1019,"3,1039":1020,"3,1040":1021,"3,1041":1022,"3,1042":1023,"3,1043":1024,"3,1044":1025,"3,1045":1026,"3,1046":1027,"3,1047":1028,"3,1048":1029,"3,1049":1030,"3,1050":1031,"3,1051":1032,"3,1053":1033,"3,1055":1034,"3,1056":1035,"3,1057":1036,"3,1058":1037,"3,1059":1038,"3,1060":1039,"3,1061":1040,"3,1062":1041,"3,1063":1042,"3,1064":1043,"3,1065":1044,"3,1066":1045,"3,1067":1046,"3,1068":1047,"3,1069":1048,"3,1070":1049,"3,1071":1050,"3,1072":1051,"3,1073":1052,"3,1074":1053,"3,1075":1054,"3,1076":1055,"3,1077":1056,"3,1078":1057,"3,1079":1058,"3,1080":1059,"3,1081":1060,"3,1082":1061,"3,1083":1062,"3,1084":1063,"3,1085":1064,"3,1086":1065,"3,1087":1066,"3,1088":1067,"3,1089":1068,"3,1090":1069,"3,1091":1070,"3,1092":1071,"3,1093":1072,"3,1094":1073,"3,1095":1074,"3,1096":1075,"3,1097":1076,"3,1098":1077,"3,1099":1078,"3,1100":1079,"3,1101":1080,"3,1102":1081,"3,1103":1082,"3,1104":1083,"3,1105":1084,"3,1106":1085,"3,1107":1086,"3,1108":1087,"3,1109":1088,"3,1110":1089,"3,1111":1090,"3,1112":1091,"3,1113":1092,"3,1114":1093,"3,1115":1094,"3,1116":1095,"3,1117":1096,"3,1118":1097,"3,1119":1098,"3,1120":1099,"3,1121":1100,"3,1122":1101,"3,1123":1102,"3,1124":1103,"3,1125":1104,"3,1126":1105,"3,1127":1106,"3,1128":1107,"3,1129":1108,"3,1130":1109,"3,1131":1110,"3,1132":1111,"3,1133":1112,"3,1134":1113,"3,1135":1114,"3,1136":1115,"3,1137":1116,"3,1138":1117,"3,1139":1118,"3,1140":1119,"3,1141":1120,"3,1142":1121,"3,1143":1122,"3,1144":1123,"3,1145":1124,"3,1146":1125,"3,1147":1126,"3,1148":1127,"3,1149":1128,"3,1150":1129,"3,1151":1130,"3,1152":1131,"3,1153":1132,"3,1154":1133,"3,1155":1134,"3,1156":1135,"3,1157":1136,"3,1158":1137,"3,1159":1138,"3,1160":1139,"3,1161":1140,"3,1162":1141,"3,1163":1142,"3,1164":1143,"3,1165":1144,"3,1166":1145,"3,1167":1146,"3,1168":1147,"3,1169":1148,"3,1170":1149,"3,1171":1150,"3,1172":1151,"3,1173":1152,"3,1174":1153,"3,1175":1154,"3,1176":1155,"3,1177":1156,"3,1178":1157,"3,1179":1158,"3,1180":1159,"3,1181":1160,"3,1182":1161,"3,1183":1162,"3,1184":1163,"3,1185":1164,"3,1186":1165,"3,1187":1166,"3,1188":1167,"3,1189":1168,"3,1190":1169,"3,1191":1170,"3,1192":1171,"3,1193":1172,"3,1194":1173,"3,1195":1174,"3,1196":1175,"3,1197":1176,"3,1198":1177,"3,1199":1178,"3,1200":1179,"3,1201":1180,"3,1202":1181,"3,1203":1182,"3,1204":1183,"3,1205":1184,"3,1206":1185,"3,1207":1186,"3,1208":1187,"3,1209":1188,"3,1210":1189,"3,1211":1190,"3,1212":1191,"3,1213":1192,"3,1214":1193,"3,1215":1194,"3,1216":1195,"3,1217":1196,"3,1218":1197,"3,1219":1198,"3,1220":1199,"3,1221":1200,"3,1222":1201,"3,1223":1202,"3,1224":1203,"3,1225":1204,"3,1226":1205,"3,1227":1206,"3,1228":1207,"3,1229":1208,"3,1230":1209,"3,1231":1210,"3,1232":1211,"3,1233":1212,"3,1234":1213,"3,1235":1214,"3,1236":1215,"3,1237":1216,"3,1238":1217,"3,1239":1218,"3,1240":1219,"3,1241":1220,"3,1242":1221,"3,1243":1222,"3,1244":1223,"3,1245":1224,"3,1246":1225,"3,1247":1226,"3,1248":1227,"3,1249":1228,"3,1250":1229,"3,1251":1230,"3,1252":1231,"3,1253":1232,"3,1254":1233,"3,1255":1234,"3,1256":1235,"3,1257":1236,"3,1258":1237,"3,1259":1238,"3,1260":1239,"3,1261":1240,"3,1262":1241,"3,1263":1242,"3,1264":1243,"3,1265":1244,"3,1266":1245,"3,1267":1246,"3,1268":1247,"3,1269":1248,"3,1270":1249,"3,1271":1250,"3,1272":1251,"3,1273":1252,"3,1274":1253,"3,1275":1254,"3,1276":1255,"3,1277":1256,"3,1278":1257,"3,1279":1258,"3,1280":1259,"3,1281":1260,"3,1282":1261,"3,1283":1262,"3,1284":1263,"3,1285":1264,"3,1286":1265,"3,1287":1266,"3,1288":1267,"3,1289":1268,"3,1290":1269,"3,1291":1270,"3,1292":1271,"3,1293":1272,"3,1295":1273,"3,1297":1274,"3,1299":1275,"3,1300":1276,"3,1301":1277,"3,1302":1278,"3,1303":1279,"3,1304":1280,"3,1305":1281,"3,1306":1282,"3,1307":1283,"3,1308":1284,"3,1309":1285,"3,1310":1286,"3,1311":1287,"3,1312":1288,"3,1313":1289,"3,1314":1290,"3,1315":1291,"3,1316":1292,"3,1317":1293,"3,1318":1294,"3,1319":1295,"3,1320":1296,"3,1321":1297,"3,1322":1298,"3,1323":1299,"3,1324":1300,"3,1325":1301,"3,1326":1302,"3,1327":1303,"3,1328":1304,"3,1329":1305,"3,1330":1306,"3,1331":1307,"3,1332":1308,"3,1333":1309,"3,1334":1310,"3,1335":1311,"3,1336":1312,"3,1337":1313,"3,1338":1314,"3,1339":1315,"3,1340":1316,"3,1341":1317,"3,1342":1318,"3,1343":1319,"3,1344":1320,"3,1345":1321,"3,1346":1322,"3,1347":1323,"3,1348":1324,"3,1349":1325,"3,1350":1326,"3,1351":1327,"3,1352":1328,"3,1353":1329,"3,1354":1330,"3,1355":1331,"3,1356":1332,"3,1357":1333,"3,1358":1334,"3,1359":1335,"3,1360":1336,"3,1361":1337,"3,1362":1338,"3,1363":1339,"3,1364":1340,"3,1365":1341,"3,1366":1342,"3,1367":1343,"3,1368":1344,"4,1369":1345,"4,1370":1346,"4,1371":1347,"4,1372":1348,"4,1373":1349,"4,1374":1350,"4,1375":1351,"4,1376":1352,"4,1377":1353,"4,1378":1354,"4,1379":1355,"4,1380":1356,"4,1381":1357,"4,1382":1358,"4,1383":1359,"4,1384":1360,"4,1385":1361,"4,1386":1362,"4,1387":1363,"4,1388":1364,"4,1389":1365,"4,1390":1366,"4,1391":1367,"4,1392":1368,"4,1393":1369,"4,1394":1370,"4,1395":1371,"4,1396":1372,"4,1397":1373,"4,1398":1374,"4,1399":1375,"4,1400":1376,"4,1401":1377,"4,1402":1378,"4,1403":1379,"4,1404":1380,"4,1405":1381,"4,1406":1382,"4,1407":1383,"4,1408":1384,"4,1409":1385,"4,1410":1386,"4,1411":1387,"4,1412":1388,"4,1413":1389,"4,1414":1390,"4,1415":1391,"4,1416":1392,"4,1417":1393,"4,1418":1394,"4,1419":1395,"4,1420":1396,"4,1421":1397,"4,1422":1398,"4,1423":1399,"4,1424":1400,"4,1425":1401,"4,1426":1402,"4,1427":1403,"4,1428":1404,"4,1429":1405,"4,1430":1406,"4,1431":1407,"4,1432":1408,"4,1433":1409,"4,1434":1410,"4,1435":1411,"4,1436":1412,"4,1437":1413,"4,1438":1414,"4,1439":1415,"4,1440":1416,"4,1441":1417,"4,1442":1418,"4,1443":1419,"4,1444":1420,"4,1445":1421,"4,1446":1422,"4,1447":1423,"4,1448":1424,"4,1449":1425,"4,1450":1426,"4,1451":1427,"4,1452":1428,"4,1453":1429,"4,1454":1430,"4,1455":1431,"4,1456":1432,"4,1457":1433,"4,1458":1434,"4,1459":1435,"4,1460":1436,"4,1461":1437,"4,1462":1438,"4,1463":1439,"4,1464":1440,"4,1465":1441,"4,1466":1442,"4,1467":1443,"4,1468":1444,"4,1469":1445,"4,1470":1446,"4,1471":1447,"4,1472":1448,"4,1473":1449,"4,1474":1450,"4,1475":1451,"4,1476":1452,"4,1477":1453,"4,1478":1454,"4,1479":1455,"4,1480":1456,"4,1481":1457,"4,1482":1458,"4,1483":1459,"4,1484":1460,"4,1485":1461,"4,1486":1462,"4,1487":1463,"4,1488":1464,"4,1489":1465,"4,1490":1466,"4,1491":1467,"4,1492":1468,"4,1493":1469,"4,1494":1470,"4,1495":1471,"4,1496":1472,"4,1497":1473,"4,1498":1474,"4,1499":1475,"4,1500":1476,"4,1501":1477,"4,1502":1478,"4,1503":1479,"4,1504":1480,"4,1505":1481,"4,1506":1482,"4,1507":1483,"4,1508":1484,"4,1509":1485,"4,1510":1486,"4,1511":1487,"4,1512":1488,"4,1513":1489,"4,1514":1490,"4,1515":1491,"4,1516":1492,"4,1517":1493,"4,1518":1494,"4,1519":1495,"4,1520":1496,"4,1521":1497,"4,1522":1498,"4,1523":1499,"4,1524":1500,"4,1525":1501,"4,1526":1502,"4,1527":1503,"4,1528":1504,"4,1529":1505,"4,1530":1506,"4,1531":1507,"4,1532":1508,"4,1533":1509,"4,1534":1510,"4,1535":1511,"4,1536":1512,"4,1537":1513,"4,1538":1514,"4,1539":1515,"4,1540":1516,"4,1541":1517,"4,1542":1518,"4,1543":1519,"4,1544":1520,"4,1545":1521,"4,1546":1522,"4,1547":1523,"4,1548":1524,"4,1549":1525,"4,1550":1526,"4,1551":1527,"4,1552":1528,"4,1553":1529,"4,1554":1530,"4,1555":1531,"4,1556":1532,"4,1557":1533,"4,1558":1534,"4,1559":1535,"4,1560":1536,"4,1561":1537,"4,1562":1538,"4,1563":1539,"4,1564":1540,"4,1565":1541,"4,1566":1542,"4,1567":1543,"4,1568":1544,"4,1569":1545,"4,1570":1546,"4,1571":1547,"4,1572":1548,"4,1573":1549,"4,1574":1550,"4,1575":1551,"4,1576":1552,"4,1577":1553,"4,1578":1554,"4,1579":1555,"4,1580":1556,"4,1581":1557,"4,1582":1558,"4,1583":1559,"4,1584":1560,"4,1585":1561,"4,1586":1562,"4,1587":1563,"4,1588":1564,"4,1589":1565,"4,1590":1566,"4,1591":1567,"4,1592":1568,"4,1593":1569,"4,1594":1570,"4,1595":1571,"4,1596":1572,"4,1597":1573,"4,1598":1574,"4,1599":1575,"4,1600":1576,"4,1601":1577,"4,1602":1578,"4,1603":1579,"4,1604":1580,"4,1605":1581,"4,1606":1582,"4,1607":1583,"4,1608":1584,"4,1609":1585,"4,1610":1586,"4,1611":1587,"4,1612":1588,"4,1613":1589,"4,1614":1590,"4,1615":1591,"4,1616":1592,"4,1617":1593,"4,1618":1594,"4,1619":1595,"4,1620":1596,"4,1621":1597,"4,1622":1598,"4,1623":1599,"4,1624":1600,"4,1625":1601,"4,1626":1602,"4,1627":1603,"4,1628":1604,"4,1629":1605,"4,1630":1606,"4,1631":1607,"4,1632":1608,"4,1633":1609,"4,1634":1610,"4,1635":1611,"4,1636":1612,"4,1637":1613,"4,1638":1614,"4,1639":1615,"4,1640":1616,"4,1641":1617,"4,1642":1618,"4,1643":1619,"4,1644":1620,"4,1645":1621,"4,1646":1622,"4,1647":1623,"4,1648":1624,"4,1649":1625,"4,1650":1626,"4,1651":1627,"4,1652":1628,"4,1653":1629,"4,1654":1630,"4,1655":1631,"4,1656":1632,"4,1657":1633,"4,1658":1634,"4,1659":1635,"4,1660":1636,"4,1661":1637,"4,1662":1638,"4,1663":1639,"4,1664":1640,"4,1665":1641,"4,1666":1642,"4,1667":1643,"4,1668":1644,"4,1669":1645,"4,1670":1646,"4,1671":1647,"4,1672":1648,"4,1673":1649,"4,1674":1650,"4,1675":1651,"4,1676":1652,"4,1677":1653,"4,1678":1654,"4,1679":1655,"4,1680":1656,"4,1681":1657,"4,1682":1658,"4,1683":1659,"4,1684":1660,"4,1685":1661,"4,1686":1662,"4,1687":1663,"4,1688":1664,"4,1689":1665,"4,1690":1666,"4,1691":1667,"4,1692":1668,"4,1693":1669,"4,1694":1670,"4,1695":1671,"4,1696":1672,"4,1697":1673,"4,1698":1674,"4,1699":1675,"4,1700":1676,"4,1701":1677,"4,1702":1678,"4,1703":1679,"4,1704":1680,"4,1705":1681,"4,1706":1682,"4,1707":1683,"4,1708":1684,"4,1709":1685,"4,1710":1686,"4,1711":1687,"4,1712":1688,"4,1713":1689,"4,1714":1690,"4,1715":1691,"4,1716":1692,"4,1717":1693,"4,1718":1694,"4,1719":1695,"4,1720":1696,"4,1721":1697,"4,1722":1698,"4,1723":1699,"4,1724":1700,"4,1725":1701,"4,1726":1702,"4,1727":1703,"4,1728":1704,"4,1729":1705,"4,1730":1706,"4,1731":1707,"4,1732":1708,"4,1733":1709,"4,1734":1710,"4,1735":1711,"4,1736":1712,"4,1737":1713,"4,1738":1714,"4,1739":1715,"4,1740":1716,"4,1741":1717,"4,1742":1718,"4,1743":1719,"4,1744":1720,"4,1745":1721,"4,1746":1722,"4,1747":1723,"4,1748":1724,"4,1749":1725,"4,1750":1726,"4,1751":1727,"4,1752":1728,"4,1753":1729,"4,1754":1730,"4,1755":1731,"4,1756":1732,"4,1757":1733,"4,1758":1734,"4,1759":1735,"4,1760":1736,"4,1761":1737,"4,1762":1738,"4,1763":1739,"4,1764":1740,"4,1765":1741,"4,1766":1742,"4,1767":1743,"4,1768":1744,"4,1769":1745,"4,1770":1746,"4,1771":1747,"4,1772":1748,"4,1773":1749,"4,1774":1750,"4,1775":1751,"4,1776":1752,"4,1777":1753,"4,1778":1754,"4,1779":1755,"4,1780":1756,"4,1781":1757,"4,1782":1758,"4,1783":1759,"4,1784":1760,"4,1785":1761,"4,1786":1762,"4,1787":1763,"4,1788":1764,"4,1789":1765,"4,1790":1766,"4,1791":1767,"4,1792":1768,"4,1793":1769,"4,1794":1770,"4,1795":1771,"4,1796":1772,"4,1797":1773,"4,1798":1774,"5,1799":1775,"5,1800":1776,"5,1801":1777,"5,1802":1778,"5,1803":1779,"5,1804":1780,"5,1805":1781,"5,1806":1782,"5,1807":1783,"5,1808":1784,"5,1809":1785,"5,1810":1786,"5,1811":1787,"5,1812":1788,"5,1813":1789,"5,1814":1790,"5,1815":1791,"5,1816":1792,"5,1817":1793,"5,1818":1794,"5,1819":1795,"5,1820":1796,"5,1821":1797,"5,1822":1798,"5,1823":1799,"5,1824":1800,"5,1825":1801,"5,1826":1802,"5,1827":1803,"5,1828":1804,"5,1829":1805,"5,1830":1806,"5,1831":1807,"5,1832":1808,"5,1833":1809,"5,1834":1810,"5,1835":1811,"5,1836":1812,"5,1837":1813,"5,1838":1814,"5,1839":1815,"5,1840":1816,"5,1841":1817,"5,1842":1818,"5,1843":1819,"5,1844":1820,"5,1845":1821,"5,1846":1822,"5,1847":1823,"5,1848":1824,"5,1849":1825,"5,1850":1826,"5,1851":1827,"5,1852":1828,"5,1853":1829,"5,1854":1830,"5,1855":1831,"5,1856":1832,"5,1857":1833,"5,1858":1834,"5,1859":1835,"5,1860":1836,"5,1861":1837,"5,1862":1838,"5,1863":1839,"5,1864":1840,"5,1865":1841,"5,1866":1842,"5,1867":1843,"5,1868":1844,"5,1869":1845,"5,1870":1846,"5,1871":1847,"5,1872":1848,"5,1873":1849,"5,1874":1850,"5,1875":1851,"5,1876":1852,"5,1877":1853,"5,1878":1854,"5,1879":1855,"5,1880":1856,"5,1881":1857,"5,1882":1858,"5,1883":1859,"5,1884":1860,"5,1885":1861,"5,1886":1862,"5,1887":1863,"5,1888":1864,"5,1889":1865,"5,1890":1866,"5,1891":1867,"5,1892":1868,"5,1893":1869,"5,1894":1870,"5,1895":1871,"5,1896":1872,"5,1897":1873,"5,1898":1874,"5,1899":1875,"5,1900":1876,"5,1901":1877,"5,1902":1878,"5,1903":1879,"5,1904":1880,"5,1905":1881,"5,1906":1882,"5,1907":1883,"5,1908":1884,"5,1909":1885,"5,1910":1886,"5,1911":1887,"5,1912":1888,"5,1913":1889,"5,1914":1890,"5,1915":1891,"5,1916":1892,"5,1917":1893,"5,1918":1894,"5,1919":1895,"5,1920":1896,"5,1921":1897,"5,1922":1898,"5,1923":1899,"5,1924":1900,"5,1925":1901,"5,1926":1902,"5,1927":1903,"5,1928":1904,"5,1929":1905,"5,1930":1906,"5,1931":1907,"5,1932":1908,"5,1933":1909,"5,1934":1910,"5,1935":1911,"5,1936":1912,"5,1937":1913,"5,1938":1914,"5,1939":1915,"5,1940":1916,"5,1941":1917,"5,1942":1918,"5,1943":1919,"5,1944":1920,"5,1945":1921,"5,1946":1922,"5,1947":1923,"5,1948":1924,"5,1949":1925,"5,1950":1926,"5,1951":1927,"5,1952":1928,"5,1953":1929,"5,1954":1930,"5,1955":1931,"5,1956":1932,"5,1957":1933,"5,1958":1934,"5,1959":1935,"5,1960":1936,"5,1961":1937,"5,1962":1938,"5,1963":1939,"5,1964":1940,"5,1965":1941,"5,1966":1942,"5,1967":1943,"5,1968":1944,"5,1969":1945,"5,1970":1946,"5,1971":1947,"5,1972":1948,"5,1973":1949,"5,1974":1950,"5,1975":1951,"5,1976":1952,"5,1977":1953,"5,1978":1954,"5,1979":1955,"5,1980":1956,"5,1981":1957,"5,1982":1958,"5,1983":1959,"5,1984":1960,"5,1985":1961,"5,1986":1962,"5,1987":1963,"5,1988":1964,"5,1989":1965,"5,1990":1966,"5,1991":1967,"5,1992":1968,"5,1993":1969,"5,1994":1970,"5,1995":1971,"5,1996":1972,"5,1997":1973,"5,1998":1974,"5,1999":1975,"5,2000":1976,"5,2001":1977,"5,2002":1978,"5,2003":1979,"5,2004":1980,"5,2005":1981,"5,2006":1982,"5,2007":1983,"5,2008":1984,"5,2009":1985,"5,2010":1986,"5,2011":1987,"5,2012":1988,"5,2013":1989,"5,2014":1990,"5,2015":1991,"5,2016":1992,"5,2017":1993,"5,2018":1994,"5,2019":1995,"5,2020":1996,"5,2021":1997,"5,2022":1998,"5,2023":1999,"5,2024":2000,"5,2025":2001,"5,2026":2002,"5,2027":2003,"5,2028":2004,"5,2029":2005,"5,2030":2006,"5,2031":2007,"5,2032":2008,"5,2033":2009,"5,2034":2010,"5,2035":2011,"5,2036":2012,"5,2037":2013,"5,2038":2014,"5,2039":2015,"5,2040":2016,"5,2041":2017,"5,2042":2018,"5,2043":2019,"5,2044":2020,"5,2045":2021,"5,2046":2022,"5,2047":2023,"5,2048":2024,"5,2049":2025,"5,2050":2026,"5,2051":2027,"5,2052":2028,"5,2053":2029,"5,2054":2030,"5,2055":2031,"5,2056":2032,"5,2057":2033,"5,2058":2034,"5,2059":2035,"5,2060":2036,"5,2061":2037,"5,2062":2038,"5,2063":2039,"5,2064":2040,"5,2065":2041,"5,2066":2042,"5,2067":2043,"5,2068":2044,"5,2069":2045,"5,2070":2046,"5,2071":2047,"5,2072":2048,"5,2073":2049,"5,2074":2050,"5,2075":2051,"5,2076":2052,"5,2077":2053,"5,2078":2054,"5,2079":2055,"5,2080":2056,"5,2081":2057,"5,2082":2058,"5,2083":2059,"5,2084":2060,"5,2085":2061,"5,2086":2062,"5,2087":2063,"5,2088":2064,"5,2089":2065,"5,2090":2066,"5,2091":2067,"5,2092":2068,"5,2093":2069,"5,2094":2070,"5,2095":2071,"5,2096":2072,"5,2097":2073,"5,2098":2074,"5,2099":2075,"5,2100":2076,"5,2101":2077,"5,2102":2078,"5,2103":2079,"5,2104":2080,"5,2105":2081,"5,2106":2082,"5,2107":2083,"5,2108":2084,"5,2109":2085,"5,2110":2086,"5,2111":2087,"5,2112":2088,"5,2113":2089,"5,2114":2090,"5,2115":2091,"5,2116":2092,"5,2117":2093,"5,2118":2094,"5,2119":2095,"5,2120":2096,"5,2121":2097,"5,2122":2098,"5,2123":2099,"5,2124":2100,"5,2125":2101,"5,2126":2102,"5,2127":2103,"5,2128":2104,"5,2129":2105,"5,2130":2106,"5,2131":2107,"5,2132":2108,"5,2133":2109,"5,2134":2110,"5,2135":2111,"5,2136":2112,"5,2137":2113,"5,2138":2114,"5,2139":2115,"5,2140":2116,"5,2141":2117,"5,2142":2118,"5,2143":2119,"5,2144":2120,"5,2145":2121,"5,2146":2122,"5,2147":2123,"5,2148":2124,"5,2149":2125,"5,2150":2126,"5,2151":2127,"5,2153":2128,"5,2155":2129,"5,2156":2130,"5,2157":2131,"5,2158":2132,"5,2159":2133,"5,2160":2134,"5,2161":2135,"5,2162":2136,"5,2163":2137,"5,2164":2138,"5,2165":2139,"5,2166":2140,"5,2167":2141,"5,2168":2142,"5,2169":2143,"5,2170":2144,"5,2171":2145,"5,2172":2146,"5,2173":2147,"5,2174":2148,"5,2175":2149,"5,2176":2150,"5,2177":2151,"5,2178":2152,"5,2179":2153,"5,2180":2154,"5,2181":2155,"5,2182":2156,"5,2183":2157,"5,2184":2158,"5,2185":2159,"5,2186":2160,"5,2187":2161,"5,2188":2162,"5,2189":2163,"5,2190":2164,"5,2191":2165,"5,2192":2166,"5,2193":2167,"5,2194":2168,"5,2195":2169,"5,2196":2170,"5,2197":2171,"5,2198":2172,"5,2199":2173,"5,2200":2174,"5,2201":2175,"5,2202":2176,"5,2203":2177,"5,2204":2178,"5,2205":2179,"5,2206":2180,"5,2207":2181,"5,2208":2182,"5,2209":2183,"5,2210":2184,"5,2211":2185,"5,2212":2186,"5,2213":2187,"5,2214":2188,"5,2215":2189,"5,2216":2190,"5,2217":2191,"5,2218":2192,"5,2219":2193,"5,2220":2194,"5,2221":2195,"5,2222":2196,"5,2223":2197,"5,2224":2198,"5,2225":2199,"5,2226":2200,"5,2227":2201,"5,2228":2202,"5,2229":2203,"5,2230":2204,"5,2231":2205,"5,2232":2206,"5,2233":2207,"5,2234":2208,"5,2235":2209,"5,2236":2210,"5,2237":2211,"5,2238":2212,"5,2239":2213},"ٜ":{"1":[4,482],"2":[483,928],"3":[929,1368],"4":[1369,1798],"5":[1799,2239]},"ٝ":["1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,18","1,19","1,21","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,63","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,135","1,137","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,175","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","2,483","2,484","2,485","2,486","2,487","2,488","2,489","2,490","2,491","2,492","2,493","2,494","2,495","2,496","2,497","2,498","2,499","2,500","2,501","2,502","2,503","2,504","2,505","2,506","2,507","2,508","2,509","2,510","2,511","2,512","2,513","2,514","2,515","2,516","2,517","2,518","2,519","2,520","2,521","2,522","2,523","2,524","2,525","2,526","2,527","2,528","2,529","2,530","2,531","2,532","2,533","2,534","2,535","2,536","2,537","2,538","2,539","2,540","2,541","2,542","2,543","2,544","2,545","2,546","2,547","2,548","2,549","2,550","2,551","2,552","2,553","2,554","2,555","2,556","2,557","2,558","2,559","2,560","2,561","2,562","2,563","2,564","2,565","2,566","2,567","2,568","2,569","2,570","2,571","2,572","2,573","2,574","2,575","2,576","2,577","2,578","2,579","2,580","2,581","2,582","2,583","2,584","2,585","2,586","2,587","2,588","2,589","2,590","2,591","2,592","2,593","2,594","2,595","2,596","2,597","2,598","2,599","2,600","2,601","2,602","2,603","2,604","2,605","2,606","2,607","2,608","2,609","2,610","2,611","2,612","2,613","2,614","2,615","2,616","2,617","2,618","2,619","2,620","2,621","2,622","2,623","2,624","2,625","2,626","2,627","2,628","2,629","2,630","2,631","2,632","2,633","2,634","2,635","2,636","2,637","2,638","2,639","2,640","2,641","2,642","2,643","2,644","2,645","2,646","2,647","2,648","2,649","2,650","2,651","2,652","2,653","2,654","2,655","2,657","2,659","2,661","2,663","2,664","2,665","2,666","2,667","2,668","2,669","2,670","2,671","2,672","2,673","2,674","2,675","2,676","2,677","2,678","2,679","2,680","2,681","2,682","2,683","2,684","2,685","2,686","2,687","2,688","2,689","2,690","2,691","2,692","2,693","2,694","2,695","2,696","2,697","2,698","2,699","2,700","2,701","2,702","2,703","2,704","2,705","2,706","2,707","2,708","2,709","2,710","2,711","2,712","2,713","2,714","2,715","2,716","2,717","2,718","2,719","2,720","2,721","2,722","2,723","2,724","2,725","2,726","2,727","2,728","2,729","2,730","2,731","2,732","2,733","2,734","2,735","2,736","2,737","2,738","2,739","2,740","2,741","2,742","2,743","2,744","2,745","2,746","2,747","2,748","2,749","2,750","2,751","2,752","2,753","2,754","2,755","2,756","2,757","2,758","2,759","2,760","2,761","2,762","2,763","2,764","2,765","2,766","2,767","2,768","2,769","2,770","2,771","2,772","2,773","2,774","2,775","2,776","2,777","2,778","2,779","2,780","2,781","2,782","2,783","2,784","2,785","2,786","2,787","2,788","2,789","2,790","2,791","2,792","2,793","2,794","2,795","2,796","2,797","2,798","2,799","2,800","2,801","2,802","2,803","2,804","2,805","2,806","2,807","2,808","2,809","2,810","2,811","2,812","2,813","2,814","2,815","2,816","2,817","2,818","2,819","2,820","2,821","2,822","2,823","2,824","2,825","2,826","2,827","2,828","2,829","2,830","2,831","2,832","2,833","2,834","2,835","2,836","2,837","2,838","2,839","2,840","2,841","2,842","2,843","2,844","2,845","2,846","2,847","2,848","2,849","2,850","2,851","2,852","2,853","2,854","2,855","2,856","2,857","2,858","2,859","2,860","2,861","2,862","2,863","2,864","2,865","2,866","2,867","2,868","2,869","2,870","2,871","2,872","2,873","2,874","2,875","2,876","2,877","2,878","2,879","2,880","2,881","2,882","2,883","2,884","2,885","2,886","2,887","2,888","2,889","2,890","2,891","2,892","2,893","2,894","2,895","2,896","2,897","2,898","2,899","2,900","2,901","2,902","2,903","2,904","2,905","2,906","2,907","2,908","2,909","2,910","2,911","2,912","2,913","2,914","2,915","2,916","2,917","2,918","2,919","2,920","2,921","2,922","2,923","2,924","2,925","2,926","2,927","2,928","3,929","3,930","3,931","3,932","3,933","3,934","3,935","3,936","3,937","3,938","3,939","3,940","3,941","3,942","3,943","3,944","3,945","3,946","3,947","3,948","3,949","3,950","3,951","3,952","3,953","3,954","3,955","3,956","3,957","3,958","3,959","3,960","3,961","3,962","3,963","3,964","3,965","3,966","3,967","3,968","3,969","3,970","3,971","3,972","3,973","3,974","3,975","3,976","3,977","3,978","3,979","3,980","3,981","3,982","3,983","3,984","3,985","3,986","3,987","3,988","3,989","3,990","3,991","3,992","3,993","3,994","3,995","3,996","3,997","3,998","3,999","3,1000","3,1001","3,1002","3,1003","3,1004","3,1005","3,1006","3,1007","3,1008","3,1009","3,1010","3,1011","3,1012","3,1013","3,1014","3,1015","3,1016","3,1017","3,1018","3,1019","3,1020","3,1021","3,1022","3,1023","3,1024","3,1025","3,1026","3,1027","3,1028","3,1029","3,1030","3,1031","3,1032","3,1033","3,1034","3,1035","3,1036","3,1037","3,1038","3,1039","3,1040","3,1041","3,1042","3,1043","3,1044","3,1045","3,1046","3,1047","3,1048","3,1049","3,1050","3,1051","3,1053","3,1055","3,1056","3,1057","3,1058","3,1059","3,1060","3,1061","3,1062","3,1063","3,1064","3,1065","3,1066","3,1067","3,1068","3,1069","3,1070","3,1071","3,1072","3,1073","3,1074","3,1075","3,1076","3,1077","3,1078","3,1079","3,1080","3,1081","3,1082","3,1083","3,1084","3,1085","3,1086","3,1087","3,1088","3,1089","3,1090","3,1091","3,1092","3,1093","3,1094","3,1095","3,1096","3,1097","3,1098","3,1099","3,1100","3,1101","3,1102","3,1103","3,1104","3,1105","3,1106","3,1107","3,1108","3,1109","3,1110","3,1111","3,1112","3,1113","3,1114","3,1115","3,1116","3,1117","3,1118","3,1119","3,1120","3,1121","3,1122","3,1123","3,1124","3,1125","3,1126","3,1127","3,1128","3,1129","3,1130","3,1131","3,1132","3,1133","3,1134","3,1135","3,1136","3,1137","3,1138","3,1139","3,1140","3,1141","3,1142","3,1143","3,1144","3,1145","3,1146","3,1147","3,1148","3,1149","3,1150","3,1151","3,1152","3,1153","3,1154","3,1155","3,1156","3,1157","3,1158","3,1159","3,1160","3,1161","3,1162","3,1163","3,1164","3,1165","3,1166","3,1167","3,1168","3,1169","3,1170","3,1171","3,1172","3,1173","3,1174","3,1175","3,1176","3,1177","3,1178","3,1179","3,1180","3,1181","3,1182","3,1183","3,1184","3,1185","3,1186","3,1187","3,1188","3,1189","3,1190","3,1191","3,1192","3,1193","3,1194","3,1195","3,1196","3,1197","3,1198","3,1199","3,1200","3,1201","3,1202","3,1203","3,1204","3,1205","3,1206","3,1207","3,1208","3,1209","3,1210","3,1211","3,1212","3,1213","3,1214","3,1215","3,1216","3,1217","3,1218","3,1219","3,1220","3,1221","3,1222","3,1223","3,1224","3,1225","3,1226","3,1227","3,1228","3,1229","3,1230","3,1231","3,1232","3,1233","3,1234","3,1235","3,1236","3,1237","3,1238","3,1239","3,1240","3,1241","3,1242","3,1243","3,1244","3,1245","3,1246","3,1247","3,1248","3,1249","3,1250","3,1251","3,1252","3,1253","3,1254","3,1255","3,1256","3,1257","3,1258","3,1259","3,1260","3,1261","3,1262","3,1263","3,1264","3,1265","3,1266","3,1267","3,1268","3,1269","3,1270","3,1271","3,1272","3,1273","3,1274","3,1275","3,1276","3,1277","3,1278","3,1279","3,1280","3,1281","3,1282","3,1283","3,1284","3,1285","3,1286","3,1287","3,1288","3,1289","3,1290","3,1291","3,1292","3,1293","3,1295","3,1297","3,1299","3,1300","3,1301","3,1302","3,1303","3,1304","3,1305","3,1306","3,1307","3,1308","3,1309","3,1310","3,1311","3,1312","3,1313","3,1314","3,1315","3,1316","3,1317","3,1318","3,1319","3,1320","3,1321","3,1322","3,1323","3,1324","3,1325","3,1326","3,1327","3,1328","3,1329","3,1330","3,1331","3,1332","3,1333","3,1334","3,1335","3,1336","3,1337","3,1338","3,1339","3,1340","3,1341","3,1342","3,1343","3,1344","3,1345","3,1346","3,1347","3,1348","3,1349","3,1350","3,1351","3,1352","3,1353","3,1354","3,1355","3,1356","3,1357","3,1358","3,1359","3,1360","3,1361","3,1362","3,1363","3,1364","3,1365","3,1366","3,1367","3,1368","4,1369","4,1370","4,1371","4,1372","4,1373","4,1374","4,1375","4,1376","4,1377","4,1378","4,1379","4,1380","4,1381","4,1382","4,1383","4,1384","4,1385","4,1386","4,1387","4,1388","4,1389","4,1390","4,1391","4,1392","4,1393","4,1394","4,1395","4,1396","4,1397","4,1398","4,1399","4,1400","4,1401","4,1402","4,1403","4,1404","4,1405","4,1406","4,1407","4,1408","4,1409","4,1410","4,1411","4,1412","4,1413","4,1414","4,1415","4,1416","4,1417","4,1418","4,1419","4,1420","4,1421","4,1422","4,1423","4,1424","4,1425","4,1426","4,1427","4,1428","4,1429","4,1430","4,1431","4,1432","4,1433","4,1434","4,1435","4,1436","4,1437","4,1438","4,1439","4,1440","4,1441","4,1442","4,1443","4,1444","4,1445","4,1446","4,1447","4,1448","4,1449","4,1450","4,1451","4,1452","4,1453","4,1454","4,1455","4,1456","4,1457","4,1458","4,1459","4,1460","4,1461","4,1462","4,1463","4,1464","4,1465","4,1466","4,1467","4,1468","4,1469","4,1470","4,1471","4,1472","4,1473","4,1474","4,1475","4,1476","4,1477","4,1478","4,1479","4,1480","4,1481","4,1482","4,1483","4,1484","4,1485","4,1486","4,1487","4,1488","4,1489","4,1490","4,1491","4,1492","4,1493","4,1494","4,1495","4,1496","4,1497","4,1498","4,1499","4,1500","4,1501","4,1502","4,1503","4,1504","4,1505","4,1506","4,1507","4,1508","4,1509","4,1510","4,1511","4,1512","4,1513","4,1514","4,1515","4,1516","4,1517","4,1518","4,1519","4,1520","4,1521","4,1522","4,1523","4,1524","4,1525","4,1526","4,1527","4,1528","4,1529","4,1530","4,1531","4,1532","4,1533","4,1534","4,1535","4,1536","4,1537","4,1538","4,1539","4,1540","4,1541","4,1542","4,1543","4,1544","4,1545","4,1546","4,1547","4,1548","4,1549","4,1550","4,1551","4,1552","4,1553","4,1554","4,1555","4,1556","4,1557","4,1558","4,1559","4,1560","4,1561","4,1562","4,1563","4,1564","4,1565","4,1566","4,1567","4,1568","4,1569","4,1570","4,1571","4,1572","4,1573","4,1574","4,1575","4,1576","4,1577","4,1578","4,1579","4,1580","4,1581","4,1582","4,1583","4,1584","4,1585","4,1586","4,1587","4,1588","4,1589","4,1590","4,1591","4,1592","4,1593","4,1594","4,1595","4,1596","4,1597","4,1598","4,1599","4,1600","4,1601","4,1602","4,1603","4,1604","4,1605","4,1606","4,1607","4,1608","4,1609","4,1610","4,1611","4,1612","4,1613","4,1614","4,1615","4,1616","4,1617","4,1618","4,1619","4,1620","4,1621","4,1622","4,1623","4,1624","4,1625","4,1626","4,1627","4,1628","4,1629","4,1630","4,1631","4,1632","4,1633","4,1634","4,1635","4,1636","4,1637","4,1638","4,1639","4,1640","4,1641","4,1642","4,1643","4,1644","4,1645","4,1646","4,1647","4,1648","4,1649","4,1650","4,1651","4,1652","4,1653","4,1654","4,1655","4,1656","4,1657","4,1658","4,1659","4,1660","4,1661","4,1662","4,1663","4,1664","4,1665","4,1666","4,1667","4,1668","4,1669","4,1670","4,1671","4,1672","4,1673","4,1674","4,1675","4,1676","4,1677","4,1678","4,1679","4,1680","4,1681","4,1682","4,1683","4,1684","4,1685","4,1686","4,1687","4,1688","4,1689","4,1690","4,1691","4,1692","4,1693","4,1694","4,1695","4,1696","4,1697","4,1698","4,1699","4,1700","4,1701","4,1702","4,1703","4,1704","4,1705","4,1706","4,1707","4,1708","4,1709","4,1710","4,1711","4,1712","4,1713","4,1714","4,1715","4,1716","4,1717","4,1718","4,1719","4,1720","4,1721","4,1722","4,1723","4,1724","4,1725","4,1726","4,1727","4,1728","4,1729","4,1730","4,1731","4,1732","4,1733","4,1734","4,1735","4,1736","4,1737","4,1738","4,1739","4,1740","4,1741","4,1742","4,1743","4,1744","4,1745","4,1746","4,1747","4,1748","4,1749","4,1750","4,1751","4,1752","4,1753","4,1754","4,1755","4,1756","4,1757","4,1758","4,1759","4,1760","4,1761","4,1762","4,1763","4,1764","4,1765","4,1766","4,1767","4,1768","4,1769","4,1770","4,1771","4,1772","4,1773","4,1774","4,1775","4,1776","4,1777","4,1778","4,1779","4,1780","4,1781","4,1782","4,1783","4,1784","4,1785","4,1786","4,1787","4,1788","4,1789","4,1790","4,1791","4,1792","4,1793","4,1794","4,1795","4,1796","4,1797","4,1798","5,1799","5,1800","5,1801","5,1802","5,1803","5,1804","5,1805","5,1806","5,1807","5,1808","5,1809","5,1810","5,1811","5,1812","5,1813","5,1814","5,1815","5,1816","5,1817","5,1818","5,1819","5,1820","5,1821","5,1822","5,1823","5,1824","5,1825","5,1826","5,1827","5,1828","5,1829","5,1830","5,1831","5,1832","5,1833","5,1834","5,1835","5,1836","5,1837","5,1838","5,1839","5,1840","5,1841","5,1842","5,1843","5,1844","5,1845","5,1846","5,1847","5,1848","5,1849","5,1850","5,1851","5,1852","5,1853","5,1854","5,1855","5,1856","5,1857","5,1858","5,1859","5,1860","5,1861","5,1862","5,1863","5,1864","5,1865","5,1866","5,1867","5,1868","5,1869","5,1870","5,1871","5,1872","5,1873","5,1874","5,1875","5,1876","5,1877","5,1878","5,1879","5,1880","5,1881","5,1882","5,1883","5,1884","5,1885","5,1886","5,1887","5,1888","5,1889","5,1890","5,1891","5,1892","5,1893","5,1894","5,1895","5,1896","5,1897","5,1898","5,1899","5,1900","5,1901","5,1902","5,1903","5,1904","5,1905","5,1906","5,1907","5,1908","5,1909","5,1910","5,1911","5,1912","5,1913","5,1914","5,1915","5,1916","5,1917","5,1918","5,1919","5,1920","5,1921","5,1922","5,1923","5,1924","5,1925","5,1926","5,1927","5,1928","5,1929","5,1930","5,1931","5,1932","5,1933","5,1934","5,1935","5,1936","5,1937","5,1938","5,1939","5,1940","5,1941","5,1942","5,1943","5,1944","5,1945","5,1946","5,1947","5,1948","5,1949","5,1950","5,1951","5,1952","5,1953","5,1954","5,1955","5,1956","5,1957","5,1958","5,1959","5,1960","5,1961","5,1962","5,1963","5,1964","5,1965","5,1966","5,1967","5,1968","5,1969","5,1970","5,1971","5,1972","5,1973","5,1974","5,1975","5,1976","5,1977","5,1978","5,1979","5,1980","5,1981","5,1982","5,1983","5,1984","5,1985","5,1986","5,1987","5,1988","5,1989","5,1990","5,1991","5,1992","5,1993","5,1994","5,1995","5,1996","5,1997","5,1998","5,1999","5,2000","5,2001","5,2002","5,2003","5,2004","5,2005","5,2006","5,2007","5,2008","5,2009","5,2010","5,2011","5,2012","5,2013","5,2014","5,2015","5,2016","5,2017","5,2018","5,2019","5,2020","5,2021","5,2022","5,2023","5,2024","5,2025","5,2026","5,2027","5,2028","5,2029","5,2030","5,2031","5,2032","5,2033","5,2034","5,2035","5,2036","5,2037","5,2038","5,2039","5,2040","5,2041","5,2042","5,2043","5,2044","5,2045","5,2046","5,2047","5,2048","5,2049","5,2050","5,2051","5,2052","5,2053","5,2054","5,2055","5,2056","5,2057","5,2058","5,2059","5,2060","5,2061","5,2062","5,2063","5,2064","5,2065","5,2066","5,2067","5,2068","5,2069","5,2070","5,2071","5,2072","5,2073","5,2074","5,2075","5,2076","5,2077","5,2078","5,2079","5,2080","5,2081","5,2082","5,2083","5,2084","5,2085","5,2086","5,2087","5,2088","5,2089","5,2090","5,2091","5,2092","5,2093","5,2094","5,2095","5,2096","5,2097","5,2098","5,2099","5,2100","5,2101","5,2102","5,2103","5,2104","5,2105","5,2106","5,2107","5,2108","5,2109","5,2110","5,2111","5,2112","5,2113","5,2114","5,2115","5,2116","5,2117","5,2118","5,2119","5,2120","5,2121","5,2122","5,2123","5,2124","5,2125","5,2126","5,2127","5,2128","5,2129","5,2130","5,2131","5,2132","5,2133","5,2134","5,2135","5,2136","5,2137","5,2138","5,2139","5,2140","5,2141","5,2142","5,2143","5,2144","5,2145","5,2146","5,2147","5,2148","5,2149","5,2150","5,2151","5,2153","5,2155","5,2156","5,2157","5,2158","5,2159","5,2160","5,2161","5,2162","5,2163","5,2164","5,2165","5,2166","5,2167","5,2168","5,2169","5,2170","5,2171","5,2172","5,2173","5,2174","5,2175","5,2176","5,2177","5,2178","5,2179","5,2180","5,2181","5,2182","5,2183","5,2184","5,2185","5,2186","5,2187","5,2188","5,2189","5,2190","5,2191","5,2192","5,2193","5,2194","5,2195","5,2196","5,2197","5,2198","5,2199","5,2200","5,2201","5,2202","5,2203","5,2204","5,2205","5,2206","5,2207","5,2208","5,2209","5,2210","5,2211","5,2212","5,2213","5,2214","5,2215","5,2216","5,2217","5,2218","5,2219","5,2220","5,2221","5,2222","5,2223","5,2224","5,2225","5,2226","5,2227","5,2228","5,2229","5,2230","5,2231","5,2232","5,2233","5,2234","5,2235","5,2236","5,2237","5,2238","5,2239"],"ٞ":{"2":[1,2],"12":[3],"14":[4],"16":[5],"17":[6],"18":[7],"21":[8],"24":[9,10],"27":[11],"28":[12,13,14],"29":[15],"30":[16],"31":[17,18],"33":[19],"35":[20,21],"37":[22],"41":[23,24],"43":[25],"47":[26],"49":[27],"53":[28],"56":[29],"58":[30,31],"61":[32],"64":[33,34],"67":[35],"68":[36],"69":[37],"70":[38],"72":[39],"73":[40],"75":[41],"76":[42],"87":[43,44],"89":[45],"91":[46],"99":[47],"103":[48],"125":[49],"126":[50],"127":[51],"131":[52],"142":[53],"147":[54],"149":[55],"159":[56],"162":[57],"163":[58],"169":[59],"174":[60,61],"178":[62],"181":[63],"191":[64],"199":[65],"200":[66,67],"201":[68],"213":[69,70],"215":[71],"219":[72],"221":[73,74],"223":[75],"226":[76],"229":[77],"236":[78],"237":[79],"238":[80],"240":[81],"261":[82],"264":[83],"279":[84],"280":[85],"302":[86,87],"305":[88],"310":[89],"316":[90],"324":[91],"326":[92,93],"345":[94],"347":[95],"353":[96],"354":[97],"359":[98,99],"364":[100],"368":[101],"370":[102],"373":[103],"374":[104],"382":[105],"384":[106],"387":[107],"388":[108],"391":[109],"394":[110],"395":[111],"396":[112],"399":[113],"419":[114],"421":[115],"422":[116],"424":[117],"427":[118],"429":[119],"431":[120,121],"442":[122],"450":[123],"456":[124],"457":[125],"458":[126],"460":[127],"461":[128],"466":[129],"468":[130],"474":[131],"475":[132],"476":[133],"477":[134],"478":[135],"480":[136],"481":[137],"482":[138],"483":[139,140],"487":[141],"489":[142],"490":[143],"491":[144],"494":[145],"495":[146],"496":[147,148],"497":[149],"498":[150],"500":[151],"501":[152],"505":[153],"506":[154],"507":[155],"511":[156],"512":[157],"513":[158],"516":[159],"520":[160],"522":[161],"533":[162],"536":[163],"539":[164,165],"541":[166],"543":[167],"546":[168],"548":[169],"551":[170],"552":[171],"553":[172],"556":[173],"557":[174],"559":[175],"560":[176],"561":[177,178],"563":[179],"564":[180],"565":[181],"567":[182],"569":[183],"571":[184],"573":[185],"579":[186],"584":[187],"588":[188],"592":[189],"596":[190],"602":[191],"603":[192],"604":[193,194],"605":[195],"608":[196],"622":[197],"623":[198,199],"624":[200,201,202],"625":[203],"626":[204],"627":[205],"628":[206],"634":[207],"641":[208],"643":[209],"644":[210,211],"645":[212],"659":[213],"664":[214],"668":[215,216],"671":[217],"686":[218,219],"688":[220],"690":[221],"693":[222,223],"694":[224],"700":[225],"702":[226],"703":[227],"705":[228],"706":[229],"707":[230],"708":[231],"709":[232],"710":[233],"712":[234],"716":[235],"718":[236],"721":[237],"723":[238,239],"725":[240],"727":[241],"729":[242],"730":[243],"732":[244],"736":[245,246],"740":[247],"745":[248],"747":[249],"750":[250,251],"751":[252],"753":[253],"756":[254],"761":[255],"764":[256,257],"765":[258],"770":[259],"773":[260],"774":[261,262],"776":[263,264],"777":[265,266],"779":[267],"781":[268],"782":[269],"787":[270,271],"791":[272],"792":[273],"793":[274],"797":[275],"801":[276],"803":[277],"804":[278],"805":[279],"808":[280],"810":[281],"812":[282],"813":[283],"814":[284],"816":[285],"818":[286],"819":[287],"820":[288],"821":[289],"830":[290],"834":[291],"835":[292],"843":[293,294],"845":[295],"851":[296],"853":[297],"868":[298],"874":[299],"877":[300],"885":[301],"892":[302],"910":[303],"913":[304],"915":[305,306,307],"918":[308,309],"919":[310],"926":[311],"927":[312],"929":[313,314],"930":[315],"932":[316],"934":[317],"935":[318],"939":[319],"943":[320],"944":[321],"966":[322],"967":[323],"968":[324],"975":[325],"978":[326],"980":[327],"988":[328,329],"992":[330],"993":[331],"998":[332],"1007":[333],"1012":[334],"1014":[335,336],"1015":[337],"1016":[338],"1019":[339,340],"1020":[341],"1022":[342],"1026":[343],"1029":[344],"1031":[345],"1033":[346],"1034":[347],"1035":[348],"1036":[349,350,351],"1038":[352],"1039":[353],"1041":[354],"1043":[355,356,357],"1044":[358],"1046":[359],"1049":[360],"1052":[361,362],"1055":[363],"1057":[364,365],"1058":[366,367],"1063":[368],"1064":[369],"1065":[370],"1067":[371],"1069":[372],"1070":[373],"1071":[374],"1074":[375],"1075":[376],"1082":[377],"1084":[378,379],"1086":[380],"1087":[381],"1088":[382],"1089":[383],"1094":[384],"1105":[385],"1110":[386],"1112":[387],"1114":[388,389],"1115":[390,391],"1116":[392],"1117":[393],"1119":[394],"1120":[395,396],"1123":[397],"1127":[398],"1130":[399],"1143":[400],"1144":[401],"1146":[402,403],"1148":[404],"1149":[405],"1152":[406],"1153":[407],"1155":[408],"1160":[409],"1167":[410],"1169":[411],"1171":[412,413],"1174":[414],"1176":[415,416,417],"1182":[418],"1183":[419],"1186":[420],"1187":[421],"1191":[422],"1198":[423],"1199":[424,425],"1200":[426],"1202":[427],"1205":[428],"1208":[429],"1209":[430,431],"1211":[432,433],"1212":[434],"1215":[435,436],"1217":[437,438],"1220":[439],"1225":[440],"1234":[441],"1236":[442],"1238":[443],"1239":[444],"1241":[445,446],"1243":[447],"1244":[448],"1245":[449],"1249":[450],"1250":[451],"1252":[452],"1256":[453],"1257":[454],"1258":[455],"1259":[456],"1260":[457],"1261":[458],"1262":[459,460],"1264":[461],"1265":[462],"1267":[463],"1269":[464],"1273":[465],"1274":[466],"1275":[467],"1276":[468],"1280":[469,470],"1281":[471],"1283":[472],"1285":[473],"1286":[474],"1290":[475],"1292":[476],"1297":[477],"1298":[478],"1304":[479],"1306":[480],"1308":[481],"1325":[482],"1328":[483],"1333":[484],"1341":[485],"1345":[486],"1351":[487],"1358":[488],"1359":[489,490],"1360":[491],"1361":[492],"1362":[493,494,495],"1364":[496],"1367":[497],"1371":[498],"1380":[499,500,501],"1406":[502],"1411":[503],"1415":[504],"1437":[505],"1438":[506],"1446":[507],"1471":[508],"1473":[509],"1480":[510],"1486":[511],"1522":[512],"1554":[513],"1559":[514],"1568":[515],"1572":[516],"1601":[517],"1628":[518],"1635":[519],"1637":[520],"1645":[521],"1652":[522],"1653":[523],"1660":[524],"1664":[525],"1665":[526],"1669":[527],"1674":[528],"1682":[529],"1683":[530],"1687":[531],"1691":[532],"1700":[533],"1711":[534],"1717":[535],"1719":[536],"1725":[537],"1726":[538],"1732":[539],"1738":[540],"1740":[541],"1748":[542],"1757":[543],"1763":[544],"1775":[545],"1778":[546],"1822":[547],"1830":[548],"1837":[549,550],"1840":[551],"1843":[552],"1852":[553],"1853":[554,555],"1854":[556],"1855":[557],"1859":[558],"1864":[559],"1868":[560,561],"1869":[562],"1870":[563],"1887":[564],"1892":[565],"1896":[566],"1899":[567],"1904":[568,569],"1908":[570,571,572],"1911":[573],"1915":[574],"1917":[575,576],"1923":[577],"1926":[578],"1940":[579],"1947":[580],"1964":[581],"1996":[582],"2000":[583,584,585],"2004":[586,587],"2005":[588,589,590],"2006":[591],"2007":[592,593,594],"2008":[595,596],"2010":[597],"2013":[598],"2014":[599],"2016":[600],"2019":[601],"2023":[602,603],"2024":[604],"2030":[605,606],"2032":[607,608],"2034":[609,610],"2036":[611],"2037":[612],"2040":[613,614,615],"2043":[616],"2044":[617],"2047":[618],"2053":[619,620,621],"2054":[622,623],"2059":[624,625,626],"2060":[627],"2062":[628],"2063":[629],"2069":[630],"2076":[631],"2080":[632],"2083":[633],"2085":[634],"2089":[635],"2096":[636],"2104":[637],"2106":[638],"2113":[639,640],"2116":[641],"2118":[642,643],"2119":[644],"2121":[645],"2122":[646,647],"2127":[648],"2128":[649],"2129":[650,651],"2130":[652],"2131":[653],"2138":[654],"2150":[655],"2154":[656],"2163":[657],"2164":[658],"2165":[659],"2169":[660],"2170":[661],"2172":[662,663],"2173":[664],"2180":[665],"2181":[666],"2190":[667],"2196":[668],"2206":[669],"2209":[670],"2210":[671]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"﷽\nأصل هذا الكتاب، رسالة علمية تقدم بها المؤلف لنيل درجة العالمية (الدكتوراه) في الحديث وعلومه، من كلية أصول الدين بالقاهرة جامعة الأزهر في عام ١٣٩٨ هـ الموافق عام ١٩٧٨ م\nوقد تكونت لجنة المناقشة والحكم على الرسالة من كل من:\nالأستاذ الدكتور/ موسى شاهين لاشين عميد كلية أصول الدين بالقاهرة (حينئذ مشرفا)\nالأستاذ الدكتور/ محمد سيد طنطاوي - شيخ الأزهر حاليا، والأستاذ بكلية أصول الدين بأسيوط (حينئذ عضوا)\nالأستاذ الدكتور/ أبو العلا علي أبو العلا ﵀ أستاذ الحديث وعلومه بكلية أصول الدين بالقاهرة - (حينئذ عضوا)\nوقررت اللجنة بالإجماع منح المؤلف درجة العالمية (الدكتوراه) في الحديث وعلومه بمرتبة الشرف الأولى","vol":"1","page":4},{"text":"﷽\n\n<span data-type='title' id=toc-1>مقدمة</span>\nفي<span data-type='title' id=toc-2> أهمية الموضوع ومنهج بحثه وصعوباته</span>\nالحمد لله رب العالمين حمدًا يوافي نعمه، ويدفع نقمه، ويكافئ مزيده والصلاة والسلام على سيدنا محمد ﷺ، أرسله الله ﷾ بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وآتاه الكتاب ومثله معه، وكلّفه بأن يبين للناس ما نزل إليهم. فكان له ﷺ وحي متلو معجزا هو القرآن، ووحي غير متلو وهو السنة المطهرة التي بين بها قولا وعملًا وإقرارًا للناس ما نزل إليهم، وكان الوحي رائدًا له في كل ذلك.\nولولا السنة ما عرفنا عدد ركعات الصلاة ولا هيئاتها، ولا تحديد أوقاتها وكذا باقي تشريعات الإسلام في مختلف نواحي الحياة؛ حيث تعرض القرآن لها بالإجمال والإشارة وجعل البيان راجعًا إلى سنة الرسول ﷺ.\nومن هنا واكبت العناية بالسنة العناية بالقرآن الكريم منذ عصر الرسول ﷺ وحتى الآن.\nولقد امتن الله عليّ أثناء دراستي الجامعية بالاتجاه إلى التخصص في التفسير والحديث فدرست ما تيسر لي من علوم القرآن والسنة، فلما كانت مرحلة الدراسات العليا، أنعم الله عليّ بالتخصص بدراسة علوم السنة.\nوحصلت بفضل الله تعالى على درجة التخصص «الماجستير» في الحديث وعلومه بتقدير «جيد جدًا».","vol":"1","page":5},{"text":"ووقع اختياري بعد استخارة الله تعالى على أن يكون «الحافظ العراقي» هو موضوع الرسالة، وذلك لأني نظرت فوجدت من سبقني أو لحقني من الأساتذة والزملاء الأفاضل، قد عنوا بالكتابة إما عن شيوخ العراقي ومعاصريه كابن كثير والذهبي والمزي، وإما عن تلاميذه ومن بعده كابن حجر والسيوطي، أما العراقي فلم أجد من تناوله من قبلي بالدراسة المتخصصة، رغم أنه كما أثبت في هذا البحث كان رائد مدرسة السنة في عصره داخل مصر وخارجها، حتى انتشر تلاميذه وذاعت مؤلفاته منذ عصره، من الأندلس غربًا حتى بلاد الهند وفارس شرقًا.\n* لهذا لقبه الغزي في «بهجة الناظرين» بحافظ الدنيا (^١).\n* وقال تلميذه ابن حجر في رثائه:\nوَمِنْ سِتِّينَ عَامًَا لَمْ يُجَارَى … وَلَا طَمِعُ الْمُجَارِي فِي اللِّحَاقِ\n* وقال أيضًا: إن الحافظ الكامل في المتأخرين بعد البيهقي شيخنا العراقي (^٢).\n* وقال السخاوي: إنه منقطع القرين في فنون الحديث وصناعته (^٣).\nكما عدّه السيوطي وغيره مجدد علوم السنة في القرن الثامن الهجري\n* وقال السيوطي والذي أقوله: «إن المحدثين عيال الآن في الرجال وغيرها من فنون الحديث على أربعة: المزي والذهبي والعراقي وابن حجر» (^٤).\n_________\n(^١) البهجة ١٢٠.\n(^٢) إنباء الغمر جـ ١/ ٦٢.\n(^٣) فتح المغيث جـ ١/¬٩.\n(^٤) ذيل طبقات الحفاظ للسيوطي/ ٣٤٨.","vol":"1","page":6},{"text":"لهذا عقدتُ العزم بعد خيرة الله وسجلت الموضوع بعنوان:\n\nالحافظ العراقي وأثره في السنة\nوقسمته بعد هذه المقدمة إلى: أربعة أبواب وخاتمة وفهارس.\nوخصصت الباب الأول «للسنة وعصر العراقي».\nوقسمته إلى ثلاثة أقسام:\nالقسم الأول: تحقيق مفهوم السنة: ويتضمن بيان مفهومها في اللغة وَرَدُّ القول بأخذها من اليهودية، ثم بيان مفهومها في اصطلاح علمائها وردُّ القول بقصرها على أعمال الرسول ﷺ المنقولة عنه بالتواتر. ثم بيان مفهومها في اصطلاح الأصوليين والفقهاء والوُعَّاظ، والتمييز بين اصطلاح هؤلاء واصطلاح علماء السنة. ثم بيان الألفاظ المرادفة للسنة عند علمائها وإقرار العراقي لها.\nالقسم الثاني: بيان علوم السنة: ويتضمن بيان مفهوم علوم السنة عند المتقدمين والمتأخرين حتى عصر العراقي وتقسيمها إلى علوم رواية وعلوم ودراية ومشتملات كل منهما، ثم بيان مخالفة المتأخرين منذ عصر العراقي للمتقدمين في التقسيم الموضوعي لعلوم الرواية والدراية، وتعريفهم العلمي للرواية والدراية. وتسميتهم لكل منهما.\nالقسم الثالث: عصر العراقي ومكانة السنة فيه: وتناولت فيه بإيجاز، سياسة العصر وأحواله داخل وخارج مصر في عهد المماليك، وصلة العراقي","vol":"1","page":7},{"text":"بذلك، وانتقلت إلى الحالة العلمية فتناولتها بإيجاز أيضًا مع التركيز على مكانة علوم السنة آنذاك وعوامل إزدهارها في مسرح حياة العراقي وهو مصر والشام والحجاز، وأثر ذلك في المساعدة على التكوين العلمي للعراقي، كما رددت القول بجمود الحالة العلمية والعلماء في ذلك العصر، وبينت بعض مظاهر العناية بالسنة حينذاك تعلما وتعليمًا وتأليفا، حتى شاركت فيها المرأة الرجل، كما شارك الأمراء والحكام. حتى كان من شيوخ العراقي وتلامذته بعض أمراء المماليك الكبار.\n* أما الباب الثاني: فتناولت فيه: «شخصية الحافظ العراقي من جوانبها المختلفة».\nوقد استغرق هذا الباب قدرًا كبيرًا من الرسالة وبذلت في عرضه وتحقيق نقاطه جهدًا شاقا؛ نظرًا لأن شخصية العراقي لم يسبق دراستها كما أسلفت، كما أن جوانبها متسعة ومتشعبة. ولا عجب فهو رائد مدرسة، ومجدد جيل بالإضافة إلى أنه قد علق بجوانب شخصيته كثير من الأخطاء والأوهام والغمزات التي يعتبر هذا البحث أول تصدّ لها فيما أعلم.\n* وقد قسمت هذا الباب إلى ثلاثة أقسام:\nالقسم الأول: مُشَخّصات عامة: تناولت فيها فرار بعض أسرة العراقي من العراق إلى مصر وتوطنهم بها. وبينت تاريخ ولادة العراقي وتسميته وتحديد مكان الولادة حاليًا بالقاهرة، مع تصحيح الخطأ في ذلك، ثم بينت نسبه وصححت سلسلته، وحققت أصله وبينت كنيته ولقبه، ثم أوضحت تعدد نسبته واشتباهه في بعضها بغيره وأثر ذلك، مع بيان ما يمكن تمييزه به عن غيره في هذا.","vol":"1","page":8},{"text":"ثم انتقلت إلى القسم الثاني: وجعلته عن جوانب شخصية العراقي:\nفبدأت بذكر نشأته ومؤثراتها، وصححت خطأ القول بأنه نشأ يتيما، ثم بينت حياة العراقي الزوجية والأسرية وأثرها في السنة، ولما كان توثيق المحدِّث أمرًا أساسيا فإني عنيت ببيان توثيق العراقي من خلال أوصافه الظاهرية ومواهبه العقلية وعقيدته وأخلاقه. ثم انتقلت إلى بيان دراسات العراقي الأولى والعامة حيث حفظ القرآن الكريم في صغره، ثم درس على عادة عصره الفقه وأصوله وكان شيوخه فيه من أبرز علماء عصره، كتقي الدين السبكي وجمال الدين الإسنوي، فعرفت بهما بإيجاز، مع الاهتمام ببيان أثرهما في العراقي وختمت ذلك ببيان مكانة العراقي في علمي الفقه والأصول.\n* ثم بينت دراساته اللغوية والأدبية، نظرًا لصلتها الأكيدة بتخصصه ونتاجه في علوم السنة.\nوبينت في ذلك مكانته في معرفة علوم اللغة وملامح أسلوبه النثري في مؤلفاته، ثم بينت درايته بقواعد النظم، وتركز شعره في علوم السنة وما يتصل بها، وتوظيف شعره الأدبي لخدمة السنة وشرح معانيها، ولما كان شعره الأدبي هذا لم يُدوَّن في تأليف مستقل، فإني بينت بعض المصادر التي يمكن الوقوف فيها على قدر كبير منه.\n* وانتقلت من ذلك إلى القسم الثالث والأخير: حيث تناولت فيه اختصاص العراقي بعلوم السنة وأهم شيوخه وأثرهم فيه، وتلاميذه، وأثره فيهم، ثم مكانته.\n* وبينت أنه اتجه أولا للتخصص في علم القراءات، ثم عدل عنه بتوجيه.","vol":"1","page":9},{"text":"شيخه عز الدين بن جماعة، لما رأى حبه للسنة وذكاءه فقال له: «إني أراك متوقد الذهن؛ فاصرف نفسك إلى علم الحديث».\nثم أوضحت بداية طلبه للحديث ومعوقاته في ذلك واجتيازها، مع الرد على تلميذه ابن حجر في وصف شيخه العراقي بالتراخي في بداية الطلب.\n* وفصلت القول في دراساته لعلوم السنة باعتبارها مبعث مجده العلمي وتكوينه، وبينت تخرجه في علوم السنة رواية ودراية، ومن خرجه من حفاظ عصره، مع الرد على ابن حجر في قوله: إن العراقي لم يكن له من يُخرجه، ثم عرفت بأربعة من شيوخه البارزين في علوم السنة وبيان تأثيرهم فيه.\n* وانتقلت من ذلك إلى بيان رحلاته في سبيل السنة تعلما وتعليما ونتائجها وهي عبارة عن رحلات إلى الشام والحجاز، ورحلات محلية داخل مصر وعرفت خلال ذلك بأهم شيوخه وشيخاته في تلك البلاد، مع الرد على المستشرقين، في تفسير قيام المرأة برواية السنة وتدريسها للرجال.\n* كما أوضحت تغير طابع رحلاته عن بعضها، حيث أخذت رحلاته الحجازية طابع الإفادة لغيره من أهل الحجاز والواردين عليه.\n* ثم بينت مدى حرص العراقي على الرحلة في سبيل تحمل السنة ونشرها، حتى عزم على الرحلة إلى بغداد وتونس فحالت دونه المقادير.\n* وأوضحت أنه فيما بين تلك الرحلات كان يقوم بنشاطه الحديثي تعلما وتعليما وتأليفا في مقره الأصلي وهو القاهرة، ونظرًا لضخامة ما وقفت عليه من دراساته للسنة وشيوخه فيها، فإني بينت أهم المصادر التي يمكن الوقوف منها على ذلك؛ ليدرك القارئ والباحث أن ما ذكرته قليل جدا من كثير جدا.","vol":"1","page":10},{"text":"* ثم لفت نظري عناية العراقي هو والمؤرخون له بالإشادة بمكتبته الخاصة، حتى كان يُضرب بها المثل في القاهرة، فألقيت بعض الضوء عليها، مع بيان أثرها في تكوينه العلمي ونتاجه.\n* وختمتُ ذلك كله ببيان وظائف العراقي العلمية التي تقلدها رسميًا أو تطوعًا داخل مصر وخارجها لعشرات السنين، ومدى تأثيرها في نشر وإفادة علوم السنة: تدريسًا وتأليفًا ومقابلة وتصحيحًا وإجازة وإملاء، بين الحرمين المكي والمدني والقاهرة، حيث أحيا سُنَّةَ إملاء الحديث بها لأكثر من عشر سنوات.\n* وبينتُ في ذلك ريادته لمدرسة السنة، ومواقفه المشهودة، وجهوده من أجلها، وأستاذيته لجيل المُحدِّثين والمُحدَّثات وحُفَّاظ السنة من بعده في العالم الإسلامي، وكيف قام بالإشراف العلمي والتوجيه بالنسبة لبعض طلابه في مؤلفاتهم كما نفعل اليوم في نظام دراستنا العليا، وخَرَّج من تحت يده بذلك ثمارًا علمية، ومراجع هي عمدتنا إلى اليوم، (كمجمع الزوائد) وغيره لتلميذه نور الدين الهيثمي.\n* ثم عَرَّفْتُ بأبرز تلاميذ العراقي والمُتَخَرِّجين على يديه، مع بيان تأثيره فيهم، وبيان انتشارهم في حياته ومن بعده، حاملين لواء السنة بين المراكز العلمية في العالم، من بلاد المغرب غربًا، حتى فارس والروم والهند شرقًا، ثم قدمتُ خلاصة لنتائج وظائف العراقي العلمية وأثرها في السنة، وأنهيتُ الباب ببيان وفاة العراقي وتصحيح تأريخها، وتحديد مكانها بالقاهرة حاليًا، ثم تحديد مكان مدفنه الآن بالقاهرة أيضًا، ثم ذكرتُ بعض تقدير العلماء وغيرهم للعراقي، مع تعقيب ختامي انتهى به ذلك الباب بحمد الله.","vol":"1","page":11},{"text":"أما الباب الثالث: فتضمن أثر العراقي بمؤلفاته وآرائه في مصطلح علوم السنة وعلم رجالها.\nوقد قسمته إلى قسمين:\nالقسم الأول: في مصطلح علوم السنة:\nوتناولت فيه خمسة مؤلفات للعراقي في ذلك، وهي:\n١ - ألفيته المسماة بـ «التبصرة والتذكرة» و«شرحه الكبير» لها.\n٢ - و«شرحه المتوسط».\n٣ - و«التقييد والإيضاح لما أُطلق وأغلق من كتاب ابن الصلاح».\n٤ - و«نظم كتاب الإقتراح» لابن دقيق العيد.\n٥ - و«شرح تقريب النواوي»، وهذا الأخير لم أجده.\nأما الأربعة التي قبله فبحثت كلا منها، من حيث تسميته ونسبته إلى العراقي، وبيان ما للموجود من تلك الكتب، من نسخ خطية، وبيان ما طبع منها وتقويم الطبعة، وتفصيل منهج العراقي في كل كتاب مع التحليل والمقارنة، وذكر بعض النماذج من آرائه، ثم تقويم الكتاب عموما ببيان أهم مميزاته، وبعض المآخذ عليه إن وجدت، وبيان عناية العلماء بتلك الكتب، وأثرها فيما بعدها من المؤلفات في موضوعها، وفي الدارسين له.\nوقد استدعى ذلك تناول عدد غير قليل من المؤلفات التي خدمت مؤلفات العراقي السابقة بالشرح أو التعليق أو الإختصار، وكثير من تلك المؤلفات ما يزال مخطوطا حتى الآن.","vol":"1","page":12},{"text":"والقسم الثاني: تضمن أثر العراقي بمؤلفاته وآرائه في عِلْم رجال السنة واشتمل ذلك على بيان تأليفه وآرائه في معرفة الصحابة، وفي المؤتلف والمختلف من أسماء الرواة وكُناهم وألقابهم، وفي الرواة الأكابر الذين رووا عن الأصاغر، وفي نقد رواة السنة عمومًا، وذلك في تذييله على «ميزان الاعتدال»، للذهبي، وفي الرواة المدلسين ورواة المراسيل، والوحدان من رجال الصحيحين، وردّ الجهالة عنهم، ورجال كل من: «صحيح ابن حبان» و«سنن الدارقطني» و«تقريب الأسانيد للعراقي» نفسه، وتذييله على بعض كتب تاريخ الرجال ووفياتهم، ويشمل ذلك: تذييله على كتاب «العِبَر» للذهبي، وتذييله على «وفيات نقلة العلم وذوي الشأن» للحافظ ابن أَيْتك الدّمياطي، وتذييله على ذيل آخر لابن أيبك هذا على «وفيات الأعيان» لابن خَلَّكان، وتأليفه في التراجم المفردة لبعض شيوخه، ولبعض معاجم الشيوخ ومشيخاتهم.\n* وقد تناولتُ تلك المؤلفات من جوانبها المختلفة: من حيث التسمية وإثبات النسبة للعراقي، وتصحيح ما قد يكون في ذلك من خطأ، وكشف ما وَجَدتُه منها مجهول النسبة لمؤلّف، وبيان ما وقفت عليه من نسخ الكتاب أو نصوصه المتضمنة في غيره، وتحديد موضوع الكتاب وأهميته العلمية، وعناصر منهج العراقي فيه، ونماذج من آرائه، مع المقارنة والتقويم، بذكر أهم المميزات وبعض المآخذ، ثم ما توصلت إليه من أثر لكل كتاب فيما بعده.\n* والباب الرابع: خصصته لبيان أثر العراقي بمؤلفاته وآرائه في علم التخريج وفقه السنة، ونقدها، وشرحها، والسيرة النبوية.","vol":"1","page":13},{"text":"وجعلته في خمسة أقسام:\nالقسم الأول: تأليف العراقي وآراؤه في أنواع علم التخريج، وأثر ذلك: وتناولت فيه بيان مفهوم التخريج، ثم كتب التخريج التي ألفها العراقي، مخطوطة أو مطبوعة أو مفتقدة، وما تمكنت من الوقوف عليه تناولته من حيث: التسمية والنسبة للعراقي، ومنهجه فيه، مع المقارنة والتحليل والتقويم، بذكر أهم المميزات والمآخذ، ثم أثر الكتاب فيما بعده.\nالقسم الثاني: في تأليف العراقي وآرائه في فقه السنة؛ من أحاديث الأحكام عموما، وبعض الموضوعات المفردة، وأثر ذلك.\nالقسم الثالث: تأليف العراقي وآراؤه في الأحاديث المنتقدة والموضوعة وأثر ذلك.\nوالقسم الرابع: تأليف العراقي وآراؤه في شروح كتب السنة، وغريب ألفاظ الحديث، وأثر ذلك.\nوالقسم الخامس: بيان تأليف العراقي وآراؤه في السيرة النبوية، وأثر ذلك.\n* وسلكت في بحث تلك الأقسام الأربعة المنهج الذي انتهجته في بحث القسم الأول.\n* وختمت الرسالة ببيان أهم النتائج التي توصلت إليها خلال الأبواب الأربعة\n* ثم ذكرت فهرسا لأهم المراجع الخطية والمطبوعة، وفهرسا للموضوعات.\nوبالله التوفيق.\n* * *","vol":"1","page":14},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3>مِنْ صُعُوبَاتِ المَوْضُوعِ</span>\nهذا ولابد من الإشارة إلى بعض الصعوبات التي اعترضتني أثناء البحث وكان لها دخل كبير في تأخير إنجازه.\n* فمن ذلك: أن المطبوع من مؤلفات العراقي قليل بالنسبة لباقي مؤلفاته التي ما تزال مخطوطة حتى الآن.\n* ثم إن أغلب المطبوع إما غير محقق، أو منسوب خطأ إلى العراقي، أو إلى ولده أبي زُرْعَة، أو إلى غيرهما.\n* ثم إن الموجود من مؤلفاته المخطوطة موزع بين القاهرة والإسكندرية وباقي بلاد العالم، كأسبانيا وألمانيا والمغرب وليبيا وسوريا وبغداد والموصل والمدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، وتركيا والهند.\nوبعض مؤلفاته مذكورة في الفهارس على أنها مجهولة المؤلف، وأثبت بفحصها نسبتها إليه.\nوبعد أن سجلت الموضوع وتمت الموافقة عليه، بدأت الاطلاع على الموجود بالقاهرة مع السعي بجهدي الشخصي للحصول على مُصَوَّرَات أو نصوص كافية من تلك المخطوطات المنتشرة في أنحاء العالم، وعانيت كثيرا من الكلفة والانتظار والأخذ والرد، لأكثر من ثلاث سنين، حتى حصلت بحمد الله على كثير من مُصَوَّرات أو نصوص تلك المخطوطات.\n*- لكني فوجئت بعقبة أخرى وهي: تخزين المخطوطات الموجودة بدار الكتب المصرية بسبب ظروف الحرب مع إسرائيل منذ عام ١٩٦٧ م والتي","vol":"1","page":15},{"text":"عشناها سنين، وبالتالي أصبح عملي في الرسالة مُجزَّءًا حتى انتهت ظروف الحرب عام ١٩٧٣ م - بحمد الله - وسَمَح بالاطلاع على المخطوطات، فاستأنفتُ العمل متكاملًا، وكان عليَّ مُراجعة المصورات بواسطة أجهزة القراءة التي يُدرِك إرهاقها - حينذاك - كل من اضطرته ظروف بحثه للاستعانة بها.\n* وبالإضافة إلى ذلك فإني وجدتُ عددًا من مؤلفات العراقي غير موجود حاليًا بذاته، وإنما أخذه بعض تلاميذه، ومَنْ بعدهم وأودعوه مُفرَّقًا أو مجموعًا في مؤلفاتهم، وذلك كالحافظ ابن حجر في «لسان الميزان» وفي «القول المسدد في الذَّب عن مسند أحمد» وفي «طبقات المدلسين».\nوكسبط ابن العجمي في «الاغتباط بمعرفة من رُمي بالاختلاط» وفي «المُحضَرمين» وكالغزّي في «بهجة الناظرين» وكجلال الدين السيوطي في كثير من مؤلفاته.\nوبذلك أصبح التعرف على مؤلفات العراقي تلك، متوقفًا على الاطلاع على تلك المؤلفات رغم بلوغ بعضها عدة مجلدات، وبقاء بعضها مخطوطًا حتى الآن.\n* ثم إن أكثر المؤلفات التي احتجتُ إليها في مقارنة نتاج العراقي العلمي بغيره، غالبها أيضًا مخطوط كما يلاحظ القارئ ذلك من مراجع الرسالة ومن الإحالة عليها خلال أبواب البحث.\n* ورغم هذا كله فقد واصلت الليل بالنهار كما يشهد الله، حتى أخرجتُ الموضوع على خير ما أمكنني، دون أن أُبرِّئ نفسي مما هو لازم لكل إنسان من الخطأ والنسيان، وبالله التوفيق.","vol":"1","page":16},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4>البَابُ الأَوَّلُ: السُّنَّةُ وَعَصْرُ العِرَاقِيِّ</span>\nالقِسْمُ الأَوَّلُ: تَحْقِيقُ مَفْهُومِ السُنَّةِ\nالقِسْمُ الثَّانِي: بَيَانُ عُلُومِ السُنَّةِ\nالقِسْمُ الثَّالِثُ: عَصْرُ العِرَاقِيِّ","vol":"1","page":18},{"text":"لما كان موضوعنا هذا عن الحافظ العراقي وأثره في السنة، لزمنا أن نقدم بين يديه تعريفًا للسنة، وبيانًا مجملًا لعلومها.\nثم نتبع ذلك بلمحة عن عصر العراقي ومكانة السنة وعلومها فيه حتى يتسنى لنا على أساس ذلك تبيين تكوين الشخصية العلمية للعراقي، ونواحي تأثيره في أبحاث السنة وعلومها المختلفة.\nونوقع ذلك في الآتي:","vol":"1","page":19},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5>اَلْقِسْمُ الْأَوَّلُ تَحْقِيقُ مَفْهُومِ السُّنَّةِ</span>","vol":"1","page":21},{"text":"<span data-type='title' id=toc-6>أ - عربية «السنة» وعالميتها</span>\nذكر الإمام الشافعي ﵁ أن تنبيه عامة المسلمين إلى نزول القرآن بلسان عربي مبين، يعد من ضمن النصيحة لهم التي تدور بين الفرض والنافلة وعلّل هذا بأنه لا يعلم إيضاح مجملات القرآن الكريم أحد جهل سعة لسان العرب وكثرة وجوهه، وجماع معانيه وتفرقها، ومن علم ذلك انتفت عنه الشبهة التي دخلت على من جهل لسان العرب (^١).\nوقد حدث بالنسبة للسنة النبوية أن بعض أعدائها ممن جهل سعة لسان العرب كما ذكر الشافعي أو تجاهله، زعم أن اسمها هذا ليس عربيا، بل مأخوذ بالنقل أو الاشتقاق من كلمة «مشناة» أو «مسناة» العبرانية التي يطلقها اليهود على مجموعة الروايات الشفاهية التي تناقلها أحبارهم جيلا بعد جيل، والتفاسير التي جعلوها شروحا للتوراة، وكل ذلك من كلام الأحبار والمفسرين، لا من كلام الرسل والأنبياء (^٢).\nوعلّلوا ذلك بأنه كما أن اليهود تركوا التوراة وعملوا بمجموعة الروايات الإسرائيلية (^٣) وسموها «مثناة» أو «مسناة» أي الشريعة المكررة الموضحة، فكذلك المسلمون لما تركوا القرآن وعملوا بالسنة، اشتقوا لها اسما من كلمة «مشناة» اليهودية وسموها «سنة» (^٤).\n_________\n(^١) «الرسالة» للشافعي ص ٣١.\n(^٢) «بنو إسرائيل في القرآن والسنة» للدكتور محمد سيد طنطاوي ج ١ ص ٩٣، ٩٤.\n(^٣) بل منهم من يجعلها في منزلة أسمى من التوراة (انظر: بنو إسرائيل في القرآن والسنة) للدكتور محمد سيد طنطاوي جـ ١ ص ٩٥\n(^٤) «منهج المحدثين في ضبط السنة» للدكتور محمود فياض ص ٧، ٨، و«تحقيق معنى السنة والحاجة إليها» للسيد سليمان الندوي ص ٢٦.","vol":"1","page":23},{"text":"لهذا، كان من النصيحة للمسلمين ولتأصيل موضوع البحث أن نُبَيِّن أصل الكلمة واستعمالها في لغة العرب، ثم مفهومها في اصطلاح علماء السنة وغيرهم، ورجوعه للأصل اللغوي، وعدم تنافي ذلك مع عالمية مضمون السنة، ثم مكانة السنة في الإسلام. وبذلك يثبت فساد هذا الزعم من كل جوانبه وتتضح لنا حقيقة السنة.\n\n<span data-type='title' id=toc-7>ب - اشتقاق السنة واستعمالها اللغوي</span>\nفمن ناحية الاشتقاق قرر اللغويين أن اللغات لا تشتق الواحدة منها من الأخرى، فلا يشتق العربي من العجمي ولا العكس، وإنما يشتق في اللغة الواحدة بعضها من بعض، وإذا وافق لفظ أعجمي لفظا عربيا في حروفه، فلا يدل ذلك على أن أحدهما مأخوذ من الآخر (^١).\nوعليه فالقول باشتقاق كلمة سنة من «مشناة» أو «مسناة» العبرية، مردود على زاعمه، ولو قيل إنها مأخوذة بالنقل لا بالاشتقاق، فإن ذلك يرده أيضًا وجود أصل الكلمة ومشتقاتها المجردة والمزيدة في لغة العرب، واستعمالهم لها بمعان حقيقية ومجازية، متعارفة في حياتهم وبيئتهم الخالصة، من قبل الإسلام ومن بعده، وموافقة للمعنى الاصطلاحي لها في عموم الشريعة ومتسعة لما أطلقها عليه كافة علماء الإسلام على مختلف تخصصاتهم ومطالبهم من السنة، وقد بين ذلك بالدقة والتفصيل علماء اللغة وفقهاؤها، واستوعب جمال الدين ابن منظور في كتابه الجامع «لسان العرب» ما جاء عن جمهور المتقدمين والمتأخرين من أهل اللغة وأئمتها، في بيان أصل الكلمة ومشتقاتها واستعمالات العرب لها في\n_________\n(^١) «العلم الخفاق من علم الاشتقاق» للسيد محمد صديق حسن خان ص ١٩ - ٤٦ - ٤٧.","vol":"1","page":24},{"text":"جاهليتهم وإسلامهم، مستشهدًا في ذلك بشعرهم الذي هو سجل حياتهم، ونثرهم، ثم بالقرآن الكريم المنزل من عند الله ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٌّ مُبِينٍ﴾ وبنفس السُّنة النبوية التي صدرت عن أفصح العرب ﷺ (^١).\nونقل عن الزجاج بيان ورود كلمة السُّنة وما تصرف منها في حديث الرسول ﷺ بما يوافق أصل الاستعمال اللغوي لها. وهذا من أظهر الأدلة على أن عنونة السُّنة بهذا الاسم نابع من داخلها، وصادر عن الرسول ﷺ نفسه تعبيرًا عن واقعها، ومكوناتها، وليس دخيلا عليها ولا مستحدث الوضع من بعده، ولا مستجلبا كما هو مزعوم.\nقال الزجاج: «وقد تكرر في الحديث ذكر السُّنة وما تصرف منها، والأصل فيه الطريقة والسيرة، ويجوز أن يكون من سنَنْتُ الإبل إذا أحسنت رعيها والقيام عليها»، ثم ساق عدة أحاديث، وبين رجوع معناها لهذا الأصل اللغوي، وهو الطريقة والسيرة وإحسان الرعاية والتوجيه ومن ذلك قوله: «وفي الحديث» «إنما أُنسى لِأَسُنَّ» (^٢). أي إنما أُدفع إلى النسيان، لأسوق الناس بالهداية إلى الطريق المستقيم، وأبين لهم ما يحتاجون أن يفعلوا إذا عرض لهم النسيان (^٣).\nويطول بنا تتبع ما ذكره صاحب (اللسان) فنجتزئ منه بنقله عن ابن\n_________\n(^١) انظر «لسان العرب» مادة «سنن» جـ ١٧ ص ٨٤ - ٩٤.\n(^٢) أخرج الإمام مالك في موطئه أنه بلغه أن رسول الله ﷺ قال: «إني لأنسى أو أُنسَى لِأَسن»، قال ابن عبد البر: «ولا أعلم هذا الحديث مسندًا ولا مقطوعا من غير هذا الوجه»، ولكن معناه صحيح في الأصول. «الموطأ»، ص ٨٣.\n(^٣) «لسان العرب»، جـ ١٧ ص ٨٩.","vol":"1","page":25},{"text":"الأعرابي، أن «السن» مصدر والفعل منه «سَنَّ» والاسم «سُنَّةٌ» و«سُنَن» وعليه يقال: من الحديد سنا وسن للقوم سنة وسُننا» وفي «المحكم» لابن سيده: «سن الشئ يسنه فهو مسنون» (^١).\nوبذلك يظهر لك عربية الكلمة بتصاريفها المختلفة، أما استعمالاتها، فيرجع معظم ما أفاض في ذكره فيها إلى إطلاق كلمة «السنة» على صورة أو حالة معينة، حسية أو معنوية، سواء كانت حسنة أو سيئة، ولذلك تُستعمل في الشئ ونقيضه، كما في الحديث: «من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها، ومن سن سنة سيئة» الحديث (^٢).\nومن استعمالها في السيرة السيئة قول الشاعر العربي خالد بن عتبة الهذلي:\nلا تجزعن من سيرة أنت سرتها … فأول راض سنة من يسيرها (^٣).\nإلا أن أكثر استعمالها فيما هو حسن، ولذلك إذا استعملت مجردة عن الوصف، تنصرف لذلك، فإذا أريد ما هو سي قيدت به (^٤)، وعندما نستعرض ما أُطلقت عليه «السنة» في اصطلاح علمائها وغيرهم من المختصين في جوانب الشريعة على تنوع مقاصدهم، من أصوليين وفقهاء ووعاظ، نجده لا يجاوز\n_________\n(^١) «لسان العرب» جـ ١٧ ص ٨٧.\n(^٢) «لسان العرب» جـ ١٧ ص ٨٩. والحديث في «صحيح مسلم» بلفظ: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء»، (ج ٢ ص ٧٠٥) وأخرجه ابن ماجه بنحوه باب من سن سنة حسنة أو سيئة جـ ١ ص ٧٤.\n(^٣) «اللسان» جـ ١٧ ص ٨٩.\n(^٤) «أعلام المحدثين» لشيخنا الفاضل الدكتور محمد أبو شهبة ص ٦ و«أصول الفقه»، لشيخنا الفاضل الدكتور طه الدسوقي ص ٩٩ رحمهما الله.","vol":"1","page":26},{"text":"الاستعمال اللغوي للكلمة فيما هو حسن ماديا أو معنويا، فإليك تعريفها في اصطلاح كل وتوضيح مشتملاتها، ثم بيان مطابقة ذلك لمدلولاتها اللغوية.\n\n<span data-type='title' id=toc-8>جـ - السنة في اصطلاح علمائها</span>\nلما كان مقصود علماء السنة نقل وإثبات كل ما هو مضاف للنبي ﷺ، مباشرة أو بالواسطة، فإن جمهورهم عَرَّف السنة بما يُحقق هذا القصد، فقالوا: «السنة كل ما أضيف إلى النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير أو سيرة أو صفة خُلقية أو خَلقية، حتى الحركات والسكنات في اليقظة والمنام سواء كان ذلك قبل البعثة أم بعدها، وسواء تعلق به حكم شرعي أم لا».\nوزاد المحققون: ما أضيف إلى الصحابة والتابعين كذلك من أقوال وأفعال وتقريرات تتعلق بالدين (^١)؛ لكون ذلك مآله الرجوع للرسول ﷺ، وإن لم يُصرحوا بذلك في كل حال، رهبة من الخطأ في النقل أو رغبة في التقليل من الحديث (^٢) والتركيز على العمل التطبيقي، أو اعتمادًا على ما عُرِفُوا به من\n_________\n(^١) انظر «الإلماع» للقاضي عياض ص ٦، ٧. و«الخلاصة» للطيبي ص ٣٠. و«التعريفات» للجرجاني ص ٦٥، و«الموافقات» للشاطبي جـ ٤ ص ٤ - ٦. و«فتح المغيث» للسخاوي جـ ١ ص ٢٠ و«شرح السيوطي لألفيته في المصطلح» والمسمى: «البحر الذي زَخَر» ورقة ٦ ب و٧ أ (مخطوط). و«فتح الباري بشرح البخاري» لابن حجر ج ١ ص ٢١٠، ٢١١ وجـ ١٧ ص ٢، ٩. و«نيل الأماني بتوضيح مقدمة القسطلاني» للإبياري ص ١٠، ١١ و«حاشية لقط الدرر على شرح النخبة» للشيخ حسين خاطر ص ٣. و«النخبة النبهانية بشرح المنظومة البيقونية» للشيخ خليفة النبهاني ص هـ، ٦. و«قواعد التحديث» للقاسمي ص ٣٦ - ٣٨. و«السنة قبل التدوين» لمحمد عجاج الخطيب ص ١٦. و«أعلام المحدثين» للدكتور أبو شهبة ص ٦. و«النكت الوفية بما في شرح الألفية» للبقاعي ورقة ١٠١ ب (مخطوط مصور).\n(^٢) انظر «سنن ابن ماجه» باب التوقي في الحديث عن رسول الله ﷺ ج ١ ص ١٠، =","vol":"1","page":27},{"text":"التزامهم بما شاهدوه، وما بلغهم عن الرسول ﷺ، أو ربما صرحوا بإضافته للرسول ﷺ ولم ينقل إلينا (^١).\nوقد وجد بعد التدوين العام للسنن كثير مما رُوي موقوفًا على الصحابة أو التابعين، مرويًا من طرق أخرى مضافًا للنبي ﷺ، ومن المعروف أنهم لا يصدرون في مثل هذا إلا عن توقيف أو استنباط.\nوقد أقر الرسول ﷺ أصحابه على اجتهادهم في حديث معاذ ﵁ حين أرسله ﷺ إلى اليمن فقال: كيف تقضي؟ قال: أقضي بما في كتاب الله، قال: فإن لم يكن في كتاب الله؟ قال: فبسنة رسول الله ﷺ قال: فإن لم يكن في سنة رسول الله ﷺ؟ قال: أجتهد رأبي، قال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله (^٢)، وتقريره ﷺ من سنته بالاتفاق (^٣).\nكما أنه قرن سنة خلفائه الراشدين بسنته وأمر باتباعهما فقال في حديث العرباض بن سارية: «وسترون بعدي اختلافا شديدًا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ» (^٤).\n_________\n= و«أعلام الموقعين» جـ ٤ ص ١٤٧ و«معرفة علوم الحديث»، للحاكم ص ٦١.\n(^١) «أعلام الموقعين»، جـ ٤ ص ١٤٨.\n(^٢) عزاه العراقي في تخريج أحاديث «منهاج الأصول» للبيضاوي لأبي داود والترمذي من حديث معاذ. وقال: «إن هذا لفظ الترمذي» وأنه قال عنه: «ليس إسناده عندي بمتصل»، ولكن ابن القيم صحح أصل الحديث (انظر تخريج المنهاج للعراقي ورقة ٧٥ ب، ٧٦ أ مخطوط) و(أعلام الموقعين) جـ ١ ص ١٧٥.\n(^٣) «تكملة شرح الترمذي» للعراقي جـ ١ ورقة (١٦ ب) مخطوط مصور.\n(^٤) أخرجه ابن ماجه في «سننه» وبوب عليه باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين ج ١ ص ١٥، ١٦ وأبو داود في السنن أيضًا جـ ٢ ص ٥٠٦.","vol":"1","page":28},{"text":"كما جعل أصحابه هداة للأمة من بعده حيث رفع رأسه إلى السماء، فقال: «النجوم أَمَنَة للسماء فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعدون، وأنا أَمَنَة لأصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي، ما يوعدون، وأصحابي أَمَنَة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون» (^١).\nوقد كان شأن التابعين بإحسان مع الصحابة شأن الصحابة مع الرسول ﷺ فكانت أقوالهم وأفعالهم في أمور الدين ترجمة وتطبيقا لما شاهدوه منهم وما تلقوه عنهم وإن لم يُصرحوا بذلك بدورهم في كل حال؛ خشية ما ظهر من الفتن، كما أنه لم يُنقل إلينا كل تصريحاتهم، وهم مُرْتَضَوْن من الله تعالى في قوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ (^٢).\nكما أنهم مشاركون للصحابة في الخيرية المشهود لهم بها من الرسول ﷺ في قوله: «خير أُمتي القرن الذين بعثت فيهم ثم الذين يلونهم»، قال أبو هريرة راوي الحديث: «والله أعلم أذكر الثالث أم لا» (^٣).\nفليس بينهم وبين الرسول ﷺ إلا واسطة واحدة وهم الصحابة، لهذا كان الأحوط اعتبار ما أضيف إلى الصحابة والتابعين من أمور الدين أقوالا وفتاوى وأعمالًا وتقريرات، من السنة، طالما لم يكن ذلك من باب الرأي والاجتهاد، حتى\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في «صحيحه» باب بيان أن بقاء النبي ﷺ أمان لأصحابه وبقاء أصحابه أمان للأمة جـ ٧ ص ١٨٣ و«أعلام الموقعين» لابن قيم الجوزية جـ ٤ ص ١٣٠.\n(^٢) سورة التوبة آية ١٠٠.\n(^٣) أخرجه مسلم في «صحيحه» كتاب الفضائل، باب فضل الصحابة ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم جـ ٧ ص ١٨٥.","vol":"1","page":29},{"text":"لا يفوتنا منها شيء وإن تفاوتت درجاتها في الاستدلال كما سيأتي عن الأصوليين.\n\n<span data-type='title' id=toc-9>الجمع بين التعريفين ودليله:</span>\nوإذا كانت سنة الصحابة والتابعين لهم بإحسان، مردها إلى الرسول ﷺ على النحو الذي أوضحته، فإنها تعد من اللوازم المتفرعة عن مشتملات السنة في تعريف الجمهور المتقدم، فهي تفصيل للوازم ما ذكر فيه من أقواله ﷺ وأفعاله وتقريراته، ولا يبعد أن يكون عدم النص عليها في تعريفهم، ليس لاستبعادها بل لما هو معروف من الاكتفاء في تعريف الشئ بأصوله دون استيعاب فروعه ولوازمه، صونًا للتعريف عن الإسهاب.\nوبهذا الوجه يمكن الجمع بين التعريفين واعتبارهما تعريفا واحدا اختلفت عبارته بالإجمال والتفصيل، وعليه يصبح أعم تعريف للسنة عند علمائها وأجمعه للمتفق عليه بينهم أنها: ما أضيف إلى النبي ﷺ مما تقدم عند الجمهور، وما أُضيف إلى الصحابة والتابعين من قول أو فعل أو تقرير مما يتعلق بأمور الدين، وليس من الرأي أو الاجتهاد، وبذلك يشمل سائر جوانب السنة صراحة لا التزاما، ولهذا ارتضاه السلف والمحققون من العلماء (^١).\n• ويؤيده الآتي:\n\n<span data-type='title' id=toc-10>(١) ما استقر عليه علماء السنة المعتمدون منذ فجر تدوينها العام وما تلاه من التصنيف المنظم حتى الآن.</span>\n_________\n(^١) «المختصر في علم رجال الأثر» لشيخنا الفاضل، الشيخ عبد الوهاب عبد اللطيف ﵀ ص ٤ و«علوم الحديث ومصطلحه» للدكتور صبحي الصالحي ص ١٠٧، و«كشاف اصطلاحات العلوم» للتهانوي جـ ٢/¬١٣ و«شرح الديباج المذهب» لمنلا حنفي ص ٦، ٧.","vol":"1","page":30},{"text":"حيث نجد التابعي الجليل محمد بن شهاب الزهري رائد الجامعين للسنة في عصره، يحدثنا عنه رفيقه صالح بن كيسان فيقول: «كنت أنا وابن شهاب ونحن نطلب العلم فاجتمعنا على أن نكتب السنن فكتبنا كل شي جاء عن النبي ﷺ، ثم قال (أي الزهري) نكتب ما جاء عن أصحابه فقلت لا، ليس سنة، وقال هو: بل هو سنة، فكتب ولم أكتب فأنجح وضيعت» (^١).\nومن هذا يظهر لك استقرار الأمر على ما رأى الزهري، من عد ما جاء عن الصحابة سنة، ورجوع صالح لذلك وندمه على ما ضيعه منها بمخالفته أولا، وعدم مشاركة الزهري في تدوينها بالإضافة لسنة الرسول ﷺ.\nوبهذا كان مفهوم السنة الذي جرى عليه الزهري كما نرى، ووافقه عليه معاصروه، مطابقًا لتعريفها العام الذي ذكرناه، وقد بين الزهري مشاركة غيره له في هذا، وانتشار ما دونوه على ذلك المنهج رسميًا في أقطار الإسلام عمومًا بأمر الخليفة العالم عمر بن عبد العزيز، دون نكير عليه، فيقول: «أمرنا عمر ابن عبد العزيز بجمع السنن، فكتبناها دفترًا دفترًا فبعث إلى كل أرض له عليها سلطان دفترًا» (^٢).\nوقد تتابع علماء السنة على ذلك فيما تلا هذا التدوين العام، من التأليف المنظم على مر العصور، حتى عصر العراقي وما بعده إلى يومنا هذا، فما من مؤلف جامع، للمتقدمين أو المتأخرين، على مختلف شروطهم ومناهجهم، إلا نجده مشتملًا على ما هو مضاف للرسول ﷺ ولأصحابه وللتابعين،\n_________\n(^١) رواه ابن عبد البر بسنده من طريقين، «جامع بيان العلم» جـ ١ ص ٩٢.\n(^٢) المصدر السابق ج ١/ ٩١، ٩٢.","vol":"1","page":31},{"text":"ونجدهم يعدون كل ذلك سننا مأثورة، وأن تفاوت القدر الوارد في كل منها قلة وكثرة، وتفاوتت جهة إيراد المروي عن الصحابة والتابعين، من دليل أصلي تارة، إلى دليل ثانوي للتقوية والاستشهاد والاستئناس.\nفأمير المؤمنين في الحديث عبد الله بن المبارك وطبقته، من أوائل المصنفين في السنة في العالم الإسلامي جمعوا في مصنفاتهم بين المروي عن الرسول ﷺ والمروي عن صحابته وتابعيهم، متخذين الكل دليلا أصليا (^١)، ونظرة منا إلى الفهرس التحليلي لكتاب «الزهد والرقائق» لابن المبارك ترينا أن الوارد فيه عن الصحابة والتابعين، ضعف الوارد عن الرسول ﷺ (^٢).\nوأيضا الإمام مالك في «موطئه» يورد ما جاء عن الصحابة والتابعين، دليلا أصليا ويسميه سنة (^٣)، لكن ما أورده أقل كما مما أورده ابن المبارك في الزهد بكثير، أما الإمام البخاري في «صحيحه» فقال عنه الحافظ ابن حجر: «وإنما يورد من الموقوفات من فتاوى الصحابة والتابعين وتفاسيرهم لكثير من الآيات، على طريق الاستئناس والتقوية لما يختاره من المذاهب في المسائل المختلف فيها» (^٤)، وهذا بلا شك نوع من الاستدلال بها، وإن كان أوفى من صنيع من تقدموه، ولو نظرنا إلى المسانيد نجد أوفاها وهو مسند الإمام أحمد\n_________\n(^١) انظر «مقدمة فتح الباري» لابن حجر ج ١ ص ١٧ و«شرح السيوطي لألفيته» ورقة (١٦ ب) وما بعدها (مخطوط).\n(^٢) انظر فهرس كتاب «الزهد والرقائق» من ص ١ - ٨ ومن ص ٨ - ٢٠.\n(^٣) انظر كتاب الصلاة - باب السنة في السجود في «الموطأ» رواية محمد بن الحسن ص ٦٩، وكتاب السهو في الصلاة في «الموطأ» رواية يحيى بن يحيى ص ٨٣.\n(^٤) انظر مقدمة «فتح الباري» ج ١ ص ٢٣٨.","vol":"1","page":32},{"text":"يشتمل على ما رواه الصحابة عن الرسول ﷺ، وعلى ما روي عن الصحابي نفسه من كلامه أو فعله أو تقريره، وكذلك عن التابعي (^١) وعلى نهج هؤلاء الأئمة سار من بعدهم إلى يومنا هذا.\n\n<span data-type='title' id=toc-11>(٢) تقرير مصطلح علوم السنة:</span>\nومما يؤيد دخول المروي عن الصحابة والتابعين، مما ليس من رأيهم واجتهادهم، في مفهوم السنة الاصطلاحي، تقرير العلماء الذين ألفوا في مصطلح علوم السنة وقواعد بحثها لذلك، فنجدهم يقسمون السنن باعتبار من أضيفت إليه، إلى ثلاثة أقسام، ويُلقبون كلا منها بلقب خاص، ويخصصون له مبحثًا فيلقبون المضاف للرسول ﷺ بالمرفوع.\nوفي ذلك يقول العراقي في «ألفيته»:\nوسمْ مرفوعًا مضافًا للنبي (^٢)\nويلقبون المضاف للصحابي بالموقوف، كما يقول العراقي في «الألفية»:\nوسِمْ بالموقوف ما قصرته … بصاحب وَصَلْتَهُ أو قطعته\nقال السخاوي: أي ما قصرته على صحابي قولا له وفعلا أو نحوهما مما لا قرينة فيه للرفع (^٣).\nويلقبون المضاف للتابعي بالمقطوع، يقول العراقي في «الألفية» أيضًا:\n_________\n(^١) انظر مقدمة مسند أحمد طبع دار الاعتصام بالقاهرة ج ١ ص ٣٩، و«المسند» نفسه في نفس الجزء ص ٤٦، ٧٩، ٨٠.\n(^٢) «فتح المغيث» جـ ١ ص ٥٦ و«مقدمة ابن الصلاح مع التقييد والإيضاح» ص ٦٥.\n(^٣) «مقدمة ابن الصلاح» ص ٦٦. وشرح العراقي لألفيته المطبوع باسم «فتح المغيث» جـ ١ ص ٥٨ و«فتح المغيث» للسخاوي جـ ١/ ١٠٣.","vol":"1","page":33},{"text":"وسم بالمقطوع قول التابعي وفعله … الخ (^١) ويطلقون على الجميع اسم السنة، كما يقول العراقي:\nوأهل هذا الشأن قسموا السنن إلى صحيح وضعيف وحسن (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-12>(٣) الاعتماد على ما جاء عن الصحابة والتابعين في التشريعات:</span>\nفقد اعتبر جمهور الأئمة من أصوليين وفقهاء، ما جاء عن الصحابة والتابعين، أحد أدلة الأحكام الشرعية وأنواعها المعمول بها، كما سنذكره عنهم، وبالتالي كان لابد من اعتبار علماء السنة لذلك ضمن أنواعها مع تمييزها عن المرفوع وعنايتهم بجمعها وإثباتها كالسنة المرفوعة، حتى يُوفّروا أقصى ما يمكن من الأدلة والأحكام الواردة عن السلف، لتمكين العلماء والمجتهدين من استنباط الأحكام المتجددة في ضوء ما ثبت عن الرسول ﷺ مباشرة، أو بواسطة صحابته وتابعيهم بإحسان كما قدمنا.\n\n<span data-type='title' id=toc-13>أمثلة لمشتملات مفهوم السنة عند علمائها</span>\nوبعد أن بينا إستقرار الأمر على أن السنة في اصطلاح علمائها ومؤلفاتهم، تتضمن ما أضيف إلى الرسول ﷺ وإلى أصحابه وتابعيهم بإحسان، نرى الأمر يتطلب ذكر أمثلة توضيحية من واقع مدونات السنة وعلومها، ليتأكد انطباق التعريف على المعرف، وتتضح عموم الجوانب التي جعلها العراقي مجال أعماله وآثاره وتزول بعض الشبهات.\n\n<span data-type='title' id=toc-14>١ - السنة القولية والرد على من ينكرها:</span>\nفمثال ما أُضيف إلى الرسول ﷺ من الأقوال: ما رواه الإمام الشافعي\n_________\n(^١) «فتح المغيث» للعراقي جـ ١ ص ٥٩. و«مقدمة ابن الصلاح»، ص ٦٦.\n(^٢) المصدر السابق ج ١ ص ٩.","vol":"1","page":34},{"text":"﵁ قال: وجدنا علي بن الحسين يقول: أخبرنا عمر بن عثمان عن أسامة ابن زيد أن النبي ﷺ قال: «لا يرث المسلم الكافر» فيثبتها «أي عمر ابن عثمان» سنة ويثبتها الناس بخبره سنة (^١).\nوأخرج الحاكم أيضا بسنده عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يقبل الله صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول» ثم قال: «هذه سنة صحيحة لا معارض لها» (^٢).\nوفي تسمية الشافعي والحاكم لقول الرسول ﷺ «سنة» رد على من يقول: «إن المراد بـ «السنة» عمل الرسول ﷺ المتواتر وليس المراد بها كل رواية رويت بالسند اللفظي، فلان عن فلان (^٣) بل الموجود في كتب السنة المتعددة، من السنة القولية الثابتة، أكثر من السنن الفعلية فضلا عن المتواتر منها».\n\n<span data-type='title' id=toc-15>٢ - السنة العملية:</span>\nوأما أفعاله ﷺ فمن أمثلة ما كان منها قبل البعثة ما روته عائشة ﵂ من قول خديجة ﵂ له: «إنك لتصل الرحم وتحمل الكل، وتكسب المعدوم وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق» (^٤).\nوهذا الحديث من أمثلة ما تشمله السنة في اصطلاح علمائها، دون الأصوليين والفقهاء؛ لأنه لا يتضمن حكما تكليفيا للأمة ولا يعد دليلا،\n_________\n(^١) «الرسالة» للشافعي ص ١٩٥.\n(^٢) «معرفة علوم الحديث» للحاكم ص ١٢٩.\n(^٣) قال هذا: السيد سليمان الندوي كبير علماء الهند في عدة مواضع من رسالة بعنوان «تحقيق معنى السنة» انظر ص ١٨ - ١٩ - ٢٢ منها.\n(^٤) أخرجه البخاري في «صحيحه» باب بدء الوحي، مع «فتح الباري» ج ١ ص ٢٥، ٢٧.","vol":"1","page":35},{"text":"حيث لم يكن الرسول ﷺ قد بُعِثَ بعد، حتى يتوجه بتكليف للأمة.\nومن أفعاله بعد البعثة: الصلوات الخمس، وأعمال الحج والجهاد، وغير ذلك. ومنها أيضًا: همّه ﷺ بالشيء؛ لأنه من فعل القلب وهو ﷺ لا يهم إلا بمطلوب شرعًا، وقد بُعِثَ لبيان ما شرع الله، ومن ذلك ما رواه البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر بحطب ليحطب، ثم آمر بالصلاة، فيؤذن لها ثم آمر رجلًا فيؤم الناس، ثم أخالف إلى رجال فأحرق عليهم بيوتهم» (^١).\nومن أفعاله أيضًا: إشارته ﷺ، كحديث ابن عباس أن النبي ﷺ سئل في حجته فقال (السائل): ذَبحتُ قبل أن أرمي فأومأ بيده قال: لا حرج (^٢). وأما تقريره ﷺ فهو عبارة عن كفه عن إنكار ما يقع تحت حواسه أو يعلم به، والكف فعل، وعليه كان إقراره من ضمن سننه، ومن أمثلته ما رواه أبو سعيد الخدري ﵁ أنه خرج رجلان في سفر وليس معهما ماء فحضرت الصلاة، فتيمما صعيدًا طيبا فصليا ثم وجدا الماء في الوقت، فأعاد أحدهما الصلاة والوضوء ولم يعد الآخر، ثم أتيا رسول الله ﷺ فذكرا ذلك له فقال للذي لم يعد: أصبت السنة وقال للآخر: لك الأجر مرتين (^٣). ومنه إقراره ﷺ على الاجتهاد فيما لا نص فيه كما تقدم.\n\n<span data-type='title' id=toc-16>٣ - صفاته ﷺ الخلقية والخلقية:</span>\nوأما صفاته ﷺ الخلقية والخلقية، فقد تضمنت كتب السنة كثيرا منها؛ بل\n_________\n(^١) «صحيح البخاري مع فتح الباري»، كتاب الصلاة باب وجوب صلاة الجماعة ج ١ ص ٢٦٩، ٢٧٠.\n(^٢) «صحيح البخاري» كتاب العلم باب الفتيا بإشارة اليد والرأس مع فتح الباري ج ١ ص ١٩١\n(^٣) رواه أبو داود والنسائي. انظر: «سبل السلام في شرح بلوغ المرام»، ج ١ ص ٩٧.","vol":"1","page":36},{"text":"ألف فيها ما يُعرف بكتب الشمائل، ومن أمثلتها ما رواه أنس ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ أحسن الناس وأشجع الناس وأسمح الناس» (^١) وما جاء في هذا الحديث من وصفه ﷺ بالحسن الفائق، وإن كان لا يتضمن حُكمًا تكليفيًا، لكنه تضمن إثبات وصف الرسول ﷺ لتعريفنا بشخصه الكريم، وبهذا كان من أنواع السنة في اصطلاح علمائها (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-17>٤ - سيرته ﷺ</span>-:\nوأما عموم سيرته ﷺ فقد ضمنها علماء السنة أطوار حياته وأحداثها، منذ حمله ومولده، حتى وفاته، وهي تقع ضمن أبواب كتب السنة الجامعة كالصحيحين وغيرهما، وتقع في كتب السيرة المستقلة، كما سيأتي تفصيله إن شاء الله عند بيان ما ألفه العراقي في السيرة.\n\n<span data-type='title' id=toc-18>٥ - أقوال الصحابة والتابعين وأعمالهم وتقريراتهم:</span>\nوأما أقوال الصحابة ﵃، فمنها ما أخرجه مسلم أنه جاء رجل إلى ابن عباس فقال له: إني رجل أصوّر هذه الصور فأفتني فيها، فقال له: أُدنُ مني (الحديث) وفي آخره أنه قال له: إن كنت ولابد فاعلًا فاصنع الشجر وما لا نفس له (^٣).\n_________\n(^١) «أخلاق النبي ﷺ وآدابه» لأبي الشيخ بن حيان الأصبهاني ص ٥٩.\n(^٢) انظر «النكت الوفية بما في شرح الألفية» للبقاعي ورقة ١٠١ ب (مخطوط مصور).\n(^٣) «صحيح مسلم» كتاب اللباس والزينة، باب لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة جـ ٦ ص ١٦٢ و«الوقوف على ما في صحيح مسلم من الموقوف» لابن حجر العسقلاني ورقة ٦٩ أ (مخطوط بدار الكتب المصرية).","vol":"1","page":37},{"text":"ومن أمثلة أقوال التابعين: ما رواه البخاري عن الحسن البصري في حكم الصلاة في السفينة حيث قال: تصلي قائما ما لم تشق على أصحابك، تدور معها وإلا فقاعدًا (^١).\nومن أمثلة ما اجتمع عليه عمل الصحابة والتابعين وأهل المدينة التي عُرفت بدار السنة، ما رواه البخاري بسنده عن أبي جعفر ﵄ قال: ما بالمدينة أهل بيت هجرة، إلا يزرعون على الثلث والربع ثم قال: وَزارِع علي وسعد بن مالك وعبد الله بن مسعود وعمر بن عبد العزيز والقاسم وعروة وآل أبي بكر وآل عمر وآل علي وابن سيرين (^٢).\nومن أمثلة تقرير التابعين: ما رواه النسائي عن عبد الرحمن بن الأسود قال كان عماي يزارعان بالثلث والربع وأنا شريكهما وعلقمة والأسود يَعْلَمَان فلا يُغيّران (^٣). وعلقمة والأسود تابعيان، ويلاحظ أن إقرارهما كان لعمل الصحابة وغيرهم من التابعين كما في المثال المتقدم، مما يدل على أنهما لم يقرا إلا عن علم بإجازة الصحابة من قبلهم لذلك، وعملهم به.\nهذه هي الأمثلة التطبيقية الموضّحة لكل ما تضمنه تعريف السنة عند علمائها، ومنها يتضح اشتمال كتب السنة المعتبرة على كل ما نص عليه تعريفها فتطابق التعريف والمعرف.\nوقد قسم العلماء ما تضمنه هذا التعريف إلى أقسام، وجعلوا كلا منها عِلْمًا.\n_________\n(^١) «صحيح البخاري مع فتح الباري» كتاب الصلاة. باب الصلاة على الحصير جـ ٢ ص ٣٥.\n(^٢) «البخاري مع فتح الباري» جـ ٥ ص ٤٠٧.\n(^٣) «فتح الباري» جـ ٥ ص ٤٠٨.","vol":"1","page":38},{"text":"قائما بذاته كما سنبينه في بيان علوم السنة، وجدير بالذكر أن السنة بهذا المفهوم الاصطلاحي عند علمائها، تُستعمل في مقابل القرآن الكريم، وقد ورد استعمالها في مقابله على لسان الرسول ﷺ في قوله: «تركت فيكم اثنين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي» (^١) وجرى على ذلك الصحابة والتابعون ومن بعدهم من الأئمة.\n\n<span data-type='title' id=toc-19>د - السنة في اصطلاح الأصوليين</span>\nأما علماء الأصول فلما كان مقصدهم من السنة ما يستدل به منها على الأحكام التكليفية طلبًا أو تخييرًا وما يتعلق بذلك، فقد عرفوها بما يختص بهذا منها فقالوا: السنة ما صدر عن الرسول ﷺ من قول غير القرآن، أو فعل أو تقرير، مما يثبت حكمًا شرعيًا (^٢).\nوبعضهم يضيف أقوال وأفعال وتقريرات الخلفاء فقط.\nوبعضهم أدخل عموم الصحابة (^٣)، وبعضهم أضاف ما جاء عن التابعين، غير مخالف لما جاء عن الصحابة، فضلا عن الرسول ﷺ (^٤)، وقد مر لك في\n_________\n(^١) «جامع بيان العلم» جـ ٢ ص ٢٢١ أصل وهامش.\n(^٢) «نهاية السول شرح منهاج الأصول» للأسنوي، و«حاشية الشيخ بخيت المطيعي عليه» جـ ٣ ص ٦١٨ - ٦١٩. و«فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت» لعبد العلي الأنصاري جـ ٢ ص ٩٧ و«فتح الباري بشرح صحيح البخاري» لابن حجر جـ ١٧ ص ٣ و«السنة قبل التدوين» للدكتور محمد عجاج ص ١٦ و«أصول الفقه» للدكتور طه الدسوقي ص ٤٠.\n(^٣) «تهذيب توضيح الأصول» للدكتور سليمان عبد الفتاح ص ٢١ و«البدعة» للأخ الفاضل الدكتور عزت عطية ص ١١٩ و«قواعد التحديث» للقاسمي ص ٢٥٧ - ٢٦١ و«الحديث والمحدثون» لشيخنا الفاضل الدكتور محمد أبو زهو ص ٩، ١٠.\n(^٤) «أعلام الموقعين» لابن قيم الجوزية جـ ٤ ص ١٥٦ وما بعدها.","vol":"1","page":39},{"text":"تعريف السنة توجيه ذلك كله، وعليه يكون أعم تعريف للسنة عند علماء الأصول أنها: «ما أضيف للرسول ﷺ وأصحابه والتابعين لهم بإحسان، من قول أو فعل أو تقرير يثبت حكما شرعيا» ومع هذا فإنه أخص من تعريف السنة في اصطلاح علمائها؛ لأنه لا يشمل إلا ما يتضمن الأحكام التكليفية للأمة من فرض أو نفل أما ما يتعلق، بأحوال الرسول ﷺ قبل البعثة التي هي مناط التكليف للأمة وما يتعلق بصفاته ﷺ الخلقية كما ذكرنا، ونحو ذلك فإنه لا يدخل في تعريف السنة عند الأصوليين، بينما هو معدود من مشتملات السنة عند علمائها، كما سلف.\nوليس معنى هذا عدم اعترافهم بثبوت تلك الأحوال والصفات ونحوها مما يتعلق بالرسول ﷺ، وأصحابه، وأتباعهم، وإنما هم فقط يُقررون عدم اشتمالها على محكم يترتب على مخالفته مؤاخذة من قبل الشارع، وهذا لا يعارض اعتبارها من السنة عند علمائها، لأنهم كذلك لا يقولون بتضمن كل ما يثبتونه ويسجلونه من أحوال الرسول ﷺ والصحابة والتابعين، أحكاما تكليفية كما قدمنا.\nأما تقييد الأصوليين ما صدر عن الرسول ﷺ من أقوال، بأن تكون غير القرآن، فيوافقهم فيه علماء السنة، وقد تقدم أنهم يستعملون السنة في مقابلة القرآن، كما يستعملها الأصوليون حين يقولون: «أدلة الشرع: الكتاب والسنة والإجماع … الخ».\nويتفق الأصوليون أيضًا كما ترى في التعريف مع علماء السنة على أنها تشمل القول والعمل، وقال الإسنوي في «شرح التعريف»: «إن عطف الفعل على القول «بأو» الدالة على التقسيم، للإعلام بأن كلا من القول والفعل","vol":"1","page":40},{"text":"يُطلق عليه اسم السنة» (^١) وبهذا يتضامنون في الرد على من قصر السنة على الأعمال كما قدمنا.\nكما أنهم لم يفرقوا بين ما ثبت بالتواتر وما ثبت بطريق الآحاد من الرواة، فصار الكل عندهم صالحًا للاحتجاج مع ترجيح الأقوى.\n\n<span data-type='title' id=toc-20>هـ - السنة في اصطلاح الفقهاء:</span>\nلما كان مقصود الفقهاء بيان أنواع الأحكام الشرعية من فرض ونفل فإنهم عرفوا السنة على الرأي المختار بأنها: «ما في القيام به ثواب، وفي تركه عتاب لا عقاب» (^٢).\nوعلى هذا فهي تشمل ما كان بهذه المثابة من الأعمال والأقوال المشروعة، سواء دلّ عليها القرآن أو السنة بأنواعها، كما تشمل ما واظب عليه الرسول ﷺ من السنن وما تركه أحيانًا، وأحبه السلف من بعده فلازموه، كما أنها تقابل الفرض والواجب.\n\n<span data-type='title' id=toc-21>و- السنة في اصطلاح الوعاظ:</span>\nوبعض الفقهاء ومعهم الوعاظ الدعاة إلى الدين الحق، يُطلقون السنة على كل ما دلّ عليه دليل شرعي، صراحة أو التزاما، وما أُحدث على خلاف ذلك يسمونه بدعة، ويستعملون السنة في مقابله فيقولون: فلان على السنة؛ أي على ما أقره الشرع عموما، وفلان على البدعة؛ أي على ما يخالفه،\n_________\n(^١) «نهاية السول» للأسنوي جـ ٣ ص ٦١٩.\n(^٢) انظر «تحفة الأخيار في إحياء سنة سيد الأبرار» للإمام اللكنوي ص ٩ و«شرح محمد المشيشي على كفاية المبتدئ» للأسقاطي ورقة (٢٧ أ) مخطوط بمكتبة الأزهر، و«أعلام المحدثين» للدكتور محمد أبو شهبة ص ٧.","vol":"1","page":41},{"text":"والسنة بهذا المفهوم تشمل الدين كله، عقيدة وشريعة وسلوكا، سواء ما تضمنه كتاب الله تعالى من الأوامر والنواهي، أو ما تضمنته السنة بأنواعها (^١).\nوإلى هذا المعنى أشار الرسول ﷺ في قوله: «من أحيا سنة من سنتي قد أُميتت بعدي فإن له من الأجر مثل أجر من عمل بها من الناس، لا ينقص من أجور الناس شيئا، ومن ابتدع بدعة لا يرضاها الله ورسوله، فإن عليه مثل إثم من عمل بها من الناس، لا ينقص من آثام الناس شيئًا» (^٢).\nوقوله أيضًا: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (^٣).\nويقول سيدنا عمر ﵁: «السنة ما سنه الله ورسوله، ولا تجعلوا خطأ الرأي سنة» (^٤).\nويقول الإمام ابن حزم: «السنة هي الشريعة نفسها، وأقسامها في الشريعة: فرض أو ندب أو إباحة أو كراهة أو تحريم، كل ذلك قد سنه الرسول ﷺ عن الله ﷿» (^٥).\nونلاحظ أن السنة بهذا المفهوم، وبمفهومها المتقدم عند الفقهاء، تفترق عن مفهومها عند الأصوليين وعلماء السنة؛ لأنها عند الفقهاء والوعاظ كما ترى، تشمل ما تضمنه القرآن الكريم، بينما تُسْتَعْمَل السنة عند الأصوليين وعلماء\n_________\n(^١) «رسائل الإصلاح» للشيخ الخضر حسين شيخ الأزهر ج ٣ ص ٨٣، ٨٤، و«الحديث والمحدثون» للدكتور محمد أبو زهو ص ١٠ و«السنة قبل التدوين» لمحمد عجاج ص ١٨.\n(^٢) أخرجه ابن ماجه في «مقدمة سننه» باب من أحيا سنة قد أميتت جـ ١ ص ٧٥.\n(^٣) أخرجه ابن ماجه في «مقدمة سننه» عن عائشة باب تعظيم حديث رسول الله ﷺ ص ٧.\n(^٤) «جامع بيان العلم» جـ ٢ ص ١٦٦.\n(^٥) «الإحكام في أصول الأحكام» لابن حزم الظاهري ج ١ ص ٤٣.","vol":"1","page":42},{"text":"السنة، في مقابله كما ذكرنا، وقد جاء كل من الاستعمالين على لسان الرسول ﷺ وأصحابه كما مثلنا، فأخذ كل منهم بما يناسب جهة بحثه، وجعلوه اصطلاحا متداولا بينهم للدلالة على الجوانب التي يبحثونها من السنة، ولا مشاحة في الاصطلاح، فليس هناك إذن تعارض بين تلك الاصطلاحات، وإنما هو تعدد مقاصد، وتحديد المجال البحث والدراسة والتأليف بحيث تتفرغ كل طائفة، من محدثين وفقهاء وأصوليين ومفسرين ووعاظ لبحث جانب خاص من جوانب السنة التي تسع الجميع في رحابها وتحوي مطالبهم دون تناقض، فكلهم من رسول الله ﷺ ملتمس، تبعًا للجانب الذي يبحثه وجهودهم في النهاية يكمل بعضها بعضا، وبمجموعها تُخدم السنة وعلومها، فهذا يتولى إثباتها وتنقيتها من الدخيل، وذاك يستخرج أدلتها والآخر يبين فقهها وأحكامها وآدابها ومواعظها ترغيبا وترهيبا، وهكذا.\n\n<span data-type='title' id=toc-22>ز - تطابق مفهوم السنة في الاصطلاح مع مفهومها في لغة العرب دون المنافاة لعالميتها</span>\nبعد أن فرغنا من بيان المفهوم الاصطلاحي للسنة ومشتملاتها عند علمائها وغيرهم ممن شاركهم في بحث جوانبها والاستفادة بها، وبينا وجوه التمايز والالتقاء بينهم ومرجعه، آن لنا أن نبين أن السنة في عموم مفاهيمها الاصطلاحية المتقدمة، ترجع إلى المعاني اللغوية التي استعملت بها الكلمة في اللسان العربي من قبل الإسلام ومن بعده، وذلك أنه تقدم إطلاق السنة في الاصطلاح، على أوامر الله ونواهيه وأحكامه التي بينها في كتابه وبواسطة رسوله، ورسم بها الطريق القويم لصلاح المعاش والمعاد، وقد ذكر صاحب «اللسان» أنه يقال في اللغة: «سنة الله، أي أحكامه وأمره ونهيه، ويقال","vol":"1","page":43},{"text":"سَنَّها، للناس أي بَيَّنها، ويقال: سَنَّ الله سنة، أي بَيَّن طريقًا قويما»، واستشهد بقول الله تعالى: «﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْل﴾ (^١) وقال: أي سَنَّ الله ذلك» (^٢).\nكذلك تقدم إطلاق السنة في الاصطلاح على أقوال الرسول ﷺ وسيرته العملية وطريقته التي سلكها في عموم حياته، طبيعة واعتيادا .. وتشريعا وبيانا لطريق الإيمان بالله، والعمل الصالح، فصار ذلك طريقًا مسلوكًا ممهدًا لأمته وهو رائدهم الأول فيه، ثم تبعه صحابته وأتباعهم على ذلك، مراعين التأسي به على أتم وجه.\nوقد قال رجل لابن مسعود: «ما الطريق المستقيم؟ قال: تركنا محمد في أدناه وطرفه الجنة» (^٣).\nوقد استعملت السنة في لغة العرب بهذه المعاني، قال صاحب «اللسان»: وكل من ابتدأ أمرًا عمل به قوم بعده، قيل: هو الذي سَنَّه، واستشهد بقول الشاعر العربي:\nكأني سَنَنْتُ الحب أول عاشق … من الناس اذ أحببت من بينهم وحدي (^٤)\n_________\n(^١) انظر الآية ٣٨ من سورة الأحزاب، و«لسان العرب» جـ ١٧ ص ٨٩.\n(^٢) أخرجه الطبري في تفسير قوله تعالى: ﴿وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه﴾ الآية ١٥٣ من سورة الأنعام جـ ٨/ ٨٨، ٨٩\n(^٣) «لسان العرب» جـ ١٧ ص ٩٨.\n(^٤) «لسان العرب» جـ ١٧ ص ٩٠.","vol":"1","page":44},{"text":"ونقل أيضًا عن «تهذيب اللغة» للأزهري: «أن السنة في اللغة الطريقة المحمودة .. والمستقيمة، ولذلك قيل: فلان من أهل السنة، معناه من أهل الطريقة المستقيمة المحمودة، وهي مأخوذة من السنن وهو الطريق. والسنة: الطبيعة»\nثم نقل عن شمر قوله: «السنة في الأصل: سنة الطريق، وهو طريق سَنَّه أوائل الناس فصار مَسْلَكًا لمن بعدهم، وَسَنَّ فلان طريقًا من الخير يسنه، إذا ابتدأ أمرًا من البر لم يعرفه قومه فاستنوا به وسلكوه»\nوأيضًا: ذكر صاحب «اللسان» إطلاق السنة على الوجه الحسن الخالي من العيوب، وعلى صورته الصافية وإطاره المحدد فقال: «ورجل مسنون الوجه حَسَنُهُ سَهْله، وسنة الوجه دوائره، وسنة الوجه صورته».\nواستشهد بقول ذي الرمة:\nتريك سنة وجه غير مقرفة … ملساء ليس بها خال ولا ندب (^١)\nولا شك أن الرسول ﷺ وأصحابه وتابعيهم بإحسان، قد رسموا بشنتتهم القولية والفعلية، أحسن صورة للإسلام وأنقاها، مجردة عن البدع والخرافات وما لم يأذن به الله، وحددوا ملامح الدين واضحة لا لبس فيها، كما أن علماء السنة قد بذلوا أضنى الجهود لتخليصها من كل شوب ودخيل، فصارت أنقى ما تكون، وهكذا لا نأخذ جانبًا من جوانب السنة وما يتعلق بها، وننظر في مدلوله، إلا نجد له وجها أصيلا، ومناسبة في الاستعمالات اللغوية لها، سواء في الجاهلية أو الإسلام.\n_________\n(^١) «لسان العرب» جـ ١٧ ص ٨٧.","vol":"1","page":45},{"text":"بل الطريف أني وجدتُ من تعبيرات اللغة بالاستنان ما يصدق بحقيقته على أحد أنواع السنن في الاصطلاح في نفس الوقت، فالعرب تقول: ««فلان استن» إذا استاك فدعك أسنانه بالسواك» (^١).\nوهذا العمل نفسه أحد السنن المعروفة، وفيها قوله ﷺ: «لولا أن أشق على أُمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة» (^٢).\nوفي البخاري عن أبي بردة عن أبيه قال: «أتيت النبي ﷺ فوجدته يستن بسواك بيده» (^٣).\nوهكذا لم تضق اللغة بالسنة في أي من معانيها الاصطلاحية وجوانبها الواقعية، كما لم تضق السنة بعموم الاشتقاقات اللغوية للكلمة وجماع معانيها، حتى تلاحمت اللغة والاصطلاح في التعبير الواحد كما رأيت.\nفهل بعد هذا من وجه الدعوى استجلاب اسم السنة من لغة أعجمية؟ - أيا كان التعليل - ليكون عنوانا على السنة المطهرة؟\nيقول الإمام الشافعي ﵁: «وأولى الناس بالفضل في اللسان، لسان النبي ﷺ، ولا يجوز. والله أعلم - أن يكون أهل لسانه أتباعا لأهل لسان غير لسانه في حرف واحد، بل كل لسان تبع للسانه، وكل أهل دين قَبْلَهُ، فعليهم اتباع دينه» (^٤)\n_________\n(^١) لسان العرب جـ ١٧ ص ٨٧.\n(^٢) «صحيح مسلم» كتاب السواك جـ ١ ص ١٥١، ١٥٢ والبيهقي في «معرفة السنن والآثار» باب السواك جـ ١ ص ١٨٤.\n(^٣) «صحيح البخاري» كتاب الطهارة باب السواك مع فتح الباري ج ١ ص ٣٦٩.\n(^٤) «الرسالة» للشافعي ص ٢٩.","vol":"1","page":46},{"text":"ولسنا واجدين في هذا تضييقا أو تعصبا، وإنما هو وضع الشئ في إطاره الصحيح، الذي ارتضته الحكمة الإلهية بجعل الدين قرآنا وسنة بلسان عربي مبين، كما أن عربية اسم السنة والألفاظ التي وردت بها، لم ولن تمنع عالمية المضمون، وإباحة ترجمته بوعي وأمانة، إلى عموم اللغات واللهجات، بمقتضى عموم إرسال صاحب السنة ﷺ للناس كافة، وختمه للنبيين.\nوقد أرسل ﷺ رسائل لملوك العجم من فرس وروم وقبط بلغته العربية، وتُرجمت لهم فَبَلَغتهم بها الدعوة هم وأقوامهم دون حرج.\nأما التعليل لأخذ تسمية السنة من «المشناة» اليهودية بالمشابهة، فَسَنُبين بطلانه ضمن الفقرة التالية، ليتم زوال الدعوى وعلتها.\n\n<span data-type='title' id=toc-23>ح - منزلة السنة في الإسلام ومخالفتها لمنزلة المشناة عند اليهود</span>\nمن تمام تحقيق مفهوم السنة عند علمائها وغيرهم، أن نُبين منزلتها في الإسلام، خاصة وأن من زعم كون اسمها مأخوذ من «مشناة» اليهود علله بمشابهة موقف المسلمين من السنة، بموقف اليهود من المشناة، فزعم أنهم تركوا القرآن وعملوا بما روي عن الرسول ﷺ وأصحابه وتابعيهم، كما ترك اليهود التوراة وعملوا بتفسيرات الأحبار وشروحهم لها، كما أن هناك من زعم أنه لا يُقبل من السنة إلا ما وافق نص القرآن.\nوسيتبين لنا من تحديد مكانة السنة في الإسلام، بطلان هذا وذاك وتَخْلُصُ لنا السنة في حقيقتها ومشتملاتها محددة واضحة.\n\n<span data-type='title' id=toc-24>(١) السنة تستمد عموم مشروعيتها من القرآن الكريم:</span>\nفقد قرن القرآن طاعة الرسول ﷺ بطاعة الله، وجعل عصيانه مُحبطًا للعمل.","vol":"1","page":47},{"text":"قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ، وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ (^١) بل إنه جعل طاعته ﷺ من طاعة الله فقال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّه﴾ (^٢).\nوقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ (^٣).\nوهكذا جاءت آيات كثيرة في القرآن الكريم عبر نزوله في شتى المواقف والتشريعات، وبمقتضاها وجب على المؤمنين طاعته ﷺ في كل ما سنه لهم بالقول والعمل، والتأسي به وبمن تُعَدُّ سنتهم من سنته وهم الصحابة والتابعون كما سلف.\nفكيف يمكن إذن الاعتماد على السنة مع ترك القرآن الذي تستند في عموم مشروعيتها عليه، كما يزعم من أشرنا لهم؟\nثم إن عموم الأمر بطاعة الرسول ﷺ كما نرى في الآيات السابقة وغيرها، يجعل ذلك شاملًا لما وافق صريح القرآن، كأمره ﷺ بالصلاة ونهيه عن الزنا، ولما لم يُصرح به القرآن، كتفاصيل العبادات والحدود ونحوها، وفي هذا رد على الزنادقة والخوارج الذين يقولون بعدم حجية ما تستقل السنة ببيانه، ووضعوا لذلك الغرض حديثًا بلفظ «ما آتاكم عني فاعرضوه على كتاب الله، فإن وافق كتاب الله فأنا قلته، وإن خالف كتاب الله فلم أقله، وإنما أنا موافق\n_________\n(^١) آية ٣٣ من سورة محمد.\n(^٢) آية ٨٠ من سورة النساء.\n(^٣) آية ٢١ من سورة الأحزاب.","vol":"1","page":48},{"text":"كتاب الله وبه هداني الله».\nقال عبد الرحمن بن مهدي: «الزنادقة والخوارج وضعوا ذلك الحديث».\nقال ابن عبد البر: «وهذه الألفاظ لا تصح عنه ﷺ عند أهل العلم بصحيح النقل من سقيمه، وقد عارض هذا الحديث قوم من أهل العلم، وقالوا نحن نعرضه على كتاب الله قبل كل شئ، ونعتمد على ذلك، فلما عرضناه وجدناه مخالفا لكتاب الله، لأنا لم نجد في كتاب الله ألا يقبل من حديث رسول الله ﷺ إلا ما وافق كتاب الله، بل وجدناه يطلق التأسي به والأمر بطاعته ويُحذِّر من المخالفة عن أَمْرِهِ جملة على كل حال» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-25>(٢) السنة مبينة للقرآن وملازمة له:</span>\nأنزل الله ﷿ على نبيه القرآن الكريم وقال له فيه: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (^٢)، كما قال أيضًا: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (^٣)، وقال مخاطبًا رسوله: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (^٤).\nكما أمر المؤمنين بطاعته ﷺ على وجه العموم فقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ (^٥).\n_________\n(^١) «جامع بيان العلم» لابن عبد البر ج ٢ ص ٢٣٣ و٢٣٤.\n(^٢) آية ٨٩ من سورة النحل.\n(^٣) آية ٣٨ من سورة الأنعام.\n(^٤) آية ٤٤ من سورة النحل.\n(^٥) آية ٧ من سورة الحشر.","vol":"1","page":49},{"text":"وتكرر ذلك في القرآن الكريم كما قدمنا، وعلى ضوء هذه الآيات ونحوها، بين العلماء منزلة السنة من القرآن ويجمع آراءهم في هذا، أن القرآن تبيان لكل شئ، وجامع لكل شيء مما شرع الله، بطريق الإجمال في الغالب؛ لأنه لا يُصرح بتفاصيل أكثر التشريعات وشروطها وهيآتها، كالصلاة والحج وأنصبة الزكاة وتنفيذ الحدود ونحو ذلك، ولما كانت هذه التفاصيل موجودة في السنة عمومًا، وقد نص القرآن على وجوب طاعة الرسول ﷺ وتكليفه بالبيان، كان بيان السنة نوعًا من بيان القرآن لكل شئ، ووسيلة له، فكان الرسول ﷺ قرآنا يسير في الناس، وقال في صراحة ووضوح: «فاستنطقوا القرآن بسنتي ولا تعسفوه» (^١).\nوبهذا تلتئم معاني الآيات المتقدمة، وتظهر الحاجة للسنة بجانب القرآن وتلازمها تلازم البيان والمبين، مما يبطل زعم الفصل بينهما أو إحلال السنة محل القرآن أو العكس، وقد كان علماء الصحابة ومن بعدهم يفهمون ذلك ويبينونه لمن خفي عليهم ويضربون لهم الأمثلة التوضيحية.\nفمن ذلك: ما أخرجه ابن عبد البر بسنده إلى ابن مسعود قال: «لعن الله الواشمات والمُسْتَوْشِمَات والمتنمصات والمتفلجات للحسن، المغيرات خلق الله، فجاءته امرأة من بني أسد وقالت له بلغني أنك لعنت كيت وكيت فقال: ومالي لا ألعن من لعنه رسول الله ﷺ ومن هو في كتاب الله؟ فقالت: إني لأقرأ ما بين اللوحين فما أجده، قال: إن كنت قارئة لقد وجدتيه، أما قرأت ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ (^٢)؟ قالت: بلى. قال:\n_________\n(^١) «الإلماع» للقاضي عياض هامش ص ٩.\n(^٢) سورة الحشر آية ٧.","vol":"1","page":50},{"text":"فإنه قد نهى عنه رسول الله ﷺ» (^١).\nوبينما عمران بن الحصين يُحدّث بسنة النبي ﷺ قال له رجل: ما هذه الأحاديث التي تحدثوناها وتركتم القرآن، قال: أرأيت لو أبيت أنت وأصحابك إلا القرآن، من أين كنت تعلم أن صلاة الظهر عدتها كذا وكذا، وصلاة العصر عدتها كذا، وحين وقتهما كذا، وصلاة المغرب كذا، وذكر له الوقوف بعرفة ورمي الجمار، وكيفية قطع يد السارق، ثم قال له: اتبعوا حديثنا ما حدثناكم وإلا والله ضللتم (^٢).\nوفي رواية: أن عمران قال للرجل: إنك امرؤ أحمق أتجد في كتاب الله الظهر أربعًا لا تجهر فيها بالقراءة؟ ثم عدد عليه الصلاة والزكاة ونحو هذا ثم قال: أتجد هذا في كتاب الله مفسرا؟ إن كتاب الله أَبْهَمَ هذا، وإن السنة تفسر ذلك (^٣) وقد قرر ذلك وزاد تفصيلا الأئمة المجتهدون، كالإمام الشافعي (^٤)، وابن حزم الظاهري (^٥) وبعد أن ذكر ابن عبد البر بعض الأمثلة لبيان السنة للقرآن قال «والآثار في بيانه ﷺ لمجملات التنزيل قولا وعملا، أكثر من أن تُحصى» (^٦)، وعلى ضوء هذا قال الإمامان الأوزاعي ومكحول: «الكتاب أحوج إلى السنة\n_________\n(^١) «جامع بيان العلم» جـ ٢ ص ٢٣٠، ٢٣١.\n(^٢) «الكفاية» للخطيب ص ٤٨، ٤٩، والحاكم في «المستدرك» بنحوه وصححه وأقره الذهبي كتاب العلم جـ ١ ص ١٠٩، ١١٠.\n(^٣) «جامع بيان العلم» جـ ٢ ص ٢٣٤.\n(^٤) «الرسالة» ص ٣٩ - ٤٣.\n(^٥) «الإحكام في أصول الأحكام» جـ ٢ ص ٧٩، ٨٠.\n(^٦) «جامع بيان العلم» جـ ٢ ص ٢٣٥.","vol":"1","page":51},{"text":"من السنة إلى الكتاب».\nقال ابن عبد البر: «المراد أنها تقضي عليه وتبين المراد منه» (^١) وبناء على هذا كانت حاجة الأمة إلى السنة بجانب الكتاب لفهم مقاصده، وتخصيص عامه، وتقييد مطلقه وتعيين أحد الاحتمالات مما احتمل أكثر من معنى، ونحو ذلك حتى قال عبد الرحمن بن مهدي: «الرجل إلى الحديث أحوج منه إلى الأكل والشرب» (^٢) ولا عجب فلا دنيا لمن لم يحي دينه.\nوإذن: فليس في الاتجاه لجمعها وتدوينها والعناية ببحثها وتمحيصها والتخصص في دراستها، والتأليف في مختلف فروعها، إعراض عن المبين بها وهو القرآن، بل إن ذلك في الحقيقة حرص على تحصيل أصح معانيه ودلالاته، ممن أنزل على قلبه ﷺ ومن أصحابه الذين شاهدوا التنزيل وأخذوا بيانه من الرسول ﷺ، وكذا تابعوهم الذين لم يفصل بينهم وبين الرسول ﷺ إلا واسطة واحدة، ولذلك قال رجل للتابعي الجليل مطرف بن عبد الله بن الشخير: «لا تحدثونا إلا بالقرآن، فقال له مطرف: والله ما نريد بالقرآن بدلا، ولكن نريد من هو أعلم بالقرآن منا (^٣)».\nوبمقتضى تلازم السنة والقرآن تلازم البيان والمبين، كانت السنة متساوية مع القرآن من جهة، وتالية من جهة أخرى، فهي متساوية معه في وجوب الرجوع إليها في التشريع، ومعرفة المراد بما في التنزيل؛ لاحتمال وجود مخصص أو مقيد لعموم القرآن، وهي تالية للكتاب من جهة كونها مبينة له.\n_________\n(^١) «جامع بيان العلم» جـ ٢ ص ٢٣٤.\n(^٢) «الكفاية» ص ٤٩.\n(^٣) «جامع بيان العلم» جـ ٢ ص ٢٣٤.","vol":"1","page":52},{"text":"والبيان متأخر عن المبين، كما أن ما اشتملت عليه من الأحكام التفصيلية الزائدة على ما نص عليه القرآن لا يعتد بها إلا بعد الرجوع للكتاب، ومعرفة عدم وجودها فيه، ثم إن القرآن كله منقول بالتواتر القطعي أما السنة فمعظمها ثابت برواية الآحاد.\n\n<span data-type='title' id=toc-26>(٣) السنة نوع من الوحي ومتصلة السند:</span>\nومع أن السنة تالية للقرآن بهذين الاعتبارين، إلا أن ذلك لا يغض من قيمتها، أو ينأى بها بعيدا عن مصدر القرآن، فقد قال تعالى في وصف الرسول ﷺ: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (^١).\nقال الإمام ابن حزم: «فصح لنا بذلك أن الوحي ينقسم من الله ﷿ إلى رسوله ﷺ إلى قسمين:\nأحدهما: وهو متلو مؤلف تأليفا معجز النظام وهو القرآن.\nوالثاني: وحي مروي منقول، غير مؤلف ولا معجز النظام ولا متلو، لكنه مقروء، وهو الخبر الوارد عن رسول الله ﷺ وهو المبين عن الله ﷿ مراده منا» (^٢).\nوقد أشار الرسول ﷺ لذلك فقال: «ألا إني أُوتيت الكتاب، أو القرآن، ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه، ألا لا يحل لكم لحم الحمار الأهلي، ولا كل ذي ناب من السباع، ولا لقطة من\n_________\n(^١) آيتي ٣، ٤ من سورة النجم.\n(^٢) «الإحكام» ج ١ ص ٩٦.","vol":"1","page":53},{"text":"مال معاهد إلا أن يستغني عنها صاحبها».\nوفي رواية أنه قال: «يوشك رجل متكئ على أريكته يُحدث بالحديث من حديثي فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا حلالا أحللناه، وما وجدنا حرامًا حرمناه، ألا وإن ما حرم رسول الله ﷺ مثلما حرم الله ﷿» (^١).\nوفي رواية: «فمن بلغه عني حديث فكذب به أو كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» (^٢).\nفإذا كانت سنة الرسول ﷺ كالقرآن في وجوب الاتباع، ومردها إلى الوحي غير المتلو، وكذلك سنة الصحابة والتابعين كانت من سنة الرسول ﷺ باعتبار أخذهم عنه واقتدائهم به، ثم اتصل السند بالجميع، منهم إلى أجيال الأمة حتى الآن، وإلى الأبد، فإن مباينة الجميع لمشناة اليهود التي هي من كلام الأحبار المتأخرين وشروحهم، تبدو في غاية الوضوح، بل إنها تباين التوراة نفسها، يقول الإمام ابن حزم في هذا الصدد ما خلاصته: «ما نقله الثقة عن الثقة كذلك، فضلا عن الكافة، حتى يبلغ إلى النبي ﷺ أو الصاحب، أو التابع، أو إلى إمام أخذ عن التابع، يعرفه من كان من أهل المعرفة بهذا الشأن، وهذا نقل خَصَّ الله تعالى به المسلمين دون سائر أهل الملل كلها، وأبقاه عندهم خصبًا جديدًا على قديم الدهور، يجولون في طلبه إلى الآفاق ويواظبون على تقييده ونقده، وقد حفظه الله عليهم، أما المرسل فمنه كثير من نقل اليهود، بل هو أعلا ما عندهم إلا أنهم لا يقربون فيه من موسى\n_________\n(^١) «الكفاية» للخطيب ص ٣٩ والبيهقي في «السنن» بنحوه جـ ٩ ص ٢٠٤.\n(^٢) الخطيب في «الكفاية» ص ٤٢ والحاكم بنحوه من عدة طرق صحح بعضها وأقره الذهبي جـ ١ ص ١٠٨ كتاب العلم وقوله: «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» متواتر على الراجح.","vol":"1","page":54},{"text":"كقربنا من محمد ﷺ بل يقفون ولابد حيث بينهم وبين موسى ﵇ أزيد من ثلاثين عصرًا في أزيد من (١٥٠٠) عام.\nوإنما يبلغون إلى هلال وشماني وشمعون، وأمثالهم، وذلك فيما عدا مسألة واحدة في النكاح تتصل لهم مشافهة عن نبي من أنبيائهم المتأخرين، وأما النقل الموقوف، فهو صفة نقل جميع اليهود لشرائعهم التي هم عليها الآن مما ليس في التوراة، وهو صفة جميع نقل النصارى، حاشا تحريم الطلاق، إلا أن اليهود لا يمكنهم أن يبلغوا ذلك إلى صاحب نبي أصلا ولا إلى تابع له، هذا أمر لا يقدر أحد منهم على إنكاره إلا كذبًا (^١).\nوقد وافق ابن حزم على هذا مؤلفو دائرة المعارف البريطانية من المستشرقين بعد تحقيقهم وفحصهم (^٢).\nوإذا كان الأمر كذلك فلا يسوغ تشبيه السنة في الإسلام بالمثناة عند اليهود، لا من ناحية ثبوتها، ولا من ناحية العمل بها، وليس بإمكان المسلمين الفصل بين الكتاب والسنة، أو إحلال أحدهما محل الآخر، بل هما متلازمان تلازم البيان والمبين، والسنة صنو الكتاب في وجوب الأخذ بها، وفي رجوعها للوحي ابتداء أو انتهاء، وهي الأصل الثاني للإسلام بعد القرآن الكريم، فانتفى زعم مشابهتها لمشناة اليهود.\n\n<span data-type='title' id=toc-27>ط - ألفاظ مرادفة للسنة وإقرار العراقي لها</span>\nاصطلح علماء السنة على استعمال عدة ألفاظ أخرى بمعنى السنة، بحيث\n_________\n(^١) «الفصل» لابن حزم جـ ٢ ص ٨٤ وما بعدها.\n(^٢) «علم رجال الحديث» لتقي الدين الندوي ص ٢٢، ٢٣.","vol":"1","page":55},{"text":"إذا وردت في كتبهم مطلقة يكون المراد بها هو المراد بالسنة التي قدمنا تعريفها عندهم، وتلك الألفاظ هي: الحديث والخبر والأثر، ورغم ما قد تجده من الاختلاف بالعموم والخصوص، أو التقابل، في استعمال هذه الألفاظ أحيانًا، إلا أن الجمهور اصطلح على ترادفهم جميعًا مع السنة، واستعمال كل منهم بمعنى الآخر (^١)، ويؤيد هذا استعمال القرآن الكريم والرسول ﷺ ومن بعده من الصحابة والتابعين وأئمة العلماء.\nفيقول الله تعالى عن الأرض عند زلزلتها: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ (^٢) فوصف الخبر بالحديث واستعمل الرسول ﷺ السنة والحديث والخبر فيما أضيف إليه وإلى صحابته، فقال فيما قدمناه: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين»، وقال: «يوشك رجل متكئ على أريكته يُحدث بالحديث من حديثي» وفي حديث «إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها وإنها مثل المؤمن، قال ﷺ لأصحابه: فحدثوني ما هي؟ فقالوا: حدثنا ما هي يا رسول الله؟ قال: هي النخلة»، وفي رواية قال: «أخبروني ما هي؟» وفي رواية أن أصحابه قالوا له أَخْبِرنا ما هي (^٣)؟\nوعلى هذا: جرى الأئمة المشتغلون بالسنة وعلومها في مؤلفاتهم، سواء في\n_________\n(^١) «حاشية لقط الدرر على شرح ابن حجر لنخبته في مصطلح أهل الأثر» للشيخ حسن خاطر ص ٣، ٢٣، ونخبة ابن حجر وشروحها بهامش الحاشية ص ١٩، ٢٢، ٢٣، و«فتح المغيث» للسخاوي ج ١ ص ١٢، ١٠٣، ١٠٤، ٢٦٨، و«المختصر في علم الرجال الأثر» لشيخنا الشيخ عبد الوهاب عبد اللطيف ﵀ ص ٤ و«علوم الحديث ومصطلحه» للدكتور صبحي الصالحي ص ١١٠، ١١١.\n(^٢) آية ٤ من سورة الزلزلة.\n(^٣) «البخاري» كتاب العلم باب قول المحدث حدثنا وأخبرنا وأنبأنا مع «فتح الباري» جـ ١ ص ١٥٣، ١٥٤.","vol":"1","page":56},{"text":"كلامهم أو فيما نقلوه من كلام غيرهم، كالإمام الشافعي في «رسالته» (^١) وأبو عبيد في «كتاب الأموال» (^٢)، وأبو جعفر الطحاوي في كتابيه «مشكل الآثار» و«شرح معاني الآثار»، والحاكم في «معرفة علوم الحديث» (^٣) والخطيب في «الكفاية» (^٤)، وابن عبد البر في «جامع بيان العلم» (^٥)، والنووي في «التقريب» (^٦)، والطيبي في «الخلاصة» (^٧) والذهبي في «زغل العلم» (^٨)، وغير هؤلاء من المتقدمين والمتأخرين.\nوقد جرى العراقي على ما ذهب إليه الجمهور فاستعمل الألفاظ الأربعة عند الإطلاق بمعنى واحد، ففي أول ألفيته في المصطلح نسب نفسه إلى الأثر فقال: «عبد الرحيم بن الحسين الأثري».\nوقال في شرحها: الأثري بفتح الهمزة والثاء المثلثة نسبة إلى الأثر، وهو الحديث، ثم عاد فعبَّر بالحديث فقال: في وصف الألفية «توضح من علم الحديث رسمه» (^٩).\n_________\n(^١) انظر مثلًا ص ١٨٣ - ١٨٤ - ١٨٧ - ١٩٤ - ١٩٥.\n(^٢) انظر مثلًا ص ٤٥١، ٦٩٢.\n(^٣) ص ٢ - ٨٤ - ٨٥ - ١١٩ - ٢٣٨.\n(^٤) ص ٣٢ - ٣٤ - ٣٥ - ٣٧ - ٤٥ - ٥٠ - ٥٨ - ٥٣١ - ٥٣٢ - ٥٣٣ - ٥٧٠ - ٥٩٦.\n(^٥) جـ ١ ص ٩٢، وجـ ٢ ص ١٣٢، ٢٣٥، ٢٣٨، ٢٠٨.\n(^٦) انظر «تقريب النووي بهامش تدريب الراوي» للسيوطي ص ١٠٩ و«التدريب» أيضًا نفس الموضع وص ٦.\n(^٧) «الخلاصة» ص ٣٠.\n(^٨) «زغل العلم والطلب» ص ١١.\n(^٩) «فتح المغيث» للعراقي جـ ١ ص ٧.","vol":"1","page":57},{"text":"ثمّ عنون الموضوع الأول في الألفية «بأقسام الحديث»، كما عبر بذلك من قبله ابن الصلاح، وعبر في بيان الأقسام «بالسنن» بدل الحديث فقال: «وأهل هذا الشأن قسموا السنن … إلى صحيح وضعيف وحسن».\nثم شرح قوله: أهل هذا الشأن بقوله: «أي وأهل الحديث»، ثم نقل كلام الخطابي في هذا التقسيم، وفيه التعبير بالحديث بدل السنن التي عبر هو بها (^١).\nوفي حكم الصحيحين والتعليق (^٢) وفي باب المدرج (^٣)، ذكر الخبر بمعنى الحديث، واستعمل أيضًا الخبر والحديث بمعنى واحد (^٤)، ثم استعمل الخبر والأثر بمعنى الحديث (^٥)، واستعمل السنة بمعنى الأثر (^٦)، حيث وصف الإمام مالكا بأنه نجم السنن، وقال: إنه اقتدى في ذلك بقول الإمام الشافعي: «إذا ذكر الأثر فما لك النجم» (^٧)، وفي «مقدمة تكملته لشرح الترمذي» (^٨) عبر بالآثار عن الأحاديث، ولم يخرج العراقي عن هذا إلا فيما خرج أحاديثه، وهو «إحياء علوم الدين» و«تخريج أحاديث منهاج البيضاوي»، فقد جرى في تخريجها على تخصيص الخبر والحديث بما روي عن الرسول ﷺ وتخصيص الأثر بما روي عن غيره من الصحابة والتابعين كما سيأتي، وقد فعل ذلك رعاية.\n_________\n(^١) «فتح المغيث» للعراقي جـ ١ ص ٩، ١٠.\n(^٢) «فتح المغيث» للعراقي جـ ١ ص ٣٠.\n(^٣) «فتح المغيث» للعراقي جـ ١ ص ١٢٢.\n(^٤) «متن الألفية مع فتح المغيث» للعراقي جـ ٢ ص ٢٨.\n(^٥) «متن الألفية مع فتح المغيث» للعراقي جـ ٢ ص ٢.\n(^٦) «فتح المغيث» للعراقي جـ ٢ ص ٥.\n(^٧) «فتح المغيث» للعراقي جـ ٢ ص ٩.\n(^٨) ورقة (ا ب) مخطوط مصور.","vol":"1","page":58},{"text":"لما جرى عليه صاحبا الكتابين، وَهُمَا: «الغزالي» و«البيضاوي» من إطلاق الأثر على المضاف للصحابة والتابعين، وإطلاق الخبر والحديث على المرفوع للرسول ﷺ، وهذا يلتقي مع اصطلاح لبعض الفقهاء حيث يُطلقون الأثر على ما جاء عن الصحابة أو جاء عن السلف عمومًا (^١).\nقال النووي: «وعند المحدثين كل هذا، أي المرفوع للرسول والموقوف على الصحابة، يُسمَّى أثرًا، ووجهه السيوطي بالمأخذ اللغوي فقال: «لأنه مأخوذ من أثرت الحديث أي رويته، فكلاهما صادق عليه أنه مروي ومأثور، سواء عن الرسول أو عن الصحابة، وكذلك عن التابعين، ولذلك اعتمد المحققون من المتأخرين ترادف الحديث والأثر كما قدمنا»» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-28>خلاصة البحث:</span>\n(١) أن كلمة السنة ومشتقاتها أصيلة في لغة العرب وفي استعمالهم من قبل الإسلام ومن بعده.\n(٢) أن المفهوم الاصطلاحي لها عند علماء الأمة عامة، والمختصين بدراسة السنة وعلومها خاصة، دائر في إطار المدلول العربي لها، وأن أقوال الرسول ﷺ فضلًا عمن بعده من الصحابة والتابعين قد اشتملت على كلمة السنة وتصاريفها، مستعملة في جماع معناها اللغوي وهو السيرة والطريقة وحُسن الرعاية، وبهذا كانت تسميتها نابعة من واقعها وصادرة من الرسول نفسه.\n_________\n(^١) «المقدمة لابن الصلاح مع التقييد والإيضاح» ص ٦٦ و«كشاف اصطلاحات العلوم» للتهانوي ج ١ ص ٩٥.\n(^٢) «المختصر في علم رجال الأثر» لشيخنا الفاضل عبد الوهاب عبد اللطيف ﵀ ص ٨ و«شرح السيوطي» لألفيته ورقة (٧ أ) مخطوط، و«ألفية السيوطي في المصطلح مع شرح الترمسي» ص ٩.","vol":"1","page":59},{"text":"(٣) أن السنة في الإسلام مشاركة للقرآن في وجوب الرجوع إليها في أمور الدين، وفي كونها نوعًا من الوحي وتالية له في المنزلة؛ لأنها مبينة له، وهو ثابت جميعه بالتواتر، وهي منها المتواتر ومنها المروي بطريق الآحاد من الرواة، وباعتبار مشاركتها له في التشريع وتبيينها لمجمله ومطلقه وعامه، كان لابد منها بجانبه وملازمتها له، وبهذا، فإن القول بأن المسلمين تركوا القرآن وعملوا بالسنة قول مناف لمنزلة السنة من القرآن والإسلام، وللواقع من عمل المسلمين؛ لأنها على أي اعتبار لا تنفصل عن القرآن ولا تحل محله، كما لا يحل هو محلها، بل لكل منهما اعتباره مع التلازم.\n(٤) أن السنة في بناء الإسلام وفي حياة المسلمين على ما تقدم، تباين من كل الوجوه «المشناة» اليهودية، وهذا ما يدفع القول باشتقاق اسمها أو نقله منها، كما أنه ليس في عربية الاسم والمسمى تضييق أو تعصب، طالما أُبيحت الترجمة الأمينة الواعية للسنة منذ عصر الرسول ﷺ.\n(٥) أن الاختلاف الاصطلاحي في مفهوم السنة بين علماء الأمة ليس اختلاف تعارض وإنما هو تعدد مقاصد، فكل عَرَّفَ السنة بالجانب الذي يحتاجه منها دون منازعة من أي منهم في الإقرار بما ثبت عن الرسول ﷺ وأصحابه وتابعيهم بإحسان.\n(٦) أن مقصودنا في هذا البحث هو السنة في اصطلاح علمائها؛ لأنها هي المجال الذي تخصص فيه العراقي، وأثر فيه رواية ودراية، حتى لقب بالحافظ، وما نتعرض له خلاف ذلك، فلما يكون له من صلة به، أو اشتراك معه، نظرًا لأن العلوم الإسلامية جميعًا تخدم وتكمل بعضها، وبمجموعها تتكامل.","vol":"1","page":60},{"text":"الشخصية العلمية والعملية للفرد والجماعة على السواء.\n(٧) أن علماء السنة استعملوا ألفاظا مرادفة لها هي: الحديث والخبر والأثر، وقد تبعهم العراقي في هذا.\n* * *","vol":"1","page":61},{"text":"<span data-type='title' id=toc-29>القسم الثاني بيان علوم السنة</span>","vol":"1","page":63},{"text":"السنة بمفهومها المتقدم، مَرَّت كغيرها من العلوم الإسلامية، بعدة مراحل حتى صارت عِلْمًا قائما بذاته له أصوله ومصطلحاته، ومناهج بحثه ومؤلفاته المبينة لكل ذلك، والمطبقة له، والحافظة للأصل الثاني للإسلام بعد القرآن الكريم، وباتساع دوائر البحث وتجدد المسائل والقضايا في كل عصر وبيئة، صارت المباحث علومًا عديدة، كل منها يخدم جانبًا من جوانب السنة، كعلم الجرح والتعديل، وعلم غريب الحديث، وعلم المصطلح، وسُمِّي مجموعها علوم السنة أو الحديث أو الأثر على الترادف السابق، وقد يطلق عليها «علم» مفردا، على إرادة الجنس الشامل لعدة أنواع، والسياق يُحدد المقصود.\nوتتبع تلك المراحل منذ عصر الرسول ﷺ حتى القرن الثامن الهجري، ومفتتح التاسع حيث عاش الحافظ العراقي، واستغرقت علوم السنة عمره، ليس من مطالب موضوعنا، ولا يفي به هذا المدخل التمهيدي، فقد أفاض فيه القدماء والمحدثون من الشرقيين (^١) والمستشرقين (^٢)، وقدمت فيه رسائل جامعية متعددة (^٣).\nلهذا فإننا نكتفي هنا بالقول: إن السنة عبر تلك المراحل والقرون، قد\n_________\n(^١) كالذهبي في «تذكرة الحفاظ» والحسيني وابن فهد والسيوطي في ذيولهم عليها وكالأستاذ أحمد أمين في كتبه «فجر الإسلام» وضحاه وظهره على ما فيهم من أخطاء ردها عليه الباحثون من بعده، وكفؤاد سركين في «تاريخ التراث» وغيرهم.\n(^٢) مثل كارل بروكلمان في «تاريخ آداب اللغة العربية» ومؤلفو دائرتي المعارف البريطانية والإسلامية رغم أخطائهم كذلك.\n(^٣) منها: «الحديث والمحدثون» للدكتور محمد أبو زهو ﵀، و«السنة قبل التدوين» لمحمد عجاج الخطيب، و«السنة النبوية في القرن الثالث الهجري» للأخ الفاضل الدكتور/ أحمد عمر هاشم وغير ذلك.","vol":"1","page":65},{"text":"انتقلت أساسًا - رغم ما كتب منها بين يدي الرسول ﷺ وما تجمع بعده وصنف - بواسطة سلسلة متتابعة من الرواة والعلماء، تلقى كل منهم عن الآخر ما تيسر له منها، بالسماع أو الإجازة أو نحوهما، من طرق الرواية المعروفة، حتى تنتهي السلسلة إلى المصدر الأول للسنة، وهو الرسول ﷺ أو أصحابه أو تابعيهم بإحسان كما تقدَّم، وتُسمى هذه السلسلة من الرواة بالسند أو الإسناد؛ لأن السنة المروية تستند في ثبوتها عليه، كما يستند الحفاظ عليه في قبول المروي أو رده، وتُسمى بالطريق؛ لأنها توصل إلى المروي، أما المروي نفسه من أنواع السنة فيسمى بالمتن؛ لأن به قوام المعنى، والمتن في اللغة يطلق على ما به قوام الشئ.\nولمكانة السنة الأصيلة في الإسلام كما أوضحنا، فإن المسلمين قد عنوا بجانب حفظهم للقرآن وكتابته ودراسته، بحفظ السنة والتثبت في روايتها وكتابتها وجمعها والتصنيف فيها في كل عصر وموطن، والتأليف في مختلف نواحي المتن والسند، ونشأ من ذلك كله ما يعرف بعلوم السنة.\n\n<span data-type='title' id=toc-30>تقسيم علوم السنة إلى رواية ودراية</span>\nوقد قسم العلماء علوم السنة إلى قسمين أحدهما يُسمى علم الرواية، والآخر يُسمى علم الدراية، واختلف مفهوم كل منهما عند المتقدمين عنه عند المتأخرين والمشهور اصطلاح المتأخرين (^١) وإليك البيان:\n\n<span data-type='title' id=toc-31>١ - علم الرواية والدراية عند المتقدمين:</span>\nالمتقدمون حتى آخر عصر الخطيب البغدادي المتوفى سنة ٤٦٣ هـ، هم الذين\n_________\n(^١) «المختصر في علم رجال الأثر» للشيخ عبد الوهاب عبد اللطيف ﵀ ص ٥.","vol":"1","page":66},{"text":"شهدت السنة على أيديهم عصرها الذهبي خلال القرن الثالث الهجري، حيث البخاري والترمذي وطبقتهما، ثم شهدت فيما تلاه مرحلة النضج والاتساع في مؤلفات المتن والسند، على نحو ما فعل ابن حبان والدارقطني والبيهقي وطبقاتهم في مؤلفاتهم، وجمعت القواعد والمصطلحات، وتقررت على يد الرامهرمزي ثم الحاكم ثم الخطيب البغدادي، وقد اصطلح هؤلاء وأمثالهم على تعريف علم الرواية بأنه: علم يبحث عن كيفية اتصال الأحاديث بالرسول ﷺ، من حيث معرفة أحوال رواتها ضبطا وعدالة، ومن حيث كيفية السند اتصالا وانقطاعا، وغير ذلك من الأحوال (^١).\nوقد ألف الخطيب في ذلك كتابين جامعين:\nأحدهما: في قوانين الرواية وسماه «الكفاية لمعرفة أصول علم الرواية» والآخر: في آدابها وسماه «الجامع لآداب الراوي، وأخلاق السامع».\nوقال في مقدمة الكفاية: «وأنا أذكر بمشيئة الله تعالى وتوفيقه في هذا الكتاب ما بطالب الحديث حاجة إلى معرفته، وبالمتفقه فاقة إلى حفظه ودراسته، من بيان أصول علم الحديث وشرائطه، وأشرح من مذاهب سلف الرواة والنقلة في ذلك ما يكثر نفعه وتعم فائدته؛ ويستدل به على فضل المحدثين، واجتهادهم في حفظ الدين ونفيهم تحريف الغالين وانتحال المبطلين، ببيان الأصول من الجرح والتعديل، والتصحيح والتعليل وأقوال الحفاظ في مراعاة الألفاظ؛ يعني في رواية السنن، وحكم التدليل والاحتجاج بالمراسيل، والنقل عن أهل الغفلة ومن لا يضبط الرواية وذكر من يرغب عن السماع منه\n_________\n(^١) المصدر السابق ص ١٤ و«مفتاح السعادة» لطاش كبرى زادة ج ٢ ص ٦٠.","vol":"1","page":67},{"text":"لسوء مذهبه، والعرض على الراوي، والفرق بين قول حدثنا وأخبرنا وأنبأنا، وجواز إصلاح اللحن والخطأ في الحديث، ووجوب العمل بأخبار الآحاد والحجة على من أنكر ذلك، وحكم الرواية على الشك وغلبة الظن واختلاف الروايات، بتغاير العبارات، ومتى يصح سماع الصغير، وما جاء في المناولة وشرائط صحة الإجازة والمكاتبة، وغير ذلك مما يقف عليه من تأمله» (^١).\nوهذا الذي فصله في المقدمة قليل جدا، بالنسبة لمحتويات الكتاب حيث قسمه إلى (١٦١) بابا، ضمن كل باب موضوعًا أو قاعدة اصطلاحية، كما في الأمثلة التي ذكرها آنفًا، بحيث يُغطي معظم أحوال السند والمتن، مما جعل تسميته بالكفاية في موضعها.\nكما أن هذا مما يدل على ما وصله علم أصول الحديث - كما سمّاه الخطيب في أول كفايته - حينئذ من السعة ووفرة البحوث، وتقرر القواعد والمصطلحات، لا سيما إذا عرفنا أن الخطيب أيضًا بجانب الكفاية والجامع، أفرد كثيرا من فنون العلم بمؤلفات مستقلة، صار بموجبها عائل أهل هذا الفن من بعده (^٢).\nوليس هذا شأنه وحده، وإنما تعتبر مؤلفات المتقدمين عموما، حتى عصره وآراؤهم في الرجال والتصحيح والتعليل، عمدة من جاء بعدهم، وهو نفسه صَرَّحَ، كما تقدم لك، بجمعه لآراء من تقدموه مع شرحها وتوضيحها، ومطالعة كتاب الكفاية خير دليل على أنه جماع آراء الخطيب ومن تقدموه،\n_________\n(^١) «الكفاية» للخطيب ص ٣٧.\n(^٢) «شرح ابن حجر لنخبته» ص ٢.","vol":"1","page":68},{"text":"ولكننا نلاحظ أنه ضمن الكتاب بعض المباحث المتعلقة بعلم أصول الفقه كالاحتجاج بالمرسل وبخبر الآحاد وقصد توجيه ذلك للفقهاء كما صرح في المقدمة، ولهذا استبعد المتأخرون مثل هذه المباحث واقتصروا على ما يختص بعلم الحديث وأصوله.\n\n<span data-type='title' id=toc-32>٢ - علم الدراية:</span>\nأما علم الدراية فعرفوه بأنه: العلم الباحث عن المفهوم من ألفاظ الحديث وعن المراد منها مبنيا على قواعد العربية وضوابط الشريعة ومطابقا لأحوال النبي ﷺ (^١). وبذلك يكون موضوع هذا العلم ألفاظ الحديث فقط، دون السند، والمراد بالدراية: المعاني المفهومة والأحكام المستنبطة من السنن، أي أن علم الدراية عند المتقدمين هو «علم فقه السنة».\nوقد سماه الحاكم «معرفة فقه الحديث» وعده عِلْمًا مُستقلا من علوم السنة وذلك في كتابه «معرفة علوم الحديث».\nوقال: «إن به قوام الشريعة، وفرق بينه وبين علم الفقه التقليدي للمذاهب، المعتمد على القياس والجدل»، كما جعله ثمرة لمعرفة باقي علوم الحديث، بحيث يسبقه معرفة صحة الحديث من عدمه؛ فقال: «النوع العشرون من هذا العلم - بعد معرفة ما قدمنا ذكره من صحة الحديث إتقانا ومعرفة، لا تقليدا أو ظنا - معرفة فقه الحديث؛ إذ هو ثمرة هذه العلوم، وبه قوام الشريعة، وأما فقهاء الإسلام أصحاب القياس والرأي والاستنباط والجدل والنظر، فمعروفون في كل\n_________\n(^١) «المختصر في علم رجال الأثر» للشيخ عبد الوهاب عبد اللطيف ﵀ ص ١٤ و«مفتاح السعادة» لطاش كبرى زادة جـ ٢/ ١٢٨.","vol":"1","page":69},{"text":"عصر وأهل كل بلدة، ونحن ذاكرون بمشيئة الله في هذا الموضع، فقه الحديث عند أهله، ليستدل بذلك على أن أهل هذه الصنعة، مَنْ تبحر فيها، لا يَجْهَل فقه الحديث؛ إذ هو نوع من أنواع ذلك العلم» (^١).\nوقد توسع الحاكم في الكلام على علم فقه الحديث أكثر من أي علم من علوم الحديث التي تناولها في كتابه (^٢) فتتبع نماذجه من عصر التابعين حتى شيوخه في أواخر القرن الرابع الهجري، وشمل هذا ٢٣ من أبرز الأئمة الذين جمعوا بين حفظ الحديث والصناعة الحديثية، وفقه الحديث، وذكر أمثلة نثرية ومؤلفات، وبدأ بذكر التابعي الجليل محمد بن شهاب الزهري (^٣) حتى انتهى إلى الإمام ابن خزيمة المتوفى سنة ٣١١ هـ (^٤) ثم سرد سبعة آخرين بأسمائهم، تجنبًا للإطالة ومنهم: أبو داود والترمذي صاحبي السنن وبعض شيوخه (^٥).\n* ويفهم من الأمثلة والمؤلفات التي ذكرها، أن فقه الحديث عند أهله حتى عصره يشمل الآتي:\n١ - معنى الألفاظ والعبارات التي تخفى على غير المتبحر في اللغة، أو علوم الدين بما فيها السنة نفسها (^٦).\n٢ - بيان ما يؤخذ من الحديث من الأحكام والآداب (^٧).\n_________\n(^١) «معرفة علوم الحديث» للحاكم ص ٦٣.\n(^٢) انظر الكتاب من ص ٦٣: ٨٥.\n(^٣) «معرفة علوم الحديث» ص ٦٣.\n(^٤) «معرفة علوم الحديث» ص ٨٣ و«مقدمة تحفة الأحوذي» جـ ١ ص ٣٢٩.\n(^٥) «معرفة علوم الحديث» ص ٨٥.\n(^٦) المرجع السابق ص ٧٠، ٧١، ٧٢، ٧٤.\n(^٧) المرجع السابق ص ٧٦، ٧٧.","vol":"1","page":70},{"text":"٣ - وبيان الناسخ والمنسوخ (^١).\n٤ - والتوفيق بين ما ظاهره التعارض، أو ترجيح بعضه على الآخر (^٢).\nوهذه النقاط جماع ما يتناوله شراح السنة، حتى عصر العراقي وإلى الآن، إلا أنها لم تكن في عصر الحاكم وما قبله قد كثر التأليف فيها، كما عند المتأخرين، ولهذا نجد أكثر أمثلته عبارة عن فتاوى وإجابات منثورة عما سئل عنه الأئمة، ومنها ما جمع فيما بعد، كسؤالات الإمام أحمد وإجاباتها.\n٥ - كما عد من فقه السنة تصنيفها حسب الموضوعات وعلى الأبواب فقال عن الإمام النسائي: «فأما كلام أبي عبد الرحمن على فقه الحديث فأكثر من أن يذكر في هذا الموضع، ومن نظر في كتاب «السنن» له تَحيَّر في حسن كلامه» (^٣)، وذلك لأن عناوين الأبواب عبارة عن بيان واضعها للمعنى العام، والحكم المستفاد من السنن التي يذكرها في الباب.\n٦ - ونقل عن إبراهيم بن الحربي جمعه بين بيان فقه الحديث وعلته، حيث سئل عن حديث «المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور» فقال: فيه نهي عن الرياء، وله علة .. وبينها (^٤).\nومن هذا يتضح لك ما ذكره العلماء: أن علم الدراية على هذا الاصطلاح، مادته: «القصص الصحيح لبيان ملابسات الحديث ومناسبته والأخبار النبوية\n_________\n(^١) المرجع السابق ص ٧٨، ٧٩.\n(^٢) المرجع السابق ص ٨٠، ٨١.\n(^٣) «معرفة علوم الحديث» ص ٨٢.\n(^٤) المرجع السابق ص ٧٧.","vol":"1","page":71},{"text":"لأن خير بيان للحديث ما بينه حديث آخر، كما أن من وسائله معرفة اللغة العربية ومسائل العقيدة، وفقه المذاهب وأصوله» (^١) كما أرجع العلماء نشأته إلى الصحابة الذين ضبطوا أقواله ﷺ وأفعاله وصفاته (^٢) وتلقى عنهم التابعون.\nوقد مثل الحاكم بالزهري كما قدمنا.\n\n<span data-type='title' id=toc-33>علمي الرواية والدراية عند المتأخرين وعمل العراقي به</span>\nاستمر المتقدمون على اصطلاحهم السالف ووضعوا مؤلفاتهم كما رأيت على أساسه، وكان خاتمهم الخطيب البغدادي كما ذكرنا وقد تبعهم من بعدهم حتى عصر العراقي، أما الذين جاؤوا في عصر العراقي وما تلاه، فمع اعتمادهم الأساسي على ما أصله الخطيب وأسلافه في مؤلفاتهم بالنسبة للمسائل والقضايا والمصطلحات المتعلقة بالمتن والسند، إلا أنهم خالفوهم في التقسيم الموضوعي لما يطلق عليه علمي الرواية والدراية، وذلك على النحو التالي:\n\n<span data-type='title' id=toc-34>علم الرواية:</span>\nقال ابن الأكفاني المعاصر للعراقي في «إرشاد القاصد»: «علم الحديث الخاص بالرواية علم بنقل أقوال النبي ﷺ وأفعاله بالسماع المتصل، وضبطها وتحريرها» (^٣).\nوبناء على هذا التعريف يكون علم الرواية مخالفا كلية لما أطلقه عليه.\n_________\n(^١) «مفتاح السعادة» لطاش كبرى زادة جـ ٢/ ١٢٨.\n(^٢) «المختصر من علم رجال الأثر» ص ١٤.\n(^٣) «شرح السيوطي لألفيته» ورقة ٢ أو «التدريب» ص ٤ و«النكت الوفية» للبقاعي ورقة ٤ ب، ٥ أ، وابن الأكفاني هو محمد بن إبراهيم بن ساعد السنجاري المصري المتوفى سنة ٧٤٩ هـ كما في «الدرر الكامنة» لابن حجر جـ ٣ ص ٣٦٦، ٣٦٧.","vol":"1","page":72},{"text":"المتقدمون عن ابن الأكفاني، كالخطيب وغيره؛ لأنه عندهم كما مر، قواعد كلية، ومصطلحات، لبيان أحوال السند والمتن، بما في ذلك قواعد تحمل السنة وأدائها، أما هذا فهو عبارة عن تطبيق لقواعد التحمل والأداء، والتطبيق غير القاعدة، فهو تعريف أقرب إلى المعنى اللغوي للرواية، منه إلى الاصطلاح العلمي؛ لأنه غير جامع حتى لأنواع السنة المضافة للرسول ﷺ؛ لاقتصاره على الأقوال والأفعال دون ذكره بيان صفاته ﷺ وتقريراته وهي أحاديث مرفوعة بإجماع المحدثين (^١)، هذا فضلا عن عدم ذكره للمضاف للصحابة والتابعين، وهو من السنن كما قدمنا، وأيضا فقد قصر الرواية على النقل بالسماع فقط، دون باقي طرق التحمل المعتبرة، ومن شرط الحد أن يكون جامعا للمحدود.\nومع هذا فقد أقر ابن الأكفاني عليه عامة من جاء بعده حتى الآن فبعضهم ذكره كما هو وسكت عليه كالسيوطي (^٢) والبقاعي (^٣) والأستاذ صبحي السامرائي (^٤).\nوبعضهم لاحظ قصوره الذي أشرنا إليه فأضاف إليه ما يجعله شاملا لعموم أنواع السنة فقال: «هو علم يشتمل على نقل ما أُضيف إلى الرسول ﷺ من قول أو فعل أو تقرير أو صفة وكذا ما أضيف إلى أصحابه أو تابعيهم من قول\n_________\n(^١) «شرح السيوطي لألفيته في المصطلح» ورقة ٦ ب.\n(^٢) المرجع السابق ورقة ٢ أ، و«التدريب» ص ٢.\n(^٣) «النكت الوفية» ورقة ٤ ب، ٥ أ مخطوط.\n(^٤) «مقدمة تحقيق كتاب الخلاصة في أصول الحديث» للطيبي ص ٩.","vol":"1","page":73},{"text":"أو فعل أو تقرير، ومن هؤلاء: الشيخ زكريا الأنصاري (^١) وتبعه على هذا الشيخ عطية الأجهوري (^٢) والشيخ محمد الزرقاني (^٣) والدكتور صبحي الصالح (^٤)، ومنهم من أضاف ما يجعله شاملا للمضاف للرسول ﷺ فقط (^٥).\nولو أننا مشينا على أعم صيغ هذا التعريف الشاملة لنقل سنة الرسول ﷺ وأصحابه وتابعيهم، كما ارتضاه الأنصاري ومن تبعه، فإنه سيبقى لدينا مباحث تختص بالمرويات ولا يشملها علم الرواية بمفهومه المذكور، كما لا يشملها علم الدراية في اصطلاح المتأخرين أيضًا كما سنذكره، من ذلك مثلا ما تضمنته مصادر السنة العديدة، من بيان درجة المروي فيها، من الصحة أو الحسن أو الضعف أو الوضع، وهذا زائد عن المتون المروية وهو أحكام جزئية ليست من قواعد علم الدراية، وإن كانت تطبيقا لها، ومن ذلك أيضًا: فقه السنة ومعانيها المتمثلين في تصنيفها على الموضوعات والأبواب، وفي الشروح العديدة لكتبها كشرحي صحيح البخاري ومسلم.\n_________\n(^١) في كتابه «فتح الباقي بشرح ألفية العراقي في المصطلح» ورقة ٣ أ مخطوط بدار الكتب المصرية برقم ١٣ مصطلح م.\n(^٢) في «حاشيته على شرح الزرقاني» للبيقونية ص ١١.\n(^٣) في «المنهل الحديث في علوم الحديث» ص ٣٥.\n(^٤) في «علوم الحديث ومصطلحه» ص ١٧.\n(^٥) كالشيخ نجا الإبياري في «نيل الأماني بتوضيح مقدمة القسطلاني» ص ١٦ والشيخ محمد الجيزاوي شيخ الأزهر في «الطراز الحديث» ص ٧ والشيخ عبد الوهاب عبد اللطيف في «المختصر في علم رجال الأثر» ص ٥ والشيخ محمد المبارك شيخ علماء السودان في «الناقد الحديث»، ص ٧ والدكتور النعمان القاضي في كتابه «الحديث الشريف رواية ودراية» ص ٧٧.","vol":"1","page":74},{"text":"<span data-type='title' id=toc-35>تعريف الكرماني والرد على منتقديه:</span>\nولعل هذا ما جعل الكرماني المتوفى سنة ٧٩٥ هـ أو ٧٩٦ هـ يُقدم في أول شرحه للبخاري تعريفا من جانبه لعلم الحديث، ينصب أساسا على شرح الأحاديث واستنباط أحكامها، فقال: «هو علم يعرف به أقوال رسول الله ﷺ وأفعاله وأحواله» (^١) ولكننا وجدنا ممن أقر التعريف السابق، من أسرع لانتقاد الكرماني، فقال البقاعي: «كأن مراده بالعلم نفس الاطلاع على الحديث فقط، ولم يُقيّد المعرفة بحيثية النقد، فدخل في تعريفه الاستنباط» (^٢). وقال السيوطي: «وهذا التعريف مع شموله لعلم الاستنباط غير محرر» (^٣).\nوالذي يظهر لي أن الكرماني قصد بالتعريف نفس ما أرادا استبعاده، وهو علم الاستنباط أو فقه الحديث ومعناه، وكأنه تعريف مستقل من جانبه لعلم الاستنباط الذي هو قوام موضوع كتابه في شرح البخاري، ويظهر أنه ألجأه لذكر هذا التعريف، عدم وجوده التعريف المتقدم لعلم الرواية شاملا لموضوع كتابه، ويؤيد هذا قوله: «إن موضوع هذا العلم ذات رسول الله ﷺ من حيث إنه رسول الله» (^٤) فإن ذلك هو مناط التشريع والقدوة، بما يتضح من شرح ما تضمنه البخاري من السنن.\nومن هنا، فإني أرى الكرماني على صواب في ذكر هذا التعريف المتضمن لموضوع كتابه وما شابهه من شروح كتب السنة، وبدلا من انتقاده، يمكننا\n_________\n(^١) «تدريب الراوي» للسيوطي ص ٤.\n(^٢) «النكت الوفية» ورقة ٥ ب.\n(^٣) «تدريب الراوي» ص ٥.\n(^٤) المرجع السابق نفس الصفحة.","vol":"1","page":75},{"text":"اعتبار تعريفه فقرة أخرى مكملة لتعريف علم الرواية، كما أضاف له الأنصاري وغيره ما يجعله شاملًا لصفات الرسول ﷺ ولأقوال الصحابة والتابعين وتقريراتهم (^١)، بل لقد عرف بعض المتأخرين عن الكرماني علم الحديث رواية بأنه: هو العلم بأقوال الرسول ﷺ وأفعاله وتقريراته وهيئته وشكله، مع أسانيدها، وتمييز صحاحها وحسانها وضعافها عن خلافها، متنا وإسنادا.\nوهذا أشمل وأكثر توضيحا ومطابقة لواقع كتب الرواية وشروحها من تعريف الكرماني، وإن لم يذكر ما يتعلق بالصحابة والتابعين.\n\n<span data-type='title' id=toc-36>الجمع بين التعريفات وعمل العراقي به:</span>\nومن كل ما تقدم يمكننا أن نقول: «إن تلك التعريفات يُكمل بعضها بعضا، وأنها تشعبت بتولد الأبحاث والتصنيف في فروع الرواية، فتدرجت في صياغاتها اللفظية، بعد الصياغة الأولى لابن الأكفاني، بحيث صار كل عالم يُضيف ويُغير حسبما يراه أقرب للدلالة على واقع علم الرواية ومسائله القائمة والمتجددة والمصنفات الموضوعة، والمراد بوضعها خاصة، وأن ابن الأكفاني كانت درايته بالمنطق أكثر جدا من درايته بعلوم السنة» (^٢) فاستدركوا عليه بحيث يؤول الأمر في نهاية المطاف إلى أنه: علم يشتمل على نقل ما أضيف إلى الرسول ﷺ وأصحابه وتابعيهم، من السنن مضبوطا محررًا، وأداؤه كذلك، وتمييز أفراد صحيحه من سقيمه، وتخريجه وجمع طرقه، وبيان فقهه بتصنيفه على الموضوعات وشرحه، وغير ذلك من بحوث المتن التي تعد\n_________\n(^١) ينظر المنهج الحديث في علوم الحديث - قسم الرواية/ ٦ - ٧ لشيخنا محمد محمد السماحي ﵀.\n(^٢) ترجمته في الدرر الكامنة جـ ٣ ص ٣٦٦، ٣٦٧ و«معجم المؤلفين» لكحالة جـ ٨/ ٢٠٠، ٢٠١.","vol":"1","page":76},{"text":"تطبيقا لقواعد علم الدراية المتعلقة به كما هو شأن الفقه بالنسبة لأصوله، وقد استقر عمل العراقي على هذا في نتاجه العلمي وإن لم يتعرض لتعريف علمي الرواية والدراية، فيما وقفت عليه منه، وهو أكثره ولنحوه أشار الشيخ محمد السماحي (^١).\nوكما يُسمى هذا العلم بعلم الرواية يُسمى أيضًا: علم الأخبار والآثار والأحاديث (^٢) وكذا بعلم السنة باعتبار الترادف.\n\n<span data-type='title' id=toc-37>أقسام علم الرواية</span>\nوقد قسمه العلماء بحسب موضوعاته إلى أقسام، وسموا كل قسم منها علما، وهي: علم العقائد، ويضم الأحاديث المتعلقة بمسائل العقيدة والتوحيد وكذا علم الأحكام وعلم الرقائق والزهد وعلم الآداب وعلم التفسير وعلم التاريخ والسيرة وعلم الفتن وعلم المناقب والمثالب (^٣).\nومن كتب السنة ما يشتمل على أبواب تتناول هذه العلوم جميعًا ويُطلق عليه الجامع كـ «صحيح البخاري» و«سنن الترمذي»؛ لكنها عادة لا تستوعب كل جوانبه، ولذا أفرد العلماء قديمًا وحديثًا، كل علم أو موضوع منه بمؤلفات خاصة كـ «الاعتقاد» للبيهقي و«الأدب المفرد» للبخاري، وكذا أحاديث الأحكام والسيرة، كما سيأتي توضيحه في نتاج العراقي في هذه العلوم، كما يعد من علوم الرواية: كتب التخريج (^٤) والشروح المتعلقة بالأقسام.\n_________\n(^١) «المنهج الحديث قسم الرواية» ص ٩ - ١٠.\n(^٢) «كشاف إصطلاحات الفنون» للتهانوي جـ ١ ص ٣٧.\n(^٣) «مقدمة تحفة الأحوذي» للمباركفوري جـ ١ ص ٦٤، ٦٥.\n(^٤) «مقدمة تحفة الأحوذي» جـ ١/ ٢٧٩ وما بعدها، والمنهج الحديث - قسم الرواية/ ٦ - ٧.","vol":"1","page":77},{"text":"المتقدمة، وقد ألحق المصنفون لهذه العلوم كل شرح بالكتاب المشروح فيه، كشروح «البخاري ومسلم» وغيرهما (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-38>علم الدراية</span>\nوكما بدأ تعريف المتأخرين لعلم الرواية بما عرفه به ابن الأكفاني؛ فقد بدأ تعريفهم لعلم الدراية أيضًا بتعريفه له حيث قال: «علم دراية الحديث علم، يُتعرفُ منه أنواع الرواية، وأحكامها، وشروط الرواة، وأصناف المرويات، واستخراج معانيها» (^٢).\nوقد نقل هذا التعريف عن ابن الأكفاني نصًا أو صاغه في عبارة من عنده، عامة من جاء بعده في عصر العراقي، ومن تلاه، وأقروه عليه، وجروا في مؤلفاتهم على مقتضاه، حتى عصرنا هذا، أما العراقي فلم يتعرض لذلك كما أشرت مع تأليفه المتعدد في هذا العلم كما سيأتي.\nولعلك ترى أن هذا التعريف يوافق تعريف علم الحديث رواية عند المتقدمين كما مر، وبذلك يكون علم الرواية عند المتأخرين عن ابن الأكفاني معاصر العراقي، ومن بعده إلى الآن هو علم الدراية عند المتقدمين عن ابن الأكفاني كالخطيب البغدادي ومن قبله كما أسلفنا (^٣).\nوقد شرح العلماء تعريف علم الدراية هذا لتوضيح موضوعه وبيان مشتملاته، فقالوا: «المراد بالعلم القواعد والضوابط الكلية كقولنا كل حديث اتصل سنده\n_________\n(^١) «مقدمة تحفة الأحوذي» جـ ١/ ١٢٦، ١٢٧، ١٣٤، ١٣٥.\n(^٢) «شرح السيوطي لألفيته» ورقة ٢ أ والتدريب ص ٤، ٥ و«النكت الوفية» للبقاعي ورقة ٥ أ.\n(^٣) وانظر أيضًا مقدمة الشيخ عبد الوهاب عبد اللطيف لتحقيقه تدريب الرواي.","vol":"1","page":78},{"text":"برواية عدل ضابط عن مثله إلى منتهى السند من غير شذوذ ولا علة قادحة، فهو صحيح، والراوي من حيث كذا مقبول، ومن حيث كذا مردود، أو متوقف فيه».\nأما الجزئيات التي تنطبق عليها هذه القواعد من أنواع السنن وأفراد الرواة، ووصف كل منها بأنه صحيح أو مردود، فهي موضوع علم الحديث رواية وعلم رجال الحديث (^١) فهو بالنسبة لعلم الحديث رواية، مثل أصول الفقه بالنسبة لعلم الفقه (^٢) ولذلك يُسمَّى أيضًا علم أصول الحديث أو الأثر\nوأما حقيقة الرواية عمومًا: فهي نقل السنة أو غيرها من العلوم النقلية، كالتواريخ والشعر، والمراد بها في التعريف: نقل السنة وما يتعلق بها. والراوي هو الذي ينقل الحديث بإسناده.\nوشروط الرواية تحمل راويها لما يرويه بنوع من أنواع التحمل: من سماع أو عرض أو إجازة بكتابة أو مشافهة، ونحو ذلك.\nوأنواعها: الاتصال والإنقطاع ونحوهما.\nوأحكامها: القبول أو الرد أو التوقف، وحال الرواة: العدالة والجرح، وشروطهم في التحمل والأداء: كالتمييز والضبط والعدالة ونحو ذلك.\nوأصناف المرويات: المصنفات، كالمسانيد والمعاجم والأجزاء وغيرها، أحاديث أو آثارًا أو أشعارًا وغيرها.\n_________\n(^١) «حاشية العدوي على شرح الشيخ زكريا الأنصاري لألفية العراقي» ورقة ٢٧ أ، ٢٨ أ مخطوط بدار الكتب المصرية.\n(^٢) شرح «الديباج للمذهب» لمثلا حنفي ص ٥.","vol":"1","page":79},{"text":"وما يتعلق بها هو معرفة اصطلاح أهلها (^١).\nومن عبارات من بعد ابن الأكفاني في تعريف هذا العلم قول الشيخ عز الدين ابن جماعة شيخ الحافظ العراقي: «علم الحديث: علم بقوانين يُعرف بها أحوال السند والمتن». وقد اعتبره السيوطي وغيره أحسن الحدود (^٢)، وشرحه السيوطي بقوله: «القوانين: جمع قانون، مرادف القاعدة، وهي أمر كلي يتعرف منه أحكامه وجزئياته، وموضوعه: السند والمتن، وغايته معرفة الصحيح من غيره، ومعظم العبارات لغير ابن جماعة، ترجع لها» فقد قال البقاعي: «علم الحديث علم يبحث فيه عن سنة النبي ﷺ، إسنادًا، ومتنا، لفظًا ومعنى، من حيث القبول والرد وما يتبع ذلك من كيفية تحمل الحديث وروايته وكيفية ضبطه وكتابته وآداب راويه وطالبه» وأردف هذا بقوله: «أو يقال - وهو أخصر - إنه علم يُعرف منه حال الراوي والمروي من حيث الرواية» (^٣) وقال شيخه ابن حجر العسقلاني: «أولى تعاريفه أن يقال: معرفة القواعد المعرفة بحال الراوي والمروي» (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-39>أقسام علم الدراية</span>\nولما كانت أحوال الراوي والمروي، أو السند والمتن، المبحوث عنها في هذا العلم كثيرة، أفردت الأحوال الخاصة بالرواية عموما بالبحث والتأليف، وجُعِلَتْ\n_________\n(^١) «النكت الوفية» للبقاعي ورقة ٥ أ و«تدريب الراوي» ص ٥ و«المنهج الحديث» للشيخ السماحي قسم الرواية ٩ - ٢٠ و«المختصر في علم رجال الأثر» ص ٦.\n(^٢) «شرح السيوطي لألفيته ورقة ١/ ب وما بعدها وحاشية العدوي» ورقة ٢٧ أ مخطوط.\n(^٣) «النكت الوفية» ورقة ٤ ب.\n(^٤) «شرح السيوطي لألفيته» ورقة ١ ب.","vol":"1","page":80},{"text":"عِلْمًا خاصًا يُسمَّى «علم الرجال» أي رواة السنة وحفاظها رجالًا ونساءً. وأفردت الأحوال المشتركة بين المتن والسند، كالصحة والحسن، والخاص بالسند كالعلو والنزول، وعدالة الراوي، أو بالمتن كالرفع والقطع، وسُمِّي العلم الخاص بها «علم المصطلح» (^١) وعلى هذا جرى الحافظ ابن حجر في تسمية مؤلفه في ذلك: «نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر».\nثم إنه يمكن أن تُفرد كل حال للسند أو المتن بالبحث، ويُطلق على كل منها علمًا خاصًا، كالحديث الضعيف والموضوع والجرح والتعديل، وغير ذلك، ولهذا يطلق على علم الدراية أو علم المصطلح «علوم الحديث» (^٢).\nوقد ذكر الحاكم في كتابه «معرفة علوم الحديث» (٥٢) نوعا، ثم ذكر ابن الصلاح من بعده في كتابه «معرفة علوم الحديث» أيضًا المعروف بـ «مقدمة ابن الصلاح» (٦٥) نوعًا، ولكنه صَرَّح بأن ذلك ليس بآخر الممكن، فإنه قابل للتنويع إلى ما لا يحصى، تبعا لتفرع أحوال المتون والرواة، إلا أنه قرر أن المبالغة في تشقيق مباحثه لا جدوى له (^٣) ولهذا جرى العراقي في تأليفه في هذا العلم، على ما أورده ابن الصلاح فقط، مع التصرف فيه، في حين أثر غيره الزيادة أو النقص، حسب وجهة نظره كما سيأتي.\n\n<span data-type='title' id=toc-40>أسماء علم الدراية</span>\nسُمِّي هذا العلم بعلم الدراية تمييزا له عن علم الرواية المتقدم وإلا فإن كلا\n_________\n(^١) «المختصر في علم رجال الأثر» ص ٨.\n(^٢) «المختصر للشيخ عبد الوهاب عبد اللطيف» ص ٨ و«المنهج الحديث» للشيخ السماحي قسم الرواية ص ٧.\n(^٣) «المقدمة» ص ١٧.","vol":"1","page":81},{"text":"منهما يقوم على الدراية والفهم الموضوعاته.\nوقد مرت تسميته بأصول الحديث وبمصطلح أهل الأثر وبعلوم الحديث ويُسمى أيضا بعلم الإسناد (^١) وقال الشيخ زكريا الأنصاري: إنه إذا أُطلق «علم الحديث» ينصرف إلى علم الدراية (^٢)، وتوقف في ذلك العدوي (^٣) أما الشيخ الأمير فذكر أن قول الأنصاري لعله كان في زمانه، أما الآن فلا يُطلق علم الحديث على علم الدراية إلا مُقيدًا بالمصطلح (^٤)، فيقال: علم مصطلح الحديث. والله أعلم.\nولعلي بهذا قد أُعطيتُ صورة واضحة عن مفهوم السنة، وعناية الأمة بحفظها وصيانتها من الدخيل، ووضع قواعد بحثها وبيان معانيها، وإنشاء علومها ومصنفاتها، رواية ودراية، حتى ازدهرت في القرن الثالث الهجري ثم نضجت واتسعت فيما تلاه، جيلا فجيلا حتى عصر العراقي.\n* * *\n_________\n(^١) «شرح ابن حجر لنخبته وحاشية لقط الدرر عليه» للشيخ حسين خاطر العدوي ص ٣٨ أصل وهامش، و«كشاف اصطلاحات الفنون» للتهانوي جـ ١ ص ٣٧.\n(^٢) «فتح الباقي شرح ألفية العراقي» ورقة ٤ ب مخطوط بدار الكتب المصرية.\n(^٣) «حاشيته على شرح الأنصاري لألفية العراقي في المصطلح» ورقة ٢٦ ب و٢٧ أ مخطوط بدار الكتب المصرية.\n(^٤) «شرح الترمسي لألفية السيوطي» ص ٧.","vol":"1","page":82},{"text":"<span data-type='title' id=toc-41>القسم الثالث عصر العراقي</span>","vol":"1","page":84},{"text":"يُعتبر كل من الزمان والمكان والمجتمع الذي يُولد فيه الإنسان ويحيا، وعاءً حاويا له في مختلف مراحل وجوده، ولذا فإنه ينفعل بما فيه، في عاداته وسلوكه ولغته وثقافته، ويتشكل تبعا لذلك تفكيره وميوله واتجاهاته، وما أودعه الله فيه من مواهب واستعدادات، ثم يكون على ضوء ذلك تفاعله ونشاطه وتأثيره في جوانب الحياة والأحياء من حوله، من أجل هذا كان لابد لمعرفة تكوين شخصية العراقي عموما، وجانبها العلمي وتأثيره في السنة خصوصًا، من التعريف بمجمل جوانب عصره ومكانة السنة وعلومها فيه بصفة خاصة، وذلك على النحو التالي:\n\n<span data-type='title' id=toc-42>سياسة العصر الخارجية</span>\nعاش الحافظ العراقي واحدًا وثمانين عاما هجريًا وبضعة شهور، ابتداءً من سنة ٧٢٥ هـ حيث ولد بضاحية بين مصر والقاهرة، حتى توفي بالقاهرة سنة ٨٠٦ هـ على الصحيح، كما سيأتي، وقد قضى معظم حياته بين ربوع مصر وتنقل في اليسير منها بين الشام والحجاز، وبذلك كانت حياته فيما يُعرف تاريخيا بعصر المماليك، وإقاماته في رحاب دولتهم التي شملت حينئذ مصر، والشام والجزيرة العربية وما يتبعهم.\nوتقع أكثر حياة العراقي في عصر المماليك البحرية (^١) الأتراك الأصل الذين بدأ حكمهم سنة ٦٤٨ هـ، وانتهى في سنة ٧٨٤ هـ، ثم تلاهم المماليك البُرْجِيَّة (^٢) الشراكسة الأصل، وقد عاصر العراقي منهم اثنين: هما الظاهر\n_________\n(^١) عُرفوا بالبحرية نسبة إلى المكان الذي تربوا به في مصر وهو جزيرة الروضة في بحر النيل.\n(^٢) تعرفوا بالبرجية نسبة إلى مكان تربيتهم بمصر وهو أبراج قلعة صلاح الدين الباقية حتى الآن.","vol":"1","page":85},{"text":"برقوق، الذي ذهب بنفسه إلى العراقي، وطلب منه تولي قضاء المدينة المنورة كما سيأتي، ثم ولده الناصر فرج الذي خَلَفَهُ سنة ٨٠١ هـ وقد توفي العراقي في عهده.\nورغم أن الطابع العام العصر المماليك هو الحروب الخارجية والفتن والمنازعات في الداخل، وتأثير ذلك في حياة الأمة، فإننا نجد أن الفترة التي عاشها العراقي تُعد أكثر فتراته استقرارًا ورخاء وازدهارًا عمرانيا وثقافيا. وذلك لما يأتي:\n١ - أنه كان قد تم إنهاء الوجود الصليبي في الشام ومصر بعد معارك ضارية لقرنين من الزمان، كان آخرها سنة ٦٩٠ هـ حيث تمكن السلطان خليل بن قلاوون من الاستيلاء على آخر معاقل الصليبيين بالشام (^١) ولم يعد لهم أية إمارات بالمنطقة، وكانت معاركهم المتفرقة بعد ذلك يشنونها من بلاد أوروبا الساحلية القريبة، وخاصة قبرص ثم يعودون من حيث أتوا.\n٢ - أنه كان قد تم أيضًا صد الغزو التتري، الذي بدأ في سنة ٦١٥ هـ اجتياحه لشرق العالم الإسلامي من حدود الصين حتى بغداد عاصمة العالم الإسلامي حينئذ، فأسقطوها وقتلوا الخليفة وخيرة العلماء وأعدموا الرصيد العلمي للمسلمين، ثم اجتاحوا الشام بنفس الروح الوحشية، وتقدموا نحو مصر فَخَفَّتْ إليهم بجيوشها، وأذاقتهم لأول مرة في عين جالوت سنة ٦٥٨ هـ طعم الهزيمة، وعرفتهم طريق الفرار، مما جعلهم يكتفون بإقامة دولة لهم على ما استولوا عليه من فارس والعراق، وأصبحوا جيرانا للشام، وسرعان ما فتح\n_________\n(^١) «دولة الخلافة العباسية»، القسم الثالث، لشيخنا الفاضل الدكتور زكي محمد غيث، و«الأيوبيون والمماليك في مصر والشام» دكتور سعيد عبد الفتاح عاشور.","vol":"1","page":86},{"text":"الإسلام بذاتيته قلوبهم القاسية، فأسلم حكامهم من أبناء هولاكو، وتبعهم جنودهم وأهلوهم، وبدأوا يعمرون بأيديهم ما خربوه حتى إن غازان محمود ابن هولاكو وصاحب الهجوم الشرس على الشام مرة سنة ٦٩٩ هـ (^١)، وقد انزعجت بسببه أسرة الحافظ العراقي وهاجرت من العراق إلى مصر كما سيأتي ومرة سنة ٧٠٣ هـ، وجدناه يعمر الكثير ببغداد وإيران حتى شيد بهما دورًا للحديث والقرآن، ومدارس وخوانق للصوفية (^٢)، ومكاتب للتعليم وأقام حد السكر، وجمع الجبايات بمقتضى الشرع (^٣).\nوما أن جاءت سنة ٧٢٠ هـ حتى أرسل حكامهم وفدًا إلى الناصر محمد بن\n_________\n(^١) «عصر الانحدار» للدكتور محمد سعد أطلس ص ١٩، ٢٠.\n(^٢) من يستعرض تاريخ البلاد الإسلامية، عمومًا، في هذه الحقبة التاريخية، وما تلاها، فإنه يجد أن المنتسبين للتصوف، يمثلون عنصرًا متداخلا، بعمق وتأثير - في مختلف جوانب حياة الشعوب التي استظلت بظل الإسلام، شرقًا وغربًا، ولا سيما العامة منهم، بما لهم من كثافة وانتشار؛ لهذا، فإنه كان لا يتأتى تخطيهم، أو تجاهل وجودهم، ومطالبهم، لا من حاكم يريد الإمساك بزمام الأمور، وسياسة الجمهور، ولا من محكومين يرتبطون بطوائفهم، نسبًا، وصهرًا، ويعايشونهم في مختلف مناشط الحياة، عسرا، ويُسرًا، كما سنرى بالبسبة للحافظ العراقي وأسرته.\nوعليه، فإن من يتصدى لمثل دراستنا هذه، يحتاج في تكاملها، وتوضيح ملابساتها، إلى التعرض لما له تعلق مباشر بالواقع التاريخي لوجود التصوف والصوفية، في مسرح حياة العراقي وأسرته، وفي التراث العلمي الذي تعامل معه أخذا وعطاء، كما سيجيء في موضعه.\nوبالتالي فإني تعرضت لما دعت إليه حاجة هذه الدراسة، في حدود خطتها فقط، وهو تعرض جزئي، لا يمثل إقرارًا، ولا إظهارا المبتدعات الصوفية، ومخالفاتهم، وسيأتي ص () نقل ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية، في بيان أقسام الصوفية في عصره، الذي لحق جانب منه، نشأة والد العراقي، ومولد ابنه الحافظ، الذي نحن بصدد التأريخ لجوانب حياته بمؤثراتها، وتأثيرها.\n(^٣) المرجع السابق نفس الموضع.","vol":"1","page":87},{"text":"قلاوون، يقدم الهدايا ويطلب تسكين الفتن القديمة، وإقامة وحدة الملة الإسلامية من جديد، واستجاب الناصر فعلا لهذا وتم توقيع الصلح بين الطرفين سنة ٧٢٣ هـ أي قبل مولد العراقي بعامين، وبهذه الاتفاقية هدأ العراقان: الشمالي والجنوبي وبلاد الشام ومصر، بعد فترة طويلة من المعارك الطاحنة والاضطراب، وفتحت بموجبها الحدود واستؤنفت التجارة، وانفتحت الطرق حتى استطاع الرحالة ابن بطوطة زيارة العراق حينئذ (^١) وحتى رأينا الحافظ العراقي عند رحلته لسماع الحديث ببلاد الشام يعزم على الرحلة لبغداد لسماع الحديث من شيوخها بعد عودة الحياة العلمية إليها حينئذ (^٢)، وإن لم ترجع لسالف مجدها العلمي، لأن المغول جعلوا عاصمتهم «تبريز» وكانت بغداد مجرد واحدة من عواصمهم، واستمر ذلك الهدوء بين العراق والشام ومصر من سنة ٧٢٣ هـ إلى سنة ٨٠٣ هـ، أي نحو ٨٠ عاما هي معظم عصر العراقي، أما في سنة ٨٠٣ هـ، فقد عاد اكتساح التتار للشرق الإسلامي من جديد على يد تيمورلنك كما سنبينه.\n٣ - أنه كان قد تم إقامة الخلافة العباسية بمصر بعد إسقاط هولاكو التتري لها في بغداد سنة ٦٥٦ هـ كما أشرنا، وانتقل من نجا من بني العباس إلى القاهرة وبويع أول خليفة عباسي بمصر سنة ٦٥٩ هـ في عهد الظاهر بيبرس، وهو أبو القاسم أحمد بن الظاهر، ولقب بالمستنصر بالله (^٣) وتوالى الخلفاء من بعده حتى الفتح العثماني، وكان مولد العراقي في عهد ثالث خليفة، وهو أبو\n_________\n(^١) نفس المرجع ص ٢٥ - ٢٨ - .\n(^٢) «عصر الانحدار» للدكتور محمد أطلس ص ١٥٩ - ١٦٤.\n(^٣) انظر «لب التاريخ» لمحمد أفندي غنيم جـ ٣/ ١١٥.","vol":"1","page":88},{"text":"الربيع سليمان بن الحاكم بأمر الله والملقب بالمستكفي بأمر الله، وقد بقي في الخلافة ٣١ سنة.\nومهما قيل عن دافع المماليك لإحياء الخلافة بمصر، ومع اعترافنا بأنه لم يكن للخليفة سلطان سياسي ولا عسكري، بل كان السلطان من المماليك يولي ويعزل وينفي (^١) ويحبس (^٢) من شاء منهم، رغم هذا، فإنه كان لإحياء الخلافة الإسلامية التي تعلق بوجودها فكر المسلمين وعقيدتهم ووحدتهم، من عهد الخلفاء الراشدين أثر محمود في نفس كل مسلم، سواء من يتبع مصر أو غيرها، نظرًا لجو العصبية الدينية، التي حكمت العالم كله حينئذ، واكتسحت حروبها العالم الإسلامي، من الغرب على يد الصليبيين، ومن الشرق على يد التتار، واستهدفت دائما مساجده وعلماءه وتراثه الديني حتى أطبقت على قلبه في مصر والشام في وقت واحد، بعد إسقاط خلافتهم، فكان لإحيائها من جديد على أي وضع، وفي العاصمة التي كسرت شوكة الصليبيين والتتار على السواء، وقع عظيم، وغدت كل القلوب تهفو إلى القاهرة مقر خلافة المسلمين وملاذهم، وحامية مقدساتهم، ورائدة تضحياتهم وانتصاراتهم على الدوام، كما كان لإقامتها أثره في إحياء السنة ومحاربة الفرق الأخرى من شيعة ورافضة وغيرهم كما سيجيء.\n٤ - يضاف إلى ذلك أن الحافظ العراقي ولد ونشأ في عصر السلطان الناصر محمد بن قلاوون الذي تولى الحكم للمرة الثالثة سنة ٧٠٩ هـ واستمر حتى وفاته سنة ٧٤١ هـ حيث كان العراقي في السادسة عشرة من عمره، ويجمع\n_________\n(^١) المرجع السابق ص ١١٦.\n(^٢) نفس المرجع ص ١١٨.","vol":"1","page":89},{"text":"المؤرخون على أن عصر الناصر هذا كان أزهى عصور المماليك فقد دام حكمه ٣١ سنة، ولم يماثله في ذلك سلطان من المماليك، كما كانت الدولة في أقصى اتساعها، بعد قهر التتار وطرد الصليبيين، فقد امتد نفوذه من بلاد المغرب غربا ثم الشام والحجاز شرقا، ومن بلاد النوبة التي أقام عليها أول حاكم مسلم جنوبًا، حتى آسيا الصغرى شمالا (^١) كما عقد معاهدة الصلح والأمان مع العراق كما أسلفنا.\nأما في الداخل، فإصلاحاته ومظاهر الرخاء وإنشاءاته العمرانية والثقافية عديدة وهامة، مما جعله يحظى بشعبية كبيرة في الشام ومصر حتى تظاهر الشعب بالقاهرة على غير العادة في عهد المماليك، يطالب ببقائه في الحكم عندما تعرض للتآمر على خلعه، فاضطر المتآمرون للتراجع (^٢).\nبل لقد كان بقاؤه الطويل في الحكم، وحسن سيره فيه داخليا وخارجيا، مما جعل الناس يتعلقون بذريته من بعده، ويرون فيهم رمز الهدوء والرخاء، فظل الحكم وراثيا فيهم حيث تولاه ثمانية من أبنائه و٤ من أحفاده، وبانتهاء حكم آخرهم سنة ٧٨٤ هـ انتهى عصر المماليك البحرية (^٣)، إلا أنه كان معظمهم بمقتضى الوراثة يُولَّى السلطنة طفلًا أو صبيا (^٤) ويعين وصي أو نائب من أمراء المماليك للقيام بمهمات الحكم ريثما يتأهل ولي العهد لذلك، فكان هذا مولدا.\n_________\n(^١) «الأيوبيون والمماليك» للدكتور سعيد عاشور ص ٢٨١، ٢٨٢.\n(^٢) المرجع السابق ص ٢٧٤، ٢٧٦، ٢٧٧ و«العصر المماليكي» ص ١٠٤، ١١٢، ١١٣، ١١٧، ١٢٠، ١٢١ كلاهما للدكتور سعيد عاشور.\n(^٣) «العصر المماليكي» ص ١٢١، ١٢٢، ١٢٣، ١٢٨.\n(^٤) «ذيل ولي الدين ابن العراقي على ذيل والده على العبر» حوادث سنة ٧٨٣ مخطوط منصور.","vol":"1","page":90},{"text":"للاضطرابات بعد وفاة الناصر، بحيث لو قسمت مدة حكم ذرية الناصر وهي ٢٣ سنة على عددهم وهو ١٢ لخص الواحد أقل من عامين، وذلك لأن النواب والأوصياء كانوا يتطلعون للانفراد بالحكم، وتظهر زعامتهم، فيتذرعون لإقصاء السلطان الأصلي بشتى الوسائل، أو قتله، حتى إن أول أبناء الناصر لم يتم في الحكم ٣ شهور وقبض عليه وقتل منفيًا (^١) كما قتلوا غيره من إخوته (^٢). وبذلك كانت تقوم المنازعات والقتال بين أنصار الفريقين أو غيرهم من الأمراء الطامعين في الحكم (^٣)، حتى كانوا يتقاتلون في شوارع القاهرة بين حين وآخر (^٤)، بل في الحرمين الشريفين (^٥)، وسجل العراقي (^٦) كثيرًا من ذلك في ذيله على «العبر» للذهبي، مما جعل عامة الشعب في مصر والشام والحجاز تعاني آثار ذلك، دون أن يملكوا تغيير الأمور، ويذكر لنا ولي الدين ابن العراقي (^٧) ثورة للعامة كانت سنة ٧٧٠ هـ ضد والي القاهرة «بكتمر» وبعض أعوانه، وتجمعوا حول القلعة فرسم السلطان بتفريقهم، فطاردهم الجند،\n_________\n(^١) «العصر المماليكي»، ص ١٢٣.\n(^٢) المرجع السابق ص ١٢٤.\n(^٣) «ذيل ولي الدين ابن العراقي على ذيل والده»، حوادث سنة ٧٨١ هـ مخطوط مصور.\n(^٤) «العصر المماليكي» ص ١٢١، ١٢٢، ١٢٣، ١٢٨.\n(^٥) «ذيل ولي الدين على ذيل والده» وفيات سنة ٧٦٣ هـ وحوادث ٧٦٧ هـ و٧٧٩ هـ و٧٨٣ هـ مخطوط مصور.\n(^٦) انظر «المنتقى من ذيله على العبر» حوادث ٧٤٢ هـ ضمن مجموع ابن الخطيب الناصرية مخطوط مصور.\n(^٧) «ذيل ولي الدين ابن العراقي على ذيل والده على العبر» للذهبي حواديث ٧٧٠ هـ مخطوط مصور.","vol":"1","page":91},{"text":"حتى دخلوا بالخيل جامع الحاكم بأمر الله، وقتلوا بعضهم، ثم نودي في اليوم التالي بالأمان وعزل «بُكْتُمُر»، هذا بالإضافة لما كانت تقوم به القبائل العربية التي كانت تقيم في صعيد مصر، والبحيرة والشرقية، والشام من ثورات لانتزاع الحكم، أو الامتناع عن دفع الخراج للدولة، ومن غارات للسلب على عواصم المدن، كأسيوط والإسكندرية والقاهرة، وبذلك تضعضعت أحوال البلاد حتى تجرأ الصليبيون بعد تطهير البلاد منهم - كما أسلفنا - على غزو مصر سنة ٧٦٧ هـ في عهد الأشرف شعبان، ثاني أحفاد الناصر، وكان في الحادية عشر من عمره ووصيه الأمير «يَلْبُغَا» المعروف بظلمه وكبريائه، مما جعله يهزأ بخبر عزم ملك قبرص على القيام بتلك الحملة، بدلا من الاستعداد لها، وفعلا جاءت الحملة من قبرص، وهاجمت الإسكندرية في توقيت مقصود، وهو يوم الجمعة ٢٤ محرم، حين تجمع المسلمين في المساجد للصلاة، ولم يكن أمير الإسكندرية بها، لغيابه في الحج، فاحتلوا المدينة بسهولة، وأحرقوا المساجد، وخربوا الزوايا، واستباحوا المدينة عدة أيام، ثم أجلوا عنها مثقلين بالمنهوبات ومصطحبين كثيرا من الأسرى، من مسلمين ويهود ونصارى، ولم يصل «يلبغا» بجيشه الكثيف إلا بعد مغادرة الحملة للمدينة وهي خراب، تعج بجثث الشهداء، فأمر بإصلاح التخريب ودفن الشهداء (^١)، وتصنيع سفن حربية لقتال الفرنج (^٢).\nوقد أرّخ العراقي في «ذيله على وفيات النقلة» للمنذري، لبعض شهداء هذه المعركة من العلماء الذين سمع منهم الحديث في رحلته للإسكندرية قبل هذه\n_________\n(^١) «العصر المماليكي»، ص ١٣٣.\n(^٢) «ذيل ولي الدين ابن العراقي على ذيل والده» حوادث سنة ٧٦٧ هـ.","vol":"1","page":92},{"text":"المعركة، لسماع الحديث كما سيأتي، وصور بشاعة استشهاده بأنه صعد مئذنة بعض المساجد للأذان، فصعد إليه أحد الصليبيين وألقى به من فوق المئذنة (^١). أما ولي الدين ابن العراقي فأرخ الموقعة وأحداثها ووصفها بقوله: «وكانت أَحَدُ الدواهي على الإسلام» (^٢).\nوجدير بالذكر أنه في تلك الموقعة التي غاب فيها دفاع المماليك، ظهرت مقاومة الشعب، حيث تجمع - على عَجَل - عرب البحيرة، وحاولوا صد الهجوم عن المدينة، لكنهم لم يصمدوا (^٣) لعدم تكافئهم مع جيش نظامي كبير، ولم يكن من سياسة المماليك تكوين جيش من الشعوب المحكومة لهم في مصر أو غيرها، خوفًا من قضائه عليهم، وليس تقصيرًا أو قصورًا من الشعب.\nكما كانت موارد مصر هي مصدر تموينهم وتسليحهم، في كل معاركهم، وتتابع حكم حفيدي الناصر الآخرين، على هذا المنوال، من الضعف والاضطراب، حتى غربت، بنهاية حكم آخرهم، شمس دولة المماليك البحرية، وذلك في سنة ٧٨٤ هـ وخلفتها دولة المماليك البرجية، الذين اشتد جانبهم حينئذ، وكان أول سلاطينهم: الظاهر برقوق، الذي تولى سنة ٧٨٤ هـ وهو الذي دخل بنفسه على الحافظ العراقي، وطلب منه تولي قضاء المدينة المنورة كما أشرنا، وقد توفي برقوق سنة ٨٠١ هـ، فخلفه ولده الناصر فرج، وفي عهده توفي الحافظ العراقي سنة ٨٠٦ هـ.\n_________\n(^١) المرجع السابق وفيات سنة ٧٦٧ هـ.\n(^٢) نفس المرجع حوادث سنة ٧٦٧ هـ.\n(^٣) «الأيوبيون والمماليك» ص ٢٩٠.","vol":"1","page":93},{"text":"ولم تفترق تلك المرحلة التي عاصرها العراقي من حكم المماليك البرجية عن الطابع العام للعصر المملوكي الذي أشرنا إليه، فقد قامت الحروب الداخلية بين أمراء المماليك وطوائفهم على أشدها، في مصر والشام على السواء، حتى قتل برقوق خصمه «مِنْطَاش» بحلب سنة ٧٩٥ هـ وحُمِلَت رأسه للقاهرة، فطيف بها الشوارع، وعلّقت على باب «زُوَيْلَة» (^١) أحد أبواب القاهرة، كما خَلَعَ الخليفة المتوكل، لتآمره عليه (^٢) وبلغت قسوة السلطان فرج أن استهل حكمه بقتل أخويه، ثم قُتِل هو الآخر قتلة شنيعة (^٣).\nكذلك ثار العربان بمصر والشام، متعاونين على برقوق لاستلاب الحكم (^٤)، وبلغ به الأمر أن ينفجر باكيا أمام جنوده ومماليكه، لتعقد الأمور دونه (^٥)، وما كاد يتم التغلب على مصاعب الداخل، حتى داهم البلاد الشامية هجوم جديد للتتار، على يد تيمورلنك وذلك سنة ٨٠٣ هـ، وبعد أن كان الشرق الإسلامي كله قد استراح من شرورهم ثمانين عاما كما أسلفنا، وبدأ يعمر ما خربوه، ويسترد شيئًا فشيئًا نهضته العلمية والإسلامية، وقد سار تيمورلنك - رغم إسلامه - سيرة سلفيه جنكيز خان وهولاكو، فاكتسح بلاد الشرق الإسلامي حتى بغداد، ثم أسقطها وحرقها مرة أخرى (^٦)، ودخل الشام فدمر معظم\n_________\n(^١) «العصر المماليكي» ص ١٥٧.\n(^٢) «ذيل ولي الدين ابن العراقي على ذيل والده»، حوادث سنة ٧٨٥ هـ.\n(^٣) «العصر المماليكي»، ص ١٦١، ١٦٢.\n(^٤) المرجع السابق ص ١٥٨.\n(^٥) نفس المرجع ص ١٥٦.\n(^٦) «العصر المماليكي» ص ١٥٨، ١٥٩.","vol":"1","page":94},{"text":"أطرافه، واستولى على حلب، وأحرق دمشق، دون أن يستطيع الشام وحده المقاومة (^١)، وكان السلطان حينئذ الناصر فرج، لكنه كان صبيًا، وأوصياؤه والقائمون بالأمر في نزاع مع بعضهم، مما جعل خروج السلطان الصغير، والخليفة العباسي على رأس جيش من القاهرة، لملاقاة تيمورلنك، لا يُجدي شيئًا، فهزم قرب دمشق، واضطر فرج لتوقيع صلح مع تيمورلنك، ليخرج بموجبه من الشام، وعاد فرج للقاهرة مهزومًا، على أمل الاستعداد للقاء جديد مع التتار، يزيل به تلك الوصمة التي لا تتفق مع انتصارات أسلافه في حطين وعين جالوت (^٢)، كما لا تُذكر بجانبهما.\nورغم هذا التدهور السريع في القوى الدفاعية والسياسة الخارجية، فقد كانت هناك مقاومة ناجحة من أمراء الشام لبعض حملات، انتهز الصليبيون تلك الظروف وقاموا بها على بعض سواحل الشام سنة ٧٦٩ هـ، بحيث ظلت المنطقة كما كانت نظيفة منهم (^٣)، كما أن هجوم تيمورلنك هذا جاء بعد هدوء استمر ثمانين عاما من عصر العراقي، أمنت فيها مصر والشام والعراق من غزو التتار كما أسلفنا، مما جعل عصر العراقي رغم هذا، أكثر عصور المماليك استقرارًا في سياسته وأحواله الخارجية.\nأما في الداخل، فإن إنجازات العصر الإصلاحية والعمرانية والثقافية التي ما زالت روائعها باقية إلى الآن، تشهد بأنه رغم الأحداث العديدة السالفة، كان مجموع فترات الهدوء والإصلاح الداخلي أكثر.\n_________\n(^١) المرجع السابق ص ١٦٠.\n(^٢) نفس المرجع ص ١٦٠، ١٦١.\n(^٣) «ذيل ولي الدين ابن العراقي على ذيل والده على العبر» حوادث سنة ٧٦٩ هـ مخطوط مصور.","vol":"1","page":95},{"text":"عَلى أن هُناك مُلاحظة في تَقييم عصر المَماليك عُمومًا، وَهي أن المُؤرِّخين يَصِلون بِشأن بَعض الحُكَّام لدرجة التَّناقُض، مَع مُعاصَرَتِهم لَهم أو قُربِهم الشَّديد مِنهُم، فمثلا يَصِف المَقريزي وابن تغري بردي، المَلِك الصَّالح إسماعيل، ابن النَّاصر محمد بن قَلاوون، بِأنهُ أعرض عَنْ تَدبير المُلْك، بِإقبالِه على النِّساء والمُطربين (^١)، بينما يَصِفهُ مُعاصِره الحافظ العراقي، بأنهُ مِنْ خَير المُلوك (^٢)، كَما يَذكر المُتتبعون لِلعَصر عُمومًا: أنهُ يتميز بِاقتران الأحداث والاضطرابات، بِالنشاط العُمراني والثقافي (^٣).\nتِلك هي أَهَّم مَلامح الأَحوال السِّياسية في عصر العراقي وَسَيأتي تَفصيل مَوقِفُه مِنها في مَحَلِّه.\nوننتقل للأحوال الدَّاخِلية:\n\n<span data-type='title' id=toc-43>أحوال العَصر الدَّاخِلية وَصلة العراقي بِها</span>\n<span data-type='title' id=toc-44>١ - نِظام الإِدارة:</span>\nكان السُّلطان هو رَئيس الجِهاز الحُكومي العام، وصاحب السّلطة العُليا في البِلاد، ويليه نائب أو أكثر، يُعِّينُهم لِتصريف الأُمور في غِيابِه لِلحَج أَوْ الجِهاد ونحوهما، وَعندما يَكون السُّلطان صَغيرًا كَما في الحالات التي أَشرنا إليها، يُعّين نائب لَهُ أو وَصي عَليه، يَقوم بِمُهام المَنصب، حَتى بُلوغ السُّلطان رُشده.\n_________\n(^١) «العصر المماليكي» ص ١٢٤، و«النجوم الزاهرة» لابن تغري بردي جـ ١٠ ص ٩٦، ٩٧.\n(^٢) «المنتقى من ذيل زين الدين العراقي على العبر» للذهبي حوادث سنة ٧٤٢ هـ (ضمن مجموع ابن خطيب الناصرية مخطوط مصور).\n(^٣) «الأدب في عصر صلاح الدين» للدكتور محمد زغلول ص ٧٨.","vol":"1","page":96},{"text":"أما الخليفة العباسي فلا سلطة له كما أشرنا، غاية ما هنالك أنه كان يؤلف مجلس شورى برئاسة السلطان أيضًا أو نائبه، للبت في الأحداث الخطيرة، كقرار الحرب، أو العزل والترقية، فيكون الخليفة عضوا فيه، بالإضافة لرؤساء قضاة المذاهب، وقائد الجيش، وغيره من كبار أمراء المماليك، لكن لم يكن السلطان ملزما بدعوة هذا المجلس للإنعقاد أو الأخذ برأيه في كل حال (^١)، بل كان ذلك مرتبطا بقوة شخصية أفراد المجلس أو بعضهم، كقائد الجيش أو قاضي القضاة، كما سنشير له.\nوكانت الشام مقسمة إلى نيابات أهمها: دمشق وحلب، وعلى كل نيابة أحد أمراء المماليك، نائبا عن السلطان في إدارتها والدفاع عنها، منفردا أو بالتعاون مع غيره، ويرجع للسلطان في المسائل الخطيرة، أما الحجاز فكانت بها إمارتا مكة والمدينة، ويُعيّن لها أمير من قبل السلطان في مصر، كما كان إقليم مصر مقسما إلى أقسام كالمحافظات الحالية، ولكل منها والي من الأمراء المماليك، بما في ذلك القاهرة.\nوقد كان بين العراقي وبين بعض سلاطين وأمراء عصره علاقات ومواقف سيأتي توضيحها.\nوكانت هناك دواوين مُعَدَّة بموظفين وعمال وإمكانيات، للقيام بمرافق الدولة المختلفة، كديوان الجيش وهو أهمها، لاضطلاعه بتجهيز الجيوش المعارك المماليك الباسلة كما تقدَّم، وكديوان الإنشاء الخاص بمراسلات الدولة، وديوان الأحباس وهي الأشياء الموقوفة من قبل الدولة للإنفاق على المؤسسات.\n_________\n(^١) «العصر المماليكي» ص ٣٥٢.","vol":"1","page":97},{"text":"التعليمية والخيرية الآتي ذكرها.\n\n<span data-type='title' id=toc-45>٢ - القضاء وإلزامه بالمذاهب الأربعة:</span>\nأما جهاز القضاء وإقامة العدل بين الناس، فهو من أخطر أجهزة الدولة، ويقوم به صفوة الأمة من علماء الشريعة، وإليهم يرجع الأمر في سن جميع التشريعات والقوانين المنظمة لمختلف مرافق تلك الدولة المترامية وفئاتها المتعددة، وقد كان القضاء في الدولة الأيوبية التي أعقبتها دولة المماليك مقصورًا على فقهاء المذهب الشافعي فقط، رغم عنايتهم بإقامة المدارس في مصر والشام واليمن والحرمين لتدريس فقه المذاهب الأربعة، وهي الشافعي والمالكي والحنفي والحنبلي، وذلك للقضاء على المذهب الشيعي، بعد إسقاطهم دولة الفاطميين التي كانت تتبعه في قضائها وتُعلّمه وتنشره، واستمر المماليك على ذلك حتى عصر الظاهر بيبرس، فجعل القضاء بمقتضى المذاهب الأربعة جميعًا سنة ٦٦٥ هـ، وأمر أن لا يرشح للقضاء أو الإدارة إلا من كان مقلدًا لأحد هذه المذاهب، وتحريم ما عداها (^١).\nوقد كان هذا من أسباب شيوع التقليد الذي يُنْتَقَدُ به العلماء، وهو مفروض عليهم كما ترى، بل إنهم حاولوا الاجتهاد في إطاره كما سيأتي، وجعل لقضاة كل مذهب رئيسًا، يُلقب بقاضي القضاة، ويعين نوابًا عنه في مناطق العاصمة، مع احتفاظ قاضي القضاة الشافعي بمكان الصدارة، وتمتعه بميزات\n_________\n(^١) «الطبقات الكبرى» للشعراني ج ١/¬١٨ و«تاريخ التشريع» للخضري ص ٣٤٢، ٣٤٣ و«الأيوبيون والمماليك» ص ١٥٥، ١٥٦، ٣٥٦، و«العصر المماليكي في مصر والشام» ص ٣٣٧ و«المجتمع المصري في عصر سلاطين المماليك» ص ١٥٤ و«الثلاثة للدكتور سعيد عاشور» و«عصر الانحدار» للدكتور محمد أسعد طلس ص ١٨٤، ١٨٦.","vol":"1","page":98},{"text":"منها، تعيين نواب له في الأرياف، وجعل للجيش أيضا أربعة قضاة يلقبون بقضاة العسكر، وكانت هناك محكمة عليا تُعرف بمحكمة المظالم، ولها مقار تُعرف بدور العدل، في عواصم الشام ومصر، وتعقد في بعض أيام الأسبوع برئاسة السلطان وعضوية قضاة القضاة، للجيش والشعب، وتقدم الدعاوى للسلطان وهو يشاور القضاة، ويعضي رأيهم، ثم قرر السلطان رفع جميع القضايا للقضاء العادي أولا، فإذا لم يرتض الحكم أحد المتخاصمين رفع قضيته لمحكمة المظالم تلك، وبذلك قوي مركز القضاء، وصار الرجوع إليه عاما.\nكما كان الاحتكام العام حينئذ إلى شريعة الإسلام المستمدة من الكتاب والسنة، في كل شئ من القضايا المدنية والجنائية والإدارية، وبهذا تعددت مسئوليات القضاة، وكثر عددهم وتركز الاعتماد عليهم، وارتبطت مصالح الشعب بكل فئاته بهم، وكانت تُسند إليهم وظيفة مراقبة الأسواق والمرافق، والأخلاق العامة وتُعرف بالحسبة.\nكما كان يُعين بدور العدل السابق ذكرها، مفتون لإفتاء الناس في كل قضاياهم، وبيان الحلال من الحرام، نظرًا لرجوع الناس حينئذ في مختلف شئونهم للشرع، وبالإضافة لهذا كان القضاة والمفتون يقومون بتدريس الفقه وعلوم القرآن والسنة، والتأليف فيها (^١).\nوبذلك صارت لهذه الطائفة خطورتها، وتعلق بالأكفاء منهم جمهور الشعب، ورأوا فيهم حماة لمصالحهم، ونفعهم في شئون الدين والدنيا، كما\n_________\n(^١) «العصر المماليكي» ص ٣٥٤ - ٣٦٩.","vol":"1","page":99},{"text":"صارت لهم هيبتهم المشروعة في نفوس الحكام، من سلاطين وأمراء، على توالي الدول، لترفعهم عما بأيديهم من المنح والعطايا (^١).\nوعن مغريات المنصب، وعدم المجاملة في الحق ولو لأكبر رأس تملك العزل والتولية والقتل (^٢)، فكان حكمهم ينفذ، وفتواهم لا يجد أحد مناصا من الحكم بمقتضاها، ومطالبتهم الحكام بمصالح الناس لا ترد، ويمثل هؤلاء أصدق تمثيل، شيخ العراقي قاضي القضاة الشافعية عز الدين بن جماعة المتوفى سنة ٧٦٧ هـ (^٣)، وقرين العراقي أيضا سراج الدين البلقيني المتوفى سنة ٨٠٥ هـ الذي قضى حياته في مناصب الإفتاء والقضاء المدني والعسكري بمصر والشام، حتى صار قاضي قضاة الشافعية (^٤) وكذا الحافظ العراقي الذي تولى قضاء المدينة المنورة كما سيأتي، وغيرهم كثيرون، أما من حاد عن ذلك فخان مسؤليته، أو رشى أو ارتشى، أو اختلس، فهو ساقط الاعتبار حتى في عصره (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-46>٣ - المجتمع والاقتصاد:</span>\nأما المجتمع الذي عاش فيه العراقي بين ربوع الوطن العربي، فكان طبقيا، يضم جنسيات متعددة، وخاصة الأتراك، والأكراد الذين منهم الحافظ العراقي، وعلى رأس الجميع طبقة الحكام، المكونة من السلطان وأمراء\n_________\n(^١) «بهجة الناظرين» للغزي ص ٦٣ ترجمة محمد بن موسى الدميري المتوفى سنة ٨٠٨ هـ.\n(^٢) «المجتمع المصري في عصر سلاطين المماليك» ص ٣١، ٣٢.\n(^٣) «المجتمع المصري في عصر سلاطين المماليك» ص ٣١، ٣٢.\n(^٤) «ذيل ولي الدين ابن العراقي على ذيل والده على العبر» وفيات سنة ٧٦٧ هـ مخطوط مصور.\n(^٥) «بهجة الناظرين» للغزي ص ٤، ٥ (مخطوط) و«مجموعة ابن طولون الحنفي» ورقة ١٨٢ أ - ١٨٣ أ (مخطوط بدار الكتب المصرية برقم ٣٥١ مجاميع تيمور) ٦.","vol":"1","page":100},{"text":"المماليك وطوائفهم التي يتكون منها الجيش، وهؤلاء كانوا أغرابًا عن الشعب العربي، واختلاطهم بالناس محدود، ونظرتهم متعالية، وفي نفس الوقت كانت أراضي مصر والشام مقسمة بينهم إلى إقطاعات، كما كانوا يحتكرون المعادن، ومعظم التجارة الداخلية والخارجية، وإلى جانب ذلك يجمعون الزكاة والخراج وعددًا من الضرائب، ومن سنحت لهم فرصة للثراء كالتجار الذين يلون الحكام من الناحية المالية، فإنهم كانوا عرضة لاقتراض الدولة منهم، مع الإخلال بالسداد، بل وللمصادرة، خاصة عند الأزمات وإعداد الجيوش (^١).\nومع هذا، لم تجدهم يظهرون للشعب الذي هو مصدر كل إمكانيات انتصاراتهم الخالدة على أعداء الإسلام، إلا ظلالا باهتة، لا تتناسب مع عطائه وأعبائه، بل أظهروا دائما أنهم حكام البلاد ومالكوها وصناع مجدها مع أنهم دخلوا البلاد كسلعة مشتراة بأموالها، وتمتعوا من خيراتها بما يفوق الوصف (^٢)، وما يصل إلى الشعب من أجور أو خدمات صحية وعلمية وإنسانية، يُقدم في صورة تفضّل وإحسان من السادة أولياء النعم (^٣)، ولابد أن ينالوا عليه الشكر والثناء.\nأما العلماء الذين كان العراقي واحدًا من أبرزهم، فكان يطلق عليهم المعممون، أو أهل العمامة وأرباب الأقلام (^٤)، ومنهم من تمتَّع بنفوذ في الدولة، كالقضاة السابق الإشارة إليهم، وموظفي الدواوين، والحسبة، وهؤلاء\n_________\n(^١) «إغاثة الأمة» للمقريزي ص ٣١.\n(^٢) «النجوم الزاهرة» لابن تغري بردي جـ ٧/ ١٩٨، و«إغاثة الأمة» للمقريزي ص ٤٦.\n(^٣) (النجوم الزاهرة) جـ ٧/ ١٨٠.\n(^٤) «المجتمع المصري في عصر سلاطين المماليك» للدكتور سعيد عاشور ص ٣١.","vol":"1","page":101},{"text":"وغيرهم من فقهاء ومحدثين ووعاظ، كانوا محل الإحترام من الحكام والمحكومين على السواء ومَرَدُّ ذلك إلى أن مبادئ الإسلام كانت هي السائدة، والعلماء هم حملتها، ومُعلموها، والقدوة في التمسك بها، وهم أهل الوعي ومصدره، ولذا اهتم الحكام عمومًا بهم لضمان ولاء العامة لهم.\nويُصوّر المقريزي ذلك بقوله: «كانوا يرون أن بهم عرفوا دين الإسلام وفي بركتهم يعيشون، وحسب أعظمهم قدرًا أن يُقبل يد الفقيه والقاضي» (^١)، ومع هذا كانت تلك المكانة تُحرّك أحيانًا حقد بعض الحكام فيسيئون إليهم (^٢)، كما كان من العلماء من لا يتخلق بأخلاقهم، فيسقطه الحكام والمحكومون من نظرهم، ولكن هؤلاء وأولئك كانوا قلة لا تمثل طابعًا عامًا، ومن العلماء من كانت تتوفر له موارد عديدة للرزق، فيكون غنيًا مُترفًا (^٣)، ومنهم من كان ضيق العيش، صابرًا، مع العفة وعزة النفس، ومن هؤلاء الحافظ العراقي كما سيأتي.\nويتصل بطبقة العلماء جماعات الصوفية! ويُطلق عليهم أيضًا الفقراء، وأكملهم: الجامع بين العلم والعمل، وقد كان الصوفية أكثر تغلغلا في المجتمع من العلماء، لانتشارهم في نجوعه وقراه، إلى جانب المدن والعواصم (^٤) بخلاف العلماء الذين كانوا متمركزين في العواصم والمدن، وقد كانت\n_________\n(^١) «السلوك» للمقريزي جـ ٣/ ٣٨٣ مخطوط بدار الكتب المصرية.\n(^٢) «المجتمع المصري في عصر سلاطين المماليك» ص ٢٨، ٣٢، ٣٣ و«العصر المماليكي» في «مصر والشام» ص ٣١٢ كلاهما للدكتور سعيد عاشور.\n(^٣) «المجتمع المصري في عصر سلاطين المماليك» ص ٣٣، ٣٤.\n(^٤) «تحفة الأحباب» لمحمود السخاوي ترجمة الشيخ نجم الدين أبو الغنايم ورقة ١٢ أ:","vol":"1","page":102},{"text":"الأخطار المتربصة بالعالم الإسلامي حينئذ من الشرق والغرب رغم كسر شوكتها، بالإضافة لنزاعات الحكام، والجوائح العامة بالأوبئة والمجاعات، مما جعل الحكام والمحكومين على السواء، يحسون بحاجتهم المستمرة للالتجاء إلى الله تعالى الذي لا يكشف الضر غيره، ولا يؤتي الملك أو ينزعه سواه والالتجاء إلى الله سبحانه هو جوهر التصوف الحق عند أهله، ولهذا مالت نفوس الجميع إليه، والتفوا حول دعاته (^١)، واعتقدوا في كراماتهم الدالة على قوة اتصالهم بالله، بحيث نجد كتب التراجم تُطلق على كثير من الصوفية وصف «المُعْتَقد» - اسم مفعول - أي الذي اعتقد الناس كرامته وصلاحه.\nويقال أيضًا في ترجمة بعضهم: كان يعتقده السلطان، أو الأمير فلان، أو كان للناس فيه اعتقاد، كما سيأتي بالنسبة لبعض من تربى عنده والد الحافظ العراقي، وعلى هذا تقرب الحكام عمومًا إلى أرباب التصوف، فمنحوهم الأموال واصطحبوهم في الأسفار (^٢)، وتنافس السلاطين والأمراء والأميرات والموسرون والموسرات، من الشعب في بناء المنشآت الخاصة بالصوفية، والتي عُرفت باسم الخوانق والربط والزوايا، على امتداد الدولة كلها (^٣)، ووقفوا عليها أوقافًا عديدة بحيث توفر لنزلائها كل مطالب الحياة، حتى يتفرغوا للعبادة والتأمل، وقد شاركت المرأة الرجل في سلوك طريق التصوف! ولبس خرقته\n_________\n(^١) (المجتمع المصري في عصر سلاطين المماليك) للدكتور سعيد عاشور ص ١٦٧، ١٦٨.\n(^٢) (تحفة الأحباب والمحمود السخاوي ورقة ١١ أ إلى ١٣ أ وما بعدها (مخطوط).\n(^٣) (رحلة ابن بطوطة، جـ ١/ ٧١ ووتحفة الأحباب، ورقة ٢٨ أ وا سيرة القاهرة) لستانلي لنيبول ص ٢٦٨، وهـ ذيل ولي الدين ابن العراقي) ترجمة أبو حفص ابن الشحنة وفيات سنة ٧٦٧ هـ.","vol":"1","page":103},{"text":"فأعدت ربط خاصة بهن (^١)، وقد كان يعين لكل منشأة شيخ أو أكثر من جماعتهم، لرعاية شئونها، وتخصص بها دروس للعلم والوعظ، ولم يسمع الرحالة ابن جبير حين شاهد الصوفية على هذا الوضع إلا أن يقول: «وهذه الطائفة الصوفية هم الملوك بهذه البلاد؛ لأنهم قد كفاهم الله مؤن الحياة وفضولها، وفرغ خواطرهم لعبادته من الفكرة في أسباب المعايش (^٢)».\nغير أنه كان لهذه العناية وتوفير سبل العيش السهلة لهم أثر عكسي على التصوف، حيث دفع الكثرة التي كانت تعاني حينئذ شظف العيش إلى الالتجاء لتلك المنشآت للتعيش، وأقاموا رسوم الصوفية الظاهرية، كلبس الخرقة، وأخذ العهد، ونحو ذلك، ولهذا قسم الإمام ابن تيمية معاصر العراقي الصوفية آنذاك إلى ثلاثة أقسام:\nأولها: صوفية الحقائق، وهم القائمون بأداء الفرائض الشرعية واجتناب المحارم، والتأدب بآداب أهل الطريق، التي هي آداب الشرع مع عدم تمسكهم بفضول الدنيا، وأكثرهم لا يتقيدون بلوازم الخوانق.\nوثانيها: صوفية الأرزاق، وهم الذين وقفت عليهم الوقوف كالخوانق، ولا يشترط فيهم أن يكونوا من أهل الحقائق، فإن هذا عزيز.\nوثالثها: صوفية الرسوم وهم المقتصرون على النسبة، فَهَمّهم اللباس والآداب الوضعية، ونحو ذلك، بحيث يظنهم الجاهل منهم وليسوا منهم (^٣).\n_________\n(^١) «المجتمع المصري في عصر سلاطين المماليك» ص ١٧٣، ١٧٤ و«الضوء اللامع» جـ ١٢/¬١٤ و«صفحات من عصر السيوطي» ص ٢١ لعبد الوهاب حمودة.\n(^٢) «رحلة ابن جبير» ص ٢٨٤.\n(^٣) الصوفية والفقراء لابن تيمية ص ٣١، ٣٢.","vol":"1","page":104},{"text":"ومع هذا يتضح لنا أن الصوفيين الحقيقيين كانوا قلة، بينما كثر الأدعياء وسيطروا على عقول العامة برسومهم الظاهرة، وأحدثوا في سبيل ذلك كثيرًا من البدع في الاعتقادات والأقوال والأفعال التي لا تعتمد على كتاب ولا سنة، وتجافي تصوف الحقائق، كما سماه الإمام ابن تيمية آنفا، فكان هذا مما جعل القائمين به على الحقيقة، والعلماء وعامة الناس في عصر العراقي، تتعدد مواقفهم من الصوفية كما سيأتي تفصيله في موقف العراقي منهم.\nومما ساعد على انتشار التصوف أيضًا في عصر العراقي، أن وحشية الصليبيين في الغرب، والتتار في الشرق، ألجأت الكثيرين من دعاة التصوف وأقطابه كالسيد البدوي، وأبي الحسن الشاذلي إلى الهجرة من مواطنهم، والرحلة إلى مصر التي غدت حصنًا للإسلام، وأقبل أهلها على التصوف وأهله، وآثروهم بخيراتها، مع غاية التقدير، وكانت أسرة العراقي ممن هاجر لمصر من أكراد العراق تحت وطأة التتار، واستقروا بها كما سنوضحه.\nوبسبب تلك الهجرات امتزج المجتمع المصري والشامي والحجازي بكثير من الجنسيات الإسلامية من الشرق والغرب وعاشوا جميعا أخوة في السراء والضراء، لا تفرقهم الخلافات العارضة، أو النزاعات الداخلية، كما عاش المسلمون والمسيحيون واليهود، في تسامح وتآخ سجله المنصفون من الأوروبيين أنفسهم (^١)، وما سجله التاريخ خلاف ذلك يُعد حوادث فردية لا تمثل ظاهرة عامة، كما تعد أقل ما يتصور حدوثه في جو كانت مساعي العدو\n_________\n(^١) «الإسلام والحضارة العربية» المحمود كرد علي ص ٢٩٣ و«المجتمع المصري في عصر سلاطين المماليك» ص ٤٠ - ٤٨.","vol":"1","page":105},{"text":"الخارجي لا تهدأ، في إذكاء روح التعصب الديني، وافتعاله بين أهل الأديان الثلاثة، لتحقيق أحلامهم الشخصية في حكم الشرق عموما وامتلاك خيراته التي ما زال يُحسد عليها حتى الآن (^١).\nأما أدنى طبقات المجتمع في عصر العراقي فهم أرباب الحرف والصناعات، وأُطلق عليهم (العامة) لكونهم غالبية الشعب، وقد قامت على أكتافهم الزراعة والصناعة الحربية والمدنية، وتشييد ما نراه حتى اليوم من قلاع ومساجد ومدارس وخوانق وربط وزوايا وقصور وغير ذلك.\nومع هذا كانوا يعانون من الظلم والجهل والمرض والاحتقار، وضيق العيش، فقد كانت الأرض ورؤوس الأموال ووسائل الإنتاج ملكا للحكام والوجهاء، كما قدمنا والعامة مسخرون فيها، وما يحصلون عليه لا يفي بضروريات الحياة، بالإضافة لإثقالهم بالالتزامات المالية والعينية، واجهادهم في أعمال الشخرة حتى الموت (^٢).\nوفي هذا الوضع السي كانت تعصف بهم من وقت لآخر، ومن قطر لقطر، المجاعات والغلاء، عندما ينخفض النيل، أو تقل الأمطار في البلاد الصحراوية، أو ينتشر الجراد، حتى تؤكل الميتة، وتباع الأولاد رقيقا، ويتعرضون لما كان ينتاب البلاد من الأوبئة، كالطواعين وغيرها (^٣)، ولم يكن ما يقوم به الحكام والقادرون من إغاثة في مثل تلك المحن (^٤)، وما يتصدقون به عليهم في\n_________\n(^١) نفس المرجع نفس الصفحة.\n(^٢) (الناصر محمد بن قلاوون) للدكتور محمد عبد العزيز ص ٣٢٠، ٣٢١.\n(^٣) المرجع السابق حوادث ٧٨٣ هـ الطاعون بمصر والشام.\n(^٤) نفس المرجع حوادث سنة ٧٦٦ هـ غلاء مكة وحوادث ٧٧٦ هـ غلاء مصر.","vol":"1","page":106},{"text":"المناسبات والمواسم، إلا أعمالًا وقتية، سرعان ما ينتهي أثرها. وقد كان للعراقي موقفه عند تلك الشدائد وتأثره بها كما سنوضحه.\nوأخيرًا نقول: إن هذا المجتمع بجميع طوائفه، مع انغماسه في التدين عقيدة وقضاء وسلوكًا كما أشرنا، قد شهد ألوانًا من الأمراض الاجتماعية، والانحرافات الأخلاقية والبدع المخالفة للكتاب والسنة.\nفإلى جانب ظلم الحكام وحواشيهم، انغمس كثير منهم في ملذات الشراب والغناء والنساء (^١)، وتبعهم في هذا عدد من عامة الشعب وخاصته، حتى كانت بغايا النساء يُرخَّص لهن من الدولة لقاء ضرائب معينة، إلى أن منع ذلك الظاهر بيبرس (^٢)، وكانت الخمر تُصنع والحشيش يُزرع، ويتعاطهما الناس جهارًا، وعرفت شوارع العواصم وميادينها الملاهي والمراقص، وانتشرت الرشوة، حتى صارت طريقًا لولاية المناصب الدينية والدنيوية، كما أسهم كثير من أدعياء التصوف والعلم، في نشر كثير من الخرافات والعادات والتقاليد المنافية للإسلام (^٣).\nلكن الله تعالى يُهيّئ في كل عصر من يُجدّد للأمة الإسلامية أمر دينها، حُكَمًا وعِلْمًا، وقد هيّئ في عصر العراقي من قام بهذا الواجب في القضاء على تلك المفاسد وإعادة الأمور إلى نصابها، كالحاج آل ملك، نائب السلطنة في سنة ٧٤٤ هـ الذي شدَّد في منع بيع الخمر وتعاطيه، وغير ذلك من\n_________\n(^١) (النجوم الزاهرة) جـ ٢/¬٥، ٥، ٦، ٧.\n(^٢) «حسن المحاضرة للسيوطي» جـ ٢/ ٢٠٩.\n(^٣) (إغاثة الأمة) للمقريزي ص ٤٥ و(سيرة القاهرة) لستانلي لينبول ص ١٠٢، ١٠٤ و«المجتمع المصري في عصر سلاطين المماليك» ص ٢٢٧ وما بعدها.","vol":"1","page":107},{"text":"المحرمات، وعاقب جماعة كثيرة، ودأب على ذلك، فعف الناس في أيام نيابته عن كثير من المعاصي حتى أعيان الأمراء (^١).\nوقد أشاد العراقي بهمته هذه في (تكملته لشرح الترمذي)، كما سيأتي، وقام رئيس القضاة ورفيق العراقي سراج الدين البلقيني المتقدم ذكره، بإبطال كثير من المظالم والمكوس التي كانت مفروضة على العامة في عصره وأبطل الملاهي (^٢). وعقد مجالس الوعظ للترغيب والترهيب، بجانب نشاطه في القضاء والفتوى كما أشرنا حتى عُدَّ مُجدّد المائة الثامنة، كما قام العراقي أيضًا بدوره الآتي تفصيله، فاعتبر مجدد عصره (^٣).\nوبمثل تلك الجهود المتضافرة من ذوي الهمة العالية من حكام وعلماء، في محاربة المفاسد والبدع، ظل المجتمع، بصفة عامة، محتفظا بمسحته الدينية، ومتمسكا بقواعد الإسلام الصحيحة، ونابذا للبدع، والجهالات في عقيدته وسلوكه.\n\n<span data-type='title' id=toc-47>الحالة العلمية ومكانة السنة فيها</span>\nتُعتبر الحالة العلمية لعصر العراقي بحسب مقتضياتها ومقياس عصرها، غاية في الازدهار والخصوبة، سواء في ذلك العلوم الإسلامية بصفة عامة، أو السنة وعلومها بصفة خاصة، ونوضح ذلك فيما يلي:\n١ - أن دولة المماليك كانت ثاني دولة تقوم في منطقة مصر والشام والجزيرة.\n_________\n(^١) «النجوم الزاهرة» جـ ١٠/ ٨٨، ٨٩.\n(^٢) «مجموعة ابن طولون الحنفي» ورقة ١٨٣ ب (مخطوط).\n(^٣) «بهجة الناظرين» للغزي ص ٦٨.","vol":"1","page":108},{"text":"العربية على نشر عقيدة السنة وعلومها بعد القضاء على دولة الشيعة الفاطمية، فقد عاشت هذه المنطقة، كما هو معروف قرابة مائتي سنة تحت حكم الفاطميين الذين اعتنقوا المذهب الشيعي المعوج، وربوا عليه أكثر من جيلين من شعوب المنطقة، مخالفين بذلك مذهب أهل السنة الذي عليه جماعة المسلمين، والخلافة العباسية القائمة حينئذ ببغداد، فلما كان عام ٥٦٧ هـ أسقط الأيوبيون، وهم سنيون شافعيون، دولة الفاطميين، وأقاموا دولتهم مكانها، فاهتموا منذ اللحظة الأولى بالقضاء على المذهب الشيعي، وإحلال المذهب الشني محله، تحقيقا للوحدة المذهبية مع الخلافة العباسية ومن والاها (^١).\nففي القضاء، أحلوا مذهب الإمام الشافعي ناصر السنة، محل المذهب الإسماعيلي الشيعي كما قدمنا، أما في التعليم، فإنهم أدخلوا بمصر والشام نظام المدارس الذي كان معروفًا ببلاد العراق، بينما كانت مصر والشام تعتمد حتى عصرهم، في التعليم على المساجد، التي هي مدرسة الإسلام الأولى (^٢) فأنشأ الأيوبيون بالإضافة للمساجد نوعين من المدارس، هما: المدارس الفقهية، والمدارس الحديثية، أما المدارس الفقهية فتختص بدراسة فقه المذاهب الأربعة الممثلة لمذهب أهل السنة والجماعة كما ذكرنا في القضاء، وأما المدارس الحديثية، فتختص بالدرجة الأولى بدراسة السنة وعلومها، باعتبارها منطلق جميع المذاهب، بعد القرآن الكريم، فبانتشارها تتكشف حقيقة مذاهب الشيعة والمبتدعة، وأهل السنة على السواء.\nويتفق المؤرخون على أن مؤسس الدولة الأيوبية نور الدين محمود بن زنكي\n_________\n(^١) (الأيوبيون والمماليك) للدكتور سعيد عاشور ص ١٥، ٢٩، ٣١، ١٥٠.\n(^٢) المرجع السابق ص ١٥٤، ١٥٥ و(صفحات من عصر السيوطي) لعبد الوهاب حمودة ص ٩٧.","vol":"1","page":109},{"text":"المتوفى سنة ٥٦٩ هـ، هو أول من أنشأ مدرسة تحمل اسم «الحديث» وتختص بدراسة السنة وعلومها، ولم يُعرف حتى الآن من سبقه لذلك (^١) مع ملاحظة أنه أنشأ غيرها عددًا من المدارس الفقهية والمساجد (^٢)، مما يوحي بأنه قصد بتلك المدرسة إحياء شعار السنة، في مواجهة الشيعة والمبتدعة، وقد حظيت دمشق بأن تكون محل هذا السبق، حيث أنشأ نور الدين تلك المدرسة بها وعرفت بـ «دار الحديث النورية» نسبة إليه وتولى مشيختها حينئذ الحافظ ابن عساكر المتوفى سنة ٥٧١ هـ (^٣).\nوقد انتشرت مدارس الحديث بعد ذلك ببلاد العراق، كالموصل وتكريت وإربيل (^٤)، ثم أنشأ الملك الكامل محمد بن أبي بكر، من الأيوبيين أيضًا، دارا للحديث بمصر سنة ٦٢٢ هـ، وعُرفت بـ «دار الحديث الكاملية» نسبة إليه، وقد بقيت حتى درس العراقي بها كما سيأتي، وعلى ذلك فإن قول المقريزي (^٥) والسيوطي (^٦) ونور الدين علي السخاوي (^٧) ومن تبعهم من الباحثين (^٨): إن دار\n_________\n(^١) «تحفة الأحباب» لعلي السخاوي ورقة ٢٤ ب و«جامع كرامات الأولياء» للنبهاني جـ ٢/ ٢٤٠ و«المنذري وكتابه التكملة» للدكتور بشار عواد ص ١٢٨، ١٢٩.\n(^٢) «وفيات الأعيان» لابن خلكان جـ ٤/ ٢٧١ وما بعدها.\n(^٣) «خطط المقريزي» جـ ٢/ ٣٧٥ و«الدارس في تاريخ المدارس» للنعيمي جـ ١/ ٤٩٩ و«المنذري وكتابه التكملة» للدكتور بشار عواد ص ١٢٩.\n(^٤) «المنذري وكتابه التكملة»، ص ١٢٩، ١٣٢.\n(^٥) «الخطط» جـ ٢/ ٣٧٥.\n(^٦) «حسن المحاضرة» جـ ٢/ ١٥٩.\n(^٧) «تحفة الأحباب»، ورقة ٢٤ ب.\n(^٨) كالدكتور عبد العظيم شرف في كتابه عن ابن قيم الجوزية ص ٤٨.","vol":"1","page":110},{"text":"الحديث الكاملية، تُعدُّ ثاني دار عُمِلَتْ للحديث، ليس صحيحًا بهذا التعميم، وقد أكثر الأيوبيون عموما من المدارس ودور الحديث بالشام عن مصر، لكون الشام كانت قاعدة ملكهم، ولتركز معاقل الشيعة فيها حينئذ، حتى أحرق الإسماعيلية حلب سنة ٥٧٥ هـ.\nوكانت كلما بنيت بها مدرسة لأهل السنة خربوها (^١)، وبلغ عدد دور الحديث في دمشق وحدها ثمانية عشر دارًا (^٢)، وفي حلب ستة دور (^٣)، وجلبوا لها كثيرًا من علماء السنة من الأقطار المجاورة (^٤)، وبهذا ارتفع منار السنة بالمنطقة، ونهضت علومها في عصر الأيوبيين، وخرجت المساجد ودور الحديث بالشام ومصر، جيلا رائدًا من حُفَّاظ السنة ونقادها، كالحافظ عبد الغني المقدسي، وابن الصلاح والمنذري وغيرهم.\nفلما انتزع المماليك الحكم من سادتهم الأيوبيين، وأقاموا دولتهم سنة ٦٤٨ هـ (^٥)، واصلوا المسيرة العلمية، مع العناية بالسنة في مواجهة الشيعة الذين ظلت لهم مواقع ظاهرة على امتداد الدولة (^٦) رغم جهود الأيوبيين العلمية والحربية في القضاء عليهم كما أشرنا.\n_________\n(^١) «الأدب في عصر صلاح الدين» للدكتور محمد زغلول ص ١٤٧، ١٤٨.\n(^٢) «خطط الشام» لمحمد كرد علي جـ ٦/ ٧١.\n(^٣) «الأدب في عصر صلاح الدين» للدكتور محمد زغلول ص ١٤٩.\n(^٤) المصدر السابق ص ٨٠، ١٥٦.\n(^٥) «الأيوبيون والمماليك» للدكتور سعيد عاشور ص ٣، ٤، ٢٠٥.\n(^٦) «المعصر المماليكي» ص ٢٠٧، ٢١٢ و«المجتمع المصري في عصر سلاطين المماليك» ص ١٥٣ وما بعدها، كلاهما للدكتور سعيد عاشور.","vol":"1","page":111},{"text":"٢ - ثم جَدَّ في دولة المماليك عاملان جديدن جعلا المنطقة قاعدة لأكبر نشاط في عصره للعلوم الإسلامية، وفي مقدمتها السنة وعلومها التي هي شعار الدولة الأساسي:\n\n<span data-type='title' id=toc-48>أول هذين العاملين وأهمهما:</span>\nهو تخريب التتار للجناح الشرقي عمومًا للعالم الإسلامي حتى بغداد، وانتقال الخلافة العباسية لعاصمة المماليك في القاهرة كما سلف، على حين كان الصليبيون قد سبقوا لإسقاط الجناح الغربي من الأندلس، وضعضعوا بلاد المغرب، فتحوّل التيار الثقافي الإسلامي عامة إلى دولة المماليك، من مصر حتى الحرمين نتيجة لذلك ويُقرر العلامة ابن خلدون والإمام الذهبي وهما من شهود العصر وعيون الخبرة بالتاريخ والحديث: أنه على رأس القرن السابع الهجري، وخلال الثامن، حيث عاش العراقي معظم حياته، كان نشاط العلوم الإسلامية، وفي مقدمتها السنة، يكاد ينحصر في مناطق دولة المماليك، وبعض الأقطار القليلة بجوارها كتونس في الغرب، وجنوب شرق العراق في الشرق، وما عدا ذلك من حواضر الإسلام في الماضي شرقا وغربا، طُوي منها بساط تلك العلوم وأصبحت أثرًا بعد عين (^١).\nأما العامل الثاني:\nفهو توفر الإمكانيات المادية لدى المماليك أكثر من الأيوبيين، وتركز ثروات\n_________\n(^١) «مقدمة ابن خلدون»، ص ٣٦٧، ٣٦٨، ٣٦٩، ٣٧٦، ٣٧٧، ٣٧٩، و«زغل العلم والطلب» للذهبي ص ١١ و(الإعلان بالتوبيخ) للسخاوي ضمن «علم التاريخ عند المسلمين». لفرانتس روزنتال ص ٣٦٣ - ٣٦٩ و٥ «فهرس الفهارس للكتاني» جـ ١/¬٩","vol":"1","page":112},{"text":"البلاد في أيديهم كما قدمنا، فاستطاعوا الإنفاق بسخاء على العلم والعلماء، كما أنه بعد قضائهم على الصليبيين، وقهر التتار قبيل مولد العراقي كما أسلفنا، هدأت الحروب الخارجية مدة طويلة، وبذلك تهيأ المناخ لتركز العلماء، ونهضة العلوم الإسلامية في المنطقة.\nوقد تقدم أن المؤرخين اتفقوا على أن العصر الذي ولد فيه العراقي ونشأ وهو عصر الناصر محمد بن قلاوون، كان أزهى عصور المماليك في مختلف الجوانب، ولا سيما الجانب العلمي، وفي مقدمته علوم السنة، ورغم الاضطراب الداخلي بعد الناصر كما قدمنا، إلا أن العاملين الدافعين للنهضة العلمية ظلا باقيين يؤتيان أعظم الثمار.\nفقد استمر هدوء الحروب الخارجية معظم حياة العراقي البالغة ثمانين عاما، فكان ذلك مما جعل الناس في الداخل يستشعرون الأمن والاستقرار فينبعثون لترميم جوانب حياتهم، وتعويض المفتقد منها، وعلى رأس ذلك الاهتمام بتراثهم العلمي، تعلما وتعليما وتأليفا، يُعوّض ما أعدمته وحشية التتار، وتعصب الصليبيين.\nومن جهة أخرى أتاحت تلك الهدنة الطويلة، للحكام أن يتجهوا لأحوال الدولة الداخلية، ويتعهدوها بالإصلاح والتنمية، وأبرز ما عنوا به، هو العلم والعلماء، ولم يكن تقاتلهم المتعدد على الحكم بعد الناصر، وانغماس بعضهم في الملذات، وتورط كثير منهم في المعاصي، حائلا دون ذلك، بل على العكس، فإنه دفعهم إلى التسابق في خدمة العلوم الإسلامية، إما تكفيرًا عن خطاياهم وطلبا لعون الله ورضوانه، تبعا لتدينهم كما يُقرر ابن خلدون (^١).\n_________\n(^١) «المقدمة» ص ٣٧٩.","vol":"1","page":113},{"text":"وإما ليثبت كل منهم وجوده، ويخلد ذكره، فيحظى أمام منافسيه بولاء العلماء وعامة الناس، كما يقرره غيره (^١)، هذا فضلا عن الهدف العام الذي نيط بهم، وهو مناهضة بقايا المذهب الشيعي، بنشر السنة وعلومها، واحتضان العلوم الإسلامية، بعد تلاشي مراكزها شرقا وغربا، كما أوضحنا، ومهما تعددت الدوافع والأسباب، فإن الذي نشاهده حتى اليوم من آثارهم، وتراث عصرهم، وخاصة في زمن العراقي، خير دليل على وجود التسابق حينئذ بين السلاطين والأمراء والأميرات (^٢)، في النهوض بالحركة التعليمية، والتوسع فيها بطرق متعددة منها: إصلاح المنشآت التعليمية، التي كانت قائمة من قبل وهي المدارس الفقهية ودور الحديث والمساجد (^٣).\nومنها: إدخال التعليم في المنشآت الصوفية، من خوانق وربط وزوايا، بحيث صارت تؤدي هدفا مزدوجا، يجمع بين التعليم، والتربية الصوفية.\nومنها: إكثارهم من إنشاء تلك المؤسسات جميعا، سواء المدارس أو المساجد والخوانق والزوايا والربط، التي جعل التعليم غرضا مشاركا فيها، بجانب العبادة، بحيث أصبحت جميعها تعد من المنشآت التعليمية في هذا العصر (^٤)، وجدير بالذكر أن المماليك ونساءهم، لم يستأثروا بتلك النهضة،\n_________\n(^١) (سيرة القاهرة) لستانلي لينبول ص ٧٦.\n(^٢) ١ «المجتمع المصري في عصر سلاطين المماليك»، ص ١٤٣.\n(^٣) ١ «صفحات من عصر السيوطي» لعبد الوهاب حمودة ص ٣٩، ٤٠ و١ «ذيل ولي الدين ابن العراقي» وفيات سنة ٧٧٨ هـ ترجمة ١ «خوند الحجازية».\n(^٤) ١ «عصر الانحدار» لمحمد سعد أطلس ص ١٧٤.","vol":"1","page":114},{"text":"بل شاركهم الكثير من العلماء والتجار (^١) وذوي النفوس الخيرة من عامة رجال الشعب (^٢) ونسائه (^٣)، وقد بلغ هذا التضافر ذروته في عصر الناصر محمد بن قلاوون، الذي ولد فيه العراقي، ونشأ، حتى صوره المقريزي بقوله: «وكأنما نودي في الناس: أن لا يبقى أحد حتى يَعْمُر، وذلك أن الناس على دين ملكهم» (^٤) وبهذا زخرت القاهرة وما يُسمى حاليًا بمصر القديمة وضواحيها، بمؤسسات التعليم، حتى أصبحت متجاورة أو متلاصقة (^٥) ولو كان الباني لها شخصا واحدا (^٦)، ولعل هذا ما جعل القلقشندي معاصر العراقي أيضًا، يصف شوارع القاهرة حينئذ بأنها شُحنت بالمدارس (^٧).\nولم تقتصر همة المماليك والشعب على مصر، بل سرت في باقي أرجاء الدولة، ففي الشام تكاثرت المنشآت العلمية بأنواعها (^٨) تعويضًا عما تخرب منها خلال القرن السابع وأوائل الثامن، تارة من جهة الصليبيين وأخرى بسبب نزاع الأيوبيين فيما بينهم في آخر دولتهم، ثم هجمات التتار التي توالت عليها\n_________\n(^١) «صفحات من عصر السيوطي» لعبد الوهاب حمودة ص ٨٠ و«ذيل ولي الدين ابن العراقي» وفيات سنة ٧٦٤ هـ صدر النجار ابن الكويك\n(^٢) «صفحات من عصر السيوطي» ص ٩٤.\n(^٣) (الضوء اللامع) جـ ٧/¬١٢، ٨.\n(^٤) «الناصر محمد بن قلاوون» للدكتور/ محمود عبد العزيز ص ٣٠٢.\n(^٥) «بهجة الناظرين» للغزي ص ١٢٢.\n(^٦) «صفحات من عصر السيوطي» ص ٧٦ - ٧٩.\n(^٧) (المجتمع المصري في عصر سلاطين المماليك) ص ١٤٢\n(^٨) «بهجة الناظرين» للغزي ص ١٢٢، ١٤٦، ١٦٢ - ١٦٩ وعصر الانحدار ص ٦٦","vol":"1","page":115},{"text":"بعد سقوط بغداد (^١)، وقد بلغت مدارس دمشق وحدها في عصر العراقي ثلاثمائة واثنين وعشرين مدرسة، عدا دور الحديث السابق ذكرها، وبقية المنشآت الجامعة بين العلم والعبادة من مساجد وخوانق وربط ورزوايا (^٢)، هذا بالإضافة لما أنشئ في بقية مدن الشام التي أعيد تعميرها أيضًا بعد تطهيرها من الصليبيين، كالقدس وطرابلس وعكا، وغيرهم مما رحل العراقي إليه لطلب الحديث كما سيجيء.\nأما مكة والمدينة حيث الحرمين الشريفين، فهما متعلق قلوب المسلمين وجامعتهم الكبرى، وما من حاكم مسلم إلا تمنى الإتصاف بأنه حامي الحرمين، ولذا اهتم المماليك وخاصة الناصر محمد بن قلاوون (^٣) وكذا أفراد المسلمين، بإقامة المنشآت العلمية والخيرية في رحاب الحرمين، فضلا عن الأوقاف الكثيرة بمصر والشام على ذمتهما، وقد رحل العراقي لمكة والمدينة وجاور بها، دارسًا ومدرسًا وقاضيا للمدينة كما سيجيء. لكن رغم هذه النهضة الشاملة لكل الدولة، فإن مصر كانت في المركز الأول، ويليها الشام ثم الحجاز، ومرجع ذلك تحول أنظار العالم كله إليها حينئذ بعد أن أصبحت عاصمة دولة المماليك، وحامية الإسلام، ومقر الخلافة العباسية التي ظلت قلوب العالم الإسلامي متعلقة بها كرمز للعلم والدين والوحدة والجماعة، رغم الانفصال السياسي عنها (^٤)، ويذكر السيوطي أنه\n_________\n(^١) «عصر الانحدار» ص ٥٦ - ٦٥.\n(^٢) «خطط الشام» لمحمد كرد علي جـ ٦/ ٧١ و«شرح علل الترمذي لابن رجب» مقدمة التحقيق للدكتور همام سعيد جـ ١/ ص ١١.\n(^٣) «عصر الانحدار» ص ٩٩.\n(^٤) «السيد البدوي» للدكتور سعيد عاشور ص ٥٦.","vol":"1","page":116},{"text":"منذ إحياء الخلافة بمصر، غدت محل سكن العلماء ومحط رجال الفضلاء (^١).\nوقد اتسعت هجرة العلماء إلى مصر جماعات وأفرادا، من أقصى الأندلس غربا وفارس والعراق شرقا، فرارًا بدينهم وعلمهم تحت وطأة الصليبيين والتتار (^٢). ومن مدارس مصر حينئذ ما سُمّي بالأندلسية (^٣)، كما هاجر إليها طلبا للعلم كثيرون من أنحاء أفريقيا، كغانا ومالي (^٤) وزيلع، بل هاجر إليها كثير من العلماء والطلاب من داخل الدولة، كالشام (^٥)، وقد ارتبطت حياة العراقي ووجوده بمصر بتلك الهجرات، فأسرته ممن هاجر لمصر من العراق، ثم كان رفيقه في علم تخريج الحديث هو جمال الدين الزيلعي، وعاصر أيضًا أبا حيان الأندلسي، وكان له منه موقف كما سيجيء، وكما كانت مصر مقاما لمهاجري العلماء، كذلك خرج منها علماء ينشرون العلم من جديد بين ربوع البلاد الإسلامية شرقا وغربا (^٦)، وقد قدر الحكام والمحكومون في مصر حق التقدير تلك المكانة التي تبوأتها كبديلة عن بغداد وفارس وقرطبة وإشبيلية والقيروان، وغيرهم من الحواضر التي طوي بساط علوم الإسلام فيها حينئذ، فإلى جانب القاهرة التي شحنت شوارعها بالمدارس على حد تعبير القلقشندي شاهد العيان، اتسعت ربوع مصر من الإسكندرية حتى أسوان، لكل من وفد عليها ليعيش بين أبنائها،\n_________\n(^١) «حسن المحاضرة»، للسيوطي جـ ٢/ ٨٦.\n(^٢) «عصر الانحدار» ص ١٥٩ ووالأدب في عصر صلاح الدين الأيوبي) ص ٩٣.\n(^٣) «بهجة الناظرين» للغزي ص ١٢٢.\n(^٤) («العصر المماليكي» للدكتور سعيد عاشور ص ٢٤٤ - ٢٤٥.\n(^٥) (المجتمع المصري في عصر سلاطين المماليك) ص ١٤١ و«ذيل ولي الدين بن العراقي» وفيات سنة ٧٦٤ هـ.\n(^٦) «مقدمة ابن خلدون» ص ٣٧٦.","vol":"1","page":117},{"text":"ناشرا للعلم، أو طالبا له، وأقيم في مدن الوجه البحري والصعيد من دور العلم ما قرر الرحالة المغربي ابن بطوطة، حين زار مصر في سنة مولد العراقي ٧٢٥ هـ أنها تفوق الحصر مع تعديده لكثير منها (^١).\nأما الرحالة البلوي المغربي أيضًا، فلم يسعه عند زيارة مصر سنة ٧٣٧ هـ إلا أن يقول: إن مصر منبع العلم (^٢)، وفي سنة ٧٤٩ هـ كان بجامع عمرو بن العاص وحده بضع وأربعون حلقة علمية لا تكاد تنفض (^٣)، وذلك لأن همة المماليك والشعب لم تقتصر على إنشاء دور العلم فقط، وإنما وفروا لتلك المنشآت جميع الإمكانيات اللازمة لقيامها بنشاطها العلمي على الوجه الكامل، فأوقفوا عليها آلاف الأفدنة، من الأرض الزراعية، والعقارات (^٤)، واختاروا لها أكفأ المهارات العلمية للتدريس والإدارة، حتى ينتظم الأساتذة والطلاب (^٥)، وخصصت لكل من العالم والمتعلم كافة المطالب من مأكل وملبس ومسكن، ورواتب شهرية، بحيث يتفرغ الجميع للعلم والتحصيل والتأليف (^٦)، كما ألحقت بمعظم المنشآت التعليمية مكتبات مزودة بالنساخين، لعدم وجود الطباعة حينئذ، وبالأمناء وغيرهم، لتوفير المراجع للطلاب والأساتذة (^٧).\n_________\n(^١) «العصر المماليكي بمصر والشام» ص ٢٤١ و«رحلة ابن بطوطة» ج ١/ ٧٠، ٩٦ - ١٠٠.\n(^٢) «العصر المماليكي بمصر والشام» ص ٣٢٩.\n(^٣) «حسن المحاضرة» للسيوطي جـ ٢/ ١٥٢.\n(^٤) «المجتمع المصري في عصر سلاطين المماليك» ص ١٢٧، ١٤٨.\n(^٥) المرجع السابق ص ١٤٣ - ١٤٥ و«السلوك» للمقريزي جـ ١/ ٧٢٣ و«صفحات من عصر السيوطي» ص ٩٥.\n(^٦) «المجتمع المصري في عصر سلاطين المماليك» ص ١٤٨ و«الأيوبيون والمماليك» ص ٣٦٦ - ٣٦٧.\n(^٧) «المجتمع المصري في عصر سلاطين المماليك» ص ١٤٥، ١٤٦.","vol":"1","page":118},{"text":"وأقيمت أسواق للكتب المختلفة، وحرص على اقتنائها العلماء والأمراء.\nولا شك أن ذلك كله خير ما يكفل النهضة العلمية إلى أبعد الحدود، مما جعل العلماء يقبلون على التعليم يشاركهم في ذلك النساء (^١)، كما أقبل على التعلم أيضا الطلاب والطالبات، ولم يكن هناك تقيد بسن معين، ولا فرض تخصص معين.\nوقد سجل ابن خلدون معاصر العراقي هذه النهضة بقوله: «فكثرت الأوقاف لذلك، وعظمت الغلات والعوائد، وكثر طالب العلم ومعلمه، بكثرة جرايتهم منها، وارتحل إليها (مصر) الناس في طلب العلم من العراق والمغرب، ونفقت بها أسواق العلوم، وزخرت بحارها (^٢).\nوجدير بالذكر أنه قد شارك بعض السلاطين والأمراء مشاركة رمزية في تعلم بعض العلوم الإسلامية وتعليمها (^٣) والتأليف فيها، كما سيجيء».\nولم تكن العناية الكبرى بالنهضة العلمية في عاصمة الدولة ومقر الخلافة، تحول دون العناية بدور العلم السابق ذكرها بالشام والحجاز؛ بل كانت تنال نفس النمط من العناية (^٤)، مع التفاوت بطبيعة الحال، تبعا لشدة الإقبال على العاصمة كما أشرنا، وقد عمرت الشام والحجاز في عصر العراقي بمشاهير العلماء كالذهبي والعلائي وغيرهم (^٥)، ممن أخذ عنهم العراقي في رحلاته، أو\n_________\n(^١) (الضوء اللامع) للسخاوي جـ ١٢/¬١١، ١٢.\n(^٢) المقدمة لابن خلدون ص ٣١٩.\n(^٣) (المجتمع المصري في عصر سلاطين المماليك) ص ١٤١، ١٤٢.\n(^٤) (البداية والنهاية) لابن كثير جـ ١٤/ ١٨٤.\n(^٥) «الإعلان بالتوبيخ» للسخاوي ضمن علم التاريخ عند المسلمين، لفرانتس روزنتال =","vol":"1","page":119},{"text":"عاصرهم كما سيأتي:\nأما العلوم التي كانت تدرس حينئذ فإنا نجدها من خلال تراجم علماء العصر (^١) تشمل مختلف العلوم الإسلامية وغيرها كالحساب والهندسة والطب والموسيقى! وكان لكل دارس الحرية في أن يلم بما شاء منها ثم يتخصص في علم معين فيعرف به ويعد من رجاله، فإذا قام بنتاج علمي في فن آخر بجانبه يعد مشاركا فيه، وتكون آراؤه وتأليفه فيه، في الدرجة الثانية بعد المتخصصين (^٢).\nوقد كانت العناية بتلك العلوم متفاوتة، بحيث نجد أن الفقه وأصوله في المقدمة، ويليه علوم القرآن من تفسير وقراءات وغيرها، ثم يليه الحديث وعلومه، ثم التاريخ والسيرة النبوية، ثم علوم اللغة والأدب، ثم بقية العلوم الأخرى (^٣).\nونلاحظ من هذا الترتيب أن العناية كانت مركزة على العلوم الشرعية المتضمنة لأصول الدين وفروعه، ومرجع هذا ما قدمناه في الفقرات السابقة من الاضطهاد الديني الذي أطبق على العالم الإسلامي من الغرب والشرق حتى، قلص ظله وتراثه، وطوي بساط الشرع ورواية الحديث من معظم.\n_________\n= ص ٦٦٠ و«بهجة الناظرين» للغزي ص ٧٨.\n(^١) «كالدرر الكامنة» لابن حجر و«الضوء اللامع» للسخاوي و«ذيل ولي الدين ابن العراقي على ذيل والده على العبر» للذهبي.\n(^٢) «بهجة الناظرين» للغزي ص ٩١، ٩٢ و«الرسالة المتطرفة» للكتاني ص ١٦٥.\n(^٣) «صفحات من عصر السيوطي» ص ١٢٣، ١٢٨، ١٢٩، ١٣٤، ١٣٧.","vol":"1","page":120},{"text":"عواصم الإسلام في الماضي شرقا وغربا كما قدمناه (^١) وضيق الخناق على صلحاء الصوفية والعلماء، حتى هاجرت جماعاتهم من أوطانهم كما بينا وتكدس غالبهم في بقعة واحدة هي مصر (^٢).\nفكان عليهم بعد أن لاذوا بالأمان، وتوفر لهم العيش الكريم، والإمكانيات العلمية أن يجعلوا تلك العلوم في المحل الأول، ليثبتوا روح التحدي والبقاء لأصول الدين وفروعه رغم أنف أعدائها (^٣)، وأن يعيدوا صياغتها من جديد، وتنميتها، تعويضا لما أعدم أو تبدد، حتى يتأكد لأعدائهم أن حرص المسلمين على استنقاذ تراثهم لا يقل عن حرصهم على استنقاذ أرضهم، وقد كان لهذا الوضع أثره العميق في منهج التعليم والتأليف.\nفبالنسبة للتعليم جعل أساسه الحفظ لكثير من الكتب عن ظهر قلب، وأخذها عن الشيوخ بالسند، وفي مقدمتها القرآن الكريم وكتب السنة النبوية وفنون العلوم الشرعية والعربية، كما سنفصله في تعلم العراقي.\nوبالنسبة للتأليف اهتم العلماء بجانب تأليف الكتب الموضوعية في كل علم بالمؤلفات الجامعة التي تشبه الموسوعات المعاصرة، بحيث يجمع المؤلف أقصى ما يمكنه من المعلومات في موضوعات متعددة، أو يجمع بين أكثر من كتاب في مؤلف واحد (^٤)، حتى يخيل إليك عند مطالعة هذه الموسوعات إحساس.\n_________\n(^١) انظر أيضا: «مقدمة ابن خلدون» ص ٣٦٧، ٣٧٦، ٣٧٧، وهـ الإعلان بالتوبيخ ضمن كتاب علم التاريخ عند المسلمين، لفرانتس روزنتال ص ٦٦٣، ٦٦٩ و٥ فهرس الفهارس وللكتاني جـ ١/¬٩.\n(^٢) (مقدمة ابن خلدون) ص ٣٧٩ و١ عصر الانحدار (ص ١٤، ٣٦، ١٥٧ - ١٥٩.\n(^٣) ١ صفحات من عصر السيوطي) ص ٥٩.\n(^٤) المرجع السابق ص ١٣٤، ١٣٨، ١٤٠.","vol":"1","page":121},{"text":"مؤلفها بأن العلوم قد نسيت، ونصوصها تبددت، وأن عليه أن يتوفر على جمعها وتبويبها وعرضها من جديد (^٢).\nوفي كل ذلك كان يحرص العلماء على نقل أكبر قدر يحصلون عليه من نصوص وأقوال الأئمة السابقين، أكثر من حرصهم على إبداء رأيهم الشخصي تأثرا منهم بحالة الإبادة التي حلت بالتراث في معاقله بالشرق والغرب، فأصبح ما تبقى لديهم من نصوص أسلاف العلماء عزيزا عليهم وأهم من آرائهم، فحرصوا على تسجيله وجمعه حتى ينتشر من جديد، ويحفظ فلا يضيع كما ضاع كثير غيره، ولم تبق إلا أسماؤه في تراجم أصحابه ثم إن معظم العلوم الإسلامية إن لم يكن جميعها، كانت قبل نكبتها هذه، قد بلغت على يد السابقين درجة عالية من الاكتمال والنضج والخصوبة، فأصبح الابتكار مرهونا بوجود قضايا لم تطرق من قبل على نحو ما رأى السابقون، ولم توضع بشأنها قاعدة بواسطة أولئك الرواد الأوائل يرتضيها من جاء بعدهم، وقد أكثر الأوائل من طرق المسائل ووضع القواعد لمعظم العلوم، ثم كان إحساس المتأخرين بفساد الزمن وضعف الهمم عاملا قويا في جعلهم يفضلون آراء المتقدمين، الذين توسموا فيهم الصلاح والتحقيق العلمي، هذا بالإضافة إلى أن طبيعة العلوم النقلية، أن يعتمد المتأخر فيها على المتقدم، حتى الأوائل كالشافعي والبخاري والحاكم، وأمثالهم، قد فعلوا ذلك، فما بالنا بالمتأخرين، وما بالنا إذا كانت تلك العلوم أصل العقيدة والشريعة؟!\nلكن كثيرا من الباحثين المحدثين يعرضون عن هذه الاعتبارات ويسرعون\n_________\n(^٢) المرجع السابق ص ٩٢ و«الأيوبيون والمماليك»، ص ٣٦٤، ٣٦٥.","vol":"1","page":122},{"text":"بالحكم على العلم والعلماء في عصر المماليك بصفة عامة بالجمود، وتعليل ذلك بأنهم أكثروا النقل عمن تقدمهم وترديد آراء غيرهم (^١).\nولو أنهم نظروا إلى العصر بمنظاره، ولاحظوا تلك الظروف والعوامل التي واجهت الحركة العلمية فيه تعليما وتعلما وتأليفا، لرأوا أنه كان عصرا مجددا لحضارة الإسلام بعد التدمير، لا جامدا، وأن علماءه بهذا الاعتبار مجددون عصريون؛ حيث لبوا مطالب عصرهم الملحة، وهي حفظ التراث الذي هو مخ العلوم أولا من عوامل الضياع المتسلطة عليه والمتربصة به من كل جانب، فأكبوا على تعويض ما قذفه الغزاة في بطن دجلة والفرات، وما أشعلوا حرائقه في ربوع الشام، وما مزقته سنابك الخيل حيثما حلت، فكانوا بلا مبالغة بناة لحضارة الإسلام بعد تعرضها لحملات المحو والطمس الضاريتين، وكان في حرصهم على النص زاد لمن بعدهم، وإن من يتصفح مراحل التدوين العام لأصلي العلوم الإسلامية من النصوص، وهما الكتاب والسنة يجدها تمت في ظروف مشابهة لظروف المسلمين في الحروب الصليبية والتترية وما تلاها، فكان جمع القرآن في عهد أبي بكر لما استحر القتل بحفاظه في حروب الردة، وجمع السنة في عهد عمر بن عبد العزيز لما رأى حفاظها يتناقصون بالموت، ثم تركزت الهمم بعد ذلك للتحليل والاستنباط.\nوإذا كنا مع انتقاد علماء تلك المرحلة بالإكثار من النقل والجمود عليه كما يقال، ما نزال نجد البون شاسعا بين مؤلفات المتقدمين الواردة في تراجمهم، وبين الموجود لدينا حاليا منها، فماذا كان سيصبح عليه حال التراث العلمي لو\n_________\n(^١) (الناصر محمد بن قلاوون) للدكتور محمد عبد العزيز ص ٤١، ٤٢.","vol":"1","page":123},{"text":"لم ينشطوا لجمعه، ويوفروا جهودهم على تحقيق النصوص ونشرها؟ من المؤكد أننا كنا سنعاني الإفلاس كغيرنا ممن أهمل أسلافهم فيما جد فيه أسلافنا، فجزاهم الله خيرا، على أن كثيرا منهم كان يعمد إلى تعقب ما ينقله من الآراء والنقول برأيه الخاص، فيستحسن ويرجح ويختار وينتقد مع قرن ذلك بالحجة والبرهان، كما سنراه في الإنتاج العلمي للحافظ العراقي وأقرانه.\nهذا ما يتعلق بالوضع العام الذي سيطر على الروح العلمية لهذا العصر ووجهها وجهة الاهتمام بالعلوم الشرعية بالدرجة الأولى، وجعل منهج التعليم يقوم على الحفظ، ومنهج التأليف يقوم على النقل والجمع والترتيب مع إبداء الرأي في أحيان كثيرة، وإلى جانب هذا الوضع العام، وجدت عوامل خاصة أثرت في درجة الاهتمام بكل علم وما يتعلق به، فبالنسبة للفقه، كان على رأس القائمة، لأنه وسيلة بيان العبادات والمعاملات، ومادة القضاء في جميع الأحكام كما قدمنا.\nومن جهة أخرى فإن الدولة ربطت عموم الوظائف بالإنتساب لأحد المذاهب الأربعة، كطريق لمناهضة الشيعة، فلم يكتف الظاهر بيبرس بقصر القضاء والإمارة على مقلدي المذاهب الأربعة كما بينا، بل كان قراره «أن لا يول قاض ولا تقبل شهادة أحد، ولا يرشح لإحدى وظائف الخطابة أو الإمامة أو التدريس، ما لم يكن مقلدا لأحد المذاهب الأربعة» (^١).\nوقد استمر هذا القرار معمولًا به طيلة عصر المماليك، وكان له أثر معاكس لما قصد به من النفع، حيث أشاع روح التقليد في العلوم الفقهية وتعداها\n_________\n(^١) «الخطط» للمقريزي جـ ٤/ ١٦١ و«المجتمع المصري في عصر سلاطين المماليك» ص ١٥٤.","vol":"1","page":124},{"text":"لغيرها، وكان يميل للتقليد حتى من توفرت له شروط الاجتهاد، بُعدا عن الفتن وبطش الحكام، حتى إن الشيخ عز الدين بن جماعة شيخ العراقي رمى معاصريه من الفقهاء بالجبن حين قالوا: إن المجتهد المطلق في هذا الزمن معدوم فقال: (إحالة أهل زماننا وجود المجتهد يَفْتُرُ عن جبن ما، وإلا فكثيرا ما يكون القائلون لذلك من المجتهدين) (^١).\nأما ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية، فشناها حربا على الحكام والعلماء القائلين بالتقليد المحض، وأبديا بالفعل، بعض الأقوال الاجتهادية، وقد تبع العراقي مذهب الشافعي واجتهد من خلاله في الإفتاء والقضاء، وفي بحثه لفقه السنة كما سيأتي.\nأما بالنسبة لعلوم السنة، فقد تقدم أنه توارد على رفع رايتها الأيوبيون ثم المماليك، وكانت عدتهم في مساندة الفقه السني ومناهضة التشيع.\nولا شك أن توفر دولتين كبيرتين على العناية بعلوم الرواية والدراية لأكثر من قرنين من الزمان، حتى وفاة العراقي، كفيل بأن يصل بها إلى ذروة النهوض والإتساع، خاصة مع تضاعف الاهتمام بها من دولة لأخرى، نتيجة لتطور الأحداث، ذلك أن الأيوبيين كان عليهم إحياء السنة في مواجهة الشيعة في الداخل، فاكتفوا - كما مر - بإقامة دور عديدة اختصت بدراسة الحديث وتخريج المحدثين.\nأما المماليك، فإن دولتهم إلى جانب مسئوليتها عن مناهضة بقايا الشيعة،\n_________\n(^١) «الرد على من أخلد إلى الأرض» للسيوطي ص ٢٠٠ ضمن مجموعة مخطوطة بدار الكتب المصرية.","vol":"1","page":125},{"text":"كان عليها القيام برسالة إحياء علوم السنة، كبديل عن بقية بلاد العالم الإسلامي شرقا وغربا، التي تلاشت بها تلك العلوم نتيجة لسقوط بغداد، وما اكتنفها من أحداث كما مر.\nولهذا فإنهم بجانب دور الحديث، خصصوا قسما له في بقية المدارس الأخرى، وفي جميع المنشآت التعليمية المشتركة الغرض، من مساجد وخوانق وربط وزوايا، سواء ما كان قائما أو ما أنشئ مجددا (^١)، ومن تلك الأقسام ما عين له ثلاثون محدثا، لكل منهم راتب شهري، ويقبل عليه الطلاب والطالبات في أوقات معينة لكل منهما (^٢).\nفإذا أخذنا في الاعتبار، أن هذه المنشآت ودور الحديث كانت في عصر العراقي، تفوق الحصر على إمتداد الدولة من الحرمين حتى القاهرة كما بينا آنفا، أمكننا أن ندرك الكثرة البالغة التي توافرت على الاشتغال بالسنة، والإقبال الشديد على تعلمها وتعليمها، والتأليف فيها لكل المستويات العلمية، حتى وصفت كثير من الأسر بأنها بيت الحديث والرواية، رجالا ونساء (^٣).\n_________\n(^١) «ذيل وفيات الأعيان» للعراقي ورقة ٣٦ ب ترجمة عبد الكريم الحلبي مدرس الحديث بجامع الحاكم ورقة ٥٥ ب ترجمة يعقوب بن أحمد، مدرس الحديث بالمدرسة المنكوتمرية، و«ذيل ولي الدين ابن العراقي» وفيات سنة ٧٦٢ هـ ترجمة مغلطاي بن قليج شيخ العراقي ومدرس الحديث بالمدرسة الظاهرية وقبة «بيبرس» والجامع الحاكمي والمدرسة المهذبية، جميعهم بالقاهرة و«تحفة الأحباب» للسخاوي ورقة ٣٤ ب ترتيب درس الحديث بالمدرسة المحمودية بالقاهرة، وانظر بصفة عامة «خطط» المقريزي و«خطط الشام» لمحمد كرد علي و«الدارس في أخبار المدارس» للنعيمي و«صفحات من عمر السيوطي» ص ٦٤، ٦٥، ٧١، ٧٤، ٧٦، ٨٣، ٩٤، ٩٠، ٩٨، ٩٩.\n(^٢) «البداية والنهاية»، لابن كثير جـ ١٤/ ١٨٤ و«المجتمع المصري في عصر سلاطين المماليك» ص ١٣٧.\n(^٣) «المجمع المؤسس» لابن حجر العسقلاني ص ١٠٩، ١١٠، ٢٤٠ (مخطوط مصور).","vol":"1","page":126},{"text":"وخير دليل لذلك الحفاظ البارزون الذين أنجبهم هذا العصر، من طبقة شيوخ العراقي، كالمزي والذهبي والعلائي وعبد العزيز بن جماعة، وطبقة أقرانه، كالحافظ ابن كثير وكابن رجب الحنبلي، وابن الملقن، وطبقة تلاميذه كالهيثمي وابن حجر العسقلاني والبوصيري، وأمثال هؤلاء ممن طبقت شهرتهم وعلمهم الآفاق، وتردد اسمهم في مسامع التاريخ، وأعادوا للسنة مجدها الغابر، سواء في مجال تحملها وأدائها بالسند على طريقة المتقدمين منذ عصر الرسول ﷺ، أو في مجال بحثها والتأليف فيها، بحيث صاروا عمدة لمعاصريهم، ومن جاء بعدهم حتى الآن، مباشرة أو بالواسطة، وقدمت مؤلفاتهم خير العوض والعزاء عما فقدناه من تراث المتقدمين، فعمرت بها أركان المكتبة الحديثية بعد خواء، وحفظوا لنا فيها أكبر قدر أتيح لهم من نتاج المتقدمين وآراء المعاصرين، وما تزال حتى اليوم في كل العالم مرجع الباحثين في السنة وعلومها والراغبين في الهداية والمعرفة.\nوإليك بعض المظاهر التي تصور العناية بالسنة وعلومها حتى نهضت تلك النهضة في ذلك العصر الذي صارت فيه مصر - بحق - قاعدة لمنارة السنة في العالم، تؤازرها الشام والجزيرة العربية، فمن ذلك أن السلاطين والأمراء لم يقفوا عند توفير الإمكانيات المادية والكوادر العلمية السابقة، بل شاركوا بأنفسهم مشاركات رمزية في سماع الحديث وإسماعه لطلابه، حتى في بيوتهم الخاصة (^١) وألفوا فيه بعض المؤلفات (^٢).\n_________\n(^١) (ذيل ولي الدين ابن العراقي) وفيات سنة ٧٨٦ هـ ترجمة أبو المسك كافور الهندي الناصري.\n(^٢) (تحفة الأحباب) لعلي السخاوي ورقة ٣٥ ب.","vol":"1","page":127},{"text":"وهذا فوق ما يعطيهم من المكانة في نفوس الشعب المتدين، فإن من شأنه أن يحفز الهمم للإقبال على تعلم السنة وتعليمها، فالناس غالبا على دين ملوكهم.\nوحسبنا من تلك المساهمات أن الحافظ العراقي من أوائل شيوخه في الحديث: الأمير سنجر الجاولي المتوفى سنة ٧٤٥ هـ، وقد بلغ درجة الفتوى على مذهب الشافعي، وشرح مسند الإمام الشافعي شرحًا كبيرًا، كما أنه معروف بمنشآته العلمية والخيرية بالقاهرة وغزة والخليل (^١).\nكما حضر العراقي أيضًا مجلس السلطان الأشرف شعبان المتسلطن سنة ٣٦٥ هـ لقراءة صحيح البخاري بحضور عدد من العلماء، وكان السلطان يسألهم عن معاني بعض الأحاديث عند قراءتها ويُجيبونه (^٢)، كما كان للأشرف هذا أيضًا وقف بالحرمين، يُعيّن فيه المحدثين، ويكثر الناس السماع عنهم (^٣) وهناك أمراء آخرون شاركوا العراقي في سماع الحديث من شيوخه كما سيأتي.\nوقد سجل السخاوي أن عناية الأمراء في عصر العراقي بالسنة اتخذت صفة العموم، فعين كل منهم محدثًا خاصا يُسمع الناس الحديث ويدعوهم للسماع، وكان العراقي ممن اختير لذلك كما سيجيء.\n_________\n(^١) (تحفة الأحباب) لعلي السخاوي ورقة ٣٥ ب و«المجمع المؤسس» لابن حجر العسقلاني ص ١٧٦ و«الضوء اللامع» للسخاوي ٤/ ١٧١.\n(^٢) (ذيل ولي الدين ابن العراقي) وفيات سنة ٧٨٣ هـ، ترجمة ركن الدين القرمي المرعشي.\n(^٣) (ذيل ولي الدين بن العراقي) وفيات ٧٨٢ هـ ترجمة نور الدين علي بن أحمد بن إسماعيل مدرس الحديث بوقف الأشرف بالمدينة، و«المجمع المؤسس» لابن حجر ترجمة إبراهيم بن محمد مدرس الحديث بوقف الأشرف بمكة ص ٣٨.","vol":"1","page":128},{"text":"كذلك نشطت في ذلك العصر رواية كتب الحديث بالأسانيد العالية، وكان هناك طائفة معنية بذلك يسمون «المسندين»، فكان إذا عرف مسند عال إسناده، رحل إليه ذووا الهمم أو سعى الحكام والعلماء في استحضاره لمصر، والاحتفاء به ليبقى أطول فترة ممكنة لسماع الطلاب والشيوخ منه ليعلو إسنادهم (^١)، وستأتي بعض مساعي العراقي في ذلك.\nومن وسائل العناية بالسنة أيضا في هذا العصر: أنه كان هناك إشراف علمي على دور الحديث وأقسامه، وشروط علمية لابد من توافرها فيمن يعمل بتلك الأقسام، ومن لم يثبت توفرها فيه يعزل، وكان يعين لكل دار حديث أو قسم شيخ يتولى عليها، يشارك في العمل بها، كما سيأتي بالنسبة للعراقي.\nولم يقتصر تعيين المحدثين على دور العلم السابق ذكرها بل عين بعضهم بمدافن السلاطين (^٢) والأعيان (^٣) وأكثر الناس السماع عنهم.\nوعندما نرجع للتاريخ العلمي لهذا العصر نجد أن أبرز نشاط علمي للمرأة كان في مجال السنة تحملا وأداء، حتى رحلن في ذلك بين مصر والشام (^٤) ونازعن الرجال في علو الإسناد، حتى اضطر ابن حجر العسقلاني أن يقول عن شيخه إبراهيم بن محمد الدمشقي المتوفى سنة ٨٠٦ هـ: إنه خاتمة\n_________\n(^١) (المجمع المؤسس) لابن حجر ص ٢٠٧، ٢٠٨.\n(^٢) «المجمع المؤسس» لابن حجر ترجمة شيخه عبد الله بن محمد المعروف بالجندي، عين مسمعا للحديث بالتربة الظاهرية وأكثر الناس الرواية عنه ص ١٢١.\n(^٣) (الضوء اللامع) للسخاوي جـ ٧/¬١٢، ٨.\n(^٤) (المجتمع المصري في عصر سلاطين المماليك) ص ١٣٧.","vol":"1","page":129},{"text":"المسندين من الرجال (^١) فقط.\nوذكر أن شيخته عائشة بنت محمد بن عبد الهادي المتوفاه سنة ٨١٦ هـ انفردت في الدنيا، ببعض مسموعاتها حتى نزل الناس في جميع الآفاق بموتها درجة في السند، بالنسبة المسموعاتها تلك (^٢).\nوحرص في (معجمه) عمومًا على بيان ما تميزت به شيخاته الكثيرات عن شيوخه، ومنهن رقية بنت محمد بن علي بن محمد، الثعلبي الدمشقي، يعرف والدها بابن القاري، كان زوجها مُحَدِّثًا، وعمها مُسند القاهرة وهي من بيت الحديث والرواية، ولها إجازة من شيوخ العصر، بالحرمين والشام ومصر واستجازها المحدثون قديمًا وحديثا (^٣).\nووصف ولي الدين ابن العراقي شيخته المسندة «أم أبيها» بأن المحدثين أكثروا السماع عليها (^٤).\nومنهن من حدثت بصحيح البخاري في قلعة صلاح الدين بالقاهرة (^٥)، لكنا لم نقف على مؤلفات للمرأة في أي من علوم السنة، ويكفيهن شرفًا تلك المساهمة الكبيرة في إحياء ونشر رواية السنة بإسنادها، تجديدا لرسالة الصحابيات الكرام ومن بعدهن في هذا.\nوقد حاول بعض المستشرقين أن يثبت بذلك وجود الاختلاط السافر بين\n_________\n(^١) «المجمع المؤسس» ص ٣٧.\n(^٢) المصدر السابق ص ٢٤٠.\n(^٣) المصدر السابق ص ١٠٩، ١١٠.\n(^٤) و«ذيل ولي الدين ابن العراقي» وفيات سنة ٧٨٣ هـ.\n(^٥) المجتمع المصري في عصر سلاطين المماليك، ص ١٣٧.","vol":"1","page":130},{"text":"رجال المسلمين ونسائهم منذ فجر الإسلام، وهذا خطأ سنرد عليه عند بيان تحمل العراقي للسنة عن بعض النساء.\nوبلغ الحرص على إشاعة السنة في هذا العصر أن كان يعين قراء يقرأون الحديث على غرار قراء القرآن، ومن ذلك مجلس قراءة الحديث بالقلعة التي هي مقر الحكم والخلافة في القاهرة، وكان يتوافد على تلك المقرأة الحديثية العلماء من كل مكان، للقراءة والسماع والمباحثة (^١).\nومن الأمراء من كان يعقد مقرأة في منزله سنويا لقراءة صحيح البخاري (^٢)، كذلك كان العلماء يعقدون مجالس لقراءة الحديث وإملائه عند حلول الأخطار والأزمات الإقتصادية وغيرها، مما كان طابع هذا العصر من المحن.\nولا عجب، فإن مجالس الحديث هذه، كان يذكر فيها التضرع إلى الله، ويصلى على رسوله ﷺ، وتذكر فيها أحاديث الترغيب والترهيب، وكل ذلك من أسباب نزول رحمة الله بمختلف صنوفها، فضلا عما يتضمنه المقروء من الأحاديث من معاني تثبت اليقين، وتطمئن الخائفين وتحيي الأمل في الله، وتشتمل على الأدعية الصحيحة.\nومن ذلك ما فعله سراج الدين البلقيني قرين العراقي عندما اكتسح «تيمورلنك» البلاد الإسلامية من الشرق سنة ٨٠٣ هـ كما أسلفنا حتى وصل إلى دمشق وأحرقها وهزم السلطان فرج على أبوابها، فانزعج سكان القاهرة وأحسوا أن\n_________\n(^١) (المجتمع المصري في عصر سلاطين المماليك)، ص ١٣٧.\n(^٢) (بهجة الناظرين) للغزي ص ٨٨، ١٦٤ و٥ (الجواهر والدرر) للسخاوي ورقة (٢٥١ أ) مخطوط مصور.","vol":"1","page":131},{"text":"هجومه على القاهرة محقق، فهموا بالهجرة إلى الأقاليم، ولكن البلقيني طمأنهم، وطلب من بعض من حوله أن يقرأوا عليه صحيحي البخاري ومسلم، وفي ختامهما جاء الخبر بعودة تيمورلنك إلى بلاده (^١).\nكذلك عقد العراقي بعض مجالسه لإملاء الحديث في بعض الأزمات الاقتصادية، كالتي مرت بها مصر في حياته كما سنذكره بعد.\nهذه هي بعض الملامح التي تدل على تضافر جهود الأمة كلها من أقصاها لأقصاها، حكامًا ومحكومين، ورجالًا ونساءً، في خدمة السنة النبوية رواية ودراية وتعلقهم بها بحثًا وتأليفًا وسماعًا وقراءة، في معاهدهم ومجامعهم وندواتهم وبيوتهم ومقابرهم، وسرّائهم وضرائهم، ولا غرابة فهي أصل الدين الثاني بعد القرآن الكريم، ودليل العقيدة الصحيحة والعمل الصالح للدنيا والآخرة، ولكل من قارئها وسامعها وكاتبها أحسن الثواب وغاية الفخار، وبذلك غالبت علوم السنة المحن، وازدهرت رغم النوائب.\nأما عن مَنْهَجي تعليمها ومؤلفاتها في هذا العصر، فقد قدمنا في المبحث الأول أن علوم السنة قبل عصر العراقي قد استكملت أصولها ومقوماتها، ثم كان علماؤها وتراثها في مقدمة ما تعرض لحملات الإبادة والاضطهاد خارج المنطقة شرقًا وغربًا، وللطمس الشيعي في الداخل كما ذكرنا، ولهذا فإن نهضتها في هذا العصر انبثقت من الظروف التي حكمت العصر، سارت في إطار الطابع العلمي العام له كما سبق ذكره.\nوقد قدمنا أن المنهج العام للتعليم في هذا العصر قام على أساس الحفظ.\n_________\n(^١) «بهجة الناظرين» للغزي ص ١٩.","vol":"1","page":132},{"text":"وأخذ العلوم عن الشيوخ بالسند، كما قام المنهج العام للتأليف على العناية بجمع النصوص وعرضها بطرق مختلفة مع التعقيب أو بدونه، وهذا - أساسا - هو منهج تعليم السنة والتأليف فيها، منذ نشأتها، ثم سرى إلى بقية العلوم الإسلامية من فقه وتفسير وتاريخ ولغة وغير ذلك.\nوبهذا يكون منهج تعليمها والتأليف فيها، قد جرى على هذا المنهج العام الذي شمل بقية العلوم الإسلامية معها كما بينا.\nوفي تعريفنا لشخصية العراقي وتكوينها العلمي وبحثنا لنتاجه في علوم السنة رواية ودراية، سيتضح لنا تفصيل ذلك، حيث كان العراقي رجل عصره تأثرا وتأثيرا، والنموذج المحتذى لطالب السنة ومدرسها وحافظها والمؤلف فيها.","vol":"1","page":133},{"text":"<span data-type='title' id=toc-49>الباب الثاني: شخصية الحافظ العراقي</span>\nالقسم الأول: مشخصات عامة\nالقسم الثاني: جوانب شخصية العراقي\nالقسم الثالث: اختص العراقي بعلوم السنة، وشيوخه وتلاميذه ومكانته","vol":"1","page":135},{"text":"<span data-type='title' id=toc-50>القسم الاول مُشَخّصَاتٌ عَامَّةٌ</span>","vol":"1","page":137},{"text":"<span data-type='title' id=toc-51>قرار بعض أسرة العراقي من العراق إلى مصر وتوطنهم بها</span>\nينحدر الحافظ العراقي من أسرة عراقية كبيرة كانت تقيم ببلدة تسمى «رازيان» بالياء المثناة بعد الزاي، وهي تابعة لمدينة «إربل» (^١) وقريبة منها. و«إربل» تبعد ثمانين كيلو مترا جنوب شرق «الموصل» بالعراق، وكان يطلق عليها حينذاك عراق العرب، وعلى ما يقع شماله تجاه فارس: عراق العجم.\nوتعتبر «إربل» هذه عاصمة لإقليم كبير حولها يُسمى باسمها، ويُمثل حاليا محافظة من محافظات القطر العراقي الشقيق، تسمى باسم عاصمتها «إربل» وينطقها العراقيون حاليا «أربيل» والإقليم عبارة عن هضبة فسيحة في أعلاها تل مرتفع، أقيمت عليه مدينة إربل، وتنتشر حولها بقية البلاد والقرى التابعة لها من «رازيان» وغيرها.\nولم يتعرض صاحب معجم البلدان لذكر رازيان هذه موطن أسرة العراقي، ولا لغيرها من بلاد الإقليم التابعة لإربل، رغم أنه زار الإقليم وعاصمته في أوج نهضته في أوائل القرن السابع الهجري، وإنما عمّم الكلام على إربل وما يتبعها، ومثل ذلك فعل مؤلفو دائرة المعارف الإسلامية (^٢) واتفق الكل على أن سكان الإقليم عموما أكراد، وقد استعربوا بعد الفتح الإسلامي فخالطوا\n_________\n(^١) «المجمع المؤسس» لابن حجر ص ١٧٦ و«ذيل طبقات الحفاظ» لابن فهد ص ٢٢٠، وذكرت في «الضوء اللامع» للسخاوي جـ ٤ ص ١٧١ «رازانان» بالنون، ولعله خطأ مطبعي وقد تبعه غير واحد ممن نقل ترجمة العراقي عنه فليتنبه لذلك، وأما «إربل فضبطها بكسر الهمزة وسكون الراء وكسر الباء الموحدة وبعدها لام».\n(^٢) انظر في هذا وفيما سنذكره في التعريف بالمنطقة مادة «إربل» في «معجم البلدان» لياقوت الحموي وفي «دائرة المعارف الإسلامية».","vol":"1","page":139},{"text":"الفاتحين وتعلموا العربية وعلومها.\nوللإقليم شهرة تاريخية من قبل الإسلام ومن بعده، حتى كتب أحمد بن المستوفي الأديب ووزير إربل سنة ٦٢٨ هـ تاريخًا لها في أربعة مجلدات، وموقع هذا الإقليم هام؛ لكونه ملتقى طرق كثيرة تربطه ببغداد والموصل، ويقع بين نهري الزاب، المتفرعين من دجلة، وفي النصف الأول من القرن السابع الهجري كان في قمة ازدهاره بالعمران، وبالعلم مع شيوخ التصوف أيضًا فيه، حتى كان حاكمه «مظفر الدين كوكبوري» المتوفى سنة ٦٣٠ هـ يحتفي بالفقهاء والمحدثين والوعاظ، ويشارك الصوفية - للأسف - بدعهم، في حلقات الذكر، ويتمايل معهم على صوت المنشدين وطبولهم ومزاميرهم ويهديهم ثيابه! (^١)\nإلا أن الإقليم تعرض بحكم وضعه السياسي والجغرافي لبعض الهجمات الحربية، والقلاقل التي ألجأت كثيرًا من سكانه للفرار لمصر وغيرها، وذلك أنه كان أولًا تابعًا للموصل، ثم انفصل عنها وانضم للدولة الأيوبية في عهد صلاح الدين، ثم استقل عنها في أواخر الدولة، وصار إمارة مستقلة عاصمتها (إربل) وازدهر بالعمران والثقافة كما أشرنا، ومنذ ذلك الوقت صار مطمعًا للحكام الذين كان يتبع جهاتهم بالموصل ودمشق من جانب، وللتتار من جانب آخر (^٢)، بحكم قوته وموقعه القريب من عاصمتهم (تبريز) وفي ملتقى الطرق كما أشرنا.\n_________\n(^١) (مظفر الدين كوكبوري) أمير إربل، لعبد القادر طليمات ص ٢٠٠ و«وفيات الأعيان» جـ ٣/ ٢٧٢ وما بعدها.\n(^٢) (مظفر الدين) كوكبوري ص ١١ - ١٤.","vol":"1","page":140},{"text":"ففي زحفهم التخريبي السابق ذكره، واصلوا اكتساحهم لبلاد الإسلام من «أذربيجان» حتى وصلوا «إربل» في ذي الحجة سنة ٦٢٨ هـ، حيث كانت في أوج النهضة المشار إليها، فنهبوا المدينة وتفرقوا في بقية القرى، يقتلون من ظفروا به، مع سبي النساء، وغير ذلك من فظائعهم المعروفة في كل حروبهم وفي النهاية عادوا من حيث أتوا (^١) ثم عاودوا هجومهم الشامل ثانية بزعامة «هولاكو» حيث أسقطوا بغداد وأقاموا دولتهم سنة ٦٥٣ هـ على ما استولوا عليه من بلاد الإسلام، في فارس والعراق كما تقدم.\nوحكم تلك الدولة «هولاكو» ثم أولاده الذين غزى الإسلام قلوبهم بعد غزو أبيهم لأرضه، فتحولوا مع أقوامهم من الوثنية إلى الإسلام، وحكموا بشريعته.\nلكن النزاع بين حكام المسلمين بعد انقسامهم، كان هو ظاهرة العصر، ومعول الهدم، لهذا رأينا ثاني من أسلم من أبناء «هولاكو» وهو «قازان خان» الذي تسمى بعد إسلامه سنة ٦٩٤ هـ «غازان محمود خان» وتولى حكم دولتهم سنة ٦٩٥ هـ، رأيناه يعرف بعدائه الشديد لبقية حكام المسلمين، وبكثرة حروبه لهم، حتى كرهه المسلمون والمسيحيون معا (^٢).\nوكانت أشرس هجماته تلك التي شنها على الشام سنة ٦٩٩ هـ لقتال الناصر محمد بن قلاوون سلطان دولة المماليك آنذاك (^٣)، وكان إقليم إربل في طريقه، باعتباره مجمع الطرق كما أشرنا، فأزعج الجيش أهله وسكانه، وجعلهم\n_________\n(^١) «الكامل» لابن الأثير جـ ٩ ص ٣٨٥.\n(^٢) «دولة الخلافة العباسية» للدكتور زكي غيث قسم ٣ ص ٢٦١، ٢٦٢.\n(^٣) المرجع السابق ص ٢٦٢.","vol":"1","page":141},{"text":"يلوذون بالفرار طلبا للنجاة والأمان من بطشه (^١)، وكان خير ما يتوفر فيه ذلك حينئذ، هي مصر، بحيث كان الكل يحتمي بها كما أسلفنا، فاتجه إليها. جمع من الفارين، وكان من بينهم رجلان من أسرة العراقي، وهما عمان له، فلما استقرا بأرض مصر، واطمأن بهما المقام بين أهلها بالقاهرة، أرسلا في إحضار أخ ثالث لهما هو «أبو عبد الله بدر الدين الحسين»، وتم إحضاره فعلا إليهما في القاهرة، وكان حينئذ طفلا في العاشرة من عمره تقريبا.\nوهذا الأخ الأصغر هو والد الحافظ العراقي، وقد انفرد المناوي من بين من ترجموا للعراقي، ببيان سبب مجيء هذا الفرع من أسرة العراقي المكونة من عميه ووالده إلى مصر وكيفية مجيئهم على نحو ما ذكرت (^٢).\nأما السخاوي فاكتفى بالقول: «إن والد العراقي قد تحول إلى مصر وهو صغير مع بعض أقربائه (^٣)، فلعل حضوره إلى أخويه كان بصحبة قريب آخر من الأسرة».\nويتفق السخاوي والمناوي أيضا على أن أسرة العراقي التي خرج منها عماه ثم والده، أسرة كبيرة عريقة في العلم مع اشتغال بالتصوف، ولهم في بلدهم «رازيان» مناقب ومآثر مشهورة، وكرامات مأثورة، ومنهم جماعات من العلماء وجماعات من الصلحاء (^٤)، وهذا يتلاءم مع ما سبق ذكره عن نهضة إمارة «إربل» الثقافية، إبان غزوها، إلا أنهما لم يعينا لنا أحدا من علماء.\n_________\n(^١) مقدمتي «شرحي المناوي لألفية العراقي في السيرة النبوية» (مخطوطين سيأتي التعريف بهما).\n(^٢) المرجع السابق.\n(^٣) «الضوء اللامع» للسخاوي جـ ٤/ ١٧١.\n(^٤) «مقدمتي شرحي المناوي لألفية العراقي في السيرة» و«الضوء اللامع» للسخاوي جـ ٤/ ١٧١.","vol":"1","page":142},{"text":"الأسرة أو صلحائها هناك، كما أنهما لم يبينا لنا اسمي عمي العراقي اللذين سعيا في إحضار والده لمصر، ولا من أحضر معه، ولم يقدما شيئًا عن مجرى حياتهم بعد استقرارهم بالقاهرة، كما أن مراجع عصرهم التي أكثرتُ من بحثها، لم أجد لهم ذكرًا فيها، لا في مجال العلم ولا التصوف اللذين عرفت بهما الأسرة.\nولعلهم بحكم الانتماء لأسرة صوفية نزلوا عند مجيئهم القاهرة ببعض بيوت التصوف السابق ذكرها، لأنه كان من مهماتها الأساسية إيواء الصوفية الوافدين (^١)، فقضوا حياة عادية، قانعين بمخصصات تلك الدور من مأكل وملبس ومسكن وراتب، ويشير لهذا توجيههم لوالد العراقي عند حضوره، تلك الوجهة، واستمراره على ذلك حتى وفاته كما سنوضحه.\n\n<span data-type='title' id=toc-52>ولادة العراقي وتسميته وتحديد مكان الولادة حاليًا وتاريخها وتصحيح الخطأ في ذلك</span>\nأنجح الله مسعى عمي العراقي في إحضار أخيهما «الحسين» والد العراقي من بين الأخطار التي ألمت بموطنهم في العراق إلى القاهرة، حيث الأمان والعلم وإمكانيات العيش، وفرص الحياة المتاحة للغرباء الوافدين، مثل إخوانهم المصريين، بل ربما أُتيح للوافدين من المنصب والمكانة، ما لم يتح للمصريين كما سنرى بالنسبة للعراقي وولده.\nويذكر المؤرخون أن والد العراقي حين قدم مصر كان صغيرًا (^٢)\n_________\n(^١) (الخطط التوفيقية) لعلي مبارك جـ ١/ ٩٠.\n(^٢) (المجمع المؤسس) لابن حجر ص ١٧٦ (مخطوط مصور) و«لحظ الألحاظ» لابن فهد ص ٢٢٠ و«الضوء اللامع» للسخاوي جـ ٤/ ١٧١.","vol":"1","page":143},{"text":"أو طفلا (^١)، ولكن إذا عرفنا أنه ولد في حدود سنة ٦٩٠ هـ (^٢)، وأن هجوم «غازان» المذكور حدث سنة ٦٩٩ هـ، وأن حضوره كان خلال الهجوم أو عقبه بقليل، فإنه يمكننا القول بأنه كان عند حضوره للقاهرة، في العاشرة من عمره تقريبا. ويذكر المؤرخون أيضًا أنه عند مجيئه التحق بخدمة الصوفية (^٣).\nوقد استقر به المقام في أحد الضواحي الواقعة جنوب غرب القاهرة حينئذ، وحتى نحددها نقول: «إن القاهرة في ذلك الوقت، كانت تشمل المناطق المحيطة بالجامع الأزهر وما يليه جنوبًا حتى قلعة صلاح الدين الأيوبي المعروفة، ثم تمتد غربا حتى باب اللوق الحالي، وكان النيل يمر من غرب «باب اللوق» متجها نحو مكان «ميدان رمسيس» الآن» (^٤).\nثم يوازي القاهرة من الجنوب، حيث مسجد عمرو بن العاص وما حوله، مدينة أطلق عليها حينذاك «مصر»، وتقع فيما نسميه الآن «مصر القديمة» أو «العتيقة»، كما أطلقت «مصر» أيضًا على القطر كله، من الإسكندرية حتى أقصى الصعيد، ويفرق بينهما في المراجع التاريخية أو غيرها، بسياق الكلام، مع إشتباه الأمر أحيانا.\nولكن إذا قيل «مدينة مصر» أو جمعت مع القاهرة فقيل «مصر والقاهرة»، يكون المراد: المدينة المجاورة للقاهرة فحسب، مثلما في تسمية\n_________\n(^١) «مقدمتي شرحي المناوي الألفية العراقي في السيرة»\n(^٢) (ذيل ولي الدين ابن العراقي)، وفيات سنة ٧٦٣ هـ (ترجمة الحسين بن عبد الرحمن).\n(^٣) «لحظ الألحاظ» لابن فهد ص ٢٢٠ و«المجمع المؤسس»، ص ١٧٦.\n(^٤) انظر «التعليقات على النجوم الزاهرة» لابن تغري بردي جـ ٨/ ٢٨٤، ٢٨٥ و«خريطة القاهرة في كتاب معالم تاريخ العصور الوسطى» لمحمد رفعت وآخر ص ١١٩ (ط بولاق سنة ١٩٥٠ م).","vol":"1","page":144},{"text":"السيوطي لكتابه «حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة» وعلى ذلك نجري في هذا البحث.\nوقد كان يفصل بين المدينتين أراض فضاء، وبساتين، كما كان النيل ينحسر أيضا عند الجفاف سنويا عن بعض المساحات غرب القاهرة، بينه وبين الخليج الناصري، التي فرّعها منه الناصر محمد بن قلاوون عند المكان المعروف حاليا بفم الخليج، وحيال الإقبال المتزايد على الإقامة بمصر في ذلك العصر، والهجرة من الشرق والغرب إليهما كما مرّ، أخذ الحكام والأعيان وعامة الناس، يعمرون تلك المناطق التي بين مصر والقاهرة.\nحتى ذكر المقريزي أنه خلال عصر الناصر محمد بن قلاوون حيث ولد العراقي ونشأ، صار ساحل النيل، من خط (دير الطين) (^١) قبلي مدينة مصر، إلى منية السيرج (^٢) بحري القاهرة - تلك المسافة كلها - منتظمة بالمناظر العظيمة والمساكن الجليلة، والجوامع والمساجد والخوانك والحمامات، وغيرها من البساتين، لا نجد من بين ذلك خرابا البتة، وانتظمت العمارة من وراء الدور المطلة على النيل حتى أشرقت على الخليج، فبلغ هذا البر الغربي من ظواهر القاهرة مبلغا عظيما، من وفور العمارة وكثرة الناس (^٣).\nومن ضمن ما عمر إبان عصر العراقي وأثنائه من هذه المناطق، منطقة جنوب غرب القاهرة، انحسر عنها النيل قديما بين مصر والقاهرة، وعرفت بمنشأة\n_________\n(^١) تعرف حاليا بدار السلام قرب المعادي.\n(^٢) تعرف حاليا بـ (منية السيرج) بالسين.\n(^٣) «خطط» المقريزي جـ ٢/ ١٣٢.","vol":"1","page":145},{"text":"المهراني، ومن وصف المقريزي وعلي مبارك - رحمهما الله - في خططهما (^١) ومن بحث محمد رمزي بك (^٢) ﵀.\nومن مشاهداتي الشخصية، الآن، يستفاد أن تلك المنشأة موقعها الحالي هو المنطقة الواقعة على النيل، بين مستشفى قصر العيني القديم، وميدان فم الخليج بالقاهرة، ويفصلها عن النيل، شارع «الكورنيش» ويحدها من الغرب سيالة جزيرة الروضة، ومن الجنوب ميدان ومنتزه فم الخليج اللذان أنشئا مكان فم الخليج المصري، الذي كان يعرف بالخليج الناصري، والحد الشرقي، بعضه مساكن أقيمت على مجرى الخليج بعد ردمه، وبعضه شارع الخليج المصري، والبحري شارع كوبري محمد علي، وشارع بستان الفاضل وما في امتداده إلى شارع الخليج المصري، وقد تغير اسمه حاليا فأطلق على امتداده من بعد ميدان السيدة زينب «﵂» بقليل، اسم شارع (بور سعيد).\nوجدير بالذكر أنه يوجد غرب باب اللوق الحالي، قرب ميدان التحرير، شارع جانبي مواز الشارع التحرير من الجنوب، أطلق عليه «شارع منشأة المهراني».\nوقد نبه محمد رمزي ﵀ على أن هذا الشارع بعيد عن الموقع الأصلي للمنشأة، وليس له بها أي علاقة، ولا يوصل إليها، كما تبين مما ذكرناه (^٣).\n_________\n(^١) «الخطط» للمقريزي جـ ١/ ٣٤٣، ٣٤٦ وج ٢/ ١١٧ و(الخطط التوقيفية)، لعلي مبارك ص ٥٩، ٦٢.\n(^٢) في «تعليقاته القيمة على النجوم الزاهرة» لابن تغري بردي جـ ٩ هامش ص ١٨٤ وجـ ١٠ هامش ص ١٣٠:\n(^٣) انظر: «التعليقات على النجوم الزاهرة» جـ ٩/ ص ١٨٤.","vol":"1","page":146},{"text":"وقد بدأت عمارة تلك المنشأة بجامعها الكبير، الذي أنشأه الظاهر بيبرس البُنْدُقْدَارِي في رمضان سنة ٦٧١ هـ (^١)، ثم تلاه الأمير سيف الدين بلتان المهراني فأنشأ بها دارًا وسكنها، وبنى مسجدًا، فعرفت به، وقيل لها «منشأة المهراني»، لكونه أوّل من ابتنى فيها بعد بناء الجامع، وتتابع الناس في البناء وأكثروا من العمائر حتى يقال: إنه كان بها فوق الأربعين من أمراء الدولة، سوى الوزراء، وأماثل الكتاب، وأعيان القضاة، ووجوه الناس (^٢).\nومن ذلك تعلم أن هذه المنطقة كانت حسنة الموقع والمنظر، راقية الوسط، وأكثرها كذلك حتى الآن.\nوكانت من ضمن عمائر هذه المنشأة خانقاة للصوفية تعرف بخانقاة «أرسلان» نسبة إلى منشئها الأمير «أرسلان بن عبد الله» المتوفى سنة ٧١٧ هـ وكان دوادارا (^٣) للسلطان الناصر محمد بن قلاوون بعد سنة ٧٠٩ هـ بقليل.\nوعظم جاهه وثراؤه فبنى تلك الخانقاة على شاطئ النيل بالمنشأة المذكورة بين مصر والقاهرة، وكانت محل عنايته، ومن تاريخ إنشائها يظهر لنا أن والد العراقي عاصر أول افتتاحها، فالتحق بخدمة أول شيوخها، وهو الشيخ الشريف، تقي الدين محمد بن جعفر بن محمد بن عبد الرحيم القناوي الشافعي (^٤) وعراقة الشيخ تقي الدين في العلم والتصوف معروفة، أبا عن جد،\n_________\n(^١) «الخطط التوقيفية» جـ ٣/ ٥٩، ٦١.\n(^٢) «خطط» المقريزي جـ ١/ ٣٤٦.\n(^٣) الدوادار هو الذي يقوم بإبلاغ السلطان أو الأمير ورفع الشكاوى والمطالب إليه.\n(^٤) «المجمع المؤسس» ص ١٧٦ و«الضوء اللامع» للسخاوي جـ ٤/ ١٧١ و«لحظ الألحاظ» لابن فهد ص ٢٢٠.","vol":"1","page":147},{"text":"باتفاق من ترجمه، ونلاحظ من سلسلة نسبه أن جده الثاني هو عبد الرحيم القناوي، الصوفي المعروف بصعيد مصر حتى الآن.\nكما كان الشيخ تقي الدين من أهل الحديث ذوي الإسناد العالي، وقد حدث بالقاهرة، وسمع منه الكثيرون، ودرس بالمدرسة المسرورية بها، ثم انقطع بالخانقاة المذكورة لما تولى مشيختها، حتى توفي في ١٤ جمادى الأولى سنة ٧٢٨ هـ على الراجح (^١) وباختصاص والد العراقي بخدمة الشيخ تقي الدين، استقر بجواره بالمنشأة المذكورة.\nوأصبح واحدًا من المريدين السالكين لطريق التصوف على طريقته، مع حرصه على التزود بالعلم، فقد ذكر المناوي أنه نشأ منذ مجيئه لمصر على الاشتغال بالعلم والإقبال على شأنه، ووصفه بالشيخ الإمام العابد الزاهد القدوة المسلك (^٢)، وقال ولي الدين ابن العراقي: إن جده سمع الحديث من زينب بنت شُكْر، وهي من أشهر مسندات الحديث في عصره، ومن غيرها.\nوقال: إنه حدث، وسمع منه والدي، وحدثني عنه، ثم قال: وكان رجلا صالحًا متعبدا فاضلا، واشتغل على الشيخ قطب الدين الشنباطي، وحضر عند الشيخ زين الدين بن الكناني، وتنزل بالدروس، وكتب بخطه كثيرًا من التفسير والفقه والرقائق، وكان سليم الباطن، منجمعًا على نفسه (^٣).\nومن مجموع ذلك نفهم أن والد العراقي قد جمع بين العلم والتصوف لكن\n_________\n(^١) «الدرر الكامنة» لابن حجر جـ ١/ ٣٧٢ وجـ ٤ ص ٣٥، ٣٦ و«الطالع السعيد الجامع أسماء نجباء الصعيد» للأدفوي ص ٥٠٥ و«خطط» المقريزي جـ ٢/ ٤٢٣.\n(^٢) «مقدمتي شرحي المناوي الألفية السيرة للعراقي»\n(^٣) «ذيل ولي الدين ابن العراقي» وفيات سنة ٧٦٣ هـ ترجمة أبو عبد الله الحسين.","vol":"1","page":148},{"text":"لم يبرز في أيهما، فاكتفى في العلم بتثقيف نفسه بعلوم الشريعة التي تُصَحِّحُ عبادته وتهذِّب نفسه وتعينه في سلوك التصوف على علم، وأهم أعماله العلمية هو سماع الحديث من مسندات ومسندي عصره وإسماعه لولده العراقي ولغيره.\nأما التصوف فقد أصبح فيه كما ذكر المناوي: قدوة مسلكا، أي نموذجا يُقتدى به ومرشدا يوجه غيره، دون أن يجاوز تبعيته المخدومه وشيخه تقي الدين القنائي الذي كانت له الزعامة الصوفية ومشيخة الخانقاة، حسب تقاليدهم في ذلك.\nوفي أثناء اختصاص والد العراقي بخدمة الشيخ تقي الدين، تزوج، ولا يحدد المؤرخون تأريخ زواجه، والذي يمكن استنتاجه، أنه تزوج بعد الثلاثين من عمره بقليل، فقد ولد كما تقدم سنة ٦٩٠ هـ وكانت ولادة ابنه موضوع بحثنا سنة ٧٢٥ هـ، وهو ابنه الأول فيما يظهر.\nوالفرق بين مولده ومولد ابنه ٣٥ عاما تقريبا كما نرى، ولا يُعْنَى المؤرخون أيضًا بذكر اسم زوجته أم الحافظ العراقي، ولا عمرها حينذاك.\nولكن السخاوي يصفها بأنها كانت صالحة عابدة صابرة قانعة، مجتهدة في أنواع القربات إلى الله (^١)، وهذا يفيد أنها كانت من معدن الزوج ووسطه الصالح، فتوافقا بيئة ووسطا وميولا وسلوكًا، وهذه من أسس نجاح الحياة الزوجية واستقرار الأسرة، بحيث تصبح وسطًا صالحًا لتربية نشء صالح سوي.\nوفي هذا الجو المشبع بالتوافق والاستقرار وتقوى الله، كان حمل أم العراقي\n_________\n(^١) هـ «الضوء اللامع» جـ ٤/ ١٧١.","vol":"1","page":149},{"text":"به، وتظهر دماثة خلق الأم أمام نوازع الشهوة:\nفيذكر ابن فهد أنها أثناء الحمل ربما كانت تشتهي الشئ فتستحي من ذكره لزوجها، إلا أن الله تعالى كان يُسخّر لها من يكفيها ذلك؛ فيذكر ابن فهد أنها كانت عندما تستحي من ذكر ما تشتهيه لزوجها، لا يلبث أن يأمره الشيخ تقي الدين بشرائه له، فيتناول قليلًا منه، ويرسل به إليها (^١).\nوعلى هذا: قضت شهور الحمل بسلام، فلما جاءها المخاض واشتد بها الطلق أشفق عليها الزوج من آلام الوضع فهرع إلى شيخه تقي الدين وسأله الدعاء لها وإقامة خاطره معها (^٢). فقال له الشيخ: لا بأس عليها، تلد عبد الرحيم، أو ولدت عبد الرحيم (^٣) تيمنا باسم الجد الأعلا للشيخ تقي الدين وهو «عبد الرحيم القناوي» كما أشرت من قبل.\nفاشتد الفرح بالزوج، وكرّ راجعًا إليها، ولعلهما كانا يقيمان بنفس الخانقاة أو قريبا منها، فلما وصل وجدها قد تخلصت فعلا، ووضعت ولدًا، فسماه «عبد الرحيم» بتسمية الشيخ. وكان ذلك في اليوم الحادي والعشرين من جمادى الأولى سنة ٧٢٥ هـ وفي نفس منشأة المهراني بين مصر والقاهرة على شاطئ النيل المبارك (^٤)، ووضحنا من قبل مكانها حاليًا.\n_________\n(^١) «لحظ الألحاظ» لابن فهد ص ٢٢٠، ٢٢١.\n(^٢) هكذا فعل، تأثرًا بمنشيه، وهذا مخالف لما شرع الله ﷿، من اللجوء إليه وحده، بالدعاء عند الشدائد، وطلب العون منه وحده عليها، في مثل قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ …﴾ الآية [النمل: ٢٧].\n(^٣) المرجع السابق ص ٢٢١.\n(^٤) المرجع السابق، و«الضوء اللامع» للسخاوي جـ ٤ ص ١٧١.","vol":"1","page":150},{"text":"وهكذا صار «عبد الرحيم» الذي بشر به الشيخ تقي الدين، اسما على مسمى، وشهدت تلك الضاحية الجميلة من أرض الكنانة مولده، ثم كانت مرباه ليصبح علما من أعلام السنة وحفاظها، ومن خيرة أبناء مصر، الذين تفاخر بهم على الدوام، كما ذكر المقريزي (^١).\nوأكثر من عنوا بتحديد مكان ولادة العراقي متفقون على أنه المنشأة المذكورة (^٢) حتى نسب إليها كما سيأتي، ومنهم من قال: ولد بالقاهرة بمنشأة المهراني على شاطئ النيل المبارك (^٣)، فجعل المنشأة تابعة للقاهرة لاتصالها بها كما أوضحنا.\nوفي «المجمع المؤسس» لابن حجر حدد المكان كما ذكرنا، ثم كتب بهامش النسخة: وقيل بالقاهرة (^٤)، والجمع بينهما ممكن، بناء على إضافة المنشأة للقاهرة، كما تقدم.\nلكن الشوكاني والمناوي يذكران، أنه ولد بمصر بعد تحول والده إليها كما مر (^٥) وهذا لا يستقيم إلا على أن مرادهما بمصر، عموم القطر، ومن ضمنه القاهرة وضواحيها، وأما إرادة (مدينة مصر) التي كانت تجاور القاهرة كما أوضحنا، فلا يستقيم؛ لأن والد العراقي لم ينزل بها، بل نزل بالقاهرة، ثم\n_________\n(^١) انظر (الضوء اللامع) للسخاوي جـ ٤/ ١٧٨.\n(^٢) (لحظ الألحاظ) لابن فهد ص ٢٢١، و(الضوء اللامع) جـ ٤ ص ١٧١ و(حسن المحاضرة) للسيوطي جـ ١ ص ٣٦٠ و(شذرات الذهب) لابن العماد الحنبلي جـ ٧/ ٥٥ و(معجم المؤلفين) لعمر كحالة جـ ٥/ ٢٠٤ و(معجم المطبوعات) لسركيس جـ ٢/ ١٣١٧.\n(^٣) (مجموع ابن خطيب الناصرية) ترجمة الحافظ عبد الرحيم العراقي (مخطوط مصور) و(المنهل الصافي) لابن تغري بردي جـ ٢/ ٣١١ ب (مخطوط).\n(^٤) (المجمع المؤسس) لابن حجر ص ١٧٦ (مخطوط).\n(^٥) (البدر الطالع) للشوكاني جـ ١/ ٣٥٤ و(مقدمتي شرحي المناوي لألفية العراقي في السيرة)","vol":"1","page":151},{"text":"استقر بالمنشأة المذكورة، حتى ولد عبد الرحيم بها.\nأما خير الدين الزركلي ﵀ فيرجّح أن ولادة عبد الرحيم كانت في (رازيان) من أعمال (إربل)، وأنه تحول صغيرًا مع أبيه إلى مصر (^١) وهو بذلك يثبت أنه عراقي المولد، وهذا وهم منه ﵀، فلم يوافقه على ذلك عامة من ترجم العراقي قديمًا وحديثًا، بل إن نفس مصادره الأساسية التي أحال عليها في آخر الترجمة، لم يرد فيها ذلك، بل كلها مجمعة على أنه مصري المولد، على التفصيل الذي قدمناه، ولعله أدرك ذلك عند إعادة طبع كتابه، فأشار بالهامش إلى أن في (حسن المحاضرة) ولادة العراقي في منشاة المهراني، وهذا ليس في (حسن المحاضرة) وحده بل في (الضوء اللامع) و(ذيل طبقات الحفاظ) لابن فهد، وقد عدهما (الزركلي) من مراجعه أيضًا، لكنه مع ذلك أبقى كلامه في أصل الكتاب كما هو.\nوبذلك تسرب هذا الوهم لبعض المراجع المنشورة من مؤلفات العراقي وغيرها، نتيجة لاعتماد القائمين بها، في ترجمة العراقي على كتاب (الأعلام) للزركلي (^٢) دون تنبه لهامشه.\n_________\n(^١) (الأعلام) للزركلي جـ ٤/ ١١٩ وقد نبهنا من قبل إلى أن الصواب (رازيان) بالياء المثناة لا بالنون.\n(^٢) انظر مثلًا (مقدمة كتاب التقييد والإيضاح شرح مقدمة ابن الصلاح) للعراقي بتحقيق عبد الرحمن محمد عثمان نشر المكتبة السلفية بالمدينة المنورة ط القاهرة سنة ١٩٦٩ م ص ٣، ومقدمة كتاب (سبل الهدى والرشاد المعروف بالسيرة الشامية) لمحمد بن يوسف الصالحي. تحقيق الدكتور مصطفى عبد الواحد ط المجلس الأعلى للشئون الإسلامية جـ ١/¬٥ هامش، و(فهرس المكتبة الأزهرية) جـ ١/ ٣١٧ ومقدمة الدكتور محمد عجاج الخطيب للمحدث الفاصل للرامهرمزي/","vol":"1","page":152},{"text":"وربما كان ما ذكره أيضًا هو الذي جعل «كارل بروكلمان» يتردد في تحديد مكان ولادة العراقي، فيذكر أنه ولد في رازيان بالقرب من إربل، ورحل صغيرًا إلى القاهرة، أو في منشأة المهراني بالقاهرة (^١).\nلكنه عاد في ملحق كتابه الذي استدرك فيه ما تبينه من أخطاء، فاقتصر على تحديد مكان الولادة بمنشأة المهراني بجوار القاهرة كما هو الصواب (^٢) فليتنبه لذلك من يعتمد على «أعلام» الزركلي أو «تاريخ آداب اللغة العربية» لـ «بروكلمان»، أو غيرهما من المصادر التي تسرب إليها الوهم المذكور، والكمال لله وحده.\nأما تاريخ ميلاد العراقي الذي ذكرته، فيتفق فيه القدماء والمحدثون، من الشرقيين والمستشرقين، على الشهر وهو: جمادى الأولى وعلى السنة وهي: سنة ٧٢٥ للهجرة النبوية، والموافق لشهر إبريل سنة ١٣٢٥ لميلاد المسيح ﵇.\nكما يتفق معظمهم على تاريخ اليوم، وهو ٢١ من شهر جمادى الأولى، عدا محمد ابن الجزري، تلميذ العراقي، ومحمد عبد الحي الكتاني رحمهما الله، فيذكر الأول تاريخ اليوم حادي عشر جمادى الأولى (^٣)، ولا يبعد أن يكون سقط من الناسخ أو الطابع حرف «الياء» المثناة من آخر كلمة (عشر) فيكون الأصل (حادي عشري) أي (٢١) (بحذف النون لإضافة العدد للشهر بعده، وبذلك يلتقي مع ما عليه الجمهور في تاريخ اليوم).\n_________\n(^١) «تاريخ آداب اللغة العربية» لبروكلمان جـ ٢/ ٧٧ (الأصل الألماني ط الثانية).\n(^٢) «ملحق» كتابه السابق جـ ٢/ ٦٩ (الأصل الألماني منه أيضًا).\n(^٣) (غاية النهاية في طبقات القراء) لابن الجزري جـ ١/ ٣٨٢.","vol":"1","page":153},{"text":"ومع ذلك فإن بعض من ترجم للعراقي حديثا، مشي على تأريخ المولد بـ ١١ جمادى الأولى (^١)، أما الشيخ الكتاني فذكر تاريخ اليوم التاسع من جمادى الأولى (^٢) وهذا وهم لا وجه له، فهو مخالف كلية للمعتمد عند الجمهور، وهو ٢١ من الشهر المذكور، فليتنبه لذلك، والله الموفق.\n\n<span data-type='title' id=toc-53>نسب العراقي وتصحيح سلسلته وتحقيق أصله</span>\nمر بنا أن العراقي يسمى «عبد الرحيم» وأن والده يسمى «الحسين» ولكن لابد من تعريفنا بسلسلة نسبه إلى أبعد حد ممكن؛ لأن ذلك مما يميز الأشخاص عن بعضهم، ولهذا اعتنى به المحدثون في تاريخ الرواة والحفاظ، لتمييز مروياتهم ومؤلفاتهم، كما عني به المؤرخون للأعلام بصفة عامة.\nوقد ذكر لنا العراقي نسبه بنفسه في ترجمته لابنه أحمد حيث قال: هو أحمد بن عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن إبراهيم (^٣) وهكذا ساق أحمد نسبه في توقيعه (^٤) وساق أيضا نسب جده «الحسين» مرتين، ذكر فيهما أنه «الحسين بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن إبراهيم» (^٥) وعليه يقال إن العراقي: هو عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن بن أبي\n_________\n(^١) انظر ترجمة الأستاذ إبراهيم حلمي القادري للعراقي في مقدمة تحقيقه لكتاب «القرب في محبة العرب»، المنسوب خطأ للعراقي ص ٧ (ط الإسكندرية ١٩٦٧ م).\n(^٢) «فهرس الفهارس» للكتاني جـ ٢/ ١٩٦.\n(^٣) «طرح التثريب في شرح التقريب» للعراقي وولده جـ ١/¬١٦.\n(^٤) المرجع السابق جـ ١/¬٩.\n(^٥) «ذيل ولي الدين ابن العراقي» وفيات سنة ٧٦٣ هـ ترجمة أبو عبد الله الحسين، وفيات سنة ٧٧٢ هـ ترجمة برهان الدين أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن الحسين.","vol":"1","page":154},{"text":"بكر بن إبراهيم.\nلكني وجدت في ترجمته في «معجم شيوخ الحافظ ابن حجر» وفي ترجمة ولده أحمد في كتاب «رفع الإصر عن قضاة مصر» لابن حجر أيضًا زيادة اسم «إبراهيم» بين «عبد الرحمن» وبين «أبي بكر».\nفقيل: هو عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن أبي بكر ابن إبراهيم (^١) مع أن هذا الاسم غير موجود كلية في ترجمة ابن حجر له في بقية مؤلفاته كـ «ذيل الدرر الكامنة» الذي وقفت عليه بخطه (^٢) وكـ «إنباء الغمر» له أيضًا (^٣) فلعل زيادة هذا الاسم في كتاب «المجمع» و«رفع الإصر» سبق قلم من ابن حجر أو من الناسخ، ومع ذلك فإن بعض من ترجم للعراقي بعد ابن حجر مشي على زيادة الاسم، مثل ابن تغري بردي المؤرخ المعروف (^٤).\nولكن الصواب حذفه طبقا لما وجدته بخط ابن حجر نفسه، ولما أثبته العراقي وولده غير مرة كما بينا.\nأما أصل العراقي فإن أكثر المترجمين له يذكرون أنه كردي (^٥) وقد قدمنا أن\n_________\n(^١) «المجمع المؤسس» لابن حجر ص ١٧٦ و«رفع الإصر» له قسم ١/ ٨١.\n(^٢) «ذيل الدرر الكامنة» له ص ٧٠ (مخطوط بخط ابن حجر بدار الكتب المصرية).\n(^٣) جـ ٢/ ٢٧٥.\n(^٤) «المنهل الصافي» له جـ ٢/ ٣١١ ب (مخطوط).\n(^٥) «ذيل الدرر الكامنة» ص ٧٠ و«إنباء الغمر» جـ ٢/ ٢٧٥ كلاهما لابن حجر و«الأعلام» جـ ٤ ورقة ٢١٩ أ و«طبقات الشافعية» ورقة ١١٠ ب كلاهما لابن قاضي شهبة و«بهجة الناظرين» للغزي ص ١٢٩ و«لحظ الألحاظ»، لابن فهد ص ٥٢ و«الضوء اللامع» للسخاوي جـ ٤ ص ١٧١ و«شذرات الذهب»، لابن العماد جـ ٧/ ٥٥ و«مقدمتي شرحي المناوي لألفية العراقي في","vol":"1","page":155},{"text":"موطنه الأصلي بالعراق، معظم سكانه أكراد، واستعربوا بعد الفتح الإسلامي.\nويضيف المناوي بعد نسبته للأكراد، نقلا عن جده شرف الدين يحيى المناوي، أن نسب العراقي يتصل بسيدنا عمر بن الخطاب ﵁، وأن العراقي لم يكن يذكر ذلك تورعا (^١) وقد انفرد المناوي عن جمهور المترجمين للعراقي بذكر هذه النقطة، والمعروف أن جده شرف الدين الذي نقل عنه ذلك، كان زوجا لابنة العراقي، كما أن ولي الدين ابن العراقي تزوج أخته، وتتلمذ له شرف الدين، وكانا صديقين (^٢) فلعل هذا كله مكنه من معرفة بعض دخائل الأسرة، التي لم تكن تشيعها لغيره.\nوقد تبع المناوي بعض من ترجم العراقي بعده، كعبد المجيد بن كيران فقال بعد سياق نسب العراقي: الكردي العمري، نسبة لسيدنا عمر الفاروق، ولكن الشيخ كان لا يذكر ذلك تورعا (^٣) وبناء على ذلك يكون العراقي أصله عربيا قرشيا، مع انتسابه للأكراد. وهذا يتأتى على اعتبارين:\n_________\n= السيرة» و(البدر الطالع) للشوكاني ٤/ ٣٥٤ و(معجم المؤلفين) لعمر كحالة جـ ٥/ ٢٠٤ و(الأعلام) للزركلي جـ ٤/ ١١٩ و(معجم المطبوعات) لسركيسي جـ ٢/ ١٣١٧ وهذه نسبة إلى (كردستان) في آسيا، يسكنها الأكراد، وتقع بين الأناضول، وبلاد الفرس، وأرمينية، والجزيرة الواقعة بين دجلة والفرات/ مقدمة الأستاذ محمد بن الحسين العراقي لشرحي التبصرة والتذكرة لكل من العراقي والأنصاري ١/¬٩ ط فاس.\n(^١) (مقدمتي شرحي المناوي لألفية العراقي في السيرة).\n(^٢) (مقدمة شرح المناوي الموجز الألفية العراقي في السيرة) و(جامع كرامات الأولياء) للنبهاني جـ ٢/ ٢٨٦، ٢٨٧.\n(^٣) مقدمة شرح ابن كيران لألفية العراقي في السيرة النبوية مخطوط بدار الكتب المصرية.","vol":"1","page":156},{"text":"أحدهما:\nرجوع الأكراد لأصل عربي، وممن قال بذلك تقي الدين المقريزي، صاحب كتاب «الخطط» وغيره، ولكن من الباحثين من خطأه في هذا، وقال: «إن ذلك لا يصمد أمام النقد التاريخي» (^١).\nالثاني:\nأن تكون نسبة العراقي للأكراد، نظرًا لإقامة أسلافه من العرب القرشيين بينهم، خاصة وأن أكراد المنطقة قد استعربوا بعد الفتح الإسلامي للعراق كما قدمنا، ويرجح هذا، جَمْعُ المناوي ومن تبعه بين النسبتين كما ذكرنا.\nوليس في بحثنا لأصل العراقي إشاعة للعصبية العنصرية أو الشعوبية الممقوتتين، وإنما هو قصد لتسجيل الحقيقة المجردة، على أن ولي الدين ابن العراقي ذكر أن جده الحسين كان يكتفي بنسبة نفسه للعراق، فيما يكتبه بخطه (^٢).\nوتبعه هو على ذلك (^٣) كذلك نجد العراقي يذكر ذلك في توقيعاته كما سيأتي.\nفي حين أن كلا من العراقي وولده ولي الدين في مؤلفاتهما في التراجم، يعنيان ببيان من ثبت لهم مثل هذه النسبة أو انتحلوها (^٤)، حتى إن العراقي\n_________\n(^١) انظر (ترجمة الحافظ ابن حجر) للدكتور حسن حبشي في مقدمة تحقيقه لكتاب (إنباء الغمر) لابن حجر جـ ١/¬١٠ وما بعدها.\n(^٢) انظر (فتح المغيث) للسخاوي جـ ١/¬٩.\n(^٣) انظر (ذيل ولي الدين) وفيات سنة ٧٦٣ هـ ترجمة أبي عبد الله الحسين ووفيات سنة ٧٧٢ هـ ترجمة برهان الدين أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن الحسين.\n(^٤) انظر (ذيل وفيات الأعيان للعراقي)، ترجمة عبد الوهاب بن جمال الدين العدوي القرشي العمري، وترجمة يوسف بن محمد بن إبراهيم الكردي، و(ذيل ولي الدين ابن العراقي) ٦ =","vol":"1","page":157},{"text":"في ترجمة شيخه الإسنوي، ساق سلسلة نسبه إلى سيدنا إسماعيل ﵇، واستطرد فيها بذكر أبواب فيما جاء في فضل قريش، والأمر بالتعلم منهم (^١).\nكما أن له كتابًا خاصًا في أصل العرب وفضلهم ومشروعية محبتهم وتعلم لغتهم، وقرر فيه أن حبهم إيمان، وبغضهم نفاق، وأطول أبوابه «باب فضل قريش».\nفلعل هذا يرجح كونه عربيًا قرشيًا، وأنه فعلًا لم يكن يذكر ذلك لورعه، حيث إن هذا مما يفتخر به، خاصة في عصره، بالإضافة إلى أن المنطقة حينذاك كانت كما أسلفنا تعج بأجناس وطوائف متعددة، من العرب والعجم على مستوى العالم، وكان الحكم لغير العرب، وهم المماليك، وكان التعصب قائمًا للجنس العربي، ولغيره وللطوائف والفرق، من شيعة علوية، ورافضة، وأشراف، وغيرهم، وما كان يهدأ النزاع إلا ليثور بالفتن والمهالك.\nفكان للعراقي مندوحة في عدم إظهار نسبة نفسه الجنس معين، تورعًا عن الفخر وعن الفتن معا، وإن كان ذلك لم يمنعه من إظهار الفضل والمكانة المشروعة للعرب، بمقتضى ما منحهم الله من خصائص، وهو يؤتي فضله من يشاء، كما سيظهر لنا من تحليل كتابه المشار إليه في شأن العرب في موضعه إن شاء الله.\n_________\n= وفيات سنة ٧٧٨ هـ ترجمته شمس الدين محمد بن عباس بن علي بن عيسى حيث قال عنه: «ادعى أخيرًا أنه من الأنصار وليس كذلك» (كلا الكتابين مخطوط مصور).\n(^١) «بهجة الناظرين»، للغزي ص ١٣٢، ١٤٢.","vol":"1","page":158},{"text":"<span data-type='title' id=toc-54>كنية العراقي ولقبه</span>\nمن تمام التعريف بالشخص وتمييزه عن غيره بيان كنيته ولقبه، حتى إن علماء السنة جعلوا من علومها معرفة الكنى والألقاب للرواة والحفاظ؛ لتمييز مروياتهم ومؤلفاتهم، وألفوا في ذلك مؤلفات عديدة، وقد يشتهر الشخص ويتميز بكنيته أو لقبه أكثر من شهرته وتمييزه باسمه، وفي عصر العراقي كثرت الألقاب والكنى للشخص الواحد، حتى إن الباحث كثيرًا ما يجد صعوبة في استخراج سلسلة نسب الشخص المترجم من بين الكنى والألقاب المذكورة لأفرادها.\nلهذا كله لزمنا بعد بيان اسم العراقي ونسبه وأصله، أن نُبَيِّن كنيته ولقبه كما سيأتي، خاصة وأنهما مما يميزانه عن غيره ممن شاركه في النسبة للبلد، أو الفن، وقد كُنِّي العراقي بأبي الفضل (^١) وكثيرًا ما يذكره تلميذه الحافظ ابن حجر فيقول: «شيخنا أبو الفضل (^٢)» وأشار لها في قصيدته التي رثاه بها بعد وفاته فقال:\nفروض العلم بعد الزهو ذاو … وروح الفضل قد بلغ التراقي (^٣)\n_________\n(^١) «غاية النهاية في طبقات القراء» لابن الجزري جـ ١/ ٣٨٢ و«مجموع ابن خطيب الناصرية» ترجمة العراقي (مخطوط مصور) و«المجمع المؤسس» لابن حجر ص ١٧٦، و«ذيل التقييد» للتقي الفاسي ورقة ٢١٩ أ (مخطوط مصور) و«الأعلام» جـ ٤/ ٢١٩ أ، و«طبقات الشافعية» ورقة ١١٠، كلاهما لابن قاضي شهبة (مخطوطان) و«بهجة الناظر» للغزي ص ١٢٩ وغير ذلك من مراجع ترجمته التي تقدمت مرارًا.\n(^٢) انظر: «فتح الباري» جـ ١/ ١١٩.\n(^٣) «إنباء الغمر» جـ ٢/ ٢٧٨ و«حسن المحاضرة» جـ ١/ ٣٦٠ وما بعدها.","vol":"1","page":159},{"text":"على أن من المتقدمين من كني بأبي الفضل، وقيل له «العراقي» اسما أو نسبة، فذكر في كتب التراجم بأبي الفضل العراقي، وقد فرق الإسنوي بينهم وبين العراقي موضع بحثنا بالزمن، فهم متقدمون وهو متأخر (^١).\nومعروف أن الكنية قد تكون حقيقية، وذلك حين يكنى الشخص بابنه أو ابنته، مثل الإمام «أبي حنيفة النعمان» فقد كان له بنت اسمها «حنيفة» فكني بها، وقد لا تكون الكنية كذلك، كما في كنية العراقي هذه، فلم يعرف أحد من ذريته باسم «الفضل».\nأما اللقب: فإن للعراقي عدة ألقاب لعدة اعتبارات، فمنها اللقب العادي لمجرد المدح، ومنها اللقب العلمي الدال على مكانته العلمية، ومنها الوظيفي الملقب به باعتبار الوظائف التي تقلدها.\nوالذي يعنينا هنا هو اللقب العادي أما الباقي فسيأتي في موضعه بمشيئة الله.\nولقب العراقي العادي: هو «زين الدين» (^٢) وقد ذكره به تلميذه ابن حجر في رثائه له هو وقرينه سراج الدين البلقيني فقال:\nوالشمس وهو سراج الدين يتبعه بدر الدياجي زين الدين في الأثر (^٣)\n_________\n(^١) انظر (طبقات الشافعية) للأسنوي ص ١٧٧، ١٨١ (مخطوط بدار الكتب المصرية).\n(^٢) انظر (مجموع ابن خطيب الناصرية) (ترجمة العراقي) و«المجمع المؤسس»، ص ١٧٦ و«إنباء الغمر» جـ ٢/ ٢٧٥ كلاهما لابن حجر و«لحظ الألحاظ» لابن فهد ص ٢٢٠. و(الضوء اللامع) للسخاوي جـ ٤/ ١٧١ و(حسن المحاضرة) للسيوطي جـ ١/ ٣٦٠.\n(^٣) «حسن المحاضرة» للسيوطي جـ ١/ ٣٣٣.","vol":"1","page":160},{"text":"وكثيرا ما يتصرف فيه بالحذف فيقال «الزين العراقي» (^١) أو بالإضافة فيقال: زين الملة والدين.\n\n<span data-type='title' id=toc-55>تعدد نسبة العراقي واشتباهه في بعضها بغيره واثره، وما يميز به</span>\nبعد أن بينا اسم العراقي ونسبه وأصله وكنيته ولقبه يلزمنا أيضا أن نبين نسبته؛ لأنها من عناصر التعريف بالشخص، وكثيرًا ما يعرف بها أكثر من سواها، وكثيرًا أيضًا ما يشترك غير واحد في نسبة معينة، فيقع اللبس بينهم والإشتباه على الباحث. والأمر كذلك فيما يتعلق بالعراقي، فقد تعددت نسبته بتعدد الاعتبارات، واشتهر ببعض النسب، أكثر من شهرته باسمه، وشاركه فيها بعض المتقدمين عليه والمعاصرين له، وترتب على ذلك خلط بعض الباحثين الشرقيين والمستشرقين بين بعض مؤلفاته ومؤلفات غيره، فاقتضى ذلك الإيضاح والتصويب.\nوقد تعددت نسبة العراقي على النحو التالي:\n١ - وأول ما نبدأ به النسبة التي ارتضاها العراقي لنفسه وهي نسبته إلى علم السنة الذي شغف بحبه، وقضى أغلب عمره عاملا في حقله، فقد عرف نفسه في أول ألفيته في المصطلح فقال:\nيقول راجي ربه المقتدر … عبد الرحيم بن الحسين الأثري\nوقال في شرحها: «الأثري: بفتح الهمزة والثاء المثلثة، نسبة إلى الأثر،\n_________\n(^١) (مقدمة شرح المناوي المتوسط لألفية العراقي في السيرة) نسخة مكتبة الأزهر برقم (٣٣) تاريخ (مخطوطة).","vol":"1","page":161},{"text":"وهو الحديث»، ثم ذكر أنه اشتهر بها آخرون غيره، كالحسين بن عبد الملك الخلال الأثري (^١) من المتقدمين، كما أشار إلى أن نسبة الشخص المفضلة ما أثبتها لنفسه (^٢).\nوقال السخاوي عن هذه النسبة للأثر: «وحسن الإنتساب إليه ممن يصنف في فنونه» (^٣)، وقد قام العراقي بذلك خير قيام كما سيأتي، فحسنت نسبته إليه. ورغم حسن نسبته للأثر بناء على مطابقتها لشأنه، ولاختصاصه العلمي وارتضائه الشخصي لهذه النسبة كما ترى، فإنه لم يشتهر بها، وقل من ذكرها له من المترجمين (^٤)، ولا عجب، فالشهرة شيء، والتحقيق العلمي شيء آخر، ولا تلازم بينهما.\n٢ - نسبته باعتبار الأصل إلى الأكراد وإلى سيدنا عمر بن الخطاب ﵁، فقيل له: «الكردي العمري» كما قدمنا بيانه.\n٣ - نسبته إلى عدة بلاد:\nأ - فقيل له «الرازياني» نسبة إلى بلدة (رازيان) التي كانت إقامة أسلافه بها، ومنها هاجر عماه ثم أبوه كما تقدم (^٥).\n_________\n(^١) (فتح المغيث، للعراقي جـ ١/¬٧.\n(^٢) (فتح المغيث) للعراقي جـ ١/ ١٣٦\n(^٣) وفتح المغيث) للسخاوي ج ١/¬٩.\n(^٤) انظر (فهرس الفهارس) للكتاني جـ ٢/ ١٩٦ وجزء من التراجم مخطوط برقم ١٠٩٧ تاريخ تيمور ص ١٥٠ (مجهول المؤلف).\n(^٥) و«المجمع المؤسس» لابن حجر حجر ص ١٧٦ وهـ «ذيل التقييد» للتقي الفاسي ورقة ٢١٩ أ (مخطوط مصور).","vol":"1","page":162},{"text":"ولذلك يقيده بعض المترجمين فيقول: «الرازياني الأصل» (^١) وقد بينا من قبل، خطأ القول بولادته في «رازيان» هذه، وإنما أصل أبيه منها.\nب - ونُسب أيضًا «لإربل» التي تتبعها رازيان كما قدمنا فقيل له «الإربلي» (^٢).\nجـ - أما النسبة التي طغت على الجميع فهي نسبته للعراق، حيثُ قيل له «العراقي» وتلك أظهر نسبة عُرِف بها (^٣)، ولذلك مشينا في بحثنا عموما على ذكره بها، بدلا من ذكره باسمه، مع أنه عند التأمل يظهر أنها أبعد النسب ارتباطًا به، فهو مصري المولد كما ذكرنا، ومصري الإقامة والوفاة والمدفن، ولم يقدر له حتى دخول العراق ضمن رحلاته العلمية، بعد عزمه على ذلك كما سنفصله.\nوقد مر بنا أنه عندما نسب نفسه، أعرض كلية عن الإنتساب لأي بلد، كأنما كان ﵀، يعتبر العالم الإسلامي كله وطنه، لا يؤثر نفسه ببلد، منه دون آخر، ولا يقصرها على الإرتباط بقطر واحد من أقطاره، فإن كان ولابد من النسبة، فلتكن إلى العلم الذي عُرِف به ووهب حياته له، وهو علم السنة أو الأثر، فنسب نفسه إليه صراحة كما مر، وهي نسبة لا تدانيها نسبة أخرى، في شرفها وقيامها به، على أن ذلك لا يطعن في ولائه لوطن أبيه.\n_________\n(^١) «الضوء اللامع» للسخاوي جـ ٤/ ١٧١ و«مقدمتي شرحي المناوي لألفية العراقي في السيرة»، و«معجم المؤلفين» لعمر كحالة جـ ٥/ ٢٠٤.\n(^٢) «ذيل نزهة النظار في قضاة الأمصار» للبرماوي/ ورقة اب (مخطوط).\n(^٣) «فتح المغيث» للسخاوي جـ ١/¬٩ و«غاية النهاية في طبقات القراء» لابن الجزري جـ ١/ ٣٢٨ و«التحفة اللطيفة» للسخاوي جـ ٢/ ص ٢٧ (مخطوط مصور) و«مقدمة شرح المناوي الموجز لألفية العراقي في السيرة» نسخة برقم (١٩٧٨) تاريخ وسيرة بمكتبة الأزهر.","vol":"1","page":163},{"text":"الأصلي وهو العراق، فقد رأيناه يعزم على الرحلة إليه للعلم، ولا يمنعه إلا خوف الطريق كما سيأتي، ولا في ولائه لموطنه وهو مصر، فقد نظم بعض أبيات تقطر حنينا إليها كما سيأتي.\nوقال في نسبة تلميذه ابن حجر «العسقلاني الأصل، المصري الدار» (^١) وفي توقيع العراقي بخطه كتب أنه «عبد الرحيم بن الحسين ابن العراقي» أو «عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن ابن العراقي» (^٢) وبذلك جعل النسبة للعراق راجعة لوالده الحسين.\nأما هو «فابن العراقي» كما ترى. وهذا هو الأقرب للواقع، فالنسبة للعراق قائمة بوالده فعلا، إذ ولد برازيان أحد بلاد العراق، وقضى بها نحو عشر سنوات من عمره على ما تقدم «كما كان بعكس ولده عبد الرحيم، حريصا على كتابة تلك النسبة لنفسه بخطه» (^٣).\nوتبعه على ذلك حفيده ولي الدين أحمد بن عبد الرحيم بن الحسين، عندما ترجمه فقال: «جدي أبو عبد الله الحسين بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن إبراهيم العراقي» (^٤).\nوقال ولي الدين أيضًا: إنها نسبة لعراق العرب، وهو القطر الأعم.\n_________\n(^١) «الجواهر والدرر» ورقة ٥١ ب.\n(^٢) «التقييد والإيضاح له»، مخطوط برقم (٣٦) مصطلح بدار الكتب المصرية ورقة ١٠٤ أ و«الجواهر والدرر» للسخاوي ورقة ٥٢ ب (مخطوط).\n(^٣) «فتح المغيث» للسخاوي جـ ١/¬٩.\n(^٤) «ذيل ولي الدين» وفيات سنة ٧٦٣ هـ ترجمة «أبو عبد الله الحسين».","vol":"1","page":164},{"text":"المعروف (^١)، ويقابله عراق العجم كما أسلفنا.\nومع ارتباط تلك النسبة هكذا بوالده وتمسكه بها، فإنها سرت منه لولده عبد الرحيم، موضوع بحثنا، وصار هو المعروف في الوسط العلمي بالعراقي وإن لم يرتض ذلك شخصيا كما أوضحنا، وانتقال النسبة أو اللقب من الأصول إلى الفروع، أمر معروف وأمثلته كثيرة في عامة كتب التراجم (^٢)، بل لم يقف سريان النسبة عند الإبن (عبد الرحيم) وإنما تعداها إلى الحفيد، وهو «أحمد بن عبد الرحيم» الملقب بولي الدين كما في ذكرنا له مرارا، فقد قيل له هو الآخر «العراقي» (^٣).\nوعلى ذلك يمكننا التفريق بينهما بالكنية أو اللقب، فإذا قيل «أبو الفضل» أو «زين الدين» أو «الزين العراقي» كان المراد الحافظ عبد الرحيم، موضوع هذا البحث، وإذا قيل: «أبو زرعة» أو «ولي الدين» أو «الولي العراقي» كان المراد ولده أحمد، وسيأتي التعريف به في تلاميذ والده بمشيئة الله، وفرق بينهما الشيخ عبد الحي الكتاني بالوصف الزمني فأطلق على عبد الرحيم\n_________\n(^١) «الضوء اللامع» للسخاوي جـ ٤/ ١٧١ ويحد عراق العرب هذا شمالا بالكردستان، والجزيرة الواقعة بين دجلة والفرات، وشرقا ببلاد العجم، وغربا بالصحراء، وجنوبا بالخليج الفارسي والصحراء/ مقدمة الأستاذ محمد العراقي لشرحي التبصرة والتذكرة لكل من العراقي والأنصاري ١/¬٩ ط فاس.\n(^٢) انظر «التذكار فيمن ملك طرابلس وما كان بها من الأخبار» لابن غليون/ تحقيق الشيخ الطاهر الزواوي ص ١٧٠، ١٧١ (أصل وهامش).\n(^٣) «ذيل نهاية ابن الأثير في غريب الحديث للسيوطي»، بآخر نسخة النهاية الخطية برقم ٢٠٩٤ حديث دار الكتب المصرية/ أوراق ٢ ب، هـ، ٧ ب و«بهجة الناظرين» للغزي ص ٨٦ و«طبقات الشافعية» لابن قاضي شهبة ١١٨ ب.","vol":"1","page":165},{"text":"«العراقي الكبير» (^١) وعلى ولده أحمد «العراقي الصغير» (^٢).\nومع هذا فإن من الباحثين من خلط بينهما، فنسب بعض مؤلفات كل منهما للآخر. فـ «ألفية» عبد الرحيم العراقي في غريب القرآن، نسبت في فهرس «مكتبة تيمور» لولده أبي زرعة أحمد بن عبد الرحيم، مع أن النسخة المفهرسة نفسها منسوبة في أولها لعبد الرحيم كما هو الصواب، ثم طبعت الألفية ونُسبت في الطبعة، لأبي زرعة أيضًا كما سنوضحه في محله، وفي كتاب «هدية العارفين» للبغدادي نسب مؤلفه كتابين من مؤلفات عبد الرحيم، لولده أبي زرعة كذلك.\nأما كارل بروكلمان ومفهرسو بعض مكتبات تركيا، ودار الكتب المصرية ومكتبة الأزهر، فعكسوا، إذ نسبوا بعض مؤلفات أحمد لوالده عبد الرحيم، كما سنوضحه في موضعه إن شاء الله.\nوهناك أيضًا من عُرف بالعراقي غير الحافظ عبد الرحيم، موضوع البحث وابنه أحمد، واشتبه على بعض الباحثين بالحافظ عبد الرحيم، رغم تقدم المشتبه الزمني عنه، وذلك هو: عبد الكريم بن علي بن عمر الأنصاري الشافعي، العلم العراقي المتوفى سنة ٧٠٤ هـ (^٣).\nفقد عد بروكلمان من مؤلفاته كتاب «الانتصاف من الكشاف» في التفسير (^٤)\n_________\n(^١) «فهرس الفهارس» للكتاني جـ ٢/ ١٩٦.\n(^٢) نفس المصدر ص ٤٣٥.\n(^٣) انظر «ذيل وفيات الأعيان» للعراقي ورقة ٣٦ ب (مخطوط مصور) و«كشف الظنون» لحاجي خليفة/ ٤٥٣.\n(^٤) ملحق كتاب «تاريخ آداب اللغة العربية» له جـ ٢/ ٥٩ (الأصل الألماني).","vol":"1","page":166},{"text":"ثم عده بعد ذلك ضمن مؤلفات الحافظ عبد الرحيم العراقي، ونبه بالهامش على نسبة نفس الكتاب لعبد الكريم العراقي أيضًا (^١).\nوبذلك يكون مترددًا في نسبة الكتاب لأيهما، والصواب أنه ليس لأي منهما ولكن لابن المنير، أحمد بن محمد المتوفى سنة ٦٨٣ هـ.\nوالذي نقوله هنا: إنه كما فرقنا بين عبد الرحيم وابنه، يمكن التفرقة بين عبد الكريم هذا وبين عبد الرحيم موضوع بحثنا، باللقب، فعبد الرحيم يلقب بزين الدين ويقال له: زين الدين العراقي أو «الزين العراقي» كما مر. وعبد الكريم، يلقب بعلم الدين، ويقال له «علم الدين العراقي» أو «العلم العراقي».\nوجدير بالذكر أن زين الدين العراقي قد ترجم لعلم الدين العراقي هذا في «ذيله على وفيات الأعيان» لابن خلكان، ونسبه للعراق كما ترى في ترجمته التي ذكرتها آنفًا، حيث نقلتها منه نصا، كذلك يمكن التفرقة بينهما بتاريخ الميلاد أو الوفاة إن وجد ذلك.\nوبالبحث والدراسة يتبين لي أنه إذا ذكر «العراقي» مقترنا بلقب «الحافظ» فقيل «الحافظ العراقي» كما في عنوان رسالتنا هذه، كان المراد به في الأغلب - إن لم يكن كلية - «عبد الرحيم العراقي» موضوع هذا البحث (^٢) وإذا ذكر «العراقي» مجردًا، أمكن الإستعانة في تحديد المقصود به بجهة التخصص.\n_________\n(^١) المصدر السابق ص ٦٩ وما بعدها.\n(^٢) «الأعلام» للزركلي جـ ٤/ ١١٩.","vol":"1","page":167},{"text":"فالعراقي موضوع بحثنا معروف بتخصصه في علوم السنة رواية ودراية كما بيناها، وولده ولي الدين أبو زرعة أحمد، معروف بتخصصه في الفقه وأصوله.\nوعلم الدين عبد الكريم، معروف في مجال التفسير والتصوف والنحو.\nفإذا ذكر «العراقي» مجردًا أمكن تمييز المراد به منهم عن طريق صلة السياق الوارد فيه بتخصصه، وهذا أمر أغلبي، وأكثر من يتمكن من التمييز بين الأعلام المشتبهة عمومًا، من عني بتاريخهم وبنتاجهم العلمي، وتلك أحد ثمار إفراد الشخصيات العلمية البارزة الأثر، ببحوث متخصصة، تميز الشخصية وآثارها العلمية، كما في بحثنا هذا، عن الحافظ عبد الرحيم العراقي.\nعلى أنه كان لتوقيعه بخطه أنه «ابن العراقي» كما قدمنا، أثر في تردد بعض من ترجمه في ذكر ما يعرف به، فقال تلميذه تقي الدين الفاسي في ترجمته له «المعروف بابن العراقي» (^١).\nوقال في ترجمة ابنه ولي الدين أحمد «المعروف والده بالعراقي» (^٢).\nثم وجدنا ابنه ولي الدين يوقع بخطه أيضًا هكذا «أحمد بن عبد الرحيم ابن الحسين ابن العراقي» (^٣). فكان هذا مما جعل الحافظ ابن حجر يقول في ترجمته «المعروف بابن العراقي» (^٤).\nومع هذا نجده يذكر والده كثيرًا في كلامه «بابن العراقي» (^٥) حتى قال في\n_________\n(^١) «ذيل التقييد» للتقي الفاسي ورقة ٢١٩ أ (مخطوط مصور).\n(^٢) المصدر السابق/ ١١٤ ب.\n(^٣) «فهرس الفهارس» للكتاني جـ ٢/ ٤٣٥ و«الجواهر والدرر» للسخاوي ٥٦ أ.\n(^٤) «رفع الإصر عن قضاة مصر» له قسم ١/ ٨١.\n(^٥) «المعجم المفهرس» لابن حجر ورقتي (١٧٥ ب، ١٧٦ أ).","vol":"1","page":168},{"text":"رثائه له:\nفيا أهل الشام ومصر فابكوا … على عبد الرحيم ابن العراقي (^١).\nوقال السخاوي في ترجمة العراقي: «يعرف بالعراقي» (^٢) ثم قال في ترجمة ولده أحمد: «ويعرف كأبيه بـ «ابن العراقي»» (^٣).\nثم ذكرهما في شيوخ ابن حجر بنسبة «العراقي» (^٤) ولكن المشهور في كلامهما وكلام غيرهما إطلاق «العراقي» مجردا على «الحافظ عبد الرحيم» وإطلاق «ابن العراقي» على ولده أحمد «ولي الدين».\nوهذا ما نجري عليه في بحثنا هذا تبعا للمشهور.\nد - نسب العراقي كذلك إلى «مصر» فقيل له «المصري» (^٥) وهي نسبة إلى القطر العام لا إلى مدينة «مصر» المجاورة للقاهرة كما أوضحنا من قبل، وإن كان قد دخل مدينة مصر أيضا لطلب العلم كما سيأتي، بل قال عن نفسه: إنه بات ليلة سبع وعشرين من شهر رجب بجامع عمرو بن العاص (^٦)، لكنها\n_________\n(^١) «حسن المحاضرة» / جـ ١/ ٣٦١ وما بعدها.\n(^٢) «الضوء اللامع» جـ ٤/ ١٧١ و«التحفة اللطيفة» له جـ ٢/¬٣٧ (مصور مخطوط).\n(^٣) «الضوء اللامع» جـ ١/ ٣٣٦.\n(^٤) «الجواهر والدرر» للسخاوي/ ٣٨ ب و٣٩ أ.\n(^٥) «لحظ الألحاظ» لابن فهد ص ٢٢٠ و«الضوء اللامع» للسخاوي جـ ٤/ ١٧١ و٥ «مقدمتي شرحي المناوي لألفية العراقي في السيرة» و«معجم المؤلفين» لعمر كحالة جـ ٥/ ٢٠٤ و«فهرس الفهارس» للكتاني جـ ٢/ ١٩٦.\n(^٦) «الضوء اللامع» جـ ٤/ ١٧٨.","vol":"1","page":169},{"text":"إقامات قصيرة لا تخول نسبته إليها.\nأما النسبة إلى القطر العام ففي محلها؛ لأنه نشق أول أنفاسه على شاطئ نيله المبارك، وتوطن به هو وذريته، ولم يغادره إلا راحلا للحج أو المجاورة، أو العمل بالحرمين، أو لطلب العلم، وقد توفي بالقطر المصري، وضم ترابه رفاته، وما زال حفيظا على مثواه للآن، كما سنوضحه، وقد ذكره السيوطي ضمن حفاظ الحديث بمصر عموما (^١).\nوذكر السخاوي أنه معدود في المصريين، وأن المقريزي قال عنه: «كان للدنيا بهجة، ولمصر به فخر» (^٢)، ووصفه غير واحد من معاصريه بـ «حافظ الديار المصرية، ومحدثها وشيخه» ا (^٣).\nهـ - ونسب أيضا إلى مسقط رأسه «منشأة المهراني» السابق ذكرها، فقيل له «المهراني» (^٤) وقيدها بعضهم فقال «المهراني المولد» (^٥)، وهي كما ترى نسبة للجزء الثاني من اسم المنشأة المذكورة القريبة من القاهرة، ولكن بعض المحققين غفل عن هذا فقال: «إنها نسبة إلى «مهران»\n_________\n(^١) «حسن المحاضرة» للسيوطي جـ ١/ ٣٦٠.\n(^٢) «الضوء اللامع» جـ ٤/ ١٧٦، ١٧٧، ١٧٨.\n(^٣) «غاية النهاية في طبقات القراء» لابن الجزري جـ ١/ ٣٨٢، «الأعلام» جـ ٤/ ٢١٩ ب و«طبقات الشافعية» ١١٠ ب كلاهما لابن قاضي شهبة (مخطوطين)، و«بهجة الناظرين» للغزي ص ١٣١ (مخطوط).\n(^٤) «ذيل الدرر الكامنة» لابن حجر ص ٧٠ و«الضوء اللامع» للسخاوي جـ ٤/ ١٧١، و«معجم المؤلفين» لكحالة جـ ٥/ ٢٠٤.\n(^٥) «إنباء الغمر» لابن حجر ج ٢ ص ٢٧٥، و«شذرات الذهب» لابن العماد جـ/ ٧/ ٥٥.","vol":"1","page":170},{"text":"بالكسر ثم السكون اسم نهر السند» (^١).\nوهذا تفسير خاطئ، إذ يقتضي أن مولد العراقي عند نهر السند المعروف، والصواب ما قدمته، فَلْيُتَنَبَّه لذلك. ويظهر أن العراقي قد أقام في منشاة المهراني هذه، بعد ولادته، فترة طويلة من عمره كما سنوضحه.\nو- نسب العراقي كذلك إلى القاهرة فقيل له «القاهري» (^٢) وهي نسبة صالحة من وجهين:\nأولهما: أن المنشاة السابق ذكر نسبته إليها، من ضواحي القاهرة، ونسبة الشخص إلى الناحية التابع لها محل ميلاده، جائزة في علم الرجال (^٣)\nوثانيهما: أنه انتقل من المنشأة إلى الإقامة بظاهر القاهرة مدة، ثم سكن القاهرة نفسها، وتوفي ودفن بها كما سيأتي، ولذا يقول بعضهم بدل «القاهري» «نزيل القاهرة» (^٤).\n\n٤ -<span data-type='title' id=toc-56> نسبته إلى مذهب الإمام الشافعي:</span>\nومن النسب الهامة أيضًا لتمييز الشخص عن غيره ممن يشاركه في اسمه أو نسبه أو كنيته أو لقبه، نسبته لأحد المذاهب الفقهية، وخاصة المذاهب الأربعة المعروفة؛ لأن ذلك يساعد الباحث على معرفة مصادر ترجمة الشخص، حيث عني علماء كل مذهب بالتأريخ لعلمائهم، ابتداء من إمام المذهب فما\n_________\n(^١) «إنباء الغمر» لابن حجر جـ ٢/ هامش ص ٢٧٥ تحقيق الدكتور حسن حبشي.\n(^٢) (مجموع ابن خطيب الناصرية) (ترجمة الحافظ العراقي).\n(^٣) (فتح المغيث) للعراقي جـ ٤ ص ١٦٤.\n(^٤) (الأعلام، جـ ٤/ ٢١٩ أ ووطبقات الشافعية) ١١٠ ب كلاهما لابن قاضي شهبة و«بهجة الناظرين» للغزي ص ١٢٩.","vol":"1","page":171},{"text":"بعده، فنجد طبقات للشافعية، وأخرى للمالكية، والحنفية، والحنابلة، والزيدية، وغيرهم، كما أن نسبة الشخص لمذهبه لها دخل كبير في تقييم آرائه ومعرفة منازعها.\nثم إننا قدمنا أنه كان في عصر العراقي، لابد من الانتساب لأحد المذاهب الأربعة، بحكم الحاكم، وأن أشهر المذاهب حينذاك وأوسعها نفوذا في موطنه، كان مذهب الشافعي (^١)، وكان والده شافعيا، فانتسب هو الآخر لمذهب الشافعي (^٢)، ودرسه حتى صار أحد فقهائه وقضاته كما سيأتي، وقد ترجمه في طبقات الشافعية كل من: تقي الدين أحمد بن قاضي شهبة، ومحمد بن أحمد الغزي، كما ترى في إحالاتي المتعددة على كتابيهما، كما أشار له في حياته - تاج الدين السبكي في ﴿طبقات الشافعية الكبرى﴾ بقوله ﴿بعض أصحابنا﴾، وذكره أيضا - في حياته - شيخه الإسنوي، باسمه ملقبا له بالحافظ، وذلك في كتابه ﴿طبقات الشافعية﴾ كما سيأتي توضيحه.\nأما المذهب الاعتقادي فلم يعن أحد بنسبته إليه، وإن كان قد ظهر لنا أنه على مذهب أهل السنة والجماعة، كما سيأتي بيانه.\n_________\n(^١) انظر أيضا (مقدمة طبقات الشافعية) للاسنوي ص ٢ «مخطوط بدار الكتب»\n(^٢) (غاية النهاية في طبقات القراء) لابن الجزري ج ١ ص ٣٨٢، و(مجموع ابن خطيب الناصرية): (ترجمة عبد الرحيم العراقي) و(المنهل الصافي) لابن تغري بردي جـ ٢ ورقة ٣١١ ب وه التحفة اللطيفة (جـ ٢/¬٣٧) (مخطوط مصور)، و«الضوء اللامع» جـ ٤/ ١٧١ كلاهما للسخاوي، و«لحظ الألحاظ» لابن فهد ص ٢٢٠، و«شذرات الذهب» لابن العماد جـ ٧ هـ هـ، و«مقدمتي شرحي المناوي لألفية العراقي في السيرة»، و«البدر الطالع» للشوكاني ج ١ ص ٣٥٤، و«هدية العارفين» للبغدادي مجلد ١ ص ٥٦٢، و«معجم المؤلفين» لعمر كحالة جه ص ٢٠٤، و«فهرس الفهارس» للكتابي ج ٢ ص ١٩٦.","vol":"1","page":172},{"text":"تعقيب:\nولعلي في تلك الفقرات قد وفقت لجمع أطراف الجوانب العامة الكاشفة عن شخصية الحافظ العراقي وتمييزه عن غيره، حسبما ظهر لي بالبحث والاستنتاج والدليل، بحيث يخرج القارئ الكريم من تلك المشخصات بتصور عام، مميز لشخصية العراقي، حتى يتسنى له على ضوء ذلك الدخول معي في أعماق شخصيته، وإدراك جوانبها التفصيلية المتكاملة، كما تتجلى بعون الله في القسم التالي وما بعده.","vol":"1","page":173},{"text":"<span data-type='title' id=toc-57>القِسْمُ الثَّانِي جَوَانِبُ شَخْصِيَّة العِرَاقِيّ</span>","vol":"1","page":175},{"text":"١ -<span data-type='title' id=toc-58> نشأة العراقي ومؤثراتها، وتصحيح خطا القول بأنه نشأ يتيما</span>\nنشأ العراقي نشأة مُتسقة، توفّر له فيها أهم العوامل التي قرر الباحثون قديما وحديثًا أثرها الفعال في تكوين الشخصية السوية المتكاملة الرائدة، سواء البيئة الطبيعية، أو الوراثة، أو البيئة الأسرية، أو الاجتماعية، أو العلمية، أو الميول والمواهب الشخصية.\nفالبيئة الطبيعية الحسنة توفرت له؛ حيث ولد كما تقدم في ضاحية جميلة على شاطئ النيل، حيث الهواء الطلق، والماء العذب، والخضرة والبساتين الجميلة اليانعة التي تسر النظر وتبهج النفس، وتفيض بخيراتها على الجميع، وحيث العمران الجديد المنتظم.\nكما كانت مصر كلها عند ولادته ونشأته، في أحسن أحوالها، رخاء واستقرارًا، فكان لذلك كله أثره الفعال في تكوينه ونشأته صحيح الجسم معتدل الطبع سليم العقل والحواس، رغم تعميره فوق واحد وثمانين عاما، ومما يدل على تأثره بتلك الطبيعية الجميلة ومن فيها، حنينه لها حين ابتعد عنها في بعض أسفاره، فانطلقت شاعريته - وهو عالم السنة - بقوله:\nألا ليت شعري هل أبيتن ليلة … بمصر ففيها من أُحِبُّ نُزُول\nوهل أردن يوما موارد نيلها … وهل يبدون لي روضة ونخيل (^١)\n_________\n(^١) «الضوء اللامع» جـ ٤/ ١٧٨","vol":"1","page":177},{"text":"ومن ناحية عامل الوراثة، فقد قدمنا أنه ينحدر من أسرة عريقة في الصلاح والتقوى والعلم، كما كانت البيئة الأسرية التي تربى فيها، والمكونة من والديه على نفس النمط، فوالديه كما ذكرنا كانا متوافقين، ووالده جمع بين العلم والعمل الصالح حتى كان قدوة تحتذى، بحسب عصره، ووالدته كانت صالحة عابدة صابرة قانعة كثيرة التقرب إلى الله بعمل الخير.\nومن ناحية البيئة الاجتماعية فقد كانت على نفس منوال والديه، فحياة والده كما سلف انحصرت بين خيرة الناس من أهل العلم مع عدم المخالطة لغيرهم إلا لضرورة، وقد كان يصطحب معه ولده عبد الرحيم منذ صغره في مسرح حياته هذا، فكان يحضره كثيرا عند الشيخ تقي الدين القنائي حيث يعمل بخدمته فكان الشيخ يلاطفه ويكرمه، وعادت بركته عليه كما كان جلساؤه من أهل العلم والتقوى (^١) كما ذكر العراقي عن نفسه حضوره مجالس الوعظ وهو في الثانية عشرة من عمره تقريبا (^٢).\nومن يتأمل عامة جوانب شخصية العراقي واتجاهاته وآثاره يجد أنه كان لتلك العوامل الوراثية والبيئية أثرها الطيب في تشكيل شخصيته فكان نموذجا صالحا لوطنه ولأسرته ووالديه ومجتمعه وتأهل بذلك للريادة والتأثير.\nأما البيئة العلمية: فقد بينا في حالة العصر أن مسرح حياة العراقي وهو مصر والشام والحجاز كان بوتقة العلوم الإسلامية خاصة علوم السنة حتى كان النهوض بها يكاد ينحصر في تلك المراكز الثلاثة، وقد سجل العراقي نفسه\n_________\n(^١) «الدرر الكامنة» لابن حجر جـ ٤/¬٣٥ و«الضوء اللامع» جـ ٤/ ١٧١.\n(^٢) انظر «مجموع ابن خطيب الناصرية» (المنتقى من تاريخ العراقي) ترجمة محمد بن إبراهيم الجعيري.","vol":"1","page":178},{"text":"ذلك في بعض مؤلفاته (^١)، وتوفر لطالب العلم فيها المؤونة وأماكن الدراسة والأساتذة والمراجع مجانًا. فتهيأ للعراقي بذلك وسائل العلم وتوفرت مصادره لينهل منها ما يشاء.\nعلى أن تلك العوامل كلها لا يتحقق تأثيرها ولا تؤتي ثمارها، ما لم يكن الشخص المحاط بها لديه الميل النفسي إلى التأثر بها والاستفادة منها في بناء شخصيته، وما لم يتمتع بالإستعدادات والمواهب التي تمكنه من استيعاب ما حوله من إمكانيات ومؤثرات، والتفاعل معها أخذا وعطاءً.\nوقد منح الله العراقي من الطاقة البدنية والميل النفسي والمواهب العقلية ما مكنه من ذلك كما سيتضح ذلك في الفقرات التالية بعون الله.\nوقد نشأ العراقي في هذا الجو الطبيعي والوسط العائلي والاجتماعي والعلمي، على الخلق الفاضل والصلاح والعبادة والاجتهاد في طلب العلم، وتربى في كنف والده ورعايته، حتى شبَّ وتعلم وصار رجلًا عالمًا.\nوينفرد ابن فهد من بين أوائل المترجمين للعراقي بقوله: إن والده توفي وهو في الثالثة من عمره (^٢) وتبعه على ذلك غير واحد حتى عصرنا الحاضر، وقرروا: أن العراقي قد نشأ يتيما، وقد تبين لي أن ما ذكره ابن فهد خطأ صريح، وتوفر لدي على خطئه عدة أدلة، من بينها الآتي: أولا: أن الحافظ العراقي في تكملته لشرح الترمذي حكى حكاية طويلة قالها له والده قبل وفاته، فقال: وأخبرني والدي ﵀ قال: أمرني السيد\n_________\n(^١) «محجة القرب» له ورقة ٣٦ ب (نسخة دار الكتب المصرية رقم ١٥٠٤) حديث.\n(^٢) «لحظ الألحاظ» له ص ٢٢١.","vol":"1","page":179},{"text":"الشريف تقي الدين محمد بن الضياء جعفر بن محمد بن عبد الرحيم القنائي ﵁ أن أشتري له أضحية، فذهبت إلى الجيزة فاشتريت له بقرة، فلما جئت بها إليه إذا هي تصيح ونحن نسأل عن سبب ذلك، فقيل له: إنه كان لها ولد ففرق بينه وبينها، فشق عليه ذلك، وأمرني أن أذهب فأشتري ولدها، فذهبت إلى الجيزة فسألت عن الذي باعها فجئت إليه فإذا هو قد باع ولدها ببلد آخر، فذهبت إلى تلك البلد واشتريت ولدها، فجئت به فلما رأته أمه ورآها حصل لهما بالاجتماع ما نشاهد في البهائم من الحنو والشفقة، فحصلت للشيخ عَبْرَة وَرِقَة، ولم يختر التضحية بها، وأمرني فاشتريت أضحية أخرى بغير ولد فذبحت له وتركت البقرة وولدها عنده حتى كبر، وكانت عنده رقة شديدة ورحمة لسائر خلق الله (^١).\nوفي هذه الحكاية كما ترى طول وتفصيل وتحديد أماكن وأوقات وأصناف وقد ذكر أن والده أخبره بها، والكتاب الذي أوردها فيه، ألفه بعد سنة ٧٦٣ هـ كما سيجيء.\nوكون والده كما يقول ابن فهد قد توفي وهو في الثالثة من عمره، أي سنة ٧٢٨ هـ لأن العراقي ولد سنة ٧٢٥ هـ كما عرفنا، يقتضي هذا أن العراقي سمع الحكاية من والده وهو طفل قليل الاستيعاب، ثم مضى على سماعه لها أكثر من ثلاثين عامًا حتى سجلها في الكتاب، وليس من المعقول أن يستوعب طفل في الثالثة تلك القصة، ثم تظل عالقة بذهنه بطولها وتفاصيلها الدقيقة التي أوردها ثلاثين عاما.\n_________\n(^١) «تكملة شرح الترمذي» للعراقي ورقة ١٨ ب «مخطوط بدار الكتب المصرية».","vol":"1","page":180},{"text":"ثانيا: أن ولي الدين ابن العراقي قد ترجم ابن عم له فقال: ومات بالقاهرة في رجب سنة ٧٢٢ هـ ابن عمي برهان الدين أبو إسحاق إبراهيم ابن محمد بن الحسين بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن إبراهيم ابن العراقي، مولده في العشر الأخير من شهر رمضان سنة ٧٤٩ هـ ومات أبوه وهو طفل ورباه جده ووالدي (^١).\nومن ذلك يظهر أن الجد وهو والد العراقي كان موجودًا بعد سنة ٧٤٩ هـ التي ولد فيها برهان الدين المذكور، وعاش حتى شارك ولده العراقي في تربية برهان الدين، وكان العراقي حينئذ في الرابعة والعشرين من عمره تقريبا.\nفكيف يكون والده توفي وهو في الثالثة من عمره؟\nثالثا: أن ولي الدين قد ترجم أيضا جده وحدد وفاته بعاشر صفر سنة ٧٦٣ هـ وقرر أن ولده عبد الرحيم سمع عنه الحديث (^٢) وهذا معناه أن العراقي حين وفاة والده كان رجلًا في نحو الثامنة والثلاثين من عمره لا طفلا في الثالثة، كما ذكر ابن فهد، ويتضح منه أن العراقي لم ينشأ يتيما بل نشأ وتربى في حياة والده، وأن والده لم يكتف بتوجيهه للعلم؛ بل أسهم بنفسه في إسماعه الحديث بسنده، وعاش حتى رأى ولده عبد الرحيم قد تزوج وولد له وتخرج في علوم السنة وألف فيها كما سيأتي، وصار رجلًا تقر به العين. ولعل هذه الأدلة تقطع بخطأ قول ابن فهد المتقدم، وما ترتب عليه كلية، ثم إنه أتبع هذا الخطأ مباشرة بخطأ آخر، حيث ذكر أن العراقي كان كثير\n_________\n(^١) «ذيل ولي الدين ابن العراقي» وفيات سنة ٧٢٢ هـ.\n(^٢) هـ «ذيل ولي الدين ابن العراقي» وفيات سنة ٧٦٣ هـ.","vol":"1","page":181},{"text":"الكون، أي التواجد بعد وفاة والده عند الشيخ تقي الدين القنائي (^١) بينما الشيخ تقي الدين توفي قبل والد العراقي بنحو ٣٥ عاما، فقد ذكرنا أن والد العراقي توفي سنة ٧٦٣ هـ في حين أن الشيخ تقي الدين توفي في ١٤ جمادى الأولى سنة ٧٢٠ هـ على الراجح كما قدمنا، فيكون والد العراقي هو الذي عاش بعده تلك الفترة المتطاولة وربى ولده عبد الرحيم وغيره كما أوضحنا.\nويظهر أن ابن فهد لم يطلع على ما قدمته من الأدلة على هذين الخطأين، مع أنه عاصر أواخر أيام العراقي، واستجازه رواية الحديث من مكة، فكتب له العراقي بذلك من مصر (^٢) ثم تتلمذ لولده ولي الدين أبي زرعة ورفيقه نور الدين الهيثمي (^٣) وهما أعرف الناس بتفاصيل حياته.\nوتعتبر ترجمة ابن فهد للعراقي من أوفى وأوسع تراجمه، وقد استفدت منها ما لم أستفده من غيرها، لكن لكل عالم هفوة أو هفوات، لا ينبغي أن تذهب بمحاسنه وجهوده.\nوقد تابع ابن فهد على هذين الخطأين بعض المحققين والناشرين لمؤلفات العراقي في مقدماتهم مما أدى لانتشارهما (^٤) فليتنبه لذلك.\nويعتبر بحثي هذا فيما أعلم، أول مصدر يثبت هذين الخطأين ويدلل عليهما.\n_________\n(^١) «لحظ الألحاظ» لابن فهد ص ٢٢١.\n(^٢) المرجع السابق ص ٢٣٤.\n(^٣) نفس المصدر ص ٢٣٠.\n(^٤) انظر «مقدمة تحقيق طرح التثريب» جـ ١/¬٤، و«مقدمة تحقيق إحياء علوم الدين» طبع لجنة الثقافة الإسلامية سنة ١٣٥٦ هـ جـ ١ (ص د) و«مقدمة تحقيق كتاب القرب في محبة العرب» المنسوب خطأ للعراقي ط إسكندرية سنة ١٩٦١ م ص ٧٠.","vol":"1","page":182},{"text":"بالأدلة القاطعة مع بيان الصواب، وذلك توفيق الله وحده، ودليل على جدوى بحث المتأخرين وضرورته، رغم جهود المتقدمين التي لا تنكر.\n\n<span data-type='title' id=toc-59>حياة العراقي الزوجية والأسرية وأثرها في السنة</span>\nمن المعروف أن الجانب العلمي في حياة العراقي هو المطلوب الأساسي في بحثنا، لكن من المعروف أيضًا أن جوانب حياة الشخص تتشابك ويتصل بعضها ببعض بحيث تبدو الشخصية مستورة أو غامضة إذا تركت بعض جوانبها بعيدة عن الضوء ولو بصفة موجزة.\nومن جهة أخرى فإن الجانب الأسري من حياة العراقي له نصيب في أثره في علوم السنة فقد وجدناه ينشئ أسرته على محبة السنة وسماعها حتى كان من ذريته ثلاثة من تلاميذه فيها، وقاموا بإسماعها وتعليمها كما سنوضحه، وذلك بلا شك من خير آثاره في نشر السنة وعلومها.\nلذا كان تناول هذا الجانب من حياة العراقي له أهميته ودخله في موضوعنا. وقد تبين لي أن انهماك العراقي في تحصيل العلم كان مما شغله عن التبكير بالزواج، ذلك أن البحث الدائب أوقفنا على أن أكبر أولاده هو ولي الدين أبو زرعة أحمد، وقد أرّخ العراقي بنفسه مولده في ثالث ذي الحجة بعد صلاة الصبح سنة ٧٦٢ هـ (^١)، ثم ذكر أحمد في ترجمة أمه أنها مكثت في صحبة والده أكثر من ٢٥ سنة، ثم توفيت بظاهر القاهرة يوم الجمعة ٢١ صفر سنة ٧٨٣ هـ وهي شابة، جاوزت الثلاثين بيسير (^٢).\n_________\n(^١) (طرح التثريب في شرح التقريب) جـ ١/¬١٦.\n(^٢) «ذيل ولي الدين» وفيات سنة ٧٨٣ هـ.","vol":"1","page":183},{"text":"فإذا طرحنا العشرين سنة من تاريخ وفاتها ومن عمرها الكلي الذي يزيد يسيرًا عن ٣٠ عامًا كما يقول ولدها، ظهر لنا أن العراقي تزوجها قبل سنة ٧٦٢ هـ بفترة يسيرة، وسنة ٧٦٢ هـ هذه هي التي ولدت في نهايتها وَلَدَها «أحمد»، وتلك الفترة اليسيرة يمكن حصرها بين سنتي ٧٦٠ هـ، ٧٦١ هـ تقريبا، حتى تكون في أقل سن مناسب للزواج، ثم الحمل والولادة لابنها أحمد آخر سنة ٧٦٢ هـ كما ذكر، ويقوي هذا قول ابنها أحمد أيضًا: إن والدها توفي عنها وهي صغيرة فتزوجها والدي يتيمة (^١).\nوعلى ضوء ذلك التقدير التقريبي لزمن زواج العراقي، يظهر لنا أن والده قد أدرك زواجه وميلاد ولده أحمد لتأخرهما عن تاريخ وفاته كما تقدم.\nكما يظهر لنا أن العراقي قد تزوج في نحو السادسة والثلاثين من عمره، بينما كانت الزوجة فوق العاشرة بيسير، ويعتبر علماء الاجتماع في عصرنا، هذا الزواج غير متكافئ من جهة التفاوت الكبير بين سن الزوج والزوجة، بينما نجحت زيجة العراقي واستمرت في وئام حتى وفاة الزوجة كما سلف، ولعل ما سنذكره من حسن أخلاق الطرفين كان عاملا مهما في ذلك.\nويظهر لنا من تاريخ زواج العراقي أيضًا أنه قد تخرج قبله في علوم السنة وألف فيها بعض مؤلفاته؛ لأن شيخه الذي تخرج به في علوم السنة قد توفي سنة ٧٥٠ هـ وفرغ هو من تسويد التخريج الكبير لأحاديث إحياء علوم الدين للغزالي سنة ٧٥١ هـ كما سيأتي.\nوخير من يعرفنا بزوجة العراقي ابنها ولي الدين أحمد، حيث قال بعد ذكر\n_________\n(^١) هـ ذيل ولي الدين، وفيات سنة ٧٨٣ هـ.","vol":"1","page":184},{"text":"تاريخ ومكان وفاتها المتقدمين: «والدتي أم أحمد عائشة بنت طغاي العلائي تغمدها الله برحمته، ماتت مطعونة حاملًا، فحصلت لها الشهادة من وجهين (^١) ولقنها والدي ﵀ سيد الاستغفار، فقالته ثم ماتت ودفنت قبل صلاة الجمعة، وراء الخانقاة الدوادارية، وكانت سليمة الصدر حسنة العشرة والأخلاق، كثيرة الإحسان».\nوَذَهَبَتْ مع والدي إلى الشام في رحلته الأخيرة إليها سنة ٧٦٥ هـ وسمعت الحديث بدمشق، ولم تُحدّث، وحجت أربع حجات وجاورت بالحرمين غير مرة، وكان أبوها من أجناد «أرغون النائب» (^٢) وتوفي عنها وهي صغيرة، فتزوجها والدي يتيمة (^٣).\nومن هذا التعريف نعلم أن زوجة العراقي هذه ليست مصرية الأصل، وإنما هي ابنة أحد الجنود المماليك، ونعلم أنها توفيت بسبب وباء الطاعون الذي اجتاح مصر في ذلك الأوان، ونعلم كذلك أنها كانت زوجة صالحة حسنة الأخلاق وحسنة العشرة لزوجها، رغم تفاوت السن الكبير بينهما كما أوضحنا.\nكما نعلم أنها رافقت زوجها في رحلاته للحج، وطلب العلم وأنه عني بتعليمها، وخاصة علم الحديث الذي هو مجال تخصصه، وإن لم يتح لها أن تنشر ما تعلمته، ثم كانت محل اهتمامه ووفائه، حيث ظل بجانبها وهي في النزع الأخير يلقنها الاستغفار، حرصا على حسن ختام حياتها، كما حرص\n_________\n(^١) من مات بالطاعون أو مع وجود الحمل يُعد شهيدًا.\n(^٢) هو أحد كبار أمراء المماليك وكان نائبا عن السلطان في عصره.\n(^٣) (ذيل ولي الدين) وفيات سنة ٧٨٣ هـ ترجمة عائشة بنت طغاي.","vol":"1","page":185},{"text":"من قبل على تعليمها وتثقيفها بالثقافة الإسلامية الصحيحة، وهكذا فليكن الرجال المؤمنون، والعلماء العاملون مع زوجاتهم، حتى تتكون الأسر الناجحة، وتستقر على أساس العلم والدين والأخلاق، فتخرج لنا أجيالا نافعة يباهي بها في الدنيا والآخرة.\nويظهر لنا من اختيار العراقي لزوجته ابنة الجندي عادي، مع كونها يتيمة وعكوفه على تربيتها، قناعة نفسه وتقديره للمعاني الإنسانية، ولو أنه تطلع للزواج كوسيلة للجاه أو المآرب الدنيوية؛ لما ارتبط بمثل تلك الزوجة بأي حال، وقد اتفقت المراجع على أن العراقي كان ضيق العيش (^١).\nومع ذلك وصف لنا أحمد أمه هذه بأنها كانت كثيرة الإحسان، وفي هذا دلالة على أن قلة إمكانيات العراقي المادية، لم تكن تحمله على التضييق عليها أو منعها عن الإحسان بما تستطيع، كما أن في ذلك أيضا دلالة على قناعتها وكرم نفسيهما؛ حيث يؤثران الإحسان على مطالب النفس.\nوقد عرفنا من ذرية العراقي غير ولده أحمد أبي زرعة المتقدم، ولدا آخر يسمى (محمدا)، ويكنى أبا حاتم ولد سنة ٧٧٠ هـ، حيث أثبت على نسخة من كتاب «المحدث الفاصل» للرامهرمزي إسماعه للكتاب وهو في الرابعة من عمره على بعض شيوخ والده وتاريخ ذلك سنة ٧٧٤ هـ (^٢).\nوعرفنا أيضا كبرى بناته التي تزوجها رفيقه نور الدين الهيثمي كما سيأتي\n_________\n(^١) «المجمع المؤسس» ص ١٧٨ و(الضوء اللامع) للسخاوي جـ ٤/ ١٧٥ و٥ «حسن المحاضرة» للسيوطي ٣٦١، وهـ معجم المطبوعات ولسركيس جـ ٢/ ١٣١٨ و٥ «جزء في التراجم» (مخطوط) بمكتبة تيمور رقم (١٠٩٧٦) تاريخ ص ١٥.\n(^٢) انظر: مقدمة تحقيق المحدث الفاصل، بتحقيق الدكتور محمد عجاج الخطيب ص ١٣١، ١٣٢.","vol":"1","page":186},{"text":"وتُدعى «خديجة» (^١)\nكما عرفنا ابنتين أخريين: إحداهما تُسمَّى (زينب) والأخرى تُسمى «جويرية» (^٢) وهي أصغر من أحمد ومحمد وخديجة.\nومن تاريخ ميلاد محمد وجويرية ظهر لي أنهما من امرأة أخرى تزوجها العراقي بعد وفاة امرأته السابقة أم أحمد، وذلك أن جويرية كما يقول السخاوي ولدت قبل سنة ٧٨٨ هـ تقريبا (^٣).\nبينما يقطع السيوطي بأنها ولدت آخر سنة ٧٩٢ هـ (^٤) وزينب ولدت كما حدد السخاوي قبيل الصبح ليلة ١٢ ذي الحجة سنة ٧٩١ (^٥) وحدد السيوطي بذي الحجة سنة ٧٩٢ هـ (^٦) وكل التواريخ المذكورة كما نرى متأخرة عدة سنوات عن تاريخ وفاة زوجة العراقي الأولى كما قدمناه، ولم يوقفني البحث على معلومات عن تلك الزوجة الثانية، بل لم يتعرض من ترجموا للعراقي لبيان تعدد زواجه هذا، وإنما هو استنتاج من جانبي بدليله المتقدم.\nوقد ترجم العراقي نفسه لولده أحمد كما ترجمه غيره، وترجم السخاوي والسيوطي ابنتيه المتقدمتين، ولما كان الثلاثة من تلاميذ والدهم فسنرجي التعريف بهم إلى موضعه، ونكتفي هنا بالقول: بأن العراقي كما عني بزوجته.\n_________\n(^١) (الضوء اللامع) جـ ٥/ ٢٠١.\n(^٢) المصدر السابق جـ ٤/ ١٧١.\n(^٣) المصدر السابق جـ ١٢/¬١٨.\n(^٤) (نظم العقيان) له ورقة ٢٧ أ (مخطوط بمكتبة الأزهر).\n(^٥) (الضوء اللامع) جـ ١٢/¬٤٢.\n(^٦) (نظم العقيان) له ورقة (٣٠ أ).","vol":"1","page":187},{"text":"السابقة، تربية وتعليمًا، فقد عني بأولاده كذلك، واشتدت عنايته بأحمد حتى تخرج في الحديث على يديه وصار خلفًا له في حمل راية السنة، وامتدادًا كبيرًا لأثره فيها، أما محمد الذي أسمعه في صغره أيضًا، فيظهر أنه توفي مبكرًا حيث لم يظهر له ذكر كأخيه أحمد.\nكما أَسْمَع كُلًّا من زينب وجويرية الحديث منه ومن غيره، وقد حدثتا، كما سنوضحه. ولا شك أنه بذلك قد قام نحو أسرته بواجب الأب ورب الأسرة المسلم، فضلا عن العالم، على الوجه الذي يجعله قدوة صالحة ونموذجًا ينبغي أن يحتذيه من بعده. ونسأل الله توفيقنا لذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-60>توثيق العراقي من خلال أوصافه الظاهرية ومواهبه العقلية وعقيدته وأخلاقه</span>\n<span data-type='title' id=toc-61>أ - أوصافه الظاهرية:</span>\nيَعُدُّ الباحثون أوصاف الشخص البدنية الظاهرة، من عناصر تكامل شخصيته وطبعه (^١) ولا شك أن لها دخلا في نشاط الإنسان وجهوده في الحياة، ولذا عني المؤرخون للأعلام، وخاصة في العصر الحديث ببيان ما تيسر لهم من أوصاف الشخص المدروس وآثارها.\nعلى أن علماء رجال السنة كانت لهم الريادة في هذا، فقد عنوا منذ فجر الإسلام بتدوين كثير من تلك الأوصاف بدقة، حتى صفة الملبس والمأكل، لدخولها في توثيق الرواة وتجريحهم (^٢)، وبالتالي قبول مروياتهم أو ردها، أو المفاضلة بينها، لهذا كله، اهتممنا ببيان ما وصل إلينا من أوصاف العراقي.\n_________\n(^١) «شخصيتك في الميزان» للدكتور عبد الكريم دهينة ص ٧٤.\n(^٢) «فتح المغيث» للسخاوي جـ ٢ ص ٢٧٠.","vol":"1","page":188},{"text":"الظاهرية، لدلالتها على تكامل شخصيته وتوثيقه، وقد كانت أوصافه تلك مما لفت انتباه تلاميذه، فسجلوها ضمن جوانب شخصيته، وعنهم أخذ من ترجمه بعدهم، مع العزو أو بدونه.\nفقال ابن تغري بردي: أخبرني غير واحد من تلامذته أنه كان معتدل القامة، للطول أقرب، مليح الوجه، منور الشيبة، كث اللحية (^١)، وذكر نحو ذلك غير واحد ممن عاصره أو لقي بعض تلاميذه، كابن قاضي شهبه (^٢) وكعلي بن خطيب الناصرية، وفي عبارته: أن العراقي ﵀ كان منور الوجه حسن الشيبة (^٣) وذكر نحوها شهاب الدين ابن حجي شيخ الشام في عصره (^٤) وشهاب الدين الغزي من بعده (^٥).\nوقال ابن حجر تلميذ العراقي الملازم له: وكان الشيخ منور الشيبة جميل الصورة (^٦).\nوقال سبط ابن العجمي تلميذ العراقي الملازم له أيضًا: إنه كان حسن الشكل ظاهر الوضاءة كأن وجهه مصباح (^٧).\nأما أحمد بن العراقي فيعطينا تقريرًا عن الصحة العامة لوالده، حيث يذكر أنه\n_________\n(^١) (المنهل الصافي) له جـ ٢ ورقة ٣١٣ أ (مخطوط) ومعنى كث اللحية: كثيف شعرها.\n(^٢) (الضوء اللامع) للسخاوي جـ ٤ ص ١٧٧.\n(^٣) انظر (مجموعه) (ترجمة عبد الرحيم العراقي).\n(^٤) (طبقات الشافعية) لابن قاضي شهبة ورقة ١١٠ ب.\n(^٥) (بهجة الناظرين) له ص ١٢١.\n(^٦) (المجمع المؤسس) له ص ١٧٧ و(الضوء اللامع) جـ ٤/ ١٧٥.\n(^٧) (الضوء اللامع) للسخاوي جـ ٤ ص ١٧٥.","vol":"1","page":189},{"text":"سمع والده غير مرة يحكي أنه في شبابه أصابته حمى، فذهب إلى النيل وانغمس فيه وهو مستقبل جَرْيَةَ الماء، عملا بحديث «إذا أصاب أحدكم الحمى … فليستنقع في ماء جار، وليستقبل جريته» الحديث (^١).\nفأقلعت عنه الحمى ولم تعد له بعد ذلك. قال أحمد: وقد توفي والدي ﵀ ولي من العمر أكثر من ثلاث وأربعين سنة، ولم أفارقه إلا مدة إقامته بالمدينة الشريفة وهي ثلاث سنين، ومدة رحلتي إلى الشام، وهي دون ثلاثة أشهر، فلم أره حُم قط، حتى ولا في مرض موته، إنما كان يشكو انحطاط قواه، وكان قد جاوز إحدى وثمانين سنة، وذلك بحسن مقصده وامتثاله أمر النبي ﷺ بجد وتصديق وحسن نية (^٢). ومن هذا نعلم أن العراقي تمتع في عموم حياته بالصحة والمناعة ضد الحمى وغيرها من الأوبئة التي تعدد انتشارها في مصر والشام والحجاز كما أوضحنا في حالة العصر. وكما رأينا في وفاة زوجته الأولى بين يديه بوباء الطاعون الذي اجتاح مصر سنة ثلاث وثمانين وسبعمائة للهجرة، ومن قبلها سنة تسع وأربعين وسبعمائة هجرية كما أرخه العراقي بنفسه فيما سيأتي من مؤلفاته، وكان الموتى لا يحصون كثرة ولم تكن أمصال التطعيم المعروفة حاليًا موجودة حينذاك، واحتمل أيضا ما تكرر من مجاعات حتى في سنة وفاته، وخرج من كل ذلك سليما معافى بفضل ما منحه الله من بنية صحيحة قوية، تحملت الجوع وقاومت الأمراض العاتية والأوبئة المتعددة، فظل ناعما بصحته وحواسه، خاليا من العلل المزمنة.\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي من حديث ثوبان وقال هذا حديث غريب. الطب - باب ٣٢، ٦/ ٢٦٠ ح ٢١٦٦ مع تحفة الأحوذي، وانظر (طرح التثريب) للعراقي وولده جـ ٨/ ١٨٨.\n(^٢) (طرح التثريب) جـ ٨/ ١٨٨، ١٨٩.","vol":"1","page":190},{"text":"إلى آخر حياته بحيث لم يشك إلا عوارض الشيخوخة المعتادة من انحطاط القوى؛ لمجاورته الثمانين كما تقدم.\nعلى أن ذلك لا يعني سلامته المطلقة من الوعكات العارضة، كما يفهم من قول تلميذه ابن فهد أنه كان شديد الاحتراز في الطهارة بحيث يناله بسببها مشقة شديدة لا يصده عن ذلك مرض ولا غيره ..\nوله في ذلك أحوال عجيبة لا يخل بها في حضر ولا سفر ولا في صحة ولا مرض (^١). لكن لم يذكر هو ولا غيره إصابة العراقي بمرض عضوي معين أو علة مزمنة.\nومن مجموع ما تقدم يظهر لنا تمتعه بجمال واعتدال الهيئة، وبالطول وتناسق الأعضاء، وسلامة البنية والحواس، خاصة السمع وطلاقة اللسان، كما ستأتي في مواهبه.\nفكان هذا مما مكنه من النهوض برسالته الحياتية والعلمية الشاقة على خير وجه؛ من التعلم والتعليم والرحلات المتعددة في ذلك، عبر الصحاري والبحار بوسائل عصره البدائية (^٢)، ورعايته لأسرته وقيامه بمشاق الاطلاع والتدريس والتصنيف والقضاء وغير ذلك مما سيأتي.\nكما أن ما عُلِم من سلامة سمعه ونطقه يُعدُّ من صفات توثيقه في جهة تخصصه باعتباره راويًا للحديث ومؤديًا له، ويعد ضد ذلك: من ثقل السمع وعيوب النطق المؤثرة، ضمن صفات التجريح للراوي والمحدث، لما يترتب.\n_________\n(^١) (لحظ الألحاظ)، له ص ٢٢٨.\n(^٢) انظر (فتح المغيث) للسخاوي جـ ٢ ص ١٥.","vol":"1","page":191},{"text":"عليهما من خطأ تحمل المرويات وأدائها (^١).\nوقد حرص العراقي نفسه على إثبات ذلك لبعض من ترجمهم من شيوخه وغيرهم في مؤلفاته الآتية في محلها بمشيئة الله، ومثله فعل ابن حجر بالنسبة لغير شيخه العراقي ممن ترجمهم في مؤلفاته في علم الرجال.\n\n<span data-type='title' id=toc-62>ب - مواهبه العقلية:</span>\nكما تمتع العراقي بجمال الصورة وسلامة الجسم والحواس، تمتع أيضًا بالقوى والمواهب العقلية النادرة، فانطبق عليه القول: بأن العقل السليم في الجسم السليم.\nوقد أدرك ذلك أوائل شيوخه وأبرزهم، وسجلوا إعجابهم وتقديرهم، قبل أن يسجل ذلك تلاميذه، ولا شك أنهم جميعًا ألصق من تعامل معه فكريًا من بدء حياته إلى نهايتها، بحيث يعد حكمهم أصدق مقياس لعقلية العراقي وقواه الذهنية، وخير توثيق له.\nفقد قال شيخه عبد العزيز بن جماعة عند توجيهه للتخصص في علوم السنة: «أنت متوقد الذهن (^٢)، أو أراك متوقد الذهن، جيد القريحة فاصرف نفسك للحديث» (^٣).\nأما شيخه في الفقه والأصول عبد الرحيم الإسنوي فكان يصغى لمباحثه في الأصول ويقول: «إن ذهنه صحيح لا يقبل الخطأ،\n_________\n(^١) و«فتح المغيث» للسخاوي جـ ١/ ٢٤٦ ووالمحدث الفاصل، للرامهرمزي ص ٥٨٨.\n(^٢) ولحظ الألحاظ، لابن فهد ص ٢٢٢ و(الضوء اللامع، للسخاوي جـ ٤/ ١٧٢.\n(^٣) ومقدمتي شرحي المناوي الألفية العراقي في السيرة).","vol":"1","page":192},{"text":"ويثني على فهمه ويمدحه» (^١)\nووصفه شيخه في الحديث: تقي الدين السبكي، بالفهم (^٢). وشيخه العلائي بالفهم والحفظ (^٣).\nأما تلاميذه، فمنهم ابن حجر العسقلاني المعروف بنقد شيوخه، وقد قال عن شيخه العراقي: وكان مع ذكائه سريع الحفظ جدا.\nومما مَثَّلَ به لحفظه في بداية حياته العلمية ما ذكره له شيخه العراقي عن نفسه أنه حفظ من كتاب الإلمام (٤٠٠) سطر في يوم واحد (^٤).\nومما مثل به لحفظه في أواخر حياته قوله عن أماليه: (وكان الشيخ يمليها من حفظه متقنة محررة مهذبة) (^٥).\nوهذا يدل على تمتعه بذاكرة جيدة، خالية من الاختلاط والغفلة، خلال حياته العلمية حتى أواخرها، ولم يكتف ابن حجر بوصف شيخه بالذكاء العادي. بل قال: «وكان مفرط الذكاء» (^٦).\nوقال سبط ابن العجمي تلميذ العراقي أيضًا: (إنه كان ذهنه في غاية الصحة) (^٧).\n_________\n(^١) (لحظ الألحاظ) و«الضوء اللامع»، جـ ٤/ ١٧٢.\n(^٢) «لحظ الألحاظ»، ص ٢٢٣.\n(^٣) المصدر السابق ص ٢٢٥.\n(^٤) (المجمع المؤسس) ص ١٧٦ و«الإلمام كتاب في حديث الأحكام»، لابن دقيق العيد وسيأتي التعريف به.\n(^٥) المصدر السابق ص ١٧٨.\n(^٦) «ذيل الدرر الكامنة»، ص ٧٠.\n(^٧) «الضوء اللامع»، جـ ٤/ ١٧٦.","vol":"1","page":193},{"text":"ثم قال ابن حجر في رثائه له:\nوذهن كاشتعال النار لكن … أمنا مع نداه من احتراق (^١)\nويتضح لنا أهمية ذلك حين نعلم أنه أثبت لغير واحد من شيوخه ضد ما تقدم، وخاصة في كتابه «الجمع المؤسس».\nوقال تلميذ العراقي أيضا ابن فهد: «وكان له ذكاء مفرط وسرعة حافظة» (^٢) كما سيأتي عن غير واحد من شيوخه وتلاميذه تلقيبه بحافظ عصره عموما، ويتجاوز الأمر الشيوخ والتلاميذ على تنوع اختصاصهم وسعة آفاقهم، فيقول الإمام المناوي: «وكان مفرط الذكاء جدا، بحيث يضرب به المثل في ذلك» (^٣).\nومن مجموع ذلك يتضح لنا: أن الله تعالى قد وهبه عقلية واستعدادات متكاملة، قوامها حدة الذكاء، وجودة القريحة، وصحة الذهن، وقوة الذاكرة والفهم، وهذا من السمات الدالة على تكامل شخصية العراقي، كما يقرر علماء النفس (^٤)، ومن عناصر توثيقه باعتباره حافظا للسنة وراويا لها كما يقرر علماؤها (^٥)، وبواسطة تلك المواهب والقوى أتيح له بناء نفسه بناء سليما، ووصوله لمكان الريادة في رسالته العلمية، وخاصة حفظ السنة ونشر علومها، حتى حازت كفاءته إعجاب أساتذته وطلابه معا ثم من تلاهم.\n_________\n(^١) «مجموع ابن خطيب الناصرية» (ترجمة عبد الرحيم العراقي).\n(^٢) «لحظ الألحاظ» لابن فهد ص ٢٢٦.\n(^٣) «مقدمتي شرحي المناوي الألفية العراقي في السيرة».\n(^٤) «شخصيتك في الميزان» للدكتور عبد الكريم دهينة ص ٧٤.\n(^٥) انظر: «فتح المغيث» للعراقي جـ ٢/¬٢، ٣، ٣٣ - ٣٥ و«فتح المغيث» للسخاوي جـ ٢/ ٢٧٦، ٢٦٨.","vol":"1","page":194},{"text":"وباستعراض ما تقدم عن شيوخ العراقي وتلاميذه وغيرهم لا نجد مبالغة في وصف نبوغه أفضل من قول شيخه الإسنوي: «إن ذهنه صحيح لا يقبل الخطأ» فحمل ذلك على الحقيقة في رأيي غير ممكن؛ بدليل أن العراقي نفسه أثبت أنه قبل ما قرره بعض العلماء وأثبته في تأليفه ثم تبين له خطؤه، فأثبت في تأليف آخر رجوعه عنه (^١).\nونبهه أيضًا تلميذه ابن حجر لبعض الأخطاء التي أوردها في تأليف له، فقرر أنه تبع فيها غيره، ثم أصلحها، وأثبت ولده أيضًا بعض الأوهام له كما سيأتي. على أن ذلك لا يقدح في توثيقه المتقدم وعبقريته العلمية المتفق عليها؛ لأنها أوهام يسيرة لا يبرأ منها غير من عصمه الله، فلا تمثل طعنًا بالنسبة له بدليل أن من أثبت بعضها كولده وكتلميذه ابن حجر، اعتمد كل منهما على آرائه ومؤلفاته الواردة فيها تلك الأوهام في بحوثهما ومؤلفاتهما، خاصة في مواطن الاستدلال والترجيح كما ستأتي أمثلة ذلك، كما أنهما أيضًا أثبتا له صفات التوثيق المتقدم نقلها عنهما.\nولعلي بهذا قد أثبت ما للعراقي وما عليه في هذا الصدد منعًا للمبالغة في توثيقه، ودفعًا لمظنة تجريحه بالوهم أو الغفلة.\n\n<span data-type='title' id=toc-63>جـ - عقيدة العراقي:</span>\nتطلق العقيدة على مجموعة المبادئ والقيم التي يدين بها الشخص وتستقر في قلبه ووجدانه، فتصبح جزءًا أساسيا من كيانه، وتتشكل على أساسها شخصيته، حتى يصدر عنها في أفكاره واتجاهاته، وينطلق منها في أقواله وأفعاله وسلوكه.\n_________\n(^١) انظر «التقييد والإيضاح» له ص ٣٩١، ٣٩٢، ٣٩٥، ٣٩٦.","vol":"1","page":195},{"text":"ومن هنا كان تبيين عقيدة الإنسان هو مفتاح شخصيته، وكان اختلاف المذهب الاعتقادي بين الفرق الإسلامية من أسباب الطعن في رواة السنة وحفاظها، وكانت طامة الوضع في الحديث، وثورات الفتن والبدع بسبب اعتقادات الفرق المثيرة للتعصب والهوى، حتى زمن العراقي كما أشرنا في حالة العصر (^١).\nولهذا عُدّت معرفة عقيدة الراوي للسنة، والباحث فيها والمتصدي لجرح رجالها وتعديلهم مثل الحافظ العراقي، من ضمن أحوال الرجال اللازم بيانها واعتبارها عند التعريف بهم وبحث تراثهم والاستفادة منه (^٢).\nإذ إن رواية الراوي ورأي العالم المؤيدان لعقيدته ومذهبه أو الطاعنان في مخالفه، قد يُحكم برد أيّ منهما، أو يتوقف فيه حتى يتوفر له دليل مُعتبر، أو عاضد من طريق آخر (^٣).\nمن أجل ذلك كله لزمنا بيان المذهب الاعتقادي للحافظ العراقي كجانب أساسي في شخصيته ومفتاح لها ودليل لتوثيقه وأساس لتقييم جرحه وتعديله لغيره، وكذا لتقييم عامة بحوثه في السنة ولكشف منزعه في آرائه ومواقفه.\nوخير ما نعتمد عليه في ذلك ما يلي:\n١ - طبيعة العصر الذي عاش فيه، من حيث ما ساد فيه عموما، من\n_________\n(^١) وانظر كذلك «البيان والتوضيح» لولي الدين ابن العراقي ص ٢ (مخطوط مصور) و«شرح إحياء علوم الدين» لمرتضى الزبيدي جـ ١/ ٥١ و«فتح المغيث» للعراقي جـ ١/ ١٢٨، ١٢٩، ١٣٣، و«فتح المغيث» للسخاوي جـ ١/ ٢٣٩، ٢٤٠، ٢٤٥ وجـ ٢/ ٣٠٤، ٣٠٥.\n(^٢) «شرح الإحياء» جـ ١ ص ٥١، ١٥١.\n(^٣) «فتح المغيث» للسخاوي جـ ١/ ٣٠٧.","vol":"1","page":196},{"text":"الاتجاهات والمذاهب الاعتقادية\n٢ - من لازم العراقي، وخَبَرَ حاله من تلاميذه.\n٣ - ما سجله هو بنفسه، في مجال العقائد، وما يتعلق بها.\nفبالنسبة لطبيعة العصر، كما قدمنا، كان عصر مناصرة لأهل السنة والمحدثين، ومناهضة - لدرجة القتال - للشيعة وغيرهم من المبتدعين والملحدين، وكانت عقيدة الأشاعرة أكثر المذاهب انتشارًا، ونفوذا، في الأمصار الإسلامية، حينذاك شرقا وغربا، وكان من الحكام من حمل الناس عليها حملا، وعاقب المخالف لها، وكانت تشترط في تولي كثير من الوظائف التدريسية وغيرها في مدارس الحديث وغيرها من كبريات المدارس، في مصر والشام، وكذا في الخوانك، والزوايا، والربط (^١).\nومع هذا، كان هناك انتشار قليل، وثبات لعقيدة السلف التي من أهم مميزاتها: نبذ الابتداع في الدين، وإثبات ما ورد من الصفات الإلهية، دون تأويل، ولا تعطيل، ولا تشبيه، ومن أبرز من حمل لواءها في عصر العراقي، ولاقى المحن من مخالفيها، مع بطشهم وسلطانهم، الإمام أحمد بن عبد الحليم، المعروف بابن تيمية المتوفى سنة ٧٢٨ هـ (^٢)، ومن بعده تلميذه الفذ،\n_________\n(^١) الخطط والآثار، للمقريزي ٢/ ٣٤٣، ٣٤٤ - ٥ «ذكر مذاهب أهل مصر ونخلهم …» و٣٥٨ (ذكر الحال في عقائد أهل الإسلام، منذ ابتداء الملة الإسلامية إلى أن انتشر مذهب الأشعرية، وطبقات الشافعية لابن السبكي ١٠/ ٢٠٠) (ترجمة تقي الدين السبكي)، وذيل طبقات الحفاظ للسيوطي/ ٣٥٣.\n(^٢) الخطط والآثار للمقريزي ٢/ ٢٥٨، ٢٥٩ (ذكر الحال في عقائد أهل الإسلام …) والبدر الطالع للشوكاني ١/ ١٦٣ وما بعدها.","vol":"1","page":197},{"text":"محمد بن أبي بكر، المعروف بابن القيم، المتوفى سنة ٧٥١ هـ (^١) رحمهما الله.\nولم تكن المجاهرة - حينذاك - بالانتماء لعقيدة السلف، كما يراها ابن تيمية، بالأمر الهين (^٢).\nأما الصوفية، فكانت لهم طرق مبتدعة، واصطلاحات مخترعة، تناقض ما كان عليه السلف، ومع ذلك، كان ظهور أمرهم، وقبول الكثير منهم، لدى العامة والخاصة، والحكام، وأصحاب النفوذ، أمر لا يحتاج إلى تدليل.\nومن ذلك يظهر لنا، أن طبيعة العراقي، في اتجاهها العام، لم تتوفر فيها العوامل المساعدة على نصرة عقيدة السلف، متكاملة، رغم أنها الحق، المؤيد بالكتاب والسنة، والذي صلح به أول الأمة، وسلفها الصالح.\nوبرغم ذلك كله، فإنه قد تيسر لنا - بحمد الله - من شهادة من لازم العراقي من تلامذته، ومما سجله العراقي بنفسه، ما يفيد التزامه العام بطريقة السلف الصالح، غير ملتفت لمن خالف، سواء كان أشعريا، أم صوفيا، أم غير ذلك\n. ٢ - فبالنسبة لتلامذته الملازمين، والمعاصرين له، نجد تقي الدين، محمد بن محمد، المعروف بابن فهد المكي، يقول: كان رحمه الله تعالى، صالحا خيرا، دينا، ورعا، عفيفا، صينا ..، منجمعا (^٣) كثير الوقار، قليل الكلام، إلا\n_________\n(^١) الدرر الكامنة لابن حجر ٤/¬٢١ وما بعدها، وابن القيم وموقفه من التفكير الإسلامي. للأستاذ الدكتور/ عوض الله حجازي/ ٢٣، ٤٠، ٥٥.\n(^٢) انظر البدر الطالع للشوكاني ١/ ٢٦٧ (ترجمة سليمان بن حمزة، تقي الدين، ابن قدامة) و١/ ٦٧.\n(^٣) أي يخلو بنفسه بعيدا عن الناس بعد أداء واجباته من التعلم والتعليم وغيرها من الواجبات المشروعة وهذه صفة ترد كثيرا في كتب التراجم بالنسبة للصوفية وهي من آدابهم.","vol":"1","page":198},{"text":"في محل الضرورة، فإنه يكثر الانتصار، تاركًا لما لا يعنيه، … شديد التواضع، كثير الحياء، ليس بينه وبين أحد شحناء، حليمًا، واسع الصدر، طويل الروح، لا يغضب إلا لأمر عظيم، ويزول في الحال، ليس عنده حقد ولا غش ولا حسد لأحد، ولا يواجه أحدًا بما يكره، ولو آذاه، وعاداه، مع صدعه بالحق، وقوة نفسه فيه، لا يأخذه في الله لومة لائم … لا يهاب سلطانا، ولا أميرًا في قول الحق، وإن كان مُرًا، يتشدد في موضع الشدة، ويلين في موضع اللين، كثير التلاوة (^١) إذا ركب (^٢) ماشيًا على طريقة السلف الصالح من المواظبة على قيام الليل وصيام الأيام البيض من كل شهر والست من شوال والجلوس في محله مع الصمت إلى أن تطلع الشمس (^٣).\nويقره على ذلك التلميذ الملازم سبط ابن العجمي فيقول: «أن شيخه العراقي كان على طريق السلف من الدين والأوراد وإدامة الصوم وقيام الليل ومن رآه عرف أنه رجل صالح» (^٤).\nثم يذكر ابن حجر بعض الإضافات ويؤكد ما أثبته بالملازمة الطويلة له فيقول أنه «كان شديد التوقي في الطهارة وسليم الصدر متواضعًا، منجمعًا وقد لازمته فترة فلم أره ترك قيام الليل، بل صار له كالمألوف، وكان - غالبًا - إذا صلى الصبح استمر في مجلسه مستقبل القبلة، خاليًا ذاكرًا إلى أن تطلع الشمس، ويتطوع بصيام ثلاثة أيام من كل شهر وستة شوال، وكان كثير\n_________\n(^١) أي قراءة القرآن.\n(^٢) أي عند السفر والإنتقالات.\n(^٣) «لحظ الألحاظ»، لابن فهد ص ٢٢٨/ ٢٢٩.\n(^٤) «الضوء اللامع»، للسخاوي جـ ٤/ ١٧٥.","vol":"1","page":199},{"text":"التلاوة إذا ركب» (^١).\nوقال مرة ثانية: «ولازمته طويلا وكان لا يترك قيام الليل، وإذا صلى الصبح ذكر الله في مجلسه حتى تطلع الشمس ويصلي الضحى، ولم أر في مشايخي أحسن صلاة منه (^٢) وكانت مدة ملازمته له نحو عشر سنوات من آخر حياته كما سيأتي».\nأما ولد العراقي ولي الدين الذي تقدم أنه لازم والده فوق الأربعين سنة حتى وفاته فقد وصفه بحسن المقصد وامتثال أمر النبي ﷺ بجد وتصديق وحسن نية.\nومن هذا يتضح لنا الإتفاق بين أكثر من واحد من الملازمين والمعاصرين له على صلاحه وورعه وسلامة صدره وضميره من الغش والحقد واقتصاره بعيدا عن الفتن والصراعات المذهبية التي سادت عصره كما أشرنا مع شجاعته في قول الحق دون أن تأخذه في ذلك لومة لائم، وحنكته التي تجمع بين الشدة واللين، وتضع كلا منهما موضعه، وإقرار شهود العيان بالتزامه بكتاب الله وسنة رسوله قولا وعملا التزاما قائما على الجد واليقين، خاليا من التكلف والتظاهر، بل هو كالمألوف له، مما يجعل من يراه يتملكه الإحساس بأنه أمام رجل صالح، ومن يعاشره يتأكد له مشيه على طريق السلف الصالح، ومن هذه المظاهر العديدة يمكننا الاستدلال على أنه كان في الجملة سلفي العقيدة، تابعا لأهل السنة والجماعة مجانبا لغيرهم من أهل البدع والإلحاد.\n_________\n(^١) (المجمع المؤسس) لابن حجر ص ١٧٨.\n(^٢) «ذيل الدرر الكامنة» له ص ٧٠ و(الأعلام) جـ ٤/ ورقة ٢١٩ ب و(طبقات الشافعية) ورقة ١١١ أ كلاهما لابن قاضي شهبة و«بهجة الناظرين» للغزي ص ١٣١ و(البدر الطالع) للشوكاني جـ ١/ ٣٥٥.","vol":"1","page":200},{"text":"ذلك أن السلف هم صحابة رسول الله ﷺ الذين تلقوا عنه عقيدة الإسلام ونشروها وطبقوها في أنفسهم وأعمالهم وعلى منوالهم جرى التابعون لهم بإحسان والأئمة الصالحون وعقيدة أهل السنة هي الإيمان بما كان عليه الرسول ﷺ وأصحابه والتابعون والأئمة الصالحون بعدهم (^١) وتفصيل فرقهم ومذاهبهم الاعتقادية في الله وملائكته وكتبه ورسله وعالمي الدنيا والآخرة، محله كتب العقائد (^٢) ومن عداهم ملحدون أو مبتدعون، وفرقهم وعقائدهم أيضًا مفصلة في محلها (^٣).\nوسنورد بعض الأمثلة التفصيلية في محل تناول العراقي لها بمشيئة الله؛ لأن المقصود هنا بيان مذهبه الاعتقادي بصفة عامة.\nوبالنسبة لما سجله العراقي بنفسه فإننا نذكر كذلك أمثلة عامة وندع التفاصيل المحلها.\nفمن ذلك: أنه نسب نفسه لعلم الأثر، كما تقدم، واختص فعلا، بالتبحر فيه حتى لقب بـ «حافظ العصر»، وأقر له بذاك القاصي والداني، وأهل هذا العلم، هم أولى الناس بالتزام عقيدة السلف؛ لقيامها على ما أُثر، من الكتاب والسنة، وما جرى عليه سلف الأمة الصالح (^٤).\nومما سجله العراقي بنفسه أيضًا، تصديه لشرح كتاب (الاعتقاد الصغير)\n_________\n(^١) «أصول الدين» للبزدوي ص ٢٣٥ - ٢٣٧، ٢٤٢ و٥ «شرح الإحياء» للزبيدي جـ ٢/¬٦، ٧.\n(^٢) انظر: «أصول الدين» للبزدوي ص ٢٤٢ - ٢٤٦ وشرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز ٧٠ وما بعدها ط المكتب السلامي بتخريج الشيخ الألباني ﵀.\n(^٣) المصدر السابق ص ٢٣٧ - ٢٤٠ و«تلبيس إبليس» لابن الجوزي ص ١٨ - ٢٢.\n(^٤) انظر عقيدة السلف وأصحاب الحديث، للإمام إسماعيل الصابوني - ضمن المجموعة المنيرية ١/ ١٠٥","vol":"1","page":201},{"text":"للبيهقي (^١) وهو كتاب نص فيه البيهقي على أنه أودعه اعتقاد أهل السنة والجماعة وأقوالهم مبينا ما يجب على المكلف اعتقاده والإعتراف به وما ينبغي أن يكون شعارا للمؤمن في سلوكه، والأمر بالمعروف والنهي عن البدع مستندا في ذلك على الكتاب والسنة والعقل الصحيح (^٢).\nوكتاب العراقي، في شرح كتاب البيهقي المذكور، لم يكمل، كما سيأتي، ولكن أنجز العراقي منه قدرًا يسيرًا، ثم لم يتيسر لي الوقوف عليه، ولا على بعض نقول عنه، رغم البحث والتتبع، غير أن ما ثبت لنا من الموضوع العام للكتاب المشروح، كما سبق، وما ثبت أيضًا من تصدي العراقي لشرحه، يدلنا على إلمامه العام بمشتملاته، ودرايته لها، وهذا مما يفيد - من حيث الجملة - انتماء العراقي لعقيدة أهل السنة والجماعة.\nوهناك أمثلة تفصيلية من أقواله وآرائه في مؤلفاته وخارجها تؤكد إيمانه بهذه العقيدة وتتضمن رده على أشهر فرق المبتدعة والملحدين، ونقده لمن تبعهم.\nفنجده يؤكد تحذير الرسول ﷺ للأمة من الاختلاف، ونهيه عن المحدثات في الدين واعتبارها ضلالة عقوبتها النار، ووصيته بتقوى الله وطاعة ولي الأمر الشرعي ولو كان عبدا حبشيا، وأمره بالحرص الشديد على سنته وسنة الخلفاء الراشدين من بعده (^٣).\nوفي هذا رد من العراقي على الشيعة الذين لا يقرون بالإمامة لغير سيدنا علي.\n_________\n(^١) مجموع ابن خطيب الناصرية (ترجمة العراقي) مخطوط.\n(^٢) انظر الاعتقاد للبيهقي، مقدمته ص ٣٣، وخاتمته ص ٣٧٧ من طبعة دار الآفاق الجديدة، بيروت.\n(^٣) «الباعث على الخلاص» له ص ٢ (مخطوط بدار الكتب المصرية).","vol":"1","page":202},{"text":"﵁ (^١) وعلى غلاتهم الروافض الذين يبغضون أبا بكر وعمر وعثمان ﵃، وعلى الخوارج المغالين في حب أبي بكر وعمر ﵄ حتى أبغضوا لذلك سيدنا عليا ﵁ (^٢).\nوأورد أيضًا ما ثبت عن الرسول ﷺ وعن بعض أصحابه بشأن افتراق المسلمين فرقًا متعددة وتجاري الأهواء بهم، وتقريره ﷺ أن جميع الفرق في النار إلا واحدة وهي الجماعة التابعة لما كان عليه ﷺ هو وأصحابه (^٣).\nونجده أيضًا يقرر أن نضرة أهل الحديث تجلو ظلمة الابتداع وصداه (^٤) ويقرر اعتبار الشيعة من المبتدعة (^٥) لكنه لا يتحامل عليهم فلا يجرح منهم إلا الغلاة والدعاة لمذهبهم (^٦).\nكما يبعد عن الاعتقاد الصحيح كلا من الفلاسفة (^٧) والمرجئة (^٨) والمعتزلة (^٩) والملحدين (^١٠) وقد مثل ابن حجر للملحدين بمن يقول باتحاد الخالق بالمخلوق\n_________\n(^١) (تلبيس إبليس) لابن الجوزي ص ٢١.\n(^٢) (أصول الدين) للبزدوي ص ٢٣٦، ٢٣٧.\n(^٣) (الباعث على الخلاص) له ص ٧ - ١٠.\n(^٤) (الجواهر والدرر) للسخاوي ورقة ١٥٢.\n(^٥) (فتح المغيث) له جـ ٢/¬٢٧ أصل و٢٨ أصل وهامش.\n(^٦) (الجواهر والدرر) ورقة ٥٢ و(فتح المغيث) له جـ ٢/¬٢٦، ٢٧.\n(^٧) انظر في التعريف بهم: (أصول الدين) للبزدوي ص ٢٣٧، ٢٤٠.\n(^٨) المصدر السابق ص ٢٥٢.\n(^٩) المصدر السابق ص ٢٤٩، ٢٥٠.\n(^١٠) (بهجة الناظرين) للغزي ص ١٤٢.","vol":"1","page":203},{"text":"من الصوفية في عصره. وقد رد العراقي عليهم في هذا وفي غيره (^١).\nوقد وجدنا العراقي أيضًا يؤيد مذهب أهل السنة ويرد على القدرية (^٢) كما ينزه الله تعالى عن التشبيه (^٣)، والتجسيم (^٤) ويقر تأويل أهل العلم للقرآن والسنة واختلافهم في ذلك طلبا للصواب (^٥).\nوأيضًا فقد قرر العراقي - علانية - في إحدى فتاواه، تلقيب تقي الدين ابن تيمية بـ (الشيخ الإمام) (^٦)، وهذا يرادف التلقيب بـ (شيخ الإسلام) (^٧). ومعروف أن ابن تيمية كان رائد عقيدة السلف، في عصر العراقي، كما قدمت (^٨) وكان تلقيبه - علانية - يمثل ما لقبه العراقي به، مما يعرض قائله للطعن في دينه، وللمخاطرة بحياته (^٩)، ومع ذلك سجله له العراقي وثبت عليه.\nوفي رثائه لشيخه الإسنوي، يقول:\n_________\n(^١) البعث على الخلاص/ ١٤/ ب، ١٥/ أ، ب، وتنبيه الغبي على تكفير ابن عربي - للبقاعي/ ٢٣، ٥٢، ١٢١ من الطبعة المعنونة بـ (مصرع التصوف) بتحقيق وتعليق/ عبد الرحمن الوكيل …\n(^٢) (تكملة شرح الترمذي) له ورقة ١٢٠٥، ٢١٢ ب (مخطوط بدار الكتب المصرية) وانظر (أصول الدين) للبزدوي ص ٢٤٩، ٢٥٠.\n(^٣) (ألفيته في السيرة) (باب تأييده ﷺ بمعجزة القرآن) / الأبيات من ١٣ - ١٧ (مخطوط بدار الكتب).\n(^٤) (ألفيته في غريب القرآن) (البيت الخمسون ص ٦١ هامش كتاب (التيسير في علوم التفسير) للشيخ عبد العزيز الدريني).\n(^٥) (تكملة شرح الترمذي) له جـ ١/ (ورقة ٢٥ ب) (مخطوط مصور).\n(^٦) ينظر الرد الوافر لابن ناصر الدين/ ١٨٠.\n(^٧) الرد الوافر/ ٥٠\n(^٨) وانظر كذلك الرد الوافر/ ٧٠.\n(^٩) الرد الوافر ٤٩، ٥٠، ٥٥، ٥٦ والبدر الطالع للشوكاني ١/ ٦٧.","vol":"1","page":204},{"text":"صحيح اعتقاد لم يكن متفلسفًا ولا شأنه إرجاؤها واعتزالها (^١).\nالنتيجة:\nوعلى ضوء ما تقدم يتجلى لنا سلامة عقيدة العراقي بالدلائل والقرائن، وبالتالي توثيقه بموجب القواعد النقدية لعلم الرجال المستندة على أدلة الشرع وطابع العصر وشهادة من لازم الرجل وخبر سلوكه العملي سنين طويلة حتى لقي ربه وعلى ما سجله هو بنفسه كما رأينا في أكثر من مؤلف ومناسبة، وهذا مما يجعلنا نسير على بصيرة واطمئنان في متابعة بقية جوانب شخصيته ثم في بحث تراثه العلمي وتقييمه بإذن الله.\n\n<span data-type='title' id=toc-64>د - أخلاق العراقي:</span>\nما قدمناه عن أهمية العقيدة بالنسبة لشخصية الحافظ العراقي وتوثيقه ينسحب في غالبه على أخلاقه؛ لأنها في الاعتبار مكملة للعقيدة، سواء ما كان مظهرا تطبيقيا لها، كبعض المظاهر التي أوردناها كدليل على سلامة عقيدته، أو ما كان راجعا لطبيعته الفطرية لتأثره بها، أو ما كان مكتسبا من البيئة والثقافة لالتزامهما بها.\nلهذا كان لابد من تجليتنا للجانب الخلقي من شخصية الحافظ العراقي استكمالا لتصويرها ولعناصر توثيقها، ونعتمد في هذا أيضًا على ما اعتمدنا عليه بالنسبة للعقيدة.\nفنجد بالنسبة لعصره أن المقياس المعتبر للأخلاق هو التزام آداب الشريعة الإسلامية والاقتداء بالسلف الصالح ونبذ الغلو والابتداع، وقد تجلى ذلك.\n_________\n(^١) ينظر ص ١٨٥، وبهجة الناظرين ص ١٤١.","vol":"1","page":205},{"text":"بأجلى صوره ومعانيه في شخص الحافظ العراقي، كما توفرت له البيئة والقدوة الصالحتان المعينتان على ذلك منذ صغره كما أوضحناه، هداه الله للاعتقاد الصحيح، ومنحه الاستعداد الطيب، والطبع المعتدل، والهمة العالية للتمسك والاقتداء الواعي.\nومصداق ذلك ما قدمنا في مظاهر اعتقاده وما نُضيفه ها هنا مما شهد به تلاميذه وقرره مؤرخوه؛ فقد اتفقوا على أنه كان دَيِّنا (^١) أي شديد التمسك بأحكام الدين وآدابه، خَيِّرا (^٢) أي محبًا لحصول الخير للناس، ساعيا في إيصاله لهم، دون أن يمن بذلك أو يتطلع للعوض أو يتعالى؛ فقد كان متواضعا (^٣)، بل شديد التواضع حتى لا يرى له على أحد فضلا (^٤).\nومع ضيق عيشه كما قدمنا، فإنه اتصف بغاية الكرم والإيثار وأنه ليس للدنيا عنده قيمة، ولا يأكل طعامه وحده أبدًا (^٥)، وذلك هو جماع حقيقة الزهد (^٦) ورضاء النفس بمحصول سعيها.\nوتخلق أيضًا بالورع والعفاف والصيانة (^٧) ومقتضى ذلك تجنبه للشبهات.\n_________\n(^١) «لحظ الألحاظ» لابن فهد ص ٢٢٨، ٢٣٤ و«الضوء اللامع» للسخاوي جـ ٤/ ١٧٦.\n(^٢) المصدر السابق ص ٢٢٨.\n(^٣) «المجمع المؤسس» لتلميذه ابن حجر ص ١٧٨ و«ذيل التقييد» لتلميذه التقي الفاسي ورقة ٢١٩ ب و«لحظ الألحاظ» لتلميذه ابن فهد ص ٢٢٨، ٢٢٩ و«الضوء اللامع» للسخاوي جـ ٤/ ١٧٠.\n(^٤) «لحظ الألحاظ» لابن فهد ص ٢٢٨.\n(^٥) «مجموع ابن خطيب الناصرية» (ترجمة عبد الرحيم العراقي).\n(^٦) انظر «تعريفات» الجرجاني ص ٦١.\n(^٧) «لحظ الألحاظ» ص ٢٢٨، ٢٢٩ و«الضوء اللامع» للسخاوي جـ ٤/ ١٧٦.","vol":"1","page":206},{"text":"ومواقعها، فضلًا عن المحرمات، وترفعه عن الدنايا، وعن الخضوع لشهوات النفس والهوى (^١)، ويؤيد هذا أنه لم يُعرف عنه تزلُّف ولا تملُّق لأحد، ولا تنازع على مطلب دنيوي، مع نسبة ذلك إلى كثير من المنتسبين للعلم والصلاح في عصره.\nواتصف أيضًا بنقاء العرض (^٢)، مع وجود البغاء والمفاسد في عصره مترددة بين العلن والخفاء كما قدمنا، وقد أشار تلميذه ابن حجر لهذا في رثائه له حيث يقول:\nفما فَتَتْهُ كأس بالتشام … ولا ألهاه ظبي باعتناق (^٣)\nونلاحظ فيما وصل إلينا من تفصيل طباع العراقي وسلوكه ومواقفه أنه قد جمع فيها بين الحسن والإتزان والتكامل، فمع شدة احتياطه في التطهر، لم يخرجه هذا إلى حد الوسوسة (^٤)، بينما أدى نحو هذا الاحتياط في العبادة بعض علماء عصره للوسوسة.\nومع اتصافه بالإقلال من الكلام (^٥) اتصف بأنه عند ضرورة نصرة الحق بالكلمة يكثر الكلام في نصرته (^٦).\n_________\n= و«مقدمتي شرحي المناوي لألفية العراقي في السيرة».\n(^١) «تعريفات» الجرجاني ص ٨١، ١٣١.\n(^٢) و«لحظ الألحاظ» ص ٢٢٩ وهـ «الضوء اللامع» جـ ٤/ ١٧٥.\n(^٣) «إنباء الغمر» لابن حجر ج ٢/ ٢٧٩ و«حسن المحاضرة» للسيوطي جـ ١/ ٣٦١ وفيها و«شغلته» بدل و«فتنته».\n(^٤) «المجمع المؤسس» ص ١٧٨ و«الحظ الألحاظ» ص ٢٢٨ وهـ «الضوء اللامع» جـ ٤/ ١٧٥.\n(^٥) «المجمع المؤسس» ص ١٧٨.\n(^٦) و«مجموع ابن خطيب الناصرية» ترجمة (العراقي) و(لحظ الألحاظ) ص ٢٢٨.","vol":"1","page":207},{"text":"ومع أنه كان يصدع في كلامه أرباب الشوكة والجاه (^١) فإنه كان حلو المحاضرة (^٢) يقول النادرة والفكاهة الحسنتين (^٣).\nوإلى جانب اتصافه بالإنجماع على نفسه وتركه لما لا يعنيه (^٤) فإنه لم يكن انطوائيا ولا سلبيا، بدليل ما سيأتي في نشاطه العلمي والاجتماعي ومخالطته في ذلك الخاص والعام، وإقامته العلاقات الودية مع فضلاء عصره ومع اتصافه بكثرة السكون والهدوء (^٥) وشدة الحياء حتى قل أن يواجه أحدًا بما يكره ولو آذاه وعاداه (^٦)، فإنه كان مقدامًا ذا مروءة ونخوة، قوي النفس في الصدع بالحق، لا يأخذه في الله لومة لائم، وإذا قام في أمر لا يرده عنه أحد، ولا يقوم شي دونه، ولا يهاب سلطانا ولا غيره في قول الحق وإن كان مرا (^٧). ولا شك أن عفته وغيرته وقوة يقينه بأن النفع والضر بيد الله وحده كل ذلك\n_________\n(^١) (المنهل الصافي) لابن تغري بردي جـ ٢/ ورقة ٣١٣ أ و«الضوء اللامع» جـ ٤/ ١٧٧.\n(^٢) «المنهل الصافي» جـ ٢/ ٣١٣ أ.\n(^٣) (مجموع ابن خطيب الناصرية) (ترجمة العراقي) و«المجمع المؤسس»، ص ١٧٨ و«الضوء اللامع» جـ ٤/ ١٧٥.\n(^٤) (مجموع ابن خطيب الناصرية) (ترجمة العراقي) و«المجمع المؤسس»، ص ١٧٨ و(الحظ الألحاظ) ص ٢٢٨ و(الضوء اللامع) جـ ٤/ ١٧٥.\n(^٥) (المنهل الصافي) جـ ٢/ ٣١٣ أ و«مجموع ابن خطيب الناصرية» (ترجمة العراقي).\n(^٦) (مجموع ابن خطيب الناصرية) (ترجمة العراقي) و«المجمع المؤسس»، ص ١٧٨ و(الحظ الألحاظ) ص ٢٢٩ و«الضوء اللامع» جـ ٤/ ١٧٥.\n(^٧) (مجموع ابن خطيب الناصرية) (ترجمة العراقي) و«المجمع المؤسس»، ص ١٧٨ و«الحظ الألحاظ»، ص ٢٢٩، ٢٣٤ و«المنهل الصافي» جـ ٢/ ٣١٣ أ و«الضوء اللامع» جـ ٤/ ١٧٦، ١٧٧ و(مقدمة شرح المناوي الموجز لألفية العراقي في السيرة).","vol":"1","page":208},{"text":"مما أعانه على تلك الجرأة المحمودة في الحق.\nوستأتي له أيضا بعض المواقف في سبيل السنة تدعم ذلك.\nعلى أن هذا المسلك القوي لم يصل به إلى التعصب الممقوت، أو يخرجه إلى الغلظة أو الاندفاع، بل صاحبته حنكة، واتزان، فكان يتشدد في موضع الشدة ويلين في موضع اللين (^١)، حليما واسع الصدر طويل الروح، لا يغضب إلا لأمر عظيم ويزول في الحال، وليس بينه وبين أحد شحناء، وليس عنده حقد ولا غش ولا حسد (^٢) وللناس به أُنس (^٣).\nومع اتصافه بالظرف (^٤) وطيب الروح وخفة الخاطر ولطف الطبع والمزاج (^٥) فإن ذلك لم يذهب بوفرة حرمته، وتمتعه بالمهابة والجلالة وكثرة الوقار (^٦).\nهذا مجمل ما شهد به تلاميذ العراقي من أخلاقه الجبلية التي فطره الله عليها، والمكتسبة من بيئته وعلمه.\nوليس منهم من ادعى الإحاطة بجميعها، بل شُفِعَتْ تلك الأوصاف التفصيلية بعبارات التعميم، كقول تلميذه التقي الفاسي: «وكان كثير\n_________\n(^١) «لحظ الألحاظ»، ص ٢٢٩.\n(^٢) المصدر السابق ص ٢٢٨.\n(^٣) (الضوء اللامع) جـ ٤/ ١٧٨.\n(^٤) «ذيل التقييد» للتقي الفاسي ٢٢٠ أ.\n(^٥) (مجموع ابن خطيب الناصرية) (ترجمة العراقي) و«المجمع المؤسس»، ص ١٧٨، وهـ «المنهل الصافي» جـ ٢/ ٣١٣ أ.\n(^٦) «لحظ الألحاظ» ص ٢٢٩ و«الضوء اللامع» جـ ٤/ ١٧٥.","vol":"1","page":209},{"text":"الفضائل والمحاسن» (^١).\nوكقول تلميذه الأقفهسي: «ومحاسنه كثيرة» (^٢).\nوقول تلميذه ابن فهد: «وكان ذا أخلاق حسنة، ومحاسنه جمة» (^٣).\nوكقول تلميذه برهان الدين الحلبي: «وكان كريم الأخلاق حسن الشيمة والأدب ومحاسنه كثيرة» (^٤).\nوقد كان هذا مما جعل الشوكاني يقول: «وقد ترجمه جماعة من معاصريه ومن تلامذته ومن بعدهم، وأثنوا عليه جميعا وبالغوا في تعظيمه» (^٥).\nويعتبر ما سجله العراقي بنفسه في مؤلفاته وما سيأتي من مواقفه مطابقا لكل ما ذُكر عنه بالتفصيل وأشير إليه بالإجمال.\nففي نهاية كتابه في أحاديث الأحكام، عقد عدة أبواب للأخلاق الواردة في السنة والتي ينبغي على المؤمن إلتزامها في نفسه وأهله، ومن بينها ما سبق اتصافه به، كحفظ المنطق والتواضع، والنهي عن الكبر والعجب (^٦) ورجاء الله وخوفه (^٧).\nفي حين نجد غيره ممن ألف في أحاديث الأحكام بإيجاز كالحافظ المقدسي\n_________\n(^١) هـ ذيل التقييد، له ورقة ٢١٩ ب.\n(^٢) هـ الضوء اللامع، جـ ٤/ ١٧٦.\n(^٣) و«لحظ الألحاظ» ص ٢٢٩، ٢٣٤.\n(^٤) هـ الضوء اللامع، جـ ٤/ ١٧٥.\n(^٥) هـ البدر الطالع، جـ ١/ ٣٥٥.\n(^٦) وتقريب الأسانيد، له ص ١٦٤ - ١٦٨.\n(^٧) المصدر السابق ص ١٧٠، ١٧١","vol":"1","page":210},{"text":"في كتابه (عمدة الأحكام) يُخلي تبويبها من ذلك كلية، مع أن شرط العراقي في كتابه، وهو أصح الأسانيد، أضيق دائرة، من شرط المقدسي، في كتابه، وهو اتفاق البخاري ومسلم على ما يورده. فهذا دليل على اهتمام العراقي بالأخلاق واعتبارها جزءًا لا ينفصل من أحكام الإسلام.\nكما نراه في تأليف آخر يشيد بترفع الصحابة عن الدنيا الدنيَّة وتطلعهم إلى الملأ الأعلى واجتهادهم في عبادة الله (^١) ويشيد فيه أيضًا بهمة بعض حكام عصره في إزالة بعض أماكن شرب الخمر بالقاهرة، وكسر مستودعاته، وعَدُّ ذلك من حسناته الكبار (^٢).\nوتجدر الإشارة إلى أن إشادته بهذا العمل، كانت بعد وفاة فاعله، مما يثبت نزاهة قصده وتمجيده للفعل لذاته، ولفاعله في غيبته.\nكما أثنى في نفس الكتاب على ما أودعه الله في قلب الشيخ تقي الدين القنائي السابق ذكره، من شدة رقة القلب والرحمة لسائر خلق الله (^٣).\nهذا بالإضافة إلى ما سيأتي في مؤلفاته مما خصه بالأخلاق الإسلامية التي لاحظ تخلي معاصريه عنها أو تهاونهم فيها، وما خصه بالدعوة للتأسي بالسلف الصالح، ونبذ الفرقة والنزاع، ومحاربة الابتداع في الدين باسم العلم أو التصوف، ومطالبة ولاة الأمر بالقيام بواجبهم الشرعي في هذا الصدد، كما سيأتي بيان نهوضه بإبطال بعض البدع أيام توليه قضاء المدينة المنورة،\n_________\n(^١) (تكملة شرح الترمذي) له جـ ١/ ورقة ١ ب (مخطوط مصور).\n(^٢) المصدر السابق ورقة ٢٨ ب نسخة دار الكتب المصرية (مخطوطة).\n(^٣) المصدر السابق ورقة ١٨ ب.","vol":"1","page":211},{"text":"وسيأتي كذلك من نماذج نقده للرجال وتقييمه للجهود العلمية، ما يثبت عفة لسانه ونزاهة ضميره واعتدال نظرته.\nومن كل هذا يتضح لنا أن تطابق ما سبق من طباعه وسلوكه الشخصي مع أقواله، وتوافق أخلاقه قولًا وعملًا مع غيرته الدينية واعتقاده الإسلامي الصحيح كما سبق، ومع علمه بالكتاب والسنة كما سنفصله، فلم يكن يقول ما لا يفعل، ولا يُظهر خلاف ما يبطن، أو يناقض مسلكه في حياته عِلْمَه، حتى سأل الله تعالى أن لا يجعل علمه عليه وبالًا (^١) وامتدح غير واحد ممن ترجمهم بالجمع بين العلم والعمل.\nويتبين لنا إذا أن الله تعالى كما منحه رجاحة العقل ونقاء الضمير، حباه بقوة الإرادة ومضاء العزيمة، مع اعتدال الطبع والإتزان الذي جعل زمام نفسه بيده، فيلين في موضع اللين، ويشتد في موضع الشدة، ويتجرد من التكلف والتنطع والتغالي، ويتحلى بخفة الروح ولطف الدعابة مع احتفاظه بهدوء العالم، ووقاره وظهور مسحة الصالحين عليه.\nكما يظهر لنا كذلك تأثره المحمود بأسرته وبيئته الجامعتين بين العلم بالكتاب والسنة وبين العمل بمقتضاهما.\nوقد جاهد نفسه حتى استقرت على ذلك (^٢).\nوعلى أساس هذا كله يمكننا أن نقرّر: سلامة الجانب الخلقي من شخصية.\n_________\n(^١) «التقييد والإيضاح» له ص ١٢.\n(^٢) انظر إشارته لذلك في بعض خطبه الوعظية بـ «مجموع ابن خطيب الناصرية» (خطبة الحافظ العراقي).","vol":"1","page":212},{"text":"الحافظ العراقي وتكامله بحيث يعتبر - بلا مبالغة - أنموذجا أخلاقيا طيبًا لأسرته وبيئته، وقدوة رائدة للعلماء العاملين بعلمهم الغيورين على مبادئهم، ومثلا يحتذى رغم ابتعاده عن التمشيخ والادعاءات. وبالتالي يثبت له العنصر المتمم لما قدمناه من عناصر توثيقه وهو السلامة من أسباب الفسق وخوارم المروءة.\n\n<span data-type='title' id=toc-65>النتيجة العامة:</span>\nومما تقدم عن أوصاف العراقي الظاهرية ومواهبه العقلية وعقيدته وأخلاقه، يثبت لنا بلوغه الغاية في استكمال صفات التوثيق من الضبط والعدالة التي تقضي قواعد علم الرجال بتوافرها في طالب السنة وراويها وحافظها والمتصدي لأعباء نشرها وإحياء علومها باللسان والقلم، كما هو شأن العراقي فيما نواصل عرضه من جوانب شخصيته وآثاره في السنة، والله الموفق.","vol":"1","page":213},{"text":"<span data-type='title' id=toc-66>دراسات العراقي الأولى والعامة</span>\nبعد أن ثبت لنا صلاحية العراقي لحمل رسالته العلمية يتأتى لنا متابعته عبر مراحلها المختلفة من البداية حتى النهاية، ورصد نتائجها سلبا أو إيجابا في تكامل شخصيته وتنوع آثارها في السنة وعلومها بعون الله.\n\n<span data-type='title' id=toc-67>حفظه للقرآن الكريم:</span>\nوقد سار العراقي في تعليمه على المنهج المتعارف عليه في عصره وموطنه كما بيناه في حالة العصر العلمية.\nفبعد تعلم القراءة والكتابة شرع في حفظ القرآن الكريم وأتمه وهو في الثامنة من عمره كما أثبت ذلك ولده أبو زرعة بخطه وتناقله عنه المؤرخون (^١) وهو سن متوسط بين التبكير والتأخير بالنسبة لعصره، حيث وجد من حفظ القرآن وهو أصغر (^٢) أو أكبر (^٣) من ذلك بقليل، ولكن لم أجد ذكرًا لمن علمه القراءة والكتابة، وحفظه القرآن، ولا بيانا لمكان ذلك من القاهرة وضواحيها، ولعله تم في مسقط رأسه ومحل إقامة أسرته حينئذ وهي «منشاة المهراني» حيث كانت كما تقدم عامرة ببيوت العبادة.\nوقد كان يلحق بها - في العادة - مكاتب تمثل المرحلة الإبتدائية في عصرنا، ويتعلم فيها الطفل القراءة والكتابة ويُحفظ القرآن ومبادئ العلوم الإسلامية،.\n_________\n(^١) «مجموع ابن خطيب الناصرية» (ترجمة العراقي) وهامش «المجمع المؤسس» لابن حجر. ص ١٧٦ (نسخة دار الكتب رقم ٤٥٣) مصطلح الحديث.\n(^٢) «المجمع المؤسس» ص ٢١٦.\n(^٣) «الجواهر والدرر» ورقة ١٧ ب.","vol":"1","page":214},{"text":"ثم ينتقل بعد هذا إلى حلقات العلم وشيوخه بالمساجد والمدارس وغيرها كما قدمنا في الكلام على العصر\n\n<span data-type='title' id=toc-68>دراسته الفقهية والأصولية:</span>\nولما كان علم الفقه في مقدمة علوم العصر كما أشرنا في الكلام عليه أيضًا فإن أول ما ذكره المؤرخون للعراقي بعد حفظ القرآن الكريم، حفظ كتاب «التنبيه» (^١). وهو كتاب مشهور موجز في فقه المذهب الشافعي، الذي تمذهب به العراقي كما أسلفنا، وتقع بعض نسخه المطبوعة في ١٦٠ صفحة، وقيمته في تعليم العراقي تظهر من قول مؤلفه (^٢) في مقدمته. وهذا كتاب مختصر في أصول المذهب، إذا قرأه المبتدئ وتصوره، تنبه على أكثر المسائل، وإذا نظر فيه المنتهي تذكر به جميع الحوادث إن شاء الله (^٣).\nولعل هذا مما جعله محل العناية، حفظًا ودراسة وشرحًا، حتى عصر\n_________\n(^١) (المجمع المؤسس) ص ١٧٦ و«ذيل الدرر الكامنة» ص ٧٠ و(إنباء الغمر) جـ ٢/ ٢٧٦ ثلاثتهم لابن حجر، و«الأعلام» (جـ ٤/ ٢١٤) و(طبقات الشافعية) ورقة ١١٠ ب وكلاهما لابن قاضي شهبة و«بهجة الناظرين» للغزي ص ١٢٩ و(لحظ الألحاظ) / ٢٢١ و«الضوء اللامع» جـ ٤/ ١٧١، و«شذرات الذهب» جـ ٧/ ٥٥ و(مقدمتي شرحي المناوي لألفية العراقي في السيرة)\n(^٢) هو إبراهيم بن علي المشهور بالشيرازي المتوفى سنة ٤٧٦ هـ، انظر «طبقات الشافعية للسبكي ج ٣/ ٨٨»\n(^٣) (مقصد التنبيه في شرح خطبة التنبيه) لمحمد ابن جماعة ص ٢","vol":"1","page":215},{"text":"العراقي، رغم تأليفه في سنة ٤٠٢ هـ (^١) ولم أجد من عني بتحديد شيخ عرض عليه العراقي هذا الكتاب بعد حفظه، تبعًا لجريان المنهج التعليمي حينئذ لمختلف العلوم النقلية حتى علم الخط (^٢) على منهج المحدثين في تلقيهم السنة وعلومها بالسند من الشيوخ كما سيأتي، ولذلك نجد في ترجمة تقي الدين السبكي شيخ العراقي مثلًا، أنه عرض محافظه من كتاب «التنبيه» المذكور وغيره، أي قرأها من حفظه، على ابن بنت الأعز وغيره من مشاهير عصره (^٣).\nونجد في ترجمة ابن حجر تلميذ العراقي أيضًا، أنه حفظ كتبا من مختصرات العلوم وعرضها على العادة على جماعة، من أئمة العصر، وكتبوا خطوطهم بذلك (^٤).\nوقد حَصَلْتُ بحمد الله على تحديد العراقي لذلك بالنسبة لنفسه، حيث ترجم لقاضي القضاة وشيخ خانقاه أرسلان، التي ولد بجوارها، وهو علم الدين علي بن محمد الإخنائي الشافعي المتوفى سنة ٧٤٩ هـ.\nوقال: عرضت عليه (التنبيه) وأخذت عليه عدة دروس فيه (^٥) فلعل من ترجموا للعراقي، قد استغنوا بشهرة ذلك عن ذكره، واكتفوا بدلالة ذكر محفوظاته على عرضها، تبعًا لمنهج العصر، حتى إنهم ذكروا حفظه لعدة\n_________\n(^١) «فهرس مكتبة الأزهر» جـ ٢/ ٤٧٩.\n(^٢) (الجواهر والدرر) ورقة ٢٩ ب.\n(^٣) «طبقات السبكي» جـ ٦/ ١٤٩.\n(^٤) «الجواهر والدرر» ورقة ١٨ أ.\n(^٥) «الأعلام» لابن قاضي شهبة ج ١/ ٩٥ ب.","vol":"1","page":216},{"text":"كتب أخرى - غير التنبيه - دون إبداء أي تفصيلات عنها (^١).\nواهتم بعضهم فقط بذكر بعض التفصيلات عن كتابين سوى «التنبيه» أحدهما في الحديث وسيأتي.\nوالثاني في الفقه الشافعي أيضًا ويُعرف بـ «الحاوي الصغير» تأليف الإمام عبد الغفار المشهور بالقزويني المتوفى سنة ٦٦٥ هـ (^٢) وهو أوسع قليلًا من «التنبيه»، فبعض نسخه الخطية تبلغ ١٢٨ ورقة متوسطة، ويجمع بين وجازة اللفظ ودقة المعنى وحسن التصنيف، ولذا عكف عليه العلماء نظمًا وشرحًا (^٣).\nوكان من شيوخ العراقي من يحث طلابه على الاشتغال به ومن علماء عصره من كان يمتدح بحفظه وتدريسه (^٤).\nوقد أراد العراقي أن يجمع بين حفظه ودراسته، فاتجه بذلك إلى أحد شيوخه وهو الشيخ برهان الدين إبراهيم بن لاجين الرشيدي الذي عُرف بإجادة عدة علوم حتى علم الطب، وإن اشتهر بالتصوف، وكان يدرس لطلبته في الأصول كتاب ابن الحاجب وفي الفقه كتاب الحاوي المذكور، وتوفي بظاهر القاهرة سنة ٧٤٩ هـ (^٥) وحكى العراقي أنه قال له: «أريد أن أحفظ الحاوي في شهر، فقال الشيخ: لا يمكن، فأصر العراقي قائلا: لابد\n_________\n(^١) «ذيل الدرر الكامنة» ص ٧٠ لابن حجر و«الأعلام» جـ ٤/ ٢١٩ أو «طبقات الشافعية» ورقة ١١٠ ب وكلاهما لابن قاضي شهبة و«بهجة الناظرين» ص ١٢٩ و«الضوء اللامع» جـ ٤/ ١٧٢.\n(^٢) «طبقات الأسنوي» ص ٧٧ (مخطوط بدار الكتب المصرية).\n(^٣) «كشف الظنون»، ٦٢٠، ٦٢٧.\n(^٤) «الدرر الكامنة»، جـ ٢/ ٣٩٠٩.\n(^٥) «طبقات الأسنوي» ص ١١٧ و«الدرر الكامنة» لابن حجر جـ ١/ ٧٧.","vol":"1","page":217},{"text":"لي من ذلك (^١). فما كان من الشيخ إلا أن قال له: إفعل ما بدا لك ولكنك لا تتمه» (^٢).\nومع هذا لم يتراجع العراقي عن عزمه، حيث قال: «وشرعت في درسه فحفظت النصف في ١٢ يوما، ثم عرض لي ضَعْف، فتركت الدرس ولم يتيسر لي بعد ذلك أن أعود إليه» (^٣).\nقال السخاوي: «وعُدَّ ذلك في كرامات البرهان الرشيدي» (^٤).\nوحفظ العراقي لنصف هذا الكتاب في ١٢ يوما دليل على تمتعه الكبير بملكة الحفظ حينئذ، لأن الحافظ العادي من معاصريه كان يحفظ مثل هذا القدر في نحو ٣ شهور (^٥).\nولعل هذا ما جعل شيخه الرشيدي يعارضه في تحديد مدة حفظ الكتاب بشهر واحد.\nوما قرره العراقي بنفسه عن تلك الخطوة التعليمية وموقفه من هذا الكتاب كما ترى، يرفع الشك والتجاوز اللذين وَرَدَا بشأنه في أكثر من مرجع ويصحح تفسير بعض المترجمين للموقف بما يخدش موهبة الحفظ المشهور بها العراقي.\n_________\n(^١) «الدرر الكامنة» جـ ١/ ٧٧ و«الضوء اللامع» جـ ٤/ ١٧٢.\n(^٢) «الضوء اللامع» جـ ٤/ ١٧٢.\n(^٣) «الدرر الكامنة» جـ ١/ ٧٧.\n(^٤) «الضوء اللامع» جـ ٤/ ١٧٢.\n(^٥) انظر «الدرر الكامنة» جـ ١/ ٤٦٣ حيث ذكر أن الأسنوي شيخ العراقي مع نباهته حفظ كتاب «التنبيه» في ٦ أشهر وهو أقل كما من «الحاوي».","vol":"1","page":218},{"text":"فقد صرح بسبب توقفه عن مواصلة حفظ الكتاب، وهو حدوث ضعف مفاجئ له، ويظهر أنه مَرَضِي بحيث منعه من حضور الدرس فترة.\nبينما نجد ابن فهد (^١) والمناوي (^٢) يذكران أن عدم إتمامه لحفظ الكتاب يرجع إلى أنه مله فتركه، وهذا يخالف ما صرح به العراقي؛ لأن تركه للملل من حفظه، غير تركه لضعف منعه منه ومن غيره كحضور الدرس، فالأول يخدش ما قدمناه من تمتعه بقوة الحافظة وسلامتها ما دام بعافية، بعكس الثاني، وقد ظن العراقي نفسه كما أشار ابن حجر عند سياق كلامه المتقدم (^٣) أن عروض هذه الوعكة المفاجئة وانشغاله بعدها، بحيث لم يتيسر له العودة لإتمام حفظ الكتاب رغم استعادة نشاطه العلمي، تُعدُّ كرامة لشيخه حال حياته، عندما عارض العراقي توجيهه، وقد صرح السخاوي بهذا كما ذكرنا، وبهذا ينتفى عن العراقي الوصف بالملل من إتمام حفظ الكتاب، كما ينفي عنه ما قد يُفهم من معاندته أو سوء سلوكه مع أساتذته، الأمر الذي يقدح فيما قدمناه من حسن خُلُقه عموما.\nويمكننا تفسير تصميمه الأول في مواجهة أستاذه، وشروعه في حفظ الكتاب رغم معارضته، بأنه مجرد إظهار لرغبته القوية في التحصيل لكونه في بداية الطلب، مع إحساسه بقوة حافظته وتمتعه بقوة العزم والإرادة كما قدمنا في مواهبه، ويضاف لذلك أيضًا أن كثرة المحفوظات كانت مقياسا لرفعة قدر صاحبها عالمًا أو متعلما، ولا سيما إذا اقترنت بالفهم، وكانت سرعة الحفظ\n_________\n(^١) ولحظ الألحاظ، ص ٢٢٧\n(^٢) و«مقدمتي شرحي المناوي لألفية العراقي في السيرة»\n(^٣) هـ الدرر الكامنة، ج ١/ ٧٧.","vol":"1","page":219},{"text":"يمتدح ويكافأ صاحبها (^١).\nكما أن الكتاب نفسه كانت له أهميته كما ذكرنا، ولهذا فإن انصراف العراقي عن إتمام حفظه لم يصرفه كلية عنه؛ بل درسه باستفاضة مكنته من التصدي لشرحه فيما بعد (^٢). فلعل تلك الاعتبارات مجتمعة تضع تصرف العراقي في هذه الخطوة التعليمية في إطار معتدل.\nكذلك يفيدنا تصريحه بأنه حفظ نصف الكتاب في ١٢ يوما ولم يعد ثانية لإتمام حفظه، في قطع شك ابن حجر في أن شيخه أخبره بحفظ النصف في ١٢ أو ١٥ يوما (^٣)؛ لأن ابن حجر نفسه هو الناقل لهذا التصريح القاطع بـ ١٢ يوما، ولعله تأكد من ذلك بعد الشك المشار إليه.\nوينفي تصريح العراقي هذا أيضا ما قطع به المناوي من أنه حفظ أكثر الكتاب، وحفظ النصف في ١٥ يوما (^٤).\nوينفي أيضا: قطع ابن فهد بأنه حفظ أكثر الكتاب في ١٢ يوما وقوله: وقيل إنه حفظ جميعه في ١٥ يوما (^٥).\n_________\n(^١) «لحظ الألحاظ»، ص ٢٢٧.\n(^٢) انظر «المجمع المؤسس»، ص ٢١٦، ٢١٧، ٢١٨.\n(^٣) «المجمع المؤسس»، ص ١٧٧.\n(^٤) انظر «مقدمة شرح المناوي المتوسط لألفية العراقي في السيرة» (نسخة مكتبة الأوقاف العامة بطرابلس الغرب ليبيا) و«مقدمة الشرح الموجز» (نسخة مكتبة الأزهر برقم (١٩٧٨) سيرة وتاريخ حليم).\n(^٥) «لحظ الألحاظ»، جـ ٢٢١.","vol":"1","page":220},{"text":"وينفي أيضا: قطع الشوكاني بأنه حفظ الكتاب بأكمله (^١) فليتنبه لذلك من يقف على كلام هؤلاء في مصادره المشار إليها أو غيرها.\nوبعد تحريرنا لوجه الصواب في تلك الخطوة من مسيرة العراقي العلمية وتقييمها، ننتقل معه إلى خطوة أخرى حيث واصل دراسته للفقه وأصوله، فحضر فيهما دروس الشيخ شمس الدين محمد بن أحمد المعروف بابن عدلان وكان شيخ الشافعية في زمانه ومضرب المثل في دراية الفقه وأصوله وتوفي بالقاهرة سنة ٧٤٩ هـ (^٢) ولم يكتف بمجرد الحضور المتقطع بل واظب مواظبة تامة على دروس بعض شيوخ عصره وذوي الكفاءة العلمية والخبرة التربوية وحسن الخلق.\nويُعبّر المؤرخون عن تلك المواظبة بالملازمة فيقولون (^٣): إن العراقي لازم الفقيه الشيخ عماد الدين محمد بن إسحق البلبيسي وقرأ عليه في الفقه، فتفقه به، وهو أحد حفاظ المذهب، وكان يحث على الاشتغال بكتاب (الحاوي) السابق ذكره، صبورًا على الاشتغال بالعلم والتعليم ودروسه لا تمل؛ لكثرة تفننه، فانتفع به خلق كثير وتوفي بالقاهرة سنة ٧٤٩ هـ (^٤) ولازم أيضًا الشيخ\n_________\n(^١) (البدر الطالع) جـ ١/ ٣٥٤.\n(^٢) الدرر الكامنة ٣/ ٤٢٣.\n(^٣) «مجموع ابن خطيب الناصرية» ترجمة العراقي وهـ «المجمع المؤسس» ص ١٧٦ (هامش) و(لحظ الألحاظ) ص ٢٢٦، ٢٢٧ و٥ الضوء اللامع وجـ ٤/ ١٧٢ و١ «مقدمتي شرحي المناوي لألفية السيرة» و«البدر الطالع» (جـ ١/ ٣٥٤، وهـ شذرات الذهب) ج ٦/ ١٦٤، وا «حسن المحاضرة» جـ ١/ ١٧٩.\n(^٤) (مجموع ابن خطيب الناصرية) (ترجمة العراقي) و(المجمع المؤسس) ص ١٧٦ و«الدرر الكامنة» جـ ٤/ ٤٧٢ وو«لحظ الألحاظ» ص ٢٢٧ و«الضوء اللامع» ج ٤/ ١٧٢ =","vol":"1","page":221},{"text":"جمال الدين الإسنوي مدرس الشافعية بالقاهرة ومفتيهم فأخذ عنه الفقه وأصوله (^١) وعظم تأثيره فيه كما سيأتي.\nوأخذ علم الأصول أيضًا عن الشيخ شمس الدين محمد بن أحمد «ابن اللبان» الذي درس بضريح الإمام الشافعي، وعُرف بالعلم والتصوف، وأثنى عليه العراقي بالجمع بين العلم والعمل، وتخرج به جماعة من الفضلاء وتوفي بالقاهرة سنة ٧٤٩ هـ (^٢).\nكما تفقه أيضًا بأبي الحسن علي بن إبراهيم بن داود بن سليمان العطار الدمشقي (^٣) وأخذ الفقه وأصوله عن تقي الدين السبكي والعلائي وابن كثير (^٤).\nويُعتبر العلائي من شيوخه الذين لازمهم (^٥).\nوسيأتي أخذه علومًا أخرى غير الفقه والأصول عن عدد من هؤلاء الشيوخ أيضًا تبعًا لما جرى به العُرف حينئذ من اشتغال العالم بجانب تخصصه بما يجيده من العلوم الأخرى.\n_________\n= و«حسن المحاضرة»، جـ ١/ ١٧٩.\n(^١) «مجموع ابن خطيب الناصرية» (ترجمة العراقي) و«المجمع المؤسس» ص ١٧٦ و«لحظ الألحاظ» ص ٢٢٦ و«الضوء اللامع» جـ ٤/ ١٧٢ و«مقدمتي شرح المناوي لألفية السيرة» و«شذرات الذهب» جـ ٦/ ٢٢٣ و«غاية النهاية» لابن الجزري جـ ١/ ٣٨٢.\n(^٢) و«لحظ الألحاظ» جـ ١/ ٢٢٦ و«الضوء اللامع» جـ ٤/ ١٧٢ و«حسن المحاضرة» جـ ١/ ٢٨٠.\n(^٣) «شرح إحياء علوم الدين» جـ ٢/ ٣٠٠ و«المناهل السلسلة في الأحاديث المسلسلة» لمحمد عبد الباقي اللكنوي ص ١٤٤، ١٤٥.\n(^٤) «مقدمتي شرحي المناوي لألفية السيرة» و«شرح الزبيدي للإحياء» جـ ٢/ ٣٠٠.\n(^٥) و«لحظ الألحاظ» ص ٢٢٥.","vol":"1","page":222},{"text":"ومن الصعب إن لم يكن من المستحيل على الباحث الآن استيعاب جميع شيوخ العراقي في علم من العلوم التي تلقاها في دراسته العامة التي نحن بصددها، أو في مجال تخصصه وهو علم السنة كما سيأتي، وذلك لاعتراف مؤرخيه بكثرة من تلقى عنهم العلم جدًا، وبعدم الوقوف على مصدر جامع ولو لمعظمهم حتى في عصره، كما سنوضحه في بيان شيوخه في علوم السنة وسنذكر هناك بعض المصادر المشتملة على كثير من شيوخه بصفة عامة.\nويذكر المؤرخون أن اجتهاد العراقي في الطلب حفظًا وفهمًا ومواظبة على التلقي عن أئمة العصر جعله يتقدم في علمي الفقه وأصوله بدرجة شهد له بها أبرز شيوخه كما سيأتي، وتميز في الإلمام بهما حتى أقدم على التأليف (^١).\nغير أننا لم نجد أحدًا من المترجمين يُحدّد زمن تصديه للتأليف، ولا زمن تخرجه أو إجازته ولا من خرّجه أو أجازه في هذين العلمين مع أن لهذا أهميته في بيان العمق العلمي له وتوثيقه حيث كان التعليم في عصره كما أشرنا من قبل جاريًا في عمومه على منهج المحدثين في تلقي السنة بالسند المتصل عن الشيوخ، وبناء عليه كان المنهج المعتمد لتلقي العلوم هو قراءة المؤلفات فيها للمتقدمين والمتأخرين على من له سند بها من الأساتذة سواء كانت قراءة من الحفظ أو من الكتاب، أو السماع من الأساتذة، أو من غيرهم بحضرتهم، أو الحصول على إجازتهم أو مناولتهم وغير ذلك من طرق تلقي السنة كما سيأتي، مع إثبات الشيخ ذلك كتابة للطلبة والمستجيزين حتى يثبت لهم اتصال السند.\n_________\n(^١) «لحظ الألحاظ» ص ٢٢٧ و«مجموع ابن خطيب الناصرية» (ترجمة العراقي).","vol":"1","page":223},{"text":"بمصادر العلم وتصح نسخهم منها، فيحق لهم الاعتماد عليها في نشاطهم العلمي بعد ذلك قضاءًا أو إفتاء أو تدريسا أو تصنيفا، وعندما يلازم الطالب شيخا ويكثر التلقي عنه والبحث بين يديه يَظْهَرُ للشيخ إستيعابه لأصول العلم وفهمه لمسائله وصلاحيته للإستقلال في البحث والإفادة والإفتاء، يكتب له بذلك ويلقبه باللقب العلمي الذي يستحقه، وقد يحصل عليه من أكثر من شيخ في علم واحد، وبالعكس (^١) وكلما حصل الطالب ذلك في سن مبكرة وفي فترة قصيرة ومن أكثر من واحد، كلما كان دليلا على همته ونشاطه وعمقه العلمي، وكلما ثقل الوزن العلمي لمن خرَّجه دل ذلك على عظم مكانته العلمية وتوثيقها.\nومن أجل ذلك كله كان حرصنا على تحديد زمن تخرج العراقي في الفقه وأصوله، ومن خرجه فيهما من شيوخه، بينما أغفله مؤرخوه قديما وحديثا، ولعلنا نستطيع إعطاء تقدير تقريبي من خلال الرجوع لبداية طلبه والنظر في أحوال شيوخه المتقدمين وطريقة تلمذته لهم.\nفبالنسبة لأوائل طلبه: يذكر ابن حجر أن والد العراقي كان يحضره عند المشايخ فيَسْمَع منهم وهو ابن عشر سنين (^٢).\nثم نجد من شيوخ العراقي أربعة وهم: برهان الدين الرشيدي وعماد الدين البلبيسي وابن عدلان وابن اللبان، قد دَرَّسوا بعدة أماكن بالقاهرة وضواحيها حتى توفوا خلال سنة ٧٤٩ هـ، كما قدمناه، فلابد أن يكون العراقي بما عرف من سماعه من الشيوخ من صغره ونشاطه البالغ في التحصيل قد أجيز.\n_________\n(^١) «الجواهر والدرر» للسخاوي ١٩ ب، ٢٢ أ، ٥٢ ب و«المجمع المؤسس» / ٢١٨.\n(^٢) «الدرر الكامنة»، جـ ٣/ ٣٨٥.","vol":"1","page":224},{"text":"من هؤلاء الأربعة فضلا عن غيرهم قبل تاريخ وفاتهم المذكور.\nوقد صرح بنفسه فيما تقدم بحفظ نصف «الحاوي» في ١٢ يوما، مع دراسته على الرشيدي، بل مقتضى ما أسلفناه من قراءته على البلبيسي وملازمته له أن يكون قد خرجه على منهج العصر الذي أوضحناه، وكذلك قد ذكر ابن حجر تلمذة العراقي للسبكي قبل انتقال السبكي للشام لتولي قضائها سنة ٧٣٩ هـ (^١) واتفق المترجمون للإسنوي - بما فيهم العراقي نفسه - على أنه جلس للتدريس بالقاهرة سنة ٧٢٧ هـ (^٢)، وبذلك تهيأ للعراقي من ملازمته له وبحثه عليه ما يكفي لبلوغه مرحلة التخرج عليه في وقت مبكر وإن استمرت تلمذته له إلى قرب وفاته سنة ٧٧٢ هـ كما سيأتي، لأن التخرج مجرد مرحلة دراسية وليست نهاية.\nوقد ذكر ابن فهد والسخاوي اتجاه العراقي للتخصص في القراءات وانهماكه فيها مدة، ثم عدوله إلى السنة سنة ٧٤٢ هـ، ومقتضى ذلك كله أن يكون قد أجيز بعلم الفقه وأصوله من غير واحد من شيوخه بالقاهرة وضواحيها وتخرج ببعضهم وذلك قبل سنة ٧٤٢ هـ على الأقل، حتى يسوغ اتجاهه للتخصص في علم آخر، وقد كان العراقي آنذاك في السابعة عشرة من عمره، وهو سن ملائم لتخرج أمثاله في عصره، كسراج الدين البلقيني (^٣).\nأما كل من العلائي وابن كثير وأبي الحسن العطار، فهم من شيوخه بالشام،\n_________\n(^١) «المجمع المؤسس»، ص ١٧٦ و«طبقات الشافعية» لابن السبكي جـ ٦/ ١٥٤.\n(^٢) و«شذرات الذهب» جـ ٦/ ٢٢٣ و«الدرر الكامنة» جـ ١/ ٤٦٤ و«بهجة الناظرين» للغزي ص ١٣٤.\n(^٣) «المجمع المؤسس»، ص ٢١٨.","vol":"1","page":225},{"text":"وقد كانت أولى رحلاته إليها في سنة ٧٥٤ هـ كما سيأتي في طلبه الحديث، وهذا لا يمنع سبق تخرجه على غيرهم كما أوضحنا، ولعل المؤرخين للعراقي وخاصة تلاميذه ومعاصريه لم ينصوا على إجازته وتخرجه اعتمادًا على ذكرهم ما يقتضي ذلك من أخذه عن الشيوخ المتقدمين قراءة وسماعًا وملازمته المشاهيرهم، وبيانهم إبداءه من المباحث القيمة أمام شيخه الإسنوي ما جعله يثني على فهمه، ويمتدحه ويستحسن كلامه في الأصول ويصغي لمباحثه، ويقول: «إن ذهنه صحيح لا يقبل الخطأ» (^١).\nكما قرروا أنه كان عالمًا بالفقه والأصول (^٢) وذكروا مؤلفاته الآتية فيهما وتدريسه الفقه في المدرسة الفاضلية، أعظم مدارس القاهرة حينذاك، وفي غيرها (^٣) وتصديه للفتوى شفويًا وتحريريًا في حياة شيوخه، وتوليه القضاء كما سيأتي، وكل ذلك لا يكون إلا بعد تحقق الكفاءة والتخرج، فضلا عن الإجازة. وقد وقفت على نص إجازته لتلميذه ابن حجر بالتدريس والفتوى بما علمه من مذهب الشافعي (^٤)، وفاقد الشئ لا يعطيه فدل ذلك كله ضمنًا وواقعًا على ثبوت تخرج العراقي في علم الفقه وأصوله وإجازته من شيوخه فيهما بالفتوى والتدريس والتأليف بل كان شيخه الإسنوي يوجه الطلبة إليه ويحثهم على كتابة مؤلفاته (^٥).\n_________\n(^١) هـ «الضوء اللامع» جـ ٤/ ١٧٢ وو«لحظ الألحاظ» ص ٢٢٦.\n(^٢) و«ذيل التقييد» ٢١٩ ب وهـ «مقدمة شرح المناوي الموجز لألفية السيرة» و(البدر الطالع) ج ١/ ٣٥٥ وو«لحظ الألحاظ» ص ٢٢٧، و(الضوء اللامع) ج ٤/ ١٧٥.\n(^٣) هـ «الضوء اللامع» جـ ٤/ ١٧٤.\n(^٤) (الجواهر والدرر) ٥/ ٥٢ ب.\n(^٥) و«لحظ الألحاظ» ص ٢٢٧.","vol":"1","page":226},{"text":"<span data-type='title' id=toc-69>أبرز شيوخه في الفقه وأصوله وتأثيرهما فيه</span>\nولعل أظهر شيوخ العراقي في هذين العلمين مكانة وتأثيرا فيه واعتناء به هما الإمامان: تقي الدين السبكي، وجمال الدين الإسنوي، ولذا فإني سأعرف بهما بإيجاز مع توضيح أثرهما فيه لأنه مقصودنا.\n\n<span data-type='title' id=toc-70>أولا: تقي الدين السبكي:</span>\nهو أبو الحسن علي بن عبد الكافي بن علي السبكي، أحد الأئمة الشافعية المجتهدين في عصره، ولد ب (شبك العبيد) من أعمال المنوفية سنة ٦٨٣ هـ ورحل إلى القاهرة في صباه، فأخذ العلم بها عن كبار الشيوخ، ورحل في طلب الحديث إلى الإسكندرية ثم الشام، وعاد فأقام بالقاهرة مقبلا على التصنيف والفتيا والتدريس بعدة أماكن، فتتلمذ له العراقي وشيخه الإسنوي وغيرهما، وتخرج به فضلاء العصر وانتهت إليه رئاسة المذهب بالديار المصرية، وألف بها معظم مؤلفاته المشهورة في الفقه وغيره كـ «التفسير» و«تكملة شرح المهذب» من حيث وَقَفَ الإمام النووي وغير ذلك، إلى أن كانت سنة ٧٣٩ هـ.\nفعين لقضاء الشام وانتقل إليها، فقام بالعدل وغاية الإنصاف، كما جلس هناك للتحديث وتولى مشيخة دار الحديث الأشرفية بدمشق، وسمع عليه حينئذ خلائق، منهم الحافظ العراقي أيضا عند رحلته الأولى للشام كما سيأتي.\nوقبل وفاته بعشرين يوما عاد إلى القاهرة فتوفي بها سنة ٧٥٦ هـ، وقد ترجمه العراقي في وفياته كما يظهر من نقل ابن حجر عنه (^١).\n_________\n(^١) انظر و«الرد على من أخلد إلى الأرض» للسيوطي ص ٢١٠، ٢١٥، ٢٤١ (مخطوط) =","vol":"1","page":227},{"text":"وأثره في العراقي يتضح في مظاهر متعددة منها: أخذه عنه الفقه والحديث كما أشرنا، وقراءته عليه بعض مؤلفاته ثم روايتها للتلاميذ عنه (^١) ونقل عنه في بعض مؤلفاته (^٢) ولما ظهرت بين يديه أمارات نبوغ العراقي وحسن فهمه شهد له بذلك علانية، فنوه بذكره في دروسه بين جموع الطلاب، وأمام الحافظ ابن كثير، وتلك بلا شك رعاية لها وزنها من مثله، إذا عرفنا أنه وجد في عصره بعض الشيوخ الذين إذا لاحظوا ظهور فلاح الطالب منعوه من الحضور عندهم (^٣).\nومن هنا كانت إشادة السبكي بنبوغ تلميذه العراقي دليلًا على صفاء نفسه كما كان لها أثرها الطيب في تنمية مواهب العراقي، وحفزه على مواصلة الجد في البحث والتحصيل.\nومن مظاهر التأثير كذلك: أن العراقي تبع شيخه السبكي في بعض أعماله العلمية وآرائه؛ حيث واصل «تكملة شرح المهذب» في الفقه من حيث انتهى شيخه السبكي كما سيأتي، كما كان السبكي يرى منع تعدد إقامة شعائر الجمعة في أكثر من مكان بمدينة واحدة، وألف في ذلك عدة مؤلفات كما سنشير لها.\nبينما كان الشيخ سراج الدين البلقيني - من الشافعية أيضًا، وقرين العراقي -.\n_________\n= و«طبقات الشافعية» لابن السبكي جـ ٦/ ١٤٩ - ١٧٩ و(شذرات الذهب) جـ ٦/ ١٨٠.\nو«طبقات الأسنوي» ص ١٤٣ (مخطوط) و«الدرر الكامنة»: ج ٣/ ١٤١، ١٤٢.\n(^١) «المعجم المفهرس» لابن حجر ورقة ١٧٤ ب.\n(^٢) و«لحظ الألحاظ»، لابن فهد ص ١٣٣ - ١٤٢ و«تكملة شرح الترمذي»، للعراقي ج ١/¬٣٥ ب، ٧٦ أ، ١٠٩ ب، ١٣٩ ب وما بعدها، ١٤١ أ.\n(^٣) وطبقات الأسنوي، ص ٢٤٠ (مخطوط).","vol":"1","page":228},{"text":"يرى جواز التعدد، وألف في الرد على السبكي رسالة بعنوان «إظهار المستند في تعدد الجمعة في البلد» (^١) وأخرى بعنوان «تكذيب مدعي الإجماع مكابرة على منع تعدد الجمعة في القاهرة» (^٢).\nفمال العراقي إلى رأي شيخه السبكي وألف في ذلك رسالته الآتي بيانها بعنوان: (الإستعاذة بالواحد من إقامة جمعتين في مكان واحد)\n\n<span data-type='title' id=toc-71>ثانيًا: جمال الدين الإسنوي:</span>\nهو الإمام عبد الرحيم بن الحسن بن علي القرشي الأموي، ولد بـ (إسنا) من صعيد مصر في العشر الأخير من ذي الحجة سنة ٧٠٤ هـ ونشأ بها، فقيل له الإسنوي ثم قدم القاهرة سنة ٧٢١ هـ ودرس الفقه على السبكي المتقدم كما درس غيره من العلوم كالأصول واللغة وسمع الحديث وانتصب للإقراء والتدريس والإفادة في الفقه والأصول والحديث وغيرهم من سنة ٧٢٧ هـ إلى قبل وفاته في ١٨ جمادى الأولى سنة ٧٧٢ هـ بيومين فقط، وبذلك صار أكثر علماء الديار المصرية من طلبته، ومنهم سميه الحافظ عبد الرحيم العراقي وتخرج به كثيرون وانتهت إليه رياسة الشافعية في حياته\nوقد توفر له مع البراعة العلمية صفات المدرس الناجح وأخلاقه، فكان ناصحًا في التعليم حريصًا على إيصال الفائدة للبليد، فصيح العبارة حلو المحاضرة، وقد يذكر التلميذ المبتدئ عنده الفائدة المطروقة فيصغى إليه كأنه لم يسمعها من قبل، جبرًا لخاطره كما كان حسن الشكل جيد التصنيف\n_________\n(^١) «المجمع المؤسس» ص ٢١٩ و«بهجة الناظرين»، للغزي ص ٨.\n(^٢) «مجموع محمد بن طولون»، ورقة ١٨٢ ب (مخطوط بدار الكتب المصرية).","vol":"1","page":229},{"text":"ومن مؤلفاته القيمة: كتاب «المهمات في شرح كتابي الرافعي الكبير والروضة في الفقه» ويقع في ٨ مجلدات (^١).\nوكتاب «الهداية إلى أوهام الكفاية» في مجلدين متوسطين وقد نقل في هذين الكتابين إجابة العراقي له على بعض ما سأله عنه (^٢).\nو«الكوكب الدري في تخريج مسائل الفقه على قواعد النحو»، وهو واضح الدلالة على اعتماد التشريع على اللغة، و«التمهيد في استخراج المسائل الفرعية من القواعد الأصولية» (^٣) وتقع بعض نسخه الخطية في ١٠٦ ورقة.\nو«طبقات الشافعية»، طبعت حديثا في مجلدين (^٤) وقد ذكر فيها العراقي وهو حي ولقبه بحافظ العصر (^٥).\nوتأثيره في العراقي له شواهد متعددة منها: أنه لازمه طويلا وظلت صلته به قوية حتى ودعه لمثواه الأخير، وتتلمذ له حتى ظهرت مواهبه العلمية بين يديه فأفسح له الإسنوي صدره، وأعطاه الفرصة لعرض مباحثه في علم الأصول عليه مع إصغائه له وتعقيبه عليه بالاستحسان، والثناء على فهمه وصحة ذهنه.\n_________\n(^١) ومنه نسخة خطية بمكتبة الأزهر في ٣ مجلدات فقط ويوجد منه ٤ مجلدات من نسخة أخرى بدار الكتب المصرية.\n(^٢) «الضوء اللامع» جـ ٤/ ١٧٣، «لحظ الألحاظ» لابن فهد ص ٢٢٧.\n(^٣) في «بهجة الناظرين» ص ١١ و«القواعد العربية» وما ذكرته هو عنوان الكتاب من واقع نسخه الخطية ولعله الصواب حتى لا يتكرر مع كتاب «الكوكب» الذي قبله.\n(^٤) انظر في ترجمته ومؤلفاته المذكورة «شذرات الذهب» جـ ٦/ ٢٢٣، ٢٢٤ و«بهجة الناظرين» ص ١٣٢ - ١٤٣ و«الدرر الكامنة» جـ ١/ ٤٦٣ - ٤٦٤.\n(^٥) طبقات الشافعية للإسنوي ٢/ ٢٨٧ (ترجمة أبو الفتح ابن سيد الناس).","vol":"1","page":230},{"text":"كما سبق ذكرنا له، ومثل هذه العناية كما تدل على أريحية الأستاذ ونجابة التلميذ، فإنها في نفس الوقت ذات تأثير قوي في تشجيع التلميذ ودفعه إلى الأمام وإعطائه الثقة بنفسه لكي يجد في مواصلة البحث ويدلي بآرائه دون تهيب من مخالفة الغير، طالما كان مستندًا للدليل المعتبر، وبث مثل هذه الروح وتشجيعها أمر له قيمته الكبرى في عصر العراقي الذي كانت الدعوة فيه للتقليد هي الغالبة، ولقد ظهر أثر تشجيعه على ابداء ما يراه صوابا في مواجهة الغير، في عامة نتاجه العلمي حتى بالنسبة لشيخه الإسنوي نفسه كما سنعرض له في محله، وقد بلغ من إعجاب العراقي وتأثره بشيخه الإسنوي أنه ألف له ترجمة مستقلة في كراسة كما ستأتي، وقد أشار فيها لفضله عليه، وأشاد بعلمه وسلوكه حتى اعتبره مجدّد الدين ومذهب الشافعي في عصره، كما عده من الأولياء ذوي الكرامات (^١).\nوقد لاحظت توافق كثير من أخلاق العراقي التي قدمناها، مع ما ركز عليه من أخلاق شيخه، مما يوحي بتأثره به في ذلك.\nومن تأثير الإسنوي في العراقي أيضًا ما صرح به من تلقيه عنه أشهر مؤلفاته المتقدمة في الفقه وأصوله حيث قال: وقرأت عليه أيضًا من مصنفاته: «التمهيد» و«الكوكب» وقرأت عليه قطعة صالحة من «المهمات» (^٢).\nثم إنه مدح هذا الكتاب بقوله:\n_________\n(^١) «التنبئة بمن يبعثه الله على رأس كل مائة»، للسيوطي ص ٣٤، ٣٥، و(بهجة الناظرين) ص ١٤٠ - ١٤١.\n(^٢) (بهجة الناظرين) ص ١٣٥.","vol":"1","page":231},{"text":"أبدت مهماته إذ ذاك رتبته إن المهمات فيها يعرف الرجل (^١) وهذا دليل خبرته بالكتاب؛ بل أنه ألف كتابا في الاستدراك عليه يُسمّى «المهمات أو التتمات» كما سيأتي، وهو دليل على بحث هذا الكتاب الضخم وهضمه جيدًا، حتى يتسنى له الاستدراك عليه، وسنورد بعض النماذج الدالة على ذلك عند ذكر الكتاب في مؤلفات العراقي كما أنه أورد في ترجمته المتقدم ذكرها عددًا من آرائه الفقهية المتفرقة في مؤلفاته، وهذا يدل على اطلاعه التفصيلي عليها واستفادته بها، ويؤيد ذلك أيضًا ما نجده في مؤلفاته من النقول المعزوة للأسنوي أو لمؤلفاته وإقرارها أو مناقشتها (^٢).\nومن أثره فيه أيضًا: سماعه الحديث منه، حيث قال: «وحضرت أجزاء من مسموعاته» (^٣) وأورد في ترجمته له بعض ما سمعه من شعره (^٤).\nوكما أثر الإسنوي في تكوين شخصية العراقي العلمية والخلقية، فإنه أثر في دعم مكانته العلمية ونتاجه العلمي، بعد أن تأكدت له كفاءته، فراح يحث الناس على دراسة العلم على يديه، وعلى كتابة مؤلفاته وتداولها، وقدم نفسه - وهو إمام العصر - دليلا للثقة بتلميذه، وراح يجني ثمار غرسه الطيب فكان يسأله ويدون ما يجيبه به في مؤلفاته الشهيرة كما ذكرنا (^٥) وأثنى في «طبقاته» على «تكملة شرح الترمذي» ولقبه فيها وفي غيرها بحافظ العصر.\n_________\n(^١) «طبقات الشافعية» لابن قاضي شهبة ورقة ٩٢ أ.\n(^٢) «تكملة شرح الترمذي» للعراقي/ ٧٠ أ (مخطوط بدار الكتب المصرية).\n(^٣) «بهجة الناظرين» ص ١٣٥.\n(^٤) المصدر السابق ص ١٣٨، ١٣٩.\n(^٥) انظر «لحظ الألحاظ» لابن فهد ص ٢٢٧، ٢٢٨.","vol":"1","page":232},{"text":"كما سيأتي، ومثل هذه الأعمال والمواقف لها أثرها الخالد في دعم شخصية العراقي العلمية وتوثيق نتاجه العلمي ونشره.\n\n<span data-type='title' id=toc-72>مكانة العراقي الفقهية والأصولية</span>\nعلى ضوء ما تقدم من دراسات العراقي للفقه والأصول وتأثير أبرز شيوخه فيه وشهادتهم له بصواب النظر وجودة الفهم وتوثيقهم لعلمه ومؤلفاته، يمكننا أن نقرر أنه وإن لم يتخصص في هذين العلمين إلا أنه شارك المتخصصين فيهما من شيوخه فضلا عن أقرانه مشاركة جيدة، فقام بما سنفصله من الفتوى والتدريس في حياة شيوخه وتولى القضاء والتأليف في العلمين تتميما لأعمال البارزين من شيوخه كالسبكي والإسنوي، ومن أئمة المذهب كالبيضاوي والنووي كما قدم بحوثا متعددة وجيدة في الفقه والأصول عند تناول ما يتصل بهما في مؤلفاته في السنة وعلومها، وظهر في هذه المجالات العلمية والعملية إلمامه بأصول المذهب وفروعه.\nوبرزت شخصيته الفقهية والأصولية واضحة بجانب من اعتمد عليهم أو ناقش آراءهم من المتقدمين والمتأخرين حتى شيوخه وأئمة عصره كما سنوضحه في محله.\nفلا غرابة أن نجد السيوطي وغيره يعدونه من المجتهدين في عصره (^١) فمع ما قدمناه من فرض الحكام الانتساب لأحد المذاهب الأربعة فإنه كان من أئمة العصر من يوصف بالجمع بين الاجتهاد المطلق، والمقيد بأصول المذهب المنتسب إليه، فوصف بذلك من شيوخ العراقي: السبكي والإسنوي كما\n_________\n(^١) ١ «التنبئة بمن يبعثه الله على رأس كل مائة» للسيوطي ص ٥١ (مخطوط بدار الكتب المصرية)","vol":"1","page":233},{"text":"أشرنا في ترجمتهما، ومن أقرانه: سراج الدين البلقيني المتوفى سنة ٨٠٥ هـ فجاء في ترجمته: أنه قد جمع الله فيه بين وصفي الاجتهاد من الإطلاق والتقييد وذلك بتمكنه من استخراج العلم بالاستنباط من الدليل بالرأي السديد، ومن تخريج الفروع على قواعد الإمام الشافعي (^١).\nومن يتتبع نشاط العراقي العلمي وآثاره يجد أنه قد توفر له في كثير من المسائل والأحكام ما توفر الشيوخه وأقرانه من حقيقتي الاجتهاد المطلق والمقيد بأصول مذهبه الشافعي.\nأما حقيقة الاجتهاد المطلق، فلما سيأتي له من الفتوى واستنباط بعض الأحكام بالاعتماد رأسا على أدلة الكتاب والسنة وما تفرع عنهما من أصول التشريع (^٢) سواء وافقه في ذلك أو خالفه غيره من المتقدمين أو المتأخرين حتى شيوخه وأقرانه وأئمة عصره، وتلك هي حقيقة الاجتهاد المطلق كما ذكرت في وصف البلقيني المتقدم، وفي اصطلاح العلماء (^٣)، وهو مطلوب شرعا وثابت بالنسبة لمن تأهل له من المتأخرين كما كان مطلوبا وثابتا بالنسبة لأصحاب المذاهب الأربعة وغيرهم من المتقدمين، والفارق المميز: أن اجتهاد المتقدمين بحكم سبقهم الزمني والعلمي، كان كليا شاملا للنظر في عامة المسائل التي هي محل نظر، ووضع قواعد عامة تفرع عليها الأحكام، وبذلك كان لهم مذهب كامل.\n_________\n(^١) «بهجة الناظرين» للغزي ص ٥.\n(^٢) انظر «الرسالة» للشافعي ص ٢٥.\n(^٣) «نهاية السول» للأسنوي و«حاشية المطيعي عليه» جـ ٤/ ٢٢٤ - ٢٢٧ و«تاريخ التشريع» للخضري ص ١١٣.","vol":"1","page":234},{"text":"أما اجتهاد المتأخرين فهو جزئي، ينصب على النظر في بعض المسائل والأحكام بناءً على القول الراجح بتجزؤ الاجتهاد (^١).\nوأما توفر حقيقة الاجتهاد المقيد بالمذهب، فلما سيأتي له أيضًا في بحث مؤلفاته: من الترجيح والتضعيف والتخطئة والتصويب لآراء وترجيحات من تقدمه من الأئمة، وهذا ما تضمنته حقيقة الاجتهاد في المذاهب (^٢) كما تضمنت بيان أحكام الوقائع المتجددة والمسائل الفرعية استنادا على أصول المذهب وقواعده، كما تقدّم في وصف البلقيني، وقرره العلماء، وهذا ما قام به العراقي بحكم توليه القضاء على مذهب الشافعي عدة سنين كما سيأتي\n\n<span data-type='title' id=toc-73>دراسته لعلوم اللغة والأدب وأهم شيوخه ومكانته فيها</span>\n١ -<span data-type='title' id=toc-74> دراساته وأهم شيوخه في ذلك:</span>\nلما كانت اللغة العربية قد اختارتها المشيئة الإلهية وعاء للقرآن الكريم وسنة النبي الخاتم ﵊ وما تفرع عنهما من العلوم، كان لابد للباحث فيهما، وفيما يتصل بهما من العلوم، فضلا عن التخصص، أن يحصل من علوم اللغة وآدابها ما يمكنه من الضبط والفهم السليمين لنصوص الكتاب والسنة ولما تعلق بهما أو اعتمد عليهما كالفقه وأصوله والتفسير وعلوم القرآن، وعلم مصطلح الحديث وشرحه واستنباط أحكامه، وقد قدمنا في صدر هذه الرسالة إشارة الإمام\n_________\n(^١) (نهاية السول وحاشيته) جـ ٤/ ٥٥٥، ٠٠٠، ٥٥٦ و«الرد على من أخلد إلى الأرض» للسيوطي ص ١٣٠، ١٣١، ١٣٩، ١٤٥، ١٦٧، ١٦٩، ٢٢٢.\n(^٢) و«الرد على من أخلد إلى الأرض» للسيوطي ص ١٧٠، ١٧١، وهـ «عقد الجيد في أحكام الاجتهاد والتقليد» لشاه ولي الله أحمد الدهلوي ص ٣ - ٥، ١٧ - ١٩، ٣٣ - ٣٥","vol":"1","page":235},{"text":"الشافعي ﵁ إلى ذلك وَذَكَرَ نحوه أيضًا علماء أصول الحديث.\nقال ابن الصلاح: (فحق على طالب الحديث أن يتعلم من النحو واللغة ما يتخلص به عن شين اللحن والتحريف ومعرتهما)، وأقره العراقي وغيره (^١) بل إن الشافعي ﵁ يقرر: أن على كل مسلم أن يتعلم من لسان العرب الذي جعله الله لسان من ختم به نبوته، وأنزل به آخر كتبه أقصى ما يستطيع تعلمه، حتى ينطق به بالشهادة، ويقرأ القرآن ويؤدي الشعائر والعبادات، وما زاد على ذلك كان خيرا له (^٢).\nمن أجل ذلك كان لابد للعراقي من دراسة عامة لعلوم اللغة وآدابها. ولم يكن لشخصيته العلمية أن تتكامل، ولا لرسالته في خدمة السنة أن تنجح بدون تلك الدراسة.\nومع هذا فإن أكثر مؤرخيه لم يعرضوا كلية لبيان هذا الجانب من دراسته، ومن تعرض له كان شديد الإيجاز (^٣) ومجمل ذلك مع الإيضاح من جانبنا، أن من العلوم التي اشتغل العراقي بتحصيلها في البداية قبل التخصص في السنة علوم (العربية)، فأخذها عن جماعة منهم: ناصر الدين محمد بن أبي الحسن بن عبد الملك بن سمعون، والشيخ برهان الدين الرشيدي، الذي أخذ عنه الفقه أيضًا كما تقدم، والسراج عمر بن محمد بن علي الدمنهوري،\n_________\n(^١) (قواعد التحديث) للقاسمي ص ٢١٩ و(مقدمة ابن الصلاح) ٢٢٩ و(فتح المغيث) للعراقي ج ٣/ ٥٣.\n(^٢) (الرسالة) للشافعي ص ٣١.\n(^٣) (لحظ الألحاظ) ص ٢٢١، ٢٢٢ و(بهجة الناظرين) ١٢٩ من نسخة دار الكتب المصرية رقم (٣٤٠٣) تاريخ.","vol":"1","page":236},{"text":"شيخ القراء، وكان ضنينا بعلمه وتوفي سنة ٧٥٢ هـ (^١).\nوالشهاب أحمد بن يوسف بن عبد الدايم المعروف بالسمين، وكان أديبا بارعا في النحو والقراءات وتوفي سنة ٧٥٦ هـ (^٢).\nولم أجد من عني بذكر بعض المراجع اللغوية التي درسها العراقي، ولا بتحديد زمن شروعه في تلك الدراسات أو إجازته أو تخرجه ولا ببيان من أجازه من الشيوخ أو خرجه على منهج العصر، مع أن لذلك كله أهمية، كما أشرنا من قبل، في تقييم الشخصية العلمية وتوثيقها، ولعلنا حين ننظر إلى أنه اتجه للتخصص في السنة ٧٤٢ هـ (^٣) نجد في ذلك إشارة إلى أنه اشتغل بتلك العلوم ضمن ما اشتغل به قبل هذا التاريخ.\nومن المؤكد بحسب قواعد الطلب وعادة العصر أنه أجيز بما درسه منها على الشيوخ المتقدمين قبل وفاتهم في التواريخ المتقدمة وهي سنة ٧٤٩ هـ بالنسبة للرشيدي، وسنة ٧٥٢ هـ بالنسبة للدمنهوري، وسنة ٧٥٦ هـ بالنسبة للسمين، أما ابن سمعون فهو أقدم شيوخ العراقي عموما (^٤) وبذلك تكون إجازته منه أسبق من الجميع.\n\n<span data-type='title' id=toc-75>مكانته في اللغة وعلومها:</span>\nعلى أن القصور في إيضاح جوانب دراسة العراقي لعلوم اللغة وأدبها لا ينبغي أن يفهم منه ضآلة محصوله منها، بدليل ما وصلنا من رصد النتيجة العامة.\n_________\n(^١) «غاية النهاية» لابن الجزري ج ١/ ٥٩٧، ٥٩٨.\n(^٢) «بغية الوعاة» للسيوطي جـ ١/ ٤٠٢ و«الدرر الكامنة» جـ ١/ ٣٣٩، ٣٤٠.\n(^٣) «مجموع ابن خطيب الناصرية» (ترجمة العراقي) و«لحظ الألحاظ» ص ٢٢٢.\n(^٤) «الضوء اللامع» جـ ٤/ ١٧٢.","vol":"1","page":237},{"text":"لتلك الدراسة، وما أمكن الوقوف عليه من نتاجه ونشاطه العلميين\nفبالنسبة للنتيجة العامة نجد من تلاميذه - وهم أخبر به - التقي الفاسي يقرر: أنه كان عارفًا بعلوم «العربية» عمومًا (^١) وينص ابن فهد والبرهان الحلبي على علمه بالنحو واللغة والغريب (^٢)، ويضيف البرهان الحلبي أن له نظما وسطًا وقصائد حسان (^٣) وبذلك تكتمل الشهادة له بالدراية اللائقة لعامة فروع اللغة وأدبها.\nوبالنسبة لنتاجه ونشاطه العلميين، فإن فيهما مصداق ذلك واضحا وسنورد هنا بعض الأمثلة العامة لما سيأتي تفصيله في محله، وبعض النماذج التفصيلية لغيره.\nفمن ذلك: ما قدمناه من بلوغه في الفقه وأصوله درجة الباحث المجتهد، وهي درجة لا يتأهل لها إلا بمعرفة جيدة للدلالات المنطوقة والمفهومة لما تضمنته آيات وأحاديث الأحكام من الألفاظ والعبارات والأساليب، وما في كل منها من الحقيقة والمجاز، والخصوص والعموم والأمر والنهي والتوكيد وغير ذلك، وهذا يتوقف على معرفة قدر كاف من فقه اللغة وغريبها، وشعرها ونثرها ونحوها وصرفها وبلاغتها من بيان ومعان وبديع (^٤).\nكذلك سيأتي تأليفه في غريب الحديث، ونظمه ألفية في غريب القرآن الكريم مع ترتيب ذلك ترتيبا فنيًا على حروف المعجم، ورتب أيضًا عددًا من\n_________\n(^١) «ذيل التقييد لتلميذه التقي الفاسي» ورقة ٢١٩ ب.\n(^٢) «لحظ الألحاظ» ص ٢٢٧ و«الضوء اللامع» جـ ٤/ ١٧٥.\n(^٣) «الضوء اللامع» جـ ٤/ ١٧٦.\n(^٤) انظر «نهاية السول في شرح منهاج الأصول» للأسنوي و«حاشية المطيعي عليه» جـ ٤/ ٥٤٧ وما بعدها و«الرسالة» للشافعي ص ٢٣، ٢٤.","vol":"1","page":238},{"text":"مؤلفاته في الرجال على حروف المعجم، مما يمثل ظاهرة معجمية في نتاجه العلمي. ويضاف لذلك ما سنعرض له في بحث مؤلفاته المختلفة في علوم السنة وشروحها من أبحاثه القيمة في المعاني اللغوية وفي الجوانب النحوية والصرفية والبلاغية والعروضية، وكلها تظهر إلمامه الجيد بتلك العلوم وتنبهه لدقائقها، ومناقشته لكثير من آراء أئمتها ترجيحًا وتضعيفًا، وإطلاعه الواسع على مصادرها المتعددة واعتماده المناسب عليها (^١).\nملامح أسلوبه النثري:\nويظهر لنا من مؤلفاته بصفة عامة، ومما وقفنا عليه من خطبه التي أداها خلال اشتغاله بذلك، تقلله كثيرًا من نزعة السجع، والصناعة اللفظية اللتين سادتا في عصره، بحيث لم يلجأ لذلك إلا في مقدمات بعض كتبه، وفيما وقفت عليه من خطبه الوعظية، وهذا استعمال في محله، خاصة وأننا نلاحظ خلوه من التكلف والركاكة، واختياره للألفاظ الدقيقة المعاني والعبارات القوية المترابطة، مثل قوله في مقدمة «تكملة شرح الترمذي»: «الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وأشهد أن لا إله إلا الله شهادة تبيض وجوه آتيها إذا اربَدَّتْ وجوه أبيها فارتدت كالحات» (^٢) ومثل قوله في بعض خطبه الوعظية: «ابن آدم: ما هذه الغفلة ونُذُرِ الرحلة بك قد ألمت، وما هذه المهلة ومدة النقلة قد أظلت، استبطأت المنايا، فكأنك بها والله قد حلت، واغتررت بشبابك وصحتك، كأنك بقدمك والله قد زلت … فرحم الله عبدا حاسب\n_________\n(^١) انظر مثلا «التقييد والإيضاح» ص ١٢ و«فتح المغيث» جـ ٢/¬٤٤، ٥٨ وج ٣/ ٩٥ وكلاهما للعراقي.\n(^٢) «تكملة شرح الترمذي» له جـ ١/ ورقة ا ب (مخطوط مصور).","vol":"1","page":239},{"text":"نفسه على الذرة والخطوة، وما عزمت عليه وهمت، وناقشها على النّقير والقِطْمِير، وما أظهرت وأكنَّت» (^١). ونلاحظ أيضًا رعايته لمقام الكلام وحال المخاطب به، فيتخير العبارة والمضمون المناسبين (^٢) ويوجز أو يتوسط أو يتوسع، ويُطْنِب وينتقد من خالف ذلك (^٣) وعندما يلاحظ أنه أوضح ما قد يعدو واضحًا أو استطرد بما يخرج عن الموضوع، ينبه على وجهة نظره فيما أقدم عليه (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-76>درايته بقواعد النظم، وشعره العلمي، ومكانة السنة فيه:</span>\nأما درايته بعلمي العروض والقوافي، وتمتعه بالملكة الشعرية، فيوضحها نتاجه من الشعر العلمي والأدبي، إلا أن أكثر شعره، هو الشعر العلمي الذي كان سائدًا في عصره، ومعظم أعماله في ذلك منظومات ضخمة، كل واحدة منها تزيد على ألف بيت، وغالبها في علوم السنة رواية ودراية كما سيأتي، بالإضافة إلى منظومات أقل حجمًا وأبيات متفرقة ضمنها بعض المعلومات التي تحتاج للضبط بالحفظ، وقد وقفت منها على ٣٥ بيتًا تتناول ٩ موضوعات، أكثرها متعلق بعلم السنة أيضًا، فمنها: بيتان في فضل الصحابة العشرة المبشرين بالجنة وأسمائهم (^٥) وبيتان في فضل سبعة من الصحابة كانوا يشبهون\n_________\n(^١) انظر «مجموع ابن خطيب الناصرية» (خطبة الحافظ زين الدين العراقي).\n(^٢) انظر «النكت الوفية بما في شرح الألفية للبقاعي» ورقة ٢ أ (مخطوط مصور).\n(^٣) «تكملة شرح الترمذي» جـ ١ ورقة ٢ أ و«مقدمة المغني عن حمل الأسفار» للعراقي (بهامش إحياء علوم الدين جـ ١/¬٨).\n(^٤) «التقييد والإيضاح» له ص ٢١ و«الأربعين العشارية الإسناد» ورقة/ ٢٠ ب.\n(^٥) «مجموع ابن خطيب الناصرية» و«الضوء اللامع» جـ ٤/ ١٧٨ و«المنهل الصافي» جـ ٢/ ٣١٣ أ.","vol":"1","page":240},{"text":"النبي ﷺ (^١)، وبيتان في آداب طالب الحديث (^٢)، وخمسة أبيات في ضبط سماع عمر بن محمد بن معمر بن طبرزد لسنن أبي داؤد (^٣)، وبيتان في وفاة التاج محمد بن أحمد المعروف بابن موسى السكندري في سنة ٧٩٨ هـ، وكان آخر من يروي بها حديث السلفي بالسماع المتصل (^٤)، وبيتان في معاني كلمة القنوت في اللغة (^٥)، وبيتان في طبقات العرب العرباء (^٦)، وسبعة أبيات في الألغاز العلمية، بعث بها لتلميذه ابن حجر يطلب حلّها فأجابه، بالحل في ٧ أبيات أيضًا (^٧)، وأحد عشر بيتا في بيان المجددين للدين على رأس كل قرن، منذ القرن الخامس الهجري إلى عصره، ذيل بهم على ٦ أبيات رواها الحاكم في المجددين من زمن عمر بن عبد العزيز إلى زمنه (^٨).\nوكما عني تلاميذ العراقي فمن بعدهم من العلماء بمنظوماته العلمية الكبيرة، عنوا أيضا بتلك الأبيات المتفرقة فتلقاها عنه تلاميذه وسجلوها في مؤلفاتهم\n_________\n(^١) (المنهل الصافي) جـ ٢/ ٣١٣ أ.\n(^٢) (الضوء اللامع) للسخاوي جـ ٤/ ١٧٧ و«الإعلان بالتوبيخ» له أيضا ضمن (علم التاريخ عند المسلمين) لفرانتس روزنتال ص ٧٢٣.\n(^٣) (مجموع ابن خطيب الناصرية) (ترجمة العراقي) و«الفهرست الأوسط» لابن طولون ورقة ٢٠٠ ب و«المعجم المفهرس» لابن حجر ورقة ٤ أ (مخطوط).\n(^٤) «الضوء اللامع» ج ٤/ ١٧٨ و«الجواهر والدرر»، ورقتي ٢٣ ب و٢٤ أ.\n(^٥) «تكملة شرح الترمذي» له باب القنوت (مخطوط مصور).\n(^٦) و(مجموع ابن خطيب الناصرية) و(فتح المغيث) للعراقي هامش/ ٤٧٢ من نسخة (١٣٩) مصطلح تيمور.\n(^٧) (الجواهر والدرر) ورقة ١٩٣ أ.\n(^٨) و«التنبئة بمن يبعثه الله على رأس كل مائة» للسيوطي ص ١٩، ٢٠، ٣٦.","vol":"1","page":241},{"text":"التي انتشرت وشاعت ورووها عنه لتلاميذهم، ونسجوا على منوال بعضها. مثال ذلك: نظمه في العشرة المبشرين بالجنة حيث قال:\nوأفضل أصحاب النبي مكانة … ومنزلة من بشروا بجنان\nسعيد زبير، سعد عثمان عامر … علي، ابن عوف، طلحة العمران\nوقد تلقاهما عنه ولده ولي الدين، وكتب بخطه: وأنشدني سيدي والدي حافظ الإسلام أبو الفضل عبد الرحيم من لفظه لنفسه: .. وذكر البيتين، ثم قرأهما من خطه، ونقلهما تلميذه ابن خطيب الناصرية في مجموعه مع غيرهما (^١).\nوقد نسج على منوالهما ابن حجر تلميذ العراقي فقال:\nلقد بشر الهادي من الصحب زمرة … بجنات عدن كلهم فضلا اشتهر\nسعيد، زيد، سعد، طلحة، عامر … أبو بكر، عثمان، ابن عوف، علي، عمر (^٢)\nكما أن من هذه المتفرقات ما قد سبق العراقي لنظم معناها، مثال ذلك قوله في آداب طالب الحديث:\nإذا قرأ الحديث علي شخص … وأمل مبيتي ليروج بعدي\nفماذا إنصاف لأني … أريد بقاءه ويريد فقدي\nفقد سبقه لمعناه الحافظ الذهبي حيث يقول:\n_________\n(^١) انظر المجموع المذكور نقوله لما قرأه بخط ولي الدين أبي زرعة ابن العراقي.\n(^٢) «الفهرست الأوسط» لمحمد بن طولون الحنفي ورقة ٢٢٣ أ.","vol":"1","page":242},{"text":"إذا قرأ الحديث علي شخصي … وأخلى موضعا لوفاه مثلي\nفما جازاني بإحسان لأني … أريد حياته ويريد قتلي (^١)\nلكن شعر العراقي العلمي بصفة عامة أجود من شعر غيره في الموضوعات المماثلة كما ستأتي مقارنته في محله.\n\n<span data-type='title' id=toc-77>شعره الأدبي ومكانة السنة فيه، تأثيرًا وتأثرًا:</span>\nوقد تجاوزت شاعرية العراقي النظم في علوم السنة وغيرها إلى النظم الأدبي؛ لكن لم يظهر لنا تكسبه أو تزلفه بشعره لدى حاكم، أو ذي منصب، أو جاه أو مال، رغم ما كان يعانيه من ضيق العيش كما أسلفنا، وهذا يؤكد ما تقدم في أخلاقه، من التحلي بعفة النفس والورع والقناعة، فبرئ من نفاق القلب والقلم؛ ولذا فإن شعره الأدبي قد انصب - بحسب الاستقراء - على جانبين: أولهما جانب الموعظة والأخلاق المتضمنة في الكتاب والسنة وذلك مثل قوله:\nاتقوا الله جودوا … من يجد ليس بمفتون\nلن تنالوا البر حتى تنفقوا … مما تحبون (^٢)\nويلاحظ أن البيت الثاني مقتبس - بنصه - من القرآن الكريم ﴿آية ٩٢ آل عمران﴾.\nأما السنة النبوية: فمن أظهر الأمثلة على تضمين معانيها في شعره، وربطه بإنتاجه فيها إيراده الكثير من نظمه في أماليه الحديثية العديدة، وذلك تبعا لما جرى به الاصطلاح من ختم مجالس الإملاء ببعض الأشعار.\n_________\n(^١) «الضوء اللامع» جـ ٤/ ١٧٧ و«الإعلان بالتوبيخ» ص ٧٢٣ كلاهما للسخاوي و(البدر الطالع) للشوكاني جـ ١/ ٣٥٦ و«الأعلام» لابن قاضي شهبة جـ ١/ ٩٠ ب.\n(^٢) «المجمع المؤسس» ص ١٧٨.","vol":"1","page":243},{"text":"الأخلاقية المناسبة (^١)، فكان العراقي يورد عقب ما يمليه من الأحاديث والآثار ما يناسب معناها في صورة شعرية من نظمه (^٢)، وذلك مثلما فعل في المجلس ٤١٣ من أماليه، حيث أملاه فيما يتعلق بطول العمر، وختم بقصيدة من نظمه في نفس الموضوع تزيد على ٢٠ بيتا ومطلعها:\nبَلَغْتُ في ذا اليوم من الهرم … تهدم العمر كسيل العرم (^٣)\nوأملى أيضا المجلس ٤١٦ وهو الأخير من أماليه، فميا يتعلق بالاستسقاء وأدعيته المأثورة، وذلك بسبب توقف النيل حينئذ، ثم ختمه بقصيدة في نفس المعنى أولها:\nأقول لمن يشكو توقف نيلنا … سل الله يمدده بفضل وتأييد\nوآخرها:\nوأنت فغفار الذنوب وساتر الـ … عيوب وكشاف الكروب إذا نودي (^٤)\nوقد دون تلاميذه تلك القصائد المتعددة ضمن أماليه الحديثية ورووها كذلك عنه لمن بعدهم، بحيث رافقت نتاجه في السنة في تداوله وانتشاره، حاوية لعنصري التأثر والتأثير، ويعتبر المترجمون تلك الأمالي هي المصدر الجامع لكثير.\n_________\n(^١) «فتح المغيث» للعراقي جـ ٣/ ٨٣ و«تقريب النواوي وشرحه»، للسيوطي ص ٣٤٢، ٣٤٣.\n(^٢) «فتح المغيث» للسخاوي جـ ٢/ ٣٠٨ وأمالي العراقي مجلس ٨٦.\n(^٣) «المجمع المؤسس»، ص ١٧٧ و«الضوء اللامع»، جـ ٤/ ١٧٤.\n(^٤) «المجمع المؤسس» ص ١٧٨ و«الضوء اللامع» جـ ٤/ ١٧٤ و«البدر الطالع» جـ ١/ ٣٥٦.","vol":"1","page":244},{"text":"من نظمه (^١)\nوهذا يدل أيضًا على احتضان السنة للشعر الأدبي الهادف، وعلى ارتباط العلوم الإسلامية والعربية بعضها ببعض ارتباطا أصيلا.\nأما الجانب الثاني الذي تناوله العراقي في شعره الأدبي فهو المعاني والمشاعر الإنسانية الرفيعة التي لا تنافي أيضًا روح الكتاب والسنة، مثل تعبيره عن عاطفة الأبوة بالنسبة لولده أبي زرعة لما ظهر نبوغه العلمي وهو شاب ودرس في حياة والده وشيوخه فقال:\nدروس أحمد خير من دروس أبه … وذاك عند أبيه منتهى أربه (^٢)\nومثل تعبيره عن الحنين إلى وطنه مصر وأحبابه فيها كما قدمنا البيتين في نسبته لمصر.\nوعندما مَدَحَ كما هو شأن الشعراء، مدح العلم، مثل البيت الذي قدمناه في مدحه لكتاب المهمات لشيخه الإسنوي، ومدح أيضًا بعض أقرانه من العلماء المشهود لهم بالعلم والفضل، كسراج الدين البلقيني الذي مدحه بمقطوعة يقول فيها:\nالله يبقي شيخ المسلمين لنا … غناء عن الماضين للمتجدد (^٣)\nثم كان رثاؤه أيضًا لبعض أفاضل شيوخه وأصدقائه.\n_________\n(^١) والضوء اللامع، جـ ٤/ ١٧٨.\n(^٢) والضوء اللامع، جـ ١/ ٣٣٧.\n(^٣) انظر (بهجة الناظرين) ص ١٠، وقد أورد المؤلف المقطوعة في ٧ أبيات ضمن مراثي البلقيني مع أنه يدعو له فيها بالبقاء كما ترى وبقية الأبيات مطابقة لهذا البيت ولذا كتب مقابلها بهامش النسخة ما نصه: (يظهر أنها مدح له ﵀ وليست بمرثية).","vol":"1","page":245},{"text":"فرثى شيخه الإسنوي المتقدم ذكره بقصيدة تبلغ ٢٦ بيتا، مطلعها:\nتنكرتِ الدنيا فلستُ أخالُها … لِفَقْدِكُم إلا تداني زوالِها\nوقد أشاد فيها بمآثره العلمية والخلقية مثل قوله:\nلقد فجعتنا الحادثات بشخصه فآثاره فينا يدوم اتصالها (^١)\nكما رثى صديقه البار العالم إبراهيم الإبناسي المتوفى سنة ٨٠٢ هـ بقصيدة دالية، ذكر ابن حجر في المجمع أنها عدة أبيات، ولم يذكر شيئًا من محتواها لكنه كتب لابن قاضي شهبة أنها قصيدة طويلة، وأنه قرأها بخط شيخه العراقي، فوجده أثنى فيها على الأبناسي كثيرا (^٢).\nفلعل ما ذكره في المجمع، كان قبل وقوفه عليها، ويلاحظ أنه لم يوجه انتقادًا لشيخه فيها، مع خبرته بأدب العصر (^٣)، بينما ذكر عن شيخ آخر له أنه كان يحب الآداب، ولكن ما كان يدرك الوزن، وأنه راجعه في بعض أبيات أنشدها أمامه وبَيَّنَ له موضع الخطأ فيها، وقرر نقص بضاعته في ذلك (^٤)، ويُعد مدح العراقي لأقرانه، ورثاؤه لمن رحل عنه إلى دار البقاء دليلا على ما قدمناه في أخلاقه من صفاء النفس والوفاء والعرفان.\nوقد حظي شعر العراقي في هذا الجانب أيضًا بالتداول والانتشار، وأقرب دليل على ذلك، أن النماذج التي قدمناها له، وغيرها مما اطلعت عليه أكثرها موجود في مؤلفات حديثية وعلمية لغيره، ولمن بعد عصره بفترة.\n_________\n(^١) «بهجة الناظرين» ص ١٤١.\n(^٢) «طبقات الشافعية» لابن قاضي شهبة ورقة ١٠٧ ب.\n(^٣) «الجواهر والدرز» ورقتي ٨/¬٢ أو ٩/¬٢ أ.\n(^٤) «المجمع المؤسس» ص ٦٢.","vol":"1","page":246},{"text":"وعلى ضوء هذه النماذج وغيرها مما وقفت عليه أو أشار له المترجمون للعراقي، أو الناقلون عنه يتضح لنا أن الشعر الأدبي له في مجموعه قليل جدا بالنسبة لشعره العلمي، حيث يتدرج من البيت والبيتين إلى القصيدة التي تجاوز العشرين بيتا، بينما يصل العلمي في تدرجه إلى ما فوق الألف بَيْتٍ، ولعدة منظومات كما ستأتي.\nوبالنسبة للخصائص الفنية للشعر، تفوق جودة شعره العلمي أيضًا شعره الأدبي؛ ذلك أنه رغم جودة الألفاظ والعبارات التي يستعملها بحكم درايته اللغوية واقتباسه من الكتاب والسنة، وتأثره بمعانيهما، كما أشرنا، رغم ذلك فإنه يعوزه كثيرا الحبكة الشعرية، وسبك الأسلوب، وتركيب الصورة الخيالية المبتكرة، بواسطة المجازات والتشبيهات والإستعارات، حتى وجدناه في النماذج السالفة يحول الآية القرآنية كما هي إلى بيت منظوم دون تصرف من جانبه مطلقا، كما أني وجدت تعليقا لشخص مجهول، مقابل الأبيات السبعة التي ذكرت عنه في رثاء البلقيني بما نصه «سامحك الله يا شاعر، لو رثيته نثرا!» (^١)\nوهذا يدل على إحساس المعلّق بأن عبارة الأبيات يعوزها الحبك والترابط، وما وجدناه من شعره مشتملا على التصوير القوي للمشاعر والمشاهد، وجدناه مسبوقا إليه، وذلك مثل قوله في الحنين لمصر:\nألا ليت شعري هل أبيتن ليلة … بمصر ففيها من أحب نزول\nوهل أردن يوما موارد نيلها … وهل يبدون لي روضة ونخيل؟\n_________\n(^١) (بهجة الناظرين) ٤/¬١٠ نسخة دار الكتب السابق الإشارة لها.","vol":"1","page":247},{"text":"ففي البيت الأول تظهر مشاعر حنينه القوي للعودة لمصر والتقائه بأحبابه فيها. وفي البيت الثاني يجسد التصوير الماثل في ذهنه لمشاهد الطبيعة الرائعة بمصر، والمتمثلة في نيلها العظيم، وما أحفّ به من رياض نضرة، ونخيل باسقات، تطالع الناظر من بعيد بخضرتها الدائمة، ومنظرها العجيب. لكننا نفاجأ بأن العراقي لم يبتكر ذلك، وإنما هو ناسج على منوال سابق له (^١).\nإلا أن هذا لا يعني جمود ملكته الشعرية أو أحاسيسه وتذوقه، بدليل إقباله على بعض أشعار عصره الجيدة، كقصيدة أديب عصره، برهان الدين القيراطي التي رثى بها الإسنوي شيخ العراقي، وهي تقارب مائة بيت ومطلعها:\nنعم قُبضت روح العلا والفضائل … بموت جمال الدين صدر الفضائل\nوقد تلقاها عنه العراقي على طولها، ثم أنشدها عنه لولده أحمد (^٢).\nكما تتلمذ لابن نباتة أديب عصره، وروى عنه بعض أشعاره كما سيأتي، فهذا دليل على انفعاله بالشعر الجيد وتذوقه له، كما يظهر في شعره أيضًا إحساسه بأحداث عصره وتعبيره عنها بوضوح، مثل قوله في رثاء الإستوي:\nلقد كان مأوى للغريب وملجأ … لذي عثرة حتى تراه يقالها (^٣)\nفهذا تعبير منه عما قدمناه من أحداث عصره التي جعلت موطنه مصر ملجأ للغرباء وذوي الحاجة، مثل أسرته هو (^٤)، فأشاد بموقف شيخه من تلك.\n_________\n(^١) (الضوء اللامع، جـ ١/ ١٧٨)\n(^٢) (حسن المحاضرة) للسيوطي جـ ١/ ١٨١ - ١٨٤ و«وفيات ولي الدين ابن العراقي» سنة ٧٨١ (ترجمة برهان الدين القيراطي).\n(^٣) (بهجة الناظرين) ص ١٤١.\n(^٤) تنظر ص ١٠٤ - ١٠٦.","vol":"1","page":248},{"text":"الظاهرة، وأحس بمشاعر من عانوا الغربة والحاجة، كما قال عن شيخه أيضًا في تلك المرثية:\nصحيح اعتقاد لم يكن متفلسفًا ولا شَانَهُ إرجاؤها واعتزالها (^١). وهذا تعبير واضح عن الصراع المذهبي الذي اشتد في عصره بين الطوائف والفرق الإسلامية، وإظهاره لشعوره المؤيد لاعتقاد أهل السنة والجماعة في مواجهة الفرق المذكورة، حيث جعلهم جميعًا بمنأى عن الاعتقاد الصحيح وجعل مذاهبهم شين لصاحبها، ومثل هذا في عصره الذي تقاتلت فيه تلك الفرق بالسيف كما أسلفنا يعد غاية في جرأة التعبير عن الرأي والحق.\nولعل هذا ما جعل تلميذه برهان الدين الحلبي المعروف بسبط ابن العجمي يقول في تقييم شعره عموما: «إن له نظما وسطًا، وقصائد حسان».\nوهذا الحكم الإجمالي له أهميته إذا عرفنا أن قائله من الشهود على أدب العصر، وقد لازم شيخه العراقي نحو عشر سنين في أواخر حياته، حيث النضج والاكتمال، وشارك في استملاء مجالسه الحديثية التي تضمنت كثيرًا من نظمه كما أسلفنا (^٢) وعبارةُ السِّبْطِ على وجازتها، دقيقة جامعة، حيث تشير إلى أن نظم العراقي الأدبي في طابعه العام متوسط كما وكيفا، ومنه قصائد حسان الكم والكيف، وهذا مطابق لما قدمناه من النماذج وتحليلها.\nوبذلك يتقرر لنا أن العراقي وإن كان ألم بقواعد النظم، وطرق باب الشعر الأدبي، وأعمل ملكته في أغراض متعددة منه، وأجاد في بعض قصائده إلا\n_________\n(^١) المصدر السابق نفس الصفحة.\n(^٢) (الضوء اللامع) جـ ٤/ ١٧٥.","vol":"1","page":249},{"text":"أنه لم يكن هو الميدان الذي ظهرت فيه موهبته العلمية، وإبداعه الفني، ويعد شعره العلمي أجود وأسلوبه النثري أقوى.\nكما يتقرر لنا أن شعره الأدبي في عمومه ارتبطت معانيه وأسلوبه وأغراضه بثقافته النابعة من الكتاب والسنة تأثرًا وتأثيرًا، وأنه عبر فيه بوضوح عن شخصيته بأفكارها القويمة ونبالة أخلاقها وعواطفها، كما وَظّفَ شِعْرَه في حمل معاني السنة ونشرها.\n\n<span data-type='title' id=toc-78>من مراجع شعر العراقي:</span>\nأكثر ما وصل إلينا مجموعا من شعره هو الشعر العلمي، الذي بقيت لنا مؤلفاته فيه وخاصة ما يتعلق منها بعلوم السنة كما سيأتي.\nأما الأبيات العلمية المتفرقة التي أشرنا إليها، والشعر الأدبي عموما فلم أقف في بحثي الموسع على مصدر جامع حتى لمعظمه، نظرا لأن أماليه الحديثية التي تضمنت كثيرًا منه، وبعض مؤلفاته الأخرى التي أودعها بعضه، تعد في حكم المفقودة، ويمكن الوقوف على نماذج منه متعددة ومتكاملة من المؤلفات في السنة وعلومها لأشهر تلاميذه: كابن حجر وسبط ابن العجمي، ومن عاصرهم أو أخذ عنهم، كشهاب الدين الغزي والسخاوي والسيوطي وهذا ما جعلني أعاني كثيرًا في البحث حتى حصلت على النماذج السالفة النتاجه العلمي من هذه الجوانب، لأقدمها في أقرب صورها للتكامل بعد أن فرّقتها تطاول الزمن، ومر عليها غالب السابقين في صمت، وبعضهم في إيجاز خاطف، لا يعطي الأبعاد المطلوبة، وبالله التوفيق.","vol":"1","page":250},{"text":"<span data-type='title' id=toc-79>القسم الثالث اختصاص العراقي بعلوم السنة وشيوخه وتلاميذه ومكانته</span>","vol":"1","page":252},{"text":"<span data-type='title' id=toc-80>اتجاهه للاختصاص بعلم القراءات، ثم عدوله إلى السنة، ومرشحاته لذلك</span>\nجرى منهج التعليم في عصر العراقي على أن العالم بجانب دراسته العامة يعمد إلى التخصص في علم معين، لميل شخصي أو لتوجيه موجه، فيركز نشاطه العلمي في دائرته حتى يُعرف به في الوسط العلمي، ويُعد من أهله المرجوع إليهم فيه، وإن شارك في غيره من العلوم بتدريس أو تأليف.\nوقد جرى العراقي على هذا المنهج، فبجانب تحصيله ومشاركته فيما قدمنا من علوم الفقه وأصوله واللغة بفروعها، اتجه للاختصاص بعلم القراءات (^١) فأخذها عن جماعة ممن لازمهم وأخذ عنهم غيرها من العلوم المتقدمة، كبرهان الدين الرشيدي، الذي أخذ عنه الفقه والعربية، وكبقية شيوخه المتقدمين في علوم العربية، وهم: ناصر الدين بن شمعون - بالشين المعجمة، أو السين المهملة (^٢) - والشهاب أحمد السمين، والسراج عمر الدمنهوري (^٣).\nويذكر ابن فهد والسخاوي والمناوي أن العراقي بما عرف عنه من الجد\n_________\n(^١) (مجموع ابن خطيب الناصرية) ترجمة العراقي و(ذيل الدرر الكامنة) ص ٧٠ و(إنباء الغمر) جـ ٢/ ٢٧٦ كلاهما لابن حجر و«الأعلام» جـ ٤/ ١١٩ أ و(طبقات الشافعية): ١١٠ ب كلاهما لابن قاضي شهبة و(بهجة الناظرين) ص ١٢٩ و(المنهل الصافي) جـ ٢/ ٣١٢ ب و(شذرات الذهب) جـ ٧/ ٥٥.\n(^٢) بعض المراجع تذكره بالشين المعجمة وبعضها بالسين المهملة بل تختلف في نسخ الكتاب الواحد ولم أجد مرجحًا لأيهما (انظر المجمع المؤسس) ص ١٧٦ ومن (بهجة الناظرين) ص ١٢٩ نسخة دار الكتب (٣٤٠٣) تاريخ و(١٤٨٢) تاريخ تيمور.\n(^٣) و(لحظ الألحاظ)، ص ٢٢١، ٢٢٢ و(الضوء اللامع) جـ ٤/ ١٧٢ و(بهجة الناظرين) نسخة دار الكتب ص ١٢٩.","vol":"1","page":253},{"text":"والنشاط في التحصيل، قد انهمك في علم القراءات هذا حتى توغل فيه (^١)؛ لكن لم أجد لهم ولا لغيرهم عناية بتحديد زمن اتجاه العراقي للقراءات، ولا بإعطاء تفصيلات عما درسه منها، أو عن مدى توغله، مع أن لذلك أهمية أكثر كما أشرت إليه في دراساته العامة؛ نظرًا لأن هذا هو العلم الذي تحول منه للاختصاص بالسنة كما سيأتي.\nلكن إذا نظرنا لما قرره ابن فهد والسخاوي وغيرهما (^٢): أنه تحول من القراءات إلى الحديث سنة ٧٤٢ هـ، أمكننا القول: «إنه اتجه لعلم القراءات قبل هذه السنة بفترة تكفي لوصفه بالتوغل فيه، كما أن الإمام تقي الدين السبكي يذكر أن أحد شيوخ العراقي في القراءات، وهو ناصر الدين بن شمعون يعتبر من القدماء، وأشار لأخذه عنه الحديث أيضًا (^٣)، وممن قرأ عليه محمد بن أحمد بن خلف المتوفى سنة ٧٤١ هـ» (^٤).\nولما كان العراقي قد تتلمذ للسبكي قبل سنة ٧٣٩ هـ هذه كما تقدم، فإن وصف السبكي نفسه لابن سمعون بالقدم يدل على أخذ العراقي عنه قبل سنة ٧٣٩ هـ هذه على الأقل وذلك يلائم وصفه بالتوغل في سنة ٧٤٢ هـ، على أن هذا التوغل كما سيأتي لم يصل إلى درجة إتمامه القراءات السبع المعروفة.\n_________\n(^١) (لحظ الألحاظ) ص ٢٢٢ و(الضوء اللامع) جـ ٤/ ١٧٢ و(مقدمتي شرحي المناوي لألفية العراقي في السيرة).\n(^٢) (لحظ الألحاظ) ص ٢٢٢ و(الضوء اللامع) جـ ٤/ ١٧٢ و(ابن خطيب الناصرية في مجموعه) (ترجمة العراقي) وابن تغري بردي في (المنهل الصافي) له جـ ٢/ ٣١١٢ ب.\n(^٣) (الضوء اللامع) جـ ٤/ ١٧٢.\n(^٤) «الأعلام» لابن قاضي شهبة جـ ١/¬٩ ب.","vol":"1","page":254},{"text":"قبل عدوله إلى التخصص بالسنة.\n\n<span data-type='title' id=toc-81>التقاء العراقي بشيخه ابن جماعة وتوجيهه للتخصص في السنة:</span>\nويذكر ابن فهد والسخاوي والمناوي أنه أثناء توغله هذا في علم القراءات تدخل في حياته العلمية مؤثر جديد حول مسارها نحو التفرغ لعلوم السنة، وكان ذلك المؤثر هو قاضي القضاة عز الدين عبد العزيز بن جماعة، وأنه لما رأى توغله في القراءات نهاه عن ذلك وقال له: إنه علم كثير التعب قليل الجدوى، وأنت متوقد الذهن، أو أراك متوقد الذهن، جيد القريحة، فاصرف نفسك أو همتك (^١) إلى الحديث.\nويذكر ابن فهد أن ابن جماعة بعد أن بين للعراقي وجهة نظره في عدم التناسب بين مواهبه وبين علم القراءات قال له: ينبغي صرف الهمة إلى غيره، وأشار عليه بالاشتغال في علم الحديث (^٢).\nوهذا يفيد أن ابن جماعة لم يحدد له علم الحديث ابتداء، وإنما ترك له اختيار علم آخر بنفسه، ويظهر أن العراقي لما اقتنع بوجهة نظر شيخه استشاره فيما يراه ملائما لعقليته على ضوء رأيه فيها، فأشار عليه بعلم الحديث، وهذا أليق من جعل التحديد صادرا ابتداء من ابن جماعة، كما ذكر السخاوي والمناوي؛ لأن في الأول دليلا على إتاحة فرصة الاختيار للعراقي، وإشراكه فيه، بعكس الثاني، ولعل المناوي والسخاوي اختصرا الموقف، وإن كان ما\n_________\n(^١) ولحظ الألحاظ، ص ٢٢٢ ووالضوء اللامع (جـ ٤/ ١٣٢ و٥ مقدمتي شرحي المناوي لألفية العراقي في السيرة)\n(^٢) ولحظ الألحاظ، ص ٢٢٢.","vol":"1","page":255},{"text":"ذكراه أفيد من اكتفاء غيرهما بالقول: إنه اشتغل أولا بعلم القراءات، ثم مال إلى الحديث، وصرف الهمة إليه، دون ذكر أي سبب لذلك الميل (^١).\nأما ابن حجر فيذكر أن ابن جماعة لم يُرشّح العراقي لعلم الحديث بالذات رعاية المناسبة عقليته له فحسب، بل لما رأى أيضا من حرصه على الحديث وتحصيله، لكن على غير وجوه الطلب المتعارفة كما سنبينها، وفي ذلك يقول: «وكان أي العراقي مفرط الذكاء، فأشار عليه القاضي عز الدين ابن جماعة بطلب الحديث، لما رآه مكبا على تحصيله، وعرفه الطريق في ذلك» (^٢) كما يذكر أنه عرف سابق حبه للحديث، فيقول: «واشتغل بالعلوم وأحب الحديث، لكن لم يكن له من يُخَرِّجُه على طريقة أهل الإسناد» (^٣).\nوهكذا يظهر لنا أن اتجاه العراقي للتخصص في علوم السنة، لم يكن ضربة لازب، ولا تحولا مفاجئا من أجل وظيفة، أو نصيب من الأوقاف، ونحو ذلك مما عرف عن كثيرين في عصره، كما لم يكن أمرا مسوقا إليه بغير دافع أو كفاءة؛ بل كان مرجعه الاعتبار العلمي البحت، والتناسب العقلي والنفسي، والإختيار الموفق، فتوفرت له كل العوامل الأساسية، ولم يكن ينقصه غير عنصر التوجيه الذي هيأه له الله تعالى، على يد الشيخ عز الدين ابن جماعة، فاكتملت له بذلك عناصر النجاح والتفوق، فهو ثقة ظاهر التوثيق، كامل كما قدمنا، ومحب للسنة وعلومها، ومشهود له بقوة الحافظة المُمَكِّنَةِ من استيعاب المرويات، وبقوة الذكاء الممكنة من الفهم والاستنباط.\n_________\n(^١) «مجموع ابن خطيب الناصرية» (ترجمة العراقي) و«المنهل الصافي» ج ٢/ ٣١٢ ب.\n(^٢) هـ «ذيل الدرر الكامنة» ص ٧٠.\n(^٣) والمجمع المؤسس، ص ١٧٦.","vol":"1","page":256},{"text":"وقد توجه إلى التفرغ لهذا المجال باختياره القائم على المشورة الواعية الأمينة التي أخذ صاحبها على عاتقه تعبيد الطريق أمام تلميذه، والإسهام الفعلي في تكوين شخصيته الحديثية، والإشادة بها كما سنفصله.\nوتعتبر هذه هي الخطوة الثانية في حياة العراقي العلمية التي تدخل فيها بعض شيوخه، حيث سبقها اعتراض شيخه الرشيدي على عزمه أن يحفظ كتاب (الحاوي الصغير) في شهر، مع دراسته كما قدمنا. ويظهر أنه بجانب اقتناعه بوجهة نظر شيخه ابن جماعة قد استفاد من التجربة السابقة، فاستجاب له، بل طلب مشورته، أو النيابة عنه كلية في اختيار عِلْمٍ مُلائم له، ولما أشار عليه بعلم الحديث أقبل فورًا بكليته عليه (^١).\nوقبل أن نتابع تفاصيل هذا الإقبال نرى الأمر يحتاج لعدة مواقف:\nالموقف الأول: أن وصف ابن جماعة لعلم القراءات بأنه كثير التعب في التحصيل، وقليل الجدوى في المحصول، وإقرار العراقي له على ذلك، لا ينبغي أخذه على ظاهره المنافي لأهمية علم القراءات وخطورتها المستمدة من مكانة متعلقها وهو القرآن الكريم؛ لأنه لا يعقل خفاء ذلك - على كلا الرجلين أو تهاونهما فيه؛ وإنما قصد (ابن جماعة): أنه عِلْمٌ قوامه الرواية، ومجال الاجتهاد العقلي في مسائله محدود، وبالتالي فإن صاحب الذهن المتوقد كالعراقي يكون إنتاجه فيه محدودًا، بينما لو اتجه إلى علم يجمع بين الرواية والدراية والاستنباط كعلم الحديث، تكون فائدته أعم ومجهوده أظهر.\n_________\n(^١) «لحظ الألحاظ»، ص ٢٢٢ و«مقدمتي شرحي المناوي لألفية السيرة».","vol":"1","page":257},{"text":"ويؤيد هذا أن ابن جماعة أتبع ما ذكره عن علم القراءات بقوله للعراقي: «وأراك متوقد الذهن جيد القريحة».\nفدل ذلك على أن قصده الأساسي تنبيهه إلى عدم التناسب بين مواهبه وبين الاشتغال بعلم القراءات، وهذا لا غبار عليه، وقد فهمه العراقي هكذا وأقره عليه.\nالموقف الثاني: كيف كانت تطلب علوم السنة في عصر العراقي ورأيه في ذلك:\nفنحن في حاجة لذلك لمعرفة مسلكه في الطلب، ومدى جريه على أصوله ومبلغه في التحصيل، وفي هذا نقول: «إن علوم السنة رواية ودراية رغم تدوينها في مؤلفات جامعة وعلى مناهج عديدة حتى عصر العراقي، إلا أنه ظل الاعتماد على المدونات، والاستفادة بها، يستلزمان الرجوع إلى العلماء في كل جيل إلى عصر العراقي، بل وإلى الآن»، وذلك لأمرين:\nأحدهما: إثبات صحة النسخ المتداولة من مدونات السنة وعلومها، بمقابلتها بمعرفة هؤلاء العلماء وخبرتهم، على أصولها الموثقة، بكونها بخط المؤلف، أو مقروءة عليه ونحو ذلك من الموثقات المبسوطة في كتب المصطلح.\nولهذا قرر العلماء أن من لم يأخذ علوم السنة من أفواه العلماء الضابطين وتعلمه من بطون الكتب فحسب، كان من شأنه التحريف ولم يفلت من التبديل والتصحيف (^١) ويقول العراقي: «فقلما سلم من التصحيف من أخذ\n_________\n(^١) (مقدمة ابن الصلاح مع التقييد والإيضاح) للعراقي ص ٢٢٩ و(حاشية الطوخي على شرح زكريا الأنصاري لألفية العراقي في المصطلح) / ٢٦٢ أ (مخطوط).","vol":"1","page":258},{"text":"العلم من الصحف من غير تدريب المشايخ» (^١)، كما أشار أيضا إلى أهمية ذلك بتقريره أن نسخ «المعجم الأوسط» للطبراني مع تداولها فإن كثيرا منها مغلوط لعدم اتصالها بالسماع من مؤلفها لمن بعده (^٢)\nوالأمر الثاني:\nهو تلقي محتوى تلك المدونات عمن لهم بها سند متصل إلى مؤلفها الذي يكون بدوره مثبتا سنده المتصل بما فيها إلى مصدره الأول، سواء كان الرسول ﷺ أو من دونه من الصحابة والتابعين والأئمة، ولم يكن المحدثون يلتفتون إلى نسخة الكتاب ما لم يذكر الراوي سنده المتصل بما فيها (^٣).\nويشير ابن خلدون - معاصر العراقي - إلى عمل المحدثين في عصره فيقول: وإنما تنصرف العناية لهذا العصر إلى تصحيح الأمهات المكتوبة وضبطها بالرواية عن مصنفيها، والنظر في أسانيدها إلى مؤلفيها، وعرض ذلك على ما تقرر في علم الحديث من الشروط والأحكام، لتتصل بالأسانيد محكمة إلى منتهاها (^٤).\nوبذلك نرى أن تدوين السنة وعلومها لم يغن عن التلقي الشفاهي لها عن العلماء، بل تعاون حفظ الصدور وحفظ السطور والكتابة والمشافهة على نقل عامة كتب السنة وعلومها موثقة مضبوطة عبر الأجيال، واحتفظت الأمة على الدوام بخصوصيتها الفاذة، وهي اتصال سندها بأصول دينها وثقافتها من\n_________\n(^١) (فتح المغيث) للعراقي جـ ٣/ ٥٤.\n(^٢) (قرة العين بالمسرة بوفاء الدين) للعراقي ص ٤٦ (مخطوط).\n(^٣) و«الفتاوى الحديثية» لابن حجر الهيثمي ص ٨٧، ٨٨\n(^٤) «مقدمة ابن خلدون»، ص ٣٨٦، ٣٨٧","vol":"1","page":259},{"text":"الكتاب والسنة وعلومها إلى مصادرها الأولى من الرسول ﷺ فمن بعده.\nومن أجل ذلك اصطلح علماء السنة منذ فجرها إلى عصر العراقي فما بعده، على طرق معينة لتلقي السنة وعلومها، مدونة أو شفهية، وقد أشار إليها ابن الصلاح بقوله: «أقسام طرق نقل الحديث وتحمله ومجامعها ثمانية» (^١).\nوقال العراقي: «وجوه الأخذ للحديث وتحمله عن الشيخ ثمانية» (^٢) وأشار إليها القاضي عياض بقوله: «إعلم أن طريق النقل ووجوه الأخذ وأصول الرواية على أنواع كثيرة ويجمعها ثمانية ضروب» (^٣) ثم فصلوها: وأولها: وأوثقها السماع من لفظ الشيخ (^٤).\nويقتضي ذلك أن يسجل الشيخ بنفسه أو بواسطة شخص ثقة من الحاضرين اسم الشيخ وأسماء السامعين، إما في سجل خاص، أو على أحد أوراق الكتاب المسموع، وتاريخ ذلك ومكانه، ويُوقع الشيخ بإثبات هذا السماع، ويُسمى ذلك طبقة السماع (^٥).\nفإن كان في الحاضرين طفل غير مميز أثبت في الطبقة اسمه أيضًا، وأنه حضر فقط، لعدم تمييزه لما سمع.\n_________\n(^١) «مقدمة ابن الصلاح»، ص ١١٦.\n(^٢) «فتح المغيث»، له جـ ٢/¬٤٧.\n(^٣) «الإلماع» للقاضي عياض ص ٦٨.\n(^٤) «مقدمة ابن الصلاح» ص ١٦٦ و«فتح المغيث» للعراقي جـ ٢/¬٤٧.\n(^٥) «فتح المغيث» للعراقي جـ ٣/¬٤١، ٤٢ وانظر بعض نماذج السماع بأول وآخر نسخة الأربعين العشارية الإسناد للعراقي و«مقدمة المحدث الفاصل» للرامهرمزي بتحقيق د. محمد عجاج الخطيب من ص ٥١ - ١٣٦ وصورة لوحات ١، ٤، ٥، ١٠ من نسخ الكتاب الخطية.","vol":"1","page":260},{"text":"وإن كان مميزا كتب من السامعين وحدد الجمهور سن الخامسة للتمييز (^١) ومنذ الولادة حتى الخامسة تُسمى مرحلة الحضور أو الإحضار، لكونها بواسطة من يُحضر الطفل مجلس السماع ويتولى كتابة اسمه في الطبقة لإثبات حضوره (^٢)\nأما ما بعد الخامسة، وحتى يستقل الشخص بتصريف شئونه فتُسمى مرحلة الإسماع، لكونها أيضًا بتوجيه غيره وإشرافه، وبموجب هذا التسجيل الكتابي يثبت للشخص تحمله للمرويات التي أخضرها أو أُسْمِعَها واتصال سنده بها حرصا على بقاء سلسلة الإسناد لكي يحق له الاعتماد على ذلك في رواية ما تحمله، إلى الآخرين بعد بلوغه وتأهله لهذا (^٣)، كما يحصل له بثبوت ذلك التحمل المبكر علو الإسناد، ويستدل منه على عراقة اتصاله بعلم السنة (^٤).\nوفي عصر العراقي لم يكن يعتد بثبوت هذا التحمل أو غيره من وجوه التحمل الآتية بغير الإثبات الكتابي للشخص بذلك (^٥) حتى لو ادعى الشخص أنه حضر أو سمع أو أجيز ولم يُقدّم إثباتا كتابيًا لم يقبل ذلك منه، في الغالب.\nولذلك حرص العراقي نفسه، وغيره من المترجمين لحفاظ السنة على بيان توفر أو افتقاد كل من مرحلتي الإحضار والإسماع هذين بالنسبة لهم، كما ذكره عن الميدومي شيخ العراقي، وكذا حرصوا على تحديد ما حضره، أو\n_________\n(^١) «الكفاية» للخطيب ص ١١٥، ١١٦ و«المحدث الفاصل» للرامهرمزي ص ١٣٠ (هامش) و«فتح المغيث» للعراقي جـ ٢/¬٤٤، ٤٥.\n(^٢) «فتح المغيث» جـ ٢/¬٤٦ و«اختصار علوم الحديث» لابن كثير/ ١٠٨.\n(^٣) «فتح المغيث» جـ ٢/¬٤٤ و«المناهل السلسلة» لمحمد عبد الباقي اللكنوي ص ٢.\n(^٤) «الكفاية» للخطيب ص ١١٦.\n(^٥) «فتوى العراقي عن المشروع في عاشوراء» ص ٥٠ (مخطوط).","vol":"1","page":261},{"text":"أسمعه الشخص من المرويات، وتاريخ ذلك ومكانه إن تيسر (^١).\nوعند استقلال الشخص بنفسه يبدأ مرحلة ثالثة هي الطلب بنفسه، حيث يطوف على شيوخ بلده، ثم يرحل خارجه لغيرهم، ويباشر السماع والقراءة وغيرهما من وجوه التلقي الآتية، وإثبات ذلك بنفسه.\nوفي تلك المرحلة يلازم الطالب من استطاع ملازمته من الشيوخ حتى يتخرج ولو بأحدهم كما أشرنا من قبل، وكلما كانت تلك المراحل مستكملة ومرور الطالب بها مبكرًا، كلما دلّ ذلك على عناية القائمين بأمره، بجانب الدلالة على نبوغه واجتهاده الشخصي، كما يتيح له ذلك فرصة النضج العلمي المبكر، واستحقاق درجات المحدثين وألقابهم الآتي بيانها بجدراة.\nوالطريقة الثانية لتلقي السنة وعلومها: القراءة على الشيخ ويسميها أكثر المحدثين عرضًا، باعتبار أن القارئ يعرض على الشيخ ما يقرؤه، كعرض القرآن على المحفظ (^٢) ويثبت اتصال السند بها للقارئ والسامعين كتابيًا بمثل طريقة إثبات السماع المتقدمة.\nوالطريقة الثالثة: الإجازة كقول الشيخ للطالب: أجزت لك، أو للجماعة: أجزت لكم رواية كتاب كذا، من تأليفي أو روايتي بسندي فيه: أو يذكر السند، أو ما اشتمل عليه\n_________\n(^١) انظر «المنتقى من ذيل العراقي على العبر» سنة ٧٦٢ هـ ضمن «مجموع ابن خطيب الناصرية» و«ذيل ولي الدين ابن العراقي» وفيات سنة ٧٦٢ هـ ترجمة مغلطاي و«الدرر الكامنة» جـ ٥/¬١٢٣ و«لسان الميزان» جـ ٦/ ٧٢ وما بعدها.\n(^٢) «مقدمة ابن الصلاح» ص ١٦٨ و«فتح المغيث» للعراقي جـ ٢/¬٥٠.","vol":"1","page":262},{"text":"فهرست مروياتي، ويثبت ذلك كتابيًا أيضًا، وأنواع الإجازة متعددة، وهي عمومًا أقل درجة من السماع (^٢)، والذي نحتاجه فيما نحن بصدده: الإجازة للطفل منذ ولادته، سواء أخضر مجلس المجيز أو كان غائبًا، وبثبوتها الكتابي يصح تحمله ويتصل سنده بالمجاز به ليؤديه لغيره بعد تأهله كما قدمنا في الحضور والإسماع، وأجاز العلماء ذلك أيضًا حرصًا على بقاء سلسلة الإسناد المخصوصة بها الأمة (^٣)، كما أن سند الطفل المجاز يصبح عند تأهله للأداء عاليًا لقدم تاريخ إجازته حينذاك (^٤)، وربما يكون المجيز قد توفي مع انفراد المجاز منه ببعض المرويات، فيصبح هو الوسيلة الوحيدة لوصل السند بتلك المرويات بعد شيخه، ولهذا يذكر العراقي أن بعض كتب السنة انقطع سنده من بعض البلاد لعدم وجود إجازة به لأحد من سكانها (^٥)، كما يذكر ابن حجر أن أخا الحافظ الذهبي لأمه من الرضاع استجاز له سنة مولده من بعض شيوخ عصره، فانتفع الذهبي بعد ذلك بتلك الإجازة انتفاعًا شديدًا (^٦) وبذلك يظهر لنا احتياج طالب الحديث إلى عناية من ذويه بطلبه منذ ولادته، حتى ينشأ ويشب في رحابه، ويحصل ميزة المحدثين بعلو السند وكثرة الرواية بجانب الدراية.\nوالطريقة الرابعة: المناولة\nولها عدة صور، كأن يمسك الشيخ كتابًا من تأليفه أو تأليف غيره، ويناوله\n_________\n(^٢) انظر «الإلماع» للقاضي عياض ص ٨٨ - ١٠٧ و«مقدمة ابن الصلاح» ١٨٠ - ١٩٠ و«فتح المغيث» للعراقي جـ ٢/ ٦٥ - ٧٨.\n(^٣) «فتح المغيث» للعراقي جـ ٢/ ٧٣، ٧٤ و«فتح المغيث» للسخاوي جـ ٢/¬١٥.\n(^٤) «الكفاية» للخطيب ص ١١٦.\n(^٥) «فتح المغيث» للعراقي جـ ٢/ ٦٢.\n(^٦) «الدرر الكامنة» جـ ٣/ ٨٤.","vol":"1","page":263},{"text":"لتلميذه ويأذن له في روايته عنه، أو نسخه أو مقابلة نسخته عليه، ونحو ذلك (^١) ويثبت ذلك كتابيا أيضًا.\nوالطريقة الخامسة: المكاتبة\nكأن يكتب الشيخ، أو يُكلّف ثقة غيره بكتابة شئ من مروياته أو مؤلفاته لبعض الحاضرين أو الغائبين ويُوقع له بذلك (^٢).\nوالطريقة السادسة: إعلام الشيخ للطالب بأن هذا الكتاب تأليفه، أو روايته بسنده، دون أن يأذن له بروايته\nوهذه الطريقة مختلف في الاعتماد عليها في الرواية ولكل دليله دون مرجح (^٣)\nوالطريقة السابعة: الوصية بالكتاب.\nكأن يوصي الشيخ قبل موته أو سفره لشخص برواية بعض مروياته، أو مؤلفاته، والخلاف فيها أكثر من السابقة لضعفها عنها (^٤).\nوالطريقة الثامنة: الوجادة\nوهي أن يجد الشخص بخط من عاصره أو لم يعاصره مرويات أو مؤلفات له دون أن يكون له منه إجازة ونحوها.\nوهذه الطريقة لا تفيد اتصال السند للواجد بالموجود، ولكن تكون روايته له منقطعة السند سواء كان ما وجده موثقًا بالتأكد أنه بخط المؤلف أو مصححا.\n_________\n(^١) «مقدمة ابن الصلاح» ص ١٩١ - ١٩٤ و(فتح المغيث) للعراقي جـ ٢/¬٣ - ٧.\n(^٢) «مقدمة ابن الصلاح» ص ١٩٧ - ١٩٨ و(فتح المغيث) جـ ٣/¬١٠، ١١.\n(^٣) «المقدمة» ص ١٩٨ و(فتح المغيث) ج ٣/¬١٢، ١٣.\n(^٤) «المقدمة» ص ٢٠٠، ٢١٠.","vol":"1","page":264},{"text":"بمقابلته أو بمقابلة ثقة آخر على أصل صحيح أو لم يكن موثقا غير أنه في حالة التوثيق يعبر في الرواية بالجزم كقوله: «وجدت بخط فلان أو في كتاب فلان».\nوفي حالة عدم التوثيق يعبر بصيغة غير جازمة كقوله: «وجدت عن فلان أو بلغني عنه، أو ذكر الكاتب أنه خطه ويسوق ما يريد بروايته بالسند الوارد في الكتاب فلو عبر بصيغة لا توضح الوجادة كقوله: عن فلان، أو قال فلان كان مدلسا» (^١).\nوهكذا حكم النقل من مصنفات المؤلفين في السنة وعلومها، فإن ثبت للناقل كون النسخة التي يريد النقل منها موثقة، أو كان من العلم بحيث لا يخفى عليه السقط والتحريف وخلل السياق، نقل بصيغة الجزم، مثل: قال فلان كذا وذكر كذا، وإن لم تكن موثقة أو لم يكن عالمًا، عبر بصيغة لا تقتضي الجزم بنسبة المنقول، كبلغني كذا، أو وجدت في نسخة الكتاب الفلاني كذا.\nوقد أشار ابن الصلاح إلى توسع أهل العلم في زمانه في هذا بحيث ينقلون من المصنفات بصيغة الجزم عموما دون تفريق بين الموثق منها وغيره (^٢).\nوأقول: إن هذا ما يجري عليه كثير من أهل العلم في عصرنا الحاضر. أما العراقي فيطالب بالدقة العلمية، حيث يقرر أنه لا يحل لمن لم يتعلم علم الحديث عن أهله، نقل حديث من الكتب ولو من الصحيحين، ما لم يعتمد\n_________\n(^١) «المقدمة» ص ٢٠١ و«فتح المغيث» للعراقي جـ ٣/¬١٤، ١٥.\n(^٢) «المقدمة» ص ٢٠٢ و«فتح المغيث» للعراقي جـ ٣/¬١٦، ١٧.","vol":"1","page":265},{"text":"على من يعلم ذلك من أهل الحديث (^١)، وأنه يقبح بطالب الحديث، بل بطالب العلم عمومًا أن ينقل بصيغة الجزم ما ليست له به رواية مسندة، وينقل إجماع علماء الرواية على أنه لا يصح لمسلم أن يقول: «قال رسول الله ﷺ كذا حتى يكون عنده ذلك القول مرويا، ولو على أقل وجوه الروايات التي قدمناها وأقر ذلك (^٢) وعلى ضوء ذلك كله يظهر لنا أن علماء السنة قد وضعوا المنهج المتكامل والدقيق لتلقيها وانتقالها مع علومها المختلفة موثقة نامية مصححة الأصول والمصادر من جيل إلى جيل؛ ولذلك أخذ أئمة العلوم النقلية الأخرى في تلقي علومهم وتوثيقها بمنهج علماء السنة هذا كما أشرنا لذلك من قبل» (^٣).\nكما ظهر لنا أن تدوين السنة وعلومها في مؤلفاتها المتداولة حتى الآن لا يغني عن تلقيها مع علومها من أفواه العلماء والتدرب عليها في فنونها واصطلاحاتها على يديهم.\nالموقف الثالث: متى بدأ طلب العراقي للسنة؟ وتأثير والده السلبي وتعليله:\nمما تقدم عن مراحل طلب السنة وعلومها وعن أصول تلقيها بالسماع والإجازة، يتبين لنا أن طالب السنة يحتاج إلى عناية من ذويه منذ ولادته، بحيث يوجد من يهتم بتحصيل إجازات العلماء ذوي السند العالي له،\n_________\n(^١) (تقريب الأسانيد) ص ٣ و(طرح التثريب في شرح التقريب) جـ ١/¬٢٧ و(فتح المغيث) جـ ١/¬٣٥ و(الباعث على الخلاص) ص ١٩ (مخطوط) والأربعة للعراقي.\n(^٢) «الباعث على الخلاص» ص ١٩.\n(^٣) وينظر «اللؤلؤ النظيم في روم التعلم والتعليم» للشيخ زكريا الأنصاري ص ١٨٢ (مخطوط).","vol":"1","page":266},{"text":"وبإحضاره مجالسهم لإسماع الحديث أو إملائه، مع إثبات اسمه في الطباق وغير ذلك مما أشرنا إليه.\nحتى إذا شب هذا الوليد وبدأ يطلب بنفسه وجد له رصيدًا مشجعا من المرويات، وارتباطا متصلا بعدد من الأسانيد العالية.\nفإذا جئنا بعد ذلك إلى الحافظ العراقي، ونظرنا في بداية طلبه للسنة وجدنا أقرب الناس إليه وهو ولده ولي الدين أبو زرعة يقول: «إن أقدم سماع وقفت عليه له مؤرخ في سنة ٧٣٧ هـ» (^١) وأقره على هذا غيره من تلاميذ والده وغيرهم (^٢)، ومعنى ذلك أنه قد مضى من عمر العراقي (١٢) عاما تقريبا لم يوقف على إثبات كتابي بتلقيه فيها شيئًا من الحديث.\nولما كان هذا الإثبات هو مناط الحكم، وسند الرواية فيما بعد، فإن افتقاده ضيع رصيد العراقي، من السند العالي في المرحلتين المبكرتين من مراحل الطلب، وهما الإحضار والإسماع كما بينا، فلم يوجد له إثبات حضور أصلا، ولا سماع مُبَكِّر أو حتى إجازة، ويعتبر هذا غاية في الدلالة على تأخره في الاتصال بالسنة كتابيًا، وعدم الاعتناء به في ذلك إذا ما قيس بمعاصره الحافظ الذهبي، في تحصيله إجازة بعض العلماء في سنة ولادته بعناية أخيه من الرضاع كما قدمنا وإذا قيس أيضًا بما سيأتي من إحضار العراقي نفسه لولده أبي زرعة مجالس الحديث عند ذوي الإسناد العالي في سنة ولادته أيضًا وإثبات ذلك له كتابيًا.\n_________\n(^١) «مجموع ابن خطيب الناصرية» (ترجمة العراقي) وهامش «المجمع المؤسس» نسخة دار الكتب المصرية السابق الإشارة لها/ ص ١٧٦.\n(^٢) و«لحظ الألحاظ» لابن فهد ص ٢٢١.","vol":"1","page":267},{"text":"ولما كان العراقي كما أسلفنا، قد تمتع بالمواهب والإستعدادات الذاتية الملائمة لطلب السنة والاشتغال بها، مع توفر علمائها ذوي الإسناد العالي في مسرح حياته كما سلف أيضًا، لما كان الأمر كذلك، فإن تلاميذه ومن بعدهم يُحَمِّلُون والده وحده مسئولية هذا الإختلال أو التقصير في الطلب خلال مدة الإثنى عشر عاما المذكورين، باعتبار أنها فترة يكون دور ولي الأمر فيها أكبر من دور الطالب نفسه بحكم صغره كما سبق توضيحه.\nومما يصور مدى مسئولية والده، أن العراقي أُتيح له في الواقع وعلى يد والده فرصتا مرحلتي الإحضار، والإسماع المبكرتين، لكن والده لم يعن بالتسجيل الكتابي لذلك، وهو وسيلة الإثبات المعتمدة حينذاك كما بينا.\nفبالنسبة لمرحلة الإحضار، نجد أن والده كما قدمنا كان يعمل بخدمة الشيخ تقي الدين القنائي ويُحضر معه ولده عبد الرحيم هذا في طفولته كثيرا عند الشيخ تقي الدين، الذي كان يلاطفه ويكرمه (^١).\nوما كان أسهل على والده حالتئذ - لو شاء - أن يطلب من الشيخ إجازة لولده بشئ من مروياته لأنه كان من ذوي الإسناد العالي الموثق، كما كان المحدثون يترددون عليه للسماع منه لعلو سنده.\nوما كان أسهل على والد العراقي أيضًا - لو اهتم - أن يثبت اسم ولده بالحضور ضمن هؤلاء المترددين في طبقات سماعهم.\nولكن الذي حدث أن العراقي بعد ما كبر وعرف قواعد الطلب وميزة الاتصال المبكر بالسند العالي، أكثر البحث بنفسه عن إثبات كتابي بحضوره.\n_________\n(^١) وينظر لحظ الألحاظ/ ٢٢١.","vol":"1","page":268},{"text":"المتعدد ضمن من ترددوا على الشيخ لسماع الحديث فلم يجد شيئًا. وفي ذلك يقول السخاوي: «وتكرر إحضار أبيه له إلى التقي (القنائي) فكان يلاطفه ويكرمه، وعادت بركته عليه ولكنه كان يتوقع وجود حضور له على التقي المشار إليه، لكونه كان كثير الكون عنده مع أبيه، وكان أهل الحديث يترددون إليه للسماع منه لعلو سنده، فإنه سمع من أصحاب السلفي، فلم يظفر بذلك» (^١) ويوافق السخاوي في هذا ابن فهد تلميذ العراقي (^٢).\nوقول السخاوي: «فلم يظفر بذلك»، وكذا قال ابن فهد: «لكنه لم يقف على شئ من ذلك»، يدلان صراحة على اهتمام العراقي بهذا وحرصه على وجود إثبات له ببعض المرويات العالية في تلك المرحلة، لكن لم يُوقِفه البحث على شي ولو حتى إجازة، كما تدل عبارة النفي المطلق على ذلك. ولم يكن تأكده الفعلي من تعدد حضوره، ومكثه الطويل في مجالس الشيخ مغنيا عن وجود الإثبات الكتابي بذلك، فضاعت عليه فرصة علو سنده في مرحلة الحضور هذه بتهاون والده كما ترى.\nويدل عدم قيامه بالإستجازه له من الشيخ، أو إثبات حضوره سماع الحديث عنده مع تيسر ذلك جدا كما أوضحنا، على أنه لم يكن يقصد بإحضاره عند الشيخ تحصيل الإسناد الحديثي له، بل التبرك بالجلوس مع الشيخ، حيث كان بجانب عُلو سنده في الحديث، يعتبر من خيرة الصالحين في زمانه. والمعروف في قواعد الطلب أن حضور مجالس الحديث حتى بالنسبة\n_________\n(^١) (الضوء اللامع) جـ ٤/ ١٧١.\n(^٢) ولحظ الألحاظ، ص ٢٢٢.","vol":"1","page":269},{"text":"للشخص المميز، إما أن تكون لمجرد الاستفادة أو البركة، وإما أن تكون بقصد الطلب والاشتغال بالسنة.\nفالأولان لا يعتد بهما في التحمل واتصال السند، ولذا يقول ابن حجر عن شيخه البلقيني: «وسمع من الأحاديث في مجالس الحديث شيئًا كثيرًا غالبه بغير اعتناء بطلبه» (^١).\nوأما الثاني فهو المعتمد؛ لأن القصد هو مدار اعتبار الأعمال بالإضافة إلى التسجيل الكتابي الموثّق، كما اصطلح عليه بعد التدوين للسنة وعلومها، ليكون ذلك مستندًا بالتحمل للمرويات، عند أدائها للغير على نحو ما تقدم توضيحه.\nولهذا فإني لم أجد للعراقي رواية عن الشيخ تقي الدين القنائي هذا فيما قرأته من مؤلفاته وهو معظمها، وخصوصًا ما أورد فيها أسانيده العالية كما سيأتي، بل وجدته فقط ذكر في «تكملته لشرح الترمذي» بعض ما أخبره به والده عن أخلاق الشيخ وحسن طباعه ومعاملته، كما قدمت ذكره في هذا الباب، فلو كان له رواية عنه لناسب المقام الإشارة إليها.\nوتجدر الإشارة إلى أن افتقاد العراقي فرصة علو السند في تلك المرحلة أو في تاليتها، لم يحمله على إدعاء شئ منه، كما حدث من بعض معاصريه، حيث كان ذلك مما يفتخر به حينئذ (^٢)، وهذا يدل على ثقته وأمانته العلمية، وبعده عن هذا النوع من التدليس، وعندما ندع مرحلة الحضور في الطفولة.\n_________\n(^١) «المجمع المؤسس» ص ١٩٨.\n(^٢) انظر «لسان الميزان» جـ ٦/ ٧٢ وما بعدها «الدرر الكامنة» جـ ٣/ ٣٩١.","vol":"1","page":270},{"text":"إلى مرحلة الإسماع بعد سن التمييز ألا وهو الخامسة، نجد أيضًا لوالد العراقي تأثيره السلبي بالنسبة لإسماع ولده الحديث، وربطه بأهله، فرغم أنه بعد حفظ القرآن في الثامنة من عمره كما تقدّم، وجهه للدراسات العامة المتقدمة وطاف به فعلا على الشيوخ وأسمعه منهم، إلا أنه اتجه به إلى نوعية معينة من الشيوخ والمجالس، وهم شيوخ التصوف ومجالسهم الوعظية، لمجرد الاستفادة الشخصية، وبدون قصد الطلب كما أوضحنا.\nحتى إن من كان منهم له بجانب مجالس الوعظ والتذكير، مجالس للتحديث، وتمتع بعلو السند، نجد حضور العراقي عليه حينئذ يقتصر على مجالس الوعظ فقط، دون مجالس التحديث.\nويذكر لنا العراقي بنفسه ذلك حيث يترجم للشيخ محمد بن إبراهيم الجعبري المتوفى في ٢٤ من المحرم سنة ٧٣٧ هـ فيذكر أنه سمع صحيح مسلم من الرضي ابن البرهان، وسمع أيضًا من النجيب، ثم يقول: إنه حدث ووعظ وذكر، وسمع منه ناصر الدين الفارقي، ثم يذكر صلته هو به فيقول: «وقد حضرت مجلسه للتذكير غير مرة» (^١).\nوبالتأمل يظهر لنا أن العراقي ما كان أحرصه وأحراه أن يذكر حضوره مجالس تحديث الجعبري، وظَفَرَه بالسماع منه مثلما ذكر سماع الفارقي، وذلك لأن الفارقي هذا أحد شيوخ العراقي في الحديث، فيكون في مشاركة العراقي له في السماع من الجعبري ميزة مساواته لشيخه في الإسناد.\nكما أن النجيب الذي أثبت العراقي سماع الجعبري منه، هو عبد اللطيف.\n_________\n(^١) و«المنتقى من تاريخ العراقي» (ضمن مجموع ابن خطيب الناصرية).","vol":"1","page":271},{"text":"ابن عبد المنعم المعروف بالنجيب الحراني، وكان مسند الديار المصرية في عصره، وفي زمن العراقي كان السماع من تلاميذ النجيب كالجعبري هذا يعد من مقاييس علو الإسناد كما سيأتي.\nفلو أن العراقي وقف على ما يثبت سماعه الحديث منه لذكره وروى عنه لتحصيل هاتين الميزتين، ولكنه اكتفى بذكر حضوره المتعدد المجلس تذكيره ووعظه فقط، وهذا لا يثبت له سندا بتلقي الحديث عنه، كما لم نجد له رواية عنه ولذلك عقب ابن حجر على كلام العراقي السابق بقوله: قلت: «كان شيخنا ابن عشر سنين حينئذ، وكان أبوه يحضره عند المشايخ، فسمع منهم - أي بغير قصد الطلب بل للاستفادة الشخصية كما أشرت -» قال: «ولو كان أبوه من أهل الفن تحصل له الإسناد العالي القديم» (^١).\nوهذا تصريح واضح الدلالة على التأثير السلبي لوالد العراقي في مرحلة الإسماع هذه أيضا، وتعبير ابن حجر بالإسناد العالي القديم، تعبير فني واع؛ لأنه سيأتي سماع العراقي من أحد أصحاب النجيب غير الجعبري، وهو الميدومي، فإذا قيل: إنه عوض بذلك ما فاته من علو الجعبري، كان في وصف علو الجعبري بالقدم رد على ذلك، لأن الجعبري، متوفى سنة ٧٣٧ هـ كما هو مذكور، بينما الميدومي متوفى سنة ٧٥٤ هـ فامتاز علو الجعبري بالقدم كما ترى، وأهل الفن يقدمون الأقدم (^٢).\nأما تعليله تفويت والد العراقي تلك الفرصة على ولده بأنه لم يكن من أهل\n_________\n(^١) «الدرر الكامنة» جـ ٣/ ٣٨٥.\n(^٢) انظر «المجمع المؤسس» لابن حجر ص ٢٢٠.","vol":"1","page":272},{"text":"الفن، فيعكر عليه قول ولي الدين ابن العراقي في ترجمته لجده هذا: إنه سمع الحديث من زينب بنت شكر، وغيرها، وحَدَّث، وسمع منه والدي، وحدثني عنه (^١) وتحديده السابق لأقدم سماع لوالده بسنة ٧٣٧ هـ، يفيد أن سماعه هذا من جده كان أحدث من ذلك، لكن إثباته أنه سمع الحديث من غير واحد وحدَّث به غير واحد، ومنهم ولده عبد الرحيم، يدل على درايته - على الأقل - بقواعد التحمل والأداء التي قدمتها، وهي قوام معرفة الطلب وتحصيل الأسانيد، بل قد ذكر العراقي عن أعلا شيوخه سندا كما سيأتي وهو الميدومي: أن والده لم يحضره مجالس السماع إلا بعد سن الخامسة، فلم يوجد له حضور أصلا، مع أن والده ليس من أهل الفن فحسب، بل كان شيخ دار الحديث الكاملية بالقاهرة (^٢) وذَكَرَ نحو هذا عن غيره (^٣).\nولهذا فإني أفضّل تعليل السخاوي ذلك بعدم عنايته فقط بشأن ولده في طلب الحديث لا بجهله للفن (^٤).\nوقد سبق تعليلي لتهاونه في هذا الجانب بأنه كان يريد توجيه ابنه نفس وجهته وهي الصوفية، لا التعمق في طلب الحديث والاشتغال به وإلا لاهتم بإثبات فُرص حضوره وسماعه التي أتيحت له فعلا بالنسبة لتقي الدين القنائي والجعبري وغيرهما ممن أشار لهم ابن حجر في كلامه السابق، وعندما نقرن بين ما قرره ابن حجر من طواف والد العراقي به للسماع في العاشرة من عمره،\n_________\n(^١) «ذيل ولي الدين» وفيات سنة ٧٦٣ هـ ترجمة أبو عبد الله الحسين بن عبد الرحمن العراقي.\n(^٢) «طرح التثريب» جـ ١/ ١٠٨.\n(^٣) «الدرر الكامنة» / ٢/ ٤٥٧\n(^٤) «الضوء اللامع» جـ ٤/ ١٧١.","vol":"1","page":273},{"text":"وبين ما قرره ولي الدين ابن العراقي وغيره من أن أقدم سماع وقف عليه له سنة ٧٣٧ هـ نجد أن هذا السماع متأخر عامين عن وقت طوافه للسماع، ولا شك أنه كان فيها مواصلا للتردد على الشيوخ، إما لسماع دروس بعضهم الوعظية والحديثية بقصد الاستفادة لا الطلب، وإما للإشتغال بمبادئ ما قدمناه من علم الفقه وغيره، وقد كان بإمكانه بحكم توافر المحدثين وتوفر الاستعداد لديه كما تقدم، تحصيل كثير من المرويات والمسموعات العالية وإثبات ذلك كتابيا، لكن هكذا كان تأثير توجيه والده حينئذ وجهة غير حديثية.\nويؤكد ابن حجر مرة ثانية افتقاد العراقي عمومًا من يعتني بوصله بتحصيل المرويات الحديثية بسندها عن الشيوخ على الوجه المطلوب رغم توفر رغبته الشخصية فيقول: «وكان قد حفظ التنبيه، واشتغل بالعلوم وأحب الحديث، لكن لم يكن له من يُخرجه على طريقة أهل الإسناد» (^١)، لكن سيأتي أن هذا الافتقاد ليس على إطلاقه حيث توفر للعراقي فيما بعد من خرجه في علم الحديث وإن لم يقرر ذلك ابن حجر.\nأما السخاوي فيبين لنا نوعية أقدم سماع، الذي وقف عليه ولي الدين ابن العراقي حيث يقول إن والد العراقي أسمعه في سنة ٧٣٧ هـ من الأمير سنجر الجاولي (المتوفى سنة ٧٤٥ هـ (^٢»، والقاضي تقي الدين محمد الإخنائي المالكي (المتوفى سنة ٧٥٠ هـ) (^٣)، وغيرهما من ذوي المجالس الشهيرة مما\n_________\n(^١) (المجمع المؤسس) ص ١٧٦.\n(^٢) سبق التعريف به في حالة العصر العلمية وانظر (الدرر الكامنة) جـ ٢/ ٢٦٦.\n(^٣) هو قاضي القضاة بمصر محمد بن أبي بكر بن عيسى وقد سمع كثيرًا من الحديث وأسمعه. انظر «الديباج المذهب» لابن فرحون ص ٣٢٧ و«الدرر الكامنة» جـ ٤/¬٢٧ و(حسن المحاضرة) جـ ١/ ٢٦٢.","vol":"1","page":274},{"text":"ليس في العلو بذاك …، ثم قال: ولو كان أبوه ممن له عناية لأدرك بولده السماع من مثل يحيى بن المصري، آخر من روى حديث السلفي عاليا بالإجازة (^١). ويلتقي مع السخاوي في هذا ابن فهد، حيث يقول: «وقصارى ما حضره قديما على قاضي القضاة تقي الدين الأخنائي المالكي، والأمير سنجر الجاولي وغيرهما في صغره قبل طلبه بنفسه، سماعات نازلة» (^٢).\nوقد ظهر لي أن وصفهما سماعات تلك الفترة، بعدم العلو إنما هو بحسب الغالب، لأن العراقي نفسه قد أورد بعض مروياته عن الأخنائي المذكور ضمن أعلا مرويات عصره بالسند المتصل بالثقات، مع تأخر وفاته كما ترى نحو خمس سنين عن الجاولي (^٣).\nويقول ابن حجر: «وأول ما أُسْمِعَ الشيخ الحديث: على سنجر الجاولي وتقي الدين الأخنائي» (^٤)؛ غير أن ما تقدم عنه أيضًا من ذكر الطواف به على الشيوخ للسماع منهم وهو في العاشرة من عمره، أي قبل إسماعه من الشيخين المذكورين بعامين، يفيد أن هذه ليست أولية مطلقة، وإنما المراد أن هذا أول إسماع له للحديث أمكن الوقوف على إثباته كتابيا كما صرح به ولي الدين ابن العراقي في قوله: «وأقدم سماع وقفت عليه له في سنة ٧٣٧ هـ» (^٥) وهذا أدق من تعبير ابن حجر بالأولية المطلقة؛ لأن عدم الوقوف على الشئ لا يعني عدمه.\n_________\n(^١) (الضوء اللامع) جـ ٤/ ١٧١.\n(^٢) (لحظ الألحاظ)، ص ٢٢١.\n(^٣) انظر (الأربعين العشارية)، ورقتي ٢، ٢١.\n(^٤) (المجمع المؤسس)، ص ١٧٦.\n(^٥) (مجموع ابن خطيب الناصرية) (ترجمة العراقي).","vol":"1","page":275},{"text":"التقويم العام لمرحلتي الإحضار والإسماع:\nإلا أن الذي يظهر من كل ما تقدم: أن العراقي قد افتقد في مرحلتي الإحضار والإسماع هذين من يعتني بطلبه للحديث على طريقة أهل الإسناد كما أوضحنا، وأن مسئولية ذلك التقصير تقع على كاهل ولي أمره وموجهه حينذاك وهو والده ﵀، ولعل له في ذلك عذرًا لا نعلمه.\nولكني أرى أن ذلك وإن فوت عليه كثيرًا من جانب الرواية، فإنه لم يفوّت عليه جانب الدراية لما تلقاه بعد سن التمييز وحفظ القرآن كما تقدم، سواء ما تلقاه خلال مجالس التذكير والعظة التي تعتبر نوعًا من التثقيف العام المعتمد على الكتاب والسنة، أو ما تلقاه من دراسته المبادئ العلوم التي ابتدأ بها نشاطه العلمي: من فقه وأصول ولغة، والتي كان لابد له من الاشتغال بتحصيل قسط كاف منها كما أوضحنا.\n\n<span data-type='title' id=toc-82>مرحلة طلب العراقي الحديث بنفسه، ومتى بدأت؟:</span>\nيفهم من إثبات أقدم سماع له سنة ٧٣٧ هـ على الجاولي والإخنائي وغيرهما كما تقدم، ومن متابعة خطواته التعليمية بعد هذا، أنه تجاوز مرحلة الإسماع بتوجيه والده إلى السعي بنفسه هو للسماع، وإختيار الشيوخ للتلقي عنهم، ويوضح ذلك تصريح ابن قاضي شهبة (^١) والغزي (^٢) لسماعه الحديث على ناصر الدين محمد بن سمعون وهو أقدم شيوخه في القراءات كما تقدم، ولذا استدل تقي الدين السبكي على قدم إشتغال\n_________\n(^١) «الأعلام» له جـ ٤/ ٢١٩.\n(^٢) «بهجة الناظرين» ص ١٢٩.","vol":"1","page":276},{"text":"العراقي بالحديث بأخذه عن ابن سمعون هذا (^١).\nكذلك نجد ابن فهد بعد ذكره أقدم سماع وجد للعراقي في سنة ٧٣٧ هـ وأن أول اشتغاله كان في القراءات والعربية يقول: «وكان متشوقًا للأخذ عن الأستاذ أبي حيان والاجتماع به فبلغه عنه سوء خلق، وحَطَّ على الفقراء - يعني الصوفية - فغير عزمه عن ذلك غيرة للفقراء، لِصُحبته إياهم، وخدمته لهم، فحصل له بذلك العناية التامة» (^٢).\nوقد أورد السخاوي أيضًا هذا الموقف ضمن نشاط العراقي في سماع الحديث حين اشتغاله بالقراءات، فقال: «بل كان هَمُّه حين اشتغاله في القراءات بالتوجه لأبي حيان فصده عن ذلك حسن قصده» (^٣).\nودلالة موقفه هذا من أبي حيان على تعاطفه حينئذ مع أهل التصوف، بحكم بيئته وتوجيه والده له من الصغر كما تقدم، لم يمنعه - فيما بعد - من نقد ما رآهم مخالفين فيه للكتاب والسنة، كما سيأتي.\nأما ما نحتاجه هنا فهو دلالة الموقف بوضوح على بلوغ العراقي في حياة أبي حيان الأندلسي المتوفى في أوائل سنة ٧٤٥ هـ (^٤) مرحلة الطلب للحديث.\n_________\n(^١) «الضوء اللامع» جـ ٤/ ١٧٢.\n(^٢) «لحظ الألحاظ» ص ٢٢٢.\n(^٣) «الضوء اللامع» جـ ٤/ ١٧٢\n(^٤) هو محمد بن يوسف بن علي الغرناطي الأندلسي، أتقن الحديث والعربية والقراءات وتتلمذ له شيوخ العراقي، كالسبكي والأسنوي وتولى مشيخة الحديث بالقبة المنصورية وكان يطلق لسانه في الناس إلى آخر عمره: لحظ لحظ الألحاظ، لابن فهد ص ٢٣٠ وما بعدها و«شذرات الذهب،» ج ٦/ ١٤٠.","vol":"1","page":277},{"text":"بنفسه والسعي للشيوخ، وانتقاء من يقبل على التلقي منه أو يعرض عنه مهما كانت شهرته العلمية، كأبي حيان الذي تتلمذ له كبار شيوخ العراقي كالسبكي والإسنوي.\nكما أن هذا الموقف يشترك مع ما ذكرنا من سماع العراقي من ابن سمعون في الدلالة على أن تلقيه للحديث في بداية طلبه بنفسه، لم يكن مكثفا، لوقوعه خلال اشتغاله بغيره من العلوم السابقة، بل وخلال اتجاهه للتخصص بالقراءات التي كان منهمكا في تحصيلها كما أسلفنا.\nولما كان الطلب على هذا النحو غير مركز، ولا يحقق الهدف المقصود لصاحبه، وهو التبريز في علم الحديث الذي أحبه العراقي وتعلق به، فإن جمهور المؤرخين للعراقي يقررون أنه في عام ٧٤٢ هـ تحول من الإنهماك في علم القراءات لكي يتخصص فيها، إلى الإقبال بكليته على طلب الحديث على وجهه المطلوب، والتفرغ له، ويعتبرون هذا التاريخ هو البداية الحقيقية لطلبه بنفسه، دون ما تقدم ذلك من التلقي غير المنتظم، ويلاحظ أن العراقي في تلك السنة كان في السابعة عشر من عمره، وهو من ملائم لتلك المرحلة من الدراسة التي تحتاج بجانب الحفظ إلى الفهم والوعي، كما أنه يعتبر سنا وسطًا بالنسبة لعصره، فقد بدأ شيخه ابن جماعة الطلب بنفسه في السادسة عشر من عمره (^١) وطلب معاصره المزي في العشرين (^٢)\n_________\n(^١) «ذيل ولي الدين ابن العراقي» وفيات سنة ٧٦٧ هـ ترجمة عز الدين ابن جماعة.\n(^٢) «الأعلام» لابن قاضي شهبة جـ ١/ ١٣٦.","vol":"1","page":278},{"text":"<span data-type='title' id=toc-83>الموقف الرابع: «متى التقى ابن جماعة بالعراقي ووجهه للسنة؟، والرد على ابن حجر ومن تبعه»:</span>\nويصرح ابن فهد أن العراقي في هذا التاريخ أيضًا التقى بالشيخ عز الدين ابن جماعة، الذي مثل عامل التحول الأساسي لاتجاهه، فيذكر ابن فهد أن ابن جماعة نهى العراقي عن الانهماك في علم القراءات، وأشار عليه بالاشتغال في علم الحديث، فأقبل حينئذ عليه، وطلب بنفسه، وذلك في سنة ٧٤٢ هـ (^١). وذكر السخاوي نحو هذا، لكنه عاد فأقر شيخه ابن حجر على خلافه كما سنوضحه.\nويتفق ابن خطيب الناصرية تلميذ ولي الدين ابن العراقي ومعاصره، ابن تغري بردي مع ابن فهد على أن العراقي صرف همته من القراءات إلى علم الحديث، وطلبه بنفسه قراءة وسماعًا في سنة ٧٤٢ هـ، غير أنهما لا يذكران التقاءه بابن جماعة كلية، ولا يحددان دافعا آخر لميله إلى الحديث وصرف همته لطلبه، فلعلهما تركا ذكر هذا اللقاء اختصارًا، كابن حجر حيث ذكره عند التوسع في ترجمة العراقي، وحذفه عند الإيجاز (^٢).\nويدل لذلك أيضًا أن سياقهما لخطوات طلبه منذ سنة ٧٤٢ هـ موافق لما ذكره ابن فهد والسخاوي (^٣)، وبذلك ينتهي رأي الجميع إلى ما صرح به ابن فهد آنفًا.\n_________\n(^١) (لحظ الألحاظ) ص ٢٢٢.\n(^٢) (المجمع المؤسس) ص ١٧٦ و(ذيل الدرر الكامنة) ص ٧٠ و«إنباء الغمر» جـ ٢/ ٢٧٦.\n(^٣) (مجموع ابن خطيب الناصرية) (ترجمة العراقي) و«المنهل الصافي» لابن تغري بردي جـ ٢/ ٣١٢ ب و(الضوء اللامع) جـ ٤/ ١٧١، ١٧٢.","vol":"1","page":279},{"text":"غير أن الحافظ ابن حجر لا يريد إيقاف التقصير في طلب شيخه العراقي للسنة عند حد مرحلتي الطفولة والصبا المتقدمتين، واللتين انتهيتا معه إلى رجوع غالب المسئولية فيهما على والد العراقي لقيامه بأمره فيهما.\nوإنما ينتقل إلى هذه المرحلة التي يُعد العراقي مسئولًا عنها، وهي مرحلة طلبه بنفسه، فيقرر: أنه وإن كان قد بدأ الطلب بنفسه فعلا سنة ٧٤٢ هـ فسمع الحديث وقرأه على بعض الشيوخ، إلا أنه تراخى عن الجد في ذلك، ولم يتنبه لطلب الحديث على وجهه إلا بعد هذا التاريخ بنحو عشر سنوات، ثم تبعه في هذا غير واحد كما سنوضحه.\nوإذا كانت الأدلة قد توفرت لدينا لإقرار وجود تقصير غير متعمد، فيما قبل بدء طلب العراقي بنفسه سنة ٧٤٢ هـ، فإنه قد توفرت لدينا الأدلة هنا على العكس، وهو رد ما قرره الحافظ ابن حجر ومن تبعه، من نسبة العراقي اللغفلة عن الطلب، والتراخي فيه، خلال تلك الفترة الطويلة من طلبه للسنة بنفسه.\nولعل ابن حجر أدرك صعوبة التسليم له بهذا القرار الذي يهز فيه، بل يحاول نسف عشر سنوات تقريبًا من نشاط أستاذه في مجال تخصصه بعد اعترافه بوضع قدمه على الطريق قبلها، فلجأ إلى عزل وتوهين الحقائق التي تصادم قراره، ثم قدم دليلا واحدًا عليه، وهو عدم وجود سماع للعراقي من كثيرين من ذوي الإسناد العالي، الذين تواجدوا في تلك الفترة وكان بإمكانه سماعهم.\nأما الحقائق المصادمة لهذا:\nفأولها: وجود وقائع كثيرة للطلب، سجلها العراقي نفسه، فضلا عن غيره،","vol":"1","page":280},{"text":"خلال نفس الفترة، وذلك بالسماع والقراءة اللذين هما أقوى وأظهر وجوه الطلب كما قدمنا.\nوثانيها: ثبوت تخرجه في علم الحديث خلال تلك الفترة على أحد الحفاظ الذين يعترف ابن حجر ومن تبعه، بتلمذة العراقي عليه.\nوثالثها: وجود نتائج لنشاط العراقي الحديثي بإسماعه لغيره، والتأليف الضخم الجيد فيه.\nورابعها: التقاؤه بعز الدين ابن جماعة، محوله الأول للتفرغ للسنة.\nفبالنسبة لوقائع طلب العراقي بالسماع والقراءة، نجد ابن حجر يعتبرها مجرد جرعات يسيرة، وإن دلت على قدم تلقيه للسنة، لكنها متفرقة في غضون اشتغاله ببقية العلوم، وبالتالي لا يعدها طلبا للحديث على وجهه المطلوب، وبالنسبة لنشاط العراقي التأليفي وتحديثه المبكر، يُعده تشاغلا عن الطلب، ثم يورد دليله المشار إليه.\nوعبارته في هذا الصدد، بعد ذكره ملازمة العراقي للشيوخ في الفقه والقراءات يقول: «وسمع في غضون ذلك من عبد الرحيم بن شاهد الجيش، وابن عبد الهادي، وعلاء الدين التركماني، وقرأ بنفسه على شهاب الدين ابن البابا، وتشاغل بالتخريج، ثم تنبه للطلب بعد أن فاته السماع من مثل يحيى ابن المصري، آخر من روى حديث السلفي عاليا بالإجازة، ومن الكثيرين أصحاب ابن عبد الدايم والنجيب، وابن علاق» (^١).\nوقد ذكر صاحب (شذرات الذهب) هذا الكلام بنصه دون عزوه.\n_________\n(^١) (إنباء الغمر) جـ ٢/ ٢٧٦ وذكر فيه (ابن عارف) بدل (ابن علاق)، والصواب ما أثبته.","vol":"1","page":281},{"text":"لابن حجر، وأقره (^١).\nويقول ابن حجر أيضًا، بعد ذكره إسماع العراقي من الإخنائي، والجاولي في المرحلة السابقة: «ثم أُسْمِعَ على ابن شاهد الجيش، وابن عبد الهادي، وتقي الدين السبكي، وعلاء الدين التركماني، هذا ما وجدنا له قديما بعد طلبه .. وكان قد لهج بتخريج أحاديث الإحياء وله من العمر نحو العشرين، وذكر في شرح ألفيته: أن أبا محمود المقدسي سمع منه شيئًا في تلك السنة، سنة ٧٤٥ هـ (^٢).\nوذكر أيضًا مرافقة العراقي للإمام الزيلعي في الاشتغال بالتخريج المتقدم، وتعاونهما معا، واعتبر كل هذه الأنشطة قبل تنبه العراقي لطلب الحديث على وجهه» (^٣):\nوردنا عليه من وجوه:\n١ - أنه إذا كان لم يجد سماعًا قديما للعراقي إلا على ابن شاهد الجيش وابن عبد الهادي والسبكي وابن التركماني، فإني قد وجدت له سماعا على من هو أقدم وفاة من هؤلاء جميعا وهو: محمد بن أحمد بن تمام الحنبلي الخياط المتوفى في ١٣ ربيع الأول سنة ٧٤١ هـ حيث قال العراقي عنه: «روى لنا\n_________\n(^١) «شذرات الذهب» جـ ٧/ ٥٥.\n(^٢) «المجمع المؤسس» ص ١٧٦ والتعبير بـ «أُسْمِعَ»، مخالف للاصطلاح لأنه يُطلق على ما سمعه الطالب بتوجيه غيره قبل الطلب بنفسه، بينما كان العراقي حينئذ في مرحلة الطلب بنفسه فيقال: «سمع» وقد عبّر عنه ابن حجر نفسه بذلك كما في نص «الإنباء» قبله، ولكن من نقل عبارة ابن حجر من «المجمع» لم يتنبه لذلك فذكر: «أسمع»، كالسخاوي والسيوطي وغيرهما فليتنبه لذلك.\n(^٣) «ذيل الدرر الكامنة» ص ٧٠ و«المجمع المؤسس» ص ١٧٦.","vol":"1","page":282},{"text":"عن خلق نحو مائة وخمسين شيخا» (^١).\nأما عدم الإعتداد بالسماع والقراءة المتقدمين بحجة وقوعهما أثناء اشتغاله بالعلوم الأخرى فيرده ما ذكره السخاوي وغيره بالنسبة للعلم الذي يعترف ابن حجر نفسه بأنه آخر علم اشتغل به العراقي قبل الاتجاه للسنة وهو علم القراءات، فقد ذكر السخاوي أن العراقي رغم توغله فيه قبل التحول للسنة، فإنه لم يكمل القراءات السبع إلا على التقي الواسطي في إحدى مجاوراته بمكة (^٢)\nوذلك في سنة ٧٦٨ هـ كما ذكر ابن الجزري (^٣)\nفلو كان العراقي منذ سنة ٧٤٢ هـ التي يعترف ابن حجر بسماعه للحديث بنفسه وقراءته فيها، مشتغلا عن الطلب حتى بآخر علم كان متوغلا في تحصيله للتخصص به قبل التحول للسنة، لما تأخر إكماله لتلقي القراءات السبع تلك المدة التي تقرب من ٢٦ عاما، وإنما الذي يُفهم من هذا هو العكس، أي انشغاله بطلب السنة والعمل في حقلها عما عداها، خاصة وأن الواسطي الذي انتهز العراقي فرصة مجاورته معه بمكة، مصري الدار والإقامة قبل وبعد المجاورة حتى الوفاة (^٤)، بل إن ابن البابا الذي يعترف ابن حجر بقراءة\n_________\n(^١) «الأعلام»، لابن قاضي شهبة جـ ١/¬١٩.\n(^٢) هو عبد الرحمن بن أحمد بن علي البغدادي ويقال له أيضًا الواسطي الشافعي شيخ الإقراء بالديار المصرية والمتوفى بها سنة ٧٨١ هـ (غاية النهاية) لابن الجزري جـ ١/ ٣٣٤ و(ذيل ولي الدين ابن العراقي) وفيات سنة ٧٨١ هـ.\n(^٣) (غاية النهاية) لابن الجزري جـ ١/ ٣٣٤.\n(^٤) نفس المرجع السابق والصفحة","vol":"1","page":283},{"text":"العراقي عليه الحديث حينئذ، كان قارئًا بالسبع، فكان من السهل إكمالها عليه بجانب دراسته للحديث عليه تبعًا لعادة العصر؛ ولكنه لم يفعل.\n٣ - قد تقدم ذكر تشوق العراقي أثناء اشتغاله بالقراءات لأخذ الحديث عن أبي حيان الأندلسي المتوفى أوائل سنة ٧٤٥ هـ، وكان من آخر وظائفه مشيخة الحديث مع شهرته.\nكما ذكر العراقي نفسه تلقيه الحديث عن إبراهيم الرشيدي شيخه في القراءات والفقه (^١) وأورد بعض ما رواه عنه في تأليفه (^٢) وأثبت أيضًا قراءته على الإسنوي شيخه في الفقه والأصول بعض مسموعاته من كتب الحديث كما قدمناه.\nفاهتمامه بالأخذ عن المشاهير لدرجة التشوق، وأخذه الفعلي المتعدد في هذه الأثناء، ينافي الوصف بالتراخي في الطلب، حين يتحول كلية للتخصص بالسنة غاية ما هناك أنه يقال: «إن تحوله للسنة وتركيز نشاطه في مجالها، كما تفيده مثل هذه الشواهد، لم يجعله ينفض يده كلية من بقية العلوم التي كان مشتغلا بها من قبل، وليس لأحد أن يطلب منه ذلك؛ لأن معظمها يخدم تخصصه، ويعينه على التقدم والإنتاج فيه كما سبق بيانه، والعبرة في التخصص بتركيز النشاط في مجاله، دون هجر بقية العلوم، خاصة ماله اتصال به، ومساعدة عليه، كما فعل العراقي».\nوقد كانت عادة العصر جارية بالاشتغال بأكثر من علم بجانب التخصص،\n_________\n(^١) «ذيل وفيات الأعيان» للعراقي/ ٤٧ أ (مخطوط مصور).\n(^٢) «فتح المغيث» للعراقي جـ ٤/ ٧٠ و«التقييد والإيضاح» له أيضا/ ٣٤٨.","vol":"1","page":284},{"text":"حتى كان البرهان الرشيدي شيخ العراقي في الفقه والقراءات والحديث كما أسلفنا، معروفًا بعلم الطب وممارسته، وعرف أيضًا الحافظ ابن البابا أول من قرأ العراقي عليه الحديث، بعلم الطب والموسيقى كما سيجيء.\nأما ولع العراقي واشتغاله بتخريج (إحياء علوم الدين)، ومرافقته في ذلك الإمام كالزيلعي، وسماع محدّث متقدم عنه في الطلب كالمقدسي، كل ذلك وهو في نحو العشرين من عمره، أي بعد طلبه بنفسه وتفرغه للسنة في سنة ٧٤٢ هـ بنحو ثلاث سنوات، إن دل على شيء، فإنما يدل على التقدم الكبير لصاحبه في الطلب، وجده في الاشتغال بالفن، لكن الحافظ ابن حجر يعتبره تشاغلًا عن الطلب، حتى لا يتصادم مع دعوى التراخي التي أطلقها، ولا شك أن ذلك مجافاة منه للحقيقة والواقع كما ترى.\nويواجه ابن حجر أيضًا بحقيقة تخرج شيخه العراقي في علم الحديث خلال تلك الفترة، وهذا ينافي دعوى التراخي والتشاغل عن الطلب، فما يكون منه إلا أن ينفي تَخَرَّجَ العراقي كلية، حتى لا يصادم مدعاه، فيقول كما قدمنا: «إن العراقي اشتغل بالعلوم، وأحب الحديث، لكن لم يكن له من يُخرجه على طريقة الإسناد» (^١).\nثم يأتي إلى من تخرج على يديه وهو الحافظ علاء الدين التركماني، فيكتفي بذكر سماع العراقي منه فقط، كما مرت نصوصه، وكما ذكر في تراجمه المتعددة للتركماني (^٢).\n_________\n(^١) «المجمع المؤسس»، ص ١٧٦.\n(^٢) «الدرر الكامنة» وجـ ٣/ ١٥٦ و٥ «رفع الإصر» قسم ٢/ ٤٠١.","vol":"1","page":285},{"text":"ولقد كان ابن حجر أولى بإثبات حقيقة تخرج شيخه العراقي، نظرا لما سيأتي من تخرجه هو به في الفن، وفاقد الشئ لا يعطيه.\nويرد أيضا على الحافظ ابن حجر في هذا ما قرره غير واحد من معاصريه وتلامذته: أن العراقي تخرج في علم الحديث بعلاء الدين بن التركماني هذا كما سيأتي تفصيله، وهو متوفى في نهاية سنة ٧٤٩ هـ كما ذكر العراقي نفسه، أو أوائل سنة ٧٥٠ هـ كما ذكر ابن حجر (^١).\nوعليه يكون العراقي قد تخرج به خلال الفترة المشار إليها، وهذا ينفي ما يدعيه الحافظ ابن حجر من افتقاد العراقي من يخرجه، وتراخيه وتشاغله عن طلب السنة على الوجه المطلوب خلال الفترة من سنة ٧٤٢ هـ إلى ٧٥٢ هـ.\nوبالنسبة لالتقاء العراقي بابن جماعة وتوجيهه له نحو التفرغ للسنة، كان لابد لابن حجر أيضا أن يضعه في الزمان والإطار الذي يطابق مدعاه، نظرا لأنه معترف مع غيره، بأن ابن جماعة كان المحول الأول للعراقي نحو الاختصاص بالسنة، وأنه ركز نشاطه فعلا لملازمة طلبها ودراستها على أتم وجه بلا تراخ ولا تشاغل، منذ توجيه ابن جماعة له، فلو سلم بما اتفق عليه ابن فهد وغيره، من أن توجيهه للعراقي كان سنة ٧٤٢ هـ لبطلت دعوى التراخي والتشاغل، أو ما يمكن تسميته بعدم المنهجية في الاشتغال والتحصيل الذي قام به العراقي فعلا خلال تلك الفترة.\nلهذا أسرع الحافظ ابن حجر إلى تقرير أن التقاء ابن جماعة بالعراقي وتوجيهه للسنة لم يكن في سنة ٧٤٢ هـ، كما صرح ابن فهد وكما يفهم من سياق\n_________\n(^١) «الدرر الكامنة» جـ ٣/ ١٥٦ و«رفع الإصر» قسم ٢/ ٤٠١.","vol":"1","page":286},{"text":"غيره، بل كان متأخرا عن ذلك مدة السنوات العشر التي يريد نسبة العراقي فيها للتراخي والتشاغل، ثم عمد إلى شواهد نشاطه وتحصيله فيها، فاعتبرها بعيدة عن المنهجية، حتى تَتَجَرَّدَ من قيمتها، وذلك بتقريره ضمن دواعي توجيه ابن جماعة للعراقي نحو الحديث، ما رأى من حرصه على الحديث وتحصيله، لكن على غير المنهج المطلوب، ثم أعقب ذلك بدليله الوحيد على تلك الدعوى العريضة، وعبر عن ذلك كله، بعد ذكر خطوات العراقي السابقة من الاشتغال بالعلوم والسماع للحديث، وتأليف التخريج فقال:\n«وكان مفرط الذكاء» فأشار عليه القاضي عز الدين ابن جماعة بطلب الحديث؛ لما رآه مكبًا على تحصيله، وعرفه الطريق في ذلك، فطلبه على وجهه بعد الخمسين، ولو كان طلب قبل ذلك لأدرك الإسناد العالي، فإنه كان يمكنه السماع من ابن المصري خاتمة أصحابه ابن الجميزي (^١)، وابن رواج (^٢) بالإجازة، ومن جمع من أصحاب النجيب، وابن عبد الدايم (^٣).\nوقد نقل ابن قاضي شهبة (^٤) والغزي (^٥) ذلك دون عزوه لابن حجر، وأقراه، وعبر ابن حجر أيضًا عن ذلك بعد أن ذكر إفتقاد العراقي لمن يُخرجه في الحديث، ثم اشتغاله المبكر بتخريج «الإحياء» والسماع الحديث لغيره سنة\n_________\n(^١) بالأصل «الحميري» والصواب ما أثبته تبعا للمراجع التاريخية (انظر دول الإسلام) للذهبي جـ ٢/ ١١٨.\n(^٢) يرد هذا الاسم في المصادر تارة بالحاء المهملة كما ترى وتارة بالجيم المعجمة. (انظر «فتح المغيث» للعراقي جـ ٢/ ٦٨ و«مقدمة المحدث الفاصل» ص ٨٠، ٨٨، ١٠١).\n(^٣) «ذيل الدرر الكامنة» ص ٧٠.\n(^٤) «الأعلام» جـ ٤/ ٢١٩ و«طبقات الشافعية» ورقة/ ١١٠ ب كلاهما له.\n(^٥) «بهجة الناظرين» له ص ١٢٩.","vol":"1","page":287},{"text":"٧٤٥ هـ واشتغاله بالقراءات فقال: (ثم نبهه القاضي عز الدين ابن جماعة لما رأى من حرصه على الحديث، وجمعه على طريقة أهله، فحبب له ذلك ولازمه، وأكب عليه من سنة اثنتين وخمسين، أي وسبعمائة).\nفأعلا من أخذ عنه بنفسه أبو الفتح الميدومي، مع أنه كان يمكنه أن يأخذ من خلق كثير من أصحاب النجيب، ممن هو أكثر سماعًا من الميدومي (^١)، وقد أخذ السخاوي هذا الخيط من شيخه ابن حجر ومده فقال في بيان طلب العراقي بعد توجيه ابن جماعة له: «فمن شيوخه بالقاهرة الميدومي، وهو من أعلا شيوخه سندا، وليس عنده من أصحاب النجيب غيره، وبذلك استدل شيخنا على تراخي جده في الطلب عن سنة اثنتين وأربعين، أي وسبعمائة، - التي كان ابتداء قراءته فيها - عشر سنين؛ لأنه لو استمر من الأوان الأول لأدرك جمعًا من أصحاب النجيب، وابن عبد الدايم وابن علاق وغيرهما» (^٢).\nأما الشوكاني فذكر إكباب العراقي على الحديث منذ سنة ٧٥٢ هـ دون عزوه ذلك لابن حجر، وأقره (^٣).\nوردنا على ابن حجر ومن تبعه في تقدير تأخر لقاء ابن جماعة بالعراقي وصرفه للتخصص بالسنة عشر سنين تقريبا من سنة ٧٤٢ هـ إلى سنة ٧٥٢ هـ نبدؤه من نفس بيان ابن حجر لموقف ابن جماعة من العراقي حينذاك؛ حيث يذكر كما مر، أنه عرفه الطريق لطلب الحديث، وجمعه على طريقة أهله فطلبه على وجهه، وهذا يطابق حالة بدء الطلب المعترف منه ومن غيره\n_________\n(^١) (المجمع المؤسس) ص ١٧٦.\n(^٢) (الضوء اللامع) جـ ٤/ ١٧٢.\n(^٣) (البدر الطالع) له جـ ١/ ٣٥٤.","vol":"1","page":288},{"text":"صراحة وضمنا، بأنه كان في سنة ٧٤٢ هـ، لاحالة الجد فيه بعد ممارسة أهم وجوهه من السماع والقراءة بنفسه - ولو بصفة متقطعة، كما يدعي ابن حجر - طيلة عشر سنين، ويزداد عدم التطابق بين ما ذكره ﵀ وبين حالة العراقي في سنة ٧٥٢ هـ التي يدعي هو ومن تبعه حدوث التوجيه فيها، إذا راعينا ما تقدم إثباته، من تخرج العراقي في علم الحديث قبل نهاية سنة ٧٤٩ هـ على الأقل، وشروعه في التأليف فيه، وإسماعه، منذ سنة ٧٤٥ هـ؛ إذ كيف يتخرج شخص في علم على يد أهله، قبل أن يعرف الطريق الصحيح لطلبه ودون أن يجري على منهج أهله.\nوكيف يثق مُحدِّث في درجة شيوخ العراقي، في السماع منه، ويثق آخر في التعاون العلمي معه، وهو بهذه الحالة التي يصوره عليها ابن حجر حينذاك؟، وكيف يحوز تأليفه في هذه الآونة ثناء كبار شيوخه كما سيأتي، وهو صادر ممن لم يتمرس بعد بالفن، ولم يطلبه على وجهه؟ ومن أجل هذا وما سيظهر غيره في عرضنا لأنشطة العراقي تلك، يُعد ما قرره ابن حجر ومن تبعه بشأن العراقي في تلك الفترة مبالغا فيه كثيرًا، ومناقضا لواقع حاله وأعماله.\nوأما دليل ابن حجر ومن تبعه على دعوى التأخر والتشاغل بعدم تحصيل العراقي للسماع الكثير من ذوي السند العالي مع إمكانه، فهو دليل منظور فيه.\nفبالنسبة ليحيى ابن المصري، يرجع فوات سماعه منه لمرحلة ما قبل طلبه بنفسه، وهو غير مسئول عنها كما أوضحنا، ولذلك أرجع السخاوي مسئولية فوات السماع من ابن المصري وأمثاله إلى والد العراقي لا إليه هو (^١).\n_________\n(^١) و«الضوء اللامع» جـ ٤/ ١٧١.","vol":"1","page":289},{"text":"ولئن كان قد فاته بتقصير غيره السّماع من ابن المصري هذا، لحديث السّلفي عاليا بالإجازة كما يبين ابن حجر والسّخاوي (^١)، فإنه استطاع بجده في الطلب بنفسه، السّماع من التّاج بن موسى، آخر من كان يروي حديث السّلفي بالسّماع المتّصل، كما بين السّخاوي (^٢) والسّماع ولو نزل، خير من الإجازة العالية (^٣).\nوبالنّسبة لعدم سماعه من كثيرين من أصحاب النّجيب، فإن ابن فهد قد ذكره أيضا، لكن لم يعتبره دليلا ولا بعض دليل على تأخر العراقي في طلب الحديث على وجهه، طيلة عشر سنين كما اعتبره ابن حجر ومن تبعه (^٤).\nبل لقد سمع من العراقي وهو دون العشرين من عمره بعض من سمع على النّجيب هذا كما سيأتي.\nونستطيع نحن أيضا بعد ابن فهد القول: بأن فوات سماعه من كثيرين من أصحاب ابن عبد الدايم وابن علاق وغيرهم من ذوي الإسناد العالي، لا ينهض دليلا ولا بعض دليل على تأخر العراقي في الطلب بالصورة التي يراها ابن حجر كما أوضحتها، وذلك لوجود أنشطته الأخرى خلال تلك المدة، سواء في مجال الطلب والتّحصيل، أو في مجال الإنتاج كما أشرنا، وكما سيأتي تفصيله، وهي أنشطة لا يضيرها كما أوضحنا تهوين ابن حجر لبعضها وإلغاؤه للبعض الآخر، ومجموعها كاف لرد دعواه هو ومن تبعه، وكاف في\n_________\n(^١) نفس المصدر والصفحة.\n(^٢) (الجواهر والدرر) ورقة/ ٢٣ ب.\n(^٣) (فتح المغيث) للعراقي جـ ٣/ ١٠٦ و(تدريب الراوي) للسيوطي ص ٣١٨.\n(^٤) (لحظ الألحاظ) ص ٢٢٢.","vol":"1","page":290},{"text":"الدلالة على تركز نشاط العراقي في علوم السنة، وتقدمه في تحصيلها أكثر من دلالة كثرة الأسانيد العالية التي هي من الفروع لا من الأصول.\nحتى لقد عدها الحافظ ابن كثير شيخ العراقي قليلة الجدوى بالنسبة لباقي علوم السنة (^١).\nبل إن ابن حجر نفسه انتقد انشغال المتأخرين بها عن الأهم من باقي علوم السنة، وقال ابن دقيق العيد: «أن رغبتهم فيها أدت إلى خلل كثير في الصنعة، بالإعراض عمن طلب العلم بنفسه بتمييزه، إلى من أُجْلِسَ صغيرا لا تمييز له، ولا ضبط ولا فهم، طلبا للعلو وتقدم السماع» (^٢).\nفإذا كان قد فاته في هذه المرحلة الإكثار من الرواية العالية، فإنه لم يفته الأهم، وهو الدراية الجيدة حيث تمرس بالبحث في كتب السنة وتتلمذ لأهل الفن حتى تأهل للتخرج في علومها على يد بعضهم ورافق بعضهم في التأليف الجيد الضخم كما سيأتي.\nكما لم يفته تحصيل كثير من المرويات بالسماع وغيره من طرق التلقي، ولو بالوجادة، كما يظهر من مئات المراجع وأمهات مصادر السنة التي اعتمد عليها في تخريج (الإحياء الكبير) الذي فرغ من مسودته كما سيأتي سنة ٧٥١ هـ أي قبل التاريخ الذي يدعي الحافظ ابن حجر ابتداء طلبه الجاد فيه بعام تقريبا.\nعلى أن ما أثاره ابن حجر ومن تبعه حول تلك المرحلة من مسيرة العراقي في\n_________\n(^١) «اختصار علوم الحديث» له مع «الباعث الحثيث»، ص ١٦١.\n(^٢) «فتح المغيث» للسخاوي جـ ٣/¬١٩.","vol":"1","page":291},{"text":"مجال السنة حتى اضطرنا لإطالة الوقوف معه للرد والتصحيح، ينبغي التنبيه إلى أنه لا ينال من تكوين الشخصية الحديثية المتكاملة للعراقي.\nوذلك لأنه بالإضافة لما أشرنا له من أنشطة تنوب بكفاءة عن كثرة السند العالي، فإن ابن حجر نفسه قد أدرك - فيما يبدو - إتساع دعوى التراخي عن الطلب التي أطلقها، وما نتج عنها من تناقض مع الواقع، فضيقها بالاستدراك عليها بذكر نهوض العراقي للأخذ بكثرة عن عدد من الشيوخ يعتبرون خاتمة الرواة عن أصحاب السند العالي المتقدم إستدلاله بهم على دعواه وأمثالهم فقال: لكنه أدرك لما طلب: الميدومي خاتمة أصحاب النجيب فأكثر عنه، ثم رحل فأدرك ابن الخباز خاتمة أصحاب ابن عبد الدايم وهو أيضًا خاتمة أصحاب ابن علاق (^١)، والمرداوي خاتمة أصحاب الكرماني، فأخذ عنهم وعن غيرهم (^٢). وبهذا الاستدراك خفف من حدة ما أثاره قبل، حول شيخه في تلك المرحلة، وهون من تأثيره، حتى على جانب الرواية عنده، وكأنه يقول: إنه وإن فاتته كثرة الرواية بتلك الأسانيد العالية، فلم يفته أصل العلو كلية. وسيأتي أيضًا شهادته مع غيره، بأن ذلك لم يحل دون استحقاق العراقي لقب الحافظ الكامل بجدارة.\nومما ينبغي ذكره كذلك، أن ابن حجر نفسه تعرض في بداية طلبه للعلم عمومًا وللسنة خصوصًا لإهمال وتراخ معترف بهما بلا شك منه، ومن غيره، وبصورة لا يُذكر بجانبها ما تعرض له شيخه (^٣).\n_________\n(^١) «الدرر الكامنة» جـ ٤/ ٢٧٤.\n(^٢) «ذيل الدرر» ص ٧١ ونحوه في «إنباء الغمر» جـ ٢/ ٢٧٦.\n(^٣) «الجواهر والدرر» للسخاوي ورقة ١٧ ب إلى ١٩ أو «المجمع المؤسس» لابن حجر ص ١٧٩.","vol":"1","page":292},{"text":"ومع ذلك إستطاع بهمته تعويض ما فاته، حتى صار حافظ الدنيا بعد شيخه. ولست أستبعد أن يكون لإحساسه الشخصي بما تعرض له في حياته دخل في إثارة مثله بالنسبة لشيخه، كإشارة ذكية منه إلى أن ذلك لا يضيره أمام ناقديه، كما لم يضر شيخه المتفق على إمامته في علوم السنة، ثم إن العراقي قد أدرك بجانب خاتمة أصحاب الأسانيد العالية المتقدم ذكرهم، الجيل التالي لهم، وضاعف جهده في الأخذ عن ثقاته حتى شهد له تلميذه تقي الدين الفاسي بأن مسموعاته وشيوخه ليست كثيرة فحسب، بل في غاية الكثرة (^١).\nثم أمد الله له في العمر بعد وفاة عامة شيوخه، فانفرد بكثير من مروياته، وصار كثير من أسانيده أعلا ما يوجد في عصره مطلقا على وجه الأرض، مع الثقة والاتصال كما تقدم نقله عنه غير مرة (^٢).\nوشهد له به غير واحد من تلاميذه البارزين، مثل ابن حجر نفسه، الذي خرج له كثيرًا من عواليه كما سيأتي، ومثل سبط ابن العجمي الذي لازمه - كابن حجر. نحوا من عشر سنين، فقد قال عنه إنه انفرد بالمعرفة في فن الحديث مع العلو (^٣)، ومثل محمد ابن الجزري عالم القراءات والحديث المتوفى سنة ٨٣٣ هـ (^٤)، والمشارك له في الأخذ عن بعض شيوخه، حيث يقول: إنه لم يكن في عصره أعلا منه في أقطار البلاد (^٥).\n_________\n(^١) «ذيل التقييد» للتقي الفاسي ورقة ٢١٩ ب و«الضوء اللامع» جـ ٤/ ١٧٦.\n(^٢) «فتح المغيث» للعراقي جـ ٣/ ١٠٠ و«التقييد والإيضاح»، ص ٢٥٨، ٢٥٩.\n(^٣) «الضوء اللامع» جـ ٤/ ١٧٥\n(^٤) المصدر السابق جـ ٩/ ٢٥٥ وما بعدها.\n(^٥) «الأربعين العوالي» لابن الجزري ص ٤ (مخطوط).","vol":"1","page":293},{"text":"<span data-type='title' id=toc-84>النتيجة العامة:</span>\nوبعد أن حاولت وضع تلك المرحلة الأولى من طلب العراقي للسنة بنفسه في إطارها المعتدل، ورددت بالأدلة ما ألصق بها من هنات، أستطيع القول: بأن العراقي لم يتأخر اهتمامه بطلب الحديث على الوجه المطلوب إلى سنة ٧٥٢ هـ كما ذهب إلى ذلك ابن حجر ومن تبعه، بل بدأ الطلب بجد قبل ذلك بنحو عشر سنوات، فكانت سنة ٧٤٢ هـ هي السنة الحاسمة التي وضع فيها نشاطه في علوم السنة في إطاره ومساره الصحيحين، حيث التقى فيها بشيخه عز الدين بن جماعة، وتحول على يديه من التوغل في علم القراءات إلى التخصص بعلوم السنة، وإن أعطى غيرها من العلوم بعض عنايته ووقته، لكنه ركز جهوده في محيط السنة، وانطلق في طلبها بكل همة وحرص، وعلى الوجه المطلوب، من سماع وقراءة وكتابة وحفظ وفهم، حتى تخرج وألف، ثم رحل وواصل تقدمه في مجالها بخطى ثابتة كما سنفصله.","vol":"1","page":294},{"text":"<span data-type='title' id=toc-85>دراسة العراقي لعلوم السنة وتخرجه فيها وشيوخه</span>\nوعلى ضوء ما تقدم نجد أن العراقي لما استجاب لإشارة شيخه عز الدين ابن جماعة في سنة ٧٤٢ هـ بصرف همته للإختصاص بالسنة، فإن الشيخ بين له، المنهج الصحيح لطلبها حتى يلتزمه، وجمعه على الطريقة المعتادة لأهل الحديث حينئذ (^١) حتى يلازمهم، وباشر بنفسه التدريس له، وأدام العناية به كما سنفصله.\nومنذ ذلك التوجيه التاريخي في حياة العراقي، بدأ المرحلة الأساسية لدراسة السنة، واستمر فيها نحو ١٢ عامًا حتى سنة ٧٥٤ هـ حيث كانت أولى رحلاته الدراسية خارج مصر كما سيأتي. وفي تلك المرحلة لازم العراقي فعلا أهل الحديث أساتذة وطلابا، وجرى على منهج الطلب المعتاد والمصطلح علميا عليه (^٢).\nفبعد تصحيح النية، واستعانة الله تعالى، وتوطيد العزم، ومعرفة كيفية الطلب، اتجه بلا توان إلى القراءة بنفسه، والسماع، وملازمة الشيوخ الثقات وذوي الإسناد العالي في موطنه، مع العناية بعلوم الدراية بجانب الرواية.\nويظهر أن العراقي انتقل في هذه الأثناء من منشاة المهراني التي ولد بها على شاطئ النيل إلى الإقامة بظاهر القاهرة في أقصى جنوبها الشرقي، وذلك.\n_________\n(^١) «المجمع المؤسس» ص ١٧٦ و«ذيل الدرر الكامنة» ص ٧٠.\n(^٢) تناولت كتب المصطلح ذلك في عدة أبواب أهمها: باب أقسام التحمل والأداء التي قدمنا ذكرها وأبواب كتابة الحديث وضبطه وآداب المحدث والطالب، والعالي والنازل (انظر «فتح المغيث» للعراقي جـ ٣/¬١٧ وما بعدها و٧١ وما بعدها و٨٥ وما بعدها و٩٨ وما بعدها).","vol":"1","page":295},{"text":"بخانقاة للصوفية، كانت تقع فيما بين قلعة صلاح الدين الحالية، وقبة النصر تجاه جبل المقطم، وقد أنشأها الأمير المملوكي طَغَيْتُمر، أو طغاي تمر بن عبد الله النجمي الدويدار المتوفى قتيلا سنة ٧٤٨ هـ، ورتب بها عدة من الصوفية وجعل شيخهم برهان الدين الرشيدي (^١)، وهو شيخ العراقي في الفقه والقراءات، والحديث كما قدمنا، فكان العراقي على ما يبدو ممن ترتب بها، كما يشير لذلك تلميذه ابن حجر في ترجمة نور الدين الهيثمي صهر العراقي ورفيق عمره فيقول: «ولد سنة ٧٣٥ هـ ونشأ بالصحراء بجوار خانقاه طغيتمر، واتفق أن شيخنا العراقي كان قد أقام بها، فخدمه، وهو - أي الهيثمي - ابن عشر سنين أو أكثر بقليل (^٢)، وقد يسرت له تلك الإقامة الجديدة التردد على علماء السنة، ومُسنديها بمدينتي مصر والقاهرة؛ نظرًا لقرب هذا المكان من معظم مدارس ومساجد المدينتين، ويجدر هنا التنبيه إلى أن تلك الخانقاه التي ارتبطت بها حياة العراقي ونشاطه العلمي تعددت تسميتها منذ عصره، حتى من الشخص الواحد في الكتاب الواحد (^٣)، فاشتبهت لذلك على بعض\n_________\n(^١) «النجوم الزاهرة» لابن تغري بردي جـ ١٠/ ١٨٤، ١٨٥ أصل وهامش.\n(^٢) «ذيل الدرر الكامنة» ص ٧٠.\n(^٣) أطلق عليها العراقي «الخانقاة الطشتمرية في «فتح المغيث» له جـ ٤/ ١٦٥» وكذا ولده ولي الدين في «ذيله على ذيل والده على العبر» (وفيات سنة ٧٦٦ هـ ترجمة البياني) وهذا تحريف «للطغيتمرية» نسبة إلى منشئها «طغيتمر» أما الأمير طشتمر فلم يُعرف انشاؤه خانقاة، وفي بعض سماعات العراقي لكتب السنة كُتِبَتْ «الطيمرية» (مقدمة المحدث الفاصل للرامهرمزي ص ١٣٢) ثم أطلق عليها ولي الدين ابن العراقي في كتابه السابق أيضًا «الخانقاة الدوادارية» (وفيات سنة ٧٧٧ هـ ترجمة المسند كمال الدين محمد بن عمر وسنة ٧٨٣ هـ ترجمة أم أحمد عائشة وسنة ٧٨٤ هـ ترجمة الحاجة أم عمر) وهكذا أطلق عليها الأسنوي في «طبقاته» (ص ١١٧ مخطوط) =","vol":"1","page":296},{"text":"المحققين في عصرنا بخانقاة أرسلان الدوادار، التي وُلِد العراقي ونشأ أيضًا بجوارها في منشاة المهراني كما تقدم، فعدهما واحدة (^١)، والصواب أنهما اثنتان: الأولى كانت في أقصى جنوب شرق القاهرة بالصحراء، والثانية في أقصى جنوب غرب القاهرة على شاطئ النيل كما مر ذكره، وقد مُحيت الأولى من الوجود كالثانية» (^٢).\nوقد طالت إقامة العراقي بخانقاه طغيتمر هذه، إلى أن عُين بقضاء المدينة المنورة سنة ٧٨٨ هـ كما سيأتي، فارتبطت بها حياته الأسرية والعلمية خلال تلك الفترة، فأشار لولادة ابنه أحمد بها سنة ٧٦٢ هـ (^٣) وأثبت فراغه من شرح «ألفيته في المصطلح بها سنة ٧٧١ هـ، فخلد ذكرها فيه (^٤) وسيأتي سماعه هو\n_________\nوذلك لأن منشئها كان دوادار السلطان حاجي، أما ابن حجر فقال مرة (خانقاة طغيتمر) (٨٥ ذيل الدرر الكامنة) وقال مرة أخرى: الخانقاة الدويدارية بالصحراء، المعروفة بالنجمية (الدرر الكامنة جـ ٢/ ٣٢٤). وهكذا أطلق عليها ابن تغري بردي (النجوم الزاهرة جـ ١٠/ ١٨٤) وذلك لأن منشئها عرف أيضًا بالنجمي، وأطلق عليها المقريزي (خانقاة طغاي تمر النجمي) (الخطط جـ ٢/ ٤٢٥).\n(^١) انظر (طبقات الشافعية) للأسنوي بتحقيق الأستاذ/ عبد الله الجبوري جـ ١/ ٥٩٩/ ٦٠٣ و«الفهرس التفصيلي» للكتاب مادة (خانقاة) ومنشأ الإشتباه غالبا أن كل من: أرسلان وطغيتمر كان دوادارًا فلما ذكر الأسنوي خانقاة أرسلان الدوادار أولا ثم ذكر خانقاة طغيتمر عقبها بقليل باسم «الدوادارية» ظن المحقق ذلك إشارة للخانقاة الأولى فأحالها في (الفهرس التفصيلي) على الأولى وأحال في بيان الأولى على موضعها في «خطط المقريزي» بينما الأسنوي فرق بينها بالجهة، فذكر أن الأولى على شاطئ البحر والثانية بظاهر القاهرة فليتنبه لذلك.\n(^٢) «النجوم الزاهرة» جـ ١٠/ ١٨٥ هامش.\n(^٣) (طرح الشريب) للعراقي وولده جـ ١/¬١٦.\n(^٤) انظر (فتح المغيث) له جـ ٤/ ١٦٥.","vol":"1","page":297},{"text":"وبعض أولاده أحد كتب علوم السنة بها سنة ٧٧٤ هـ ودفنت خلفها زوجته الأولى سنة ٧٨٣ هـ كما سبق ذكره».\nوقد بدأ العراقي دراسته للسنة على العادة بحفظ كتاب «مختصر في الحديث» وهو كتاب «الإلمام بأحاديث الأحكام» (^١) تأليف إمام عصره، تقي الدين بن دقيق العيد المتوفى سنة ٧٠٢ هـ، وقد جمعه مما صححه، أو زكى رواته أحد من أئمة الحديث، مع حذف السند للاختصار، وهو يقع في مجلد عادي مخطوط وقد كان في عصر العراقي محل عناية الدارسين ومعتمد العلماء (^٢) حتى أوصى الذهبي طلاب الحديث الاهتمام بحفظه ودرسه (^٣).\nولهذا بدأ العراقي بحفظه، وذكر لتلميذه ابن حجر أنه حفظ منه ٤٠٠ سطر في يوم واحد، فاستدل ابن حجر وغيره بذلك على تمتع العراقي بجانب فرط الذكاء، بملكة الحفظ وسرعته (^٤).\nوقد ذكر العراقي أنه قرأ أكثر هذا الكتاب على شهاب الدين أحمد بن أبي الفرج المشهور بابن البابا المتوفى في العشر الأخير من شوال سنة ٧٤٩ هـ (^٥)،\n_________\n(^١) «الضوء اللامع»، للسخاوي جـ ٤/ ١٧١، ١٧٢ وه «مقدمتي شرحي المناوي لألفية العراقي في السيرة».\n(^٢) «طبقات الشافعية» للأسنوي ص ١٩٣ (مخطوط) و«البدر المنير في تخريج أحاديث شرح الرافعي الكبير» لابن الملقن ج ١/¬٦ أ، ب (مخطوط مصور) و«فهرس المخطوطات المصورة بمعهد المخطوطات» جـ ١ (علم الحديث والمصطلح) ص ٦١.\n(^٣) «بيان زغل العلم والطلب»، للذهبي ص ٨.\n(^٤) «المجمع المؤسس»» / ١٧٧ و«لحظ الألحاظ»، ص ٢٢٧ وه «مقدمتي شرحي المناوي لألفية العراقي في السيرة».\n(^٥) «ذيل وفيات الأعيان» له/ ٦ أ (مخطوط مصور).","vol":"1","page":298},{"text":"وأقره تلميذه ابن فهد (^١).\nولعل تلك القراءة صاحبت حفظه للكتاب، كما فعل فيما حفظه من كتاب «الحاوي الصغير» في الفقه، حيث اشتغل بحفظه أثناء دراسته على شيخه الرشيدي كما تقدم.\nوقد ذكر المؤرخون أن ابن البابا كان أول شيخ قرأ العراقي عليه الحديث عند طلبه بنفسه ٧٤٢ هـ (^٢)، فلعلهم يقصدون إلى قراءته هذه لمعظم «الإلمام» عليه، ويضيف العراقي إلى القراءة قوله: «واستفدت منه كثيرًا» (^٣).\nوهذه العبارة صريحة في بيان نشاطه منذ بدأ الطلب بنفسه سنة ٧٤٢ هـ في تحصيل علوم السنة من علمائها على الوجه المطلوب، بعكس ما يدعي ابن حجر ومن تبعه؛ حيث كان ابن البابا كما سيأتي يعمل بتدريس الحديث، ومن حفاظه الجامعين بين الرواية والدراية، كما يعتبر كتاب «الإلمام» المذكور من عوالي مسموعاته؛ لأنه من تلاميذ ابن دقيق العيد مؤلف الكتاب (^٤)، وبين قراءة العراقي عليه سنة ٧٤٢ هـ، ووفاة ابن دقيق العيد سنة ٧٠٢ هـ نحو ٤٠ سنة، وهذا يُعرف في الاصطلاح بالعلو بتقدم وفاة المروي عنه (^٥).\nفتكون قراءة العراقي عليه دليل حرصه على تحصيل عوالي المرويات أولا كما\n_________\n(^١) (لحظ الألحاظ)، ص ١٢٨.\n(^٢) (مجموع ابن خطيب الناصرية) (ترجمة العراقي) و(المنهل الصافي) لابن تغري بردي جـ ٢/ ٣١٢ ب.\n(^٣) (ذيل وفيات الأعيان)، له ٦ أ.\n(^٤) (لحظ الألحاظ) / ١٢٨.\n(^٥) (فتح المغيث)، للعراقي جـ ٣/ ١٠٤ و(مقدمة ابن الصلاح)، ص ٢٦١.","vol":"1","page":299},{"text":"تقضي قواعد طلب الحديث (^١)، ولعل هذا أيضا يفسر لنا لماذا كان الحافظ ابن البابا أول من قرأ العراقي عليه الحديث، ولم يكن عز الدين ابن جماعة صاحب الفكرة والتوجيه الأول؛ لأن من آداب المحدث أن يوجه الطالب للرواية إلى من يعلم أنه أرجح منه في المطلوب، من علو السند، أو اتصال روايته بالسماع، وغير ذلك من المرجحات (^٢).\nفلا يبعد إذن أن تكون قراءة العراقي لهذا الكتاب على ابن البابا واستفادته الكثيرة منه بتوجيه من ابن جماعة نفسه ضمن بيانه للعراقي المنهج الصحيح لطلب السنة كما قدمنا، وهذا أيضا مما يرد دعوى ابن حجر: أن العراقي لم يطلب الحديث على وجهه منذ البداية، وأنه لم يلتق بابن جماعة إلا مؤخرا، وسيأتي تلقيه عنه عوالي مروياته.\nوبعد تلك البداية المعتادة نجد العراقي يجري على قواعد الطلب أيضا، فيبادر بسماع صحيح البخاري لترجيحه، ولما في تبويبه من فقه السنة، ثم بسماع صحيح مسلم (^٣).\nفبالنسبة لصحيح البخاري، سمعه بالقاهرة على عبد الرحيم بن عبد الله بن يوسف الأنصاري المعروف بابن شاهد الجيش، والمتوفى في ٧ من ربيع الأول سنة ٧٤٦ هـ، وهو آخر من حدث بصحيح البخاري عاليا من طريق المصريين (^٤).\n_________\n(^١) «فتح المغيث» للعراقي جـ ٣/ ٨٥، ٨٦.\n(^٢) «فتح المغيث» للعراقي جـ ٣/ ٧٦ و(المحدث الفاصل) للرامهرمزي/ ٣٥٢.\n(^٣) «فتح المغيث» للسخاوي جـ ٢/ ٣٣٢.\n(^٤) «مجموع ابن خطيب الناصرية» (ترجمة العراقي) و(المنهل الصافي) جـ ٢/ ٣١١ ب و(لحظ الألحاظ) / ٢٢٢ و(ذيل التقييد) للتقي الفاسي/ ٢١٩ أ و(الدرر الكامنة)","vol":"1","page":300},{"text":"وقد لقبه العراقي بمسند الديار المصرية (^١) وقال: «سمعت عليه صحيح البخاري» (^٢).\nوحدد ذلك بسنة ٧٤٥ هـ وبين أن السماع كان بقراءة شخص على الشيخ، والعراقي وغيره يسمعون (^٣)، كما ذكر في مؤلفاته كثيرًا من أحاديث البخاري بروايته عنه (^٤)، ونظرًا لكونه من أقدم شيوخ العراقي وفاة، وتمتع بالسند العالي حتى كان مسند الديار المصرية في وقته، فإن العراقي انتهز فرصة حياته واستطاع بسعيه الدائب أن ينفرد بالسماع الشفاهي منه لبعض عواليه غير صحيح البخاري، مثل «المعجم الكبير» للطبراني، فقد روى بعض أحاديث المعجم عن أحد شيوخه المتأخرين ثم قال: «وأخبرني به عاليا أبو علي عبد الرحيم ابن عبد الله بن يوسف الأنصاري مشافهة» (^٥).\nوتجدر الإشارة إلى أن السخاوي ذكر انفراد العراقي عن رفيقه نور الدين الهيثمي بالتلمذة على ابن شاهد الجيش (^٦)، وسيأتي في التعريف بالهيثمي رد ذلك إن شاء الله.\n_________\n= ج ٢/ ٤٦٦ و«الأعلام»، لابن قاضي شهبة جـ ١/ ٧٦ أ.\n(^١) (قرة العين بالمسرة بوفاء الدين) له/ ٣٨ أ (مخطوط).\n(^٢) «ذيل وفيات الأعيان»، له/ ٣٢ أ (مخطوط مصور).\n(^٣) «قرة العين» ٤٧ أ.\n(^٤) «قرة العين» / ٢٦، ٣٨، ٤٧.\n(^٥) «محجة القرب» / ١٠ أ، وب و٢٤ أ، ب (من نسخة المؤلف الخطية) وص ١١٠، ١١١ من نسخة المغرب.\n(^٦) «الضوء اللامع»، جـ ٥/ ٢٠٠.","vol":"1","page":301},{"text":"أما صحيح مسلم فقد صرح بسماع بعضه (^١)، بينما صرح المؤرخون بسماعه كله (^٢)، فلعلهم تجوزوا، وقد كان السماع بمدينة مصر خلال سنة ٧٤٧ هـ تقريبا، على المسند المعمر زين الدين عبد الرحمن بن عبد الهادي المقدسي الحنبلي المتوفى بالشام سنة ٧٤٩ هـ، والذي تفرّد في وقته بسماع صحيح مسلم عن ابن عبد الدايم، حتى ذكر العراقي أن أحد أمراء المماليك أحضره من الشام إلى القاهرة، وهو في أواخر حياته، وسمع عليه صحيح مسلم، وذلك من مظاهر العصر في اهتمام الحكام بالسنة، ثم ذكر تنقل الشيخ في عدة أماكن بمصر والقاهرة، فحدث بصحيح مسلم، وسمعه عليه خلائق، منهم العراقي، وقد اضطر مسجل السامعين على الشيخ بالمدرسة الصالحية إلى ترتيبهم على حروف المعجم لكثرتهم (^٣)، حتى يسهل وقوف كل منهم على إثبات سماعه كما أشرنا من قبل في كيفية طلب الحديث، ومع هذا التزاحم الدال أيضًا على كثرة طلاب السنة حينئذ، استطاع العراقي بهمته أن يحصل من ابن عبد الهادي على إذن شفاهي له خاصة بالرواية عنه، وروى به فعلا عنه في بعض مؤلفاته (^٤)، وبذلك اتصل سنده بمرويات هذا المسند الكبير من الصحيح وغيره، بل استطاع أن يسمع عليه بعض كتب السنة النادرة مثل «الترغيب والترهيب» للرازي، وبعض ما انفرد بسماعه عن مؤلفيه\n_________\n(^١) (الأعلام) لابن قاضي شهبة جـ ١/ ١٩٥.\n(^٢) (الأعلام) لابن قاضي شهبة جـ ١/ ٩٤ ب، ٩٥ أ وو(الدرر الكامنة) جـ ٢/ ٤٥١ أصل وهامش.\n(^٣) (الدرر الكامنة) جـ ٢/ ٤٥١ أصل وهامش.\n(^٤) (فتولى عاشوراء) للعراقي (مخطوط).","vol":"1","page":302},{"text":"ك (الأربعين النووية) حيث كان آخر من حدث عن النووي بالسماع (^١).\nوقد ذكر ابن حجر والسخاوي انفراد الهيثمي عن العراقي بسماع صحيح مسلم على ابن عبد الهادي، مع أنهما أيضًا ذكرا كغيرهما، سماع العراقي من ابن عبد الهادي (^٢)، فلعل مرادهما انفراد الهيثمي بسماع الكتاب كاملا.\nولم تقف همة العراقي عند جانب الرواية بأنواعها من السماع والقراءة للمصادر الأصلية والفرعية للسنة على ذوي السند العالي والإجازة منهم كما رأيت، بل اهتم أيضًا بالتلمذة على حفاظ السنة، الجامعين بين الرواية والدراية بأحوال السند والمتن وفقه السنة، لينتفع بهم في تحصيل الأمرين معًا كما تقضي قواعد دراسة السنة وعُرف العصر (^٣)، ولهذا فإنه بجانب سابق استفادته الكثيرة من الحافظ ابن البابا، اتجه لحافظ آخر من أعلام القاهرة في عصره، وهو قاضي القضاة علاء الدين بن التركماني المتوفى سنة ٧٥٠ هـ على الأكثر، وقال عنه: (سمعت عليه صحيح البخاري، وصنّف كُتبًا مفيدة) وذكرها (^٤).\nويذكر المؤرخون أن هذا السماع كان مصاحبًا لسماعه المتقدم للبخاري أيضًا على ابن شاهد الجيش (^٥)، والذي أرخه سنة ٧٤٥ هـ، فكأنه كان يتردد على\n_________\n(^١) «الأعلام»، جـ ١/ ٩٥ أ.\n(^٢) «ذيل الدرر الكامنة» / ٨٥ و«المجمع المؤسس» / ١٧٦ كلاهما لابن حجر و«الضوء اللامع» للسخاوي جـ هـ/ ٢٠٠ وج ٤/ ١٧١.\n(^٣) «فتح المغيث» للعراقي جـ ٣/¬٢٢، ٢٣ و«زغل العلم والطلب» للذهبي/ ٦ - ١٢ و«المحدث الفاصل» للرامهرمزي/ ٢٢٦، ٢٣٨ - ٢٦٥ و«مختصر نصيحة الخطيب» لأهل الحديث/ ٣٠، ٣١.\n(^٤) «الأعلام»، لابن قاضي شهبة جـ ١/ ١١٦ أ.\n(^٥) «مجموع ابن خطيب الناصرية» (ترجمة العراقي) و«المنهل الصافي» جـ ٢/ ٣١٢ ب.","vol":"1","page":303},{"text":"مجالسهما معا، وذلك من أجلى صور عنايته بتحصيل الرواية والدراية جنبًا إلى جنب؛ ذلك أن سماع الكتاب الواحد على أكثر من شيخ كما فعل، يرجع إجمالا إلى أمرين:\nأحدهما: تعدد روايات الكتاب عن مؤلفه في المتن، بحيث يوجد في بعض الروايات ما ليس في غيرها (^١)، وفي الإسناد، بحيث يكون بعضها أعلا أو أوثق من بعض، كاتصال بعضها بالسماع والآخر بالإجازة، ووجود مجروح في سند بعضها دون الآخر، ونحو ذلك من المميزات والعلل، وهي لا تجتمع لشيخ واحد بعد مؤلف الكتاب، كالإمام البخاري أو الرامهرمزي وغيرهما.\nثانيهما: تفاوت العلماء المشتغلين بنشر علوم السنة وتعليمها، وقد قال البخاري: «إذا سمع الحديث من رجل، ووجد من هو أعلم منه، فالسنة أن يسمع عنه (^٢)» وفي عصر العراقي، كان المشتغلون بالسنة متفاوتين: فمنهم المسند - بكسر النون - أو الراوي، ومهمته الرواية لغيره، بأن يؤدي المرويات الحديثية بسندها - لا سيما العالي الموثق - كما تحملها عن شيوخه مضبوطة محررة، دون أن يتعرض لغير ذلك من علوم السنة، كما سنوضحه في ألقاب العراقي.\nومنهم من يعني ببيان علوم السنة بجانب الرواية لما تحمله عن شيوخه أيضًا، وهذا يُلقب بالمحدّث أو الحافظ كما سنوضحه أيضًا (^٣).\n_________\n(^١) هـ التقييد والإيضاح، للعراقي/ ٥٤\n(^٢) و«طبقات أصحاب الشافعي» (آخر أمالي العراقي الحديثية) مخطوط.\n(^٣) وينظر: فتح المغيث، للعراقي جـ ١/¬٧ و٥ الدرر المنتظمة، لنجم الدين الغيطي/ ١٠ ب، ١١ أ، وهـ تدريب الراوي، للسيوطي/ ٧ - ١٢.","vol":"1","page":304},{"text":"كذلك كانت قواعد التوثيق والتجريح للرواة الأول للسنة، تطبق على المشتغلين بها بعدهم، من المسندين والمحدثين والحفاظ، حتى عصر العراقي (^١).\nولهذا كله، وجدنا العراقي يكرر التلقي عن أكثر من شيخ للكتاب الواحد من أمهات أو فروع مصادر السنة، في الرواية والدراية، كما نرى بالنسبة لصحيح البخاري وكما سيأتي بالنسبة لغيره، وذلك لتحصيل المميزات العلمية، وجبر النقص أو الضعف، وقد أشار العراقي بنفسه إلى ذلك، فقال عن شيخه محمد بن أبي القاسم بن مظفر الفارقي المتوفى سنة ٧٦١ هـ: «وكان قد اعتنى بطلب الحديث، فقرأ بنفسه، وكتب، ورحل، وأفاد، وكان أحد الشهود المعدلين بالقاهرة، إلا أني سمعت من يتكلم فيه في الشهادة، فلذلك قرنته في الرواية بأبي الحرم القلانسي» (^٢) والقلانسي أحد شيوخ العراقي الثقات، وتأخرت وفاته عن الفارقي إلى سنة ٧٦٥ هـ (^٣)، فلعل العراقي أعاد عليه مروياته السابقة، أو تلقى عنهما في زمن متقارب، بالتردد عليهما جبرا لجرح الأول، كما تقضي قواعد النقد للرواة، ومصداق ذلك موجود في مؤلفات العراقي عند روايته عن الفارقي (^٤).\nأما سماعه البخاري على ابن التركماني مع سماعه أيضًا على ابن شاهد\n_________\n(^١) «طرح التثريب في شرح التقريب» للعراقي وولده جـ ١/ ١٠٦، ١٠٧ وه المجمع المؤسس/ ٧٠، ٧٧.\n(^٢) «طرح التثريب في شرح التقريب» (للعراقي وولده جـ ١/ ١٠٦، ١٠٧ و(المجمع المؤسس) / ٧٠، ٧٧.\n(^٣) (طرح التثريب) ج ١/ ١٠٦، ١٠٧.\n(^٤) (تقريب الأسانيد وترتيب المسانيد) / ٤ و٥ الأربعين العشارية) / ١٩ ب.","vol":"1","page":305},{"text":"الجيش، فيرجع إلى أن الأخير كان مسندا فقط، مهمته الرواية وميزته أنه آخر من حدث بالكتاب عاليا من طريق المصريين، فاستفاد العراقي منه جانب الرواية مع العلو، وأما ابن التركماني، فكان مُحدثا حافظا، مهمته الأولى الدراية بالشرح والبيان، وبذلك يتميز عن المسند، فيحتاج العراقي للتلقي عنه، ولو بسند نازل؛ ليستفيد منه بحث السند والمتن، ودراية أحكامهما، بجانب الرواية، وبهذا يحصل بسماعه من كل منهما ما لم يحصله من الآخر، ويجتمع له منهما، جانبي الرواية والدراية، كما تقضي قواعد دراسة السنة على الوجه المنشود، بل إننا نجده يقرأ هذا الصحيح كاملا بنفسه بعد ذلك على قاضي القضاة محمد بن عبد البر السبكي المتوفى بظاهر دمشق سنة ٧٧٧ هـ (^١).\nوالتماس الميزة لذلك أيضا يسير، فإن رواية ابن شاهد الجيش، من طريق «كريمة المروزية» ومع علوها ليست متصلة له بالسماع (^٢)، وقد تلقاها العراقي عنه بالسماع عليه، أما رواية السبكي فهي من طريق آخر، واتصلت له بالسماع (^٣).\nوقد تلقاها العراقي بقراءته بنفسه عليه، والسبكي أيضا من أهل الدراية، وهكذا يجتمع للعراقي بالسماع والقراءة والدراسة المتعددة للكتاب الواحد على عدة شيوخ كثير من ميزات الرواية وفوائد الدراية، فيضاعف رصيده وتجود وتعلو أسانيده، وتتكامل ثقافته الحديثية، وقد وجد من معاصريه من\n_________\n(^١) «ذيل ولي الدين ابن العراقي» / وفيات سنة ٧٧٧ هـ.\n(^٢) «الأعلام» لابن قاضي شهبة جـ/ ٨ ب.\n(^٣) «ذيل ولي الدين ابن العراقي» / وفيات سنة ٧٧٧ هـ.","vol":"1","page":306},{"text":"امتدح بسماع البخاري على ١٨ شيخا (^١).\nوإذا كان سماع العراقي صحيح البخاري على الحافظ ابن التركماني، قد صاحب سماعه على ابن شاهد الجيش سنة ٧٤٥ هـ كما مر، فذلك يفيد أنه تتلمذ لهذا الحافظ، عقب اتجاهه للتخصص بالسنة، وطلبها بنفسه سنة ٧٤٢ هـ بقليل، وهذا مما يدفع القول بتشاغله عن الطلب حينذاك، خاصة إذا لاحظنا سابق تلمذته للحافظ ابن البابا، وكثرة استفادته منه، كما أن تلمذته لابن التركماني لم تقتصر على سماع البخاري وبحثه عليه كما هو شأن السماع على الحافظ، وإنما يذكر المؤرخون أنه أخذ عنه علم الحديث، وانتفع منه، وتخرج به (^٢).\nوهذا يدل على ملازمته له ومواظبته على دروسه، حتى يتمكن من الانتفاع بعلمه، ومن أخذ علم الحديث عنه، وهو علم المصطلح بفنونه المختلفة كما تقدمت في الباب الأول، وقد كان لابن التركماني عناية خاصة به، وألف فيه ما شهد العراقي بوفائه بالمقصود كما سيأتي.\nولما كان ابن التركماني قد توفى على - أقصى تقدير - في مطلع سنة ٧٥٠ هـ\nفإن ذلك يقضي بأن يكون العراقي قد درس عليه فنون الحديث ومصطلحه، ثم تخرج على يديه خلال سنة ٧٤٩ هـ على أقصى تقدير أيضًا، وهذا مما يدفع دعوى ابن حجر المتقدمة بأن العراقي لم يطلب الحديث كما ينبغي، وأنه لم\n_________\n(^١) «الأعلام»، لابن قاضي شهبة جـ ١/¬٨ ب.\n(^٢) (لحظ الألحاظ) / ٢٢٢ و(مجموع ابن خطيب الناصرية) (ترجمة العراقي) و(المنهل الصافي) ج ٢/ ٣١٢ ب و(الضوء اللامع) ج ٤/ ١٧٢.","vol":"1","page":307},{"text":"يتفرغ له إلا سنة ٧٥٢ هـ، أي بعد أقصى تقدير لتخرجه هذا بنحو ثلاث سنين.\nووجه الدفع: «أن تلقي فنون الحديث ومصطلحه عن هذا الحافظ الناقد وشهادته للعراقي ببلوغ درجة التخرج التي تعني الصلاحية لإفادة علوم السنة رواية ودراية، دليلان واضحان على أنه قد قطع مرحلة كبيرة من الطلب، ولازم مخرجه قبل سنة ٧٤٩ هـ هذه، وأبدى له من النشاط في الدراسة والمواظبة على البحث والتحصيل، ما يصل به لمستوى التخرج، ويجعله مستحقًا له».\nوقد أشار العراقي بنفسه فضلًا عن غيره إلى صور لنشاطه المتعدد في تلك الفترة، بجانب تلمذته لابن التركماني.\nفهو يقول عن رفيقه في طلب السنة، عز الدين ابن التركماني أخو شيخه ومخرجه: (قرأ وكَتَبَ وأفاد، وسمع معنا من جماعة من شيوخنا، وغيرهم .. ثم ذكر وفاته سنة ٧٤٩ هـ) (^١) وهذا يدل على أن مرافقته للعراقي في الطلب كانت متقدمة كثيرًا على تاريخ وفاته المذكور، بحيث يتسنى له كثرة السماع المشار إليها، والقراءة والكتابة للسنة ثم إفادة غيره، وقول العراقي: «سمع معنا من جماعة من شيوخنا» يدل على نشاطه هو الواسع حينئذ في تحصيل السنة وسماعها، ومرافقة طلابها المجدين في التردد على كثير من الشيوخ، حتى إن من شاركه في السماع منهم يعدون جماعة، فضلًا عن غيرهم ممن انفرد هو عن رفيقه بالأخذ عنهم.\n_________\n(^١) «الأعلام» جـ ١/ ٩٥ ب.","vol":"1","page":308},{"text":"كذلك وجد من شيوخه الذين سمع منهم بالقاهرة من توفى سنة ٧٤٩ هـ كأبي القاسم محمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن سيد الناس (^١) وبرهان الدين الرشيدي المتقدم ذكره، وهذا يدل على تقدم سماعه منهما عن تاريخ وفاتيهما أيضًا بل إني وجدت نشاطه في الطلب حينئذ قد تعدى مدينتي مصر والقاهرة رغم تكاثر شيوخ الحديث بهما، فسعى لتحصيل الإجازات بعامة مرويات ذوي السند العالي من شيوخ الإسكندرية، مركز السنة الثالث آنذاك بالديار المصرية، فقد قال عن عبد الله بن أحمد بن هبة الله بن البوري: «سمع منه الزيلعي والبنا، وكتب إلينا بالإجازة من الثغر» وقال مثل ذلك أيضًا عن: علي بن عبد الوهاب بن الحسين بن الفرات الإسكندري، ثم ذكر وفاتيهما في سنة ٧٤٩ هـ (^٢) ويلاحظ أن كلا من الزيلعي والبنا كانا من رفقاء العراقي في الاشتغال بالسنة كما سيأتي.\nوبموجب مثل هاتين الإجازتين اتصل سند العراقي بمرويات عديدة من أمهات وفروع كتب السنة في الرواية والدراية، التي لم يتح له حينئذ الرحلة لرواتها بالإسكندرية وتلقيها، من أفواههم.\nوقد أورد فعلا فيما ألفه في السنة بعض مروياته بإجازة ابن الفرات المتقدم\n_________\n(^١) «مجموع ابن خطيب الناصرية» (ترجمة العراقي) وهامش «المجمع المؤسس» / ١٧٦، وقد ذكر به «أبو الفتح» بدل «أبو القاسم» وهو خطأ، فأبو الفتح كنية أخيه، واسمه «محمد» أيضًا ولكن لم يتتلمذ له العراقي، ولهما أخ ثالث اسمه «محمد» كذلك ويلقب بصلاح الدين، وسمع منه العراقي أيضًا وتوفي سنة ٧٦٣ هـ (انظر ذيل ولي الدين) / وفيات سنة ٧٦٣ هـ، و«الدرر الكامنة» / جـ ٤/ ٣٥٥ و«لحظ الألحاظ» / ٢٢٢ و«الضوء اللامع» جـ ٤/ ١٧٢.\n(^٢) و«الأعلام» لابن قاضي شهبة جـ ١/ ٩٣ ب، ٩٧ ب.","vol":"1","page":309},{"text":"فقال: «وكتب إلي من ثغر الإسكندرية: علي بن عبد الوهاب بن الفرات عن أبيه» .. إلخ (^١).\nوبهذا يظهر لنا سعة نشاطه واهتمامه بتحصيل علوم السنة، رواية ودراية من مراكزها وأهلها بالعاصمة وخارجها، وذلك قبل سنة ٧٤٩ هـ التي جعلناها حدًا أقصى لتخرجه.\nكما يظهر لنا أن نشاطه في التحصيل والرواية كان ماثلًا أمام مخرجه الحافظ ابن التركماني، إما بالتلمذة المباشرة له، وإما لمصاحبته أخاه وعشيره عز الدين المتقدم، في التلمذة لكثير من شيوخ الحديث الآخرين، ومن هنا فإن شهادته له بالتخرج في علوم السنة صدرت عن دراية كافية بمبلغ علمه وتحصيله، وبالتالي جاءت دالة على جدارته حينئذ بالتخرج.\nوبموجب تخريج ابن التركماني له صارا واحدًا من المحدثين الصالحين لنشر السنة وتعليمها رواية ودراية، وممارسة التأليف فيها.\nوعليه تكون دعوى الحافظ ابن حجر ومن تبعه، بأن العراقي لم يطلب الحديث على وجهه إلا بعد سنة ٧٥٢ هـ، أي بعد وفاة مخرجه ابن التركماني بنحو عامين، دعوى منافية للواقع والصواب.\nوقد أشار العراقي وكذا غيره إلى ما كان له فعلًا في هذا الوقت المبكر من نشاط بين علماء السنة وتقديرهم له:\nفهو يقول عن نفسه: وقد سمع مني صاحبنا العلامة أبو محمد أحمد بن\n_________\n(^١) «فتوى عاشوراء» للعراقي/ ٥١ (مخطوط).","vol":"1","page":310},{"text":"إبراهيم المقدسي، ولي عشرون سنة، سنة ٧٤٥ هـ (^١) وقد ذكر هذا ضمن الأدلة على أن المحدِّث إذا احتيج إليه في رواية ما تحمله من الحديث قبل أن يعلو سنه، فينبغي عليه أن يبادر لذلك في أي سن كان، ويلاحظ أن العراقي بجانب حداثة سنه حينئذ، لم يكن مضى على طلبه للسنة بنفسه غير نحو ٣ سنين، أما أبو محمد المقدسي الذي سمع منه، فيعتبر من طبقة شيوخه ذوي الإسناد العالي؛ لسماعه الكثير من النجيب الحراني وطبقته، كما أنه من أهل الدراية بعلوم السنة، حتى شرع في شرح «سنن أبي داود» وتوفي سنة ٧٦٥ هـ (^٢)، فمجرد سماعه من العراقي يحمل أكثر من دلالة:\nفهو دليل على أنه قد اختُسِبَ حينئذ من أهل الفن المعنيين به، حتى وثق فيه من هو أعلا وأقدم منه، رواية ودراية، فأقدم على السماع منه، ثم الرواية عنه، كما يدل ذلك أيضًا على أن العراقي حينذاك كان متحملًا لما احتاج المقدسي إلى سماعه منه، أو على الأقل لما رغب في سماعه منه بالذات، وقد عد العراقي ذلك من رواية الأكابر عن الأصاغر في السن والعلم، تبعًا لمصطلح علوم السنة (^٣).\nويرى العلماء في هذا النوع من الرواية تنويها من الكبير المتقدم في الفن،\n_________\n(^١) (فتح المغيث) للعراقي جـ ٣/ ٧٤ وفيه: (أبو محمود محمد) والصواب ما ذكرته اعتمادًا على المصادر الأخرى\n(^٢) (لحظ الألحاظ) / ١٤٨ و(الدرر الكامنة) ١/¬٥/¬٢٥٧ و(ذيل ولي الدين ابن العراقي) وفيات سنة ٧٦٥ هـ\n(^٣) (فتح المغيث) للعراقي جـ ٣/ ٧٤","vol":"1","page":311},{"text":"بشأن الصغير الناشيء، وتقديرا لنشاطه، وتوثيقًا له، للأخذ عنه، اقتداءً بالكبير، ولذلك يعدونه من مفاخر الكبير الراوي، والصغير المروي عنه، إذ يدل على أريحية الأول وإنصافه، كما يدل على تقدم الثاني في الفن، والثقة بمحصوله منه (^١).\nوبذلك كان سماع المقدسي من العراقي سنة ٧٤٥ هـ إقرارًا عمليًا من أحد المحدثين المعتمدين بصلاحيته منذ ذلك التاريخ للتحديث، ودعوة صريحة لطلاب السنة للأخذ عنه ما يحتاجونه فيه، فهل بعد هذا يسوغ القول بأنه تشاغل عن الجد في الطلب إلى سنة ٧٥٢ هـ؟.\nومن مظاهر النشاط الكبير للعراقي في مجال السنة في تلك الفترة أيضًا ما ذكره ابن حجر صاحب دعوى التراخي والتشاغل، وغيره (^٢): أنه أولع وهو في نحو العشرين من عمره بتأليف كتاب في تخريج أحاديث إحياء علوم الدين للغزالي، ومعنى هذا أنه تصدى للتأليف في نفس سنة ٧٤٥ هـ التي أعطاه المقدسي فيها إشارة اعتماده أنه محدث، وذلك بالسماع منه كما مر؛ لكن ابن حجر يذكر إقدام العراقي على هذا التأليف، في معرض انتقاده له بالتعجل في الاشتغال بالتأليف، بينما يذكره غيره دليلًا على همة العراقي وتقدمه في التحصيل والإنتاج، ونحن نسلم ابتداء بأن هذا اتجاه مبكر للإنتاج في مجال السنة، بل تعجل من العراقي لجني ثمار محصوله من علومها قبل النضج، لكننا نتراجع كثيرًا عن هذا، حين نعلم أنه لم يخرج تلك الباكورة من تحت يده للمرة الأولى إلا بعد نحو ٦ سنين من تاريخ الشروع فيه، فكأن\n_________\n(^١) «فتح المغيث» للسخاوي جـ ٣/ ١٥٩.\n(^٢) «المجمع المؤسس» / ١٧٦ و«لحظ الألحاظ» / ٢٢٨.","vol":"1","page":312},{"text":"البداية كانت مجرد حرص على السبق العلمي لموضوع الكتاب، حيث لم يُعْرَفْ من تصدى قبله لتخريج أحاديث الكتاب بأكمله.\nوقد ظل يشتغل به، ويستفيد في إنجازه من دراسته وبحثه طيلة هذه المدة، كما أنه رافقه في إعداد مواده العلمية محدث ناضج، هو الإمام الزيلعي، كما سيأتي، ثم ظل العراقي معنيا بإكمال نقص الكتاب وتهذيبه خلال ٩ سنين أخرى، كما سنوضحه عند ذكر مؤلفاته.\nونكتفي هنا بذكر بعض الدلالات التي نأخذها من إقدام العراقي على هذا التأليف الضخم وإنجازه في صورته الأولى، والتي تشير بإجمال إلى مبلغ علمه وتحصيله حينذاك، وتؤكد بطلان ما سبق من دعوى ابن حجر ومن تبعه بأن تأليف هذا التخريج يعتبر تشاغلا عن الطلب:\nفمن ذلك أن إقدامه على تخريج كتاب كبير كـ «الإحياء» يتناول علوم الدين في العقيدة والشريعة والأخلاق، دليل على إطلاعه على ما يشمل ذلك من جوامع السنة، وكتب رجالها، وفقهها ومصطلحها، كما يظهر من واقع الكتاب، ولا شك أن التعرف على المراجع والاطلاع عليها والبحث فيها والاستفادة منها ركن أساسي في الطلب، وليس تشاغلا عنه، وحسبنا في ذلك ما قرره العلماء من شيوخ ابن حجر وأقران العراقي: أن التصنيف أحد طريقي التحصيل (^١).\nكذلك يدل عمله في الكتاب على أنه توفر له خلال إنجازه الأول قدرًا جيدًا.\n_________\n(^١) (البدر المنير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير)، لابن الملقن جـ ١/¬٧ ب (مخطوط مصور).","vol":"1","page":313},{"text":"من الخبرة بفنون المصطلح، وعلم الرجال وقواعد النقد، وبحث الأسانيد والمتون، وبيان حالهما.\nوغير ذلك مما سنفصله، وهذا يعد تطبيقا عمليا شاملا لما كان يتلقاه في نفس الفترة من فنون الحديث، على يد أساتذته المتقدم ذكرهم، كابن البابا وابن التركماني وابن جماعة، ومن المقرر أن التطبيق العملي خير ما يعين على فهم الدراسة النظرية، ويثبت قواعدها واصطلاحاتها في الذهن، فكيف يعد ذلك تشاغلا عن الطلب وهو ألزم شئ له؟\nثم يقر ابن حجر مع سواه، بأن العراقي قد فرغ من تسويد هذا الكتاب في ٤ أو ٥ مجلدات سنة ٧٥١ هـ، فلو كان مشتغلا به عن الطلب على يد الشيوخ، لما استغرق منه - بما عرف عنه من مواهب ونشاط - تلك المدة من سنة ٧٤٥ هـ إلى سنة ٧٥١ هـ، ثم إذا كان لم يطلب الحديث على وجهه إلا سنة ٧٥٢ هـ كما يدعي ابن حجر ومن تبعه، فكيف تسنى له إنجاز هذا العمل العلمي الضخم قبل هذا التاريخ بنحو عام؟\nإن إنجاز هذا الكتاب بجانب نشاط العراقي المتقدم، وتخرجه، مما يجعل تلك الدعوى أبعد شي عن الواقع والإنصاف، خاصة وأن مثيرها الأول وهو الحافظ ابن حجر ﵀ قد اطلع على الكتاب واستفاد منه في عيون مؤلفاته كما سيأتي ..\nويقرر ابن حجر أيضًا في معرض ما أسماه تشاغلا من العراقي عن الطلب بالتخريج، إخبار العراقي له أنه رافق أثناء العمل بتخريج الإحياء وغيره مما سيأتي: الإمام عبد الله بن يوسف الزيلعي المتوفى سنة ٧٦٢ هـ في مطالعة","vol":"1","page":314},{"text":"كتب الحديث، حيث كان هو الآخر مشتغلًا آنذاك بتخريج أحاديث كتاب «الهداية» في فقه الأحناف، و«تفسير الكشاف» للزمخشري، فكانا يتعاونان (^١).\nوعند التأمل يظهر لنا أن هذا لا يبعد بالعراقي عن نشاط الطلب، باعتباره مرافقة في المطالعة والبحث لعالم بالسنة في مرحلة نضجه، ويعد من طبقة شيوخ العراقي، كما أن هذا يدل على أن العراقي في هذه الآونة، قد بلغ درجة علمية جعلت من هو بمنزلة شيخه يعتمد عليه في أعمال علمية يتحمل مسؤوليتها، ويثق فيما يمده به من نصوص ومعلومات تدخل في تكوين مؤلفاته، على ما سيأتي توضيحه في أثر العراقي في علم التخريج.\nوإذا كانت قواعد الطلب قد اقتضت العراقي أن يركز اهتمامه في التلقي على من ذكرنا من شيوخه لتقدم سنهم، حتى تخرج كما أوضحنا، فإنه قد حرص أيضًا على التلمذة الموجهه الأول في طريق السنة وهو الشيخ عز الدين ابن جماعة، فتلقى عنه كثيرًا من عوالي مروياته، وما تفرد به عن الآخرين، كما تقتضي قواعد الطلب التي بينها بنفسه للعراقي ليسير عليها، ونظرًا لتأخر وفاته كثيرًا عن الشيوخ السابقين فإن صلة العراقي به وتلمذته له قد امتدت بعمق إلى أواخر حياته، حتى شاركه في السماع عليه ولده ولي الدين.\nوإذا كان العراقي بتخرجه على يد ابن التركماني، قد أصبح أحد المحدثين بمصر، فحدث وألف، فإن ابن جماعة قد لمس من نشاطه وسعة علمه، ما جعله يرفعه للدرجة التالية حينئذ للمحدث وهي درجة الحافظ (^٢)، فوصفه\n_________\n(^١) (الدرر الكامنة) جـ ٢/ ٤١٧ و(ذيل الدرر) ص ٧٠.\n(^٢) انظر (ذيل ولي الدين ابن العراقي) وفيات سنة ٧٧٤ هـ (ترجمة ابن رافع) و(تدريب الراوي) / ٨.","vol":"1","page":315},{"text":"بالحفظ والتحقيق، وشهد له بالتفرد بعلم الحديث بالديار المصرية، وصار يستعين به في بعض مؤلفاته الحديثية، كما سنوضح ذلك في التعريف به.\nوبمقتضى هذا يكون العراقي قد أصبح في حياة شيخه ابن جماعة المتوفى سنة ٧٦٧ هـ مشهودًا له - عن جدارة - بلقبي: «محدث الديار المصرية، والحافظ معا» وليس معنى ذلك حفظه لمصادر السنة عن ظهر قلب، بل المراد معرفته الجيدة بها، وفهمه لمضامينها كما سيأتي بيانه في ألقابه العلمية بالمشيئة.\nأما أعلا شيوخ العراقي المصريين إسنادًا على الإطلاق، فهو أبو الفتح محمد ابن محمد بن أبي القاسم الميدومي المتوفى سنة ٧٥٤ هـ (^١)، فقد ذكر العراقي أنه تفرد في وقته بالسماع من النجيب الحراني، وعبد الله بن عبد الواحد المعروف بابن علاق، فكان آخر من حدث عنهما بالسماع على وجه الأرض (^٢)، وقد قدمنا أن السماع من هذين الشخصين كان مقياسًا لأعلا أسانيد السماع حينئذ، حتى إن دعوى تراخي العراقي في الطلب، عُمدة ابن حجر فيها، عَدَمُ تلقي العراقي عن كثيرين ممن سمع منهما، بل ذكر السخاوي أن العراقي ليس عنده من أصحاب النجيب غير الميدومي هذا (^٣)، أي لم يوجد له سماع عن أحد ممن سمع من النجيب غيره، وإلا فقد سمع من عدد ممن أجازهم النجيب.\nوقد سبق ردنا على ذلك بوجود البدائل العديدة التي عرضناها من نشاط العراقي في الرواية والدراية، حتى تخرج وألف، واعتبر واحدًا من المحدثين، فحدث عنه ورافقه في البحث، من هو بمنزلة شيوخه، تقديرًا لتقدمه في\n_________\n(^١) «الدرر الكامنة» جـ ٤/ ٢٧٤.\n(^٢) «المنتقى من ذيل العراقي على العبر» سنة ٧٥٤ هـ (ضمن مجموع ابن خطيب الناصرية).\n(^٣) «الضوء اللامع» جـ ٤/ ١٧٢.","vol":"1","page":316},{"text":"التحصيل، ودعوة للأخذ عنه والاستفادة بعلمه.\nومع هذا فإن العراقي أدرك ميزة علو سند الميدومي، واجتهد، حتى بعد تخرجه السالف بيانه، في تحصيل أكبر قدر ممكن من مروياته الكبرى والعالية، وأكثر السماع منه والقراءة عليه بالقاهرة، كما سنبينه في التعريف به، بل إن العراقي لم يرحل خارج مصر لطلب السنة إلا قبل وفاة الميدومي بشهور، بعد استيفاء حظه الأوفى من عواليه، كما سنفصله عقب تعريفنا بأهم شيوخه في تلك المرحلة بما فيهم الميدومي.\n\n<span data-type='title' id=toc-86>أبرز شيوخ العراقي بمصر، وتأثيرهم فيه</span>\n<span data-type='title' id=toc-87>أولا: «الحافظ ابن البابا»:</span>\nأول من قرأ العراقي عليه الحديث (^١)، هو أبو العباس، شهاب الدين، أحمد ابن فريج، المشهور بابن البابا الشافعي.\nكان ﵀ عبدا أسود، مملوكًا لأمير من المماليك، لكن العلم شرف قدره، وخلد ذكره أكثر من سيده، فقد كان عالمًا فاضلا في علوم كثيرة، في مقدمتها علم السنة، وقد تلقاها عن جماعة، وأهم من سمع منهم الحافظ أبو محمد الدمياطي، وتقي الدين ابن دقيق العيد، مؤلف كتاب «الإلمام»، الذي بدأ به العراقي دراسته للسنة، وقرأ معظمه على ابن البابا كما سلف، وتتلمذ أيضًا لعلم الدين العراقي، الذي يختلط على البعض بالحافظ زين الدين العراقي، كما تقدم توضيحه.\n_________\n(^١) اعتمدت في التعريف به وبيان أثره في العراقي على «ذيل وفيات الأعيان» للعراقي ٦ أ، و«طبقات الشافعية» للأسنوي جـ ١/ ٢٩٦ بتحقيق الجبوري، و«لحظ الألحاظ» لابن فهد ص ١٢٨.","vol":"1","page":317},{"text":"ولم أجد بيانا لتاريخ مولد «ابن البابا» هذا، ولكنه مات شهيدًا بالطاعون في أواخر سنة ٧٤٩ هـ. وتأثيره في العراقي يرجع إلى ما قدمناه من كونه أوّل من قرأ العراقي عليه الحديث في ابتداء طلبه بنفسه ٧٤٢ هـ، وتعتبر قراءته عليه معظم كتاب «الإلمام» أنموذجا لتلقيه مؤلفات المتأخرين بالسند المتصل عن مؤلفيها، مثل تلقيه مؤلفات المتقدمين، كالبخاري ومسلم، ثم وجدنا العراقي نفسه، بعد أن ذكر قراءته عليه أكثر كتاب «الإلمام» يقول: «واستفدت منه كثيرًا»، وهذا تعبير صريح عن تجاوز التلمذة له والاستفادة منه حد القراءة عليه لكتاب أو كتابين، وإلا لقال: «قرأت عليه أكثر الإلمام وغيره».\nوقد كان «ابن البابا» من حفاظ الحديث الذين تَتَلَقَّى عنهم الرواية والدراية معا، ولقبه تلميذه العراقي بالإمام العلامة الحافظ، مع دقته في إطلاق الألقاب العلمية الحديثية، وذكر غيره أنه اشتغل فوق رواية الحديث بتدريسه لطلابه بعدة أماكن، منها قبة بيبرس بالقاهرة، ومقتضى ذلك أن تكون استفادة العراقي الكثيرة منه متعلقة بعلوم السنة، من المصطلح، وبيان ما يتعلق بسند الحديث ومتنه، فكان بذلك شيخ العراقي في الرواية، وأستاذه المفيد في علوم الدراية، وقد اعتنى العراقي به، فترجمه في ذيله على وفيات الأعيان، وفي ذيله على العبر للذهبي، وتلقيبه له بما ذكرنا وتصريحه بكثرة الاستفادة منه، يدلان على قناعته بعلمه وتقديره المنصف لشيوخه، واعترافه بفضلهم عليه، وبأثرهم في تكوين شخصيته الحديثية، وهكذا ينبغي أن تكون أخلاق الطالب مع أستاذه، خاصة بعد زمن التلمذة، كما فعل العراقي.\nثم إن تلمذته هذه لابن البابا في الرواية والدراية معا، وتصريحه بكثرة الاستفادة منه، لها أكثر من دلالة، فإن هذا الحافظ قد توفي - كما ذكرت.","vol":"1","page":318},{"text":"آواخر سنة ٧٤٩ هـ، ومعنى ذلك أن العراقي قرأ عليه، ولازم دروسه في علوم السنة قبل سنة وفاته بفترة تناسب كثرة الاستفادة.\nوهذا مما يدفع قول ابن حجر ومن تبعه بتراخي العراقي في طلب السنة حتى سنة ٧٥٢ هـ، ثم إن ابن البابا كان حافظًا للقرآن، وقارئًا بالسبع، ومن طبقة شيوخ العراقي في القراءات كما تقدم، فلو كان العراقي حين تتلمذ له مهتمًا بغير السنة، لأكمل عليه القراءات السبع بجانب علم الحديث، ولم يؤخر هذا كما مر نحو ٢٦ سنة بعد اتجاهه للسنة سنة ٧٤٢ هـ.\nكذلك كان ابن البابا بجانب تبريزه في الحديث، ضليعًا في الفقه وأصوله، حتى أفتى وأعاد للطلبة، كما كان عارفًا بالتفسير والنحو وأصول الدين، ومع ذلك لم يذكر العراقي تلمذته له في أي من تلك العلوم بجانب السنة، ولا ذكر ذلك غيره ممن ترجمه.\nفلو كان اشتغاله حينئذ بالسنة غير مركز، بل واقع في غضون اشتغاله بالعلوم الأخرى كما يقول ابن حجر ومن تبعه، لتتلمذ عليه في أي من تلك العلوم بجانب السنة.\nومن الطريف أن ابن البابا مع درايته بتلك العلوم والثناء على خلقه ودينه، كان عارفًا بالطب والموسيقى، وينظم الشعر الجيد، ولكن تركيز نشاطه في السنة جعله يستحق لقب الحافظ، ويباشر تدريس السنة بكفاءة، ورواية دواوينها بثقة، دون أن يغمزه في ذلك أحد، وعند قياس هذا بحال العراقي التي يعدها ابن حجر تشاغلا بغير طلب السنة، تجد أن دائرة اشتغال العراقي بغير الحديث كانت أضيق من دائرة انشغال شيخه بكثير، ونجد نشاطه في","vol":"1","page":319},{"text":"السنة أوسع وأعمق، بحيث يمكن القول: إنه منذ اتجه لطلب السنة بنفسه سنة ٧٤٢ هـ، كان انشغاله بغيرها يقع في غضون اشتغاله بالسنة، وليس العكس، والحكم إنما يكون للغالب.\n\n<span data-type='title' id=toc-88>ثانيا: الحافظ علاء الدين ابن التركماني:</span>\nمخرج العراقي في علوم السنة (^١): هو الإمام الحافظ علاء الدين علي بن عثمان بن إبراهيم بن مصطفى، المارديني الأصل، المصري، المعروف بابن التركماني، الحنفي المذهب، ولد سنة ٦٨٣ هـ، وقد سمع الحديث من الحافظ الدمياطي، وكثيرين غيره، وكتبه وقرأه بنفسه، حتى برز فيه، كما حصل عدة علوم غيره، في مقدمتها الفقه الحنفي، حتى أفتى به، ودرسه بعدة مدارس بالقاهرة، كما درس الحديث أيضًا، وتركز نشاطه التأليفي في الفقه وفي علوم السنة، ومن مؤلفاته فيها: «المنتخب في علوم الحديث»، اختصر فيه مقدمة ابن الصلاح، «والجوهر أو الدر النقي في الرد على البيهقي» يقع في مجلدين، وقد ناقش فيه البيهقي، واعترض عليه فيما أورده في «سننه الكبرى» من الأحاديث والآثار من جهة المتن والسند، نصرة منه للإمام الطحاوي الحنفي (^٢)، وتتبعه للبيهقي بمكانته المعروفة في السنة وفي كتابه «السنن» البالغ (١٠) مجلدات ضخمة، دليل على تمكنه من علل الحديث ومعرفة المتون وفقهها، كما ألف أيضًا «تخريج أحاديث الهداية» وكتاب\n_________\n(^١) اعتمدت في التعريف به وبيان أثره في العراقي على نقول العراقي عنه في مؤلفاته و«الأعلام» لابن قاضي شهبة جـ ١/ ١١٦ أ، و(الحظ الألحاظ) / ١٢٥، ١٢٦ و«الدرر الكامنة»، ج ٣/ ١٥٦ و(رفع الإصر عن قضاة مصر) قسم/ ٢/ ٤٠١ كلاهما لابن حجر.\n(^٢) «فتح المغيث» للعراقي هامش/ ٢٦ أ نسخة خطية رقم (٢١٨) مصطلح طلعت","vol":"1","page":320},{"text":"«المؤتلف والمختلف» و«الضعفاء والمتروكين».\nولم يتول منصب قاضي قضاة الحنفية بمصر إلا في أواخر حياته، حيث تولاه في شوال سنة ٧٤٨ هـ، ثم توفي في طاعون سنة ٧٤٩ هـ كما ذكر العراقي، وأقره ابن فهد، لكن ابن حجر ذكر أن وفاته كانت بعد ارتفاع الطاعون، في عاشر المحرم سنة ٧٥١ هـ. والتقى معه عليه ابن قاضي شهبة. ويمكن أن يكون العراقي قصد أن وفاته آخر سنة ٧٤٩ هـ، فيصبح الفرق بين القولين عدة أيام من مطلع سنة ٧٥٠ هـ، وعلى أبعد تقدير لوفاته وهو مطلع سنة ٧٥٠ هـ، يكون منصب القضاء لم يشغل من حياته إلا نحو عامين، ولذلك قال مؤرخوه: إنه أفنى عمره في الاشتغال بالعلوم، وتفنن فيها وصنف التصانيف العديدة، وكثر الآخذون عنه، كما ذكروا أنه عند تولي القضاء كان كبير السن، وبالتالي ضعف نشاطه العلمي، وخاصة في التدريس.\nوذلك مما يفيد أن تلمذة العراقي له وتخرجه على يديه، كان في فترة متقدمة على زمن إنشغاله بمنصب القضاء سنة ٧٥٢ هـ، وبالتالي يندفع قول ابن حجر وأتباعه: (إن العراقي لم يطلب الحديث على وجهه إلَّا في سنة ٧٥٢ هـ).\nأما تأثيره في العراقي، فيرجع إلى أنه يمثل نقطة هامة في تكوين شخصيته الحديثية، وهي نقطة تخرجه في علوم السنة، على يد أحد علمائها، فابن حجر كما قدمنا يقرر: أن العراقي مع شغفه بالسنة واشتغاله المبكر بها، إلا أنه لم يكن له من يخرجه على طريقة أهل الإسناد، وأنه لم يحصل من ابن التركماني إلا بعض سماع، قبل الطلب بنفسه الذي يعتبر هو وأتباعه بدايته الحقيقية سنة ٧٥٢ هـ (^١).\n_________\n(^١) (المجمع المؤسس) ص ١٧٦ و«الأعلام»، جـ ٤/ ١٢٩ أ و(طبقات الشافعية) =","vol":"1","page":321},{"text":"بينما يقرر غيرهم، أنه بدأ الطلب بنفسه على الوجه الصحيح سنة ٧٤٢ هـ، وأنه سمع على ابن التركماني (صحيح البخاري)، وأخذ عنه علم الحديث، وانتفع به، وتخرج على يديه (^١)، وهذا يؤيده ما سبق عرضنا له من وقائع وظواهر نشاط العراقي الحديثي خلال تلك الفترة، وبذلك يكون هو الراجح في تقديري.\nوالعبارة المذكورة عن تلمذة العراقي لابن التركماني، تعطي أبعادًا أربعة لتأثيره في العراقي، وترد أيضًا على دعوى الحافظ ابن حجر وأتباعه\nفأولها: أن هذا السماع للبخاري كان سماع بحث ودراسة، بدليل أن العراقي كما بينا، كان يسمعه في نفس الوقت على المسند ابن شاهد الجيش، لتحصيل روايته بسند عال، وبذلك يكون مراعيًا لقواعد الطلب، بعكس ما يدعي الحافظ ابن حجر، كما يكون ابن التركماني قد أفاده دراسة صحيح البخاري متنا وسندا.\nوثانيها: أنه أخذ عنه علم الحديث، وإذا أطلق علم الحديث هكذا، فإنه يراد به كما بينا في الباب الأول: «علم المصطلح» أو «أصول الحديث» (^٢)، ومعنى ذلك أن العراقي دَرَسَ هذا العلم بفنونه المتعددة على الحافظ ابن التركماني، وهذا لا يقتضي طلبه للسنة على الوجه المطلوب فحسب؛ بل\n_________\n= ١١٠ ب كلاهما لابن قاضي شهبة و«بهجة الناظرين» للغزي/ ١٢٩.\n(^١) (لحظ الألحاظ) لابن فهد/ ٢٢٢ و«الضوء اللامع» جـ ٤/ ١٧٢ و٥ «مجموع ابن خطيب الناصرية» (ترجمة العراقي) و(المنهل الصافي) ج ٢/ ٣١٢ ب.\n(^٢) انظر أيضًا (فتح المغيث) للعراقي جـ ١/¬٧ و٥ «فتح الباقي لشرح ألفية العراقي» للشيخ زكريا الأنصاري/ ٣ أ (مخطوط بدار الكتب المصرية).","vol":"1","page":322},{"text":"يقتضي تعمقه في ذلك وتوسعه، وخاصة إذا لاحظنا بقيَّة أنشطته في نفس الفترة كما سبق بيانها، ويقتضي أيضًا كثرة تردد العراقي على دروس أستاذه، حتى استوفى مباحث هذا العلم وقواعده، وقد كان لابن التركماني عناية خاصة بمباحثه وفنونه، حتى ألف فيه كما أشرنا كتاب «المنتخب»، واختصر فيه مقدمة ابن الصلاح، وقد تحدث العراقي عن هذا الكتاب بما يدل على استيعابه له، واستفادته منه فقال: «واختصر علوم الحديث لابن الصلاح اختصارًا حسنًا مستوفي».\nوقال ابن حجر: سمعت شيخنا العراقي يقول: «إنه - أي ابن التركماني في مختصره - أوفى بمقصوده، ولا نعلم أحدًا ساواه في ذلك».\nلكن هذا لم يمنعه من نقده في بعض أوهامه فيه كما سنبينه في مؤلفات العراقي (^١).\nوكلامه السابق يفيد أنه تلقى الفن عن القمة في عصره.\nوثالثها: أنه انتفع به، وهذا يقتضي مواظبته على دروس ابن التركماني الحديثية، وكثرة إفادته له في بقية علوم السنة التي بينا تأليفه فيها، كالرجال والتخريج.\nورابعها: أنه تخرج به، وبذلك ثبت له على يديه تلك النقطة الهامة التي ينفيها ابن حجر تمامًا.\nوتَخَرُّجُ الشخص بالعالم، يقتضي طول ملازمته لمجالسه في الرواية والدراية، وإبدائه أمامه من تحصيل المرويات والبحوث والفوائد الحديثية، ما يجعله يقتنع.\n_________\n(^١) «التقييد والإيضاح»، للعراقي/ ٤١٨.","vol":"1","page":323},{"text":"بكثرة مروياته الجيدة، وبصواب رأيه، وحسن فهمه المسائل العلم وفنونه، حتى يشهد له - كتابيًا - بأنه أصبح واحدًا من أهل الحديث، صالحًا للرواية والاستقلال بالبحث في السند والمتن وإفادة الغير، وعليه يكون شأن العراقي مع أستاذه ابن التركماني، قد جرى على هذا النحو، حتى شهد بتخرجه في علوم السنة.\nوهذا من أظهر الآثار التي يدين بها الطالب لأستاذه، ويظل إسم مخرجه مقترنا باسمه وتظل منزلته العلمية متأثرة بمكانة مخرجه، باعتباره أول من أعطاه إشارة البدء، وأدخله في عداد أهل الفن، وقرر له الصفة الرسمية لممارسته، وهكذا يُعد الحافظ ابن التركماني بالنسبة للعراقي، خاصة في مواجهة من أنكر وجود مُخرّج له كلية، وقد كان هذا الرجل من أعيان عصره ومصره، وبشهادته للعراقي صار مُحدثًا مُتخرّجا، وليس مجرد طالب، وذلك قبل سنوات من التاريخ الذي حدده ابن حجر البداية طلبه فقط على الوجه المطلوب.\nوقد ظهر تأثر العراقي أيضًا بمؤلفات مُخرّجه الحديثية غير كتابه السابق ذكره، فقرر أن من مؤلفاته المفيدة: تخريج «أحاديث الهداية» و«الدر النقي في الرد على البيهقي» السابق بيان قيمته العلمية، وقد نقل العراقي منه - مستدلا - في غير موضع من مؤلفاته (^١).\nكما أنه ترجم لشيخه هذا، في ذيله على العبر للذهبي، ترجمة أبدى فيها تقديره، وصرح بأستاذيته له، فقال: «شيخنا الإمام، العلامة، الحافظ،\n_________\n(^١) (فتح المغيث) للعراقي جـ ١/ ١٠٣ وهـ تكملة شرح الترمذي ١/ ١٨٧.","vol":"1","page":324},{"text":"قاضي القضاة علاء الدين … الخ» (^١)\n\n<span data-type='title' id=toc-89>ثالثا: (الحافظ ابن جماعة):</span>\nهو موجه العراقي للاختصاص بالسنة، وملقبه بالمحدث والحافظ (^٢)، وهو الإمام الحافظ قاضي القضاة، عز الدين عبد العزيز بن محمد بن سعد الله بن جماعة، ولد بدمشق في ١٩ من المحرم سنة ٦٩٤ هـ، ونشأ نشأة حديثية نموذجية، بعناية والده المحدث، وقاضي القضاة أيضا، فقد أحضره في طفولته بدمشق كالمعتاد، على ذوي الإسناد العالي فيها، كأبي حفص عمر بن القواس وغيره.\nثم انتقل به إلى مصر، فأسمعه من عيون محدثيها: كالحافظ عبد المؤمن الدمياطي وغيره، ثم بدأ هو يطلب بنفسه وهو في السادسة عشرة من عمره تقريبا، أي في أقل من سن العراقي حين طلب بنفسه، بعام واحد، وقد أكثر السماع والقراءة والرحلة داخل مصر وخارجها، واستجاز الشيوخ، حتى بلغ شيوخه بالسماع والإجازة أزيد من (١٣٠٠) شيخ، وتبادل السماع مع\n_________\n(^١) ولحظ الألحاظ» / ١٢٦.\n(^٢) اعتمدت في التعريف به وبيان أثره في العراقي على نقول وروايات العراقي في مؤلفاته عنه وعلى هـ «ذيل ولي الدين بن العراقي» وفيات سنة ٧٦٧ هـ وهـ «ذيل تذكرة الحفاظ» للحسيني/ ٤١، ٤٢ للسيوطي/ ٣٦٣ وو«طبقات الشافعية» للأسنوي/ ٦١ (مخطوط) و«الدرر الكامنة» جـ ٢/ ٤٨٩ - ٤٩١، وأنبه هنا إلى أن للعراقي شيئًا آخر يعرف بابن جماعة وهو برهان الدين إبراهيم بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة المتوفى سنة ٧٦٤ هـ وهو ابن أخي والد عز الدين الذي نُعرّف به، انظر (ذيل وفيات الأعيان) للعراقي ورقة ١٠ أ و(ذيل ولي الدين، وفيات سنة ٧٦٤ هـ و(المجمع المؤسس) ص ١٨٥","vol":"1","page":325},{"text":"الذهبي، فسمع كل منهما من الآخر، وقال ولي الدين ابن العراقي: وتفرد فيما أعلم بإجازته من البوصيري صاحب البردة من القاهرة، وبالإجازة من بغداد، وبالإجازة من المغرب من العلامة أبو جعفر بن الزبير، فكان آخر من حدث عنه بالديار المصرية، ثم إنه تلقى الفقه والأصول والعربية بمصر على شيوخها.\nوقد تولى منصب قاضي قضاة الشافعية بمصر في جمادى الآخرة سنة ٧٣٨ هـ، وهو أنموذج للعلماء الذين كانت تسعى إليهم المناصب، وتعظمهم الملوك والدول، لعفتهم ونزاهتهم، ولهذا تعدد استعفاؤه من المنصب، ثم عودته برجاء الحكام له، وآخر مرة استعفي فيها سنة ٧٦٦ هـ، وغادر مصر للحج، فتوفي ودفن بمكة المكرمة في ١١ جمادى الآخرة سنة ٧٦٧ هـ، ويهمنا من نشاطه العلمي الكبير: أنه اشتغل بتدريس الفقه والحديث بدار الحديث الكاملية بالقاهرة، وبغيرها من المدارس والمساجد، وذلك ابتداء من سنة ٧١٤ هـ إلى سفره للحج سنة ٧٦٦ هـ كما أشرت، وهذا مما يؤكد القول بالتقائه بالعراقي وتوجيهه للسنة سنة ٧٤٢ هـ لا سنة ٧٥٢ هـ كما يرى ابن حجر ومن تبعه، خاصة وأن نشاط ابن جماعة كان مركزًا في علم الحديث، حتى عُد مُحدث الديار المصرية في وقته، وعند توليه منصب قاضي القضاة كان يُلقي أعباء المنصب على نائبه، ويقبل هو على الاشتغال بالحديث والعبادة والمجاورة بالحرمين.\nومن مؤلفاته في السنة (تخريج أحاديث شرح الرافعي الكبير) في الفقه الشافعي، وتركه مسودة لم يبيضه، كما ألف كتابًا فيما يروي من الشعر بسنده، على حروف أسماء الشعراء، ويقع في مجلدات، وهو أنموذج لتأثير:","vol":"1","page":326},{"text":"منهج المحدثين في العلوم الأخرى كما أشرنا من قبل، وله مؤلفات أخرى.\nوتأثيره في العراقي يرجع إلى أنه أول من وجهه للتخصص بالسنة، ورشحه لذلك ترشيحا تربويا، ويدعي التربيون الآن أنه ابتكار أوربي، حيث بين له تناسب مواهبه واستعداده الطبيعي لدراسة السنة، فشجعه ذلك على الإقبال على التحصيل بهمة وشغف، حتى صار حافظ عصره في حياة شيخه ابن جماعة وغيره، وصار ابن جماعة يمثل في حياة العراقي وشخصيته العلمية نقطة التحول، وعامل الانطلاق نحو السنة، وحمل لوائها، ولولا أن الله قيضه له لظل مشتغلا بعلم القراءات ولم يتحوّل عنه إلى علم السنة، فكان له حقا فضل المشورة والترشيح والتوجيه.\nثم امتد تأثيره إلى الإسهام الفعلي في التنفيذ، حيث بين للعراقي المنهج الصحيح للطلب كما تقدم، ثم مارس الرواية له، وتدريس علوم السنة، وظل يتابع نشاطه ويعني به، منذ أن وضع قدمه على الطريق الصحيح لتحصيل الرواية والدراية.\nفقد تلقى عنه العراقي كثيرًا من مروياته، خاصة وأنه لما لاحظ أن شيخه يتمتع بكثرة المرويات والشيوخ كما أشرنا، خرج له معجما بمروياته عنهم بالسماع والإجازة، كما سنذكره في مؤلفاته، وقد كتب منه (٩) أجزاء حديثية، وحدث ابن جماعة فعلا بثلاثة أجزاء منها، ومقتضى ذلك أن يكون العراقي قد اتصل سنده بمحتوى تلك المشيخة من المرويات، سواء بالسماع لما حدث به منها، أو بالإجازة للباقي، كما يُستفاد من بعض مروياته عن ابن جماعة في مؤلفاته الحديثية (^١).\n_________\n(^١) «محجة القرب» للعراقي/ ٢٤ ب نسخة المؤلف وص ٦، ٤٦، ٥٨، ٧٩، ٨٠ (من نسخة المغرب)","vol":"1","page":327},{"text":"وتلقى عنه أيضا ما هو من عواليه أو ما تفرد به عن سواه، فقد روى عنه في كتابه «الأربعين حديثا العشارية الإسناد»، بقراءته عليه بدار الحديث الكاملية بالقاهرة وغيرها (^١)، وقد قدمنا أن تلك العشاريات كانت أعلا ما يُروى بالسند الصحيح المتصل في عصره، وروى عنه أيضا بعض ما علا سنده به من طريقه، عن سنده من طريق غيره من شيوخه (^٢)، وروى عنه من فوائد الخلعي المتوفى سنة ٤٩٢ هـ، وهو أعلا أهل مصر سندًا في عصره (^٣) وروى عنه مما تفرد به «مسند البزار» بإجازة ابن جماعة من أبي جعفر بن الزبير ببلاد المغرب (^٤)، وكان ابن جماعة كما سبق، آخر من حدث عن أبي جعفر هذا بالديار المصرية.\nونقل عنه في بعض مؤلفاته أيضًا شيئًا من فوائده العلمية له (^٥).\nونظرا لتأخر وفاة ابن جماعة عن عامة شيوخ العراقي الذين تلقى عنهم قبل رحلته العلمية الأولى خارج مصر سنة ٧٥٤ هـ، فإن تلمذته له قد استمرت إلى أن تزوج وأنجب ولده ولي الدين أحمد، فأحضره عليه منذ ولادته آخر سنة ٧٦٢ هـ، فصار له حضور وسماع عليه، كما أشار أحمد بنفسه لذلك حيث قال: «حضرت عليه كثيرا بقراءة والدي وغيره، وبعضه سماع»، وهذه العبارة توضح لنا أثر ابن جماعة في هذه المرحلة الأخيرة من حياته في تلميذه العراقي، فهي تفيد كثرة قراءة العراقي وبحثه لكتب السنة عليه.\n_________\n(^١) «الأربعين حديثا العشارية»، ٦ ب، ١٧ ب.\n(^٢) «محجة القرب» ٦ ب، ٧ أ.\n(^٣) «محجة القرب» ٤٦ أ، ١١٨ ب و«الرسالة المستطرفة» / ٦٨.\n(^٤) «محجة القرب» ٢٩ أ، ب، ١٣٢ ب و١٣٣ أ.\n(^٥) «التقييد والإيضاح» / ٤٤٣.","vol":"1","page":328},{"text":"وتقسيم ولي الدين مقروءات والده إلى حضور وسماع بالنسبة له، يفيد امتداد تلك القراءة خلال السنوات الثلاث من سنة ٧٦٣ هـ عقب ولادة أحمد إلى سنة ٧٦٦ هـ حيث غادر ابن جماعة مصر للمرة الأخيرة كما ذكرنا، مع استثناء فترة رحلة العراقي سنة ٧٦٥ هـ كما سيأتي، ويستفاد من عبارة ولي الدين ابن العراقي أيضًا، حرص والده على الاستفادة من الحافظ ابن جماعة إلى أقصى حد، وتركيز ذلك في آخر حياة الرجل، حيث نضجت ثقافته الحديثية، وعلا إسناده، حتى تفرّد عن عامة المصريين ببعض مروياته التي تلقاها عنه العراقي كما مر، بل إنه روى عنه بعض ما قرأ عليه بمكة (^١)، حيث كان كل منهما كثير الحج والمجاورة بالحرمين، وهذا مما يدل على حرص العراقي على التلقي عنه أينما كان.\nولم يلق ابن جماعة ربه حتى شهد صدق نظرته في تلميذه العراقي قد تحققت، وثمرة توجيهه قد أينعت، حيث أثبت بين يديه كفاءته الفعلية للعلم الذي أحبه ورشحه له أستاذه، وأظهر في التحصيل والإنتاج تفوقه على أقرانه ومعاصريه، فكان ابن جماعة في مقدمة من قرت عينه بذلك، فرفعه من درجة المحدث التي استحقها بتخرجه على ابن التركماني، إلى درجة الحافظ، حيث وصفه بالتحقيق والحفظ (^٢)، والأخير وصف اصطلاحي إذا وصف به أحد الحفاظ المعتمدين تلميذا له صار شهادة منه ببلوغه درجة الحافظ (^٣).\nعلى أن ابن جماعة لم يقتصر على ذلك، بل قال عن العراقي في صراحة:\n_________\n(^١) المجلس ٨٦ من (أمالي العراقي الحديثية) / ٧٧ (ضمن مجموعة مخطوطة).\n(^٢) (المنهل الصافي) ج ٢ ص ٣١٢ ب.\n(^٣) انظر: «ذيل ولي الدين بن العراقي» وفيات سنة ٧٧٤ هـ (ترجمة ابن رافع).","vol":"1","page":329},{"text":"«كل من يدعي الحديث بالديار المصرية سواه فهو مدع ومدفوع» (^١).\nومهما كان في هذه القضية الكلية من مبالغة، فإن قائلها لم ينفرد بها كما سيأتي بعد، بالإضافة إلى أنه كان أقرب إلى العراقي، وأخبر به منا، وقد قال ذلك عن دراية شاملة بمواهب العراقي، وبكفاءته العلمية التي لمسها من تلمذته الطويلة له، ومن تعامله العلمي معه، حيث يذكر ابن فهد: «أن ابن جماعة كان يراجع العراقي فيما يهمه ويشكل عليه من مسائل الحديث، وأن مصنفه في تخريج أحاديث الرافعي مشحون في حواشيه بخطه: يسأل من الشيخ عبد الرحيم عنه».\nوبموجب تلك الشهادة من ابن جماعة أصبح العراقي كما قدمنا معترفا له بلقبي «مُحدِّث مصر» و«الحافظ» ومع هذا فقد ظل العراقي تلميذا وفيا لأستاذه وموجهه الأول، فهو يلقبه عند الرواية عنه بالإمام، وبالحافظ (^٢)، تقديرا لمكانته في الفقه والحديث، كما أنه حفظ له أسانيده بمروياته الكثيرة، وساعد على نشرها في معجم شيوخه الذي ألفه له، وحدث ببعضه كما ذكرنا.\nوقد توطدت علاقة العراقي بابن جماعة حتى انعكست آثارها على ولي الدين ابن العراقي، حيث يقول عن ابن جماعة: «وكان كثير الاعتناء بي والإحسان إلي، وإظهار المحبة».\nوقد كان ولي الدين إذ ذاك طفلا في الثالثة من عمره، فكانت معاملة الشيخ له على هذا النحو موجهة لوالده في صورته.\n_________\n(^١) «لحظ الألحاظ» / ٢٢٧ و«الضوء اللامع» جـ ٤/ ١٧٣ و«البدر الطالع» جـ ١/ ٣٥٤.\n(^٢) و«الأربعين العشارية» ٦ ب و«محجة القرب» ٦ ب، ٧ أ، ٢٩ أ، ب، ٤٦ أ، ١١٨ ب وغيرها.","vol":"1","page":330},{"text":"<span data-type='title' id=toc-90>رابعا: «الميدومي»:</span>\nهو أعلا شيوخ العراقي المصريين إسنادا (^١)، وهو مسند الديار المصرية، المعمر الرحلة، صدر الدين، أبو الفتح، محمد بن محمد بن إبراهيم البكري الميدومي (^٢) المصري، ولد في ١٤ شعبان سنة ٦٦٤ هـ، وقد حرص العراقي دون غيره ممن ترجم للميدومي، على إثبات نقطة يشترك معه فيها، وهي افتقاده المرحلة الإحضار في طفولته قبل التمييز، إلى مجالس الحديث، وإثبات اسمه في طبقات السماع، تحصيلا لعلو السند كما قدمنا، فقال: «ولم نجد له حضورا»، ثم تناول افتقاده لهذه المرحلة بالتحليل فقال: «ولم يحضره والده مجالس السماع، إلا بعد استكمال الخامسة - التي هي سن السماع عند الجمهور - فلم يوجد له حضور أصلا، وكان والده من أهل هذا الشأن، وولي مشيخة دار الحديث الكاملية».\n«وكأن العراقي في هذا يُعَزِّي نفسه، ويعتذر عما كان من تقصير والده هو، بعدم إثبات حضور له أصلا كما قدمنا، فإذا كان والد الميدومي شيخ المحدثين في دار الحديث، ومع ذلك فوت على ولده مرحلة الإحضار، فإن تفويت والده هو عليه ذلك يهون، نظرًا لأن اهتمامه الأساسي كان بالتعبد، ومعرفته بالحديث لا تذكر بجانب المتخصص».\n_________\n(^١) اعتمدت في التعريف به وبيان أثره في العراقي على مؤلفات العراقي التي روى فيها عنه و(منتقى ابن خطيب الناصرية من ذيل العراقي على العبر) (وفيات سنة ٧٥٤ هـ) و(طرح التشريب في شرح التقريب) للعراقي وولده جـ ١/ ١٠٧، ١٠٨ و(الأعلام)، لابن قاضي شهبة ج ١/ ١٣١ ب و(الدرر الكامنة) جـ ٤/ ٢٧٤.\n(^٢) نسبة إلى (ميدوم) من أعمال محافظة بني سويف، بصعيد مصر.","vol":"1","page":331},{"text":"وبعد هذا التحليل، يعود العراقي فيتفق مع غيره على أن والد الميدومي ركز عنايته به بعد مرحلة الإحضار هذه، فبكر بإسماعه في أول سن يصح فيه السماع عند الجمهور وهو تمام الخامسة، فأسمعه بنفسه، كما أسمعه واستجاز له من أعلا أهل عصره إسنادا بمصر والشام، فمن سمع منه بمصر (النجيب الحراني، وابن علاق) وممن أجازه من الشاميين: ابن عبد الدايم والكرماني، وهؤلاء الأربعة كانوا مقياس علو السند في عصره، وبذلك عوض مرحلة الإحضار، حتى وصفه تلميذه الحافظ أبو المحاسن محمد بن علي الحسيني بأنه: كان مسند الدنيا في عصره، ثم أشار إلى أنه أصدر هذا الحكم بناء على: فحص أسانيده عمليا، فقال: (خرجت له جزءا من عواليه، حدث به غير مرة، وقد مكنه من ذلك - بالإضافة لسماعه المبكر واستجازته - طول عمره حتى جاوز التسعين سنة).\nوقد حدث الميدومي كثيرًا بالقاهرة ومصر، وبالقدس في زيارته لها بعد سنة ٧٥٠ هـ وأتاح بذلك فرصة السماع منه بالسند العالي الموثق للكثيرين، ومنهم بعض شيوخ العراقي: كالعلائي وابن رافع، ثم عاد لمصر وتوفي بها في ٢٥ رمضان سنة ٧٤٥ هـ.\nوتأثيره في العراقي يرجع إلى جانب الرواية وعلو السند فحسب؛ لأنه كان مسندا فقط، والمسند كما قدمنا، مهمته أداء المرويات مضبوطة بسندها كما: تحملها، وميزته هي علو الإسناد كما بينا، مع الثقة والضبط كما شهد له العراقي وغيره بذلك، وقد توفر للعراقي بمروياته عنه كما سنفصلها، كثير مما: يشترط لطالب السنة روايته حتى يستحق لقب (الحافظ)، وعوض عن طريقه كثيرا مما فاته من علو الإسناد، حيث قال ابن حجر: إنه أعلا شيخ عند شيخنا:","vol":"1","page":332},{"text":"العراقي من المصريين، ويدل على ذلك مشاركة البارزين من شيوخه في السماع منه، سواء الشاميين كالعلائي وابن رافع كما ذكرنا، أو المصريين كابن جماعة، وقد كان العراقي يدرك هذا، حيث ذكر هؤلاء ضمن تلاميذ الميدومي، كما ذكر أنه تفرد في وقته بالسماع من النجيب وابن علاق، وكان آخر من حدث عنهما بالسماع على وجه الأرض.\nولهذا أكثر العراقي الرواية عنه، حتى بعد تخرجه على يد ابن التركماني كما سيظهر لنا من تاريخ بعض قراءاته عليه، وذلك لأن التخرج مرحلة صلاحية للإشتغال بالسنة كما أوضحنا، وبعد ذلك يستمر الشخص في الأخذ والعطاء، حتى تتكامل شخصيته الحديثية وينضج، ويمكننا تقسيم مرويات العراقي عن الميدومي إلى قسمين: أحدهما تفصيلي والثاني إجمالي.\nفالتفصيلي: عبارة عما قرأه عليه أو سمعه منه أو عليه أو أجازه به من مصادر السنة، كالكتب والأجزاء والأمالي الحديثية والمنتخبات.\nوقد ذكر العراقي مما قرأه عليه بنفسه على سبيل المثال لا الحصر (١٣) كتابًا للمتقدمين والمتأخرين حتى عصره، وبعضها من الأمهات، كسنن أبي داؤد، وبعضها نادر كـ «الثبات عند الممات لابن الجوزي»، وبعضها أجزاء حديثية لبعض الحفاظ أو المسندين، كجزء شيخ الحفاظ المعروف بالنبيل المتوفى سنة ٢١٢ هـ (^١)، وكجزء أبي بكر أحمد بن نصر الله الدارع، وهو من العوالي التي انفرد بها الميدومي، وقد قرأه عليه العراقي في سنة ٧٥٢ هـ (^٢)، وبعضها\n_________\n(^١) «الرسالة المستطرفة»، للكتاني ٦٤، ٦٥.\n(^٢) «المجمع المؤسس» لابن حجر/ ٧٧، ١٨٩.","vol":"1","page":333},{"text":"«أمال» لمشاهير المحدثين، كالأمالي العشرين لأبي الحسن ابن شمعون (^١)، وبعضها مجموعة أحاديث من عوالي المسندين، مثل ثمانيات النجيب الحراني في (٤) أجزاء حديثية (^٢)، وبعضها منتقى من مؤلفات ضخمة، كالمنتقى من الحلية لأبي نعيم (^٣)، بل منها ما قرأه العراقي عليه أكثر من مرة (^٤).\nوقراءة العراقي بنفسه على الميدومي لهذه المصادر التي مثل بها فقط، ولما أشار له بقوله: «وغيرها»، دليل على عظم استفادته المباشرة من الشيخ، كما أنها أنموذج واضح للجهد والنشاط اللذين بذلهما العراقي في طلب السنة، وتحصيل السند العالي الموثق، بمصادرها، من الأمهات والأجزاء وغيرها، كما تقضي قواعد الطلب وشروط الحفاظ، فمثلًا قراءته لسنن أبي داؤد كاملة على الميدومي بعد تقدم سماعه للصحيحين على غيره كما مر، يُعد تطبيقا لما شُرِطَ في التلقيب بالمحدّث والحافظ، من تلقى الكتب الستة ودراستها (^٥). ويعد تطبيقا أيضًا لقواعد الطلب التي تقضي بتلقي طالب الحديث بعد الصحيحين سنن أبي داؤد، لعنايته فيها بجمع الكثير من أحاديث الأحكام (^٦)، ما لم يوجد مقتض للعدول عن هذا الترتيب، كرواية ما يخشى فوته لو اتبع الترتيب (^٧).\n_________\n(^١) «المجمع المؤسس» ١٨٥.\n(^٢) «الرسالة المستطرفة» ٧٤.\n(^٣) «المجمع المؤسس» / ١٩٢.\n(^٤) «الأربعين العشارية» (حديث ١).\n(^٥) «تدريب الراوي»، للسيوطي/ ٨، ٩.\n(^٦) «فتح المغيث» للعراقي جـ ٣/ ٩٣ و«فتح المغيث» للسخاوي جـ ٢/ ٣٣٢.\n(^٧) المصدر السابق ص ٣٣٣.","vol":"1","page":334},{"text":"فلعل العراقي قدم غير هذه السنن بعد الصحيحين، خشية فواته بوفاة من قدمنا من شيوخه، ثم عاد للترتيب، فقرأ بنفسه تلك السنن على هذا المسند الفاذ في وقته، بالإضافة لغيرها من عواليه وما تفرد به كما أشرنا، خشية فواته أيضًا بموته، بل إنه سمعها أيضًا عليه بقراءة غيره (^١)، ثم بلغت همته أن أعاد قراءتها بنفسه، وسماعها أيضًا على مُسند آخر، هو أبو الحسن علي بن أحمد العرضي المتوفى سنة ٧٦٤ هـ (^٢).\nوسبق بياننا لأهمية تلقيه الكتاب الواحد أكثر من مرة عن أكثر من شيخ، ولكن كانت روايته المتعددة لهذه السنن قراءةً وسماعًا من طريق ابن طبرزد، الذي سمع بعضها على شيخه مفلح الدومي، وباقيها على شيخه إبراهيم الكيرخي، فَسُمِّيَ هذا سماعًا ملفقًا، وقد نظم العراقي بيانه في (٥) أبيات كما أشرنا في شعره العلمي، وذلك لسهولة ضبطه فقال:\nوقد وقع التلفيق لابن طبرزد … بحمل أبي داود فاضبطه بالشعر\nفعن مفلح ثان وتلواه، سابع … وتاسعه، والأربع التلو في الأثر\nوخامس عشر ثم تلو، ثالث … وعشرون مع حادي ثلاثين بالحصر\n_________\n(^١) هـ ذيل التقييد، للفاسي/ ٢١٩ أ.\n(^٢) (مجموع ابن خطيب الناصرية) (ترجمة العراقي) وهـ «ذيل التقييد» للفاسي/ ٢١٩ أ.","vol":"1","page":335},{"text":"وباقيه والثاني، فثاني عشرة … جميعا عن الكرخي، أعني أبا البدر\nثم بين نوع التجزئة التي توزع السماع على أساسها فقال:\nوتجزئة الأجزاء ليست خفية … وذاك بتجزئة الخطيب أبي بكر\nوقد جزأ الخطيب الكتاب ٣٢ جزءًا في روايته له عن ابن طبرزد، وتناقل العلماء من بعد العراقي هذه الأبيات للاستعانة بها في ضبط هذا السماع (^١).\nولم تقتصر استفادة الرواية التفصيلية من الميدومي والجهد المبذول من العراقي في تحصيلها على حد مقروءاته العديدة كما أوضحنا، بل سمع أيضًا بعض كتب السنة الأخرى، والشروح الكبيرة من لفظه (^٢)، وسمع بعضا آخر بقراءة غيره على الشيخ (^٣)، وبعضا ثالث أجازه بروايته عنه (^٤)، وكل ذلك مما أسهم في تكوين شخصية العراقي الحديثية، وفي مضاعفة حصيلته من الرواية، كما يدل على عمق استفادته من الميدومي.\nأما القسم الإجمالي: فهو عبارة عن تلقيه بعض المشيخات عن الميدومي. والمشيخة - كما سيأتي بيانها في مؤلفات العراقي - عبارة عن كتاب يجمع\n_________\n(^١) هـ «مجموع ابن خطيب الناصرية» (ترجمة العراقي) و«المعجم المفهرس» لابن حجر/ ٤ أ، وهـ «الفهرست الأوسط» لابن طولون الحنفي/ ٢٠٠ ب.\n(^٢) انظر (أمالي العراقي) / ٢ و(محجة القرب) / ٢٣٣ أو (قرة العين) / ٢٠، وهـ «فتوى: عاشوراء» / ٣٨، ٣٩، ٠٣\n(^٣) «المجمع المؤسس» ١/ ١٨٤\n(^٤) «محجة القرب» ٢/¬٥ ب.","vol":"1","page":336},{"text":"أسماء شيوخ الشخص، وأسماء وأنواع مروياته عنهم بأسانيدهم. فإذا تلقاها الطالب عن شيخه اتصل سنده بما ذكر فيها من المرويات إجمالا، دون أن يقرأ أو يسمع نفس الكتب المذكورة أسماءها في المشيخة، وبذلك يتاح له اتصال السند بمئات الكتب والأجزاء الحديثية جملة، وهذه ميزة تلقي المشيخات، بينما لو أراد الطالب تلقي نفس الكتب بالقراءة أو السماع لفني عمره، وعمر شيخه، دون استيعاب ما تحويه مشيخة واحدة، وقد تلقى العراقي عن الميدومي عدة مشيخات، في مقدمتها مشيخة الميدومي نفسه، تخريج الحسيني (^١)، ومشيخة ابن كليب، صرح العراقي بقراءتها على الميدومي بنفسه، ومشيخة النجيب الحراني الكبرى، تخريج الحافظ ابن الظاهري، صرح العراقي أيضًا بقراءتها بنفسه عليه، وذكر غيره أنه سمعها أيضًا (^٢)، ولعل هذا النشاط المكثف في تحصيل المرويات على الميدومي فضلا عن غيره، هو الذي جعل الحافظ ابن حجر يستقل نشاط العراقي فيما قبل سنة ٧٥٢ هـ، كما قدمنا.\nويتضح أثر كثرة مرويات العراقي عن الميدومي من شيوعها في عامة مؤلفاته، بحيث نجد فيها كثيرًا مما رواه عن الميدومي، سواء بالقراءة عليه، أو السماع منه مشافهة، أو السماع عليه بقراءة غيره، أو إجازته منه، ومن أكثر مؤلفاته التي اشتملت على ذلك ما ضمنه مروياته العالية، نظرًا لعلو سند الميدومي، وذلك مثل الأربعين حديثا العشارية الإسناد، وقد افتتحها بأول حديث سمعه من الميدومي مسلسلا بالأولية (^٣)، ومثل (أماليه الحديثية)، وكتاب (محجة\n_________\n(^١) (المعجم المفهرس) لابن حجر/ ٩٠ أ.\n(^٢) هـ «ذيل التقييد» للفاسي/ ٢١٩ ب.\n(^٣) و«الأربعين العشارية» ورقة ٢ أ - ب.","vol":"1","page":337},{"text":"القُرب)، و(قرة العين)، وقد مرت الإحالة بالهامش على بعض مواضع منها.\nوقد عرف العراقي لشيخه الميدومي قدره، فخرج له (٤٠) حديثا من مروياته العالية، تساعية الإسناد (^١)، لكي يسهل عليه التحديث بها، ولما توفي حضر جنازته، وصلى عليه وودعه لمثواه الأخير، ثم ترجمه في مؤلفاته في الرجال كـ «ذيل العبر» للذهبي (^٢)، ورجال كتاب «تقريب الأسانيد» (^٣)، وقال عنه: «شيخنا المسند، الرحلة، مسند الديار المصرية»، ثم وثقه فقال: «كان رجلا جيدا ثقة، صحيح السماع، صدوقا خيرا … وافر العقل متين الديانة، ولم يخلف في الشيوخ بعده مثله»، ومن هنا آثر العراقي التلقي عن الرجل كما وصفنا، إلى أواخر حياته، ولم يرحل إلى خارج مصر إلا قبل وفاة الميدومي بشهور، كما سنفصله في الفقرة التالية.\n_________\n(^١) «لحظ الألحاظ» / ٢٣٢، والضوء اللامع جـ ٤/ ١٧٣.\n(^٢) «المنتقى من ذيل العبر» (وفيات سنة ٧٥٤ هـ) (ضمن مجموع ابن خطيب الناصرية).\n(^٣) «طرح التثريب في شرح التقريب» للعراقي وولده ج ١/ ١٠٧، ١٠٨.","vol":"1","page":338},{"text":"<span data-type='title' id=toc-91>رحلات العراقي في سبيل السنة ونتائجها</span>\nقدمنا في كيفية طلب السنة في عصر العراقي أن تدوين علومها في مؤلفات متداولة لم يغن عن تلقيها من أفواه المسندين والحفاظ، وقراءتها وبحثها عليهم، وهكذا يقال بالنسبة للرحلة في سبيلها، فقد ظلت لها أهميتها عند حفاظ السنة، واعتبارها في تكوين شخصيتهم حتى عصر العراقي، وذلك لما يأتي (^١):\n١ - تحصيل مرويات السنة بسند عال أو أعلا من سند أهل بلد الشخص.\n٢ - تحصيل مرويات لا يوجد في بلد الشخص من له بها رواية متصلة السند، خاصة بالسماع.\n٣ - مباحثة حفاظ السنة ومذاكرتهم في فنون الدراية، المتعلقة بسند الحديث ومتنه، ومصطلح أهله.\n٤ - الرغبة في الثواب الجزيل الذي وعد الله به الراحلون في سبيل العلم، والتأسي بمن رحل في سبيل السنة، من الصحابة والتابعين وأئمة الحفاظ، ومن أجل تحقيق تلك المقاصد، رحل العراقي كثيرا، وبذل أقصى جهده لدرجة المخاطرة بحياته، فشكلت الرحلات ركنا أساسيا، لا تكتمل ولا تستبين جوانب شخصيته باعتباره حافظا للسنة على مستوى عصره، بدون وضعها في الاعتبار، وبيان نتائجها تأثرا وتأثيرا، وأول ما يطالع الباحث في رحلات العراقي كثرتها، حتى صعب على مؤرخيه إحصاؤها، وفي مقدمتهم تلاميذه.\n_________\n(^١) انظر «فتح المغيث» للعراقي جـ ٢/ ٦٦ أصل وهامش وجـ ٣/ ٨٦، ٨٧ و«المحدث الفاصل» للرامهرمزي/ ٢١٤ - ٢٢٨ و«الرحلة في طلب الحديث» للخطيب البغدادي ضمن مجموعة «رسائل في علوم الحديث» / ٤٢ - ٧٢ و«فتح المغيث» للسخاوي جـ ٢/ ٣١٤ - ٣١٧.","vol":"1","page":339},{"text":"وولده ولي الدين أحمد، الذي صاحبه في غالبها.\nفيذكر ابن حجر: أن شيخه العراقي أكثر الترحال إلى الشام والحجاز، ورحل إلى الإسكندرية (^١)، ونحو هذا ذكر البدر العيني (^٢)، وذكر ابن حجر أيضًا أن تولية العراقي قضاء المدينة المنورة كما سيأتي، كان سببه ما لاحظه المسئولون من كثرة مجاوراته بالحرمين (^٣) أي إقامته فترات متعددة، لتحصيل فضل العبادة في الحرمين بمكة والمدينة، وكذلك أشار ولي الدين بن العراقي إلى تعدد حجات والده ومجاوراته (^٤)، أما ابن فهد والسخاوي، فبعد أن ذكرا بعض رحلاته تفصيلًا، لجا للتقدير الإجمالي، بأنه منذ رحلته الأولى للشام سنة ٧٥٤ هـ، مكث مدة لا تخلو له سنة - غالبًا - من الرحلة، إما من أجل الحديث وإما من أجل الحج (^٥).\nوسيأتي بيان اشتمال رحلاته للحج والمجاورة على الاشتغال بالسنة، بجانب أداء الشعائر، وكذلك الأمر بالنسبة لتولي قضاء المدينة، ولذا عدت جميع رحلاته تلك رحلات حديثية، وتلك المدة التي أجملها ابن فهد والسخاوي وقررا أنها شهدت نشاطه الدائب في الرحلات، أستطيع من جانبي تحديدها بالفترة من ٧٥٤ هـ حيث قام بأول رحلة للشام، إلى سنة ٧٩١ هـ حيث عزل.\n_________\n(^١) «ذيل الدرر الكامنة» / ٧٠ و«إنباء الغمر»، جـ ٢/ ٢٧٦.\n(^٢) وعقد الجمان للعيني وفيات سنة ٨٠٦ هـ ترجمة العراقي (مخطوط مصور).\n(^٣) والمجمع المؤسس» / ١٧٨.\n(^٤) (ذيل ولي الدين) وفيات سنة ٧٨٣ هـ (ترجمة أم أحمد عائشة) وسنة ٧٨٤ هـ (ترجمة الحاجة أم عمر).\n(^٥) ولحظ الألحاظ» / ٢٢٥ و«الضوء اللامع»، جـ ٤/ ١٧٣.","vol":"1","page":340},{"text":"عن قضاء المدينة المنورة، فحج وعاد إلى القاهرة، وقضى بها بقية حياته كما سيأتي.\nويلاحظ أن تلك الفترة طويلة، بحيث تقارب نصف عمر العراقي، وقل في عصره من عُرف عنه ذلك، وهذا يؤكد لنا أهمية الرحلات في حياته العلمية، ويفسر لنا كثرة عددها فعلا، حتى تعذر إحصاؤها وتتبع تفاصيلها حتى على ولده الذي صاحبه في غالبها.\nولكن على ضوء ما حصلت عليه من معلومات مباشرة وغير مباشرة بشأن تلك الرحلات، وما ذكره العراقي نفسه من إشارات إليها، يمكنني تقسيمها إلى ثلاثة أقسام هي:\n١ - الرحلات الشامية.\n٢ - الرحلات المحلية داخل مصر.\n٣ - الرحلات الحجازية.\nوعلى ضوء هذا الترتيب سأتناولها بالتحليل والموازنة، ورصد النتائج بعون الله.\n\n<span data-type='title' id=toc-92>١ - الرحلات الشامية وأهم نتائجها</span>\n<span data-type='title' id=toc-93>أ - الرحلة الأولى:</span> لما كانت الشام في عامة عصر العراقي هي المركز الثاني بعد مصر لعلوم السنة ومعاهدها، فإن العراقي آثرها بكثير من رحلاته، وكانت أولاها في سنة ٧٥٤ هـ (^١). ونلاحظ قيامه بها بعد أن توفي غالب الطبقة الذين تخرج على أحدهم وهو\n_________\n(^١) (لحظ الألحاظ) / ٢٢٦ و(الضوء اللامع) (جـ ٤/ ١٧٣) و(غاية المقصد في زوائد المسند) للهيثمي/ ٤ ب (مخطوط بدار الكتب المصرية).","vol":"1","page":341},{"text":"الحافظ علاء الدين ابن التركماني، كما أنه استوفى حظه من أعلا شيوخه المصريين إسنادًا وهو الميدومي كما قدمنا.\nوبذلك أصبح عليه بمقتضى قواعد الطلب وشروط الحفاظ أن يرحل إلى أهم الجهات الأخرى التي تتوافر فيها الرواية والدراية، ليضيف إلى رصيده منها جديدًا، حيث لا يدرك سعة العلم من قنع بما عنده (^١)، فقام بتلك الرحلة، وقصد من الشام مركز الثقل العلمي فيها وهو دمشق، حيث كانت حينذاك كالقاهرة بالنسبة لمصر، فرحل من قمة إلى قمة، وكان ذلك على ما يظهر بعد منتصف شهر صفر من سنة ٧٥٤ هـ؛ لأن العراقي سمع من «الحافظ مغلطاي» بالقاهرة في ١٤ صفر من السنة المذكورة، ثم كان أول من سمع منه في رحلته بضاحية الصالحية ظاهر دمشق، هو محمد بن موسى الشقراوي، وقد أرّخ العراقي بنفسه وفاته في جمادى الآخرة سنة ٧٥٤ هـ (^٢) - كما أرخ وفاة شيخه الميدومي بمصر في ٢٥ رمضان من نفس السنة، وقال إنه حضر الصلاة على جنازته (^٣)، ومعنى ذلك أنه عاد لمصر من الرحلة قبل هذا التاريخ، وعليه تكون الرحلة استغرقت عدة شهور، ومع ذلك فإنها كانت أخصب رحلات العراقي للشام، لالتقائه فيها بأبرز المشتغلين بالسنة حينئذ، من حفاظ ومحدثين ومسندين، وتحصيله لنتائج لم يحصلها في غيرها.\nوكان في مقدمة من التقى بهم من الحفاظ، تقي الدين السبكي، نظرًا لمكانته حيث كان قاضي قضاة الشام، ولسابق تلمذة العراقي عليه بمصر في\n_________\n(^١) (فتح المغيث) للسخاوي/ ٢/ ٣١٤.\n(^٢) «الدرر الكامنة» جـ ٥/¬٣٧، ٣٨.\n(^٣) (المنتقى من ذيل العراقي على العبر) وفيات سنة ٧٥٤ هـ (ضمن مجموع ابن خطيب الناصرية).","vol":"1","page":342},{"text":"الفقه والحديث كما قدمنا، وقد كان السبكي بجانب رئاسة القضاء، يجلس للتحديث بناحية الكلاسة من دمشق، فقرأ عليه كبار حفاظها كالمزي والذهبي (^١).\nكما ولي مشيخة الحديث بعدة مدارس بدمشق وضواحيها (^٢)، وتناول في دروسه بها الحديث من مختلف جوانبه سندًا ومتنا (^٣)، وشهد له الشمس الحسيني بالتبريز في فقه الحديث وعلله. فوصل العراقي حبل التلمذة له من جديد واستفاد منه في الرواية والدراية، فالرواية تظهر فيما رواه العراقي عنه في مؤلفاته الحديثية بسماعه منه مشافهة بدمشق (^٤)، كما ذكر أيضًا بعض مروياته عنه بالإجازة (^٥).\nوأما الدراية وهي أهم ما يستفاد من الحفاظ، فتظهر من اتفاق المؤرخين على أنه أثناء تلمذة العراقي في هذه الرحلة للسبكي، ذكره السبكي في دروسه، معظمًا شأنه، ومنوها بذكره، ووصفه بالمعرفة والإتقان والفهم والمهارة في الفن (^٦). وتلك\n_________\n(^١) «طبقات الشافعية» لابن السبكي جـ ٦/ ١٥٦.\n(^٢) «شذرات الذهب» لابن العماد جـ ٦/ ١٨٠.\n(^٣) «طبقات الشافعية» لابن السبكي جـ ٦/ ١٥٧ وما بعدها و«الجواهر والدرر» / ١١ ب.\n(^٤) انظر «قرة العين» / ١٤، ٦٧ و«محجة القرب»، ٨ أ، ٩ أ، ١٥ أ و«الأمالي الحديثية» ص ١١ الجميع للعراقي (مخطوطات).\n(^٥) «التقييد والإيضاح» / ٣٩٠ و«محجة القرب» ١٦ ب كلاهما للعراقي.\n(^٦) «مجموع ابن خطيب الناصرية» (ترجمة العراقي) و«المجمع المؤسس» / ١٧٧ و«ذيل الدرر الكامنة» / ٧٢ و«الأعلام» جـ ٤/ ٢١٩ ب و«طبقات الشافعية» ١١١ أ و«بهجة الناظرين» / ١٣١ و«المنهل الصافي» جـ ٢/ ٣١٢ ب و«الضوء اللامع» جـ ٤/ ١٧٣ و«ذيول تذكرة الحفاظ» ٣٧٠ و«حسن المحاضرة» جـ ١/ ٣٦٠ و«فهرس الفهارس» جـ ٢/ ١٩٧.","vol":"1","page":343},{"text":"أوصاف يدل غالبها على مباحثة العراقي معه فيما يتعلق بفهم معاني الحديث وعلله ومصطلح أهله، وعلى إبدائه في ذلك ما يوافق الصفات المذكورة، وشهادة الإمام السبكي له بذلك، بعد تلمذته له بمصر والشام، لها قيمتها في ميزان الأستاذ والتلميذ، كما أسلفنا في التعريف بالسبكي، وبيان أثره في العراقي، ونضيف هنا فقط تآزر هذا مع ما سيأتي، في تسجيل الدرجة العلمية للعراقي في علوم السنة رواية ودراية، حين قام بتلك الرحلة الأولى خارج مصر.\nوقد التقى العراقي أيضًا في تلك الرحلة بالحافظ الكبير إسماعيل بن عمر المعروف بابن كثير المتوفى بدمشق في ١٥ شعبان سنة ٧٧٤ هـ (^١)، وما وصلنا من وقائع هذا اللقاء، يدل على أن رحلات العراقي منذ بدايتها كانت رحلات أخذ وعطاء، وكان العراقي خلالها عالمًا مفيدًا، بجانب كونه طالبًا مستزيدا، فإن غير واحد من مؤرخيه يذكرون أن السبكي حينما شهد للعراقي بما قدمنا، كان الحافظ ابن كثير موجودًا، فرد عليه بقوله: إنا استفدنا منه تخريج حديث ابن عباس ﵄ في الماء المشمس (^٢)، ولا تظهر قيمة تصريح ابن كثير باستفادته تخريج هذا الحديث من العراقي، إلا إذا عرفنا الآتي:\n١ - أن ابن كثير مشهود له بمعرفة متون الأحاديث وعزوها لمخرجيها.\n٢ - أن هذا الحديث أورده الرافعي بدون سند في شرحه الكبير للوجيز،\n_________\n(^١) (ذيل ولي الدين) وفيات سنة ٧٧٤ هـ.\n(^٢) (مجموع ابن خطيب الناصرية) (ترجمة العراقي) و(الضوء اللامع) جـ ٤/ ١٧٣ و(لحظ الألحاظ):/ ٢٢٣ وفيه (أنا استبعد منه) بدل (أنا استفدنا منه)، وهو خطأ؛ لقلبه للمعنى ومخالفته لبقية المصادر فليتنبه له.","vol":"1","page":344},{"text":"وكان هذا الشرح عمدة فقهاء الشافعية حينئذ، ومحل عناية محدثي مصر والشام بتخريج أحاديثه كما قدمنا.\nوقد أورد الرافعي الحديث في كتاب الطهارة عن عائشة وابن عباس، فخرج العلماء رواية عائشة من عدة مصادر بعدة طرق غالبها موضوع (^١).\nأما رواية ابن عباس فتعذر عليهم حينئذ أن يجدوا لها إسنادا (^٢)، وبذلك صار الوقوف عليها في أحد مصادر السنة مُسندةً، قضية علمية تشغل مدرسة الحديث بمصر والشام، وتهم كلا من نفاة الحديث كابن كثير، ومثبتيه من الشافعية وغيرهم.\nوقد سجل ذلك رفيق العراقي ابن الملقن، حيث ألف تخريجًا كبيرًا لكتاب الرافعي المذكور، وفرغ منه قبل رحلة العراقي هذه بسنين. وخرج فيه حديث\n_________\n(^١) منها ما رواه البيهقي في (سننه) من طريق خالد بن إسماعيل عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: «أسخنت ماء الرسول الله ﷺ ليغتسل به فقال: يا حميراء لا تفعلي فإنه يورث البرص»، قال البيهقي: هذا لا يصح، ثم بين علته، وخرجه من طرق أخرى، مبينا عللها أيضا (السنن الكبرى جـ ١/¬٦، ٧) ونص على ضعف جميعها في: معرفة السنن والآثار، جا/ ١٦٤ وأخرجه ابن الجوزي في ٨ «موضوعاته» من الطريق المتقدم، وطرق ثلاثة غيره، وحكم برده من الطرق الأربعة، وأقر بما يروى في معناه موقوفا على عمر ﵁ (الموضوعات لابن الجوزي الطهارة جـ ٢/ ٧٨ - ٨٠) وقد اعتبر العلماء الموقوف عن سيدنا عمر شاهدًا للمرفوع عن عائشة، خاصة وأن الدارقطني أخرج ذلك الموقوف من طريق حَسَّنها الحافظ المنذري وغيره وبذلك ردوا الحكم بوضع المرفوع عن عائشة لهذا الشاهد (انظر تنزيه الشريعة لابن عراق جـ ٢/ ٦٩) و(نصب الراية) للزيلعي جـ ١/ ١٠١ - ١٠٣ و٥ الجواهر والدرر وللسخاوي/ ٢٢٠ وه «الأحاديث الضعيفة والقوية» للألباني (مجلة الوعي الإسلامي) (عدد ذي القعدة سنة ١٣٩١ هـ.\n(^٢) مجموع ابن خطيب الناصرية) (ترجمة العراقي) و(الضوء اللامع) جـ ٤/ ١٧٣","vol":"1","page":345},{"text":"عائشة السابق كغيره من المخرجين، ثم أتبعه بقوله:\n«الحديث السادس»: عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «من اغتسل بالمشمس فأصابه وضح (^١) فلا يَلُومَنَّ إِلَّا نفسه» ثم عَقب عليه قائلا: «هذا الحديث غريب، ليس في السنن الأربعة قطعا، حاشا الصحيحين منه، وليس هو في (السنن الكبير) و(المعرفة) للبيهقي ولا في «سنن الدارقطني» و«عِلله»، ولا في المسانيد، فيما فحصت عنه عدة سنين فوق العشرة، وسؤالي لبعض الحفاظ بمصر والقدس ودمشق عنه، فلم يعرفوه» (^٢).\nومن هذا يتضح أن تخريج العراقي للحديث ببيان موضعه من بعض كتب السنة أيا كان نوعها، يعتبر إفادة علمية ادخرها الله للعراقي، حتى جعل أستاذه ابن كثير مع مكانته في السنة، يشيد بها، ويذيعها عنه في إجابته لشيخه الآخر تقي الدين السبكي، مصدقًا على ما شهد به أمامه للعراقي، من المعرفة والإتقان والمهارة في فن الحديث، فكان ذلك أبلغ جواب، لتضمنه الموافقة ودليلها، واجتمع به للعراقي الشهادة بما ذكر، من أبرز حفاظ دمشق حينئذ، الموافق والمخالف، وهذا غاية ما يطمح إليه طامح.\nوقول ابن كثير وهو من نفاة الحديث المذكور، وخبراء التخريج (إنا استفدنا منه تخريج حديث ابن عباس) الخ، يشير إلى أن السؤال توجه من جماعة غيره واستفادوا مثله الجواب، حيث كان الوقوف على تخريج الحديث كما بينا مطلبا عاما، وخاصة للمتوقفين فيه من المشتغلين بالتخريج، وقد أشار ولي الدين\n_________\n(^١) أي «برص» (انظر لسان العرب جـ ٣/ ٤٧٤).\n(^٢) والبدر المنير في تخريج أحاديث وآثار الشرح الكبير لابن الملقن جـ ١/ ١٤٠ (مخطوط مصور).","vol":"1","page":346},{"text":"ابن العراقي لذلك أيضًا فقال: «قال لهم والدي ﵀ «إنه أي الحديث، في مشيخة القاضي أبي بكر الأنصاري»» (^١)، ومما يسترعي النظر هنا أن تلك المشيخة التي دلهم العراقي على وجود الحديث بسنده فيها، كانت متداولة بمصر والشام حينذاك، ورواها العلماء في هذا العصر كاملة عن شيوخهم، مثلما رواها العراقي عن بعض شيوخه (^٢)، بل كان ممن سمعها على العز الحراني ورواها لتلاميذه: الحافظ المزي (^٣)، وابن كثير، ألصق تلاميذ المزي به، فقد لازمه، وتخرج على يديه، وقرأ عليه مؤلفه الضخم «تهذيب الكمال»، وصاهره على ابنته (^٤)، فكيف خفي عليه هذا الحديث مع كل هذا، مثلما خفي على غيره، حتى جاء العراقي إلى دمشق، فاستفاده منه؟ يبدو لي أن الجواب القاطع هنا عسير، لكن على ضوء ما تقدم من اعتراف ابن كثير نفسه باستفادة تخريج الحديث من العراقي، وتقرير ابن الملقن وغيره أن تخريجه كان متعذرًا على مستوى مصر والشام، يمكن القول إن تداول رواية تلك المشيخة عن المزي وغيره، كان يتم إما بطريق الإجمال الذي أشرنا له في مرويات العراقي عن الميدومي، وإما بقراءة أولها على الشيوخ، واستجازتهم\n_________\n(^١) و«مجموع ابن خطيب الناصرية» (ترجمة العراقي) وهذا القاضي، هو محمد بن عبد الباقي الأنصاري ويُعرف بقاضي المارستان، ولهذا يُطلق على تلك المشيخة أيضًا «مشيخة قاضي المرستان»، وهي عبارة عن كتاب في (٥) أجزاء حديثية، مجموعها نحو مجلد متوسط، وتشتمل على أسماء شيوخ الأنصاري ومروياته عنهم من كتب السنة والأحاديث المتفرقة، بأسانيدها كحديث ابن عباس هذا (انظر المعجم المفهرس لابن حجر/ ٨٥ ب).\n(^٢) «قرة العين» للعراقي/ ٨\n(^٣) «المعجم المفهرس» ٨٥ ب.\n(^٤) «الدرر الكامنة» جـ ١/ ٤٠٠ و٥ «ذيل ولي الدين ابن العراقي» وفيات سنة ٧٧٤ هـ.","vol":"1","page":347},{"text":"بباقيها، لتحصيل اتصال السند، كما كان معتادًا، والحديث المذكور موجود في آخرها، فلا يوقف عليه إلا بنشاط المحدّث في الاطلاع الشخصي، كما هو شأن العراقي، فلما دعت الحاجة إلى الاهتمام بهذا الحديث، لم يتنبه أحد من طالبيه لوجوده في تلك المشيخة؛ لأن المشيخات عمومًا يقل فيها إيراد الأحاديث المفردة، وبالتالي فهي ليست من المظان المعتادة للتخريج\nومع هذا فإن من الإنصاف أن نقرر أن العراقي كما لم ينفرد برواية المشيخة كلها، فإنه لم ينفرد أيضًا بالوقوف على الحديث فيها وتخريجه منها، بل شاركه في ذلك قرينه «سراج الدين بن الملقن» فإن في كتابه المتقدم في (تخريج أحاديث شرح الرافعي) بعد أن ذكر تعذر الوقوف على الحديث من جانبه عدة سنين ومن جانب غيره من حفاظ مصر والشام كما سبق، قال وفي مشيخة قاضي المرستان في أواخر الجزء الخامس منها، وقد أخبرني بها المسند أبو عبد الله محمد بن خالد الفارقي، أنا العز الحراني سماعًا و«النجيب» إجازة، أخبرنا ابن الحريف ضياء بن أبي القاسم سماعًا، أنا القاضي أبو بكر محمد بن عبد [الباقي] البزاز المعروف بقاضي المرستان … . وساق سنده بالحديث إلى الضحاك عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «من احتجم يوم الأربعاء أو السبت فأصابه داء فلا يلومن إلا نفسه، ومن اغتسل بالمشمس فأصابه وضح فلا يلومن إلا نفسه»، (الحديث بطوله)، ثم عقب عليه بأنه حديث واه، وبأن الضحاك لم يَلْقَ ابن عباس يعني أن سنده منقطع، كما ذكر أن في سنده عمر بن صالح، وهو كذاب اعترف بالوضع، وفيه أيضًا ابن المجد وهو صدوق، لكنه ناصبي منحرف عن الحق (^١)، وبذلك نرى أنه خرج الحديث بسنده من نفس\n_________\n(^١) هـ «البدر المنير» لابن الملقن جـ ١/¬٤٠ أ (مخطوط مصور).","vol":"1","page":348},{"text":"المصدر الذي خرجه منه العراقي، وبحث سنده وبين درجته، كما ذكر روايته للمشيخة المذكور فيها الحديث كلها، مثلما ذكر العراقي روايته لها كلها عن بعض شيوخه (^١)، وتخريج ابن الملقن الذي أثبت فيه ما تقدم، قد فرغ منه قبل رحلة العراقي هذه بسنين (^٢)؛ بل أن العراقي نفسه قرر أن ابن الملقن، وغيره حدثوه عن الفارقي (^٣) الذي روى عنه ابن الملقن هذه المشيخة، فلا يبعد أن يكون العراقي تلقى هذه المشيخة عن ابن الملقن، أو عن غيره ممن تلقاها عن الفارقي.\nلكن يظهر أن استفادة ابن كثير وغيره للحديث من العراقي في تلك الرحلة، كانت قبل اطلاعهم على تخريج ابن الملقن المذكور، وإلا لم يكونوا سألوه، وأحدث جوابه هذه الضجة، حتى صرح ابن كثير باسمهم، استفادته منه. وبذلك صار للعراقي فضل السبق في إخراج الحديث إلى دائرة الضوء أمام السائلين له بدمشق، ونُسب إليه إزالة توقف المغنيين منهم بتخريج الحديث في تلك الآونة، ثم شاركه بعد ذلك في إشهار الحديث بين الباحثين قرينه ابن الملقن، بتخريجه في كتابه كما مر.\nثم إن موقف العراقي مع شيخه ابن كثير، قد تعدى حل قضية هذا الحديث إلى غيره، حيث قال: (وسمع عليَّ شيخنا الحافظ عماد الدين حديثا من أمالي ابن سمعون، ولم أكمل يومئذ ثلاثين سنة، سنة ٧٥٤ هـ بدمشق)\n_________\n(^١) «قرة العين» ٥/¬٨.\n(^٢) والخلاصة، لابن الملقن ١٨٨ ب و٣٠٨ أضمن مجموعة مخطوطة بدار الكتب المصرية.\n(^٣) والدرر الكامنة، جـ ٤/ ٤٠٥","vol":"1","page":349},{"text":"وَعَقَّبَ على ذلك بقوله: «وهذا ونحوه، من رواية الأكابر عن الأصاغر» (^١)\nوأمالي ابن سمعون المذكورة، عبارة عن عشرين مجلسًا، من أمالي محمد بن أحمد بن سمعون الحديثية، وهي من عوالي مرويات العراقي، بقراءته على الميدومي (^٢)، أعلا شيوخه المصريين إسنادًا كما تقدم، ولكن هذا لا ينسيه كما ترى الوصف الاصطلاحي لذلك، بأنه من رواية الأكابر عن الأصاغر، فبادل أستاذه ابن كثير تقديرًا بتقدير، حيث قدمنا أن في رواية الشهاب المقدسي أيضًا عن العراقي، وهو مقارب العشرين، دلالة هذا النوع من الرواية على تقدير الطرفين بعضهما البعض، حتى قال تاج الدين السبكي: «إن هذا فخار للراوي والمروي عنه، لا يعدله شئ» (^٣) وذكر ابن فهد أيضًا: «أن ابن كثير كتب في هذه الرحلة بعض الفوائد العلمية عن العراقي» (^٤)، وأكثر من هذا دلالة على قدر العراقي حينئذ، أنه اصطحب معه في تلك الرحلة الباكورة الضخمة النتاجه في السنة، وهو تخريجه الكبير للإحياء حيث كان قد فرغ من مسودته قبلها بنحو عامين، فلما أطلع عليه من لقيهم من أهل الحفظ والإتقان أقروا بجودته وإبداعه، حيث لم يعرف من سبقه لتخريج الكتاب، وقد كان من هؤلاء الحافظ ابن كثير أيضًا، وبلغ من تقديره للكتاب والمؤلفه أنه قرأ عليه\n_________\n(^١) «فتح المغيث» للعراقي جـ ٣/ ٧٤ وجاء في «الضوء اللامع» جـ ٤/ ١٧٣ نقلًا عن «شرح الألفية» وهذا أن الحديث الذي سمعه ابن كثير على العراقي من مشيخة قاضي المرستان، ولعله يشير بهذا الحديث الماء المشمس الذي بيناه ولكن ما وجدته في «شرح الألفية» أن الحديث من أمالي ابن سمعون فهو أثبت.\n(^٢) «منتقى ابن خطيب الناصرية من ذيل العراقي على العبر» وفيات سنة ٧٥٤ هـ.\n(^٣) «فتح المغيث» للسخاوي جـ ٣/ ١٥٩.\n(^٤) «لحظ الألحاظ» / ٢٢٤.","vol":"1","page":350},{"text":"بعضه، فاتصل بذلك سنده برواية الكتاب عن تلميذه العراقي، ولعل هذا مراد السخاوي بقوله: «إن ابن كثير قرأ في هذه الرحلة على العراقي شيئًا (^١)، وهذا التقدير لتخريج الإحياء مما يرد دعوى الحافظ ابن حجر: أن العراقي تشاغل به عن الطلب، فلو كان هذا عمل شخص لم يحصل السنة على وجهها، ويتمرس بالفن، لما نال هذا التقدير من الحفاظ المتقنين، حتى يقرأ منه ابن كثير على مؤلفه ما سمح به المقام».\nوإذا كان ابن كثير قد استفاد من العراقي في تلك الرحلة على هذا النحو، وأقر بمعرفته لعلوم السنة، وإتقانه، وبجودة تأليفه، فإن العراقي قد استفاد من ابن كثير أيضًا فيها وفي رحلاته التالية، نظرًا لتأخر وفاته إلى ما بعد آخر رحلة للعراقي إلى الشام كما سيأتي. وقد ظهرت هذه الاستفادة في جانب الدراية أكثر من جانب الرواية، حيث نقل في نكته على كتاب ابن الصلاح نقولا عديدة عن مختصر ابن كثير للكتاب (^٢)، ومع أنه ناقشه في بعض تلك النقول بشدة كما سنرى ذلك في موضعه، إلا أن كثرة النقول في حد ذاتها دليل على اطلاعه على الكتاب واستفادته منه بصفة عامة، وهو متضمن الخلاصة آراء الحافظ ابن كثير في دراية فنون السنة ومصطلح أهلها.\nأما ثالث الحفاظ الذين التقى بهم العراقي التقاء مؤثرا: فهو صلاح الدين العلائي، ويظهر أن العراقي ذهب إليه بالقدس، بعد أن أخذ حظه العلمي والتقديري من علماء دمشق، وضواحيها، وذلك لأنه كان أول سماعه في تلك الرحلة بصالحية دمشق، كما قدمنا، بينما كان العلائي حينذاك بالقدس،\n_________\n(^١) «الضوء اللامع» جـ ٤/ ١٧٣.\n(^٢) «التقييد والإيضاح» ١/¬٤٥، ٥٤، ٦١، ١٤٤.","vol":"1","page":351},{"text":"يسكن المدرسة الصلاحية، ويشتغل فيها بالتدريس والتحديث (^١).\nوقد أثبت العراقي روايات متعددة عنه بالقراءة عليه ببيت المقدس (^٢)، ويذكر ابن فهد أن العراقي في هذا اللقاء انتفع بالعلائي ولازمه وأخذ عنه علم الحديث (^٣)، كما ذكر هو وغيره أن اجتماع العراقي في هذه الرحلة بالسبكي والعلائي زاد تفننه (^٤)، نظرًا لما لكل منهما من تضلع في دراية علوم السنة متنا وسندًا، وفي تعريفنا المتقدم بالسبكي بينا مدى تأثيره في العراقي وإفادته له، وسيأتي توضيحنا لهذا في التعريف بالعلائي باعتباره أنموذجًا لشيوخ العراقي من حفاظ الشام المؤثرين فيه.\nوقد ذكر ابن فهد وغيره من تقدير العلائي للعراقي ما يطابق تقدير السبكي وابن كثير المتقدم ذكره، مع زيادة «وصفه بالحفظ» (^٥). وقد أوضحنا من قبل أنه وصف اصطلاحي، متى وصف به أحد الحفاظ المعتبرين تلميذه، صار شهادة له ببلوغ درجة «الحافظ»، ولما كان العلائي من الحفاظ المعتبرين، وقد تتلمذ له العراقي ولازمه، فمقتضى وصفه له بالحفظ أنه صار في ختام رحلته تلك أحد حفاظ السنة المشهود لهم بذلك، على مستوى مصر والشام، حيث تقدم تلقيبه بالحفظ أيضًا من شيخيه المصريين، الإسنوي وابن جماعة، وهذا\n_________\n(^١) والدرر الكامنة، جـ ٢/ ١٨١.\n(^٢) وفتح المغيث، للعراقي جـ ٤/ ٦٧ - ٦٩ - ٧١.\n(^٣) ولحظ الألحاظ» / ٢٢٥.\n(^٤) ولحظ الألحاظ،: ٢٢٥ والأعلام، جـ ٤/ ٢١٩ ب، و«طبقات الشافعية»، ١١١ أ، و(بهجة الناظرين) ٥/ ١٣١، و«المنهل الصافي»، جـ ٢/ ٣١٢ ب، و(ذيل تذكرة الحفاظ) للسيوطي/ ٣٧٠، و«حسن المحاضرة»، جـ ١/ ٣٦٠ و«الضوء اللامع»، جـ ٤/ ١٧٣.\n(^٥) ولحظ الألحاظ» / ٢٢٥ و(ذيل التقييد للفاسي) / ٢١٩ ب.","vol":"1","page":352},{"text":"مما يدفع قول الحافظ ابن حجر: «إن العراقي لم يطلب السنة على وجهها، إلا منذ سنة ٧٥٢ هـ، حيث لا يعقل أن يتفق أولي الخبرة من شيوخه بمصر والشام على وصفه بالإتقان، والمهارة في الفن، ويلقبه غير واحد منهم بالحافظ، وهو لم يطلب السنة على وجهها غير عامين فقط، قبل قيامه بتلك الرحلة، ولعل هذا ما جعل الحافظ ابن حجر أيضًا يعتبر إطباق هذه الصفوة من شيوخ العراقي، وشيوخ عصره، على الشهادة له حينئذ بمعرفة الفن والمهارة فيه، نوعا من المبالغة، فذكر وصف الإسنوي له بحافظ العصر، ووصف العلائي والسبكي له بالمهارة في الفن (^١) ثم قال في موضع آخر: وتقدم (أي العراقي) في فن الحديث، بحيث كان شيوخ عصره وحفاظه يبالغون في الثناء عليه بالمعرفة، كالسبكي والعلائي والعز بن جماعة والعماد بن كثير وغيرهم (^٢)، ثم قلد ابن حجر في هذا غير واحد من بعده (^٣)، والمعروف أن ما يتفق عليه ذووا الشأن يعتبر حقيقة وليس مبالغة ولذا فإن ابن حجر نفسه يعود فيعترف ببلوغ شيخه العراقي فيما بعد درجة الحافظ الكامل كما سيأتي، فانحصرت معارضته في التوقيت فحسب. هذا مجمل لقاء العراقي بأبرز حفاظ الشام أولي الدراية، وأهم نتائج لقائه تأثرًا وتأثيرًا».\nوبالنسبة لغير الحفاظ من المحدثين، فقد التقى العراقي بغير واحد منهم، حتى جمع بين اثنين منهم مع الحافظ السبكي في سياق رواية واحدة فقال: «وأخبرني\n_________\n(^١) وذيل الدرر الكامنة» / ٧٢.\n(^٢) و«المجمع المؤسس» / ١٧٧.\n(^٣) و«الضوء اللامع» جـ ٤/ ١٧٣ وهـ ذ «يل تذكرة الحفاظ» للسيوطي/ ٣٧٠ و٥ «حسن المحاضرة» ج ١/ ٣٦٠.","vol":"1","page":353},{"text":"الحافظ أبو الحسن علي بن عبد الكافي (السبكي)، والمحدثان: أبو الثناء محمود بن خليفة المنبجي، وعبد الله بن يعقوب بن سيدهم … مشافهة منهم بدمشق الخ» (^١)، وجمع بين المنبجي والسبكي في روايات أخرى عنهما مشافهة بدمشق أيضًا (^٢).\nأما قسطه الأوفى من الرواية، فقد تلقاه عن أبرز المسندين المنفردين بعلو من الإسناد والمكثرين من المرويات، فكان فيما حصله منهم تعويض عما فاته من قبل، وإلى ذلك أشار ابن حجر فقال: «ثم رحل إلى دمشق سنة ٧٥٤ هـ، فأعلا من بقي بها: أحمد بن عبد الرحمن المرداوي، وهو خاتمة أصحاب الكرماني، ومحمد بن إسماعيل بن الخباز، وهو خاتمة أصحاب ابن عبد الدايم، (فأخذ عنهما) وعن ابن القيم، وابن الحموي ونحوهم» (^٣).\nوقوله: «ونحوهم»، إنما هو إشارة لكثيرين، ظهر لي من البحث صعوبة حصرهم، ممن لقيهم العراقي في رحلته تلك، وروى عنهم كتب علوم السنة المختلفة، مراعيا تحصيل ما انفرد به كل منهم، أو ما امتازت به روايته عن غيره، أو ما لم يكن للعراقي به رواية سابقة من الكتب، ونحو ذلك مما يحقق به قواعد الطلب، وشروط الحفاظ، وفوائد الرحلة.\nولو أنني تتبعت فقط من أثبت العراقي روايته عنهم في مؤلفاته المختلفة من شيوخ تلك الرحلة، لطال المقام، ولذا فإنني أكتفي ببيان ما تلقاه عن الأربعة الذين مثل بهم ابن حجر، نظرا لكثرة مروياته عنهم، واشتمالها على أنواع\n_________\n(^١) «محجة القرب» / ٨ أ.\n(^٢) «محجة القرب» / ٩ ب، ١٤ ب، ٢١ ب.\n(^٣) «المجمع المؤسس» / ١٧٧ وو«ذيل الدرر الكامنة» / ٧١.","vol":"1","page":354},{"text":"كتب الرواية والدراية، بالإضافة لانفراد اثنين منهم بعلو السند على مستوى دمشق، وربما عموم الشام حينذاك، وهما: ابن الخباز والمرداوي كما تقدم.\nفبالنسبة لابن الخباز، وهو محمد بن إسماعيل المتوفى سنة ٧٥٦ هـ، كان يُسْمِعُ الطلاب بمنزله، فذهب إليه العراقي، وقرأ عليه بنفسه جميع «صحيح مسلم» في ٦ مجالس متوالية، قرأ في آخر مجلس منها أكثر من ثلث الكتاب، وكان ذلك بحضور الحافظ المشهور زين الدين ابن رجب الحنبلي المتوفى سنة ٧٩٥ هـ، الذي كان يعارض أثناء القراءة بنسخته من (صحيح مسلم) لتوثيقها كما هو معروف (^١)، وقرأ عليه بمنزله أيضًا مسند أحمد ابن حنبل كله، في نحو ٣٠ ميعادًا (^٢).\nويلاحظ أن هذين الكتابين لم يكن سبق للعراقي قراءتهما على أحد غير ابن الخباز، فكان تلقيهما عنه بسنده المنفرد بالعلو، إضافة قيمة لسابق مرويات العراقي العالية، كما أن قراءته لهما بنفسه على النحو المذكور، خير شاهد على نشاطه وجهده الكبير في طلب السنة، خاصة وأنه تلقى عن ابن الحباز هذا من كتب السنة الأخرى عددًا كبيرًا، يشمل علوم الرواية والدراية، كما سنبينه في التعريف به باعتباره أنموذجا لشيوخ العراقي من مسندي الشام.\nوأما المرداوي: فهو أبو العباس أحمد بن عبد الرحيم المتوفى في رمضان سنة ٧٥٨ هـ، وقد أشار العراقي إلى أنه كان يسترضيه ويتألفه للسماع عليه، نظرًا لكبر سنه حينئذ (^٣)، وقد روى عنه بمشافهته له بما سنده به أعلا من غيره من\n_________\n(^١) ولحظ الألحاظ» / ٢٢٣.\n(^٢) وذيل التقييد» / ١٢١٩.\n(^٣) والدرر الكامنة (جـ ١/ ٧٣ ووفتح المغيث) للعراقي جـ ٣/ ٨٨.","vol":"1","page":355},{"text":"الشاميين (^١)، كما أثبت بعض رواياته عنه بظاهر دمشق (^٢).\nوبالنسبة لابن الحموي: وهو محمد بن إسماعيل بن عمر الحموي المتوفى بدمشق سنة ٧٥٧ هـ، فقد كان أيضًا من ذوي الإسناد العالي، والرواية الكثيرة، ووصفه الذهبي بعد السماع منه بأنه مُلْحِقُ الصغار بالكبار (^٣).\nوقد أكثر العراقي الرواية عنه في تلك الرحلة، وخاصة ما كان منفردا به، ولم يسبق للعراقي سماعه من غيره، وذلك مثل السنن الكبرى للبيهقي، التي يوصي العلماء طالب السنة بدراستها (^٤)، فقد كان الحموي منفردا بسماعها من بعض شيوخه، فقرأ العراقي منهما عليه نحو النصف، وذلك من أولها إلى آخر كتاب الإيلاء (^٥)، ومما يصور جهد العراقي في ذلك، أن نصف هذه السنن يبلغ خَمْس مجلدات كبار، بحسب طبعتها التي بين أيدينا اليوم. وقد أثبت العراقي، أن قراءته على الحموي كانت بجامع دمشق (^٦)، وكُتُب البيهقي عموما يوصي العلماء بتحصيلها، كما أثبت أيضًا روايته عنه كتاب المدخل إلى سنن البيهقي (^٧)، وروى عنه كذلك بعض الأمالي الحديثية لأبي القاسم بن\n_________\n(^١) (محجة القرب) / ٤٨ أ.\n(^٢) وقرة العين» / ١٠\n(^٣) و«الدرر الكامنة» جـ ٤/¬٩.\n(^٤) «فتح المغيث»، للعراقي جـ ٣/ ٩٣.\n(^٥) (ذيل التقييد) / ٢١٩ ب.\n(^٦) «قرة العين»، ١٢، ١٩ و«الأمالي الحديثية»، مجالس ١، ٣، ٧، (ضمن المستخرج على المستدرك للعراقي) مخطوط.\n(^٧) (محجة القرب) / ١ ب، ٥٢ أ.","vol":"1","page":356},{"text":"الجراح (^١)، وقد ذكر بعض مروياته عنه فيما رواه بأعلا أسانيد عصره (^٢)، وغيرها (^٣).\nوأما خاتمة هذه النماذج الأربعة، وهو ابن القيم، فهو عبد الله بن محمد ابن إبراهيم الدمشقي الصالحي الحنبلي المعروف بابن قيم الضيائية المتوفى في ٢٥ من المحرم سنة ٧٦١ هـ، وهو غير ابن القيم المعروف بابن قيم الجوزية، مع اتفاقهما عصرًا ومصرًا، إلا أن الثاني متوفى سنة ٧٥١ هـ، قبل رحلة العراقي هذه.\nأما الأول، فقد طال عمره فوق التسعين، حتى صار مسند وقته بعد الثلاثة المتقدمين، وتفرد بكثير من مروياته بالسماع، فانتفع به كثيرون: كالحافظ الذهبي وغيره، والتقى به العراقي في أكثر من رحلة بعد هذه كما سيأتي، فكثرت بذلك مروياته عنه، بالسماع منه مشافهة (^٤)، وبالقراءة عليه (^٥)، وقد أثبت العراقي أن التقاءه به كان بسفح قاسيون، بضاحية الصالحية، ظاهر دمشق (^٦). وهي يومئذ أثرى الضواحي بالمحدثين (^٧). وقد كان تفرده بكثير من مروياته العالية مما أنتج تثرية حصيلة العراقي منها، حتى روى عنه ما هو أعلا من روايته عن الميدومي، الذي يعتبر أعلا شيوخه المصريين إسنادا كما مر (^٨)،\n_________\n(^١) (المجمع المؤسس) / ١٨٧، وزغل العلم والطلب، للذهبي/ ٧، ٨.\n(^٢) (الأربعين العشارية الإسناد) / ١٥ أ.\n(^٣) (الأمالي الحديثية) / مجلس (٢) ضمن المستخرج على المستدرك (مخطوط).\n(^٤) (محجة القرب) / ٥ ب.\n(^٥) (قرة العين) / ٤٨، ٦٢، ٦٩ (مخطوط).\n(^٦) (الأربعين العشارية الإسناد) حديث ٣٧ وو«قرة العين» / ٤٨، ٧٥ (مخطوط).\n(^٧) (الإعلان بالتوبيخ) للسخاوي/ ٦٦٠.\n(^٨) «قرة العين» ١/ ٥٣.","vol":"1","page":357},{"text":"كما أنه الوحيد من شيوخ العراقي الشاميين الذي وقفت على صورة إجازته للعراقي بجميع مروياته كما سيأتي، ولعل خير شاهد على حصيلة ما تلقاه العراقي عنه من مرويات، أن ابن حجر وحده قرأ على العراقي (٢٢) كتابا من مختلف كتب السنة التي تلقاها العراقي عن ابن قيم الضيائية، بالقراءة والسماع، منها: كتاب «الدعاء» للطبراني (^١)، وقطعة من «صحيح أبي عوانة» (^٢)، و«مسند العدني» (^٣)، ومنها كثير من الأجزاء الحديثية الهامة، التي يشترط في حافظ السنة تحصيلها ودرايتها، «كجزء الغطريف» (^٤).\nومنها الأمالي الحديثية: كأمالي الجوهري (^٥).\nومنها ما يتعلق بعلم الرجال: كـ «المبهمات» للخطيب البغدادي (^٦)، وجزء معرفة من اسمه (عطاء) للطبراني (^٧).\nومنها الفوائد الحديثية: كفوائد ابن عبدان (^٨)، وينبغي ملاحظة أن غالب تلك الكتب مما انفرد ابن قيم الضيائية في وقته بروايته بالسماع عن شيوخه، كما لم يعرف قراءة العراقي أو سماعه لها على غيره من قبل، وبذلك كانت إضافات جديدة لحصيلته من مرويات كتب السنة في الرواية والدراية، كما.\n_________\n(^١) «- المجمع المؤسس» / ١٨٩.\n(^٢) المرجع السابق/ ١٩٢.\n(^٣) المرجع السابق/ ١٧٩.\n(^٤) المرجع السابق/ ١٨٧.\n(^٥) المرجع السابق/ ١٨٣.\n(^٦) المرجع السابق/ ١٨٤.\n(^٧) المرجع السابق/ ١٩١.\n(^٨) المرجع السابق/ ١٨١.","vol":"1","page":358},{"text":"تقضي بذلك قواعد الاختصاص بالسنة، وقد ضمن العراقي مؤلفاته كثيرًا من مروياته العالية السند، التي تلقاها عن ابن القيم هذا (^١).\nهذا مجمل لما تلقاه العراقي عن هذه النماذج الأربعة من مسندي الشام، بالإضافة لما سبقت الإشارة لأخذه عن أبرز الحفاظ، وفي هذا وذاك شواهد قوية على ثراء حصيلته من تلك الرحلة، والجهد الكبير الذي بذله خلالها، حتى حصل في شهورها المعدودة ما كان يُحصله غيره في سنين، على أن همة العراقي الفتية، ونهمته النابعة من حبه لمادة تخصصه، جعلاه يستقصي الثقات من ذوي السند العالي والمرويات النادرة، ليضاعف رصيده العلمي قبل عودته لمصر، إلا أن مطلبه لم يكن ميسرًا على الدوام، فإذا كان قد وجد من المسندين بدمشق من يفتح بَيْتَهُ لطلاب السنة، ويصبر الساعات الطويلة على أداء ما تحمله إليهم، دون أن يكلفه بذلك أحد أو يجازيه، فإنه قد وجد بصالحيتها من يمتنع عن التحديث، لسبب أو لآخر، مُشكلا بذلك عقبة تحول بينه وبين ما هو حريص على تحصيله من المرويات، وذلك أنه قصد خلال الرحلة: المسند الثقة الصالح أبو الفتح يحيى بن عبد الله بن مروان الفارقي المتوفى سنة ٧٦٣ هـ، وكان إمام دار الحديث الأشرفية بصالحية دمشق، وأراد أن يسمع عليه ما كان منفردًا به من المرويات، فامتنع الشيخ تورعًا من مسئولية الرواية؛ لكثرة تحديثه من قبل، ولم يسهل على العراقي ترك ما عنده والإكتفاء بغيره، فلجأ إلى شيخه الكبير وقاضي قضاة الشام حينئذ، وهو تقي الدين السبكي، ليشفع له عند الفارقي، لكن السبكي بدوره تورّع، وقال للعراقي:\n_________\n(^١) «الأربعين العشارية الإسناد» ٤/ حديثي ٣٠، ٣٧ ووقرة العين ٥٥، ٦٠ (كلاهما مخطوط).","vol":"1","page":359},{"text":"«هذا رجل صالح، لا أود تكليفه»، فماذا يفعل بعد هذا الرد من أكبر شخصية بعد الحاكم يمكن أن تؤثر على الشيخ؟ لقد ظل على عزيمته التي عهدناها منه في موقفه السابق مع شيخه الرشيدي، من أجل حفظ كتاب «الحاوي الصغير»، فعاد إلى الفارقي بنفسه، وما زال هو وبعض رفاق الطلب يستر ضونه، حتى يشر الله عسره، وشرح صدره، فحدثهم بما ذكروا له أنه انفرد به (^١)، وذكر ابن حجر من ذلك جزئًا من حديث عثمان بن محمد الجُمَحي (^٢).\nوهكذا تحقق للعراقي مطلبه، وذلل تلك العقبة بمزيج من صبره وعزمه، وعاد بعد شهور تلك الرحلة، وقد تكللت هامته بالنجاح والتقدير، واستوفى حظه الأوفى من الرواية والدراية، على يد المشتغلين بالسنة، من حفاظ ومحدثين ومسندين، سواء في بيوتهم، أو في مدارس الحديث أو المساجد، كما جعل لنفسه ذكرًا، وصنع لها مكانة، بين علماء السنة بمصر والشام.\n\n<span data-type='title' id=toc-94>ب - الرحلة الثانية:</span>\nفلما كانت سنة ٧٥٨ هـ، رحل العراقي ثانيًا إلى دمشق، وقد ذكر تلك الرحلة «ابن فهد»، دون إعطاء تفصيلات عنها (^٣). ونحن نلاحظ أنها تأتي بعد وفاة غير واحد ممن أخذ عنهم العراقي في رحلته الأولى، وخاصة شيخه الكبير تقي الدين السبكي، وقد تولى منصبه بالشام ولده تاج الدين.\n_________\n(^١) «الدرر الكامنة» جـ ٥/ ١٩٥ و«ذيل ولي الدين ابن العراقي» وفيات سنة ٧٦٣ هـ.\n(^٢) «المجمع المؤسس» / ١٩٠.\n(^٣) «لحظ الألحاظ» / ٢٢٣.","vol":"1","page":360},{"text":"عبد الوهاب ابن السبكي، حتى توفي بظاهر دمشق في ٧ ذي الحجة سنة ٧٧١ هـ (^١).\nويظهر أن صلة العراقي بوالد الشيخ تاج الدين، قد انتقلت إليه، حتى أشار في «طبقاته الكبرى» إلى العراقي بعبارة «بعض أصحابنا»، والعراقي ما زال حيًا، وذكر تخريجه لـ «إحياء علوم الدين» بما يدل على معرفته بمضمونه (^٢).\nوهذا يشير إلى التقاء العراقي به في تلك الرحلة وما تلاها، وإلى اصطحابه تخريج الإحياء في غير رحلته الأولى، حتى اطلع ابن السبكي عليه، لكن لم أجد للعراقي رواية عنه، مع أنه ذكر بعض مروياته العالية، وحدد زمن تلقيه لها بالرحلة الثانية، فقال في الحديث (٢٤) من عشارياته: «أخبرني به الشيخ الصالح يوسف بن عثمان بن محمد الأعزازي الأصل، الطرابلسي، بقراءتي عليه (بتاران) - قرية من قرى طرابلس - في الرحلة الثانية» (^٣).\nوقد أشار ابن حجر إلى علو سند الأعزازي هذا، ثم قال عنه: «سكن (بارين)، قرية من قرى حماة، وسمع منه بها شيخنا العراقي وحدثنا عنه» (^٤).\nومن هذا وذاك نفهم أن العراقي لم يقتصر في تلك الرحلة على الأخذ من علماء دمشق على كثرتهم، بل بحث عن ذوي السند العالي من الثقات في\n_________\n(^١) «طبقات الشافعية الكبرى» لابن السبكي الطبعة الأخيرة، بتحقيق الأخوين الفاضلين: عبد الفتاح الحلو، ومحمود الطناحي ٦/ ٢٤٩.\n(^٢) «ذيل ولي الدين ابن العراقي» وفيات سنة ٧٧١ هـ.\n(^٣) «والأربعين العشارية الإسناد» / حديث (٢٤).\n(^٤) «الدرر الكامنة» ج ٥/ ٢٤٠.","vol":"1","page":361},{"text":"غيرها، ورحل إليهم، وتتبع بعضهم في أكثر من بلد، مثل الأعزازي هذا، طلبًا للمزيد من علوم السنة ومروياتها المتميزة، باذلًا في ذلك الجهد ومستطيبًا في سبيل السنة تحمل المشاق، دون أن يكلفه بذلك أحد أو يكافئه. وبعد أن طوف العراقي بما أراد من مواطن علماء الرواية والدراية بمدن الشام وقراها، وتزود بما أتيح له منهم، قفل راجعًا إلى القاهرة.\n\n<span data-type='title' id=toc-95>جـ - الرحلة الثالثة:</span>\nما كاد العراقي يلتقط أنفاسه، وينفض غبار رحلته السابقة، حتى رأيناه يعد نفسه، ويحزم أمره من جديد، لمعاودة الرحلة للشام لثالث مرة، وذلك في نفس السنة التالية لرحلته المتقدمة مباشرة وهي ٧٥٩ هـ، وهذا مصداق ما تقدم، أنه مكث مدة لا تخلو له سنة من الرحلة، ولا شك أن ذلك قمة في الاهتمام بطلب السنة، واستفراغ من العراقي لأقصى قدر، من ماله وطاقة شبابه الجسمي والعقلي، في تحصيل علومها، خاصة عندما نقف على بعض تفاصيل تلك الرحلة واتساع دائرتها، حيث يقول ابن فهد: «إن العراقي في هذه النوبة جال في طلب الحديث غالب البلاد التي بها الرواية (^١)»، وقد أسلفنا في حالة العصر أن منطقة الشام حينئذ كانت قد تطهرت عمومًا من الصليبيين، وأخذت تعود إلى مدنها وقراها روح الأمان والعمران والازدهار العلمي، فانتشرت بها مدارس الحديث، وكثر بها المشتغلون بالسنة، ويظهر من تفاصيل جولة العراقي التي أشار إليها ابن فهد، أنها شملت من «غزة» جنوبًا، إلى «حلب» في أقصى شمال الشام، فكانت بذلك أوسع رحلاته\n_________\n(^١) لحظ الألحاظ ٤/ ٢٢٦.","vol":"1","page":362},{"text":"عمومًا، وأدلها على نشاطه وجهده ووفرة تحصيله، ولو أردت تتبع ما وقفت عليه من ذكر شيوخه بكل بلد، وتبيين ما أخذه منهم أو أعطاه، كما فعلت في رحلته الأولى، لطال المقام واتسع، ولهذا فإنني سأكتفي بذكر كل بلد رحل إليها وأحد شيوخه الذين سمع منهم بها، ومن أراد المزيد فليرجع إلى المصادر التي سأحيل عليها بالهامش.\nوأبدأ بدمشق لأنها المقصد الأول الذي كان يتجه له العراقي في كل رحلة، لأهميتها المتقدمة، ثم يتحرك منها لغيره، ولعله كان يستدل فيها على من ينبغي الرحلة إليه من شيوخ الجهات الأخرى، ونلاحظ أن العراقي في دمشق أخذ عن بعض من تتلمذ لهم في رحلته الأولى، حيث إن الزمن في كل رحلة لم يكن يتسع لتلقي كل مرويات من يلقاهم، فيأخذ عنهم الأهم، كما تقضي قواعد الرحلة والطلب (^١).\nفمن ذلك مثلا ابن قيم الضيائية المتقدم، فقد أثبت العراقي بعض رواياته العالية عنه بصالحية دمشق في الرحلة الثالثة (^٢)، كما وقفت على نسخة خطية لجزء في أحاديث الصفات للدارقطني، وفي نهايته طبقة سماع الجزء على «ابن القيم» المذكور، وذكر الناسخ أن الطبقة كانت مكتوبة بخط الحافظ زين الدين العراقي على أصل النسخة، ثم نقل نصها، وفيه: أن العراقي قرأ الجزء المذكور على ابن القيم، وسمع آخرون، وذلك يوم الخميس ١١ شعبان سنة ٧٥٩ هـ بمصلى «المظفر» بسفح قاسيون (^٣) وقال العراقي في نهاية الطبقة:\n_________\n(^١) فتح المغيث، للعراقي جـ ٣/ ٨٧.\n(^٢)، «قرة العين» / ٥٧.\n(^٣) وهذا السفح موجود قريبا من صالحية دمشق.","vol":"1","page":363},{"text":"وَأَجَازَ لَنَا المُشَمِّع، أي ابنُ القَيِّم، مَا يَجُوزُ لَهُ رِوَايَتُهُ وَالحَمْدُ للهِ (^١).\nوهذه هي صورة الطبقة الوحيدة التي وَقَفْتُ عليها، لإثبات قراءة العراقي على بعض شيوخه بالشام وإجازته منه بعامة مروياته، ولكن المعروف علميًا، والمعتاد في ذلك العصر، أن الطالب كان يحرص على تحصيل مثل هذا الإثبات بما قرأه أو سمعه أو أُجيز به من شيوخه ببلده وغيرها.\nويُستدل من تاريخ قراءة العراقي للجزء المذكور، على زمن ابتداء تلك الرحلة، كما يُستدل من نقل هذه الطبقة عن خط العراقي، على أنه كان يحرص على إثبات قراءته أو سماعه أو إجازته كتابيًا، ويكتب بخطه طبقات السامعين معه، وإجازتهم، وتاريخ ومكان السماع، كما تقضي القواعد بذلك (^٢)، وقد صرح الحافظ ابن حجر بوقوفه على بعض طبقات سماع أخرى بخطه (^٣).\nوهناك من الشيوخ من لقيهم العراقي مجددًا بدمشق في تلك الرحلة، مثل أبي الفداء إسماعيل بن علي بن سنجر الذهبي، وأرخ بنفسه وفاته في شعبان سنة ٧٦١ هـ (^٤)، ولم أجد له ذكرًا ضمن من تلقى عنهم في رحلتيه السابقتين، فلعله التقى به في تلك الرحلة الثالثة، وقد قال عنه: «أخبرني بقراءتي عليه لبعض «المستدرك»، وإجازة لباقيه» (^٥)، ويُعتبر هذا من الفوائد الجديدة لتلك\n_________\n(^١) انظر/ ١١٤ ب من الجزء المذكور، هو مخطوط بدار الكتب المصرية برقم (٢٣٣١٤ ب).\n(^٢) (فتح المغيث) للعراقي جـ ٣/¬٤١، ٤٢ و(النكت الوفية بما في شرح الألفية) للبقاعي ٢٩٧/ ب\n(^٣) (والمجمع المؤسس)، ٣٥/ ٢٢٦،\n(^٤) (الدرر الكامنة) جـ ١/ ٣٩٦.\n(^٥) (محجة القرب) ٢/ ١٣٥ أ.","vol":"1","page":364},{"text":"الرحلة، حيث لم يذكر تلقيه لمستدرك الحاكم عن غير إسماعيل المذكور، إلا بطريق الإجازة فقط، دون القراءة، ومما قرأه عليه أيضًا «جزء الجعفي»، وهو من الأجزاء الحديثية الهامة (^١).\nأما باقي البلاد التي شملتها جولة العراقي فنذكرها على النحو التالي:\n١ - غزة، وممن سمع منه فيها: محمد بن سالم بن عبد الناصر المتوفى سنة نيف وخمسين وسبعمائة (^٢).\n٢ - الخليل، وسمع فيها من جماعة منهم: خليل بن عيسى القيمري (^٣).\n٣ - بيت المقدس، وسمع فيها من كثيرين، أهمهم صلاح الدين العلائي، وتقدم أنه لازمه بها أيضًا في الرحلة الأولى.\n٤ - نابلس، وممن سمع منه بها: محمد بن عثمان بن عبد الرحمن بن نعمة (^٤).\n٥ - بعلبك، وكان بها حينذاك «دار الحديث المعيدية» زاخرة بالنشاط الحديثي (^٥)، مما أتاح للعراقي وفرة السماع والاستفادة من علمائها، وممن سمع\n_________\n(^١) «المعجم المفهرس» / ٤١ أ، و(المجمع المؤسس) / ١٨٥ كلاهما لابن حجر.\n(^٢) والدرر الكامنة (جـ ٤/ ٦٢ و٥ مجموع ابن خطيب الناصرية) (ترجمة العراقي) وهـ المنهل الصافي، جـ ٢/ ٣١٢ وو«لحظ الألحاظ» / ٢٢٥.\n(^٣) ذكره ابن حجر في (الدرر الكامنة) ولم يذكر وفاته (جـ ٢/ ١٧٩) و(مجموع ابن خطيب الناصرية) «ترجمة العراقي) وهـ الضوء اللامع، جـ ٤/ ١٧٢ وهـ لحظ الألحاظ) / ٢٢٥.\n(^٤) و«مجموع ابن خطيب الناصرية» (ترجمة العراقي) و«لحظ الألحاظ»» / ٢٢٥ و٥ المنهل الصافي، جـ ٢/ ٣١٢.\n(^٥) «مقدمة المحدث الفاصل»، للرامهرمزي/ ٩١.","vol":"1","page":365},{"text":"مِنْهُم: عبد الْقَادِرِ بن علي بن السبع البعلبكي (^١). قال ابن حجر: «سَمِعَ مِنْهُ شَيْخَنَا - يعني العراقي - وأرخ وفاته في ربيع الأول سنة ٧٦١ هـ» (^٢).\n٦ - صفد، وَمِمَّنْ سَمِعَ مِنْهُ بها المسندة الصالحة الشيخة: ست الفقهاء ابنة أحمد بن محمد العباسي، الأصبهانية (^٣)، وكانت تشارك المزي في التحديث بأجزاء من أمالي الجوهري الحديثية، قال ولي الدين بن العراقي: «سَمِعَ منها والدي والهيثمي بصفد» (^٤). وحدّثه ابن حجر من مسموعات العراقي عليها المجالس ٣، ٤، ٦، ٧، ١١ من أمالي الجوهري المشار إليها (^٥) كما ذكر أن العراقي أرّخ وفاتها بنفسه في شعبان سنة ٧٦٥ هـ (^٦)، ورواية العراقي عنها المجالس المذكورة مجتمعة بسندها، تُعَدُّ من الفوائد الجديدة، لأن روايته لها عن غيرها، موزعة بين شيخين: أحدهما مصري، وهو أبو الحسن العرضي، والثاني شامي، وهو ابن قيم الضيائية المتقدم ذكره، وقد سَمِعَ منه مجالس ٦، ٧ و١١ بسند ثالث (^٧).\n٧ - طرابلس الشام، وسَمِعَ فيها من كثيرين، في مقدمتهم قاضيها العلامة\n_________\n(^١) «مجموع ابن خطيب الناصرية» (ترجمة العراقي) و«المنهل الصافي» جـ ٢/ ٣١٢ أ و«لحظ الألحاظ» ٤/ ٢٢٥.\n(^٢) «الدرر الكامنة» جـ ٣/¬٣.\n(^٣) «مجموع ابن خطيب الناصرية» (ترجمة العراقي) و«المنهل الصافي» جـ ٢/ ٣١٢ أ و«لحظ الألحاظ» ٤/ ٢٢٥.\n(^٤) «ذيل ولي الدين»: وفيات سنة ٧٦٥ هـ.\n(^٥) «المجمع المؤسس» ١/ ١٨٣.\n(^٦) «الدرر الكامنة» جـ ٢/ ٢٢١، ٢٢٢.\n(^٧) «المجمع المؤسس» ١/ ١٨٣.","vol":"1","page":366},{"text":"محمد بن أبي بكر بن عياش الخابوري المتوفى بها في ٢٧ من المحرم سنة ٧٦٩ هـ (^١).\n- حمص، وفيها سمع من جمع (^٢)، كقاضيها قطب الدين محمد بن عبد المحسن السبكي الشافعي، قال ولي الدين بن العراقي: «سمع منه والدي بحمص، وتوفي بدمشق سنة ٧٦٤ هـ» - (^٣).\n- حماة، وفي مقدمة من سمع منهم بها قاضيها: عبد الرحيم بن إبراهيم، المعروف بابن البارزي (^٤).\n- حلب، وهي أقصى مدن الشام الرئيسية شمالًا، ومنتهى ما رحل إليه العراقي في جولته هذه، وممن سمع منه بها القاضي جمال الدين إبراهيم بن محمود بن سليمان بن المطوع (^٥)، وقد أرخ العراقي وفاته في شوال سنة ٧٦٠ هـ، ورجح ابن حجر كونها في ذي الحجة (^٦).\n_________\n(^١) «مجموع ابن خطيب الناصرية»، (ترجمة العراقي) و(لحظ الألحاظ) / ٢٢٤ و(المنهل الصافي) جـ ٢/ ٣١٢ أ و(الدرر الكامنة) جـ ٤/¬٢٦، ٢٧.\n(^٢) «مجموع ابن خطيب الناصرية»، (ترجمة العراقي) و(لحظ الألحاظ) / ٢٢٥ و(المنهل الصافي) جـ ٢/ ٣١٢ أ.\n(^٣) (ذيل ولي الدين) وفيات سنة ٧٦٤ هـ.\n(^٤) (مجموع ابن خطيب الناصرية)، (ترجمة العراقي) و(لحظ الألحاظ) / ٢٢٤ و(المجمع المؤسس) / ١٧٧ و(بهجة الناظرين) / ١٣٠ و(المنهل الصافي) جـ ٢/ ٣١٢ أ.\n(^٥) «مجموع ابن خطيب الناصرية»، (ترجمة العراقي) و(المجمع المؤسس) / ١٧٧ و(لحظ الألحاظ) / ٢٤٤ و(المنهل الصافي) جـ ٢/ ٣١٢ أ و(الضوء اللامع) جـ ١/ ١٧٢ و(بهجة الناظرين) / ١٣٠.\n(^٦) «المنتقى من ذيل العبر للعراقي»، وفيات سنة ٧٦٠ هـ ضمن (مجموع ابن خطيب الناصرية)، و(الدرر الكامنة) جـ ١/ ٧٣.","vol":"1","page":367},{"text":"تعقيب:\nهذا مجمل لجولة العراقي الواسعة في تلك الرحلة، بين مدن الرواية، ومدارس الحديث بالشام، من أقصى الجنوب، لأقصى الشمال، ولم تمدني المراجع العديدة المباشرة، وغير المباشرة التي رجعت إليها ببيان الزمن الذي استغرقته تلك الرحلة، ولا بترتيب معين لتنقل العراقي بين المدن المذكورة، وأغلب الظن أن هذا خضع للأهمية العلمية لكل بلد، وللظروف المواتية للرحلة إليها: من أمن الطريق، ووجود القافلة التي يسافر معها لتجنب الأخطار، وتوفر الزاد والراحلة، وحيال ذلك كله، وما ذكر من تلقيه في كل بلد عن عدد من شيوخه وشيخاته، يمكن القول: إن الرحلة بأكملها استغرقت شهورا أكثر من أي رحلة سابقة.\nوهذا كله يصور لنا مدى قوة العزيمة التي توفرت للعراقي، والرغبة الأكيدة في تحصيل علوم السنة، حتى تحمل تلك المتاعب والمخاطر، كما يتضح لنا ضخامة الحصيلة العلمية التي عاد بها في نهاية المطاف إلى مصر، مع اعتبار ما كان يقدمه من جانبه في مجالي الرواية والدراية لرفاقه في الطلب، أو لشيوخه كما رأينا في رحلتيه الأولى والثانية.\n\n<span data-type='title' id=toc-96>د - الرحلة الرابعة:</span>\nهذه الرحلة لم أجد من ذكرها بالتحديد كسابقاتها، ولكني استنتجتها من بعض الشواهد، ففي ترجمة المسند أبي العباس أحمد بن محمد بن أحمد المعروف بابن الرفاق، وبابن الجوخي، المتوفى في ١١ شعبان سنة ٧٦٤ هـ قال ولي الدين ابن العراقي عنه: «حدث كثيرا وسمع منه والدي .. وكتب لي","vol":"1","page":368},{"text":"بالإجازة من دمشق» (^١)، كما ذكر ابن حجر بعض مسموعات العراقي منه (^٢).\nوبما أن الرحلة السابقة كانت سنة ٧٥٩ هـ، وولي الدين ابن العراقي مولود بعدها في ٣ ذي الحجة سنة ٧٦٢ هـ، ثم لم يرحل به والده إلا في سنة ٧٦٥ هـ كما سيأتي، فلا تتاح له إجازة هذا المسند من دمشق - فيما يظهر - إلا برحلة والده إليها، بعد ولادته سنة ٧٦٢ هـ، وقبل وفاة المسند المذكور في التاريخ المتقدم في التاريخ المتقدم من سنة ٧٦٤ هـ، ومما يؤيد هذا، تصريح المؤرخين كما أسلفنا بتعدد رحلات العراقي بعد رحلة دمشق الأولى سنة ٧٥٤ هـ. على أن هذا المسند ممن قرأ العراقي الحديث عليه في رحلته الأولى، وروى عنه بالسند العالي في عشارياته (^٣)، لكن إجازته لولي الدين كما مر، لا تتأتى إلا بعد ولادته في سنة ٧٦٢ هـ، ومقتضى حصول العراقي منه على هذه الإجازة لولده، أن يكون سمع منه أيضا في تلك الرحلة كما سمع من غيره، وعاد وهو مزود برصيد علمي جديد.\n\n<span data-type='title' id=toc-97>هـ - الرحلة الخامسة والأخيرة:</span>\nهذه الرحلة خامسة بالنسبة لما ذكرته فقط من رحلات العراقي الشامية؛ لأن حصرها وترتيبها كما أوضحنا غير ممكن، وقد قام بها الحافظ العراقي في سنة ٧٦٥ هـ بعد أن تزوج ورزق بولده ولي الدين أحمد وغيره، حيث يقول ابن فهد: «وفي سنة ٧٦٥ هـ رحل بأولاده إلى الشام، فأسمعهم بها» (^٤) وقد\n_________\n(^١) (ذيل ولي الدين) وفيات سنة ٧٦٤ هـ.\n(^٢) (المجمع المؤسس ٥/ ١٨٦.\n(^٣) (الأربعين العشارية الإسناد) (حديث ١٤).\n(^٤) ولحظ الألحاظ) / ٢٢٦.","vol":"1","page":369},{"text":"ذكر ولي الدين، أن تلك كانت آخر رحلات والده إلى الشام، حيث قال في ترجمة والدته: «وذهبت مع والدي إلى الشام في رحلته الأخيرة إليها سنة ٧٦٥ هـ» (^١)، كما أنها كانت في مطلع السنة المذكورة، نظرا لقيام العراقي بها أول ما طعن ولده ولي الدين في الثالثة من عمره (^٢)، وقد ولد ولي الدين في آخر شهور سنة ٧٦٢ هـ كما مر، فيكون أول طعنه في الثالثة موافقا لأول سنة ٧٦٥ هـ، ولئن كانت الرحلات السابقة قد حملت العراقي المتاعب التي أشرنا إليها، وهو مسئول عن نفسه فقط، فإن هذه الرحلة بلا شك كانت أكثر أعباء ومشقات نظرا لمسئوليته عن زوجته وأطفاله الصغار سواء من ناحية الحماية والمؤونة والإنتقال والإقامة، مع ما عرف به من ضيق ذات اليد، وعفة النفس الزائدة، أو من ناحية إسماعهم الحديث وإجازتهم، حيث كان ذلك من الأهداف الرئيسية لاصطحابهم معه في تلك الرحلة، وهو أيضًا من الأدلة على محبته للسنة، حتى عني بتعليمها لأسرته، وتحمل الأعباء المتعددة في سبيل ذلك، وما أحراه أن يكون قدوة في هذا لكل مسلم، فضلا عن كل عالم، وقد نهض بتلك الأعباء على الوجه الأتم، كما تدل الإشارات التي وقفت عليها لوقائع تلك الرحلة، فهيأ للأسرة مطية السفر إلى الشام، وذكر ولي الدين: أنه كان يميز الجمل الذي حملهم والده عليه من غيره (^٣). ثم أمدنا ولي الدين كذلك بكثير من وقائع تلقي علوم السنة التي حصلها والده لنفسه ولأسرته، سواء في دمشق التي كانت مقصد الرحلة الأول، أو في خارجها،\n_________\n(^١) (ذيل ولي الدين) وفيات سنة ٧٨٣ هـ.\n(^٢) (المجمع المؤسس) ٦/ ٣٦٦ و(لحظ الألحاظ) ٤/ ٢٨٤ و(الضوء اللامع) جـ ١/ ٣٣٧.\n(^٣) (فتح المغيث) للسخاوي جـ ٢/¬١٤.","vol":"1","page":370},{"text":"فممن ذكر تلقيهم عنه الكثير من المرويات بضاحية الصالحية ظاهر دمشق، المسندة المكثرة الصالحة ست العرب المتوفاة سنة ٧٦٧ هـ وأقره على ذلك أيضا ابن حجر، وسنعرف بها فيما بعد تفصيلا باعتبارها أنموذجا لمن تحمل العراقي عنهن السنة من النساء، ودليلا لإسهام المرأة حينئذ في خدمة السنة، ومدى استفادة العراقي مع أسرته منها.\nكذلك انتقل العراقي لضاحية (النيرب) في غوطة دمشق حيث التقى بالمسند عمر بن محمد الشخطبي المتوفى في ١٥ شوال سنة ٧٦٥ هـ، وأخذ عنه كتاب «الشمائل» للترمذي، وغيره، وأحضر ولده أحمد عليه، وأثبت في أماليه روايته عنه «بالنيرب» (^١).\nوأما دمشق نفسها، فقد أخذت الأسرة فيها من كثيرين، وحصلت مع عائلها الكثير، فممن أخذوا عنه: محمد بن موسى المعروف بابن الشيرجي المتوفى في المحرم سنة ٧٧٠ هـ، حيث ذكر ابن حجر سماع العراقي وابن كثير منه، وأنه انفرد في وقته برواية جزء الأنصاري في الحديث، بالسماع من الفخر ابن البخاري (^٢)، ثم ذكر ولي الدين ابن العراقي أن والدته سمعت هذا الجزء بدمشق على ابن الشيرجي المذكور، كما ذكر سماعها من غيره، ولكن لم تحدث غيرها بمروياتها (^٣)، وذكر السخاوي حضور ولي الدين أيضا على\n_________\n(^١) انظر «ذيل ولي الدين» وفيات سنة ٧٦٥ هـ ومجلس ٨٢ من «أمالي العراقي» / مع التقييد والإيضاح/ ٤٧٤ (الطبعة المصرية).\n(^٢) «الدرر الكامنة» جـ ٥/¬٣٨.\n(^٣) «ذيل ولي الدين ابن العراقي» وفيات سنة ٧٨٣ هـ.","vol":"1","page":371},{"text":"الشيرجي هذا (^١)، ورغم أن العراقي حينئذ كان قد بلغ درجة «الحافظ»، وأصبح أحد حفاظ السنة المعدودين كما قدمنا، إلا أنه ظل وفيا ومقدرا لمن عاش حتى هذه الرحلة من شيوخه في الرحلة الأولى، كالحافظ ابن كثير، فذهب إليه وجلس تلميذا مستمعا بين يديه، وأحضر معه ولده ولي الدين الذي صرح بذلك فقال: «وحضرت عليه مع والدي» (^٢)، وهكذا فلتكن أخلاق العلماء.\nثم حرص العراقي أيضا على الالتقاء بشيوخ مجدد، حتى يستفيد جديدا من المرويات والبحوث، ويفيد أيضا أسرته، فكان ممن لقيهم مجددا: أبو حفص عمر ابن حسن، المعروف بابن أميلة، المراغي، المتوفى بظاهر دمشق في ١٨ ربيع الآخر سنة ٧٧٨ هـ، وقد لقبه ولي الدين ابن العراقي بمسند الدنيا، يعني في وقته، وذكر مصداق ذلك: أنه كان يقصد بالرحلة إليه للرواية عنه، وأنه قد قارب عمره مائة سنة، وتفرد بكثير من مروياته عن كثير من شيوخه، مثل سنن أبي داود، والترمذي عن الفخر ابن البخاري، وقد قال ولي الدين: «حضرتهما عليه بدمشق» (^٣)، وقد كان ولي الدين حينذاك دون الثالثة، وبالتالي كان حضوره على المراغي وغيره بصحبة والده، وهو الذي كان يقوم بإثبات حضوره كتابيا، كما ذكر ولي الدين سماع والده من المراغي، ومقتضى ذلك أن يكون العراقي سمع هذين الكتابين الأساسيين على المراغي بسنده العالي المنفرد به حينئذ، وتضاعفت بذلك فائدته، بجانب فائدة ولده.\n_________\n(^١) (الضوء اللامع) جـ ١/ ٣٣٧.\n(^٢) (ذيل ولي الدين) وفيات سنة ٧٧٤ هـ ترجمة إسماعيل بن كثير.\n(^٣) و«ذيل ولي الدين» وفيات سنة ٧٨٧ هـ.","vol":"1","page":372},{"text":"وممن أخذ عنهم مجدا أيضا، شيخ الشافعية في وقته: محمد بن عمر، الشهير بابن قاضي شهبة، المتوفى في المحرم سنة ٧٨٢ هـ. فقد قال عنه ولي الدين: إنه انفرد برواية كتاب (الأموال) لأبي عبيد، وسمعته عليه في الثالثة من عمري، وسمع منه والدي (^١). ويعد سماع العراقي منه لهذا الكتاب الذي انفرد به، إضافة لرصيده من المسموعات، حيث لم يوقفني البحث على سماعه من غيره. وقد ذكر تلميذ العراقي، تقي الدين الفاسي: أن ولي الدين ابن العراقي تلقى سنن ابن ماجه حضورا بالقدس على إبراهيم بن عبد الله الزياوي (^٢)، ثم ذكر سماع العراقي لنفس السنن على الزياوي (^٣)، وذكر غيره سماع العراقي أيضا من الزياوي بكل من: (نابلس) و(القدس) (^٤).\nوهذا يفيد أيضا: أن العراقي رغم إثقاله بمسؤولية الأسرة كما أشرنا، تجاوز في رحلته دمشق وضواحيها، إلى بعض المدن التي بها رواة السنة وعلمائها، كالقدس وغيرها، وحصل منها لنفسه ولولده رواية كتب السنة الأساسية، وغيرها ما أتيح له، ويعتبر سماعه لسنن ابن ماجه على الزياوي هذا، من نتائج تلك الرحلة، حيث لم أجد في بحثي الطويل سماعه لها بالشام من غير الزياوي، وهي أحد المصادر الأصيلة للسنة، والتي تقتضي شروط الحفاظ بتحصيلها رواية ودراية.\n_________\n(^١) المرجع السابق.\n(^٢) «ذيل التقييد» للفاسي/ ١١٤ ب، وذكره الزفتاوي «بدل «الزياوي»، ولكن «الزياوي» أشهر.\n(^٣) «ذيل التقييد» / ٢١٩ أ.\n(^٤) «مجموع ابن خطيب الناصرية»؛ (ترجمة العراقي)، و«المنهل الصافي» جـ ٢/ ٣١٢ أ، وهـ لحظ الألحاظ» / ٢٢٥.","vol":"1","page":373},{"text":"تلك هي أهم مظاهر نشاط العراقي في تلك الرحلة وجهده، وما حققه من نتائج، وفي نهاية جولته بين مراكز السنة وعلمائها، ودع الشام للمرة الأخيرة، وعاد بأسرته إلى القاهرة. وإذا كنت قد اقتصرت في عرض التفاصيل على أهم المظاهر، فإن تتبعي العام لوقائع تلك الرحلة الختامية للشام، قد أظهر أنها في عائدها العلمي عليه، فضلا عن أسرته، تقارب الرحلة الأولى، وسيأتي في أنموذج شيوخه فيها ما يؤكد ذلك بعون الله.\n\n<span data-type='title' id=toc-98>من أبرز شيوخ العراقي وشيخاته بالشام وتأثيرهم فيه</span>\n<span data-type='title' id=toc-99>أولا: العلائي، أستاذه في علم الحديث وملقبه بـ «الحافظ»</span> (^١)\nهو الحافظ، الحجة، صلاح الدين، أبو سعيد، خليل بن كيكلدي الشافعي، عالم بيت المقدس، ولد في ربيع الأول سنة ٦٩٤ هـ وعني بطلب الحديث مبكرا، واجتهد حتى أخذ عن غالب شيوخ الشام ومصر والحجاز، وصار حافظ الزمان، علامة في الرجال والمتون والعلل، بجانب الفقه وأصوله وغيرهما، وقد سمع منه الذهبي، ووصفه بالحفظ، وصحة الذهن، وسرعة الفهم، وكان ممتعًا في كل باب يفتحه من العلم، إلا أن جانب الحديث في حياته العلمية، وفي مؤلفاته في المقدمة، حتى قال ابن السبكي: (إنه لم يكن في عصره من يدانيه فيه، وعده الذهبي من القلائل في عصره الذين يفهمون\n_________\n(^١) رجعت في التعريف به وبيان تأثيره في العراقي إلى: (ذيول تذكرة الحفاظ) ٤٣ - ٤٥، ٣٦٠، ٣٦١ و«الدرر الكامنة»: جـ ٢/ ١٧٩ - ١٨١ و(طبقات الشافعية) للأسنوي/ ١٩٨ (مخطوط) وما سأحيل عليه خلال الترجمة و(بهجة الناظرين) ٧٠ - ٧٥ و(طبقات الشافعية) لابن السبكي - ٦/ ١٠٤ و«زغل العلم والطلب»، للذهبي/ ١١.","vol":"1","page":374},{"text":"علوم السنة ويعنون بها».\nوقد تولى مشيخة الحديث وتدريسه بعدة أماكن من الشام، ولكن عند رحلة العراقي إليها، كان قد استقر ببيت المقدس، واتخذ سكنا بالمدرسة الصلاحية بها، وظل يعمل فيها بالتحديث والتدريس والإفتاء والتصنيف، حتى توفي - على الراجح - في العشر الأول من المحرم سنة ٧٦١ هـ، وقد أكثر من المؤلفات النافعة، المتقنة، فاشتهرت، وغالبها في علوم السنة، ومنها ما يتعلق بالفقه، وأصوله، وقد سئل تقي الدين السبكي عمن يخلف بعده فقال: (العلائي).\nأما أثره في العراقي فكان عميقًا، بدليل تعدد مظاهره، وفي مقدمة ذلك: أن العلائي باعتباره الرجل الأول في الحديث بالشام، والثاني بعد السبكي في الفقه وأصوله، كما أشرنا، فإن تلمذة العراقي عليه تممت نتائج تلمذته للسبكي، حتى شهد المؤرخون كما مر، بأن العراقي زاد تضلعا في فنون السنة باجتماعه بالرجلين، في رحلته الأولى وأخذه العلم عن كليهما.\nثم إن العراقي لما ذهب بعد تلمذته للسبكي بدمشق، إلى العلائي بالقدس، لازمه، فانتفع به، وأخذ عنه علم الحديث، وكل من الملازمة وأخذ علم الحديث من أوضح مظاهر التأثير، فالملازمة هي أهم ما يُعبر به في الاصطلاح العلمي، لبيان تأثر الطالب بأستاذه، وعمق استفادته بفكره وعلمه، حيث يتاح له تلقي عموم دروسه وفوائده، بالإضافة لاطلاعه على طريقته في التحصيل، ومنهجه في البحث، والتصنيف، والتدريس، فيستفيد من ذلك خبرة جيدة في تلك المجالات، وسيأتي أن ملازمة العراقي للعلائي تكررت خلال مجاورة كل منهما بالحرمين، مما جعل الاستفادة والتأثير متضاعفين، ومن جهة أخرى تتيح الملازمة للأستاذ، تبيين نقاط الضعف والقوة في تلميذه،","vol":"1","page":375},{"text":"فيعالج الأولى، ويُنمّي الثانية، وقد حدث هذا بالنسبة للعراقي مع أستاذه، فبجانب استفادته منه، فإنه أبدى بين يديه - رغم قصر المدة - من ضروب البحث وبيان مسائل علوم الرواية والدراية، ما جعله ينوه بذكره، ويُعظم شأنه ويصفه بـ «الفهم والمعرفة والإتقان والحفظ» (^١). وصدور ذلك من العلائي بما عُرف به من الخبرة والذكاء، وتعدد ملازمة العراقي له، يدلنا على أمرين: أحدهما: مطابقة رأي العلائي لرأي السبكي في جدارة العراقي بالأوصاف المذكورة، مع زيادة وصفه بـ «الحفظ»، وهو كما أسلفنا لقب اصطلاحي يعتبر وصف العراقي به شهادة من العلائي ببلوغه درجة الحافظ، بالإضافة إلى أنه رَوَى له الحديث المسلسل بالحفاظ، فصار حلقة فيه، ومنه اتصل السند لمن بعده (^٢)، ويعتبر العلائي ثالث من لقب العراقي بـ «الحافظ» بعد الإسنوي وابن جماعة المصريين، لكنه أول من لقبه به من شيوخه بالشام، وبمقتضاه أصبح من حفاظ السنة المعتمدين على مستوى مصر والشام.\nالأمر الثاني: الذي تدل عليه شهادة العلائي بما تقدم، هو أريحيته وانصافه لتلميذه، بتقدير ما لمسه من بحثه وفهمه، ومدى حصيلته العلمية، ومنحه اللقب العلمي الذي أدرك استحقاقه له، ولهذا - بلا شك - أثره في تشجيع الطالب على مضاعفة جهده في البحث والتحصيل والإنتاج (^٣).\nأما أخذ العراقي لعلم الحديث عن العلائي، فقد تقدم أن علم الحديث عند\n_________\n(^١) و«لحظ الألحاظ» / ٢٢٥ وهـ «ذيل التقييد» / ٢١٩ ب.\n(^٢) والمناهل السلسلة في الأحاديث المسلسلة والمحمد عبد الباقي اللكنوي ١٣٢، ١٣٣ ووالجواهر والدرر» / ١٢ أ، ب.\n(^٣) يُنظر: «الجواهر والدرر»» / ١٢ ب.","vol":"1","page":376},{"text":"الإطلاق كما هو مذكور، ينصرف إلى علم أصول الحديث، أو علم الدراية، ومعنى هذا أن العراقي درس على العلائي ببيت المقدس هذا العلم بفنونه المختلفة، وقد أثبت العراقي بنفسه الوقائع الدالة على ذلك.\nفصرح بتلقيه كتاب «مقدمة ابن الصلاح» الذي هو جماع فنون الدراية، عن العلائي، بسماع بعضه عليه، وإجازة منه بباقيه (^١)، ولعل ظروف الرحلة هي التي حالت دون سماع كل الكتاب، كما صرح أيضا بتلقيه عنه أحد مؤلفاته في علم الرجال، ويسمى «الوشي المعلم فيمن روى عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ»، وهو كما قال السخاوي: أجمع مصنف في موضوعه (^٢)، ويقع في ستة أجزاء حديثية، يبلغ مجموعها مجلدا وسطا، وقد أثبت العراقي قراءة بعض الكتاب بنفسه على العلائي ببيت المقدس، وسماع بعضه عليه بقراءة غيره ونقل منه عدة مرات للاستدلال (^٣).\nوأما كتاب «جامع التحصيل في أحكام المراسيل» للعلائي أيضا (^٤)، فقد أكثر العراقي النقل والاستفادة منه (^٥) بل اتخذ منه منطلقا لبعض تأليفه، حيث امتلك نسخة من الكتاب، وبعد الاطلاع على فصل أسماء المدلسين منه،\n_________\n(^١) «التقييد والإيضاح»، للعراقي/ ١٢.\n(^٢) (فتح المغيث) للسخاوي جـ ٣/ ١٨٢.\n(^٣) انظر: (فتح المغيث) للعراقي جـ ٤/ ٦٧، ٦٩، ٧١ و(التقييد والإيضاح)» / ٣٤٨.\n(^٤) بعض نسخه الخطية التي اطلعت على صورتها تقع في ١١٢ ورقة عادية ثم طبع مؤخرا طبعة تحتاج إلى تحقيق وتوثيق.\n(^٥) انظر (فتح المغيث) للعراقي جـ ١/ ١٧٤، ٨٥، ٨٨ وجـ ٤/¬٣٠ و(التقييد والإيضاح) / ٧٤، ٩٧، ٢٩٣ و(تكملة شرح الترمذي) / ١٦٩ أ (نسخة دار الكتب المصرية).","vol":"1","page":377},{"text":"ذيل بهامشها عددا مما فات العلائي كما سيأتي، وألف أيضا جزءا في المراسيل سيأتي ذكره، ولا يبعد انطلاقه فيه من كتاب العلائي هذا.\nوللعلائي أيضا كتاب الأحاديث المسلسلة في (٣) أجزاء حديثية، وقد استفاد منه العراقي في بعض مؤلفاته (^١).\nكذلك تلقى العراقي بعض الفوائد العلمية المتفرقة من العلائي، ورواها عنه لتلاميذه، مثل رأي الحافظ الذهبي في أبرز علماء عصره، حيث قال العراقي: «سمعت الحافظ العلائي يقول: سألت الذهبي عن ابن دقيق العيد، يعني أبا الفتح، والدمياطي، يعني أبا محمد، والمزي، وابن تيمية، يعني أبا العباس، فقال الذهبي: ابن دقيق العيد، أعلمهم بعلل الحديث وأحكامه، والدمياطي أعلمهم بالأنساب ونحوها، والمزي أعلمهم بالرجال، وابن تيمية أكثرهم سردا للمتون» (^٢).\nوقد بلغ اقتناع العراقي بشخصية أستاذه العلمية، أنه قلده في أحد المسائل وأثبتها في تأليفه، ثم ظهر بعد ذلك خطؤها، فقرر العراقي أنه اعتمد فيها على شيخه العلائي، ثم رجع عنها، وأصلحها في تأليفه، على ما سيأتي في موضعه (^٣)، غير أن إعجابه بعلمه وتقليده، لم يحولا دون مخالفته فيما لم يقتنع به من آرائه، كما سيأتي بيانه أيضا.\nولم يقتصر أثر العلائي في العراقي على علم الدراية كما أوضحنا، بل تعداه\n_________\n(^١) المناهل السلسلة ٤/ ٢٠٨، ٢٠٩.\n(^٢) (مجموع ابن خطيب الناصرية) (نقوله عن شيخه أبي زرعة ابن العراقي).\n(^٣) انظر «المجمع المؤسس» ١/ ١٧٩ و«الجواهر والدرر» للسخاوي/ ٧٠ أ.","vol":"1","page":378},{"text":"إلى الرواية، فَصَرَّحَ العراقي بتحديث العلائي له في غير موضع من مؤلفاته (^١)، وأورد كذلك بعض مروياته بالإجازة الشفاهية منه (^٢)، وروى عنه بعض الأحاديث المسلسلة، كالمسلسل بالحفاظ، كما أشرنا من قبل وكالمسلسل بالآباء (^٣)، وبالإشارة (^٤)، وبالصوفية (^٥)، حيث كان كل منهما ممن لبس خرقة التصوف من أهله (^٦)، مع أن العراقي - كما قدمنا، وكما سيأتي - قد انتقد الصوفية في مُخالفاتهم، وَرَدَّ عليهم بقوة، فيما رآه يقتضي الكفر من عباراتهم، والعياذ بالله؛ ولكن كان العلائي قد أثر في العراقي على هذا النحو، وقدَّره حق التقدير، فإن العراقي بادَلَهُ نفس الروح، فقرَّر أنه ما رأى أحفظ منه (^٧)، وفي ترجمته له أثنى على علمه وخُلُقِه، ووصفه بحافظ المشرق والمغرب (^٨)، ولم أجده وَصَفَ بذلك أحدًا من شيوخه غير العلائي.\n\n<span data-type='title' id=toc-100>ثانيا: «ابن الخباز» مُسْنِدُ الشَّامِ وَمَنْ أَكْثَرَ العراقي الرواية عنه </span>(^٩):\nهو أبو عبد الله، محمد بن إسماعيل بن إبراهيم، المعروف بابن الخباز.\n_________\n(^١) «المنتقى من ذيل العراقي على العبر» ووفيات سنة ٧٤٤ هـ (ضمن مجموع ابن خطيب الناصرية) و«فتح المغيث» للعراقي جـ ٣/ ٨٠.\n(^٢) «فتاوى عاشوراء» للعراقي/ ٥٥.\n(^٣) «المناهل السلسلة» ٤/ ١١٨/ ١١٩.\n(^٤) «المناهل السلسلة» ٤/ ١٢٩.\n(^٥) «المناهل السلسلة» ٤/ ١٨١.\n(^٦) «ذيول تذكرة الحفاظ» ٤/¬٤٤ و«الدرر الكامنة» جـ ٤/ ٣٠٨.\n(^٧) «الجواهر والدرر» ١٢ ب و«المناهل السلسلة» ١٣٢، ١٣٣.\n(^٨) «الدرر الكامنة» جـ ٢/ ١٨١ و«ذيول تذكرة الحفاظ» / ٣٦١.\n(^٩) اعتمدت في التعريف به وبيان أثره في العراقي على «مقدمة طرح التثريب» للعراقي =","vol":"1","page":379},{"text":"الدمشقي، من نسل عبادة بن الصامت ﵁، ولد على وجه التقريب سنة ٦٦٧ هـ، وكان أبوه مشتغلا بالتحديث، فأحضره منذ طفولته على ذوي السند العالي، كأحمد بن عبد الدايم، وأجاز له عمر الكرماني، والنووي، وغيرهما، وقد روى بموجب حضوره وإجازته هذين، كثيرا من كتب السنة لمن بعده، وكثرت شيوخه ومروياته، حتى خرج له تلميذه الحافظ البرزالي مشيخة جامعة.\nوكان حضوره في الصغر على الشيوخ، وطول عمره نحو التسعين عاما، مما جعله ينفرد في عصره بكثير من شيوخه ومروياته حتى لقب بمسند دمشق ولقبه العراقي بمسند الشام والآفاق عموما، ووثقه، ثم ذكر أنه انقطع بموته كتب وأجزاء حديثية، أي انقطعت روايتها بالسند المتصل بالسماع؛ لعدم تحصيل سماعها منه قبل موته.\nوهذا يشير إلى تحري الرواية بالسند المتصل بالسماع حتى عصر العراقي كما قدمنا، وإلا لم يتنبه إلى الباقي اتصاله والمنقطع. وقد اشتغل ابن الخباز معظم عمره بالتحديث، منذ سن العشرين حتى وفاته سنة ٧٥٦ هـ.\nلكنه لم يكن كغيره موظفا يتقاضى أجرا على ذلك، بل كان يعمل بصناعة النسيج في منزله بدمشق، ويفتحه لطلاب السنة الوافدين من أنحاء الشام ومن خارجها، مثل العراقي وغيره، فيقرأون عليه مروياته غالب النهار، دون ملل منه ولا تمنع ولا انتظار جزاء إلا من الله تعالى.\nوليس أدل على صبره، من قراءة العراقي عليه أكثر من ثلث صحيح مسلم.\n_________\n= ج ١/ ٩٩، ١٠٠ و«الدرر الكامنة» جـ ٤/¬٤٤ والمصادر الآتية بعد …","vol":"1","page":380},{"text":"في مرة واحدة، كما قدمنا، رغم أن الرجل حينذاك كان في ضعف شيخوخته.\nونظرا لأنه كان مسندا، مهمته الرواية فقط، فإن تأثيره في العراقي ينصب على جانب الرواية والسند العالي الموثق، حتى شارك في الرواية عنه أبرز شيوخه، كالسبكي والعلائي وابن رافع وابن جماعة وغيرهم.\nوتقدم أنه كان هو والمرداوي أعلا شيوخ الشام إسنادا حين رحلة العراقي الأولى إليها سنة ٧٥٤ هـ، وكان لقاء العراقي به فيها هو الأول والأخير، حيث عاش الشيخ بعد ذلك نحو عامين فقط، ولم يقدر للعراقي رحلة فيهما للشام، ولكنه في هذا اللقاء الوحيد أكثر القراءة والسماع عليه، خاصة ما لم يكن سبق للعراقي تحصيل روايته عن غيره بالسماع أو القراءة، وقد تضمنت مروياته عنه بهما مختلف كتب السنة وعلومها، مما ضاعف رصيده وأهله لتلقيب العلائي له في ختام رحلته بالحافظ كما مر.\nفبجانب قراءته عليه صحيح مسلم، ومسند أحمد، كاملين، كما تقدم، تلقى عنه إحياء علوم الدين للغزالي (^١) وشمائل الرسول ﷺ للترمذي (^٢) ومعجم شيوخ أبي يعلى الموصلي (^٣)، ورحلة أصحاب الحديث للخطيب البغدادي (^٤) وبعض الأجزاء الحديثية الهامة، كجزء المؤمل (^٥) وجزء من انتقاء الحافظ المزي\n_________\n(^١) وإتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين، للزبيدي جـ ١/¬٤٥، ٤٦.\n(^٢) و«المجمع المؤسس» / ١٨٠\n(^٣) والمجمع المؤسس» / ١٨٨\n(^٤) و«المجمع المؤسس» / ١٨٩\n(^٥) المرجع السابق","vol":"1","page":381},{"text":"مِنْ مُسْنَدِ أحمدَ (^١) وغيرِ ذلكَ، كما تَلَقَّى عنه أيضًا مشيخةَ ابنِ طَبَرْزَدَ (^٢) وقد سبق بيانُ ما لروايةِ المشيخاتِ من ميزةِ وَصْلِ سندِ راويها بجملةِ كُتُبِ السُّنةِ والأجزاءِ المتعددةِ التي تحوي المشيخةَ أسماءَها وإسنادَها.\nوقد ظَهَرَ أثرُ المروياتِ الكثيرةِ والهامةِ التي حَصَّلَها العراقيُّ من ابنِ الخَبَّازِ بالقراءةِ والسماع، خلالَ مُؤَلَّفَاتِه عُمُومًا، ونصَّ في كثيرٍ منها على تلقيها بقراءتِهِ عليه بمنزلِهِ بدمشقَ في الرحلةِ الأولى (^٣) سواء بالنسبةِ للكُتُبِ الكاملةِ كمُسْنَدِ الإمام أحمدَ مع زياداتِ ولدِهِ عبدِ اللهِ فيه (^٤) أو الأحاديثِ المتفرقة (^٥) وخاصةً ما أورده بأعلا أسانيدِ عصرهِ المتصلةِ بالثقاتِ (^٦) وما علا سندهُ به من طريقهِ عن غيره (^٧).\nوقد قَدَّرَ العراقيُّ ابنَ الخَبَّازِ قَدْرَهُ، فترجم له ترجمةً وافيةً، وصفه فيها بأنه كان ثقةً صحيحَ السماع، سهلا في التسميع، راغبًا في الخير (^٨) على حين وصف بعضَ شيوخِهِ بأنه متكلم فيه، وبعضَهم بأنه عسر التحديث، كما أسلفنا، وكثيرًا ما لقبه عند الروايةِ عنه بـ «مُسْنَد الشام»، ومر تلقيبه له بـ «مُسْنَد الآفاق».\n_________\n(^١) المرجع السابق/ ١٩٠.\n(^٢) و«المجمع المؤسس» / ١٩١.\n(^٣) وأضاف الهيثمي رفيق العراقي في الرحلة والسماع عليه ذكر التاريخ فقال: (في الرحلة الأولى إلى الشام سنة ٧٥٤ هـ) (غاية المقصد في زوائد المسند للهيثمي ٤ ب (مخطوط).\n(^٤) جزء ما قيل إنه موضوع في مسند أحمد، للعراقي/ ٥) (ضمن القول المسدد لابن حجر).\n(^٥) ا «محجة القرب» ١٩ ب، ٢٣ و(الأربعين العشارية الإسناد» / حديث ١٣.\n(^٦) والأربعين العشارية) / أحاديث ١١، ١٣، ٣٩ ووالتقييد والإيضاح» / ٢٥٨، ٢٥٩.\n(^٧) (قرة العين) / ٥١/.\n(^٨) و«طرح التثريب» جـ ١/ ١٠٠.","vol":"1","page":382},{"text":"<span data-type='title' id=toc-101>ثالثا: «ست العرب» شيخة العراقي، والرد على المستشرقين </span>(^١):\nهي الشيخة الصالحة، أم محمد ست العرب بنت محمد بن علي بن أحمد المقدسية الصالحية، وجدّها «علي» يُعرف بابن البخاري، وكانت الرواية عنه مقياسًا لعلو السند، وقد أتيح لحفيدته ست العرب الحضور عليه في طفولتها كثيرًا وأجاز لها، ثم طال عمرها، فصارت بذلك مسندة في عصرها، وأكثرت من التحديث، فأسهمت باسم المرأة المسلمة في نشر السنة بإسنادها العالي الموثق، وسمع منها الأئمة والرحّالون كالعراقي وغيره، إلى أن توفيت في مستهل جمادى الأولى سنة ٧٦٧ هـ، ودُفنت بسفح قاسيون بضاحية الصالحية، ظاهر دمشق، وكانت تقيم بمنزلها بالسفح المذكور ومحدث فيه (^٢). كما كان زوجها المُسند علي بن محمد الأرموي يشاركها في التحديث، وفي الأخذ عن جدها ابن البخاري، حتى سمع العراقي منهما بعض المرويات (^٣). وأثرها في العراقي يرجع إلى جانب الرواية التي ركزت نشاطها فيها، فقد تلقى عنها خلال رحلاته الشامية كثيرًا من المرويات بإسنادها العالي الموثق حتى إنه سمع عليها بعض ما سبقت له روايته عن عدد من ذوي الإسناد العالي بمصر والشام كـ «جزء الغطريف» (^٤)، وغالب ما رواه العراقي عنها كان بقراءته عليها، وأشار ولي الدين بن العراقي الذي حضر معها عليها في الرحلة\n_________\n(^١) اعتمدتُ في التعريف بها وبيان تأثيرها في العراقي على «ذيل ولده ولي الدين والمراجع الآتي الإحالة عليها بعد».\n(^٢) «المناهل السلسلة» / ١٣٥.\n(^٣) «المجمع المؤسس» / ١٨٧.\n(^٤) «المجمع المؤسس» / ١٨٧.","vol":"1","page":383},{"text":"الأخيرة، إلى أن قراءة والده عليها كانت بسفح قاسيون (^١) الكائن به منزلها، كما قدمناه.\nوأول ما يطالعنا فيما قرأه العراقي عليها: النصف الثاني من السنن الكبرى للبيهقي وقدره كما أوضحنا من قبل (٥) مجلدات كبار، وبقراءته عليها استكمل رواية هذه السنن، حيث كان تلقّى نصفها الأول كما قدمنا بقراءته على (ابن الحموي)، أحد رواتها عن ابن البخاري أيضًا، وهكذا تعاون الرجل والمرأة في وصل سند الحافظ العراقي وغيره بتلك السنن الكبرى، التي تعتبر كالمستَخرَج على مجموع الكتب الستة الجامعة لأصول السنة (^٢) وقراءة العراقي للمجلدات الخمسة من السنن على ست العرب هذه، يمثل جهده الكبير في الطلب والتحصيل، كما يمثل مثابرة شيخته على النهوض برسالتها في نشر السنة، ويجعل منها أنموذجًا طيبًا لإسهام المرأة المسلمة في تحمل السنة وأدائها على الوجه اللائق.\nهذا بالإضافة إلى أنه قرأ وسمع عليها كتبًا وأجزاء أخرى، غالبها نادر الوجود الآن، كما أني لم أقف على تلقيه لها عن غيرها، وبذلك أضافت لمروياته وعلمه رصيدًا جديدًا.\nفمما قرأه عليها: كتاب (رفع اليدين في الصلاة) للإمام البخاري (^٣).\n_________\n(^١) و«مجموع ابن خطيب الناصرية» (ضمن ما نقله عن شيخه أبي زرعة ابن العراقي).\n(^٢) سيأتي تعريف المستخرج والكتب الستة هي: صحيحا البخاري ومسلم وسنن كل من أبي داؤد والترمذي والنسائي وابن ماجه.\n(^٣) والمعجم المفهرس و٢٠ أو (المجمع المؤسس) / ١٧٩ كلاهما لابن حجر.","vol":"1","page":384},{"text":"وكتاب «الخائفين» (يعني من الله تعالى) لابن أبي الدنيا (^١)، وكتاب «الحنين مع المحبين» لأبي نعيم (^٢)، وكتاب التفسير عن عمرو بن علي الفلاس (^٣)، وجزءًا من مُسْنَدِ الفِرْيَابي (^٤) وغير ذلك.\nومما سمعه عليها: كتاب «فضائل السيدة الزهراء ﵂» لابن شاهين (^٥) وجزءًا من حديث عمر بن محمد الزيات (^٦).\nوقد أثبت العراقي في تأليفه بعض مروياته بالقراءة على ست العرب هذه (^٧)، كما أثبت أيضا ولده ولي الدين بعضها (^٨) وقال: «وحضرت عليها كثيرا من مروياتها، وحدثنا عنها والدي والِهَيْثَمي مرات كثيرة» (^٩).\n\n<span data-type='title' id=toc-102>الرد على المستشرقين:</span>\nوبعد هذا البيان لأثر تلك الْمُسْنَدة الصالحة في العراقي واستفادته منها بالقراءة والسماع عليها، فضلًا عن غيره من حفاظ السنة ورواتها، تجدر الإشارة إلى أن المستشرق الألماني «يوسف هوروفتش» استدل برواية الرجل غير المحرم،\n_________\n(^١) المعجم المفهرس ٤/¬٣٨ أ.\n(^٢) المعجم المفهرس ٤/¬٣٨ و«الجمع المؤسس» ٤/ ١٨٥.\n(^٣) المعجم المفهرس ٤/¬٤٢ ب.\n(^٤) «الجمع المؤسس» ٤/ ١٨٢.\n(^٥) «الجمع المؤسس» ٤/ ١٨١.\n(^٦) «الجمع المؤسس» ٤/ ١٨٦.\n(^٧) «فتوئ عاشوراء» ٤/¬٤١.\n(^٨) «مجموع ابن خطيب الناصرية»: (نقوله عن شيخه أبي زرعة ابن العراقي).\n(^٩) «ذيل ولي الدين»: (وفيات سنة ٧٦٧ هـ).","vol":"1","page":385},{"text":"عن المرأة بالسماع منها، على وجود الاختلاط العام بينهما منذ فجر الإسلام (^١). ولما كان هذا ينطبق على قراءة العراقي وسماعه على ست العرب هذه وغيرها كما قدمنا، فإني رأيت لزوم التنبيه على أن استنتاج المستشرق المذكور ومن قد يشاركه، هو استنتاج خاطئ من وجهين:\nأولهما: أنه لا يلزم من السماع من المرأة أو القراءة عليها، مخالطتها، بل يمكن أن يتم ذلك مع وجود ساتر بينهما، وقد اتفق جمهور علماء السنة على أنه يصح سماع الحديث من الشخص أو قراءته عليه، رجلًا كان أو امرأة مع وجود حجاب بينه وبين السامع منه أو القارئ عليه، كغطاء الوجه، أو حائط ونحوه، من السواتر، بحيث لا يرى أحدهما الآخر، ويكفي تأكد السامع، أو القارئ، من شخصية المُسْمِع أو المقروء عليه، كما أثبتوا أن أمهات المؤمنين وغيرهن من الصحابيات، كن يُحدِّثن الرجال غير المحارم من وراء الحجاب بعد تشريعه، وهن قدوة لمن بعدهن في كل عصر (^٢).\nالأمر الثاني: أن الاختلاط الذي أقره الإسلام بين المرأة والرجل غير المحرم سواء في حالة الرواية أو غيرها من المصالح الدينية والدنيوية، مخالف تماما للاختلاط الذي أورده الأستاذ المستشرق في كلامه بلا تقييد، حسب بيئته الأوربية، وحسبما هو شائع الآن في البلاد المنتسبة للإسلام بصفة عامة للأسف. ذلك أن الاختلاط الذي أقره الإسلام، وضع له حدودًا وضوابط،\n_________\n(^١) «المغازي الأولى ومؤلفوها» للمستشرق المذكور، ترجمة الدكتور حسين نصار/ ٤٢، ٧٨، ٧٩.\n(^٢) «فتح المغيث» للعراقي جـ ٢/ ٦٤ و«فتح المغيث» للسخاوي جـ ٢/ ٥١ و«التقريب» للنووي و«شرحه التدريب» للسيوطي/ ٢٥٤/ و٢٥٥ و«صحيح البخاري مع فتح الباري» كتاب الشهادات باب شهادة الأعمى ونكاحه ومبايعته وقبوله في التأذين جـ ٦/ ١٩١ - ١٩٣.","vol":"1","page":386},{"text":"من الاقتصار على الضرورة المشروعة، وعدم الخلوة، والتزام الستر الكامل للعورة والمفاتن، والاحتشام في النطق والمظهر، والتعامل، والالتزام - فيما عدا نظرتي التعارف والضرورة - بغض النظر من كلا الطرفين، طبقا لأمر القرآن الكريم (^١) والسنة المطهرة لكل الأمة بذلك (^٢).\nولئن سلمنا بوقوع المخالفة لهذا من أحاد الأمة، فلا نسلمها بالنسبة لرواة السنة من الجنسين؛ لخضوعهم لقواعد النقد المعترف عالميا بدقتها، توثيقا وتجريحًا منذ فجر السنة وحتى عصر العراقي كما أسلفنا، وإلى قيام الساعة بإذن الله.\nوقد أطلق الحافظ الذهبي رأس النقاد في عصر العراقي، حكما عاما قال فيه: «ما علمت في النساء من اتُّهِمَتْ - يعني بعدم الصلاحية لقبول روايتها - من تركوها، وجميع من ضعف منهن إنما هو للجهالة - يعني عدم معرفة أشخاصهن (^٣) وأقره على هذا من تلاه من أئمة الجرح والتعديل».\nأما نقد الرجال تفصيلا، فقد تضمنته موسوعات علم الرجال المتقدمين والمتأخرين على السواء، وقد أوضحت التوثيق الكامل للعراقي من قبل. وعليه فإن رواية الرجل عن المرأة بالسماع منها أو القراءة أو السماع عليها كما فعل العراقي وغيره في عصره، ومنذ فجر الإسلام ليس فيها دلالة على ما استنتجه المستشرق المذكور ومن يشاركه الرأي، من لزوم\n_________\n(^١) انظر الآية ٢٤ من سورة النور.\n(^٢) انظر «المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية» لابن حجر العسقلاني/ باب أحكام النظر جـ ٢/¬١٥ - ١٧ وكتاب «السماع» لابن القيسراني/ ٣٨، ٣٩.\n(^٣) «تدريب الراوي» للسيوطي/ ٢١٣ أصل وهامش، والميزان للذهبي ٤/ ٦٠٤.","vol":"1","page":387},{"text":"الاختلاط، وعلى فرض وجوده فهو ليس اختلاطًا مطلقًا عن الضوابط والاعتبارات الشرعية، كما هو مقتضى سياق كلامه ونص عبارته المطلقة عن أي تحفظ أو استدراك، وما أكثر غمزات المستشرقين التي من هذا القبيل بعد أن أعياهم النيل من ثبوت مصدري الإسلام الأساسيين، وهما الكتاب والسنة، بالسند المتصل من مصدر الوحي الأول وإلى الأبد إن شاء الله.\n\n<span data-type='title' id=toc-103>النتيجة العامة لرحلات العراقي الشامية:</span>\nبعد أن تتبعنا خطوات العراقي ونشاطه عبر أهم رحلاته التي شملت الكثير من مدن الشام وقراه، وأوضحنا أهم نتائج كل رحلة خلال عرضنا لتفاصيلها، نستطيع إجمال ذلك في الآتي:\n١ - أن العراقي ذهب إلى الشام منذ أول رحلة، برصيد علمي سابق وباكورة تأليفه الضخمة وهي «تخريج أحاديث إحياء علوم الدين»، وتبادل مع أعلا حفاظ الشام علما ومكانة، البحث والإفادة، فشهدوا له بالمعرفة والفهم والإتقان في علوم السنة رواية ودراية، ولقبه أحفظهم وهو العلائي، بلقب «الحافظ» فصار بذلك من حفاظ السنة المعترف بهم في مصر والشام معا.\n٢ - أنه برغم هذا، فقد كان الطابع الغالب على العراقي خلال تلك الرحلات، هو طابع المستفيد والمحصل، أكثر من المفيد والمؤثر، كما كانت حصيلته من كل رحلة تشمل إضافات جديدة ومتنوعة تتضاعف بها ثروته العلمية السابقة، وتكتمل جوانب ثقافته في علوم السنة رواية ودراية.","vol":"1","page":388},{"text":"<span data-type='title' id=toc-104>٢ - الرحلات المحلية للعراقي داخل مصر ونتائجها</span>\nأشرنا من قبل إلى أن عامة الديار المصرية في عصر العراقي كانت عامرة بمدارس الحديث والمشتغلين بالسنة، بدءا من الإسكندرية في أقصى الشمال إلى أقصى الصعيد في الجنوب، لكن الإسكندرية كانت تلي مدينتي مصر والقاهرة في الإزدهار بالسنة، ولهذا فإن العراقي ركز اهتمامه بها، فقد قدمنا أنه خلال الفترة التي تخرج فيها على ابن التركماني، وكان مشتغلًا بالتلمذة على المسندين والحفاظ بمصر والقاهرة، حرص على تحصيل إجازة عدد من شيوخ الإسكندرية من نفس الطبقة المعاصرة لابن التركماني الذي خرجه. فلما تم تخريجه واستوفى شيوخ العاصمة وأعد نفسه للرحلة، خص الإسكندرية ببعض رحلاته، ولم أقف له على رحلة لغير الإسكندرية من البلاد المصرية، غير أن ولده ولي الدين، ترجم للمحدث عَلَم الدين أبو القاسم عبد الرحمن بن نصر الله الدمنهوري المتوفي بها في أواخر المحرم سنة ٧٦٥ هـ وقال: «إنه حَدَّث وسمع منه والدي والهيثمي» (^١) فلعل سماع العراقي عليه كان بدمنهور خلال رحلاته إلى الإسكندرية، لوقوعها في الطريق. أما رحلاته للإسكندرية فلم يُحدِّد المؤرخون منها غير رحلة واحدة في سنة ٧٥٦ هـ، ولكنني وقفت على ما يؤكد تكرر رحلاته إليها بعد هذه السنة كما سأوضحه.\nفبالنسبة لرحلة سنة ٧٥٦ هـ ذكرها ابن فهد حيث قال: «إن تقي الدين السبكي شيخ العراقي السابق، لما قدم من الشام إلى القاهرة في السنة المذكورة\n_________\n(^١) «ذيل ولي الدين»، وفيات سنة ٧٦٥ هـ.","vol":"1","page":389},{"text":"طلب منه أهل الحديث السماع عليه فامتنع بسبب غيبة الحافظ العراقي حينئذ بالإسكندرية، وقال: لا أسمع إلا بحضوره، تقديرا له، ولم يحضر العراقي حتى توفي السبكي دون أن يُحدثهم (^١) وعليه يكون العراقي قد قام بتلك الرحلة بعد رحلته الأولى للشام سنة ٧٥٤ هـ».\nوبما أن السبكي توفي في ٣ جمادى الآخرة سنة ٧٥٦ هـ بعد أن أقام بالقاهرة ٢٠ يوما، تكون رحلة العراقي للإسكندرية تقدمت على هذه المدة واستغرقت فوق الشهر على الأقل.\nويظهر من اهتمام المؤرخين بتحديدها، ومن ظروف العراقي قبلها، أنها كانت أولى رحلاته للإسكندرية، فقد بينا أنه رحل لأول مرة إلى الشام سنة ٧٥٤ هـ وجاور بمكة سنة ٧٥٥ هـ كما سيأتي، ثم كانت رحلة الإسكندرية هذه سنة ٧٥٦ هـ.\nوقد أشار العراقي بنفسه، فضلا عن غيره، لكثرة من تلقى عنهم الحديث بالإسكندرية (^٢) كما أثبت رواياته عن عدد منهم في مؤلفاته، غير أنه لم يحدد زمن الرواية عنهم على نحو ما فعل في رحلاته الشامية.\nلكني وجدت اثنين من أهم شيوخه بالإسكندرية، اقتربت وفاتهما جدا من زمن تلك الرحلة، بحيث يترجح أخذه عنهما فيها: أحدهما: هو الشيخ الصالح أبو محمد عبد الرحمن بن مكي بن إسماعيل.\n_________\n(^١) (لحظ الألحاظ) ٤/ ٢٢٣، ٢٢٤.\n(^٢) (ذيل وفيات الأعيان) للعراقي/ ١٥٥ أ (مخطوط مصور) و(الدرر الكامنة) جـ ٢/ ٣٥٦ و(لحظ الألحاظ) / ٢٢٥ و(مجموع ابن خطيب الناصرية) (ترجمة العراقي) و(المنهل الصافي) جـ ٢/ ٣١٢ أ.","vol":"1","page":390},{"text":"العوفي الزهري الإسكندراني المتوفى بها في ذي الحجة سنة ٧٥٧ هـ وهو أطول شيوخ العراقي عمرًا على الإطلاق، حيث كان حينئذ قد جاوز عشرين ومائة عام، وقد قرأ العراقي عليه عدة أجزاء حديثية كان يرويها بالإجازة العامة عن سبط الحافظ السلفي، وابن رواج وغيرهما من ذوي السند العالي (^١) كما انتقى له مجموعة أحاديث من مروياته بالإجازة أيضًا عن سبط السلفي، وخرجها من مصادر السنة ثم قرأها عليه (^٢) وهذا يدل على تقدم العراقي حينئذ في دراية السنة؛ لأن «الانتقاء» من مهمات الحفاظ وذوي المعرفة الجيدة، وقد عرف العراقي بجودة الإنتقاء (^٣). وقد أورد العراقي بعض مروياته عن هذا الشيخ ضمن أعلا أسانيد عصره المتصلة بالثقات (^٤) لكنه عاد واستبدلها بغيرها عن شيوخ آخرين بعد أن ترجح عنده عدم جواز الرواية بالإجازة العامة (^٥).\nوقد كانت رواية «العوفي» بها، واعتذر عما كتبه عنه من ذلك كما سنوضحه في موضعه (^٦).\nأما الشيخ الآخر من شيوخ تلك الرحلة في تقديري، فهو: محمد بن محمد بن عبد الكريم الإسكندري الشاذلي، وقد جمع بين التصوف ورواية الحديث كما وقع لغير واحد في هذا العصر، فسمع هذا الشيخ الحديث من\n_________\n(^١) «الدرر الكامنة» جـ ٢/ ٤٥٧.\n(^٢) «الأربعين العشارية» للعراقي ٣٧ مكرر.\n(^٣) «فتح المغيث» للسخاوي جـ ٢/ ٣٢٩.\n(^٤) «الأربعين العشارية» / أحاديث ٢٨، ٣٢ مكرر و٣٧ مكرر.\n(^٥) هي أن يقول الشخص مثلا أجزت الجميع أهل الإسكندرية أن يرووا عني مروياتي وانظر «التقييد والإيضاح»، ١٨٣.\n(^٦) وانظر «فتح المغيث» للعراقي جـ ٢/ ٦٨.","vol":"1","page":391},{"text":"الشريف تاج الدين الغرافي، ولبس خرقة التصوف من أبي عبد الله بن النعمان، فكان خاتمة أصحابه.\nوقد أخذ العراقي منه الأمرين فقال: «سمعت منه، ولبست منه الخرقة». هكذا قال، ونقله عنه تلميذه ابن حجر، دون تعليق (^١) مع أنه قد نقل عنهما، وعن غيرهما: أن ما زعمه الصوفية دليلًا على ذلك من الأحاديث فهو باطل (^٢). وللإمام ابن تيمية تفصيل في ذلك (^٣) يلتقي مع ما سيأتي عن العراقي من تغيير لبعض البدع العملية، لما كان قاضيًا للمدينة النبوية، وكذلك ما سيأتي من نقده لكفريات بعض المتصوفة. وقد أرخ العراقي وفاة شيخه هذا في ١٨ ربيع الآخر سنة ٧٥٨ هـ (^٤).\nثم إني وجدت ولي الدين ابن العراقي في ترجمته للمسند الكبير علي بن أحمد العرضي المتوفى في ٦ رمضان سنة ٧٦٤ هـ يقول: «سمع منه والدي وابن سند .. وكتب لي بالإجازة من ثغر الإسكندرية» (^٥).\nثم صرح ابن حجر وغيره بأن العراقي هو الذي حصل هذه الإجازة منه لولده (^٦) وفي ترجمة ولي الدين للمسند محمد بن محمد بن أبي الليث.\n_________\n(^١) الدرر الكامنة ٤/ ٣٠٨.\n(^٢) يُنظر المقاصد الحسنة للسخاوي - حرف اللام - حديث لبس الخرقة الصوفية برقم (٨٥٢).\n(^٣) مجموع الفتاوى ١١/ ٥١٠ - ٥١١.\n(^٤) الدرر الكامنة جـ ٤/ ٣٠٨.\n(^٥) «ذيل ولي الدين» وفيات سنة ٧٦٤ هـ.\n(^٦) «ذيل الدرر الكامنة» / ١٩٦ و«ذيل نزهة النظار في قضاة الأمصار» للزفتاوي/ ٤٥ ب و«طبقات الشافعية» لابن قاضي شهبة ١١٨ ب و«بهجة الناظرين» / ٨٦ و«شذرات الذهب» / جـ ٧/ ١٧٣.","vol":"1","page":392},{"text":"الإسكندري المتوفى مثل العرضي في سنة ٧٦٤ هـ قال أيضًا: «سمع منه بالإسكندرية والدي والهيثمي وغيرهما وكتب لي بالإجازة» (^١).\nولما كان ولي الدين قد ولد في أواخر سنة ٧٦٢ هـ فإن هذه التصريحات متضامنة، تفيد أن العراقي بعد رحلة سنة ٧٥٦ هـ السابقة وبعد ولادة ابنه ولي الدين قام برحلة أخرى على الأقل إلى الإسكندرية، وسمع فيها الحديث على شيوخها، وفي مقدمتهم العرضي وابن أبي الليث اللذين استجازهما لولده.\nبل إن العرضي يُعَدُّ ممن أكثر العراقي عنه الرواية بالقراءة والسماع لكثير من كتب السنة، ما بين أمهات ونوادر وأمالي وأجزاء وعوالي وفوائد حديثية ضخمة، علاوة على مشيخة وبعض المنتخبات، إلا أن من أثبت تلقي العراقي لهذا كله عن العرضي لم يُحدّد مكان أو زمان تلقيه، وسيأتي أن العراقي استقدم العرضي إلى القاهرة سنة ٧٦٠ هـ لسماع مسند الإمام أحمد عليه، فربما سمع عليه حينئذ بجانب المسند، بعض تلك المرويات، غير أن مما يُرجح أخذ غالبها عنه بالإسكندرية أمران:\nأحدهما: أن ما أثبت العراقي بنفسه روايته عن العرضي بمدينتي مصر والقاهرة غالبه من مسند الإمام أحمد الذي استقدم العرضي أساسًا من أجله (^٢).\nثانيهما: أن إقامة العرضي المحدودة بالقاهرة لا تتسع بجانب قراءة المسند\n_________\n(^١) «ذيل ولي الدين» وفيات سنة ٧٦٤ هـ.\n(^٢) جزء ما قيل بوضعه من مسند أحمد/ ٣ (ضمن (القول المسدد) لابن حجر) و«فتح المغيث» للعراقي جـ ١/¬١٣ و٥ «قرة العين» / ٨ ب، ١٤ أ، ٣١ أ.","vol":"1","page":393},{"text":"عليه كاملا، لقراءة وسماع بقية مرويات العراقي الأخرى عنه لكثرتها وضخامة عدد منها كما يتضح من تتبعنا التفصيلي لأهمها، فقد قرأ وسمع عليه جامع الترمذي كاملا (^١) وقرأ وسمع عليه سنن أبي داود كله (^٢) وقرأ عليه «فوائد تمام الرازي الحديثية» وقدرها ثلاثون جزءًا حديثيًا (^٣) تبلغ ثلاث مجلدات متوسطة وكتاب «المنامات» لابن أبي الدنيا (^٤) وجزءًا من «الأحاديث السباعية الإسناد» لأبي بكر محمد بن عبد الباقي (^٥) ومجلس ٣، ٤ من أمالي الجوهري الحديثية (^٦).\nوكتاب «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» لابن أبي الدنيا (^٧) وجزءا من «النوادر والنتف» لأبي الشيخ الأصبهاني (^٨) وجزءًا منتقى من مسند أحمد انتقاه الحافظ المزي (^٩) وعدة أجزاء حديثية أخرى منها «جزء من حديث أبي بكر الصيدلاني» (^١٠) كما سمع عليه «مشيخة الفخر ابن البخاري» (^١١)\n_________\n(^١) «قرة العين» / ٤١ و(محجة القرب) ٧ أ و(ذيل التقييد) للفاسي/ ٢١٩.\n(^٢) «ذيل التقييد» / ٢١٩ و(محجة القرب) ٣٥ ب.\n(^٣) «المجمع المؤسس» ١٨٤ و(قرة العين) / ٢٤ و٥ «محجة القرب» / ٢٠ أ.\n(^٤) «المعجم المفهرس» لابن حجر/ ٤٩ ب\n(^٥) «المجمع المؤسس» ١٨٢\n(^٦) «المجمع المؤسس» ١٨٣.\n(^٧) «المعجم المفهرس» ٣٨ ب.\n(^٨) «المجمع المؤسس» ٢/ ١٨٤ و٥ المعجم المفهرس ١/¬٤٩ ب.\n(^٩) «المجمع المؤسس» ١٨٥، ١٩٠.\n(^١٠) «المجمع المؤسس» ١٩٠\n(^١١) «المجمع المؤسس» ٧٩.","vol":"1","page":394},{"text":"وقد سبق بياننا لأهمية سماع المشيخات، أما المرويات التفصيلية الآنفة الذكر فهي تدل بوضوح على كثرة استفادة العراقي بمرويات العرضي ودعمها لحصيلته من كتب السنة بأنواعها المختلفة وأسانيدها العالية الموثقة.\nعلى أن هناك طائفة أخرى من شيوخ الإسكندرية تأخرت وفاتهم عمن ذكرنا، وأثبت العراقي بنفسه قراءته وسماعه بعض المرويات الأساسية عليهم بالإسكندرية مثل أبي عبد الله محمد بن أحمد بن هبة الأموي المعروف بابن البوري الإسكندراني المتوفى بها سنة ٧٦٧ هـ (^١) فقد أشار العراقي إلى قراءته عليه جامع الترمذي بثغر الإسكندرية (^٢) وأقره على ذلك تلميذاهُ: ابن حجر (^٣) والتقي الفاسي (^٤) ويعتبر ابن البوري ثاني من تلقى العراقي عنه «جامع الترمذي» من شيوخ الإسكندرية حيث تقدم تلقيه عن العرضي أيضًا، كما أنه تلقاه عن غيرهما من شيوخ القاهرة (^٥) وشيوخ الشام كما ذكرنا في رحلاتها، وقد أوضحنا من قبل فائدة تعدد تلقي الكتاب الواحد على أكثر من شيخ، وهي متحققة هنا بحسب بحثي لرواية العراقي عن كل شيخ على حدة، وعليه تُعدُّ قراءته لهذا «الجامع» على ابن البوري فضلا عن غيره، أحد فوائد رحلته إلى الإسكندرية.\n_________\n(^١) (الدرر الكامنة) جـ ٣/ ٤٦١ و٥ (لحظ الألحاظ) / ٢٢٥ وو(المنهل الصافي) جـ ٢/ ٣١٢.\n(^٢) (قرة العين) / ٤١ و(محجة القرب) ٧ أ، ١٣ أ، ١١٠ ب.\n(^٣) (الدرر الكامنة) جـ ٣/ ٤٩١.\n(^٤) و«ذيل التقييد» ٢١٩ أ.\n(^٥) و(محجة القرب) / ٧ أ، ١٣ أ.","vol":"1","page":395},{"text":"أما أكثر شيوخه بها تأخرًا في الوفاة، فهو التاج أبو عبد الله محمد بن أحمد المعروف بابن موسى الشافعي السكندري، حيث توفي بها في سنة ٧٩٨ هـ وكان آخر من يروي - بالإسكندرية بالسماع المتصل - مرويات رائد السنة بها الحافظ السلفي، حتى قال العراقي عند وفاته:\nفي عام تسعين بعد سبع ميء … ثم ثمان تُعدُّ بالضَّبط\nلم يبق بالثغر من يُقال له حدثكم … واحد عن السَّبط (^١)\nوقد أشار ولي الدين ابن العراقي إلى أحد المحدثين الذي صاحب والده في بعض رحلاته للشام وللإسكندرية معا وهو المحدّث الزاهد نور الدين أبو الحسن علي بن الحسين المصري الشهير بالبنا المتوفى بدمشق سنة ٧٦٨ هـ فقال: «إنه توجه للشام والإسكندرية صُحْبَةَ والدي، وبصحبته استفاد هذا الفن وانتفع به» (^٢)، وهذا دليل مؤكد لمكانة العراقي العلمية حين قيامه بتلك الرحلات بحيث أصبح يؤثر فيمن يصحبه ويفيده علم الحديث.\nالنتيجة العامة:\nأما فائدة العراقي نفسه من رحلاته إلى الإسكندرية بصفة عامة فإنها ترجع إلى جانب الرواية، حسبما أوقفني عليه البحث التفصيلي للوقائع، وما قدمته آنفًا من نماذج المرويات التي حصلها، وأبرز الشيوخ الذين التقى بهم، فكلهم - كما رأيت - مسندون، مهمتهم أداء المرويات المختلفة من كتب علوم السنة، كما تحملوها فقط، أما الحفاظ الذين تُستفاد منهم الدراية ببحث المتن والسند، فلم\n_________\n(^١) «الجواهر والدرر» ٢٣ أ، ٢٤ أ و«الضوء اللامع» جـ ٤/ ١٧٨ ويقصد بالسبط: سبط السلفي الذي كان يروي عنه بالسماع وعنه يروي ابن موسى.\n(^٢) «ذيل ولي الدين» وفيات سنة ٧٦٨ هـ.","vol":"1","page":396},{"text":"أجد له لقاء بأحد منهم بالإسكندرية، بينما كانت رحلاته الشامية كما مر جامعة في نتائجها بين الرواية والدراية معا ومنح العراقي خلالها الألقاب العلمية السابق ذكرها.\n\n<span data-type='title' id=toc-105>٣ - رحلات العراقي الحجازية وأهم نتائجها</span>\nهذه هي الحلقة الثالثة والأخيرة في مسيرتنا مع الحافظ العراقي عبر رحلاته في سبيل السنة، وفي تلك الحلقة شارك علوم السنة مقصود آخر، وهو أداء شعائر الحج وتحصيل الثواب الإلهي المضاعف على الصلاة بالحرمين المكي والمدني خلال الإقامة بجوارهما، وهذا ما كان يدعو كثيرًا من العلماء الصالحين للإتيان من كل مكان والإقامة بجوار الحرمين فترات زمنية متعددة يعبر عنها في تراجم الأعلام بـ «المجاورة»، ويمتدح فاعلها، وعقد العراقي لها في كتابه «تقريب الأسانيد» في أحاديث الأحكام «باب الاعتكاف والمجاورة» (^١) غير أن تلك الشعائر والصلوات لم تكن تشغل إلا وقتا محدودًا وما عداه استغرقه العراقي في الاشتغال بعلوم السنة، ولهذا عددنا رحلاته تلك للحج والمجاورة، رحلات علمية أيضًا وسيظهر لنا عظم مكانتها من نشاطه في تحصيل السنة ونشرها.\nذلك أن الحرمين المكي والمدني منذ جعلهما الله ورسوله ﷺ مثابة للناس وأمنا، وهما جامعتان كبريان للمسلمين أساتذة وطلابًا من كل بقاع الأرض، وتجلى ذلك في عصر العراقي، وبالنسبة لعلوم السنة بوضوح حتى كانت المركز الثالث بعد مصر والشام حيث قصدها العلماء بالهجرة بعد نكبة العالم.\n_________\n(^١) «تقريب الأسانيد»، ٦٢، ٦٣.","vol":"1","page":397},{"text":"الإسلامي شرقا وغربا.\nوقد عني المماليك وغيرهم برصد الأوقاف العديدة على الحرمين وتعيين المحدثين بهما لنشرها وتعليمها للوافدين والمقيمين بها، كما قدمنا في حالة العصر.\nثم كان المشتغلون بالسنة من حفاظ ومحدثين ومسندين وطلاب يجتمعون من شتى البلاد في الحج والمجاورة المشار إليها آنفًا، فيسمع الطلاب ويتتلمذون ويروي لهم الشيوخ ويشرحون، كما يتبادل الشيوخ فيما بينهم السماع والمؤلفات والمباحثة في علوم السنة، وبذلك كان الحجاز كما قال الذهبي: «حقيقا بأن يُرحل إليه فضلا عن كونه محلا للنسك» (^١).\nوكان الحرمان وما حولهما بمكة والمدينة كخلية النحل العاملة على امتداد السنة، فتنتقل مرويات المشارقة ودرايتهم إلى المغاربة وبالعكس، وتصنع أسانيد الحديث بينهم رابطة خالدة، أوسع وأعمق من رابطة الجنس والنسب كما نجدها حتى اليوم في مصادر السنة المختلفة (^٢) وفيما نورده بشأن العراقي.\nوقد اتفق ألصق الناس به من تلاميذه وولده، على كثرة رحلاته للحج والمجاورة كما مر، وقرروا أيضًا مع غيرهم أنه أكثر التلقي عن شيوخه بالحجاز، وحدث كثيرًا أيضا بالحرمين (^٣) غير أنهم لم يُقدِّموا لنا إحصاء تاما ولا بيانًا.\n_________\n(^١) الإعلان بالتوبيخ للسخاوي/ ٦٦٠ (ضمن علم التاريخ عند المسلمين، لروزنتال).\n(^٢) انظر مثلا: «فهرس الفهارس والأثبات» للكتابي جـ ١/¬٥ وما بعدها و«المناهل السلسلة في الأحاديث المسلسلة»، من أوله إلى آخره.\n(^٣) «الضوء اللامع» جـ ٤/ ١٧٤ و(التحفة اللطيفة) جـ ٢/¬٣٧ (مخطوط مصور) وكلاهما للسخاوي و(لحظ الألحاظ) / ٢٢٥ و(شذرات الذهب) جـ ٧/ ٥٥ و(البدر الطالع) ج ١/ ٣٥٤ و(المنهل الصافي) جـ ٢/ ٣١١ ب و(غاية النهاية) لابن الجزري جـ ١/ ٣٨٢ =","vol":"1","page":398},{"text":"مفصلا لتلك الرحلات ولنشاط العراقي في علوم السنة خلالها، وأقصى ما أشار له ولي الدين بن العراقي، هو أربع حجات، حيث ذكر أن والدته حجتها مع والده (^١) دون ذكر تفصيلات أخرى.\nثم فصل القول هو وغيره عن رحلتين فقط، حج العراقي فيهما وجاور واشتغل بالسنة.\nوبالبحث والاستنتاج أمكنني بيان ثلاث رحلات أخرى، فيكون مجموع ما سأتناوله هنا تفصيلا خمس رحلات بيانها كالآتي:\n\n<span data-type='title' id=toc-106>أ - الرحلة الأولى:</span>\nوأقدم رحلة وقفت على ذكرها كانت سنة ٧٥٥ هـ، أي في السنة التالية لأولى رحلات العراقي الشامية المتقدمة، وهذا يؤكد القول بتوالي رحلاته سنويا لمراكز السنة بمصر والشام والحجاز خلال فترة غير قصيرة من حياته.\nوقد ذكر ابن فهد تلك الرحلة بقوله: (ففي سنة ٧٥٥ هـ جاور بمكة في الرجبية وحج (^٢».\nوهذا معناه أن العراقي خرج إلى الأراضي الحجازية خلال شهر رجب وأقام بجوار المسجد الحرام بمكة حتى موسم الحج في ذي الحجة مع احتساب ذهابه أيضا للمدينة لزيارة مسجد الرسول ﷺ والسلام عليه والالتقاء بشيوخ الحديث المتوافرين، وطلابه هناك، وتكون الرحلة عموما قد استغرقت عدة أشهر، وقد\n_________\n= و(مجموع ابن خطيب الناصرية) (ترجمة العراقي) و(إنباء الغمر) جـ ٢/ ٢٧٦.\n(^١) و(ذيل ولي الدين) وفيات سنة ٧٨٣ هـ (ترجمة والدته أم أحمد عائشة).\n(^٢) و(لحظ الألحاظ) / ٢٢٦، و(الرجبية) يعني: العمرة في شهر رجب.","vol":"1","page":399},{"text":"التقى العراقي بمكة في هذه الرحلة بأستاذه البارز حافظ الشام صلاح الدين العلائي، حيث كان هو الآخر كثير الحج والمجاورة كما سلف، وقد سمحت شهور المجاورة للعراقي بأن يلازم العلائي، للمرة الثانية (^١) بعد ملازمته له من قبل بالقدس كما مر، وبذلك تضاعفت استفادته بعلمه، وإذا كان قد شهد له في الملازمة الأولى ببلوغ درجة «الحافظ» فلا شك أنه أكد في هذه الملازمة تقديره له، بموجب ما عرفناه عن العلائي من الخبرة والإنصاف، وما عرفناه عن العراقي من التصعيد المستمر لنشاطه في جانبي الرواية والدراية معا، بل إن ملازمة العراقي لأستاذه العلائي في تلك المجاورة لم تمنعه من الجد في الاستفادة بغيره من شيوخ الحديث ورواته المعدودين بمكة، ولهذا ذكر المؤرخون أنه سمع بها الحديث من كثيرين، وذكروا ثلاثة منهم يجمعون بين الحديث والإمامة في الفقه (^٢) ولكني وجدتُ أقدمهم وفاة: هو أحمد بن قاسم القرشي العمري الحرازي المكي الذي سمع الحديث ومهر في الفقه حتى انتهت إليه رياسة الفتوى بمكة، وقد توفي بها في ١٢ شوال سنة ٧٥٥ هـ (^٣) أي أثناء وجود العراقي في تلك المجاورة، وهذا يرجح سماعه منه فيها.\nوممن تأخرت وفاته عن ذلك أحمد بن علي بن يوسف المتوفى - على أبعد تقدير - أول سنة ٧٦٣ هـ - بمكة وكان إمام الحنفية بها، وقد كتب الحديث عنه العفيف المطري إمام المحدثين بالمدينة كما سيأتي، أما العراقي فقرأ عليه «تاريخ\n_________\n(^١) (لحظ الألحاظ) / ٢٢٦ ووالضوء اللامع وجـ ٤/ ١٧٢.\n(^٢) و«مجموع ابن خطيب الناصرية» (ترجمة العراقي) و(لحظ الألحاظ) / ٢٢٥ ووالمنهل الصافي، جـ ٢/ ٣١١ ب و(الضوء اللامع) جـ ٤/ ١٧٢.\n(^٣) «الدرر الكامنة» جـ ١/ ١٥٠","vol":"1","page":400},{"text":"المدينة» لابن النجار، وهو يعد من عيون مروياته، لاتصال روايته له بالسماع من مؤلفه (^١). كما لم يُعرف تلقي العراقي له عن غيره بحيث يُعد إضافة علمية جديدة لرصيده.\nأما بالنسبة للمدينة المنورة فقد قرر المؤرخون أيضًا أن العراقي سمع فيها خلال حجه ومجاوراته من كثيرين، وحددوا منهم العفيف المطري فقط (^٢).\nوهو عبد الله بن محمد بن أحمد المتوفى بالمدينة في ربيع سنة ٧٦٥ هـ وقد كان شيخ المحدثين بالحرم المدني في وقته، ويُعد أوسع شيوخ العراقي رحلة في طلب الحديث، وقد سمع منه الذهبي ووثقه، ومع أنه كان معنيا بعلم الطب، فقد وصفه زين الدين بن رجب الحنبلي قرين العراقي ومشاركه في السماع عليه بأنه كان حافظ وقته، كما قرر أنه كان حسن الملتقى للواردين على المدينة من أهل العلم (^٣).\nغير أني لم أقف على تحديد زمن التقاء العراقي به، ولا على نموذج لما تلقاه عنه، ولكن من المؤكد أن التقاءه به واستفادته منه كانا قبل تاريخ وفاته المذكور آنفًا، وبموجب كونه حافظ المدينة في وقته، يكون العراقي قد استفاد منه في الرواية والدراية معا، ولعل مما يرجح التقاء العراقي به منذ تلك الرحلة الأولى التي نحن بصددها، طول المدة التي قضاها العراقي فيها ومكانة الحافظ المطري العلمية، وحسن معاملته للواردين من أهل العلم، لا سيما\n_________\n(^١) «الدرر الكامنة» جـ ١/ ٢٣٦ و(ذيل ولي الدين) (وفيات سنة ٧٦٣ هـ).\n(^٢) (مجموع ابن خطيب الناصرية) (ترجمة العراقي) و(الحظ الألحاظ) / ٢٢٥ و(المنهل الصافي) جـ ٢/ ٣١١ ب و(الضوء اللامع) جـ ٤/ ١٧٢.\n(^٣) (الدرر الكامنة) جـ ٢/ ٣٩٠ و(المناهل السلسلة) / ١٤٩.","vol":"1","page":401},{"text":"المشهود بامتيازهم كالحافظ العراقي. وعليه تكون تلك الرحلة ذات أثر كبير في شخصية العراقي الحديثية حيث أتاحت له بجانب الأخذ عن شيوخ الرواية، التلمذة على اثنين من أبرز علماء الدراية، وهما الحافظ العلائي بمكة، والحافظ المطري بالمدينة، وبذلك تضاعف عائده العلمي منها على وجه العموم.\n\n<span data-type='title' id=toc-107>ب - الرحلة الثانية:</span>\nوكما حدَّد ابن فهد الرحلة السابقة، فإنه أشار إلى رحلة أخرى للحافظ العراقي إلى الحجاز، حيث قال: إن الحافظ تقي الدين بن رافع، مر به العراقي وهو بمكة سنة ٧٦٣ هـ فقال: «ما في القاهرة مُحدّث إلَّا هذا والقاضي عز الدين بن جماعة» (^١)، وهذا يفيد أن العراقي رحل في السنة المذكورة للحج، لكن لم يتعرض ابن فهد، فضلا عن غيره لتفصيلات أخرى عن تلك الرحلة، والحافظ ابن رافع المذكور قدمنا عن الذهبي أنه من أعيان حفاظ الشام في عصره، وتوفي بدمشق في ١٨ جمادى الأولى سنة ٧٧٤ هـ، وقد تتلمذ له العراقي بالشام، خاصة في رحلته الأخيرة إليها سنة ٧٦٥ هـ، حيث أحضر عليه فيها ولده أبا زرعة (^٢)، وعليه تعتبر شهادته المذكورة للعراقي بأنه ثاني محدث بالقاهرة بعد شيخه ابن جماعة، شهادة لها قيمتها باعتباره من حفاظ السنة المعتبرين، وقد تتلمذ له العراقي المشهود له.\nوجدير بالذكر أن ابن جماعة كان موجودًا في هذه السنة أيضًا بالحج حيث\n_________\n(^١) «لحظ الألحاظ» / ٢٢٧.\n(^٢) «ذيل ولي الدين» (وفيات سنة ٧٧٤ هـ).","vol":"1","page":402},{"text":"التقى به زين الدين بن رجب الحنبلي رفيق العراقي في الطلب (^١) وقد أثبت العراقي روايته عن ابن جماعة بمكة كما سلف، فلعل ذلك كان في تلك الرحلة الحافلة باجتماع حفاظ مصر والشام في رحاب الحرمين وخلال شعائر الحج يستفيدون علوم السنة ويفيدونها ويضع بعضهم بعضًا في الدرجة العلمية التي يراه كفء لها.\nولو لم يكن للعراقي من رحلته هذه إلا شهادة ابن رافع المتقدمة، لكفت لأنها تقرر مكانته بين علماء السنة بمصر والشام والحجاز حين قام بتلك الرحلة.\n\n<span data-type='title' id=toc-108>جـ - الرحلة الثالثة، وتغير الطابع العام لرحلات العراقي ابتداءا منها:</span>\nتعتبر هذه الرحلة أكثر رحلات العراقي الحجازية التي عنى ولده ولي الدين وغيره بتفاصيلها، ففي ترجمة شهاب الدين أحمد بن لولو الشهير بابن النقيب والمتوفى بالقاهرة سنة ٧٦٩ هـ، قال عنه ولي الدين: «ترافق هو ووالدي على الخروج للمجاورة في ربيع الأول سنة ٧٦٨ هـ، وكنت معهما وجميع عيال والدي» (^٢) ثم ذكر منهم برهان الدين إبراهيم ابن أخي العراقي الذي كان متوليا تربيته كما قدمنا، وبين أيضًا وقائع الرحلة: بأنهم بدأوا بالمدينة المنورة فأقاموا بها عدة أشهر، ثم خرجوا إلى مكة حيث اقترب موسم الحج (^٣) ونحو هذا ذكر السخاوي (^٤).\n_________\n(^١) وذيل طبقات الحنابلة، له ٤/ ٤٤٧ ترجمة محمد بن أحمد السقا، وتحرف فيها سنة ٧٦٣ هـ إلى ٦٦٣ هـ\n(^٢) و«ذيل ولي الدين» (وفيات سنة ٧٦٩ هـ).\n(^٣) هـ «ذيل ولي الدين» (وفيات سنة ٧٦٩ ترجمة ابن النقيب).\n(^٤) (الضوء اللامع) جـ ٤/ ١٧٤.","vol":"1","page":403},{"text":"وعندما نتأمل تاريخ هذه الرحلة نجد أنها تجيء بعد آخر رحلات العراقي الشامية، وبعد كثير من رحلاته داخل مصر، إن لم يكن جميعها، فضلا عن رحلاته الحجازية المتقدمة، وبذلك كان قد خطا عدة خطوات على طريق النضج العلمي، وقطع مراحل ذات عائد ضخم من علمي الرواية والدراية كما سلف وتجيء أيضًا بعد أن غاب من الساحة حفاظها البارزون من شيوخ العراقي بمصر والشام والحجاز، حيث توفي قبلها العلائي وابن جماعة والعفيف المطري.\nومن هنا بدأت شخصية العراقي تصعد لملء هذا الفراغ على مستوى المنطقة وبالتالي فإنه منذ هذه الرحلة تغير الطابع العام لرحلات العراقي، فبعد أن كانت رحلاته السابقة غالبها استفادته هو، نجد أن تلك الرحلة وتالياتها غالبها إفادته لغيره، وظهور نتاجه العلمي في علوم السنة واتخاذه منهجا لدراستها.\nففي هذه الرحلة فرغ العراقي من باكورة تأليفه في أصول علوم السنة وهي ألفيته الشهيرة، حيث قال بنفسه: «فرغت منها يوم الخميس المبارك ٣ جمادى الآخرة سنة ٧٦٨ هـ بالمدينة الشريفة، على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، وأكملت تبييضها في يوم الثلاثاء ١٤ رجب سنة تاريخه» (^١) ثم قام العراقي في نفس الرحلة بتدريس هذه الألفية لطلاب السنة؛ ومع أن رفيقه ابن النقيب كان من شيوخه، الذين سمع منهم الحديث وتخرج به غيره من الفضلاء، فإنه حضر تدريسه للألفية من أولها لآخرها بل كتبها عنه بخطه (^٢)،\n_________\n(^١) انظر آخر نسختها الخطية رقم (٤٠٣) مصطلح الحديث بدار الكتب المصرية.\n(^٢) و«ذيل ولي الدين» (وفيات سنة ٧٦٩ هـ ترجمة ابن النقيب) و(الضوء اللامع) ج ٤/ ١٧٤ و«لحظ الألحاظ» / ٢٢٨.","vol":"1","page":404},{"text":"فإذا كان هذا شأن أحد شيوخه، فما بالنا بغيره من طلاب السنة المبتدئين. على أن نشاطه في تلك الرحلة تجاوز مجال الدراية إلى مجال الرواية فحدث في الحرمين بكثير من مروياته (^١).\nوهكذا ظهرت شخصيته باعتباره محدثًا بالحرمين ومؤلفًا في أصول علوم السنة ومدرسا لها، وتتلمذ له في الدراية بعض شيوخه في الرواية وكتب عنه تأليفه بخطه، وذلك غاية الدلالة على مكانته حينئذ، وعلى طابع رحلته الجديد كما أوضحنا.\nغير أن ذلك لم يمنعه من مواصلة التزود من علوم السنة والتلمذة لغيره فيها، ففي ترجمة عبد الله بن عقيل النحوي المعروف، قال ولي الدين ابن العراقي: «إنه حدث، وسمع منه والدي وأسمعني عليه بمكة المشرفة» (^٢).\nويترجح أن يكون ذلك في تلك الرحلة، حيث كان ولي الدين في سن السماع، ولأن ابن عقيل توفي بالقاهرة عقب تلك الرحلة في ربيع الأول سنة ٧٦٩ هـ (^٣).\nبل أكثر من هذا، أن العراقي انتهز فرصة مجاورة تقي الدين الواسطي شيخ القراء بمصر، معه بمكة، وأتم عليه القراءات السبع (^٤) بعد مرور نحو ٢٦ عامًا على تحوله من القراءات إلى السنة، كما تقدم، وكأنه عزَّ عليه أن لا يُحصل نتيجة مستكملة من هذا العلم رغم سابق إنهماكه فيه، فأتم القراءات السبع.\n_________\n(^١) «التحفة اللطيفة» للسخاوي جـ ٢/¬٣٧.\n(^٢) «ذيل ولي الدين» (وفيات سنة ٧٦٩ هـ).\n(^٣) نفس المرجع.\n(^٤) «غاية النهاية» لابن الجزري جـ ١/ ٣٣٤.","vol":"1","page":405},{"text":"في تلك الفرصة السانحة، بعد أن حصل من الفن الذي تحول إليه ما أوصله إلى الدرجة المشار إليها في تلك الرحلة.\n\n<span data-type='title' id=toc-109>د - الرحلة الرابعة:</span>\nهذه الرحلة قام بها العراقي للحج سنة ٧٧٣ هـ، ولم أجد لها ذكرًا في تراجمه، ولكني وقفت على إثبات العراقي بنفسه لها، حيث قال في شرحه لألفيته في المصطلح، السابقة: «قرأ علي جميع هذا الشرح: الشيخ الإمام المحدث نور الدين علي بن أبي بكر بن سليمان الهيثمي، في مجالس آخرها يوم الثلاثاء ١٣ ذي القعدة سنة ٧٧٣ هـ، بعضه بالقاهرة وبعضه بمكة المشرفة، وسمع جميع ذلك: الفقيه المحدث الفاضل جمال الدين محمد بن عبد الله ابن ظهيرة القرشي المكي، والمحدث شمس الدين محمد بن محمد بن عمر اليشكري الأصل المدني. وكان لهما فوت، أعاده جمال الدين بن ظهيرة بقراءته، وأعاد اليشكري أيضًا لنفسه من فوته صفحة فكمل لهما سماع جميع الكتاب بمكة، وسمع الإمام العلامة مفتي المسلمين، وصدر المدرسين، جمال الدين أبو إسحق إبراهيم بن محمد الأميوطي: بعض أبواب، بمكة. وسمع الشيخ المحدث المقرى شمس الدين محمد بن علي بن ضرغام البكري، نزيل مكة، عرف بابن سكر. وسمع الشيخ الفقيه نور الدين إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن الجلال الاسنائي …»\nوسمع الإمام الأوحد، المحدث نور الدين علي بن إسماعيل المديحي …\nوسمع شهاب الدين أحمد بن موسى بن علي بن الوكيل، المكي …\nوحضر ابني أبو حاتم محمد، في السنة الثالثة من عمره …","vol":"1","page":406},{"text":"وحضر شيخنا: المسيد الرحلة، كمال الدين محمد بن الشيخ الإمام الحافظ زين الدين عمر بن الحسن بن عمر بن حبيب (الحلبي): من قوله: «طبقات الرواة إلى آخر الكتاب، وصح ذلك وثبت في التاريخ المتقدم (أي ١٣ ذي القعدة) خلا ما كان فيه فوتًا لابن ظهيرة واليشكري، ففي مجالس، آخرها يوم السبت ٢٤ ذي القعدة المذكور، وأجزت لكل من الجماعة ما تجوز لي وعني روايته، كتبه: عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن بن العراقي …» (^١).\nومن هذه الوقائع التي سجلها العراقي بنفسه، يتضح لنا الآتي:\n١ - أنه كان موجودًا بمكة خلال شهر ذي القعدة سنة ٧٧٣ هـ، وقام بتدريس علوم السنة بها، وذلك من شرحه لألفيته في المصطلح.\n٢ - أن طابع هذه الرحلة يُعتبر إمتدادًا لطابع الرحلة السابقة، مع ازدياد نشاط العراقي وتأثيره، ففي الرحلة السابقة، دَرَسَ علوم السنة من متن الألفية، وفي هذه الرحلة، درس شرحها الذي فرغ من تأليفه بظاهر القاهرة فيما بين الرحلتين، كما سيأتي، ثم امتد نشاطه في تدريس علوم السنة بين القاهرة والحجاز.\n٣ - أن حضور ولده (أبي حاتم) عليه في تلك الرحلة، وهو في الثالثة من عمره، يفيد اصطحاب أسرته معه فيها، كما يفيد أنه أصبح أستاذًا لأسرته بعد أن كان في الرحلات السابقة يُسمعهم الحديث من غيره.\n_________\n(^١) (شرح العراقي لألفيته في المصطلح) / ١٤٧ (مخطوط بمكتبة الأزهر برقم (٨٤) مصطلح الحديث).","vol":"1","page":407},{"text":"٤ - مراعاة العراقي الدقيق لاصطلاح المحدثين في إثبات السماع والحضور عليهم.\n٥ - أن تلاميذ العراقي نماذج متنوعة، فمنهم المصري المشارك له في الرحلة والمجاورة كرفيقه الهيثمي وجمال الدين الأميوطي (^١) ومنهم الشامي كشيخه كمال الدين الحلبي، ومنهم المكي ومنهم نزيل مكة وبذلك كانت دائرة إفادته شاملة، كما يلاحظ أنهم جميعًا ليسوا طلابًا عاديين، وإنما غالبهم ما بين محدث وفقيه وبلغ درجة الإفتاء والتدريس، بل ومنهم جمال الدين بن ظهيره، الذي لازم العراقي حتى صار حافظ مكة وشيخ المحدثين بها، كما سيأتي، بل إن منهم أحد شيوخ العراقي من المسندين الذين سمع منهم الحديث وهو كمال الدين الحلبي، الذي رحل الناس للسماع منه، وكان مجاورًا بمكة في تلك السنة، فأكثر أهل مكة الرواية عنه، لتفرده بمسموعات من أُمهات كتب السنة (^٢).\nثم إن العراقي أثبت في تأليفه بعض مروياته بالسماع على شيخه الحلبي هذا بمكة أيضًا (^٣) وعد تقي الدين الفاسي من مروياته عنه (سنن ابن ماجه) بالسماع (^٤) وعدها أيضًا من مسموعات ولي الدين بن العراقي على الحلبي بمكة بالإضافة لمعجم «ابن جميع» و«أسباب النزول» للواحدي (^٥) فلعل العراقي\n_________\n(^١) «المجمع المؤسس» / ٣٨.\n(^٢) الدرر الكامنة جـ ٤/ ٢٢٣، و(ذيل ولي الدين) وفيات سنة ٧٧٧ هـ.\n(^٣) محجة القرب ١/¬١٤ أ، ب، ٢٥ أ، ٣٠.\n(^٤) «ذيل التقييد» / ١٢١٩.\n(^٥) «المصدر السابق» / ١١٤ ب.","vol":"1","page":408},{"text":"كان مشاركًا لولده في سماع الجميع. وبذلك تبادل الأستاذية مع الحلبي كما تبادلها مع (ابن النقيب) رفيقه في الرحلة السابقة، فتتلمذ العراقي لشيخه الحلبي في الرواية، وتتلمذ له شيخه بجانب الرواية في الدراية التي صار أستاذها على مستوى مصر والحجاز، تأليفًا وتدريسًا، وهذا غاية ما يصور مكانة العراقي وأثره في السنة في زمن تلك الرحلة، فضلا عما بعدها. كما يصور نشاطه في التحصيل رغم تقدمه العلمي.\n\n<span data-type='title' id=toc-110>هـ - الرحلة الخامسة:</span>\nهذه الرحلة لم أجد أيضًا من ذكرها من مؤرخي العراقي، وإنما وجدت نصه هو عليها في نهاية كتابه (تقريب الأسانيد وترتيب المسانيد) في أحاديث الأحكام، حيث قال: … وبعد: فقد قرأ علي ابني أبو زرعة، جميع هذه الأحكام، في مجالس تسعة، آخرها بمكة المشرفة في ثاني صفر سنة ٧٧٦ هـ … كتبه مؤلفه عبد الرحيم بن الحسين بن العراقي (^١).\nفهذا يدل على أنه كان مجاورًا بمكة حينذاك، بعد موسم الحج، ثم قال في مقدمة: «طرح التثريب في شرح التقريب» السابق: … . وبعد: فلما أكملت كتابي المسمى بـ (تقريب الأسانيد وترتيب المسانيد)، وحفظه ابني أبو زرعة، المؤلف له (أي لأجله) وطلب حمله عني جماعة من الطلبة الحملة، سألني جماعة من أصحابنا في كتابة شرح له … فتعللت بقصور من المجاورة بمكة عن ذلك، وبقلة الكتب المعينة على ما هنالك، ثم رأيت المسارعة إلى الخير أولى وأجل، ولما ذكرته من قصر الزمان وقلة الأعوان سميته «طرح التثريب في\n_________\n(^١) وتقريب الأسانيد» / ١٧٦.","vol":"1","page":409},{"text":"شرح التقريب» (^١).\nويبدو أن طلب حمله عنه وشرحه له كانا أيضًا في تلك المجاورة، لذكره أن ذلك كان بعد حفظ أبي زرعة للكتاب، وعليه يكون قد تم فيها إنهاء أبي زرعة لقراءة الكتاب على والده، ثم حَمْل غيره من طلاب السنة للكتاب أيضًا عن العراقي، ثم شروعه في شرحه، ويظهر أنه أطال مجاورته تلك، حيث أنجز من الشرح نحو مجلد كما سيأتي.\nوهذا كله، يفيد تجاوز أثره نطاق الرحلة السابقة، حيث انتقل من التأليف في علم أصول السنة ومصطلحها، وتدريسه، إلى التأليف في فقه السنة وروايتها وشرحها، تلبية لطلاب رواية السنة ودرايتها بمكة، بعد أن تكاثرت جماعتهم عنده، وزاد إقبالهم على حَمْلِ السنة عنه، ومعرفة فقهها ومعناها منه.\n\n<span data-type='title' id=toc-111>الرحلات الحجازية في الميزان:</span>\nهذا مجمل ما توصلت إليه من رحلات العراقي الحجازية، وأهم نتائجها ورغم قلة عدد ما ذكرته منها بالنسبة لما قرَّره الملاصقون للعراقي من كثرة رحلاته للحرمين ووفرة نتائجها كما تقدم، إلا أن ما ذكرته يعطي صورة جامعة لطابع تلك الرحلات وأهم نتائجها، تأثرًا وتأثيرًا، فقد ذكرت نموذجين الرحلاته الأولية التي كان تأثره فيها أكبر من تأثيره، ثم أتبعتها بثلاث من الرحلات النهائية التي دخلت فيها شخصيته مرحلة النضج والإنتاج في علوم السنة رواية وتدريسًا وتأليفًا، فصار تأثيره فيها أكبر من تأثره، وبالنسبة للفترة التي بين آخر رحلة ذكرناها في سنة ٧٧٦ هـ وبين سنة ٧٨٨ هـ التي تولى فيها\n_________\n(^١) و«طرح التثريب» جـ ١/¬١٤.","vol":"1","page":410},{"text":"قضاء المدينة المنورة، وتوابعه كما سيأتي، فإنه يمكن قياسها على ما قبلها، وبالتالي يكون تأثير العراقي فيها هو الغالب.\nأما فترة عمله الوظيفي بالمدينة الذي خُتمت به رسالته في خدمة السنة بالحجاز فسيأتي بيانها في موضعها الزمني من حياة العراقي بالمشيئة.\nوإذا كان المترجمون لم يوازنوا بين استفادة العراقي من رحلاته الحجازية وإفادته فيها، ولا بين تلك الرحلات وغيرها من رحلاته السابق بيانها، فإننا على ضوء الشواهد التفصيلية المتقدمة، نستطيع تقرير أن جانب إفادة العراقي لغيره وتأثيره في رحلات الحجاز عمومًا، أرجح من جانب استفادته هو وتأثره كما أن عمله التأليفي في علوم السنة رواية ودراية قد اتضح في تلك الرحلات بصورة جيدة واتسع انتشاره، وبهذا وذاك تميزت رحلات العراقي الحجازية عن رحلاته إلى الشام وفي داخل مصر، إذ كان فيها كما قدمنا جانب استفادته وتأثره هو الغالب، وكان عمله التأليفي أقل، لانشغاله بالطلب والتحصيل حتى بلغ درجة (الحافظ) ثم تابع رحلاته الحجازية، فظهرت فيها ثمار غيرها.\n\n<span data-type='title' id=toc-112>رحلتان في ضمير الزمن:</span>\nوإذا كنا قد فرغنا من هذا العرض والتحليل والموازنة ورصد النتائج لأهم رحلات العراقي في سبيل السنة، فإنه ينبغي التأكيد على أن تلك الرحلات التي شغلت شطرًا كبيرًا من حياة العراقي، وبلغت ما أوضحناه من ضخامة الأعباء والمشقات وعظم الآثار في تحصيل السنة ونشرها، لم تكن كل ما تطلع العراقي له، في مجال الرحلات الحديثية، بل إن هناك رحلتين عزم","vol":"1","page":411},{"text":"بهمته القوية على القيام بهما فعلا، ولكن لم يقدر له التنفيذ على رغم منه.\nوبيان ذلك أنه عندما قام بأوسع رحلاته الشامية سنة ٧٥٩ هـ ووصل إلى مدينة (حلب) في شمال الشام أصبح قريبا من العراق، حيث موطن أسرته الأصلي، فعزم على أن يدخلها قاصدا بغداد كعبة العلم العريقة، لسماع الحديث، حيث بدأت حينئذ روح العلم تدب فيها من جديد بعد نكبتها المعروفة، وكان بين حكامها وبين المماليك هدنة صلح، كما قدمنا في حالة العصر.\nإلا أنه ثنى عزمه خوف الطريق، رغم وجود الهدنة، بالإضافة لما بلغه حينئذ من قلة رواة السنة هناك، حتى قال الذهبي: (إن علم الأثر كاد يُعدم من العراق وفارس (^١) وهكذا لم يقدر له دخول العراق التي اشتهر بالانتساب إليها أكثر من أي شئ آخر، حتى اسمه كما أسلفنا، ولا شك أن السببين المتقدمين فيهما القدر الكافي لعذره عن القيام بتلك الرحلة).\nأما الرحلة الثانية: فكانت حين ذهب إلى الإسكندرية في أحد رحلاته المتقدمة، وعزم على القيام منها برحلة إلى تونس لسماع (موطأ الإمام مالك) برواية يحيى بن يحيى، على خطيب جامع الزيتونة لعلو سنده به عن رواية العراقي الآتي ذكرها بعد، ولكن لم يقدر له تنفيذ هذه الرحلة أيضًا لأسباب.\n_________\n(^١) و«لحظ الألحاظ» / ٢٢٥ و«ذيل الدرر الكامنة» / ٧١ ووإنباء الغمر، جـ ٢ ص ٢٧٦ وو«الأعلام» جـ ٤ ص ٢١٩ وو«طبقات الشافعية» / ١١٠ ب كلاهما لابن قاضي شهبة و(بهجة الناظرين) / ١٣٠ وو«الضوء اللامع» جـ ٤/ ١٧٣ وو«شذرات الذهب» جـ ٧/ ٥٥ وو«الإعلان بالتوبيخ» / ٦٦٨ ضمن (علم التاريخ عند المسلمين).","vol":"1","page":412},{"text":"لم يكشف عنها المؤرخون (^١).\nلكن من المؤكد أنها كانت مبررًا قويا لصرفه عنها، قياسا على الرحلة، البغدادية.\nوهكذا ظل كل من هاتين الرحلتين وديعة للعراقي في ضمير الزمن، تدل بوضوح على همته المتناهية ورغبته الأكيدة في الرحلة في سبيل السنة إلى أبعد مدى ممكن، لا يثنيه عن ذلك غير العوائق الخارجة عن إرادته وطاقته الشخصية أو عدم تحققه من النتيجة.\nعلى أننا نلاحظ أن عدم تمكنه من القيام بهاتين الرحلتين لم يعد على ثقافته الحديثية بنقص يذكر، فمع قلة الرواة ببغداد فإنه قد أُتيح له التلمذة على غير واحد ممن رحل إليها: كالعفيف المطري، أو أُجيز من شيوخها كعز الدين بن جماعة، كما كان قصده الأول من رحلة تونس تحصيل علو السند برواية كتاب «الموطأ» فقط، مع سبق روايته له بسند أنزل، ولم تكن لعلوم السنة نهضة بالمغرب عمومًا كما قدمنا في حالة العصر، بل كانت مصر هي قطب الدائرة ومركز الإشعاع (^٢) دون محاباة.\n_________\n(^١) و«لحظ الألحاظ» / ٢٢٥ وهـ «ذيل الدرر الكامنة» / ٧١ و(إنباء الغمر) جـ ٢ ص ٢٧٦ و(الأعلام) ج ٤/ ٢١٩ أو و«طبقات الشافعية» ١١٠ ب كلاهما لابن قاضي شهبة و«بهجة الناظرين» / ١٣٠ و٥ الضوء اللامع (جـ ٤/ ١٧٢ و٥ شذرات الذهب، جـ ٧/ ٥٥.\n(^٢) انظر أيضًا والإعلان بالتوبيخ) / ٦٦٨.","vol":"1","page":413},{"text":"<span data-type='title' id=toc-113>اشتغال العراقي بالسنة فيما بين رحلاته، ونتائج ذلك</span>\nبعد بياننا لرحلات العراقي إلى ينابيع الثقافة داخل مصر وخارجها عبر ٣٤ عامًا تقريبًا، منذ بدايتها في سنة ٧٥٤ هـ حتى سنة ٧٨٨ هـ، بقي علينا بيان نشاطه خلال إقامته في المنبع الأصلي بين تلك الرحلات ونتائجه، لتكتمل الصورة العامة لنشاطه في الداخل والخارج.\nوإذا كان الحافظ ابن حجر ومن تبعه قد نسب إلى العراقي تراخيه في طلب السنة فيما قبل سنة ٧٥٢ هـ كما قدمنا بيانه والرد عليه، فإن موقفهم هنا قد تغير، لوقوع جميع رحلاته وإقامته بمصر بينهم بعد سنة ٧٥٢ هـ ولهذا يتفقون مع غيرهم من مؤرخي العراقي على أنه منذ سنة ٧٥٢ هـ قد أكب على الطلب، وتقدم في فن الحديث حتى غلب عليه، وتوغل فيه حتى صار لا يعرف إلا به وانصرفت أوقاته فيه (^١).\nويمدنا «ابن فهد» بتقسيم لنشاط العراقي فيقول: «وفي مدة إقامته في وطنه، لم يكن له هم سوى السماع والتصنيف والإفادة، فتوغل في ذلك حتى إن غالب أوقاته أو جميعها - لا يصرفها في غير الاشتغال بالعلوم» (^٢) ومن هذا يتضح لنا الآتي:\n١ - اتفاق مؤرخي العراقي على أن نشاطه بمصر فيما بين رحلاته لا يقل في\n_________\n(^١) (المجمع المؤسس) / ١٧٦، ١٧٧ و(ذيل الدرر الكامنة) / ٧٠ و«إنباء الغمر» جـ ٢/ ٢٧٦. و«الضوء اللامع»: جـ ٤/ ١٧٣ و(الأعلام) جـ ٤/ ٢١٩ أو «طبقات الشافعية» / ١١٠ ب كلاهما لابن قاضي شهبة و(البدر الطالع) ج ١/ ٣٥٤، ٣٥٥\n(^٢) (لحظ الألحاظ) / ٢٢٦.","vol":"1","page":414},{"text":"مظاهره ونتائجه عن نشاطه خلالها كما تقدم إيضاحه، وبذلك كان كل منهما مكملا للآخر ومعضدا له، وأسهم جميعه في نضج شخصية العراقي العلمية وإظهار أثرها في علوم السنة.\n٢ - أن غالب نشاطه العلمي تركز في علم السنة، وهذا يشير إلى أن بقية العلوم التي درسها من فقه وأصول ولغة وغيرها، كانت تشغل بعض وقته بحيث شارك علماءها مشاركة جيدة في الاشتغال بها حسب عادة العصر كما سلف، لكن ذلك لم يطغ على اختصاصه الأساسي بعلم السنة، وبالتالي صار لا يُعرف إلا به، وظلت شخصيته الحديثية هي الغالبة على بقية جوانب علمه\n٣ - أن نشاطه أثناء إقامته بمصر فيما بين رحلاته توزع بين أعمال ثلاثة:\nأحدها: مواصلة الإستزادة من علوم السنة بمدينتي مصر والقاهرة.\nوثانيها: الإفادة والتوجيه وتخريج العلماء.\nوثالثها: التصنيف في علوم السنة وغيرها أيضًا.\nوسأتناول هنا عمله الأول فقط، تتميما لنشاطه التحصيلي، ثم أتناول عمله الثاني ضمن البحث التالي عن وظائفه العلمية، أما تصنيفه فمحل تناوله الباب الثالث وما بعده إن شاء الله.\nمواصلة العراقي الإستزادة من علوم السنة بمدينتي مصر والقاهرة ونتائجها:\nحرص العراقي حين إقامته بمصر فيما بين رحلاته على مواصلة التلمذة لعلماء السنة ورواتها بمدينتي مصر والقاهرة، للاستكمال والمزيد على حصيلته الضخمة التي كان يعود بها من كل رحلة كما قدمنا، ولما كانت هذه","vol":"1","page":415},{"text":"الفترات تمتد عبر ٣٤ عامًا كما أشرنا، فإن استيعابنا لما أثبتته المراجع من شيوخ العراقي وحصيلته منهم خلالها يطول، ولذا فإنني سأكتفي بذكر بعض النماذج الجامعة المصورة لأهم مظاهر نشاطه في التحصيل ونتائجه بحيث يقاس الباقي عليها كما فعلت في المراحل السابقة.\nوأبدأ بأقرب شيوخ العراقي وفاة بعد الميدومي الذي توفي في أعقاب أولى رحلاته سنة ٧٥٤ هـ كما قدمنا، وهو المسند الكبير: «محمد بن إسماعيل بن عبد العزيز الأيوبي» المعروف بـ «ابن الملوك»، فقد توفي بالقاهرة سنة ٧٥٦ هـ بعد أن جاوز عمره الثمانين، فتفرد ببعض مروياته وتتلمذ له العراقي بالقاهرة (^١).\nفسمع منه من أول الجزء ٣٧ إلى آخر الجزء ٤٥ من «المعجم الكبير» للطبراني (^٢) وعند إثبات بعض تلك الأحاديث في تأليفه يصرح بمشافهة ابن الملوك له بها (^٣) وقد ظهرت استفادة العراقي من عواليه فيما أثبت روايته عنه مشافهة بسند أعلا من روايته عن بعض شيوخه الآخرين (^٤).\nوقد أثبت أيضًا بعض رواياته عنه بالسماع عليه بقراءة غيره (^٥) ومما سمعه عليه بعض الأجزاء الحديثية التي لم يعرف تلقي العراقي لها عن غيره (^٦). وبعض\n_________\n(^١) «المجمع المؤسس» / ١٧٦ و(مجموع ابن خطيب الناصرية) (ترجمة العراقي) و(الضوء اللامع) جـ ٤/ ١٧٢ و٥ «المنهل الصافي» جـ ٢/ ٣١١ ب.\n(^٢) «ذيل التقييد» / ٢١٩ أ.\n(^٣) «محجة القرب» / ٤٤ ب، ٤٥ أ، ١١٢ أ، ١١٥ ب وهـ «فتوى عاشوراء» / ٤٤.\n(^٤) «محجة القرب» ٣ ب، ٢١ ب، ٢٢ أ.\n(^٥) «محجة القرب» / ٢٢ ب، ٣١ ب\n(^٦) «المجمع المؤسس» ٥/ ١٨٦","vol":"1","page":416},{"text":"الأجزاء المخرجة من عوالي الشيوخ المتقدمين، واعتنى العراقي بكتابة طبقة السامعين معه بخطه (^١) كذلك حصل العراقي على إجازة ابن الملوك له ببعض مروياته، ومنها بقية أجزاء «المعجم الكبير» للطبراني الذي سمع منه بعضه كما أشرنا، ويظهر هذا من روايته عنه بتلك الإجازة في تأليفه (^٢)، ويظهر أيضًا علو سنده بإجازته عما رواه عن غيره من شيوخه البارزين في رحلاته كالحافظ السبكي والمحدث أبو الثناء المنبجي (^٣) وهذا يؤكد التكامل بين نشاط العراقي في الداخل والخارج.\nومن شيوخه الذين تلقى عنهم بمدينة مصر وتأخرت وفاته عن ابن الملوك القطب: محمد بن علي بن عبد العزيز القطرواني المصري (^٤) حيث توفي في ١٧ ذي الحجة ٧٦٠ هـ وكان مما تفرد بروايته بالسماع السيرة النبوية لابن هشام، فقرأها عليه العراقي كاملة (^٥) مضيفا بذلك لمروياته من كتب السنة عنصرًا هامًا وجديدًا، حيث تقضي قواعد التخصص بعلم السنة الاعتناء برواية كتب السيرة ودراستها (^٦).\nولم يُعرف قراءة العراقي ولا سماعه لهذه السيرة ولا غيرها على أحد قبل.\n_________\n(^١) «المعجم المفهرس» لابن حجر/ ٣٩.\n(^٢) «محجة القرب» / ٣١ أ، ب.\n(^٣) «محجة القرب» / ١٤ ب.\n(^٤) «المجمع المؤسس» / ١٧٦ و«مجموع ابن خطيب الناصرية» (ترجمة العراقي) و«الضوء اللامع» جـ ٤/ ١٧٢ و«المنهل الصافي» جـ ٢/ ٣١١ ب.\n(^٥) «الدرر الكامنة» جـ ٤/ ١٧٦، ١٨٧.\n(^٦) «فتح المغيث»، للسخاوي جـ ٢/ ٣٣٤.","vol":"1","page":417},{"text":"القطرواني (^١)، وتلقى العراقي أيضًا بعض دراسته ومروياته في علوم السنة بظاهر القاهرة، وذلك على القاضي ناصر الدين أبو عبد الله محمد بن محمد بن أبي القاسم بن جميل الربعي الشهير بابن التونسي المالكي المتوفى في ١١ صفر سنة ٧٦٣ هـ (^٢) فقد ذكر التقي الفاسي سماع العراقي عليه (سنن النسائي) (^٣) وروى العراقي نفسه في تأليفه بعض أحاديثها بالقراءة على ابن التونسي (^٤)، فلعله قرأ البعض وسمع البعض، ويعتبر تلقيه لهذه السنن عن ابن التونسي إضافة هامة لحصيلته من المرويات، لأن البحث الموسع لم يوقفني على سماعه\n_________\n(^١) في ذيل التقييد للتقي الفاسي، تلميذ العراقي، جاء في نسخة دار الكتب المصرية المخطوطة تحت رقم (٢٠٨٨٦/ ب) ورقة ٢١٩/ ب أن العراقي سمع على القطرواني هذا و(سيرة ابن إسحق) وفي طبعة ذيل التقييد الأولى بدار الكتب العلمية جاء هكذا (السيرة، تهذيب ابن هشام) فلعله حصل سقط من المخطوطة ومن المطبوعة، وتكون العبارة التامة هكذا (السيرة لابن إسحق تهذيب ابن هشام) ويؤيده ما في المعجم المفهرس لابن حجر/ ٧٤ - ٧٥ حيث قال: كتاب السيرة النبوية تهذيب ابن هشام من السيرة الكبرى لابن إسحاق، وذكر سماعه لبعضها من شيخه العراقي عن القطرواني، وكذا في الجواهر والدرر للسخاوي ١/ ٢٥١. وتسمية سيرة ابن إسحق بالسيرة الكبرى، لاشتمالها على زيادات ليست في سيرة ابن هشام لأنها تعتبر رواية منقحة ومختصرة من سيرة ابن إسحق، مع زيادات لابن هشام من غيرها وتسمى سيرة ابن إسحق (المغازي والسير) والمشهور من رواتها عنه: يونس بن بكير، وزياد بن عبد الله البكائي، وهو الذي روى ابن هشام من طريقه السيرة بالتحديث عنه عن ابن إسحق. ينظر فهرس ابن خير الإشبيلي/ ٢٣٢ - ٢٣٦ والمعجم المفهرس لابن حجر/ ٧٤ - ٧٦ والسير ١٠/ ٤٢٨ والسيرة النبوية لابن هشام ١/¬٣ - ٤ الطبعة الحلبية الثانية\n(^٢) (ذيل ولي الدين بن العراقي) وفيات سنة ٧٦٣ هـ (و) الدرر الكامنة (جـ ٥/¬١٣، ١٤).\n(^٣) (ذيل التقييد) (/ ٢١٩ أ).\n(^٤) (قرة العين) (٤٣، ٤٩، ٥٠، ٥١) و(الأمالي الحديثية) (ص ١٠) (ضمن المستخرج على المستدرك).","vol":"1","page":418},{"text":"أو قراءته لها على غيره، مع أنها أحد الكتب الستة أمهات مصادر السنة، التي تقضي قواعد التخصص بالسنة وشروط حفاظها بروايتها وبحثها (^١) وبذلك يكون العراقي قد استوفى رواية هذه الأمهات الستة وبحثها، حيث قدمنا تلقيه للكتب الخمسة الأخرى على شيوخه داخل مصر وخارجها، وهذا يؤكد تكامل نشاطه التحصيلي خلال رحلاته وفيما بينها كما أشرنا.\nوقد امتاز ابن التونسي أيضًا بالتفرد بكثير من شيوخه ومسموعاته (^٢) وتوطدت صلة العراقي العلمية به واهتمامه بتحصيل مروياته حتى خرج له «مشيخة» من مروياته ثم ذيل عليها كما سيأتي في مؤلفاته وهذا يفيد تلمذته له فترة غير قصيرة بحيث تسنى له الإحاطة بغالب شيوخه وتتبع مروياته في مصادرها المتعددة، وقد أورد العراقي في تأليفه بعض رواياته عنه بأعلا أسانيد عصره المتصلة بالثقات، وحدد أنها كانت بالقراءة عليه بظاهر القاهرة (^٣)، واستمرت استفادته منه إلى قبيل وفاته حيث أحضر عليه ولده ولي الدين في السنة الأولى من عمره وهو مولود آخر سنة ٧٦٢ هـ والشيخ متوفى أوائل سنة ٧٦٣ هـ كما مر، وكان مما أحضره عليه «مشيخته» السابق ذكر تخريج العراقي لها (^٤) وهذا يفيد تلقيه لها أيضًا مع ولده، بحيث اتصل سنده بمحتواها الكبير من المرويات وخاصة ذات السند العالي الذي امتاز به ابن التونسي.\nولما كانت قواعد التخصص بعلوم السنة وشروط بلوغ درجة الحافظ فيها\n_________\n(^١) «فتح المغيث»، للعراقي جـ ٣/ ٩٣.\n(^٢) (ذيل ولي الدين) وفيات سنة ٧٦٣ هـ و(الدرر الكامنة) جـ ٥/¬١٤.\n(^٣) (الأربعين العشارية الإسناد) حديث/ ١٨، ١٩.\n(^٤) (ذيل التقييد) ١١٥ أ.","vol":"1","page":419},{"text":"تقضي بالحرص على تحصيل الفوائد الحديثية أنى وجدت (^١) فإن العراقي قد أخذ نفسه بهذا، فلم يكتف بالتلقي عن ثقات الشيوخ بل تلقى عن بعض المتكلم فيهم بما لا يوجب تركهم، حتى لا يفوته ما يستفاد به، وذلك مثل محمد بن أبي القاسم بن إسماعيل بن مظفر الفارقي المتوفى في ١٤ من المحرم سنة ٧٦١ هـ، فقد ذكر العراقي أنه امتاز بالعناية بطلب الحديث والرحلة فيه بحيث لم يخلف بعده أقدم طلبا منه، وبذلك صار محدثا مفيدا.\nوأقر بكثرة استفادته شخصيا من مروياته (^٢) وأثبت في تأليفه روايته عنه بأعلى أسانيد عصره وغيرها من العوالي وذلك بقراءته عليه (^٣) وحدد في بعضها مكان القراءة بالقاهرة (^٤) ومع هذا كله قال عنه كما قدمنا من قبل: «وكان أحد الشهود المعدلين بالقاهرة، إلا أني سمعت من يتكلم فيه في الشهادة، فلذلك قرنته في الرواية بأبي الحرم القلانسي (^٥) والقلانسي هذا أحد شيوخ العراقي الثقات كما سيأتي وقد التزم بقرنه بالفارقي كما قال فيما رواه عنه بأصح الأسانيد جبرا للطعن المشار إليه (^٦) وفيما لم ينفرد به الفارقي» (^٧).\nأما ما انفرد به من المرويات فقد استفاده منه العراقي أيضا كما أشرنا وأثبت رواياته عنه منفردا فيما لم يلتزم فيه بالأحاديث الصحيحة من\n_________\n(^١) «فتح المغيث» للعراقي جـ ٣/ ٩٠ وللسخاوي جـ ٢/ ٣٢٧، ٣٢٨.\n(^٢) «الدرر الكامنة» جـ ٤/ ٢٦٥ و«طرح التثريب» جـ ١/ ١٠٦ و«الأربعين حديثا العشارية» حديث ٤٠.\n(^٣) «الأربعين حديثا العشارية» / حديث ٤٠ وما بعده و«قرة العين» ٤/¬٢٤، ٦٩.\n(^٤) «الأربعين العشارية» حديث ٤٠.\n(^٥) «طرح التثريب» جـ ١/ ١٠٦، ١٠٧.\n(^٦) «تقريب الأسانيد» ٤/¬٤.\n(^٧) «الأربعين العشارية» / حديث ٤٠ وما بعده و«قرة العين» ٤/ ٦٩ و«تكملة شرح الترمذي» / ٨٤ ب مخطوطة دار الكتب المصرية، و«محجة القرب» ٤٢ أ، ١٣٢ أ.","vol":"1","page":420},{"text":"مؤلفاته (^١) وذلك لكون الطعن فيه من جهة الشهادة كما قدمنا وإن اقتضى ضعفه لكنه لا يوجب ترك الرواية عنه كلية بحسب قواعد التوثيق والترجيح.\nأما أبو الحرم القلانسي الذي جبر به العراقي ضعف الفارقي فيما التزم فيه الصحة من تأليفه فهو محمد بن محمد بن محمد بن أبي الحرم القلانسي الحنبلي المتوفى على الراجح في ١٤ جمادى الأولى سنة ٧٦٥ هـ، وقد اتفق مترجموه مع العراقي على أنه كان ثقة صحيح السماع، ثم طال عمره حتى صار خاتمة المسندين بالقاهرة، بل مُسند الديار المصرية عموما في زمانه وكثرت شيوخه ومروياته العالية، وتفرد بكثير منها فرحل الطلبة إليه وكثر تحديثه، وبالتالي كانت استفادة العراقي منه كبيرة وهامة، فتتلمذ له بالقاهرة، وقرأ وسمع عليه (موطأ الإمام مالك بن أنس) ﵁ برواية تلميذه أبي مصعب الزهري المدني المتوفى سنة ٢٤٢ هـ (^٢).\nوهذا وحده يعد من عناصر تحصيله الجيدة المكملة لثقافته الحديثية، لأن الموطأ من أوائل أمهات كتب السنة التي يشترط في حافظها تحصيلها رواية ودراية ولم يعرف تلقي العراقي له عن غير القلانسي، والفارقي المتكلم فيه، كما أوضحنا، وبذلك كان معول العراقي على روايته عن القلانسي لثقته وصحة سماعه كما ذكرنا، ثم إن رواية أبي مصعب هذه تمتاز من بين روايات الموطأ العديدة بأن أبا مصعب - راويها عن مالك - مدني وكانت هي آخر الروايات عرضًا على الإمام مالك وأتمها أيضًا، حيث تزيد نحو مائة حديث\n_________\n(^١) و«قرة العين» / ٢٤، ٢٥ و٥ «أماليه الحديثية» / ٧٩ ب (ضمن مجموعة مخطوطة بالمكتبة الظاهرية بدمشق).\n(^٢) ذيل التقييد ٢١٩/ ب","vol":"1","page":421},{"text":"عن الروايات الأخرى (^١).\nوقد أسلفنا أن العراقي عزم على الرحلة إلى تونس لسماع الموطأ على خطيب جامع الزيتونة لعلو سنده برواية يحيى بن يحيى - التي تُعد أشهر الروايات - على سند العراقي برواية أبي مصعب هذه، ولكن لم يقدر له ذلك فيكفيه ما ذكرنا من ميزات هذه الرواية عن علو الإسناد. ومما قرأه العراقي على القلانسي أيضًا: مسموعه من الجزء الأول من حديث «هدبة بن خالد القيسي» (^٢) والجزء الأول من حديث يحيى بن معين (^٣).\nومما سمعه عليه «المعجم الصغير» للطبراني (^٤) كما تلقى عنه أيضًا مُسند أبي العباس السراج في أحد عشر جزءًا حديثيًا، منها الخمسة الأولى بالسماع (^٥) وسمع عليه أيضًا من الأجزاء الحديثية الهامة جـ ١، ٢ من حديث أبي الدحداح (^٦) وجزء ابن كليب (^٧). وكل ما ذكرته غير الموطأ، يُعتبر إضافات جديدة لرصيد العراقي العلمي حيث لم يعرف قراءته أو سماعه لشيء من ذلك على غير القلانسي. كما أنه استفاد منه أيضا رواية عدة مشيخات، فسمع عليه مشيخة سعد بن\n_________\n(^١) «تقريب التهذيب» لابن حجر جـ ٢ ص ٤٧٣ و«مقدمة شيخنا عبد الوهاب عبد اللطيف ﵀ لتحقيق الموطأ برواية محمد بن الحسن» / ١٧ (أصل وهامش) و(مقدمة الشيخ فؤاد عبد الباقي ﵀ لتحقيق الموطأ رواية يحيى بن يحيى ٤/¬٦.\n(^٢) «المجمع المؤسس» / ١٩١، ١٩٢.\n(^٣) «محجة القرب» / ٣٦ ب و«المجمع المؤسس» / ١٩٠.\n(^٤) (ذيل التقييد) / ٢١٩).\n(^٥) (المجمع المؤسس) / ١٨٥ و(تكملة شرح الترمذي) للعراقي جـ ١/¬٣ ب (مخطوط مصور).\n(^٦) (المجمع المؤسس) / ١٨١.\n(^٧) المصدر السابق ٣٦٧.","vol":"1","page":422},{"text":"أبي الرجاء الصيرفي (^١) والجزأين الثاني والأخير من مشيخة سيدة بنت موسى المارانية بشيوخها بالإجازة (^٢).\nونظرًا لكثرة شيوخ القلانسي ومروياته فقد خرج له تلميذه الحافظ ابن رافع مشيخة، ثم ذيل عليها العراقي كما سيأتي، وقد حدث القلانسي بكل منهما (^٣) فلابد أن يكون العراقي تلقاها أيضًا عنه، حيث تتلمذ له إلى آخر حياته حتى أحضر عليه ولده (أحمد) في الثالثة من عمره كثيرًا (^٤) وتوافق الثالثة من عمر أحمد، سنة وفاة القلانسي كما تقدمت.\nوبتلقى العراقي عنه تلك المشيخات تضاعفت درايته بعلم الرجال كما تقضي قواعد التخصص بعلوم السنة وشروط حفاظها، واتصل سنده بالكثير من كتب السنة وعلومها التي حوت بيانها تلك المشيخات الجامعة، خاصة وأنه لم يُعرف سماعه أو قراءته لأي من المشيخات المتقدمة على غير القلانسي، فضلًا عن مشيخته هو وذيلها.\nبل إننا نجد العراقي يقرأ ويسمع عليه من أمهات كتب السنة وأجزائها ما سبقت روايته له عن غيره، كـ (جامع الترمذي) و(سنن ابن ماجه) اللذين سبق بيان قراءته لهما على بعض شيوخه بمصر وخارجها (^٥) وكـ (جزء الغطريف) الذي سمعه من قبل بنفس السند على الميدومي بمصر، وسمعه من طريق آخر\n_________\n(^١) المصدر السابق/ ١٩١.\n(^٢) المصدر السابق/ ١٨٧.\n(^٣) (ذيل ولي الدين ابن العراقي) وفيات سنة ٧٦٥ هـ و(الدرر الكامنة) جـ ٤/ ٣٥٣.\n(^٤) (ذيل التقييد) ١١٤ ب.\n(^٥) المصدر السابق/ ٢١٩ أ.","vol":"1","page":423},{"text":"على خمسة من شيوخه بالشام (^١)، وقد مرت الإشارة لفائدة تعدد الروايات للكتاب الواحد، بل إن العراقي صرح بتلقيه بعض المرويات عن القلانسي نفسه، مرة بالقراءة عليه وأخرى بالسماع (^٢) وقد ظهرت كثرة ما حصله منه بانتشار رواياته عنه في عامة مؤلفاته (^٣) وحدد في بعضها قراءته عليه بالقاهرة (^٤).\nوممن تتلمذ عليه العراقي بالقاهرة أيضًا فيما بين رحلاته، شهاب الدين أحمد بن أبي بكر العسقلاني المعروف بابن العطار، المتوفى على الصواب في ٢٨ محرم سنة ٧٦٣ هـ وقد امتدت تلمذة العراقي له إلى أواخر حياته حيث أحضر عليه ولده أحمد أبا زرعة الذي ولد قبل وفاة ابن العطار بنحو شهرين وقد أشار العراقي لمبلغ استفادته منه فقال: قرأت عليه «سنن الدارقطني» وغيرها (^٥)، ومع أنه يعتبر أحد ثلاثة تلقى عنهم العراقي «سنن الدارقطني»، إلا أن قول العراقي «وغيرها» يشير إلى عدد آخر من مصادر السنة قرأه عليه، فضلا عما سمعه، ومما قرأه عليه غير «سنن الدارقطني»: الجزء الأول من حديث عبد الله بن المبارك (^٦) وهو من الأجزاء الهامة التي لم أقف على قراءة العراقي أو سماعه له على غيره، وقد شارك العراقي في السماع على ابن العطار: الأمير «مثقال».\n_________\n(^١) «المجمع المؤسس» ١/ ١٨٧.\n(^٢) «الأمالي الحديثية»، ص ٨ (ضمن المستخرج على المستدرك).\n(^٣) «الأربعين العشارية» حديثي ٤١، ٤٢، و«قرة العين»، ٢٠، ٢٣، ٣٦، ٦٩ و«فتوى عاشوراء» ٤٥/ و«محجة القرب» ٧ أ، ١٣ أ، ٢٥ أ، ١٣٢ أ، وغيرها وص ١٧ من نسخة المغرب و«تكملة شرح الترمذي» جـ ١/¬٢٣ ب وغيرها.\n(^٤) «قرة العين» ١/¬٤١ و«محجة القرب» ١/¬١٤ أ.\n(^٥) «ذيل ولي الدين» وفيات سنة ٧٦٣ هـ.\n(^٦) «المجمع المؤسس» ١/ ١٩٢.","vol":"1","page":424},{"text":"الأنوكي مقدم المماليك حينئذ وذلك بقراءة العراقي.\nومن أبرز المسندين الذين عظمت استفادة العراقي منهم فيما بين رحلاته: محمد بن إبراهيم بن محمد الخزرجي البياني المتوفى على الراجح في ٢٩ ذي القعدة سنة ٧٦٦ هـ (^١).\nوقد عمر طويلا فصار سنده بمروياته عاليا، وقصد بالرحلة للرواية فكان مسند عصره، وامتاز بتحصيل إجازات من رواة السنة ببغداد، فعوض بذلك العراقي عما فاته بسبب عدم تمكنه من الرحلة إليها بنفسه كما قدمنا.\nوقد كثرت مروياته وشيوخه حتى عمل له تلميذه ابن رافع (مشيخة) ثم ذيل له عليها العراقي (^٢) وعمل له أيضا فهرستا حافلا بمروياته عن شيوخه بالسماع وبالإجازة، وتوفي «البياني» قبل إكماله (^٣). كما خرج له أيضا ٤٠ حديثا من مروياته تساعية الإسناد و٢٠ ثمانية الإسناد (^٤) وذلك غاية العلو في عصره. وسيأتي بحث تلك المؤلفات في مكانها، لكنا نكتفي هنا بالقول: «إن إنجازه لتلك المؤلفات تدل على اتساع خبرة العراقي حينئذ بالرجال وبالأحاديث ومصادرها، وتمييز العالي والنازل والقوي والضعيف من الأسانيد، كما تقضي بذلك شروط حفاظ السنة، وكذلك تدل إحاطته هذه بشيوخ أستاذه وبمروياته على كثرة استفادته منه، خاصة وأن صلته به استمرت إلى وفاته، حيث أثبت ولي الدين بن العراقي أن وفاته، كانت بظاهر القاهرة بنفس\n_________\n(^١) النجوم الزاهرة، جـ ١١/ ٨٩.\n(^٢) المصدر السابق.\n(^٣) هـ «ذيل ولي الدين» وفيات سنة ٧٦٦ هـ.\n(^٤) ولحظ الألحاظ» / ٢٣٢.","vol":"1","page":425},{"text":"الخانقاة التي كان يقيم بها العراقي وأسرته حينئذ كما قدمنا، وأثبت أيضًا قراءة والده عليه بالقاهرة بحضوره معه وهو في الرابعة من عمره» (^١) وهي توافق سنة وفاة البياني.\nوأثبت أيضًا ولي الدين سماعه عليه صحيح مسلم وقطعة كبيرة من تاريخ بغداد .. للخطيب، وأجزاء كثيرة (^٢)، وهذا يفيد مصاحبة والده له في ذلك لأنه كان حينئذ طفلا في الرابعة من عمره.\nكما سمع العراقي أيضًا على البياني كتاب «الزكاة» ليوسف بن يعقوب القاضي (^٣) ولم يعرف سماعه له من غيره، وأثبت أيضًا إجازة البياني له إجازة معينة بجميع «مستدرك الحاكم» (^٤)، وهو بهذا يعتبر ثاني اثنين تلقى عنهما العراقي المستدرك وأولهما هو علي بن سنجر الذي تلقاه العراقي عنه بدمشق سماعا لبعضه وإجازة بالباقي كما أسلفنا.\nوقد ظهر أثر استفادة العراقي من البياني في تأليفه فروى عنه في بعضها ما تلقاه عنه بسند أعلا من سنده عن غيره من شيوخه المتقدمين كتقي الدين السبكي (^٥) والمتأخرين كأبي العباس العطار السابق ذكره (^٦) وغير ذلك (^٧).\n_________\n(^١) و«ذيل ولي الدين» وفيات سنة ٧٦٦ هـ وهـ «مجموع ابن خطيب الناصرية» (نقوله عن خط شيخه ولي الدين بن العراقي).\n(^٢) و«ذيل ولي الدين» وفيات سنة ٧٦٦ هـ\n(^٣) (المجمع المؤسس) / ١٨٤.\n(^٤) (محجة القرب) / ١٣٥ أ.\n(^٥) و«قرة العين» / ١٤، ١٥ و«الأمالي الحديثية» / ص ١١ (ضمن المستخرج على المستدرك)\n(^٦) (المصدر السابق، ص ١٣:\n(^٧) ومحجة القرب) / ١٢٠ ب، ١٢٤ ب.","vol":"1","page":426},{"text":"وممن استفاد العراقي منه علوم السنة والأدب أيضًا بالقاهرة: إمام الأدباء في عصره جمال الدين محمد بن محمد المعروف بابن نباتة المصري المتوفى بالقاهرة في ٧ صفر سنة ٧٦٨ هـ (^١). ومع أنه تفرد برياسة الأدب حينذاك وقال تلميذه ومعاصره ولي الدين بن العراقي: «ما أظن المائة الثامنة أخرجت أحلى شعرا منه، إلا أنه كانت له عناية أيضًا بعلوم السنة وتفرد في وقته ببعض مروياته وشيوخه مما جعل حفاظ العصر يسمعون منه، كالذهبي والعراقي وشيوخه كابن رافع وأقرانه كالبلقيني.\nويبدو أن تلمذة العراقي له طالت وصلته به توطدت حتى حكى له بداية اتجاهه للأدب (^٢)، كما أنه قرأ عليه خلال سنوات، كثيرًا مما تفرد بروايته من كتب السنة وعلومها بحضوره وسماعه على شيوخه (^٣) وذلك مثل كتاب «السيرة النبوية» لابن هشام الذي قرأه عليه بحضور ولده ولي الدين وهو في الأولى من عمره ومثل جـ ٢، ٣ من «الأحاديث الغيلانيات (^٤)» بحضور ولي الدين أيضًا وهو في الثالثة من عمره، وقرأ عليه أيضًا بحضوره قطعة من «شعب الإيمان» للبيهقي وقطعة من «تاريخ بغداد» للخطيب (^٥) ولعلها غير ما سمعه منه على\n_________\n(^١) «ذيل ولي الدين بن العراقي» وفيات سنة ٧٦٨ هـ و«الدرر الكامنة» جـ ٤/ ٣٣٩، ٣٤٠.\n(^٢) «ذيل ولي الدين» وفيات سنة ٧٦٨ هـ.\n(^٣) المصدر السابق.\n(^٤) وهي ١١ جزءًا حديثيًا من مسموعات أبي طالب محمد بن إبراهيم بن غيلان البزار المتوفى سنة ٤٤٠ هـ و«تخريج الدارقطني» وتعد من أعلا الأحاديث إسنادًا وأحسنها (الرسالة المستطرفة/ ٦٨) وقد طبعت مع عواليها بتحقيق الأخ الفاضل الدكتور فاروق عبد العليم/ نشر مكتبة أضواء السلف بالرياض سنة ١٤١٧ هـ.\n(^٥) «ذيل ولي الدين» وفيات سنة ٧٦٨ هـ.","vol":"1","page":427},{"text":"البياني كما تقدم، وهذا الكتاب من موسوعات تاريخ الرجال التي تقضي قواعد التخصص بالسنة بتحصيلها (^١) كما أنه لم يعرف سماعه لشيء من «شعب الإيمان» على غيره، وبهذا تكاملت حصيلته عن شيوخه كما ترى شيئا فشيئا.\nثم إن تلمذة العراقي لابن نباتة تجاوزت علوم السنة إلى تخصصه الأصلي وهو الأدب، فقرأ عليه بعض منظوماته الشعرية أيضًا، مما يؤكد صلته بالأدب وتذوقه له كما قدمنا في دراسته اللغوية والأدبية.\nوإذا كنا حتى الآن قد ركزنا على عناية العراقي بتحصيل عوالي المرويات وتحصيل الفوائد الحديثية التي ينفرد بها شيوخه داخل مصر وخارجها، فإن قواعد التخصص بالسنة وشروط من يبلغ درجة الحافظ لها، تقضي بالحرص أيضًا على تحصيل المرويات والفوائد الحديثية ولو بالسند النازل (^٢) سواء عن الشيوخ أو الأقران أو حتى التلاميذ، إعطاء للقدوة وتتبعا لما يستفاد به في مختلف مصادره ومواقعه (^٣).\nولهذا فإن العراقي حرص على ذلك، فكان ممن تتلمذ لهم بالقاهرة المسند محمد بن محمد بن إبراهيم الإسكندري البلبيسي المتوفى في شعبان سنة ٧٦٣ هـ وكان صحيح السماع وقد حمل عنه العراقي كثيرا من المرويات (^٤).\n_________\n(^١) «فتح المغيث» للسخاوي جـ ٢/ ٣٣٦.\n(^٢) السند النازل عمومًا ما كثر عدد الرواة فيه بين المصدر الأول للرواية من الرسول ﷺ أو غيره وبين آخر راو، ومقابلة السند العالي.\n(^٣) «فتح المغيث» للعراقي جـ ٣/ ٨٩، ٩٠، وللسخاوي جـ ٢/ ٣٢٥ وما بعدها و«نكت الحافظ ابن حجر العسقلاني على صحيح البخاري» ٤/ أ و«الجواهر والدرر» للسخاوي/ ٣٨ أ.\n(^٤) «الدرر الكامنة» جـ ٤/ ٣٧٥.","vol":"1","page":428},{"text":"ومن أهمها «المسند الكبير» لأبي يعلى، ويُعتبر سند البلبيسي به نازلا عن غيره من شيوخ العراقي كالبياني السابق ذكره (^١) ولكن العراقي تلقاه عنه مع تلقيه أيضًا بالإجازة عن البياني بسند أعلا، وذلك لامتياز رواية البلبيسي بالاتصال بالسماع (^٢) وقد أورد العراقي في تأليفه كثيرًا من أحاديث المسند بروايته عنه مع نزول سندها (^٣). وقد يتبع بعضها بروايته الأعلا سندا عن غيره من شيوخه، لكن بالإجازة (^٤) مما يدل على عنايته بتحصيل الأسانيد العالية والنازلة وتمييزه لهما، وإذا كان هذا شأنه مع بعض شيوخه فإنه لم يستنكف عن التلمذة لأقرانه أيضًا واستفادته بعلمهم. وذلك مثل سراج الدين عمر البلقيني المتوفى عاشر ذي القعدة سنة ٨٠٥ هـ (^٥)، وسراج الدين عمر المعروف بابن الملقن المتوفى في ٦ ربيع الأول سنة ٨٠٤ هـ (^٦)، فقد كان العراقي كما سيأتي مقدما عليهم في علوم السنة ومع هذا أثبت تحديث البلقيني له بمشيخة الرازي (^٧) ولم يعرف تلقيه لها عن غيره، وأثبت قراءته جزء البطاقة (^٨) على ابن الملقن مع قراءته له على غيره (^٩) كما أنه روى أيضًا عن بعض تلاميذه، كولده\n_________\n(^١) محجة القرب، ٤٩ أ، ١١٤ ب وص ٥٠ من النسخة المغربية.\n(^٢) الدرر الكامنة، جـ ٤/ ٣٧٥.\n(^٣) محجة القرب» / ٢٧ أ، ٥٢ أ و٦٠ أ، ومن النسخة المغربية/ ٢٥، ٢٦.\n(^٤) محجة القرب» / ٦ ب، ١١٤ ب وص ٧٧ من النسخة المغربية.\n(^٥) المجمع المؤسس» / ٢١٩.\n(^٦) المصدر السابق/ ٢٢٦\n(^٧) ذيل وفيات الأعيان، للعراقي/ ١١ ب.\n(^٨) هو أحد الأجزاء الحديثية الهامة من إملاء الحافظ أبي القاسم الكناني المصري المتوفى سنة ٣٥٧ هـ (الرسالة المستطرفة/ ٦٦)\n(^٩) «ذيل وفيات الأعيان» للعراقي/ ١١ ب.","vol":"1","page":429},{"text":"ولي الدين أبي زرعة (^١)، ومثل هذا التلقي عن أقرانه وتلاميذه بجانب دلالته على الحرص على التحصيل العلمي من مختلف مصادره، فإنه يدل على أريحية العراقي ونقاء نفسه وتقديره لرفاقه في العلم ومن دونهم.\nوكما اهتم العراقي بتحصيل علوم الرواية عن شيوخها على الأنحاء المتقدمة، فإنه وجه عنايته أيضًا لتحصيل علوم الدراية عن الحفاظ والأئمة، وفي مقدمتهم الحافظ ابن جماعة والإمام الإسنوي كما قدمنا في التعريف بهما وبيان استفادة العراقي منهما.\nوكما أنه من أجل الاستفادة القصوى وتحصيل الميزات في جانب الرواية أخذ عن بعض ذوي السند النازل ومن تكلم فيه كما أوضحنا.\nفإنه قد تبع نفس المنهج بالنسبة للدراية، فكان ممن تتلمذ له غير ابن جماعة والإسنوي، الحافظ علاء الدين مغلطاي بن قليج البكجري المتوفى على الراجح في ٢٤ شعبان سنة ٧٦٢ هـ (^٢). وقد استطاع بمساعيه تولي رئاسة الحديث في زمانه ودرسه بعدة أماكن، وألف في علومه المختلفة وتتلمذ له كثير من أئمة العصر وحفاظه، كالعراقي وأقرانه، ومع هذا فإن معاصريه تكلموا فيه بمطاعن ذكرها العراقي في ترجمة أفردها له كما سيأتي، ومنهم من عارض تعيينه لتدريس الظاهرية.\nولكن لما كانت تلك الطعون لا توجب ترك الاستفادة بالثابت والموثق من علمه ورواياته، فإن العراقي حرص على الاستفادة منه في غير محل الطعون.\n_________\n(^١) (الضوء اللامع) جـ ١/ ٣٤٢.\n(^٢) «المنتقى من ذيل العراقي على العبر»، وفيات سنة ٧٦٢ هـ (ضمن مجموع ابن خطيب الناصرية) و(ذيل ولي الدين) وفيات سنة ٧٦٢ هـ و(الدرر الكامنة) جـ ٥/¬٢٢ أ وما بعدها.","vol":"1","page":430},{"text":"حتى ذهب إليه في منزله بجوار المدرسة الظاهرية بالقاهرة، وقرأ عليه بعض المرويات في ١٤ صفر سنة ٧٥٤ هـ وروى عنه ذلك لتلاميذه (^١) وتاريخ القراءة المذكور يفيد تلمذة العراقي له منذ زمن مبكر في حياته الدراسية كما أن كلامه عنه خلال ترجمته المشار إليها يدل على كثرة تردده عليه ومباحثاته معه (^٢) وقد ذكر أنه أوقفه على كتابه «إصلاح ابن الصلاح» في علوم الحديث، وأسمعه بعضًا منه (^٣)، كما ذكر تملكه لكتاب آخر له «فيمن عرف بأمه» من رجال الحديث، وأثنى عليه، مما يدل على إطلاعه عليه (^٤).\nومن الحفاظ الثقات الذين تلقى عنهم أيضًا علوم الدراية والرواية، من تأخرت وفاته عن جميع من ذكرنا، وهو الحافظ بهاء الدين عبد الله بن محمد بن أبي بكر بن عبد الله بن خليل الأموي نزيل القاهرة، المعروف عند المحدثين بابن الخليل، وقد توفي في ٣ جمادى الأولى سنة ٧٧٧ هـ وهو من القلائل الذين أشاد الذهبي بعنايتهم بالسنة وفهمها في عصره وسمع منه، ومع أنه انقطع في آخر حياته للتصوف والزهد، وبلغ فيه مكانة رفيعة، إلا أنه ظل ذاكرًا للحديث قوي المذاكرة به، وقد أكثر من تعليمه وإسماعه في أواخر زمانه مع جودة فقهه فيه، وبذلك عظمت استفادة العراقي منه حيث قرأ عليه كثيرًا بنفسه (^٥) وسمع عليه بقراءة غيره، وأثبت بعضًا من هذا فيما أنجزه من\n_________\n(^١) ولحظ الألحاظ» / ١٤١، ١٤٢.\n(^٢) ولسان الميزان، لابن حجر جـ ٦/ ٧٣، ٧٤ وهـ لحظ الألحاظ» / ١٣٣ وما بعدها.\n(^٣) و«التقييد والإيضاح» / ١٢.\n(^٤) و«فتح المغيث» للعراقي جـ ٤/ ١٢٦.\n(^٥) والدرر الكامنة وجـ ٢/ ٣٩٧، ٣٩٨ و٥ «إنباء الغمر» جـ ١/ ١١٤، ١١٥ و٥ زغل العلم والطلب، للذهبي ص ١١.","vol":"1","page":431},{"text":"تأليفه قبل وفاة هذا الحافظ بسنين (^١)، وهذا يدل على امتداد تلمذة العراقي عليه، ومن أهم ما قرأه عليه كتاب «مقدمة ابن الصلاح» كاملًا (^٢) وهو الكتاب الذي كان عمدة الدارسين والحفاظ في عصره، لتضمنه خلاصة أنواع علوم السنة وقواعد دراستها ومصطلح أهلها، وقد أوصى العلماء من يريد التخصص في علوم السنة بدراسته (^٣) لهذا كانت قراءة العراقي للكتاب كاملًا على الحافظ ابن خليل لها أهميتها التحصيلية، بحيث تعتبر دراسة جيدة منه الجماع علوم دراية السنة ومصطلح علمائها، كما تقضي قواعد التخصص، خاصة وأنه لم يعرف قراءة العراقي لهذا الكتاب على غير الحافظ ابن خليل، بل سمع بعضه فقط على الحافظ العلائي كما أسلفنا وهذا يعد من صور تكامل دراسته لعلوم السنة على حفاظها خلال رحلاته وفيما بينها، وقد ذكر العراقي أيضًا في مؤلفاته عددًا من رواياته بسند نازل عن سند غيره من شيوخه المختصين بالرواية فحسب، تحصيلًا لميزة الرواية عن الحفاظ ذوي الدراية ولو بسند نازل (^٤) وهذا من صور عنايته بتحصيل المرويات بالأسانيد الجيدة، عاليها ونازلها.\nومما حصله العراقي أيضًا فيما بين رحلاته من المؤلفات الأساسية في علوم الدراية كتاب «المحدث الفاصل بين الراوي والواعي» للرامهرمزي المتوفى سنة ٣٦٠ هـ (^٥)\n_________\n(^١) «تكملة شرح الترمذي» للعراقي جـ ١/ ٦٤ أ.\n(^٢) «التقييد والإيضاح» / ١٢.\n(^٣) «فتح المغيث» للعراقي جـ ٣/ ٩٢، ٩٣.\n(^٤) «الأمالي الحديثية» ص ٧ (ضمن المستخرج على المستدرك) ومجلس ٨٦ منها ضمن مجموعة مخطوطة بالمكتبة الظاهرية بدمشق/ ٧٧ ب و(محجة القرب) / ٦٧ (نسخة المغرب).\n(^٥) «تذكرة الحفاظ، للذهبي» جـ ٣/ ١١٣، ١١٤.","vol":"1","page":432},{"text":"حيث وُجد على إحدى نسخه الخطية (^١) إثبات سماع العراقي له على المسند المُعمَّر الأصيل جمال الدين الباجي المتوفى بالقاهرة في شعبان سنة ٧٨٨ هـ (^٢) وكان سماعه في ٤ مجالس آخرها في ٢٤ شعبان سنة ٧٧٤ هـ، وذلك بقراءة تلميذه المحدّث جمال الدين بن ظهيرة، وممن سمعه مع العراقي ولداه ولي الدين أبو زرعة وأبو حاتم محمد، الذي كان حينذاك في الرابعة من عمره، وتم ذلك بالخانقاة التي كان العراقي مقيمًا بأسرته فيها حينذاك كما قدمنا، وهي الخانقاة «الطيمرية» بظاهر القاهرة (^٣) ويبدو أن هذه ليست أول مرة يحصل فيها العراقي كتاب «المُحدِّث الفاصل» حيث أشار لروايته له في شرحه لألفية المصطلح الذي فرغ منه بنفس الخانقاة سنة ٧٧١ هـ أي قبل سماعه هذا من الباجي بسنتين تقريبا (^٤). ويُعتبر كتاب «المُحدِّث الفاصل» من أوائل المؤلفات الأساسية في قواعد مصطلحات علوم السنة وأجمع ما صُنّف في ذلك حتى عصره (^٥)، فتحصيل العراقي له غير مرة، مع تحصيل كتاب ابن الصلاح كما مر، يُمثّل النماذج المتكاملة لاعتنائه باستيفاء دراسة المصادر الأساسية الجامعة لأصول علوم الدراية، بجانب ما أوضحناه قبلا من صور عنايته بتحصيل المصادر الجامعة لعلوم الرواية، وبذلك تكامل تحصيله العلمي من رحلاته، مع تحصيله بموطنه فيما بينها.\nوكان جديرًا بالمكانة العلمية التي تبوأها بين علماء عصره وبالألقاب الحديثية\n_________\n(^١) هي النسخة المحفوظة بمكتبة «مشهد» بإيران برقم (١٠/¬٣٠) (انظر مقدمة الدكتور محمد عجاج الخطيب لتحقيق كتاب المحدث الفاصل) (٤٠ - ٤٣).\n(^٢) «الدرر الكامنة» جـ ٢/ ٢٨٣، ٢٨٤.\n(^٣) مقدمة الدكتور محمد عجاج لتحقيق «المحدث الفاصل» / ١٣١، ١٣٢.\n(^٤) «المجمع المؤسس» / ٢٧.\n(^٥) «فتح المغيث» للعراقي جـ ٣/ ٧٣.","vol":"1","page":433},{"text":"التي نالها باتفاقهم، داخل مصر وخارجها كما أشرنا من قبل، وكما سيأتي تمامه بعد.\nويلاحظ أن سماع العراقي لكتاب (المحدث الفاصل) في سنة ٧٧٤ هـ يمثل آخر مراحل تلمذته لبلوغه حينئذ درجة النضج العلمي وصيرورته حافظ السنة فكان أكثر نشاطه موجها لإفادة غيره ثمرة نضجه وحصيلته الضخمة، سواء بالتعليم والتوجيه أو بالتأليف كما سنوضحه.\nوكذلك يلاحظ أن شيخ العراقي الذي سمع عليه الكتاب المذكور، قد توفي في نفس السنة التي تولى فيها قضاء المدينة المنورة، وبعد مباشرته للوظيفة بقليل، حيث باشرها في ١٢ جمادى الأولى ثم توفي (الباجي) في شعبان من نفس السنة كما ذكرنا، ولذا يحسن ختامنا الجانب التلمذة من حياة الحافظ العراقي بتلمذته للباجي هذا.\n\n<span data-type='title' id=toc-114>المصادر الجامعة لشيوخ العراقي وحصيلته الدراسية وهل ألف في ذلك معجما؟</span>\nوإذا كنت في تتبعي للدراسات العراقي بحثا وتحليلا، منذ تعلمه القراءة والكتابة حتى صار حافظ السنة في عصره، قد اعتمدت حسب القواعد المنهجية للبحث - على النماذج المتنوعة لشيوخه والحصيلته الدراسية، بحيث أعطتنا تلك النماذج صورة واضحة متكاملة لدراساته العامة والمتخصصة ونتائجها، فإن الصورة بلا شك تزداد وضوحًا واكتمالًا حين يعلم القارئ الكريم أن النماذج السابقة على كثرتها وعمقها وتنوعها، وراءها مئات مماثلة. وقد ذكرت في أوائل بحثي لدراسات العراقي أن من ترجموا له منذ عصره قرروا صراحة وضمنا: أن شيوخه ومسموعاته من كتب علوم السنة - فضلا.","vol":"1","page":434},{"text":"عن سواها - ليست كثيرة فحسب، بل في غاية الكثرة، فما بالك لو أضفنا لذلك ما أجيز به، سواء من شيوخه الذين سمع منهم أو من غيرهم؟\nوقد ذكر برهان الدين الحلبي المعروف بسبط ابن العجمي أن شيخه العراقي خرج لنفسه معجما (^١) أي أنه جمع أسماء شيوخه مرتبين على حروف المعجم وذكر ما تلقاه عن كل منهم بالسماع أو القراءة أو الإجازة لكن قرين البرهان الحلبي وصديقه ومثيله في ملازمة العراقي والاشتغال بمؤلفاته، وهو الحافظ ابن حجر نفى وقوفه على أي مؤلّف في هذا، سواء من عمل العراقي نفسه أو من عمل غيره، ففي مرضه الذي توفي فيه عاده قاضي القضاة البدر العنتبابي المعروف بـ «العيني» وقال له: «قد سمعت على العراقي، وأحب الوقوف على مروياته»، فقال له ابن حجر: لا توجد مجموعة في موضع واحد، من أجل أنه «أي العراقي» لم يعتن بذلك فيما وقفنا عليه، وكذا لم يعتن بجمعها ولده، بل ولا غيره من طلبته، ثم استدرك على هذا، بالإعراب عن إمكان تلبية رغبة قاضي القضاة فقال له: «لكن أخرج لكم ترجمته من معجم شيوخي، وفيها الكتب والأجزاء التي قرأتها أو سمعتها عليه، وهي تأتي على كثير من مروياته، فإذا حصلتم هذا فتتبع الباقي» (^٢)، ولما كان كلام ابن حجر هذا في مرض موته كما أشرنا فإنه يُعتبر قراره النهائي في هذا، كما أنه توفي بعد البرهان الحلبي بنحو عشر سنين، وبذلك يترجح لدينا ما قرره من عدم وجود معجم لشيوخ ومرويات العراقي، لا من تأليفه ولا من تأليف غيره، خاصة وأن السخاوي تلميذ ابن حجر حضر لقاءه المذكور بقاضي القضاة\n_________\n(^١) هـ الضوء اللامع: جـ ٤/ ١٧٤\n(^٢) والجواهر والدرر» / ٢٧٦ ب.","vol":"1","page":435},{"text":"العنتابي، ثم أيد كلام شيخه بعدم وقوفه هو الآخر على تأليف العراقي المشار إليه فقال: «ومن الغريب قول البرهان الحلبي أنه خرج لنفسه معجما وما وقف عليه شيخنا، وكذا ما وقفت عليه» (^١).\nوأقرر أنا أيضًا أني لم أجد في بحثي الطويل، من ذكر أن العراقي ألف معجما لشيوخه، ولا من ذكر تأليف أحد غيره لذلك المعجم، وكذا لم أجد شيئًا من ذلك بفهارس المكتبات العربية والعالمية التي اطلعت عليها.\n\n<span data-type='title' id=toc-115>ترجمة ولي الدين بن العراقي لوالده:</span>\nنعم ذكر ابن حجر أن ولي الدين بن العراقي ألف كتابًا في ترجمة والده يسمى «تحفة الوارد بترجمة الوالد»، ووصفه بأنه لطيف الحجم (^٢)، وهذا يدل على اطلاعه عليه، وقد تبعه على ذكره من جاء بعده من المؤرخين (^٣) وذكر الحافظ المناوي أنها ترجمة حافلة (^٤)، لكن قول ابن حجر المتقدم مع اطلاعه عليه: «إن ولي الدين لم يعتن بجمع مرويات والده»، يفيد أنه لم يستوعب ذلك في الترجمة المذكورة.\nكما أن السخاوي صرح بوقوفه عليها بخط المؤلف وقراءته فيها ونقل عنها في تأليفه (^٥) ويظهر من كلامه وتقوله هو وغيره (^٦) عنها أن ولي الدين ضمنها.\n_________\n(^١) (الضوء اللامع) جـ ٤/ ١٧٤.\n(^٢) (المجمع المؤسس) / ٣٦٧.\n(^٣) (لحظ الألحاظ) / ٢٧٧ و(المنهل الصافي) جـ ١/ ٣١٤ و(الضوء اللامع) جـ ١ جـ ١/ ٣٤٣ و«فهرس الفهارس»، للكتاني جـ ٢/ ٤٣٥.\n(^٤) مقدمة (شرح المناوي الموجز لألفية العراقي في السيرة).\n(^٥) (الضوء اللامع) جـ ٤/ ١٤٣ و(الجواهر والدرر) / ١٥٦.\n(^٦) (بهجة الناظرين) / ١٩.","vol":"1","page":436},{"text":"تفصيل حياة والده وجملة من دراساته وشيوخه وتلاميذه، وتوسع أكثر في بيان مؤلفاته، وأورد فيها بعض مراثيه، وهذا يؤيد تقرير ابن حجر عدم استيفاء ولي الدين لمرويات والده ومع هذا فإني لم أقف حتى على ذكر نسخة لهذه الترجمة بفهارس المكتبات العربية وغيرها مما قرأته\nومن العجيب أن نجد ولي الدين يقوم بتخريج بعض المشيخات الضخمة كمشيخة قاضي القضاة محمد بن إبراهيم المناوي المتوفى سنة ٨١٣ هـ في خمسة أجزاء (^١) وغيرها، ومع ذلك لا يعني بتخريج «مشيخه» لا لوالده ولا حتى لنفسه\n\n<span data-type='title' id=toc-116>أهم المصادر المبينة لدراسات العراقي ولشيوخه</span>\nوأما قول ابن حجر المتقدم إنه في معجم شيوخه وهو المسمى بـ «المجمع المؤسس بالمعجم المفهرس» - قد أتى على كثير من مرويات العراقي ضمن ترجمته له فهذا صحيح، حيث استغرق بيان شيوخ العراقي ومروياته عنهم التي قرأها أو سمعها عليه ابن حجر ١٣ صفحة (^٢)، ولكنه مع هذا صرح في مقدمة المجمع (^٣) وفي عبارته السابقة بأنه لم يستوعب، كما أن المنية عاجلته قبل أن ينفذ وعده المذكور آنفًا بتجريد ما ذكره في ترجمة العراقي في المجمع وتتبع الباقي في المظان المختلفة، وجمع الكل في معجم أسماء شيوخ العراقي مرتبين على الحروف مع ذكر مروياته عن كل منهم.\nولا شك أنه رحمة الله لو أُتيح له ذلك لقدم عملًا علميا، جامعا لأكبر عدد\n_________\n(^١) انظر ولحظ الألحاظ» / ١٧٠\n(^٢) والمجمع المؤسس، من ١٧٩ - ١٩٣.\n(^٣) ص ٣.","vol":"1","page":437},{"text":"من شيوخ العراقي وصورة أقرب ما تكون إلى الكمال الحصيلته الدراسية عبر السنين الطوال الحافلة بنشاطه العلمي في الحل والترحال، داخل مصر وخارجها كما أوضحنا.\nولم أقف كذلك حتى الآن على من نهض بعد ابن حجر لتنفيذ منهجه المذكور بصورة أو بأخرى، ولهذا فإني سأقدم هنا جهدًا بديلا عن ذلك ببيان أهم المصادر التي تضمنت ذكر شيوخ العراقي وبيان حصيلته الدراسية بعد بحثي لها واستفادتي منها: ١ - مؤلفات العراقي نفسه في رجال السنة المتأخرين كما سيأتي بيانها بعد.\n٢ - مؤلفاته التي خرَّج فيها الأحاديث بسنده عن شيوخه مثل كتاب «الأربعين حديثا العشارية الإسناد» وكتاب «محجة القرب إلى محبة العرب» و«الأمالي الحديثية» وغير ذلك مما سيأتي في محله.\n٣ - معجم شيوخ الحافظ ابن حجر السابق الإشارة إليه، وهو المسمى بـ «المجمع المؤسس بالمعجم المفهرس» (^١) سواء في الترجمة الخاصة بالعراقي (^٢) أو في أثناء تراجم غيره من شيوخ ابن حجر المعاصرة غالبهم له ومشاركتهم له في الدراسة، بحيث نجد في ترجمة أول من ذكره ابن حجر من شيوخه، رواية العراقي المسند الدارمي ورغبة طلاب السنة في سماعه منه (^٣).\nبينما لا نجد ذلك في ترجمته الخاصة بنفس المجمع ولا غيره.\n_________\n(^١) انظر قائمة المراجع.\n(^٢) من ص ١٧٦ - ١٩٣.\n(^٣) «المجمع» ٠/¬٥.","vol":"1","page":438},{"text":"٤ - (المعجم المفهرس)، لابن حجر أيضًا (^١) جمع فيه مروياته مرتبة على فنون الحديث سواء ما رواه عن شيوخه بالسماع أو القراءة أو الإجازة وبذلك تضمن مرويات أكثر مما في (المجمع المؤسس)، بحيث نجد فيه مثلا ذكر كتاب «شفاء السقام في زيارة خير الأنام» الذي ألفه الشيخ تقي الدين السبكي ردًا على (الشيخ تقي الدين ابن تيمية) وإثبات سماع ابن حجر له من العراقي بروايته عن شيخه السبكي، ولم يذكر ذلك في ترجمته الخاصة بالمجمع، ولا غيره. وهكذا.\n٥ - كتاب (الدرر الكامنة)، و(ذيله)، و(إنباء الغمر بأبناء العمر)، و«رفع الإصر عن قضاة مصر» الجميع للحافظ ابن حجر.\n٦ - ذيل ولي الدين بن العراقي على ذيل والده على العبر للذهبي (^٢).\n٧ - الأعلام لابن قاضي شهبة (^٣).\n٨ - ذيلي تذكرة الحفاظ لابن فهد وللسيوطي (^٤) وقد تقدم اعتمادنا على كل هذه المصادر في بيان شيوخه ودراساته بما يكفي عن ضرب الأمثلة (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-117>مكتبة الحافظ العراقي وأهميتها في تكوينه العلمي ونتاجه</span>\nتتمثل أهمية اقتناء الباحث لمكتبة خاصة به، في أنها تعكس اهتمامه العلمي وتكون خير عون له على مواصلة البحث وسعة الاطلاع، ثم الإنتاج العلمي الدقيق والمتكامل، بحكم توفر المراجع اللازمة تحت يده، ورجوعه إليها في\n_________\n(^١) انظر قائمة المراجع.\n(^٢)، (^٣) (^٤) انظر قائمة المراجع.\n(^٥) وانظر أيضًا «إنباء الغمر» جـ ١/¬٢٥، ٢٩، ٥٣ وغيرها.","vol":"1","page":439},{"text":"كل ما يعن له متى شاء. ومن هنا كانت عناية العراقي رغم قلة إمكانياته المالية، بتكوين مكتبة خاصة به، لا سيما وأن الطباعة في عصره لم تكن عُرفت، كما أن التراث الإسلامي كان قريب العهد بنكبته في الشرق والغرب كما مر في حالة العصر، وبالتالي كان انتشار الكتب وحصول الباحث عليها أصعب بكثير من عصرنا الحاضر، رغم ما قدمناه أيضًا في حالة العصر من إلحاق كثير من المكتبات العامة بالمؤسسات التعليمية.\nوقد عدَّ معاصروا العراقي مكتبته الخاصة من مميزاته على أقرانه، فقال سبط بن العجمي أحد تلاميذه الملازمين له: (وكان كثير الكتب والأجزاء، لم أر عند أحد بالقاهرة أكثر من كتبه وأجزائه (^١»، وهذا الوصف المقارن، على إيجازه يدل على ضخامة محتوى المكتبة، وتنوعه، بحيث ضمت بجانب المراجع الضخمة، الأجزاء الدقيقة الهامة.\nوقد وقفت على إشارات تفصيلية لمشتملاتها تؤكد ذلك:\nفقد ذكر الحافظ ابن حجر أنه كان يوجد بها «صحيح ابن حبان» و«مستدرك الحاكم» (^٢) وأشار أيضًا لوجود «تاريخ بغداد» للخطيب البغدادي عند شيخه العراقي (^٣)، كما ذكر أن العراقي أعان رفيقه وتلميذه نور الدين الهيثمي بكتبه عند اشتغاله بتأليف (مجمع الزوائد (^٤». وهذا يدل على أنه كان بمكتبته الخاصة المراجع الأصلية للكتاب، مثل\n_________\n(^١) «الضوء اللامع» جـ ٤/ ١٧٦.\n(^٢) «الجواهر والدرر» ١٦١.\n(^٣) (المرجع السابق) / ١٧٠.\n(^٤) (المجمع المؤسس) / ٢٠٤.","vol":"1","page":440},{"text":"الصحيحين والسنن الأربعة وكتب الرجال التي كانت عمدته وهي «تهذيب الكمال» للمزي، و«الميزان» للذهبي و«الثقات» لابن حبان (^١) بالإضافة للكتب التي خرج زوائدها وهي المعاجم الثلاثة للطبراني، ومسند الإمام أحمد ومسند البزار، أما مسند أبي يعلى، فقد وجدتُ العراقي بعث إلى ابن حجر طلب استعارته منه (^٢).\nوهذا يدل على عدم وجود نسخة منه بمكتبته. وقد صرح العراقي نفسه في مؤلفاته بما كان يقتنيه من المراجع القيمة للمتقدمين والمتأخرين، مثل: كتاب «الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم (^٣) وكتاب «من عرف بأمه» بخط مؤلفه الحافظ مغلطاي، شيخ العراقي كما قدمنا، وقد حدد عدد أوراقه بـ (٦٢) ورقة (^٤) بل ذكر من الكتب التي ضمتها مكتبته ما صرح أبو عمرو ابن الصلاح من قبله بأنه لم يره، فضلا عن تملك نسخة منه، وهو كتاب «المنفردات والوحدان» للإمام مسلم، في علم الرجال (^٥)، لكننا للأسف لا نعرف شيئًا عن مصير تلك المكتبة التي اتصفت بالضخامة، وحوت المراجع القيمة والنادرة، وكم من الروائع مثلها بددته الناس والأحداث. وبما ذكرناه من محتوياتها يتضح تركيز العراقي في تكوينها على مراجع علوم السنة، وهذا يعكس اهتمامه بتخصصه الذي وقف حياته لخدمته ودعمه.\n_________\n(^١) (بهجة الناظرين) / ١٥٥.\n(^٢) (الجواهر والدرر) / ٧٠ ب.\n(^٣) (الجواهر والدرر) ٩/ ب.\n(^٤) (فتح المغيث) للعراقي جـ ٤/ ١٢٦.\n(^٥) المرجع السابق/ ٧٣.","vol":"1","page":441},{"text":"وقد ظهر تأثير مكتبة العراقي في نتاجه العلمي سلبًا وإيجابًا.\nفمن تأثيرها السلبي، أنه عندما ابتعد عنها أثناء إحدى مجاوراته بمكة كما قدمنا، وطلب منه حينئذ تأليف شرح لكتابه «تقريب الأسانيد» في أحاديث الأحكام، تردد في إجابة طلابه لهذا، وعندما رأى الضرورة ملحة شرع في الشرح وتناول عدة أبواب متفرقة من المتن دون أن يتمه وأثبت في المقدمة من أسباب تردده قلة المراجع بسبب المجاورة التي أبعدته عن مكتبته العامرة، ووضع له تسمية تنبئ عن ذلك كما سيأتي (^١) بيانه.\nأما تأثيرها الإيجابي فمن صوره أن بعض الكتب التي اطلع عليها وبحثها كشف مواضع النقص فيها، فذيل على هوامشها إستدراكات مكملة، أعتبرت من نتاجه العلمي المفيد، مثل تعليقه بعض الزيادات في أسماء المدلسين بهامش نسخته من كتاب «جامع التحصيل لأحكام المراسيل» لشيخه العلائي، وتذييل بعض الزيادات في غريب الحديث بهامش نسخته من كتاب «النهاية في غريب الحديث والأثر» لابن الأثير، وغير ذلك مما سيأتي بيانه في موضعه بعون الله.\n\n<span data-type='title' id=toc-118>النتيجة العامة:</span>\nولعلي بهذا، قد وفقت في تقديم جانب التلمذة من حياة العراقي وشخصيته العلمية، في صورة أقرب ما تكون إلى الوضوح والاكتمال، وأن لي أن أختمه، بعد أن وصل بمقتضى ما قدمته إلى درجة النضج العلمي، واتضح من دراساته النشطة الجادة على جماهير العلماء، سواء في رحلاته، أو في مدينتي مصر.\n_________\n(^١) طرح التثريب في شرح التقريب، ج ١/¬١٤.","vol":"1","page":442},{"text":"والقاهرة، أثناء إقامته بموطنه، أنه توفر له من ذلك، عامة ما تقضي بتحصيله شروط حفاظ السنة النقاد، وقواعد التخصص في علومها (^١)، بحيث صار حافظ عصره الكامل كما ذكر في ألقابه وتأهل لمهماته العلمية التالية، من تدريس وتصنيف وتخريج الخلفائه في حمل الرسالة.\n_________\n(^١) انظر: شرح السيوطي لألفيته في المصطلح، ١٥ - ٦ ب و(حاشية الطوخي) على شرح الشيخ زكريا الأنصاري لألفية العراقي في المصطلح، ١٣٢ - ٣٦ ب و(الجواهر والدرر) ١١ - ١٢ ب وهـ إنباء الغمر، جـ ١/ ٥٩ ط الهند سنة ١٩٦٧ م ووجامع بيان العلم وفضله ولابن عبد البر جـ ٢/ ٢٠٤ - ٢٠٧ و(شرح الترمسي لألفية السيوطي) ص ٢٤٥ - ٢٤٨.","vol":"1","page":443},{"text":"<span data-type='title' id=toc-119>وظائف العراقي العلمية وأثرها في السنة</span>\nالمقصود بوظائف العراقي هنا ما هو أعم من تعيينه رسميًا ببعض المدارس أو المساجد أو غيرها للتعليم والتوجيه، وذلك لأن العلوم الإسلامية، ولا سيما علوم السنة التي هي الركن الثاني بعد كتاب الله تعالى، يُعتبر القيام بتعليمها ونشرها بالدرجة الأولى تكليفًا شرعيًا لكل من تأهل له، وبالتالي فإن المؤمن منذ تأهله لإفادة شيء من تلك العلوم يُعتبر موظفًا من قبل الشارع لتعليمه ونشره، سواء تعين في وظيفة يؤدي رسالته من خلالها أم لا (^١).\nولم يكن في عصر العراقي التزام بتوظيف كل متخرج كما في عصرنا الحالي في بعض بلدان العالم؛ بل كان من العلماء من يتعيش ببعض الأعمال المناسبة من تجارة أو صناعة ويقوم برسالته العلمية وفاء بالتكليف الشرعي، وقد ذكرنا من قبل شيخ العراقي «ابن الخباز» الذي فتح بيته بدمشق غالب النهار لطلاب السنة يؤدي لهم ما تحمله منها حتى آخر حياته، دون أن يوظفه لذلك أحد أو يعطيه أجرًا، بل كان يعمل بالنسيج في منزله أيضًا بجانب أداء رسالته الحديثية وما ذلك إلا لما تضافرت عليه الأدلة الشرعية من الأجر الجزيل والشرف الخالد، لرواة السنة وحفاظها القائمين بنشرها وشرحها وصيانتها من الدخيل (^٢).\n_________\n(^١) انظر: صحيح البخاري مع فتح الباري/ كتاب العلم جـ ١/ ١٦٧، ١٦٩، ١٩٣، ١٩٤ وجامع بيان العلم وفضله، لابن عبد البر جـ ١/¬٤ - ٦ و٥ «المحدث الفاصل» للرامهرمزي ٣٥١ - ٣٥٤ وه الإلماع، للقاضي عياض/ ١٩٩ - ٢٠٤ و٥ «فتح المغيث» للعراقي جـ ٣/ ٧١ - ٧٥.\n(^٢) انظر: «صحيح البخاري» مع فتح الباري/ كتاب العلم جـ ١/ ١٧٦، ١٧٧، ١٨٠، وه جامع بيان العلم وفضله، جـ ١/¬٤٦ - ٥١ و٥ «جامع المعقول والمنقول، شرح جامع الأصول» للشيخ عبد ربه سليمان ج ١ ص ١٩، ٢٠.","vol":"1","page":444},{"text":"بل من العلماء من كان يرفض ما يُعرض عليه من الوظائف الرسمية، ليؤدي رسالته في أي زمان ومكان من بلاد الإسلام التي يحل فيها ومنهم من كان يتقاضى أجرا على التعليم ورواية السنة (^١) ومنهم من كان يسعى لتحصيل الوظائف ويتكالب عليها ولو بدون تأهل أو كفاءة كما سيأتي، ولكن الحافظ العراقي كان شأنه وسطًا، فلم يُعرف عنه أنه طلب أجرًا على التعليم أو الرواية، بل فتح قلبه وبيته لطلابه، ولم يُعرف عنه أيضًا تزلف لأحد لتحصيل وظيفة رغم كفاءته وضيق عيشه، بل ظل يؤدي رسالته راحلا أو مقيمًا بمصر، قانعا بإقامته في الخانقاه السابق ذكرها ومكتفيا بمخصصاته فيها، فإذا خلت وظيفة أو استحدثت، وطلب إليها معزّزا مُكرَّما أجاب وأدى واجبه العلمي من خلالها، وربما وجد في وضعه الوظيفي إحراجا أو تعطيلا لغيره، فينقطع من نفسه رغم كونه مطلوبا، على ما سنفصله، ومن يراجع حركة التوظف في عصره يدرك تماما أن مسلكه هذا نموذجي ونادر حينذاك، وقد كان العراقي يدرك جيدا أن مناط تكليفه بالتعليم والتوجيه هو التأهل لذلك وليس التوظف الرسمي، وصرح بذلك في بيان دافعه لإصدار بواكير تأليفه بقوله: «وقد أوجب الله تعالى على من علم علمًا وإن قل، أن يُبينه ولا يكتمه» (^٢)، ولهذا فإن تصديه للإفادة العلمية كان أسبق وأعم من تعيينه في أية وظيفة رسمية.\nفقد ذكر لنا بنفسه أول ممارسته لإسماع الحديث وذلك في سنة ٧٤٥ هـ وهو دون العشرين من عمره حيث سمع منه بعض مروياته: المحدث أبو\n_________\n(^١) و«بهجة الناظرين» / ٣٣ و(إنباء الغمر) جـ ١/¬٥٠ و(عنوان الزمان)، للبقاعي جـ ١/¬١٥ (مخطوط).\n(^٢) و«جزء الموضوعات في مسند الإمام أحمد»، للعراقي ضمن القول المسدّد لابن حجر/ ٤.","vol":"1","page":445},{"text":"محمود المقدسي، كما قدمنا، وتتابعت منذ ذلك التاريخ وقائع عطائه العلمي بجانب نشاطه في التحصيل، حتى بلغ مرحلة النضج التي تمحض فيها للعطاء كما سيجيء.\nوقد قدمت من قبل نماذج تبادله الإفادة العلمية سماعًا وكتابة، خلال رحلاته مع شيوخه وأقرانه، بالإضافة لقيامه في الرحلات الحجازية خصوصًا بتدريس علوم السنة ونشرها، سواء من خلال مؤلفاته أو غيرها، ولم يكن في هذا ولا في ذاك، مرتبطًا بوظيفة رسمية ولا مستأجرًا من أحد إلا من الله.\nومع أن المؤرخين للعراقي متفقون على تعدد وظائفه العلمية، شرعيًا ورسميًا، وعلى عظيم آثارها، خاصة في جيل المحدثين عمومًا من بعده، غير أن تناولهم لذلك يعوزه التفصيل والتحديد والنماذج التطبيقية التي تدعم ما قرروه وتجسد أبعاد جهود العراقي، وتُحدّد عناصر منهجه في التعليم والتوجيه ومدى آثاره.\nوقد قمت من جانبي بالتتبع التفصيلي لمسار نشاط العراقي العلمي ونتاجه وتتبع حركة التوظف بمصر وخارجها، حتى أغطي تلك الجوانب الهامة التي تقتضيها طبيعة البحث المنهجي، لإظهار أثر العراقي في نشر علوم السنة وتخريج حفاظها وغير ذلك، خلال مراحل حياته المختلفة ومواقعها وسأتناول ذلك على النحو التالي:\n\n<span data-type='title' id=toc-120>أولًا: مرحلة عمله الأولى بالقاهرة ونتائجها:</span>\n١ -<span data-type='title' id=toc-121> روايته للسنة وتدريس علومها:</span>\nتمتد هذه المرحلة من سنة ٧٤٥ هـ التي حدد العراقي بنفسه بداية نشاطه فيها كما ذكرنا، حتى سنة ٧٨٨ هـ التي تولى فيها قضاء المدينة النبوية وتوابعه،","vol":"1","page":446},{"text":"ونظرا لانشغال العراقي في أغلب هذه الفترة باستكمال دراسته في الداخل ورحلاته للخارج كما أوضحنا، فإن ارتباطه بالوظائف الرسمية تأخر كثيرًا عن سنة ٧٤٥ هـ.\nلكني وجدت أن بعض نسخ تخريجه (للإحياء) قد قُرئت عليه في سنة ٧٤٩ هـ (^١) ولما كان التخريج الذي أنجز غالبه حينئذ هو الكبير الواقع في عدة مجلدات كما تقدم، فإن قراءته عليه تقتضي عقده لذلك مجالس متعددة، وكان حينئذ بمصر، لكني لم أقف على تحديد مكان تلك المجالس ولا على ارتباط العراقي بأي وظيفة رسمية حينذاك، وهذا يفيد أنه كان يؤدي ما توفر لديه من علوم السنة بصورة منتظمة كوظيفة كلف بها شرعًا، قبل قيامه بذلك كوظيفة رسمية يتقاضى عليها أجرًا.\nوأقدم ما وقفت عليه من وظائفه الحديثية الرسمية توليه تدريس الحديث ومشيخته بدار الحديث الكاملية بالقاهرة، وذلك بعد وفاة مدرسها الشيخ جمال الدين عبد الله بن علي بن التركماني المتوفى سنة ٧٦٩ هـ ثم استمر يعمل بها حتى جمادى الأولى سنة ٧٨٨ هـ حيث تولى قضاء المدينة المنورة فاستقر الشيخ سراج الدين بن الملقن عوضا عنه (^٢).\nوتولي العراقي هذه المدرسة، يُحدّد لنا أبعاد رسالته ومركزه العلمي والرسمي في تلك المرحلة وما بعدها، وذلك لأنها أعرق وأرفع أماكن تدريس الحديث\n_________\n(^١) «المغني عن حمل الأسفار» للعراقي/ هامش ص ٢٣ (نسخة مخطوطة بدار الكتب المصرية برقم ١٢٨٢ حديث).\n(^٢) (حسن المحاضرة) للسيوطي جـ ٢/ ٢٦٢ و(الدرر الكامنة) جـ ٢/ ٢٨١ و«إنباء الغمر» جـ ١/ ٣١٦ و(الأعلام) لابن قاضي شهبة جـ ٣/¬١٤ ب و(الضوء اللامع) جـ ٤/ ١٧٤","vol":"1","page":447},{"text":"بالديار المصرية عمومًا، فهي أول دار أنشئت بها للحديث (^١) وتوالى من بعدها إنشاء أقسامه ودروسه بكافة الأماكن كما قدمنا في حالة العصر (^٢).\nثم إنه قد اشترط في مدرسها أن يكون أعلم أهل القاهرة بالحديث، ولهذا ربط ابن حجر بين مكانة أستاذه العراقي آنذاك، وبين تعيينه في هذه المدرسة بالذات فقال عنه: «درس في القاهرة بالكاملية، وشرط مدرسها أن يكون أعلم أهل القاهرة بالحديث» (^٣) وابن حجر من شهود العصر ومن خبرائه بشروط منشآته العلمية وبتطبيقها وبأحوال شيخه العراقي، ومعنى هذا إقراره بتحقق الشرط فيه عن خبرة كافية، كما أن بقاء العراقي في هذه المدرسة نحوا من ١٨ عامًا، دون عزل أو اعتراض كما حدث لغيره، دليل على كفاءته وحسن سيرته في أداء رسالته التعليمية والتوجيهية بها.\nومن نماذج التلمذة الطويلة عليه بتلك المدرسة، ما ذكره ولي الدين عن\n_________\n(^١) وقد أنشأها الملك الكامل الأيوبي سلطان مصر وتمت سنة ٦٢٢ هـ تقريبا ووقفها على المشتغلين بالحديث ومن بعدهم على فقهاء الشافعية، فعرفت بدار الحديث الكاملية أو المدرسة الكاملية نسبة إلى الملك الكامل، وقد جعل بها مكتبة ومساكن للطلاب وللمدرسين وطبقت شهرتها الآفاق وتولى تدريسها الحافظ ابن دحية المتوفى سنة ٦٣٤ هـ والحافظ المنذري، وغيرهما من رواد الحديث وأعيان الفقهاء بمصر حتى عصر العراقي، ثم تعرضت منذ سنة ٨٠٦ هـ للإهمال وتعطلت دروسها وصارت جامعًا عاديًا يعرف بجامع الكاملية، وموقعها حاليًا بأول شارع النحاسين الموصل لبيت القاضي بحي الأزهر بالقاهرة، وقد هدم معظمها وأخذ في شارع النحاسين عند إنشائه، خطط المقريزي: جـ ٤/ ٢١١ وما بعدها و: تحفة الأحباب، لعلي السخاوي/ ٢٠٤ ب ووالخطط التوفيقية، لعلي مبارك جـ ٥/¬١٣، ١٤، ٨٨ و(المنذري وكتابه التكملة) للدكتور بشار عواد/ ١٢٨ وهـ «الفوائد المنتظمة» للشيخ نجم الدين محمد الغيطي ٤ أ، ب.\n(^٢) وانظر أيضًا والفوائد المنتظمة وللغيطي/ ٤ أ، ب.\n(^٣) و«المجمع المؤسس» / ١٧٨","vol":"1","page":448},{"text":"شهاب الدين أحمد بن حسن بن علي الحرازي المتوفى في ربيع الأول سنة ٧٨٣ هـ حيث قال عنه: «ولازم السماع على والدي بالكاملية (^١)»، وهذا يفيد قراءة الحديث على العراقي بها وسماع الحرازي وغيره بانتظام مدة طويلة حتى تحقق وصفه بالملازمة.\nأما ثاني ما وقفت عليه من وظائف العراقي الحديثية الرسمية في تلك المرحلة فقد تقلدها في سنة ٧٧٥ هـ، ومن المعروف في عصره، أن العالم كان يتولى عدة وظائف في مكان أو أمكنة، ويوزع وَقْته فيما بينها (^٢)، ومنشأ تلك الوظيفة، أن مصر عموما تعرضت لشدائد اقتصادية وغلاء عام، فأمر السلطان في شهر رمضان سنة ٧٧٥ هـ القضاة أن يحضروا عنده بالقلعة (^٣) كل يوم وصحبتهم جماعة من مشايخ العلم والحديث، لقراءة صحيح البخاري ودراسته، رجاء أن يخفف الله تعالى شدائد البلاد، فامتثلوا وحضر جماعة من الأكابر، ورتب الحافظ زين الدين العراقي قارئًا للبخاري، ثم اشترك معه المحدث العالم المصنف شهاب الدين أحمد بن علي العرياني، فصار كل منهما يقرأ يوما، وبدأت القراءة والدراسة بحضور السلطان ومشاركته في المدارسة، وحكى العراقي بنفسه أنه كان حاضرا سماع البخاري بمجلس السلطان الأشرف (شعبان)، وأن السلطان سأل عن معنى بعض الأحاديث المقروءة فأجابه الحاضرون (^٤) ومن هذا يتبين أن العراقي كان يحضر هذه المجالس الحافلة.\n_________\n(^١) وذيل ولي الدين، وفيات سنة ٧٨٣ هـ.\n(^٢) انظر «بهجة الناظرين»، ٦٠، ٦١ و(الجواهر والدرر) ٢٥٧ أ، ب.\n(^٣) هي المعروفة حاليا بقلعة صلاح الدين بالقاهرة وكان يُطلق عليها آنذاك «قلعة الجبل».\n(^٤) (إنباء الغمر) جـ ١/ ٦١، ٧٧ و(الأعلام، لابن قاضي شهبة جـ ٢/ ٢١٨ أ وهـ ذيل ولي الدين ابن العراقي) / ٣٩ أ.","vol":"1","page":449},{"text":"في الأيام التي عليه فيها القراءة، وفي غيرها للمباحثة، كما يتبين أن هذه الوظيفة استحدثت في السنة المذكورة وكان العراقي أول من عين فيها، ثم تلاه العرياني، وهذا يفيد مشاركته العلمية باسم السنة في أحداث ومواقف عصره ومصره ويؤكد رفعة مكانته الحديثية، حيث ضمت تلك المجالس المهيبة: السلطان الحاكم لمصر والشام والحجاز، وكبار العلماء والقضاة، كما كانت مقصدا للمحدثين والعلماء الوافدين على القاهرة من مختلف الأقطار (^١).\nثم إني وقفت على نسخة خطية للمجلد الأول من «تكملة شرح الترمذي» للعراقي، وقد أثبت بخطه في هامشها انتهاء قراءة الجزء الأول منها عليه بواسطة الشيخ شهاب الدين الأشموني، وسماع جماعة معه منهم الفقيه الواعظ زين الدين قاسم النويري المالكي، وذلك في المجلس الثاني عشر بتاريخ ١٤ من المحرم سنة ٧٨٧ هـ بقلعة الجبل (^٢)، وأثبت القراءة والسماع أيضا في نهاية كل مجلس من المجالس الحادية عشر قبله، لكن لم يُحدد تواريخها، وإن كان اشتغال العراقي حينئذ بتدريس الكاملية كما أوضحنا يفيد أن تلك المجالس كانت أسبوعية أو نصف أسبوعية حسب عادة العلماء في ذلك العصر، وعليه فإن تأريخ المجلس الثاني عشر في ١٤ من المحرم سنة ٧٨٧ هـ يفيد أن بداية المجالس لدراسة هذا الكتاب بدأت في أواخر السنة السابقة وهي سنة ٧٨٦ هـ. ثم أثبت العراقي بخطه القراءة والسماع عليه الباقي الشرح في مجالس تالية ومتسلسلة بلغت - في هذا المجلد فقط - سبعين مجلسا (^٣) وهذا\n_________\n(^١) «بهجة الناظرين»» / ١٦٤.\n(^٢) انظر هامش ٢٦ أ من نسخة الأسكوريال الآتي التعريف بها و«إنباء الغمر» جـ ١/ ٥٣٨.\n(^٣) انظر الورقة/ ١٦٢ أ من النسخة المذكورة.","vol":"1","page":450},{"text":"يدل على استمراره منتظمًا في ذلك مدة طويلة بعد تاريخ المجلس الثاني عشر كما مر، ولو أننا عثرنا على ما بعد هذا المجلد من النسخة، لتأكد لنا ذلك بالتحديد، ومن الجدير بالذكر أن هذا المجلد المقروء على العراقي في القلعة، هو الآن في أحد الأديرة المسيحية في أسبانيا! وقد وجدتُ العراقي في بعض المجالس يذكر أنها كانت بقلعة الجبل (^١) وفي غالبها يذكر أنها كانت بجامع القلعة (^٢) وفي عدة مجالس قرر أن القراءة عليه كانت قراءة بحث (^٣).\nأي أنه كان يدور خلالها مناقشة الحاضرين مع أستاذهم العراقي في المقروء سواء في الشرح الذي هو من تأليفه، أو في «سنن الترمذي» المشروح، فيضبط لهم الألفاظ المشكلة وأسماء الرواة، ويبين لهم ما يحتاجون إيضاحه من العبارات والاصطلاحات والمعاني والأحكام وغير ذلك من مباحث السند والمتن التي يحفل بها «جامع الترمذي» وشرح العراقي له كما سيأتي في موضعه ومن المباحثة أيضًا أن يُصغي لما يبديه الحاضرون من فهم أو وجهة نظر في المقروء مع التقرير أو التصحيح، ولذلك وجدت غالب المجالس لا يجاوز المقروء فيها ورقتين عاديتين، ومنها ما يبلغ صفحة وبضعة أسطر، مما يدل فعلا على قيام العراقي خلال القراءة عليه بتدريس المقروء بعمق وتأن وإفساح صدره لمناقشة الحاضرين فيما يبدونه حول المقروء، كما هو شأن المدرس التربوي الناجح حتى عصرنا.\nوكما قدمنا عن أخلاقه ومواهبه، وبالإضافة لهذا ذكر الإمام بدر الدين العيني\n_________\n(^١) انظر ١٦ ب، ١٨ أ، ٢٨ ب، ٣٧ أ، ١٣٢ ب.\n(^٢) ٣٣ أ، ٤٠ أ، ٥٦ أ، ١٦٢ أ.\n(^٣) ٧٩ أ، ٨٥ أ، ٩٢ ب.","vol":"1","page":451},{"text":"أنه سمع (صحيح البخاري) على أستاذه العراقي بقراءة الشيخ شهاب الدين الأشموني المذكور، وذلك بجامع قلعة الجبل في سنة ٧٨٨ هـ (^١).\nومن هذا وما قبله يتضح لنا أن وظيفة العراقي بالقلعة، قد تجاوزت قراءته للبخاري ودراسته بحضرة السلطان والعلماء، إلى قيامه في جامع القلعة بإقراء وإسماع البخاري وغيره من أمهات مروياته الحديثية السابق تفصيلها ليتحملها عنه جماعات الطلاب والعلماء بسنده العالي الموثق كما أوضحناه من قبل، ثم كان يقوم أيضًا بضبط المقروء وشرحه، ومباحثة الحاضرين فيه سندا ومتنا، وذلك في مجالس منتظمة، على امتداد عدة سنين حتى سنة ٧٨٨ هـ التي تحول فيها إلى المدينة النبوية.\nوهكذا قام في وظيفته بالقلعة وجامعها، برواية ما تحمله من السنة وتدريس علومها تطبيقا من خلال مؤلفاته وغيرها، سواء في مجامع أعلا مستويات عصره، منصبا وعلما، أو فيما دون ذلك من مجالس الرواية والدراية والدراسة، ولما كانت القلعة هي المركز الأعلا للحكم، ومقر السلطان وخليفة المسلمين فإن جامعها المذكور كان أجل جوامع القاهرة، حيث يصلي به السلطان الجمعة ويخطب به قاضي القضاة، ويُنتقى العاملون به من خيرة الكفاءات بمصر والقاهرة حتى المؤذنين (^٢). ومن هنا كان تعيين العراقي به\n_________\n(^١) «عقد الجمان» للعيني جـ ٢٥ قسم/ ٢ وفيات سنة ٨٠٦ هـ ترجمة العراقي (مخطوط مصور بدار الكتب المصرية).\n(^٢) انظر «الخطط التوفيقية» لعلي مبارك جـ ٥ ص ٧٧، وقد ذكر أن هذا المسجد يقع عن يسار الداخل من باب القلعة الكبير، وقد أنشأه الناصر محمد بن قلاوون في سنة ٧١٨ هـ توسعة لمسجد قديم صغير، كان مكانه وذكر أنه الآن معطل الشعائر بل استعمل من مدة كمخزن.","vol":"1","page":452},{"text":"للرواية والتدريس، دليلًا مؤكدًا لسمو مكانته العلمية في عصره، ولعظيم تأثيره.\nهذا ولم أجد في بحثي التفصيلي، تولي العراقي حتى سنة ٧٨٨ هـ وظيفة حديثية بأي مكان آخر غير ما ذكرت، من دار الحديث الكاملية، والقلعة واحتمال ذلك بالمدرسة الفاضلية كما سيأتي.\nلكني وجدتُ وقائع متعددة لنشاطه في تلك المرحلة بمصر، دون ارتباط بمكان معين. فمن ذلك: أن الشيخ قاسم النويري الذي تقدم اشتراكه في سماع وبحث (شرح الترمذي) للعراقي عليه بجامع القلعة، قد قرأ عليه أيضًا (شرحه لألفيته في علوم الحديث) قراءة بحث وتوضيح، وعلق على هامش نسخته المقروءة بعض توضيحات العراقي له حين القراءة، وقد توفي النويري في حياة العراقي سنة ٧٩٩ هـ عن ٦٠ سنة (^١).\nوأن المحدث أبو الحسن علي بن الحسين المعروف بابن البنا المتوفى سنة ٧٦٨ هـ والذي صحب العراقي في رحلاته، وقد انتفع به في الفن وكان شديد الملازمة له حين كان بالقاهرة (^٢).\nوأيضًا الفقيه شهاب الدين أحمد بن علي بن عبد الرحمن الشهير بالبلبيسي المتوفى في ١٤ من المحرم سنة ٧٨١ هـ أو قبلها، قرأ على العراقي «شرح لألفية الحديث» المذكور (^٣).\nومن ذلك أيضًا أن الفقيه المقرئ شمس الدين محمد بن علي المشهور بابن\n_________\n(^١) و(النكت الوفية بما في شرح الألفية) للبقاعي/ ٥٩ ب و«إنباء الغمر»، جـ ١/ ٥٣٨.\n(^٢) و(ذيل ولي الدين) وفيات سنة ٧٦٨ هـ.\n(^٣) و(ذيل ولي الدين) وفيات سنة ٨٧٨ هـ.","vol":"1","page":453},{"text":"جوشن المتوفى في العشر الأوسط من رجب سنة ٧٧٨ هـ، بحث عليه ألفيته في مصطلح علم الحديث (^١).\nويلاحظ أن هؤلاء جميعا من أقران العراقي ورفقته وبالتالي فإن تلمذتهم له دليل تقديرهم لعلمه وإقرارهم بتفوقه فيه.\nوكتب العراقي نفسه بخطه أن الإمام العلامة صدر المدرسين ومفتي المسلمين جمال الدين أبو إسحق إبراهيم بن محمد (الأميوطي) قد قرأ عليه جميع (شرح الألفية في علم الحديث) وذلك في مجالس آخرها في شوال ٧٧٢ هـ بظاهر القاهرة (^٢)، وقد ولد الأميوطي هذا قبل العراقي بعشر سنوات، وأدرك من الشيوخ من لم يدركهم العراقي ثم رافقه في التلمذة على الإسنوي، ثم قام بالتدريس والتحديث بمكة طويلا بعد تحوله لها حتى توفي في سنة ٧٩١ هـ (^٣) فتلمذته للعراقي أيضا دليل تقديره لعلمه واستفادته منه رغم تقدمه عليه في السن والطلب.\nوكتب العراقي بخطه أيضا أن المحدث شهاب الدين أحمد بن محمد المعروف بابن السمسار، قد قرأ عليه جميع شرح الألفية المذكورة، قراءة بحث ونظر وتأمل، فأحسن وأجاد وأفاد، وصح ذلك في مجالس آخرها ليلة ثاني شهر رجب سنة ٧٨٦ هـ (^٤) ثم قال ابن السمسار: «وكان شيخنا المؤلف حال قراءتي عليه يمسك بنسخته التي بخطه ويعارض بها وفي مواضع السقط\n_________\n(^١) المرجع السابق وفيات سنة ٧٨١ هـ و(إنباء الغمر) ج ١/ ١٥٩.\n(^٢) (شرح الألفية) للعراقي ١٤٧ أ، مخطوط بمكتبة الأزهر برقم (٨٤) مصطلح.\n(^٣) (بهجة الناظرين) / ١٣٥ و(الدرر الكامنة) ج ١، ٦٢، ٦٣ و(إنباء الغمر)، جـ ١/ ٣٥٦.\n(^٤) (شرح الألفية) النسخة السابقة/ ١٤٧ أ، ب.","vol":"1","page":454},{"text":"منها عارض بنسخة ولده» (^١)، ويعتبر ابن السمسار هذا ممن لازموا العراقي لتلقي علم الحديث عنه مدة طويلة، وصار من حفاظ الشام المتقنين والمشهورين بها (^٢). وفي نفس سنة ٧٨٦ هـ المشار إليها سمع المدرس الفقيه أحمد بن يحيى الصالحي، على العراقي غالب (سنن الدارقطني) (^٣) وهناك أمثلة عديدة أخرى سيأتي بعضها فيما بعد.\nالاستنتاج:\nوعلى ضوء ما قدمته من الوقائع فضلا عن غيرها يتضح لنا قيام العراقي برسالته التعليمية للسنة رواية ودراية، على وجوهها المختلفة، وإتباعه في ذلك منهجا متكاملا محققا لمتطلبات عصره وملائما لطبيعة العلم المدروس، فقد أدى ما تحمله من المرويات بسنده، مضافا إليه مؤلفاته في تلك المرحلة، ودرس علوم السنة ومصطلحاتها من خلال كتابين جامعين ومتنوعين:\nأولهما: هو الألفية المنظومة في قالب شعري، حتى يسهل حفظها واستحضار عامة مسائل العلم بذلك، كما كان متبعا في عصره.\nوثانيهما: هو (شرح الألفية) في حجم متوسط وموضح لمحتواها، فيتدرج الدارس من المتن إلى الشرح حتى يتمكن من استيعاب مسائل العلم والإستفادة التطبيقية لها في بحثه ودراسته.\nثم كان يباحث طلابه خلال الدروس فيوضح لهم ما يحتاجون ويعطيهم.\n_________\n(^١) المرجع السابق.\n(^٢) (الضوء اللامع) جـ ٢/ ١٨٦ و(بهجة الناظرين) / ٩٢ وما بعدها.\n(^٣) (الضوء اللامع) جـ ٢/ ٢٤٣.","vol":"1","page":455},{"text":"فرصة التأمل والنظر لفهم موضوع الدرس حتى تتفتح مداركهم لاستيعابه، ويشجعهم على مواصلة ذلك بتقويم تحصيلهم واستحسانه، وهذه أفضل طرق التدريس والمحاضرة حتى عصرنا الحاضر، هذا بالإضافة إلى اعتنائه بمقابلة نسخ الطلاب من المراجع بما لديه من أصولها، لتصحيحها وتوثيقها حتى يمكنهم الاعتماد عليه باطمئنان، ثم بإثباته قراءتهم للكتاب المدروس عليه؛ ليتصل لهم السند بها تبعا لمنهج التلقي لعلوم السنة وروايتها كما تقدم بيانه.\nويظهر لنا من نماذج تلاميذه المذكورين تنوع فئاتهم ومستوياتهم العلمية، من مُحدّث وفقيه ومُفت ومقرئ، ومن أقران له وممن دونهم. ويظهر كذلك أن قيامه برسالته التعليمية، لم يقتصر على أوقات وأماكن وظائفه الرسمية، وإنما شغل ليله ونهاره، وقصده طلابه في أي زمان ومكان ومنهم من لازمه طويلا وأشد ملازمة.\nوبذلك كله اتسع نطاق إفادته وعمق تأثيره، وثبت تمتعه بخصائص وقدرات العالم النموذجي: من حبه وإخلاصه لرسالته، وسعة أفقه وصبره وتفانيه في نشر علمه ما استطاع إلى ذلك سبيلا. ولعل خير ما يؤكد هذا أن شيخه جمال الدين الإسنوي كان يحث الناس على التلمذة عليه وعلى كتابة مؤلفاته للاستفادة بها (^١).\n_________\n(^١) هـ «لحظ الألحاظ» / ٢٢٧.","vol":"1","page":456},{"text":"<span data-type='title' id=toc-122>ريادة العراقي المدرسة السنة في مصر ومواقفه من أجلها</span>\nقدمنا في الفقرة السابقة أن أقدم ما وقفنا عليه من وظائف العراقي الرسمية هو توليه تدريس الحديث برائدة مدارس السنة بمصر، وهي المدرسة الكاملية والاعتراف له بمقتضى ذلك على المستوى العلمي والرسمي، بأنه أعلم أهل القاهرة بالحديث، ولما لم يكن بمصر عموما جهة أخرى يشترط في مدرس الحديث بها هذا الشرط، فإن العراقي منذ تعيينه في هذه المدرسة الرائدة بعد سنة ٧٦٩ هـ أصبح في الاعتبار العلمي والرسمي، شيخا للحديث والمحدثين ورائدا لمدرسة السنة وعلمائها، لا في القاهرة فحسب، بل في الديار المصرية عموما، وقد صرح بهذا غير واحد من شيوخه، وتلاميذه ومؤرخيه كما توفرت له أسبابه ومقوماته. فبالنسبة لشيوخه وجدنا الحافظين ابن جماعة بمصر، وابن رافع بالشام، قد شهدا له فيما قبل سنة ٧٦٩ هـ بالتفرد بعلم الحديث بالقاهرة والديار المصرية عموما كما قدمنا عنهما أما شيخه جمال الدين الإسنوي فقد وصفه بـ «حافظ العصر» في عدد من مؤلفاته أقدمها كتاب (المهمات) الذي فرغ منه سنة ٧٦٠ هـ (^١).\nومع اعترافنا بأن ذلك لا يلغي المكانة العلمية لغيره من علماء السنة وحفاظها المعاصرين له والأقران البارزين الذين سنوازن بينه وبينهم فيما بعد، فإننا نجد في شهادة هؤلاء الثلاثة من شيوخه وشيوخ عصره، ما يدل بوضوح لاعتباره حينذاك رائدا لمدرسة السنة وعلمائها في مصر.\nوأما بالنسبة لتلاميذه، فنجد الحافظ ابن حجر بجانب إقراره السابق لتوفر\n_________\n(^١) والدرر الكامنة وجـ ٢/ ٤٦٤","vol":"1","page":457},{"text":"شرط الكاملية المتقدم في شيخه، يقول: «وصار المنظور إليه في هذا الفن من زمن الشيخ جمال الدين الإسنوي» وهلم جرا (^١) ولعل تحديده بزمن الإسنوي لأنه هو الذي سجل وصفه بـ «حافظ العصر» قبل سنة ٧٦١ هـ كما أوضحناه وكما أشار ابن حجر نفسه لذلك في موضع آخر حيث يقول: وصار المنظور إليه في هذا الفن، وقد وصفه بحافظ العصر، الشيخ جمال الدين الإسنوي، ذكر ذلك في «الطبقات، في ترجمة ابن سيد الناس» وفي «المهمات» أيضا (^٢).\nأما تلميذاه تقي الدين المقريزي وابن فهد، فقررا أنه: «شيخ الحديث الذي انتهت إليه رياسته» (^٣).\nوقال تلميذه ابن الجزري عنه: «حافظ الديار المصرية ومحدثها وشيخها» (^٤).\nومن مؤرخيه المعاصرين له، مؤرخ الشام ومُحدّثه في عصره، شهاب الدين أحمد بن حجي، وقد قال عنه: «شيخ المحدثين، كان محدث الديار المصرية، انتهت إليه بها معرفة علم الحديث … وولي بالقاهرة مشيخة الحديث، بعدة مواضع» (^٥).\n_________\n(^١) (إنباء الغمر) جـ ٢/ ٢٧٦.\n(^٢) وذيل الدرر الكامنة» / ٧٢.\n(^٣) (الضوء اللامع) جـ ٤/ ١٧٧ و«لحظ الألحاظ» / ٢٣٤.\n(^٤) «غاية النهاية» جـ ١/ ٣٨٢ ..\n(^٥) (الأعلام) جـ ٤/ ٢١٩ ب وو«طبقات الشافعية» / ١١٠ ب كلاهما لابن قاضي شهبة و١ بهجة الناظرين» للغزي/ ١٣١.","vol":"1","page":458},{"text":"وقال شهاب الدين الغزي: «وهو شيخ الجماعة الأئمة الذين كانوا في عصره» (^١).\nوما قرره هؤلاء جميعا من شيوخ العراقي وتلاميذه ومؤرخيه، نجد مصداقه في التكوين الطبيعي والأخلاقي والعلمي لشخصية العراقي، حيث بلغ الغاية في التمتع بالمواهب والإستعدادات والأخلاق والنضج العلمي، كما قدمنا تفصيله، ونجد مصداقه كذلك في واقع نشاطه في مرحلتنا هذه - فضلا عما بعدها - حيث تجاوز نطاق الرواية والتدريس العلوم السنة، كما هو شأن المدرس العادي، إلى بعض الجهود والمواقف الرائدة التي تفيد إحساسه بالمسئولية العامة عن السنة بمصر، وتصديه لحملها ما أمكنه.\nفمن ذلك أنه لما رحل إلى الإسكندرية وسمع من شيوخها، وكان في مقدمتهم المسند الكبير «أبو الحسن العرضي» الدمشقي نزيل الإسكندرية كما قدمنا، فبدا له أن يتيح الفرصة لطلاب السنة وجماعة المحدثين بمدينتي مصر والقاهرة، خاصة من لم يرحل منهم، ليسمعوا معه من العرضي فيستفيدوا بعيون مروياته الكثيرة، وعلو سنده، كما ذكرنا في التعريف به آنفًا، فبعث العراقي تلميذه ورفيقه نور الدين الهيثمي في سنة ٧٦٠ هـ إلى الإسكندرية بدعوة منه لأبي الحسن العرضي ليقدم إلى القاهرة لهذه المهة العلمية، واستجاب العرضي لدعوة العراقي، وحضر إلى القاهرة بصحبة الهيثمي، وفي الطريق قرأ عليه الهيثمي الحديث بعدة بلاد أيضًا، مما أتاح لمن حضر من أهلها الاستفادة بذلك، فلما وصل العرضي إلى القاهرة استقبله العراقي، ونظم\n_________\n(^١) (بهجة الناظرين) / ١٣١.","vol":"1","page":459},{"text":"مجالس السماع عليه، وقام بنفسه بقراءة مُسند الإمام أحمد عليه كاملا، وغيره، وسمع معه الكثيرون من المشتغلين بالسنة والمعنيين بها، ودارت بينهم وبين العراقي خلال القراءة مباحثات في درجة أحاديث مسند أحمد، وبين لهم رأيه في ذلك، ثم سجله مفصلا في مؤلف خاص كما سيأتي (^١).\nولم يُعرف لغير العراقي من المشتغلين بالسنة في مصر حينذاك مثل هذا المسعى لإقدام أحد المسندين الكبار، وبذل الجهود لإتمام وتعميم الاستفادة به لطلاب السنة وعلمائها، ويشبه عمله هذا - إلى حد كبير - البعثات الداخلية، والمؤتمرات المحلية المعاصرة، التي تدعو إليها وتنظمها وتشرف على تنفيذها الهيئات العلمية المتخصصة، لدعم كفاءتها وتنشيطها، وبذلك كان عملا رائدا في عصره.\nوقد تأسى بالعراقي في هذا من تلاميذه البارزون، ولده «ولي الدين أبو زرعة»، فكان يحضر بعض المسندين الممتازين في مجالسه، فيسمع عليه هو ومن حضر من جماعته وطلابه، قصدًا للخير وعموم النفع (^٢).\nوهناك موقف آخر للعراقي يلتقي مع ما تقدم، ويبين اضطلاعه بالمسئولية العامة عن النهوض بالسنة، وذلك بالعمل على تنقية مجال الاشتغال بها من أدعياء العلم، أو غير الأكفاء، مهما كان جاههم أو منصبهم، وبيان هذا، أن المنشآت العلمية في عصره كانت توضع لها شروط خاصة، يجب توافرها فيمن يدرس بها، كما ذكرتُ بالنسبة لدار الحديث الكاملية، غير أن\n_________\n(^١) «ذيل ولي الدين ابن العراقي» وفيات ٧٦٣ هـ و«جزء الموضوعات في مسند الإمام أحمد للعراقي» (ضمن القول المسدد لابن حجر ص ٣، ٤).\n(^٢) «الضوء اللامع» جـ ١/ ٣٤٢.","vol":"1","page":460},{"text":"المسئولين من نُظَّار، وغيرهم، كانوا كثيرًا ما يُعيّنون من لا تتوافر فيهم الشروط، لأغراضهم الخاصة، فينتج عن هذا ضعف المستوى العلمي والتعليمي.\nوقد حدث في سنة ٧٨١ هـ أن تولى الشيخ عز الدين الرازي تدريس الحديث بالمدرسة المنصورية بالقاهرة، وتولى مُحتسب القاهرة حينذاك القاضي «جمال الدين القيصري» تدريس الحديث أيضًا بالمدرسة الصرغتمشية بالقاهرة، دون أن يكون لأي منهما دراية تذكر بعلم الحديث فما كان من العراقي إلا أن اجتمع ببعض رفاقه من أهل الحديث، كرفيقه وتلميذه البرهان الأبناسي وغيره، وقرروا العمل على عزلهما، وكان المسئول المختص حينذاك هو الأمير «بركة»، فرفعوا الأمر إليه، وقرروا أن المذكورين بيدهما هذين التدريسين، وليسا أهلا لذلك، ورغم أن «القيصري» كان صديقًا شخصيًا للأمير «بركة»، إلا أنه لم يسعه أمام تصميم العراقي ومن معه إلا أن يُقرّر عقد «مجلس» لمحاكمة «الرازي» وصاحبه، وانعقد المجلس فعلا في ١٣ جمادى الآخرة سنة ٧٨١ هـ بحضور الأمير، وقاضي القضاة برهان الدين بن جماعة، وقاضي القضاة ناصر الدين الحنبلي، وسراج الدين البلقيني، وسراج الدين بن المُلَقِّن، والحافظ العراقي، وجماعة أهل الحديث.\nوقد حاول «الرازي» في بداية المجلس جعل القضية من قبيل النزاع بين المحدثين والفلاسفة العقليين فأحضر معه بعض كتب العلوم العقلية كـ «المنطق» وقال: «نحن نحسن هذه العلوم، وهم - يعني العراقي وبقية المحدثين - لا يحسنونها» ولكنه عُورِض بأن النزاع ليس في هذا، فرفعت الكتب وبدأت المحاكمة، فقيل للرازي هذا: «إن شرط مدرس الحديث بالمنصورية، أن","vol":"1","page":461},{"text":"يكون عالمًا بالحديث وأسانيده، فادعى وجود الشرط فيه فاقترح عليه أن يقرأ حديثًا من صحيح «مسلم»، فقرأ بعض حديث فغلط في إسناده في موضعين، وغلط في بعض المتن في أربعة مواضع واضحة فخجل، ولم يتم الحديث، وافتضح أمره، وتبين للحاضرين عدم أهليته لتدريس السنة».\nأما «القيصري» فإنه شرع يروي حديثًا من البخاري بإسناده عن «شمس الدين محمد بن علي الخشاب» وهو من الشيوخ المتأخرين، فقال له العراقي: «تسمع أمس على هذا وتصبح اليوم مدرس حديث؟» فأمسك عن الرواية، وتبين بذلك عدم أهليته هو الآخر.\nويبدو أن العراقي هو الذي تولى أيضًا مناقشة الرازي واختباره؛ لأن ولي الدين بن العراقي قال: «وكان المجلس ذلك اليوم للوالد في مكافحتهما وتلاه في الكلام شيخنا سراج الدين البلقيني، فتكلم يسيرًا، وأما الباقون وهم قضاة القضاة، وجماعة أهل الحديث، فلم يتكلموا بكلمة واحدة مداهنة ومداجاة» وأيد هذا بقوله: «واعترف بذلك «ابن جماعة» لوالدي بعد مدة، فقال: ما ندمت على شيء كما ندمت على مداجاتي على الحق في ذلك المجلس»، ثم أوضح هذا قائلًا: «فإنه فعل ذلك مراعاة لجمال الدين القيصري؛ لصداقة بينهما حينئذ».\nوكان «القيصري» بجانب صداقته هذه لقاضي القضاة ابن جماعة وصداقته للأمير «بركة»، يشغل منصب محتسب القاهرة، كما ذكرنا وهو كمنصب «المحافظ» حاليًا، وبذلك كانت مكافحة العراقي له مطابقة لما قدمنا عنه من الجرأة في الحق، حتى لا يهاب فيه أحدًا.","vol":"1","page":462},{"text":"ويذكر ولي الدين أنه رغم تلك المكافحة الحاسمة من والده، فإن الرجلين لم يصدر حكم بعزلهما.\nلكن الحافظ ابن حجر يذكر أن «القيصري» - وهو أعلاهما جاها ومنصبا - أراد ستر القضية، فأخذ تدريس المنصورية من «الرازي» لنفسه، لكنه خشي الشناعة عليه من جديد فأحضر بعض المحدثين إلى منزله، وقرأ عليه الحديث، وواظب على سماعه أيضا على بعض المشايخ كالآمدي والدّجوي، فصاروا يحضرون إلى منزله لذلك، واستمر هو يُدرّس الحديث بالمدرستين (^١).\nومن هذا يتضح أن مكافحة العراقي قد حققت هدفها، فأبعدت أحد الدخيلين وهو «عز الدين الرازي»، وجعلت الآخر يخشى الشناعة عليه مرة أخرى، فحوّل منزله إلى مدرسة حديثية، وتتلمذ فيها بجد ليحقق كفاءته العلمية في أقرب وقت، إحساسًا منه بأن جماعة أهل الحديث وفي مقدمتهم العراقي، لن يدعوه يشغل موقعه في حقلها بدون كفاءة مهما كان منصبه أو جاهه.\nوإذا كان العراقي قد نهض بمسئوليته العامة عن السنة وتزعم جماعتها على هذا النحو، فمن باب أولى نهوضه بالمسئولية الخاصة عن الأماكن التي تولى التدريس بها، ومشيختها كالمدرسة الكاملية وجامع القلعة، وغيرها مما سيأتي؛ نظرًا لسهولة تلك المسئولية الخاصة عن العامة بكثير، حيث تتلخص في تنظيم العمل وتوزيعه بين العاملين معه، كل حسب كفاءته، فيُكلّف بعضهم.\n_________\n(^١) اعتمدت في بيان هذا الموقف عموما على (ذيل ولي الدين بن العراقي) حوادث سنة ٧٨١ هـ و(إنباء الغمر) جـ ١/ ١٩٦، ٥٤١، ٥٤٢ و(الدرر الكامنة) جـ ٥/ ١٠٥.","vol":"1","page":463},{"text":"بمعاونته في التدريس، مثل عمل «المعيد» في جامعاتنا الحالية، وبعضهم يستملي عليه في مجالس إملاء الحديث، كما سيأتي، وبعضهم يُخصَّص لقراءة الحديث ليسمع منه الطلاب وغيرهم، وبعضهم يقوم بالسماع لمن يريد تسميع بعض محفوظاته من كتب السنة، ويُسمَّى «العرض» أو تصحيح نسخها بالمقابلة مع الطالب على الأصول الموثقة (^١)، مع اشتراك العراقي أيضًا في القيام بتلك المهمات، كما قدمت بعض نماذجه، وسيأتي غيرها أيضًا.\n_________\n(^١) انظر «صفحات من عصر السيوطي»، ص ١٥٣ و«الجواهر والدرر» / ١٣٤ أ، ب وهـ ذيل ولي الدين، وفيات سنة ٧٦٩ هـ ترجمة المحدث محمد بن أحمد بن يوسف المزي، وقد ولي قراءة الحديث بالظاهرية ولم يحصل له تدريس لعدم أهليته لذلك، و«التكملة» للدكتور: بشار عواد ص ١٤٠، ١٦٢ وفيهما ذكر من عينه المنذري معيدا له في دار الحديث الكاملية بحكم توليه مشيخة الحديث بها.","vol":"1","page":464},{"text":"٣ -<span data-type='title' id=toc-123> أستاذية العراقي لجيل المحدثين والمحدثات وحفاظ السنة من بعده في العالم الإسلامي</span>\nتعتبر هذه الأستاذية من آثار العراقي البارزة في السنة في حياته، وهي نتيجة طبيعية لما قدمناه عن جوانب شخصيته ونشاطه، كما يؤكدها ما سيأتي من باقي مراحل عمله ومكانته العلمية داخل مصر وخارجها.\nفقد قدمنا أنه توفر له التوثيق الفائق طبعا وخلقًا، والتحصيل العلمي الجيد والمتكامل، حتى نضج وصار حافظ عصره، كما أتبعنا ذلك بنماذج أدائه المتواصل، والممتاز لرسالته: ما بين راو للسنة، ومدرس لها، ورائد المدرستها وعلمائها، وهذا كله كاف في جعله قبلة أنظار طلاب السنة وطالباتها، من المصريين وغيرهم، سواء في هذه المرحلة، أو فيما سيأتي بعدها، فإن المنهل العذب يتكاثر عليه الواردون، من كل صوب وحدب، ولهذا لم يسع مؤرخو العراقي من تلاميذه وغيرهم، إلا أن يُقرّروا بالإجمال والتفصيل أستاذيته العامة للجيل الذي حمل راية السنة من بعده ونشرها في ربوع العالم الإسلامي، ولأعلام حفاظ هذا الجيل الذين أحيوا من تراث السنة ما سلم من المحن والتبديد، حتى صار عمدة المؤمنين والباحثين، إلى يومنا هذا.\nفبالنسبة للإجمال يقول ابن حجر: (وأخذ عنه فضلاء العصر) (^١).\nويقول أيضًا: (ولم نر في هذا الفن - أي فن الحديث - أتقن منه، وعليه تخرج غالب أهل عصره) (^٢) وقد تبعه في تقرير هذا من جاء بعده (^٣).\n_________\n(^١) «ذيل الدرر» / ٧٢.\n(^٢) «إنباء الغمر» جـ ٢/ ٢٧٦.\n(^٣) انظر: «الأعلام» جـ ٤/ ٢١٩ وو«طبقات الشافعية» / ١١١ أ كلاهما لابن قاضي شهبة =","vol":"1","page":465},{"text":"ويقول ابن فهد: «وقُصِدَ من مشارق الأرض ومغاربها، فرحل إليه للأخذ عنه والسماع الجم الغفير، الكبير منهم والصغير، فلازموه وانتفعوا به، وكتب عنه جميع الأئمة، من العلماء الأعلام، والحفاظ ذوي الفضل والانتقاد» (^١).\nوقال التقي الفاسي: «وأخذ عنه علماء الديار المصرية وغيرهم وأثنوا على فضائله» (^٢). وتبعه على هذا من بعده (^٣).\nوقال خطيب الناصرية: «وأخذ عنه العلم والحديث: الأئمة. وذكر سبعة منهم - ثم قال: في آخرين يطول ذكرهم» (^٤) ونحو هذا ذكر ابن تغري بردي (^٥).\nوقال المناوي: «وانتفع به الأصاغر والأكابر» (^٦).\nأما شهاب الدين الغزي المتوفى سنة ٨٦٤ هـ وأحد علماء الشام المعروفين فقد أشار لأثر تلاميذ العراقي في نشر وتعليم السنة من بعده حيث قال: «وهو شيخ الجماعة والأئمة الذين كانوا في عصره، ولعل غالبهم تلامذته في الفن، وقد أدركنا غالب أعيان تلامذته وأخذنا عنهم بحمد الله» (^٧).\n_________\n= و«بهجة الناظرين» ١٣١ و«الضوء اللامع» جـ ٤/ ١٧٥ و«شذرات الذهب» جـ ٧/ ٥٥.\n(^١) «لحظ الألحاظ»، ٢٣٤.\n(^٢) «ذيل التقييد» ٢١٩ ب.\n(^٣) «الضوء اللامع» للسخاوي جـ ٤/ ١٧٦ و«مقدمة شرح المناوي الموجز لألفية العراقي في السيرة».\n(^٤) «مجموع ابن خطيب الناصرية» (ترجمة العراقي).\n(^٥) «المنهل الصافي»، جـ ٢/ ٣١٢ ب.\n(^٦) «مقدمة شرح المناوي الموجز لألفية العراقي في السيرة».\n(^٧) «بهجة الناظرين» للغزي/ ١٣١.","vol":"1","page":466},{"text":"ويعتبر الشوكاني أنَّ من مفاخر العراقي ودواعي سعادته، تلمذة حُفَّاظ السنة من بعده، وطبقتهم عليه، حيث يقول: «ورُزِقَ السعادة في تلامذته، فإن منهم الحافظ ابن حجر وطبقته» (^١)، ولا ريب في أن تلاميذ «العالم» هم أبناء روحه وفكره، وثمار غرسه، فيجد تجديد نفسه فيهم، وامتداد أثره العلمي وذكراه بهم، ولذا يحق للعراقي الفخر بهم، والسعادة الكبرى بتكاثرهم من حوله، وتولّي نوابغهم مراكز الصدارة العلمية والحديثية في مختلف الأقطار والمواقع.\nولم يكتف المؤرخون بهذا الإجمال في تقرير أستاذية العراقي العامة وأثرها في جمهور المشتغلين بالسنة وأعلامهم، وإنما قرروا ذلك أيضًا بالتفصيل الواقعي، ويمكن القول: «إن الإجمال السابق هو نتيجة مستنبطة من الواقع التفصيلي، حيث إن الباحث عندما يرجع إلى المصادر التاريخية المتضمنة لتراجم الأعلام الذين أدركوا قيام العراقي برسالته في أداء ما تحمله من علوم السنة، رواية وتدريسًا، وتأليفًا، فإنه سيجد مئات من تلاميذه وتلميذاته (^٢) تلقوا عنه علوم السنة بمختلف وجوه التلقي السابق بيانها، وفي مختلف مراحل حياتهم، سواء من أبناء الديار المصرية أو الوافدين عليها، مهاجرين أو راحلين، كما\n_________\n(^١) والبدر الطالع، جـ ١/ ٣٥٥.\n(^٢) من أهم المصادر المتضمنة لذلك: «عنوان الزمان في تراجم الشيوخ والأقران»، لإبراهيم بن عمر البقاعي في ٤ مجلدات خطية ومصورة، و«الضوء اللامع بأعيان القرن التاسع»، للسخاوي مطبوع في ١٢ جزءًا، و«نظم العقيان في أعيان الأعيان»، للسيوطي/ مخطوط ومطبوع في مجلدة و٥ «ذيل التقييد بمعرفة رواة السند والمسانيد»» / للتقي الفاسي في مجلد مخطوط مصور (انظر في الأربعة قائمة المراجع).","vol":"1","page":467},{"text":"قدمنا في حالة العصر، ما بين مغاربة ومشارقة، من شاميين ومكيين ومدنيين، بالإضافة لمن تتلمذ له في رحلاته خارج مصر كما أوضحنا، وفي عمله بالمدينة المنورة كما سيأتي، ولقد قمت بنفسي بمثل هذا الاستنباط».\nفمن هؤلاء من وجدت العراقي أجازه بكل أو بعض مروياته الحديثية العديدة السابق تفصيلها، ومؤلفاته هو في مختلف علوم السنة، ومنهم من أحضر في طفولته مجالس تحديثه وتدريسه، لتحصيل علو السند، كما أوضحنا من قبل في طرق تلقي السنة، ومنهم من عرض عليه في بداية دراسته محفوظاته من كتب السنة، حسب منهج التعليم في ذلك العصر، ومنهم من سمع منه، أو سمع عليه بقراءة غيره، أو قرأ عليه بنفسه، ومنهم من لازمه وواظب على دروسه ومجالسه الحافلة، وكتب عنه منها ومن مؤلفاته ما استطاع، ومنهم من تخرج به في علوم السنة، وأذن له في الاشتغال بها رواية ودراسة وبحثا (^١).\nكذلك وجدت كثيرات من نساء عصره تتلمذن له بالإجازة أو الإحضار أو\n_________\n(^١) انظر في هذه النماذج عموما: (الضوء اللامع) للسخاوي جـ ١/¬٢١، ٢٤، ٥٥، ٧٠، ١٢٦، ١٢٧، ١٥٨، ١٩٠، ٢١٩، ٢٥١، ٢٥٢، ٢٤٩، ٢٧٧، ٢٨٩، ٣٤٤، ٣٤٥، ٣٤٨، ٣٥١، ٣٥٢، جـ ٢/¬٨، ٤٢، ٥٣، ٧٦، ٧٧، ١٣٢، ١٦٧، ١٧٤، ٢٢٩، جـ ٤/¬٨، ٩٦، ١٢٣، ١٦٧، ١٨٠، جـ ٥/¬٣، ٣٠٢، جـ ٦/ ٢٣٦، جـ ٩/¬٢٨، ٢٩، جـ ١٠/ ٣٠٢، وغير ذلك و(بهجة الناظرين) للغزي مخطوط برقم ٣٤٠٣ تاريخ تيمور/ ٢٩، ٣٠، ٩٢، ١٤٦، ١٤٧، ١٥٤، ٢٩٤، وغير ذلك و(عنوان الزمان) للبقاعي، النسخة المصورة جـ ١/ لوحات ٢٩ - ٣٢، ٧٩ وغيرهم وجـ ٢/ لوحتي ٢٥٣، ٢٥٤ وغيرهما، جـ ٣/ لوحتي ٤٧٠، ٥٢٠ وغيرهما وجـ ٤ من النسخة التيمورية/ ٥٦، ٥٩، ٩٣، ٩٤، ١٧٠ وغيرها و(نظم العقيان): للسيوطي (مخطوط) ٤ أ، ٧ ب، ٨ أ، ٢٤ أ، ٢٥ ب، ٢٧ أ، ٣٢ ب، وغير ذلك.","vol":"1","page":468},{"text":"السماع (^١) بل وجدت كثيرًا من الأسر قد تتلمذ له معظمها، أو عدد منها رجالا ونساء، مثل أسرة الحافظ ابن حجر (^٢) والحافظ نور الدين الهيثمي صهر العراقي وتلميذه (^٣) وأسرة ولد العراقي ولي الدين أبي زرعة (^٤) وغير هؤلاء (^٥).\nوبهذا وصل العراقي سند هذه الجموع الغفيرة بمروياته العديدة من كتب السنة، ومؤلفاته الخاصة، كما تفتحت مداركهم على ذكائه المفرط وعلمه الغزير، فتلقحت أفهامهم بتوجيهاته العلمية العديدة، وآرائه الثاقبة، وتغذت عقولهم بدروسه ومباحثاته التي امتدت نحو نصف قرن، ابتداء من تلك المرحلة الأولى، وحتى أواخر حياته، والجميع يغدون عليها ويروحون، ويَعَلُّونَ وينهلون، وهو دائب العطاء بلا ملل، راحلا ومقيما، مصبحًا وممسيًا، وفي ذلك يقول الحافظ ابن حجر عند رثائه:\nفتى كرم يزيد وشيخ علم … لدى الطلاب مع حَمْلِ المشاق\nفيقري طالبًا علما، ويقري … قرى فقراه في ذات اتساق (^٦)\n_________\n(^١) انظر: «الضوء اللامع» جـ ٢/¬١٢، ٢٣، ٢٤، ٣٥، ٣٧، ٣٩، ٤٠، ٤٦، ٤٧، ٥٣، ٥٨، ٦١، ٧١، ٧٦، ٨٥، ٨٩، ١٢٠.\n(^٢) «الضوء اللامع» جـ ١٠/¬١٢، ١١، ٥١ ووالجواهر والدرر» / ١٦/ ب.\n(^٣) «الضوء اللامع» جـ ٤/ ١٨٥، ج ٥/ ٢٠٠، ٢٠٢.\n(^٤) انظر نسخة العراقي من (محجة القرب) / ١٣٨ أ، ب.\n(^٥) انظر و«الضوء اللامع» جـ ٢/ ١٨٦، ج ١٢/ ٨٩.\n(^٦) «إنباء الغمر»، جـ ٢/ ٢٧٩ و(حسن المحاضرة) للسيوطي جـ ٢/ ٣٦٢.","vol":"1","page":469},{"text":"الاستنتاج:\nوبذلك تحقق تأثيره الشخصي المباشر، في تعلم وانتشار علوم السنة على أوسع نطاق. هذا بالإضافة إلى انتشار مؤلفاته في علوم السنة في عصره، حتى بلغت الأندلس غربا، وبلاد فارس شرقا، على يد تلاميذه وغيرهم، فكانت مصدر إفادة لبقية المراكز العلمية الإسلامية التي نهضت من جديد، لتعويض مجدها السالف، وصار كثير من تلك المؤلفات مادة أساسية يحفظها المبتدئون، ومنهجا لدراسة الطلاب، وتدريس المتخصصين وبحثهم، كما سنوضحه، وفي هذا يقول تلميذه الهيثمي: «ورحل إلى تصانيفه وعلومه، من المشرق والمغرب» (^١).\nوهكذا تحققت أستاذية العراقي في علوم السنة لجيل بأسره من أبناء العالم الإسلامي في حياته.\nثم إنه كان من هذا الجيل نماذج جيدة من الرجال والنساء، تركزت تلمذتهم للعراقي، وأولاهم عنايته، حتى استكملوا دراستهم وتخرجوا عليه وعلى غيره على عادة العصر، ثم انتشروا في أرجاء الديار المصرية وفي خارجها، وقاموا بأداء ما تلقوه عنه، كل حسب قدراته وتحصيله، فكان منهم المسندون والمسندات، الذين قاموا برواية ما تحملوه، ومنهم المحدثون والحفاظ الذين قاموا بالرواية والتدريس، والمباحثة والتأليف، وصاروا بعده أعلام السنة في مواطنهم بمصر والشام والحجاز، بل منهم من تجاوز نطاق موطنه فنشر علوم السنة في اليمن والروم وفارس والهند، ومنهم من لقب بـ «حافظ الدنيا» بعد\n_________\n(^١) (تقريب البغية بترتيب أحاديث الحلية) للهيثمي ج ١/¬١ أ (مخطوط مصور).","vol":"1","page":470},{"text":"شيخه كما سأوضحه، وفي ذلك يقول الهيثمي عنه: «شيخ الحفاظ بالمشرق والمغرب، ومفيد الكبار ومن دونهم» (^١).\nويقول ابن حجر أيضًا أنه: «الحافظ الكبير إمام الحفاظ وأستاذ المحدثين» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-124>من أبرز تلاميذ العراقي في هذه المرحلة وتأثيره فيهم:</span>\nقبل ذكر نماذج تلاميذ العراقي البارزين في هذه المرحلة، أنبه إلى أن تقسيمي لعمله إلى مراحل حسب التسلسل الزمني لا يلزم منه تقسيم التلمذة عليه بنفس التحديد، فإننا نجد من تلاميذه من أخذ عنه في هذه المرحلة الأولى وفيما بعدها مثل «شهاب الدين الأشموني» فقد قدمت بيان تلمذته على العراقي بجامع القلعة لفترة طويلة حتى انتقل العراقي إلى العمل بالمدينة المنورة سنة ٧٨٨ هـ، ثم قال ابن حجر عن الأشموني هذا: «وكان يقرأ على شيخنا العراقي في كل سنة في رمضان، فسمعتُ بقراءته، ومات في ٢٨ شوال سنة ٨٠٩ هـ» (^٣).\nوسيأتي أن بداية سماع ابن حجر على العراقي كان في مرحلة عمله الثانية بالقاهرة بعد عودته من المدينة، وبالتالي يكون «الأشموني» قد استأنف تلمذته للعراقي في مرحلة عمله الثانية، حتى أتيح لابن حجر السماع بقراءته. وهكذا نجد كثيرًا من تلاميذه، توزعت تلمذتهم عليه بين مراحل عمله ولهذا فإنني سأذكر من كثرت تلمذته للعراقي في هذه المرحلة أو انحصرت فيها.\n_________\n(^١) (مجمع الزوائد) للهيثمي ج ١/¬٧\n(^٢) (رفع الإصر) عن قضاة مصر، قسم ١/ ٨١\n(^٣) (الضوء اللامع) جـ ٢/ ٢٢١","vol":"1","page":471},{"text":"فمن هؤلاء:\n\n<span data-type='title' id=toc-125>١ - الأبناسي قرينه ورفيقه في مواقفه من أجل السنة:</span>\nوهو برهان الدين بن موسى بن أيوب، ولد بأبناس، بالوجه البحري بمصر سنة ٧٢٥ هـ تقريبا وهي سنة مولد العراقي، وبذلك كان قرينا له، ولهذا عدَّ المؤرخون تلمذته للعراقي من مفاخر العراقي (^١).\nوقد قدم من بلده للقاهرة وله بضع وعشرون سنة، ورافق العراقي في الطلب، وأخذ عنه وعن غيره حتى تخرج على شيخهما «مغلطاي بن قليج» وظهر تأثره بالعراقي في تأليفه في علوم الحديث، حيث عمل شرحًا لمقدمة ابن الصلاح سماه «الشذا الفياح من علوم ابن الصلاح» واعتمد فيه إعتمادا أساسيا على نكت العراقي على مقدمة ابن الصلاح، وعلى شرحه لألفيته في الحديث وغيرهما وأشار لذلك في مقدمة الكتاب (^٢) كما تحدث فيه عن مؤلفات أخرى للعراقي بما يدل على إطلاعه التفصيلي عليها كما سيأتي. وله أيضا مؤلفات حديثية أخرى، كما درس بالجامع الأزهر وأماكن أخرى بالقاهرة فكثرت طلبته بها جدا وكان منهم ولي الدين بن العراقي، الذي عمل له (مشيخة) حدث بها، وحدث بالكتب الستة وغيرها، وقد توطدت صلته بالعراقي فكان صديقا مخلصا له وشارك في مواقفه الحاسمة في سبيل السنة كما قدمنا، وعندما سافر الأبناسي للحج سنة ٧٧٩ هـ، استناب الحافظ العراقي في مشيخة (خانقاة سعيد السعداء) بالقاهرة، لكن غيره سعى في\n_________\n(^١) (مجموع ابن خطيب الناصرية) (ترجمة العراقي) و«المنهل الصافي» وجـ ٢/ ٣١٢ ب.\n(^٢) (الشذا الفياح) / ١ أ، ب (مخطوط مصور).","vol":"1","page":472},{"text":"انتزاع الوظيفة كلية من الأبناسي وتم له ذلك (^١).\nوسعى الأبناسي أيضًا لولي الدين بن العراقي في تحصيل غالب وظائفه رعاية لصلته بوالده، وقد توفي الأبناسي في حياة العراقي وذلك في ٨ من المحرم ٨٠٢ هـ بالشام في طريق عودته من الحج، ودفن هناك فعرف العراقي له قدره، وخلد ذلك برثائه بقصيدة دالية طويلة أكثر فيها من الثناء عليه (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-126>٢ - ومنهم: رفيق عمره وصهره الحافظ الهيثمي </span>(^٣):\nوهو: نور الدين علي بن أبي بكر بن سليمان الهيثمي القاهري الشافعي ويُعرف بالهيثمي، وُلِد في رجب سنة ٧٣٥ هـ بمحل إقامة والده بصحراء القاهرة، بجوار خانقاة «طَغَيْتُمر» فَلَمَّا انتقل العراقي للإقامة بهذه الخانقاة كما قدمنا، التحق الهيثمي بخدمته، وكان - على الراجح - ابن عشر سنين تقريبا، وبمقتضى ذلك لازم العراقي طول حياته أشد ملازمة، سفرا وحضرًا، فرحل معه جميع رحلاته، وحج معه جميع حجاته، بل لما عمل العراقي في قضاء المدينة، جاور معه الهيثمي، ولم يُعرف عنه الارتباط بأي وظيفة رسمية، رغم كفاءته، ويقول ابن حجر: «ورأيت من خدمة الشيخ نور الدين هذا\n_________\n(^١) «انباء الغمر»، جـ ١/ ١٧٥ و«الأعلام»، لابن قاضي شهبة جـ ٢/ ٢٥٣ أ.\n(^٢) «الأعلام»، لابن قاضي شهبة جـ ٤/ ١٦٣ أو المجمع المؤسس، ص ٣٩ و«الضوء اللامع» جـ ١/ ١٧٢ - ١٧٥ و«بهجة الناظرين»، ١٠٧، ١٠٨.\n(^٣) اعتمدت في التعريف به وبيان تأثير العراقي فيه على: «المجمع المؤسس»، ٢٠٤، ٢٠٥ و«ذيل الدرر الكامنة»، ص ٨٥ و«انباء الغمر»، جـ ٢/ ٣٠٩، ٣١٠ و«الضوء اللامع» جـ ٥/ ٢٠٠، ٢٠٣ و«بهجة الناظرين» للغزي ١٥٤ - ١٥٦ و«عقد الجمان»، للعيني جـ ٢٥ قسم ٢ وفيات سنة ٨٠٧ بجانب ما سأحيل عليه في الأثناء.","vol":"1","page":473},{"text":"لشيخنا، وتأدبه معه، من غير تكلّف لذلك، ما لم أره لغيره، ولا أظن أحدا يقوى عليه، وكان الشيخ شديد التوقي في الطهارة، لا يعتمد إلا على نفسه أو على الشيخ نور الدين).\nويقول سبط ابن العجمي: «إن الهيثمي كان يلازم خدمة العراقي في أمر وضوئه وثيابه، وكان في أمر خدمته عمومًا كالعبد، ولا يخاطبه إلا «بسيدي». ومثل هذا كان محببًا للتلاميذ مع شيوخهم، حتى أنه كان من تلاميذ العراقي من يتقدم لتولي الخدمة بدل الهيثمي فيمنعه العراقي، اكتفاء بالهيثمي، كذلك كان العراقي يعتمد عليه في بعض المهمات العلمية، فقد أرسله في سنة ٧٨٠ هـ تقريبًا مع ولده ولي الدين إلى دمشق في رحلة لطلب الحديث قرابة ثلاثة أشهر (^١)، وأرسله لإحضار العرضي من الإسكندرية للتحديث بالقاهرة كما قدمنا.\nونتيجة لتلك الملازمة الشديدة من الهيثمي منذ صغره للعراقي، فإنه شاركه في طلب الحديث على شيوخه داخل مصر وخارجها، حتى كان العراقي أحيانًا يُقدمه للقراءة على الشيوخ، ويسمع عليهم بقراءته.\n_________\n(^١) و«طرح التثريب» جـ ٨/ ١٨٩ ووذيل الدرر الكامنة، ص ١٩٦.","vol":"1","page":474},{"text":"<span data-type='title' id=toc-127>تحقيق ما انفرد به كل من العراقي والهيثمي عن بعضهما من الشيوخ والمرويات</span>\nوقد ذكر السخاوي أن العراقي لم ينفرد عن الهيثمي بغير السماع من ثلاثة شيوخ هم: ابن البابا، وتقي الدين السبكي، وعبد الرحيم بن شاهد الجيش ولكني أرى أن ذلك لا يسلم له بالنسبة للسبكي وابن شاهد الجيش إلَّا على التفرد الزمني، بمعنى سماع العراقي منهما في وقت لم يكن الهيثمي موجودًا معه، أما التفرد المطلق فلا، وذلك لأن الهيثمي معدود ممن سمع على ابن شاهد الجيش (^١).\nكما أنه قد رافق العراقي في جميع رحلاته ومنها رحلته الأولى للشام وقد التقى فيها بالسبكي وسمع منه كما مر، وعليه يكون الهيثمي شاركه في الأخذ عنه فيها، ويؤكد حمل كلام السخاوي على التفرد الزمني، أنه قال أيضًا: «أن الهيثمي لم ينفرد عن العراقي بغير سماع صحيح مسلم على ابن عبد الهادي، بينما العراقي قد سمعه على ابن عبد الهادي هذا كما مر».\nوقد فسر ابن حجر ذلك بأن سماع الهيثمي كان قبل أن يصحب العراقي فصار منفردًا عنه في الزمن فقط، ولعل هذا ما جعل ابن حجر يقرر أن الهيثمي سمع جميع مسموعات العراقي، يعني وإن انفرد عنه في سماع بعضها في الزمن، كما في صحيح مسلم هذا.\nومع تسليمنا بانفراد الهيثمي عن العراقي، زمنيًا في سماع (صحيح مسلم) فإننا لا نسلم للسخاوي قوله بأنه لم ينفرد عنه بغيره من المسموعات على سبيل\n_________\n(^١) الأعلام، لابن قاضي شهبة جـ ١/ ٧٦ أ.","vol":"1","page":475},{"text":"الحصر؛ لأنه تقدم أن الهيثمي رافق العرضي في حضوره من الإسكندرية إلى القاهرة فسمع عليه بعدة بلاد في الطريق، فكان في ذلك منفردًا عن العراقي.\nوعليه فإن تعبير السخاوي بالحصر فيما انفرد به كل من العراقي الهيثمي عن بعضهما من الشيوخ والمرويات، غير مستقيم بإطلاق، والأولى أن يقال إنهما اشتركا في غالب الشيوخ والمرويات.\nومع هذه المشاركة الغالبة من الهيثمي للعراقي في التلمذة على الشيوخ وتحصيل علوم الرواية والدراية، فإن العراقي كان أستاذه الذي خرجه في ذلك؛ لأن تحصيل المرويات ليس هو كل شئ كما قدمنا، بل لابد أن يصحبه عناية بالطالب، بالتوجيه والشرح والتدريب والمباحثة في أحوال وأحكام السند والمتن، وهذا ما تركز عليه تأثير العراقي في رفيقه، حيث حفظ الهيثمي ألفية العراقي المتضمنة لأصول علوم السنة ومصطلحاتها، ثم بحث عليه شرحها له أيضًا في مجالس موزعة بين القاهرة ومكة خلال سنة ٧٧٣ هـ كما سبق ذكره في الرحلات، وبذلك إستفاد منه خلاصة علوم الدراية، بالإضافة إلى أنه كتب عنه كثيرًا من مؤلفاته الأخرى وقرأ عليه أكثرها، وهي شاملة لمختلف علوم الرواية والدراية كما سنفصله.\n\n<span data-type='title' id=toc-128>إشراف العراقي العلمي والعملي على الهيثمي في مؤلفاته:</span>\nثم إن هناك مجالًا آخر ظهر فيه تأثير العراقي في الهيثمي وعنايته بتكوينه العلمي، حيث كلفه في مرحلة عمله الأولى، التي نحن بصددها، أن يجمع الأحاديث والأسانيد الزائدة عما في الكتب الستة (^١) والموجودة في «مسند.\n_________\n(^١) سبق بيانها.","vol":"1","page":476},{"text":"الإمام أحمد بن حنبل»، وزوائد ولده عليه، وترتيبها موضوعيًا مثل «كتاب الإيمان» والبيوع ونحوهما، وبين له المنهج الذي يتبعه والطريقة العملية التي يسير عليها في استخراج الزوائد وتبويبها، ثم أمده بما كان متوفرا لديه من المراجع في مكتبته الخاصة كما قدمنا عنها.\nويلاحظ أن هذا العمل يقتضي من الهيثمي بحث الكتب الستة، ومُسند الإمام أحمد وزوائد ولده، متنا وسندا، حتى يُحدّد الزوائد ويستخرجها بالإضافة للمراجع المساعدة على هذا كما أشار لها بنفسه (^١).\nأما عملية التبويب الموضوعي للزائد فتقتضي فهم معنى الحديث وفقهه وعليه فإن تكليف العراقي للهيثمي بهذا العمل ومتابعته فيه، يُعد توجيها وتدريبًا متكاملا له على البحث التطبيقي لعلوم رواية السنة ودرايتها، وقد أنجز الهيثمي تلك المهمة العلمية في نفس مرحلة عمل العراقي الأولى هذه وفرغ من الكتاب في رجب سنة ٧٧٦ هـ وسماه «غاية المقصد في زوائد المسند» (^٢) ولم يلتزم فيه ببيان درجة الحديث ولا حال رجاله، ولما يضه قدمه لأستاذه العراقي فراجعه وهذبه وخرج في مجلدين متوسطين، وقرر ابن حجر أنه كثير الفائدة ومنذ ذلك الحين حتى يومنا هذا وهو مرجع متداول تتجدد فوائده للباحثين والمستفيدين (^٣).\n_________\n(^١) (مقدمة غاية المقصد في زوائد المسند) / ا ب (مخطوط بمكتبة بلدية الإسكندرية) و(مجمع البحرين في زوائد المعجمين) ١ أ، ب (مخطوط مصور).\n(^٢) انظر «غاية المقصد» ٣/¬٥ أ، ٣٦٠ أ، ب (نسخة دار الكتب المصرية).\n(^٣) وقفت منه على نسختين خطيتين، إحداهما بمكتبة بلدية الإسكندرية، والأخرى بدار الكتب المصرية كما أشرت لذلك سابقا. وقد حقق الكتاب حاليا على هاتين النسختين في عدة رسائل جامعية بجامعة أم القرى بمكة المكرمة.","vol":"1","page":477},{"text":"ولما تأكد للعراقي نجاح الفكرة وتمرس الهيثمي بالعمل، حبب إليه مواصلته بتخريج زوائد مسند «البزار» عن الكتب الستة أيضًا على نفس المنهج فخرجها في كتاب وسماه: «كشف الأستار عن زوائد مسند البزار» ثم خرج زوائد مسند «أبي يعلى الموصلي» كذلك في كتاب سماه «المقصد الأعلى في زوائد أبي يعلى» ثم خرج «زوائد المعجمين الأوسط والصغير» للطبراني أيضًا في كتاب واحد وسماه «مجمع البحرين في زوائد المعجمين» وذكر في مقدمته أنه أخرج فيه أيضًا ما رواه الترمذي في الشمائل والنسائي في «السنن الكبرى» مما ليس في الصغرى (^١) وبعض نسخه التي وقفت عليها تقع في مجلد ضخم.\nوقد كان العراقي متابعًا له بالتوجيه والإشراف حتى أتم تلك المؤلفات فأشار عليه أن يجمعها في مؤلف واحد مرتبة على الأبواب مع حذف الأسانيد للاختصار، بحيث لا يذكر إلا الصحابي الراوي للحديث، مع إضافة ميزة هامة عن المؤلفات المتفرقة السابقة وهي: بيان درجة الحديث وحالة رجاله توثيقا وتجريحًا تعويضًا عن الأسانيد التي حذفت حتى تتكامل فائدته وتشمل العام والخاص، وقد امتثل الهيثمي لتوجيه أستاذه، واعتمد في بيان أحوال الرجال غالبًا على «تهذيب الكمال» للمزي و«ميزان الإعتدال» للذهبي و«الثقات» لابن حبان، وأنجز هذا العمل الضخم الذي بلغ في طبعته الحالية (١٠) مجلدات متوسطة وقال في مقدمته: «فقال لي سيدي وشيخي العلامة شيخ الحفاظ بالمشرق والمغرب، ومفيد الكبار ومن دونهم، الشيخ زين\n_________\n(^١) مقدمة الكتاب في نسخته الخطية المشار إليها في المراجع.","vol":"1","page":478},{"text":"الدين أبو الفضل عبد الرحيم ابن العراقي ﵁ وأرضاه: «اجمع هذه التصانيف، واحذف أسانيدها؛ لكي تجتمع أحاديث كل باب منها في باب واحد من هذا، فلما رأيت إشارته إلي بذلك، صرفت همتي إليه … وسميته بتسمية سيدي وشيخي له «مجمع الزوائد ومنبع الفوائد».\nوما زال الكتاب حتى الآن متداولًا في العالم الإسلامي، يدل على جهد المؤلف وتأثير الأستاذ، الموجه والمتابع، كما استلهم الفكرة وطبقها غير الهيثمي من تلاميذ العراقي كما سيأتي، ولما تعمقت خبرة الهيثمي وتدربه في بحث كتب السنة وتخريج زوائدها على هذا النحو، وجهه العراقي أيضًا لتخريج زوائد مسند الحارث بن أبي أسامة المتوفى سنة ٢٨٢ هـ على الكتب الستة فأنجزه في مجلد معتاد (^١).\nوقال في مقدمته: «وبعد فإن سيدي وشيخي شيخ الإسلام، زين الدين أبو الفضل عبد الرحيم بن الحسين العراقي أحسن الله إليه … أهلني لإفراد كتب، فسررت بذلك، ثم أمرني بتخريج زوائد الحارث بن أبي أسامة … فجمعتها .. وقد سميته «بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث»، ورتبته على كتب لكي يسهل الكشف منه» (^٢) وكلام الهيثمي واضح الدلالة على تأثير العراقي فيه وعلى أنه كان يعتبر تكليفه له وتأهيله لإنجاز هذه المؤلفات مبعث فخر له وسرور.\nثم كلفه العراقي بعمل آخر يتعلق بعلم الرجال وهو ترتيب كتاب (الثقات)\n_________\n(^١) وقفت على نسخة خطية منه تنقص يسيرًا من آخرها (انظر قائمة المراجع).\n(^٢) (بغية الباحث) / ١ ب (مخطوط بدار الكتب المصرية) وقد طبع الآن محققا في رسالة جامعية بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية، وطبعه مركز خدمة السنة والسيرة بها، بعد أن شاركت في تقويمه وتقرير صلاحيته للطبع.","vol":"1","page":479},{"text":"لأبي الحسن العجلي المتوفى سنة ٢٦١ هـ على حروف المعجم فأنجزه في مجلد متوسط (^١) وقال في مقدمته «أما بعد فإن شيخي وقدوتي … وهو الشيخ العلامة شيخ الإسلام رحلة الأنام حافظ عصره زين الدين أبو الفضل عبد الرحيم … ابن العراقي، أشار إلي بترتيب ثقات أبي الحسن أحمد بن عبد الله بن صالح العجلي لكي يسهل الكشف منها لطالب العلم، فأجبته إلى ذلك امتثالًا لأمره ورجاء البركة في طاعته، وقد رتبته على حروف المعجم، وبدأت بمن اسمه أحمد تبركا بالنبي ﷺ» (^٢).\nويلاحظ أن هذا المنهج في الترتيب هو نفس منهج العراقي في بعض مؤلفاته في علم الرجال كما سيأتي وقد استمر توجيه العراقي للهيثمي ومتابعته وتشجيعه على الإنتاج في علوم السنة حتى آخر مؤلفاته وهو جمع الأحاديث الواردة في كتاب «حلية الأولياء» لأبي نعيم، وترتيبها على الأبواب كالصلاة والجهاد ويُسمَّى «تقريب البغية بترتيب أحاديث الحلية».\nويبدو أن الهيثمي أشفق على نفسه لأول وهلة من هذه المهمة؛ نظرا لأن كتاب «الحلية» يقع في عدة مجلدات ضخمة، كما أن الأحاديث متناثرة فيه في غضون تراجم الرجال، فبين له العراقي المنهج الذي يسلكه وبَسْطَه له، بحيث نشطت عزيمته لإنجازه كسوابقه، غير أنه توفي بعد الفراغ من ثلاثة أرباعه في المسودة، فأكمله وبيضه ابن حجر تلميذ العراقي أيضًا، فخرج في مجلدين، وقد ذكر الهيثمي في مقدمته أن شيخه العراقي لما رحل الطلاب من\n_________\n(^١) وقفت على نسخة جيدة منه (وقد طبع أكثر من طبعة حاليا)\n(^٢) و«ترتيب ثقات» العجلي/ اب (مخطوط مصور).","vol":"1","page":480},{"text":"المشرق والمغرب إلى تصانيفه، سأله بعضهم جمع ما في «حلية الأولياء» من الحديث المرفوع؛ لكي ينتفعوا به فيما يريدون من التخريج وغيره، وأردف قائلا: «فأشار إليّ بذلك، وقال لي الشيخ زين الدين شيخي المذكور نفعنا الله بعلومه: «ليس في هذا تعب عليك، إنّما هو مجرد ترتيب فرتبته بحسب ما أذكره …» (^١). ولكنه لم يعن ببيان درجة الحديث ولا حال سنده، وفي كلام الهيثمي عن دافع العراقي لتكليفه بتأليف هذا الكتاب وما قبله، دليل واضح على إحساسه وقيامه شخصيّا أو بالواسطة، بالمسئولية العامة عن تذليل كتب السنة وعلومها للطلاب في الشرق والغرب».\nولم يعرف لغير العراقي في عصره مثل هذا التوجيه والتدريب والمتابعة المتواصلة لتلاميذه في نتاجهم العلمي، وقد حاوله من بعده تلميذه ابن حجر مع بعض تلاميذه فما تيسر له ذلك (^٢).\nولئن نسبت المؤلفات السابقة إلى الهيثمي، فإن أثر العراقي في رسم منهجها وإخراجها إلى حيز الوجود، قد سجله الهيثمي بنفسه في مقدماتها كما ذكرنا وتناقله المؤرخون من بعده حتى الآن.\nويشبه عمل العراقي هذا، نظام البحوث الجامعية المتخصصة التي يتبناها الأساتذة، ويشرفون على إنجاز طلبة الدراسات العليا لها.\n\n<span data-type='title' id=toc-129>حفظ الهيثمي للمتون الحديثية نتيجة لتدريب العراقي له:</span>\nثم إن هناك نتيجة أخرى حصلها الهيثمي من ممارسته الواسعة والمستمرة.\n_________\n(^١) «تقريب البغية في ترتيب أحاديث الحلية» للهيثمي مجلد ١/¬١، أ، ب (مخطوط بدار الكتب المصرية).\n(^٢) و«الضوء اللامع» جـ ٥/ ١٦٣.","vol":"1","page":481},{"text":"لكتب السنة وهي شدة استحضاره لمتون الأحاديث وألفاظها، بحيث كان يسرع الجواب عنها لمن يسأل بحضور شيخه العراقي، فكان ذلك يعجب العراقي، لإحساسه بأن هذا نتيجة تدريبه وثمرة غرسه، ويدل هذا أيضًا على سعة صدره، لإتاحة الفرصة لتلميذه لإظهار كفاءته العلمية بمجلسه.\nتم الجزء الأول من كتاب الحافظ العراقي وأثره في السنة ويليه الجزء الثاني وأوله: الرد على ابن حجر ومن تبعه في بيان مدى التأثير والإستفادة المتبادلة بين العراقي والهيثمي.","vol":"1","page":482},{"text":"<span data-type='title' id=toc-130>الرد على ابن حجر ومن تبعه في بيان مدى التأثير والاستفادة المتبادلة بين العراقي والهيثمي</span>\nغير أن الحافظ ابن حجر يصوّر تأثير العراقي في الهيثمي بصورة تخدش جهده الشخصي، فيذكر أن من أخص تلاميذ العراقي به صهره الهيثمي ويردف قائلا: (وهو الذي دربه وعلمه كيفية التخريج والتصنيف، بل هو الذي يعمل له خطب كتبه) أي مقدماتها (ويسميها له (^١» وتبعه على هذا تلميذه السخاوي (^٢) وابن العماد الحنبلي (^٣).\nوقد مر بك تصريح الهيثمي بأن شيخه العراقي سمى له كتابًا واحدًا وهو (مجمع الزوائد). أما بقية المؤلفات بما فيها ما أشار عليه العراقي به، ورسم له منهجه، فقد عَمِل بنفسه مقدماتها، ونسب تسميتها لنفسه، ولو كان شيء منها من عمل العراقي لصرّح بذلك كما صرّح بالنسبة لتسمية «مجمع الزوائد» وبالنسبة لتوجيهه للمؤلفات، خاصة وأنه أنجز غالب مؤلفاته في حياة العراقي وتحت إشرافه، كما قدمنا، فتعميم ابن حجر السابق ثم من تابعه، بأن العراقي كان يعمل للهيثمي خطب كتبه ويسميها له غير صحيح. كما أن تدريب العراقي له وتعليمه كيفية التخريج والتصنيف لا يغض من جهده المضني في التنفيذ، وإخراج المؤلفات إلى حيز الوجود بصورة جيدة ومفيدة، كما يعلم من الاطلاع عليها، وقد علّم العراقي ابن حجر وخرجه، ومؤلفاته عمومًا مشحونة بالنقول عن شيخه العراقي، فهل نغمزه بهذا كما غمز هو\n_________\n(^١) (انباء الغمر) جـ ٢/ ٢٧٦، ٢٧٧.\n(^٢) «الضوء اللامع» جـ ٤/ ١٧٥.\n(^٣) «شذرات الذهب» وجـ ٧/ ٥٥.","vol":"2","page":483},{"text":"شيخه الهيثمي؟\nكذلك ذكر ابن حجر أنه وجد أوهاما للهيثمي في كتابه (مجمع الزوائد) وتتبعها، وأنه لما بلغ الهيثمي ذلك شقّ عليه، وعاتبه، فسكت عنها رعاية له وهذا يثير تساؤلا: كيف يشق على الهيثمي المعروف بالدين والورع إصلاح الأوهام العلمية؟ ثم كيف مرت هذه الأوهام المتعددة على العراقي عند مراجعته لعمل الهيثمي وتحريره كما قدمنا؟\nوقد أجاب السخاوي عن ذلك بما أراه مقبولًا، حيث ذكر أنه لعل الأمر شق على الهيثمي لكون ابن حجر لم يعلمه هو فيما بينه وبينه، بل أعلم غيره وبذلك خرج الأمر عن النصيحة المشروعة إلى ما يشبه التشهير، إن لم يكنه وأما الأوهام فذكر أيضًا أنها ربما كانت غير ضرورية الإصلاح بحيث ساغ لابن حجر أن يتغاضى عن تتبعها، وعموما فإن من يقارن (مجمع الزوائد) بما يشبهه من مؤلفات ابن حجر وهو كتاب (المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية - النسخة المحذوفة الأسانيد) يجد أن كتاب الهيثمي أفيد؛ لعنايته ببيان درجة أحاديثه ورجال أسانيدها، كما قدمنا، بينما اكتفى ابن حجر في كتابه بجمع الزوائد وتبويبها، وقل بيانه لدرجة الأحاديث مع الحاجة لذلك\nويقول ابن حجر كذلك: (وصار الهيثمي لشدة ممارسته، أكثر استحضارا للمتون من شيخه (العراقي) حتى يظن من لا خبرة له أنه أحفظ منه، وليس كذلك؛ لأن الحفظ المعرفة)، ثم يقول: «إن الهيثمي كان يدري من فنون الحديث فنا واحدا» (^١).\n_________\n(^١) و«إنباء الغمر» جـ ٢/ ٢٧٧.","vol":"2","page":484},{"text":"وقد تبعه في هذا السخاوي، فبعد ثنائه على خلق الهيثمي قال: «وأما الحديث، فالحق ما قاله شيخنا، أي ابن حجر: أنه كان يدري منه فنا واحدًا يعني الذي دربه فيه شيخهما العراقي، وقد كان من لا يدري يظن السرعة جوابه بحضرة العراقي، أنه أحفظ منه، وليس كذلك، بل الحفظ المعرفة».\nومع تسليمنا بأن العراقي كان أعرف من تلميذه بأحوال المتن والسند وأحكامهما بشهادة الهيثمي نفسه كما قدمنا عنه، فإن ذلك لا يقلل من معرفة الهيثمي الجيدة بذلك، بجانب معرفته بالمتون، لأن العراقي قد اعتنى به في ذلك أيضًا كما مر، ولذلك نجده يختلف مع العراقي في بيان حال وأسانيد كثير من الأحاديث التي ضمنها مؤلفاته (^١).\nكذلك قال ابن حجر: «إن العراقي كان يستعين بالهيثمي في عمل هذه التصانيف، لينتفع بها فيما يجمعه ويشرحه، وخصوصا في «تخريج أحاديث الإحياء» وتخريج ما يقول الترمذي فيه: وفي الباب عن فلان» (^٢).\nوأشار السخاوي لنحو ذلك فقال: «إن العراقي استروح فيما بعد، بما عمله الهيثمي من المؤلفات سيما «مجمع الزوائد»» (^٣).\nوالذي أراه عدم التسليم بما قرره ابن حجر وتلميذه السخاوي، لمجافاته للواقع وذلك أنهما معترفان بأن الهيثمي التحق صغيرًا بخدمة العراقي في حدود سنة ٧٥٠ هـ على الأقل، وبأنه رافقه في طلب الحديث بعد الخمسين، بينما فرغ\n_________\n(^١) انظر «الجامع الكبير» للسيوطي ١/ ٢٤١، ٣٥٥. (طبع مجمع البحوث الإسلامية) و«فيض القدير» للمناوي جـ ٢/ ٨٩.\n(^٢) «ذيل الدرر الكامنة» ٤/ ٨٥، ٨٦.\n(^٣) «الضوء اللامع» جـ ٢/ ٢٠٠.","vol":"2","page":485},{"text":"العراقي من مسودة «التخريج الكبير للإحياء» سنة ٧٥١ هـ كما سيأتي فكيف تتأتى استفادته منه في هذا التخريج؟ فإن قيل إن العراقي صرح بعدم وقوفه على أحاديث كثيرة عند إتمام تسويد الكتاب وأنه ألف «تكملة شرح الترمذي» بعد ذلك، أجبت بوجوه:\nأولها: تصريحه أيضًا بأنه حتى سنة ٧٦٠ هـ كان ظفر بكثير مما فاته من الأحاديث بينما فرغ الهيثمي من أول كتاب من زوائده في سنة ٧٧٦ هـ كما قدمنا أي بعد ١٦ عامًا من ذلك تقريبا.\nوالوجه الثاني: وجود الاختلاف بين ما قرره الهيثمي في مجمعه، وما قرره العراقي، من درجة كثير من الأحاديث، وحال أسانيدها، سواء في «تخريج الإحياء» أو في «شرح الترمذي» أو غيرهما. وهذا ينافي اعتماده على «مجمع الزوائد» أو غيره من مؤلفات الهيثمي السابقة، فمثلا حديث «أكثروا من شهادة أن لا إله إلا الله قبل أن يحال بينكم وبينها، ولقنوها موتاكم» أخرجه: العراقي من عند ابن عدي في «الكامل» وأبي يعلى الموصلي في مسنده، والطبراني في الدعاء، من حديث أبي هريرة، وقال: وفيه «ابن وردان» أيضًا، وذلك إحالة منه على ما قبل هذا الحديث، بحديث واحد، حيث ذكر أن موسى بن وردان مختلف فيه، بينما ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» من عند أبي يعلى فقط وقال: «إن رجاله رجال الصحيح غير ضمام بن إسماعيل، وهو ثقة»، وعند المراجعة للمصادر، نجد أن «موسى بن وردان» هذا، عليه مدار الحديث عند كل من أبي يعلى وابن عدي، والطبراني، ونجد أنه ليس من رجال أي من الصحيحين، كما في مصادر ترجمه، كما نجده فعلا مختلفا فيه توثيقا وتجريحا، ولو كان العراقي اعتمد على مجمع الزوائد، لوقع في خطأ","vol":"2","page":486},{"text":"الهيثمي في الكلام على سند الحديث، كما ترى، لكنه خالفه، وقرر الصواب المطابق لما في المصادر الأخرى المعتبرة (^١).\nوهناك أمثلة أخرى يأتي بعضها في بحث مؤلفات العراقي.\nوالوجه الثالث: «أن الهيثمي نفسه صرّح في مقدمة بعض مؤلفاته المشار إليها، بأن طلبة العراقي هم الذين طلبوها للاستعانة بها في التخريج، كما قدمنا عنه، وليس العراقي».\nوالوجه الرابع: أن السخاوي ذاته ذكر في ترجمته لابن حجر أن العراقي كتب إليه يطلب منه إرسال «مسند أبي يعلى» ليكتب منه بعض الأحاديث المتعلقة بـ «شرح الترمذي» وطلب إليه أيضًا أن ينظره في «أطراف مسند أحمد» وهو من مؤلفات ابن حجر، وذكر السخاوي أن ابن حجر ردّ على شيخه بتخريج الحديث من عدة مصادر، غير مُسند أبي يعلى وقال له: «إنه لم يره في «مسند أحمد» (^٢) ولما كان ذلك بعد تخريج العراقي لابن حجر وتصديه للتأليف، فإنه يعني أن العراقي كان في آخر حياته، فلو كان استروح فعلا إلى الاعتماد على (مجمع الزوائد) أو غيره لما طلب المرجع الأصلي وهو «مُسند أبي يعلى» ليكتب منه، ولما طلب من ابن حجر، البحث عن الحديث في أطراف المسند لكون زوائد مسندي أبي يعلى وأحمد ضمن\n_________\n(^١) انظر المغني بهامش الإحياء ١/ ٣٠٥ - كتاب الأذكار والدعوات، ومجمع الزوائد ١٠/ ٨٢ - ك الأذكار، وتهذيب التهذيب ١٠/ ٣٧٦، والمغني للذهبي ٢/ ترجمة (٦٥٤٢)، ومسند أبي يعلى ١١/ ح ٦١٤٧، والدعاء للطبراني/ ١٣٤/ أ، ب، والكامل لابن عدي/ ترجمة (ضمام ابن إسماعيل).\n(^٢) «الجواهر والدرر» للسخاوي ٦٩ ب.","vol":"2","page":487},{"text":"مؤلفات الهيثمي المفردة التي كلفه العراقي بها في طفولة ابن حجر وأنجز أكثرها قبل طلب ابن حجر أيضا للحديث على وجهه، كما أنها من ضمن «مجمع الزوائد» أيضا».\nوفي المغني (١/¬١٣، ١٤) الباب الأول من كتاب العلم، ذكر العراقي حديث: فضل المؤمن العالم على المؤمن العابد … وعزاه إلى ابن عدي من حديث أبي هريرة بإسناد ضعيف، ثم قال: ولأبي يعلى نحوه من حديث عبد (الرحمن بن عوف) اهـ. ولم يتكلم على حديث أبي يعلى بشيء كما ترى، وقد أورده الهيثمي في المجمع (١/ ١٢٢ - ك العلم) وعزاه إلى أبي يعلى، ثم قال: وفيه الخليل بن مرة، قال البخاري: منكر الحديث، وقال ابن عدي: لم أر (له) حديثا منكرا، وهو في جملة من يكتب حديثه، وليس هو بمتروك اهـ. فكان المقام هنا بحاجة إلى ذكر كلام الهيثمي عن سند الحديث، ومع ذلك لم نجد العراقي فعل ذلك.\nومع أستاذية العراقي المقررة للهيثمي باعترافه، هو وغيره، فإن العراقي قد قدر مشاركته له في تلقي المرويات عن غالب شيوخهما، فكان يشركه معه في التحديث بها، وقل أن حدث بشيء إلا والهيثمي معه، وبادله الهيثمي نفس التقدير، فقل أن حدث هو الآخر بشيء بمفرده في حياة العراقي، وظل تلميذا مخلصا له إلى آخر حياته العلمية، فكتب عنه جميع أماليه الحديثية التي امتدت فوق عشر سنوات، وختمت بها حياته العلمية، وقد استملى عليه بعضها، ومع أنه كان مشاركا للعراقي في غالب مروياتها كما قدمنا، فإنه كان يحدث بها عن العراقي لا عن نفسه، إلا لمن يضايقه، ويعتبر ذلك إنزالا لسنده درجة، تقديرا لأستاذه، ولم يحدث عن نفسه إلا بعد وفاة العراقي.","vol":"2","page":488},{"text":"وتكاثر الطلبة عليه في العام الذي عاشه بعد العراقي، ومع هذا ظل على حاله من التواضع والوفاء، فلم يتمشيخ بعده ولم يتصدر، ولهذا كان جديرا بأن يخلطه العراقي بنفسه، ويزوجه ابنته الكبرى خديجة، فكان له منها ذرية طيبة. وقد ذكر ابن حجر أن شيخه العراقي سُئل عند موته من بقي من الحفاظ بعده؟ فبدأ بابن حجر، وثنى بولده أحمد، وثلث بالهيثمي، وتبعه على هذا غيره (^١).\nوقد علل ابن حجر ذلك من جانبه بأن الهيثمي كان يدري فنا واحدًا من فنون الحديث وهو الخبرة بمتون الأحاديث كما قدمنا ذكره والرد عليه، ويكفينا قول سبط ابن العجمي رفيق ابن حجر في التلمذة على العراقي والهيثمي: أنه كان من محاسن القاهرة، وقول الأفقهسي رفيقهما أيضًا: كان إماما عالمًا حافظًا، وقول الغزي تلميذ ولي الدين بن العراقي أنه كان يقال الأشياخ الثلاثة، يعني العراقي وولده، والهيثمي. بل لقب العراقي نفسه الهيثمي بالحافظ (^٢) وعده من بعده من المجتهدين (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-131>رؤية الهيثمي للعراقي في المنام بجانب الرسول ﷺ</span>-:\nولما تأخرت وفاة الهيثمي عن شيخه العراقي عاما، حكى أنه رأى الرسول ﷺ في المنام وسيدنا عيسى ﵇ عن يمينه، والحافظ العراقي عن يساره (^٤) وهي رؤيا ظاهرة التعبير عن مكانته في إحياء السنة النبوية، علمًا\n_________\n(^١) (شذرات الذهب) (جـ ٧/ ٥٥.\n(^٢) (محجة القرب) / ١١٣٧.\n(^٣) «التنبئة» للسيوطي/ ٥١.\n(^٤) «المجمع المؤسس» / ١٧٨ وهـ «الضوء اللامع» جـ ٤/ ١٧٥ و(مقدمتي شرحي المناوي لألفية العراقي في السيرة).","vol":"2","page":489},{"text":"وعملًا، نسأل الله توفيقنا لذلك.\nوقد توفي الهيثمي بعد تلك الحياة الحافلة بخدمة السنة وأهلها، وذلك بالقاهرة في ٢٩ من رمضان سنة ٨٠٧ هـ.\n\n<span data-type='title' id=toc-132>٣ - ومنهم: حافظ حلب ورئيسها ناصر الدين بن عشائر </span>(^١):\nوهو محمد بن علي بن محمد، الحلبي الشافعي، ولد سنة ٧٤٢ هـ وسمع الكثير ببلده، ثم ارتحل إلى دمشق في سنة ٧٦٧ هـ فسمع فيها وتخرج بابن رافع وغيره، وقد ولي خطابة جامع حلب، وكان رئيسها وحافظها ومؤرخها، ثم قدم القاهرة بسبب وظائف توزع فيها، فسمع بها الكثير وذكر ولي الدين بن العراقي وابن حجر وغيرهما: أنه من الحفاظ الفضلاء الذين أخذوا عن العراقي (^٢) وأنه كان بارعًا في الفقه والحديث وحدث وناظر وأجاز الكثيرين، وألف دون أن يكمل عمره الخمسين، ووصفه ابن فهد بـ «الحافظ المتقن» وولي الدين ابن العراقي بـ «الحافظ ذي الفنون» وتنحصر تلمذته للعراقي في مرحلة عمله الأولى بالقاهرة حيث إنه قدمها وأقام بها مدة يسيرة، ثم فجأه الموت بها غريبًا في ١٦ ربيع الثاني سنة ٧٨٩ هـ، أي في السنة التالية لتولي العراقي قضاء المدينة.\n_________\n(^١) راجع في التعريف به وبيان أثر العراقي فيه/ «لحظ الألحاظ» لابن فهد/ ١٧٠ و«إنباء الغمر» جـ ١/ ٣٤٤ و«الدرر الكامنة» جـ ٤/ ٢٠٤ و«النجوم الزاهرة» لابن تغري بردي جـ ١١/ ٣١٤.\n(^٢) «ذيل الدرر الكامنة» / ٧٢ و«الأعلام» جـ ٤/ ٢١٩ ب و«طبقات الشافعية» / ١١٠ ب و«بهجة الناظرين» / ١٣١.","vol":"2","page":490},{"text":"<span data-type='title' id=toc-133>٤ - ومن مشاهيرهم: كمال الدين الدميري شارح ابن ماجة ومؤلف حياة الحيوان </span>(^١):\nوهو محمد بن موسى بن عيسى الدميري المصري، الشافعي، ولد بالقاهرة في أوائل سنة ٧٤٢ هـ، وأقبل على العلم بعد تكسبه وقتا بالخياطة، وقد طلب الحديث بمصر والحجاز من بعد سنة ٧٥٠ هـ، وأخذه عن جماعة منهم الحافظ العراقي، ورغم أن الدميري مشهور بكتابه (حياة الحيوان) أكثر من أي شيء آخر، إلا أنه كان متقدما في علم الحديث رواية ودراية، فحدّث بالقاهرة وبمكة بل بجوف الكعبة، وبذلك انتشرت مروياته عن العراقي كما درّس في حياة شيخه العراقي بمكة وبالقاهرة في القبة البيبرسية والمنصورية بالقرب من باب النصر، فأخذ عنه فضلاء الطلبة، بل إنه ألف شرحًا حافلا لسنن ابن ماجه يسمى «الديباجة في شرح سنن ابن ماجة» ويقع في خمسة مجلدات، ومع أنه مات قبل تبييضه إلا أنه درسه في دروسه الحديثية بالقبة البيبرسية فاستفاده منه طلابه، وطلاب شيخه العراقي (^٢) كما أنه ألف في الفقه ودرّسه وأفتى ووعظ الناس وخطبهم، وكان ذلك في عدة أماكن بالقاهرة، منها تدريسه بالجامع الأزهر، فكان أثرا طيبا لشيخه العراقي وشريكا له في نشر السنة وتعليمها، حتى توفي بعد العراقي بقليل وذلك في سنة ٨٠٨ هـ.\n_________\n(^١) راجع في التعريف به وبيان تلمذته/ (بهجة الناظرين) للغزي/ ٦٣ و٥ «الضوء اللامع» ج ١٠/ ٥٩ - ٦١.\n(^٢) (الضوء اللامع) جـ ٢/ ١٤٧.","vol":"2","page":491},{"text":"<span data-type='title' id=toc-134>٥ - ومنهم: «جمال الدين بن ظهيرة حافظ مكة وعالم الحجاز»</span> (^١).\nوهو محمد بن عبد الله بن ظهيرة القرشي المكي، ويُعرف كأبيه بـ (ابن ظهيرة)، وقد ولد على الأصح في ١٣ شوال سنة ٧٥١ هـ بمكة ونشأ بها، وعني بالحديث فسمع بمكة ثم رحل مبكرًا إلى الشام واليمن ومصر للطلب فأخذ الحديث عن كثيرين، حتى خرج له صلاح الدين الأقفهسي معجمًا بشيوخه، ومنهم بعض شيوخ العراقي، لكنه لازم الحافظ العراقي، بل تلقى عنه بمكة علم الفقه، أما علوم السنة فتلقاها عنه موزعة بين مكة والقاهرة، فقد قدمنا تلقيه عنه شرحه لألفية علم الحديث في سنة ٧٧٣ هـ ما بين سماع وقراءة في عدة مجالس موزعة بين مكة والقاهرة، ومما قرأه عليه أيضًا تأليفه في الأحاديث البلدانية كما سيأتي بيانه، وقد تملك نسخة من شرح العراقي المتقدم للألفية، وكتب له العراقي عليها بخطه إجازة جيدة تدل على خبرته بتحصيله وفهمه، ولذا لقبه بـ «الإمام العلامة المحدث المفيد الأوحد» ثم قال: «وأذنت له - أحسن الله إليه - أن يُقرى ذلك الشرح ويفيده وما شاء من الكتب المصنفة في ذلك، لوثوقي بحسن تصرفه وجودة فهمه، نفع الله به وأكثر من أمثاله».\nويلاحظ أن العراقي يمتدح ويزكي في طلابه حسن التصرف وجودة الفهم، والاجتهاد فيما يحيطون به من علوم السنة، وعدم الجمود على ترديد ما يتلقونه من مؤلفات وآراء المتقدمين أو المتأخرين، وهذا خير ما يربي عليه أستاذ.\n_________\n(^١) راجع في التعريف به وبيان أثر العراقي فيه: «الضوء اللامع» جـ ٨/ ٩٢ - ٩٥ و(بهجة الناظرين) / ٤٦ - ٥٠ و«شذرات الذهب» جـ ٧/ ١٣٥.","vol":"2","page":492},{"text":"تلاميذه، خاصة في عصره الذي رُمي بالجمود كما قدمنا في حالة العصر، ثم إنه يتطلع إلى كثرة أمثال تلميذه ابن ظهيرة من المجتهدين، لتنهض بهم علوم السنة وتتجدد ثمارها.\nوقد صدقت نظرة العراقي في تلميذه فبجانب تقدمه في الفقه وغيره، برع في الحديث متنا وسندا، وعَرَف العالي منه والنازل، وتصدى لنشر العلم بعد سنة ٧٧٠ هـ نحو ٤٠ عامًا، فدرس وأفتى وحدّث بمروياته الكثيرة بالمسجد الحرام وبغيره، وتزاحم عليه الطلاب والأئمة من أهل مكة والقادمين عليها وانتفعوا به، وأجاز كثيرًا منهم وأذن لبعضهم بتدريس الحديث، وتولى منصب قاضي قضاة مكة مرارًا، وانتهت إليه رياسة الشافعية بمكة، ولقب في وقته بـ (عالم الحجاز) ووصفه غير واحد بالحفظ والإتقان، والتحقيق في دروسه وفتاويه، وعُد من المجتهدين في عصره (^١).\nوقد ألف في الفقه والحديث وغيرهما، ومن مؤلفاته المشبهة لمؤلفات شيخه العراقي «جزء فيما يتعلق بزمزم» وظل قائما برسالته الحديثية وغيرها حتى توفي في ١٦ رمضان سنة ٨١٧ هـ.\n\n<span data-type='title' id=toc-135>٦ - ومنهم: «الحافظ ابن الجزري إمام القراء، وناشر السنة في بلاد الروم وفارس </span>(^٢)»\nوهو محمد بن محمد بن محمد المعروف بابن الجزري، ولد في ٢٥\n_________\n(^١) «التنبئة» للسيوطي/ ٥١.\n(^٢) راجع في التعريف به وبيان تأثير العراقي فيه: «غاية النهاية في طبقات القراء» له جـ ٢/ ٢٤٧ - ٢٥١ و«الضوء اللامع» جـ ٩/ ٢٥٥ - ٢٥٩ و«بهجة الناظرين» / ٦٠، ٦١ وما سأحيل عليه في الأثناء.","vol":"2","page":493},{"text":"رمضان سنة ٧٥١ هـ بدمشق ونشأ بها، ومع أنه برع في علم القراءات وكان فيها إمام زمانه في كثير من الممالك، وعرف بها وألف كثيرًا فيها إلا أنه عني أيضًا برواية الحديث ودراسته ببلده وغيرها، وقد تكررت رحلاته إلى القاهرة لطلب العلم منذ سنة ٧٥٩ هـ، فأتاح له ذلك تلقي الحديث عن علمائها، وفي مقدمتهم الحافظ العراقي، وتقدم في ذلك حتى تفرد بعلو السند وحفظ الحديث ومعرفة الجرح والتعديل، والرواة المتقدمين والمتأخرين، وقد لقبه ابن حجر بـ «الحافظ الإمام المقرئ» ولقبه غيره بـ «المحدث».\nكما أنه تولى مشيخة دار الحديث الأشرفية بدمشق، وهي من أعلا دور الحديث مكانة بالشام، كما تولى غيرها أيضًا، وقد تميز ابن الجزري بتطوافه في معظم بلاد العالم الإسلامي في الشرق، ونشره للحديث وعلومه أينما حل، فبالإضافة لتدريسه الحديث بمدارس دمشق ومساجدها، حدث ودرس أيضًا بالقدس، ثم وقعت بينه وبين بعض الحكام خلافات إضطرته للفرار بحرا عن طريق الإسكندرية إلى «بلاد الروم»، فاستقر هناك عدة سنوات مشهورا بنشر القراءات والحديث، رغم وجود غيره من العلماء، ثم انتقل إلى (شيراز) بإيران الحالية، فقام بنفس الرسالة، ومما أسمعه للطلاب أيضًا بسمرقند (صحيح البخاري) (^١).\nوتنقل بعد ذلك بين الحجاز واليمن ومصر والشام، قائما بالتحديث والإقراء والتدريس، ولم يقطعه حلّه وترحاله بين تلك الأقطار الشاسعة النائية عن الاتصال بشيخه العراقي ومتابعة أخباره، حتى علم بوفاته وهو بـ «سمرقند».\n_________\n(^١) «عنوان الزمان» للبقاعي/ جـ ٣ لوحة ٥٥٧.","vol":"2","page":494},{"text":"فرثاه، وكتب إلى ولده «أبي زرعة» معزيا ومشجعًا، كما سنذكره بعد، ثم ترجمه في طبقات القراء، ولقبه بـ «حافظ الديار المصرية وشيخها ومحدثها»، كما قدمت عنه، وبجانب مؤلفاته المشهورة في القراءات، فإنه ألف في علم الحديث ورجاله عدة مؤلفات نظما ونثرا، وظهر تأثره فيها بالعراقي، واطلاعه على مؤلفاته، كما صرّح بالاقتداء به في تأليف بعض مؤلفاته، كما سنذكره في مؤلفات العراقي.\nومع أن ابن حجر لقبه بـ «الحافظ» كما قدمنا، ووثقه في علم الحديث، وحدث ببعض مؤلفاته (^١) إلا أنه هو وغيره قد غمزوه ببعض غمزات وواجههم غيرهم بردها، فلا نطيل بذلك. وبعد حياته الحافلة بنشر علوم القراءات والحديث بعامة المراكز العلمية بالشرق الإسلامي، توفي بشيراز في ٥ ربيع الأول سنة ٨٣٣ هـ وما زال قبره بها شاهدًا إلى الآن على مدى انتشار تلاميذ العراقي في العالم، ونشرهم لما أسداه لهم بشخصه وبمؤلفاته.\n\n<span data-type='title' id=toc-136>٧ - ومنهم: «السرائي» نزيل القاهرة الذي لازمه وقرأ عليه مقدمة ابن الصلاح </span>(^٢).\nوهو إبراهيم بن سليمان بن عبد الرحمن، السرائي، الشافعي، كذا بخطه، وخط شيخه العراقي، وهو يعرف بـ «إبراهيم شيخ»، نزيل القاهرة، وقد قدم القاهرة واعتنى بالحديث عناية تامة، ولازم فيه الحافظ العراقي، وكان مما قرأه.\n_________\n(^١) (الجواهر والدرر) ٢٤ ب.\n(^٢) انظر في التعريف به وبيان أثر العراقي فيه (الضوء اللامع) جـ ١/ ٥٢ و(إنباء الغمر) ٤/ ١٤٣، وفيه قال: «إبراهيم بن عبد الرحمن بن سليمان …» وكذا في (المجمع المؤسس) / ١٢٦/ ب وصوب السخاوي ما أثبته.","vol":"2","page":495},{"text":"أو سمعه عليه بقراءة غيره، علوم ابن الصلاح، وحَصَّل النسخ الخطية المليحة واعتنى بضبطها، سواء من مؤلفات العراقي التي كان يدرسها لطلابه أو غيرها، وبمقتضى ملازمة السراتي للعراقي وتلقيه عنه علوم السنة، فإنه قد أذن له في إفادتها ووصفه بـ «الشيخ الإمام الناسك» تقديرًا لعلمه وصلاحه، وقد تولى مشيخة «الرباط» بالبيبرسية بالقاهرة (^١)، وهذا مما أتاح له نشر ما تلقاه من علوم السنة عن شيخه العراقي وغيره، وتوفي قبل العراقي، في ٢٤ ربيع الأول سنة ٨٠٢ هـ.\n\n<span data-type='title' id=toc-137>٨ - ومنهم: «مسند الديار المصرية في زمنه، عز الدين بن الفرات»</span> (^٢)\nوهو عبد الرحيم بن محمد بن عبد الرحيم المصري الحنفي، ويُعرف كسلفه بـ «ابن الفرات»، وقد ولد بالقاهرة سنة ٧٥٩ هـ ونشأ بها وعظمت استفادته من العراقي وتأثيره فيه رواية ودراية، فإنه بحث عليه شرحه لألفية الحديث، ونكته على علوم ابن الصلاح، في مجالس متعددة وأثبت له العراقي ذلك بخطه، ولقبه بـ «الشيخ الإمام» وأذن له في إقراء الكتابين المذكورين، وسمع على العراقي أيضًا بعض أحاديثه العشارية الإسناد، وهي من أعلا مرويات عصره الموثقة، فأفاده بها علو السند الموثق وقد امتدت تلمذته للعراقي في مرحلة عمله الأولى والثانية بالقاهرة، فسمع عليه بالثانية كثيرًا من أماليه على «مستدرك الحاكم» وهي من مروياته العالية السند كما سنبينه، وبذلك كان لما تلقاه ابن الفرات عن العراقي من المرويات عمومًا، أثره.\n_________\n(^١) انظر خطط المقريزي ١/ ٤١٦.\n(^٢) راجع في التعريف به وبيان تأثير العراقي فيه: (عنوان الزمان) للبقاعي/ جـ ٢ لوحة/ ٢٥٦ و(الضوء اللامع) جـ ٤/ ١٨٦ و(نظم العقيان) للسيوطي/ ٣٢ ب.","vol":"2","page":496},{"text":"في علو سنده، والإسهام في جعله مُسند الديار المصرية بالإضافة إلى طول عمره فوق التسعين، فصار كما يقول ابن حجر: «مُسند الديار المصرية في عصره» وكثر تحديثه جدا، وبالتالي اتسع نشره لما تلقاه عن العراقي من مصادر علوم الدراية، ومن عوالي المرويات، حتى توفي في ٢٦ ذي الحجة سنة ٨٥١ هـ.\n\n<span data-type='title' id=toc-138>٩ - ومنهم: «أبو ذر الزين الزركشي» مُسند مصر، ومدرس الحديث بها </span>(^١):\nوهو عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله المصري الحنبلي - أبو ذر المعروف بـ «الزين الزركشي»، وقد ولد بالقاهرة في ١٧ رجب سنة ٧٥٨ هـ ونشأ بها ومع مشاركته للعراقي في كبار شيوخه، فإنه تتلمذ له منذ صغره، فعرض عليه بعض محفوظاته الحديثية، وأجازه العراقي في الرواية، ثم تعرضت أسرة الزركشي المحنة ضاعت فيها كتب والده بما فيها أثبات سماع ولده وإجازاته، وهذا مما يحول دون تحديثه بما ضاعت أثباته فنهض لتعويض ما فقد بالرحلة للسماع داخل مصر وخارجها، وكان مما سمعه على العراقي في سنة ٧٨٢ هـ المجلس الختامي من «سنن أبي داؤد» وهذا يدل على تحديث العراقي في مرحلة عمله الأولى بالقاهرة بـ «سنن أبي داود» كله في مجالسه ودروسه الحديثية، وقد طال عمر أبي ذر الزركشي حتى صار «مُسند مصر» في وقته كما أنه ألم بعلوم الدراية، مع جودة الذهن، ولذلك باشر التدريس للحديث وإسماعه ببعض مدارس القاهرة وعن طريق ذلك انتشر ما استفاده.\n_________\n(^١) انظر في التعريف به وبيان أثر العراقي فيه «الضوء اللامع» جـ ٤/ ١٣٦.","vol":"2","page":497},{"text":"من العراقي بالعرض والإجازة والسماع كما كان له بعض المؤلفات الحديثية\nالتي لم تتم، وقد توفي بالقاهرة في ١٨ صفر سنة ٨٤٦ هـ.\n\n<span data-type='title' id=toc-139>١٠ - ومنهم: «الحافظ ولي الدين أبو زرعة بن العراقي قاضي القضاة ومدرس السنة وممليها بمصر»</span> (^١).\nوهو أحمد بن عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن، الكردي الشافعي ولي الدين أبو زرعة، ابن الحافظ العراقي موضوع هذا البحث، ويعرف كأبيه بابن العراقي، لكن قدمنا أن معرفته هو بـ «ابن العراقي» أكثر، ومعرفة والده بـ «العراقي» أكثر، وقد ولد كما يقول والده: بظاهر القاهرة في ٣ ذي الحجة بعد صلاة الصبح من سنة ٧٨٢ هـ.\n\n<span data-type='title' id=toc-140>تطبيق والده عليه عامة قواعد الطلب، والتحديث وتخريجه له:</span>\nوقد عني والده بتنشئته العلمية جدا، وخاصة التنشئة الحديثية، حتى يجنبه: ما تعرض له هو من إهمال والده له عما كان مطلوبا، كما قدمنا، فمنذ السنة الأولى من عمر أبي زرعة أحضره والده على الشيوخ الموجودين بمصر حينذاك.\n_________\n(^١) راجع في التعريف به وبيان أثر العراقي فيه: (طرح التثريب في شرح التقريب) جـ ١/¬١٦، ١٧، و(ذيل التقييد) ١١٤ ب، ١١٦ أ، والمجمع المؤسس/ ٣٦٦ - ٣٦٧، و(ذيل الدرر الكامنة) / ١٩٦، ١٩٧ و(رفع الإصر عن قضاة مصر) / قسم ١/ ٨١ - ٨٣ و(إنباء الغمر) جـ ٣/ ٣١١ و(بهجة الناظرين) ٨٦ - ٨٨ و(طبقات الشافعية) لابن قاضي شهبة ١١٨ ب و(المنهل الصافي) جـ ١/ ٣١٢ - ٣١٥ و(لحظ الألحاظ) ٢٨٤ - ٢٨٩ و(ذيل نزهة النظار في قضاة الأمصار) للزفتاوي/ ٤٤ ب و(البدر الطالع) جـ ١/ ٧٢ و(الضوء اللامع) جـ ١/ ٣٣٦ - ٣٤٤ و(شذرات الذهب) جـ ٧/ ١٧٣ و(حسن المحاضرة) جـ ١/ ٣٦٣ و«فهرس الفهارس» للكتاني جـ ٢/ ١٩٩، ٤٣٥ مع ما سأحيل عليه في الأثناء.","vol":"2","page":498},{"text":"من كبار المسندين واستجازهم له مثل: أبي القاسم الربعي التونسي، وفتح الدين القلانسي وأديب العصر (ابن نباته) وغيرهم، واستجاز له أيضًا من شيوخ الإسكندرية: كالعرضي وغيره كما قدمنا في رحلاته، وعندما طعن أبو زرعة في الثالثة من عمره، رحل به والده مع باقي الأسرة إلى الشام، وهناك أحضره أيضًا على جمع كثير من المسندين والحفاظ، الذين أخذ هو عنهم كما تقدم تفصيله، وذكر التقي الفاسي: أن العراقي كتب لولده أبي زرعة فيما أحضره ببلاد الشام أنه «سامع»، مع أنه كان في الثالثة من عمره، لما رأى فيه من الفطنة الكثيرة، لكن الذي وجدت العراقي أثبته بنفسه في ترجمته لأبي زرعة هو «الحضور» فقط، وهو المناسب لما قرره العراقي في أكثر من موضع بأن السن التي يصح فيها السماع عند الجمهور، هي الخامسة، فلا أدري مصدر التقي الفاسي فيما قال.\nوبعد أن عاد العراقي بولده من رحلة الشام، استوفى إحضاره وإسماعه على شيوخه بمصر، من المسندين والحفاظ كالبياني، وعز الدين بن جماعة، وغيرهما حتى إذا بلغ (١٤) سنة، طلب بنفسه بمصر والقاهرة، تحت رعاية والده، ودار على الشيوخ، وكتب الطباق (^١) بخطه، ولم يكتف والده بهذا بل أرسله في رحلة ثانية إلى الشام لطلب الحديث، ولم تسمح ظروفه بمصاحبته، فأرسل معه رفيقه الهيثمي، واستغرق في ذلك نحو ٣ أشهر كما أشرنا من قبل، وقد استفاد فيها مرويات طبقة الشيوخ التي تلت من أحضره عليهم والده في الرحلة السابقة، وبهذا تضاعفت كثرة شيوخه ومروياته.\n_________\n(^١) جمع، مفرده: «طبقة» والمراد بها هنا: الجماعة التي تتفق في الأخذ عن شيخ معين، ويكتبون ويا قائمة بأسمائهم، ثم يوقع لهم الشيخ بخطه على ذلك. ويطلق الطباق أيضا على نوع من الخط.","vol":"2","page":499},{"text":"الحديثية، وعاد من تلك الرحلة أيضًا فواصل استكمال دراسته الحديثية وما كان مشتغلا به بجانبها، من الفقه والعربية، حتى مهر، وأذن له غير واحد من شيوخه بالإفتاء والتدريس والتحديث، ومع هذه العناية الفائقة من والده بتعليمه على يد أعلام عصره وشيوخه في مصر وخارجها، فإنه باشر بنفسه تعليمه وتدريبه في علم الحديث، وفي غيره من الفقه والأصول والعربية، ولازمه أبو زرعة في ذلك حتى تخرج به في الحديث (^١) وقرر أنه لم يفارق والده إلا في رحلته مع الهيثمي للشام وفي مدة عمل والده بقضاء المدينة، وبذلك أُتيح له أن يستفيد من علمه ويتأثر به لأبعد حد، فقد سمع وقرأ عليه كثيرًا من مروياته ومؤلفاته المتعلقة بالرواية وبحثها (^٢) بل حفظ بعضها واستملى عليه كثيرا من أماليه.\nومن عناية والده الحديثية به أنه ألف كتاب (تقريب الأسانيد في أحاديث الأحكام) منتقيًا أحاديثه مما روى بأصح الأسانيد إلى رسول الله ﷺ، مراعيا اتصال أسانيدها إلى ولده أبي زرعة، وقال في مقدمته: وبعد فقد رأيت أن أجمع لابني أبي زرعة مختصرًا في أحاديث الأحكام، يكون متصل الأسانيد بالأئمة الأعلام، فإنه يقبح بطالب الحديث بل بطالب العلم أن لا يحفظ بإسناده عدة من الأخبار يستغني بها عن حمل الأسفار في الأسفار، وعن مراجعة الأصول عند المذاكرة والاستحضار، ويتخلص به من الحرج في الجزم بنقل ما ليست له به رواية، فإنه غير سائغ بإجماع أهل الدراية (^٣)، ثم أثبت.\n_________\n(^١) جزء في التراجم/ ١٨.\n(^٢) انظر نظم الاقتراح لوالده أ (مخطوط).\n(^٣) «تقريب الأسانيد» ٢، ٣.","vol":"2","page":500},{"text":"في شرحه أن أبا زرعة قد حفظه، وترجم له بإيجاز، وكان حينئذ في الثانية عشر من عمره، فأشار إلى وقوع أحاديث الكتاب له بالسند العالي، معللا ذلك باحتمال أن يطول عمره فيحدث به، وأثبت سنده بها فقال: «وقد وقعت له أحاديث هذه الأحكام عالية، فما كان فيها من «الموطأ» فحضره بقراءتي على أبي الحرم محمد بن محمد القلانسي، بإسناده فيه، وأجاز له، وما كان فيها من مسند أحمد فكتب إليه به من الإسكندرية علي بن أحمد ابن محمد بن صالح العرضي» (^١). وقد مر في رحلات العراقي، أن ولده أبا زرعة قرأ عليه هذه الأحكام، في عدة مجالس آخرها بمكة في ٢ صفر سنة ٧٧٦ هـ وأجازه بروايتها خاصة، وبما يجوز له وعنه روايته عامة (^٢). كما وقفت على إثبات قراءته عليه «سنن أبي داود» وغيره من الكتب الستة.\nوبهذه الجهود المتنوعة والمتواصلة، هيأ العراقي لولده مختلف الوسائل والإمكانيات التي جعلته يتبوأ مكانة علمية مرموقة في وقت مبكر، وأصبح حافظا معتبرا من حفاظ السنة، وقام في حياة والده وشيوخه بمهماته من الرواية والتدريس، والتصنيف، بجانب مهارته في الفقه والأصول كذلك، وقد قرت عين والده به حين رآه يدرس بعدة أماكن وهو شاب حتى قال:\nدروس أحمد خير من دروس أبه … وذاك عند أبيه منتهى أربه\nورغم أنه لم يعرف عن العراقي السعي لنفسه في منصب، فإنه توجه إلى\n_________\n(^١) «طرح التثريب» ج ١/¬١٦، ١٧.\n(^٢) انظر أيضا: «تقريب الأسانيد»، ص ١٧٦.","vol":"2","page":501},{"text":"صديقه وتلميذه الأبناسي، ليساعده في تحصيل بعض الوظائف لأبي زرعة، وتم له ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-141>تتميمه لرسالة والده وجهوده:</span>\nونتيجة لجهد العراقي في تكوين شخصية ابنه العلمية والحديثية بالأخص، فإنه كان بمثابة إمتداد له في حياته، وبعد وفاته، فعندما توجه لقضاء المدينة استنابه في وظائفه العلمية بمصر، فتولاها ما عدا تدريس ومشيخة الحديث بـ «المدرسة الكاملية» فقد تمكن من انتزاعهما منه شيخه سراج الدين ابن الملقن فدفعه حماس الشباب إلى المعارضة، ولما كان شرط المدرسة كما سبق أن يكون مدرسها أعلم أهل القاهرة بالحديث، فإن أبا زرعة احتكم إلى هذا وقال: «يخرج الشيخ حديثا، وأنا أخرجه، لتتميز كفاءة كل منا»، فتوسل ابن الملقن بالسراج البلقيني والبرهان الأبناسي فكفا عنه أبا زرعة، واستقر في باقي وظائف والده، لحين عودته من المدينة، ثم لما توفي والده، أضيفت إليه أيضا وظائفه العلمية، وفي كلتا الحالتين سار في القيام بتلك الوظائف على طريقة والده، ودرس كثيرا من مؤلفاته (^١) وزادت بذلك مكانته العلمية ورياسته لملء فراغ والده ما استطاع، ونهوضه بواجباته على خير وجه، تحديثا وتدريسا وتخريجا لعلماء السنة وحفاظها، وكثير ممن تتلمذ لوالده أو أجازه استكمل دراسته عليه، كالحافظ ابن حجر، وتقي الدين بن فهد وغيرهما، وذكر تلميذه ابن فهد أن دروسه كانت من محاسن الدروس، يجري فيها من غير تلعثم ولا تحريف:\n_________\n(^١) انظر هوامش: «شرح ألفية العراقي»، نسخة المكتبة الظاهرية بدمشق رقم ٩٢٨٦ عام:","vol":"2","page":502},{"text":"وكذلك فإنه أعاد مجلس إملاء الحديث الذي انقطع بموت والده، بعد إحيائه له وأملى أيضا بمكة والمدينة، وقد تفرد بغالب ما أحضره أبوه له من المرويات، وحدث به، وبكثير من مسموعاته، سواء بالحجاز أو بالقاهرة أو بضواحيها، كساقية مكي بالجيزة، وبإمبابة، وبعض مدن «القليوبية» و«منوف» وكان يتولى ضبط أسماء سامعيه بنفسه، لقصور غالب الطلبة في ذلك.\nأما مؤلفاته التي شملت الفقه وأصوله، وعلوم السنة المختلفة، فمنها ما أكمل به ما بدأه والده، ومنها ما ذيل به عليه، ومنها ما شرح به تأليفه، كما سنوضحه في موضعه، مع مؤلفات والده، وما ليس كذلك منها، فإنه استفاد فيه من والده، وأورد فيه بعض ما تلقاه عنه في دروسه شفاهة (^١) أو نقل فيه عن مؤلفاته بالتحديد أو بالإطلاق (^٢) كما سنبينه أيضا، ومن مؤلفاته ما اختلط على الباحثين والمؤرخين بمؤلفات والده، وبالعكس، كما سيأتي، ومن تقديره لوالده أنه ألف له ترجمة مفردة، كما قدمنا وسماها: «تحفة الوارد بترجمة الوالد».\nوقد ذكر المترجمون له ومن شاهده غير مرة، من الصفات والأخلاق والأحوال، ما يشابه فيه والده، من جمال الصورة، ومتانة الدين، والتواضع وعذوبة اللفظ، والضبط، وقلة الكلام فيما لا يعنيه، كما ذكروا أنه كان ضيق العيش، كثير العيال، ومع ذلك كان عفيفا، قانعا، حتى إنه لما عزل قاضي القضاة جلال الدين البلقيني وطلب هو، امتنع، وقال: «صاحب\n_________\n(^١) «مختصر المهمات» جـ ١/¬٨ ب (مخطوط).\n(^٢) انظر: (البيان والتوضيح لمن أخرج له في الصحيح وقد مس بضرب من التجريح)، لولي الدين ابن العراقي ص ٩ وغيرها/ مخطوط مصور، والأجوبة المرضية عن الأسئلة المكية/ ٧٠، ٧٤، ١٠٥، ١١٣ مكتبة التوعية الإسلامية - بمصر ١٤١١ هـ.","vol":"2","page":503},{"text":"الولاية أولى مني وهو أحق منا» (^١). فلما توفي البلقيني سنة ٨٢٤ هـ تولى المنصب بغير سؤال منه، مع وجود السعاة في تحصيله بدفع الأموال، وقد طلبه السلطان بنفسه مثلما حدث مع والده، ولقد سار فيه سيرة حسنة للغاية، فلما خولف في بعض الأمور عزل نفسه، فاستعطفه السلطان، وأعاده لنزاهته وصلابته في الحق، لكن ذلك ألب عليه أهل الدولة فيما بعد، فعزلوه وولوا مكانه أحد تلاميذه الأقل منه كفاءة، فتألم لذلك وقال: «لو عزلت بغير فلان ما صعب علي،»، ومع هذا حاول اجتياز الأزمة، والعودة إلى رسالته العلمية بالتحديث، والتدريس، والتصنيف، غير أن حياته لم تطل بعد ذلك، فمات مبطونا، على إثر حمى كبدية، وذلك في يوم الخميس ١٧ شعبان سنة ٧٢٦ هـ ودفن بجانب أبيه.\n\n<span data-type='title' id=toc-142>عدم مجاملة والده له في العلم</span>\nوقد لقبه غير واحد بـ «الحافظ» ونقل ابن حجر عن العراقي ترتيب من يخلفه من الحفاظ، فبدأ بابن حجر وثنى بأبي زرعة، وهذا خير دليل على إنصافه، وتجرده في مجال العلم عن العاطفة، ولو على ولده، وعلل ابن حجر ذلك، بأن أبا زرعة تشاغل بفنون غير الحديث، فكانت ممارسته له أقل من ممارسة ابن حجر (^٢).\nأما شمس الدين بن الجزري تلميذ العراقي، فإنه لما علم بوفاة العراقي وهو بسمرقند كما قدمنا في التعريف به، فإنه كتب إليه، معزيا، وواصفا له، بأنه\n_________\n(^١) «ذيل نزهة النظار في قضاة الأمصار»، للزفتاوي ١ ب (مخطوط).\n(^٢) و«إنباء الغمر»، جـ ٢/ ٢٧٧.","vol":"2","page":504},{"text":"أفضل من قام بعد أبيه، ومن لا نعلم في هذا الوقت له شبيه، وقال له شعرا:\nولي العلم صبرا على فقد والد … رؤوف رحيم للورى خير مؤمل\nإذا فقد الناس العراقي حافظا … إمام هدى، فأنت لهم ولي\nويظهر أنه كان في هذا يعرض بابن حجر، لأنه يقول: «وهو أي أبو زرعة بالديار المصرية، أبقاه الله للإسلام، وفيه أحسن تورية وألطف إبهام (^١)»، وذلك لأنه كان بينهما منافسات وانتقادات الأقران (^٢).\nوالذي يظهر لي أن حكم العراقي على ولده بأنه يلي ابن حجر، أصوب ويؤيده مقارنة النتاج العلمي الذي بين أيدينا لكل منهما، حيث يتركز تأليف ابن حجر في علوم السنة، بينما يزيد تأليف ولي الدين في الفقه وأصوله، عن تأليفه في علوم السنة.\n\n<span data-type='title' id=toc-143>١١ - ومنهم: «منافس ابن حجر» الحافظ المدرس شهاب الدين الكلوتاتي صهر العراقي </span>(^٣):\nوهو شهاب الدين أحمد بن علي بن عثمان، الكرماني الأصل، القاهري ويعرف بالكلوتاتي، وقد ولد - على المعتمد - في أواخر ذي الحجة سنة ٧٦٢ هـ\n_________\n(^١) «الضوء اللامع»، جـ ٤/ ١٧٦.\n(^٢) «الجواهر والدرر» ٥٩/ أ.\n(^٣) رجعت في التعريف به وبيان أثر العراقي فيه إلى: (الضوء اللامع: ج ١/ ٣٧٨ - ٣٨٠ و«إنباء الغمر») ٣/ ٤٨٣، ٤٨٤، وما سأحيل عليه في الأثناء.","vol":"2","page":505},{"text":"وبدأ قراءة الحديث بنفسه سنة ٧٧٩ هـ على الأرجح، واستمر بلا فتور ولا توان، حتى نافس ابن حجر في كثرة مسموعاته، وأخذ علم الحديث عن العراقي وبعض تلاميذه، ومما تلقاه عن العراقي «نكته على كتاب ابن الصلاح»، وقد وقفت على قطعة خطية من نسخته الخاصة، وأثبت بهامش لها سماعه لها على العراقي مع جماعة آخرين، ومقابلتها أيضا على نسخة العراقي (^١) وقد توطدت صلة الكلوتاتي بشيخه فتزوج ابنته «جويرية» وامتدت تلمذته النشطة له إلى ما بعد مرحلة العمل الأولى بالقاهرة، حيث قرأ عليه (صحيح البخاري) في مجالس آخرها ١٨ شعبان سنة ٧٩٥ هـ وسمع معه جماعة وأجازهم العراقي معه برواية البخاري عنه (^٢) وقد أتيح له نشر ما تحمله عن العراقي، حيث توظف القراءة الحديث بالقصر الأسفل من القلعة، ومما قرأه (صحيح مسلم) واستمر في ذلك عدة سنوات حتى سنة ٨٣٤ هـ، وقال عنه المقريزي، إنه لم يخلف بعده في قراءة الحديث مثله، وظل يقرى الحديث ويسمعه لغيره، حتى أواخر حياته، فسمع منه خلائق من أعيان العلماء، كما أن له مؤلفات في الحديث وعلومه، وثبت بمروياته (في مجلدين)، وتوفي في ٤ جمادى الأولى سنة ٨٣٥ هـ\n\n<span data-type='title' id=toc-144>١٢ - ومنهم «الإمام العيني» منافس ابن حجر في علم الحديث وقاضي قضاة الحنفية بمصر </span>(^٣):\nوهو بدر الدين محمود بن أحمد بن موسى، الحنفي، العنتابي الحلبي\n_________\n(^١) انظر نسخة رقم (٢٥٣٧٧) ب بدار الكتب المصرية/ ١٠ ب، ١٤ ب وغيرهما.\n(^٢) «عنوان الزمان» جـ ١/ لوحة ٨.\n(^٣) انظر في التعريف به وبيان أثر العراقي فيه: (نظم العقيان) / ٤١ ب و(الضوء اللامع) جـ ١٠/ ١٣١ - ١٣٥ وما سيحال عليه خلال الترجمة.","vol":"2","page":506},{"text":"الأصل، ولد في عنتاب إحدى قرى حلب في ٢٧ رمضان سنة ٧٦٢ هـ فنشأ بها، وبرع في العلوم العربية وغيرها، وناب عن والده في قضاء (عنتاب) وارتحل إلى حلب سنة ٧٨٣ هـ، ثم إلى القاهرة في سنة ٧٨٨ هـ وما كاد يصلها حتى انتظم في طلب الحديث على العراقي، حيث قدمنا قوله: إنه سمع (صحيح البخاري) على العراقي في نفس السنة المذكورة بجامع القلعة ثم سمع عليه أيضا (صحيح مسلم)، وكتاب (الإلمام في أحاديث الأحكام)، الذي كان أول ما تلقاه العراقي من كتب الحديث.\nولما كانت بداية تلمذته للعراقي في نفس السنة التي توجه فيها لقضاء المدينة فإنه يكون قد استأنف التلمذة عليه أيضا في مرحلة عمله الثانية بالقاهرة، بعد العودة من المدينة.\nوقد كانت التلمذة للعراقي لها مكانتها في فكر العيني وثقافته ونتاجه العلمي حتى آخر حياته، بدليل أنه لما ذهب يعود منافسه ابن حجر في مرض موته، كان في مقدمة ما سأله عنه، المرجع الذي يوجد به بيان مرويات العراقي؛ لأنه سمع منه، ويريد الوقوف على مروياته، وهذا يدل على أن العراقي أجازه مع السماع، بجميع مروياته، كما هو معتاد، فإذا وقف على بيان موثق بمرويات العراقي، أمكنه روايتها عنه لطلابه، بموجب إجازته له، وقد ذكر ابن حجر فعلا له مصدرا جامعا لكثير منها وهو (معجم شيوخه) هو، الذي ترجم فيه للعراقي، وذكر من مروياته عنه نحو مائة كتاب، من مختلف كتب السنة، غير مؤلفاته (^١) وقد امتدت حياة العيني نحو ٣ سنين بعد ابن حجر،\n_________\n(^١) (الجواهر والدرر) / ٢٧٦ و(المجمع المؤسس) / ١٧٩ وما بعدها.","vol":"2","page":507},{"text":"وحرصه على الوقوف على مرويات شيخه العراقي يشير إلى أنه رجع إلى ما أحاله عليه ابن حجر وهو معجم شيوخه وروى للمترددين عليه هذا العدد الضخم من مرويات العراقي بمقتضى إجازته منه، ولعل مما يشير إلى قيامه بنشر تلك المرويات وغيرها مما استفاده من العراقي أنه رغم توليه المناصب الكبرى بالقاهرة كقضاء القضاة الحنفية وحسبة القاهرة، فإنه تعين لتدريس الحديث بالمدرسة المؤيدية أول ما فتحت، وظل يقوم فيها بالرواية والتدريس حتى آخر حياته، بحيث أخذ عنه الآباء والأبناء والأحفاد، فكان تلاميذه ثلاث طبقات متوالية، ومع إمامة العيني المعروف بها في علوم العربية من نحو وصرف وغيره، فإنه بلغ في العناية بالحديث تدريسا وتأليفا درجة المنافسة لابن حجر أبرز تلاميذ العراقي، بحيث يقول السخاوي إنه لم يعرف بعد ابن حجر من هو أكثر تأليفا منه، وقد تبادل هو وابن حجر الاستفادة العلمية شفاهة وباعتماد كل منهما على مؤلفات الآخر، وكانت بينهما منافسة الأقران التي جعلت كلا منهما ينتقد الآخر، وبلغ الأمر ذروته في قيامهما بتأليف شرحين للبخاري في فترة زمنية واحدة، وسمى ابن حجر كتابه «فتح الباري» وسمى العيني كتابه «عمدة القارئ». وتلاحظ من نفس التسمية الإشارة لانتقاص شرح منافسه، حيث جعل شرحه هو العمدة، كما أنه ينقل في شرحه عن شرح ابن حجر ويتعقبه (^١) وانبرى ابن حجر للدفاع في مؤلف خاص سماه «انتقاص الاعتراض»، وعموما فإن كلا الشرحين حافل، وله مميزاته، وإن كانت شهرة «الفتح» أكثر من شهرة «العمدة»، وقد تناولهما غيرنا بالبحث المتخصص (^٢). والذي\n_________\n(^١) انظر جـ ٤/ ١٥٤ و«عمدة القارئ في شرح صحيح البخاري».\n(^٢) أعد زميلنا الفاضل/ الدكتور «جميل الشوادفي» رسالة دكتوراه عن ابن حجر ومنهجه في فتح =","vol":"2","page":508},{"text":"يهمنا، أن الرجلين مع زعامتهما العلمية في جيلهما وحتى الآن، فإنهما من ثمار غرس العراقي، فقد تتلمذا له واستفادا منه في الرواية والدراية، وسيأتي بيان استفادة ابن حجر منه في شرحه للبخاري وفي غيره، أما العيني فقد وجدت بشرحه ما يدل على استفادته فيه من (تكملة شيخه العراقي لشرح الترمذي) تارة مع التصريح بذلك (^١) وتارة لم يصرح بذلك (^٢) كذلك ألف العيني في علم الرجال وفي شرح الحديث وغير ذلك عدة مؤلفات أخرى جيدة، وظل كما قدمنا يستفيد ويفيد من تلمذته للعراقي، حتى لقي ربه في ذي الحجة سنة ٨٥٥ هـ بالقاهرة، ودفن بمدرسته المعروفة حاليا بـ (جامع العيني) شمال شرق الجامع الأزهر.\n\n<span data-type='title' id=toc-145>١٣ - ومنهم «شمس الدين البرماوي» شارح البخاري ومدرس الحديث بالقدس ودمشق ومكة </span>(^٣):\nوهو محمد بن عبد الدايم بن موسى العسقلاني الأصل، البرماوي، المصري، ولد في ذي القعدة سنة ٧٦٣ هـ وأخذ العلم عن كبار شيوخه، فأخذ الفقه عن البلقيني والزركشي وابن الملقن وغيرهم. أما الحديث فأخذه عن العراقي ومهر فيه وفي غيره، وبعد استكمال دراسته بالقاهرة قام برسالته العلمية فيها\n_________\n= الباري وهناك زميل آخر يعد الآن دكتوراه عن العيني ومنهجه في عمدة القارئ وهو الأخ الفاضل/ الدكتور أحمد محرم الشيخ ناجي وهو حاليا أستاذ بكلية أصول الدين بأسيوط.\n(^١) ينظر العمدة - كتاب الحج - باب الخطبة أيام منى ١٠/ ٨٣، وأبواب العمرة - باب عمرة في رمضان ١٠/ ١١٦، ١١٨.\n(^٢) انظر وعمدة القارئ، كتاب الصلاة، باب الصلاة في الثوب الواحد جـ ٤/ ٦٠ وقارنها بما في (تكملة شرح الترمذي) للعراقي، كتاب الصلاة، باب الصلاة في الثوب الواحد جـ ١/ ٧٤ أ.\n(^٣) انظر في التعريف به وبيان أثر العراقي فيه: «بهجة الناظرين،» ٥١ - ٥٤.","vol":"2","page":509},{"text":"ثم انتقل إلى دمشق، فدرس بجامعها وبكثير من مدارسها، وكان مما درسه بها «شرح ألفية العراقي في علم الحديث»، وتتلمذ له الفضلاء (^١) كما باحث أعلام الشام إذ ذاك، ثم عاد ثانيا لمصر حيث أطبق عليه الطلبة للأخذ عنه، فصار مفيد شامه ومصره، ثم رحل إلى الحجاز، وجاور بمكة فانتفع به أهل الحجاز أيضا، وهناك ألف شرحه للبخاري، وله أيضا، شرح «عمدة الأحكام» في أحاديث الأحكام، ثم عاد من مكة لقاعدة انطلاقه وهي القاهرة، ومنها انتقل إلى «القدس» - السليب الآن - فأحيا به العلم، وسر به المقادسة، ولازموه في دروسة العامة بالمسجد الأقصى، وفي تدريسه المنتظم بالمدرسة الصلاحية وظل يواصل رسالته تلك بالقدس، حتى توفي بها في جمادى الآخرة سنة ٨٣١ هـ، بعد أن نشر علم العراقي، ودرس مؤلفاته الحديثية، عبر رحلة حياته داخل مصر وخارجها.\n\n<span data-type='title' id=toc-146>١٤ - ومنهم: «الشهاب الأشليمي، ناشر السنة بالإسكندرية والفيوم والجيزة»</span> (^٢)\nوهو أحمد بن محمد بن عبد الله الأشليمي ولد سنة ٧٦٥ هـ بإحدى قرى محافظة الغربية، وتحول منها إلى «أشليم» بالغربية أيضا، فحفظ القرآن ثم انتقل إلى القاهرة لطلب العلم، وكان مما درسه علم الحديث على يد الحافظ العراقي وغيره، ثم تنقل في الوظائف فولي مشيخة خانقاه «المحسني» بالإسكندرية، والخانقاه الصلاحية بالفيوم، وخلال إقامته بهذين البلدين قام بأداء ما تحمله من علم الحديث عن العراقي وغيره، فسمع منه الفضلاء، ونشر\n_________\n(^١) «الضوء اللامع» جـ ٢/ ١١٦.\n(^٢) انظر في التعريف به وبيان أثر العراقي فيه «الضوء اللامع» جـ ٢/ ١٣٢.","vol":"2","page":510},{"text":"الحديث هناك، ثم تولى التدريس بالمدرسة الخروبية بالجيزة، فواصل فيها رسالته حتى توفي في المحرم سنة ٨٤٦ هـ.\n\n<span data-type='title' id=toc-147>١٥ - وممن لازمه: «ابن مراوح مدرس الحلة وشيخها»</span> (^١):\nوهو محمد بن محمد بن أبي بكر الحلبي الشافعي، ويعرف بابن مراوح ولد تقريبا سنة ٧٦٥ هـ بالحلة، ورحل منها إلى القاهرة سنة ٧٨٣ هـ لاستكمال دراسته، فلازم الحافظ العراقي في الحديث، ومما سمعه عليه بحث ألفيته في علم الحديث، وبهذا استفاد خلاصة علم الدراية، كما سمع عليه ألفيته في السيرة النبوية التي تضم موجز علم السيرة أيضا، إلى غير ذلك مما تلقاه عن العراقي بمقتضى الملازمة، فلما تخرج وتضلع في العلوم، عاد إلى الحلة، وأقام حلقة التدريس والرواية بجامعها، حتى صار أستاذ الحلة وشيخها، ولم أقف على تاريخ وفاته.\n\n<span data-type='title' id=toc-148>١٦ - ومن مشاهيرهم: «تقي الدين المقريزي، مؤلف «خطط القاهرة» ومدرس الحديث بها وبغيرها»</span> (^٢):\nوهو أبو العباس أحمد بن علي بن عبد القادر، المعروف بـ «المقريزي»، أو بابن المقريزي، نسبة لحارة «المقارزة» ببعلبك بالشام، وقد قدم أبوه منها لتولي بعض الوظائف بالقاهرة، فولد بها في سنة ٧٦٦ هـ، وقد أحب الحديث وسمعه من العراقي ومن غيره، ثم قام بروايته وتدريسه، داخل مصر وخارجها، فكان من وظائفه بالقاهرة قراءة الحديث بالمدرسة المؤيدية، ثم\n_________\n(^١) انظر في التعريف به بيان أثر العراقي فيه: «عنوان الزمان» / للبقاعي/ نسخة تيمور ج ٤/ ١٣٨.\n(^٢) انظر في التعريف به وبيان أثر العراقي فيه: «الضوء اللامع» جـ ٢/¬٢١ - ٢٥.","vol":"2","page":511},{"text":"حدث بمكة، وعندما ترك مصر وأقام بالشام، تولى التدريس بعدة مدارس بدمشق، ثم ترك ذلك واعتكف ببلدة «بعلبك»، مشتغلا بعلم التاريخ وصنف فيه عدة مصنفات، أشهرها «خطط القاهرة» المعروفة بخطط المقريزي، والتي يرجع إليها الباحثون حتى الآن، ومع شهرته بالتأليف في علم التاريخ، فإنه لم يغفل علم الحديث الذي أحبه وتلقاه على أستاذ عصره العراقي، وقام بروايته وتدريسه، ولذا ألف في بعض علومه، كعلم السيرة النبوية وغيره، وكانت مصنفاته مما حدث به طلابه بمكة وبالقاهرة وغيرهما - كما أن مؤلفاته التاريخية مثل «الخطط» و«السلوك لمعرفة دول الملوك» و«درر العقود الفريدة» وغيرها، تشتمل على كثير من المعلومات الحديثية وتراجم رجال الحديث المتقدمين والمتأخرين، وبذلك كان ثمرة طيبة لغرس العراقي وانتشرت عن طريقه مروياته وعلومه داخل مصر وخارجها.\nوقد ظهر تأثره بالعراقي في ترجمته له في أكثر من مؤلف، وإعرابه عن التقدير البالغ لمكانته الحديثية وآثاره، فيقرر في السلوك: «أنه شيخ الحديث الذي انتهت إليه رياسته» (^١) وأما في كتابه «درر العقود الفريدة» فإنه يقول في ختام ترجمته له: «كان للدنيا بهجة، ولمصر به فخر، وللناس أنس، ولهم منه فوائد جمة، ثم حكى عنه إحدى الفوائد» (^٢) وبعد هذا النشاط العلمي في السنة وغيرها، لقي ربه في ٢٦ رمضان سنة ٨٤٥ هـ.\n\nد -<span data-type='title' id=toc-149> بقية أعمال العراقي الوظيفية بالقاهرة، بتلك المرحلة وصلتها بالسنة:</span>\nبعد أن تبين لنا نهوض العراقي في مرحلة عمله الأولى هذه بالقاهرة، برواية\n_________\n(^١) «الضوء اللامع»، جـ ٤/ ١٧٧.\n(^٢) المرجع السابق جـ ٤/ ١٧٨.","vol":"2","page":512},{"text":"السنة وتدريس علومها سواء بتوظيفه رسميا لذلك، بالقلعة وبأعلا مدارس السنة، أو خارج نطاق التوظف، وتبين لنا ريادته لمدرسة السنة بمصر وأستاذيته لجيل المشتغلين بها عموما ولصفوة حفاظها ومدرسيها والمؤلفين فيها خصوصا، بعد أن تبين لنا ذلك أقول: إن ممن أرخ العراقي من ذكر توليه عدة وظائف علمية أخرى، إليك بيانها وصلتها بعلوم السنة:\n\n<span data-type='title' id=toc-150>١، ٢، ٣: التصدير والمواعيد والخطابة:</span>\nذكر تلميذ العراقي ابن فهد من وظائف العراقي التي تولاها بالقاهرة بجانب التدريس: «التصدير والمواعيد والخطابة» (^١) ولم أجد من ذكر ذلك غيره، كما أنه لم يحدد تاريخا ولا مكانا معينا بالقاهرة تولى العراقي فيه هذه الوظائف، ثم إن بحثي التفصيلي لحركة التوظف بمصر والقاهرة طول حياة العراقي، لم يسفر أيضا عن تحديد لذلك.\nوالمعروف أن التصدير في عصر العراقي يختلف عن التدريس؛ لأنه عبارة عن مجلس علمي لتثقيف العامة، يشبه المحاضرات العامة في عصرنا، وكان يعقد في مسجد أو مدرسة أو غيرها، من المنشآت الخيرية (^٢) ويجلس الشيخ بصدر المجلس، ويلقي على الحاضرين درسا في التفسير، أو الحديث، أو الفقه، أو غير ذلك، دون أن يتقيد في ذلك بمنهج دراسي، أو كتاب مخصوص، كما في التدريس المنتظم؛ ويمكن للحاضرين مناقشة المتصدر للفهم والاستيضاح (^٣).\n_________\n(^١) و«لحظ الألحاظ» ٤/ ٢٢٩.\n(^٢) و«الضوء اللامع» جـ ١٠/ ٦٠، ٦١.\n(^٣) و«صبح الأعشى»: للقلقشندي جـ ١١/ ٢٥١، ٢٥٢ وصفحات من عصر السيوطي لعبد الوهاب =","vol":"2","page":513},{"text":"أما الميعاد فهو عبارة عن درس للوعظ، وتوجيه للجمهور إلى أحكام الإسلام الصحيحة، وأخلاقه الحسنة، وأهمه ما تناول فيه الواعظ، أو العالم، أحاديث الترغيب والترهيب، المعروفة بالرقائق؛ (لما تحويه من تهذيب القلب وترقيقه) (^١) وسيأتي تأليف العراقي في ذلك، وقد كان لهذه المواعيد في عصر العراقي أهميتها، في توجيه عامة الناس، وتوعيتهم بأمور دينهم، ومحاربة الاعتقادات الفاسدة، والبدع والخرافات، التي كانت منتشرة وغير ذلك، ولهذا كان ينشأ في المدارس والمساجد الكبرى قسم خاص للمواعيد الوعظية، مثل قسم التفسير، والحديث، والفقه، ويعين له شيخ خاص يشرف على انتظام عقد المواعيد، وما يتناوله العلماء والوعاظ فيها، من مسائل العقيدة والعبادة والسلوك ونحو ذلك (^٢) وغالبا ما يكون الميعاد أسبوعيا.\nومن هذا يتبين لنا أن التصدير والمواعيد، يمثل كل منها صورة من صور التوعية، والتعليم، والتثقيف العام، الجمهور المسلمين، ويشتمل بصفة أساسية على ذكر الأحاديث النبوية المناسبة لموضوع التصدير، أو الميعاد، وشرحها، وبيان ما تشمله من المعاني، والأحكام، والآداب، والحض العام على التمسك بسنة الرسول ﷺ، وأصحابه، وتابعيهم بإحسان، بل قد تطلق «المواعيد» في\n_________\n= حمودة/ ١٥١، ١٥٧ و(الجواهر والدرر) (١٣٦) و(بهجة الناظرين) للغزي ٧، ٩، ٩٤، ١٠٦ و(ذيل ولي الدين ابن العراقي) وفيات سنة ٧٨٢ هـ ترجمة أبو العباس الكومي.\n(^١) (عصر المماليك بمصر والشام) للدكتور سعيد عاشور/ ٤٥٧ و(الإنتصار بالواحد القهار) للسيوطي/ ٧٤ (مخطوط ضمن مجموعة بدار الكتب المصرية) و(طبقات الشافعية) للأسنوي/ ٢٣٠، ٢٣١ (مخطوط).\n(^٢) (إنباء الغمر) جـ ١/ ١٩٥، ٣٥٢ وحوادث سنة ٧٨١ هـ، جـ ٢/ ٦٨ و(طبقات الشافعية) للأسنوي/ ١٤٢ (مخطوط).","vol":"2","page":514},{"text":"ذلك العصر على دروس الشرح المنتظم لبعض كتب السنة، وعلى مجالس إسماعها (^١) كما كان يحدث تكليف العالم بالتصدير والتدريس في مكان واحد، مع اختلاف الوقت (^٢). وعليه فإنه لا يبعد قيام العراقي بذلك بنفس الأماكن التي باشر فيها تدريس السنة وعلومها بصفة منتظمة ومنهجية لطلابها وبذلك شمل عمله في نشر السنة وتعليمها، الخاصة والعامة.\nأما الخطابة فلم أقف على صورة تطبيقية لقيامه بها في مصر عموما، إلا في مناسبة الاستسقاء فقط كما سيأتي، ولكنها مناسبة عارضة لا تمثل وظيفة دائمة.\n\n<span data-type='title' id=toc-151>٤ - الفتوى:</span>\nذكر ابن فهد أيضا من وظائف العراقي العلمية: الفتوى، ولكنه لم يحدد زمانا ولا مكانا تعين فيه العراقي بمصر في وظيفة الفتوى، ولم يوقفني البحث أيضا على ذلك، لكني وقفت على ما يدل على أنه منذ مرحلة عمله الأولى هذه بالقاهرة، كان من أعيان العلماء الذين ينتدبهم الحكام للفتوى في القضايا الهامة، وتنعقد بهم مجالسها، فقد ذكر تلميذا العراقي ابن حجر والمقريزي: أنه في سنة ٧٧٤ هـ عقد الأمير (الجاي) مجلسا للعلماء لاستفتائهم في إقامة منبر وتقرير خطيب لإقامة الجمعة بالمدرسة المنصورية بالقاهرة، فأفتاه البلقيني من الشافعية وابن الصائغ من الحنفية وشيخ آخر، بالجواز، أما الباقون وهم الجمهور ومنهم العراقي فخالفوهم وأنكروا ذلك، لقرب المدرسة المذكورة.\n_________\n(^١) «ترجمة الإمام النووي» تأليف السخاوي ٣١، ٣٣.\n(^٢) «طبقات الشافعية» للأسنوي ٤٦، ٤٧ (مخطوط).","vol":"2","page":515},{"text":"من المدرسة الصالحية التي بها خطبه للجمعة، بحيث يرى من المنصورية منبر الصالحية، فانفصل المجلس على ما قاله الجهور. قال ابن حجر: «وصنف البلقيني كتابا في الجواز، وصنف شيخنا الحافظ العراقي كتابا في المنع» (^١) وقد كان تعدد الجمعة هذا من القضايا التي شغلت الحكام، والقضاة والعلماء، في مصر والشام، في تلك الآونة، كما سيأتي بيانه في كلامنا عن كتاب العراقي المشار إليه.\nووجدت بجانب ذلك ما يدل على أن العراقي كان أيضا مقصودا من العامة للفتوى، في حكم البدع والعادات الشائعة، حيث يقول في صدر فتواه عن أعمال يوم عاشورء: «وبعد فقد تكرر السؤال من جماعة من العوام، في عدة من الأعوام، عن أكل الدجاج، والحبوب يوم عاشوراء، هل هو مباح أم يحرم عند العلماء؟ فأجبت أنه من جملة المباحات، وإن اقترن بنية صالحة فهو من الطاعات ..» الخ (^٢) وتعتبر هذه الفتوى من أهم فتاواه الدالة على مبلغ اجتهاده وإحاطته بالسنة، وتصوير آرائه فيها، كما سيأتي في بحثها، وقد صرح العراقي بأنه كتبها في ٢٧ محرم سنة ٧٧٠ هـ.\n\n<span data-type='title' id=toc-152>٥ - تدريس علمي الفقه وأصوله:</span>\nذكر السخاوي أن العراقي درس للفقهاء بالمدرسة الفاضلية (^٣) وبغيرها (^٤) ولم يحدد التاريخ الذي باشر فيه تدريس الفقه، في المدرسة المذكورة، كما لم\n_________\n(^١) (إنباء الغمر) جـ ١/¬٣٥ أصل وهامش.\n(^٢) و«فتوى عاشوراء» / ٣٤ ضمن مجموعة خطية بدار الكتب المصرية.\n(^٣) نسبة إلى منشئها القاضي الفاضل وسيأتي التعريف بها.\n(^٤) و«الضوء اللامع» جـ ٤/ ١٧٣.","vol":"2","page":516},{"text":"أجد تحديد ذلك لغيره، بل إن التقي الفاسي تلميذ العراقي ذكر أنه درس الفقه بعدة مدارس، دون إعطاء أي تفصيلات أخرى (^١).\nلكني وجدت السخاوي ذكر ممن تتلمذ للعراقي في الفقه في المدرسة الفاضلية: محمد بن محمد بن محمود، الشافعي قاضي بلبيس ومفتيها، فذكر أنه ولد بإحدى قرى محافظة الشرقية في ٧٦٦ هـ أو ٧٦٠ هـ كما بخطه، وحفظ بها القرآن الكريم وبعض متون العلوم ثم رحل إلى القاهرة فعرض محفوظاته على الأبناسي وابن الملقن، وتفقه عليهما، كما تفقه على الزين العراقي، وقرأ عليه في «تكملة شرح المهذب» من تأليفه، وذلك بالمدرسة الفاضلية، كما سمع عليه الحديث وغيره، وبرع في الفقه وأصوله وغيرهما، وتولى قضاء بلبيس وغيرها، وعول الناس عليه في الفتوى، وحدث أيضا، فكان مركز إشعاع عام في بلده حتى توفي سنة ٨٥٣ هـ أو ٨٥٤ هـ ولم يخلف هناك مثله (^٢).\nفقوله: «إنه لما رحل إلى القاهرة عرض محفوظاته (أي أسمعها من حفظه) على الأبناسي وغيره، يفيد أنه انتقل إليها بعد مولده بزمن يسير وبالتالي فإن تفقهه على العراقي وقراءته عليه مؤلفه المذكور بالمدرسة الفاضلية يكون في مرحلة عمله الأولى بالقاهرة حتى ٧٨٨ هـ كما قدمنا، وعليه يكون العراقي قد باشر في هذه المرحلة تدريس الفقه لطلابه بالمدرسة الفاضلية، وإن لم نقف على التاريخ المحدد لبداية توظفه لذلك فيها، بل إن ذكر السخاوي أن الشيخ المذكور قد سمع أيضا على العراقي الحديث وغيره يشير إلى أنه درس بالمدرسة،\n_________\n(^١) «ذيل التقييد» / ٢١٩/ ب.\n(^٢) «الضوء اللامع»، جـ ١٠/¬١٨.","vol":"2","page":517},{"text":"بجانب الفقه، الحديث وغيره خاصة ما له صلة وثيقة بالفقه، وهو «أصوله» التي كان العراقي محل إعجاب شيوخه في تحصيله وفهمه، وألف فيه مثلما ألف في الفقه، كما سنذكره في مؤلفاته».\nومن جهة أخرى فإن السخاوي نفسه ذكر أن ولي الدين بن العراقي عندما توجه والده لقضاء المدينة، قام بسد وظائفه باستنابته فيها، لكن وثب عليه شيخه السراج بن الملقن، وانتزع منه دار الحديث الكاملية خاصة (^١) وتبعه على ذلك الشوكاني (^٢) فقوله: «قام بسد وظائف والده ما عدا دار الحديث»، يفيد أن العراقي كان موظفا بأكثر من وظيفتي دار الحديث، والقلعة، السابق ذكرهما، كما أن السخاوي ذكر قيام ولي الدين بن العراقي بتدريس الفقه بالفاضلية (^٣)، وهذا يثبت تولي والده لذلك وإنابته عنه خلال عمل الوالد بالمدينة كما ذكرنا.\nثم إنا قدمنا أن ولي الدين، تدرب بوالده بجانب الحديث، في الفقه والأصول ودرسهما في وقت مبكر، وهذا يشير إلى حضوره دروسا كثيرة في كليهما لوالده، قبل تحوله للمدينة بفترة غير قصيرة، بل إني وجدت تصدي العراقي لإفادة علم الفقه، أسبق من تصديه لإفادة الحديث، حيث ذكر السخاوي أن زين الدين أبا بكر بن الحسن المراغي محدث المدينة وقاضيها، والمولود بالقاهرة سنة ٧٢٧ هـ، قد عرض على الزين العراقي مواضع من «منهاج\n_________\n(^١) المرجع السابق جـ ١/ ٣٣٨ وجـ ٤/ ١٧٤.\n(^٢) «البدر الطالع» جـ ١/ ٧٢.\n(^٣) «الضوء اللامع»: جـ ١/ ٣٣٨.","vol":"2","page":518},{"text":"الطالبين» في الفقه، للنووي، وأجازه بسائره (^١) والمعروف أن عرض المحفوظات يكون في بداية الطلب، وقد بكر المراغي في الطلب، بحيث كان أول سماعه للحديث سنة ٧٣٢ هـ.\nوهذا كله يفيدنا أن العراقي كما قام برسالته في مجال تخصصه بالسنة من خلال بعض الوظائف وخارجها، فإنه أيضا قام برسالته في إفادة العلوم التي أجادها، كالفقه، وأصوله، من خلال بعض الوظائف الرسمية وخارجها، ولا يخفى أن اشتغاله بالفقه وأصوله، يعتبر مجالا تطبيقيا لعلوم السنة التي هي ثاني أدلة الفقه بعد القرآن، كما أن من مباحث مصطلح الحديث ما هو مشترك مع مباحث علم أصول الفقه، كما سنبينه في مؤلفاته الأصولية. ثم إن تدريسه للفقه وأصوله بالمدرسة الفاضلية يدل على مكانته العلمية فيهما، وعلى ورعه حيث كانت تلك المدرسة من أعظم مدارس القاهرة وأجلها كما يقول المقريزي تلميذ العراقي (^٢).\nوذكر العراقي نفسه أنه كان يشترط في مدرسها بجانب الكفاءة العلمية،\n_________\n(^١) انظر ترجمة «الإمام النووي،» تأليف السخاوي ص ٦٦.\n(^٢) «الخطط» جـ ٢/ ٣٦٦ وقد أنشأ هذه المدرسة القاضي الفاضل عبد الرحيم بن علي البيساني المتوفى سنة ٥٩٦ هـ ووزير الناصر صلاح الدين الأيوبي، وكانت في درب ١ «ملوخيا» بالقاهرة ووقفها على الفقهاء الشافعية والمالكية، وبدأ التدريس فيها أول ٥٨٠ هـ وجعل فيها قسما لإقراء القرآن بالقراءات، كما جعل بها مكتبة عظيمة في سائر العلوم، وتولى التدريس بها كبار العلماء فكانت بذلك من أعظم مدارس القاهرة وأجلها، لكن تفرقت المكتبة بأيدي الطلبة والعلماء منذ أوائل القرن الثامن الهجري، وتلاشت المدرسة تماما ومكتبتها في أواخره، ومكانها الآن في حارة قصر الشوك، المتفرعة من شارع قصر الشوك بقسم الجمالية بالقاهرة (انظر مع (خطط المقريزي): «وفيات الأعيان») جـ ٢/ ٣٣٣، ٣٣٦، ٣٣٧ و«النجوم الزاهرة» جـ ١١/ ١١٤ هامش رقم ٥.","vol":"2","page":519},{"text":"الورع، وذكر ممن وليها قبله: الشيخ جمال الدين الإسنوي، أستاذه في الفقه والأصول كما قدمنا (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-153>ثانيا: هل تولى العراقي وظائف مشيخة الحديث والتدريس والإفتاء بالشام؟</span>\nنقل ابن قاضي شهبة عن شهاب الدين بن حجي مؤرخ الشام في عصر العراقي، أنه ولي مشيخة الحديث بمدينة (حلب) لمدة سنة بعد توليها بالقاهرة بعدة مواضع (^٢)، وهذا ما جعلني أضع هذه النقطة هنا، تبعا للتسلسل التاريخي، مع أنه كان من الممكن تناول ذلك ضمن مبحث رحلات العراقي الشامية السابق ذكرها.\nوذكر ابن فهد أيضا من الأماكن التي أفتى فيها العراقي، وحدث كثيرا «بالشام (^٣)»، وذكر نحوه الدكتور حسين حبشي من أساتذة التاريخ المعاصرين حيث ذكر من الأماكن التي ولي العراقي فيها الإفتاء والتدريس دمشق (^٤) لكن راجعت حركة توظف العراقي طول حياته فلم أجد ما يطابق ما ذكره هؤلاء جميعا، وعندما نرجع لواقع نشاط العراقي خلال رحلاته الشامية لا نجد إلا مرات متفرقة، تبادل العراقي فيها التحديث والإسماع والإفادة، مع بعض شيوخه ورفاقه في الطلب، كما أسلفنا، وهذه المتفرقات لا تمثل وظيفة رسمية، ولا نشاطا يوصف بالكثرة.\n_________\n(^١) «بهجة الناظرين» ١٣٧.\n(^٢) «الأعلام»، لابن قاضي شهبة ٤/ ١١٠ ب.\n(^٣) «لحظ الألحاظ»: ٢٣٤.\n(^٤) انظر مقدمته لتحقيق كتاب «إنباء الغمر» جـ ٢٠/¬١.","vol":"2","page":520},{"text":"ثم إن ولي الدين بن العراقي وهو ملازمه الأول، قد قطع، كما مر، بأن آخر رحلات والده للشام كانت سنة ٧٦٨ هـ وبعد ٧٦٩ هـ تولى العراقي لأول مرة، مشيخة الحديث بالقاهرة، واستمر حتى انتقل للعمل بالمدينة سنة ٧٨٨ هـ كما أشرنا من قبل، وهذا يدفع ما نقل عن ابن حجي أن العراقي تولى مشيخة الحديث بحلب، بعد توليه لها بعدة مواضع بالقاهرة، بل إن ابن قاضي شهبة الذي نقل عنه ذلك في طبقاته، كما تقدم، نقل سياق عبارته نفسها مرة أخرى في كتابه «الأعلام» خالية من ذكر تولي العراقي مشيخة الحديث بحلب (^١)، فلعله تأكد له عدم وجودها في كلام ابن حجي، وسيأتي أن العراقي لما عاد من المدينة إلى القاهرة، لم يتحول عنها حتى توفي.\nوبهذا يندفع قول ابن فهد وغيره: إن العراقي تولى الإفتاء أو التدريس، أو التحديث الكثير، بدمشق أو الشام عموما، على أن إفادته لطلاب السنة ومحدثيها الشاميين، قد تحققت عن طريق مؤلفاته، وارتحال بعض تلاميذه للتدريس والتحديث، بالشام. وعن طريق رحلات الشاميين إليه، وملازمة كثير منهم لدروسه ومجالس روايته وإملائه، وتخرج أعيانهم به كما تقدم في نماذج تلاميذه بمرحلة عمله الأولى بالقاهرة، وكما سيأتي في مرحلة عمله بالمدينة وعمله بعدها بالقاهرة.\n\n<span data-type='title' id=toc-154>ثالثا: مرحلة عمل العراقي بالمدينة المنورة ونتائجها:</span>\nبدأت هذه المرحلة في سنة ٧٨٨ هـ وانتهت في ٧٩١ هـ واستغرقت ثلاث سنين تقريبا، وقد نهض العراقي فيها بالأعمال الآتية:\n_________\n(^١) «الأعلام» جـ ٤/ ٢١٩ ب.","vol":"2","page":521},{"text":"<span data-type='title' id=toc-155>أ - رئاسة القضاة بالمدينة وصلته بالحكام:</span>\nوهذه هي الوظيفة الأصلية التي حولت نشاط العراقي كلية إلى تلك المدينة المشرفة بوجود ثاني الحرمين، ووجود بقعة من أشرف بقاع الأرض، حيث مثوى خير الخلق ﷺ، وقد اتفق مؤرخو العراقي على توليه قضاء المدينة، ومنهم من لم يحدد وقته (١) وحدده كثير منهم بسنة ٧٨٨ هـ (٢) وقد حدده السخاوي والشوكاني التولية في ١٢ جمادى الأولى من السنة المذكورة (٣)، ويظهر أن هذا هو تاريخ صدور قرار تعيينه من السلطان بالقاهرة، وإلباسه خلعة القضاء، حسب المعتاد (٤)، أما مباشرته للمنصب فتأخرت عن ذلك عدة أشهر، حيث يذكر تقي الدين الفاسي تلميذ العراقي ومؤرخ الحرمين، أن شيخه اتجه أولا إلى مكة وأدى شعائر الحج، ثم قصد المدينة وباشر مهام منصبه (٥) وهذا يدل على عدم تهافت العراقي على ذلك المنصب المرموق وإلا لأسرع أولا لتثبيت قدمه فيه ثم اتجه إلى الحج، خاصة وأنه كان في الوقت\n_________\n(١) «لحظ الألحاظ» / ٢٢٩ و«المنهل الصافي» جـ ٢/ ٣١٢ ب، ١٣١٣ و«ذيل السيوطي لتذكرة الحفاظ» / ٣٧٠ و«مقدمة شرح المناوي الموجز الألفية العراقي في السيرة».\n(٢) «إنباء الغمر» جـ ١/ ٣٢٦ ز، جـ ٢/ ٢٧٧ و«ذيل الدرر الكامنة» / ٧١ و«عقد الجمان»: للعيني جـ ٢٥ قسم/ ٢ وفيات سنة ٨٠٦ هـ و«الأعلام» ج ٣/¬١٤ ب، وج / ٤¬٢١٩ ب و«طبقات الشافعية» / ١١٠ ب كلاهما لابن قاضي شهبة و«بهجة الناظرين» / ٢٣٢ (نسخة مكتبة تيمور) وفي نسخة دار الكتب المصرية/ ١٣١/ ٨٠٨/ هـ وهو خطأ من الناسخ و«شذرات الذهب» جـ ٧/ ٥٥.\n(٣) «الضوء اللامع» جـ ٤/ ١٧٤ و«البدر الطالع» جـ ١/ ٣٥٥.\n(٤) «المجتمع المصري في عصر سلاطين المماليك» للدكتور سعيد عاشور/ ١٥٦.\n(٥) و«ذيل التقييد» / ٢٢٠ أ.","vol":"2","page":522},{"text":"متسع قبل حلول الحج، وفي عصره كان التهافت موجودا بصفة عامة على منصب القضاء فضلا عن قضاء المدينة خصوصا كما سيأتي. لكن العراقي كما قدمنا في الجانب الخلقي من شخصيته كان أنموذجا لما ينبغي أن يكون عليه العالم من الترفع عن الشبهات عملا بعلمه، وليكون قدوة لغيره، ويؤكد ترفعه وعدم تهافته أن هذا المنصب هو الذي سعى إليه ابتداء وعلى يد السلطان نفسه في ذلك الوقت، ولم يسع هو إليه، رغم كفاءته وضيق عيشه، وفي ذلك يقول ابن حجر عنه: «وولي قضاء المدينة الشريفة عدة سنين بدخول السلطان «برقوق» (^١) عليه في ذلك لكثرة مجاورته بالحرمين (^٢)، ولا شك أن كثرة مجاورة العراقي بالحرمين لم تكن، كما يبدو، هي المسوغ الوحيد لتقليده هذا المنصب الخطير، وإنما هي سبب مرجح، بعد تحقق كفاءته علما وخلقا كما مر تفصيله، وإلا فقد كان هناك مئات المجاورين غيره بالحرمين من العلماء المعروفين، كما يعرف ذلك من مصادر تراجم علماء عصره، وتولى العراقي منصب القضاء على هذا النحو، يعد من مفاخره، ويوضح صلته بحكام عصره، ومكانته عندهم، فهو موالي لهم بالحق، متعاون معهم فيما يقدر عليه من الخير، دون تزلف أو تملق، وهم يقدرون علمه وخلقه، فيسعى السلطان الأكبر إليه حيث يقيم بالقاهرة، ويطلب إليه تقلد منصب القضاء بالمدينة المنورة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، ومن قبل ذلك، كان هو\n_________\n(^١) هو أول سلاطين المماليك البرجية أو دولة المماليك الثانية، وتولى في سنة ٧٨٤ هـ ثم امتحن وعزل سنة ٧٩١ هـ ثم عاد سنة ٧٩٣ هـ حتى وفاته ٨٠١ هـ: «العصر المماليكي في مصر والشام» للدكتور سعيد عاشور/ ١٥٤ - ١٥٧ وه إنباء الغمر (٢/ ٩٢ حوادث سنة ٧٨٤ هـ.\n(^٢) والمجمع المؤسس) / ١٧٨","vol":"2","page":523},{"text":"المرشح الأول لقراءة الحديث ودرسه بمجلس السلطان السابق علي السلطان «برقوق» كما تقدم، وكما قيل العراقي الوظيفة الأولى، قبل هذا المنصب بكل كرامة واعتزاز وكفاءة، بالإضافة إلى أنها في مكان محبب إليه، وهو بطبعه كان كثير الإقامة به، والتعرف على أهله، والتردد عليه، رغم مشقات الرحلة، تقربا إلى الله ورسوله، بدون وظيفة رسمية، وأعد العراقي نفسه للسفر والإقامة هناك، فأناب ولده أبا زرعة، عن كفاءة، في مناصبه التي كان يباشرها بالقاهرة، من تحديث، وتدريس، كما أشرنا، وغادر القاهرة إلى مكة، حيث أدى شعائر الحج كما ذكرنا، ثم اتجه إلى المدينة، فباشر مهام منصبه الجديد وبدأ به مرحلة جديدة من نشاطه العملي والعلمي.\nويذكر ابن الفرات معاصر العراقي، أن الذي تولاه بالمدينة هو منصب «قاضي القضاة» (^١).\nوكذا لقبه بهذا صاحب «إتحاف الرواة بمسلسل القضاة» (^٢) أي أنه كان رئيس قضاة المدينة، وليس مجرد قاض عادي، ومنصب قاضي القضاة، كان أرفع مناصب العلماء في ذلك العصر، حتى كان شاغله يلقب بـ «شيخ الإسلام» باعتبار رئاسته لهيئة التشريع الإسلامي في محل ولايته (^٣)، وقد لقب به العراقي من غير واحد كما سيأتي. ولعل مما يرجح هذا أني لم أقف على أي واقعة لجلساته للقضاء كما هو معتاد، وإن كان هذا لا يقطع بعدم فصله خلال ولايته في بعض القضايا، خاصة ما لا يرتضي أصحابها حكم.\n_________\n(^١) «تاريخ ابن الفرات» جـ ١ مجلد ٩/ ١٤٤.\n(^٢) «إتحاف الرواة» لابن الشلبي/ ٢٢٧ (مخطوط بدار الكتب المصرية).\n(^٣) «الجواهر والدرر» ٤/ أ.","vol":"2","page":524},{"text":"القاضي العادي، كما هو معروف في نظام القضاء حتى الآن، كما أني لم أقف على أي مطعن في سيرته في هذا المنصب الحساس، ومع هذا فإن بقاءه فيه لم يطل حيث ذكر مؤرخوه أنه عزل في ١٣ شوال ٧٩١ هـ ثم عاد إلى القاهرة، وتولى بدله الشيخ شمس الدين أحمد السلاوي الدمشقي وكان قاضي (غزة) قبل تولي قضاء المدينة (^١)، ولم أجد من تعرض لسبب عزل العراقي، غير ابن الفرات حيث قال بعد ذكر عزله وتولي السلاوي بدله: «وكان الشيخ ابن فرحون سعى أن يكون قاضيا بالمدينة الشريفة، فلم يتم له أمر، وقيل أنه ولي وعزل» (^٢). وهذا يشير إلى أن ابن فرحون هذا وإن لم يتحقق له مبتغاه، لكنه سعى لانتزاع المنصب من العراقي، بطريقة أو بأخرى، مما كان معتادا حينذاك، من الجاه أو الرشوة أو الوقيعة (^٣) وأي من تلك الوسائل كانت كفيلة بإزاحة صاحب المنصب، مهما كانت كفاءته ونزاهته، هذا بالإضافة إلى أن السلطان «برقوق» الذي سعى بالمنصب إلى العراقي كما ذكرنا، قد عزل ونفي خارج مصر في نفس سنة عزل العراقي (^٤)، ولم يعد\n_________\n(^١) (إنباء الغمر) جـ ١/ ٣٧٩ و(ذيل التقييد) للفاسي/ ٢٢٠ أ وفيه بدل سنة ٧٩١ هـ ٧٧١ هـ وهو خطأ من الناسخ و(بهجة الناظرين) ٩، ١٩ و(الضوء اللامع) جـ ٤/ ١٧٤ و(البدر الطالع) جـ ١/ ٣٥٥.\n(^٢) (تاريخ ابن الفرات) جـ ١ مجلد ٩/ ١٤٤، ١٤٥.\n(^٣) (المجتمع المصري في عصر سلاطين المماليك) للدكتور سعيد عاشور/ ١٥٩، ٢٣٣، ٢٣٤ و(ذيل ولي الدين بن العراقي) وفيات سنة ٧٨٣ هـ ترجمة قاضي القضاة علم الدين السنباطي و(طبقات الأسنوي) / ٦٢ (مخطوط) و(إنباء الغمر) ٢/ ٨٧ (حوادث سنة ٧٨٤ هـ).\n(^٤) (العصر المماليكي بمصر والشام) للدكتور سعيد عاشور/ ١٥٤ - ١٥٧ و(إنباء الغمر) ٢/ ٣٢٥ وما بعدها، (حوادث سنة ٧٩١ هـ)","vol":"2","page":525},{"text":"للسلطة إلا بعد ذلك بأكثر من سنة. وفي فترة عزله تولى الملك الصالح أمير حاجي ولقب بالمنصور وهو الذي عين السلاوي وخلع عليه خلعة القضاء (^١)، وكان معتادا في ذلك العصر أيضا عند عزل الحاكم، أن يعزل من ولاهم ولو كانوا أكفاء (^٢)، وعلى أي اعتبار مما ذكرته، يكون العراقي قد عزل بغير مطعن فيه.\n\n<span data-type='title' id=toc-156>ب - إمامته بالمسجد النبوي وإزالته للبدع وإحياء السنن:</span>\nقام العراقي أيضا خلال توليه قضاء المدينة بإمامة المسلمين في الصلاة بالمسجد النبوي، وكان هذا العمل معدودا من فروع وظيفة القضاة (^٣) حيث كان مقررا أن قاضي المدينة هو الذي يؤم المصلين بمسجد الرسول ﷺ بها، وإنه لشرف رفيع أن يقف العراقي موقف الرسول ﷺ أكثر من مرة في اليوم والليلة، ورغم أن هذه كانت وظيفة فرعية، فإنه قد ظهر له فيها أثر جليل خالد، وبيان ذلك: أن أهل مكة كانوا يصلون التراويح أربع ركعات، ثم يطوفون بالبيت الحرام سبعا، ثم يعاودون الصلاة والطواف، حتى يستكملوا من الصلاة عشرين ركعة ومن الطواف أربعا، وكان أهل المدينة النبوية يستعيضون عن ذلك بصلاة التراويح ٣٦ ركعة، منها ١٦ ركعة عوضا عن مرات الطواف التي يطوفها المكيون في خلال صلاتهم للتراويح ثم يوترون بعدها، ولما كانت هذه بدعة مخالفة للكتاب والسنة، فإن العراقي بحكم إمامته، عمل على إزالتها، واستبدالها بإحياء سنة كانت مهملة، وهي (التهجد) في آخر الليل، واتبع في ذلك طريقة ذكية وحكيمة حتى يضمن عدم فتنة.\n_________\n(^١) العصر المماليكي ٥/ ١٥٦ و«تاريخ ابن الفرات» ج ١ مجلد/ ٩/ ١٤٥.\n(^٢) «بهجة الناظرين» ص ٦٤.\n(^٣) «لحظ الألحاظ» / ٢٢٩ و«ذيل التقييد» / ٢١٩ أ، ٢٢٠ أ و«الضوء اللامع» جـ ٤/ ١٧٤ ..","vol":"2","page":526},{"text":"المعارضة للمألوف، وحدوث ضرر بذلك، من حيث قصد هو النفع والإصلاح، فاقترح عليهم أن يصلي بهم التراويح ٢٠ ركعة فقط عقب صلاة العشاء، ويوتر بثلاث، ثم ينتظر إلى وقت التهجد من الليل، فيصلي بهم الستة عشرة ركعة الباقية، وبذلك لا ينقص عدد الركعات الذي اعتادوه شيئا، وفي نفس الوقت يقضي على بدعة ضم هذه الركعات إلى التراويح في الأداء، وتحيا بها سنة التهجد، وقد شرح الله صدور أهل المدينة لهذا، فقبلوا اقتراح إمامهم العراقي، ونفذوه معه خلال السنوات الثلاث التي أقامها، ثم كان من الرائع أن يستمر هذا بعد عزل العراقي، حيث يذكر السخاوي المتوفى سنة ٩٠٢ هـ: «أنه قد اقتدي بالعراقي في ذلك الأئمة الذين توالوا على الحرم النبوي من بعده إلى تاريخه» (^١) وهذا مما جعله جديرا بقول تلميذه صلاح الدين الأقفهسي في مدحه:\nكم سنة أحيا وكم بدعة أفنى … بعزم صادق مستقيم\nفاق إياسا في ذكاء، وفي الحلم ابن قيس وله الجود خيم (^٢)\n\n<span data-type='title' id=toc-157>ج - خطابته بالمسجد النبوي وإذاعتها للسنة:</span>\nكان من وظائف قاضي المدينة أيضا، أن يتولى الخطابة بالمسجد النبوي (^٣)، ولهذا فإن العراقي قام بتلك الرسالة خلال مدة قضائه.\nويالها من درجات عليا كان يصعدها كل جمعة، ليقف حيث وقف رسول الله.\n_________\n(^١) انظر «التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة»، للسخاوي جـ ٢/¬٣٧ (مخطوط مصورة).\n(^٢) (مجموع ابن خطيب الناصرية قصيدة الأقفهسي في مدح الحافظ العراقي).\n(^٣) و(ذيل التقييد) ٤/ ٢١٩، ٢٢٠ أ و«لحظ الألحاظ»: ٤/ ٢٢٩ و«الضوء اللامع» جـ ٤/ ١٧٤.","vol":"2","page":527},{"text":"ﷺ من أمته، فيعظهم ويوجههم، وينشر على مسامعهم من جديد، ما سبق أن بلغه ﷺ لأسلافهم من وحي الكتاب الكريم، وبيانه بسنته القولية والعملية، ولنا أن نتصور مئات السامعين من أهل المدينة والواردين عليها، لما ضمنه العراقي خطبه من الحكمة والموعظة، وما أذاعه عليهم من سنة الرسول ﷺ، ولو أنه أو غيره من السامعين اعتنى بتسجيل تلك الخطب خلال سني ولايته، لأوقفنا على رصيد كبير من آرائه ومواقفه، وما أذاعه بين عامة أهل المدينة، من علم الكتاب والسنة، لكني للأسف لم أقف من خطب العراقي عموما إلا على خطبة وعظية واحدة غير محددة المكان أو الزمان، كما سيأتي ذكرها في مؤلفاته، وفيما ألفه في الآداب والترغيب والترهيب خلال تلك المرحلة المدنية ما يكفي أنموذجا لذلك كما سنعرض له.\n\n<span data-type='title' id=toc-158>د - نشاطه في علوم السنة، تحديثا وتدريسا وتأليفا، وإحياؤه سنة إملائها:</span>\nلعل مما يلفت النظر، قيام العراقي خلال ولايته قضاء المدينة بنشاط كبير في علوم السنة، دون أن يكون داخلا في الواجبات الأساسية لوظيفته، وهي القضاء والإمامة والخطابة، وهذا يؤكد ما قررناه في صدر مبحث وظائف العراقي، من أنه كان يرى قيامه برسالته الحديثية، وظيفة شرعية يلزمه النهوض بها، سواء وظف لذلك رسميا أم لا، ولهذا فإن العراقي في مرحلة عمله بالمدينة لم يكتف بما تضمنه عمله الوظيفي من إذاعة السنة عبر خطبه، وإحياء ما كان مهملا منها في إمامته، وإنما انتصب بالمسجد النبوي والروضة الشريفة منه، بين قبر الرسول ﷺ ومنبره، وأخذ يحدث بانتظام بمروياته وبمؤلفاته، ودرس أيضا علوم السنة لطلابها من أهل المدينة والواردين عليها. وقد أشار تلميذه التقي الفاسي، مؤرخ الحرمين إلى أن ذلك كان زيادة على مهام منصبه.","vol":"2","page":528},{"text":"حيث قال: «إنه ولي قضاء المدينة النبوية وخطابتها وإمامتها فباشر وظائفه بها وأفاد بها الطلبة وأسمع الحديث» (^١).\nويقول السخاوي: «إنه حدث بالحرمين كثيرا، وأملى عشارياته بالمدينة» (^٢)، ويلتقي معه في هذا ابن فهد حافظ مكة، وتلميذ العراقي، حيث يقول عنه: «إنه حدث كثيرا بالحرمين» (^٣) يعني بمكة، كما قدمنا في رحلاته وبالمدينة كما في هذه المرحلة وما سبقها في رحلاته أيضا. وبالإضافة إلى هذا يقول ابن حجر عنه: «وأملى الأربعين العشارية الإسناد التي خرجها بالمدينة المنورة» (^٤)، وذكر نحوه الشوكاني (^٥). وقال ابن فهد عنه أيضا: «إنه أملى عشارياته بالمدينة، بين القبر والمنبر، وهي أول أماليه» (^٦).\nويعتبر إملاء الحديث، من السنن والوظائف التي يستحب للمحدث القيام بها متى تأهل لذلك وهي من أعلا مراتب الرواية، والسماع فيها أحسن وجوه التحمل وأقواها كما سنفصله في أمالي العراقي بالقاهرة، ويكفينا هنا القول: إن العراقي ألف بالمدينة كتابا تضمن أربعين حديثا عشارية الإسناد مع افتتاحها بالحديث المسلسل بالأولية، وذكر ثلاثة تساعية في آخره كما سيأتي، وأشار في مقدمته إلى انقطاع سنة الإملاء في عصره ثم قال: «وقد كنت آسف\n_________\n(^١) «ذيل التقييد» / ١٢٢٠.\n(^٢) «الضوء اللامع» جـ ٤/ ١٧٤ و«التحفة اللطيفة» جـ ٢/¬٣٧ (مخطوط مصور).\n(^٣) «لحظ الألحاظ» / ٢٣٤.\n(^٤) «المجمع المؤسس» / ١٧٧.\n(^٥) «البدر الطالع»، جـ ١/ ٣٥٥.\n(^٦) «لحظ الألحاظ» / ٢٣٢.","vol":"2","page":529},{"text":"على ذلك أن لو وجدت راغبا في قبول لبذلت، فلما كنت بالمدينة الشريفة رغب إلي جماعة من أهل العلم الواردين إليها في ذلك ليقتفي المملي والمستملي سنة من مضى من قبله، ورغبوا إلى أن يكون ذلك من الأحاديث العالية الإسناد المتصلة بنقلته، فاستخرت الله تعالى في إملاء أربعين حديثا عشارية الإسناد» … الخ (^١). ويفهم من هذا أنه كان متأثرا لانقطاع هذه السنة، ويتطلع إلى وجود الراغبين ليحييها، فلما توفروا في مرحلة إقامته هذه بالمدينة، وخاصة من الواردين عليها من بلاد العالم الإسلامي، استجاب لهم وسارع لإحيائها من جديد، قاصدا بذلك أمرين:\nأحدهما: تحقيق اقتدائه هو بمن تقدم من أئمة الحديث الذين قاموا بإملائه منذ عصر الرسول ﷺ.\nوثانيهما: تحقيق اقتداء طلابه بسلفهم، ممن استملى عن الرسول ﷺ وصحابته وأئمة الحديث من بعدهم، ثم إعطاء العراقي القدوة لمن يستملون عليه، لكي يواصلوا مسيرة إحياء هذه السنة من بعده في مواطنهم التي وردوا منها شرقا وغربا.\nويظهر أن العراقي توقف عن الإملاء بعد الوفاء بما طلبه منه جماعة الواردين، الذين أشار إليهم، ولهذا قال في نهاية الكتاب: «وقد انتهى الغرض بنا فيما سئلنا إملاءه» (^٢) وهكذا شهدت المدينة إحياء تلك السنة الهامة على يد العراقي بعد انقطاعها بها كما شهدت مولدها الأول في عصر الرسول ﷺ، وأعطى\n_________\n(^١) «الأربعين العشارية» / ١ أ، ب.\n(^٢) «الأربعين حديثا العشارية الإسناد» / ٢٠ ب.","vol":"2","page":530},{"text":"منها القدوة، وإشارة البدء لطلابه من أنحاء العالم الإسلامي ليحيوها في مواطنهم.\nوإذا كنا قدمنا أدلة لريادته المدرسة السنة بمصر، فإن هذا العمل يدل على ريادته المدرسة السنة في خارجها، على مستوى عصره، بالإضافة لما سنذكره بعد.\nولم يقتصر نشاط العراقي في مجال السنة على التحديث والإملاء، بل أنجز أيضا عدة مؤلفات في علوم السنة دعت إليها الحاجة، وأوحى إليه بها المقام، وهي تعتبر خير ما يصور أثره العلمي الذي ارتبط بالمدينة في تلك المرحلة. فمن ذلك أنه نظم سيرة الرسول ﷺ في (ألفية) كما سيأتي، وقال بنفسه: «نظمتها وكتبتها بالمدينة الشريفة، وبعضها بالروضة بجوار الحجرة الشريفة» (^١). وقرر هذا أيضا تلميذه ابن الهائم في شرحه لها (^٢).\nكذلك ألف بالمدينة في تلك الرحلة كتاب «محجة القرب في محبة العرب» وقال في نهايته: «أكملت تبييضه يوم الثلاثاء ٢٥ رجب الفرد سنة ٧٩١ هـ بالمدينة الشريفة» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-159>تنوع تلاميذ العراقي وبعض تلميذاته بالمدينة المنورة:</span>\nيعتبر ما وقفت عليه من إثبات تلقي مؤلفاته السابقة عنه بالمدينة المنورة في نفس المرحلة خير بيان لنوعية تلاميذه الذين استفادوا منه علوم السنة رواية\n_________\n(^١) انظر ص ٦٤ من النسخة الخطية رقم ٤٢٠ تاريخ تيمور وأول نسخة ٢١٢٧ حديث بدار الكتب المصرية.\n(^٢) «الغرر المضيئة في شرح الألفية» لابن الهائم/ ٤ (مخطوط بدار الكتب المصرية).\n(^٣) انظر نسخته رقم (١٥٠٤) حديث بدار الكتب المصرية/ ١٣٧ أ.","vol":"2","page":531},{"text":"ودراية في هذه المرحلة، ومدى حرصه على نفعهم العلمي، ففي مقدمة كتابه «الأربعين العشارية» يقول: «ورأيت أن أقدم قبل الأربعين إملاء الحديث المسلسل بالأولية وإن لم يكن عشاريا، ليحصل التسلسل لمن أراد السماع من الصبيان والغرباء» (^١) وذكر السخاوي أن «صفية ابنة المحدث الشمس أبي جعفر المدنية مولدا، حضرت في الرابعة من عمرها على الحافظ العراقي ألفيته في السيرة النبوية من نظمه، وفاتها بعضها، ثم حدثت بعد ذلك بمروياتها بمكة وغيرها، حتى توفيت بمكة سنة ٨٤٥ هـ» (^٢).\nأما كتاب «محجة القرب» فإن العراقي في مقدمته يدعو الله تعالى أن ينفع به جامعه وسامعه (^٣). وفي نهايته يقول: «سمع علي هذا التأليف المسمى «محجة القرب إلى محبة العرب» بقراءة الشيخ الإمام البارع المحدث تاج الدين محمد بن محمد بن يحيى السندبيسي، من أول الكتاب إلى قوله في الباب ١٥ «فضل عنزة»، ومن هنا إلى آخر الكتاب بقراءة الشيخ الإمام الحافظ نور الدين علي بن أبي بكر بن سليمان الهيثمي: الشيخ الفقيه الفاضل زين الدين خلف بن أبي بكر .. المالكي، والسيد الشريف أبو عبد الله محمد بن قاسم .. البنزرتي، وشمس الدين محمد بن علي بن محمد النشرتي المالكي، وسمع الحافظ نور الدين الهيثمي ما قرأه الشيخ تاج الدين السندبيسي فكمل له وللثلاثة المذكورين قبله، سماع الكتاب.\nوسمع الشيخ الإمام محيي الدين محمد بن يحيى التلمساني، جميع\n_________\n(^١) «الأربعين العشارية» / ٢ أ.\n(^٢) «الضوء اللامع» جـ ١٢/ ٧١.\n(^٣) «المحجة» / اب نسخة مكتبة الأزهر (أباظة) برقم (١٦٦) أدب وفضائل.","vol":"2","page":532},{"text":"الكتاب خلا المجلسين ١٧، ١٩، وسمع نور الدين علي بن عمر بن خلف الفيومي، من أول الكتاب إلى آخر مجلس ١٧، وسمع الشيخ يحيى بن عمر .. المسعودي المصري، من أول المجلس ١٧ إلى آخر ١٩، وسمع الطالب المشتغل محمد بن عثمان المسوفي، من أول الكتاب إلى آخر المجلس ١٣، ١٨ أيضا، وسمع عبد الرحمن بن يحيى .. التلمساني المتقدم ذكره، من أول المجلس ١٧ إلى آخر ١٩، وسمع أخوه أحمد بن يحيى المجلس ١٨، ١٩، ١٠، ١٣، وسمع الشيخ الفقيه الإمام فخر الدين أبو بكر بن أحمد بن عبد الرحمن بن الشامي المدني، المجلس ١٥ والأخير.\nوسمع الحاج أحمد بن محمد بن عبيد السمسار المصري، المجلسين ١٨، ١٩.\nوسمع شهاب الدين أحمد بن إبراهيم المرشدي المكي المجلس ١١.\nوسمع الشيخ رمضان .. المصري المجلس ١٢، وسمع علي بن محمد بن نجم الشهابي الضرير المجلس ١٣.\nوسمع الشريف شهاب الدين أحمد بن محمد الحسيني المؤذن بجامع دمشق، المجلس ١٩ وسمع محمد بن أحمد .. بن القسطلاني المكي، المجلس الأخير.\nوصح ذلك في ٢٠ مجلسا آخرها في يوم الأحد ٩ من شعبان المعظم سنة ٧٩١ هـ بالروضة الشريفة، بين القبر والمنبر الشريفين، وأجزت الجميع الجماعة .. أن يرووا عني الكتاب المذكور، وجميع ما يجوز لي وعني روايته، متلفظا لهم بالإجازة، كتبه مؤلفه عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن بن العراقي الشافعي (^١)\n_________\n(^١) انظر ١٣٧ أ - ١٣٨ أ نسخة دار الكتب المصرية برقم (١٥٠٤) حديث.","vol":"2","page":533},{"text":"ومما ذكره السخاوي وما سجله العراقي بنفسه يتضح الآتي:\n١ - أنه كان يعقد مجالس تدريسه بانتظام، في المسجد النبوي، أو في الروضة الشريفة منه.\n٢ - أنه كان يحضر مجلس إملائه وإسماعه وتدريسه مستويات متعددة منهم الجيل المبتدئ في دراسة السنة، وهم الصبيان الصغار ذكورا وإناثا، سواء من أهل المدينة أو من أبناء الوافدين عليها، ومنهم الطلاب المشتغلون الذين تجاوزوا مرحلة الإبتداء وقطعوا مرحلة في التحصيل، ومنهم العلماء المتخرجون الراغبون في الإستزادة بعلمه من محدثين وحفاظ وفقهاء وأشخاص عاديين محبين لسماع الحديث.\n٣ - أنه قد أقبل على دروس العراقي الحديثية أهل المدينة والوافدين عليها من مختلف البقاع الإسلامية شرقا وغربا، كالمصري والمكي والدمشقي والبنزرتي والتلمساني، ومنهم من حرص على إحضار أخيه، أو ابنته في الصغر ليتصل لهم سند الحديث عن طريق العراقي، وأثبت لهم ذلك كتابيا كما ترى، ليعتمدوا عليه في الرواية عند تأهلهم لذلك، والاحتياج إليهم كما تقضي قواعد الأداء.\n٤ - أن كل هؤلاء كانوا سفراء عن العراقي في نشر علوم السنة، بعد أن وصل سندهم بها، سواء عن طريق كتابيه «المحجة» و«الأحاديث العشارية» لإيراده فيهما الأحاديث بسنده المتصل منه إلى رسول الله ﷺ وأصحابه، أو عن طريق إجازته لهم بجميع ما يجوز له وعنه روايته، وهو يشمل سائر مروياته، من علوم السنة كما فصلناها قبلا، بالإضافة لسائر","vol":"2","page":534},{"text":"مؤلفاته التي أنجزها، حتى تاريخ الإجازة المذكورة.\nثم إن العراقي أثبت قراءة رفيقه وتلميذه الهيثمي، عليه ألفيته في السيرة في خمسة مجالس بالروضة الشريفة، آخرها في الحادي والعشرين من شوال سنة ٧٩١ هـ (^١).\nبينما قدمنا أن عزله عن قضاء المدينة وتوابعه كان في ١٣ من الشهر المذكور وهذا يدل على عدم ارتباط نشاطه الحديثي بالوظيفة، وإن كانت هي العامل الرئيسي الذي حول نشاطه العلمي في تلك المرحلة إلى المدينة المنورة، لتشع منها آثاره على العالم الإسلامي كما رأينا.\n\n<span data-type='title' id=toc-160>رابعا: عودة العراقي إلى القاهرة ومرحلة عمله الأخيرة بها ونتائجها:</span>\nمع أن العراقي كان معتادا المجاورة بالحرمين، وأداء رسالته الحديثية فيها بدون وظيفة رسمية، إلا أنه لم يطل الإقامة بالمدينة بعد عزله من منصبه، فغادرها حتى يفسح المجال لمن عين بدله، وهو الشيخ السلاوي السابق ذكره، ولكنه لم يعد من المدينة إلى القاهرة رأسا، بل قرر أن يكون وداعه الأخير للحرمين معا، وأن يختم تلك الرحلة بالحج، كما بدأها به، فخرج من المدينة إلى مكة وأدى شعائر الحج، ثم عاد منها إلى القاهرة ليقضي بقية حياته ويواصل رسالته العلمية من جديد، خاصة في مجال السنة (^٢)، وعلى هذا يكون قد وصل إلى القاهرة في أوائل سنة ٧٩٢ هـ وأقام بها حتى وفاته في سنة ٨٠٦ هـ كما سيأتي.\n_________\n(^١) ص ٦٥ من نسخة الألفية السابق الإحالة عليها.\n(^٢) «ذيل التقييد» للفاسي/ ٢٢٠ أ.","vol":"2","page":535},{"text":"ويظهر أن العراقي قد اتخذ لنفسه في هذه الفترة منزلا خاصا بالقاهرة، بعد أن كان قبل سفره إلى المدينة مقيما بالخانقاه «الطغيتمرية» بظاهر القاهرة بالصحراء كما قدمنا، وإلى هذا يشير قول تلميذيه «ابن حجر والعيني» وغيرهما: «أنه بعد عودته من المدينة سكن القاهرة (^١)» ثم حدد ابن حجر والسخاوي مكان المنزل حيث ذكرا أنه لما عزم ابن حجر على طلب الحديث في سنة ٧٩٦ هـ اتجه إلى شيخه العراقي بمنزله بجزيرة «الفيل» على شاطئ النيل، وتتلمذ له به، كما سنفصله (^٢).\nوإذا كان قد ثبت لنا أن العراقي في المرحلتين السابقتين كان رائدا لمدرسة السنة داخل مصر وخارجها، وأستاذا لجيل المحدثين وصفوتهم من بعده، فإن تلاميذ العراقي ومؤرخيه، قد اتفقوا على أن تلك المرحلة الأخيرة، هي أكمل المراحل وأخصبها عطاء حيث كان في قمة نضجه العلمي، واستقر بالقاهرة، دون أسفار، أو رحلات، وتمحضت أوقاته للعطاء العلمي، فلم يكن مشغولا بالتلمذة على غيره، ولو لبعض الوقت كما في مرحلة عمله الأولى بالقاهرة، ولا مشغولا بمسئوليات القضاء، كما في مرحلة عمله السابقة بالمدينة، وفي\n_________\n(^١) (إنباء الغمر) جـ ٢/ ٢٧٦ و(عقد الجمان) جـ ٢٥/ قسم ٢ وفيات سنة ٨٠٦ هـ و(شذرات الذهب) جـ ٧/ ٥٥.\n(^٢) و(المجمع المؤسس) / ١٧٩ و(الجواهر والدرر) / ١٩ أ، والجزيرة المذكورة هي حاليه المنطقة الواقع فيها قسما شرطة روض الفرج وشبرا بالقاهرة قريبا من حي «جزيرة سيدي بدران» المعروفة، وكانت في عصر العراقي من ضواحي القاهرة الحديثة العمران، والحافلة بالبساتين الجميلة المثمرة، وبالأسواق، وحولها يجري النيل، وبها يسكن كثير من العلماء غير العراقي (انظر «خطط المقريزي» جـ ٢/ ١٨٥، ١٨٦ و«النجوم الزاهرة» جـ ٧/ ٣٠٩ أصل وهامش وجـ ١٠/ ١٣٠ أصل وهامش.","vol":"2","page":536},{"text":"هذا يقول تلميذه ابن حجر: «ثم رجع إلى القاهرة واستمر على الاشتغال والنفع حتى توفي ﵀» (^١)\nويقول التقي الفاسي تلميذه أيضا: «وتوجه إلى القاهرة، فأقام بها مشتغلا بالتصنيف، والإفادة، والإسماع، حتى مضى لسبيله محمودا» (^٢) ونحو هذا ذكر ابن تغري بردي (^٣)، وذكر ابن فهد أنه كان مواظبا على العبادة، وعلى الإسماع، والإقراء، والتدريس (^٤)، وقال المناوي: إنه عاد إلى القاهرة فولي عدة تداريس (^٥).\nلكن هذا الإجمال من جانب تلاميذه ومؤرخيه، يحتاج إلى تفصيل تطبيقي يحدد أبعاده، ونتائجه الفعلية في علوم السنة وما يتصل بها، ومن أجل هذا، قمت بمطابقة ما ذكروه على وقائع نشاط العراقي ووظائفه العلمية خلال هذه المرحلة الختامية من حياته، والمتفق على تميزها بخصوبة العطاء العلمي، بمختلف صوره، وإليك بيان ذلك:\n\n<span data-type='title' id=toc-161>أ - إسماع العراقي السنة وتدريس علومها منهجيا، بأعلا مدارس القاهرة وجوامعها، وخانقاتها، ومنازلها:</span>\nكان من حق العراقي عند عودته إلى القاهرة، مباشرة وظائفه السابقة للتدريس، والتحديث، والتي أناب ولده أبا زرعة فيها مدة غيابه بالمدينة،\n_________\n(^١) «المجمع المؤسس» / ١٧٨.\n(^٢) «ذيل التقييد» ٢٢٠ أ و«الضوء اللامع» جـ ٤/ ١٧٦.\n(^٣) «المنهل الصافي» جـ ٢/ ٣١٣ أ.\n(^٤) «لحظ الألحاظ» / ٢٢٩.\n(^٥) «مقدمة شرح المناوي الموجز الألفية العراقي في السيرة».","vol":"2","page":537},{"text":"وذلك فيما عدا مدرسة الحديث الكاملية التي انتزعها ابن الملقن كما قدمنا، فظلت بيده حتى وفاته، ثم تولاها العراقي بعده كما سيلي.\nوبمقتضى هذا يكون قد استأنف تدريس علوم السنة وروايتها بالقلعة، وجامعها، وتدريس الفقه وأصوله بالمدرسة الفاضلية، كما كان في مرحلة عمله الأولى بالقاهرة، لكني وجدت تعيينه بجانب ذلك لتدريس الحديث بكل من: المدرسة الفاضلية، والظاهرية البيبرسية العتيقة بالقاهرة (^١)، وذلك في ثامن المحرم سنة ٧٩٣ هـ، عوضا عن القاضي صدر الدين بن رزين، بعد وفاته في نفس الشهر من السنة المذكورة (^٢) ثم لم أجد من أشار لعزله من أيهما حتى وفاته، وبذلك يكون استمر ما يزيد على ١٣ عاما يدرس علوم السنة ويرويها لطلابها بالمدرستين المذكورتين، كما قام أيضا بإملاء - السنة بهما كما سيأتي، مع زيادة تدريس الفقه وأصوله بالمدرسة الفاضلية كما أشرنا. وقد وقفت على ما يفيد مباشرته لتدريس الحديث بالمدرسة الظاهرية واحتفاء\n_________\n(^١) كانت هذه المدرسة من أجل مدارس القاهرة وعرفت بالظاهرية البيبرسية نسبة لمنشئها الظاهر بيبرس البندقداري رأس دولة المماليك بمصر، وقد تمت عمارتها سنة ٦٢٢ هـ وجعل بها قسم للحديث منذ إنشائها، وأول من تولى مشيخته الحافظ شرف الدين الدمياطي، وقد كانت بخط بين القصرين بالقاهرة، وموقعها الحالي على رأس شارع بيت القاضي بجوار حي الأزهر، وقد أزيل معظمها لما فتح الشارع المذكور، إلى بيت القاضي، وذلك بعد سنة ١٢٩٠ هـ، ثم تخرب الباقي (خطط المقريزي) جـ ٢/ ٣٧٨، ٣٧٩ و«الخطط التوفيقية» (جـ ٥/¬١٤، ٤٣ جـ ٦/¬٩ ود تحفة الأحباب، لعلي السخاوي/ ٢٦ ب) وأما وصفها بالقديمة أو العتيقة، فلتمييزها عن مدرسة أخرى أنشأها بعدها - بكثير - السلطان الظاهر برقوق المتوفى سنة ٨٠١ هـ وعرفت بالظاهرية الجديدة أو البرقوقية.\n(^٢) انظر (انباء الغمر) جـ ١/ ٤١٩، ٤٢٦ و«الأعلام» لابن قاضي شهبة جـ ٦٤٣/ أ.","vol":"2","page":538},{"text":"طلابها به، منذ سنة توليه لها، فقد كتب ولده أبو زرعة بخطه قال: «أنشدنا الشيخ شرف الدين عيسى ابن حجاج لنفسه في ٢٦ ربيع الآخر سنة ٧٩٣ هـ بالمدرسة الظاهرية القديمة يخاطب والدي:\nيا زين دين الله الذي لا أرتجي … في وقت عسري سواه\nأكتب لداء العسر يسرا ففي … دارك يا كنز البرايا دواه (^١)\nفقول أبي زرعة «أنشدنا» يدل على وجود جماعة من السامعين غيره من تلاميذ والده، الذين تواجدوا في درسه بالظاهرية في التاريخ المذكور، ومدح الشيخ شرف الدين للعراقي بما تقدم، مع إجماع المؤرخين على ضيق ذات يده، يفيد أن ذلك الضيق لم يكن من الشدة بحيث لا يمكنه من نجدة من يحتاجه، كما أنه عرف بإيثار غيره على نفسه، كما قدمنا في أخلاقه، وقد يكون مراد المؤرخين: ضيق عيشه بالنسبة لمن عرف بالثراء الواسع من علماء عصره وأقرانه.\nثم أثبت العراقي على نسخة كتابه «الأربعين حديثا العشارية الإسناد» التي بدأ بها إحياء سنة الإملاء للسنة في المدينة المنورة كما قدمنا، أنه: «قد قرأها عليه الشيخ الفقيه القاضي محمد بن إبراهيم بن أحمد الزبيدي، بالظاهرية، والجماعة سماعا في ٢٨ جمادى الأولى سنة ٧٩٣ هـ (^٢)».\nكذلك وجدت أن الشيخ نور الدين الرشيدي - من تلاميذ العراقي - قد سأله بدرس الحديث بالمدرسة البيبرسية عمن يستحق أن يخلفه من الحفاظ؟ فأجابه بأن في الشيخ شهاب الدين بن حجر كفاية (^٣). وهذا يدل على استمرار\n_________\n(^١) انظر (مجموع ابن خطيب الناصرية) (نقوله عن خط أبي زرعة بن العراقي).\n(^٢) انظر «الأحاديث العشارية الإسناد» للعراقي نسخة (١٥٧٨) حديث بدار الكتب المصرية ورقة/ ٢١ أ.\n(^٣) (الجواهر والدرر) / ٥٢ ب و(إنباء الغمر) جـ ٢/ ٢٧٧.","vol":"2","page":539},{"text":"تدريسه للسنة، ومباحثة طلابه معه في قضاياها، إلى أواخر حياته حيث كان هذا السؤال بعد تخرج ابن حجر على يديه، وتقدمه في الفن، وذلك في أواخر حياة العراقي.\nأما بالنسبة لتدريس الحديث وروايته بالمدرسة الفاضلية:\nفقد وجدت أحد تلاميذه الوافدين من الشام، وهو محمد بن خليل المقري الحلبي الشهير بابن القباقبي، يذكر أنه قرأ ألفية علم الحديث، حفظا من صدره على ناظمها، وسمعها أيضا منه لفظا وبحثا، في شهور سنة ٨٠٣ هـ، وأن القراءة والسماع المذكورين كانا بالمدرسة الفاضلية بدرب الملوخية، وأنه أجازه بقراءتها وإقرائها، وروايتها عنه، ورواية ماله من نظم ونثر، ورواية ما يجوز له وعنه بشرطه المعتبر (^١). ولما كانت ألفية العراقي المذكورة قد جمعت خلاصة قواعد علوم السنة ومصطلحاتها، كما ذكرنا من قبل، فإن ما ذكره تلميذه المذكور، يدل على أنها كانت ضمن المنهج الدراسي لطلاب السنة حينذاك بحيث حفظها ثم عرضها على أستاذه العراقي، ثم قام العراقي بتدريسها له ولغيره ممن كانوا يحضرون، وبحث معهم مضامينها. كما أن ما قام به العراقي مع ما ذكره هذا التلميذ أيضا، يعتبر أنموذجا جامعا لما تقضي به قواعد رواية السنة وتدريسها (^٢). ولما كان يقوم به مدرسو السنة عموما في ذلك العصر، ولما قام به العراقي خصوصا في دروسه في تلك المدرسة، من أداء علوم السنة ونشرها بمختلف الوجوه المصطلح عليها: من سماع\n_________\n(^١) انظر آخر نسخة ألفية علم الحديث للعراقي، مخطوطة بدار الكتب المصرية رقم (٨٨٠) مجاميع طلعت.\n(^٢) «قواعد التحديث» للقاسمي ٢٢١، ٢٢٢ و«فتح المغيث» للعراقي جـ ٢/ ٦١، ٦٢.","vol":"2","page":540},{"text":"محفوظات الطلاب، ثم إسماع الأستاذ لهم بنفسه، ثم الشرح والمناقشة فيما يبدونه من آراء، وملاحظات حتى يفهموا مسائل العلم المدروسة ويستوعبوها، ثم إجازة الطالب بأداء ما تلقاه من أستاذه العراقي رواية ودراية، إلى غيره، وإجازته أيضا بباقي مروياته ومؤلفاته المختلفة نظما ونثرا، وبذلك اتصل سند هذا الطالب وأمثاله، بمجمل علوم السنة وتراثها حتى عصر العراقي، وأصبح بموجب إجازة العراقي وتدريسه، خلية عاملة في حقل السنة من بعده. هذا بالإضافة إلى قيام العراقي بإملاء السنة بتلك المدرسة، كما سيأتي وهو خاتمة نشاطه العلمي.\nوهناك مدرسة ثالثة ذكر المترجمون أن العراقي درس بها للمحدثين، وهي المدرسة (القراسنقرية) بالقاهرة، دون تحديدهم زمنا لذلك (^١) وهذه المدرسة كانت من أحسن مدارس القاهرة، وقد أنشئت قبل مولد العراقي بنحو ٢٥ عاما (^٢)، لكن أقدم ما وقفت عليه من مباشرة نشاطه بها هو أحد مجالس إملائه للسنة في يوم الثلاثاء آخر ذي الحجة سنة ٧٩٦ هـ، ثم بعض مجالس في سنة ٧٩٧ هـ كما سيأتي، ثم وقفت على وقائع درس حافل بها في يوم الثلاثاء ١٠ من شعبان سنة ٨٠٢ هـ، حيث قرأ فيه الحافظ ابن حجر على شيخه العراقي من مروياته خمسة مجالس من أمالي الجوهري الحديثية، وهي\n_________\n(^١) (الضوء اللامع) جـ ٤/ ١٧٤.\n(^٢) وقد عرفت بـ «القراسنقرية» نسبة لمنشئها نائب السلطنة الأمير «قراسنقر»، وذلك في سنة ٧٠٠ هـ وموضعها حاليا بحارة المبيضة المتفرعة من شارع باب النصر، أو شارع الجمالية بالقاهرة وقد تخربت، ولم يبق لها أثر الآن انظر «خطط المقريزي» ج ٢/ ٣٨٨، ٣٨٩ و«الخطط التوفيقية» ج ٥ (٥/ ٦٩، ٧٠).","vol":"2","page":541},{"text":"مجالس ٣، ٤، ٦، ٧، ١١، وسمع ذلك معه جماعة منهم «أحمد بن محمد بن يوسف العقبي»، وأجازهم العراقي بروايتها عنه بسنده (^١)، فقام في هذا برسالة «المسند»، الذي يؤدي لطلابه ما تحمله من المرويات بإسناده عن شيوخه، ليؤدوه بدورهم إلى الآخرين فتنتشر السنة بإسنادها المتصل عبر القرون. وتاريخ هذا المجلس يفيد إمتداد نشاط العراقي بتلك المدرسة إلى أواخر حياته.\nأما المدرسة الرابعة، فهي رائدة مدارس السنة بمصر كما قدمنا، وهي «المدرسة الكاملية» فقد وقفت على بعض مجالس إملائه للسنة في ١٩ جمادى الآخرة سنة ٨٠٤ هـ كما سيأتي ذكره، وهذا التاريخ متأخر عن وفاة ابن الملقن الذي كان منتزعا لها في غيبة العراقي بالمدينة، حيث توفي ابن الملقن في ٦ من ربيع الأول سنة ٨٠٤ هـ (^٢)، وبذلك يكون العراقي قد عاد ثانية لمشيخة الحديث وتدريسه بها، بعد وفاة ابن الملقن، وبهذا استوفى رسميا جميع صلاحياته التي كان قبل عمله بالمدينة يتمتع بها، وينهض بمهماتها وهي: ريادته لمدرسة السنة بمصر، وأستاذيته الجيل المشتغلين بها، وصفوتهم من بعده.\nبل إنه في تلك المرحلة تجاوز نشاطه العمل بتلك المدرسة الرائدة وسابقاتها إلى غيرها، من المواقع، كما أضاف لمواقفه وجهوده الرائدة في مجال السنة جديدا كما سيأتي.\nففي منتصف سنة ٧٩٩ هـ تولى تدريس الحديث بجامع أحمد بن طولون، المعروف إلى الآن بالقاهرة، وذلك بعد سفر مدرسه عماد الدين الكركي إلى\n_________\n(^١) انظر: «عنوان الزمان» للبقاعي جـ ١ لوحتي ١٠٠، ١٠١.\n(^٢) «المجمع المؤسس» ٤/ ٢٧٦ و«إنباء الغمر» جـ ٢/ ٢١٩.","vol":"2","page":542},{"text":"القدس لتولي وظيفة الخطابة به (^١)، ويعتبر هذا الجامع من الأماكن الدراسية العظيمة منذ أنشأه أحمد بن طولون سنة ٢٦٥ هـ (^٢)، ومع ذكر غير واحد من مترجمي العراقي أنه درس للمحدثين بهذا الجامع (^٣)، وتحديد تاريخ تعيينه به كما ذكرنا إلا أني لم أقف على وقائع تطبيقية لعمله به، على نحو ما ذكرته بالنسبة لجامع القلعة ضمن مرحلة عمله الأولى بالقاهرة عموما، وما سأذكره هنا بالنسبة لغيره، وهو (جامع الأقمر) بالقاهرة، حيث وقفت على سماع شهاب الدين البوصيري القاهري، على شيخيه العراقي صحيح البخاري بسنده عن شيخيه: ابن شاهد الجيش، وابن التركماني، وكان ذلك السماع بقراءة شهاب الدين الكلوتاتي، في مجالس، آخرها يوم الأحد ١٨ من شعبان سنة ٧٩٥ هـ بجامع الأقمر بالقاهرة، وتلفظ بإجازة كل المستمعين روايته عنه (^٤).\nوقدمنا من قبل أن (صحيح البخاري) من أوائل مرويات العراقي عن شيخيه المذكورين، وأن سنده به عن ابن شاهد الجيش يعد من أسانيده العالية وقد ازداد علوا بقدم السماع الذي يبلغ نحو ٤٠ سنة بين تاريخ سماعه له كما أسلفنا، وإسماعه لتلاميذه بالمسجد المذكور في سنة ٧٩٥ هـ.\nكما أن كلا من البوصيري والكلوتاتي من تلاميذ العراقي الذين لازموه،\n_________\n(^١) (أنباء الغمر) جـ ١ حوادث سنة ٧٩٩ هـ و(الأعلام) لابن قاضي شهبة جـ ٤/ ١٢٢ أ.\n(^٢) انظر (خطط المقريزي) جـ ٢/ ٢٦٥/ ٢٦٩ و(حسن المحاضرة) ج ٢/ ٢٤٦/ ٢٥٠ و(نظم العقيان) ٨ أ.\n(^٣) (الضوء اللامع) جـ ٤/ ١٧٤ و(البدر الطالع) جـ ١/ ٣٥٥ وذيل التقييد ٢/ ١٠٨.\n(^٤) (عنوان الزمان) ج ١/ لوحتي ٨، ٩.","vol":"2","page":543},{"text":"فضلا عمن حضر معهم، وأجيز مثلهم، وقد سبق تعريفنا بالكلوتاتي وبيان أثر العراقي فيه ضمن تلاميذ المرحلة الأولى، وذكرنا أن تلمذته للعراقي قد امتدت إلى هذه الرحلة الأخيرة أيضا، أما (البوصيري) فسيأتي التعريف به ضمن نماذج تلاميذ تلك المرحلة.\nومن كل ذلك يتضح قيام العراقي، بعقد مجالس منتظمة بالمسجد المذكور لإسماع الحديث ومدارسته، كما يتضح أنه كان من ضمن منهجه إسماع (صحيح البخاري) كاملا بسنده العالي الموثق، وتعقيب السماع بالإجازة بالرواية عنه كما تقضي قواعد التحديث (^١)، فضلا عن الإيضاح والضبط للمشكل، خلال السماع كما كان معتادا في دروس الحفاظ، ويتضح كذلك توافر مشاهير الطلاب للسنة بدروسه بـ (مسجد الأقمر) وخاصة الملازمين للاستفادة منه.\nوامتد نشاط العراقي أيضا في تلك الرحلة إلى أشهر وأعرق مقر للصوفية بمصر، وهو الخانقاه الصلاحية المعروفة بـ «سعيد السعداء» (^٢)، فتتلمذ له شيوخها، ونزلاؤها المعروفون - من خلال تراجمهم - بالعلم والصلاح.\nفمن شيوخها: صديقه (الأبناسي) كما تقدم في التعريف به، ضمن.\n_________\n(^١) (فتح المغيث) للعراقي جـ ٢/ ٦١، ٦٢.\n(^٢) والصلاحية نسبة إلى واقفها على الصوفية، وهو (صلاح الدين الأيوبي) و(سعيد السعداء)، كان أحد علماء الفاطميين، وكانت تلك داره، فصلب مقتولا على يد الأيوبيين، وجعلت الدار خانقاة للصوفية، وخاصة الوافدين على مصر، وقد تولى مشيختها والتدريس فيها كبار الصوفية والعلماء، وكانت تقع بخط «بين القصرين» بالقاهرة، تجاه المدرسة القراسنقرية السابق تحديد مكانها الحالي، وقد تخربت مثلها/ «خطط المقريزي» جـ ٤/ ٢٣٢ و«حسن المحاضرة» جـ ٢/ ٢٦٠، ٢٦١).","vol":"2","page":544},{"text":"تلاميذ المرحلة الأولى، وقد ذكرنا أيضا إنابته للعراقي في مشيختها.\nومنهم أيضا: أحمد بن محمد بن صلاح الأموي، المعروف بابن السمسار وب «ابن المجمرة» وقد قدمنا ملازمته لتلقي علوم الحديث عن العراقي، ثم إنه صار مدرسا جليلا للحديث بدمشق والقدس (^١). ومنهم أيضا نور الدين القاياتي الصوفي، الذي صار عالم عصره وملأت شهرته وتلاميذه الدنيا (^٢)، ومن نزلائها حتى سنة ٧٩٧ هـ: زين الدين القمني وقد قرأ على العراقي «نكته» على مقدمة ابن الصلاح سنة ٧٩٦ هـ (^٣)، وغير هؤلاء كثيرون، وهذا يدل على إسهامه الجيد في تغذية صوفية عصره بثاني ركائز التعبد الصحيح بعد القرآن الكريم، وهو علم السنة. ثم إن تلميذ العراقي «صلاح الدين الأقفهسي» المولود سنة ٧٦٣ هـ (^٤) أثبت بخطه: أن شيخه العراقي أسمع «صحيح البخاري» لطلاب الحديث بمشاركة رفيقه الهيثمي والمسند الكبير «ابن أبي المجد»، وذلك بالخانقاه الصلاحية «سعيد السعداء»، بالقاهرة في ٣٧ مجلسا أولها يوم ١٥ من ربيع الأول وآخرها يوم الإثنين ٢٥ منه سنة ٧٩٩ هـ وتبادل القراءة على العراقي، وزميليه كل من: ولي الدين بن العراقي، وتلميذه الزين عبد الرحمن الفارسكوري (المولود بفارسكور سنة ٧٥٥ هـ) (^٥)، وكان ممن حضر المجلس الأخير برهان الدين الحلبي (المعروف بسبط ابن\n_________\n(^١) «بهجة الناظرين» ٤/ ٩٢ و«الضوء اللامع» جـ ٢/ ١٨٦.\n(^٢) «عنوان الزمان» جـ ٤/ ٦١ - ٨٨.\n(^٣) «انباء الغمر» جـ ١/ ٤٩٢ ونسخة نكت العراقي رقم (٣٦) مصطلح دار الكتب/ ٤ أ.\n(^٤) «الضوء اللامع» جـ ٤/ ٩٦.\n(^٥) «الضوء اللامع» جـ ٤/ ٢٠٢.","vol":"2","page":545},{"text":"العجمي، والمولود بحلب سنة ٧٥٣ هـ (^١)، ومحمد بن محمد بن عبد السلام المغربي الأصل، الصنهاجي (المولود بمنوف سنة ٧٧٥ هـ) (^٢). ومحمد بن محمد بن عبد اللطيف، قاضي سنباط (المولود ٧٨٠ هـ) والأقفهسي، كاتب هذا السماع، وأثبت صحته، وإجازة العراقي وزميليه للسامعين (^٣).\nونلاحظ من هذا أن «صحيح البخاري» كان في مقدمة كتب السنة التي يعتنى بتلقيها ودراستها في عصر العراقي، وأنه أسهم في ذلك بعقد مجالس منتظمة، في مختلف أماكن الدراسة، سواء بمفرده، كما مر، أو بمشاركة غيره كما في المثال المذكور، ثم إن هذه المشاركة في الأداء مع غيره من القائمين برواية السنة ونشرها، دليل على حسن صلته بمن يشاركونه في تخصصه وتعاونه معهم، وتقديره لهم، حتى ولو كانوا أقل منه علما ومكانة، وذلك مصداق ما قدمنا في أخلاقه، من التواضع، وسلامة القلب من الحقد والشحناء.\nثم إن عقد مجالسه المنتظمة بالخانقاه الصلاحية، يعد من جوانب نشره لعلوم السنة بين طلابها الوافدين على القاهرة، من داخل مصر وخارجها، حيث كانت تلك الخانقاه مأوى أساسيا للوافدين، ويظهر مصداق ذلك ممن تقدم ذكر حضورهم مجالس البخاري عليه، فمنهم الحلبي، والمغربي، والفارسكوري، والسنباطي، وجميعهم أيضا ممن كثرت تلمذتهم للعراقي في.\n_________\n(^١) (لحظ الألحاظ) / ٣٠٨.\n(^٢) (عنوان الزمان) جـ ٤/ ١٦٥.\n(^٣) (عنوان الزمان) جـ ٤/ ١٦٥، ١٦٦، ١٧٠.","vol":"2","page":546},{"text":"غير المجالس المذكورة (^١).\nكما أنه يظهر من تواريخ ميلادهم التي ذكرتها أنه قد تتلمذ للعراقي طلاب السنة من مختلف الأعمار والمستويات الدراسية والعملية:\nفمنهم من هو في شبابه وقمة نشاطه التحصيلي ومنهم المتقدم في التحصيل ويطلب المزيد من حافظ السنة الناضج، ثم إنهم بعد هذا قد صاروا أعلاما للسنة في مواطنهم ومواقعهم داخل مصر وخارجها كما سيأتي في التعريف ببعضهم تفصيلا.\nومع اتساع نشاط العراقي الموزع بين أماكن الدراسة السابقة، فإن شدة الإقبال على الرواية عنه والدراسة عليه، جعلته يفتح منزله الذي اتخذه بجزيرة «الفيل» كما قدمنا، لطلابه، فيغدون عليه ويروحون في وقت فراغه من دروسه الرسمية، ومن اشتغاله بالتأليف، فيفيدون منه، ومن أبرز من تلقى عنه كثيرا من الرواية والدراية بمنزله (الحافظ ابن حجر) كما سيأتي في التعريف به. كما أن هناك ما يدل على أنه كان لا يمتنع عن التحديث والسماع عليه في أي منزل آخر يحل فيه، ولو بطريقة عارضة، فقد توجه مرة إلى منزل تلميذه ابن حجر لتوديعه في أحد أسفاره، فطلب منه تحديث زوجته، وكبرى بناته، بالحديث المسلسل بالأولية، ففعل، ثم تقدم إليه في نفس الزيارة العلامة «ابن خضر»، فعرض عليه من حفظه، كتاب «عمدة الأحكام» في أحاديث الأحكام (^٢) وهو نحو ٤٥٠ حديثا (^٣)، وهذا يوضح لنا مدى استغراق أوقاته.\n_________\n(^١) انظر المراجع التي أحلت عليها في مواليدهم من قبل.\n(^٢) والجواهر والدرر ٤/ ٥٢ ب، ١٥٣ و«الضوء اللامع» جـ ١٠/¬١٢.\n(^٣) انظر نسخته المطبوعة ضمن مجموعة (نفائس) بتحقيق الشيخ حامد الفقي ط السنة المحمدية سنة ١٩٥٣ م","vol":"2","page":547},{"text":"حينذاك، في خدمة السنة، حتى خلال حياته العادية واتصالاته بمجتمعه، في المجاملات، وشمول إفادته لطلاب السنة، ذكورا وإناثا، أفرادا وأسرا.\n\n<span data-type='title' id=toc-162>ب - جمعه الناس على دراسة السنة بمجالس الأمراء، وتلمذتهم له وتقرير مشيخته للسنة:</span>\nمن وظائف العراقي العامة التي مارس تعليم السنة من خلالها، مجالس الأمراء الحديثية، حيث يذكر السخاوي أن أمراء المماليك كان لهم في أواخر القرن الثامن الهجري اعتناء بالعلماء، وخاصة علماء السنة، حتى اتخذ كل أمير عالما بالحديث، ليعقد مجلسا عنده، يسمع الناس فيه الحديث، ويدعوهم لذلك، ويحضر الأمير معهم، ولو بصفة رمزية، فاتفق أن الجلال عبيد الله الأردبيلي .. أحد مشاهير الحنفية، كان يتردد للأمير «نوروز» لإسماع الحديث عنده، فقيل للأمير: «إن شيخ الحديث هو العراقي، فاستدعى به، أي طلبه، فلما حضر، طلب الأردبيلي من الأمير إعفاءه». وقال له: «قد حصل الإستغناء، يعني بوجود العراقي، فقال له الأمير: بل كونا معا، لكن العراقي أحس فيما يبدو بحرج الوضع بالنسبة للأردبيلي، فآثر هو الانقطاع، مع كون الأمير هو الذي طلبه»، ولهذا يقول السخاوي: «والظاهر أن العراقي ترك المجيء، من ثم، أي رعاية لجانب الأردبيلي، وعندما نتأمل طلب الأمير للعراقي بناء على تقرير غيره له بأنه هو شيخ الحديث، ثم تقرير الأردبيلي مع شهرته العلمية، بحصول الإستغناء عنه به، نجد في ذلك اعترافا من العام والخاص، بريادة العراقي المدرسة السنة بمصر، وتقديمه على غيره من مشاهير المشتغلين بها، فضلا عمن دونهم، كما أن انقطاعه رعاية الرفيقه في حمل الرسالة مع اختلاف مذهبهما الفقهي، دليل على أن الإعتراف بكفايته","vol":"2","page":548},{"text":"ومشيخته لم يحمله على الغرور، أو التعالي، أو تجاهل مشاعر ومصالح الآخرين، وستأتي بعض الأمثلة الأخرى المؤكدة لهذا، وفي انقطاعه أيضًا دليل لعدم تهافته على الوظائف، ولو سَعَت هي إليه، وكانت هامة، على أنه لم يغب عن الإسهام في تلك الظاهرة ذات الأهمية في مدارسة السنة بين الخاصة والعامة، حيث يذكر السخاوي أن هناك أميرين آخرين عُرف عقد العراقي عندهما مجالس الحديث المشار إليها، وهما: الأمير «أَيْتَمِش» صاحب المدرسة الأيتمشية التي أقامها بحي «باب الوزير» بالقاهرة، والأمير «يَشْبَك» الناصري الكبير، ثم ذكر مثالًا لبعض مجالسه عند الأمير يَشْبَك فحكى عن تلميذ العراقي (عثمان بن سليمان) المعروف بالمحب بن الأشقر والمولود سنة ٧٧١ هـ، أنه سمع «صحيحي البخاري ومسلم» على شيخه العراقي بمجلس الأمير «يَشْبَك» المذكور، وهذا المثال يوضح عناية العراقي بصحيح «مسلم» رواية وبحثا، بجانب عنايته بصحيح البخاري، كما يوضح نتائج عمل العراقي خلال تلك المجالس في نشر السنة بسندها مع الضبط والشرح لمصادرها، كما هو معتاد عند السماع أو القراءة على الحفاظ ويؤكد ما ذكره ابن الأشقر أنه كان من تلاميذ العراقي الملاصقين والملازمين له في غير هذه المجالس أيضًا (^١)، ويُفهم من سماعه الصحيحين على العراقي في هذه المجالس، أنها كانت تضم طلاب السنة المنتظمين، إلى جانب الأمير المعقود عنده المجلس، وعامة الناس المحبين لمعرفة السنة، وبذلك كانت عامة النفع لكل الفئات والمستويات.\nوقد حكى ابن الأشقر أيضًا هيئة عقد العراقي لتلك المجالس فقال: «إن\n_________\n(^١) «عنوان الزمان» جـ ٤/¬١١ - ١٦ (أصل وهامش).","vol":"2","page":549},{"text":"الشيخ لم يكن يجلس للحديث إلا على طهارة، فإذا أحدث، أشار لمن يقرأ عليه بقطع القراءة حتى يتوضأ ويعود للمجلس، ولما كان الأمراء يفرشون أماكنهم الخاصة بالبسط الحريرية الفاخرة، مخالفين بذلك أحكام الدين مع عنايتهم الظاهرة به، فإن العراقي لم يكن يسمح بالمشي على بساط الأمير بدون حائل (^١)، وهذا دليل على أن صلته بالأمراء وتوظفه لديهم، لم تجعله يجاملهم على حساب الشرع، والتطبيق العملي لسنة الرسول ﷺ.\nثم إني وقفت على صورة خط العراقي بإثبات سماع الأمير «يلبغا السالمي» من أمراء عصره الكبار، وولده أيضا، لكتابه المعروف بـ «النكت على علوم ابن الصلاح»، وذلك في عدة مجالس، مع بعض تلاميذ العراقي، ومنهم مالك النسخة المثبت بها ذلك، ونص كلامه: «بلغ مالكه الشيخ نور الدين التلواني، قراءة علي والجماعة سماعا: الجناب السيفي «يلبغا السالمي» وولده أبو الحسن محمد، والشيخ جمال الدين عبد الله بن أحمد بن الغرياني، وولده أبو الوفاء إبراهيم، والشيخ شهاب الدين أبو الفضل ابن حجر سماعا كتبه مؤلفه» وعلم بهذا على النسخة في ١٩ موضعا (^٢). ولما كان «ابن حجر» من ضمن السامعين كما ترى، فإن هذا يدل على تأخر هذا السماع عن شروعه في طلب الحديث على العراقي في سنة ٧٩٦ هـ كما سيأتي، وبالتالي يكون سماع الأمير المذكور معه هو وولده في هذه المرحلة أيضا، لكن\n_________\n(^١) انظر في هذه الفقرة عموما «الضوء اللامع» جـ ٤/ ١٧٧ و«عنوان الزمان» جـ ٤/¬٨ - ١٦ أصل وهامش.\n(^٢) انظر مقدمة الشيخ محمد راغب الطباخ لتحقيق «مقدمة ابن الصلاح وشرحها» للعراقي ص ٥.","vol":"2","page":550},{"text":"مكان السماع كما ترى غير محدد، فلعل العراقي عقد بعض مجالس الحديث المشار إليها، عند هذا الأمير أيضا، أو لعله سمع منه بمجالسه بخانقاه «سعيد السعداء» السابق الإشارة إليها، لأن هذا الأمير تولى نظرها خلال سنة ٧٩٧ هـ وفترة بعدها (^١). ومن هذا السماع وما قبله، يظهر لنا أن العراقي تتلمذ له في علوم السنة رواية ودراية عدد من أمراء عصره الكبار، وبعض أبنائهم، وفي هذا تقدير رمزي منهم لمكانته العلمية في السنة، كما يلاحظ أن غيرهم من تلاميذه كانوا يحرصون على إحضار أبنائهم أيضا مجالسه، وإثبات سماعهم منه علوم السنة لأدائها عند تأهلهم، وهذا مصداق ما ذكرت في مرحلة عمله الأولى بالقاهرة، من أستاذيته لجيل المحدثين من بعده، طبقة فطبقة.\n\n<span data-type='title' id=toc-163>جـ - تدريسه للفقه وأصوله وغيرهما:</span>\nقدمنا في الفقرة (أ) أن العراقي في هذه المرحلة استأنف تدريسه للفقه وأصوله بالمدرسة الفاضلية بعد عودته، وإلغاء نيابة ولده أبي زرعة عنه في ذلك، ويذكر السخاوي أن العراقي درس الفقه لطلابه بالمدرسة الفاضلية وغيرها، لكنه لم يبين متى قام بتدريسه بالفاضلية، ولا عين حتى الأماكن الأخرى (^٢). ولم يوقفني البحث على مثال تطبيقي لممارسة العراقي في هذه المرحلة تدريس علم آخر غير السنة، بأي موقع، سواء المدرسة الفاضلية أو غيرها، لكن التقي الفاسي الذي تتلمذ عليه في نفس هذه المرحلة، قرر أنه درس «الفقه» بعدة مدارس (^٣)، فلعله شاهده بنفسه، وإن كان لم يحدد المدارس التي درس.\n_________\n(^١) انظر «إنباء الغمر» جـ ١/ ٤٩٢ وما بعدها.\n(^٢) «الضوء اللامع» جـ ٤/ ١٧٤.\n(^٣) «ذيل التقييد» / ٢١٩ ب.","vol":"2","page":551},{"text":"بها؛ تقديرًا لأن اشتغاله بغير السنة من الفقه والأصول وغيرهما كان عملًا جانبيًا، ويؤكد هذا وجود نماذج متعددة للتلمذة عليه خلال تلك المرحلة في الفقه والأصول، وغيرهما من العلوم التي حصلها في دراسته العامة، كما تقدمت، وإن كان المؤرخون لم يعنوا بتحديد أماكن تلك التلمذة.\nفمثلًا: عبد الرحمن بن أحمد المعروف بالجلال أبي المعالي القمصي، المولود أول شعبان سنة ٧٩٢ هـ بالقاهرة، وقفت على أنه في سنة ٨٠١ هـ فما بعدها، قد عرض محفوظاته من كتب العلوم المختلفة على شيوخه، ومما عرضه على شيخه العراقي وأجازه به عن شيوخه، الكتب الآتية:\n١ - منهاج الوصول إلى علم الأصول، للبيضاوي (في علم الأصول) وأجازه به عن شيخه شمس الدين بن اللبان.\n٢ - زوائد منهاج الوصول، للأسنوي (في أصول الفقه) وأجازه به عن مؤلفه.\n٣ - منهاج الطالبين، للنووي (في الفقه الشافعي)، وأجازه به عن شيخه أبي عبد الله النعماني.\n٤ - الشاطبية، للإمام الشاطبي (في علم القراءات) وأجازه به عن جماعة، منهم البرهان الرشيدي.\n٥ - السخاوية، للسخاوي (في علم القراءات أيضًا) وأجازه به عن شيخه عز الدين بن جماعة.\n٦ - ألفية ابن مالك (في النحو) وأجازه به عن شيخه «محمد بن إسماعيل","vol":"2","page":552},{"text":"الأنصاري» (^١).\nوأيضا: أحمد بن عبد الرحمن بن سليمان المعروف بابن حرمي، فقد ولد بالقاهرة سنة ٧٩٢ هـ، وأخذ علم الفقه عن العراقي (^٢).\nوكذلك: محمد بن محمد بن محمد البكري، ولد في القاهرة سنة ٧٨٥ هـ تقريبا، وعرض كتاب (المنهاج) في سنة ٧٩٠ هـ على جماعة منهم الزين العراقي (^٣)، لكن يلاحظ أن هذه السنة كان العراقي ما يزال خارج مصر، على قضاء المدينة المنورة، كما تقدم، فلعل المقصود ولده (الولي العراقي).\nومحمد بن محمد بن أحمد البلبيسي، ولد ببلبيس سنة ٧٧٠ هـ ثم انتقل إلى القاهرة سنة ٧٩٢ هـ، فعرض بعض محفوظاته في شوال من السنة المذكورة، على العراقي، ومنها (المنهاج) للنووي في الفقه، وأجازه بروايته بسنده عن مؤلفه (^٤).\nفهذه النماذج لتلقي العلوم المذكورة عنه في تلك المرحلة، سواء بطريقة عرض المحفوظات عليه، أو بطريقة التدريس والشرح، تدل صراحة على مشاركته للمختصين بهذه العلوم في إفادة طلابها بمختلف الوجوه، مع إجازتهم بما تحمله من مصادرها عن شيوخه، تطبيقا لمنهج التعليم في ذلك العصر كما أسلفنا. وفي كتب تراجم رجال العصر نماذج أخرى متعددة لمن تلقوا عنه تلك العلوم في هذه المرحلة على النحو المذكور دون تحديد مكان التلقي.\nوقد ظهر لي من هذه النماذج عموما، أن أكثر العلوم التي درسها لطلابه غير.\n_________\n(^١) «عنوان الزمان» للبقاعي جـ ٢ لوحة ٢٤٨ و«ترجمة الإمام النووي»، تأليف السخاوي/ ٦٧.\n(^٢) «الضوء اللامع» ج ١/ ٣٢٨.\n(^٣) «عنوان الزمان» جـ ٤/¬٤٠.\n(^٤) «عنوان الزمان» جـ ٤/ ١٣٦.","vol":"2","page":553},{"text":"السنة هما الفقه وأصوله وارتباطهما الموضوعي بعلوم السنة معروف، ولعله كان يقوم بتدريسهما في نفس الأماكن والمدارس التي درس بها السنة ولو لم يوظف فيها لذلك، بدليل أن التلاميذ الثلاثة السابق ذكرهم، وأكثر من وقفت على تلمذتهم له في الفقه والأصول غيرهم، وجدتهم أيضا تتلمذوا له في علوم السنة، وبدرجة أكبر سواء في هذه المرحلة، أو في المرحلة الأولى (^١). وهذا يدل أيضا على أن إسهامه الجيد في تدريس هذين العلمين، فضلا عن غيرهما، لم يطغ على عنايته بتخصصه الأصلي، وهو علوم السنة، كما يظهر من سابق جهوده وما سيأتي بعد.\n\n<span data-type='title' id=toc-164>د - إحياؤه سنة إملاء الحديث بمصر:</span>\n<span data-type='title' id=toc-165>١ - مفهوم الإملاء، وسنيته، وأهميته في الرواية:</span>\nالإملاء في الأصل: الكتب عن ظهر قلب، من غير نظر إلى مكتوب (^٢)، وفي الاصطلاح طريقة جيدة لأداء الحديث إلى الغير.\nوهو من السنن العملية، التي سلكها الرسول ﷺ في تبليغ الدعوة والتشريع، حيث أملى كتبه إلى الملوك، والحكام، لدعوتهم إلى الإسلام، وأملى صلح الحديبية وغيره، وقد اقتدى به الصحابة الكرام فمن بعدهم، ومن ذلك أن وائلة بن الأسقع ﵁ أملى الأحاديث على الناس وكتبوها عنه (^٣).\n_________\n(^١) انظر مثلا (عنوان الزمان) ج ١/ لوحة ١٠٩ وجـ ٤/ ٩٣ و(الضوء اللامع) جـ ٢/ ٢٢٩.\n(^٢) (شرح بدء الأمالي)، لعلي بن عثمان الأوشي/ ١ أ، ب (مخطوط بدار الكتب المصرية برقم (١٢٦) مجاميع تيمور.\n(^٣) (فتح المغيث) للسخاوي جـ ٢/ ٢٩٥.","vol":"2","page":554},{"text":"وبهذا صار إملاء العلم، فضلا عن الحديث، سنة متبعة اقتدى فيها العلماء بالرسول ﷺ وبسلفه الصالح (^١).\nلكن علماء السنة وحفاظها، بحكم اختصاصهم، كانوا أكثر من عني بإملاء السنة واستملائها، وتقعيد القواعد لذلك (^٢)، فعدوهما من أعلا مراتب الأداء والتحمل، وأقواها وأحسنها، نظرا لتيقظ الشيخ والطالب خلالهما، أكثر من غيرهما من وجوه التحمل والأداء، كما أنه يعقب الإملاء مقابلة ما كتبه الطالب مع الشيخ، لتصحيحه وتوثيقه (^٣) وعدوا الإملاء أيضا من المهمات العلمية التي يستحب للمحدث القيام بها متى توفرت له الدراية الكافية بعلل الحديث واختلاف طرقه ورواياته وغير ذلك من علوم السنة، واستنبطوا من مسلك الرسول ﷺ في التبليغ والتعليم، ومن مسلك الصحابة والأئمة من بعدهم، ضوابط وشروط، شكلية وموضوعية، يتبعها المحدث في هيئة الإملاء ومضمونه، وجعلوها من مباحث علم أصول السنة ومصطلحها، بحيث يلم المحدث بها ويجري في عمله عليها (^٤).\nومما يحتاجه المقام هنا من ذلك، أن مجلس الإملاء يعقد مرة واحدة كل أسبوع خشية الملل، وإذا كثر الحاضرون لزم الشيخ تعيين «مشتمل» أو أكثر\n_________\n(^١) (كشف الظنون) مادة (أمالي).\n(^٢) انظر: (المحدث الفاصل) / ٢٠٣، ٢٠٤، و(الإلماع) / ٢٣٨، ٢٣٩، ٢٤٢، ٢٤٣.\n(^٣) (فتح المغيث) للعراقي جـ ٢/¬٤٦، ٤٧ و(فتح المغيث) للسخاوي جـ ٢/¬١٦.\n(^٤) (المحدث الفاصل) ٢/ ٦٠١ - ٦٠٣ و(فتح المغيث) للعراقي جـ ٣/ ٧٧ - ٨٤ و(التقييد والإيضاح) له/ ٢٤٧ - ٢٥٠ و(مقدمة ابن الصلاح) و(محاسن الاصطلاح) للبلقيني/ تحقيق الدكتورة بنت الشاطئ/ ٣٢٨ - ٣٣٤ و(حاشية الطوخي) / ٢٦٨ ب.","vol":"2","page":555},{"text":"للتبليغ عنه منعا للإختلاط، ويختاره من ذوي المعرفة بالحديث، مع الفهم واليقظة، حتى يحسن التبليغ، وعليه أن يلتزم بلفظ المملي، فإذا انعقد المجلس، افتتحه المستملي أو غيره بقراءة بعض الآيات القرآنية، ثم يستنصت المستملي الحاضرين إذا لزم الأمر، ويبسمل، ويحمد الله تعالى، ثم يتجه إلى المملي فيسأله الابتداء في الإملاء داعيا له بالمغفرة أو الرحمة ونحوهما، فيستهل الشيخ كلامه بالحمد لله والصلاة والتسليم على الرسول ﷺ، ثم يشرع في إملاء ما أعده من الأحاديث لذلك، مكتوبا، أو من الذاكرة، والثاني أدل على تمكن الشيخ وجودة حفظه، ويتأنى في التحديث، بحيث يتمكن الحاضرون من كتابة ما يقول، فإذا فرغ من الإملاء انتظر حتى يراجع الطلاب معه ما كتبوه، لإصلاح أخطاء النسخ وغيرها، وتوثيق مكتوبهم حتى يمكن اعتمادهم عليه فيما بعد.\nولهذا كان الإملاء والاستملاء أكثر تحقيقا من بقية طرق التحمل والأداء. وإذا تصدى المحدث للإملاء دون دراية كافية بعلم الحديث أو كان مشغولا بمهمات أخرى أو ضعيف القوى فعليه الإستعانة بغيره من ذوي المعرفة، ليخرج له الأحاديث التي يريد إملاءها من مصادرها، ويعدها له على الوجه الصحيح.\n\n<span data-type='title' id=toc-166>٢ - انقطاع الإملاء قبل العراقي ثم إحياؤه له:</span>\nوقد واظب أئمة الحديث وحفاظه على عقد مجالس الإملاء هذه، جيلا فجيلا، وكونت الأمالي الحديثية جانبا كبيرا من تراث السنة (^١) لكن بعد نكبة\n_________\n(^١) انظر «مقدمة تحفة الأحوذي» للمباركفوري ج ١ ص ١٠٠، ١٠١.","vol":"2","page":556},{"text":"العالم الإسلامي باحتياج الصليبيين والتتار، كما قدمنا في حالة العصر، أصاب (مجالس الإملاء) ما أصاب النشاط العلمي عموما من الضعف، كما أشار لذلك ابن الصلاح المتوفى سنة ٦٤٣ هـ (^١)، فقلت العناية بعقدها والإقبال عليها، حتى عدت في حكم المنقطعة، إلى أواخر عصر الحافظ العراقي حيث قيضه الله تعالى لإحيائها لأول مرة بالمدينة المنورة بعد سنة ٧٨٨ هـ كما تقدم، وفي تلك الفترة المقاربة قرنا ونصفا، بين التاريخ المذكور وبين وفاة ابن الصلاح، لم يعرف عقد مجالس إملاء الحديث إلا على يد الجهابذة من علماء السنة في فترات متباعدة ولمدة يسيرة، مثل الحافظ المنذري (^٢) بمصر، وقد توفي سنة ٧٥٦ هـ، ثم الحافظ المزي (^٣) بالشام وقد توفي سنة ٧٤٢ هـ، ثم قرين العراقي (ابن الملقن)، وقد قطع الإملاء بعد مجالس يسيرة لم يوفق فيها كما سيأتي، أما العراقي فإنه بعد افتتاح مجالس الإملاء بالمدينة، استأنف إحياءها بالقاهرة، واستمر قائما بها فوق عشر سنوات متواصلة، حتى لقي ربه، فكانت خاتمة أعماله العلمية (^٤)، ولهذا رأى المؤرخون أن مجالس الإملاء فيما بينه وبين ابن الصلاح تعتبر منقطعة، بحسب الحالة الغالبة في عامة بلاد الإسلام.\n_________\n(^١) «المقدمة لابن الصلاح مع التقييد والإيضاح» / ١٢، ١٣.\n(^٢) «مقدمة تحفة الأحوذي» للمباركفوري جـ ١/ ١٠١.\n(^٣) «فتح المغيث» للسخاوي جـ ٢/ ٢٩٥.\n(^٤) «تدريب الراوي» / ٣٤٣، و(حسن المحاضرة) / ٣٦٠، و(ذيول تذكرة الحفاظ) / ٣٧٠ و(فهرس الفهارس) جـ ٢/ ١٩٧ وجزء في التراجم/ ١٥ (مخطوط) و(المجمع المؤسس) / ٣٦٧ و«شرح الترمسي» لألفية السيوطي/ ٢٤٥.","vol":"2","page":557},{"text":"وسجل التاريخ العلمي للعراقي بإحيائها على النحو المشار إليه، عملا رائدا في عصره، تتوج به ما قدمته من جهوده ومواقفه المشهودة في سبيل إحياء السنة والنهوض بعلومها، كما تأكد به استمرار ريادته المدرسة السنة في عصره إلى آخر حياته (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-167>٣ - لماذا لم يشرع العراقي في الإملاء مبكرا؟ وما رأيه في القطاعه ثم إحيائه؟</span>\nثم إن نهوضه بإحياء هذه السنة العلمية في أواخر حياته، لا يعني تراخيه عنها أو عدم كفاءته لها من قبل؛ لأنه قد رشح لها من غير واحد من علماء عصره قبل ذلك بسنين، وكان المانع خارجا عن إرادته. فقد طلب منه ذلك قاضي القضاة الشافعية، تاج الدين ابن السبكي المتوفى سنة ٧٧١ هـ (^٢)، وكان طلبه في وقت سابق على تاريخ وفاته المذكور بكثير، وبعد خبرة بالعراقي وبمؤلفاته كما قدمنا في رحلاته الشامية، ومن بعد ابن السبكي طلبه ابن العراقي المحبب عنده وهو «أبو زرعة»، ولكن العراقي اعتذر في المرتين بعدم وجود إقبال من طلاب السنة حينذاك على حضور تلك المجالس والمواظبة عليها (^٣). ولم يكن حفزهم عليها بعد طول انقطاع ليتأتى في وقت قصير، فاستمر الحال على هذا، حتى كانت مرحلة عمل العراقي بالمدينة المنورة كما ذكرنا، وهناك تجدد الطلب مرة ثالثة، لكن من جماعة، وأبدوا رغبتهم القوية في التلقي عنه بطريقة «الإملاء»، اقتداء بالسلف الصالح كما مر ذكره، وبذلك زال مانع العراقي السابق،\n_________\n(^١) «نظم العقيان» ١١ ب.\n(^٢) «ذيل ولي الدين بن العراقي» وفيات سنة ٧٧١ هـ.\n(^٣) «فتح المغيث» للسخاوي جـ ٢/ ٢٩٥.","vol":"2","page":558},{"text":"وانشرح صدره لإحياء هذه السنة فعلا - لأول مرة - في فترة عمله بالمدينة.\nوكان توافقا رائعا أن يزول - بتوافر الراغبين، المانع الذي ثبطه فيما مضى؛ فينشرح صدره ويبدأ إحياء سنة الإملاء في نفس المنبع الأصلي لها ولغيرها من السنن النبوية، وهو الروضة الشريفة، فأملى فيها الأربعين حديثا العشارية الإسناد، وتوابعها كما قدمنا وجمعها في كتابه «الأربعين حديثا العشارية الإسناد» كما سيأتي بحثه.\nوفي مقدمة هذا الكتاب ذكر أن الرسول ﷺ بلغ ما أمر به حتى مضى لسبيله .. وأمر بتبليغ ما بلغه إلى من لم يبلغه ليدوم اتصال نقله، فبلغ عنه جهابذة النقل، وقاموا بأعباء حمله، ونصحوا لله ورسوله في نشر ذلك، حتى انتشر، فلا يعذر الجاهل على جهله، فكان اتصال هذه الشريعة المطهرة بالأسانيد مما خص الله به هذه الأمة بفضله، ثم قال: «ولقد كانت مجالس الحديث عامرة بأهله، حتى وسد الأمر إلى غير أهله، فانقطعت مجالس الإملاء لتقاعد الهمم عنها، ورغبة الطالبين عن عقد ذلك وحله .. وقد كنت آسف على ذلك أن لو وجدت راغبا في قبول بذلت، فلما كنت بالمدينة الشريفة، رغب إلي جماعة من أهل العلم الواردين إليها في ذلك ليقتفي المملي والمستملي سنة من مضى قبله، ورغبوا إلي أن يكون ذلك من الأحاديث العالية الإسناد، فاستخرت الله تعالى في إملاء أربعين حديثا عشارية الإسناد، فهي أعلا ما يقع اليوم للشيوخ، مع ثقة رجال الإسناد ووصله» (^١).\nويعتبر هذا التقديم من العراقي لإفتتاح أماليه مطابقا لما قدمته عن\n_________\n(^١) «الأربعين العشارية» / ا أ، ب.","vol":"2","page":559},{"text":"«الإملاء» وموقفه منه، كما أنه بيان إجمالي لرأيه فيه، فهو يشير إلى أنه نوع من مسلك الرسول ﷺ في تبليغ ونشر ما أمر به من الله ويقرر اقتداء من بعده به، تحملا وأداء حتى انتشرت الشريعة متصلة بالسند إليه ﷺ فكانت تلك خاصية هذه الأمة، ثم يصرح بانقطاع الإملاء قبله، بعد أن كانت مجالسه عامرة، وقد أوضحت من قبل أن مناط الحكم بانقطاع تلك المجالس ملاحظة الأمر الأغلب.\nثم رجع بهذا الإنقطاع إلى أمر أساسي وهو توسيد أمر الاشتغال بالسنة تعلما وتعليما إلى غير أهله ذوي الهمم العالية والرغبات الأكيدة، فكان أن تقاعدت همم المحدثين عن الإملاء لعدم توافر الكفاية العلمية اللازمة لديهم كما رغب الطلاب عن ذلك لعدم وجود الدافع والمشجع.\nثم بين أن تأخره في إحياء سنة الإملاء، مع تكرر الطلب، إلى الأوان الذي بدأ فيه بالمدينة، لم يكن عن رضا منه بانقطاعها، بل كان شديد الأسف لذلك، كما لم يكن عن قصور أو تقصير؛ بل كانت الكفاءة والرغبة متوفرين لديه. ولكنه كان يفتقد الطرف المقابل وهم طلاب السنة الراغبون في المواظبة على تلك المجالس. فلما توافرت جماعة منهم سارع إلى النهوض بذلك في نفس مكان وزمان تواجدهم، ومما يوضح الكفاءة والرغبة الصادقة من جانبه، أنه لم يقترح عليهم ما يمليه، بل أملى عليهم أجود ما رغبوا هم في استملائه من الأحاديث العالية الإسناد.\nولعلنا نتساءل بعد ذلك: لماذا إذن لم يواصل العراقي إحياء سنة الإملاء بالمدينة وتوقف بعد إملاء عدد محدود من الأحاديث؟","vol":"2","page":560},{"text":"ويجيب العراقي عن ذلك في نهاية تلك الأحاديث المملاة بقوله: «وقد انتهى الغرض بنا فيما سئلنا إملاءه» (^١).\nويبدو أن جماعة الوافدين على المدينة الذين سوغوا له افتتاح الإملاء بتلك المجالس المعدودة قد آذنوا بالرحيل إلى مواطنهم، ولم تتوافر رغبة من غيرهم فعاد آسفا إلى التوقف لذهاب المسوغ.\nوهذا أيضا يمكن أن يفسر لنا عدم شروعه في عقد مجالس «الإملاء» بمصر إثر عودته إليها مباشرة؛ لأنه قرر أن مانعه الوحيد هو عدم توافر الراغبين في المواظبة على مجالس الإملاء، فتأخر إذن حتى توافروا، وبمجرد توافرهم نهض ثانيا لإحياء هذه السنة أطول فترة ممكنة، وعلى الوجه الأكمل ولأول مرة بالقاهرة، بعد انقطاعها حقيقة أو حكما، سواء أكان منها أو من بقية بلاد الإسلام نحو قرن ونصف، كما أوضحنا من قبل، وفي حالة العصر العلمية.\n\n<span data-type='title' id=toc-168>٤ - تصحيح بداية شروعه في الأمالي القاهرية:</span>\nاتفق عامة مؤرخي العراقي من تلاميذه وغيرهم على أنه شرع في الإملاء بالقاهرة سنة ٧٩٥ هـ (^٢) لكن الحافظ السيوطي حدد ذلك في عدة مؤلفات له بسنة ٧٩٦ هـ (^٣) ثم تبعه على هذا غير واحد من بعده (^٤) وواقع ما وقفت عليه\n_________\n(^١) «الأربعين العشارية» / ٢٠ ب.\n(^٢) «المجمع المؤسس» / ١٧٧، و(الضوء اللامع) جـ ٤/ ١٧٤، و(فتح المغيث) للسخاوي جـ ٢/ ٢٩٥ و«البدر الطالع» ج ١/ ٣٥٥ و«لحظ الألحاظ» / ٢٣٣.\n(^٣) انظر (تدريب الراوي) له/ ٣٤٣ و«ذيله على تذكرة الحفاظ» / ٣٧٠ و«حسن المحاضرة» جـ ١/ ٣٦٠.\n(^٤) انظر (فهرس الفهارس) للكتاني ج ٢/ ١٩٧ و«شرح الترمسي لألفية السيوطي» / ٢٤٥ =","vol":"2","page":561},{"text":"من تلك الأمالي يدفع ذلك ويؤيد الرأي الأول.\nفقد وقفت على نسخة موثقة لما أملاه العراقي في المجلس ٨٢ من مجالس إملائه بالقاهرة وهو بخط تلميذه «يعقوب» بن أحمد الأطفيحي وفي نهايته ما نصه: «بلغ مقابلة على مؤلفه فصح ولله الحمد» (^١).\nوقد أرخ إملاء العراقي لهذا المجلس في يوم الثلاثاء ثاني ذي الحجة سنة ٧٩٦ هـ، وقد قدمنا أن من قواعد الإملاء، عقد مجلسه مرة واحدة كل أسبوع، فلو مشينا على قول السيوطي ومن تبعه، بأن ابتداء الإملاء كان في سنة ٧٩٦ هذه، واستمر العراقي فيه أسبوعيا، كان عدد المجالس ٤٧ مجلسا على الأكثر، حتى ثاني ذي الحجة المؤرخ به المجلس السالف ذكره بينما نجد أن ترتيبه ٨٢ كما قدمت، فلا بد إذن أن يكون بدء العراقي في الإملاء متقدما عن سنة ٧٩٦ هـ بنحو ستة أشهر حتى تبلغ المجالس هذا العدد.\nومن جهة أخرى سيأتي أن العراقي بدأ الإملاء بموضوعات متفرقة بحسب المناسبات التي اعتادها الناس، كمولد الرسول ﷺ ويوم عاشوراء ونحوهما.\nوقد وقفت على نصوص كاملة وموثقة مما أملاه في المجلسين العاشر والحادي عشر، فوجدتهما متعلقين بمولد الرسول ﷺ كما سيأتي، وهذا يدل على إملائهما في شهر ربيع الأول، فلو كان ابتداء الإملاء سنة ٧٩٦ هـ ومع الاستمرار أسبوعيا، كما هو مقرر، لما بلغ عدد المجالس من ربيع الأول إلى\n_________\n= وبعض الباحثين الفضلاء نسبة أيضا لابن حجر لكنه خلاف ما صرح به ابن حجر (انظر «الحديث والمحدثون»، لأستاذنا الدكتور أبي زهو ﵀ ص ٤٣٧، وقارنه بـ «المجمع المؤسس» لابن حجر ص ١٧٧).\n(^١) انظر آخر النسخة الخطية لـ «التقييد والإيضاح» للعراقي برقم (٣٦) مصطلح بدار الكتب.","vol":"2","page":562},{"text":"ثاني ذي الحجة ٨٢ مجلسا، بينما لو مشينا على أن ابتداء الإملاء كان في أول المحرم سنة ٧٩٥ هـ، لوافق ذلك ترتيب المجلسين العاشر والحادي عشر، حيث يكون أملى في المحرم وصفر من سنة ٧٩٥ هـ ثمانية مجالس تقريبا، بواقع مجلس واحد كل أسبوع، كما هو مصطلح عليه، وبذلك يقع المجلسان المذكوران في شهر ربيع الأول فعلا، حيث مولد الرسول ﷺ لكن بمقتضى العدد المذكور من الأمالي وهو ٨٢، حتى ٢ ذي الحجة سنة ٧٩٦ هـ يكون بعد الشروع في بداية ٧٩٥ هـ حصل انقطاع عن الإملاء في بعض الأسابيع خلال تلك السنة وما بعدها من سنة ٧٩٦ هـ.\nوبناء على هذا كله أقرر: أن تحديد بدء العراقي في الإملاء في القاهرة، بسنة ٧٩٦ هـ كما ذهب السيوطي ومن تبعه خطأ، وأن الصواب المطابق لواقع الأمالي ابتداؤه في أوائل سنة ٧٩٥ هـ مع انقطاعه بعض الأسابيع خلال ذلك، كما قدمت، وبالله التوفيق\n\n<span data-type='title' id=toc-169>٥ - اشتغاله بالإملاء فوق عشر سنوات حتى أواخر حياته، وعدد أماليه:</span>\nوقد اختار العراقي يوم الثلاثاء من كل أسبوع لعقد مجلس الإملاء فيه، بناء على عدم وجود دليل قطعي بتحديد يوم معين للإملاء (^١) وبلغ عدد مجالسه تلك بالتحديد ٤١٦ مجلسا (^٢). وقرر ابن حجر وغيره أنه قام بإملائها ابتداء من سنة ٧٩٥ هـ كما قدمنا إلى وفاته في سنة ٨٠٦ هـ كما سيأتي (^٣).\n_________\n(^١) (تدريب الراوي) / ٣٤٤ و«فتح المغيث» للسخاوي جـ ٢/ ٢٩٦.\n(^٢) (المجمع المؤسس) / ١٧٨ و(لحظ الألحاظ) / ٢٣٣ و(الضوء اللامع، جـ ٤/ ١٧٤)، و(البدر الطالع)، جـ ١/ ٣٥٥.\n(^٣) وانظر: (المجمع المؤسس) / ١٧٧ و(لحظ الألحاظ)» / ٢٣٣.","vol":"2","page":563},{"text":"ويلاحظ أن هذه الفترة تزيد على عشر سنوات، وبالتالي فإن عدد أسابيعها أكثر من عدد المجالس المذكور، وهذا يفيد أن العراقي فوت كثيرا من الأسابيع بدون إملاء، وقد قرر ذلك ابن حجر فعلا فقال: «وعقد مجلس الإملاء في كل ثلاثاء غالبا (^١) وتبعه من بعده (^٢)». وهناك تفاصيل أخرى تدل على أن عدم الانتظام في عقد تلك المجالس أكثره كان في آخرها بعد المجالس الأربعمائة، فقد ذكر ابن حجر وابن فهد «أنه أملى المجلس ٤٠٨ في شهر ربيع الآخر سنة ٨٠٥ هـ (^٣)» واستمر إلى المجلس ٤١٣ فجعل موضوعه الأحاديث المتعلقة بطول العمر، وأنشد في آخره من نظمه قصيدة تزيد على ٢٠ بيتا قال فيها:\nبلغت في ذات اليوم من الهرم … تهدم العمر كسيل العرم (^٤)\nوكان حينئذ قد طعن في الثمانين من عمره، وهي سن الهرم التي كره بعض المحدثين لأصحابها التحديث، لكون الغالب على من يبلغها اختلال الجسم والذاكرة وحصول الضعف، فيخشى أن يبدأ بالمحدث عندئذ التغير والاختلال. ولا يفطن له إلا بعد وقوع بعض الأخطاء العلمية منه، مع تعلقها بالركن الثاني للإسلام وهو السنة النبوية (^٥) فكأن العراقي أشار بهذا المجلس صراحة إلى\n_________\n(^١) «ذيل الدرر الكامنة» / ٧١.\n(^٢) «الأعلام» جـ ٤/ ٢١٩ ب و«طبقات الشافعية» / ١١٠ ب كلاهما لابن قاضي شهبة، و«بهجة الناظرين» / ١٣٠.\n(^٣) «المجمع المؤسس» / ١٧٧ و«لحظ الألحاظ» / ٢٣٣.\n(^٤) «المجمع المؤسس» / ١٧٧ و«لحظ الألحاظ» / ٢٣٣ و«الضوء اللامع» جـ ٤/ ٩٧٤.\n(^٥) «فتح المغيث» للعراقي جـ ٣/ ٧٥ وللسخاوي جـ ٢/ ٢٨٤ - ٢٨٦ و«تقريب النواوي وشرحه» للسيوطي/ ٣٣٤.","vol":"2","page":564},{"text":"ختم نشاطه العلمي كلية احتياطا من الوقوع في مثل هذا، خاصة وأنه حينئذ ظهرت عليه متاعب الشيخوخة وصعب عليه التخريج لما يمليه من مصادره المختلفة، فتوقف فعلا عن الإملاء بعد المجلس المذكور، بل احتجب عنه وعن غيره نهائيا في شوال سنة ٨٠٥ هـ (^١)، لكن تلاميذه سرعان ما أحسوا بفراغه، ورغبوا في الاستفادة الشفاهية منه بأي وجه مستطاع خاصة وأنه رغم ضعف الشيخوخة بقي متمتعا بقواه العقلية، فلم يختلط ولم يتغير فهمه، مع سلامة حواسه أيضا، وبذلك توافرت له شروط الضبط المعتبرة في رواة السنة وعلمائها، بجانب تقدم السن المحقق لعلو السند. وقد قرر أكثر أئمة الاصطلاح أن من كان هذا شأنه فلا ينبغي له الامتناع تقييدا بالسن، لأن الناس أحوج ما تكون في هذا الوقت لروايته (^٢).\nلهذا فقد اجتمع ثلاثة من كبار طلبته وهم: ولده أبو زرعة، ورفيقه الهيثمي والحافظ ابن حجر، وقرروا أن يطلبوا إليه إعادة مجلس الإملاء، على الأقل، باعتباره مرة واحدة كل أسبوع، وكان الحافظ ابن حجر قد خرج له من قبل من مروياته ٦٠ حديثا عشرية الإسناد، كما سيأتي تكملة للأربعين التي خرجها هو وأملاها بالمدينة كما ذكرت، فسأله ابن حجر أن يعاود عقد مجلس الإملاء ويعلي من هذه الأحاديث الستين التي هي من مسموعاته العالية مع كونها مخرجة جاهزة على الوجه الصحيح، بعنايته وذلك عن خبرة بالفن وبمرويات شيخه، وما على الشيخ إلا أن يمليها من لفظه بسنده العالي ليتحملها عنه إملاء تلاميذه المتعطشون لذلك.\n_________\n(^١) «المجمع المؤسس» ٤/ ١٧٧، ١٧٨، و«الضوء اللامع» ٤/ ١٧٤.\n(^٢) «فتح المغيث» للسخاوي ٢/ ٢٨٥.","vol":"2","page":565},{"text":"وزكى للعراقي ذلك ولده أبو زرعة ورفيقه الهيثمي فاستجاب، نظرا لأن قواعد الإملاء أجازت هذا كما قدمنا ذكره. وقرره أيضا ابن كثير شيخ العراقي بالنسبة للرواية عموما عمن تقدمت به السن، احترازا من اختلاطه (^١).\nوعاد العراقي ثانية لعقد مجلس الإملاء بعد قطعه مدة واحتجابه، فأملى المجلسين ٤١٤، ٤١٥ من الأحاديث الستين المشار إليها (^٢).\nلكن يظهر أنه لم ير في هذا كبير جدوى بالنسبة لمجالسه السابقة التي اختار بنفسه موضوعاتها، وأعدها وأداها متميزة بميزات خاصة كما سيأتي فتوقف ثانية عن «الإملاء» وعاد للاحتجاب، وعندئذ لم يجد أحد من طلابه مساءا للإلحاح عليه من جديد.\n\n<span data-type='title' id=toc-170>٦ - المجلس الختامي للإملاء وإسهامه به في أحداث عصره:</span>\nغير أنه حدث في شهر صفر سنة ٨٠٦ هـ أن توقف النيل (أي هبط مستوى مياهه جدا دفعة واحدة) فشرق غالب البلاد، وبالتالي توقفت المحاصيل الزراعية ووقع الغلاء المفرط في القمح وغيره، فكانت تلك السنة بداية سني المحن، لعامة الديار المصرية، وذعر الناس، وخرجوا مع العلماء والقضاة وشيوخ الخوانق (^٣) إلى المساجد والخوانق والخلوات للدعاء والتضرع إلى الله تعالى رجاء تخفيف هذه الشدائد، وعندئذ لم يمنع العراقي كبر سنه واحتجابه،\n_________\n(^١) «اختصار علوم الحديث لابن كثير مع الباعث الحثيث» / ١٥٢ و«فتح المغيث» للسخاوي جـ ٢/ ٢٨٦.\n(^٢) (المجمع المؤسس) / ١٧٨، و«لحظ الألحاظ» / ٢٣٣.\n(^٣) هي المنشآت التي كانت تبنى لإقامة الصوفية الذين كثروا في هذا العصر كثرة ظاهرة ..","vol":"2","page":566},{"text":"من الخروج ومشاركة مصر محنتها، بعد أن ولد بها وتربى بين أحضانها، فعقد مجلسا للإملاء، مؤكدا بذلك مواكبته لأحداث عصره وحمله لراية السنة في المواقف الرائدة كعادته، وتجمع عليه طلابه فأملى عليهم دعاء الاستسقاء الوارد في كتب السنة وتضرع معهم بهذا الدعاء إلى الله تعالى أن يفيض ماء النيل الذي هو حياة مصر، ليعود إليها رخاؤها من جديد.\nوختم المجلس بقصيدة في نفس المعنى من نظمه، فكان ذلك آخر مجلس أملاه مطلقا، وهو المجلس السادس عشر بعد الأربعمائة، وبه انتهت أماليه (^١). قال الحافظ ابن حجر: (وعاش الشيخ بعد ذلك خمسة أشهر وأياما) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-171>٧ - كيفية إعداد العراقي لأماليه وأدائه لها بجانب غيرها:</span>\nكان العراقي بجانب مشاغله العلمية العديدة، تدريسا وتأليفا ومراجعة يعني بالإعداد العلمي الجيد لما يمليه على طلابه، خاصة وأن غالب أماليه كما سيأتي كانت عبارة عن مؤلفات متكاملة، فكان يخرج أحاديثها من مصادرها، ويبحثها متنا وسندا ويدونها بخطه، مع خلاصة بحثه لها، ثم يحفظ ذلك جيدا عن ظهر قلب ثم يمليه من حفظه.\nويذكر ولده أبو زرعة أنه كان ربما لا يشتغل بتخريجها إلا ليلة الثلاثاء، ولا تكتمل إلا صبيحة يوم الثلاثاء، فيكون زمن اشتغاله بحفظها لحظة لطيفة من أول النهار قبل الإملاء (^٣).\n_________\n(^١) انظر «إنباء الغمر» جـ ٢/ ٢٥٩ و«النجوم الزاهرة»: جـ ١٢/ ٣٠١، و«المجمع المؤسس» ١٧٨ و«الضوء اللامع» جـ ٤/ ١٧٤ و«لحظ الألحاظ»، ٢٣٣، ٢٣٤.\n(^٢) «المجمع المؤسس» / ١٧٨.\n(^٣) «الجواهر والدرر» / ١٣٢ ب.","vol":"2","page":567},{"text":"فإذا علمنا أنه كان يملي الأحاديث بأسانيدها المتصلة منه إلى الرسول ﷺ بالإضافة لخلاصة بحثها سندا ومتنا، أدركنا مدى تمكنه العلمي، وتمتعه رغم تقدم السن، بما قدمنا عنه من سرعة الحافظة والضبط وجودة الذهن، حتى يرى السخاوي أن تمكنه من الإعداد العلمي والحفظ في تلك الفترة اليسيرة ولو في بعض الأحيان، ليس إلا إعانة من الله تعالى وتأييدا له (^١).\nويقرر ابن حجر أن العراقي التزم هذا الإعداد الجيد والإملاء من الحفظ في كل أماليه، فيقول: «وكان الشيخ يمليها من حفظه، متقنة محررة مهذبة كثيرة الفوائد الحديثية» (^٢).\nوقد قدمنا أن الإملاء من الحفظ أدل على تمكن المملي من علمه وأرفع مكانة له. وتبعا لما قدمنا من الإصطلاح على ما يفتتح به مجلس الإملاء، فإن العراقي اعتاد افتتاح مجلس إملائه بقراءة قارئ لسورة (الأعلى) وقد أبدى الحافظ ابن حجر وجود مناسبة لطيفة بينها وبين الإملاء؛ لاشتمالها على قوله تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَى﴾ (^٣)، وقوله: ﴿فَذَكِّرْ﴾ (^٤)، وقوله: ﴿صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-172>٨ - إقبال طلاب السنة على مجالس إملاء العراقي ونشرها</span>\nقدمنا أنه يلزم المملي إذا كثر الحاضرون عنده أن يتخذ مستمليا يبلغ عنه وقد ذكر ابن حجر أن العراقي عين ولده أبا زرعة للإستملاء عليه، فإذا غاب\n_________\n(^١) «الجواهر والدرر» / ١٣٢ ب.\n(^٢) «المجمع المؤسس» ١٧٨.\n(^٣)، (^٤)، (^٥) الآيات ٦، ٩، ١٩ من السورة و«الجواهر والدرر» ٥/ ١٣٢ أ.","vol":"2","page":568},{"text":"استملى عليه ابن حجر، فإذا غاب قام الفخر عثمان بن إبراهيم البرماوي بذلك (^١).\nوأضاف السخاوي أنه استملى على العراقي أحيانا البرهان الحلبي (^٢) المعروف بسبط ابن العجمي، وهذا يدلنا على أنه كان هناك إقبال كبير من طلاب السنة على حضور مجالس إملاء العراقي هذه، بحيث لم يستطع إيصال صوته بوضوح إلى آخرهم فاستعان بولده وبغيره من تلاميذه الملازمين ذوي الخبرة والفهم للتبليغ عنه، كما نلاحظ أن من المستملين من كان من خارج الديار المصرية، وهو البرهان الحلبي، من علماء الشام المعروفين. وعندما نرجع إلى المصادر التي ترجمت لعلماء هذه الفترة نجد مصداق ذلك، حيث عني المؤرخون بذكر كثير من تلاميذ العراقي الذين حضروا تلك المجالس وواظبوا على تحملها عنه وملازمته فيها وكتابة كثير منها أو جميعها، رغم كثرتها وطول مدتها، وقد كان عقد مجالسها على امتداد أكثر من عشر سنوات، مما ساعد أيضا على كثرة المترددين عليها وانتشارها، سواء بين أبناء عامة الديار المصرية أو الوافدين عليها من الشرق والغرب، وكثير من هؤلاء تتلمذ للعراقي أيضا في بقية علوم السنة، ثم صاروا محدثين ومدرسين للسنة داخل مصر وخارجها ومؤلفين فيها، فنشروا ما تحملوه وكتبوه من تلك الأمالي بروايته لغيرهم واستفادوا منه في مؤلفاتهم، وتناقلوه في مجاميعهم المختارة من النصوص والمرويات (^٣)\n_________\n(^١) «المجمع المؤسس» ١/ ١٧٨ و«بهجة الناظرين» / ١٥٤ والضوء اللامع جـ ٤/ ١٣٢.\n(^٢) (الضوء اللامع) جـ ٤/ ١٧٥\n(^٣) انظر مثلا «مجموع ابن خطيب الناصرية» (مخطوط مصور) وجامعه ابن خطيب =","vol":"2","page":569},{"text":"حتى أن كثيرا من النصوص والمجالس الكاملة من تلك الأمالي قد وقفت عليها متفرقة في مؤلفات غير العراقي من تلاميذه، ومن بعدهم كما سيأتي ومن أمثلة تلاميذه المشار إليهم، بعض من قدمنا التعريف بهم، كرفيقه الهيثمي الذي كتب عنه جميع هذه الأمالي مع مشاركته في رواية غالب أحاديثها عن شيوخه.\nو«عز الدين بن الفرات» مسند الديار المصرية في عصره، الذي كتب عنه كثيرا من تلك الأمالي. والجلال عبد الرحمن بن أحمد القمصي الذي قدمنا أنه عرض على العراقي أيضا كثيرا من محفوظاته في العلوم، وقد حدث كثيرا مع الإتقان.\nومنهم أيضا علي بن أبي بكر البلبيسي المولود بالقاهرة سنة ٧٨٨ هـ وقد لازم العراقي في هذه المجالس وفي غيرها نحو عشر سنين ثم تولى نقابة الدروس بعدة مواضع (^١).\nومنهم محمد بن محمد بن أحمد المعروف بابن البيشي الذي لم يخلف في الشرقية مثله علما وفقها (^٢).\nومنهم أبو بكر بن علي المعروف بابن الحريري الحنبلي الذي كتب بعض تلك الأمالي ثم درس بعدة أماكن (^٣).\n_________\n= الناصرية، هو ممن أجازهم العراقي الضوء اللامع ٥/ ٣٠٣ وتوفي سنة ٨٤٣ هـ.\n(^١) «الضوء اللامع» جـ ٤/ ٢٠٤.\n(^٢) «الضوء اللامع» جـ ٩/¬٢٨.\n(^٣) «نظم العقيان» ٨/¬٢٥ ب.","vol":"2","page":570},{"text":"ومنهم أحمد بن عمر المعروف بابن الشامي المولود بالقاهرة سنة ٧٨٥ هـ وقد كتب السخاوي عنه بعض ما كتبه من أمالي العراقي (^١).\nومنهم أحمد بن ناصر الدين العقبي الذي لازم العراقي في أماليه وغيرها، ثم حدث كثيرا بمسموعاته بما فيها تلك الأمالي حتى توفي سنة ٨٦١ هـ (^٢).\nومنهم محمد بن عمر المصري، نائب الخطابة بجامع عمرو بن العاص، وقد كتب عن العراقي كثيرا من الأمالي (^٣).\nوسيأتي أيضا غير هؤلاء في التعريف بأبرز تلاميذ العراقي في تلك المرحلة وهكذا قام العراقي وتلاميذه في تلك الأمالي بالأداء والتحمل عدة سنين لمئات الأحاديث بأسانيدها وأحكامها، متقنة محررة بأقوى وجوه التحمل والأداء وأحسنها، وقام هو بما تقضي به قواعد الإملاء من مراجعة المملي مع طلابه بعد الفراغ منه، للتوثيق ثم نشرها تلاميذه فيمن بعده وأفادوا منها.\n\n<span data-type='title' id=toc-173>٩ - الأماكن التي عقد العراقي بها مجالس الإملاء في القاهرة:</span>\nهناك ثلاثة أماكن وقفت على عقد العراقي مجالس إملائه، بها وجميعها تقدم التعريف بها حيث كان العراقي يدرس بها أيضا علوم السنة وغيرها وهي:\n١ - المدرسة القراسنقرية، حيث وقفت على نسخة من المجلس ٨٦ من الأمالي، وفي أوله أن العراقي أملاه في يوم الثلاثاء ١٥ من المحرم سنة ٧٩٧ هـ\n_________\n(^١) «الضوء اللامع» جـ ٢/ ٥٣.\n(^٢) «الضوء اللامع» جـ ٢/ ٢١٢.\n(^٣) «عنوان الزمان» جـ ٤/ ٩٣.","vol":"2","page":571},{"text":"بالمدرسة القراسنقرية بالقاهرة المعزية (^١).\n٢ - «المدرسة الكاملية» حيث وقفت على نسخة من المجلس ٣٨١ من الأمالي وفي أوله أنه أملاه يوم الثلاثاء التاسع عشر من جمادى الآخرة سنة ٨٠٤ هـ بالمدرسة الكاملية بالقاهرة المحروسة (^٢).\n٣ - المدرسة الفاضلية حيث وقفت على نسخة ٦ مجالس، أثبت في أول كل منها إملاؤه بالمدرسة الفاضلية بالقاهرة المعزية المحروسة، وتواريخ إملائها تقع في الفترة من ٢٨ جمادى الأولى حتى ١٦ شعبان سنة ٨٠٤ هـ (^٣).\nوقد مر أن هذه المدارس كانت من أعلا وأشهر مدارس القاهرة العامرة بطلاب السنة والمخرجة لأعلامها، وقد يكون العراقي أملى في بقية الأماكن التي كان يدرس بها السنة، كجامعي القلعة وابن طولون والمدرسة الظاهرية البيبرسية وغير ذلك، لكني لم أقف على وقائع لذلك كالتي ذكرتها بالنسبة للمدارس السابقة (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-174>هـ - آخر الأعمال العلمية للعراقي وتلقي تلاميذه لها وإسهامه بها في الأحداث العامة لمجتمعه:</span>\nقدمنا عن ابن حجر قوله: إن العراقي بعد إملائه آخر مجالسه في صفر سنة ٨٠٦ هـ عاش خمسة أشهر وأياما، وأن حالة الجدب والغلاء التي عمت البلاد.\n_________\n(^١) سيأتي التعريف بنسخة المجلس المذكور.\n(^٢) سيأتي التعريف به وانظر (عنوان الزمان) جـ ٤/¬١١ أصل وهامش وما بعدها.\n(^٣) انظر (المجلس الثاني من سبع مجالس في الحديث من إملاء العراقي) (مخطوط مصور).\n(^٤) انظر (سبع مجالس في الحديث من إملاء العراقي) ١، ٣ - ٧ مخطوط مصور.","vol":"2","page":572},{"text":"المصرية حينئذ هي التي جعلته يخرج بعد احتجابه ليسهم في دفع تلك المحنة بعلمه وتضرعه، فأملى هذا المجلس الأخير من أدعية الإستسقاء الواردة في السنة، وابتهل بها مع طلابه إلى الله، لإفاضة ماء النيل وكشف هذه الكروب ولكن الذي حدث أن حالة الجفاف وتوابعها استمرت واشتدت وطأتها فصام الناس في بداية شهر ربيع الآخر من نفس السنة ٣ أيام لله تعالى وبعدها هرع جماعة منهم إلى العراقي مرة أخرى لثقتهم في صلاحه وتقواه وطلبوا إليه الخروج معهم إلى صحراء القاهرة ليصلي بهم صلاة الاستسقاء ويشاركهم الضراعة إلى الله تعالى لكشف هذه الكروب فأجابهم لذلك رغم شيخوخته وخرج معهم إلى الصحراء وصلى بهم إماما صلاة الاستسقاء، ولم يكتف بذلك بل قام فيهم خطيبا ليقوي من عزيمتهم على الصبر والاحتمال ويرفع معنوياتهم ويحثهم على طاعة الله الموصلة لرضاه، ورغم كبر السن وتوقفه السابق عن النشاط العلمي فإن ابن حجر وغيره قد وصفوا هذه الخطبة بأنها كانت بليغة، وأنه ضمنها أحاديث المجلس الأخير من الإملاء وغيرها (^١).\nوقد حرص بعض تلاميذ العراقي على الخروج معه في ذلك المشهد الحافل وحضروا تلك السانحة الأخيرة من توجيهه وتحديثه وأثبت من حضر منهم سماعه عنه تلك الخطبة البليغة وما تضمنته من الأحاديث.\nومن هؤلاء أحمد بن عبد الرحمن بن سليمان القاهري، المعروف بابن حرمي الذي سبق ذكر تلمذته على العراقي في الفقه، وقد قال: «كنت فيمن ظهر مع الزين العراقي للاستسقاء سنة ٨٠٦ هـ،\n_________\n(^١) (المجمع المؤسس) / ١٧٨ و«لحظ الألحاظ» / ٢٣٤ و«الضوء اللامع» جـ ٤/ ١٧٤ و«البدر الطالع»، جـ ١/ ٣٥٦.","vol":"2","page":573},{"text":"وسمعت خطبته» (^١) وتعتبر خطبة العراقي هذه هي آخر ما وقفنا عليه من أعماله العلمية والحديثية وشاء الله تعالى أن تنفرج هذه الأزمة بجميع جوانبها على أثر ذلك الإسهام العملي والعلمي الأخير للعراقي في أحداث عصره، ومعالجتها بما في مكنته، فقد قرر مؤرخو العراقي وأحداث عصره: أنه بعد صلاته بالناس صلاة الإستسقاء وخطبته السابقة فيهم، رأوا البركة، وتراجعت الأشياء فجاء النيل عاليا وكثرت الأقوات جدا ونشطت حركة التجارة وأحوال الباعة (^٢).\nقال ابن فهد: «ولم تطل حياة العراقي بعد ذلك» (^٣)، وفعلا كانت وفاته عقب ذلك بفترة قصيرة في نفس السنة، لكننا قبل ذكر وفاته وتحديد تاريخها ستعرف ببعض تلاميذه وتلميذاته البارزين في تلك المرحلة.\n\n<span data-type='title' id=toc-175>و- من أبرز تلاميذ العراقي وتلميذاته في تلك المرحلة وتأثيره فيهم:</span>\nيعتبر من سنعرف به من تلاميذ العراقي وتلميذاته في تلك المرحلة الأخيرة من حياته بمثابة التكملة لمن قدمنا التعريف به أو الإشارة إليه من تلاميذه وتلميذاته سواء في غضون عرضنا لنشاطه في نفس هذه المرحلة، أو في المرحلتين السابقتين، حتى تتكامل نماذج التلمذة عليه، وجوانب تأثير أستاذيته، وتتحدد عناصر المنهج الذي اتبعه في رواية وتدريس علوم السنة، ويتبين مدى ما أنجزه وأداه عمليا لجيل المحدثين والمحدثات بعده من خلال هذا المنهج وتكرر.\n_________\n(^١) «الضوء اللامع» وجـ ١/ ٣٢٨.\n(^٢) انظر «المجمع المؤسس» / ١٧٨ و«إنباء الغمر» جـ ٢/ ٢٦٠، و«الضوء اللامع» جـ ٤/ ٢٧٤، ١٧٥ و«لحظ الألحاظ» / ٢٣٤.\n(^٣) «لحظ الألحاظ» / ٢٣٤.","vol":"2","page":574},{"text":"التنبيه إلى أن فيمن سنعرف به هنا من قد تتلمذ للعراقي قبل هذه المرحلة لكن كثرت تلمذته فيها أيضا.\n\n<span data-type='title' id=toc-176>١ - فممن تخرج به من المغاربة «الكمال الشمني» كما أحضر عليه ولده:</span>\nوالكمال الشمني هو: محمد بن محمد بن حسن «الشمني» نسبة لمكان ولادته، وهو إحدى مزارع أو قرى (قسنطينة) بالجزائر الحالية، وذلك في سنة ٧٦٦ هـ على الراجح، وقد تلقى هناك بعض مبادئ العلوم ثم رحل إلى مصر، كما كان معتادا في عصره، باعتبارها كعبة العلم حينئذ، ونزل بالإسكندرية، فأقام بها مدة، وولد له فيها ابنه أبو العباس أحمد سنة ٨٠١ هـ فرحل به في نفس السنة إلى القاهرة، ولازم الحافظ العراقي حتى تخرج به في علم الحديث، كما أحضر عليه ولده أبا العباس واستجازه له، ثم أسمعه على ولي الدين بن العراقي أيضا، وقد صار الشمني وولده من مدرسي علوم السنة والمؤلفين فيها، ومن الأماكن التي درس الشمني بها للمحدثين المدرسة الجمالية بالقاهرة، ومن مؤلفاته نظم «نخبة الفكر» لابن حجر وشرحها أيضا شرحا جيدا، أما ولده فشرح نظم والده لها، وقد ظلا قائمين برسالتهما في خدمة السنة تدريسا وتأليفا حتى توفي الشمني في ربيع الأول سنة ٨٢١ هـ وتوفي ولده سنة ٨٧٢ هـ (^١) وهما يعتبران من صور التلمذة الأسرية للعراقي، وتلمذة أكثر من طبقة من جيل المحدثين عليه، وتلمذة الوافدين على مصر من طلاب المغرب.\n_________\n(^١) انظر في التعريف بهما وبيان تأثير العراقي فيهما: ٥ الضوء اللامع وجـ ٢/ ١٧٤ وج ٩/ ٧٤.","vol":"2","page":575},{"text":"<span data-type='title' id=toc-177>٢ - ومنهم: «الشهاب الحناوي»</span> الذي كتب عنه كثيرا من أماليه وسمع عليه كثيرا من مؤلفاته:\nوهو أحمد بن محمد بن محمد، المالكي ويعرف بالحناوي، وقد ولد في شعبان سنة ٧٦٣ هـ بـ «فيشا المنارة» من أعمال طنتدا (طنطا حاليا) وقدم القاهرة لطلب العلم، فأخذ فنون الحديث عن العراقي، رواية ودراية، فكتب عنه كثيرا من أماليه، وسمع من لفظه عددا من مؤلفاته في علوم السنة كألفية المصطلح، وشرحها أو أكثره، وألفيته، في غريب القرآن وغير ذلك، وبلغت ملازمته لدروسه درجة سماعه عليه بعض مؤلفاته أكثر من مرة، كألفيته في السيرة النبوية، ويستفاد مما تلقاه الحناوي عن شيخه العراقي، أنه كان من منهجه تدريس مؤلفاته وبحثها وروايتها لطلابه، بجانب تدريس ورواية كتب السنة الأخرى كالصحيحين والسنن الأربعة، وعلوم الحديث لابن الصلاح وغير ذلك، كما مر في عرض نشاطه العلمي، وقد قام الحناوي بعد تلمذته للعراقي على النحو المشار إليه بالتحديث بما تلقاه عنه وعن غيره وسمع منه الكثيرون حتى توفي بالقاهرة في ٢٤ جمادى الأولى سنة ٨٤٨ هـ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-178>٣ - ومنهم: «المحدث شهاب الدين البوصيري»</span> الذي واصل فكرة العراقي ومنهجه في جمع زوائد كتب السنة واعتمد فيها عليه.\nوهو أحمد بن أبي بكر بن إسماعيل، البوصيري القاهري، ولد في المحرم سنة ٧٦٢ هـ بـ «أبي صير» من بلاد الوجه البحري، وبعد نشأته بها انتقل إلى القاهرة لاستكمال دراسته، ومع أنه لم يبكر بطلب الحديث كالمعتاد، إلا\n_________\n(^١) انظر «الضوء اللامع» جـ ١/ ٦٩ وجـ ٤/ ١٧٧ و«الجواهر والدرر» / ٥٢ ب.","vol":"2","page":576},{"text":"أنه عندما اتجه إليه عني جدا بدراسته، ولازم في ذلك العراقي كثيرا، وكان مما سمعه منه «الحديث المسلسل بالأولية» كما سمع عليه «صحيح البخاري» كاملا بجامع الأقمر سنة ٧٩٥ هـ وأجازه به مع بقية الحاضرين كما قدمنا ذكره، وسمع عليه أيضا خمسة مجالس من «أمالي الجوهري» من مروياته ومؤلفاته، كما تتلمذ من بعده لولده ولي الدين وتلميذه ابن حجر، ونتيجة لذلك كله برع في علم الحديث رواية ودراية وتلقاه عنه الكثيرون حتى وصفه ابن حجر بـ «المفيد الصالح والمحدث الفاضل» كما أنه ألف عدة مؤلفات مفيدة في علوم السنة وظهر تأثره بالعراقي فيها فكرة ومنهجا ومضمونا، ذلك أن العراقي كما قدمنا، قد وجه تلميذه الهيثمي لفكرة جمع زوائد معاجم الطبراني وعدة مسانيد عن الكتب الستة، وأشار عليه بمنهج تأليفها، وتابعه وأعانه في تنفيذ الفكرة وتطبيق المنهج في صوره المختلفة، فإذا رجعنا إلى مؤلفات البوصيري، نجد أن غالبها تنفيذ موسع لنفس فكرة جمع الزوائد هذه، وتطبيق لنفس المنهج الذي رسمه العراقي بصوره المختلفة للهيثمي، كما نجد أن البوصيري نقل عن شيخه العراقي في أوسع تلك المؤلفات، فضلا عن غيرها.\nفقد جمع زوائد سنن «ابن ماجة» على بقية الكتب الستة، وبوبها، وتكلم على أحاديثها، وقد رأيت صورة لبعض نسخه الخطية في مجلد، وفعل مثل ذلك أيضا بالنسبة لزوائد «السنن الكبرى» للبيهقي على الكتب الستة، في مجلدين أو ثلاثة، أما أضخم ما جمعه وبوبه وبين درجة غالب أحاديثه فهو زوائد عشرة مسانيد، على ما في الكتب الستة، ومن ضمن تلك المسانيد مما جمع الهيثمي زوائده من قبل، مع إضافة زوائد غيرها، وقد جمع الكل في كتاب «إتحاف السادة المهرة بزوائد المسانيد العشرة» ثم اختصره بحذف","vol":"2","page":577},{"text":"الأسانيد ما عدا الصحابي، كما فعل الهيثمي بتوجيه العراقي في «مجمع الزوائد»، وأطلق عليه البوصيري «مختصر إتحاف المهرة» وقد وجدته نقل فيه، وبالتالي في أصله وهو «الإتحاف» عن شيخه العراقي، خاصة في بيان درجة الأحاديث (^١).\nوبذلك كان أثر العراقي كبيرا في تكوين البوصيري العلمي، وفي نتاجه في علوم السنة، وكان من ثمار غرسه الذي أتى أكله طيبا، ونشر علمه حتى توفي في ٢٧ من المحرم سنة ٨٤٠ هـ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-179>٤ - ومنهم «جمال الدين الحلبي»</span> الذي طاف بعلمه الشرق الإسلامي عموما. وهو محمد بن علي بن عبد الله، الحلبي الأصل، المصري المنشأ، ولد في أحد ضواحي دمشق في ٢٤ رجب سنة ٧٨٥ هـ، ثم انتقل على عادة العصر إلى القاهرة طلبا للعلم وفيها تتلمذ للعراقي في علم الحديث، وظل بمصر إلى ما بعد وفاة العراقي بكثير وبعد سنة ٨٢٥ هـ طاف بكثير، من بلاد الشرق الإسلامي ناشرا فيه علمه ومثبتا تغطية العراقي بتلاميذه رقعة العالم الإسلامي في عصره، فقد تنقل تلميذه هذا بين الشام، والمدينة المنورة، واليمن، وعدن، وهرمز، والبحرين والقطيف، وشيراز وواسط، وتكريت، وإربل، والموصل، وصعيد مصر، وأخيرا عاد إلى قاعدة انطلاقه وهي القاهرة فتوفي فيها سنة ٨٤٥ هـ (^٣).\n_________\n(^١) انظر «المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية» لابن حجر/ بتحقيق الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي: جـ ١/ ع، ف ١٥٢ حاشية (٤) ومختصر اتحاف المهرة للبوصيري/ ٣/ ١٩٦١ صلاة النوافل.\n(^٢) انظر في التعريف به وبيان أثر العراقي فيه: «الضوء اللامع» جـ ١/ ٢٥١ وما بعدها «عنوان الزمان» جـ ١/ لوحة ٧، وما بعدها.\n(^٣) انظر «عنوان الزمان» جـ ٣/ لوحتي/ ٥٧٢، ٥٧٣.","vol":"2","page":578},{"text":"<span data-type='title' id=toc-180>٥ - ومنهم: «المحدث ابن يعقوب»</span> الذي تتلمذ هو ووالده للعراقي وصاهره، فاشتهر بيته ببيت العراقي: وهو أحمد بن يعقوب بن أحمد، ولد بالقاهرة سنة ٧٩٠ هـ ونشأ بها فتتلمذ للعراقي من الصغر، حيث كان والده أيضا تلميذا ملازما للعراقي، وكتب عنه بعض أماليه كما قدمنا، وقد حفظ أحمد في صغره كتاب «تقريب الأسانيد» في أحاديث الأحكام للعراقي، وعرضه بتمامه عليه، ثم أسمعه والده بعد ذلك كثيرا على العراقي بمصاحبته وقد وقفت على إثبات العراقي بخطه أنه قرأ عليه المحدث المقرئ «يعقوب بن أحمد» جميع «النكت على كتاب ابن الصلاح» وسمع جماعة منهم ولد القارئ المذكور «أحمد» سمع مجالس كثيرة، وفاته مجالس من أول الكتاب … وكانت القراءة والسماع في مجالس (^١)، آخرها في يوم الثلاثاء ٢٩ ربيع الآخر سنة ٧٩٩ هـ ثم أجازه مع الجماعة المشار إليهم بجميع ما يجوز له، وعنه روايته من: مسموع، ومجاز، وتأليف من: نثر ونظم (^٢) وبهذا تلقى عن العراقي مجمل قواعد علوم السنة، واتصل سنده عن طريقه بتراثها حتى عصره ويفهم من حفظه لكتاب «تقريب الأسانيد» وعرضه على العراقي، وسماعه عليه مع الجماعة «للنكت على علوم ابن الصلاح» أن مؤلفات العراقي في علوم الرواية والدراية صارت منذ عصره ضمن منهج التعليم، رواية وحفظا ودراسة، وأنه قام بنفسه بروايتها والإجازة بها وتدريسها لطلابه، بجانب غيرها من مؤلفات المتقدمين والمتأخرين، وقد واصل شهاب الدين التلمذة.\n_________\n(^١) عددها ٥٤ مجلسا كما سيأتي في التعريف بنسخ هذا الكتاب.\n(^٢) انظر: «التقييد والإيضاح» للعراقي/ ١١٠٤ أ مخطوط بدار الكتب المصرية برقم ٣٦ مصطلح.","vol":"2","page":579},{"text":"بصحبة والده وبنفسه على العراقي، فحمل عنه كثيرا من أماليه وغيرها، حتى تضلع في علوم السنة، وصار من رجال القاهرة المعدودين، ونشط للتحديث بمروياته، فسمع منه الأئمة والحفاظ كالسخاوي وابن حجر، وشارك أيضا ابن حجر في التحديث بمروياتهما معا، وكانت محبته للحديث وأهله تجعله ينتقل معهم إلى الأماكن المتعددة لإسماعهم بها كما كان معتادا حينذاك، وبهذا نشر ما تلقاه عن شيخه العراقي رواية ودراية، حتى آخر حياته. ويعد هو ووالده من نماذج تلمذة (طبقات جيل المحدثين) للعراقي، كما أن صلته به توطدت، حيث صاهره على ابنته (زينب) وأنجب منها ذرية صالحة ومتعددة فصار بيته مشهورا بـ (بيت العراقي) وتسمى أحد أولاده باسم جده العراقي، وصار من علماء الحديث أيضا، فأحيا ذكرى جده، اسما وعلما، لثالث جيل (^١) ويلاحظ أن هذا ثاني من صاهر العراقي من تلاميذه المصريين، أصلا وموطنا بعد الهيثمي وثالث من صاهره، وهو الكلوتاتي مصري موطنا، كما أن ولده أبا زرعة قد تزوج مصرية (^٢) وبذلك اندمجت أسرة العراقي تماما بأبناء وبنات مصر، وحملت بيوتها اسمه وعلمه من بعده.\nوقد توفي ابن يعقوب هذا في ربيع الأول سنة ٨٥٦ هـ مشيعا بثناء العلماء والطلاب على السواء (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-181>٦ - ومنهم: «الحافظ: صلاح الدين الأقفهسي»</span> الذي نشر الحديث ببلاد\n_________\n(^١) انظر «عنوان الزمان» جـ ٢ لوحة ٢٥٤.\n(^٢) «الضوء اللامع» جـ ١/ ٣٤٢.\n(^٣) «الضوء اللامع» جـ ٢/ ٢٤٥.","vol":"2","page":580},{"text":"الهند والعجم، ونظم قصيدة في مدح العراقي (^١): وهو خليل بن محمد ابن عبد الرحيم، الأقفهسي، المصري، ولد تقريبا سنة ٧٦٣ هـ، لكنه مال إلى دراسة السنة قبيل سنة ٧٩٠ هـ، فرحل في ذلك إلى الشام والحجاز، ثم عاد إلى القاهرة سنة ٧٩٨ هـ، حيث كانت دروس العراقي بها متعددة كما سبق، وقد أثبت بخطه سماعه «صحيح البخاري» مع جماعة على العراقي في ٣٧ مجلسا بخانقاة «سعيد السعداء»، وكان آخرها يوم ٢٥ ربيع الأول سنة ٧٩٩ هـ وأجازه العراقي به مع الحاضرين أيضا (^٢) ثم أكثر التلمذة عليه حتى تبصر به في علوم الرواية والدراية، ومهر في معرفة المرويات والسند العالي والنازل ورجال السنة المتقدمين والمتأخرين، ومكنه ذلك من تأليف بعض معاجم الشيوخ، وإثبات المرويات والتخاريج الجيدة لنفسه ولغيره. وقد لقبه رفيقه ابن حجر بـ «المحدث المفيد الحافظ»، وشهد بأنه أمثل رفقته مطلقا وصرح باستفادته من «ثبته وأجزائه».\nويعتبر «الأقفهسي» من تلاميذ العراقي المكملين لرسالته في إفادة علوم السنة ونشرها خارج مصر، إلى أقاصي بلاد المسلمين شرقا، ذلك أنه بعد أن تبصر به في علوم السنة، رحل إلى الحجاز غير مرة، وجاور بمكة سنين، فحدث بها كثيرا وتخرج به من لم يدرك من شيخه العراقي إلا الإجازة «كتقي الدين بن فهد» وغيره، ثم خرج من الحجاز إلى الهند وما يليها من بلاد العجم، وظل قائما بنشر علوم السنة، مقدما المثل الصادق لانتشار علم العراقي بتلك البلاد\n_________\n(^١) انظر في التعريف به وبيان تأثير العراقي فيه: «الضوء اللامع» جـ ٤/ ١٧٦ وجـ ٣/ ٢٠٢ - ٢٠٤ وما سأحيل عليه بعد.\n(^٢) انظر وعنوان الزمان: جـ ٤/ ١٦٥، ١٦٦، ١٧٠.","vol":"2","page":581},{"text":"النائية حتى توفي فجأة ببلاد العجم في ذي الحجة سنة ٨٢٠ هـ.\nوقد أوضح الأقفهسي تأثره بأستاذية العراقي وتقديره لها بأكثر من وجه فعندما كان مجاورا بمكة، ألف «لجمال الدين بن ظهيرة» معجما بشيوخه ولما كان العراقي من أبرزهم، فإنه خصه بترجمة جيدة، وقرر فيها مكانته العلمية على مستوى عصره كما سيأتي، ثم خصه أيضا من شعره الجيد بقصيدة مدح، أشار إليها السخاوي، وحصلت على نصها الكامل في ٢١ بيتا (^١) وقد سبق ذكري لبعض أبياتها، كما سيأتي بعض آخر، وقد رأيته ضمنها تعديد محاسن العراقي وأخلاقه، وتفصيل جهوده في إحياء (السنة) علما وعملا، وهذا يدل على عمق صلته بأستاذه، واطلاعه على تراثه العلمي واستفادته منه، كما يظهر من مطلعها أنه نظمها بعد رحيله إلى الحجاز في أواخر حياة العراقي، حيث يفتتحها بقوله:\nحديثي وجدي في هواكم قديم … والصبر ناء واشتياقي مقيم\nوما لقلبي عنكم سلوة … كلا، ولو ذاق عذاب الجحيم\nوهذا يشير إلى عمق تأثره بشيخه وتعلقه به مهما بعد عنه.\n\n<span data-type='title' id=toc-182>٧ - ومنهم الحافظ: «تقي الدين الفاسي»</span> ناشر علم العراقي بالحرمين والشام واليمن.\nوهو: أبو الطيب، محمد بن أحمد بن علي، الفاسي، المكي، ولد بها في.\n_________\n(^١) انظر «مجموع ابن خطيب الناصرية» (نقوله عن خط شيخه أبي زرعة بن العراقي).","vol":"2","page":582},{"text":"ربيع الأول سنة ٧٧٥ هـ، ونشأ بالحرمين، ثم رحل غير مرة إلى القاهرة على عادة العصر، لاستكمال دراسته وأول رحلاته إليها كانت ٧٩٧ هـ، حيث كانت دروس العراقي ومجالس إملائه في أوجها، وكانت عناية الفاسي بعلم الحديث فائقة، فأخذ منه عن العراقي أوفر نصيب، وقرر بنفسه ذلك فقال: «أخذت عنه: الألفية الحديثية وشرحها بقراءته، وأجاز لي بالتدريس في علم الحديث، وانتفعت به فيه كثيرا، وقرأت عليه وسمعت عليه أجزاء كثيرة، وأكثر «مسند العدني» و«فوائد تمام» وغير ذلك» (^١) وهذا يدل أيضا على تعدد نشاطه في دروسه ومنهجه فيها، فهو تارة يقرأ بنفسه لهم مؤلفاته، مع التوضيح والبيان، وتارة يقرأون هم عليه مروياته العديدة من كتب السنة المختلفة، وهو ينصت لهم ويبين ما يحتاجون إليه ضبطا وشرحا، وواظب على ذلك، حتى كثر انتفاعهم، ومن أظهر منهم صلاحيته لحمل الرسالة، فإنه يأذن له ويخرجه، سواء كان من أبناء مصر أو من الوافدين عليها، وهكذا، وذلك ما يقضي به منهج تعلم السنة وتعليمها، تحملا وأداء، وقد واصل التقي الفاسي دراسته على العراقي وغيره حتى صار من حفاظ السنة المعدودين، حتى قرر ولي الدين بن العراقي أنه لا يوجد بمكة في عصره من يستحق لقب «الحافظ» غيره (^٢).\nوبموجب تصريح الفاسي بوفرة إفادته من شيخه العراقي، ويإجازته له بالتدريس فإنه يعد رسوله الناشر لعلمه، رواية ودراية وتأليفا أينما حل، وقد قام كما أذن له العراقي بالتحديث والتدريس في الحرمين المكي والمدني، وفي\n_________\n(^١) «ذيل التقييد» / ٢١٩ ب و«الضوء اللامع» جـ ٤/ ١٧٦.\n(^٢) «الجواهر والدرر» / ٥٦ ب، والضوء اللامع ٧/¬١٨.","vol":"2","page":583},{"text":"دمشق وبلاد اليمن، وأخذ عنه العديد من طلاب تلك البلاد وأئمتها، وبذلك انتشر بها ما تلقاه عن شيخه العراقي من مروياته ومؤلفاته، كما أنه ألف عدة مؤلفات في علوم السنة ودرسها لطلابه، لكنها تبددت من بعده ومما بقي في علم الرجال المتأخرين، كتاب «ذيل التقييد في رواة السنن والمسانيد» ورتب التراجم فيه على حروف المعجم، وهو يقع في مجلد عادي (^١).\nوقد ترجم فيه شيخه العراقي ترجمة جيدة، مبينا كثيرا من مروياته من السنن والمسانيد والأجزاء، مع ذكر كثير من مؤلفاته، وهذا يدل على خبرته بعلمه ونتاجه، وقد صرح في هذه الترجمة باستفادته الكبرى من العراقي كما قدمت نقله عنه، واستهلها بقوله: «شيخنا الحافظ المعتمد» (^٢).\nومع هذا فقد نقل عنه السخاوي تفضيله لابن حجر على شيخه العراقي في حياته كما سيأتي ذكره والرد عليه.\nوقد ختم الفاسي رحلاته العالمية، وأقام بمكة، وتولى قضاء المالكية بها سنة ٨٠٧ هـ؛ لكنه عزل بعد ذلك، ونشط في رسالته الحديثية، وصار شيخ الحرم وتوفي بمكة في شوال سنة ٨٣٢ هـ ولم يخلف بعده بالحجاز مثله (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-183>٨ - وممن تخرج بالعراقي: «سبط ابن العجمي»</span> شيخ حفاظ عصره بالشام وشارح ألفية العراقي في المصطلح: وهو برهان الدين إبراهيم بن محمد بن خليل، المعروف بـ «سبط ابن العجمي» وبـ «البرهان الحلبي» حيث ولد،\n_________\n(^١) انظر قائمة المراجع المخطوطة والمصورة وقد طبع حاليا في جزءين.\n(^٢) «ذيل التقييد» / ١٢١٩.\n(^٣) انظر في التعريف به وبيان أثر العراقي فيه «الضوء اللامع»، جـ ٧/¬١٨ - ١٩.","vol":"2","page":584},{"text":"بحلب في ٢٢ رجب سنة ٧٥٣ هـ، ومع أنه لم يبكر بطلب الحديث كالمعتاد إلا أنه جد في دراسته بالشام ومصر، حتى لقب بشيخ السنة وحافظ الشام، بل وبشيخ حفاظها، بلا منازع، وقد أثر العراقي في تكوينه العلمي وفي مؤلفاته.\nفبالنسبة للتكوين، ذكر السخاوي عنه، أنه لازم شيخه العراقي في علم الحديث نحو عشر سنين (^١) وهي مدة طويلة بالنسبة له باعتباره وافدا من خارج مصر كما أنها كافية في إفادته أكبر قدر ممكن من آراء شيخه ومروياته ومؤلفاته ويظهر أن تلك الملازمة كانت على مرحلتين، حيث قرر السبط بنفسه مع غيره أنه ارتحل إلى مصر مرتين، وحدد السخاوي بداية الرحلة الأولى بسنة ٧٨٠ هـ، وأثبت السبط أنه في تلك الرحلة قرأ جميع شرح ألفية الحديث على مؤلفه العراقي، وبين أنها كانت قراءة بحث ومناقشة تفصيلية، حتى كان العراقي يصلح أثناءها بعض عبارات الشرح ويضيف بعض الزيادات (^٢) كما كان للبرهان الحلبي بعض الاستدراكات على شيخه كما سيأتي، ويبدو أنه مكث في هذه الرحلة ملازما العراقي ٥ سنين، حيث أثبت له بخطه أنه قرأ عليه تأليفه في (فتوى عاشوراء) في ٢١ ذي القعدة سنة ٧٨٥ هـ ولقبه حينئذ بالإمام الأوحد، والمحدث المفيد، بينما لقب غيره من تلاميذه الشاميين في نفس الإثبات بالفقيه المشتغل المحصل (^٣).\n_________\n(^١) (الضوء اللامع) جـ ٤/ ١٧٥.\n(^٢) انظر آخر شرح العراقي لألفيته في المصطلح وهوامش ص ٣٤، ١٤٥، ٢٨٢ (مخطوط بدار الكتب المصرية برقم (١٣٩) مصطلح تيمور).\n(^٣) (فتوى عاشوراء) / ١ مخطوط بدار الكتب المصرية برقم ١٣٥ مجاميع.","vol":"2","page":585},{"text":"وهذا يدل على تأثير تلك الملازمة في تقدم السبط في علوم السنة أكثر من غيره، وعلى دقة العراقي في منح الألقاب العلمية المصطلح عليها، ويلاحظ أن الملازمة المذكورة كانت في مرحلة عمل العراقي الأولى بالقاهرة، قبل تحوله إلى المدينة المنورة.\n\n<span data-type='title' id=toc-184>تصحيح تاريخ رحلة السبط الثانية للقاهرة وإذن العراقي له بالتدريس والتأليف:</span>\nأما رحلة السبط الثانية إلى القاهرة فيحدد السخاوي بدايتها بسنة ٧٨٦ هـ (^١) وهذا لا يتفق مع ما قرره السخاوي بنفسه بشأن ملازمة السبط للعراقي ووقائع تلمذته له، فقد قرر أنه لازم العراقي نحو ١٠ سنين كما ذكرت، وقد تبين لنا أنه استغرق ٥ سنين في الرحلة الأولى، فتكون ملازمة السبط في الرحلة الثانية أقل من ٥ سنين بيسير، فإذا حسبت ابتداء من سنة ٧٨٦ هـ يكون السبط قد استغرق منها سنتين على الأقل قبل سفر العراقي للمدينة سنة ٧٨٨ هـ، واستغرق الباقي بعد عودته سنة ٧٩٢ هـ كما قدمنا، وبذلك لا يكون السبط أدرك أمالي العراقي القاهرية التي ابتدأها أول سنة ٧٩٥ هـ كما قدمنا، بينما السخاوي نفسه قرر أن البرهان الحلبي استملى على العراقي بعض تلك الأمالي (^٢).\nومن جهة أخرى فإني قد وقفت على إثبات حضوره المجلس الأخير من مجالس العراقي لإسماع «صحيح البخاري» بخانقاة سعيد السعداء\n_________\n(^١) «الضوء اللامع» جـ ١/ ١٤٠.\n(^٢) المرجع السابق جـ ٤/ ١٧٥.","vol":"2","page":586},{"text":"بالقاهرة سنة ٧٩٩ هـ (^١).\nوبمقتضى هذا تزيد فترة ملازمة السبط للعراقي عن ١٠ سنين، وهو خلاف ما قرره السخاوي قبلا، والذي يظهر لي أن هذه الرحلة بدأت سنة ٧٩٦ هـ واستمرت ملازمة السبط للعراقي نحو خمس سنين، تكملة لفترة الملازمة في الرحلة الأولى، بدليل سماعه عليه سنة ٧٩٩ هـ كما قدمت. وبجانب حضوره في هذه المرحلة مجالس العراقي لإسماع البخاري، فإنه قرر سماعه عليه فيها شرح الألفية الذي قرأه عليه بنفسه في الرحلة الأولى (^٢).\nأما السخاوي فذكر أن البرهان الحلبي قرأ على العراقي ألفية المصطلح ونكته على علوم ابن الصلاح، مع البحث في جميعها وغيرها، من تصانيفه وغيرها، وأنه تخرج به، وأذن له في الإقراء والكتابة على الحديث، بل أشار له أن يخرج ولده الولي (أبا زرعة)، لكنه لم يؤرخ شيئا من ذلك، وصرح السبط نفسه بأنه بجانب قراءته على العراقي شرح الألفية المتقدم، قرأ عليه نكته على ابن الصلاح ولم يؤرخ ذلك أيضا (^٣).\nولكن هذا لا ينفي أنه تلقى عن العراقي مؤلفاته المذكورة خلال تلمذته عليه مع دراستها عليه دراسة جيدة بجانب غيرها مما ذكرته وما أشار إليه السخاوي وبذلك كله كان لملازمة البرهان الحلبي للعراقي أثرها البالغ في تكوينه العلمي وتقدمه وفي نشاطه المتعدد، حيث مكث بضعا وستين سنة قائما بقراءة الحديث بنفسه لطلابه وإسماعه لهم بقراءة غيره وتدريس علومه مع صبره على\n_________\n(^١) «عنوان الزمان» جـ ٤/ ١٧٠.\n(^٢) انظر آخر «شرح الألفية للعراقي» مخطوط بدار الكتب المصرية برقم (١٣٩) مصطلح تيمور.\n(^٣) «الإغتباط بمعرفة من رمي بالاختلاط» لسبط بن العجمي ص ٣.","vol":"2","page":587},{"text":"ذلك حتى كان يقوم بالإسماع أياما كاملة، دون ضجر ولا ملل، مع تفرده ببعض مروياته فرحل إليه الطلاب من أنحاء البلاد، وأخذ عنه الأئمة عبر تلك السنين طبقة بعد طبقة، ومنهم من كان يجد كفايته في التلمذة عليه وحده، ولا عجب فقد شهد له رفيقه ابن حجر بأنه أحق الناس في عصره بالرحلة إليه، لعلو سنده حسا ومعنى، ومعرفته بالعلوم فنا فنا وهذا يصور لنا مدى نشره لما تلقاه عن العراقي رواية ودراية من مؤلفاته وغيرها، بالإضافة إلى أنه ألف كثيرا في علوم السنة، واعتمد في ذلك على ما استفاده من العراقي مشافهة، وعلى مؤلفاته، كما شرع في تأليف حاشية على ألفية الحديث وشرحها لشيخه كما سنوضحه، وبذلك كله كان البرهان الحلبي أنموذجا لتلاميذ العراقي الوافدين، الذين عظم تأثيره فيهم وخرجهم، ثم صاروا أعلاما للسنة في بلادهم، وكانوا امتدادا جيدا لأثره في علوم السنة تعليما وتأليفا.\nوقد توفي السبط بحلب بعد حياته الحافلة بخدمة السنة، وذلك في ٢٦ شوال سنة ٨٤١ هـ ولم يتأخر هناك في علم الحديث مثله (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-185>٩ - وممن تخرج به أيضا وشرح بعض مؤلفاته: «ابن حجر العسقلاني»</span> حافظ الدنيا من بعده (^٢) وهو أحمد بن علي بن محمد، المعروف بابن حجر\n_________\n(^١) انظر «الضوء اللامع» جـ ١/ ١٣٨ - ١٤٤، و«لحظ الألحاظ» / ٣٠٨ - ٣١٥، و(فهرس الفهارس) جـ ١/ ١٥٧، ١٥٨.\n(^٢) رجعت في التعريف به وبيان تأثير العراقي فيه وموقفه منه إلى ترجمته لنفسه في (رفع الإصر عن قضاة مصر)، و(بهجة الناظرين) / ٨٨ - ٩٠، و(ذيل نزهة النظار في قضاة الأمصار) للزفتاوي ٤٨ أ - ٤٩ أ (مخطوط)، و(نظم العقيان) / ١١ ب - ١٣ أ و«الضوء اللامع» جـ ٢/¬٣٦ - ٤٠ و(عنوان الزمان) جـ ١ لوحة ٣٥ - ٦٨ و(البدر الطالع) للشوكاني ج ١/ ٨٧ وما بعدها، وما سأحيل عليه في الأثناء.","vol":"2","page":588},{"text":"العسقلاني الأصل، ثم المصري، وقد كتب بخطه مولده في ٢٣ شعبان سنة ٧٧٣ هـ وسأركز على جوانب تأثير العراقي فيه وبيان موقفه منه لأن غيري قد تناوله بالبحث المتخصص، وتلميذه السخاوي ترجمه في كتاب يقع في مجلدين متوسطين باسم «الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر»، وقد بدأ اتصاله العلمي بالعراقي في صغره حيث كانت ألفيته في علوم الحديث ضمن محفوظاته في أول سلمه التعليمي، غير أن تلقيه المباشر عنه تأخر كثيرا، لعدم وجود من يعتني بتوجيهه لدراسة الحديث من صغره، كما كان معتادا، ولعل هذا ما جعله يثير هذه النقطة ويوسعها بالنسبة لشيخه العراقي كما قدمت ذكره والرد عليه، بل إنه بعد أن تتلمذ قليلا على شيخه في سنة ٧٨٦ هـ حيث كان في الثالثة عشر من عمره تقريبا، انقطع نحو عشر سنين مشتغلا بعلم الأدب، وفي ذلك يقول: «اجتمعت به في سنة ٧٨٦ هـ فقرأت عليه، ثم فتر العزم إلى رمضان سنة ٧٩٦ هـ حيث رفع الحجاب وانفتح الباب» (^١).\nوعندئذ عزم على الاختصاص بالسنة وجد كثيرا في الطلب لتعويض ما فاته وتم له ذلك مثلما فعل شيخه العراقي أيضا، وتلاحظ من قول ابن حجر «رفع الحجاب وانفتح الباب» أنه يعلل تأخره وفتور عزمه حتى التاريخ المذكور بالقضاء والقدر، بينما علل تأخر شيخه العراقي بتراخيه وتشاغله وبعدم عناية والده بفن الحديث كما قدمنا، مع أنه كان بإمكانه تعليله أيضا بالقضاء والقدر لو لم يقصد الغمز، غير أن هذه الغمزة التي سبق ردنا عليها، وغيرها من الانتقادات والاستدراكات العلمية التي وجهها لشيخه، تصريحا أو\n_________\n(^١) «المجمع المؤسس» / ١٧٩ و«الجواهر والدرر» / ١٩ أ.","vol":"2","page":589},{"text":"تلميحا، مثل قوله: «إنه لم يكن له من يخرجه على طريقة أهل الإسناد» كما سبق رده أيضا، وقوله بعد بعض الاستدراك عليه كما سيأتي بحثه: «ولي مع الشيخ مراجعات كثيرة يطول شرحها» (^١).\nكل ذلك لم يمنع ابن حجر نفسه وغيره، من تقرير أن المئات من شيوخه في علوم السنة أجلهم وأعمقهم تأثيرا فيه هو العراقي، فالسخاوي يقول: «إن ابن حجر سمع المسلسل بالأولية من جماعة، أجلهم حافظ الوقت أبو الفضل العراقي» (^٢).\nويقول ابن حجر نفسه: «لازمت شيخنا عشرة سنين، تخلل في أثنائها رحلاتي إلى الشام وغيرها» (^٣) وحددها بأنها بدأت من رمضان سنة ٧٩٦ هـ إلى أن حجب الشيخ عن التدريس وغيره، كما قدمنا في شوال سنة ٨٠٥ هـ (^٤). وقد أشرنا من قبل إلى أن ملازمة الطالب لأستاذه هي أبلغ صور التلمذة، بحيث اصطلح المؤرخون والمحدثون على التعبير بـ «الملازمة» في بيان عمق التأثر والاستفادة من الشيوخ، حتى لو كانت مدتها قصيرة، فما بالنا لو قاربت ملازمة ابن حجر للعراقي عشرة سنين، وكانت في ذروة اتساع مجالس دروس العراقي وأماليه؟ ولهذا يقول ابن حجر عن العراقي: «قرأت عليه كثيرا ولازمته طويلا» (^٥).\n_________\n(^١) (المجمع المؤسس) / ١١٩.\n(^٢) (الجواهر والدرر) / ٤٥٠.\n(^٣) (إنباء الغمر) جـ ٢/ ٢٧٧.\n(^٤) (المجمع المؤسس) / ١٧٩.\n(^٥) (ذيل الدرر الكامنة) / ٧٢.","vol":"2","page":590},{"text":"ومما يصور تلك الملازمة وكثرة عائدها، أنها تجاوزت أماكن الدراسة إلى منزل العراقي نفسه فكان ابن حجر يتردد عليه كثيرا منذ اتجاهه للتخصص بالسنة حيث يقول عن بداية ذلك في رمضان سنة ٧٩٦ هـ: «فاجتمعت به بمنزله بجزيرة الفيل وحدثني من لفظه بالمسلسل بالأولية .. ثم قرأت عليه كتابه «الأربعين العشارية» من جمعه» (^١).\nوقد أثبت أيضا بخطه سماع جماعة بقراءته هذه للكتاب على العراقي وأرخ ذلك في ١٢ شوال من السنة المذكورة (^٢).\nويقول السخاوي عن ابن حجر: «إنه قرأ على العراقي ألفيته وشرحه لها بحثا، وانتهى ذلك في يوم الجمعة ٢٣ رمضان سنة ٧٩٨ هـ بمنزل المصنف بجزيرة الفيل على شاطئ النيل» (^٣).\nوكتب له العراقي بخطه أن قراءة الكتابين المذكورين كانت قراءة بحث وتأمل ونظر وتعقل، وأنه تم ذلك في مجالس آخرها في العشر الأخير من رمضان سنة ٧٩٨ هـ (^٤) كما ذكر السخاوي قراءة ابن حجر على العراقي بمنزله المذكور بعض أحاديث «مسند أحمد» (^٥) ويؤكده قول ابن حجر: «إنه قرأ على العراقي بمنزله بظاهر القاهرة الجزء الذي ألفه في الأحاديث التي قيل\n_________\n(^١) «المجمع المؤسس» / ١٧٩.\n(^٢) «الأربعين العشارية» / ٢١ أ (مخطوط).\n(^٣) «الجواهر والدرر» / ١٩ أ.\n(^٤) «الجواهر والدرر» ٥٢ أ، ب.\n(^٥) المرجع السابق/ ٣٧ أ.","vol":"2","page":591},{"text":"بوضعها في مسند أحمد» (^١). وأثبت العراقي قراءة ابن حجر لهذا الجزء عليه في ١٦ شعبان سنة ٨٠٢ هـ (^٢).\nوهذا يفيد امتداد تلمذته عليه بمنزله إلى أواخر حياته، كما يثبت ما قدمته من أن العراقي فتح منزله لطلابه، للتلقي عنه في وقت فراغه من العمل في الأماكن الدراسية المتعددة، السابق بيانها.\nوبالنسبة لملازمة ابن حجر له في تلك الأماكن الدراسية وما تلقاه عنه فيها رواية ودراية، فإن تفاصيل ذلك ضخمة، ونكتفي فيها بالنماذج المعبرة، فمن ذلك ما قدمته من قراءته على العراقي عددا من مروياته بالمدرسة (القرسنقرية) وإجازته مع الحاضرين (^٣).\nوصرح ابن حجر كذلك بأنه استملى على شيخه كثيرا من أماليه (^٤).\nوقال السخاوي: «وحمل عنه من أماليه جملة مستكثرة واستملى عليه بعضها» (^٥) وأثبت العراقي له ذلك أيضا بخطه (^٦) وقد تقدم أن العراقي عقد مجالس إملائه في عدة مدارس، مع قيامه فيها أيضا بتدريس علوم السنة وعليه يكون ابن حجر قد لازم العراقي في دروسه وأماليه بتلك المدارس. وقد قرر السخاوي ذلك فقال: «وأكثر ﵁ من التردد إلى العراقي\n_________\n(^١) «القول المسدد» لابن حجر/ ٣.\n(^٢) «الجواهر والدرر» ١/ ٥٢/ أ.\n(^٣) انظر أيضا: «عنوان الزمان» جـ ١/ لوحة ١٠٠.\n(^٤) «المجمع المؤسس» / ١٧٨.\n(^٥) «الجواهر والدرر» ١/¬٢٢ أ.\n(^٦) المرجع السابق/ ٥٢ ب.","vol":"2","page":592},{"text":"المذكور، فقرأ عليه غير ما تقدم، الكتب الكبار، والأجزاء القصار الكثير (^١). وقال الشوكاني: «فعكف علي الزين العراقي، وحمل عنه جملة نافعة من علم الحديث سندا ومتنا وعللا واصطلاحا» (^٢) وقد عدد ابن حجر في «معجم شيوخه» مما قرأ أو سمع جميعه أو بعضه على العراقي، أكثر من مائة كتاب في علوم الرواية والدراية، من مؤلفات العراقي وغيره من المتأخرين والمتقدمين، ومنها ما يبلغ المقروء أو المسموع منه عدة مجلدات كـ «السنن الكبرى» للبيهقي، و«تكملة شرح الترمذي» للعراقي، ومنها الأجزاء الصغيرة ككتاب «التسوية بين حدثنا وأخبرنا» لأبي جعفر الطحاوي وكتاب «المراسيل» للعراقي (^٣).\nومع هذا فإنه لم يستوعب كل ما قرأه أو سمعه على العراقي من مؤلفاته وغيرها حيث ذكر في غير «المجمع» كتبا أخرى متعددة، مثبتا قراءتها أو سماعها كلها أو بعضها على العراقي (^٤) كما ذكر غيره إضافات ثالثة (^٥) وفضلا عن هذا ما أجازه به أو ناوله إياه (^٦) أو أفاده شفاهة من آراء وتحقيقات علمية وإجابات عن بعض الأسئلة كما ستأتي أمثلته.\n_________\n(^١) المرجع السابق/ ٢٢ أ.\n(^٢) «البدر الطالع» جـ ١/ ٧٨.\n(^٣) انظر تفصيل ذلك كله في «المجمع المؤسس» من ١٧٧ - ١٩٣.\n(^٤) انظر «المعجم المفهرس» له ١٧٥، ١٧٦.\n(^٥) انظر «شرح الإحياء» للزيبدي جـ ١/¬٤٥، ٤٦ و«ثبت السخاوي بما قرأه على شيخه ابن حجر» / ١٧٨ ب (مخطوط مصور).\n(^٦) انظر «المعجم المفهرس» / ١٧٤، ١٧٦.","vol":"2","page":593},{"text":"ولئن أعطانا هذا صورة وافية عن اجتهاد ابن حجر وحرصه على تحصيل أكبر قدر ممكن من علم العراقي خلال ملازمته، فإنه أيضا يعطينا صورة وافية للتأثير البالغ والمجهود الشاق الذي بذله العراقي في بناء شخصية ابن حجر الحديثية على خير وجه خلال سني ملازمته له، ويعطينا في نفس الوقت صورة وافية للضخامة في الكيف والكم لما أداه العراقي إلى طلابه عموما خلال منهجه الدراسي للسنة في تلك الفترة الختامية فضلا، عما سبقها؛ لأن ابن حجر لم ينفرد بتلقي غالب ما تقدم عنه، بل شاركه الكثيرون وخاصة الذين كانوا يلازمون العراقي مثله، ويترددون على دروسه ومجالسه للإملاء كما أشرنا من قبل.\n\n<span data-type='title' id=toc-186>أولية تخريج العراقي لابن حجر ونص إجازته له بالرواية عنه وبتدريس علوم السنة وغيرها وترشيحه لخلافته:</span>\nونتيجة لوفرة تحصيل ابن حجر على النحو المشار إليه وجودة فهمه، فإن العراقي بكر بتخريجه، حيث أذن له بعد نحو ٣ سنين من الملازمة بتدريس علوم السنة مع توثيقه، ومنحه الألقاب الحديثية المصطلح عليها، تشجيعا له وتقديرا لما أبداه من الاجتهاد في التحصيل وجودة الفهم، وكان ذلك في جمادى الآخرة سنة ٧٩٩ هـ (^١)، فكتب له بخطه بعد بيان أهمية علم الحديث: «لما كان الشيخ العالم الكامل .. الإمام المحدث المفيد المجيد، الحافظ المتقن الثقة المأمون، شهاب الدين أحمد أبو الفضل .. ممن وفقه الله لطلبه، فجمع الرواة والشيوخ، وميز بين الناسخ والمنسوخ، وجمع الموافقات والأبدال (^٢) وميز بين الثقات والضعفاء من الرجال وأفرط بجده الحثيث، حتى انخرط في سلك أهل\n_________\n(^١) «الجواهر والدرر» / ١٩ أ.\n(^٢) نوعان من أنواع علو السند.","vol":"2","page":594},{"text":"الحديث. وحصل في الزمن اليسير على علم غزير ..» ثم ذكر مما قرأه عليه بتعقل وبحث، ألفيته وشرحها ونكته على مقدمة ابن الصلاح، بالإضافة إلى قراءة عدة أجزاء من مروياته العالية الإسناد، وكتابة عدة مجالس من الأمالي كما قدمت، ثم قال: «وأجزت له أن يروي ذلك عني ويقرئ الألفية والشرح عليها والنكت المذكورة، ويفيدها لمن أراد، ويقرئ كتب الحديث وعلوم الحديث وأذنت له أن يروي ذلك، ويلقي بذلك الدروس الحديثية، ويروي عني جميع مؤلفاتي ومروياتي .. وهو غني عن التوصية، لرغبته في الخير، زاده الله علما وفهما ووقارا وحلما …» (^١)\nوجدير بالذكر أن العراقي كان أول من منح ابن حجر كل هذه الصلاحيات (^٢)، وبموجبها صار من رجال السنة وحفاظها المعتمدين والمؤهلين على يد رائد السنة في عصره، لممارسة جميع أنشطتها، وبذلك كان العراقي هو الأستاذ الأول لابن حجر، وبداية انطلاقه إلى مجده العلمي المشهود له به حتى الآن، رواية وتدريسا وبحثا وتأليفا، وإليه - بعد الله تعالى - يرجع الفضل الأكبر في تفجير عبقريته العلمية، وتنمية مواهبه بالمناقشة والبحث، وتغذيتها بعلمه، على امتداد سني الملازمة، وصقلها بخبرته، وقد قرر ذلك أبو زرعة ابن العراقي فقال: «إن ابن حجر صحب والده من سنة ٧٩٦ هـ وتخرج به وتنبه وفهم هذا الشأن كما ينبغي، وخرج وصنف وأفاد» (^٣).\n_________\n(^١) الجواهر والدرر/ ٥٢ أ، ب.\n(^٢) «الجواهر والدرر» / ١٩ أ.\n(^٣) «الجواهر والدرر» ٥٦ أ.","vol":"2","page":595},{"text":"وقال الغزي وغيره من تلاميذ ابن حجر: «إنه تخرج على حافظ العصر وبقية الأعلام أبي الفضل العراقي، ومهر عليه وقرأ عليه الكثير من مصنفاته وغيرها».\nعلى أنه قد تتلمذ للعراقي أيضا في علم الفقه، رغم تلقيه من قبل عن إمام عصره فيه، وهو السراج البلقيني وعن ولده جلال الدين، حتى أذن له العراقي بالإفتاء والتدريس عقب إذنهما، فكتب بخطه: «كذلك أجزت له أن يدرس ويشغل ويفتي بما حصله مما ذكره وما علمه من مذهب الشافعي ﵁، لما اجتمع فيه من العلم والفهم والإفادة» (^١).\nولما كان التخرج كما قدمت من قبل، مجرد مرحلة ينطلق منها الدارس إلى ما بعدها من التبحر في العلوم والإستيعاب، فإن ابن حجر ظل بعد تخرجه ومزاولة نشاطه الحديثي والفقهي مواظبا على التلمذة لمخرجه، إلى ختام نشاطه العلمي كما قدمنا، وظل العراقي أيضا يوالي إفادته ويوليه عنايته وتقديره ويتابع نشاطه وإنتاجه العلمي، فمن ذلك أنه كان يذهب بنفسه لتوديعه عند السفر في رحلاته العلمية خارج مصر، ولتهنئته بسلامة العودة منها (^٢)، وذلك غاية التشجيع والتقدير من أستاذ لتلميذه، كما كان يجلسه بجانبه عندما يحضر مجلس الإملاء، وكان ابن حجر يعرض على شيخه ما ينجزه من مؤلفاته، فيقرظها له ويثني في ذلك عليه، ومن ذلك كتابه الضخم «لسان الميزان» الذي كثر اعتماده فيه على عدة مؤلفات للعراقي كما سيأتي، وقد\n_________\n(^١) «الجواهر والدرر» / ٥٢ ب.\n(^٢) المرجع السابق/ ٥٣ أ.","vol":"2","page":596},{"text":"منحه في تقريظه من الألقاب الحديثية ما لم يمنحه له عند التخرج، تقديرًا منه لتقدمه الكبير في علوم السنة، حيث قال: «كتاب لسان الميزان»، تأليف الحافظ المتقن الناقد الحجة شهاب الدين أحمد .. وأرخ ذلك في ٢١ شوال سنة ٨٠٥ هـ (^١) ويلاحظ أن العراقي احتجب في نفس الشهر المذكور، مما يدل على متابعته لنشاط تلميذه لآخر حد ممكن، كما أنه في أواخر أيامه أخذ تلاميذه يحسون بالفراغ الذي سيتركه، فيسألونه عمن يستحق أن يخلفه في ريادة مدرسة السنة، فسأله كمال الدين بن العديم عمن بقي بعده من الحفاظ؟ فبدأ بابن حجر وثنى بولده أبي زرعة وثلث بالهيثمي، ثم سأله نور الدين الرشيدي مرة أخرى فقال: في الشيخ شهاب الدين ابن حجر كفاية (^٢).\nوحين يقدم الأستاذ تلميذه على ولده الأثير عنده والمشارك له في نفس التخصص، فإنه يقدم أكبر دليل على تجرده وإنصافه، ولهذا كان اعتزاز ابن حجر كبيرًا بهذا التقديم المطلق من شيخه له (^٣) وعده مؤرخوه من مفاخره (^٤).\nوكما كان للعراقي أثره الكبير في التكوين العلمي لابن حجر ورفع مكانته حتى قدمه على ابنه وساواه بنفسه، واعتمد على تخريجه وتأليفه في بعض أماليه، فقد كان له أيضًا أثره الخالد في كثير من مؤلفاته في علوم السنة سواء الموسوعات الضخمة التي عرف بها، كـ «فتح الباري بشرح صحيح البخاري» و«الإصابة في تمييز الصحابة» و«لسان الميزان» و«تغليق التعليق»، أو\n_________\n(^١) المرجع السابق/ ٥١ ب.\n(^٢) المرجع السابق ٥٢ ب.\n(^٣) انظر: «إنباء الغمر» جـ ٢/ ٢٧٧.\n(^٤) «الجواهر والدرر» / ٥٢ ب.","vol":"2","page":597},{"text":"المؤلفات الدقيقة، كالقول المسدد، وغيره، حيث طعم ابن حجر هذه المؤلفات وغيرها، كما سنفصله، بمروياته عن العراقي وبما استفاده منه شفاهة خلال دروسه، وببعض مؤلفاته كاملة بنصها، أو ما يحتاجه المقام منها، ومن مؤلفاته ما وافق فيه شيخه العراقي فكرة ومنهجا وموضوعا كما سيأتي تفصيله ومثال ذلك: جمعه لزوائد كتب السنة على بعضها وتبويبها، وأجمع ماله في ذلك كتاب (المطالب العالية في زوائد المسانيد الثمانية) وهو مطبوع حاليا في صورته المختصرة ٤ مجلدات وفي صورته المسندة أيضا أكثر من طبعة، بل إن لابن حجر بعض المواقف الدالة على تأثره بالعراقي في منهجه التعليمي حيث أراد تدريب العلاء القلقشندي ليكون معه كالهيثمي مع العراقي، لكن لم يتيسر له ذلك وقد تتلمذ له (العلاء) هذا بعد أن تتلمذ لشيخه العراقي، فأخذ عنه أكثر شرح ألفية الحديث، ولازمه حتى كتب عنه الكثير من أماليه، وأثبت العراقي بنفسه اسمه في عدة مجالس (^١) ومن أجل هذا قرر ابن حجر بنفسه التأثير العام للعراقي فيه فقال إنه: شيخنا وأستاذنا وسيدنا وقدوتنا ومعلمنا ومفيدنا ومخرجنا (^٢).\nوقد شكل ابن حجر بجهوده في نشر السنة وتعليمها امتدادا علميا لشيخه العراقي فقد حدث طلابه بغالب مروياته عنه، كما تقدم، ذكرها من مؤلفاته وغيرها طويلها ومختصرها (^٣)، وكان من يتأسف على عدم إدراك العراقي وولده أبي زرعة لأخذ الحديث عنهما يجد عزاءه في إدراك تلميذهما ابن\n_________\n(^١) (الضوء اللامع) ج ٥/ ١٦١ - ١٦٣.\n(^٢) (إنباء الغمر) جـ ٣/ ٣١١ و(المجمع المؤسس) / ٣٦٦، ٣٦٧ و(الضوء اللامع) ج ٤/ ١٧٥.\n(^٣) (الجواهر والدرر) / ٤٥ ب.","vol":"2","page":598},{"text":"حجر ويقول: «نحمد الله على وجود الشيخ شهاب الدين بن حجر» (^١).\nوقد أحيا أيضا سنة الإملاء بعد العراقي وولده، وصرح باقتدائه بهما في ذلك (^٢).\nكما أنه تناول بعض مؤلفات شيخه بالشرح أو التعليق أو الاستدراك كما سيأتي تفصيله.\nوبهذا كله كان خير خلف له في حمل لواء السنة داخل مصر وخارجها، وتكميل مسيرته بمختلف جوانبها حتى صار حافظ الدنيا بأجمعها في عصره وانتهت إليه رئاسة الحديث بمصر وغيرها إلى أن توفي بالقاهرة بمنزله داخل باب الشعرية في ٢٨ ذي الحجة سنة ٨٥٢ هـ، وقد قرر السيوطي أنه ختم به الفن وقرر غيره تحول مدرسة السنة من مصر بعد تلاميذه، كالسخاوي والسيوطي، إلى الهند (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-187>١٠ - ومن تلميذاته:</span>\n«هاجر» ابنة المحدث الشرف محمد بن محمد القدسي أسند أهل عصرها (^٤): وهي عزيزة ابنة محمد بن محمد بن أبي بكر المعروف بالمحدث الشرف أبي الفضل القدسي الأصل، القاهري، وقد ولدت في ربيع الأول سنة ٧٩٠ هـ بعد وفاة أخت لها كانت تسمى «عزيزة» فسميت باسمها، ثم ترك هذا\n_________\n(^١) «الجواهر والدرر» / ٦٠ أ.\n(^٢) «المجمع المؤسس» ٥/ ٣٦٧.\n(^٣) «الحديث والمحدثون» لشيخنا الشيخ محمد أبو زهو ﵀ ١/ ٤٣٩، ٤٤٠.\n(^٤) «الضوء اللامع» ج ١٢/ ١٣١، ٢٣٢.","vol":"2","page":599},{"text":"الاسم، إلى «هاجر» لتمييزها عن أختها، ولما كان والدها محدثا فإنه اعتنى بتنشئتها الحديثية، فأحضرها الكثير جدا من عوالي الأجزاء والكتب والمشيخات والفوائد الحديثية على كثير من الشيوخ والشيخات، وكان ممن أحضرت وأسمعت عليه الحافظ العراقي، ومما حضرته عليه وهي في الرابعة من عمرها كتاب (الأربعين العشارية الإسناد) وهو من أعلا مروياته (^١).\nوقد عمرت فوق الثمانين، فصارت أسند أهل عصرها من النساء، وتزاحم عليها الطلبة وقرأ السخاوي عليها كثيرا، وأسمع ولده بقراءته عليها، وبذلك انتشرت مروياتها عن العراقي، وممن قرأ عليها (الأربعين العشارية) له، المحدث شرف الدين يحيى بن محمد بن سعيد القبابي التاجر، وسمعها عليها بقراءته، المحدث بدر الدين محمد بن أحمد العلائي (^٢)، وقد توفيت في ٦ من المحرم سنة ٨٧٤ هـ.\n١١ - ومنهن: ابنته (زينب) التي حدثت بالكثير، وتزوجها ابن يعقوب، المحدث، تلميذ العراقي:\nوقد ذكر السخاوي أنها ولدت قبيل الصبح من ليلة ١٢ ذي الحجة سنة ٧٩١ هـ وعني أبوها بتوجيهها لطلب الحديث منذ الصغر، فأحضرها عليه وعلى غيره، ثم أسمعها منه أيضا ومن غيره، ومما سمعته عليه بعض مسند أحمد، واستجاز لها أيضا في سنة ٧٩٥ هـ وما بعدها من كثيرين، وبعضهم من شيوخه المعمرين، ذوي السند العالي، كالتاج بن موسى السكندري.\n_________\n(^١) انظر «الأربعين العشارية» / ٢١ ب.\n(^٢) «الأربعين العشارية» ٨/¬٢١ ب.","vol":"2","page":600},{"text":"وقد مكنها ذلك كله من التصدي للتحديث بالكثير، وسمع منها الفضلاء، ومنهم السخاوي الذي أثنى عليها، وقد تزوجها المحدث الشهاب أحمد بن يعقوب تلميذ والدها أيضا كما تقدم التعريف به، وتكونت بذلك منهما أسرة حديثية تعاونت على نشر السنة وإذاعة مروياتهما عن العراقي. وقد توفيت في ٢٨ ربيع الأول سنة ٨٦٥ هـ بعد أن كف بصرها، وثقل سمعها (^١).\n١٢ - ومنهن ابنته أيضا (جويرية) التي سمع منها الأئمة وتزوجها تلميذ المحدث الكلوتاتي (^٢):\nوقد ولدت على الراجح قبل سنة ٧٨٨ هـ تقريبا، وعني والدها أيضا بضمها لأسرة السنة كباقي أخوتها، فاستجاز لها كثيرا من الشيوخ في الحرم سنة ٧٨٨ هـ فما بعدها، وأسمعها منذ الصغر على نفسه، وعلى غيره وقد اصطحبها معه في الحج، وفي مدة عمله بالمدينة المنورة، مما أتاح لها التلقي الكثير عنه، والتربية على يديه علما وخلقا، وأتت ثمار تربيته لها، فكانت صالحة خيرة، وأحبت الحديث، وتصدت لنشر ما تلقته عن والدها وعن غيره، فسمع منها كثير من الأئمة كالسخاوي وغيره.\nوقد تردد السخاوي في ترجمته لها، في تحديد من تزوجها من تلاميذ والدها فقال: «وتزوجها» الهيثمي ظنا، والشهاب الكلوتاتي وقتا، لكنه قطع في ترجمة الكلوتاتي بأنه تزوجها، وقطع في ترجمة الهيثمي بأنه تزوج ابنة أخرى للعراقي تسمى (خديجة)، كما قدمت ذكره في التعريف بهما.\n_________\n(^١) (الضوء اللامع) ج ١٢/¬٤١، ٤٢، و«نظم العقيان» /¬٣٠ أ.\n(^٢) انظر «الضوء اللامع» جـ ١٢/¬١٨ و«نظم العقيان» / ٢٧ أ.","vol":"2","page":601},{"text":"وبذلك اندفع تردده، وقد تكونت منها ومن زوجها أسرة حديثية، تتلمذت على يد العراقي وقام عضواها بنشر السنة من بعده، وقد توفي زوجها من قبلها سنة ٨٥٦ هـ، وظلت هي قائمة برسالتها حتى توفيت في ٤ من المحرم سنة ٨٦٣ هـ.\n١٣، ١٤ - ومنهن الأختان: «زليخا» و«زينب» اللتان أحضرتا في الطفولة وحدثتا من بعده:\nوكلتاهما ابنتا إبراهيم بن محمد بن أحمد، وقد اعتنى والدهما بإحضارهما منذ الصغر مجالس الحديث، لتحصيل علو السند فأحضرهما على العراقي بعض السنن «لأبي داود» والمجلس الأخير من مجالس إسماع (البخاري) التي سبق ذكرها في نشاط العراقي، وكان ذلك في سنة ٧٩٨ هـ حيث كانت دروس العراقي متكاثرة في عدة أماكن كما مر، وقد كانت «زليخا» حينئذ في الرابعة من عمرها، و«زينب» في الثالثة، وهما نموذجان لتلمذة الأسر على العراقي ولتلمذة أصغر من أدركه من جيل المحدثات من بعده حيث قامت كل منهما بالتحديث بعد تأهلها للأداء، وسمع منهما الأئمة، وقد كان ما حضرتاه على العراقي من عوالي ما حدثتا به، لتحملهما عنه في الصغر كما ذكرنا، وقد قرأ السخاوي على (زليخا) بعض مروياتها، كما كانت (زينب) تعني بالاطلاع في كتب السنة، وظلتا تؤديان رسالتهما حتى توفيت (زليخا) سنة ٨٦٧ هـ وتوفيت (زينب) سنة ٨٧٩ هـ (^١)\n_________\n(^١) «الضوء اللامع» ج ١٢/¬٣٧، ٣٩.","vol":"2","page":602},{"text":"<span data-type='title' id=toc-188>خلاصة نتائج وظائف العراقي العلميّة واثرها في السنّة</span>\nمما تقدّم في بحث وظائف العراقي وبيان آثارها في علوم السنّة يتلخص لنا تحقيق النتائج التالية:\n١ - أن قيام العراقي برسالته العلمية في مجال السنّة كان أسبق وأعم من توظفه رسميًا لذلك، وقد استمر قائمًا بذلك خلال أزيد من ستين عامًا، منذ ٧٤٥ هـ حتى ٨٠٦ هـ التي توفي فيها ولعل هذا ما جعل ابن حجر يقول في رثائه: ومن ستين عامًا لم يجارى … ولا طمع المجاري في اللحاق (^١)\n٢ - أنه في مراحل عمله الثلاثة قد تقلد عدة وظائف رسمية، بمصر وبالمدينة المنورة، عن كفاءة علمية وخُلقية، ودون طلب منه أو منازعة لأحد، كما كان يحدث من غيره.\n٣ - أن هذه الوظائف تركزت في التكليف برواية السنّة وتدريس علومها، فأفاد وتكلّم على العلل والإسناد، ومعاني المتون وفقهها فأجاد، مع المشاركة في تدريس غيرها، خاصة علمي الفقه وأصوله، وتولي القضاء وتوابعه من الفتوى والإمامة والخطابة.\n٤ - أنه قام خلال مراحل عمله داخل مصر وخارجها بجهود عامة ومواقف رائدة، أحدثت تأثيرًا عامًا في النهوض بالسنّة وإحيائها علمًا وعملا ودفع غير الأكفاء عن حقلها، فحقق بذلك ريادته لمدرسة علوم السنّة في عصره ومصره.\n٥ - أن من أبرز جهوده الرائدة والمؤثرة، إحياء سنة إملاء الحديث بعد اندثارها من العالم الإسلامي عمومًا، قرابة قرن ونصف، وابتدأ ذلك في\n_________\n(^١) ٥ إنباء الغمر، جـ ٢/ ٢٧٩، و«حسن المحاضرة»، جـ ١/ ٣٦٢","vol":"2","page":603},{"text":"الروضة الشريفة بالمدينة المنورة، ثم استأنف مواصلته بالقاهرة فوق عشر سنوات إلى أواخر حياته، فأدى بذلك مئات الأحاديث بأسانيدها ومعناها بأقوى وجوه الأداء، وخلف تراثًا ضخمًا، ثم اقتدى به تلاميذه وغيرهم من بعده.\n٦ - أنه كما تحمل علوم السنة عن شيوخه بأسانيدها وحصلها بمختلف وجوه التحمل والتحصيل الإصطلاحية والمتعارفة في عصره، فإنه قام في مراحل عمله الثلاثة بأداء ما تحمله رواية، وما استوعبه فهمًا ودراية، وما ألفه إلى تلاميذه متبعا في أدائه القواعد المصطلح عليها للأداء عند علماء السنة والمناهج المتعارفة في ذلك حتى عصره، من قراءة، وعرض، وإسماع، وإجازة ومناولة وتصحيح لنسخ المراجع والأمالي، ومقابلتها وغير ذلك، وبهذا وصل جيلا من طلاب وطالبات السنة بأسانيدها وتراثها منذ عصره حتى عصر النبوة، كما أمدهم خلال دروسه بآرائه وفهمه، وخبرته المستمدة من شيوخه وممارسته الواسعة لكتب السنة، وجرى في تدريسه على ما تقضي به المناهج الصحيحة للتربية والتعليم، من المناقشة فيما يدرس وإثارة أفكار وملكات التأمل والبحث عند الطلاب، وتغذية مداركهم بعلمه وخبرته وتوسيعها بتوجيهه، وإتاحة الفرصة لهم لإبداء آرائهم وإظهار علمهم دون تهيب أو جمود، وتشجيعهم على ذلك، مع المتابعة والتصحيح، وبذلك أدى جميع مهماته باعتباره مسندا، ومحدثا، وحافظا، وأستاذا، وموجها.\n٧ - أنه قد أدى علوم السنة خلال منهجه التعليمي ونشاطه التثقيفي والتوجيهي إلى عامة الناس وخاصتهم من العلماء والسلاطين والأمراء وتتلمذ له بمختلف وجوه التلمذة، الآباء والأبناء والبنات والأحفاد، من مختلف بقاع العالم الإسلامي، وتكون منهم جيل متكامل من المسندين والمسندات","vol":"2","page":604},{"text":"والمحدثين والمحدثات الذين عاونوه في نشر السنة شرقا وغربا في حياته، ونهضوا بذلك بعد مماته.\nكما تخرَّج به صفوة من الحفاظ الأعلام الذين تأثروا كثيرا بفكره وتراثه في تكوينهم العلمي وإنتاجهم، وصاروا خلفاءه وسفراءه في مواطنهم ومواقعهم التي شملت العالم الإسلامي من الأندلس وبلاد المغرب، حتى الهند وبلاد فارس والروم، وبواسطتهم انتشرت السنة وعلومها، واستعادت بقدر جهودهم نهضتها الغابرة في تلك الأقطار رواية وتدريسا وعملا وتأليفا ولعل آخر ما يجسد أثر العراقي في علوم السنة بتخريج هؤلاء الأعلام ما قررته إحدى تلميذات الدكتور طه حسين عن أثره فيها حيث تقول: «فكم أخذتُ عنك في حياتك، وكم سأظل آخذ عنك ما حييت، فما أنا إلا كتاب من كتبك» (^١).\nفلو أننا اعتبرنا كل تلميذ خرَّجه العراقي بمثابة كتاب من تأليفه، لتجمع لدينا من ذلك مئات الكتب، بل ما يزال تراث الأعلام الذين خرجهم والمطعم بعلمه، عمدة المشتغلين بالسنة حتى الآن.\n- أنه قام بما يماثل نظام الدراسات الجامعية العليا في عصرنا فَوَجَّه تلميذه الحافظ الهيثمي إلى التأليف في بعض جوانب علوم السنة التي لم تنل عناية العلماء من قبله، ورسم له المنهج الذي يسير عليه، وأمده بما توفر لديه من المراجع، ثم أشرف عليه وتابع أعماله بالمراجعة والتوجيه، حتى خرجت إلى حيز الوجود، وسَمَّى له بعضها، كما كان يمنح طلابه من الألقاب العلمية\n_________\n(^١) «ذكرى طه حسين» للدكتورة/ سهير القلماوي/ ٩ طبع دار المعارف سنة ١٩٧٤ م.","vol":"2","page":605},{"text":"المصطلح عليها، ما يناسب درجتهم في الاجتهاد والتحصيل ويجيزهم بممارسة التدريس والتأليف والفتوى.\n٩ - أنه أسهم ببعض دروسه الحديثية في أحداث عصره وشدائد مجتمعه كجفاف النيل، والغلاء والمجاعات، وإضطراب الأحوال العامة للبلاد.\n١٠ - بجانب هذا كله قام العراقي بإنجاز كثير من مؤلفاته التي تركز أغلبها في علوم السنة نظما ونثرا، مع تبييض ما كمل منها ومراجعته وتحرير عباراته ومضامينه كما سنعرض له في الباب التالي وما بعده بعون الله.\nوبهذا كانت حياة العراقي عطاء حافلًا ومؤثرا في علوم السنة وعلمائها بمختلف وجوه التأثير العلمي وتحقق فيه قول تاج الدين السبكي: «إن العالم مهما بلغ اجتهاده في نشر العلم، فنفعه قاصر على مدة حياته ما لم يُصنف كتابا يخلده بعده، أو يورث علمًا ينقله عنه تلميذ أو تهتدي به فئة (^١)».\n_________\n(^١) «التعريف بآداب التأليف» للسيوطي/ ٤٥٨/ ضمن مجموعة خطية بدار الكتب المصرية.","vol":"2","page":606},{"text":"<span data-type='title' id=toc-189>وفاة العراقي وتصحيح تاريخها وتحديد مكانها بالقاهرة</span>\nذكرت من قبل أن العراقي لم تطل حياته بعد خطبته البليغة التي ختم بها نشاطه العلمي كلية، عقب صلاته بالناس صلاة الاستسقاء. وقد عاش بعد ذلك عدة أشهر، احتجب فيها عن الناس وتفرغ للعبادة، وذكر ولده ولي الدين أبو زرعة: أنه كان ملازما لوالده حينذاك، وأنه أوصى وصيته حال صحته وقوته، ثم كان يشكو انحطاط قواه، المجاوزة عمره إحدى وثمانين سنة فلما قربت وفاته مرض مرض الموت (^١) ويبدو أنه كان مرضًا خفيفًا بحيث تمكن معه من الخروج من منزله إلى الحمام في الساعات الأخيرة من حياته، حيث كانت الحمامات تقام حينذاك لعامة الناس خارج البيوت في كل حي أو شارع، ويتفق عامة مؤرخيه من تلاميذه وغيرهم، على أنه عقب خروجه من الحمام، وعودته إلى منزله بالقاهرة (^٢) حضرته الوفاة، وذلك في ليلة الأربعاء، منتصفها، أو قبل التسبيح منها، أو وقت التسبيح قبيل الفجر، ثامن شهر شعبان سنة ٨٠٦ هـ (^٣) الموافق ٢١ فبراير سنة ١٤٠٤ م وبهذا يكون عمر العراقي بالتحديد: واحدًا وثمانين عاما وثلاثة أشهر، إلا أياما، وقد ساوى بذلك عمر قرينه في إمامة العصر: سراج الدين البلقيني الذي تقدمه في الميلاد والوفاة بشهور\n_________\n(^١) وطرح التثريب (جـ ٦/ ١٩٠ وجـ ٨/ ١٨٨، ١٨٩.\n(^٢) تقدم في مرحلة عمله الأخيرة بالقاهرة تحديد مكان منزله.\n(^٣) ا مجموع ابن خطيب الناصرية) (ترجمة العراقي) و«ذيل الدرر الكامنة» / ٧٢ وو«المجمع المؤسس» ١٧٩ و٥ «عقد الجمان» / جـ ٢٥ قسم ٢ وفيات ٨٠٦ هـ وهـ «ذيل التقييد» / ٢٢٠ أو «النكت الوفية» للبقاعي/ ١ أ وهـ المنهل الصافي وجـ ٢/ ٣١٣ أ وهـ الضوء اللامع وجـ ٤/ ١٧٧ و٥ حسن المحاضرة وجـ ١/ ٣٦٠ و٥ البدر الطالع، جـ ٢/ ٣٥٦","vol":"2","page":607},{"text":"ولهذا يقول تلميذهما ابن حجر:\nلا ينقضي عجبي من وفق عمرهما العام كالعام حتى الشهر كالشهر … عاشا ثمانين عاما بعده سنة وربع عام سوى نقص المعتبر\nوذكر أنه أشار بقوله (سوى نقص) إلى أنهما لم يكملا ربع السنة، بل ينقص أياما (^١).\nلكن أكثر المراجع المترجم فيها للعراقي لا يجتمع في واحد منها هذا التحديد الدقيق لعمر العراقي، ولزمن وفاته معا، حتى لو كان المؤلف عالمًا بذلك، فإنه يكتفي بالتقريب والإجمال، فمع تحديد ابن حجر السابق لعمر العراقي، نجده في مرجع آخر يكتفي بتحديده بواحد وثمانين عاما وربع ولا يُعنى ببيان نقص الأيام كما حددها بنفسه فيما تقدم، ويذكر أن الوفاة في ٨ شعبان، دون عناية بتحديد الوقت الذي مر ذكره (^٢).\nأما العيني فيحدّد الوفاة بوقت التسبيح من ليلة الأربعاء، ثم يجمل في تقدير عمر العراقي بواحد وثمانين عاما وربع، دون عناية بذكر نقص الأيام (^٣)، ثم نجد ابن فهد، يتردد في تحديد الوقت، بين ليلة الأربعاء ويوم الأربعاء (^٤) وهو تردد في غير محله؛ لأن اليوم يُطلق على الليل والنهار معا فكيف يتردد بين ليلة الأربعاء ويوم الأربعاء؟!\nثم إن المحدّدين للوقت غيره، متفقون على ليلة الأربعاء، وإن تعدد تحديدهم\n_________\n(^١) (إنباء الغمر) جـ ٢/ ٢٧٧\n(^٢) (ذيل الدرر الكامنة) / ٧٣\n(^٣) (عقد الجمان) جـ ٢٥ قسم ٢/ وفيات سنة ٨٠٦ هـ.\n(^٤) (لحظ الألحاظ) / ٢٣٤","vol":"2","page":608},{"text":"للجزء الذي وقعت فيه الوفاة منها كما مر ذكره.\nونجد ابن قاضي شهبة في (طبقات الشافعية) يذكر وفاة العراقي في شعبان سنة ٨٠٠ هـ (^١).\nوغالب الظن أن هذا خطأ من ناسخ الكتاب، بدليل أن ابن قاضي شهبة نفسه ذكر في كتابه (الأعلام) وفاة العراقي في شعبان سنة ٨٠٦ هـ، وحدّد عمره إجمالًا بواحد وثمانين عاما و٣ أشهر (^٢)، وتبعه على هذا الغزي (^٣).\nونجد السخاوي في (الضوء اللامع) يذكر التحديد الدقيق لعمر العراقي ولزمن وفاته كما قدمته، ثم يجملهما في (فتح المغيث) فيقول: (إنه تُوفي في شعبان سنة ٨٠٦ هـ عن أزيد من واحد وثمانين عاما) (^٤).\nوأكثر من هذا إجمالًا قول المناوي: «إنه توفي في شعبان سنة ٨٠٦ هـ فعمر واحدا وثمانين سنة» (^٥) وأكثر المراجع المتأخرة تكتفي بذكر سنة الوفاة فقط (^٦).\nثم إن تلميذ العراقي ابن الجزري حدّد تاريخ الوفاة بالثاني من شعبان (^٧) وهذا خلاف المتفق عليه من بقية تلاميذ العراقي وغيرهم، وهو الثامن من شعبان\n_________\n(^١) انظر/ ١١١/ أ منها.\n(^٢) «الأعلام» جـ ٤/ ٢١٩ ب.\n(^٣) انظر: بهجة الناظرين، للغزي/ ١٣١.\n(^٤) (فتح المغيث) للسخاوي جـ ١/¬٩.\n(^٥) ١ مقدمتي شرحي المناوي لألفية العراقي في السيرة) مخطوطين.\n(^٦) «فهرس الفهارس» للكتاني جـ ٢/ ١٩٧ و«هدية العارفين» مجلد ١/ ٥٦٢ و«الأعلام» للزركلي جـ ٤/ ١١٩.\n(^٧): «غاية النهاية» لابن الجزري جـ ١/ ٣٨٢.","vol":"2","page":609},{"text":"كما تقدم، وقد أسلفت في التعريف بابن الجزري أنه كان بسمرقند حين وفاة العراقي، فلعل هذا ما وصل إليه، كما أني لا أستبعد أن يكون اشتبه على الناسخ أو المحقق لكتاب ابن الجزري لفظ «الثامن» بلفظ «الثاني» لتقارب شكلهما في الكتابة العددية واللفظية.\nومع ذلك فقد تسرب هذا الخطأ إلى المراجع المتداولة لبعض المؤرخين المتأخرين والمفهرسين (^١) فَلْيَتَنَبَّه لذلك، منعًا لمواصلة الخطأ.\nأما «بروكلمان» فتردد بين الثامن والسابع والعشرين من شعبان أيضًا (^٢).\nثم عاد فاقتصر على السابع والعشرين (^٣)، وهناك مراجع أخرى شائعة التداول من تأليف بعض الباحثين في علوم السنة والمؤرخين للتراث، والمحققين له والمفهرسين، وقد أرخوا فيها وفاة العراقي سنة ٨٠٥ هـ (^٤).\nوهناك مراجع أخرى ترددت بين سنة ٨٠٥ هـ وسنة ٨٠٦ هـ (^٥).\n_________\n(^١) انظر (معجم المؤلفين) جـ ٥/ ٢٠٤، و(فهرس مكتبة عمر مكرم) الملحقة بدار الكتب المصرية/ ١٢.\n(^٢) انظر (تاريخ الأدب العربي) لبروكلمان (الأصل الألماني) جـ ٢/ ٧٧.\n(^٣) ملحق كتابه السابق جـ ٢/ ٦٩ (الأصل الألماني).\n(^٤) انظر (جامع كرامات الأولياء) للنبهاني جـ ٢/¬٨ و(لسان الميزان) لابن حجر جـ ٧ ص ١ من ترجمة ابن حجر للمحقق بآخر الكتاب، و(شرح ألفية السيوطي) للترمسي/ ٦ وفهرس مكتبة (نور عثمانية) بتركيا/ ٣٦ و(فهرس التاريخ والسيرة) بمكتبة بلدية الإسكندرية إعداد أحمد بشير الشندي/ ٧ و(ألفية العراقي في السيرة) نسخة خطية بدار الكتب المصرية برقم (١٢) مجاميع قولة.\n(^٥) انظر (كشف الظنون) ٥/ ٢١٨، ٢٤٧، ٤٦٤، ٥٥٩، ١٨٨٠.","vol":"2","page":610},{"text":"وأكثر من هذا أن بعض المراجع أرخت وفاة العراقي بسنة ٨٢٦ هـ (^١) وهذا ناتج من اشتباه العراقي بولده ولي الدين أبي زرعة؛ لأن هذا تاريخ وفاة «أبي زرعة» كما قدمنا.\nوالصواب من ذلك كله، التحديد بسنة ٨٠٦ هـ؛ لأنه الموافق لما قرره أبو زرعة ابن العراقي الذي حضر وفاة والده، أنه جاوز إحدى وثمانين سنة (^٢) وقد وافقه في هذا عامة المؤرخين من تلاميذ والده وغيرهم كما قدمنا. وعليه يكون التاريخ المعتمد لوفاة العراقي هو: (ليلة الثامن من شعبان سنة ٨٠٦ هـ) ولا يعتد بما خالفه، مهما كان انتشاره في مراجع عربية أو أفرنجية، وبالله التوفيق.\n\n<span data-type='title' id=toc-190>تحديد مكان دفن العراقي ومَن صلَّى عليه، ومسجده حاليا بالقاهرة:</span>\nكما ثبت لنا من قبل أن العراقي ولد ونشأ بإحدى ضواحي القاهرة، على شاطئ النيل المبارك الجميل، فإن كافة مؤرخيه مجمعين على أنه توفي بالقاهرة حيث كان منزله كما قدمنا، ثم حُمِلَتْ جنازته صبيحة الأربعاء في مشهد مهيب حافل، إلى جامع الحاكم بأمر الله، وهو معروف إلى الآن بالقاهرة (^٣) حيث صلي عليه، ثم دفن بتربته التي كانت مقامة بالصحراء، تجاه خانقاة الطويل، خارج السور الشرقي للقاهرة من ناحية أحد بابيها الشرقيين المعروف.\n_________\n(^١) انظر فهرس مكتبة (أيا صوفيا) بتركيا/ كتاب رقم (٤٧٣) فن الحديث وفهرس مكتبة (كوبريلي زاده) / كتاب رقم (٢٢٢).\n(^٢) «طرح التثريب» (جـ ٨/ ١٨٩).\n(^٣) يوجد هذا الجامع الشهير بشارع المعز لدين الله الفاطمي قرب الجامع الأزهر.","vol":"2","page":611},{"text":"بـ «باب البرقية» (^١).\nوهكذا كانت مصر مولد هذا الحافظ الكبير ومرباه، ومركز مجده العلمي ثم كان بها وفاته ومثواه الأخير، وستظل تربتها حفيظة على رفاته بين أحضانها الحانية إلى يوم النشور، ولهذا انتسب كما قدمنا في مشخصاته العامة إلى مصر والقاهرة ومنشأة المهراني التي ولد بها على شاطئ النيل وعده السيوطي من حفاظ السنة المصريين، وستظل مصر تفخر به كعلم للسنة في عصره من أبنائها.\nوأما ذكر بعض الباحثين في عصرنا له ضمن مشاهير العلماء الذين ظهروا ببغداد والبلاد العراقية في القرن الثامن الهجري (^٢). فهو أخذ بظاهر نسبته للعراق فقط، والتي سرت إليه من والده وأصل أسرته واشتهر بها كما قدمنا في مشخصاته، لكن هذا خلاف الإجماع التاريخي كما ترى، على أنه مصري المولد والمنشأ والوفاة والمدفن ولم يقدر له دخول أي بلد عراقي، ولو راحلا في طلب العلم كما تقدم في رحلاته. ولهذا عده الكتاني ضمن حفاظ السنة المصريين، ثم عقد فصلا لبيان حفاظ العراق ولم يورده فيهم (^٣).\n_________\n(^١) «الخطط التوفيقية» جـ ٣/ ١٧٦ و«مجموع ابن خطيب الناصرية» (ترجمة العراقي) و«النكت الوفية» ا/ ١ أ و«لحظ الألحاظ» / ٢٣٤ و«الضوء اللامع» جـ ٤/ ١٣٧ و«عقد الجمان» / جـ ٢٥/ قسم ٢ وفيات سنة ٨٠٦ هـ و«المنهل الصافي» وجـ ٢/ ٣١٣ أو «مقدمتي شرحي المناوي لألفية العراقي في السيرة» و«البدر الطالع» للشوكاني ج ١/ ٣٥٦.\n(^٢) «عصر الانحدار» للدكتور محمد أسعد طلس/ ١٦٤.\n(^٣) «فهرس الفهارس» للكتاني جـ ١/¬٢٤، ٢٧.","vol":"2","page":612},{"text":"ومن كل ذلك يتضح أنه ليس لمن عدّ العراقي من مشاهير العلماء الذين ظهروا بالبلاد العراقية، مستند يعول عليه.\nهذا وقد ذكر ابن خطيب الناصرية، أنه قدم لإمامة الناس في صلاة الجنازة على العراقي: برهان الدين الأبناسي (^١) وذلك مخالف لما قدمناه في التعريف بالأبناسي اعتمادًا على مصادر موثقة، أنه توفي سنة ٨٠٢ هـ أي قبل وفاة العراقي بنحو ٤ سنين، فلعل الصواب ما ذكره السخاوي من أن الذي قدم للصلاة هو الشيخ شهاب الدين بن الذهبي (^٢).\nويظهر أنه دفن بجانب العراقي بعض أفراد أسرته، حيث يقول غير واحد من مؤرخيه: «ودفن بتربتهم» (^٣).\nكما قرر غير واحد أيضًا أن ولده أبا زرعة دفن بجنبه (^٤).\nوعندما اتجهت للبحث عن مكان قبر العراقي بالقاهرة الحالية بعد تغيرها الكبير عن وقته، وجدتُ الشيخ حسن القويسني الذي كان موجودًا سنة ١٢٤١ هـ يقرر أن قبر العراقي موجود بإحدى الحارات بحي يُعرف حاليا بحي «العطوف»، وأن عنده قبر ولده أبي زرعة (^٥).\n_________\n(^١) «مجموع ابن خطيب الناصرية» (ترجمة العراقي).\n(^٢) «الضوء اللامع»، جـ ٤/ ١٧٧.\n(^٣) «مجموع ابن خطيب الناصرية» (ترجمة العراقي) و«الضوء اللامع»، جـ ٤/ ١٧٧.\n(^٤) و«ذيل التقييد» / ١١٦ و«رفع الإصر»، قسم ١/ ٨٣ و(المجمع المؤسس) ٣٦٧ و(إنباء الغمر، جـ ٣/ ٣١٢.\n(^٥) «فتح الباقي بشرح ألفية العراقي» للأنصاري/ ١ أ (هامش) نسخة خطية بدار الكتب المصرية برقم ٣٠٨ مصطلح.","vol":"2","page":613},{"text":"لكني وجدت صاحب (الخطط التوفيقية) ذكر عدة أضرحة بأحياء مختلفة بالقاهرة، كل منها يعرف بـ «ضريح العراقي» دون تحديد الاسم والنسب (^١) غير أن الذي يتفق مع ما قدمته عن مؤرخي العراقي وعن الشيخ القويسني الذي قابلته في الحي نفسه، وهو من المعمرين فيه، هو ما ذكره صاحب «الخطط» بقوله: (حارة العراقي) وعُرفت بذلك لأن بها ضريحًا يُعرف بضريح (سيدي العراقي). ثم حدد موقعها بقوله: «وهي عن يمين المار من حارة العطوف، وبنهايتها أرض براح» أي فضاء ثم قال: «وبوسط حارة العراقي أيضًا ضريح يعرف صاحبه بالشيخ محمود» (^٢).\nولهذا ترجح عندي أن قبر الحافظ العراقي هو المقام عليه الضريح المشار إليه، وما عداه فهو لبعض الشيوخ العراقيين الذين كانوا يفدون أو يهاجرون كأسرة العراقي إلى القاهرة، ويتوفون ويدفنون بها، وقد اتجهت بنفسي إلى حارة العطوف المذكورة، وهي كائنة الآن بحي الجمالية جهة الشرق من مسجد الإمام الحسين بن علي ﵄، وكان ذهابي إلى هناك يوم الجمعة ٢٧ من ربيع الأول سنة ١٣٩٥ هـ الموافق ٩ من مايو سنة ١٩٧٥ م فوجدت حارة العراقي المذكورة متفرعة فعلا من العطوف وبوسطها ضريح الشيخ «محمود» الذي أشار إليه صاحب (الخطط)، أما الأرض الفضاء التي أشار إليها فقد بنيت، واسم الحارة تغير من اسم «العراقي» إلى «كوم الريش» ثم إلى حارة «الوسائيمة» حاليا، ووجدت بها قبر الحافظ العراقي فعلا في حجرة صغيرة ملاصقة لمؤخرة مسجده، ولها باب خاص يفتح على المسجد،\n_________\n(^١) انظر «الخطط التوفيقية» جـ ٣/ ٦٣، ٧٧، ٨٥.\n(^٢) «الخطط التوفيقية» جـ ٢/ ٦٧، ٩٣.","vol":"2","page":614},{"text":"ومن يدخل المسجد يكون باب حجرة القبر عن يساره.\nوقد أقيم عليه مقصورة تحجزه عن المسجد، ويفتح باب المسجد في الحارة المذكورة ورقمه فيها (٢٩)، والمسجد والضريح يكونان شكلا مستطيلا، مساحته (١٣٠ مترا مربعا تقريبا)، وبناؤهما عادي، ويقع الضريح في الركن الخلفي للمسجد، عن يسار الداخل، وهو عبارة عن حجرة مربعة الشكل مساحتها ١٦ مترًا مربعًا تقريبًا، وأرضيتها منخفضة عن أرضية المسجد بنحو نصف متر تقريبا، وفي وسطها قبر الحافظ العراقي مكسوا بالقماش المطرّز عليه اسمه، وبهذا الضريح شباكان أحدهما من الجهة البحرية، ويطل على حارة (ست الملك) والآخر من الجهة الغربية ويطل على «حارة الوسايمة» التي يُفتح فيها المسجد، وتقام بالمسجد صلاة الجمعة والأوقات ودروس الوعظ، وقد التقيت بإمام المسجد لمعرفة بعض المعلومات للتأكد، فاستدعى لي رجلا يدعى (الشيخ محمد أحمد عطية)، وشهرته الشيخ (عطية)، وقال لي إنه منشئ هذا المسجد والضريح بمعاونة أهالي الحي، فَيُعْتَبَرُ شاهد عيان، وقد ذكر لي الشيخ عطية أنه من مواليد حي العطوف، ويبلغ السادسة والستين من عمره، وأن قبر العراقي كان موجودًا في هذا المكان، وفي مقدمه حجر نقش عليه اسمه وتاريخي ميلاده ووفاته، وكان بجواره قبر يُعرف بقبر الشيخ الملاخ وبجوارهما بعض الأراضي الفضاء، ومكتب صغير، كان الشيخ عطية نفسه يعلم فيه الأطفال ويُحفظهم القرآن الكريم، وفجأة جاء شخص يريد عمل الفضاء المجاور لقبري العراقي والملاخ «مربطا» للبغال وغيرها، غير مكترث بحرمة القبرين، فاستنهض الشيخ عطية حمية أهل العطوف لمنع هذا الرجل وإقامة مسجد بدل «المربط» وفعلا أنجح الله هذا","vol":"2","page":615},{"text":"المسعى وتعاون أهل الحي مع الشيخ عطية في إقامة المسجد مع إدخال القبرين ضمن سور المسجد، لكنهم أقاموا ضريحا واحدا على قبر العراقي كما وصفت، وذكر لي الشيخ عطية أنهم للأسف سووا قبر الشيخ الملاخ بأرضية المسجد وردموها عليه، لذهاب أكثر معالمه، ثم سألته عما إذا كانوا وقفوا على دفن أحد مع العراقي خاصة ولده أبو زرعة الذي أثبت المؤرخون دفنه بجانبه، فأجاب بأنهم لم يجدوا ما يدل على شيء من ذلك، وبهذا صار الجامع والضريح المذكوران، معروفين في حي العطوف عموما بجامع وضريح «سيدي العراقي».\nومن المعروف أن هذا البحث الجغرافي والتاريخي الميداني، له قيمته في دراسة جوانب الشخصيات الرائدة، ولهذا اقتضى الأمر إعطاء هذه الصورة الحية لتحديد قبر العراقي الآن؛ لتكون دليلا لمن بعدنا من مؤرخي الأعلام.\nلكن لابد من التنبيه إلى أن إقامة مثل هذه الأضرحة، واتخاذها مساجد كلاهما من الأمور المبتدعة التي عمت بلاياها ربوع العالم الإسلامي وأساءت للإسلام وأهله، ناهيك عما يقع عندها من جهلة الناس، من شركيات ومخالفات، يتأذى بها، ويبرأ منها أموات المسلمين، وأحيائهم!","vol":"2","page":616},{"text":"<span data-type='title' id=toc-191>ألقاب العراقي العلمية، وتجديده للقرن الثامن وتقدير العلماء وغيرهم له حتى الآن</span>\nبعد أن مر بنا الاستعراض الموثق الجوانب شخصية العراقي، وبيان ما توافر لديه عبر مراحل حياته، من صنوف التحمل والأداء، لعلوم الرواية، وفنون الدراية، وإحياء ما أميت أو أُهمل من السنن العملية والعلمية، مع ما سيأتي من جهود مشهودة في التصنيف في علوم السنة، والمشاركة الجيدة في بقية العلوم المكملة لرسالته الحديثية من لغة وفقه، وأصوله، وعلوم القراآت والتفسير، يسوغ لنا أن نقرر هنا: أن ذلك قد أَهله لاستحقاق مختلف الألقاب الحديثية والعلمية التي وصف بها - عن استحقاق وكفاءة - أمثاله من كبار أئمة وعلماء وحفاظ السنة وعلومها، ورواد مدارسها في العصور المختلفة بل إنه صار يحتكم إليه في شروط من يستحق تلك الألقاب في عصره والمفاضلة بينهم - كما سيأتى، وقد ذكر السخاوى عن لقب «الحافظ»: إنه لا ينبغي أن يقبل الوصف به إلا من موصوف به (^١).\nوفي عصر العراقي وسابقه ولاحقه كان هناك اهتمام من المحققين من العلماء بتحديد الشروط والصفات التي ينبغي توافرها في الشخص حتى يستحق لقبا أو أكثر من تلك الألقاب الحديثية، وغيرها من الألقاب العلمية، التي توضح مرتبة أصحابها في اختصاصهم العلمى في جوانب الشريعة وعلوم السنة، مع تحديد بعضهم لمن ينطبق عليه ذلك من الأشخاص، كما سيأتي.\nومجمل ما أوقفنى عليه البحث والتتبع، أن العراقي قد لقب بالآتى:\n_________\n(^١) الجواهر والدرر للسخاوي ١/ ٨٩.","vol":"2","page":617},{"text":"<span data-type='title' id=toc-192>١ - الشيخ </span>(^١)\nوالمراد به كما ذكر الملا على قارى: هو الكامل في فنه، ولو كان شابا (^٢).\nوقال الكتاني: يطلق الشيخ مجازًا على المعلم والأستاذ لكبره وعظمته (^٣).\nوفي ذلك يقول ابن حجر تلميذ العراقي في رثائه:\nفتى كرم يزيد وشيخ علم لدى الطلاب مع حمل المشاق (^٤) ولقبه تلميذه ابن الجزري بـ «شيخ الديار المصرية» (^٥). ولقبه غيره بـ «شيخ الحديث» (^٦).\nوأبرز شيوخ العراقي وهو عز الدين ابن جماعة في مصنفه في تخريج أحاديث الرافعي، شحن حواشيه بخطه، بقوله: يُسأل من الشيخ عبد الرحيم عنه (^٧).\nولقبه معاصره ابن ناصر الدين الدمشقى بـ «شيخ العصر» (^٨)\n_________\n(^١) انباء الغمر لابن حجر ٢/ ٢٧٥، وعقد الجمان للعيني قسم ٢ من ج ٢٥ وفيات سنة ٨٠٦ هـ، ومقدمة عمدة القاري له ١/¬٤ ط الحلبي، والرد الوافر لابن ناصر الدين/ ١٧٩ ط المكتب الإسلامي، وبهجة الناظرين للغزي/ ص ١٢٩/ مخطوط، ومقدمتى شرحى المناوي لألفية العراقي في السيرة/ مخطوط\n(^٢) شرح شرح نخبة الفكر للملا على قاري/ ٣ والألقاب الإسلامية في التاريخ والوثائق/ للدكتور حسن الباشا/ ٣٦٤ - ٣٦٦ ط دار النهضة.\n(^٣) فهرس الفهارس ١/ ٦٨.\n(^٤) إنباء الغمر ٢/ ٢٧٩ وحسن المحاضرة للسيوطي ١/ ٣٦٢.\n(^٥) غاية النهاية ١/ ٣٨٢.\n(^٦) الضوء اللامع ٤/ ١٧٧.\n(^٧) ذيل تذكرة الحفاظ لابن فهد/ ٢٢٧.\n(^٨) الرد الوافر له/ ١٧٩.","vol":"2","page":618},{"text":"<span data-type='title' id=toc-193>٢ - المسند (^١) - بكسر النون </span>-\nوهو من يروى الحديث بإسناده، سواء كان عنده علم به، مثل العراقي، أو ليس له إلا مجرد الرواية، وهذا أدنى درجة من المحدث: فمن اقتصر على المرويات، ومارس القراءة والسماع، ورحل في ذلك للقاء الأشياخ، وحصل من ذلك ما يطلق عليه اسم الاستكثار من ذلك عرفا، وأهمل مع ذلك معرفة الاصطلاح، بحيث لا يصلح أن يُدَرِّسَه، ويُفيده، فهذا يقال له، مسند وراو، وقد يطلق عليه اسم محدث، لكن بالنسبة لمن جمع الأمرين - يعنى الرواية ومعرفة الاصطلاح - إنما يقال له ذلك مجازا (^٢)؛ لأنه بناء على ما تقدم يكون أعلا مرتبة من المسند المجرد، وقد تقدم، وسيأتي ما يفيد أن العراقي حقق مطالب الرواية والإسناد، بجانب مطالب الدراية، وقد قال عنه صاحب فهرس الفهارس: إنه من مسندى الحجاز، ومصر، والشام (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-194>٣ - المفيد </span>(^٤)\nقال السمعاني: هذه اللفظة لمن يفيد الناس الحديث عن المشايخ، قال: واشتهر به جماعة (^٥).\n_________\n(^١) عقد الجمان للعيني - قسم ٢ من جزء (٢٥) مخطوط، وفيات سنة ٨٠٦ هـ، معجم المؤلفين لعمر كحالة ٥/ ٢٠٤.\n(^٢) الجواهر والدرر ١/ ٧٦، وفتح المغيث ١/¬٩ كلاهما للسخاوى، وفتح المغيث للعراقي ١/¬٧ وتدريب الراوى ١/¬٢٩ - ٣٠.\n(^٣) فهرس الفهارس للكتاني ٢/ ١٩٧.\n(^٤) طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة ٤/¬٣٣.\n(^٥) الأنساب ١٢/ ٣٧٧ ونحوه ذكر ابن الأثير/ اللباب ٣/ ٢٤٤.","vol":"2","page":619},{"text":"ومن أقدم من لقب بذلك أبوبكر محمد بن أحمد بن يعقوب المتوفى سنة ٣٧٨ هـ، حيث قال: إن موسى بن هارون سماني «المفيد»، وموسى هذا من شيوخ أبي بكر المذكور، فهو متقدم في الزمن عن سنة ٣٠٠ هـ، ولذلك علق الذهبي على هذا بقوله: فهذه العبارة - يعني «المفيد» أول ما استعملت لقبا، في هذا الوقت، قبل الثلاثمائة (^١)، ثم بين مرتبة هذا اللقب، فقال: والحافظ أعلا من المفيد في العرف، كما أن الحجة فوق الثقة (^٢)، وسيأتي عن ابن ناصر الدين وابن فهد المكي وصف العراقي بأنه «حدث وأفاد»، وقال تلميذه ابن حجر: قدوتنا ومعلمنا ومفيدنا (^٣) وتقدم تصريح ابن كثير باستفادته منه تخريج حديث صعب على غيره من المحدثين بالشام تخريجه حينذاك (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-195>٤ - المحدث ومؤكداته </span>(^٥)\nوتقدم أنه لقب أعلا من «المفيد»، وقد تعددت الأقوال في شروط المحدث لدى المتقدمين والمتأخرين حتى عصر العراقي وشيوخه (^٦).\nكان المحققون منهم يراعون ذلك فيمن يصفونه بهذا اللقب (^٧)، وغالبها\n_________\n(^١) تذكرة الحفاظ ٣/ ٩٧٩.\n(^٢) التذكرة ٣/ ٩٧٩.\n(^٣) الضوء اللامع ٤/ ١٧٥.\n(^٤) الضوء اللامع ٤/ ١٧٣ ومجموع ابن خطيب الناصرية/ مخطوط/ ترجمة العراقي، وذيل: التذكرة لابن فهد/ ٢٢٣ وفيها تحرفت «استفدنا» إلى «استبعد».\n(^٥) عقد الجمان/ قسم ٢ من جزء (٢٥) مخطوط، وفيات سنة ٨٠٦ هـ، ومعجم المؤلفين لعمر كحالة ٥/ ٢٠٤.\n(^٦) ينظر التدريب ١/¬٢٩ - ٤١ ط دار الكوثر بالرياض ونكت الحافظ ابن حجر على ابن الصلاح والعراقي ١/ ٢٢٨ - ٢٣١ و٢٦٨ والبحر الذي زخر للسيوطي ١/ ٢٥١ - ٢٩٢ والجواهر والدرر ١/ ٦٨ - ٧٩.\n(^٧) ذيل ولى الدين ابن العراقي على العبر ٢/ ٣٥٤ وفيات سنة ٧٧٤ هـ ترجمة/ تقى الدين =","vol":"2","page":620},{"text":"يدور على العدالة في الدين، وتحصيل علوم الرواية وفنون الدراية، كما قدمت تفصيلها في صدر هذا الكتاب، وخلال جوانب شخصية العراقي.\nوأقرب ما يصور هذا قول معاصر العراقي: أبو الفتح ابن سيد الناس اليعمري المتوفى سنة ٧٣٤ هـ لما سئل عن ذلك فقال: المحدث في عصرنا، من اشتغل بالحديث رواية ودراية (^١) وجمع واطلع على كثير من الرواة والروايات، في عصره وتميز في ذلك حتى عُرف فيه خطه، واشتهر فيه ضبطه (^٢) ويقرب من هذا تعريف العراقي نفسه للمحدث، في شرحه الكبير لألفيته في المصطلح كما سيأتي، وقال ابن الجزرى تلميذ العراقي: المحدث من تحمل الحديث رواية واعتنى به دراية (^٣).\nوقد لقب العراقي بالمحدث فقط كما قدمت، وقال شيخه عز الدين ابن جماعة - كما تقدم أيضًا - كل من يدعى الحديث في الديار المصرية سواه فهو مُدع أو مدفوع (^٤).\nوأما شيخه تقى الدين ابن رافع السلامي (ت ٧٧٤ هـ) من أبرز حفاظ الشام (^٥) فإنه لما رأى العراقي بمكة سنة ٧٦٣ هـ قال: ما في القاهرة محدث إلا هذا والقاضي عز الدين بن جماعة، فلما بلغه وفاة القاضي عز الدين وهو\n_________\n= محمد بن رافع السلامي.\n(^١) كذا في التدريب ١/¬٣٨ والبحر الذي زخر ١/ ٢٨١ - ٢٨٢، وفي أجوبة ابن سيد الناس ٢/ ١٦٥ (رواية وكتابة)، وكذا في الجواهر والدرر ١/ ٦٩.\n(^٢) البحر الذي زخر ١/ ٢٨١ - ٢٨٢ وأجوبة ابن سيد الناس ٢/ ١٦٥.\n(^٣) شرح شرح النخبة للقاري/ ٣.\n(^٤) ذيل تذكرة الحفاظ لابن فهد/ ٢٧٧ والضوء اللامع ٤/ ١٧٣ والبدر الطالع للشوكاني ١/ ٣٥٤.\n(^٥) ذيل العبر لولي الدين ابن العراقي ٢/ ٣٥٢","vol":"2","page":621},{"text":"بدمشق قال: ما بقى الآن بالقاهرة محدث إلا الشيخ زين الدين العراقي (^١).\nوقد توفى عز الدين جماعة سنة ٧٦٧ هـ وهو من أبزر شيوخ العراقي كما تقدم. وبذلك نرى أن شيخيه ابن جماعة وابن رافع قد قررا جدارته بالتفرد بهذا اللقب من بين أقرانه، سواء في عاصمة مصر، وهى القاهرة، أو في عامة الديار المصرية، وأن ذلك كان في وقت مبكر من حياته، وتقدم كذلك أنه تولى مشيخة الحديث بعدة مواضع، ودرسه بعدة مدارس، منها المدرسة الكاملية، وشرط مدرسها أن يكون أعلم أهل القاهرة بالحديث (^٢).\nوكل من أحمد بن حجي (ت ٨١٦ هـ) وابن ناصر الدين (ت ٨٤٢ هـ) من أبرز حفاظ الشام، وقد وصفا العراقي بأنه شيخ المحدثين (^٣).\nووصفه كل من تلميذه ابن الجزري وأحمد بن حجي، وابن قاضي شهبة (ت ٨٥١ هـ) بأنه كان محدث الديار المصرية، وزاد ابن حجي: انتهت إليه بها معرفة علم الحديث (^٤).\nوقال تلميذه ابن فهد: وقد انتهت إليه رئاسة الحديث، ودرس بعدة أماكن وأفتى، وحدث كثيرا بالحرمين، ومصر والشام، وأفاد (^٥)، وقال ابن ناصر\n_________\n(^١) ذيل تذكرة الحفاظ لابن فهد/ ٢٢٧.\n(^٢) ينظر المجمع المؤسس لابن حجر/ ص ١٧٨/ مخطوط.\n(^٣) ينظر الأعلام لابن قاضي شهبة ٤/ ٢١٩/ أ والرد الوافر لابن ناصر الدين/ ١٧٩ وبهجة الناظرين للغزي/ ص ١٣١/ مخطوط.\n(^٤) غاية النهاية لابن الجزري ١/ ٣٨٢ والأعلام لابن قاضي شهبة ٤/ ٢١٩/ ب مخطوط، وطبقات الشافعية له ٤/¬٣٣، ٣٧ وبهجة الناظرين للغزى/ ص ١٣١ (مخطوط).\n(^٥) ذيل تذكرة الحفاظ/ ٢٢٧.","vol":"2","page":622},{"text":"الدين: وحدث وأملى، وأفاد، وقال هو وابن فهد (ت ٨٧١ هـ) في وصف العراقي: وتكلم على العلل والإسناد، ومعاني المتون وفقهها فأجاد (^١) زاد ابن ناصر الدين: وخرج تخاريج رويت وانتشرت\n\n<span data-type='title' id=toc-196>٥ - الحافظ ومؤكداته </span>(^٢):\nوهذا أشهر ألقاب العراقي عموما، واتفق عليه كبار شيوخه كتقى الدين السبكي وصلاح الدين العلائي، وجمال الدين الاسنوى، وكبار تلاميذه كابن حجر العسقلاني وبدر الدين العيني، وبرهان الدين الحلبي المعروف بسبط ابن العجمي، فمن بعدهم (^٣).\n_________\n(^١) الرد الوافر لابن ناصر الدين/ ١٧٩ وذيل التذكرة لابن فهد/ ٢٣٤.\n(^٢) ينظر البحر الذي زخر للسيوطي ١/ ٢٨١ - ٢٨٣، والجواهر والدرر للسخاوي ١/ ٨١ والأجوبة لابن سيد الناس ١/ ١٦٥ والألقاب الإسلامية للدكتور حسن باشا/ ٢٥٢.\n(^٣) ينظر مجموع ابن خطيب الناصرية/ مخطوط/ في صدر ترجمة للعراقي، وخلالها، وعقد الجمان رقم ٢ من ج ٢٥ وفيات سنة ٨٠٦ هـ (مخطوط) وعمدة القاري في شرح صحيح البخاري ١/¬٤ كلاهما للعيني، والمجمع المؤسس/ ١٧٦ مخطوط، وذيل الدرر الكامنة/ ١٤٥ وإنباء الغمر ٢/ ٢٧٥/ ثلاثتها لابن حجر، وذيل التقييد للتقى الفاسي تلميذ العراقي ٢/ ١٠٦، ١٠٨ وذيل تذكرة الحفاظ لتلميذه بالمكاتبة تقى الدين محمد بن فهد/ ١٤١، ٢٢٠، ٢٢٣، ٢٢٥، ٢٢٧، وروى عنه بالمكاتبة من عواليه المسلسل بالحفاظ/ ٢٣٦ - ٢٣٩، وطبقات الشافعية للإسنوى ٢/ ٢٨٧ (ترجمة ابن سيد الناس)، وتذكرة الطالب المعلم بمن يقال إنه مخضرم لسبط ابن العجمي/ ٤٠ بتحقيق حسن مشهور. وغاية النهاية لابن الجزري ١/ ٣٨٢ والأعلام ٤/ ٢١٩/ أ، ب مخطوط وطبقات الشافعة - كلاهما لابن قاضي شهبة ٤/¬٣٣ - ٣٧، والضوء اللامع ٤/ ١٧٣، ١٧٥، ١٧٦ والجواهر والدرر ١/ ٨٥، ٩١، ٩٢، ٩٣، ٩٥ كلاهما للسخاوي، والمنهل الصافي لابن تغرى بردى ٢/ ٣١١ ب، ٣١٢/ ب، وذيل تذكرة الحفاظ/ ٣٧٠ وحسن المحاضرة ١/ ٣٦٠ كلاهما للسيوطى وبهجة الناظرين للغزى/ =","vol":"2","page":623},{"text":"ولهذا لقبته به في عنوان هذا الكتاب كما ترى، ولم يقتصر الواصفون للعراقي على لفظة (الحافظ) فقط، ولكنهم أضافوا إليها بعض الألفاظ التي تؤكد: استحقاقه لهذا اللقب العلمي، وتفيد ارتفاع منزلته إلى درجة الريادة للموصوفين به من أقرانه ومعاصريه، سواء بمصر أو بغيرها من بلاد الإسلام حينذاك.\nفلقب بالحافظ الكبير، الشهير، والحافظ المعتمد، والحافظ الجهبذ، والحافظ الكامل، وعُدة الحفاظ، وحافظ الديار المصرية، وحافظ مصر والشام، وحافظ الوقت، وحافظ العصر، حافظ الإسلام (^١) وقد تقدم تعريف ابن سيد الناس للمحدث وبيان شروطه في عصره الذي هو عصر العراقي وشيوخه، وبعد ذكره التعريف والشروط قال: فإن انبسط في ذلك وعرف أحوال من تقدم شيوخه من شيوخهم، وشيوخ شيوخهم طبقة طبقة، بحيث تكون السلامة من الوهم في المشهورين غالبة عليه، ويكون ما يعلمه من أحوال الراوة في كل طبقة أكثر مما يجهله، فهذا حافظ، ثم قال: وأما ما نقل عن المتقدمين في ذلك من سعة الحفظ: فيمن يسمى حافظا، والدؤوب في الطلب الذي لا يستحق الطالب أن يطلق عليه (محدث) إلا به، كما قال بعضهم: كنا لا نعد صاحب حديث من لم يكتب عشرين ألف حديث إملاء، فذلك بحسب أزمنتهم (^٢).\n_________\n= ص ١٢٩ - ١٣١ والبدر الطالع للشوكاني ١/ ٣٥٤، وشذرات الذهب ٧/ ٥٥، ومقدمتى شرحي المناوي لألفية العراقي في السيرة/ مخطوطين ١/¬٣ أو ١/¬٢ ب، وفهرس الفهارس للكتاني ٢/ ١٩٧.\n(^١) تنظر المصادر السابق الإحالة عليها.\n(^٢) تنظر أجوبة ابن سيد الناس ٢/ ١٦٥ - ١٦٦ والبحر الذي زخر ١/ ٢٨١ - ٢٨٣ والتدريب ١/¬٣٤، ٣٧ - ٣٨ كلاهما للسيوطي، والجواهر والدرر للسخاوى ١/ ٨١ والأجوبة المكية لأبي زرعة ابن العراقي/ ٧٠ بتحقيق محمد تامر وفهرس الفهارس للكتاني ١/ ٧٧.","vol":"2","page":624},{"text":"ومن هذا يعرف أن ما ذكره الملا على قاري، بأن الحافظ هو من أحاط علمه بمائة ألف حديث (^١) هو بحسب عرف المتقدمين وأزمنتهم\nوالحافظ تقى الدين السبكي ت (٧٥٦ هـ) من أبرز شيوخ العراقي وأقدم من لقبه بالحافظ كما تقدم، وقد سأل رفيقه جمال الدين المزي عن حد الحافظ الذي إذا انتهى إليه الرجل جاز أن يطلق عليه الحافظ؟ قال يرجع إلى العرف، فقال له السبكي: وأين أهل العرف؟ قليل جدا قال: أقل ما يكون، أن يكون الرجال الذين يعرفهم، ويعرف تراجمهم وأحوالهم، وبلدانهم أكثر من الذين لا يعرفهم، ليكون الحكم للغالب فقلت له هذا عزيز في هذا الزمان، فذكر له أنه يمكن تحققه في وقته في الحافظ شرف الدين الدمياطي (ت ٧٠٥ هـ) (^٢)\nومن هذا يفهم أن السبكي لما وصف العراقي بالحافظ كان وصفه عن معرفة الحد الاصطلاحي لذلك، ومباحثته فيه مع قرينه المزي المشهود له بالخبرة العالية في هذا الاختصاص، لكن لما كان ما قرره المزي وأقره السبكي بشأن هذا اللقب، فيه تشدد عما تقدم عن ابن سيد الناس، فإن الحافظ ابن حجر اتجه إلى شيخه العراقي في ذلك لمعرفة موقفه، فسأله عن الحد الذي إذا بلغه الطالب في هذا الزمان المتأخر عمن سبقاه، استحق أن يسمى حافظا، وهل يتسامح بنقص بعض الأوصاف التي ذكرها الحافظان المزي وابن سيد الناس لنقص الزمان أم لا؟\n_________\n(^١) شرح شرح النخبة له/ ٣، والتدريب ١/¬٣٧.\n(^٢) ينظر تدريب الراوى ١/¬٣٧ والبحر الذي زخر ١/ ٢٧٩ - ٢٨٠ والجو اهر والدرر ١/ ٨١ والأجوبة المكية لأبي زرعة ابن العراقي/ ٦٩","vol":"2","page":625},{"text":"فأجابه بما خلاصته أن الوصف بذلك أمر اجتهادي في باب الجرح والتعديل فيختلف باعتبارات متعددة من حيث وقت حصول غلبة ظن الواصف أو عدم حصولها، أو كثرة مخالطته للموصوف أو قلتها، أو تشدده في تحقق الشروط أو تساهله، وأن كلام المزي السابق فيه تشدد، بحيث لم يسم ممن رآه بهذا الوصف إلا الدمياطي، وأن كلام أبى الفتح ابن سيد الناس أسهل، ثم ذكر أن الوصف بالحافظ يتنوع، فإن أريد الوصف به في نوع معين من أنواع علوم الحديث، فذلك سهل ممكن لمن جعل فنه ذلك النوع فقط دون غيره، أما إن أريد الاتصاف بالحفظ في كافة علوم الرواية والدراية فذلك صعب، لاحتياجه إلى فراغ، وطول عمر، وانتفاء الموانع، وعليه فيحمل كلام المتقدمين والمتشددين من المتأخرين على رتبة الكمال في الحفظ والإتقان، وإن وجد في زمان الموصوف غيره ممن يوصف بالحفظ أيضا، وكم من حافظ وغيره أحفظ منه (^١).\nومن هذا يتضح أن العراقي لم يقتصر أمره على وصف غيره له باستحقاق هذا اللقب على المستوى العام في عصره، ولكنه كان يحتكم إليه في تحديد المواصفات الحديثية لمن يستحق هذا اللقب في عصره. كما يلاحظ أن جوابه السابق عن شروط هذا اللقب، فيه إشارة إلى ما يسمى في عصرنا هذا بالتخصص الدقيق داخل دائرة التخصص العام، وأن لقب «الحافظ» هذا يمكن اطلاقه باعتبار التخصص الدقيق فقط لمن برز فيه، وإن كان قاصرا عن ذلك في باقى فروع تخصص علوم السنة، وسيأتى ظهور أثر ذلك في تطبيق العراقي، وتطبيق أبرز تلاميذه عليه وعلى غيره.\n_________\n(^١) ينظر الجواهر والدرر ١/ ٨٢ - ٨٤ والبحر الذي زخر ١/ ٢٨٤ - ٢٨٥ والأجوبة المكية لأبي زرعة ابن العراقي/ ٧٠ - ٧١.","vol":"2","page":626},{"text":"فمن ذلك قول تلميذه ابن حجر: الحافظ: من مهر في معرفة الحديث (^١) وقوله أيضا: للحافظ في عرف المحدثين شروط، إذا اجتمعت في الراوى سموه حافظا، وهو الشهرة بالطلب، والأخذ من أفواه الرجال، لا من الصحف، والمعرفة بطبقات الرواة ومراتبهم، والمعرفة بالتجريح والتعديل وتمييز الصحيح من السقيم، حتى يكون ما يستحضره من ذلك أكثر مما لا يستحضره، مع استحضار الكثير من المتون، فهذه الشروط إذا اجتمعت في الراوى سموه حافظا (^٢)، وزاد في موضع آخر أنهم اصطلحوا على أن الحافظ: من يعرف العلل، والجرح، وطرق الحديث (^٣)، وقال أيضا: لا يكون حافظا ولا محدثا في الاصطلاح إلا من عرف الأمرين، ومارس الفنين - يعنى الرواية والدراية - فمن جمعهما فهو الكامل (^٤). وسيأتى تقريره تحقق ذلك في شيخه العراقي.\nوذكر الحافظ أبو شامة المقدسي (ت ٦٦٥ هـ) إن علوم الحديث في عصره ثلاثة، أشرفها: حفظ متونها، ومعرفة غريبها، وفقهها، والثاني: حفظ أسانيدها، ومعرفة رجالها، وتمييز صحيحها من سقيمها .. والثالث: جمعه وكتابته وسماعه، وتطريقه، وطلب العلو فيه، والرحلة إلى البلدان (^٥).\n_________\n(^١) نزهة الألباب في الألقاب ١/ ١٨٨.\n(^٢) ينظر النكت على ابن الصلاح له ١/ ٢٦٨.\n(^٣) الجواهر والدرر ١/ ٨٢.\n(^٤) الجواهر والدرر ١/ ٧٦ - ٧٧.\n(^٥) النكت على ابن الصلاح والعراقي لابن حجر ١/ ٢٣٠ والتدريب ١/¬٣٣، والبحر الذي زخر ١/ ٢٥٦.","vol":"2","page":627},{"text":"ومما عقب به الحافظ ابن حجر على ذلك أن كلا من هذه الثلاثة له أهميته. وأن من جمع الثلاثة كان حافظا وفقيها ومحدثا كاملا، ومن جمع الأول والثاني وقصر في الثالث ففيه قصور، ومن اقتصر على الثاني والثالث فهو محدث صرف، ولكن فيه نقص عمن جمع الثلاثة (^١).\nوعلق السيوطي على هذا بأن في ثنايا كلام الحافظ ابن حجر ما يشعر باستواء المحدث والحافظ، وأن السلف كانوا يطلقونهما بمعنى، وذكر من كلام بعضهم ما يؤيده.\nثم قال: والحق أن الحافظ أخص (^٢) وتقدم من كلام ابن سيد الناس تقرير أن الحافظ أعلا من المحدث، وفي كلام الخطيب ما يؤيد هذا، ويفيد علو درجة الحافظ حيث ذكر أن الوصف بالحافظ عند الإطلاق، ينصرف إلى أهل الحديث خاصة، دون سواهم، ثم قرر أنه أعلا صفات، وأسمى درجات الناقلين، وأن من بلغ تلك الدرجة قبلت أقاويله، وسلم له تصحيح الحديث وتعليله، ثم قال: غير أن المستحقين لها يقلون، بل يتعذر وجودهم (^٣).\nوقد أشار السخاوي إلى اعتناء شيخه ابن حجر بانطباق شروط المتأخرين في حد الحافظ على من يلقبه بذلك، فقال: إنه لم يكن بالمتساهل في الوصف بلفظة (الحافظ) هذه (^٤).\n_________\n(^١) ينظر التدريب ١/¬٣٣ - ٣٤ والبحر الذي زخر ١/ ٢٥٣ - ٢٥٧ والنكت على ابن الصلاح والعراقي ١/ ٢٢٨ - ٢٣١.\n(^٢) التدريب ١/¬٣٤.\n(^٣) الجواهر والدرر ١/ ٨٥.\n(^٤) الجواهر والدرر ١/ ٩٠ - ٩١.","vol":"2","page":628},{"text":"وقد جاء عنه مباحثة تطبيقية في هذا مع شيخه العراقي، وقرر هو فيها انطباق الشروط كاملة على شيخه العراقي، فقد سأل ابن حجر شيخه العراقي عن أربعة من المحدثين تعاصروا أيهم أحفظ وأدرى بفن الحديث خاصة، ومن منهم أولى أن يُسمى حافظا لاجتماع ما شرطه الأئمة المتأخرون في حد الحافظ، لا المتقدمون؟ وهم ابن كثير (ت ٧٧٤ هـ) ومغلطاي (ت ٧٦٢ هـ)، وابن رافع (ت ٧٧٤ هـ) والحسيني (ت ٧٦٥ هـ) فأجاب بأن أحفظهم للمتون، ابن كثير، وأعلمهم بالأنساب، مغلطاي على أغاليط تقع له في ذلك، وأكثرهم طلبا وتحصيلا للشيوخ، والمؤتلف والمختلف، ابن رافع، … وأما الحسيني فمتأخر عن طبقتهم، ثم قال: وقد أطلق على كل من المذكورين وصف الحفظ باعتبار غلبة فن من فنون الحديث عليه (^١).\nوعقب ابن حجر على جواب شيخه هذا بقوله: إن الإنصاف أن ابن رافع أقرب إلى وصف الحفظ على طريقة أهل الحديث من ابن كثير، لعنايته بالعوالي والأجزاء والمسموعات، دون ابن كثير، وابن كثير أقرب إلى الوصف بالحفظ على طريقة الفقهاء، لمعرفته بالمتون الفقهية والتفسيرية، دون ابن رافع فيُجمع منهما حافظ كامل، ثم قال: وقل من جمعهما - يعني حفظ الحديث والفقه - بعد أهل العصر الأول كابن خزيمة والطحاوي وابن حبان والبيهقي وفي المتأخرين شيخنا العراقي (^٢) وفي هذا كما ترى شهادة خبير وملازم باستحقاق العراقي درجة الحافظ الكامل بجمعه شروط حفظ الحديث والفقه.\n_________\n(^١) الجواهر والدرر ١/ ٩١\n(^٢) ينظر الجواهر والدرر ١/ ٩٠.","vol":"2","page":629},{"text":"باصطلاح عصره، وارتفاع منزلته في ذلك إلى مصاف عدد ممن اجتمع فيه ذلك من المتقدمين.\nوقد قال السخاوي تلميذ ابن حجر: والله ما رأيت أحفظ منه، هو ما رأى أحفظ من شيخه العراقي (^١)، وسيأتي عنه أيضا إضافات أخرى.\nأما الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي (ت ٨٤٢ هـ) معاصر العراقي فقد ذكر أن الحافظ في المتأخرين: هو المكثر من الحديث حفظا ورواية، المتقن لأنواعه، ومعرفة رواته دراية، المدرك للعلل، السالم في الغالب من الخلل (^٢).\nثم جاء عنه وصف العراقي بالحافظ، وبعدة ألقاب أخرى مؤكدة، ففى كتابه الذي نظم فيه وفيات الحفاظ وأعيان العلماء، ذكر العراقي بقوله: - لابن العراقي الحافظ البهاء وعوده ضمانها الوفاء (^٣).\nولما ترجم له في كتاب «الرد الوافر» قال: - الشخ الإمام العلامة الأوحد، شيخ العصر، حافظ الوقت، شيخ المحدثين علَمُ الناقدين، عمدة المخرجين، حدث وأملى، وأفاد، وتكلم على العلل والإسناد، ومعاني المتون وفقهها فأجاد (^٤).\nوتلميذ العراقي: على بن محمد المعروف بابن خطيب الناصرية (ت ٨٤٣ هـ) قال: ووصفه أئمة عصره المشايخ بالحفظ والإتقان، والمعرفة والتحقيق\n_________\n(^١) ينظر الجواهر والدرر ١/ ٩٥.\n(^٢) الجواهر والدرر ١/ ٨٢.\n(^٣) ينظر الجواهر والدرر ١/ ٨٨ وبديعة البيان عن موت الأعيان/ ٢٤٦/ ط دار ابن الأثير بالكويت سنة ١٤١٨ هـ.\n(^٤) الرد الوافر/ ١٧٩.","vol":"2","page":630},{"text":"والعرفان، كالعلامة تقى الدين السبكي والحافظ العلائي وقاضي القضاة عز الدين بن جماعة والشيخ جمال الدين الإسنوى، وغيرهم، وأخذ عنه العلم والحديث الأئمة (^١).\nونحو هذا ذكر تلميذاه تقى الدين الفاسي وابن حجر (^٢) وابن قاضي شهبة (^٣) وزاد فيمن أثنى عليه الحافظ ابن كثير، وكذلك السيوطي (^٤).\nوابن تغرى بردى، وقال: أخذ عنه الأئمة والحفاظ (^٥)، والمناوي (^٦) ويلاحظ اتفاق هؤلاء جميعا على أن العراقي قد لقب بلقب الحافظ هذا ومؤكداته من أبرز شيوخه بمصر والشام، الذين عايشوه، وخبروه علميا، كما قدمت في جوانب شخصيته.\nأما تلميذه البرهان الحلبي المعروف بسبط ابن العجمي (ت ٨٤١ هـ) فقال: حفاظ مصر أربعة أشخاص، وهم من مشايخي: البلقيني وهو أحفظهم لأحاديث الأحكام، والعراقي وهو أعلمهم بالصنعة، والهيثمي وهو أحفظهم للأحاديث من حيث هي، وابن الملقن، وهو أكثرهم فوائد في الكتابة على الحديث (^٧).\n_________\n(^١) مجموع ابن خطيب الناصرية/ ترجمة العراقي (مخطوط).\n(^٢) ذيل التقييد ٢/ ١٠٨ وذيل الدرر الكامنة/ ١٤٤، ١٤٥ والمجمع المؤسس ص ١٧٧ (مخطوط) والضوء اللامع ٤/ ١٧٣.\n(^٣) الأعلام له ٤/ ٢١٩/ ب مخطوط وطبقات الشافعية له ٤/¬٣٧ - ٣٨.\n(^٤) ذيل تذكرة الحفاظ/ ٣٧٠ وحسن المحاضرة ١/ ٣٦٠.\n(^٥) المنهل الصافي له ٢/ ٣١٢/ ب مخطوط.\n(^٦) مقدمتى شرحى المناوي لألفية العراقي في السيرة (مخطوطين).\n(^٧) الجواهر والدرر ١/ ٩٢.","vol":"2","page":631},{"text":"وقال عن شيخه العراقي: إنه غلب عليه فن الحديث فاشتهر به، وانفرد بالمعرفة فيه، مع العلو - يعنى في الإسناد - وقال أيضا: شيخنا الحافظ الجهبذ (^١). وقال أيضا: لم أر أعلم بصناعة الحديث منه، وبه تخرجت (^٢). وقال تلميذه ابن الجزري ت (٨٣٣ هـ) في مقدمة أربعينه العشارية: إنه من كبار الحفاظ (^٣) وفي كتاب آخر له في علوم الحديث قال عنه: آخر حفاظ الحديث وتمليه، وجامع أنواعه والمؤلف فيه، وبه خُتم أئمة هذا العلم.\nثم قال: وقد قلت لما بلغني وفاته وأنا بسمرقند:\nرحمة الله للعراقي تترى … حافظ الأرض حبرها باتفاق\nإني مُقْسِم أَلِية صدق … لم يكن في البلاد مثل العراقي\nوقال في تعزيته لولي الدين ابن العراقي في وفاة والده: إذا فقد الناس العراقي حفاظا إمام هُدًى حَبْرا فأنت لهم وَلِيّ (^٤) وفي ترجمته له في طبقات القراء قال:\nوبرع في الحديث متنا وإسنادا … وكتب، وألف، وجمع، وخرج، وانفرد في وقته (^٥).\nووصفه أيضا تلميذه صلاح الدين الأقفهسي بأنه برع في الحديث متنا وإسنادا، وشارك في الفضائل، وصار المشار إليه بالديار المصرية وغيرها\n_________\n(^١) تذكرة الطالب المعلم/ ص ٤٠. ط دار الأثر.\n(^٢) الضوء اللامع ٤/ ١٧٥.\n(^٣) ينظر الأربعين العشارية لابن الجزري/ ص ٣ مخطوط، والضوء اللامع ٤/ ١٧٦.\n(^٤) الضوء اللامع ٤/ ١٧٦.\n(^٥) غاية النهاية لابن الجزري ١/ ٣٨٢.","vol":"2","page":632},{"text":"بالحفظ والإتقان والمعرفة، مع الدين والورع (^١).\nوكذلك تلميذه ابن حجر: قال: حافظ العصر … وصار المنظور إليه في هذا الفن، من زمن الشيخ جمال الدين الإسناوي (ت ٧٧٢ هـ) وهلم جرا، ولم نر في هذا الفن أتقن منه، وعليه تخرج غالب أهل عصره، … ثم قال: وصار الهيثمي لشدة ممارسته أكثر استحضارًا للمتون من شيخه - يعنى العراقي - حتى يظن من لا خبرة له أنه أحفظ منه، وليس كذلك، لأن الحفظ المعرفة (^٢).\nوقال في صدر أسئلة كتب بها إليه: سألت سيدنا وقدوتنا، ومعلمنا ومفيدنا ومخرجنا، شيخ الإسلام، أوحد الأعلام، حسنة الأيام، حافظ الوقت (^٣).\nوقد سطر ابن حجر أيضا نحو هذا ضمن رثائه له نظما فقال:\nفيا أهل الشام ومصر فابكوا … على عبد الرحيم بن العراقي\nعلى الحبر الذي شهدت قروم … له بالانفراد على اتفاق\nعلى حاوي علوم الشرع جمعا … بحفظ لا يخاف من الإباق\nدعاه بحافظ العصر الـ … إمام الكبير الإسنوى لدى الطباق (^٤)\nوعلى قدره السبكي وابن الـ … علائى، والأئمة باتفاق (^٥)\n_________\n(^١) الضوء اللامع ٤/ ١٧٦.\n(^٢) إنباء الغمر ٢/ ٢٧٦، وذيل الدرر الكامنة/ ١٤٤، وبهجة الناظرين للغزي/ ص ١٣١ (مخطوط).\n(^٣) الضوء اللامع ٤/ ١٧٥.\n(^٤) أى في كتابه طبقات الفقهاء/ ضمن ترجمة ابن سيد الناس اليعمرى ٢/ ٢٨٧ ط دار الكتب العلمية.\n(^٥) إنباء الغمر ٢/ ٢٧٨ و٢٧٩ وحسن المحاضرة للسيوطى ١/ ٣٦٠ و٣٦٢.","vol":"2","page":633},{"text":"وقال تلميذه بالمكاتبة: محمد بن فهد المكي (ت ٧٨١ هـ): الإمام الأوحد العلامة الحجة، الحبر الناقد، عمدة الأنام، حافظ الإسلام، فريد دهره، ووحيد عصره، من فاق بالحفظ والإتقان في زمانه، وشهد له بالتفرد في فنه أئمة عصره وأوانه، وقال أيضا: وكان إمامًا مُفَنَّنا حافظا ناقدا متقنا وصار المشار إليه في الديار المصرية بالحفظ والاتقان والمعرفة.\nوقال أيضا: إنّه غلب عليه هذا الفن، وصار مشهورا به، فتقدم فيه وانتهت إليه رياسته في البلاد الإسلامية، مع المعرفة والإتقان والحفظ بلا ريب ولا مرية، بحيث إنه لم يكن له نظير في عصره، شهد له بالتفرد فيه عدة من حفاظ عصره، منهم السبكي، والعلائي، والعز بن جماعة وابن كثير والاسنائي، فكانوا يبالغون في الثناء عليه بالمعرفة (^١) وقال أيضا: وأفتى وحدث كثيرا بالحرمين، ومصر والشام … وقصد من مشارق الأرض ومغاربها (^٢).\nأقول: وكان هذا مما رشحه لتقرير غير واحد من العلماء بأنه يعتبر أحد من جدد للأمة الإسلامية أمر دينها على رأس القرن الثامن، كما سيأتي. وكذلك بقية الأقوال الآتية:\nفقد قال تلميذه بدر الدين العيني: الشيخ الإمام العلامة مفتى الأنام، شيخ الإسلام، حافظ مصر والشام (^٣) وقال: المحدث المسند حافظ العصر (^٤).\n_________\n(^١) ينظر ذيل تذكرة الحفاظ لابن فهد/ ٢٢٠، ٢٢٦، ٢٢٧.\n(^٢) المصدر السابق/ ٢٣٤.\n(^٣) مقدمة عمدة القاري في شرح صحيح البخاري ١/¬٤.\n(^٤) عقد الجمان قسم ٢/ ج ٢٥ وفيات سنة ٨٠٦ هـ (مخطوط مصور).","vol":"2","page":634},{"text":"وقال تلميذه عبد الرحيم بن عبد الكريم الشيرازي (ت ٨٢٨ هـ) (^١) عند ملازمته له بالمدينة النبوية المشرفة: لقيت فيها أوحد دهره علما وفضلا وأكمل عصره علما وعقلا، شيخ الإسلام على التمام، وخطيب منبر سيد الأنام، وإمام محرابه ﵊، رأسا للملة والشريعة والتقوى والدين (^٢).\nوقال الحافظ محمد بن أحمد الغزى (ت ٨٦٤ هـ) الشيخ الإمام العلامة حافظ الإسلام، بقية الأعلام، … ثم قال: وشهرته تغنى عن الإطناب في أمره، وتصانيفه ناطقة بفضله، وهو شيخ الجماعة والأئمة الذين كانوا في عصره، ولعل غالبهم تلامذته في هذا الفن (^٣).\nوقال الحافظ السخاوى (ت ٩٠٢ هـ) كان إماما علامة، مقرئا فقيها شافعي المذهب، أصوليا منقطع القرين في فنون الحديث، وصناعته وشهد له بالتفرد فيه أئمة عصره، وعولوا عليه فيه، ودرس وأفتى، وحدث وأملى، وولى قضاء المدينة … وانتفع به الأجلاء … وهو في مجموعة كلمة إجماع (^٤)، ولقيه أيضا بحافظ الوقت، وشيخ الإسلام، وتلقى من طريقه الحديث المسلسل بالحفاظ (^٥).\nوالسخاوى كما هو معروف من أهل الاصطلاح وممن عنى بمراعاة ذلك في\n_________\n(^١) ينظر الضوء اللامع ٤/ ١٨٠ - ١٨٢.\n(^٢) مقدمة الأربعين العشارية للعراقي/ بتحقيق الشيخ بدر البدر/ ١٢٠.\n(^٣) بهجة الناظرين في تراجم الشافعية المتأخرين له/ ١٣١ (مخطوط).\n(^٤) فتح المغيث ١/¬٣ - ٤ ط دار الإمام الطبري.\n(^٥) الجواهر والدرر ١/ ٩٣، ٢٥٩، ٢٦٨.","vol":"2","page":635},{"text":"إطلاق الألقاب الحديثية وعدم التساهل في إطلاقها لا سيما في رأس المائة الثامنة - التي هي عصر العراقي - ثم ما بعده (^١).\nوالحافظ السيوطي - تقدم عنه ما يفيد عنايته أيضا بتمييز لقب الحافظ عن المحدث والمسند (^٢).\nوقد طبق هذا عمليا في كتابه حسن المحاضرة، فخصص فصلا بعنوان: \"ذكر من كان بمصر، من حفاظ الحديث \" وترجم للعراقي فيهم ترجمة حافلة، وفي مطلعها قال: الحافظ الكبير، حافظ العصر (^٣).\nثم ذكر بعد هذا فصلا بعنوان: من كان بمصر من المحدثين الذين لم يبلغوا درجة الحفظ (^٤)\nوأيضا لما عمل ذيلا على تذكرة الحفاظ للذهبي، ترجم للعراقي فيه، وصدر ترجمته كذلك بقوله: الحافظ الإمام الكبير الشهير (^٥) وشرط الذهبي في التذكرة التي ذيل عليها السيوطى وغيره هو: ذكر معدلي حملة العلم النبوى ومن يرجع إلى اجتهادهم، في التوثيق والتضعيف، والتصحيح والتزييف (^٦).\nوسيأتي تلقيب السيوطى للعراقي بأنه مجدد القرن الثامن الهجرى\nأما الحافظ عبد الرءوف المناوي (ت ١٠٣١ هـ) والذي يعتبر العراقي جده\n_________\n(^١) ينظر الجواهر والدرر له ١/ ٦٥ - ٩٧\n(^٢) ينظر التدريب له ١/¬٢٩ - ٤٣/ ط دار الكوثر بالرياض.\n(^٣) حسن المحاضرة للسيوطى ١/ ٣٤٥ و٣٦٠ - ٣٦٦.\n(^٤) حسن المحاضرة ١/ ٣٦٧ وما بعدها.\n(^٥) ذيل تذكرة الحفاظ للسيوطي/ ٣٧٠.\n(^٦) تذكرة الحفاظ للذهبي ١/¬١.","vol":"2","page":636},{"text":"الأعلا من جهة الأم، فإنه قال عنه: هو جدي الشيخ الإمام الحبر الهمام جمال الحافظ الفخام (^١).\nوقال أيضا: جدنا الأعلا، حافظ مصر والشام (^٢).\nوقال أيضا: وصار المنظور إليه في فن الحديث من بين أهل عصره، وانتفع به الأصاغر والأكابر (^٣).\nويلاحظ من شهادات هؤلاء تلقيب العراقي أيضا بألقاب علمية أخرى زائدة على ما تقدم، وتفيد تكامل جوانب شخصيته العلمية مع ريادته في تخصصه بعلوم الحديث لمدرسة الحديث في أبرز أقطار العالم الإسلامي في عصره. وتلك الألقاب هي:\n\n<span data-type='title' id=toc-197>٦ - الناقد، وتأكيده: عَلَمُ الناقدين</span>\nوهذا مأخوذ من (النقد) وهو في اللغة له إطلاقات، والمناسب منها لما هنا: اختبار الشيء أو الكلام، وتمييز الجيد من ذلك من الردئ والزيف والصحيح من الفاسد (^٤).\nوالمراد به في وصف العراقي ما ذكره السمعانى بقوله: هذه اللفظة لجماعة\n_________\n(^١) مقدمة الفتوحات السيمانية في شرح ألفية العراقي في السيرة النبوية ٣/ أ (مخطوط المكتبة الأزهرية).\n(^٢) ينظر مقدمة شرحه لألفية السيرة/ نسخة خطية بمكتبة الأوقاف ببغداد كما في فهرس المكتبة المذكورة لمحد أسعد طلس/ ٥٢.\n(^٣) مقدمة شرحه لألفية السيرة للعراقي ١/ ب (مخطوط).\n(^٤) ينظر أساس البلاغة للزمخشرى/ مادة (نقد) / ٦٥٠ وتاج العروس للزبيدي ٢/ ٥١٦ والمعجم الوسيط ٢/ ٩٤٢","vol":"2","page":637},{"text":"من نقاد الحديث وحفاظه، لقبوا به، لنقدهم ومعرفتهم (^١).\nوالمراد بالنقد بيان صحيح الحديث من سقيمه، وتمييز مراتب الرواة، جرحا أو تعديلا، وغير ذلك من دقائق علوم السنة، وجهود العراقي في ذلك مشهودة، كما تقدم في وظائفه العلمية، وما سيأتي من مصنفاته الحديثية.\n\n<span data-type='title' id=toc-198>٧ - المتقن:</span>\nمن الإتقان، وهو في الاصطلاح بمعنى زيادة الضبط، أو بمعنى الحفظ، أو زيادة الحفظ عن مجرد سرد المحفوظ في الذهن، دون فهم ولا تمحيص (^٢).\nوتقدم قول العراقي نفسه: كم من حافظ غيره أحفظ منه، كما تقدم في شهادات العلماء بحفظ وفهم العراقي ما يؤيد استحقاقه لهذا اللقب بمعناه الاصطلاحي هذا (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-199>٨ - الحجة:</span>\nوهو في اصطلاح المحدثين من أعلا مراتب التوثيق، حيث يعتبر أرفع من لفظ (ثقة) (^٤). وتقدم تقرير الذهبي لذلك (^٥).\nوقد كان هذا اللقب في عصر المماليك - الذي عاش فيه العراقي من ألقاب أكابر العلماء والقضاة (^٦).\n_________\n(^١) الأنساب للسمعاني ١٣/¬١٦.\n(^٢) فتح المغيث للسخاوي ١/ ١١٢ والتدريب ١/¬٣٩.\n(^٣) وانظر الجواهر والدرر ١/ ٨٥، ٨٩.\n(^٤) وينظر تذكرة الحفاظ ٣/ ٩٧٩ وفتح المغيث للسخاوي ٢/ ١١١ - ١١٣.\n(^٥) تذكرة الحفاظ ٣/ ٩٧٩.\n(^٦) الألقاب الإسلامية للدكتور حسن الباشا/ ٢٥٦.","vol":"2","page":638},{"text":"<span data-type='title' id=toc-200>٩ - الإمام:</span>\nوممن لقب العراقي به غير من تقدم شيخه ابن رافع (^١)، ويطلق هذا اللقب على من يؤم الناس في الصلاة، وعلى من يعتبر قدوة صالحة، ومثلا يُحتذى ويقتدى به الناس في أمور الدين، أو في علم العلوم الشرعية، كما يطلق على كبار رجال العلم الشرعي، وعلى الحكام وولاة أمر المسلمين (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-201>١٠ - العلامة:</span>\nوَصْفٌ من العلم للمبالغة، وزيدت فيه التاء لتأكيد المبالغة (^٣) هو من ألقاب العلماء والمراد به العالم للغاية ومن هو من أعلام العلم والدين الشاهقة الخافقة (^٤)، وذكر ابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩ هـ): أنه لقب يختص بالمفتى (^٥) ولعل ذلك باعتبار عصره، وسيأتى تلقيب العراقي بالمفتى أيضا، وتقدم في هذا المبحث جوابه عن بعض ما استفتى فيه، وسيأتى في نتاجه العلمى بعض فتاواه الجامعة بين الفقه والحديث.\n\n<span data-type='title' id=toc-202>١١ - الحبر:</span>\nوهو العالم، وجمعه «أحبار»، وشموا بذلك لما يبقى من أثر علومهم في\n_________\n(^١) ينظر الوفيات له ٢/ ٣٧٧ ضمن ترجمة نقيب المتعممين، أبو بكر بن عبد الكريم الدنيسرى المارديني الدمشقي (ت ٧٧٢ هـ).\n(^٢) ينظر شرح شرح نخبة الفكر لعلى قاري/ ٣ والألقاب الإسلامية/ ١٦٦ - ١٧٦ والمعجم الوسيط ١/¬٢٧ «أم» والأجوبة المكية/ ٧٣.\n(^٣) القاموس المحيط ٢/ ٦٢٤ مادة (علم).\n(^٤) أساس البلاغة/ ٤٣٤ «علم».\n(^٥) الألقاب الإسلامية/ ٤٠٥ - ٤٠٦.","vol":"2","page":639},{"text":"قلوب الناس، ومن أثر أفعالهم الحسنة المقتدى بها (^١).\nوقال ابن الأثير: كان يقال لابن عباس: الحبر والبحر، لعلمه وسعته (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-203>١٢ - المفنن:</span>\nوقد لقب بهذا تلميذه ابن فهد المكي، وأوضح مراده بذلك فقال: وكان لديه فنون من العلم، منها: القراآت والفقه، وأصوله، والنحو واللغة والغريب (^٣) وليس في ذلك منافاة لما تقرر من اختصاصه بعلوم الحديث وانفراده بالريادة في ذلك في عصره كما تقدم، لأن إلمامه بتلك الفنون من متممات شخصيته الحديثية، ولا يستغني عنها عالم الحديث مهما كان مبلغ علمه فيه، وسيأتي في نتاجه العلمي ما يؤيد ذلك.\nويؤيد هذا أن تلميذه ابن فهد نفسه الذي وصفه بهذا اللقب، وبما يطابقه من الفنون المتعددة، قد وصفه أيضا بأعلا الألقاب الحديثية والتخصص في فنونه، والتفرد فيها كما تقدم.\nوجاء أيضا عن تلميذه سبط ابن العجمي وغيره، ما يؤيده، وعبارة السبط في هذا قال: وكان عالما بالنحو واللغة والغريب والقراآت والحديث والفقه وأصوله، غير أنه غلب عليه فن الحديث، فاشتهر به، وانفرد بالمعرفة فيه، مع العلو (^٤).\n_________\n(^١) المفردات للراغب/ ١٠٦ (حبر).\n(^٢) النهاية في غريب الحديث ١/ ٣٢٨.\n(^٣) ذيل تذكرة الحفاظ/ ٢٢٦ - ٢٢٧.\n(^٤) ينظر الضوء اللامع ٤/ ١٧٥ وذيل التقييد ٢/ ١٠٨ والبدر والطالع للشوكاني ١/ ٣٥٥.","vol":"2","page":640},{"text":"<span data-type='title' id=toc-204>١٣، ١٤، ١٥ - المفتى، الفقيه، الأصولي.</span>\nفالمفتي: مأخوذ من الفتيا، أو الفتوى وهى الجواب عما يشكل من المسائل والأحكام (^١).\nوهو في الاصطلاح: المتمكن من معرفة الوقائع شرعا بالدليل، مع استيعابه لأكثر الفقه (^٢).\nوالفقيه: على ما يؤخذ من تعريف الفقه - هو العالم بالأحكام الشرعية المستفادة من أدلتها التفصيلية مع الاجتهاد في الاستنباط (^٢) ومن تأهل للقضاء كان أهلا للفتوى (^٣).\nوالفرق بينهما: أن حكم القضاء ملزم، بخلاف الفتوى (^٤).\nومن شروط كل من المفتى والقاضي أن يكون مسلما عدلا، مكلفا، فقيها مجتهدا، ولو في بعض مذهب إمامه كالشافعي وأبي حنيفة، وذلك باعتبار ما بعد عصر أولئك الأئمة وحتى عصر العراقي فما بعده، ويشترط أيضا أن يكون كل من المفتى والقاضي صحيح الذهن والتصرف في الفقه وما يتعلق به عارفا بأصول الفقه (^٥).\n_________\n(^١) المعجم الوسيط ٢/ ٦٧٣، ٦٧٤ (ب) ينظر صفة الفتوى والمفتى والمستفتى لابن حمدان الحنبلي/ ٤، ١٧.\n(^٢) التعريفات للجرحاني/ ٩٠ فقه، ط تونس والبحر المحيط للزركشي ١/¬٢١ والأجوبة المكية لابن العراقي ٧١ - ٧٣.\n(^٣) صفة المفتى والمستفتى/ ٤.\n(^٤) أدب الفتوى لابن الصلاح/ ٥٦ بتحقيق الأخ الدكتور رفعت فوزى.\n(^٥) صفة الفتوى والمفتى/ ١٣ - ١٨.","vol":"2","page":641},{"text":"قال الصيرفي: موضوع هذا الاسم لمن قام للناس بأمر دينهم، وعلم جمل عموم القرآن وخصوصه، وناسخه ومنسوخه، وكذلك في السنن والاستنباط (^١) وقد ترجم للعراقي في فقهاء الشافعية (^٢).\nوالأصولي: نسبة إلى علم أصول الفقه، وهو العلم بالقواعد التي يتوصل بها إلى الفقه (^٣) وقد سبق أن معرفته تعتبر من شروط كل من المفتي والقاضي.\n\n<span data-type='title' id=toc-205>١٦ - شيخ الإسلام:</span>\nقال السخاوي: هو يطلق على ما استقرئ من صنيع المعتبرين - على المتبع لكتاب الله تعالى، وسنة رسوله، مع المعرفة بقواعد العلم والتبحر في الاطلاع على أقوال العلماء، والتمكن من تخريج الحوادث على النصوص، ومعرفة المنقول والمعقول على الوجه المرضى (^٤).\nثم ذكر أن الوصف به تزايد في عصر العراقي، ولكنه كان مقصورًا على قرين العراقي سراج الدين البلقيني حتى توفى سنة ٨٠٥ هـ (^٥) في حين تقدم وصف العراقي به من كل من بدر الدين العيني وابن حجر العسقلاني وكلاهما قد تتلمذ لكل من العراقي والبلقيني في فترة زمنية واحدة مع تأخر وفاة العراقي عن البلقيني بنحو سنة تقريبا.\n_________\n(^١) البحر المحيط للزركشي ٦/ ٣٠٥.\n(^٢) ينظر طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة ٤/¬٣٣، وحسن المحاضرة للسيوطى ١/ ٤٣٨ وبهجة الناظرين للغزي/ ١٢٩ - ١٣٢.\n(^٣) التعريفات للجرجاني/ ١٦ (الهمزة) ط تونس.\n(^٤) الجواهر والدرر ١/ ٦٥.\n(^٥) الجواهر والدرر ١/ ٦٧.","vol":"2","page":642},{"text":"وفي ذلك يقول ابن حجر العسقلاني:\nلا ينقضى عجبي من وفق عمرهما العام كالعام حتى الشهر كالشهر (^١) وبذلك لا يتصور أنهما لم يطلقا عليه هذا اللقب إلا خلال السنة الأخيرة من عمره فقط بعد وفاة البلقيني.\nوجاء في جزء في التراجم وقفت عليه مخطوطا (^٢): أنه في عصر العراقي وما بعده كان من عاداتهم أن من ولى منصب «قاضي القضاة» يطلقون عليه (شيخ الإسلام) (^٣).\nومعلوم أن العراقي، وما ذكره السخاوى لهذا اللقب من شروط قد توافر في العراقي، فاستحقاقه له ثابت. سواء باعتبار توافر الشروط السابقة أو باعتبار توليه المنصب المذكور.\n\n<span data-type='title' id=toc-206>١٧ - مجدد القرن الثامن الهجري في علوم السنة</span>\nوالأصل في هذا الوصف ومبعث الاعتناء به، هو حديث أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: إن الله ﷿ يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها (^٤)\n_________\n(^١) إنباء الغمر ٢/ ٢٧٨.\n(^٢) برقم (١٠٩٧) تارخ تمور.\n(^٣) ينظر الجزء المذكور ص ١٨.\n(^٤) أخرجه أبو داود في كتاب الملاحم - باب ما يذكر في قرن المائة/ حديث (٤٢٩١) والحاكم في المستدرك ٤/ ٥٢٢ والبيهقي في المعرفة - باب مولد الشافعي من المقدمة ١/ ٢٠٨ حديث (٤٢٢) ثلاثتهم من طريق عبد الله بن وهب حدثني سعيد بن أبي أيوب عن شراحيل بن يزيد المعافري عن أبي علقمة عن أبي هريرة - فيما أعلم - عن النبي ﷺ، به. وقال أبو داود =","vol":"2","page":643},{"text":"وقد اعتمد العلماء هذا الحديث، وعنوا ببيان معناه، ودلالاته، وأسهم العراقي نفسه في ذلك كما سيأتى بعد قليل وفي ترجمته لشيخه عبد الرحيم الإسنوى.\nوخلاصة أقوال العلماء كالتالي:\nأن المراد بقوله: يبعث أي يوجهه ويهيء لمن يبعثه ملكة يستطيع بها دفع الباطل ونصرة الحق (^١).\nو«الأمة»: هم جماعة المسلمين في أقطار الأرض، و«رأس المائة» آخرها وابتداء ما بعدها، بحيث ينقضى أواخر القرن ويبدأ ما بعده، والمحدد حي بين الناس، عالم معروف بينهم قائم بالحجة، وتخصيص رأس القرن بذلك.\n_________\n= عقب تلك الرواية: رواه عبد الرحمن بن شريح الإسكندراني، لم يجز به شراحيل. يعنى أعضله. وعقب السخاوى على ذلك بقوله: وسعيد - يعنى ابن أبي أيوب، راوى الوجه الموصول - أولى بالقبول، الأمرين:\nأحدهما: أنه لم يختلف في توثيقه، بخلاف عبد الرحمن فقد قال فيه ابن سعد: إنه منكر الحديث. والثاني: أن معه زيادة علم على من قطعه.\nثم قال: وقوله: فيما أعلم، ليس بشك في وصله، بل قد جعل وصله معلوما له، وقال السخاوي: وسنده صحيح ورجاله كلهم ثقات/ المقاصد الحسنة/ حديث ٢٣٨ حرف الهمزة. ونقل السيوطى والمناوي وغيرهما عن الحاكم أنه صححه/ الجامع الصغير مع فيض القدير ٢/ ٢٨١ - ٢٨٢ ولكن لم أجد ذلك في طبعة المستدرك الحالية، وذكر ابن حجر: أن سند المرفوع قوى، ورجاله ثقات/ توالى التأسيس له/ ٤٨ - ٤٩.\nوذكر المناوي في الفيض ٢/ ٢٨٢ عن العراقي قوله: سنده صحيح، وصححه كذلك الشيخ الألباني ﵀/ الصحيحة (٥٩٩).\n(^١) ينظر وسيلة المجدين في شرح حديث التجديد وتراجم المجددين لمحمد بن محمد بن حجازي المالكي/ ٣/ أ (مخطوط).","vol":"2","page":644},{"text":"لكونه مظنة انخرام علمائه غالبا، وظهور البدع والدجالين (^١).\nفيظهر المجدد حينئذ، ويكون معروفا بين الناس في بلده وغيرها، مشهورا مشهودا له بالتفرد في مجاله الشرعى من فقه أو عقيدة أو تفسير، أو حديث أو دعوة أو ولاية لأمر المسلمين، أو غير ذلك مع قيامه الظاهر للكافة، بتقوية أمور الدين وتعليمها، وإحياء السنن وإماتة البدع والانحرافات، ونشر العلم الشرعي، وظهور آثار المجدد في ذلك علما وعملا، ونفى الكذب على الله وعلى رسوله ﷺ، ونصرة دينه، وصيانة أمته ﷺ.\nو«مَنْ» في قوله «مَنْ يُجدد» تصدق على الواحد وعلى الجمع وبالتالي، لا مانع أن يتعدد المجددون في رأس كل قرن، ويقوم كل منهم بما تأهل له من جوانب التجديد السابق الإشارة إلى أنواعها وبذلك يجمع بين أقوال وآراء من حددوا في رأس كل قرن مجدًدا من أهل اختصاصهم، كما أن كل قوم ينتفعون بما لا ينتفع به غيرهم (^٢).\nوقد قرر العراقي وغيره أن تحديد شخص المجدد على رأس كل قرن، يكون بغلبة الظن من معاصريه من العلماء، بناء على ما يتبين لهم من قرائن أحواله وأعماله، كالتفرد في فنه الذي اختص به، ومعرفة كفاءته فيه، وظهور عموم نفعه بشخصه، وبتلامذته، ومصنفاته، وباعتبار أن العلماء هم ورثة الأنبياء وحملة رسالتهم إلى العالمين، وتأسيا بمن حد بعض أشخاص المجددين، كما\n_________\n(^١) فيض القدير للمناوي شرح الجامع الصغير للسيوطى ١/¬١٢ - ١٣.\n(^٢) ينظر التنبئة بمن يبعثه الله على رأس كل مائة للسيوطى بتحقيق عبد الحميد شانوحة/ ١٩ - ٣٧، ٤٦ - ٥٢، ٧٤ - ٧٥، وفي هذه الطبعة أخطاء وأسقاط متعددة، وفيض القدير ١/¬١٠ - ١٣، ٢/ ٢٨١ - ٢٨٢، وجامع الأصول لابن الأثير ١١/ ٣٢٠ - ٣٢٢ والمقاصد الحسنة حديث (٢٣٨).","vol":"2","page":645},{"text":"جاء عن الإمام أحمد وغيره من السلف (^١)\nوعلى ضوء ذلك قال الإمام بدر الدين الأهدل (^٢): إن المبعوث على رأس المائة الثامنة: قيل هو سراج الدين عمر بن رسلان البلقيني (ت ٨٠٥ هـ) وعزا ذلك إلى جماعة من فقهاء مصر منهم شمس الدين ابن الجزرى - تلميذ العراقي.\nثم قال: وقيل الإمام ناصر الدين بن بنت الميلق الشاذلي، وعزا ذلك إلى جماعة من الصوفية، ولكن رده بأن وفاة الشاذلي هذا كانت سنة ٧٩٧ هـ ثم قال: ويحتمل أنه الشيخ زين الدين العراقي، وكان حافظ عصره في الحديث، مع الديانة والأمانة والتصانيف النافعة، وكانت وفاته سنة ٨٠٦ هـ، ثم قال: ويحتمل كلهم - يعنى الثلاثة - فإن المجدد قد يكون واحدًا، أو أكثر (^٣).\nوقد أشار الحافظ ابن حجر أيضا إلى ذلك، مع ذكر ابن الملقن بدل «الشاذلى» فقال: وهؤلاء الثلاثة: العراقي والبلقيني، وابن الملقن (ت ٨٠٤ هـ) كانوا أعجوبة هذا العصر على رأس القرن، الأول في معرفة الحديث وفنونه، والثاني في التوسع في معرفة مذهب الشافعي، والثالث في كثرة التصانيف (^٤)\n_________\n(^١) ينظر التنبئة ٤٨ - ٦٩ ووسيلة المجدين ٤/ ب ومبحث ترجمة العراقي لشيخه عبد الرحيم الإسنوي.\n(^٢) كان موجودا سنة ٨٣٠ هـ/ التنبئة/ ٦١.\n(^٣) التنبئة/ ٦١ - ٦٢.\n(^٤) المجمع المؤسس لابن حجر/ ٢٢٦/ مخطوط (ترجمة ابن الملقن).","vol":"2","page":646},{"text":"وفي ترجمة ابن حجر لشيخه محمد بن يعقوب الشيرازي، الفيروزابادي (ت ٨١٧ هـ) قال: وهو آخر من مات من الرؤساء الذين انفرد كل منهم بفن فاق فيه أقرانه على رأس القرن الثامن، رحمهم الله تعالى أجمعين، الشيخ سراج الدين البلقيني في الفقه على مذهب الشافعي، والشيخ زين الدين العراقي في الحديث، والشيخ سراج الدين ابن الملقن في كثرة التصانيف، في فني الفقه والحديث … وذكر اثنين آخرين، ثم قال: والشيخ مجد الدين السيرازى في اللغة، ثم قال: وقد وفق الله أن الجميع ممن أخذت عنهم (^١).\nوفي رثائه للعراقي قال:\nفيا أهل الشام ومصر فابكوا … على عبد الرحيم بن العراقي\nعلى الخبر الذي شهدت قروم … له بالانفراد على اتفاق\nعلى حاوى علوم الشرع جمعًا … بحفظ لا يخاف من الإباق\nومن فتحت له قِدْمًا علوم … غدت عن غيره ذات انغلاق\nوجاز إلى الحديث قديم عهد … فأحرز دونه خيل السباق\nثم قال:\nومن ستين عاما لم يجارى … ولا طمع المجارى في اللحاق (^٢)\nوقال السخاوى في تعداده للمجددين على رأس كل قرن: وفي الثامنة - يعنى المائة الثامنة -: البلقيني أو العراقي (^٣) وذكر السيوطي أن عدد المجتهدين ازداد تناقصه إلى رأس المائة الثامنة فكان عليها في أقطار الأرض أكثر من مائة إمام\n_________\n(^١) ذيل الدرر الكامنة لابن حجر/ ٢٤٠ - ٢٤١.\n(^٢) حسن المحاضرة للسيوطى ١/ ٣٦١ - ٣٦٢ وإنباء الغمر لابن حجر ٢/ ٢٧٨ - ٢٧٩.\n(^٣) المقاصد الحسنة له/ حديث (٢٣٨) ص ٢٠٤.","vol":"2","page":647},{"text":"إلا أن المجتهدين منهم قليل، فمن كان على رأس الثمانمائة: البلقيني وولداه والعراقي وولده … وسرد تكملة سبعة وعشرين … ثم قال: وخلائق (^١).\nثم قال: وقد نظمت أرجوزة، سميتها: «تحفة المهتدين بأسماء المجددين» … وساقها بتمامها، وذكر من عده العلماء مجدد قرنه، مبتدئا بعمر بن عبد العزيز في القرن الأول، فما بعده حتى قال: -\nوالثامن العَدُّ هو البلقيني أو حافظ الأنام زين الدين (^٢) وقد تابع السيوطي على هذا من جاء بعده (^٣).\n_________\n(^١) التنبئة/ ٧٢ - ٧٣.\n(^٢) التنبئة/ ٧٤ - ٧٥ وفيض القدير للمناوي ٢/ ٢٨٢.\n(^٣) ينظر وسيلة المجدين/ ١١/ ب (مخطوط) وفيض القدير للمناوي ٢/ ٢٨٢، وفهرس الفهارس للكتاني ٢/ ١٩٦ - ١٩٧.","vol":"2","page":648},{"text":"<span data-type='title' id=toc-207>من تقدير العلماء وغيرهم للعراقي بعد وفاته حتى الآن</span>\nونظرا لعلو منزلة العراقي العلمية وشهرته الواسعة على النحو السابق حتى لقب بمجدد القرن الثامن في علوم السنة على مستوى الأقطار الإسلامية عموما فإن وفاته أحدثت ضجة كبرى ترامت أصداؤها إلى أقاصي العالم الإسلامي الذي انتشر فيه علمه وتلاميذه كما قدمنا، فخفقت قلوب القاصي والداني بالحزن والأسى لرحيله، وزَرَفت العيون غزير الدمع لفراقه، وتوالت التعازي على ولده أبي زرعة من كل فج، وكما مدح العراقي في حياته غير واحد بالنظم كما مر ذكره. فقد لهجت الألسنة بعد مماته برثائه، وذكر مآثره، وعبر عامة الناس وخاصتهم عن تقديرهم لعلمه وفضله، فمن ذلك قول تلميذه الحافظ ابن الجزري إمام القراء في وقته: «لما بلغته وفاته وهو بـ (سمرقند) في أعماق آسيا»:\nرحمة الله للعراقي تترى … حافظ الأرض حبرها باتفاق\nإنني مقسم أَلِيَّةً صدق … لم يكن في البلاد مثل العراقي (^١)\nثم كتب إلى ولده أبي زرعة معزيا ومشجعًا له على مواصلة رسالة والده من بعده كما تقدم، ولا شك أن وصول نبأ وفاة العراقي من القاهرة إلى سمرقند، في وقت سمح لابن الجزري بالعزاء، دليل على شهرته الواسعة، والاهتمام بتناقل خبر وفاته والتأثر بذلك على أوسع نطاق. ولذلك يقول تلميذه المقريزي: «كان للدنيا بهجة ولمصر به فخر، وللناس به أُنس ولهم منه فوائد جمة» (^٢).\nكذلك طار نبأ وفاته إلى الشام والحجاز، فتأثر القطران لفقده، وأعرب أعلام السنة بهما من تلاميذه عن تقديرهم البالغ لعلمه وخُلقه، وقد قدمت\n_________\n(^١) «الضوء اللامع» جـ ٤/ ١٧٦.\n(^٢) المرجع السابق جـ ٤/ ١٧٨.","vol":"2","page":649},{"text":"خلال تناولي الجوانب شخصيته بعض ما قرره في ذلك تلميذه «سبط ابن العجمي» من أعلام الشام، وتلميذاه المكيان: تقي الدين الفاسي، وابن فهد في ترجمة كل منهما له بعد وفاته، وسيأتي مزيد لذلك في موضعه بعون الله.\nأما مصر التي حظيت منه بأوفر نصيب، فقد تكاثر أبناؤها وأعيان علمائها على حمله على أعناقهم وتشييعه، وأعرب كبار تلاميذه بها عن تقديرهم لمكانته.\nفهذا تلميذه ورفيقه «الهيثمي» يرفض أن يتمشيخ بعده، ويكثر الثناء عليه كما تقدم في التعريف به. أما تلميذه البارز ابن حجر، فكان بالحجاز حين وفاته ووفاة قرينه السراج البلقيني من قبله بشهور، وكلاهما من أعيان شيوخه فما كاد يصل إلى القاهرة، حتى نظم في رثائهما قصيدتين كبيرتين، أجاد فيهما، مبنى ومعنى، بالنسبة لمستوى الشعر في ذلك العصر، وإحداهما «رائية» رثى بها البلقيني وضمنها رثاء العراقي أيضًا، تارة في أبيات خاصة به وأخرى في أبيات جمعه فيها مع البلقيني، ومما خصه به قوله:\nنعم ويا طول حزني ما حييت على … عبد الرحيم فحزني غير مقتصر\nلهفي على حافظ العصر الذي اشتهرت … أعلامه كاشتهار الشمس في الظهر\nعلم الحديث انقضى لما انقضى ومضى … والدهر يفجع بعد العين بالأثر\nومما جمعه فيه مع البلقيني قوله:\nلهفي على فقد شيخي اللذين هما … أعز عندي من سمعي ومن بصري\nالدين تتبعه الدنيا مضت بهما … رزية لم تهن يوما على بشر\nبالشمس وهو سراج الدين يتبعه … بدر الدياجي زين الدين في الأثر (^١)\n_________\n(^١) (حسن المحاضرة) جـ ١/ ٣٣٣.","vol":"2","page":650},{"text":"ثم يقول:\nدَمْعي عَلَيْهِمْ وَشِعْرِي فِي رِثَائِهِمْ … كَالدُّرِّ مَا بَيْنَ مَنْظُومٍ وَمُنْتَثِرْ\nدَارَتْ كُؤُوسُ الْمَنَايَا حِينَ غِبْتَ عَلَى … أَحْبَابِ قَلْبِي فَلَيْتَ الْكَأْسَ لَمْ تَدُرْ (^١)\nأما القصيدة الثانية: فهي «قافية» وقد خص ابن حجر بها شيخه العراقي وحده، ولذلك يقول «وقد ألممت برثائه في الرائية التي رثيت بها شيخ الإسلام البلقيني، وخصصته بمرثية قافية، وهي: وذكرها …».\nوهذا دليل واضح على عظيم تقدير ابن حجر للعراقي حيث أشركه في مرثية البلقيني، ثم خصه بمرثية وحده، وإن كان وجه فيها بيتا واحدًا للبلقيني حيث يقول:\nفأَطْفَأَتِ الْمَنُونُ سِرَاجَ عِلْمٍ … وَنَوَّرَ نَارُهُ لأَولي النِّفَاقِ (^٢)\nوقد أطال ابن حجر النفس في مرثية العراقي هذه، حيث ذكر السيوطي أنها تبلغ ٣٥ بيتا، لكن بعض طبعات كتابه «حسن المحاضرة» ورد فيه «٢٨» بيتا، وبعضها ذكر فيه «٣٦» (^٣).\nبينما وردت في الطبعة المحققة لكتاب ابن حجر «إنباء الغمر» ٣٧ بيتا (^٤). ومع هذا فإن البيت الثامن عند السيوطي ليس في الإنباء والسياق لا يستقيم بدونه فيصبح المجموع ٣٨ بيتا، ثم ذكر «ابن خطيب الناصرية» القصيدة\n_________\n(^١) (حسن المحاضرة) جـ ١/ ٣٣٤.\n(^٢) (إنباء الغمر) ج ٢/ ٢٧٨، ٢٧٩.\n(^٣) حسن المحاضرة للسيوطي، بتحقيق د. محمد أبو الفضل إبراهيم/ ١/ ٣٦٠ - ٣٦٢ ط عيسى الحلبي بمصر سنة ١٣٨٧ هـ.\n(^٤) ج ٢/ ٢٧٨، ٢٧٩.","vol":"2","page":651},{"text":"أيضًا في نهاية ترجمته للعراقي ضمن مجموعه، وبها ٣ أبيات أخرى زيادة على ما في (حسن المحاضرة) و(الإنباء) وهي الأبيات ٣٣ و٣٦ و٣٧ والسياق يقتضيها أيضًا، وبذلك يصبح عددها في أكمل ما وقفت عليه (٤١) بيتا، لكن المرجع الموجودة فيه هكذا وهو (مجموع ابن خطيب الناصرية) مخطوط ونادر جدا، ومصاب بالأرضه كما سيأتي التعريف به، و«حسن المحاضرة» و«الإنباء»، لم يعتن في طبعتهما المحققة بتصحيح نص الأبيات مع أن هذه المرثية لها قيمتها العلمية، حيث لم يقتصر فيها ابن حجر على بث مشاعر الأسى والحزن لوفاة العراقي؛ بل قرر فيها مكانته العلمية في عصره وفصل فيها مفاخره الخلقية وألقابه العلمية، ومؤلفاته، وعنايته بإفادة طلابه وإكرامهم، ولهذا أوردت عدة أبيات منها خلال بحثي السابق الجوانب شخصية العراقي وألقابه العلمية، وسأورد غيرها فيما يتعلق به من المباحث التالية إن شاء الله، وأكتفي هنا بذكر بعض مقتطفات منها:\nفمن ذلك استهلال ابن حجر لها ببيان مدى الفجيعة بوفاة الحافظ الكبير حيث يقول:\nمصابٌ لم يُنفَّس للخناق … أصارَ الدّمعُ جارٌ للمآقي\nفروضُ العِلمِ بعدَ الزهوِ ذاوٍ … وروحُ الفضلِ قد بلغ التراقي\nوبحر الدمع يجري في اندفاق … وبدر الصبر يسري في انمحاق\nوللأحزان في القلب اجتماع … ينادي الصبر حي على افتراق (^١)\n* ثم يشير إلى جوانب شخصيته فيقول:\n_________\n(^١) (إنباء الغمر) جـ ٢/ ٢٧٨.","vol":"2","page":652},{"text":"فِيَا أَسَفَى عَلَيْهِ لِحُسْنِ خُلُقٍ … أَرَقُّ مِنَ النَّسِيمَاتِ الرِّقَاقِ (^١)\nوَيَا أَسَفَى عَلَيْهِ لِحِفْظِ وُدٍّ … إِذَا نُسِّيَتْ مَوَدَّاتُ الرِّفَاقِ (^٢)\nوَيَا أَسَفَى لِتَقْيِيدَاتِ عِلْمٍ … تَوَلَّتْ بَعْدَهُ ذَاتُ انْطِلَاقِ (^٣)\n* ثُمَّ خَتَمَ المَرْثِيَّةَ بِقَوْلِهِ:\nعَلَيْهِ سَلامُ رَبِّي كُلَّ حِينٍ … يُلاقِيهِ الرِّضَا فِيمَا يُلاقِي\nوَأَسْقَتْ لَحْدَهُ (^٤) سُحُبُ الغَوَادِي … إِذَا انْهَمَلَتْ بِهَا ذَاتُ الطِّبَاقِ\nوَوَافَتْ رُوحَهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ … تَحِيَّاتٌ إِلَى يَوْمِ التَّلاقِي (^٥)\nومن تقدير أبناء مصر في عصرنا الحاضر للحافظ العراقي ما قدمته عن إقامة أهالي العطوف مسجدا باسمه، وتولي وزارة الأوقاف له، بحيث تقام به الشعائر الدينية ودروس العلم التي كان العراقي فارس ميدانها، ثم أقام أحد أئمة المسجد ويدعى (أحمد الصوفي) اليمني الأصل، بمعاونة الشيخ عطية\n_________\n(^١) هذا البيت في (مجموع ابن خطيب الناصرية) وساقط من (الإنباء) وفي حسن المحاضرة جاء شطره الأول هكذا: (فيا أسفا ويا حزنا عليه) وهو غير مستقيم المعنى مع الشطر الثاني كما ترى! ومع ذلك لم يظفر من المحقق الفاضل بأي تعليق.\n(^٢) هذا البيت ساقط من (حسن المحاضرة) وموجود في (الانباء) جـ ٢/ ٢٧٩ و(مجموع ابن خطيب الناصرية) (ترجمة العراقي).\n(^٣) (حسن المحاضرة) جـ ٢/ ٣٦١ وما بعدها و(الانباء) جـ ٢/ ٢٧٨ و(مجموع ابن خطيب الناصرية) (ترجمة العراقي).\n(^٤) هذا يفيد أن إقامة الضريح الحالي على قبر العراقي أمر محدث، وأن مدفنه كان لحدا فقط، كما هي السنة.\n(^٥) هذا البيت ساقط من (حسن المحاضرة) وفي طبعة (الأنباء) المحققة: ودانت روحه، ولا يستقيم المعنى عليه، وما أثبته من (مجموع ابن خطيب الناصرية) وهو الملائم للمعنى وفي حسن المحاضرة: «وزانت رثيه» ويمكن استقامة المعنى عليه أيضا.","vol":"2","page":653},{"text":"السابق ذكره، بجمع ترجمة للحافظ العراقي من بعض المراجع وختمها بمرثية ابن حجر السابقة، ثم طبع ذلك بعنوان «تاريخ الإمام العراقي» في ٦ صفحات من الحجم الصغير، وقد أهداني الشيخ عطية نسخة منه، وفي نهايتها ما نصه: «جمع هذا التاريخ العظيم من أمهات الكتب الموجودة في دار الكتب المصرية، ومكتبة الأزهر الشريف خطيب مسجد الإمام العراقي ليعرف الناس في هذا العصر - خصوصا أهل حي العطوف - ما للإمام العراقي من الفضل في خدمة الدين وسنة سيد المرسلين».\nثم قال: وقد أقام الشيخ محمد أحمد عطية وهو من أهالي العطوف مسجدًا بجوار ضريحه (^١) فرحم الله العراقي، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خيرًا. كما كتبت صورة من هذا الكتيب في لوحة مساحتها نحو نصف متر مربع ووضعت في غلاف زجاجي وعلّقت داخل الضريح.\nولكن يجدر التنبيه إلى أني وجدت في تلك الترجمة عدة أخطاء تاريخية بعضها موجود بالمراجع المنقول عنها والتي وفقني الله لتصحيحها في ثنايا هذا البحث، وبعضها إضافة جامع الترجمة مثل قوله: «إن بيت العراقي كان في الجمالية بالدرب الأصفر»، وهو خلاف تحديدي السابق لمكان منزله اعتمادًا على المصادر الموثقة. ومثل قوله: «إن العراقي رزق زوجة صالحة ولدت له الولي أحمد وجويرية وزينب» (^٢).\nوهذا خلاف ما أثبته أيضًا بالدليل القوي أن جويرية وزينب، من زوجة\n_________\n(^١) كذا قال في ص ٦ من الكتاب، وقد أشرتُ من قبل إلى أن الضريح داخل المسجد كما شاهدته الآن.\n(^٢) انظر هذين الخطأين في ص ٣ من الكتيب المذكور.","vol":"2","page":654},{"text":"أخرى، تزوجها العراقي بعد وفاة أم الولي أحمد، يعني أبا زرعة ابن العراقي، وقد سبق التعريف به ضمن تلاميذ والده. ومثل نسبته البيتين اللذين رثى بهما ابن الجزري شيخه العراقي، إلى الحافظ الهيثمي (^١) وهو خلاف ما قدمته أيضا، فليتنبه لذلك من يقف على هذا الكتيب، أو على صورته المعلقة بضريح العراقي منعًا لانتشار الأخطاء وتداولها وبالله التوفيق.\nتعقيب:\nولعلي بهذا قد وفقت في البحث المنهجي لشخصية الحافظ العراقي في إطار عصرها، من عامة جوانبها، ممخصة ومتكاملة، منذ ولادته إلى رحيله لدار البقاء مع إبراز أثره الشخصي خلال نحو ٦٠ عاما من حياته، في إحياء السنة ونهضة علومها، حتى عده غير واحد المجدد لها بحق في القرن الثامن الهجري وذلك بالمواقف والجهود العامة، وبالتوفر على الرواية والتعليم والإشراف على الإنتاج والبحث، والتوجيه للعامة والخاصة، وبتخريج أعلام السنة على مستوى العالم الإسلامي. أما أثره الخالد بمؤلفاته وآرائه المدونة فسأتناوله في الباب التالي وما بعده بعون الله.\n_________\n(^١) انظر ص ٦ من نفس الكتيب.","vol":"2","page":655},{"text":"<span data-type='title' id=toc-208>الباب الثالث: أثر العراقي بمؤلفاته وآرائه في مصطلح علوم السنة وعلوم رجالها</span>\nالقسم الأول: أثر العراقي بمؤلفاته وآرائه في مصطلح علوم السنة\nالقسم الثاني: اثر العراقي بمؤلفاته وآرائه في علوم رجال السنة","vol":"2","page":657},{"text":"ألف العراقي في هذين الجانبين مؤلفات متعددة قائمة بذاتها، وضمنها خلاصة جهود وآراء من قبله، مضيفًا إلى ذلك جهوده وآراءه.\nكما قدم بحوثًا وآراء متفرقة في بقية مؤلفاته في جوانب علوم السنة الأخرى الآتي بيانها بعد، وفي أماليه المنثورة، وإجاباته عن بعض الأسئلة والفتاوى الحديثية وفي دروسه ومناقشاته مع طلابه وغيرهم للتوضيح والتفهيم، وتعد هذه المتفرقات مكملات لأثره ظفي جانبي المصطلح وعلم الرجال، لكني سأركز هنا على تناول ما هو قائم بذاته، وما قد يحتاجه البحث من المتفرقات لأن إيراد العراقي لما يتعلق بالمصطلح وعلم الرجال في بقية مؤلفاته وبحوثه الأخرى إيراد إضافي لأجل بعض المناسبات، كالاستدلال أو التطبيق العملي أو كعنصر مكمل.\nولهذا فإني سأتناول مثل هذا ضمن الإطار العام للموضوع الأصلي للكتاب أو البحث الذي يرد فيه، كما أن مؤلفاته في جانبي المصطلح وعلم الرجال تحتوي بدورها على ما يتعلق بغيرهما من بقية علوم السنة التي خصها العراقي بمؤلفات وبحوث مستقلة؛ نظرًا لأن علوم السنة يُكمل بعضها بعضًا وسأتناول ذلك أيضًا في إطار المؤلفات التي ورد فيها بطريق التبع، وأحيل ما يمكن إحالته على ما يتصل به، رعاية للوحدة الموضوعية.\nهذا وقد رأيت تناول ما للعراقي في جانبي المصطلح وعلم الرجال على النحو التالي:","vol":"2","page":659},{"text":"<span data-type='title' id=toc-209>القسم الأول: أثر العراقي بمؤلفاته وآرائه في مصطلح علوم السنة</span>","vol":"2","page":661},{"text":"<span data-type='title' id=toc-210>١ - ألفيته في المصطلح وآثارها</span>\n<span data-type='title' id=toc-211>أ - ترتيبها بين مؤلفاته ونسبتها إليه وزمن تأليفها وتبييضها:</span>\nقدمت في الرحلة الثالثة من رحلات العراقي الحجازية أن هذه الألفية هي باكورة مؤلفاته في قواعد علوم السنة المصطلح عليها بين علمائها، فلم يُعرف له في ذلك مؤلف قبلها.\nكما ذكرت هناك تصريحه بنسبتها إلى نفسه، ومر أيضًا في نشاطه العلمي وفي التعريف بأهم تلاميذه وتأثيره فيهم، إثبات نسبتها إليه وتلقيها عنه، وقد نص في أولها على نسبتها إليه فقال:\nيقول راجي ربه المقتدر … عبد الرحيم بن الحسين الأثري (^١)\nوفي المباحث التالية سيأتي مزيد لذلك.\nأما زمن تأليفها، فقد ذكر العراقي في نهاية شرحه المتوسط لها أنه فرغ منها بالمدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، وذلك في ٣ جمادى الآخرة سنة ٧٦٨ هـ (^٢).\nوهكذا جاء في نهاية عدد من نسخها الخطية (^٣)، وجرى عليه صاحب «كشف الظنون» وغيره (^٤).\nلكن البحث أوقفني على أن التاريخ المذكور هو تاريخ الفراغ من تسويدها\n_________\n(^١) انظر «الألفية» ضمن مجموعة مطبوعة بعنوان نفائس ص ١٦٩.\n(^٢) «فتح المغيث» للعراقي ج ٤/ ١٦٥.\n(^٣) انظر آخر النسخة رقم (٣٢١) مصطلح دار الكتب.\n(^٤) «كشف الظنون» / ١٥٦ وفهرس مكتبة الأزهر ج ١ علم مصطلح الحديث مادة وألفية؟.","vol":"2","page":663},{"text":"فقط، وأن المؤلف قد بيضها بنفسه في تاريخ لاحق، فقد عثرت في نهاية إحدى النسخ الموثقة للألفية (^١) على ما نصه: (قال ناظمها .. فرغت منها يوم الخميس المبارك ٣ جمادى الآخرة بالمدينة الشريفة … وأكملت تبييضها في يوم الثلاثاء ١٤ رجب سنة تاريخه) أي في نفس ٧٦٨ هـ، وهذا مما ينبغي إبرازه والتنبه له؛ لأن تحديد تاريخ تبييض الكتاب وتعيين القائم بالتبييض له أهميته في تحقيق نصوص الكتاب وترجيح أصوله الخطية عند الاختلاف وعندما يباشر المؤلف بنفسه التبييض كما هنا، تكون المبيضة أوثق من المسودة وأصح، باعتبارها الصورة النهائية التي اعتمدها المؤلف للكتاب وكثيرا ما تختلف نسخ الكتاب الواحد الاختلاف مسودة الكتاب عن مبيضته، أو لكونه لم يبيض بواسطة المؤلف.\nوقد وقع فعلا بين نسخ هذه الألفية اختلاف في بعض النصوص واختلف تبعا لذلك المعنى المستفاد، كما سيأتي في بحث شروحها وحواشيها، وقد دعم البعض رأيه بموافقة ما ذكره لنسخة المؤلف.\nومن هنا كان التوصل لتاريخ تبييض الألفية وإثبات مباشرة العراقي لذلك بنفسه مما له أهميته في مجال اختلاف النسخ وترجيح نصوص المتأخر عن تاريخ التبييض على المتقدم عنه، خاصة وأنه بدئ في نسخ هذه الألفية وتدوالها منذ فراغ المؤلف منها بالمدينة كما قدمنا في الرحلة الحجازية الثالثة.\n\n<span data-type='title' id=toc-212>ب - تعدد تسمية العراقي وغيره للألفية، وأهم نسخها الخطية في العالم:</span>\nمع أن الاسم هو عنوان الكتاب وأول مميزاته عن غيره، فإن العراقي لم.\n_________\n(^١) سيأتي التعريف بها.","vol":"2","page":664},{"text":"يُصرّح في نفس الألفية بتسميتها، كما فعل في بعض ما عني بتسميته من مؤلفاته، لكنه قال في إجازته لتلميذه ابن حجر كما قدمنا: «.. وقرأ علي الألفية المسماة بـ «التبصرة والتذكرة» من نظمي» (^١).\nفنص بذلك على وصفها بـ «الألفية»، وتسميتها بـ «التبصرة والتذكرة». أما في مقدمة شرحه المتوسط لها فقد قال بعد بيان ضرورة العناية بمعرفة علم المصطلح: «وقد نظمت فيه أرجوزة ألفتها ولبيان اصطلاحهم ألفتها (^٢) فأطلق عليها «أرجوزة»»، وكذلك قال في آخر شرحها المذكور: «.. وكملت هذه الأرجوزة بطيبة …» (^٣).\nوأشار في عبارته السابقة بقوله: «ألفتها» الأولى، إلى عدد أبياتها أي جعلتها ألفا (^٤)، وعليه يكون قوله: «أَلْفتُها» الثانية بمعنى نَظَمْتُها. وصرح في آخر بعض النسخ التي قُرئت عليه من شرحه لها بتسميتها بالألفية فقال: «قرأ علي هذا الشرح على (الألفية) في علم الحديث .. الخ» (^٥).\nوقد نتج من تعدد تسمية العراقي لها على هذا النحو، تعدد الأسماء التي تذكر بها في المجال العلمي والتاريخي عند النقل عنها أو التعريف بها، كما تعددت عناوين نسخها الخطية والطباعية، وتعدد تبعا لذلك ما تذكر به في\n_________\n(^١) «الجواهر والدرر» ٥/ ٥٢ أ، ب.\n(^٢) «فتح المغيث» للعراقي جـ ١/¬٦.\n(^٣) «فتح المغيث» للعراقي جـ ٤/ ١٦٤.\n(^٤) انظر «النكت الوفية» للبقاعي/ ٣ أ، و(حاشية ابن قطلوبغا الحنفي على شرح العراقي المتوسط) للألفية/ ٣٩ أ.\n(^٥) انظر آخر نسخة الشرح برقم (٨٤) مصطلح بمكتبة الأزهر.","vol":"2","page":665},{"text":"فهارس مكتبات العالم التي هي من مفاتيح البحث الهامة والمتداولة، وقد جعل هذا التعدد في الاسم بعض المختصين بدراسة السنة، فضلا عن غيرهم يعدون هذه الألفية كتابين، لا كتابًا واحدًا كما سنذكره.\nلهذا رأيت لزوم بحث تسميتها وتتبع ورودها في أهم المصادر العلمية المتداولة والتعريف بأهم النسخ الخطية التي تحمل عناوينها وتسميتها المتعددة لتتضح الحقيقة ويرتفع اللبس لدى الباحثين من بعدي، فتسميتها بـ «الألفية» و«الأرجوزة» مرجعه للمنهج الشكلي، والكمي في تأليفها، فقد صاغها العراقي في قالب شعري، على وزن أحد بحور الشعر العربي المعروفة وهو بحر الرجز (^١). ولذلك أطلق عليها «الأرجوزة» كما بلغت كميتها ألف بيت مزدوج حيث جعل العراقي آخر الشطر الأول في جميعها، مثل آخر الشطر الثاني مثل قوله في مقدمتها:\n«من بعد حمد الله ذي الآلاء … على امتنان جل عن إحصاء» (^٢)\nوما كان كذلك يُسمَّى «مشطور الرجز» ويُعدُّ كل شطر بيتا مستقلا على المختار عند العروضيين (^٣).\nوبذلك كان عدد أبياتها ألف بيت مزدوج، وسميت لذلك بـ «الألفية» ويعد هذا الاسم أشهر ما أطلق عليها، وعرفت به في الوسط العلمي، منذ عصر المؤلف، ورغم أن له ألفيتين أخريين في غير المصطلح كما سيأتي، إلا\n_________\n(^١) انظر: «فتح الباقي بشرح ألفية العراقي»، للأنصاري/ ٣ ب.\n(^٢) انظر «الألفية»، ص ١٦٩.\n(^٣) انظر «المختصر الشافي على متن الكافي»، للشيخ محمد الدمنهوري ص ٢٠.","vol":"2","page":666},{"text":"أنه إذا أُطلقت «ألفية العراقي» خاصة في مجال علوم السنة، كانت هي المقصودة، ولهذا يقول الغزي في ترجمة العراقي: «ونظم علوم الحديث لابن الصلاح، المسماة اليوم بـ «الألفية»» (^١).\nوذكر في ترجمة أحد علماء الحديث المتوفى سنة ٨٤٠ هـ أنه قرأ أرجوزة العراقي المسماة بالألفية في علوم الحديث (^٢).\nأما الحافظ ابن حجر فيقول في إجازته لبعض تلاميذه: «قرأ علي جميع هذه المنظومة «الألفية» من نظم شيخنا … العراقي» (^٣).\nوقال السخاوي أيضًا: ومن تصانيفه: «الألفية» في علوم الحديث (^٤).\nومثله قال الشوكاني (^٥) والمناوي (^٦) وصاحب «معجم المؤلفين» (^٧).\nوقد ذكرت بهذا الاسم عدة نسخ خطية في فهارس مكتبات العالم مثل: النسخة رقم ٤٥٥ أصول الحديث، بفهرس مكتبة «ولي الدين» باستانبول وذكر أن عدد أوراقها ٨٨ ورقة وعدد سطور الصفحة منها ١٣ سطرًا. وأنبه هنا إلى أن المفهرس اختلط عليه العراقي بولده ولي الدين أبو زرعة، فذكر\n_________\n(^١) (بهجة الناظرين) ٤/ ١٣٠ وقوله: اليوم يعني زمنه وقد أتم كتابه الذي ذكر فيه ذلك سنة ٨٤٢ هـ.\n(^٢) (بهجة الناظرين) ١/¬٤٠.\n(^٣) انظر آخر نسخة الألفية، مخطوطة برقم (٨٨٠) مجاميع طلعت بدار الكتب المصرية.\n(^٤) «الضوء اللامع،» ج ٤/ ١٧٣.\n(^٥) (البدر الطالع)، ج ١/ ٣٥٤.\n(^٦) (مقدمة شرحه الموجز لألفية العراقي في السيرة).\n(^٧) جـ ٥/ ٢٠٤.","vol":"2","page":667},{"text":"وفاته سنة ٨٢٦ هـ (^١) وهو تاريخ وفاة ولده كما قدمنا، فليتنبه لذلك.\nأما البقاعي فأطلق عليها «الألفية الحديثية» (^٢).\nوقال السيوطي «ألفية الحديث» (^٣) ويرجع هذا لقول العراقي في مقدمتها:\n...................... … تُوضِّحُ من علم الحديث رَسْمَه (^٤).\nوقد ذكر بعنوان «ألفية الحديث»، هذا عدة نسخ خطية:\nمنها: نسخة بالمكتبة الظاهرية بدمشق برقم (٣٩٥) علم الحديث (^٥).\nونسخة بمكتبة مدرسة (الحجيات) بالموصل ضمن مجموعة برقم (٥٣) (^٦).\nوذكرها الزركلي في مؤلفات العراقي بقوله: «الألفية في مصطلح الحديث» (^٧).\nوقد فهرست عدة نسخ منها بنحو هذا منها: نسخة بمكتبة الجامع الكبير بصنعاء باليمن الشمالي تحت رقم (٤٦) لغة، ومنها صورة ميكروفيلمية بدار الكتب المصرية برقم (٣٧١) (^٨).\n_________\n(^١) انظر الكتاب رقم ٤٥٥ بفهرس مكتبة ولي الدين باستانبول ط استانبول سنة ١٣٠٤ هـ.\n(^٢) (النكت الوفية) / ١ ب.\n(^٣) «شرح السيوطي المسمى قطر الدرر في شرح ألفية العراقي في علم الأثر» / ١ أ.\n(^٤) انظر الألفية ضمن مجموعة نفائس/ ١٦٩.\n(^٥) انظر: الفهرس القديم للمكتبة الظاهرية (علم الحديث).\n(^٦) انظر فهرس مخطوطات الموصل للدكتور داود الجلبي/ ١٠٢.\n(^٧) والأعلام، للزركلي ج ٤/ ١١٩، ١٢٠.\n(^٨) انظر: «قائمة المخطوطات المصورة لدار الكتب المصرية من اليمن» (علم الحديث).","vol":"2","page":668},{"text":"وقد اطلعت على هذه الصورة فوجدتُ عنوان النسخة «ألفية العراقي» وهي تُعتبر أقدم النسخ التي وقفت عليها، حيث أُثْبِتَ في نهايتها الفراغ من نسخها يوم السبت ٣ من شوال سنة ٧٧٥ هـ تجاه الكعبة المعظمة، أي أنها كتبت في حياة المؤلف وبعد قرابة ٧ سنين من تأليفها، كما أثبت بعدة هوامش من صفحاتها أنها قوبلت بغيرها (^١) وأثبتت بالهوامش بعض تصحيحات للأصل.\nوالنسخة مكتوبة بخط النسخ مع ضبط معظم كلماتها بالحركات، وعدد أوراقها ٤٥ ورقة متوسطة الحجم، وعدد سطور الصفحة ١٣ سطرا. وتوجد نسخة أخرى بمكتبة المسجد الأحمدي بطنطا برقم (١١٢) خ (١٣٣٣) ع وذُكرت في فهرس المكتبة بعنوان «ألفية العراقي في المصطلح» وخطها نسخ جيد مكتوب سنة ١٠٦٣ هـ (^٢).\nوبنفس العنوان السابق ذُكرت نسخة أخرى موجودة بمكتبة البلدية بالإسكندرية ضمن مجموعة خطية برقم (٢٨٢٥ - ج) (^٣).\nوفي بعض الفهارس ذُكرت عدة نسخ خطية بعنوان «ألفية العراقي» فقط دون أي إيضاحات، سوى وضعها في الفهرس ضمن علم الحديث وأصوله فمن ذلك: نسخة ذُكرت بفهرس المكتبة الأحمدية بحلب تحت رقم (٣٥٤) فن الحديث وعلومه، وأنبه هنا إلى أنه قد ذكر بنفس الفهرس بعد تلك النسخة، نسخة أخرى بعنوان مغاير، كما سيأتي ذكرها، ولم ينبه\n_________\n(^١) انظر هامش ورقتي/ ٦ ب، ١٣ ب وغيرهما.\n(^٢) انظر: فهرس مخطوطات المسجد الأحمدي، إعداد الدكتور النشار وآخرين (فن الحديث والمصطلح).\n(^٣) وفهرس الفنون المنوعة بالمكتبة» / لأحمد أبو علي.","vol":"2","page":669},{"text":"المفهرس على أنهما نسختان لكتاب واحد وإن «اخْتَلَفَ» العنوان، وهذا يجعل غير الخبير بتعدد أسماء هذه الألفية، فضلا عن باقي مؤلفات العراقي يظن أنهما كتابان لا كتاب واحد، ما لم يطلع على النسختين ويقابلهما بعضهما ببعض، وذلك ما لا يتاح لكل من يطلع على الفهرس المذكور.\nولقد وجدت الشيخ محمد عبد الحي الكتاني ﵀ وكان من المختصين بعلوم السنة - يُعد ألفية العراقي هذه، كتابين، لتعدد الاسم حيث قال في ترجمة العراقي: «ومن تأليفه الألفية الاصطلاحية والحديثية، وقد سارت بهما الركبان في كل مكان وزمان وشرحهما» (^١) مع أن الواقع كما ذكرت أنها كتاب واحد متعدد العنوان، وقد شرحها العراقي كما سيأتي بشرحين، لذلك كان على مفهرس المكتبة الأحمدية بحلب - وهو من المختصين بالسنة - وبتحقيق تراثها (^٢). كما أن على غيره من ذوي الخبرة بتراث السنة أن يُنبهوا على أن التعدد في العنوان فقط، دفعا لمثل هذا اللبس الذي حدث لمتخصص مثل الكتاني فضلا عن سواه.\nولعل هذا يوضح أهمية تتبعي للعناوين المتعددة لهذه الألفية، سواء في نسخها الخطية وطبعاتها أو في فهارس المكتبات الموجودة بها، أو في المصادر العلمية، وهناك نسخة أخرى بمكتبة «نور عثمانية» باستانبول برقم (٦١٩) (أصول الحديث) وتقع في مجلد بخط مختلف. وقد ذكرت في فهرس المكتبة بعنوان «ألفية العراقي» دون أي إيضاحات.\n_________\n(^١) انظر: فهرس الفهارس والأثبات، للكناني جـ ٢/ ١٩٨.\n(^٢) هو الشيخ محمد راغب الطباخ ﵀ كما وقع بخطه في نهاية الفهرس الموجودة صورته (بالفوتوستات) بمعهد المخطوطات بالقاهرة.","vol":"2","page":670},{"text":"أخرى، بل ذكر المفهرس وفاة العراقي سنة ٨٠٥ هـ (^١) وهو خلاف المتفق عليه كما مر ذكره. ويذكر صاحب «كشف الظنون» هذه الألفية بقوله: ألفية العراقي في أصول الحديث (^٢).\nوقد وجدت عدة نسخ خطية بهذا العنوان منها: نسخة بمكتبة المدرسة الأحمدية بالموصل، كتبت سنة ٩٧١ هـ وهي رقم ٢ في مجموعة برقم (٢١٩) (^٣) وأنبه هنا إلى أنه قد ذكرت بالفهرس نسخة أخرى قبل هذه النسخة برقم (٨٩) (^٤) وهي موجودة بنفس المكتبة ومعنونة بـ «أصول الحديث» للعراقي ومكتوبة سنة ٨٥٣ هـ، ولم ينبه المفهرس إلى أنهما نسختان لكتاب واحد منعًا للاختلاط، وظنَّ غير المحيط بمؤلفات العراقي أنهما كتابين كما أشرت من قبل، فليتنبه لذلك من يطلع على هذا الفهرس وأمثاله.\nوتوجد نسخة أخرى بمكتبة مدرسة «الخياط» بالموصل أيضًا، وعنوانها «ألفية العراقي في أصول الحديث»، ورقمها في المكتبة (٤٧) (^٥).\nوهناك نسخة أخرى بدار الكتب الوطنية بلبنان برقم (٨٤) / ٢٤١٢ رقم تنسيقي، وهي ضمن مجموعة تبلغ ٤٣ ورقة (^٦).\nوتوجد نسخة خطية أيضًا بمكتبة الجمعية الآسيوية بالبنغال، وتقع في مجلد\n_________\n(^١) انظر: فهرس المكتبة، المطبوع ص ٣٦.\n(^٢) وكشف الظنون» / ١٥٦.\n(^٣) انظر: فهرس مخطوطات الموصل» / ٣٨.\n(^٤) المصدر السابق/ ٢٨.\n(^٥) انظر: فهرس المخطوطات الموصل» / ١٤٣.\n(^٦) انظر: فهرس المخطوطات بدار الكتب بلبنان، ج ١/ ٥٣.","vol":"2","page":671},{"text":"بخط نسخ، تحت رقم (٦٠٥) قديم (و[١٢/  A.b]  جديد) (^١).\nوإذا كانت التسمية بـ (الألفية) مضافة للعراقي أو الموضوعها وهو علوم الحديث أو مصطلحه أو أصوله، قد اشتهرت على هذا النحو، فإنه يلي هذه التسمية في الشهرة، اسم (التبصرة والتذكرة) الذي صرح به المؤلف خارج الألفية كما قدمنا، وقد توصف مع ذلك بالقصيدة، فيقال: «القصيدة المسماة بـ (التبصرة والتذكرة) في علم الحديث» (^٢) أو بالألفية أيضًا مثل قول ابن فهد في بيان مؤلفات العراقي … . والألفية المسماة بـ «التبصرة والتذكرة» (^٣).\nوقد ذكر السخاوي بعد أن أطلق عليها «ألفية الحديث» (^٤) أن قول العراقي في مقدمتها:\n«نظمتها تبصرة للمبتدي … تذكرة للمنتهي والمسند»\nقد أشير فيه بـ «التبصرة والتذكرة» إلى لقب هذه المنظومة.\nوقال الشيخ زكريا الأنصاري في مقدمة شرحه لها: «وبعد فإن ألفية علم الحديث المسماة بالتبصرة والتذكرة …». ثم قال مثل السخاوي: إن العراقي أشار بـ (التبصرة والتذكرة) في البيت السابق إلى اسم منظومته (^٥).\nوقد أقرهما على ذلك الطوخي في حاشيته على شرح الأنصاري (^٦).\n_________\n(^١) انظر: فهرس المكتبة المذكورة: جـ ١/¬٦.\n(^٢) انظر النسخة الخطية بدار الكتب المصرية برقم ٨٨٠ مجاميع طلعت هامش ورقة ٩ ب.\n(^٣) «لحظ الألحاظ» / ٢٣٠.\n(^٤) «فتح المغيث» للسخاوي جـ ١ ص ١٣.\n(^٥) «فتح الباقي» للأنصاري/ ٣ ب.\n(^٦) حاشية الطوخي نسخة رقم ٦٠٢ مصطلح الأزهر ٥ أ.","vol":"2","page":672},{"text":"أما العدوي في حاشيته على شرح الأنصاري أيضًا، فعارض ذلك قائلًا: «إن قول المصنف نظمتها تبصرة … الخ لا يقتضي تسميتها بذلك. إلا أن يُقال: ثبت عند الشارح أي الأنصاري، أن المصنّف، أي العراقي سماها بذلك (^١).\nوفي تقديري أن هذه المعارضة من العدوي في محلها؛ لأن قول العراقي:\n(نظمتها تبصرة .. الخ) بيان لهدفه من تأليفها، وليس إشارة لتسميتها ولكن المعول عليه هو تصريحه بهذه التسمية، وقد ثبت ذلك عنه في خارج الألفية كما قدمنا، وبذلك تحقق للعدوي مطلبه.\nوقد ذُكرت بعض النسخ الخطية باسم «التبصرة والتذكرة» هذا، منها: نسخة بالمكتبة الأحمدية بحلب برقم (٣٦٢) (حديث وعلومه) وقد أشرت من قبل إلى أنه ذُكر بفهرس المكتبة نسخة أخرى قبل هذه باسم «ألفية العراقي» ولم ينبه المفهرس على أنهما نسختان لكتاب واحد وإن اختلف العنوان، منعًا للاشتباه كما أسلفت، فليكن في بياني هذا دفع لهذا اللبس عن الباحثين في فهرس المكتبة المذكورة وما يشابهه.\nوهناك نسخة أخرى بمكتبة (قاضي عسكر) بتركيا، وقد ذكرت بعنوان تبصرة العراقي» تحت رقم (٣٤٨) (علم الحديث وأصوله)، ولم يذكر المفهرس أي إيضاحات أخرى عنها (^٢) بل إن الشيخ طاهر الجزائري ﵀ وهو من علماء السنة، عمل فهرسًا لنوادر المخطوطات ووقفت عليه بخطه، وذكر نفس هذه النسخة فيه برقم (٦٠) بنفس العنوان\n_________\n(^١) انظر (حاشية العدوي) / مخطوطة بدار الكتب المصرية برقم (٢١٥٩٦) ب آ هـ ب.\n(^٢) «فهرس المكتبة المطبوع» ٤/¬٣٠.","vol":"2","page":673},{"text":"السابق دون أي إيضاح من جانبه (^١)\nوتوجد نسخة أيضًا بدير الاسكوربال بأسبانيا برقم (١٤٨٩) وعنوانها «كتاب التبصرة والتذكرة» للحافظ العراقي (^٢).\nوأفيد ما ذكرت به الألفية في المصادر العلمية أو الفهارس، هو الجمع بين «التبصرة والتذكرة» و«الألفية» على أنهما اسمان لمسمى واحد وبهذا يندفع الاشتباه، وحسبان التعدد كما مر.\nوممن فعل ذلك مؤخرًا: كارل بروكلمان الألماني، حيث ذكر أول مؤلفات العراقي قائلًا: «التبصرة والتذكرة» أو «الألفية» في مصطلح الحديث.\nوذكر عدة نسخ خطية بمكتبات العالم، منها نسخة بالمتحف البريطاني برقم (١٥٩٨) (^٣) ومثل ذلك فعل الدكتور محمد أسعد طلس في فهرسة بعض النسخ الموجودة بمكتبة الأوقاف العامة ببغداد (^٤).\nوجرى على ذلك أيضًا مفهرسو دار الكتب المصرية فقالوا: «ألفية العراقي في أصول الحديث»، المعروفة بتبصرة المبتدي، وتذكرة المنتهي، وأوردوا عدة نسخ خطية منها (^٥).\nثم ذكروها ثانيًا بعنوان «تبصرة المبتدي وتذكرة المنتهي» وقالوا: وهي المشهورة بألفية العراقي، وأحالوا على النسخ المتقدمة (^٦).\n_________\n(^١): فهرس منتخبات الشيخ طاهر الجزائري، ج ٢/ ٥٨.\n(^٢) انظر: فهرس الاسكوربال، ج ١/ ١٠٢.\n(^٣) انظر: تاريخ الأدب العربي، لبروكلمان الأصل الألماني ج ٢/ ٧٧ ط ثانية.\n(^٤) انظر: كشاف مخطوطات خزائن الأوقاف، ببغداد ج ١ نسختي/ ٢٩٥٥، ٢٨٩٩/ مجاميع.\n(^٥)،\n(^٦) انظر: فهرس الكتب العربية بدار الكتب المصرية، حتى نصف ١٩٢٤ م ج ١/ ٦٩، ٧٠ =","vol":"2","page":674},{"text":"وقد بلغ عدد النسخ الخطية التي أحصيتها بدار الكتب المصرية عموما ٢١ نسخة، ثم قمت بفحص معظمها فوجدت من هذه النسخ ما يحمل العنوان المزدوج، مثل النسخة ذات الرقم (٤٠٣) مصطلح، حيث عُنونت بكتاب (التبصرة والتذكرة).\nثم كُتب عليها بخط مغاير (ألفية العراقي)، وبذلك اجتمع عليها الاسمان كما ذكر المفهرسون، وتعد هذه أقدم النسخ المذكورة عموما وأكثرها توثيقا وإن كان المفهرسون لم يبينوا ذلك، فقد جاء في نهايتها، أنها نقلت من نسخة منقولة من الأصل الذي بخط المصنف، في مجالس آخرها يوم الأربعاء ١٨ شوال المبارك سنة ٧٩٥ هـ، وأن النسخة المنقول منها قرئت أيضًا على المصنف، وقوبلت جهد الطاقة، وشرفها المصنف بخطه الكريم في النصف من شوال سنة ٧٧٥ هـ، ثم كتب بهامش عدة صفحات منها: (بلغ قراءة على مؤلفه)، كما أن ببعض هوامشها تصحيحات للأصل وحواش عليه وخطها واضح والكلمات المشكلة النطق مضبوطة بالحركات كما جاء في نهايتها ذكر العراقي لتاريخ فراغه من تسويد الألفية ثم تبييضه لها بنفسه في تاريخ لاحق، كما قدمت ذكره، وكل هذه توثيقات جيدة ومميزات هامة لم تتوفر لباقي نسخ الدار الأخرى رغم كثرتها كما ذكرت. ولهذا فإنها تترجح على غيرها، ويعتمد عليها عند اختلاف بعض النصوص عنها في النسخ الأخرى.\n_________\n= و(نشرة المخطوطات بدار الكتب المصرية) قسم ١/ ١٢٣، و(فهرس المخطوطات) .. مجلد/ ١ (مصطلح الحديث) / ١٦٣، ١٦٤، ١٧٣، و(فهرس المصطلح بمكتبة تيمور الملحقة بدار الكتب المصرية: مادة ألفية)، و(فهرس مجاميع تيمور، أيضًا ج ٣: مادة شرح).","vol":"2","page":675},{"text":"وقد أثبت في نهايتها أنه علقها (أي كتبها) لنفسه محمد بن يحيى بن محمد … المعروف بابن الرشيد. وعدد أوراقها ٣٤ ورقة متوسطة، وعدد سطور الصفحة ١٧ سطرا.\nووجدت نسخة أخرى برقم (٣٢١) مصطلح وعنوانها «هذا نظم فاخر لأصول الحديث»، ولم يذكر بها لا اسم «الألفية» ولا «التبصرة والتذكرة» كما بالفهرس، ولم ينبه المفهرس على ذلك، بل وضعها تحت العنوان المذكور بالفهرس، اعتمادا على مضمونها، لا على العنوان الذي تحمله، وهذا مخالف لأصول الفهرسة، فليتنبه لذلك.\nوهذه النسخة متأخرة جدا عن النسخة السابقة، فقد جاء في نهايتها أن ناسخها هو: علي بن يحيى بن علي .. الدمشقي المجاور بالقدس الشريف وأنه نقلها في مجالس آخرها ١٥ رجب سنة ١٠٣٢ هـ. وكتب أيضا في نهايتها بالهامش: بلغ مقابلة من أولها إلى آخرها على نسخة مصححة، في تاريخه، وفي هذا توثيق لها، كما أن خطها نسخ واضح، ومعظم كلماتها مضبوطة بالحركات، وبين سطورها وعلى هوامشها تعليقات موقعة باسم «محمد»، وكثير منها منقول عن شرح العراقي المتوسط لها، تارة بالعزو إليه وتارة بدون عزو، وبأولها فهرس للموضوعات، وعدد أوراقها ٤١ ورقة متوسطة، وعدد سطور الصفحة ١٣ سطرا.\nثم وجدت نسخة برقم (٢٣٧٧٦ ب) وعنوانها «كتاب نظم الألفية في مصطلح الحديث المسماة بالمقاصد المهمة»، ولم ينبه المفهرس أيضا لوجود هذه التسمية على النسخة، مع أنها لم تعنون بغير ذلك، وهذه تسمية مستنبطة من","vol":"2","page":676},{"text":"قول العراقي في مقدمة الألفية:\nفهذه المقاصد المهمة … توضح من علم الحديث رسمه (^١)\nوقد فهرست نفس النسخة مرة ثانية بهذا العنوان في فهرس آخر وهو القسم الثالث من نشرة المخطوطات بدار الكتب المصرية من سنة ١٩٣٦ - ١٩٥٥ م (^٢) فقال المفهرس: «المقاصد المهمة» ونسبها للعراقي ثم قال: وهي منظومة ألفية في مصطلح الحديث .. الخ.\nولعله استشعر عدم شهرة الكتاب باسم «المقاصد المهمة» هذا ففصل التعريف به كما أشرت دفعا لما توهمه هذه التسمية غير المشهورة من كون هذا كتابا آخر غير ألفية المصطلح المعروفة، وذلك خير من عمل المفهرس الأول لجمعه بين الإفادة الواضحة، والدقة، ببيان واقع عنوان النسخة.\nوهذه النسخة بخط نسخ، وغالبها مضبوط بالشكل، وجاء في نهايتها ٧ أبيات من نظم الناسخ أحمد الرفاعي الشافعي الأزهري بين فيها أنها تمت بنقل محكم، وقوبلت بشرحها مع نسخ متعددة، وذلك في يوم الأحد غرة صفر سنة ١٠٩٢ هـ. وهي تقع في ٣٣ ورقة وسطور كل صفحة ١٧ سطرًا.\nهذا ما يتعلق بنسخ دار الكتب المصرية وفهرستها.\nأما مكتبة الأزهر الشريف: فقال مفهرسوها: «ألفية العراقي» في أصول الحديث، وقيل اسمها «التبصرة والتذكرة»، وهذا يشير إلى تضعيفهم التسمية الأخيرة، مع أن العراقي قد صرّح بها كما مر، فلعلهم لم يقفوا على\n_________\n(^١) أنظر «الألفية» / ١٦٩.\n(^٢) انظر ص ٨٨ من قسم ٣ من النشرة.","vol":"2","page":677},{"text":"تصريحه بها.\nوقد أحصيت النسخ الخطية التي وردت بفهرس مكتبة الأزهر، فوجدتها ٢٧ نسخة (^١)، لكني لم أجد منها ما هو أقدم ولا أوثق مما عرفت به من النسخ فيما تقدم، ولذا أكتفي به.\nثم إني وقفت على ذكر نسخة موجودة بمكتبة «أيا صوفيا» باستانبول تحت رقم (٤٧٨٩) مجاميع، ورقمها في المجموعة (٥) وعنونت باسم «منظومة في الحديث» للعراقي (^٢) وكذا عنونت نسخة أخرى بدار الكتب برقم (١٥٢) مصطلح/ طلعت، وهي نسخة متأخرة جدًا وغير موثقة والتسمية بالمنظومة منطبق على الألفية باعتبارها شعرًا منظومًا، وقد أطلق الحافظ ابن حجر عليها ذلك في بعض نقوله عن شرح العراقي لها حيث يقول: «وقد بين شيخنا ذلك في شرح منظومته» (^٣) لكن الواقع أن تسميتها بـ «المنظومة» فقط غير مشهور.\n\n<span data-type='title' id=toc-213>ج - أهم طبعات الألفية وتقويمها:</span>\nقد طبع كتاب الألفية هذا في عدة طبعات، في عدة صور، نذكر منها ما يلي:\n١ - طبعة باسم «ألفية مصطلح الحديث» ضمن مجموعة بعنوان «نفائس» ثالثها كتاب الألفية، وتلك المجموعة بتحقيق الشيخ محمد حامد الفقي ﵀.\n_________\n(^١) انظر فهرس المكتبة الأزهرية جـ ١ (علم مصطلح الحديث) مادة (ألفية).\n(^٢) «فهرس المكتبة المطبوع» / قسم المجاميع/.\n(^٣) «فتح الباري بشرح صحيح البخاري» لابن حجر جـ ٢/¬٤٥ الصلاة - «باب قبلة أهل المدينة، وأهل الشام والمشرق …».","vol":"2","page":678},{"text":"وطبعت مرتان وقفت على نسخة من الطبعة الثانية، المطبوعة بمطبعة السنة المحمدية بالقاهرة سنة ١٣٧٢ هـ، وهي عبارة عن متن (الألفية) مع تعليقات ثمانية فقط للمحقق، وهي تعليقات ليست ذات أهمية؛ لأن سبعة منها عبارة عن تعريف ببعض الأعلام التي وردت في الألفية، تعريفا بمجرد ذكر اسم الشخص ونسبه ثنائيًا أو ثلاثيًا أو أكثر، وتعليق واحد لبيان إحدى العبارات الغامضة.\nوقد عني المحقق بضبط بعض الكلمات المشكلة النطق بالحركات وهو عمل مفيد لكنه لم يقدم للطبعة بشيء، وبذلك لم نعلم الأصل الذي اعتمد عليه في الطبع. وقد قمت بمقابلة معظم الألفية في هذه الطبعة بأكثر النسخة الخطية المتقدمة توثيقا، وهي التي برقم (٤١٣) مصطلح دار الكتب المصرية، وبالنسخة ذات الرقم (٣٢١) مصطلح دار الكتب أيضًا وهي موثقة كما تقدم، كما قابلت بعضها بمتن الألفية المطبوع مع شرح المؤلف الآتي، وغيره.\nوقد اتضح لي وجود اختلاف بين هذه الطبعة وبين تلك النسخ الجيدة التوثيق، مما يدل على أن المحقق اعتمد على أصل غير معتمد، وإن كانت هذه الاختلافات في مواضع قليلة، منها في باب المقطوع (^١) قول الناظم:\nوسم بالمقطوع قول التابعي … وفعله وقد رئي للشافعي\nفقد ذكر قوله «رئي» كما ترى وضبطه بضم الراء وكسر الهمزة، على أنه مبني للمجهول، والذي في نسخة (٤٠٣) وفي المطبوع مع شرح المؤلف (^٢)\n_________\n(^١) ص ١٧٥.\n(^٢) مج ١ ص ٥٩.","vol":"2","page":679},{"text":"«رأى» بفتح الراء والهمزة مبنيا للمعلوم، وعلق عليه بهامش من النسخة الخطية رقم (٤٠٣) بقوله: أي ابن الصلاح.\nوسيأتي في منهج العراقي في هذه الألفية أنه إذا أورد فيها فعلا فاعله ضمير مفرد مستتر، كما في الفعل «رأى» هذا، فالمراد بالفاعل: ابن الصلاح ولهذا قال في الشرح: «وقد رأى» أي ابن الصلاح، ووجدت التعبير بالمقطوع عن المنقطع في كلام الشافعي، وبذلك يكون «رئي» المبني للمجهول في تلك الطبعة، مخالفا للمعنى المقصود للناظم ولمنهجه؛ لأن الرائي بموجب ما في الطبعة، يكون مجهولا بينما قصد الناظم ومنهجه، أنه معلوم.\n٢ - وفي باب «الرواية من النسخ التي إسنادها واحد» قال:\n«والأغلب البدء به ويذكر … مع بعده مَعْ وبه الأكثر»\nفقوله «مع» الأولى ذكرها هكذا وضبطها بفتح الميم وسكون العين مما يدل على عدم كونه خطأ مطبعيًا.\nوالذي بشرح المؤلف (^١) وشرح السيوطي (^٢) «ما» بدل «مع» وهي الموافقة للمعنى كما في الشرحين المذكورين، بخلاف «مع» الواردة في هذه الطبعة فلا يستقيم المعنى عليها. وقد طبعت الألفية أيضًا ضمن شروحها وبعض حواشيها الآتي التعريف بها في موضعها.\n_________\n(^١) ج ٣ ص ٦١.\n(^٢) مخطوط سيأتي ذكره.","vol":"2","page":680},{"text":"الاستنتاج:\nومما تقدم يتضح الآتي:\n١ - أن ألفية العراقي هي أول مؤلفاته في مصطلح علوم السنة، وأنها ثابتة النسبة إليه، وقد أتم تبييضها بنفسه عقب الفراغ من تسويدها بأيام.\n٢ - تعدد الأسماء التي أطلقها المؤلف وغيره على الألفية، وبالتالي تعدد ما تذكر به في المصادر العلمية وفهارس مكتبات العالم.\nفتارة تفرقت الأسماء حتى في المرجع الواحد، دون ربط بينها، فأوهمت تعدد المسمى، وتارة جمعت معا، أو ربط بينها، وهذا هو الصواب، لدفعه اللبس، ودلالته لأي باحث من أقرب طريق على أن المسمى كتاب واحد وإن تعددت الأسماء والعناوين.\n٣ - يُعتبر أشهر ما عُرف به الكتاب اسم «الألفية»، مضافة إلى العراقي أو لموضوعها، وهو علم الحديث، أو مصطلحه أو أصوله، ولذا فإني سأجري في بحثي على هذا الإطلاق عند اللزوم.\n٤ - أن بعض المختصين اعتبر هذه الألفية كتابين، لتعدد اسمها، وهذا خطأ كما أن بعض فهارس المكتبات الموجود بها نسخ الألفية، فيه قصور في فهرستها يوقع في اللبس، وخاصة فهارس المكتبات خارج مصر، ولعل ما أوضحته بشأن مواضع اللبس في بعض تلك الفهارس، يسهم في جبر نقصها فيما يستجد من بحث تراث السنة، وفهرسته فهرسة علمية دقيقة.\n٥ - أن ما اطلعت عليه من النسخ الخطية العديدة الموثقة، والنسخ المطبوعة جميعها، تتفق في عدد أبيات الألفية وهو (١٠٠٣) بيت، فيما عدا نسخة.","vol":"2","page":681},{"text":"واحدة زادت بيتا في آخرها، وهي موجودة بدار الكتب المصرية برقم (٦) مصطلح، ضمن مجموعة من ورقة ٢٣١ - ٢٦٨، فقد انتهت عامة النسخ بقول العراقي:\n«وأفضل الصلاة والسلام … على النبي سيد الأنام» (^١)\nأما النسخة المشار إليها فجاء بها بعد هذا:\n«وآله وصحبه وتابع … وناظر وقارئ وسامع»\nوهي نسخة متأخرة، حيث جاء في نهايتها أن الفراغ من نسخها كان في ٦ من شعبان سنة ١٠٥٤ هـ، كما أنه ليس فيها علامات توثيق، بيان أصلها أو مقابلتها بغيرها، ونحو ذلك.\nولهذا فإني أرجح ما اتفقت عليه عامة النسخ الأخرى وهو عدم وجود البيت المذكور ضمن نص الألفية، فلعله من زيادة بعض النساخ مثلما زاد كاتب النسخة رقم (٢٣٧٧٦) ب السابق التعريف بها، في نهايتها ٧ أبيات من نظمه، لكنه كان أمينا، حيث فصلهم عن نص الألفية، كما أنهم متميزون بمحتواهم؛ لأنه ذكر فيهم أنه نقل الألفية بإتقان، وقابلها بغيرها بعكس هذا البيت، فقد ألحقه ناظمه بنص الألفية، وجعله منسبكًا مع آخر بيت منها فَلْيُتَنَبَّه لذلك، ثم إن هذا البيت كما مر، ليس فيه مادة علمية، بل هو استطراد في ختام الألفية، وعليه فإن استبعاده لا يخل بمضمونها العلمي بل ولا بختامها.\n_________\n(^١) انظر آخر النسخ الخطية السابق التعريف بها، والألفية المطبوعة/ ٢٨٨ و«فتح المغيث» للعراقي ج ٤/ ١٦٤ وللسخاوي ج ٣/ ٣٦٢ و«فتح الباقي» للأنصاري نسخة الأزهر الخطية برقم (٢٦١) مصطلح/ ٢٢٢ أ.","vol":"2","page":682},{"text":"<span data-type='title' id=toc-214>د - موضوع الألفية والغاية من تأليفها وتحقق تلك الغاية:</span>\nقال العراقي في مفتتح الألفية:\n«فهذه المقاصد المهمة … توضح من علم الحديث رسمه» (^١)\nثم قال في شرحها: «وبعد: فعلم الحديث خطير وقعه، كثير نفعه، عليه مدار أكثر الأحكام وبه يُعرف الحلال والحرام ولأهله اصطلاح لابد للطالب من فهمه، فلهذا ندب إلى تقديم العناية بكتاب في علمه، وكنت نظمت فيه أرجوزة ألفتها، ولبيان اصطلاحهم ألفتها» (^٢).\nوقال في شرح البيت الأول: «والمراد بـ «رسم الحديث» آثار أهله التي بنوا عليها أصولهم»، وذكر أنه عبر بـ «الرسم» إشارة إلى دروس كثير من هذا العلم، وأنه بقيت منه آثار يُهتدى بها، ويُبنى عليها، وهي التي تكفلت تلك الألفية بتوضحيها.\nوقال أيضًا في مقدمة الألفية:\n«نظمتها تبصرة للمبتدي … تذكرة للمنتهي والمسند» (^٣).\nومما تقدم يتضح لنا تصريح العراقي بأن موضوع هذه الألفية بيان قواعد علم الحديث وأصوله الهامة، وما تنبني عليه تلك الأصول والقواعد والحدود التي استنبطها علماء السنة من استقراء أحوال السند والمتن، والمؤلفات فيهما واصطلحوا عليها في بيان حدود وأنواع علوم السنة المتعددة، وتمييز مقبولها.\n_________\n(^١) «الألفية» / ١٦٩.\n(^٢) «فتح المغيث»، للعراقي جـ ١/¬٦.\n(^٣) «الألفية» / ١٦٩.","vol":"2","page":683},{"text":"من مردودها، وقد بلغ مجموع ما تضمنته الألفية ٦٥ نوعًا، كل نوع منها يُعد علمًا من علوم السنة كما سنفصله.\nوقد قدمت في الباب الأول أن مجموع تلك القواعد التي تضمنتها الألفية يطلق عليها «علم الحديث دراية» أو «علم أصول السنة» أو مصطلحها وقدمنا أيضًا تعريفه وشرح التعريف، بما يبين مشتملات هذا العلم، وبالتالي مشتملات مؤلفاته، وذكرنا أن الغاية منه تمييز أنواع علوم السنة سندا ومتنا ومعرفة ما يقبل منها وما يرد.\nولهذا ذكر العراقي هنا في بيان غايته من تأليفها: «أنه لابد لطالب السنة من معرفة مصطلح أهلها، قبل الشروع في دراستها، حتى يسير على بصيرة» وبين أن ذلك يتحقق بدراسة كتاب في علم المصطلح، وأتبع ذلك بذكر نظمه لتلك الألفية في علم المصطلح المذكور، ثم صرّح بأنه قصد بنظمها إفادة عامة للمشتغلين بالسنة وعلومها، وفي مقدمتهم الطلاب المبتدئون في دراستها الذين أشار إليهم، فتكون تلك الألفية تبصرة لهم وتوعية إجمالية بمسائل علم المصطلح عمومًا، خاصة وأن قالبها الشعري الموزون يعينهم على حفظها كما كان معتادًا في عصره (^١).\nوقد وجه أنظارهم مرة أخرى لدراستها في باب آداب طالب الحديث فقال:\n«واقرأ كتابًا في علوم الأثر … كابن الصلاح أو كذا المختصر» (^٢)\nوذكر في شرحه: «أنه ينبغي للطالب أن يُقدم قراءة كتاب في علوم\n_________\n(^١) انظر: «حاشية الطوخي على شرح الأنصاري للألفية». مخطوط بدار الكتب المصرية برقم ٢٢٨٢٢ ب/ ١٦ ب.\n(^٢) و«الألفية» / ٢١١.","vol":"2","page":684},{"text":"الحديث، حفظا وتفهما، ليعرف مصطلح أهله ومقاصدهم ومهماتهم التي ينقص المحدّث بالجهل بها نقصا فاحشا …».\nثم قال: (وقولي: (أو كذا المختصر) إشارة إلى هذه الأرجوزة) (^١) يعني أنه ينبغي للطالب أن يقرأها حفظًا وتفهمًا، ليعرف مصطلح علوم الحديث ويتخلص بذلك من النقص العلمي الفاحش، مثلما هو شأن كتاب ابن الصلاح الذي ذكره قبلها.\nقال الأنصاري: «فكلاهما جدير بأن يتحصل العناية به» (^٢).\nوقال السيوطي: «أشار الناظم ﵀، إلى منظومته هذه لما حوته من مسائل كتاب ابن الصلاح، مع الفوائد الزوائد» (^٣).\nأما الصنف الثاني من المشتغلين بالسنة: الذي قصد العراقي إفادته بهذه الألفية فهو العالم المنتهي في هذا الفن، وهو من حصل أكثره وصلح لإفادته وتعلمه، فيتذكر بالاطلاع عليها أو حفظها ما علمه وغفل عنه، أو كان عنه ذاهلا (^٤)، من مجموع هذا الفن. وفي صورتها الشعرية ما يجعل استحضارها أيسر من استحضار النثر وأضبط.\nوثالث من قصد العراقي إفادته بهذه الألفية، هم المسندون الذين تخصصوا في تحمل الحديث وأدائه بإسناده، سواء كانوا مبتدئين فيتبصروا بها كيفية\n_________\n(^١) (فتح المغيث) للعراقي ج ٣/ ٩٣.\n(^٢) (فتح الباقي بشرح ألفية العراقي) للأنصاري/ ١٥١ ب، ١٥٢ أ.\n(^٣) (نظم الدرر في شرح ألفية العراقي في علم الأثر) للسيوطي ٣١ ب (مخطوط).\n(^٤) انظر: (فتح الباقي) / ٣ ب و(فتح المغيث) للسخاوي ج ١ ص ١٢، ١٣.","vol":"2","page":685},{"text":"التحمل والأداء ومتعلقاتهما، أو منتهين فيتذكروا بها ما ذهلوا عنه من ذلك (^١).\nقال البقاعي: «حاصله أنها تذكرة وتبصرة للمبتدي والمنتهي، سواء كانا مسندين أم لا» (^٢).\n«وإذا كانت الغاية منها تمتد إلى إفادة من بلغوا النهاية في التحصيل والخبرة من علماء السنة ومسنديها، فإن شمولها لإفادة المتوسطين بين الابتداء والانتهاء من باب أولى» (^٣)، وبذلك تعم الغاية منها إفادة سائر المشتغلين بعلوم السنة على تفاوت درجاتهم.\nأما عن تحقق غاية العراقي هذه الشاملة، فقد قدمت شواهد عملية متعددة لذلك، سواء في رحلة العراقي الحجازية الثالثة التي أنجز فيها هذه الألفية، أو في وظائفه العلمية، أو في التعريف بنماذج تلاميذه وتأثيره فيهم، وثبت من تلك الشواهد أن الألفية منذ فراغ العراقي منها قد كُتِبَتْ منها النسخ، حتى بواسطة بعض شيوخ العراقي في الرواية، وانتشرت نسخها ودراستها على يد العراقي وتلاميذه في مصر وخارجها، وصارت مادة من منهج الدراسة العامة والمتخصصة، فيحفظها المبتدئون من طلاب السنة وغيرهم، ويعرضونها على العراقي وعلى غيره، ثم يدرسها المتجهون للتخصص بعلوم السنة، من المسندين والمحدثين والحفاظ، على اختلاف مستوياتهم، ثم ظلت محل دراستهم واستذكارهم، ومرجع استفادتهم في عامة مسائل المصطلح وقواعده.\n_________\n(^١) (فتح الباقي) / ٣ ب و(فتح المغيث) للسخاوي ج ١/¬١٣.\n(^٢) «النكت الوفية» بما في شرح الألفية، للبقاعي/ ٦ أ.\n(^٣) «حاشية العدوي على شرح الأنصاري» لألفية العراقي/ نسخة رقم (٢١٥٩٦) ب/ ٢٩ ب.","vol":"2","page":686},{"text":"وسيأتي مزيد من ذلك في بيان أثرها، والعناية بها بعون الله تعالى.\n\n<span data-type='title' id=toc-215>هـ - مصادر العراقي في الألفية وطرق اعتماده عليها:</span>\n<span data-type='title' id=toc-216>أولا: مقدمة ابن الصلاح:</span>\nيُعتبر المصدر الأساسي للعراقي في ألفيته هذه، كتاب أبي عمرو بن الصلاح المعروف بـ «مقدمة ابن الصلاح»، والمسمى «معرفة أنواع علم الحديث» (^١) وذلك لأن هذا الكتاب كان في عصر العراقي هو أشهر وأجمع ما ألف في بيان أنواع علوم الحديث، حيث نوعها فيه إلى ٦٥ نوعًا جمعت شتاتها المتفرق في مؤلفات من قبله من أهل الفن، وحل مشكلاتها وقعد قواعدها وبين أحكامها، وفصل أقسامها، وشرح مصطلحات أهل الحديث ومقاصدهم ومهماتهم (^٢).\nولذلك اتخذه عامة العلماء من بعده محورًا لمؤلفاتهم في المصطلح، حتى إنه لا يحصى من نظمه أو اختصره أو شرحه مع الاستدراك عليه بالزيادة أو النقص والتعديل، والانتقاد له أو الدفاع عنه.\nفكان الحافظ العراقي ممن نظم ملخص هذا الكتاب في ألفيته (^٣) وصرّح في مقدمتها بذلك حيث يقول:\n_________\n(^١) انظر «مقدمة ابن الصلاح مع التقييد والإيضاح» / ١٣.\n(^٢) انظر المرجع السابق/ ١٣، ٢٥٦.\n(^٣) انظر «توضيح نخبة الفكر» لابن حجر العسقلاني مع «حاشية لفظ الدرر» عليه للشيخ خاطر ص ٢٠، ٢١ و«شرح السيوطي» لألفيته/ ٢ أو «فتح المغيث» للسخاوي ج ١/¬١٣.","vol":"2","page":687},{"text":"«لخصت فيها ابن الصلاح أجمعه … ................................» (^١)\nيعني كتابه المشار إليه، ولهذا نجد مؤرخي العراقي يعدون هذه الألفية ملخصا لمقدمة ابن الصلاح (^٢).\nكما أن العراقي في شرحه الآتي للألفية صرّح في عدة مواضع بأنه أوردها في النظم على ما هي عليه، تبعا لابن الصلاح بحكم التزامه بتلخيص كتابه.\nففي مبحث «خفي الإرسال» قال: «وهذا النوع أشبه بروايات المدلسين وقد أفرده ابن الصلاح بالذكر عن نوع المرسل فتبعته على ذلك» (^٣).\nوفي مبحث «المؤتلف والمختلف» ذكر أن القسم الثاني، منه ما يدخل تحت الضبط بضابط معين، ثم قال: «وقد ذكرت من هذا القسم الثاني جملة منه تبعا لابن الصلاح» (^٤) وهكذا صرّح في مواضع أخرى (^٥).\nبل هناك بعض المواضع تبع فيها ابن الصلاح في النظم، ونبه في الشرح على مخالفة ابن الصلاح فيها لغيره، مثل مبحث «السماع على نوع من الوهن».\n_________\n(^١) انظر: الألفية ٥/ ١٦٩ (ضمن مجموعة نفائس).\n(^٢) «مجموع ابن خطيب الناصرية»، (ترجمة العراقي) و«عقد الجمان» للعيني ج ٢٥ قسم ٢ وفيات سنة ٨١٦ هـ و«ذيل الدرر الكامنة» ٤/ ٧١ و«إنباء الغمر» ج ٢/ ٢٧٦ و«الأعلام» ج ٤/ ٢١٩ أو «طبقات الشافعية» ٤/ ١١٠ ب كلاهما لابن قاضي شهبة و«بهجة الناظرين» للغزي/ ١٣٠ و«المنهل الصافي» ج ٢/ ٣١٣ أو «شذرات الذهب» ج ٧/ ٥٥.\n(^٣) «فتح المغيث» للعراقي ج ٤/¬٢٥.\n(^٤) «فتح المغيث» للعراقي ج ٤/ ٨٦.\n(^٥) المصدر السابق ج ٤/ ١٣٤، ١٤٨.","vol":"2","page":688},{"text":"فقد قال في الألفية:\nثم على السامع بالمذاكرة … بيانه كنوع وهن خامره (^١)\nثم قال في الشرح: هكذا قال ابن الصلاح: إن عليه بيان ما فيه بعض الوهن، وجعل من أمثلته ما سمعه في المذاكرة، فتبعته في ذلك، ثم أشار إلى مخالفة ما ذكره ابن الصلاح، ومن تبعه فيه، لرأي الخطيب البغدادي فقال: وفي كلام الخطيب البغدادي أنه (أي بيان السماع مذاكرة) ليس بحتم، فإنه قال: وأستحب أن يقول: (حدثناه في المذاكرة) (^٢) فهذا يفيد الاستحباب بينما عبارة ابن الصلاح (عليه) تفيد الإلزام والتحتم. أما في مبحث معرفة الصحابة، فقد قال العراقي في الألفية:\nرائي النبي مسلما ذو صحبة … ............................ (^٣)\nثم قال في الشرح: «ولو قيل في النظم: لاقي النبي، كان أولى، أي ليشمل الأعمى، ولكن تبعت فيه عبارة ابن الصلاح» (^٤) كذلك ذكر غير العراقي من شراح الألفية أمثلة أخرى، كتأخير ما حقه التقديم رعاية لسياق ابن الصلاح (^٥)، وإهمال ما حقه أن يذكر، تبعا لما جرى عليه أيضًا (^٦) ومما يعفي العراقي من النقد في تبعيته لابن الصلاح في بعض ما هو منتقد من غيره على\n_________\n(^١) «الألفية» / ٢٠٩\n(^٢) «فتح المغيث» للعراقي ج ٣/ ٦٨.\n(^٣) «الألفية» (٢١٥).\n(^٤) «فتح المغيث» للعراقي ج ٤/¬٢٩\n(^٥) «فتح الباقي بشرح ألفية العراقي» للشيخ زكريا الأنصاري/ ٣٣ ب.\n(^٦) «فتح المغيث» للسخاوي ج ١/ ١٢١، ١٢٢.","vol":"2","page":689},{"text":"النحو المتقدم، أنه تدارك ذلك في شرحه للألفية، فنبه على مواضع الخلاف، وبين ما هو أولى، كما في المثالين السابقين وغيرهما (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-217>ثانيا: مصادر أخرى ونماذجها:</span>\nأضاف العراقي في الألفية إلى ملخص كتاب ابن الصلاح عدة إضافات رآها لازمة كما سيأتي، ونص على ذلك أيضًا في مقدمة الألفية، فبعد قوله:\n«لخصت فيها ابن الصلاح أجمعه»، كما تقدم قال:\n«وزدتها علما تراه موضعه» (^٢).\nوقد اعتمد في تلك الزيادات على عدة مصادر، منها ما صرح بالعزو إليه في نفس الألفية، إما بذكر اسم الكتاب والمؤلف معا، وذلك نادر، وإما بذكر أحدهما فقط للاختصار وهو الغالب.\nمثال الأول: قوله في مبحث الحديث الحسن:\n«ولأبي الفتح في الاقتراح … أن انفراد الحسن ذو اصطلاح\nوإن يكن صح فليس يلتبس … كل صحيح حسن، لا ينعكس» (^٣)\nفأبو الفتح المذكور، هو محمد بن علي المعروف بابن دقيق العيد من أئمة عصره في الحديث والفقه، وهو متأخر عن ابن الصلاح حيث توفي سنة ٧٠٢ هـ (^٤).\nو«الاقتراح» اسم كتاب له، اختصر فيه مقدمة ابن الصلاح مع إضافات\n_________\n(^١) انظر: «فتح المغيث» للعراقي ج ٣/ ٧٣، ج ٤/ ٧٢، ١٣١.\n(^٢) الألفية/ ١٦٩.\n(^٣) والألفية» / ١٧٤.\n(^٤) و«فتح المغيث» للسخاوي ج ١/ ٩٠، ٩١.","vol":"2","page":690},{"text":"علمية جيدة (^١) مما جعله عمدة من جاء بعده، كالعراقي والسخاوي والسيوطي وغيرهم، ومع هذا فإن نسخ الكتاب حاليا تعد في حكم المفقودة (^٢) وهذه الزيادة التي استمدها العراقي منه بقوله: (إن انفراد الحسن ذو اصطلاح .. الخ) عبارة عن جواب إشكال أورده ابن الصلاح في كتابه وهو أنه: إذا كان الحديث الحسن قاصرًا عن درجة الحديث الصحيح فكيف جمع الترمذي في (سننه) بينهما، حيث يقول عن كثير من الأحاديث: هذا حديث حسن صحيح؟ وقد أجاب ابن الصلاح عن ذلك في كتابه المذكور بجوابين (^٣).\nولكن ابن دقيق العيد ردهما في (الاقتراح)، ثم أجاب بما ذكره العراقي عنه، وحاصله: أن الحسن لا يشترط فيه القصور عن الصحة، إلا حيث انفرد فيراد به حينئذ الحسن الاصطلاحي، لكنه في قول الترمذي: (حسن صحيح) غير منفرد، بل مجتمع مع الصحيح، وبذلك ارتفع إلى درجته، ومتى ارتفع الحديث إلى درجة الصحة، فالحسن حاصل لا محالة تبعا للصحة؛ لأن وجود الدرجة العليا وهي الحفظ والإتقان في الراوي كما هو شرط الصحيح، لا ينافي وجود الدرجة الدنيا فيه وهي الصدق، فيصح بهذا أن يوصف الحديث بأنه حسن باعتبار وجود الصفة الدنيا في راويه، وأن\n_________\n(^١) «البحر الذي زخر في شرح ألفية الأثر» للسيوطي/ ٢ أ.\n(^٢) أعني سنة ١٣٩٤ هـ، لكن عُرف له بعد ذلك أكثر من نسخة، وحققه الأخ الدكتور علي البحى، عضو هيئة التدريس بكلية الشريعة وأصول الدين بالقصيم، في رسالة علمية حصل بها على درجة الماجستير في السنة وعلومها، وشرفت بالمشاركة في مناقشة تلك الرسالة، كما طبع الكتاب بعد ذلك أكثر من طبعة، وفي مقدمتها طبعة بغداد بتحقيق د. قحطان الدوري عام ١٤٠٢ هـ.\n(^٣) «مقدمة ابن الصلاح مع التقييد والإيضاح» / ٥٩.","vol":"2","page":691},{"text":"يُوصف بالصحة باعتبار وجود الصفة العليا فيه، وعليه فكل صحيح حسن ولا عكس، ويؤيد ذلك ما جرى عليه المتقدمون من أئمة الحديث في وصف الأحاديث الصحيحة بالحسن (^١).\nومثال ما اقتصر العراقي في النظم على عزوه إلى اسم الكتاب الوارد فيه أو إلى اسم المؤلف، ما ذكره في الفرع الخامس من مبحث «الحديث المقطوع»، حيث قال:\n«وما أتى عن صاحب بحيث لا … يقال رأيا حكمه الرفع على\nما قال في المحصول، نحو من أتى … فالحاكم الرفع لهذا أثبتا» (^٢)\nفعزى أولًا كما ترى إلى كتاب «المحصول» دون ذكر مؤلفه، وعزى ثانيا إلى «الحاكم» دون ذكر كتابه الوارد فيه ما ذكر، لكنه بين في «شرحه للألفية» ما تركه في نظمها، فقال: «أي وما جاء عن صحابي موقوفا عليه ومثله لا يقال من قبل الرأي، حكمه حكم المرفوع».\nكما قال الإمام فخر الدين الرازي في المحصول .. وساق كلامه، ثم قال: «وقوله: نحو من أتى، أي كقول ابن مسعود: من أتى ساحرًا أو عَرَّافًا فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ»، ترجم عليه الحاكم في «علوم الحديث»: معرفة المسانيد التي لا يُذكر سندها عن رسول الله ﷺ (^٣).\nوبذلك أوضح رجوعه التفصيلي المباشر لهذين المصدرين وأوضح أن مؤلف:\n_________\n(^١) «فتح المغيث» للعراقي ج ١/ ٥٢.\n(^٢) «الألفية» / ١٧٦\n(^٣) «فتح المغيث» للعراقي ج ١/ ٦٥، ٦٦.","vol":"2","page":692},{"text":"كتاب «المحصول» هو الإمام فخر الدين الرازي، وأن الحاكم ذكر ما نسبه إليه، في كتابه «معرفة علوم الحديث وقد رجعت إليه فوجدته فعلا كما قال» (^١) وبذكره لهذا في الشرح دل على أن تركه له في النظم لمجرد الاختصار، وليس لعدم المعرفة.\nويُعتبر كتاب «المحصول» من المراجع الأساسية في أصول الفقه وما يشترك معها من مباحث أصول الحديث، كالمسألة المذكورة، وهي حكم ما روي عن الصحابي موقوفا عليه مما لا مجال للرأي فيه، وأما كتاب «معرفة علوم الحديث» لأبي عبد الله الحاكم، فهو أيضًا من المؤلفات الأساسية في المصطلح وأجمع ما ألف في بيان أنواع علوم السنة قبل ابن الصلاح، حيث أورد فيه الحاكم (٥٢) نوعًا (^٢).\nفالكتابان ومؤلفاهما من المصادر الأصلية المعتمدة في بابها، والمتقدمة على ابن الصلاح.\nوقد يعزو العراقي ما زاده في «الألفية» على كتاب ابن الصلاح عزوا مجملا، كأن يقول: «نقلوا كذا، أو حكوا كذا، مثاله: ما ذكره في فروع مبحث الحديث المقطوع أيضًا حيث يقول:\n«..................... … قلت: من السنة عنه، نقلوا\nتصحيح وقفه ........... … .............» (^٣).\n_________\n(^١) انظر «معرفة علوم الحديث» للحاكم/ ٢١.\n(^٢) انظر: معرفة علوم الحديث، للحاكم ص ٢٦٦.\n(^٣) انظر «الألفية» / ١٧٦.","vol":"2","page":693},{"text":"فقوله: «من السنة عنه» أي عن التابعي، مشار بها إلى مسألة هي: إذا قال التابعي: من السنة كذا، فهل يعد ذلك حديثًا موقوفا متصلًا أو مرفوعًا مرسلا؟\nوقوله: «نقلوا تصحيح وقفه» إشارة مجملة إلى المصادر التي بينت حكم هذه المسألة، «فلم يبين الناقلين»، ولا المصدر المشتمل على المنقول. وقد بين ذلك أيضًا في «شرحه للألفية» فذكر أن هذه المسألة فيها وجهان لأصحاب الشافعي …\nثم قال: «وحكى الداودي في شرح مختصر المزني: أن الشافعي كان يرى في القديم أن ذلك مرفوع، إذا صدر من الصحابي أو التابعي، ثم رجع عنه لأنهم قد يطلقونه ويريدون سنة البلد» إهـ.\nثم أتبع ذلك بقوله: والأصح في مسألة التابعي كما قال النووي في «شرح المهذب»، أنه موقوف (^١).\nوبذلك اتضح أن قوله في «الألفية»: «نقلوا» مشاربه إلى مصدرين هما «الداودي» في كتابه «شرح مختصر المزني» والإمام النووي في كتابه «شرح المهذب» ويُعرف .. بـ «المجموع» كما سيأتي في موضعه.\nوكلا الكتابين من المراجع الأساسية للفقه الشافعي، ومولفاهما من أعمدة المذهب، وأولهما متقدم على ابن الصلاح وثانيهما متأخر عنه.\nومن الزيادات ما كان مصدره فيها خبرته بكتب السنة، مثال ذلك: أن ابن\n_________\n(^١) (فتح المغيث) للعراقي ج ١/ ٦٤، ٦٥.","vol":"2","page":694},{"text":"الصلاح اعتبر (مسند الدارمي) من المسانيد (^١)، فرد عليه العراقي في الألفية قائلا:\n«. . . . . . . . . . . . . . … وعده للدارمي انتقد» (^٢).\nوأوضح ذلك في (شرحه للألفية) قائلا: وقد عد منها ابن الصلاح «مسند الدارمي» فوهم في ذلك؛ لأنه مرتب على الأبواب لا على المسانيد (^٣).\nوبذلك ترى أن مصدره في بيان وهم ابن الصلاح خبرته هو بمسند الدارمي وبمنهج مؤلفه فيه، ولولا اطلاعه عليه وممارسته له ما أُتيح له كشف هذا الوهم الذي وقع لابن الصلاح والتنبيه عليه ضمن زياداته في الألفية.\nومن الزيادات ما بين أن مصدره فيه المشاهدة الواقعية لما جرى عليه بعض شيوخه في أداء رسالتهم الحديثية، مثال ذلك: الإجازة برواية الحديث للحمل في بطن أمه، فقد ذكر في الألفية أنه لم يجد في مصدر من المصادر المكتوبة نقلا عن أحد العلماء يبين حكم الإجازة برواية الحديث للحمل في بطن أمه بل ذكر تصريح الخطيب البغدادي بأنه لم يجد من فعله من العلماء، ثم عقب على ذلك بمشاهدته هو فقال:\n«.................... … قلت رأيت بعضهم قد سئله\nمع أبويه فأجاز ولعل … ما أصفح الأسماء إذ فعل» (^٤)\n_________\n(^١) مقدمة ابن الصلاح مع التقييد والإيضاح ٠/ ٥٦.\n(^٢) والألفية ٠/ ١٧٣.\n(^٣) وفتح المغيث، للعراقي ج ١/¬٥٠.\n(^٤) انظر والألفية ٠/ ١٩٧.","vol":"2","page":695},{"text":"ثم قال في شرح الألفية موضحا ذلك: «وقد رأيت بعض شيوخنا المتأخرين سيل الإجازة لحمل بعد ذكر أبويه قبله، وجماعة معهم، فأجاز فيها وهو الحافظ أبو سعيد العلائي»، ثم ذكر أن شيخا آخر من شيوخه تحرز عن ذلك وعقب بقوله: ومن عمم الإجازة للحمل وغيره أعلم وأحفظ وأتقن؛ إلا أنه قد يقال: «لعله ما أصفح أسماء الإجازة، حتى يعلم هل فيها حمل أم لا فقد تقدم أن الإجازة تصح ولو لم يتصفح الشيخ المميز أسماء الجماعة المسئول لهم الإجازة، إلا أن الغالب أن أهل الحديث لا يجيزون إلا بعد نظر المسئول لهم، كما شاهدناه منهم» (^١).\nوهذا يفيد أن اعتماده على مشاهداته كان اعتمادًا واعيًا متدبرا، حيث قارن عمل شيخيه ورجح عمل الأحفظ والأعلم والأتقن منهما في تقديره، وهو العلائي، ثم دفع الاحتمال الممكن وروده عليه وهو عدم تصفح الأسماء المطلوب إجازتها حتى يعلم ذكر الحمل فيهم أم لا، معتمدًا أيضًا على ما شاهد عليه غالب أهل الحديث، من نظرهم إلى أسماء المطلوب إجازتهم لهم.\nومن الزيادات ما لم يعزها في الألفية لمصدرها، لا تصريحًا ولا تلميحا مثل قوله في مبحث (تاريخ الرواة والوفيات):\nقلت حويطب بن عبد العزى … مع ابن يربوع سعيد يعزى\nهذان، مع: حَمْنَي وابن نوفل … كل إلى وصف «حكيم» فاجمل (^٢)\nفقد ذكر قبل هذين البيتين اثنين من الصحابة عاشا ١٢٠ سنة، نصفها في\n_________\n(^١) د فتح المغيث، للعراقي ج ٢/ ٧٤، ٧٥\n(^٢) والألفية» / ٢٢٦","vol":"2","page":696},{"text":"الجاهلية ونصفها في الإسلام، وهما: حسان بن ثابت، وحكيم بن حزام وقد اقتصر عليهما ابن الصلاح في مقدمته، فأضاف العراقي في البيتين المذكورين ٤ آخرين هم: حويطب بن عبد العزى، وسعيد بن يربوع وحمن بن عوف، ومخرمة بن نوفل.\nلكننا لم نجد في النظم، كما مر بك، تصريحًا، ولا تلميحا، بمصدره في ذكرهم، ويمكن تعليل ذلك بقصد الاختصار في النظم، بدليل أنه في شرحه لهذين البيتين بين المصادر التي اعتمد عليها في ذكر هؤلاء الأربعة، كالواقدي صاحب كتاب (المغازي) وغيره، والإمام البخاري صاحب (التواريخ الثلاثة) الجامعة لرجال الحديث وهي (الكبير) و«الأوسط» و«الصغير»، وخليفة بن خياط، وأبي الحسين بن قانع المتوفى سنة ٣٥١ هـ وهو مُؤلّف (معجم الصحابة) وكتاب «الوفيات»، وابن حبان، مؤلف كتابي «الثقات» و«الضعفاء والمجروحين»، وغير ذلك، وابن عبد البر صاحب «الاستيعاب في معرفة الأصحاب»، والدارقطني في كتابه «الإخوة والأخوات»، وأبو زكريا بن مندة، في (جزء له لطيف جمع فيه من عاش ١٢٠ سنة من الصحابة) وأبو محمد بن عبد الله بن زبر البغدادي مؤلف كتاب «الوفيات»، وهو من أوائل المؤلفات فيها (^١).\nونلاحظ أن كل هؤلاء الذين اعتمد عليهم، هم من أئمة علم الرجال المتقدمين على ابن الصلاح، وتعتبر مؤلفاتهم المشار إليها عمدة من جاء بعدهم ومنها المشهور المتداول، ومنها النادر وجوده حاليًا ككتاب «الإخوة\n_________\n(^١) و(فتح المغيث) للعراقي ج ٤/ ١٣٤، ١٣٨، ١٤٢، ١٤٣، وو(فتح المغيث)، للسخاوي ج ٣/ ٢٨٤ - ٢٨٦.","vol":"2","page":697},{"text":"والأخوات» للدارقطني (^١) وكجزء ابن مندة فيمن عاش ١٢٠ سنة من الصحابة.\nوهناك بعض زيادات يسيرة لم يشر العراقي كلية المصدره فيها، لا في الألفية ولا في شرحها مع تيسر ذلك له.\nمثال ذلك: أنه نظم في الألفية مما ذكره ابن الصلاح في أصح الأسانيد: الشافعي عن مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر ﵄، ثم أضاف إلى ذلك الإسناد: «الإمام أحمد بن حنبل ﵁»، فقال: قلت: عنه أحمد (^٢) ..\nأي أنه من أصح الأسانيد: أحمد بن حنبل عن الشافعي عن مالك … الخ لكنه لم يشر في الألفية ولا في شرحه لها إلى مصدره في إضافة الإمام أحمد إلى هذا الإسناد (^٣) بينما ذكر الحافظ ابن حجر والسخاوي أن القائل بذلك هو شيخ العراقي، الصلاح العلائي وغيره (^٤).\nوإذا كان العراقي قد نبه على أنه ترك في الألفية نسبة بعض الأقوال إلى قائليها للاختصار (^٥) فإنه كان عليه تلافي ذلك في الشرح، بنسبة مثل هذا القول المصدره كما فعل في غيره، خاصة وأن أحد مصادره وهو العلائي من أبرز شيوخه كما تقدم، ولذا فإنه في نظري مؤاخذ بذلك.\n_________\n(^١) ثم طبع جزء منه بتحقيق الأخ الفاضل الدكتور باسم فيصل الجوابرة.\n(^٢) انظر (الألفية) / ١٦٩ و(مقدمة ابن الصلاح مع التقييد والإيضاح) / ٢٣.\n(^٣) «فتح المغيث»، للعراقي ج ١/¬١٢، ١٣.\n(^٤) (فتح المغيث)، للسخاوي ج ١/¬٢٣ و(البحر الذي زخر) للسيوطي/ ١١ ب.\n(^٥) (فتح المغيث) للعراقي ج ١/¬٨.","vol":"2","page":698},{"text":"غير أن تتبعي لإضافاته التي اعتمد فيها على غيره عمومًا، أظهر أن تركه الكلي لبيان مصادره نادر، والغالب أنه يبينها بأحد الطرق المتقدم بيانها، وإذا كنا نعتبر تلك الطرق حاليًا قاصرة وغير دقيقة، لأنه ليس في أي منها تحديد موضع الأقوال في مصادرها بالجزء والصفحة كما نفعل حاليًا، إلا أن العرف العلمي في عصر العراقي كان يعتبر ما جرى عليه هو كافيًا، وبالتالي لا يتوجه إليه نقد في عدم تحديد الجزء والصفحة، بناء على عرفنا الحالي.\nالنتيجة:\nوعلى ضوء ما قدمته عن مصادر العراقي في الألفية من خلال تتبعي العام لها يمكن تقرير الآتي:\n١ - أن المصدر الأساسي في الألفية هو «مقدمة ابن الصلاح».\n٢ - أن المصدر التالي لمقدمة ابن الصلاح هو المؤلفات في علوم السنة ومصطلحها، متنا وسندًا، سواء كانت للمتقدمين على ابن الصلاح، أو للمتأخرين عليه حتى شيوخ العراقي.\nفمن أهم مؤلفات المتقدمين التي اعتمد عليها غير ما قدمت أمثلته:\n* «الكفاية في معرفة أصول الرواية» (^١) وتقدم التعريف به في الباب الأول.\n* و«تاريخ بغداد» (^٢) وكلاهما للخطيب البغدادي عائل أهل الفن بعده والمتوفى سنة ٤٦٣ هـ.\n_________\n(^١) انظر «فتح المغيث» للعراقي ج ١/ ٦٦، ٧١ وج ٣/¬٤، ٦ وكتاب «الكفاية» نفسه/ ٤٦٦، ٤٦٩.\n(^٢) «فتح المغيث» للسخاوي ج ٢/ ٢٤٢، ٢٤٣.","vol":"2","page":699},{"text":"* وكتاب «الإلماع إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع» (^١) للقاضي عياض المتوفى سنة ٥٤٤ هـ.\n* و«جزء لطيف في بيان الحديث المنقطع» (^٢)، تأليف الحافظ أبي بكر أحمد بن هارون البرديجي البرذعي المتوفى ٣٠١ هـ، وهذا الكتاب يُعد نادر الوجود الآن إن لم يكن معدوما.\n* وكتاب «الطبقات الكبرى» (^٣) لابن سعد.\n* و«ذيل الاستيعاب في معرفة الأصحاب» (^٤) لأبي بكر بن فتحون.\n* و«تكملة الإكمال في معرفة المختلف والمؤتلف من أسماء وأنساب وألقاب الرواة» (^٥) لأبي بكر بن نقطة البغدادي.\n* وكتاب «التصحيف» في بيان الأسماء والألفاظ المشكلة التي تتشابه في صورة الخط (^٦) تأليف أبو أحمد العسكري (^٧) المتوفى ٣٨٢ هـ وهو من أول\n_________\n(^١) انظر الألفية/ ١٩٥ و(فتح المغيث) للعراقي ج ٢/ ٦٨ و٥ قطر الدرر للسيوطي/ ٢٠ أ، ب، وكتاب «الإلماع نفسه/ ١٠١ و(فتح المغيث) للعراقي ج ٣/¬٤، ٥ وه النكت الوفية، للبقاعي/ ٢٦٢ ب وه الإلماع» نفسه/ ٧٩، ٨٣.\n(^٢) انظر: الألفية هـ/ ١٧٥ وو(فتح المغيث) للعراقي ج ١/ ٥٩، ٦٠ و(فتح المغيث) للسخاوي ج ١/ ١٠٦.\n(^٣) انظر (فتح المغيث وللسخاوي جـ ٣/ ٣٠٠.\n(^٤) (فتح المغيث، للعراقي ج ٤/ ٨٧.\n(^٥) ١ فتح المغيث، للعراقي ج ٤/ ٩٧.\n(^٦) فهرس المصطلح بدار الكتب المصرية ص ١٧٨.\n(^٧) انظر والألفية) / ٢١٤ و(فتح المغيث) للعراقي ج ٤/¬١٨ و٥ فتح المغيث) للسخاوي ج ٣/ ٦٧ وقد طبع الكتاب بتحقيق الأخ الدكتور/ محمود الميرة سنة ١٤٠٢ هـ.","vol":"2","page":700},{"text":"المؤلفات في موضوعه.\n* و«الذيل على تاريخ بغداد»، تأليف الحافظ أبو سعد السمعاني (^١)\n* و«المدخل إلى معرفة السنن»، تأليف الإمام البيهقي (^٢)\n* وكتاب «الوهم والإيهام الواقعين في كتاب أحاديث الأحكام»، لعبد الحق الأشبيلي (^٣)، وهو تأليف الحافظ الناقد أبي الحسن علي بن محمد المعروف بابن القطان الفاسي المتوفى سنة ٦٢٨ هـ، وهو ما يزال إلى الآن مخطوطًا حسب علمي (^٤).\n* وكتاب «اختلاف الحديث» للإمام الشافعي (^٥)\n* وكتاب «صحيح البخاري» (^٦) و«صحيح مسلم» (^٧) و«السنن الأربعة» لأبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه (^٨) وسنن الترمذي وحدها (^٩) وسنن أبي\n_________\n(^١) «فتح المغيث» للعراقي ج ٤/ ٧١ وللسخاوي ٣/ ١٧٢.\n(^٢) «فتح المغيث،» للعراقي ج ١/ ٧١.\n(^٣) «فتح المغيث» للعراقي ج ١/ ٨٨\n(^٤) ثم طبع الآن سنة ١٤١٧ هـ محققا باسم (بيان الوهم …، مع أن تسمية المؤلف له في مقدمته والوهم والإيهام … ..\n(^٥) «فتح المغيث» للعراقي ج ٢/¬٢٥ و«فتح المغيث» للسخاوي ج ١/ ٣٠١ وقد حقق في رسالة علمية حصل بها على درجة الماجستير في السنة وعلومها، الأخ الدكتور إبراهيم الصبيحي الأستاذ المشارك بقسم السنة وعلومها بكلية أصول الدين بالرياض\n(^٦) انظر «فتح المغيث» للعراقي ج ٣/¬١٧، ١٨ و(البخاري مع فتح الباري) / كتاب العلم ج ١/ ٢١٧.\n(^٧) «فتح المغيث» للعراقي ج ٤/ ١١١ وهـ فتح الباقي، للانصارى/ ٢٠٢ أ.\n(^٨) انظر (فتح المغيث) للعراقي ج ١/ ٩٣ ووقطر الدرر في شرح ألفية العراقي في علم الأثر) للسيوطي/ ١٠ أ.\n(^٩) «فتح المغيث» للعراقي ج ١/¬٣٦، ٣٧","vol":"2","page":701},{"text":"داؤد وحدها (^١) و«مسند يعقوب ابن شيبة» وهو من نوادر المسانيد (^٢).\n• ومن أهم مصادره من مؤلفات المتأخرين عن ابن الصلاح غير ما تقدمت أمثلته:\n* كتاب «التقريب والتيسير» المعروف للإمام يحيى بن شرف النووي المتوفى سنة ٦٧٦ هـ وهو مختصر لكتابه المعروف بـ «الإرشاد» الذي اختصر فيه مقدمة ابن الصلاح، مع بعض الإضافات العلمية (^٣).\n* وكتاب «شرح الترمذي» لأبي الفتح محمد بن محمد المعروف بابن سيد الناس اليعمري، وهو شرح لم يكمله المؤلف وقد أكمل عليه العراقي كما سيأتي (^٤).\n* وكتاب «تهذيب الكمال في أسماء الرجال» وهو في بيان أحوال رجال الكتب الستة المشهورة ولواحقها، ومؤلفه الحافظ الناقد جمال الدين المزي المتوفى سنة ٧٤٢ هـ (^٥) وما يزال الكتاب مخطوطا حتى الآن (^٦).\n_________\n(^١) (فتح المغيث) للعراقي ج ٣/¬١٧، ١٨ و«السنن» نفسها كتاب العلم ج ٢/ ١٢٤.\n(^٢) انظر (الألفية) / ١٧٧ و٢١٢ و(فتح المغيث) للعراقي ج ١/ ٧٩ وج ٣/ ٩٦ وقد طبعت حاليا قطعة منه من مسند عمر بن الخطاب ﵁ بتحقيق الأستاذ كمال الحوت.\n(^٣) انظر (مقدمة التقريب مع شرحه تدريب الراوي) للسيوطي ٢٠، ٢١ و(ألفية) العراقي ١٧٠، ١٧١ و(فتح المغيث) للعراقي ج ١/¬١٧، ٢٥، ٢٦، ٣٤ و(التقريب) نفسه بهامش (التدريب) / ٤٧، ٧٠، ٧٩.\n(^٤) و(انظر الألفية) / ١٧٣ و(فتح المغيث) للعراقي ج ١/¬٤٧، ٥٢، و(فتح المغيث) للسخاوي ج ١/ ٧٥.\n(^٥) انظر (فتح المغيث) للعراقي ج ٤/ ٩٤.\n(^٦) ثم طبع الآن محققا ولله الحمد، وأول طبعاته قد صدرت بتحقيق الدكتور بشار عواد ومعاونيه.","vol":"2","page":702},{"text":"وعدة كتب للحافظ أبو عبد الله الذهبي - معاصر العراقي - وهي:\n* كتاب «ميزان الاعتدال في نقد الرجال» (^١).\n* وكتاب «مشتبه النسبة» في بيان ما يشتبه وما يتصحف من الأسماء والأنساب والكنى وألقاب الرواة ومن يرد ذكرهم في متون الأحاديث (^٢).\n* وكتاب «العبر في خبر من غبر» (^٣).\nومن مؤلفات شيوخ العراقي:\n* كتاب «جامع التحصيل لأحكام المراسيل» (^٤)، وهو من أجمع المؤلفات في بيان أحكام وأحوال الحديث المرسل وما يزال مخطوطا حتى الآن بل إن نسخه الخطية نادرة (^٥).\n* وكتاب «الوشي المعلم فيمن روى عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ» (^٦)، وهو أيضا من كتب علم الرجال النادر الوجود حاليا وهذان الكتابان تأليف الحافظ الحجة صلاح الدين العلائي من شيوخ العراقي البارزين كما مر في التعريف به.\n_________\n(^١) انظر «فتح المغيث» للعراقي جـ ٢/¬٣٧ و«فتح المغيث» للسخاوي جـ ١/ ٣٤٧، ٣٤٨.\n(^٢) انظر «مقدمة تبصير المنتبه بتحرير المشتبه» لابن حجر العسقلاني جـ ١/¬١٣ و«فتح المغيث» للعراقي جـ ٤/ ٨٧.\n(^٣) «فتح المغيث» للعراقي جـ ٤/ ١٤٣ وسيأتي التعريف «بالعبر» عند ذكر تذييل العراقي عليه.\n(^٤) انظر «فتح المغيث» للعراقي جـ ١/ ٨١، ٨٥ و«فتح المغيث» للسخاوي جـ ١/ ١٧٥، ١٨٢.\n(^٥) ثم طبع بتحقيق الأستاذ/ حمدي السلفي، وحقق أيضا في رسالة علمية بكلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر.\n(^٦) انظر: «فتح المغيث» للعراقي جـ ٤/ ١٨١ و«فتح المغيث» للسخاوي جـ ٣/ ١٨١.","vol":"2","page":703},{"text":"٣ - أما المصدر التالي لذلك في كثرة الاعتماد عليه، فهو كتب أصول الفقه المعتمدة في بابها، وغالبها للأئمة المتقدمين عن ابن الصلاح، ويليها كتب الفقه وخصوصا المذهب الشافعي لأنه مذهب العراقي.\nفأهم ما اعتمد عليه من كتب أصول الفقه: كتاب (الرسالة) للإمام الشافعي (^١) وكتاب «البرهان» للإمام أبي المعالي الجويني المعروف بإمام الحرمين (^٢) وكتاب (المستصفى) للإمام الغزالي (^٣)\n• وأهم ما اعتمد عليه من كتب الفقه غير ما تقدمت أمثلته:\n* كتاب (العدة) لابن الصباغ (^٤)\n* وكتاب (فتح العزيز في شرح الوجيز) المعروف بالشرح الكبير، تأليف الإمام أبي القاسم الرافعي (^٥)، وهو ابن الصباغ من أئمة الشافعية المتقدمين.\n٤ - لم يكتف العراقي في مضمون ألفيته بما جاء في المصادر المكتوبة المشار إليها، بل اعتمد بجانبها على خبراته العلمية ومشاهداته الواقعية لما جرى عليه عمل واصطلاح علماء السنة وحفاظها المعتمدين في عصره، من شيوخه وغيرهم كما مر مثاله:\n٥ - يدل كل ما تقدم على جهد العراقي في البحث، وجمع المادة العلمية\n_________\n(^١) «فتح المغيث»، للعراقي ج ١/ ٧١.\n(^٢) (الألفية) و(فتح المغيث، للعراقي ج ٢/¬١٥.\n(^٣) والألفية) ١٧٦، ١٨٥ و(فتح المغيث) للعراقي ج ٢/¬١٥ وج ٢/ ٦٤ و«فتح المغيث» للسخاوي ج ١/ ٢٨٤، ٢٨٥\n(^٤) «فتح المغيث» للعراقي ج ١/ ٦٢، ٦٥.\n(^٥) «فتح المغيث» للعراقي ج ٢/ ٧٥ و(فتح المغيث) للسخاوي ج ٢/ ٨٦.","vol":"2","page":704},{"text":"لألفيته، وعلى سعة اطلاعه وعمق ثقافته وفهمه وإلمامه بمسائل المصطلح وبمصادرها المباشرة وغير المباشرة، والخاصة بها والمشتركة مع غيرها واستخدامه لكل مصدر في موضعه، وقد رجعت لعدة مصادر مما اعتمد عليه فوجدت بها فعلا ما ذكره، أو أشار إليه (^١) وهذا يدل على أمانته العلمية وعلى دقته بالتزام بيان مصادره غالبا، وعدم التخلي عن ذلك إلا لعذر يراه مسوغا لذلك، وهذا لا يخلو منه باحث في القديم والحديث:\n\n<span data-type='title' id=toc-218>و- منهج العراقي في الألفية وآراؤه: تحليل ومقارنة ونقد:</span>\nبعد أن أعد العراقي المواد العلمية التي أراد إيداعها في ألفيته كما أوضحنا قام بصياغتها وترتيبها شكلا ومضمونا على منهج خاص، وعبر من خلاله عن تصوره العام لعلم المصطلح، وعن آرائه في عامة مسائله وقضاياه، وإليك بيان ذلك:\n\n<span data-type='title' id=toc-219>أولا: التزام نظم مصطلح علوم السنة في ألف بيت وأوليته في ذلك:</span>\nتقدم أن العراقي أطلق على منظومته هذه اسم «الألفية» الذي اشتهرت به نسبة إلى عدد أبياتها وهو ألف بيت، وتقدم أنه في مقدمة شرحه لها قال: «نظمت أرجوزة ألفتها ولبيان، اصطلاحهم ألفتها» فأشار بقوله «ألفتها» الأولى إلى أنه جعل عدد أبياتها ألفا، وبالثانية إلى تصنيفها وتنسيق مادتها العلمية (^٢).\n_________\n(^١) راجع إحالاتي السابقة بالهوامش على: «معرفة علوم الحديث» للحاكم وعلى «صحيح البخاري» و«سنن أبي داود» و«الكفاية» للخطيب و«الإلماع» للقاضي عياض و«التقريب والتيسير» للنووي.\n(^٢) النكت الوفية للبقاعي/ ٣ أ.","vol":"2","page":705},{"text":"وعندما نرجع إلى واقع الألفية في عامة نسخها وأوثقها (^١) نجدها لا تزيد على ألف بيت، غير ثلاثة أبيات فقط وهي زيادة يسيرة لا تنافي اعتبارها ألفية وبذلك يكون العراقي قد التزم باستيفاء بيان أصول علوم السنة، ومصطلحها في ألف بيت، ووفى بما التزم.\nولقد بحثت في المنظومات التي ألّفت قبل العراقي، فلم أجد من سبقه إلى نظم مصطلح علوم السنة في ألف بيت، وبذلك يكون هو أول من فتح هذا الباب، وتعد ألفيته أول ألفية عُرفت في المصطلح، وكل ما عرف من المنظومات قبلها، إما أقل أو أكثر من ألف بيت بكثير، وقد اخترتُ من ذلك إحدى المنظومات المطولة، المقارنة ألفية العراقي بها، حتى تظهر قيمتها العلمية وجهده فيها.\nوتعرف تلك المنظومة بكتاب «أنواع علوم الحديث» ومؤلفها قاضي القضاة محمد بن خليل بن الخوبي المتوفى سنة ٦٩٣ هـ وقد كان معنيًا بالتأليف بالنظم (^٢) وهو تلميذ لابن الصلاح حيث يُلقبه في تلك المنظومة بـ «شيخنا» وهي ما تزال مخطوطة حتى الآن (^٣).\nوقد صرّح في نهايتها بفراغه منها سنة ٦٩١ هـ وبذلك تكون من آخر\n_________\n(^١) انظر النسخ الخطية والمطبوعة السابق التعريف بها.\n(^٢) انظر: كشف الظنون ٤/ ١١٦١ و«نزهة النظار في قضاة الأمصار» لابن الملقن/ مخطوط بدار الكتب المصرية برقم (١٨٣٦) تاريخ طلعت/ ٢٩ ب.\n(^٣) وقد وقفتُ منها على نسخة وحيدة بدار الكتب المصرية برقم (٧١١) مجاميع طلعت، وهي ناقصة من أولها ولذا عدها المفهرسون مجهولة المؤلف، ولكني وقفت على صورة ميكروفيلمية بمعهد المخطوطات لنسخة كاملة موثقة ورقمها في فهرس المعهد (١٠٠) حديث ومصطلح.","vol":"2","page":706},{"text":"مؤلفاته وأنضجها، لقرب هذا التاريخ من تاريخ وفاته المتقدم ذكره وباطلاعي عليها ومقارنتها تفصيليا بألفية العراقي، تبين لي أنهما يلتقيان في بعض النواحي الشكلية والموضوعية، ويختلفان في نواحي أخرى تثبت شخصية العراقي وجهده العلميين. فمن نواحي الالتقاء أن كلا الكتابين منظوم لا منثور، لكنهما يختلفان في عدد الأبيات، حيث التزم العراقي بعدد محدد هو ألف بيت كما مر، بينما لم يلتزم الخوبي بذلك، فبلغ عدد أبيات منظومته (١٥٠٠) بيت تقريبا، بزيادة تعادل نصف الألفية، واتفقا أيضًا في أن العراقي اعتمد في ألفيته أساسا على مقدمة ابن الصلاح كما مر وهكذا فعل الخوبي في منظومته وصرّح بذلك في مقدمتها حيث قال:\n«فإن أنواع علوم السنن … أجدر ما بعلمه المرء عُني\nوخير ما صُنّف فيها واشتهر … كتاب شيخنا الإمام المعتبر\nوهو الذي بابن الصلاح يُعرف … فليس فيها مثله مصنف\nوقد نظمت لبه مختصرًا … لا مسهب اللفظ ولا مقتصرا» (^١)\nلكنهما اختلفا في الاختصار لكتاب ابن الصلاح بحسب ما ظهر لكل منهما وبالتالي اختلف مضمون الكتابين وتبويبهما، كما سنوضحه في بقية عناصر منهج العراقي الآتية، وآرائه.\n\n<span data-type='title' id=toc-220>ثانيا: اصطلاح العراقي في الألفية:</span>\nلما كان من منهج العراقي الالتزام باستيفاء علوم السنة في عدد معين من الأبيات وهو ألف بيت تقريبا كما مر، فإنه وضع اصطلاحات خاصة\n_________\n(^١) انظر نسخة دار الكتب السابق ذكرها/ ٤٦ ب.","vol":"2","page":707},{"text":"استعملها في النظم للاختصار وبينها في مقدمة الألفية فقال:\n«فحيث جاء الفعل والضمير … الواحد ومن له مستور\nكقال، أو أطلقت لفظ «الشيخ ما» … أريد إلا ابن الصلاح مبهما\nوإن يكن لاثنين نحو «التزما» … فمسلم مع البخاري هما» (^١).\nثم قال في شرحه: هذا بيان، ما اصطلحت عليه فيها للإختصار، أي إذا أتى فعل لواحد، لا لجماعة أو اثنين، ولم يذكر فاعله معه ولا قبله، فالمراد به الشيخ أبو عمرو بن الصلاح، كقوله: وقال:\nبان لي بإمعان النظر … ... . (^٢)\nوكذا إذا أتى بضمير موحد، لا يعود على اسم تقدم قبله، كقوله:\n«............................... كذا له .................................. .» (^٣)\nأو أطلق لفظ «الشيخ» كقوله:\n«........................... … فالشيخ فيما بعد قد حققه» (^٤)\nفالمراد بصاحب الضمير، وبـ «الشيخ»: ابن الصلاح أيضًا.\nوأما إذا كان الفعل أو الضمير المذكوران لاثنين، كقوله في الفعل:\n«واقطع بصحة لما قد أسندا … ............................... .» (^٥)\n_________\n(^١) «الألفية» / ١٦٩.\n(^٢) «الألفية مع فتح المغيث» للعراقي ج ١/¬٣٨.\n(^٣) «الألفية» / مبحث حكم الصحيحين والتعليق/ ١٧١.\n(^٤) «الألفية» / التنبيهات الملحقة بمبحث «: المقلوب» / ١٨٤.\n(^٥) «الألفية» / حكم الصحيحين والتعليق/ ١٧١.","vol":"2","page":708},{"text":"وكقوله في الضمير:\n«وأرفع الصحيح مرويهما … .....................................» (^١)\nفالمراد بالاثنين البخاري ومسلم (^٢)\nوقد وجدت العراقي التزم فعلا هذا الاصطلاح في عموم الألفية، وساعده ذلك على تقليل حجمها، مع استيعاب المعلومات المطلوبة.\nوبمقارنة هذا بعمل الخوبي في منظومته، نجد أنه لم يضع لنفسه اصطلاحًا فيها، ولعل ذلك لعدم التزامه بعدد معين من الأبيات، كما التزم العراقي، غير أني وجدته في خلال المنظومة يُعبّر عن ابن الصلاح تارة بـ «الشيخ (^٣)» كما في اصطلاح العراقي، وتارة بـ «شيخنا (^٤)» لأنه من تلاميذ ابن الصلاح كما ذكرت من قبل، لكنه لم ينبه على ذلك كما فعل العراقي، وهذا مخالف لقواعد التأليف التي تقضي بأن يبين المؤلف اصطلاحه الخاص في كتابه حتى لا يشكل على من يطلع عليه غيره.\n\n<span data-type='title' id=toc-221>دفع نقد اصطلاح العراقي في الألفية:</span>\nوقد انتقد الحافظ ابن حجر اصطلاح شيخه العراقي في الألفية بأنه قد يلتبس لفظ «الفعل» المذكور لواحد والمقصود به ابن الصلاح، بلفظ «الفعل» المسند لاثنين، والمقصود به البخاري ومسلم، وذلك في حالة وقوع الفعل في\n_________\n(^١) «الألفية» / مراتب الصحيح/ ١٧١.\n(^٢) انظر (فتح المغيث) للعراقي ج ١/¬٩.\n(^٣) انظر «المنظومة» / ٦ أ.\n(^٤) انظر «المنظومة» ١/¬٦ ب و٨ أ، ب، ١٠ ب.","vol":"2","page":709},{"text":"قافية البيت، وإشباع فتحة الحرف الأخير، فتولّد ألف الإطلاق، مثل قوله في مبحث «المنقطع والمعضل»:\n«وقيل ما لم يتصل وقالا … بأنه الأقرب لا استعمالا (^١)»\nوقوله في مبحث اختلاف ألفاظ الشيوخ:\n«....................................... … وما ببعض ذا وذا وقالا (^٢)»\nفالمراد بفاعل (قال) في الموضعين، هو ابن الصلاح، ولكن وجود ألف الإطلاق فيهما المتولدة عن اشباع فتح اللام كما ترى، توهم التثنية التي يراد بها البخاري ومسلم، بناء على الاصطلاح المتقدم، بل إن بعض شيوخنا ذكر أن قول العراقي في البيت الأول: (وقالا) أراد به ابن الصلاح والنووي (^٣) مع: أن ذلك يخالف اصطلاحه، ويخالف ما قرره هو وغيره من شراح الألفية من: أن المراد ابن الصلاح فقط، وأن الألف للإطلاق (^٤).\nوقد أجاب ابن قطلوبغا الحنفي عن العراقي في هذا بأنه يمكن التمييز بين ألف الإطلاق وألف التثنية برسم الكتابة (^٥)، وأقره السخاوي على ذلك (^٦).\nلكني أرى أن هذا جواب غير سديد؛ لأنه مبني على القول بأن الحرف المتولد عن إشباع الحركة يُنطق ولا يُكتب، وهذا معارض بقول آخر: بأنه\n_________\n(^١) انظر «الألفية» / ١٧٧.\n(^٢) «الألفية» / ٢٠٧.\n(^٣) «المنهج الحديث في علوم الحديث» / قسم مصطلح الحديث لأستاذنا الشيخ محمد السماحي ١٥١.\n(^٤) «فتح المغيث» للعراقي جـ ١/ ٧٥، و«فتح المغيث» للسخاوي جـ ١/ ١٥٠.\n(^٥) انظر «حاشية ابن قطلوبغا على شرح العراقي» للألفية/ ٤٠ ب (مخطوطة).\n(^٦) «فتح المغيث» للسخاوي جـ ١/¬١٤، ١٥.","vol":"2","page":710},{"text":"يكتب في الشعر، كما هو الحال في الألفية، وقد أتبع ذلك فعلًا في طبعاتها المتداولة (^١)، وأشار العراقي بنفسه إلى إثباتها (^٢).\nوهناك جواب آخر أشار إليه البقاعي: وهو أنه يمكن معرفة كون المراد بمثل هذا، ابن الصلاح، أو البخاري ومسلم، بواسطة القرائن المحيطة بلفظ (الفعل) (^٣) ولكن يعارض هذا أيضًا أن القرائن قد لا تكون كافية كما في المثالين السابق ذكرهما، إلا أنه يمكنني دفع ذلك من واقع بحثي للألفية، حيث وجدت أن ما هو بصورة المثالين السابقين نادر الوقوع فيها، والغالب جار على الاصطلاح بدون لبس فيعطى الحكم للغالب.\nوهناك انتقاد آخر وجهه البقاعي للعراقي في تمثيله المتقدم لاصطلاحه المرموز به للبخاري ومسلم بقوله: (نحو التزما) فقال: (إن قوله «التزما» مشكل، حيث يحتمل أن يكون المراد بالملتزم ابن الصلاح، والألف للإطلاق لإمكان أن يكون التزم شيئًا في بعض مؤلفاته، وفي نفس الوقت لا توجد قرينة تعين أن المراد الشيخين) (^٤).\nوقد أجاب ابن قطلوبُغَا أيضًا عن هذا بجواب أرتضيه؛ لاعتماده على واقع الألفية، وخلاصته، مع الإيضاح من جانبي: أن لفظ «التزما» الذي رأى البقاعي فيه الإشكال واللبس، لم يستعمله العراقي في الألفية مطلقًا، ولكنه ذكره في المقدمة على أنه مثال مفترض للأفعال التي تقع في الألفية مسندة.\n_________\n(^١) و(الألفية) / ١٧٧، ٢٠٧ و(فتح المغيث) للعراقي جـ ١/ ٧٠ وجـ ٣/ ٥٨.\n(^٢) و(فتح المغيث) للعراقي جـ ٣/ ٥٩.\n(^٣) و(النكت الوفية) / ٨ أ.\n(^٤) و(النكت الوفية) للبقاعي/ ٨ أ.","vol":"2","page":711},{"text":"للمثنى، ولهذا قال «نحو التزما» ولم يقل «كالتزما»، بينما ذكر الفعل الواقع في الألفية فعلا وهو المذكور للواحد بدون تقديم كلمة «نحو». حيث قال: «كقال» (^١) ويؤكد هذا أنه في الشرح لم يذكر فعل «التزما» بل ذكر مثالا آخر من واقع الألفية كما مر ذكره.\nوبذلك يندفع هذا الاعتراض على اصطلاح العراقي كما اندفع سابقه اعتمادًا على الواقع وهو خير دليل. وبالله التوفيق.\n\n<span data-type='title' id=toc-222>ثالثا: التقسيم الموضوعي لأنواع علوم السنة، وترتيب مباحثها في الألفية:</span>\n<span data-type='title' id=toc-223>أهمية التقسيم والترتيب:</span>\nمع أن العراقي اعتمد في ألفيته أساسًا على كتاب ابن الصلاح كما بينت آنفًا إلا أنه أدخل تعديلات كلية وجزئية على منهج ابن الصلاح، في التقسيم العام لأنواع علوم السنة، وفي ترتيب مباحثها التفصيلية، وذلك بعكس ما فعل الخوبي في منظومته، حيث تبين لي من بحثها ومقارنتها، أنه جرى على تقسيم وترتيب شيخه ابن الصلاح، دون تغيير يذكر، وبهذا تميز منهج العراقي في الألفية عموما عن منهج الخوبي في المنظومة، كما تميز عن منهج المؤلفات الأخرى التي تناولت مصطلح علوم السنة في ضوء كتاب ابن الصلاح كما سنشير إليه.\nوترجع أهمية تعديلات العراقي المنهجية عموما إلى أمرين:\nأولهما: أن التقسيم والترتيب الذي انتهجه ابن الصلاح في كتابه، قد\n_________\n(^١) انظر (حاشية الطوخي على شرح الشيخ زكريا الأنصاري لألفية العراقي) ١٩/ أ (مخطوطة).","vol":"2","page":712},{"text":"انتقده العلماء من بعده حتى عصر العراقي (^١). ولهذا كان على العراقي الاهتمام بتخليص ألفيته مما انتقد به أصلها وهو كتاب ابن الصلاح، وذلك بأن يعيد النظر في تقسيمه، وترتيبه، ويدخل على ذلك من خلال منهجه في الألفية من التعديل والتغيير ما يراه مناسبا.\nوثانيهما: أن تعديلات العراقي تمثل فهمه الخاص لمصطلح علوم السنة وتصوره لما ينبغي أن تكون عليه أنواعها، سواء من جهة التقسيم الموضوعي العام، أو من جهة الترتيب التفصيلي بين مباحثها، وعلاقة بعضها ببعض كما سيتضح لنا خلال المباحث التالية.\n\n<span data-type='title' id=toc-224>١ - جمع العراقي لما فرقه ابن الصلاح من الأنواع وترتيبها:</span>\nجرى ابن الصلاح في كتابه على تقسيم أنواع علوم السنة إلى ٦٥ نوعا كما قدمت ذكره في الباب الأول، وجعل كل نوع قائما بذاته، مع ترقيمه عدديا كالنوع الأول والثاني والثالث وهكذا، فجمع العراقي في ألفيته بين عدد من هذه الأنواع في مبحث واحد بعنوان شامل، وذلك إما على سبيل الدمج بحيث يعتبر المجموع نوعا واحدا، أو على سبيل الربط فقط بين الأنواع في إطار جامع، يبين علاقتها ببعضها البعض، مع اعتبار كل نوع من المجموع قائما بذاته، وذلك هو الأكثر، وقد يغير ترتيب ابن الصلاح أو يوافقه. أما الدمج ففعله بين نوعين فقط، وبيان ذلك:\n_________\n(^١) انظر (اختصار علوم الحديث) لابن كثير/ ٢١ و(النكت الوفية) للبقاعي/ ٩ ب و(فتح المغيث) للسخاوي ج ١/¬٢٧ و(شرح ابن حجر على نخبته بهامش لقط الدرر) / ٢٠، ٢١ و(البحر الذي زخر) للسيوطي/ ٢ ب.","vol":"2","page":713},{"text":"أن ابن الصلاح ذكر النوع الخمسين بعنوان «معرفة الأسماء والكنى» وذكر أن مراده به بيان أسماء ذوي الكنى، وأن المصنِّف فيه يُبوّب كتابه على الكنى، ثم يبين أسماء أصحابها (^١).\nثم ذكر عقبه النوع «٥١» بعنوان «معرفة كنى المعروفين بالأسماء دون الكنى» وذكر أن هذا النوع، من وجه ضد النوع الذي قبله؛ لأنه ينوب على الأسماء ثم يبين كناها، عكس ما قبله، ومن وجه آخر يصلح لأن يجعل قسما من أقسام ما قبله، من حيث كونه قسما من أقسام أصحاب الكنى (^٢). فلما نظم العراقي الألفية ضم هذا النوع إلى ما قبله كقسم منه، وبذلك جعل النوعين نوعًا واحدًا بعنوان «الأسماء والكنى» (^٣).\nثم قال في شرح الألفية: إن ابن الصلاح قسم معرفة الأسماء والكنى إلى عشرة أقسام من وجه، وإلى تسعة أقسام من وجه آخر. ولكنه فرق ذلك في نوعين، وجمعتهما في نوع واحد، ثم ذكر وجهة نظر ابن الصلاح السابقة في تفريقهما وجمعهما، وعقب عليها بوجهة نظره هو في جمع النوع الأخير مع ما قبله فقال: «وإنما جمعته مع النوع الذي قبله، لأن الذين صنفوا في «الكنى» جمعوا النوعين معا، من عرف بالكنية، ومن عرف بالاسم» (^٤). فأوضح بذلك أنه لم يراع التقسيم العقلي الذي أشار إليه ابن الصلاح فقط بل راعى مطابقة المصطلح للواقع الفعلي الذي جرى عليه العلماء في مؤلفاتهم.\n_________\n(^١) (مقدمة ابن الصلاح مع التقييد والإيضاح) / ٣٦٨.\n(^٢) المرجع السابق/ ٣٧٤.\n(^٣) (الألفية) / ٢٢٠.\n(^٤) (فتح المغيث) للعراقي ج ٤/ ٨٠.","vol":"2","page":714},{"text":"في هذا النوع من علم الرجال، وقد أشار السيوطي إلى أن ابن جماعة في كتابه «المنهل الروي» الذي اختصر فيه كتاب ابن الصلاح، قد سبق العراقي إلى جعل هذين النوعين نوعًا واحدًا ذا أقسام عشرة (^١) لكن تعليله السابق للجمع بينهما، يدل على أنه تبع ابن جماعة بناء على دليل ونظر، لا مجرد تقليد، وهذا مما جعل السيوطي نفسه يتابعه في ألفيته على جميع النوعين في نوع واحد بنفس العنوان (^٢).\nوأما ما جمعه من الأنواع بقصد الربط، فبيانه: أن ابن الصلاح ذكر نوع «الحديث المنقطع» وأتبعه بنوع «الحديث المعضل» وذكر في بدايته أنه يُعدّ لقبًا لنوع خاص من المنقطع، فكل معضل منقطع ولا عكس (^٣)، ومع هذا أبقاهما متفرقين غير واحد من شيوخ العراقي وأقرانه وغيرهم (^٤).\nأما العراقي فجمع في ألفيته النوعين معا في مبحث واحد بنفس ترتيبهما عند ابن الصلاح وعنونه بـ «المنقطع والمعضل» (^٥).\nوقد تبعه على هذا السيوطي في ألفيته، مع ضم نوع الموصول أيضًا إليهما\n_________\n(^١) (تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي) / ٤٥٦.\n(^٢) انظر «ألفية السيوطي مع شرح الترمسي» / ٣٣٤، ٣٣٥، ٣٣٨.\n(^٣) «مقدمة ابن الصلاح مع التقييد والإيضاح» / ٧٦ - ٨٠.\n(^٤) انظر «التقريب للنووي» بهامش «التدريب» ٥/ ١٢٦، ١٢٩ و«اختصار علوم الحديث» لابن كثير/ ٥٠، ٥١ و«محاسن الاصطلاح» للبلقيني بهامش «مقدمة ابن الصلاح» / ٤٤ - ١٥١ و«المقنع» لابن الملقن /¬٣٠/¬٣١.\n(^٥) «الألفية» / ١٧٧.","vol":"2","page":715},{"text":"وهو مذكور قبلهما مباشرة عند ابن الصلاح (^١).\nوذكر ابن الصلاح أيضا نوع «معرفة رواية الآباء عن الأبناء»، ثم أتبعه بنوع «معرفة رواية الأبناء عن الآباء» (^٢)، وعلى هذا جرى غير واحد بعد ابن الصلاح حتى عصر العراقي (^٣)، أما العراقي فجمعهما تحت عنوان «رواية الآباء عن الأبناء وعكسه» (^٤) وفي هذا مقارنة بينهما، وتنبيه إلى علاقة التقابل بينهما وقد تبعه السيوطي على هذا في ألفيته (^٥).\nوأما جمعه مع تغيير ترتيب ابن الصلاح، فبيانه: أن ابن الصلاح ذكر نوع «معرفة المشهور من الحديث» وأتبعه بنوع يتضمن «معرفة الغريب والعزيز من الحديث» (^٦) وتبعه على هذا كثيرون حتى عصر العراقي (^٧).\nأما العراقي فقد جمع الأنواع الثلاثة في مبحث واحد بعنوان «الغريب والعزيز والمشهور» (^٨) ورتبهم في الكلام عليهم على نسق العنوان، وهو ترتيب\n_________\n(^١) «ألفية السيوطي مع شرح الترمسي» ١/ ٥٨.\n(^٢) «مقدمة ابن الصلاح» / ٣٤٤، ٣٤٧.\n(^٣) انظر التقريب للنووي مع التدريب/ ٤٣١، ٤٣٣ واختصار علوم الحديث لابن كثير/ ١٩٩، ٢٠٢، و«المقنع»، لابن الملقن/ ١٣٣، ١٣٤.\n(^٤) «الألفية» / ٢١٨.\n(^٥) «ألفية السيوطي مع شرح الترمسي» ١/ ٣٠٢.\n(^٦) «مقدمة ابن الصلاح» / ٢٦٣، ٢٦٨.\n(^٧) انظر «التقريب للنووي مع التدريب» / ٣٦٨، ٣٧٥ و«اختصار علوم الحديث»، لابن كثير/ ١٦٥، ١٦٦ و«محاسن الاصطلاح» للبلقيني بهامش «مقدمة ابن الصلاح» ٣٨٩ - ٣٩٦ و«المقنع»، لابن الملقن/ ١٠٣ - ١٠٥.\n(^٨) انظر «الألفية» / ٢١٣.","vol":"2","page":716},{"text":"تصاعدي بالنسبة لعدد رواة كل منهم، وهذا مما يساعد في ضبط مفهومهم وتوضيحه، بخلاف ترتيب ابن الصلاح الذي لم يراع فيه ذلك ولهذا قارن السخاوي بين الترتيبين، فذكر أن هذه الأنواع الثلاثة رتبت في ألفية العراقي بالترقي، مع أن ابن الصلاح قدم آخرها وهو المشهور، في نوع مستقل، ثم أردفه بالغريب والعزيز في نوع آخر، وأتبع السخاوي ذلك بانتقاد ما فعله ابن الصلاح والعراقي، فذكر أنه كان الأنسب تقديم العزيز والمشهور إلى الأنواع السابقة، يعني نوع الصحيح وما بعده، وضم «الغريب» إلى نوع «الأفراد» (^١) وهو أيضًا متقدم على الموضع المذكور فيه الأنواع الثلاثة بعدة أنواع (^٢)، لكن السيوطي أقر جمع العراقي وترتيبه حيث تبعه في ألفيته (^٣).\nكذلك ذكر ابن الصلاح نوع «معرفة المزيد في متصل الأسانيد» ثم أتبعه بنوع «معرفة المراسيل الخفي إرسالها» ثم بين علاقته بالنوع السابق فذكر أن هذا النوع، منه ما كان الحكم بإرساله محالًا على مجيئه من وجه آخر بزيادة شخص واحد أو أكثر في الموضع المدعى فيه الإرسال، وهذا يمكن الاعتراض به على المزيد في متصل الأسانيد وبالعكس (^٤).\nومن ذلك ترى أن بحث النوعين معا في إطار واحد أولى، بحكم هذا الجانب المشترك بينهما، ومع ذلك مشى على فصلهما كثيرون بعد ابن\n_________\n(^١) انظر: «فتح المغيث» للسخاوي ج ٣/¬٢٧.\n(^٢) «الألفية» / ١٨٠.\n(^٣) «ألفية السيوطي مع شرح الترمسي» / ٨٤ وما بعدها.\n(^٤) انظر «مقدمة ابن الصلاح» ٢٨٩، ٢٩١.","vol":"2","page":717},{"text":"الصلاح حتى عصر العراقي (^١) أما العراقي فجمع النوعين في مبحث واحد بعنوان «خفي الإرسال والمزيد في متصل الأسانيد» (^٢) ورتب الكلام عليهما حسب ترتيب العنوان، وبذلك عكس ترتيب ابن الصلاح لهما، ثم بين في شرحه للألفية أنه نظرًا لاشتباه أحد أنواع «خفي الإرسال» بـ «المزيد في متصل الأسانيد»، كما قرر ابن الصلاح فيما تقدم، فإنه جمع بينه وبين نوع خفي الإرسال، وإن كان ابن الصلاح جعلهما نوعين، ومن قبله الخطيب حيث أفردهما بالتصنيف (^٣).\nوبذلك ترى أن العراقي انتهج ما رآه هو لائقا، وأنه استقل في رأيه عمن تقدمه، كالخطيب البغدادي وابن الصلاح والنووي، أو من عاصره كبعض شيوخه وأقرانه الذين أشرنا لإقرارهم تقسيم ابن الصلاح وترتيبه، ثم إنه قد تبعه في جمع وترتيب هذين النوعين، السيوطي في ألفيته (^٤) وأقر السخاوي أيضًا وجهة نظره مع التنبيه على أن جمعه بين هذين النوعين لا يفيد دمجهما كدمج نوعي «الأسماء والكنى» المتقدم ذكره، فقال: هذان نوعان مهمان عظيمان، وهما متجاذبان، فلذلك قرن بينهما (^٥) ونحو هذا ذكر الترمسي (^٦).\n_________\n(^١) انظر: «تقريب النووي مع التدريب» / ٣٩٢، ٣٩٣ و«محاسن الاصطلاح» للبلقيني مع مقدمة ابن الصلاح/ ٤١٧ - ٤٢١ و«اختصار علوم الحديث» لابن كثير/ ١٧٦، ١٧٧ و«المقنع» لابن الملقن/ ١١٢، ١١٣.\n(^٢) (الألفية) / ٢٢٥.\n(^٣) (فتح المغيث) للعراقي ج ٤/¬٢٦.\n(^٤) انظر «ألفية السيوطي مع شرح الترمسي» / ٧٨.\n(^٥) «فتح المغيث» للسخاوي ج ٣/ ٧٩.\n(^٦) انظر «شرح الترمسي لألفية السيوطي» ٧٨.","vol":"2","page":718},{"text":"<span data-type='title' id=toc-225>٢ - جمع العراقي لما فرقه ابن الصلاح من المباحث التفصيلية، وترتيبها:</span>\nاهتم العراقي أيضًا بالبناء الداخلي لمباحث أنواع علوم السنة الواردة في كتاب ابن الصلاح، حيث وجد من تلك المباحث ما وضعه ابن الصلاح في غير موضعه، ومنها ما فرقه عما يناسبه، فاعتنى في الألفية بتلافي ذلك حيث جمع كثيرًا من المتفرقات عند ابن الصلاح، مع تغيير ترتيبه، أو موافقته حسبما ظهر له.\nفمن ذلك أن ابن الصلاح في نوع «المؤتلف والمختلف» من أسماء وألقاب الرواة، قسمه إلى قسمين: أولها عام، والثاني خاص برواة الصحيحين والموطأ، لكنه ذكر ضمن الخاص بهم من نسبه «السُّلَمي» (^١)، وتبعه عليه غيره (^٢) مع أن أصحاب هذه النسبة غير مختصين بالصحيحين والموطأ، بل من القسم الأول وهو العام، وبالتالي يعتبر وضع ابن الصلاح لهم في النوع الثاني الخاص بالصحيحين والموطأ خطأ، وقد تنبه العراقي لذلك فصحح الوضع بنقل تلك النسبة من النوع الثاني وضمها إلى الأول فقال:\n«والسلمي افتح في الأنصار ومن … يكسر لامه كأصله لحن» (^٣).\nثم قال في شرحه: «وهذه النسبة أدخلها ابن الصلاح في القسم الثاني فنقلتها هنا إلى القسم الأول، لكونها لا تتعلق بما في الصحيحين والموطأ» (^٤).\n_________\n(^١) «مقدمة ابن الصلاح» / ٤٠٥.\n(^٢) «المقنع» لابن الملقن/ ١٥٨.\n(^٣) «الألفية» / ٢٢١.\n(^٤) «فتح المغيث» للعراقي ج ٤/ ٩٣.","vol":"2","page":719},{"text":"وأقره على ذلك السخاوي أيضا (^١).\nومما جمع فيه بين المتفرق ورتبه على غير ترتيب ابن الصلاح، أن ابن الصلاح ذكر في الفائدة الخامسة من نوع «كتابة الحديث وضبطه» بيان اصطلاح المحدثين في الرموز التي يستعملونها في الكتابة للاختصار وغيره: مثل «ثنا» بدل «حدثنا» (^٢).\nوفي التفريعة الثالثة عشرة من النوع التالي لذلك وهو «صفة رواية الحديث وشروط أدائه» ذكر اصطلاح المحدثين في حذف «قال» ونحوه، فيما بين رجال الإسناد كتابة، والنطق بها لفظا (^٣) وتبعه على هذا غيره (^٤) أما العراقي فنقل التفريعة الثانية من موضعها المشار إليه في نوع «صفة رواية الحديث» وضمها إلى التفريعة السابقة في نوع «كتابة الحديث»، وجعل التفريعتين مبحثا واحدًا بعنوان (الإشارة بالرمز) (^٥) وذلك جمع مفيد، وترتيب مناسب لأن كلا النقطتين متعلقتين ببعضهما البعض، وصلتهما بنوع «كتابة الحديث» أقوى من صلتهما بنوع «صفة روايته» ولهذا أقر السخاوي صنيع العراقي ذلك (^٦).\n_________\n(^١) (فتح المغيث) للسخاوي ج ٣/ ٢٢٦، ٢٢٧.\n(^٢) انظر «مقدمة ابن الصلاح» / ٢١٨.\n(^٣) المرجع السابق/ ٢٣٥.\n(^٤) انظر (اختصار علوم الحديث) لابن كثير/ ١٣٧، ١٣٨، ١٤٧ و«المقنع» لابن الملقن ٨١، ٩٠، ٨٩.\n(^٥) «الألفية» / ٢٠٤.\n(^٦) «فتح المغيث» للسخاوي ج ٢/ ١٨٩.","vol":"2","page":720},{"text":"<span data-type='title' id=toc-226>نقد العراقي في جمعه وترتيبه للمباحث التفصيلية:</span>\nومع إصابة العراقي في غالب ما جمعه ورتبه من المباحث التفصيلية التي فرّقها ابن الصلاح كما رأينا، فإن هناك مباحث أرى أنه لم يوفّق في جمعها وترتيبها، فمن ذلك أن ابن الصلاح ذكر في الفائدة الثانية من نوع «الحديث الصحيح» رأيه في إمكان تصحيح ما لم ينص الأئمة المعتمدون على صحته في مصنفاتهم المشهورة كالكتب الستة (^١)، ثم ذكر في الفائدة السابعة من نفس النوع مراتب الحديث الصحيح، باعتبار الكتب المخرج فيها من الصحيحين وغيرهما (^٢) وتبعه على هذا غيره (^٣).\nأما العراقي فأخر الفائدة الأولى عن موضعها وقدّم الثانية أيضًا، وضمهما معا في مبحث واحد عنونه بـ «مراتب الصحيح» (^٤).\nوقد أقره على ذلك البقاعي (^٥) لكننا حين نتأمل، نجد أن صلة مسألة إمكان التصحيح ببيان «مراتب الصحيح» غير قوية، ودلالة العنوان عليها بعيدة وبالتالي فإن جمعها مع «مراتب الصحيح» غير مناسب، بينما هناك مبحث آخر من نفس نوع الصحيح، عنونه العراقي بقوله «الصحيح الزائد على الصحيحين» وضمنه بيان مصادر الحديث الصحيح غير صحيحي البخاري ومسلم (^٦).\n_________\n(^١) «مقدمة ابن الصلاح»، ٢٣، ٢٤.\n(^٢) المرجع السابق/ ٤٠، ٤١.\n(^٣) «محاسن الاصطلاح» للبلقيني مع مقدمة ابن الصلاح/ ٨٩، ٩٩ - ١٠١ و«المقنع لابن الملقن» ٤، ٥، ١٢ وما بعدها.\n(^٤) «الألفية» ١٧١.\n(^٥) «النكت الوفية» للبقاعي/ ٤٢ أ.\n(^٦) انظر «الألفية» / ١٧٠.","vol":"2","page":721},{"text":"فمناسبة ذكر مسألة إمكان التصحيح لذلك أقوى، ودلالة العنوان عليها واضحة، ولهذا كان ضمها إلى هذا المبحث أولى من ضمها إلى «مراتب الصحيح».\n\n<span data-type='title' id=toc-227>٣ - تفريق العراقي لما جمعه ابن الصلاح من المباحث التفصيلية وترتيبها:</span>\nكما جمع العراقي في الألفية بين ما فرقه ابن الصلاح على نحو ما رأينا فإنه أيضًا فرق بين بعض المباحث التي رآه جمعها على غير الوجه المناسب، فمن ذلك أن ابن الصلاح تناول في الفائدة الرابعة من نوع «الحديث الصحيح» أربعة مسائل:\nأولها: بيان أن البخاري ومسلمًا لم يستوعبا في كتابيهما كل الأحاديث الصحيحة ولم يلتزما بذلك.\nوثانيها: بيان استدراك الحاكم عليهما أحاديث صحيحة.\nوثالثها: بيان عدد أحاديث صحيح البخاري.\nورابعها: بيان مصادر الحديث الصحيح غير صحيحي البخاري ومسلم وحكم ما انفرد الحاكم وابن حبان بتصحيحه (^١).\nوبالتأمل يظهر لنا أن الترابط الموضوعي بين هذه المسائل على الترتيب المذكور غير مستقيم، ومع ذلك تابع ابن الصلاح عليه آخرون حتى عصر العراقي (^٢). أما العراقي فغير ترتيب هذه المسائل مع تقسيمها إلى قسمين بحسب المضمون.\n_________\n(^١) «مقدمة ابن الصلاح» ٢٦/¬٤ - ٢٨.\n(^٢) انظر «المقنع» لابن الملقن/ من ٥ - ١٠.","vol":"2","page":722},{"text":"الثالثالث: اثر العراقي ولقاءة والمالية في مصطلح على السنة وعلو حالها\nفالمسألتان الأولى والثالثة وضعهما في مبحث بعنوان «أصح كتب الحديث» (^١) وذلك موافق لمضمونهما.\nوالمسألتان الثانية والرابعة وضعهما في مبحث أيضًا بعنوان «الصحيح الزائد على الصحيحين» وهو أيضًا موافق لمضمونهما، وبذلك كان موفقًا في هذا التقسيم والترتيب وتلافي ما في كتاب ابن الصلاح من جمع المسائل بغير ترابط ولا ترتيب مناسب.\nومن ذلك أيضًا: أن ابن الصلاح ذكر النوع الرابع من أنواع الإجازة وهو «الإجازة للمجهول بالمجهول» وقال في أولها: ويتشبث بذيلها الإجازة المعلّقة بالشرط، وبيَّنهما معًا في مبحث واحد (^٢)، وتبعه على هذا آخرون من شيوخ العراقي وأقرانه (^٣).\nأما العراقي فإنه فصل في الألفية الإجازة المعلقة بالشرط، وجعلها نوعًا خامسًا من أنواع الإجازة فقال:\nوالخامس التعليق في الإجازة … بمن يشاؤها الذي أجازه (^٤)\nثم قال في شرحه: «النوع الخامس: الإجازة المعلقة بالمشيئة، ولم يُفرد ابن الصلاح هذا بنوع، وأدخله في النوع الذي قبله، وقال: فيه جهالة وتعليق\n_________\n(^١) «الألفية» / ١٧٠.\n(^٢) «مقدمة ابن الصلاح» / ١٨٤ - ١٨٦.\n(^٣) انظر «اختصار علوم الحديث» لابن كثير/ ١٢٠ و«محاسن الاصطلاح» للبلقيني مع مقدمة ابن الصلاح/ ٢٦٨ - ٢٧٠.\n(^٤) «الألفية» / ١٩٦.","vol":"2","page":723},{"text":"بشرط، وأفردته بنوع؛ لأن بعض الإجازات المعلقة لا جهالة فيها، كما ستقف عليه هنا …» (^١)\nومن هذا تلاحظ أنه فصل هذا النوع عما ألحقه به ابن الصلاح، بعد بحث وجهة نظره في ذلك، ورده لها، بناء على إحاطته بصور الإجازة المعلقة. فابن الصلاح ألحقه بنوع «الإجازة للمجهول بمجهول»، بناء على اشتراكه معه في وجود الجهالة. فرد العراقي هذا بأن بعض الإجازات المعلقة لا جهالة فيها، وبالتالي لا يسوغ إلحاقها بنوع الإجازة بالمجهول كما فعل ابن الصلاح.\n\n<span data-type='title' id=toc-228>٤ - تنويع العراقي بعض أنواع لم يفردها ابن الصلاح:</span>\nرغم أن ابن الصلاح قسم أنواع علوم السنة في كتابه إلى (٦٥) نوعا فقط، فإنه نبه في بدايته على أن ذلك ليس آخر الممكن في التنويع؛ لأن أحوال وصفات رواة الحديث ومتونه لا تُحصى، وما من حالة منها ولا صفة إلا ويمكن أن تفرد بالذكر، وتعد نوعا على حياله (^٢).\nولهذا فإن ممن تناولوا كتابه بالاختصار والتعليق، من أضافوا إلى الأنواع التي أفردها أنواعًا أخرى، وذلك إما بالاستنباط من أحوال السند والمتن، وإما بفصل بعض المباحث من الأنواع التي ذكرها ابن الصلاح، واعتبارها أنواعًا مستقلة، وقد وجدت العراقي في الألفية فعل ذلك في موضعين وعدهما من بعده نوعين مستقلين من أنواع علوم السنة، وإليك بيان ذلك:\n_________\n(^١) «فتح المغيث»، للعراقي ج ٢/ ٧٠.\n(^٢) «مقدمة ابن الصلاح» / ١٧.","vol":"2","page":724},{"text":"<span data-type='title' id=toc-229>نوع الحديث المعلق:</span>\nذكر ابن الصلاح في الفائدة السادسة من نوع «الحديث الصحيح» تعريف الحديث المعلق وحكم الموجود منه في البخاري ومسلم (^١).\nوفي التفريعة الرابعة من نوع «الحديث المعضل» تناول أيضا حكم معلقات الصحيحين وتعريف التعليق والتمثيل له (^٢).\nفقدم العراقي هذه التفريعة وضمها إلى التفريعة التي قبلها في مبحث واحد ضمن مباحث الحديث الصحيح وعنونه بقوله: «حكم الصحيحين والتعليق» (^٣).\nأما الشيخ بدر الدين بن جماعة ففصل المبحث عن نوع الصحيح، واعتبره نوعا قائما بذاته، وعنونه بـ «المعلق» وأخر وضعه، فجعله عقب «نوع الحديث المرسل» وبذلك كان عمل العراقي وسطا بين ابن الصلاح ومن تبعه كالإمام النووي، وبين ابن جماعة.\nوقد أشار السيوطي إلى ذلك فقال في شرح تقريب النووي: «فرق ابن الصلاح والمصنف أحكام المعلق، فذكر بعضه هنا، أي في نوع المرسل وهو حقيقته، وبعضه في نوع الصحيح، وهو حكمه، وأحسن من صنيعهما صنيع العراقي، حيث جمعهما في مكان واحد في نوع الصحيح وأحسن من\n_________\n(^١) «مقدمة ابن الصلاح مع التقييد والإيضاح» / ٣٢ - ٣٤.\n(^٢) «مقدمة ابن الصلاح» ٨٩ - ٩١.\n(^٣) «الألفية» / ١٧١.","vol":"2","page":725},{"text":"ذلك صنيع ابن جماعة حيث أفرده بنوع مستقل هنا (^١)، يعني عقب الحديث المرسل، وهذا فعلا أنسب من وضع العراقي له ضمن نوع الصحيح؛ لأن المعلق يشارك المرسل في الضعف، وفي مطلق انقطاع السند.\n\n<span data-type='title' id=toc-230>الحديث المعنعن:</span>\nوهو الذي يقال في إسناده (عن فلان) ونحوه من يقال في إسناده (أن فلانا) وقد تناول ابن الصلاح ذلك في تفريعتين من نوع (الحديث المعضل) (^٢) وتبعه على هذا الحافظ ابن كثير شيخ العراقي (^٣)، وقريناه: البلقيني (^٤) وابن الملقن (^٥).\nأما العراقي ففصل التفريعتين عن نوع المعضل، وجعلهما مبحثا مستقلا بعنوان (العنعنة) (^٦)، وقد سبقه إلى ذلك الشيخ بدر الدين بن جماعة وغيره (^٧)، فرجح صنيعهم باتباعه له، دون صنيع ابن الصلاح، ورجحه السيوطي من بعده، فقال: «وهذان الفرعان حقهما أن يفردا بنوع يُسمّى (المعنعن) كما صنع ابن جماعة وغيره» (^٨).\n_________\n(^١) (تدريب الراوي) للسيوطي ١٣٧، ١٣٨.\n(^٢) (مقدمة ابن الصلاح) / ٨٣ - ٨٨.\n(^٣) انظر (اختصاره لعلوم الحديث) / ٥١، ٥٢.\n(^٤) (في محاسن الاصطلاح) له بهامش (مقدمة ابن الصلاح) / ١٥٢ - ١٥٥.\n(^٥) في (المقنع) له/ ٣٢.\n(^٦) (الألفية) / ١٧٧.\n(^٧) (تدريب الراوي) للسيوطي/ ١٣٦ و(الكافي في علوم الحديث) لأبي الحسن التبريزي/ ١٢ أ. مخطوط مصور.\n(^٨) (تدريب الراوي) / ١٣٦.","vol":"2","page":726},{"text":"ثم طبق ذلك فعلًا في ألفيته، وأفردهما بنوع خاص (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-231>٥ - تقسيم العراقي للمباحث التفصيلية وعنونتها وترتيبها:</span>\nجرى ابن الصلاح في الأنواع التي اتسع الكلام فيها، على أن يقسم مباحث كل نوع، إما إلى فوائد (^٢) أو تنبيهات وتفريعات (^٣)، أو تفريعات فقط (^٤) أو أمور مهمة (^٥) أو مفيدة (^٦) أو مسائل (^٧) وقد يمهد للنوع، أو يختمه بعدة أمور (^٨) وفي كل ذلك لا يضع عنوانًا مميزا، وقد تبعه على هذا من تناول كتابه بالنظم كالخوبي في منظومته، أو بالتلخيص والتعليق كالإمام النووي وابن كثير والبلقيني وابن الملقن. أما العراقي فقد قام في ألفيته بتقسيم تلك المباحث التفصيلية تقسيمًا خاصًا حسب مضامينها، ووضع لها عناوين توضح مقاصدها، ورتبها على ما رآه أنسب، كما سيظهر من الأمثلة، وبهذا تميزت ألفيته عن كتاب ابن الصلاح وغيره من مؤلفات علم المصطلح، نظما ونثرا كما أنه قدم من خلال هذا العمل المنهجي إفادات تعبر عن شخصيته العلمية وآرائه وإليك بعض الأمثلة لذلك:\n_________\n(^١) (ألفية السيوطي مع شرح الترمسي) ٧١.\n(^٢) انظر (المقدمة) / ٢٢.\n(^٣) (المقدمة) / ٤٧.\n(^٤) والمقدمة) / ٦٨، ٨٣، ١٧١، ٢٢٤.\n(^٥) (المقدمة) / ١٣٥.\n(^٦) (المقدمة) / ٢٠٥.\n(^٧) (المقدمة) / ١٣٧.\n(^٨) (المقدمة) / ١٦٣، ١٨٩.","vol":"2","page":727},{"text":"ففي نوع «معرفة كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه» مهد له ابن الصلاح بثلاثة أمور متفرقة (^١)، فجمع العراقي خلاصتها تحت عنوان «متى يصح تحمل الحديث أو يستحب؟» (^٢).\nوهو عنوان جامع ومعبر عن مضمون الأمور الثلاثة.\nوفي نوع «صفة رواية الحديث وشرط أدائه» جمع العراقي التفريعات ١٩، ٢٠، ٢١ في مبحث واحد وعنونه بقوله «السماع على نوع من الوهن أو عن رجلين» (^٣) وهذا العنوان كسابقه، شامل لمضمون التفريعات الثلاثة، ومعبر عنها، مما يدل على أن عمل العراقي هذا إنما تم بعد البحث والتأمل وبذلك وضح المسائل المجموعة وساعد على ضبط مفاهيمها بضابط عام يتمثل في العنوان الذي وضعه العراقي لكل منها.\n\n<span data-type='title' id=toc-232>نقد عنونة العراقي لبعض المباحث:</span>\nومع هذا، فإن هناك بعض المباحث جاءت عنونة العراقي لها قاصرة عن الدلالة على ما جمعه تحتها، مثال ذلك أن ابن الصلاح ذكر في الفائدة السادسة عشرة من نوع «صفة رواية الحديث» حكم ما إذا روى المحدث حديثًا بإسناد، ثم أتبعه بإسناد آخر، وقال في نهايته: «مثله» أو نحوه فأراد الرواي عنه الإقتصار على الإسناد الثاني، وسوق لفظ الحديث المذكور عقب الإسناد الأول، ثم أتبع ذلك بالفائدة السابعة عشرة في حكم ما إذا ذكر.\n_________\n(^١) «مقدمة ابن الصلاح مع التقييد والإيضاح» ٥/ ١٦٣ - ١٦٥.\n(^٢) «الألفية» / ١٨٩.\n(^٣) انظر «مقدمة ابن الصلاح» / ٢٤٠ - ٢٤٢ وقارنها «بالألفية» / ٢٠٩.","vol":"2","page":728},{"text":"الشيخ إسناد الحديث وطرف المتن فقط، ثم قال: «وذكر الحديث، وأراد الراوي عنه رواية الحديث عنه بطوله» (^١).\nفجمع العراقي التفريعتين في قسم واحد من نوع «صفة رواية الحديث» وعنونهما بقوله: «إذا قال الشيخ: مثله أو نحوه» (^٢).\nوبالتأمل يظهر لنا أن هذا العنوان لا يشمل مضمون التفريعة الثانية المتعلقة بحكم رواية الحديث كاملًا مع تحمل طرفه فقط، وهذا غير لائق. ولكن غالب عنونته لأقسام الأنواع مناسبة كما تقدم التمثيل له.\n\n<span data-type='title' id=toc-233>٦ - تغيير العراقي لعناوين بعض الأنواع، وعنونة ما أهمله ابن الصلاح:</span>\nمن التعديلات المنهجية التي أدخلها العراقي على كتاب ابن الصلاح من خلال الألفية، أنه غير عناوين بعض أنواع علوم السنة عما عنونها به ابن الصلاح كما عنون ما لم يعنونه كلية. وبيان ذلك، أن ابن الصلاح عنون النوع الثاني والأربعين في كتابه بعنوان «معرفة المدبج وما عداه من رواية الأقران» وتناول فيه رواية الأقران، فقسمها إلى مدبّج وغير مدبج (^٣).\nوبهذا يظهر أنه لو عنونه بـ «رواية الأقران»، لكان مطابقا، ومختصرًا وهكذا فعل معاصر العراقي أبو الحسن التبريزي في مختصره لكتاب ابن الصلاح (^٤)، فاختار العراقي في ألفيته هذا العنوان، بدلا من عنوان ابن الصلاح\n_________\n(^١) انظر: مقدمة ابن الصلاح» / ٢٣٧ - ٢٣٩.\n(^٢) «الألفية» / ٢٠٨.\n(^٣) «مقدمة ابن الصلاح» / ٣٣٣ - ٣٣٥.\n(^٤) انظر «الكافي في علوم الحديث» للتبريزي/ ٢٨ ب، ٢٩ أ (مخطوط مصور).","vol":"2","page":729},{"text":"السابق ذكره (^١)، وتابعه السيوطي في ألفيته (^٢)، على حين تابع ابن الصلاح بعض شيوخ العراقي وأقرانه (^٣).\nوفي النوع السادس والأربعين من أنواع علوم السنة، عنونه ابن الصلاح بقوله: «معرفة من اشترك في الرواية عنه راويان متقدم ومتأخر، تباين وقت وفاتيهما تباينا شديدًا، فحصل بينهما أمد بعيد، وإن كان المتأخر منهما غير معدود من معاصري الأول وذوي طبقته» (^٤).\nوهذا كما ترى عنوان في غاية الطول، بينما نجد الخطيب البغدادي قد عنون كتابه الخاص ببيان هذا النوع من الرواة بلفظين فقط هما «السابق واللاحق» وهما على وجازتهما الملائمة للعنونة، جامعان لمضمون عنوان ابن الصلاح المتطاول، ولما تناوله تحته، ولهذا اختاره الحافظ ابن كثير عنوانا لهذا النوع بدلا من عنوان ابن الصلاح (^٥)، ثم اختاره العراقي من بعده (^٦)، فوفق في ذلك وتابعه عليه السيوطي في ألفيته (^٧).\nأما ما أهمل ابن الصلاح عنونته، فهو النوع الخامس والخمسون، وذلك أنه ذكر قبله نوع (٥٣) في معرفة المؤتلف والمختلف من أسماء وأنساب\n_________\n(^١) «الألفية» / ٢١٨.\n(^٢) انظر «ألفية السيوطي مع شرح الترمسي» ٤/ ٣١٦.\n(^٣) انظر (اختصار علوم الحديث) لابن كثير/ ١٩٧ و«المقنع»، لابن الملقن/ ١٢٧.\n(^٤) ومقدمة ابن الصلاح ٢/ ٣٥٠.\n(^٥) «اختصار علوم الحديث» لابن كثير/ ٢٠٥.\n(^٦) «الألفية» / ٢١٩ ..\n(^٧) «ألفية السيوطي مع شرح الترمسي» ٢/ ٣٢٤.","vol":"2","page":730},{"text":"الرواة (^١)، ونوع (٥٤) في معرفة المتفق والمفترق منها (^٢)، ثم ذكر نوع (٥٥) المذكور وقال: وهو نوع يتركب من النوعين اللذين قبله (^٣)، فعنونه النووي بـ «المتشابه» (^٤).\nأما العراقي فعنونه بـ «بتلخيص المتشابه» (^٥)، وهذا نص عنوان كتاب للخطيب البغدادي في بيان هذا النوع من الرواة، فلعل اختيار العراقي له للربط بين القاعدة والمطابق لها من مؤلفات علم الرجال، كما سبق تصريحه برعاية ذلك في تغييرات أخرى، وبذلك يكون اختياره وجيها.\n\n<span data-type='title' id=toc-234>نقد عنونة العراقي لبعض الأنواع:</span>\nعلى أن العراقي قد غير عنوان النوع الأول وهو «نوع الصحيح» بما لا أقره عليه حيث عنونه ابن الصلاح بـ (معرفة الصحيح من الحديث) وذكر في بداية الكلام عليه انقسام الحديث إلى ثلاثة أقسام، ليرتب على ذلك ذكر تفاصيل النوع الأول وهو الصحيح، فقال: «اعلم علمك الله وإياي، أن الحديث عند أهله ينقسم إلى صحيح وحسن وضعيف، أما الحديث الصحيح … إلخ وتكلم عليه إلى آخر النوع» (^٦).\n_________\n(^١) «مقدمة ابن الصلاح» / ٣٨١.\n(^٢) المرجع السابق/ ٤٠٤.\n(^٣) المرجع السابق/ ٤١٧.\n(^٤) انظر: «التقريب للنووي بهامش التدريب» / ٤٩٠.\n(^٥) «الألفية» ٢٢٤.\n(^٦) «مقدمة ابن الصلاح» / ١٨ وما بعدها.","vol":"2","page":731},{"text":"وقد تبعه على هذا عامة من تناول كتابه من بعده نظما ونثرا (^١).\nأما العراقي فعنون هذا النوع بـ «أقسام الحديث» (^٢)، وذكر تحته ما ذكره ابن الصلاح تحت عنوان «معرفة الصحيح»، مع أن عنوان «أقسام الصحيح» عام، يشمل الصحيح والحسن والضعيف، والإشارة لانقسام الحديث إليهم توطئة للكلام على النوع الأول وهو الصحيح، لا تُسوّغ عنونة الموضوع كله بذلك؛ لأنها إشارة إجمالية تمهيدية، لا تزيد على سطر، وباقي الموضوع منصب على نوع الصحيح فقط، والمعروف علميا أن العنوان يبنى على أغلب ما تحته، إن لم يكن مطابقا له تماما، وكلا الأمرين غير متحققين في عنونة الموضوع بـ «أقسام الحديث» كما فعل العراقي، ولهذا أقرر: أن عنونة ابن الصلاح بـ «معرفة الصحيح من الحديث» أصوب، لانطباقها على أغلب المذكور تحت العنوان، وأولى منها لو كان العنوان هكذا «أقسام الحديث وأولها الصحيح»، حيث يكون مطابقا تماما لما ذكر تحته، ومتناسقا أيضًا مع عنونة المبحث التالي لهذا عند العراقي وابن الصلاح وهو مبحث «الحديث الحسن» بقولهما «القسم الثاني أو النوع الثاني، الحسن».\n٧ - تغيير العراقي في الألفية ترتيب بعض أنواع علوم السنة ومباحثها:\nغير العراقي أيضا في ألفيته ترتيب بعض الأنواع والمباحث الجزئية، بالتقديم والتأخير عما جرى عليه ابن الصلاح في كتابه، ومن تبعه، ولا شك أن\n_________\n(^١) انظر: منظومة الخوبي/ ٢ أو «التقريب للنووي مع التدريب» ٢١/¬٥، ٢٤ و«اختصار علوم الحديث»: لابن كثير/ ٢١ و«المقنع» لابن الملقن/ ٢.\n(^٢) و«الألفية» / ١٦٩.","vol":"2","page":732},{"text":"ترتيب الموضوعات وجزئياتها، له أثر كبير في توضيحها وفهمها، كما أنه يعبر عن رأي فاعله، ولهذا عني العلماء بمقارنة ترتيب العراقي بترتيب ابن الصلاح كما سيأتي.\nفمن ذلك: أن ابن الصلاح رتب أنواع الحديث الآتية هكذا: المسند المتصل، المرفوع، الموقوف، المقطوع (^١)، وتبعه على هذا آخرون حتى عصر العراقي (^٢).\nأما العراقي فرتبهم هكذا: المرفوع، المسند، المتصل، الموقوف المقطوع (^٣)، وقد قارن البقاعي بين الترتيبين فقال: وقد خالف الشيخ (العراقي) ترتيب ابن الصلاح، فإن ابن الصلاح ذكر المسند أولا؛ لأنه جمع بين الطريق والغاية وهي المتن، فكان الاهتمام به أشد، ثم قدم المتصل على المرفوع، لأن معرفة الطريق، قبل معرفة ما جعل الطريق، لأجله، ثم ذكر المرفوع لأنه الأصل ومناسبة تقديم الموقوف على المقطوع واضحة.\nوأما الشيخ (العراقي) فإنه ذكر المرفوع، لأنه هو المقصود من هذا العلم وهو أيضًا أعم من المسند، ولابد من معرفة العام قبل معرفة الخاص، وثنى بالمسند، لأنه جمع الإسناد والمتن، ولأنه ينزع إلى كل مما هو بينهما، ثم ثلث بالمتصل، لأنه معرفة الطريق، ولم يبق إلا هي، لتقدم معرفة المتن خاصة\n_________\n(^١) مقدمة ابن الصلاح/ ٦٤، ٦٥، ٦٦.\n(^٢) «التقريب للنووي مع التدريب» / ١٠٧، ١٠٨ و«اختصار علوم الحديث» لابن كثير/ ٤٤، ٤٥، و«محاسن الاصطلاح» للبلقيني/ ١١٩ - ١٢٣.\n(^٣) والألفية» / ١٧٤، ١٧٥","vol":"2","page":733},{"text":"على المركب منه ومن الطريق، والباقي واضح (^١)، ونقل عنه ذلك العلامة الطوخي وأقره (^٢).\nوأقر السخاوي أيضًا ترتيب العراقي مع بيان مناسبات أخرى له (^٣). وكما غير العراقي ترتيب بعض الأنواع على النحو المذكور، فإنه غير أيضًا ترتيب كثير من المباحث التفصيلية داخل كل نوع، بناء على ما رآه أنسب ومن ذلك: أن ابن الصلاح ذكر في الفائدة الثانية من نوع «الصحيح» مسألة إمكان التصحيح في الأعصار المتأخرة، وفي الفائدة الثالثة «أصح كتب الحديث» (^٤) وتبعه على هذا آخرون (^٥).\nأما العراقي فجعل هذه الفائدة الثالثة مكان الفائدة الثانية، وأخر الثانية وهي «مسألة التصحيح» حتى ألحقها بالفائدة السابعة المتعلقة بمراتب الصحيح (^٦). وقد استحسن البقاعي ترتيبه لمسائل الصحيح عمومًا على هذا النحو فقال: «لما كان يتكلم على الصحيح، ناسب أن يذكر الأصح فتكلم أولًا على أصح الأسانيد مطلقًا، ثم انتقل إلى أخص منه وهو أصح الأسانيد بالنسبة إلى صحابي واحد، ثم انتقل إلى أخص من ذلك وهو أصح كتب الحديث …» فلأجل حسن هذا الترتيب خالف ترتيب ابن الصلاح. وقدم هذا على مسألة\n_________\n(^١) «النكت الوفية» / ٩٦ ب.\n(^٢) «حاشية الطوخي على شرح الشيخ الأنصاري لألفية العراقي» / ١٥٥ ب …\n(^٣) «فتح المغيث» للسخاوي جـ ١/ ٩٨، ٩٩، ١٠٢، ١٠٣.\n(^٤) «المقدمة» / ٤٠، ٤١.\n(^٥) «المقنع» لابن الملقن/ ٣ وما بعدها.\n(^٦) انظر «المقدمة» / ٤٠، و«الألفية» / ٥ «مراتب الصحيح» / ١٧١.","vol":"2","page":734},{"text":"إمكان التصحيح في هذه الأعصار (^١) وقد مرت نماذج أخرى ضمن المباحث المتقدمة.\n\n<span data-type='title' id=toc-235>رابعًا: الحذف من مضمون كتاب ابن الصلاح:</span>\nقدمنا أن العراقي قال في مقدمة الألفية: «لخصت فيها ابن الصلاح أجمعه» فقوله «لخصت» يدل على أنه التزم حذف بعض مضامين كتاب ابن الصلاح؛ لأن حقيقة التلخيص: استيفاء مقاصد الكتاب الملخص، أي مسائله الكلية بكلام أوجز، وعليه يكون تأكيده بـ «أجمع» باعتبار عدم حذف شيء من المسائل الأساسية التي تضمنها كتاب ابن الصلاح، لا باعتبار عدم حذف شيء منه رأسًا (^٢).\nوقد أشار العراقي بنفسه لذلك فقال عن نفسه: «وقوله: لخصت فيها ابن الصلاح أي كتاب ابن الصلاح، والمراد مسائله وأقسامه، دون كثير من أمثلته وتعاليله، ونسبة أقوال لقائليها، وما تكرر فيه» (^٣).\nوأقره على ذلك غيره من شُرّاح الألفية ودارسيها (^٤)، وبذلك يتقرر أنه استوعب فيها بيان جميع أنواع علوم السنة الخمسة والستين الواردة في كتاب ابن الصلاح بأقسامها ومسائلها، مع حذف بعض جزئيات فرعية، وقد حدّد\n_________\n(^١) انظر «النكت الوفية» للبقاعي/ ١٩ ب، ٢٠ أ.\n(^٢) انظر «حاشية ابن قطلوبغا الحنفي على شرح العراقي للألفية» / ٤٠ أ، و«النكت الوفية» للبقاعي/ ٦ أ و«حاشية العدوي على شرح الشيخ زكريا الأنصاري لألفية العراقي» / ٢٨ أ، ٣٠ أ، ب.\n(^٣) «فتح المغيث» للعراقي جـ ١/¬٨.\n(^٤) «فتح المغيث» للسخاوي جـ ١/¬١٣ و«فتح الباقي» للأنصاري/ ٣ ب.","vol":"2","page":735},{"text":"بنفسه منها أربعة أنواع وهي: بعض الأمثلة، والتعليل للآراء، ونسبة الأقوال لأصحابها، والمكرر، وقد صرّح الخوبي في مقدمة منظومته السابق الإشارة إليها بانتهاج ثلاثة من تلك الأنواع، فبعد ذكره أنه نظم مختصر كتاب ابن الصلاح قال:\nلكنني ذكرت كل مسألة … وما تركت منه غير الأمثلة\nونسبة القول إلى من قالا … وما أتى خلاله استدلالا (^١)\nأما الأشياء المكررة فقد وجدته أيضا يستبعد بعضها، وإن لم ينص على ذلك كما نص العراقي، وبذلك اتفق مع العراقي في الحذف من الأنواع الأربعة المذكورة، لكنهما يختلفان في التطبيق التفصيلي كما سيأتي. ثم إني قارنت تفصيلا، كتاب ابن الصلاح بكل من ألفية العراقي ومنظومة الخوبي، فظهر لي أن ما استبعده العراقي عموما من كتاب ابن الصلاح أكثر مما استبعده الخوبي. وأقرب مثال لذلك أن ابن الصلاح ذكر في مقدمة كتابه فهرسة لأنواع علوم الحديث المشتمل عليها الكتاب، فنظمها الخوبي كما هي، بعد مقدمة منظومته، وذلك في مبحث خاص بعنوان «فهرسة أنواع علوم الحديث» وعدد أبياته ٤٦ بيتا (^٢). أما العراقي فلم ينظم هذه الفهرسة في ألفيته؛ بل بدأها بعد المقدمة بذكر\n_________\n(^١) انظر «منظومة الخوبي» / ١ ب نسخة مصورة بمعهد المخطوطات برقم (١٠٠) حديث ومصطلح.\n(^٢) انظر «المنظومة» / ١ ب، ٢ أ.","vol":"2","page":736},{"text":"النوع الأول من أنواع علوم السنة مباشرة (^١)، وهذا ما يفسر لنا زيادة عدد أبيات منظومة الخوبي، عن ألفية العراقي خمسمائة بيت كما تقدم ذكره كما أنه اتضح لي أيضًا أن العراقي قد استبعد عن الألفية جزئيات أخرى من كتاب ابن الصلاح غير الأنواع الأربعة التي تقدم تصريحه بحذفها، وسأتناول أولًا بالتحليل والمقارنة والنقد، ما صرح بحذفه ثم أتبعه بما أوقفني عليه البحث إن شاء الله.\n\n<span data-type='title' id=toc-236>١ - حذف العراقي كثيرًا من الأمثلة التي ذكرها ابن الصلاح في كتابه ورأيه في ذلك:</span>\nذكر ابن الصلاح أمثلة لإثبات وتوضيح أنواع علوم السنة وقواعدها، ولكن العراقي لم ينظم كثيرًا من تلك الأمثلة في الألفية، وقد تبين لي بالبحث أنه فعل ذلك لدواع علمية، وبناء على رأيه في تلك الأمثلة بعد بحثها. فمن الأمثلة ما حذفه لأنه وجده غير مطابق لما مثل به ابن الصلاح وبالتالي لا يصح التمثيل به.\nمن ذلك ما جاء في مبحث «زيادة الثقات» القسم الثالث مما انفرد به الثقة عن غيره، وهو زيادة الراوي لفظة في حديث لم يذكرها سائر من رواه غيره من الثقات.\nفقد مثل له ابن الصلاح بمثالين:\nأولهما: ما رواه مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ فرض زكاة\n_________\n(^١) (الألفية) / ١٦٩ وم «قدمة ابن الصلاح مع التقييد والإيضاح» / ١٤ - ١٧.","vol":"2","page":737},{"text":"الفطر من رمضان على كل حر أو عبد، ذكر أو أنثى من المسلمين (^١) ونقل عن الترمذي قوله: (إن مالكًا انفرد من بين الثقات بزيادة قوله: من المسلمين).\nوثانيهما: حديث: (جُعِلَت لنا الأرضُ مسجدًا، وجعلت تربتها لنا طهورا). وذكر أن قوله: «وجعلت تربتها لنا طهورًا» انفرد بزيادتها أبو مالك سعد بن طارق الأشجعي، وأن سائر الروايات بدونها (^٢).\nفاستبعد العراقي ذكر المثال الأول عن الألفية، واكتفى بذكر المثال الثاني فقال:\nأو خالف الإطلاق نحو جُعِلت … تربة الأرض، فهي فرد نقلت (^٣)\nثم قال في شرحه للألفية: «واقتصرت على المثال الثاني، لأنه صحيح كما ذكره ابن الصلاح، وأما المثال الأول فلا يصح؛ لأن مالكا لم ينفرد بالزيادة بل تابعه عليها عمرو بن نافع والضحاك بن عثمان، ويونس بن يزيد وعبد الله بن عمر، والمعلى بن إسماعيل، وكثير بن فرقد .. وقد بينت هذه الطرق في النكت التي جمعتها على كتاب ابن الصلاح» (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الزكاة: «باب صدقة الفطر على العبد وغيره من المسلمين» انظر: صحيح البخاري مع فتح الباري، ج ٤/ ١١٢، ١١٣.\n(^٢) (مقدمة ابن الصلاح مع التقييد والإيضاح) / ١١٢ - ١١٤ وأخرج رواية أبي مالك هذه مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، الباب الأول، من طريق محمد بن فضيل عن أبي مالك الأشجعي عن ربعي عن حذيفة، مرفوعا، في أثناء الحديث/ صحيح مسلم ١/ ٣٧١ (٥٢٢) ومن طريق ابن أبي زائدة عن سعد بن طارق، - وهو الأشجعي -، به وأحال بمتنه على رواية ابن فضيل السابقة بقوله: بمثله.\n(^٣) انظر «الألفية» / ١٨٠.\n(^٤) «فتح المغيث» للعراقي ج ١/ ١٠٠.","vol":"2","page":738},{"text":"وقد بين في النكت أيضا أن كل هؤلاء الذين تابعوا مالكا ثقات (^١).\nوبذلك يظهر لنا أن حذفه لهذا المثال، ليس جزافيا، بل هو عمل علمي في محله، لعدم صلاحية المثال لما مثل له به ابن الصلاح. كما يظهر أن العراقي فعله بعد بحث دقيق وموسع، تتبع فيه روايات الحديث، وطرقه المتعددة في عدة مصادر، وبحث في كتب الرجال لبيان حالة الرواة المشاركين لمالك في روايته للحديث بهذه الزيادة، ليتأكد من كونهم جميعا ثقات، وبذلك أثبت عدم انفراد مالك بها عن الثقات، وبالتالي لا يصلح الحديث للتمثيل به (^٢).\nوعند المقارنة نجد أن عامة من تناول كتاب ابن الصلاح بالاختصار أو الشرح يتفقون مع العراقي، فيما قرره بشأن هذا المثال، ومن هؤلاء الإمام النووي (^٣) والحافظ ابن كثير شيخ العراقي (^٤) والإمامان البلقيني (^٥) وابن الملقن (^٦) قرينا العراقي، والحافظ ابن حجر تلميذه (^٧)؛ غير أن كلا منهم دعم رأيه بما أداه إليه بحثه، وبالتالي صارت له ميزته وجهده.\nوهناك أمثلة أخرى مشابهة، ترك العراقي ذكرها في النظم، لعدم صحة\n_________\n(^١) انظر (التقييد والإيضاح) / ١١٢، ١١٣.\n(^٢) (التقييد والإيضاح) / ١١٢، ١١٣.\n(^٣) انظر (التقريب له بهامش تدريب الراوي) / ١٥٨.\n(^٤) انظر (اختصار علوم الحديث له مع الباعث الحثيث) / ٦٢.\n(^٥) (محاسن الاصطلاح)، له/ ٣٠ أ وهامش (مقدمة ابن الصلاح) / بتحقيق د. بنت الشاطئ/ ١٨٧ - ١٨٩.\n(^٦) انظر (المقنع) له/ ٤٠، ٤١ (مخطوط).\n(^٧) (فتح الباري) ج ٤/ ١١٣.","vol":"2","page":739},{"text":"التمثيل بها، وبين ذلك بالدليل في شرحه للألفية (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-237>ومن الأمثلة ما ترك نظمه في الألفية، لاختلاف رأيه فيه عن رأي ابن الصلاح وغيره، من المتقدمين والمتأخرين:</span>\nفمن ذلك: ما جاء في مبحث (تلخيص المتشابه) من أسماء وألقاب وكنى ونسبة الرواة، حيث ذكر الخطيب البغدادي ومن بعده ابن الصلاح في هذا النوع، ما يتقارب ويشتبه، وإن كان مختلفا في بعض حروفه في صورة الخط، ومثل له ابن الصلاح في كتابه بثور بن يزيد - بالياء المثناة في أوله - الكلاعي الشامي، وبثور بن زيد بغير ياء - وبعمرو - بالواو - ابن زرارة وعمر - بدون واو - ابن زرارة، وبعبيد الله - بالياء المثناة - ابن أبي عبد الله، وبعبد الله - بدون ياء - ابن أبي عبد الله (^٢).\nفلم يذكر العراقي هذه الأمثلة كلية في الألفية (^٣).\nثم قال في شرحه لها في نهاية شرح المبحث: وقد أدخل فيه الخطيب وابن الصلاح، ما لا يأتلف خطه، كثور بن يزيد … وساق بعض الأمثلة المتقدمة ثم عقب بقوله: (فلم أذكره، لعدم الاشتباه في الغالب) (^٤).\n_________\n(^١) انظر مباحث: معرفة من تقبل روايته ومن ترد، ومن لم يرو عنه إلا راو واحد، وأفراد العام وذلك في (مقدمة ابن الصلاح مع التقييد والإيضاح) ١٥٢، ١٥٣، ٣٥١ - ٣٥٧، ٣٥٩ - ٣٦٧ وه (الألفية) / ١٧٨، ٢١٩، ٢٢٠، و(فتح المغيث) للعراقي جـ ٢/¬٣٠، ٣١، جـ ٤/ ٧٤ و٧٨، و(فتح المغيث) للسخاوي جـ ٣/ ١٩٥ - ١٩٨.\n(^٢) انظر (المقدمة مع التقييد والإيضاح)، ٤١٧، ٤٤٠، ٤٢٢.\n(^٣) انظر (الألفية) / ٢٢٤.\n(^٤) (فتح المغيث) للعراقي جـ ٤/ ١٢٥.","vol":"2","page":740},{"text":"فعلّل عدم ذكر الأمثلة المتقدمة كما ترى بأنه لا يراها تشتبه في الغالب خلافًا لما رآه الخطيب وابن الصلاح من أنها تشتبه.\nوعندما نقارن رأي العراقي هذا برأي غيره ممن تناول كتاب ابن الصلاح بالبحث والتأليف، نجد الإمام النووي والحافظ ابن كثير، ومن بعده البلقيني وابن الملقن قريني العراقي، يتفقون مع الخطيب وابن الصلاح في ذكر الأمثلة المتقدمة في المتشابه (^١).\nلكن هذا لم يثن العراقي عن رأيه، ولم يضعفه، بل تبعه فيه غير واحد ممن جاء بعده، فاستبعدوا الأمثلة المذكورة من المتشابه، كالسخاوي (^٢)، والشيخ زكريا الأنصاري (^٣)، وتردد السيوطي، فحذفهم تارة (^٤) وأثبت بعضهم تارة أخرى (^٥)، لكنه استقر في ألفيته على الحذف (^٦) كما رأى العراقي.\nوهناك أمثلة أخرى لذلك أيضًا (^٧)، وهي تدل على خبرة العراقي بدقائق علم\n_________\n(^١) انظر: التقريب للنووي بهامش التدريب ٤/ ٤٩١، ٤٩٢ واختصار علوم الحديث، لابن كثير/ ٢٢٩، ٢٣٠ و«محاسن الاصطلاح» للبلقيني بهامش «مقدمة ابن الصلاح» ١/ ٥٦٢ - ٥٦٤ و«المقنع»، لابن الملقن/ ١٦٣، ١٦٤.\n(^٢) (فتح المغيث) للسخاوي جـ ٣/ ٢٥٩، ٢٦٢.\n(^٣) (فتح الباقي)، له/ ٢٠٦ أ - ٢٠٧ ب.\n(^٤) «قطر الدرر في شرح ألفية العراقي في علم الأثر» للسيوطي/ ٤٢ ب.\n(^٥) (تدريب الراوي)، له/ ٤٩١، ٤٩٢.\n(^٦) «ألفية السيوطي في المصطلح مع شرحها»، للشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد ﵀، ٣٤١ - ٣٤٤.\n(^٧) انظر «المقدمة لابن الصلاح مع التقييد والإيضاح»» / ٣٩٥ - ٣٩٧ و«الألفية»، ٢٢٢ و(فتح المغيث) للعراقي جـ ٤/ ١٠٣، ١٠٤ و(فتح المغيث) للسخاوي جـ ٣/ ٢٣٦، =","vol":"2","page":741},{"text":"الرجال، وتميز شخصيته العلمية في الإدلاء برأيه الخاص المقتنع به، غير متقيد بمن تقدمه أو عاصره، كما تدل على تأثيره فيمن بعده.\n\n<span data-type='title' id=toc-238>ومن الأمثلة ما حذفه للاختصار اكتفاء بغيره:</span>\nفمن ذلك: ما جاء في مبحث «ألقاب المحدثين ورواة السنة» فقد ذكر ابن الصلاح قرابة ثلاثين مثالًا لهذا النوع (^١).\nفاقتصر العراقي في الألفية على ذكر أربعة فقط، يمثلون جوانب الموضوع وترك الباقي.\nوقال في شرح الألفية: (وذكر ابن الصلاح عدة صالحة من الألقاب حذفتها اختصارًا) (^٢)، وهناك نماذج أخرى مماثلة (^٣).\nوحيث إن العراقي ذكر من الأمثلة ما يغطي جوانب الموضوع كما أشرت فإن حذفه للباقي يُعد تصرفًا مناسبا لمنهجه في الاختصار.\n\n<span data-type='title' id=toc-239>نقد العراقي في حذفه لبعض الأمثلة:</span>\nوإذا كان العراقي قد حذف كثيرًا من الأمثلة للاعتبارات العلمية السابقة.\n_________\n= ١٣٧، و«التقريب للنووي مع التدريب» / ٤٢٤ - ٤٢٥ و«محاسن الاصطلاح» للبلقيني/ ١٣٣، ب و«المقنع» لابن الملقن/ ١٥٦ وقطر الدرر للسيوطي ٤١ ب و«ألفيته مع شرحها المسمى منهج ذوي النظر» للترمسي ٢٦٨.\n(^١) «مقدمة ابن الصلاح مع التقييد والإيضاح» ٣٧٨ - ٣٨١.\n(^٢) «فتح المغيث» للعراقي ج ٤/ ٨٥.\n(^٣) انظر مبحث «المتفق والمفترق» في مقدمة ابن الصلاح ٤٠٤، ٤٠٦، ٤١٦ وفي «الألفية»، ٢٢٣، ٢٢٤ و«فتح المغيث» للعراقي ج ٢/ ١١٣ - ١٢٢ و«فتح المغيث» للسخاوي ج ٣/ ٢٤٦ - ٢٥٨ و«التقريب للنووي مع التدريب» للسيوطي ٤٧٩ - ٤٨٩.","vol":"2","page":742},{"text":"فإن هناك أمثلة أخرى أوردها ابن الصلاح وأقره العراقي عليها، ومع ذلك لم ينظمها في الألفية، ولم يذكر بديلا عنها، لدرجة أنه أخلى من الأمثلة نهائيا عدة أنواع بأكملها، وعدة أقسام فرعية، ومن أمثلة ذلك نوعا «المنقطع» و«المعضل» فقد مثل ابن الصلاح للأول بعدة أمثلة، وأقره العراقي في شرح الألفية على أحدها (^١)، ومثل للثاني بثلاثة أمثلة وأقره العراقي أيضا على مثالين منهم (^٢)، ومع ذلك نظم النوعين في الألفية، بدون أمثلة كلية (^٣)، ولا شك أن هذا إجحاف في الاختصار لا نقره عليه؛ لأن خير ما يثبت القاعدة ويوضحها، هو المثال، فكان عليه أن ينظم ولو مثالا واحدا لكل نوع أو قسم مما ترك التمثيل له (^٤).\n_________\n(^١) «مقدمة ابن الصلاح» ٧٨ و«فتح المغيث» للعراقي ج ١/ ٧٥.\n(^٢) «مقدمة ابن الصلاح» ٨١/ ٨٣ و«فتح المغيث» للعراقي ج ١/ ٧٠ - ٧٧.\n(^٣) و«الألفية»، ١٧٧.\n(^٤) انظر «نوع الناسخ والمنسوخ في مقدمة ابن الصلاح» / ٢٧٨ وما بعدها وفي «الألفية» / ٢١٤ وفي (فتح المغيث للعراقي ج ٤/¬١٥ ونوع خفي الإرسال والمزيد في متصل الأسانيد، في مقدمة ابن الصلاح) / ٢٨٩ وما بعدها و(الألفية) / ٢١٥ و«فتح المغيث»، للعراقي ج ٤/ ١٢٥ وما بعدها، والمدبج ورواية الأقران في (مقدمة ابن الصلاح) / ٣٣٣ وما بعدها و«الألفية»، ٢١٨ و(فتح المغيث) للعراقي ج ٤/ ٦١ وما بعدها وانظر قسم إصلاح اللحن والخطأ/ الألفية/ ٢٠٦ وفي (مقدمة ابن الصلاح) / ٢٢٩ وما بعدها و(فتح المغيث) للعراقي ج ٣/ ٥٤ - ٥٨ و(اختلاف ألفاظ الشيوخ) في «الألفية» / ٢٠٧ وفي مقدمة ابن الصلاح ٢٣٢ وما بعدها، و(فتح المغيث) للعراقي ج ٣/ ٥٨ - ٦١ والزيادة في نسب الشيخ في: الألفية ٥/ ٢٠٧ وفي: مقدمة ابن الصلاح ١/ ٢٣٤ وما بعدها و(فتح المغيث) للعراقي ج ٣/ ٦٠/ ٦١ والرواية من النسخ التي إسنادها واحد في (الألفية) / ٢٠٧ و(مقدمة ابن الصلاح) / ٢٣٦ و(فتح المغيث) للعراقي ج ٣/ ٦١ - ٦٣. و: تقديم المتن على السند في «الألفية» ٥/ ٢٠٨ و«مقدمة =","vol":"2","page":743},{"text":"<span data-type='title' id=toc-240>٢ - حذف أدلة وتوجيهات بعض الأقوال الواردة في كتاب ابن الصلاح:</span>\nهذا هو النوع الثاني مما صرح العراقي بترك نظمه في الألفية، مع وجوده في كتاب ابن الصلاح، وقد عبر عنه كما مر بـ «التعاليل»، وهي تشمل الأدلة والتوجيهات للمسائل والآراء، وعبر الخوبي عن ذلك بـ «الاستدلال» كما تقدم ذكره أيضًا، وبذلك يتفق عمومًا مع العراقي في انتهاج هذا النوع من الحذف، وإن تميز كل منهما في التطبيق التفصيلي كما سأوضحه بالمقارنة.\nومقتضى هذا النوع من الحذف بحسب بحثي ومقارناتي التفصيلية، أن المسائل والآراء التي ذكرها ابن الصلاح مدعمة بأدلتها وتوجيهاتها، يكتفي العراقي في كثير من الأحوال بنظم المسائل والآراء فقط، ويترك الأدلة والتوجيهات، لأجل الاختصار أو غيره من الاعتبارات التي قدمتها بالنسبة لحذف الأمثلة.\nمثال ذلك: أن ابن الصلاح ذكر قول أبي منصور التميمي: «أن أصح الأسانيد: «الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر» وذكر أن أبا منصور احتج لإضافة الشافعي إلى هذا الإسناد، بإجماع أهل الحديث على أنه لم يكن في الرواة عن مالك أجل من الشافعي (^١)». فذكر العراقي في الألفية قول التميمي المذكور دون ذكر دليله حيث قال:\n. . . . . . . . . . فقيل مالك … عن نافع بما رواه الناسك.\n_________\n= ابن الصلاح» / ٢٣٧ و(فتح المغيث) للعراقي ج ٢/ ٦٣، ٦٤.\n(^١) «مقدمة ابن الصلاح» / ٢٣.","vol":"2","page":744},{"text":"مولاه، واختَر حَيثُ عَنهُ يَسنُدُ … الشَّافِعي ......................... (^١)\nويبدو أن تَرَكَهُ لنظم هذا الدليل، لأجل الاختصار، بدليل أنَّه ذَكَرهُ في شرحه وأقَرَّهُ (^٢).\nوقد اتَّفَقَ الخُويِّيُّ مع العراقيّ في عَدَمِ ذِكرِ هذا الدليل في منظومته حيث قال:\n«وقالَ قَومٌ: ما رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ … عن مالك شيخ الورى عن نافع\nعن عابد الله عُنَيْثُ ابن عمر … ............................» (^٣)\nومن الأدلة ما حَذَفَهُ لعدم موافقته عليه، مثال ذلك ما جاء في مبحث الحديث الصحيح، فقد ذكر ابن الصلاح أنه في هذه الأعصار المتأخرة لا يتجاسر العلماء على الجزم بصحة حديث لم ينص على صحته في شيء من مصنفات أئمة الحديث المعتمدة المشهورة، ودَلَّلَ لذلك بقوله: «فقد تَعَذَّرَ في هذه الأعصار الاستقلال بإدراك الصحيح بمجرد اعتبار الأسانيد؛ لأنه ما من إسناد من ذلك إلا ونجد في رجاله من اعتمد من رواته على ما في كتابه عريا عما يشترط في الصحيح من الحفظ والضبط والإتقان» (^٤).\nفنظم العراقي رأي ابن الصلاح فقط بإيجاز دون ذكر دليله، وأعقبه بذكر مخالفة النووي له فقال:\n«وعنده التصحيح ليس يمكن … في عصرنا، وقال يحيى ممكن» (^٥)\n_________\n(^١) (الألفية) / أقسام الحديث/ ١٦٩.\n(^٢) (فتح المغيث) للعراقي ج ١/¬١٢.\n(^٣) انظر (المنظومة) / ٣ أ.\n(^٤) (مقدمة ابن الصلاح) / ٢٣، ٢٤.\n(^٥) انظر (الألفية/ مراتب الصحيح) / ١٧١.","vol":"2","page":745},{"text":"وقرر في شرحه للألفية: أن رأي النووي هو المعتمد، وبهذا دلل على عدم موافقته لابن الصلاح في رأيه، وعدم إقراره لدليله، وقد أشار السخاوي لذلك فقال: «ولكن لم يوافق ابن الصلاح على ذلك كله، حكمًا ودليلًا» (^١).\nأما الخوبي فمع مخالفته لابن الصلاح، إلا أنه نظم الرأي ودليله فقال:\n«ومن يجد في هذه الأزمان … جزء حديث حسن الإتقان\nإسناده، ولم ينص معتبر … أو صح كل ما حواه من خبر\nفلاتظن ما حوى يصح … إذ أهل هذا العصر فيهم قدح» (^٢)\nثم أعقب ذلك ببيان مخالفته له فقال:\n«وشيخنا أطلق هذا القولا … وفصل الغير، وذاك الأولى» (^٣)\nوبهذا يتبين لنا اختلاف عمل العراقي التفصيلي عن غيره ممن شاركه في نظم مضمون كتاب ابن الصلاح، وفي بعض عناصر منهجه، ومع أنه من المسلم به علميًا، أن ذكر الرأي أو المسألة بدون دليل، أمر منتقد، إلا أن العلماء اغتفروا ذلك في المؤلفات المختصرة، نظرًا لأن مؤلفيها وغيرهم، يؤلفون لها شروحًا تتكفل بإيضاحها وبيان أدلتها، وقد حدث هذا بالنسبة لألفية العراقي كما سيأتي.\n\n<span data-type='title' id=toc-241>٣ - حذف أصحاب بعض الأقوال الواردين في كتاب ابن الصلاح:</span>\nانتهج العراقي من أجل الاختصار أيضًا، أن يورد في الألفية كثيرًا من أقوال\n_________\n(^١) (شرح السخاوي) ج ١/¬٤٤.\n(^٢) «المنظومة» قسم الصحيح/ ٤ ب\n(^٣) «المنظومة» قسم الصحيح/ ٤ ب.","vol":"2","page":746},{"text":"العلماء التي في كتاب ابن الصلاح، مع حذف أصحابها المنسوبة إليهم عند ابن الصلاح، وبذلك يتخلص من كمية كبيرة من الألفاظ مع بقاء المضمون العلمي وهو الأهم. وقد شارك العراقي في هذا أيضًا شهاب الدين الخوبي في منظومته كما تقدم تصريحه بذلك، غير أنهما قد يتفقان في المحذوف وقد يختلفان:\nفمثال ما اتفقا على حذفه، وما أورده ابن الصلاح في بحث الحديث الصحيح حيث قال: «وروينا عن أبي بكر بن أبي شيبة قال: أصح الأسانيد كلها الزهري عن علي بن الحسين عن أبيه عن علي ﵁» (^١) فنظم العراقي ذلك قائلا:\n«وقيل زين العابدين عن أبيه … عن جده وابن شهاب عُنْهُ به» (^٢)\nكما نظم الخويي ذلك فقال:\n«وقال قوم ما روى الزهري … عن شيخه وهو الرضا علي\nابن الحسين الهاشمي بن علي … عن الحسين عن علي الأفضل» (^٣)\nوهكذا اكتفى كل منهما بنظم القول، دون ذكر قائله وهو أبو بكر بن أبي شيبة، ونلاحظ أن العراقي أشار إلى القائل بلفظ «قيل»، وسيأتي أيضًا عن الخويي تعبيره به، وليس المراد بذلك تضعيفهما للأقوال المذكورة، أو عدم صحة نسبتها لقائليها، كما هو مقتضى التعبير بـ (قيل)، في اصطلاح علماء السنة (^٤).\n_________\n(^١) (مقدمة ابن الصلاح ١/¬٢٣\n(^٢) والألفية أقسام الحديث» / ١٧٠.\n(^٣) والمنظومة) / معرفة الصحيح/ ٣ أ.\n(^٤) انظر (فتح المغيث) للعراقي ج ١/¬٣٠ و٥ فتح المغيث، للسخاوي ج ١/ ٥٣.","vol":"2","page":747},{"text":"الحافظ العراقي وأثره في السنة.\nولكن المراد مجرد الإشارة لصاحب القول، ولهذا نجد العراقي وغيره من شراح ألفيته، يفسرون قوله: «قيل» في كثير من المواضع بأنه يعني: «قال فلان كذا» بلا تضعيف (^١).\nومثال ما ذكر العراقي قائله وحذفه الخوبي: ما جاء في مبحث «الحديث المرفوع» فقد قال فيه ابن الصلاح: «وقال الحافظ أبو بكر بن ثابت (الخطيب البغدادي): المرفوع ما أخبر به الصحابي عن قول رسول الله ﷺ أو فعله، فخصه بالصحابة …» (^٢) فنظم الخوبي ذلك بقوله:\n«....................... … وقيل كل ما الصحابي نَقَلَا\nعن سيد الكونين من مقال … صلى عليه الله، أو فعال» (^٣)\nأما العراقي فنظمه قائلا:\n«....................... … واشترط الخطيب رفع الصاحب» (^٤).\nوبهذا تفاوت عمله التفصيلي عن عمل الخوبي، وبالتالي تتفاوت محتوى الألفية عن محتوى منظومة الخوبي، كما تفاوتا في عدد الأبيات.\n\n<span data-type='title' id=toc-242>التعقيب على حذف العراقي لأصحاب كثير من الأقوال:</span>\nمع أن القيمة العلمية للمسائل والآراء ترجع إلى مصادرها، فإن العلماء تجاوزوا في المؤلفات المختصرة عن عزو كثير من الأقوال لقائليها، كما فعل\n_________\n(^١) انظر: «فتح المغيث» للعراقي جـ ١/¬٣٧، ٧٥ و«فتح الباقي» للأنصاري/ ٧ أ.\n(^٢) «المقدمة» / ٦٦.\n(^٣) «المنظومة» / النوع السادس/ ٥ ب.\n(^٤) «الألفية» / المرفوع/ ١٧٤.","vol":"2","page":748},{"text":"الخوبي في منظومته، والعراقي في ألفيته، وغيرهما ممن اختصر كتاب ابن الصلاح أو غيره، نظما أو نثرا.\n\n<span data-type='title' id=toc-243>٤ - حذف العراقي لما كرره ابن الصلاح في كتابه:</span>\nلا شك أن أولى ما يحذف عند الاختصار هو المكرر، ولهذا عمد العراقي في الألفية، إلى ترك ما وجده مكررا في كتاب ابن الصلاح، سواء كان مكررا باللفظ أو بالمعنى، وقد شاركه في انتهاج ذلك الخوبي في منظومته وكذا غيره. وإن اختلفوا في التطبيق بحيث نجد أنه يبقي أحدهم ما يحذفه الآخر حسب وجهة نظره، وبالتالي تميزت ألفية العراقي عن غيرها من المؤلفات المتعلقة بكتاب ابن الصلاح نظما ونثرا، وعن مؤلفات علم المصطلح عموما.\nومن أمثلة حذف المكرر لفظا، أن ابن الصلاح قال في تعريف الحديث الصحيح: «هو المسند الذي يتصل إسناده بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط إلى منتهاه، ولا يكون شاذا ولا معللا» (^١) وبالتأمل يظهر أنه كرر «العدل الضابط» مرتين فحذف العراقي في الألفية الثاني، للاختصار، وذكر بدله كلمة «مثله» فقال:\nفالأول المتصل الإسناد … بنقل عدل ضابط الفؤاد\nعن مثله من غير ما شذوذ … وعلة قادحة فتوذي (^٢)\nوقد فعل مثل ذلك الخوبي في منظومته مع اختلاف العبارة فقال:\n_________\n(^١) (مقدمة ابن الصلاح/ ٢٠).\n(^٢) (الألفية» / ١٦٩).","vol":"2","page":749},{"text":"«فكل ما إسناده متصل … وكل ما فيه رواة عدلوا\nواتصفوا بالضبط والإتقان … فهو صحيح وله شرطان\nسلامة عن الشذوذ المضعف … وعدم العلة فيه فاعرف» (^١)\nوكذلك فعل شيخ العراقي ابن كثير حيث قال: «قلت: فحاصل حد الصحيح: أنه المتصل سنده، بنقل العدل الضابط عن مثله، حتى ينتهي إلى رسوله ﷺ، أو إلى منتهاه، من صحابي أو من دونه .. الخ» (^٢).\nأما الإمام النووي، فأراد الاختصار أكثر فقال: «هو ما اتصل سنده بالعدول الضابطين من غير شذوذ ولا علة» (^٣) فذكر (العدول الضابطين) اختصارا لقول ابن الصلاح: «العدل الضابط عن العدل الضابط» وقد انتقده السيوطي في هذا، فقال: «إنه جمع باعتبار سلسلة السند، أي بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط، إلى منتهاه، كما عبر به ابن الصلاح، وهو أوضح، إذ عبارة المصنف توهم أن يرويه جماعة ضابطون، عن جماعة ضابطين، وهو ليس مرادا» (^٤). ومع هذا فقد تبعه على ذلك ابن الملقن بالنص (^٥).\nويمكن القول: أن العبارة التي اختارها العراقي تعتبر وسطًا، فلا هي مشتملة على تكرير كما عبّر ابن الصلاح، ولا هي موهمة، كعبارة النووي ومن تبعه فَجَمَعَتْ بين الاختصار والوضوح.\n_________\n(^١) انظر «منظومة الخوبي» / ٣ أ (مخطوط مصور).\n(^٢) «اختصار علوم الحديث» لابن كثير/ ٢٢.\n(^٣) انظر «تقريب النووي مع التدريب» / ٢٢.\n(^٤) «تدريب الراوي» للسيوطي/ ٢٢.\n(^٥) انظر «المقنع» له/ ٢.","vol":"2","page":750},{"text":"ومن المكرر المعنوي ما ذكره ابن الصلاح في الأمر الثاني من آخر نوع (الحديث المقلوب) بقوله: «إنه يجوز رواية ما سوى الحديث الموضوع من أنواع الأحاديث الضعيفة، من غير اهتمام ببيان ضعفها، فيما سوى صفات الله تعالى وأحكام الشريعة: من الحلال والحرام وغيرهما، وذلك كالمواعظ والقصص وفضائل الأعمال، وسائر فنون الترغيب والترهيب، وسائر ما لا تعلق له بالأحكام والعقائد» (^١).\nفما ذكره أولًا، من صفات الله تعالى وأحكام الشريعة من الحلال والحرام، مُتَضَمَّن في قوله ثانيًا: (الأحكام والعقائد) حيث إن صفات الله تعالى داخلة في العقائد، والحلال والحرام، داخل في الأحكام، فاقتصر العراقي في النظم على العبارة الثانية فقط فقال:\n«وسهلوا في غير موضوع رووا … من غير تبيين لضعف ورأوا\nبيانه في الحكم والعقائد … .................» (^٢)\nوذلك اختيار حَسَن، لشمول العبارة المذكورة للمحذوف، من صفات الله تعالى وأحكام الشريعة من الحلال والحرام وغير ذلك من بقية العقائد والأحكام بخلاف ما فعله شيخ العراقي ابن كثير، حيث اقتصر على ذكر (صفات الله تعالى والحلال والحرام) (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-244>خامسا: حذف العراقي لبعض مسائل كتاب ابن الصلاح، ورأيه في ذلك:</span>\nمع أن العراقي اقتصر في مقدمة شرحه للألفية على التصريح بأنه حذف من\n_________\n(^١) (مقدمة ابن الصلاح) / ١٣٧.\n(^٢) «الألفية» / ١٨٤.\n(^٣) انظر «اختصار علوم الحديث» لابن كثير/ ٩٠.","vol":"2","page":751},{"text":"كتاب ابن الصلاح الأنواع الأربعة التي فرغت من بيانها، إلا أن من يقارن كتاب ابن الصلاح بالألفية تفصيليا، يتضح له أن هناك مسائل فرعية أخرى أهمل العراقي نظمها، وقد أدرك العلماء ذلك في حياة العراقي وواجهه به تلميذه السابق التعريف به، وهو «سبط ابن العجمي» فاستدرك عليه ثلاث مسائل، ونظم كلا منها في بيت، وعرض عليه أحدها فعلا فأقره عليه وذلك أن ابن الصلاح قال في نوع «الحديث الحسن» حكاية عن الباوردي: إن مذهب النسائي أن يخرج عن كل ما لا يُجْمَعُ على تركه وأعقبه بقوله: قال ابن منده: وكذلك أبو داود السجستاني، يأخذ مأخذه، ويخرج الإسناد الضعيف، إذا لم يجد في الباب غيره؛ لأنه أقوى عنده من رأي الرجال (^١).\nوظاهر هذا الكلام يفيد أن أبا داود يشارك النسائي في إخراج حديث، من لم يجمع العلماء على تركه، وقد صرح بذلك فعلا قرين العراقي ابن الملقن (^٢)، لكن العراقي اقتصر في الألفية على نسبة ذلك للنسائي، فقط فقال:\n«والنسائي يخرج من لم يجمعوا … عليه تركا، مذهب متسع» (^٣)\nوأهمل نظم نسبة هذا لأبي داؤد، فتنبه له تلميذه سبط ابن العجمي، فذكر له أن ظاهر كلام ابن الصلاح المحكي عن ابن مندة يفيد أن أبا داود يخرج كذلك حديث من لم يجمعوا على تركه، فأقره العراقي على ذلك، فنظمه «السبط» في بيت معطوف على قول العراقي السابق:\n_________\n(^١) ومقدمة ابن الصلاح ٥/ ٥٣، ٥٤.\n(^٢) «المقنع» / ٢٠.\n(^٣) «الألفية» / ٥٧٣.","vol":"2","page":752},{"text":"«والنسائي يخرج من لم يجمعوا … عليه تركا مذهب متسع»\nفقال:\n«وقال في الأزدي أيضا مثله … كذا له وشيخنا أهمله»\nفقوله: «وقال» أي ابن منده، وقوله «الأزدي» هو أبو داود، وقوله «وشيخنا أهمله» أي العراقي أهمله في النظم (^١) وبمقارنة الألفية بمنظومة الخوبي، وجدته أهمل أيضا هذه المسألة (^٢).\nأما المسألة الثانية فهي جزء من الأمر الثالث الذي أورده ابن الصلاح في آخر مبحث الإجازة (^٣)، والمسألة الثالثة من نوع «صفة رواية الحديث وشرط أدائه» وهي عبارة عن تصويب ابن الصلاح لرأي جمهور العلماء بصحة الرواية من الكتب الموثقة المضبوطة السماع (^٤).\nويعتبر إقرار العراقي السابق لاستدراك تلميذه سبط ابن العجمي عليه، دليل على أن تصريحه المتقدم بحذف بعض الأمثلة والتعاليل ونسبة أقوال لقائليها والمكرر، لم يقصد به الحصر والاستقصاء، وإنما قصد أن هذه الأنواع هي التي كثر حذفه لها، ويؤيد ذلك أيضا أني وجدته حذف بعض مسائل غير ما\n_________\n(^١) انظر (شرح العراقي للألفية) / ٣٥ هامش (مخطوط بدار الكتب المصرية برقم ١٣٩ مصطلح تيمور).\n(^٢) منظومة الخوبي/ هـ أ.\n(^٣) انظر: «مقدمة ابن الصلاح» / ١٩٠ وقابلها ببطاقة ملحقة بصفحة/ ١٨٧ من نسخة (شرح العراقي للألفية، السابق الإحالة عليها وبـ (الألفية) مبحث لفظ الإجازة وشرطها/ ١٩٧.\n(^٤) انظر (مقدمة ابن الصلاح) / ٢٢٣ وقارنها بما في هامش ض ٢٢٩ من النسخة الخطية السابق الإحالة عليها وكذا النسخة (١٤٦) مصطلح دار الكتب/ ٩٥ أ ووالألفية) / ٢٠٥","vol":"2","page":753},{"text":"استدركه سبط ابن العجمي، ونبه بنفسه في شرح الألفية على حذفها، ووجهة نظره في الحذف.\nفمن ذلك أن ابن الصلاح ذكر من أقسام تحمل الحديث «السماع من لفظ الشيخ» ونقل عن القاضي عياض قوله: لا خلاف أنه يجوز في هذا أن يقول السامع منه: حدثنا وأخبرنا وأنبأنا وسمعت فلانًا يقول، وقال لنا فلان وذكر لنا فلان.\nثم عقب بقوله: قلت: في هذا نظر، وينبغي فيما شاع استعماله من هذه الألفاظ مخصوصًا بما سمع من غير لفظ الشيخ … أن لا يطلق فيما سمع من لفظ الشيخ، لما فيه من الإيهام والإلباس (^١)، فلم ينظم العراقي في الألفية تعقب ابن الصلاح هذا لما حكاه القاضي من الإجماع على الجواز، وقال في شرحه: «ولم أذكر هذا في النظم، لأن القاضي (عياضًا) حكى الإجماع على جوازه، وهو متجه» (^٢) فهذا صريح في أنه حذف رأي ابن الصلاح، لأنه لم يوافقه عليه، بل وافق ما حكاه القاضي عياض من الإجماع على جواز استعمال الألفاظ المذكورة عمومًا في السماع، ورجحه بقوله: «وهو متجه» أما «النووي» (^٣) و«ابن كثير» (^٤) فاكتفيا بحذف رأي ابن الصلاح، وإبقاء ما حكاه القاضي عياض دون توجيه لذلك، فزاد العراقي عنهما التوجيه، وهو أحسن.\n_________\n(^١) «المقدمة» / ١٦٦.\n(^٢) «فتح المغيث» للعراقي جـ ٢/¬٢٧.\n(^٣) «التقريب مع التدريب» / ٢٣٩.\n(^٤) «اختصار علوم الحديث» له/ ١٠٩.","vol":"2","page":754},{"text":"<span data-type='title' id=toc-245>نقد حذف العراقي لبعض المسائل:</span>\nغير أني وجدت بالمقارنة التفصيلية بين الألفية وبين كتاب ابن الصلاح، عدة مسائل أخرى، أهمل العراقي نظمها، دون أن يذكر مبررًا لحذفها، وهي في نفس الوقت مهمة وموجزة، بحيث تتلاءم مع منهجه في الاختصار، فمن ذلك بيان طريقة التعرف على المرسل الخفي (^١) وبيان أسباب الإختلاط وحكم المختلطين المحتج بهم في الصحيحين (^٢)، وبيان ما يدرك به المتفق والمفترق (^٣) وتعريف الطبقة من طبقات الرواة (^٤)، فهذه المسائل الهامة وغيرها مما أحصيته مذكورة في كتاب ابن الصلاح، ومع ذلك لم ينظمها العراقي في الألفية ولم يذكر سببًا لحذفها كما فعل في غيرها مما تقدم مثاله وذلك مما ننتقده فيه.\n\n<span data-type='title' id=toc-246>سادسًا: زيادات العراقي في الألفية، على كتاب ابن الصلاح وغيره:</span>\nإذا كان العراقي لم ينظم بعض مضامين كتاب ابن الصلاح في الألفية على النحو الذي تقدم، فإنه قد أضاف إلى ما استبقاه زيادات علمية عديدة واهتم بإبرازها كعنصر أساسي من جهده العلمي وعمله المنهجي في الألفية فقال في مقدمتها:\n_________\n(^١) انظر «مقدمة ابن الصلاح» / ٢٩٠ و«الألفية» / ٢١٥ و(فتح المغيث) للعراقي ج ٤/ ١٢٥ وما بعدها.\n(^٢) «مقدمة ابن الصلاح» / ٤٤٢، ٤٤٦ و(الألفية) / ٢٢٧ و(فتح المغيث) للعراقي ج ٤/ ١٥٣ وما بعدها.\n(^٣) «مقدمة ابن الصلاح» ٤١٦ و(الألفية) / ٢٢٣، ٢٢٤.\n(^٤) «مقدمة ابن الصلاح» / ٤٦٦ و(الألفية) / ٢٢٧ و(فتح المغيث) للعراقي ج ٤/ ١٦١.","vol":"2","page":755},{"text":"«لخصت فيها ابن الصلاح أجمعه … وزدتها علما تراه موضعه» (^١)\nوقد شارك العراقي في انتهاج الزيادة على كتاب ابن الصلاح غيره، ممن تناولوا الكتاب نظما أو نثرا، لكن العراقي كما سيظهر من المقارنة، قد يتفق أو يختلف عن الآخرين، في نوعية الزيادات ومواضعها وكميتها، تبعا لآرائه الخاصة في علم المصطلح ومبلغ علمه فيه.\nالتقسيم الشكلي لزيادات العراقي وحصر مواضعها:\nوقد قسم العراقي زياداته من حيث الشكل الذي وردت به في الألفية إلى ثلاثة أقسام:\nأحدها: ميزه بكلمة (قلت) في أوله، مثل قوله في مبحث «التدليس»:\n«.................................... … قلت: وشرها أخو التسوية» (^٢)\nوقد أحصيت مواضع هذا النوع فوجدتها ٢٦ موضعا في جميع الألفية وهذا يناقض قول العراقي في شرحه: إنه ميز أكثر الزيادات بكلمة (قلت) هذه (^٣)، لأن باقي الزيادات الأخرى أكثر من ذلك بكثير، كما سأذكره بعد.\nوثانيها: ما اعتبره متميزا بنفسه عند من له معرفة بالفن، وذلك لكونه محكيا عن أحد المتأخرين عن ابن الصلاح، كالإمام النووي وابن دقيق العيد، أو لكونه تعقيبا عليهم، أو على ابن الصلاح، وقد أحصيت مواضع هذه الزيادة في كل الألفية فبلغ أهمها ١٤ موضعا.\n_________\n(^١) «الألفية» / ١٦٩.\n(^٢) المرجع السابق/ ١٧٨.\n(^٣) «فتح المغيث» للعراقي جـ ١/¬٨.","vol":"2","page":756},{"text":"وثالثها: ما لم يميزه بكلمة «قلت» وليس مما تميز بنفسه، وقد قال في أول شرحه: إن ذلك وقع في مواضع يسيرة رأيت أن أجمعها لتعرف، وسرد منها ١٤ موضعًا (^١)، لكنه في الحقيقة لم يستوعبها، بل جمع ما نشط له حين كتابة مقدمة الشرح، وترك عددًا مساويًا لما ذكر تقريبًا، اعتمادًا على التنبيه على ذلك خلال الشرح، في مواضعه (^٢). وقد تتبعت أهمه في تضاعيف الشرح فوجدته في ١٣ موضعًا، وبذلك يكون مجموع المواضع التي وردت فيها أهم زيادات العراقي على كتاب ابن الصلاح يبلغ ٦٦ موضعًا.\nأنواع زيادات العراقي: وقد بحثت ما زاده في تلك المواضع تفصيليًا فتبين لي أن مضمونه العلمي يتنوع إلى الآتي:\nأ - زيادته على ما ذكره ابن الصلاح أو غيره في الموضوع:\nذلك أن هناك موضوعات رأى العراقي أن ابن الصلاح وغيره تركوا جوانب أو نقاطًا هامة منها، فأضافها هو في الألفية تتميمًا للفائدة معتمدًا على بحثه واطلاعه الواسعين، وعلى فهمه واستنباطه ومشاهداته بحيث وصل حلقة علم المصطلح وتطبيقه بين عصره وعصر ابن الصلاح وما قبله.\nب - تقسيمه الحديث العزيز إلى صحيح وغيره: فمن أمثلة ذلك أن ابن الصلاح ذكر انقسام كل من الحديث المشهور والغريب إلى صحيح وغير صحيح (^٣) ولم يقسم الحديث العزيز إلى ذلك، وتبعه على هذا الخوبي في\n_________\n(^١) المرجع السابق جـ ١/¬٨، ٩.\n(^٢) انظر «النكت الوفية» للبقاعي/ ٧ ب.\n(^٣) «مقدمة ابن الصلاح» ٢٦٣، ٢٧١.","vol":"2","page":757},{"text":"منظومته (^١) وكذا غيره حتى عصر العراقي (^٢).\nأما العراقي فقد جمع الغريب والعزيز والمشهور في مبحث واحد كما قدمنا، وبعد تعريفهم قال:\n«. . . . . . . . . . . . … . . . . . . . وكل قد رأوا\nمنه الصحيح والضعيف … . . . . . . . .» (^٣).\nثم قال في شرحه: «إن وصف الحديث بكونه مشهورًا أو غريبًا أو عزيزا لا ينافي الصحة ولا الضعف، بل قد يكون مشهورًا صحيحًا، أو مشهورًا ضعيفًا، أو غريبًا صحيحًا، أو غريبًا ضعيفًا، أو عزيزا صحيحًا، أو عزيزا ضعيفًا».\nثم نبه على ما زاده في هذا فقال: «ولم يذكر ابن الصلاح كون العزيز يكون منه الصحيح والضعيف، بل ذكر ذلك في المشهور والغريب فقط» (^٤).\nويعتبر بيان العراقي لانقسام الحديث العزيز إلى صحيح وغير صحيح، من استنتاجه الخاص الذي أثبته بالبحث والمطالعة في مصادر السنة المختلفة وبذكره له في الألفية يندفع ما يتبادر إلى الذهن عند الرجوع إلى كتاب ابن الصلاح، أو من تبعه، أن كون الحديث عزيزا قد ينافي الصحة أو الحسن أو\n_________\n(^١) «نظم أنواع علوم الحديث»، للخوبي نوعي ٣٠، ٣١.\n(^٢) انظر «تقريب النووي بهامش التدريب» ٤/ ٣٦٩، ٢٧٦ و«اختصار علوم الحديث» لابن كثير ١٦٥، ١٦٧ و«المقنع» لابن الملقن ٣/ ١٠٣، ١٠٥ و«محاسن الاصطلاح» بهامش «مقدمة ابن الصلاح» ٣٨٩ - ٣٩٦.\n(^٣) «الألفية» / ٢١٣.\n(^٤) «فتح المغيث» للعراقي ج ٢/¬٤، ٣.","vol":"2","page":758},{"text":"الضعف، وقد تبعه على ذلك السيوطي في ألفيته (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-247>زياداته في مراتب التعديل والتجريح، وألفاظهما:</span>\nومن زياداته الهامة أيضا، أن ابن الصلاح قسم مراتب ألفاظ التعديل والتجريح للرواة إلى أربع مراتب، تبعا لابن أبي حاتم الرازي، مع زيادة بعض ألفاظ من مصادر أخرى، ثم ذكر عدة ألفاظ لم يبين ابن أبي حاتم ولا غيره مراتبها (^٢)، وقد تبع ابن الصلاح على هذا كثيرون من بعده (^٣).\nفلما كان عصر العراقي، زاد الحافظ الذهبي في مراتب التعديل والتجريح مرتبة خامسة، وزاد في ألفاظها عدة ألفاظ (^٤)، فضم العراقي في الألفية إلى ما ذكره ابن الصلاح زيادات الذهبي، وبين مراتب الألفاظ التي لم يبينها ابن أبي حاتم ولا ابن الصلاح، وأضاف ألفاظا أخرى مما أوقفه عليه البحث والاطلاع وقد أشار إلى ذلك بقوله:\nوالجرح والتعديل قد هذبه … ابن أبي حاتم إذ رتبه\nوالشيخ زاد فيهما وزدت … ما في كلام أهله وجدت (^٥)\nومن ذلك يتضح أنه قد ضم جهود من تقدموه إلى بعضها، مضيفا إليها جهده، ليتكامل بناء هذا النوع العام من علم المصطلح، وتتحدد أقسامه\n_________\n(^١) انظر «ألفية السيوطي مع شرح الترمسي» ٤/ ٨٥.\n(^٢) انظر «مقدمة ابن الصلاح مع التقييد والإيضاح» / ١٥٧ - ١٦١.\n(^٣) انظر «تقريب النووي بهامش التدريب» / ٢٣٠ - ٢٣٢ و«اختصار علوم الحديث» لابن كثير/ ١٠٠ - ١٠٧ والمقنع لابن الملقن/ ٥٦، ٥٧.\n(^٤) انظر «ميزان الاعتدال»، للذهبي جـ ١/¬٢.\n(^٥) «الألفية» / ١٨٨.","vol":"2","page":759},{"text":"ومفاهيمه. وبيان ذلك، أن ابن أبي حاتم وابن الصلاح جعلا المرتبة الأولى من مراتب ألفاظ التعديل هي وصف الراوي بأنه: ثقة أو متقن أو ثبت أو حجة أو عدل ضابط، أو عدل حافظ (^١)، فجعل الذهبي والعراقي تبعا له، هذه المرتبة ثانية، وجعلا تكرير ألفاظها المذكورة، مرتبة أولى وبذلك صارت مراتب التعديل خمسا بزيادة هذه المرتبة على ما ذكرهم ابن الصلاح، وقد بدأ بها العراقي قائلا:\nفأرفع التعديل ما كررته … كثقة ثبت ولو أعدته (^٢)\nوقال في شرحه: مراتب التعديل على أربع أو خمس طبقات: فالمرتبة الأولى، العليا من ألفاظ التعديل، ولم يذكرها ابن أبي حاتم، ولا ابن الصلاح فيما زاده عليه، وهي إذا كرر لفظ التوثيق المذكور في هذه المرتبة الأولى، إما مع تباين اللفظين كقولهم: ثبت حجة .. أو نحو ذلك، وإما مع إعادة اللفظ الأول، كقولهم: ثقة ثقة، ونحوه .. فهذه المرتبة أعلا العبارات في الرواة المقبولين، كما قال الحافظ أبو عبد الله الذهبي في مقدمة كتابه «ميزان الاعتدال» (^٣). ثم نظم العراقي باقي مراتب التعديل وألفاظها فقال:\n«ثم يليه ثقة أو ثبت أو متقن أو … حجة أو إذا عزوا\nالحفظ، أو ضبطا لعدل، ويلي … ليس به بأس أو صدوق، وصل\nبذاك مأمونا خيارا، وتلا … محله الصدق، رووا عنه، إلى\nالصدق ما هو، كذا شيخ وسط … أو وسط فحسب، أو شيخ فقط\n_________\n(^١) (مقدمة ابن الصلاح) / ١٥٧\n(^٢) الألفية/ ١٨٨\n(^٣) «فتح المغيث»، للعراقي ج ٢/¬٣٧.","vol":"2","page":760},{"text":"وصالح الحديث أو مقاربه … جيده، حسنه، مقاربه\nصويلح صدوق إن شاء الله … أرجو بأن ليس به بأس عراه» (^١)\nوبالتأمل والمقارنة لما ذكر بما عند ابن الصلاح والذهبي، نجد أن العراقي قد استوعب ما ذكراه، مع زيادة بعض الألفاظ التي أوقفه عليها البحث في المصادر الأخرى، واضعا كلا منها في مرتبته، ثم أخر لفظ «محله الصدق» عن المرتبة التي وضعه فيها ابن أبي حاتم وابن الصلاح، وهي المرتبة الثانية عندهما، إلى المرتبة الثالثة عندهما، أو الرابعة عند الذهبي، ولهذا التأخير وجاهته؛ لأن الدرجة التي وضعه فيها ابن أبي حاتم وابن الصلاح، من ألفاظها «صدوق» الدالة على المبالغة في الوصف بالصدق، بينما «محله الصدق» تدل على مجرد الوصف بالصدق، فكيف يسوي بينهما في المرتبة؟ (^٢)\nكذلك نجد العراقي قد وضع ما ذكره ابن الصلاح من ألفاظ التوثيق بدون بيان مرتبته في المرتبة الرابعة عند ابن أبي حاتم أو الخامسة عند الذهبي، وتلك الألفاظ هي: فلان قد روي عنه الناس، أو فلان وسط أو مقارب الحديث أو ما أعلم به بأسا (^٣).\nوقد اهتم العراقي بتحديد زياداته فقال في شرحه: «وأما تمييز الألفاظ التي زدتها على كتاب ابن الصلاح فهي: المرتبة الأولى بكمالها، وفي المرتبة الثالثة: قولهم: مأمون، خيار، وفي المرتبة الرابعة: قولهم: فلان إلى الصدق ما هو وشيخ وسط، وشيخ، وجيد الحديث وحسن الحديث، وصالح الحديث\n_________\n(^١) والألفية، ١٨٨.\n(^٢) انظر «النكت الوفية» للبقاعي/ ٢٣٤ أ.\n(^٣) انظر «مقدمة ابن الصلاح» / ١٦٦، ١٦٧.","vol":"2","page":761},{"text":"وصويلح وصدوق إن شاء الله، وأرجو أنه لا بأس به، وهي نظير «ما أعلم به بأسا»، أو الأولى أرفع؛ لأنه لا يلزم من عدم العلم حصول الرجاء بذلك (^١).\nوبمقارنة هذه الألفاظ بما ذكره الذهبي، يظهر أن العراقي زاد عليه أربعة ألفاظ هي: خيار، ومأمون، وإلى الصدق ما هو، وأرجو أنه لا بأس به (^٢).\nكما يلاحظ أن قوله: «خيار، ومأمون»، قد ذكرهما ابن الصلاح عن عبد الرحمن بن مهدي، لكنه لم يحدد مرتبتهما، فحددها العراقي بالثالثة كما رأيت، ولهذا عدهما من زياداته باعتبار تحديده لمرتبتهما.\nوقد تبع العراقي على ما زاده في مراتب التعديل وألفاظه من جاء بعده حتى الآن، مع الاقتصار أو الزيادة، كتلميذه الحافظ ابن حجر العسقلاني (^٣) والسيوطي في ألفيته (^٤) والإمام اللكنوي (^٥)، وذلك دليل واضح على سلامة منهجه في وضع قواعد التعديل، وعلى عمق تأثيره فيمن بعده.\nوأما مراتب التجريح، فقد رتب ابن أبي حاتم وابن الصلاح ألفاظهما في أربع مراتب، ابتداء من أدناها وهو الأخف، إلى أعلاها وهو الأسوأ (^٦)، وجرى على هذا من بعد ابن الصلاح كثيرون، حتى عصر العراقي (^٧)، وفيه رتبها.\n_________\n(^١) (فتح المغيث، للعراقي ج ٢/¬٣٨.\n(^٢) انظر «مزان الاعتدال» للذهبي ج ١/¬٢.\n(^٣) انظر شرحه لنخبته بهامش «لقط الدرر» / ١٣٤، ١٣٥ و«مقدمة تقريب التهذيب» له.\n(^٤» «ألفية السيوطي» مع شرح الترمسي/ ١٤٦ - ١٤٨.\n(^٥) انظر «الرفع والتكميل» له/ ٧٠ - ٧٣.\n(^٦) انظر: مقدمة ابن الصلاح، ١٥٩ - ١٦١.\n(^٧) انظر (التقريب للنووي مع التدريب) / ٢٣٢ - ٢٣٤. و«المقنع» لابن الملقن ٥٧.","vol":"2","page":762},{"text":"الحافظ الذهبي بعكس هذا، فجعلها من الأغلا إلى الأدنى، وزاد مرتبة خامسة بألفاظها، وجعلها أعلا من الأربعة كما فعل في مراتب التعديل وفرق أيضا في المراتب بين بعض الألفاظ التي جمعها ابن أبي حاتم وغيره في مرتبة واحدة، كما زاد ألفاظا أخرى (^١) وقد تبعه العراقي على كل هذا، فأضافه في الألفية إلى ما ذكره ابن الصلاح، مع بعض زيادات من جانبه، وبدأ بالمرتبة الأولى فقال:\n«وأسوأ التجريح كذاب يضع … يكذب، وضاع ودجال، وضع»\nثم أتبعه بذكر المراتب الأربعة الأخرى، مستوعبا ألفاظها المذكورة عند ابن الصلاح والذهبي، وما لم يبين ابن أبي حاتم ولا ابن الصلاح مرتبته من الألفاظ، وضعه هو في المرتبة المناسبة (^٢) كما زاد ألفاظا كثيرة، واضعا لها فيما يناسبها من المراتب، وبين ذلك في شرحه فقال: «وأما تمييز ما زدته من ألفاظ الجرح على ابن الصلاح فهي ..»\nوساق واحدا وثلاثين لفظا، ثم عقب عليها بقوله: «فهذه الألفاظ لم يذكرها ابن أبي حاتم ولا ابن الصلاح، وهي موجودة في كلام أئمة هذا الشأن» (^٣).\nوبذلك بين العراقي جهده، وميزة ألفيته عن غيرها. فميزة ألفيته أنها اشتملت على تلك الألفاظ العديدة بالإضافة لما جمعه من\n_________\n(^١) انظر «ميزان الاعتدال» للذهبي ١/ ١١٤ (بتحقيق الشيخ علي معوض وآخرين).\n(^٢) انظر «مقدمة ابن الصلاح» / ١٥٩ - ١٦١ وقارن بالألفية مراتب التجريح/ ١٨٩.\n(^٣) «فتح المغيث»، للعراقي جـ ٢/¬٤٢.","vol":"2","page":763},{"text":"قبله ابن الصلاح، في كتابه، كما أننا حين نقارن الألفاظ الواحد والثلاثين التي زادها على ابن الصلاح، بما ذكره الذهبي في مقدمة الميزان (^١)، نجد أن العراقي قد زاد عنه ثلاثة عشر لفظا هي كالآتي: فلان وضع، ولا يعتبر به، ورد حديثه، وطرحوا حديثه، وارم به، ولا يساوي شيئا، وواه، وليس بالمتين، وليس بعمدة، وليس بالمرضي، وللضعف ما هو، وطعنوا فيه (^٢).\nوأما جهد العراقي فيتمثل في جمع شتات هذه الألفاظ من مصادرها ووضع كل منها في المرتبة المناسبة له، بحسب ما ظهر له، وقد كان هذا هو عمل المتأخرين من علماء الجرح والتعديل، وعلى أساسه تفاوتت جهودهم.\nوقد تابع العراقي على ما قرره في ألفيته من مراتب التجريح وما زاده فيها من ألفاظ اصطلاحية من جاء بعده حتى الآن، مع الاقتصار أو الزيادة، كالسيوطي في (ألفيته) (^٣) و(تدريبه) (^٤) واللكنوي في (الرفع والتكميل) (^٥).\nوبذلك اعتبر العراقي من أئمة الجرح والتعديل المرجوع إلى قولهم فيه (^٦).\n\n<span data-type='title' id=toc-248>إثباته صحة الإجازة للكافر استنباطا:</span>\nوإذا كان من زيادات العراقي ما جمعه من مؤلفات سابقيه من علماء السنة وأعاد ترتيبه بخبرته وفهمه، كما رأيناه فإن من الزيادات ما لم يجد فيه نصا\n_________\n(^١) انظر وميزان الاعتدال، ج ١/¬٢.\n(^٢) انظر «فتح المغيث» للعراقي/ ٤٣ وهـ الألفية» / ١٨٩.\n(^٣) «ألفيته مع شرح الترمسي» / ١٤٩، ١٥٠.\n(^٤) «تدريب الراوي» / ٢٣٣ - ٢٣٥\n(^٥) انظر: الرفع والتكميل، له/ ٧٨ - ٨٢\n(^٦) انظر وأصول الحديث، لأستاذنا الدكتور محمد أبو شهبة/ ٣٩.","vol":"2","page":764},{"text":"ولا عملا للسابقين، فاستنبطه من عمل العلماء في عصره، وضمه إلى رصيد علم المصطلح.\nومن ذلك أنه في مبحث النوع السابع من أنواع «تحمل الحديث» تناول حكم الإجازة للطفل والكافر فقال:\n«والسابع الإذن لغير أهل … للأخذ عنه، كافر أو طفل\nغير مميز، وذا الأخير … رأي أبو الطيب والجمهور\nولم أجد في كافر نقلا بلى … بحضرة المزي تترى فعلا» (^١)\nثم ذكر في الشرح أن ابن الصلاح ذكر جواز الإجازة للصبي المميز عند الجمهور، كما هو في النظم، ثم قال: «وزدت عليه في النظم: الإجازة للكافر» (^٢)، وبعد ذكر كلام ابن الصلاح عن إجازة الصبي قال: «وأما الإجازة للكافر فلم أجد فيها نقلا .. ولم أجد عن أحد من المتقدمين والمتأخرين الإجازة للكافر»، ثم بين مستنده فقال: «إلا أن شخصا من الأطباء بدمشق ممن رأيته بدمشق ولم أسمع عليه، يقال له محمد بن عبد السيد الديان، سمع الحديث في حال يهوديته على أبي عبد الله محمد بن عبد المؤمن الصوري وكتب اسمه في طبقة السماع مع السامعين، وأجاز ابن عبد المؤمن لمن سمع وهو من جملتهم، وكان السماع والإجازة بحضور الحافظ أبي الحجاج يوسف بن عبد الرحمن المزي، وبعض السماع بقراءته، وذلك في غير ما جزء، منها جزء ابن عترة»، ثم عقب العراقي على ذلك قائلا: «فلولا أن المزي يرى جواز ذلك، ما أقرَّ عليه»، وأتبع ذلك بقوله: «ثم هدى الله ابن\n_________\n(^١) «الألفية» / ١٩٦.\n(^٢) انظر «الألفية» / ١٦٩) (فتح المغيث) للعراقي ج ٢/ ٧٣.","vol":"2","page":765},{"text":"عبد السيد المذكور للإسلام، وحدث، وسمع منه أصحابنا (^١).\nوبذلك ترى أن العراقي استنبط جواز الإجازة برواية الحديث للكافر حال كفره، شريطة أن يؤدي بعد إسلامه، من هذه الوقائع العملية التي عاصرها بنفسه، أما قرينه ابن الملقن فقد وجدته استنبط ذلك بالقياس، حيث إن العلماء أجازوا سماع الكافر للحديث حال كفره، وإن كان لا يحل له الأداء إلا إذا أسلم، فقاس ابن الملقن صحة الإجازة له على صحة سماعه، فقال: «وقياس سماع الكافر حال كفره، صحة الإجازة له (^٢)».\nفلعل ابن الملقن لم يطلع على الوقائع السابقة التي اعتمد عليها العراقي ولا شك أن الدليل العملي أقوى من القياس النظري، فتميزت ألفية العراقي بتسجيل هذه الوقائع العملية وأشباهها، واستنباط بعض قواعد علوم السنة منها أو تأييدها بها.\nثم تبع العراقي على ذلك السيوطي في ألفيته (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-249>٢ - ما زاده العراقي في الألفية بديلا عما حذفه:</span>\nقدمنا من قبل أن العراقي حذف بعض مضامين كتاب ابن الصلاح لكونه رأى عدم صلاحيتها في موضوعها، ونضيف هنا أنه جعل بعض زياداته في الألفية بديلا عما حذفه، ومثال ذلك: أن ابن الصلاح في نوع «الحديث المنكر» مثل الفرد المخالف للثقات، بحديث مالك عن الزهري عن علي بن\n_________\n(^١) «فتح المغيث» للعراقي ج ٢/ ٧٤.\n(^٢) «المقنع» لابن الملقن/ ٦٨.\n(^٣) «ألفية السيوطي مع شرح الترمسي» / ١٧٣.","vol":"2","page":766},{"text":"حسين عن عمر بن عثمان عن أسامة بن زيد عن رسول الله ﷺ قال: «لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم».\nوقال: «فخالف مالك غيره، في عمرو ابن عثمان - بضم العين»، ونقل ابن الصلاح عن الإمام مسلم أن كل من رواه من أصحاب الزهري قال «فيه: عمرو بن عثمان يعني - بفتح العين»، وذكر أن مسلما وغيره حكموا على مالك بالوهم فيه» (^١).\nلكن العراقي عارض ابن الصلاح في التمثيل بهذا الحديث، فلم يذكره في النظم وذكر حديثا آخر بديلا عنه مع الإشارة للرد على ابن الصلاح حيث قال:\n«................................ … ومالك سمى ابن عثمان عمر\nقلت فماذا، بل حديث نزعه … خاتمه عند الخلاء ووضعه» (^٢)\nثم قال في شرحه، بعد ذكر حديث الإمام مالك المتقدم: «هكذا مثل ابن الصلاح بهذا المثال، وفيه نظر من حيث إن هذا الحديث ليس بمنكر، ولم يطلق عليه أحد اسم النكارة فيما رأيت، والمتن ليس بمنكر، وغايته أن يكون السند منكرا أو شاذا؛ لمخالفة الثقات لمالك في ذلك، ولا يلزم من شذوذ السند ونكارته، وجود ذلك الوصف في المتن … وإلى هذا الإشارة بقولي: قلت: فماذا؟ أي وإذا قال مالك عمر بن عثمان، فماذا يلزم منه من نكارة المتن؟ وأتبع ذلك بقوله: ثم أشرت إلى مثال صحيح لأحد قسمي المنكر بقولي: (بل حديث نزعه) إلى آخره، أي بل هذا الحديث مثال لهذا القسم\n_________\n(^١) «المقدمة» / ١٠٦، ١٠٧.\n(^٢) «الألفية» / ١٧٩.","vol":"2","page":767},{"text":"مِنْ المُنكر وهو ما رواه أصحاب السنن الأربعة من رواية همّام بن يحيى عن ابن جريج عن الزهري عن أنس قال: كان رسول الله ﷺ إذا دخل الخلاء وضع خاتمه، قال أبو داود بعد تخريجه: هذا حديث مُنكر …، وكذا قال النسائي إنه غير محفوظ (^١).\nوبالتأمل يظهر لنا أن العراقي رد المثال الذي ذكره ابن الصلاح، معتمدًا على فهمه لقواعد علوم السنة وتطبيقها، وعلى الدليل المستمد من كتب السنة كما يظهر أيضًا أن المثال البديل الذي ذكره، قد استخرجه بالبحث المباشر في عدة مصادر أصيلة، وهذا مما يدل على جهده العلمي المبذول من خلال الألفية في معالجة نقاط الضعف والخطأ في كتاب ابن الصلاح خصوصًا، وفي استكمال مباحث علوم السنة عمومًا.\nثم إني وجدت ابن الملقن قد عارض وصف أبا داود الحديث «نزع الخاتم» بالنكارة فقال: «إن فيه نظرًا» (^٢) وذكر السخاوي نحو هذا أيضًا (^٣).\nوقد كان العراقي يعلم ذلك، ولكنه قرر أن رأي أبي داود أولى بالصواب وأنه اشتهر تفرد همّام بالحديث عن ابن جريج (^٤). ولعل مما يؤيده قول النسائي أيضًا بأنه غير محفوظ كما تقدم.\nوبذلك يعد تمثيله بالحديث في الألفية ترجيحا منه لرأي أبي داؤد على غيره.\n_________\n(^١) «فتح المغيث»، للعراقي جـ ٢/ ٩٢، ٩٣.\n(^٢) انظر «تدريب الراوي»، للسيوطي/ ١٥١، ١٥٢.\n(^٣) انظر «المقنع» له/ ٣٨ هامش.\n(^٤) «فتح المغيث» للسخاوي جـ ١/ ١٩٣.","vol":"2","page":768},{"text":"وَقَدْ أقَرَّهُ عَلَى هَذَا السُّيُوطِيُّ مِنْ بَعْدِهِ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-250>٣ - زيادات العراقي الانتقادية:</span>\nخصص العراقي عددًا من زياداته في الألفية لتصفية آراء المتقدمين عليه من علماء السنة، سواء ابن الصلاح أو غيره، فتناول بالنقد المنصف عددًا من آرائهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-251>نقده لابن الصلاح:</span>\nيعد ابن الصلاح أكثر من اعتنى العراقي في الألفية بنقد آرائه وغربلتها، باعتبار أن كتابه هو مصدر الألفية الأساسي كما قدمنا.\nومن أمثلة ذلك أن ابن الصلاح ذكر في (نوع الحديث الصحيح) أن الأحاديث الصحيحة الزائدة على ما في كتابي البخاري ومسلم، تؤخذ بما اشتمل عليه أحد المصنفات المعتمدة المشهورة لأئمة الحديث، منصوصًا على صحته فيها، أو يكون موجودًا في كتب من اشترط منهم الصحة فيما جمعه ككتاب ابن خزيمة وغيره (^٢).\nوقد تبع ابن الصلاح على هذا تلميذه الخوبي في منظومته، فقال:\n«ويوجد الزائد فيما اعتمدا … من التصانيف إذا ما وجدا\nفيها قضاؤهم لها بالصحة … فليس في صحتها مِنْ قَدْحَة» (^٣)\nوتبعه أيضًا الإمام النووي في تقريبه (^٤).\n_________\n(^١) انظر «التقييد والإيضاح»، للعراقي/ ١٠٨.\n(^٢) «مقدمة ابن الصلاح مع التقييد والإيضاح»» / ٢٧ - ٣٠.\n(^٣) انظر «منظومة الخوبي» / ٣ ب.\n(^٤) «التقريب بهامش التدريب» ٥/ ٥١.","vol":"2","page":769},{"text":"أما العراقي فقال:\n«وخذ زيادة الصحيح إذ تنص … صحته أو من مصنف يخص\nمن يجمعه نحو ابن حبان الزكي … وابن خزيمة وكالمستدرك» (^١).\nويلاحظ أنه لم يقيد أخذ الصحيح بالمصنفات المعتمدة كما قيد ابن الصلاح وبين في شرحه أنه قصد بذلك رد رأي ابن الصلاح في هذا التقييد، فقال بعد ذكر كلامه: «كذا قيده ابن الصلاح بمصنفاتهم، ولم أقيده، بل إذا صح الطريق إليهم أنهم صححوه ولو في غير مصنفاتهم، أو صححه من لم يشتهر له تصنيف من الأئمة، كيحيى بن سعيد القطان، وابن معين ونحوهما فالحكم كذلك على الصواب» (^٢).\nوالواقع أن في تقييد ابن الصلاح تضييق بدون موجب، لدائرة مصادر أهم أنواع الحديث وهو الحديث الصحيح، ولهذا فإن العراقي مصيب في انتقاده ورده عليه في محله.\nوقد التقى معه في هذا سراج الدين ابن الملقن حيث علق على كلام ابن الصلاح السابق بقوله: «قيد المصنف بمصنفاتهم، ولا يحتاج إليه، فإطلاقه أولى (^٣)، ومشى على ذلك أيضا السيوطي في ألفيته» (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-252>نقده للإمام الترمذي:</span>\nومن زيادات العراقي الانتقادية ما وجهه لمن تقدم على ابن الصلاح، كالإمام\n_________\n(^١) انظر (الألفية) / ١٧٠.\n(^٢) (فتح المغيث) للعراقي جـ ١/¬١٩.\n(^٣) انظر (المقنع) / ٨ هامش.\n(^٤) (ألفية السيوطي مع شرح الترمسي) ٤/¬٢٨.","vol":"2","page":770},{"text":"الترمذي، وذلك أن ابن الصلاح في نوع الحديث المعلل قال: «وسَمَّى الترمذي النَّسْخَ عِلَّة» ولم يعلق على ذلك بشيء (^١).\nوهكذا فعل النووي من بعده (^٢)، بينما حذف الحافظ ابن كثير في اختصاره لكتاب ابن الصلاح هذه النقطة كلية (^٣).\nأما العراقي فنظم قول الترمذي مع زيادة الرد عليه من جانبه. فقال:\n«والنسخ سمَّى الترمذي عِلَّة فإن يرد في عمل فاجنح له» (^٤)\nوقال في شرحه: أي وسمى الترمذي النسخ علة من علل الحديث وقولي: «فإن يرد …» هو من الزوائد على ابن الصلاح، أي فإن أراد الترمذي أنه علة في العمل بالحديث، فهو كلام صحيح، فاجنح له أي: مِلْ إلى كلامه وإن يرد أنه علة في صحة نقله فلا؛ لأن في الصحيح أحاديث كثيرة منسوخة (^٥).\nوبهذا أيد العراقي نقده بالدليل المقنع. وقد وافقه في هذا قرينه ابن الملقن فذكر قول الترمذي وعقب عليه بأنه لعل مراده كون النسخ علة لترك العمل بالمنسوخ (^٦)، كما تابعه عليه السيوطي في ألفيته (^٧).\n_________\n(^١) «مقدمة ابن الصلاح» / ١٢٢.\n(^٢) «تقريب النووي مع التدريب» ٤/ ١٦٦.\n(^٣) «اختصار علوم الحديث» له/ ٦٣ - ٦٥.\n(^٤) «الألفية» ١/ ١٨١.\n(^٥) «شرح العراقي» ج ١/ ١١٣.\n(^٦) «المقنع» / ٤٤.\n(^٧) «ألفية السيوطي مع شرح الترمسي» / ١٠٣.","vol":"2","page":771},{"text":"<span data-type='title' id=toc-253>نقده للإمام النووي:</span>\nومن زياداته: ما رد به على من تأخر عن ابن الصلاح كالإمام النووي، فمن ذلك أن ابن الصلاح نقل عن الحافظ أبي عبد الله بن الأخرم قوله: قل ما يفوت البخاري ومسلما مما يثبت من الحديث، وعقب عليه بقوله: يعني في كتابيهما، ثم رد عليه بأمرين:\nأحدهما: أن الحاكم قد استدرك عليهما في كتابه المعروف بالمستدرك على الصحيحين أحاديث كثيرة، صحيحة.\nوثانيهما: أن البخاري نفسه قال: «أحفظ مائة ألف حديث» بينما جملة ما في كتابه أقل كثيرا، حيث يبلغ ٧٢٧٥ حديثا بالمكرر (^١).\nفذكر الإمام النووي قول ابن الأخرم مع الإشارة لرد ابن الصلاح عليه فقال: قيل ولم يفتهما إلا القليل، وأنكر هذا، ثم أتبع ذلك بقوله: والصواب أنه لم يفت الأصول الخمسة إلا اليسير، أعني الصحيحين وسنن أبي داود والترمذي والنسائي (^٢).\nوقد تبعه على هذا الخويي في منظومته فقال:\n«ولم يفتهما سوى القليل … من الصحيح الثابت المنقول\nفي قول بعضهم، ولم يصوب … بل الصواب أن خَمْسَ الكتب\nما فاتها من الصحيح إلا شيء يسر عده قد قلا» (^٣)\n_________\n(^١) ٥ «مقدمة ابن الصلاح» / ٢٧.\n(^٢) «التقريب» / ٤٧.\n(^٣) «منظومة الخوبي»: ٣ ب.","vol":"2","page":772},{"text":"أما العراقي فذكر تصويب النووي المذكور وضعفه فقال:\n«… لكن قال يحيى البر … لم يفت الخمسة إلا النزر\nوفيه ما فيه لقول الجعفي … أحفظ منه عشر ألف ألف» (^١)\nوقال في شرحه: «ويحيى هو الشيخ محيي الدين النووي»، وقال في: «التقريب والتيسير»: «والصواب أنه لم يفت الأصول الخمسة إلا اليسير …» ثم قال: «وفيه ما فيه» أي في كلام النووي ما فيه، لقول الجعفي وهو البخاري أحفظ مائة ألف حديث صحيح (^٢).\nوقد ذكر البقاعي (^٣) والسخاوي (^٤) أن قول العراقي «فيه ما فيه» كناية عن ضعف ما تعقبه، وهو رأي النووي المشار إليه، واستعماله الكناية في النقد من دلائل عفته فيه، كما أنه التزم بأصول النقد، حيث قرن تضعيفه لرأي النووي بالدليل الكافي؛ لأن عدد أحاديث الكتب الخمسة مجتمعة، أقل مما صرح البخاري وحده بأنه يحفظه من الأحاديث الصحيحة، فضلا عن أصحاب الكتب الأربعة الأخرى، وهم: الإمام مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي (^٥). ومع هذا فقد حاول السيوطي تصحيح رأي النووي. وذلك بحمل قول البخاري: «أحفظ مائة ألف» على أنه أدخل في هذا العدد الأحاديث المكررة والموقوفة على الصحابة أو التابعين، ثم قال: «وبهذا الاعتبار، يرجع المرفوع.\n_________\n(^١) «الألفية»» / ١٧٠.\n(^٢) «فتح المغيث»، للعراقي ج ١/¬١٨.\n(^٣) «النكت الوفية»» / ٢٦ ب.\n(^٤) «فتح المغيث»، للسخاوي ج ١/¬٣٢.\n(^٥) انظر «قطر الدرر»، للسيوطي/ ٣ أ.","vol":"2","page":773},{"text":"من المائة ألف، السالم من التكرار، إلى ما في الكتب الخمسة، وزيادة يسيرة توجد في المسانيد فصح كلام النووي (^١) ومشى على هذا في ألفيته مخالفا لرأي العراقي (^٢).\nوبالنظرة المتأنية نجد أن حمل كلام البخاري على ما ذكر السيوطي لا ينهض دليلا لصحة رأي النووي، فقد ذكره العراقي عقب استدلاله بظاهر قول البخاري «أحفظ مائة ألف» فقال:\n«وعله أراد بالتكرار … لها، وموقوف … ..» (^٣)\nفلو كان يرى هذا كافيا في تصحيح رأي النووي، لما قدم عليه القول بتضعيفه، ثم إننا لو قبلنا هذا المحمل لكلام البخاري، يبقى علينا أصحاب الكتب الأربعة الأخرى، فمن المقرر أن كلا منهم لم يستوعب في كتابه أكثر ما صح لديه، خشية التطويل باعتراف السيوطي نفسه (^٤)، كما أن هناك من ألف في الصحيح غيرهم، ووجد عنده كثير مما ليس عندهم، كابن خزيمة وابن حبان وغيرهما، وأكثر من هذا، أن السيوطي نفسه نقل عن الحافظ ابن حجر أنه قال: «قول النووي: لم يفت الخمسة إلا القليل، مراده من أحاديث الأحكام خاصة، أما غير الأحكام فليس بقليل» (^٥)، وبهذا يترجح تضعيف العراقي لرأي النووي.\n_________\n(^١) «قطر الدرر» للسيوطي: ٣ أ.\n(^٢) «ألفية السيوطي مع شرح الترمسي» ٢٧، ٢٨.\n(^٣) «الألفية» / ١٧٠\n(^٤) «البحر الذي زخر»، له/ ٣٣ أ.\n(^٥) «البحر الذي زخر» للسيوطي: ٣٤ أ.","vol":"2","page":774},{"text":"<span data-type='title' id=toc-254>٤ - ما انتقد على العراقي من زياداته:</span>\nمن واجب الباحث المنصف أن يقدم الشخصية التي يدرسها بما لها وما عليها ما استطاع؛ ولهذا فإني أقرر أنه: «إذا كان العراقي في زياداته على ابن الصلاح كما أوضحت قد ثَرَّى علم المصطلح بإضافات علمية، وتحقيقات دقيقة وآراء صائبة، فإن من زياداته ما هو منتقد فيه، وإن قل».\nفمن ذلك: أن ابن الصلاح ذكر أن من أراد العمل أو الإحتجاج بحديث وهو ممن يسوغ له ذلك، فسبيله أن يرجع إلى أصل من أصول كتب الحديث المعتمدة، يكون مقابلًا بأصول صحيحة (^١)، فأضاف العراقي في الألفية إلى ذلك قوله:\n\"قلت: ولابن خير امتناع … جزم سوى مرويه إجماع\" (^٢)\nوقال في شرحه: «لما ذكر ابن الصلاح أن من أراد أخذ حديث من كتاب من الكتب المعتمدة، أخذه من كتاب مقابل، أحببت أن أذكر أن بعض الأئمة حكى الإجماع على أنه لا يحل الجزم بنقل الحديث، إلا لمن له به رواية وذلك هو الحافظ أبو بكر محمد بن خير بن عمر الأموي - بفتح الهمزة - الإشبيلي»، فقال في برنامجه المشهور: «فقد اتفق العلماء ﵏ على أنه لا يصح لمسلم أن يقول: «قال رسول الله ﷺ كذا، حتى يكون عنده ذلك القول مرويًا، ولو على أقل وجوه الروايات، لقوله ﷺ: «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» وفي بعض الروايات: «من كذب علي\n_________\n(^١) «مقدمة ابن الصلاح» / ٤٢، ٤٣.\n(^٢) «الألفية»: ١٧٢","vol":"2","page":775},{"text":"مطلقا، دون تقييد» (^١).\nوهكذا نجد العراقي ذكر في الألفية والشرح حكاية ابن خير لهذا الإجماع وأقره، كما نجد أنه فسره في الشرح بظاهره، وهو تحريم الجزم بنقل الحديث من الكتب المعتمدة لمن ليس له بها رواية.\nولكن العلماء من قبل العراقي وفي عصره ومن بعده، قد ردوا على ابن خير حكاية الإجماع المذكور، بل نقلوا الإجماع على خلافه، وصرفوا كلامه عن ظاهره الذي فسره به العراقي، وأقر ابن خير عليه، وانتقد المتأخرون العراقي في ذلك، فقال البقاعي: «إن معنى كلام ابن خير مشكل جدا منطوقا ومفهوما، وقد نقله الشيخ (العراقي) ساكتا، فكأنه ارتضاه (^٢) أما السيوطي فقد ذكر كلام العراقي في الألفية وشرحها كما تقدم»، ثم قال: «هكذا ذكره العراقي ولم يتعقبه»، وقد تعقبه الزركشي (^٣) فقال: «الإجماع منعقد على جواز النقل من الكتب المعتمدة، ولا يشترط اتصال السند إلى مصنفيها وممن حكى ذلك الأستاذ أبو إسحق الإسفراييني، وهو شامل لكتب الحديث والفقه، وعمل الناس على ذلك»، ثم نقل الزركشي عن الشيخ عز الدين بن عبد السلام أن العلماء في عصره اتفقوا على جواز الاعتماد على الكتب الصحيحة الموثوق بها، والمشهورة في سائر العلوم؛ لأن الثقة قد حصلت بها كما تحصل بالرواية، وأن من اعتقد أن الناس اتفقوا على الخطأ فهو أولى بالخطأ منهم، … ثم قال الزركشي: «وأما ما ذكره ابن خير، فنقله الإجماع.\n_________\n(^١) (فتح المغيث) للعراقي ج ١/¬٣٥.\n(^٢) «النكت الوفية» له/ ٥٨ ب.\n(^٣) هو معاصر للعراقي وقد توفي بمصر سنة ٧٩٤ هـ.","vol":"2","page":776},{"text":"عجيب، وإنما حكى ذلك عن بعض المحدثين، ثم هو معارض بنقل ابن برهان إجماع الفقهاء على الجواز، وقد جزم به ابن الصلاح، وشدد النكير على قائل خلافه، وكذلك (الكيا الطبري) و(الغزالي) وغيرهما، وليس هذا الناقل (يعني ابن خير) مشهورا بالعلم مثل اشتهار هؤلاء الأئمة، وقد قال أبو الوليد الباجي في كتابه (الفصول): (روي عن الشافعي في الرسالة أنه يجوز أن يحدث بالخبر وإن لم يعلم أنه سمعه، فأي إجماع يبقى بعد ذلك؟).\nثم ناقش الزركشي استدلال (ابن خير) على منع النقل بحديث (من كذب علي) فقال: «واستدلاله على المنع بالحديث المذكور، أعجب، إذ ليس في الحديث اشتراط ذلك، وإنما فيه تحريم الجزم بنسبة الحديث إلى النبي ﷺ حتى يتحقق أنه قاله، وهذا لا يتوقف على روايته، ويكفي في ذلك علمه بوجوده في كتب من أخرج الصحيح، أو نص إمام على صحته» (^١).\nوأما سراج الدين بن الملقن فوصف حكاية ابن خير للإجماع المذكور، بأنها من النقول الغريبة، وقال: (إن استدلاله بحديث (من كذب علي) ليس مطابقا لما ادعاه) (^٢).\nوبهذا يتضح لنا أن العراقي لم يصب في موافقته لابن خير؛ لأن الإجماع الذي حكاه وأقره العراقي عليه بظاهره، منقوض، واستدلاله مرفوض والجمهور متفقون على جواز النقل من الكتب المعتمدة بالصورة التي منعها ابن خير، وهي أن يجزم الناقل فيقول: (وقال رسول الله ﷺ كذا، ونحو ذلك\n_________\n(^١) (البحر الذي زخر) ٤٧/ ب، ٤٨ م.\n(^٢) (المقنع) /¬١٤.","vol":"2","page":777},{"text":"دون توقف على وجود رواية بذلك للناقل» قال الزركشي: «فمن قال إن شرط التخريج من كتاب يتوقف على اتصال السند إليه، فقد خرق الإجماع وغاية المخرج أن ينقل الحديث من أصل موثوق بصحته، وينسبه إلى من رواه (^١). ولهذا، فإن السيوطي في ألفيته، قد خالف العراقي، وغَلَّطَ ابن خير صراحة في حكاية الإجماع فقال:\n«ومن لنقل في الحديث شرطًا … رواية ولو مُجَازًا غَلَطًا» (^٢)\nكذلك لم يصب العراقي في جعل منع النقل من الكتب في كلام ابن خير على ظاهره، وهو الحرمة المطلقة كما مر؛ لأن العلماء بعد الرد على كلام ابن خير كما قدمنا، اتجهوا لصرفه عن ظاهره، فالإمام البقاعي بعد ذكره أن كلام ابن خير مشكل منطوقًا ومفهومًا كما مر، قال: «أما منطوقا فإنه صريح في أنه لا يسوغ لأحد الجزم بما وجده من الأحاديث الصحيحة التي ليس له بها رواية أصلا.\nوأما مفهوما، فإنه يقتضي أنه إذا وجد أحد حديثا له به رواية، ساغ له الجزم به، سواء كان ضعيفًا أو غير ضعيف»، وهذا لا يوافق عليه أحد»، ثم استدرك قائلا: «لكن تعليله بحديث «من كذب علي» يرشد إلى أن كلامه ليس على ظاهره، وأن مراده الزجر عن الجزم بما لم يعرف كونه محتجا به وسكت عن بيان حاله، أما إذا نقله بصيغة التمريض، أو غيرها ثم بين حاله من صحة وسقم، فإنه لا يمنع من ذلك» ثم قال: «وكأن ابن خير أراد هذا\n_________\n(^١) وتدريب الراوي ٤/ ٨٦.\n(^٢) «ألفية السيوطي بشرح الترمسي» / ٣٥، ٣٦.","vol":"2","page":778},{"text":"المعنى فانقلب عليه التعبير عنه، ولو قال: حتى يكون عنده محتجا به» بدل قوله «مرويا … الخ» لكان حسنا، ثم قال: وكأن النظم (يعني في ألفية العراقي) حينئذ يكون:\n«قلت ولابن خير امتناع … جزم بغير ثابت إجماع» (^١)\nأما السيوطي فقال في تأويله: «إن ابن خير إنما قصد بذلك ردع العوام ومن لا علم له بالأحاديث عن الإقدام على الرواية عن النبي ﷺ بغير مستند، وأما أهل العلم الذين يمكنهم مراجعة الكتب والنقل منها، فلا يمتنع عليهم ذلك ويكون مستندهم في ذلك الوجادة، وهي من أقل وجوه الروايات»، وانظر إلى قوله: «حتى يكون عنده مرويًا» ولم يقل «حتى يكون مرويا له» وبينهما فرق؛ فإن العبارة الثانية تشعر بأن يكون له به رواية والأولى لا تدل على ذلك بل تدل على أنه ثبت عنده أنه مروي عن النبي ﷺ، وإن لم يتصل السند إليه، بأن يرويه غيره ويتحقق هو بذلك، ثم قال: «وهذا شرط في غاية الحسن وما أظن أحدا يخالف فيه» (^٢).\nوأقول: «إن هذا ما يجري عليه العمل حتى عصرنا الحاضر، ويظهر أن العراقي لم يظل على ما قرره في الألفية وشرحها من موافقة ابن خير على ظاهر كلامه، بل مال بالتدريج إلى تأويله»، وذلك فيما ألفه بعد الألفية وشرحها ففي كتابه (تقريب الأسانيد)، أشار إلى حمل كلام ابن خير على الكراهة فقط، وليست الحرمة كما ذكر في الألفية وشرحها (^٣) أما في كتابه «الباعث\n_________\n(^١) النكت الوفية/ ٥٨/ ب، ١/ ٥٩.\n(^٢) «البحر الذي زخر» للسيوطي/ ٤٨ ب.\n(^٣) انظر «تقريب الأسانيد وترتيب المسانيد» للعراقي/ ٣.","vol":"2","page":779},{"text":"على «الخلاص» فحمله على منع جماعة مخصوصين، وهم من لم يعرف لهم تعلم شيء من علم الحديث عن أهله (^١) كما سيأتي بيان ذلك في محله.\nوهذا التأويل الأخير يلتقي مع تأويل السيوطي السابق ذكره، لكن لا يعفي العراقي كلية من النقد فيما قرره أولا في الألفية ثم شرحها؛ لأنه لم يصرح برجوعه عن ذلك كما فعل في غيره مما سنذكره في الفقرة التالية.\n\n<span data-type='title' id=toc-255>٥ - تصريح العراقي بالرجوع عن بعض زياداته في الألفية:</span>\nلما كانت الألفية من أوائل مؤلفات العراقي، فإنه زاد فيها على كتاب ابن الصلاح ما تبين له فيما بعد خطؤه، وذلك في موضع واحد، فلم يستنكف عن الإعتراف بخطئه، وبيان سببه، وتسجيل الرجوع عنه فيما ألفه بعد ذلك وهذا من خير الأدلة على اتصافه بالأمانة العلمية وتقديمه لها على أي اعتبار.\nوبيان ذلك: أن ابن الصلاح قال في نوع «المختلف والمؤتلف»: جميع ما في الصحيحين والموطأ هو على صورة «بشر» بالشين المنقوطة وكسر الباء إلا أربعة، فإنهم بالسين المهملة وضم الباء، وهم عبد الله بن بسر المازني من الصحابة، وبسر بن سعيد، وذكر الإثنين الآخرين (^٢) فزاد العراقي في الألفية ذكر بسر المازني والد عبد الله المذكور، فقال: وابن سعيد بُشْر مثل المازني (^٣) وقال في شرحه: «ولم يذكر ابن الصلاح «بُشْر المازني» وحديثه في\n_________\n(^١) انظر «الباعث على الخلاص من حوادث القصاص» للعراقي/ ١٩ (مخطوط).\n(^٢) مقدمة ابن الصلاح، ص ٣٩١.\n(^٣) والألفية» / ٢٢٢.","vol":"2","page":780},{"text":"صحيح مسلم على ما ذكره المزي في التهذيب، وإنما ذكر ابنه عبد الله بن بسر» (^١).\nولكن في نكته على كتاب ابن الصلاح الذي فرغ من تأليفه بعد الألفية وشرحها، علق على ذكر ابن الصلاح لـ «عبد الله بن بسر» بقوله: وقد كنت اعترضت على المصنف في شرح الألفية، حيث لم يذكر أباه «بسر المازني» فإن حديثه في صحيح مسلم، وكنت قلدت في ذلك الحافظ أبا الحجاج المزي، فإنه قال في «تهذيب الكمال»: «إنه روى له مسلم، ورقم له علامة مسلم، في روايته عن النبي ﷺ ورواية ولده عبد الله بن بسر عنه، ثم تبين لي أن ذلك وهم، وأنه لم يخرج له مسلم، وإنما أخرج لابنه «عبد الله بن بسر» قال: «نزل النبي ﷺ على أبي فقدمنا له طعامًا» وليس لأبيه (بسر) فيه رواية، ولا ذكر باسمه إلا في نسب ابنه (عبد الله بن بسر) … وسبب وقوع المزي في ذلك تقليده لصاحب الكمال، فإنه سبقه لذلك» (^٢).\nوهكذا نجد أن العراقي بحث الموضوع باستفاضة وعمق، وبين أن ما قرره في الألفية وشرحها وإن كان خطأ، فإنه لم يكن صادرًا فيه عن تخمين أو استنتاج شخصي، بل قلد فيه سلفه الحجة في علم الرجال، وهو الحافظ المزي فيما ذكره في كتابه «تهذيب الكمال، في أسماء الرجال»، ولم يكتف العراقي بهذا بل تابع البحث لكشف المصدر الأصلي للخطأ، فبين أن المزي بدوره وقع في الخطأ المذكور نتيجة لتقليد سلفه وهو الحافظ عبد الغني المقدسي صاحب كتاب (الكمال في أسماء الرجال) الذي هذبه «المزي»\n_________\n(^١) «شرح الألفية» للعراقي ج ٤/ ٩٤.\n(^٢) «التقييد والإيضاح» / ٣٩١، ٣٩٢.","vol":"2","page":781},{"text":"في كتابه «تهذيب الكمال». وبهذا أتيح للعراقي تلافي ذلك الخطأ المتوارث عن حفاظ السنة من قبله وتصحيحه، بعد الوقوع فيه، ثم تبعه على هذا التصحيح تلميذه ابن حجر في مختصره لـ «تهذيب المزي» (^١).\n_________\n(^١) (فتح المغيث) للسخاوي ج ٣/ ٢٢٨، وتهذيب التهذيب ١/ ٤٣٦ (ترجمة/ ٨٠٢).","vol":"2","page":782},{"text":"<span data-type='title' id=toc-256>ز - الأثر العام للألفية في مصطلح علوم السنة</span>\nبعد أن تناولت بالتحليل والمقارنة والنقد، منهج العراقي في الألفية ونماذج لآرائه وبحوثه في علم المصطلح من خلالها، ثم أثر ذلك فيمن بعده يجدر بي أن أبين الأثر العام للألفية، بمنهجها ومفاهيمها، في مصطلح علوم السنة وذلك على النحو التالي:\n\n<span data-type='title' id=toc-257>١ - محاذاة السيوطي لها في ألفيته في المصطلح:</span>\nلعل أوضح الآثار العامة لألفية العراقي، اتخاذ السيوطي لها نموذجا، احتذاه في نتاجه العلمي في فن المصطلح، حيث نظم ألفية على منوالها شكلا ومضمونا، وسماها «نظم الدرر في علم الأثر» (^١) وجعل ألفية العراقي أصلا لها فقال فيها:\n«واقرأ كتابًا تدر منه الاصطلاح … كهذه وأصلها وابن الصلاح»\nفقوله «كهذه» إشارة لألفيته، وقوله «وأصلها» إشارة لألفية العراقي (^٢).\nوقد صرح بذلك أيضًا في خلال شرحه لها (^٣)، كما صرح في مقدمة هذا الشرح بأنها احتوت على جميع علوم ابن الصلاح، وزوائد ألفية العراقي وزوائد أخرى من جانبه (^٤)، وقد قدمت في بيان منهج العراقي وآرائه في الألفية عدة أمثلة لما تبع فيه السيوطي في ألفيته، العراقي في ألفيته.\n_________\n(^١) البحر الذي زخر ١/ ب.\n(^٢) انظر: الألفية وشرحها للترمسي ١/ ٢٥٥، ٢٥٦ وللشيخ محيي الدين عبد الحميد/ ٢٥٥.\n(^٣) انظر: البحر الذي زخر ٨/.\n(^٤) والبحر الذي زخر ١/ ب.","vol":"2","page":783},{"text":"ثم إن السيوطي أثبت في نهاية ألفيته أنه فرغ منها في عاشر ربيع الآخر سنة ٨٨١ هـ (^١)، وبذلك يكون الفاصل الزمني بين تأليفها، وتأليف العراقي لألفيته قرابة ١١٣ عاما، وهذا دليل على عمق أثرها العام، وامتداده عبر الأجيال حتى رأى السيوطي في منهجها ومضمونها، رغم تطاول الزمن، الأصل الصالح لبناء ما بعده عليه، والمثل الذي يحتذى في التصنيف في علم المصطلح.\n\n<span data-type='title' id=toc-258>مقارنة السيوطي لألفيته بألفية العراقي، والرد عليه في ذلك:</span>\nلم يدع السيوطي لغيره مهمة المقارنة بين ألفيته، وبين أصلها وهو ألفية العراقي، وينتظر الحكم لها أو عليها، ولكنه أسرع في القيام بذلك بنفسه، فقارن بين الألفيتين مقارنة عامة، أعطى فيها لألفيته كل شيء من المميزات الشكلية والموضوعية، فقال في بدايتها:\n«وهذه ألفية تحكي الدرر … منظومة ضَمَّنْتُها علم الأثر\nفائقة ألفية العراقي … في الجمع والإيجاز واتساق» (^٢)\nوفي مقدمة شرحه لها قال:\n«وبعد فإني نظمتُ في علم الحديث ألفية سميتها (نظم الدرر في علم الأثر) كادت عقود الجواهر أن تكون لأبياتها خُدامًا، احتوت على جميع علوم ابن الصلاح، وزوائد ألفية العراقي، وزادت بضعف ذلك تماما، مع ما حوته من سلاسة النظم، وخلت عنه من الحشو والتعقيد، فبلغت بذلك محلا\n_________\n(^١) انظر (الألفية) مع شرح الشيخ محيي الدين عبد الحميد/ ٣٦١.\n(^٢) «ألفية السيوطي مع شرح الترمسي» / ٥، ٦.","vol":"2","page":784},{"text":"لا تسام فيه ولا تسامي، وفاقت منثورات هذا الفن جميعها ومنظوماته نظامًا» (^١).\nولا شك أن هذه المقارنة قد شحنت بالمبالغات المجافية للحقيقة، والخالية من الإنصاف. والحق أن كل واحدة من الألفيتين لها مميزات شكلية وموضوعية، وفيها عيوب كذلك، وقد مر تناولي لذلك تفصيلا بالنسبة لألفية العراقي مع مقارنتها بسابقها ولاحقها، بما فيه ألفية السيوطي، ولذا أكتفي هنا بالآتي:\nمن ناحية تفوق ألفية السيوطي في الجمع، بحيث احتوت كما قال، على جميع علوم ابن الصلاح، وزوائد ألفية العراقي، وزادت بضعف ذلك تماما، لم يظهر لي من المقارنة التفصيلية صحة ذلك بهذا الإطلاق، والصواب أنها اشتملت فعلا على زوائد كثيرة، ليست في مقدمة ابن الصلاح ولا في ألفية العراقي، لكنها أقل من الضعف كثيرا، وقد عني الشيخ أحمد شاكر ﵀ في طبعته لألفية السيوطي بوضع زيادات السيوطي على ألفية العراقي بين قوسين، فمن يرجع إليها يُدرك لأول وهلة مصداق ما قلت (^٢).\nثم إن تفوقها في الجمع، لا يقدح في ألفية العراقي ولا في علمه، ذلك لأن من زيادات السيوطي ما هو خارج عن المنهج الذي التزم به العراقي في ألفيته. مثال ذلك: ما بدأ به السيوطي، من نظم تعريف علم الحديث وموضوعه وفائدته وتعريف بعض الألفاظ التي يستعملها المحدثون، كالسند والمتن والحديث والخبر والأثر (^٣)، فهذا يعتبر من زوائده على ألفية العراقي، وهي زوائد مفيدة، لأنها من المبادئ التي يحتاج إلى معرفتها من يشرع في دراسة\n_________\n(^١) «البحر الذي زخر» للسيوطي ١/ ب\n(^٢) انظر «ألفية السيوطي»، بتحقيق الشيخ أحمد شاكر/ طبع مطبعة البسفور بالقاهرة سنة ١٣٣٢ هـ.\n(^٣) انظر «الألفية مع شرح الترمسي» / ٤، ٧، ٨.","vol":"2","page":785},{"text":"علم الحديث (^١)، لكن العراقي حدَّد منهجه في الألفية بنظم مقاصد علم الحديث، دون مبادئه فقال:\n«فهذه المقاصد المهمة … توضح من علم الحديث رَسْمه» (^٢)\nوبذلك لم يلزمه نظم المبادئ كما فعل السيوطي.\nعلى أن السيوطي قد أهمل من الألفاظ الاصطلاحية لفظ «السنة»، فلم يذكره، ولم يبين معناه الاصطلاحي كما فعل غيره (^٣)، حيث إنها من الألفاظ الاصطلاحية الهامة والمستعملة بكثرة في الفن، بل قد استعملها هو بنفسه في نفس المبحث الذي تناول فيه غيرها، من الحديث والخبر، حيث قال: «والأكثرون قسموا هذي السنن إلى صحيح وضعيف وحسن» (^٤) كذلك من زوائد السيوطي ما ذكره العراقي في بعض مؤلفاته في علم المصطلح غير الألفية، مثل بيانه لأول من جمع الحديث مطلقا دون التقييد بنوع خاص كالصحيح (^٥).\nفقد ذكر العراقي أنه بينه في شرحه الكبير لألفيته (^٦) وأيضا ذكره لأصح الأسانيد المقيدة بصحابي، أو بلد (^٧).\n_________\n(^١) انظر (البحر الذي زخر) / ١ ب.\n(^٢) (الألفية) / ١٦٩.\n(^٣) انظر (الكافي) للتبريزي/ ٣ أ (مخطوط).\n(^٤) (الألفية مع شرح الترمسي) / ٩.\n(^٥) انظر (الألفية للسيوطي مع شرح الترمسي) / ٢٠، ٢١.\n(^٦) (فتح المغيث)، للعراقي جزء ١/¬١٧.\n(^٧) (الألفية مع شرح الترمسي)، ١٧/¬١٩.","vol":"2","page":786},{"text":"فقد ذكر العراقي أنه بينه في شرحه المتوسط لألفيته (^١).\nهذا فضلا عن أن السيوطي أورد بعض زوائد، قرر العلماء من قبله أنه لا حاجة لذكرها، مثل حكم الرواية عن المجنون المتقطع الجنون، حيث قال: «ويقبل المجنون إن تقطَّعا ولم يؤثر في إفاقة معا» (^٢)\nفقد قال ولي الدين ابن العراقي: إنه لا يحتاج إلى ذكره، فإنه في حال الإفاقة إذا لم يستمر به الخبل، ليس مجنونا، وإن استمر به الخبل فهو في تلك الحالة مجنون، وإن اختلفت أحوال الجنون، وقد نقل ذلك الشيخ الترمسي شارح ألفية السيوطي وأقره (^٣).\nهذا بالنسبة لميزة الجمع والزيادات، أما من ناحية التفوق في الاتساق، فمن يقارن الألفيتين بعضهما ببعض يجد خلاف ذلك؛ حيث يكثر العراقي ذكر المعنى المستقل في بيت واحد، بينما يفرق السيوطي ذلك بين أواخر الأبيات وأوائل ما يليها، وهذا ينافي الاتساق، ويشتت القارئ عن استجماع المعنى وأوضح دليل على ذلك، أن السيوطي نفسه في شرحه لألفيته، يضطر بسبب هذا، أن يشرح جزءا من البيت في فقرة، لتعلقه بها، ثم يحيل باقي البيت على الفقرة التالية من الشرح، فيتناوله فيها، لتعلقه بما بعده من الأبيات (^٤)، أما العراقي فنادر جدا لجوؤه لذلك في شرحه لألفيته، على نفس المنهج (^٥).\n_________\n(^١) «فتح المغيث» له جزء ١/¬١٤، ١٥.\n(^٢) «الألفية مع شرح الترمسي» ٤/ ١٣٤.\n(^٣) «شرح الترمسي» ١٣٥.\n(^٤) انظر: البحر الذي زخر ٢/¬٦ ب، ١٤ أ.\n(^٥) راجع «فتح المغيث» للعراقي عموما.","vol":"2","page":787},{"text":"أما من ناحية سلاسة النظم وعدم التعقيد، فالمقارنة التفصيلية أيضًا، تدل على عدم إطراد ذلك.\nففي نوع الحديث المعلل ذكر ابن الصلاح أن الترمذي سمّى النسخ علة ونظم العراقي ذلك مع الرد على الترمذي كما قدمنا، بأن ذلك لا يصح، إلا على إرادة عدم العمل بالحديث، لا على إرادة العلة الاصطلاحية، فقال:\n«والنسخ سمى الترمذي علة … فإن يرد في عمل فاجنح له» (^١)\nفنظم السيوطي ذلك قائلا:\n«والنشخ قد أدرجه في العلل … الترمذي وخُصه بالعمل» (^٢)\nفقول العراقي: «فإن يرد في عمل فاجنح له»، واضح الدلالة على المقصود بينما قول السيوطي «وخصه بالعمل»، مشكل لأنه يحتمل عود الضمير في (خصه) على الترمذي، فيكون المعنى أن الترمذي قد خص النسخ بكونه علة في العمل بالحديث، وهذا خلاف المعنى المقصود للسيوطي، وهو مخاطبة القارئ بأن يخص هو ذلك بالعمل بالحديث.\nوأما من جهة الخلو من الحشو، فهو أيضًا غير مسلم، والصواب أن الألفيتين مشتركتين في الاشتمال عليه وإن قل.\nفالسيوطي يقول في أصح الأسانيد:\nكذا ابن مهران عن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود الحسن (^٣)\n_________\n(^١) و«ألفية العراقي» / ١٨١.\n(^٢) «الألفية مع شرح الترمسي» / ١٠٣.\n(^٣) و«الألفية مع شرح الترمسي» / ١٦.","vol":"2","page":788},{"text":"فوصفه لابن مسعود بـ «الحسن» حشو كمل به البيت، كما هو واضح وكما قرره الترمسي في شرحه (^١)، ويشبهه في هذا العراقي، حيث يقول فيمن جرد الحديث الصحيح في تأليفه:\n«.............................. … نحو ابن حبان الزكي» (^٢)\nفوصفه لابن حبان بـ «الزكي» حشو واضح.\nوبهذا كله، يتضح ما في مقارنة السيوطي لألفيته بألفية العراقي من مجازفة وعدم تجرد، والله يعصمنا من الزلل.\nولعل الإقبال الشديد على دراسة ألفية العراقي، والاعتماد عليها، سواء قبل تأليف السيوطي لألفيته، أو بعدها، من خير أدلة رجحانها في ميزان النقد والتقويم العلمي.\n\n<span data-type='title' id=toc-259>٢ - الاستفادة العامة بالألفية دراسة واستدلالا:</span>\nذكرت من قبل في تحقق غرض العراقي من تصنيف الألفية، أنها منذ فراغه منها، صارت منهجا للحفظ والدراسة لطلاب السنة وعلمائها داخل مصر وخارجها، وأضيف هنا، أنها قد استمرت على ذلك، سواء في عصر العراقي أو بعده، وحينما نرجع إلى تاريخ أعلام عصر العراقي وما تلاه، نجد أن الألفية مادة أولية وأساسية، سواء في منهج تدريس العلماء في مصر وغيرها (^٣) أو في\n_________\n(^١) شرح الترمسي/ ١٦.\n(^٢) والألفية» / ١٠٧.\n(^٣) انظر: «بهجة الناظرين» للغزي/ ٤٠ و«ثبت السخاوي» / ١٧٨ (مخطوط مصور) و«فتح المغيث» له ج ١/¬٩، و«الضوء اللامع» له ج ٩/ ٢٨٩، ٣٠١ و«النكت الوفية» للبقاعي/ ٢٥٦ ب.","vol":"2","page":789},{"text":"ثقافة طلاب السنة وغيرهم، وفي ذلك نجد المؤرخين تارة يذكرون الألفية وحدها، فيقولون عن الشخص في حياته العلمية: إنه حفظ أو بحث أو قرأ ألفية الحديث، أو ألفية العراقي (^١)، وتارة يجمعون بينها وبين ألفية النحو لابن معطي (^٢)، أو يقولون: ألفيتي الحديث والنحو (^٣)، أو (الألفيتين) (^٤)، نظرًا لشهرتهما وكثرة ذكرهما في تراجم الأعلام، ولهذا يقول السخاوي عن ألفية العراقي: «إن الناس انتفعت بها، وسارت لأكثر الأقطار (^٥)».\nويقول السيوطي: «وغيره، إنها اشتهرت في الآفاق (^٦)».\nويقول الشيخ الكتاني: «إنها سارت بها الركبان، في كل زمان ومكان (^٧)».\nوعندما نرجع أيضًا إلى التراث والنتاج العلميين، في مجال علوم السنة من بعد العراقي وإلى الآن، نجد الألفية عمدة للمؤلفين في علم المصطلح وغيره من علوم السنة، منهم من يختصرها (^٨)، ومنهم من يستدل بنصوصها، أو يقرر أو يناقش ما أودعه العراقي فيها من بحوث وآراء له ولغيره، من أئمة.\n_________\n(^١) انظر «الضوء اللامع» ج ٩/ ٢٩٦ و«غاية النهاية» لابن الجزري ج ٢/ ٢٥١.\n(^٢) «الضوء اللامع» ج ٥/ ٣٠٣.\n(^٣) «الضوء اللامع» ج ٩/ ٦٨، ١١٧.\n(^٤) «الضوء اللامع» ج ٩/ ٢٩٦.\n(^٥) «فتح المغيث» للسخاوي ج ٣/ ٣٦٢.\n(^٦) «ذيول تذكرة الحفاظ» / ٣٧٠ و«حسن المحاضرة» / ج ١/ ٣٦٠ و«هدية العارفين» للبغدادي/ ١/ ٥٦٢ و«معجم المطبوعات العربية» لسركيس/ ج ٢/ ١٣١٧.\n(^٧) «فهرس الفهارس» له ج ٢/ ١٩٨.\n(^٨) انظر «حاشية الشيخ عطية الأجهوري على شرح الزرقاني للمنظومة البيقونية».","vol":"2","page":790},{"text":"وحفاظ السنة كما مر تفصيله (^١)، ومنهم من يشرحها أو يعمل حاشية على شرح غيره لها كما سنوضحه بعد.\n_________\n(^١) وانظر: «كتاب شبل الهدى والرشاد في هدي خير العباد» المعروف بالسيرة النبوية الشامية للإمام محمد بن يوسف الشامي المتوفى/ ٩٤٢ هـ ج ١/ ٣٠٣ «وكشف الظنون» / ١٣٥ و«الرفع والتكميل» للكنوي/ ٦٨ هامش «شرح الترمسي لألفية السيوطي» / ٣٤، ٣٥ و«المنهج الحديث» / لأستاذنا الشيخ محمد السماحي/ قسم المصطلح ٣٩، ٤١، ٥٣، ٣٠٤ وقسم الرواية/ ١٢٣، ١٢٨، ١٤٣.","vol":"2","page":791},{"text":"<span data-type='title' id=toc-260>ح - عناية العراقي بألفيته</span>\nقدمت في وظائف العراقي العلمية، أنه كان يقوم بتسميع الألفية لمن يحفظها من طلاب السنة وغيرهم، ويقرأها بنفسه لتلاميذه، ويجيزهم بها ويدرسها لهم مع المباحثة التفصيلية لعباراتها، وقد بلغ الأمر به أنه كان خلال ذلك يغير بعض ألفاظها لتكون أنسب وأدل على المعنى المقصود (^١).\nولكنه لم يكتف بهذه الجهود الموقوتة بحياته، بل سجل عنايته بتلك الألفية في شرحين لها، أحدهما كبير، ولم يتمه، والثاني متوسط، وقد أتمه سنة ٧٧١ هـ كما سيأتي، وهو المتداول حتى الآن، وبذلك قدم بيانا مستمرا لها اعتمد عليه عامة من تصدى لدراستها وشرحها من بعده، وسنفرد كل شرح منهما بمبحث خاص، بعد استكمال مباحث الألفية، وذلك باعتبار أن كلا منهما جهد مستقل من جهود العراقي المؤثرة في علم المصطلح عموما، وبالله التوفيق.\n_________\n(^١) انظر نسخة (شرح العراقي) لها رقم/ ١٣٩ مصطلح تيمور/ ٢٤ هامش و(فتح المغيث) للسخاوي ج ١/ ٦٠، و(النكت الوفيه) للبقاعي ٥٨ ب، ١٩٥ ب.","vol":"2","page":792},{"text":"<span data-type='title' id=toc-261>ط - شرح العلماء لألفية العراقي وأهميته</span>\nمن أثبت الأدلة وأوضحها في بيان أهمية الألفية ومكانتها في علم المصطلح قيام خيرة العلماء في مختلف العصور، بالتأليف في شرح ألفاظها ومراميها وما حوته من آراء واصطلاحات ومفاهيم، ثم تأليف حواش على الشروح فلو لم يكن هؤلاء العلماء على امتداد عصورهم، مقتنعين بأهمية الألفية ومكانتها، وملاحظين حاجة الدارسين لعلوم السنة إليها، وإقبالهم عليها، لما أتعبوا أنفسهم في التأليف في شرحها وتوضيحها.\nولهذا عنيتُ هنا ببيان أهم ما توصلت إليه من الشروح والحواشي، والبحوث التي تناولت ألفية العراقي؛ لأنها تمثل الدليل العملي على أهميتها، والميزان الصحيح لقيمتها العلمية، وتجدد الحاجة إليها، والاستفادة منها في علم المصطلح عبر الأجيال، وسأتناول تلك الشروح والحواشي والبحوث حسب الترتيب الزمني غالبًا، سواء لتأليفها، أو لوفاة مؤلفيها، مع بيان المفقود منها والموجود، وذكر المنهج الإجمالي لكل منها، وبعض النماذج لما وقفت عليه منها بعد معاناة البحث والتنقيب، والله المستعان.\n\n<span data-type='title' id=toc-262>١ - شرح ولي الدين ابن العراقي، وبعض نصوصه النادرة:</span>\nذكر السخاوي في ترجمته لولي الدين أبي زرعة أحمد بن العراقي وتلميذه كما قدمت، أنه شرح أبياتا من ألفية والده في المصطلح (^١)، ولم أجد من ذكر ذلك غير السخاوي، كما أنه لم يذكر أي تفصيلات أخرى، لكن البحث أوقفني على مصداق ما ذكر، كما سيأتي، وبذلك تكون هذه أقدم محاولة.\n_________\n(^١) «الضوء اللامع» ج ١/ ٣٤٢.","vol":"2","page":793},{"text":"لتأليف شرح للألفية، بعد شرحي العراقي نفسه، السابق الإشارة إليهما.\nولم يوقفني البحث على نسخة من شرح تلك الأبيات، لكني وجدتُ الحافظ قاسم بن قطلوبغا الحنفي، في حاشيته على شرح العراقي كما سيأتي ذكرها، قد ذكر اعتراض بعض الفضلاء على العراقي في قوله أول الألفية:\n«يقول راجي ربه المتقدر» (^١)، بأن الاقتدار من الصفات التي لا تناسب مقام الرجاء، فكان الأنسب أن يقول: «راجي ربه الغفور»، لأن الغفران من صفات الجمال التي تناسب مقام الرجاء. ثم قال ابن قطلوبغا: «وأجاب ابن الناظم رحمة الله عليهما: بأنه إنما جمع بين ذكر الرجاء وصفة الاقتدار إشارة إلى غلبة رجائه وقوته، حيث بقي بحاله ولم يزل، مع استحضاره ما يثير ضده من الهيبة والخوف». وختم ابن قطلوبغا ذلك بقوله: «انتهى» (^٢) وهذا يدل على أنه نقل الجواب المذكور نصا عنه، كما أنه معاصر للسخاوي فلعل هذه القطعة التي شرحها ابن العراقي رغم قلتها، قد نسخت وتداولها العلماء في عصره ومن بعده، فوقف عليها السخاوي المتوفى ٩٠٢ هـ، وابن قُطلُوبَنَا المتوفى ٨٧٩ هـ، بينما توفي ولي الدين ابن العراقي ٨٢٦ هـ كما تقدم في التعريف به.\nلكن حاليا تعد تلك القطعة في حكم المفقودة كما أشرت، بل إن حاشية ابن قطلوبغا التي احتوت على بعض نصوصها كما ذكرت، لم أقف منها إلا على قطعة وحيدة، من نسخة عليها خط المؤلف كما سيأتي.\n_________\n(^١) الألفية/ ١٦٩.\n(^٢) انظر: حاشية ابن قطلوبغا على شرح العراقي، ١/ ب (مخطوط) وسيأتي التعريف بها.","vol":"2","page":794},{"text":"<span data-type='title' id=toc-263>٢ - نكت الحافظ ابن حجر على الألفية:</span>\nالنكت: هي عبارة عن تعليق على بعض الألفاظ والعبارات والموضوعات التي يرى المؤلف أهمية التعليق عليها بالشرح أو الانتقاد أو الدفاع، مع تركه لغير ذلك من الكتاب المعلق عليه، بدون تعرض له، وبهذا تفترق النكت عمومًا عن الشروح، وقد يطلق عليها اسم الشرح تجاوزًا.\nوقد ذكر السخاوي عن الحافظ ابن حجر قوله: «إنه شرع في تأليف نكت على ألفية شيخه العراقي»، وعلّق على ذلك بأنه لم ير من هذه النكت غير ورقتين (^١)، وإذا كان السخاوي وهو من تلاميذ ابن حجر الملازمين له، لم ير منها غير ورقتين، فما بالك بنا نحن الآن، بعد تطاول القرون وتعرض كثير من التراث الإسلامي للعبث والضياع؟\n\n<span data-type='title' id=toc-264>٣ - شرح الشيخ إسماعيل بن جماعة:</span>\nذكر هذا الشرح صاحب (كشف الظنون)، وذكر أن مؤلفه هو أبو الفداء إسماعيل بن إبراهيم بن جماعة الكناني المقدسي المتوفى ٨٦١ هـ (^٢) وبمقتضى تاريخ وفاته المذكور، يكون شرحه هذا أقدم ما وقفت على ذكره من الشروح الكاملة للألفية، بعد شرحها المتوسط للعراقي نفسه، لكن الحافظ السخاوي ذكر في نهاية شرحه للألفية، أيضًا الذي فرغ منه ٨٨٢ هـ، كما سيأتي أنه حين ابتدأ فيه ما كان يعلم بوجود شرح للألفية سوى شرحي المؤلف\n_________\n(^١) انظر «الجواهر والدرر» للسخاوي/ ١٥٦ أ.\n(^٢) «كشف الظنون» / ١٥٦.","vol":"2","page":795},{"text":"ومختصر المتوسط منهما للشمس بن عماد المالكي (^١)، فلعله لم يقف على شرح ابن جماعة المذكور مع تقدم وفاة ابن جماعة كثيرا عن تاريخ فراغ السخاوي من شرحه كما ترى، بل إن صاحب «كشف الظنون» المتأخر عن السخاوي بأكثر من قرن ونصف (^٢)، وصف شرح ابن جماعة هذا بأنه شرح حسن (^٣)، فلعله رآه، ولكن لم أجد له ذكرا، لا في فهارس المكتبات المصرية عموما، ولا في كثير من فهارس المكتبات العالمية، ولم أجد نقولا معزوة إليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-265>٤ - شرح السخاوي:</span>\nهذا الشرح مؤلفه هو الحافظ شمس الدين محمد بن عبد الرحمن بن محمد السخاوي القاهري الشافعي المتوفى ٩٠٢ هـ، من أعيان تلاميذ ابن حجر العسقلاني، ومن أئمة الفن في عصره (^٤) وقد صرّح في ختامه بأنه قد كمل في ١١ رمضان ٨٨٢ (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-266>إثبات تسمية السخاوي له «بفتح المغيث»:</span> ولم يصرح السخاوي في أول\n_________\n(^١) «فتح الغيث»، للسخاوي ج ٣/ ٣٦٢ وهو محمد بن عماد بن محمد، لقب بـ «الشمس» وبـ «ناصر الدين»، وكني بأبي عبد الله، وأبي ياسر، وعرف بـ «ابن عمار»، القاهري، المصري، المالكي، من تلاميذ الزين العراقي، ومن شيوخ السخاوي، ولد سنة ٧٦٨ هـ، وتوفي ودفن بالقاهرة سنة ٨٤٤ هـ/ الضوء اللامع ٨/ ٢٣٢ - ٢٣٥.\n(^٢) لأنه متوفى ١٠٦٧ هـ.\n(^٣) «كشف الظنون» ٢/ ١٥٦.\n(^٤) انظر ترجمته لنفسه في كتابه «الضوء اللامع» ج ٨/¬١٦ وما بعدها وفي «البدر الطالع» للشوكاني ج ٢/ ١٨٤ وما بعدها و«النور السافر في أخبار القرن العاشر» للعيدروسي ج ٢/¬١٦ وما بعدها.\n(^٥) «فتح الغيث»، للسخاوي ج ٣/ ٣٦٢.","vol":"2","page":796},{"text":"هذا الشرح، ولا في خلاله، ولا في آخره، باسم معين له، ولهذا دار حول تسميته خلاف واسع بين المعنيين بالتراث تاريخا وتحقيقا ونشرا، فمنهم من ذكره بدون اسم (^١)، ومنهم من ذكر أن السخاوي سماه «فتح المغيث بشرح ألفية الحديث» دون أن يذكر دليله على ذلك (^٢)، ومنهم من أطلق هذا الاسم على شرح العراقي المتوسط، دون شرح السخاوي (^٣)، فتصدى له غيره بالرد (^٤).\nومنهم من أشرك الشرحين في الاسم، مع التفريق بينهما في حرف واحد، فأطلق على شرح العراقي «فتح المغيث بشرح ألفية الحديث» وعلى شرح السخاوي «فتح المغيث في شرح ألفية الحديث» (^٥).\nوكان من نتيجة هذا الخلاف الذي امتد بين مصر والهند (^٦)، أن طُبع كلا الشرحين بالاسم المذكور، كما تلاحظ هذا في إحالاتي عليهما خلال البحث ورغم هذا، لم يوفق أحد من المتنازعين، لإثبات تصريح السخاوي ولا العراقي بتسمية شرحه بهذا الاسم، حتى يقطع النزاع، ولكن قد وُفِّقْتُ - بحمد\n_________\n(^١) «كشف الظنون» / ١٥٦ و«مقدمة تحفة الأحوذي لشرح الترمذي»، للمباركفوري ج ١/ ٢٢١، ٢٢٢\n(^٢) انظر (فهرس الفهارس) للكتاني ج ٢/ ٣٣٥\n(^٣) «كشف الظنون» ٢/ ١٥٦ و١ مقدمة تحقيق فتح المغيث، للعراقي ١/¬٤.\n(^٤) انظر «فتح المغيث» للسخاوي ج ٣/ ٣٦٤، ٣٦٥\n(^٥) انظر: مقدمة المرحوم الشيخ عبد الوهاب عبد اللطيف لتحقيق تدريب الراوي» / ص هـ ومقدمة الدكتور معظم حسين لتحقيق كتاب: معرفة علوم الحديث) للحاكم ص يو.\n(^٦) انظر تقديم طبعة (فتح المغيث) للعراقي بقلم شيخنا في مرحلة الدراسة الابتدائية بالأزهر، الشيخ محمود ربيع ﵀ في ج ١/¬٣، ٤.","vol":"2","page":797},{"text":"الله - إلى تصريح السخاوي غير مرة، بتسمية شرحه (بفتح المغيث) ففي كتابه «الضوء اللامع» ترجم لنفسه وكان أول ما ذكر من مؤلفاته في علوم الحديث هذا الشرح فقال: «ومما صنفه في هذا الشأن» «فتح المغيث بشرح ألفية الحديث» وهو مع اختصاره في مجلد ضخم (^١).\nوفي كتاب آخر له، وهو «الإعلان بالتوبيخ، لمن ذم أهل التاريخ»، تكلم على المعاجم والمشيخات بإيجاز، ثم قال: «وقد استوفيت ذلك في «فتح المغيث»» (^٢)، فهذان نصان صريحان في تسمية السخاوي بنفسه، لشرحه للألفية (بفتح المغيث بشرح ألفية الحديث)، بينما لم أقف حتى الآن على تصريح العراقي بتسمية شرحه بذلك، وهذا كاف في قطع الخلاف واختصاص شرح السخاوي بهذا الاسم، دون شرح العراقي، فيلاحظ ذلك فيما يستقبل من البحوث.\nولعل السخاوي بدا له تسمية شرحه بهذا الاسم، بعد ما أكمله وخرجت نسخه للتداول، وبالتالي لم ينص فيه على هذا الاسم، ويؤكد هذا كتابته للإسم المذكور بخطه على بعض النسخ التي قُرئت عليه، كما سأبينه في النسخة الهامة التي وقفت عليها منه.\n\n<span data-type='title' id=toc-267>أهم نسخ الشرح الخطية:</span>\nتوجد عدة نسخ خطية من هذا الشرح بمكتبات العالم، كتركيا (^٣)\n_________\n(^١) «الضوء اللامع» ج ٨/¬١٦.\n(^٢) (الإعلان بالتوبيخ)، ضمن كتاب: «علم التاريخ عند المسلمين»، لفرانتز روزنتال/ ٦٠٥.\n(^٣) انظر فهرس مكتبة نو عثمانية باستنبول ص ٣٧ وفهرس مكتبة «لاله لي» باستنبول أيضًا/ ٣٠.","vol":"2","page":798},{"text":"والمغرب (^١) ومصر، حيث توجد نسختان بمكتبة الأزهر برقمي (٩٠) (١٠٧) مصطلح الحديث، كما توجد نسخة بمكتبة البلدية بالإسكندرية رقم (٢١٧٨ - ج) مصطلح الحديث، وقد وهم فيها «بروكلمان» فعدها من شروح ألفية العراقي في السيرة النبوية كما سيأتي (^٢)، والصواب أنها نسخة من شرح السخاوي المذكور لألفية المصطلح، فلينتبه لذلك\nأما أهم النسخ التي وقفت عليها لهذا الشرح، فهي نسخة دار الكتب المصرية تحت رقم (٣٤٠) مصطلح الحديث، وهي أوثق ما وقفت عليه وقد كتب عنوانها الأعلا هكذا «فتح المغيث بشرح ألفية الحديث» لكاتبه محمد بن عبد الرحمن .. السخاوي الشافعي\nفقوله: «لكاتبه» يدل على أنه هذه التسمية مكتوبة بخط السخاوي، وعند مقارنتي لهذا بخطوط السخاوي الموجودة بهوامش النسخة نفسها في عدة مواضع، وفي نهايتها، مع التوقيع باسمه، تبين لي مشابهة خط العنوان لتلك الخطوط، وتلك الخطوط عبارة عن إثبات السخاوي قراءة صاحب النسخة وبحثها عليه، وسماع جماعة لها في عدة مجالس، وإجازته لهم بها، أما النسخة نفسها فهي بخط رجل آخر، حيث جاء في نهايتها ما نصه: «انتهت كتابته من نسخة مكتوبة من خط مؤلفه، أمتع الله ببقائه أهل الإيمان، على يد الفقير إلى عفو الله، محمد بن أحمد المقسمي نسبا، الشافعي مذهبًا، ..»\nفيستفاد من ذلك أن النسخة مكتوبة في حياة المؤلف، ومنقولة من نسخة\n_________\n(^١) انظر: «فهرس الفهارس» للكتاني ج ٢/ ٣٣٥، ٣٣٦\n(^٢) انظر: «تاريخ الأدب العربي» لبروكلمان ج ٢/ ٧٧ وما بعدها (الأصل الألماني).","vol":"2","page":799},{"text":"نقلت من نسخة بخط المؤلف، وهذا يُعَدُّ توثيقا جيدًا للنسخة، يجعلها صالحة للاعتماد عليها لتكون أصلًا في تحقيق نصوص الكتاب ونشره، وقد استفدت منها في تصحيح الطبعة التي اعتمدت عليها في هذا البحث. وتقع تلك النسخة في مجلد ضخم، وعدد أوراقها ٣٤٢ ورقة من الحجم المتوسط، وعدد سطور صفحاتها مختلف (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-268>طبع الشرح:</span>\nثم طبع هذا الشرح لأول مرة بالهند مؤرخا في ربيع الأول ١٣٠٣ هـ في مجلد، يبلغ ٥٠٢ صفحة من القطع الكبير، وعنوانه (فتح المغيث بشرح ألفية الحديث)، وذلك في المطبع المعروف هناك بـ (أنوار محمدي)، وقد رأيت نسخة هذه الطبعة بالمكتبة الأزهرية، وهي طبعة حجرية، ولما تطاول الزمن على تلك الطبعة حتى أصبحت في حكم المخطوط، أعيد طبع الشرح مرة ثانية بالقاهرة ١٣٨٨ هـ، ١٣٨٩ هـ، بالاعتماد على الطبعة السابقة مع بعض التصحيحات لأخطائها، بواسطة (عبد الرحمن محمد عثمان)، وباشر الطبع، مطبعة العاصمة، لحساب الناشر وهو صاحب المكتبة السلفية بالمدينة المنورة، وتقع تلك الطبعة في ثلاثة أجزاء متوسطة.\nوقد اطلعت على هاتين الطبعتين اطلاعا تفصيليا وقابلت كثيرا من نصوصهما على مخطوطة دار الكتب المصرية السابق بيان توثيقها، وعلى كتب علم المصطلح الأخرى، وخاصة ما اعتمد عليه السخاوي في الشرح وتبين لي من هذا الاطلاع والمقابلة، أن الطبعتين ليس لهما صفة التحقيق\n_________\n(^١) انظر فهرس المصطلح بدار الكتب المصرية/ ٢٦٩.","vol":"2","page":800},{"text":"العلمي للنصوص، لا شكلا ولا مضمونًا، وقل أن تجد ورقة واحدة من أي الطبعتين خالية من الخطأ المطبعي أو الخطأ العلمي الناتج من اختلال النص ولهذا أُحذر من الإستقلال في الاعتماد على أي من الطبعتين أو كليهما خاصة بالنسبة للموضوعات أو الفقرات الكاملة، بل لابد من الرجوع بجانبهما إلى إحدى النسخ الخطية الموثقة للشرح، مثل نسخة دار الكتب المصرية السابق ذكرها، أو إلى كتب علم المصطلح الأخرى المحققة تحقيقا علميًا يطمأن إليه، كما فعلتُ فيما استفدته من هذا الشرح في بحثي هذا معانيا في ذلك من المشقة ما يعلمه الله، وحبذا لو نشطت عزيمة المختصين بعلوم السنة لإعادة طبع هذا الشرح المفيد طبعة محققة تحقيقا علميا حتى يستفاد به على الوجه الصحيح (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-269>منهج السخاوي في شرحه للألفية، ونقده وأنموذجه:</span>\nنهج السخاوي في هذا الشرح من حيث الشكل، طريقة دمج ألفاظ الألفية في سياق شرحها، فيذكر اللفظ أو العبارة من الألفية، ويذكر قبلها وبعدها من كلامه ما يوضحها، وفي نفس الوقت، يلتئم معها في السياق كما سيتضح من المثال بعد، وتعرف هذه الطريقة بطريقة الشرح الممزوج؛ نظرًا\n_________\n(^١) وقد حقق الله تعالى هذا الرجاء، بعد عدة سنوات، فقام أستاذان فاضلان وأخوان كريمان، بتحقيق معظم الكتاب في رسالتين للدكتوراه، في السنة وعلومها وهما: الدكتور عبد الكريم بن عبد الله الخضير سنة ١٤٠٧ هـ، والدكتور محمد بن عبد الله الفهيد سنة ١٤٠٨ هـ بكلية أصول الدين بالرياض - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ثم طبع الكتاب بتحقيق الشيخ علي حسين علي، سنة ١٤١٢ هـ لدار الإمام الطبري بالسعودية، وهذه أفضل طبعاته حتى الآن سنة ١٤١٨ هـ.","vol":"2","page":801},{"text":"لأنه يمزج لفظ المتن بشرحه في سياق واحد، ويميز لفظ المتن في المخطوطات بكتابته بمداد أحمر، أو بخط أكبر من الخط الذي يكتب به كلام الشارح أما في الطباعة فيوضع المتن بين قوسين، تمييزا له، وانتهاج هذا الشكل في الشرح يقتضي من المؤلف أن يتخير الألفاظ والعبارات التي يذكرها قبل وبعد ألفاظ المتن، بحيث تكون موضحة للمراد، ومنسبكة في كثير من الأحيان مع لفظ المتن، وكثيرًا ما لا يتوفر تحقيق الغرضين معًا، فنجد عبارة الشارح منسبكة مع لفظ المتن في السياق، ولكنها غير موضحة له وبالعكس وخصوصا إذا كان المتن المشروح «نظما» مثلما في الألفية، ولهذا عاب بعض العلماء طريقة الشرح الممزوج، بالنسبة لشرح المتون المنظومة، لكن السخاوي وغيره، يرون أن ذلك أبلغ في إظهار المعنى، ولهذا رد السخاوي على من عاب هذا المنهج، عقب ذكر اختياره له كما سنذكره، ولكن الاطلاع على شرحه، يدل على وجود غموض في كثير من المواضع، بسبب طريقة الشرح هذه كما سيظهر من مقارنته بشرح العراقي إن شاء الله.\nأما منهج السخاوي من حيث المضمون، فقد اعتنى ببيان ألفاظ الألفية وتراكيبها، وما يكون من اختلاف النسخ في ذلك، وتوسع كثيرا في بحث ما تضمنته من مسائل علم المصطلح وقضاياه، لأجل الإفادة، حتى إن هذا الشرح يُعد أوسع ما وجد حتى الآن من شروح الألفية، وقام السخاوي أيضًا بالبحث والتحقيق والترجيح لما يراه، كما جعل من منهجه العناية بآراء العراقي ومنهجه في الألفية، بحيث نجده يوضح وجهة نظره، ويدافع كثيرا عنها، مع قلة الانتقاد له، كما أنه اعتمد كثيرًا على شرحي العراقي للألفية، وعلى غيرهما من مؤلفاته في المصطلح.","vol":"2","page":802},{"text":"هذا أهم ما ظهر لي من البحث التفصيلي لجميع هذا الشرح، ولكني لن أتتبع ذلك بالتفصيل؛ لأنه من شأن من يدرس السخاوي، وسأذكر بعض النقاط المحتاج إليها عند مقارنة شرح العراقي بغيره، أما هنا فسأكتفي بذكر بيان السخاوي نفسه لأهمية شرحه هذا، ولعناصر منهجه، ومميزاته كما أوضحته، ثم أتبع ذلك بأنموذج منه.\nيقول السخاوي في مقدمة شرحه: «وبعد فهذا تنقيح لطيف، وتلقيح للفهم منيف، شرحت فيه ألفية الحديث، وأوضحت به ما اشتملت عليه من القديم والحديث، ففتح من كنوزها المحصنة الأقفال كل مُرتَج، وطرح عن رموزها الإشكال بأبين (^١) الحجج، سابكًا لها فيه، بحيث لا تتخلص منه إلا بالتمييز؛ لأنه أبلغ في إظهار المعنى، تاركًا لمن لا يرى حُسن ذلك في خصوص النظم والترجيز؛ ولكونه - إن لم يكن متعنتًا - لم يذق الذي هو أهنى مراعيًا فيه الاعتناء بالناظم رجاء بركته، ساعيًا في إفادة ما لا غناء عنه لأئمة الشأن وطلبته، غير طويل مُمل، ولا قصير مُخلّ، … إجابة لمن سألني فيه من الأئمة ذوي الوجاهة والتوجيه» (^٢)، ثم قال: «إن هذا الشرح لا ترى نظيره في الإتقان والجمع، مع التلخيص والتحقيق» (^٣).\nومن نماذج هذا الشرح: أن العراقي قال في مبحث الحديث الموقوف:\nوسم بالموقوف ما قصرته … بصاحب، وصلت أو قطعته\n_________\n(^١) في المطبوعة: «بابين» وهو خطأ لا يستقيم المعنى عليه والتصحيح من مخطوطة دار الكتب العربية/ ١ ب.\n(^٢) فتح المغيث للسخاوي ج ١/¬٧، ٨.\n(^٣) فتح المغيث ج ٢/ ٣٣٢.","vol":"2","page":803},{"text":"وبعض أهل الفقه سماه الأثر … وإن تقف بغيره قيد تبر (^١)\nفبدأ السخاوي الشرح ببيان مناسبة ترتيب المبحث فقال: «وقدم على ما بعده (^٢)، لاختصاصه بالصحابي، ثم انتقل إلى شرح النظم» فقال:\n«وسم» أيها الطالب «الموقوف ما قصرته بصاحب» أي على صحابي، قولا وفعلا، أو نحوهما مما لا قرينة فيه للرفع، سواء «وصلت» السند بذلك، (أو قطعته)، وشدّد الحاكم، فاشترط عدم الانقطاع، واختلف فيه (^٣): هل يسمّى خبرا أم لا؟ فمقتضى القول المرجوح بعدم (^٤) مرادفة الخبر للحديث، وإن الخبر ما جاء عن غير النبي ﷺ، الأول «وبعض أهل الفقه» من الشافعية «سماه الأثر»، بل حكاه أبو القاسم الفوراني من الخراسانيين عن الفقهاء وأطلق فإنه قال: الفقهاء يقولون: الخبر ما كان عن النبي ﷺ، والأثر ما يروى عن الصحابة، انتهى، وظاهر تسمية البيهقي كتابه المشتمل عليهما «بمعرفة السنن والآثار» معهم، وكأن سلفهم فيه إمامهم، فقد وجد ذلك في كلامه كثيرا واستحسنه بعض المتأخرين، قال: «لأن التفاوت في المراتب يقتضي التفاوت في المرتب عليها، فيقال لما نسب لصاحب الشرع الخبر، وللصحابة الأثر وللعلماء القول والمذهب، ولكن المحدثين (^٥) كما عزاه إليهم النووي في كتابيه يطلقون الأثر على المرفوع والموقوف، وظاهر تسمية الطحاوي لكتابه المشتمل\n_________\n(^١) «الألفية» / ١٧٥.\n(^٢) وهو مبحث الحديث المقطوع.\n(^٣) بالمطبوعة: واختلافه فيه، ولا يستقيم عليه المعنى.\n(^٤) بالمطبوعة «لعدم»، والصواب ما ذكرته.\n(^٥) بالمطبوعة «المحدثون» بالرفع وهو خطأ نحوي واضح.","vol":"2","page":804},{"text":"عليهما «شرح معاني الآثار» معهم، وكذا أبو جعفر الطبري في تهذيب الآثار له، إلا أن كتابه اقتصر فيه على المرفوع، وما يورده فيه من الموقوف فبطريق التبعية، بل في «الجامع» للخطيب من حديث عبد الرحيم بن حبيب الفاريابي عن صالح بن بيان عن أسد بن سعيد الكوفي، عن جعفر بن محمد، عن أبيه عن جده مرفوعا: ما جاء عن الله فهو فريضة، وما جاء عني فهو حتم وفريضة، وما جاء عن أصحابي فهو سنة، وما جاء عن أتباعهم فهو أثر، وما جاء عمن دونهم فهو بدعة، قال شيخنا (^١): «وينظر في سنده، فإني أظن أنه باطل».\nقلت: بل لا يخفى بطلانه على أحد أتباعه (^٢)، فالفاريابي، رمي بالوضع وفي ترجمته أورده الذهبي في الميزان، واللذان فوقه، قال المستغفري في كل منهما: «يروي العجائب، وينفرد بالمناكير».\nوأصل الأثر: ما ظهر من مشي الشخص على الأرض، قال زهير:\nوالمرء ما عاش فمدود له أثر … لا ينتهي العمر حتى ينتهي الأثر\nثم إنه لا اختصاص في الموقوف بالصحابي، بل ولو أُضيف المروي للتابعي وكذا لمن بعده، كما اقتضاه كلام ابن الصلاح، بسماع تسميته موقوفا «و» لكن «إن تقف بغيره» أي على غير الصحابي، وفي بعض النسخ «بتابعي» والأول أشمل (^٣) فقيد ذلك بقولك: موقوف\n_________\n(^١) يقصد: الحافظ ابن حجر العسقلاني.\n(^٢) يعني أحد أتباع ابن حجر، والسخاوي بهذا يشير إلى نفسه، لقيامه ببيان وجه البطلان كما ترى\n(^٣) يقصد أنه في بعض نسخ الألفية وجد لفظ «التابعي» بدل بـ «غيره»، وهذا فعلا أشمل لكونه يصدق على التابعي ومن دونه من اتباع التابعين والأئمة من بعدهم، وبذلك يختلف المعنى =","vol":"2","page":805},{"text":"على فلان، «تبر (^١) أي يزكو عملك ولا ينكر.\n\n<span data-type='title' id=toc-270>٥ - شرح السيوطي للألفية:</span>\n<span data-type='title' id=toc-271>نسخه الخطية، ومنهجه، وهدفه، ومميزاته، وأنموذجه:</span>\nتوجد من هذا الشرح عدة نسخ خطية مفرقة في مكتبات العالم، كتركيا وسوريا والعراق، وقد وجدت منه بمصر نسخة وحيدة بدار الكتب المصرية رقم (٢٣٢٣٤) ب، وعدد أوراقها ٤٥ ورقة من القطع العادي، وهي نسخة جيدة الخط والتوثيق، فخطها نسخ واضح، وأثبت في نهايتها الفراغ من نسخها يوم السبت ١٦ جمادى الأولى ٨٨٦ هـ (^٢).\nوهذا يفيد أنها كتبت في حياة السيوطي كما يفيد أنه ألف هذا الشرح قبل التاريخ المذكور.\nثم إنه أثبت بهامشها في عدة مواضع، مقابلتها على المؤلف (^٣)، ولم يطبع هذا الشرح حتى الآن فيما أعلم، ولذلك اعتمدت في البحث على هذه النسخة، وقرأت الشرح كله فيها.\nولم أجد على تلك النسخة، ولا خلال الشرح تسمية معينة له، كما أن السيوطي ذكره ضمن مؤلفاته في علم المصطلح، ولم يذكر له اسما (^٤)، لكن\n_________\n= من الخصوص إلى العموم، وهذا من الأمثلة الدالة على أهمية اختلاف نسخ الألفية كما أشرت في بداية الكلام عليها.\n(^١) (فتح المغيث) للسخاوي ج ١/ ١٠٣، ١٠٤.\n(^٢) انظر النسخة/ ٤٥ ب.\n(^٣) انظر/ ٤ ب، ٧ أ.\n(^٤) انظر (حسن المحاضرة) للسيوطي ج/ ٣٤.","vol":"2","page":806},{"text":"الكتاني ذكر أن السيوطي سماه «قطر الدرر (^١)» فلعله وقف على ذلك.\nوقد تبين لي من قراءة الشرح، أن السيوطي انتهج فيه مزج الشرح بمتن الألفية مثلما فعل السخاوي من قبله، وتقدم توضحه، لكن السيوطي لم يتوسع كالسخاوي، بل انتهج الإيجاز، ولكنه مع إيجازه مفيد، وله مميزاته فقد وجدت به من المعلومات ما لم أجده في غيره، نظرًا لخبرة مؤلفه بألفية العراقي خصوصًا وبتراثه عمومًا، فقد عني بتحديد كثير من زوائده على ابن الصلاح، وتعرض للمقارنة بين ألفية العراقي وألفيته هو، وبين ألفية العراقي وبعض مؤلفات العراقي الأخرى، كما اعتمد على شرح العراقي وعلى غيره من مؤلفاته، ويعبر عنه عند ذلك بـ «الناظم أو بالمصنف» وقد أجمل في مقدمته منهجه، والداعي لتأليف هذا الشرح فقال: «وبعد فهذه تعليقة على ألفية الحديث للحافظ أبي الفضل العراقي ﵀، توضح كلامها وتفكك نظامها، وتبلغ طلابها مرامها، على وجه وجيز، سهل للمبتدئين حسن للناظرين، ألفتها إجابة لمن سأل، وصنتها عن الحشو والتطويل، حذرًا من السامة والملل، فخير الكلام ما قل ودل (^٢)».\nأنموذج الشرح:\nوإليك أنموذجا توضيحيا من هذا الشرح: قال العراقي في نوع الحديث «المدرج»:\n«المدرج الملحق آخر الخبر … من قول راو ما، بلا فصل ظهر\n_________\n(^١) انظر: الرسالة المستظرفة، للكتاني/ ١٦٠.\n(^٢) «قطر الدرر» / ١ ب.","vol":"2","page":807},{"text":"نحو إذا قلت «التشهد» وصل … ذاك زهير، وابن ثوبان فصل\nقلت: ومنه مدرج قبل «قلب» كأسبغوا الوضوء ويل للعقب (^١) فقال السيوطي في شرحه: «المدرج»، هذه ترجمة (^٢).\nثم انتقل لشرح النظم قائلًا: «المدرج» هو الملحق آخر الخبر، «من قول راو ما»: أي راو كان، صحابيًا أو غيره: «بلا فصل»: بينه وبين الحديث «ظهر» ويدرك ذلك بوروده مفصولًا في رواية أخرى، أو بالتنصيص على ذلك من الراوي، أو من بعض الأئمة المطلعين، أو باستحالة كونه ﷺ يقول ذلك، «نحو» ما رواه أبو داود قال: «حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي ثنا زهير ثنا الحسن بن الحر عن القاسم بن مخيمرة» قال: «أخذ علقمة بيدي فحدثني أن عبد الله بن مسعود أخذ بيده، وأن رسول الله ﷺ أخذ بيد عبد الله بن مسعود، فعلمنا التشهد في الصلاة»، قال: فذكر مثل حديث الأعمش: «إذا قلت أو قضيت هذا فقد قضيت صلاتك، إن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد». فقوله: «إذا قلت هذا …» الخ، مدرج من كلام ابن مسعود كما قال الحاكم والبيهقي والخطيب، وذكر النووي في «الخلاصة» اتفاق الحفاظ عليه لكن قد «وصل ذاك»: أي إذا قلت إلخ الحديث، «زهير» بن معاوية كما في الرواية السابقة. «وابن ثوبان فَصَل»: ذاك عنه، فتبين أنه من قول ابن مسعود، في روايته عن الحسن بن الحر، وكذلك رواه شبابة بن سوار عن زهير مفصولًا، مبينا أنه من قوله، ورواه.\n_________\n(^١) والألفية» / ٧٨١، ١٨٢.\n(^٢) أي عنوان للمبحث معبر عنه، وهكذا علق السيوطي بعبارة: هذه ترجمة، هذه على كل عناوين الموضوعات في الألفية.","vol":"2","page":808},{"text":"حسين الجعفي وابن عجلان ومحمد بن أبان عن الحسن بن الحر بترك: (إذا قلت ..، الخ فصوب الدارقطني قول شبابة، برواية ابن ثوبان والجعفي ومن معه).\nثم أشار السيوطي إلى ما زاده العراقي في الألفية على ابن الصلاح فقال: «وما ذكره الناظم من كون المدرج هو الآتي في آخر الحديث، هو كلام ابن الصلاح، وزاد عليه تبعا للخطيب بقوله «قلت: وقيل مدرج قبل» أي قبل آخر الخبر، إما في أوله، أو وسطه، (قلب) عما الغالب إثباته فيه، وهو الآخر فالمدرج في أول الحديث: «كأسبغوا الوضوء، ويل للعقب» الذي رواه أبو قطن وشبابة عن شعبة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة ولفظه: «قال رسول الله ﷺ: أسبغوا الوضوء، ويل للأعقاب من النار»، فـ «أسبغوا الوضوء» مدرج من كلام أبي هريرة، وصله الراويان عن شعبة وفصله آدم بن أبي إياس في روايته عن شعبة عن محمد عن أبي هريرة، ولفظه: قال: «أسبغوا الوضوء» فإن أبا القاسم ﷺ قال: «ويل للأعقاب من النار» وكذلك رواه عن شعبة مفصولًا: غندر وهشيم والنضر بن شميل ووكيع، وآخرون، ثم بين السيوطي وجه ذكر العراقي للحديث المذكور في الألفية بلفظ «ويل للعقب» بالإفراد مع أن الروايات السابقة «ويل للأعقاب»، بالجمع، فقال: وقول المصنف «ويل للعقب» بالإفراد، رواية لأبي داود الطيالسي عن شعبة آثرها لأجل الوزن».\nثم قال السيوطي: «والمدرج في الوسطى مثل ما رواه الدارقطني من رواية عبد الحميد بن جعفر عن هشام بن عروة عن أبيه عن بشرة بنت صفوان» قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من مس ذكره أو أُنثَيَيْهِ أو رفعه فليتوضأ».","vol":"2","page":809},{"text":"فقوله: «أو أنثييه أو رفعه» مدرج من كلام عروة، كما قاله الدارقطني وصله عبد الحميد وغيره، كما قال المصنف، وفصله الثقات في روايتهم عن هشام، منهم: أيوب السختياني، وحماد بن زيد، بلفظ «من مس ذكره فليتوضأ» وبذلك أنهى السيوطي شرح الأبيات الثلاثة السابق ذكرها. وعندما ترجع إلى شرح العراقي المتوسط، ونقارن به، نجد اعتماد السيوطي عليه واضحا (^١) وقد أشار إلى ذلك كما ترى بقوله: «كما قال المصنف».\n\n<span data-type='title' id=toc-272>٦ - حاشية محمد بن خليل الدمشقي، على الألفية:</span>\nهذه الحاشية ذكرها السخاوي في ترجمة مؤلفها المذكور، فقد عرف به قائلا: هو محمد بن خليل المحب البصروي الدمشقي، أحد أعيان شافعيتها توفي قريبا من ٨٨٩ هـ عن بضع وستين سنة، ثم ذكر تقدمه في العلوم وتصديه للتدريس والإفتاء وانتفاع الفضلاء به، وأعقب ذلك بقوله: «وله عدة مؤلفات في النحو والأصول، وحاشية على ألفية العراقي، مزجا» (^٢).\nوقول السخاوي «مزجا» إشارة إلى منهج تلك الحاشية، وهو مزجها بمتن الألفية، كما فعل السخاوي نفسه، ثم السيوطي في شرحيهما، لكن الفرق بين الشرح والحاشية: أن الحاشية تتناول مواضع متفرقة من المتن يرى المؤلف أهمية تناولها، مثل «النكت». ولعل تحديد السخاوي لمنهج تأليف هذه الحاشية بناء على اطلاعه عليها، ويدل هذا، على أنها كانت متداولة في عصره، وإن لم يصرح بشيء من ذلك، كما أني لم أجد من ذكرها غيره.\n_________\n(^١) «فتح المغيث» للعراقي ج ١/ ١١٦ - ١٢٠.\n(^٢) انظر «الضوء اللامع»، ج ٧/ ٢٣٧.","vol":"2","page":810},{"text":"ولم يوقفني البحث على نسخة لها، أو على نصوص منسوبة إليها.\nتعقيب: ثم إن وصف السخاوي لمؤلفها المعاصر له بأنه كان من أعيان شافعية دمشق والمدرسين النافعين الفضلاء، يدل على اتساع أثر الألفية وتقديرها العلمي، بإقبال العلماء والطلاب عليها، على السواء، خارج مصر كما في داخلها فدرسوا علم المصطلح من خلالها، وتصدي أعيان العلماء للتأليف في توضيح مضامينها العلمية، بما في ذلك آراء العراقي وزياداته السابق توضيحها، ويزيد ذلك تأكيدا الشرح الآتي بعده:\n\n<span data-type='title' id=toc-273>٧ - شرح الحافظ قطب الدين الخيضري الدمشقي للألفية:</span>\nمؤلف هذا الشرح هو الحافظ محمد بن عبد الله بن خيضر الشافعي ويعرف بالخيضري، وهو من حفاظ الحديث في عصره، وقد تتلمذ لابن حجر العسقلاني، حتى وصفه بالحفظ والتحصيل، ومع أنه توفي بالقاهرة في ربيع الثاني ٨٩٤ هـ، إلا أنه أصلا دمشقي، وكانت مدارسها محط نشاطه العلمي والحديثي (^١). وقد ذكر السخاوي وغيره، أن الخيضري سمى شرحه هذا «صعود المراقي» (^٢)، وأتم صاحب «إيضاح المكنون» التسمية، فقال: «صعود المراقي شرح ألفية العراقي» (^٣) ويُفهم من كلام السخاوي، أن شرحه متقدم على شرح الخيضري هذا؛ حيث ذكر أن الخيضري استعار منه شرحه، بعد أن كتب من هذا الشرح كراسة وورقتين (^٤)، ثم ذكر أنه\n_________\n(^١) «نظم العقيان»، للسيوطي/ ٣٨ ب.\n(^٢) «الضوء اللامع» ج ٩/ ١٢٠ و(كشف الظنون) / ١٥٦ و(الرسالة المستطرفة) / ١٦٠.\n(^٣) «إيضاح المكنون» في الذيل على (كشف الظنون)، للبغدادي ج ٢/ ٦٧.\n(^٤) «الضوء اللامع» ج ٩/ ١٢٠.","vol":"2","page":811},{"text":"أكمله (^١)، ولكني لم أقف على نسخة منه، ولا على نقول معزوة إليه، وما أكثر ما ضيعت الأحداث من تراثنا.\n\n<span data-type='title' id=toc-274>٨ - شرح شيخ الإسلام زكريا الأنصاري للألفية:</span>\nتسميته ونسخه وطبعه، وإثبات اعتماده على شرح السخاوي، والداعي لتأليفه، ومنهجه، وقيمته، وأنموذجه:\nمؤلف هذا الشرح هو قاضي قضاة مصر ومسندها، شيخ الإسلام زكريا بن محمد الأنصاري السنيكي، القاهري الأزهري الشافعي، وقد توفي على الأرجح ٩٢٦ هـ (^٢) وكثير من شيوخه هم من تلاميذ العراقي، كالحافظ ابن حجر، وقد تلقى عنهم الألفية وشرحها بسندهم عن العراقي، مع البحث والدراسة (^٣)، وقد ذكر في مقدمة شرحه أنه سماه «فتح الباقي بشرح ألفية العراقي (^٤)».\nويعتبر هذا الشرح من أشهر شروح الألفية، ولذا وجدتُ نُسخه الخطية منتشرة من شرق العالم إلى غربه، وذلك في مكتبات: استانبول بتركيا، وحلب بسوريا، وبغداد بالعراق، و«كابل» بأفغانستان (^٥)، ودير الاسكوريال بأسبانيا، أما في مصر فيوجد بمكتباتها أكثر من ستين نسخة، من أهمها:\n_________\n(^١) والضوء اللامع، ج ٩/¬٢٣.\n(^٢) وكشف الظنون» / ١٥٦ و«الرسالة المستطرفة» للكتاني/ ١٦٠ و«الرفع والتكميل» للكنوي ٤٥ هامش والضوء اللامع ٣/ ٢٣٤ - ٢٣٨، وقد ترجمه السخاوي وهو حي، فلم يؤرخ وفاته.\n(^٣) ينظر/ الضوء اللامع ٣/ ٢٣٥ وفتح الباقي للأنصاري ١/ أ، ب.\n(^٤) «فتح الباقي» / ١ أ.\n(^٥) انظر فهرس مخطوطات أفغانستان (كتنجانة مزعم، كابل) ص ٧.","vol":"2","page":812},{"text":"وأقدمها وأوثقها إحدى نسخ مكتبة الأزهر ذات الرقم (١٥٩) مصطلح الحديث، وهي مكتوبة في حياة المؤلف في ١٨ رجب ٩١٧ هـ بخط نسخ جيده وموثقة بإثبات مقابلتها في عدة مواضع بهامشها، مع تصحيحات واستدراكات على المؤلف.\nوعدد أوراقها ١٤٠ ورقة متوسطة الحجم، وعدد سطور الصفحة/ ٢١ سطرا.\nوقد وقفت على طبعة لهذا الشرح بمدينة (فاس) بالمغرب، على هامش شرح العراقي المتوسط ١٣٥٤ هـ كما سيأتي ذكره.\nوذكر بعض المحققين، أنه طُبع بمصر، لكن لم يحدد تاريخ ولا مكان الطبع (^١) وهذا بعيد.\nوقد حدد الأنصاري في نهاية شرحه، تاريخ فراغه من تأليفه في ١٠ رجب ٨٩٦ هـ، وبذلك يكون متأخرًا عن شرح السخاوي الذي فرغ منه ٨٨٢ هـ كما قدمنا، وقد ترجم السخاوي في كتاب «الضوء اللامع» (^٢) للأنصاري وهو ما زال حيا، وغمزه في تلك الترجمة لمنافسة بينهما، كما هو شأن الأقران ومما ذكره في هذا الصدد قوله: «وكنت أتوهم أن كتابته أمتن من عبارته إلى أن اتضح لي أمره حين شرع في غيبتي بشرح ألفية الحديث مستمدًا من شرحي، بحيث عجب الفضلاء من ذلك، وقلت لهم: من ادعى ما لم يعلم كذب فيما علم» (^٣).\n_________\n(^١) انظر: مقدمة الأستاذ صبحي السامرائي لتحقيق كتاب (الخلاصة) للطيبي/ ١٥.\n(^٢) «الضوء اللامع» ج ٣/ ٢٣٤ وما بعدها.\n(^٣) و«الضوء اللامع»: ج ٣/ ٢٣٦.","vol":"2","page":813},{"text":"ويلاحظ تجاوز السخاوي في كلامه من النقد إلى التجريح كما ترى، ولعل هذا ما جعل بعض الباحثين يرد عليه دعوى استمداد الأنصاري من شرحه (^١)، لكني وجدت دعواه في حد ذاتها صحيحة، حيث قارنت عدة مواضع من شرح السخاوي، بمقابلتها في شرح الأنصاري، فوجدت مطابقة لفظية شبه تامة بينهما (^٢).\nلكن هذا لا ينفي أن للأنصاري في شرحه جهده وإضافاته المميزة التي تبينتها أيضا من قراءة غالبه، مع المقارنة، وقد اتفق الأنصاري مع السخاوي والسيوطي في انتهاج الشرح الممزوج بمتن الألفية، إلا أنه يعتبر وسطا بينهما فلم يتوسع مثل السخاوي، ولم يبالغ في الإيجاز مثل السيوطي، كما أنه تناول بالشرح والإعراب كثيرا من ألفاظ وتراكيب الألفية التي لم يتناولاها، واعتنى بجانب ذلك بتمييز كثير من زوائد العراقي على ابن الصلاح، وقد ساعده الإيجاز المتوسط على تجنب الإكثار من الجمل الاعتراضية الطويلة التي نجدها في شرح السخاوي، والتي تجعل المعنى غامضا وغير مترابط في ذهن القارئ في كثير من الأحيان، وقد اعتمد كالسخاوي على شرحي العراقي للألفية وعلى غيرهما من مؤلفاته، ويعبر عنه عند ذلك بـ «الناظم».\nوقد بين بنفسه في أول شرحه داعيه إلى تأليف هذا الشرح للألفية بما يؤكد ما قدمته عن أهميتها وآثارها، كما أجمل منهجه في الشرح حيث قال:\n_________\n(^١) انظر «مقدمة شيخنا عبد الوهاب عبد اللطيف ﵀ لتحقيق تدريب الراوي» / ص ف.\n(^٢) انظر «فتح المغيث» للسخاوي ج ١/¬١٤ وقابله عند الأنصاري/ ١٤ وص ٥٨ ب/ ١٨ أ أول مبحث نقل الحديث من الكتب المعتمدة ١١ ب ٢٢ أ، و١٢٦ ب ٢٣ ب و١٣٥ ب ٢٤ ب وغير ذلك.","vol":"2","page":814},{"text":"«وبعد: فإن ألفية علم الحديث المسماة «التبصرة والتذكرة» للشيخ الإمام العالم الحافظ شيخ الإسلام، أبي الفضل عبد الرحيم … العراقي؛ لما اشتملت على نقول عجيبة ومسائل غريبة، وحدود منيعة وموضوعات بديعة، مع كثرة علمها ووجازة نظمها، طلب مني بعض الأعزة علي من الفضلاء المترددين إلي أن أضع عليها شرحًا يحل ألفاظها ويبرز دقائقها ويحقق مسائلها ويحرر دلائلها فأجبته إلى ذلك بعون القادر المالك ضامًا إليه من الفوائد المستجادات ما تقر به أعين أولي الرغبات، … ثم بين أنه إذا أطلق في هذا الشرح لفظ «شيخنا» فمراده به الحافظ ابن حجر العسقلاني (^١).\nوإليك أنموذجًا توضيحيا لهذا الشرح: قال العراقي في مبحث الحديث «المقطوع»:\nوسم بالمقطوع قول التابعي … وفعله وقد رأى للشافعي\nتعبيره به عن المنقطع … قلت وعكسه اصطلاح البردعي (^٢)\nفقال الأنصاري في شرحه: «(المقطوع) يُجمع على مقاطيع ومقاطع». ثم انتقل لشرح النظم فقال: «وسم بالمقطوع قول التابعي وفعله» إذا خلى ذلك عن قرينة الرفع والوقف، وكالتابعي من دونه، قاله شيخنا.\n«وقد رأى»: أي ابن الصلاح.\n_________\n(^١) وفتح الباقي، للانصاري/ ١ أ، ب.\n(^٢) والألفية» / ١٧٥.","vol":"2","page":815},{"text":"«للشافعي»: ﵀.\n«تعبيره به»: أي بالمقطوع، «عن المنقطع»: أي الذي لم يتصل إسناده والمقطوع من مباحث المتن، والمنقطع من مباحث الإسناد، وسيأتي بيانه، وأفاد ابن الصلاح أنه رأى ذلك لغير الشافعي أيضًا ممن تأخر عنه.\n«قلت: وعكسه»: أي ما للشافعي «اصطلاح»: الحافظ أبي بكر أحمد ابن هارون البرديجي «البردعي»: بدال مهملة على الأكثر، نسبة إلى «بردعة» بلدة من أقصى بلاد «آذربيجان»، حيث جعل المنقطع: هو قول التابعي، وهذا كما قال الناظم: حكاه ابن الصلاح في محل آخر، لكنه لم يعين قائله، قال: فأتيت بـ «قلت»، لأن تعيين قائله من زيادتي عليه (^١). ونلاحظ اعتماده على العراقي في بيان زيادته على ابن الصلاح، كما يعرف ذلك بمراجعة شرح العراقي (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-275>٩ - حاشية الطوخي على شرح الأنصاري، وإثبات نسبتها له، وبيان صلتها بالألفية وغيرها، من مؤلفات العراقي:</span>\nهذه الحاشية عبارة عن تعليقات جيدة كتبها العلامة الشيخ منصور بن عبد الرزاق الطوخي الشافعي المصري المتوفى ١٠٩٠ هـ، على نسخته الخاصة من شرح الأنصاري المتقدم، ولكنه لم يتح له أن يجردها بنفسه في تأليف مستقل، فقام بتجريدها بعض من وقعت له نسخته المذكورة، فجاءت في مجلد متوسط، وقد وقفتُ على ثلاث نسخ خطية منها، فوجدتها جميعًا.\n_________\n(^١) «فتح الباقي» / ٢١ أ، ب.\n(^٢) انظر: «فتح المغيث» للعراقي جـ ١/ ٥٩، ٦٠.","vol":"2","page":816},{"text":"خالية من المقدمة، نظرًا لعدم مباشرة الطوخي نفسه لتجريدها، كما أشرتُ ولم ينص في واحدة منها على اسم من قام بتجريدها، من نسخة الطوخي وتتفق النسخ الثلاثة أيضًا في سقوط ٩ مباحث من آخرها، من أول مبحث «من ذكر بنعوت متعددة»، إلى آخر الألفية، فلعل المجرد لم يجد الشيخ علق عليهم بشيء؛ لأنه جاء بآخر نسخة مكتبة الأزهر الآتي ذكرها ما نصه (هذا آخر ما تيسر جمعه ولله الحمد)\nوأجود النسخ الثلاث، نسخة موجودة بمكتبة الأزهر برقم (٦٠٢) مصطلح الحديث، وعدد أوراقها ٢٧٧ ورقة وعدد سطور الصفحة ٢٥ سطرًا وخطها واضح، وسقطها أقل، كما أن في آخرها تاريخ الفراغ من نسخها في هـ ذي الحجة ١١٠٦ هـ، وهو تاريخ قريب من حياة المؤلف المتوفى ١٠٩٠ هـ كما سبق، وقد كتب على الصفحة الأولى فيها تحت العنوان: «أنها جُرِّدَتْ من هامش نسخة العلّامة … الشيخ منصور الطوخي ﵀».\nومع ذلك جاء بفهرس مكتبة الأزهر أنه لم يعلم مؤلفها (^١)، لكن الشيخ العدوي صاحب الحاشية الآتي التعريف بها بعد تلك الحاشية، صرح باعتماده عليها، ونسبتها للشيخ الطوخي، ولقبه بـ «شيخ شيوخنا» (^٢)، فهذا يدل على معرفته به عن طريق تلاميذه، وتأكده منهم أن تلك الحاشية فعلا من تأليفه وعدم تجريده لها بنفسه لا يمنع نسبتها إليه، سواء جُردَتْ بعلمه، أو بدون علمه، في حياته أو بعد وفاته، كما تعارف العلماء على ذلك (^٣)، ومنهج\n_________\n(^١) انظر: «فهرس مكتبة الأزهر» ج ١ (علم المصطلح والحديث) مادة (حاشية).\n(^٢) انظر وحاشية العدوي ١/¬٥ ب.\n(^٣) انظر: «ترجمة الامام النووي» تأليف السخاوي/ ٢٣","vol":"2","page":817},{"text":"الطوخي في تلك الحاشية: أنه يذكر «الكلمة» أو «العبارة» أو طرفًا منها ثم يعلق عليها بما يراه، من التوضيح، أو التكملة، أو الاعتراض، أو الدفاع أو غير ذلك، ويعبر عن الأنصاري بالشارح، أو شيخ الإسلام، وقد يرمز له ب «الشا» اختصارًا.\nوأهمية هذه الحاشية بالنسبة للألفية ترجع إلى أن شرح الأنصاري كما أوضحنا، ممزوج بالألفية، ولهذا فإنه كثيرًا ما يكون اللفظ أو العبارة التي يتناولها الطوخي بالتعليق، هي جزء من الألفية، فيجعل الطوخي توضيحه أو نقده، أو دفاعه، موجها إلى العراقي، لا إلى الأنصاري، هذا فضلًا عن تناوله بنفس الطريقة، لباقي نقول الأنصاري في شرحه، عن مؤلفات العراقي الأخرى، كشرحيه للألفية، ونكته على ابن الصلاح (^١).\nكما أنه يعرض المقارنة شرح العراقي بشرح الأنصاري (^٢)، وقد عبر عن العراقي بالمصنف أو الناظم، وبذلك نجد أن تلك الحاشية، برغم تعلقها المباشر بشرح الأنصاري، إلا أنها تضم بحوثًا عديدة عن ألفية العراقي، وباقي مؤلفاته في علم المصطلح، ومن جهة أخرى فإنه اعتمد على مؤلفات العراقي مباشرة حتى إنه يقول في بعض المواضع: «قال الناظم في شرحه ما نصه كذا (^٣)» وإليك بعض أمثلة من تلك الحاشية، توضيحا لذلك.\nقال العراقي في مبحث «أصح كتب الحديث»:\n_________\n(^١) انظر/ ١٤ أ، ١٦ ب، ١٧ أ، ١٩٥ أ، ١٩٨ أ، ٢٠٤ أ.\n(^٢) ٢٠٤ أ.\n(^٣) انظر/ ٢٤٤ أ.","vol":"2","page":818},{"text":"أول من صنف في الصحيح … محمد وخص بالترجيح (^١)\nفقال الأنصاري في شرحه: «أول من صنف»: في الحديث «الصحيح»: الإمام، (محمد): هو ابن إسماعيل البخاري (^٢).\nفقال الطوخي في حاشيته: «وقول الشارح: «في الحديث»: قال الناظم في شرحه: (جمع الصحيح): قال البقاعي عليه: قيل فائدة لفظ (جمع): إخراج غير الصحيح؛ لأنه إذا كتب شيئا صحيحا، وأدرج فيه شيئا غير صحيح، لم يصدق أنه صنف في جمع الصحيح، وعندي أنه لا فرق بين وجود هذه اللفظة وعدمها؛ لأن كلا العبارتين غير صريح في تجريد الصحيح فإن من كتب الصحيح وضم إليه قليلا من غيره كما فعل مالك، لا يخرج عن كونه صنف في الصحيح أو في جمع الصحيح وعبارة ابن الصلاح: «أول من صنف الصحيح» كما تقدم، أي جعله أصنافا، وهي غير صريحة في أن المراد أول من أفرد الصحيح من غيره فلو قال (العراقي في النظم)»:\nأول من صنف الصحيح … فقط محمد وبالترجيح\nخص، فمسلم وبعض الغرب مع … أبي علي فضلوا ذا لو نفع\nلكان أحسن (^٣)\n_________\n(^١) «الألفية» / ١٧٠.\n(^٢) «فتح الباقي» / ٩ أ.\n(^٣) ٥١ ب، ٥٢ أ.","vol":"2","page":819},{"text":"<span data-type='title' id=toc-276>١٠ - حاشية العِدْوي على شرح الأنصاري:</span>\nمنهجها، ومميزاتها، وصلتها بالألفية وغيرها من مؤلفات العراقي في المصطلح:\nمؤلف هذه الحاشية، هو الإمام شيخ الشيوخ في عصره، علي بن أحمد بن مكرم الصعيدي العدوي المالكي المتوفى بالقاهرة ١١٨٩ هـ (^١)، وتوجد منها عدة نسخ خطية (^٢)، من أجودها خطا وتوثيقا، نسخة بدار الكتب المصرية برقم (٢١٥٩٦) ب، وتقع في مجلد، وعدد أوراقه ٣٣٩ ورقة من القطع المتوسط، وعدد سطور الصفحة ٢٤ سطرًا، ما عدا ورقتين من الوسط مسطرتهما أقل، وخطها عادي، ومثبت بهامشها تصحيحات للأصل.\nكما أثبت بالهامش أيضًا في مواضع كثيرة من أولها إلى آخرها علامة مقابلتها على نسخة المؤلف التي بخطه، ولذا كان اعتمادي في هذا المبحث عليها، مع الإستعانة بغيرها من النسخ الأخرى، وقد جاء في نهاية بعض النسخ الموثقة أيضًا: أن العدوي فرغ من تلك الحاشية في يوم الثلاثاء ١٦ شوال ١١٦٧ هـ (^٣).\nومنهجه فيها هو نفس منهج الطوخي في حاشيته السابقة، لأنه جعلها عمدة له، كما سيأتي، ولهذا فإن ما قدمته عن صلة حاشية الطوخي بالألفية ويباقي مؤلفات العراقي في هذا الفن، ينطبق على حاشية العدوي هذه؛ لكن\n_________\n(^١) (الرسالة المستطرفة) ١٦١ و(معجم المطبوعات) لسركيس ج ٢/ ١٣١٤ ج ٥/¬١٣.\n(^٢) انظر (فهرس مخطوطات المصطلح بدار الكتب المصرية) / ٢١٣، ٢١٤.\n(^٣) انظر آخر النسخة رقم (٢٥٧٦٧ ب) بدار الكتب المصرية/ ٣٨٨ أ.","vol":"2","page":820},{"text":"وجدتها بعد البحث والمقارنة، تمتاز عنها بعدة مميزات، أهمها: تناول كثير مما أغفله عامة الشارحين للألفية قبله من ألفاظها ومضامينها العلمية، وتناول ما أودعه الطوخي في حاشيته بالتحقيق، والاستدراك، والقطع في بعض ما لم يقطع فيه برأي، وتناول ما لم يتناوله من شرح الأنصاري، خاصة وأنه ألف تلك الحاشية بعد دراسة تفصيلية للشرح.\nوقد بين العدوي بنفسه ما دعاه إلى تأليفها، ومنهجه فيها، فقال: «وبعد فيقول الفقير إلى الله تعالى، عليّ الصعيدي العدوي المالكي: لما تفضل المولى الكريم بحضور هذا الكتاب «يعني شرح الأنصاري» من أوله إلى آخره وأخذه عن المشايخ الثقات، وإجازتهم به، وبمطالعته مع الإخوان، وظهر شيء مما يتعلق بحل الشرح، أحببت أن أضعه، مع ما أضمه إليه من كتب هذا الفن، ومن حاشية شيخ شيوخنا الشيخ العلامة الورع الزاهد، الشيخ منصور الطوخي، مشيرًا إليه بمادة «هـ. طخ» في أوراق، تذكرة لنفسي ولمن هو قاصر مثلي» (^١).\nومن نماذج تلك الحاشية:\nأن العراقي في الألفية نسب نفسه إلى الأثر بقوله: «عبد الرحيم بن الحسين الأثري» (^٢) فقال الأنصاري: «الأثري»: نسبة إلى الأثر وهو الأحاديث مرفوعة أو موقوفة، وإن قصره بعض الفقهاء على الموقوفة (^٣) فقال العدوي: «قوله مرفوعة: أي إلى النبي ﷺ حقيقة، وهو ظاهر، أو حكما كأن يقول.\n_________\n(^١) انظر الحاشية/ ١ ب.\n(^٢) والألفية» / ١٦٩.\n(^٣) وفتح الباقي، ٢ أ.","vol":"2","page":821},{"text":"الصحابي قولًا ولا يُسنده إليه ﷺ، إلا أنه ليس للرأي فيه مجال وقوله: «أو موقوفة»: أي على الصحابي، كقال ابن عمر كذا، مما للرأي فيه مجال. ولا فرق في المرفوع بين أن يسقط من سنده راوٍ، أو اثنان، على التوالي أم لا أو لا يسقط منه راوٍ، فهو يشمل أنواعًا كثيرة، كما يأتي، فلذا قابل الشيخ «مرفوعة» بـ «موقوفة»، أفاده «طخ»، ثم أضاف قائلًا: قوله: «وإن قصره، الواو للحال، أو للمبالغة، أي هذا إذا لم يلاحظ قصر بعض الفقهاء؛ بل وإن لوحظ فلا يضرنا، إما لأنه اصطلاح طار منه، أو لمخالفته للأكثر، فافهم» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-277>١١ - شرح إبراهيم الشبراخيتي للألفية، وبعض نصوصه النادرة:</span>\nمؤلف هذا الشرح هو الشيخ برهان الدين إبراهيم بن مرعي بن عطية الشبراخيتي المالكي نزيل مصر المتوفى ١١٠٦ هـ، وقد ذكر هذا الشرح صاحب «إيضاح المكنون في الذيل على كشف الظنون» (^٢)، ومن تاريخ وفاة مؤلفه يظهر لنا تأخره عن الشروح والحواشي المتقدمة عمومًا، ما عدا حاشية العدوي، ومع ذلك لم يوقفني البحث على نسخة منه، لكني وقفت على عدة نصوص منسوبة إليه، وذلك في حاشية أبي سعيد الهزاروي الهندي على الألفية.\nوسأعرف بها عقب هذا مباشرة، وقد ذكر أبو سعيد أنه استمد في حاشيته من شروح الألفية، ومن ضمنها «شرح الشبراخيتي» ثم قال: «ولم أقف على مؤلفه» (^٣).\n_________\n(^١) «حاشية العدوي» ٥/¬١٦ أ.\n(^٢) انظر ج ٢/ ١٢١ منه.\n(^٣) انظر خاتمة طبع حاشية الهزاروي الآتي ذكرها.","vol":"2","page":822},{"text":"فيظهر أنه وجد نسخة من الشرح معنونة بشرح الشبراخيتي، دون تعريف به أما النقول التي عزاها إلى الشرح فهي عبارة عن ثلاث تعليقات، في مبحث أقسام الحديث (^١)، وتعليق واحد في مبحث «الحديث المرفوع» (^٢).\nومما نقله عنه في (أقسام الحديث) التعليق على قول العراقي في الألفية: (لخصت فيها ابن الصلاح أجمعه)؛ حيث قال بعد التعريف بابن الصلاح: «واعتنى باختصار كتابه جماعة، منهم: النووي في إرشاده، واختصر أيضًا التاج التبريزي، وقاضي القضاة بدر الدين بن جماعة» والناظم في هذه المنظومة، والحافظ ابن حجر العسقلاني وغيرهم، انتهى الشبراخيتي (^٣).\nولما كان الهزاروي الذي وقف على هذا الشرح واستمد منه، قد عاش في سنة ١٣٠٠ هـ كما سيأتي، فإن هذا يدل على وجود بعض نسخ الشرح وتداولها بعد عصر الشبراخيتي بكثير.\n\n<span data-type='title' id=toc-278>١٢ - حاشية أبي سعيد الهزاروي على الألفية:</span>\nهذه تعليقات جمعها أحد علماء الهند في القرن الثالث عشر الهجري وجعلها حاشية على ألفية العراقي، ثم قام بطبعها، وفي بدايتها عرف بنفسه فذكر أنه: أبو سعيد محمد بن حسين بن عبد الستار الإسرائيلي، نسبًا السني مذهبًا، الهزاروي وطنًا.\nوأما في خاتمة الطبع فبين منهجه في جمع تلك التعليقات، ومصادره وهدفه\n_________\n(^١) ص ٣ من الحاشية.\n(^٢) ص ١٧ من الحاشية.\n(^٣) انظر الحاشية ص ٣.","vol":"2","page":823},{"text":"من جمعها، وخلاصة ما ذكره، أنه وقف على بعض النسخ الخطية للألفية فوجد عليها بعض التعليقات بالهامش فنسخها مع الألفية، ثم زاد عليها تعليقات أخرى، أخذها من شروح الألفية السابق التعريف بها، وهي: «شروح السخاوي»، والسيوطي، والأنصاري، والشبراخيتي، ثم أضاف تعليقات أخرى استمدها من بعض المؤلفات في علم المصطلح، أو تلقاها شفاهة من شيوخه، وسمى تلك التعليقات خاصة: «تحفة الباقي» لكنه جمع كل التعليقات ورتبها، بحيث ذكر التعليقات المأخوذة عن الشروح ناسبًا غالبها إلى مصدره، وتارة يرمز «لفتح الباقي» للأنصاري، أو «فتح المغيث» للسخاوي بحرف (الفاء) وأما التعليقات التي سماها «تحفة الباقي» فيذكر هذا الاسم في آخرها، وبعد هذا الجمع والترتيب، قام بطبع تلك التعليقات مع الألفية بالهند سنة ١٣٠٠ هـ، رغبة منه في توضيح محتواها من علم المصطلح، للدارسين، وعملا على نشرها وتداولها بأقطار الهند الشاسعة، فضلا عن سواها، وهذا من خير الأدلة على استمرار كل من العناية والاستفادة بألفية العراقي، وما تعلق بها من الشروح في علم المصطلح، وعلى أوسع نطاق، في مختلف الأزمنة والأمكنة، من شرق العالم الإسلامي وغربه، وفوق أن هذه الحواشي، قد وضحت كثيرًا من ألفاظ ومضامين الألفية ويشرت الاستفادة العامة بها، كما قصد جامعها، فإنها تمتاز أيضًا باشتمالها على نصوص بعض شروح الألفية المفتقدة، كالشرح الكبير للعراقي كما سيأتي، وشرح الشبراخيتي كما تقدم بيانه.\n\n<span data-type='title' id=toc-279>أنموذج تحفة الباقي:</span>\nوسأكتفي هنا بذكر أنموذج لما سماه المؤلف «تحفة الباقي»، لأنه عده من","vol":"2","page":824},{"text":"جهوده هو، وذلك أن العراقي قال في «أقسام الحديث»:\nوأهل هذا الشأن قَسَّموا السنن … إلى صحيح وضعيف وحسن (^١)،\nفعلق على ذلك بقوله: «هذا التقسيم الكلي إلى بعض أجزائه، كتقسيم الكلمة إلى اسم وفعل وحرف، ولذا فإنه يتعين التعبير بالواو، واعلم أن هذا التقسيم بالنظر إلى المتن أما إذا نظرنا إلى أوصاف الرواة فقيل: هو ثقة، عدل ضابط، أو غير ثقة، أو متهم، أو مجهول، أو كذاب، أو نحو ذلك، فيكون البحث عن الجرح والتعديل.\nوإذا نظرنا إلى كيفية أخذهم، وطرق تحملهم الحديث، كان البحث عن أوصاف الطالب، وإذا بحث عن أسمائهم وأنسابهم، كان البحث عن تعينهم وتشخيص ذواتهم «تحفة الباقي» (^٢)، وبمراجعة كتب المصطلح، نجد أن هذه التعليقة مأخوذة عن كتاب «الخلاصة في معرفة الحديث» للإمام الطيبي مع بعض تصرف (^٣)، ولكنه لم يعزها لا إلى الخلاصة، ولا إلى غيرها.\nهذا وقد كان طبع تلك الحاشية بالمطبع الفاروقي، في دهلي بالهند، وتقع في ١٦٢ صفحة من القطع الكبير، وقد عنى المؤلف بتصويب أهم أخطاء الطبع، ولكن شكل الطبعة يجعل الاطلاع عليها صعبًا، لأن التعليقات مطبوعة، إما بين سطور الألفية، أو على هامش الصفحات في اتجاهات متعددة، ومن أعلا إلى أسفل، وبالعكس، بحيث يضطر المطلع إلى إدارة الكتاب أمامه في كل الإتجاهات، فضلا عن أنه قد مر على تلك الطبعة نحو.\n_________\n(^١) والألفية» / ١٦٩.\n(^٢) انظر «تحفة الباقي» / ٣.\n(^٣) انظر «الخلاصة» / ٣٤.","vol":"2","page":825},{"text":"قرن من الزمان، ولهذا فإنه ينبغي إعادة طبعها، طبعة محققة تيسر الانتفاع بها، وانتشارها.\nتعقيب:\nولعلي بهذا قد وفقت في عرض عناية العلماء والدارسين لعلم المصطلح بشرح تلك الألفية وبحثها والعمل على نشرها والاستفادة بها في مختلف العصور والأقطار، حتى عصرنا الحاضر. وبالله التوفيق.","vol":"2","page":826},{"text":"<span data-type='title' id=toc-280>٢ - الشرح الكبير للعراقي لألفيته وأهميته، ولماذا لم يكمله؟</span>\nذكرت من قبل أنه كان من عناية العراقي المستديمة بألفيته، تأليف شرحين لها، وهذا هو الشرح الأول منهما، وقد كان من مناهج التأليف المعتادة في عصر العراقي، أن العالم بعد أن يؤلف كتابًا موجزًا في أحد الفنون، منثورًا أو منظومًا، ويُعرف بـ «المتن»، يتصدى لشرحه بشرح أو أكثر، وتعتبر مباشرة مؤلف المتن لشرحه، ذات أهمية كبيرة، من ناحية أنه يكشف بنفسه عما أودعه في كلامه الوجيز أو المنظوم، من معان وإشارات دقيقة، وما أراده من مقاصد متعددة، قد يعسر أو يتعذر على غيره الاهتداء إليها (^١).\nولهذا فإن الحافظ ابن حجر لما سبقه كمال الدين الشُّمُنِّي، المتوفى ٨٢١ هـ (^٢) إلى شرح كتابه «نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر» بشرح ضخم، ثم تصدى هو بعد ذلك لشرحه بنفسه، قال في مقدمة الشرح معرضًا بالشمني: «فبالغت في شرحها في الإيضاح والتوجيه، ونبهت على خبايا زواياها؛ لأن صاحب البيت أدرى بما فيه» (^٣).\nومن هنا كان تصدي العراقي لشرح ألفيته بنفسه، له أهميته الكبرى في توضيح محتوياتها للدارسين، وبيان مقاصده العلمية فيها، سواء في هذا الشرح الكبير، أو المتوسط الآتي بعده، بالمشيئة.\n_________\n(^١) «كشف الظنون» / ٢٨.\n(^٢) «الضوء اللامع» للسخاوي ج ٩/ ٩٤.\n(^٣) «شرح ابن حجر لنخبته بهامش لقط الدرر» / ٢٢، ٢٣ .. والجواهر والدرر للسخاوي/ ١٥٦ أ.","vol":"2","page":827},{"text":"ويزيد من أهمية (الشرح الكبير) - وإن كان لم يكمل - أنه شرح موسع كما أنه أول شروح الألفية مطلقا؛ حيث إن شروح وتعليقات العلماء على الألفية، متأخرة كلها عن شرحي العراقي، كما قدمت بيانه، ثم صرح العراقي نفسه في مقدمة شرحه المتوسط، بتقدم الشرح الكبير، حيث قال بعد ذكر نظمه للألفية: «وشرعت في شرح لها بسطته وأوضحته، ثم رأيته كبير الحجم فاستطلته، ومللته، ثم شرعت في شرح لها متوسط .. إلخ» (^١).\nومن هذا يتضح أنه شرع في الشرح الكبير وأنجز ما أنجزه منه، بعد نظم الألفية وقبل شروعه في الشرح المتوسط، ومع أنه لم يحدد تاريخا، للشروع ولا التوقف، إلا أنه بالرجوع لتاريخي فراغه من الألفية، ومن شرحها المتوسط الذي ذكر فيه ذلك، يمكن حصر الفترة التي ألف فيها العراقي ما تيسر له من هذا الشرح، بين أواخر ٧٦٨ هـ، وأوائل ٧٧١ هـ، لأنه فرغ من الألفية كما تقدم في ١٤ رجب ٧٦٨ هـ، ومن شرحها المتوسط كما سيأتي في ٢٩ رمضان سنة ٧٧١ هـ، ويلاحظ أن العراقي لم يحدد اسما لهذا الشرح ولكنه لقبه بـ (الشرح الكبير)، وذلك عند إحالته عليه في مواضع من شرحه المتوسط (^٢) وتبعه على ذلك غيره كما سيأتي ذكره.\nيلاحظ كذلك أن العراقي جعل السبب في انصرافه عن إتمام هذا الشرح والملل منه، هو توسعه الكبير فيه، بحيث رأى أنه لو أتمه لكان كبيرا في حجمه، مطولا في مضمونه، ولا ينبغي أن يفهم من هذا تقليله القيمة العلمية لما أنجزه من هذا الشرح، لقوله عنه بعد ذلك عند الإحالة عليه: إن\n_________\n(^١) «فتح المغيث» للعراقي ج ١/¬٦.\n(^٢) انظر: «فتح المغيث» للعراقي ج ١/¬١٤، ١٧، ٢٥، ٢٩، ٤٠.","vol":"2","page":828},{"text":"فيه فوائد مهمة، لا يستغني عنها طالب الحديث (^١).\nكما أنه سيتضح لنا جودة المعلومات والآراء التي حدَّد بنفسه، فضلا عن غيره، وجودها فيه، وعليه، فإن كلامه السابق عن عدم إتمام هذا الشرح ينبغي حمله على أنه كان يميل أساسًا إلى التركيز والتوسط في التأليف في علم المصطلح، دون استطراد أو إطناب، نظرًا لأن موضوعه، وهو القواعد والحدود المصطلح عليها بين علماء السنة، طابعها الإيجاز، بعكس المجال التطبيقي لذلك في شرح الأحاديث، وبيان أحوال أسانيدها وفقهها، فإنه حبذ التوسع في ذلك وانتهجه في التأليف كما سيأتي.\n\n<span data-type='title' id=toc-281>القدر الذي أنجزه العراقي من الشرح:</span>\nلم يحدد العراقي في كلامه السابق عن هذا الشرح، القدر الذي أنهاه منه كما أني لم أجده تعرض لذلك في موضع آخر خلال إطلاعي على أكثر مؤلفاته، ولكني وقفت على تحديد ابن فهد المكي، لذلك إجمالًا، حيث قال بعد ذكر الألفية: إن العراقي شرع في شرح مطول عليها، كتب منه نحوًا من ٦ كراريس (^٢).\nأما الإمام البقاعي فقد حدَّد ذلك تفصيلًا، حيث علق في حاشيته الآتي ذكرها بعد، على قول العراقي المتقدم عن هذا الشرح: «ثم رأيته كبير الحجم»، فقال: قوله كبير الحجم، أي ظننت أنه إذا أكمل، يكون كبيرًا.\n_________\n(^١) (فتح المغيث) للعراقي جـ ١/¬١٤.\n(^٢) «لحظ الالحاظ» / ٢٣٠.","vol":"2","page":829},{"text":"وَإِلَّا فهو لم يوجد منه إلا قطعة يسيرة، وصل فيها إلى الضعيف (^١).\nومبحث الحديث الضعيف هذا هو الباب التاسع من الألفية، البالغ عدد أبوابها ١٠٤ أبواب، وَيُعْتَبَرُ تحديد البقاعي هذا مؤكدًا؛ لأنه صرح باطلاعه على هذه القطعة من الشرح بخط المصنف (^٢)، ونقل عنها في حاشيته مرارًا كما سيأتي.\nما وقفت عليه من نصوص الكتاب ومضامينه، ونماذجها، وأثرها: لم يوفقني البحث في فهارس كثير من مكتبات العالم، فضلا عن مصر على أي شيء من نسخ تلك القطعة من الشرح، لكني وقفت على تعريف العراقي نفسه ببعض مضامينها، حيث أحال عليها في خمسة مواضع من شرحه المتوسط، كما أشرت لذلك من قبل، ثم وقفت على أكبر قدر من النقول عنها في حاشية البقاعي، حيث نقل في ١٤ موضعًا منها، عن هذا الشرح (^٣).\nونقل عنه أيضًا الحافظ قاسم قطلوبغا الحنفي في حاشيته الآتية بعد، وذلك في موضوعين (^٤)، ونقل عنه السخاوي في شرحه الذي تقدم ذكره، للألفية وذلك في موضع واحد (^٥)، ونقل عنه الأنصاري في شرحه المتقدم أيضًا للألفية.\n_________\n(^١) «النكت الوفية» للبقاعي/ ٣ أ.\n(^٢) و«النكت الوفية» / ٨٠ ب.\n(^٣) انظر و«النكت الوفية» للبقاعي/ ١٧ أ، ١٩ ب، ٢١ ب، ٢٥ أ، ٣٦ ب، ٣٩ أ، ٤١ ب، ٤٨ أ، ٧٣ أ، ٧٥ ب، ٨٠ ب، ٢٢٢ أ.\n(^٤) انظر/ ٤٥ أ، ٤٩ أ منها.\n(^٥) (فتح الغيث) للسخاوي جـ ١/ ٦٦.","vol":"2","page":830},{"text":"وذلك في ٣ مواضع (^١)، أما السيوطي فنقل عنه في موضع واحد في شرحه لألفيته في المصطلح (^٢)، وفي التدريب نقل في موضع مع العزو إلى العراقي (^٣)، وفي آخر نقل الفكرة بدون عزو (^٤).\nوبالنظر إلى تاريخ وفاة هؤلاء العلماء، يظهر لنا أن قطعة الشرح المذكور كان موجودًا بعض نسخ منها، ومتداولة للاستفادة منها، خلال قرن من الزمان بعد وفاة العراقي، ثم تداول نقولهم السابقة، من جاء بعدهم كما سيأتي في الأمثلة، ومع تعدد هذه النقول، إلا أنها متفرقة، لا تصور منهج العراقي المتكامل في هذا الشرح، ولذا فإني سأكتفي بذكر بعض النماذج الموضحة لمضمون الكتاب وآراء العراقي فيه، وآثارها.\n\n<span data-type='title' id=toc-282>الآراء في أصح الأسانيد:</span>\nفمن ذلك أول موضوع أحاله العراقي بنفسه على هذا الشرح، في مبحث أقسام الحديث، حيث ذكر في شرحه المتوسط، الأقوال التي ذكرها ابن الصلاح في أصح الأسانيد، ثم قال: (وفي المسألة أقوال أخر، ذكرتها في الشرح الكبير) (^٥).\nوقد علق على قول العراقي هذا، الشيخ زكريا الأنصاري في شرحه للألفية فقال: «قال الناظم وفي المسألة أقوال أُخر ذكرتها في (الشرح الكبير)\n_________\n(^١) انظر: فتح الباقي، للانصاري/ ٢ أ، هـ أ، ٧ ب.\n(^٢) انظر: البحر الذي زخر:/ ١٧ أ.\n(^٣) انظر: «تدريب الراوي» / ٤٠.\n(^٤) «التدريب» / ٣٩.\n(^٥) «فتح المغيث» للعراقي جـ ١/¬١٤.","vol":"2","page":831},{"text":"وعقب قائلًا: جملتها على ما ذكره ستة» (^١)، وهذا يدل صراحة على وقوفه على تلك الأقوال في هذا الشرح وإحصائها تفصيلًا، لكنه لم ينقل منها في شرحه شيئًا، بل اكتفى بالإشارة المذكورة إلى عددها، أما الحافظ زين الدين قاسم بن قطلوبغا الحنفي، فإنه ذكر الأقوال الستة في حاشيته على شرح العراقي المتوسط، حيث قال: «قوله: وفي المسألة أقوال أخر، ذكرتها في الشرح الكبير» قلت: منها أن قومًا قالوا: أصح الأسانيد يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة، حكاه الحاكم … ... ..، وساق الأقوال الخمسة الأخرى (^٢)، وهذا مما يدل على إطلاعه على الشرح المذكور ونقلها منه واستفادته عمومًا به.\nوكذا علق البقاعي في حاشيته على قول العراقي المذكور قائلًا: «قوله: أقوال أخر ذكرتها في الشرح الكبير» جملتها مع ما هنا - يقصد المذكور في الشرح المتوسط، عشرة، فقيل: يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة … ... …، وساق ثلاثة آراء آخرين، مثلما عند ابن قطلوبغا (^٣)، مما يدل على اتفاقهما في الاعتماد على قطعة الشرح المذكورة نصًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-283>بيان العراقي لأوائل المصنفين للحديث:</span>\nهذا هو الموضوع الثاني الذي قرر العراقي أنه تناوله في «الشرح الكبير» وذلك أنه في شرحه المتوسط في مبحث «أقسام الحديث» ذكر أول من صنف في جمع الحديث الصحيح، ثم قال: «وأما أول من صنف مطلقًا لا\n_________\n(^١) «فتح الباقي» للأنصاري/ ١٨.\n(^٢) «حاشية ابن قطلوبغا» / ١٤٥.\n(^٣) «النكت الوفية» للبقاعي/ ١٧.","vol":"2","page":832},{"text":"يقيد جمع الصحيح، فقد بينته في «الشرح الكبير» (^١).\nوقد علق ابن قطلوبغا في حاشيته على ذلك فقال: «قوله: فقد بينته في الشرح الكبير: المذكور ثمة، أن أول من صنف العلم وبوبه: ابن جريج بمكة ومالك وابن أبي ذئب بالمدينة والأوزاعي بالشام، والثوري بالكوفة، وسعيد ابن أبي عروبة، والربيع بن صبيح بالبصرة، ومعمر باليمن، وكل هؤلاء، في عصر واحد فلا يدري أيهم أسبق» (^٢).\nفقول ابن قطلوبغا: «المذكور ثمة»، يعني في «الشرح الكبير» للعراقي وهذا يدل على وقوفه عليه، ونقله المباشر منه، لكنا نجد البقاعي في حاشيته يشرك شيخه ابن حجر مع العراقي في ذكر هذا الموضوع بنصه المتقدم، حيث يقول: قال شيخنا - يعني ابن حجر - أول من صنف في العلم وبوبه .. إلى آخر النص المتقدم، ثم قال: «هكذا في شرح المصنف - يعني العراقي - الكبير» (^٣)، فهذا يدل على أن ابن حجر قد أخذ ذلك عن شرح شيخه العراقي وأقره عليه، ويعتبر هذا الموضوع أشهر الموضوعات التي تناولها العلماء بعد البقاعي، منسوبة إلى العراقي وتلميذه ابن حجر معا (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-284>رأي العراقي في الرواة الذين احتج بمثلهما البخاري ومسلم، أو غيرهما وبماذا تعرف المثلية؟</span>\nذكر العراقي في شرحه المتوسط قول الحاكم في مقدمة مستدركه على\n_________\n(^١) «فتح الغيث»، للعراقي/ ج ١/¬١٧.\n(^٢) و«حاشية ابن قطلوبغا» / ٤٩ أ (مخطوطة).\n(^٣) و«النكت الوفية»، للبقاعي/ ٢٥ أ.\n(^٤) انظر: «شرح السيوطي لألفيته في المصطلح» /¬١٧ أ و(التدريب) له أيضًا/ ٤٠ و«حاشية =","vol":"2","page":833},{"text":"الصحيحين: وأنا أستعين الله تعالى على إخراج أحاديث رواتها ثقات، احتج بمثلها الشيخان أو أحدهما.\nثم قال: «وقد بينت المثلية في «الشرح الكبير» (^١) فقال البقاعي في حاشيته: عبارته فيه: «ثم ما المراد بالمثلية عندهما أو عند غيرهما؟ فقد يكون بعض من لم يخرج عنه في الصحيح، مثل من خرج عنه فيه، أو أعلا منه عند غير الشيخين، ولا يكون الأمر عندهما على ذلك، فالظاهر أن المعتبر وجود المثلية عندهما، ثم المثلية عندهما تعرف، إما بتنصيصهما على أن فلانا مثل فلان أو أرفع منه، وقلما يوجد ذلك، وإما بالألفاظ الدالة على مراتب التعديل، كأن يقولان في بعض من احتجا به: ثقة، أو ثبت، أو صدوق، أو لا بأس به، أو غير ذلك، من ألفاظ التوثيق، ثم وجدنا عنهما أنهما قالا ذلك، أو أعلا منه، في بعض من لم يحتجا به في كتابيهما فيستدل بذلك على أنه عندهما في رتبة من احتجا به؛ لأن مراتب الرواة معيار معرفتها، ألفاظ التعديل والجرح» ثم استدرك العراقي قائلا: «ولكن هنا أمر فيه غموض لابد من الإشارة إليه، وذلك أنهم لا يكتفون في التصحيح بمجرد حال الراوي في العدالة والاتصال من غير نظر إلى غيره، بل ينظرون في حاله مع من روى عنه، في كثرة ملازمته له أو قلتها، أو كونه من بلده، ممارسا لحديثه أو غريبا عن بلد من أخذ عنه، فهذه أمور تظهر بتصفح كلامهم وعملهم في ذلك، والله تعالى أعلم»» (^٢).\n_________\n= الطوخي» / ٤٩ أ و(إتحاف الرواة بمسلسل القضاة) لابن الشلبي/ ٢٢١ (مخطوط).\n(^١) «فتح المغيث» للعراقي ج ١/¬٢٥.\n(^٢) «النكت الوفية» / ٤١ ب.","vol":"2","page":834},{"text":"وبالتأمل فيما ذكر نجد أن بيان العراقي للمثلية عند الشيخين وغيرهما وتحقيقه ما تعرف به المثلية عندهما، وكشفه الجوانب الغموض، وكيفية التغلب عليها، كل ذلك من آرائه واستنتاجه العلمي، الذي قرره اعتمادًا على بحثه في تصرف البخاري ومسلم في صحيحيهما، وتصرف غيرهما، وعلى خبرته الجيدة بقواعد الجرح والتعديل والتصحيح والتمريض وتطبيقها، ولم أجد من تعرض لهذا البحث على النحو المذكور غيره، وقد نقله البقاعي برمته كما ترى عن الشرح الكبير، وأقره. ثم تلقفه عنه من بعده (^١). وبهذا توالى امتداد أثر بحوث العراقي وآرائه.\n\n<span data-type='title' id=toc-285>رأي العراقي في التقسيم، والترتيب الموضوعي لبعض المباحث مقارنا بغيره:</span>\nذكر الحاكم في كتابه (معرفة علوم الحديث) في نوع الجرح والتعديل عددًا من آراء العلماء في أصح الأسانيد، ثم ذكر عددًا من الآراء أيضًا في أوهى الأسانيد (^٢)، فجاء ابن الصلاح من بعده وألحق بيان الجرح والتعديل بمبحث «معرفة من تقبل روايته ومن ترد» (^٣). وألحق بعض الأقوال في أصح الأسانيد بنوع الحديث الصحيح لتناسبهما (^٤)، وأهمل كلية ذكر الآراء في أوهى الأسانيد، فجاء بعده الإمام البلقيني قرين العراقي، فذكر بيان أوهى الأسانيد في مبحث الحديث الصحيح، عقب بيان أصح الأسانيد رعاية لتقابلهما، حيث قال بعد\n_________\n(^١) انظر (حاشية الطوخي) / ٨٧ ب، ٨٨ أ.\n(^٢) انظر (معرفة علوم الحديث) للحاكم ص ٥٢ - ٥٨.\n(^٣) انظر (مقدمة ابن الصلاح مع التقييد والإيضاح) / ١٣٦، ١٥٧ - ١٦١.\n(^٤) انظر (المقدمة) / ٢٢، ٢٣.","vol":"2","page":835},{"text":"ذكر الآراء في أصح الأسانيد: زيادة مقابلة لما تقدم: «قال الحاكم: أوهى أسانيد أهل البيت عمرو بن شمر عن جابر الجعفي عن الحارث عن علي … وساق بقية الآراء» (^١).\nأما العراقي فرأى أن علاقة المقابلة بين أصح الأسانيد وأوهاها، لا تكفي مبررا لذكرها معها في مبحث الصحيح كما فعل البلقيني، لعدم مناسبة الواهي للصحيح، وعليه قرر في شرحه الكبير للألفية: أن الأولى ذكر أوهى الأسانيد في مبحث «الحديث الضعيف» لتناسبهما، ثم طبق ذلك فعلا بعد ذلك في نظمه لكتاب «الاقتراح» لابن دقيق العيد كما سيأتي. فلما ألف البقاعي حاشيته على شرح العراقي المتوسط، تبع البلقيني في ذكر أوهى الأسانيد ضمن مبحث الصحيح، في مقابلة أصح الأسانيد؛ لكنه أعقب ذلك بذكر رأي العراقي السابق، وصدقه عليه، حيث قال: «قال العراقي فيما وجد من شرحه الكبير: إن ذكر أوهى الأسانيد في قسم الضعيف أليق، وصدق» (^٢).\nأما السيوطي فذكر ذلك في (التدريب) وطبقه فعلا، لكنه لم ينسبه للعراقي، بل ذكر أصح الأسانيد، ثم قال: «ذكر الحاكم هنا، والبلقيني في «محاسن الاصطلاح»، أوهى الأسانيد، مقابلة لأصح الأسانيد، وذكره في نوع الضعيف أليق، وسيأتي إن شاء الله تعالى - يعني في نوع الضعيف (^٣)، ثم ذكرها فعلا فيه» (^٤).\n_________\n(^١) انظر: محاسن الاصطلاح بهامش مقدمة ابن الصلاح» / ٨٧، ٨٨.\n(^٢) «النكت الوفية» / ١٩ ب.\n(^٣) انظر: «التدريب» /¬٣٩.\n(^٤) «التدريب» ٤/ ١٠٦، ١٠٧.","vol":"2","page":836},{"text":"ويلاحظ أن إشراك السيوطي للحاكم مع البلقيني في ذكر أوهى الأسانيد مع أصحها هنا، أي في مبحث الحديث الصحيح الذي أورد فيه كلامه السابق غير دقيق؛ لأن الحاكم لم يوردهما في مبحث الصحيح كالبلقيني، بل أوردهما في مبحث (الجرح والتعديل) كما قدمت، كأمثلة تطبيقية لقواعدهما، وبذلك كان ذكر الحاكم لهما معًا في هذا المبحث، غير منتقد لشموله لهما بعكس ذكر البلقيني لهما في مبحث (الصحيح) الذي لا يشمل الواهي، ولهذا فإن ابن الصلاح اقتصر على ذكر أصح الأسانيد مع الصحيح، فكان على من بعده تتميما للتقسيم والترتيب الموضوعي، ذكر أوهى الأسانيد في مبحث الضعيف؛ لمناسبتها له، وهذا ما رآه العراقي وطبقه، وصدقه البقاعي والسيوطي عليه، كما أشرنا.\n\n<span data-type='title' id=toc-286>تعريف العراقي للمُحدِّث:</span>\nمن الضوابط الاصطلاحية التي تناولها العراقي في شرحه الكبير تعريفه للمحدث، حيث كان ذِكْرُ حَدٌ ضابط ومميز له عن غيره، من المشتغلين بالسنة، مما يشغل معاصريه، فضلًا عمن قبلهم (^١)، وقد ذكره في شرح قوله في الألفية: «وأهل هذا الشأن قسموا السنن …» (^٢).\nوذكر عنه أبو سعيد الهزاروي الهندي في حاشيته على الألفية كما تقدم ذكرها، فقال: «وأهل هذا الشأن، وهم المحدثون رضوان الله عليهم، قال الناظم في الشرح الكبير: المحدث من كتب وقرأ وسمع ووعى ورحل إلى\n_________\n(^١) انظر «التدريب» ٤/¬٧ - ١٢.\n(^٢) الألفية/ ١٦٩.","vol":"2","page":837},{"text":"المدائن والقرى، وحصل أصولًا من متون الأحاديث وفروعًا من كتب الأسانيد، والعلل، والتواريخ التي تقرب من ألف، من التصانيف» هـ (^١).\nتعقيب:\nولعل هذه النماذج توضح لنا بجلاء، القيمة العلمية لما أنجزه العراقي من هذا الشرح الكبير، وتؤكد أن إعراضه عن تكملته ليس قدحًا في أهمية محتواه كما تدلنا على امتداد وعمق تأثير العراقي بتأليفه وآرائه في مصطلح علوم السنة.\n\n<span data-type='title' id=toc-287>انتقاد بعض مضامين الشرح:</span>\nومع ذلك فإن من العلماء الذين اطلعوا على هذه القطعة من الشرح واستفادوا منها، من عارض العراقي في بعض ما أودعه فيها من آرائه، فمن ذلك: أن الترمذي قال في العلل التي بآخر جامعه: «وما ذكرنا في هذا الكتاب (حديث حسن)، فإنما أردنا به حسن إسناده، وعندنا كل حديث يروى لا يكون في إسناده من يتهم بالكذب، ولا يكون الحديث شاذا. ويروى من غير وجه نحو ذلك فهو عندنا حديث حسن» فاعترض بعض العلماء على الترمذي بأنه حكم بنفسه في جامعه على بعض أحاديث بالحسن وصرح بأنها لا تروى إلا من وجه واحد (^٢).\nفتصدى العراقي للجواب عنه في (الشرح الكبير) ونقل السخاوي عنه ذلك.\n_________\n(^١) انظر: حاشية الهزاروي ١/¬٣.\n(^٢) «فتح الغيث» للعراقي ج ١/¬٣٦، ٣٧، وقوله: «وعندنا كل حديث يُروى .. إلخ» جاء في نسخة الترمذي مع التحفة ١٠/ ٥١٩: «عندنا .. إلخ» بدون «واو»، والمعنى على ذكرها أوضح.","vol":"2","page":838},{"text":"فقال: «إن العراقي قال في شرحه الكبير: الظاهر أنه، أي الترمذي لم يرد بقوله «عندنا» حكاية اصطلاحه مع نفسه - أي في جامعه - وإنما أراد عند أهل الحديث، كقول الشافعي: «وإرسال ابن المسيب عندنا» أي أهل الحديث، فإنه كالمتفق عليه بينهم»، انتهى، ثم عقب السخاوي على ما استظهر العراقي حمل كلام الترمذي عليه، بالرد فقال: «ويبعده قوله - أي الترمذي - وما ذكرنا في هذا الكتاب» وكذا قوله: «فإنما أردنا به» وحينئذ فالنون لإظهار نعمة التلبس بالعلم المتأكد تعظيم أهله، وعلى كل حال، فما اقتصر عليه الترمذي أليق (^١).\nوالذي أراه أن السخاوي على صواب في استبعاد توجيه العراقي السابق لكلام الترمذي، وباقي كلام الترمذي فعلا، لا يساعد عليه، ولكن مثل هذا الانتقاد قليل بجانب باقي آراء العراقي الصائبة وبحوثه الجيدة السابق ذكر نماذجها، واعتماد العلماء عليها، وما من عالم إلا يؤخذ منه ويرد عليه، والله الموفق للصواب.\n\n<span data-type='title' id=toc-288>٣ - الشرح المتوسط للعراقي على ألفيته</span>\nزمن تأليفه: هذا هو الشرح الثاني للعراقي على ألفيته في المصطلح، وهو يعتبر أول شرح كامل عليها، وإذا أطلق شرح العراقي لألفيته يكون هو المقصود، وقد أوضح العراقي في مقدمته، أنه شرع فيه بعد انصرافه عن إتمام «الشرح الكبير» الذي تقدم، حيث يقول: «فاستطلته ومللته، ثم شرعت في شرح لها متوسط» (^٢).\n_________\n(^١) انظر «فتح المغيث» للعراقي للسخاوي ج ١/ ٦٦.\n(^٢) «فتح المغيث»، للعراقي ج ١/¬٦.","vol":"2","page":839},{"text":"ثم حدد تاريخ ومكان فراغه منه فقال في نهايته: «وكمل هذا الشرح عليها - أي الألفية - في يوم السبت ٢٩ رمضان المعظم سنة ٧٧١ هـ بالخانقاة الطَّشْتُمُرِيَّة، خارج القاهرة المحروسة» (^١).\nوقد ذكر صاحب «كشف الظنون» ٢٥ من رمضان بدلا من ٢٩ (^٢) وتبعه على هذا غيره (^٣)، ولكن الموجود بعامة نسخ الشرح الخطية الموثقة، هو ٢٩ فيكون أصوب.\n\n<span data-type='title' id=toc-289>تعدد أسمائه وأهم نسخه الخطية في مكتبات العالم</span>\nأما تسمية الشرح فلم أجد تصريحًا للعراقي بتسميته باسم معين، لا في الشرح نفسه، ولا في خارجه، ولهذا تعددت تسميته، واحتدم الخلاف فيها، ففي بعض النسخ الخطية الموثقة لهذا الشرح، وجدت إثبات العراقي بخطه قراءة الشرح عليه بقوله: «قرأ علي هذا الشرح على الألفية في علم الحديث» (^٤)، وهكذا ذكره عدة مرات بعبارة «شرح الألفية» (^٥)، وعليه جرى عامة من ترجم للعراقي وعدد مؤلفاته، من تلاميذه ومن تبعهم (^٦).\n_________\n(^١) (فتح المغيث) للعراقي ج ٤/ ١٦٥.\n(^٢) (كشف الظنون) ١/ ١٥٦.\n(^٣) انظر (مقدمة تحفة الأحوذي بشرح الترمذي)، للمُباركفوري ج ١/ ٢٢١.\n(^٤) انظر آخر نسخة الشرح رقم (٨٤) مصطلح الأزهر.\n(^٥) (التقييد والإيضاح) للعراقي ٣٩١، ٣٩٥، ٣٩٦.\n(^٦) انظر (ذيول تذكرة الحفاظ) / ٢٣٠ و(المجمع المؤسس) / ١٧٧ و(إنباء الغمر)، ج ٢/ ٢٧٦ كلاهما لابن حجر، و(الضوء اللامع) ج ٤/ ١٧٣ و(فتح المغيث) ج ١/¬٧، ٨ كلاهما للسخاوي ومجموع ابن خطيب الناصرية (ترجمة العراقي) و(طبقات الشافعية)، لابن قاضي شهبة/ ١١٠ ب و(بهجة الناظرين) للغزي/ ١٣٠ والمنهل الصافي/ ج ٢/ ٣١٣.","vol":"2","page":840},{"text":"ولهذا فإن نسخ الشرح التي في أعلا درجات الصحة والتوثيق، قد عنونت بكلمة «شرح» فقط، مضافة إلى العراقي، أو إلى الألفية، أو إليهما معا. وقد وقفت من ذلك على ذكر نسخ متعددة من مكتبات العالم شرقا وغربا.\nفمن ذلك: نسخة دار الكتب المصرية ذات الرقم (٢١٨) مصطلح الحديث بمكتبة طلعت، وعنوانها «شرح الألفية في علوم الحديث».\nوقد وجدت عليها توثيقات متعددة، وفي مكتبات تركيا توجد عدة نسخ (^١).\nمنها: نسخة بمكتبة أحمد الثالث باستامبول رقم (٦٦٧) أصول الحديث منها صورة ميكروفيلمية بمعهد المخطوطات العربية بالقاهرة رقم (٢٨٦) حديث ومصطلح، وقد جاء بفهرس المعهد أنها بخط المصنف سنة ٧٧١ هـ وأن عدد أوراقها/ ١٣٣ ورقة (^٢) ولكني اطلعت عليها فوجدتها ناقصة من آخرها عدة أبواب وعدد أوراقها ٨٩ ورقة فحسب، كما أنها ليست بخط العراقي ولا كتبت حتى في حياته، وذلك لأن عنوانها «كتاب شرح الألفية في علم الحديث» للشيخ العلامة … زين الدين العراقي طيب الله ثراه وجعل الجنة متقلبه ومثواه» فهذا صريح في أنها كتبت بعد موته، كما أن\n_________\n= و«حسن المحاضرة» جـ ١/ ٣٦٠ و«ذيول تذكرة الحفاظ» / ٣٧٠، و(البدر الطالع) جـ ١/ ٣٥٤، و«شذرات الذهب» جـ ٥/ ٥٥.\n(^١) انظر (فهرس مكتبة راغب باشا)، و(فهرس مكتبة لاله لي) المطبوع/ ٣١ وفهرس مكتبة عاطف أفندي/ ٢٣ والفهرس المخطوط لمكتبة فيض الله أفندي الله، أصول الحديث النسخ أرقام ٢٤٩ - ٢٥٠، ٢٥١ وتلك المكتبات جميعها في إستنبول.\n(^٢) انظر فهرس المعهد جـ ١/ ٨٣.","vol":"2","page":841},{"text":"خط النسخة، نسخ، جميل، واضح، مع النقط، والضبط بالحركات للكلمات المشتبهة وهذا مخالف لما رأيته من خط العراقي.\nوفي مكتبات الموصل بالعراق توجد أيضًا عدة نسخ (^١) منها نسخة بمكتبة مدرسة الملا زكريا، وقد ذكرت بالفهرس برقم (٧٠) وعنوانها «شرح ألفية العراقي» وذكر المفهرس أنها كاملة، وأنها بخط المؤلف، ثم ذكر أن بآخرها إجازة من المؤلف بالشرح وغيره، مكتوبة بخطه، ونقل نصها (^٢)، وهذا ينفي قوله السابق إن النسخة كلها بخط المؤلف، حيث لا يسوغ كتابة الإجازة منه على نسخته التي بخطه.\nوفي المكتبة الظاهرية بدمشق توجد ٤ نسخ (^٣)، ومن أهمها نسخة برقم عام (٩٢٨٦) ومنها صورة ميكروفيلمية بمعهد المخطوطات برقم (٢٣٥) مصنف غير مفهرس، وقد اطلعت عليها فوجدت عنوانها «شرح ألفية العراقي في علم الحديث»، كما أن بهامشها توثيقا، بمقابلتها وبسماعها على ولي الدين بن العراقي.\nومن نسخ هذا الشرح ما هو معنون ومذكور في الفهارس «بشرح التبصرة والتذكرة» وقد يوجد في فهرس المكتبة الواحدة بعض نسخ معنونة بهذا وبعضها الآخر معنون بشرح الألفية، أو ألفية العراقي، كما قدمت، ثم لا يُعْنى المفهرس بالتنبيه على أن الجميع نسخ لكتاب واحد، وإن تعددت التسمية. فمن لا يعلم أن الألفية هي «التبصرة والتذكرة»، كما قدمنا، يظنهما.\n_________\n(^١) انظر فهرس مخطوطات الموصل/ ١٧٦.\n(^٢) انظر: «فهرس مخطوطات الموصل» للدكتور داود جلبي/ ١٩٤.\n(^٣) انظر «الفهرس القديم للمكتبة الظاهرية/ علم الحديث».","vol":"2","page":842},{"text":"شرحين لكتابين.\nومن أمثلة ذلك: نسخة لمكتبة الظاهرية بدمشق رقم (٤٠٤) علم الحديث وقد ذكرت في الفهرس بعنوان «شرح التبصرة والتذكرة للمؤلف».\nوقد قدمت أنه توجد بنفس الفهرس عدة نسخ بعنوان «شرح الألفية» دون تنبيه المفهرس على أن الكل نسخ لكتاب واحد، مع اختلاف العنوان.\nوهكذا فعل مفهرس مخطوطات الموصل، فذكر النسخة رقم (٨٠) بمكتبة مدرسة الحجيات، وعنوانها «شرح التبصرة والتذكرة» (^١)، دون أن يربط بينها وبين النسخ الأخرى التي ذكرها في نفس الفهرس بعنوان «شرح ألفية العراقي» كما تقدم.\nومن النسخ المعنونة بشرح «التبصرة والتذكرة» بمكتبات تركيا: نسخة بمكتبة كوبريلي زادة باستانبول برقم (٢٢٢) أصول الحديث.\nومن نسخ هذا الشرح ما جمع في عنوانه ذكر «الألفية» و«التبصرة والتذكرة» معا، وأورد هكذا في فهرس المكتبات الموجود بها، وهذا أفيد للباحثين في دفع توهم التعدد والاختلاف، والتمكين من الحصول على عدد أكبر من نسخ الشرح الخطية، بضم ما يحمل اسم «الألفية» أو «التبصرة والتذكرة» منفردين كما قدمنا، ومن هذه النسخ الجامعة بين «الألفية» و«التبصرة والتذكرة» نسخة بدار الكتب المصرية برقم (١٣٩) مصطلح تيمور، وعنوانها كما رأيته: «كتاب شرح الألفية في الحديث، المسماة بالتبصرة والتذكرة».\n_________\n(^١) انظر: «فهرس مخطوطات» الموصل/ ١٠٥.","vol":"2","page":843},{"text":"وعلى هذا جرى فهرس مكتبة تيمور المطبوع سنة ١٩٤٧ م (^١).\nوتعتبر النسخة المذكورة أجود وأهم النسخ التي وقفت عليها، فإن بأولها لوحتين منقوشتين بزخارف عربية بديعة ومذهبة، وجميع عناوين الأبواب مذهبة أيضا، وأما خطها فواضح، والكلمات المشكلة النطق مضبوطة بالحركات.\nوفي آخرها أنها كتبت بخط محمد بن محمد اللاذقي، في مستهل صفر سنة ٨٤٠ هـ، وقد أثبت في عدة مواضع منها وبآخرها بخط «سبط العجمي» تلميذ العراقي، قراءة شرف الدين أبو بكر بن محمد بن عمر بن النصيبي، جميع الشرح عليه، وسماع جماعة معه، ومناولة السبط جميع الشرح لكل منهم، وذلك في غرة صفر سنة ٨٤١ هـ، كذلك أثبت بعدة مواضع بهامشها، أنها قوبلت بأصل «سبط ابن العجمي» وتوقيعه بذلك، ثم أثبت بآخرها مراجعتها أيضا على نسخة صحيحة قرئت على المصنف، وهذه كلها توثيقات، قل أن تجتمع لنسخة غيرها، وهي بذلك جديرة بأن يعتمد عليها في بحث الكتاب وتحقيق نصوصه، ولهذا فقد استعنت بها في النماذج والنصوص التي احتاجها البحث من هذا الشرح.\nأما عدد أوراقها فيبلغ (٤٧٣) ورقة في مجلد ضخم، وعدد سطور الصفحة/ ١٢ سطرا.\nومما امتازت به هذه النسخة أيضا وجود بعض تعليقات ملحقة بها مع أوراق صغيرة ملصقة بين أوراق النسخة في عدة مواضع، وكل منها تسمى «طيارة».\n_________\n(^١) انظر «الفهرس» / جـ ٢/¬١٩، ٢٠.","vol":"2","page":844},{"text":"إلا أن بعضها ملصق في غير محله (^١). كذلك\nامتازت هذه النسخة باشتمال هوامشها على استدراكات سبط ابن العجمي على شيخه العراقي في بعض المسائل التي فاته نظمها من مقدمة ابن الصلاح كما مر ذكره، وفي غيرها، ومع كثرة البحث ومراجعة كثير من نسخ الشرح الخطية، فإني لم أجد تلك الإستدراكات متكاملة إلا بهوامش تلك النسخة، ولذا عولت عليها في بحث تلك الإستدراكات كما تقدم. وبالإضافة إلى ذلك كله، توجد بهوامشها تعليقات منقولة عن العراقي، وتعليقات تبين ما أصلحه من عبارات الشرح عند قراءة تلميذه سبط ابن العجمي عليه (^٢).\nومن النسخ الموجودة ببعض مكتبات تركيا ومعنونة بالعنوان الجامع بين «الألفية» و«التبصرة والتذكرة»، نسخة بمكتبة «لاله لي»، باستانبول برقم (٣٦٤) أصول الحديث. تسمية هذا الشرح بـ «فتح المغيث» وردُّها: أول من وجدته ذكر هذا الشرح باسم (فتح المغيث في شرح ألفية الحديث) هو صاحب كشف الظنون، حيث قال: (فتح المغيث في شرح ألفية الحديث) لمؤلف المتن الحافظ زين الدين العراقي (^٣). ولم يكتف بذلك بل قرر أن العراقي نفسه هو الذي سماه بهذا الاسم (^٤)، وقد اطلع صاحب «كشف الظنون» على\n_________\n(^١) انظر ما عند ص ١٨٥.\n(^٢) انظر صفحات ٥٤، ٨٥، ٢٨٧.\n(^٣) «كشف الظنون» / ١٢٣٥.\n(^٤) «كشف الظنون» / ١٥٦.","vol":"2","page":845},{"text":"شرح العراقي، لأنه ذكر في مقدمة الكشف أن ما رآه من الكتب ذكر شيئًا من أوله (^١)، وقد فعل ذلك بالنسبة له، فنقل بعض مقدمته في التعريف به (^٢)، بل نقل عنه في مواضع أخرى من الكشف (^٣).\nثم إنه ذكر شرح السخاوي المتقدم التعريف به، بدون اسم (^٤)، وقد مر هناك إثباتي تصريح السخاوي بتسمية شرحه بـ «فتح المغيث»، كما قدمت في صدر كلامي عن هذا الشرح أنه لم يعرف تسمية العراقي لشرحه كلية باسم معين، وجرى تلاميذ العراقي وغيرهم ممن ترجمه، وعدد مؤلفاته على هذا، ثم ذكرت نسخا منه متعددة، وفي غاية التوثيق الذي يجعلها حاكمة على سواها، ولم تحمل أية نسخة منهم هذا الاسم.\nوعليه يكون صاحب «كشف الظنون» قد وهم في ذكر شرح العراقي باسم «فتح المغيث»، وأخطأ في دعواه - بلا دليل -: أن العراقي هو الذي سماه بذلك.\nولعله وجد هذه التسمية على النسخة التي اطلع عليها من الشرح، فاعتمدها ونسبها للعراقي، كما لا أستبعد أن يكون سها، فذكر كُلاًّ من شرح العراقي وشرح السخاوي، مكان الآخر، وقد وجدت هذا العكس وقع منه غير مرة كما سيأتي ذكره، وجل من لا يسهو.\nومع ذلك فإن كثيرا ممن جاء بعد صاحب «كشف الظنون» من المعنيين.\n_________\n(^١) «الكشف» / ٣.\n(^٢) «الكشف» / ١٥٦.\n(^٣) ١٠٤٧، ١٢٠٢ وغيرهما.\n(^٤) «كشف الظنون» / ١٥٦.","vol":"2","page":846},{"text":"يبحث التراث، وتحقيقه، وفهرسته، والترجمة لأعلامه، قد تبعوه على هذا الوهم والخطأ، فذكروا - دون نقد أو تمحيص -، شرح العراقي باسم «فتح المغيث»، سواء في بيان مؤلفاته، أو في فهرسة نسخه الخطية في مكتبات العالم مع الإحالة على «كشف الظنون» (^١) أو بدونها (^٢) وعلى سبيل المثال فإن مفهرسي دار الكتب المصرية (^٣) والأزهر (^٤) قد ذكروا جميع النسخ الموجودة بالمكتبتين باسم «فتح المغيث» مع أني رجعت لنفس النسخ جميعها بالمكتبتين فلم أجد واحدة منها قد عنونها ناسخها بهذا الاسم، بل بعضها بدون عنوان كلية (^٥) والباقي معنون بكلمة «شرح» مضافة إلى العراقي، وإلى الألفية، ومن\n_________\n(^١) انظر «الأعلام»، للزركلي ج ٤/ ١١٩ وما بعدها و«معجم المطبوعات»، لسركيس جـ ٢/ ١٣١٨.\n(^٢) انظر «هدية العارفين» للبغدادي ج ١/ ٥٦٢ و«اكتفاء القنوع بما هو مطبوع»، لأدوارد فنديك/ ١٣٦ و«مقدمة الشيخ عبد الوهاب عبد اللطيف» لتحقيق كتاب «تدريب الراوي» ص هـ و«مقدمة تحفة الأحوذي» للمباركفوري ج ١/ ٢٢١ و«فهرس مكتبة دير الاسكوريال بإسبانيا»، نسخة رقم (١٤٤٦) و«فهرس مكتبة الجمعية الأسيوية» بالبنغل ج ١/¬٩ علم الحديث نسخة رقم (٨٠٢) قديم، و«فهرس مكتبة نور عثمانية» باستنبول ص ٣٦ نسخة رقم (٦١٤) أصول الحديث، و«فهرس مكتبة ولي الدين» باستنبول أيضًا نسختان برقمي/ ٤٥٦، ٤٥٧ أصول الحديث، و«فهرس مكتبة بشير أغا» باستنبول نسخة برقم (٧٩٠) علم الحديث، و«فهرس المكتبة العامة للأوقاف» ببغداد نسخة رقم (٣٩١) حديث وعلومه ورقم مسلسل في الفهرس/ ٤٠٣ ثم خمس نسخ بعدها.\n(^٣) انظر «فهرس الكتبخانة الخديوية» جـ ١/ ٢٤١ وما بعدها و«فهرس الكتب العربية» والتي اقتنتها الدار حتى منتصف سنة ١٩٢٤ جـ ١/ ٧٧ وما بعدها و«الفهرس المخطوط لمصطلح الحديث بمكتبة طلعت الملحقة» بدار الكتب، و«فهرس المخطوطات بدار الكتب المصرية» المجلد/ ١ الخاص بعلم المصطلح - ٢٦٧ وما بعدها.\n(^٤) انظر «الجزء الأول من فهرسها» ص ٢٥٣ و٣٦٢.\n(^٥) انظر النسخ أرقام ٦٣، ٢١٩، ٤٨٠ مصطلح طلعت.","vol":"2","page":847},{"text":"نسخ مكتبة الأزهر، نسخة كتبت في حياة العراقي نقلا عن نسخته، ونسخة ولده وقرئت على العراقي، وكتب على أول كل كراسة منها «كراسة رقم كذا من شرح التبصرة» (^١).\nوقد وجدت بعض مفهرسي دار الكتب، تجرأوا وكتبوا على عدد من النسخ بجانب عنوانها الأصلي عنوان «فتح المغيث بشرح ألفية الحديث»، ومنهم من دعم هذا بنقل كلام صاحب «كشف الظنون» السابق ذكره (^٢).\nومنهم من وقع باسم «اللبان» وأرخ كتابته للعنوان الدخيل في ١٧/¬١٠ /¬١٩٣٥ م (^٣)، وهذا مخالف لقواعد الفهرسة، كما أن طابع الشرح بمصر كما سيأتي، قد عنونه بـ «فتح المغيث»، رغم تصريحه بأن النسخ الخطية التي اعتمد عليها لا تحمل هذا الاسم، وقد قرر أنه طبع الكتاب بهذا الاسم، تبعا لصاحب «كشف الظنون» ومن تبعه من المفهرسين كما أشرت، ولا شك أن هذا مخالف أيضا لقواعد تحقيق النصوص ونشرها.\nنتيجة البحث:\nوعلى ضوء ما تقدم أقرر الآتي:\n١ - أنه لم يثبت تسمية العراقي لهذا الشرح باسم معين، وقد جرى على ذلك جمهور من ترجم العراقي وعدد مؤلفاته.\n٢ - أن نسخ هذا الشرح الخطية منتشرة بكثرة في مكتبات العالم شرقا وغربا.\n_________\n(^١) انظر النسخة رقم (٨٤) (مصطلح الأزهر).\n(^٢) انظر النسخة رقم ٦ مصطلح خليم.\n(^٣) انظر النسخ أرقام ١٤٦، ١٤٧، ١٤٨. مصطلح الحديث.","vol":"2","page":848},{"text":"من الهند إلى أسبانيا.\n٣ - أن أعلا نسخ الشرح صحة وتوثيقا، معنونة بكلمة «شرح» مضافة للعراقي وللألفية، أو للألفية، والتبصرة والتذكرة.\n٤ - أن تسمية هذا الشرح بـ (فتح المغيث) تسمية دخيلة ولم يثبت تصريح العراقي بها، وإنما تثبت هذه التسمية لشرح السخاوي، وقد صرّح بها بنفسه وعليه فإن عنونة شرح العراقي أو تسميته بهذا الاسم، خطأ يجب تصحيحه.\n\n<span data-type='title' id=toc-290>طبعات الكتاب وتصحيح الخطأ في ذلك:</span>\n١ - جاء في (معجم المطبوعات) أن شرح العراقي هذا قد طبع بالهند بدون ذكر تاريخ لذلك (^١).\nوجاء بفهرس مكتبة الأزهر أيضًا ذكر ثلاث نسخ طبع حجر بالهند (^٢) واطلعت على إحداهن وهي النسخة رقم (٦٥٧) مصطلح بخيت، فوجدتها نسخة من شرح السخاوي المطبوع بالهند كما قدمت ذكره، وليس شرح العراقي كما جاء بالفهرس.\nأما صاحب (اكتفاء القنوع بما هو مطبوع) فذكر ألفية العراقي وقال: «له عليها شرح سماه (فتح المغيث)» … طبع في لكناو بالهند سنة ١٣٠٣ هـ مع شرح آخر عليها لشمس الدين محمد السخاوي (^٣). والصواب أن شرح العراقي لم يطبع بالهند كلية، وإنما الذي طبع في المكان والتاريخ المذكورين،\n_________\n(^١) انظر (معجم المطبوعات)، لسركيس جـ ٢/ ١٣١٨.\n(^٢) انظر: «فهرس المكتبة» جـ ١/ ٣٥٣ وما بعدها.\n(^٣) (إكتفاء القنوع)، لاداورد فنديك/ ١٣٦.","vol":"2","page":849},{"text":"هو شرح السخاوي وحده كما تقدم.\n٢ - أما شرح العراقي فقد طبع حتى الآن طبعتان:\nأولاهما: بمدينة فاس بالمغرب سنة ١٣٥٤ هـ وتقع في ثلاثة أجزاء كبيرة وبهامشها شرح الشيخ زكريا الأنصاري المتقدم ذكره (^١)، وقد عنونت هكذا: «شرح ألفية العراقي المسماة بالتبصرة والتذكرة» (^٢) ولكن أكثر من يحيل عليها من الباحثين يحيلون عليها هكذا «التبصرة والتذكرة» فقط، وهذا خطأ شائع للأسف؛ لأن هذا إسم الألفية فقط كما هو معروف.\nويظهر أيضًا من النصوص المنقولة عن تلك الطبعة وجود اختلاف بينها وبين نسخ الشرح الموثقة، وكذا المصادر التي اعتمد عليها العراقي (^٣).\nوهذا يدل على أن الطابع اعتمد على أصل أقل صحة وتوثيقًا، كما يدل على أن الطبعة غير محققة تحقيقًا علميًا يطمأن إليه، وهي الآن سنة ١٣٩٨ هـ في حكم المخطوطة، وقد أَسْهَمَتْ عموما في توسيع دائرة انتشار الشرح والاستفادة منه، بالإضافة المصاحبته لشرح الأنصاري أيضا.\nأما طبعته الثانية: فكانت بالقاهرة لأول مرة سنة ١٣٥٥ هـ أي في السنة التالية للطبعة السابقة، وتقع في ٤ أجزاء صغيرة أولها ١٤٨، وثانيها ٨٠، وثالثها ١٠٧، ورابعها ١٦٨ صفحة، وذلك على نفقة الناشرين: أحمد نشأت، ومحمود سكر، وقام بتحقيق الشرح بعض أعضاء جمعية النشر.\n_________\n(^١) انظر «الرفع والتكميل» للكنوي/ ٣٥ هامش.\n(^٢) انظر «الإلماع» للقاضي عياض/ ١٠٣ هامش، ٣٨٧.\n(^٣) انظر «الرفع والتكميل» / ٣٦ أصل وهامش وقابل بالنسخة الخطية الموثقة للشرح بدار الكتب المصرية برقم (١٣٩) مصطلح تيمور/ ١٢٣ و«هـ بالكفاية» للخطيب البغدادي/ ١٧٨.","vol":"2","page":850},{"text":"والتأليف الأزهرية برئاسة الشيخ محمود حسن ربيع ﵀، الذي درس لي بمعهد القاهرة الديني، وقد كتب ﵀ مقدمة الطبعة وخاتمتها وبعض تعليقات كما سيأتي.\nوقد عنونت هذه الطبعة بـ (فتح المغيث بشرح ألفية الحديث) وذكر في مقدمة الطبعة أن تسميتهم الشرح بهذا الاسم، تبعا لصاحب (كشف الظنون) و«الفهارس دار الكتب المصرية» و«الأزهرية» ولما رآه نَفَرٌ مِنَ العلماء: أن هذه تسمية العراقي لشرحه، وإن استعارها بعض تلاميذ السخاوي، فوضعها على ظهر نسخة من شرحه أيضًا (^١)، وقد سبق ردي على ذلك.\nويظهر أنهم أنفسهم لم يروا هذا كافيًا في القطع بتلك التسمية لشرح العراقي، نظرًا لأن النسخ التي اعتمدوا عليها في الطبع لا تحمل واحدة منها هذه التسمية، ولهذا ذكروا أنهم احتاطوا للأمر، فكتبوا تحت العنوان السابق ما نصه (وهو الشرح المتوسط على المتن المسمى بتبصرة المبتدي وتذكرة المنتهي) (^٢) وما أن تم طبع أجزاء الشرح حتى تحقق الشيخ محمود ربيع أن (فتح المغيث) اسم لشرح السخاوي، لا لشرح العراقي، فأثبت ذلك في خاتمة الطبع (^٣)، لكنه لم يكن بالإمكان تغيير العنوان على الصواب بعد تمام الطبع.\nولهذا بقيت الطبعة كما هي، وعنوانها الرئيسي (فتح المغيث بشرح ألفية الحديث) مثل عنوان طبعة شرح السخاوي المتقدم، وأصبح الشرحان مطبوعين بعنوان واحد، نتيجة لما قرره صاحب «كشف الظنون» خطأ، ثم\n_________\n(^١) هـ فتح المغيث، للعراقي ج ١/¬٣، ٤.\n(^٢) و«فتح المغيث» للعراقي ج ١/¬٤\n(^٣) ج ٤/ ١٦٥","vol":"2","page":851},{"text":"تابعه عليه من بعده، ولكن ينبغي تصحيح ذلك عند إعادة طبع شرح العراقي. هذا وقد جاء في مقدمة الطبعة المذكورة لشرح العراقي، أن المحققين اعتمدوا على نسخ خطية، ثم عرفوا بها تعريفا ناقصا ومجافيا في معظمه لواقع تلك النسخ بحسب إطلاعي على خمس نسخ منها (^١) كما أن اعتمادهم عليها لم يجر على قواعد التحقيق العلمي (^٢)، حيث جعلوا أصل الطبعة نسختهم الخطية الخاصة، مع نقصها وعدم توثيقها حسب وصفهم هم لها (^٣)، ومع أنهم بذلوا جهدا مشكورا في إخراج نص الكتاب قريبا إلى الصحة والكمال، إلا أنه ظهر لي من فحصي للكتاب جميعه، وجود مخالفات متعددة في هذه الطبعة للنسخ الأوثق مما اعتمد عليه المحققون، وذلك مثل النسخة رقم (١٣٩) مصطلح تيمور السابق التعريف بها، فقد وجدت بينها وبين تلك الطبعة اختلافات متعددة في بعض الألفاظ وخاصة الاصطلاحية منها، والأعلام، وبعض العبارات، والسياق، والنقص (^٤)، كما وجدت بها مخالفات متعددة لأوثق النسخ التي صرحوا بالاعتماد عليها في الطبع (^٥).\n_________\n(^١) هي النسخ ٦٣، ٦٤ مصطلح دار الكتب، وقد وجدتُ بهما بطاقتي إستعارة المرحوم الشيخ محمود ربيع لهما، ومحررة بخطه في ٢٣/¬٦/¬١٩٣٥ م، ونسخ ٨، ٧٣، ٨٤ مصطلح الأزهر.\n(^٢) انظر ج ١/¬٣٥، ٤٦.\n(^٣) انظر ج ١/¬٣، ٣٥، ٣٦.\n(^٤) انظر ج ٤/ ٦٤ وقابل بصفحة/ ٣٨١ من نسخة تيمور المشار إليها وج ٤/ ٧٩ مع/ ٣٧٦ من النسخة، ج ٢/¬٤٨ مع/ ١٥٥ من النسخة وج ٤/ ٨٤ مع/ ٣٨١ من النسخة ..\n(^٥) انظر ج ١/ ٨٣ وقابل بنسخة ٨٤ مصطلح الأزهر/ ٢١ ب وج ١/ ٨٧ ونسخة ٨ مصطلح الأزهر/ ٢٢ ب.","vol":"2","page":852},{"text":"هذا بالإضافة إلى بعض الألفاظ الساقطة من الطبعة والتي لم تستدرك، وعموما فإن هذه الطبعة قد أسهمت - بلا شك - في إخراج الكتاب إلى عالم المطبوعات، مثل طبعة فاس السابقة، ووسعت دائرة انتشاره، والاستفادة منه على الصورة التي خرج عليها، ولكن الكتاب ما زال بحاجة إلى طبعة محققة تحقيقا علميا يعتمد على النسخ الأوثق، والأكمل، ويراعى فيها أصول التحقيق العلمي للنصوص، ويعدل فيها عنوان الكتاب من فتح المغيث إلى «شرح العراقي لألفيته في المصطلح» أو «شرح الألفية المسماة بالتبصرة والتذكرة، للعراقي».\n\n<span data-type='title' id=toc-291>تعليقات شيخنا الشيخ محمود ربيع، على الشرح، ونقدها:</span>\nعمل الشيخ محمود ربيع تعليقات على الشرح أسماها «الدراري الفاخرة على شرح التبصرة» (^١) وطبعت بهامش الطبعة المذكورة، وقد قمت ببحث هذه التعليقات تفصيلا، فوجدتُ معظمها منقولا بنصه، حتى بأخطائه النسخية، من هوامش بعض النسخ الخطية التي اعتمد عليها في تحقيق الكتاب كالنسختين ٧٣، ٨٤ مصطلح الأزهر، والنسخة رقم (٦٤) مصطلح دار الكتب المصرية، ولكن الشيخ ﵀ لم يُصرح بذلك، وأحيانا يحيل بعبارات مبهمة كقوله: «في بعض الهوامش كذا» وهذا مخالف للأمانة العلمية، ولأصول التحقيق المعتبرة.\n_________\n(^١) ج ١/¬٢ من «فتح المغيث» للعراقي.","vol":"2","page":853},{"text":"<span data-type='title' id=toc-292>مصادر العراقي في شرحه، وكيفية اعتماده عليها ونقدها</span>\nلم يذكر العراقي بيانًا إجماليا لأهم المصادر التي اعتمد عليها في شرحه كما يفعل غيره، وإنما اكتفى بذكر كل منها عند النقل عنه خلال الشرح، ولهذا فإن بيان مصادره اقتضى مني قراءة الشرح من أوله إلى آخره لاستخراجها، وقد تبين لي أنه اعتمد على نفس مصادره في الألفية كما سبق بيانها، بالإضافة إلى أكثر من مائة وخمسين مصدرًا آخر.\nوكيفية اعتماده على تلك المصادر مختلفة، فتارة يصرح باسم الكتاب واسم مؤلفه، بل قد يحدد الموضع الذي نقل منه، كقوله قال الحاكم في خطبة المستدرك (^١)، وقد يحدد نوع النسخة التي اعتمد عليها من الكتاب، وبعض مضامينه، كذكره أن في خط الخطيب البغدادي: الاقتصار على كتابة الصلاة فقط، على النبي ﷺ، ثم قال: «شاهدته بخطه كذلك في كتاب «الموضح» (^٢)، ثم قال في مبحث «من ذكر بنعوت متعددة» وصنف فيه الخطيب البغدادي كتابًا كبيرًا سماه (الموضح لأوهام الجمع والتفريق)، بدأ فيه بأوهام البخاري في ذلك، وهو عندي بخط الخطيب (^٣). لكنه لم يلتزم مثل هذه التحديدات الدقيقة التي تدل على الأمانة العلمية، مع التوفير على الباحث من بعده عناء البحث والتنقيب، إذا أراد تحقيق الكتاب وإحالة مضامينه إلى مصادرها الأصلية، أو التوسع في الاطلاع.\n_________\n(^١) ج ١/¬١٧.\n(^٢) «فتح المغيث» للعراقي ج ٣/¬٢٧.\n(^٣) «فتح المغيث» للعراقي ج ٤/ ٧٥.","vol":"2","page":854},{"text":"بل أحيانًا يكتفي بالعزو إلى الشخص، مع تعدد مؤلفاته، وعدم وجود قرينة محددة، كقوله: قال النووي كذا (^١)، وقال ابن حبان كذا (^٢)، وقال الدارقطني كذا (^٣)، وقد يكون الشخص من المتقدمين، وليس له مؤلفات متداولة، مثل ابن معين (^٤)، وعلي بن المديني (^٥)، وغيرهما.\nوقد يكتفي أيضًا بذكر اسم الكتاب، دون ذكر مؤلفه، مع عدم شهرة ذلك الكتاب، فلا يدل ذكره على مؤلفه، مثل قوله: «وفي كتاب «عمدة المحدثين» كذا (^٦)، وهذا كتاب غير مشهور، لا هو ولا مؤلفه، وقد يحيل على بعض المراجع بصيغة مبهمة مثل قوله: «وفي بعض كتب الأصول للحنفية كذا» (^٧)، وذكر بعض أهل التاريخ كذا (^٨)، وهذا كله مما يعرقل وصول الباحث إلى مصدر تلك النقول والآراء، ولكنه من الإنصاف أن نقول: إنَّ العراقي لم يكن بدعًا في ذلك؛ بل هكذا كان يفعل عامة معاصريه في مؤلفاتهم بالإضافة إلى أن الغالب هو التزامه بذكر مصادره بطريقة محددة، بالكتاب والمؤلف، كما كان معتادًا في عصره.\nولما كانت مصادره كثيرة العدد، كما أشرت، فإني سأذكر هنا بعضًا من\n_________\n(^١) جـ ٢٧/¬١.\n(^٢) جـ ١/ ١٣٤.\n(^٣) جـ ٢/¬١٤.\n(^٤) جـ ٢/¬١٤.\n(^٥) جـ ١/ ٦٩، ٧٨.\n(^٦) جـ ٤/ ٩٦.\n(^٧) جـ ١/ ٧٤.\n(^٨) جـ ٤/ ١٤٤.","vol":"2","page":855},{"text":"المصادر الهامة، أو النادرة، أو التي كثر اعتماده عليها، بالإضافة للمصادر السابق ذكرها بالنسبة للألفية.\nفمما اعتمد عليه بالنسبة لعلوم السنة: البزار في جزء له في معرفة من يترك حديثه أو يقبل (^١)، والحاكم في كتابه «المدخل إلى الإكليل» (^٢)، وفي «المستدرك على الصحيحين (^٣)»، والخطيب البغدادي في كتابه «الجامع بين آداب الراوي والسامع (^٤)»، وفي «المدرج (^٥)»، وفي جزء له في «الإجازة للمعدوم والمجهول (^٦)»، وفي «تمييز المزيد في متصل الأسانيد (^٧)»، وفي «المتفق والمفترق (^٨)»، وفي «رواية الآباء عن الأبناء (^٩)»، والترمذي في «العلل» التي في آخر جامعه (^١٠)، وابن أبي حاتم في كتابه «العلل (^١١)»، وفي «الجرح والتعديل (^١٢)»، وفي كتاب له في «أوهام البخاري في تاريخه (^١٣)»، والإمام مسلم في كتاب «الطبقات (^١٤)»، وفي «التمييز (^١٥)»، وفي «المنفردات والوحدان (^١٦)»، وفي «الكنى (^١٧)»، والنسائي في «السنن الكبرى (^١٨)»، وفي «الكنى (^١٩)»، وفي «جمعه لحديث مالك (^٢٠)»،\n_________\n(^١) ج ١/ ٨٤.\n(^٢) ج ٤/ ٧٤.\n(^٣) ج ١/ ٦٣.\n(^٤) ج ١/ ٥٩.\n(^٥) ج ١/ ١١٧.\n(^٦) ج ٢/ ٧٠.\n(^٧) ج ٤/¬٢٦.\n(^٨) ج ٤/¬٤٩.\n(^٩) ج ٤/ ٦٠.\n(^١٠) ج ١/¬٣٦.\n(^١١) ج ١/ ٨٨.\n(^١٢) ج ٤/ ٧٧.\n(^١٣) ج ٤/ ١٢٥.\n(^١٤) ج ٤/ ٥٣، ٥٩.\n(^١٥) ج ١/ ٩٦، ٩٧، ١٠٣، ١٠٠٠.\n(^١٦) ج ٤/ ٧٣.\n(^١٧) ج ٤/ ٩٠.\n(^١٨) ج ١/ ٩٧، ج ٤/ ١٥٦.\n(^١٩) ج ٤/ ٦٣.\n(^٢٠) ج ٤/¬١٧.","vol":"2","page":856},{"text":"والخلال في كتاب «العلل» (^١)، وابن ياطيش في كتابه «مشتبه النسبة» (^٢)، والحافظ أبو البركات بن الأنماطي، شيخ ابن الجوزي في «جزء له في منع إجازة المجاز» (^٣)، والوليد بن بكر الغمري في كتابه «الوجازة في تجويز الإجازة» (^٤)، وأبو محمد بن خلاد الرامهرمزي في كتابه «المحدث الفاصل» (^٥)، والبرقاني في كتاب «اللفظ» (^٦)، وأبو جعفر الطحاوي في «جزء التسوية بين حدثنا وأخبرنا» (^٧)، وأبو الشيخ ابن حيان في «تاريخه» (^٨)، وفي «طبقات الأصبهانيين» (^٩)، وعلي بن إبراهيم البغدادي في «كتاب الخط ورقومه» (^١٠)، والبيهقي في «الزهد»، وفي «شعب الإيمان» (^١١)، وفي «السنن الكبرى» (^١٢)، وفي «الاعتقاد» (^١٣)، وفي «معرفة السنن والآثار» (^١٤)، وفي «دلائل النبوة» (^١٥)، والحافظ أبو جعفر الكاتب في تصنيفه فيمن أجاز الإجازة العامة (^١٦)، والحافظ أبو طاهر السلفي في «جزء له في شرط القراءة على المحدث» (^١٧)، وفي «فهرسته» (^١٨)، والحازمي في «شروط الأئمة» (^١٩)، وفي\n_________\n(^١) ج ٢/¬٧.\n(^٢) ج ٤/ ٩٣.\n(^٣) ج ٢/ ٧٦.\n(^٤) ج ٣/¬٩، ١٢.\n(^٥) ج ٢/¬٤٤، ج ٣/¬١٢، ج ٤/ ١٢١.\n(^٦) ج ٣/ ٦١.\n(^٧) ج ٢/ ٥٢.\n(^٨) ج ٤/¬٤٨.\n(^٩) ج ٤/ ٥٢.\n(^١٠) ج ٣/¬١٩.\n(^١١) ج ١/ ١٣٣.\n(^١٢) ج ٤/ ٧٤.\n(^١٣) ج ٤/¬٤١.\n(^١٤) ج ١/ ١٠٩.\n(^١٥) ج ٤/ ١٣٦.\n(^١٦) ج ٢/ ٦٧.\n(^١٧) ج ٢/¬٣٥.\n(^١٨) ج ٣/ ١٠٦.\n(^١٩) ج ١/¬١١.","vol":"2","page":857},{"text":"«الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الأخبار» (^١)، وابن خزيمة في (صحيحه) (^٢) والنووي في «تهذيب الأسماء واللغات» (^٣)، وفي «شرح مسلم» (^٤)، وفي «الإرشاد» (^٥)، وفي «مختصر المبهمات» (^٦)، والحافظ محمد بن طاهر المقدسي في (شروط الأئمة) (^٧)، وفي «أطراف الغرائب» (^٨)، وفي (جزء له في الإسناد العالي) (^٩)، والذهبي في «مختصر المستدرك للحاكم» (^١٠)، وفي تاريخ الإسلام (^١١)، وفي «الوفيات» (^١٢)، وابن الجوزي في «العلل المتناهية في الأحاديث الواهية»، وفي «الموضوعات» (^١٣)، وفي التحقيق في أحاديث الخلاف (^١٤)، وفي «التلقيح» (^١٥)، وابن عبد البر في «التمهيد» وفي «التقصي» (^١٦)، وفي «الاستذكار» (^١٧)، والدارقطني في «العلل» (^١٨)، وفي «السنن» (^١٩)، وفي «تأليف له في المدبج» (^٢٠)، وابن المواق في «بغية النقاد» (^٢١)، والحافظ المزي في «الأطراف» (^٢٢)، وأبي علي الجياني في\n_________\n(^١) ج ٤/¬٢٣.\n(^٢) ج ١/ ١١٠.\n(^٣) ج ٤/¬٣٧.\n(^٤) ج ٤/¬١٢.\n(^٥) ج ٤/ ١١١.\n(^٦) ج ٤/ ١٣١.\n(^٧) ج ١/¬٢٤.\n(^٨) ج ٢/ ٧٧.\n(^٩) ج ٣/ ٩٩.\n(^١٠) ج ١/¬٢٥.\n(^١١) ج ٣/ ١٠٠.\n(^١٢) ج ٤/¬٤٦.\n(^١٣) ج ١/¬٣٧.\n(^١٤) ج ١/ ١١٠.\n(^١٥) ج ٤/ ٦٥.\n(^١٦) ج ١/ ٦٦.\n(^١٧) ج ١/ ١١٠.\n(^١٨) ج ١/ ١٠٣.\n(^١٩) ج ١/ ١١٩.\n(^٢٠) ج ٤/ ٦١.\n(^٢١) ج ١/ ٨٠.\n(^٢٢) ج ٤/ ١٠٨.","vol":"2","page":858},{"text":"«تقييد المهمل» (^١)، والحافظ أبو الحسن الرشيد العطار في «الغرر المجموعة» (^٢)، وعبد الغني بن سعيد في «الإكمال» (^٣)، وفي «إيضاح الإشكال» (^٤)، والخطابي في «معالم السنن» (^٥)، والبغوي في «مصابيح السنة» (^٦)، وأبو نعيم في «علوم الحديث» (^٧)، وفي «تاريخ أصبهان» (^٨)، والقرطبي في «المفهم شرح صحيح مسلم» (^٩)، وأبو يعلى الخليلي في «الإرشاد» (^١٠)، وابن ماجه في «سننه» (^١١)، والعقيلي في «الضعفاء» (^١٢)، وابن عدي في «الكامل» (^١٣)، والحافظ علاء الدين التركماني شيخ العراقي في «الدر النقي في الرد على البيهقي» (^١٤)، وأبو موسى المديني في «الصحابة» (^١٥)، والإمام أحمد في «مسنده» (^١٦)، وفي «سؤالاته» (^١٧).\nومن كتب الفقه والأصول: الإمام الشافعي ﵁ في «الرسالة» (^١٨)، وفي «الأم» (^١٩)، وإمام الحرمين في «الإرشاد» (^٢٠)، والروياني في «البحر» (^٢١)، وسيف الدين الآمدي صاحب «الإحكام» (^٢٢).\n_________\n(^١) جـ ١/ ٧٤.\n(^٢) جـ ٤/ ٧٤.\n(^٣) جـ ٤/ ٥٩.\n(^٤) جـ ٤/¬٧٥.\n(^٥) جـ ١/¬١٠.\n(^٦) جـ ٤/¬١٠.\n(^٧) جـ ٤/ ٧٤.\n(^٨) جـ ٤/¬٣٤.\n(^٩) جـ ١/ ١٣٣.\n(^١٠) جـ ١/¬١٢.\n(^١١) جـ ١/ ٧٢.\n(^١٢) جـ ٢/¬٧.\n(^١٣) جـ ١/ ٥٩.\n(^١٤) جـ ١/ ١٠٣.\n(^١٥) جـ ٤/ ٥٧.\n(^١٦) جـ ١/ ١١٠.\n(^١٧) جـ ٢/¬٦.\n(^١٨) جـ ١/ ٧١.\n(^١٩) جـ ٤/ ٥٧.\n(^٢٠) جـ ٤/¬٤٢.\n(^٢١) جـ ٢/¬٢٥.\n(^٢٢) جـ ١/ ٦٢.","vol":"2","page":859},{"text":"وأبو الحسن الماوردي في كتابه «الحاوي» (^١)، وأبو عمر بن الحاجب صاحب «المختصر في الأصول» (^٢)، والبغوي في «التهذيب» (^٣)، والقاضي أبو بكر الباقلاني (^٤)، والإمام النووي في «الخلاصة» (^٥)، وفي زياداته على «الروضة» (^٦)، وأبو بكر الصيرفي في «الدلائل والأعلام» شرح رسالة الإمام الشافعي (^٧)، وابن حزم في «المحلى» (^٨).\nومن كتب اللغة: الجوهري صاحب «الصحاح» (^٩)، وابن سيده صاحب «المحكم» (^١٠)، والزمخشري في «المفصل» (^١١)، وابن الأعرابي (^١٢)، وابن فارس (^١٣).\nوإن نظرة فاحصة وشاملة في تلك المصادر وغيرها مما قدمته في مصادره في الألفية، تكشف لنا عن مدى اتساع وعمق إطلاع العراقي وثقافته، سواء في مجال تخصصه وهو علوم السنة، أو فيما يتصل به من العلوم الأخرى من فقه وأصول ولغة.\nكما تكشف لنا قيمة هذا الشرح، في اشتماله على نصوص كثير من المصادر العلمية التي تعد في حكم المفقودة حاليًا، أو يندر وجود نسخها.\n_________\n(^١) ج ٢/ ٦٦\n(^٢) ج ٢/¬٥\n(^٣) ج ٢/¬٢٥\n(^٤) ج ٢/¬٤\n(^٥) ج ١/ ١١٧\n(^٦) ج ٢/ ٦٧\n(^٧) ج ١/ ٨٥\n(^٨) ج ١/¬٣٣\n(^٩) ج ١/ ١٠٦\n(^١٠) ج ١/ ١٠٦، ١٠٧\n(^١١) ج ٤/¬٣٧\n(^١٢) ج ٣/¬١٤\n(^١٣) ج ٢/ ٧٨","vol":"2","page":860},{"text":"الخطية، أو ما تزال حتى الآن مع توفر نسخها الخطية، لم تخرج إلى عالم المطبوعات.\nكذلك يظهر لنا الجهد العلمي الكبير الذي بذله العراقي في جمع المادة العلمية لهذا الشرح، مصداقا لقوله الآتي: إنه ضمنه ما لا يوجد مجتمعًا إلا فيه ثم إنه قد قام بعرض مادته وتنسيقها ووضع كل جزئية في موضعها، وبالإضافة إلى هذا فإن طريقة اعتماده على تلك المصادر لم تقتصر على النقل والتوزيع على الموضوعات، وإنما نجده يوضح بخبرته منهج كثير من المصادر ومحتواها العام (^١) والنص المنقول، ثم يستنبط منه أو ينتقد ما لا يرتضيه ويصح غيره، ويقارن ويرجع ما يراه، وغير ذلك مما يميز كتابه كمرجع مستقل، ويظهر شخصيته العلمية بين أصحاب المصادر التي اعتمد عليها من المتقدمين والمتأخرين حتى عصره، كما ستأتي أمثلة ذلك.\n_________\n(^١) ج ٤/¬٩، ٢١، ٢٦، ٢٨، ٧٧.","vol":"2","page":861},{"text":"<span data-type='title' id=toc-293>منهج العراقي في شرحه وأهم آرائه عرض ومقارنة ونقد</span>\nأجمل العراقي في مقدمة هذا الشرح منهجه فيه، فذكر أنه شرح متوسط غير مفرط، ولا مفرّط يوضح مشكل الألفية ويفتح مقفلها، ما كثر فأمل، ولا قصر فأخل، مع فوائد لا يستغني عنها الطالب النبيه، وفوائد لا توجد مجتمعة إلا فيه (^١).\nوهذا الإجمال يحتاج إلى تفصيل لا يتأتى إلا يبحث الشرح جميعه ومقارنته بغيره من شروح الألفية، وبعض مؤلفات علم المصطلح.\nوهذا ما قمت به مستعينا بالله تعالى، وذلك على النحو التالي:\n\n<span data-type='title' id=toc-294>١ - المنهج الشكلي للشرح:</span>\nجرى العراقي في شرحه على أن يقسم الباب من أبواب الألفية إلى فقرات، كل فقرة عبارة عن بيت أو أكثر، بحيث تتضمن الفقرة مسألة أو أكثر من مسائل الباب، وربما يُعبّر عنها بالفصل، ثم يتناولها بالشرح، وينتقل إلى غيرها، وهكذا، حتى ينتهي الباب.\nوفي الشرح، يذكر اللفظ أو العبارة من الألفية، أو طرفًا منها، فيقول: قولي كذا، أو يُعبّر عن نفسه بضمير الغائب فيقول: قوله كذا، ويتناوله بالشرح كما سنرى في الأمثلة، وتعرف هذه الطريقة بطريقة الشرح بالقول، وتختلف بذلك عن طريقة الشرح الممزوج التي اتبعها غير العراقي من شراح الألفية السابق ذكرهم، وهم: السخاوي، والسيوطي، والأنصاري، وتمتاز\n_________\n(^١) (فتح المغيث) ج ١/¬٦، ٧.","vol":"2","page":862},{"text":"طريقة الشرح بالقول التي اتبعها العراقي عن طريقة الشرح الممزوج التي اتبعها غيره، بالوضوح، حيث لا يكون الشارح فيها متقيدًا بسياق معين، ولا بألفاظ خاصة، حتى ينسبك الشرح مع المتن، كما قدمت بيانه، في الشروح السابقة. كما أنه لا يحتاج إلى كثرة استخدام الجمل الاعتراضية، والفصل بين أجزاء الجملة الواحدة من الفعل والفاعل، أو المفعول، أو بين الجار والمجرور ومتعلقه، ويترتب على ذلك تشتت المعنى وغموضه.\nمثال ذلك أن العراقي قال في الألفية:\n«لكن قال يحيى البر … لم يفت الخمسة إلا النزر»\nفقال السخاوي في شرحه: «لكن قال الشيخ محيي الدين أبو زكريا (يحيى) النووي (البر)، لما اجتمع فيه من الزهد والورع وأصناف البر ما فاق فيه (^١)، بحيث قال بعضهم: إنه كان سالكًا منهاج الصحابة، لا نعلم في (^٢) عصره من سلكه غيره، في كتابه (الإرشاد) بعد قوله: فالصحيح قول غير ابن الأخرم: إنه فاتهما كثير، ويدل عليه المشاهدة، قلت: والصواب قول من قال: «لم يفت «الكتب» «الخمسة» أصول الإسلام، وهي الصحيحان والسنن الثلاثة (^٣)، إلا النزر»: يعني القليل» (^٤).\nوخلاصة ما ذكر: أنه يريد أن يقول: «لكن قال الشيخ يحيى النووي في كتابه (الإرشاد): الصواب أنه لم يفت الأصول الخمسة\n_________\n(^١) في المطبوعة «مافات» وهو خطأ لا يستقيم المعنى عليه.\n(^٢) في المطبوعة (من) ولا يستقيم المعنى عليه.\n(^٣) بالمطبوعة الثانية والإصلاح من مخطوطة دار الكتب/ ٧ ب.\n(^٤) انظر «فتح المغيث» للسخاوي ج ١/¬٣٢.","vol":"2","page":863},{"text":"إلا القليل من الحديث الصحيح».\nلكن من أجل مزج الشرح بالمتن، فصل السخاوي كما ترى بين الجار والمجرور وهو «في كتابه» وبين متعلقه وهو «قال» بنحو ٣ سطور، كما فصل بين «قال» أيضا ومفعولها بنحو ٤ سطور.\nوبهذا يشتت المعنى على القارئ، ويجد معاناة في استخلاصه، خاصة وأن الفاصل قد يصل أحيانا إلى عشرة سطور.\nأما العراقي فيقول في شرح البيت المذكور:\nويحيى هو الشيخ محيي الدين النووي، قال في «التقريب والتيسير»: والصواب أنه لم يفت الأصول الخمسة إلا اليسير، أعني «الصحيحين» و«سنن أبي داود» و«الترمذي» و«النسائي» (^١).\nوبذلك شرح معنى البيت في وضوح وترابط وإيجاز.\n\n<span data-type='title' id=toc-295>٢ - بيان العراقي المراده بألفاظ وعبارات الألفية:</span>\nمن العناصر الهامة في شرح مؤلف المتن كما أشرت من قبل، أنه يوضح بنفسه ما يقصده بألفاظ المتن وعباراته، وقد فعل العراقي ذلك في شرحه للألفية.\nمثال ذلك: أنه قال في الألفية في تعريف الحديث الصحيح:\n«فالأول المتصل الإسناد … بنقل عدل ضابط الفؤاد»\nفقال في شرحه: «فقولي: «المتصل الإسناد»، احتراز عما لم يتصل،\n_________\n(^١) (فتح المغيث) ج ١/¬١٨.","vol":"2","page":864},{"text":"وهو المنقطع، والمرسل، والمعضل»، وسيأتي إيضاحها.\nوقوله: «بنقل عدل» احتراز عما في سنده من لم تعرف عدالته، إما بأن يكون عُرف بالضعف أو جهل عينًا أو حالا كما سيأتي في بيان المجهول. وقولي: «ضابط»: احتراز عما في سنده روا مغفل، كثير الخطأ وإن عرف بالصدق والعدالة (^١).\nوقال في بيان الآراء في أصح الأسانيد:\n«أو فابن سيرين عن السلماني … عنه أو الأعمش عن ذي الشأن»\nفقال في الشرح: «أو» هنا في الموضعين ليست للتخيير، ولا للشك ولكنها لتنويع الخلاف (^٢).\nوقال في مبحث المستخرجات:\n«واستخرجوا على الصحيح كأبي … عوانة ونحوه واجتنب\nعزوك ألفاظ المتون لهما … إذ خالفت لفظًا أو معنى ربما»\nفقال في الشرح: «والمستخرجون لم يلتزموا لفظ واحد من الصحيحين بل رووه بالألفاظ التي وقعت لهم من شيوخهم مع المخالفة لألفاظ الصحيحين وربما وقعت المخالفة أيضًا في المعنى، فلهذا، قال» يعني نفسه:\n«واجتنب عزوك ألفاظ المتون لهما»: أي لا تَعْزُ ألفاظ متون المستخرجات للصحيحين، فلا تقل أخرجه البخاري ومسلم بهذا اللفظ إلا إن علمت أنه في المستخرج بلفظ الصحيح، بمقابلته عليه، فلك ذلك، فقوله «ربما» متعلق\n_________\n(^١) ج ١/¬١٠، ١١.\n(^٢) ج ١/¬١٤.","vol":"2","page":865},{"text":"بمخالفة المعنى فقط، لأن مخالفة الألفاظ كثيرة كما تقدم.\nثم قال فيها أيضًا:\n«أو ما تزيد فاحكمن بصحته فهو مع العلو من فائدته» فقال في الشرح: «أي ما تزيد المستخرجات، أو ما يزيد المستخرج على الصحيح من ألفاظ زائدة عليه، من تتمة لمحذوف، أو زيادة شرح في حديث أو نحو ذلك».\n«فاحكم بصحته»: لأنها خارجة من مخرج الصحيح.\nوقوله: «فهو مع العلو من فائدته»: هذا بيان لفائدة المستخرج، فمنها: زيادة الألفاظ المذكورة، لأنها ربما دلت على زيادة حكم، ومنها علو الإسناد؛ لأن مصنف المستخرج لو روى حديثًا مثلًا عن طريق مسلم، لوقع أنزل من الطريق الذي رواه في المستخرج. ثم قال: ولم يذكر ابن الصلاح للمستخرج إلا هاتين الفائدتين، وأشرت إلى غيرهما بقولي: من فائدته، فمن فوائده أيضًا: القوة، بكثرة الطرق للترجيح عند المعارضة (^١).\nوقد تبع العراقي على ما تقدم شراح الألفية من بعده (^٢).\nوبهذا أراحهم مع غيرهم من راغبي الاستفادة بها، من محاولة التماس الوجوه والمحامل لكلامه، وربما يكون ما يذكرونه أو يتبادر لأذهانهم غير مقصوده.\n_________\n(^١) جـ ١/¬٢١، ٢٢.\n(^٢) «فتح المغيث» للسخاوي جـ ١/¬١٧، ١٩، ٢٤، ٤٠، و«قطر الدرر» للسيوطي ٢/ أ، ب، ب و«فتح الباقي» / ٥ أ، ب، ٨ أ، ١٢ ب، ١٣ أ.","vol":"2","page":866},{"text":"لكنه في الواقع لم يلتزم ببيان مراده بكل ألفاظ وعبارات الألفية، بل تناول ما رأى أن ظاهره مُشكل، ويحتاج في نظره لبيان، كما أشار إلى ذلك في مُجمل منهجه المُتقدّم ذكره، ولهذا ترك كثيرًا من ألفاظ وعبارات «الألفية» دون بيان مراده بها، وقد ترتب على ذلك وجود اختلاف في توجيهها بين أصحاب الشروح والحواشي على الألفية من بعد العراقي، ما بين مُنتقد ومُدافع.\nفمن ذلك: أن العراقي قال في تعريف الحديث الصحيح، كما قدمته:\n«فالأول المتصل الإسناد … بنقل عدل ضابط الفؤاد»\nولم يتعرض في شرحه لبيان قصده من تقييد الضبط بقيد «الفؤاد»، وهو القلب مع أن الذي استقر عليه اصطلاح العلماء ومنهم العراقي نفسه، كما سيجيء: أن الضبط قسمان: ضبط فؤاد بالحفظ والاستحضار، وضبط كتاب وهو صونه لكتابه عن تطرق الخلل إليه، من حين سمع فيه وقابله بأصله، إلى أن يؤدي منه (^١)، وكل منهما كاف في صحة الرواية، وقد سلك الشراح وأصحاب الحواشي مسالك في تناول عبارة العراقي، فمشى السخاوي (^٢) والسيوطي (^٣) والأنصاري (^٤) في شروحهم، على أن «ضابط» في كلام العراقي يشمل نوعي الضبط، ولم يعتبروا ذكره كلمة «الفؤاد» قيدًا مقصودًا له، وأشار السخاوي إلى أنه ربما أراد به العراقي الإشارة إلى أن بعض العلماء منع الرواية من الكتاب.\n_________\n(^١) «فتح المغيث» للسخاوي جـ ١/¬١٧، ١٨.\n(^٢) فتح المغيث له جـ ١/¬١٨، ١٩.\n(^٣) «قطر الدرر»، له/ ٢ أ.\n(^٤) «فتح الباقي»، له/ ٥٧ أ، ب.","vol":"2","page":867},{"text":"أما البقاعي في حاشيته على شرح العراقي المذكور، فقد قال: قوله: «ضابط الفؤاد» يمكن أن يكون «الفؤاد» قيدًا يُدخل من لم يكن لسانه ضابطًا، بأن كان يسبق إلى الخطأ ثم يرده حفظه إلى الصواب، ثم استدرك قائلا: «لكن يخل التقيد به، بضبط الكتاب» (^١).\nفجاء الطوخي من بعده، وتصدى للجواب عن هذا، فقرر أن «ضابط» في كلام العراقي، تشمل نوعي الضبط، وأنه يمكن الجواب: بأن العراقي إنما قيد بـ «الفؤاد» نظرًا للغالب، من أن أهل الحديث لا يتقيدون إلا بالحفظ، ولا يعتمدون إلا عليه، خصوصًا أهل العصر الأول … أو أن يراد بـ «الفؤاد» حقيقة، أو حكمًا، والكتاب فؤاد حكمًا (^٢)، وبذلك لا يكون التقييد به مخلا.\nوهكذا تعددت الآراء في توجيه كلام العراقي، نتيجة لعدم بيانه في شرحه. والذي يظهر لي: أن تقييده الضبط بـ «الفؤاد»، في النظم، لم يقصد به إخراج ضبط الكتاب، لأنه ذكرهما معا بعد ذلك في «صفة من تقبل روايته» فقال:\n«يحفظ إن حدث حفظًا يحوي كتابه إن كان منه يروي» (^٣).\nوقال في شرحه: «وقولي يحوي كتابه، أي يحتوي عليه ويحفظه من التبديل والتغيير» (^٤).\n_________\n(^١) «النكت الوفية»، له ١٠ ب.\n(^٢) «حاشية الطوخي» ٢٦ أ، ٢٧ ب.\n(^٣) «الألفية» / ١٨٤.\n(^٤) جـ ٣/¬٢، ٣.","vol":"2","page":868},{"text":"فلعله اعتمد على أن هذا التفصيل سيجيء بعد، لكن هذا لا يعفيه من النقد لأن الأولى أن يحذف من المتأخر لدلالة المتقدم عليه، وليس العكس كما فعل، وكان عليه مع ذلك أن ينبه في الشرح على أنه سيأتي تفصيل في محله، كما نبه في غير موضع على مثل ذلك، ولكنه لم يفعل أيضًا.\nثم إن جواب الطوخي الأول عن العراقي، بأن غالب أهل الحديث لا يعتمدون إلا على الحفظ، مخالف لما استقر عليه الاصطلاح عند المتقدمين (^١)، والمتأخرين بما فيهم العراقي نفسه، كما مر كلامه، من تقسيم الضبط إلى ضبط صدر وضبط كتاب، والاعتماد على كل منهما، ثم صرّح أيضًا في «صفة من تقبل روايته» بأن ما عليه أكثر أهل الحديث: تجويز الاعتماد على الكتاب المصون في ضبط المسموع، حتى يجوز له أن يروي ما فيه، وإن كان لا يذكر أحاديثه، أما جوابه الثاني، بأن الفؤاد كتاب حكمًا، فالتكلف فيه واضح.\nعلى أن العراقي ربما شرح عبارته بما يخالف المعنى الصحيح، وإن كان ذلك قليلًا.\nمثاله أنه قال في الألفية في بيان أصح الأسانيد:\n«.............. فقيل مالك … عن نافع بما رواه النّاسِكِ» (^٢)\nفقال في شرحه: «وقولي: فقيل مالك»: أي فقيل أصح الأسانيد: ما رواه مالك عن نافع عن ابن عمر (^٣)، وهكذا عبّر في بيان باقي الأقوال فيها (^٤)\n_________\n(^١) انظر «الرسالة للشافعي» / ١٦٠ و«الكفاية» للخطيب/ ٣٢٤ - ٣٥٤.\n(^٢) «الألفية» / ١٦٩.\n(^٣) جـ ١/¬١٢.\n(^٤) «فتح المغيث» للعراقي جـ ١/¬١٣، ١٤.","vol":"2","page":869},{"text":"والصواب أن لا يذكر عبارة «ما رواه». بل يقول: أصح الأسانيد: مالك عن نافع .. وهكذا كما عبر الحاكم (^١)، وابن الصلاح (^٢)؛ لأن ما رواه مالك وغيره، ليس الأسانيد، بل متون الأحاديث، والكلام على الأسانيد .. والعجيب أن السخاوي، والسيوطي، لم يتنبها لذلك، فعبرا مثل تعبير العراقي (^٣)، أما الأنصاري فتنبه لذلك فقال: «وفي قول الناظم في شرحه: أصح الأسانيد ما رواه مالك» تجوز؛ لأن ما رواه متن لا سند، فكان حقه أن يقول كابن الصلاح: أصح الأسانيد: مالك … الخ». وكذا الكلام في نظائره (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-296>٣ - شرحه لاصطلاحه في الألفية، وتحديده للزيادة، والنقص، والتغيير فيها عن كتاب ابن الصلاح:</span>\nمن مميزات شرح العراقي هذا أيضًا لألفيته، أنه تولى فيه بنفسه شرح اصطلاحه الخاص في الألفية، وتحديد أكثر الزيادات التي زادها فيها على ما في كتاب ابن الصلاح، والنقاط التي لم يذكرها فيها مع وجودها في كتاب ابن الصلاح، ووجه إسقاطها، وكذلك بين فيه وجوه مخالفته أو موافقته لابن الصلاح، وقد مرت أمثلة ذلك في بحث الألفية، حيث اعتمدت على إشاراته، وتصريحاته في هذا الشرح بذلك.\nولا شك أنه لولا تصدي العراقي في شرحه لكل ذلك، لأوقع الشارحين.\n_________\n(^١) (معرفة علوم الحديث) له/ ٥٣ وما بعدها.\n(^٢) و«المقدمة» / ٢٢، ٣٣.\n(^٣) (فتح المغيث) للسخاوي ج ١/¬٢٢ - ٢٥ و٥ قطر الدرر، للسيوطي ٢ أ، ب.\n(^٤) (فتح الباقي) / ٧ أ.","vol":"2","page":870},{"text":"والدارسين من بعده في خلافات كثيرة كما رأينا في المثال المتقدم، وربما استعصى أو صعب على غيره إيضاح هذه النقاط على وجهها، خاصة ما لم يضع هو له علامة مميزة، ولا تميز بذاته: من زياداته، وما أسقطه، ومخالفاته المنهجية لابن الصلاح أو غيره، ومن ذلك أيضًا إجابته عن بعض النقاط التي لم يستدركها في الألفية على ابن الصلاح، مثال ذلك: أن ابن الصلاح في باب (المؤتلف والمختلف) قال: «لا نعلم في الصحيحين البزار بالراء المهملة في آخره، إلا خلف بن هشام البزار، والحسن بن الصباح البزار» (^١) فاعترض عليه بعض العلماء بأن من شيوخ البخاري في صحيحه، يحيى بن محمد بن السكن البزار، وأنه روى فيه أيضًا استشهادًا، عن بشر بن ثابت البزار، ولكن العراقي لم يذكر هذين الشخصين في الألفية.\nواكتفى بمن ذكرهما ابن الصلاح (^٢)، وذكرهما أيضًا في الشرح، ثم قال: «قال ابن الصلاح: لا نعلم في الصحيحين بالراء المهملة إلا هما، ثم عقب قائلا: قلت: ذكر الجياني في تقييد المهمل في هذه الترجمة: يحيى بن محمد بن السكن البزار من شيوخ البخاري، وبشر بن ثابت البزار، استشهد به البخاري، قلت، ولم يقع ذكرهما في البخاري منسوبين، أي ملقبين بالبزار؛ بل خاليين من النسبة، فلذلك لم أستدركهما في النظم على ابن الصلاح (^٣). وهكذا صرح في مواضع أخرى (^٤).\n_________\n(^١) «المقدمة» / ٤٠١.\n(^٢) «الألفية» / ٢٢٣.\n(^٣) «فتح المغيث» للعراقي ج ٤/ ١٠٨.\n(^٤) انظر «فتح المغيث» للعراقي ج ٤ ص ١١٠، ١١١.","vol":"2","page":871},{"text":"<span data-type='title' id=toc-297>٤ - الجوانب اللغوية في الشرح، وأهميتها، وتأثيرها:</span>\nيعتمد علم المصطلح الذي هو موضوع الألفية في تعريفاته وقواعده وألفاظه الاصطلاحية، على ضبط الكلمات المستعملة، ومعرفة مأخذها اللغوي، وتحديد مفهومها، وصلته بالمعنى الاصطلاحي (^١)، ثم إن العراقي قد ارتبط اصطلاحه في الألفية بقواعد النحو والصرف، حيث أورد كثيرا من الأفعال مسندة للضمير المفرد المستتر، أو الضمير المثنى الظاهر، قاصدًا بالأول ابن الصلاح، وبالثاني البخاري ومسلم، كما قدمنا، وبالإضافة لهذا فإن صياغة النظم جعلته يرتكب بعض الضرورات الشعرية، كما جعلت التركيب البلاغي والإعرابي لكثير من جمل الألفية تحتاج إلى بيان حتى يتضح المعنى المقصود منها، ولهذا عنى العراقي في شرحه بتلك الجوانب عموما، بالنسبة لألفاظ وعبارات الألفية، بل وبالنسبة للنصوص والنماذج التي اعتمد عليها في شرحها، لكنه بحسب منهج التوسط الذي سلكه لم يستوعب، بل تناول ما اختلف فيه، وما بدا له أن فيه غموضًا أو إشكالا، خاصة على المبتدئين، سواء من ناحية الضبط بالشكل أو الإعراب، أو بيان الاشتقاق أو المعنى اللغوي، والمقصود منه في الاستعمال، أو وجه الضرورة الشعرية، أو التركيب البلاغي، وتركزت عنايته على الألفاظ والعبارات المستعملة في اصطلاح علماء السنة، أو الواردة في متون الأحاديث، أو أسماء الرواة، والعلماء، وكناهم، ونسبهم، وألقابهم، ومواطنهم، وأبدى في ذلك جهدًا علميا واضحا، وآراء مفيدة.\n_________\n(^١) ينظر مثلا (فتح المغيث) للسخاوي ٣/ مبحث تعريف الصحابي/ ٨٦، ٨٧.","vol":"2","page":872},{"text":"وإليك بعض النماذج لذلك مع التحليل والمقارنة والنقد:\nقال العراقي في الألفية: «ويكتب الساقط وهو اللحق …» (^١).\nوقال في الشرح: «أهل الحديث والكتابة يسمون ما سقط من أصل الكتاب فألحق بالحاشية أو بين السطور: «اللحق»: بفتح اللام والحاء المهملة معا. وأما اشتقاقه: فيحتمل أنه من الإلحاق، قال الجوهري: واللحق بالتحريك شيء يلحق بالأول، قال: واللحق أيضا من الثمر الذي يأتي بعد الأول. وقال صاحب المحكم: اللحق كل شيء ألحق شيئا، أو ألحق به، من الحيوان والنبات، وحمل النخل، وأنشد: ولحق يلحق من أعرابها».\nثم أضاف احتمالا آخر مع التدليل اللغوي عليه، فقال: «ويحتمل أنه من الزيادة يدل عليه كلام صاحب المحكم، فإنه قال: «واللحق الشيء الزائد»» قال ابن عيينة:\n«… ... … ... … ... … ... … ... … ... كأنه بين أسطر لحق»\nثم بين وجها آخر في ضبطه غير الذي ذكره أولا، فقال: وقد وقع في شعر نسب لأحمد بن حنبل، بإسكان الحاء، أنشده الشريف أبو علي محمد بن أحمد بن أبي حوس الهاشمي، لأحمد بن محمد بن حنبل، وذكر أربعة أبيات عن طالب الحديث ثالثها قوله:\n«يضجره الضرب في دفاتره … وكثرة اللحق في حواشيها»\nثم عقب على ذلك بقوله: «وكأنه خفف حركة الحاء لضرورة\n_________\n(^١) والألفية» / ٢٠٣.","vol":"2","page":873},{"text":"الشعر (^١) وهذا يعد ترجيحًا منه لضبطه الأول، بفتح الحاء، وعندما نرجع إلى قريني العراقي وهما: البلقيني وابن الملقن، نجدهما لا يعلقان على هذه الكلمة الاصطلاحية بشيء (^٢).\nأما من بعده فقد تبعوه على ما قرره فيها لغة واصطلاحا، سواء في شرحهم لألفيته أو في غيرها (^٣).\nومن ذلك أيضًا أنه قال في الألفية:\nماتستفيد عاليًا ونازلًا … لكثرة الشيوخ صيتًا عاطِلًا\nومن يقل إذا كتبت قمشَن ثم إذا رويته ففتِشَن\nفليس من ذا … ... … (^٤).\nوقال في الشرح: «ولتكن همة الطالب تحصيل الفائدة، سواء وقعت له بعلو أو ينزل، ولا يأنف أن يكتب عمن هو دونه ما يستفيده …، وليحذر الطالب أن تكون همته بكثرة الشيوخ لمجرد اسم الكثرة وصيتها» ثم قال: «قال ابن الصلاح: وليس من ذلك قول أبي حاتم الرازي: إذا كتبت فقمش، وإذا حدثت ففتش» وأوضح اللفظ بقوله: «والتقميش، والقمش أيضًا، جمع الشيء من ها هنا وها هنا» ثم قال: «ولم يبين ابن الصلاح ما المراد بذلك؟،\n_________\n(^١) «فتح المغيث» للعراقي ج ٣/¬٢٩ - ٣٠.\n(^٢) «المقنع» لابن الملقن/ ٧٨ و«محاسن الاصطلاح» للبلقيني/ ٦٦ وما بعدها.\n(^٣) انظر «فتح المغيث» للسخاوي ج ٢/ ١٧٢ و«قطر الدرر» للسيوطي/ ٢٥ أ، وكذا و«تدريب الراوي» له/ ٢٩٦ و«النكت الوفية» للبلقاعي/ ٢٨٨ ب.\n(^٤) «الألفية» / ٢١١.","vol":"2","page":874},{"text":"وتصدى هو لبيانه فقال: «وكأنه أراد: اكتب الفائدة ممن سمعتها ولا تؤخر ذلك حتى تنظر فيمن حدَّثك أهو أهل أن يؤخذ عنه أم لا، فربما فات ذلك بموت الشيخ أو سفره أو سفرك، فإذا كان وقت الرواية عنه أو وقت العمل بذلك، ففتشن حينئذ، وقد ترجم عليه الخطيب «باب من قال يكتب عن كل أحد» ثم وجه توجيها آخر فقال: «ويحتمل أن مراد أبي حاتم: استيعاب الكتاب المسموع، وترك انتخابه، أو استيعاب ما عند الشيخ وقت التحمل، ويكون النظر فيه حال الرواية» (^١).\nوهكذا أوضح العراقي المعنى اللغوي لكلمة «قمش» والمعنى العام الذي يمكن أن تحمل عليه العبارة عموما عند المحدثين في ضوء ذلك، مستعينا بالأدلة المساعدة على ذلك من اللغة، واستعمال المحدثين، بينما اكتفى سابقه وهو ابن الصلاح بترديد العبارة كما قالها ابن أبي حاتم، وكذا مر عليها في كلام ابن الصلاح، كل من: ابن الملقن والبلقيني، بلا تعليق (^٢).\nوقد أقر العراقي على ما ذكر، من بعده، وتناقلوه عنه في شرحهم لألفيته وغيرها (^٣).\nومما يتعلق بمتون الأحاديث قوله في «غريب ألفاظ الحديث» ولا ينبغي أن يقلد من الكتب المصنفة في الغريب إلا ما كان مصنفوها أئمة جلة، في هذا الشأن، فمن لم يكن من أهله تصرف فيه فأخطأ»، ثم بين خبرته وممارسته.\n_________\n(^١) فتح المغيث للعراقي ٣/ ٩٠\n(^٢) والمقنع، ٩٨ و٥ محاسن الاصطلاح ٥/ ٨٣ أ وما بعدها.\n(^٣) و«فتح المغيث» للسخاوي ج ٢/ ٣٢٨ و٥ «قطر الدرر» / ٣١ أ وهـ التدريب، كلاهما «للسيوطي» / ٣٥٠ و٥ «فتح الباقي» للأنصاري ١٥٠ أ، ب.","vol":"2","page":875},{"text":"العملية في هذا، فقال: «وقد كان بعض العجم يقرأ علي من مدة سنين في «المصابيح» للبغوي، فقرأ حديث «إذا سافرتم في الخصب فأعطوا الإبل حقها، وإذا سافرتم في الجدب فبادروا بها نقيها»، فقرأها: نقبها، بفتح النون وبالباء الموحدة بعد القاف، فقلت له: إنما هي «نقيها» بالكسر والياء آخر الحروف، فقال: هكذا ضبطه بعض الشراح في طرة الكتاب (أي هامشه)، فأخذت منه الكتاب وإذا على الحاشية كما ذكر، وقال: النقب: الطريق الضيق بين جبلين، فقلت: هذا خطأ وتصحيف فاحش، وإنما هي النقي، أي المخ الذي في العظم، ومنه قوله في حديث (أم زرع): «لا سمين فينتقى»، وفي حديث الأضحية «العجفاء التي لا تنقى»، وهكذا نبه العراقي على الخطأ والتصحيف الفاحش، اللدين وقع فيهما غيره من شراح الحديث، ثم بين لتلميذه ضبط اللفظة ومعناها على الصواب، مؤيدا له بأحاديث أخرى، ثم عقب على ذلك بقوله: فليحذر طالب العلم ضبط ذلك، (أي الغريب) من الحواشي، إلا إذا كانت بخط من يعرف خطه من الأئمة» (^١).\nومع أنه حدد منهجه في الشرح بالتوسط، فإن هناك بعض مباحث لغوية توسع فيها أزيد مما يقتضيه هذا المنهج، وما يقتضيه المقام أيضا، مثل «الوجادة»، فقد قال في الألفية:\n«ثم الوجادة وتلك مصدر … وجدته مولدا ليظهر\nتغاير المعنى … .... .............................» (^٢)\n_________\n(^١) «فتح المغيث» للعراقي جـ ٤/¬١٠، ١١.\n(^٢) «الألفية» / ٢٠١.","vol":"2","page":876},{"text":"ثم قال في الشرح: القسم الثامن من «أقسام أخذ الحديث ونقله» الوجادة - بكسر الواو، وهي مصدر مولد، لوجد يجد، قال المعافي بن زكريا النهرواني: إن المولدين فرعوا قولهم: «وجادة» فيما أخذ من العلم من صحيفة، من غير سماع ولا إجازة ولا مناولة، من تفريق العرب بين مصادر «وجد» للتمييز بين المعاني المختلفة، قال ابن الصلاح: يعني قولهم: وجد ضالته وجدانا، ومطلوبه وجودًا، وفي الغضب موجدة، وفي الغني وجدًا، وفي الحب وجدًا، ثم أردف على كلام ابن الصلاح قائلًا: قلت: ولوجد مصدران آخران لم يذكرهما، وهما: جدة في الغضب وفي الغني، واجدان بكسر الهمزة، في الضالة وفي المطلوب، حكاهما ابن الأعرابي، قال ابن سيدة: «وهذا على بدل الهمزة من الواو»، ثم قال: «وليس معنى من المعاني التي ذكرها مقتصرا على مصدر واحد إلا في الحب، فإن مصدره: وجد بالفتح لا غير، كما قال ابن سيدة، وكذلك هو مصدر وجد بمعنى حزن»، قاله الجوهري وغيره.\nثم قال: «وأما في المطلوب فله مصدران وذكرهما …» ثم قال: «وأما بمعنى الغضب فله مصادر» وذكر أربعة.\nثم قال: «أما بمعنى الغني فله أيضًا مصادر أربعة»، وذكرهم، ثم أضاف أنه قرى بثلاثة منهم في قوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٦] (^١).\nويلاحظ أن المقام كان يكفي في توضيحه ما نقله عن ابن الصلاح فقط،\n_________\n(^١) (فتح المغيث) للعراقي ج ٣/¬١٤، ١٥.","vol":"2","page":877},{"text":"وأما ما أضافه بعد ذلك من بيان المصادر العديدة للفعل، ومعانيها، وما يقصد ببعضها من القراءات، فذلك وإن دل على وفرة محصول العراقي من اللغة، إلا أنه استطراد زائد عن المطلوب، ولهذا فإن غيره ممن علق على كتاب ابن الصلاح، أو شرح الألفية، اكتفى بما ذكره ابن الصلاح فقط، وهو الأليق (^١)، لأن مباحث اللغة هنا وسيلة للإيضاح، وليست غاية، حتى يتوسع فيها كما رأينا، وإن كان فعله لذلك نادرًا.\nوأما اهتمامه بضبط الأعلام من أسماء، وكنى، وألقاب، ونسب، فيرجع إلى أن ضبطها لا يدرك بالقياس، ولا يستدل عليه بسابق ولا لاحق، وإنما الاعتماد فيه على النقل (^٢)، وقد تركز اهتمام العراقي على الأنواع المتعلقة بعلم الرجال، مثل: أفراد العلم، والأسماء، والكنى، واهتم أكثر بما يتوقف التمييز فيه بين الأشخاص على ضبط أسمائهم، أو كناهم، ونحوها، وذلك كالمؤتلف والمختلف، والمتفق والمفترق، والمتشابه (^٣).\nومن أمثلة ضبطه للاسم واللقب: أن ابن الصلاح ذكر في «المؤتلف والمختلف»: حبّان - بكسر الحاء - بن العرقة، دون تعرضه للتعليق على العرقة (^٤)، وكذا ابن الملقن من بعده (^٥)، أما البلقيني فنقل عن الواقدي أن العرقة\n_________\n(^١) انظر «محاسن الاصطلاح» للبلقيني ٥٩ أ، ب و«المقنع» لابن الملقن/ ٧٣، و«فتح المغيث» للسخاوي جـ ٢/ ١٣٥ و«قطر الدرر» للسيوطي/ ٢٣ ب.\n(^٢) «فتح المغيث» للسخاوي جـ ٣/ ٢١٣.\n(^٣) انظر «فتح المغيث» للعراقي جـ ٤/ ٧٧ - ١٢٦.\n(^٤) «المقدمة» ص ٣٩٤.\n(^٥) «المقنع» ١٥٦.","vol":"2","page":878},{"text":"بفتح الراء -، وأن أهل مكة يقولون كذلك، ونقل عن ابن الكلبي أنها العرقة بنت سعيد بن سهم (^١).\nوأما العراقي في شرحه للألفية فقال: «واختلف في ضبط هذا الحرف» فالمشهور أنه بعين مفتوحة ثم راء مكسورة بعدها قاف، وحكى ابن ماكولا عن الواقدي: أنه بفتح الراء، والأول أشهر. ثم قال: وقيل لها ذلك لطيب رائحتها، واسمها فيما قال ابن الكلبي: قلابة - أي بكسر القاف - بنت سعيد - أي بضم السين - ابن سهم، وتكنى أم فاطمة (^٢).\nويتضح من المقارنة: أن العراقي أوفى بيانا من ابن الملقن الذي اكتفى بذكر ضبط حرف واحد منها، وهو الراء، وذكر ضبطه بالفتح، وسكت عليه، مع أنه غير الأشهر، بينما ضبط العراقي حروف الكلمة الثلاثة، وبين أن الأشهر في ضبط رائها هو الكسر، لا الفتح الذي أقره البلقيني، وبين العراقي أيضا أن العرقة هي أم حبان المذكورة، ثم بين أن هذا لقب لها، ووضح سبب تلقيبها به، ثم بين اسمها، ونسبها، مع ضبط الحرف المشكل من اسمها واسم أبيها، ولم يذكر البلقيني من ذلك غير اسم أبيها وجدها، كما مر، وقد تبع العراقي على ما ذكر من بعده، سواء في شرح ألفيته (^٣) أو في غيرها (^٤).\nومن ضبطه للكنى: أن ابن الصلاح ذكر أن من الرواة من انفرد بكنية\n_________\n(^١) «محاسن الاصطلاح مع مقدمة ابن الصلاح» ٥/ ٥٤٢.\n(^٢): فتح المغيث، للعراقي ج ٤/ ٩٩، ١٠٠.\n(^٣): فتح المغيث، للسخاوي ج ٣/ ٢٣٤.\n(^٤): تدريب الراوي ٥/ ٤٧٣.","vol":"2","page":879},{"text":"«أبو معيد» واكتفى في ضبطه بقوله: «إنه مصغر مخفف الياء» (^١) ومشى على ذلك البلقيني (^٢)، وابن الملقن (^٣)، أما العراقي فذكر في الألفية «أبو معيد» هذا (^٤). ثم قال في ضبطه في الشرح: أبو معيد- بضم الميم وفتح العين المهملة وسكون الياء المثناة من تحت وآخره دال مهملة (^٥). ولا شك أن هذا الضبط أدق وأكمل من ضبط ابن الصلاح السابق.\nومن ضبطه للنسبة وتمييزها: أن ابن الصلاح ذكر من المؤتلف والمختلف في النسبة: «السلمي» فقال: «السلمي» إذا جاء في الأنصار، فهو بفتح السين نسبة إلى بني سلمة منهم، ومنهم جابر بن عبد الله، وأبو قتادة، ثم إن أهل العربية يفتحون اللام منه في النسبة، كما في النمري والصدفي وبابهما، وأكثر أهل الحديث يقولونه بكسر اللام على الأصل، وهو لحن والله أعلم (^٦).\nوقد نظم العراقي ذلك في الألفية (^٧)، وقال في شرحه: «إن السلمي إذا جاء في الأنصار، بفتح السين واللام أيضا، كجابر بن عبد الله، وأبي قتادة وغيرهم، نسبة إلي بني سلمة - بفتح السين وكسر اللام - وفتحت في النسب كالنمري والصدفي وبابهما، قال السمعاني: وهذه النسبة عند النحويين، قال: وأصحاب الحديث يقولونه بكسر اللام على الأصل، وهو لحن، ثم\n_________\n(^١) «المقدمة» / ٣٦٦\n(^٢) «محاسن الاصطلاح» / ١٢٤ أ.\n(^٣) «المقنع» / ١٤٢\n(^٤) «الألفية» / ٢٢٠\n(^٥) «فتح المغيث» جـ ٤/ ٧٨\n(^٦) «المقدمة»: ٤٠٥\n(^٧) «الألفية»: ٢٢١","vol":"2","page":880},{"text":"عقب عليه بقوله: واقتصر ابن باطيش في (مشتبه النسبة) على كسر اللام، وجعل المفتوح اللام نسبة إلى (سلمية) من عمل حماة، ثم بين ما يشتبه بهذه النسبة أيضًا فقال: وتشتبه هذه النسبة بالسلمي بضم السين وفتح اللام نسبة إلى بني سليمة، كعباس بن مرداس، وبالسلمي بالفتح وسكون اللام، نسبة إلى بعض أجداد المنتسب» (^١).\nوبمقارنة هذا بكلام ابن الصلاح المتقدم عن هذه النسبة، نجد أن العراقي زاد ضبط حرف اللام بالفتح، وضبط اسم القبيلة المنسوب إليها، وهي: بني سلمة، ثم بين أن ما قرره ابن الصلاح من كون ضبط أهل الحديث للسلمي بكسر اللام لحن ليس كذلك، حيث قرره من علماء الأنساب: ابن باطيش في كتابه في مشتبه النسبة، وجعل ما هو بفتح اللام، نسبة إلى بلد تابعة لحلب لا لبني سلمة من الأنصار، وبين ما يشتبه بهذه النسبة وميزه.\nأما النووي ومن بعده ابن الملقن، فلم يزيدا على القول بأن الكسر ليس لحنا بل يجوز في لغة قليلة، وأنه جاء السلمي بضم السين في النسبة إلى بني سليم (^٢). وبهذا كان ما ذكره العراقي أكمل وأوفى، واستفاد منه السخاوي في شرحه للألفية (^٣).\nلكن لا يفوتني هنا أن أقرر: أن العراقي يضبط بعض الحروف على طريقة الأقدمين، تبعا لابن الصلاح فيقول مثلا: «البزار» آخره راء مهملة (^٤).\n_________\n(^١) «فتح المغيث» للعراقي ج ٤/ ٩٣.\n(^٢) «التقريب للنووي بهامش التشريب» / ٤٧٨ و«المقنع» / ١٥٨.\n(^٣) «فتح المغيث» للسخاوي ج ٣/ ٢٢٧.\n(^٤) «فتح المغيث» للعراقي ج ٤/ ١٠٨ و«مقدمة ابن الصلاح» / ٤١٠.","vol":"2","page":881},{"text":"والحزامي، بالزاي غير المهملة (^١)، فتقييده للراء بالمهملة، وللزاي بغير المهملة لا حاجة إليه، حيث لا توجد راء معجمة، ولا زاي مهملة، ولهذا انتقده في ذلك تلميذه سبط ابن العجمي (^٢). وأنا أقره على ذلك، ولكني أقرر: أن العراقي لم يلتزم هذا باطراد، بل فعله قليلا، كما في المثال الأول من المثالين السابقين، ونقله عن ابن الصلاح أحيانا وأقره، كالمثال الثاني.\nوأما اهتمامه بإعراب المشكل، أو المختلف فيه، من الألفية فمن أمثلته: أنه قال في نوع الحديث المرسل:\n«لكن إذا صح لنا مخرجه … بمسند أو مرسل يخرجه\nمن ليس يروي عن رجال الأول … نقبله. . . . . . .» (^٣).\nوقال في الشرح: وقوله: «نقبله» هو مجزوم، جواب الشرط - يعني: «إذا» التي في البيت الأول، وذلك على مذهب الكوفيين والأخفش، ثم استشهد لذلك بقول الشاعر:\nوإذا تصبك مصيبة فاصبر لها … وإذا تصبك خصاصة فتحمل (^٤)\nوقد أقر الأنصاري في شرحه للألفية العراقي على هذا (^٥)، أما البقاعي فقال في حاشيته على الشرح: ولو جعل الشيخ العراقي «متى» موضع «إذا» يعني\n_________\n(^١) «فتح المغيث»، للعراقي جـ ٤/ ١١١.\n(^٢) انظر النسخة الخطية من «شرح العراقي» رقم (١٣٩) مصطلح تيمور/ هامش صـ ٤٠٦، ٤٠٧.\n(^٣) «الألفية»» / ١٧٦.\n(^٤) «فتح المغيث» للعراقي جـ ١/ ٧١.\n(^٥) «فتح الباقي» / ٢٥/ أ.","vol":"2","page":882},{"text":"في النظم»، لكان جاريًا على الكثير الفاشي، ولم يحتج إلى أن يُخَرِّجَهُ على مذهب الكوفيين، أو كان يَبْقي (إذا) ويسقط الهاء ويقول: يقبل مرفوعًا (^١).\nونقل السخاوي نحو ذلك عن شيخه ابن حجر وأقره (^٢)، وقال العراقي أيضًا في الألفية:\nومعظم الكوفة والحجاز … مع البخاري إلى الجواز\nوابن جريح وكذا الأوزاعي … . . . . . . . . . . . (^٣)\nوالذي يتبادر إلى الذهن أن قوله: (وابن جريح) معطوف على ما قبله، ولكن المعنى المطلوب لا يستقيم على ذلك، ولهذا فإن العراقي يقول في إعرابه: وقولي: «وابن جريح» مبتدأ، وليس بمعطوف (^٤)، ولم يتعرض كل من السخاوي والسيوطي والأنصاري في شرحهم لإعراب تلك الكلمة مع إشكالها كما ترى (^٥).\nوقد أخطأ العراقي في نسبة إعراب بعض الكلمات المختلف فيها بين النحويين إلى مصدره، فقد قال في الألفية عن استعمال بعض المتأخرين لفظ «عن» في الإجازة، وفي السماع المشكوك فيه:\n_________\n(^١) «النكت الوفية»، ١١٧ أ، ب.\n(^٢) «فتح المغيث»، للسخاوي جـ ١/ ١٣٨.\n(^٣) (الألفية) / ١٩٢.\n(^٤) (فتح المغيث) للعراقي جـ ٢/ ٥٢.\n(^٥) انظر (فتح المغيث) للسخاوي جـ ٢/¬٣٠، و(قطر الدرر) للسيوطي/ ١٨ ب، و«فتح الباقي» للأنصاري/ ٧٥ أ.","vol":"2","page":883},{"text":"«......................... … وحرف «عن» بينهم فمشترك» (^١).\nوقال في الشرح «وقولي: فمشترك» دخلت الفاء في الخبر، على رأي الكسائي (^٢).\nفاستدرك عليه الأنصاري في شرحه: فقال: «إن ذلك رأي الأخفش، لا الكسائي، كما وقع للناظم» (^٣). ونحو ذلك قال السخاوي (^٤).\nأما السيوطي فقال في شرحه: «قال المصنف: والفاء مزيدة في الخبر، على رأي الكسائي».\nوعقب قائلًا: «قلت: ولو قال بدله: «قد اشترك» لسلم من ذلك» (^٥)، ونحوه ذكر البقاعي في نكته على شرح العراقي (^٦).\nوهذا يفيد أنهما يقران العراقي على ما خطأه فيه السخاوي والأنصاري من نسبة الرأي للأخفش، ولعلهما لم ينتبها لذلك.\nومن المسائل النحوية المتعلقة باصطلاح المحدثين: ما اختلف فيه العراقي مع بعض معاصريه من علماء العربية، ورد عليه في هذا الشرح، وذلك أن العراقي قرر كابن الصلاح وغيره، اصطلاح المحدثين على حذف كلمة «قال» الواقعة فيما بين رجال إسناد الحديث، سواء تكررت كقوله البخاري: ثنا صالح بن\n_________\n(^١) والألفية» / ١٩٩.\n(^٢) (فتح المغيث) للعراقي ج ٣/¬٩.\n(^٣) (فتح الباقي) / ٨٠ أ.\n(^٤) (فتح المغيث) له ج ٢/ ١٢٠.\n(^٥) (قطر الدرر) / ٢٢ ب.\n(^٦) «النكت الوفية»، ٢٦٤ ب.","vol":"2","page":884},{"text":"حبان قال: قال عامر الشعبي … إلخ، أم لا، وذلك في الكتابة فقط، مع اشتراط النطق بها عند قراءة الحديث» ثم قال: «وقد كان بعض من لقيته من أئمة العربية ينكر اشتراط المحدثين للتلفظ بـ «قال»، في أثناء السند، وهو العلامة شهاب الدين عبد اللطيف بن عبد العزيز بن المرحل، وما أدري وجه إنكاره لذلك؟ لأن الأصل الفصل بين كلامي المتكلمين، للتمييز بينهما، وحيث لم يفصل فهو مضمر، والإضمار خلاف الأصل» (^١).\nولكن الحافظ ابن حجر رجح رأي ابن المرحل، فذكر أن وجه إنكاره معروف، وبين ذلك بما خلاصته: أنه يوجد أيضًا بين رجال السند «حدثنا» فلان ونحوها، وهي بمنزلة «قال لنا» وبمعناها، فيصير النطق بها تكريرا بلا موجب (^٢)، وقد تبعه على هذا السيوطي (^٣) والسخاوي (^٤)؛ لكن البقاعي قدح في هذا قدحًا وجيها، وهو أن «قال» موضوعة في اللغة لتحكى بها الجمل، بخلاف «حدث»، فلابد لها من آلة تهيئوها لحكاية الجملة (^٥)، وعليه فلا يكون التلفظ بها مع «حدثنا» أو «أخبرنا» تكريرًا، بل ينبغي فعله، كما قرره العراقي وكذا قرره البلقيني (^٦)، وابن الملقن (^٧).\nوأما اهتمام العراقي بمباحث البلاغة وقواعد النظم المتعلقة بعبارات الألفية\n_________\n(^١) (فتح المغيث) للعراقي ج ٣/¬٤٠.\n(^٢) و«النكت الوفية» / ٢٩٦ أ، ب.\n(^٣) والتدريب» / ٣٢٤\n(^٤) و«فتح المغيث» له ج ٢/ ١٩١.\n(^٥) والنكت الوفية» / ٢٩٦ ب.\n(^٦) و«محاسن الاصطلاح» ٨٧ أ، ب.\n(^٧) و«المقنع» / ٨٩، ٩٠.","vol":"2","page":885},{"text":"وأسلوبها، فمن أمثلته: أنه قال في الألفية عن عدد الصحابة:\nوالعد لا يحصرهم فقد ظهر … سبعون ألفًا بتبوك وحضر\nالحج أربعون ألفًا وقبض … عن ذين مع أربع آلاف تنض (^١).\nوقال في الشرح: «وقولي (تنِضُّ) بكسر النون وتشديد الضاد، أي تيسر يقال خذ ما نض لك من دين، أي تيسر، حكاه الجوهري» ثم قال: «والنض والناض، وإن كان إنما يطلق على الدنانير والدراهم، فقد استعير للصحابة، لرواجهم في النقد وسلامتهم من الزيف بعدالة كلهم».\nوانتقل لقواعد النظم فقال: «وأسقطت الهاء من «أربع» لضرورة الشعر، وإن كان «الألف» مذكرًا» (^٢) وقد نقل الأنصاري في شرحه للألفية ما ذكره العراقي وأقره (^٣)، أما السخاوي، فذكر أن في «تنِضُّ» تشبيهًا بنِضِّ الدراهم (^٤) وهذا تقصير في البيان، لأن التشبيه هو المرحلة الأولى فقط من الاستعارة كما هو مقرر عند البلاغيين، والتعبير به لا يكفي في الدلالة عليها.\nومن أمثلة بيان العراقي لبلاغة الأسلوب: أنه قال في الألفية في «رواية الأبناء عن الآباء»:\n«والثاني أن يزيد فيه بعده … كبهز أو عمرو أبا أو جده» (^٥).\nوقال في الشرح: «وفي البيت المذكور: لف ونشر، وتقديم وتأخير، تقديره:\n_________\n(^١) «الألفية» / ٢١٦.\n(^٢) «فتح المغيث» للعراقي ج ٤/¬٣٩، ٤٠.\n(^٣) «فتح الباقي» / ١٧٢ ب، ١٧٣ أ.\n(^٤) «فتح المغيث» للسخاوي ج ٣/ ١١١.\n(^٥) «الألفية» ٢١٩.","vol":"2","page":886},{"text":"والثاني أن يزيد بعد الأب أبا، كبهز بن حكيم، أو جدا كعمرو بن شعيب (^١). ومن بيانه أيضًا لقواعد النظم أنه قال في نوع «الأخوة والأخوات من الرواة»:\nوأفردوا الأخوة بالتصنيف … فذو ثلاثة بنو حنيف (^٢)\nوذكر في الشرح أن قوله: «بنو حنيف» مصغر، وعليه تكون نونه مفتوحة بينما نون «التصنيف» الواقعة في القافية المقابلة مكسورة، فأجاب العراقي عن ذلك بقوله: «ولا يضر عند أهل العلم بالقوافي فتح نونه، في مقابلة كسر نون التصنيف»، وأيد ذلك بقول حسان بن ثابت:\nصلى الإله على الذين تبايعوا … يوم الرجيع فأكرموا وأثيبوا\nفلم تتفق القافيتان في الحركات كما ترى، ويفهم من قوله: «ولا يضر عند أهل العلم بالقوافي»، ومن تأييد كلامه بشاهد الشعر، أنه كان يؤلف منظوماته مثل هذه الألفية وما سيأتي غيرها، عن دراية جيدة بعلمي العروض والقوافي كما قدمنا في جوانب شخصية، كما أن تناوله للجوانب اللغوية عموما على النحو المتقدم، يدل على إلمام جيد بفروعها المختلفة، والاستعانة بها في تخصصه، بالإضافة لما سيأتي في بحث باقي عناصر منهجه ومؤلفاته.\n\n<span data-type='title' id=toc-298>٥ - بيان العراقي للضوابط والتعريفات الاصطلاحية، وآراؤه في ذلك وآثارها:</span>\nيختص علم المصطلح، ببيان القواعد العامة الضابطة للمسائل الجزئية من علوم السنة، وبالتعريفات المحددة والمميزة لماهية أنواع السنة، ولهذا اهتم\n_________\n(^١) «فتح المغيث» للعراقي ج ٤/ ٦٨.\n(^٢) «الألفية» / ٢١٨.","vol":"2","page":887},{"text":"العراقي في شرحه للألفية ببيان ما تضمنته من ذلك، أو رأى هو إضافته، مع ذكر الأمثلة التطبيقية الموضحة، وتركزت عنايته أكثر على المختلف فيه بين العلماء، أو ما لم يتناوله كثيرون غيره، فظهر في ذلك جهده وآراؤه، واستفاد منه من بعده، وإليك بعض النماذج لذلك:\nقال العراقي في الألفية، في مبحث (الحديث المرسل):\n(مرفوع تابع على المشهور … مرسل أو قيده بالكبير\nأو سقط راو منه، ذو أقوال … والأول الأكثر في استعمال) (^١).\nوقال في الشرح: (اختلف في حد الحديث المرسل:\nفالمشهور: أنه ما رفعه التابعي إلى النبي ﷺ، سواء كان من كبار التابعين، كعبيد الله بن عدي بن الخيار، وقيس بن أبي حازم، وسعيد بن المسيب، وأمثالهم، أو من صغار التابعين، كالزهري، وأبي حازم، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وأشباههم).\nوالقول الثاني: أنه ما رفعه التابعي الكبير إلى النبي ﷺ، وهذا معنى قوله: أو قيده بالكبير، أي بالكبير من التابعين، فهذه الصورة لا خلاف فيها، كما قال ابن الصلاح، أما مراسيل صغار التابعين، فإنها لا تسمى مرسلة على هذا القول، بل هي منقطعة، هكذا حكاه ابن عبد البر عن قوم من أهل الحديث؛ لأن أكثر رواياتهم عن التابعين، ولم يلقوا من الصحابة إلا الواحد والإثنين.\nوالقول الثالث: أنه ما سقط راو من إسناده فأكثر، من أي موضع كان، فعلى هذا، المرسل والمنقطع واحد، قال ابن الصلاح: (والمعروف في الفقه:\n_________\n(^١) (الألفية) ١٧٦.","vol":"2","page":888},{"text":"أن ذلك يسمى مُرسَلًا، وبه قطع الخطيب، قال الخطيب: إلا أن أكثر ما يوصف بالإرسال من حيث الاستعمال، ما رواه التابعي عن النبي ﷺ وقطع الحاكم وغيره من أهل الحديث: أن الإرسال مخصوص بالتابعين).\nويلاحظ أن هذه الأقوال الثلاثة، هي التي ذكرها العراقي في النظم، واعتمد في بيانها في الشرح على ما ذكره ابن الصلاح في المقدمة (^١)، مع تصرف من جانبه، وتنسيق في السياق، وبعض إضافات مستمدة من مصدر آخر.\nثم زاد قولًا رابعًا فقال: «وسيجيء في فصل التدليس أن ابن القطان قال: «إن الإرسال روايته، أي الراوي، عن من لم يسمع منه، فعلى هذا من روى عمن سمع منه، ما لم يسمعه منه، بل بينه وبينه فيه واسطة ليس بإرسال، بل تدليس، وعقب بقوله: وعلى هذا فيكون هذا قولًا رابعا في حد المرسل»» (^٢). وقد أقره على ذلك السيوطي في «التدريب» (^٣).\nولكن عارض البقاعي في عد هذا قولًا رابعًا في حد المرسل، فقال: «قوله: وعلى هذا فيكون قولا رابعًا، ليس كذلك، بل التحقيق أنه مُقَيِّدٌ للقول الثالث، كأنهم لما قالوا: ما سقط من إسناده راو فأكثر، قال: بشرط أن لا يكون تدليسًا، بأن لا يكون للراوي سماع ممّن فوقه، فيحمل ذلك الإطلاق على كلامه»، وأتبع ذلك بقوله: (وإنما القول الرابع الذي لابد منه، قول من يسوي بين المرسل والمنقطع فيقول: المرسل: ما سقط من إسناده راو واحد،\n_________\n(^١) ص ٧٠، ٧٢ مع «التقييد والإيضاح».\n(^٢) (فتح المغيث) للعراقي جـ ١/ ٦٨، ٦٩.\n(^٣) ص ١١٩.","vol":"2","page":889},{"text":"وهذا موجود في استعمال أهل الحديث ..) (^١)، وأقره على ذلك الأنصاري أيضًا في شرحه للألفية واستوجهه (^٢)، ويشير إليه أيضًا كلام السخاوي في شرحه للألفية (^٣).\nلكن هذه معارضة منهم في التقسيم الشكلي، دون قدح في الضابط العلمي الذي قرره العراقي، ولكل وجهته في التقسيم.\nومن القواعد التي قررها العراقي أيضًا في شرحه لما هو مُخْتَلَفٌ لضبط المختلف فيه، مع تطبيقها: أنه ذكر في الألفية مجمل ما ذكره ابن الصلاح في حكم الاتصال والإرسال في الإسناد المعنعن، وهو ما فيه «فلان عن فلان»، والمؤنن، وهو ما فيه «أن فلانًا قال» وعقب قائلا:\nقلت:\nوالصواب أن من أدرك ما … رواه بالشرط الذي تقدما\nيحكم له بالوصل كيفما روى … بقال، أو بعن، أو بأن، فسوا (^٤)\nوفي الشرح فصل آراء العلماء في حكم الإسناد المعنعن والمؤنن، من حيث الاتصال والإرسال، وعقب على ذلك بقوله: «ثم بينت ذلك بقاعدة يعرف بها المتصل من المرسل، وتقرير هذه القاعدة: أن الراوي إذا روى حديثا فيه قصة أو واقعة، فإن كان أدرك ما رواه، بأن حكى قصة وقعت بين النبي ﷺ وبين بعض الصحابة، والراوي لذلك صحابي أدرك تلك الواقعة، فهي\n_________\n(^١) «النكت الوفية» / ١١٥ أ، ب.\n(^٢) «فتح الباقي» ٢٤ ب.\n(^٣) «فتح المغيث» له ج ١/ ١٣٠.\n(^٤) «الألفية» / ١٧٧.","vol":"2","page":890},{"text":"محكوم لها بالاتصال، وإن لم يُعْلَم أنه شاهدها، وإن لم يدرك تلك الواقعة فهو مرسل صحابي، وإن كان الراوي تابعيًا فهو منقطع، وإن روى التابعي عن الصحابي قصة أدرك وقوعها كان متصلًا، وإن لم يدرك وقوعها وأسندها إلى الصحابي كانت متصلة، وإن لم يدركها ولا أسند حكايتها إلى الصحابي فهي منقطعة، كرواية ابن الحنفية الثانية عن عمار (^١)، ولابد من اعتبار السلامة من التدليس في التابعين ومن بعدهم، ثم أيد تلك القاعدة وبين مثالًا تطبيقيًا آخر لها فقال: «وقد حكى أبو عبد الله بن المواق، اتفاق أهل التمييز من أهل الحديث على ذلك في كتابه (بغية النقاد) عند ذكر حديث عبد الرحمن بن طرفة أن جده عرفجة قُطِعَ أنفه يوم الكلاب، والحديث» فقال: الحديث عند أبي داؤد مرسل، وقد نبه ابن السكن على إرساله فقال: فذكر الحديث مرسلا، قال ابن المواق: وهو أمر بين، لا خلاف بين أهل التمييز من أهل هذا الشأن في انقطاع ما يروى كذلك، إذا علم أن الراوي لم يدرك زمان القصة، كما في هذا الحديث» (^٢).\nوقد أقر العراقي على تلك القاعدة التي قررها وطبقها، العلماء من بعده سواء في شرحهم لألفيته أو غيره، كالسخاوي (^٣) والأنصاري (^٤) والبقاعي (^٥) ونقله عنه\n_________\n(^١) يقصد رواية سعد بن قيس عن عطاء بن أبي رباح عن ابن الحنفية أن عمارًا مر بالنبي ﷺ وهو يصلي (ج ١/ ٧٩ من الشرح).\n(^٢) «فتح المغيث» للعراقي ج ١/ ٧٩، ٨٠.\n(^٣) «فتح المغيث» للسخاوي ج ١/ ١٦١، ١٦٢\n(^٤) «فتح الباقي» / ٢٧ ب، ٢٨ أ.\n(^٥) «النكت الوفية» / ١٣٢ أ - ١٣٣ أ.","vol":"2","page":891},{"text":"السيوطي في «التدريب» وأقره (^١).\nومن التعريفات التي ناقش الخلاف فيها وحرر عباراتها لتسلم من الاعتراض، مع الشرح، والتمثيل، وبيان المحترزات: «تعريف الصحابي» فقد قال في الألفية:\n«رائي النبي مسلما ذو صحبة … وقيل إن طالت ولم يثبت (^٢)»\nوقال في الشرح: «وقد اختلف في حد الصحابي من هو؟ على أقوال: إحداها: وهو المشهور بين أهل الحديث: أنه من رأى النبي ﷺ في حال إسلامه، هكذا أطلقه كثير من أهل الحديث، ومرادهم بذلك، مع زوال المانع من الرؤية كالعمى، وإلا فمن صحبه ﷺ، ولم يره لعارض بنظره، كابن أم مكتوم ونحوه، معدود في الصحابة بلا خلاف، قال أحمد بن حنبل: «من صحبه سنة أو شهرا أو يوما أو ساعة أو رآه فهو من أصحابه»، وقال البخاري في صحيحه: «من صحب النبي ﷺ أو رآه من المسلمين فهو من أصحابه».\nثم انتقد تعريف البخاري بكونه غير جامع فقال: «وفي دخول الأعمى الذي جاء إلى النبي ﷺ ولم يصحبه ولم يجالسه، في عبارة البخاري نظر».\nثم بين وجه تعبيره في الألفية، فقال: «ولو قيل في النظم: لاقي النبي» يعني بدل «رائي النبي» كان أولى، ولكن تبعت فيه عبارة ابن الصلاح».\nوأتبع ذلك بقوله:\nوالعبارة السالمة من الاعتراض أن يقال: «الصحابي من لقي النبي ﷺ:\n_________\n(^١) «التدريب» / ١٣٥.\n(^٢) «الألفية» / ٢١٥.","vol":"2","page":892},{"text":"مسلمًا، ثم مات على الإسلام، ليخرج من ارتد ومات كافرًا، كابن خطل وربيعة بن أمية، ومقيس بن صبابة، ونحوهم ..» ثم قال: «والمراد برؤية النبي ﷺ، رؤيته في حال حياته، وإلا فلو رآه بعد موته قبل الدفن أو بعده فليس بصحابي على المشهور».\nثم قال: «واحترزت بقولي: (مسلمًا) عما لو رآه وهو كافر ثم أسلم بعد وفاته ﷺ، فإنه ليس بصحابي على المشهور، كرسول قيصر، وقد أخرجه أحمد في المسند» (^١).\nوهكذا صاغ بخبرته وفهمه، تعريف الصحابي، صياغة فنية جامعة، وسالمة من الاعتراض، لتعبيره باللقاء بدلًا من الرؤية التي عبر بها المتقدمون، وتابعهم عليها المتأخرون حتى عصره، كما أضاف من القيود المانعة، ما لم يذكروه (^٢) فأصبح تعريفه محررًا، وأجمع، وأمنع من غيره، وأقر العلماء بعده بحسنه وأولويته، وتداولوه عنه في شرحهم لألفيته، وفي غيرها، حتى الآن (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-299>نقد بعض التعريفات والضوابط التي ذكرها العراقي:</span>\nوقد تبين لي أن العراقي لم يوفق في بعض التعريفات والضوابط التي أوردها في هذا الشرح.\n_________\n(^١) (فتح المغيث) للعراقي ج ٤/¬٢٩، ٣٠.\n(^٢) انظر: (التقريب للنووي مع التدريب) / ٣٩٦، و(اختصار علوم الحديث) لابن كثير/ ١٧٩ و(المقنع) لابن الملقن/ ١١٣، ١١٤، و(محاسن الاصطلاح) للبلقيني/ ٩٨ ب.\n(^٣) انظر: (فتح المغيث) للسخاوي ج ١/ ٨٧، و(قطر الدرر) للسيوطي/ ٣٥ أ، و(فتح الباقي) للأنصاري/ ١٦٩ أ، و(ألفية السيوطي مع شرح الترمسي) / ٢٨٨ و(تدريب الراوي) / ٣٩٦ والإصابة في معرفة الصحابة لابن حجر الفصل الأول في تعريف الصحابي ١/¬٦ بتحقيق البجاوي.","vol":"2","page":893},{"text":"فمن ذلك: أنه عرف المستخرج - بفتح الراء - بقوله: أن يأتي المصنف إلى كتاب البخاري أو مسلم، فيخرج أحاديثه بأسانيد لنفسه من غير طريق البخاري أو مسلم، فيجتمع إسناد المصنف مع إسناد البخاري أو مسلم في شيخه، أو من فوقه، كالمستخرج على صحيح البخاري لأبي بكر الإسماعيلي …، وكالمستخرج على صحيح مسلم لأبي عوانة (^١).\nوبهذا قصر التعريف وأمثلته التطبيقية كما ترى على المستخرجات على الصحيحين، مع أن هناك مستخرجات على غير الصحيحين، كالمستخرج على سنن أبي داؤد لمحمد بن عبد الملك بن أيمن، وعلى الترمذي لأبي علي الطوسي، ومستخرج أبي نعيم على كتاب (التوحيد) لابن خزيمة (^٢)، بل ألف العراقي نفسه متسخرجًا على (مستدرك الحاكم)، كما سيأتي، وهذا كله لا يشمله التعريف الذي ذكره، مع أن شرط التعريف أن يكون جامعًا لأفراد المعرف أو أغلبهم، ولهذا فإن العلماء بعد العراقي، بعضهم أدخل على تعريفه تعديلًا فقال: «والاستخراج: أن يعمد حافظ إلى صحيح البخاري مثلا، فيورد أحاديثه حديثا حديثا بأسانيد لنفسه .. الخ» (^٣)، فزيادة لفظ (مثلا) جعلت البخاري، مثالًا فقط، وصار التعريف شاملا للمستخرج على غيره، وقدم البقاعي عبارة أخرى للتعريف، فقال: (وحق العبارة أن يقال: أن يأتي المصنف إلى كتاب من كتب الحديث فيخرج أحاديثه بأسانيد لنفسه من غير\n_________\n(^١) فتح المغيث، للعراقي ج ١/¬٢١.\n(^٢) «النكت الوفية» / ٣٢ ب.\n(^٣) انظر: «فتح المغيث» للسخاوي ج ١/¬٣٩ وفتح الباقي، للأنصاري/ ١٢ ب.","vol":"2","page":894},{"text":"طريق صاحب الكتاب، فيجتمع معه في شيخه الخ (^١)، وتبعه على هذا السيوطي في شرحه لألفية العراقي (^٢)، أما في شرحه لألفيته، فذكر تعريف العراقي السابق، ونسبه للزركشي معه» (^٣)، وفي التدريب نسب عبارة التعريف العام التي قررها البقاعي، إلى العراقي (^٤)، فلعله سهو منه.\nثم إن البقاعي حاول الإجابة عن العراقي في تقييد تعريف المستخرج بالصحيحين بأنه أورد مبحث المستخرجات، ضمن كلامه عن نوع الحديث الصحيح، فقال: «وعذر المصنف في ذلك، أن كلامه سابقا ولاحقا في الصحيح (^٥)».\nوهذا في تقديري لا ينهض عذرًا؛ لأنه وإن كان كلامه سابقا ولاحقا في الصحيح، إلا أنه عنون المبحث بعنوان عام هو «المستخرجات» ولم يقيدها بالصحيحين، ومقتضى هذا أن يكون تعريفه لها عاما غير مقيد بالصحيحين كما فعل.\nكذلك ذكر العراقي في القسم السابع من أقسام المتفق والمفترق من الرواة أن يتفق أكثر من راو في الاسم فقط، أو الكنية، ويقع أيهما مطلقا من غير ذكر أبيه أو نسبة تميزه، أو نحو ذلك.\nثم ذكر ضابطًا لتمييزه فقال: «ويتميز ذلك عند أهل الحديث بحسب من\n_________\n(^١) انظر «النكت الوفية» / ٣٢ ب، ٣٣ أ.\n(^٢) انظر «قطر الدرر» / ٣ ب.\n(^٣) انظر «البحر الذي زخر» للسيوطي/ ٤٤ أ.\n(^٤) «التدريب» ٢/ ٥٦.\n(^٥) «النكت الوفية» / ٣٢ ب.","vol":"2","page":895},{"text":"أطلق الرواية عنه (^١). أما ابن الصلاح فقد زاد على ذلك: أنه قد يتميز ذلك الراوي أيضا بالنظر في حال المروي عنه، أو في رواياته؛ لأنه كثيرا ما يأتي مميزا في بعضها (^٢)، وبذلك يكون هذا الضابط أوفى وأشمل من الضابط الذي ذكره العراقي.\n\nبيان العراقي للأدلة، والأمثلة التطبيقية، وآراؤه في ذلك، وأثره: أولا: الأدلة:\nقدمت في منهج العراقي في ألفيته، أنه حذف في النظم كثيرا من الأدلة والأمثلة التي ذكرها ابن الصلاح في مقدمته، وأقرر هنا: أنه عوض ذلك في شرحه للألفية، فاهتم بذكر وتحقيق الأدلة والأمثلة التطبيقية لقواعد وأنواع ومسائل علوم السنة، وخاصة ما اختلف العلماء فيه، أو أهمل ابن الصلاح أو غيره التدليل أو التمثيل له كلية، أو لم يستوعبوه، أو كان ما ذكروه منتقدا، كما أنه استمد بعض الأدلة والأمثلة من واقع الحياة العلمية في عصره، فصار شرحه هذا سجلا علميا لها، والخبرته بها، وإليك نماذج ذلك:\nذكر ابن الصلاح من أمثلة المؤتلف والمختلف من الرواة «سلام» والد محمد بن سلام بن الفرج البيكندي البخاري، شيخ البخاري، وذكر خلاف العلماء في ضبطه، بتخفيف اللام وتشديدها، ثم قرر أن التخفيف أثبت، واستدل بأن غنجار ذكره بالتخفيف في (تاريخ بخارى) وأنه أعلم بأهل بلاده (^٣).\n_________\n(^١) «فتح المغيث» للعراقي ج ٤/ ١٢٠.\n(^٢) «المقدمة» / ٤١٦.\n(^٣) «المقدمة»، ٣٨٢.","vol":"2","page":896},{"text":"وأما صاحبي كتابي «المطالع، والمشارق» فرجحا التشديد، واستدلا بأنه الأكثر (^١)، فأصبح معنا دليلان، كل منهما يرجح خلاف ما يرجحه الآخر، وبهذا بقي الخلاف قائما، فعرضه العراقي في الشرح، ثم عقب عليه بأن من جعل سلام والد شيخ البخاري بتشديد اللام، كأنه اشتبه عليه بشخص آخر، يُسمى محمد بن سلام البيكندي أيضًا، مثل شيخ البخاري، وهو بالتشديد فعلًا، لكنه يعرف بالبيكندي الصغير، … وعرف به، ثم قال: فأما البيكندي شيخ البخاري فقد روينا بالإسناد إليه، أي إلى البخاري، أنه قال: «أخبرنا محمد بن سلام، بالتخفيف، وعقب قائلًا: «وهذا قاطع للنزاع فيه»» (^٢).\nوهكذا وفق العراقي لتقديم الدليل القاطع للنزاع بين المتقدمين والمتأخرين، حيث روى بسنده عن البخاري التصريح بضبط اسم والد شيخه بالتخفيف وقد تبع العراقي على هذا السخاوي في شرحه للألفية (^٣).\nومن الأدلة التي ذكرها للأنواع، دليل نوع رواية أكابر الرواة عن الأصاغر، فقد ذكره ابن الصلاح (^٤) والنووي (^٥) دون ذكر دليل عليه، أما العراقي فبدأ شرحه لهذا النوع بدليله حيث قال: «الأصل في هذا الباب رواية النبي ﷺ\n_________\n(^١) (فتح المغيث) للعراقي ج ٤/ ٨٦.\n(^٢) (فتح المغيث) للعراقي ج ٤/ ٨٦، ٨٧.\n(^٣) (فتح المغيث) للسخاوي ج ٣/ ٢١٥، ٢١٦.\n(^٤) (المقدمة) / ٣٢٨.\n(^٥) (التقريب) / ٤٢٣.","vol":"2","page":897},{"text":"عن تميم الداري، حديث الجساسة، وسو عند مسلم (^١)، وقد قرر ابن كثير والبُلقِيني، أن هذا أجل ما يذكر في رواية الأكابر عن الأصاغر (^٢)، ثم تابع العراقي على جعله هذا الدليل أصل الباب، العلماء من بعده في شرحهم لألفيته، وغيرها حتى الآن (^٣).\nومن أدلة العراقي على بعض المسائل من واقع عصره: أنه دلل على أهمية معرفة المحدث بأسماء الرواة بقوله: «ولقد بلغني عن بعض من درس الحديث ممن رأيته، أنه أراد الكشف عن ترجمة أبي الزناد، فلم يهتد إلى معرفة ترجمته من كتب الأسماء، مع كون اسمه معروفًا عند المبتدئين من طلبة الحديث، وهو عبد الله بن ذكوان، وأبو الزناد لقب له، وكنيته أبو عبد الرحمن» (^٤).\nونلاحظ أنه لما كان في هذا الدليل تعريض بصاحب الواقعة أبهمه العراقي سترًا لحاله، بينما صرح السخاوي بأنه جمال الدين بن هشام، إمام العربية المشهور (^٥)، أما السيوطي فنقل هذا الدليل عن العراقي ملتزمًا الإبهام مثله (^٦).\nنقد بعض استدلالات العراقي:\nومع هذا، فليس كل ما استدل به العراقي في شرحه مُسَلَّم له، بل ربما\n_________\n(^١) (الشرح) للعراقي ج ٤/ ٦٠.\n(^٢) انظر (اختصار علوم الحديث)، لابن كثير/ ١٩٥ و(محاسن الاصطلاح) للبُلقِيني/ ١١٠ أ.\n(^٣) (فتح المغيث) للسخاوي ج ٣/ ١٧٥ و(قطر الدرر) / ٣٧ و(التدريب) / ٤٢٣ كلاهما للسيوطي و(فتح الباقي) للأنصاي ١٨٠ و«شرح الترمسي لألفية السيوطي» / ٣١٣.\n(^٤) (الشرح) للعراقي ج ٤/ ٧٩.\n(^٥) (فتح المغيث) للسخاوي ج ٣/ ١٩٩.\n(^٦) (التدريب) / ٤٥٠.","vol":"2","page":898},{"text":"استدل بما يرد عليه من نفس كلامه، مثال ذلك، أنه ذكر أن المواضع التي رواها مسلم في صحيحه بإسناده المتصل ثم قال عقبها: وراه فلان، ليست من باب التعليق، إنما أراد ذكر من تابع راويه الذي أسنده من طريقه عليه، أو أراد بيان اختلاف في السند، كما يفعل أهل الحديث، وأتبع ذلك بقوله: «ويدل على أنه ليس مقصوده بهذا إدخاله في كتابه، أنه يقع في بعض أسانيد ذلك، من ليس هو في شرط مسلم، كعبد الرحمن بن خالد بن مسافر» (^١).\nوقد تعقب البقاعي العراقي في هذا، فقال: «قوله: وهذا ليس من باب التعليق، قال شيخنا - يعني ابن حجر - بلى، قد ذكره أصحاب الأطراف في المعلق، ثم أضاف قائلًا: قلت: واستدلاله على ذلك بأنه قد يقع في السند ما ليس من شرطه، يكفي في رد إطلاقه ما قاله بعده، من أن المعلق تارة يكون صحيحًا، وتارة يكون غير صحيح، فالذي جزم به مسلم، لا مانع من إدخاله في مقصود الكتاب، والله أعلم» (^٢).\nثم نقل الطوخي في حاشيته عن البقاعي هذا الانتقاد وأقره (^٣)، وهو انتقاد في محله، وإن كان لا يغض من إصابة العراقي في غالب استدلالاته، وأخذ من بعده بها، كما تقدمت أمثلته.\nثانيا: الأمثلة:\nوأما بيانه للأمثلة التطبيقية فقد قرر رأيه بشأنها عمومًا، وهو: أن الأنواع\n_________\n(^١) (الشرح) ج ٢٩/¬١.\n(^٢) «النكت الوفية»، للبقاعي/ ٤٨ أ.\n(^٣) (حاشية الطوخي) / ٩٧ أ.","vol":"2","page":899},{"text":"التي تكثر أفرادها وتشتهر، لا ينبغي التوسع في ذكر أمثلتها في كتب القواعد والمصطلحات، وذلك أنه في باب «الأسماء والكنى»، ذكر القسم التاسع، من اشتهر باسمه، دون كنيته، وذكر بعض الأمثلة التي مثل بها ابن الصلاح.\nثم قال: «وفي هذا النوع كثرة لا يحتاج مثله إلى مثال» (^١).\nفقوله هذا عقب اقتصاره على بعض الأمثلة، يدل على أنه يرى عدم التوسع في التمثيل لمثل هذا.\nومما ترك ابن الصلاح وغيره التمثيل له، ومثل له العراقي في شرحه، القسم الثاني من «أفراد الحديث»، وهو الأحاديث المفردة بالنسبة إلى جهة خاصة، كتقييد الفردية بثقة، أو بلد معين، كمكة، والبصرة، والكوفة، أو يكون الحديث لم يروه من أهل البصرة أو الكوفة مثلا إلا فلان، أو لم يروه عن فلان إلا فلان، ونحو ذلك، فقد قال ابن الصلاح بعد ذكر هذه الأنواع: «ولسنا نطول بأمثلة ذلك، فإنه مفهوم دونها» (^٢) وتبعه على هذا آخرون، كالنووي (^٣) وابن كثير (^٤) والبلقيني (^٥) وابن الملقن (^٦).\nلكن أبا عبد الله الحاكم، المتقدم على ابن الصلاح، ذكر الأنواع السابقة ومثل لكل منها بمثال (^٧)، فتبع العراقي مسلكه، وذكر أمثلة بعض الأنواع.\n_________\n(^١) «الشرح» للعراقي ج ٤/ ٨٣.\n(^٢) «المقدمة» / ١١٥.\n(^٣) انظر «التقريب مع التدريب» / ١٥٩.\n(^٤) «اختصار علوم الحديث»، له/ ٦١.\n(^٥) «محاسن الاصطلاح»، له/ ٣١ ب، ٣٢ أ.\n(^٦) «المقنع»، له/ ٤٢.\n(^٧) انظر «معرفة علوم الحديث» للحاكم/ ٩٦ وما بعدها.","vol":"2","page":900},{"text":"السالفة من عنده، وبعضها من مصادر أخرى مع التوضيح (^١).\nونكتفي هنا بأحد الأمثلة التي ذكرها، حيث قال: «ومثال تقييد الانفراد بالثقة، حديث: أن النبي ﷺ كان يقرأ في الفطر والأضحى بـ (ق)، و«اقتربت الساعة» رواه مسلم وأصحاب السنن من رواية ضمرة بن سعد المازني عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبي واقد الليثي عن النبي ﷺ».\nثم بين العراقي وجه التفرد فقال: «وهذا الحديث لم يروه أحد من الثقات إلا ضمرة، ودلّل لذلك فقال: قال شيخنا علاء الدين التركماني في الدر النقي: مداره على ضمرة، وفسر مراد شيخه بقوله: يريد حديث أبي واقد»، ثم أردف قائلًا: «وإنما قيدت هذا الحديث بقولي: أحد من الثقات؛ لأن الدارقطني رواه من رواية ابن لهيعة عن خالد بن يزيد عن الزهري عن عروة عن عائشة عن النبي ﷺ. وابن لهيعة ضعفه الجمهور» (^٢). وقد حذا غير واحد من العلماء بعد العراقي حذوه، سواء في شرحهم للألفية أو في غيرها، واعتمدوا على ما ذكره من أمثلة وتوضيح (^٣).\nوهذا يدل على سلامة رأيه ومنهجه في هذا، وتأثيره فيمن بعده. ومن الأمثلة ما زاد فيه على من تقدمه لكونه أفيد، فقد ذكر الحاكم في نوع الحديث المسلسل، ثمانية أمثلة للأحاديث التي يدل تسلسلها على اتصال\n_________\n(^١) انظر (فتح المغيث) للعراقي ج ١/ ١٠٢ - ١٠٤.\n(^٢) وفتح المغيث، للعراقي جـ ١/ ١٠٣\n(^٣) انظر: «فتح المغيث» للسخاوي ج ١/ ٢٠٥ - ٢٠٧، و(قطر الدرر) / ١٠ ب و«التدريب» / ١٥٩ - ١٦١ كلاهما للسيوطي و(فتح الباقي) للانصاري/ ٣٤ ب، ٣٥ أ.","vol":"2","page":901},{"text":"السند (^١)، فذكرها العراقي جميعًا ثم عقب عليها بأن هناك أمثلة أخرى تدل على الاتصال، ولم يذكرها الحاكم، وعد منها خمسة فقال: «كالمسلسل بقولهم: أطعمنا وسقانا، والمسلسل بقولهم: أضافنا بالأسودين التمر والماء والمسلسل بقولهم: أخذ فلان بيدي، والمسلسل بالمصافحة، والمسلسل بقص الأظافر يوم الخميس، ونحو ذلك» (^٢) وبهذا بلغ مجموع الأمثلة التي ذكرها ١٢ مثالًا.\nثم أتبعها بقول ابن الصلاح: «إن خير المسلسلات، ما كان فيه دلالة على اتصال السماع، وعدم التدليس، للإشارة بأنه أكثر من ذكر تلك الأمثلة الدالة على الاتصال وعدم التدليس، لهذا السبب، حتى لا يظن إكثاره الأمثلة بدون داع». ويؤيده قول السخاوي: «إن ما يدل على الاتصال هو غاية المقصد من نوع المسلسل هذا» (^٣).\nومن الأنواع ما توسع العراقي في تتبع أمثلته من عصر الصحابة حتى عصره مع استبعاده لما رآه منتقدا من تمثيل غيره، مثل: «رواية الآباء عن الأبناء»، فقد استبعد منه الأمثلة التي رآها منتقدة مما ذكره ابن الصلاح، ثم أضاف ٢٢ مثالًا آخرين، أولهم أنس بن مالك ﵁، وذكر أنه روى عن ابن له غير مسمى حديثا واحدًا، واستمر في ذكر الشخص وابنه الذي روى عنه، وعدد الأحاديث التي رواها، حتى قال: وروى قاضي القضاة بدر الدين ابن\n_________\n(^١) انظر: «معرفة علوم الحديث» للحاكم/ ٢٩ - ٣٤.\n(^٢) (فتح المغيث) للعراقي ج ٤/¬١٤ و«المناهل السلسلة في الأحاديث المسلسلة، لمحمد عبد الباقي اللكنوي» / ١٠، ١١، ٢١ - ٢٤، ٤٦، ٤٧، ٥٣، ٥٤، ٢٠٩، ٢١١،\n(^٣): فتح المغيث، للسخاوي ج ٣/ ٥٥.","vol":"2","page":902},{"text":"جماعة عن ابنه قاضي القضاة عز الدين بن جماعة حكاية عجيبة (^١).\nوقد مشى السخاوي على منهج العراقي، وفصل الحكاية المشار إليها، فقال: أخبرني بها أبو الفتح المراغي حدثنا المصنف - يعني العراقي - لفظا إملاء، أنشدنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة .. الخ (^٢).\nوبهذا وصل العراقي ماضي تطبيق أنواع الرواية بحاضرها في عصره، ومستقبلها لمن بعده، ولعله توسع على النحو المشار إليه في بيان أمثلة هذا النوع، نظرًا لأن العلماء من قبله قد اهتموا به، حتى أفرده الخطيب البغدادي بمؤلف خاص، ذكر السخاوي أنه لطيف الحجم، لكن فيه أمثلة كثيرة (^٣). ويزيد أهمية تلك الأمثلة العديدة التي ذكرها العراقي في شرحه، أن كتاب الخطيب المشار إليه يعد حاليًا في حكم المفقود، وبذلك نجد فيما ذكره العراقي العزاء والعوض، خاصة وأن في ضبط هذا النوع كما ذكر السخاوي: الأمن من التحريف الناشئ عن كون الإبن أبا (^٤)، ولهذا تناقل العلماء عن العراقي جميع تلك الأمثلة على كثرتها، سواء في شرحهم لألفيته، أو في غيره، تعميمًا للاستفادة بها (^٥).\nمن أمثلة العراقي المنتقدة:\nومن الأمثلة ما ذكره العراقي، ولكن لم يوفق فيه، وذلك نادر لا يغض من\n_________\n(^١) «فتح المغيث»، للعراقي ج ٤/ ٦٥، ٦٦.\n(^٢) «فتح المغيث» للسخاوي ج ٣/ ١٧٣.\n(^٣) «فتح المغيث» له ج ٣/ ١٧٠.\n(^٤) «فتح المغيث» للسخاوي ج ٣/ ١٨٠.\n(^٥) انظر: «فتح المغيث» للسخاوي ج ٣/ ١٧١ - ١٧٣، ووتدريب الراوي، للسيوطي/ ٤٣٢.","vol":"2","page":903},{"text":"قيمة ما تقدم، كتمثيله للحديث الغريب من الصحيح، بحديث مالك عن سمي عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعًا «السفر قطعة من العذاب» (^١) ومثل به مرة ثانية أيضًا قبل هذه (^٢).\nوقد اعترض السخاوي على هذا، بأن الغرابة فيه منتقضة برواية أبي مصعب عن عبد العزيز الدَّرَاوَرْدِي، عن سهيل عن أبيه أبي صالح، وهي صحيحة، واستدرك قائلا: «بل وبطريق عصام بن رواد عن أبيه عن مالك عن ربيعة عن القاسم عن عائشة، ولكنها رواية ضعيفة (^٣)، ويعتبر ما ذكره السخاوي دليلا كافيا في رد تمثيل العراقي بالحديث».\n\n<span data-type='title' id=toc-301>٧ - بيان العراقي لآراء العلماء، وموقفه منها، تعبيرًا عن رأيه الخاص، وأثر ذلك فيمن بعده:</span>\nاعتنى العراقي في شرحه، ببيان آراء العلماء في قضايا ومسائل المصطلح، ومتعلقاتها، بأجمع وأوضح مما أورده في الألفية، مع تحديد موقفه في الغالب، معبرًا بذلك عن رأيه الخاص، سواء بالإقرار، أو الرد، أو الترجيح، أو التصحيح، أو التضعيف، أو الجمع، أو التوقف، وقد تبين لي من البحث التفصيلي الكامل للشرح: أن الآراء التي تناولها العراقي فيه، إما آراء صرح بها أصحابها، وإما آراء استنبطها غيره، أو استنبطها هو من كلام أصحابها، ومناهجهم وتصرفاتهم العلمية، معتمدًا في ذلك على قواعد للاستنباط قررها خلال الشرح أيضًا، كما شمل تناوله وتمحيصه، آراء المتقدمين، والمتأخرين.\n_________\n(^١) «فتح المغيث»، للعراقي ج ٤/¬٤.\n(^٢) «الشرح» ج ١/ ٥٢، ٥٣\n(^٣) و«فتح المغيث» للسخاوي ج ٣/¬٢٨.","vol":"2","page":904},{"text":"حتى عصره، وسجل من آرائه ما ظهر له حتى وقت تأليف الشرح، واستمد من كل ذلك، من جاء بعده من العلماء.\nوإليك بعض النماذج التوضيحية لهذا كله: فمن طرق الاستنباط التي قررها وطبقها في بيان الآراء، أن من حكى رأيًا أو رأى عملًا لغيره وسكت عليه، فإنه يعتبر قائلًا بالرأي المحكي، وينسب إليه، كما يعتبر قائلًا بالرأي المجيز للعمل الذي أقره.\nمثال الأول: أن ابن الصلاح قال عن الاحتجاج بالحديث المرسل: وقال مسلم في صدر كتابه الصحيح: «المرسل في أصل قولنا، وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجة»، فذكر العراقي هذا، وعقب بقوله: هكذا أطلق ابن الصلاح نقله عن مسلم، ومسلم إنما ذكره في أثناء كلام خصمه الذي رد عليه اشتراط ثبوت اللقاء، فقال: «فإن قال: قلته لأني وجدت رواة الأخبار قديما وحديثا كلهم يروي أحدهم عن الآخر الحديث ولما يُعَايِنُهُ، وما سمع منه شيئًا قط، فلما رأيتهم استجازوا رواية الحديث بينهم هكذا، على الإرسال، من غير سماع والمرسل في أصل قولنا وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجة، احتجت لما وصفت من العلة، إلى البحث عن سماع راوي كل خبر عن راويه … إلى آخر كلامه ..»\nثم اتجه العراقي إلى قارئ كلامه؛ ليشركه معه في هذا البحث والاستنتاج، فقال: «فهذا كما تراه حكاه، أي الإمام مسلم، على لسان خصمه، ولكنه لما لم يَرُدُّ هذا القدر منه حين رد كلامه، كان","vol":"2","page":905},{"text":"كأنه قائل به، فلهذا نسبه ابن الصلاح إليه» (^١).\nوقد أقر العلماء من بعد العراقي تلك الطريقة في الاستنباط، وبيانه لنسبة الرأي إلى الإمام مسلم على ضوئها، وتناقلوا ذلك عنه في شروحهم للألفية، وحواشيهم على شرحه (^٢)، ومما يدل على إقرار تلك القاعدة عموما، أن العلماء من قبل العراقي ومن بعده، جروا على نسبة القول السابق برد الحديث المرسل، إلى الإمام مسلم مباشرة (^٣)، كما أنه على أساسها جرى غير واحد من العلماء، في نسبة آراء المتقدمين، إلى من يحكيها عنهم ويقرها من المتأخرين، وبالتالي فإن كل ما حكاه العراقي في شرحه هذا عن غيره وأقره، يعد من آرائه، وسيأتي تصريحه بذلك.\nوأما المثال الثاني:\nفقد ذكر في جواز الإجازة برواية الحديث للكافر، كما تقدم في بحث الألفية: أن شخصا من الأطباء، ممن رآه هو بدمشق، سمع الحديث في حال يهوديته، على ابن عبد المؤمن الصوري، وكتب اسمه في السماع مع السامعين، وأجاز ابن عبد المؤمن لمن سمع، وهو من جملتهم، وكان السماع والإجازة بحضور الحافظ المزي، وبعض السماع بقراءته، ولأكثر من جزء،\n_________\n(^١) «الشرح» ج ١/ ٦٩، ٧٠ مع مقدمة صحيح مسلم ١/¬٣٠ باب صحة الاحتجاج بالحديث المعنعن.\n(^٢) انظر «فتح المغيث» للسخاوي ج ١/ ١٣٢، ١٣٦ و«فتح الباقي» للأنصاري/ ٢٣ ب، ٢٥ أ و«النكت الوفية» للبقاعي/ ١١٦ ب، ١١٧ أ.\n(^٣) انظر «اختصار علوم الحديث» لابن كثير/ ٤٨ و«المقنع» لابن الملقن/ ٢٩ و«التدريب» / ١١٩ و«قطر الدرر» / ٨ أ كلاهما للسيوطي.","vol":"2","page":906},{"text":"وعقب العراقي على ذلك بقوله: «فلولا أن المزي يرى جواز ذلك، ما أقر عليه (^١)، وبهذا استنبط من إقرار المزي لإجازة ابن عبد المؤمن لهذا اليهودي، أنه يرى جواز الإجازة برواية الحديث للكافر حال كفره، على أن يؤدي بعد إسلامه».\nوقد أخذ العلماء من بعد العراقي بهذا الرأي، وأقروا استنباطه له، سواء من حيث التقعيد، أو من حيث الاستنتاج، وتناقلوا ذلك عنه (^٢).\nومن طرق الاستنباط التي قررها واستنتج الآراء على أساسها: فعل الشخص فقد ذكر ابن الصلاح في النوع السابع من أنواع الإجازة، وهو إجازة المجاز، أن الصحيح الذي عليه العمل، جواز ذلك، وذكر من أدلته: أن الفقيه نصر بن إبراهيم المقدسي، كان يروي بالإجازة عن الإجازة، حتى ربما والى في روايته بين إجازات ثلاث (^٣)، فذكر العراقي ذلك في الألفية (^٤)، ثم قال في الشرح: إن فعل نصر لذلك، دال على جوازه عنده، ثم أتبع ذلك بذكر فعل بعض العلماء، كما وقف عليه هو بنفسه، تدليلًا على رأيهم، فقال: «قلت: وقد رأيت في كلام غير واحد من الأئمة وأهل الحديث، الزيادة على ثلاث أجائز فرووا بأربع أجائز متوالية، وخمس، وقد روى الحافظ أبو محمد عبد الكريم الحلبي في «تاريخ مصر»، عن عبد الغني بن سعيد الأزدي، بخمس أجائز.\n_________\n(^١) (فتح المغيث) للعراقي ج ٢/ ٧٤.\n(^٢) انظر (فتح المغيث) للسخاوي ج ٢/ ٨٤، ٨٥ و(قطر الدرر) / ٢١ أ و(التدريب) / ٢٦٣ كلاهما للسيوطي و(فتح الباقي) للأنصاري ٨٠ أ، ب و(منهج ذوي النظر) للترمسي/ ١٧٣.\n(^٣) (المقدمة) / ١٨٩.\n(^٤) ص ١٩٧.","vol":"2","page":907},{"text":"متوالية، في عدة مواضع (^١).\nوقد تناقل العلماء ذلك عن العراقي، وأخذوا به في استنباطهم للآراء (^٢).\nكذلك قرر العراقي: أنه إذا كان في المسألة أكثر من رأي، وساق ذلك شخص دون أن يصرح بدرجة كل رأي في نظره، فإنه يمكن استنباط ذلك من السياق، فما بدأ به منها، يعتبر مرجحًا عنده على باقيها، وما ثنى به يعتبر أقوى عنده من الثالث، … وهكذا.\nمثال ذلك أن ابن الصلاح ذكر ثلاثة آراء في آخر من مات بالمدينة المنورة من الصحابة، وبدأ بذكر الرأي القائل: إنه جابر بن عبد الله، ﵁ (^٣)، فذكر العراقي الآراء الثلاثة بعكس ترتيب ابن الصلاح لها، بحيث كان هذا الرأي المذكور، ترتيبه الأخير، وساقه قائلًا: «القول الثالث: أن آخرهم موتا بها، أي بالمدينة، جابر بن عبد الله، رواه أحمد بن حنبل عن قتادة، وبه صدر ابن الصلاح كلامه، فاقتضى ترجيحه عنده» ثم كر العراقي بالرد على ما استنتج ترجيح ابن الصلاح له، فقال: «وهو رأي ضعيف؛ لأن السائب مات بالمدينة بلا خلاف، وقد تأخر بعده، أي بعد جابر ﵁» (^٤) وبهذا قرر ضعف الرأي القائل بأن جابرًا آخر من مات بالمدينة من الصحابة، رغم أنه مروي عن قتادة وعن غيره من المتقدمين، ورَغْمَ استنتاجه ترجحه عند\n_________\n(^١) (الشرح) للعراقي ج ٢/ ٧٧.\n(^٢) انظر: (فتح المغيث) للسخاوي ج ٢/ ٩١ و(قطر الدرر) للسيوطي/ ٢١ أ و(فتح الباقي) للأنصاري ٨١ ب.\n(^٣) (المقدمة) / ٣١٤.\n(^٤) (الشرح) ج ٤/¬٤٨.","vol":"2","page":908},{"text":"ابن الصلاح من المتأخرين، وقد أيد تضعيفه كما نرى بالدليل، وعندما نقارن، نجد أن البلقيني وابن الملقن (^١)، قد أقرا ترجيح ابن الصلاح لهذا الرأي الضعيف، أما السيوطي فنقل تضعيف العراقي له، ودليله، وأقره (^٢)، وقد طبق العراقي القاعدة المذكورة على نفسه أيضًا، فقرر كما سيأتي: أن ما يُصَدِّرْ به كلامه دون تعقيب عليه، يعتبر راجحًا عنده، وإن لم يصرح بذلك.\nومثال ما جعل العراقي فيه تقديم الرأي، مفيدًا للتقوية فقط: أنه بين آراء العلماء في سن سيدنا علي ﵁، عند وفاته، وذكر في نهايتها الرأي بأنه كان سنه حينذاك ٥٧ سنة، وقال: وبه صدر ابن قانع كلامه، وقدمه ابن الجوزي والمزي عند حكاية الخلاف (^٣)، فنلاحظ أنه فرق بين من صدر كلامه بهذا الرأي، فاقتضى ترجيحه عنده، كما تقدم، وبين من قدمه فقط على غيره، ولكن لم يصدر به كلامه، فأشار بالتقديم إلى تقويته فقط عن غيره.\nوقرر العراقي أيضا: أنه إذا كان في المسألة أكثر من رأي، فاقتصر الشخص على ذكر رأي واحد منها فقط، فإنه يعتبر جازما بصحته، وإن خالفه غيره، مثال ذلك: أن ابن الصلاح ذكر أن الصحابي الجليل عامر بن الطفيل توفي سنة مائة من الهجرة.\nولم يذكر آراء أخرى (^٤). فذكر العراقي ذلك في (الشرح)، وعقب عليه بقوله: «كذا جزم به ابن الصلاح» ثم ذكر هو عدة آراء أخرى مخالفة،\n_________\n(^١) ومحاسن الاصطلاح» / ١٠٣ أ، وهـ «المقنع» / ١١٩.\n(^٢) والتدريب:/ ٤١٣.\n(^٣) (الشرح) للعراقي ج ٤/ ١٣٦.\n(^٤) ٥ «المقدمة» / ٣١٢","vol":"2","page":909},{"text":"ومنها ما جزم به غير ابن الصلاح، حيث قال: «وجزم ابن حبان وابن قانع وأبو زكريا بن مندة: أنه أي ابن الطفيل، توفي سنة ١٠٧ هـ» (^١).\nومثال الآراء التي استنبطها من كلام العلماء، وإن لم يصرحوا بها، قوله عن تعليق الإجازة برواية الشيء المعين، على إرادة المجاز: إن ابن الصلاح وإن لم يصرح بتعليق الإجازة في المعين، فتعليله وبعض أمثلته يقتضي الصحة فيه بعمومه (^٢).\nوقد نقل عنه ذلك السخاوي في شرحه للألفية، وأقره (^٣).\nومما يظهر تميز العراقي في الاستنباط: أنه قد يختلف مع غيره فيما يستنبط من كلام الشخص الواحد، إثباتا أو نفيا، فمن ذلك: أن ابن معين قال: «إذا قلت: فلان ليس به بأس، فهو ثقة» فذكر ابن الصلاح: أن كلام ابن معين هذا يقتضي تسويته بين اللفظين، فرد عليه العراقي قائلا: «قلت: ولم يقل ابن معين: إن قولي: ليس به بأس، كقولي: ثقة، حتى يلزم منه التساوي بين اللفظين، إنما قال: إن من قال فيه هذا، فهو ثقة، وللثقة مراتب، فالتعبير عنه بقولهم: ثقة، أرفع من التعبير عنه بأنه لا بأس به، وإن اشتركا في مطلق الثقة، والله أعلم» (^٤).\nلكن الحافظ ابن حجر عارض استنباط شيخه العراقي في هذا، وأقر استنباط ابن الصلاح، فذكر أن قول ابن معين يلزم منه التساوي، فإنه حكم أن هذا\n_________\n(^١) (الشرح) ج ٤/¬٤٦.\n(^٢) (الشرح) ج ٤/ ٧١.\n(^٣) (فتح المغيث) له ج ٢/ ٨١.\n(^٤) (الشرح) للعراقي ج ٢/¬٣٩.","vol":"2","page":910},{"text":"ذاك، فإما أن يكون الموضوع (^١)، الذي هو: ليس به بأس، مساويا لـ «ثقة»، أو أخص منه، وعلى كل حال يكون حكمه، حُكمَه (^٢).\nولكني أرى أن رد ابن حجر غير موفق، حيث قرر أن عبارة ابن معين غير قاطعة في إفادة التساوي، بل تحتمل الدلالة على التساوي، والدلالة على أن: ليس به بأس، أخص، وهو ما ذهب إليه العراقي، وما انتهى إليه ابن حجر من أن حكم اللفظين واحد، لا يعارض ما قرره العراقي، لأنه قرر اشتراكهما في الدلالة على مطلق الثقة، وإن تفاوتا في الدرجة.\nولهذا فإن أبرز تلاميذ ابن حجر نفسه، وغيرهم، لم يتبعوه في هذا، وأخذوا باستنباط العراقي، مع استحسانه وتعزيزه، فنقله السيوطي وأقره (^٣)، وذكر السخاوي خلاصته واستحسنه (^٤)، ونقل البقاعي رد شيخه ابن حجر، ثم أعقبه بتعزيز بعض تلاميذه لرأي العراقي (^٥).\nوبهذا يكون استنباط العراقي هو الراجح، وبه يُجمع بين رأي ابن معين، ورأي باقي العلماء القائلين بتفاوت اللفظين.\n\n<span data-type='title' id=toc-302>نقد بعض استنباطات العراقي:</span>\nومما ترجح فيه استنباط غير العراقي: أنه ذكر قول الحاكم في مقدمة (المستدرك على الصحيحين): وأنا أستعين الله تعالى على إخراج أحاديث\n_________\n(^١) يقصد «الموضوع» المقابل «للمحمول»، عند المناطقة.\n(^٢) «النكت الوفية» للبقاعي/ ٢٣٦/ أ.\n(^٣) «التدريب» / ٢٣١.\n(^٤) «فتح المغيث» للسخاوي ج ١/ ٣٤١.\n(^٥) «النكت الوفية» / ٢٣٦ أ.","vol":"2","page":911},{"text":"رواتها ثقات، قد احتج بمثلها الشيخان أو أحدهما، ثم قال: «فقوله: بمثلها أي بمثل رواتها، لا بهم أنفسهم، ويحتمل أن يراد بمثل تلك الأحاديث، وإنما تكون بمثلها، إذا كانت بنفس رواتها، وفيه نظر» (^١)، أي لأن واقع المستدرك أنه خرج أحاديث لغير رواة الشيخين (^٢).\nوبهذا رجع العراقي أن المراد بالمثلية في كلام الحاكم معناها الحقيقي وهو مشابهة من أخرج له الحاكم، لرجال الصحيحين في الدرجة، بينما رأى ابن الصلاح وابن دقيق العيد والذهبي: أن المثلية في كلام الحاكم أراد بها المعنى المجازي، وهو عين رواة الصحيحين، على حد قولهم: مِثْلُكَ لا يفعل كذا، أي أنت، فقد ذكر ابن الصلاح: أن الحاكم أودع في مستدركه ما أخرج الشيخان عن رواته في كتابيهما، وابن دقيق العيد والذهبي، ينقلان عن الحاكم تصحيحه للحديث على شرط البخاري مثلًا، ثم يعترضان عليه بأن في سنده فلانًا، ولم يخرج له البخاري.\nوقد رد العراقي على الثلاثة فقال: (ليس ذلك منهم بجيد، فإن الحاكم صرح في خطبة كتابه المستدرك بخلاف ما فهموه عنه) وذكر … كلام الحاكم، وبيانه أنه ليس المراد بالمثلية فيه نفس الرواة، كما قدمت.\nلكن ما فهمه ابن الصلاح ومن معه، من أن المراد بالمثلية نفس رواة الصحيحين، هو الذي اختار رجحانه الحافظ العلائي شيخ العراقي، وأيده بواقع صنيع الحاكم خلال المستدرك، وقرر على أساسه أن يمن أخرج لهم.\n_________\n(^١) (الشرح) ج ١/¬٢٥.\n(^٢) «حاشية ابن قطلوبغا على شرح العراقي للألفية» / ٥٣ ب.","vol":"2","page":912},{"text":"الحاكم ممن هم في مرتبة رجال الصحيحين لا أعينهم، قليلون بالنسبة لمن أخرج عنهم، من نفس رجالهما (^١).\nولهذا رد ابن حجر على شيخه العراقي انتقاده لما فهمه ابن الصلاح ومن معه عن الحاكم، وقال: «إنهم أجادوا وأصابوا، وأيد ذلك بنحو ما ذكرته عن العلائي، مع إضافات أخرى مرجحة، وتبعه على ذلك تلاميذه وغيرهم» (^٢).\nهذا عن الآراء الاستنباطية ومواقفه منها تعبيرا عن رأيه.\nأما الآراء التي صرح بها أصحابها، فمنها ما ذكره وسكت عليه، وبهذا يعتبر مقرا له وقائلا به، حسبما قدمت من قواعد استنباط الآراء التي قررها العراقي بنفسه.\nومنها ما يذكره ويصرح، أو يلمح بتوقفه فيه، مثال ذلك أنه ذكر آراء العلماء من متقدمين ومتأخرين حتى عصره وشيوخه، في الإجازة العامة، وهي التي لا يعين الشيخ فيها المجاز له كقوله: «أجزت لجميع المسلمين» ومجمل ما ذكره، أن بعضهم صحح جوازها، وعليه جمهور المتأخرين، وبعضهم منعها، وبعضهم جوزها، ولكن لم يستعملها بنفسه تورعا، وبعضهم جوزها واستعملها تحملا وأداء، وعقب العراقي على ذلك بعمله ورأيه هو فيها فقال: «وقرأت بها عدة أجزاء على الوجيه عبد الرحمن العوفي، بإجازته العامة من عبد اللطيف بن القبيطي، وأبي إسحق الكاشغري، وابن رواج، والسبط، في آخرين، من البغداديين والمصريين» وأردف قائلا: «وفي\n_________\n(^١) والجواهر والدرر وللسخاوي/ ٢١٢ ب.\n(^٢) انظر و«النكت الوفية» للبقاعي/ ٤٠ أ، ب و«التدريب» / ٦٨ و(حاشية الطوخي) ٤/ ٨٦ ب، ٨٧ أ","vol":"2","page":913},{"text":"النفس من ذلك شيء، وأنا أتوقف عن الرواية بها»، ثم اعتذر عما تلقاه عن شيخه المتقدم فقال: «وأهل الحديث يقولون: إذا كتبت فَقَمش، وإذا حدثت ففتش» (^١)، وقد قدمت تفسيره لهذه العبارة من قبل.\nوهذا التوقف من العراقي في حكم الإجازة العامة، يعد أنموذجا لآرائه المؤقتة بزمن تسجيلها في هذا الشرح، ثم غيره فيما ألفه بعد ذلك كما سيأتي. ومما ألمح فيه إلى التوقف: أنه ذكر من أمثلة ما يقع مبهما من الأشخاص في الحديث، ما جاء في حديث عقبة بن الحارث قال: «تزوجت امرأة فجاءتنا امرأة سوداء فقالتْ إني قد أرضعتكما» الحديث. ثم ذكر عن ابن بشكوال أن اسم زوجة عقبة التي أبهمها: غنية بنت أبي إهاب بن عزيز بن قيس، وعقب بقوله: «قلت: ووقع في بعض طرق الحديث من رواية إسماعيل بن أمية عن ابن أبي مليكة عن عقبة بن الحارث قال: تزوجت زينب بنت أبي إهاب، فالله أعلم» (^٢). فقوله عقب سياق الرأيين: فالله أعلم، إشارة إلى توقفه في تحديد الصواب، أو الراجح منهما، وقد ذكرها السخاوي مثله على التوقف أيضًا (^٣). لكني لاحظت أن ما توقف فيه العراقي من الآراء، خلال الشرح كله قليل جدا بالنسبة لما حدد موقفه منه.\nاعتدال العراقي في رأيه، وفي موقفه من الآراء: كما لاحظت أن موقفه عموما يتسم بالاعتدال، فلا يقر التشدد، ولا\n_________\n(^١) «الشرح» ج ٢/ ٦٧، ٦٨.\n(^٢) و«الشرح»، ج ٤/ ١٣٢.\n(^٣) و«فتح المغيث» للسخاوي ج ٣/ ٢٧٨.","vol":"2","page":914},{"text":"التساهل فمن رده لرأي المتشددين، ما ذكره من أن من مذاهب أهل التشديد في الرواية: أنه لابد من ذكر السند في كل حديث، وإن كان الإسناد واحدًا إلى صاحب الكتاب، وعقب على ذلك بقوله: والصحيح أنه لا يحتاج إلى إعادة السند في كل حديث (^١).\nوقد أقره على هذا السخاوي والأنصاري والسيوطي في شروحهم للألفية (^٢) ونقله عنه السيوطي في «التدريب» (^٣).\nومن تصويبه لعدم التساهل حتى في كتابة الحديث، ما ذكره من أن من رمز في الكتابة إلى اسم راو برمز بدلا من ذكر اسمه، أو بلون مداد، كالأحمر أو الأخضر، فعليه أن يبين المقصود بذلك الرمز في أول الكتاب أو في آخره، ولا يعتمد على حفظه في ذلك، فربما نسي، وأتبع ذلك بقوله: «فالصواب كما قال القاضي عياض: أن لا يتساهل في ذلك ولا يهمله»، وعلل ذلك بقول ابن الصلاح: «إنه قد يقع كتاب هذا الشخص في يد غيره، فيقع في حيرة من رموزه» (^٤)، أي إذا تساهل وأهمل بيانها.\nوهناك أمثلة أخرى، رد فيه الرأي المتساهل ونقد دليله (^٥)، وأقره من بعده (^٦).\n_________\n(^١) (الشرح) ج ٢/ ٥٤.\n(^٢) (فتح المغيث) للسخاوي ج ٢/¬٣٢ و(قطر الدرر)، للسيوطي/ ١٩ أ و(فتح الباقي)، للأنصاري/ ٧٥ ب.\n(^٣) انظر ٢٤٦ من التدريب.\n(^٤) (الشرح) ج ٣/¬٣٨، ٣٩.\n(^٥) انظر (الشرح) ج ٢/¬٦ - ٨.\n(^٦) (فتح المغيث) للسخاوي ج ٢/ ٢٧٧، ٢٧٨.","vol":"2","page":915},{"text":"وعلى ضوء هذا المنهج المعتدل بين التساهل والتشدد، تناول العراقي عامة الآراء التي أوردها في الشرح وبين رأيه حيالها.\nفمما أورده واستحسنه: أن الرامهرمزي ذكر في التخريج للساقط من كاتب الحديث عند كتابته، أن الأجود أن يخرج من موضع السقط خطا، ويمده حتى يلحق به طرف الحرف الأول من الكلمة الساقطة المكتوبة في الحاشية، فلم يرتض القاضي عياض وابن الصلاح هذا، متعللين بأنه وإن كان فيه بيان، لكن فيه تسخيم وتسويد له، لا سيما إن كثرت الإلحاقات والنقص ولكنهما لم يتعرضا لحالة الإضطرار لإلحاق الساقط في موضع من الحاشية غير مقابل لمكان سقوطه، فنقل العراقي عنهما ما تقدم، وأتبعه بقوله: (قلت فإن لم يكن اللحق قبالة موضع السقوط، بأن لا يكون مقابله خاليا، وكتب اللحق في موضع آخر، فيتعين حينئذ جر الخط إلى أول اللحق، أو يكتب قبالة موضع السقوط: يتلوه كذا وكذا في الموضع الفلاني ونحو ذلك، لزوال اللبس)، ثم قال: وقد رأيت في خط غير واحد ممن يعتمد، اتصال الخط إذا بَعُدَ اللحق عن مقابل موضع النقص، وهو جيد حسن (^١)، وقد استمد السخاوي ذلك في شرحه للألفية، وأقر العراقي على استحسانه (^٢).\nومما بين فيه رأي الجمهور وصححه وصوبه، مع بيان مجمله: الخلاف في أصح كتب الحديث، حيث قرر أن كتاب (صحيح البخاري) أصح من كتاب (صحيح مسلم) عند الجمهور، وعقب بقوله: (وهو الصحيح، وقال النووي إنه الصواب)، ثم بين مجمل رأي الجمهور هذا فقال: والمراد ما\n_________\n(^١) (الشرح) ج ٣/¬٣١، ٣٢.\n(^٢) (فتح المغيث) للسخاوي ج ٢/ ١٧٤.","vol":"2","page":916},{"text":"أسنده البخاري دون التعليق والتراجم (^١).\nوقد أقر العراقي على ذلك العلماء من بعده، كالحافظ ابن حجر في (شرح نخبته) (^٢) و«مقدمته لفتح الباري» (^٣)، والبقاعي في (نكته على شرح العراقي) للألفية (^٤)، والسخاوي في «شرحه للألفية» (^٥)، والسيوطي في (شرحه للألفية) (^٦)، و(شرحه لألفيته) (^٧)، و(لتقريب النووي) (^٨).\nومما بين فيه رأي الجمهور ورد دليله، ثم صوب غيره، ودلل للتصويب: تحديد الوقت الذي يصح فيه للصغير سماع الحديث، حيث قال: «وفي الوقت الذي يصح فيه السماع نزاع بين العلماء على أربعة أقوال:\nأحدهما: ما ذهب إليه الجمهور: أن أقله خمس سنين، وحكاه القاضي عياض في «الإلماع» عن أهل الصناعة».\nوقال ابن الصلاح: «هو الذي استقر عليه عمل أهل الحديث المتأخرين، وحجتهم في ذلك، ما رواه البخاري في «صحيحه»، والنسائي، وابن\n_________\n(^١) (الشرح) جـ ١/¬١٥.\n(^٢) انظر (الشرح مع لقط الدرر) / ٤٣.\n(^٣) انظر هدي الساري مقدمة فتح الباري، جـ ١/¬٢٠ - ٢٢ الفصل الثاني، في بيان موضعه، والكشف عن مغزاه فيه.\n(^٤) انظر ٢١ أ منها.\n(^٥) (فتح المغيث) جـ ١/¬٢٧.\n(^٦) قطر الدرر (٢ ب).\n(^٧) ١٨ ب، وما بعدها.\n(^٨) (٤٢، ٤٣).","vol":"2","page":917},{"text":"ماجه، من حديث محمود بن الربيع قال: «عقلت عن النبي ﷺ مجة مجها في وجهي من دلو، وأنا ابن خمس سنين»، وبوب عليه البخاري: متى يصح سماع الصغير» (^١).\nوقال ابن عبد البر: «حَفِظَ ذلك عنه وهو ابن أربع سنين أو خمس سنين»، وعقب العراقي بقوله: «وليس في حديث محمود سُنَّة متبعة، أي دليل للاطراد، إذ لا يلزم منه أن يميز كل أحد تمييز محمود، بل قد ينقص عنه وقد يزيد، ولا يلزم منه ألا يعقل مثل ذلك وسنه أقل من ذلك، ولا يلزم من عقل المجَّة أن يعقل غير ذلك مما يسمعه».\nثم قال: القول الثاني: من الخلاف في صحة سماع الصغير: اعتبار تمييزه على الخصوص، فمتى كان يفهم الخطاب ويرد الجواب كان سماعه صحيحًا وإن كان ابن أقل من خمس سنين، وإن لم يكن كذلك لم يصح، وإن زاد على «الخمس»، وعقب على ذلك قائلا: «وهذا هو الصواب»، ثم قال: «ومما يدل على اعتبار التمييز في صحة سماع الصبي قول أحمد بن حنبل وقد سئل متى يجوز سماع الصبي للحديث؟ فقال: إذا عقل وحفظ».\nثم ذكر الرأيين الآخرين (^٢).\nوقد أقر العراقي على ما ذكر العلماء من بعده، كتلميذه ابن حجر (^٣).\n_________\n(^١) (صحيح البخاري مع فتح الباري) ج ١/ ١٨٠ - ١٨٣ - كتاب العلم - باب: متى يصح سماع الصغير.\n(^٢) (الشرح) ج ٢/¬٤٥، ٤٩.\n(^٣) (فتح الباري) ج ١/ ١٨٠، ١٨٣.","vol":"2","page":918},{"text":"وغيره، سواء في شرحهم لألفيته، أو في غيره، وذكروا عن غيره ما يوافقه (^١).\nومما رجح فيه خلاف ما رجحه أو صححه غيره من المتقدمين والمتأخرين حتى عصره، مع رد ما لم يرتضه: «تعريف الحديث المنقطع»، فقد رجح النووي: أنه ما لم يتصل إسناده على أي وجه كان انقطاعه (^٢).\nوذكر ابن الصلاح أن هذا أقرب لمفهوم الانقطاع، دون استعمال الكثير من المحدثين (^٣). وقال الحاكم وغيره غير ذلك.\nأما العراقي فقال: «اختلف في صورة الحديث المنقطع، فالمشهور أنه ما سقط من رواته راو واحد غير الصحابي».\nثم أردف باقي الآراء فقال: «وحكى ابن الصلاح عن الحاكم وغيره من أهل الحديث أنه ما سقط منه قبل الوصول إلى التابعي شخص واحد، وإن كان أكثر من واحد سمي معضلا، ويُسمى أيضا منقطعًا»، وعقب بقوله: فقول الحاكم: «قبل الوصول إلى التابعي، ليس بجيد، فإنه لو سقط التابعي كان منقطعا أيضًا، فالأولى أن يعبر بما قلناه في «الألفية»: قبل الصحابي» ثم ذكر رأي ابن عبد البر فقال: «وقال ابن عبد البر: المنقطع ما لم يتصل إسناده، والمرسل مخصوص بالتابعين»، وعقب بقوله: «فالمنقطع أعم، أي من المرسل، عند ابن البر».\n_________\n(^١) انظر «النكت الوفية» للبقاعي/ ٢٣٩ ب، ٢٤٠ أو «فتح المغيث» للسخاوي ج ١/¬٩ وما بعدها و«قطر الدرر» / ١٧ ب، ١٨ أو «التدريب»، ٢٣٧، ٢٣٨ كلاهما للسيوطي و«فتح الباقي» للأنصاري/ ٧١ ب، ٧٢ أ.\n(^٢) «التقريب مع التدريب» / ١٢٦، ١٢٧.\n(^٣) «المقدمة»: (٨٠)","vol":"2","page":919},{"text":"وختم برأي ابن الصلاح فقال: «وحكى ابن الصلاح عن بعضهم: أن المنقطع مثل المرسل، وكلاهما شامل لكل ما لا يتصل إسناده، قال: أي ابن الصلاح وهذا المذهب أقرب، صار إليه طوائف الفقهاء وغيرهم، وهو الذي ذكره الخطيب في كفايته، إلا أن أكثر ما يوصف بالإرسال من حيث الاستعمال: ما رواه التابعون عن الصحابة، وأكثر ما يوصف بالإنقطاع: ما رواه من دون التابعين عن الصحابة، مثل مالك عن ابن عمر، ونحو ذلك» (^١).\nوهكذا نلاحظ أن العراقي حدد الرأي المشهور، وصدر به كلامه، إشارة إلى ترجيحه له كما تقدم تقريره في قواعد الاستنباط، وهذا الرأي كما ترى مخالف لما صححه ورجحه النووي، ثم رد العراقي عبارة الحاكم في تعريف المنقطع، لعدم شمولها لسقوط التابعي، وبين أن عبارته هو أولى، لشمولها، ثم ذكر رأي كل من ابن عبد البر وابن الصلاح، وفي تأخيره لهما إشارة إلى عدم ترجيحهم عنده، وقد أقر العراقي على ذلك تلميذه ابن حجر وغيره (^٢). وهذا الأنموذج من بيان العراقي للآراء، وموقفه منها، له أهميته؛ لأن مبحث الحديث المنقطع من المباحث التي لم يعلق هو عليها كلية في نكته على ابن الصلاح، كما سيأتي ذكره.\nومما ذكر فيه غيره الإجماع وبين هو وجود خلاف فيه، مع بيان رأي الجمهور: تعديل من لم يلابس الفتن من الصحابة، فقد فقال ابن الصلاح: إن الأمة مجمعة على تعديل جميع الصحابة، ومن لابس الفتن منهم:\n_________\n(^١) الشرح، ج ١/ ٧٥.\n(^٢) فتح المغيث، للسخاوي ج ١/ ١٤٩ - ١٥١ و«فتح الباقي»، للأنصاري ٢٦ أ و«تدريب الراوي»» / ١٢٧.","vol":"2","page":920},{"text":"فكذلك، بإجماع العلماء الذين يعتد بهم في الإجماع (^١)، وأقره على هذا البلقيني (^٢)، والنووي (^٣)، أما العراقي فقال: «هكذا حكى ابن الصلاح إجماع الأمة على تعديل من لم يلابس الفتن منهم، وفيه نظر؛ فقد حكى الآمدي وابن الحاجب قولًا: «أنهم كغيرهم، في لزوم البحث عن عدالتهم مطلقا».\nوقولًا آخر: أنهم عدول إلى وقوع الفتن، فأما بعد ذلك فلابد من البحث عمن لَيْسَ ظاهر العدالة … ثم ذكر ثلاثة آراء أخرى وعقب قائلا: «والذي عليه الجمهور كما قال الآمدي وابن الحاجب: أنهم كلهم عدول مطلقا».\nوقال الآمدي: «إنه المختار»، ثم نقل إجماعًا خاصا فقال: «وحكى ابن عبد البر إجماع أهل الحق من المسلمين، وهم أهل السنة والجماعة، على أن الصحابة كلهم عدول» (^٤)، وقد أقر العراقي على هذا العلماء من بعده (^٥) وتفسيره لأهل الحق بأنهم أهل السنة والجماعة، دليل على مذهبه الاعتقادي كما قدمت في جوانب شخصيته.\nومن الآراء التي تردد فيها غيره، فبين هو الصواب منها: أن ابن الصلاح في مبحث «المبهمات» قال عن المرأة التي سألت الرسول ﷺ عن الغسل من الحيض: هي أسماء بنت يزيد بن السكن الأنصارية، وكان يقال لها خطيبة.\n_________\n(^١) «المقدمة» / ٣٠١.\n(^٢) «محاسن الاصطلاح» ١٠٠ ب.\n(^٣) «التقريب مع التدريب» / ٤٠٠.\n(^٤) «الشرح» ج ٤/¬٣٦.\n(^٥) «فتح المغيث» للسخاوي ج ٣/ ١٠٠ - ١٠٤ و«فتح الباقي» للأنصاري ١٧٠ ب، ١٧١ أو «تدريب الراوي» / ٤٠١.","vol":"2","page":921},{"text":"النساء، وفي رواية لمسلم، تسميتها أسماء بنت شكل، والله أعلم (^١)، وبهذا لم يقطع فيها برأي، وتبعه على هذا ابن الملقن (^٢)، والبلقيني (^٣)، والنووي في «التقريب» (^٤)، ثم قال في مختصره للمبهمات: يحتمل أن تكون القصة جرت للمرأتين في مجلس أو مجلسين (^٥)، وبهذا جمع بين الرأيين، لكن دون قطع أيضًا.\nأما العراقي فقال: اختلف من صنف في المبهمات في تعيين أسماء هذه، فقال الخطيب: «هي أسماء بنت يزيد بن السكن الأنصارية».\nوقال ابن بشكوال: «هي أسماء بنت شكل» وعقب قائلا: وهذا هو الصواب، ودلّل بقوله: «فقد ثبت في بعض طرق الحديث، في صحيح مسلم»، ثم أتبع ذلك بذكر جمع النووي بين الرأيين كما تقدم (^٦)، مشيرًا بتأخيره إلى عدم رجحانه عنده.\nلكن الحافظ ابن حجر والسيوطي مالا إلى القول بالجمع مثل النووي، غير أنهما لم يقدما دليلا مرجحا (^٧)، بينما قدم العراقي الدليل لما صوبه، كما ذكرت. ومن الموضوعات التي تضمن بيانه للآراء فيها أكثر من عمل علمي دال على\n_________\n(^١) «المقدمة» ٢/ ٤٢٨.\n(^٢) «المقنع» / ١٦٨.\n(^٣) «محاسن الاصطلاح»، ١٣٩ ب.\n(^٤) «التقريب مع التدريب» ٢/ ٤٥١.\n(^٥) (التدريب) / ٤٥١.\n(^٦) «الشرح» ج ٤/ ١٣٠، ١٣١.\n(^٧) «فتح المغيث» وللسخاوي ج ٣/ ٢٧٦ و(التدريب) / ٤٥١.","vol":"2","page":922},{"text":"جهده وشخصيته: «قبول الجرح والتعديل» فقد اكتفى فيه ابن الصلاح وغيره بذكر رأي واحد مع وصفه بالصحة والشهرة كما سيأتي (^١) وكذا اقتصر عليه العراقي في «الألفية» (^٢).\nأما في شرحها فقال: اختلف في التعديل والجرح هل يقبلان أو أحدهما من غير ذكر أسبابها أم لا يقبلان إلا مفسرين؟ على أربعة أقوال:\nالأول: وهو الصحيح المشهور، التفرقة بين التعديل والجرح، فيقبل التعديل من غير ذكر سببه، لأن أسبابه كثيرة فتثقل ويشق ذكرها …، أما الجرح فإنه لا يقبل إلا مفسرا مبين السبب، لأن الجرح يحصل بأمر واحد، فلا يشق ذكره، ولأن الناس مختلفون في أسباب الجرح، فيطلق أحدهم الجرح بناء على ما اعتقده جرحا وليس بجرح في نفس الأمر، فلابد من بيان سببه، ليظهر أهو قادح أم لا؟ ثم أتبع ذلك التوجيه للرأي بالدليل فقال: «ويدل على أن الجرح لا يقبل غير مفسر، أنه ربما استفسر الجارح فذكر ما ليس بجرح، ومثل لذلك بقوله: فقد روى الخطيب بإسناده إلى محمد بن جعفر المدائني قال: قيل لشعبة لم تركت حديث فلان؟ قال: رأيته يركض على برذون (^٣)، فتركت حديثه»، وبين العراقي أن ذلك لا يستدعي الجرح فقال: «فماذا يلزم من ركضته على برذون؟» ثم ذكر ثلاثة أمثلة أخرى لمن سئل عن جرحه للراوي فذكر ما لا يعد جارحا في نظر غيره، وأتبعها بقوله: «وقد عقد\n_________\n(^١) انظر (المقدمة» / ١٣٨، ١٤٠ وواختصار علوم الحديث) لابن كثير/ ٩٤ و«التقريب» للنووي مع «التدريب» / ٢٠٢.\n(^٢) «الألفية» / ١٨٥.\n(^٣) أي يحث يرجله نوع الخيل المذكور على العدو بسرعة.","vol":"2","page":923},{"text":"الخطيب لهذا بابا في «الكفاية»، يعني «باب من استفسر في جرحه فذكر ما لا يصلح جارحًا» (^١)، ثم انتقل للرأي الثاني، وبدأ بمقارنته بالأول فقال:\nالقول الثاني: عكس القول الأول، ثم بينه، وهو: أنه يجب بيان سبب العدالة، ولا يجب بيان سبب الجرح، وعلّل بقوله: «لأن أسباب العدالة يكثر التصنع فيها، فيبني المعدلون على الظاهر، ثم بين مصدره مع تأصيله» فقال: «حكاه صاحب المحصول وغيره»، ونقله إمام الحرمين في «البرهان»، والغزالي في (المنخول) تبعا له، عن القاضي أبي بكر الباقلاني، وتعقب هذا التتابع على نسبته إلى القاضي أبي بكر، فقال: (والظاهر أنه وهم منهما)، وقدم البديل عن ذلك بقوله: «والمعروف عنه أنه لا يجب ذكر أسبابهما معا، كما سيأتي».\nثم انتقل للرأي الثالث: وهو أنه لابد من ذكر أسباب العدالة والجرح، وعزاه لمصدره، مع بيان وجهه ودليله فقال: «حكاه الخطيب، والأصوليون: قالوا: وكما قد يجرح الجارح بما لا يقدح، كذلك قد يوثق المعدل بما لا يقتضي العدالة»، كما روى يعقوب الفسوي في «تاريخه» قال: «سمعت إنسانًا يقول لأحمد بن يونس: عبد الله العمري ضعيف؟ قال: إنما يضعفه رافضي مبغض لآبائه»، لو رأيت لحيته وخضابه، وهيئته، لعرفت أنه (ثقة) وبين وجه الاستدلال المذكور حيث قال: فاستدل أحمد بن يونس على ثقته - أبي عبد الله المذكور - بما ليس بحجة، لأن حسن الهيئة يشترك فيه العدل والمجروح.\nثم ذكر الرأي الرابع: وبدأ بمقارنته أيضًا بالثالث فقال: «إنه عكسه» ثم\n_________\n(^١) انظر (الكفاية) للخطيب/ ١٨١ وما بعدها.","vol":"2","page":924},{"text":"ذكره، وهو: «أنه لا يجب ذكر سبب واحد منهما إذا كان كل من الجارح والمعدل عالمًا بصيرًا»، ثم بين درجة هذا الرأي ومصدره فقال: «وهو اختيار القاضي أبي بكر الباقلاني، ونقله عن الجمهور». ثم بين تقوية الباقلاني له إذ يقول: «والذي يقوى عندنا، ترك الكشف عن ذلك، إذا كان الجارح عالمًا، كما لا يجب استفسار المعدل عما به صار عنده المزكى عدلا»، ثم بين تضارب الغزالي في ذكر رأي الباقلاني هذا، فقال: «وممن حكاه عن القاضي أبي بكر: الغزالي في «المستصفى»، خلاف ما حكاه عنه في «المنخول»، أي أن الغزالي ذكر في كتابه «المستصفى»: أن القاضي الباقلاني يرى هذا الرأي الرابع، وذكر في كتابه «المنخول» (^١): أنه يرى الثالث، وهو عكسه كما ذكرت».\nوبهذا التتبع والمقارنة، أظهر العراقي ما وقع فيه الغزالي من تضارب في كتابيه، ثم قرر الصواب من ذلك فقال: «وما ذكره عنه في «المستصفى»: هو الذي حكاه صاحب «المحصول».\nثم عاد العراقي مرة أخرى إلى القول الأول من تلك الآراء الأربعة، فقال: والقول الأول هو الذي نص عليه الشافعي»، وقال الخطيب: «هو الصواب» وقال ابن الصلاح: «وهذا ظاهر مقرر في الفقه وأصوله» لكن ابن الصلاح استشعر أن تقرير هذا الرأي، يثير تساؤلًا: بأن الناس يعتمدون في جرح الرواة ورد حديثهم على مصنفات أئمة الجرح والتعديل، وقلما يتعرض فيها لبيان السبب، وكذلك كتب متن الحديث، يكتفون في غالبها بوصف الحديث\n_________\n(^١) فتح المغيث للعراقي ٢/¬١١.","vol":"2","page":925},{"text":"بالضعف، دون تفصيل، فاشتراط بيان السبب يفضي إلى تعطيل تلك الأحاديث، وسد باب الجرح في غالب الرواة وقد أورد العراقي تساؤل ابن الصلاح هذا، ثم أتبعه بجواب ابن الصلاح عليه بقوله وجوابه «إن ذلك وإن لم نعتمده في إثبات الجرح والحكم به، فقد اعتمدناه في أن توقفنا عن قبول حديث من قالوا فيه مثل ذلك، بناء على أن ذلك أوقع عندنا فيهم ريبة قوية، يوجب مثلها التوقف، ثم من انزاحت عنه الريبة منهم يبحث عن حاله أوجب الثقة بعدالته، قبلنا حديثه ولم نتوقف، كالذين احتج بهم صاحبا الصحيحين وغيرهما، ممن مسهم مثل هذا الجرح من غيرهم». واعتبر ابن الصلاح أنه قد وفق في هذا الجواب فقال: «فافهم ذلك فإنه مخلص حسن (^١)».\nوالواقع أن ابن الصلاح في تقديري لم يوفق في هذا المخلص الذي استحسنه لأن السؤال المثار، مؤداه كما تقدمت عبارته: أن الكتب المصنفة بعد بحثها جميعها، ظهر لنا عدم اشتمالها على سبب جرح أكثر الرواة، فأين نجد بيان هذه الأسباب، حتى نحكم بموجبها؟ وهذا ما لم يجب عنه إلا بالتوقف في قبول مروياتهم، وهو ما يؤدي بنا إلى سد باب الجرح غالبا، وإلى تعطيل كثير من الأحاديث المدونة، وما استدل به منها الأئمة المجتهدون من قبله، ولهذا فإن العلماء من بعد ابن الصلاح، منهم من وافقه على ترجيحه للرأي الأول وعلى جوابه السابق عن السؤال المترتب عليه، ومن هؤلاء النووي (^٢) وابن الملقن (^٣). وخالفه الكثيرون، ومنهم العراقي، فتعقب ترجيحه وجوابه عن\n_________\n(^١) فتح المغيث للعراقي ٢/¬١٢.\n(^٢) «التقريب»: ٢٠٢، ٢٠٣.\n(^٣) «المقنع»: ٤٩، ٥٠.","vol":"2","page":926},{"text":"السؤال: بأنَّ إمام الحرمين أبا المعالي الجويني قال في كتابه (البرهان): الحق أنه إن كان المزكي عالمًا بأسباب الجرح والتعديل، اكتفينا بإطلاقه (الجرح وإلا فلا)، وأردف قائلًا: وهذا هو الذي اختاره أبو حامد العزالي، والإمام فخر الدين بن الخطيب، وتقدم نقله عن القاضي أبي بكر، وأنه نقله عن الجمهور، وممن اختاره أيضًا من المحدثين الخطيب، فقال بعد أن فرق بين الجرح والتعديل في بيان السبب: على أنا نقول أيضًا: إن كان الذي يُرْجَعُ إليه في الجرح عدلًا مرضيًا، في اعتقاده، وأفعاله، عارفًا بصفة العدالة والجرح وأسبابهما، عالمًا باختلاف الفقهاء في أحكام ذلك، قبل قوله فيمن جرحه مجملًا، ولا يسأل عن سببه (^١).\nوبهذا رد العراقي ترجيح ابن الصلاح للقول الأول، ورد أيضًا جوابه عن فائدة ذكر الجرح المجمل، الذي استحسنه، مع أنه يفضي إلى التوقف المطلق في قبول كثير من الأحاديث، وأقر ترجيح الرأي الرابع الذي عليه الجمهور، وبه يرتفع التساؤل كلية، ويمتنع التوقف في قبول حكم العلماء المجمل، سواء على الراوي أو المروي؛ لأن أئمة هذا الشأن لا يوثقون ولا يجرحون إلا عن فحص وتأمل كاف.\nوهكذا نجد في هذا المثال صورة واضحة، لمباحث العراقي القيمة والجامعة في هذا الشرح، فقد اشتمل تناوله لهذا الموضوع على نماذج عديدة لبحثه للقضايا، ومعالجته للآراء المتعلقة بها، وتحديد موقفه منها، بحيث يمكنني الاكتفاء بذلك عن تعديد أمثلة أخرى، فقد رأينا أنه حدد درجة الآراء: من الصحة، والشهرة، والصواب، والظاهر، والمعروف، والقوي، والمختار، وقارن بين الآراء وبعضها البعض، وبين وجهة نظر القائل بالرأي ودليله، ومثاله، وقام بتأصيل الرأي المتداول.\n_________\n(^١) انظر في تفصيل هذه الآراء جميعها (فتح المغيث) للعراقي ج ٢/¬٩ - ١٥ و٥ مقدمة ابن الصلاح» / ١٣٨ - ١٤٢.","vol":"2","page":927},{"text":"بِتَتَبُّعِ انتقاله من المُتَقَدِّم إلى المُتَأَخِّر، وهو ما يعرف بالمنهج التاريخي في البحث، ونَبَّهَ على وَهْمِ بعض العلماء وتضاربهم، وَرَدَّ ذلك، مُبَيِّنَا ما ظهر له بشأنه، وبين من المؤلفات ما خَصَّ بعض الموضوعات بباب كامل، كما رَجَّح، واختار، من الآراء ما لم يرجحه أو يختاره غيره، ورد ما لم يرتضه.\nوكلُّ عمل من هذه الأعمال العلمية التي تَجَلَّتْ في هذا المثال، له نظائر عديدة، تَبَيَّنْتُها خلال البحث التفصيلي المقارن لعامة الشرح، ومن يراجعه يجد مِصداق ذلك، ثم إن ما قرره في مسألة قبول الجرح والتعديل هذه، عندما نقارنه ونتتبع أثره نجد العراقي يلتقي فيه مع ما قرره شيخه ابن كثير (^١) وقرينه البلقيني (^٢) مع توسعه كثيرًا عنهما في عرض الآراء وبحثها، كما نجد العلماء من بعده، حتى عصرنا الحاضر، قد سلكوا مسلكه هذا، في العرض والبحث، وتناقلوه عنه، مع إضافة ما بدى لهم (^٣)، ونسب السيوطي إلى العراقي والبلقيني تصحيح الرأي الرابع (^٤).\nتم الجزء الثاني من «كتاب الحافظ العراقي وأثره في السنة» ويليه الجزء الثالث وأوله: «رجوع العراقي عن بعض آرائه الواردة في الشرح، ورأيه في تقليد الغير».\n_________\n(^١) انظر «اختصار علوم الحديث» له/ ٩٤، ٩٥.\n(^٢) «محاسن الاصطلاح» / ٥٤٢.\n(^٣) «فتح المغيث» للسخاوي جـ ١/ ٢٨٠ - ٢٨٥ و«قطر الدرر» / ١٤ ب، ١٥ أ و«فتح الباقي» للأنصاري ٥٨ ب، ٥٩ أ و«الرفع والتكميل» للكنوي/ ٢٧ - ٣٧.\n(^٤) «تدريب الراوي» له/ ٢٠٣، ٢٠٤.","vol":"2","page":928},{"text":"<span data-type='title' id=toc-303>٨ - رجوع العراقي عن بعض آرائه الواردة في الشرح، ورأيه في تقليد الغير:</span>\nوإذا كان العراقي قد وفق في عرضه للآراء، وتمحيصها مع بيان رأيه الخاص قبولا أو ردا، وتأثر به من بعده على النحو الذي فصلته، فإنه لم يسلم بدوره من بعض الانتقادات والأوهام اليسيرة فيما قرره وارتآه، ومن أظهر الأمثلة لهذا ما صرح هو بنفسه برجوعه عنه.\nوذلك أن ابن الصلاح قرر في «المؤتلف والمختلف» أن زياد بن رياح - بالياء المثناة - الواقع في الصحيح، هو أبو قيس، الراوي عن أبي هريرة في أشراط الساعة ومفارقة الجماعة (^١)، وتبعه على هذا غيره (^٢).\nأما العراقي فقال في شرحه: «إن زياد بن رياح هذا، هو القيسي البصري، ويكنى أبا رياح أيضا، كاسم أبيه»، ثم قال: «وقيل: كنيته أبو قيس، تابعي له في «صحيح مسلم» عن أبي هريرة حديثان …» وذكرهما (^٣).\nلكنه عاد في نكته على ابن الصلاح التي فرغ منها بعد الشرح كما سيأتي، فقال معلقا على زياد بن رياح هذا: «إن ما ذكره المصنف، أي ابن الصلاح، من أن كنيته أبو قيس، قد خالفه المزي في «التهذيب»، فرجح «أبا رياح» بالمثناة، كاسم أبيه فقال: زياد بن رياح، ويقال ابن رباح القيسي، أبو رياح، ويقال أبو قيس»، وأتبع ذلك بقوله: «وقد كنت قلدت المزي في ترجيحه\n_________\n(^١) و(المقدمة) ٢/ ٣٩٤/ ٣٩٥.\n(^٢) و(التقريب) للنووي مع (التدريب) ١/ ٤٧٣.\n(^٣) و(الشرح) ج ٤/ ١٠١.","vol":"3","page":929},{"text":"لذلك، فصدرت به كلامي في شرح الألفية، ثم تبين لي أنه وهم، أو خلاف مرجوح، وأن الصواب ما ذكره المصنف» ثم بين دليل الصواب الذي تبين له قائلا: فقد وقع كذلك مكنى في (صحيح مسلم) في كتاب المغازي من رواية غيلان بن جرير عن أبي قيس بن رياح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: (من خرج من الطاعة، وفارق الجماعة، فمات، مات، ميتة جاهلية) الحديث (^١)، ولم يقع مكنى بـ (أبي قيس) في موضع من الصحيح إلا هنا، عند مسلم، وله عند مسلم حديث آخر في (الفتن، وقع فيه مسمى غير مكنى، وهكذا كناه البخاري في (التاريخ الكبير)، وابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل)، ومسلم في (الكنى)، والنسائي في «الكنى»، وأبو أحمد الحاكم في (الكنى)، وابن حبان في (الثقات)، والدارقطني في «المؤتلف والمختلف»، والخطيب في كتاب «المتفق والمفترق»، وابن ماكولا في الأكمال)، و«صاحب المشارق»، وغيرهم.\nثم انتقل إلى بيان المصدر الأساسي للخطأ الذي وقع فيه هو مع غيره، وحاول استنتاج مبعثه فقال: (وفي المؤتلف والمختلف) للدارقطني: أن جرير بن حازم كناه - يعني أبا رباح - كذلك، وبه جزم المزي في (الأطراف)، ولم أر أحدا من المتقدمين كناه أبا رباح، ولكن المزي تبع صاحب (الكمال) في ذلك، وكأن سبب وقوع الوهم في ذلك، أن لهم شيخا آخر يسمى زياد بن رياح أيضًا، وهو بصري كالأول، ولكنه متأخر الطبقة عن ذلك، رأى أنسًا وروى عن الحسن البصري، وكنية هذا أبو رياح، كما كناه البخاري في\n_________\n(^١) هو هكذا في كتاب الإمارة باب الأمر بلزوم الجماعة من (صحيح مسلم) (طبعة دار الشعب ج ٦/¬٢٠، ٢١).","vol":"3","page":930},{"text":"«التاريخ الكبير»، وابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل»، والنسائي في «الكنى»، وابن حبان في «الثقات»، وأبو أحمد الحاكم في «الكنى»، والدارقطني، وابن ماكولا، في «المؤتلف والمختلف»، والخطيب في «المتفق والمفترق».\nثم ختم العراقي بحثه هذا بقوله: «وإنما نبهت على ذلك، وإن كان الصواب ما قاله المصنف، لئلا يُغْتَر بكلام المزي في «التهذيب» وبتقليدي له في شرح الألفية» (^١). ومن هذا يتجلى لنا عدة حقائق:\nأحدها: توسع العراقي في بحث المسألة للوقوف على الحقيقة، فتتبعها في ١٤ مرجعا، للمتقدمين والمتأخرين حتى عصره، وأغلبها من كتب الرجال الأصلية في الموضوع، كما قدم إحصاء دقيقا، بنفي وجود الكنية المختلف فيها في الصحيح، وهذا يدل على سعة اطلاعه، وإحاطته، وعمق خبرته بعلم الرجال، ومصادره.\nوثانيها: أنه يقرر مع هذا، أنه هو وغيره من العلماء، قد يقلدون غيرهم من ثقات العلماء، فيأخذون بآرائهم، وترجيحاتهم، دون بحثها، لكنه ينبه الباحث إلى أنه لا ينبغي أن يتخذ التقليد قاعدة، ولا يغتر بما يقرره أو يرجحه غيره، ولو كان العراقي نفسه، بل عليه أن يبحث بنفسه بعمق، وتوسع، ويعتمد على ما أسفر عنه بحثه، ولو خالف ما قرره غيره.\nثالثها: أن العراقي طبق على نفسه وعلى غيره قاعدة استنباط الآراء السابق ذكرها، وهي أن ما يصدر به الباحث كلامه من الآراء، يعتبر راجحًا عنده،\n_________\n(^١) «التقييد والإيضاح» للعراقي/ ٣٩٥، ٣٩٦.","vol":"3","page":931},{"text":"إذا لم يصرح بخلافه.\nرابعها: تحلي العراقي بالأمانة العلمية، وبالثقة بالنفس، بحيث لم يستنكف عن تسجيل الإعتراف بخطئه، ورجوعه عنه، في أحد مؤلفاته المتداولة، ومارس بذلك نقده لذاته، وهو من أصعب الأمور على النفس، خاصة في عصره، الذي اشتد فيه تنافس العلماء، وقد مر في بحث آرائه في الألفية، مثال لذلك أيضًا، بل ومثال لقبوله للنقد من بعض تلاميذه، دون تبرم.\nخامسها: أن شرح العراقي للألفية، يمثل آراء العراقي العلمية حتى وقت تأليفه، وبالتالي ينبغي الرجوع لما ألفه في علم المصطلح بعد ذلك، لمعرفة آرائه النهائية، وإن كان هذا التغير في الآراء ليس كثيرًا عنده.\nوقد أخذ العلماء من بعد العراقي بما انتهى إليه أخيرًا في تصويب هذه الكنية، وتمييز صاحبها، وبرده للوهم المتتابع فيها من العلماء، وبيان مبعثه (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-304>مؤلفات العلماء عن شرح العراقي لألفيته، وأهميتها:</span>\nبينت في المبحث السابق، النماذج المتعددة، الدالة على أن حفاظ السنة وعلماءها البارزين بعد العراقي، وحتى الآن، قد اعتمدوا نصا وروحا، في بحوثهم، ومؤلفاتهم، على الشرح المتوسط للعراقي على ألفيته، وتأثروا في كثير من آرائهم قبولًا وردا، بما أودعه في هذا الشرح من بحوثه وآرائه، وأضيف هنا: أن العلماء لم يقتصر ارتباطهم بالشرح ومؤلفه على ذلك، بل جعلوا الشرح نفسه موضوعا لبحوثهم ومؤلفاتهم، وعكف الأفذاذ فضلا عن سواهم، على ذلك، منذ عصر العراقي وحتى الآن، في شرق العالم\n_________\n(^١) انظر «فتح المغيث»، للسخاوي ج ٣/ ٢٣٥ و«تدريب الراوي» ٢/ ٤٧٣","vol":"3","page":932},{"text":"الإسلامي وغربه، وهذا من أوضح الأدلة على كثرة الإقبال المستمر في مختلف العصور، والأمصار على تدارس هذا الشرح، والاستفادة بمحتواه، من بحوث العراقي، وتحقيقاته وآرائه في مصطلح علوم السنة ومتعلقاته، وقد قرر السخاوي وغيره، أن هذا الشرح واكب الألفية في النفع والانتشار، في أكثر الأقطار (^١).\nفكان ذلك محركًا لهمم العلماء، لينهضوا في مختلف الأمصار والأزمنة لتيسير الاستفادة بالشرح ككل، لمختلف المستويات العلمية.\nوقد أوصلني البحث المضني، والاطلاع التفصيلي، على ما وجدته من المؤلفات، إلى أن العلماء، منهم من اختصر هذا الشرح، لتسهيل الإحاطة بمضمونه، خاصة على المبتدئين، ومنهم من عمل عليه حاشية، أو نكتا، مع التعرض لألفاظ، وعبارات، الألفية أيضًا، بحكم وجودها في خلال الشرح.\nومجمل ما تناولته هذه الحواشي، بحسب اطلاعي المفصل، على ما وجدته منها: هو توضيح ما أجمله العراقي في الشرح، بحكم منهجه المتوسط، وشرح ما أهمله من ألفاظ وعبارات الألفية؛ لوضوحه وعدم إشكاله في نظره، والدفاع عن الآراء التي وردت في الشرح وفي الألفية، سواء كانت للعراقي، أو لغيره، أو الانتقاد لها، كما أنهم يعتمدون على مؤلفات العراقي الأخرى، لاستكمال آرائه ومقارنتها ببعضها البعض، أو بغيرها، وبهذا أعطت تلك المؤلفات امتدادًا واتساعًا لأثر العراقي في علوم السنة.\nوتبين لي أيضًا وجود بعض أخطاء شائعة، عن تلك المؤلفات، بين\n_________\n(^١) «وفتح المغيث» للسخاوي/ ج ٣/ ٣٦٣ و٥ و«إنباء الغمر» لابن حجر/ ج ٢/ ٢٧٩.","vol":"3","page":933},{"text":"مؤرخّي التراث ومحققّيه.\nوسأتناول بالتعريف الموجز، ما توصلت إليه من تلك المؤلفات، خاصة وأنها ما بين مفقود حاليًا، أو مخطوط نادر، كما سأبين ما وفقت لتصويبه من الأخطاء الشائعة، وذلك على النحو التالي:\n\n<span data-type='title' id=toc-305>١ - مختصرات الشرح:</span>\n<span data-type='title' id=toc-306>أ - مختصر الشمس بن العماد المالكي </span>(^١):\nوهذا المختصر، ذكره السخاوي في آخر شرحه للألفية، حيث ذكر أن شرح العراقي - مع إيجازه - فقد اختصره الشمس بن العماد المالكي.\nويبدو أنه أقدم المختصرات، حيث ذكر السخاوي، مع درايته بمصنفات علوم السنة حينئذ، أنه حين ألف شرحه الذي فرغ منه سنة ٨٨٢ هـ كما تقدم لم يعلم بوجود شرح آخر لغير المصنف إلا مختصر ابن العماد هذا، لشرح المصنف، لكنه لم يقدم عنه، ولا عن مؤلفه تفاصيل أخرى (^٢) ولا وقفت أنا رغم البحث الكثير، على شيء من نسخه، أو نصوصه.\n\n<span data-type='title' id=toc-307>ب - مختصر عبد الرحمن العيني، وما وجدته من نسخه الخطية:</span>\nذكر صاحب «كشف الظنون» من الشروح المشهورة للألفية: شرح زين الدين، أبي محمد عبد الرحمن بن أبي بكر العيني المتوفى سنة ٨٩٣ هـ (^٣) وهو غير العيني شارح البخاري، وتلميذ العراقي كما تقدم.\n_________\n(^١) سبق التعريف به.\n(^٢) انظر «فتح المغيث» للسخاوي ج ٣/ ٣٦٢.\n(^٣) «كشف الظنون» ٤/ ١٥٦.","vol":"3","page":934},{"text":"وقد ذكر المفهرسون أيضا هذا المختصر باسم «الشرح» (^١)، وقد وقفت على نسخة خطية وحيدة منه، بدار الكتب المصرية برقم (٤٠٢) مصطلح. وهي نسخة عادية، خطها رقعة، وعدد أوراقها ٥٧ ورقة من الحجم الصغير، وعدد سطور الصفحة ٢١ سطرا، وجاء في نهايتها قول المؤلف: «وكمل هذا التعليق في ١٣ جمادى الأولى سنة ٨٧٢ هـ بصالحية دمشق المحروسة، وهذا يحدد لنا زمان ومكان تأليف الكتاب، وقد عنونت النسخة بـ «شرح ألفية الحديث» للعيني، والمتن للعراقي رحمهما الله».\nوقد قال المؤلف في مقدمته: «قصدت أن ألخص من كلام الحافظ العلامة زين الدين العراقي تغمده الله برحمته، تعليقا لطيفا، على أرجوزته في علم الحديث، وأن أجعله ممزوجا (^٢)، تسهيلا للنظم، وتقريبا للفهم».\nومن هذا يظهر أنه مختصر لشرح العراقي، مع مخالفته في المنهج الشكلي، بجعله الشرح ممزوجا بالمتن، بينما شرح العراقي، غير ممزوج كما قدمت عنه، وقد تتبعت كثيرا من أبواب هذا المختصر، من أوله إلى آخره، وخاصة في الموضوعات المشكلة، والمختلف فيها، فلم أجد المؤلف خرج عما ذكره العراقي في شرحه، ولا أضاف من جانبه شيئا، كما يفعل بعض الملخصين لمؤلفات غيرهم، وعلى هذا، فإنه كان الأولى أن يعنون الكتاب بـ «مختصر شرح العراقي» ويذكر بهذا في الفهارس، وكان على صاحب «كشف الظنون» ذكره مع بعض ملخصات الشرح التي ذكرها (^٣)، بدلا من عده ضمن الشروح.\n_________\n(^١) انظر (فهرس مخطوطات المصطلح بدار الكتب المصرية) ص ٢٤٦/ نهر (١).\n(^٢) سبق التعريف بمزج الشرح.\n(^٣) انظر: كشف الظنون ٤/ ١٥٦.","vol":"3","page":935},{"text":"كما أشرت؛ لأن من بعده قد تبعوه على عده شرحًا مستقلا، وهو مخالف لواقعه، كما بينتُ فَلْيَتَنَبَّه لذلك.\nج - مختصر قاضي القضاة أحمد بن إبراهيم الحنبلي:\nمؤلف هذا المختصر هو: أحمد بن إبراهيم بن نصر الله، الحنبلي، الملقب بـ «قاضي القضاة» في زمنه، وأحد شيوخ السيوطي، الذي ترجمه، فذكر أنه ولد سنة ٨٠٠ هـ، وأن العراقي أجازه برواية الحديث، وذكر أنه درس بمدارس مصر العظيمة، وتوفي سنة ٨٧٦ هـ، وأن من مؤلفاته في المصطلح «مختصر شرح ألفية الحديث» للعراقي، ولكنه لم يذكر تفصيلات أخرى عن هذا المختصر، رغم أن مؤلفه هو أحد شيوخه (^١)، ولم أقف أنا على شيء من نسخه، ولا على نصوص منه.\nد - ملخص أمير بادشاه، البخاري، المكي، وبعض نسخه الخطية:\nوقد ذكره صاحب «كشف الظنون» عقب ذكره لشرح العراقي فقال: وملخص هذا الشرح، للسيد الشريف: محمد أمين، الشهير بأسير بادشاه البخاري، نزيل مكة، وبيض لتاريخ وفاته، ولم يذكره، ويظهر أنه اطلع على هذا الملخص، حيث نقل عبارة من أوله فقال: «أوله: الحمد لله الذي أسند حديث الوجود …» إلخ، ثم حدد تاريخ ومكان الفراغ من تأليفه، فقال: فرغ عنه بمكة، في رمضان سنة ٩٧٢ هـ (^٢). وقد وقفت على ذكر نسخة خطية منه في فهرس مكتبة «قاضي عسكر\n_________\n(^١) «نظم العقيان» للسيوطي/ ٧ ب، ٨ أ.\n(^٢) انظر: «كشف الظنون» / ١٥٦.","vol":"3","page":936},{"text":"محمد مراد» باستانبول، وذكرها المفهرس بعنوان (شرح ألفية العراقي) وذكر أنها في مجلد واحد، وخطه نسخ ورَقْمُه في المكتبة (٣٢٩) (^١)، ولم يتح لي الاطلاع على تلك النسخة، كما لم أقف على غيرها بفهارس المكتبات المصرية، والعربية.\n\n<span data-type='title' id=toc-308>٢ - أهم الحواشي على الشرح:</span>\n<span data-type='title' id=toc-309>أ - حاشية إبراهيم الحلبي، المعروف بسبط ابن العجمي:</span>\nذكر صاحب (كشف الظنون) من شروح الألفية المشهورة، شرح الشيخ إبراهيم بن محمد الحلبي، المتوفى سنة ٩٥٥ هـ (^٢)، ولم يذكر عنه تفصيلات أخرى. وقد وجدت السخاوي ترجم لإبراهيم بن محمد بن خليل المعروف بالبرهان الحلبي، وبسبط بن العجمي، وهو من أعيان تلاميذ العراقي كما قدمت، وذكر السخاوي من مؤلفات إبراهيم هذا، تعليقا يسيرًا على ألفية العراقي وشرحها، ولكنه ذكر وفاته في ٢٦ شوال سنة ٨٤١ هـ (^٣)، فلعل صاحب الكشف قصد ذكر هذه الحاشية، وأخطأ في تاريخ وفاة المؤلف، كما هو معروف عنه في كثير من الوفيات، ولكن العلماء من بعده، والكاتبين عن التراث، تابعوه على ما ذكر، دون تمحيص (^٤) فليتنبه لهذا.\n_________\n(^١) انظر «فهرس المكتبة» (/ ٢٩ و(نوادر المخطوطات) للشيخ طاهر الجزائري ٢/ ٨٥.\n(^٢) و(كشف الظنون) ٤/ ١٥٦.\n(^٣) و(الضوء اللامع) ج ١/ ١٣٨ وما بعدها.\n(^٤) انظر (مقدمة تحفة الأحوذي) للمباركفوري ج ١/ ٢٢٢، و(مقدمة شيخنا عبد الوهاب عبد اللطيف الجزائري لتحقيق كتاب) تدريب الراوي) ص هـ و(مقدمة عبد الرحمن عثمان لطبع فتح المغيث) للسخاوي بمصر سنة ١٩٦٨ ج ١/¬٤.","vol":"3","page":937},{"text":"وعموما فإن البحث الدائب لم يوقفني على شيء من تلك الحاشية ولا على تفصيلات أخرى عنها.\n\n<span data-type='title' id=toc-310>ب - حاشية ابن حجر العسقلاني:</span>\nهذه الحاشية ذكرها السيوطي ضمن مؤلفات ابن حجر فقال: ومما شرع فيه وكتب منه اليسير: «النكت على شرح ألفية العراقي» (^١)، وهذا يفيد أنه لم يتمها ومع ذلك فقد وجدتُ الحافظ ابن حجر نفسه، أجاز بما كتبه منها بعض تلاميذه مع الألفية وشرح العراقي عليها، فقال: «قرأ علي جميع هذه المنظومة الألفية، من نظم شيخنا شيخ الإسلام أبي الفضل عبد الرحيم … العراقي، وأذنت له أن يروي عني، بقراءتي لجميعها على شيخي المذكور مع شرحها … وأذن لي في إقرائها، وقد أذنت للشيخ القارئ علي ذلك، أن يروي عني جميع ما يجوز عني روايته، ومن ذلك: ما كتبته حاشية على الشرح المذكور … وأجزت له أن يفيد ذلك لمن رآه أهلا لذلك، وقال: وكتبه أحمد بن علي بن حجر العسقلاني في سنة ٨٤٥ هـ (^٢)، ونص هذه الإجازة يدل على تداول ودراسة ما أنجزه ابن حجر من حاشيته المذكورة، كما يشير إلى أنه أنجزه قبل تاريخ تلك الإجازة في سنة ٨٤٥ هـ، ويدل أيضًا على تداول الألفية، وشرح العراقي عليها، سواء بروايتهما بالسند المتصل عن العراقي، أو بدراستها والاستفادة بهما.\nوللأسف لم أقف على شيء من نسخ أو نصوص ذلك القدر من حاشية ابن حجر.\n_________\n(^١) «نظم العقيان»، للسيوطي/ ١٢ ب.\n(^٢) انظر آخر النسخة الخطية من ألفية العراقي، بدار الكتب المصرية برقم (٨٨٠) مجاميع طلعت رقم ١ من المجموعة.","vol":"3","page":938},{"text":"ج - حاشية الحافظ قاسم بن قطلوبغا الحنفي، وبعض نسخها الخطية:\nذكر صاحب «كشف الظنون» هذه الحاشية وذكر وفاة مؤلفها سنة ٨٧٩ هـ (^١) وقد وقفت على ذكر نسخة خطية منها موجودة بمكتبة «لاله لي» باستانبول برقم (٣٥٨).\nوجاء بفهرس المكتبة المخطوط: أن النسخة تقع في مجلد واحد في حجم الثمن، وخطها نسخ، ولكن لم يذكر اسم مؤلفها (^٢)، وقد ذكر في الفهرس المطبوع أنه: محمد بن قاسم (^٣)، وتبعه الشيخ طاهر الجزائري (^٤). وهذا وهم، والصواب أنه قاسم، كما سيأتي تصريحه بذلك في مقدمتها، ويظهر أن النسخة المشار إليها كاملة، ولكني لم أتمكن من الاطلاع عليها، وإنما وقفت على قطعة وحيدة من تلك الحاشية، موجودة بدار الكتب المصرية برقم (٧٩٨) مجاميع طلعت، وهي الثانية في المجموعة من ٣٨ - ٦٩ وتقرب من ثلث الكتاب، لأن آخر الموجود منها مبحث «زيادة الثقات»، وقد كتب تحت عنوان تلك القطعة، أنها بخط المؤلف، لكني وجدت بهوامش صفحاتها، إثبات مقابلتها بواسطة الشيخ الإمام محب الدين بن هشام، ودعاء المؤلف قاسم الحنفي له، وهذا يدل على توثيق النسخة بمقابلتها مع المؤلف وبواسطة هذا العالم المعروف، لكنه يُبْعِدُ القول بأنها بخط المؤلف فليتنبه لذلك، ولا يُغْتَر بما كتب بأولها أنها بخط المؤلف، كما ذكرت، وقد قال المؤلف في\n_________\n(^١) وكشف الظنون» / ١٥٦.\n(^٢) وفهرس مكتبة لاله لي والمخطوط/ ٢٢.\n(^٣) وفهرس المكتبة، المطبوع/ ٣١.\n(^٤) «منتخبات نوادر المخطوطات»، له/ ج ١/ ١٥٩.","vol":"3","page":939},{"text":"المقدمة: أما بعد فإن الفقير إلى رحمة ربه الغني، قاسم بن قطلوبغا الحنفي، يقول: «هذه حاشية علقتها على شرح ألفية الحافظ الزين العراقي حين قراءته علي» (^١).\nوبهذا يرد على من عد هذه الحاشية ضمن شروح الألفية (^٢) وعلى من سمى المؤلف محمد بن قاسم، كما أشرت من قبل. وقد اطلعت على تلك القطعة واستفدت منها، خاصة فيما امتازت به، من الاشتمال على بعض نصوص «الشرح الكبير» للعراقي، وبعض نصوص ما شرحه ولده أبو زرعة أيضًا من أبيات الألفية، وغير ذلك، كما يلاحظ من إحالاتي السابقة عليها، بحيث يكفيني ذلك عن ذكر نماذج أخرى منها، وقد لاحظت أيضًا أن الشيخ قاسم لم يعلق على كل مباحث الشرح، بل ترك بعض المباحث كلية دون تعليق، مثل: مباحث: «الحديث المرفوع» و«المتصل» و«الموصول» و«المقطوع». ولكن تعليقاته على باقي المباحث جيدة ومفيدة في جملتها، ومتممة المضامين شرح العراقي.\nد - حاشية البقاعي، وتسميتها، وإثبات إكماله لها، وبعض مميزاتها، ونسخها الخطية: هذه الحاشية ألفها الإمام برهان الدين إبراهيم بن عمر البقاعي المتوفى ٨٨٥ هـ، وهو من أبرز تلاميذ ابن حجر العسقلاني، وقال السيوطي: «إن من مؤلفات البقاعي الحسنة: «النكت الوفية على شرح الألفية» (^٣).\n_________\n(^١) انظر «الحاشية» ٣٨ ب.\n(^٢) «مقدمة عبد الرحمن عثمان لفتح المغيث» للسخاوي جـ ١/¬٤.\n(^٣) «نظم العقيان»، له/ ٦ أ.","vol":"3","page":940},{"text":"أما البقاعي فصرح في مقدمته كما سيأتي بتسميتها بـ «النكت الوفية بما في شرح الألفية»، وقد ذكر صاحب «كشف الظنون»: أن البقاعي بلغ إلى نصفها فقط، ونقل عبارة من أولها، مما يدل على إطلاعه عليها (^١)، وتبعه على هذا كثيرون حتى عصرنا الحاضر (^٢)، وقد تبين لي أن هذا خطأ، رغم تداوله وشيوعه، والصواب: أن البقاعي أكمل هذه الحاشية، وأقرب الأدلة التي توفرت لي على ذلك وأطرفها أيضًا، أن صاحب «كشف الظنون» نفسه الذي قرر توقف البقاعي عند النصف، قد نقل في هامش كتاب «الكشف» نصوصًا، وعزاها إلى تلك الحاشية، وهي من المباحث الواقعة في النصف الثاني، ذلك: أن نصفها الأول كما في النسخة التي وقفت عليها منه، ينتهي بـ «مبحث كتابة التسميع»، والنصوص التي نقلها صاحب «الكشف» بعضها من مبحث «آداب طالب الحديث» (^٣)، وهو المبحث الخامس عشر بعد مبحث «كتابة التسميع»، وبعضها من مبحث «غريب ألفاظ الحديث» (^٤)، وهو المبحث الثامن عشر بعد مبحث «كتابة التسميع»، فلعله حين كتب عن هذه الحاشية، لم يكن وقف على هذا النصف الثاني، ولما وقف عليه لم يتيسر له تصحيح ما سبقت كتابته. وهذا التصويب لم أجد من سبقني إلى إثباته فلله الحمد على توفيقه، ثم إني وجدت الطوخي في حاشيته على شرح\n_________\n(^١) وكشف الظنون ١/ ١٥٦.\n(^٢) انظر «مقدمة تحفة الأحوذي» للمباركفوري جـ ١/ ٢٢٢ و«مقدمة شيخنا عبد الوهاب عبد اللطيف ﵀ لتحقيق تدريب الراوي» / ص هـ.\n(^٣) انظر هامش «الكشف» ٥/ ١٨٤٩.\n(^٤) انظر هامش «الكشف» ٢/ ١٢٠٤، ١٢٠٦.","vol":"3","page":941},{"text":"الأنصاري للألفية كما قدمت، قد نقل عن تلك الحاشية في عدة مباحث من النصف الثاني منها، إلى آخر المبحث الثالث عشر منه (^١).\nكما وجدت نقولا منه بهوامش بعض نسخ شرح العراقي الخطية، حتى آخر مبحث «الحديث المسلسل» وهو المبحث التاسع عشر منه (^٢)، وسيأتي بعض الأدلة أيضًا، في التعريف بنسخة النصف الأول التي وقفت عليها، لكن يظهر أن البقاعي تراخى بين تأليف النصف الأول وتأليف النصف الثاني، بحيث تم تداول الناس النصف الأول وحده، والثاني وحده، وكان تداول الثاني أقل، بدليل أن النسخ التي وقفت على ذكرها هي للجزء الأول فقط، فقد ذُكِرَتْ نسخة بفهرس مكتبة فيض الله باستانبول برقم (٢٥٢)، وذكر المفهرس: أنه المجلد الأول فقط (^٣)، ونسخة ثانية بمكتبة عاطف أفندي بالآستانة أيضًا برقم (٢٦٨)، وذكر المفهرس: أنه مجلد واحد (^٤)، وكذا ذُكِرَتْ نسخة ثالثة المجلد واحد بمكتبة قاضي عسكر، باستانبول أيضًا برقم (٣٢٥) (^٥)، ولم يتح لي الاطلاع على أي من تلك النسخ، أما النسخة التي وقفت عليها فهي موجودة بالمكتبة العامة للأوقاف ببغداد برقم (١٥٠٧) حديث وعلومه، ورقمها في فهرس المكتبة المطبوع (٤٩١) حديث، وقد حصلت على صورة\n_________\n(^١) انظر «حاشية الطوخي» ٥/ ٢٦٧ أ.\n(^٢) انظر «النسخة» رقم (١٤٦) مصطلح طلعت، بدار الكتب المصرية).\n(^٣) «فهرس مكتبة فيض الله» المخطوط/ ٣٢.\n(^٤) انظر: «فهرس مكتبة عاطف أفندي» / ٢٣ و(منتخبات نوادر المخطوطات) للشيخ طاهر الجزائري ج ٢/ ٥٨.\n(^٥) «فهرس المكتبة» / ٢٩ و«منتجات الجزائري» ج ٢/ ٨٥.","vol":"3","page":942},{"text":"الباب الثالث: أثر العراقي والقلقيلي والوادآشي في مصطلح علوم السنة وعلو رجالها\nميكروفيلمية لها بمعونة صادقة من بعض الزملاء الأفاضل وهو الأخ الدكتور: «عبد الستار القدسي» جزاه الله خيرا.\nويبحثها من أولها إلى آخرها، تبين لي أنها نسخة من الجزء الأول فقط، كما سأفصله، كما أن بها خرما أزيد من ورقة من أثنائها، ولولاه لكانت في غاية الجودة، نظرًا لتوثيقاتها المتعددة، فهي مكتوبة في حياة المؤلف، وبخط بعض تلاميذه، بدليل قوله في عنوانها: تأليف شيخنا وسيدنا الإمام … . برهان الدين إبراهيم بن عمر بن حسن البقاعي … أدام الله النفع بعلومه، وأبقاه في عافية آمين.\nثم أُثبت بهامشها بخط البقاعي، في مواضع متعددة، قراءة تلميذه، مالك النسخة شهاب الدين الحمصي لها عليه، قراءة بحث وتقرير، وكذا أثبت بهامشها مقابلتها على المؤلف، ثم كتب في نهايتها تاريخ الفراغ من نسخها، وهو: ٥ من شهر ذي الحجة سنة ٨٨٠ هـ، أي قبل وفاة البقاعي بخمس سنوات تقريبا وهذا وقت متأخر عن تأليف الحاشية، حيث صرح البقاعي كما سيأتي بتأليفها في حياة شيخه ابن حجر المتوفى سنة ٨٢٥ هـ.\nوآخر الموجود بهذا الجزء مبحث «كتابة التسميع»، وجاء في نهايته ما نصه: «آخر الجزء الأول، ويتلوه في الثاني إن شاء الله تعالى «صفة رواية الحديث وأدائه»».\nوهذا صريح في أن البقاعي لم يتوقف عند هذا الموضع المساوي للنصف الأول للحاشية تقريبا، بل واصل المسيرة من بعده حتى أتمها، كما قررت من قبل، وقد وجدتُ فعلا نقول الطوخي عنه كما قدمت، ومنها نقله في أول","vol":"3","page":943},{"text":"مبحث (صفة رواية الحديث) هذا الذي قرر تلميذ المؤلف أنه أول الجزء الثاني من الحاشية، فكان أول كلام الطوخي على هذا المبحث منقولًا عن البقاعي في شرح عنوان المبحث، وهو «رواية الحديث وأدائه» حيث قال: «قال البقاعي: الظاهر أنه معناهما - أي الرواية والأداء - واحد، من حيث صدقهما على تبليغ الحديث إلى الغير …» الخ (^١).\nويقع هذا الجزء من الحاشية في ٣١١ ورقة، من الحجم العادي، وعدد سطور الصفحة ١٩ سطرًا، وخطها نسخ واضح، وبهامشها تصحيحات وتعليقات، وتمتاز حاشية البقاعي هذه، باشتمالها على أكبر قدر وقفت عليه من (الشرح الكبير) للعراقي على الألفية، وهو كما قدمت في حكم المفقود، فحفظ لنا البقاعي فيها قدرًا حسنًا من تراث العراقي وجهده العلمي، الذي لا نجده بذاته حاليا.\nكما أن بها نقولًا أخرى عديدة عن مؤلفات العراقي الأخرى.\nوتمتاز أيضا بتناول البقاعي فيها جميع أبواب الألفية بالتعليق، بخلاف ما فعله ابن قطلوبغا في حاشيته السابقة، من ترك التعليق على بعض الأبواب. ولهذا فإني اطلعت على هذا الجزء جميعه، واستفدت منه في هذا البحث كما يلاحظ ذلك من الإحالات عليه، وخير ما يعرفنا بتلك الحاشية هو مؤلفها حيث يقول في مقدمتها: «أما بعد فهذه فوائد، ونكت، وأبحاث، تتعلق بالألفية الحديثية وشرحها، كلاهما لشيخ الحفاظ، زين الدين … العراقي» في مصطلح أهل الحديث، قيدت فيها ما استفدته من تحقيق تلميذه.\n_________\n(^١) «حاشية الطوخي» / ٢٥٩ ب.","vol":"3","page":944},{"text":"شيخنا شيخ الإسلام حافظ العصر، أبي الفضل، ابن حجر الكناني العسقلاني …، أيام سماعي لبحثها عليه، بارك الله في حياته … سميتها «النكت الوفية بما في شرح الألفية»، ثم قال: «واعلم أن ما كان فيها من بحثي صَدَّرْتُه في الغالب بـ (قلت)، وختمته بقولي: والله أعلم، وما نقلته عن شيخنا من بعض الكتب، عزوته إليه، وما عدا ذلك، وهو جل الأمر، فهو من كلام شيخنا، فإن كان مِنْ بَحْثِهِ، فإني عبّرت عنه بعد انفصالي عن مكان الدرس بحسب فهمي، وإن كان ناقلا له، فإني كتبت اسم المنقول عنه من لفظه في الحال، وعبرت عن مقوله، كما تقدم» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-311>هـ - حاشية السخاوي، أو نكته:</span>\nذكر السخاوي هذا الكتاب مرة باسم الحاشية (^٢)، وأخرى باسم النكت (^٣)، وكلا الاسمين معتاد إطلاقهما على مسمى واحد، وهو التأليف الذي يتناول من كتاب بعض ألفاظه، وعباراته، وموضوعاته، بالتعليق، حسبما يظهر لمؤلفه وقد تناول فيه السخاوي الألفية أيضا، مع شرح العراقي لها، نظرا لأن الشرح مشتمل على كثير من عباراتها، بحكم التصدي لشرحها، ويظهر أنه ألفها قبل شرحه للألفية السابق التعريف به، لأنه ذكر في مقدمة الشرح المذكور: أنه لم يتوسع فيه، استغناء بهذا التصنيف المضبوط، الذي جعله كالنكت على الألفية، وعلى شرح المؤلف لها (^٤) ثم أحال عليها خلال الشرح،\n_________\n(^١) والنكت الوفية ٢/¬٥ أ.\n(^٢) انظر (فتح المغيث) للسخاوي ج ١/¬٣٠ و٥ الجواهر والدرر ٤/ ٨٦ ب، ٨٧ أ.\n(^٣) (فتح المغيث) للسخاوي ج ١/¬٢٣ و٥ الضوء اللامع: ج ٨/¬١٦ وما بعده.\n(^٤) (فتح المغيث) للسخاوي ج ١/¬٧، ٨.","vol":"3","page":945},{"text":"في عدة مواضع (^١)، واعتبرها أصلًا لشرحه (^٢)، لكن يبدو أنه يتض الشرح قبلها؛ حيث قال في الشرح: «فليراجع أصله بعد تحريره، إن شاء الله تعالى» (^٣)، وتعتبر هذه الحاشية بحسب وصف المؤلف لها، أوسع ما علمته من المؤلفات على شرح العراقي، فقد قال السخاوي: إنه بيض نحو ربعها في مجلد (^٤)، وذلك يفيد أن مبيضتها إذا كملت تقع في ٤ مجلدات، بينما شرح السخاوي - على اتساعه - يقع في مجلد مخطوط كما قدمنا، وعموما فإني لم أقف على شيء من نسخها في فهارس المكتبات المصرية والعالمية المتعددة التي اطلعت عليها وهي كثيرة.\nومما يصور اتساعها، بعض إحالات السخاوي نفسه في شرحه عليها، حيث يقول: إنه ذكر فيها من الأقوال في أصح الأسانيد ما يزاحم عشرين قولا (^٥)، وفي مبحث «المستخرجات» قال: إنه أورد من فوائدها في النكت نحو العشرين فائدة (^٦)، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-312>و- حواشي شيخنا الشيخ محمود ربيع ﵀ </span>-:\nوهي التعليقات التي ذكرها ﵀ بهامش طبعة الشرح المصرية، وسماها: «الدراري الفاخرة» وقدمت التعريف بها مع الطبعة، ومع أن المؤلف ﵀\n_________\n(^١) ج ١/¬٢٣، ٢٥، ٤١، ٥٢، ج ٢/¬٣٠.\n(^٢) ج ١/¬٢٦، ٦٠.\n(^٣) «فتح المغيث» ج ١/¬٢٦.\n(^٤) (الضوء اللامع) ج ٨/¬١٦ وما بعدها.\n(^٥) «فتح المغيث» ج ١/¬٢٥.\n(^٦) «فتح المغيث» ج ١/¬٤١.","vol":"3","page":946},{"text":"لم يكن له فيها من جهد إلا الجمع من هوامش النسخ الخطية لشرح العراقي، إلا أنها على أي حال تمثل امتداد الإهتمام بالتعليق العلمي على شرح العراقي هذا، حتى عصرنا الحاضر، وبالتالي امتداد أثره، وبالله التوفيق.\nختام:\nولعل من خير ما نختم به الكلام عن الألفية وشرحها، قول الحافظ ابن حجر عنهما في رثاء شيخه العراقي:\n«ونَظْمُ ابنِ الصَّلاحِ له صلاح … وهذا شرحه في الأفقِ راق» (^١).\n_________\n(^١) حسن المحاضرة للسيوطي ١/ ٣٦١.","vol":"3","page":947},{"text":"<span data-type='title' id=toc-313>٤ - نكت العراقي على كتاب ابن الصلاح ومكانتها، وأثرها</span>\n<span data-type='title' id=toc-314>أ - مكانتها:</span>\nأشرتُ من قبل إلى أن مقدمة ابن الصلاح كانت محور مؤلفات من بعده نظمًا ونثرا في علم المصطلح، وكما أسهم العراقي بألفيته في التصنيف المنظوم، كما قدمت، فقد أسهم بكتاب «النكت» هذا في المؤلفات المنثورة المتعلقة بمقدمة ابن الصلاح، وقد شاركه في هذا غير واحد من شيوخه ومعاصريه، فمن شيوخه علاء الدين مغلطاوي، في كتابه (إصلاح ابن الصلاح)، ومن معاصريه: بدر الدين الزركشي، في نكته، وسراج الدين بن الملقن في (المقنع)، والإمام البلقيني في «محاسن الاصطلاح وتضمين كتاب ابن الصلاح» (^١)، ولكن نكت العراقي منذ تأليفها، نالت تقدير العلماء أكثر من غيرها، حتى قرر الأبناسي تلميذ العراقي وقرينه: أنه نظر فوجد أحسن شيء وضع على كتاب ابن الصلاح، كلام الحافظ زين الدين العراقي (^٢)، وما تزال تلك النكت حتى الآن، هي أشهر التعليقات والشروح على كتاب ابن الصلاح، وأكثرها انتشارًا، وبالتالي كانت أوسعها وأعمقها تأثيرًا في علوم السنة، كما سنوضحه بعد.\nولما كان البلقيني وابن الملقن هما أبرز أقران العراقي، فإني حرصت على الاطلاع على كتابيهما السابق ذكرهما، رغم ندرة نسخهما الخطية،\n_________\n(^١) انظر «البحر الذي زخر» للسيوطي/ ٢ ب و«كشف الظنون» / ١١٦٢ و«التقييد والإيضاح» للعراقي/ ١١، ١٢.\n(^٢) انظر «الشذا الفياح من علوم ابن الصلاح» للأنباسي/ ١ ب. (مخطوط مصور)","vol":"3","page":948},{"text":"فوجدت تصريح البلقيني في مقدمة كتابه، بأنه جعله كالشرح لكتاب ابن الصلاح، مع التنبيه على بعض ما أغفله (^١)، ثم قرر ابن حجر أن كل ما زاده البلقيني في محاسنه، على ابن الصلاح، قد استمده من «إصلاح ابن الصلاح» لمغلطاي (^٢)، وبذلك فهو يمثل كتابين معا، على كتاب ابن الصلاح.\nأما ابن الملقن فصرح في مقدمة كتابه، بأنه عني فيه بتلخيص كتاب ابن الصلاح، وتقريبه وتنقيحه، مع زيادات مهمة، وفوائد جمة (^٣).\nوبمقارنتي العامة، والتفصيلية، بين هذين الكتابين الجامعين، وبين نكت العراقي، تبين لي أنها أجمع محتوى، وأعمق وأشمل في تناول المسائل، وتمحيص الآراء كما سيتضح خلال بحثي المفصل لها فيما يأتي:\n\n<span data-type='title' id=toc-315>ب - تسميتها:</span>\nذكر العراقي في مقدمة هذا الكتاب أنه أراد أن يجمع على كتاب علوم الحديث لابن الصلاح نكتا، تقيد مطلقه، وتفتح مغلقه (^٤)، ثم قال: «وسميته التقييد والإيضاح، لما أطلق وأغلق من كتاب ابن الصلاح» (^٥).\nوبذلك صار الكتاب يطلق عليه «نكت العراقي على كتاب ابن الصلاح» أو «التقييد والإيضاح»، ومن نسخه الخطية ما كتب عليه الاسمين معا (^٦)،\n_________\n(^١) انظر: محاسن الاصطلاح/ ١ ب.\n(^٢) «الجواهر والدرر» / ٨٥ ب.\n(^٣) «المقنع» / ٢.\n(^٤) «التقييد والإيضاح مع مقدمة ابن الصلاح»، ص ١١.\n(^٥) المرجع السابق ص ٢٢.\n(^٦) انظر النسخة الخطية بدار الكتب المصرية برقم (٢٥٣٣٧) ب.","vol":"3","page":949},{"text":"لكن العراقي نفسه اعتاد أن يطلق عليه، اسم «النكت على كتاب ابن الصلاح»، سواء في الإحالة عليه، أو فيما كتبه بخطه، من إثبات قراءته أو سماعه عليه، أو الإجازة، كما ستأتي أمثلة ذلك أيضًا، ولهذا فإن أكثر المترجمين للعراقي، والمعددين لمؤلفاته، من لدن عصره حتى الآن، يذكرونه باسم «النكت على كتاب ابن الصلاح» (^١)، جريا على المعتاد في استعمال المؤلف، ولكونه أخصر من الاسم التفصيلي، وهناك من راعى ذكره باسمه الأصلي، كابن فهد (^٢)، وصاحب «هدية العارفين» (^٣)، وخير الدين الزركلي (^٤)، وكارل بروكلمان (^٥)، وغيرهم، وذكره المناوي باسم «شرح مختصر ابن الصلاح» (^٦).\nلكن الأكثر استعمالًا هو: «النكت على كتاب ابن الصلاح»، أو «النكت على ابن الصلاح»، على حذف المضاف، ويليه استعمال الاسم الأصلي، وخاصة في الفهارس، وطبعات الكتاب.\n_________\n(^١) انظر ابن حجر: «المجمع المؤسس» ص ١٧٧ و«ابناء الغمر» ج ٢ ص ٢٧٦ وابن خطيب الناصرية: المجموع (ترجمة العراقي) والغزي: «بهجة الناظرين» ص ١٣٠. وابن قاضي شهبة: «طبقات الشافعية» ١١٠/ ب والسخاوي: «الضوء اللامع» ج ٤ ص ١٧٣ والسيوطي: «ذيول تذكرة الحفاظ»، ص ٣٧١، وابن العماد الحنبلي و«شذرات الذهب» ج ٧ ص ٥٥، والكتاني: «فهرس الفهارس» ج ٢ ص ١٩٨.\n(^٢) ذيول «تذكرة الحفاظ»، ص ٢٣٠.\n(^٣) مجلد ١ ص ٥٦٢.\n(^٤) «الأعلام»، ج ٤ ص ١١٩.\n(^٥) «تاريخ الأدب العربي» ج ٢ ص ٧٧ وما بعدها والملحق رقم ١ ص ٦١١.\n(^٦) «مقدمة شرحه الموجز على ألفية العراقي في السيرة».","vol":"3","page":950},{"text":"<span data-type='title' id=toc-316>جـ - تحقيق زمن تأليفها، وتصحيح الخطأ فيه:</span>\nولم يحدد العراقي تاريخ شروعه في هذه النكت، ولا الفراغ منها، وإنما أحال عليها في شرح ألفيته المتوسط، مرتين في أوائله (^١)، ومرتين في أواخره (^٢)، ثم أحال في أواخر كتاب «النكت»، مرتين، على شرح الألفية (^٣).\nوهذه الإحالات من كل منهما للآخر، تدل على أنه اشتغل بتأليفهما معا في فترة زمنية واحدة، بحيث كان ينجز من كل منهما ما تتوفر لديه مادته، ويتضح له، ولذلك نجد كلا منهما متمما للآخر، حتى في الموضوعات التي لم يحل فيها من أحدهما للآخر، كما سيأتي.\nويظهر أن العراقي فرغ من شرح الألفية أولًا، ثم فرغ من النكت بعده؛ لأن الموضعين المحال فيهما من النكت على شرح الألفية، يقعان في أواخر الكتاب كما أشرنا، كما أنه فيهما يقرر رجوعه عن بعض ما قرره في الألفية وشرحها، في نفس الموضوع، وذكر في ثانية الإحالتين كما قدمت ذكره في بحث الشرح: أنه نبه على وهم ما أثبته في شرح الألفية، لئلا يغتر به من يقف على الشرح.\nفهذا يدل على فراغه منه من قبل هذا التنبيه، وتداوله بين من يخشى اغترارهم بما قرره فيه في هذا الموضوع، ولو أنه لم يكن فرغ منه، وتداوله الناس، لأمكنه إصلاح الأصل على حسب ما ظهر له، ولم يحتج للتصويب.\n_________\n(^١) ج ١/ ٧٤ ص ١٠٠ «فتح المغيث» للعراقي.\n(^٢) نفس المرجع ج ٤ ص ٢٥، ص ١١٠.\n(^٣) «التقييد والإيضاح» ص ٣٩١، ٣٩٥، ٣٩٦.","vol":"3","page":951},{"text":"لما فيه، في الكتاب الآخر، وهو النكت، وقد تقدم أنه فرغ من شرح الألفية في ٢٩ رمضان سنة ٧٧١ هـ، فيكون فراغه من تأليف النكت متأخرا عن هذا التاريخ وقد جاء في آخر بعض النسخ الموثقة كما سيأتي ما نصه: «قال مؤلفه أمد الله تعالى مدته: وكان الفراغ من تبييض هذه النسخة، في يوم الأحد ٢١ ذي القعدة الحرام سنة ٧٨٢ هـ».\nوقد فهم بعض الباحثين أن هذا يعد تاريخ تبييض أصل الكتاب (^١)، كما ذكر في بعض الفهارس: أن هذا تاريخ تأليف الكتاب (^٢)، وعبارة المؤلف السابقة «وكان الفراغ من تبييض هذه النسخة» واضحة الدلالة على أن التاريخ المذكور، هو تاريخ تبييض هذه النسخة فقط، وليس تاريخ تبييض أصل الكتاب، فضلا عن تأليفه، فالتعبير بالتبييض، يفيد سبق وجود مسودة لأصل الكتاب كاملًا، وتقييد التبييض بكونه لهذه لنسخة، يمنع أن يكون هذا تبييضا لأصل الكتاب، ويفيد أيضًا تبييض غيرها من قبل، وعليه فما ذكر من أن التاريخ المذكور هو تاريخ تبييض أصل الكتاب أو تأليفه، وهم ممن قاله، نتيجة لعدم تأمل العبارة المذكورة، مع وضوحها في الدلالة على ما ذكرت.\nوأكثر وهما مما تقدم، قول صاحب «كشف الظنون»: (إن العراقي فرغ من تبييضه يوم الأحد ٢١ ذي القعدة سنة ٧٩٦ هـ) (^٣)، لأنه سيأتي من نسخ الكتاب الموثقة، ما أُثْبِتَ فيها: أنها منسوخة سنة ٧٩٣ هـ، ومقابلة على نسخة المؤلف المبيضة سنة ٧٨٣ هـ كما تقدم، كراسة، كراسة، وذلك ابتداء\n_________\n(^١) انظر «مقدمة الشيخ محمد راغب الطباخ لتحقيق علوم الحديث لابن الصلاح ونكت العراقي».\n(^٢) انظر: فهرس مكتبة لاله لي، باستانبول/ ٣١\n(^٣) «كشف الظنون» ص ١١٦٢\"","vol":"3","page":952},{"text":"من آخر المحرم سنة ٧٩٦ هـ، وأثبت العراقي بخطه قراءتها وسماعها عليه في مجالس، أولها في ٢٤ جمادى الآخرة سنة ٧٩٦ هـ، وتلك كلها تواريخ سابقة على ما ذكره صاحب (كشف الظنون)، فيعد هذا وهما منه أيضًا، كما وهم سابقوه.\nوللأسف أنه تابعه عليه غيره من الباحثين بعده، مثل المباركفوري في (مقدمة شرحه للترمذي)، فصار خطأ متداولًا في المؤلفات في تاريخ تراث السنة (^١)، فلينتبه له\n\n<span data-type='title' id=toc-317>د - أهم النسخ الخطية في مكتبات العالم:</span>\n١ - نسخة بمكتبة «لاله لي» باستانبول برقم (٣٦٦) أصول الحديث، ومعها شرح الألفية، كلاهما في مجلد واحد، وذكرت في الفهرس بالاسم الأصلي للكتاب (^٢)، وذكر أن تاريخ تأليفه سنة ٧٨٢ هـ (^٣)، وقد بينت فيما تقدم عدم صحة ذلك، فلينتبه له من يطلع على الفهرس\n٢ - نسخة بمكتبة عاطف أفندي باستانبول برقم (٣٨٠) أصول الحديث، وذكرت باسم: «نكت ابن الصلاح»، ونسبت لحسين العراقي، والصواب: عبد الرحيم بن الحسين، كما هو معروف، وتقع تلك النسخة في مجلد وخطها نسخ (^٤).\n_________\n(^١) انظر: مقدمة تحفة الأحوذي شرح جامع الترمذي لابى العلا محمد المباركفوري ج ١/ ٢٢٠.\n(^٢) وهو: «التقييد والإيضاح لما أطلق وأغلق من كتاب ابن الصلاح»، وهذا مرادي بالاسم الأصلي فيما أذكره بعد هذا، للاختصار\n(^٣) «فهرس المكتبة» المطبوع ص ٣١\n(^٤) «فهرس المكتبة» المطبوع ص ٢٤","vol":"3","page":953},{"text":"٣ - نسخة بمكتبة جامعة (يايل) في نيوهافن، بأمريكا برقم (٨٦) وذكرت بالاسم الأصلي للكتاب (^١).\n٤ - نسخة بمكتبة برلين تحت رقم (٣٩٧٦)، ومذكورة بالاسم الأصلي للكتاب (^٢).\n٥ - نسخة بمكتبة بانكبور بالهند برقم (٤٤٢/¬٢/¬٥) ومذكورة باسم الكتاب الأصلي (^٣).\n٦ - نسخة بمكتبة حلب برقم (٣٧٠)، وعنوانها كالسابقة (^٤)، ولعلها هي التي اعتمد عليها الشيخ محمد راغب الطباخ ﵀ في طبع الكتاب كما سيأتي.\n\n<span data-type='title' id=toc-318>هـ - بعض النسخ الدالة على أثر العراقي في منهج تحقيق النصوص، وبه يرد زعم المستشرقين في السبق إلى ذلك:</span>\nهذه النسخة هي إحدى نسخ دار الكتب المصرية، ورقمها (٣٦) مصطلح، وتعتبر أوثق وأكمل ما رأيته، وقد عنونت بالاسم الأصلي للكتاب، وفي نهايتها ما نصه: «قال مؤلفه أمد الله تعالى في مدته: وكان الفراغ من تبييض هذه النسخة، في يوم الأحد ٢١ من ذي القعدة الحرام سنة ٧٨٢ هـ» وعقب ذلك كتب: «كتبه بيده لنفسه … يعقوب بن أحمد بن عبد المنعم الأزهري.\n_________\n(^١) «كتاب المخطوطات العربية في دور الكتب الأمريكية» ص ١٧.\n(^٢) «تاريخ الأدب العربي» لبروكلمان ج ٢ ص ٧٧ وما بعدها.\n(^٣) «ملحق تاريخ الأدب العربي» لبروكلمان ج ١ ص ٦١١.\n(^٤) المرجع السابق.","vol":"3","page":954},{"text":"الأطفيحي، وكان الفراغ من كتابته يوم الإثنين المبارك لثمان وعشرين ليلة خلت من شهر شعبان سنة ٧٩٣ هـ».\nثم كتب تحت ذلك بخط العراقي … «قرأ عَلَيَّ الشيخ المحدث … شرف الدين يعقوب بن أحمد …، كاتب هذه النسخة، جميع هذه النكت على كتاب ابن الصلاح، فسمع جميع ذلك الشيخ …، المحدث جمال الدين يوسف بن إسماعيل بن يوسف الأنبايي، وآخرون …، وذلك في مجالس، آخرها في يوم الثلاثاء ٢٩ ربيع الآخر سنة ٧٩٩ هـ، وأجزت لهم …، قاله وكتبه: عبد الرحيم بن الحسين بن العراقي». وهذا الخط مشبه فعلا خط العراقي في غير هذه النسخة، وقد بلغ عدد مجالس قراءتها عليه ٥٤ مجلسًا وأثبت في نهاية المقروء في كل مجلس، بخط العراقي قراءة الإطفيحي عليه، وسماع ولده، والجماعة، وذلك فيما عدا المجلس الأول، وبعض مجالس بعده حيث أثبت أنها بقراءة الشيخ زين الدين القمني، وسماع الأطفيحي، والجماعة (^١)، وقد أرّخ المجلس الأول في ٢٤ جمادى الآخرة سنة ٧٩٦ هـ (^٢)، كما أُثبت بهامش النسخة، أيضًا مقابلتها على نسخة المؤلف، وهي أدق مقابلة رأيتها، حيث أُثبت بهوامش النسخة، آخر عبارة منها، ينتهي بها كل كراس من كراريس نسخة المؤلف.\nحتى آخر هذه النسخة، كما أُثبت بهامشها أيضًا: أن تلك المقابلة كان أغلبها أثناء قراءة النسخة على العراقي (^٣).\n_________\n(^١) انظر/ ٤ أ، ١٠ أ/ هامش.\n(^٢) انظر/ هامش/ ٤ أ.\n(^٣) انظر/ ٤٢ أ/ هامش.","vol":"3","page":955},{"text":"ومقتضى هذا أن المقابلة على ذلك النحو الدقيق، قد تمت بإشرافه ومشاركته، وهي تعد أدق وأحدث مناهج توثيق النص وتحقيقه، التي جرى عليها الغربيون، وبعض الشرقيين مؤخرًا، عند تحقيق المخطوطات ونشرها، حيث يذكرون بهامش الكتاب المطبوع علامة أول الوجه والظهر لكل ورقة من النسخة الخطية المعتمد عليها في نشر الكتاب، توثيقًا للنص المطبوع، وتمكينًا للباحث من الرجوع للأصل الخطي في أي موضع من الكتاب، في يسر.\nبل أكثر من هذا دقة: أن صاحب النسخة المذكورة، أثبت بجانب تحديد القدر المقابل لما في نسخة العراقي، تاريخ مقابلته بها، مثل قوله: «فهكذا آخر الكراس السابع من نسخة المؤلف، بلغ في ٢٢ صفر سنة ٧٩٦ هـ (^١)» ومثل ذلك أرخ بقية المقابلات (^٢).\nكما أن هناك قدر صفحة ونصف، لم يقابله، فأثبت ذلك بالتحديد (^٣). وبهذا كله تمثلت في تلك النسخة غاية الدقة في توثيق النص، ومقابلته وتحقيقه، ومن المعروف أن علم المصطلح الذي ألف العراقي فيه نكته هذه وغيرها، قد خصص مبحثًا لبيان كيفية مقابلة النسخ الحديثية بأصولها (^٤)، وجعل أيضًا من مهمات المحدث، أن يقابل مع طلبته ما كتبوه عنه، أو عن غيره، لتصحيحه وتوثيقه، وقد نهض العراقي بتلك المهمة كما قدمت في وظائفه العلمية، وباشر عمليًا مع طلابه، المقابلة، وتحقيق النص، على هذا\n_________\n(^١) انظر/ ٣٨ أ/ هامش.\n(^٢) انظر/ ٣٦ ب/ هامش.\n(^٣) انظر ٢٢ أ - ٢٣ أ.\n(^٤) انظر والألفية» / ٢٠٢ و٥ «شروحها للعراقي» وغيره ممن قدمنا ذكرهم.","vol":"3","page":956},{"text":"المنهج الدقيق الباقي نموذجه بين أيدينا في النسخة المذكورة حتى الآن، وهي أنموذج كفيل بالرد العملي على بعض المستشرقين حيث يقول: «إن حنين بن إسحاق المتوفى سنة ٢٦٢ هـ، كان معنيًّا بفن المقابلة التطبيقية، في ترجمة الكتب ولم يكن للمقاييس التي استخدمها ما يناظرها أو يفوقها في الأدب العربي المتأخر» (^١).\nولو أنه اطلع على النسخة المشار إليها ما وسعه الجزم بمقولته هذه، حيث تمت مقابلتها بأدق المقاييس، كما رأينا، وبواسطة أحد المتأخرين، وهو الحافظ العراقي، مع تلاميذه.\nوتعد تلك النسخة أيضًا أكمل من النسخ المبيضة قبلها، وذلك لأنها تضمنت زيادات - وإن كانت يسيرة - أضافها المؤلف لنسخته المقابل بها، قبل تاريخ كتابة هذه النسخة بنحو شهرين (^٢)، كما أن كاتب هذه النسخة عندما قرأها على العراقي، أضاف بعض ألفاظ شفاهة، فأثبتها القارئ بهامش النسخة، مبينا دخولها في الأصل، في الموضع الذي أضافها فيه العراقي (^٣)، وقد خلت من هذه اللفظة، غير النسخة المذكورة مما هو مقروء على المؤلف، فضلا عن غيره (^٤).\nوتمتاز هذه النسخة أيضًا بأنه يوجد بآخرها بنفس خطها، وتوثيقها، المجلس.\n_________\n(^١) انظر «أصول نقد النصوص ونشر الكتب للمستشرق الألماني» / برجستراسر ٢٧، ٩٤.\n(^٢) انظر هامش/ ٢٦ ب.\n(^٣) انظر هامش/ ١٤ ب.\n(^٤) انظر النسخة رقم (٢٥٣٣٠) ب بدار الكتب المصرية/ تنبيه ٦ من مبحث الحديث الحسن، و١٤ ب من النسخة المذكورة.","vol":"3","page":957},{"text":"٨٢ من الأمالي الحديثية للعراقي، ويقع في صفحتين ولم ينبه عليه بفهرس دار الكتب (^١).\nوعدد أوراق تلك النسخة ١٠٦ ورقات، بما فيها الورقتان المكتوب فيهما المجلس المذكور، وخطها نسخ جيد، والكلمات المشكلة الضبط، مشكولة بالحركات، وعدد سطور الصفحات مختلف، من ٢٤ إلى ٢٥ سطرًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-319>و- طبعات الكتاب ونقدها:</span>\nإذا كان العراقي وتلاميذه قد اعتنوا بنسخ هذا الكتاب، وتصحيحه، وانتشرت نسخه الخطية كما رأينا، في المراكز العلمية في العالم، فإنه قد نال أيضًا العناية بتحقيقه ونشره في عصر الطباعة، تقديرًا لأهميته، ولم يعرف طبع تعليق على كتاب ابن الصلاح قبله، وقد طبع حتى الآن مرتان:\nالأولى: طبعة المطبعة الحلبية، بحلب سنة ١٣٥٠ هـ، والموافق سنة ١٩٣١ م، وهي طبعة محققة بواسطة الشيخ محمد راغب الطباخ ﵀، وقد كان من ذوي الخبرة والعناية بنشر التراث، وخاصة علوم السنة التي قام بتدربها ثلاث سنوات، قبل طبع هذا الكتاب (^٢)، وتقع هذه الطبعة في مجلد عدد صفحاته ٤٣٢ صفحة من الحجم الكبير، وقد ذكر في أولها: الطبعة الأولى للكتاب، وطبع معه في أعلا الصحيفة كتاب (علوم الحديث لابن الصلاح)، ويليه نكت العراقي عليه، ويليهما تعليقات للمحقق وجعل عنوان الطبعة على نفس ترتيب محتواها فقال: (علوم الحديث)\n_________\n(^١) انظر (فهرس الكتنجانة الخديوية) / ج ١/ ٣٣٢ و٥ فهرس مخطوطات والمصطلح/ ١٨٣\n(^٢) انظر مقدمة الطبعة المذكورة.","vol":"3","page":958},{"text":"المعروف بمقدمة ابن الصلاح، وشرحه «التقييد والإيضاح» وتعليقات عليه في الذيل، لناشر الكتابين سماها «المصباح على مقدمة ابن الصلاح».\nوقد جرى الشيخ الطباخ في إخراج هذه الطبعة على القواعد العلمية للتحقيق، في حدود المتعارف عليه حينئذ، بكل دقة وإتقان، وعمل مقدمة شافية بين فيها منهجه في التحقيق، وعرف بالنسخ الخطية التي اعتمد عليها في طبع الكتاب، وهي نسخ ثلاث موثقة، أولها: نسخة مكتبة التكية الإخلاصية بحلب، وهي بخط الحافظ ابن حجر العسقلاني، ولعلها هي النسخة السابق ذكر وجودها بمكتبة حلب.\nوقد تضمنت تعليقات الشيخ الطباخ، التعليق على ١٩ نوعا من كتاب ابن الصلاح لم يعلق العراقي عليها، كما سيأتي، وبذلك سد المحقق فراغا كبيرا، بالإضافة إلى تعليقات توضيحية على كتابي ابن الصلاح، ونكت العراقي، فأدى بذلك خدمة جليلة للكتابين على قدر وسعه.\nهذا وقد قمت بمقابلة نماذج عديدة، من تلك الطبعة، بنسخ دار الكتب المصرية، وخصوصا في المواضع التي لاحظت اختلاف النسخ فيها، فوجدت أن تلك الطبعة فيها اختلافات عن أوثق نسخ الدار السابق ذكرها وهي نسخة (٣٦) مصطلح، وتتمثل هذه الاختلافات في تحريف بعض الكلمات فيها، وسقوط بعض آخر، ووجود خلل في السياق، مع نقص مخل بالمعنى (^١)، وهذا مع قلته، فعذر المحقق فيه: عدم توفر النسخة المشار إليها لديه، ولو أنها توفرت له، لما قصرت همته المشهورة عن مراجعة هذه النواقص وتلافيها.\n_________\n(^١) انظر صفحات/ ١٨١، ٢٨٠، ٢٨٧ وقابلها من النسخة المشار إليها بـ ٤٣ أ، ٦٣ أ، ٦٤ ب.","vol":"3","page":959},{"text":"فَلْيَتَنَبَّه لذلك غيره، من المحققين والباحثين.\nكذلك لاحظت على هذه الطبعة من حيث الشكل عدم الالتزام بوضع أوائل الأبواب، والفقرات، تحت مقابلها من كتاب ابن الصلاح كما هو المطلوب، في وضع الشرح مع المتن، منعًا لتشتت القارئ، وفيما عدا هاتين الملاحظتين، تعد تلك الطبعة أضبط وأتقن وأوفى من الطبعة التالية.\nالطبعة الثانية: ولما ندرت نسخ الطبعة السابقة، أعيد طبع الكتاب لأول مرة بالقاهرة سنة ١٣٨٩ هـ الموافق سنة ١٩٦٩ م، وتقع هذه الطبعة في ٤٩١ صفحة، من القطع العادي وناشرها هو محمد بن عبد المحسن الكتبي، صاحب المكتبة السلفية بالمدينة المنورة، أما المحقق فهو عبد الرحمن محمد عثمان، وقد طبع «التقييد والإيضاح» مع «مقدمة ابن الصلاح»، لكنه جعل عنوان الطبعة: «التقييد والإيضاح شرح «مقدمة ابن الصلاح»، واكتفى بالإشارة في المقدمة إلى أنه طبع مع الشرح مقدمة ابن الصلاح.\nوأقل ما توصف به هذه الطبعة: أنها مزورة، وساقطة الاعتبار، ذلك أن المحقق لم يبين الأصل الذي اعتمد عليه في طبع مقدمة ابن الصلاح، أما «التقييد والإيضاح» مقصوده الأصلي، فقد قرر في التقديم: أنه اعتمد فيه على نسخة دار الكتب المصرية رقم (٢٥٣٣٧) ب، وذكر أن على ظاهرها عبارة تملك، نصها «ملك صاحب النعم، الوزير الحاج إبراهيم باشا والي جدة، دام عزه ومجده إلخ» (^١)، ثم وضع صورة صفحتين خطيتين، بأول الطبعة وثلاثة بآخرها، على أنهم نماذج\n_________\n(^١) انظر/ ٤ من المقدمة.","vol":"3","page":960},{"text":"للمخطوطة المعتمد عليها، وكل هذا زور محض، فعبارة التملك التي ذكرها، والصفحات المصورة، كلاهما وجدته من النسخة الخطية رقم (٣٦) مصطلح، السابق التعريف بها، لا النسخة رقم (٢٥٣٣٧) ب كما ذكر، ثم إن النسخة ذات الرقم المذكور قد اطلعت أنا عليها، ووجدت بها من العيوب ما يمنع صلاحيتها للاعتماد عليها على أنها أصل لتحقيق الكتاب، والأدهى من هذا، أن في الطبعة سقوطا متعددة أقلها كلمة، وأكثرها ٣٥ سطرا، ومعظم الساقط موجود بالنسخة التي صرح بالاعتماد عليها في الطبع، فضلا عن غيرها (^١).\nكما يوجد بالطبعة أيضًا بعض أخطاء واختلال في السياق، مع سلامة النسخة المصرح بالاعتماد عليها من ذلك (^٢)\nهذا فضلا عن العيوب الشكلية، مثل عدم ترتيب الشرح مع المتن، كما ذكرت عن الطبعة الحلبية، ومثل الخطأ في تقسيم النص إلى فقرات، وفي وضع الفواصل الإملائية، مما يؤدي كثيرًا، لاختلاف المعنى وتفرقه.\nولهذا فإن هذه الطبعة، لا يصلح الاعتماد عليها وحدها، بل ينبغي الإستعانة معها بالطبعة الحلبية، أو ببعض النسخ الخطية الموثقة، مثلما فعلت فيما اعتمدت فيه عليها.\nكذلك ينبغي العناية بإعادة طبع الكتاب طبعة علمية محققة، لتلافي أخطاء\n_________\n(^١) انظر ص ١٤٨، ١٤٩ من الطبعة، وقابلها بنسخة (٢٥٣٣٧) ب/ ٣٩ ب حيث يبلغ السقط من الطبعة/ ٣٥ سطرا تقريبا.\n(^٢) انظر مثلا ص ٣٥ سطر ٧ وقابل بالنسخة المشار إليها/ ٧ ب.","vol":"3","page":961},{"text":"الطبعتين السابقتين، ويعتمد فيها على أكبر قدر ممكن من نسخ الكتاب الموثقة، مثل نسخة دار الكتب المصرية (٣٦) مصطلح، ويجب أيضًا طبع مقدمة ابن الصلاح معه، نظرًا لأن العراقي لم يلتزم نقل نص كتاب ابن الصلاح الذي يعلق عليه، بل قد يذكر طرفًا منه، أو يذكر معنى كلام ابن الصلاح، وبهذا يحتاج الشخص إلى الوقوف على نص كتاب ابن الصلاح كاملًا، حتى يعرف كيفية تعليق العراقي عليه في نكته، بوضوح ويسر، والله الموفق.\n\n<span data-type='title' id=toc-320>ز - الداعي لتأليف الكتاب والهدف منه:</span>\nذكر العراقي في مقدمة النكت: أن كتاب ابن الصلاح أحسن ما صنف أهل الحديث في معرفة الاصطلاح، ثم استدرك قائلًا: «إلا أن فيه غير موضع قد خولف فيه، وأماكن أخر تحتاج إلى تقييد وتنبيه، فأردت أن أجمع عليه نكتا تقيد مطلقه، وتفتح مغلقه، وقد أورد عليه غير واحد من المتأخرين إيرادات ليست بصحيحة، فرأيت أن أذكرها وأبين صواب كلام الشيخ وترجيحه، لئلا يتعلق بها من لا يعرف مصطلحات القوم، وينفق من مزجي البضاعات ما لا يصلح للسوم» (^١).\nومن ذلك نفهم، أن حسن كتاب ابن الصلاح في موضوعه، وهو علم المصطلح، لم يمنع من وجود ثغرات فيه، تتمثل عند العراقي، في بعض المسائل، والآراء، التي قررها ابن الصلاح، وخالفه فيها غيره، أو وجه إليه اعتراض بشأنها، أو أطلقها وهي محتاجة إلى التقييد، أو لم يتضح المراد منها لمن بعده، فاحتاجت إلى توضيح وتنبيه، فكان ذلك مما دعى العراقي لتأليف هذه النكت.\n_________\n(^١) انظر: التقييد والإيضاح» / ١١، ١٢.","vol":"3","page":962},{"text":"وهدف فيها إلى ثلاثة أمور أساسية، هي: تقييد ما يحتاج إلى التقييد مما أطلقه ابن الصلاح، وإيضاح ما هو غامض أو مشكل، والجواب عن الاعتراضات غير الصحيحة التي وجهت إلى ابن الصلاح من المتأخرين عنه، ومن هذا يتضح لنا أن العراقي لم يقصد إلى عمل شرح كالمعتاد، لعامة الأبواب، والموضوعات، والألفاظ، والعبارات التي اشتمل عليها كتاب ابن الصلاح، وإنما قصد تناول مواضع وقضايا معينة، رآها تحتاج أكثر من غيرها إلى الشرح والتمحيص، وإحقاق الحق، ولهذا ترك عددا من الأبواب لم يعلق عليه كلية، كما سنوضحه، وقد تبين لي من البحث الكامل للكتاب، أن العراقي وفى فيه بتلك الأهداف التي قصدها وحددها، بل وزاد عليها زيادات لها قيمتها وتأثيرها، في مصطلح علوم السنة، كما سيأتي تفصيله.\n\n<span data-type='title' id=toc-321>ح - مصادر العراقي في النكت، ورأيه في الرجوع إلى المصادر ونقده:</span>\nلما كانت الموضوعات الأساسية في مقدمة ابن الصلاح هي نفس موضوعات ألفية العراقي وشرحه لها السابق ذكره، فإني وجدت أن معظم المصادر التي اعتمد عليها في الألفية وشرحها، قد اعتمد عليها أيضًا، في هذه النكت، غير أنه لما كان من هدفه في النكت كما قدمت، أن يجيب عن الاعتراضات الموجهة إلى ابن الصلاح ممن جاء بعده، فإنه احتاج إلى الرجوع إلى المصادر التي اشتملت على تلك الاعتراضات لنقلها، تمهيدا لمناقشتها والجواب عنها، كما أن اختلاف منهجه في النكت، وتقدمه العلمي كما سنفصله، جعلاه يرجع إلى مصادر أخرى لم يسبق إشارته في الألفية وشرحها للاعتماد عليها.\nوأهم المصادر التي وجدته أشار إلى الاعتماد عليها، زيادة على ما قدمته في.","vol":"3","page":963},{"text":"مصادره في الألفية وشرحها، ما يأتي: «ابن الصلاح في القطعة التي شرحها من صحيح مسلم (^١)، وفوائد رحلة ابن الصلاح أيضًا بخطه (^٢)، وفتاواه (^٣)، وكلهم الآن قليل الوجود» (^٤)، والأزهري في «تهذيب اللغة» (^٥)، وابن عساكر في «أطراف الكتب الستة» (^٦) وفي «أماليه» (^٧) وفي «كتاب الأوائل» (^٨)، وابن دقيق العيد في «الإمام شرح كتاب الإلمام في أحاديث الأحكام» (^٩)، وقد كان الموجود من هذا الشرح نادرًا حتى في عصر العراقي، وابن الأشعث في «سننه» (^١٠)، والطبري صاحب «التاريخ، والتفسير، والصحابة» (^١١)، وأبو بكر الجياني في «الأربعين العلوية» (^١٢)، و«مسند الشهاب» (^١٣)، للقضاعي، وابن فتحون في «التنبيه على ما أوهمه ابن\n_________\n(^١) «النكت» / ٣٩ وهذه القطعة مطبوعة الآن، بعنوان: «صيانة صحيح مسلم» بتحقيق تلميذي النجيب الفاضل الدكتور/ موفق عبد القادر.\n(^٢) «النكت» / ١٣٩.\n(^٣) «النكت» / ٤٢٩.\n(^٤) لكن فتاواه الآن وجدت، وطبعت، أما فوائد رحلته، فلم أقف عليه.\n(^٥) «النكت» / ٤٦.\n(^٦) و«النكت» / ٤٢٩.\n(^٧) و«النكت» / ٢٦٨.\n(^٨) و«النكت» / ٣٢٢.\n(^٩) و«النكت» / ٢٧١.\n(^١٠) و«النكت» / ٢٦٨ وهو سليمان بن الأشعث، أبو داود السجستاني.\n(^١١) «النكت» / ٣٤١، ٢٤٢.\n(^١٢) و«النكت» / ٢٦٨.\n(^١٣) و«النكت» / ٢٦٨.","vol":"3","page":964},{"text":"عبد البر، أو وهم فيه في «كتاب الاستيعاب» في الصحابة» (^١)، وأبو عبد الله الربيع الجيزي في «حديث من دخل مصر من الصحابة» (^٢)، وتمام الرازي في «جزء جمع فيه حديث أبي العشراء» (^٣)، والرشيد العطار في «جزء من تخريجه» (^٤)، وابن الجوزي في «موضوعاته»، النسخة الأولى، بخط الحافظ المنذري (^٥)، والأخيرة بخط ولد ابن الجوزي (^٦)، ومحمد بن إسحاق في «سيرته» (^٧)، وهي الآن في حكم المفقودة، وعبد الغني الأزدي في «جزء فيمن روى من التابعين عن عمرو بن شعيب» (^٨)، والباوردي في «الصحابة» (^٩)، وابن أبي حاتم في «الكنى» (^١٠)، وأبو عمرو الكندي في «موالي أهل مصر» (^١١)، والخرائطي في «مكارم الأخلاق» (^١٢)، و«مشارق الأنوار في شرح الموطأ» للقاضي عياض (^١٣)، والخطيب البغدادي في «تالي\n_________\n(^١) «النكت» / ٣٤٢.\n(^٢) «النكت» / ٣٦٣.\n(^٣) «النكت» / ٣٥٥.\n(^٤) «النكت» / ٢٦٨.\n(^٥) «النكت» / ٢٦٩.\n(^٦) «النكت» / ٢٧٠.\n(^٧) «النكت» / ٣٠٩، ٤٣١.\n(^٨) «النكت» / ٣١٩.\n(^٩) «النكت» / ٣٦٢.\n(^١٠) «النكت» / ٣٦٩، ٣٦٠. ولعل مقصوده قسم الكنى من كتاب الجرح والتعديل.\n(^١١) «النكت» / ٣٧٠.\n(^١٢) «النكت» / ٢٣٢.\n(^١٣) «النكت» / ٢٩٥.","vol":"3","page":965},{"text":"التلخيص» في علم الرجال (^١)، وفي «رواية ستة من التابعين بعضهم عن بعض» في جزء (^٢)، والدارقطني في «المدبج». وكان العراقي يمتلك نسخة صحيحة منه، ولخصه في «النكت» (^٣)، وأبو الحسن بن الأثير في «أسد الغابة في معرفة الصحابة» (^٤)، وابن الدبيئي في «ذيل تاريخ بغداد» (^٥)، وموسى بن عقبة في «مغازيه» (^٦)، وأبو أحمد بن عدي فيمن أتفق الشيخان على إخراج حديثه (^٧)، وحمزة الكناني في «أماليه» (^٨).\nوأما كتب المتأخرين المتعلقة بالاعتراضات: فمنها: لشيخ العراقي علاء الدين التركماني اختصاره لكتاب ابن الصلاح (^٩)، ولشيخ العراقي أيضًا الحافظ ابن كثير، اختصاره لكتاب ابن الصلاح (^١٠).\nومنها: لتاج الدين التبريزي المتوفى سنة ٧٤٦ هـ، كتاب «الكافي»،\n_________\n(^١) «النكت» / ٤٢٢.\n(^٢) «النكت» / ٣١٩.\n(^٣) «النكت» / ٣٣٤.\n(^٤) «النكت» / ٣٦٣.\n(^٥) «النكت» / ٤٠٨.\n(^٦) «النكت» / ٤٣٥.\n(^٧) «النكت» / ٤٠٣.\n(^٨) «النكت» / ٤٤٣.\n(^٩) «النكت» / ٤١٨.\n(^١٠) «النكت» / ٤٥، ٦١.","vol":"3","page":966},{"text":"مختصر كتاب ابن الصلاح أيضًا (^١)، ولشيخ العراقي أيضًا علاء الدين مغلطاي كتاب «إصلاح ابن الصلاح».\nوقد قال العراقي في مقدمة «النكت»: إن شيخه مغلطاي أوقفه على هذا الكتاب، وقرأ له من لفظه موضعًا منه، وذكر أنه لم ير هذا الكتاب بعد ذلك (^٢)، لكن بعض الاعتراضات التي نقلها للرد عليها خلال الكتاب، نسبها تلميذه ابن حجر، والسيوطي بعده، للحافظ مغلطاي (^٣)، فلعل العراقي رأى الكتاب مرة ثانية واطلع عليه، بعد كتابة مقدمة النكت؛ لأنه كتب المقدمة قبل الفراغ من تأليف النكت، ولذلك يقول في آخرها: «والله أسأل، وأستعين، أن يوفق لإكماله ويعين (^٤)».\nثم إن العراقي أشار غير مرة، إلى رأيه في الرجوع إلى المصادر، فقد قال ابن الصلاح: «ذكر الخطيب البغدادي في أجوبة مسائل سئل عنها: «إن المجهول عند أصحاب الحديث: هو كل من لم تعرفه العلماء، ومن لم يعرف حديثه إلا من جهة راو واحد … إلخ»» (^٥)، فعلق العراقي على ذلك بقوله: «إن المصنف (أي ابن الصلاح) عزى ما ذكره عن الخطيب، إلى أجوبة سئل عنها، والخطيب ذكر ذلك بجملته مع زيادة، فيه في كتاب «الكفاية»، والمصنف\n_________\n(^١) «النكت» / ٢٩٤.\n(^٢) انظر «النكت» / ١٢.\n(^٣) انظر: فتح الباري، ج ٥/ ٤٦٩ و«النكت» له/ ٣٧، ٣٨، و«البحر الذي زخر» للسيوطي/ ١٨ ب و«النكت» / ٢٥.\n(^٤) «النكت» / ١٢.\n(^٥) «النكت» / ١٤٦.","vol":"3","page":967},{"text":"كثير النقل منه، فأبعد النجعة في عزوه ذلك إلى مسائل سئل عنها، ثم نقل كلام الخطيب السابق من «الكفاية» (^١)، وهذا يفيد أن العراقي يرى أنه إذا ذكر الشخص مسألة في أكثر من كتاب له، فالأولى عزوها للكتاب المشهور المتداول منها، حتى يسهل على الباحث مراجعتها، فإذا عكس، فقد أبعد النجعة.\nلكني وجدتُ العراقي نفسه لم يلتزم بهذا، لا في النكت التي قرر فيها ذلك ولا في غيرها من مؤلفاته، فحديث المعازف الذي علقه البخاري في صحيحه عن هشام بن عمار (^٢)، خَرَّجه العراقي في «النكت»، وفي «تكملة شرح الترمذي» موصولًا من عند الطبراني في كتاب له يعرف بـ «مسند الشاميين» (^٣)، فذكر تلميذه ابن حجر: أن الطبراني أخرج الحديث في «معجمه الكبير»، من رواية. اثنين، عن هشام، ثم قال: «والمعجم الكبير، أشهر من «مسند الشاميين»، فعزوه إليه أولى» (^٤).\nكذلك نقل العراقي عن المزي أنه حكى في كتابه «التهذيب» عن ابن عبد البر: أنه قد روى عن عمرو بن تغلب - غير الحسن البصري -، الحكم بن الأعرج.\nثم تعقب المزي قائلا: «قلت: ولا حاجة لإبعاد النجعة في حكايته عن ابن\n_________\n(^١) انظر «النكت» / ١٤٧.\n(^٢) (البخاري مع فتح البارى) ج ١٢/ ١٥٠ - ١٥٥ - كتاب الأشربة - باب ما جاء فيمن يستحل الخمر ويسميه بغير اسمه ..» ولفظه: ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف (الحديث).\n(^٣) انظر «النكت» / ٩٢ و٥ فتح الباري، ج ١٢/ ١٥٣.\n(^٤) انظر: «فتح الباري» ج ١٢/ ١٥٣.","vol":"3","page":968},{"text":"عبد البر، فقد حكاه ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل»، وهو من أشهر ما صنف في أسماء الرجال (^١).\nوهذا يفيد: أنه يرى، أن المسألة إذا كانت في أكثر من كتاب، فالأولى عزوها إلى المصدر المختص بموضوعها، مع تقدمه الزمني وشهرته، بدلا من المصدر العام مع تأخره، وذلك لأن ابن أبي حاتم متقدم عن ابن عبد البر، وكتابه مختص بعلم الرجال، بينما كتاب ابن عبد البر المشار إليه هو «جامع بيان العلم وفضله»، على ما يبدو، وهو غير مختص بتراجم الرجال.\nلكني وجدت العراقي أيضًا لا يلزم نفسه بهذا، ففي شرحه المتوسط للألفية، في مبحث «المبهمات» قال: «وفي الصحيح من حديث جابر، في قتل أبيه يوم أحد، فجعلت عمتي تبكيه» الحديث، ثم قال: اسم عمته: فاطمة بنت عمرو بن حرام، وبين مصدره في تحديد اسمها فقال: وقعت مُسمَّاةً في «مسند أبي داود الطيالسي، وسماها الواقدي هندا» (^٢).\nبينما وجدتها أنا مسماة بفاطمة، كما في صدر كلامه، في نفس «صحيح مسلم» عقب ذكر الرواية المبهمة فيها مباشرة (^٣)، وفي «صحيح البخاري» قبل الباب المذكورة فيه مبهمة بـ ٣١ بابا، من كتاب الجنائز (^٤).\nوبالتالي فإن عزو العراقي لها إلى مسند الطيالسي، أو غيره، إبعاد كبير للنجعة،\n_________\n(^١) انظر «النكت مع مقدمة ابن الصلاح» / ٣٥٤.\n(^٢) «فتح المغيث» له ج ٤/ ١٣٢.\n(^٣) «صحيح مسلم»، طبعة الشعب كتاب فضائل الصحابة - فضائل عبد الله بن عمرو بن حرام ج ٧/ ١٥٢.\n(^٤) «البخاري مع فتح الباري» ج ٤/ ٣٥٨، ٣٥٩، ٤٠٥، ٤٠٦.","vol":"3","page":969},{"text":"على حد تعبيره السابق، ومخالفة منه لما قرره في الرجوع إلى المصادر، ونَقَدَ المزي على أساسه، ولكنه في الأكثر، يتبع ما قرره، وإن كان لم يلتزمه كما بينته والله الموفق.\nط - تمثيل الكتاب لنضج العراقي العلمي، في بحوثه، وآرائه، وأثر ذلك:\nقدمت أن الفترة التي ألف العراقي فيها نكته، كانت متصلة بفترة تأليفه لشرح الألفية المتوسط، ولهذا فإني وجدتُ كثيرًا من مباحث الكتابين المشتركة، يكمل أحدها الآخر، بمعنى أن بعض ما توسع العراقي فيه، في النكت، وجدته قد أوجزه في الشرح (^١)، وبالعكس (^٢)، وبذلك تميز كل منهما عن الآخر في هذه الناحية، ثم إن الشرح قد تميز كما قدمت باشتماله على آراء العراقي في علم المصطلح، حتى وقت فراغه منه سنة ٧٧١ هـ، أما كتاب «النكت» فتميز بتمثيله المرحلة النضج العلمي للعراقي في بحوثه وآرائه في علوم السنة، ويتضح ذلك مما يأتي:\nفمن ذلك: إثباته لسعة اطلاعه، وبحثه، وإحاطته بأمهات كتب علوم السنة متنا وسندا، حيث ذكر ابن الصلاح أن الحافظ أبو طالب أحمد بن نصر قرر: أن الوليد بن مسلم، إذا أطلق الرواية عن سفيان، يكون مراده سفيان بن عيينة؛ لأن الوليد كان مليئًا به، وروى سفيان عن الثوري أحاديث معدودة،\n_________\n(^١) انظر (الشرح) ج ١/ ٩٣ و(النكت) ١٠٧، ١٠٨ وج ٢/¬٧ وهـ «النكت» / ١٣٩ و٤/¬٤٧ و«النكت» ٣١٢ - ٣١٤ ج ٤/ ١٣١ و٥ «النكت» / ٤٢٨ وج ٢/ ١١٠، ١٦٠ وهـ «النكت» ٤٠٣، وغير ذلك.\n(^٢) انظر (النكت) / ١٠٩، ١١٠ و(الشرح) ج ١/ ٩٦ وج ٢/ ١٢١ و«النكت» / ١٤٣ وج ٤/ ١٤٣، ١٤٤، وهـ «النكت» / ٤٣٣ وغير ذلك.","vol":"3","page":970},{"text":"وصوب ابن الصلاح ذلك (^١)، فذكر العراقي في (النكت): أن ذلك فيه نظر، من حيث إنه لا يلزم من كونه مليا بابن عيينة - على تقدير تسليمه - أن يكون هذا من حديثه عنه إذا أطلق، بل يجوز أن يكون هذا من تلك الأحاديث المعدودة التي رواها الوليد عن سفيان الثوري، ثم بين بحثه الواقعي للموضوع في أمهات المصادر، بسعة وعمق، فقال: «وإذا عرف ذلك، فإني لم أر في شيء من كتب التواريخ، وأسماء الرجال، رواية الوليد بن مسلم عن سفيان ابن عيينة البتة، وإنما رأيت فيها ذكر روايته عن سفيان الثوري، ثم عدد بعض ما رأى ذكر روايته فيه» فقال: فممن ذكر ذلك البخاري في «التاريخ الكبير»، وابن عساكر في (تاريخ دمشق)، والمزي في «التهذيب»، ثم انتقل لكتب الحديث فقال: «وكذلك لم أر في شيء من كتب الحديث رواية الوليد عن ابن عيينة، لا في الكتب الستة، ولا غيرها»، ثم بين ما وجد فيه رواية الوليد عن الثوري فقال: «وروايته عن الثوري في «السنن الكبرى» للنسائي، فروى في «اليوم والليلة» حديثا عن الجارود بن معاذ الترمذي عن الوليد بن مسلم عن سفيان الثوري. والله أعلم» (^٢)، ولا شك أن هذا المسح الشامل، والتتبع التفصيلي، لعامة كتب السنة، متنا وسندا، وإصدار الأحكام الفاصلة بشأن محتوياتها، نفيا وإثباتا، كل ذلك لا يتأتى إلا لعالم متمكن وباحث ضليع. وعندما نقارن هذا ونتتبع أثره، نجد في مجال المقارنة، أن البلقيني، وابن الملقن (^٣) قد أقرا ابن الصلاح على ما صوّبه من رأي الحافظ أبي طالب،\n_________\n(^١) و«المقدمة» (٤٨).\n(^٢) و«النكت» (٤١٦، ٤١٧).\n(^٣) انظر و«المحاسن» / ١٣٦ أ، و«المقنع»» / ١٦٢.","vol":"3","page":971},{"text":"رغم مجافاة ذلك للواقع في جمهرة مصادر السنة، كما بين العراقي، ولهذا ظهر أثره فيمن بعده.\nفقد تبعه السيوطي فيما ذكر، ونقل عنه خلاصة بحثه السابق (^١).\nومن ذلك أيضا: أن ابن الصلاح مثل للنوع الأول من «متشابه الرواة» بموسى بن علي - بفتح العين - وموسى بن علي - بضمها (^٢)، فلما اختصر النووي كتاب ابن الصلاح في (الإرشاد)، ثم في «التقريب»، ذكر فيهما: أن المسمين بـ «موسى بن علي» بفتح العين، من الرواة كثيرون (^٣)، فتعقبه العراقي في «النكت» بأن فيما قاله نظر، ودلل على ذلك ببحثه الشخصي الناضج والمتناهي السعة والحصر، فقال: «وليس في المتقدمين أحد يسمى هكذا، لا في رجال الكتب الستة، ولا في تاريخ البخاري، ولا في كتاب ابن أبي حاتم، ولا ثقات ابن حبان، ولا في كثير من التواريخ، أمهات تواريخ الإسلام، كتاريخ أبي بكر بن أبي خيثمة»، و«الطبقات» لمحمد بن سعد، و«تاريخ مصر» لابن يونس، و«الكامل» لابن عدي، و«تاريخ نيسابور» للحاكم، و(تاريخ أصبهان) لأبي نعيم، وفي «كتاب تاريخ بغداد» للخطيب، رجلان، وفي «تاريخ دمشق» رجل واحد.\nثم بين قيمة تتبعه لهذا الاسم في هذه الموسوعات الأصلية، فقال: «وهذه الكتب العشرة، المذكورة بعد «تاريخ البخاري»، هي أمهات الكتب المصنفة\n_________\n(^١) انظر: «التدريب» / ٤٨٩.\n(^٢) والمقدمة مع «النكت» / ٤١٦.\n(^٣) انظر والتقريب مع «التدريب» / ٤٩٠ والإرشاد/ ٢٣٠ بتحقيق الأخ الفاضل الدكتور/ نور الدين عتر.","vol":"3","page":972},{"text":"في هذا الفن، كما قال المزي في «التهذيب».\nوبهذا أشار إلى أن ما انتهى إليه من بحث هذه الأمهات، وقرره لم يبق وراءه غاية لباحث، ولا مصدرًا أصيلًا يمكن أن يحصل منه على خلاف ما قرره، ثم لم يكتف بهذا، فقام برد إحصائي دقيق، لمن تسمى بهذا الاسم من الرواة، وأثبت ذلك، مبتدئًا بأقدمهم، فقال: (وقد رأيت ذكر من وقع ذكره في التواريخ، من القسم الأول، فالأول: موسى بن علي بن موسى أبو عيسى الختلي وهو أقدمهم روى عنه أبو بكر بن الأنباري النحوي وابن مقسم والصواف) وبين مصدره، وتوثيقه، فقال: «ذكره الخطيب في «التاريخ»، وكان ثقة»، ثم ذكر ستة آخرين على هذا النحو، فصار الجميع سبعة، ما بين مشرقي، ومغربي، معتمدًا على خمسة مصادر، غير العشرة السابق ذكرها، وهي: «تلخيص المتشابه» للخطيب، و«الإكمال» لابن ماكولا، و«الميزان» للذهبي، و«التكملة» لابن الأبار، وهو من مصادر «تاريخ الأندلس»، ثم عقب على ذكر أولئك السبعة بقوله: «فهؤلاء المذكورون في تواريخ الإسلام من الشرق، والغرب، إلى زمن ابن الصلاح، لم يبلغوا حد الكثرة، فوصف الشيخ محيي الدين ﵀، لهم بأنهم كثيرون، فيه تجوز والله أعلم» (^١).\nوعند المقارنة وتبيين الأثر لبحث العراقي هذا، نجد أن ابن الملقن قد نقل رأي النووي المذكور، وأقره (^٢)، رغم مجافاته للحقيقة والواقع كما ترى، ولهذا نجد السيوطي قد اعتمد في شرح (تقريب النووي) رد العراقي عليه، ونقل\n_________\n(^١) «النكت» ٥/ ٤١٩\n(^٢) «المقنع» ٥/ ١٦٣.","vol":"3","page":973},{"text":"خلاصة بحثه السابق، دليلا على ذلك (^١).\nومن تتبعه وبحوثه الاستقصائية لأمهات كتب السنة، ومعارضته بنتائج ذلك، ما تتابع الحفاظ من قبله على إثباته، أنه ذكر عن صاحب كتاب «الكمال» في أسماء الرجال، وهو الحافظ عبد الغني المقدسي قوله: «إن الإمام مالكا روى عن ثور بن يزيد». ثم قال: «وتبعه المزي في «تهذيب الكمال»، وعقب على ذلك بنتيجة بحثه هو فقال: ولكني لم أر رواية مالك عنه، لا في «الموطأ» ولا في شيء من الكتب الستة، ولا في «غرائب مالك» للدارقطني، ولا في غير ذلك» (^٢).\nوهناك موضوعات أخرى بين فيها خبرته ونتائج بحثه التفصيلي في كتب السنة وشروحها (^٣)، والمصنفات في الرجال عموما (^٤)، وفي الصحابة (^٥)، وفي التابعين (^٦)، وفي السير (^٧)، وفي المؤتلف والمختلف (^٨)، وفي الكنى (^٩).\nومن دلائل تقدمه في البحث، أنه اعترض في شرح الألفية، على ابن الصلاح في ذكره الزهري ضمن صغار التابعين الذين لم يلقوا إلا واحدا أو\n_________\n(^١) «التدريب» / ٤٩٠.\n(^٢) «النكت»» / ٤٢٠.\n(^٣) «النكت» / ٣٩٧، ٣٩٨.\n(^٤) «النكت» / ٣٤٨، ٣٥٦، ٣٦٦، ٣٧٢.\n(^٥) «النكت»» / ٣٠٣، ٣٠٤، ٣٠٦، ٣٥٢.\n(^٦) «النكت»» / ٣٢٠.\n(^٧) «النكت» / ٣٠٨.\n(^٨) «النكت» / ٣٩٧.\n(^٩) «النكت» / ٣٦٠، ٣٧٠.","vol":"3","page":974},{"text":"اثنين من الصحابة، وعدَّد ١٢ صحابيًا ممن لقيهم الزهري (^١).\nثم عاد في «النكت» فأثبت وقوفه على إجابة ابن الصلاح نفسه عن هذا الاعتراض، إذ قال: «إن قوله الواحد والاثنين، كالمثال، وإلا فالزهري قد قيل إنه رأى عشرة من الصحابة، وسمع منهم».\nوذكر العراقي خمسة منهم، ثم قال: «وهو مع ذلك، أكثر روايته عن التابعين، والله أعلم».\nكما أن هناك بعض الاصطلاحات، قرر ابن الصلاح أنه لم يجدها، فأثبت العراقي أنه هو قد وجدها، مثل قول ابن الصلاح عن الحديث المعلق: «ولم أجد لفظ التعليق مستعملًا في مثل قوله: يُروى عن فلان، ويُذكر عن فلان، وما أشبهه، مما ليس فيه جزم عمن ذكر ذلك عنه، بأنه قاله وذكره» (^٢)، فعقب العراقي على ذلك بقوله: «قد سمَّى غير واحد من المتأخرين ما ليس بمجزوم تعليقًا، منهم الحافظ أبو الحجاج المزي: كقول البخاري في باب مس الحرير من غير لبس، ويروى عن الزبيدي عن الزهري عن أنس عن النبي ﷺ، فذكره المزي في «الأطراف»، وعلم علامة التعليق للبخاري، وكذا فعل غير واحد من الحفاظ، «يقولون: ذكره البخاري تعليقا مجزوما، أو تعليقا غير مجزوم به»، ثم التمس لابن الصلاح في نفيه وجود ذلك بعض العذر، فقال: «إلا أنه يجوز أن هذا الاصطلاح متجدد، فلا لوم على المصنف في قوله: أنه لم يجده»» (^٣).\n_________\n(^١) (الشرح) جـ ٢/ ٦٨.\n(^٢) (المقدمة مع النكت) ١/ ٩٣.\n(^٣) (النكت مع المقدمة) ١/ ٩٣، ٩٤.","vol":"3","page":975},{"text":"وبالمقارنة نجد أن البلقيني (^١)، وابن الملقن (^٢)، قد اكتفيا بتقرير ابن الصلاح على ما ذكره، دون إضافة. وقد أخذ البقاعي بإضافة العراقي السابقة وأقرها (^٣).\nوهناك أيضًا بعض المسائل التي تردد فيها ابن الصلاح، وتبعه العراقي على ذلك في شرح الألفية، ثم قطع فيها الرأي في «النكت»، بناء على بحثه الشخصي، فقد نقل ابن الصلاح عن القاضي عياض: أنه ليس في «الموطأ» و«الصحيحين» من نسبته «الأبلي» بالباء الموحدة المضمومة، فقال ابن الصلاح تعقيبًا عليه: «قلت: روى مسلم الكثير عن شيبان بن فروخ، وهو أبلي - بالباء الموحدة - لكن إذا لم يكن في شيء من ذلك منسوبا، لم يلحق عياضًا تخطئة، والله أعلم» (^٤)، وبهذا توقف في الحكم، نظرًا لعدم قيامه بفحص كتاب «صحيح مسلم»، ومعرفة ذكر هذا الراوي فيه منسوبا أو لا، ونقل العراقي عن ابن الصلاح هذا التردد في شرح الألفية وسكت عليه (^٥).\nأما في النكت، فعقب عليه قائلا: «قلت: وقد تتبعت كتاب مسلم، فلم أجد فيه «شيبان بن فروخ» منسوبًا، فلا تخطئة على القاضي عياض حينئذ فيما قاله» (^٦).\n_________\n(^١) انظر «محاسن الاصطلاح» / ٢٣ أ.\n(^٢) انظر «المقنع» / ٣٣.\n(^٣) «النكت الوفية»، ٥٣ أ.\n(^٤) «المقدمة» / ٤٠٠.\n(^٥) «فتح المغيث» للعراقي/ ج ٤/ ١٠٨.\n(^٦) «النكت» / ٤٠٠.","vol":"3","page":976},{"text":"فهذا يدل على أن العراقي حين كتب عن هذه المسألة في شرح الألفية، لم يكن قد قام بتتبعه المذكور لهذا الراوي، في جميع «صحيح مسلم»، ليقطع شك ابن الصلاح باليقين، أما حين تعليقه على هذا في النكت، فإنه كان قد قام بالتتبع والبحث، فأثبت رأيه القاطع بناء عليه، وبرأ القاضي عياضًا من الخطأ.\nوعند المقارنة نجد أن البلقيني (^١)، وابن الملقن (^٢)، تبعا ابن الصلاح في تردده، وكذا السخاوي من بعدهما (^٣)، أما السيوطي فقد اعتمد ما، قطع به العراقي، ونقل خلاصة كلامه السابق (^٤) وكذا من بعده (^٥).\nومن دلائل النضج التي تضمنها كتاب النكت أيضًا: أن هناك أوهاما علمية تداولها كبار حفاظ السنة، وأئمتها في مصنفاتهم المعتمدة، من قبل ابن الصلاح ومن بعده، حتى عصر العراقي، فتتبعها على طول تسلسلها وردها، مع التنبيه على أنه قصد بذلك أن لا يغتر من يقف على تلك الأوهام في مصادرها، بجلالة قائليها، فيتابعهم عليها.\nمثال ذلك: أن ابن الصلاح قرر: أن مرداسًا الأسلمي، الصحابي، لم يرو عنه غير قيس بن أبي حازم، وأن ربيعة بن كعب الأسلمي، الصحابي أيضًا، لم يرو عنه غير أبي سلمة بن عبد الرحمن (^٦).\n_________\n(^١) «المحاسن» / ١٣٤.\n(^٢) «المقنع» / ١٥٧.\n(^٣) «فتح المغيث» له/ ج ٣/ ٢٤٠.\n(^٤) «التدريب» / ٤٧٧.\n(^٥) «شرح الترمسي لألفية السيوطي» / ٣٧١.\n(^٦) «المقدمة» / ١٤٨.","vol":"3","page":977},{"text":"فقال العراقي في «النكت»: «إن النووي في مختصريه لكتاب ابن الصلاح وهما «الإرشاد» و«التقريب»، وفي «شرح مسلم» أيضًا، قد تابع المصنف، أي ابن الصلاح، على تفرد أبي سلمة عن ربيعة، وتفرد قيس عن مرداس»، ثم واصل تتبعه فقال: «وتبع المصنف في ذلك أبا عبد الله الحاكم، فإنه كذلك قال في «علوم الحديث»، وتبع الحاكم في ذلك مسلم بن الحجاج، فإنه كذا قال في كتاب «الوحدان» له».\nوعقب على هذا بقوله: «وليس ذلك بجيد بالنسبة إلى ربيعة فقد روى عنه أيضًا: نعيم بن المجمر، وحنظلة بن علي، وأبو عمران الجوني».\nثم قال: «وذكر الحافظ أبو الحجاج المزي أنه روى عنه أيضًا: محمد بن عمرو بن عطاء، وليس بصحيح، إنما روى محمد بن عمرو عن نعيم بن المجمر عنه، كذا رواه أحمد في «مسنده»، والطبراني في «المعجم الكبير»، وبعد هذا التصحيح ودليله أورد احتمالا آخر فقال: «اللهم إلا أن يكون محمد بن عمرو، قد أرسل عنه، وأسقط نعيما، والله أعلم».\nثم انتقل لمرداس الأسلمي فقال: «وأما مرداس فقد ذكر الحافظ أبو الحجاج المزي في «التهذيب» أنه روى عنه أيضًا زياد بن علاقة»، وتبعه عليه الذهبي في مختصره للتهذيب، ثم عقب بقوله: «وهو وهم منهما، من حيث إن الذي روى عنه زياد بن علاقة»، إنما هو مرداس بن عروة، صحابي آخر، والذي روى عنه قيس: مرداس بن مالك الأسلمي، وهذا، لا أعلم فيه خلافا»، وأيد ذلك بقوله: «وممن ذكره كذلك البخاري في «التاريخ الكبير»، وابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل»، وابن حبان في «الصحابة»، وأبو عبد الله بن:","vol":"3","page":978},{"text":"منده في «معرفة الصحابة»، والطبراني في «المعجم الكبير»، وأبو عمر ابن عبد البر في «الاستيعاب»، وابن قانع في «معجم الصحابة»، وغيرهم»، ثم ختم العراقي بحثه بقوله: «وإنما نبهت على ذلك، وإن كان ما ذكره ابن الصلاح بالنسبة إلى مرداس صحيحا، لئلا يَغْتَر من يقف على كلام المزي، بذلك، لجلالته والله أعلم» (^١).\nوعندما نقارن، لا نجد قريني العراقي قد تتبعا هذه الأوهام، ابتداء من الإمام مسلم، إلى الحافظ الذهبي، على نحو ما فعل العراقي، بل نجدهما يقران المزي على أن زياد بن علاقة قد روى عن مرداس الأسلمي (^٢)، ولكن الحافظ ابن حجر قد أخذ بما قرره شيخه العراقي وصوّبه، مع بعض إضافات من جانبه (^٣)، ونحوه فعل البقاعي (^٤)، والسيوطي (^٥).\nومما تضمنه الكتاب من دلائل نضج آراء العراقي، أن الرأيين اللذين قرر أحدهما في الألفية، والآخر في شرحها، ثم تبين له خطؤهما، قد أثبت رجوعه عنهما، مع بيان الصواب فيهما، في كتاب النكت هذا، كما قدمت نقل ذلك عنه.\nهذا بالإضافة إلى أن بعض الآراء التي توقف فيها في شرحه السابق للألفية،\n_________\n(^١) انظر «النكت» / ٣٩ ب، ٤٠ أ، وص ١٢٥، ١٢٦ طبع حلب.\n(^٢) انظر: «محاسن الاصطلاح» / ٤٤ أ، وهـ المقنع ٢/ ٥٣.\n(^٣) انظر «تهذيب التهذيب» لابن حجر ترجمة «مرداس بن مالك الأسلمي» و«الكاشف» للذهبي ترجمة/ ٥٤٤٨، والتعليق عليها بالهامش للمحققين الفاضلين.\n(^٤) «النكت الوفية» / ٢١٠ أ.\n(^٥) «التدريب» ٢١٢.","vol":"3","page":979},{"text":"قد قطع برأيه فيها في هذا الكتاب، فقد قدمت أنه في شرح الألفية توقف عن القطع برأي في الإجازة العامة (^١)، أما في «النكت» فأنه بعد عرض آراء المانعين والمجيزين، حتى عصره، قال: «وبالجملة ففي النفس من الرواية بها شيء، والإحتياط ترك الرواية بها، والله أعلم» (^٢).\nوبهذا استقر رأيه على منعها، وسيأتي أن بعض مؤلفاته التي كان ألفها قبل كتاب «النكت» هذا، وروى فيها بالإجازة العامة، قام بعد تأليف النكت وتقرير المنع فيها، باستبعاد تلك المرويات من تأليفه السابق، طبقا لما استقر عليه رأيه من المنع.\nوعندما نتأمل ما استقر عليه رأي البلقيني، وابن الملقن، نجدهما مختلفين مع العراقي، حيث قررا جواز الرواية بالإجازة العامة، وصرح ابن الملقن بتحمله شخصيًا بها عن بعض شيوخه (^٣)، لكن الذي استقر عليه عامة المحققين من العلماء بعد العراقي حتى الآن، هو الأخذ برأيه في منع الرواية بها، إلا لضرورة، كأن يؤدي ترك الرواية بها إلى رواية الحديث منقطعًا، فتكون روايته بالإجازة العامة أولى، وقد تناقلوا رأي العراقي المذكور، وأقروه في مؤلفاتهم، ومن هؤلاء الحافظ ابن حجر (^٤)، والبقاعي (^٥)، والسخاوي (^٦)،\n_________\n(^١) انظر «فتح المغيث» للعراقي ج ٢/ ٦٨.\n(^٢) «النكت» / ١٨٣.\n(^٣) انظر «محاسن الاصطلاح» ٥٢ ب و«المقنع» / ٦٧.\n(^٤) انظر «توضيح نخبة الفكر له مع لقط الدرر» / ١٢٥ و«الجواهر والدرر» للسخاوي ٢٧ أ، ب.\n(^٥) «النكت الوفية» / ٢٥٣ أ.\n(^٦) «فتح المغيث» له ج ٢/ ٧٣ وترجمته للإمام النووي/ ٣٢.","vol":"3","page":980},{"text":"والسيوطي (^١)، ومن المتأخرين: العلامة الشيخ محفوظ الترمسي الهندي (^٢)، وهذا دليل وجاهة رأي العراقي، وامتداد تأثيره.\nومن دلائل نضج آرائه أيضا: أن بعض ما أقره في مؤلفاته السابقة، قد نقده أو رجح خلافه، في هذا الكتاب، واستقر عليه.\nفمن ذلك: أن الإمام الغزالي ذكر في «الإحياء»: أن الرسول ﷺ مات عن ٢٠ ألفا من الصحابة، فرد عليه العراقي قبل تأليف «النكت»، وذلك في تخريجه لأحاديث الإحياء، المسمى بـ «المغني عن حمل الأسفار» كما سيأتي، فقال: «قلت: قوله مات عن ٢٠ ألفا، لعله أراد بالمدينة، وإلا فقد روينا عن أبي زرعة الرازي أنه قال: قبض رسول الله ﷺ عن مائة ألف، وأربعة عشر ألفا من الصحابة، ممن روى عنه وسمع منه (^٣)، فأقر قول أبي زرعة، واحتج به كما ترى».\nفلما ذكر ابن الصلاح في مقدمته قول أبي زرعة هذا (^٤)، تعقبه العراقي في تحديد هذا العدد قائلا: «وأما ما ذكره المصنف عن أبي زرعة: «فلم أقف له على إسناد، ولا هو في كتب التواريخ المشهورة، وقد ذكره أبو موسى المديني في «ذيله على كتاب الصحابة» لابن منده بغير إسناد»، ثم ذكر العراقي عن الشافعي بإسناد جيد، تحديده لعدد من توفي عنهم الرسول ﷺ من الصحابة، بأقل مما ذكر أبو زرعة بكثير»، حيث قال الشافعي ﵁: «قبض الله\n_________\n(^١) انظر «التدريب» ٤/ ٢٥٩ و«نظم العقيان» ٧ أ، ٣٢ ب.\n(^٢) «منهج ذوي النظر» ٤/ ١٦٩.\n(^٣) انظر «الإحياء ومعه المغني عن حمل الأسفار» ٤ جـ ١/ ٢٩٤.\n(^٤) انظر «المقدمة» ٤/ ٣٠٥.","vol":"3","page":981},{"text":"الرسول ﷺ والمسلمون ستون ألفًا»، ثم عقب العراقي فقال: (ومع ذلك فجميع من صنف الصحابة، لم يبلغ مجموع ما في تصانيفهم عشرة آلاف، مع كونهم يذكرون من توفي في حياته ﷺ، وفي المغازي وغيرها، ومن عاصره وهو مسلم، وإن لم يره، وجميع ما ذكره ابن منده في (الصحابة)، كما قال أبو موسى المديني، قريب من ثلاثة آلاف وثمانمائة ترجمة، يمن رآه، أو صحبه، أو سمع منه، أو ولد في عصره، أو أدرك زمانه، أو من ذكر فيهم، وإن لم يثبت له ذلك، ومن اختلف فيه) ثم قال: «ولا شك أنه لا يمكن حصرهم بعد نشر الإسلام»، وأضاف قائلا: «وقد ثبت في صحيح البخاري: أن كعب بن مالك قال في قصة تخلفه عن غزوة تبوك: «وأصحاب رسول الله ﷺ كثير، لا يجمعهم كتاب حافظ، يعني الديوان» الحديث»، وعقب بقوله: «هذا في غزوة خاصة، وهم مجتمعون، فكيف بجميع من رآه مسلما؟ والله أعلم» (^١).\nوبهذا تدرج العراقي في الرأي، تبعا لتدرجه في البحث، والنضج العلمي، فعارض أولا تحديد الغزالي لعدد الصحابة عموما، بعشرين ألفا، ثم نقد في نكته - سندا ومعنى - ما سبق له إقراره في (التخريج)، من تحديد عدد الصحابة بأزيد من عشرين ألفًا، واستقر رأيه في «النكت» بعد بحثه وتمكنه العلمي كما ترى، إلى ترجيح عدم التحديد كلية.\nأما البلقيني (^٢)، وابن الملقن (^٣)، فاقتصرا على إيراد أقوال أبي زرعة.\n_________\n(^١) النكت مع المقدمة ص ٢٦٤ - ٢٦٥ ط مصورة عن الحلبية.\n(^٢) و«المحاسن» / ١٠١ ب.\n(^٣) و«المقنع» / ١١٦ ..","vol":"3","page":982},{"text":"والشافعي وغيرهما، دون نقد أو ترجيح، ولكن ما استقر العراقي على ترجيحه في «النكت»، هو الذي اعتمده العلماء (^١) من بعده، ومع أن السيوطي أثبت وجود إسناد لقول أبي زرعة المتقدم، فإنه نقل عن العراقي خلاصة بحثه السابق وأقره (^٢).\nومما أقره في شرح الألفية، ثم توصل بالبحث إلى ما يخالفه، وقرر ذلك في «النكت»، أنه ذكر في الشرح حكاية ابن حبان لاتفاق أئمة الحديث على الاحتجاج برواية المبتدع غير الداعية لبدعته، متى كان صدوقا متقنا، وأقر ذلك (^٣).\nأما في «النكت»، فتعقب ذلك بقوله: «وفيما حكاه ابن حبان من الاتفاق نظر، فإنه يُرْوَى عن مالك رد روايتهم مطلقا، كما قاله الخطيب في «الكفاية»» (^٤)، وقد أقر العراقي على ذلك العلماء من بعده، وقال تلميذه ابن حجر: «أن ابن حبان أغرب في حكاية الاتفاق» (^٥).\nومن ذلك أنه من المتفق والمفترق من الرواة، حماد بن زيد، وحماد بن سلمة، فيستعين المحدثون على تمييز أحدهما عن الآخر، بمن روى عنه، فقال ابن الجوزي: «إن موسى بن إسماعيل التبوذكي، ليس يروي إلا عن حماد ابن سلمة خاصة»، وبمقتضاه، فأنه إذا روى عن «حماد»، ولم يميزه،\n_________\n(^١) انظر «فتح المغيث»، للسخاوي ج ٣/ ١١٤.\n(^٢) «التدريب» / ٤٠٦.\n(^٣) «فتح المغيث» للعراقي ٢/¬٢٩، ٣٠.\n(^٤) «النكت»» / ١٥٠.\n(^٥) انظر «فتح المغيث»، للسخاوي ج ١/ ٣٠٧ و(تدريب الراوي) / ٢١٦.","vol":"3","page":983},{"text":"عرفنا أن مراده «حماد بن سلمة»، بدون إشكال، فذكر العراقي في الشرح قول ابن الجوزي السابق، وأقره عليه (^١).\nأما في «النكت» فتعقبه، حيث قال: «إن ما ذكره ابن الجوزي غير مُسَلَّمٌ»، وذلك بقوله: فقد ذكر المزي في «تهذيب الكمال» أن التبوذكي روى عن حماد بن زيد أيضًا، ثم ذكر تفصيل كلام المزي، وانتهى من مجموعه إلى أن التبوذكي اشتهر بالرواية عن حماد بن زيد، دون الإنفراد عنه وبذلك أصبح إطلاقه الرواية عنه مشكلًا (^٢).\nومما يصور أهمية الرجوع لكتاب «النكت» لمعرفة أراء العراقي النهائية: أن العلماء من بعده كالسخاوي (^٣)، والسيوطي (^٤)، اقتصروا على ما ذكره عن ابن الجوزي وأقره في الشرح، مع أنه كما ترى قد خالفه في «النكت»، ودعم مخالفته بما انتهى إليه أخيرًا بالبحث والنظر.\nفليتنبه لذلك الباحثون من بعد، ويرجعوا إلى كتاب «النكت» هذا، بجانب «شرح الألفية»، حتى يحصلوا على بحوث العراقي المتكاملة وآرائه النهائية، التي استقر عليها في نكته.\nعلى أن ذلك لا يُفقد شرح الألفية اعتباره مرجعا علميا مستقلا، في المسائل والآراء التي لم يدخل العراقي عليها تغييرا في النكت، وهي أكثر الكتاب، بل\n_________\n(^١) «فتح المغيث» للعراقي ج ٤/ ١٢٠.\n(^٢) انظر «النكت» / ٤١١.\n(^٣) «فتح المغيث» ج ٣» / ٢٥٥، ٢٥٦.\n(^٤) «التدريب» ٤٨٥.","vol":"3","page":984},{"text":"هناك مباحث في «النكت» كما هي في الشرح بالنص (^١).\nبالإضافة إلى الأبواب التي لم يعلق عليها كلية في «النكت»، كما سيأتي، وقد تناولها جميعًا في «شرح الألفية».\n\n<span data-type='title' id=toc-322>بعض ما توقف العراقي فيه:</span>\nومع ما تضمنه الكتاب كما ترى من دلائل ناصعة، على نضج آراء العراقي وعمق بحوثه في مسائل المصطلح، وإحاطته بأمهات مصادر السنة وعلومها، وتأثيره في ذلك، فإن بعض المسائل التي أثبت توقفه فيها في الشرح، أثبت أيضًا توقفه فيها في النكت، فقد ذكر ابن الصلاح في المتفق والمفترق من الرواة ممن تسمى «الخليل بن أحمد» ستة، وذكر الخامس منهم: الخليل بن أحمد، أبو سعيد البستي، القاضي، المهلبي، والسادس: الخليل بن أحمد بن عبد الله، بن أحمد أبو سعيد الفقيه الشافعي (^٢)، فعقب العراقي على ذلك في الشرح بقوله: «وأخشى أيضًا أن يكون هذا هو الذي قبله، ولكن هكذا فرق بينهما ابن الصلاح» (^٣)، ثم علّق عليهما في «النكت» كذلك قائلا: قلت: وأخشى أن يكون هذان واحدًا، فيحرر من فرق بينهما غير المؤلف، يعني ابن الصلاح (^٤)، وبهذا لم يقطع برأي، أما البلقيني، وابن الملقن (^٥)، فتابعا ابن\n_________\n(^١) انظر «الشرح» ج ٢/¬٢٩ و«النكت» ٥/ ١٥١ وج ١/¬٤٨ وج ٣/ ٦٧ و«النكت» ٥/ ٢٣٩، ٢٤٠، ج ٣/¬١٤ و٥ «النكت» ٥/ ٢٧٦ وغير ذلك.\n(^٢) «المقدمة» / ٤٠٧.\n(^٣) «فتح المغيث»، للعراقي في ج ٤/ ١١٥.\n(^٤) «النكت» ٥/ ٤٠٧.\n(^٥) «المحاسن»، ١٣٥ أ، و«المقنع» ٥/ ١٥٩.","vol":"3","page":985},{"text":"الصلاح دون توقف، ولعل مما يشهد بتبحر العراقي فعلا، أن من بعده نقلوا توقفه، دون أن يتمكنوا من الإدلاء برأي قاطع من جانبهم (^١).\nوهناك أيضا ما أثبت في «النكت» توقفه فيه، حيث قال عن خالد بن سيرين: «إني لم أجد له رواية، ولم أقف له على ترجمة» (^٢).\nولقد بحثت من جانبي فلم أجد من استدرك عليه، بوجود رواية لهذا الشخص أو ترجمة، رغم عد الطبراني له ضمن المحدثين (^٣)، وعموما فإن ما توقف فيه العراقي يعتبر نادرا، بجانب ما قطع فيه برأيه، قبولًا أو ردا، بعد بحث وتمكن، كما قدمت.\n\n<span data-type='title' id=toc-323>ى - منهج العراقي في الكتاب، وآراؤه، وأثر ذلك</span>\nتحليل نقدي مقارن\nبينت من قبل أن العراقي هدف من تأليف كتابه «النكت» إلى ثلاثة أهداف أساسية هي: تقييد ما يحتاج إلى تقييد مما أطلقه ابن الصلاح، وتوضيح ما رأى فيه غموضًا أو إشكالا، ورد الاعتراضات غير الصحيحة الموجهة إلى ابن الصلاح.\nوقد ظهر لي من البحث الكامل للكتاب: أن العراقي جعل تحقيق هذه الأهداف الثلاثة عناصر أساسية لمنهجه، وبين خلال ذلك آراءه وبحوثه، فيما تناوله من مسائل المصطلح، وما يتصل بها، كما وجدته تطرق من تلك\n_________\n(^١) انظر «فتح المغيث» للسخاوي ج ٣/ ٢٤٨ و«التدريب»، ٢/ ٤٨١\n(^٢) «النكت»» / ٣٣٩.\n(^٣) «النكت»، ٣٣٩.","vol":"3","page":986},{"text":"العناصر إلى جوانب أخرى متممة وممحصة لمحتوى كتاب ابن الصلاح أولًا، ولمصادره، وما تفرع عنه ثانيا، وألحق بذلك عدة بحوث مفردة، لها أهميتها وأثرها حتى اليوم، في علوم السنة ومتعلقاتها، وكثيرًا ما وجدته في كل ذلك يتبع منهج البحث التاريخي، فيبين المصدر السابق للموضوعات والآراء، ويتتبع انتقالها إلى اللاحق، ويبين موقف اللاحق، وموقفه هو كذلك منها، وهذا ما تعتمده مناهج البحث العلمي الأصيل حتى اليوم، وقد حقق العراقي باتباع هذا المنهج، تأصيل كثير من النصوص والآراء المشتمل عليها كتاب ابن الصلاح، كما كشف المصادر الأصلية لكثير من الحقائق والأوهام المتعلقة بعلوم السنة، وقد مرت بعض أمثلة لذلك في بيان نضجه العلمي، وسيأتي غيرها في تفصيل عناصر منهجه على النحو التالي:\n\n<span data-type='title' id=toc-324>١ - تقييد العراقي لما يحتاج إلى التقييد، مما أطلقه ابن الصلاح، وبالعكس:</span>\nذكر ابن الصلاح في مقدمته كثيرًا من المسائل والآراء بعبارة تفيد الإطلاق والتعميم، صراحة أو ضمنا، لكن العراقي رأى أن هذا الإطلاق غير مسلم لابن الصلاح، في مواضع عديدة، بل ينبغي تقييده وتخصيصه، خاصة وأن التقييد، والتعميم، في الاصطلاحات، له خطره، فتتبع هذه المواضع، وقام ببيان تقييدها، مع التوجيه والتدليل، محققا بذلك أحد أهدافه من تأليف الكتاب، وقد وجدته تارة يصرّح بأن ابن الصلاح أطلق كذا، ولابد من تقييده، أو والصواب تقييده بكذا، وتارة لا يعبر بذلك صراحة، اعتمادا على إفادة كلامه لهذا بوضوح، كما سيظهر من الأمثلة، ثم إني وجدته يعرض أيضا للعكس، حيث يعلق على بعض ما قيده ابن الصلاح، ببيان أنه ينبغي","vol":"3","page":987},{"text":"إطلاقه، كما يضيف خلال هذا وذاك، تحقيقات مفيدة ومناقشات جيدة لغير ابن الصلاح من المتقدمين، والمتأخرين، وإن كان لم يشر لذلك في أهداف الكتاب كما تقدمت، وإليك الأمثلة التطبيقية لذلك:\nفمن ذلك أن ابن الصلاح ذكر مما تعرف به صحبة الصحابي: «قوله وإخباره عن نفسه، بعد ثبوت عدالته: بأنه صحابي» (^١).\nفعلق العراقي على ذلك قائلا: «هكذا أطلق المصنف أنه صحابي، وتبع في ذلك الخطيب، فإنه قال في «الكفاية»، في آخر كلام رواه عن القاضي أبي بكر الباقلاني، ما صورته: «وقد يحكم بأنه صحابي إذا كان ثقة أمينا مقبول القول، إذا قال: صحبت النبي ﷺ، وكثر لقائي له، فيحكم بأنه صحابي في الظاهر، لموضع عدالته وقبول خبره، وإن لم يقطع بذلك، كما يعمل بروايته»»، إهـ.\nثم عقب بقوله: (والظاهر أن هذا الكلام بقية كلام القاضي أبي بكر، فإنه يَشترطُ في الصحابي كثرة الصحبة، واستمرار اللقاء، وأما الخطيب فلا يشترط ذلك على رأي المحدثين)، ثم عقب على هذا بقوله عن ابن الصلاح: «وعلى كل تقدير فلابد من تقييد ما أطلقه، بأن يكون ادعاؤه أي الصحابي لذلك، يقتضيه الظاهر، أما لو ادعاه بعد مائة سنة من وفاته ﷺ، فإنه لا يقبل ذلك منه، كجماعة ادعوا الصحبة بعد ذلك، كأبي الدنيا الأشج ومكلبة بن ملكان، ورتن الهندي».\nفقد أجمع أهل الحديث على تكذيبهم، وذلك كما ثبت في الصحيحين من\n_________\n(^١) والمقدمة مع النكت» / ٢٩٩.","vol":"3","page":988},{"text":"حديث ابن عمر قال: «صلى بنا رسول الله ﷺ ذات ليلة صلاة العشاء في آخر حياته، فلما سلم قال: «أرأيتكم ليلتكم هذه؟ فإن على رأس مائة سنة منها، لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد» الحديث، وكان إخباره بذلك قبل موته بشهر»، كما ثبت في «صحيح مسلم» من حدث جابر قال سمعت النبي ﷺ يقول قبل أن يموت بشهر: «تسألونني عن الساعة؟ وإنما علمها عند الله، وأقسم بالله، ما على الأرض من نفس منفوسة يأتي عليها مائة سنة، وفي رواية له «ما من نفس منفوسة اليوم، يأتي عليها مائة سنة وهي حية يومئذ»»، ثم انتقل إلى الجمع بين هذه الرواية وغيرها، فقال: وهذه الرواية المقيدة باليوم، يحمل عليها قوله ﷺ في بعض طرق حديث جابر عند مسلم: «ما من نفس منفوسة تبلغ مائة سنة»، ثم تطرق من ذلك إلى تصويب فهم خاطئ لهذا الحديث، وجد بعض علماء عصره يصر عليه، فقال «فقد رأيت بعض أهل العلم استدل بهذه الرواية على أن أحدًا لا يعيش مائة سنة، ونازعته في ذلك فأصر عليه، مع أن في بقية الحديث عنده: فقال سالم يعني ابن أبي الجعد وهو الراوي له عن جابر: «تذاكرنا ذلك عنده، فقال: إنما هي كل نفس مخلوقة يومئذ»». وعند مسلم أيضًا من حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يأتي مائة سنة وعلى الأرض نفس منفوسة اليوم».\nوعقب العراقي على هذا قائلا: «والصواب، أن ذلك محمول على التقييد بالظرف، فقد جاوز جماعة من العلماء المائة، وحدثوا بعد المائة، وهم معروفو المولد» وذكر اثنين منهم، ثم قال: «وقد ورد في بعض طرق هذا الحديث أن المراد بالمائة، من الهجرة، لا من وفاته ﷺ، رواه أبو يعلى","vol":"3","page":989},{"text":"الموصلي في «مسنده» من رواية قيس بن وهب الهمداني عن أنس قال: حدثنا أصحاب النبي ﷺ أنه قال: «لا يأتي مائة سنة من الهجرة، ومنكم عين تطرف» ثم بين العراقي أهمية هذا الحديث في دفع بعض الآراء، فقال: «وهذا يرد قول من ادعى أنه تأخر بعد أبي الطفيل أحد من الصحابة» ثم قرر نتيجة بحثه واستدلاله قائلًا: «فعلى هذا، لا يُقبل قول أحد ادعى الصحبة بعد مائة سنة من الهجرة» وبعد تقرير رأي المحدثين بهذه الإستفاضة والتحقيق، ضم إلى ذلك خلاصة رأي الأصوليين، حتى تتكامل جوانب الموضوع، فقال: «وكلام الأصوليين أيضًا يقتضي ما ذكرناه، فإنهم اشترطوا في ثبوت ذلك، أي الصحبة، بادعائه، أن يكون قد عرفت معاصرته للنبي ﷺ …». وذكر نص كلام الآمدي وابن الحاجب في هذا (^١).\nوعند المقارنة نجد أن الإمام النووي (^٢)، والبلقيني (^٣)، قد تابعا ابن الصلاح على إطلاقه السابق، أما ابن الملقن فأشار إلى التقييد، لكن بعبارة موجزة لا تقارن بما تقدم عن العراقي من البحث والتحقيق المستفيضين، فقد علق على قول ابن الصلاح: «إن الصحبة تعرف بقول الشخص عن نفسه إذا كان عدلًا»، فقال: «قلت: وكان ممكنا، فإن كان العدل معاصرا للنبي ﷺ، ففيه خلاف حكاه ابن الحاجب» (^٤)، ولهذا فإن العلماء من بعدهم وفي مقدمتهم الحافظ ابن حجر (^٥)، اعتمدوا على تفصيل العراقي السابق في البحث\n_________\n(^١) «النكت» / ٢٩٩ - ٣٠١.\n(^٢) «التقريب مع التدريب» ٣٩٩، ٤٠٠.\n(^٣) «المحاسن» / ١٠٠ أ.\n(^٤) «المقنع» / ١١٤.\n(^٥) انظر (فتح المغيث) للسخاوي ج ٣/ ٩٧ و(التدريب) / ٤٠٠.","vol":"3","page":990},{"text":"والاستدلال.\nوقد يكون الإطلاق واردا عن المتقدمين، فيقيده ابن الصلاح من جانب، فيضيف العراقي تقييده من جانب آخر، مثال ذلك: أن ابن الصلاح نقل عن ابن المبارك، والإمام أحمد بن حنبل، والحميدي، وغيرهم: أن من غلط في حديث، وبين له غلطه فلم يرجع، وأصر على رواية ذلك الحديث، سقطت روايته، ولم يكتب عنه. ثم عقب على هذا بقوله: «وفي هذا نظر، وهو غير مستنكر، إذا ظهر أن ذلك منه على جهة العناد، أو نحو ذلك، والله أعلم» (^١). فقال العراقي في «النكت»: وما ذكره المصنف بحثًا - أي رأيا من جانبه - قد نص عليه أبو حاتم ابن حبان، فقال: «إن من بين له خطؤه، وعلم فلم يرجع عنه، وتمادى في ذلك، كان كذابًا بعلم صحيح» قال العراقي: (فقيد ابن حبان ذلك بكونه علم خطأه، وإنما يكون عنادًا إذا علم الحق وخالفه)، ثم بعد تأصيله هذا الرأي ابن الصلاح، بإرجاعه إلى ابن حبان، أضاف تقيدًا آخر عن بعض المتأخرين، وأقره، فقال: «وقيد بعض المتأخرين ذلك بأن يكون الذي بين له غلطه عالمًا عند المبين له، أما إذا كان ليس بهذه المثابة عنده، فلا حرج إذن» (^٢) وبالمقارنة نجد كلا من البلقيني (^٣)، وابن الملقن (^٤)، لا يتعرضان، لا لتأصيل تقييد ابن الصلاح، ولا لذكر التقييد الذي أضافه.\n_________\n(^١) «المقدمة مع النكت»: ١٥٥.\n(^٢) «النكت» / ١٥٧.\n(^٣) «المحاسن» ٤٦ أ، ب.\n(^٤) «المقنع» ٠/ ٥٦.","vol":"3","page":991},{"text":"العراقي، أما المتأخرون عن العراقي فقد اعتمدوا تأصيله وتقييده (^١).\nومما بين العراقي فيه تقييد ما أطلقه ابن الصلاح دون تصريحه بعبارة الإطلاق والتقييد: أن ابن الصلاح ذكر أن مرسل أحداث الصحابة، أي صغارهم، في حكم المتصل المسند؛ لأن روايتهم عن الصحابة، والجهالة بالصحابي غير قادحة؛ لأن الصحابة كلهم عدول (^٢).\nفقال العراقي في (النكت): (إن قول ابن الصلاح: (لأن روايتهم عن الصحابة)، ليس بجيد، بل الصواب أن يقال: لأن أكثر روايتهم عن الصحابة)، وأيد ذلك بقوله: (إذ قد سمع جماعة من الصحابة من بعض التابعين، وسيأتي في كلام المصنف في النوع الحادي والأربعين، أن ابن عباس وبقية العبادلة رووا عن كعب الأحبار، وهو من التابعين، وروى كعب أيضًا عن التابعين (^٣». وبهذا يتقرر تقييد ما أطلقه ابن الصلاح في عبارته.\nوأما عكس ما تقدم، وهو إطلاق العراقي لما قيده ابن الصلاح، فمن أمثلته: أن ابن الصلاح قال في نوع الحديث المدبج: «اعلم أن رواية القرين عن القرين، تنقسم: فمنها المدبج، وهو: أن يروي القرينان، كل واحد منهما عن الآخر» (^٤).\nفقال العراقي في (النكت): «إن تقييد المصنف للمدبج بالقرينين، إذا\n_________\n(^١) انظر «النكت الوفية» / ٢٣٠ ب و«التدريب» / ٢٢٨، و«فتح المغيث» للسخاوي ج ١/ ٣٣٢، ٣٣٣.\n(^٢) «المقدمة» / ٧٥.\n(^٣) «النكت» / ٧٥، ٧٦.\n(^٤) «المقدمة» / ١٣٣.","vol":"3","page":992},{"text":"روى كل واحد منهما عن الآخر، تبع فيه الحاكم في «علوم الحديث (^١)، وما قصره الحاكم، وتبعه ابن الصلاح، على أن المدبج رواية القرينين، ليس على ما ذكراه، وإنما المدبج: أن يروي كل من الراويين عن الآخر، سواء كانا قرينين أم كان أحدهما أكبر من الآخر، فيكون رواية أحدهما عن الآخر من رواية الأكابر عن الأصاغر»، ثم أرجع العراقي هذا إلى أصله الأول، يبحثه العملي، واستنتاجه، إذ يقول: «فإن الحاكم نقل هذه التسمية عن بعض شيوخه، من غير أن يسميه، والمراد به الدارقطني، فإنه أحد شيوخه، وهو أول من سماه أي المدبج بذلك فيما أعلم، وصنف فيه كتابا حافلا سماه «المدبج» ولم يتقيد في ذلك بكونهما قرينين، فإنه ذكر فيه رواية أبي بكر عن النبي ﷺ، ورواية النبي ﷺ عن أبي بكر، ورواية عمر عن النبي ﷺ، وروايته ﷺ عن عمر …» وسرد العراقي معظم ما أورده الدارقطني في هذا الكتاب من أمثلة، لأنه تملك نسخة صحيحة منه، ثم قال: «فهذا يدل على أن المدبج لا يختص بكون الراويين اللذين روى كل منهما عن الآخر قرينين، بل الحكم أعم من ذلك، والله أعلم» (^٢).\nوبهذا أثبت العراقي، أن تقييد ابن الصلاح، والحاكم من قبله، لمفهوم الحديث المدبج، الصواب إطلاقه وتعميمه، سواء في المفهوم الاصطلاحي له، أو في تطبيقه الواقعي على كتب السنة. أما البلقيني (^٣) وابن الملقن (^٤).\n_________\n(^١) انظر: «معرفة علوم الحديث» للحاكم/ ٢١٥ وما بعدها.\n(^٢) والنكت» / ٣٣٤.\n(^٣) والمحاسن» / ١١١ أ.\n(^٤) والمقنع، ١٢٧.","vol":"3","page":993},{"text":"وغيرهما (^١) فتابعا ابن الصلاح على ما قرره، تبعا للحاكم، ولكن العلماء من بعد العراقي قد أخذوا برأيه (^٢)، ونقل السيوطي ومن بعده عنه خلاصة ما تقدم (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-325>نقد بعض تقييدات العراقي لما أطلقه ابن الصلاح:</span>\nورغم أن العراقي قد أصاب في غالب استدراكاته على ابن الصلاح بالتقييد والإطلاق، وتأثر العلماء به في ذلك كما أوضحت، إلا أن هناك بعض مسائل قليلة، لم يوفق العراقي في تقييد إطلاق ابن الصلاح لها، مثال ذلك: أن ابن الصلاح ذكر أن عدة أحاديث الصحيح للبخاري ٧٢٧٥ حديثا بالأحاديث المكررة، وقال: (وقد قيل إنها باسقاط المكرر ٤ آلاف حديث وقد يندرج في ذلك آثار الصحابة والتابعين، والحديث الواحد المروي بإسنادين) (^٤).\nفقال العراقي في (النكت): «هكذا أطلق ابن الصلاح عدة أحاديثه، أي «صحيح البخاري» والمراد بهذا العدد، الرواية المشهورة، وهي رواية محمد ابن يوسف الفربري، فأما رواية حماد بن شاكر، يعني عن البخاري، فهي دونها بمائتي حديث، وأنقص الروايات، رواية إبراهيم بن معقل - يعني النسفي - فإنها تنقص عن رواية الفربري ثلاثمائة حديث» (^٥).\nومعنى ذلك، أن العراقي يرى أنه كان على ابن الصلاح تقييد ما ذكره من\n_________\n(^١) انظر «التقريب للنووي» / ٤٢٦.\n(^٢) «فتح المغيث» للسخاوي ج ٣/ ١٦٠.\n(^٣) «التدريب» ٥/ ٤٢٦ و«منهج ذوي النظر للترمسي» / ٣١٨.\n(^٤) «المقدمة» / ٢٧\n(^٥) «النكت» / ٢٧","vol":"3","page":994},{"text":"عدد أحاديث البخاري، بالرواية المشهورة فقط، وهي رواية الفربري وقد تعقب الحافظ ابن حجر شيخه العراقي في هذا، فقال ما إجماله: «إن ظاهر كلام العراقي: أن النقص في هاتين الروايتين، وقع في أصل التصنيف وليس كذلك، بل كتاب «البخاري» في جميع الروايات الثلاث في العدد سواء، وإنما فات حمادًا وابن معقل «النسفي»، لما سمعا الصحيح على البخاري شيء من أواخر الكتاب، فروياه بالإجازة، فعدّ العلماء ما فات حمادًا فبلغ مائتي حديث، فقالوا روايته ناقصة عن رواية الفربري هذا القدر، وفات ابن معقل «النسفي» أكثر من حماد، فعدوه نقصا كما فعلوا في رواية حماد» قال: وفي ذلك نظر، فإن رواية الثلاثة متفقة في الكتابة، وإنما اختلفت في أن الفربري سمع الجميع، وإبراهيم «النسفي» وحماد، فاتهما سماع القدر المذكور من أواخر الكتاب فقط، فالنقص إنما حصل من طَرَيَانِ الفوت، لا من أصل «التصنيف» ثم أيد ابن حجر كلامه بمن سبقه، وببحثه بنفسه فقال: «وقد بين شيئًا من ذلك أبو علي الجياني وابن طاهر، ووقع لي أصل أصيل من نسخة النسفي من البخاري، متواليا، إلا أن في آخره نقصا من الأصل وقال: «إلى هنا انتهى سماع النسفي»، أما عدد أحاديث البخاري التي قرر العراقي أنها مطابقة للرواية المشهورة، وهي رواية الفربري، فقد تعقبه في ذلك ابن حجر أيضًا، فذكر أن العراقي وغيره، قد أقروا هذا العدد تقليدًا للحموي الذي كتب البخاري، ورواه عن الفربري، وعد كل باب منه، ثم جمع الجملة وقلّده كل من جاء بعده، نظرًا منهم إلى أنه راوي الكتاب، وله به العناية التامة» قال: ثم لما شرعت في «مقدمة شرح البخاري»، قلدته كما قلدوه، إلى كتاب «السلم»، فوجدته قال: «إن فيه ثلاثين حديثا، أو","vol":"3","page":995},{"text":"نحوها، - الشك مني -» قال: «فاستكثرتها بالنسبة إلى الباب، فعددتها فوجدتها نقصت عما قال كثيرًا، فرجعت عن تقليده، وعددت محررًا بحسب طاقتي فبلغت أحاديثه بالمكرر - سوى المعلقات، والمتابعات - سبعة آلاف وثلاثمائة وسبعة وتسعين حديثا» إلخ (^١).\nونلاحظ هنا، أن ابن حجر أشبه شيخه العراقي في تقليد من يثق به من العلماء، ثم الرجوع عن ذلك متى ظهر له خطؤه، ولا شك أن ما أيد به ابن حجر نقده، كاف في رد ما قرره شيخه العراقي لتقييد كلام ابن الصلاح، وما قرره في عدد أحاديث البخاري، ولهذا تابع ابن حجر العلماء من بعده على هذا النقد والتحرير، وتناقلوه عنه. وإن اختلف نقلهم عنه، واختلف كلامه هو أيضا اختلافًا يسيرًا في العدد المحرر لأحاديث البخاري، إجمالًا وتفصيلا، عما تقدم ذكره (^٢).\nإيضاح العراقي لما أُغلق وأشكل من كتاب ابن الصلاح: هذا هو الهدف الثاني الذي جعل العراقي تحقيقه عنصرًا أساسيًا من منهجه، وصرح به في تسمية الكتاب كما تقدم بـ «التقييد والإيضاح، لما أطلق وأغلق من كتاب ابن الصلاح» وهذا العنصر هو الذي جعل العلماء يعدون هذه النكت ضمن الشروح، وإن كانت كما أوضحت، تختلف عن الشرح المعتاد، حيث إنه لم يستوعب كل مشتملات الكتاب، وقد وجه عنايته لتوضيح\n_________\n(^١) انظر: (البحر الذي زخر) / ٣١ أ وب و(التدريب) / ٥٠ كلاهما للسيوطي، و(النكت الوفية) للبقاعي/ ٢٧ ب، ٢٨ أ.\n(^٢) انظر المصادر السابقة، وحاشية ابن قطلوبغا الحنفي على شرح العراقي المتوسط للألفية/ ٥٠ ب و٥١ أ: و«مقدمة فتح الباري»، ج ٢/ ٢٤٢، ٢٤٩.","vol":"3","page":996},{"text":"وشرح المسائل التي رأى فيها غموضا أو إشكالا، أكثر من عنايته بتوضيح الألفاظ والعبارات، كما أن أكثر ما عني به، لم ينل عناية غيره، من معاصريه الذين تناولوا كتاب ابن الصلاح، شرحا وتنكيتا كما مر بنا في مقارنات الأمثلة، وكما سيأتي أيضا، وإليك بعض النماذج لما تناوله بالإيضاح:\n\n<span data-type='title' id=toc-326>أولا: الإيضاحات اللغوية:</span>\nوقد عني العراقي فيها بما يتعلق بالمصطلحات الحديثية، بناء على أن المعنى اللغوي ينبغي مراعاته في المعنى الاصطلاحي (^١)، فمن ذلك أن ابن الصلاح ذكر في النوع الثاني والأربعين من كتابه: (معرفة الحديث المدبج) كما سبق ذكري له في الفقرة السابقة، ولم يتعرض لبيان وجه تسمية هذا النوع بالمدبج ولا لوجه اشتقاقه، مع أنه تعرض لمثله، مما فيه غموض أو إشكال، كالمعلل، والمعضل، فقال العراقي في (النكت) متسائلا؟: ما المناسبة المقتضية لتسمية هذا النوع بالمدبج؟ ومن أي شيء اشتقاقه؟ وأجاب بقوله: (ولم أر من تعرض لذلك)، ثم تصدى هو للبيان، فقال: «والظاهر أنه سمي بذلك، لحسنه فإن المدبج لغة: هو المزين»، قال صاحب المحكم: «الدبج: النقش والتزيين، فارسي معرب»، قال: وديباجة الوجه حسن بشرته، ومنه تسمية ابن مسعود الحواميم: (ديباج القرآن)، قال العراقي: «وإذا كان هذا منه، فإن الإسناد الذي يجتمع فيه قرينان، أو أحدهما أكبر من الآخر، من رواية الأصاغر عن الأكابر، إنما يقع ذلك غالبا فيما إذا كانا عالمين أو حافظين، أو فيهما، أو في أحدهما، نوع من وجوه الترجيح، حتى عدل الراوي عن العلو\n_________\n(^١) انظر: (لقط الدرر) للشيخ خاطر/ ١١٢.","vol":"3","page":997},{"text":"للمساواة، أو النزول، لأجل ذلك، فحصل للإسناد بذلك تحسين وتزيين، كرواية أحمد بن حنبل عن يحيى بن معين، ورواية ابن معين عن أحمد، وإنما تقع رواية الأقران غالبًا من أهل العلم المتميزين بالمعرفة». ثم ساق احتمالًا آخر، فقال: ويحتمل أن يقال: «إن القرينين الواقعين في المديح في طبقة واحدة بمنزلة واحدة، فشبها بالخدين»، فإن الخدين يقال لهما: الديباجتان كما قاله صاحبا «المحكم» و«الصحاح». وأردف قائلًا: «وهذا المعنى متجه على ما قاله الحاكم وابن الصلاح: أن المدبج مختص بالقرينين»، وذكر احتمالًا آخر، واستبعده حيث قال: «ويحتمل أنه سمي بذلك، لنزول الإسناد، فإنهما إن كانا قرينين، نزل كل منهما درجة، وإن كان من رواية الأكابر عن الأصاغر، نزل درجتين، وقد روينا عن يحيى بن معين قال: «الإسناد النازل قرحة في الوجه، وروينا عن علي بن المديني، وأبي عمرو المستملي، قالا: النزول شؤم»». قال العراقي: «فعلى هذا، لا يكون المديج مدحًا له - أي للحديث - ويكون ذلك من قولهم: رجل مدبج، قبيح الوجه والهامة، حكاه صاحب المحكم»، وعقب العراقي قائلًا: «وفيه بعد» ثم قال: «والظاهر أنه إنما هو مدح لهذا النوع، أو يكون من الاحتمال الثاني، يعني تشبيه القرينين فيه بالخدين، والله أعلم» (^١).\nوبهذا بين الأصل اللغوي للكلمة، ورجح مناسبة تسمية هذا النوع من الحديث بها، لمعنيين ملائمين، واستبعد معنى ثالثًا، وهذا إيضاح أشار إلى عدم وقوفه على من سبقه إليه، كما أني لم أجد البلقيني (^٢).\n_________\n(^١) «النكت» / ٣٣٤، ٣٣٩.\n(^٢) «المحاسن» / ١١١ أ.","vol":"3","page":998},{"text":"ولا ابن الملقن (^١)، تعرضا لذلك، أما من بعد العراقي، فقد أخذوا بتوجيهه، كتلميذه ابن حجر في (توضيح النخبة)، حيث جزم بالمأخذ الثاني مما رجحهما شيخه (^٢)، وكالسيوطي في (التدريب)، وقد أقر العراقي على عدم سبق غيره له في هذا البحث، والتوجيه، ونقل خلاصته عنه (^٣)، وكذا من بعده إلى الآن (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-327>ثانيا: تحديد المبهم:</span>\nأبهم ابن الصلاح ذكر مصدره في كثير من الآراء والمسائل، حيث يقول: «قال بعض المتأخرين كذا» (^٥)، أو قال بعض أئمتنا كذا (^٦)، أو عزى بعضهم كذا (^٧) أو بعض أهل الحديث (^٨) بذلك أصبح الرجوع إلى مصدر هذه المسائل والآراء، خاصة المختلف فيه منها، صعب المسلك، مستغلقا على الباحث، وربما جمعت عبارة ابن الصلاح في الإحالة بين الإبهام والتضعيف للرأي، دون أن يكون التضعيف واردا في المصدر المنقول عنه، كقوله: «ويقال كذا» فتتبع العراقي كثيرا من تلك الإحالات المبهمة وحدد المراد بها، وقد ينقل نص ما\n_________\n(^١) «المقنع» / ١٢٧.\n(^٢) توضيح «نخبة الفكر مع لقط الدرر» / ١١٢.\n(^٣) «التدريب» / ٤٢٦، ٤٢٧.\n(^٤) انظر (منهج ذوي النظر) / ٣١٨، ٣١٩.\n(^٥) «المقدمة مع النكت» / ٤٥.\n(^٦) «المقدمة مع النكت» / ١٤٥.\n(^٧) «المقدمة مع النكت» / ١٤٩٠.\n(^٨) «المقدمة مع النكت / ٢٦٧.","vol":"3","page":999},{"text":"أحال عليه ابن الصلاح، ولا شك أنه عمل بالغ الأهمية، لا في الإيضاح للمبهمات فحسب، بل وفي توثيق كتاب ابن الصلاح، بتحديد مصادره، وتأصيل محتواه العلمي، كما أن له دلالة قوية على جهد العراقي المبذول في بحث نصوص الكتاب، وإرجاعها لمصادرها العديدة، كما هو المنهج العلمي المعتمد لتحقيق النصوص، حتى عصرنا هذا، ولذلك أيضًا دلالة قوية على سعة اطلاع العراقي، وتمكنه العلمي كما قدمت إيضاحه، وإليك بعض الأمثلة:\nفمن ذلك: أن ابن الصلاح قال عن الحديث الطويل الموضوع في فضائل القرآن سورة فسورة: «بحث باحث عن مَخْرَجِه حتى انتهى إلى من اعترف بأنه وجماعة وضعوه» (^١). فقال العراقي في «النكت»: «أبهم المصنف ذكر هذا الباحث الذي بحث عن هذا الحديث، وهو مؤمل بن إسماعيل»، ثم نقل النص المثبت لذلك فقال: «فروينا عن مؤمل أنه قال: حدثني شيخ بهذا الحديث، فقلت للشيخ من حدثك؟ فقال: حدثني رجل بالمدائن وهو حي، فسرت إليه، فقلت: من حدثك؟ فقال: حدثني شيخ بواسط، وهو حي، فصرت إليه فقال: حدثني شيخ بالبصرة فصِرْتُ إليه، فقال: حدثني شيخ بعبادان فصرتُ إليه، فأخذ بيدي فأدخلني بيتا فإذا فيه قوم من المتصوفة، ومعهم شيخ، فقال: هذا الشيخ حدثني، فقلت: يا شيخ من حدثك؟ فقال: لم يحدثني أحد، ولكنا رأينا الناس قد رغبوا عن القرآن، فوضعنا لهم هذا الحديث، ليصرفوا قلوبهم إلى القرآن» (^٢).\n_________\n(^١) «المقدمة مع النكت»» / ١٣٤\n(^٢) «النكت»» / ١٣٤","vol":"3","page":1000},{"text":"ولم يعلق ابن الملقن (^١) ولا البلقيني (^٢) على إبهام ابن الصلاح المذكور بشيء، وقد أقر العلماء من بعد العراقي ما ذكره (^٣).\nوقال ابن الصلاح أيضًا: قال بعض أئمتنا: «المستور من يكون عدلا في الظاهر ولا تعرف عدالة باطنه» (^٤).\nفقال العراقي: «وهذا الذي أبهمه المصنف بقوله: «بعض أئمتنا» هو أبو محمد البغوي، صاحب «التهذيب»، فهذا لفظه بحروفه فيه، ويوافقه كلام الرافعي في الصوم، فإنه قال فيه: «إن العدالة الباطنة هي التي يرجع فيها إلى أقوال المزكين»» (^٥).\nوبذلك حدد مصدرين: أولهما بالنص، والثاني بالمعنى.\nوتحديده لمصدر النص بحروفه، كما قال، يدل على أنه رجع إليه، وقابله تفصيلا، بما ذكره ابن الصلاح، وقد شارك العراقي في بيان هذا المبهم ابن الملقن (^٦).\nومما جمع فيه العراقي بين تحديد المصدر، ورفع التضعيف: أن ابن الصلاح، ذكر من متشابه الرواة موسى بن علي بن رباح اللخمي المصري، وذكر أنه عرف بضم العين في اسم أبيه، قال: «وقد روينا عنه تجريحه ممن يقوله بالضم».\n_________\n(^١) «المقنع» ٥/¬٤٦.\n(^٢) «المحاسن» / ٣٩ ب.\n(^٣) انظر «فتح المغيث» للسخاوي ج ١/ ٢٤٢ و٥ التدريب/ ١٨٨، ١٨٩.\n(^٤) «المقدمة» ٥/ ١٤٥.\n(^٥) «النكت» / ١٤٥.\n(^٦) «المقنع» ٥/ ٥٢.","vol":"3","page":1001},{"text":"ثم قال: «ويقال: إن أهل مصر كانوا يقولونه بالفتح، لذلك، وأهل العراق كانوا يقولونه بالضم، وكان بعض الحفاظ يجعله بالفتح اسما له، وبالضم لقبا» (^١).\nفقال العراقي في «النكت» تعليقا على قوله: «ويقال أن أهل مصر» إلخ أبهم المصنف قائل ذلك وأتى بصيغة التمريض، والذي قال ذلك: محمد بن سعد، قاله في «الطبقات»، بلفظ: «أهل مصر يفتحون، وأهل العراق يضمون» وبنقله لنص ابن سعد، أوضح أن تضعيف هذا الرأي، هو من جانب ابن الصلاح، وليس من المصدر الأصلي الذي اعتمد عليه، وقد ذكر السخاوي: أن القول بفتح العين مشهور، وفتحها هو الصحيح (^٢).\nثم علق العراقي على قول ابن الصلاح أيضا: «وكان بعض الحفاظ يجعله إسما له»، إلخ.\nفقال: «أبهم المصنف تسمية الحافظ القائل ذلك، وهو الدارقطني» (^٣) ولم يتعرض لأي من ذلك البلقيني (^٤) ولا ابن الملقن (^٥)، وقد أيد السيوطي العراقي في تحديد ما أبهمه ابن الصلاح (^٦).\nوربما حدّد العراقي ما أبهمه ابن الصلاح بطريق الاستنتاج، حسبما يظهر له.\n_________\n(^١) «المقدمة» / ٤١٩.\n(^٢) «فتح المغيث» للسخاوي ج ٣/ ٢٦٠.\n(^٣) «النكت» / ٤١٩.\n(^٤) «المحاسن» ١٣١ ب.\n(^٥) «المقنع» ١٦٣.\n(^٦) انظر «التدريب» / ٤٩٠، ٤٩١.","vol":"3","page":1002},{"text":"مثال ذلك: أن ابن الصلاح قال عن سعيد بن المسيب: «وقد قال بعضهم: لا تصح له رواية عن أحد من العشرة (^١)، إلا سعد بن أبي وقاص» (^٢).\nفقال العراقي: «قلت: هكذا أبهم المصنف قائل ذلك، والظاهر أنه أخذ ذلك من قول قتادة، الذي رواه مسلم في مقدمة «صحيحه»، من رواية همام قال: دخل أبو داود الأعمى على قتادة، فلما قام قالوا: إن هذا يزعم أنه لقي ثمانية عشر بدريًا، فقال قتادة: هذا كان سائلا قبل الجارف، لا يعرض في شيء من هذا، ولا يتكلم فيه، فوالله ما حدثنا الحسن عن بدري مشافهة ولا حدثنا سعيد بن المسيب عن بدري مشافهة، إلا عن سعد بن مالك» (^٣)، ولم يتعرض البلقيني (^٤)، ولا ابن الملقن (^٥)، لذلك، ولكن قد أقر العراقي من بعده على ما استظهره، في تحديد ما أبهمه ابن الصلاح (^٦)، ونقله عنه السيوطي (^٧).\nوقد ينبه على أنه لم يجد مصدرا لما قرره ابن الصلاح.\nمثال ذلك: أن ابن الصلاح ذكر ممن يكنى أبا عبد الله من الرواة: عمارة بن حزم (^٨) فقال العراقي: «يُنْظَرُ فإني لم أر من كنّاه بذلك، ولم يذكروا له كنية\n_________\n(^١) أي المبشرين بالجنة.\n(^٢) «المقدمة» / ٣٢٠.\n(^٣) «النكت» / ٣٢٠، ٣٢١.\n(^٤) «المحاسن» ١/ ١٠٦ أ.\n(^٥) «المقنع» ١٢١.\n(^٦) «فتح المغيث» للسخاوي ج ٣/ ١٤٣.\n(^٧) «التدريب» ٩/ ٤١٧.\n(^٨) «المقدمة» / ٣٧٥.","vol":"3","page":1003},{"text":"فيما وقفت عليه، كالبخاري في «التاريخ الكبير»، وابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل»، والنسائي، وأبي أحمد الحاكم، وابن حبان، وابن منده، وابن عبد البر (^١)، ولم يعلق البلقيني (^٢)، ولا ابن الملقن (^٣)، على ما ذكره ابن الصلاح بشيء، ولكن السيوطي تبع العراقي في التوقف في ذلك» (^٤).\nثالثا: توضيحه للمشكل، والمجمل:\nفمن المشكل أن ابن الصلاح ذكر عن الحافظ أبي نصر السجزي: أن قول الراوي: «بلغني» يسميه أصحاب الحديث «معضلا»، ومثل له بقول مالك: «بلغني عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: للمملوك طعامه وكسوته» الحديث (^٥). فقال العراقي: «قد استشكل كون هذا الحديث معضلا، لجواز أن يكون الساقط بين مالك وأبي هريرة واحدا، فقد سمع مالك من جماعة من أصحاب أبي هريرة: كسعيد المقبري، ونعيم ابن المجمر، ومحمد بن المنكدر، فَلِمَ جعله معضلا؟»، ثم تصدى للجواب فقال: «والجواب: أن مالكًا قد وصل هذا الحديث خارج «الموطأ»، فرواه عن محمد بن عجلان، عن أبيه عن أبي هريرة» (^٦).\nفقد عرفنا سقوط اثنين منه، فلذلك سموه معضلا والله أعلم (^٧). وبالمقارنة\n_________\n(^١) «النكت» / ٣٧٥.\n(^٢) «المحاسن» / ١٢٦/ أ.\n(^٣) «المقنع» / ١٤٧.\n(^٤) انظر «التدريب» / ٤٥٧.\n(^٥) «المقدمة» / ٨٢.\n(^٦) انظر «معرفة علوم الحديث» للحاكم، فقد بين وصله هكذا/ ٣٧.\n(^٧) «النكت» / ٨٢، ٨٣.","vol":"3","page":1004},{"text":"نجد أن البلقيني (^١)، وابن الملقن (^٢)، قد اكتفيا ببيان وصل الإمام مالك للحديث، كما ذكر العراقي، دون إشارة إلى أن التمثيل به مشكل، ثم دَفْعُه. وقد اعتمد العلماء من بعد العراقي ما قرره من الإشكال ودفعه (^٣).\nومن شرحه للمجمل الذي لم يشرحه سابقوه حتى عصر ابن الصلاح، أن ابن الصلاح قال في بيان ألفاظ التجريح والتعديل: «ومما لم يشرحه ابن أبي حاتم وغيره من الألفاظ المستعملة في هذا الباب، قولهم: فلان روى الناس عنه، فلان وسط». وذكر تكملة اثنتي عشرة لفظة، كما سيأتي، ثم قال: «وما من لفظة منها، ومن أشباهها، إلا ولها نظير شرحناه، أو أصل أصلناه، ننبه إن شاء الله تعالى به عليها» (^٤)، لكنه كما ترى لم يلحق كل لفظ بنظيره أو أصله، كما لم أجد من فعل ذلك ممن اختصر الكتاب أو علق عليه (^٥). أما العراقي فقال في «النكت»: «إن المصنف، أي ابن الصلاح، ذكر هنا ألفاظا للتوثيق وألفاظا للتجريح، ولم يميز بينها».\nوقال: «إن ابن أبي حاتم وغيره لم يشرحوها»، قال: «وأراد بكونهم لم يشرحوها، أنهم لم يبينوا ألفاظ التوثيق من أي مرتبة هي؟ من الثانية، أو الثالثة، مثلًا، وكذلك ألفاظ التجريح لم يبينوا من أي منزلة هي؟، وليس\n_________\n(^١) «المحاسن» / ٣٢.\n(^٢) «المقنع» / ٣١.\n(^٣) «النكت الوفية» / ٢٧ أو «فتح المغيث» للسخاوي جـ ١/ ٥٢، ١٥٣ و«التدريب» / ١٣٠.\n(^٤) «المقدمة» / ١٦٠، ١٦١.\n(^٥) انظر «التقريب للنووي مع التدريب» / ٢٣٤/ ٢٣٥ و«الخلاصة للطيبي» / ٩١، ٩٢ و«اختصار علوم الحديث» لابن كثير/ ١٠٥ - ١٠٧ و«محاسن الاصطلاح» / ٣٤٧ و«المقنع» / ٥٧.","vol":"3","page":1005},{"text":"المراد أنهم لم يبينوا هل هي من ألفاظ التوثيق أو التجريح؟! فإن هذا لا يخفى على أهل الحديث»، ثم تصدى العراقي للشرح فقال: «وإذا كان كذلك، فقد رأيت أن أذكر كل لفظة منها، من أي مرتبة هي؟! لتعرف منزلة الراوي به»!\nفأقول: «الألفاظ التي هي للتوثيق من هذه الألفاظ التي جمع المصنف بينها أربعة ألفاظ، وهي: قولهم فلان روى عنه الناس، وفلان وسط، وفلان مقارب الحديث، وفلان ما أعلم به بأسا» قال: «وهذه الألفاظ الأربعة من الرتبة الرابعة، وهي الأخيرة من ألفاظ التوثيق» ثم قال: «وأما بقية الألفاظ التي ذكرها هنا، فإنها من ألفاظ الجرح، وهي سبعة ألفاظ»، وبين مراتبها فقال: «فمن المرتبة الأولى وهي ألين ألفاظ الجرح، قولهم: فلان ليس بذاك وفلان ليس بذاك القوي، وفلان ضعيف، وفلان في حديثه ضعف، ومن الدرجة الثانية، وهي أشد في الجرح من التي قبلها: قولهم: «فلان لا يحتج به، فلان مضطرب الحديث»، ومن الدرجة الثالثة: وهي أشد من اللتين قبلها، قولهم: فلان لا شيء. ثم عقب قائلا: «فهذا ما ذكره المصنف هنا مهملا من مراتبه»، قال: «وذكر فيها أيضا: فلان مجهول».\nوقال: «وقد تقدم ذكر المجهول في الموضع الذي ذكره المصنف فيه، وذكر أنه على ثلاثة أقسام، فأغنى ذلك عن ذكره هنا»» (^١).\nوقد تبع العلماء - حتى الآن - العراقي على هذا الشرح والترتيب لتلك الألفاظ في الجرح والتعديل، مع زيادة بعضهم لما وقف عليه من إضافات (^٢).\n_________\n(^١) «النكت» / ١٦١.\n(^٢) انظر «فتح المغيث» للسخاوي ج ١/ ٣٣٨، ٣٣٩، ٣٤٧ و«النكت الوفية» / ٢٣٥ أو «التدريب» / ٢٣٢ - ٢٣٥ و«الرفع والتكميل» للكنوي/ ٦٦ - ٨٢.","vol":"3","page":1006},{"text":"<span data-type='title' id=toc-328>الاعتراضات الموجهة إلى ابن الصلاح ومواقف العراقي منها، وأثرها:</span>\nجعل العراقي من هدفه كما قدمت، الجواب عن الاعتراضات غير الصحيحة التي وجهت إلى ابن الصلاح ممن اختصر كتابه، أو علق عليه، ولكني عندما فحصت نكت العراقي من أولها إلى آخرها، وجدته ذكر بجانب الاعتراضات غير الصحيحة وجوابه عنها، اعتراضات أخرى صحيحة وجهها العلماء أيضا لابن الصلاح، فذكرها العراقي وأقرها، كما وجدته افترض اعتراضات ثالثة، وأجاب عنها، ثم وجه هو انتقادات واعتراضات من جانبه إلى ابن الصلاح، وبهذا أصبحت الاعتراضات التي تناولها العراقي في نكته، على أربعة أنواع، وإن كان لم يصرح في مقدمة الكتاب إلا بالنوع الأول فقط، ولعل ذلك لأنه أكثرها، وسأقدم نماذج تفصيلية للأنواع الأربعة على النحو التالي:\n\n<span data-type='title' id=toc-329>أولا: الاعتراضات غير الصحيحة، واصطلاح العراقي فيها، وجوابه عنها:</span>\nتعتبر الاعتراضات غير الصحيحة، أكثر ما عنى العراقي به من الاعتراضات، حيث جعلها كما أشرت، هدفا أساسيا من أهداف تأليفه كتابه، وعنصرا أساسيا من منهجه فيه، وحتى لا يظن بالعراقي، أنه كان يميل إلى الشغب العلمي، أو التقليل من جهد غيره، أو الظهور عليه، خاصة وأن ممن رد عليهم بعض شيوخه كما سيأتي، من أجل ذلك نبه على غرضه من دفع تلك الاعتراضات، فقال: «فرأيت أن أذكرها، وأبين تصويب كلام الشيخ - أي ابن الصلاح - وترجيحه، لئلا يتعلق بها من لا يعرف مصطلحات القوم أي","vol":"3","page":1007},{"text":"المحدثين - وينفق من مُزْجَي البضاعات ما لا يصلح للسوم (^١).\nفهذا يشير إلى أن من يعرف مصطلحات المحدثين جيدا، يشارك العراقي الرأي، في دفع الاعتراضات التي ردها، كما يبين لنا أنه قصد بردها، حماية غير العارفين المتخصصين، من التعلق بها وترويجها، مع خطئها أو ضعفها.\nوقد ظهر لي بالمقارنة والبحث ما يؤيد هذا، حيث وجدت قريني العراقي البلقيني وابن الملقن في تعليقهما على كتاب ابن الصلاح، قد أقرا بعض تلك الاعتراضات، ولم يتعرضا كلية لأكثر ما رده العراقي منها، كما وجدت أن ما شاركاه في تناوله، لم يتعمقا فيه تعمقه، مع قلة ما انفردا به، أو أحدهما عنه.\nوقد أحصيت الاعتراضات غير الصحيحة التي أجاب العراقي عنها في جميع الكتاب، فبلغت قرابة ستين اعتراضًا، وفي بعضها يكون الاعتراض على أكثر من نقطة في الموضوع الواحد، فيقول العراقي مثلًا: «اعترض عليه بأمرين، ويجيب عنهما بجوابين، وأغلب تلك الاعتراضات وجدته موجها إلى ابن الصلاح ممن اختصر كتابه أو علق عليه، حتى عصر العراقي، مثل: تقي الدين بن دقيق العيد المتوفى سنة ٧٠٢ هـ، والحافظين: مغلطاي وابن كثير، شيخي العراقي، وبدر الدين الزركشي المتوفى سنة ٧٩٤ هـ وبعضها موجه إليه من غيرهم، كالحافظ محمد بن عمر الأندلسي المعروف بابن رشيد المتوفى سنة ٧٢٢ هـ، وكالحافظ أبو الفتح بن سيد الناس اليعمري المتوفى سنة ٧٣٤ هـ، وكالحافظ أبو الحجاج المزي المتوفي سنة ٧٤٢ هـ، وبعضها معترض عليه قبل ذكر ابن الصلاح له في كتابه، فسرى الاعتراض عليه.\n_________\n(^١) «النكت» / ١٢.","vol":"3","page":1008},{"text":"ثم إن العراقي ذكر في «مقدمة النكت» اصطلاحا لذكر هذا النوع من الاعتراضات، يفيد عدم حرصه على التشهير بأحد، إذ يقول: «فحيث كان الاعتراض عليه - أي ابن الصلاح - غير صحيح، ولا مقبول، ذكرته بصيغة: «واعترض عليه» على البناء للمفعول (^١)، لكني وجدته قد خالف هذا الاصطلاح في بعض الاعتراضات التي من هذا النوع، فصرح بذكر المعترض» (^٢).\nفكان التزامه به أغلبي، كما أنه قد وفق فيما أجاب به عن غالب تلك الاعتراضات، وأخذ العلماء من بعده بإجاباته وآرائه، وتناقلوها عنه في مؤلفاتهم في علوم السنة، على سبيل الاحتجاج بها، وإليك بعض النماذج:\nبعض اعتراضات ابن دقيق العيد، وجواب العراقي عنه:\nقال ابن الصلاح في تعريف الحديث الصحيح: «هو الحديث المسند الذي يتصل إسناده بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط إلى منتهاه، ولا يكون شاذا ولا معللا» (^٣).\nفقال العراقي في «النكت»: «اعترض عليه بأن من يقبل المرسل، لا يشترط أن يكون الحديث مسندا، وأيضا اشتراطه سلامته من الشذوذ والعلة، إنما زادها أهل الحديث»، كما قاله ابن دقيق العيد في «الاقتراح» حيث قال: «وفي هذين الشرطين نظر على مقتضى نظر الفقهاء، فإن كثيرا من العلل التي\n_________\n(^١) «النكت» ٤/¬١٢.\n(^٢) انظر «النكت» ٤/¬٤٣، ٤٥، ٥٣، ٥٤، ١٢٢.\n(^٣) «المقدمة» ٤/¬٢٠.","vol":"3","page":1009},{"text":"يعلل بها المحدثون، لا تجري على أصول الفقهاء»، قال: «ومن شرط الحد أن يكون جامعا مانعا.\nثم تصدى العراقي للرد فقال: «والجواب: أن من يصنف في علم الحديث إنما يذكر الحد عند أهله، لا من عند غيرهم من أهل علم آخر». وبين موقف المحدثين من حجية المرسل فقال: «وفي مقدمة مسلم: أن المرسل في أصل قولنا وقول أهل العلم بالأخبار، ليس بحجة» وعليه يكون إخراجه من الحد عند المحدثين ليس مسلما».\nأما شرطا عدم الشذوذ والعلة، فأجاب عنهما بقوله: «وكون الفقهاء والأصوليين لا يشترطون في الصحيح هذين الشرطين، لا يفسد الحد عند من يشترطهما»، وتنزل في الرد أكثر فقال: «على أن المصنف قد احترز عن خلافهم، وقال بعد أن فرغ من الحد وما يحترز به عنه: فهذا هو الحديث الذي يحكم له بالصحة بلا خلاف بين أهل الحديث، وقد يختلفون في صحة بعض الأحاديث، لاختلافهم في وجود هذه الأوصاف فيه، أو لاختلافهم في اشتراط بعض هذه الأوصاف كما في المرسل». قال العراقي: فقد احترز المصنف عما اعترض به عليه، فلم يبق للإعتراض وجه، والله أعلم (^١).\nوعند المقارنة نجد أن البلقيني ذكر في «محاسنه» الاعتراضين السابقين وأقرهما (^٢)، وذكر ابن الملقن ثانيهما فقط، وأقره كذلك (^٣)\n_________\n(^١) «النكت» / ٢٠.\n(^٢) «محاسن الاصطلاح» / ٢ ب.\n(^٣) «المقنع».","vol":"3","page":1010},{"text":"وقال الزركشي: «إن اشتراط نفي الشذوذ ليس متفقا عليه» (^١).\nولكن العلماء من بعدهم حتى الآن، قد أخذوا بما قرره العراقي في جوابه المتقدم، من اشتراط اتصال السند، وعدم الشذوذ، وعدم العلة في حد الصحيح، مع إضافة ما بدا لهم (^٢)، وتناقل بعضهم عنه جوابه السابق نصا أو معنى (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-330>مما اعترض به المزي وأجاب عنه العراقي:</span>\nنقل ابن الصلاح عن الخطيب البغدادي أن الهزهاز بن ميزن، لا راوي عنه غير الشعبي، ثم استدرك عليه، بأنه قد روى عن الهزهاز: سفيان الثوري أيضًا (^٤) فتعقب ابن الملقن ابن الصلاح فقال: «قلت: هذا سهو، فإن الثوري لم يرو عن الشعبي، فكيف يروي عن شيخه؟، ثم قال: «نبه عليه الحافظ جمال الدين المزي (^٥) فبين أن مصدره هو الحافظ المزي، أما البلقيني فلم يذكر هذا الاعتراض كلية» (^٦)، لكن العراقي ذكر الاعتراض وأجاب عنه فقال:\n_________\n(^١) انظر «البحر الذي زخر»، للسيوطي/ ٣٨.\n(^٢) توضيح «نخبة الفكر لابن حجر مع حاشية لقط الدرر» / ٣٨، ٣٩ و«فتح المغيث» للسخاوي ج ١/¬١٧ - ٢١ و«البحر الذي زخر» للسيوطي/ ٨ أ، ب و«منهج ذوي النظر» للترمسي/ ١٠، ١١ و«علوم الحديث ومصطلحه» للدكتور صبحي الصالحي/ ١٤٥، ١٤٦.\n(^٣) انظر «النكت الوفية» / ١١ أ، ١٣ أ، و«التدريب» / ٢٣ و«المنهج الحديث» لشيخنا السماحي ٢٩ - ٣٣.\n(^٤) و«المقدمة» / ٤/ ١٤٦، ١٤٨.\n(^٥) و«المقنع» / ١/ ٥٢.\n(^٦) و«محاسن الاصطلاح» / ٤٤ أ.","vol":"3","page":1011},{"text":"«اعترض على المصنف في قوله: «إن الثوري روى عن الهزهاز، بأن الثوري لم يرو عن الشعبي نفسه، فكيف يروي عن شيوخه؟، ثم أجاب بقوله: وقد يقال: لا يلزم من عدم روايته عن الشعبي، عدم روايته عن الهزهاز، ولعل الهزهاز تأخر بعد الشعبي» قال: «ويقوي ذلك: أن ابن أبي حاتم ذكر في كتاب «الجرح والتعديل»: أنه روى عن الهزهاز هذا، «الجراح ابن مليح» والجراح أصغر من الثوري، وتأخر بعده عدة سنين، والله أعلم (^١)، وقد نقل البقاعي هذا الاعتراض وجوابه نصا، عن نكت العراقي، وأقره» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-331>مما اعترض به الحافظ مغلطاي، شيخ العراقي، وجوابه عنه:</span>\nذكر ابن الصلاح: أن الحديث المعلق: هو الذي حذف من مبتدأ إسناده واحد أو أكثر، وذكر أن التعليق يكون بصيغة تفيد الجزم بنسبة الحديث إلى المعلق عنه، مثل: قال كذا، ورَوَى كذا، ويكون بصيغة تفيد التمريض والضعف مثل: روي بضم الراء، عن الرسول ﷺ، أو عن فلان من الرواة كذا، ثم قال: «إن ما علقه البخاري بلفظ فيه جزم، وحكم منه على من علقه عنه، فقد حكم بصحته عنه، وأما ما لم يكن في لفظه جزم وحكم، فليس في شيء منه حكم بصحته عمن ذكره عنه؛ لأن مثل هذه العبارات تستعمل في الحديث الضعيف أيضا» (^٣)\nوقد قال العراقي في «النكت»: «إنه اعترض على المصنف فيما قاله» من\n_________\n(^١) «النكت» / ١٤٦.\n(^٢) «النكت الوفية» / ١٢١٠.\n(^٣) «المقدمة» / ٣٤.","vol":"3","page":1012},{"text":"أن ما كان مجزوما به فقد حكم (البخاري) بصحته عمن علقه عنه، وما لم يكن مجزوما به، فليس فيه حكم بصحته.\nقال ابن الصلاح: «وذلك لأن البخاري يورد الشيء بصيغة التمريض، ثم يخرجه في صحيحه مسندا، ويجزم بالشيء، وقد يكون لا يصح» قال العراقي: «ثم استدل المعترض لذلك، بأن البخاري قال في كتاب الصلاة: «ويذكر عن أبي موسى: كنا نتناوب النبي ﷺ عند صلاة العشاء، ثم أسنده في باب فضل العشاء»».\nوقال في كتاب الطب: «ويذكر عن ابن عباس عن النبي ﷺ في الرقى بفاتحة الكتاب»، وهو مذكور عنده هكذا: «قال: حدثنا سيدان بن مضارب حدثنا أبو معشر البراء، حدثني عبد الله بن الأخنس، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس به» وذكر مثالين آخرين، ثم انتقل إلى النوع الثاني، وهو ما جزم به البخاري وهو لا يصح، فذكر أن المعترض استدل على هذا بأن البخاري قال في كتاب التوحيد، في باب: وكان عرشه على الماء، إثر حديث أبي سعيد «الناس يصعقون يوم القيامة فإذا أنا بموسى» قال: «وقال الماجشون، وعن عبد الله بن الفضل، عن أبي سلمة عن أبي هريرة». قال: المعترض: ورد البخاري بنفسه على نفسه (^١)، فذكر في «أحاديث الأنبياء» حديث الماجشون هذا عن عبد الله بن الفضل، عن الأعرج عن أبي هريرة، وكذا رواه مسلم والنسائي، ثم قال: «قال أبو مسعود - (أي الدمشقي) -\n_________\n(^١) ما بين القوسين فيما سيأتي ساقط من الطبعة المصرية، فاستدركته من مخطوطة دار الكتب الموثقة / ٧ ب وطبعة حلب/ ٢٣.","vol":"3","page":1013},{"text":"إنما يعرف أي الحديث السابق، عن الماجشون عن ابن الفضل عن الأعرج».\nقال العراقي: «انتهى ما اعترض به عليه» (^١). ولم يصرح العراقي بصاحب هذا الاعتراض بناء على اصطلاحه السابق ذكره، ولكن تلميذه ابن حجر ذكر أن المعترض بهذا على ابن الصلاح، هو الحافظ مغلطاوي (^٢)، وهو شيخ العراقي كما تقدم، وقد ذكر ابن الملقن هذا الاعتراض، كاستدراك من جانبه هو على ابن الصلاح، وأقره (^٣)، وذكر نحوه البلقيني أيضًا بدون عزو لأحد، ثم أجاب بأن البخاري حافظ لا يعترض عليه بمجرد أنا لم نجد الحديث المعلق في قوله: وقال: (الماجشون إلخ ما تقدم) مثلما ذكره، ثم قال: «إن قول ابن الصلاح: إن ما ليس فيه جزم، لا يكون حكمًا بصحته، لا يلزم منه أن يكون حكمًا بالضعف، بل المراد، لا دلالة فيه على الصحة بمجرد هذا اللفظ، وقد يكون صحيحًا» (^٤).\nأما العراقي فإنه بعد أن ذكر الاعتراض بأمثلته كما أشرت، قام بإجابة تفصيلية وعملية، إذ يقول: «والجواب: أن ابن الصلاح لم يقل: إن صيغة التمريض لا تستعمل إلا في الضعيف، بل في كلامه أنها تستعمل في الصحيح أيضًا»، قال العراقي: «ألا ترى قوله: لأن مثل هذه العبارات تستعمل في الحديث الضعيف أيضًا؟» فقوله: «أيضًا»، دال على أنها تستعمل في الصحيح أيضًا، فاستعمال البخاري لها في موضع الصحيح ليس\n_________\n(^١) «النكت» / ٣٥.\n(^٢) انظر: «فتح الباري» ج ٥/ ٤٦٩ ط مصطفى الحلبي.\n(^٣) «المقنع» / ١٢٠ أصل وهامش\n(^٤) «محاسن الاصطلاح» / هـ ب.","vol":"3","page":1014},{"text":"مخالفا لكلام ابن الصلاح، وإنما ذكر المصنف: أنا إذا وجدنا عنده حديثا مذكورًا بصيغة التمريض، ولم يذكره في موقع آخر من كتابه مسندًا أو تعليقا مجزوما به، لم يحكم عليه بالصحة، وهو كلام صحيح، ثم قال العراقي: ونحن لم نحكم على الأمثلة التي اعترض بها المعترض، إلا بوجودها في كتابه أي البخاري مسندة فلو لم نجدها في كتابه إلا في مواضع التمريض، لم نحكم بصحتها.\nثم قال العراقي: «على أن هذه الأمثلة الثلاثة التي اعترض بها، يمكن الجواب عنها بما ستراه».\nوأضاف قائلا: «والبخاري ﵀، حيث علق ما هو صحيح، إنما يأتي به بصيغة الجزم، وقد يأتي به بغير صيغة الجزم لغرض آخر، غير الضعف وهو: إذا اختصر الحديث، وأتى به بالمعنى، عبّر بصيغة التمريض، لوجود الخلاف المشهور في جواز الرواية بالمعنى، والخلاف أيضًا في جواز اختصار الحديث».\nثم أحال العراقي القارئ على واقع صحيح البخاري نفسه، فقال: «وإن رأيت أن يتضح لك ذلك، فقابل بين موضع التعليق، وبين موضع الإسناد، تجد ذلك واضحا».\nوانتقل إلى الجواب التفصيلي عن الأمثلة المعترض بها فقال:\nفأما المثال الأول: فقال البخاري في باب ذكر العشاء والعتمة:\nويُذكر عن أبي موسى: «كنا نتناوب النبي ﷺ عند صلاة العشاء، فأعتم بها»، ثم قال في باب فضل العشاء: حدثنا محمد بن العلاء، حدثنا أبو أسامة عن يزيد عن أبي بردة عن أبي موسى قال: «كنت أنا وأصحابي الذين","vol":"3","page":1015},{"text":"قدموا معي في السفينة نزولًا في بقيع بطحان، والنبي ﷺ بالمدينة، فكان يتناوب النبي ﷺ عند صلاة العشاء كل ليلة، نفر منهم، فوافقنا النبي ﷺ وله بعض الشغل، في بعض أمره، فأعتم بالصلاة حتى أبهار الليل» الحديث.\nوعقب العراقي بقوله: «فانظر كيف اختصره هناك، وذكره بالمعنى، فلهذا عدل عن الجزم؛ لوجود الخلاف في جواز ذلك، والله أعلم».\nوهكذا أجاب العراقي عن باقي الأمثلة واحدا واحدا (^١).\nوقد تابع العراقي على جوابه المفصل عن هذا الاعتراض العلماء من بعده، فقد قال البخاري بشأن النفاق: «ويذكر عن الحسن ما خافه إلا مؤمن، ولا أمنه إلا منافق»، فقال ابن حجر في شرحه: «وقد يُسْتَشْكل ترك البخاري الجزم به مع صحته عنه، أي عن الحسن» ثم أجاب بقوله: «وذلك محمول على قاعدة ذكرها لي شيخنا أبو الفضل بن الحسين الحافظ ﵀، يعني العراقي «وهي: أن البخاري لا يخص صيغة التمريض بضعف الإسناد، بل إذا ذكر المتن بالمعنى، أو اختصره، أتى بها أيضًا، لما علم من الخلاف في ذلك»، فههنا كذلك» (^٢).\nونلاحظ أن هذه القاعدة التي صرح ابن حجر بتلقيها عن شيخه العراقي، هي بعض جوابه عن الاعتراض المذكور، كما نقل أيضًا خلاصة هذا الجواب مرة أخرى، محتجا به (^٣)، ثم نقل عنه في بيان وصل المعلقات التي ذكرت في\n_________\n(^١) «النكت» / ٣٥ - ٣٨.\n(^٢) انظر «صحيح البخاري مع فتح الباري» كتاب الايمان، باب خوف المؤمن أن يحبط عمله وهو لا يشعر ج ١/ ١١٩.\n(^٣) «فتح الباري» / ج ٢/ ١٨٥ كتاب الصلاة - باب «ذكر العشاء والعتمة ..»","vol":"3","page":1016},{"text":"الاعتراض كما تقدم، وإن كان تعقبه في بعضها، مع إضافات أخرى (^١)، ونقل عنه أيضًا بعض ما تقدم كل من البقاعي (^٢) والسيوطي (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-332>من الاعتراضات الصحيحة على ابن الصلاح، وإقرار العراقي لها:</span>\nفمن ذلك أن ابن الصلاح قال عن تصحيح الحاكم للأحاديث إنه واسع الخطو في شرط الصحيح، متساهل في القضاء به، فالأولى أن نتوسط في أمره، فنقول: «ما حكم بصحته، ولم نجد ذلك فيه لغيره من الأئمة، إن لم يكن من قبيل الصحيح، فهو من قبيل الحسن، يحتج به، ويعمل به، إلا أن تظهر علة توجب ضعفه» (^٤).\nفقال العراقي في «النكت»: «وقد تعقبه بعض من اختصر كلامه، وهو مولانا قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة، فقال إنه - أي ما صححه الحاكم منفردا به عن غيره، يتتبع ويحكم عليه بما يليق بحاله، من الحسن أو الصحة أو الضعف» قال العراقي: «وهذا هو الصواب» (^٥). وبهذا صوّب اعتراض ابن جماعة المذكور، الموجه إلى ابن الصلاح، وقد شاركه في هذا الزركشي في نكته أيضًا (^٦).\nومن ذلك أن ابن الصلاح قال: «وروينا عن مسروق قال: وجدتُ علم\n_________\n(^١) «صحيح البخاري مع فتح الباري»، ج ٥/ ٤٦٩، ج ١٢/ ٣٠٧.\n(^٢) «النكت الوفية»» / ٤٨ أ، ب.\n(^٣) «التدريب»:/ ٦٢، ٦٣.\n(^٤) «المقدمة» / ٢٩.\n(^٥) «النكت» / ٣٠.\n(^٦) انظر «البحر الذي زخر» ٨/¬٤٠ أ.","vol":"3","page":1017},{"text":"أصحاب النبي ﷺ انتهى إلى ستة: عمر، وعلي، وأبي، وزيد، وأبي الدرداء، وعبد الله بن مسعود، ثم انتهى علم هؤلاء الستة إلى اثنين: علي، وعبد الله، قال ابن الصلاح: «وروينا نحوه عن المطرف عن الشعبي عن مسروق، ولكن ذكر أبا موسى الأشعري، بدل أبي الدرداء» (^١)\nفقال العراقي في «النكت»: «وقد يستشكل قول مسروق: «إن علم الستة المذكورين انتهى إلى علي وعبد الله، من حيث إن عليا وابن مسعود، ماتا قبل زيد بن ثابت وأبي موسى الأشعري، بلا خلاف، فكيف ينتهى علم من تأخرت وفاته، إلى من مات قبله، وما وجه ذلك؟»». ثم قال: «وقد يقال في الجواب عن ذلك: إن المراد يكون علم المذكورين انتهى إلى علي وعبد الله أنهما ضما علم المذكورين إلى علمهما، في حياة المذكورين، وإن تأخرت وفاة بعض المذكورين عنهما، والله أعلم» (^٢). ولم يتعرض البلقيني، ولا ابن الملقن، كلية لفرض هذا الاعتراض، والجواب عنه.\nمن اعتراضات العراقي على ابن الصلاح:\nمن ذلك أن ابن الصلاح قال: «إن الحاكم أودع في كتابه «المستدرك على الصحيحين» ما ليس في واحد من الصحيحين» (^٣)\nفقال العراقي في «النكت»: «إن قوله: أودع فيه ما ليس في واحد من الصحيحين، ليس كذلك، فقد أودعه أحاديث مخرجة في الصحيح، وهما\n_________\n(^١) «المقدمة» ص ٣٠٤.\n(^٢) «النكت» ص ٣٠٥.\n(^٣) «المقدمة» ٢٩.","vol":"3","page":1018},{"text":"منه في ذلك، وهي أحاديث كثيرة منها: حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا: «لا تكتبوا عني شيئًا سوى القرآن» الحديث، رواه الحاكم في مناقب أبي سعيد الخدري، وقد أخرجه مسلم في صحيحه».\nثم ذكر العراقي مصدرًا جامعًا لكثير من تلك الأحاديث فقال: «وقد بين الحافظ أبو عبد الله الذهبي في «مختصر المستدرك» كثيرًا من الأحاديث التي أخرجها في «المستدرك» وهي في الصحيح (^١)، وقد شارك البلقيني العراقي في هذا الانتقاد» (^٢).\nمناقشة العراقي، ومن يوافقه، في انتقاده لابن الصلاح في حكم تصحيح المتأخرين للأحاديث:\nومن الانتقادات التي وجهها العراقي إلى ابن الصلاح: حكم تصحيح المتأخرين للأحاديث التي لم يسبقوا إلى تصحيحها، فقد قال ابن الصلاح - في مبحث الصحيح -: «إذا وجدنا فيما يروى من أجزاء الحديث وغيرها، حديثا صحيح الإسناد، ولم نجده في أحد الصحيحين، ولا منصوصًا على صحته في شيء من مصنفات أئمة الحديث المعتمدة المشهورة، فإنا لا نتجاسر على جزم الحكم بصحته، فقد تعذر في هذه الأعصار، الاستقلال بإدراك الصحيح بمجرد اعتبار الأسانيد؛ لأنه ما من إسناد من ذلك، إلا ونجد في رجاله من اعتمد في روايته على ما في كتابه، عريا عما يشترط في الصحيح من الحفظ، والضبط، والإتقان، فآل الأمر إذن في معرفة الصحيح والحسن\n_________\n(^١) «النكت» / ٢٩، ٣٠.\n(^٢) «المحاسن» / ٤ ب.","vol":"3","page":1019},{"text":"إلى الاعتماد على ما نص عليه أئمة الحديث في تصانيفهم المعتمدة المشهورة، التي يؤمن فيها - لشهرتها - من التغيير والتحريف (^١).\nوقد تعقب العراقي ابن الصلاح، فذكر في «النكت»: «أنه قد خالفه في ذلك، الشيخ محيي الدين النووي فقال: «والأظهر عندي جوازه، لمن تمكن، وقويت معرفته»» إهـ.\nوأتبع العراقي كلام النووي بقوله: «وما رجحه النووي هو الذي عليه عمل أهل الحديث، فقد صحح جماعة من المتأخرين أحاديث لم نجد لمن تقدمهم فيها تصحيحا …»، وضرب أمثلة ببعض الأحاديث التي صححها العلماء منذ عصر ابن الصلاح، حتى عصر العراقي.\nثم قال: «ولم يزل ذلك دأب من بلغ أهلية ذاك منهم، إلا أن منهم من لا يقبل ذاك منهم، وكذا كان المتقدمون، ربما صحح بعضهم شيئًا، فأنكر عليه تصحيحه، والله أعلم» (^٢)، وهذا الانتقاد وافق العراقي فيه غير واحد ممن قبله كالإمام النووي، وممن بعده، كتلميذه ابن حجر، ولكني وقفت على رسالة خطية للسيوطي سماها «التنقيح في مسألة التصحيح» ودفع فيها هذا الاعتراض على ابن الصلاح، دفعا أراه وجيهًا، إذ يقول: «ذكر الشيخ تقي الدين بن الصلاح: أن باب التصحيح انْسَدَّ في هذه الأزمان، وخالفه النووي ومن جاء بعده من الحفاظ، إلى الحافظ ابن حجر، فاعترضوا على ابن الصلاح في مقالته، وجوزوا التصحيح، وأنه لا ينقطع ذلك، ولا يمتنع، ممن\n_________\n(^١) «المقدمة» / ٢٣ - ٢٥.\n(^٢) «النكت» / ٢٣، ٢٤.","vol":"3","page":1020},{"text":"له أهلية ذلك ..».\nثم قال: «وأطال الحافظ العراقي، والحافظ ابن حجر، في نكتهما، المناقشة مع ابن الصلاح في ذلك، والتحقيق عندي: أنه لا اعتراض على ابن الصلاح، ولا مخالفة بينه وبين من صحح في عصره أو بعده»، وتقرير ذلك: أن الصحيح قسمان:\nصحيح لذاته، وصحيح لغيره. كما هو مقرر في كتاب ابن الصلاح وغيره، والذي منعه ابن الصلاح، إنما هو القسم الأول، دون الثاني كما تعطيه عبارته، وذلك أن يوجد في جزء من الأجزاء حديث يسند من طريق واحد، لم تتعدد طرقه، ويكون ظاهر ذلك الإسناد الصحة، لاتصاله، وثقة رجاله، فيريد الإنسان أن يحكم على هذا الحديث بالصحة لذاته، بمجرد هذا الظاهر، ولم يوجد لأحد من أئمة الحديث الحكم عليه بالصحة، فهذا ممنوع قطعا؛ لأن مجرد ذلك لا يُكْتَفَى به في الحكم بالصحة، بل لابد من فقد الشذوذ والعلة، والوقوف على ذلك الآن متعسر، بل متعذر؛ لأن الاطلاع على العلل الخفية، إنما كان للأئمة المتقدمين، لقرب أعصارهم من عصر النبي ﷺ، فكان الواحد منهم يكون شيوخه التابعين، أو أتباع التابعين، أو الطبقة الرابعة فكان الوقوف على العلل إذ ذاك متيسرا للحافظ العارف، وأما الأزمان المتأخرة، فقد طالت فيها الأسانيد، وتعذر الوقوف على العلل، إلا بالنقل من الكتب المصنفة في العلل، فإذا وجد الإنسان في جزء من الأجزاء حديثًا بسند واحد ظاهره الصحة، لاتصاله وثقة رجاله، لم يمكنه الحكم بالصحة لذاته، لاحتمال أن تكون له علة خفية، لم يطلع عليها، لتعذر الإحاطة بالعلل في هذه الأزمان، ثم قال السيوطي: «وأما القسم الثاني - أي الصحيح لغيره -","vol":"3","page":1021},{"text":"فهذا لا يمنعه ابن الصلاح، ولا غيره، وعليه يحمل صنيع من كان في عصره، ومن جاء بعده»، وأيد السيوطي ذلك بالإستقراء العملي من جانبه هو، إذ يقول: (فإني استقريت ما صححه هؤلاء، يعني المتأخرين، فوجدته من قسم الصحيح لغيره لا لذاته)، قال: «وقد أعطى أئمة الحديث المتقدمون قاعدة وهي: أنه إذا وجد للحسن طريق آخر يشبهه، حُكم بصحته، ويكون صحيحًا لغيره لا لذاته، فعمل هؤلاء المصححون بهذه القاعدة، فصححوا الأحاديث التي صححوها لتعدد طرقها، عملا بالقاعدة المذكورة، فهم في ذلك تابعون للأئمة فيما أصلوه، وعاملون بما رأوا صوابه، فلا ينسب إليهم منافاة ولا مخالفة».\nقال السيوطي: «وبهذا انحلت المسألة، وعلم أنه لا مخالفة بين قول ابن الصلاح، وبين فعل أهل عصره، ومن بعده، وأن الفريقين لم يتواردا على محل واحد، بل ابن الصلاح مانع من التصحيح لذاته، وهؤلاء مجوزون التصحيح لغيره، وابن الصلاح لا يمنع ذلك» (^١).\nوالذي يبدو لي أن العراقي، والسيوطي، ومن وافقهما، لا يُسلم لهم ما قرروه بشأن رأي ابن الصلاح في هذه المسألة، وذلك لأمور: -\nأولها: أنهم قرروا رأي ابن الصلاح بناء على كلامه في موضع واحد من كتابه، وهو النوع الأول: «معرفة الصحيح»، في حين نجد أن ابن الصلاح، في مبحث متأخر، وهو النوع الثالث عشر: «معرفة الشاذ» يصرح بإمكان حكم المتأخرين أمثاله، بالصحة، أو الحسن، أو الشذوذ والرد لما انفرد به أحد الرواة\n_________\n(^١) انظر: «الرسالة» المذكورة/ ص ١، ٢.","vol":"3","page":1022},{"text":"الب الثالث: اثر العراقي مولفاته وارائة في مصطلح على السنة وعلومه حالها المستحق حديثهم لذلك، بحسب مرتبة الراوي النقدية، ولم يشترط وجود حكم بالتصحيح، أو التحسين، أو التضعيف، من أحد المتقدمين على حديث هذا الراوي المنفرد، ومقتضى ذلك، أنه يقر إمكان التصحيح الذاتي، أو التحسين الذاتي، أو التضعيف الذاتي، وإدراك الشذوذ والعلة ممن يتأهل لإدراك ذلك من المتأخرين وبيان ذلك: أنه في مبحث «الحديث الشاذ» يقول عن الراوي المنفرد بالحديث: «إذا انفرد الراوي بشيء نُظر فيه، فإن كان ما انفرد به مخالفا لما رواه مَنْ هو أولى منه بالحفظ لذلك وأضبط، كان ما انفرد به شاذا مردودا، وإن لم تكن فيه مخالفة لما رواه غيره، وإنما هو أمر رواه هو، ولم يروه غيره، فَيُنظر في هذا الراوي المنفرد: فإن كان عدلًا حافظًا، موثوقا بإتقانه وضبطه، قبل ما انفرد به، ولم يقدح الانفراد فيه …، وإن لم يكن ممن يوثق بحفظه وإتقانه لذلك الذي انفرد به، كان انفراده خارما له، مزحزحا له عن حيز الصحيح».\nثم هو بعد ذلك دائر بين مراتب متفاوتة، بحسب الحال: -\nفإن كان المنفرد به غير بعيد من درجة الحافظ الضابط، المقبول تفرده، اسْتَحْسَنَّا حديثه ذلك، ولم نحطه إلى قبيل الحديث الضعيف.\nوإن كان بعيدا من ذلك رَدَدْنا ما انفرد به، وكان من قبيل الشاذ المنكر (^١) وبذلك يكون كلام ابن الصلاح هذا في النوع المتأخر وهو السادس عشر، فيه مخالفة لما سبق تقريره له في النوع الأول، فيمكن اعتبار التأخر المكاني لكلامه الذي في «معرفة الشاذ» قرينة ظاهرة على تغير رأيه، وأن كلامه في نوع\n_________\n(^١) المقدمة مع النكت/ ٨٦ ط حلب.","vol":"3","page":1023},{"text":"الشاذ هو قوله الأخير في الموضوع، كما هي القاعدة في تعدد الأقوال، لا سيما وقد عُرف أن ابن الصلاح قد أملى كتابه هذا شيئا بعد شيء (^١)، وقد تعقبه العراقي نفسه في أكثر من موضع غير هذا قد اختلف رأيه فيه في الموضع المتقدم، عما ذكره في الموضع المتأخر، وصوب العراقي قوله المتأخر (^٢).\nوعليه يكون المعتمد من رأي ابن الصلاح هو ما يستفاد من كلامه في الموضع المتأخر وهو نوع (معرفة الشاذ) حيث أفاد أن المتأخرين أمثاله، المتأهلين للحكم والنظر، بإمكانهم الحكم على الأحاديث بالصحة الذاتية، أو الحسن الذاتي، أو التضعيف والرد، وإدراك الشذوذ، أو غيره من العلل القادحة، بناء على نظر كل منهم في حال الراوي والمروي، ومراعاة القواعد المعتبرة في ذلك، ولو لم يوجد للمتقدمين حكم على تلك الأحاديث، ولا بيان لعلة المعلول منها.\nكما أنه لم يفرق في ذلك بين الأسانيد الطويلة المتأخرة، وبين القصيرة المتقدمة، ولا بين الموجود في مصادر مشهورة وبين الموجود في أجزاء الحديث غير المشهورة، ولا بين الراوي الذي يعتمد على ما في كتابه، وبين الذي يعتمد على حفظه وإتقانه في صدره.\nالأمر الثاني: ما ذكره السيوطي ﵀ أنه استقرأ ما صححه الأئمة المتأخرون فوجده من قسم الصحيح لغيره، لا لذاته، يخالف الواقع الذي\n_________\n(^١) مقدمة نزهة النظر لابن حجر العسقلاني ص ١٢ مع شرح النزهة للملا علي قاري.\n(^٢) ينظر المقدمة ومعها نكت العراقي (النوع الأول الصحيح) مثال الحديث المعلق عند البخاري ص ٢٠، ٢١ مع النوع الحادي عشر معرفة المفصل (الفرع الرابع) ص ٧٣ ط حلب، وينظر النوع الأول أيضا ص ٢١ والنوع الثاني: معرفة الحسن؟ ص ٣٨ ط حلب.","vol":"3","page":1024},{"text":"البالثالث: اثر العراقي والمائة والمالية في مصطلح على السنة وعلى حالها كان متوافرا لديه، وما زال متوافرا لدينا بعده، من مؤلفات المتأخرين مثل: «كتاب الأحاديث المختارة، مما ليس في الصحيحين» للضياء المقدسي، و«تفسير القرآن العظيم» و«البداية والنهاية» كلاهما للحافظ ابن كثير، و«المغني عن حمل الأسفار في تخريج ما في الإحياء من الأخبار»، «تكملة شرح الترمذي» كلاهما للحافظ العراقي، و«فتح الباري، بشرح صحيح البخاري» و«نتائج الأفكار، في تخريج أحاديث الأذكار» كلاهما للحافظ ابن حجر العسقلاني، فمن يراجع تلك المؤلفات يجد فيها ما صححه أو حسنه مؤلفوها لذاته؛ حيث يقيدون الصحة أو الحسن بسند معين للحديث، أو بطريق راو معين، ويجد فيها أيضا ما صححوه أو حسنوه لغيره، حيث يقيدون الصحة أو الحسن بمراعاة شاهد أو متابع.\nالأمر الثالث: القاعدة التي نسبها السيوطي للمتقدمين، قد أشار إليها الحافظ ابن حجر العسقلاني في النكت له (١/ ٤٢٠، ٤٢١) وأشار إليها غيره (شرح شرح النخبة لعلي قاري/ ٧٢) لكن كنا نحتاج أن يعزو السيوطي أو من بعده هذه القاعدة لواحد معين أو أكثر، أو حتى مصدر معين من مؤلفات المتقدمين، حتى يمكن مراجعتها وتأصيلها.\nالأمر الرابع: هناك نقطة كان ينبغي للعراقي والسيوطي تعقب الإمام ابن الصلاح فيها، وهي تعليله تعذر استقلال المتأخرين بالتصحيح، فإن فيما ذكره مبالغة، ومخالفة للقواعد، حيث يقول: «لأنه ما من إسناد من ذلك إلا وتجد في رجاله من اعتمد في روايته على ما في كتابه، عريا عما يشترط في الصحيح من الحفظ والضبط والإتقان» / المقدمة مع النكت للعراقي/ ص ١٢ ط حلب/","vol":"3","page":1025},{"text":"فقوله: «ما من إسناد من ذلك إلا وتجد في رجاله من اعتمد في روايته على ما في كتابه …» تعميم واسع، يقتضي إحاطة ابن الصلاح بكل الأسانيد المتأخرة الواقعة في غير الكتب المشهورة، وهو أمر فيه بعد، وتعذر ظاهر.\nكما أن قوله: «عريا عما يشترط في الصحيح من الحفظ والضبط والإتقان» مخالف لما قرره هو وغيره: من أن الضبط أو الحفظ المشترط في راوي الصحيح، إما ضبط وحفظ صدري، وإما ضبط وحفظ كتابي، وأن ما يوجد منهما يكفي في تحقيق شرط الصحة (^١).\nوبالتالي فإننا لو سلمنا جدلًا أن كل الأسانيد التي في غير المصنفات المشهورة، لا تخلو ممن يعتمد على ضبط كتابه فقط، لم يكن ذلك بمفرده مانعا من الحكم بالصحة.\n\n<span data-type='title' id=toc-333>بحوث العراقي المفردة التي ألحقها بموضوعات النكت:</span>\nجعل العراقي من منهجه في النكت ذكر بحوث مفردة، ألحقها بالموضوعات المتصلة بها وصرح - غير مرة - بالفائدة العلمية التي قصدها بتلك البحوث، حتى لا ينتقد بالإستطراد بدون داع، أو بالخروج عن الموضوعية.\nوقد أحصيت هذه البحوث فبلغت قرابة الثلاثين بحثًا، مع تفاوت أحجامها: من صفحة إلى صفحات، وبعضها ذكر جانبًا منه في شرح الألفية السابق، ثم ذكره مستوفى في «النكت»، كما أني لاحظت عدم تعرض قرينيه البلقيني، وابن الملقن، لأكثرها، واختلافهما معه في بعضها، كما وجدت العلماء من بعده قد استمدوا من تلك البحوث في مؤلفاتهم في علوم السنة.\n_________\n(^١) تنظر المقدمة مع نكت العراقي ص ١١٤، ١٣٢ ط حلب.","vol":"3","page":1026},{"text":"وإليك بعض النماذج لذلك:\nفمن ذلك أن ابن الصلاح ذكر أن حديث «الأعمال بالنيات» لا يصلح مثالا للمتواتر؛ لأن التواتر طرأ عليه في وسط إسناده، ولم يوجد في أوائله (^١)؟ فذكر العراقي في «النكت» أنه قد اعترض على ابن الصلاح بأن حديث الأعمال المذكور، ذكر ابن مندة أن جماعة من الصحابة رووه فبلغوا العشرين، ثم قام العراقي بالرد على ذلك فقال: «قلت لم يبلغ بهم ابن مندة هذا العدد، وإنما بلغ بهم ثمانية عشر فقط، فذكر مجرد أسمائهم من غير رواية لشيء منها، ولا عزو لمن رواه» أي الحديث، وساق العراقي كلام ابن مندة، ثم قال: «وبلغني أن الحافظ المزي سئل عن كلام ابن مندة هذا فأنكره واستبعده»، وعقب العراقي على استبعاد المزي وإنكاره، يبحث من جانبه هو، يوضح جلية الأمر، فقال: «وقد تتبعت أحاديث المذكورين، أي في كلام ابن مندة، فوجدت أكثرها في مطلق النية، لا بلفظ: «إنما الأعمال بالنيات»، وفيها ما هو بهذا اللفظ، ثم قال: وقد رأيت عزوها لمن خرجها ليستفاد: فحديث علي بن أبي طالب، رواه ابن الأشعث في «سننه»، والحافظ أبو بكر محمد بن ياسر الجياني في «الأربعين العلوية»، من طريق أهل البيت، بلفظ: «الأعمال بالنية»، وفي إسناده من لا يعرف، ثم ذكر بعد ذلك على نفس النمط، رواية ثلاثة وعشرين صحابيا آخرين، عشرة ممن ذكرهم ابن مندة، والباقين زادهم العراقي، واستغرق في ذلك صفحتين (^٢). وبهذا البحث في جمع روايات الصحابة لهذا الحديث، حقق العراقي ما لم يحققه ابن مندة، وقرب\n_________\n(^١) المقدمة/ ٢٦٥، ٢٦٦.\n(^٢) انظر «النكت» / ٢٦٧ - ٢٦٩.","vol":"3","page":1027},{"text":"وعرف ما استبعده وأنكره المزي، وقد أخذ كل من الحافظ ابن حجر، والشوكاني من بعده، عن العراقي خلاصة بحثه هذا وأقره (^١).\nومن تلك البحوث أيضًا: «أن ابن الصلاح ذكر أن المخضرمين من التابعين: هم الذين أدركوا الجاهلية، وحياة رسول الله ﷺ وأسلموا، ولا صحبة لهم، واحدهم مُخَضْرَم بفتح الراء، كأنه خُضْرِمَ، أي قطع عن نظرائه الذين أدركوا الصحبة، ثم ذكر ابن الصلاح أن الإمام مسلما ذكر المخضرمين، فبلغ بهم عشرين نفسًا، وسرد منهم ٦، ثم أضاف من جانبه هو اثنين» (^٢).\nوقد أفاض العراقي في ««النكت» في تعريف المخضرم من التابعين، وفي بيان اشتقاقه، مستدركًا في ذلك على ابن الصلاح، فقرر أن المخضرم على ما رجحه العسكري، ليس مأخوذا من القطع، كما قال ابن الصلاح؛ بل من الشيء المتردد بين أمرين، هل هو من هذا أو من هذا؟»\nوقال: «فالمخضرم على هذا متردد بين الصحابة؛ لإدراكه زمن الجاهلية والإسلام، وبين التابعين؛ لعدم رؤية النبي ﷺ»، قال: «ويحتمل أنه من النقص؛ لكونه ناقص الرتبة عن الصحابة؛ لعدم الرؤية مع إمكانها»، ثم ذكر أنه لا يشترط في حد المخضرم - من حيث الاصطلاح - أن يكون إسلامه في حياة النبي ﷺ، وذكر أيضًا أنه لا يشترط في المخضرم في اصطلاح أهل الحديث أن يكون نصف عمره في الجاهلية، ونصفه في الإسلام، ثم ذكر أن المراد بإدراك الجاهلية في الظاهر، إدراك الشخص قومه أو غيرهم، على الكفر.\n_________\n(^١) انظر «نيل الأوطار» للشوكاني ج ١/ ١٥٦.\n(^٢) «المقدمة» ٢/ ٣٢٤.","vol":"3","page":1028},{"text":"قبل فتح مكة، فإن العرب بادروا إلى الإسلام بعد فتح مكة، وزال أمر الجاهلية» ثم قال: «وقد اقتصر المصنف - أي ابن الصلاح - على ذكر ستة ممن ذكرهم مسلم، وذكر من عنده اثنين آخرين» يشير بذلك إلى أن مسلما أهمل بعضهم، قال العراقي: «فنذكر أولا بقية العشرين الذين ذكرهم مسلم، ثم نذكر زيادة عليه، وعلى المصنف»، وسرد ٣٤ مخضرما، منهم ١٤ تكملة للعشرين التي ذكرها الإمام مسلم، وعشرين زادها هو ببحثه الخاص، وتجميعه من كتب الرجال، وكتب الحديث، فقال: «وممن لم يذكره مسلم، ولا المصنف: أسلم مولى عمر، وأويس بن عامر القرني، وأوسط البجلي … إلخ، وبعد سردهم، ذكر أن بعضهم اختلف في صحبته، ولكن الصحيح أنه لا صحبة لمن ذكرناه ثم قال: «فهؤلاء عشرون نفرًا من المخضرمين لم يذكرهم مسلم، ولا المصنف، أي ابن الصلاح»» (^١).\nويجدر بالذكر أن العراقي قد ذكر في شرحه للألفية العشرين الذين ذكرهم الإمام مسلم، والاثنين اللذين ذكرهما ابن الصلاح، وزاد على ذلك ثلاثة فقط (^٢)، أما في «النكت» فقد استكمل ما زاده عشرين، كما تقدم.\nوقد كان لهذا البحث أثره في التأليف في المخضرمين من بعده، حيث ألف سبط ابن العجمي، تلميذ العراقي كتابًا يسمى «تذكرة الطالب المعلم بمن يقال إنه مخضرم».\nوصرح باعتماده فيه على ما ذكره شيخه في هذا البحث، سواء فيما يتعلق\n_________\n(^١) «النكت» / ٣٢٢ - ٣٢٥.\n(^٢) «فتح المغيث» للعراقي ج ٤/ ٥٧، ٥٨.","vol":"3","page":1029},{"text":"بتعريف المخضرم، أو فيمن جمعهم منهم، فقال في مقدمة الكتاب: «وبعد، فهذا كتاب مختصر فيمن هو مخضرم، أو قيل إنه مخضرم، لم أسبق إلى إفراده فيما علمت، وقد ذكرهم أبو الحسين مسلم بن الحجاج فَبَلَّغهم ٢٠ شخصا، وزاد عليه الحافظ أبو عمرو بن الصلاح في علومه اثنين، ثم زاد عليهما شيخنا، الحافظ، الجهبذ، زين الدين أبو الفضل عبد الرحيم بن الحسين ابن العراقي، في (شرح الألفية) له، ثلاثة، وزاد في «النكت» على كتاب ابن الصلاح، على مسلم وابن الصلاح، عشرين شخصا، فتم عددهم فيما ذكره الحفاظ الثلاثة، ٤٢ رجلًا (^١)، ثم قال السبط: «وقد كُنْتُ كتبتهم قديما (^٢) وزدت عليهم جماعة، والآن (^٣) أفردتهم باختصار التراجم جدا» ثم عرف المخضرم كما عرفه العراقي في «النكت»، مع تصرف من جانبه، ثم قال: وإذا قلنا بما قاله شيخنا، وهو الظاهر، تجتمع من المخضرمين جماعة كثيرة، وقال: «وقد ذكرت أنا بعضهم، وما أمكنني استيفاؤهم، لكثرتهم» ثم قال: «وقد أعلمت على ما ذكره مسلم (م)، وعلى من ذكره ابن الصلاح» (ص)، وعلى من ذكره شيخنا العراقي (عق)، وتركت من زدته بلا علامة، وترك العلامة لهم علامة (^٤)، وبهذا صار بحث العراقي المذكور في المخضرمين، عنصرًا أساسيا في كتاب تلميذه هذا، وهو الآن مطبوع طبعة\n_________\n(^١) لأن العشرين الذين زادهم العراقي في «النكت» منهم ثلاثة مكررون حيث سبق ذكره لهم في شرح الألفية\n(^٢) حدد في آخر الكتاب أن ذلك كان سنة ٧٩٣ هـ، أي في حياة شيخه العراقي\n(^٣) أي سنة ٨١٨ هـ كما في آخر الكتاب\n(^٤) انظر: «تذكرة الطالب المعلم» / ٢ - ٦","vol":"3","page":1030},{"text":"محققة في ٢٧ صفحة (^١)، ولم يصادفني بعد البحث الموسع، مؤلف غيره عن المخضرمين بخصوصهم، مما يدل على تفرده في بابه.\n\n<span data-type='title' id=toc-334>ك - الأنواع التي لم يعلق عليها العراقي من كتاب ابن الصلاح:</span>\nلم يصرح العراقي في مقدمة النكت بأنه ترك بعض الأنواع من كتاب ابن الصلاح بدون تعليق عليها، ولعل مرجع هذا، أنه كتب المقدمة قبل تمام «النكت» كما قدمت، فلهذا لم يصرح بذلك، وإن كان قد قال: إنه سيعلق على مواضع فقط من الكتاب، كما قدمت، وهذا يشير إلى أنه لن يتناول كل أنواع الكتاب، وهذا من الفروق المعروفة بين «النكت» و«الشرح»، فالشرح يستوعب، والنكت تخص بعض المواضع بالتعليق حسب وجهة نظر المؤلف لها. وبهذا لا ينتقد العراقي بترك الأنواع الآتي ذكرها بلا تعليق؛ لأن هذا مقتضى منهج النكت الذي اختاره، وقد أحصيت هذه الأنواع فبلغت تسعة عشر نوعا هي: النوع الخامس: معرفة الحديث المتصل (^٢)، والنوع السادس: معرفة الحديث المرفوع (^٣)، والنوع السابع: معرفة الحديث الموقوف (^٤)، والنوع العاشر: معرفة الحديث المنقطع (^٥)، والنوع السابع عشر: معرفة الأحاديث الأفراد (^٦)، والنوع الثاني والعشرون: معرفة الحديث\n_________\n(^١) انظر قائمة المراجع.\n(^٢) «المقدمة» / ٦٥.\n(^٣) «المقدمة» / ٦٥.\n(^٤) «المقدمة» / ٦٦.\n(^٥) «المقدمة» / ٧٩.\n(^٦) «المقدمة» / ١١٥.","vol":"3","page":1031},{"text":"المقلوب (^١)، والنوع الثامن والعشرون: معرفة آداب طالب الحديث (^٢)، والنوع الثاني والثلاثون: معرفة غريب الحديث (^٣)، والنوع الخامس والثلاثون: معرفة المصحف من الأسانيد والمتون (^٤)، والنوع السابع والثلاثون: معرفة المزيد في متصل الأسانيد (^٥)، والنوع الثامن والثلاثون: معرفة المراسيل الخفي إرسالها (^٦)، والنوع الثامن والأربعون: من ذكر بأسماء مختلفة، أو نعوت متعددة (^٧)، والنوع الثاني والخمسون: معرفة ألقاب المحدثين (^٨)، والنوع السادس والخمسون: معرفة الرواة المتشابهين في الاسم والنسب، المتمايزين بالتقديم والتأخير في الابن والأب (^٩)، والنوع الثامن والخمسون معرفة النسب التي على: خلاف الظاهر منها (^١٠)، والنوع التاسع والخمسون: معرفة المبهمات المذكورة في المتون والأسانيد من الرجال والنساء (^١١)، والنوع الحادي والستون: معرفة الثقاة والضعفاء من رواة الحديث (^١٢)، والنوع الثالث والستون: معرفة طبقات\n_________\n(^١) «المقدمة» / ١٣٤.\n(^٢) «المقدمة» / ٢٥٠.\n(^٣) «المقدمة» / ٢٧٤.\n(^٤) «المقدمة» / ٢٨٢.\n(^٥) «المقدمة» / ٢٨٩.\n(^٦) «المقدمة» / ٢٩٠.\n(^٧) «المقدمة» / ٢٠٨.\n(^٨) «المقدمة» / ٣٧٨.\n(^٩) «المقدمة» / ٤٢٣.\n(^١٠) «المقدمة» / ٤٢٦.\n(^١١) «المقدمة» / ٤٢٧.\n(^١٢) «المقدمة» / ٤٤٠.","vol":"3","page":1032},{"text":"الرواة والعلماء (^١)، والنوع الخامس والستون: وهو معرفة أوطان الرواة وبلدانهم (^٢)، وهو النوع الأخير في كتاب ابن الصلاح.\nويظهر لي أن العراقي لم يجد في تلك الأنواع من الإشكالات، أو الاعتراضات ما يحتاج في نظره إلى التعليق، ويؤكد هذا أني وجدت قرينيه: البلقيني، وابن الملقن، اللذين علقا في عصره على كتاب ابن الصلاح، قد اتفقا معه في ترك عدد من تلك الأنواع السابق ذكرها بدون تعليق، وما علقا عليه منها، كان تعليقهما طفيفا، بين عبارة واحدة، وعدة سطور، ولا تمس صلب الموضوع (^٣). كما أني وجدتهما تركا التعليق على بعض الأنواع التي علق هو عليها باستفاضة (^٤)، ولكل وجهته.\nوعموما فإن تلك الأنواع التي ترك العراقي التعليق عليها في «النكت»، قد تناولها جميعًا في شرحه السابق للألفية، فيمكن الرجوع إليها فيه. والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-335>٥ - نظم العراقي لكتاب الإقتراح لابن دقيق العيد</span>\n<span data-type='title' id=toc-336>أ - نسبة الكتاب للعراقي وتاريخ تأليفه:</span>\nعد المترجمون للعراقي من تلاميذه وغيرهم، من ضمن مؤلفاته: نظمه لكتاب «الاقتراح» لابن دقيق العيد، الآتي التعريف به وبمؤلفاته، ولكن لم\n_________\n(^١) «المقدمة» ٤/ ٤٦٦.\n(^٢) «المقدمة» ٤/ ٤٧٠.\n(^٣) انظر مثلا «محاسن الاصطلاح» للبلقيني/ ١٣٩ ب، ١٤٤ أ وما بعدها، والمقنع لابن الملقن/ ١٧٧، ١٧٩.\n(^٤) انظر المقنع/ ١٧٩، ١٨٠، والمحاسن/ ١٤٥/ أ ونكت العراقي/ ٤٤٢ - ٤٦٥.","vol":"3","page":1033},{"text":"يذكروا لهذا النظم اسمًا، ولا تاريخا للتأليف (^١)، ولكن النسخة الخطية الوحيدة التي أتيح لي العثور عليها، جاء بآخرها: أن العراقي فرغ من تأليف هذا النظم في ٢٤ شعبان سنة ٧٩٣ هـ، وهذا يفيد أنه نظمه كان بعد مؤلفاته السابقة، في المصطلح عمومًا، وبعد نظم الألفية السابقة بأزيد من خمسة وعشرين عاما؛ لأنه فرغ من الألفية كما تقدم سنة ٧٦٨ هـ، وبذلك يكون نظمه للإقتراح هذا، جاء في قمة نضجه العلمي، وعند استقراره بالقاهرة متوليًا مشيخة الحديث، وعاكفا على التصنيف والتدريس، ولهذا تميز النظم المذكور عن الألفية وغيرها من مؤلفاته، كما سيأتي.\n\n<span data-type='title' id=toc-337>ب - نسخة الكتاب الخطية وعدد أبياته:</span>\nلقد مكثت سنين أبحث في فهارس المكتبات المصرية والعالمية عن نسخة لهذا النظم، كما بحثت في مصادر عديدة، عن نقول معزوة إليه، أو معرفة به، دون جدوى، وأخيرًا وقفت على نسخة مذكورة بفهرس مكتبة (لاله لي) باستانبول برقم (٣٩٢) أصول الحديث، وذُكر بالفهرس أنها تقع في مجلد في حجم الثمن، وذُكِرَ أن المؤلف فرغ من الكتاب في ٢٤ شعبان سنة ٧٩٣ هـ (^٢) لكن أنى لي الحصول على تلك النسخة أو بعضها من تركيا؟\n_________\n(^١) انظر «المجمع المؤسس» لابن حجر/ ١٧٧ و«ذيل التقييد» للفاسي/ ٢١٩ ب و«ذيول تذكرة الحفاظ» / ٢٣٠، ٣٧٠ و«الضوء اللامع» ج ٤/ ١٧٣ و«فتح المغيث» ج ١/ ٩١ كلاهما للسخاوي و«حسن المحاضرة» للسيوطي/ ٣٦٠، ٣٦٢ و«مقدمة شرح المناوي الموجز الألفية العراقي في السيرة» و«كشف الظنون» ١/ ١٣٥ و«هدية العارفين» للبغدادي/ مجلد ١/ ٥٦٢ و«فهرس الفهارس» للكتاني/ ج ٢/ ١٩٨ و«معجم المطبوعات» لسركيس/ ج ٢/ ١٣١٧\n(^٢) انظر «فهرس المكتبة» المخطوط ص ٢٣ والمطبوع ص ٣٣.","vol":"3","page":1034},{"text":"فدون ذلك عقبات كأداء، يعلمها من كابد الإشتغال بالتراث.\n«وَلَشدَّ مَا سُرِرتُ عندما هيأ الله لي أستاذة جامعية فاضلة، ذَهَبَتْ إلى استنبول، ونقلت - مشكورة - صفحتين من أول النسخة، وبعضا من آخرها، وعناوين عدة أبواب من أثنائها، فكان ذلك فضلا من الله ونعمة أتيح به لهذا البحث، إلقاء الضوء على إنتاج علمي للعراقي، يحول دون الوقوف عليه جم المصاعب، وهو في نفس الوقت يمثل جانبًا من نضج العراقي العلمي، فالشكر الجزيل لله تعالى ثم لتلك الأستاذة الفاضلة على ذلك، وفي حدود ما وصلني من هذه النسخة، وعنها، أُعَرِّفُ بها، لندرتها، فأقول: «أن عدد أوراقها ٨ ورقات متوسطة الحجم، وعنوانها «نظم كتاب الاقتراح لابن دقيق العيد» للحافظ زين الدين عبد الرحيم بن العراقي، تغمده الله برحمته»، ومن هذا الترحم نفهم أنها منسوخة بعد وفاة العراقي، أما خطها فعادي، ولم يُذْكَرُ اسم ناسخها، ولا تاريخ النشخ، ولا وجود توثيقات عليها بالسماع، أو المقابلة ونحوهما، ثم إنه قد كتب بصفحة العنوان بها، نقلا عن ولي الدين ابن العراقي: أن عدد أبيات الكتاب ٤٢٧ بيتًا وهذا يعتبر عددًا موثقا؛ لأنه من أقرب الناس إلى العراقي، فهو ولده، ومن كبار تلاميذه، ودارسي هذا الكتاب عليه، وقد تبعه على ما ذكره ابن فهد أيضًا» (^١).\nوعلى هذا يكون نظم الاقتراح هذا، مقاربا لنصف الألفية.\n\n<span data-type='title' id=toc-338>الداعي لتأليف الكتاب:</span>\nيعتبر كتاب «الاقتراح» الذي نظمه العراقي من أهم «مختصرات كتاب ابن\n_________\n(^١) انظر «ذيول تذكرة الحفاظ» / ٢٣١.","vol":"3","page":1035},{"text":"الصلاح» (^١)، حيث إن مؤلفه تقي الدين بن دقيق العيد المتوفى سنة ٧٠٢ هـ كان مجدد عصره، ومع أن نسخه الخطية حاليًا في حكم المفقودة، إلا أنه يبدو من النصوص المنقولة عنه، أن المؤلف خالف في تبويبه تبويب ابن الصلاح، سواء بفصل بعض الموضوعات عن بعضها، أو إدماجها في بعضها، بناء على وجهة نظره الخاصة، كما أدخل أيضًا بعض التعديلات بالحذف والإضافة والاستدراك على ابن الصلاح (^٢).\nومن هنا كان الكتاب محل دراسة المشتغلين بالسنة منذ عصر مؤلفه، ولهذا اتجهت همة العراقي لنظمه، كما فعل في الكتاب أصله وهو «مقدمة ابن الصلاح» من قبله، وقد قال في مقدمته:\n«يقول بعد حمده لربه … مصليًا على النبي وصحبه:\nعبد الرحيم بن الحسين الآمل … نظم كتاب الاقتراح ليسهل» (^٣)\nوبهذا أشار إلى أنه قصد بنظمه تسهيل الإحاطة به على دارسيه، سواء من ناحية تسهيل حفظه على المبتدئين، كما كانت عادة العصر حينذاك في التعليم، وذلك لأن موسيقى الأوزان الشعرية تساعد على الحفظ أكثر من\n_________\n(^١) انظر «البحر الذي زخر» للسيوطي/ ٢ أ.\n(^٢) انظر النقول عنه في «فتح المغيث» للسخاوي جـ ٣/¬١٨، ٢١، ٢٢ و«فتح المغيث» للعراقي جـ/ ١٠٥ و«النكت» / ١٧٦، و«تدريب الراوي» للسيوطي/ ٣٦٦ ثم إن الكتاب ظهر له بعد كتابتي هذه عنه، عدة نسخ خطية، وحققه فضيلة الأخ الدكتور: علي بن إبراهيم اليحي، في رسالته للماجستير في السنة وعلومها، من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية عام ١٤٠٣ - ١٤٠٤ هـ، وشرُفتُ بأن أكون أحد أعضاء المناقشة، كما طبع الكتاب أيضًا أكثر من طبعة.\n(^٣) «نظم الاقتراح» / ١ ب.","vol":"3","page":1036},{"text":"الكلام المنثور، أو من ناحية تمكين غير المبتدئين من الإلمام بمحتوى الكتاب واستحضاره بأيسر من حالة الكلام المنثور أيضًا.\nوكلا الأمرين كانا من دواعي التأليف المعتبرة في عصر العراقي، هذا بجانب ما أدخله على الكتاب من تعديلات وإضافات كما سأوضح في منهج العراقي فيه، وفي دراسة بعض النصوص التي أُتيحت لي منه.\nوليس نظم هذا الكتاب وتقديمه للدارسين مع وجود ألفية العراقي المتقدمة مما يغض من قيمتها العلمية، أو يفيد الإنصراف عنها، حتى اضطر العراقي لتقديم بديل جديد، فقد قدمنا من دلائل الإقبال عليها والعناية بها والاستفادة منها، ما يدفع ذلك كلية، وإنما المسألة ترجع إلى رعاية الحاجة العلمية، وتلبيتها على كل مستوى بحسبه، خاصة وأن العراقي حينئذ كان كما قدمت رائد مدرسة السنة داخل مصر وخارجها، فيعد مسئولًا علميًا عن ذلك، فجعل الألفية ككتاب عام، يفيد منه المبتدئ في دراسة هذا الفن، والمتبحر فيه، على السواء كما تقدم، فمن لم يتوافر له الاستعداد الكافي لحفظ الألفية واستيعابها فإن العراقي لا يهمله بل يقدم له نظما آخر جامعًا أهم مسائل الفن، مهذبة، مرتبة في أقل من نصف حجم الألفية، فإذا حصله ساعده على الإنتقال لما هو أوسع، وهو الألفية وغيرها من مؤلفاته، ومؤلفات سواه، وعلماء التربية والتعليم حتى اليوم، يقرون أهمية هذا المسلك الوجيه الذي سلكه العراقي، بمراعاته المستوى الإدراكي لطالب العلم في مراحله المختلفة، وتقديم ما يناسبه من المؤلفات في كل مرحلة، حتى يستوعبها بسهولة، ويفيد منها، وينطلق إلى ما فوقها، ولا يعكر على هذا أنه بدأ بالأكبر، وهو نظم الألفية، وثنى بالأصغر، وهو نظم «الإقتراح»؛ لأن ذلك يرجع لعوامل أخرى مؤثرة، منها","vol":"3","page":1037},{"text":"اشتهار كتاب عن آخر في زمن معين، ومنها ما سجله التاريخ عمومًا من تناقص همم اللاحق عن السابق، في الإقبال على هذا العلم (^١).\nوقد تأخر نظم (الاقتراح) عن الألفية بأزيد من ربع قرن كما قدمت وتأثير هذه المدة في انخفاض المستوى لا ينكر، فكان على العراقي أن يراعي متطلبات العصر والتأليف، حسب المستويات المختلفة، لتسهيل سبل هذا الفن أمام طلابه، كما صرح بذلك في مقدمة النظم.\n\n<span data-type='title' id=toc-339>منهج العراقي في الكتاب وموازنته بمنهجه في الألفية:</span>\nبعد أن أشار العراقي لما دعاه لنظم «الاقتراح» كما أوضحنا، انتقل لبيان منهجه فيه، وهو يتكون من عناصر ثلاثة:\n\n<span data-type='title' id=toc-340>أولها: استعمال اصطلاح خاص، طلبًا للاختصار:</span>\nوأشار إليه بقوله:\n«فإن يجيء ضمير أو فعل ولم يذكر له اسم نحو «عنه» و«جزم» أو أطلق «الشيخ» فما مقصودي في الكل إلا ابن دقيق العيد» (^٢) فبين في البيتين ما جرى عليه في هذا النظم من أنه قد يورد ضمير المفرد مثلما في قوله «عنه» ولا يذاكر مرجعًا له، ويذكر الفعل المسند للواحد أيضًا مثل قوله: «جزم بكذا» ولا يذكر فاعله، ويذكر كذلك لقب «الشيخ» بدون تحديد اسمه، وفي هذه الأحوال الثلاثة يكون صاحب الضمير، وفاعل الفعل والمقصود بلقب «الشيخ» هو ابن دقيق العيد، صاحب كتاب «الاقتراح»\n_________\n(^١) «مقدمة ابن الصلاح»، ص ١٢، ١٣ مع «التقييد والإيضاح».\n(^٢) «نظم الاقتراح» ورقة ا ب (مخطوط).","vol":"3","page":1038},{"text":"المتضمن في النظم، ونلاحظ أن هذا الجانب الاصطلاحي من المنهج يوافق ما جرى عليه في نظم مقدمة ابن الصلاح في الألفية، ونبه عليه أيضًا في مقدمتها كما مر بك.\nوقد بين في شرح الألفية كما سلف، أنه وضع هذه الاصطلاحات للاختصار (^١) حتى لا يتضخم حجم الكتاب بذكر مرجع كل ضمير، وفاعل كل فعل، وقرنَ لقب «الشيخ» باسمه كلما تكرر جميع ذلك، فيكون خلاف الداعي الأول للنظم، وهو تسهيل حفظ الكتاب واستحضاره، وقد بينا من قبل، إصابة العراقي في التنبيه على اصطلاحه الخاص الذي ينتهجه في تأليفه، لكنك عندما تقارن بيانه لاصطلاحه هنا في نظم «الاقتراح»، ببيانه لاصطلاحه في نظم «مقدمة ابن الصلاح»، تجد بيانه هنا أكمل؛ لأنه مثل في نفس النظم للاختصارات الثلاثة التي اصطلح عليها فقال: نحو «عنه» و«جزم» وأطلق لفظ «الشيخ» إلخ، أما في الألفية فذكر فقط مثال الفعل، ولفظ الشيخ، ولم يذكر مثالا للضمير في النظم، ولذا تلافاه في «شرح الألفية» فمثل له (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-341>ثانيها: تغيير ترتيب بعض الموضوعات عما هي عليه في «الاقتراح»:</span>\nوقد أشار إليه بقوله: «وربما قدمت للمناسبة» فبين بهذا أنه قدم بعض الموضوعات في النظم، عن محلها في كتاب «الاقتراح»، وبالتالي أخر بعضها عن محله فيه، وبذلك أصبح ترتيب الأبواب والموضوعات في النظم\n_________\n(^١) «فتح المغيث»، للعراقي ج ١/¬٩.\n(^٢) «فتح المغيث»، للعراقي ج ١/¬٩.","vol":"3","page":1039},{"text":"يغاير أحيانًا، ترتيبها في (الاقتراح)، ونبه العراقي على أنه لم يفعل ذلك لمجرد المخالفة وإظهار الفرق أيا كان، بين عمله، وعمل ابن دقيق العيد، ولكنه قدم وأخر، بناءً على ما ظهر له من مناسبة وارتباط، بين موضوعات الكتاب، ربما لم تظهر من قبل لابن دقيق العيد، أو لم تدخل في اعتباره عند تأليف كتابه، واختلاف وجهات نظر الباحثين أمر مقرر، وعنه ينشأ اختلاف المناهج الذي يميز كل باحث عن غيره، وينطبق ذلك هنا كما ترى، فقد توارد عمل ابن دقيق العيد، والعراقي، على مواد علمية واحدة، ولكن كل منهما انتهج في سياقها وترتيبها منهجا مخالفًا للآخر، على أساس تصوره الخاص لتلك المواد، ومبلغ علمه بجزئياتها، وعلاقة بعضها ببعض، وما ينبغي أن تكون عليه، اجتماعًا وانفرادا، وفائدة ذلك، في رسم صورة منظمة الجوانب والقسمات، لهذا العلم، وتقديمه عليها للدراسة والاستفادة، وبهذا الاختلاف المنهجي في العرض، والتصور، تميز عمل العراقي في النظم، عن عمل ابن دقيق العيد في (الاقتراح)، واعتبر هذا من آثاره العلمية المنهجية، وهذا العنصر من المنهج، قد سار عليه العراقي أيضًا في نظم (مقدمة ابن الصلاح) في الألفية كما سلف؛ لكنه لم ينبه عليه في بيانه لمنهجه في مقدمة الألفية، بل استنبطناه كما تقدم، من مقارنة الألفية بمقدمة ابن الصلاح، أما هنا فقد نبه عليه، مع بيان وجهه في مقدمة النظم كما ترى، وبهذا يعد بيانه لعناصر منهجه هنا أتم، وأوضح، وأوفر الجهد الباحث، في التتبع والمقارنة والاستنباط، كما أن ذلك من أدلة تصوير هذا النظم التطور نضج شخصية العراقي العلمية، بحيث تنبه فيه لتلافي جوانب التقصير في رسم منهجه عما ألفَه من قبله.","vol":"3","page":1040},{"text":"<span data-type='title' id=toc-342>ثالثها: زيادة بعض الإضافات العلمية على ما في «الاقتراح»:</span>\nوقد أشار إلى هذا العنصر بقوله: وربما زدت لأمر ناسبه (^١)، فبين بهذا أنه أدخل بعض الزيادات العلمية على ما أودعه ابن دقيق العيد في «الاقتراح»، ونبه أيضا على أن ذلك ليس لمجرد حشد المعلومات، ولا لمطاولة صاحب «الاقتراح»، وإنما هو رعاية منه لبعض المناسبات التي رأى الموضوع فيها يحتاج لإيضاح، أو استكمال، مثلما رأى فيها بعض الموضوعات يحتاج لتقديم أو تأخير، ومن المثال الذي وقفت عليه كما سيأتي، يتضح أنه قد يقابل الزيادة حذف بعض محتوى «الاقتراح»، تبعا لوجهة نظر العراقي في أهمية ما أضافه، عما حذفه، ولهذا فإن هذا العنصر من منهجه يعد أوضح العناصر في الدلالة على نضج شخصيته، وبعد أثره العلمي، كما نلاحظ أن هذا العنصر موافق أيضًا لما انتهجه في نظم مقدمة ابن الصلاح، حيث أدخل فيه عدة زيادات، ونبه عليها في مقدمة الألفية مثلما فعل هنا، لكن لم ينبه هنا ولا هناك على الحذف المقابل، بل إن مقارنة ما حصلت عليه من نصوص «الاقتراح» ونظمه، يدل على أنه قد يحذف بدون إضافة مقابلة، كما سيأتي، وبذكر العراقي لهذا العنصر من منهجه، أنهى مقدمة النظم وانتقل للمبحث الأول في الكتاب وهو مبحث «الحديث الصحيح».\n_________\n(^١) «نظم الاقتراح» ورقة ١ ب (مخطوط).","vol":"3","page":1041},{"text":"دراسة نصية مقارنة لبعض محتويات الكتاب\n١ - تعريف الحديث الصحيح:\nيعتبر «مبحث الصحيح» هو أول مباحث النظم، وقد بدأه العراقي بقوله:\n«حد الصحيح أن يكون عدلًا … ذا يقظة راويه، … ثم من لا\nيحتج بالمرسل فزاد مسندا … زاد ألوا الحديث أن لا يوجدا\nذا علة وذا شذوذ، واحدُدِ … بذا الصحيح باتفاق ترشد»\nوبتأمل هذه الأبيات الثلاثة تجدها تتضمن تعريف الحديث الصحيح، وبيان اختلاف العلماء فيه، ففي البيت الأول ذكر أن الحديث الصحيح يُعرف بأنه: ما رواه العدل الضابط، سواء كان متصل السند أم لا، وهذا تعريف من يحتج بالحديث المرسل من الفقهاء والأصوليين، فلم يشترطوا اتصال السند، أما من لا يحتج بالمرسل منهم فزاد شرطًا ثالثا، وهو اتصال السند، وإليه أشار العراقي بقوله: «ثم من لا يحتج بالمرسل زاد «مسندا»».\nوعليه يكون الحديث الصحيح عند هؤلاء: ما اتصل إسناده بنقل العدل الضابط عن مثله إلى منتهاه (^١).\nأما المحدثون فزادوا على الشروط الثلاثة السابقة شرطين آخرين هما:\nأن يكون الحديث غير شاذ ولا معلل، وإلى ذلك أشار العراقي بقوله: «زاد ألوا الحديث أن لا يوجدا، ذا علة وذا شذوذ»، وعليه، فالحديث الصحيح عندهم: ما اتصل سنده بنقل العدل الضابط عن مثله إلى منتهاه ولا يكون:\n_________\n(^١) انظر «محاسن الاصطلاح» للبلقيني، مخطوط بدار الكتب المصرية برقم (١٤١) مصطلح ورقة ٢ ب.","vol":"3","page":1042},{"text":"شاذا ولا معللا (^١).\nولما كان التعريف على هذا جامعا لشروط جمهور الفقهاء، والأصوليين، والمحدثين، كما ترى، رأى ابن دقيق العيد أن الأولى أن يعتبر هذا حدًا للحديث الصحيح المجمع على صحته بين هؤلاء جميعًا، بدلا من إضافته لأهل الحديث فقط.\nهذا بيان ما نظمه العراقي من كلام ابن دقيق العيد في «الاقتراح» في تعريف الصحيح، وعند بحثه ومقارنته يتضح لنا الآتي:\nأولا: أنه ذكر ثلاثة تعاريف للصحيح، تبعا لذكر ابن دقيق العيد لها في كتابه، بينما نجده في الألفية اقتصر على التعريف الأخير منهم فقط، فقال:\nفالأول المتصل الإسناد … بنقل عدل ضابط الفؤاد\nعن مثله من غير ما شذوذ … وعلة قادحة فتوذي (^٢)\nوذلك لاقتصار ابن الصلاح على هذا التعريف في مقدمته التي هي أصل الألفية، وهذا من أدلة اختلاف محتوى النظمين، حتى في الموضوعات المشتركة بينهما نتيجة لاختلاف محتوى الأصلين، وهما: «مقدمة ابن الصلاح»، وكتاب «الاقتراح».\nثانيا: أن العراقي حذف بعض كلام ابن دقيق العيد دون زيادة شيء في مقابلة، وذلك المحذوف عبارة عن تعليل ابن دقيق العيد لما رآه، من أن الأولى اعتبار التعريف الأخير، مما تقدم، تعريفا للحديث الصحيح المتفق على صحته بين\n_________\n(^١) «فتح المغيث» للعراقي ج ١/¬١٠، ١١ مع «متن الألفية».\n(^٢) «الألفية مع فتح المغيث» للعراقي ج ١/¬١٠.","vol":"3","page":1043},{"text":"جمهور الفقهاء والأصوليين والمحدثين، كما أشرنا، فلم يذكر العراقي ذلك التعليل في النظم كما رأيت، ونص كلام ابن دقيق العيد كما نقله العراقي نفسه عنه في «شرح الألفية»، هكذا: قال ابن دقيق: العيد لو قيل في هذا أي في التعريف الأخير -: «الحديث الصحيح المجمع على صحته: هو كذا وكذا» إلخ. لكان حسنا؛ لأن من لا يشترط مثل هذه الشروط، لا يحصر الصحيح في هذه الأوصاف، ومن شرط الحد أن يكون جامعا مانعا» (^١).\nوما فعله العراقي هنا من الحذف بلا بديل، شبيه بفعله في نظم «مقدمة ابن الصلاح» في «الألفية»، وقد سبق بحثه.\nثالثا: أنه أقر ابن دقيق العيد على أن الأولى أن يعتبر التعريف الأخير للصحيح تعريفا له عند جمهور الفقهاء والأصوليين والمحدثين كما أسلفنا بدلا من اعتباره تعريفا للصحيح عند المحدثين فقط، وقد استدرك ابن دقيق العيد بهذا الرأي على ابن الصلاح في نسبة التعريف المذكور لأهل الحديث فقط (^٢)، فكأنه يقول له: «لأي معنى تخصه بأهل الحديث؟» مع أن ما ذكر فيه هو أصعب الشروط؟ فمن لم يشترط السلامة من العلة والشذوذ، يصحح ما سلم منهما من باب الأولى، فكان ينبغي أن نقول: «هذا هو الحديث الصحيح إجماعا (^٣)» فذكر العراقي لرأي ابن دقيق العيد، وإقراره عليه، دليل على موافقته له في ذلك وقد أقره أيضا في «شرح الألفية» (^٤)، بينما\n_________\n(^١) «فتح المغيث» للعراقي جـ ١/¬١١.\n(^٢) «مقدمة ابن الصلاح أعلا التقييد والإيضاح»، ص ١٩، ٢٠.\n(^٣) «النكت الوفية» للبقاعي ورقة ١٢ أ مع توضيح يسير من جانبي.\n(^٤) انظر «فتح المغيث» للعراقي جـ ١/¬١١.","vol":"3","page":1044},{"text":"نجده في «الألفية»، مشى على نسبة هذا التعريف لأهل الحديث فقط، كما فعل ابن الصلاح، فقال:\n«وأهل هذا الشأن قسموا السنن … إلى صحيح وضعيف وحسن\nفالأول المتصل الإسناد … بنقل عدل ضابط الفؤاد\nعن مثله من غير ما شذوذ … وعلة قادحة فتوذي»\nفهذا من أمثلة اختلاف مضمون النظمين، وتميزهما تبعا لاختلاف أصليهما في بعض المسائل المشتركة بينهما\n\n<span data-type='title' id=toc-343>ثانيا: أقسام الحديث الضعيف، ورأي العراقي فيها، وأثره:</span>\nذكر ابن الصلاح في نوع «معرفة الحديث الضعيف» أن ابن حبان البستي أطنب في تقسيمه، فبلغ به (٤٩) قسما، ومع اعتباره ذلك إطنابا من ابن حبان، فقد ذكر أنه يمكن بسط أقسامه لأكثر من هذا، ووضع ضابطًا لذلك\nيقوم على أساس افتقاد صفات قبول الحديث، وهي: اتصال السند، وجبر المرسل بما يؤكده، وعدالة الرجال، والسلامة من كثرة الخطأ والغفلة، ومجيء الحديث من وجه آخر عند الاحتياج لذلك، والسلامة من الشذوذ ومن العلة، فمن أراد بسط الأقسام يعمد إلى صفة معينة منها، فيجعل ما عُدِمَتْ فيه من غير جابر قسما واحدًا، ثم ما عدمت فيه تلك الصفة مع صفة أخرى معينة قسمًا ثانيًا، وهكذا، إلى انتهاء الصفات المذكورة، ثم يعود فيأخذ صفة غير التي بدأ بها، ويستمر هكذا، وما كان من الصفات له شروط، عمل في شرطه نحو ذلك، فتتضاعف بذلك الأقسام (^١). وبهذا\n_________\n(^١) مقدمة ابن الصلاح ص ٦٣، ٦٤.","vol":"3","page":1045},{"text":"الضابط الذي رسمه، وعدد الأقسام على أساسه، فتح الباب لمن بعده فقسموا الضعيف بمقتضاه إلى مئات الأقسام الافتراضية (^١).\nفلما نظم العراقي «مقدمة ابن الصلاح» في «الألفية»، تبعه فيما ذُكر من ضابط بسط أقسام الضعيف إلى أقسام عديدة، بناء على قاعدة فقد شروط القبول كما تقدم (^٢).\nلكنه عندما شرح الألفية، بحث الأقسام التي يمكن تحققها فعلا، فيما هو موجود في كتب السنة من الضعيف، فوجدها لا تجاوز (٤٢) قسما، فذكرها تفصيلا في «شرح الألفية»، ثم ذكر أربعة أقسام أخرى، مما يمكن تفريعه على القاعدة السابقة، وقال: إنه ترك ذكر أمثالها، لأن انقسام الضعيف إليها ظني، ولا يمكن وقوعها على الصحيح (^٣).\nوبالتالي لا فائدة من ذكرها.\nوتصريح العراقي بالتوقف في تعديد أقسام الضعيف عند الذي رآه منها متحقق الوقوع فقط، وترك ما عداه من الأقسام الممكن تفريعها كما سلف، يفيد رجوعه عن متابعة ابن الصلاح في الألفية، على القول بتعديد الأقسام مطلقا، إلى القول بالتفصيل، وهو تعديد الممكن تحققه فعلا في المتوفر لدينا من كتب السنة، وترك الاشتغال بما عداه، لعدم جدواه تطبيقا، فلما نظم\n_________\n(^١) انظر مثلا رسالة محمد بن خليفة المرحومي، الشوبري، الشافعي، في أقسام الضعيف، حيث تصل الأقسام إلى (٥١١) قسما، (مخطوط بدار الكتب المصرية) برقم (١٥٣) مصطلح الحديث.\n(^٢) الألفية مع: «فتح المغيث» للعراقي ج ١/ ٥٣.\n(^٣) «فتح المغيث» ج ١/ ٥٣ - ٥٥.","vol":"3","page":1046},{"text":"«الاقتراح» بعد هذا، وكان ابن دقيق العيد قد مشى فيه على قول ابن الصلاح بالتعديد المطلق للأقسام، لم يتبعه العراقي، بل حذف كلامه في هذا من النظم، ووضع بدلا عنه، بيان أوهى الأسانيد، حيث إن المروي بها أشد أنواع الضعيف الموجودة فعلا عند عدم العاضد لها، وقد عد الحاكم منها أحد عشر إسنادا، الأول منها قوله: «إن أوهى أسانيد أهل البيت: عمرو بن شمر، عن جابر الجعفي، عن الحارث الأعور، عن علي ﵁» (^١).\nويعتبر هذا العمل من العراقي تطبيقا منه لأحد آرائه التي سبق ذكره لها في «شرحه الكبير للألفية» كما قدمت توضيحه، حيث وجد قرينه البلقيني قد ذكر أوهى الأسانيد، عقب أصح الأسانيد، التي ألحقها ابن الصلاح بقسم الصحيح، فقرر في شرحه المذكور: أن إلحاق أوهى الأسانيد بقسم الضعيف أولى مقابل أصح الأسانيد في قسم الصحيح؛ وذلك لأن مناسبتها للضعيف أولى، وبهذا يعتبر «نظم الاقتراح» متضمنا لتحوله في الرأي، من تعديد أقسام الضعيف بحسب افتقاد شروط القبول، كما فعل في الألفية وشرحها، إلى حذف ذلك، واستبداله بأوهى الأسانيد المروي بها فعلا بعض الأحاديث الشديدة الضعف.\nوبهذا يجد المطلع على نظم «الاقتراح»، الأمثلة التطبيقية الدالة على تفاوت درجات الضعيف، حتى تصل إلى أشدها وهو الواهي، مثلما يجد أمثلة أصح الأسانيد في قسم الصحيح، دالة على تفاوته في الصحة حتى يصل إلى أصح\n_________\n(^١) انظر: «معرفة علوم الحديث»، للحاكم ص ٥٦، ٥٨.","vol":"3","page":1047},{"text":"الصحيح، وبهذا التغيير المنهجي، والحذف والإضافة، تميز «نظم الاقتراح» كما، وكيفا، عن أصله، وهو «الاقتراح»، وعن مؤلفات العراقي السابقة في المصطلح، من الألفية، وشرحيها، والنكت على كتاب «ابن الصلاح»، وقد بين السيوطي في «شرحه لألفية العراقي» عمل العراقي هذا ورجحه وبين التقاء رأي تلميذ العراقي ابن حجر معه في هذا، وقال: إنه لو كان العراقي حذف من الألفية تعديد أقسام الضعيف التي ذكرها ابن الصلاح، وذكر بدلها أوهى الأسانيد، كما فعل في «نظم الاقتراح»، كان أولى (^١).\nوقد شارك العراقي في هذا، قرينه ابن الملقن (^٢).\nولم يكتف السيوطي بترجيح ما سار عليه العراقي في «نظم الاقتراح»، بل أخذ هو به فعلا في ألفيته التي حاذى بها ألفية العراقي، كما قدمنا (^٣) وفي «تدريب الراوي» (^٤)، وبذلك امتد أثره فيمن بعده.\n\n<span data-type='title' id=toc-344>عناية العلماء بشرح «نظم الاقتراح» وبحثه:</span>\nوبجانب ظهور هذا الأثر للكتاب من الناحية المنهجية، فإن العناية ببحثه وبشرحه، وجدت منذ عصر العراقي، فقد وجدت على ظاهر نسخة النظم السابق ذكرها، قول ولي الدين بن العراقي: «وكنت شرحت منه مواضع متفرقة عندما حضرت بحثه عليه»، يعني على والده.\n_________\n(^١) «قطر الدرر» للسيوطي/ ٦ ب.\n(^٢) انظر «المقنع» / ٢٢.\n(^٣) انظر: «ألفية السيوطي مع شرح الترمسي» ١/¬٤٩، ٥٠.\n(^٤) انظر: «التدريب» ١/ ١٠٦، ١٠٧.","vol":"3","page":1048},{"text":"ثم إني وجدت تعقيبا على ذلك نصه: «قلت: وقد تتبعت أنا هذه القطع المفرقة من شرحه، ونقلت منها ما تيسر من خطه، وأرجو الله من فضله تمام شرحه، سالكا طريقه إن شاء الله تعالى» إهـ. لكني لم أجد هذا النص منسوبا لأحد مُعَيّن.\nوقد ذكر كل من ابن فهد (^١)، والسخاوي (^٢)، مثلما ذكر ولي الدين عن نفسه: أنه شرح مواضع متفرقة من هذا النظم، وعلى هذا يحمل قول السيوطي: «إن ولي الدين شرح «نظم الاقتراح» لوالده، دون أن يفصل: هل أكمله، أو لا؟» (^٣)، وكذا صاحب «هدية العارفين» (^٤).\nثم ذكر السخاوي أيضا أنه شرح هذا النظم (^٥)، وذكر الشوكاني أن السخاوي سمّى هذا الشرح: (الإيضاح في شرح نظم الاقتراح)، وذكر أنه يقع في مجلد لطيف (^٦)، وهذا يدل على أن السخاوي أكمله، وتداوله العلماء حتى عصر الشوكاني.\nلكني للأسف لم أقف على شيء مما شرحه ولي الدين، ولا على شرح السخاوي الذي أكمله.\n_________\n(^١) «ذيول تذكرة الحفاظ» / ٢٧٨.\n(^٢) «الضوء اللامع» ج ١/ ٣٤٣.\n(^٣) انظر «ذيول تذكرة الحفاظ» / ٢٧٦.\n(^٤) انظر «هدية العارفين» للبغدادي مجلد/ ١/ ٢٢٣.\n(^٥) «فتح المغيث» للسخاوي ج ١/ ٩١.\n(^٦) «البدر الطالع» ج ٢/ ١٨٤.","vol":"3","page":1049},{"text":"<span data-type='title' id=toc-345>٦ - شرح كتاب النووي المسمى بـ «التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير» في أصول الحديث، والرد على السيوطي</span>\nذكر صاحب «كشف الظنون» كتاب النووي المذكور، ثم ذكر الشروح العديدة له، وأول شرح ذكره هو شرح الإمام الحافظ زين الدين العراقي (^١) وذكر ذلك الشرح أيضًا صاحب «الرسالة المستطرفة» (^٢).\nأما السيوطي في مقدمة شرحه لكتاب التقريب هذا المسمى بـ «تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي» فقد قال: «إن كتاب «التقريب» مع جلالته وجلالة صاحبه، وتطاول هذه الأزمان من حين وضعه، لم يتصد أحد إلى وضع شرح عليه، ولا الإنابة إليه، فقلت: لعل ذلك فضل ذخره الله تعالى لمن يشاء من العبيد» (^٣). يعني نفسه، وبهذا نفي كلية، أن يكون سبقه أحد إلى شرح الكتاب، لا العراقي ولا غيره.\nوهذا في الحقيقة نفي جزافي منه، يدفعه ما ذكره صاحب «كشف الظنون» وأيده الواقع، فقد ذكر صاحب «كشف الظنون» ممن شرح «التقريب» بعد العراقي، وقبل السيوطي: برهان الدين القباقبي المتوفى سنة ٨٥٠ هـ، وهو تلميذ للعراقي، ثم شمس الدين عبد الرحمن السخاوي سنة ٩٠٢ هـ وهو معاصر السيوطي ومنافسه (^٤)، وقد وقفت على نسخة خطية من\n_________\n(^١) «كشف الظنون» ١ عمود/ ٤٦٥.\n(^٢) «الرسالة المستطرفة» للكتاني ص ١٦٠.\n(^٣) «تدريب الراوي» ص ٤\n(^٤) «كشف الظنون» ١ عمود ٤٦٥.","vol":"3","page":1050},{"text":"شرح السخاوي، وهي تعد دليلا واقعيًا على نفي كلام السيوطي السابق، وقد حصلت - بفضل الله تعالى - على صورة لها، وأعددتها للطباعة في أقرب فرصة إن شاء الله، كما أن وجودها يكشف سر نفي السيوطي كلية وجود شرح لأحد قبله لهذا الكتاب، وهو أنه قصد إنكار أو تجاهل شرح منافسه السخاوي، بطريقة ضمنية، حتى يجعل لشرحه هو مكانة، ويحاول حماية نفسه مما هو معتاد بين المتنافسين من الرمي بالتقليد أو السطو، أو مجرد الاستفادة، كما حدث بين ابن حجر والعيني بالنسبة لشرحيهما لصحيح البخاري في وقت واحد، ولكن وجود شرح السخاوي فَوَّتَ عليه هدفه، وعليه فإن ما ادعاه السيوطي من عدم وجود أي شرح لتقريب النووي قبل شرحه، لا ينفي ما أثبته صاحب (كشف الظنون) وغيره، من وجود شروح سابقة على السيوطي، في مقدمتها شرح العراقي، والواقع العملي قد أيد ذلك، بوجود نسخة خطية حتى الآن، من شرح السخاوي، منافس السيوطي، وهي كافية في رد نفيه المطلق لأي شرح لغيره، لكني للأسف لم أقف على نسخة من شرح العراقي للتقريب، ولا على نقول عنه","vol":"3","page":1051},{"text":"<span data-type='title' id=toc-346>القسم الثاني: اثر العراقي بمؤلفاته وآرائه في علوم رجال السنة</span>","vol":"3","page":1053},{"text":"<span data-type='title' id=toc-347>المقصود بعلم رجال السنة، وتقسيمه:</span>\nتسمية هذا العلم، بعلم الرجال، من باب التغليب، ولكنه في الحقيقة عِلْمٌ يشتمل على تاريخ وأحوال رواة السنة الذين تحملوها وأدوها سواء أكانوا رجالا أم نساء، ابتداءً من صحابة وصحابيات رسول الله ﷺ، وهلم جرا، ويشمل كذلك تاريخ وأحوال حفاظها وعلمائها الذين دونوها وبحثوا وألفوا في علومها المختلفة، وقد قسمه العلماء إلى قسمين كبيرين:\nإحدهما: علم تاريخ الرجال، وثانيهما: علم الجرح والتعديل، وتحت كل منهما أقسام متعددة، كما سنرى في مؤلفات العراقي فيها، وقد قرر العلماء أن على دارسي السنة، العناية بدراسة علم رجالها بقسميه، وفروعهما (^١)، وقد صاحبت العناية بعلم رجال السنة، العناية بالسنة نفسها، منذ عصر الرسول ﷺ؛ لأن ثبوت السنة وتمييز صحيحها من سقيمها، وموصولها من مقطوعها، ونفي الدخيل عنها، كل ذلك متوقف على معرفة تاريخ وأحوال سلسلة إسنادها، مولدًا، ووفاة، ولقاء، ورحلة، وموطنا، وثقة، وقدحًا.\nونتيجة للعناية المتوالية في كل عصر، وصل هذا العلم إلى عصر العراقي وقد تقررت أسسه، ومعظم قواعده، وألفت فيه مؤلفات عديدة، منوعة المناهج، ومتفاوتة الأحجام، كل على قدر علمه واجتهاده (^٢).\n_________\n(^١) «فتح المغيث» للعراقي ج ٣/ ٩٣ وج ٤/ ١٥٠، ١٥١.\n(^٢) انظر (علم الرجال الحديث) لتقي الدين النووي/ ٥٣، ٥٧، ١ وكشف الظنون، ٥٨٢، ٥٨٣، ٥٨٥، ٦٠٥، ٦٨٣، ٧٢٢، و(تذكرة الحفاظ) للذهبي ج ١/ ٧٢ و(الإعلان بالتوبيخ) للسخاوي/ ٣٨٦، ٣١٩، ٤٢٠، ٤٢٤، ٤٥٠، ٤٥٢، و«فتح المغيث» للعراقي ج ٤/¬٢٨، ٥٢، ٥٣، ٥٥، ٥٦، ٥٧ وما بعدها وصفحات: ٦٠، ٦١، ٦٢، ٦٣، =","vol":"3","page":1055},{"text":"<span data-type='title' id=toc-348>إجمال مهمات العراقي وغيره من المتأخرين في خدمة علم رجال السنة:</span>\nوبذلك أصبحت مهمة العراقي وغيره من المتأخرين، تتركز إجمالا في اتجاهين:\nأولهما: العناية بمؤلفات السابقين، وذلك بجمع متفرقها، وتدارك ما لا يسلم منه علم بشري، من الخطأ، والوهم، وتعديل مناهجها بما يلائم الحاجات، والمطالب العلمية المتجددة.\nوثانيهما: التذييل على تلك المؤلفات بما فات مؤلفيها، أو تجدد بعدهما. وكما توفرت للعراقي الدراية الكافية بعلم الرجال، والشروط المطلوبة فيمن يتصدى للجرح والتعديل، كما أوضحت في جوانب شخصيته، فإنه قام من خلال الإتجاهين المذكورين بتأليف عدد من المؤلفات، أثبت فيها جهده وإسهامه العمليين، وبث فيها آراءه في علم الرجال، تأريخا، وتعديلا، وجرحا، وسأتناول ذلك على النحو التالي:\n_________\n= ٧٢، ٧٣، ٧٥، ٧٧، ٧٨، ٧٩، ٨٣، ٨٥، ٨٦، ١١٣، ١١٤، ١٢٢، ١٢٣، ١٢٥، ١٢٨، ١٣٠، ١٣٣، ١٣٤، ١٣٥، ١٥٠، ١٥٢، ١٥٣، ١٦١، ١٦٢، ١٦٣، من «المختصر في علم رجال الأثر» لشيخنا عبد الوهاب عبد اللطيف ﵀ ٩٠ - ٩٦ و«لسان الميزان» لابن حجر ج ١/¬٣.","vol":"3","page":1056},{"text":"<span data-type='title' id=toc-349>تفصيل مهمات العراقي في علم رجال السنة</span>\n<span data-type='title' id=toc-350>أولا: تأليفه وآراؤه في الصحابة:</span>\n<span data-type='title' id=toc-351>تذييله على مختصر الذهبي الأسد لغابة في معرفة الصحابة</span>\nذكر العراقي في شرحه لألفيته في المصطلح، أن أجمع المؤلفات في بيان الصحابة حتى عصره، هو كتاب «أسد الغابة في معرفة الصحابة» لأبي الحسن ابن الأثير الجزري المتوفى سنة ٦٣٠ هـ وذكر أن الذهبي اختصره في مختصر لطيف.\nثم قال: «وقد ذيلت عليه بعدة أسماء لم تقع له» (^١) وذكر ذلك من بعده محمد بن إبراهيم الوزير (^٢)، ثم السخاوي (^٣)، وذكر العراقي لهذا الذيل في شرحه للألفية، مما يدل على أنه ألفه قبل هذا الشرح، الذي فرغ منه في ٢٩ رمضان سنة ٧٧١ هـ كما بينا، ولم يذكر هو ولا غيره اسما معينا لهذا الذيل، ولكني وجدت بروكلمان ذكر من مؤلفات العراقي كتابا باسم «تمييز الأصحاب» وقال: «إنه توجد منه نسخة بمكتبة فيض الله باستنبول برقم (٥٦)» (^٤)، قلت: لعله يكون هذا الذيل، ورجعت لفهرس المكتبة المذكورة المطبوع سنة ١٣١٠ هـ فوجدت الكتاب فعلا مذكورًا بهذا الرقم ضمن مؤلفات علم الحديث، ومنسوبا لزين الدين العراقي، وذكر\n_________\n(^١) «فتح المغيث» للعراقي ج ٤/ ص ٢٩.\n(^٢) «الروض الباسم» له ص ٦٥.\n(^٣) «الإعلان بالتوبيخ لمن ذم أهل التاريخ» ص ٥٤٢ و«فتح المغيث بشرح ألفية الحديث» ج ٣ ص ٨٥ كلاهما للسخاوي\n(^٤) «ملحق تاريخ الأدب العربي لبروكلمان» ج ٢ ص ٦٨، ٧٠.","vol":"3","page":1057},{"text":"المفهرس أنه يقع في مجلد، ولكن لم يذكر تفصيلات عن محتواه (^١)، فرجعت لفهرس المكتبة المخطوط الموجود بدار الكتب المصرية (^٢)، فوجدت المذكور تحت الرقم السابق في هذه المكتبة، عبارة عن قطعة من تفسير أبي حيان الأندلسي، المعروف بـ (البحر المحيط)، فأعطيت رقم الكتاب لبعض من ذهب لاستانبول للبحث في مخطوطاتها، لتحقيق هذا الموضوع، فطلب - مشكورا - الكتاب بنفس الرقم، فوجده قطعة من تفسير أبي حيان، تبدأ بقوله تعالى: ﴿وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحًا ثم اهتدى﴾ (^٣) فراسلت المسئولين عن المكتبة باستانبول لإفادتي عن سبب اختلاف فهرس المكتبة في هذا الكتاب، وبيان حقيقته وذلك كمحاولة أخيرة لمعرفة الحقيقة، وما زلت في انتظار الرد، على أن عدم وجود نسخة للكتاب، لا ينفي ثبوته، خاصة وأن العراقي هو الذي صرح بتأليفه له، واعتبره جهدًا علميا بذله، تتميما لجهود من سبقه كما بينا، فإن لم يصل إلينا، فقد يكون وقف عليه تلميذه ابن حجر واستفاد منه في مؤلفه المعروف الذي جَمَعَ فيه شتات ما ألف في الصحابة حتى عصره، ويسمى: «الإصابة في تمييز الصحابة».\nعلى أن العراقي قد تعرض في مؤلفاته في المصطلح، السابق ذكرها لتعريف الصحابي، وشروطه، وأفاض في ذلك في «شرحه المتوسط للألفية» وفي «نكته على ابن الصلاح»، وكان لرأيه في ذلك أثره فيمن بعده، كما أشرت في موضعه، وقد ترجم في الكتابين المشار إليهما لعدد\n_________\n(^١) انظر ص ٧ من «فهرس مكتبة فيض الله» المطبوع.\n(^٢) برقم ٢٩ مكتبات.\n(^٣) سورة طه الآية ٨٢","vol":"3","page":1058},{"text":"من الصحابة أيضًا، مع تحقيق وفياتهم، وأماكنها، وروايات المكثرين من الرواية منهم، وبيان أكابرهم في العلم، والفضل، وأولهم إسلاما، مع تحقيق ذلك، وبيان آخر من مات منهم مطلقا، وفي أقطار الإسلام المختلفة شرقا وغربا، وبعض من اختلف في صحبته منهم، مع تحقيق الخلاف، وغير ذلك (^١).\nوإليك مثالًا لمن ذكرهم من الصحابة في شرحه للألفية:\n\n<span data-type='title' id=toc-352>أنموذج ترجمته لبعض الصحابة:</span>\nحيث قال: «وآخر من مات منهم بمصر، عبد الله بن الحارث بن جَزْء الزبيدي، قاله سفيان بن عيينة، وعلي بن المديني، وأبو زكريا ابن منده، واختلف في سنة وفاته، فالمشهور سنة ٨٦، وقيل ٨٥، وقيل ٨٧، وقيل ٨٩، وذكر الطحاوي أنه مات بسفط القدور، وهي التي تعرف اليوم بـ (سفط أبي تراب) وقد قيل إنه مات باليمامة، حكاه أبو عبد الله بن مندة، وقال أيضًا إنه شهد بدرًا، فعلى هذا هو آخر البدريين موتا، ولا يصح شهوده بدرًا، والله أعلم» (^٢).\nونلاحظ أنه جمع الترجمة من عدة مصادر، وبين الأقوال المتعددة، مع تمييز المشهور من غيره، والتنبيه على ما لم يره صحيحًا، وذلك مما يثبت جهده في البحث وبروز شخصيته، ورأيه في الترجيح والتضعيف، والتحقيق.\nكذلك أورد العراقي ترجمة عدد من الصحابة في رجال كتابه «تقريب\n_________\n(^١) انظر: «معرفة الصحابة في فتح المغيث» للعراقي ج ٤/¬٢٨ - ٥٢ و«النكت» / ٢٩٢ - ٣١٧.\n(^٢) «فتح المغيث» للعراقي ج ٤/ ٥١، ٥٢.","vol":"3","page":1059},{"text":"الأسانيد، في أحاديث الأحكام، كما سيأتي، وبذلك تيسرت لنا نماذج متعددة، تعوضنا في بيان أثره في تراجم الصحابة، عن تذييله المفتقد، وبالله التوفيق.\n\n<span data-type='title' id=toc-353>ثانيا: تأليف العراقي ومنهجه في: جمع المؤتلف والمختلف من أسماء، وألقاب، وكنى رواة السنة، وأثره:</span>\nذكر العراقي أن من فنون الحديث المهمة: معرفة المؤتلف خطا، والمختلف لفظا من الأسماء والألقاب والأنساب ونحوها، الخاصة برواة السنة، وذلك مثل (سَلَّام) بتشديد اللام، وبتخفيفها، وقد بين أهمية معرفة هذا الفن فقال: «وينبغي لطالب الحديث أن يعتني بمعرفة ذلك، وإلا كثر عثاره، وافتضح بين أهله، ثم ذكر المصنفات فيه حتى عصره، وعقب عليها قائلا: «وقد فات جميع من صنف فيه ألفاظ كثيرة، علقت منها جملة، وإن يسر الله تعالى جمعتها، مع ما تقدم، في مجموع واحد، ليكون أسهل لتناولها، إن شاء الله تعالى»» (^١).\nولكني رغم البحث المتواصل، لم أقف على هذه الجملة التي علقها، كما أن المنهج الذي رسمه لتأليف كتاب جامع لما تفرق في مؤلفات من تقدموه، مع ضم الزيادات التي جمعها هو ببحثه واطلاعه، ذكر السخاوي أنه لم يتيسر له تطبيقه، بتأليف ذلك الكتاب الجامع (^٢).\nولكن الفكرة لم تمت أو تبتعد عن صاحبها كثيرا، حيث هيأ الله تعالى\n_________\n(^١) «فتح المغيث» للعراقي باب المؤتلف والمختلف ج ٤/ ٨٦.\n(^٢) «فتح المغيث» للسخاوي ج ٤/ ٢١٥.","vol":"3","page":1060},{"text":"تلميذ العراقي، ابن حجر، ليطبق هذا المنهج الذي رسمه شيخه، ويخرجه إلى حيز الوجود، ممثلا في كتابه المسمى «تبصير المنتبه بتحرير المشتبه».\nحيث ذكر في مقدمته أنه ضمنه خلاصة كتاب «المشتبه» للذهبي، وهو أجمع ما ألف حتى عصره، مع زياداته هو عليه، التي امتدت إلى معاصريه مميزا لها بقوله: «قلت» في أول كل منها، و«انتهى» في آخرها، ورتب الجميع على حروف المعجم (^١)، فجاء كتابًا حافلا، وهو مطبوع الآن في ثلاثة مجلدات كبار، محققا (^٢).\nومما لا شك فيه أن ابن حجر اطلع على منهج شيخه السابق، وكتبه بيده، نظرا لأنه قرأ على العراقي شرحه للألفية الذي ورد فيه هذا المنهج، بل وكتب الشرح بخطه (^٣) وبذلك يكون كتابه هذا أثرًا تطبيقيًا للمنهج الذي ارتاه شيخه، وتجسيدا لتصوره للوضع الذي ينبغي أن يكون عليه هذا الجانب من علم رواة السنة، ليكون سهل التناول كما قال أيضًا.\nولعل مما يزيد الأمر تأكيدًا، أن ابن حجر في مقدمة كتابه المشار إليه، انتقد كتاب الذهبي من ثلاثة أوجه: أولهم وثانيهم مذكوران في الألفية، لشيخه العراقي (^٤).\nثم إن العراقي تناول في ألفيته، وفي شرحها، وفي نكته، على ابن الصلاح كثيرًا من المباحث والتراجم الخاصة بالمؤتلف والمختلف من الرواة، وأبدى بعض\n_________\n(^١) انظر «تبصير المنتبه» لابن حجر ج ١/¬٢ وما بعدها.\n(^٢) «طبع المؤسسة المصرية للتأليف والنشر» سنة ١٩٦٤/ بتحقيق علي البجاوي وآخر.\n(^٣) «الجواهر والدرر» ورقة ١٦٤ ب.\n(^٤) انظر «فتح المغيث» للعراقي ج ٤/ ٨٦ و«تبصير المنتبه» لابن حجر ج ١/¬١.","vol":"3","page":1061},{"text":"الآراء التي كان لها تأثيرها كما قدمنا، في بحث تلك المؤلفات (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-354>ثالثا: تأليف العراقي في جمع بعض الأكابر، الرواة عن الأصاغر، ورأيه، وأثره في هذا النوع:</span>\nالمقصود بالأكبر والأصغر ما هو أعم من السن، أو المكانة في العلم والفضل وقد ذكر العراقي وغيره من فائدة معرفة هذا النوع من علم الرجال، أن لا يتوهم كون المروي عنه أكبر وأفضل من الراوي عنه، لكون ذلك هو الأغلب فمعرفته تنزل أهل العلم منازلهم.\nوقد ذكر ابن الصلاح من أمثلة رواية الأكابر عن الأصاغر هذا، رواية أكثر من عشرين من التابعين، عن عمرو بن شعيب، وقال: «إنه لم يكن من: التابعين، وأن عبد الغني بن سعيد، جمع الرواة عنه من التابعين، فبلغوا عشرين نفسا».\nوقد تعقبه العراقي قائلا: «قلت: وعمرو بن شعيب، وإن عده غير واحد في أتباع التابعين، فهو من التابعين»، ودلل على ذلك بقوله: «فقد سمع من زينب بنت أبي سلمة، والربيع بنت معوذ بن عفراء، ولهما صحبة» ثم قال: «وقول ابن الصلاح: روى عنه أكثر من عشرين من التابعين، جمعهم عبد الغني، ليس بجيد، فإنه قد بلغ بهم تسعة وثلاثين رجلا»، ثم قال: «قلت: وقد جمعتهم في جزء، فبلغت بهم فوق الخمسين» (^٢)، ويفهم من ذكره الجمعهم\n_________\n(^١) وانظر كذلك مبحث المؤتلف والمختلف في «فتح المغيث» للعراقي ج ٤/ ١١٣٨٥ و«النكت» ٣٨١/ ٤٠٥\n(^٢) «فتح المغيث»، للعراقي ج ٤/ ٦١٠.","vol":"3","page":1062},{"text":"في هذا الجزء في شرح الألفية أنه فرغ منه قبل الفراغ من شرح الألفية، وللأسف أني لم أقف على هذا الجزء، ولكن العراقي قدم لنا بديلا عنه، في بحوثه الملحقة بنكته على كتاب ابن الصلاح كما قدمت، وذلك بذكر من أوردهم الحافظ عبد الغني بن سعيد في الجزء الذي جمعه، وذلك كرد عملي من العراقي، على ابن الصلاح في قوله إن من ذكرهم عبد الغني، عشرين فقط، فقال: إن عبد الغني بن سعيد عدهم في الجزء المذكور أربعين نفسًا إلا واحدًا، وهذه أسماؤهم مرتبين على الحروف: إبراهيم بن ميسرة، وأيوب السختياني وبكير بن الأشج … وهكذا سرد الباقين، وبذلك حفظ لنا خلاصة هذا الجزء من مؤلفات الحافظ عبد الغني بن سعيد، حيث لا يكاد يوجد الآن حسب علمي، ثم ذكر أنه قد روى عن عمرو بن شعيب جماعة كثيرون من التابعين، لم يذكرهم عبد الغني بن سعيد، وهم: «ثابت بن عجلان، وحسان بن عطية …، وساق تمام إثني عشر واحدًا، ثم بين إجمال ما ذكره فقال: فهؤلاء زيادة على الخمسين من التابعين، قد رووا عنه» (^١).\nوبهذا قدم العراقي لنا في النكت خلاصة لجزئه المذكور، الذي لم يتح لي العثور عليه.\nهذا وقد كان لعمل العراقي ذلك، ورده على ابن الصلاح، أثرهما فيمن بعده، بحيث نقل السيوطي عنه ما تقدم برمته، وأقره عليه (^٢).\n_________\n(^١) «النكت» ٢٣٢.\n(^٢) انظر «تدريب الراوي»: ٤٢٥، ٤٢٦","vol":"3","page":1063},{"text":"<span data-type='title' id=toc-355>رابعًا: تأليفه وآراؤه في نقد رجال السنة:</span>\n<span data-type='title' id=toc-356>أ - تذييله على «ميزان الاعتدال في نقد الرجال» للذهبي:\n\n<span data-type='title' id=toc-357>أهمية الكتاب وتاريخ تأليفه:</span></span>\nينقسم رواة السنة وعلماؤها عمومًا إلى ثقات معدلين، وإلى ضعفاء مجروحين، وإلى مجهولين عينًا وحالًا، أو حالًا فقط، ومعرفة الأقسام الثلاثة لازمة، لتمييز صحيح الحديث من سقيمه، ولذلك يقول العراقي: «واجعل من عنايتك معرفة الثقات والضعفاء، فهو أجل أنواع علم الحديث، فإنه المرقاة إلى التفرقة بين صحيح الحديث وسقيمه» (^١)\nويطلق على ذلك النوع من علوم الحديث علم «الجرح والتعديل» أو «نقد الرجال» كما عنون الذهبي كتابه، الذي ذيل عليه العراقي.\nومن أجل تلك الأهمية المعرفة كل من الثقات والضعفاء، لم تقتصر عناية علماء الرجال على التأليف في الثقات، بل اهتموا أيضًا بجمع الضعفاء في مؤلفات خاصة، وبينوا أحوال الفريقين المتفاوتة، تعديلًا أو جرحًا، وقبولا أو ردًا، مع ذكر بعض نماذج لمروياتهم في كثير من الأحيان.\nوقد كان من أجمع ما ألف فيهم حتى عصر العراقي، هو كتاب الحافظ أبو عبد الله الذهبي المتوفى سنة ٧٤٨ هـ المسمى «ميزان الإعتدال في نقد الرجال» (^٢)، وقد نظر فيه العراقي فوجد أن الذهبي رغم بسطه له، قد فاته جماعة ممن تُكُلِّمَ فيهم، كما وجد بعض أشخاص أوردهم الذهبي في\n_________\n(^١) «فتح المغيث» للعراقي ج ٤/ ١٥١.\n(^٢) «لسان الميزان» لابن حجر العسقلاني ج ١/¬٤.","vol":"3","page":1064},{"text":"سياق تراجم آخرين، وبالتالي لا يسهل الوقوف عليهم إلا بمطالعة الكتاب تفصيليا، فقام بتجريد كثير ممن فات الذهبي ذكره، فبلغ ذلك مجلدا لطيفا، وجعله ذيلا على الميزان، وقد بين العراقي بنفسه ذلك في شرحه للألفية، حيث ساق أهم المؤلفات والمؤلفين في الضعفاء، حتى وصل إلى كتاب «الميزان» للذهبي فقال: «وفاته جماعة، ذيلت عليه ذيلا في مجلد» (^١).\nوبهذا وضع العراقي قدمه حيث انتهى سلفه المعاصر له، وهو الحافظ الذهبي، وتقدم بعده بتلك الإضافة العلمية ذات المحتوى المفيد، في هذا النوع الهام من علم الرجال، كما سنفصله.\nويفهم من ذكر العراقي لهذا الكتاب في شرحه للألفية الذي فرغ منه كما تقدم في ٢٩ رمضان سنة ٧٧١ هـ، قد أنه ألفه قبل التاريخ المذكور، كما يلاحظ أنه لم يسمه باسم معين، وكذا لم يذكر له غيره اسما (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-358>نسخ الكتاب وما وقفت عليه من نصوصه:</span>\nورغم أن الزمن الذي حدده العراقي لتأليف هذا الكتاب، يدل على أنه من أوائل مؤلفاته، إلا أن ابن فهد ذكر أن العراقي لم يبيضه بل تركه مسودة (^٣) وهذا يتفق فعلا مع وصف الحافظ ابن حجر له عند النقل عنه في كتابه (لسان الميزان) الآتي ذكره، كما وصفه أيضا من واقع اطلاعه عليه، بأنه في مجلد لطيف الحجم (^٤).\n_________\n(^١): «فتح المغيث» ج ٤/ ١٥٠.\n(^٢) انظر: «فتح المغيث» للسخاوي ج ٣/ ٣١٥، و«تدريب الراوي» ٥/ ٥١٩.\n(^٣) «لحظ الالحاظ» / ٢٣١ ضمن «ذيول تذكرة الحفاظ».\n(^٤) انظر: (لسان الميزان) ج ١/¬٤ وترجمتي/ ٤١٩، ٦٠٧ وج ٤/ ترجمة ٨٢٤.","vol":"3","page":1065},{"text":"ورغم هذا لم يتح للعراقي تبييضه بنفسه، كما اكتفى غيره من تلاميذه ومن بعدهم، بالاستفادة به على حاله، ولهذا لم يوقفني البحث الدؤوب على نسخة لهذا الكتاب، وإنما ذكر لي بعض الثقات من زملائي العرب (^١)، أنه توجد نسخة منه بمكتبة خاصة بأحد علماء بغداد (^٢)، وذكر لي أنها تقع في ١٢٠ ورقة تقريبا من القطع العادي، ولكن لم يتح لي الحصول عليها ولا على نصوص منها، ثم وقفت على ترجمة واحدة في مجموع، للعلاء بن خطيب الناصرية وتلميذ ولي الدين بن العراقي (^٣)، وقد كتبه بخطه، وصدر نقله لهذه الترجمة بقوله: «قال الحافظ العراقي رحمه الله تعالى في «ذيله على الميزان»، ومن خطه نقلت … وساق الترجمة في ٦ أسطر كما سنذكرها بعد، ويظهر من ترحم ابن خطيب الناصرية على العراقي أنه نقل هذه الترجمة بعد وفاته، وتصريحه بأنه نقل من خطه يدل على وقوفه على المسودة المشار إليها، كما أنه أثبت في نفس المجموع، سماعه بالقاهرة من ولي الدين بن العراقي سنة ٨٠٨ هـ، فلعله وقف عليها حينذاك، وهذا يدل على وجود تلك المسودة بعد وفاة العراقي، بل نقل عنها بعض المتأخرين عن ذاك بكثير كما سيأتي.\n_________\n(^١) وهو الأخ الفاضل الدكتور/ عبد الستار القدسي، حفظه الله، وجزاه خيرا.\n(^٢) وهو الأستاذ/ «عباس غزاوي»، كما عرفت بعد ذلك، بل ظهر أن لديه نسختان للكتاب، وحصل مركز البحث العلمي بجامعة أم القرى، على صورتين لهما، وعنهما حقق الدكتور الفاضل/ «عبد القيوم عبد رب النبي» الكتاب، وطبع ضمن مطبوعات المركز سنة ١٤٠٦ هـ، وانظر مقدمة المحقق للكتاب/ ص ٤٢ - ٤٤.\n(^٣) سيأتي التعريف به.","vol":"3","page":1066},{"text":"<span data-type='title' id=toc-359>بيان نصوص الكتاب الموجودة في «لسان الميزان» لابن حجر، وتحريرها:</span>\nأما أكبر قدر من نصوص الكتاب، فقد وقفت عليه في كتاب «لسان الميزان» لابن حجر العسقلاني، حيث ذكر في مقدمته: «أنه اختصر كتاب «الميزان» للذهبي، بحذف من ذكروا فيه، وهم مذكورون في «تهذيب الكمال للمزي»، وزاد بدلهم تراجم أخرى، ووضع عليها علامة (ز)»، وأردف قائلا: «ثم وقفت على مجلد لطيف لشيخنا حافظ الوقت أبي الفضل بن الحسين، جعله ذيلا على الميزان، وذكر فيه من تكلم فيه، وفات صاحب «الميزان» ذكره، والكثير منهم، من رجال التهذيب، فعلمت على من ذكره شيخنا في هذا الذيل صورة (ذ)، فيه، إشارة إلى أنه من الذيل لشيخنا، وما زدته في أثناء ترجمة، ختمت كلامه بقول: انتهى، وما بعدها فهو من كلامي» (^١).\nومما ذكره ابن حجر نفهم أن كتاب العراقي اشتمل على عدد كثير ممن ذكرهم المزي في كتابه «تهذيب الكمال» وهو يضم رجال الكتب الستة المعروفة وعددا آخر من المصنفات لأصحاب الكتب الستة أيضا. ونفهم كذلك أن ابن حجر لم يذكر من هؤلاء أحدا، لأن من منهجه في الاختصار كما قدمت، حذف المذكورين في «التهذيب»، لكني وجدته ذكر بعض التراجم ليستدرك فيها على العراقي (^٢).\nوبذلك يكون من ذكرهم من كتاب شيخه العراقي، أغلبهم ممن لم يذكروا في «تهذيب الكمال»، وعليه فهم يمثلون الجهد الأكبر للعراقي، في البحث،\n_________\n(^١) «لسان الميزان» ج ١/¬٤.\n(^٢) انظر «اللسان» ج ٢/ ٧٢٢.","vol":"3","page":1067},{"text":"والتنقيب، لجمعهم من المصادر العديدة، كما أن هذا يرد قول بعض الباحثين الفضلاء: إن ابن حجر ذكر في كتابه ذيل شيخه العراقي كله (^١).\nويفهم من كلام ابن حجر أيضًا، أنه كما نقل من كتاب شيخه تراجم كاملة، فقد نقل أيضًا بعض نصوص متفرقة، وختمها بقوله: انتهى، وكتاب (لسان الميزان) الذي ضمنه ابن حجر بعض التراجم والنقول من كتاب شيخه، يقع في ٦ مجلدات في الطبعة الهندية، وقد توزعت تلك التراجم والنقول في الكتاب كله، حسب ترتيبه المعجمي، ولذا عانيت كثيرًا لتحديدها، حتى أبحث كتاب العراقي من خلالها، لافتقاد أصله حين إنجاز هذا البحث كما أشرت.\nوقد وجدت عدد التراجم الكاملة التي عليها علامة ذيل العراقي يبلغ ١٥٢ ترجمة، أما التراجم التي نقل ابن حجر في أثنائها، فتبلغ ٣٤ ترجمة، فالمجموع ١٨٦ ترجمة، لكنه ظهر لي بالفحص أن ما ذكره ابن حجر من علامة الترجمة الكاملة المأخوذة عن ذيل شيخه، وهي «ذ» وعلامة النقل في الأثناء وهي: «انتهى» كلاهما غير مطرد الوجود والإنضباط في طبعة «لسان الميزان» المتداولة حاليًا، فهناك تراجم عليها علامتي ذيل العراقي وزيادة ابن حجر وهما: «ذ» و«ز» (^٢) وبعض تراجم عليها علامة «ذيل» العراقي، ثم تكرر بعضها، وعليها علامة زيادة ابن حجر (^٣).\n_________\n(^١) «الحديث والمحدثون» لأستاذنا الدكتور محمد أبي زه» / ٢٦٢ وبمراجعة طبعة الذيل الحالية نجد عدد تراجمه (٧٩٩) في حين يقل عدد ما ذُكِرَ منه في اللسان عن ذلك كثيرًا.\n(^٢) انظر «اللسان» ج ١ تراجمة/ ١٣٦٥.\n(^٣) انظر «اللسان» ج ٢ ترجمتي/ ٥١١، ٥٤٧.","vol":"3","page":1068},{"text":"وهناك تراجم تُعَدُّ من ذيل العراقي، وليس عليها علامته مثل «جميل بن جرير عن عبد الله بن يزيد، فقد ذكر بدون علامة (^١)، ثم ذكر «عبد الله بن يزيد» وعليه علامة ذيل العراقي، وقال ابن حجر بعد ذكر كلام شيخه: قلت: «استدركه شيخنا تبعًا لابن حزم وقد ذكر ما يرد على ابن حزم من ذلك في ترجمة جميل» (^٢).\nفهذا يدل على أن ترجمة جميل هذه من ذيل العراقي، وهي مشتملة فعلًا على رده على ابن حزم، كما أنني رجعت للميزان فلم أجد ترجمة «جميل» فيه، والمعروف أن ما ليس عليه علامتي زيادة ابن حجر. ولا ذيل العراقي، فهو من «الميزان» كما قدمت في بيان اصطلاح ابن حجر». وهناك أمثلة أخرى (^٣)\nكذلك وجدت بعض التراجم عليها علامة ذيل العراقي، ومضمونها مصرح بأنها من «ميزان الذهبي»، حيث أحال فيها على كتابه المعروف بـ «تذكرة الحفاظ» (^٤).\nوهذا كله لم أجد من نبه عليه من قبلي، ومنه يتضح أن تحديد ما استمده ابن حجر في «اللسان» من كتاب شيخه العراقي، بناء على طبعة «اللسان» الهندية المتداولة حاليًا، غير دقيق ولا محرر، ولذلك اعتمدت في بحثي على الاطلاع التفصيلي على التراجم، مع المقارنة بميزان الذهبي، وهكذا ينبغي أن\n_________\n(^١) «اللسان» ج ٢/ ترجمة/ ٥٧٧.\n(^٢) «اللسان» ج ٣ ترجمة ١٥١٠ مع ذيل الميزان للعراقي/ ١٧٣ ترجمة (٢٥٤)، وقد ذكرت هذا المثال استنتاجًا مني، قبل ظهور الذيل واطلاعي عليه. فلله الحمد والشكر.\n(^٣) انظر «اللسان» ج ٤ ترجمة ٦٦٤ ج ٦ ترجمتي/ ٢٣٨، ١١٧٣.\n(^٤) انظر «اللسان» ج ١/ ترجمة ٧٢٢.","vol":"3","page":1069},{"text":"يفعل الذين يعتمدون على «اللِّسان» في بحوثهم، حتى لا ينسبوا شيئًا لغير قائله.\nثم إني وجدتُ العراقي قد بيَّن أحوال عدد من الرجال في سياق تراجم غيرهم لاشتراكهم في سند واحد، أو في حالة واحدة (^١)، وقد يقوم الحافظ ابن حجر بتجريد بعض هؤلاء، ويستوفي الكلام عليهم، ويعدهم من زياداته (^٢) وبناء على ذلك أقرر: أنه إذا كان ما أحصيته من التراجم التي استمدها ابن حجر، أو استمد فيها من شيخه العراقي، قد بلغ ١٨٦ ترجمة، فإنه يمكن القول: إنها تزيد في الواقع على مائتين، وهذا القدر يوازي ثلث ما زاده ابن حجر في «اللِّسان» جميعه، على «ميزان الذهبي»، حيث ذكر تقي الدين الفاسي قرين ابن حجر وتلميذه: أن زياداته في «اللِّسان» على ما في «الميزان» تزيد على ٦٠٠ ترجمة (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-360>مصادر العراقي في «ذيل الميزان»، وكيفية اعتماده عليها:</span>\nقدمت من قبل قول ابن حجر: إن كثيرًا ممن ذكرهم شيخه في الذيل هم من رجال «التهذيب»، ومعنى ذلك أن «تهذيب الكمال» للمزي يُعدُّ في مقدمة المصادر التي استخدمها العراقي في محتوى كتابه، أما باقي المصادر فقد وقفت عليها بالفحص التفصيلي للتراجم والنقول التي ذكرها ابن حجر من «الذيل في اللِّسان».\n_________\n(^١) انظر «اللِّسان»: ج ١/ ٤١٥.\n(^٢) انظر ج ١/ ٤١٧، ٣٩٦.\n(^٣) انظر «ذيل التقييد» للتقي الفاسي ١/ ١٢٢ ب.","vol":"3","page":1070},{"text":"وقد تبيّن لي أنها تزيد على خمسين كتابًا، من الكتب الأصلية: في علم الرجال، وفي متن الحديث، وعلله، كما أنها من مؤلفات المتشددين في الجرح والتعديل، والمتوسطين، والمتساهلين، والثقات من علماء الشيعة، والمتقدمين، والمتأخرين، حتى عصر العراقي.\nوأكثر من اعتمد عليهم من كل هؤلاء: الإمام البخاري في «تاريخه» (^١)، وأبو حاتم الرازي وابنه، كلاهما في كتاب «العلل» (^٢)، وأبو سعيد بن يونس مؤلف «تاريخ مصر» الذي يعد حاليًا في حكم المفقود (^٣)، وأبو عبد الله بن مندة في «الأسماء والكنى» وفي «معرفة الصحابة» (^٤)، والترمذي في «العلل» (^٥)، وابن عدي في «الكامل» (^٦)، وابن حبان في «صحيحه»، وفي «الثقات»، وفي «الضعفاء» (^٧)، والخطيب البغدادي في «المتفق والمفترق»، وفي «تاريخ بغداد»، وفي الرواة عن مالك (^٨)، والدارقطني في «السنن»، وفي «العلل»، وفي «المؤتلف والمختلف»، وفي «غرائب مالك» (^٩)، وابن عبد البر في «الاستيعاب في معرفة الأصحاب»،\n_________\n(^١) انظر «اللسان» ج ١/ ترجمتي ٥٩، ١١٢٦.\n(^٢) انظر «لسان الميزان» ج ٣ ترجمتي ١٣٢٩، ترجمة ١٣٩١.\n(^٣) «اللسان»، ج ١/ ٣٦٨، ٤٣٩، ج ٤/ ٢٤٠.\n(^٤) «اللسان»: ج ١/ ٣٦٢، ج ٢/ ١٦٢.\n(^٥) «اللسان»: ج ٢/ ٨٩.\n(^٦) «اللسان»: ج ٦/ ٢٨٥.\n(^٧) «اللسان»، ج ١/ ٣٤١، ج ٢/ ٨١، ج ٤/ ٤٢٥.\n(^٨) «اللسان»، ج ١/ ١٢٦، ٣٤٣، ج ٢/ ٢٤٧ وج ٣/ ٣٧٤.\n(^٩) «اللسان»: ج ١/ ٩٩٥، ١٠٢٥، ج ٢/¬١٠، ١٢٢، ١٣٢، ١٨٤، ٤١٣.","vol":"3","page":1071},{"text":"وفي «جامع بيان العلم وفضله» (^١)، والطبراني في «معجميه الأوسط والصغير» (^٢)، والطوسي في «رجال الشيعة» (^٣)، وابن الجوزي في «المنتظم» وفي «الموضوعات» (^٤)، وأبو الحسن علي بن القطان في «الوهم والإيهام» (^٥)، وعبد الحق الأشبيلي في كتابه «الأحكام» (^٦)، وابن حزم في «المحلى» (^٧)، والبزار في «مسنده» (^٨)، وابن ماكولا في «المؤتلف والمختلف» (^٩)، والذهبي في «الميزان»، وفي «المغني في الضعفاء» و«ذيله» (^١٠).\nوأما طريقة اعتماده على هذه المصادر وغيرها، فلم يكن مُجرَّدَ ناقل وجامع، رغم أن ذلك في حد ذاته كان له قيمته في عصره، إنقاذًا للتراث من الضياع كما أشرنا في حالة العصر العلمية، وكما ذكرت من مراجعه التي لا نجد كثيرًا منها اليوم، ولكن العراقي بجانب معاناته في جمع النصوص وترتيبها، وتكملة بعضها ببعض، كما سنوضحه في الأمثلة، كانت له شخصيته:\n_________\n(^١) «اللسان» ج ١/ ٣٤١، ج ٢/ ١٥٦.\n(^٢) «اللسان» ج ٢/ ١٦٢، ج ٦/ ٦٢.\n(^٣) «اللسان» ج ٢/¬١٠، ٢٤، ١٨٢.\n(^٤) «اللسان» ج ١/ ٤٣٧، ج ٢/ ١٦٢.\n(^٥) «لسان الميزان» ج ١ ترجمة ٦٧٨، ج ٦/ ترجمة/ ١٠٠٢.\n(^٦) «اللسان» ج ١ ترجمة/ ٦٤٧.\n(^٧) ج ١/ ٤٣٩.\n(^٨) «اللسان» ج ١/ ٥٥.\n(^٩) «اللسان» ج ٢/¬١٠، ٨٧.\n(^١٠) «اللسان» ج ١/ ترجمة ١٠٣٥ ج ٢/ ترجمة ١٧٦٣.","vol":"3","page":1072},{"text":"الواضحة، حيث نجده تارة يقر من ينقل عنه، وتارات يتعقبه بالرد، أو التصويب، أو الترجيح، أو التضعيف، أو المقارنة بغيره، كما سيأتي في بيان منهجه وآرائه.\nومما يصور دقته: أن بعض الأسماء المشتبهة رجع فيها لثلاث نسخ من كتاب واحد، للتأكد من عدم التحريف أو التصحيف (^١)، على أني وجدت بعض تراجم قليلة، لم يحدد مصدره فيها كلية (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-361>منهج العراقي في الكتاب، وآراؤه النقدية:</span>\n<span data-type='title' id=toc-362>١ - ترتيب التراجم على حروف المعجم.</span>\nيدل ترتيب التراجم التي ذكرها ابن حجر في «اللسان» من كتاب شيخه العراقي، على أنه انتهج في الترتيب منهج الذهبي في «الميزان»، فرتب التراجم على حروف المعجم مراعيا ذلك في آباء الرواة أيضًا، بحيث ذكر «إسحق بن سليمان» مثلا قبل «إسحق بن شَرويه» (^٣)، وهكذا، وهذا الترتيب يفيد في تضييق دائرة البحث عن الراوي في الكتاب، وجعل الكشف فيه أقرب تناولًا، من مراعاة الترتيب في الاسم الأول فقط، كما أشار إلى ذلك الذهبي (^٤).\nوقد ظهر لي أنه بدأ كالمعتاد بذكر المعروفين بأسمائهم، لأنهم الأكثر، ثم\n_________\n(^١) انظر «اللسان» ج ٤/ ترجمة ١٠١٠.\n(^٢) انظر: «اللسان» ج ١/ ١٦٤.\n(^٣) انظر «لسان الميزان» ج ١/ ترجمتي/ ١١٢٢، ١١٢٦ مع الذيل ترجمتي ١٧٧، ١٧٨.\n(^٤) انظر «الميزان» ج ١/¬٣.","vol":"3","page":1073},{"text":"أعقبهم بذكر المعروفين بكنيتهم في باب خاص (^١)، ثم أصحاب الأنساب، في باب كذلك (^٢)، مراعيًا الترتيب المعجمي في الجميع.\nوقد ذكر الحافظ ابن حجر أن الذهبي في (الميزان)، عقد فصلا مفردًا للنساء، مع ذكره كثيرًا منهن مع الرجال، بينما فرق ابن حجر في (اللسان) مَنْ على شرطه منهن، على الحروف مع الرجال، ولم يفرد لهن فصلا خاصًا، لكني لم أجده نقل عن شيخه العراقي في تراجم النساء عمومًا، فلعل العراقي لم يستدرك أحدًا منهن على الذهبي، أو لعله استدرك عليه ممن ذكرن في «تهذيب الكمال»، فلم يذكر هن ابن حجر في (اللسان) تبعًا لشرطه السابق بيانه، وهو أنه استبعد من «اللسان» من له ذكر في «التهذيب»، رجلا كان أو امرأة (^٣).\nثم إني وجدت العراقي قام بجهد آخر في الترتيب المعجمي للتراجم التي ذكرت في «الميزان» أو غيره من المصادر السابقة بدون ترتيب، بحيث لا يتيسر الوقوف عليها إلا بعد وقت وجهد في الاطلاع التفصيلي على «الميزان» أو غيره وبيان ذلك: أن الذهبي ذكر في (الميزان) كثيرًا من الرواة في سياق تراجم رواة آخرين، لما يكون بينهم من علاقة، فقام العراقي بفصل كثير من تلك التراجم ووضعها في كتابه حسب الترتيب المعجمي المناسب، مع الإضافة من جانبه أو بدونها.\nمثال ذلك: قوله بشير بن خلاد، قال الذهبي في ترجمة «يحيى بن بشير\n_________\n(^١) انظر «اللسان» ج ٧/ ترجمتي/ ٥، ٧١٣.\n(^٢) انظر «اللسان» ج ٧/ ترجمة ١٦٥٤ مع الذيل ترجمة (٧٩٩).\n(^٣) لكن بعد ظهور الذيل مطبوعًا ظهر أن الاحتمال الأول هو الصواب.","vol":"3","page":1074},{"text":"ابن خلاد ولده، عن ابن القطان: يجهل هو وأبوه، وقال عبد الحق: ليس إسناد الحديث بقوي (^١)، فتلاحظ أن الذهبي بين حال «بشير» المذكور، في ترجمة ولده (يحيى)؛ لاشتراكهما في الجهالة، ففصل العراقي بشيرا عن ترجمة ابنه، ووضعه في حرف الباء، بينما هو عند الذهبي في حرف ١٠٧٥ «الياء»، تبعا لترجمة ولده، وبوضعه الجديد عند العراقي، يسهل الكشف عنه والإهتداء إلى موضعه.\nومما جمع فيه بين فائدة الترتيب والإضافة الهامة، قوله: «أبي بن نافع بن عمر بن معدي كرب، قال الخطيب: أخبره أبو سعد الماليني إجازة، أنا عبد الله بن عدي، ثنا إسحاق بن إبراهيم بن أبي نافع بن عمرو بن معدي يكرب، حدثني أبي بن نافع قال - وهو جدي - وهو ابن ١١٢ سنة، حدثني أبي بن نافع بن عمر قال: كنت مع النبي ﷺ، فقال لعائشة: حب يحمل من الهند يقال له «الداري» من شرب منه لم تقبل له صلاة ٤٠ سنة، فإن تاب تاب الله عليه، قال الخطيب: كل رجال إسناده ما وراء ابن عدي لا يعرف، وعقب ابن حجر على ذلك بقوله: قلت: ذكره شيخنا في «الذيل»»، وقد أورده المؤلف بتمامه في ترجمة إسحق بن إبراهيم، وسيأتي (^٢)، وقد رجعت لترجمة إسحق بن إبراهيم المذكور، فوجدتُ الذهبي ذكر فعلا ما تقدم بتمامه، لكني وجدت كلام الخطيب هناك عن الحديث المذكور: إنه قال: «رواته لا يُعرَفُون» (^٣)، بينما المذكور عنه في كلام العراقي السابق «كل رجال إسناده ما\n_________\n(^١) انظر «اللسان»، ج ٢/¬٣٦ آخر ترجمة وهي ساقطة في ترقيم الطبعة الهندية.\n(^٢) انظر «اللسان» ج ١ ترجمة/ ٣٩٩.\n(^٣) انظر «اللسان» ج ١ ترجمة/ ١٠٨٣.","vol":"3","page":1075},{"text":"ورواء ابن عدي لا يعرف، ففيه استثناء ابن عدي من الجرح بالجهالة وبذلك يكون ابن عدي على ما ذكره العراقي من عبارة الخطيب غير مجرح، وعلى ما ذكر الذهبي منها مجروح.\nولا شك أن تحرير العبارة بما يخرج راويا من حيز الجرح إلى ساحة التعديل، يُعدُّ إضافة هامة من جانب العراقي، بجانب فصله لترجمة أبي بن نافع، وترتيبها».\n\n<span data-type='title' id=toc-363>٢ - أنواع الرجال المذكورين في كتاب العراقي من حيث التوثيق والتجريح</span>\nبعد أن اطلع الحافظ ابن حجر على كتاب شيخه العراقي واستفاد منه كما قدمنا، بين أنواع الرجال المذكورين فيه إجمالًا، فقال: «إنه ذكر فيه من تكلم فيه، وفات صاحب «الميزان» ذكره» (^١).\nوالمقرر عند علماء النقد: أن من تكلم فيه أنواع، فقد يكون ضعيفًا مع التفاوت في درجة الضعف، وقد يكون مختلفًا فيه، وقد يكون معروفا بالثقة والضبط، فلا يلتفت إلى من تكلم فيه، لكن واقع التراجم التي اعتمد فيها ابن حجر في «اللسان» على كتاب شيخه، يدل على أن غالبهم من الضعفاء، والمختلف فيهم، وبعضهم من الثقات الذين ذكرهم لدفع شبهة الجرح عنهم، وهذا يلتقي مع منهج الذهبي في «الميزان»، فقد قال في نهايته إن أصله وموضوعه في الضعفاء، وأن فيه خلقا من الثقات، ذكرتهم للذب عنهم، أو لأن الكلام غير مؤثر فيهم ضعفًا (^٢).\n_________\n(^١) انظر «اللسان» جـ ١/¬٤.\n(^٢) «ميزان الاعتدال» جـ ٤/ ٤٠٠.","vol":"3","page":1076},{"text":"ثم فصل ذلك في مقدمة كتابه تفصيلًا ينبغي ذكره هنا، لنعرف على ضوئه أنواع من ذكرهم العراقي في كتابه، وحكم كل نوع من القبول أو الرد، حيث يقول الذهبي: فقد احتوى كتابي على ذكر الكذابين الوضاعين، المتعمدين، قاتلهم الله، وعلى الكاذبين في أنهم سمعوا ولم يكونوا سمعوا، ثم على المتهمين بالوضع والتزوير، ثم على الكذابين في لهجتهم، لا في الحديث النبوي، ثم على المتروكين الهلكى، الذين كثر خطؤهم، وترك حديثهم، ولم يعتمد على روايتهم ثم على الحفاظ الذين في دينهم رقة، وفي حديثهم وهن.\nثم على المحدثين الضعفاء من قبل حفظهم، فلهم غلط، وأوهام، ولم يترك حديثهم، بل يقبل ما رووه في الشاهد، والاعتبار بهم، لا في الأصول والحلال والحرام، ثم على المحدثين الصادقين، أو الشيوخ المستورين، الذين لم يبلغوا رتبة الأثبات المتقنين، وما أوردت منهم إلا من وجدته في كتاب «أسماء الضعفاء» ثم على خلق كثير من المجهولين، ممن نص أبو حاتم الرازي على أنه مجهول، أو قال غيره: «لا يُعرف، أو فيه جهالة، أو غير ذلك، من العبارات التي تدل على عدم شهرة الشيخ بالصدق، إذ المجهول غير محتج به، ثم على الثقات الأثبات الذين فيهم بدعة، أو الثقات الذين تكلم فيهم من لا يلتفت إلى كلامه، ولا إلى تضعيفه، لكونه تعنت فيه وخالف الجمهور من أولي النقد والتحرير (^١).\nثم بين حكم توثيق المبتدعة، وهم من عدا أهل السنة والجماعة، كالشيعة\n_________\n(^١) انظر «الميزان» جـ ١/¬١ - ٤.","vol":"3","page":1077},{"text":"والروافض، وانتهى إلى أن غير الغلاة والدعاة منهم، مع الدين والورع والصدق، تقبل روايتهم، وهذا مذهب المعتدلين من علماء النقد، وقد أقر الذهبي عليه، الحافظ ابن حجر وقال: «إن عليه أكثر أهل الحديث» (^١).\nوهكذا فصل الذهبي أنواع من ذكرهم في كتابه، وحكم كل نوع قبولًا أو ردا.\nوقد وجدت التراجم التي استمد فيها ابن حجر من كتاب شيخه العراقي، تضم عامة هذه الأنواع، وإليك بعض الأمثلة:\n\n<span data-type='title' id=toc-364>فممن ذكر جرحهم بالإختلاط وأقره:</span>\nأحمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن شمر البهزي، روى عنه ابن السمعاني وقال: «اختلط في آخر عمره، حكاه ابن نقطة» (^٢).\nومن المجاهيل: أحمد بن عبد الله بن سعيد بن كثير الحمصي، قال عبد الحق في الأحكام: «مجهول» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-365>وممن ذكر أن حديثه يخرج للاعتبار </span>(^٤)\nجميل بن حماد الطائي قال البرقاني، قلت للدارقطني: جميل بن حماد عن عصمة بن زامل عن أبي هريرة ﵁، فقال: «هذا إسناد بدوي، يخرج اعتبارا» (^٥).\n_________\n(^١) «لسان الميزان» ج ١/¬٩.\n(^٢) انظر «اللسان»: ج ١/ ترجمة ٦٤٥.\n(^٣) «اللسان» ج ١/ ترجمة/ ٦٤٧.\n(^٤) الإعتبار هو سبر طرق الحديث لمعرفة ما إذا كان شارك روايه في روايته غيره، أم لا.\n(^٥) «اللسان» ج ٢/ ترجمة/ ٥٧٨.","vol":"3","page":1078},{"text":"<span data-type='title' id=toc-366>وممن ذكرهم من الشيعة المقبولين:</span> قوله:\nآدم بن عبد الله بن سعد الأشعري، أخذ عن جعفر الصادق، ذكره الطوسي في رجال الشيعة الإمامية، وأثنى عليه (^١).\nوستأتي أمثلة أخرى في باقي عناصر منهج العراقي وآرائه.\n\n<span data-type='title' id=toc-367>٣ - بيان الاسم، والنسب، والنسبة، والكنية، واللقب، وتحقيق المختلف فيه أو المشتبه:</span>\nيعتبر بيان الاسم، وسلسلة النسب، والنسبة إلى بلد، أو مهنة، ونحوها، وكذا الكنية، واللقب، كل ذلك من العناصر الأساسية في ترجمة الراوي والعالم؛ لأنها مناط تمييزه عن غيره من الثقات، أو المجروحين، وممن يشاركه في نفس العناصر المشار إليها، لهذا فإن علماء السنة، بما فيهم العراقي، جعلوا من أنواع علم الرجال: معرفة من ذكر من الرواة والعلماء بأسماء وصفات مختلفة، من كنية، أو لقب، أو نسب، وذلك لكشف التدليس (^٢)، ومعرفة عكس هؤلاء أيضًا، وهم المنفردون بأسماء، وأنساب وكنى وألقاب (^٣)، ومعرفة أسماء من اشتهر بكنيته، وكنية من اشتهر باسمه، حتى لا يُظَنَّ تعدد الواحد فيهم، عند ذكره مرة باسمه وأخرى بكنيته (^٤)، وكذا معرفة الألقاب (^٥).\n_________\n(^١) «اللسان» ج ١/ ٣٣٦.\n(^٢) انظر «فتح المغيث» للعراقي ج ٤/ ٧٥ و«تدريب الراوي» / ٤٤٢، ٤٤٣.\n(^٣) «فتح المغيث» للعراقي ج ٣/ ٧٧ و«التدريب» / ٤٤٥.\n(^٤) «فتح المغيث» للعراقي ج ٤/ ٧٨، ٧٩ و«التدريب» / ٤٥٠ - ٤٥٦.\n(^٥) «فتح المغيث» ج ٤/ ٨٣، ٨٤ و«التدريب» / ٤٥٨، ٤٥٩.","vol":"3","page":1079},{"text":"والأنساب (^١)، والمؤتلف والمختلف من كل ذلك، والمتفق والمفترق، والمتشابه (^٢)، وألفت في ذلك مؤلفات خاصة متعددة.\nولهذا عني العراقي في تذييله على الميزان، ببيان هذه العناصر، عناية إجمالية، وتفصيلية بأقصى ما توفر له من الاطلاع والإجتهاد.\nأما عنايته الإجمالية، فتتمثل في تقسيم من ترجمهم إلى أقسام محددة، حسبما عرفوا به، من اسم، أو كنية، أو لقب، وذكر كل قسم منهم على حدة، كما قدمت في بيان ترتيبه للتراجم، حيث جعل القسم الأول لمن عرف باسمه، ويليه من عرف بكنيته، ثم من عرف بنشبته.\nوأما العناية التفصيلية: فتتمثل في أنه بين في كل قسم أكبر عدد توفر لديه من العناصر الأخرى، ففي قسم المعروفين بأسمائهم، بين ما وجده لأي منهم من كنية، أو لقب، أو نسبة، وفي قسم المعروفين بكناهم بين أيضًا ما وجده لأي منهم من الاسم، واللقب، والنسبة، وهكذا، واعتنى بذلك حتى في التراجم الموجزة، أو التي بيض لها، ولم يكملها، كما اهتم ببيان ما يكون في ذلك من خلاف، وترجيح ما يظهر له، وبيان المتفق من ذلك، والمفترق، وإليك بعض الأمثلة:\nفمن التراجم الموجزة قوله: «أحمد بن حماد بن سلمة، تغير بآخره (^٣)» فذكر الاسم، ونسب الراوي، ثم الوصف المجروح به، وهو «تغيّر عقله في\n_________\n(^١) «فتح المغيث» ج ٤/ ١٢٦ - ١٣٩ و«التدريب» ٢/ ٤٩٤ - ٤٩٩.\n(^٢) «فتح المغيث» ج ٤/ ٨٥ - ١٢٦ و«التدريب» ٢/ ٤٦٤ - ٤٩٤.\n(^٣) «اللسان» ج ١/ ترجمة/ ٥٢٢.","vol":"3","page":1080},{"text":"آخر حياته» وقد علق ابن حجر على ذلك بقوله: «كذا ذكره شيخنا في ذيله ولم يزد»، ثم إنه لم يزد هو الآخر.\nوأوجز من ذلك قوله: «عمر، شيخ دمشقي» (^١)، فذكر الاسم، والنسبة إلى دمشق، والوصف المبين لدرجته، وهو «شيخ»، ولا يعد ذلك قدحًا في مبلغ علم العراقي بالرجال، لأن المؤلفات في هذا العلم، للمتقدمين والمتأخرين فيها أمثال تلك التراجم المقتضبة كثير.\nومن التراجم التي لم يذكر فيها غير اسم الراوي، واسم أبيه، ولم يكمله: «أحمد بن جناح، قال الحافظ ابن حجر معلقا عليه، ذكره شيخنا في «الذيل» وبيض له» (^٢) أي ترك بياضًا لإكمال الكلام عليه، والمعروف أن الحافظ ابن حجر وقف على مسودة الكتاب كما قدمنا، ولعل مما يدل على اتساع علم العراقي بالرجال، وجهده في البحث، أن الحافظ ابن حجر، على ما هو مشهود له به من طول الباع في علم الرجال، لم يقف على باقي المعلومات المتعلقة بالراوي المذكور، فوقف حيث وقف شيخه.\nومثال ما بين الخلاف في نسبه، مع الترجيح، ورفع التوهم:\nإسحق بن شرقي، قال: «اخْتُلِفَ في ضبط أبيه، ففي «تاريخ البخاري» بالقاف، وعند الدارقطني «بالفاء» قال ابن أبي حاتم: ويقال له: اسحق بن أبي شداد، واسحق بن عبد الرحمن، واسحق بن أبي نباتة .. (^٣) ويلاحظ\n_________\n(^١) «اللسان» ج ٤/ ٩٨٠.\n(^٢) «اللسان» ج ١/ ترجمة/ ٤٦٩.\n(^٣) «اللسان» ج ١/ ترجمة ١١٢٦.","vol":"3","page":1081},{"text":"ترجيحه من كل ذلك: أنه «شرقي» كما عند البخاري، حيث أثبته في أصل الترجمة، وفي صدر كلامه، وقد صرّح في نكته على ابن الصلاح أن ما يصدر به العالم كلامه فهو الراجح عنده (^١)، ثم إن تفصيله للآراء الأخرى وجمعها من عدة مصادر متفرقة، يوفر جهد البحث عنها، ويدفع أيضًا توهم تعدد الراوي المذكور، لمن يقف عليه في كل مرجع على حدة، لاختلاف اسم والده فيها كما رأيت.\nوقد أشار العراقي بنفسه إلى اهتمامه بدفع ذلك التوهم في ترجمة أخرى، حيث قال: «إسماعيل بن يحيى أبو أمية، وعقب على ذلك بقوله: كذا اسمي أبو أحمد» (^٢) ويقال ابن يعلى، وبذلك جزم ابن أبي حاتم والنسائي وغيرهما أن اسم أبيه (يعلى) وهو في الميزان، وإنما ذكرته هنا لئلا يظن أنه آخر (^٣).\nومثال ما بين فيه المتفق في الاسم واسم الأب والنسبة مع الافتراق في الجد، وفي التوثيق والتجريح: قوله: «إبراهيم بن حاتم الانباري، عن سويد بن سعيد» وبين حاله قائلا: «ضعفه الدارقطني فقال: متروك»، ثم أعقب ذلك بقوله: «أما إسحق بن إبراهيم بن رجاء الأنباري عن وهب بن بقية … وإسحق بن إبراهيم بن الخصيب للأنباري عن عبد الله بن صالح … فلا أعلم فيها جرحًا، وقد ذكر الخطيب في «تاريخ بغداد» الثلاثة» (^٤) وهذا المثال\n_________\n(^١) «التقييد والإيضاح» / ٣٩٥.\n(^٢) يقصد الحاكم الكبير مؤلف أجَلٌ كتاب في «الكنى» وشيخ الحاكم صاحب «المستدرك»\n(^٣) «اللسان» ج ١/ ترجمة/ ١٣٧٤.\n(^٤) «اللسان» ج ١/ ترجمة/ ١٠٦٤.","vol":"3","page":1082},{"text":"واضح الدلالة على أهمية بيان العراقي لهذا النوع من الرواة وهناك أمثلة أخرى (^١).\nومثال ما بين فيه الخلاف في اسم الراوي مع الترجيح قوله:\nجابان، ويقال موسى بن جابان، عن أنس. فذكره اسم «جابان» أولا وبناء الترتيب المعجمي عليه ثم قوله: ويقال موسى، … يدل على تضعيفه للرأي الثاني وترجيح الأول عليه، كما أنه ذكر له في باقي الترجمة حديثا وذكره في السند باسم «جابان (^٢) وذلك يزيد الرأي الأول قوة\nوقد استدرك على الذهبي بعض من ذكره بأكثر من اسم في مؤلفاته مثل قوله:\n«دحيم بن محمد الصيداوي عن أبي بكر بن عياش، له حديث موضوع» وبين مصدره بقوله: «ذكره المؤلف - يعني الذهبي - في «ذيل المغني» له، قال ابن حجر: انتهى كلام شيخنا، وسيأتي الحديث في عبد الرحمن بن محمد الأسدي وهو اسم دحيم هذا» (^٣)\nوبالرجوع لترجمة عبد الرحمن المذكور وجدت الذهبي يقول: «عبد الرحمن ابن محمد الأسدي ويقال: دحيم …» (^٤)\nومثال ما بين فيه نسبة الراوي ووجهها قوله: إسماعيل بن مرزوق بن يزيد المرادي الكعبي من بني الحارث بن كعب بن عوف بن أنعم بن مراد المصري» (^٥)\n_________\n(^١) «اللسان» ج ١/ ترجمة/ ١١٩٨.\n(^٢) «اللسان» ج ٢/ ترجمة/ ٦٨٧.\n(^٣) «اللسان» ج ٢/ ترجمة/ ١٧٦٣.\n(^٤) «اللسان» ج ٣/ ترجمة/ ١٦٩٤ والميزان ٤/ ترجمة (٤٩٧٢).\n(^٥) «اللسان» ج ١/ ترجمة/ ١٣٥٧.","vol":"3","page":1083},{"text":"ومن أمثلة عنايته ببيان الكنية وضبطها قوله: «سعيد بن أبي سعيد مولى المهري يكنى أبا سميط، بمهملتين، مصغرا» (^١).\nكما عنى أيضًا بتمييز من اشترك مع غيره في كنية واحدة، مثل: «أبو عبد الله القرشي روى عن سالم بن عبد الله الكلاعي خبرًا منكرا»، وقال ابن حجر قال: شيخنا أبو عبد الله القرشي هذا غير الذي روى عن أبي بردة يعني المذكور في «التهذيب» للمزي و«الميزان» للذهبي (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-368>٤ - بيانه لشيوخ الراوي وتلاميذه وأهمية ذلك:</span>\nيعتبر بيان شيوخ الراوي وتلاميذه من العناصر المميزة له عن غيره، كما أن من قواعد الجرح والتعديل أن من لم يرو عنه إلا واحد يعد مجهول العين وقبول روايته مختلف فيه فإذا روى عنه اثنان على الأقل زالت جهالته (^٣).\nولهذا عني العراقي فيمن ترجم لهم ببيان ببعض شيوخهم وتلاميذهم لتمييزهم عن غيرهم ولدفع الجهالة عنهم واهتم بصفة خاصة بإثبات تعدد تلاميذ كثير ممن قرر غيره من العلماء جهالتهم لعدم تعدد الرواة عنهم كالبزار (^٤) وغيره وبذلك أزال الجهالة عنهم وإليك بعض الأمثلة:\nأحمد بن علي بن عيسى بن هبة الله الهاشمي المقري، عن أبي غالب بن البنا وأبي البدر الكرخي وغيرهما، روى عنه يوسف بن خليل وأبو بكر بن\n_________\n(^١) «اللسان» ج ٣/ ترجمة ١٠٦.\n(^٢) «اللسان» ج ٧/ ترجمة ٧١٣.\n(^٣) انظر «فتح المغيث» للعراقي ج ٢/¬٢٢، ٢٣.\n(^٤) «اللسان» / ج ٢/ ٥٠٠.","vol":"3","page":1084},{"text":"شق (^١) فبين بذلك تعدد شيوخه وتلاميذه.\nومثال ما رد جهالته بتعدد الرواة قوله: «زكريا بن الحكم عن عمرو بن عمر العسقلاني وعنه أحمد بن حماد بن عبد الله الرقي وأبو عروبة وجماعة من أهل الجزيرة، قال ابن القطان: مجهول قلت: وليس بمجهول فقد روى عنه هؤلاء، ووثقه ابن حبان» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-369>٥ - بيانه للتعديل والتجريح واعتداله فيهما:</span>\nيعتبر بيان توثيق الراوي أو تجريحه عند علماء السنة أهم عناصر الترجمة للرواة والمحدثين. لأنهما مناط قبول المرويات وردها، والتجريح في اصطلاح علماء النقد: أن يوصف الراوي أو العالم بصفة أو أكثر مما يخل بدينه أو خلقه أو حفظه وضبطه، ويترتب على ذلك تضعيف روايته أو ردها، ويقابله التعديل وهو: وصف الراوي أو العالم بما يزكيه في دينه وخلقه وحفظه وضبطه، ويترتب على ذلك قبول روايته.\nوقد قدمت في بيان زيادات العراقي في ألفيته أن العلماء اصطلحوا على ألفاظ خاصة لبيان التعديل والتجريح وأن العراقي قسم كلا منها إلى خمس مراتب تبعًا لما قرره الحافظ الذهبي في مقدمة كتابه (الميزان) وطبقه على من ذكرهم فيه، بحيث إذا وصف الراوي بشيء منها عرفت درجة ما يرويه من القبول أو الرد، وهكذا فعل العراقي في (ذيل الميزان) فطبق على من ذكرهم فيه ما أقره في الألفية وغيرها من ألفاظ الجرح والتعديل ومراتبهما.\n_________\n(^١) «اللسان» ج ١/ ترجمة/ ٧٢٠.\n(^٢) «اللسان» ج ٢/ ترجمة/ ١٩٢٦.","vol":"3","page":1085},{"text":"ثم إن العلماء الذين تصدوا لنقد الرواة، قد انقسموا عموما إلى متشددين ومعتدلين ومتساهلين وعندما نتتبع منهج العراقي في نقد الراوي تعديلا وتجريحًا خلال كتابه هذا نجده من المعتدلين المنصفين في الجملة فلم يأخذ بقول كل جارح أو موثق، بل أخذ بعض آراء المتشددين ورد عليهم بعضها، وفعل مثل ذلك مع المتساهلين، وفي نفس الوقت نجد له شخصيته المميزة بين المعتدلين بحيث يقف من آرائهم أيضا موقف الناقد البصير، حذرا مما لا يسلم منه بشر من الوهم والاشتباه والخطأ، ثم إنه قد يحدد سبب الجرح وقد يورده مجملا، وإليك التفصيل والتمثيل.\n\n<span data-type='title' id=toc-370>موقفه من المتساهلين والمعتدلين:</span>\nمما يوضح ذلك قوله: «إسحق بن كامل مولى آل عثمان بن عفان» يكنى أبا يعقوب، المؤدب، يروي عن عبد الله بن كليب، لم يتابع، في حديثه مناكير، توفي في شعبان سنة ٢٦٥ بمصر، قاله أبو سعيد بن يونس، وأخرج الحاكم في «المستدرك» من طريق أحمد بن داؤد الحراني عن إسحق بن كامل عن إدريس بن يحيى عن حيوة بن شريح عن يزيد بن أبي حبيب عن نافع عن ابن عمر ﵄، حديث صلاة التسبيح وتعليمه لجعفر بن أبي طالب، وقال صحيح لا غبار عليه، قال ابن حجر وتعقبه - أي الحاكم - شيخنا في «ذيله» فقال: بل هو - أي سند الحديث المذكور - مظلم لا نور عليه، وأحمد بن داود كذبه الدارقطني هـ ونقل ابن عبد الهادي في «الأحكام الكبرى» عن شيخيه المزي والذهبي أنه - أي إسحق بن كامل - لا يعرف، وزاد ابن عبد الهادي من جانبه قوله: «والله أعلم هل له وجود أم لا؟» وعقب ابن حجر على ذلك بقوله: «كذا قالوا، وقد عرف وجوده ابن يونس","vol":"3","page":1086},{"text":"وهو بلدي وأعرف الناس بالمصريين (^١).\nوبالتأمل نجد في هذا المثال أمورًا هي:\nأن العراقي قد بين حال إسحق بن كامل، واعتمد في بيان حاله - وهو مصري - على ابن يونس المؤرخ المصري وصاحب كتاب «تاريخ مصر» الذي سبق ذكره في مصادر العراقي، وقد حدّد ابن يونس نوع الجرح في إسحق وهو أنه لم يتابع على حديثه وفي حديثه مناكير، وذلك يقتضي ضعفه من جهة ضبطه، بينما المزي والذهبي قررا أنه مجهول، لا يُعرف مطلقا، لا عينا ولا حالا، وزاد تلميذهما ابن عبد الهادي التشكيك في وجود ابن كامل أصلا، وقد اتخذ الحافظ ابن حجر موقفا نقديا حيال تلك الآراء المتعارضة في ابن كامل، فرد رأي الثلاثة المتفقين على جهالته، وهم المزي والذهبي وتلميذهما ابن عبد الهادي ورجح رأي شيخه العراقي باعتماده قول ابن يونس الدال على أن ابن كامل معروف الحال بما يدل على ضعفه من جهة ضبطه فقط، واستدل الحافظ ابن حجر لذلك بدليل وجيه وهو أن ابن يونس بلدي ابن كامل فكلاهما مصري، في حين أن القائلين بجهالة ابن كامل، أو الشك في وجوده، شاميون، وهم: المزي والذهبي وتلميذهما ابن عبد الهادي، وبالتالي فإن معرفتهم بالمصريين عموما أقل، حتى شك ثالثهم في وجود ابن كامل أصلا كما مر، وبالتالي يترجح ما قرره الأعرف والأقرب وهو ابن يونس المصري.\nومن هنا يتضح لنا دقة العراقي في بحث الآراء النقدية واجتهاده في ترجيح بعضها على بعض؛ ثم إنه بين بما تقدم، أن السند الذي قرر الحاكم صحته\n_________\n(^١) «اللسان» ج ١/ ترجمة/ ١١٥١","vol":"3","page":1087},{"text":"ونظافته ليس كذلك، بل فيه مجروح وهو أحمد بن داود وحدد نوع جرحه. بأنه الكذب كما قال الدارقطني، وهذا من أشد أنواع الجرح، وبذلك يرد الحديث المذكور بهذا السند المشتمل على أحمد بن داؤود، وقد قرر العلماء أن الحاكم متساهل في التوثيق وإن الدارقطني معتدل (^١)، وعليه يكون العراقي قد خالف الحاكم في تساهله ووافق الدارقطني على جرحه المبين لابن داود وابن يونس على جرحه المبين لابن كامل، وبهذا ظهرت شخصيته في الاختيار بين الرأيين المتعارضين في ابن داود بين الحاكم وشيخه الدارقطني كما ظهرت في الترجيح بين الآراء السابقة في ابن كامل.\n\n<span data-type='title' id=toc-371>موقفه من المتشددين:</span>\nقرر العلماء أن المتشدد في الجرح يقبل توثيقه مطلقا، وأما جرحه فينظر فيه: من جهة التفسير وعدمه، والتفرد وعدمه، والمخالفة من مُعْتَبَر وعدمها (^٢)، وقد جرى العراقي على هذا المنهج المعتدل\nفمن رده للجرح من بعض المتشددين واثبات ثقة الراوي قوله:\nأبو بكر بن أبي عاصم عن عبد الجبار بن العلاء، العطار، وعنه عبد الله بن محمد بن جعفر، شيخ أبي نعيم قال ابن القطان: لا أعرفه، وعقب العراقي على هذا بقوله: «كذا قال، وهو - أي أبو بكر - إمام ثقة حافظ مصنف لا يجهل مثله»، قال ابن حجر انتهى كلام شيخنا (^٣) فابن القطان معدود من\n_________\n(^١) «الإعلان بالتوبيخ» للسخاوي/ ٧٢٢، ٧٢٣.\n(^٢) الرفع والتكميل للكنوي/ ١٢٢ - ١٢٣.\n(^٣) «اللسان» ج ٧/ ترجمة ١٤٤.","vol":"3","page":1088},{"text":"المتشددين، ولما لم يجد العراقي من وافقه على وصف أبي بكر المذكور بالجهالة، رد عليه قوله وأثبت توثيق أبي بكر بأعلا مراتب التوثيق عنده، وهي الجمع بين لفظي التوثيق كما ترى (^١).\nولكنا نجد العراقي في موضع آخر يعتمد قول المتشدد، متى توافر له ما يقتضي قبوله من الاعتبارات السابق الإشارة إليها.\nفقد ذكر «عبد الله بن عمرو بن غيلان الثقفي» وذكر فيه قول أبي حاتم الرازي: مجهول، وأقره، ويلاحظ مما ذكره فيه من الأقوال، أن أبا حاتم لم ينفرد بذلك بل شاركه قرينه أبو زرعة الرازي، ثم الإمام الدارقطني (^٢).\nولعل مما يدل على اعتداله كذلك، أن الإمام الذهبي من قبله قرر: أن أبا الفتح محمد بن الحسين الأزدي المتوفى سنة ٣٧٤ هـ «في لسانه في الجرح رَهَق» (^٣)، ولكنا نجد العراقي - أكثر من مرة - يعتد بجرحه، إذا لم يجد في الراوي كلاما لغيره، فقد ذكر «جابان، ويقال: موسى بن جابان، وذكر فيه قول الأزدي: «متروك الحديث» ولم يذكر لا هو ولا ابن حجر من بعده، كلاما في هذا الراوي لغير الأزدي، ولم يتعقبا قوله بشيء (^٤).\nوذكر العراقي أيضا «جابر بن إسحق الموصلي» وحكى فيه قول الأزدي: «ليس حديثه بالقائم» ولم يذكر لا هو ولا ابن حجر في هذا\n_________\n(^١) انظر «فتح المغيث» للعراقي ج ٢/¬٣٧.\n(^٢) «اللسان» ج ٣/ ترجمة ١٣٢٩.\n(^٣) الميزان ١/ ترجمة (إبراهيم بن محمد الفريابي) والمعنى أن في كلامه في الجرح تشدد أو مجاوزة للحد/ المعجم الوسيط مادة: «رهق» ١/ ٣٧٨.\n(^٤) اللسان ٢/ ترجمة (٣٤٧).","vol":"3","page":1089},{"text":"الاراوي قولا لغير الأزدي، ولا تعقبا قوله بشيء (^١).\nوبهذا يتضح لنا يقظة العراقي واعتداله في الأخذ بنقد المتشددين، أو رده، حسبما يتوافر لديه من مقتضيات القبول أو الرد.\nثم إن هذا هو الطابع العام الذي لاحظته من صنيع العراقي فيما تيسر لي من تراجم هذا الكتاب، وربما لو تيسر لي الكتاب بأكمله، وجدت فيه، أو في غيره من مؤلفاته ما يعتبر من التساهل أو التشدد في بيان حال الراوي.\n\n<span data-type='title' id=toc-372>٦ - بيانه التاريخي الميلاد والوفاة:</span>\nيعتبر بيان تاريخي ميلاد الراوي ووفاته وبيان مقدار عمره أحد أنواع علم الرجال الهامة لأنها من وسائل كشف كذب الراوي أو تدليسه، ولهذا قال حسان بن يزيد لم يُسْتَعَنْ على الكذابين بمثل التاريخ، تقول للشيخ سنة كم ولدت؟ فإذا أقر بمولده عرفنا صدقه من كذبه، وقال حفص بن غياث القاضي إذا اتهمتم الشيخ فحاسبوه بالسنين:\nيريد احسبوا سنه وسن من كتب عنه (^٢).\nلهذا عُني العراقي بقدر ما توفر له من المصادر، ببيان تاريخ الميلاد أو الوفاة أو كليهما لكثير ممن ترجمهم في كتابه؛ بل أحيانًا يُعنى ببيان الأقوال المتعددة إن وجدت، وإليك بعض الأمثلة: أحمد بن عبد العزيز بن أحمد بن محمد أبو بكر المقري المعروف بابن الأطروشي المنذري، قال ابن خيرون (وهو من تلاميذه) ولد سنة ٣٨١ هـ.\n_________\n(^١) الموضع السابق ترجمة (٣٤٩).\n(^٢) فتح المغيث للعراقي ٤/ ١٣٣.","vol":"3","page":1090},{"text":"وقال أبو علي بن البنا: مات في جمادى الآخرة سنة ٤٥٩ هـ (^١).\nويلاحظ أنه اعتمد في الميلاد على مصدر، وفي الوفاة على آخر، مما يدل على جهوده في البحث والتجميع.\nومما ذكر فيه أكثر من قول في الوفاة مع بيان مكانها قوله:\n«زيد بن بشر الحضرمي أبو بشر، من أهل مصر ..» ثم نقل عن أبي زرعة (الرازي) قوله:\nخرج إلى المغرب فمات هناك، وأتبعه بقول ابن يونس: توفي ٢٤٢ هـ وقيل سنة ٢٤٣ هـ (^٢) وتلاحظ أيضًا جهده في جمع عناصر الترجمة حيث اعتمد على أبي زرعة في مكان الوفاة، ولما لم يحدد أبو زرعة تاريخها بحث عنها في مصدر آخر وأثبتها لتتكامل عناصر الترجمة المتفرقة بين أكثر من مرجع.\n\n<span data-type='title' id=toc-373>٧ - ذكره لبعض الأحاديث مع بيان درجتها</span>\nجرى كثير من المؤلفين في علم الرجال على أن يذكروا في ترجمة الراوي حديثًا أو أكثر من مروياته مع بيان درجتها، ولهذا تعتبر الكتب المؤلفة في الضعفاء والمتروكين من مصادر الأحاديث الضعيفة أو الموضوعة، وقد تذكر فيها أحاديث مع بيان صحتها، وقد جرى العراقي في كتابه على منهج سلفه من العلماء في ذلك، فذكر كثيرًا من الأحاديث في تراجم رواتها مع بيان درجتها، وإليك بعض الأمثلة:\nقال في ترجمة: أسلم الكوفي: روى عن مرة الطيب عن زيد بن أرقم عن أبي\n_________\n(^١) «اللسان» ج ١/ ترجمة/ ٦٦٤.\n(^٢) «اللسان» ج ٢/ ترجمة/ ٢٠١٥.","vol":"3","page":1091},{"text":"بكر رفعه: «لا يدخل الجنة جسد غُذِي بحرام» (الحديث) أخرجه البزار وقال ليس بالمعروف وقال أيضا: لا نعلم رواه عنه غير عبد الواحد بن يزيد، وقال ابن القطان لا يعرف بغير هذا، وضعف به عبد الحق حديث: «ملعون من ضار مسلما أو مكر به» وقال ابن حجر انتهى كلام شيخنا» (^١).\nومثال ما ذكره من الأحاديث وبين صحته: ما في ترجمة (سعيد بن أبي سعيد مولى المهري) حيث قال: (روى عن أبيه عن عبد الله بن عمر (أن معاذ أراد سفرا فقال: يا رسول الله أوصني، فقال: اعبد الله ولا تشرك به شيئًا قال يا رسول الله زدني، قال إذا أسأت فأحسن، قال يا رسول الله زدني قال استقم وليحسن خُلقك) رواه عنه حرملة بن عمران التجيبي، قال ابن يونس لم يحدث عنه غيره) ثم تعقب ذلك بقوله: «كذا قال، وقد ذكر البخاري وابن حبان في «الثقات» أنه روى عنه أيضا أسامة بن زيد وأخرج حديثه المذكور الحاكم وصححه» (^٢) وهكذا رد العراقي على ابن يونس حكمه بجهالة أبي سعيد المذكور وأقر تصحيح الحاكم للحديث كما أقره أيضا الذهبي (^٣) وستأتي أمثلة أخرى في أثر الكتاب فيما بعده.\n\n<span data-type='title' id=toc-374>٨ - بعض الانتقادات الموجهة إلى الكتاب.</span>\nرغم هذا المنهج القويم الذي سلكه العراقي في كتابه، واستيفاؤه فيه المباحث الأساسية المطلوبة في مؤلفات علم الرجال، وتقديم جهوده وآرائه خلال ذلك\n_________\n(^١) «اللسان» ج ١/ ٣٨٨.\n(^٢) انظر «لسان الميزان» ج ٣/ ترجمة ١٠٦.\n(^٣) المستدرك مع تلخيص الذهبي له - كتاب التوبة والإنابة ٤/ ٢٤٤.","vol":"3","page":1092},{"text":"كما أوضحناه، فإنه لم يخل من بعض الأمور التي انتقدت عليه، فمن ذلك أن الذهبي ذكر أنه لا يورد في «الميزان» من قيل فيه (هو شيخ) وقال: لأن هذا وشبهه يدل على عدم الضعف المطلق (^١) وبمقتضى تذييل العراقي عليه أن لا يورد من قيل فيه ذلك أيضًا، مع إقراره، ولكني وجدته ذكر بعض من قيل فيه «شيخ»، وأقره، حيث قال: قاسم بن عبيد الله الأسدي «شيخ» يروي عن أبي المليح، عن واثلة» (^٢).\nومن ذلك أن الذهبي ذكر في «الميزان» اسماعيل بن سيف، بصري يروي عنه عبدان الأهوازي وقال: «كانوا يضعفونه …» ونقل ابن حجر عنه تلك الترجمة في «اللسان» (^٣) ثم أورد بعده من ذيل العراقي قوله: «إسماعيل ابن سيف، آخر»، ويكنى أبا إسحق: روى عن عوين بن عمرو أخي رياح القيسي، وعنه عبد الله بن أحمد الدورقي، قال أبو حاتم مجهول. وعقب ابن حجر على ذلك بقوله: «هكذا أفرده شيخنا وعندي أنه الذي قبله» (^٤).\nوقد لاحظت أن ما ذكره العراقي في الترجمة المذكورة مطابق فعلا لما ذكره الذهبي في سابقتها مع زيادة يسيرة.\nوقد علل ابن حجر مثل هذا بأن تكون الترجمة التي يستدركها شيخه، قد سقطت من نسخة «الميزان» الخاصه به (^٥).\n_________\n(^١) «الميزان» جـ ١/¬٤.\n(^٢) «اللسان» جـ ٤/ ترجمة ١٤٣٣.\n(^٣) «اللسان» جـ ١/ ترجمة ١٢٨٤.\n(^٤) «اللسان» جـ ١/ ترجمة ١٢٨٥.\n(^٥) «اللسان» جـ ١/ ١٤٠.","vol":"3","page":1093},{"text":"ومن ذلك أيضا الترجمة التي وقفت عليها في مجموع ابن خطيب الناصرية وقد صرح بنقلها من خط العراقي ونصها:\n«محمد بن جرير بن رستم أبو جعفر الطبري، رافضي خبيث، ذكره الحافظ عبد العزيز الكناني» وقال: «أنه رافضي له مؤلفات منها كتاب «الرواة عن أهل البيت»، ولعل السليماني إنما أراد بالتضعيف هذا، فإنه قال فيه: «إنه كان يضع للروافض، فذكر الذهبي في «الميزان» محمد بن جرير الطبري الإمام المشهور، وذكر قول السليماني ورده، وكأنه لم يعلم بأنه في الرافضة من شاركه في الاسم واسم الأب والكنية والنسبة وإنما يفترقان في اسم الجد فقط، فالرافضي اسم جده «رستم» والإمام المشهور: اسم جده «يزيد»، ولعل ما حكي عن محمد بن جرير الطبري من الاكتفاء في الوضوء بمسح الرجلين إنما هو عن هذا الرافضي، فإنه مذهب الشيعة والله أعلم»» (^١).\nفهذه الترجمة استدركها العراقي على الذهبي وانتقده بعدم معرفتها كما ترى، بينما هي موجودة في النسخ المطبوعة التي بين أيدينا حاليا من كتاب «الميزان» للذهبي، عقب ترجمة محمد بن جرير الطبري، الإمام، مع إشارة الذهبي في آخر ترجمة الإمام الى ذكر ترجمة الرافضي بعده حيث قال بعد الرد على السليماني كما أشار العراقي ما نصه: «فلعل السليماني أراد الآتي»:\nوذكر محمد بن جرير من رستم الذي استدركه العراقي (^٢) وقد علل ابن حجر ذلك بأن يكون سقط من نسخة العراقي من «الميزان» قول الذهبي: «فلعل\n_________\n(^١) «مجموع ابن خطيب الناصرية» (ما نقله عن خط العراقي).\n(^٢) «ميزان الاعتدال» للذهبي/ ٣ ترجمتي/ ٧٣٠٦، ٧٣٠٧.","vol":"3","page":1094},{"text":"السليماني أراد الآتي»، ثم ذكر ترجمة الرافضي التي استدركها، ويؤكد هذا إشارة محقق الميزان إلى وجود هذا السقط فعلا في النسخة الخطية الخاصة بسبط بن العجمي وهو تلميذ العراقي كما أسلفنا (^١).\n«وبهذا يكون للعراقي في مثل هذا، العذر في استدراكه على الذهبي بسبب السقط في نسخه من الميزان».\n\n<span data-type='title' id=toc-375>أثر الكتاب فيما بعده:</span>\nمن أوضح الشواهد على أثر كتاب العراقي هذا فيما بعده من كتب الرجال ما قدمته من استمداد الحافظ ابن حجر منه في كتابه «لسان الميزان» من أوله إلى آخره، بحيث كان اللسان هو عمدتي في بحث كتاب العراقي ونقده كما مر، وقد أشرت فيما تقدم إلى أن ما استمده ابن حجر في «اللسان» من كتاب شيخه العراقي يعدل ثلث زوائد ابن حجر على كتاب «الميزان» للذهبي، وعن طريق «لسان الميزان» امتد أثر كتاب العراقي حتى الآن، في كتب الرجال، وغيرها حيث يعد «اللسان» عمدة الباحثين في تاريخ الرجال والجرح والتعديل، وبيان درجة الأحاديث، خاصة الضعيفة والموضوعة.\nوقد وجدتُ الحافظ عبد الرؤوف المناوي (المتوفى سنة ١٠٣١ هـ) ينقل عن ذيل العراقي بواسطة «اللسان» مثل قوله في شرح حديث «واصنع المعروف إلى من هو أهله وإلى غير أهله» (الحديث) إنه ضعيف، وذلك لأن فيه بشر بن يزيد الأزدي «قال في «اللسان» عن «ذيل الميزان»: «له مناكير» ثم ساق منها هذا الخبر»، ثم عقبه بقوله: «قال الدارقطني في\n_________\n(^١) انظر «مقدمة تحقيق الميزان» ج ١ صفحة (ط).","vol":"3","page":1095},{"text":"الغرائب: «إسناده ضعيف ورجاله مجهولون» (^١)\nوقد رجعت إلى «اللسان» فوجدت ذلك فيه فعلا إلا أن علامة الذيل وهي حرف «ذ» التي اصطلح ابن حجر على الرمز بها لما أخذه منه غير موجودة في المطبوعة (^٢)\nوهذا يؤكد ما قدمته من أن العلامة غير محققة في طبعة «اللسان» المتداولة حاليًا\nأما أبو الحسن بن عراق (المتوفي سنة ٩٦٣ هـ) صاحب «تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأحاديث الشنيعة الموضوعة»، فقد وجدته يعتمد فيه على «ذيل العراقي» مباشرة في بيان علة بعض الأحاديث أو الدفاع عن وضعها بما ذكره العراقي بشأنها (^٣)\nوهذا يفيد عموم الاستفادة بالكتاب سواء في بيان أحوال الرواة أو درجات الأحاديث، كما يفيد وقوف ابن عراق على الكتاب، رغم تأخره كثيرًا عن زمن العراقي. والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-376>ب - تذييل العراقي على ما جمعه شيخه العلائي من أسماء الرواة المدلسين وأثره</span>\nالتدليس مأخوذ من الدلس بتحريك اللام، وهو في اللغة اختلاط الظلام الذي هو سبب لتغطية الأشياء عن البصر، وفي الاصطلاح يرجع إلى ذلك أيضًا (^٤).\n_________\n(^١) «فيض القدير» ج ١/ ٥٣٣.\n(^٢) «اللسان» ج/ ٢ ترجمة/ ١٢١. لكن الآن لما طبع الذيل وجدت الترجمة فيه برقم (٢٢٨).\n(^٣) انظر: «تنزيه الشريعة» ج ١/ ٢٨٣، ج ٢/ ٢٥٠.\n(^٤) «النكت الوفية» / ١٣٦ ب.","vol":"3","page":1096},{"text":"وهو ينقسم إلى عدة أقسام ترجع إلى قسمين هما: تدليس الإسناد وتدليس الشيوخ.\nأما تدليس الإسناد فعرفه العراقي على المشهور بأنه: أن يُسقط الراوي اسم شيخه الذي سمع منه، ويرتقي إلى شيخ شيخه، أو من فوقه، فيسند ذلك إليه بلفظ لا يقتضي الاتصال، بل بلفظ موهم له، كقوله: عن فلان، أو قال فلان، موهما بذلك أنه سمعه ممن رواه عنه، قال: «إنما يكون تدليسًا إذا كان المدلس قد عاصر المروي عنه أو لقيه، ولم يسمع منه، أو سمع منه ولم يسمع منه ذلك الحديث الذي دلسه عنه» (^١) ولعلك تلاحظ طول عبارة العراقي في تعريف هذا القسم، وأوجز منه عبارة تلميذه ابن حجر حيث قال: «هو أن يروي عمن لقيه شيئًا لم يسمعه منه بصيغة محتملة، ويلتحق به من رآه ولم يجالسه» (^٢).\nوقد اختلف في قبول رواية المعروفين بهذا النوع من التدليس، وقد ذكر العراقي تبعا لابن الصلاح، أن الصواب التفصيل: «فإن صرح بالاتصال كسمعت وحدثنا، فهو مقبول محتج به، وان أتى بلفظ محتمل، فحكمه حكم المرسل عند الأكثرين» (^٣).\nوالقسم الثاني: تدليس الشيوخ، وهو أخف من الأول، وقد عرفه العراقي بقوله: أن يصف المدلس شيخه الذي سمع ذلك الحديث منه، بوصف لا\n_________\n(^١) «فتح المغيث» للعراقي جـ ١/ ٨٣، ٨٤.\n(^٢) «طبقات المدلسين» لابن حجر/ ١٠.\n(^٣) «فتح المغيث» للعراقي جـ ١/ ٨٥.","vol":"3","page":1097},{"text":"يُعرف به من اسم أو كنية أو نسبة … كي يُوَطَّرَ الطريق إلى معرفة السامع له، وذلك فيه تضييع للمروي عنه، وللمروي، بأن لا يتنبه له، فيصير بعض رواته مجهولًا، وتختلف الحال في كراهة هذا النوع باختلاف المقصد الحامل عليه، وشره ما كان الحامل عليه كون المروي عنه ضعيفًا فيدلسه حتى لا تظهر روايته عن الضعفاء (^١) وقد اعتبر التدليس عمومًا من أسباب جرح الرواة.\nومن أجل هذا وذاك، ألف علماء الرجال المتقدمون والمتأخرون مؤلفات خاصة، نظمًا ونثرًا ترجموا فيها من عرفوا بالتدليس وبينوا طبقاتهم وأنواع تدليسهم ودرجاته (^٢) إلى أن كان عصر العراقي، فألف شيخه الحافظ صلاح الدين العلائي (^٣) كتابًا يسمى (جامع التحصيل في أحكام المراسيل) وخصص منه الفرع السابع من الباب الرابع لأحكام التدليس وتقسيم المدلسين من حيث قدح تدليسهم في اتصال السند، وعدمه إلى أقسام، ثم جمع ما تيسر له من أسماء المدلسين فصار هذا الفرع عمدة من جاء بعده، ونقطة ارتكازهم التأليفي في هذا الباب، فاطلع العراقي عليه، فوجد أن شيخه لم يستوعب ذكر الموصوفين بالتدليس، وتيسر له الوقوف على عدد من المدلسين لم يذكرهم شيخه، فعلقهم بهامش نسخته من كتاب شيخه، تتميمًا للموضوع، ولم يتأت له تجريدهم في مؤلف خاص، ففعل ذلك ولده أحمد من بعده، حيث ضم ما زاده والده بهامش النسخة، إلى ما ذكره العلائي في أصل الكتاب، وزاد عليهما بعض أسماء وقعت له أيضًا لم يذكرها والده،\n_________\n(^١) «فتح المغيث» للعراقي ج ١/ ٨٦، ٨٧.\n(^٢) انظر «طبقات المدلسين» لابن حجر ص ٨.\n(^٣) تقدم التعريف به في شيوخه.","vol":"3","page":1098},{"text":"ولا شيخه العلائي، وأخرج ذلك في كتاب أسماه «أخبار المدلسين» (^١).\nثم تلاه تلميذ والده أيضا المعروف بسبط بن العجمي فألف في حياة شيخه العراقي كتاب (التبين لأسماء المدلسين) (^٢) ذكر فيه ما جمعه العلائي وزاد عليه ما تيسر له (^٣) ثم تلاه الحافظ ابن حجر فألف كتاب طبقات المدلسين المسمى (تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس) وجمع فيه ما ذكره العلائي وما ذيل به عليه كل من العراقي، وولده، وسبط ابن العجمي، وزاد عليهم بدوره ما تيسر له، فصار كتابه المصدر الجامع لكل ما تقدم مع زيادته هو عليه، وقد أشار لذلك في مقدمة الكتاب فقال: «أما بعد فهذه معرفة مراتب الموصوفين بالتدليس في أسانيد الحديث النبوى لخصتها في هذه الأوراق لتحفظ، وهي مستمدة من «جامع التحصيل» للإمام صلاح الدين العلائي شيخ شيوخنا تغمده الله برحمته، مع زيادات كثيرة في الأسماء تعرف بالتأمل … فمن عليه رقم (هـ) فهو مذكور في الفصل الذي ذكره، أي العلائي، في أسماء المدلسين، وإلا فهو من الزيادات …».\nثم ذكر من أفرد المدلسين بالتصنيف من العلماء حتى العراقي (^٤) فقال عنه: «ثم ذيل شيخنا حافظ العصر أبو الفضل بن الحسين في هوامش كتاب العلائي أسماء وقعت له زائدة، ثم ضمها ولده العلامة قاضي القضاة ولي الدين أبو زرعة … . إلى ما ذكره العلائي وجعله تصنيفا مستقلا وزاد فيه من\n_________\n(^١) «المجمع المؤسس» لابن حجر ص ٣٦٢.\n(^٢) مطبوع ومتداول في ٢٤ صفحة.\n(^٣) انظر مقدمة الكتاب ص ٣.\n(^٤) «تعريف أهل التقديس» ص ٢.","vol":"3","page":1099},{"text":"تتبعه شيئًا يسيرًا وعلم بما زاده على العلائي (ز)، ثم قال: (وأفرد المدلسين بالتصنيف من المتأخرين المحدث الكبير المتقن برهان الدين الحلبي سبط بن العجمي)، غير متقيد بكتاب العلائي فزاد عليهم قليلا.\nثم حدد ما لكل واحد من هؤلاء فقال: «فجميع ما في كتاب العلائي من الأسماء ٦٨ نفسًا، وزاد عليهم ابن العراقي ١٣ نفسًا وزاد عليه الحلبي ٣٢ نفسًا»، ثم بين ما زاده هو بقوله: «وزدت عليهما ٣٩ نفسًا» ثم ختم ببيان اشتمال كتابه على جملة ما تقدم، له، ولمن قبله فقال: «فجملة ما في كتابي هذا (١٥٢) نفسًا» (^١).\nويلاحظ على ما قاله ابن حجر الآتي:\n١ - قوله فمن عليه رقم (هـ) فهو مذكور في الفصل الذي ذكره العلائي، لم أجد هذه العلامة المميزة على أي ترجمة لا في طبعات الكتاب ولا في عدة نسخ خطية موثقة منه رجعت إليها (^٢) كما أنه لم يميز لنا زيادات العراقي أو ابنه أو الحلبي على العلائي مع تصريحه بتضمن كتابه لتلك الزيادات كما رأيت، وبهذا فإنك حين تطلع على الكتاب لا تستطيع التعرف على ما لكل واحد منهم بما في ذلك العراقي الذي يعنينا بحث نتاجه العلمي وتقويمه وهذا من أمثلة صعوبات البحث عن تراث العراقي في علوم السنة.\n٢ - لم يحدد ابن حجر عدد الأسماء التي ذيلها العراقي على شيخه العلائي ولا عدد الأسماء التي زادها ولي الدين ابن العراقي على تذييل والده بل اكتفى\n_________\n(^١) «تعريف أهل التقديس» ص ٢، ٣.\n(^٢) انظر نسخة بدار الكتب المصرية برقم (١٤٤) مجاميع م وأخرى بمعهد المخطوطات برقم (١٨٠) تاريخ مصورة عن نسخة مكتبة كوبريلي.","vol":"3","page":1100},{"text":"بذكر جملة ما زاده ولي الدين على العلائي وهو ١٣ نفسًا وقوله «إن ولي الدين قد ضم في كتابه زيادات والده إلى ما ذكره العلائي، يفيد أن الـ ١٣ المذكورين داخل فيهم ما زاده والده على العلائي، ووصفه ما زاده ولي الدين ابن العراقي بأنه «يسير جدًا» يدل على أن أكثر الـ ١٣ ممن ذكرهم والده، وللأسف أن كتاب ولي الدين هذا لم نقف له على أي نسخة حتى نتمكن من حسم الأمر من واقع بحثه وإحصاء الأسماء التي تضمنها» (^١).\n٣ - قول ابن حجر إن ما زاده الحلبي ٣٢ نفسًا يقتضي أن يكون مجموع ما في كتاب الحلبي ١١٣ نفسًا، إن اعتبرنا الزيادة على ما ذكره العلائي وولي الدين ابن العراقي معًا، أو يكون (١٠٠) نفسًا، إن اعتبرنا الزيادة على ما ذكره العلائي فقط، ولكني رجعت لكتاب سبط ابن العجمي في طبعته المحققة على أوثق نسخه الخطية (^٢) وأحصيت من فيه عدة مرات فوجدتهم (٩٦) نفسًا، وهذا لا يتفق مع أي من الاعتبارين السابقين، ولا ثالث لهما.\nنسخ الكتاب: تقدم أن ما ذيله العراقي على شيخه العلائي علقه بهامش نسخته من كتاب «جامع التحصيل» ولم يجرده في كتاب مستقل، ثم جرده ولده ولي الدين وأودعه كتابه المسمى «بأخبار المدلسين»، ثم ضمن ابن حجر هذا في كتابه «تعريف أهل التقديس» وبناء عليه يكون وجود ما ذيله العراقي مرتبطا بثلاثة مصادر:\n_________\n(^١) ثم وقفت بعد ذلك بسنوات على نسخة خطية وحيدة، وعملت في تحقيقها وعمل دراسة مستقلة عن الكتاب، ثم عرفت أن الأخ الفاضل الدكتور رفعت فوزي قد فرغ من تحقيق الكتاب وطباعته وأهدى إلي - مشكورًا - نسخة منه، فجزاه الله خيرا ونفع بعلمه، آمين.\n(^٢) طبعة حلب سنة ١٣٥٠ هـ بتحقيق محمد راغب الطباخ.","vol":"3","page":1101},{"text":"أولها: نسخته الخاصة من كتاب (جامع التحصيل) التي علق عليها بخطه ما ذيله.\nوثانيها: كتاب (أخبار المدلسين) لولده ولي الدين.\nوثالثها: كتاب (تعريف أهل التقديس) لتلميذه ابن حجر.\nولم يوقفني البحث حين إعداد هذه الرسالة إلا على كتاب ابن حجر فقط وهو مطبوع متداول ويقع في ٢٣ صفحة حسب طبعة محمد أمين الخاني بالمطبعة الحسينية سنة ١٣٢٢ هـ.\nوإذا كان عدم تحديد ابن حجر في خلال الكتاب ما لكل واحد ممن بين تضمن كتابه لما ذكروه، يحول دون التعرف على الأسماء التي ذيل بها العراقي بالتحديد، فإن إشارته الإجمالية في مقدمة الكتاب إلى أنه تضمن زياداتهم، كافية في الدلالة على أنه يضم ضمن مشتملاته ما ذيله العراقي من «أسماء المدلسين»، وبهذا يعد كتاب «تعريف أهل التقديس» هذا - بعد كتاب أبي زرعة بن العراقي - هو المصدر المتوفر لدينا الذي يضم بين دفتيه ما ألفه العراقي في هذا الجانب من علم رجال السنة، وجعله حلقة متصلة بجهد من تقدمه في إفراد هذا النوع بالتصنيف، وزيادة صاعدة به نحو الإكتمال ودافعة من جاء بعده من تلاميذه لمواصلة البحث عن المزيد، وتنمية التأليف في الموضوع، فألف تلميذه الحلبي كتابه المتقدم ذكره، وألف ولي الدين بن العراقي، كتابه السالف ذكره أيضًا، واستعان بما ذيله والده ثم استعان به أبرز تلاميذه ابن حجر في إخراج مؤلفه الجامع في طبقات المدلسين الذي يعد حتى الآن عمدة الباحثين في رجال السنة عن هذا النوع، مما يجعل فائدته عامة.","vol":"3","page":1102},{"text":"وأثره ممتدا من خلال هذا الكتاب والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-377>جـ - تأليف العراقي في رواة المراسيل وأثره</span>\nمن أنواع التأليف في علم الرجال، التأليف في بيان رواة الأحاديث المرسلة، ومن يرسلون عنهم، نظرا لأن الإرسال من غير الصحابي يقتضي الضعف في الحديث إذا لم يوجد له عاضد معتبر في السند أو المتن على الصحيح (^١).\nوتنبني معرفة رواة المراسيل، على تعريف الحديث المرسل، وهو نوعان: مرسل ظاهر الإرسال، ومرسل خفي الإرسال، وقد اختلف في تعريف كل منهما، وبناء عليه، اختلف في تعريف راوي المراسيل، وأوسع تعاريف المرسل الظاهر كما ذكر العراقي وغيره، أنه: «ما سقط من إسناده راو فأكثر، من أي موضع كان» (^٢).\nوخصص العلائي هذا الإطلاق بقوله: «إن الظاهر أن المراد: ما سقط منه التابعي مع الصحابي، أو سقط منه اثنان بعد الصحابي ونحو ذلك وقد تقرر هذا التخصيص، حتى لا يؤدي عموم التعريف إلى إسقاط اعتبار الأسانيد، مع أنه مجمع على اعتبارها في كل عصر» (^٣) ويشترط كذلك أن يكون عدم تعاصر الراوي والمروي عنه واضحا بحيث لا يشتبه إرساله باتصاله، على أهل الحديث، كأن يروي مالك مثلا عن سعيد بن المسيب فعدم تعاصرها واضح (^٤).\n_________\n(^١) انظر «فَتْحُ المُغِيثِ» للعراقي ج ١/ ٧١ و«فَتْحُ المُغِيثِ» للسخاوي جـ ١/ ١٣٨.\n(^٢) انظر: «فَتْحُ المُغِيثِ» للعراقي ج ١/ ٦٩ و«فَتْحُ المُغِيثِ» للسخاوي جـ ١/ ١٣٠.\n(^٣) و«فَتْحُ المُغِيثِ» للسخاوي جـ ١/ ١٣١.\n(^٤) «فَتْحُ المُغِيثِ» للعراقي جـ ٤/¬٢٥.","vol":"3","page":1103},{"text":"أما المرسل الخفي فعرفه العراقي بأنه: أن يروي الشخص عمن سمع منه ما لم يسمعه منه، أو عمن لقيه ولم يسمع منه، أو عمن عاصره ولم يلقه، فهذا يخفى على كثير من أهل الحديث، لكون الراوي والمروي عنه قد جمعهما عصر واحد، وهذا النوع كما قال العراقي، أشبه برواية المدلسين (^١) ولكن السخاوي فرق بينهما بأن يكون الراوي بالنسبة إلى المرسل لم يوصف بالتدليس (^٢).\nومقتضى هذين التعريفين أن يكون من رواة المراسيل: الصحابي والتابعي ومن دونهما لكن مرسل الصحابي محمول على الاتصال ومحتج به على الصحيح المشهور (^٣) ومع هذا فإن أئمة المؤلفين في رواة المراسيل ذكروا المرسلين من الصحابة، والتابعين، فمن بعدهم، مثل ابن أبي حاتم الرازي والعلائي في مراسيلهما (^٤).\nوقد سبق العراقي من المتأخرين إلى التأليف في رواة المراسيل، شيخه صلاح الدين العلائي في كتاب جامع، سماه (جامع التحصيل لأحكام المراسيل) ورتبه على ٦ أبواب، سادسها خصصه لذكر الرواة المحكوم على روايتهم\n_________\n(^١) «فتح المغيث» للعراقي ج ٤/¬٢٥.\n(^٢) «فتح المغيث» للسخاوى ج ٣/ ٨٠.\n(^٣) ويُعرف بأنه ما رواه الصحابي عن رسول الله ﷺ، ولم يكن سمعه منه/ انظر «فتح المغيث» للعراقي ج ١/ ٧٤ و«فتح المغيث» للسخاوي ج ١/ ١٤٦ و«تدريب الراوي» للسيوطي/ ١٢٦\n(^٤) انظر «فتح المغيث» للسخاوي ج ١/ ١٣١، و«مقدمة تحقيق المراسيل» لابن أبي حاتم/ ٦ و«المراسيل» نفسه/ ١٣ وما بعدها، وجامع التحصيل للعلائي ص ١٧١ فما بعدها.","vol":"3","page":1104},{"text":"بالإرسال، مرتبا لهم على حروف المعجم (١).\nوقد اطلع العراقي على الكتاب واستمد منه في بعض مؤلفاته، ثم ألف كتابه في المراسيل كما نذكره فيما يأتي:\n\n<span data-type='title' id=toc-378>نسبة الكتاب إلى العراقي وزمن تأليفه وتسميته:</span>\nوقد نسب غير واحد من تلاميذ العراقي وغيرهم إليه كتابًا في المراسيل، في مقدمتهم تلميذه الحافظ ابن حجر حيث قال: «وقرأت عليه كتابه في المراسيل وهو من أواخر ما جمعه» (٢) وأقره على هذا تلميذ العراقي أيضًا ابن فهد وأضاف أن العراقي سمى هذا الكتاب «الإنصاف» (٣) وكذلك ذكر السخاوي أن العراقي عمل كتابًا في المراسيل وقال: «إنه من أواخر ما جمعه» (٤) ومن مجموع ذلك يتقرر ثبوت نسبة الكتاب إليه، وبيان تسميته له كما يتقرر زمن تأليفه، وترتيبه بين مؤلفات العراقي، على وجه التقريب.\n\n<span data-type='title' id=toc-379>نسخ الكتاب وتصحيح خطأ المفهرسين فيها:</span>\nيفهم من قول ابن حجر أنه قرأ هذا الكتاب على شيخه العراقي، أنه قد بيضه وأعده للتداول، وقد وجدت بفهرس مكتبة راغب باشا، باستانبول تحت رقم (٢٣٦) كتابا بعنوان (جامع التحصيل) لعبد الرحيم العراقي (٥).\n_________\n(١) انظر: جامع التحصيل: للعلائي/ ٢ أ/ مخطوط مصور.\n(٢) «المجمع المؤسس» لابن حجر/ ١٧٧ (مخطوط مصور).\n(٣) «ذيول تذكرة الحفاظ» / ٢٣١.\n(٤) «الضوء اللامع» ج ٤/ ١٧٣.\n(٥) انظر: «فهرس المكتبة» ٢¬١١.","vol":"3","page":1105},{"text":"ثم وجدت الشيخ طاهر الجزائري ﵀ ذكر نفس النسخة بعنوان (حاصل التحصيل) ونسبها إلى عبد الرحيم العراقي أيضًا (^١).\nورغم الصعوبة البالغة في الحصول حاليًا على مخطوطات تركيا للأسف أو حتى الحصول على معلومات كافية عنها لمن لا يذهب بنفسه إلى هناك رغم هذا، فقد حاولت الحصول على بعض المعلومات الكافية عن تلك النسخة، أو الحصول على بعض نصوصها، علها تكون من كتاب العراقي المذكور في المراسيل وإن اختلف العنوانان المذكوران عن التسمية التي ذكرها ابن فهد لهذا الكتاب وهي (الإنصاف) كما قدمت، وبالفعل وفقني الله تعالى للإستعانة بزميلة فاضلة ذهبت إلى استانبول ونقلت لي عنوان النسخة المشار إليها وصفحتين كاملتين من أولها، وخاتمة الكتاب، وقد وجدت نص العنوان هكذا (جامع التحصيل لأحكام المراسيل) للإمام العلامة الحجة أبو سعيد العلائي، شيخ الحافظ عبد الرحيم العراقي، رحمهما الله تعالى، آمين، أما الصفحتان الأوليان فقد قابلتهما بأول نسخة مصورة (^٢) من كتاب «جامع التحصيل» للعلائي، فوجدتهما متطابقتين بدون اختلاف، إلا ما هو معروف من فروق النسخ الخطية للكتاب الواحد، أما خاتمة النسخة فقد جاء بها ما نصه: (قال مصنفه ﵁ ورحمه: «فرغت منه يوم الأحد خامس شوال سنة ٧٤٦ هـ ببيت المقدس الشريف حماه الله وكان ابتداؤه في أثناء شعبان من السنة المذكورة، والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد من لا نبي بعده»).\n_________\n(^١) انظر ١ منتخبات المخطوطات، للشيخ طاهر الجزائري جـ ٢/ ١١١ (كتاب/ ٢٧).\n(^٢) توجد صورتها بمعهد المخطوطات تحت رقم (٢١٠) حديث ومصطلح.","vol":"3","page":1106},{"text":"وبذلك يثبت أن هذه النسخة من كتاب العلائي السابق ذكره، وليس من كتاب تلميذه العراقي، وتكون نسبته في فهرس المكتبة وفي كتاب الشيخ طاهر الجزائري إلى العراقي خاطئة، وغير مطابقة لواقع النسخة المفهرسة، ولعل الذي أوقع المفهرس في هذا الخطأ سبق بصره إلى ما ذكر في عنوان النسخة كما قدمت من أن العلائي شيخ الحافظ عبد الرحيم العراقي، ثم نقل الشيخ الجزائري بدوره من الفهرس، ولم يرجع إلى واقع النسخة فلينتبه لذلك من يطلع على الفهرس المذكور، وعلى منتخبات الجزائري، أو على من يعتمد عليهما.\nوللأسف أن بحثي الدائب لم يوقفني على أي نسخة أخرى من كتاب العراقي هذا، كما لم أقف على شيء من النصوص المنقولة عنه.\n\n<span data-type='title' id=toc-380>أثر الكتاب فيمن بعده:</span>\nورغم هذا، فإن ما تقدم من تصريح الحافظ ابن حجر بأنه قرأ هذا الكتاب على العراقي، يدل على استفادته بمضمونه، كما يستفاد من ذلك تداول الكتاب في حياة العراقي وبين تلاميذه على الأقل، وقيام العراقي بتدريسه وروايته لهم، ثم إني وقفت على ذكر كتاب منسوب لأبي زرعة بن العراقي بعنوان «تحفة التحصيل في ذكر رواة المراسيل» (^١).\nوقد أفادني الأخ الأستاذ «شكر الله قوجاني» محقق كتاب المراسيل لابن أبي حاتم، بوجود نسخة لهذا الكتاب بمكتبة «كوبريلي» باستانبول - تركيا - ضمن مجموع برقم [٣٨٦]، وأنه اطلع عليها بنفسه، فشكر الله له،\n_________\n(^١) انظر: «كشف الظنون» / ٣٦٤.","vol":"3","page":1107},{"text":"حيث قوي بذلك عزمي على محاولة الحصول على مصورة لها، رغم ما هو معروف من صعوبة الحصول على صور مخطوطات تركيا، وبفضل الله تعالى، ثم معاونة كريمة من أحد أصدقائي من الأساتذة الأتراك، تيسر لي الحصول على نسخة «ميكروفيلمية» للكتاب، فله مني جزيل الشكر، من الله تعالى عظيم الجزاء.\nوقد اطلعت على الكتاب اطلاعا تفصيليا، فلم أجد مؤلفه نص في المقدمة على كتاب والده هذا في المراسيل، ولكنه خلال بعض التراجم صرح بالنقل عن خط والده فيما يتعلق بإرسال بعض الرواة، ويفهم من بعض المواضع أن والده كان حيا حين نقله عنه، حيث قال في ترجمة «جرير بن حازم»: «قال والدي حفظه الله تعالى …». وفي بعض المواضع يقول: «نقلته من خط والدي» ومرة يقول: «فيما وجدته بخط والدي» / تنظر ورقة ١٦٤/ أ، ب و١٦٩/ أ/ فلعل نقله الذي في مثل هذه المواضع، من كتاب والده هذا وإن لم يصرح بذلك، ولعل مما يؤيد هذا أنه في بعض المواضع الأخرى قد نقل عن بعض مؤلفات والده فحددها، مثل ألفية المصطلح وشرحها، (في ورقة ١٦٥/ ب)، و«تكملة شرح الترمذي» كما في ورقة (١٦٨/ ب)، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-381>خامسا: (تأليفه وآراؤه في بعض رجال الصحيحين وغيرهما من كتب السنة وأثر ذلك)</span>\nمن أنواع التأليف في علم الرجال تخصيص مؤلفات لبيان حال المروي عنهم في بعض كتب السنة «كالموطأ» و«الصحيحين» و«السنن الأربعة» و«مسند","vol":"3","page":1108},{"text":"الإمام أحمد» وقد تركزت عناية العلماء حتى عصر العراقي على التأليف في رجال الكتب السالفة الذكر اجتماعا وانفرادا (^١) فبجانب عناية العراقي بالتأليف في الصحابة وفي بقية أنواع الرجال عموما ونقدهم كما مر. وبجانب هذا اتجهت همته إلى مجال التأليف في رجال بعض كتب السنة، مراعيا ما لم ينل عناية كافية ممن قبله بالتأليف فيه، سواء بعض رجال الصحيحين أو غيرهما من كتب السنة، وكان لذلك أثره فيما بعده كما سأوضحه على النحو التالي:\n\n<span data-type='title' id=toc-382>أ - تأليفه في الوحدان من رجال الصحيحين ودفعه لجهالتهم</span>\nذكر العراقي أنه قد جمع في جزء مفرد الرواة الذين خرج لهم البخاري ومسلم في صحيحيهما من غير الصحابة ولم يرو عن كل منهم إلا راو واحد (^٢) ويعرف الذين لم يرو عنهم إلا راو واحد في مصطلح علوم السنة (بالوحدان) (^٣) وقد ألفت فيهم عموما عدة مؤلفات قبل العراقي كما سيأتي إلا أنه لم يعرف من خص رجال الصحيحين منهم بالتأليف قبل العراقي، بل ولا بعده حتى الآن.\n_________\n(^١) انظر «الإعلان بالتوبيخ» للسخاوي ضمن كتاب: «علم التاريخ عند المسلمين» لروزنتال/ ٥٩٩ وما بعدها و«مقدمة تحفة الأحوذي» للمباركفوري جـ ١/ ١٩٢، ١٩٣.\n(^٢) «التقييد والإيضاح مع علوم ابن الصلاح» ص ١٢٦ ط حلب لأن مكانه في الطبعة المصرية سقط قدر ورقة كاملة بين ص ١٤٨، ١٤٩ وهو موجود في الأصول الخطية الموثقة مثل نسخة دار الكتب المصرية رقم (٢٥٣٣٧) ورقة \"٣٩\" ا ب.\n(^٣) «تدريب الراوي» ص ٤٣٩ وهو غير من لم يرو إلا حديثا واحدا فإنه قد يكون روى عنه أكثر من واحد وليس له إلا حديث واحد وقد يكون روى عنه حديث وليس له إلا راو واحد وذلك موجود ومعروف انظر «التدريب» ص ٥٤١.","vol":"3","page":1109},{"text":"وقد ذكر هذا الجزء للعراقي كل من البقاعي (^١) والسخاوي (^٢) والسيوطي (^٣) ووصفه بـ «الجزء» يفيد صغر حجمه، بما لا يقل عن ست أوراق في المتوسط، حسب المعتاد في الأجزاء الحديثية، وعلى ضوء الأمثلة الآتية، يمكن اشتماله على عدد غير قليل من التراجم، ولكن البحث لم يُوقفني على شيء من نسخه، ولذا سأعتمد في بحثه على النماذج التي ذكرها العراقي وغيره المحتواه:\n\n<span data-type='title' id=toc-383>منهج الكتاب إجمالا، وجهد العراقي فيه:</span>\nبعد أن ذكر العراقي تأليفه لهذا الكتاب أعقبه بذكر خمسة من الرواة الذين جمعهم، فيه، ثلاثة ممن أخرج لهم البخاري واثنين ممن أخرج لهم مسلم وذكر السخاوي بعد ذكر الكتاب أيضًا راويًا سادسًا ممن أخرج له الشيخان معا، ثم أتبعه بالخمسة الذين ذكرهم العراقي، مع إضافة اثنين إليهم ممن أخرج لهم البخاري، فصار المجموع ثمانية.\nوسياقهما هذه الأمثلة لما جمع في الكتاب عقب ذكره، يدل على أنه ألف على غرار ذلك، ولهذا فإننا نستطيع اعتمادًا على تلك الأمثلة، وطريقة إيرادها التعرف الإجمالي على منهج العراقي في الكتاب، وجهده العلمي فيه وتقويمه، وذلك على النحو التالي:\nأولا: ذكر العراقي والسخاوي للكتاب وسياقهما الأمثلة: حيث قال العراقي: «فينبغي أن يمثل بمن خرج له البخاري ومسلم من غير الصحابة ولم\n_________\n(^١) «النكت الوفية في شرح الألفية» للبقاعي: ورقة ٢١٢ أ (مخطوط).\n(^٢) «فتح المغيث» للسخاوي ج ١/ ٢٩٥.\n(^٣) «تدريب الراوي» / ٢١٢.","vol":"3","page":1110},{"text":"يَروي عنه إلا راوٍ واحد، وقد جمعتهم في جزءٍ مفرد، فمنهم عند البخاري:\n١ - جويرية بن قدامة، تفرد عنه أبو جمرة نصر بن عمران الضبعي.\n٢ - وكذلك زيد (^١) بن رباح المدني، تفرد عنه مالك.\n٣ - وكذلك الوليد بن عبد الرحمن الجارودي، تفرد عنه ابنه المنذر بن الوليد.\nومن ذلك عند مسلم:\n١ - جابر بن إسماعيل الحضرمي، تفرد عنه عبد الله بن وهب.\n٢ - وكذلك خباب صاحب المقصورة تفرد عنه عامر بن سعد بن أبي وقاص (^٢).\nأما السخاوي فإنه بعد أن ذكر إفراد المؤلف لهؤلاء الرواة بالتأليف قال: «فمنهم ممن اتفقا عليه: حصين بن محمد الأنصاري المدني، وممن انفرد به البخاري: جويرية أو جارية بن قدامة، وزيد بن رباح المدني، وعبد الله بن وديعة الأنصاري، وعمر بن محمد بن جبير بن مطعم، والوليد بن عبد الرحمن الجارودي».\nوممن انفرد به مسلم: جابر بن إسماعيل الحضرمي، وخباب المدني صاحب المقصورة ثم ذكر من تفرد عن كل منهم (^٣).\n_________\n(^١) في طبعة حلب من «التقييد والإيضاح»، ص ١٢٦ (زياد) ولكن كل المصادر غيرها ومصادر ترجمة الراوي مثل (التهذيب ٣/ ٤١٢، والكاشف ٢/ ٣٣٨)، والنسخة الخطية الموثقة على أنه (زيد) فلينتبه لذلك من يطلع على تلك الطبعة لأن اختلاف الإسم في علم الرجال له خطورته.\n(^٢) «التقييد والإيضاح مع علوم ابن الصلاح»، ط حلب ص ١٢٦ والنسخة الخطية السابق الإشارة لها ورقة ٣٦ ب و«فتح المغيث» للسخاوي ج ١/ ٢٩٥، ٢٩٦.\n(^٣) «فتح المغيث» للسخاوي ج ١/ ٢٩٥ - ٢٩٦","vol":"3","page":1111},{"text":"ثانيا: من هذه الأمثلة وسياق العراقي والسخاوي لها تدرك الآتي:\nأ - أن الوحدان من رجال الصحيحين ثلاثة أقسام: قسم اتفق البخاري ومسلم على تخريج حديثه، وقسم انفرد البخاري عن مسلم بتخريج حديثه، وقسم انفرد مسلم عن البخاري بتخريج حديثه، وتلاحظ أن الأمثلة في كلام العراقي، مرتبة في الذكر على حروف المعجم، فلعله انتهج هذا المنهج في الجزء المذكور فقسمه إلى ثلاثة أقسام مع ترتيب الرواة في كل قسم على حروف المعجم وهو منهج جيد، يدل مباشرة على درجة الراوي، ويسهل الوقوف على من يحتاج للكشف عنه.\nب - قد ذكر العراقي كل راو بما يميزه من الاسم واسم الأب أو الجد أو النسبة كالجارودي، والأنصاري، أو اللقب كصاحب المقصورة وهذا كله من عناصر تعريف الراوي التي تشارك في دفع جهالة عينه وفي قبول روايته، كما أنها تمكن الباحث من الكشف عن الراوي بيشر في كتب الرجال لمعرفة حاله من التوثيق والتجريح وغيره، وكلما أكثر المؤلف من ذكر مميزات الراوي كانت الفائدة أعود، نظرًا لاشتباه الرواة الموثقين والمجروحين في كثير من الأسماء وأسماء الآباء والأجداد والألقاب والكنى، وتستطيع أن تدرك القيمة العلمية لعمل العراقي في هذا، من الرجوع لأول راو ذكره في الأمثلة وهو جويرية بن قدامة. فنجد أن هناك خلافا في اسم هذا الراوي هل هو: جارية، أو جويرية؟ ونشأ عنه خلاف في عده شخصا واحدًا أو اثنين؟ أو عده من الصحابة أو التابعين ويترتب على ذلك توثيقه إن كان من الصحابة فلا يبحث عن حاله أو البحث في حاله، إذا كان تابعيا حتى تقبل روايته أو ترد، وعندما تتعدد الآراء وتختلف الاعتبارات والنتائج تظهر شخصية الباحث في الترجيح.","vol":"3","page":1112},{"text":"بين وجوه الخلاف، واعتماد رأي دون آخر، وينطبق ذلك على موقف العراقي من هذا الخلاف المتقدم فإنا نجده قد ذكر هذا الراوي ضمن من أخرج له البخاري من الوحدان غير الصحابة واقتصر على ذكره باسم جويرية فقط، فهذا ترجيح منه لكونه غير صحابي ولكون اسمه جويرية لا جارية (^١) وهذا الترجيح يلتقي مع صنيع الإمام البخاري (التاريخ الكبير ٢/ ٢٤١) وابن حبان (الثقات ٧/ ١١٦) ويلتقي أيضا مع صنيع أبي حاتم الرازي والذهبي، فكل منهما ذكر أن «جارية بن قدامة» الذي يروي عنه الأحنف بن قيس، صحابي. (الجرح ٢/ ٥٢٠) و(تجريد أسماء الصحابة للذهبي ١/ ترجمة/ ٧٠٢)، ولما ذكرا «جويرية بن قدامة» لم يصرحا بكونه صحابيا، وصدر كل منهما كلامه بذكر الاسم الأول وهو «جويرية»، وثنى بذكر اسم «جارية» بصيغة التضعيف، فقال: «ويقال: جارية»، وذكرا أن الراوي عنه «أبو جمرة»، وأضاف الذهبي لفظة (فقط) تأكيدا لأنه من الوحدان (^٢).\nأما السخاوي، فقد حكى الخلاف بدون ترجيح فقال: «جويرية أو جارية ابن قدامة». ولم يتعرض لغير ذلك (^٣).\nوأما الحافظ ابن حجر فتعدد قوله: بين كون هذين الاسمين لشخص واحد أو لاثنين؟ وهل أحدهما صحابي أو لا؟ وانتهى إلى ترجيح أن المسمى شخص واحد، وأنه صحابي لا تابعي، وأن اسمه «جارية»، و«جويرية»\n_________\n(^١) ذكر ابن حجر في «الفتح» أن الاختصار على قول دون غيره دليل على اختياره ج ١/ ١٥٢ «كتاب العلم - باب قول المحدث: حدثنا وأخبرنا».\n(^٢) الجرح والتعديل ٢/ ٥٣٠ وه الكاشف، ١/ ترجمة ٨٣٧.\n(^٣) و«فتح المغيث» ج ١/ ٢٩٦.","vol":"3","page":1113},{"text":"لقب له، وقد ذكر من الأدلة والقرائن ما يقوي ذلك، وعليه يكون قد روى عنه: الأحنف بن قيس، والحسن البصري، وأبو حمزة الضبعي (^١).\nومن ذلك يلاحظ أن ما رجحه الحافظ ابن حجر بالأدلة والقرائن بشأن «جويرية بن قدامة» هذا، يخالف ما رجحه شيخه العراقي، وإن وافق فيه ما قرره غير واحد من الأئمة السابقين عليه، كما قدمت. ولهذا ذكر السيوطي خلاصة رأي ابن حجر السابق، ضمن ما يتعقب به العراقي، كما سيأتي.\nج - حدد العراقي أيضًا من انفرد عن كل راو ممن ذكرهم وذكره بما يميزة مثلما فعل في الرواة، وهذا يمكن من بحث حال هذا المنفرد، للتأكد من عدالته التي هي شرط زوال جهالة عين وحال من روى عنه، وقبول مرويه كما سيأتي.\nد - لم يبين العراقي آراء علماء الجرح والتعديل فيمن مثل بهم من وحدان رجال الصحيحين، ولا ندري هل بين ذلك في الجزء الذي جمع فيه الكل أم لا؟؛ لكن القضية التي ألف هذا الجزء في موضوعها، تقتضي أن يكون الوحدان الذين جمعهم حين أخرج الشيخان أو أحدهما لأي منهم، لم يكن معروفا عنه شيء يوضح حاله سوى رواية واحد عدل عنه.\nوهذه قضية مختلف فيها، كما سيأتي توضيحه، وقد أدخل العراقي نفسه مع ابن الصلاح ضمن أطراف الخلاف، وكأنه قدم كتابه هذا تأييدا لما قرره.\n_________\n(^١) «تدريب الراوي» / ٢١٢ أصل وهامش و«تهذيب التهذيب» ٢/ ترجمة ٨٣، ٢٠٣، والإصابة ١/ ترجمة (١٠٥١، ١٣١٠) و«فتح الباري - كتاب الجزية - باب الوصاة بأهل ذمة رسول الله ﷺ» ٧/ ٧٧، و«تقريب التهذيب» ٤/ ترجمة ٢٤ و١٣٤.","vol":"3","page":1114},{"text":"ابن الصلاح بشأن موقف صاحبي الصحيحين من تلك القضية، وبيان ذلك فيما يلي:\n\n<span data-type='title' id=toc-384>تعبير الكتاب عن اختيار العراقي فيما تزول به الجهالة عن الراوي:</span>\nعرف الخطيب البغدادي المجهول من الرواة عند المحدثين بأنه: كل من لم يشتهر بطلب العلم في نفسه ولا عرفه العلماء به، ومن لم يُعرف حديثه إلا من جهة راو واحد (^١).\nثم قال: وأقل ما ترتفع به الجهالة: أن يروي عن الرجل اثنان فصاعدا، من المشهورين بالعلم كذلك، إلا أنه لا يثبت له حكم العدالة بروايتهما عنه، وقد زعم قوم أن عدالته تثبت بذلك، ونحن نذكر فساد قولهم … (^٢).\nوقد تعقب ابن الصلاح الخطيب في هذا فقال: قد خرج البخاري في صحيحه حديث جماعة ليس لهم غير راو واحد، منهم: مرداس الأسلمي، وكذلك خرج مسلم حديث قوم لا راوي لهم غير واحد، منهم: ربيعة بن كعب الأسلمي …، ثم قال: وذلك مصير منهما - يعني البخاري ومسلما - إلى أن الراوي قد يخرج عن كونه مجهولًا مردودًا برواية واحد عنه، ثم أشار إلى تأييد هذا الرأي بقوله: والخلاف في ذلك متجه، نحو اتجاه الخلاف المعروف في الاكتفاء بواحد في التعديل (^٣).\n_________\n(^١) الكفاية للخطيب - باب ذكر المجهول وما به ترتفع عنه الجهالة/ ١٤٩.\n(^٢) المصدر السابق/ ١٥٠.\n(^٣) مقدمة ابن الصلاح مع التقييد والإيضاح (ط حلب) / ١٢٥، ١٢٦ وط د/ بنت الشاطئ/ ٢٢٧ وفيها تصويب لبعض النص عما في ط/ حلب.","vol":"3","page":1115},{"text":"وفي النوع السابع والأربعين من علوم الحديث، وهو نوع «من لم يرو عنه إلا راو واحد من الصحابة فمن بعدهم …» أعاد ابن الصلاح القضية مرة أخرى لتعلقها بهذا النوع، فذكر قول الحاكم في كتابه «المدخل إلى كتاب الإكليل»: إن البخاري ومسلما لم يخرجا لأحد من الصحابة ممن لم يرو عنه إلا واحد، وعقب على ذلك بأن قول الحاكم هذا نقض عليه بإخراج البخاري أو مسلم أو كليهما لعدد من الصحابة لم يرو عن كل منهم إلا واحد، وذكر عددا … منهم (مرداسا الأسلمي) الذي سبق ذكره له في الموضع الأول، ثم قال: وذلك دال على مصيرهما إلى أن الراوي قد يخرج عن كونه مجهولا مردودا برواية واحد عنه (^١).\nوعبارة ابن الصلاح هذه تفيد أنه يعتبر صنيع البخاري ومسلم هذا يدل على أن رواية واحد عدل عن الراوي، لا تدل على زوال جهالة عينه فقط؛ بل تدل في الوقت نفسه على زوال جهالة حاله أيضا، حيث صار مقبولا غير مردود عندهما.\nأما الإمام النووي فقد صوب ما ذكره الخطيب آنفا من أن الجهالة لا ترتفع عن الراوي إلا برواية عدلين عنه، وأنه لا يثبت له حكم العدالة بروايتهما، ثم تعقب ابن الصلاح في تمثيله ببعض الصحابة لمن زالت جهالته عند الشيخين أو أحدهما برواية واحد من العدول عنه، فذكر أن «مرداسا، وربيعة» اللذين مثل بهما صحابيان معروفان، والصحابة كلهم عدول، ولا تضر الجهالة بأعيانهم لو ثبتت (^٢).\n_________\n(^١) مقدمة ابن الصلاح مع التقييد والإيضاح ص ٣٠٩، ٣١٠ ط حلب.\n(^٢) التقريب مع التدريب/ ٢١١ والإرشاد له ص ١١٣ بتحقيق الأخ العلامة الدكتور نور الدين عتر، =","vol":"3","page":1116},{"text":"وقد أخذ العراقي الخيط من بعد النووي، فقال: «إذا مشينا على ما ذكره النووي: إن هذا لا يؤثر في الصحابة، فينبغي أن يمثل بمن خرج له البخاري أو مسلم، من غير الصحابة، ولم يرو عنه إلا راو واحد، وقد جمعتهم في جزء مفرد …» (^١).\nفذكر العراقي تأليفه هذا الكتاب في معرض تأييده لهذا الرأي، بحيث يعتبر دليلا عمليا له هو وابن الصلاح في مواجهة المخالفين لهما، وكأنه يقول لكل من الخطيب والنووي، ومن يوافقهما: إذا كنتم قررتم أن أقل ما تزول به جهالة عين الراوي عموما، أو الراوي غير الصحابي، دون زوال جهالة حاله، هو رواية عدلين عنه، قولا واحدًا، فهناك دليل عملي من صاحبي أعلا مراتب الصحيح وهما البخاري ومسلم يعارض ذلك، فهذه طائقة غير قليلة من الرواة غير الصحابة - حسب شرطه السابق - لم يرو عن كل منهم إلا راو واحد، ومع ذلك خرج البخاري ومسلم أو أحدهما لكل منهم في صحيحه، ومقتضاه أنهما يريان ارتفاع جهالة عين الراوي وحاله برواية واحد عدل عنه، وخروجه بذلك عن كونه مجهولا مردودًا.\nهذا ما يستفاد من صنيع وكلام كل من ابن الصلاح والعراقي. والواقع أن هذا أمر يحتاج إلى مناقشة وتعقب لكل من ابن الصلاح والعراقي، وذلك من جهة لم أجد من تعقبهما فيها، وهي أن كلا منهما جعل مطلق تخريج البخاري ومسلم أو أحدهما للراوي من هؤلاء، دليلا على قبوله.\n_________\n= التقييد والإيضاح مع المقدمة ص ١٢٥ ط حلب.\n(^١) التقييد والإيضاح مع المقدمة ص ١٢٦ ط حلب.","vol":"3","page":1117},{"text":"عندهما أو عند أحدهما، وهذا الإطلاق غير مسلم، حيث إنه يخالف ما جاء في موضع آخر عند ابن الصلاح والعراقي، وعند غيرهما من العلماء المعتبرين، من أن تخريج الشيخين أو أحدهما للراوي أمر عام، يشمل: التخريج للراوي على سبيل الاحتجاج بروايته بمفرده، والتخريج له على سبيل المتابعة لغيره، أو الاستشهاد برواية غيره له.\nوأن الذي يمكن اعتباره دليلا على قبول الراوي، وبالتالي زوال جهالة عينه وحاله، عند الشيخين أو أحدهما هو التخريج للراوي احتجاجا به، وبعبارة أخرى التخريج له في أصل الباب من الصحيح، فيعتبر هذا تعديلا فعليا للراوي من صاحبي الصحيح أو أحدهما، سواء لم يرو عن الشخص إلا راو واحد، أو روى عنه أكثر من واحد.\nأما التخريج للراوي على سبيل المتابعة أو الاستشهاد، فلا يدل على قبول الراوي بمفرده، وإنما يُخرج له في الصحيح اعتمادا على وجود المتابع أو الشاهد الصالح للاحتجاج في نظر صاحبي الصحيحين أو أحدهما (^١)، وبالتالي لا يكون هذا النوع من التخريج في حد ذاته دليلا على زوال جهالة عين الراوي وحاله عند الشيخين أو أحدهما.\n_________\n(^١) ينظر الاقتراح لابن دقيق العيد/ الباب السابع ص ٣٢٥ و٣٢٦ ط بغداد/ بتحقيق قحطان الدوري ونصب الراية لتخريج أحاديث الهداية للزيلعي - الطهارة ١/ ١٤٨، ١٤٩ - باب التيمم، وصيانة صحيح مسلم لابن الصلاح/ ص ٩٠ - ٩٣، ٩٥، ٩٧ - ٩٩، المدخل إلى معرفة الصحيح للحاكم ٤٥/ ب فصل من لم يعتمدهم البخاري منفردين، ٤٦/ أ، ٥٧/ أ، ٦٠/ ب، ٦٢/ أو أمالي الحافظ العراقي من المستخرج على مستدرك الحاكم/ مجلس رقم ٢٧٣/ ص ١٧ (مخطوط)، وهدي الساري ٢/ ١٤٣ وما بعدها وص ٢٣٧ وفتح المغيث للسخاوي ١/ ٢٥٧.","vol":"3","page":1118},{"text":"نعم ذكر الحاكم وغيره: أن وجود المتابع للراوي على روايته مما يرتفع به جهالته (^١)، لكن القضية التي نحن بصددها هي: ارتفاع الجهالة عينا وحالا عن الراوي غير الصحابي، برواية واحد عدل عنه، حتى لو لم يتابع، وعليه فقد كان على العراقي كما أقر تقييد النووي للراوي من الوحدان بكونه غير صحابي، أن يقيد من جانبه هو ما أطلقه ابن الصلاح من تخريج الشيخين أو أحدهما، بأن يكون تخريجهما أو تخريج أحدهما احتجاجا، وأن يبين في تراجم من مثل بهم، ومن جمعهم في جزئه المذكور كون الراوي مُخَرَّجا له احتجاجا، أو متابعة، أو استشهادًا، ولم أجد ممن جاء بعد العراقي من تعقبه في هذا الجانب، أو قام ببيانه من جانبه هو، بغير تخريج البخاري ومسلم أو أحدهما له (^٢)؛ بل إني لاحظت بعد تخريج الروايات من الصحيحين لغير المختلف في صحبته ممن مثل بهم العراقي والسخاوي، أن أكثرهم ممن لم يخرج له الشيخان ولا أحدهما احتجاجا (^٣)، وهذا يدل على عدم وضعهما\n_________\n(^١) المستدرك للحاكم ١/ ١٤٢ كتاب الإيمان وفتح المغيث للسخاوي ١/ ٢٥٥ (نوع المقلوب).\n(^٢) فتح المغيث للسخاوي ١/ ٢٩٦ والنكت الوفية للبقاعي/ ٢١٢/ أ، ب والتدريب/ ٢١٢، ٢١٣.\n(^٣) تنظر رواية مسلم الجابر بن إسماعيل الحضرمي - صحيح مسلم - كتاب صلاة المسافرين - باب جواز الجمع بين الصلاتين في السفر ١/ ٤٨٩ حديث ٤٨، وروايته تابعة عليها الليث بن سعد والمفضل بن فضالة في الباب نفسه ح ٤٦، ٤٧، ورواية حصين بن محمد الأنصارى الذي مثل به السخاوى عند كل من البخاري: الصلاة - باب المساجد في البيوت ٢/ ٦٥ - ٦٨ والأطعمة. - باب الخزيرة ١١/ ٤٧٣، ٤٧٤ مع الفتح، ومسلم - كتاب المساجد ومواضع الصلاة - باب الرخصة في التخلف عن الجماعة ١/ ٤٥٥ حديث ٢٦٣ ووروايته عندهما متابعة لمحمود بن الربيع الصحابي، ورواية زيد بن رباح المدنى عند البخاري - أبواب التطوع باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة ٣/¬٣. ٧ - ٣٠٩ مقرونا بعبيد الله بن أبي عبد الله الأغر، وصرح بذلك =","vol":"3","page":1119},{"text":"هذا الجانب في الحسبان فيما جمعاه من الرواة.\nنعم وجدت «عمر بن محمد بن جبير بن مطعم» ذكره السخاوي ضمن الوحدان الذين انفرد البخاري عن مسلم بالتخريج له، كما تقدم، فهذا الراوي يعتبر مثالا صحيحا لما قرره ابن الصلاح والعراقي بشأن تخريج الشيخين أو أحدهما لهذا النوع من الرواة.\nفقد راجعت ترجمته في مصادرها المتعددة (^١) فلم أجد من توقف في عدم صحبته، ولا من ذكر راويا عنه غير الزهري، وصرح غير واحد بأنه قد روى عنه الزهري فقط، وعبارة الذهبي: ما روى عنه - في علمي - سوى الزهري (^٢) وذكر غير واحد ممن ترجم له أن البخاري أخرج له حديثا واحدا فقط.\nوقد وجدت أن البخاري أخرج له هذا الحديث في موضعين، وذلك من رواية الزهري عنه عن أبيه عن جده جبير بن مطعم (^٣) وفي الموضع الأول\n_________\n= في التهذيب ٣/ ٤١٢ والمدخل إلى معرفة الصحيح للحاكم/ ٤٦/ أ، ورواية الوليد بن عبد الرحمن عند البخاري - في التفسير - تفسير سورة المائدة باب لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسوكم ٩/ ٣٤٩ مع الفتح، وقرر ابن حجر في شرح الحديث: أن رواية الوليد متابعة.\n(^١) التاريخ الكبير للبخاري ٦/ ١٩١ والجرح والتعديل لابن ابي حاتم ٦/ ١٣١ والثقات لابن حبان ٧ م ١٨٤ والجمع بين رجال الصحيحين لابن القيسراني ١/ ترجمة (١٢٩٥) والكاشف ٢/ ٣٢٠ والميزان للذهبي ٣/ ترجمة (٦٢٠٢) وتهذيب الكمال للمزى (مخطوط مصور) ٢/ ١٠٢٢ وتهذيب التهذيب ٧/ ٤٩٤ والتقريب ٢/ ترجمة (٥٠٣) كلاهما لابن حجر، والخلاصة للخزرجي ٢/ ترجمة ٥٢٢٦.\n(^٢) الميزان ٣/ ترجمة (٦٢٠٢).\n(^٣) كتاب الجهاد - باب الشجاعة والجبن في الحرب ٦/ ٣٧٢ مع فتح الباري، وكتاب قرض. الخمس - باب ما كان النبي ﷺ يعطى المؤلفة قلوبهم ٧/ ٦٢.","vol":"3","page":1120},{"text":"لتخريج البخاري للحديث علق عليه الحافظ ابن حجر، فذكر أن «عمر بن محمد بن جبير» هذا لم يرو عنه غير الزهري، وحكى توثيق النسائي له، ثم قال: وهذا مثال للرد على من زعم أن شرط البخاري: أن لا يروي الحديث الذي يخرجه أقل من اثنين، عن أقل من اثنين، فإن هذا الحديث ما رواه عن محمد بن جبير غير ولده عمر، ثم ما رواه عن عمر غير الزهري، هذا مع تفرد الزهري بالرواية عن عمر مطلقا (^١).\nوكما اعتبر الحافظ ابن حجر هذه الرواية مثالا للرد على من زعم أن شرط البخاري أن لا يروي الحديث الذي يخرجه أقل من اثنين عن أقل من اثنين، فإنه يعتبر أيضا مثالا للرد عليه هو فيما قرره في الهدي، حيث ذكر دعوى الحاكم في شرط البخاري ومسلم: أن يكون للصحابي راويان فصاعدا، ثم يكون للتابعي المشهور راويان ثقتان ..، ثم قال: والشرط الذي ذكره الحاكم وإن كان منتقضا في حق بعض الصحابة الذين أُخرج لهم، فإنه معتبر في حق من بعدهم، فليس في الكتاب حديث أصل من رواية من ليس له إلا راو واحد قط (^٢) وقد تبعه السخاوي في هذا (^٣)، مع أنه هو الذي مثل بـ «عمر بن محمد» هذا.\nوأيضا شيخه الحافظ ابن حجر، في نكته على ابن الصلاح ١/ ٣٦٨ قد ذكر «عمرًا» هذا ورواية البخاري له ردًا على الحاكم كذلك في قول له بأنه ليس في الصحيحين من رواية تابعي ليس له إلا راو واحد، بل أضاف الحافظ\n_________\n(^١) فتح البارى ٦/ ٣٧٥.\n(^٢) هدى السارى ٩.\n(^٣) فتح المغيث له ١/¬٤٧، ٣، ١٨٩.","vol":"3","page":1121},{"text":"أن هناك أمثلة أخرى لذلك ولكنها قليلة.\nوما ذُكر في مصادر ترجمة «عُمَر»، وحديثه عند البخاري كما تقدَّم، وكلام الحافظ ابن حجر نفسه عن تفرد رجال إسناده به، بما فيهم «عمر»، كل ذلك يدل على أن البخاري أخرج رواية «عمر» هذه احتجاجا بها بمفردها، دون رعاية متابعة له أو شاهد، فتكون روايته أصلا في بابها.\nفلعل الحافظ ﵀ حين كتب كلامه السابق في مقدمة الفتح، ثم السخاوي حين نقل عن شيخه، لم يكن كل منهما قد راجع رواية «عمر بن محمد» هذه مع تكررها في موضعين من صحيح البخاري.\nأما ما ذكره الحافظ من توثيق النسائي لـ «عمر بن محمد» كما قدمت فقد ذكره قبله كل من المزي والذهبي، وزاد المزي ذكر ابن حبان لعمر في كتاب الثقات (^١) ولم أجد في مصادر ترجمته زيادة على هذا، وليس في توثيق النسائي لعمر، ولا لذكر ابن حبان له في كتاب الثقات ما يعكر على ما قرره ابن الصلاح والعراقي من أن تخريج البخاري لمثل «عمر» هذا يدل على أنه قد يرى زوال جهالة عين الراوي وحاله برواية واحد ثقة عنه.\nوذلك لأن ابن حيان ذكر «عمر بن محمد» هذا في كتاب الثقات، ولم يذكر له راويا غير الزهري، ولم يتكلم عن حاله بشيء (^٢) كما أن ابن حبان والنسائي كلاهما متأخران عن زمن إخراج البخاري لحديث «عمر» في الصحيح، ومقتضى هذا أن البخاري حين أخرج له هذا الحديث في صحيحه.\n_________\n(^١) تهذيب الكمال (مخطوط مصور) ٢/ ١٠٢٢ والميزان ٣/ ترجمة (٦٢٠٢).\n(^٢) الثقات ٧/ ١٨٤.","vol":"3","page":1122},{"text":"محتجا به، كان من الوحدان المجهولين عند غيره، فيصدق عليه ما قرره ابن الصلاح والعراقي كما تقدم، ولم أجد من نبه على هذا، بعد البحث والتتبع، رغم حاجة تأييد ما قرره ابن الصلاح والعراقي إليه كما ترى.\nأما جويرية ابن قدامة فقد تقدم ترجيح ابن حجر لكونه صحابيا، وتَعَدَّدَ الرواة عنه، وبذلك لا يتطابق مع مقصود ابن الصلاح والعراقي.\nوأما «خباب المدني صاحب المقصورة» و«عبد الله بن وديعة الأنصاري» الذي أضافه السخاوي للأمثلة، فبالنسبة لحباب تعقب الحافظ ابن حجر ذكره في هذا النوع بأن جماعة عدوه في الصحابة (^١) وقرر هو وغيره: أنه مختلف في صحبته (^٢) كما أشار هو والبقاعي إلى أن من اختلف في صحبته فإنه ترتفع جهالته ويعتبر من الثقات (^٣) وبذلك لا يدخل «خباب» في موضوع هذا الجزء.\nو«عبد الله بن وديعة» كذلك ممن قيل له صحبة، وجزم الحافظ ابن حجر بأنه تابعي جليل غير مشهور، وذكر أن البخاري ممن عده من التابعين (^٤) فلو مشينا على عد البخاري له تابعيا، فإنه يمكن تعقب عَدِّهِ في موضوع هذا الجزء، من جهة أن البخاري لم يخرج له احتجاجا، حيث ذكر له الحافظ\n_________\n(^١) التدريب للسيوطي/ ٢١٢، ٢١٣.\n(^٢) الاستيعاب ٢/ ٤٣٩ والتقريب ١/ ترجمة (١٨٣٠) والخلاصة ١/ ترجمة (١٨٣٠).\n(^٣) التلخيص الحبير ١/ ٧٤ - الطهارة - باب سنن الوضوء والنكت الوفية لليقاعي/ ٢١٢/ ب.\n(^٤) تهذيب الكمال (مخطوط مصور) ٢/ ٧٥٢ وتجريد أسماء الصحابة للذهبي ١/ ٣٤٠، وتهذيب التهذيب ٦/ ٦٨ والإصابة ٤/ ٢٦٠، ٢٦١ والتاريخ الكبير ٥/ ٢٢٠ وتقريب التهذيب ١/ ترجمة (٧٢٠).","vol":"3","page":1123},{"text":"متابعا على روايته بنحوها عند ابن خزيمة والنسائي (^١) فيمكن حمل ارتفاع جهالة ابن وديعة هذا على وجود المتابع له، كما قدمت إشارة الحاكم وغيره إلى أن ذلك مما يرتفع به الجهالة.\nوأما جابر بن إسماعيل، وزيد بن رباح المدني، والوليد بن عبد الرحمن، فقد تَعَقَّبَ ذِكْرَهُم في موضوع هذا الجزء كل من الحافظ ابن حجر وتلميذه البقاعي تبعا له، وذلك من جهة ذكرهما فيهم من التعديل الفعلي أو القولي ما يدفع الجهالة عنهم (^٢).\nوما ذكراه لا يصلح - في تقديري - التعقب به؛ لأن كل من نقلا عنهم متأخرون عن زمن تخريج البخاري أو مسلم لحديث هؤلاء الرواة الثلاثة، وبذلك لا يقال إنه عند تخريج الشيخين أو أحدهما عن هؤلاء كانت جهالتهم مرتفعة بما جاء عن النقاد المذكورين فيهم.\nنعم يمكن تعقب ذكر هؤلاء الثلاثة من جهة أن البخاري أو مسلما لم يُخرج لكل منهم احتجاجا، ولكن متابعة، كما قدمت (^٣) ومن ثم لا يُستدل بتخريج حديثهم على المطلوب.\nأما حصين بن محمد الأنصاري فيتعقَّبُ ذكر السخاوي له بأمرين: أولهما: أن رواية الشيخين له متابعة، وقول الإمام الذهبي: إنه «محتج به\n_________\n(^١) هدى السارى الفصل الثامن/ حديث ٩ ص ٣٥٢ والبخاري والفتح ٢/ ٣٧٠ و٣٧١ حديث رقم ٨٨٣ كتاب الجمعة - باب الدهن للجمعة و٣٩٢ حديث ٩١٠ باب لا يفرق بين اثنين، والفتح ٩/ ١٩٥ ط السلفية:\n(^٢) التدريب/ ٢١٢، ٢١٣ والنكت الوفية/ ٢١٢/ ب.\n(^٣) سبق تخريج رواية كل منهم وبيان كونها متابعة.","vol":"3","page":1124},{"text":"في الصحيحين، ومع هذا فلا يكاد يُعرف (^١)، فذلك خلاف الواقع، فروايته عندهما ليست احتجاجا كما أسلفت (^٢).\nالأمر الثاني: أن الواحد الذي روى عن حصين وهو الإمام الزهري، قد قرن روايته عنه في الصحيحين بقوله: (وهو أحد بني سالم، وهو من سراتهم) يعني (خيارهم أو ساداتهم) والزهري إمام ناقد، وقد رأى الرجل وروى عنه، فهذا بيان منه صريح لحاله ولشهرته وجلالته بين قومه، فبذلك كانت جهالته عينا وحالا مرتفعة عند الشيخين بهذه التزكية المصاحبة للرواية عنه، وقد أثبتاها مع روايتهما له في الصحيحين، وإن لم تكن احتجاجا، وأثبتها كذلك غيرهما ممن روى حديثه هذا (^٣) أو ترجم له قبل الإمام الذهبي (^٤) وبعده (^٥).\nوعلى هذا فلا يعتبر (حصين بن محمد) هذا من الوحدان الذين هم موضوع جزء العراقي، لأنه حين رواية الشيخين عنه كانت جهالته زائلة بغير\n_________\n(^١) الميزان ١/ ترجمة (٤٠٩٥).\n(^٢) سبق تخريج روايته.\n(^٣) تنظر تحفة الأشراف ٧/ ٩٧٥٠، والمعرفة والتاريخ للفسوى ١/ ٣٥٦ و٣٨٢ وتاريخ أبي زرعة الدمشقي ص ٤١٤.\n(^٤) تهذيب الكمال للمزى (مخطوط مصور) ١/ ٢٩٩.\n(^٥) تهذيب التهذيب ٢/ ٣٩٠ في بيان مدى وجاهة رأي ابن الصلاح والعراقي ودعمه لموقفهما في مواجهة المخالفين كالخطيب والنووي وغيرهما من ذوي المكانة العلمية، كما أنه قد خلد أثرًا للعراقي في علم رجال السنة، وخاصة هذا النوع المعروف بالوحدان والمختلف في قبولهم وردهم بين المتقدمين والمتأخرين حتى عصره، ودل الكتاب أيضًا هذا على ميل العراقي للتوسط والإعتدال في الجرح والتعديل بحيث لا يدع فرصة لتعديل راو وقبول مرويه إلا أخذ بها، طالما أقر ذلك إمام معتمد كالبخاري أو مسلم.","vol":"3","page":1125},{"text":"رواية الواحد العدل عنه، كما أوضحته.\nوعموما فإن رواية الشيخين أو أحدهما عن الوحدان من غير الصحابة، قليلة، وذلك مما يفيد أنهما كانا ينتقيان بعض رواياتهم لدواعي وقرائن تظهر لهما، ويمكن التماسها في كل موضع بحسبه، وقد ظهر من فحص روايات من مثل بهم العراقي والسخاوي أن رواية غالبهم ليست احتجاجا، كما تقدم لكن حتى لو لم يوجد إلا رواية البخاري عن «عمر بن محمد» احتجاجا به كما تقدم، فإنها تفيد ثبوت ما استنتجه ابن الصلاح من هذا الجزء المذكور في جمع ما تفرق من هذا النوع من الوحدان، ومن هنا كانت أهمية محتواه إجمالا.\n\n<span data-type='title' id=toc-385>مميزات كتاب العراقي عن غيره من كتب الوحدان:</span>\n١ - مع اعتبار أن هذا الكتاب كما بينا يعبر عن رأي العراقي وابن الصلاح في بعض مسائل الجرح والتعديل، فإنه في نفس الوقت يعد من المؤلفات في دفع شائبة الجرح بالجهالة عن بعض رجال الصحيحين، ويكمل جهد العراقي الآتي في الدفاع عن أحاديثهما المنتقدة، وهو من جهة ثالثة يعتبر من المؤلفات في الوحدان من رجال السنة عموما كما قدمنا، خاصة وأنه قد شارك الشيخين غيرهما في التخريج عن بعضهم كما سنبينه وقد عد علماء المصطلح هذا النوع علمًا من علوم السنة وعنونوه (بمعرفة من لم يرو عنه إلا راو واحد من الصحابة والتابعين فمن بعدهم) وذكروا أمثلة لكل منهم (^١).\nوقد ألف العلماء من قبل العراقي في هذا النوع من الرجال مثل كتاب الإمام.\n_________\n(^١) انظر «تدريب الراوي» للسيوطي ص ٤٣٩ وما بعدها. و«مقدمة ابن الصلاح» / ٣٥١ مع «التقييد والإيضاح» و«فتح المغيث» للعراقي ج ٤/ ٧٣ وغير ذلك.","vol":"3","page":1126},{"text":"مسلم المسمى (بالمنفردات والوحدان) قال ابن الصلاح: «لم أره» (^١) وقال العراقي: «وعندي منه نسخه بخط محمد بن طاهر المقدسي» (^٢) وهذا يدل على ندرة الكتاب، واطلاع العراقي عليه واستفادته منه في تأليفه هذا الجزء محل البحث، وذكر السخاوي عن الحافظ مغلطاي أن له زوائد على كتاب مسلم (^٣).\nويفهم من ذكر مغلطاي لزوائده على الكتاب أن الإمام مسلما لم يستوعب فيه كل الوحدان، بل جمع ما تيسر له، وقد صنّف فيه أيضًا الحسن بن سفيان وغيره (^٤) كما أني وقفتُ على جزء في الرجال مروي عن النسائي في آخر كتابه «الضعفاء والمتروكين» وقد عنونه بقوله: تسمية من لم يرو عنه غير رجل واحد، وقد أحصيت من ذكرهم فيه فوجدتهم ٢٧ راويا بعضهم من الصحابة وأكثرهم من التابعين وأتباعهم (^٥) وقد ذكر السيوطي أن فوائد دراية هذا النوع من الرواة معرفة المجهول منهم إذا لم يكن صحابيا فلا يقبل (^٦)، وكتاب العراقي يعطي فائدة أخرى مقابلة لهذه وهي أن من الوحدان غير الصحابة من لا يعد مجهولًا مردودًا؛ بل ترتفع برواية عدل واحد عنه جهالة العين والحال ويعد مقبولا ويحتج بروايته كما في الصحيحين.\n_________\n(^١) «مقدمة ابن الصلاح مع التقييد والإيضاح» / ٣٥١ أعلاه.\n(^٢) «فتح المغيث» للعراقي ج ٤/ ٧٣.\n(^٣) «فتح المغيث» للسخاوي ج ٣/ ٣١٧.\n(^٤) «شرح ألفية السيوطي في المصطلح» لمحفوظ الترمسي/ ٢٤٣.\n(^٥) انظر نهاية كتاب «الضعفاء والمتروكين» للنسائي مع كتاب الضعفاء الصغير للبخاري/ ١١٨ - ١٢٢.\n(^٦) «تدريب الراوي»: ٤٣٩.","vol":"3","page":1127},{"text":"وهذه الفائدة يتميز كتاب العراقي بتمحضه لها وإن كانت لم تتحقق في كثير ممن ذكرهم كما أوضحته فيما تقدم. بخلاف بقية المؤلفات في الوحدان عموما فإنها تضمنت المقبول كبعض من انتقاهم العراقي في جزئه وتضمنت بجانبه المردود بدون بيان لحاله حيث يكتفي فيها بذكر الراوي ومن تفرد عنه فقط مثلما نجده في جزء النسائي المتقدم مثلًا حيث يقول فيه: (أبو نهشل لا نعلم أحدا روى عنه غير المسعودي) (^١) وبذلك يحتاج الباحث المراجعة كتب الرجال والجرح والتعديل لمعرفة الراوي ومن روى عنه، من حيث الاسم والنسب وغيره مما يميزهما عن غيرهما، بعكس جزء العراقي حيث نجد من مثل بهم للرواة المذكورين فيه، معرفين بما يميزهم عن غيرهم.\n٢ - يلاحظ أن بعض من ذكر في كتب الوحدان أنه لم يرو عنه إلا واحد، يوجد في كتب الرجال الأخرى ما ينقضه، حيث يذكر بها شخص أو أكثر روى أيضًا عن الراوي المذكور مثلما جاء في جزء النسائي السابق حيث ذكر (عيسى بن جارية) وقال إنه لم يرو عنه غير يعقوب (^٢) بينما يقول الذهبي في (الميزان): روى عنه يعقوب القمي وجماعة منهم عنبسة الرازي (^٣).\nأما كتاب العراقي فعلى ضوء الأمثلة الخمسة التي ذكرها، لم أجد في كتب الرجال الأخرى من عارض أن كلا منهم تفرد عنه الراوي الذي ذكره العراقي، ما عدا جويرية بن قدامة كما تقدم. وكذا أقره من بحث حال هؤلاء الرواة غيري.\n_________\n(^١) / ١١٨ آخر كتاب و«الضعفاء» للنسائي.\n(^٢) الجزء المذكور عقب «الضعفاء» للنسائي.\n(^٣) «ميزان الاعتدال» للذهبي ٣/ ٣١٠.","vol":"3","page":1128},{"text":"البالثالث: اثر العراقي والفاته وارانه في مصطلح على السنة وعلو حالها\nكالبقاعي والسخاوي (^١) فهذه ميزة للكتاب ودليل دقة العراقي في الإنتقاء والجمع وسعة إطلاعه على كتب الرجال.\n٣ - نجد كذلك أن المؤلفات في هذا النوع قبل العراقي شاملة للوحدان من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، أما جزء العراقي فخصصة لغير الصحابة وإن ثُغُقّب في بعضهم كما أسلفت بيانه.\n٤ - تضمنت المؤلفات السالفة أيضًا من روى لهم الشيخان وغيرهما ممن لم يلتزم الصحة ولم يشتهر كتابه، دون تمييز لهذا عن ذاك، أما جزء العراقي فقد خصصه لمن روى عنهم الشيخان أو أحدهما من الوحدان، وقد يشاركهما في الرواية عنهم بعض من التزم الصحة مثل جابر بن إسماعيل الحضرمي الذي ذكره العراقي في أمثلة كتابه ضمن من أخرج له مسلم، فإنه قد أخرج له أيضًا ابن خزيمة في «صحيحه» وصرح بأنه ممن يحتج بهم (^٢)، أو يشاركهما بعض أصحاب السنن، مثل زيد بن رياح الذي ذكره العراقي ضمن من أخرج لهم البخاري، فقد روى له كذلك الترمذي وابن ماجه (^٣) ومثل خباب صاحب المقصورة الذي ذكره العراقي ضمن من أخرج له مسلم، فقد أخرج له أيضًا أبو داود (^٤).\nهـ - يلاحظ أن من المؤلفات في الوحدان قبل العراقي ما لم يترتب فيه الرواة.\n_________\n(^١) «النكت الوفية»، ورقة ٢١٣ أ - ب والسخاوي و«فتح المغيث» ج ١ ص ٢٩٥، ٢٩٦.\n(^٢) «النكت الوفية» بما في (شرح الألفية) للبقاعي ورقة ٢١٢ ب (مخطوط) والتهذيب ٢/¬٣٧.\n(^٣) «الكاشف»، للذهبي ج ١ ترجمة/ ١٧٥٣ وتهذيب الكمال (مخطوط مصور) ١/ ٤٥٣ والخلاصة للخزرجي ١/ ٣٥٢.\n(^٤) «الكاشف» ج ١ ترجمة ١٣٨٥.","vol":"3","page":1129},{"text":"على حروف المعجم مثل جزء النسائي المتقدم كما أن الرواة فيه ومن تفرد عنهم أكثرهم يذكر باسمه فقط أو كنيته أو لقبه وذلك يجعل تمييزهم والكشف عنهم في المصادر الأخرى عسرًا وموقعا في الاشتباه والخلط وذلك بعكس جزء العراقي فقد تضمنت أمثلته ذكر الرواة ومن تفرد عنهم كل منهم بما يميزه من الاسم واسم الأب أو اللقب أو الكنية بل ربما يكون توسع أكثر في التأليف عن حالة التمثيل.\nكما دلت الأمثلة أيضًا على ترتيب الرواة في الجزء على حروف المعجم مما يسهل الكشف فيه عن جزء النسائي وما شابهه.\nالنتيجة العامة:\nوبما تقدم من تصوير منهج العراقي في الكتاب والجهد العلمي الذي بذله فيه لدقة موضوعه رغم صغر حجمه، ومن مميزاته عن المؤلفات قبله في الوحدان يتقرر أنه مؤلف قيم متميز عن غيره بميزات هامة، وأن العراقي وإن كان قد اعتمد فيه على من سبقه، إلا أنه بذل فيه جهدًا علميا في الترجيح في المختلف فيه كما تقدم، وفي استخراج هذه الطائفة الخاصة وانتقائها من بين المؤلفات العامة في الوحدان وغيرها، ومراعاة الشرط الذي حدده في الجملة، وهو كون الراوي غير صحابي، وقد خرج له البخاري ومسلم معا أو منفردين فضلا عن غيرهما وجمع الكل في مؤلف مستقل لم يعرف مثله لغيره، ورتبه معجميا ليسهل الكشف فيه، ومن شرطه في جمعه ونصه فيه على تخريج الشيخين أو أحدهما للراوي يعلم المطلع عليه أن كل من هو وارد فيه فهو من رجال الصحيحين فيمكن الاكتفاء به عن الكشف في المصادر الأخرى.","vol":"3","page":1130},{"text":"للوحدان خاصة النادر منها ككتاب مسلم المتقدم، فقد عز وجوده حتى في عصر العراقي، وبهذا يعد الكتاب رغم افتقاده الآن، من آثار العراقي العلمية في رجال السنة بوجه عام، وفي هذا النوع الذي كثر الخلاف فيه بوجه خاص وفي نماذجه التي أوردها عند ذكره ما يشرح فكرة الكتاب ويطبقها ويثبت للعراقي سبقه بالتأليف فيها، وأثره فيما بعده من المؤلفات كما يتضح في الآتي:\n\n<span data-type='title' id=toc-386>أثر الكتاب واتجاهه فيمن بعده:</span>\nكان كتاب العراقي هذا نواة لكتاب أعم منه ألفه ولده ولي الدين أحمد ويسمى (البيان والتوضيح لمن أخرج له في الصحيح وقد مس بضرب من التجريح) (^١) قال في مقدمته: «فأردت أن أذكر في هذه الأوراق ما وقع لي ممن احتجا به أو أحدهما على التعيين، وقد تكلّم فيه ولو بأدنى تليين وبدأت بكلام الجارحين ثم أتبعته بكلام المعدلين ليتضح الحق ويستبين، … وكذلك من أخرجا له أو أحدهما ولم يرو عنه غير واحد في مبلغ علمي، وإن كان هو بالجرح غير مرمي، واقتصرت في التراجم على ذكر الجرح والتعديل واختصرت بقية الكلام والوفيات خشية التطويل (^٢) وقد رتب ولي الدين الكتاب على حروف المعجم ويظهر لك في كلامه هذا أنه خصص كتابه للدفاع عمن رمي ببعض ضروب التجريح من رواة الشيخين أو أحدهما».\nمبينا أنه قد وثّق كلا منهم من يترجح توثيقه على تجريح غيره، ومع أن هذا\n_________\n(^١) توجد منه صورة ميكروفيلمية بمعهد المخطوط برقم (٩٤٢) تاريخ وعدد أوراقه ١٥٠ ورقة ومخروم منه ورقة بعد الأولى وعدة حروف من الأثناء، ثم طبع عن هذه النسخة الوحيدة كما هي، مع كثير من التحريف!.\n(^٢) ص ٣ من الكتاب","vol":"3","page":1131},{"text":"يعد أعم من موضوع كتاب والده المتقدم الذي خصصه لنوع واحد وهو من جرح بجهالة العين والحال تبعا لها ثم بين زوالهما إلا أن التقاء فكرة الكتابين في التوسط والإعتدال في الجرح والتعديل عموما مما يدل على ترسم ولي الدين خطى والده في هذا، كما تلاحظ اتفاقهما في دفع الجرح عمن رمي به من رجال الصحيحين وتلاحظ تصريح ولي الدين بتضمين كتابه من خصهم والده من قبله بالتأليف، وقد نص في المقدمة عليهم بالذات كما مر بك، كما أنه نقل في دفع جرح غيرهم عن والده كالمثال الآتي:\nقال ولي الدين في كتابه المذكور «أحمد بن صالح أبو جعفر المصري أحد الأعلام الحفاظ الثقات وقال النسائي ليس بثقة ولا مأمون وقال أيضًا تركه محمد بن يحيى ورماه يحيى بن معين بالكذب وقال معاوية بن صالح عن ابن معين: أحمد بن صالح كذاب يتفلسف رأيته يخطب في جامع مصر» وعقب على ذلك بقوله: «قال والدي: ولعل ابن معين لا يدري ما الفلسفة: فإنه ليس من أهلها، وقال ابن عدي: كان النسائي سيء الرأى فيه …» إلخ (^١) وكلام العراقي السابق الذي نقله عنه ولده ذكره في «شرح الألفية» نقدا للتحامل في الجرح (^٢) وبهذا كان كتاب ولي الدين ابن العراقي الذي بقي لنا حتى الآن، واضح الدلالة على أثر والده في الإعتدال في الجرح وإحياء لكتابه السابق الذي لم نقف عليه، وتخليدا للاستفادة به، فكرة وتطبيقا في نفي الجرح عمن زمي به من رجال الصحيحين خصوصا، ومن شابههما عموما.\n_________\n(^١) انظر/ ص ٩ من «البيان والتوضيح» (المخطوط).\n(^٢) «فتح المغيث»، العراقي ج ٤/ ١٥٢.","vol":"3","page":1132},{"text":"<span data-type='title' id=toc-387>ب - تأليفه في (رجال صحيح ابن حبان وأثره) وبعض نماذجه النادرة:</span>\nذكر السخاوي من ألف في بيان حال الرجال المروي عنهم في بعض كتب معينة من كتب السنة حتى وصل إلى عصر العراقي فقال (وأفرد الزين العراقي رجال ابن حبان) (^١)، أما ابن فهد فذكر أنه تناول في تأليفه هذا بعض رجال صحيح ابن حبان، وهم زوائده الذين لم يذكرهم الحافظ المزي في كتابه «تهذيب الكمال»، كما ذكر أنه بلغ في تأليفه إلى القدر الذي بلغه في مؤلفه في أطراف هذا الصحيح كما سيأتي، وهو أول النوع الستين من القسم الثالث منه، وذكر أيضًا أن العراقي لم يبيض هذا القدر بل تركه مسودة (^٢).\nوبذلك فصل ابن فهد ما أجمله السخاوي وهو أدرى من السخاوي بالعراقي في هذا، لأنه عاصره وأجيز منه، وتتلمذ لولده أحمد وغيره من تلاميذ العراقي، فما ذكره هو المعتمد.\nومع أني لم أقف في فهارس المكتاب المصرية وغيرها مما اطلعت عليه على شيء من تلك المسودة، أو مبيضة عنها، إلا أني وقفت على بعض نصوص منها، وعلى إثبات تداولها وأثرها الباقي فيمن بعد العراقي حتى الآن.\nوذلك أني وجدت تلميذ العراقي الحافظ ابن حجر قد نقل في كتابه المتداول حتى الآن، وهو «لسان الميزان» عن خط شيخه العراقي في هذه المسودة، وذلك في ترجمة الحارث بن شريح النقال أحد الفقهاء حيث قال: «قال أبو الفتح الأزدي تكلموا فيه حسدًا» ثم قال: «وقرأت بخط شيخي -يعني\n_________\n(^١) «الاعلان بالتوبيخ» ص ٦٠١.\n(^٢) «الذيول» / ٢٣٢، ٢٣٣.","vol":"3","page":1133},{"text":"العراقي- في ترجمة الحارث هذا من رجال ابن حبان له: (قوله): أنكر ابن الجوزي قول الأزدي فقال: «هذا قبيح من الأزدي لأن لو جوزنا أنهم يتكلمون بالهوى، لم يجز قبولهم في شيء» كذا قال، «ونقل شيخنا عن ابن ماكولا أنه قال: آخر من حدث عن الحارث هذا أحمد بن الحسن بن عبد الجبار الصوفي، وقال: وتعقبه ابن نقطة بأن أبا يعلى حدث عنه، ومات بعد الصوفي بسنة، وقال ابن حجر: وصوبه شيخنا، لكن اعتذر عن ابن ماكولا بأنه تبع الدارقطني» انتهى (^١) وبهذا دلل ابن حجر على وقوفه على التأليف المذكور في رجال ابن حبان بخط شيخه العراقي، ونقل منه نصًا هذه الفقرة بما فيها من رد، وتصويب، واعتذار، ثم أقر شيخه عليها، ثم إني وجدت العراقي بين بعض رجال «صحيح ابن حبان» في أكثر من مؤلف له «كذيل ميزان الإعتدال» السابق ذكره (^٢) وكشرحه المتوسط على الألفية السابق ذكره أيضًا (^٣) على أنه يمكننا هنا التقييم لفكرة الكتاب نفسها التي أبرزت قدرًا منه إلى حيز الوجود، ودلالتها لعلماء الرجال من بعد العراقي على النواحي الجديرة بالتأليف، خدمة لأحد كتب الصحيح الهامة فإني لم أجد من سبق العراقي إلى العناية بتأليف كتاب خاص برجال «صحيح ابن حبان» هذا، وللأسف لم أقف على من نشطت عزيمته لإكمال جهده من بعده مع أهمية هذا الصحيح ومؤلفه، بل اكتفى ابن حجر كما رأينا مع عنايته بعلم الرجال بالاستمداد في تأليفه مما أنجزه شيخه.\n_________\n(^١) «لسان الميزان» / ٢ ترجمة ٦٦٦.\n(^٢) انظر، «لسان الميزان»، ج ٢/ ٤١٣، ج ٥/¬٢٥.\n(^٣) انظر، «فتح المغيث»، للعراقي ج ٤/ ١٢٤.","vol":"3","page":1134},{"text":"<span data-type='title' id=toc-388>ج - (رجال سنن الدارقطني)</span>\nذكر السخاوي كذلك أن العراقي أفرد رجال «سنن الدارقطني» بالتأليف ولم يفصل (^١) وقد فصل ابن فهد أيضًا، فذكر أنه تناول في تأليفه هذا زوائد سنن الدارقطني، الذين لم يذكرهم الحافظ المزي في كتاب (تهذيب الكمال) فقط، وذكر أنه بلغ فيه … وترك مكان التحديد بياضًا بالأصل كما نبه على ذلك محقق كتاب ابن فهد، ثم ذكر أنه ترك هذا الكتاب كسابقه مسودة (^٢) وهذه التفاصيل تدل على درايته بالكتاب، فيعتمد كلامه عنه.\nولئن كان لم يتيسر لي الوقوف على شيء من مسودة هذا الكتاب، ولا الحصول على نقول عنه، فإنه يمكننا تقييمه باعتباره فكرة ومنهجا ينفتح بهما الطريق للباحثين من بعده في مجال التطبيق وخدمة كتاب «سنن الدارقطني» هذا حيث لم أقف على تأليف سابق على العراقي، ولا لاحق له اختص برجال هذه السنن.\n\n<span data-type='title' id=toc-389>بعض نماذج من بيان العراقي لرجال «سنن الدارقطني»:</span>\nعلى أني وجدت العراقي تعرض في ذيله على «ميزان الإعتدال» لبعض رجال هذه السنن مثل: أسد بن سعيد أبو إسماعيل الكوفي حيث قال: إنه يروي عن صالح بن بيان، وعنه سعيد بن سليمان الحميري في «سنن الدارقطني» ثم بين حاله فقال: «قال ابن القطان لا يُعْرَف».\nومن هذا يظهر لك أنه عني يبحث رجال هذا الكتاب وبيان أحوالهم\n_________\n(^١) «الإعلان بالتوبيخ»» / ٦٠١.\n(^٢) «ذيول تذكرة الحفاظ» / ٢٣٢/ ٢٣٣ أصل وهامش.","vol":"3","page":1135},{"text":"ومنهم أيضًا: «جعفر بن محمد الشيرازي حيث ذكره في الذيل وبين جهالة حاله نقلا عن ابن القطان فقال: «قال ابن القطان: لا يعرف حاله» ثم أعقب ذلك بقوله: «حديثه في سنن الدارقطني» (^١).\nوهناك عدد آخر تعرض له في الذيل المذكور (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-390>د - تأليف العراقي جزءا في رجال كتابه: «تقريب الأسانيد» وأثر ذلك.</span>\n<span data-type='title' id=toc-391>١ - الداعي إلى تأليف هذا الجزء:</span>\nيرجع الداعي لتأليف هذا الجزء إلى تصدي العراقي لشرح كتابه المسمى «تقريب الأسانيد» في أصح أحاديث الأحكام وسمى الشرح «طرح التثريب في شرح التقريب» كما سيأتي في موضعه وقد كان من مناهج علماء عصره في شرح كتب السنة أن يترجم الشارح لرجال أسانيد أحاديث الكتاب الذي يشرحه ومن يرد لهم ذكر فيه، وتارة يورد التراجم في أثناء الشرح على أنها مبحث من مباحثه يخصص للتعريف برجال الحديث، وهكذا فعل ابن الملقن في شرحه لكل من «صحيح البخاري» و«عمدة الأحكام» للمقدسي (^٣) وتارة يخصص الشارح جزءا مستقلا لتراجم رجال أحاديث الكتاب كله، ثم ينتقل إلى شرح المتون، وهكذا فعل العراقي في شرح كتابه المذكور، حيث خصص\n_________\n(^١) «اللسان» ج ٢/ ١٢٢.\n(^٢) انظر «اللسان» ج ١/ ٢١٤، ٣٣٠، ج ٢/ ٤١٦، ٤١٧.\n(^٣) يسمى الأول (التوضيح في شرح الجامع الصحيح) والثاني «الأعلام بفوائد عمدة الأحكام» وكلاهما مخطوط وتوجد منهما أجزاء في دار الكتب المصرية وغيرها.","vol":"3","page":1136},{"text":"الجزء الأول من الشرح لتراجم رجال الكتاب وجعله كالمقدمة للشرح حيث قال في بدايته ورأيت أن أقدم قبل شرح مقصود الكتاب مقدمة في تراجم. رجال إسناده، ورأيت أن أضم إليهم من ذُكر اسمه في بقية الكتاب لرواية حديث أو كلام عليه، أو لذكره في أثناء حديث، لعموم الفائدة بذلك الكتاب (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-392>٢ - نسخ الجزء وطبعاته:</span>\nلما كان هذا الجزء معتبرًا من شرح كتاب «تقريب الأسانيد»، فإنه وجد ضمن نسخ الشرح الخطية التي سنعرف بها فيما بعد، كما طبع ضمن الشرح طبعتين سيأتي التعريف بهما كذلك على أن «بروكلمان» قد ذكر جزءًا من نسخة «طرح التثريب»، وأطلق عليه اسم «الديباجة» دون أن يوضح مشتملاته فلعله هذا الجزء الخاص بتراجم رجال الكتاب حيث صرح العراقي كما قدمت بأنه جعله مقدمة للشرح و«الديباجة»، هي مقدمة الكتاب ولو طالت كمقدمة «فتح الباري» لابن حجر و«مقدمة ابن خلدون»، لتاريخه وهو معاصر للعراقي ثم إني وجدت العلاء بن خطيب الناصرية الذي ولد في عصر العراقي وأجيز منه، ثم تتلمذ على ولده، قد وقف على هذا الجزء بخط العراقي ونقل منه وأطلق عليه عند النقل اسم (الديباجة) كما سيأتي فلعل هذا الجزء نسخت منه بعض النسخ مستقلة عن باقي الشرح وعنونت بالديباجة لطرح التثريب وقد ذكر بروكلمان أن نسخة هذا الجزء المعنونة بالديباجة موجودة بمكتبة (جوته) بألمانيا تحت رقم (٢/ ١٠٢) ونسبها إلى العراقي (^٢).\n_________\n(^١) انظر: «طرح التثريب» ج ١/¬١٥ ونسخة دار الكتب الخطية رقم ٧٤١ حديث.\n(^٢) و«تاريخ الأدب العربي» لبوكلمان/ ج ٢/ ٧٧ وما بعدها من الأصل الألماني، ثم يسر الله تعالى =","vol":"3","page":1137},{"text":"<span data-type='title' id=toc-393>٣ - عدد تراجم الجزء وأنواع المترجمين فيه وأهميته:</span>\nوقد قمت بإحصاء عدد التراجم التي أوردها العراقي في هذا الجزء فبلغت ٢٨٣ ترجمة سوى ما تكرر ذكره، مرة بحسب الاسم، وأخرى بحسب الكنية أو اللقب، أو النسبة، وقد صرح العراقي في (مقدمة الشرح) كما تقدم بأنه لم يكتف في هذا الجزء بترجمة رجال أسانيد الأحاديث الواردة في الكتاب فحسب؛ بل رأى أن يضم إليهم ترجمة من ذكر اسمه في بقية الكتاب لرواية حديث أو كلام عليه أو لذكره في أثناء حديث، قصدًا منه إلى: تعميم الفائدة بالكتاب.\nكما إني وجدته التزم خلال الجزء بتمييز تلك التراجم عن تراجم رجال أسانيد الأحاديث، حيث ينبه في نهاية ترجمة الشخص منهم على أن له ذكرًا فقط في الباب الفلاني من أبواب الكتاب، وفي الحديث الفلاني (^١).\nولما كانت أحاديث الكتاب مما رواه العراقي عن شيوخه بأسانيدهم المتصلة إلى الرسول ﷺ فإن جزء التراجم هذا قد اشتمل على عدد من كل طبقة من طبقات رجال السنة، منذ عصر الرسول ﷺ حتى عصر العراقي، فبعد ترجمة الرسول ﷺ التي صدر بها العراقي هذا الجزء، نجد فيه عددًا من\n_________\n= لي الحصول على صورة ورقية من هذه الديباجة بمعاونة كريمة من تلميذي النجيب الفاضل الدكتور «فؤاد سيدتش» البوسنوي؛ فوجدتها عبارة عن ورقتين من مقدمة تكملة العراقي لشرح جامع الترمذي لابن سيد الناس اليعمري، ومع هذا أبقيت كلامي المذكور في الأصل للأمانة العلمية ولتوضيح بعض ما يعانيه الباحث حين يريد الوصول إلى معلومة محررة، - شهد الله -. وما أكثر ما عانيته في ذلك.\n(^١) انظر: «طرح التثريب» ج ١/¬٣٢، ٣٥، ٤٥، ٥٩، ٦٣ وغيرهما.","vol":"3","page":1138},{"text":"تراجم كل من الصحابة والصحابيات والتابعين وأتباعهم، وأئمة الحديث من بعدهم من المحدثين، والمسندين، وإحدى المسندات، والحفاظ، حتى شيوخ العراقي وطبقتهم بل إنه ترجم فيه ولده أبا زرعة ولي الدين أحمد بن عبد الرحيم، وإن لم يدخله ضمن تراجم رجال الكتاب لصغر سنه عن الشيوخ (^١)، كما أن هذا الجزء قد اشتمل أيضًا بجانب تراجم الثقات - وهم الغالبية فيه - على تراجم بعض المتكلم فيهم (^٢)، وبعض المجروحين من الضعفاء (^٣)، والمتروكين (^٤)، والمختلطين من الثقات (^٥)، والمدلسين (^٦)، بل وأحد الكذابين الوضاعين، كما سيأتي في النماذج.\nولهذا التنوع الشامل في تراجم هذا الجزء كانت له أهمية كبيرة في بيان أثر العراقي في علم الرجال عمومًا، لاشتماله كما ترى على نماذج لما يتناوله ذلك العلم من مختلف الطبقات والأنواع، بحيث لو لم نجد للعراقي مؤلفًا آخر في هذا العلم، لأمكننا أخذ فكرة مجملة من هذا الجزء عن آراء العراقي في عامة رجال السنة، وعن تصوره لعناصر الترجمة لكل نوع منهم، وكيفية التعريف بهم ومن أهمية هذا الجزء أيضًا أنه الوحيد من بين مؤلفات العراقي في علم الرجال الذي بقي لنا حتى الآن بذاته كاملًا، ومتداولًا، ضمن نسخ «طرح\n_________\n(^١) «طرح التثريب»، ج ١/¬١٦\n(^٢) «طرح التثريب» ج ١/¬٣٣، ٣٤، ٥٣، ٥٥، ٦٦.\n(^٣): «طرح التثريب» ج ١/ ٦١» / ٧٢\n(^٤) «طرح التثريب» ج ١/¬٣٣\n(^٥) «طرح التثريب» ج ١/¬٣٧\n(^٦) «طرح التثريب» ج ١/ ٩٢/ ٩٨، ١٢٥.","vol":"3","page":1139},{"text":"التثريب» الخطية والمطبوعة كما أشرت، وبذلك يمكننا التعرف منه على نماذج تراجم العراقي وآرائه الخاصة بالنسبة لما هو مفتقد كلية من مؤلفاته في علم الرجال، كتأليفه في الصحابة، وفي المدلسين، كما تقدم وفي غيره كما سيأتي.\n\n<span data-type='title' id=toc-394>٤ - مصادر الجزء المذكور ونقد العراقي في كيفية الإحالة عليها:</span>\nلم يحدد العراقي في صدر هذا الجزء أو في نهايته مجمل المصادر التي اعتمد عليها فيه، كما يفعل غيره، ولكن بفحصي التفصيلي للجزء وجدته قد أشار إلى كثير من المصادر خلال التراجم، غير أنه غالبا يكتفي بذكر اسم المؤلف فقط، كابن حبان، وأبي جعفر الطحاوي، دون تحديد اسم الكتاب، وقد قدمت في بيان مصادره في شرحه المتوسط للألفيه أن هذه الطريقة في الإحالة على المصادر وإن جرى عليها كثيرون في عصره فضلًا عن السابقين اللاحقين، إلا أنها طريقة منتقدة بعدم التحديد، خاصة عند تعدد مؤلفات الشخص المحال عليه، وعدم وجود قرينة معينة.\nكما وجدته أحيانًا يضيف الرأي إلى شخص وجماعة معه غير محددة كقوله: «قال ابن إسحق وجماعة» (^١) وكقوله عن أحد الرواة وثقه ابن معين وجماعة (^٢)، وهذا وإن دل على سعة إطلاعه، إلا أنه يعوزه التحديد أيضًا، ومع أن العراقي صرح في المقدمة بقلة المراجع التي تيسرت له حينئذ بسبب وجوده في مكة (^٣)، فإننا نجده يحيل في بعض الجزئيات على عدة\n_________\n(^١) «طرح التثريب» ج ١/ ١٣٨\n(^٢) «طرح التثريب» ج ١/ ٩٥.\n(^٣) انظر: «طرح التثريب» ج ١/¬١٤.","vol":"3","page":1140},{"text":"مصادر (^١) وهذا يدل على أنه بذل غاية وسعه في الرجوع للمصادر التي توفرت له والإفادة منها، ثم إني وجدت أن أغلب مصادر العراقي في هذا الجزء هي أمهات كتب الرجال التي سبق ذكر اعتماده عليها في مؤلفاته السابقة، مثل ابن سعد في «طبقاته الكبرى»، والحافظ الذهبي في مؤلفاته المتعددة (كالعبر) و(ميزان الإعتدال)، ولذا فإني أكتفي هنا بذكر بعض المصادر التي لم يسبق ذكرها، وهي: السهيلي صاحب «الروض الأنف، في شرح السيرة النبوية» (^٢) وابن العديم في كتاب «الملحة» (^٣) وحمزة السهمي في «تاريخ جرجان» (^٤) وأبو الفتح اليعمري في كتابه: عيون الأثر في المغازي والسير (^٥) والإمام مسلم في كتابه «المخضرمين» (^٦) وابن الصلاح في طبقات الفقهاء (^٧)\n\n<span data-type='title' id=toc-395>٥ - منهج العراقي وآراؤه في هذا الجزء، تحليل نقدي مقارن.</span>\n<span data-type='title' id=toc-396>أولا: ترتيب التراجم وتقسيمها:</span>\nلم يبين العراقي كما بين غيره منهجه في ترتيب وتقسيم التراجم ولكن ببحثي لجميعها في هذا الجزء، وجدته قد بدأ بترجمة من اسمه أحمد.\n_________\n(^١) «طرح التثريب»، ج ١/ ١٣٥.\n(^٢) «طرح التثريب»، ج ١/¬٢٤.\n(^٣) «طرح التثريب»، ج ١/¬١٤.\n(^٤) «طرح التثريب»، ج ١/¬٢٦.\n(^٥) «طرح التثريب»، ج ١/ ١٤١.\n(^٦) «طرح التثريب»، ج ١/ ١٣٣.\n(^٧) «طرح التثريب»، ج ١/ ١٠٢.","vol":"3","page":1141},{"text":"وصدرهم بترجمة النبي ﷺ فقال: «أحمد ومحمد بن عبد الله … الخ» (^١) فدل ذلك على أنه بدأ بالأحمدين تيمنا باسم النبي أحمد ﷺ، وهو في هذا يختلف عن معاصره صلاح الدين الصفدي المتوفى سنة ٧٦٣ هـ حيث بدأ كتابه (الوافي بالوفيات) بمن اسمه محمد وصدرهم أيضا بترجمة النبي ﷺ. وقال في مقدمته: «على أني بدأت بذكر سيدنا محمد ﷺ إذ هو الذي أتى بهذا الدين القيم» (^٢) ثم ترجم باقي المحمدين بعده، وعاد فرتب التراجم في باقي الكتاب على حروف المعجم، وتعد ترجمة العراقي للرسول ﷺ أوسع تراجم الجزء كله، وبعد فراغه من ترجمة الأحمدين عاد إلى ترتيب باقي التراجم على حروف المعجم، ونظرًا لسهولة الكشف عن صاحب الترجمة فيما هو مترتب على حروف المعجم عما هو مرتب على الطبقات أو مرتب على سنة الوفاة فقد شاع منهج الترتيب على الحروف في عصر العراقي، وفضله على الطريقتين المذكورتين كل من ابن خلكان في كتابه «وفيات الأعيان» (^٣) وشيخ العراقي جمال الدين الإسنوي في كتابه «طبقات الشافعية» (^٤) وقد التزم العراقي في ترتيبه مراعاة الحرف الأول فقط من اسم صاحب الترجمة دون مراعاة هذا بالنسبة للأب، ولذلك ذكر «شيبان بن عبد الرحمن» قبل «شهر بن حوشب» (^٥) وهذا يشبه منهج ابن خلكان\n_________\n(^١) «طرح التثريب»، ج ١/¬٢٣.\n(^٢) «السوافي بالوفيات»، ج ١/¬٧.\n(^٣) انظر، وفيات الأعيان، ج ١/¬٢.\n(^٤) انظر، طبقات الشافعية، له/ ٤» / ٥.\n(^٥) «طرح التثريب»، ج ١/ ٦١.","vol":"3","page":1142},{"text":"في كتابه السابق ذكره ولكن مراعاة الترتيب المعجمي بالنسبة لاسم الأب أيضًا أدق وأضبط في الكشف عن موضع ترجمة الشخص في الكتاب، ولهذا انتقد الباحثون ابن خلكان في عدم مراعاة ذلك (^١) وبالتالي ينسحب هذا النقد على من شابهه في ذلك كالعراقي في هذا الجزء.\nوبعد أن فرغ العراقي من ترجمة من عرف باسمه على الترتيب المذكور، عقد بابًا لمن عُرف بكنيته، ورتبهم أيضًا على حروف المعجم بحسب المضاف إليه في الكنية، بحيث قدم من كنيته (أبا جهم) على من كنيته (أبو حذيفة) (^٢) وهكذا، وإذا كان صاحب الكنية قد تقدمت ترجمته ضمن من عُرف باسمه أشار إلى ذلك، كقوله: أبو الزبير محمد بن مسلم بن تدرس، تقدم في الأسماء وقوله: «ابن خزيمة اسمه محمد بن إسحق تقدم» (^٣) وقد قسم العراقي هذا الباب إلى فصلين: أولهما فيمن كنيته أبو فلان، والثاني فيمن عرف بابن فلان، ثم أتبع ذلك بفصل خاص بمن اشتهر بنسبة كالإسماعيلي، والبخاري، ورتبهم أيضًا على حروف المعجم بحيث ذكر البخاري قبل البزار، وهكذا، ولما كان جميع من ذكرهم في هذا الفصل قد تقدمت تراجمهم فيمن عرف باسمه ومن عرف بكنيته، فإنه اكتفى بالإشارة إلى ذلك كقوله: «البيهقي أحمد بن الحسين تقدم» (^٤) وقوله الكشي: «أبو مسلم إبراهيم بن عبد الله تقدم في الكنى» (^٥).\n_________\n(^١) انظر كتاب المنذري وكتابه التكملة للدكتور بشار عواد.\n(^٢) انظر و«طرح التثريب» ج ١/ ١٣٢\n(^٣) انظر و«طرح التثريب» ج ١/ ١٣٣/ ١٣٨.\n(^٤) ج ١/ ١٧٩\n(^٥) ج ١/ ١٤٠","vol":"3","page":1143},{"text":"وبعد هذا الفصل، عقد بابًا لتراجم النساء، ورتبهن أيضًا على حروف المعجم، مبتدئًا بمن عرفن بأسمائهن، ومختتمًا بمن عرفن بكنيتهن، وبذلك أنهى الجزء المذكور.\nوبالمقارنة نجد أن هذا المنهج في الترتيب والتقسيم أولى وأدق من منهج ابن خلكان في كتابه السابق ذكره، حيث خلط تراجم الرجال بالنساء (^١)، ومن اشتهر باسمه بمن اشتهر بكنيته أو نسبته، وقد جرى على منهج العراقي في الترتيب والتقسيم المذكور تلميذه ابن حجر في كتابه «تقريب التهذيب» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-397>ثانيًا: عناصر الترجمة ومميزات أنواع التراجم في الجزء</span>\nهناك عناصر أساسية التزم العراقي بذكرها في غالب تراجم الجزء المذكور وهي: اسم صاحب الترجمة، وسلسلة نسبه، ونسبته إلى الأصل، كالأنصاري، أو إلى المكان، كالبغدادي، أو إلى المذهب، كالشافعي، وغير ذلك وبين أيضًا كنيته ولقبه، وخاصة اللقب الحديثي كأمير المؤمنين في الحديث، والحافظ، والمحدث، والمسند، وهناك قاعدة للمؤرخين معروفة قررها الصفدي والسيوطي من بعده وغيرهما وهي: «أنه في سياق العناصر السابقة يبتدأ بذكر لقب الشخص، ثم كنيته ثم اسمه ونسبه، ثم نسبته إلى البلد، ثم إلى الأصل، ثم إلى المذهب الفقهي، ثم إلى المذهب الاعتقادي، كالأشعري والشيعي، أما النسبة إلى العلم أو الصنعة، أو الوظيفة، كالخليفة والقاضي، فتقدم على جميع العناصر المتقدمة» فتقول: «المحدث، أو الخليفة،\n_________\n(^١) انظر: وفيات الأعيان، جـ ٢/¬٤٨، ٧٠، ٩٢.\n(^٢) انظر جـ ٢/ ٦٤١، ٦٤٣، ٦٤٥.","vol":"3","page":1144},{"text":"وتسرد بعد ذلك باقي العناصر على الترتيب السابق (^١)، وقد لاحظت أن العراقي لم يلتزم بتلك القاعدة في سرد تلك العناصر (^٢)، وإن كان قد التزم بها في غير هذا الكتاب من مؤلفاته في التراجم، التي لم يرتبها على حروف المعجم كما سيأتي.\nكذلك من العناصر الأساسية التي التزمها العراقي في معظم التراجم ذكر تاريخ ومكان كل من وفاة الشخص وولادته، ومقدار عمره، وموطنه، ما أمكن وبيان أهم مروياته، وأهم من روى عنهم، ومن رووا عنه، وكيفية الرواية كالسماع، والحضور، والإجازة، وقد يذكر عدد تلاميذ الشخص، أو شيوخه عند كثرتهم، كما عنى ببيان آخر من روى عن الشخص، وآخر من روى عنه الشخص، وذلك إظهارًا لعلو الإسناد، وبين أيضا الوظائف العلمية، والعامة التي تقلدها الشخص، كتعليم السنن، والإفتاء، ومشيخة الحديث، والقضاء، والشرطة، والولاية، والخلافة.\nولما كانت تراجم الجزء متنوعة كما قدمنا، فإن العراقي أعطى لكل نوع طابعه المميز: فبالنسبة للصحابة عنى ببيان ثبوت الصحبة للصحابي، ومدى الخلاف فيمن هو مختلف في ثبوتها له (^٣) وبين أيضًا من له منهم بجانب الصحبة رواية عن النبي ﷺ كقوله عن زينب بنت عبد الله بن معاوية بن عتاب: لها صحبة.\n_________\n(^١) «انظر الوافي بالوفيات» للصفدي ج ١/¬٣٣ - ٣٥، «نظم العقيان» للسيوطي/ ٣ ب.\n(^٢) انظر: «طرح التثريب» ج ١/¬٣٣، ٣٨/ ٧٣، ٩٥، ٩٦\n(^٣) و«طرح التثريب» ج ١/¬٤٤، /¬١٤١.","vol":"3","page":1145},{"text":"ورواية عن النبي (^١)، وبهذا نبه على أنه لا تلازم بين ثبوت الصحبة وبين الرواية عن الرسول ﷺ، لأن الصحبة عند الجمهور تثبت بلقاء الشخص المسلم للرسول سواء سمع الشخص منه أم لم يسمع، كما بين أيضًا ما شهده الصحابي مع الرسول ﷺ من المشاهد الهامة والغزوات، وبعض مناقبه الأخرى.\nأما بالنسبة لغير الصحابة من التابعين فمن بعدهم، فهناك عنصر تتميز به تراجمهم، وهو بيان التوثيق أو التجريح لكل منهم، بينما لا يوجد هذا العنصر في تراجم الصحابة، جريا من العراقي على الرأي الراجح القائل بثبوت عدالتهم جميعا ﵃، وقد جرى العراقي في عنصر التوثيق والتجريح هذا على منهجه المتسم بالإعتدال، كما تقدم في مبحث تذييله على «ميزان الإعتدال» وغيره، فإذا ترجح لديه جانب الجرح أو التعديل، اقتصر على ذكره وأقره، كما سيأتي في النماذج، وإذا اختلفت أقوال العلماء جرحًا وتعديلًا، ذكر أهم أقوال هؤلاء وهؤلاء، مع الترجيح غالبا لما يراه، والتصدي لرد تجريح الشخص، مع التدليل، وعناية العراقي بعنصر التعديل والتجريح على هذا النحو، تدل على رعايته لمنهج علماء الحديث في التراجم، وبذلك تميزت تراجمه عن تراجم المؤرخ العادي، كابن خلكان مثلا، حيث نجده يترجم في وفياته لعبد الله بن المبارك، فلا يعني ببيان توثيقه في الرواية (^٢)، بينما عنى العراقي بذلك في ترجمته له (^٣)، كما ترجم ابن خلكان أيضا لعبد\n_________\n(^١) «طرح التثريب» ج ١/ ١٤٤ وانظر أيضًا/ ١٥٣.\n(^٢) «وفيات الأعيان»، لابن خلكان ج ٢/ ٢٣٧.\n(^٣) «طرح التثريب» ج ١/ ٧٥٧٤.","vol":"3","page":1146},{"text":"الرزاق الصنعاني واكتفى ببعض عبارات توثيقه (^١)، أما العراقي فبين ما قيل فيه من جرح وتوثيق وأقر قول الإمام أحمد فيه «أن من سمع من عبد الرزاق بعدما ذهب بصره فهو ضعيف السماع، لأنه كان يلقن بعدما عمي» (^٢)، أي كان إذا قيل له هذا الحديث أو الأحاديث من روايتك ونريد أن نرويها عنك أقر القائل، دون تحققه من أنها من مروياته فعلا أو لا.\nوبالنسبة للحفاظ، والمحدثين، والمسندين، تميزت تراجمهم ببيان أهم مروياتهم من الكتب، والأجزاء، وبيان رحلاتهم لسماع الحديث، وإسماعه، ودراساتهم العامة والمتخصصة، وأهم مصنفاتهم، ويتجلى ذلك في ترجمته لكل من ابن حبان (^٣)، وأبي عبد الله الحاكم صاحب «المستدرك على الصحيحين» (^٤)، و«الدارقطني» (^٥) والمزي (^٦) والنووي (^٧).\nهذه هي أهم عناصر الترجمة ومميزات أنواع التراجم التي انتهجها العراقي في أغلب تراجم هذا الجزء، ونلاحظ من مجموعها خبرة العراقي بأنواع التراجم التي يشملها علم الرجال، ومراعاته في كل نوع ما يتطلبه من العناصر والمقومات التي تهم المحدث بالدرجة الأولى، وتعينه على تمييز أنواع الرواة والمرويات عنهم قبولًا أو ردا، وقد قدمت في مبحث تذييل العراقي على\n_________\n(^١) «وفيات الأعيان»، ج ٢/ ٣٨٥.\n(^٢) و«طرح التثريب»، ج ١/ ٧٨\n(^٣) و«طرح التثريب» ج ١/ ١٠٢.\n(^٤) و«طرح التثريب»، ج ١/ ١٠٤.\n(^٥) و«طرح التثريب» ج ١/ ٨٧.\n(^٦) و«طرح التثريب»، ج ١/ ١٢٩\n(^٧) و«طرح التثريب» ج ١/ ١٢٤، ١٢٥.","vol":"3","page":1147},{"text":"«ميزان الإعتدال» أهمية بيان غالب العناصر، والمميزات المذكورة (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-398>ثالثا: آراء العراقي:</span>\nوقد عبر العراقي في الغالب عن آرائه خلال بيانه لعناصر التراجم ومميزاتها السالفة، وذلك بأنه قد يكتفي بذكر رأي واحد في أحد العناصر أو المميزات المختلف فيها وبذلك يعتبر جازما به دون غيره حسبما قدمت عنه في مبحث شرحه المتوسط للألفية من قواعد بيان الآراء.\nمثال ذلك: أنه في ترجمة الإمام أحمد بن حنبل ساق نسبه فقال: «أحمد ابن محمد حنبل بن هلال بن أسد بن إدريس بن عبد الله بن حيان ابن عبد الله بن أنس بن عوف بن قاسط بن مازن بن شيبان بن ذهل ابن تعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعمي ابن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان واقتصر على ذلك» (^٢).\nوقد ذكر ابن خلكان نسب الإمام أحمد كما ذكره العراقي ثم قال: «هذا هو الصحيح في نسبه، وقيل أنه من بني مازن بن ذهل بن شيبان بن ثعلبة بن عكابة، وهو غلط؛ لأنه من بني شيبان بن ذهل لا من بني ذهل بن شيبان وذهل بن ثعلبة المذكور هو عم ذهل بن شيبان، فليعلم ذلك» (^٣)، وهكذا ذكر غير واحد من العلماء (^٤)، ومن ذلك يظهر لنا أن سياق نسب الإمام أحمد\n_________\n(^١) انظر أيضًا: فتح المغيث، للعراقي ج ٣/ ٧٥/ ٧٦/ ٧٨/ ٧٩/ ٨٣/ ٨٤/ ١٣٣/ ١٦٤ وهـ فتح المغيث، للسخاوي ج ٣/ ١٩٠/ ١٩٩/ ٢٠٠/ ٢٠٦/ ٢٠٨/ ٢٠٩/ ٢٨٣.\n(^٢) هـ «طرح التثريب»، ج ١/¬٣١.\n(^٣) هـ وفيات الأعيان، ج ١/¬٤٧.\n(^٤) انظر، مقدمة مسند أحمد، ط دار المعارف ج ١/¬٣٦، ٥٨/ ٥٩.","vol":"3","page":1148},{"text":"مختلف فيه على رأيين: أحدهما صحيح، والآخر خطأ، ويظهر لنا أن السياق الذي اقتصر العراقي على ذكره هو الصحيح، وقد أفاد اقتصاره عليه أنه جازم بصحته دون الرأي الآخر، لكنه مع هذا قال في نسبة الإمام أحمد: الذهلي ثم الشيباني (^١)، ومقتضى سياق النسب الذي جزم بصحته، وهو أنه من بني شيبان بن ذهل، لا من بني ذهل بن شيبان، أن يقول: الشيباني ثم الذهلي، وهكذا فعل الإمام البخاري ثم الذهبي (^٢)، أما قول العراقي: الذهلي ثم الشيباني، فهو موافق للرأي الخاطئ في نسب الإمام أحمد، وبهذا يكون قد أصاب في سياقه للنسب على الرأي الصحيح، ووهم أو سبقه قمة في بيان نسبة الإمام أحمد فقدم وأخر.\nوقد يورد العراقي أكثر من رأي في أحد العناصر مع بيان الخطأ (^٣)، والبعيد (^٤)، والشاذ (^٥)، والضعيف (^٦)، والمستحسن (^٧)، والصواب (^٨)، والصحيح (^٩)،\n_________\n(^١) «طرح التثريب» ج ١/¬٣١.\n(^٢) انظر و«تاريخ الإمام أحمد» للحافظ الذهبي ص ١٢ ط دار المعارف سنة ١٩٤٦ ومقدمة ومسند أحمد بن حنبل، ط دار المعارف ج ١/ ٥٨.\n(^٣) «طرح التثريب»، ج ١/¬٢٤/¬٣٩.\n(^٤) «طرح التثريب»، ج ١/ ٩٤.\n(^٥) «طرح التثريب»، ج ١/¬٢٤/.\n(^٦) «طرح التثريب» ج ١/¬٤٦/¬١٥٢.\n(^٧) «طرح التثريب» ج ١/ ١٥٠.\n(^٨) «طرح التثريب» ج ١/¬٣٥.\n(^٩) «طرح التثريب» ج ١/ ٨٨، ٩٢، ١٣٥.","vol":"3","page":1149},{"text":"والأصح (^١)، والمشهور (^٢)، والأشهر (^٣)، والمعروف (^٤)، وما عليه الأكثرون (^٥)، والجمهور (^٦)، والراجح (^٧). وذلك يدل بوضوح على شخصيته العلمية، وقدرته النقدية للآراء.\nعلى أن هناك مواضع توقف عن ترجيح رأي فيها على غيره، مثل قوله في ترجمة «عويمر العجلاني» صاحب قصة اللعان: «اختلف في اسم أبيه فقال ابن عبد البر: «عويمر بن أبيض» وقال الطبري: «عويمر بن الجد بن زيد ابن حارثة بن الجد بن العجلان، وهو الذى رمى زوجته بشريك ابن السمحاء وكان قد قدم من سفر فوجدها حبلى». وقد قيل: أنه عويمر بن أشقر أحد من شهد بدرًا، فالله أعلم» (^٨) فتعقيبه على هذه الآراء بقوله: فالله أعلم، يفيد أنه لم يترجح لديه رأي من الآراء التي ساقها.\nوقد يورد العراقي أكثر من رأي في أحد العناصر دون تصريح ببيان درجه تلك الأراء في تقديره، ولكن تقديمه لأحدها يدل على ترجيحه له كما تقدم بيان ذلك في مبحث شرحه المتوسط للألفية، وأوسع ما بين العراقي آراء العلماء فيه مع تحديد أصحها، هو اسم أبي هريرة، واسم أبيه، حيث قال: «اختلف في\n_________\n(^١) «طرح التثريب»، ج ١/¬٤٢، ٩٣، ٩٥، ١٥٠، ١٣٤.\n(^٢) «طرح التثريب»، ج ١/ ١٢٣\n(^٣) «طرح التثريب»، ج ١/ ٧١\n(^٤) «طرح التثريب» ج ١/¬٤٣\n(^٥) «طرح التثريب»، ج ١/¬٣٩\n(^٦) «طرح التثريب»، ج ١/¬٢٥\n(^٧) «طرح التثريب»، ج ١/¬٢٥.\n(^٨) «طرح التثريب»، ج ١/ ٩٠.","vol":"3","page":1150},{"text":"اسمه واسم أبيه اختلافا كثيرًا، على نحو ثلاثين قولًا، أصحها عند الجمهور: عبد الرحمن بن صخر، وهو قول ابن إسحاق، ورجحه أبو أحمد الحاكم، قال ابن عبد البر: وعلى هذا اعتمدت طائفة ألفت في الأسماء والكنى، وصححه من الفقهاء: الرافعي، ثم النووي، وبه صدر المزي كلامه، ثم ساق العراقي واحدًا وعشرين قولًا آخر، كان آخرها قوله: وروى يونس بن بكير عن ابن إسحق قال: حدثني بعض أصحابنا عن أبي هريرة قال: كان اسمي في الجاهلية عبد شمس، فسميت في الإسلام عبد الرحمن وإنما كنيت بأبي هريرة، لأني وجدت هرة فحملتها في كمي، فقيل لي ما هذا؟ فقلت: هرة، قيل لي: فأنت أبو هريرة، وقيل إن النبي ﷺ هو الذي كناه بذلك، لذلك قال ابن عبد البر: وهو أشبه عندي (^١).\nوبهذا كله يظهر لنا بروز شخصية العراقي العلمية وآرائه بين من اعتمد عليهم من علماء الرجال المتقدمين والمتأخرين.\n\n<span data-type='title' id=toc-399>نماذج مقارنة من تراجم الكتاب:</span>\nوإليك بعض نماذج من تراجم العراقي في هذا الجزء، تطبيقا وتوضيحا لما قررته بشأن منهجه وآرائه فيه، مع مقارنة لبعضها بما يماثله في تأليف غير العراقي، من معاصرية وغيرهم.\nونبدأ بأول التراجم وأوسعها وأزكاها، وهي ترجمته للنبي ﷺ ونختار منها تحقيقه لتاريخ وفاة الرسول ﷺ حيث قال: وتوفي ليلة الاثنين ثالث عشر شهر ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة، هذا هو الصواب، وقد\n_________\n(^١) «طرح التثريب»، ج ١/ ١٣٦، ١٣٧","vol":"3","page":1151},{"text":"استشكل السهيلي قولهم: يوم الإثنين ثاني عشرة، لعدم إمكان كون الثاني عشر يتصور أن يكون يوم الإثنين، لاتفاقهم على أن حجة الوداع كانت الوقفة فيها بعرفة يوم جمعة، كما في الصحيحين وغيرهما، على هذا فلو فرضت الشهور نواقص، أو كوامل، أو مختلفة، لم يتصور ذلك، والجواب عنه: أن من قال لاثنتي عشرة ليلة خلت منه هو الصواب، وتكون وفاته في ليلة الثالث عشر يوم الإثنين، فبهذا يحصل الجمع، ويدل عليه أيضا ما في (صحيح مسلم) من حديث أنس: فألقى السجف، وتوفي من آخر ذلك اليوم، فهذا يدل على أنه آخر النهار، وأول الليل، ولكن يشكل على هذا، أن كلام أهل السير يقتضي نقصان الشهور لا كمالها، وأيضا فروي عن عائشة: أنه توفي في ارتفاع الضحى وانتصاف النهار، يوم الإثنين، رواه ابن عبد البر، والذي يترجح من حيث التاريخ قول من قال: «يوم الإثنين ثاني عشر ربيع الأول»، وهو قول سليمان التيمي، ومحمد بن قيس، ومحمد بن جرير الطبري (^١).\nوممن اختلف في إسلامه وصوب العراقي إسلامه «ورقة بن نوفل» فقد ترجمه قائلا: ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب القرشي الأسدي أدرك ابتداء الوحي، واستخبر النبي ﷺ عن ذلك فأخبره فقال ورقة: «هذا الناموس الذي أنزل على موسى»، ثم توفي ورقة قبل اشتهار النبوة، قال أبو عبد الله بن مندة: اختلفوا في إسلام ورقة، وقال السهيلي: هو أحد من آمن بالنبي ﷺ قبل المبعث، وما ذكره السهيلي هو الصواب، فقد روى الحاكم في «المستدرك» من رواية هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة.\n_________\n(^١) «طرح التشريب» ج ١/¬٢٥.","vol":"3","page":1152},{"text":"أن النبي ﷺ سمع رجلا يسب ورقة فقال: «أما علمت أني رأيت لورقة جنة أو جنتين»؟ قال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، وروى الترمذي من رواية عثمان بن عبد الرحمن الوقاصي عن الزهري عن عروة عن عائشة أن النبي ﷺ سئل عن ورقة فقالت له خديجة: (كان صدقك، ولكنه مات قبل أن تظهر، فقال رسول الله ﷺ: رأيت ورقة في المنام، وعليه ثياب بيض، ولو كان من أهل النار لكان عليه لباس غير ذلك)، قال الترمذي: هذا حديث غريب، وعثمان ليس بالقوي، قلت: وقد رواه معمر عن الزهري عن عروة مرسلا، ليس فيه عائشة وهو مرسل صحيح، رواه الزبير بن بكار هكذا، وروى ابن عساكر في «تاريخ دمشق» بإسناده إلى الشعبي عن جابر قال: «سئل النبي ﷺ عن ورقة فقال: أبصرته في بطنان الجنة، عليه السندس، فهذا مع حديث عائشة، مع مرسل عروة، يقوي بعضها بعضا، وهي تدل على إسلام ورقة، وهو الصواب إن شاء الله تعالى» (^١).\nومن تراجمه للصحابة نذكر ترجمته لجابر بن عبد الله حيث يقول: «جابر ابن عبد الله بن عمرو بن حرام بن سلمة الأنصاري السلمي المدني وكنيته أبو عبد الله، وقيل أبو عبد الرحمن، وقيل أبو محمد، روى عن النبي ﷺ وأبي بكر، وعمر، وعلي، وآخرين، روى عنه أولاده: محمد وعقيل وعبد الرحمن، وعطاء بن أبي رباح، ومحمد بن المنكدر، وعمرو بن دينار، وخلائق غزى مع النبي ﷺ تسع عشرة غزوة، ولم يشهد بدرًا، ولا أحدًا، منعه أبوه، وقال النبي ﷺ لأهل الحديبية وهو منهم: ﴿أنتم خير أهل الأرض﴾، واستغفر له النبي ﷺ ليلة البعير خمسا وعشرين مرة، قال هشام بن عروة:\n_________\n(^١) «طرح التثريب» ج ١/ ١٢١، ١٢٢.","vol":"3","page":1153},{"text":"رأيت له حلقة في المسجد تأخذ عنه، وتوفي بالمدينة على قول الجمهور، وقيل مات بمكة، قاله أبو بكر بن أبي داؤد، وقيل بقباء، والمشهور في وفاته أنها في سنة ٧٨ هـ، قاله عمرو بن علي الفلاس، وجماعة، وقال أبو نعيم: سنة ٧٩ هـ، وقيل: سنة ٧٧ هـ، وقيل: سنة ٧٤ هـ، وقيل: سنة ٧٣ هـ، وقيل: سنة وروى أحمد بن حنبل عن قتادة أنه آخر من مات بالمدينة من ٧٢ هـ، الصحابة، وكذلك قال أبو نعيم، وليس بجيد، فقد تأخر بعده بها: السائب ابن يزيد، وغيره (^١).\nوقد ترجم قرين العراقي ابن الملقن لجابر بن عبد الله هذا ضمن شرحه\nلصحيح البخاري (^٢) وشرحه لكتاب «عمدة الأحكام» للمقدسي (^٣) وعندما قارنت ذلك بترجمة العراقي المتقدمة له وجدتهما متفقين في بعض العناصر ومختلفين في بعضها الآخر، فقد اتفقا في بيان المشاهد والغزوات التي حضرها، والتي تخلف عنها سيدنا جابر ﵁، كما اتفقا في باقي مناقبه التي تقدمت في ترجمة العراقي له، أما أهم ما اختلفا فيه فهو: ضبط المؤتلف والمختلف من الأسماء في نسب جابر ﵁، فقد قال ابن الملقن (حَرَام) بالحاء المهملة والراء و(سَلِمَة) بكسر اللام كما ضبط نسبته فقال: (السلمي) بفتح السين واللام، وحكى في لغة كسرها، ولم يضبط العراقي أيا من ذلك، وعنصر ضبط المشكل هذا، لم يعن به العراقي في عامة\n_________\n(^١) «طرح التثريب»، ج ١/¬٣٦، ٣٧.\n(^٢) انظر باب بدء الوحي حديث ٤ من ج ١ من الشرح/ مخطوط بدار الكتب المصرية رقم ١٨\nحديث.\n(^٣) انظر «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» لابن الملقن ج ١/ ٨٧ (مخطوط بدار الكتب المصرية).","vol":"3","page":1154},{"text":"هذا الجزء مع أنه من مطالب المحدثين، ومن أنواع علم الرجال التي لم تكن خافية على العراقي.\nكذلك نبه ابن الملقن على أن جابرًا هو أحد الصحابة الستة الذين أكثروا الرواية عن الرسول ﷺ وأنه روى عن الرسول ﷺ (١٥٤٠) حديثًا، خرج البخاري ومسلم منها ٢١٠، اتفقا منها على ٥٨، وانفرد البخاري بـ ٢٦، ومسلم بـ ١٢٦، ولم يذكر العراقي شيئًا من ذلك، ولعله ترك هذا اختصارًا، بدليل أنه في ألفيته في المصطلح، وفي شرحها المتوسط، ذكر جابرًا ضمن المكثرين للرواية عن الرسول ﷺ، كما ذكر في الشرح المذكور عدد الأحاديث التي رواها جابر مثلما ذكره ابن الملقن (^١)، ومما اختلفا فيه أيضًا أن ابن الملقن رجح كون جابر هذا آخر الصحابة موتًا بالمدينة المنورة، بينما رد العراقي ذلك بالدليل كما مر في الترجمة، كذلك صرح العراقي بأن الرأي المشهور في تاريخ وفاة جابر هو سنة ٧٨ هـ، وصدر به كلامه، إشارة إلى ترجيحه له، ثم أورد باقي الآراء بعده، أما ابن الملقن فاكتفى بتصدير كلامه بذكر التاريخ المشار إليه، ثم أورد بعده باقي الآراء، ولا شك أن تصريح العراقي أحسن، وأدل على بيان موقفه من تلك الآراء.\nومما اختلفا فيه أيضًا: أن ابن الملقن ذكر في ختام ترجمة جابر عدة فوائد بين فيها عدد من اسمه جابر، أو جابر بن عبد الله، من الصحابة، وغيرهم من الرواة، كما بيّن أن جابرًا يشتبه بجائر بالمثلثة بدل الموحدة، وبخاتر بخاء معجمة ثم ألف ثم مثناة فوق ثم راء، ثم عرف بكليهما في سطرين، أما العراقي فلم يذكر شيئًا من ذلك، ولا شك أن ذكر ما تقدم أفيد من تركه.\n_________\n(^١) انظر «فتح المغيث» للعراقي ج ٤/¬٣٦، ٣٧.","vol":"3","page":1155},{"text":"كذلك بين ابن الملقن الهيئة الشكلية لسيدنا جابر، بينما أهمل العراقي ذكرها أيضًا، وبهذا تميزت ترجمة كل من ابن الملقن والعراقي لهذا الصحابي الجليل، فأورد كل منهما ما لم يورده الآخر، ورجح ابن الملقن ما رده العراقي بالدليل كما أسلفت.\nومن تراجم العراقي للصحابيات ترجمته لأم المؤمنين أم سلمة ﵂ حيث قال: «هند أم سلمة بنت أبي أمية، واسم أبي أمية: حذيفة، وقيل اسمه سهيل بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، المخزومية، أم المؤمنين وقيل اسمها رملة وغلط قائل ذلك، وكان أبوها أبو أمية أحد الأجواد، يلقب بزاد الراكب. وهاجرت أم سلمة إلى المدينة وحدها، كان معها رجل من المشركين قيل: هو عثمان بن طلحة قبل أن يسلم، فكان يرحل لها بعيرها وينتحي عنها، فلما رأى نخل المدينة قال لها: هذا الذي تريدين، وانصرف» قال ابن عبد البر: «يقال أنها أول ظعينة دخلت المدينة مهاجرة، وقيل: بل ليلى بنت أبي خيثمة. وشهدت أم سلمة فتح خيبر، وكانت تحت أبي سلمة ابن عبد الأسد، وهاجرت معه الهجرة الأولى إلى الحبشة، فلما توفي خلف عليها رسول الله ﷺ، فتزوجها في سنة أربع، لليال بقين من شوال، فهذا هو الصحيح وقول ابن عبد البر: أنه تزوجها في سنة اثنتين غلط، وتبعه عليه المزي في «التهذيب»، وليس بشيء، لأنه إنما تزوجها بعد وفاة أبي سلمة بالاتفاق، وابن عبد البر قد ذكر في وفاة أبي سلمة، أنها في جمادى الآخرة سنة ثلاث فكيف يتفق تزويجها سنة اثنتين؟ على أن الصحيح في وفاة أبي سلمة: أنها في سنة أربع، لثمان خلون من جمادى الآخرة. روت أم سلمة عن النبي ﷺ علمًا كثيرًا، روى عنها ولداها: عمر، وزينب، ابنا أبي سلمة.","vol":"3","page":1156},{"text":"ومولاها سفينة، وابن المسيب، وعروة، وعطاء، وخلق، واختلف في وفاتها:\nفقال الواقدي سنة تسع وخمسين، وصلى عليها أبو هريرة، وغلط في ذلك لما ثبت في «صحيح مسلم» أن عبد الله بن صفوان دخل عليها في خلافة يزيد، وإنما ولي يزيد في سنة ستين، وقيل سنة ستين في خلافة يزيد ابن معاوية، قاله أبو بكر بن أبي خيثمة، وبه صدّر ابن عبد البر كلامه وصححه أبو الفتح اليعمري، وضعف أيضا، لما روى حماد بن سلمة عن عمار سمع أم سلمة تقول: «سمعت الجن تبكي على حسين، وتنوح عليه»، وروى الترمذي من حديث سلمى قالت: (دخلت على أم سلمة وهي تبكي وقالت: رأيت رسول الله ﷺ في المنام، وعلى رأسه ولحيته التراب فقلت مالك يا رسول الله؟ قال: شهدت قتل الحسين آنفًا) وروينا عنها من طرق، أنها كانت عند قتل الحسين باقية، وسمعت نوح الجن عليه وإنما قتل الحسين سنة إحدى وستين، وقيل أنها توفيت سنة إحدى وستين، رجحه الذهبي في «العبر» وقيل سنة ٦٢ هـ وأوهم من قال: صلى عليها سعيد بن زيد، فإن سعيد بن زيد توفي سنة ٥١ هـ، وسبب الوهم فيه ما روى أنها أوصت أن يصلي عليها، ولا يلزم من إيصائها بذلك أن يكون وقع ذلك؛ بل تكون الوصية بذلك على تقدير حياته، وكان قد مات والله أعلم (^١).\nومن تراجم العراقي للحفاظ الثقات من المتقدمين، ترجمته للذهلي، أحد شيوخ البخاري وقد ترجم له فقال: محمد بن يحيى بن عبد الله بن خالد بن فارس بن ذؤيب الذهلي، أبو عبد الله، النيسابوري، أحد الأعلام، الحفاظ\n_________\n(^١) «طرح التثريب» ج ١/ ١٥١، ١٥٢.","vol":"3","page":1157},{"text":"روى عن عبد الرحمن بن مهدي، ويزيد بن هارون، وأبي داود الطيالسي وخلائق، وله رحلة واسعة، وروى عنه البخاري وأصحاب السنن الأربعة وأبو حاتم، وابن خزيمة، وأبو عوانة الأسفراييني، وخلائق.\nقال أحمد: «ما رأيت خراسانيا أعلم بحديث الزهري منه، ولا أصح كتابًا منه».\nوقال أبو حاتم: محمد بن يحيى إمام أهل زمانه ثقة، وقال النسائي: ثقة مأمون، وقال أبو بكر بن أبي داود: «هو أمير المؤمنين في الحديث»، وقال ابن خزيمة: محمد بن يحيى إمام أهل عصره، توفي يوم الإثنين لأربع بقين من شهر ربيع الأول سنة ثمان وخمسين ومائتين، عن ست وثمانين سنة (^١).\nوممن ترجم له من المختلطين من الثقات: جرير بن حازم، إذ يقول: «جرير ابن حازم أبو النضر الأزدي البصري أحد الأعلام، روى عن أبي الطفيل عامر ابن واثلة، فقيل: لم يسمع منه، وقد شهد جنازته، وعن الحسن، وابن سيرين، وعطاء، وخلق، وقرأ على أبي عمرو بن العلاء، فقال له أبو عمرو: أنت أفصح من معد. روى عنه ابنه وهب بن جرير، وعبد الرحمن بن مهدي وعبد الله ابن وهب، وهدبة بن خالد، وهو آخر من حدث عنه، وآخرون كثيرون، وثقه ابن معين، وأبو حاتم، وقال: تغيّر قبل موته بسنة، قلت: ولم يحدث بعد اختلاطه، منعه أولاده وحجبوه، فجزاهم الله خيرا، توفي سنة سبعين ومائة» (^٢).\nوقد ترجم كل من الذهبي وابن حجر لجرير هذا وبالمقارنة نجد بعد أن ترجمة\n_________\n(^١) ««طرح التثريب»، ج ١/ ١١٠».\n(^٢) ««طرح التثريب»، ج ١/¬٣٧».","vol":"3","page":1158},{"text":"العراقي له توافق ما ترجمه به الذهبي (^١)، أما ابن حجر فاختلف عنهما في تاريخ وفاته، حيث نقل عن «تاريخ البخاري» أن جريرا توفي سنة ١٧٥ هـ (^٢)، وهو خلاف ما جزم به كل من الذهبي والعراقي في وفاة جرير سنة ١٧٠ هـ.\nوممن ترجم له من المجروحين متروكي الحديث: «إبراهيم الخوزي» حيث قال: «إبراهيم بن يزيد الخوزي: نزل شعب الخوز بمكة، روى عن عطاء وطاووس، وغيرهما، روى عنه وكيع وعبد الرزاق في جماعة آخرين. قال ابن معين: «ليس بثقة»، وقال أحمد «متروك»، وقال البخاري: «سكتوا عنه»، قال ابن سعد: «مات سنة إحدى وخمسين ومائة» (^٣) وقد ترجم لإبراهيم هذا كل من ابن حبان في (المجروحين) (^٤) وابن الجوزي في (الضعفاء والمتروكين) (^٥) والذهبي في (الكاشف) (^٦) وجميعهم متفقون مع العراقي فيما قرره في تلك الترجمة».\nوممن ترجم له من الكذابين الوضاعين: لجميع بن عمير حيث قال: «جميع ابن عمير بن عفاف التيمي، الكوفي يكنى أبا الأسود روى عن عائشة وابن\n_________\n(^١) انظر «الكاشف» ج ١ ص ١٨١.\n(^٢) انظر ترجمة جرير في «تهذيب التهذيب»: ٢/ ٦٩.\n(^٣) «طرح التثريب»، ج ١ ص ٣٣.\n(^٤) ج ١ ص ١٠٠، ١٠١.\n(^٥) ج ١/¬٤٩/ مخطوط محقق بمكتبة كلية أصول الدين بالقاهرة (رسالة دكتوراه) عام ١٣٩٨ هـ للأخ الفاضل الدكتور/ عبد القادر سليمان الأفغاني.\n(^٦) ج ١/ ٩٧.","vol":"3","page":1159},{"text":"عمر وروى عنه الأعمش وأبو إسحاق الشيباني وغيرهما، قال أبو حاتم: من عتق الشيعة، صالح الحديث»، وقال البخاري: «فيه نظر»، وقال ابن نمير: «هو من أكذب الناس» وقال ابن عدي: «عامة ما يرويه لا يتابعه عليه أحد» وقال ابن حبان: «كان يضع الحديث» (^١).\nوقد ترجم (لجميع) هذا كل من البخاري في «التاريخ الكبير (^٢)» وابن حبان في «المجروحين (^٣)» وابن الجوزي في «الضعفاء والمتروكين (^٤)» والذهبي في «الميزان (^٥)» وفي «الكاشف (^٦)» والكل متفقون مع العراقي فيما ذكره.\nوممن ترجم له من المدلسين: قتادة السدوسي حيث قال: «قتادة بن دعامة ابن قتادة بن عزيز بن عمرو بن ربيعة بن عمر بن الحارث ابن سدوس وقيل غير ذلك، السدوسي البصري، يكنى أبا الخطاب أحد الأئمة الأعلام وكان أكمه، روى عن أنس وعبد الله بن سرجس وأبي الطفيل وسعيد بن المسيب وابن سيرين، في آخرين. روى عنه أيوب وحميد وشعبة والأوزاعي ومعمر وأم». قال ابن المسيب: «ما أتاني عراقي أفضل منه»، وقال ابن سيرين: «قتادة أحفظ الناس»، وقال بكر المزني: «ما رأيت أحفظ منه» وقال أبو حاتم «سمعت أحمد بن حنبل وذكر قتادة فأطنب في ذكره وجعل يقول: عالم بتفسير القرآن، وباختلاف العلماء، ووصفه بالحفظ والفقه وقال: قل ما تجد من\n_________\n(^١)، «طرح التثريب» ج ١ ص ٣٧.\n(^٢) ج ٢/ ترجمة/ ١٤٢.\n(^٣) ج ١/ ٢١٨.\n(^٤) ج ١/ ١٩٩.\n(^٥) ج ١/ ترجمة/ ٤٢١ م.\n(^٦) ج ١/ ١٨٧.","vol":"3","page":1160},{"text":"تقدمه، أما المثل فلعل». وقال الأثرم عنه: «كان أحفظ أهل البصرة وكان قتادة يدلس ويرمى أيضًا بالقدر، ولد سنة ستين وتوفي سنة سبع عشرة أو ثماني عشرة ومائة» (^١).\nوقد ترجم ابن حجر لقتادة هذا في طبقات المدلسين ضمن أصحاب المرتبة الثالثة وهم المختلف في الإحتجاج بهم، وقال في ترجمته: «أنه مشهور بالتدليس» (^٢).\nوممن دافع عنه العراقي من الرواة المتكلم فيهم: (إسماعيل بن مرزوق) حيث ترجمه فقال: إسماعيل بن مرزوق بن يزيد أبو يزيد المرادي الكعبي، أحد بني الحارث ابن كعب بن عوف بن أنعم بن مراد المصري روى عن يحيى بن أيوب الغافقي ونافع بن يزيد. روى عنه ابنه محمد بن إسماعيل ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكيم، ذكره ابن حبان في «الثقات»، وتكلم فيه «الطحاوي» بغير حجة لكونه روى في حديث السراية في العتق (ورق منه مارق) فقال: «إسماعيل ليس ممن يقطع بروايته، وهذا في الحقيقة لا يضر، لأن خبر الواحد لا يفيد القطع». نعم أفحش ابن حزم في «المحلى» عند ذكر هذه الزيادة فقال: «أنها موضوعة مكذوبة لا نعلم أحدًا رواها لا ثقة ولا ضعيفًا. وهذه مجازفة منه، فقد رواها ابن يونس في تاريخ مصر، والدارقطني والبيهقي في سننهما، ولا يظن بإسماعيل هذا وضعها، فإنها معروفة قبل إسماعيل، فقد ذكرها الشافعي، وقد عاش إسماعيل هذا بعد الشافعي بثلاثين\n_________\n(^١) «طرح التثريب»، ج ١/ ٩٢.\n(^٢) انظر «طبقات المدلسين» / ٧.","vol":"3","page":1161},{"text":"سنة، فقد ذكر ابن يونس أنه توفي بمصر سنة أربع وثلاثين ومائتين (^١).\nويلاحظ استعمال العراقي هنا للمنهج التاريخي في الدفاع عن اتهام «إسماعيل» هذا بالوضع، محققا بذلك سبقا رائدًا في تطبيق هذا المنهج النقدي السديد؛ حيث لم أجد من سبقه في تقرير هذا الدفاع عن الراوي المذكور، في مواجهة عالم مشهور كابن حزم.\nوممن ترجم له من الحفاظ المتأخرين: (الحسن بن محمد بن محمد بن محمد بن عمرو بن التيمي البكري النيسابوري الحافظ يكنى أبا علي، ويلقب بصدر الدين، سمع بمكة من عمر الميانجي، وبدمشق من ابن طبرزد وطبقته وبأصبهان من أبي الفتوح ابن الجنيد، وبنيسابور من المؤيد الطوسي وطبقته وبخراسان من ابن روح وطبقته، روى عنه أبو الحسن علي بن أحمد ابن عبد الواحد بن البخاري، والحافظ عبد المؤمن بن خلف الدمياطي، والشريف عطوف محمد بن علي بن أبي طالب الحسيني، وأخوه موسى بن علي بن أبي طالب وأبو محمد صالح بن تامر الجعبري، ويوسف بن يعقوب المشهدي وعبد الله بن ريحان التقوي، وآخرون، آخرهم موتا: إبراهيم بن محمد الخيمي، وكان أحد من عنى بهذا الشأن، وكتب الكثير، ورحل، وقرأ، وأفاد وصنف، وجمع، تكلم فيه بعضهم، وقال الزكي البرزالي: «كان كثير للتخليط») وقال عمر بن الحاجب: «كان إمامًا عالما فصيحا، إلا أنه كثير البهت، كثير الدعاوى، وولي بدمشق مشيخة الشيوخ والحسبة، ثم تحوّل إلى القاهرة، ومات بها في حادي عشر ذي الحجة، سنة ست وخمسين\n_________\n(^١) «طرح التثريب» ج ١/ ص ٣٤ وذكر ترجمة له أيضا بنحو هذا في ذيل الميزان كما في اللسان ١/ ٤٣٨ (ترجمة ١٣٥٧):","vol":"3","page":1162},{"text":"وستمائة وكان مولدة في سنة أربع وسبعين وخمسمائة» (^١).\nونختم هذه النماذج بترجمته لأحد شيوخه الذين صرح في مقدمة الشرح بتلقي «الموطأ» عنه بسنده، وذلك بقراءة العراقي عليه، وهو أبو الحرم القلانسي حيث ترجم له فقال: «محمد بن محمد بن أبي الحرم أبو الحرم القلانسي، الحنبلي شيخ مكثر ثقة، صحيح السماع، روى عن الشهاب محمد بن عبد المنعم بن الخيمي وعبد الرحمن بن يوسف بن يحيى ابن خطيب المزة، حضر عندهما، وعند عبد العزيز بن أبي الفتوح بن الحصري، وعبد الله بن غلام الله بن السمعة، وغازي بن أبي الفضل الحلاوي، ومحمد بن إبراهيم بن ترجم، والنجم أحمد بن حمدان بن شبيب الحراني الحنبلي والتاج إسماعيل بن إبراهيم بن قريش، ويوسف بن عبد المحسن الحمزي، وأحمد بن عبد الكريم بن غازي بن الاغلاقي، والضياء عيسى بن يحيى بن أحمد السبتي، والرضى أبي بكر بن عمر بن على القسطنطيني النحوي، والحافظ أبي العباس أحمد بن محمد الظاهري، ويعقوب بن أحمد بن فضائل الحلبي، وعبد الرحيم بن عبد المنعم بن خلف الدميري، وسيدة بنت موسى المارانية، ومؤنسة ابنة الملك العادل، في آخرين كثيرين. روى عنه أبو المعالي محمد بن رافع، وأبو المحاسن محمد بن علي بن حمزة الحسيني، وآخرون، وكان مولده سنة ثلاث وثمانين وستمائة وتوفي سنة أربع وستين وسبعمائة (^٢). والله أعلم\n_________\n(^١) «طرح التثريب» ج ١ ص ٤٠.\n(^٢) «طرح التثريب» ج ١ ص ١٠٨.","vol":"3","page":1163},{"text":"<span data-type='title' id=toc-400>نقد العراقي، والإستدراك عليه في هذا الجزء:</span>\nرغم أن العراقي قد استوفى عناصر ومقومات أغلب التراجم في هذا الجزء كما أوضحت، إلا أني وجدته في إحدى التراجم، وهي ترجمة سليك بن هدبة الغطفاني قد اقتصر على ذكر اسمه ونسبه فقط (^١) وترك باقي العناصر المطلوبة في الترجمة كما تقدم بيانها، ثم إنى أحصيت في هذا الجزء ثلاثين ترجمة لم يحدد العراقي تواريخ وفاة أصحابها، فضلًا عن عدم تحديد تواريخ ميلادهم (^٢).\nوهذا إخلال ببعض عناصر الترجمة التي لها أهميتها عند المحدثين في كشف اتصال سند الحديث من انقطاعه، ولعل عذر العراقي في هذا ما صرح به في مقدمة الشرح عن ظروف وملابسات تأليف الشرح، من قصر الزمان وقلة الأعوان، وخاصة المراجع العلمية الكافية، نظرًا لأنه ألف هذا الجزء وما تلاه من الشرح حال مجاورته بمكة المكرمة، بعيدًا عن القاهرة التي كانت بها مكتبته الخاصة الحافلة، كما قدمت إيضاحه، فضلًا عن المكتبات العامة التي كانت تعج بها القاهرة حينذاك، كما قدمت في حالة العصر، وعمومًا فإني لاحظت أن التراجم التي لم يُذكر بها تاريخي المولد والوفاة أغلبها إما تراجم للصحابة، ومراسيلهم مقبولة على الراجح، وإما تراجم لمن له ذكر فقط وليس له رواية في كتاب (التقريب) المشروح، ولعل هذا مما جعل العراقي يتغاضى عن هذا القصور في تلك التراجم.\n_________\n(^١) «طرح التثريب» جـ ١/ ٥٧.\n(^٢) «طرح التثريب» جـ ١/¬٣٧، ٤٤، ٤٦، ٥٧، ٦٢، ٨٠، ٨٣، ٩٠، ٩٣، ١٠٠، ١١٣، ١١٥، ١١٦، ١١٧، ١٢١، ١٢٤، ١٤٠، ١٤١، ١٤٢، ١٤٤، ١٤٦، ١٥٣،","vol":"3","page":1164},{"text":"وقد فات العراقي الترجمة لأحد رجال أسانيد الكتاب، مع شهرته، وهو يحيى بن سعيد القطان، فلعله سهو منه، نظرًا لشهرة القطان، بحيث لا يخفى، وتوفر ترجمته في المصادر التي اعتمد العراقي عليها في نفس الجزء. فلما أكمل أبو زرعة ابن العراقي شرح كتاب (التقريب) بعد والده استدرك عليه في هذا الجزء، بإضافة ترجمة وافية ليحيى بن سعيد القطان هذا مع الإيجاز، حسب منهج والده في عامة تراجم الجزء، وقال في نهاية الترجمة: «فات الشيخ - يعني والده - هذه الترجمة فكتبتها من عندي مختصرة» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-401>أثر الجزء فيما بعده:</span>\nلقد انتفع العلماء ودارسي السنة من بعد العراقي بجزء التراجم المذكور تبعًا لانتفاعهم بما تلاه من شرحه لأحاديث الكتاب، وانتفاعهم به بمفرده على أنه مصدر من مصادر التراجم. وقد تعدى ذلك الانتفاع حدود مصر، حيث وجدتُ علاء الدين بن خطيب الناصرية المتوفى سنة ٧٤٣ هـ (^٢) وهو من أعلام الشام وقد أجيز في صغره برواية الحديث من العراقي، ثم تتلمذ لولده أبي زرعة، وجدته نقل في مجموع له بخطه عن هذا الجزء، بعد الاطلاع عليه، ترجمة كاملة، وأطلق على الجزء اسم «الديباجة» كما قدمت، باعتبار أن العراقي جعله مقدمة لشرح كتابه (التقريب) في أحاديث الأحكام، ونص ما ذكره هكذا: «قرأت في شرح «الأحكام» للشيخ الحافظ زين الدين أبي الفضل العراقي\n_________\n(^١) انظر «طرح التثريب» ج ١/ ١٢٢، ١٢٣.\n(^٢) انظر ترجمته في «بهجة الناظرين» للغزي/ ١٦٢ (مخطوط).","vol":"3","page":1165},{"text":"ومن خطه نقلت من ديباجته:\nسيدة بنت موسى بن عثمان بن درباس الماراني، تكنى أم محمد، سمعت بالموصل من مسمار بن العويس، وتفردت بالرواية عنه، وأجاز لها المؤيد بن محمد الطوسي، وآخرون. روى عنها الحفاظ: أبو محمد عبد الكريم بن عبد النور بن منير الحلبي، وأبو الفتح محمد بن محمد بن سيد الناس اليعمري وأبو القاسم عمر بن الحسن بن عمر بن حبيب الحلبي، وأبو محمد القاسم ابن محمد البرزالي، وأبو عبد الله محمد بن أبي القاسم بن إسماعيل الفارقي وأبو الحرم محمد بن محمد بن محمد بن أبي الحرم القلانسي، وهو آخر من حدث عنها بالسماع، وآخرون، وكان سماعها وإجازتها صحيحين، وتوفيت في سنة ٦٩٥ هـ بالقاهرة (^١)، وهذه الترجمة موجودة بنصها في الجزء المذكور ونقل ابن خطيب الناصرية لها في مجموعه دليل على احتياجه إليها، حيث إن له كتابًا كبيرًا في التاريخ، فلعله استعان بتلك الترجمة في مادته العلمية.\nوقد امتد أثر هذا الجزء حتى عصرنا الحاضر حيث وجدتُ الشيخ أحمد شاكر ﵀ قد عدّ هذا الجزء من المصادر التي يرجع إليها في التراجم المذكورة فيه، وأحال على عدة تراجم فيه، بجانب المراجع الأصيلة في علم الرجال لمن تقدم على العراقي (^٢).\n_________\n(^١) انظر مجموع ابن خطيب الناصرية (مخطوط مصور).\n(^٢) انظر: «مقدمة تحقيق مسند أحمد» دار المعارف جـ ١/ ١٣٢، ١٣٣.","vol":"3","page":1166},{"text":"<span data-type='title' id=toc-402>سادسا: تذييل العراقي على بعض كتب تاريخ الرجال ووفياتهم، وأثر ذلك</span>\n<span data-type='title' id=toc-403>أ - تذييله على كتاب «العبر» للذهبي، وأثره:</span>\nيعتبر الحافظ الذهبي ممن عاصر العراقي، وشاركه في التلمذة على بعض الشيوخ، لكنه توفي سنة ٧٤٨ هـ، وصارت مؤلفاته في تاريخ الرجال عمدة معاصريه ومن جاء بعده (^١)، وكان أوسط مؤلفاته التاريخيه حجمًا وكيفا هو كتابه المسمى «العبر في خبر من غبر»، ولهذا عنى العلماء بالتذييل عليه من بعده، ناسجين على منواله، وتابعهم من بعدهم بالتذييل عليهم (^٢).\nوقد كان كتاب «العبر» هذا في عصر العراقي، من أغلب الكتب استعمالا، وأكثرها تداولا (^٣) فنهضت همته للتذييل عليه، بعد أن سبقه إلى مثل ذلك تلميذ الذهبي، المحدث شمس الدين محمد بن علي الحسيني المتوفى سنة ٧٦٥ هـ كما سيأتي.\nوقد رتب الذهبي كتاب «العبر» على السنوات، ابتداء من السنة الأولى للهجرة، وقال في مقدمته: «هذا مختصر على السنوات، أذكر فيه أشهر الحوادث والوفيات، تعين الذكي على حفظه» (^٤)، وقد ذكر في معظم السنوات أهم الحوادث التي وقعت فيها عبر البلاد الإسلامية، ثم أتبع ذلك\n_________\n(^١) انظر «الأعلام»، لابن قاضي شهبة ج ١/¬٢ أ، و«ذيل طبقات الحفاظ» للسيوطي/ ٣٤٨.\n(^٢) انظر «كشف الظنون» / ١١٢٢ - ١١٢٤ و«ذيل كشف الظنون» ج ٢/ ٩٣ و«الأعلام» ج ١/ ٩٢، ب و«مقدمة تحقيق كتاب العبر» ج ١/¬٢ أ، ب.\n(^٣) «طبقات الشافعية» للإسنوي (مخطوط) ٢٤.\n(^٤) «العبر» للذهبي ج ١/¬١.","vol":"3","page":1167},{"text":"بذكر أكابر من توفوا في تلك السنة من العلماء والرواة والأعيان، مرتبا لهم على حروف المعجم (^١).\nوقد اهتم بالترجمة لهؤلاء أكثر من اهتمامه بذكر الحوادث، لدرجة أني وجدته أخلى عددا من السنوات من ذكر الحوادث كلية، واقتصر على تراجم الوفيات، وبهذا صار الغالب على الكتاب هو ذكر الوفيات، كما قال ابن قاضي شهبة (^٢)، وقد وصل الذهبي في الكتاب على هذا المنهج إلى سنة ٧٠٠ هـ، ثم عمل عليه ذيلا شمل الفترة من سنة ٧٠١ هـ إلى سنة ٧٤٠ هـ (^٣) وبدأ العراقي ذيله كما سيأتي من سنة ٧٤١ هـ، فنجد من المؤرخين من يطلق على كتاب العراقي «الذيل على ذيل العبر» للذهبي (^٤) رعاية للتسلسل التأليفي، وهو الأدق، ومنهم من يعتبر نهاية (العبر) هي نهاية الذيل عليه للذهبي، على أساس أن مؤلف الأصل هو نفسه مؤلف الذيل (^٥)، ولهذا أطلق على كتاب العراقي أيضًا «الذيل على العبر» للذهبي (^٦) أو (ذيل تاريخ الإسلام) للذهبي (^٧) نظرا لأن الذهبي اختصر «العبر» من كتابه الكبير المسمى «تاريخ\n_________\n(^١) «الأعلام»، لابن قاضي شهبة ج ١/¬٢ ب.\n(^٢) «الأعلام»، ج ١/¬١ أ.\n(^٣) توجد نسخة خطية من هذا الذيل ضمن مجموعة بمكتبة عارف حكمت بالمدينة المنورة برقم (٣٤٤) تاريخ، ومنها صورة ميكروفيلمية بمعهد المخطوطات برقم (١٠٥٩) تاريخ، وآخرها نهاية سنة ٧٤٠ هـ وقال الناسخ: إلى هنا انتهى كلام الذهبي.\n(^٤) انظر «مقدمة ذيل ولي الدين بن العراقي على كتاب والده، هذا، وه لحظ الألحاظ» لابن فهد/ ٢٣١ و«الأعلام» للزركلي ج ٤/ ١١٩ وما بعدها.\n(^٥) «الأعلام» لابن قاضي شهبة ج ١/¬٢ أ ..\n(^٦) «كشف الظنون» ١١٢٤، «لحظ الألحاظ» / ١١٥.\n(^٧) «تاريخ الأدب العربي» البروكلمان الملحق ج ٢/ ٧٠ النص الألماني.","vol":"3","page":1168},{"text":"الإسلام» (^١) ولم أجد لذيل العراقي هذا اسما خاصا مثل ذيل الحسيني مثلا، حيث سمي «عبر الأعصار وخبر الأمصار» (^٢)، كما أني لم أجد تحديدا لزمن تأليف العراقي له، أما الفترة التي تناولها فتبلغ ٢٢ سنة هجرية تقريبا، حيث يبدأ من أول سنة ٧٤١ هـ وينتهى بآخر سنة ٧٦٣ هـ (^٣)، وهذا يشير إلى أن فراغ العراقي من هذا الذيل كان بعد آخر سنة ٧٦٣ هـ بفترة تكفي لتمكينه من تسجيل أحداثها ووفياته.\n\n<span data-type='title' id=toc-404>نسخ الكتاب وتصحيح خطأ المفهرسين فيها:</span>\nلقد مكثت سنين أبحث في فهارس مكتبات عديدة في أنحاء العالم، عن نسخة لهذا الكتاب، دون جدوى، حتى إن «كارل بروكلمان» على سعة إطلاعه على فهارس أمهات المكتبات، ذكر ضمن مؤلفات العراقي «ذيل تاريخ الإسلام»، ولم يذكر من نسخه شيئا (^٤).\nثم وقفت على فهرس مكتبة كوبر يلى محمد باشا، باستانبول، فإذا به كتاب بعنوان «ذيل تاريخ الذهبي» لعبد الرحيم بن حسين العراقي، تحت رقم (١٠٨١) (^٥). ثم رجعت إلى فهرس منتخبات المخطوطات للشيخ طاهر الجزائري بخطه،\n_________\n(^١) «كشف الظنون» / ١٩٣٣.\n(^٢) «كشف الظنون» / ١١٢٢.\n(^٣) «كشف الظنون»، ١١٢٢ و«لحظ الألحاظ» / ٢٣١ و«مجموع ابن خطيب الناصرية» / «المنتقى من ذيل العراقي» (مخطوط مصور).\n(^٤) «تاريخ الأدب العربي» لبروكلمان الملحق ج ٢/ ٧٠ (النص الألماني).\n(^٥) انظر: «فهرس المكتبة» / ٧٠.","vol":"3","page":1169},{"text":"فوجدته ذكر نفس نسخة الكتاب كما في فهرس المكتبة (^١). لكني رجعت إلى فهرس مخطوطات التاريخ المصورة بمعهد المخطوطات العربية، فوجدت صورة لنفس النسخة تحت رقم (٢/ ٢٥٤) أو ٦٧٥ تاريخ، وقد فهرست بعنوان: «ذيل تاريخ الإسلام» للذهبي تأليف الحافظ أحمد بن زين الدين عبد الرحيم العراقي … ذيل به على كتاب أبيه الحافظ العراقي الذي جعله ذيلا على «تاريخ الإسلام» للذهبي (^٢) وقد قمت بفحص صورة تلك النسخة من أولها إلى آخرها، وقابلتها بصورة نسخة أخرى موثقة، توجد بمكتبة فيض الله باستانبول برقم (١٤٥٢) ومصورتها بالمعهد تحت رقم (١/ ٢٥٤) تاريخ، وبهذا الفحص والمقارنة تبين لي أن نسخة مكتبة كوبريلي هي من كتاب ولي الدين ابن العراقي الذي ذيل به على كتاب والده، لا من كتاب والده، وعليه فإن نسبتها في فهرس المكتبة لوالده عبد الرحيم العراقي خطأ، وقد سرى هذا الخطأ إلى منتخبات الجزائري ﵀ لاعتماده على الفهرس، دون الرجوع لواقع النسخة، وهذا يوضح خطورة الخطأ في الفهارس، لما يترتب عليه من انتشار الخطأ الذي فيها إلى من يعتمد عليها دون الرجوع لنفس النسخ، فليتنبه الباحثون للخطأ المذكور في فهرس المكتبة وما تفرع عنه.\n\n<span data-type='title' id=toc-405>نسخة نادرة لمختارات من الكتاب:</span>\nبعد أن انتهى بي البحث والتتبع إلى تصحيح ذلك الخطأ المتوالي، واصلت التنقيب عن نسخة للكتاب، أو نصوص منقولة عنه، فوجدت مختارات من\n_________\n(^١) انظر «منتخبات الجزائري» ج ١/ ٧٥ كتاب رقم ٢٤٢.\n(^٢) انظر: «الفهرس»، قسم ١/ ١٣٩.","vol":"3","page":1170},{"text":"هذا الكتاب، وذلك ضمن مجموع ابن خطيب الناصرية الذي تقدم ذكره في مبحث كتاب رجال تقريب الأسانيد.\nوقد حمدت الله تعالى على تحصيل هذه المختارات، حيث جَعَلْتُ لهذا البحث سابقة علمية في كشف النقاب عن مؤلف للعراقي عز وجوده، حتى في صورة هذا النص النادر المنتقى منه بأكمله، حيث إن نسخة المجموع المشتمل عليه توجد تحت رقم (٣١٦) تراجم، بمكتبة الخالدي بالقدس الشريف، فهي الآن حبيسة الاحتلال الصهيوني للقدس، ولا ندري إن كان العبث بالمقدسات قد نال منها أم لا.\nبالإضافة إلى أن النسخة كما يظهر من صورتها التي اطلعت عليها بها أكل أرضة يحول دون قراءة عدة أوراق من أولها، قبل موضع المنتقى من «ذيل العراقي» بكثير.\nوقد وفق الله تعالى معهد المخطوطات العربية في الحصول على صورة ميكروفيلمية للنسخة، وهي التي اطلعت عليها، وتوجد لدى المعهد تحت رقم (١١٩٨) تاريخ (^١) وعدد أوراق المجموع ٣٥٠ ورقة تقريبا، وعدد سطور صفحاته مختلف، وقد صرح جامعه ابن خطيب الناصرية عدة مرات خلاله أنه هو كاتبه، وأرخ بعض النقول بقوله: «علقتها ولخصتها في شهور سنة ٨٠٠ هـ». أي في أواخر حياة العراقي، ويقع المنتقى من كتاب العراقي في ٩ صفحات، ولم أستطيع تحديدها بالأرقام، لأن تلك النسخة المصورة غير مرقمة الصفحات، ويعتبر هذا القدر قليلا بالنسبة إلى الكتاب الأصلي، لأنه\n_________\n(^١) انظر «فهرس التاريخ بمعهد المخطوطات» رقم ٣/ ٢٥٦، ٢٥٧.","vol":"3","page":1171},{"text":"كما قلت عبارة عن مختارات منه، ويؤيد هذا، القول الأخرى التي وقفت عليها غير هذه المختارات كما سأوضحه بعد.\nوقد عنون ابن خطيب الناصرية مختاراته بقوله: «هذا منتقى من ذيل الحافظ العراقي على العبر» للذهبي، والعنوان صريح في أن ما ذكره عبارة عن مختارات من الكتاب، وبعد هذا المنتقى مباشرة ذكر منتقى من كتاب ولي الدين ابن العراقي، وعنونه بقوله «هذا منتقى من ذيل شيخنا الحافظ أبي زرعة بن الحافظ العراقي، على ذيل والده المنتقى منه ما تقدم.\nوقد اطلعتُ على المنتقى من كتاب العراقي تفصيلًا، فوجدته بدأ من أوله فقال: «سنة ٧٤١ هـ» وذكر ترجمتين فقط لاثنين من العلماء توفيا فيها» ثم أتبعها ببقية السنوات، حتى انتهى إلى سنة ٧٦٣ هـ، وهي آخر الذيل كما تقدم.\nوقد بلغ عدد التراجم الواردة في هذا المنتقى ٣٨ ترجمة، كما ذكر به سنتين بعبارة: «سنة كذا»، مع ترك بياض بعدهما، وهما: سنة ٧٥٨ هـ وسنة ٧٦٣ هـ، فلعل ابن خطيب الناصرية كان يعتزم الإنتقاء مما فيهما بالأصل، ولم يقدر له ذلك، أو لعله وجد الأصل الذي لخصه هكذا، لم يذكر فيه غير عنوان السنتين المذكورتين كما أهمل سنة ٧٤٦ هـ وسنة ٧٦١ هـ، فلم يذكرهما كلية، فلعله لم يكن بحاجة إلى نقل شيء منهما، أو لعل الأصل الذي لخص منه هكذا أيضًا، وإن كان لم يشر إلى ذلك: ويظهر أن صاحب المجموع لم يكن يتصرف في نقل ما ينتقيه من الأصل، فقد وقفت على نقل يبلغ عدة سطور أورده تلميذ العراقي بالإجازة ابن فهد، ونسبه إلى «ذيل العراقي» هذا، وقابلته بما في «منتقى ابن خطيب الناصرية»، فوجدتهما.","vol":"3","page":1172},{"text":"متطابقين نصا (^١) كما قابلت بعض تراجم في مواضع أخرى من هذا المجموع بأصلها غير كتاب العراقي فوجدتهما متطابقين، وهذا يجعلنا نطمئن إلى أن المنتقى من كتاب العراقي صورة قريبة من نص الأصل، بحيث يصح بحث الكتاب وتحليله على أساسها، خاصة وأن أصله في حكم المفقود حتى الآن، ثم إن نسخة هذا المجموع موثقة، فهي بخط جامعه كما صرح بذلك في غير موضع منه، كما أنه نقل من أصول جيدة، مع درايته بما ينقله حيث إنه من علماء التاريخ وصرح في كثير من النقول المتعلقة بالعراقي أو المأخوذة من مؤلفاته، أنه قرأها بخط شيخه أبي زرعة بن العراقي، أو نقلها من خط العراقي نفسه.\n\n<span data-type='title' id=toc-406>الاستنتاج:</span>\nومن كل ما تقدم يستنتج الآتي:\n١ - أن نسخ «ذيل العراقي على العبر» للذهبي تعد الآن في حكم المفقودة.\n٢ - أن نسخة مكتبة كوبريلي، ليست من كتاب العراقي بل من كتاب ولده أبي زرعة المذيل عليه، فنسبتها في فهرس المكتبة، وفي «منتخبات الجزائري» تبعا له إلى عبد الرحيم العراقي، خطأ، لا يطابق واقع النسخة فلا يعوّل عليه، ويجب تصحيحه فيما يستجد من فهارس أو أبحاث، كما يجب إعداد فهارس صحيحة للتراث، وخاصة تراث السنة وعلومها، بواسطة ذوي التخصص والخبرة معا، لتلافي مثل تلك الأخطاء، ما أمكن.\n٣ - أن النص النادر الذي عثرت عليه للمنتقى من كتاب العراقي يعد موثقا.\n_________\n(^١) انظر ولحظ الألحاظ، ٤/ ١١٥، ١١٦ ترجمة الوادي آشي المتوفى سنة ٧٤٩ هـ وقابلها بنفس الترجمة في منتقى ابن خطيب الناصرية.","vol":"3","page":1173},{"text":"ونصوصه مطابقة في جملتها لنصوص الأصل.\n\n<span data-type='title' id=toc-407>أهم مصادر العراقي في الذيل المذكور، ووهمه تبعا لبعضها، واعتماده على خبرته وسماعه:</span>\nلم أجد في (منتقى ابن خطيب الناصرية) من هذا الذيل أية إشارة للمصادر التاريخية التي اعتمد عليها العراقي، وإنما وجدت إشارتين لاعتماده على خبرته الشخصية وعلى ما سمعه بنفسه، ففي ترجمته للحافظ الذهبي، مؤلف كتاب «العبر» الذي ذيل عليه، قال: «وحدث عن جماعة بعضهم إلى الآن حي»، فأثبت بذلك بناء على خبرته، وجود بعض شيوخ الذهبي على قيد الحياة حين تأليفه هذا الذيل، بعد وفاة الذهبي نفسه (^١) كما ترجم أيضًا لبعض شيوخه هو، الذين تتلمذ عليهم كما سيأتي ذكره.\nوفي ترجمة الشيخ زين الدين عبد الرحمن بن عبد الحليم بن تيمية، قال العراقي: سمعت الشيخ أحمد الزرعي (^٢) يحلف بالله أنه ما رأى أحدًا لا يريد إلا الله والدار الآخرة، إلا الشيخ تقي الدين بن تيمية، وأخاه عبد الرحمن «المذكور» وقد سجل العراقي معارضته للشيخ الزرعي بعد تسجيله هذا لما سمعه منه، كما سيأتي في آرائه، ويعتبر المؤرخون كلا من الخبرة الشخصية، والسماع المباشر من أهم مصادر الحقائق التاريخية، طالما كان مصدرهما ثقة، كالحافظ العراقي، الذي قدمت بيان توثيقه (^٣)، وبهذا يعد تسجيل العراقي بعض خبراته ومسموعاته عن الشخص المترجم في هذا الذيل من مميزاته عن\n_________\n(^١) انظر (مجموع ابن خطيب الناصرية) / والمنتقى من ذيل العراقي، وفيات سنة ٧٤٨ هـ.\n(^٢) هو الشيخ المعمر الزاهد أبو العباس أحمد الزرعي الحنبلي المتوفى سنة ٧٦٢ هـ.\n(^٣) انظر ص () من الرسالة","vol":"3","page":1174},{"text":"تذييل غيره، الذي لم يتضمن ما ذكره.\nثم إني وجدت ابن قاضي شهبة في كتابه «الأعلام» (^١) ذكر: عبد الرحيم ابن إبراهيم بن كاميار - بكسر الميم وتخفيف التحتانية، وآخره راء مهملة - ضمن من توفوا سنة ٧٤٣ هـ، وذكر أنه دفن بسفح قاسيون (بدمشق) ثم قال: قال الحسيني (إنه توفي عن ٩٣ سنة)، واستدرك قائلا: لكنه وهم فكتبه في السنة الآتية، يعني سنة ٧٤٤ هـ، وتبعه على ذلك أبو الفضل العراقي وقال: «توفي بحلب» (^٢).\nوالحسيني الذي نقل عنه ابن قاضي شهبة وبين وهمه، وذكر تبعية العراقي له فيه، هو شمس الدين محمد بن علي الحسيني، تلميذ الذهبي، وقد عاصر العراقي، وسبقه إلى تأليف ذيل على «العبر» كما قدمت، وهو ذيل مختصر يسمى «عبر الأعصار وخبر الأمصار» وتناول فيه نفس الفترة الزمنية التي تناولها العراقي، حيث بدأ من سنة ٧٤١ هـ وانتهى إلى شهر وفاته، وهو شهر شعبان من سنة ٧٦٥ هـ (^٣) وقد ذكر العراقي في ذيله، ترجمة عبد الرحيم المذكور فعلا ضمن من توفوا سنة ٧٤٤ هـ وقال «إنه توفي في حلب عن ٩٣ سنة» (^٤)، ومن ذلك نفهم أن العراقي اعتمد في ذيله على العبر، على ذيل الحسيني الذي سبقه في تناول نفس الفترة، كما نفهم أنه تبعه في بعض.\n_________\n(^١) سيأتي التعريف بالكتاب ومؤلفه.\n(^٢) «الأعلام»، ج ١/¬٩ ب.\n(^٣) انظر: «كشف الظنون» / ١٢٢ أو «الأعلام» ج ١/¬٣٢ وتوجد منه نسخة ميكروفيلمية بمعهد المخطوطات برقم (٦٧٤) تاريخ.\n(^٤) انظر: «مجموع ابن خطيب الناصرية»: «المنتقى من ذيل العراقي» وفيات سنة ٧٤٤ هـ.","vol":"3","page":1175},{"text":"أخطائه التاريخية، حيث عد هذا الرجل ضمن من توفوا سنة ٧٤٤ هـ كما فعل الحسيني، مع أن الحسيني وهم في ذلك، والصواب أن الرجل توفي سنة ٧٤٣ هـ، وهذا مما ننتقد العراقي فيه، حيث كان عليه أن يتحرى صواب من يتبعه، بمقارنته برأي غيره، كما مر بنا في مؤلفاته السابقة، وكما سيأتي في مؤلفاته الأخرى، وكما فعل ابن قاضي شهبة من بعده، ثم أيده في هذا تلميذ العراقي الحافظ ابن حجر فقال في ترجمة عبد الرحيم المذكور، أنه توفي في ١٣ صفر سنة ٧٤٣ هـ، ووهم من أرخه سنة ٧٤٤ هـ كالحسيني (^١) غير أن هذا لا يعني أنه تبع الحسيني بصفة عامة، بدليل أنه خالفه في نفس ترجمة عبد الرحيم المذكور، وذلك في تحديد مكان وفاته ودفنه، فقد ذكر الحسيني أنه دفن بسفح قاسيون، وهو تابع لدمشق، بينما ذكر العراقي كما مر، أن الرجل توفي في حلب، وسيأتي في مقارنة ذيل العراقي بعض نماذج أخرى لمخالفته.\n\n<span data-type='title' id=toc-408>منهج العراقي في ذيله على العبر: تحليل ومقارنة ونقد:</span>\nرتب العراقي هذا الكتاب على السنوات، مثل ترتيب الذهبي لكتابه «العبر» المذيل عليه، كما قدمت ذكره، وقد لاحظت في بحثي لمنتقى ابن خطيب الناصرية، أن العراقي لم يذكر في عدد من السنوات شيئًا من حوادثها، بل اقتصر على تراجم ما تيسر له ممن توفوا فيها، رجالًا ونساء، وأكثرهم من العلماء والمشتغلين بالسنة، وهذا يشبه منهج الذهبي أيضًا في الأصل وهو «العبر»، كما إنه يجعل عدنا لهذا الذيل ضمن مؤلفات العراقي في علم الرجال، أمرًا في محله، باعتبار أن الغالب عليه هو تاريخ الرجال حتى إن\n_________\n(^١) انظر «الدرر الكامنة» ج ٢/ ٤٦١.","vol":"3","page":1176},{"text":"بعض السنوات التي ذكر أهم حوادثها، لم يزد ما ذكره على سطر واحد، ثم انتقل إلى ذكر الوفيات (^١)، ولهذا عد شهاب الدين ابن حجي هذا الذيل من ضمن كتب الوفيات، لغلبتها في محتواه (^٢)، وأوسع ما ذكر من الحوادث في «منتقى ابن خطيب الناصرية» هو حوادث سنة ٧٤٢ هـ حيث قال العراقي: «فيها ثار قوصون ومن معه على الملك: المنصور أبي بكر وعزلوه، وأقاموا أخاه (كجك) وهو صغير، فأقام قليلًا، ثم قام عليه الأمراء والعوام، فأمسك، ونهبت داره شر نهبة، وذهب «الطنبغا» نائب دمشق، وطشتمر حمص أخضر، نائب حلب، وقطلوبغا الفخري، إلى الملك الناصر أحمد بن الناصر محمد، فأخذوه من الكرك وتوجهوا به إلى مصر، وبويع له بالمملكة، وناب عنه طشتمر حمص أخضر، فأقام مدة وأخذ ما في الخزائن من الأموال، وسافر إلى الكرك، ومعه طشتمر وقطلوبغا الفخرى، فقتلهما هناك، وجرد الأمراء التجاريد إلى الناصر أحمد، حتى قبضوا عليه، وسلطنوا بمصر أخاه الملك الصالح إسماعيل، وكان من خير الملوك» (^٣).\nوعندما نقارن هذا الذي ذكره العراقي من الحوادث في تلك السنة، بما ذكره مثيله الحسيني، نجد بينهما اختلافًا بالزيادة والنقص، واختلافًا فيما اتفقا في ذكره من الحوادث، فقد زاد الحسيني تحديد تاريخ أغلب الحوادث التي ذكرها، ومن ضمنها ما ذكره العراقي بدون تحديد تاريخ، كما مر ذكره، كما حدد مدة حكم كل من الملك المنصور أبي بكر، وأخيه كجك، بينما لم يحدد\n_________\n(^١) انظر: «مجموع ابن خطيب الناصرية» / «المنتقى من ذيل العراقي»، سنة ٧٥٣ هـ.\n(^٢) انظر: «كشف الظنون»:/ ١١٢٢.\n(^٣) انظر: «مجموع ابن خطيب الناصرية» / «المنتقى من ذيل العراقي»: سنة ٧٤٢ هـ.","vol":"3","page":1177},{"text":"العراقي مدتيهما، والتحديد عموما أفضل، كذلك زاد الحسيني من الحوادث وقوع مبايعة الخليفة العباسي، والحاكم بأمر الله أبي العباس أحمد بن المستكفي بالله، وقَبْضِ السلطان الملك المنصور أبي بكر على الأمير سيف الدين بشتك الناصري، ومصادرة أمواله، ووافقه في هذا ابن تغري بردي (^١). أما العراقي فزاد ذكر تجريد التجاريد، أي إرسال الفرق الحربية، إلى الناصر أحمد بعد ذهابه إلى الكرك، والقبض عليه وعزله وتولية أخيه الملك الصالح إسماعيل بدله، بينما لم يذكر الحسيني ذلك، ولكني وجدت ابن تغري بردي ذكر هذه الحوادث ضمن حوادث سنة ٧٤٣، لا سنة ٧٤٢ هـ كما ذكر العراقي، وحدد ابن تغري بردي خلع الملك الناصر أحمد بـ ٢١ محرم سنة ٧٤٣ هـ وجلوس الملك الصالح إسماعيل على تخت الملك يوم ٢٢ محرم سنة ٧٤٣، أما القبض على الملك الناصر أحمد فحدده بـ ٢٢ صفر سنة ٧٤٥ هـ (^٢) وعليه فإن ذكر العراقي لهذه الحوادث في سنة ٧٤٢ هـ خطأ أو استطراد، والصواب عدم ذكرها، كما فعل الحسيني، وهذا يفيد عدم اعتماد العراقي على الحسيني بصفة أساسية، وعدم متابعته له فى كل ما ذكره، وأيضا ذكر العراقي أن الملك الناصر أحمد عند سفره للكرك اصطحب معه طشتمر وقطلوبغا الفخري بينما ذكر الحسيني أنه اصطحب معه طشتمر فقط مقبوضًا عليه، ووافقه على هذا ابن تغري بردي، (^٣) أما قطلوبغا الفخري، فكان قد ولاه نيابة دمشق، وخرج إليها قبل سفر الملك الناصر، فلما خرج الناصر\n_________\n(^١) انظر «النجوم الزاهرة»، ج ١٠/ ٧٠ - ٧٨\n(^٢) انظر «النجوم الزاهرة» ج ١٠/ ٧٠ - ٧٨.\n(^٣) «النجوم الزاهرة» ح ١٠/ ٦٦","vol":"3","page":1178},{"text":"أرسل إلى قطلوبغا من قبض عليه وهو في الطريق قبل أن يصل دمشق وأتى به إليه (^١) هذا بالنسبة إلى الحوادث أما بالنسبة للتراجم فقد رتبها العراقي حسب أسبقية الوفاة بحيث يذكر من توفي في المحرم قبل من توفي في صفر، وهكذا، بخلاف الذهبي في الأصل وهو «العبر» حيث رتب التراجم على حروف المعجم ليسهل الكشف منه (^٢) ولو أن العراقي فعل مثله لكان أجود لتسهيل الكشف عن الشخص، والمناسبة الأصل. ثم إن العراقي في معظم التراجم عنى بذكر العناصر المطلوبة، من اسم الشخص ونسبه ثلاثيا، في الغالب، ونسبته وكنيته ولقبه، وخصوصا العلمي، وقد لاحظت أنه التزم في سياق هذه العناصر بالترتيب المطابق لقاعدة المؤرخين السابق ذكرها في مبحث رجال تقريب الأسانيد، فيقول مثلا: «في ترجمة محمد بن علي بن أيتك: الشيخ المحدث المفيد شمس الدين محمد بن علي بن أيتك المغيثي الحنبلي (^٣) وقد قدمت أنه لم يلتزم بهذه القاعدة في رجال تقريب الأسانيد ومما عنى به أيضا من عناصر الترجمة المطلوبة وخاصة عند المحدثين، بيان أهم شيوخ الشخص وتلاميذه، ومروياته، وخاصة ما انفرد به، لعلو السند، وإذا كان للشخص رحلات علمية، أو مصنفات، وأعمال علمية، أو وظيفية بين كل ذلك، تفصيلا كما سيأتي، أو إجمالًا كقوله: «فلان رحل وقرأ، وكتب وأفاد» (^٤) وكقوله: «قرأ وكتب وخرج وأفاد وصنف وحدث» (^٥) ومما عنى به في غالب\n_________\n(^١) انظر في هذا وفيما قدمته عن الحسيني ذيله السابق الإشارة إلى نسخته المصورة حوادث سنة ٧٤٢ هـ.\n(^٢) انظر «الأعلام» لابن قاضي شهبة ج ١/¬٢ ب.\n(^٣) انظر «مجموع ابن خطيب الناصرية»: «المنتقى من ذيل العراقي» سنة ٧٤٩ هـ.\n(^٤) انظر «مجموع ابن خطيب الناصرية» / «المنتقى من ذيل العراقي» وفيات سنة ٧٤٩ هـ.\n(^٥) انظر «مجموع ابن خطيب الناصرية» / «المنتقى من ذيل العراقي» وفيات سنة ٧٤٤ هـ.","vol":"3","page":1179},{"text":"التراجم أيضًا، عنصر «المكان» الذي يختلف المؤرخون فيه، وخاصة مكاني الولادة والوفاة، اللذين يهمان المحدث في معرفة إتصال الأسانيد، ومن بيانه لمكان الوفاة، ظهر أنه ترجم لبعض من توفي من المحدثين بكل من بلاد المغرب، ومصر، والشام، وخاصة دمشق وحلب، وبهذا تميز ذيل العراقي هذا عن ذيل آخر على «العبر» أيضًا ألفه الحافظ شهاب الدين أبو العباس أحمد بن حجي، وركز اهتمامه فيه على وفيات أهل بلده دمشق غالبًا (^١) وبالنسبة لتاريخي المولد والوفاة عنى العراقي بهما أيضًا، بل التزم بذكر تاريخ وفاة من ترجمهم، وتارة يحدده باليوم والشهر، بجانب تحديد السنة وتارة يحددها بالشهر والسنة، وتارة بالسنة فقط، وعنى أيضًا بما يهم المحدث، من التوثيق والتجريح، خاصة لمن خبرهم بنفسه وشاهدهم، كشيوخه الذين ترجمهم، فقد قال في ترجمة شيخه الميدومي: «وكان ثقة صدوقًا خيرًا … وافر العقل متين الديانة» (^٢).\nوفي ترجمة شيخه مغلطاي قال: «وادعى السماع من الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد، والدمياطي وابن الصواف في آخرين، ولم يُقبل ذلك منه وادعى أنه أجاز له الفخر بن البخاري، ولم يقبل أهل الحديث ذلك منه، ثم إنه ألف كتابًا كبيرًا، رد به على «تهذيب الكمال» للمزي وقال: «إن هذا الكتاب فيه تعصب كبير، وفيه فوائد أيضًا» (^٣) ويلاحظ في هذا إنصافه حيث ذكر عمل شيخه بما له وما عليه».\n_________\n(^١) «الأعلام»، لابن قاضي شهبة جـ ١/¬٢ أ.\n(^٢) انظر «مجموع ابن خطيب الناصرية» / ٥ «المنتقى من ذيل العراقي» وفيات سنة ٧٥٤ هـ.\n(^٣) «مجموع ابن خطيب الناصرية» / ٥ «المنتقى من ذيل العراقي» وفيات سنة ٧٦٢ هـ.","vol":"3","page":1180},{"text":"<span data-type='title' id=toc-409>آراء العراقي في الكتاب:</span>\nببحثي الكامل لمنتقى ابن خطيب الناصرية من ذيل العراقي هذا وللنقول الأخرى التي وقفت عليها عند غيره، وجدته يكتفي في الحوادث والتراجم بذكر رأي واحد مقرًا له، ومقتضى هذا كما قدمنا عن العراقي نفسه في بيانه للآراء (^١)، أنه يعتبر جازمًا ومرتئيا لكل ما ذكره واقره في مواجهة ما يخالفه من الآراء، ولهذا انتقد ابن قاضي شهبة كما مر العراقي في إقراره للحسيني على وهمه في تاريخ وفاة بعض الأشخاص، كما أن أبا زرعة بن العراقي استدرك عليه في بعض ما قرره، مبينًا وجود رأي آخر معارض له، ففي حوادث سنة ٧٥٠ هـ قال العراقي: «فيها فتك الحي بغا العادل بأرغون شاه، نائب دمشق»، ومعنى ذلك أن «الحي بغا» قتل أرغون شاه، لكن أبا زرعة ابنه علق بخطه على قول والده «فتك» فقال: «لعله عزل» (^٢).\nومعنى ذلك أنه يعارض ما أثبته والده جازمًا به، من قتل «الحي بغا» الأرغون، بأنه قد يكون الصواب غير ذلك وهو أن «الحي بغا» عزل من منصبه، وتولى بدله أرغون شاه.\nكذلك قال العراقي في ترجمة قاضي حلب: «نجم الدين محمد بن عثمان بن أحمد الزرعي: «إنه حنبلي المذهب»، فعلّق أبو زرعة على ذلك بأن ابن حبيب (معاصر العراقي) ذكر أن القاضي المذكور (شافعي) وليس حنبليا، كما جزم به والده» (^٣).\n_________\n(^١) انظر ص () وما بعدها من هذه الرسالة.\n(^٢) انظر «مجموع ابن خطيب الناصرية» / «المنقى من ذيل العراقي» وفيات سنة ٧٥٠ هـ.\n(^٣) انظر «مجموع ابن خطيب الناصرية» / «المنتقى من ذيل العراقي» وفيات سنة ٧٥٧ هـ.","vol":"3","page":1181},{"text":"كذلك ذكر العراقي شيخه علاء الدين التركماني ضمن من توفي سنة ٧٤٩ هـ بينما حدّد تلميذه ابن حجر وفاة التركماني في عاشر المحرم سنة ٧٥٠ هـ (^١) وقد اعتمد ابن فهد رأي شيخه العراقي (^٢) وهو موافق لما قرره الإسنوي شيخ العراقي في «طبقات الشافعية (^٣)» وهناك ترجمة واحدة في «منتقى ابن خطيب الناصرية»، وجدت العراقي تردد في تاريخ وفاة صاحبها دون قطع، وذلك في وفيات سنة ٧٥٩ هـ، حيث قال: «وتوفي فيها أو في التي بعدها، يعني سنة ٧٦٠ هـ، سليمان بن إبراهيم بن سليمان ابن المطوع الحلبي …» الخ، كما إني وجدته رد بعض الآراء التي لا يرتضيها، مع التدليل، وذلك أنه ذكر ما سمعه بنفسه من الشيخ أحمد الزرعي «أنه أقسم بالله أنه ما رأى أحدا لا يريد إلا الله والدار الآخرة، إلا الشيخ تقي الدين بن تيمية وأخاه عبد الرحمن»، ثم عقب عليه قائلا: «هذا إفراط وغلو، وإنما يقول هذا من اطلع على سرائر الخلق ونياتهم، والله المستأثر بما شاء من علمه وغيوبه (^٤)».\nومن آرائه النقدية المتسمة بالانصاف، رأيه فى كتاب شيخه مغلطاي الذي رد به على كتاب تهذيب الكمال للمزي حيث قال كما قدمت: إن فيه تعصبا كبيرا، وفيه فوائد أيضا.\nنماذج تطبيقية مقارنة من تراجم الكتاب: وإليك بعض النماذج من تراجم الكتاب تطبيقا لما قدمت، مع مقارنتها بما\n_________\n(^١) انظر: «رفع الإصر عن قضاة مصر» لابن حجر قسم ٢/ ٤٠١.\n(^٢) انظر: «ذيول تذكرة الحفاظ» / ١٢٥.\n(^٣) انظر: «طبقات الشافعية للإسنوي»، ج ١/ ٢٩٦.\n(^٤) انظر: «مجموع ابن خطيب الناصرية» / ٥ «المنتقى من ذيل العراقي» وفيات سنة ٧٤٧ هـ/ ترجمة =","vol":"3","page":1182},{"text":"عند غير العراقي، فمن ذلك ترجمته للحافظ المزي، في وفيات سنة ٧٤٢ هـ حيث قال: «الحافظ جمال الدين أبو الحجاج يوسف بن أبي عبد الرحمن بن يوسف بن عبد الملك بن يوسف بن علي بن أبي الزهراء القضاعي، الكلبي، المزي، أحفظ أهل زمانه (توفي) في يوم الاثنين ١٨ صفر بدمشق، وكان مولده بظاهر حلب سنة ٦٥٤ هـ، روى عن أحمد ابن أبي الخير الحداد، ويحيى بن أبي منصور الحراني، ومؤمل بن محمد البالسي، والقاسم بن أبي بكر الإربلي، والمسلم بن محمد القيسي، وإبراهيم بن الدرجي، والمقداد بن هبة الله القيسي، وأبي الفرج عبد الرحمن بن أبي عمر، وعبد العزيز بن عبد المنعم الحراني، ومحمد بن عبد الخالق بن طرخان الأموي، وخلائق، بدمشق، وحلب، وبعلبك، ونابلس، والحرمين وبيت المقدس والقاهرة والإسكندرية، وصنف «تهذيب الكمال» وأطراف الستة، فأجاد فيهما وأتقن، ودرس لأهل الحديث، بدار الحديث الأشرفية، روى عنه الذهبي والسبكي والعلائي، وعز الدين بن جماعة والعماد بن كثير وخلائق، ولم يخلف بعده مثله، ولا رأى هو مثله في الحفظ والإتقان، ﵀».\nوقد ترجم العراقي للمزي مرة أخرى في «رجال تقريب الأسانيد» (^١) وبمقارنة الترجمتين نجد بينهما اختلافا، يميز كل منهما عن الأخرى، ففي رجال التقريب جاءت الترجمة أوسع، بحيث تعد ضعف ما في «ذيل العبر» ومع ذلك ففي ترجمة ذيل العبر من آراء العراقي ما ليس في ترجمة رجال التقريب، وذلك أنه في ترجمة رجال التقريب ذكر أن المزي صنف كتابي «تهذيب\n_________\n= الشيخ زين الدين عبد الرحمن بن عبد الحليم بن تيمية.\n(^١) انظر: «طرح التثريب» ج ١/ ١٢٩، ١٣٠.","vol":"3","page":1183},{"text":"الكمال» و«أطراف الكتب الستة»، ولم يذكر رأيه فيهما، أما في «ذيل العبر» فقال - كما مر ذكره - إن المزي أجاد في الكتابين وأتقن، وبذلك استفدنا من الترجمة التي في ذيل العبر على إيجازها، ما لم نستفده من نفس الترجمة في «رجال التقريب» رغم اتساعها، ثم إن العراقي لم يحدد في رجال التقريب مكان وفاة المزي، بينما حدده في ذيل العبر بأنه (دمشق) ويوافقه في هذا ابن تغري بردي من بعده (^١).\nكما حدد في رجال التقريب تاريخ الوفاة بيوم السبت ١٢ صفر، وهذا يوافق تحديد الحسيني في ذيله، بينما حدد العراقي تاريخ الوفاة في ذيله بيوم الإثنين ١٨ صفر، وهذا يدل على عدم اعتماده في ذلك على الحسيني، كما أن ترجمة الحسيني للمزي تختلف عمومًا، زيادة ونقصًا، عن ترجمة العراقي له (^٢).\nويلاحظ أيضًا أن التاريخين لا يستقيم أحدهما مع الآخر، فإذا كان يوم ١٨ صفر يوافق يوم الإثنين، يكون يوم ١٢ موافقًا يوم الثلاثاء، لا يوم السبت، وإذا أخذنا بأن يوم ١٢ يوافق يوم السبت، يكون يوم ١٨ موافقًا يوم السبت أيضًا، وعليه فإن العراقي قد اعتمد في كل ترجمة على مرجع مختلف، ولم يقارن بينهما، مثل مقاراناته التي عهدناها في غير هذا الكتاب، وقد وافقه ابن تغري بردي على أن تاريخ وفاة المزي ١٢ من صفر، دون تحديد اسم اليوم (^٣)، أما ابن قاضي شهبة، فذكر في ترجمته للمزي، ما لم يذكره العراقي في ترجمته له، حيث قال: «إن المزي لما عُين لمشيخة دار الحديث\n_________\n(^١) «النجوم الزاهرة»، ج ١٠/ ٧٦.\n(^٢) انظر «ذيل الحسيني» وفيات سنة ٧٤٢ هـ.\n(^٣) انظر «النجوم الزاهرة»، ح ١٠/ ٧٦.","vol":"3","page":1184},{"text":"الأشرفية تُؤقِّفَ فيه، وثار عليه الأشاعرة من أجل أن شرط واقفها أن يكون (شيخها) أشعريا، ولم يكن الشيخ جمال الدين المزي كذلك، حيث كان على عقيدة أهل الحديث، ولم يمكن من مباشرة المشيخة، حتى أشهد عليه أنه على عقيدة ابن الزملكاني، فلامه صاحبه ابن تيمية، وقال له: يا شيخ، بعت دينك بدنياك (^١)، وتلاحظ أن هذا يعتبر جرحًا في الحافظ المزي، فلعل العراقي لم يعتد بهذا فأعرض عن ذكره، أو لعله لم يقف عليه.\nومن نماذج تراجم هذا الذيل، ترجمة الحافظ الذهبي، مؤلف كتاب «العبر» الذي ذيل عليه العراقي، ففي وفيات سنة ٧٤٨ هـ قال: وفي ليلة الإثنين ٣ ذي القعدة - يعني توفي - الحافظ شمس الدين محمد بن أحمد عثمان الذهبي، سمع خلقًا بدمشق، وحلب، وحماة وطرابلس وحمص وبعلبك، والحرمين، وبيت المقدس والقاهرة، وغيرهما، وخرج له أربعين بلدانية، وشيوخه يزيدون على ألف ومائتين، يجمعهم معجمه الذي خرجه لنفسه، وصنف كتبًا كثيرة، منها: «تاريخ الإسلام» في ٢٠ مجلدًا، و«سير النبلاء» في ٦ مجلدات، و«ميزان الإعتدال» في ٤ مجلدات، و«تذكرة الحفاظ»، و«طبقات القراء»، وكتاب «العبر»، و«مشتبه النسبة»، و«اختصر تاريخ بغداد»، و«تاريخ دمشق»، و«تهذيب الكمال»، و«الأطراف» للمزي، وغير ذلك، وكان مولده سنة ٦٧٣ هـ، وكتب عن خلق من أقرانه ودونه، وحدث عن جماعة، بعضهم إلى الآن حي، وولي مشيخة دار الحديث الظاهرية، ودار الحديث النفيسية، ومشيخة تربة أم الصالح، وغير ذلك.\n_________\n(^١) انظر «الأعلام»، لابن قاضي شهبة ج ١/¬٣٦ أ - ٣٧ أ.","vol":"3","page":1185},{"text":"وكان آخر بقية حفاظ الشام، سمع منه الحفاظ: السبكي والعلائي وقاضي القضاة عز الدين بن جماعة وقاضي القضاة برهان الدين ابن جماعة وابن رافع والحسيني وابن سند، وآخرون كثيرون (^١).\nومن المعروف أن الذهبي قد ترجمه غير واحد في عصر العراقي، ومن بعده، وعندما نقارن ترجمة العراقي هذه له، بترجمة غيره له، نجد أن ابن قاضي شهبة يتفق معه في تحديد تاريخ وفاة الذهبي (^٢).\nأما تاج الدين بن السبكي معاصر العراقي فقد ذكر في طبقاته في ترجمة الذهبي أنه لما رشح لمشيخة دار الحديث الأشرفية بدمشق، اعترض عليه بأن شرط واقفها أن يكون شيخها أشعري العقيدة، والذهبي متكلم فيه، فاستبعد، ووليها بدله الشيخ تقي الدين السبكي (^٣).\nونلاحظ أن العراقي لم يذكر هذا القدح في الذهبي، واكتفى بذكر الأماكن التي تولى مشيخة الحديث فيها فعلا، فلعله لم يرتض هذا القدح فأعرض عنه مثلما فعل بالنسبة للمزي كما قدمت، كذلك ذكر العراقي أن شيوخ الذهبي يزيدون على ألف ومائتين، بينما نجد الكتاني في «فهرس الفهارس» يذكر في ترجمة الذهبي أن شيوخه يبلغون ألفًا وثلاثمائة شيخ بالتحديد، فلعله وقف على هذا في بعض المراجع التي لم تتيسر للعراقي.\nومن التراجم التي وفاها العراقي مقوماتها الأساسية وقصر فيها الحسيني جدًا،\n_________\n(^١) «مجموع ابن خطيب الناصرية»: «المنتقى من ذيل العبر للعراقي»، وفيات سنة ٧٤٨ هـ.\n(^٢) «الأعلام»، لابن قاضي شهبة حـ ١/¬٢ أ.\n(^٣) انظر «طبقات الشافعية»، لابن السبكي جـ ٦/ ١٧١.","vol":"3","page":1186},{"text":"ترجمة الحافظ ابن أيبك الدمياطي، فقد ترجمه العراقي فيمن توفي سنة ٧٤٩ هـ فقال: «والحافظ شهاب الدين أحمد بن أبيك الدمياطي، - يعني توفي - سمع الحديث على وزيرة، والحسن الكردي وأبي العباس الحجار، وخلائق، وخرج وأفاد وكتب ذيلا على وفيات الشريف عز الدين الحسيني، كتب فيه إلى آخر وفاته، وشرع في تخريج الأحاديث الواقعة في الرافعي، فلم يكمله (^١)».\nأما الحسيني فقال في ترجمته في وفيات نفس السنة ما نصه: «والحافظ شهاب الدين أحمد بن أبيك الدمياطي (^٢)» ولم يزد على ذلك.\nومثال ترجمته لمن توفي من الحفاظ ببلاد المغرب قوله في وفيات سنة ٧٤٩ هـ: وممن توفي ببلاد المغرب الحافظ أبو عبد الله محمد بن جابر بن محمد القيسي، الوادي آشي، سمع من ابن الغماز وابن هارون وغيرهما، وحدث بمصر والشام والحجاز وبلاد المغرب، وكان قد انفرد بالديار المصرية بعلو «الموطأ» من طريق يحيى بن يحيى، ثم سافر إلى بلاد الغرب فمات بها كما قيل، في شهر ربيع الأول (^٣).\nويلاحظ أن العراقي لم يجزم بتحديد شهر وفاة الواداآشي، كما جزم بالنسبة لغيره، بل قال: «كما قيل» فلعل مصدره في هذا التحديد غير قاطع كما أن هذه الترجمة مما انفرد العراقي بذكره عن الحسيني، حيث لم أجدها في ذيله.\n_________\n(^١) «مجموع ابن خطيب الناصرية» / المنتقى من ذيل العراقي على العبر»:/ وفيات سنة ٧٤٩ هـ.\n(^٢) انظر «ذيل الحسيني» وفيات سنة ٧٤٩ هـ.\n(^٣) «مجموع ابن خطيب الناصرية» / «المنتقى من ذيل العبر» للعراقي/ وفيات سنة ٧٤٩، ٧٤٧ هـ.","vol":"3","page":1187},{"text":"ومن تراجمه للنساء المحدثات في وفيات سنة ٧٤٧ هـ حيث قال: «وفيها في ١٦ (من شوال) فاطمة بنت العز إبراهيم بن عبد الله بن أبي عمر، سمعت من إبراهيم بن خليل، وأحمد بن عبد الدايم، وتفردت بالسماع من ابن خليل، وتفردت أيضًا بإجازة محمد بن عبد الهادي وابن السروري، وابن عوة، وخطيب مرد، وكان مولدها سنة ٦٥٧ هـ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-410>مناقشة ابن حجي في انتقاده للعراقي في هذا الكتاب:</span>\nيعتبر شهاب الدين أحمد بن حجي المتوفى سنة ٧١٦ هـ مفتي الشام ومؤرخه في عصره (^٢)، وقد ألف ذيلا على كتاب «العبر» للذهبي كما أشرت من قبل، ومن ضمنه نفس الفترة التي تناولها من قبله الحسيني ثم العراقي (^٣)، وبحكم تأخره الزمني عنهما اطلع على ذيليهما وتكلم عنهما في مقدمة ذيله، ونقل عنه ذلك صاحب «كشف الظنون» فذكر عن ذيل العراقي: «أنه تساهل فيه، وأنه ليس على قدر علمه، وأن الأكثر منه مأخوذ من ذيل الحسيني» (^٤).\nويبدو من كلامه هذا أنه اطلع على الذيلين، وقابل بينهما تفصيليا، كما أنه نقل عنهما كثيرًا في ذيله، كما يبدو من كتاب «الأعلام» لابن قاضي شهبة.\n_________\n(^١) «مجموع ابن خطيب الناصرية»:/ «المنتقى من ذيل العبر» للعراقي/ وفيات سنة ٧٤٩ هـ، ٧٤٧ هـ.\n(^٢) انظر ترجمته في «بهجة الناظرين» للغزي/ ٧١، ٧٢/ مخطوط.\n(^٣) «كشف الظنون» / ١١٢٢، ١١٢٣ و«الأعلام»، لابن قاضي شهبة ج ١/¬٢ أ.\n(^٤) «كشف الظنون» / ١١٢٢.","vol":"3","page":1188},{"text":"الذي استوعب فيه ذيل شيخه ابن حجي هذا (^١). ومع ذلك فإني أرى أن نقد ابن حجي هذا ليس مسلما له على إطلاقه، بل ينبغي مناقشته فيه، فإن كان يقصد بتساهل العراقي في هذا الذيل: أنه أوجز في التراجم ومشى - غالبا - على إقرار رأي واحد، كما قدمت في بيان آرائه، فلم يعرض للآراء المختلفة أو يقارنها، ويبين الخطأ والصواب منها، والراجح والمرجوع كما فعل في غير هذا الكتاب، إن كان يقصد بالتساهل ما ذكرت، فهو مسلم له، وليس الكتاب بهذا الاعتبار على قدر علم العراقي، وما عرف عنه من سعة الاطلاع وعمق البحث والتحقيق، وإن كان ابن حجي يقصد بالتساهل غير هذا، فلا أسلمه له، بناء على بحث ومقارنة ما وقفت عليه من نصوص الكتاب.\nأما قوله: إن العراقي قد اعتمد في أكثر الذيل على ذيل الحسيني، فهذا أمر مبالغ فيه، حيث إني قد اطلعت على ذيل الحسيني تفصيلا، وقارنته بما وقفت عليه من نصوص ذيل العراقي، فوجدت تخالفا بينهما عموما، بالزيادة والنقصان، حتى في الحوادث والتراجم التي اتفقا في ذكرها كما مر في نماذج المقارنة بينهما، بل قد مر في المقارنة: أن ترجمة العراقي في هذا الذيل لبعض الأشخاص، قد اختلفت عن ترجمته له في مؤلف آخر له، وهذا كله يؤكد أن العراقي وإن كان قد تبع الحسيني في بعض النقاط كما هو الشأن في المتأخر بالنسبة للمتقدم، فإنه قد خالفه في نقاط أخرى متعددة، وانفرد عنه بذكر حوادث وتراجم كثيرة، ولهذا فإن من جاء بعد الحسيني والعراقي وتناول نفس الفترة التي تناولاها، لم يستغن بذيل الحسيني عن ذيل العراقي، وخاصة في التراجم، كما سيظهر في بيان أثر الكتاب فيما بعده.\n_________\n(^١) «كشف الظنون» / ١١٢٢، ١١٢٣ و«الأعلام»، ج ١/¬٢ أ، ب، ٤٧ أ.","vol":"3","page":1189},{"text":"<span data-type='title' id=toc-411>أثر الكتاب فيما بعده:</span>\nمن أظهر الأدلة على أثر هذا الكتاب فيما بعده، أنني رغم افتقادي لنسخه الخطية، استطعت استيفاء التعريف به وتفصيل منهج العراقي وآرائه فيه، وذلك من خلال النقول الكثيرة المأخوذة عنه نصا، والتي ما تزال حتى الآن مبثوثة فيما بين أيدينا من مؤلفات من بعد العراقي في تاريخ الرجال حيث اتخذوا هذا الكتاب عمدة لهم، ثروا وطعموا بمحتوياته مؤلفاتهم وفي مقدمة ذلك «منتقى ابن خطيب الناصرية» الذي أودعه في مجموعه كما تقدم، وشملت منتقياته نماذج نصية كاملة من أول الذيل إلى آخره.\nثم ألف تقي الدين أحمد بن قاضي شهبة، فقيه الشام ومؤرخه أيضًا المتوفى سنة ٨٥١ هـ (^١) كتابه المسمى «الأعلام» وتناول فيه على نفس منهج الذهبي في «العبر» الفترة من سنة ٧٤١ هـ إلى عصره، مع البسط والاستيعاب ما أمكن، حتى جاء في ٥ مجلدات خطية، وقد اعتمد فيه أساسا على ذيل شيخه ابن حجي المتقدم ذكره، وصرح بذلك في مقدمته (^٢)، ولما كانت الفترة الزمنية التي تناولها العراقي في ذيله داخلة فيما تناوله ابن حجي، فإنه اعتمد عليه في كثير من التراجم، وتبعه ابن قاضي شهبة على ذلك، مثل وفيات سنة ٧٤١ هـ (^٣) وسنة ٧٤٣ هـ (^٤) وسنة ٧٤٤ هـ (^٥) وسنة.\n_________\n(^١) انظر ترجمته في «بهجة الناظرين» للغزي/ ١٠٩ و«نظم العقيان» للسيوطي/ ٥٢ أ.\n(^٢) «الأعلام»، ج ١/¬٢ أ، ب.\n(^٣) انظر «الأعلام»، ج ١/¬٩ أ، ب.\n(^٤) «الأعلام» ج ١/¬٤٧ أ، ب.\n(^٥) «الأعلام»، ج ١/ ٦١ أ.","vol":"3","page":1190},{"text":"٧٥٠ هـ (^١) وسنة ٧٥٤ هـ (^٢)، وقد أكثر من نقل نصوص مطولة عنه في وفيات سنة ٧٤٩ هـ التي كانت الوفيات فيها تعد بالآلاف يوميا بسبب الطاعون (^٣)، وما يزال كتاب ابن قاضي شهبة هذا مرجع الباحثين، رغم كونه مخطوطا حتى الآن، وقد اطلعت عليه واستفدت منه، كما يظهر من إحالاتي عليه خلال البحث، وأيضا ابن فهد، مؤرخ الحجاز في عصره، قد نقل عدة مرات عن ذيل العراقي هذا، وبعض نقوله عبارة عن ترجمة الوادآشي بأكملها كما تقدمت في النماذج، وذلك النقل في ذيله على «تذكرة الحفاظ» للذهبي المسمى «لحظ الالحاظ» (^٤) وهو مطبوع حاليا ومتداول ضمن «ذيول تذكرة الحفاظ».\nكما نقل أبو زرعة ابن العراقي عن هذا الذيل، في ذيله عليه، الذي بدأه من سنة ٧٦٢ هـ (^٥) وما يزال هذا الذيل مخطوطا حتى الآن (سنة ١٤٩٩ هـ)، ولعلي بهذا قد وفقت في عرض الكتاب وتحليله ومقارنته وبيان أثره، رغم افتقاده، وتفرق نصوصه بين مؤلفات من بعد العراقي من أعلام مصر والشام والحجاز، والتي ما يزال أغلبها مخطوطا حتى الآن، وبالله التوفيق.\n_________\n(^١) «الأعلام» ج ١/ ١١٦ أ.\n(^٢) «الأعلام» ج ١/ ١٣١ ب.\n(^٣) «الأعلام» ج ١/ ٩٣ ب، ٩٤ أ، ب، ٩٥ ب، ٩٧ ب.\n(^٤) انظر «لحظ الألحاظ ضمن ذيول تذكرة الحفاظ» / ١١٥، ١١٦، ١٢٥، ١٢٨، ١٣٩ ترجمة مغلطاي.\n(^٥) انظر «ذيل ولي الدين أبي زرعة»، وفيات سنة ٧٦٢ هـ ترجمة «مغلطاي»، وقابلها بنفس الترجمة في: «المنتقى من ذيل العراقي» ضمن مجموع ابن خطيب الناصرية، وقد طبع ذيل ولي الدين ابن العراقي الآن (١٤١٩ هـ) أكثر من طبعة.","vol":"3","page":1191},{"text":"<span data-type='title' id=toc-412>ب - وتذييل العراقي على: «وفيات نقلة العلم وذوي الشأن للحافظ ابن أيبك الدمياطي، وأثر ذلك»</span>\n<span data-type='title' id=toc-413>مكانة الكتاب والداعي إلى تأليفه:</span>\nمن أنواع التأليف التي أسهم العراقي بها في علم الرجال، وظهر أثره فيما بعده، التأليف فيما يعرف بكتب الوفيات، وهي مؤلفات تناول فيها أصحابها تراجم العلماء والرواة وغيرهم من ذوي الشأن، كالحكام والوجهاء، مع العناية بالدرجة الأولى بتحديد زمن وفاة المترجمين ولو بالتقريب، كأن يقال: توفي فلان في عهد الحاكم الفلاني، أو قبل أو بعد فلان، ممن عرف تاريخ وفاته، ولهذا سميت كتب الوفيات، كما أن المؤلفين فيها اهتموا بتراجم رواة السنة، ونقلة العلم أكثر من غيرهم، ولهذا سمى بعضهم كتابه «جامع الوفيات» وبعضهم (وفيات النقلة) وتبعهم من بعدهم كما سيأتي (^١) وقد ذكر العراقي وغيره أن الحكمة في عناية أهل الحديث بتاريخ وفاة الشخص كشف الكذب في الحديث، ومعرفة ما في السند من انقطاع، أو عضل، أو تدليس، أو إرسال ظاهر، أو خفي، وذلك لأنه يوقف به على أن الراوي من المتقدمين أو المتأخرين لم يعاصر من روى عنه (^٢)، ومما مثل به ابن الصلاح والعراقي ومن بعدهم لذلك: «أن إسماعيل ابن عياش سأل رجلا، اختبارًا له: أي سنة كتبت عن خالد بن معدان؟ فقال: سنة ١٣ يعني ومائة، فقال: أنت\n_________\n(^١) انظر (الإعلان بالتوبيخ) / للسخاوي/ ضمن كتاب «علم التاريخ عند المسلمين» لفرانتس روزنتال/ ٦٨٥ وما بعدها، وانظر (التكملة لوفيات النقلة) للمنذري (مخطوط) وقد وجدته ترجم فيه بجانب نقلة العلم، بعض الحكام والتجار.\n(^٢) انظر: «فتح المغيث» للعراقي ج ٣/ ١٣٣ و«فتح المغيث» للسخاوي/ ج ٣/ ٢٨٣","vol":"3","page":1192},{"text":"تزعم أنك سمعت منه بعد موته بسبع سنين، قال إسماعيل: مات خالد ابن معدان سنة ١٠٦ هـ، وهناك أقوال أخرى في تاريخ وفاته، وكلها لا تتفق مع ما أجاب به الشخص المسئول (^١).\nونقل ابن الصلاح والعراقي وغيرهما، عن أبي عبد الله الحميدي الأندلسي صاحب «الجمع بين الصحيحين»، أن من علوم الحديث التي يجب تقديم التهمم بها، وفيات الشيوخ، وقال: «أنه ليس فيه كتاب»، فاستدركوا عليه بأنه كأنه أراد أنه ليس في الوفيات كتاب مختص بها، مستقص لجميعها؛ لأن تواريخ المحدثين السابقين عليه كالبخاري، مشتملة على كثير من الوفيات، كما أن هناك مؤلفات معنونة بالوفيات كذلك (^٢) وقد ذكر العراقي أهم من ألف كتب الوفيات حتى عصره، وتبعه على هذا من بعده، مع إضافة تفصيلات أخرى، وخلاصة ذلك أنه ممن ألف في الوفيات أبو محمد وأبو سليمان (^٣) عبد الله\n_________\n(^١) انظر «مقدمة ابن الصلاح مع التقييد والإيضاح» / ٤٣٢ هـ «وفتح المغيث» للعراقي/ ج ٤/ ١٣٣، ١٣٤.\n(^٢) انظر «الكافي في علوم الحديث» للتبريزي/ ٦١ أ (مخطوط مصور) و(مقدمة ابن الضلاح مع التقييد والإيضاح) / ٤٣٣ و٥ «فتح المغيث» للعراقي ج ٤/ ١٣٤ وهـ «فتح المغيث» للسخاوي ج ٣/ ٢٨٥ و«الإعلان بالتوبيخ» / للسخاوي أيضًا وهو مطبوع ضمن «علم التاريخ عند المسلمين» لفرانتس روزنتال/ ٧٠١ وما بعدها مع تعليقات روزنتال بالهوامش و«الرسالة المستطرفة» للكتاني/ ٥٨. وما بعدها والمنذري وكتابه «التكملة» للدكتور بشار/ ٢١١ وما بعدها/ أصل وهامش.\n(^٣) فهم روزنتال من تعدد الكتبة أن أبا محمد شخص وأبا سليمان شخص آخر والصواب أنهما كنيتان لشخص واحد هو: عبد الله المذكور وقد سقط اسمه من طبعة روزنتال/ ٧٠١ وهو مثبت في «المعجم المفهرس» لابن حجر/ ١٨٥ (مخطوط).","vol":"3","page":1193},{"text":"أحمد بن ربيعة بن زبر - بفتح الزاي وسكون الباء - البغدادي الدمشقي قاضي مصر المتوفى سنة ٣٢٩ هـ وقد بدأ كتابه من السنة الأولى للهجرة، ورتبه على السنوات، وانتهى فيه إلى سنة ٣٢٨ (^١).\nقال العراقي: «وقد اتصلت الذيول على «ابن زبر» إلى زماننا هذا» إهـ. وتفصيل ذلك: «أنه قد ذيل على كتاب ابن زبر: الحافظ أبو محمد عبد العزيز ابن أحمد الكناني المتوفى سنة ٤٦٦ هـ ووصل في ذيله إلى قرب وفاته، ثم ذيل على الكناني تلميذه أبو محمد هبة الله بن أحمد الأكفاني ذيلا صغيرًا نحو عشرين سنة، إذ بدأ من حيث انتهى شيخه، وانتهى سنة ٤٨٥ هـ ويسمى «جامع الوفيات» ثم ذيل على ابن الاكفاني الحافظ أبو الحسن علي ابن المفضل المالكي المتوفى سنة ٦١١ هـ وسمى كتابه «وفيات النقلة» ووصل فيه إلى سنة ٥٨١ هـ ثم ذيل عليه تلميذه الحافظ أبو محمد عبد العظيم بن عبد القوي المنذري المتوفى سنة ٦٥٦ هـ، وبدأ تذييله من أول سنة ٥٨١ هـ ووصل إلى أثناء سنة ٦٤٢ هـ فجاء ذيلًا كبيرًا متقنا مفيدا ويسمى «التكملة لوفيات النقلة» وقد اطلعت عليه فوجدته مرتبا على السنوات، وفي داخل كل سنة على الشهور، بحيث يذكر من توفي في المحرم ثم من توفي في صفر، وهكذا، ثم ذيل على المنذري تلميذه الشريف عز الدين أحمد بن محمد بن عبد الرحمن الحسيني المتوفى سنة ٦٩٥ هـ وبدأ ذيله من سنة ٦٤١ هـ وانتهى إلى سنة ٦٧٤ هـ ويسمى «صلة التكملة لوفيات النقلة»، ويقع في مجلد، ثم ذيل على الحسيني المحدث الشهاب أبو الحسن أحمد بن أيبك الدمياطي المتوفى\n_________\n(^١) في طبعة روزنتال سنة ٣٣٨ هـ وهي لا تتفق مع تاريخ وفاة المؤلف انظر/ ٧٠١ من «علم التاريخ عند المسلمين» لروزنتال.","vol":"3","page":1194},{"text":"في رمضان سنة ٧٤٩ هـ ووصل فيه إلى الطاعون الواقع في أوائل سنة ٧٤٩ هـ، قال العراقي: (وذيلت على ابن أبيك)، وبذلك أثبت بنفسه أنه ألف في وفيات نقلة العلم وذوي الشأن ذيلا على كتاب سلفه الحافظ ابن أيبك الدمياطي، وحدّد بدايته بما انتهى إليه سلفه الدمياطي وهو سنة ٧٤٩ هـ، وقد أقره على ذلك تلميذه ابن حجر (^١) ثم السخاوي (^٢) وغيرهما (^٣). وجدير بالذكر أن كتاب ابن زبر وذيوله المتوالية حتى عصر العراقي كانت موجودة، ومتداولة للدراسة والانتفاع في عصر العراقي (^٤) وبهذا كان تتابع تأليف المتقدمين حافزا للعراقي إلى القيام بواجبه بالنسبة إلى عصره، باعتباره رائدا لمدرسة السنة فيه، فينبغي مواصلته للمسيرة من بعد سابقيه.\n\n<span data-type='title' id=toc-414>زمن تأليف الكتاب، ومنهجه، والفترة الزمنية التي تناولها، وتصحيح خطأ السخاوي فيها:</span>\nذكر العراقي تأليفه للذيل المذكور في شرحه المتوسط للألفية الذي فرغ منه كما قدمنا في ٢٩ رمضان سنة ٧٧١ هـ، وعليه فإنه يكون قد فرغ منه قبل هذا التاريخ، وبالنسبة لمنهجه فيه فإن مقتضى تذييله على من قبله أن يكون تبع منهجهم السابق الإشارة إليه، وهو الترتيب على حسب السنوات، وعلى حسب الشهور في كل سنة، وقد صرح بذلك صاحب «الرسالة المستطرفة»،\n_________\n(^١) انظر «الدرر الكامنة» له ج ١/¬٤.\n(^٢) انظر «فتح المغيث» ج ٣/ ٢٨٥ و«الإعلان بالتوبيخ» له ضمن «علم التاريخ عند المسلمين» / ٧٠٢ و«الضوء اللامع» ج ١/ ٣٣٦ وما بعدها.\n(^٣) «الرسالة المستطرفة» للكتاني/ ١٥٩.\n(^٤) انظر «المجمع المؤسس» لابن حجر/ ١٨٥ (مخطوط).","vol":"3","page":1195},{"text":"فبعد ذكره وفيات ابن زبر، والذيول التي عليه بما فيها ذيل العراقي، ذكر أن الجميع مرتب على حسب السنوات (^١).\nأما الفترة الزمنية التي تناولها العراقي في هذا الذيل، فإنه قد حدد بدايتها كما تقدم بسنة ٧٤٩ هـ، وبذلك تكون بداية هذا الذيل متأخرة قرابة ثماني سنوات عن بداية ذيله السابق على «العبر»، ولكن العراقي لم يحدد نهاية الفترة التي تناولها في ذيل الوفيات هذا، وقد حددها السخاوي بسنة ٧٦٢ هـ (^٢) ولكن الذي ظهر لي من واقع نصوص الكتاب المتعددة التي وقفت عليها، كما سيأتي في مبحث (أثر الكتاب): أن العراقي تجاوز فيه سنة ٧٦٢ هـ هذه بعدة سنين، حيث وجدت وفيات منقولة عنه في سنة ٧٦٥ هـ (^٣) وفي سنة ٧٦٧ هـ (^٤) وفي سنة ٧٦٨ هـ (^٥) وعليه فإن تحديد السخاوي لنهاية كتاب الوفيات هذا بسنة ٧٦٢ هـ خطأ، لعدم مطابقته لواقع الكتاب، رغم أني وجدت السخاوي أحال عليه في إحدى التراجم كما سيأتي، ويلاحظ أني لم أجد من تنبه لهذا الخطأ وقام بتصحيحه من قبلي، فالحمد لله على توفيقي لذلك، ويجب على الباحثين من بعدي ملاحظة هذا التصحيح لأن السخاوي أورد الخطأ المذكور في عدة مؤلفات له مطبوعة ومتداولة في العالم شرقا وغربا (^٦).\n_________\n(^١) «الرسالة المستطرفة» ٥/ ١٥٩.\n(^٢) «الإعلان بالتوبيخ» / ضمن «علم التاريخ عند المسلمين» / ٧٠٢ و«فتح المغيث» للسخاوي ج ٣/ ٢٨٥ و٥ «الضوء اللامع» له ج ١/ ٣٣٦ وما بعدها.\n(^٣)، (^٤)، (^٥) انظر «الدرر الكامنة» لابن حجر ج ٢/ ٣٦٩، ٣٥٦، ج ٤/ ٣٩٩:\n(^٦) انظر «الإعلان بالتوبيخ» / صمن «علم التاريخ عند المسلمين» / ٧٠٢ و«فتح المغيث» للسخاوي ح ٣/ ٢٨٠ و«الضوء اللامع» ج ١/ ٣٤٣.","vol":"3","page":1196},{"text":"<span data-type='title' id=toc-415>نسخ الكتاب، وبعض النقول عنه:</span>\nلقد بحثت كثيرًا في عدة فهارس المكتبات العالم، حتى وجدت مفهرس مكتبة كوبريلي باستانبول، ذكر رسالة عنوانها (الوفيات العراقية) وهي ضمن مجموعة بهذه المكتبة تحت رقم (١٦٠٢)، ولم يذكر المفهرس أية تفصيلات أخرى عن تلك الرسالة، فلعلها نسخة من تلك الوفيات، وإن كان لم يتح لي الاطلاع عليها للتأكد من ذلك، لكني وقفت على نقول متعددة من تلك الوفيات في بعض مؤلفات أبرز تلاميذ العراقي، كما وقفت على إجازته بها لتلميذه ابن حجر العسقلاني، ووقفت أيضًا على بعض نقول منها، وتعريف بها في تأليف غير تلاميذ العراقي من معاصريهم وتلاميذهم، وهذا يدل على أن بعض النسخ من كتاب الوفيات هذا، كانت موجودة ومتداولة في الأوساط العلمية في عصر العراقي وبعده، كما سيتضح بعد في بيان أثر الكتاب.\n\n<span data-type='title' id=toc-416>أثر الكتاب فيما بعده:</span>\nرغم عدم حصولي على أية نسخة من هذا الكتاب كما أشرت، إلا أن النقول المتعددة منه التي توصلت إليها بالبحث الشاق بين تضاعيف مؤلفات علم الرجال لمن بعد العراقي من تلاميذه وغيرهم، تفيد عمق واتساع أثر الكتاب فيما بعده من كتب الرجال ومؤلفيها، باعتمادهم عليه وتطعيم مؤلفاتهم بمحتوياته، وخاصة في مواضع الاختلاف والترجيح، وتفصيل ذلك كالتالي:\n\n<span data-type='title' id=toc-417>أثره في تأليف كل من ابن حجر العسقلاني، وأبي زرعة ابن العراقي:</span>\nوفي مقدمة هؤلاء، تلميذ العراقي البارز ابن حجر، فقد ذكر في مقدمة","vol":"3","page":1197},{"text":"كتابه «الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة» أن من المراجع التي استمد منها فيه: الوفيات للحافظ شمس الدين بن الحسن بن أيبك الدمياطي، والذيل عليه لشيخنا الحافظ أبي الفضل بن الحسين العراقي (^١) وذكر الحافظ ابن حجر أيضًا أن شيخه العراقي قد أجازه بهذا الذيل (^٢)، وبذلك تكون نقوله عنه متصلة السند، ويعتبر كتابه الدرر الكامنة الذي شكلت وفيات العراقي ركنا أساسيًا فيه، من كتب الوفيات، حتى قال السخاوي «إنه يسمى أيضًا «الوفيات الكامنة لأعلام المائة الثامنة» وقد رتبه ابن حجر على حروف المعجم، وهو مطبوع عدة طبعات، أحدثها في ٥ مجلدات، بتحقيق الشيخ محمد سيد جاد الحق، وهي التي رجعت إليها، أما أبو زرعة ابن العراقي، فإنه قد نقل عن وفيات والده مرات متعددة، وذلك في كتابه الذي ذيل به على ذيل والده على كتاب «العبر» وقد بدأه بسنة مولده، وهي سنة ٧٦٢ هـ، والموجود منه حتى الآن إلى سنة ٧٨٦ هـ، وهو ما يزال مخطوطًا، وقد قدمت ذكر نسختين خطيتين منه، وتوجد منه نسختان أخريان، إحداهما موجودة بمكتبة البلدية بالإسكندرية، وثانيتهما موجودة بدار الكتب المصرية تحت رقم (١٦١٥) تاريخ، ولقد قمت بتتبع نقول كل من ابن حجر وأبي زرعة عن ذيل الوفيات، خلال كتابيهما بأكملهما، فتبين لي الآتي:\n١ - أن التراجم التي نقل فيها ابن حجر عن وفيات شيخة العراقي هذه، كثيرة، بحيث تشكل النقول مقوما أساسيًا في الكتاب، وهي مبثوثة فيه من\n_________\n(^١) «الدرر الكامنة» جـ ١/¬٤.\n(^٢) «المعجم المفهرس» له/ ١٨٥.","vol":"3","page":1198},{"text":"أوله إلى آخره، نظرا لأنه مرتب على حروف المعجم (^١)، وتارة يعزو النقول إلى وفيات شيخه، وتارة يعزوها إلى شيخه فقط، كما سيتضح من النماذج بعد. أما أبو زرعة فإن كتابه مرتب على السنوات، وقد نقل عن تلك الوفيات في تراجم من توفوا في سنوات ٧٦٢ هـ، ٧٦٤ هـ، ٧٦٥ هـ، ٧٦٦ هـ، ٧٦٧ هـ، ٧٦٨ هـ (^٢) ويعبر غالبا عند النقل بقوله: «نقلت ذلك من خط والدي»، كما سيأتي في النماذج، وهذا يدل على أنه كان لديه نسخة من الوفيات، بخط والده، ثم إن ابن حجر وأبا زرعة قد نقلا في كتابيهما أيضا عن العراقي بعض ما شافههم به، وبعض المذكور في غير تلك الوفيات من مؤلفاته في الرجال، وفي المصطلح، دون تحديدهما للكتاب المنقول منه، ويمكن تمييز ذلك عن المنقول من الوفيات المذكورة عن طريق سياق الكلام وتحديد الفترة الزمنية التي تناول العراقي وفياتها كما قدمت، وكذلك عن طريق الرجوع لباقي مؤلفات العراقي، وللنقول المحددة عنها في غير كتابي ابن حجر وأبي زرعة، مثلما فعلت في نماذج النصوص التي سأذكرها هنا، وقد عانيت في مقابلتها وتمييزها مشقة يعلمها الله.\n٢ - أن كلا من ابن حجر وأبا زرعة قد نقل عن تلك الوفيات فيما يتعلق بأحوال الشخص المترجم، ونشاطه العلمي، والحديثي خصوصا، وفيما يتعلق بتحديد تاريخ المولد والوفاة، ولكن أكثر النقول متعلقة بتحديد تاريخ الوفاة،\n_________\n(^١) انظر مثلا جـ ١/¬١٧، ١٨، ٧١، ٧٥، ١٣٨، ١٥٤، ٣٩٦، وجـ ٢/ ١٧٩ وما بعدها، ٣٥٦، ٣٦٩، ٤٥٧، وجـ ٣/ ١١١، ١٣٤ - ١٤٢، ٢٢٨، ٤٤٥ وجـ ٤/¬٤٧، ١٦١، ٢٦٥، ٣٠٨، ٣٣٩، ٣٤٠، ٣٥٥، وجـ ٥/¬٣٧، ٣٨، ١٩٧.\n(^٢) انظر وفيات السنوات المذكورة في «ذيل ولي الدين أبي زرعة».","vol":"3","page":1199},{"text":"وهو العنصر الذي استمدت منه كتب الوفيات اسمها كما مر.\n٣ - أن كثيرا من الأشخاص المنقول عن العراقي في تراجمهم، هم من شيوخه الذين جالسهم بمصر أو الشام، وسمع منهم الحديث، بل توفي أحدهم عند العراقي بظاهر القاهرة، حيث كان يقيم كما سيأتي، وعليه، فإن ذكر العراقي لأحوالهم ونشاطهم العلمي، وتحديد وفاتهم، قد اعتمد إلى حد كبير على خبرته الشخصية، ومعاينته، ولهذا نجد ابن حجر يقول في ترجمة الواحد من هؤلاء: «سمع منه شيخنا العراقي، وأرخه، أو أرخ وفاته في كذا»، يعني حدد تاريخ وفاته بكذا (^١) «أو قال شيخنا سمعت منه» (^٢) «أو قرأت عليه» (^٣) ويقول أبو زرعة: «سمع منه والدي ونقلت وفاته من خطه» (^٤) أو سمع منه والدي، وقال «إنه توفي في كذا» (^٥) ومن هنا اعتمد ابن حجر وأبو زرعة أكثر أقوال العراقي وصوباها في مواجهة من خالفه من شيوخه ومعاصريه، الذين شاركوه في الترجمة لنفس الأشخاص في مؤلفاتهم.\nمثال ذلك: «أن ابن حجر قال في ترجمة «علي بن الحسين بن علي» المعروف بابن قاضي العسكر: … ومات في النصف من جمادى الآخرة سنة\n_________\n(^١) انظر: الدرر الكامنة: ج ١/ ١٣٨، ٣٩٦، ج ٢/ ٣٥٦، ج ٣/ ٤٤٥، ج ٤/ ٣٥٥، ج ٥/¬٣٨، ٧٣\n(^٢) «الدرر»، ج ٤/ ٣٠٨\n(^٣) الدرر ج ٢/ ٤٥٧\n(^٤) انظر «ذيل أبي زرعة وفيات سنة ٧٦٢ هـ» ترجمة أحمد بن سنقر.\n(^٥) انظر «ذيل أبي زرعة وفيات سنة ٧٦٧ هـ» ترجمة المسند عبد الرحمن بن رزق الله الربيعي الدمشقي.","vol":"3","page":1200},{"text":"٧٥٧ هـ، قاله ابن رافع، وقال شيخنا العراقي: «مات ليلة الإثنين ثالث عشرة أي ١٣ جمادى الآخرة»، وعقب على هذا بقوله: وهو المعتمد (^١)، وابن رافع هذا الذي اعتمد ابن حجر رأي شيخه العراقي في مواجهته، يعتبر من شيوخ العراقي الشاميين، وقد توفي سنة ٧٧٤ هـ، وله كتاب في الوفيات من سنة ٧٣٧ هـ إلى سنة ٧٧٣ هـ، وهو مخطوط لم يطبع حتى الآن (^٢)، كذلك ذكر أبو زرعة في ترجمة الشيخ المسند علاء الدين أبو الحسن علي بن أحمد المعروف بالمرضي، وهو من شيوخ العراقي بالقاهرة والإسكندرية، قال أبو زرعة: «إنه توفي في ٦ رمضان سنة ٧٦٤ هـ»، ثم قال: «وذكر ابن رافع في ٧ رمضان، وابن سند، في شوال، وما ذكرته هو الصواب، وهو الذي نقلته من خط والدي» (^٣) وبذلك صوّب رأي والده في مواجهة كل من شيخه ابن رافع، وابن سند، وهو معاصر له، وله ذيل على كتاب «العبر» (^٤) وفي ترجمة الشيخ المسند محمد بن إبراهيم البياني، من شيوخ أبي زرعة بن العراقي أيضًا، ذكر أبو زرعة أن وفاته كانت بظاهر القاهرة، ليلة الإثنين ٢٩ ذي القعدة سنة ٧٦٦ هـ، ثم قال: «وذكر ابن رافع أنه توفي ليلة ٢٨ ذي الحجة وهو وهم، وما ذكرته أولًا هو الصواب الذي ذكره والدي»، ثم ذكر دليلًا يؤكد ذلك فقال: «وكانت وفاته عندنا بالخانقاه الطشتمرية ظاهر القاهرة (^٥)،\n_________\n(^١) الدرر الكامنة ٣/ ١١١.\n(^٢) انظر «المذري» وكتاب التكملة، للدكتور بشار عواد/ ٢١٨ ونسخة الوفيات بدار الكتب المصرية برقم (١٢٦) تاريخ م وقد اطلعت على مصورتها واستفدت منها ثم طبعت الآن (١٤١٩ هـ).\n(^٣) انظر «ترجمة المرَضي»، «ذيل أبي زرعة» ووفيات سنة ٧٦٤ هـ.\n(^٤) «كشف الظنون» ٤/ ١١٢٤.\n(^٥) انظر «ذيل أبي زرعة» وفيات سنة ٧٦٦ هـ.","vol":"3","page":1201},{"text":"ومعنى ذلك أن والده، كان شاهد عيان لذلك، فأثبت تاريخ وفاة البياني، بناء على معاينته، وهو ثقة، وبذلك يكون قوله هو الصواب، وما خالفه وهم وقد أقر ابن حجر أيضًا تاريخ وفاة البياني، كما أثبته شيخه العراقي، فاقتصر عليه (^١)، كما أنه في ترجمة عمر بن أحمد بن عمر السكندري قال: «ذكره شيخنا في وفياته وقال: ناب في الحكم عن المراكشي، ومات بها، أي بالإسكندرية، في ثامن شهر ربيع الآخر سنة ٧٦٠ هـ، ثم قال: «وأرخه ابن عرام سنة ٧٥٩ هـ فوهم» (^٢)، وابن عرام هذا من معاصري العراقي، وأحد شيوخ ابن حجر، وقد عد رأيه المخالف لرأي شيخه العراقي وهما».\nعلى أن هناك بعض تراجم قليلة رجح ابن حجر وأبو زرعة فيها الرأي المخالف لرأي العراقي في تلك الوفيات، ففي ترجمة إبراهيم بن محمود بن نصر الله، قال ابن حجر: «مات في شوال سنة ٧٥٣ هـ على المعتمد، وأرخه شيخنا سنة ٧٥٢ هـ، وهو ذهول» (^٣). وفي ترجمة إبراهيم بن محمود بن سليمان ابن فهد الحلبي قال ابن حجر أيضًا: «مات يوم عرفة أو قبله، ليلة سابعه وأرخه شيخنا في شوال سنة ٧٦٠ هـ، والأول أقوى، لأنه قول الصفدي وهو أخبر به» (^٤).\n٣ - وفي ترجمة المسند عبد الرحمن بن رزق الله الدمشقي، ذكر أبو زرعة وفاته في ٣ جمادى الأولى سنة ٧٦٢ هـ، وقال: «سمع منه والدي، وقال:\n_________\n(^١) «الدرر الكامنة» / ج ٣/ ٣٨١.\n(^٢) «الدرر الكامنة» / ج ٣/ ٢٢٨.\n(^٣) «الدرر الكامنة» ج ١/ ٧١.\n(^٤) «الدرر الكامنة» ج ١/ ٧٤.","vol":"3","page":1202},{"text":"إنه توفي ليلة ثاني جمادى الأولى، والذي ذكرته من أنه توفي ليلة ثالثه، تبعت فيه ابن رافع، ولعله أثبت (^١)، وقد رجعت إلى وفيات ابن رافع فوجدت به ما ذكره عنه أبو زرعة مخالفًا لما ذكره والده (^٢)، ويفهم من الأمثلة السالفة لتصويب رأي العراقي، وتضعيفه، وتوهيمه، أن ابن حجر وأبا زرعة كانا يقومان بمقارنة آراء العراقي وأقواله في وفياته، بآراء وأقوال غيره في مؤلفاتهم المشار إليها.\n\n<span data-type='title' id=toc-418>نقل السخاوي عن وفيات العراقي:</span>\nولم يقتصر أثر كتاب الوفيات المذكور، على مؤلفات تلاميذ العراقي، بل امتد إلى من بعدهم مثل المحدث المؤرخ محمد بن عبد الرحمن السخاوي، تلميذ ابن حجر البارز، كما أسلفت ذكره، ففي كتابه «الجواهر والدرر في ترجمة الحافظ ابن حجر وجدته نقل عن هذه الوفيات فقال: «إن من أسلاف ابن حجر زين الدين محمد بن عثمان بن محمد بن علي بن أحمد بن محمود الكناني المصري الشافعي، مات بالثغر (أي الإسكندرية) في ربيع الأول سنة ٧٥٢ هـ، أرخه الحافظ العراقي في وفياته» (^٣)، وقد ترجم ابن حجر سلفه هذا في كتابه «الدرر الكامنة» واتفق مع السخاوي في عزو ما ذكر من ترجمته للعراقي» فقال: «مات في شهر ربيع الأول بالإسكندرية سنة ٧٥٢ هـ، أرخه شيخنا العراقي»، ثم أضاف قائلا: «قلت: هو ابن عم أبي، نور الدين علي … وكان زين الدين من فقهاء الشافعية بالثغر، ذكره العفيف المطري في\n_________\n(^١) انظر: «ذيل أبي زرعة وفيات» وسنة ٧٦٢ هـ.\n(^٢) انظر «وفيات ابن رافع» / ٩١ ب (مخطوط).\n(^٣) «الجواهر والدرر» / ١٤ ب.","vol":"3","page":1203},{"text":"«ذيل الطبقات (^١)» والعفيف المطري هذا من شيوخ العراقي، ويفهم من نقل ابن حجر عن العراقي بجانب نقله عن كتاب ذيل الطبقات لشيخه أن كتاب شيخه مع تقدمه، لم يغن عن وفياته حتى في التراجم المتفقة فيهما.\n\n<span data-type='title' id=toc-419>بعض مميزات هذا الكتاب عن غيره:</span>\n١ - لاحظت من خلال النقول عن هذه الوفيات، أن العراقي فيها أكثر تمحيصا للآراء والأقوال، وتحريا في قبولها، عما جرى عليه في ذيله على «العبر» كما تقدم، ففي ترجمة شيخه عبد الرحمن بن مكي بن إسماعيل (العوفي)، نقل ابن حجر قوله عنه: «كان أعجوبة الزمان، جاوز العشرين ومائة، أراني مولده بخط والده على صداق أمه، في سلخ ذي الحجة سنة ٧٣٥ هـ، لكننا لم نجد له سماعا، ولا إجازة، مع أنه كان من بيت علم وحديث ..» إلخ (^٢). فتلاحظ أنه لم يجزم بطول عمر شيخه هذه المدة إلا بالاعتماد على وثيقة مكتوبة، اطلع عليها بنفسه، ورأى فيها تاريخ ميلاد الشيخ، ثم إنه قد عاصر وفاته، وبجانب ذلك، نفى وجود سماع أو إجازة للشيخ من أحد العلماء، وذلك لأنه لم يقف على إثبات كتابي بذلك، ولا على ما يقوم مقامه.\nوفي ترجمة يحيى بن علي بن أبي الحسن قال ابن حجر: «إن يحيى المذكور كان يذكر أن والده أحضره إلى النووي وهو أمرد، فاعتذر - أي عن إسماعه الحديث» وقال: «أنا أرى أن النظر إلى الأمرد حرام مطلقا، فاذهب به إلى الشيخ تاج الدين، وكان يذكر أنه رآه، أي رأى النووي بعد ذلك، وأنه\n_________\n(^١) «الدرر الكامنة» ج ٤/ ١٦١.\n(^٢) «الدرر الكامنة» ج ٢/ ٤٥٧.","vol":"3","page":1204},{"text":"سمع منه»، ثم عقب ابن حجر على أقوال يحيى هذه بقوله: «قال شيخنا العراقي: ولم أقف على ذلك (^١)، ومعنى هذا أن العراقي لم يقبل هذه الأقوال من صاحبها في بيان شأنه مع الإمام النووي، ودعوى لقائه له وسماعه الحديث منه، وذلك لعدم تثبت العراقي مما ذكر، ومن أجل هذا التمحيص والتحري كانت أوهامه في وفياته هذه قليلة كما مرت بعض نماذجها».\n٢ - لاحظت كذلك أن المادة العلمية التي أودعها العراقي في وفياته هذه خصبة، بحيث جاءت التراجم فيها عمومًا مستوفاة، وأكثر اتساعًا من تراجمه في «ذيل العبر» المتقدم، وفي «ذيل وفيات الأعيان» الآتي، ومن تراجم شيخه ابن رافع في وفياته، ويظهر هذا من النقول المطولة التي وجدت ابن حجر وأبا زرعة ابن العراقي قد اتفقا عليها أو انفرد أحدهما بسياقها عنه، فمن ذلك ما جاء في ترجمة أحد شيوخ العراقي في الأدب والحديث، وهو جمال الدين بن نباته، فقد قال أبو زرعة في ترجمته له: قال والدي: «وأخبرني - أي ابن نباته عن نفسه - أنه كان ينظم (الشعر) قبل سنة ٧٠٠ هـ، وكان جيد النظم من ذلك الوقت، وأخبرني والدي أيضًا أنه حكى له فقال: جئت مع والدي إلى الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد في (المدرسة) الكاملية، وهو في بيت كتبه، فأرسل والدي في حاجة له، فأراد والدي أخذي معه، فقال له: خله هنا حتى تجيء، قال: فجلست عنده وأنا أنظر إلى الكتب، فصار يقلب الكتب بيده وهو يترنم، كأنه ينشد شيئًا من الشعر، ثم أخذ جزءًا من كتبه ودفعه إلي، قال: فأخذته فنظرت فيه فإذا هو في الأدب، وكان من «الذخيرة» لابن بسام، فنظرت فيه واستغرقت، فجاء والدي وأنا\n_________\n(^١) «الدرر الكامنة» ج ٥/ ١٩٧.","vol":"3","page":1205},{"text":"مستغرق في النظر في ذلك الكتاب، حتى إنى لم أشعر بمجيء والدي، فتعجب من إعطاء الشيخ لي كتبه، وصرت أتولع بنظم الشعر من ذلك الوقت (^١).\nوقد ذكر ابن حجر نفس هذه الحكاية بطولها في ترجمة ابن نباته، وعزاها إلى العراقي فقال: «وذكر شيخنا أبو الفضل الحافظ أنه - أى ابن نياته - حكى له … إلخ وساقها مثريًا بها ترجمته لابن نباته (^٢).\nومن التراجم الكاملة ترجمة العراقي لشيخه ابن النابلسي، حيث قال أبو زرعة في وفيات سنة ٧٦٧ هـ: ومات فيها بالإسكندرية في العشر الأخير من المحرم، الشيخ المسند جمال الدين عبد الله بن أبي بكر بن عمر الإسكندري، الشهير بابن النابلسي، مولده في ٢٧ شوال سنة ٦٩١ هـ وسمع من الحافظ السيد تاج الدين علي بن أحمد بن عبد المحسن، جميع «فوائد الخلعي»، وسمع من جماعة من أصحاب ابن رواح، والسبط وحدث، سمع منه الرحالون والطلبة». قال أبو زرعة: «نقلت ذلك من خط والدي»، ثم أردف قائلا: «وقال: أي والده: قرأت عليه شيئًا من «الخلعيات» وبلغني أن سبب وفاته أنه طلع إلى المنارة ليؤذن، فشرع في الأذان فطلع إليه بعض الفرنج فرماه إلى أسفل المنارة، فمات ﵀» (^٣) وقد ترجم ابن حجر لابن النابلسي المتقدم بملخص تلك الترجمة مع عزوه لشيخه العراقي (^٤).\nونلاحظ من هذين النموذجين، بجانب التوسع النشبي، صدق ما قدمته من\n_________\n(^١) «ذيل أبي زرعة» وفيات سنة ٧٦٨ هـ.\n(^٢) «الدرر الكامنة» / ج ٤/ ٣٣٩، ٣٤٠.\n(^٣) انظر «ذيل أبي زرعة» وفيات سنة ٧٦٧ هـ.\n(^٤) «الدرر الكامنة» ج ٢/ ٣٥٦.","vol":"3","page":1206},{"text":"أن العراقي قد سجّل جوانب كثير من تراجم تلك الوفيات بناءً على معاينته، واتصاله المباشر بصاحب الترجمة، وبهذا كان للمعلومات والحقائق التاريخية التي ذكرها عن الشخص أهميتها، واعتبارها عند من بعده، وبهذا تميّزت تراجمه لكثير من الأشخاص في تلك الوفيات، عن تراجم غيره ممّن شاركه في تناول وفيات نفس الفترة كشيخيه: ابن رافع والإسنوي وكمعاصريه: ابن عرام وابن سند، وقد تقدّمت نماذج المقارنة بينه وبينهم في العنصر الهام في الوفيات، وهو تحديد زمن وفاة الشخص.\n\n<span data-type='title' id=toc-420>تلخيص شهاب الدين بن حجي لوفيات العراقي:</span>\nقد تجاوز أثر كتاب وفيات العراقي حدود مصر إلى الشام، حيث إنّ شهاب الدين أحمد بن حجي المتوفّى سنة ٨١٦ هـ وأحد مؤرخي الشام في عصره كما تقدم، ذكر ذيل العراقي على العبر المتقدّم بحثه، وقال «إنه ينتهي إلى آخر سنة ٧٦٣ هـ»، ثم قال: «وقد وقفتُ على وفيات آخر للشيخ زين الدين (العراقي) بخطه، بعد تلك الوفيات ولخصت منه كراريس». هـ (^١).\nفقوله «وفيات آخر بعد تلك الوفيات» يفيد أن ذيل العراقي على العبر كان يطلق عليه أيضًا اسم «الوفيات» لكون معظمه وفيات كما قدّمت، ويفيد أيضًا أن كتاب الوفيات هذا، يتجاوز مضمونه آخر سنة ٧٦٣ هـ التي ينتهي بها «ذيل العبر»، وهذا مطابق للنقول التي وقفت عليها من الوفيات كما تقدم، ومن جهة أخرى فإنه لم يعرف كتاب للعراقي في الرجال تجاوز سنة ٧٦٣ هـ غير كتاب الوفيات هذا، وبذلك يكون هو الذي وقف عليه ابن\n_________\n(^١) انظر: «كشف الظنون» / ١١٢٢.","vol":"3","page":1207},{"text":"حجي ولخص منه كراريس، ثم إن قوله: لخصت منه كراريس، يفيد أنه لم يلخص الكتاب كله في تلك الكراريس، بل لخص ما كان يحتاجه منه وهذا يدل على أن حجم وفيات العراقي هذه كان كبيرا، لأن الكراس في المخطوط عادة عشر ورقات، وأقل الجمع ثلاثة، فيكون حجم هذه الكراريس الملخصة منه ثلاثين ورقة على الأقل، بينما بلغ «منتقى ابن خطيب الناصرية من «ذيل العبر» كله ٩ صفحات كما تقدم، أي أربع ورقات ونصف.\nوهذا يؤكد ما قدمته من خصوبة المادة العلمية التي أودعها العراقي في تلك الوفيات، وتوسعه فيها عن «ذيل العبر» وعن تذييله الآتي على «ذيل وفيات الأعيان»، وتلخيص ابن حجي لهذا القدر الكبير من تلك الوفيات، دليل على احتياجه له، حيث إن له مؤلفات تاريخية يدخل في نطاقها الفترة الزمنية التي تناول العراقي وفياتها في كتابه (^١)، فلابد أن يكون استفاد فيها نصا وروحا، بما لخصه.\n\n<span data-type='title' id=toc-421>جـ - «تذييل العراقي على ذيل الحافظ ابن أيبك الدمياطي على «وفيات الأعيان» لابن خلكان، وأثر ذلك».</span>\nمكانة الكتاب وتمييزه عن الذيل السابق، وتصحيح وهم حاجي خليفة فيه:\nألف شمس الدين أحمد بن محمد، المعروف بابن خلكان المتوفى سنة ٦٨١ هـ كتاب «وفيات الاعيان وأنباء أبناء الزمان» فتناول فيه ترجمة كل من وقف على خبره، ممن له شهرة بين الناس، منذ عصر الصحابة رضي الله\n_________\n(^١) انظر تلك المؤلفات في «كشف الظنون» / ١١٢٢، ١١٢٣ وفي ترجمته في «بهجة الناظرين» للغزي/ ٧١، ٧٢ (مخطوط).","vol":"3","page":1208},{"text":"عنهم، حتى عصره، مع العناية بذكر تاريخي المولد والوفاة ما أمكن ولكنه لم يذكر من الصحابة والتابعين إلا قليلا، اكتفاء بمصنفات غيره فيهم، وقد اختار ترتيب من ترجمهم على حروف المعجم تسهيلا على الباحث، وقال في مقدمته: (وكان ترتيبي له في شهور سنة ٦٥٤ هـ بالقاهرة).\nوقال صاحب «كشف الظنون»: (إنه أتم الكتاب في ٢٢ جمادى الآخرة سنة ٦٧٢ هـ بالقاهرة) (^١) وقد كثر استعمال الناس له واشتهر (^٢) في حين لاحظ العلماء من بعده أنه قد فات مؤلفه ترجمة كثير من الفضلاء والعلماء السابقين عليه، والمعاصرين له (^٣).\nكما توفي من بعده من ينبغي ترجمته، فاتجهت هممهم للتذييل عليه بذكر ما فاته، أو جد بعده، مع اتباع منهجه في الترتيب على حروف المعجم (^٤).\nوقد ذكر صاحب «كشف الظنون» ممن ذيل عليه أبو الحسين أحمد بن أيبك الدمياطي صاحب الذيل في «وفيات النقلة»، الذي تقدم تذييل العراقي عليه أيضًا، وقال بعد ذكر ذيل الدمياطي هذا: «والشيخ زين الدين العراقي المتوفى سنة ٨٠٦ هـ ذيل الذيل المتقدم في نحو ٣٠ ترجمة» (^٥).\nولم يذكر صاحب «كشف الظنون» ولا غيره أية تفصيلات عن ذيل ابن\n_________\n(^١) «مقدمة وفيات الأعيان» ج ١ ص ٣٥٢ و«كشف الظنون» (٢٠١٧، ٢٠١٨).\n(^٢) انظر «طبقات الشافعية» للإسنوي/ ٤/ مخطوط/ و«الإعلان بالتوبيخ» / للسخاوي ضمن «علم التاريخ عند المسلمين» / ٦٧٤.\n(^٣) «مقدمة فوات الوفيات» لابن شاكر الكتبي ج ١ ص ٢.\n(^٤) «مقدمة فوات الوفيات» لابن شاكر/ ج ١ ص ٢.\n(^٥) «كشف الظنون»، عمود/ ٢٠١٨.","vol":"3","page":1209},{"text":"أيبك المذكور، كما أني لم أجد شيئًا من نسخه حتى أتعرف عليه، ولكن مقتضى التذييل أن يكون ما ذيله من التراجم قد رتبه على حروف المعجم مثل كتاب ابن خلكان المذيل عليه، وبذلك يتميز ذيله عليه، عن ذيله المتقدم على «وفيات النقلة» لعز الدين الحسيني، لأن وفيات الحسيني كما رأيتها (^١) تراجمها مرتبة حسب زمن الوفاة، في السنوات وأجزائها، فيقتضي التذييل عليها إتباع منهجها بالترتيب على السنوات، لا على حروف المعجم، وبهذا يتميز أيضًا ذيل العراقي على وفيات ابن أبيك نفسه السابقة عن ذيله على وفياته هذه، فالأول مرتب ترتيبًا زمنيا على السنوات حسب منهج الكتاب المذيل عليه، وهذا مرتب ترتيبا معجميا حسب منهج الكتاب المذيل عليه أيضًا، ويوجد فرق آخر يميزهما عن بعضهما من ناحية المضمون، فهذا الذيل على «ذيل وفيات الأعيان» ينحصر من فيه فيمن توفي سنة ٦٩٠ هـ إلى سنة ٧٥٠ هـ، أما الذيل السابق فيبدأ بمن توفي سنة ٧٤١ هـ ويمتد إلى ما بعد سنة ٧٦٨ هـ كما تقدم، وبذلك يكون مشتملا على وفيات أكثر من ٢٠ سنة بعد نهاية هذا الذيل، فهما إذا متمايزان منهجا ومضمونا، رغم اتفاقهما في تناول موضوع واحد هو وفيات العلماء وذوي الشأن.\nوهناك فرق ثالث في زمن التأليف، فالذيل السابق لابد أن يكون متأخرا في تأليفه عن سنة ٧٦٨ على الأقل، لتضمنه وفيات منها، أما هذا الذيل فقد ترجم فيه العراقي لشيخه إبراهيم بن عبد الرحمن بن سعد الله بن جماعة وقال: «وهو حي الآن (^٢)، وقد توفي شيخه هذا في ذي الحجة سنة\n_________\n(^١) صورة ميكروفيلمية بمعهد المخطوطات برقم (٢٩٨) تاريخ وهي التي أطلعت عليها.\n(^٢) ورقة/ ١ أ من نسخة معهد المخطوطات المصورة.","vol":"3","page":1210},{"text":"٧٦٤ هـ» (^١) ومعنى هذا أن العراقي قد ألف هذا الذيل قبل تاريخ وفاة شيخه المذكور، وبذلك يكون الفرق الزمني بين تأليف الذيلين عدة سنين كما ترى.\nوأما ما ذكره صاحب «كشف الظنون» من أن ذيل العراقي هذا يتضمن نحو ٣٠ ترجمة، فَيُعَدُّ قدرًا ضئيلا جدا بالنسبة لمحتوى نسخة الكتاب الموثقة التي وفقني الله لاكتشافها من بين مجهولات المخطوطات، وفحصتها جيدا من أولها لآخرها، ولعل صاحب «كشف الظنون» أو من نقل هو عنه لم يقع له إلا هذا القدر الضئيل من الكتاب، خاصة وأن غيره ممن ذكره ضمن مؤلفات العراقي لم يحدد محتواه هكذا كما نوضحه فيما يلي:\nنسبة الكتاب إلى العراقي وتعدد تسميته:\nوقد صرح بنسبة هذا الذيل إلى العراقي أكثر من واحد، قبل وبعد صاحب «كشف الظنون» مع تعدد تسميتهم له، فشهاب الدين الغزي يقول «إن العراقي عمل على» وفيات الأعيان، ذيلا على ذيل الحسين بن أيبك، وصاحب «هدية العارفين» من بعده يعد من مؤلفات العراقي ذيلا «لوفيات الأعيان» لابن خلكان (^٢) وابن فهد تلميذ العراقي بالإجازة يقول إنه «معجم يشتمل على تراجم جماعة من أهل القرن الثامن (الهجري) غالبهم من شيوخ شيوخ العراقي، ومنهم من شيوخه (^٣) وهذا الوصف ينطبق على واقع النسخة\n_________\n(^١) «ذيل ولي الدين ابن العراقي» وفيات سنة ٧٦٤ هـ ترجمة إبراهيم المذكور، و«الدرر الكامنة» ج ١/¬٣٦، ٣٧\n(^٢) مجلد/ ١ ص ٥٦٢\n(^٣) «ذيول تذكرة الحفاظ» ص ٢٣٢","vol":"3","page":1211},{"text":"التي وقفت عليها من هذه الوفيات كما سيأتي توضيحه، وقد ذكره الكتاني بنفس عبارة ابن فهد السابقة دون عزوها (^١)، وذكرها الزركلي أيضًا باختصار فقال: «ومعجم ترجم به جماعة من أهل القرن الثامن للهجرة» (^٢). وأطلق عليه ابن خطيب الناصرية كما سيأتي، «تاريخ العراقي» وعنونت نسخته: الآتية (بوفيات عراقية) ويعتبر عدم تسمية العراقي للكتاب باسم معين سببًا في تعدد العبارات عنه هكذا، حيث صار كل واحد يطلق عليه ما يراه معبرا عنه، أو ما يرى غيره عبر به عنه، ولذا ميزته من جانبي، بالمنهج، وبالمضمون وزمن التأليف من واقع الاطلاع الفاحص على نسخته، وعلى المنتقى منه الآتيين:\n\n<span data-type='title' id=toc-422>بعض نسخ الكتاب الخطية وتصحيح خطأ المفهرسين في نسبتها لغير العراقي</span>\nرغم كثرة البحث والتنقيب لم أقف إلا على نسخة واحدة من هذا الكتاب، موجودة بمكتبة كوبريلي زادة ضمن مجموعة برقم (١٦٢٦) وذكرها للمفهرس بقوله: كتاب في التاريخ بعنوان «الوفيات العراقية» (^٣) ولم يزد على ذلك.\nوقد صور معهد المخطوطات هذه النسخة وتوجد صورتها الميكروفيلمية بالمعهد برقم (٦٣٧) تاريخ، وقد تولى الأستاذ فؤاد سيد ﵀ فهرستها فذكر أنها عبارة عن جزء به تراجم ووفيات مختصرة لبعض العلماء … وهو مسودة مكتوبة بخط يشبه خط الحافظ ابن حجر العسقلاني، وذكر أن في\n_________\n(^١) «فهرس الفهارس» ج ٢/ ص ١٩٦.\n(^٢) «الأعلام»، ج ٤/ ص ١١٩.\n(^٣) «فهرس المكتبة» المطبوع ص ١٣٥.","vol":"3","page":1212},{"text":"ذيل الورقة الأولى استدراك على ترجمة الحافظ الدمياطي بخط أحمد بن العراقي المتوفى سنة ٨٢٦ هـ، وأن على ظاهر الورقة الأولى ترجمة له بخط مخالف لخط النسخة، وأنه ربما كان أحمد بن العراقي هو جامع هذه التراجم والوفيات، وذكر أن على ورقة أخرى بيضاء بأول الجزء مكتوب بخط مخالف لخط الجزء أيضًا «وفيات عراقية» (^١).\nوقد طلبت الصورة واطلعت عليها فوجدت بأولها وآخرها صورة بطاقتين للتعريف بها، وكتب فيهما أن مؤلف الكتاب هو «أحمد بن العراقي» وأن النسخة بخط المؤلف، ثم فحصت النسخة جيدًا من أولها لآخرها، فظهر لي بشأنها ما يأتي:\n١ - أن تشبيه المفهرس خطها بخط ابن حجر مستبعد، لأنه تلميذ أحمد بن العراقي الذي كتب عليها بخطه بعض الاستدراكات، والمعهود استدراك التلميذ على شيخه، والمتأخر على المتقدم، وليس العكس، وإنما خطها يشبه خط العراقي والد أحمد، كما يظهر من مقارنته بما وصل إلينا من خطه، ثم استدرك ابنه عليه بخطه وتوقيعه كما ذكر.\n٢ - أن عنوان النسخة ليس على ورقة أخرى غير التي فيها ترجمة أحمد ابن العراقي كما ذكر المفهرس، بل هما على ورقة واحدة بأول النسخة وبخط مخالف فعلا لخطها، وقد كتب على الوجه الأول من الورقة العنوان «وفيات عراقية» وعلى الوجه الثاني ترجمة أحمد بن العراقي.\n٣ - تبين لي أن هذه نسخة من ذيل زين الدين العراقي على ذيل ابن أيبك\n_________\n(^١) انظر قسم ٢ من «فهرس التاريخ بمعهد المخطوطات» إعداد فؤاد سيد ﵀ ص ٤٩.","vol":"3","page":1213},{"text":"على «وفيات الأعيان» كما ذكر المترجمون للعراقي فيما تقدم، وعليه فإن من عنون النسخة «بوفيات عراقية» ثم ترجم لأحمد ابن العراقي في الوجه التالي لصفحة العنوان، وكذا توقع فؤاد سيد ﵀ أن يكون أحمد ابن العراقي هو المؤلف، وكما جزم غيره بذلك في البطاقتين المصورتين مع النسخة، كل ذلك خطأ، والصواب أن العراقي هو مؤلف الكتاب، وليس ولده أحمد، ومن أدلة ذلك ما يأتي:\nأ - أن الكتاب اشتمل على ترجمة عدد من شيوخ العراقي المعروفين الذين أكثر الأخذ عنهم، بل فيهم أول من قرأ العراقي عليه الحديث، وقد صرّح في ترجمته لهم بأنه سمع واستفاد منهم كثيرًا، أو قرأ عليهم، مع تأريخه وفاتهم بما هو سابق على مولد ابنه أحمد بأكثر من (١٢) أو (١٥) سنة، فقد ترجم في باب الألف لأحمد بن الفرج بن البابا - وهو أول من قرأ عليه العراقي الحديث (^١) فقال في ترجمته «قرأت عليه أكثر «الإلمام» للشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد، واستفدت منه كثيرًا»، ثم أرخ وفاته في العشر الأخير من شوال سنة ٧٤٩ هـ (^٢)، بينما أحمد بن العراقي مولود سنة ٧٦٢ هـ (^٣) ومقتضى نسبة الكتاب له أن يكون قرأ على ابن البابا هذا واستفاد منه كثيرًا كما ذكر، فكيف يتأتى هذا وبين وفاة ابن البابا وميلاد أحمد بن العراقي أكثر من ١٢ سنة كما ترى؟ كذلك ترجم في باب العين لعبد الرحيم بن عبد الله المعروف بابن شاهد الجيش وقال عنه «سمعت عليه «صحيح البخاري» وأرخ وفاته\n_________\n(^١) «ذيول التذكرة» ص ٢٢٢.\n(^٢) انظر ورقة (٦ أ).\n(^٣) انظر «مقدمة ذيله على ذيل والده على العبر».","vol":"3","page":1214},{"text":"في ١٧ ربيع الأول سنة ٧٤٦ هـ (^١) فبين وفاته وولادة أحمد بن العراقي أكثر من ١٥ سنة فكيف يكون سمع عليه «صحيح البخاري» كما هو مصرح به في الترجمة؟ ومن جهة ثانية فإن ما ذكر عن شيوخ العراقي في هذه الوفيات، موافق لما ذكر عنهم في المراجع الأخرى، ولما نقله العلماء بشأنهم عن العراقي، فقد ترجم ابن فهد لابن البابا المتقدم وقال في ترجمته: «إن العراقي قرأ عليه (الإلمام) لابن دقيق العيد إلا يسيرا من آخره» (^٢).\nوقال أيضًا في ترجمة العراقي: «إنه سمع «صحيح البخاري» من عبد الرحيم بن شاهد الجيش» (^٣)، وهذا وذاك مطابق لما نقلته آنفًا من تلك الوفيات بشأن شيخي العراقي هذين.\nب - يلاحظ أيضًا أن الوصف المتقدم ذكره عن ابن فهد لمحتوى هذه الوفيات ومنهجها مطابق لمحتوى هذه النسخة، فقد ذكر أنها مرتبة على حروف المعجم وهذه كذلك مرتبة على حروف المعجم، كما ذكر أنها مشتملة على جماعة غالبهم من شيوخ شيوخ العراقي وفيهم من شيوخه، وهي كذلك فعلًا، وقد ذكرت آنفًا اثنين من شيوخه، وممن فيها من شيوخ شيوخه: أحمد بن حمدان ابن شبيب الحنبلي المتوفى سنة ٦٩٥ هـ فقد قال العراقي في ترجمته: «حدثنا عنه أبو الحرم القلانسي، ومظفر بن العطار، وناصر الدين اليونسي، وناصر الدين الفارقي، وهؤلاء الأربعة من شيوخ العراقي فعلا، وابن حمدان هذا شيخهم كما ترى، وفي كثير ممن ترجمهم يقول عن المترجم له: «حدثونا عنه».\n_________\n(^١) ورقة (٣٥ أ).\n(^٢) (الذيول) ص ١٢٨.\n(^٣) (الذيول) ص ٢٢٢.","vol":"3","page":1215},{"text":"ج - كما أني وفقت في الحصول على منتقى من هذه الوفيات لابن خطيب الناصرية بخطه، وعنونه بقوله: «منتقى من تاريخ العراقي» وقال في نهايته: «آخر المنتقى من تاريخ العلامة الحافظ زين الدين العراقي» فنسب الأصل المنتقى منه صراحة للعراقي كما ترى، وقد فحصت جميع منتقاه فوجدته مرتبا على حروف المعجم كالأصل، ثم قارنت عدة تراجم مختلفة منه بما في نسخة الأصل المتقدمة فوجدتها مطابقة لها تماما ما عدا اختلافات النساخ المعروفة.\nوبهذا كله يتأكد كون النسخة السالفة الذكر هي نسخة من «ذيل العراقي على ذيل وفيات الأعيان»، وتصح نسبتها له، لا لولده أحمد، غاية ما في الأمر أنها لما كانت مسودة كما سنوضحه، فقد ترك بها العراقي بعض الفراغات لاستيفاء بقية جوانب الترجمة، ولم يتح له ذلك، فلما اطلع ولده على النسخة ألحق بها بخطه ما تيسر له من الإضافات المتممة، أو المصححة، لما ذكره والده في الأصل، كما سأوضحه بعد، وقد وقع باسمه تحت عدد من تلك الإضافات في خلال النسخة. (^١)\nثم ألحق الباقي بلا توقيع اعتمادا على توقيعاته الأخرى، ثم اطلع على هذه التوقيعات بعض من وقف على النسخة فعنونها «بوفيات عراقية» لذلك، وترجم لأحمد بن العراقي في أولها تحسبًا لأنه هو المؤلف، والحقيقة ما تقدم لك من أنه ليس له إلا الإلحاقات التي أضافها للأصل ووقع تحت عدد منها باسمه، وأما الأصل فهو من تأليف والده، وخطه مشابه جدًا لما رأيته بخطه، فليتنبه لذلك من يطلع أو يعتمد على تلك النسخة النادرة، أو على صورتها\n_________\n(^١) انظر ورقات (١ أ، ١٤ ب، ٥٢ أ).","vol":"3","page":1216},{"text":"الميكروفيلمية المذكورة آنفا، مع العلم أني عملت بطاقة بتصحيح نسبتها بالدليل للعراقي، وأودعتها مع الصورة الميكروفيلمية في العلبة المحفوظة بها في معهد المخطوطات، تنبيها للباحث والمفهرس فيما بعد، ومن الآن أصبح هذا الكتاب معروف المؤلف وهو العراقي، وصحيح النسبة إليه بفضل الله تعالى ثم بفضل هذا البحث والتحري.\n٤ - لاحظت أن هذه النسخة فعلا مسودة المؤلف، حيث يوجد بها تراجم كاملة مضروب عليها، ومشار لتقدمها عن محلها (^١)، فضلا عن الضرب الجزئي في عدة تراجم (^٢)، كما أن بعض التراجم في سياقها تقديم وتأخير مشار له أيضا (^٣) وبهوامشها كذلك إلحاقات للأصل، تكملة له، أو استدراكا عليه، وتحت ثلاثة إلحاقات خلال النسخة كلها توقيع أحمد بن العراقي (^٤) وبعضها من إضافة المؤلف، للإشارة في نهايته بأنه من الأصل، (^٥) وقد تكون تلك الإلحاقات عبارة عن ترجمة كاملة، أو عدة تراجم (^٦). كذلك لاحظت أن عددا من التراجم غير مستوفي، وخصوصًا في باب الكنى، مع ترك فراغ لاستيفائه (^٧). وقد يوجد فراغ بين ترجمة وأخرى قدر عدة سطور، لعله ترك\n_________\n(^١) انظر ورقة ١٢ أ.\n(^٢) انظر ورقات ٧ أ، ٢٦ ب، ٣٥ أ.\n(^٣) انظر ورقة ٢٦ ب.\n(^٤) ١ أ، ١٤ ب، ٥٢ أ.\n(^٥) ١٩ ب، ٢١ أ، ٣٢ ب.\n(^٦) ٢٨ ب، ٣٨ ب.\n(^٧) انظر ورقة ٥٩ ب وما بعدها.","vol":"3","page":1217},{"text":"لإضافة تراجم أخرى فيما بعد (^١)، ولكن لم يتح له، وبعض الحروف ذكرها ولم يذكر تحتها تراجم، وعلق مقابل بعضها بالهامش بعبارة «خال» (^٢) إلى غير ذلك من صفات المسودة، وعليه تكون هذه النسخة موثقة، باعتبار أنها بخط المؤلف مع مراجعة ولده أحمد لها وتعليقه عليها، وبذلك يمكن الاعتماد عليها في نقل نصوص الكتاب وتحقيقه ودراسته.\n٥ - تعتبر هذه النسخة ناقصة من أولها، فأول ما فيها، ترجمة أحمد بن إسماعيل اللحام المتوفى سنة ٧٢٥ هـ (^٣)، بينما جاء في باب العين منها ترجمة عبد العظيم بن عبد المؤمن بن خلف الدمياطي، وقال العراقي عنه: «واسمه أيضًا محمد، وقد تقدم في المحمدين» (^٤)، وهذا يفيد أنه ترجم المحمدين أول الكتاب، وثنى بالأحمدين، كما سيأتي في منهجه، ويؤيد هذا أن منتقى هذا الكتاب لابن خطيب الناصرية وجدته يبدأ بمن اسمه «محمد» وترجم فيه قرابة الثلاثين نفسًا، ثم يليهم باب الألف، وأوله من اسمه أحمد (^٥)، فعدم وجود أحد من المحمدين بنسخة الأصل يدل على نقصها، وعلى ضوء ما في هذا المنتقى من المحمدين يمكننا تقدير النقص الذي في أول نسخة الأصل بعدة أوراق، تتضمن مقدمة الكتاب، وجميع من ترجمهم العراقي فيه من المحمدين، وبعض الأحمدين حتى أحمد بن إسماعيل الذي هو أول الموجود منها، فليتنبه من يطلع على تلك.\n_________\n(^١) ٢٠ ب، ٢١ أ، ٢٤ أ:\n(^٢) ٢٠ أ.\n(^٣) ورقة ١ أ.\n(^٤) ٣٥ أ.\n(^٥) سيأتي التعريف بنسخة هذا المختصر.","vol":"3","page":1218},{"text":"النسخة أو صورتها الميكروفيلمية إلى أنها ناقصة عدة أوراق من أولها، أما من آخرها، فهي كاملة، إلا أن بعض الأوراق بها محو يشتمل على نصف الصفحة طوليا نتيجة لعرق أو بلل، تعرضت له النسخة (^١)، كما أن بعض الأوراق مرممة (^٢)، ويبلغ عدد الأوراق الموجودة ٧٣ ورقة، وعدد سطور صفحاتها مختلف.\n\n<span data-type='title' id=toc-423>مصادر العراقي في الكتاب:</span>\nمع إيجاز التراجم عمومًا في هذا الذيل، إلا أنه تميز بذكر العراقي خلال التراجم لعدد من المصادر التاريخية التي اعتمد عليها، بجانب خبرته الشخصية بكثير ممن ترجمهم، لكونهم من شيوخه، أو من شيوخ شيوخه كما تقدم، ومن أهم المصادر التي ذكرها: «تاريخ الإسلام» للحافظ الذهبي، وهو أضخم مؤلفاته، حيث يبلغ نحو ٢٠ مجلدًا مخطوطًا كما يقول العراقي نفسه (^٣) ولم يطبع من هذا الكتاب حتى الآن غير أجزاء يسيرة، ومنها أيضًا «تاريخ مصر» للحافظ قطب الدين عبد الكريم بن عبد النور الحلبي المتوفى سنة ٧٣٥ هـ، وهو كتاب ضخم كذلك، حيث يبلغ عدة مجلدات، ونصوصه هامة؛ لأن المؤلف مات عنه وهو مسودة لم يتم، ولم يبيض إلا أوائله، وهي عبارة عن تراجم من اسمه محمد، ولذلك لم ينتشر من بعده إلا النقول عنه كما فعل العراقي (^٤)، وقد ترجم العراقي في هذا الذيل للقطب الحلبي مؤلف الكتاب.\n_________\n(^١) ٦٥ ب، ٦٦ أ وغيرها.\n(^٢) انظر ٦٦ ب، ٦٧ ب.\n(^٣) «المنتقى من ذيل العبر» للعراقي/ ضمن «مجموع ابن خطيب الناصرية» وفيات سنة ٧٤٨ هـ.\n(^٤) انظر «الجواهر والدرر» للسخاوي ٨٦ ب و«النجوم الزاهرة» لابن تغري بردي ح ٩/ ٣٠٦.","vol":"3","page":1219},{"text":"ومن مصادره التي أحال عليها بدون تحديد: (الوفيات) للحافظ علم الدين البرزالي المتوفى سنة ٧٣٩ هـ، كما ذكر العراقي في ترجمته له في هذا الذيل، ووفياته هذه مرتبة على السنوات، ووصل فيها إلى سنة ٧٣٨ هـ (^١) لكن العراقي يعزو النقول إلى المؤلف فقط دون ذكر اسم الكتاب، فيقول: «وذكر البرزالي كذا» (^٢)، وهذا اعتماد منه على أن الكتاب كان متداولًا في عصره، ومؤلفه معروف، وقد هذب الذهبي «وفيات البرزالي» هذه، فاعتمد العراقي على تهذيبه أيضًا حيث يقول: في تهذيب الذهبي لوفيات البرزالي كذا (^٣).\nومن المصادر التي أحال عليها بدون تحديد قوله: «ورأيت بخط ابن أبيك كذا»، دون تحديد الكتاب (^٤)، فلعله يقصد ذيله المتقدم على وفيات النقلة، وكذلك يقول: «رأيت بخط نور الدين الهمداني» كذا (^٥)، وقد ذكرت من قبل أن هذه الطريقة في الإحالة على المراجع منتقدة، والأفضل تحديد اسم الكتاب والمؤلف ما أمكن، منعا للبس.\n\n<span data-type='title' id=toc-424>منهج العراقي في الكتاب، عرض ونقد:</span>\n<span data-type='title' id=toc-425>أولا: ترتيب التراجم وتبويبها:</span>\nبدأ العراقي هذا الذيل بترجمة من اسمه «محمد» تبركًا بأشهر أسماء النبي ﷺ، ثم رتب باقي الأسماء على حروف المعجم، وجعل لكل حرف بابا،\n_________\n(^١) انظر «المنذري وكتابه التكملة» للدكتور بشار عواد/ ٢١٨ وما بعدها.\n(^٢) انظر نسخة الذيل السابق ذكرها/ ١ أ (مخطوط مصور).\n(^٣) انظر النسخة/ ٤٠ ب، ٤٢ أ.\n(^٤) انظر النسخة ٣١ أ.\n(^٥) انظر النسخة/ ٣٥ ب.","vol":"3","page":1220},{"text":"فقال: «باب الألف، باب الباء، وهكذا، على أنه بدأ حرف الألف بمن اسمه (أحمد) تيمنا أيضًا باسم النبي ﷺ» ثم عاد بعد ذكر الأحمدين إلى الترتيب المعجمي لباقي الأسماء، فذكر من اسمه إبراهيم، ثم من اسمه إسحاق، ثم من اسمه إسماعيل وهكذا، وقد راعى في الترتيب المعجمي الحرف الأول من الاسم الأول غالبًا، مثلما فعل في رجال «تقريب الأسانيد» المتقدم ذكره، ولهذا ذكر في باب السين من اسمه سليمان، ثم من اسمه (سنجر)، ثم من اسمه (سنقر)، ثم من اسمه (سلامة)، مع أن مقتضى مراعاة باقي الحروف، أن يقدم من اسمه «سلامة» على جميع المذكورين قبله، اللهم إلا أن يكون اعتبر الحرف الثاني من هذا هو «اللام ألف» وقد قدمت في رجال «تقريب الأسانيد» أن مراعاة الحرف الثاني وما بعده أدق وأسهل في الكشف عن الشخص، فهي أولى، وقد أنهى العراقي ترتيب الأسماء بباب الياء، ثم عقد بابًا خاصا لمن عرف بكنيته، ورتبهم أيضًا على حروف المعجم، مبتدئا بمن كنيته أبو بكر ثم من كنيته أبو ثقاب وهكذا، وبعد نهاية هذا الباب عقد بابًا للنساء مرتبا تراجمهم أيضًا على حروف المعجم، وبنهاية هذا الباب انتهى الكتاب.\n\n<span data-type='title' id=toc-426>ثانيا: مقومات الترجمة:</span>\nلما كانت النسخة التي وقفت عليها من هذا الذيل هي مسودة المؤلف كما تقدم، فإني وجدت كثيرًا من التراجم، لم يتح للعراقي استيفاء العناصر المطلوبة فيها، فقد يذكر اسم الشخص، أو اسمه ونسبه، وقد يذكر بجانب ذلك كنيته ونسبته، أو لقبه، ثم يترك بياضًا لاستكمال باقي العناصر (^١). أما\n_________\n(^١) انظر النسخة/ ٢ أ، ٦ أ، ٧ أ، وباب الكنى عموما/ ٥٩ ب وما بعدها.","vol":"3","page":1221},{"text":"في التراجم التي استكملها فقد عنى فيها بذكر أهم الجوانب التي تهم المحدث، وتميز صاحب الترجمة عن غيره، وتبين مكانته، كما قدمت في منهجه في رجال كتاب «تقريب الأسانيد» فيذكر الاسم وسلسلة النسب ما أمكنه، حتى إنه في ترجمة «عبد الوهاب بن جمال الدين بن فضل الله» أوصل سلسلة نسبه إلى سيدنا عمر بن الخطاب، ثم ذكر نسبته ولقبه فقال: «العدوي القرشي، العمري، شرف الدين، ويلاحظ أنه لم يتبع قاعدة المؤرخين في ترتيب هذه العناصر، كما مر بيانه أيضًا في رجال «تقريب الأسانيد»، وعنى أيضًا ببيان أهم من روى عنهم الشخص، ومن رووا عنه، وقد يذكر طريقة الرواية، من سماع أو حضور أو إجازة، وعنى أيضًا بالتوثيق والتجريح، حسبما تقضي قواعد المحدثين النقدية، فمن كان فيه جرح بينه، ومن كان عدلا ذكر بعض الثناء عليه، كقوله عن بعضهم: «عبد الرحمن بن محمد بن عسكر: له أخلاق طيبة» (^١) وقوله عن المحدث عبد الغفار بن محمد عبد الكافي الشافعي …: وكان حسن الخط والضبط» (^٢)، وممن بين جرحه عبد الواحد ابن كثير بن ضرغام الشيخ المقرئ، حيث قال: «إنه قرأ على السخاوي (^٣) وحدث عنه، فنسي القرآن، فلهذا لم يقرأ عليه أحد، وفي ترجمة أحمد بن محسن بن مكي ابن حسن قال: «وكان عارفًا بكل علم» ثم قال: «وكان جريئًا» (^٤)، كان يخل بالصلوات ويتكلم في الصحابة» (^٥).\n_________\n(^١) انظر ٣٠ ب.\n(^٢) انظر ٣٥ ب.\n(^٣) هو سخاوي متقدم عالم بالقراءات غير المتأخر المتوفى سنة ٩٠٢ هـ.\n(^٤) انظر ٣٨ ب.\n(^٥) انظر/ ٦ ب من النسخة.","vol":"3","page":1222},{"text":"وفي ترجمة يعقوب بن أحمد بن يعقوب قال: «وحدث قديما، وأكثر عنه الطلبة، واختلط قبل موته بيسير» (^١)، وقد لا يذكر في ترجمة الشخص ما يفيد جرحه ولا تعديله. وعنى أيضا بتحديد تاريخي المولد والوفاة ولو بالتقريب، واهتم أكثر بتاريخ الوفاة، باعتباره العنصر المعنون به الكتاب، وحدد مكانها كثيرًا، كمصر، والإسكندرية، ودمشق، وحلب وبغداد، على أن هناك عدة وفيات لم يذكرها (^٢)، وإذا كان للشخص نتاج علمي في الحديث أو في غيره، أو وظيفة علمية، كتدريس أو تحديث، بين ذلك إجمالًا أو تفصيلًا، وكذلك يبين ما للشخص من رحلات علمية، وأوسع من بين رحلاته: «سحر بن عبد الله الدوداري التركي» حيث قال: «سمع بمكة والمدينة والقدس وأنطاكية وصفد وحماة والكرك وحمص ومصر والإسكندرية وقوص، ومنية بني خصيب، والفيوم، وجدة وينبع» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-427>آراء العراقي في الكتاب:</span>\nلم يعتمد العراقي في هذا الذيل على ذكر رأي واحد في أغلب التراجم، كما فعل في «ذيل العبر» السابق ولكنه عنى في النقاط المختلف فيها بذكر أكثر من رأى، ونظرًا لأن الكتاب كان ما يزال مسودة، فإنه قد يذكر الآراء بدون ترجيح لأحدها، مثلما في ترجمة «عبد الرحمن بن مخلوف بن عبد الرحمن»، حيث قال: «مولده بالإسكندرية تقريبا سنة ٦٢٧ هـ أو سنة\n_________\n(^١) انظر ٥٥ ب.\n(^٢) انظر/ ٣٩ أ، ٧٢ أ.\n(^٣) انظر/ ١٧ أ.","vol":"3","page":1223},{"text":"٦٢٨ هـ، ورأيت بخط ابن أيبك أنه في سنة ٦٢٩ هـ تقريبا» (^١)، وفيمن اسمه (محمد) قال: «محمد بن عمر بن وقار»، ثم علق عليه بالهامش بخطه أنه في تاريخ مصر لعبد الكريم الحلبي قال: «ابن أبي وقار» (^٢) وربما أشار إلى الحاجة لتحقيق الآراء المختلفة حتى يتضح الصواب، أو الراجح منها، مثل قوله في ترجمة عثمان بن ظافر الثغري، حيث قال، في بيان لقبه: «إنه شرف الدين»، ثم قال وفي موضع آخر: «فخر الدين، فيحرر» (^٣)، وفي ترجمة عثمان بن السيف محمد بن عبيد الدمشقي قال: «توفي في شهر ربيع الأول سنة ٧٢٨ هـ، وفي «تهذيب الذهبي لوفيات البزرالي» أن وفاته في شهر ربيع الآخر من السنة»، ثم قال وذكره في المتوفين في شهر ربيع الأول أيضا فيحرر (^٤)، وقد يرجح أحد الآراء بتقديمه، أو بحكاية مقابله بصيغة التضعيف، مثال الأول: أنه في ترجمة عثمان بن عبد الرحمن بن عبد الكريم قال: «مولده - ٢٦ شوال سنة ٦٤٧ هـ، وفي «تهذيب الذهبي لوفيات البرزالي» أنه ولد في شوال سنة ٦٤٨ هـ» (^٥).\nفتقديمه للرأي الأول إشارة منه إلى ترجيحه على الثاني.\nومثال الثاني: ما جاء في ترجمة عبد الرحيم بن عبد المنعم بن خلف حيث قال: «وتوفي ليلة الجمعة أو صبحها ٧ محرم سنة ٦٩٥ هـ» ثم علق عليه\n_________\n(^١) انظر/ ٣٠ ب.\n(^٢) انظر/ «مجموع ابن خطيب الناصرية» / «المنتقى من تاريخ العراقي».\n(^٣) انظر ٣٩ أ.\n(^٤) انظر ٤٠ ب.\n(^٥) ٣٩ ب.","vol":"3","page":1224},{"text":"بالهامش قائلا: «وقيل سلخ المحرم من السنة، وبه جزم الذهبي في «تاريخ الإسلام» (^١) فحكايته للرأي الأخير بصيغة «قيل» يشير إلى تضعيفه له، وترجيح ما قبله، وفي ترجمة علي بن عمر بن أبي بكر العراقي قال: «ومولده سنة ٦٣٥ هـ وقيل سنة ٦٣٦ هـ» (^٢)، وفي ترجمة عتيق بن عبد الرحمن بن أبي الفتح قال: «وحدث، ويقال إنه قليل الإفادة للطلبة، ضنينا بكتبه عليهم» (^٣).\nوقد يعقب على بعض أحوال المترجم بما يدل على نقده لها، ففي ترجمة علي بن يوسف بن حريز الملقب بنور الدين الشطنوفي، وهو من شيوخ شيخ العراقي برهان الدين الرشيدي، قال العراقي: «وله تأليف كبير في مناقب الشيخ عبد القادر الكيلاني، والأولياء الذين كانوا في زمنه، وأثنوا عليه، وكله بالأسانيد المتصلة» يعني بين الشيخ نور الدين، ومن نقل عنهم في الكتاب، وقد توقف العراقي في هذا فقال: «سألت شيخنا الشيخ برهان الدين الرشيدي عن هذا التأليف وكيف وقع له، أي للشيخ نور الدين، هذا التأليف باتصال الإسناد؟ فقال: أي الرشيدي، كان الشيخ نور الدين معظما قبل أن يؤلف هذا الكتاب (^٤)» ومعنى ذلك أن العراقي شك في إمكان اتصال السند بين الشيخ نور الدين وبين من روى عنهم ما في الكتاب، نظرا لتأخره عن زمنهم، كثيرا، وقد أقره شيخه الرشيدي على ذلك.\nوبمثل هذه الأمثلة يتضح لنا أن العراقي ضمن هذا الذيل كثيرا من آرائه في\n_________\n(^١) انظر/ ٣٢ ب.\n(^٢) انظر/ ٤٤ أ.\n(^٣) انظر/ ٣٩ أ.\n(^٤) انظر ٤٧ أ.","vol":"3","page":1225},{"text":"الرجال الذين ترجمهم، وبذلك كان له جهده وأثره في البحث والتحقيق، والترجيح والتضعيف، والنقد الصائب، وهذا مما أظهر شخصيته العلمية، بجانب أسلافه ومعاصريه الذين اعتمد على بعض مؤلفاتهم وآرائهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-428>نماذج من تراجم الكتاب مقارنة بغيرها:</span>\nفمن ذلك ترجمته للحافظ عبد الكريم الحلبي حيث قال: «عبد الكريم ابن عبد النور بن منير قطب الدين أبو محمد، الحافظ، ومولده بحلب سنة ٦٦٤ هـ، وتوفي سلخ شهر رجب سنة ٧٣٥ هـ، سمع عليه قاضي القضاة عز الدين، وولده سراج الدين، جزء ابن عرفة، بسماعه من العز الحراني، وسمع عليه قاضي القضاة الصدر الكوكبي، مجلسًا من الإملاء أوله: حديث «كل أمر ذي بال» وسمع أيضًا من ابن العماد، وإبراهيم بن محمد المقدسي، وغازي، وخلق، بالقاهرة، وزينب بنت مكي وابن البخاري، بدمشق وابن الدهان وابن الفرات بالإسكندرية، وجمع، وصنف شرح معظم «صحيح البخاري»، ودرس الحديث بجامع الحاكم» (^١).\nوعندما نقارن هذه الترجمة بترجمة ابن تغري بردي للقطب الحلبي هذا (^٢) نجد هناك اختلافًا، فالعراقي حدّد مكان الولادة وهو (حلب) بينما لم يحددها ابن تغري بردي، وحدد العراقي تاريخ الميلاد سنة ٦٦٤ هـ ووافقه عليه السيوطي (^٣)، بينما حدده ابن تغري بردي سنة ٦٨٤ هـ وهو بعيد، وحدد\n_________\n(^١) انظر ٣٦ ب.\n(^٢) «النجوم الزاهرة» ح ٩/ ٣٠٦.\n(^٣) «حسن المحاضرة» ج ١/ ٣٥٨.","vol":"3","page":1226},{"text":"العراقي تاريخ الوفاة باليوم والشهر، حيث قال: «توفي سلخ شهر رجب، أي آخره، بينما حدده ابن تغري بردي ببداية السنة فقط وهي سنة ٧٣٥ هـ، ولا شك أن تحديد الشهر واليوم أدق.\nكذلك عنى العراقي بتفصيل النشاط الحديثي للحلبي، فذكر أهم من أخذ عنهم الحديث ورحلاته في ذلك، كما ذكر أهم من أخذوا عنه، وتدريسه للحديث، ولم يذكر ابن تغري بردي شيئًا من ذلك، وقد لقب ابن تغري بردي، الحلبي بالحافظ والمؤرخ، وذكر بجانب شرحه للبخاري تأليفه لتاريخ مصر، بينما اقتصر العراقي على الجانب الحديثي فقط، فوصفه بالحافظ، وذكر تأليفه لشرح معظم البخاري، مع أنه كان يعلم تأليفه لكتاب «تاريخ مصر» بدليل أنه اعتمد عليه في نفس هذا الذيل، كما تقدم في مصادره، ولا شك أن مجال الترجمة للشخص يقتضي ذكر جوانب نشاطه الهامة، بجانب تخصصه، ولذا فإن صنيع ابن تغري بردي في هذه النقطة أحسن.\nومن تراجمه أيضًا ترجمته (للحافظ الدمياطي) حيث قال: «عبد المؤمن ابن خلف بن أبي الحسين الدمياطي، الحافظ، شرف الدين، أبو محمد، مولده سنة ٦١٣ هـ وتوفي في ٢٥ ذي القعدة سنة ٧٠٤ هـ حدثنا عنه أبو العباس أحمد بن يوسف الخلاطي في آخرين» (^١).\nوقد ترجم جمال الدين الإسنوي - شيخ العراقي - للدمياطي أيضًا في طبقاته (^٢)، وعند مقارنة الترجمتين نجد بينهما اختلافًا، فالترجمة التي\n_________\n(^١) انظر ق\n(^٢) «طبقات الشافعية» للإسنوي/ ١٠٣، ١٠٤ (مخطوط).","vol":"3","page":1227},{"text":"ذكرها العراقي كما ترى، لا تجاوز سطرين، بينما الترجمة التي ذكرها الإسنوي موسعة بحيث تبلغ ١٥ سطرا، وعناصرها مستوفاة، وقد حدد الإسنوي مكان الولادة وهي دمياط، وذكر أن الدمياطي بجانب إمامته لأهل زمانه في الحديث، كان فقيها أصوليا نحويا لغويا أدينا شاعرا، مصنفًا تصانيف شهيرة، وذكر أيضًا نشاطه الحديثي، فبين أهم من سمع منهم، ورحلاته الواسعة في ذلك، بين مصر والشام والحجاز وبغداد، ثم رحلة الطلبة من الأقطار إليه، وتدريسه بالقبة المنصورية، وبالمدرسة الظاهرية، كما ذكر إشادة البرزالي في تاريخه بعلم الدمياطي وفضله، وكل هذا كما ترى، لم يذكر العراقي منه شيئًا، ولا شك أن هذا قصور ننتقده فيه، ثم إنه حدد تاريخ وفاة الدمياطي بـ ٢٥ ذي القعدة سنة ٧٠٤ هـ، بينما حددها شيخه الإسنوي بسنة ٧٠٥ هـ، ولم يحدد اليوم ولا الشهر، ومع هذا ذكر من الأحداث التي لابست وفاة الدمياطي ما يدل على تأكده منها، حيث قال: «وصلى العصر في الظاهرية، وحضر الميعاد، ثم غُشِي عليه في موضعه، فحمل إلى منزله بها، فمات من ساعته سنة ٧٠٥ هـ، وقد تابعه على هذا التحديد من بعده جلال الدين السيوطي» (^١).\nويلاحظ أن العراقي أوضح أن الدمياطي من شيوخ شيوخه، حيث قال: «حدثنا عنه أبو العباس أحمد بن يوسف الخلاطي، في آخرين، والخلاطي هذا من شيوخ العراقي، وقد سمع منه بعض ما رواه عن الدمياطي» (^٢) وهذا مصداق وصف ابن فهد لهذا الكتاب بأن العراقي ترجم فيه كثيرًا من شيوخ شيوخه كما قدمت.\n_________\n(^١) «حسن المحاضرة» ج ١/ ٣٥٧.\n(^٢) انظر: «المجمع المؤسس» لابن حجر/ ١٨٠.","vol":"3","page":1228},{"text":"ومن تراجم العراقي في هذا الذيل للنساء قوله: «سارة بنت عز الدين بن عمر بن أحمد بن عمر بن أنا بك، المقدسي، حضرت في الرابعة علي ابن عبد الدايم سنة ٦٥٩ هـ، وكُتِبَتْ في الأجائز، وتوفيت ليلة السبت ٢٩ جمادى الأولى سنة ٧٣٤ هـ، ودفنت بقاسيون» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-429>الاستدراك على العراقي في هذا الكتاب:</span>\nلما ترك العراقي هذا الذيل مسودة، دون أن يتاح له تحرير مادته العلمية بصفة نهائية وتبييضه، كان هذا سببًا في وجود بعض النقص، والأخطاء القليلة فيه، فلما اطلع ولده أبو زرعة على مسودة الكتاب، علق عليها بعض تعليقات، استدرك فيها على والده بعض النقص، والخطأ، اللذين وجدهما فمن ذلك أن العراقي ترجم للحافظ شهاب الدين أحمد بن أيبك الدمياطي الذي ذيل هذا الكتاب على كتابه، ولم يذكر في ترجمته تاريخ مولده فذكره أبو زرعة في نهاية الترجمة بخطه، وقال: «كتبه أحمد بن العراقي» (^٢) وفي باب العين قال العراقي: «علي بن القاسم بن محمد» إلخ، فعلق أبو زرعة عليه بالهامش قائلا: «صوابه على بن أبي القاسم بن محمد، كذا في وفيات البرزالي، وتهذيب الذهبي» (^٣).\nوقد تتبعت مثل هذه الاستدراكات على الكتاب كله، فوجدتها قليلة جدا بحيث لا تغض من قيمته ككل، بدليل ما سنذكره من الإقبال على الاستفادة منه.\n_________\n(^١) انظر ٦٨ أ.\n(^٢) انظر ١ أ.\n(^٣) انظر ٤٥ أ.","vol":"3","page":1229},{"text":"<span data-type='title' id=toc-430>أثر الكتاب فيما بعده:</span>\nلم يقف بقاء ذيل العراقي هذا في المسودة حائلا دون الاستفادة منه وتأثيره في مؤلفات من بعده في علم الرجال، حيث حرص بعض تلاميذ العراقي الأفذاذ، وغيرهم، على الاطلاع على الكتاب في مسودته، والاستمداد منه في تأليفهم كما يتضح ذلك من المثالين الآتيين:\n\n<span data-type='title' id=toc-431>١ - منتقى ابن خطيب الناصرية من الكتاب:</span>\nفقد وجدت العلاء بن خطيب الناصرية انتقى تراجم عديدة من هذا الذيل بأكمله من أوله إلى آخره، ورتبها على نفس ترتيب نسخة الأصل، وهي المسودة المتقدم ذكرها، وقد عنون ابن خطيب الناصرية هذا المنتقى بقوله «منتقى من تاريخ العراقي» (^١).\nوبدأ بالمحمدين كما هي بداية الأصل، وبلغ عدد ما انتقاه منهم قرابة الثلاثين ترجمة، ثم قال: «باب الألف» وبدأ المنتقى منه بالأحمدين، مثل الأصل أيضًا، ثم ذكر (باب الباء) وانتقى منه ما أراد، وهكذا حتى آخر الكتاب، بل إن الحروف التي بوب العراقي لها في الأصل، وتركها بياضًا بدون تراجم كما قدمت، وجدت ابن خطيب الناصرية قد ذكرها في المنتقى بدون تراجم تحتها، ترسما منه لمنهج الأصل، ولما بلغ في انتقائه على هذا المنوال إلى آخر الكتاب، وهو آخر باب النساء، قال: «آخر المنتقى من تاريخ العلامة الحافظ زين الدين العراقي، انتقاء كاتبه علي بن محمد بن سعد بن خطيب الناصرية، الحلبي الشافعي، فرغ منه اليوم الخميس ١٨ من شوال سنة ٧٠٦ هـ بالمدرسة\n_________\n(^١) انظر: «مجموع ابن خطيب الناصرية».","vol":"3","page":1230},{"text":"الصالحية بالقاهرة المعزية والحمد لله …» (^١) وبذلك يكون قد كتبه بعد قرابة شهرين فقط من وفاة العراقي، كما أنه كتب على هذا المنتقى عدة هوامش عزاها إلى خط العراقي، حيث يقول في بدايتها: «من خط المؤلف كذا، أو بخط المؤلف كذا»، وكتب عدة هوامش أخرى نسبها إلى أحمد بن العراقي، وهذا يوافق مسودة الكتاب المتقدمة، فلعلها هي التي اطلع عليها ابن خطيب الناصرية وانتقى منها، قيل أن تتعرض للنقص، نظرًا لقرب تاريخ انتقائه جدًا من حياة المؤلف، وقد صرّح في هذا المجموع في موضع آخر بأنه إلتقى بأحمد ابن العراقي، وسمع منه بالمدرسة الصالحية، التي ذكر فيما تقدم أنه كتب هذا المنتقى فيها، فلعل مسودة الكتاب كانت في حوزة أحمد بن العراقي، ومكّن تلميذه ابن خطيب الناصرية من انتقاء ما أراده منها، ويقع هذا المنتقى في قرابة عشر ورقات، لكني لم أستطع تحديدها بالأرقام من الصورة الميكروفيلمية للمجموع، لأنه غير مرقم الصفحات كما ذكرت من قبل، وقد قمت بمقابلة كثير من التراجم خلال المنتقى كله، بما في نسخة الأصل السابقة، فوجدتهما متطابقتين نصًا (^٢) وهذا يدل على أن ابن خطيب الناصرية نقل ما انتقاه من التراجم بنصه بكل دقة وأمانة، وبذلك يمكن اعتبار منتقاه هذا أصلا ثانويا لما به من التراجم فيعتمد عليه فيها بحثًا وتحقيقًا (^٣) ويعتبر انتقاء ابن خطيب الناصرية لهذا القدر من جميع الكتاب، دليل على احتياجه له، واستعانته به في مؤلفاته التاريخية.\n_________\n(^١) انظر «مجموع ابن خطيب الناصرية».\n(^٢) انظر باب الألف ترجمة أحمد بن حمدان بن شبيب، وقابل بالأصل ٣ أ وباب القاف/ ترجمة القاسم بن محمد بن يوسف، وقابل بالأصل ٥١ ب.\n(^٣) وقد شرعت في ذلك بحمد الله.","vol":"3","page":1231},{"text":"<span data-type='title' id=toc-432>٢ - نقل الحافظ ابن حجر عن الكتاب:</span>\nتبين لي أيضًا بالبحث والمقارنة أن الحافظ بن حجر تلميذ العراقي، قد استمد من هذا الذيل في كتابه «الدرر الكامنة»، مثلما في ترجمة محمد بن إبراهيم بن معضاد الجعبري، حيث قال: «بخط شيخنا أبي الفضل (يعني العراقي) أن الجعبري سمع منه ناصر الدين الفارقي، وقد حضرت مجلسه للتذكير غير مرة» (^١) وهذا الذي نسبه ابن حجر إلى خط شيخه العراقي، وجدته بنصه في «منتقى ابن خطيب الناصرية من ذيل العراقي» المذكور (^٢)، ونسبة ابن حجر ما نقله إلى خط شيخه العراقي تدل على أنه وقف على النسخة التي بخطه، واستفاد منها كما في هذه الترجمة.\n\n<span data-type='title' id=toc-433>سابعا: تأليف العراقي في التراجم المفردة لبعض الثقات أو المتكلم فيهم وأثر ذلك.</span>\nمن أنواع التأليف في علم الرجال، إفراد كتاب خاص لترجمة شخص واحد من الصحابة أو التابعين أو من بعدهم، إلى عصرنا الحاضر، حيث تعد رسائل جامعية متخصصة عن بعض الشخصيات الحديثية ذات الأثر الهام في علوم السنة، كما في رسالتي هذه عن الحافظ العراقي وأثره في السنة، وفي خاتمة كتاب «الجواهر والدرر» الذي خصصه السخاوي كما قدمت (^٣) لترجمة شيخه ابن حجر العسقلاني، ذكر السخاوي بيانا مجملا لمن أفرد بعض\n_________\n(^١) الدرر الكامنة جـ ٣/ ٣٨٤.\n(^٢) انظر «مجموع ابن خطيب الناصرية» / «المنتقى من تاريخ العراقي».\n(^٣) انظر ٣٨٦ من هذه الرسالة.","vol":"3","page":1232},{"text":"الأشخاص من الصحابة فمن بعدهم، بالترجمة، وقد ذكر من ضمنهم: الحافظ العراقي، وذكر له في ذلك كتابين: أحدهما خصصه لترجمة شيخه جمال الدين الإسنوي، وقد وثقه وذكر محامد متعددة له، والثاني خصصه لترجمة شيخه أيضا الحافظ علاء الدين مغلطاي بن قليج (^١)، وقد بين بعض وجوه لتجريحه، وسنتناول كلا منهما على النحو التالي:\n\n<span data-type='title' id=toc-434>أ - «ترجمته لشيخه جمال الدين الإسنوي وأثرها»</span>\nنسبتها إلى العراقي، وتقدير حجمها، وبيان أهميتها، وزمن تأليفها:\nقد نسب هذه الترجمة إلى العراقي غير السخاوي، ابن فهد تلميذ العراقي (^٢) وكذلك نسبها إليه ولده أبو زرعة وتلميذهما ابن حجر مع بيانهما لمحتوياتها (^٣) كما سيأتي، أما السيوطي فأضاف تقدير حجم هذه الترجمة بأنها تقع في كراسة (^٤)، وهذا تقدير معتمد، لأن السيوطي قد اطلع على تلك الترجمة، ونقل منها في بعض مؤلفاته كما سيأتي، والمعروف أن الكراسة المخطوطة قدرها عشر ورقات في المتوسط، وإن كان يبدو من النقول التي وقفت عليها من تلك الترجمة أنها تزيد عن العشر ورقات، ونسبها أيضًا إلى العراقي شهاب الدين الغزي، وذكر تملكه لنسخة منها كما سيأتي، وترجع أهمية هذه الترجمة إلى عدة اعتبارات أهمها: أنه لم يعرف من ألف كتابًا خاصا في\n_________\n(^١) «الجواهر والدرر» / ٢٩٦ ب، ٢٩٧ أ (مخطوط).\n(^٢) «ذيول تذكرة الحفاظ» / ٢٣١\n(^٣) «الدرر الكامنة» لابن حجر/ ج ٢/ ٤٦٤ و«ذيل ولي الدين أبو زرعة ابن العراقي على ذيل والده على العبر» / وفيات سنة ٧٧٢ هـ.\n(^٤) «بغية الوعاة» للسيوطي/ ج ٢/ ٩٢","vol":"3","page":1233},{"text":"ترجمة الإسنوي غير العراقي، وإن كان قد ترجمه غير واحد من أقران العراقي، ومن بعدهم في مؤلفاتهم في التراجم والطبقات، ثم إن العراقي قد استمد مادة هذه الترجمة - غالبا - من الواقع مباشرة، كما سيتضح في التحليل، فهو إما ناقل عن الإسنوي نفسه، أو مسجل لما شاهده بنفسه ولمسه، نظرا لتلمذته الطويلة لشيخه، ومخالطته له، إلى آخر حياته، وقلما نقل عن بعض تلاميذ الإسنوي الملازمين له أيضًا، وهذه المصادر هي أعلا المصادر التاريخية الموثقة، وبالتالي تكون تلك الترجمة هي أوثق ما ترجم به الإسنوي، ولهذا استمد منها - بثقة واطمئنان واستحسان - من وقف عليها كما سيأتي، يضاف إلى ذلك، أن العراقي تعرض في تلك الترجمة لاثنين من القضايا الهامة التي كانت ومازالت تشغل العلماء، وبين موقفه منهما، وهما قضيتا المجددين للدين على رأس كل قرن، وكرامات الصالحين، كما سنذكره بعد، ثم إن العراقي عند بيانه لمؤلفات الإسنوي ذكر من ضمنها كتابين، وقال: إن الإسنوي مات عنهما قبل تبييضهما، ثم استدرك قائلا: «ولكن يبيضان إن شاء الله» (^١)، وهذا يشير إلى أن تأليف العراقي لتلك الترجمة، كان عقب وفاة الإسنوي، سنة ٧٧٢ هـ بيسير، بحيث لم يكن تهيأ للعراقي ولا لغيره النهوض بتبييض هذين الكتابين، وهذا أيضًا يجعل لتلك الترجمة أهميتها من حيث إن العراقي سجل أكثر تفاصيلها في زمن قريب من وقوعه، وهو ما يزال مستحضرا له كأنه ماثل أمامه.\nما وقفت عليه من نصوص الترجمة:\nلقد راجعت فهارس المكتبات المصرية، وكثيرًا من فهارس المكتبات العالمية،\n_________\n(^١) «بهجة الناظرين» / ١٣٦.","vol":"3","page":1234},{"text":"فلم أجد أية نسخة من هذه الترجمة، لكني وجدت بعض من اقترب عصرهم من عصر العراقي، قد وقفوا على هذه الترجمة ونقلوا نصوصا منها في مؤلفاتهم، وفي مقدمة هؤلاء: شهاب الدين محمد بن أحمد الغزي المتوفى سنة ٨٦٤ هـ، وهو أحد فقهاء الشام ومؤرخيه، وقد ألف كتابه «بهجة الناظرين في تراجم الشافعية المتأخرين» (^١).\nوممن ترجمهم فيه: الحافظ العراقي، ثم أتبعه بترجمة شيخه الإسنوي، وقال في بدايتها: «وقد أفرد له تلميذه الحافظ المذكور ترجمة حسنة، ووقفت عليها وهي عندي، فلنذكر مقاصدها، ونضيف إلى ذلك ما تيسر من كلام غيره، مع ما اطلعت عليه من ترجمته، فلا تمل من طولها فإنها بديعة، تشتمل على فوائد، ومحاسن جليلة، فنقول وبالله التوفيق: …» وساق الترجمة مستغرقا.\nفيها أزيد من عشر صفحات، غالبها منقول عن ترجمة العراقي هذه، ومنسوب إليه (^٢)، ولذلك كانت تلك النقول عمدتي الأولى في بحث وتحليل منهج العراقي وآرائه في تلك الترجمة كما سيأتي.\nثم ألف الإمام بدر الدين الأهدل، الذي كان موجودا سنة ٨٣٠ هـ كتابا بعنوان «الرسالة المرضية في نصرة مذهب الأشعرية» ونقل فيها عن هذه الترجمة أيضا، مع الرد على العراقي في بعض ما ذكره، كما سيأتي (^٣)، ثم ألف جلال الدين السيوطي كتابه «التنبئة بمن يبعثه الله على رأس كل مائة».\n_________\n(^١) وهو مخطوط حتى الآن وتوجد منه عدة نسخ بدار الكتب المصرية.\n(^٢) انظر بهجة الناظرين/ ١٣٢ - ١٤٣.\n(^٣) انظر «التنبئة بمن يبعثه الله على رأس كل مائة» للسيوطي/ ٤٠، ٤١/ مخطوط.","vol":"3","page":1235},{"text":"فنقل في عدة مواضع منها، على وجه الاستدلال (^١)، وقد مكنتني هذه النقول في مجموعها من التعرف على المقومات الأساسية التي تناولها العراقي في تلك الترجمة، وعلى منهجه فيها، وأهم آرائه، ولذا فإني سأقوم بعرض منهج العراقي وأهم آرائه فيها من خلال تلك النقول مع التحليل والمقارنة والنقد، على النحو التالي:\n\n<span data-type='title' id=toc-435>منهج العراقي وأهم آرائه في تلك الترجمة: عرض تحليلي نقدي مقارن: بيان الاسم واللقب وسببهما:</span>\nوقد بدأ العراقي الترجمة ببيان اسم الإسنوي ولقبه، فذكر أن اسمه: عبد الرحيم، ولقبه: جمال الدين، ثم بين سببهما فقال: «وسمي ولقب بذلك، باسم عمه جمال الدين عبد الرحيم بن علي، وكان قد توفي قبل مولد صاحب الترجمة بيسير، فلما ولد سموه باسمه، ولقبوه بلقبه (^٢) وقد اعتمد العراقي في ذلك على الإسنوي نفسه، حيث إنه ذكر ذلك في ترجمته لوالده في طبقات الشافعية (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-436>بيان سلسلة نسب الإسنوي إلى معد بن عدنان، ونسبته، وكنيت </span>هـ:\nلم يكتف العراقي ببيان نسب العراقي إلى جده الأول، بل تتبع سلسلة نسبه، حتى أوصله إلى أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، ثم إلى معد بن عدنان، وهو الجد الثاني والعشرون للنبي ﷺ (^٤) وقد قرر المؤرخون أن رفع نسب\n_________\n(^١) انظر «التنبئة» ٥/¬١٨، ٢٧، ٣٤، ٣٥، ٣٦.\n(^٢) «بهجة الناظرين» ٥/ ١٣٢.\n(^٣) انظر «طبقات الشافعية للإسنوي» ٥/¬٤٤/ مخطوط.\n(^٤) انظر «بهجة الناظرين» ٥/ ١٣٢.","vol":"3","page":1236},{"text":"الشخص إلى أجداده الأعلين، كلما زاد تتبع المؤرخ له، كان أفيد، تحقيقا لتمييز الشخص المترجم عن غيره، ولبيان أصله (^١)، لهذا كان تتبع العراقي لنسب الإسنوي إلى هذا الحد، له أهميته في تمييزه عن غيره من جهة، وفي بيان اتصال نسبه بالنسب النبوي الشريف من جهة ثانية، وعندما نقارن سياق العراقي لنسب الإسنوي، بسياق ابن تغري بردي له، نجد في سياق ابن تغري بردي سقطا كبيرا، قدره ستة أجداد على التوالي، فقد ساق نسب الإسنوي فقال: «هو عبد الرحيم بن الحسن بن علي بن عمر بن إبراهيم بن علي بن الحكم ..» إلخ (^٢)، أما العراقي فقال: هو عبد الرحيم بن الحسن بن علي بن عمر بن إبراهيم بن علي بن جعفر بن سليمان ابن الحسن بن الحسين بن عمر بن الحكم (^٣)، فما أثبته العراقي أكمل وأصوب؛ لأنه أخبر بشيخه.\nثم بعد سياقه لنسب الإسنوي بأكمله، بين نسبته فقال: «القرشي الأموي الإسنوي الشافعي، وقد جرى في ذلك على قاعدة المؤرخين في ترتيب النسبة عند تعددها (^٤)، فنسبه أولا إلى الأصل، ثم إلى المذهب الفقهي، كما أنه في النسبة إلى الأصل، تبع قاعدة المحدثين التي تقضي بالنسبة إلى الأعم، ثم إلى الأخص (^٥)، فقد قال: القرشي الأموي، ثم ذكر العراقي أن كنية الإسنوي «أبو محمد»، وقد اتفق معه ابن تغري بردي في سياق النسبة والكنية». (^٦).\n_________\n(^١) انظر «الوافي بالوفيات» للصفدي/ ج ١/¬٣٥.\n(^٢) «المنهل الصافي» ج ٢/ ٣١٠ (مخطوط).\n(^٣): بهجة الناظرين ٥/ ١٣٢.\n(^٤) انظر «الوافي بالوفيات» للصفدي ج ١/¬٣٤.\n(^٥) «فتح المغيث» للعراقي ج ٤/ ١٦٤.\n(^٦) «المنهل الصافي» ج ٢/ ٣١٠، ٣١١.","vol":"3","page":1237},{"text":"<span data-type='title' id=toc-437>تحديد مكان الولادة وتاريخها:</span>\nثم حدد العراقي مكان ولادة الإسنوي وتاريخها فقال: «وكان مولده بإسنا من صعيد مصر الأعلا، في أواخر سنة ٧٠٤ هـ» (^١)، وتحديد تاريخ الميلاد متفق مع تحديد الإسنوي نفسه في طبقاته (^٢)، وتحديد ابن تغري بردي أيضًا (^٣) وهو كما ترى تحديد غير دقيق، بينما نجد ابن حجر قد حدد الشهر بالضبط، واليوم بالتقريب، فقال: «إن الإسنوي ولد في العشر الأخير من ذي الحجة سنة ٧٠٤ هـ، وعزا ذلك إلى طبقات الإسنوي أيضًا (^٤)، فلعل النسخة التي اطلع عليها فيها ذلك، وهي أدق وأوفى.\n\n<span data-type='title' id=toc-438>نشأته ودراساته العامة والمتخصصة:</span>\nبين العراقي في هذه الترجمة نشأة شيخه ودراساته العامة والمتخصصة، وانقسم ذلك إلى مرحلتين: الأولى، كانت بإسنا مسقط رأس الإسنوي، فحفظ هناك القرآن الكريم، وكتاب (التنبيه) في الفقه الشافعي، كما تقدم ذكره في محفوظات العراقي، ولم يذكر العراقي من دراسات شيخه بإسنا غير ذلك (^٥) بينما ذكر الإسنوي بنفسه في طبقاته تلمذته بإسنا على والده في الفقه والفرائض (علم الميراث) والعربية (^٦).\n_________\n(^١) «بهجة الناظرين» / ١٣٢.\n(^٢) «المنهل الصافي» ج ٢/ ٣١٠.\n(^٣) «المنهل الصافي» ج ٢/ ٣١٠.\n(^٤) «الدرر الكامنة» ج ٢/ ٤٦٣.\n(^٥) «بهجة الناظرين» / ١٣٢، ١٣٣.\n(^٦) «طبقات الشافعية» للإسنوي/ ٤٤.","vol":"3","page":1238},{"text":"ثم ذكر العراقي أن والد الإسنوي توفي سنة ٧٢٨ هـ ورتب على ذلك انتقاله من إسنا إلى مصر، يعني القاهرة، حيث نزل طالبا ومقيما بدار الحديث الكاملية، فاستأنف بها دراسته، وفي مقدمتها الفقه الشافعي، فتلقاه بها على يد عدد من الشيوخ ذكر العراقي منهم قطب الدين محمد بن عبد الرحمن السنباطي وتقي الدين السبكي، وأشار إلى غيرهم، كما درس أصول الفقه وأصول الدين المعروف بعلم التوحيد، وفي مقدمة من أخذ عنهم هذين العلمين الشيخ علاء الدين القونوي، ودرس النحو أيضًا على أبي الحسن الأنصاري، والد سراج الدين ابن الملقن، وعلى الشيخ أبي حيان الأندلسي، أما الحديث، فسمعه من أبي النون يونس بن إبراهيم العسقلاني وآخرين حدّد العراقي بعضهم وأشار إلى الباقين، ثم ذكر أن الإسنوي برع في الفقه وأصوله وفي النحو، وكانت له مشاركة جيدة في علوم أخرى جعلته يذكر في أهلها، وهي العروض والتاريخ والحديث والتوحيد.\nومع أن العراقي ذكر من وظائف الإسنوي تدريس التفسير بالجامع الطولوني (^١) فإنه لم يذكر دراسته لعلم التفسير ولا شيوخه فيه، وهذا يعد قصورًا بالنسبة لتأليف كتاب خاص في ترجمة واحدة، بينما نجد ابن تغري بردي في ترجمته العادية للإسنوي ضمن كتابه «المنهل الصافي» تنبه لذكر هذه النقطة ولو بالإجمال، فذكر مما برع فيه الإسنوي علم التفسير. (^٢)\nتوثيقه للإسنوي: وقد وثق العراقي شيخه الإسنوي غاية التوثيق، فبجانب وصفه له بالبراعة\n_________\n(^١) «بهجة الناظرين» / ١٣٧\n(^٢): «المنهل الصافي» ج ٢/ ٣١٠.","vol":"3","page":1239},{"text":"العلمية، وصفه بمكارم الأخلاق وسلامة العقيدة والورع (^١)، بل عده من ذوي الكرامات ومجدد مذهب الشافعي في عصره كما سيأتي، ومن تفصيل ما ذكره بالنسبة لأخلاقه قوله: (إنه صار له ذكر في الكرم، ومكارم الأخلاق)، ومثل لعزته مع تواضعه وصفاء نفسه بقوله: (إن جلس مع أهل الدنيا فهو سيدهم، وإن حضر مع أصاغر طلبته فهو أحدهم، لا يستأثر عليهم بمأكل ولا مشرب، ولا يطوي عن أحد بشرًا، ولا يلوي عنقه عن السائل كبرا، ولا ينوي لأحد من أهل الدنيا غدرًا) (^٢) وأما ورع الإسنوي فقد ذكره العراقي بقوله: «إنه ولي تدريس المدرسة الفاضلية (بالقاهرة) ولم يتناول من معلومها شيئًا مدة ولايته وهي ٨ سنين، بل عمر أوقافها، حتى صارت أجرتها ضعفي ما كانت عليه، ولم يحضر الدرس، وكان يتورع عنها لكونها شرط في مدرسها الورع»، ثم ذكر بعض ما حضره بنفسه من تورع الإسنوي عن تلك المدرسة فقال: «وسأل بها مرة بحضوري، الشيخ شهاب الدين ابن النقيب، أن ينزل له عنها وكان المانع من الشيخ شهاب الدين، وأضاف أنه أراد النزول عنها في أواخر عمره للشيخ شهاب الدين إسماعيل بن إبراهيم بن جماعة، وقال: هو أورع مني»، فلم يتفق ذلك (^٣)، وقول الإسنوي عن ابن جماعة: «هو أورع مني»، يشير إلى إحساسه بأنه كان معدودًا من الورعين، هذا ولم أجد من بَيْنِ من ترجموا للإسنوي من ذكر شيئًا عن ورعه غير العراقي، ثم ذكر بعض دلائل إكرامه لمن حوله من طلبته وإخوانه الواردين عليه، وحسن صلته\n_________\n(^١) «بهجة الناظرين» ٢/ ١٣٣، ١٣٤، ١٤٢.\n(^٢) «بهجة الناظرين» / ١٣٤\n(^٣) «بهجة الناظرين» / ١٣٧","vol":"3","page":1240},{"text":"بكل هؤلاء، وختم هذا بالدعاء له قائلا: «فجزاه الله عنا خير الجزاء (^١)» وهذا يدل على أن العراقي كان ممن ناله بر الأسنوي وحسنت صلته به، وقد أشار الحافظ ابن حجر الى أن هذا، كان له أثره في إشادة العراقي بفضائل الإسنوي والثناء عليه، فقال في ترجمته للإسنوي: «وأفرد له شيخنا العراقي ترجمة ذكر فيها كثيرًا من فضائله ومناقبه، وبالغ في الثناء عليه»، ثم عقب على ذلك بقوله: «وكان هو - أي الإسنوي - يحب شيخنا ويعظمه، وذكره في طبقات الشافعية في أثناء ترجمة ابن سيد الناس ووصفه بأنه حافظ عصره، وذكره في موضع آخر من المهمات» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-439>نشاطه الوظيفي والعلمي:</span>\nذكر العراقي نشاط الإسنوي الوظيفي والعلمي مفصلا، فقال: إنه ولي وكالة بيت المال، ونظر الكسوة - يعني كسوة الكعبة - ثم أشار إلى عدم حرصه على تولي مثل تلك الوظائف كما كان يفعل غيره، وقرر في هذا ما عاينه بنفسه فقال: «وولي الحسبة بالقاهرة كالمكره على ذلك، ورأيته بعد أن لبس لها، وهو يبكي بسبب ذلك، ثم قال: وبلغني أن الملك الناصر حسن قال بعد أن ألزمه بها: «خوفته فخاف»، ثم ذكر استعفاءه من تلك الوظائف، وتفرغه لنشر العلم، وإتمام ما تيسر له من مؤلفاته» (^٣). ويلاحظ أن العراقي لم يحدد لنا تاريخ تولي الإسنوي ولا عزله، من أي من تلك الوظائف، بينما قال ابن حجر «إن ولاية الإسنوي الحسبة كانت في رمضان سنة ٧٥٩ هـ، وأن\n_________\n(^١) «بهجة الناظرين» / ١٣٨\n(^٢) «الدرر الكامنة» جـ ٢/ ٤٦٤.\n(^٣) «بهجة الناظرين» / ١٣٧","vol":"3","page":1241},{"text":"اعتزاله لها كان سنة ٧٦٢ هـ»، كما ذكر أن عزله لنفسه من وكالة بيت المال كان سنة ٧٦٦ هـ (^١) ولاشك أن هذه التحديدات أولى من عدمها.\nأما نشاطه العلمي فلخصه العراقي في التصدير والتدريس، ومقابلة نسخ الكتب مع طلابه، التصحيحها ووصل سندها لهم، وذلك بالإضافة إلى اشتغاله بالتأليف ونظم الشعر، ثم ذكر الأماكن التي مارس نشاطه بها فقال: «وتصدر للإقراء بالمدرسة الملكية، ودرس بالمدرسة الأقبغاوية والفارسية، وتدريس التفسير بجامع ابن طولون، وأعاد بالمدرسة الناصرية والتدريس بالمدرسة المنصورية والفاضلية (^٢)، ولم يذكر لنا العراقي ولا غيره ممن رجعت إليهم، كابن حجر، وابن قاضي شهبة، وابن تغري بردي، لم يذكروا تواريخ تولي الإسنوي العمل بالأماكن السالفة، ولا مدته بكل منها، غير أن العراقي حدد بداية ونهاية نشاطه عموما في التدريس والإفادة فقال: «وانتصب للإقراء والتدريس والإفادة من سنة ٧٢٧ هـ وهلم جرا، إلى قبل وفاته بيومين»، ثم أجمل نتيجة ذلك فقال: «فتفقه عليه وتخرج به جماعة، وذكر منهم ثلاثة: أولهم الشيخ علاء الدين علي بن محمد بن عبد الرحيم الأقفهسي»، ثم قال: «في آخرين لا يحصون»، ثم ذكر تلاميذه في الحديث فقال: «وسمع عليه الحديث جماعة من الأئمة» وذكر منهم نفسه، وولده أبا زرعة ورفيقه نور الدين الهيثمي، وذكر سماعه على الإسنوي بعض مروياته الحديثية، وقراءته عليه بنفسه بعض مؤلفاته الضخمة في الفقه وأصوله (^٣) لكن شهاب الدين\n_________\n(^١) «الدرر الكامنة» ٢/ ٤٦٤\n(^٢) «بهجة الناظرين» / ١٣٧\n(^٣) «بهجة الناظرين» / ١٣٤","vol":"3","page":1242},{"text":"الغزي، استقل عدد من حددهم العراقي من تلاميذ الإسنوي فأضاف غيرهم (^١)، ثم قال: «وكأن الشيخ زين الدين (العراقي) لم يذكر إلا الأعيان من الطبقة الأولى من تلاميذه، الذين هم من أضرابه»، ثم قال: «وأخبرني بعض الفقهاء المصريين المطلعين أن تلامذته تشتمل على سبع طبقات» (^٢).\nأما مؤلفات الإسنوي فقد أولاها العراقي عنايته بحيث ذكر منها ما لم أجد له ذكرا عند غيره، وتكلم عنها كلام العليم بمعظمها شكلا ومضمونا، وهذا ما يجعل كلامه عنها محل اعتبار هام، وقد استهل كلامه بحكم عام حيث قال إن الإسنوي صنف كتبا مفيدة، نفع الله تعالى بها الناس، ثم قسم ما ذكره من المصنفات إلى قسمين: أولهما: ما أكمله الإسنوي، وثانيهما: ما لم يكمله، وبلغ مجموع ما ذكره في القسمين ٢٣ كتابا (^٣). بينما ذكر ابن حجر ١٦ كتابا فقط (^٤).\nوذكر ابن تغري بردي ١٠ كتب فقط (^٥)، وقد أشار العراقي إلى أنه لم يستوعب مؤلفات الإسنوي، وإنما ذكر أهمها، وما خبره منها بنفسه، ولهذا فإني قد وجدت السيوطي ذكر من مؤلفات الإسنوي ما لم يذكره العراقي وهو كتاب «الرياسة الناصرية» في الرد على من يعظم أهل الذمة، واستخدامهم على المسلمين (^٦).\n_________\n(^١) «بهجة الناظرين» ٤/ ١٣٥.\n(^٢) «بهجة الناظرين» ٤/ ١٣٦.\n(^٣) «بهجة الناظرين» ٤/ ١٣٦.\n(^٤) «الدرر الكامنة» جـ ٢/ ٤١٤.\n(^٥) «المنهل الصافي» جـ ٢/ ٣١١.\n(^٦) «حسن المحاضرة» جـ ١/ ١٨٠.","vol":"3","page":1243},{"text":"ومن أدلة خبرة العراقي بمؤلفات الإسنوي أنه حدد الحجم وموضوع معظمها، وبين المبيض من غيره، فقال: «إن من أجل مؤلفات الإسنوي: - كتاب «المهمات» في ٨ مجلدات، في الكلام على مواضع من «شرح الرافعي الكبير» و«الروضة»، ومنها كتاب «جواهر البحرين في تناقض الخبرين»، في مجلد، ومنها «الهداية إلى أوهام الكفاية»، لابن الرفعة: مجلدان، أو مجلد ضخم، ومنها: «شرح منهاج البيضاوي»، مجلد، ومنها «زوائد المحصول، والإحكام، وأصول ابن الحاجب على منهاج البيضاوي»: - جزء لطيف، ومنها كتاب «الأشباه والنظائر»، ومنها كتاب «الجمع والفرق»، -وعقب على الكتابين الأخيرين بقوله: «وهذان الكتابان الأخيران مات عنهما قبل تبييضهما، ولكن يُبيَّضان إن شاء الله»، ثم قال: «ومن التصانيف التي لم يكملها: «شرح المنهاج» للنووي، كتب فيه من أوله إلى الإجارة»، و«شرح التنبيه»، كتب منه نحو مجلد، و«مختصر الشرح الصغير»، للرافعي، كتب منه قطعة، و«شرح الألفية»، لابن مالك، رأيت منه بخطه ٤ كراريس مبيضة، وشرح التسهيل، لابن مالك أيضًا، كتب منه قطعة، ثم قال: وله ثلاث مجاميع: أحدها المجموع الكبير، في مجلد ضخم، والآخران في قطع ربع البلدي (^١)، وقد أقر العراقي على ما ذكره من المؤلفات السابقة من ترجم للإسنوي بعده كتلميذه ابن حجر (^٢) وابن قاضي شهبة (^٣) وابن تغري بردي (^٤)، لكن يلاحظ أن العراقي لم يحدد تواريخ تأليف الإسنوي لتلك\n_________\n(^١) «بهجة الناظرين» ٥/ ١٣٦.\n(^٢) «الدرر الكامنة» ج ٢/ ٤٦٤.\n(^٣) «الأعلام» ج ١/ ٩٢ أوما بعدها.\n(^٤) «المنهل الصافي» ج ٢/ ص ٣١١.","vol":"3","page":1244},{"text":"المؤلفات، بينما حدد ابن حجر وابن قاضي شهبة تواريخ فراغه من عدد منها (^١) وذلك أفضل، لمعرفة تدرج آرائه مثلما أوضحته بالنسبة للعراقي، ويلاحظ أن أغلب مؤلفات الإسنوي وأضخمها وأوجودها متعلق بالفقه وأصوله، ولكن العراقي بحكم تخصصه بالسنة عنى بإبراز الجانب الحديثي عند شيخه الإسنوي، فذكر عددًا من مروياته الحديثية التي تلقاها من شيوخه بالسند، لكن شهاب الدين الغزي اكتفى بالإشارة إلى ذكر العراقي لها ولم يذكر لنا شيئًا منها» (^٢).\nولما كان الفقه الشافعي هو الميدان الأول الذي ظهرت فيه براعة الإسنوي، فإن العراقي حرص على ذكر نماذج للآراء الفقهية التي اختارها مخالفًا بذلك غيره من الفقهاء السابقين عليه، وقد أشار الغزي إلى أن غالب ما ذكره العراقي من اختيارات شيخه مذكور في مصنفاته، وهذا يدل على اطلاع العراقي على تلك المصنفات، واستخراجها منها بخبرته الفقهية، وقد اكتفى الغزي بذكر خمسة نماذج فقط مما ذكره العراقي فقال: ومن اختياراته (أي الإسنوي) الحسنة في المذهب: «أنه كان يختار للمنفرد الجمع بين الشفع والوتر بتسليمة واحدة، إذا أوتر بثلاث، وهو اختيار الروياني. والذي عليه الرافض والنووي وغيرهما أن الفصل أفضل، ثم ذكر أربع اختيارات أخرى في العبادات والعقائد والمعاملات». (^٣)\nوذكر العراقي أيضًا نماذج مما سمعه بنفسه وكتبه بخطه من شعر شيخه\n_________\n(^١) «الدرر الكامنة» جـ ٢/ ٤٦٤. و«طبقات الشافعية» ٤/ ٩٢ أو ما بعدها.\n(^٢) «بهجة الناظرين» ٤/ ١٣٥، ١٣٨\n(^٣) «بهجة الناظرين» ٤/ ١٣٩","vol":"3","page":1245},{"text":"الإسنوي، وتلك النماذج عبارة عن بيتين مدح بهما الإسنوي كتاب «الشرح الكبير» للرافعي في الفقه الشافعي، وبيتين كتب بهما إلى بعض رؤساء الدولة حين سافر إلى الصعيد، وأحد عشر بيتًا في مدح بلده ومرباه الأول (إسنا)، وذكر سلفه الصالحين الأشراف المدفونين بها، وفي ختامهم يقول:\nإلى الدوحة العليا قريش تناسبوا … نسيبهم خير البرية طه (^١)\nولم يعقب العراقي على هذه النماذج ببيان رأيه في شعر شيخه، مع أنه كان له تذوق للشعر الجيد في عصره، كما قدمت في جوانب شخصيته، فلعله كان مستحسنًا لهذه النماذج، وهذا يخالف ما قرره ابن تغري بردي من بعده، فقد ذكر نموذجا ممّا ذكره العراقي، وصدّره بحكم عام على نظم الإسنوي ونثره الأدبي بأنهما ليسا بذاك (^٢) ويبدو أن الحق مع ابن تغري بردي، كما يظهر من أسلوب ومحتوى النماذج المتعددة التي ذكرها العراقي، وإن كان هذا لا يضير الإسنوي باعتباره فقيهًا أصوليا بالدرجة الأولى، لا أديبًا شاعرًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-440>عدّ الإسنوي من المجددين، ورأي العراقي في حديث بعث الله تعالى لهذه الأمة من يجدد لها أمر دينها:</span>\nفقد بلغ تقدير العراقي لشيخه الإسنوي وتوثيقه أنه عده مجدد مذهب الشافعي في زمنه عمومًا، فقال عنه في هذه الترجمة: «طار اسمه وعلمه في الأقطار، وتجدّد به في الأمة ما أسس من قواعد محمد بن إدريس، وصار علمه في الأعصار مثلًا» (^٣)، وهذا الوصف بالتجديد العام، يعتمد على\n_________\n(^١) «بهجة الناظرين» ٥/ ١٣٨.\n(^٢) انظر «المنهل الصافي» ج ٢/ ٣١١ و«النجوم الزاهرة»، ج ١١/ ١١٥.\n(^٣) «بهجة الناظرين» ٥/ ١٣٣.","vol":"3","page":1246},{"text":"الحديث الذي أخرجه أبو داوود في «سننه» والحاكم في «مستدركه» وصححه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة، من يجدد لها دينها» (^١). ولهذا فإن العراقي ذكر الحديث وأقر تصحيح الحاكم له. واتفق معه في هذا تلميذه ابن حجر والسيوطي (^٢).\nثم ذكر العراقي ما أورده الإمام أحمد في رواية لهذا الحديث أنه ﷺ قال: «إن الله يبعث في رأس كل مائة سنة رجلا من أهل بيتي، يبين لهم أمر دينهم»، وقرر أن التقييد بأهل بيت الرسول ﷺ الوارد في هذه الرواية، غير معتبر في المجدد، لأن هذه الرواية قد أوردها الإمام أحمد بدون إسناد، ولم يوقف لها على إسناد، واتفق معه في هذا أيضًا تلميذه ابن حجر والسيوطي من بعده (^٣).\nأما الإمام تاج الدين ابن السبكي معاصر العراقي فقد أورد في طبقاته هذه الرواية المقيدة بأهل البيت وأقرها، ثم أوّلها على أنه إذا لم يكن المجدد من أهل البيت، فيكتفي بكونه على مذهب من هو من أهل البيت كالشافعي ﵁، وهذا كما ترى تأويل متكلف، لا يتمشى مع صريح لفظ الحديث، ولذلك استبعده السيوطي، وأقر رأي العراقي بعدم ثبوت زيادة «من أهل بيتي» الواردة في هذه الرواية (^٤).\n_________\n(^١) «سنن أبي داوود» كتاب الملاحم باب ما يذكر في قرن المائة/ ج ٢/ ٢٠٩ وهـ مستدرك الحاكم/ كتاب الفتن/ ج ٤/ ١٥٦ وليس في طبعة المستدرك الحالية ذكر التصحيح والبيهقي في «المعرفة» ج ١/ ١٣٧ و«الجامع الكبير» للسيوطي ج ١/ ١٨٢. وتقدم في ألقاب العراقي العلمية مزيد في بيان صحة الحديث.\n(^٢) «التنبئة بمن يبعثه الله على رأس كل مائة» للسيوطي/ ١٨ (مخطوط).\n(^٣) «انظر التنبئة» للسيوطي/ ٢٣، ٢٥، ٢٧.\n(^٤) «التنبئة» / ٢٣، ٢٧.","vol":"3","page":1247},{"text":"وبناء على رواية الحديث الأولى الصحيحة، حدد العلماء من قبل العراقي من بعث على رأس القرون السالفة، فقال أحمد بن حنبل: «كان عمر بن عبد العزيز على رأس المائة الأولى، وأرجو أن يكون الشافعي على رأس المائة الأخرى» (^١)، ثم روى الحاكم أن شيخا من أهل العلم قال لأبي العباس أحمد ابن سريج: أبشر أيها القاضي، فإن الله تعالى ذكره، بعث عمر بن عبد العزيز على رأس المائة، ومن على المسلمين به، فأظهر كل سنة وأمات كل بدعة، ومن الله على رأس المائتين بالشافعي، حتى أظهر السنة وأمات البدعة، ومن علينا على رأس الثلثمائة بك، حتى قويت كل سنة، وضعفت كل بدعة، ثم أنشدنا قائلا:\n«اثنان قد مضيا فبورك فيهما … عمر الخليفة ثم حلف السؤدد\nالشافعي الألمعي المرتضى … إرث النبوة وابن عم محمد\nأرجو أبا العباسي أنك ثالث … من بعدهم سقيا لتربة أحمد»\nفبكى أبو العباس بن سريج حتى علا بكاؤه، ثم قال: «إن هذا الرجل نعى إلي نفسي، ثم مات في تلك السنة» (^٢).\nوفي عصر الحاكم في القرن الرابع الهجري، ذكر الحاكم أن شيخا آخر زاد في تلك الأبيات ذكر أبي الطيب سهل بن محمد (الصعلوكي) وجعله على\n_________\n(^١) «معرفة السنن والآثار» للبيهقي ج ١/ ١٣٨ و«التنبئة» / ١٩.\n(^٢) «معرفة السنن والآثار» للبيهقي ج ١/ ١٣٨، ١٣٩ و«التنبئة» / ٢٠.","vol":"3","page":1248},{"text":"رأس الأربعمائة فقال:\n«والرابع المشهور سهل محمد … أضحى إماما عند كل موحد\nتأوى إليه المسلمون بأسرهم … في العلم إن جاء والخطب مؤيد\nلازال فيما بيننا شيخ الورى … للمذهب المختار خير مجدد»\nوذكر الحاكم «أنه قدر الله وفاة سهل في تلك السنة التي سمع فيها هذه الأبيات وهي سنة ٤٠٤ هـ» (^١).\nوقد عقب العراقي على ذلك فقال: «وقد بلغني أن بعض العلماء يعد في المائة السادسة الشيخ محيي الدين النووي، وفي المائة الخامسة قبلها أبا طاهر السلفي، وفي المائة الرابعة قبلها الشيخ أبا إسحاق الشيرازي، وكل واحد من المذكورين قد مات سنة ست وسبعين من المائة التي توفي فيها، فإن كان ما ذكره، أي ذلك البعض، صحيحًا، فالظاهر أن صاحب هذه الترجمة (يعني الإسنوي) هو المراد بالعالم الذي يجدد للناس دينهم، لكنه عقب على ذلك قائلا: «وذلك إن كان محتملًا ففيه نظر، لأن الحديث فيه «على رأس كل مائة سنة» ولذلك جعل الإمام أحمد: أن المراد في المائة الأولى عمر بن عبد العزيز، وفي المائة الثانية الشافعي»».\nثم قال: «فإن قيل: الظاهر من الحديث أنه أراد الأئمة الذين هم ولاة\n_________\n(^١) «التنبئة» / ٢٠، ٢٣.","vol":"3","page":1249},{"text":"الأمور، ولذلك أدخله أبو داود في كتاب الملاحم، قلنا: قد جاء في كلام الإمام أحمد أن المراد، من يعلمهم السنن، كما أخرجه الخطيب، وساق سنده إلى أحمد بن حنبل قال: «إن الله يقيض للناس في رأس كل مائة سنة من يعلمهم السنن، وينفي عن رسول الله ﷺ الكذب، فنظرنا، فإذا في رأس المائة عمر بن عبد العزيز، وفي رأس المائتين الشافعي» (^١). ومن هذا نفهم أن العراقي رأى أن حديث التجديد عام، فيشمل تجديد أمر الدين في كل جانب سواء في الحكم على يد الحكام، أو في العلم على يد العلماء، ويرى بناء على هذا تعدد المجددين لجوانب الدين في كل عصر، لكنه يرى أن المجدد الذي ينطبق عليه الحديث لابد أن تكون وفاته على رأس القرن، ولذلك فإنه مع وصفه للإسنوي بتجديد مذهب الشافعي كما أسلفت رجح عدم انطباق الحديث عليه؛ لوفاته سنة ٧٧٢ هـ كما سيأتي، ويتفق رأي العراقي هذا مع غيره ممن تقدمه أو تأخر عنه، فقد قرر ابن الأثير من قبل العراقي: أن الأجدر والأحسن والأشبه بالحكمة تأويل الحديث على تعدد المجددين على رأس كل قرن بحيث ينتفع بكل منهم في أمر الدين ما لا ينتفع بالآخر، سواء في السياسة والعدل وإقامة الشرع، أو في العلوم الإسلامية المختلفة، كما ذكر أنه قد يكون قبل كل مائة أيضا من يقوم بأمور الدين، ولكن المراد بالذكر في الحديث من انقضت المائة وهو حي عالم مشهور (^٢) وهذا يوافق ما انتهى إليه رأي العراقي بالنسبة للإسنوي كما مر.\nومن بعد العراقي قرر تلميذه ابن حجر أيضا أن الذي يتعين في المتأخرين:\n_________\n(^١) (التنبئة) / ٣٤، ٣٥.\n(^٢) انظر «التنبئة» / ٣٧ - ٤٠.","vol":"3","page":1250},{"text":"حمل الحديث على أكثر من واحد، وكونهم على رأس القرن (^١)، وقد عقب العراقي على كلامه السابق بقوله: «وقد نظمت مذيلا على الأبيات التي أوردها الحاكم، فأوردت الثلاثة الباقين على رأس كل مائة سنة إلى زماننا هذا» بقولي:\n«والخامس الطوسي أعني حجة الـ … إسلام وهو محمد بن محمد»\n«ذاك الذي أحيا لنا إحياؤه … ميت العمر وجلى القلب الصدي\nوالسادس الفخر الإمام المرتضى … ابن الخطيب عمى عيون الحسد\nذاك الذي نصب الدلائل للهدى … وأزال شبهة ذي الضلال الملحد\nوالسابع التبجي (^٢) أبو الفتح الذي … بلغ اجتهاد العلم قبضا باليد\nأحيا الأنام (إمامه) (^٣) ولقد رقى … في شرحه (الإلمام) (^٤) فوق الفرقد\n_________\n(^١) «التنبئة» ٩/¬٤٠.\n(^٢) يقصد ابن دقيق العيد نسبة إلى «الثبج» وهو الوسط أو وسط الشيء، لأنه ولد في وسط الماء على ظهر سفينة بالبحر الأحمر، قريبا من ميناء «ينبع»، وأبواه متوجهان للحج/ طبقات الشافعية للإسنوي ٢/ ترجمة (٨٥٠) والمعجم الوسيط ١/ مادة «ثبج».\n(^٣)، (^٤) «الإمام» إسم كتاب لابن دقيق العيد وقد شرح فيه كتابه الثاني المسمى بـ «الإلمام في أحاديث الأحكام».","vol":"3","page":1251},{"text":"والظن أن الثامن المهدي من … ولد النبي، أو المسيح المهتدي\nفالأمر أقرب ما يكون فذو الحجي … متأخر ويسود غير مسود\nأو ما ترى الأئمة ثم من … يمضي فلا خلف له في المقصد\nليس ارتفاع العلم نزعا إنما … موت الأئمة رفعه وكأن قد (^١)\nومن هذه الأبيات يظهر لنا أن العراقي يرى أن مجدد المائة الثامنة في ظنه سيكون المهدي المنتظر، من ذرية الرسول ﷺ، أو سيدنا عيسى ﵇ وذلك لأنه كان يحس بأن نهاية العالم قد اقتربت، وستكون بعد نهاية القرن الثامن الهجري، واستند في ذلك إلى أنه وجد في عصره بعض علامات الساعة الصغرى، التي وردت في السنة، كحديث جبريل المشهور وغيره (^٢) وذلك أنه كان في عصر العراقي كما أسلفت، يسود الناس من ليس أهلا للسيادة من المماليك وحواشيهم، كما اجتاحت الأوبئة عامة البلاد، ومات فيها كثير من العلماء دون أن يخلفهم أمثالهم، فكان الحالة العصر واضطراباته عموما أثرها، في رأي العراقي هذا، ولكن الإمام بدر الدين الأهدل الذي وجد سنة ٨٣٠ هـ نقل في كتابه (الرسالة المرضية في نصرة مذهب الأشعرية)\n_________\n(^١) التنبئة/ ٣٦.\n(^٢) انظر «البخاري مع شرحه فتح الباري» كتاب الإيمان ج ١/ ١٢٢ - ١٣٣ وكتاب الفتن ج ١٦/ ١٢٤ - ١٢٦، ١٤٧ - ١: ٤٩","vol":"3","page":1252},{"text":"أبيات العراقي السابقة المتضمنة لرأيه، ورد عليه فقال: «وما ذكره من أن على رأس المائة الثامنة: المهدي أو عيسى بن مريم، لاقتراب الساعة، لم يصح، فنحن الآن في سنة ٨٣٠ هـ ولم يقع شيء من ذلك (^١)، ومع أن هذا الرد واقعي فعلا، إلا أنه في غير محله، فقد فات الأهدل أن العراقي قد قرر الرجوع عن رأيه المذكور، لما رأى أن ما ظنه واستشعره لم يتحقق على رأس القرن الثامن، وظهر له أن قرينه سراج الدين البلقيني المتوفى سنة ٨٠٥ يستحق أن يكون مجدد المائة الثامنة على مقتضى حديث التجديد، وذلك في علم الفقه الشافعي، فقرر ذلك في حقه، في قصيدة على نفس قافية الأبيات السابقة، حيث قال:\nوالله يبقي شيخ المسلمين لنا … غناء عن الماضين للمتجدد\nيحل في دروسه ما أعضلت … من المسائل الصعاب العقد\nيعقد للإفتاء بعد عصره … إلى غروبها بخير مقعد\nيأتون من فجاج الأرض واردي … بحر علومه الهنى المورد\nفيسألون لا يرد سائلا … إلا بخط أو بقول مرشد\n_________\n(^١) «التنبئة» / ٤٠، ٤١.","vol":"3","page":1253},{"text":"وجمع الله شملنا في جنة … ومنزل نعيمه المخلد (^١)\nوقد أثبت الحافظ ابن حجر رجوع العراقي هذا وأقره حيث قال في ترجمة البلقيني:\n«وشهد له جمع جم بأنه العالم الذي على رأس القرن»، وممن رأيت خطه بذلك في حقه شيخنا الحافظ أبو الفضل بن العراقي، بعد أن كان يصرح قديما بأن الأمر قد اقترب وانقضى، فلما انسلخ القرن (أي الثامن) ودخل القرن الآخر، وكانت الشهرة التي حصلت للشيخ (أي البلقيني) جزم، (أي العراقي) في حقه بذلك (^٢) على أن الإمام الأهدل قد وقع في نفس ما انتقد العراقي فيه؛ حيث إنه بعد انتقاده السابق له حدد بعض من يعتبر مجددًا للقرن الثامن ومنهم البلقيني المتقدم والعراقي نفسه وغيرهما، ثم قال الأهدل: «ويحتمل أن يبقى تاسع على رأس المائة التاسعة التي نحن فيها، ويكون المهدي أو عيسى بن مريم في المائة العاشرة، عند تمام الدور والعدد العربي، والله أعلم» (^٣) وأقول له ﵀: «ها نحن في سنة ١٣٩٩ هـ ولم يقع ما قررته، وبذلك يكون الصواب ما استقر عليه رأي العراقي أخيرًا من تحديد المجددين حتى عصره، وترك ما بعده لعالم الغيب والشهادة ومن عنده علم الساعة ﷾».\n_________\n(^١) انظر: «بهجة الناظرين» / ١٠ و«التنبئة» / ٣٧.\n(^٢) «وذيل الدرر الكامنة» لابن حجر/ بخطه/ ٦١.\n(^٣) «التنبئة» / ٤٢.","vol":"3","page":1254},{"text":"<span data-type='title' id=toc-441>إثبات بعض كرامات الإسنوي ورأي العراقي في كرامات الصالحين عموما:</span>\nومن تقدير العراقي لشيخه الإسنوي وتوثيقه، أنه أثبت في ترجمته له، إخباره ببعض المغيبات، ثم مشاهدة العراقي بنفسه تحققها مثلما أخبر الشيخ. ومثل هذا يعد من الكرامة التي هي أمر خارق للعادة، يُظهره الله تعالى متى وكيف يشاء، على يد عبد من عباده الصالحين، غير مُقْتَرن منه بالتحدي، ولا بدعوى النبوة، ولا الكرامة، ولا حرصه على إظهارها (^١).\nوقد أشار إلى ذلك ولي الدين بن العراقي حيث قال إن والده في ترجمته للإسنوي قد حكى عنه فيها كشفا ظاهرا (^٢).\nوأوضح الغزي أكثر فقال: «إن العراقي في ترجمته للإسنوي حكى عنه إخبارًا ببعض المغيبات، وذكر أنه شاهده منه» (^٣).\nلكنه لم يذكر لنا شيئًا معينًا من ذلك، وإنما نقل من كلام العراقي ما يدل على رأيه عموما في ثبوت مثل هذه الكرامات، فذكر أن العراقي بعد ذكره لبعض المغيبات التي أخبر بها الإسنوي وشاهد بنفسه تحققها، قال: «والله يُطلع من يشاء على ما يشاء، وهذا (أي ما ذكره عن الإسنوي) يسير بالنسبة إلى صالحي العوام، فضلا عن صالحي العلماء، فقد كان (أي الإسنوي) من أهل بيت مشهور بذلك» (^٤).\nومن هذا نفهم: أن العراقي يقر بثبوت الكرامة للصالحين على اختلاف\n_________\n(^١) «تعريفات الجرجاني» ١/ ٩٦.\n(^٢) «ذيل ولي الدين» ٥/ وفيات سنة ٧٧٢ هـ.\n(^٣) «بهجة الناظرين» ٥/ ١٣٨.\n(^٤) «بهجة الناظرين» ٥/ ١٣٨.","vol":"3","page":1255},{"text":"درجاتهم في ذلك، سواء كانوا - مع صلاحهم - علماء، وهم الأولى، كالإسنوي وأسرته، أو عوام لهم من العبادة والاستقامة ما يحقق لهم مرتبة الولاية كما قال تعالى ﴿وهو يتولى الصالحين﴾، وهذا يوضح لنا جانبًا من موقفه العام بالنسبة للتصوف والصوفية في عصره الذي عمته نزعة التصوف من جانب، وكثر فيه أدعياؤه من جانب آخر، ومما ذكره العراقي من كرامات شيخه جنازته المشهودة، واستشعاره قرب وفاته، وتحقق ذلك، فقد قال عن جنازته: «ولم أر في عمري جنازة أكثر بهاء منها، ولا أكثر جمعا، إلا ما كان من جنازة الشيخ حسين الجاكي، فإني حضرتها وأنا صغير، وكذلك جنازة سيدي الشيخ عبد الله المنوفي (^١)، لم أر أكثر جمعًا منها، إلا أن الناس كانوا خرجوا اتفاقا ليدعوا الله تعالى ويرغبوا إليه لدفع الوباء، ونودي فيهم بذلك فخرجوا إلى الصحراء، وكأن اجتماعهم في الحقيقة للصلاة على الشيخ المنوفي رحمه الله تعالى» ثم أيد العراقي هذا بقوله: «وقد روى الإمام أحمد بن حنبل ﵁ أنه قال: «بيننا وبينهم الجنائز» وفسر كلام الإمام أحمد هذا بأنه يريد بذلك اجتماع الخلق واجتماع ألسنتهم على الثناء الحسن الجميل» (^٢).\nوقد نقل الحافظ ابن حجر عن الزركشي تلميذ الإسنوي أيضا ما يوافق ما ذكره العراقي، حيث قال ابن حجر: «رأيت بخط الشيخ بدر الدين الزركشي: كانت جنازته (أي الإسنوي) مشهودة، تنطق له بالولاية» (^٣).\nأما عن تنبئه بقرب وفاته فقال العراقي: «وكان شيخنا ﵀ قد ظهر\n_________\n(^١) توفي سنة ٧٤٩ هـ.\n(^٢) «بهجة الناظرين» / ١٤٠، ١٤١.\n(^٣) «الدرر الكامنة» جـ ٢/ ٤٦٥.","vol":"3","page":1256},{"text":"عليه قبل موته بيسير، استشعار الموت واقترابه، وكان على ما حكى لي قد رأى عمر بن الخطاب قبل موته بيسير، وحكى لي بعض أصحابه - وهو الذي كان ينسخ تصانيفه - وهو القاضي نور الدين إبراهيم بن محمد بن إبراهيم، الجلال الاسنائي، قال: دخلت للشيخ، فأعطاني كراريس لأنسخها، وبعد إلحاح عليه قال: إنه رأى نفسه في النوم جالسًا، وبجانبه رجل يقول له: اشتقنا إليك، فسأل جليسًا بجنبه عنه فقال له: هذا عمر بن الخطاب ﵁، قال الجلال الإسنائي: فكأنه بسبب ذلك استشعر الموت وقرب أجله». (^١)\n\n<span data-type='title' id=toc-442>ذكر تفاصيل مرض الإسنوي ووفاته، ومباشرة العراقي لذلك:</span>\nاهتم العراقي ببيان تفاصيل الأحداث الأخيرة في حياة شيخه الحافلة فخصص لها مبحثًا عنونه بقوله «ذكر مرضه ووفاته» وسرد فيه تفاصيل ذلك عن معاينة ومباشرة لأغلب ما ذكر، وهذا ما لم يتح لغيره ممن ترجم للإسنوي من تلاميذه ومعاصريه، كابن الملقن في «طبقاته» (^٢)، فقد قال العراقي عن مرض الإسنوي ووفاته: وكان ابتداء ذلك أن حصل له يوم الثلاثاء ٦ من جمادى الأولى سنة ٧٧٢ هـ هواء في حلقه، فانقطع عن الدرس جمعة، ثم عوفي، وحضر الدرس بجامع ابن طولون يوم الأربعاء ١٤ جمادى الأولى، وانتهى في الدرس إلى قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ (^٣) وقال: «ها هنا نقف، وأخبرني من حضر معه الدرس المذكور أنه قام من الدرس، وهو يكرر هذه الآية الكريمة، ويمسح عينيه من الدموع، إلى أن\n_________\n(^١) «بهجة الناظرين» ٥/ ١٤١.\n(^٢) «الدرر الكامنة» ج ٢/ ٤٦٥ و«بهجة الناظرين» / ١٤١.\n(^٣) الآية ٢٨١ من سورة البقرة","vol":"3","page":1257},{"text":"ركب وهو يكررها، ثم حضر يوم الخميس الدرس «بالاقبغاوية» وقال للطلبة في الدرس: «إن الغزالي ذكر في «الإحياء» أن المستحب أن لا يعاد المريض إلا بعد ثلاثة أيام، فلا تشوشوا علي، ولا تعودوني إلا بعد ثلاثة أيام، ورجع إلى منزله، ثم ركب بقية النهار في عقيقة (^١) البعض فقهاء المالكية، ورأيته يومئذ وقت العصر حين رجع من الركوب وهو طيب، ثم جئت إليه يوم الجمعة قبل الصلاة، فذكر لي أنه شرب دواء، فدخلت إليه منزله، وهو متكئ، فقال لي: أنا طيب، وإنما شربت دواء بسبب البلغم، وهو آخر ما رأيته حيا، ثم انقطع عن الركوب للدرس يوم السبت فقط، وبلغني أنه كتب ذلك اليوم في بعض تصانيفه، ثم خرج يوم الأحد من منزله إلى المدرسة بعد صلاة العشاء الآخرة، وجلس يتحدث مع الجماعة ساعة، ثم دخل منزله، ثم خرج بعد رقدة وحده، فمشى حول الفسقية، ثم استقبل القبلة ودعا طويلا، ثم دعا بعض طلبته فتوكأ عليه، إلى أن دخل منزله، ثم قال: ادع لي الجارية تحضر لي ثيابا نظيفة أغير على ثيابي، واتكأ على ساعده الأيمن، فلما نزلوا له بالثياب وجدوه قد قضي إلى رحمة الله تعالى، في ليلة الأحد ١٨ جمادى الآخرة سنة ٧٧٢ هـ، ودفن من الغد بتربته التي أنشأها خارج باب النصر، وتقدم في الصلاة عليه مولانا قاضي القضاة بهاء الدين أبو البقاء، وصلى عليه بجامع الحاكم، لكثرة الناس، ثم صلى عليه عند تربة ابن جوشن، ثم صلى عليه عند تربته، وقد حضرت غسله وتكفينه والصلاة عليه ودفنه (^٢)»\nوما ذكره العراقي من تحديد تاريخ وفاة الإسنوي، أقره عليه تلميذه ابن\n_________\n(^١) هي وليمة شرعية تعمل في سابع يوم من ولادة المولود فيكون المقصود ابن بعض المالكية.\n(^٢) «بهجة الناظرين» / ١٤٠.","vol":"3","page":1258},{"text":"حجر (^١) وابن تغري بردي في «المنهل الصافي» (^٢).\nأما في «النجوم الزاهرة» فذكر ٢٨ جمادى الآخرة، بدل ١٨ فلعله خطأ من الناسخ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-443>استطرادات العراقي في الترجمة:</span>\nومع استيفاء العراقي لعناصر الترجمة على النحو الذي قدمته، فإن التوسع قد جعله يستطرد لذكر بعض نقاط خارجة عن مطالب الترجمة، وذلك بقصد زيادة الفائدة، حتى إن شهاب الدين الغزي لما نقل مقاصد هذه الترجمة، حذف تلك الإستطرادات مكتفيا بالإشارة إليها، وذلك أن العراقي ترجم لوالد الإسنوي، فحذفها الغزي، وقال: «إن الإسنوي نفسه قد ترجم لوالده في طبقاته فلتراجع منها» (^٤)، ويلاحظ أن الغزي نفسه (^٥)، ومن قبله ابن خلكان (^٦)، قد انتهجا هذه الطريقة حيث يترجمان في نهاية بعض التراجم لمن له صلة بصاحب الترجمة، من الأبوة، أو النبوة، أو حتى المصاهرة.\nولما ذكر العراقي في الترجمة المذكورة أن شيخه الإسنوي قرشي الأصل، كما قدمت، فإنه استطرد من ذلك لذكر ثلاثة فصول فيما جاء في فضل قريش، والأمر بالتعلم منهم، والأخذ عنهم، وقد حذف الغزي ذلك واكتفى\n_________\n(^١) «الدرر الكامنة» ج ٢/ ٤٦٥.\n(^٢) ج ٢/ ٣١١.\n(^٣) «النجوم الزاهرة» ج ١١/ ١١٤.\n(^٤) «بهجة الناظرين» / ١٣٨.\n(^٥) في «بهجة الناظرين» / ٢.\n(^٦) انظر «وفيات الأعيان» له عموما.","vol":"3","page":1259},{"text":"بالإشارة إليه فقال: «إن العراقي ذكر أبوابًا فيما جاء في فضل قريش، والأمر بالتعلم منهم، والأخذ عنهم (^١)، ولم يذكر شيئًا من ذلك». ولا شك أن تلك الأبواب تعد استطرادًا كبيرًا، مع ضعف صلته بالترجمة، مع ملاحظة أن العراقي قد تناول نفس النقاط المذكورة في عدة فصول أيضًا من كتابه «محجة القرب إلى محبة العرب» كما سيأتي، لكنه على ما يبدو قد ألف هذا الكتاب بعد الترجمة المذكورة، ومن ثم لم يكن يمكنه الإحالة عليه، بدلًا من الإستطراد.\n\n<span data-type='title' id=toc-444>ذكر رثاء العراقي وغيره للإسنوي:</span>\nختم العراقي ترجمة الإسنوي هذه ببعض المراثي الشعرية، التي رثاه بها غير واحد من الأئمة، فقال: «وقد رثاه جماعة من الأئمة من أصدقائه وطلبته، وقد ذكر في مقدمة ذلك ما رثاه هو به»، حيث قال: «فمما رثاه به جامع هذه الترجمة: عبد الرحيم بن الحسين، وذكر قصيدة بلغت ٢٦ بيتًا ومطلعها:\nتنكرت الدنيا فلست أخالها … لفقدكم إلا تدانى زوالها\nوقد ضمن تلك القصيدة: التأثر الكبير لفقد الإسنوي، وكثيرًا من مآثره الإنسانية، وآثاره العلمية، كما ضمنها توثيقه من ناحية العقيدة، وإليك بعض الأبيات المتضمنه لما تقدم حيث يقول العراقي عن شيخه:\nيعز علي نفسي وعيني أن ترى … مجالس علم ليس فيها جمالها\n_________\n(^١) «بهجة الناظرين» / ١٣٨.","vol":"3","page":1260},{"text":"فمن بعده للمعضلات يحلها … إذا أغلقت فهما وأعيا سؤالها\nبكاه سماء الجو يوم مماته … كذا الأرض حتى سهلها وجبالها\nويبكيه أهل الدين إنس وجنة … وأولادها في مهدها وعيالها\nوينفق في ذات الإله فما درت … ما أنفقت يمناه يوما شمالها\nعزوف عن الدنيا عكوف على التقى … ألوف فعال لا يبيد فعالها\nصحيح اعتقاد لم يكن متفلسفا … ولا شأنه إرجاؤها واعتزالها\nله نفس حر لا تذل المطمع … سمت عن سما الفرقدين خصالها\nفلم يبتذل نفسًا لذل وإنما … لخدمة بذل العلم كان ابتذالها\nوكم من قريش عالم متقدم … وآخرها عبد الرحيم كمالها\nلئن فجعتنا الحادثات بشخصه … فآثاره فينا يدوم اتصالها","vol":"3","page":1261},{"text":"تصانيفه تتلى وأصحابه لها … مجالس يردي الملحدين جدالها (^١)\nوبعد أن فرغ العراقي من مرثيته هذه للإسنوي قال: «ومما رثي به ما أنشدنيه الشيخ الإمام جمال النحاة شمس الدين محمد بن عبد الرحمن بن الصايغ، لنفسه، من نظمه» وذكر بيتين فقط وبهما أنهى الترجمة. (^٢)\n\n<span data-type='title' id=toc-445>مقارنة الترجمة المذكورة بالبحوث المعاصرة في الشخصيات العلمية:</span>\nوباستعراضنا لما تقدم من مضامين تلك الترجمة ومنهج العراقي فيها، نجد أنها قد احتوت على المقومات الأساسية، وجرت على المنهج العام الذي يرتضيه ويسلكه الباحثون حتى الآن، في الكتابة المتخصصة عن الشخصيات العلمية، غاية ما هنالك أنه يوجد إختلاف بين تلك الترجمة وبين البحوث المعاصرة، من ناحية الإجمال والتفصيل، وتقسيم وترتيب مقومات الترجمة حسبما يقتضيه نظر كل باحث، وما يتوفر له من مادة علمية عن صاحب الترجمة وآثاره العلمية.\n\n<span data-type='title' id=toc-446>أثر الترجمة فيما بعدها:</span>\nرغم أني لم أعثر على شيء من نسخ هذه الترجمة، فقد استطعت - بحمد الله وفضله - من خلال نقول العلماء الشاميين والمصريين عنها، بيان مقوماتها الأساسية، ومنهج العراقي، وأهم آرائه فيها، وهذا من أوضح الأدلة على أثر تلك الترجمة فيما بعدها من كتب الرجال، بحيث يمكن القول: إنها حاليا.\n_________\n(^١) «بهجة الناظرين» / ١٤١، ١٤٢.\n(^٢) «بهجة الناظرين» / ١٤٢.","vol":"3","page":1262},{"text":"مفتقدة بذاتها وباقية بآثارها، فقد رأينا شهاب الدين الغزي، أحد مؤرخي الشام وعلمائه، يصرح في طبقاته بأن هذه الترجمة حسنة وأنه اقتنى نسخة منها، ثم أورد كثيرًا من مضامينها بنص كلام العراقي، وأشار إلى مضامين أخرى لم يذكرها كما قدمت.\nكذلك نقل الإمام بدر الدين الأهدل في رسالته السابقة الذكر، عن تلك الترجمة الأبيات التي نظمها العراقي في بيان المجددين، كما مر. ثم نقل عنها السيوطي في كتابه «التنبئة بمن يبعثه الله على رأس كل مائة» الأبيات المبينة للمجددين، ورأي العراقي في درجة حديث التجديد بروايتيه، ثم معناه، ومدى إنطباقه على الإسنوي كما أسلفت، وهذا كله يدل على تداول تلك الترجمة، والإقبال على الاستفادة بمضمونها بعد عصر العراقي، داخل مصر وخارجها، وما تزال تلك المؤلفات المتضمنة للنقول عن الترجمة، موجودة ومنتفع بها حتى وقتنا هذا، وإن كانت لم تطبع حتى الآن، ثم إن الحافظ ابن حجر قد تكلّم عن هذه الترجمة بما يدل على اطلاعه عليها وخبرته بمحتواها، ورأيه فيها، فقال في كتابه «الدرر الكامنة» في ترجمة الإسنوي: وأفرد له شيخنا العراقي ترجمة ذكر فيها كثيرًا من فضائله، ومناقبه، ومن نظمه أيضًا، وبالغ في الثناء عليه (^١)، أما أبو زرعة بن العراقي فإنه في ترجمته للإسنوي أيضًا في ذيله على ذيل والده على كتاب «العبر» قال: إنه سمع هذه الترجمة هو وغيره على والده، كما استمد منها في نفس ترجمته للإسنوي (^٢)، وهذا كما يدل على أثرها في تأليفه، يدل على قيام العراقي بتدريسها لطلابه،\n_________\n(^١) الدرر الكامنة ج ٢/ ٤٦٤، ٤٦٥.\n(^٢) انظر «ذيل أبي زرعة» وفيات سنة ٧٧٢ هـ.","vol":"3","page":1263},{"text":"وإقبالهم على تلقيها، وبذلك يتضح لنا أثر تلك الترجمة الممتد منذ فراغ العراقي منها، وحتى الآن، وإلى ما بعد ذلك إن شاء الله.\n\n<span data-type='title' id=toc-447>ب - ترجمة العراقي لشيخه «مغلطاي» وزمن تأليفها وأهميتها:</span>\nهذا هو الكتاب الثاني للعراقي في التراجم المفردة، وقد نسبه إليه السخاوي كما قدمت، ونسبه إليه تلميذه الحافظ ابن حجر، حيث ذكر أن زين الدين ابن رجب الحنبلي، أخذ غالب ترجمته لمغلطاي، من ترجمته التي أفردها له شيخنا العراقي (^١)، وهذا بجانب إثباته نسبة الترجمة إلى العراقي، يدلنا على زمن تأليفها على وجه التقريب، فإن ابن رجب المذكور الذي اعتمد على تلك الترجمة كان من رفاق العراقي في طلب العلم، وقد توفي في حياته سنة ٧٩٥ هـ (^٢)، فاعتماده على هذه الترجمة يدل على أن العراقي قد فرغ منها قبل وفاة ابن رجب في السنة المذكورة بوقت غير قصير، بحيث أُتيح له - وهو من سكان الشام - الحصول على نسخة الترجمة والاستفادة منها، وترجع أهمية هذه الترجمة إلى عدة اعتبارات، أهمها: - أن البحث الموسع لم يوقفني على أحد ألف كتابًا خاصًا في ترجمة الحافظ مغلطاي، غير العراقي، وإنما ترجمه غير واحد من معاصريه، ومن بعدهم ضمن مؤلفاتهم في التراجم عموما، مثل تقي الدين بن رافع في «وفياته» (^٣)، والصفدي في كتابه «الوافي بالوفيات» (^٤) وقاسم\n_________\n(^١) «الدرر الكامنة» ج ٥/ ١٢٣/ أصل وهامش.\n(^٢) «البدر الطالع» للشوكاني ج ١/ ٣٢٨.\n(^٣) «ذيول تذكرة الحفاظ» / ١٣٣.\n(^٤) «الدرر الكامنة» ج ٥/ ١٢٢.","vol":"3","page":1264},{"text":"ابن قطلوبغا الحنفي في «تاج التراجم» (^١) وغير هؤلاء.\nكما أن العراقي بحكم تلمذته لمغلطاي قد اعتمد في هذه الترجمة على خبرته بشيخه، واتصاله المباشر به، وكذا بأقرانه من شيوخه، كالعلائي وتقي الدين السبكي، وهذا مما يجعل لمضمون تلك الترجمة أهميتها الخاصة، ويضاف إلى ذلك أن هذه الترجمة تمثل أنواع الجرح والنقد التي كانت توجه لمتأخري المحدثين، حيث ذكر العراقي فيها عدة تجريحات لشيخه كما سيأتي:\n\n<span data-type='title' id=toc-448>مما وقفت عليه من نصوص الترجمة</span>\nلقد بحثت كثيرًا، فلم أقف على أية نسخة لهذه الترجمة، لكني وقفت بحمد الله على عدة نقول عنها معزوة إلى العراقي، وذلك في كتب التراجم لمن بعد العراقي، كتلميذه ابن حجر في كتابيه «الدرر الكامنة» و«لسان الميزان» (^٢) وكتلميذه ابن فهد في كتابه «لحظ الألحاظ» (^٣) وكالسيوطي في «ذيل تذكرة الحفاظ» (^٤).\nوقد تركزت هذه النقول جميعًا في الانتقاد والتجريح الذي ذكره العراقي لشيخه في هذه الترجمة، ولهذا فإنه لم يتح لي أن أعرض لمنهج العراقي عمومًا وآرائه في تلك الترجمة مثلما فعلت في ترجمة الإسنوي، وإنما سأكتفي ببيان عنصر النقد هذا فقط، في حدود النقول المشار إليها، مع مقارنة ذلك بما عند غير العراقي ممن ترجم المغلطاي.\n_________\n(^١) الدرر الكامنة جـ ٥/ ١٢٢ أصل وهامش.\n(^٢) البدر الطالع للشوكاني ١/ ٣٢٨.\n(^٣) «ذيول تذكرة الحفاظ» ٤/ ١٣٣ وما بعدها.\n(^٤) «ذيول تذكرة الحفاظ» ٤/ ٣٦٥.","vol":"3","page":1265},{"text":"<span data-type='title' id=toc-449>من تجريح العراقي لشيخه مغلطاي مع المقارنة بصنيع غيره:</span>\nمن هذا التجريح: تحديد تاريخ مولد مغلطاي وإجازته برواية الحديث، فقد ذكر العراقي: أنه سأله بنفسه عنهما، فقال له: إنه ولد سنة ٦٨٩ هـ، وأنه قد أجاز له الفخر بن البخاري، قال العراقي: ثم صار يتتبع ما كان خرجه عن الفخر المذكور بواسطة، فيكشط الواسطة ويكتب فوق الكشط أنبأنا (^١) وهذا نوع من الكذب، كما هو مقرر في علم المصطلح، قال العراقي: «فذكرت دعواه في مولده وفي إجازة الفخر له، للشيخ تقي الدين السبكي، فأنكر ذلك وقال: «إنه عرض (^٢) عليّ كفاية المتحفظ في سنة ٧١٥ هـ وهو أمرد بغير لحية» (^٣) ثم قال: «وأقدم ما وجدتُ له من السماع سنة ٧١٧ هـ بخط من يوثق به وادعى هو السماع قبل ذلك بزمان»، فتكلم فيه لذلك» (^٤)، وقال العراقي أيضًا: سألته عن أول سماعه فقال: «دخلت بعد السبعمائة إلى الشام، فقلت له: فماذا سمعت إذ ذاك؟ قال سمعت شعرًا، فقلت له فأول سماعك للحديث متى؟ فسكت، فلقنته: في سنة ٧١٥ هـ؟ فقال: نعم، ثم ادعى أنه سمع على أبي الحسن بن الصواف راوي «سنن النسائي»، والمتوفى سنة ٧١٢ هـ، فسألته كيف سمعت عليه؟ فقال: سمعت عليه ٤٠ حديثًا، انتقاء نور الدين الهاشمي من «سنن النسائي»، فحصلت عندي فيه وقفة، ثم بعد مُدَّةٍ أخرج جزءًا منتقى من النسائي بخطه، ليس عليه طبقة البتة، لا\n_________\n(^١) انظر «لسان الميزان» لابن حجر ج ٦/ ترجمة/ ٢٧١ والدرر الكامنة ٥/ ١٢٢\n(^٢) أي قرأ من حفظه\n(^٣) «ذيول تذكرة الحفاظ» / ١٣٦، واللسان ٦/ ترجمة (٢٧١)\n(^٤) لسان الميزان ج ٦ ترجمة/ ٢٧١ و«ذيول تذكرة الحفاظ» / ١٣٥، ١٣٦.","vol":"3","page":1266},{"text":"بخط غيره، ولا بخطه (^١)، وذكر أنه قرأه بنفسه على ابن الصواف سنة ٧١٢ هـ، يعني سنة وفاة ابن الصواف، قال العراقي: «فقويت الوقفة» (^٢).\nوذكر العراقي أيضًا أن شيخه قد خرج لنفسه جزءًا مما سمعه من الدمياطي وابن دقيق العيد وابن الصواف المذكور وغيرهم، وذكر فيه أنه سمع الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد يقول بدرس «الكاملية» سنة ٧٠٢ هـ: قال رسول الله ﷺ: «لا تجتمع أُمتي على ضلالة»، قال العراقي: فذكرت ذلك لشيخنا العلامة تقي الدين السبكي، فاستبعد ذلك جدًا، وقال: إن الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد، ضعف من أواخر سنة ٧٠١ هـ، ولم يحضر درسًا في سنة ٧٠٢ هـ، ولم يكن بالكاملية، وإنما خرج إلى بستان خارج باب الخرق (^٣) فأقام به إلى أن توفي في أوائل صفر سنة ٧٠٢ هـ.\nقال العراقي: «ثم سألت تاج الدين عبد الرازق شاهد الخزانة - وكان مخصوصا بخدمة الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد، فذكر نحو ذلك، وأن الشيخ أقام ضعيفًا مدة شهرين أو أكثر، إلى أن توفي بالبستان» (^٤) وقال العراقي أيضًا عن شيخه: ذكر لي أنه وجد سماعًا له على الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد، بحديث مسند، فسألته: «من أي كتاب؟ فقال من «سنن أبي مسلم الكجي»، قلت له: فالطبقة بخط من؟ قال: بخط الشيخ تقي الدين نفسه،\n_________\n(^١) يعني ليس مكتوبا عليه بيانًا لا بالسماع ولا بغيره.\n(^٢) أي التحفظ في تلقي الحديث عنه بإسناده.\n(^٣) يعرف حاليا بباب الخلق بالقاهرة.\n(^٤) «ذيول تذكرة الحفاظ» / ١٣٦، ١٣٧ و«لسان الميزان» ج ٦ ترجمة/ ٢٧١ و«الدرر الكامنة» ج ٥/ ١٢٣.","vol":"3","page":1267},{"text":"فسألته أن أقف على «سنن أبي مسلم» الذي عليه سماعه على الشيخ، فتغير، وقال لي: ليس هو هنا، فغلب على ظني أن ما ادعاه من السماع عليه، لا أصل له، فالله يغفر له، ويسامحه، ثم رأيت في تركته نسخة من «سنن أبي مسلم» وقد سمع شيئًا منه على بنت الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد، وليس له فيها سماع على ابن دقيق العيد البتة، والله تعالى أعلم. (^١)\nهذا مجمل ما وقفت عليه من تجريح العراقي لشيخه مغلطاي، وكلها طعون في اتصال سنده بمروياته الحديثية عن بعض شيوخه، ويلاحظ أن العراقي قد اعتمد في تجريحاته على عدة مصادر واقعية، ومؤكدة ببحثه الخاص، وبشهادة غيره من الثقات، ولذلك قرر من جانبه التوقف في تلقي المرويات الحديثية عنه، بحيث لا يأخذ إلا ما ثبت له سند شيخه به، أما غير ذلك من نشاطه الحديثي بصورة عامة، فقد قال عنه في نفس هذه الترجمة، كان عارفًا بالأنساب معرفة جيدة، وأما غيرها من متعلقات الحديث فله بها خبرة متوسطة (^٢)، وعندما نقارن ما ذكره العراقي عمومًا عن شيخه، بما ذكره غيره، نجد أن تقي الدين بن رافع، وصلاح الدين الصفدي، يتفقان مع العراقي في عدم قبول قول مغلطاي بالنسبة لتاريخ مولده، حيث قال ابن رافع: «إن مولد مغلطاي سنة ٦٩٠ هـ»، وقال الصفدي: «إنه ولد بعد سنة ٦٩٠ هـ» وكلا التاريخين متأخران عما ذكره مغلطاي بنفسه، وهو سنة ٦٨٩ هـ (^٣).\nكما نجد أن صلاح الدين العلائي، معاصر مغلطاي وشيخ العراقي أيضًا، قد\n_________\n(^١) «ذيول تذكرة الحفاظ» / ١٣٧، ١٣٨ و«لسان الميزان» ج ٦/ ترجمة/ ٢٧١\n(^٢) «الدرر الكامنة» ج ٥/ ١٢٣ و«ذيول تذكرة الحفاظ» / ١٣٣، ٣٦٥\n(^٣): «ذيول تذكرة الحفاظ» / ١٣٣ و«الدرر الكامنة» ج ٥/ ١٢٢","vol":"3","page":1268},{"text":"سبقه إلى إنكار سماع مغلطاي على جماعة ممن ادعى السماع عليهم (^١)؛ بل ذكر هو وابن رجب الحنبلي تجريحًا آخر، تسبب في اعتقاله وتعزيره، وهو أنه في كتابه «الواضح المبين فيمن استشهد من المحبين» تعرض للسيدة عائشة ﵂، وذكر في الكتاب شعرًا من نظمه يدل على الاستهتار وضعف الدين، فأنكر عليه ذلك (^٢)، لكننا نجد معاصرًا آخر للعراقي وهو حسن ابن عمر، صاحب كتاب «درة الأسلاك في دولة الأتراك» قد ترجم في هذا الكتاب لمغلطاي، فوصفه بأنه كان إمامًا يُقتدى بقوله، وعالمًا يهرع الطلبة إلى نزله، وأثنى أيضًا على مصنفاته، ولم يذكر أي تجريح له (^٣) إلا أن الأكثرين مع العراقي فيما قرره.\nولقد حاول الشيخ زاهد الكوثري ﵀ في عصرنا المتأخر أن يرد تجريح العراقي وغيره عن مُغلطاي (^٤)، ولكنه في تقديري لم يوفق في ذلك حيث لم يقدم من الأدلة ما يكفي للرد، وقرر بشأن الإجازة برواية الحديث واتصال الأسانيد خلاف ما تقتضي به قواعد الرواية المعتبرة في التحمل والأداء، كما أول تصرفات العراقي وشيخه مغلطاي في التجريحات السالفة، على غير وجهها الظاهر، وغض نظره عن وجوه إثبات العراقي لتلك التجريحات كما قدمت إيضاحه، وأخيرًا قرر: أن العراقي من المتشبعين على موائد علم مغلطاي، وأن التجريح المذكور لا يحط من مقداره، وقد غفل في ذلك عن\n_________\n(^١) «ذيول تذكرة الحفاظ» / ١٣٧.\n(^٢) «الدرر الكامنة» ج ٥/ ١٢٢، ١٢٣ و«اللسان» ج ٦/ ترجمة/ ٢٣١.\n(^٣) انظر «مجموع ابن خطيب الناصرية»: «المنتقى من درة الأسلاك» وفيات سنة ٧٦٢ هـ.\n(^٤) تعليقات على طبعة «ذيول تذكرة الحفاظ» / هامش الصفحات/ ١٣٦ - ١٣٨.","vol":"3","page":1269},{"text":"أن العراقي لم ينكر تلمذته للمغلطاي وما له من خبرة علمية جيدة في بعض متعلقات علم الحديث كما قدمت، وكل ما فعله أنه أثبت ما لشيخه وما عليه، فمع تجريحه له في معرض جوانب الاسناد، نجده يروي عنه ما ثبت له اتصال سنده به (^١)، كما أنه في ترجمته له ضمن ذيله على كتاب «العبر» المتقدم، قد وصفه بأنه: علامة، ومن حفاظ الحديث، وذكر أن ذيله على «تهذيب الكمال» للمزي فيه تعصب كبير، وفيه فوائد أيضا (^٢)، واقتنى كتابه الذي صنفه فيمن عرف بأمه، وقال إنه حسن (^٣)، وبذلك لا يكون العراقي قد هضم شيخه حقه فيما تمتع به من ميزات علمية، كما فهم الشيخ الكوثري، وقد أقر العراقي على ما أثبته في هذه الترجمة غير واحد ممن عاصره أو تتلمذ عليه أو جاء بعده كما سأوضحه فيما يلي:\n\n<span data-type='title' id=toc-450>أثر الترجمة فيما بعدها:</span>\nمنذ ألف العراقي هذه الترجمة، وأودعها الآراء والوقائع المتعلقة بشيخه، ظهر أثرها بين علماء مصر والشام والحجاز، فقد مر أن قرين العراقي زين الدين ابن رجب الحنبلي الدمشقي المتوفى سنة ٧٩٥ هـ، لما ترجم للمغلطاي في بعض مؤلفاته، أخذ غالب ما ذكره من تلك الترجمة التي ألفها العراقي، وأقره على ما أورده فيها، كما يظهر من نقول ابن حجر عنه (^٤).\nكذلك نجد أن تلميذ العراقي ابن فهد، وهو من علماء عصره بالحجاز، قد\n_________\n(^١) انظر «ذيول تذكرة الحفاظ» / ١٤١.\n(^٢) انظر «مجموع ابن خطيب الناصرية»: «المنتقى من ذيل العراقي على العبر» / وفيات سنة ٧٦٢ هـ.\n(^٣) «فتح المغيث» للعراقي: ج ٤/ ١٢٦\n(^٤) «الدرر الكامنة» ج ٥/ ١٢٣","vol":"3","page":1270},{"text":"نقل نصوص ومضامين هذه الترجمة، معزوة للعراقي، وذلك في ترجمته للمغلطاي في تذييله على «تذكرة الحفاظ» للذهبي، وأقره على ما ذكره فيها بالنسبة للتجريح وغيره (^١)، وأما في مصر، فقد اعتمد تلميذ العراقي ابن حجر على نصوص ومضامين هذه الترجمة في ترجمته المغلطاي في كتاب «لسان الميزان»، وأقر شيخه العراقي على ما قرره في تلك الترجمة، مع زيادات من جانبه هو (^٢)، ومن بعد ابن حجر نقل السيوطي بعض نصوص هذه الترجمة معزوة للعراقي أيضًا وأقرها، وذلك في ذيله على «تذكرة الحفاظ» للذهبي (^٣)، وما زالت تلك المؤلفات باقية متداولة في أرجاء العالم إلى الآن، حاملة الأثر الممتد لمحتوى تلك الترجمة في علم الرجال.\n\n<span data-type='title' id=toc-451>ثامنا: «تأليف العراقي في مشيخات ومعاجم رجال السنة، وأثر ذلك» المشيخات والمعاجم وقيمتها العلمية:</span>\nالمشيخه - بسكون الشين المعجمة، أو كسرها - جمع شيخ (^٤)، ثم أُطلق اللفظ في اصطلاح علماء السنة على الكتاب الذي يشتمل على ذكر شيوخ وشيخات أحد العلماء، وبيان ما أخذه عن كل منهم بطريقة أو أكثر من طرق التحمّل، كالسماع والإجازة (^٥)، مع رعاية ترتيبهم في الذكر حسب حروف المعجم، أو دون رعاية لذلك، وأما معجم الشيوخ، فهو أخص من المشيخة.\n_________\n(^١) «ذيول تذكرة الحفاظ» / ١٣٣ - ١٣٩.\n(^٢) انظر «لسان الميزان» ج ٦/ ترجمة/ ٢٧١.\n(^٣) «ذيول تذكرة الحفاظ» / ٣٦٥.\n(^٤) «لسان العرب» لابن منظور ج ٣/ ٥٠٦.\n(^٥) «الرسالة المستطرفة» / ١٠٤. و«البيان المكمل في تحقيق الشاذ والمعلل» لشمس الحق أبادي/ ٢.","vol":"3","page":1271},{"text":"لأنه يُطلق على ما رُتّبَت فيه أسماء الشيوخ على حروف المعجم فقط، ولهذا قال الحافظ ابن حجر: «إن المشيخات في معنى المعاجم، إلا أن المعاجم يُرتّب المشايخ فيها على حروف المعجم في أسمائهم، بخلاف المشيخات» (^١).\nوبين أيضا أن المشيخة ما تضمَّن شيوخ الشخص وأحوالهم، وتفصيل مروياته عنهم، بالسماع، أو بالإجازة، سواءً في موطنه أو خارجه (^٢).\nوذكر السخاوي أيضا أن ما جُمِع فيه شيوخ شخص مخصوص، يُسمّى معجما، وهو ما يكون مرتبا على الحروف، أو مشيخة، وهو أعم من ذلك، وقد يكون مرتبا على البلدان، وهو قليل بالنسبة للأولين (^٣)، وقد يكون الشخص هو الجامع لشيوخه بنفسه كالطبراني في «معجمه الأوسط» (^٤)، وابن الجوزي في «مشيخته» (^٥)، والحافظ ابن حجر في «معجم شيوخه» (^٦)، وقد يجمعهم له غيره، كما فعل العراقي لبعض شيوخه فيما يأتي، وقد تجمع مشيخة أو معجم لأحد العلماء، ثم يسمع من شيوخ آخرين، أو يُوقف بمزيد من الاطلاع والبحث في مروياته، على وجود شيوخ آخرين، لم تشملهم مشيخته، أو معجمه، فيجمعون في كتاب آخر، يُعد ذيلا على سابقه، وقد\n_________\n(^١) «المعجم المفهرس» له/ ٨٤ أ (مخطوط).\n(^٢) «الضوء اللامع» جـ ١/ ١٤٣.\n(^٣) «الإعلان بالتوبيخ» / للسخاوي/ ضمن «علم التاريخ عند المسلمين» لروزنتال/ ٦٠٥.\n(^٤) «الإعلان بالتوبيخ» ٢/ ٦٠٧\n(^٥) «المعجم المفهرس» لابن حجر/ ١٦ ب (مخطوط).\n(^٦) «يسمى المجمع المؤسس للمعجم المفهرس» وتوجد منه نسخة خطية بدار الكتب المصرية برقم (٤٥٣) مصطلح الحديث:","vol":"3","page":1272},{"text":"فعل ذلك العراقي أيضًا بالنسبة لبعض شيوخه كما سنذكره، وبذلك صار له في هذا تأليف عدة مشيخات، وبعض الذيول والمعاجم - وكلها لشيوخه في الحديث ولكن قبل تناولنا لكل منها على حدة، يجدر بي أن أبين القيمة العلمية للمعاجِم والمشيخات عمومًا، حتى يتضح لنا قيمة ما ألفه العراقي في ذلك وداعيه إليه، ويمكن إجمال القيمة العلمية للمعاجِم والمشيخات فيما يلي:\n\n<span data-type='title' id=toc-452>١ - الإسهام في المحافظة على خصوصية الأمة المحمدية </span>من دون الأمم وهي اتصال إسناد شريعتها قرآنا وسنة، بين نبيها ﷺ وأصحابه ﵃ وبين باقي الأمة في كل عصر إلى قيام الساعة (^١)، ذلك أن المؤلفين الأول كمالك، والإمام أحمد بن حنبل، وأصحاب الكتب الستة، وأمثالهم، قد تكفلوا بتدوين عموم السنن والآثار في مصنفاتهم الجامعة، بسندها المتصل إلى الرسول ﷺ وأصحابه وتابعيهم، وبذلك صار الاعتماد في ثبوت أو نفي المرويات على النسخ الصحيحة من هذه المصنفات، منذ تدوينها وإلى الأبد حتى لو لم يتصل السند بين من يعتمد على تلك المصنفات في أي عصر وبين مصنفيها، على الراجح، نظرًا لأن تداولها واشتهارها بين عامة الأمة في كل جيل، جعل النفوس مطمئنة إلى سلامة محتواها من التحريف ومستغنية في صحة نسبتها لمؤلفيها عن اتصال السند بين مؤلفيها، وبين من بعدهم من الأجيال (^٢).\nومع هذا فإن مؤلفي مصنفات السنة عموما، حرصوا على أداء ما هو مدون فيها، بأسانيدهم إلى تلاميذهم مشافهة، وقام تلاميذهم بنفس المهمة لمن\n_________\n(^١) انظر «تاريخ التراث» لفؤاد شركين ج ١/ ٢٣٠.\n(^٢) انظر «قواعد التحديث» للقاسمي/ ١٩٨ - ٢٠٠.","vol":"3","page":1273},{"text":"يليهم، وهكذا جيلًا بعد جيل، لا من أجل إثبات المروي في تلك المصنفات الشهيرة، ولكن لتصحيح النسخ المنقولة من النسخ الأصلية، حتى يوثق بمحتواها، وحفاظًا على بقاء خصوصية الأمة في اتصال إسنادها الشفاهي بالدين إلى أبنائها، في كل عصر حتى قيام الساعة، وقد قرر ذلك العراقي وغيره من المتقدمين والمتأخرين (^١). وظل قصد المحافظة على تلك الميزة للأمة الإسلامية، يدفع الكثيرين ممن تلقوا شيئًا من الجوامع الأولى للسنن والآثار ومتعلقاتها، إلى الحرص على الإثبات الكتابي لتحمله، سواء في نفس نسخة الكتاب الذي تحمله، أو خارجه في ثَبَتٍ خاص، حذرا من النسيان، وتخليدا لشرف اتصال سنده بأقطاب السنة من قبله، كالبخاري ومسلم، وليكون ذلك أيضًا مستندا له في أداء ما تلقاه عن شيوخه إلى من بعده، فَيُسهم بذلك في استمرار خصوصية الأمة باتصال السند في كل عصر، وبجمع وترتيب إثباتات ما تلقاه الشخص عن شيوخه من كتب السنة وأجزائها ومتعلقاتها، تكونت المشيخات والمعاجم التي ألفها العلماء بعد عصور التدوين، سواء لأنفسهم كالطبراني والسلفى وابن حجر، أو لغيرهم، كما فعل العراقي، وبذلك أصبحت أبرز مهمات المعاجم والمشيخات: اثبات اتصال سند صاحب أي منها بأصحاب المرويات والمدونات الحديثية من قبله، والذين يتصل اسنادهم بمروياتهم، ومدوناتهم إلى المصدر الأول للسنة ﷺ وإلى أصحابه وتابعيهم، وبذلك تكتمل سلسلة الإسناد المحققة لميزة الأمة، نتيجة لتضافر جهود العلماء الأوائل كالبخاري والأواخر كالعراقي، وتلاقيهما،\n_________\n(^١) انظر «فتح المغيث» للعراقي ج ٢/¬٣٤، ٣٥ و«جامع المعقول والمنقول في شرح جامع الأصول» لابن الأثير تأليف الشيخ عبد ربه سليمان/ ٢٥ و«قواعد التحديث» للقاسمي/ ٢٠٢.","vol":"3","page":1274},{"text":"بحيث أسهمت المشيخات والمعاجم بوصل سند المتأخرين بالمتقدمين، وأسهمت المدونات الأولى للسنة بوصل سند المتقدمين إلى الرسول ﷺ وأصحابه وتابعيهم.\nوإليك نموذجًا من معجم شيوخ ابن حجر، تلميذ العراقي يوضح ذلك ويُقاس عليه عمل العراقي، لعدم وقوفنا على نموذج كامل من المشيخات والمعاجم التي ألفها، رغم تداول معظمها فى عصره كما سيأتي، يقول ابن حجر في معجم شيوخه ضمن بيان مروياته عن شيخه العراقي بعد أن ترجم له: «وقرأت عليه وعلى رفيقه الشيخ نور الدين الهيثمي مسند محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني، سوى من أثناء حديث سلمان الفارسي (رضي الله تعالى عنه) في أواخر الكتاب، إلى آخر الكتاب بسماعهما، بقراءة الاول على أبي محمد عبد الله بن محمد بن ابراهيم البزوري ابن قيم الضيائية، أنا الفخر على بن أحمد بن عبد الواحد المقدسي، قال أنا أبو مسلم هشام بن عبد الرحمن بن أحمد بن الأخوة، ومحمد بن معمر بن الفاخر، بإجازة منهما، قالا: أنا سعيد بن أبي الرجاء الصيرفي، قال أنا أحمد بن محمد بن النعمان، قال أنا أبو بكر محمد بن إبراهيم بن علي بن عاصم بن المقري قال أنا إسحاق الخزاعي عنه (^١)، أي عن العدني مصنف المسند. وفي المسند نفسه أثبت العدني سنده بكل ما رواه فيه متسلسلا إلى الرسول ﷺ وأصحابه وتابعيهم، وبذلك أصبح سند ابن حجر بهذا المسند عن طريق ما أثبته في معجم شيوخه هكذا متصلا إلى العدني مؤلف المسند، ثم اتصل سنده من العدني إلى الرسول ﷺ وأصحابه وتابعيهم بأسانيد العدني إليهم، كما أوردها في المسند\n_________\n(^١) «المجمع المؤسس» لابن حجر ص ١٧٩ (المخطوط).","vol":"3","page":1275},{"text":"وهكذا شأن ما ألفه العراقى من المعاجم والمشيخات، وعندما يؤدى صاحب المعجم أو المشيخة ما اشتمل عليه أى منهما إلى من بعده بأحد طرق الأداء المقررة في علوم السنة، فإنه يتصل اسناد ما روى في أي منهما لمن بعده ومن بعده، يؤديه صولا إلى من يليه، وهكذا، بحيث لا تقتصر فائدة المعجم أو المشيخة على وصل سند مشتملاته من صاحبه إلى المصنفين الأول لكتب السنة فحسب، بل تمتد إلى من يليه من الأجيال، بحيث تبقى به خصوصية الأمة في اتصال السند بما اشتمل عليه إلى يوم الدين.\nوسيأتي بيان ما أمكننا الوقوف على تحقيقه ذلك الأثر الدائم من مؤلفات العراقي، وهو المشيخة التي خرجها وجمعها لشيخه ابن القارئ الثعلبي، حيث تسلسل السند بما حوته من المرويات إلى عصرنا الحاضر، وباستمرار تلقى اللاحق لها عمن اتصل اسناده بها في عصرنا، يتصل الاسناد إن شاء الله إلى الأبد، ويرجع ذلك كله إلى مساهمة العراقي بجمع هذه المشيخة من مصادرها العديدة: كمعاجم شيوخ صاحبها، وسماعاته، وإجازاته، وغيرها المتفرقة في أوائل وأواخر وهوامش النسخ الخطية التي أثبت له ذلك عليها ثم جَمْعِ تراجم شيوخه الذين عين المعجم روايته عنهم، وتحريرها وتنسيق ذلك كله، واخراجه في كتاب واحد، ثم تحمله بالقراءة على صاحبه وأداه لتلميذه ابن حجر وغيره، فانتشر، وتتابعت روايته حتى يومنا هذا كما قدمنا.\nولو أنه أُتيح لنا الوقوف على بقية ما ألفه من معاجم ومشيخات أو على مسار مفصل لتداولها والاستفادة منها، لأدركنا أن كلا منها قد حقق من الأثر مثل ذلك، فليقس ما لم نقف عليه على ما وجدنا بعضه، ولمسنا أثره.\n٣ - تسجيل الترابط الخالد ماديا ومعنويا بين أبناء الأمة الإسلامية أينما كانوا.","vol":"3","page":1276},{"text":"بما له من آثار في إثارة روح الوحدة والتماسك، وتجسيد الالتفاف الدائم حول قيادة واحدة هي: محمد رسول الله ﷺ والذين معه، ومبادئ سامية هي: الكتاب والسنة، يتلقاهما جيل بعد جيل، علما وعملا فيصبح العلم والعمل رحما موصولة بين الجميع، والأسانيد أنساب وروابط لا تبيد، وإلى ذلك أشار الشيخ عبد الحي الكتاني حيث قال: «وبما تَطَّلِعُ عليه من ارتباط اسانيد المغاربة بالمشارقة، وتعويل الآخرين على الأولين … تعلم ما كان بين المسلمين قديما من سنى الاتصالات، وزاهر الروابط وأصيلها واعتزاز الكل بواسع الرواية والإجازة، من أطراف هذا المحيط الإسلامي المترامى … كما يَلْفِتُ ذلك إلى أن حفظ الدين حفظ لأهله، وروابطه روابطهم، ومجامعه جامعتهم، وعراه عراهم الوثقى التي لا انفصام لها، كما لا انفصام العراه، ولعل الله تعالى أن يجعل ذلك الترابط المسجل في كتب المشيخات والمعاجم وفهارس المرويات حتى اليوم، إشارة لإحياء ما رَم من روابطنا الإسلامية، وتقوية ما بقى، حتى تجتمع كلمة الجميع، وتُواد عوامل أعداء الاسلام وأهله في تفريق الشمل، وتمزيق الوحدة الإسلامية العربية وارتباط أبنائها، وعلمائها، سندا، وفكرًا، وعقيدة، حتى يتوحدوا عملا ونضالا» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-453>٣ - ضبط روايات علماء السنة بأسانيدهم:</span>\nوذلك أنه من المقرر في شروط قبول الرواية: ضبط الراوى لما يرويه من السند والمتن معا، حتى يؤديها إلى من بعده، وذلك إما بحفظه للمروي في ذهنه، ويُسمى بضبط الصدر، وإما بتدوينه له في مصدر مصون ويُسمّى ضبط كتاب، وقد كان اعتماد الاوائل على ضبط الصدر أكثر من اعتمادهم على\n_________\n(^١) فهرس الفهارس للكتاني ج ١/¬٥ وما بعدها مع تصرف","vol":"3","page":1277},{"text":"ضبط الكتاب (^١) نظرا لما حَبَاهُم الله به من قوة حافظة، ولقصر سلسلة الأسناد حينذاك، أما في العصور المتأخرة فقد لاحظ العلماء تكاسل همم أكثر المشتغلين بالسنة والقائمين بروايتها عن الحفظ، وضعف تلك الموهبة لديهم، نتيجة لعدم شحذها وتنميتها، بالإضافة لتكاثر المرويات كما نرى بعد عصر التدوين، ولطول الإسناد بتتابع الزمن بحيث أصبح الحديث العشاري الاسناد مما يفتخر بعلو سنده في عصر العراقي، لهذا قرر العلماء المتأخرون حرصا على بقاء خصوصية الأمة في اتصال السلسلة السندية كما سلف، التوسع في شروط قبول الرواية بالنسبة إلى الضبط، فرأوا أنه يكفى لتحققه وجود سماع الشخص، وغيره من طرق التحمل مثبتا بخط ثقة مؤتمن على الأصل المروى، أو في ثبت مستقل، وأن يُؤَدِّى الشخص ما تحمله بالاعتماد على نسخة موافقة لنسخة شيخه الذي تحمل عنه (^٢)، ومن أجل هذا كانت المشيخات والمعاجم المدون فيها بيان مرويات أصحابها عن شيوخهم، وسلسلة سندهم إلى أصحاب المدونات الحديثية والمرويات، عمدة المتأخرين في اثبات توفر اشتراط الضبط فيهم، وعدتهم التي يفزعون إليها عند الأداء لمن بعدهم، كما سنرى بالنسبة لما ألفه العراقي لشيوخه من المعاجم والمشيخات، وبذلك وفرت مؤلفاته تلك، شرط الضبط لشيوخه، ولمن تلقوا عنهم مشيخاتهم ومعاجمهم أيضًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-454>٤ - تيسير نشر مرويات أصحاب المعاجم والمشيخات:</span>\nوذلك لأن جمع المرويات في تلك المشيخات والمعاجم وضبطها، يمكن.\n_________\n(^١) انظر «فتح المغيث» للعراقي جـ ٢/¬٢، ٣، و«فتح المغيث» للسخاوي جـ ١/¬١٨.\n(^٢) انظر «فتح المغيث» للسخاوي جـ/ ٣٣٣ و«فتح المغيث» للعراقي جـ ٢/¬٣٤، ٣٥.","vol":"3","page":1278},{"text":"أصحابها من آداء قدر كبير من مروياتهم إلى من بعدهم بمجرد قراءة المعجم أو المشيخة على الطلاب، أو إسماعهم بواسطة قارئ، أو الإجازة لهم بما تضمنته المشيخة أو المعجم، ويكون التيسر أظهر بالنسبة للراحلين لأداء الحديث أو تحمله، حيث يتمكنون من تحمل أو آداء قدر كبير من المرويات في وقت يسير (^١)، ومن أجل هذا كان الحافظ ابن حجر يُخرج بعض المشيخات أو المعاجم لغير المشهورين من شيوخه وشيخاته، رغبة في اعلام الطلبة بمروياتهم، لتنتشر فيمن بعدهم (^٢)، كما كان الشيوخ يفرحون بمن يُعنى بتأليف مشيخات لهم، لإراحتهم عند الأداء من الكشف عن مروياتهم في أثباتهم المتفرقة (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-455>٥ - التعريف بعلماء السنة وتراثها، وتمرس المؤلف بهما:</span>\nوذلك أن مؤلفي المعاجم والمشيخات بما فيهم العراقي يستخرجون موادها العلمية بالبحث والاطلاع في عامة كتب السنة ورجالها، وبذلك يكتسبون خبرة بها، ومهارة في الاستفادة منها في باقى مهماتهم العلمية، ولهذا اعتبر ابن حجر جمع طالب السنة للمشيخات طريقا لتيقظه ومهارته، ووسيلة لتخرجه في علم الحديث (^٤). ثم إن مؤلفى المشيخات والمعاجم لا يكتفون فيها بذكر أسماء الشيوخ وما روى عنهم فحسب؛ بل يُترجمون لكل شيخ رَوَى عنه صاحب المعجم أو المشيخة، قبل ذكر مروياته ترجمة مناسبة، توضح اسمه وسلسلة نسبه وما عُرف به من لقب أو كنية، ومولده ووفاته وأهم\n_________\n(^١) انظر «الضوء اللامع» ج ١/ ١٤٣.\n(^٢) «الجواهر والدرر» للسخاوي/ ٢٤٢.\n(^٣) «الضوء اللامع» ج ١/ ١٤٠ وما بعدها.\n(^٤) «الضوء اللامع» ج ١/ ٣٧٩.","vol":"3","page":1279},{"text":"شيوخه وتلاميذه، وما وصف به من الصفات المؤثرة في قيمة الرواية عنه، من توثيق أو تجريح، وذكر أهم مؤلفاته، مع وصف أو تحليل أو تقييم لها، وقد يكون من المؤلفات الحديثية المذكورة في المعجم أو المشيخة ما أصبح مفقودًا بذاته، فلا يبقى لنا منه إلا ما حفظه المعجم أو المشيخة، كما قد يكون بها من المادة التاريخية ما لا يوجد في غيرها من كتب التاريخ والتراجم، خاصة ما يُسجله المؤلف فيها، مما اطلع عليه بنفسه من أحوال الشيوخ ومروياتهم ومؤلفاتهم، ومن أجل ذلك نجد العلماء يعدون المعاجم والمشيخات من المصادر التاريخية وخصوصًا في بيان طبقات رجال السنة، وتراجم الاعلام، والتعريف بتراثهم العلمى (^١).\nولعل القارئ الكريم لاحظ اعتمادى بالنسبة لتاريخ العراقي وتراثه في السنة وعلومها، على معجم شيوخ تلميذه ابن حجر، حيث وجدت فيه تعريفًا ببعض مؤلفاته التي لم أعثر عليها، ومادة تاريخية لم أجدها في سواه، ولعله لو أتيح لنا الوقوف على ما ألفه العراقي من معاجم ومشيخات، لأمكننا تقديم نماذج منها، وتحليلها وتقييمها، وخاصة ما لمسنا أنه توسع فيه، كمعجم شيوخ ابن جماعة، الذي كتب منه ٩ أجزاء حديثية فيمن اسمه (محمد) فقط منهم، كما سيأتي، ولكن يمكننا قياس أثرها في تاريخ التراجم والتراث بما ذكرته عن معجم شيوخ ابن حجر تلميذ العراقي.\n\n<span data-type='title' id=toc-456>٦ - التطبيق العلمى القواعد علوم السنة في طرق التحمل والأداء:</span>\nوذلك أن مؤلف المعجم أو المشيخة يسوقُ فيه سند صاحبه، من شيوخه.\n_________\n(^١) الإعلان بالتوبيخ ص ٥٨٨.","vol":"3","page":1280},{"text":"الذين روى عنهم حتى صاحب الكتاب المروي، مثبتا في سياقه طريقة التحمل والتعبير عنها في الأداء، من واحد لآخر عبر سلسلة هذا الإسناد، بحيث يرى من يطلع على هذا تطبيقا عمليا لقواعد التحمل والأداء التي اصطلح عليها علماء السنة، ويتاح لقارئها دربة عملية مفيدة، ولا شك أن التطبيق العملي والتدريب خير ما يوضح القواعد ويرسخها في أذهان طلاب السنة والمشتغلين بها، وقد نقلنا لك فيما تقدم أنموذجا من معجم شيوخ ابن حجر يتضمن سياق سنده الذي روى به مسند العدني عن شيخه العراقي، وفيه يتضح ما ذكرناه، فانظره وقس عليه عمل شيخه في مؤلفاته من المعاجم والمشيخات التي نذكرها فيما يلي:\n\n<span data-type='title' id=toc-457>أ - مشيخة ابن التونسي وذيلها:</span>\nوقد خرجهما العراقي لشيخه القاضي ناصر الدين محمد بن محمد بن أبي القاسم بن جميل الربعي، الشهير بابن التونسي المتوفى في ١١ صفر سنة ٧٦٣ هـ (^١) وهو من شيوخ العراقي الذين أكثر عنهم الرواية بالقاهرة كما قدمنا، وقد قال العراقي نفسه: خرجت له مشيخة، ثم ذيلت عليها، وأقره على ذلك ولده ولي الدين أبو زرعة (^٢)، وتلميذه ابن حجر (^٣)، أما ابن فهد (^٤) والسخاوي (^٥) فاقتصرا على ذكر المشيخة فقط، فلعلهما لم يقفا على تصريح العراقي المتقدم، وقد أسلفت بيان الداعي للتذييل على المشيخة بعد تأليفها.\n_________\n(^١) و(^٢) «ذيل ولي الدين» ابن العراقي وفيات سنة ٧٦٣ هـ/ ترجمة ابن التونسي.\n(^٣) «الدرر الكامنة» ج ٥/¬١٤.\n(^٤) لحظ الألحاظ ضمن الذيول/ ٢٣١.\n(^٥) الضوء اللامع ٤/ ١٧٣ و١/¬٢٢.","vol":"3","page":1281},{"text":"<span data-type='title' id=toc-458>أهميَّة هذه المشيخة وذيلها، وزمن تأليفهما وأثرهما:</span>\nومما حفَّز العراقي لتخريج تلك المشيخة لابن التونسي ثم التذييل عليها، أنَّ هذا الشيخ تميَّز بأمرين:\nأحدهما: تفرده بعدة من شيوخه (^١) بمعنى أنه صار في زمانه هو الوحيد في مصر الذي يروي بعض الكتب والأحاديث بسنده عن هؤلاء الشيوخ، وبذلك يكون أعلا معاصريه المصريين إسنادًا بما انفرد به، وبالتالي يفيد التلقي عنه علو الإسناد الذي يحرص عليه المحدثون.\nوثانيهما: أنه تفرد بكثير من مسموعاته (^٢) بمعنى أنه كان هو الوحيد في مصر الذي يروي بعض المرويات بسماعها عن شيوخه، والسماع أعلا وأوثق أنواع التحمل، وبذلك صارت مشيخته وذيلها ذواتا أثر نافع في انتشار وتوسيع الاستفادة بهاتين الميزتين، حيث حدث ابن التونسي طلابه بتلك المشيخة وذيلها، كما سأذكره، ولم يوقفني البحث على شيء من نُسَخ تلك المشيخة ولا ذيلها، ولا حتى على نقول منها، لكني وقفت على ما يدل على تداول المشيخة والاستفادة بها في التحمل عن ابن التونسي، وفي مقدمة ذلك أن العراقي نفسه قد أحضر ولده أبا زرعة في السنة الأولى من عمره قراءة قطعة من المشيخة المذكورة على ابن التونسي (^٣) ولما كان أبو زرعة كما تقدم قد وُلِدَ في أواخر سنة ٧٦٢ هـ والتونسي توفى في أوائل سنة ٧٦٣ هـ، فإن هذا يقتضي أن يكون العراقي قد فرغ من تأليف تلك المشيخة قبل ولادة ابنه أبي\n_________\n(^١) ذيل ولي الدين ابن العراقي وفيات سنة ٧٦٣ هـ ترجمة ابن التونسي.\n(^٢) الدرر الكامنة ٥/¬١٤.\n(^٣) ذيل التقييد للفاسي/ ١١٥/ أ (مخطوط) والدرر الكامنة ٥/¬١٤.","vol":"3","page":1282},{"text":"زرعة، ثم ذيل عليها بعد ذلك، ووجدتُ أيضًا أن أحد تلاميذ ابن التونسي قد ولد سنة ٧٥٣ هـ وسمع عليه مشيخته التي خرجها له العراقي (^١) وهذا يدل على تداول تلك المشيخة منذ تأليفها، واستعمال ابن التونسي لها في أداء محتواها من مروياته إلى تلاميذه.\n\n<span data-type='title' id=toc-459>ب - مشيخة مسند القاهرة: ابن القارئ، شيخ العراقي، وأثرها:</span>\nهذا المسند هو زين الدين عبد الرحمن بن علي بن محمد هارون الثعلبي الشهير بابن القارى المتوفى في نصف ذي القعدة سنة ٧٧٦ هـ وهو من شيوخ العراقي (^٢) وقد قال ولي الدين بن العراقي عنه: وخرج له والدي مشيخة (^٣)، ثم ذكرها أيضًا ضمن مؤلفات العراقي كل من ابن فهد (^٤) والسخاوي (^٥) والكتاني (^٦).\n\n<span data-type='title' id=toc-460>أثر هذه المشيخة حتى وقتنا الحاضر:</span>\nومع أن البحث لم يوقفني على شيء من نُسخ تلك المشيخة، إلا أني وقفتُ على آثار متعددة لها، ودلالات على تداولها، كما وقفت على بعض نصوص منها كما سيأتي، أما الآثار والدلالات ففي مقدمتها: أن العراقي نفسه قام بقراءة هذه المشيخة على صاحبها ابن القاري (^٧)، وبذلك اتصل سند العراقي\n_________\n(^١) «الضوء اللامع» ج ١/¬٢٢.\n(^٢)، (^٣) انظر «ذيل ولي الدين ابن العراقي» وفيات سنة ٧٧٦ هـ.\n(^٤) «ذيول تذكرة الحفاظ»» / ٢٣٢.\n(^٥) «الضوء اللامع» ج ٤/ ١٧٣.\n(^٦) «فهرس الفهارس» ج ٢/ ١٩٦.\n(^٧) «المعجم المفهرس» لابن حجر/ ٩٠ ب.","vol":"3","page":1283},{"text":"والسامعين حينذاك، بما ذكر في المشيخة من مرويات ابن القاري كما أفادت هذه القراءة على صاحب المشيخة، إقراره بصحة مضامينها، ثم إن العراقي بدوره أنبأ بهذه المشيخة تلاميذه، فقد قال تلميذه ابن حجر: مشيخة ابن القاري، تخريج شيخنا العراقي، أنبأنا بها المخرج - أي العراقي - بقراءته لها على المخرجة له (^١)، وهذا يدل على انتشارها وبقائها متداولة بعد عصر المخرجة له، واصلة سنده بمحتواها لمن بعده، ثم اتصل السند بهذه المشيخة إلى عصرنا الحاضر، حيث ذكر الشيخ محمد عبد الحي الكتاني ﵀، الذي جمع بين أسانيد المشارقة والمغاربة حتى عصره أن هذه المشيخة يرويها بسنده المتصل إلى ابن حجر العسقلاني عن شيخه العراقي عن المخرجة له، وهو ابن القاري (^٢) ثم اتصلت أسانيدها منه بالإجازة والمكاتبة لشيخ مشايخنا: محمد حبيب الله الشنقيطي ﵀، ومنه إلى مشايخنا الذين سمعنا منهم الحديث وبحثنا عليهم علوم السنة وأخبرونا بإجازتهم، من الشنقيطي، وما زالوا أحياء حتى سنة ١٣٩٩ هـ، كالشيخ محمد محمد السماحي والشيخ محمد ياسين الفاداني، والشيخ حماد بن محمد الأنصاري ﵏. ومن الأحياء حتى الآن سنة ١٤١٩ هـ ممن سمعت منهم وأجازوني: الشيخ عبد القادر كرامة الله البخاري نزيل رابغ، بالسعودية، والشيخ عبد الرحمن بن أبي بكر الملا، من الأحساء، بالسعودية. وبهذا اتصل السند بمضامين تلك المشيخة من المرويات إلى هذا الوقت الحاضر ولله الحمد.\nولم يقتصر أثرها وتداولها على العراقي ومن أخذ عنه بل تعداه إلى كثيرين.\n_________\n(^١) «المعجم المفهرس» لابن حجر/ ٩٠ ب.\n(^٢) «فهرس الفهارس» للكتاني ج ٢/ ٦٧","vol":"3","page":1284},{"text":"سواه، فقد ذكر ولى الدين ابن العراقي أن ابن القاري حدث بهذه المشيخة غير مرة، وأنه سمعها عليه (^١)، وقال ابن دقماق المؤرخ المعروف: إنه سمع من ابن القارى صحيح البخاري في مشيخته. (^٢)\nوهذا يدل على اتساع دائرة الانتفاع بها، سواء في أداء صاحبها، أو في التحمل عنه، خاصةً وأنه كان مسند القاهرة في وقته كما تقدم، ومقتضى ذلك كثرة الإقبال على تلقى مروياته التي كانت تضمها تلك المشيخة، مع تسهيلها لمهمتي الأداء والتحمل الاجماليين.\n\n<span data-type='title' id=toc-461>بعض ما وقفت عليه من نصوص هذه المشيخة:</span>\nولقد أوقفني البحث الشاق على نص من تلك المشيخة، ذكره الامام الزبيدى ﵀، في شرحه لإحياء علوم الدين حيث قال في بيان علو الاسناد: … ففي مشيخة عبد الرحمن بن على الثعلبي، تخريج الحافظ العراقي بسنده إلى ابن المبارك قال: ليس جودة الحديث قرب الاسناد، جودة الحديث صحة الرجال، وأنشد الحافظ أبو الطاهر السلفى لنفسه:\nلَيْسَ حُسْنُ الحديث قرب رجال … عِنْدَ أرباب علمه النقاد\nبل علو الحديث بين أولى الحفـ … ظ والإتقان صحة الإسنادِ\n_________\n(^١) انظر «ذيل ولي الدين» وفيات سنة ٧٧٦ هـ ترجمة ابن القاري.\n(^٢) «إنباء الغمر» لابن حجر/ ج ١/ ٨٦.","vol":"3","page":1285},{"text":"وإذا ما اجتمعا في حديث … فاغتنمه فذاك أقصى المراد (^١)\nوهذا يدل على أن العراقي ضمن هذه المشيخة بعض ما يستدعيه المقام من قواعد علوم السنة، وقد ذكر أبيات السلفي هذه في شرحه المتوسط للألفية أيضا في مبحث الإسناد العالي والنازل (^٢)، مستدلا بها على أن العبرة عند علماء السنة في علو السند ليس فقط قلة عدد الرواة الوسائط بين المصدر الأول للمروي، وبين الراوي الأخير له، بحيث يصبح قريبا من المصدر الأول فحسب، بل لابد أن يكون الرواة الوسائط مع قلتهم موثقين حتى يكون المروي عنهم موثقا به، فإذا لم يكونوا كذلك، كان المروي بسند نازل كثير الوسائط مع جودتهم أولى وأجود، ويعتبر عاليا علما معنويا، فذكره لذلك في مشيخة ابن القاري تأكيدا منه لدعوة رواة السنة في كل عصر، أن يتحروا قبل كل شيء، الثقة فيمن يأخذون عنه، فإن ذلك هو العلو الأهم عند النقاد.\n\n<span data-type='title' id=toc-462>ج - ذيل مشيخة القلانسي، شيخ العراقي، وأهميته، وزمن تأليفه، وأثره:</span>\nالقلانسي هو مسند الديار المصرية في وقته، أبو الحرم محمد بن محمد بن أبي الحرم القلانسي الحنبلي المتوفى في ٤ جمادى الأولى سنة ٧٦٥ هـ (^٣) وهو أحد شيوخ العراقي المتميزين بعلو الإسناد، بحيث روى عنه العراقي بأعلا\n_________\n(^١) اتحاف السادة المتقين بشرح احياء علوم الدين ج ١/ ٣٦٢.\n(^٢) «وفتح المغيث» للعراقي ج ٣/ ١٠٧.\n(^٣) «الدرر الكامنة» ج ٤/ ٣٥٣.","vol":"3","page":1286},{"text":"أسانيد عصره (^١)، وقد نسب هذا الذيل إلى العراقي ولده أبو زرعة حيث قال في ترجمة القلانسي: خرج له شيخنا أبو المعالي بن رافع مشيخة وكتب والدى عليها ذيلا (^٢)، وأقر هذا الحافظ ابن حجر (^٣)، وابن فهد (^٤)، والسخاوى (^٥)، وصاحب «كشف الظنون» (^٦)، والكتاني (^٧)، وقد جاء في ترجمة القلانسي هذا ما يُوضح استحقاقه بتأليف ابن رافع له مشيخة، ثم نهوض العراقي لعمل ذيل عليها، فبجانب تميزه بعلو السند كما قدمت، وصفه العراقي بأنه مكثر من المرويات والشيوخ، مع ثقته وصحة سماعه (^٨)، كما وصفه ولى الدين ابن العراقي بأنه تفرد بكثير من مسموعاته وشيوخه، وصار رحلة بلاده، وكان خيرا دينا من أعيان الحنابلة (^٩)، وقال ابن حجر: أنه صار مسند الديار المصرية في زمانه (^١٠)، وكل هذه خصائص توضح أهمية الرجل في وصل سند المرويات الحديثية لمن بعده، ومن هنا كانت أهمية تدوين أكبر\n_________\n(^١) انظر آخر كتاب الأربعين حديثا العشارية الاسناد للعراقي، وقرة العين بالمسرة بوفاء الدين له أيضا/ ٢٠، ٢٣، ٣٦، ٤١، ٦٩، ومحجة القرب للعراقي أيضًا/ ٢١ أ، ب، والثلاثة مخطوطات سيأتي التعريف بهم.\n(^٢) «ذيل ولي الدين» وفيات سنة ٧٦٥ هـ.\n(^٣) «الدرر الكامنة» ج ٤/ ٣٥٣\n(^٤) «ذيول تذكرة الحفاظ»» / ٢٣٢\n(^٥) «الضوء اللامع» ج ٤/ ١٧٣.\n(^٦) «كشف الظنون»» / ١٦٩٦.\n(^٧) «فهرس الفهارس» ج ٢/ ١٩٦.\n(^٨) «طرح التثريب» ج ١/ ١٠٨.\n(^٩) «ذيل ولي الدين» وفيات سنة ٧٦٥ هـ.\n(^١٠) «الدرر الكامنة» ج ٣/ ٣٨١، ٣٨٢.","vol":"3","page":1287},{"text":"قَدْر من مروياته وشيوخه، فقام شيخ العراقي ابن رافع بجانب من تلك المهمة، وأتمها تلميذه العراقي من بعده، عملا على نشر السند المتصل لكتب السنة ومتعلقاتها، والتعريف برجالها العاملين، ولئن كان البحث الدائب لم يوقفني على شيء من مشيخة ابن رافع، ولا من ذيل العراقي عليها، ولا على نقول معزوة اليهما، إلا أن أبا زرعة ابن العراقي قد صرح بأن القلانسي حدث تلاميذه بكل من المشيخة، وذيل العراقي عليها، وهذا يدل على أن العراقي قد أنجز هذا الذيل قبل وفاة القلانسى في سنة ٧٦٥ هـ بفترة غير قليلة، كما يدل على أن هذا الذيل قد تم تداوله والاستفادة به في التحمل والأداء لما تضمنه من المرويات، منذ تأليف العراقي له.\n\n<span data-type='title' id=toc-463>د - ذيل مشيخة البياني، شيخ كل من العراقي وولده وأهميته وأثره:</span>\nالبياني، هو المسند، المعمر، الرحلة، شمس الدين، أبو عبد الله محمد بن ابراهيم بن محمد بن أبي بكر بن يعقوب، الانصاري الخزرجي، وعرف بالبياني، توفى على الصحيح في ٢٩ ذي القعدة سنة ٧٦٦ هـ، وهو من شيوخ العراقي، وولده أبو زرعة (^١). وقد ذكر أبو زرعة ابن العراقي في ترجمته له ما يدل على خبرته هو ووالده به حتى آخر عمره، حيث قرر وفاته في ليلة الاثنين ٢٩ ذي القعدة سنة ٧٦٦ هـ، وقال: سمع منه الأئمة وسمعت عليه صحيح مسلم، وقطعة كبيرة من تاريخ بغداد وأجزاء كثيرة ثم قال: وذكر ابن رافع أنه توفي ليلة ١٨ ذي الحجة وهو وهم، وما\n_________\n(^١) ذيل ولي الدين أبي زرعة ابن العراقي على العبر للذهبي ١/ ١٨٦ - ١٨٨ والمعجم المفهرس لابن حجر/ ٦٥ «الدرر الكامنة» ج ٣/ ٣٨١، ٣٨٢","vol":"3","page":1288},{"text":"ذكرته أولا هو الصواب الذي ذكره والي، وكانت وفاته عندنا بالخانقاه الطشتمرية ظاهر القاهرة.\nوقد نُسِب هذا الذيل إلى العراقي ولده أبو زرعة وتلميذه ابن حجر فقال في ترجمة البياني: وخرج له ابن رافع مشيخة، وذيل عليها شيخنا العراقي، وتبعه على ذلك صاحب «كشف الظنون» (^١) وسيأتي كلام أبي زرعة بن العراقي، وقد وصف البياني بما يوضح استحقاقه لعمل مشيخة، ثم التذييل عليها، فقد قال ابن حجر: إنه أحضر مجلس الحديث في الثالثة من عمره (^٢)، وقال أبو زرعة ابن العراقي: إنه مسند معمر، محب للرواية (^٣)، وهذا يدل على تمتعه بعلو الاسناد، وكثرة الشيوخ والمرويات، ومن هنا كان جديرا بجمع شيوخه، وتخريج مروياته ليستفاد بها، كما فعل ابن رافع ومن بعده العراقي، وقد ذكر أبو زرعة بن العراقي تأليف والده هذا باسم «الفهرست» مع الإشادة بشكله ومضمونه فقال: وعمل له والدي فهرستا حافلا مفيدا، توفي - يعني والده - قبل إكماله/ ذيل العبر لأبي زرعة (١/ ١٨٨). ومعروف أن «الفهرشت» و«المشيخة» بمعنى واحد (فهرس الفهارس للكتاني ١/ ٦٨ - ٦٩).\nأقول: ولعل وفاة العراقي قبل إكمالها هو الذي جعل روايتها عن البياني توجد من غير طريق العراقي كما سيأتي مع كون العراقي من تلاميذ البياني، كما أنه من دلائل فائدة هذه المشيخة أو الفهرست وأثرها في الرواية رغم اكتمالها، ما ذكره الكتاني، حيث ذكر روايته لها من طريق شمس الدين\n_________\n(^١) «كشف الظنون» / ١٦٩٦.\n(^٢) «الدرر الكامنة» / ج ٣/ ٣٨١.\n(^٣) «ذيل أبي زرعة» وفيات سنة ٧٦٦ هـ.","vol":"3","page":1289},{"text":"مُحمَّد بن طولون الحنفي المتوفى سنة ٩٥٣ هـ عن يوسف بن حسن بن عبد الهادي عن محمد بن محمد الخيضري عن أبي ذر عبد الرحمن بن محمد الزركشي عن المخرجة له/ فهرس الفهارس للكتاني ٢/ ٦٤٣.\nوالزركشي هذا توفي سنة ٨٤٦ هـ، تتلمذ للعراقي/ الضوء اللامع (٤/ ١٣٧) ولكن قال ابن تغري بردي في ترجمة البياني: وآخر من تأخر ممن سمع عليه شيخنا الرُّحَلَةَ: زين الدين عبد الرحمن الزركشي الخيلي رحمه الله تعالى/ النجوم الزاهرة ١١/ ٨٩.، بل سيأتي عناية العراقي بجمع أربعين حديثا وعشرين حديثا كلاهما من عواليه، تساعية الإسناد.\nوللأسف لم أقف على شيء من المشيخة التي خرجها ابن رافع للبياني، ولا على ذيل العراقي هذا الذي خرجه لها مع تداول روايته كما قدمت.\n\n<span data-type='title' id=toc-464>هـ - معجما شيوخ ابن جماعة، موجه العراقي الأول للتخصص بالسنة، والداعي لتأليفهما:</span>\nقدمت التعريف بابن جماعة ضمن شيوخ العراقي (^١)، والمهم هنا أنه تمتع بكثرة الشيوخ حتى إن شيوخه ليزيدون عن ١٣٠٠ شيخ، وتمتع أيضًا بكثرة المرويات، مع ثقته وتفرده بالرواية عن عدد من شيوخه، وبرواية عدد من الكتب والأجزاء الحديثية (^٢)، ولهذا كان جديرا بعناية العراقي وغيره، بجمع مروياته وشيوخه للاستفادة بها، وقد أثبت أبو زرعة ابن العراقي تأليف والده معجمى شيوخ ابن جماعة فقال: وخرج له والدى معجما عن شيوخه\n_________\n(^١) انظر ص (٣٢٥) وما بعدها من هذه الرسالة.\n(^٢) انظر ذيل أبي زرعة ابن العراقي وفيات سنة ٧٦٧ هـ.","vol":"3","page":1290},{"text":"بالسماع والإجازة، لم يكمل، كتب منه ٩ أجزاء حديثية، وكلها في المحمدين (^١)، أي فيمن اسمه (محمد) من شيوخ ابن جماعة، والأجزاء الحديثية في المتوسط تبلغ ١٥ ورقة، وبذلك يكون العراقي قد استغرق فيما أنجزه من هذا المعجم ١٣٥ ورقة تقريبا، وهو كم كبير يدل على غزارة ما أودعه العراقي فيه من المادة العلمية، وعلى الجهد الكبير الذي بذله في الجمع والبحث والتحقيق العلمي، ويفهم من كون الأجزاء المذكورة كلها في المحمدين، أن العراقي انتهج ترتيب أسماء الشيوخ على حروف المعجم ولكنه بدأ بمن اسمه (محمد)، تيمنا بأشهر أسماء الرسول ﷺ، كما فعل في ذيله في وفيات الاعيان المتقدم بحثه.\nورغم أن العراقي لم ينجز من هذا المعجم إلا القدر المذكور، فإنه قد أتى ثماره عاجلًا، حيث ذكر أبو زرعة ابن العراقي أن ابن جماعة قد حدث طلبته بثلاثة أجزاء منه (^٢) وهذا دليل على تداوله والانتفاع به، كما أنه دليل على ارتضاء ابن جماعة لهذا التأليف واقرار مضمونه العلمي.\nومع هذا الانتفاع، والتداول المذكور للمعجم في حياة ابن جماعة والعراقي إلا أننى للأسف وأقف على شيء منه الآن.\nأما المعجم الثاني لشيوخ ابن جماعة فقد نسبه أبو زرعة ابن العراقي لوالده أيضًا، وذلك في ترجمة محمد بن عبد اللطيف المعروف بابن الكويك المتوفى سنة ٧٧٩ هـ، حيث قال عن ابن الكويك هذا: إنه جمع شيوخ قاضي القضاة عز الدين بن جماعة، مرتبًا لهم على حروف المعجم، ثم قال: وهذبه.\n_________\n(^١) انظر ذيل أبي زرعة ابن العراقي وفيات سنة ٧٦٧ هـ.\n(^٢) انظر «ذيل أبي زرعة وفيات» سنة ٧٦٧ هـ.","vol":"3","page":1291},{"text":"والدى وأصلحه (^١)، ولعل العراقي بحكم معاصرته لابن الكويك، علم باشتغاله بعمل هذا المعجم، فانصرف عن اتمام المعجم السابق، حتى لا تتكرر الجهود أو تتكدر النفوس، لأن المعجم الذي ألفه ابن الكويك كما يفهم من عموم عبارة أبي زرعة المتقدمة، عام يجمع كل شيوخ العراقي، بينما المعجم الذي شرع العراقي فيه وأنجز بعضه، خاص بجمع نوعين فقط من شيوخ ابن جماعة، وهما من روى عنهم بالسماع ومن روى عنهم بالإجازة، فصار عمل العراقي داخلا في عموم عمل ابن الكويك، فإعراض العراقي عن اتمام المعجم الأول، متسق مع عموم شأنه في أخلاقه وفي مؤلفاته، فلا تجده يؤلف إلا ما يجد الحاجة ماسة إليه، ولا ينازع غيره عملا علميا اطلع على اشتغاله به، وأهليته له، وتوفيته حقه، وهكذا فليكن علماء السنة في كل جيل، اقتداء بالعراقي في هذا المسلك الحسن، حتى تتحرر دائرة التأليف في علوم السنة من التكرار غير المجدى، وتمد الناس في كل عصر بما هم بحاجة فعلية إليه، في روح من الاحترام المتبادل بين علمائها، ورعاية لحقوق الانتاج العلمي لكل منتج تصدى للعمل بجد وإخلاص، وبذلك يتحقق أحد الآثار المرتجاة من دراستنا لسيرة الأسلاف من حفاظ السنة، كالحافظ العراقي وغيره، ولئن كان العراقي في تقديري قد توقف عن اتمام ما شرع فيه من معجم الشيوخ الخاص، نأيا عن التكرار، وتقديرًا للزمالة العلمية، فإنه لم يصرف النظر نهائيا عن الموضوع، بل حرص على الاطلاع على المعجم العام الذي جمعه ابن الكويك، ليرى هل حقق فيه الغاية المرجوة أم لا؟ وقد ظهر له أنه بحاجة إلى التهذيب والإصلاح، حتى يكون عملا علميا أتم فائدة، وبمقتضى صلته الطويلة بابن جماعة،\n_________\n(^١) «ذيل أبي زرعة وفيات» سنة ٧٧٩ هـ.","vol":"3","page":1292},{"text":"وممارسته السابقة لجمع بعض شيوخه، أعاد النظر في هذا المعجم الذي أنجزه ابن الكويك، وباشر تهذيبه وإصلاحه، وليس هذا بالعمل الهين، بل إن فيه جهدًا علميًا كبيرًا يتمثل فيما يستدعيه الإصلاح والتهذيب من الحذف والإضافة، وإعادة ترتيب بعض المواد العلمية في نسق سليم، واعمال الفكر والنظر في التصويب والتحقيق، خاصةً وأن كثرة شيوخ ومرويات ابن جماعة، تدل على أن هذا المعجم الجامع لهم كان ضخمًا، وبهذا الاصلاح والتهذيب خرج هذا المعجم في صورة جديدة نُسبت للعراقي، بينما نُسبت الصورة الأولى لسلفه ابن الكويك، وقد صدر العراقي في هذا عن غرض علمى وجيه، ينبغي على المتأخر أن ينهض به بالنسبة لعمل المتقدم، وهو تهذيب ما يراه بحاجة إلى التهذيب، واصلاح ما يراه بحاجة فعلية إلى الإصلاح، كالسهو والخطأ اللذان لا يخلو منهما جهد بشري، ويبدو أن العراقي قام بهذا التهذيب والإصلاح بعد وفاة ابن الكويك، وانقطاع الأمل في أن يباشر ذلك بنفسه.\nهذا ولم يوقفنى البحث على شيء من المعجم الذي أنجزه ابن الكويك، ولا تهذيب العراقي له، وإن كان من المسلم أنهما كانا متداولين، ومستفادا بهما في عصر العراقي على الأقل.\nولعلي بهذا قد وقفت في بيان أكبر قدر من آثار العراقي بمؤلفاته وآرائه، في مصطلح علوم السنة وعلم رجالها وبالله التوفيق.","vol":"3","page":1293},{"text":"<span data-type='title' id=toc-465>الباب الرابع: أثْرُ العِرَاقِيِّ بمُؤَلَّفَاتِهِ وآرائه في علم التخريج وَفْقهِ السُّنَّةِ وَنَقْدِهَا وَشَرْحِهَا وَالسِّيْرَةِ النَّبَويَّةِ</span>\nالقسم الأول: تَأْلِيفُ العِرَاقِيِّ وَآرَاؤُهُ فِي أَنْوَاعِ عِلْمِ التَّخْرِيجِ وَأَثَرِ ذَلِكَ\nالقسم الثاني: تَأْلِيفُ العِرَاقِيِّ وَآرَاؤُهُ فِي فِقْهِ السُّنَّةِ وشرحها وَبَيَانِ غريبها وأثر ذلك [¬*]\nالقسم الثالث: تَأْلِيفُ العِرَاقِيِّ وَآرَاؤُهُ فِي السِّيْرَةِ النَّبَويَّةِ\n_________\n[¬*] (تعليق الشاملة): وقد قسمها المؤلف - حفظه الله - في المقدمة (١/ ١٤) إلى خمسة أقسام، دمجها هنا في ثلاثة فقط. وعلى كل حال، فقد انتهى ما وقفنا عليه من المطبوع في أثناء القسم الثاني","vol":"3","page":1295},{"text":"<span data-type='title' id=toc-466>القِسْمُ الْأَوَّلُ: تأْليفُ العِرَاقِيِّ وآرَاؤُهُ فِي أَنوَاعِ عِلْمِ التخريج وأثر ذَلِكَ</span>","vol":"3","page":1297},{"text":"<span data-type='title' id=toc-467>مفهوم علم التخريج</span>\nالتخريج مصدر خَرَّج العمل تخريجًا، بمعنى استخرجه، ومن المجاز خَرَّج فلان في العلم، أي نَبَغَ، وخرجه بمعنى استخرجه، وخرج الكتاب جعله ضروبًا مختلفة، وأطلق في اصطلاح المحدثين على شيئين:\nأحدهما: إيراد الحديث بإسناده في كتاب أو إملاء، ومنه قولهم عن الحديث: خرجه البخاري ومسلم، أي أورداه بسنديهما في صحيحيهما ومنه أيضًا إخراج المحدث الحديث من بطون الكتب، وسياقه من مروياته، أو من مرويات غيره، كشيوخه وأقرانه، وعزوه لمن رواه من أصحاب الكتب الحديثية، مع بيان البدل والموافقة ونحوهما كما سيأتي من مؤلفات العراقي في ذلك.\nوالثاني: عزو الأحاديث إلى من خرجها من الأئمة سواء مع سياق أسانيدهم ورواياتهم، وبيان حالها قبولًا أو ردًا، أو الاقتصار على العزو فقط إلى المصادر، مع الكلام على درجات الأحاديث ولو في الجملة.\nوالإطلاق الثاني هو الذي يصدق على غالب الكتب المؤلفة في تخريج أحاديث الكتب الفقهية والأصولية وغيرها، مثل مؤلفات العراقي، ورفيقه الزيلعي، وقرينه ابن الملقن، وغيرهم كما سيأتي. (^١)\n_________\n(^١) انظر «فتح المغيث» للسخاوي ج ٢ ص ٣٣٨ و«شرح السيوطي لألفيته» / ٤٦ أ، و«فتح الباقي بشرح ألفية العراقي» للأنصاري/ ١٥٣ أ و«حاشية الطوخي» على الشرح المذكور/ ٧٧ أ، و«فيض القدير» للمناوي/ ج ١/¬٢٠ وبعض كتب التخريج نفسها كما سيأتي ذكره منها في هذا الباب.","vol":"3","page":1299},{"text":"١ -<span data-type='title' id=toc-468> تخريج العراقي لأحاديث (كتاب إحياء علوم الدين)، للغزالي وأوليته في ذلك، وأهمية تخريجه.</span>\nأشرت في مبحث اختصاص العراقي بعلوم السنة (^١) إلى أن تأليفه لتخريج أحاديث (إحياء علوم الدين) كان باكورة مؤلفاته، وقد ألف في ذلك ثلاثة كتب متتالية هي: الكبير، والمتوسط، والصغير، كما سيأتي تفصيله.\nويعتبر العراقي بحسب ما أوصلني إليه البحث، أول من تصدى للتأليف في تخريج أحاديث كتاب (الإحياء) بأكمله، ولم يعرف حتى الآن من سبقه إلى ذلك (^٢) وإنما كانت الجهود حتى عصره، متجهة إما إلى تهذيب كتاب الإحياء بحذف ما فيه من الأحاديث الواهية، ومذاهب الصوفية التي لا أصل لها، كما فعل ابن الجوزي في كتابه (منهاج القاصدين) (^٣)، وإما إلى انتقاد الغزالي فيما أودعه في الكتاب، وخاصة الأحاديث الباطلة، كما فعل ابن الجوزي أيضًا (^٤)، وسِبطه، ومن بعدهما حتى عصر العراقي، كالمازري، وأبي الوليد الطرطوشي، وأبي عمرو بن الصلاح، وابن تيمية وتلميذه ابن القيم (^٥).\nوفي مقابل هذا، نهض بعض العلماء للدفاع عن الغزالي في الجانب الحديثي وغيره من كتابه، ولكن على سبيل الإجمال، كما فعل المولى أبو الخير (^٦).\n_________\n(^١) انظر ص ٣١٢ وما بعدها من هذه الرسالة.\n(^٢) «اتحاف السادة المتقين بشرح احياء علوم الدين» للزبيدي ج ١/¬٤٠، ٤١.\n(^٣) «كشف الظنون» / ١٨٧٧.\n(^٤) «اتحاف السادة المتقين» ج ١/¬٢٨ و«تلبس ابلس» لابن الجوزي/ ١٦٠.\n(^٥) «اتحاف السادة المتقين» ج ١/¬٢٧ وما بعدها و«كشف الظنون» / ١٢٧٧ و«طبقات الشافعية» لابن السبكي ج ٦/ ٢٣٩ وما بعدها.\n(^٦) «اتحاف السادة المتقين» ج ١/¬٢٨.","vol":"3","page":1300},{"text":"وشيخ العراقي تقي الدين السبكي وولده تاج الدين (^١)، الذي أتبع دفاعه الإجمالي بفصل خاص عنونه بقوله: (وهذا فصل جمعت فيه جميع ما وقع في كتاب (الإحياء) من الأحاديث التي لم أجد لها إسنادا).\nأقول: وقد بلغ هذا الفصل أكثر من مائة صحيفة (^٢)، وبفحصي له وجدت الشيخ تاج الدين قد أورد فيه قرابة ألف حديث، بما فيها المكرر، وهي موزعة على جميع أبواب كتاب الإحياء، وقد ذكر في أكثرها فعلا قوله عن الحديث: إنه لم يجد له إسنادا، أو لم يجد له أصلا، أو لم يجده باللفظ المذكور في الإحياء، أو لم يجده مرفوعا إلى الرسول ﷺ، ثم خرج الباقي من كتب السنة تخريجا موجزا جدا كما سنقارن بعضه بتخريج العراقي الصغير، ويعتبر هذا الفصل مع أهميته عملا جزئيا، بمثابة الخمس تقريبا، من عمل العراقي في تخريجه الصغير للإحياء، وذلك لأن الشيخ تاج الدين بن السبكي تناول في الفصل المذكور كما قدمت، قرابة ألف حديث، مع الإيجاز والإجمال، بينما تناول العراقي في تخريجه كل أحاديث كتاب الإحياء المصرح فيه برفعها، وبعض المشار إليه بمعناه، وبلغ ذلك قرابة خمسة آلاف حديث كما سيأتي، ثم إن عمل ابن السبكي هذا متأخر عن تأليف العراقي لتخريجه الكبير، كما أوضح ابن السبكي نفسه ذلك، حيث إنه قبل ذكر الفصل المشار إليه قال عن العراقي: «وقد اعتنى بتخريج أحاديث الإحياء بعض أصحابنا، فلم يشذ عنه إلا اليسير، وسأذكر جملة من أحاديثه الشاذة استفادة»، ثم أتبع ابن السبكي ذلك بالإشارة إلى الفصل الذي عقده فقال: «وسنعقد فصلا للأحاديث\n_________\n(^١) انظر «طبقات الشافعية» لابن السبكي جـ ٦/ ٢٤٤ وما بعدها.\n(^٢) و«طبقات الشافعية» لابن السبكي جـ ٦/ ٢٨٧ - ٣٨٩.","vol":"3","page":1301},{"text":"المنكرة في كتاب الإحياء» (^١).\nوقد ذكر ابن كيران: أن ابن السبكي لم يذكر في طبقاته أحدا من الأحياء غير العراقي، وذلك في عبارته السابقة عن تخريجه للإحياء (^٢).\nوذكر بعض العلماء المتأخرين تبعية ابن السبكي في تخريجه بعض الأحاديث في الفصل المذكور للعراقي (^٣)، وقمت أنا أيضا بمقارنة تخريجه ورأيه في بعض الأحاديث، بتخريج العراقي ورأيه فيها، فوجدتهما متشابهين (^٤) واستفادة العمل المتأخر مما تقدمه، أمر غير مستغرب، وكلام ابن السبكي المتقدم ذكره عن تخريج العراقي للإحياء يدل على خبرته به من قبل تصديه لعمل الفصل المذكور، ويشير إلى الاستفادة منه، كما قدمت.\nوبجانب إحراز العراقي قصب السبق إلى تخريج أحاديث كتاب الإحياء بأكمله، وما يعطيه هذا لعمله من أهمية علمية، فإن هناك أهمية أخرى لهذا العمل من جهة أن كتاب الإحياء قد اشتمل على نماذج أدلة السنة لأصول الدين وفروعه عموما، ففيه كثير من أدلة السنة للعقائد والتفسير، والتشريع، والأخلاق، والتصوف الخالي من البدع، بينما نجد الكتب الأخرى التي\n_________\n(^١) «طبقات الشافعية» لابن السبكي جـ ٦/ ٢٤٩، ٢٥٠.\n(^٢) انظر «مقدمة شرح عبد المجيد بن كيران لألفية العراقي في السيرة» / هـ أ/ مخطوط.\n(^٣) انظر «سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة» لمحمد ناصر الدين الألباني مجلد ١/ ١٣٧، ١٥٦.\n(^٤) انظر مثلا «طبقات الشافعية» لابن السبكي جـ ٦/ ٣٣٣ حديث [عليكم بدين العجائز] و٣٣٧ حديث معاذ [أنهاك أن تشتم مسلما] و٣٤٠، ٣٤١ حديث أبي الدرداء: أيما رجل أشاع على رجل كلمة هو منها بريء، ٣٤٧ حديث [الرزق إلى مطعم الطعام] و٢٢٨ حديث [أوحى الله إلى إبراهيم]، ٢٨٩ حديث: [إن العالم يعذب] وقارن بتخريج العراقي بهامش الإحياء جـ ٣/ ٧٥، ١٢٢، ١٥١، ٢٣٩، جـ ١/¬١٣، ٦٥ …","vol":"3","page":1302},{"text":"خرجها غير العراقي أغلبها مختص بالفقه وأصوله فقط، وبهذا يُعد تخريج العراقي للإحياء بمثابة عدة مؤلفات في التخريج، ولذا فإنّه، أشمل إفادة، وأوسع أثرًا، لاشتماله على تخريج أحاديث كثيرة لم يتعرض لها غيره من المخرجين، كما أنه يعتبر أجل خدمة علمية قدمت لكتاب (الإحياء) خاصة، وللأحاديث المتعلقة بالتصوف عامة، وذلك بالبيان التفصيلي لحالة كل حديث، قبولًا أو ردًا، في مواجهة المهاجمين والمنتقدين، وقد قرر ذلك الحافظ ابن حجر في رثاء شيخه العراقي إذ يقول:\n«فَسَلْ إِحْيَا عُلُومِ الدِّينِ عَنْه … أَما وَافَاهُ مع ضيق النطاق؟\nفَصَيِّرْ ذِكْرَهُ يَسْمُو ويَنْمُو … بتخريج الأحاديث الرقاق» (^١)\nثم إن كتاب الإحياء من حيث كمية الأحاديث المشتمل عليها، والتي خرجها العراقي، يعتبر - حتى الآن - أضخم كتاب خرجت أحاديثه بعد كتاب «الأم» للإمام الشافعي، الذي خرج أحاديثه الإمام البيهقي. (^٢)\nوسأتناول بالتفصيل بيان ما ألفه العراقي في تخريج أحاديث «إحياء علوم الدين»، وذلك على النحو التالي:\n_________\n(^١) (إنباء الغمر) لابن حجر ج ٢/ ٢٧٩ و«حسن المحاضرة» للسيوطي ج ١/ ٣٦٢ وفيه في البيت الأول: (داواه) بدل (وافاه).\n(^٢) يوجد منه مجلدان مخطوطان: أحدهما بمكتبة «شئتربتي» والآخر بدار الكتب المصرية … .","vol":"3","page":1303},{"text":"<span data-type='title' id=toc-469>أ - التخريج الكبير للإحياء</span>\n<span data-type='title' id=toc-470>ترتيبه بين مؤلفات العراقي، وزمن تأليفه، والدافع إليه:</span>\nكما استهل العراقي عمله التأليفي بتخرج أحاديث الإحياء، فإنه كان أول مؤلفاته في ذلك هو التخريج الكبير، وبذلك يُعد هذا التخريج حسب ما أوقفني عليه البحث، هو أول مؤلفات العراقي مطلقا، ولم يُعرف له تأليف قبله، خصوصا وأنه شرع فيه في وقت مبكر من حياته، حيث قرر من ترجمه من تلاميذه، وغيرهم: أنه شرع فيه وهو في نحو العشرين من عمره، أي سنة ٧٤٥ هـ (^١)، وأشار المترجمون للعراقي أيضًا إلى أن سبب تبكيره في الإشتغال بتخريج أحاديث الإحياء: أنه كان مولعًا بهذا، ولذلك توفرت لديه رغبة عارمة في إنجاز هذا التخريج (^٢)، ولعل مبعث هذا الدافع القوي، إدراكه لأنه لم يسبق إلى ذلك كما أوضحت، بالإضافة إلى تأثره بالبيئة الصوفية التي نشأ وتربى فيها كما مر (^٣)، ورغبته في الإفادة العلمية لأهلها كما أشار إلى ذلك في مقدمة التخريج الصغير (^٤)، ونظرًا لأنه كان مشتغلا بالطلب والتحصيل بجانب العمل في تأليف التخريج مع ضخامته، فإنّه قد مكث عدة سنين حتى أكمل مسودته، ففرغ منها سنة ٧٥١ هـ، مع تعذر وقوفه على\n_________\n(^١) انظر «المجمع المؤسس» لابن حجر: ١٧٦ و«لحظ الألحاظ» لابن فهد/ ٢٢٨ و«الضوء اللامع»، ج ٤/ ١٧٣.\n(^٢) «المجمع المؤسس»: ١٧٦ و«ذيل الدرر الكامنة» لابن حجر: ٧٠ و«لحظ الألحاظ» / ٢٢٨ و«الأعلام»، ج ٤/ ٢١٩ أ و«طبقات الشافعية» / ١١٠ ب وكلاهما لابن قاضي شهبة.\n(^٣) انظر/ ١٤٩، ١٧٧، ١٧٨ من هذا الكتاب.\n(^٤) «المغني عن حمل الأسفار»، بهامش الإحياء جـ ١/¬٨.","vol":"3","page":1304},{"text":"بعض الأحاديث، ولهذا أخر تبييضه ٩ سنين أخرى، أي إلى سنة ٧٦٠ هـ فظفر بكثير مما كان عزب عليه علمه وقد صرح بذلك كله في مقدمة التخريج الصغير (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-471>تسمية الكتاب، وحجمه، والقدر المبيض منه:</span>\nوجدت بهامش كتاب (المجمع المؤسس) لابن حجر نقلا عن تاريخ حلب: أن العراقي سمى هذا التخريج «إخبار الأحياء بأخبار الإحياء» (^٢) وهكذا قرر ابن خطيب الناصرية في مجموعه (^٣)، وذكر ابن فهد هذه التسمية أيضا، دون أن ينسبها للعراقي (^٤)، ويطلق عليه كذلك: «التخريج الكبير» (^٥)، وخصوصا عند نقل العلماء عنه، والإحالة عليه، كما سيأتي، وهذا الإطلاق مراعى فيه نسبة الكتاب إلى التخريجين الآخرين وهما: المتوسط، والصغير، الآتي ذكرهما بعد.\nوقد تردد تلميذ العراقي ابن حجر في تقرير حجم مسودة هذا «التخريج الكبير» فقال: «إن مسودته الكاملة بخط العراقي تقع في ٤ أو ٥ مجلدات» (^٦)، لكن ابن فهد، تلميذ العراقي أيضا، قطع بأنه ٤ مجلدات فقط (^٧)، وقطع ابن\n_________\n(^١) «المغني عن حمل الأسفار»، بهامش الإحياء جـ ١/¬٨.\n(^٢) «المجمع المؤسس» / ١٧٧ هامش.\n(^٣) «مجموع ابن خطيب الناصرية»: ترجمة العراقي.\n(^٤) «لحظ الألحاظ»: ٢٢٩.\n(^٥) «الضوء اللامع» للسخاوي جـ ٤/ ١٧٣.\n(^٦) «المجمع المؤسس» / ١٧٧.\n(^٧) «لحظ الألحاظ» / ٢٢٩.","vol":"3","page":1305},{"text":"خطيب الناصرية أيضًا بأنه ٤ مجلدات، وزاد وصفها بأنها كبار (^١)، أما السيوطي فقطع بأنه ٥ مجلدات (^٢)، والأولى بالقبول: تقدير ابن خطيب الناصرية، لاشتماله على وصف المجلدات بأنها كبار، ولاعتماده في ترجمة العراقي على ما وجده بخط أبي زرعة بن العراقي، وهو أخبر بمؤلفات والده. وقد ذكر ابن حجر أن العراقي بيض من هذا التخريج قدر مجلدين فقط، وأنه لو أكمل تبييضه لبلغ ٦ مجلدات (^٣)، أما ابن فهد، فحدد القدر الذي بيضه العراقي بدقة أكثر فقال: «إنه بيض منه نحوا من ٤٥ كراشا، وصل فيها إلى أواخر الحج».\nوأكد ذلك بقوله: «إنّ ابن العراقي شيخنا الحافظ أبا زرعة أحمد، قرأ عليه من هذا القدر المبيض إلى قوله: الحديث الثامن والعشرون: وقال ﷺ: «ولم يصبر على شدتها ولأوائها أحد إلا كنت له شفيعا يوم القيامة»»، وبعد ذلك خمس ورقات من التبييض لم يقرأها (^٤). ولكن بالرجوع إلى كتاب الإحياء، وللتخريج الصغير، وجدت أن الحديث المذكور هو السابع والعشرون من الباب الأول فقط من كتاب الحج (^٥)، وليس في أواخر كتاب الحج، بل يبقى بعده من كتاب الحج ثلاثة أبواب، فلعل عبارة ابن فهد السابقة فيها سقط من الناسخ، وصوابها «إلى أواخر الباب الأول من الحج» كما هو الواقع.\n_________\n(^١) «مجموع ابن خطيب الناصرية»: ترجمة العراقي.\n(^٢) «ذيول تذكرة الحفاظ» / ٣٧٠.\n(^٣) «المجمع المؤسس» / ١٧٧.\n(^٤) «لحظ الألحاظ» / ٢٢٩، ٢٣٠.\n(^٥) «الإحياء والمغنى» بهامشه جـ ١/ ٢٥١.","vol":"3","page":1306},{"text":"هذا ولم يُعرف من نهض بعد العراقي بتبييض شئ من هذا «التخريج الكبير»، فيكون باقيه قد ظل في مسودة العراقي التي بخطه، وتسبب ذلك - بكل أسف - في ضياع الكتاب، بحيث تُعدُّ مسودته، وما بيض منه في حكم المفقود الآن.\n\n<span data-type='title' id=toc-472>ما وقفت عليه من نصوص الكتاب:</span>\nولقد بحثت كثيرا في فهارس المكتبات المصرية والعالمية، فلم أجد من مسودة هذا التخريج، ولا القدر الذي بيضه العراقي شيئًا، لكني وفقت بحمد الله إلى الوقوف على نصوص متعددة، معزوة إلى الكتاب مع تلقيبه بالتخريج الكبير، أو الأكبر، وتلك النقول وجدتها متفرقة في مؤلفات العلماء بعد عصر العراقي، وعانيت في التوصل إليها، والبحث عنها الكثير فالإمام البقاعي المتوفى سنة ٨٨٥ هـ، نقل عنه في كتابه (النكت الوفية بما في شرح الألفية) عدة مرات (^١)، والحافظ محمد بن عبد الرحمن السخاوي المتوفى سنة ٩٠٢ هـ، نقل عنه أيضًا عدة مرات في كتابه «فتح المغيث بشرح ألفية الحديث» (^٢)، والمحدث أبو الحسن علي بن محمد بن عراق المتوفى سنة ٩٦٣ هـ نقل عنه عدة مرات في كتابه «تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأحاديث الشنيعة الموضوعة» (^٣) والمحدث عبد الرؤوف المناوي المتوفى سنة ١٠٣١ هـ نقل عنه في كتابه «فيض\n_________\n(^١) انظر «النكت الوفية» / ٧٣ ت، ١٣٦ أ، ١٦٣ ب، ٢٣٨ ب.\n(^٢) انظر «فتح المغيث» للسخاوي ج ١/ ١٢٧، ١٦٨، ٣٤٦، ٣٤٧ بتحقيق عبد الرحمن عثمان.\n(^٣) انظر «تنزيه الشريعة» ج ١/ ٢٠٨، ٢٦٠ مع المقارنة (بالمغني) ج ١/ ٥٦، ٢٧٠ مع المقارنة و«بالمغني» ج ١/ ٦٨، ٢٨٢ مع مقارنته «بالمغني» ج ١/¬١٨ و٥ «بشرح الإحياء» للزبيدي ج ١/ ١٢١، ١٢٢ و«تنزيه الشريعة» أيضًا ج ١/ ٣٠١، ج ٢/ ١٧٣، ٢٨٩","vol":"3","page":1307},{"text":"القدير بشرح الجامع الصغير» للسيوطي (^١)، والشيخ عبد القادر بن شيخ بن عبد الله العيدروسي، من المتأخرين أيضا، نقل عنه في كتابه «تعريف الأحياء بفضائل الإحياء» (^٢) ..\nأما الإمام محمد بن محمد الشهير بمرتضى الزبيدي المتوفى سنة ١٢٠٥ هـ فإنه ذكر في مقدمة شرحه للإحياء: أنّ من المصادر التي اعتمد عليها في تخريج أحاديث الكتاب، «التخريج الصغير» المُسَمَّى «بالمغني عن حمل الأسفار» للعراقي، ثم قال: «وربما نقلت في بعض المواضع من تخريجه الكبير، عليه، ولم أظفر منه إلا على كراريس (^٣)، وقد تتبعت هذه النقول تفصيلا فوجدت الزبيدي يصرح بنسبة بعضها إلى التخريج الكبير (^٤)، ويعزو أكثرها إلى العراقي فقط، اعتمادًا على إشارته المذكورة في المقدمة، وعلى أن ما يذكره يكون زائدا على ما في التخريج الصغير» (^٥) ثم إني وجدت هذه النقول قد انتهت في أواخر كتاب «العلم»، وهو الكتاب الأول من كتب «الإحياء». البالغ عددها أربعون كتابا، ومعنى ذلك أن هذه الكراريس التي وقفت عليها\n_________\n(^١) (فيض القدير) ج ١/¬٢١، ٢٤١.\n(^٢) انظر: «تعريف الأحياء بهامش الإحياء»، ج ١/¬٢٢، ٢٣، ٣٨، ٣٩ وقارن «بفيض القدير» ج ١/¬٢١.\n(^٣) (إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين) للزبيدي ج ١/ ص ٤، ثم ظفرت بهذه الكراريس والحمد لله، وهي الآن قيد الطبع.\n(^٤) (إتحاف السادة المتقين) ج ١/ ١٢١ - ١٢٣، ٢٢٤، ٢٢٥، ٢٤١، ٢٤٢، ٢٥٣، ٢٨٤، ٣٠٠، ٣٠٩، ٣١٢، ٣٤٨.\n(^٥) (إتحاف السادة المتقين) ج ١/ ٧٨، ٩٠، ٩٤، ٩٩، ١٠٠، ١٠١، ٢٤٤، وقارن «بالمغنى عن حمل الأسفار بهامش الاحياء» ج ١/¬١٣، ١٥، ١٦.","vol":"3","page":1308},{"text":"الزبيدي، ونقل منها، تُعدُّ قدرًا ضئيلًا جدًا، بالنسبة لحجم الكتاب البالغ ٤ مجلدات كبار في المسودة، كما قدمت، لكن من جهة أُخرى تُعدُّ هذه النقول أكبر قدر وقفت عليه من نصوص الكتاب، وتتميز نقول غير الزبيدي ممن قدمت ذكرهم، باشتمالها على نصوص من كتب أُخرى من كتب الإحياء، بعد كتاب العلم الذي اقتصرت نقول الزبيدي عليه، وذلك مثل كتاب «الصلاة» وهو الكتاب الرابع من الإحياء، وكتاب «الحج» وهو الكتاب السادس من الإحياء، كما وقفت أيضًا على بعض نقول عن هذا الكتاب بهوامش بعض الكتب الخطية (^١)، والمطبوعة (^٢)، ووقفت أيضًا على إحالتين للعراقي على هذا التخريج في مؤلفين آخرين له، ألفهما بعده، وهما شرحه المتوسط للألفية (^٣)، ونكته على كتاب ابن الصلاح (^٤)، ومن تواريخ وفيات العلماء الذين أشرت إلى نقولهم عن هذا التخريج، يتضح أنه كان موجودًا، كله أو بعضه، بعد عصر العراقي، وحتى أوائل القرن الثالث عشر الهجري، وإن كان حاليًا في حكم المفقود.\n\n<span data-type='title' id=toc-473>التعريف بمشتملات الكتاب، وبعض آراء العراقي فيه، مقارنة بغيرها، وما يتميز به التخريج الكبير، عن الصغير.</span>\nرغم تعدد النقول التي وقفت عليها من الكتاب كما ذكرت، إلا أنه تبين لي\n_________\n(^١) انظر (تلخيص العلل المتناهية) لابن الجوزي تأليف الحافظ الذهبي/ ٦ أ هامش نسخة مكتبة الأزهر برقم/ ٢٩٠ حديث.\n(^٢) انظر (تنزيه الشريعة) ج ٢/ ٧٨ هامش.\n(^٣) انظر (فتح المغيث) للعراقي ج ٣/¬٤.\n(^٤) انظر (التقييد والإيضاح) للعراقي/ ١١٨.","vol":"3","page":1309},{"text":"من بحثها جميعا: أنها غير كافية في إعطاء صورة متكاملة لمنهج العراقي وآرائه في هذا التخريج الكبير، لهذا رأيت أن أقدم بعض نماذج فقط، تعرف بمشتملاته، وبعض آراء العراقي فيه، وذلك في حدود النصوص التي أتيحت لي، ونظرا لافتقاد نسخه، مع مقارنة ذلك بغيره، وبيان بعض مميزات التخريج الكبير عن الصغير وذلك على النحو التالي:\n\n<span data-type='title' id=toc-474>«رأي العراقي في كتاب الإحياء،</span> وأحاديثه، وفي منهج متقدمى الفقهاء في إيراد الأحاديث المستدل بها في مؤلفاتهم دون تخريج أو تمحيص».\nقدمت: أن العلماء حتى عصر العراقي كانوا بين ناقد لكتاب الإحياء ومدافع عنه، وقد وجدت أن العراقي أثنى في هذا التخريج الكبير على محتويات كتاب الإحياء، وأجاب عن أحاديثه المنتقدة عمومًا، حيث ذكر الشيخ عبد القادر العيدروسي أن الحافظ العراقي أثنى على كتاب الإحياء فقال في تخريجه: «إنه من أجل كتب الإسلام في معرفة الحلال والحرام، جمع فيه بين ظواهر الأحكام، ونزع إلى سرائر دقت عن الأفهام، لم يقتصر فيه على مجرد الفروع والمسائل، ولم يتبحر في اللجة بحيث يتعذر الرجوع إلى الساحل، بل مزج فيه علمي الظاهر والباطن، ومزج معانيها في أحسن المواطن، وسبك فيه نفائس اللفظ وضبطه، وسلك فيه من النمط أوسطه، مقتديا بقول على كرم الله وجهه: خير هذه الأمة النمط الأوسط، يلحق بهم التالي ويرجع إليهم الغالي» (^١)، وأتبع العيدروسي ذلك بقوله: «إلى آخر ما ذكره، مما الأولى بنا في هذا المحل طيه (^٢)».\n_________\n(^١) انظر «تعريف الإحياء بفضائل الاحياء»، للعيدروسي بهامش الاحياء ج ١/¬٢٢، ٢٣.\n(^٢) انظر «تعريف الاحياء» ج ١/¬٢٣.","vol":"3","page":1310},{"text":"وهذا يشير إلى أنّ العيدروسي ترك أيضًا قدرًا من ثناء العراقي على الكتاب وبيان قيمته في رأيه، ولعل هذا يفسر لنا ولوعه بتخريج أحاديثه، وعكوفه على ذلك عدة سنين، كما قدمت ذكره.\nولما كان هذا الذي عزاه العيدروسي إلى تخريج العراقي غير موجود في تخريجه الصغير، دل ذلك على أنه نقله عن التخريج الكبير، ويؤكد هذا تصريح المناوي بعزو بقية كلام العراقي الآتية المتصلة بذلك، إلى مقدمة التخريج الكبير، وذلك أن العيدروسي بعد أن ذكر ثناء العراقي المتقدم على كتاب الإحياء، ذكر أنه اعترض على الغزالي بتضمينه كتاب (الإحياء) أخبارًا وآثارًا موضوعة أو ضعيفة بكثرة، والإكثار يتحاشى منه، للتورع عن الوقوع في الموضوع من الأحاديث.\nثم قال: «وحاصل ما أجيب به عن الغزالي - ومن المجيبين الحافظ العراقي -: أن أكثر ما ذكره الغزالي ليس بموضوع، كما برهن عليه في التخريج، وغير الأكثر - وهو في غاية القلة - رواه عن غيره، أو تبع فيه غيره متبرئًا منه بنحو صيغة «روي»، وأما الإعتراض عليه: أن فيما ذكره الضعيف بكثرة، فهو اعتراض ساقط، لما تقرر أنه يعمل به في الفضائل وكتابه في الرقائق، فهو من قبيلها، ولأن له أسوة بأئمة الأئمة الحفاظ، في اشتمال كتبهم على الضعيف بكثرة، المنبه عليه تارة، والمسكوت عنه أُخرى وهذه كتب الفقه للمتقدمين - وهي كتب الأحكام، لا الفضائل - يوردون فيها الأحاديث الضعيفة ساكتين عليها، حتى جاء النووي ﵀، في المتأخرين، ونبه على ضعف الحديث وخلافه، كما أشار إلى ذلك كله العراقي» (^١).\n_________\n(^١) انظر: «تعريف الأحياء» / بهامش الإحياء ج ١/¬٣٨، ٣٩.","vol":"3","page":1311},{"text":"وقد ذكر المناوي نحو ذلك أيضًا فقال: «إن الصدر الأول من أتباع المجتهدين لم يعتنوا بضبط التخريج، وتمييز الصحيح من غيره، فوقعوا في الجزم بنسبة أحاديث كثيرة إلى النبي ﷺ، وفرعوا عليها كثيرا من الأحكام مع ضعفها، بل ربما دخل عليهم الموضوع، وممن عُدَّتْ عليه في هذا الباب هفوات، وحفظت عليه غلطات، الأستاذ الأعظم، إمام الحرمين، وتبعه عليها من اعترف بإمامته العام والخاص، مولانا حجة الإسلام (الغزالي)، في كثير من عظماء المذاهب الأربعة، وهذا لا يقدح في جلالتهم، بل ولا في اجتهاد المجتهدين، إذ ليس من شرط المجتهد الإحاطة بحال كل حديث في الدنيا»\nثم أردف قائلا: «قال الحافظ العراقي في خطبة «تخريجه الكبير للإحياء»: عادة المتقدمين، السكوت عما أوردوا من الأحاديث في تصانيفهم، وعدم بيان من خرجه، وبيان الصحيح من الضعيف إلا نادرا، وإن كانوا من أئمة الحديث، حتى جاء النووي، فبين، وقَصْدُ الأولين أن لا يغفل الناس النظر في كل علم في مظنته، ولهذا مشى الرافعي على طريقة الفقهاء، مع كونه أعلم بالحديث من النووي».\nثم قال المناوي: «إلى هنا انتهى كلامه»، أي كلام العراقي (^١)، وهذا الذي أجاب به العراقي عن الغزالي وغيره من متقدمي الفقهاء، قد شاركه فيه قرينه: ابن الملقن حيث إنه في تخريجه الأحاديث الشرح الكبير (^٢) للرافعي في فقه الشافعية، قال عن الرافعي بعد الإشادة بشرحه المذكور: «لكنه أجزل الله مثوبته، مشى في هذا الشرح المذكور على طريقة الفقهاء الخلص، في ذكر\n_________\n(^١) «فيض القدير» للمناوي ج ١/¬٢١.\n(^٢) هذا الشرح يسمى (الفتح العزيز في شرح الوجيز)، و«الوجيز» تأليف الإمام الغزالي.","vol":"3","page":1312},{"text":"الأحاديث الضعيفة والموضوعات، والمنكرة والواهيات، والتي لا تعرف أصلًا في كتاب حديث، لا قديم ولا حديث، في معرض الاستدلال، من غير بيان ضعيف من صحيح، وسليم من جريح، وهو إمام في الفن المذكور» أي فن الحديث (^١) وهذا الجواب من العراقي وقرينه، عن الغزالي والرافعي وأمثالهما، قد أخذ به بعض العلماء من بعدهما كالإمام اللكنوي (^٢).\nلكن الشيخ محمد ناصر الدين الألباني رأى أنه جواب فيه نظر وتسامح، لأن كون نقد الأحاديث ليس من وظيفة الفقهاء، لا يسوغ لهم أن يوردوا الأحاديث المنتقدة، محتجين بها، ومؤيدين لمئات الفروع المذهبية، وأن هذا معناه أحد شيئين: إما أنهم يرون صحتها، فلذلك احتجوا بها، وهذا يرده نقد أئمة الحديث المتخصصين، وإما أنهم لا يعلمون صحتها، ومع ذلك استدلوا بها، وهم على هذا متساهلون (^٣)\nوأضيف من جانبي إلى رد الألباني المذكورة، «أنه إذا كان هذا شأن صنيع الفقهاء عموما، فإنه ما كان يسوغ لمن تضلع في علم الحديث منهم كالإمام الرافعي، أن يسلك مسلكهم، في التساهل، لأن هذا قد ولد آثارًا سيئة، بنشر الأحاديث الضعيفة والموضوعة غير المبين حالها، في تراث الفقه والأصول، وغيرهما، وتداولها في الاستدلال المسلمون فيما بينهم، اعتمادًا على استدلال أولئك الأئمة المتقدمين بها، وبذلك يكون جواب العراقي\n_________\n(^١) انظر (البدر المنير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير) لابن الملقن ج ١/¬٧ ب مخطوط مصور\n(^٢) انظر مقال الشيخ الألباني عن الأحاديث الضعيفة والقوية بمجلة (الوعي الإسلامي) وعدد ذي القعدة سنة ١٣٩١ هـ.\n(^٣) انظر «المقال السابق للألباني».","vol":"3","page":1313},{"text":"المتقدم عن الإمام الغزالي وغيره من المتقدمين في إيراد الأحاديث المنتقدة في مؤلفاتهم، دون بيان حالها، جواب متسامح فيه، ولا أقره عليه، ولكن هذا لم يمنعه من نقد الغزالي خلال التخريج، فيما أودعه في الإحياء من الأحاديث المنتقدة، مع جزمه بنسبتها للرسول ﷺ وعدم بيان حالها كما ستأتي بعض أمثلة لذلك».\n\n<span data-type='title' id=toc-475>جمع طرق الأحاديث المخرجة، ورواتها من الصحابة:</span>\nلاحظت من خلال النقول التي وقفت عليها من هذا التخريج، ومن الإحالة عليه، أن العراقي، لم يقتصر في تخريج كثير من أحاديث الإحياء، على ذكر طريق واحد من طرقها، بل عُنى بجمع كثير من طرق الحديث المخرج، وبيان عدد كثير ممن رواه من الصحابة ﵃، وقد أحال بنفسه على هذا التخريج في ذلك، حيث إنّه في نكته على كتاب ابن الصلاح ذكر حديث أبي هريرة «من جلس مجلسا كثر فيه لغطه» الحديث، وقال: «إن هذا الحديث قد ورد من حديث جماعة من الصحابة غير أبي هريرة، وهم: أبو برزة الأسلمي، ورافع بن خديج، وجبير بن مطعم والزبير بن العوام، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمرو، وأنس بن مالك، والسائب بن يزيد، وعائشة، وقد بينت هذه الطرق كلها في «تخريج أحاديث الإحياء» للغزالي، والله أعلم» (^١)، وبالرجوع إلى التخريج الصغير، لا نجده خرج فيه هذا الحديث إلا من طريق واحد، عن صحابي واحد هو رافع بن خديج (^٢) فدل ذلك على أن: التخريج المذكور فيه باقي طرق الحديث ورواته المشار إليهم من الصحابة، هو:\n_________\n(^١) «التقييد والإيضاح»، للعراقي: ١١٨.\n(^٢) «المغني عن حمل الأسفار» / بهامش الإحياء ج ١/ ٣٣٣.","vol":"3","page":1314},{"text":"التخريج الكبير لكونه مظنة التوسع هكذا.\nوقد نقل الزبيدي في شرحه للإحياء عن هذا التخريج أمثلة متعددة لذلك منها: حديث «أمرت أن أقاتل الناس، حتى يقولوا: لا إله إلا الله» فقد ذكر في هذا التخريج أنه قد رواه [١٦] صحابيا وعددهم، ثم خرج رواياتهم من مصادرها الحديثية وبين طرق أغلبها (^١)، ومن قواعد نقد السنة: أن جمع طرق الحديث، وسيلة إلى معرفة علته، وتبيين الخطأ في سنده، وتقوي بعض أسانيده ببعض، أو ترجيح بعضها على بعض (^٢).\nولهذا فإن عناية العراقي في هذا التخريج بجمع طرق كثير من الأحاديث المخرجة كما ذكرت، تعد تطبيقا عمليا لهذه القواعد النقدية، وتحقيقا لفوائدها السالفة بالنسبة لأحاديث الإحياء، وخاصة المعل منها كحديث «من جلس مجلسا كثر فيه لغطه» المتقدم، كما بين ذلك العراقي وغيره (^٣)، وستأتي أمثلة أخرى ضمن الفقرات التالية، ويعتبر الجمع المذكور لطرق الأحاديث، من مميزات هذا التخريج الكبير، عن التخريج الصغير الآتي، حيث جرى فيه العراقي غالبا، على تخريج الحديث من طريق واحد أو طريقين.\n_________\n(^١) (إتحاف السادة المتقين) للزبيدي جـ ١/ ١٥٥، ١٥٦.\n(^٢) (مقدمة ابن الصلاح مع التقييد والإيضاح) للعراقي/ ١١٦، ١١٧ و(فتح المغيث) للعراقي جـ ١/ ١٠٧ وللسخاوي، جـ ١/ ٢١٠، ٢١٨ وجـ ٢ صـ ٢٩٤ و(التقريب للنووي وشرحه) للسيوطي/ ١٦٢، ١٦٣، ١٦٧، ١٦٩.\n(^٣) انظر (فتح المغيث) للعراقي جـ ١/¬١٧ و(التقييد والإيضاح) له أيضا/ ١٨ و(فتح المغيث) للسخاوي جـ ١/ ٢١١، ٢١٢ و(معرفة علوم الحديث) للحاكم/ ١١٣ و(تدريب الراوي) / ١٦٧.","vol":"3","page":1315},{"text":"<span data-type='title' id=toc-476>سياق أسانيد الأحاديث ورواياتها، وبيان درجاتها وعللها:</span>\nاهتم العراقي أيضا في هذا التخريج بذكر الأسانيد بطولها كما في الكتب المخرج منها، وكذا الروايات المتعددة، وذلك لكثير من الأحاديث المخرجة، مع بيان درجة كل منها غالبًا، من الصحة والضعف وغيرهما، وبيان ما في السند من علة: كالقطع، أو الاضطراب، أو الطعن في بعض الرواة، وهذه كلها جهود لها أهميتها الكبرى في بيان التطبيق العملي للقواعد النقدية للسنة من جهة، ولأحاديث الإحياء المخرجة من جهة أخرى، وخاصة ما كان منها مخرجا من مصادر لم يبين فيها علة الحديث أو درجته، أو كان منتقدا من بعض العلماء أو مختلفًا فيه.\nفمن ذلك: حديث «إذا تعلم الناس العلم وتركوا العمل وتحابوا بالألسن وتباغضوا بالقلوب، وتقاطعوا في الأرحام، لعنهم الله» (الحديث) فقد أورده الغزالي في (الإحياء) عن الحسن البصرى مرسلًا (^١) فقام العراقي بتخريج عدة روايات له بعدة أسانيد، بعضها متصل مرفوع إلى النبي ﷺ، وبذلك جبر علة الإرسال، ونقل الزبيدي عنه ذلك فقال: «إن العراقي قال في «التخريج الكبير» عن هذا الحديث: وقد ورد متصلا من حديث سلمان وابن عمر:\n* أما حديث سلمان: فأخرجه الطبراني في معجميه الكبير والأوسط من رواية الحجاج بن فُرَافِصَة عن ابن عمرو عن سلمان رفعه: «إذا ظهر القول وخزن العمل وائتلفت الألسن، وتباغضت القلوب، وقطع كل ذي رحم رحمه، فعند ذلك لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم»، وإسناده حسن.\n_________\n(^١) «الإحياء» ج ١/ ٥٣ و(شرحه) للزبيدي ج ١/ ٣٠٠.","vol":"3","page":1316},{"text":"وقد رويناه في الجزء الثالث من حديث أبي عمرو بن حمدان من وجه آخر وفي اسناده: محمد بن عبد الله بن عُلاثة، مختلف فيه، ورواه البيهقي في «المدخل» موقوفا على سلمان، ورجاله ثقات، إلّا أنّ فيه انقطاعا.\nوأما حديث ابن عمر: رويناه في الجزء الثالث المذكور من رواية أبي عمرو عنه، بلفظ: «يوشك أن يظهر العلم ويخزن العمل، ويتواصل الناس بألسنتهم، ويتباعدون بقلوبهم، فإذا فعلوا ذلك طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم»، وفي سنده بشر بن إبراهيم المَفْلُوج، ضعيف جدا، وفي ترجمته رواه ابن عدى في «الكامل» (^١).\nوفي حديث (لو منع الناس عن فَتِّ البعر لَفَتُّوه) أخرج العراقي في معناه من عند الطبراني حديث أبي جحيفة من رواية أبي إسحاق عنه، قال: «كان رسول الله ﷺ قاعدا ذات يوم وقُدَّامه جماعة يصنعون شيئًا يكرهه من كلامهم، ولفظهم، فقيل له يا رسول الله، ألا تنهاهم؟ فقال: لو نهيتهم عن الحجون لأوشك أحدهم أن يأتيه وليست له حاجة» ورجاله ثقات، إلا أنه اختلف فيه على الأعمش، فقيل: عنه عن أبي إسحاق، هكذا، وقيل: عن أبي إسحاق، وعن عبدة السوائي، ورواه الطبراني أيضًا، وعبدة السوائي مختلف في صحبته (^٢). وستأتى نماذج أُخرى خلال الفقرات التالية.\nويعتبر ذكر العراقي للأسانيد والروايات من مميزات هذا «التخريج الكبير» أيضًا عن «التخريج الصغير»، حيث جرى فيه العراقي غالبا على حذف\n_________\n(^١) «إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين»: للزبيدي ج ١/ ٣٠٠.\n(^٢) «إتحاف السادة المتقين» ج ١/ ٣٤١","vol":"3","page":1317},{"text":"السند، مكتفيا بذكر الصحابي الراوي للحديث، أو الموقوف عليه الحديث من تابعي وغيره، كما أن ذكره فيه للروايات المتعددة للحديث قليل.\nومع أن العراقي لم يلتزم في هذا التخريج الكبير ببيان درجات كل الأحاديث المخرجة، إلا أنه ذكر فيه درجات أحاديث كثيرة لم يذكرها في التخريج الصغير، وهذه ميزة هامة، خاصة بالنسبة للأحاديث غير الصحيحة والتي لم تبين درجاتها في مصادرها الحديثية، فمن ذلك حديث «كنا أصحاب رسول الله ﷺ أوتينا الإيمان قبل القرآن» (الحديث) فقد قال العراقي في «تخريجه الصغير»: أخرجه ابن ماجه من حديث جندب مختصرا، مع اختلاف (^١).\nأما في «تخريجه الكبير» فقال: روى ذلك من حديث جندب بن عبد الله البجلي، رواه ابن ماجه مختصرًا، مقتصرا على القدر المرفوع منه، من رواية أبي عمران الجوني عن جندب قال: كنا مع النبي ﷺ ونحن فتيان خراورة، فتعلمنا الإيمان قبل ان تتعلم القرآن، ثم تعلمنا القرآن، فازددنا به إيمانا، وإسناده صحيح، زاد الطبراني فيه «وإنكم اليوم تتعلمون القرآن قبل الإيمان» وهو صحيح أيضًا (^٢).\nفبين بذلك درجة الحديث وهي الصحة، بينما لم يبينها في الصغير كما رأيت، وهي أيضًا لم تبين في المصدرين المخرج منهما الحديث وهما «سنن ابن ماجه» والطبراني.\nومن ذلك أيضًا: حديث: من أَوْلَى ما أُوتيتم اليقين، وعزيمة الصبر» فإنّ\n_________\n(^١) «التخريج الصغير» بهامش الإحياء ج ١/ ٨٢.\n(^٢) «إتحاف السادة المتقين» ج ١/ ٤٢٤.","vol":"3","page":1318},{"text":"العراقي في التخريج الصغير أخرج في معناه من عند ابن عبد البر حديث معاذ «ما أنزل الله شيئًا أقل من اليقين، ولا قسم شيئًا بين الناس أقل من الحلم» ولم يبين درجته. (^١)\nأما في «التخريج الكبير» فقال: وروى ابن عبد البر في كتاب العلم من حديث معاذ رفعه، قال: «ما أنزل شئ أقل من اليقين ولا قسم شئ أقل من الحلم»، ثم عقب عليه ببيان درجته فقال: ولا يصح إسناده (^٢).\nوفي حديث «لما تلا رسول الله ﷺ ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ للإسلام﴾» [الأنعام: ١٢٥].\nقال في «التخريج الصغير»: أخرجه الحاكم والبيهقي في «الزهد» من حديث ابن مسعود، ولم يبين درجة أي من الروايتين (^٣).\nأما في «التخريج الكبير» فساق رواية الحاكم في «المستدرك» بسنده، ثم قال: «وقد سكت عليه الحاكم، وهو ضعيف»، ثم ذكر رواية البيهقي أيضًا فقال: «ورواه البيهقي في «الزهد» من رواية عمرو بن مرة عن عبد الله بن الحرث عن ابن مسعود» ثم عقب عليه فقال: «إنّه ضعيف كما بينه الدارقطني في العلل»، وقال: إنّه سئل عنه الدارقطني أيضًا فقال: يرويه عمرو ابن مرة، واختلف فيه عنه: فرواه مالك بن مغول عن عمرو بن مرة عن عبيدة عن عبد الله، قال: عبد الله بن محمد بن المغيرة، تفرد به. ورواه زيد بن\n_________\n(^١) «المغني عن حمل الاسفار» بهامش الإحياء ج ١/ ٧٨.\n(^٢) «إتحاف السادة المتقين» ج ١/ ٤١٠.\n(^٣) «التخريج الصغير» بهامش الإحياء ج ١/ ٨٢.","vol":"3","page":1319},{"text":"أبي أنيسة عن عمرو بن مرة عن أبي عبيدة عن عبد الله، قاله أبو عبد الرحيم، عن زيد، وخالفه يزيد بن سنان، فرواه عن زيد عن عمرو بن مرة عن أبي عبيدة عن عبد الله، وكلها وهم، والصواب: عن عمرو بن مرة عن أبي جعفر عبد الله بن المسور، مرسلا عن النبي ﷺ، كذلك قال الثوري، ثم قال العراقي: وعبد الله بن المسور هذا متروك (^١)\nوفي حديث «عليكم بالنمط الأوسط» قال في التخريج الصغير: أخرجه أبو عبيد في غريب الحديث موقوفا على على بن أبي طالب ﵁، ولم أجده مرفوعا (^٢).\nأما في «التخريج الكبير» فذكر رواية الحديث الموقوفة كما عند أبي عبيد ثم قال: ورجال اسناده ثقات، إلا أن فيه انقطاعا (^٣).\nوفي حديث: «لأن تغدو فتتعلم بابا من العلم خير من أن تصلي مائة ركعة».\nقال في «تخريجه الصغير»: أخرجه ابن عبد البر من حديث أبي ذر وليس إسناده بذاك، والحديث عند ابن ماجه بلفظ آخر (^٤)\nأما في «الكبير» فقال: رواه ابن عبد البر من رواية علي بن جدعان، عن سعيد بن المسيب عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ، فذكره، وابن جدعان ضعيف، والحديث عند ابن ماجه من هذا الوجه، إلا أنه قال: ألف ركعة، وزاد فيه: عمل به أو لم يعمل به، وزاد في أوله: لأن تغدو فتتعلم آية\n_________\n(^١) (إتحاف السادة المتقين) ج ١/ ٤٢٥.\n(^٢) (التخريج الصغير) بهامش الإحياء ج ١/¬٧، ٨.\n(^٣) «إتحاف السادة المتقين» ج ١/ ٤٤٤.\n(^٤) «التخريج الصغير» بهامش الإحياء ج ١/¬١٥.","vol":"3","page":1320},{"text":"من كتاب الله، خير لك من أن تصلي مائة ركعة، وإسناد ابن ماجه منقطع، فإنه عنده من رواية عبد الله بن غالب العباداني عن عبد الله ابن زياد البحراني، هكذا معنعنا، وفي رواية ابن عبد البر: عبد الله بن غالب العباداني قال حدثنا خلف بن أعين عن عبد الله بن زياد، فزاد فيه رجلا». (^١)\nوهكذا تلاحظ أن ما ذكره العراقي من درجة الأحاديث وعللها، ليست في تخريجه الصغير كما أنها ليست مبينة في المصادر التي خرج منها الأحاديث، ولكنه بينها في الكبير بعد جمع الأسانيد وبحثها، ومقارنة بعضها ببعض، وتطبيق قواعد النقد عليها. ثم إنّه سيأتي اختلاف تقديره لدرجة بعض الأحاديث في «التخريج الصغير» عن تقديره في «الكبير».\n\n<span data-type='title' id=toc-477>بيانه لاختلاف درجة الحديث باختلاف حال أسانيده:</span>\nبين العراقي في هذا التخريج أيضا اختلاف درجة الحديث الواحد تبعًا لاختلاف حال أسانيده.\nمثال ذلك: حديث «لا تتعلموا العلم لتباهوا به العلماء» حيث قال في تخريجه: «أخرجه ابن ماجه من رواية بشير بن ميمون، عن أشعث بن سوار عن ابن سيرين عن حذيفة ﵁، رفعه، ولفظه «لا تتعلموا العلم لتباهوا به العلماء، أو لتماروا به السفهاء أو لتصرفوا به وجوه الناس إليكم، فمن فعل ذلك فهو في النار».\nثم بين حال الإسناد المتقدم فقال: «وبشير بن ميمون الخراساني، متهم بالوضع»، قاله البخاري، وأشعث بن سوار، مختلف فيه، ثم استدرك على\n_________\n(^١) «اتحاف السادة المتقين» ج ١/ ٩٦، ٩٧.","vol":"3","page":1321},{"text":"ذلك فقال: «ولكن أخرج ابن ماجه أيضًا من رواية ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر، رفعه: «لا تعلموا العلم لتباهوا به العلماء، ولا لتماروا به السفهاء، ولا لتجترئوا في المجالس، فمن فعل ذلك، فالنار النار»، وبين حال هذا الإسناد الثاني فقال: «وإسناده على شرط مسلم» (^١) وبذلك يتقرر أن الحديث بالسند الأول ضعيف جدًا، لاشتمال ذلك السند على راويين أحدهما متهم بالوضع والآخر مختلف في الإحتجاج به، ولكنه بالسند الثاني صحيح، لكون رجاله على شرط مسلم في صحيحه، ولم يذكر العراقي له علة، وهذا يعد من فوائد عناية العراقي في هذا التخريج بجمع أسانيد الحديث الواحد وبيان حال كل منها، وتقدير درجة الحديث على أساس ذلك»\n\n<span data-type='title' id=toc-478>استدراك العراقي على سابقيه، ومخالفته لهم في تقدير درجات الأحاديث:</span>\nبفحصي لعدة نصوص من هذا التخريج، وجدت أن العراقي قد استدرك على سابقيه من علماء السنة المتقدمين والمتأخرين حتى عصره، كما أنه قد يتفق مع بعضهم في بيان درجة الحديث من الصحة وغيرها، وقد يختلف، وهذا يدل على أنه لم يكن مجرد ناقل عن غيره أو مقلد، بل كان يمحص ما ينقله، ويوافق أو يخالف، بناء على رأيه الخاص، ويختار ما يظهر له بالأدلة وجاهته، وهذا هو شأن الحفاظ والمجتهدين في كل عصر.\nفمن استدراكاته: «أنه في تخريج حديث ابن عباس في دعاء النبي ﷺ بقوله «اللهم فقه في الدين، وعلمه التأويل» ذكر أن الحديث أخرجه\n_________\n(^١) «إتحاف السادة المتقين»، ج ١/ ٣٤٩.","vol":"3","page":1322},{"text":"البخاري ومسلم في صحيحيهما، بدون قوله: «وعلمه التأويل»، وأنه قد زادها الإمام أحمد في مسنده والحاكم وقال: «صحيح الإسناد»، ثم عقب العراقي على ذلك باستدراك على أبي مسعود الدمشقي المتوفى سنة ٤١١ هـ في كتابه «أطراف أحاديث الصحيحين» فقال: «ووهم أبو مسعود الدمشقي في كتابه «الأطراف» حيث عزا للصحيحين هذه الزيادة، وقد أقره الزبيدي على هذا الاستدراك». (^١)\nوفي تخريج حديث: «إن من خيار أمتي قومًا يضحكون جهرًا من سعة رحمة الله، ويبكون سرا من خوف عذابه»، ذكر أن البيهقي أخرجه في «شعب الإيمان» بزيادة فيه، واللفظ له، من رواية حماد بن أبي حميد عن مكحول عن عياض بن سليمان وكانت له صحبة، قال: قال رسول الله ﷺ: «خيار أمتي فيما أنبأني العلي الأعلا، قوم يضحكون جهرًا من سعة رحمة الله، ويبكون سرا من خوف شدة عذاب ربهم» (الحديث بطوله) وقال البيهقي: «تفرد بهذا حماد بن أبي حميد، وليس بالقوي عند أهل العلم»، فاستدرك عليه العراقي قائلا: «ولم ينفرد به حماد كما قال البيهقي، بل روي أيضًا من رواية خالد بن المغيرة بن قيس عن مكحول، رواه أبو نعيم في «الحلية»، وقد أقر الزبيدي أيضًا العراقي على ذلك» (^٢) وبهذا الاستدراك أثبت العراقي وجود متابعة مقوية لرواية البيهقي التي ضعفها بدعوى تفرد حماد بها كما مر.\nوأما اختلافه مع غيره في تقدير درجة الأحاديث، فقد وجدت أكثر ذلك مع المتساهلين: كأبي عبد الله الحاكم، صاحب «المستدرك على الصحيحين»،\n_________\n(^١) إتحاف السادة المتقين ١/ ٢٥٨.\n(^٢) إتحاف السادة المتقين ١/ ٤٢١.","vol":"3","page":1323},{"text":"ومع المتشددين: كأبي الفرج ابن الجوزي، وأبي حفص عمر بن بدر الموصلي المتوفى سنة ٦٢٣ هـ، وهذا يتواءم مع ما قدمته في الباب السابق من اعتداله في الجرح والتعديل.\nفمما اختلف فيه مع الحاكم: حديث أنس ﵁ «يكون في آخر الزمان عباد جهال، وعلماء فسقة» فقد ذكر الزبيدي أن الحاكم أخرجه في «المستدرك» باب الرقاق، وقال صحيح، ثم ذكر أن الذهبي والعراقي شنعا على الحاكم بتصحيحه هذا الحديث، وأن الذهبي قال: «يوسف بن عطية الصفار، الراوي لهذا الحديث، هالك، وأن العراقي قال: «إنه مجمع على ضعفه» (^١). وبذلك يكون العراقي قد اتفق مع الذهبي على رد تصحيح الحاكم للحديث، وحكما بضعفه، بسبب وجود يوسف بن عطية المذكور في سنده، وقد صرح العراقي بذلك الحكم في «التخريج الصغير» فقال، عن الحديث: «أخرجه الحاكم من حديث أنس وهو ضعيف» (^٢)، أما تصريحه بالرد على الحاكم، وبيانه لسبب ضعف الحديث، فيعد من نقول الزبيدي عن «التخريج الكبير»، حيث لم يرد في الصغير كما ترى، وقد اعتمد الزبيدي ما قرره العراقي».\nوفي حديث: «يوزن يوم القيامة مداد العلماء ودم الشهداء، فيجرح مداد العلماء الذي أورده الغزالي في كتاب العلم من «الإحياء» (^٣) وقد ذكره ابن الجوزي في كتابه «العلل المتناهية في الأحاديث الواهية»، من عدة طرق،\n_________\n(^١) المصدر السابق ١/ ٣٤٩.\n(^٢) التخريج الصغير ١/ ٦٤ بهامش الإحياء.\n(^٣) والإحياء، ج ١/¬١٢.","vol":"3","page":1324},{"text":"منها طريق يعقوب القمي عن هارون بن عنترة عن الشعبي عن النعمان بن بشير ﵁، وأعله بالطعن في يعقوب القمي وهارون ابن عنترة، ثم أقره على ذلك الحافظ الذهبي في تلخيصه لكتاب العلل المتناهية» (^١).\nلكني وجدت بهامش تلخيص الذهبي هذا تعليقًا على الحديث المذكور: «أن العراقي قال في (تخريجه الكبير) ما نصه: «فيه، (أي في معنى الحديث المذكور)، عن النعمان بن بشير، وأبي الدرداء، وعبد الله بن عمرو وعمران ابن حصين، أما حديث النعمان، فهو أجود طرق أحاديث الباب»، رواه ابن الجوزي، في «العلل المتناهية» من رواية يعقوب القمي عن هارون ابن عنترة عن الشعبي عن النعمان، وقال: لا يصح، أما هارون بن عنترة فقال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به، ويعقوب القمي ضعيف»، ثم عقب العراقي على ابن الجوزي فقال: (قلت: أما هارون، فوثقه أحمد بن حنبل ويحيى ابن معين وأبو زرعة وأبو حاتم والعجلي، وتعدد الكلام فيه من ابن حبان، على أنه قد ذكره في الثقات، فاختلف كلامه) (^٢) وأما يعقوب ابن عبد الله القمي، فوثقه النسائي والطبراني، وقال الدارقطني: «ليس بالقوي، فالحديث من هذا الطريق حديث حسن» (^٣) وهكذا نجد أن العراقي قد خالف ابن الجوزي، والذهبي، فرد تضعيفهما للحديث، وذلك بدفع ما وجهاه إلى بعض رواته من طعن، وبيان حجيته، وبمقتضاه حكم على الحديث بأنه حسن من هذا\n_________\n(^١) (تلخيص العلل المتناهية) للذهبي ٦ أ (مخطوط بمكتبة الأزهر برقم ٢٩٠ حديث).\n(^٢) حيث قال كما في نقل ابن الجوزي عنه: «إنه لا يجوز الإحتجاج به، ثم ذكره في كتاب الثقات له» (٧/ ٥٧٨).\n(^٣) «تلخيص العلل المتناهية» /٦ / أ هامش/ من نسخة مكتبة الأزهر الخطية برقم ٢٩٠ حديث.","vol":"3","page":1325},{"text":"الطريق، وليس ضعيفًا، كما يرى ابن الجوزي والذهبي، ونقل رأي العراقي هذا من «تخريجه الكبير» بهامش «تلخيص الذهبي للعلل المتناهية» تعليقًا على الحديث المذكور، يعتبر أخذًا من الناقل برأي العراقي في مواجهة رأي ابن الجوزي والذهبي، وفي تقديري أن مستند العراقي في رأيه المذكور جدير بترجيحه على رأيهما.\nوممن اختلف العراقي معهم في بيان درجة الأحاديث: أبو حفص عمر بن بدر الموصلي، الذي ألف عدة مصنفات في بيان الأحاديث الموضوعة، وذكر أن أبدعها كتابه المسمى «بالمغني عن الحفظ والكتاب، بقولهم لم يصح شئ في هذا الباب» (^١)، وقد رتبه على أبواب بلغت ٩٦ بابا، وجعل يذكر الباب ويحكم حكمًا عامًا بأنه لم يصح، أو لم يثبت في هذا الباب شئ عن الرسول ﷺ، وقد ينقل هذا الحكم عن غيره من العلماء ويقره عليه.\nمثال ما حكم فيه بنفسه: باب ما ورد في مدح أبي حنيفة والشافعي وذمهما، حيث قال: «لا يصح في هذا الباب عن النبي ﷺ شئ على الخصوص» (^٢).\nومثال ما نقل فيه عن غيره «باب في التسمية على الوضوء» حيث قال: قال أحمد: «ليس فيه شئ يثبت» (^٣).\nولم يستثن من هذه الأحكام العامة شيئًا إلا في تسعة أبواب فقط، حيث\nذكر أنه لم يصح فيها غير كذا، وسرد بعض الأحاديث (^٤) أما الـ ٨٥ بابًا\n_________\n(^١) انظر «المغني عن الحفظ والكتاب» / ١٨.\n(^٢) انظر «المغني عن الحفظ والكتاب» / ٢٦.\n(^٣) انظر «المغني عن الحفظ والكتاب» / ٢٧.\n(^٤) انظر «المغني عن الحفظ والكتاب» / ٢٢، ٢٣، ٢٥، ٣٦، ٤٠، ٤١، ٤٢، ٤٣، ٤٥.","vol":"3","page":1326},{"text":"الباقية من الكتاب، وهي مُعظَمُه كما ترى، فإن الموصلي اعتبر الأحكام العامة بأنه لم يصح أو لم يثبت شئ فيها عن الرسول ﷺ، دليلا على أن كل الأحاديث الواردة فيها موضوعة، ولذلك قرر أن هذا الكتاب أبدع ما ألفه في بيان الأحاديث الموضوعة كما مر.\nوقد نقل العراقي من هذا الكتاب في «تخريجه الكبير»، وذلك في أواخر تخريجه لأحاديث كتاب العلم من الإحياء، وأتبع ذلك ببيان رأيه فيه عمومًا فقال: «إن عمر بن بدر الموصلي له كتاب سماه «المغني عن الحفظ والكتاب، بقولهم لم يصح شئ في هذا الباب» وبعض ما ذكره فيه منتقض (^١)، وبذلك قرر العراقي أنه يرى أن أحكام الموصلي بالوضع على كل ما ورد في معظم أبواب الكتاب السابق ذكرها، ليست مسلمة له كلها، بل بعضها منتقض ومردود عليه، وسيأتي قريبًا مثال لما نقضه العراقي منه، وقد أخذ كثير من العلماء من بعد العراقي وحتى الآن، برأيه في كتاب الموصلي هذا (^٢)، وألف الأستاذ حسام الدين القدسي ﵀ مؤخرًا، كتابًا في انتقاده تفصيلا، وسماه «انتقاد المغني»، وبيان أنه لا غناء عن الحفظ والكتاب (^٣) وأيده في ذلك الشيخ زاهد الكوثري ﵀ (^٤)، كما انتقد الموصلي تفصيلا أيضًا، الشيخ محمد الخضر حسين التونسي ﵀ وهو أول من عاصرتهم من\n_________\n(^١) انظر: «إتحاف السادة المتقين» ج ١/ ٤٧٤.\n(^٢) انظر: «فتح المغيث» للسخاوي ج ١/ ٢٣٨ و«التدريب» للسيوطي/ ١٩٥ و«إتحاف السادة المتقين» ج ١/ ٤٧٤ و«الرفع والتكميل» للكنوي/ ١٣٣ أصل وهامش.\n(^٣) وطبع بدمشق سنة ١٣٤٣ هـ.\n(^٤) «الرفع والتكميل» للكنوي/ ١٣٣ هامش.","vol":"3","page":1327},{"text":"شيوخ الأزهر، وقد اعتمد في نقده على العراقي وغيره» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-479>رأي العراقي في أحاديث العقل، وفيما أورده الغزالي منها، ونقده للغزالي وغيره في ذلك:</span>\nختم الغزالي كتاب العلم من (الإحياء) بباب في بيان حقيقة العقل وشرفه وأقسامه، وأورد في ذلك ٢٢ حديثًا كلها ضعيفة، مع جزمه بنسبة كثير منها إلى الرسول ﷺ حيث يقول: (قال رسول الله ﷺ كذا) (^٢) وقد خرج العراقي هذه الأحاديث تفصيلًا في (التخريج الكبير)، ثم عقب عليها بقوله: «وهذه الأحاديث التي ذكرها المصنف (أي الغزالي) في العقل كلها ضعيفة، وتعبير المصنف في بعضها بصيغة الجزم مما ينكر عليه» (^٣)، ومرجع هذا الإنكار: هو المخالفة لأحد قواعد الرواية التي قررها العراقي وغيره من أئمة الحديث، والتي تقضي بأنه من أراد نقل حديث ضعيف، أو مشكوك في صحته مع ذكره، بغير إسناد، كما فعل الغزالي، فلا يجوز له ذكره بصيغة تفيد الجزم كأن يقول: قال رسول الله ﷺ كذا، أو فعل كذا، ونحوهما، وإنما يذكر ذلك بصيغة التمريض، كيروى كذا، وورد كذا ونحوهما (^٤).\nوهذا النقد من العراقي للغزالي، مصداق لما قدمته، من أن دفاع العراقي عنه\n_________\n(^١) انظر هذه الإنتقادات بهوامش طبعة (المغني عن الحفظ والكتاب) التي طبعت بالمطبعة السلفية بالقاهرة سنة ١٣٤٢ هـ بتحقيق الشيخ محمد الخضر ﵀/ ٢٢، ٢٤، ٢٧، ٢٨، ٣٦، ٣٨.\n(^٢) انظر «الإحياء والتخريج الصغير»، بهامشه ج ١/ ٨٨ - ٩٤.\n(^٣) «إتحاف السادة المتقين»، ج ١/ ٤٧٤.\n(^٤) انظر (فتح المغيث) للعراقي ج ١/ ١٤٢ و«مقدمة ابن الصلاح مع التقييد والإيضاح» للعراقي/ ١٣٦ و«التقريب» للنووي مع شرحه التدريب، للسيوطي/ ١٩٥» / ١٩٦ أصل وهامش.","vol":"3","page":1328},{"text":"فيما أورده من الأحاديث عمومًا لم يمنعه من نقده خلال التخريج فيما لاحظ أنه أخطأ فيه، أو خالف القواعد الحديثية.\nوبعد أن ذكر العراقي نقده السابق للغزالي قال: «وبالجملة فقد قال غير واحد من الحفاظ: لا يصح في العقل حديث، ذكره عمر بن بدر الموصلي في كتاب له سماه «المغني عن الحفظ والكتاب بقولهم لم يصح شئ في هذا الباب». (^١)\nوبالرجوع لكتاب الموصيلي المذكور، نجد ما أشار إليه العراقي موجودًا في باب العقل، نقلًا عن أبي جعفر العقيلي، وأبي حاتم بن حبان البستي، وقد أقرهما الموصلي على ذلك (^٢).\nكما تابع هؤلاء من معاصري العراقي: ابن تيمية (^٣) وابن القيم (^٤) رحمهما الله - لكن العراقي تعقب هذا بقوله: «وقد ورد في العقل أحاديث صححها بعض الأئمة (^٥)، وبهذا رد على العقيلي وابن حبان والموصلي ومن تبعهم، في حكمهم على أحاديث العقل جميعها بالوضع، حيث قرر أنه قد ورد في العقل أحاديث صححها بعض الأئمة، غير أنه لم يعين أحد الأئمة باسمه، ولم يذكر لنا ولو حديثا واحدًا مما صححوه، وكان الأولى به ذلك، تدعيما لرأيه في مواجهة المخالفين من المتقدمين والمتأخرين» (^٦).\n_________\n(^١) «إتحاف السادة المتقين»، جـ ١/ ٤٧٤.\n(^٢) «المغني عن الحفظ والكتاب»» / ٢١.\n(^٣) «أحاديث القصاص»، له/ ٧٢، ٧٣.\n(^٤) «المنار المنيف»، له/ ٦٦، ٦٧.\n(^٥) «إتحاف السادة المتقين»، جـ ١/ ٤٧٤.\n(^٦) انظر: «الموضوعات الكبرى»، لابن الجوزي ج ١/ ١٧١ - ١٧٧ و٥ تنزيه الشريعة.","vol":"3","page":1329},{"text":"<span data-type='title' id=toc-480>بيان العراقي لدرجة بعض الأحاديث من كل طرقها، ورد نقده في ذلك:</span>\nجرى العراقي في تخريجه الصغير غالبًا، على بيان درجة الأحاديث من بعض طرقها، كما مر إيضاحه في بيانه لاختلاف درجة الحديث باختلاف حال أسانيده، ولكن هناك أحاديث بين درجتها بحكم عام على كل طرقها بعد سياق بعضها، ومن المعروف أن الأحكام الكلية مع دلالتها على سعة إطلاع صاحبها، وتمكنه العلمي، إلا أنها تجعله عرضة لانتقاد من بعده من الباحثين، واستدراكهم عليه، وهذا ما حدث بالنسبة للعراقي في بعض أحكامه الكلية على طرق الأحاديث، فإنه في تخريج حديث: «أول ما خلق الله العقل قال له أقبل فأقبل ثم قال له أدبر فأدبر، ثم قال الله ﷿ وعزتي وجلالي، ما خلقت خلقا أكرم علي منك، بك آخذ وبك أعطي وبك أثيب وبك أعاقب»، قال العراقي: (روي من حديث أبي أمامة وعائشة وأبي هريرة وابن عباس، والحسن عن عدة من الصحابة)، وأخرج رواية كل من أبي أمامة وعائشة وأبي هريرة وابن عباس مع بيان درجتها وحال أسانيدها ثم قال: (وأما حديث الحسن عن عدة من الصحابة، فرواه الترمذي الحكيم أيضًا قال: حدثنا عبد الرحيم بن حبيب حدثنا داوود بن المجد حدثنا الحسن ابن دينار قال: سمعت الحسن قال: حدثني عدة من أصحاب رسول الله ﷺ أنه لما خلق الله العقل) (الحديث) وزاد فيه ثم قال له: «اقعد فقعد، ثم قال له انطلق فانطلق، ثم قال له اصمت فصمت فقال: وعزتي وجلالي\n_________\n= لابن عراق ج ١/ ١٧٥، ٢٠٣، ٢٠٤ و«أحاديث القصاص» لابن تيمية/ ٧٢، ٧٣ و«المنار» لابن القيم/ ٦٦، ٧٧ و«الأسرار المرفوعة» لعلي قاري/ ١٢٤، ١٢٥ و«الفوائد المجموعة» للشوكاني/ ٤٧٥ - ٤٧٩ و«سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة»، للألباني ج ١/¬١١","vol":"3","page":1330},{"text":"وعظمتي وكبريائي، وسلطاني وجبروتي، ما خلقت خلقًا أحب إلي منك، ولا أكرم علي منك» (الحديث) ورجاله كلهم هلكى إلا الحسن البصري، وعبد الرحيم بن حبيب الفارياني، ليس بشئ، قاله يحيى بن معين، وقال ابن حبان: «لعله وضع أكثر من خمسمائة حديث، وداوود تقدم (^١)، والحسن بن دينار ضعيف أيضًا، وقد رواه داوود ابن المحبر في [كتاب] «العقل» مرسلًا فقال: حدثنا صالح المري عن الحسن بن أبي الحسن، فذكره أخصر من هذا»، ثم قال العراقي: وبالجملة فطرقه كلها ضعيفة (^٢)، فحكم بذلك حكمًا عامًا على كل طرق هذا الحديث بالضعف.\nلكن الإمام الزبيدي استدرك عليه في هذا فذكر أن عبد الله بن أحمد حنبل قال في «زوائد كتاب الزهد» لوالده: حدثنا علي بن مسلم حدثنا سيار حدثنا جعفر حدثنا مالك بن دينار عن الحسن يرفعه: «لما خلق الله العقل قال له أقبل فأقبل ثم قال له أدبر فأدبر. ثم قال: ما خلقت شيئًا أحسن منك، بك آخذ وبك أعطي»، وعقب الزبيدي على ذلك بقوله: «فهذا كما ترى سند جيد، فقول الحافظ العراقي: وبالجملة فطرقه كلها ضعيفه، محل تأمل، …\n_________\n(^١) وذلك في تخريجه لحديث قبل هذا وهو حديث: أيها الناس اعقلوا، وقد قال فيه: «وداود بن المحبر، اختلف فيه، فروى عباس الدوري عن يحيى بن معين أنه قال: ما زال معروفًا بالحديث ثم تركه، وصحب قومًا من المعتزلة فأفسدوه، وهو ثقة شبه الضعيف، وقال أحمد: لا يدري ما الحديث، وقال الدارقطني: متروك، وروى عبد الغني بن سعيد الأزدي المصري عن الدارقطني، أنه سرق كتاب «العقل» من واضعه ميسرة بن عبد ربه، فركبه بأسانيد غير أسانيد ميسرة» (إتحاف السادة المتقين جـ ١/ ٤٥٢).\n(^٢) «إتحاف السادة المتقين»، جـ ١/ ٤٥٣، ٤٥٤.","vol":"3","page":1331},{"text":"فغاية ما يقال فيه: أنه ضعيف في بعض طرقه (^١)، وبهذا قرر الزبيدي عدم إصابة العراقي في حكمه بضعف جميع طرق الحديث.\nلكن يمكنني الرد على الزبيدي بأن الطريق التي أوردها عبد الله بن أحمد في «زوائد الزهد» هذه، مع جودة رجالها، فإنها مرسلة، حيث قال فيها: عن الحسن، يرفعه، دون ذكر الصحابي الراوي عنه الحسن البصري، وقد قرر هذا، ابن عراق، فقال: «ورواه عبد الله بن أحمد في «زوائد الزهد» بسند جيد عن الحسن مرسلا (^٢)، والمعروف أن الإرسال علة تقتضي ضعف الإسناد، ولا سيما مرسلات الحسن» (^٣)، وعليه يكون هذا الطريق أيضًا ضعيفًا للإرسال، وإن كان إسناده إلى الحسن جيدًا، وبالتالي لا ينتقض به حكم العراقي بضعف جميع طرق الحديث المذكور، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-481>بيان أحوال رجال الأسانيد، وطبقاتهم، وآراؤه في ذلك، مع المقارنة والنقد</span>\nيلاحظ من نماذج هذا التخريج السابق ذكرها ضمن الفقرات السابقة والآتي بعضها أيضًا، أن العراقي اعتمد في تقدير درجة الحديث، أو بيان علته، على بيان حال رجال الإسناد عمومًا، توثيقًا وتجريحًا، كقوله عن الحديث: «رجال إسناده ثقات يحتج بهم» (^٤)، أو هلكى إلا فلان، كما تقدم، وغير ذلك، كما أنه يعقب على كثير مما يخرجه من الروايات ببيان ما في سندها أو متنها.\n_________\n(^١) «إتحاف السادة المتقين»، ج ١/ ٤٥٤.\n(^٢) «تنزيه الشريعة» لابن عراق ج ١/ ٢٠٤.\n(^٣) جامع التحصيل للعلائي - الباب الثالث/ ٦٧ و«سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة» للألباني ج ١/¬١٢.\n(^٤) «إتحاف السادة المتقين» ج ١: ١٧٢، ٢٠٦.","vol":"3","page":1332},{"text":"من أشخاص مبهمين، أو مذكورين بالإسم فقط دون تمييز، أو مختلف فيهم، وبيان طبقاتهم، كصحابي، أو تابعي، وبمقتضى ذلك صار هذا «التخريج الكبير» مصدرًا جامعًا من مصادر بيان أحوال وأشخاص مئات من رجال السنة، من صحابة، وتابعين، وغيرهم ممن لا يوجدون مع بيان أحوالهم مجتمعين في غيره من كتب التخريج، أو الرجال، وقد عبّر العراقي من خلال ذلك عن آرائه، فيمن ذكرهم من مئات الرجال توثيقًا وتجريحًا ودفاعًا، وذلك بإقراره لغيره ممن نقل عنهم، أو بمقارنته لأقوالهم ببعضها ببعض، أو بترجيح بعضها على بعض، أو بمخالفتها، والرد عليها.\nفمن ذلك: أنه خرج حديث عائشة ﵂ في العقل فقال: وأما حديث عائشة فرواه أبو نعيم في «الحلية» قال: أخبرنا أبو بكر عبد الله بن يحيى بن معاوية الطلحي، بإفادة الدارقطني، عن سهل بن المرزبان بن محمد التميمي عن عبد الله بن الزبير الحميدي عن ابن عيينة عن منصور عن الزهري عن عروة عن عائشة ﵂ قالت، قال رسول الله ﷺ: «أول ما خلق الله العقل»، فذكر الحديث، وقال: (هكذا أورده في ترجمة سفيان ابن عيينة، ولم أجد في إسناده أحدًا مذكورًا بالضعف، ولاشك أن هذا الحديث مركب على هذا الاسناد، ولا أدري ممن وقع ذلك، والحديث منكر) (^١)، وبهذا قرر العراقي أنه بحث أحوال رجال الإسناد المذكور واحدا واحدا، ولم يجد تضعيفًا لأي منهم، يعني مع اتصافهم بالتوثيق، وبالتالي يكونون في رأيه ثقات، أو محتج بهم، ثم اتجه إلى تعليل الحديث بعلة أخرى تخفى على غير الأفذاذ من النقاد، وهي كونه مركبا على هذا السند الموثق، وليس مرويا به فعلا،\n_________\n(^١) «إتحاف السادة المتقين» ج ١ ص ٤٥٣","vol":"3","page":1333},{"text":"وهذه طريقة من طرق الوضع في الحديث، وقد أقر العراقي على ذلك الزبيدي (^١).\nوفي حديث: «خرج رسول الله ﷺ ذات يوم على أصحابه فرأى مجلسين: أحدهما يدعو الله ﷿ ويرغبون إليه» (الحديث)، أخرجه من عند ابن ماجه من رواية داؤد بن الزبرقان عن بكر بن خنيس عن عبد الرحمن بن زياد ابن أنعم عن عبد الله بن زيد عن عبد الله بن عمرو قال: «خرج رسول الله ﷺ ذات يوم من بعض حُجَرِه، فدخل المسجد فإذا هو بحلقتين …» وساق الحديث بطوله، ثم قال: «ومداره على عبد الرحمن ابن زياد، وقد وثقه يحيى بن سعيد، وقال البخاري: مقارب الحديث، وضعفه جماعة (^٢). وبهذا قارن العراقي بين أقوال العلماء في عبد الرحمن هذا، توثيقًا وتجريحًا لكن تصدير كلامه بذكر من وثقه يدل على ترجيحه لجانب الاحتجاج به على جانب تضعيفه، بناءً على ما قدمنا في الباب الثالث، من طريقته في الترجيح بين الأقوال.\nوفي حديث أنس: أثنى قوم على رجل عند النبي ﷺ حتى بالغوا في الثناء، فقال: كيف عقل الرجل؟ (الحديث) (^٣)، أخرجه من رواية داود بن المحبر في كتاب «العقل» قال: حدثنا سلام بن المنذر عن موسى بن جابان عن أنس بن مالك»، ثم قال: سلام هو ابن أبي الصهباء، ضعفه ابن معين، وقال البخاري: منكر الحديث، وقال ابن حبان لا يجوز الإحتجاج به إذا انفرد،\n_________\n(^١) «إتحاف السادة المتقين»، ج ١ ص ٤٥٣.\n(^٢) «إتحاف السادة المتقين»، ج ١ ص ١١١.\n(^٣) «الإحياء»، ج ١ ص ٨٩.","vol":"3","page":1334},{"text":"وأما أحمد فقال: إنه حسن الحديث (^١).\nوبهذا قارن العراقي بين آراء العلماء في (سلام) توثيقا وتجريحًا، وهذه المقارنة ذكر بعضها ابن الجوزي في كتابه (الضعفاء والمتروكين) (^٢)، وإن كان العراقي لم يعزها إليه، ومعنى ذلك أنه أخذ بما قرره ابن الجوزي فصار موافقا له في الرأي في بيان حال هذا الراوي.\nلكن هناك أمثلة أخرى خالف فيها ابن الجوزي في كل ما قرره، ودافع عمن جرحهم، ففي حديث «اليقين الإيمان كله» خرجه العراقي من عند أبي نعيم في (الحلية) والبيهقي في «الزهد» وأبو القاسم اللالكائي في كتاب «السنة» … وساق الحديث بسندهم، ثم قال: قال البيهقي: تفرّد به يعقوب بن حميد، عن محمد بن خالد، وقد أعله ابن الجوزي في «العلل المتناهية» بهما فقال: محمد بن خالد: مجروح، ويعقوب بن حميد: ليس بشئ (^٣).\nوعقب العراقي على هذا قائلا: أما محمد بن خالد المخزومي فلم أجد من الأئمة من جرحه، وأما يعقوب فأورده ابن حبان في «الثقات» (^٤).\nوبذلك خالف ابن الجوزي في تجريح الراويين المذكورين، ودافع عنهما بما يدفع الجزم بجرحهما دون خلاف، كما هو صنيع ابن الجوزي.\nوقد يقره على بعض ويخالفه في بعض، كما في تخريج حديث أنس «العلماء\n_________\n(^١) «إتحاف السادة المتقين»، ج ١/ ٤٥٥.\n(^٢) «الضعفاء والمتروكين» ج ١ ترجمة ١٥٣٤: بتحقيق الدكتور: عبد القادر سليمان الأفغاني (رسالة دكتوراة مكتوبة بالآلة الكاتبة).\n(^٣) «إتحاف السادة المتقين» ج ١/ ٤٠٨، ٤٠٩.\n(^٤) المصدر السابق/ الموضع نفسه.","vol":"3","page":1335},{"text":"أمناء الرسل على عباد الله» (^١) حيث قال العراقي: «ورواه ابن الجوزي في «الموضوعات» من رواية إبراهيم بن رستم عن عمر بن حفص العبدي عن إسماعيل بن سريع، قال: وتابعه محمد بن معاوية النيسابوري عن محمد بن يزيد عن إسماعيل، ثم قال: أما (أبو حفص) عمر العبدي، فقال يحيى: ليس بشئ، وقال النسائي: متروك، وأما إبراهيم ابن رستم، فقال ابن عدي: ليس بمعروف، ومحمد بن معاوية قال فيه أحمد: كذاب، انتهى كلام ابن الجوزي، وقد تعقبه العراقي فقال: «أما إبراهيم بن رستم فقال فيه عثمان بن سعيد الدارمي عن يحيى بن معين: ثقة وبذلك يكون قد وافق ابن الجوزي فيما قرره من تجريح ثلاثة من رواة الحديث، وخالفه في واحد وهو إبراهيم بن رستم فوثقه تبعا لتوثيق ابن معين له، وقد أقر العراقي على ذلك الزبيدي (^٢)، وابن عراق» (^٣).\nومما خالف فيه العراقي غيره أيضًا، ما جاء في تخريج حديث «الشيخ في قومه كالنبي في أمته» (^٤)، حيث خرجه من كتاب «الضعفاء» لابن حبان من رواية عبد الله بن عمر بن غانم عن مالك عن نافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: … فذكره، وذكر أن ابن حبان أورده في ترجمة ابن غانم المذكور، قاضي إفريقية، وقال عنه: روى عن مالك ما لم يحدث به مالك قط، لا يحل ذكر حديثه، ولا الرواية عنه إلا على سبيل الإعتبار» (^٥)، وقد وجدت\n_________\n(^١) «إتحاف السادة المتقين» ج ١ ص ٣٨٨.\n(^٢) «إتحاف السادة المتقين» ج ١/ ٣٨٨.\n(^٣) «تنزيه الشريعة» ج ١/ ٢٦٧.\n(^٤) «الإحياء» ج ١/ ٧٤.\n(^٥) «إتحاف السادة المتقين» ج ١/ ٤٥٩، ٤٥٠.","vol":"3","page":1336},{"text":"كلام ابن حبان هذا فعلا في كتابه المذكور (^١)، لكن العراقي تعقبه بأن ابن غانم هذا، قد روى له أبو داود في «سننه» وقال: أحاديثه مستقيمة وذكره ابن يونس في «تاريخ مصر»، وقال: «إنه أحد الثقات الأثبات» ثم قال العراقي: «ومع ذلك فالحديث باطل، ولعل الآفة فيه من الراوي عن ابن غانم، وهو عثمان بن محمد بن خشيش القيرواني، قاله الذهبي» (^٢) وبذلك رد تضعيف ابن حبان لابن غانم الإفريقي، وأحال علة الحديث على الراوي عنه، تبعا للذهبي، وقد أقر العراقي على ذلك تلميذه ابن حجر وقال: «إن ابن حبان أفرط في تضعيفه» (^٣)، وتبعه أيضا ابن عراق (^٤)، ثم الزبيدي (^٥).\nومع أن العراقي قد توسع في بيان أحوال كثير من الرجال في هذا التخريج بما لم يذكره في «التخريج الصغير»، إلا أني وجدته قد يكتفي في الكبير بذكر رأي واحد في الراوي، جازما به، وقد عَرَّضَهُ هذا، لاستدراك من بعده عليه، وللنقد.\nففي حديث: «مما أخاف على أمتي زلة عالم» (^٦)، أخرج رواياته عن عدد من الصحابة، منهم علي ﵁، وقد أخرج روايته من عند الطبراني في «معجمه الأوسط»، من رواية الحارث الأعور عن علي رفعه، وعقب\n_________\n(^١) انظر: كتاب المجروحين من «الضعفاء والمتروكين» لابن حبان ج ٢/¬٣٩.\n(^٢) «إتحاف السادة المتقين» ج ١/ ٤٤٩، ٤٥٠ و«الميزان» للذهبي ج ٢/ ٤٦٤.\n(^٣) «تقريب التهذيب»: ج ١/ ٤٣٥.\n(^٤) «تنزيه الشريعة» ج ١ ص ٢٠٨.\n(^٥) «إتحاف السادة المتقين» ج ١/ ٤٤٩، ٤٥٠.\n(^٦) الإحياء ج ١/ ٧٠.","vol":"3","page":1337},{"text":"عليها بقوله: (والحارث الأعور)، ضعيف (^١) فاستدرك عليه الزبيدي قائلا: قلت: لكن وثقه ابن حبان (^٢) وعندما نرجع إلى كتب الرجال، نجد أن الآراء مختلفة في الحارث هذا، فمن العلماء من وصفه بالكذب كابن المديني وغيره (^٣) ومنهم من ضعفه فقط كالدار قطني وغيره (^٤) ومنهم اختلف قوله فيه: فالشعبي جاء عنه توثيقه، وجاء عنه أيضًا تكذيبه (^٥) وابن حبان ذكره في المجروحين له ٢/ ٢٢٢ ووصفه بما يقتضي شدة تضعييفه، ولكن أخرج له في صحيحه كما في الإحسان ٩/ ح ٣٧٨٣ فاقتضى ذلك أنه ثقة عنده، واختلف فيه قول ابن معين بين توثيق وتضعيف، والنسائي نحوه، كما في تهذيب التهذيب ٢/ ١٤٥ - ١٤٧. وجزم أحمد بن صالح المصري (^٦) بالمبالغة في توثيقه، وحمل وصف من وصفه بالكذب على الكذب في رأيه - يعني المبالغة في التشيع، ووافقه على هذا المحمل غيره/ ينظر الميزان ١/ ترجمة (١٦٢٧)، والإمام الذهبي في السير ٤/ ١٥٢ - ١٥٥/ صدر الترجمة بتليين حديثه، ثم ذكر خلالها توقفه في الاحتجاج به، وتحيره في أمره، لكنه في الميزان/ الموضع السابق/ ذكر تليين الحارث في صدر الترجمة، ثم قال خلالها: والجمهور على توهين أمره، وفي الكاشف ١/ ترجمة (٨٥٩) جزم بتليينه. وباستعراض هذه الآراء نجد أن ما جزم به العراقي من تضعيف\n_________\n(^١) «إتحاف السادة المتقين» ج ١/ ٣٧٨.\n(^٢) «إتحاف السادة المتقين» ج ١/ ٣٧٨.\n(^٣) «الضعفاء والمتروكين» لابن الجوزي ج ١/ ٢٠٧ وتهذيب التهذيب ٢/ ١٤٥ - ١٤٧.\n(^٤) «الضعفاء والمتروكين» لابن الجوزي ج ١/ ٢٠٧ وتهذيب التهذيب ٢/ ١٤٥ - ١٤٧.\n(^٥) «الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم ج ٣/ ٧٨ و«تهذيب التهذيب» لابن حجر ج ٢/ ١٤٥.\n(^٦) «تهذيب التهذيب» ج ٢/ ١٤٥.","vol":"3","page":1338},{"text":"الحارث، رأي وسط بين شدة تضعييفه، وتوثيقه، استدراك الزبيدي عليه.\nلكن هذا التوسط لم يلتزمه العراقي، بل أحيانًا يأخذ بالرأي المتشدد، وأحيانًا يأخذ بالرأي المخفف، وأحيانًا يتوقف تبعًا لمبلغ علمه، ففي حديث «لا ينبغي للجاهل أن يسكت على جهله» (^١) أخرجه من عدة مصادر بسند فيه محمد ابن أبي حميد المدني، ثم قال: «ومحمد بن أبي حميد منكر الحديث، قاله البخاري (^٢)، وعندما نرجع إلى آراء العلماء، نجد أكثرهم وصف محمدًا هذا بأنه ضعيف (^٣)، وقد ذكر تلميذ العراقي ابن حجر: «أن قولهم: منكر الحديث، أشد من قولهم: ضعيف» (^٤).\nكما أن البخاري نفسه قد صرّح بما يدل على أن قوله: «منكر الحديث» أشد في الجرح من الوصف بالضعف حيث قال: «كل من قلت فيه: منكر الحديث، لا يحتج به، وفي لفظ: لا يحل الرواية عنه» (^٥)، وعليه يكون من وصفه البخاري بهذا، غير محتج بحديثه، ولا يخرج للاعتبار بناء على عبارته الثانية، بينما من وصف بالضعف، يخرج حديثه للاعتبار والاستشهاد، فيتقوى به غيره» (^٦).\n_________\n(^١) (الإحياء) ج ١/¬١٦.\n(^٢) «إتحاف السادة المتقين» ج ١/ ٩٩.\n(^٣) «الضعفاء والمتروكين» ج ٢/ ٧١٨ و«الكاشف» ج ٣/ ترجمة/ ٤٨٨١ و«تقريب التهذيب» ج ٢/ ١٥٦.\n(^٤) «فتح المغيث» للسخاوي ج ١/ ٣٤٦.\n(^٥) «فتح المغيث» للسخاوي ج ١/ ٣٤٦.\n(^٦) «فتح المغيث» للسخاوي ج ١/ ٣٤٦.","vol":"3","page":1339},{"text":"وبمقتضى ذلك يكون اقتصار العراقي على رأي البخاري في محمد بن أبي حميد، يعتبر أخذا منه بالرأي المتشدد في جرحه دون المخفف الذي أطبق عليه الجمهور، ولاشك أن الأخذ برأي الجمهور هو الأولى، ولذلك تعقب الزبيدي العراقي، فقرر أن محمد بن أبي حميد هذا، ضعيف فقط (^١)، ومشى على ذلك الحافظ الذهبي معاصر العراقي (^٢)، كما أخذ به تلميذه ابن حجر (^٣).\nوفي حديث «إن من العلم كهيئة المكنون» (^٤) أخرجه من عند أبي عبد الرحمن السلمي في كتابه «الأربعين حديثا في التصوف» بسند فيه: عبد السلام بن صالح، أبو الصلت الهروي، ثم قال: وعبد السلام بن صالح أبو الصلت الهروي، ضعيف جدا (^٥)، وبالرجوع إلى آراء العلماء في عبد السلام هذا، نجدهم مختلفين فيه توثيقا وتجريحا (^٦)\nوقد رجح الذهبي كونه واهيا (^٧)، وهذه درجة مساوية لدرجة (ضعيف جدا) التي وضعه فيها العراقي.\nوبذلك يكون العراقي قد مال إلى التشدد في جرح عبد السلام الهروي هذا، وقد خالفه تلميذه ابن حجر ومن بعده السيوطي، أما ابن حجر فقال: «إن\n_________\n(^١) «إتحاف السادة المتقين»، ج ١/ ٩٩.\n(^٢) «الكاشف»، ج ٣ ص ٣٦.\n(^٣) «تقريب التهذيب»، ج ٢/ ١٥٦.\n(^٤) «الإحياء»، ج ١ ص ٢٧\n(^٥) انظر «إتحاف السادة المتقين»، ج ١/ ١٦٦، ١٦٧.\n(^٦) «إتحاف السادة المتقين»، ج ١/ ١٦٦، ١٦٧، والميزان ٣/ ترجمة (٥٠٥٦).\n(^٧) «الكاشف»، ج ٢/ ١٩٥.","vol":"3","page":1340},{"text":"عبد السلام هذا صدوق، له مناكير، وكان يتشيع، وإن العقيلي أفرط في جرحه (^١)، وأما السيوطي فقال (إن عبد السلام بن صالح اختلف فيه، وعدد آراء العلماء فيه توثيقًا وتجريحًا) وانتهى إلى أن حديث ضعيف فقط لا شديد الضعف كما ذكر العراقي (^٢).\nومما أخذ فيه العراقي بالرأي الأخف في التجريح، ما جاء في تخريجه حديث: أن رجلًا جاء إلى الرسول ﷺ فقال: علمني غرائب العلم (^٣)، فقد خرجه من عدة مصادر، من رواية خالد بن أبي كريمة عن عبد الله بن المسور، مرسلًا، ثم قال: «وهو مرسل ضعيف جدًا».\nوبين وجه ذلك بقوله: «قال ابن أبي حاتم: عبد الله بن مسور بن عبد الله بن عون بن جعفر بن أبي طالب، الهاشمي المدائني، سألت أبي عنه فقال: «الهاشميون لا يعرفونه، وهو ضعيف الحديث، يحدّث بمراسيل لا يوجد لها أصل في أحاديث الثقات»، وقال أحمد بن حنبل: أحاديثه موضوعة، كان يضع الحديث ويكذب (^٤). فتلاحظ مما ذكر أن من العلماء من ضعف ابن المسور فقط ومنهم من نسبه إلى وضع الأحاديث، وبالرجوع إلى كتب الرجال نجد أن أكثر آراء السابقين على العراقي تنسب ابن المسور هذا إلى الوضع والكذب (^٥)، لكن العراقي مشى في حكمه العام على أنه ضعيف جدًا\n_________\n(^١) «تقريب التهذيب»: ج ١/ ٥٠٦.\n(^٢) «إتحاف السادة المتقين»، ح/ ١٦٦، ١٦٧.\n(^٣) «الإحياء» ج ١ ص ٧٠.\n(^٤) «إتحاف السادة المتقين»، ج ١/ ٣٧٩\n(^٥) «التاريخ الكبير» للبخاري ج ٥ ص ١٩٥ و٥ «المجروحين» لابن حبان ج ٢ ص ٢٤ و٥ «الضعفاء والمتروكين»، لابن الجوزي ج ٢/ ترجمة/ ١٩٤٢ و٥ «الميزان»، للذهبي ج ٢/ ٥٠٤.","vol":"3","page":1341},{"text":"كما رأيت، وهذه درجة أخف في الجرح بدرجتين من النسبة إلى الكذب والوضع، وإن اتفقتا في كون الموصوف بهما مردودا (^١)، وقد أقر العراقي على ذلك الإمام الزبيدي» (^٢).\nوممن توقف فيه العراقي، ابن لهيعة، وذلك في تخريجه لحديث «الغرباء ناس قليلون» (^٣)، فقد خرجه من عند الإمام أحمد في «مسنده»، بسند فيه عبد الله بن لهيعة، وعقب على ذلك بقوله: «وعبد الله بن لهيعة مختلف فيه» (^٤) وقال ذلك عنه أيضًا في تخريج غير هذا الحديث (^٥)، وبمراجعة كتب الرجال نجد أن آراء العلماء حتى عصر العراقي مختلفة فعلًا في ابن لهيعة ما بين موثق ومجرح (^٦)، وقول العراقي: إنه مختلف فيه، يدل على إطلاعه على تلك الآراء المختلفة وتوقفه عن ترجيح أي منها، بينما رجح معاصره الذهبي، التضعيف (^٧)، ومن بعده الهيثمي تلميذ العراقي (^٨)، أما تلميذه ابن حجر، فمرة رجح حُجّيته قبل احتراق كتبه، وتجريحه بسوء الحفظ بعد ذلك (^٩)، ومرة\n_________\n(^١) «فتح المغيث»، للسخاوي ج ١/ ٣٤٣ - ٣٤٦.\n(^٢) «إتحاف السادة المتقين» ج ١ ص ٣٧٩.\n(^٣) «الإحياء» ج ١/¬٤٥.\n(^٤) «إتحاف السادة المتقين» ج ١/ ٢٦٥، ٢٦٦.\n(^٥) «إتحاف السادة المتقين» ج ١/ ٣٥٠.\n(^٦) انظر «الضعفاء الصغير» للبخاري/ ٦٦ أصل وهامش و«الضعفاء والمتروكين» للنسائي/ ٦٥ و«المجروحين» لابن حبان ج ٢/¬١١ - ١٤ و«الضعفاء والمتروكين» لابن الجوزي ج ٢/ ترجمة/ ١٩١٥ و«الكاشف» ج ٢/ ١٢٢.\n(^٧) «الكاشف» ج ٢/ ١٢٢ هامش ٨١.\n(^٨) «فيض القدير» للمناوي ج ٢/ ٢٦٥.\n(^٩) «تقريب التهذيب» ج ١/ ٤٤٤.","vol":"3","page":1342},{"text":"أطلق القول بأنه لا يحتج به (^١)، فرجع رأيه إلى الإختلاف فيه، مثلما قرر شيخه العراقي، لكن الذي عليه المحققون هو تضعييف ابن لهيعة قبل احتراق كتبه، وشدة ضعفه بعد احتراق كتبه (^٢) ورأي المحققين أولى بالقبول.\nومما خالف فيه العراقي غيره، وكان الحق معه، ما جاء في تخريجه لحديث معاذ ﵁ (من فتنة العالم أن يكون الكلام أحب إليه من السماع) (^٣)، فقد أخرجه العراقي من عند الديلمي في «مسند الفردوس» من رواية خالد بن يزيد، أبي الهيثم المقري عن مندل بن علي، وقال: وخالد بن يزيد ثقة، احتج به البخاري (^٤)، فعقب الزبيدي على هذا بأن ابن الجوزي قال: (إن خالدًا كذاب، وأن الذهبي قال في (ديوان الضعفاء) نقلا عن أبي حاتم: خالد بن يزيد أبو الهيثم المكي، كذاب)، ثم قال الزبيدي: فينظر هذا مع قول العراقي: إنه ثقة احتج به البخاري (^٥)، ومعنى ذلك أنه يعارض جزم العراقي بتوثيق خالد المذكور واحتجاج البخاري به. وبرجوعي لكتب الحديث والرجال وجدت أن الحق مع العراقي، وأن الزبيدي قد وهم في تعقبه هذا للعراقي، وذلك أن هناك راويان، كل منهما يقال له: «خالد بن يزيد أبو الهيثم» ولكنهما يفترقان من غير وجه، وبالتأمل يظهر أن الذي ذُكر في سند الحديث\n_________\n(^١) «الدراية في تخريج أحاديث الهداية» ج ٢/ ٢٦٥.\n(^٢) انظر: «المجروحين» لابن حبان ج ٢/¬١١ هامش تهذيب التهذيب ٥/ ٣٧٣ والنفح الشذي في شرح جامع الترمذي لابن سيد الناس اليعمري مع تعليقاتي عليه ٢/ ٧٩٤ - ٨٦٣. و«سلسلة الأحاديث الصحيحة» للألباني/ مجلد ١ ج ٣/ ١٨٨.\n(^٣) (الإحياء) ج ١/ ٦٨.\n(^٤) «إتحاف السادة المتقين» ج ١/ ٣٦٦.\n(^٥) «إتحاف السادة المتقين» ج ١/ ٣٦٦.","vol":"3","page":1343},{"text":"كما أورده العراقي، غير الذي تعقبه به الزبيدي.\n- فالذي ذكره العراقي لم تُذكر له في مصادر ترجمته كنية غير «أبي الهيثم» أما الذي تعقبه به الزبيدي فيكنى بـ «أبي الوليد» أيضًا.\n- أن الذي ذكره العراقي يقال له «المُقْرِي» وهو كوفي، بينما الذي ذكره الزبيدي يقال له: «العُمَري»، المكي.\n- أن الذي ذكره العراقي يروي عن «مُنْدَل بن علي» كما في سند الحديث المذكور، في حين لم يُذكر لمن قصده الزبيدي رواية عن «مُنْدَل» هذا.\n- أن الذي ذكره العراقي متقدم الوفاة عن الذي ذكره الزبيدي.\n- أن الذي ذكره الزبيدي قد وُصف بالكذب من غير واحد، دون أن يُذكر بتوثيق، أما الذي ذكره العراقي فقد وثقه غير واحد، دون أن يُرمى بكذب من أحد (^١). وهذا يطابق ما قرره العراقي، ويعطيه الحق في مواجهة معارضة الزبيدي له.\nومما يدل على جهد العراقي الشاق والموسع في البحث عن أحوال الرواة الذين ذكرهم في هذا «التخريج الكبير» ما ذكره في تخريج بعض الأحاديث من أنه بحث عن الرواة محل النظر في أسانيدها فلم يجدها، مثل حديث «إن خيار أمتي يضحكون جهرًا من سعة رحمة الله، ويبكون\n_________\n(^١) انظر «الموضوعات الكبرى» لابن الجوزي ج ١/ ٢٦٦ و«الضعفاء والمتروكين» له ج ١/ ترجمة/ ١١١٢، ١١١٣، و«الجرح والتعديل ٣/ ٣٦٠» و«المجروحين لابن حبان ١/ ٢٨٤» و«ديوان الضعفاء للذهبي ترجمة (١٢٥٢)» و«الميزان له ١/ ترجمة (٢٤٧٩)» و«تهذيب الكمال ١/ ٣٦٦» (مخطوط مصور) و«تهذيب التهذيب ٣/ ١٢٥».","vol":"3","page":1344},{"text":"سرا من خوف عذابه» (^١)، فقد أخرجه من عدة مصادر، منها: كتاب «حلية الأولياء» لأبي نعيم من رواية شيبان بن مهران عن خالد بن المغيرة، ثم قال: وخالد بن المغيرة، لم أر له ذكرًا في مظَانٌ وجوده، وكذلك راويه عند شيبان بن مهران، والله أعلم (^٢)، وقد أقره على ذلك الزبيدي (^٣)، كما أني قمت من جانبي بالبحث عنهما في عدة مصادر جامعة من كتب الرجال فلم أجدهما. (^٤)\nلكن هناك بعض رواة قال العراقي: «إنه لا يعرفهم أو لا يدري من هم؟»، ثم استدرك عليه الزبيدي ببيانهم، وذلك مثلما في تخريج حديث «أول ما خلق الله العقل» (^٥) فقد أخرجه العراقي عن عدد من الصحابة منهم أبوهريرة، وقد أخرج حديثه من عند الترمذي الحكيم في «نوادر الأصول»، أصل ٢٠٦ بسند فيه أبو عبد الله مولى بني أمية، ثم قال: «وأبو عبد الله هذا، لا أدري من هو؟» (^٦) وقد أورد الزبيدي متابعة لشيخ الترمذي الحكيم على هذه الرواية من تاريخ ابن عساكر، ثم قال: «قلت: أبو عبد الله، مولى بني أمية، اسمه\n_________\n(^١) «الإحياء» ج ١/ ٥٧.\n(^٢) «إتحاف السادة المتقين»، ج ١/ ٤٢١.\n(^٣) «إتحاف السادة المتقين»، ج ١/ ٤٢١.\n(^٤) انظر «الضعفاء الصغير» للبخاري/ ٣٩ - ٤١، ٥٧، ٥٨ و«الضعفاء والمتروكين»، للنسائي/ ٣٦، ٣٧، ٥٦ و«المجروحين» لابن حبان ج ١/ ٢٧٧ - ٢٨٥، ٣٦٠ - ٣٦٥ و٥ «الضعفاء والمتروكين» لابن الجوزي ج ١/ ٢٩٦ - ٣٠٨، ٤٣٩ - ٤٤٧ و«الكاشف» للذهبي ج ١/ ٢٦٦ - ٢٧٧ وج ٢/¬٣ - ١٧ و٥ «تنزيه الشريعة» لابن عراق ج ١/ ٥٦، ٥٧ والجرح والتعديل للرازي ٣/ ٣٢٠ وما بعدها و٤/ ٣٦٦ وما بعدها.\n(^٥) «الإحياء» ج ١/ ٨٩.\n(^٦) «إتحاف السادة المتقين»، ج ١/ ٤٥٤.","vol":"3","page":1345},{"text":"ناصح، ذكره ابن عساكر (^١) وبالرجوع لكتب الرجال، نجد أن أبا عبد الله هذا قد ذكر باسمه المذكور، في «تهذيب الكمال» للمزي (^٢)، وهو من المراجع التي اعتمد العراقي عليها في هذا التخريج وفي غيره، فلعله تردد في كونه أبا عبد الله هذا المعروف أم غيره؟ أو لم يكن رجع فيه إلى «التهذيب»، ومن وقف عند مبلغ علمه فقد أنصف، كما قرر العراقي نفسه في غير هذا التخريج (^٣)، وعموما فإن من قال فيه: «لا أعرفه أو لا أدري من هو؟» قليل جدا، لا نسبة له بجانب من عرفهم وبين أحوالهم ورأيه فيهم كما تقدم.\nوتعتبر عنايته ببيان أحوال الرجال وتوسعه في ذلك من مميزات هذا «التخريج الكبير» عن «التخريج الصغير» الذي يقل فيه بيان أحوال الرجال مع الإيجاز كثيرا عما في «الكبير» أيضا، ولهذا فإن هناك رواة كثيرين لم يتعرض لهم كلية في «التخريج الصغير»، بينما ذكرهم وبين أحوالهم ورأيه فيهم في الكبير.\nفمن ذلك أنه في تخريج حديث «هلاك أمتي عالم فاجر» قال في «الصغير»: «أخرجه الدارمي من رواية الأحوص بن حكيم عن أبيه مرسلا بآخر الحديث نحوه، ولم أجد صدر الحديث (^٤)، أما في «الكبير» فقال: «أما أول الحديث فلم أجد له أصلا، وأما آخره فرواه الدارمي في «مسنده» من رواية بقية عن الأحوص بن حكيم عن أبيه قال: …» وساق الحديث ثم قال: وهذا مرسل ضعيف، فبقية مدلس، وقد رواه بالعنعنة، والأحوص ضعفه ابن معين\n_________\n(^١) «إتحاف السادة المتقين» ج ١/ ٤٥٤.\n(^٢) انظر تهذيب الكمال ٣/ ١٤٠٢ (مخطوط مصور) و«تقريب التهذيب»، ج ٢/ ٢٩٥.\n(^٣) انظر «فتواه في حكم التوسعة على النفس والعيال يوم عاشوراء»» / ٣٧ مخطوط.\n(^٤) «الإحياء وبهامشه المغني عن حمل الأسفار» ج ١/ ٦٩.","vol":"3","page":1346},{"text":"والنسائي، وأبوه تابعي، لا بأس به» (^١)، وبهذا بين أحوال ثلاثة من رواة الحديث وهم بقية والأحوص وأبوه حكيم، مع بيان كونه من طبقة التابعين، بينما لم يتعرض في «التخريج الصغير» لأي منهم كما رأيت.\nوفي تخريج حديث «مررت ليلة أسري بي بأقوام تقرض شفاههم بمقاريض من نار» قال في «تخريجه الصغير»: «أخرجه ابن حبان من حديث أنس» (^٢) لكن قال في «الكبير»: «أخرجه ابن حبان في «صحيحه» من رواية [يزيد ابن زريع عن هشام الدستوائي عن المغيرة ختن مالك بن دينار عن] مالك بن دينار عن أنس»، وساق الحديث، ثم قال: «قال ابن حبان: رواه أبو عتاب الدلال عن هشام عن المغيرة عن مالك بن دينار عن ثمامة عن أنس، ووهم فيه؛ لأن يزيد بن زريع، أتقن من مائتين من أبي عتاب وذويه»، وقد استدرك العراقي على رأي ابن حبان هذا في أبي عتاب وطريقة المشتملة على زيادة ثمامة في الإسناد فقال: «قلت: طريق أبي عتاب هذه رواها أبو نعيم في «الحلية»، وأبو عتاب، احتج به مسلم، ووثقه أحمد وأبو زرعة وأبو حاتم، ثم بين اسم أبي عتاب فقال: «واسمه سهل بن حماد (^٣)» وهكذا نلاحظ أنه في «التخريج الصغير» لم يتعرّض لذكر أحد من رواة الحديث، أما في «التخريج الكبير»، فبين رأي ابن حبان في أبي عتاب الذي روي الحديث من طريقه، وعارضه في إعلال طريق أبي عتاب، بتوهيمه في زيادة «ثمامة» في الإسناد، وأيد العراقي ذلك بترجيح توثيق أبي عتاب، اعتمادًا على ما قرره عدد من أئمة\n_________\n(^١) «إتحاف السادة المتقين»، ج ١/ ٣٦٩\n(^٢) الإحياء مع المغني ١/ ٦٨\n(^٣) «إتحاف السادة المتقين» ج ١/ ٣٦٩ وما بين القوسين ساقط منه، فاستدركته من الإحسان ١/ ج ٥٣","vol":"3","page":1347},{"text":"الجرح والتعديل، كما بين أيضًا اسم أبي عتاب، حيث لم يبينه ابن حبان وبهذا أشار العراقي إلى إمكان تصحيح الحديث من طريقه، بدلًا من إعلال ابن حبان لإحداهما، وقد أقره الإمام الزبيدي على ذلك (^١). ومما بين فيه الأسماء المبهمة، ما جاء في تخريج حديث «القضاة ثلاثة» (^٢) حيث قال: «ورواه بريدة بن الخصيب، وعبد الله بن عمر، أما حديث بريدة، فرواه أبو داؤد والترمذي والنسائي في «الكبرى» وابن ماجه من رواية ابن بريدة عن أبيه عن النبي ﷺ، …» وساق لفظ رواية الترمذي، وقرر أن إسناد كل من أبي داؤد والترمذي وابن ماجه، صحيح، ثم قال: «وابن بريدة الذي لم يسم في رواياتهم، هو: عبد الله بن بريدة، كما ذكره ابن عساكر والمزي، كلاهما في «الأطراف»» (^٣).\nوفي تخريج حديث: ﴿إذا كان يوم القيامة يقول الله تعالى للمعابدين والمجاهدين ادخلوا الجنة﴾ (^٤)، أخرجه من عدة مصادر، منها «رياضة المتعلمين» لابن السني، من رواية حبيب بن أبي حبيب حدثنا شبل بن عباد، ثم قال: «وقد رواه ابن عبد البر في «العلم» فقال فيه: حبيب بن إبراهيم قال: حدثنا شبل ابن العلاء عن محمد بن المنكدر، والصواب ما تقدم من أنه شبل بن عباد، وهو القارئ المكي، وقد أخرج له البخاري، وحبيب بن إبراهيم، هو كاتب\n_________\n(^١) «إتحاف السادة المتقين» جـ ١/ ٣٦٩\n(^٢) «الإحياء» جـ ١/ ٧٠\n(^٣) «إتحاف السادة المتقين» جـ ١/ ٣٧٥\n(^٤) الإحياء جـ ١/¬١٧","vol":"3","page":1348},{"text":"مالك، واسم أبيه: إبراهيم، على أحد الأقوال، وقيل مرزوق وقيل زريق (^١).\nومن هذا يتبين لك أن العراقي جمع من روايات وأسانيد الحديث ما يوضح ويصوب بعضه بعضا، فقد أوضحت رواية ابن عبد البر أن أبا حبيب الوارد في رواية ابن السني اسمه: إبراهيم، وأضاف العراقي أن هذا أحد الأقوال في اسمه وذكر قولين آخرين، ولكنه لم يرجح أيا من الآراء الثلاثة، كذلك اختلفت الروايتان في اسم والد «شبل» فصوب العراقي ما في رواية ابن السني، من أن اسمه «عباد»، وقد أقر الزبيدي العراقي على ذلك (^٢) ويأتي في الفقرة التالية أنموذج لتمييزه بين بعض الرواة المشتركين في الإسم، مع الترجيح من جانبه.\n\n<span data-type='title' id=toc-482>اختلاف بعض آراء العراقي في «التخريج الكبير» عما في «الصغير»:</span>\nقدمت في الباب الثالث بعض نماذج لاختلاف رأي العراقي أحيانا من كتاب لآخر من مؤلفاته في قواعد علوم السنة، وأقرر هنا أني وقفت في بحثي لنماذج هذا التخريج الكبير، ومقارنتها بما في الصغير، على أن بعض المسائل قد اختلف رأي العراقي فيها في الكبير عن رأيه في الصغير الذي ألفه بعده، كما سيأتي، وهذا يدل على أنه كان دائم البحث والإجتهاد، وإثبات الرأي الذي يترجح لديه، أو الرجوع عنه إذا بدا له رجحان غيره، وهكذا شأن أمثاله من الحفاظ والأئمة المجتهدين، فلا يعد ذلك اضطرابا في الرأي، أو الفهم، ولا عيبا قادحا في صاحبه.\n_________\n(^١) «إتحاف السادة المتقين» ج ١ ص ١٠٧.\n(^٢) «إتحاف السادة المتقين»، جـ ١/ ١٠٧.","vol":"3","page":1349},{"text":"فهو في تخريج حديث «من جاءه الموت وهو يطلب العلم ليحيي به الإسلام، فبينه وبين الأنبياء في الجنة درجة واحدة» (^١)، ذكر أنه قد أخرجه أبو نعيم في «فضل العالم العفيف، والهروي في «ذم الكلام»، من رواية عمرو ابن أبي كثير عن أبي العلاء عن الحسن بن علي ﵄، ثم ذكر أن الدارمي في «مسنده»، وابن السني في «رياضة المتعلمين»، وابن عبد البر في «العلم»، قد رووا الحديث، إلا أنهم ذكروا في أسانيدهم «عن الحسن» بدل «الحسن بن علي»» ثم قال العراقي إن ابن عبد البر قال: «إن هذا الحديث من مراسيل الحسن»، وعقب على ذلك قائلًا: «فجعله من مراسيل الحسن البصري، وهذا هو الظاهر، فقد ذكر ابن حبان أبا العلاء هذا، أي الراوي عن الحسن، في أتباع التابعين، من الثقات، وقال: «إنه يروى عن الحسن، وأنه روى عنه ابن عيينة» (^٢) وفي تخريج حديث «على خلفائي رحمة الله» (^٣)، أخرجه أيضًا بالسند السابق ذكره من عند ابن عبد البر في «العلم» والهروي في «ذم الكلام»، وقال: «إن الهروي قال في سنده: «الحسن بن علي» فجعل الحديث متصلا، وأن ابن عبد البر قال: «إنه من مرسلات الحسن، فجعله البصري»، وعقب على ذلك بقوله: «وهو الصواب»» (^٤).\nوهكذا نلاحظ أن العراقي جمع أسانيد الحديثين، وأوضح أنه ورد في بعضها تحديد أن «الحسن» هو ابن علي ﵁، وقرر أنه على هذا\n_________\n(^١) «الإحياء» ج ١/¬١٦.\n(^٢) «إتحاف السادة المتقين» ج ١: ١٠٠، ١٠١.\n(^٣) «الإحياء» ج ١/¬١٨.\n(^٤) «إتحاف السادة المتقين» ج ١/ ١١٧، ١١٨.","vol":"3","page":1350},{"text":"يكون الحديثان متصلين، وذلك لكون الحسن بن علي ﵄ صحابيا، ثم بين أن عددا آخر من أسانيد الحديثين ورد فيهما ذكر «الحسن» فقط، فاحتمل أن يكون المراد به الحسن بن علي الصحابي، وأن يكون المراد «الحسن» بن يسار البصري التابعي، كما أشار إلى ذلك ابن عبد البر بقوله: «إن الحديثين من مرسلات الحسن»، وقد رجح العراقي وصوب أن كلا الحديثين مرسل، وأن الحسن هو ابن يسار البصري، لا ابن علي، وذلك حيث قال: «إن هذا هو الظاهر والصواب» كما رأيت، وبهذا ميز بين الرواة المشتركين في الإسم مع اختلاف طبقتهما، وقرر ما رآه راجحا وصوابا، وقد أيده بدليل مستمد من كتاب «الثقات» لابن حبان، وهو من كتب الرجال النادرة الوجود حاليا (سنة ١٣٩٨ هـ) مطبوعة. وقد أقر الزبيدي العراقي على ما تقدم، لكن العراقي في «التخريج الصغير» قال في تخريج الحديث الأول: «رواه الدارمي وابن السني في «رياضة المتعلمين» من حديث الحسن، فقيل: هو ابن علي، وقيل: ابن يسار البصري فيكون مرسلا» (^١)، وقال في تخريج الحديث الثاني: «رواه ابن عبد البر في «العلم» والهروي في «ذم الكلام» من حديث الحسن، فقيل هو ابن علي وقيل ابن يسار فيكون مرسلا» (^٢)، وبذلك ترى أنه لم يرجح أيا من الرأيين، ولما كان «التخريج الصغير» قد ألفه العراقي بعد الكبير، فيعتبر ذلك رجوعا منه إلى التردد بين الرأيين، بدلا من سابق ترجيحه وتصويبه للرأي الثاني منهما كما مر.\nوسيأتي في بحث «التخريج الصغير» بيان إختلاف رأي العراقي أيضا، في\n_________\n(^١) (الإحياء) ج ١/¬١٦.\n(^٢) (الإحياء) ج ١/¬١٨.","vol":"3","page":1351},{"text":"تقدير درجة بعض الأحاديث في الكبير عنها في الصغير.\n\n<span data-type='title' id=toc-483>زيادته تخريج أحاديث مناسبة لأبواب أحاديث «الإحياء»، وأهمية ذلك:</span>\nلقد وجدت أن العراقي في هذا «التخريج الكبير» لم يقتصر جهده العلمي على تخريج الأحاديث الواردة في كتاب «الإحياء»، فقط، بل أضاف إلى ذلك جهدًا علميًا آخر، يعد بمثابة تخريج مستقل، حيث قام في كثير من المواضع، بعد تخريج الحديث الذي في «الإحياء»، بالتنبيه على أنه يوجد في الباب، أي في موضوع الحديث المذكور في «الإحياء»، وفي معناه العام، أحاديث أخرى، ويذكر منها ما أمكنه جمعه، مع تخريجه على نفس نمط تخريج أحاديث «الإحياء»، وتارة يخرج البعض ويحدد مصادر البعض الآخر، ليرجع إليها من شاء، وقد يكتفي بتحديد الصحابة فقط الراوين لتلك الأحاديث، تحاشيا للتطويل، وبهذا التحديد يتيسر الرجوع إلى تلك الأحاديث في كتب المسانيد وكتب الأطراف وغيرها. وقد أشبه العراقي في هذا المبحث غيره من معاصريه الذين ألفوا كتب التخريج الموسعة، كالزيلعي في «تخريج أحاديث الهداية» (^١)، وابن الملقن في (تخريج الشرح الكبير) للرافعي (^٢) كما جرى على ذلك من بعدهم، كابن حجر تلميذ العراقي في كتابه: «التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير»، و«الدراية في تخريج أحاديث الهداية» و«نتائج الأفكار في تخريج الأذكار» النووية (^٣)، وهذا العمل يشبه عمل\n_________\n(^١) انظر: «نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية» له ١/ ٣١٠، ٣٢١ باب صفة الصلاة.\n(^٢) انظر: «البدر المنير في تخريج الرافعي الكبير»: مخطوط ١/ الطهارة - باب السواك:\n(^٣) توجد منه قطعة خطية بدار الكتب المصرية، اطلعت عليها واستفدت منها ثم طبع منه جزء سنة ١٤٠٦ هـ، وجزء سنة ١٤١١ هـ.","vol":"3","page":1352},{"text":"الإمام الترمذي في جامعه المعروف بالسنن، حيث يذكر في عدد من الأبواب حديثا أو أكثر، ثم يقول: «وفي الباب عن فلان وفلان، ويذكر عددًا من الصحابة، مع تخريج بعض أحاديثهم تارة، وعدم تخريجها في كثير من الأحيان (^١).\nومراده بذلك كما قرر العراقي وغيره، أن هذه الأحاديث الأخرى التي أشار إليها بذكر صحابتها، يصلح إيرادها في الباب، لكونها مؤيدة له، سواء كانت بلفظ ما ذكره فيه أو بمعناه، كُلا أو بعضًا، أو متعلقة به (^٢)، لكن عمل العراقي يختلف عن عمل الترمذي بأن الترمذي قلما يخرج ما يشير إليه من أحاديث الباب، أما العراقي فإنه يخرج معظم ما يشير إليه، ويعتبر هذا المبحث أيضًا من مميزات (التخريج الكبير) عن (التخريج الصغير)، كما أنه يعتبر عملا علميا له فوائد حديثية معتبرة، قررها العلماء في عصر العراقي وغيره (^٣) وعلى أساسها يتقرر: أن عمل العراقي هذا، يدل على سعة إطلاعه وعمق خبرته بكتب السنة وعلومها، حيث استطاع جمع أحاديث الأبواب بطرقها،\n_________\n(^١) انظر «شروط الأئمة الستة» لأبي الفضل بن طاهر/ ١٤ و«سنن الترمذي»، بتحقيق الشيخ أحمد شاكر ﵀ جـ ١/¬٦، ٧، ٩، ١٠، ١١، ٢٣، ٢٣٤ وغيرها وجـ ٢/¬٣، ١٠، ٢٥، ١٨٣ وغيرها.\n(^٢) انظر: التقييد والإيضاح، للعراقي/ ١٠٢ و«التدريب» للسيوطي/ ١٥٠ و«مقدمة تحفة الأحوذي» للمباركفوري جـ ١/ ٣٨٩، ٣٩٠ و«الإمام الترمذي والموازنة بين جامعه وبين الصحيحين» للدكتور/ نور الدين عتر.\n(^٣) انظر «شرح ابن الملقن» لصحيح البخاري جـ ١/¬٤٢ أ/ مخطوط بدار الكتب المصرية رقم ١٨ حديث «والإمام الترمذي وموازنة جامعه بالصحيحين» للأخ الدكتور نور الدين عتر/ ١١٣، ١٢١، ١١٤","vol":"3","page":1353},{"text":"رغم كثرتها وتنوع مصادرها، كما أوضح في الغالب درجة الحديث، صحة أو حسنا أو ضعفًا، وبين ألفاظ الروايات وعلل الأسانيد، كما سترى في الأمثلة.\nويدل أيضًا هذا العمل على دراية العراقي بفقه السنة، وجهده في ذلك، لأنه استخرج الأحاديث المذكورة من مختلف المصادر وأوردها بجانب أحاديث الإحياء، بناء على درايته لمعناها، ولمعنى ما ذكره الغزالي منها، وفهمه لارتباط دلالتهما ببعض، وهذا هو لب فقه السنة، ثم إن إيراده لتلك الأحاديث بجانب ما يلتقي معها من أحاديث «الإحياء»، يحقق لها كثرة الطرق وتعدد المتابعات والشواهد، وذلك مما يعزز دلالتها، ويقوي سند الضعيف منها ويرقى الحسن منها لدرجة الصحيح لغيره، ويزيد الصحيح قوة.\nوبالإضافة إلى هذا، فإن المبحث المذكور قد جعل هذا «التخريج الكبير» مصدرًا جامعا لتخريج وتمحيص كثير من الأحاديث الزائدة على ما في كتاب «الإحياء»، والتي يحتاج إليها في الاستدلال عموما، وفي تخريج كتب أخرى غير «الإحياء»، ككتب العقائد، والفقه، والأخلاق والتصوف، لا سيما أن المصادر التي خرج العراقي منها، يعد كثير منها الآن مفقودا، أو نادرا، أو غير مصرح فيه بما ذكره من درجات الأحاديث وعللها.\nوإليك بعض النماذج لعمل العراقي هذا:\nففي حديث «لا تتعلموا العلم لتباهوا به العلماء» (الحديث) (^١).\nخرجه بروايتين من عند ابن ماجه، وقرر صحة إسناد إحداهما على شرط مسلم، ثم قال: «وفي الباب عن عبد الله بن عمر، وكعب بن مالك،\n_________\n(^١) «الإحياء» ج ١/ ٦٥.","vol":"3","page":1354},{"text":"وأبي هريرة، ومعاذ، وأنس، وأم سلمة، فحديث ابن عمر، رواه ابن ماجه من رواية أبي كرب الأزدي عن نافع عنه رفعه: (من طلب العلم ليماري به السفهاء أو ليباهي به العلماء، أو ليصرف وجوه الناس إليه، فهو في النار)، وأبو كرب مجهول، وروى الترمذي من حديث خالد بن دريك عن ابن عمر رفعه: «من تعلم علما لغير الله، وأراد به غير الله، فليتبوأ مقعده من النار»، وإسناده جيد.\nثم خرج أحاديث كعب بن مالك وأبي هريرة، ومعاذ، وأنس، وأم سلمة وتكلم على سند كل منهما بما يفيد درجته (^١).\nأما في حديث أبي الدرداء: «أوحى الله إلى بعض الأنبياء: قل للذين يتفقهون لغير الدين الحديث (^٢) فقد أخرجه العراقي من عند ابن عبد البر في كتاب «العلم» وضعفه مع بيان وجه ضعفه، ثم قال: «وفي الباب عن أبي هريرة رواه ابن المبارك في الزهد، نحوه، دون ذكر كونه وحيا إلى بعض الأنبياء»».\nوعن أنس ﵁، رواه الطبراني في «الكبير»، بلفظ آخر مختصرا، وكلاهما ضعيف (^٣)، ونلاحظ أنه حدّد هنا مصدر الحديثين، ولم يسق سنديهما، ولا لفظيهما، ولكن بين اختلافهما، وحدّد درجتهما وهي الضعف.\nوأما في حديث أبي هريرة: «من طلب علما مما يبتغي به وجه الله ليصيب به عرضًا من الدنيا، لم يجد عرف الجنة يوم القيامة» (^٤)، فقد أخرجه من عند\n_________\n(^١) «إتحاف السادة المتقين» ج ١/ ٣٤٩، ٣٥٠.\n(^٢) «الإحياء» ج ١/ ٦٧.\n(^٣) «إتحاف السادة المتقين» ج ١/ ٣٦٤.\n(^٤) «الإحياء» ج ١/ ٦٧.","vol":"3","page":1355},{"text":"أبي داود وابن ماجه وصححه، ثم قال: «وفي الباب عن ابن عمر، رواه الترمذي وابن ماجه» (^١)، فاكتفى العراقي بتحديد مصدري الحديث، ولم يخرجه كلية، غير أنه استدرك على الحافظ المنذري في اختصاره «لسنن أبي داؤد»، فقال: وقول المنذري في مختصر السنن: «إن الترمذي روى حديث أبي هريرة، وهم، إنما روى حديث ابن عمر، ولفظهما مختلف فيه» (^٢)، وقد أقر الزبيدي العراقي على ذلك. (^٣)\nوفي حديث: «لا حسد إلا في اثنتين» (^٤)، أخرجه من عند البخاري ومسلم وغيرهما، ثم قال: «وفي الباب عن ابن عمر، وأبي هريرة، وأبي سعيد، ويزيد ابن الأخنس»، ولكنه لم يخرج تلك الأحاديث، ولم يذكر مصادرها. (^٥)\nوقد قام الإمام الزبيدي بتخريج أحاديث: أبي سعيد الخدري، وأبي هريرة وابن عمر، ولم يخرج حديث ابن الأخنس. (^٦)\nوفي حديث: «الدال على الخير كفاعله» (^٧) أخرجه العراقي بالعزو إلى الترمذي وغيره، ثم قال: «وفي الباب عن سهل بن سعد، وابن مسعود»، ولكن لم يخرج حديثيهما، ولم يحدد مصدرًا لهما، وكذا لم يخرجهما الزبيدي ولم يحدد مصدرا لهما. (^٨)\n_________\n(^١) «إتحاف السادة المتقين»، ج ١/ ٣٦٣.\n(^٢)، (^٣) «إتحاف السادة المتقين» ج ١/ ٣٦٣.\n(^٤) «الإحياء» ج ١/¬١٨.\n(^٥)، (^٦) «إتحاف السادة المتقين» ج ١/ ١١٦.\n(^٧) «الإحياء» ج ١/¬١٨.\n(^٨) «إتحاف السادة المتقين» ج ١/ ١١٥، ١١٦.","vol":"3","page":1356},{"text":"لكني وجدت أن ما خرجه العراقي تفصيلا، كما في المثال الأول، هو الأكثر، غير أنه لم يلتزم باستيعاب ذكر جميع الأحاديث المتعلقة بباب الحديث الوارد في «الإحياء»، كما أنه لم يلتزم في كل حديث يوجد في بابه أحاديث أخرى أن ينبه عليها، ولهذا استدرك عليه الزبيدي والسخاوي في كلا الأمرين، فذكرا في بعض الأحاديث أنه يوجد في بابها غيرها، مع تخريج ما تيسر لهما من ذلك، أو من غير تخريج، مع أن العراقي لم يفعل ذلك (^١)، وفي بعض الأحاديث التي خرج ما تيسر له مما يتعلق ببابها، أضافا إلى ما ذكره أحاديث أخرى (^٢)، وليس في هذا، ولا في ذاك، انتقاد للعراقي، أو غض من جهده، لأنه لم يلزم نفسه بما استدرك عليه، كما أنه قد وفى بالغرض الأصلي، وهو تخريج أحاديث الإحياء.\n\n<span data-type='title' id=toc-484>توسعه في بيان مصادر الحديث المخرج، وفوائد ذلك:</span>\nمما تميز به هذا التخريج الكبير عن التخريج الصغير، ما وقفت عليه من توسع العراقي في الكبير في بيان المصادر الحديثية التي وردت فيها أحاديث «الإحياء»، سواء مع اتفاق السند واللفظ، أو اختلافهما، وهذا يفيد أحاديث الإحياء المخرجه من عدة وجوه، ترجع إلى ما يعطيه تعدد الروايات من توثيق وتقوية وتوضيح وتصويب الأسانيد والمتون لبعضها البعض. (^٣)\nوأوسع ما وقفت عليه من ذلك تخريج حديث «هلا شققت عن قلبه» (^٤)\n_________\n(^١) «إتحاف السادة المتقين» ج ١/ ٢٩٤، ٢٥٥، ٢٥٦.\n(^٢) «إتحاف السادة المتقين» ج ١/ ١٦٠.\n(^٣) يُنظر «فيض القدير» للمناوي ج ١/ ٥٤، ١٨٣.\n(^٤) «الإحياء» ج ١/¬٢٥.","vol":"3","page":1357},{"text":"فقد قال في تخريجه الصغير: (أخرجه مسلم من حديث أسامة ابن زيد) (^١).\nأما في الكبير فذكر أن الحديث أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والطبراني في الكبير وابن أبي شيبة في المصنف، من حديث جندب ابن عبد الله البجلي رفعه، ثم قال: وهكذا هو في الجزء الرابع من فوائد أبي أحمد الحاكم بلفظ: فهلا شققت عن قلبه؟، وفي اسناده شهر بن حوشب، وثقه أحمد وابن معين، وتكلم فيه غيرهما.\nثم قال العراقي: «والحديث عند مسلم، وليس فيه: «هلا شققت عن قلبه» ويروى عن أسامة بن زيد، أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي، وكذا مالك في الموطأ، والإمام أحمد، وابن أبي شيبة، والعدني، في مسانيدهم، وأبو عوانة في صحيحه، وابن حبان، والحاكم، والطحاوي، والبيهقي، كلهم من رواية ظبيان - واسمه حصين بن جندب - عن أسامة بن زيد قال: بعثنا رسول الله ﷺ في سرية فصبحنا الحرقات من جهينة، فأدركت رجلًا فقال: لا إله إلا الله، فطعنته، فوقع في نفسى من ذلك، فذكرته للنبي ﷺ فقال: قال لا إله إلا الله وقتلته؟ قال: قلت يا رسول الله، إنما قالها خوفا من السلاح، قال: أفلا شققت عن قلبه، حتى تعلم من أجل ذلك قالها أم لا؟ من لك بلا إله إلا الله يوم القيامة؟ فمازال يكررها حتى تمني أني أسلمت يومئذ. والحديث عند البخاري أيضًا، ولكن ليس فيه قوله: «أفلا شققت عن قلبه؟» (^٢) وبالتأمل يظهر لنا أن العراقي خرج الحديث في التخريج الصغير من مصدر واحد هو صحيح مسلم، ومن طريق صحابي واحد هو أسامة بن زيد رضي الله\n_________\n(^١) «المغني عن حمل الأسفار» بهامش الإحياء ج ١/¬٢٥.\n(^٢) «إتحاف السادة المتقين» ج ١/ ١٥٤، ١٥٥.","vol":"3","page":1358},{"text":"عنه، أما في الكبير فزاد تخريجه من ١٦ مصدرا، وأفاد ذلك أن الحديث قد روي من طريق صحابي آخر غير أسامة بن زيد، وهو جندب البجلي، إلا أن في إسناده راويا مختلفًا فيه توثيقا وتجريحًا، وهو شهر بن حوشب، وبذلك لا يكون الحديث من هذا الطريق صحيحًا لذاته.\nأما روايته من طريق أسامة بن زيد فتبين لنا أنها صحيحة، لتخريج البخاري ومسلم، وغيرهما ممن التزم الصحة في كتابه لها، وقد أفاد جمع هذه الرواية في التخريج مع الرواية السابقة عن جندب، تقوية سند رواية جندب وتعضيدها، بحيث تصبح صحيحة لغيرها، كما أفاد تعديد مصادر روايات الحديث، أن لفظة (هلا شققت عن قلبه) وردت في بعض الروايات الصحيحة، ولم ترد في بعضها الآخر، وأنها وردت بعبارات متعددة.\nوقد كان تحقيق مثل هذه الفوائد الحديثية من مقاصد العراقي وهدفه من التوسع في تعديد المصادر، ولذلك أشار كثيرًا خلال تعديده للمصادر إلى ما يحققه هذا من فوائد.\nففي حديث أنس «قيل يا رسول الله، متى يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ فقال ﵇: إذا ظهرت المراهنة في خياركم، والفاحشة في شراركم، وتحول الملك في صغاركم، والفقه في أرذالكم» (^١) قال في تخريجة الصغير: أخرجه ابن ماجه بإسناد حسن (^٢).\nأما في الكبير فقال: رواه أحمد وابن ماجه وابن عبد البر في بيان آداب العلم - واللفظ له - باسناد حسن من رواية أبي معبد حفص بن غيلان عن مكحول.\n_________\n(^١)، (^٢): «الإحياء وبهامشه المغني عن حمل الأسفار» ج ١/¬٤٩.","vol":"3","page":1359},{"text":"عن أنس، بزيادة في أوله، وقال ابن ماجه: «إذا ظهر فيكم ما ظهر في الأمم قبلكم، قالوا يا رسول الله وما ظهر في الامم قبلنا؟ قال الملك في صغاركم والفاحشة في كباركم والعلم في رذالكم، وقال زين بن يحيى - أحد رواة الحديث - معنى «والعلم في رذالكم» إذا كان العلم في الفساق» (^١).\nفتلاحظ أن العراقي أضاف في الكبير زيادة على ابن ماجه مصدرين آخرين للحديث هما: ابن عبد البر في (العلم) والإمام أحمد في مسنده، وقد أفاد ذلك توثيق سند الحديث باتفاق العلماء الثلاثة عليه، وأفاد أيضًا أن الحديث ليس حسنًا من رواية ابن ماجه فقط، ولكن من رواية الإمام احمد وابن عبد البر أيضًا، كما أفاد أن رواية ابن عبد البر موافقة للفظ الحديث في الإحياء مع زيادة، وأفاد ذكر رواية ابن ماجه بيان معنى «والعلم في رذالكم» الواردة في الروايتين الأخريين بلا تفسير. وفي حديث (لا يقضي القاضي وهو غضبان) (^٢)، قال في تخريجه الصغير: متفق عليه من حديث أبي بكرة (^٣).\nأما في الكبير فقال: رواه الستة من حديث عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه، وهذا لفظ النسائي وابن ماجه، وزاد (بين اثنين) وقال البخاري «لا يقضين حكم» وقال مسلم: «لا يحكم أحد»، وقال أبو داود: «لا يقض الحكم» وقال الترمذي: «لا يحكم الحاكم» وقال: فهذا حديث حسن صحيح (^٤)، فتلاحظ أنه في التخريج الكبير زاد بجانب الصحيحين: السنن الأربعة، ومن المعروف أنهم لم يلتزموا الصحة ولا يبين درجة الحديث منهم - في\n_________\n(^١) «إتحاف السادة المتقين»، ج ١/ ٢٨٤.\n(^٢)، (^٣) «الإحياء وبهامشه المغني عن حمل الأسفار» ج ١/¬٢٣.\n(^٤) «إتحاف السادة المتقين» ج ١/ ١٤٨.","vol":"3","page":1360},{"text":"الأكثر - إلا الترمذي، فأفاد ذكر العراقي لهم بجانب الصحيحين، مع بيان اتحاد أعلا السند، أن رواية هذا الحديث التي أوردوها صحيحة، تبعا لروايته التي اتفق عليها الشيخان.\nكما أن سياقه للألفاظ المختلفة في رواية كل مصدر، أوضح أن الحديث ليس قاصرا على القاضي، بل يعم كل من وكل إليه الحكم في شيء.\nوفي حديث: خرج رسول الله ﷺ ذات يوم على أصحابه فرأى مجلسين، أحدهما يدعون الله (الحديث) (^١) قال العراقي في تخريجه الصغير: رواه ابن ماجه من حديث عبد الله بن عمرو بسند ضعيف (^٢)، أما في الكبير فقال: رواه ابن ماجه من رواية داود بن الزبرقان عن بكر بن خنيس عن عبد الرحمن ابن زياد ابن أنعم عن عبد الله بن زيد عن عبد الله ابن عمرو قال: … وساق حديث ابن ماجه بطوله، ثم قال: ومداره على عبد الرحمن بن زياد، وقد وثقه يحيى بن سعيد، وقال البخاري: مقارب الحديث، وضعفه جماعة، وابن الزبرقان وبكر بن خنيس ضعيفان، ثم قال: وقد تابع بكر بن خنيس عليه: زهير بن معاوية وعبد الله بن وهب وعبد الله بن المبارك، إلا أنهم قالوا: عنه عن عبد الرحمن بن رافع، بدل «عبد الله بن زيد» وقولهم أولى بالصواب من رواية بكر بن خنيس، وأما رواية زهير فأخرجها الطبراني، ولفظه … وساق الحديث بطوله، ثم قال: وأما رواية عبد الله بن وهب فرواها ابن السني في «رياضة المتعلمين»، وابن عبد البر في «العلم» بنحو لفظ الطبراني، وأما رواية ابن المبارك فرواها أبو نعيم في «رياضة المتعلمين» نحوه (^٣). وبهذا\n_________\n(^١)، (^٢) «الإحياء والمغني عن حمل الأسفار»، بهامشه ج ١/¬١٧.\n(^٣) «إتحاف السادة المتقين» ج ١/ ١١١ وما بعدها.","vol":"3","page":1361},{"text":"أضاف العراقي في الكبير بيان مدار طرق الحديث، واختلاف الرواة عنه مع الترجيح، ثم خرج رواية ابن وهب وابن المبارك بالعزو إلى مصادرهما.\nوفي حديث: قيل له ﷺ: «كيف نفعل إذا جاء أمر لم نجده في كتاب الله ولا سنة رسوله؟ فقال: سلوا الصالحين، واجعلوه شورى بينكم (^١)، قال في تخريجه الصغير: أخرجه الطبراني من حديث ابن عباس، وفيه عبد الله بن كيسان ضعفه الجمهور (^٢). أما في الكبير فقال: فيه عن علي بن أبي طالب وابن عباس، أما حديث علي فرواه الطبراني في الأوسط من رواية الوليد بن صالح عن محمد بن الحنفية عن علي قال: قلت يا رسول الله … وساق روايته بلفظها، ثم قال: ورجاله رجال الصحيح، ورواه ابن عبد البر في العلم من رواية ابراهيم بن أبي الفياض عن سليمان بن بزيع عن مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قلت يا رسول الله: الأمر ينزل بنا لم ينزل فيه قرآن ولم تمض فيه منك سنة، قال: اجمعوا له العالمين، أو قال العابدين من المؤمنين، فاجعلوه شورى بينكم، ولا تقضوا فيه برأي واحد»، وفي رواية له: «اجمعوا له العابدين»، من غير شك، قال ابن عبد البر: «هذا حديث لا يعرف من حديث مالك إلا بهذا الإسناد، ولا أصل له في حديث مالك عندهم، ولا في حديث غيره، وإبراهيم وسليمان، ليسا بالقويين (^٣) والله أعلم».\n«وأما حديث ابن عباس: فرواه الطبراني من رواية إسحاق بن عبد الله بن\n_________\n(^١)، (^٢) انظر «الإحياء وبهامشه المغني عن حمل الأسفار» ج ١/¬٢٨.\n(^٣) وبقية كلامه: «ولا ممن يحتج بهما ولا يعول عليهما» (جامع بيان العلم لابن عبد البر) ج ٢/ ٧٤.","vol":"3","page":1362},{"text":"كيسان المروزي عن أبيه عن عكرمة، فذكر حديثا قال فيه: قال علي يا رسول الله، أرأيت إن عرض لنا ما لم ينزل فيه قرآن ولم تمض فيه سنة منك؟ قال تجعلونه شورى بين العابدين من المؤمنين» (الحديث) وعبد الله ابن كيسان منكر الحديث، قاله البخاري، وابنه إسحاق [لينه (^١)] الحاكم [أبو أحمد] (^١)، وقد ورد من وجه آخر مرسلا، رواه الدارمي في مسنده من حديث أبي سلمة «أن النبي ﷺ سُئل عن الأمر يحدث ليس فيه كتاب ولا سنة، قال: ينظر فيه العابدون من المؤمنين»، وهذا إنما يصح من قول ابن مسعود موقوفا، رواه الطبراني وابن عبد البر في أثر طويل، وفيه: «فإن أتاه أمر ليس في كتاب الله ولم يقض فيه رسول الله ﷺ فليقض بما قضى به الصالحون» واسناده ثقات يحتج بهم (^٢).\nويتضح لنا مما تقدم أن العراقي في التخريج الكبير، زاد تخريج الحديث من ثلاثة مصادر أخرى، ومن موضع ثان من الطبراني، غير الذي أخرجه منه في الصغير، وقد أفاد ذكر هذه المخارج بيان وجود روايتين للحديث صحيحتي السند، احداها مرفوعة، وهى رواية الطبراني عن سيدنا على ﵁، والثانية موقوفة، وهي رواية الطبراني أيضا وابن عبد البر عن ابن مسعود من قوله، وهاتان الروايتان تقويان باقي الروايات الضعيفة، بما فيها الرواية التي\n_________\n(^١) جاء النص في الإتحاف ١/ ١٧٢ هكذا «نسبه الحاكم» وكذا نقله عنه أبو عبد الله محمود الحداد في المستخرج من تخريج أحاديث إحياء علوم الدين ١/ ١٠٥ ح ٨٤، وما أثبته هو المستقيم على المعنى والموافق لما في ترجمة: «إسماعيل» هذا في الميزان ١/ ترجمة (٧٤١) واللسان ١/ ٣٦٥.\n(^٢) «إتحاف السادة المتقين» ج ١/ ١٧٢.","vol":"3","page":1363},{"text":"اقتصر العراقي على ذكرها في التخريج الصغير، ثم إنّ الرواية الصحيحة المرفوعة تعضد كلا من الرواية المرسلة التي أخرجها الدارمي في مسنده، والموقوفة التي رواها ابن عبد البر والطبراني.\nوفي حديث «اليقين الإيمان كله» (^١) قال في تخريجه الصغير: أخرجه البيهقي في الزهد، والخطيب في التاريخ، من حديث ابن مسعود، بإسناد حسن (^٢). وأما في الكبير فقال: أخرجه أبو نعيم في الحلية، والبيهقي في الزهد وأبو القاسم اللالكائي في كتاب السنة، من رواية يعقوب بن حميد بن كاسب قال: أخبرنا محمد بن خالد المخزومي عن سفيان بن سعيد عن زبيد عن أبي وائل عن عبد الله عن النبي ﷺ، وزاد في أوله «الصبر نصف الإيمان»، هكذا قال أبو نعيم والبيهقي في اسناده، وقال اللالكائي: عن زبيد عن مرة عن عبد الله، قال البيهقي: تفرد به يعقوب بن حميد عن محمد بن خالد، وقد أعله ابن الجوزي في «العلل المتناهية» بهما، فقال: «محمد بن خالد، مجروح، ويعقوب بن حميد، ليس بشئ»، واستدرك العراقي على هذا فقال: «أما محمد بن خالد المخزومى فلم أجد أحدًا من الأئمة جرحه، وأما يعقوب، فأورده ابن حبان في الثقات»، ثم قال: «والصحيح المعروف: أن هذا من قول ابن مسعود، هكذا ذكره البخاري في صحيحه تعليقا موقوفا عليه، ووصله الطبراني، والبيهقي في الزهد، من رواية الأعمش عن أبي ظبيان عن علقمة عن عبد الله قوله، قال البيهقي: هذا هو الصحيح، موقوف» (^٣)\nومن هذا نجد أن العراقي أضاف خمسة مصادر أخرى للحديث، وبين من\n_________\n(^١)، (^٢) «الإحياء» وبهامشه «المغني عن حمل الأسفار» جـ ١/ ٧٨.\n(^٣) «إتحاف السادة المتقين» جـ ١/ ٤٠٨، ٤٠٩.","vol":"3","page":1364},{"text":"خلالها أن الحديث مداره على (زُبيد) وهو ابن الحارث بن عبد الكريم اليامي، وأنه اختلف عليه في رفع الحديث ووقفه على عبد الله بن مسعود، وأن الراجح وقفه، وهذا من أدق مباحث علل الحديث، وقد اختلف بذلك كلامه عن درجة الحديث عما ذكره في الصغير، من إطلاق تحسينه مرفوعًا.\nكما بين أن روايتي البيهقي والطبراني الموصولتين، أفادتا وصل رواية البخاري المعلقة. أما رواية ابن الجوزي، فمن فوائد ذكرها: تعقب العراقي له برد ما أعلها به من جهة أحوال الرواة، ثم بين إعلال الرفع بمعارضة رواية الوقف الأرجح. وهكذا نجد أن توسع العراقي في هذا التخريج الكبير في بيان مصادر الحديث، ليس مجرد جمع، وسرد، وتطويل، بل تعميق للبحث، وتحقيق للفوائد الحديثية، التي بين بنفسه بعضها، وترك البعض الآخر لظهوره عند ممارسي الفن، وقد أوضحت فيما تقدم بعضها من جانبي، وكلها فوائد وبحوث، تمحص أحاديث الإحياء، وما يتعلق بها، وتحقق درجاتها، من القبول أو الرد كما رأيت.\n\n<span data-type='title' id=toc-485>تخريجه في الكبير بعض ما لم يخرجه في الصغير، من الأحاديث والآثار.</span>\nاتضح لي من فحص النصوص التي وقفت عليها من هذا التخريج الكبير أنه تميز بأن العراقي قد خرج فيه بعض ما لم يخرجه في الصغير من الأحاديث والآثار. أما الأحاديث: فمن ذلك حديث: «إن من العلم كهيئة المكنون، لا يعلمه إلا أهل المعرفة بالله تعالى، فإذا نطقوا به لم يجهله إلا الأغرار بالله تعالى، فلا تحقروا عالما آتاه الله تعالى علما منه، فإن الله ﷿ لم يحقره إذ آتاه إياه» (^١) فقد قال العراقي في تخريجه الصغير: أخرجه أبو عبد الله السلمي في الأربعين، له في التصوف، من حديث أبي هريرة بإسناد ضعيف (^٢) وقد ساق في التخريج الكبير\n_________\n(^١)، (^٢) «الإحياء» وبهامشه «المغني عن حمل الأسفار» ج ١/¬٢٧.","vol":"3","page":1365},{"text":"نص رواية السلمي هذه، فوجدتها تنتهي عند قوله (لا ينكره إلا أهل الغرة بالله ﷿ (^٣)، وبذلك يكون قد ترك في الصغير تخريج باقي الحديث، أما في الكبير فإنه بعد أن ساق رواية السلمي هذه قال: وأما آخر الحديث فرواه أبو عبد الله الحسين بن فنجويه الدينوري في كتاب (المعلمين) من رواية كثير بن سليم عن أنس، فذكر حديثًا طويلا فيه: «ثم قال رسول الله ﷺ: إن الله ﷿ يقول: لا تحقروا عبدًا أعطيته علمًا، فإني لم أحقره حين وضعت ذلك العلم في قلبه». وكثير بن سُلَيْم ضعيف (^٤). وبهذا خرج باقي الحديث وبين درجته وهي الضعف بوجود راو ضعيف في سنده.\nوفي حديث «إن أكثر الناس أمنا يوم القيامة أكثرهم خوفًا في الدنيا، وأكثرهم ضحكا في الآخرة أكثرهم بكاء في الدنيا، وأشد الناس فرحا في الآخرة أطولهم حزنًا في الدنيا» (^٥) قال العراقي في تخريجه الصغير: لم أجد له أصلا (^٦)، أما في الكبير فقال: لم أجد له أصلا بجملته في الأحاديث المرفوعة، ولأول الجملة شاهد في صحيح ابن حبان من حديث أبي هريرة رفعه فيما يروى ﷺ عن ربه جل وعلا: «وعزتي لا أجمع على عبدي خوفين وأمنين، إذا خافني في الدنيا أمنته يوم القيامة، وإذا أمننى في الدنيا أخفته يوم القيامة»، وللجملة الأخيرة شاهد من رواية مالك بن دينار قال: رأيت الحسن في منامي مشرق اللون وفي آخره: «أطول الناس حزنا في الدنيا أطولهم فرحا في الآخرة»،\n_________\n(^٣) «إتحاف السادة المتقين» ج ١/ ١٦٦.\n(^٤) «إتحاف السادة المتقين» ج ١/ ١٦٦، ١٦٧.\n(^٥)، (^٦) «الإحياء» وبهامشه «المغني عن حمل الأسفار» ج ١/ ٨٢.","vol":"3","page":1366},{"text":"رواه ابن أبي الدنيا في كتاب «الهم والحزن» (^١) وهكذا نجده خرج في الكبير أصلا لجملتين من الحديث، بدلا من جزمه في الصغير بأنه لم يجد لجميعه أصلا\nوأما الآثار: فقد وردت في «الإحياء» موقوفة على الصحابة، أو من دونهم، كالتابعين، فالعراقي لم يلزم نفسه بتخريجها، بل أخرج بعضها زيادة عن شرطه في هذا التخريج، كما سيأتي توضيحه في المبحث التالي لهذا؛ ولكنه مع ذلك خرج بعض تلك الآثار لفائدة يراها، خاصة ما يوجد شاهد له في المرفوع.\nفمن ذلك: أن الغزالي في الباب السادس من كتاب العلم ١/ ٨٣ قال: وكان حذيفة ﵁ أيضا قد خُصَّ بعلم المنافقين، وأُفْرِد بمعرفة علم النفاق وأسبابه، ودقائق الفتن، فكان عمر وعثمان، وأكابر الصحابة ﵃ يسألونه عن الفتن العامة، والخاصة. ولم يتعرض العراقي لتخريج هذا في تخريجه الصغير للإحياء، ولكن الزبيدي في «الشرح» ١/ ٤٢٩ علق على الشطر الأول من هذا الأثر، وهو اختصاص حذيفة بعلم النفاق والمنافقين، فقال: رورى مسلم من رواية قيس ابن أبي حازم عن عمار، أخبرني حذيفة قال: قال النبي ﷺ: في أصحابي اثنا عشر منافقا، منهم ثمانية لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط، وروى البخاري من رواية زيد بن وهب عن حذيفة قال: ما بقي من أصحاب هذه الأمة، ولا من المنافقين، إلا أربعة .. (الحديث). وروى أبو داود من رواية قبيصة بن ذؤيب عن أبيه قال: قال حذيفة: ما أدري أنسي أصحابي أم تناسوا، والله ما ترك رسول الله ﷺ من قائد فتنة إلى أن تنقضي الدنيا، يبلغ من معه ثلاثمائة فصاعدا، إلا قد سماه لنا باسمه، واسم أبيه، واسم قبيلته، وروى مسلم، من رواية أبي\n_________\n(^١) «إتحاف السادة المتقين» جـ ١/ ٤٢٢","vol":"3","page":1367},{"text":"إدريس الخولاني، كان يقول: قال حذيفة: والله إني لأعلم الناس بكل فتنة هي كائنة فيما بيني وبين الساعة. وروى البخاري ومسلم وأبو داود، من رواية شقيق عن حذيفة قال: قام فينا رسول الله ﷺ مقاما، ما ترك فيه شيئًا يكون في مقامه إلى قيام الساعة، إلا حدث به، حَفِظَهُ مَنْ حَفِظَهُ، ونسيه من نسيه، قد عَلِمَهُ أصحابي هؤلاء (الحديث).\nثم أعقب الزبيدي هذا كله بقوله: قاله العراقي، ثم علق على الشطر الثاني من الأثر وهو «فكان عمر وعثمان .. إلخ» فقال: فروى السنة - خلا أبا داؤد - من رواية شقيق عن حذيفة قال: كنا عند عمر، فقال: أيكم يحفظ حديث رسول الله ﷺ في الفتنة؟ قلت: أنا (الحديث)، وختم هذا أيضًا بقوله: قاله العراقي. فيعتبر هذا، وما قبله، من نقول الزبيدي التي ذكر أنه ينقلها عن (التخريج الكبير) وإن كان لم يصرح بذلك، كما أوضحته في طريقة نقله عن هذا التخريج (^١).\nوسيأتي أيضًا في المبحث التالي مثال آخر لتخريج العراقي للآثار الموقوفة على الصحابة، مع بيانه سبب تخريجه له بما يدل على أنه في هذا التخريج الكبير ليس من شرطه تخريج الآثار.\nتم الجزء الثالث من «كتاب الحافظ العراقي وأثره في السنة» ويليه الجزء الرابع وأوله: شرط العراقي في «تخريجه الكبير» مقارنا بغيره من أشهر معاصريه\n_________\n(^١) ينظر مبحث «ما وقفت عليه من نصوص الكتاب» ص ٩٩٣","vol":"3","page":1368},{"text":"<span data-type='title' id=toc-486>شرط العراقي في (تخريجه الكبير)، مقارنا بغيره من أشهر معاصريه:</span>\nتقدم أن العراقي سمى هذا التخريج: (إخبار الأحياء، بأخبار الإحياء).\nومن المعروف أن تحديد المؤلف لعنوان كتابه، يعتبر دليلا على تحديده الموضوع العام للكتاب، ما لم يوجد تصريح آخر من المؤلف، بخلاف ذلك كما أشار الحافظ ابن حجر إلى ذلك بالنسبة لمعرفة شرط البخاري في صحيحه من تسميته له (^١).\nوبالنسبة لكتاب العراقي هذا، فإنه قد جاء عنه عنونته بالإسم السابق ذكره، كما جاء عنه - خلال الكتاب - بعض الإشارات التي إذا ضمت إلى ما في العنوان، أمكن معرفة ما شرط العراقي على نفسه الإلتزام بتخريجه من أنواع الأخبار التي في الإحياء.\nوذلك أن العراقي في عنوان الكتاب، جعل موضوعه: تخريج ما في الإحياء من الأخبار، وعند قراءتي لكتاب الإحياء بأكمله، وجدت الغزالي يطلق اسم (الخبر) أو (الأخبار) على الأحاديث التي يصرح برفعها إلى النبي ﷺ، ويطلق (الأثر) أو (الآثار) على ما يصرح بعزوه إلى الصحابة، ومن دونهم، وقد قرر ذلك شارح «الإحياء» (^٢) أيضا موقوفا عليهم.\nلكن الغزالي لم يلتزم بهذا دائما، بل خرج عنه كثيرا خلال الكتاب كله؛ فقد وجدته أحيانا يطلق «الأثر» على بعض الأحاديث المرفوعة إلى النبي ﷺ (^٣)، كما وجدته كثيرا، يطلق «الأخبار» على الآثار الموقوفة على\n_________\n(^١) تنظر (نكت ابن حجر على صحيح البخاري) ق ٢/ أ (مخطوط).\n(^٢) الإتحاف ٨/ ٥٦٢.\n(^٣) سيأتي مثال ذلك قريبًا.","vol":"4","page":1369},{"text":"الصحابة ﵃، فمن دونهم، كالتابعين، وغيرهم، ويطلقها أيضًا على أقوال، وكتب، وأحوال الأنبياء السابقين، وأقوامهم، وخاصة بني إسرائيل وأنبيائهم، ويطلقها كذلك على أقوال الحكماء والصالحين، وحكاية أحوالهم.\nوقد تكون عبارة الغزالي دالة على أنه يقصد «بالخبر» الحديث المرفوع، مثل قوله: وأما الأخبار، فقد قال ﷺ .. كذا (^٢).\nوقد تكون عبارته مطلقة، مثل قوله: وفي الخبر كذا .. ويسوق الكلام، دون عزوه إلى أحد (^٣)، ويترك تمييز المرفوع من غيره إلى خبرة القارئ.\nفإذا عرفنا ذلك، أصبح تعبير العراقي في عنوان الكتاب بـ «الأخبار» يفيد بظاهره، وعمومه: أن العراقي تصدى لتخريج الأخبار المذكورة في كتاب «الإحياء»، عمومًا، بمختلف تلك الأنواع السابق الإشارة إليها.\nفي حين أن واقع ما تضمن الكتاب تخريجه، أخص من ذلك بكثير، وقد انتبه العراقي نفسه إلى هذا، فذكر خلال الكتاب ما يقيد هذا الإطلاق العام في العنوان، ويفيد أن مقصوده الأصلي بـ «الأخبار» في عنوان الكتاب، نوع واحد منها فقط، وهو الأحاديث التي يصرح الغزالي برفعها، أو يشير إلى الرفع بعبارة ظاهرة مثل: مَضَتِ السُّنة بكذا (^٤)، وما عدا ذلك، فإنه قد يخرجه؛ تحصيلا لفائدة خاصة، يمكن للقارئ المتأمل أن يلحظها في موضعها، وقد يصرح العراقي في بعض المواضع بالفائدة التي دعته إلى تخريج ما ليس\n_________\n(^٢) «الإحياء»: ٢/ ٦٣\n(^٣) ينظر «الإحياء»: ٢/ ٨٦، ٨٧، ٩٢.\n(^٤) «الإحياء» ٤/ ٢٥٨.","vol":"4","page":1370},{"text":"داخلا صراحة في شرطه الذي هو مقصوده الأصلي السابق ذكره.\nففي كتاب العلم من «الإحياء» ١/¬٣٦ قال الغزالي: وقال ﷺ: «إنما العلم آية محكمة، أو سنة قائمة، أو فريضة عادلة».\nفخرجه العراقي في (الصغير) مرفوعًا، بالعزو إلى ابن عبد البر - يعني في جامع بيان العلم - من حديث أبي هريرة، وإلى أبي داود وابن ماجه، من حديث عبد الله بن عمرو (^٢).\nثم إن الغزالي بعد هذا في الباب السادس من كتاب العلم ١/ ٧٥ قال: وفي الخبر: العلم ثلاثة: كتاب ناطق، وسنة قائمة، ولا أدري.\nفتصدى العراقي في «الصغير» أيضًا لتخريجه، بالعزو إلى الخطيب في «أسماء من روى عن مالك»، موقوفا على ابن عمر.\nثم قال: ولأبي داود وابن ماجه، من حديث عبد الله بن (عمرو) مرفوعًا نحوه، مع اختلاف.\nوقد تقدم (^٣) يعني الموضع الذي ذكرته قبل هذا.\nلكن حينما نرجع إلى الزبيدي في «الشرح» ١/ ٣٩٣ نجده في تخريج الحديث في هذا الموضع الثاني يقول: قال العراقي: أخرجه الدراقطني في «غرائب مالك»، والخطيب، في «أسماء من روى عن مالك»، من رواية عمر بن عصام عن مالك عن نافع عن ابن عمر موقوفا عليه، وقد رواه ابن عدي في «الكامل»،\n_________\n(^٢) «الإحياء» ١/¬٣٦ و«المغني» بهامشه.\n(^٣) «المغني» بهامش «الإحياء» ١/ ٧٥.","vol":"4","page":1371},{"text":"في ترجمة أبي حذافة السهمي، عن مالك، قال - يعني ابن عدي -: وهذا من منكرات أبي حذافة، سرقه من عمر - يعني ابن عصام -، قال العراقي: لم يصرح المصنف - يعني الغزالي - بأنه مرفوع وإنما قال: «وفي الخبر»، والظاهر أنه أراد هذا، فذكرته احتياطا لاحتمال أن يكون روي مرفوعا .. قال الزبيدي: ثم قال العراقي: وأول الحديث مرفوع من حديث عبد الله بن (عمرو)، رواه أبو داود وابن ماجه من رواية عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، عن عبد الرحمن بن رافع، عن عبد الله بن عمرو، رفعه: العلم ثلاثة، وما سوى ذلك فهو فضل: آية محكمة أو سنة قائمة، أو فريضة عادلة. هـ\nويلاحظ أن ما نقله الزبيدي هنا عن العراقي، أكثره ليس في (التخريج الصغير) فيكون مما نقله عن (التخريج الكبير)، كما تقدم توضيحه، كما يلاحظ أنه بين الداعي لتخريجه في هذا الموضع، مع عدم تصريح الغزالي برفعه، وأفاد بذلك أن ما لا يصرح الغزالي برفعه إلى رسول الله ﷺ، فليس هو ملتزما بالتصدي لتخريجه؛ ولكن قد يخرج بعضه لغرض معين.\nوفي الباب السادس من كتاب العلم ١/ ٦٥ ذكر الغزالي عدة أحاديث مصرحا برفعها إلى الرسول ﷺ، وأتبعها بقول لعيسى ﵇، ثم قال: فهذا وغيره من الأخبار، يدل على عظيم خطر العلم .. ثم قال: وأما الآثار، فقد قال عمر ﵁: إن أخوف ما أخاف على هذه الأمة، المنافق العليم، قالوا: وكيف يكون منافقا عليما؟ …»\nفلم يتعرض العراقي لتخريج قول عمر هذا، في «التخريج الصغير»، لكن الزبيدي في «الشرح» ١/ ٣٥٢ قال: قال العراقي: وهذا الذي ذكره - يعني الغزالي - أثرا، فقد ذكره أحمد، مرفوعا، من حديث عمر، بإسناد صحيح،","vol":"4","page":1372},{"text":"من رواية أبي عثمان النهدي، قال: إني لجالس تحت منبر عمر بن الخطاب، وهو يخطب الناس، فقال في خطبته: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن أخوف ما أخاف على هذه الأمة، كل منافق عليم اللسان هـ. ثم قال العراقي: وصح أيضا من حديث عمران بن حصين، رواه الطبراني، من رواية عبد الله بريدة عنه، رفعه: إن أخوف ما أخاف عليكم بعدي كل منافق عليم اللسان. هـ وهذا النقل كسابقه، يعتبر من «التخريج الكبير»، ومن كلام العراقي في هذين الموضعين من «تخريجه الكبير»، نلاحظ أنه قيد عموم لفظ «الأخبار» الذي ذكره في عنوان الكتاب، فجعل مقصوده الأصلي بها في هذا التخريج، هو: الأحاديث التي يصرح الغزالي برفعها إلى الرسول ﷺ، أو يشير إلى قصده رفعها، إشارة ظاهرة؛ وعليه فإنه لا يلتزم بتخريج ما يورده الغزالي في «الإحياء»، على أنه أثر موقوف على بعض الصحابة، ومن باب أولى غيرهم، كقول عيسى ﵇، كما تقدم، ويفهم من كلامه السابق أيضا أنه لا يلتزم بتخريج الأحاديث المرفوعة في مصادرها، ما لم يصرح الغزالي في كتابه برفعها، أو يشير إلى الرفع إشارة ظاهرة، فإذا أورد الحديث بصيغة محتملة للرفع وغيره، مثل قوله في أحد المثالين السابقين: وفي الخبر كذا، أو قوله: يروى كذا، كما سيأتي في الكلام على (تخريجه الصغير)، فإن العراقي في كل ذلك، وأمثاله ليس ملتزما بالتعرض لتخريجه؛ لأنه لم يجعله من شرط مقصوده الأصلي في هذا التخريج، ولكنه مع هذا قد يخرج بعض ما ليس داخلا في شرطه، لفائدة خاصة مثل الفائدتين اللتين صرح بهما فيما تقدم: من قصد الاحتياط لتحقيق غرض الغزالي من إيراد الخبر، أو وجود حديث مرفوع بمثل ما يذكره الغزالي على أنه أثر موقوف على الصحابي.","vol":"4","page":1373},{"text":"ولكن الأكثر من صنيع العراقي أنه في هذا «التخريج الكبير»، لا يتصدى لتخريج ما ليس داخلا فيما أشار إلى الإلتزام بتخريجه في كلامه السابق، كما ظهر لي ذلك مما وقفت عليه من نصوص الكتاب.\nوسيأتي في الكلام على «تخريجه الصغير» تصريحه بأنه اشترط فيه نحوا مما أشار هنا إلى أنه مقصوده الأصلي فيما يتصدى لتخريجه من أنواع الأخبار التي تضمنها كتاب «الإحياء».\nوعلى هذا، فإنه يمكننا القول: بأن شرط العراقي هذا فيما يتصدى لتخريجه من الأخبار الواردة في الإحياء يختلف عما جرى عليه غيره، من أشهر المخرجين المعاصرين له، في مؤلفاتهم، كرفيقه الزيلعي، في كتابه المعروف بـ «نصب الراية، في تخريج أحاديث الهداية»، وكقرينه ابن الملقن في كتابه «البدر المنير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير» فإنهما بجانب تخريجهما للأحاديث المصرح برفعها في الكتابين المخرجين، قد عُنيا بتخريج غيرها من الأحاديث التي لم يصرح برفعها، والآثار الموقوفة على الصحابة أو التابعين، لدرجة أنهما يخصصان في نهاية تخريج أحاديث كل باب مبحثا لتخريج الآثار الموقوفة الواردة فيه (^١).\nولعل الذي سهل عليهما ذلك، ما لاحظته من أن الآثار الواردة في الكتابين المخرجين، وهما «كتاب الهداية» وكتاب «الشرح الكبير للرافعي» تعتبر قليلة جدا بالنسبة للآثار الواردة في الإحياء، حيث تقارب كميتها كمية\n_________\n(^١) يُنظر مثلا: نصب الراية ج ١/ ١٨٦، ١٨٩، والبدر المنير ١/ ٢١٦/ أ، ٣٢٣/ أ وغير ذلك في الكتابين.","vol":"4","page":1374},{"text":"الأحاديث المرفوعة فيه، وهي قرابة خمسة آلاف كما تقدم، وبذلك كان التصدي لتخريج تلك الآثار يستغرق من العراقي زمنًا وكما يوازيان زمن وكم تخريج الأحاديث، على ضخامتهما كما مر، ولكن العراقي مع ذلك خرج بعض تلك الآثار، لزيادة الفائدة كما تقدم مثاله.\n\n<span data-type='title' id=toc-487>أُنموذج عام لعناصر التخريج الموسع للحديث، في «التخريج الكبير» مقارنًا بما يقابله من تأليف أشهر أقران العراقي ومعاصريه.</span>\nبعد بيان ملامح الشرط العام للعراقي فيما تصدى لتخريجه في هذا الكتاب، ومقارنته بما جرى عليه غيره، تبقى الحاجة ماسة إلى مقارنة تفصيلية بين أهم عناصر تخريجه الموسع للحديث في هذا الكتاب، وبين عناصر التخريج الموسع للحديث نفسه في تأليف أشهر أقرانه ومعاصريه، حتى تتكامل بذلك صورة عرض مضامين الكتاب، وبيان جهود مؤلفه فيه، وتقويمها، في حدود ما تيسر لنا من نصوصه.\nوقد تبين لي بالبحث والمقارنة: أن ما قدمت بيانه من العناصر والأبحاث التي اشتملت عليها نماذج هذا التخريج الكبير، متشابهة مع العناصر والأبحاث التي اشتملت عليها كتب التخريج الموسعة التي ألفها أشهر أقران العراقي، ومعاصريه؛ غير أنه يحدث تفاوت بين كل منهم، وبين العراقي، بالزيادة أو النقصان، سواء من جهة المصادر المخرج منها الحديث، أو من جهة العناصر والأبحاث المتناولة، أو الآراء الشخصية لكل منهم.\nوبمقتضى هذا التفاوت، يتميز عمل العراقي وجهده، عن عمل وجهد غيره ممن عاصره، وإليك أنموذجًا توضيحيا لذلك:","vol":"4","page":1375},{"text":"ففي حديث «أن امرأتين من هذيل قَتَلَتْ إحداهما الأخرى بحجر»، وفيه قوله ﷺ: «أَسَجَعٌ كسجع الأعراب؟» (^١)\nقال العراقي في تخريجه: ورد من حديث المغيرة بن شعبة، وأبي هريرة، وابن عباس، وجابر، وأسامة بن عمير الهذلي، وحمل بن مالك، وعويم بن ساعدة الهذلي، ﵃، أما حديث المغيرة: فرواه مسلم وأبو داود والنسائي من رواية عبيد بن نَضْلَة الخزاعي عن المغيرة بن شعبة قال: «ضربت امرأة ضرتها بعمود فسطاط»، فذكر الحديث، وفيه: «فقال رجل من عصبة القاتلة: أنغرم دية، لا آكل ولا شرب ولا استهل؟، فمثل ذلك يُطل» (الحديث) بلفظ مسلم، وفي رواية له «أندى من لا طعم، ولا شرب ولا صاح، ولا استهل؟ فمثل ذلك يُطل» (الحديث)، وأصل الحديث عند البخاري والترمذي وابن ماجه، مختصرًا، دون ذكر السجع المذكور.\nوأما حديث أبي هريرة فرواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي من رواية ابن شهاب عن ابن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن، أن أبا هريرة ﵁ قال: «اقتتلت امرأتان من هذيل» (الحديث) وفيه: فقال حمل ابن النابغة الهذلي: «يا رسول الله، كيف أغرم من لا شرب ولا أكل ولا نطق ولا استهل؟، فمثل ذلك يطل»، فقال رسول الله ﷺ: «إنما هذا من إخوان الكهان، من أجل سجعه الذي سجع»، لفظ مسلم، ولم يُسم البخاري الرجل، وانما قال: «فقال ولي المرأة»، ولم يقل: «من أجل سجعه الذي سجع»، ورواه الترمذي وابن ماجه من رواية محمد بن عمرو عن أبي\n_________\n(^١) «الإحياء» جـ ١/¬٤٢.","vol":"4","page":1376},{"text":"سلمة عن أبي هريرة وفيه: «فقال الذي قضى عليه: أنعطى من لا شرب ولا أكل ولا صاح فاستهل؟، فمثل ذلك يطل»، فقال النبي ﷺ: «إن هذا ليقول بقول الشاعر».\nوأما حديث ابن عباس فرواه أبو داود والنسائي من رواية أسباط عن سماك ابن حرب عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: «كانت امرأتان جارتان كان بينهما صخب» (الحديث) وفيه: «فقال أبو القاتلة: إنه والله ما استهل ولا شرب ولا أكل فمثله يطل»، فقال النبي ﷺ: «أسجع الجاهلية وكهانتها؟ إن في الصبي غرة»، قال ابن عباس «كانت إحداهما مليكة، والأخرى أم عفيف»، لفظ النسائي، ولم يقل أبو داود: «ولا أكل»، وقال فيه: عن ابن عباس في قصة «حمل»، فأدخله المزي في الأطراف في حديث «حمل» ولم يذكره في حديث ابن عباس؛ وليس بجيد.\nوأما حديث جابر فرواه أبو يعلى في مسنده من رواية مجالد بن سعيد قال: «حدثني الشعبي عن جابر أن امرأتين من هذيل قتلت إحداهما الأخرى» (الحديث) وفيه: «فخاف عاقل القاتلة أن يُضَمِّنَهُم، قال: فقالوا يا رسول الله: لا شرب ولا أكل، ولا صاح فاستهل»، فقال رسول الله ﷺ: «أسجع الجاهلية؟» والحديث عند أبي داود وابن ماجه، وليس فيه ذكر السجع المذكور.\nوأما حديث أسامة بن عمير - وهو والد أبي المليح - فرواه الطبراني بإسناد جيد من رواية أيوب قال: سمعت أبا المليح عن أبيه - وكان قد صحب رسول الله ﷺ - قال: «كانت فينا امرأتان ضربت إحداهما الأخرى» (الحديث) وفيه فقال رجل من أهل القاتلة: «كيف نعقل يا رسول الله من لا أكل ولا شرب","vol":"4","page":1377},{"text":"ولا صاح فاستهل؟، فمثل ذلك يطل»، فقال رسول الله ﷺ: «أسجاعة أنت؟» (الحديث) وفي رواية له - أى للطبراني - من رواية سلمة بن تمام عن أبي المليح أن الذي قال السجع رجل يقال له عمران بن عويمر فقال رسول الله ﷺ: دَعْنِي من رَجَزِ الأعراب.\nوأما حديث حمل بن مالك بن النابغة فرواه الطبراني من رواية مجاهد الهذلي أنه كان عنده امرأة فتزوج عليها أُخرى، فذكر الحديث وفيه: فجاء وليها فقال: «أندي من لا أكل ولا شرب ولا استهل؟، فمثل ذلك يطل». فقال: رَجَزُ الأعراب.\nوأما حديث عويم الهذلي، فرواه الطبراني من رواية محمد بن سليمان بن مسمول عن عمرو بن تميم بن عويم، عن أبيه عن جده قال: «كانت أختى مليكة وامرأة منا يقال لها أم عفيف بنت مسروح تحت حمل بن النابغة، فضربت أم عفيف مليكة بمسطح بيتها وهي حامل فقتلتها، وذا بَطْنِها، فقضى رسول الله ﷺ فيها بالدية وفي جنينها بالغرة، عبدا وأمة، فقال أخوها العلاء بن مسروح: «يا رسول الله، أنغرم من لا أكل ولا شرب، ولا نطق ولا أستهل؟ فمثل ذلك يُطل»، فقال رسول الله ﷺ «أسجع كسجع الجاهلية؟»، ورواه ابن مندة في معرفة الصحابة، ومحمد بن سليمان بن مسمول، ضعيف، وعمرو بن تميم وأبوه لم أجد لهما ذكرًا في مظان وجودهما» (^١).\nوقد خرج هذا الحديث نفسه كل من الزيلعي وابن الملقن في كتابيهما السابق\n_________\n(^١) «إتحاف السادة المتقين»، ج ١/ ٢٤٧، ٢٤٨.","vol":"4","page":1378},{"text":"ذكرهما، وبمقارنة تخريجهما له بتخريج العراقي المذكور آنفا، نجد أن الزيلعي قد خرج الحديث من رواية ستة من الصحابة السبعة الذين خرج العراقي الحديث من روايتهم، وذكر بدلًا من رواية السابع وهو جابر بن عبد الله، رواية صحابي آخر اسمه بريدة (^١)، أما ابن الملقن فخرج الحديث من رواية أربعة فقط من الصحابة الذين خرجه العراقي من روايتهم، وهم: أبو هريرة، والمغيرة بن شعبة، وجابر بن عبد الله، وأبو المليح أسامة بن عمير الهذلي (^٢)، ثم إننا نجد المصادر التي خرج العراقي والزيلعي وابن الملقن روايات الحديث منها متفاوته في العدد، وفي النوع، فالعراقي كما سلف قد خرجه من تسعة مصادر، بينما خرجه الزيلعي من اثني عشر مصدرًا (^٣)، وخرجه ابن الملقن من سبعة مصادر (^٤).\nثم إن كلًا منهم انفرد بتخريج الحديث من بعض المصادر، فالزيلعي من مصادره الاثني عشر: سنن الدارقطني، ومسند أحمد، والبزار، وصحيح ابن حبان، ومستدرك الحاكم (^٥)، بينما لم يخرج العراقي ولا ابن الملقن شيئا من روايات الحديث من تلك المصادر الخمسة، كذلك خرج العراقي بعض روايات الحديث من مسند أبي يعلى، ومعرفة الصحابة لابن مندة، بينما لم يرجع الزيلعي ولا ابن الملقن اليهما، وأيضًا خرّج ابن الملقن بعض روايات\n_________\n(^١) «نصب الراية» ج ٤/ ٣٨١ - ٣٨٤.\n(^٢) «البدر المنير» ج ٦/¬٣٩ أ - ٤٠ ب/ مخطوط مصور.\n(^٣) «نصب الراية»، ج ٤/ ٣٨١ - ٣٨٤.\n(^٤) انظر «البدر المنير» ج ٦/¬٣٩ ب وما بعدها.\n(^٥) «نصب الراية» ج ٤/ ٣٨١ - ٣٨٤.","vol":"4","page":1379},{"text":"الحديث من مسند الشافعي، ومعرفة الصحابة لأبي نعيم (^١) ولكن العراقي والزيلعي لم يرجعا إليهما، ثم اننا نجد العراقي كما سلف قد بين أن رواية أبي المليح أسامة بن عمير، والتي أخرجها الطبراني من رواية أيوب قال: «سمعت أبا المليح عن أبيه» … إسنادها جيد، بينما لم يبين ابن الملقن ذلك (^٢)، ونجد أيضا العكس، وهو أن ابن الملقن قرّر أن رواية جابر لهذا الحديث والتي أخرجها أبو داود وابن ماجه في سندها راو مختلف في توثيقه وتجريحه، ثم رد على من قال بصحتها، وبيان ذلك أنه بعد ذكر تلك الرواية من طريق مجالد عن الشعبي قال: (مجالد، ضعفوه)، وقال يحيى بن معين مرة: (صالح)، ووقع في أصل «الروضة» تصحيح هذا الحديث، وهذا لفظه: وفي الحديث الصحيح أنه ﷺ «قضى بدية المقتولة على عاقلة القاتلة وبرأ زوجها وولدها»\nوعقب على ذلك بقوله: (وقد عرفت ما فيه (^٣) - يعني وجود مجالد المختلف في توثيقه في سنده - وهذا ينافي القول بصحته). أما العراقي فقد خرج هذه الرواية كما مر من مسند أبي يعلى، وأبي داود، وابن ماجه، من طريق مجالد السابق ذكره، ولكن لم يتعرض لبيان حاله، ولا لبيان درجة الحديث. كذلك نجد أن العراقي قد خرج رواية عويم بن ساعدة الهذلي للحديث المذكور من معجم الطبراني بسند فيه محمد بن سليمان، وعمرو ابن تميم عن أبيه، ثم قرر أن محمد بن سليمان ضعيف، وأن عمرو بن تميم وأباه لم يجد لهما ذكرًا في مظان وجودهما من كتب الرجال، ومقتضى هذا أن يكون\n_________\n(^١) «البدر المنير»، ج ٦/¬٣٩ ب وما بعدها.\n(^٢) «البدر المنير» ج ٦/¬٤٠ أ.\n(^٣) «المصدر السابق»","vol":"4","page":1380},{"text":"الحديث ضعيفًا من هذا الطريق باعتبار حال محمد بن سليمان؛ لكن الزيلعي اكتفى بتخريج الحديث من نفس المصدر، وبنفس السند، دون أن يتعرض لبيان درجتة ولا لبيان حال رجال إسناده. (^١)\nونجد أيضًا أن العراقي قد خرج رواية ابن عباس للحديث من سنن أبي داود والنسائي، ثم استطرد إلى نقد المزي بالاستدراك على ما قرره في كتابه «تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف» (^٢)، فذكر أن أبا داود قال في روايته للحديث المذكور: «عن ابن عباس في قصة حمل بن مالك …» وأن المزي في «الأطراف» أدخل الحديث في مرويات حمل بن مالك، ولم يذكره في مرويات ابن عباس، وأن ذلك ليس بجيد، يعني لكون الحديث من رواية ابن عباس وليس من رواية «حَمَل» وإنما ذُكر في سياقه فقط (^٣) لتعلق قصة الحديث به، لكن الزيلعي اكتفى بتخريج رواية ابن عباس هذه من مسند البزار، وصحيح ابن حبان، وسنن النسائي، وأبي داود، وابن ماجه، ولم يتعرض لنقد المزي الذي ذكره العراقي (^٤)\nوهكذا يظهر لنا بالمقارنة التفصيلية بين عمل العراقي وعمل معاصريه في تخريج الحديث الواحد، التفاوت بالزيادة والنقص في عدة جهات، بحيث يتميز جهده وتأليفه عن جهد غيره وتأليفه، ويستفاد من كل منهم ما لا يستفاد من الآخر.\n_________\n(^١) «نصب الراية» ج ٤/ ٣٨٤.\n(^٢) هو في أطراف أحاديث الكتب الستة ولواحقها، انظر مقدمة «تحفة الأحوذي» للمباركفوري ج ١/ ٧٣، ٧٤ ومقدمة تحفة الأشراف نفسه.\n(^٣) «سنن أبي داود» ج ٢/ ٢٥٦ كتاب الديات.\n(^٤) «نصب الراية» ج ٧/ ٣٨٤.","vol":"4","page":1381},{"text":"<span data-type='title' id=toc-488>أثر الكتاب فيما بعده:</span>\nبينت فيما تقدم أن هذا «التخريج الكبير» رغم افتقاد نسخه حاليا، إلا أني وقفت على نصوص متعددة نُقِلَتْ منه، وتداولها حفاظ السنة وعلماؤها في مؤلفاتهم حتى الآن (^١).\nوقد اتضح لي من بحث تلك النقول عمومًا: أن الناقلين قد استكملوا بها في مؤلفاتهم جوانب عديدة، سواء فيما يتعلق بتخريج الأحاديث، أو بيان درجاتها، أو بيان أحوال أسانيدها، أو غير ذلك من بحوث وقواعد علوم السنة التي ضمنها العراقي هذا التخريج، كما اتضح لي أن هؤلاء الناقلين - كما مر - قد وافقوا العراقي على أكثر ما قرره من بحوث وآراء، وأوردوا الكثير منها في معرض الاحتجاج أو الترجيح، ويؤكد ذلك قول ابن خطيب الناصرية وغيره عن هذا التخريج: «وهو مصنف بديع، أَقَرَّ بفضله أهل الحفظ والإتقان، حتى لقد قرأ عليه - أي على العراقي - الحافظ عماد الدين ابن كثير - صاحب التصانيف الشهيرة - شيئًا منه (^٢)، وقد قدمت في الباب الأول أن ابن كثير من شيوخ العراقي الشاميين، وأن قراءته هذه على العراقي كانت في رحلته الأولى إلى الشام (^٣)، ثم إن الإمام تاج الدين ابن السبكي الذي كان مقيما بالشام أيضًا حين تأليف العراقي لهذا التخريج، قد أشار إليه في كتابه «طبقات الشافعية الكبرى» وتبع فيها العراقي في تخريجه لبعض أحاديث الإحياء كما\n_________\n(^١) انظر تعليقات الاستاذ عبد الفتاح أبو غدة على «الرفع والتكميل» للكنوي/ ٩٢، ١٣٣ هامش، وفتح المغيث للسخاوي مبحث الفروع على المرفوع والموقوف/ الخاتمة ١/ ١٥٥ طبعة دار الإمام الطبري.\n(^٢) «مجموع ابن خطيب الناصرية»: ترجمة العراقي والمجمع المؤسس/ ١٧٧ هامش.\n(^٣) انظر ٢/ ٣٥٠، ٣٥١.","vol":"4","page":1382},{"text":"قدمت، وتقدم أيضا أن أبا زرعة ابن العراقي قد قرأ معظم ما بيض من هذا التخريج على والده، كما أني وجدته قد نقل عنه في تكملته لكتاب والده المسمى «طرح التثريب» (^١) كما سيأتي.\nوكل هذا يدل بوضوح على أثر ما حواه هذا التخريج فيما بعده من مؤلفات التخريج، وغيرها من مؤلفات علوم السنة ومؤلفيها.\n\n<span data-type='title' id=toc-489>ب - التخريج المتوسط للإحياء.</span>\n<span data-type='title' id=toc-490>إثبات نسبته إلى العراقي:</span>\nهذا هو ثاني كتاب ألفه العراقي في تخريج أحاديث كتاب «إحياء علوم الدين» ولكن كثيرا من مؤرخي العراقي، قديما، وحديثا، لا يذكرون هذا التخريج ضمن مؤلفاته (^٢) بل إن تلميذه ابن حجر العسقلاني ذكره في إحدى تراجمه له (^٣)، وأهمله في غيرها (^٤)، إلا أن العراقي نفسه قد ذكره ضمن مؤلفاته فقال بعد ذكر «التخريج الكبير» المتقدم: ثم شرعت في تبييضه في مصنف\n_________\n(^١) «طرح التثريب» للعراقي وولده حـ ٨/ ١٩٢.\n(^٢) انظر «مجموع ابن خطيب الناصرية»: ترجمة العراقي، و«ذيل التقييد» لتقي الدين الفارسي/ ٢١٩ ب، و«الأعلام»، ج ٤/ ٢١٩ ب، و«طبقات الشافعية» ١١٠ ب كلاهما لابن قاضي شهبة، و«بهجة الناظرين» للغزالي/ ١٣٠، و«المنهل الصافي» لابن تغري بردي جـ ٢/ ٣١٣ أ و«ذيل تذكرة الحفاظ» للسيوطي/ ٣٧٠، و«شذرات الذهب» لابن العماد/ جـ ٧/ ٥٥، و«هدية العارفين» للبغدادي/ مجلد ١/ ٥٦٢، و«معجم المؤلفين» جـ ٥/ ٢٠٤، و«فهرس الفهارس» للكتاني جـ ٢/ ١٩٨ و«الرسالة المستطرفة» ٥/ ١٤٢ و«مقدمة الشيخ الخضير حسين» ﵀، لطبعة لجنة نشر الثقافة لكتاب الإحياء/ جـ ١/ ص هـ.\n(^٣) «إنباء الغمر» جـ ٢/ ٢٧٦.\n(^٤) «المجمع المؤسس» / ١٧٧ و«ذيل الدرر الكامنة» / ٧١.","vol":"4","page":1383},{"text":"متوسط حجمه (^١)، وقد أقره على هذا غير واحد من تلاميذه وغيرهم (^٢)، وبذلك تثبت نسبة هذا التخريج إلى العراقي.\n\n<span data-type='title' id=toc-491>زمن تأليفه، وما أنجزه العراقي منه:</span>\nبعد أن ذكر العراقي شروعه في تبييض «التخريج الكبير» سنة ٧٦٠ هـ قال: «ثم شرعت في تبييضه في مصنف متوسط حجمه» (^٣)، وهذا يفيد أنه شرع في تأليف هذا «التخريج المتوسط» بعد الفراغ من تسويد «التخريج الكبير» ومن تبييض ما بيضه منه في سنة ٧٦٠ هـ، وقد أقر ذلك الحافظ ابن حجر وغيره (^٤).\nوقد قرر العراقي عدم إكماله لهذا التخريج، حيث قال بعد ذكر شروعه فيه «وأنا مع ذلك متباطئ في إكماله، غير متعرض لتركه وإهماله، إلى أن ظفرت بأكثر ما كنت لم أقف عليه، وتكرر السؤال من جماعة في إكماله فأجبت وبادرت إليه، ولكني اختصرته في غاية الاختصار، ليسهل تحصيله وحمله في الأسفار، فاقتصرت فيه على ذكر طرف الحديث …» (^٥) فهذا يفيد أنه لما نشط لإكماله، بدا له أن يجعله في صورة أخرى مختصرة، وبناءً على ذلك ترك إكمال المتوسط، وشرع في عمل تخريج آخر مختصر وأكمله، غير\n_________\n(^١) «المغني عن حمل الأسفار بهامش الإحياء»، ج ١/¬٨.\n(^٢) انظر «إنباء الغمر» لابن حجر ج ٢/ ٢٧٦ و«لحظ الألحاظ» لابن فهد/ ٢٣٠ و«الضوء اللامع» للسخاوي ج ٤/ ١٧٣ و«مقدمة المناوي لشرحه الصغير لألفية العراقي في السيرة».\n(^٣) «المغني عن حمل الأسفار» بهامش «الإحياء» ج ١/¬٨.\n(^٤) «إنباء الغمر» ج ٢/ ٢٧٦ و«لحظ الألحاظ» / ٢٣٠.\n(^٥) «المغني عن حمل الأسفار» بهامش «الإحياء» ج ١/¬٨.","vol":"4","page":1384},{"text":"أنه كما ترى لم يحدد لنا القدر الذي أنجزه من هذا «التخريج المتوسط»، وقد قرر ابن فهد أن العراقي كتب منه شيئًا يسيرا (^١)، ويؤيد هذا إنصرافه عن إتمامه، إلى الشروع في التخريج المختصر، إذ لو كان أنجز من المتوسط قدرًا كبيرًا، لما هان عليه تركه بدون إتمام، والشروع في غيره.\nلكن ابن حجر العسقلاني، بعد أن ذكر «التخريج الكبير» قال: إن العراقي قد بيضه في نحو نصفه (^٢)، وهذا يفيد أنه أكمله؛ لأنه هو التالي في التأليف للتخريج الكبير. ويبدو أن الأقرب إلى الصواب ما قرره ابن فهد من أن العراقي كتب من هذا «التخريج المتوسط» قدرًا يسيرا فقط، لتوافق هذا مع ما قرره العراقي بنفسه كما بينت آنفًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-492>تسمية الكتاب ومجمل منهج العراقي فيه:</span>\nذكر ابن فهد تفصيلات عن هذا التخريج لم أجد من ذكرها غيره، وهي تفصيلات هامة في التعريف بهذا الكتاب، لأنه يعد حاليا في حكم المفقود كما سيأتي، وقد ذكر ابن فهد أن هذا التخريج مصنف متوسط، بين المطول والمختصر (^٣)، ثم أجمل منهج العراقي فيه فقال: «إنه ذكر فيه أشهر أحاديث الباب» (^٤)، ومعنى ذلك أنه لم يلتزم فيه بما التزم به في التخريجين الكبير والصغير، من تخريج كل أحاديث الباب، ثم ذكر ابن فهد أن العراقي سمى هذا التخريج «الكشف المبين عن تخريج إحياء علوم الدين» (^٥)، ويبدو أن في هذا\n_________\n(^١) «لحظ الالحاظ» / ٢٣٠.\n(^٢) إنباء الغمر ٢/ ٢٧٦.\n(^٣)، (^٤)، (^٥) «لحظ الالحاظ» / ٢٣٠.","vol":"4","page":1385},{"text":"الإسم لفظًا ساقطًا من النساخ هو «أحاديث»، أو «أخبار»، بحيث يكون الإسم هكذا «الكشف المبين عن تخريج أحاديث، أو أخبار، إحياء علوم الدين».\nولما كان ابن فهد ممن عاصر العراقي، وتتلمذ له بالمراسلة، ولولده أبي زرعة بالسماع المباشر، فإن هذه التفصيلات تصلح للاعتماد عليها في تحديد اسم الكتاب، والتعرف على محتواه، ومجمل منهج العراقي فيه.\n\n<span data-type='title' id=toc-493>أثر الكتاب، رغم افتقاد نسخه:</span>\nلقد أطلت البحث في فهارس المكتبات المصرية والعالمية المتاحة، فلم أجد شيئًا من نسخ ما أنجزه العراقي من هذا التخريج، كما لم يوقفني البحث في بطون المراجع العديدة على أي نقول منه، وبذلك يعتبر هذا التخريج في حكم المفقود الآن، لكن هذا لا يعني انعدام أثره العلمي، فقد ذكر ابن فهد أن العراقي حدث تلاميذه ببعضه، وذلك بقراءة تلميذه الهيثمي عليه، وسماع غيره (^١)، وهذا يدل على اعتناء العراقي بتدريسه ونشره، واعتناء تلاميذه بتلقيه عنه واستفادتهم بمحتواه العلمي، ولاسيما الحافظ الهيثمي الذي باشر القراءة منه بنفسه على العراقي.\n\n<span data-type='title' id=toc-494>ج - التخريج الصغير للإحياء.</span>\n<span data-type='title' id=toc-495>زمن تأليفه، وهدف العراقي منه:</span>\nقرر العراقي وغيره من تلاميذه ومؤرخيه، أن هذا ثالث وآخر كتاب ألفه في تخريج أحاديث كتاب (إحياء علوم الدين) للغزالي، فكان تأليفه بعد تأليف التخريجين السابقين: الكبير، والمتوسط، وذلك بعد سنة ٧٦٠ هـ، وقد\n_________\n(^١) «لحظ الألحاظ»» / ٢٣٠.","vol":"4","page":1386},{"text":"اختصره العراقي من «التخريج الكبير» الذي أتم مسودته، كما تقدم سنة ٧٥١ هـ (^١)، مع إضافة تخريج ما وجده من الأحاديث التي لم يكن وقف لها على مصدر من قبل (^٢)، ولم أجد عن العراقي ولا عن غيره تحديدا لتاريخ شروع العراقي في هذا التخريج، لكن بين العراقي بنفسه أنه أكمل تبييضه في يوم الأثنين ١٢ من شهر ربيع الأول سنة ٧٩٠ هـ. (^٣)\nولما كان قد شرع في أول تخريج للإحياء، وهو «التخريج الكبير» سنة ٧٤٥ هـ كما تقدم، فإنه يكون قد شغل نفسه بالتخاريج الثلاثة للإحياء قرابة ٤٥ عاما، من سنة ٧٤٥ هـ إلى سنة ٧٩٠ هـ، وهي مدة أزيد من نصف عمر العراقي، ولما كان «التخريج الكبير» قد اتسعت مباحثه، وبلغ حجمه خمسة مجلدات كما تقدم، فإن العراقي أحس بمشقة استيعابه وصعوبة تداول نسخه على الطالبين، ولهذا صرح بأنه اختصره في هذا التخريج البالغ حجمه مجلدا واحدا، هادفا من ذلك إلى أمرين:\nأولهما: تسهيل استيعابه وتحصيل مضمونه.\n_________\n(^١) في آخر الطبعة الحلبية ج ٤/ ٥٣٢ أنها سنة ٧٦١ هـ وهو خطأ مطبعي لا يعول عليه.\n(^٢) انظر «المغني عن حمل الأسفار» / المقدمة والخاتمة للنسختين المخطوطتين بدار الكتب المصرية تحت رقمي ١٢٨٢، ١٢٥٥/ حديث و«المجمع المؤسس» ١٧٧ و«إنباء الغمر» ج ٢/ ٢٧٦ و«ذيل الدرر الكامنة» / ٧١/ ثلاثتهم لابن حجر العسقلاني و«المنهل الصافي» لابن تغري بردي ج ٢/ ٣١٣ أ.\nو«لحظ الالحاظ»، ٢٣٠ و«الضوء اللامع» للسخاوي ج ٤/ ١٧٣ و«شذرات الذهب» ج ٧/ ٥٥ و«مقدمة شرح المناوي الموجز لألفية العراقي في السيرة» و«فهرس الفهارس» للكتاني ج ٢/ ١٩٧.\n(^٣) «المغني عن حمل الأسفار» وبهامش «الإحياء» ج ٤/ ٥٣٢.","vol":"4","page":1387},{"text":"وثانيهما: تسهيل اقتنائه وحمله، وخاصة في الاسفار (^١)، وقد جعل عنوانه أيضًا معبرًا عن ذلك كما سيأتي.\n\n<span data-type='title' id=toc-496>تسمية العراقي للكتاب ونقدها:</span>\nعُني العراقي بتسمية هذا التخريج فقال في مقدمته:\nوسميته «المغني عن حمل الأسفار في الأسفار، في تخريج ما في الإحياء من الأخبار» (^٢) ويلاحظ أن في هذا الإسم جناسًا تاما في كلمة «الأسفار» المكررة فيه، فالأولى مقصود بها «الكتب الحديثية» والثانية مقصود بها الارتحال والانتقالات من مكان إلى آخر، كما يلاحظ أن العراقي جعل عنوان الكتاب معبرًا عن مضمونه وعن هدفه من تأليفه، حيث إن معنى الإسم المذكور، أن هذا التخريج رغم اختصاره، فإنه قد تكفل ببيان مصادر ودرجات أحاديث كتاب الإحياء، بحيث يغني من يحصل عليه، وخاصة المسافر، عن مشقة اصطحاب مئات من كتب السنة وعلومها، للوقوف منها على مخرج ودرجة أي حديث يحتاج إليه مما تضمنه كتاب الإحياء، وهذا مصداق ما قيل: «إن كل الصيد في جوف الفرا» ومن يرجع إلى هذا التخريج يجد من كثرة مصادره ما يطابق عنوانه، كما سنوضحه في بيان مصادر العراقي فيه بعون الله، إلا أن قوله: «في تخريج ما في الإحياء من الأخبار» لا يستقيم إلا على أنه من باب إطلاق الكل، وإرادة البعض، وذلك أن الغزالي في الإحياء قد أطلق «الخبر» على ما هو أعم مما التزم العراقي بتخريجه، فالغزالي يطلق «الخبر» على الأحاديث التي ينسبها صراحة إلى\n_________\n(^١)، (^٢) «المغني بهامش الإحياء» ج ١/¬٨، ٩ و(مقدمة الكتاب) نسخة دار الكتب المخطوطة.","vol":"4","page":1388},{"text":"الرسول ﷺ وعلى الآثار التي يذكرها موقوفة على بعض الصحابة، وعلى الإسرائيليات، وغير ذلك من أنواع الأخبار التي تضمنها «الإحياء» كما أشرت إلى ذلك في مبحث «شرط العراقي في التخريج الكبير» وسيأتي كذلك توضيحات أخرى من العراقي نفسه لبيان ما أطلق عليه الغزالي اسم «الخبر» أو «الأخبار» وهو ليس حديثا مرفوعا، وبمقتضى تعميم الغزالي هكذا مفهوم «الخبر» فإن تعبير العراقي في تسميته لكتاب بقوله «في تخريج ما في الإحياء من الأخبار» قد أشعر القارئ لعنوان الكتاب، بأنه ضمنه تخريج كل ما أطلق عليه الغزالي اسم «الخبر»، بينما الواقع أن العراقي لم يخرج حتى كل الأحاديث المرفوعة الواردة في الإحياء؛ ولهذا فإنه اضطر إلى التنبيه في عدة مواضع خلال التخريج، على أنه اشترط فيما يتصدى لتخريجه ما يخصص عموم عنوان الكتاب، ويقصر التزامه فقط، على تخريج الأحاديث التي يصرح الغزالي برفعها، أو التي يشير إلى رفعها بعبارة صريحة، كما قدمت في بيان شرطه في «التخريج الكبير»، وكما سيأتي في بيان شرطه في هذا «التخريج الصغير»، وعليه، فإنه كان الأدق، والأنسب لما جرى عليه الغزالي في الكتاب المخرج، والمطابق أيضا لمضمون تخريج العراقي هذا، أن يعنونه مثلا بقوله: «المغني عن حمل الأسفار في الأسفار، في تخريج ما في الإحياء من مرفوع الأخبار» أو يعبر «بالحديث» بدل «الخبر» كأن يقال «مغني الأحياء، في تخريج أحاديث الإحياء»؛ لأني خلال قراءتي لكتاب «الإحياء» بأكمله، لم أجد الغزالي يطلق فيه «الحديث» على غير المرفوع إلى الرسول ﷺ إلا نادرا (^١)، كما أن الذي خرجه العراقي من أنواع\n_________\n(^١) ينظر «الإحياء» ٤/ ٣٩٢","vol":"4","page":1389},{"text":"الأخبار غير المرفوعة، زيادة على شرطه الذي نبه عليه خلال الكتاب يعتبر قليلا، بحيث لا يخل بالتعبير بـ «الأحاديث» في عنوان الكتاب، في حين يحصل الخلل بذكر «الأخبار» هكذا مطلقة في العنوان، بسبب نقص مضمون الكتاب عن عنوانه، كما تقدم.\nومما يؤيد أولوية ذكر «الأحاديث» بدل «الأخبار» في العنوان، أن العراقي قد عبر به خلال الكتاب كله، حيث يقول في بداية أغلب ما يتصدى له: «حديث كذا ..»، ثم يذكر تخريجه له، أو بيان أنه لم يجده، أو لم يجد له أصلا، مطلقا أو مقيدا، سواء ذكر الغزالي ذلك باسم «الخبر» وهو الغالب، أو بغيره كما سيأتي في بيان شرطه في هذا الكتاب.\nومع أن العراقي قد نص على تسمية الكتاب في مقدمته، بالاسم المسجوع السابق ذكره، فإن الكتاب قد عُرف أيضًا بغير هذا الاسم، فأطلق عليه غير واحد من تلاميذ العراقي وغيرهم، اسم «التخريج المختصر» أو «التخريج الصغير» (^١)، وهذان الاسمان باعتبار مقارنة الكتاب بالتخريجين السابقين، وهما: «الكبير»، و«المتوسط».\n_________\n(^١) ينظر لابن حجر العسقلاني/ (الجمع المؤسس) / ١٧٧ (مخطوط) و(إنباء الغمر) ٢/ ٢٧٦، و(ذيل الدرر الكامنة) / ٧١ (مخطوط) ولا بن قاضي شهبة: (الأعلام) ٤/¬٢٩ ب (مخطوط) و(طبقات الشافعية) / ١١٠/ ب (مخطوط) / ولا بن فهد المكي - تلميذ المؤلف -/ (لحظ الألحاظ) / ٢٣٠، وللتقي الفاسي/ (ذيل التقييد) ٢١٩/ ب (مخطوط) / وللسخاوي/ (الضوء اللامع) ٤/ ١٧٣، وللسيوطي/ (ذيل تذكرة الحفاظ) / ٣٧٠، والغزي/ (بهجة الناظرين) / ١٣٠ (مخطوط) وللمناوي/ (مقدمة شرحه الموجز لألفية العراقي في السيرة). وللكتاني/ (فهرس الفهارس) ٢/ ١٩٧ ولابن عراق/ (تنزيه الشريعة) ٢/ ٢٠٨.","vol":"4","page":1390},{"text":"ونظرًا لشهرة هذا الكتاب عن سابقيه، وانتشاره، منذ تأليفه، في بلاد العالم الإسلامي، شرقًا وغربًا، فإنه إذا أطلق «تخريج الإحياء» كان هو المقصود، غالبًا، كما ظهر لي ذلك من مقابلة كثير من نقول العلماء عنه، وإحالاتهم عليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-497>أهم نسخ الكتاب الخطية في مكتبات العالم:</span>\nاتفق مؤرخو العراقي على أن هذا التخريج يقع في مجلد واحد لطيف، أو ضخم الحجم، بحسب تفاوت حجم الخط المكتوب به (^١).\nوذكر غير واحد أيضًا من تلاميذ العراقي وغيرهم، أن هذا التخريج بعد أن بيضه العراقي كتبت منه نسخ عديدة، واشتهرت في حياته، وتداولها الناس داخل مصر وخارجها، بحيث جعله ذلك يتباطأ عن إكمال تبييض «التخريج الكبير»، لما رأى انتشار نسخ هذا «التخريج الصغير»، والإقبال الشديد عليه، حتى سارت به الركبان إلى الأندلس وغيرها من البلدان (^٢).\nوقد وجدت مصداق ذلك فعلًا عندما قمت بتتبع نسخه الخطية الموجودة حاليًا في كثير من مكتبات العالم، وذلك كما يلي:\n١ - في دار الكتب المصرية وقفت على ثلاث نسخ، أهمها نسخة تحت رقم\n_________\n(^١)، (^٢) «ذيل الدرر الكامنة» لابن حجر/ ٧١ و«الأعلام» ج ٤/ ٢١٩ ب و«طبقات الشافعية» / ١١٠ ب، كلاهما لابن قاضي شهبة، و«لحظ الألحاظ» لابن فهد/ ٢٣٠ و«المنهل الصافي» لابن تغري بردي ج ٢/ ٣١٣ أ، و«المجمع المؤسس» / ١٧٧، و«إنباء الغمر» ج ٢/ ٢٧٦ كلاهما لابن حجر، و«شذرات الذهب» لابن العماد ج ٧/ ٥٥ و«مقدمة شرح المناوي الموجز لألفية العراقي في السيرة».","vol":"4","page":1391},{"text":"/ ٧٩٢ حديث طلعت، وقد لقب العراقي في عنوانها بـ «ولي الدين» وهو لقب ابنه أحمد كما تقدم، فلعل هذا سهو أو خلط من كاتب عنوان النسخة، وهذا لا يغض من قيمتها، نظرا لتوثيق محتواها الداخلي كما سأوضحه، وهذه النسخة تقع ضمن مجموعة هي أولها، ويليها كتاب آخر في التخريج أيضًا، لقرين العراقي، ابن الملقن وفي نهايته أنه كتب في سلخ (أي أواخر) جمادى الأولى سنة ٧٩١ هـ، ولم يكتب بآخر نسخة الإحياء التي هي أول المجموعة تاريخ لنسخها، فلعل التاريخ المذكور هو تاريخ الفراغ من الكتابين المكونين للمجموعة، نظرًا لكون نسخة تخريج الإحياء هي أول المجموعة، وكتاب ابن الملقن الوارد بآخره تاريخ النسخ المذكور، هو آخرها، وخط الكتابين متشابه جدًا، وعليه تكون نسخة تخريج الإحياء هذه هامة لكونها مكتوبة سنة ٧٩١ هـ، أي في حياة العراقي، وفي السنة التالية لتبييضه للكتاب، كما أنها تعتبر أقدم ما وقفت عليه من نسخ الكتاب، ثم إنه قد كتب بأحد هوامشها ما نصه (بلغت مقابلة على نسخة معتمدة عليها خط المصنف) (^١)، وفي موضعين آخرين من هوامشها كتب أيضًا: (أنها بلغت مقابلة على نسخة قرئت على المصنف وعليها خطه) (^٢)، وذلك يُعتبر توثيقا جيدا تظهر منه صحة النسخة، وقد قمت بالتحقق العملي من ذلك، فقابلت نماذج عديدة منها، وخاصة في المواضع المشكلة - بنسخة أخرى بدار الكتب أيضًا، وعليها عدة توثيقات (^٣) فوجدت تلك النسخة أكمل نصوصًا، وأصح من الأخرى، سواء\n_________\n(^١) انظر هامش ورقة/ ٣٩ أ\n(^٢) انظر هامش ورقتي/ ٤٥ أ، ٦٤ أ.\n(^٣) هي النسخة رقم ١٢٨٢ حديث دار الكتب.","vol":"4","page":1392},{"text":"في سياق الكلام، أو في بيان المصادر المخرج منها الحديث، أو في تحديد درجته، أو بيان علته، أو غير ذلك (^١)، كما وجدتها أيضًا موافقة للنسخة التي اعتمد عليها الزبيدي في شرحه للإحياء (^٢)، وهو مُحدّث، وخبير بالنسخ الخطية، وقلما وجدتها تشارك النسخة الأخرى في وجود نقص أو خلل (^٣)، أو تقديم أو تأخير في ترتيب بعض الأحاديث عما في طبعات كتاب الإحياء التي بين أيدينا (^٤)، وهذا مما يجعلني أوصي بالإعتماد على تلك النسخة لتكون أصلا، مع الاستعانة بغيرها من النسخ الموثقة، سواء في بحث الكتاب، أو في النقل عنه والإستفادة منه، أو تحقيق نصوصه وطبعه.\nوتقع تلك النسخة في ١٨٩ ورقة، حسب إحصاء المفهرسين، وقد وجدتُ عدد سطور كل صفحة منها ٢٥ سطرًا، وخطها نسخ واضح، والكلمات المشكله الضبط، مضبوط غالبها بالحركات.\n٢ - أما باقي نسخ الكتاب المنتشرة في مكتبات العالم شرقا وغربا، فلم يتح لي التعرف عليها إلا من خلال فهارس المكتبات الموجود بها النسخ، بالإضافة إلى بحوث ومؤلفات مؤرخي التراث من شرقيين ومستشرقين، وفي هذه الحدود أعرف بها على النحو التالي:\nأ - نسخة بالمكتبة الظاهرية بدمشق تحت رقم/ ٣١٩ حديث، وهي نسخة\n_________\n(^١)، (^٢) انظر أوراق/ ٣ أ، ٤ ب، ٩ أ، ١٨ ب، وقارن بالنسخة الأخرى ص ٥، ٦،، ١٠، ٤٢ و٥ «بشرح الإحياء» ج ١/ ١١١، ١٣٨، ٢٦٥، ٢٦٦.\n(^٣) انظر ورقة ٣ أ حديث كان رسول الله ﷺ أميا لا يحسن الكتابة، وقارن بالنسخة الأخرى ص ٦ و٥ «بشرح الإحياء» ج ١/ ١٤٩.\n(^٤) انظر ورقة ١٨ أ وقارن بالإحياء ط الحلبي ج ١/ ٢٠٤ - ٢٠٧ أحاديث صلوات الأسبوع.","vol":"4","page":1393},{"text":"جيدة عليها خط العراقي، وبذلك تكون موثقة ومكتوبة في حياته، وهي موجودة ضمن مجموعة وتقع في أولها من ورقة ١ - ١٨٠ (^١).\nب - نسخة بمكتبة وقف آل يحيى، بجانب مدرسة البنات بتريم، حضرموت - اليمن، وهي أيضًا نسخة موثقة، لأنها منقوله عن نسخة العراقي نفسه، وذلك في سنة ٨٤٩ هـ (^٢).\nج - توجد نسخ كثيرة بمكتبات تركيا، وقد وقفت على ذكر ١٢ نسخة منها بفهارس عدة مكتبات باستانبول وحدها (^٣).\nد - وفي فهرس مخطوطات الموصل بالعراق، ذكرت ضمن مخطوطات جامع الباشا نسخة تحت رقم/ ١٠٠ بعنوان «تخريج أحاديث الإحياء» دون ذكر اسم المؤلف. (^٤) فلعلها نسخة من هذا التخريج، نظرًا لما قدمته من أنه إذا أطلق تخريج أحاديث الإحياء، يكون المقصود هو هذا التخريج الصغير.\n_________\n(^١) انظر (الفهرس القديم للمكتبة الظاهرية) / فن الحديث والمنتخب من مخطوطات الحديث بها للشيخ محمد ناصر الدين الألباني.\n(^٢) انظر: «فهرس المخطوطات اليمنية في حضرموت» لعبد اللاه محمد الحبشي ص ٣٦.\n(^٣) انظر: «فهرس مكتبة آيا صوفيا» تحت رقم/ ٢٠٨٢/ تصوف، و«فهرس مكتبة كويريلي زادة» تحت رقم/ ٢٦٠ حديث و«فهرس مكتبة ولي الدين» تحت رقمي ٨٤٧، ٨٤٨ حديث، و«فهرس مكتبة نور عثمانية» تحت رقم/ ١٢٧٠ حديث: و(فهرس مكتبة يني جامع) تحت رقمي/ ٢٩٥، ٢٩٦، و«فهرس مكتبة راغب باشا»، تحت رقمي: ٦٤٩، ٦٥٠ تصوف: و«فهرس مكتبة محمد مراد المعروف بقاضي عسكر» تحت رقمي/ ٣٥٥، ٣٥٧ حديث وأصوله و«الفهرس المخطوط المكتبة فيض الله أفندي» تحت رقم ٢٨٤ علم الحديث.\n(^٤) انظر: «فهرس مخطوطات الموصل» للدكتور داود جلبي/ ٥٤.","vol":"4","page":1394},{"text":"هـ - نسخة بالمكتبة الأصفيه بالهند تحت رقم/ ٦٧٤ (^١)\nو- نسخة بمكتبة دير الإسكوريال بأسبانيا تحت رقم/ ١٤٦٦ (^٢)\nالنتيجة:\nوهكذا انتشرت فعلا النسخ الخطية لهذا الكتاب في أرجاء العالم، من الهند شرقا، حتى الأندلس غربا، ويستطيع الباحث على أساس ما قدمت أن يحصل على عدد وفير من تلك النسخ، بحيث يمكنه من الوصول إلى نص موثق لهذا التخريج، أقرب ما يكون إلى الصحة والكمال.\n\n<span data-type='title' id=toc-498>طبعات الكتاب، تعريف وتقويم ونقد:</span>\nيعتبر هذا الكتاب أول ما طبع من مؤلفات العراقي عموما - حسب علمي وبحثي بأقصى ما أمكنني -، وقد تعددت طبعاته، مُسْهِمَةً في توسيع دائرة انتشاره، وإفادته، لخروجه من حيّر المخطوطات إلى رحاب المطبوعات، منذ قرابة قرن من الزمن، لكنها جميعًا طبعات غير مستقلة بذاتها، بل منها ما هو متضمن في غيره، ومنها ما هو بمصاحبة الكتاب المخرج، وهو كتاب «إحياء علوم الدين» (^٣).\n١ - فأما المتضمنة في غيرها فهي طبعة ضمن كتاب «شرح الإحياء» السابق\n_________\n(^١) انظر (فهرس المكتبة الأصفية) ج ١/ ١٣٠ ووتاريخ الأدب العربي، لبروكلمان ملحق ١/ ٧٤٩\n(^٢) انظر (فهرس المكتبة) ج ١/ ٩١ وبروكلمان ملحق ١/ ٧٤٩.\n(^٣) ثم ظهرت أخيرا طبعة مستقلة للكتاب، مع فهارس مفيدة، بعناية الأخ الأستاذ أشرف عبد المقصود، نشر دار طبرية بالرياض سنة ١٤١٥ هـ.","vol":"4","page":1395},{"text":"ذكره للإمام الزبيدي، فقد قال في مقدمته: «ومن الكتب التي أعتمد في تخريج أحاديث الكتاب عليها «المغني عن حمل الأسفار»، للحافظ العراقي/ في مجلد، فأذكر كلامه عقيب الحديث» (^١) وبمراجعتي لعدة مجلدات من هذا الشرح، وجدته فعلا ينقل كلام العراقي بنصه غالبا، وبهذا يكون الشرح المذكور قد تضمن كتاب «المغني عن حمل الأسفار»، بأكمله.\nوقد وقفت على ثلاث طبعات متتالية لهذا الشرح المشتمل على كتاب التخريج المذكور، وأقدم تلك الطبعات، طبعة مدينة فاس ببلاد المغرب سنة ١٣٠٤ هـ، وهي تقع في ١٣ مجلدا، ومنها نسخ بدار الكتب المصرية (^٢).\n* أما الطبعة الثانية: فكانت في المطبعة الميمنية بمصر سنة ١٣٢٣ هـ وتقع في عشرة مجلدات كبار، وهي التي اعتمدت عليها في بحثي هذا.\n* ثم طبع الشرح مؤخرًا في بيروت طبعة مصورة عن الطبعة السابقة، ولم يثبت عليها تاريخ الطبع.\n٢ - وأما طبع الكتاب بمصاحبة «الإحياء» فقد طبع أيضًا عدة طبعات وفي جميعها طبع كتاب الإحياء بأعلا الصفحة، والتخريج بهامشها الأسفل، موزعًا ومرتبا حسب موقع الأحاديث في الإحياء أعلاه، مع ذكر رقم مسلسل للحديث في كل صفحة من الإحياء على حدة، وذكر نفس الرقم بهامشها ثم كتابة التخريج بجانبه، وهكذا …، مع عدم ترقيم ما لم يُخرجه العراقي، وما تكرر، ولم يُعد العراقي الكلام عليه، أو التنبيه على أنه تقدم، أو سيأتي بعد.\n_________\n(^١) «إتحاف السادة المتقين» للزبيدي ج ١/¬٤.\n(^٢) انظر: (فهرس الكتب العربية) المودعة بدار الكتب المصرية حتى نصف سنة ١٩٢٤ م ج ١/ ٢٦٠.","vol":"4","page":1396},{"text":"ويعتبر قرن كتاب المغني هذا، بكتاب الإحياء في الطبع على النحو المذكور عملًا علميًا مشكورًا، حيث تتحقق به الفائدة المقصودة من كتاب التخريج في وقت ومكان الإطلاع على الكتاب المخرج، وهو «الإحياء»، وبذلك يتوفر على القارئ والباحث، الجهد، والوقت، وتتضاعف الفائدة، بمعرفة مصدر ودرجة الحديث المستدل به على مشتملات كتاب «الإحياء» العديدة. على أنه من الممكن طبع كتاب المغني وحده، والإستفادة به كبقية كتب التخريج التي طبعت مستقلة عن الكتب التي ألفت في تخريج أحاديثها «كنصب الراية في تخريج أحاديث الهداية» للزيلعي، رفيق العراقي و«كالدراية في تخريج أحاديث الهداية» أيضًا للحافظ ابن حجر، تلميذ العراقي وقد أشرت لصدور طبعة له هكذا مؤخرًا.\nأما أقدم طبعة وقفت عليها لتخريج العراقي هذا مع كتاب «الإحياء» على الصورة التي وَصَفْتُ فهي طبعة المطبعة العثمانية المصرية بالقاهرة، على نفقة عثمان خليفة ﵀، وقد ابتدأ فيها في ربيع الأول سنة ١٣٥٢ هـ الموافق يونيه سنة ١٩٣٣ م، وفرغ منها في أوائل ذي القعدة من نفس السنة، وهي تقع في ٤ أجزاء متوسطة، حسب تجزئة الإحياء في هذه الطبعة، وفي مقدمة الطبعة ذكر مصححها الشيخ محمد محمد الفضالي ﵀ أحد علماء الأزهر الشريف، أنه قد اعتمد في طبع التخريج على نسختين خطيتين لا شك في ضبطهما ولا مين، إلا أنه لم يذكر أية بيانات أخرى عنهما، وهذا مخالف لقواعد تحقيق الكتب ونشرها، حيث تقضي بضرورة تعريف النسخ المعتمد عليها تعريفا كافيًا، بوصفها، وبيان مدى توثيقها، وتحديد مكان وجودها، ورقمها في مكان حفظها إن وجد، وذلك حتى","vol":"4","page":1397},{"text":"يستطيع الباحث تقدير مدى صحة الطبعة، والتعويل عليها، والرجوع إلى النسخ المعتمد عليها لأي داع يعن له (^١).\nولقد قمت من جانبي بالبحث والمقارنة بين نسخ ذلك التخريج الخطية بدار الكتب المصرية، وبين تلك الطبعة، فوجدتها مأخوذة عن نسختين:\nأولاهما: تحت رقم/ ١٢٨٢ حديث.\nوثانيتهما: تحت رقم/ ١٢٥٥ حديث، وذلك لعدة دلائل:\n- منها: وجود ترقيم للصفحات وعلامات مراجعة بالهوامش، وكلاهما بقلم واحد وخط وحد في النسختين (^٢)، كما يوجد بهوامش النسختين وبنفس الخط، بيان تقسيمهما حسب أجزاء «الإحياء» في تلك الطبعة (^٣).\n- وأيضًا التعليقات على التخريج بهذه الطبعة، والمنسوبة لهامش الأصل المعوّل عليه في الطبع، موجودة بنصها بهامش النسخة الأولى من هاتين النسختين، (^٤) بل إن عددًا من التعليقات غير المعزوة لمصدر في هذه الطبعة موجودة نصا بهامش تلك النسخة أيضًا (^٥)، وبذلك يثبت أن النسختين المذكورتين هما اللتان اعتمد عليهما في تلك الطبعة.\n_________\n(^١) انظر: «قواعد تحقيق المخطوطات» للدكتور صلاح الدين المنجد ص ٢٨ و٢٩.\n(^٢) انظر مثلا بالنسختين: الباب الأول من كتاب آداب تلاوة القرآن.\n(^٣) انظر بالنسختين: كتاب الحج باب الأعمال الباطنة، وكتاب آفات اللسان، الآفة الثامنة، وآخر كتاب ذم الغرور.\n(^٤) انظر مثلا التعليق على حديث «سوداء ولود» ص ١٠٠ بالمخطوطة، وقارنه بالمطبوعة ج ٢/¬٢٤.\n(^٥) انظر مثلا التعليق على حديث «أكثروا معرفة الفقراء» ص ٢٧٤ بالمخطوطة وقارنه بهذه الطبعة جـ ٤/ ١٧٠.","vol":"4","page":1398},{"text":"ورغم أن النسخة الأولى منهما قد أثبت بهوامشها أنها قوبلت بغيرها، فإن فحصي التفصيلي لكلا النسختين، أظهر لي عدم صلاحيتهما لتكون أي منهما أصلا معتمدا لتحقيق نصوص هذا التخريج، وذلك لأمور منها:\n- أنهما نسختان محدثتان جدا، فالأولى منسوخة سنة ١١٨٨ هـ والثانية منسوخة سنة ١٣٠٧ هـ، وليس عليها توثيقات.\n- كما إنه يوجد بكلتا النسختين سقط في عدة مواضع، ومنه في النسخة الأولى مازاد على سطرين (^١)، وفي النسخة الثانية ما بلغ تخريج حديث بأكمله (^٢)، ولم يعالج المحقق في تلك الطبعة كثيرا من هذا السقط (^٣)، كذلك يوجد بالنسخة الثانية كلمات وعبارات ترك الناسخ مكانها بياضا، حتى في مقدمة الكتاب.\nوعلى ذلك يكون قول المحقق: إن هاتين النسختين المعتمد عليهما لاشك في ضبطهما ولا مين، قول عري عن الصواب، لمخالفته لواقع النسختين، ثم إن هذه الطبعة قد اشتملت على أخطاء مطبعية متعددة، ولم يقم المحقق بالتنبيه على صوابها (^٤)، وبالتالي تكون تلك الطبعة عموما، غير كافية في الحصول على نص للتخريج أقرب إلى الصحة والكمال، ولذا ينبغي على من يريد\n_________\n(^١) انظر مثلا تخريج حديث (قيل يا رسول الله أي الأعمال أفضل) ص ١٢ من هذه النسخة وقارنه بنسخة طلعت السابق وصفها/ ق هـ ب وبالطبعة ج ١/ ٨١\n(^٢) انظر مثلا تخريج حديث عمر في حنين الجذع/ ٥٤ ب، ٥٥ أ وقارنه بالنسخة الأولى/ ٧١ وبالمطبوع ج ١/ ٣١٩.\n(^٣) انظر تخريج حديث «قيل يا رسول الله أي الأعمال أفضل السابق ذكره».\n(^٤) انظر مثلا: «تخريج حديث أبي هريرة: لأن أقول سبحان الله والحمد لله» (الحديث) ص ٦٧ بالنسخة الأولى، ٥١ ب بالثانية وح ١/ ٢٦٩، ٢٧٠ بالمطبوع.","vol":"4","page":1399},{"text":"الإستفادة بهذا التخريج على الوجه اللائق أن يرجع بجانب تلك الطبعة إلى نسخة خطية، تكون أصح من النسختين المعتمد عليهما فيها، مثل بعض النسخ التي قدمت التعريف بها.\n* ثم وقفت على طبعة أخرى لهذا التخريج بهامش الإحياء مثل الطبعة السابقة، وذلك في طبعة الإحياء التي قامت بها بالقاهرة - لجنة نشر الثقافة الإسلامية خلال سنتي ١٣٥٦ هـ، ١٣٥٧ هـ، وهي تقع في ١٦ جزءًا حسب تقسيم الإحياء في تلك الطبعة، ولم تذكر اللجنة في تقديمها لتلك الطبعة بيان الأصل الذي اعتمدت عليه في طبع التخريج، فقمت من جانبي بفحص ومقابلة نماذج عديدة منها، وتبين لي أن اللجنة قد اعتمدت كلية في تلك الطبعة على الطبعة العثمانية السابقة، لدرجة أن الأخطاء المطبعية التي في العثمانية موجودة كما هي في هذه الطبعة (^١)، وعليه فإن ما قررته بشأن الطبعة العثمانية ينسحب عليها.\n* وقد وقفت على طبعة ثالثة لهذا التخريج بهامش كتاب الإحياء أيضًا كسابقتيها، وقد قام بهذه الطبعة شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي بالقاهرة، وأشرف على تصحيحها الشيخ احمد سعد علي، من علماء الأزهر الشريف، وتمت طباعتها يوم الإثنين ١١ شعبان سنة ١٣٥٨ هـ؛ وفي مقدمة هذه الطبعة جاء تحت عنوان «إفهام حقيقة» بعض الأخطاء العلمية والمغالطات، ومنها: «أن المسئولين عن هذه الطبعة قد استحضروا أصح النسخ للإعتماد\n_________\n(^١) انظر مثلًا تخريج حديث أبي هريرة: «لأن أقول سبحان الله والحمد لله» (الحديث) ج ٣/ ١٥٣ وقابله بالعثمانية ج ١/ ٢٦٩، ٢٧٠ فستجد بهما كلمة «المستفرق»، والصواب «المستغفري» كما في المخطوطين المعتمد عليهما في العثمانية وغيرهما من النسخ الموثقة.","vol":"4","page":1400},{"text":"عليها، مع الرجوع أيضًا إلى شرح الإحياء المتقدم ذكره، للزبيدي (^١)، ولقد رجعت إلى هذه الطبعة، وقرأت فيها كتابي التخريج والإحياء معا من أولهما إلى آخرهما، وهي التي اعتمدت عليها في هذا البحث، لكن مع الاستعانة بنسخة دار الكتب الموثقة السابق التعريف بها، وبشرح الإحياء، وقد قابلت نماذج عديدة من التخريج في هذه الطبعة، بما في الطبعة العثمانية السابقة، فتبين لي تطابق الطبعتين تمامًا، سواء في نص التخريج، أو في التعليقات التي عليه، بما فيها التعليقات المعزوة إلى شرح الإحياء، بل تطابقت الطبعتان في بعض الأخطاء المطبعية (^٢)، وبذلك تكون هذه الطبعة مأخوذة عن الطبعة العثمانية، وفي درجتها، مع وجود بعض أخطاء مطبعية فيها ليست في العثمانية» (^٣).\nوعليه فإن ما ذكر في مقدمتها من أنه قد اعتمد فيها على أصح نسخ التخريج، وعلى شرح الإحياء، يعتبر افتراء ومغالطة، وأنبه لذلك كل قاريء لهذه الطبعة، كما أنه قد جاء في مقدمتها أيضًا: أن العراقي قد يشير إلى من ينسب إليهم الحديث من المخرجين بطريق الرمز بالحروف مثل «خ» للبخاري و«م» لمسلم (^٤). وفي تقديري أن هذا أيضًا افتراء على العراقي، بدليل أن\n_________\n(^١) «الإحياء» ج ١/¬٧.\n(^٢) انظر مثلا «تخريج حديث أبي هريرة: لأن أقول سبحان الله والحمد لله» (الحديث) ج ١/ ٢٦٩، ٢٧٠ في العثمانية وج ١/ ٣٠٧ الحلبية.\n(^٣) انظر مثلا «تحديد تاريخ فراغ العراقي من مسودة التخريج»، في نهاية الجزء الرابع من كل من هذه الطبعة والعثمانية، ثم قارنه بآخر النسختين الخطيتين المعتمد عليهما في العثمانية، وبمقدمة العراقي للتخريج في كل النسخ والطبعات الأخرى.\n(^٤) انظر مقدمة الإحياء ط الحلبي ج ١/¬٧.","vol":"4","page":1401},{"text":"نسخة هذا التخريج الموجودة بدار الكتب المصرية تحت رقم/ ٧٩٢/ حديث طلعت والمقابلة على نسخة مقروءة على العراقي، وعليها خطه كما تقدم، لم أجد بها شيئًا من هذه الرموز، بل وجدتُ كلا من أسماء المخرجين، وأسماء مصنفاتهم المخرج منها الحديث، مذكورة بدل الرموز (^١).\nنعم وجدت هذه الرموز في النسختين الخطيتين المعتمد عليهما في الطبعة العثمانية، وهما - كما بينت - غير صالحتين للاعتماد عليهما لتكون أي منهما أصلا، فذكر هذه الرموز فيهما لا يقطع بنسبتها إلى العراقي، بل يبدو لي أنها من عمل النساخ، تخفيفا على أنفسهم، وانتقلت تلك الرموز من هاتين النسختين إلى الطبعة العثمانية، وما تلاهما حتى الآن، ويدل لذلك: أن بعض هذه الرموز مذكور على خلاف اصطلاح المحدثين، مثل ذكر حرف «الدال» عدة مرات، رمزا للإمام أحمد (^٢)، بينما هي عند المحدثين رمز لأبي داود (^٣)، فلو كان العراقي هو الذي استعمل هذه الرموز، لجري فيها على اصطلاح المحدثين، وبذلك تكون نسبتها إلى العراقي غير صحيحة، فليتنبه لهذا أيضًا كل قاريء لهذه الطبعة.\nثم إني قد اطلعت على عدة طبعات أخرى لهذا التخريج بهامش كتاب الإحياء أيضًا، وبعضها مؤرخ بتواريخ متأخرة عن الطبعات السابقة (^٤)،\n_________\n(^١) انظر مثلا النسخة المذكورة ق/ ٩ أ، ٢٩ أ وقابل بالمطبوعة ج ١/ ١٣١، ٣٠٢.\n(^٢) انظر مثلا: «المغني» بهامش ط الحلبي ج ١/ ١٣٥ حديث ١، ١٣٧ حديث ٥، ١٣٨ حديث ٢ وقارن بشرح الإحياء ج ٢/ ٤٣٢، ٣٤٨، ٣٤٩.\n(^٣) انظر «الجامع الصغير» للسيوطي ج ٢/ ٥٢ وشرحه «فيض القدير» للمناوي ج ١/¬٢٤.\n(^٤) مثل طبعة دار الشعب بالقاهرة سنة ١٩٦٩ م.","vol":"4","page":1402},{"text":"وبعضها بدون تاريخ، ولكني وجدتُ الكل مأخوذا عن الطبعات التي قدمت التعريف بها، بدليل الإتفاق معها حتى في بعض الأخطاء المطبعية. (^١)\nنتيجة واقتراح:\nوعلى ضوء ما قدمت يظهر لنا أنه ما عدا الطبعة المتضمنة في شرح الإحياء من هذا التخريج، فإن باقي الطبعات حتى الآن، ترجع إلى نسختين خطيتين، وهما غير صالحتين للإعتماد عليهما لتكون أي منهما أصلا في تحقيق نصوص الكتاب، حيث توجد عدة نسخ أصح وأكمل منهما، ولذا فإن الكتاب ما زال إلى الآن بحاجة إلى إعادة طبعه، طبعة محققة تحقيقا علميا بواسطة مختص بعلوم السنة معتمدًا في ذلك على أكبر عدد ممكن من نسخ الكتاب الصحيحة الموثقة، كما قدمت التعريف ببعضها، كما أني أقترح أن تنشط عزيمة المحقق لعمل عدة فهارس فنية تيسر الاستفادة بمشتملات الكتاب، وفي طليعتها فهرس عام للأحاديث المخرجة في الكتاب مرتبة على حروف المعجم ومحالة على موضوع الحديث بالكتاب والباب، حتى يستفاد منه في الجملة على أي طبعة، مع ذكر إحالة أخرى مثل رقم الحديث في الطبعة أو الجزء والصفحة؛ لسهولة الرجوع إلى أي حديث يحتاج إليه من طريق قريب وبالله التوفيق\n_________\n(^١) انظر مثلًا: تخريج حديث أبي هريرة: لأن أقول سبحان الله والحمد لله (الحديث) في طبعة دار الشعب ج ٣/ ٥٤١ وقارنه بطبعة لجنة نشر الثقافة ج ٣/ ١٥٣ وبالطبعة العثمانية ج ١/ ٢٦٩، ٢٧٠ وبالحلبية ج ١/ ٣٠٧","vol":"4","page":1403},{"text":"<span data-type='title' id=toc-499>منهج العراقي في هذا التخريج</span>\n<span data-type='title' id=toc-500>«تحليل ومقارنة ونقد»</span>\nعني العراقي في مقدمة هذا التخريج، وخلاله، ببيان العناصر الأساسية لمنهجه في تأليفه، ولذا كانت مهمتي أن أتتبع الكتاب جميعه وأبين على أساس هذا التتبع العناصر التفصيلية لمنهج العراقي، ومدى التزامه ووفائه بها، وقد وفقني الله تعالى للقيام بهذا التتبع للكتاب بأكمله، واتضح لي من ذلك أن العراقي قد وفى بعناصر منهجه، والتزم بها، لكن في الغالب فقط وليس وفاء والتزاما كاملين، وإليك تفصيل ذلك:\n\n<span data-type='title' id=toc-501>مصادره في التخريج وموقفه منها، وطريقة تخريجه منها، وعزوه إليها، مع النقد والمقارنة:</span>\nعندما قرأت تخريج العراقي هذا بأكمله، هالتني تلك الكثرة الكاثرة من المصادر التي وجدته معتمدا عليها فيه، حيث إنها تعد بالمئات، ومن بينها كتاب الإحياء نفسه (^١) ولعل تلك الكثرة الهائلة هي التي جعلت العراقي لا يسرد تلك المصادر جملة في مقدمة أو خاتمة هذا التخريج، مكتفيا بالعزو إلى كل منها في موضعه، أما قرينه ابن الملقن فلم يكتف بذلك، بل قام في «مقدمة تخريجه للشرح الكبير» للرافعي بسرد إجمالي للمصادر التي رجع إليها (^٢)، وعلل ذلك بفائدتين:\nإحداهما: أن الناظر في كتابه قد يشكل عليه شيء مما ذكره عن الأئمة\n_________\n(^١) انظر: المغني بهامش الإحياء، جزء ٣/ ١٠٦، ج ٤/ ٢٢٨.\n(^٢) انظر: البدر المنير، لابن الملقن جـ ١/¬٨ ب - ١٠ ب.","vol":"4","page":1404},{"text":"فيراجعه في مؤلفاتهم.\nوثانيتهما: أن يعرف مقدار كتابه، وما بذل فيه من جهد الطاقة والوسع (^١).\nوقد وجدت مصادر العراقي تشمل في تنوعها مختلف أنواع المؤلفات في علوم السنة، متنا وسندا، فمنها الكتب المؤلفة على الأبواب، كالكتب الستة (^٢) و«الموضوعات الكبرى» لابن الجوزي (^٣) و«نوادر الأصول» للحكيم الترمذي. (^٤)\nومنها الكتب المؤلفة في باب واحد: «كالدعاء» للطبراني (^٥) و«فضل العلم» لأبي بكر الآجري (^٦) و«ذكر الموت» لإبراهيم الحربي ٤/ ٣٠٦.\nومنها كتب المسانيد: كمسانيد أحمد (^٧) والبزار وأبي يعلى الموصلي (^٨).\nومنها كتب العلل، و«كالعلل» للدارقطني (^٩) و«والعلل المتناهية» لابن الجوزي (^١٠).\nومنها كتب الرجال: كمعاجم الطبراني الثلاثة: الكبير، والأوسط،\n_________\n(^١) «البدر المنير» ج ١/¬١٠ ب.\n(^٢) انظر: «المغني بهامش الإحياء» ج ١/¬٢٥، ١٣٤، ١٣٥.\n(^٣) «المغني» ج ٢/¬٤.\n(^٤) «المغني» ج ٤/¬٢٤.\n(^٥) «المغني بهامش الإحياء» ج ٢/¬٦.\n(^٦) «المغني» ج ١/¬١٣.\n(^٧) «المغني» ج ١/¬٢٦.\n(^٨) «المغني» ج ٣/¬٣٤.\n(^٩) «المغني» ج ٢/ ٢١٧ وج ٣/ ٨٩.\n(^١٠) «المغني» ج ١/ ٢٤٩.","vol":"4","page":1405},{"text":"والصغير (^١)، «ومعجم الصحابة» للبغوي (^٢)، «والتاريخ الكبير» للبخاري (^٣)، و(الحلية) لأبي نعيم (^٤)، و«الضعفاء» للعقيلي (^٥)، ولابن حبان (^٦)، و«الكامل» لابن عدي (^٧)، و(الاستيعاب) لابن عبد البر (^٨)، و(طبقات الأصبهانيين) (^٩) و(طبقات المحدثين) (^١٠) كلاهما لأبي الشيخ بن حيان، و(تاريخ الغرباء) لابن يونس (^١١).\n* ومنها كتب السيرة عموما (^١٢)، وخصوصا (كدلائل النبوة) للبيهقي (^١٣)، و(الشمائل المحمدية) للترمذي (^١٤)، و(المغازي) لموسى بن عقبة (^١٥).\n_________\n(^١) «المغني»، ج ١/ ١٠٧ وج ٢/¬٩ وج ٣/¬١٢.\n(^٢) «المغني»، ٣/¬٤٤.\n(^٣) «المغني»، ج ٣/ ١٧٤.\n(^٤) «المغني»، ج ٤/¬١٣.\n(^٥) «المغني»، ج ٤/¬١٩.\n(^٦) «المغني»، ج ٣/ ٧٥.\n(^٧) «المغني»، ج ٣/ ٧٨.\n(^٨) «المغني»، ج ٣/¬٤٧.\n(^٩) «المغني»، ج ٣/¬٥٠، ٥١.\n(^١٠) «المغني»، ج ٣/ ١٠٦:\n(^١١) «المغني»، ج ٣/ ٢٦٩:\n(^١٢) «المغني»، ج ١/¬٢١.\n(^١٣) «المغني»، ج ٢/ ٢٢٥.\n(^١٤) «المغني»، ج ١/ ٢٥٥.\n(^١٥) «المغني»، ج ٢/ ٢٢٥.","vol":"4","page":1406},{"text":"ومنها كتب شرح السنة: «كعارضة الأحوذي شرح جامع الترمذي» لأبي بكر بن العربي (^١).\nومنها كتب شرح غريب الحديث عمومًا (^٢)، أو خصوصًا: كغريب الحديث لأبي عبيد (^٣)، ولابن الأثير (^٤).\nومنها كتب التفسير للقرآن بالمأثور: «كتفاسير ابن مردويه» (^٥) والثعلبي، وابن أبي حاتم (^٦).\nومنها كتب أطراف الحديث: «كأطراف الكتب الستة» للمزي (^٧).\nومنها كتب الأمالي الحديثية: «كأمالي ابن شاهين» (^٨).\nومنها كتب الأربعينات والأجزاء، والرسائل الحديثية، «كالأربعين حديثًا في التصوف» لأبي عبد الرحمن السلمي (^٩) و«كجزء من حديث عبد الله ابن الشخير» (^١٠) والأجزاء «الخلعيات» لأبي الحسن الخلعي (^١١) و«كالرسالة\n_________\n(^١) «المغني»، ج ٢/ ٩١.\n(^٢) «المغني»، ج ١/ ١٦٢.\n(^٣) (المغني) ج ١/ ٨٧.\n(^٤) «المغني»، ج ١/ ١٥٨.\n(^٥) (المغني) ج ٢/¬٢٢.\n(^٦) (المغني) ج ٤/ ١٤٤.\n(^٧) «المغني»، ج ١/ ١٤١.\n(^٨) (المغني) ج ١/ ٢٥٨.\n(^٩) «المغني»، ج ١/ ٢٢٧.\n(^١٠) «المغني»، ج ١/ ٦٣.\n(^١١) (المغني) ج ١/¬١٦ والرسالة المستطرقة/ ٦٨.","vol":"4","page":1407},{"text":"الأشعرية» للبيهقي (^١).\n* ومنها كتب التاريخ التي تذكر الأخبار بسندها: «كتاريخ نيسابور» للحاكم (^٢) و«تاريخ بغداد» للخطيب البغدادي (^٣).\nوقد شمل هذا التنوع أيضًا المصادر الحديثية منذ أوائل المؤلفات «كمغازي موسى بن عقبة» السابق ذكرها، و«كموطأ» الإمام مالك (^٤)، حتى مؤلفات المعاصرين للعراقي، «كميزان الإعتدال في نقد الرجال» للذهبي (^٥) و«تهذيب الكمال» للحافظ المزي (^٦).\nولهذا فإن كثيرًا من مصادر العراقي في هذا التخريج تعد حاليا في حكم المفقود، أو مما ندرت نسخه الخطية، على مستوى المكتبات العالمية، وذلك مثل كتاب «السيرة النبوية» لمحمد بن إسحاق (^٧) والمغازي الموسى بن عقبة (^٨) و«السنن الكبرى» للنسائي (^٩) و«مسند العدني» (^١٠) و«مسند\n_________\n(^١) ٥ المغني، ج ١/¬٣٤.\n(^٢) «المغني» ج ١/¬١٢.\n(^٣) «المغني» ج ١/¬١٣ وجاه و٢٢٢\n(^٤) «المغني» ج ٤/ ٢٢٩.\n(^٥) «المغني» ج ٢/ ١٦٤ وج ٣/ ١٥٦\n(^٦) «المغني» ج ٢/¬١٧.\n(^٧) «المغني» ج ٢/ ٣٨٢ وج ٣/ ١٨٦ والمغازي الأولى ومؤلفوها، للمستشرق يوسف هورفتس ترجمة الدكتور حسين نصار/ ٧٥، ٧٦، ٨٢.\n(^٨) «المغازي الأولى ومؤلفوها» / ٧٠ و٧١.\n(^٩) «المغني» ج ٣/¬٢٦ و٤٤\n(^١٠) «المغني» ج ١/¬٢٥","vol":"4","page":1408},{"text":"الشاميين» للطبراني (^١) و(المستجاد) للدارقطني (^٢) و«مكايد الشيطان» لابن أبي الدنيا (^٣) و(تعظيم قدر الصلاة) لمحمد بن نصر المروزي (^٤) و«معجم الصحابة» لابن قانع (^٥) و«الآداب» لأبي العباس الدغولي (^٦) و«الضعفاء» لأبي الفتح الأزدي (^٧)، و(عوالي مشايخ مصر) لابن عدي (^٨)، و«كتاب الطاعة والمعصية» لعلي بن معبد (^٩)، وغير ذلك مما يطول سرده، وبهذا حفظ لنا تخريج العراقي ذلك، كثيرًا من نصوص تراث السنة التي تبددت، أو عزت مصادرها الأصلية، خاصة وأن العراقي كان يرجع إلى المصادر، ويستمد منها مباشرة، بدليل عنايته ببيان اختلاف ألفاظ الروايات التي يخرجها، زيادة ونقصا ونصه على أن هذا لفظ رواية فلان، وغير ذلك مما ستأتي أمثلته، وأيضًا فقد صرّح العراقي مرارًا باطلاعه الشخصي على المصدر المخرج منه كما في تخريجه لحديث عائشة في موت رسول الله ﷺ فقد عزاه إلى (المعجم الكبير) للطبراني ثم قال: «وهو حديث طويل في ورقتين كبار» (^١٠)، وفي تخريج حديث سبب نزول قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ\n_________\n(^١) «المغني»، ج ٣/¬٩.\n(^٢) «المغني»، ج ٣/¬٤٩\n(^٣) «المغني»، ج ٣/¬٢٧\n(^٤) «المغني» ج ٣/¬٤٨\n(^٥) «المغني»، ج ٣/ ١١١.\n(^٦) «المغني»، ج ٣/¬٤٩\n(^٧) «المغني»، ج ١/ ٦٥.\n(^٨) «المغني» ج ١/ ١٥٣.\n(^٩) «المغني»، ج ١/ ١٥٦\n(^١٠) «المغني»، ج ٤/ ٤٥٧.","vol":"4","page":1409},{"text":"﴿يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْهُ﴾ (^١) عزاه العراقي إلى «مستدرك الحاكم» من حديث طاوس، ثم قال: «هكذا في نسختي من «المستدرك»، ولعله سقط منه ابن عباس، أو أبو هريرة» (^٢)، وستأتي بعض أمثلة أخرى أيضًا، ومن المصادر ما صرح بروايته لها بسنده (^٣)، ثم إني وجدت من دقة العراقي وجهده في الرجوع إلى المصادر، أنه قد يرجع عند الحاجة لأكثر من نسخة، أو رواية للكتاب الواحد (^٤)، ثم إنه لم يكن مجرد ناقل لما يجده بالمصادر التي يرجع إليها، بل إنه يقف من تلك المصادر موقف الحافظ الناقد الخبير، فمن تلك المصادر ما بين اصطلاح مؤلفها فيها، مثلما في تخريجه لحديث «نور الحكمة الجوع» حيث قال: «ذكره أبو منصور الديلمي في «مسند الفردوس» من حديث أبي هريرة، وكتب عليه أنه مسند، وهذه علامة ما رواه بإسناده» (^٥)، فبين لنا بذلك أن الديلمي اصطلح في كتابه المذكور على أن ما رواه فيه بإسناده كتب عليه أنه مسند، بدلا من ذكر السند الذي رواه به، لكني وقفت على بعض أجزاء مخطوطة من نسخة «مسند الفردوس» فلم أجدها كذلك. ومن المصادر ما صحح العراقي من أخطائها، كما في تخريج حديث سنان بن سعد قال: «حيكت لرسول الله ﷺ جبة من صوف أنمار» فقد قال العراقي: «ويقع في كثير من نسخ الإحياء (سيار بن سعد)، يعني بدل «سنان بن سعد»\n_________\n(^١) الكهف آية (١١٠).\n(^٢) «المغني» ج ٣/ ٢٨٦.\n(^٣) «المغني» ج ١/ ١٥٣ حديث ٣ و٢٣٨ حديث ٤ و٢٦٧ حديث ٣.\n(^٤) «المغني» ج ١/¬١٧، ١٨٢، ١٢٨\n(^٥) «المغني» ج ٣/ ٨٢.","vol":"4","page":1410},{"text":"وهو غلط (^١)، ومن المصادر ما قام بتأصيل محتواه وتمحيصه، كما في تخريج حديث النهي عن صلاة الحاذق (^٢)، حيث قال: عزاه رزين (^٣) إلى الترمذي، ولم أجده عنده (^٤)، وفي تخريج حديث (سادات المؤمنين في الجنة من إذا تغدى لم يجد عشاء) الحديث: قال العراقي: عزاه صاحب «مسند الفردوس» للطبراني من رواية أبي حازم عن أبي هريرة مختصرا بلفظ: «سادة الفقراء في الجنة» الحديث، ولم أره في (معاجم الطبراني) (^٥) ومن المصادر ما رجح العراقي بعضها على بعض، كما في تخريج حديث (اعتزاله ﷺ قريشا لما آذوه وجفوه) فقد أخرجه بروايتين مختلفتين إحداهما من طبقات ابن سعد، والأخرى من مغازي موسى بن عقبة وعقب على ذلك بقوله: ومغازي موسى بن عقبة أصح المغازي (^٦)، فرجحها بذلك في عمومها، على كتب المغازي الأخرى مثل مغازي الواقدي، وابن إسحق وغيرهما، ومثل هذه المواقف من المصادر المعتمد عليها، تدل على مدى الجهد العلمي الشاق والمفيد الذي يبذله العراقي في استخراج وتكوين المادة العلمية لتخريجه هذا من المصادر العديدة وتنسيقها، وتنقيتها مما وجده من أخطاء، وأوهام السابقين عليه، ثم صياغتها في عبارات موجزة ومفيدة.\nثم إن العراقي بين في مقدمة هذا التخريج منهجه عموما في التخريج من\n_________\n(^١) «المغني» ج ٤/ ٢٢٨.\n(^٢) وهو صاحب الخف الضيق.\n(^٣) في كتاب له جمع فيه بين الكتب الستة.\n(^٤) (المغني) ج ٣/ ١٦٢.\n(^٥) (المغني) ج ٣/ ٢٦٥.\n(^٦) (المغني) ج ٢/ ٢٢٥.","vol":"4","page":1411},{"text":"المصادر والعزو إليها فقال: «فإن كان الحديث في الصحيحين أو أحدهما اكتفيت بعزوه إليه، وإلا عزوته إلى من خرجه من بقية الستة، وحيث كان في أحد الستة لم أعزه إلى غيرها إلا لغرض صحيح، بأن يكون في كتاب التزم مخرجه الصحة، أو يكون أقرب إلى لفظه في الإحياء …» وحيث عزوت الحديث لمن خرجه من الأئمة، فلا أريد ذلك اللفظ بعينه، بل قد يكون بلفظه، وقد يكون بمعناه، أو باختلاف، على قاعدة المستخرجات (^١)، وما قرر العراقي انتهاجه بتقديم التخريج من الصحيحين أو أحدهما، والاكتفاء بهما أو بأحدهما عن باقي كتب السنة، يتفق مع ما قرر قرينه ابن الملقن انتهاجه في تخريجه لأحاديث الشرح الكبير للرافعي (^٢)، بل إن الحافظ المناوي ذكر أن هذا يعتبر عرفًا عامًا بين أئمة الفن، حيث قرر أنه متعارف بين القوم أنه: ليس لمحدث أن يعزو حديثًا يكون في أحد الصحيحين ما يفيده، إلى غيرهما (^٣)، وذلك لأنهما أصح كتب السنة، كما قرر العراقي وغيره (^٤) والأولى في التخريج عزو الحديث إلى المصدر الذي ورد فيه بسند جيد صحيح، وترك ذلك يعد قصورًا (^٥)، إلا أن العراقي لم يلتزم التزامًا كاملًا بما قرره، من اكتفائه بعزو الموجود في الصحيحين أو أحدهما إليه، فقد وجدته يضم إليهما غيرهما، سواء من باقي الكتب الستة أو من غيرها مما هو أقل درجة منها، ففي تخريج\n_________\n(^١) «المغني» ج ١/ ٨٧.\n(^٢) انظر «البدر المنير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير» لابن الملقن ج ١/¬٨ أ.\n(^٣) «فيض القدير شرح الجامع الصغير» / للمناوي ج ١/ ١٨٣ وج ٢/ ٥٠٥.\n(^٤) انظر «فتح المغيث» للعراقي ج ١/¬١٦ وشرح السيوطي لألفيته/ ٢٦ ب.\n(^٥) «فيض القدير» ج ٢/¬٢٩، ٥٢٦.","vol":"4","page":1412},{"text":"حَديثٌ: «مَنْ أَحْدَثَ في دينِنَا مَا ليسَ منه فهو رَدّ»، قال العراقي: «مُتفق عليه من حديث عائشة بلفظ: «فِي أَمْرِنَا ما ليسَ منه» وعند أبي داود «فيهِ» (^١)، يعني بدل (منه)، فضم إلى الصحيحين «سُنن أبي داود» كما ترى، وفي تخريج حديث عائشة: «إِنَّ الشيطانَ يَأْتِي أحدكم فيقول: من خلقك؟ فيقول: الله» الحديث. قال العراقي: «رواه أحمد والبزار وأبو يعلى في مسانيدهم، ورجاله ثقات»، ثم قال «وهو متفق عليه من حديث أبي هريرة» (^٢)، فضم إلى الصحيحين المسانيد الثلاثة المذكورة، لمجرد أن الحديث عندهم وارد من رواية عائشة، كما ذكر الغزالي في «الإحياء»، بل إن العراقي قد يهمل عزو الحديث إلى أحد الصحيحين، مع وجوده فيه، مثل ما في تخريج حديث «نحن معاشر الأنبياء أمرنا أن ننزل الناس منازلهم»، فقد قال العراقي: رويناه في جزء من حديث أبي بكر بن الشخير، من حديث عمر، أخضر منه، وعند أبي داود من حديث عائشة «أَنْزِلُوا الناس منازلهم» (^٣) فحديث عائشة هذا الذي عزاه إلى أبي داود، قد أخرجه أيضا مسلم في مقدمة صحيحه تعليقًا بدون إسناد حيث قال: وقد ذكر عن عائشة ﵂ أنها قالت: أمرنا رسول الله ﷺ أن ننزل الناس منازلهم (^٤)، ولكن العراقي قد عزاه كما ترى لأبي داود ولم يعزه إلى «صحيح مسلم» كما هو مقتضى ما قرره سابقًا، ويبدو أن عدوله عن العزو لمسلم إلى العزو لأبي داود، لكون\n_________\n(^١) انظر «سنن أبي داود»، جـ ٢/ ٢٩٤، كتاب الأدب.\n(^٢) «المغني»، جـ ٣/¬٣٤.\n(^٣) «المغني»، جـ ١/ ٦١.\n(^٤) «مسلم بشرح النووي»، جـ ١/¬١٩ و٥٥.","vol":"4","page":1413},{"text":"الحديث ورد عند أبي داود مسندا (^١)، وعند مسلم معلقا، والرواية المسندة أولى ما لم تكن ضعيفة (^٢)، ويدل لذلك، أني وجدته يعزو في (التخريج الكبير) الحديث المعلق في البخاري إليه، ثم يترك عزوه إلى البخاري كلية في هذا (التخريج الصغير)، مكتفيا بعزوه إلى بعض المصادر الأخرى التي ورد فيها مسندا، مع كونها أقل درجة من البخاري، مثال ذلك حديث: (اليقين الإيمان كله)، فقد ذكر العراقي في (التخريج الكبير) أن البخاري أخرجه في (صحيحه) تعليقا موقوفا على ابن مسعود (^٣)، أما في هذا «التخريج الصغير»، فقال: «أخرجه البيهقي في (الزهد) والخطيب في «التاريخ» من حديث ابن مسعود بإسناد حسن (^٤)، فلم يعزه كلية إلى البخاري، مع كونه فيه، وعزاه إلى مصدرين أقل منه درجة، لكونه مسندا فيهما، كما أني وجدته يجمع بين عزو الحديث إلى الصحيحين أو أحدهما، وبين عزوه إلى غيرهما مما هو أقل درجة منهما، لتحقيق بعض الفوائد الحديثية».\nففي تخريج حديث (الإيمان بالحوض) عزاه إلى الصحيحين من حديث ابن عمر بلفظ: «أما لكم حوض كما بين جرباء وأذرح»، ثم قال: «وقال الطبراني «كما بينكم وبين جرباء وأذرح»، وهو الصواب، فضم الطبراني إلى الصحيحين لتصويب لفظ روايتهما» (^٥)، وفي تخريج حديث: «ما كان\n_________\n(^١) «المغني»، ج ٢/ ٣٦١ حديث ٤.\n(^٢) «فيض القدير» ج ٢/ ٥٠٩.\n(^٣) «إتحاف السادة المتقين» جزء ١/ ٤٠٨.\n(^٤) «المغني» ج ١/ ٧٨.\n(^٥) «المغني» ج ١/ ٩٨ حدث ١.","vol":"4","page":1414},{"text":"يأتيه ﷺ أَحَدٌ، حُرّ، أو عبد، أو أمة، إلا قام معه في حاجته».\nقال العراقي: «أخرج البخاري تعليقا من حديث أنس «إن كانت الأمة من إماء أهل المدينة لتأخذ بيد رسول الله ﷺ وتنطلق به حيث شاءت» ووصله ابن ماجه … (^١) فجمع إلى عزو الحديث إلى البخاري، عزوه إلى ابن ماجه، لكون رواية البخاري معلقة، ورواية ابن ماجه موصولة، فتوضح سند المعلقة، وفي تخريج حديث أنه ﷺ لما غشيه المشركون نزل فجعل يقول: «أنا النبي لا كذب ..» الحديث، وفيه: «فما رؤي أحد يومئذ أشد منه»» قال العراقي: «إن الحديث متفق عليه من حديث البراء، دون قوله: «فما رؤي أحد يومئذ أشد منه»»، ثم قال: وهذه الزيادة لأبي الشيخ، وله من حديث علي في قصة بدر: وكان من أشد الناس يومئذ بأسا (^٢)، فجمع بين عزو الحديث إلى الصحيحين وعزوه إلى أبي الشيخ ابن حَيَّان، لكون روايته تشتمل على زيادة ليست في الصحيحين، وهي موافقة للفظ الواردة في «الإحياء»، وعلى ضوء ذلك كله أستطيع أن أقرر: أن قول العراقي في مقدمة تخريجه هذا: أنه يكتفي بعزو الحديث إلى الصحيحين أو أحدهما ليس على إطلاقه كما هو ظاهر عبارته، وإنما هو مقيد بأمرين: أحدهما: أن يكون الحديث فيهما أو في أحدهما مسندا، وهذا لم يصرّح العراقي به ولكنه يعرف من واقع التخريج كما مثلت له، أما ثاني الأمرين: فقد صرّح به في قوله: «وحيث كان الحديث في أحد الستة لم أعزه إلى غيرها إلا لغرض صحيح؛ بأن يكون في\n_________\n(^١) و(^٢) «والمغني» ج ٢/ ٣٨٠ حديث ١٠.","vol":"4","page":1415},{"text":"كتاب التزم مخرجه الصحة أو يكون أقرب إلى لفظه في الإحياء» (^١) على أني وجدتُ العراقي قد يجمع بين عزو الحديث لأحد الكتب الستة، وبين عزوه إلى غيرها من المصادر لتحقيق غرض حديثي صحيح غير الغرضين المنصوص عليهما في كلامه السابق، فقد مر ضمن الأمثلة السابقة أنه قد عزا الحديث بجانب الصحيحين - وهما في مقدمة الكتب الستة - إلى غيرهما مما لم يلتزم فيه بتخريج الصحيح، وذلك لتصحيح خطأ، أو وصل حديث معلّق، وعليه يكون ذكره للغرضين السابقين ليس على سبيل الحصر، ولكن على سبيل المثال، ويُعتبر نصه عليهما دون غيرهما دليلا على أهميتهما في مجال التخريج، وعلى اعتنائه بإثبات قوة أحاديث الكتاب المخرج، وهو «الإحياء»، وبيان كتب السنة المشتملة على أحاديثه بألفاظها، أو بأقرب الألفاظ إليها، لكني وجدتُ الإمام الزبيدي شارح كتاب «الإحياء»، قد استدرك على العراقي في رعاية هذين الأمرين وكان محقًا في استدراكه، ففي تخريج حديث: «يتجلى الله لنا يوم القيامة ضاحكا، فيقول: أبشروا معشر المسلمين، فإنه ليس منكم أحد إلا وقد جعلت مكانه في النار يهوديًا أو نصرانيا»، قال العراقي: «روى مسلم من حديث أبي موسى: «إذا كان يوم القيامة، دفع الله إلى كل مسلم يهوديا أو نصرانيا فيقول: هذا فداؤك من النار»»، ثم أتبع ذلك بقوله: «ولأبي داود: أمتي أمة مرحومة لا عذاب عليها في الآخرة» الحديث، وقد استدرك عليه الزبيدي في هذا فقال: قلت: الذي رواه أبو داود من حديث أبي موسى: «أمتي هذه أمة مرحومة ليس عليها عذاب في\n_________\n(^١) «المغني» جـ ١/¬٨ و٩.","vol":"4","page":1416},{"text":"الآخرة، إنما عذابها في الدنيا: الفتن والزلازل، والقتل، والبلايا» (^١)، وكذلك رواه الطبراني والحاكم، ثم قال الزبيدي: «ولا يخفى أن هذا السياق، (أي سياق رواية أبي داؤد)، لا يناسب هنا، وإنما المناسب ما رواه الخطيب في «المتفق والمفترق» وابن النجار من حديث ابن عباس بسند ضعيف: «أُمتي أمة مرحومة لا عذاب عليها في الآخرة، إذا كان يوم القيامة أعطى الله كل رجل من أمتي رجلا من أهل الأديان فكان فداءه من النار»» (^٢)، ثم قال العراقي: «وأما أول الحديث، يعني الوارد في الإحياء، فرواه الطبراني من حديث أبي موسى أيضًا «يتجلى الله ربنا لنا ضاحكًا يوم القيامة حتى ينظروا إلى وجهه فيخروا له سجدًا، فيقول: ارفعوا رؤوسكم فليس هذا يوم عبادة»، وفيه علي بن زيد بن جدعان» (^٣).\nوقد استدرك الزبيدي أيضًا على العراقي في ذلك، فأورد حديثًا عزاه إلى الإمام أحمد في «مسنده» وإلى أبي بكر الآجري في «كتاب الشريعة» بسنده، عن أبي موسى قال: «قال رسول الله ﷺ يجمع الله الخلق يوم القيامة» الحديث. وفيه: «فيتجلى لهم ضاحكا فيقول: أبشروا معاشر المسلمين، فإنه ليس منكم أحد إلا وقد جعلت مكانه في النار يهوديًا أو نصرانيا». ثم عقب الزبيدي قائلا: «فهذا الذي سقناه هو الأقرب إلى سياق المصنف، من الحديث الذي ساقه العراقي من عند الطبراني» (^٤).\n_________\n(^١) انظر «سنن أبي داؤد» ج ٢/ ٢٠٦ و٢٠٧ كتاب الفتن.\n(^٢) «إتحاف السادة المتقين» ج ١٠/ ٥٥٨.\n(^٣) «المغني» ج ٤/ ٥٢٩.\n(^٤) «إتحاف السادة المتقين» ج ١٠/ ٥٥٨.","vol":"4","page":1417},{"text":"وفي تخريج حديث: «إذا اجتمع أهل النار في النار، ومن شاء الله معهم من أهل القبلة قال الكفار للمسلمين: ألم تكونوا مسلمين؟ قالوا بلى، فيقولون، ما أغنى عنكم إسلامكم إذا أنتم معنا في النار؟ فيقولون: كانت لنا ذنوب فأخذنا بها فيسمع الله ﷿ ما قالوا، فيأمر بإخراج من كان في النار من أهل القبلة فيخرجون، فإذا رأى ذلك الكفار قالوا: يا ليتنا كنا مسلمين، فنخرج كما أخرجوا، ثم قرأ رسول الله ﷺ: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الحجر: ٢]».\nقال العراقي: «رواه النسائي في «الكبرى» من حديث جابر نحوه، بإسناد صحيح» (^١)، وبذلك خرج الحديث بلفظ مقارب، لا بلفظه الوارد في «الإحياء» وعزاه إلى «السنن الكبرى» للنسائي، ولم يلتزم مؤلفها فيها بالصحة كما قرره العراقي (^٢)، ولذلك احتاج إلى الحكم من جانبه هو بصحة إسناد النسائي، بينما الحديث موجود في مصدر ملتزم فيه بالصحة، باعتراف العراقي نفسه، أيضًا وهو «مستدرك الحاكم» (^٣) وبلفظ موافق للفظ الحديث في «الإحياء» وقد استدرك الزبيدي عليه في ذلك فقال: «قلت: سياق المصنف، أي لفظ الحديث الذي أورده الغزالي، رواه ابن أبي عاصم في (السنة) وابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه والحاكم وصححه … . من حديث أبي موسى الأشعري مع زيادة في أوله …» ثم قال «وأما حديث\n_________\n(^١) «المغني» ج ٤/ ٥٢٩.\n(^٢) انظر «التدريب» ٤/¬٤٩.\n(^٣) «تقريب الأسانيد» للعراقي/ ٣ و«شرحه لألفيته» ج ١/¬١٩ والمستدرك للحاكم ٢/ ٢٤٢ كتاب التفسير وقال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وأقره الذهبي.","vol":"4","page":1418},{"text":"جابر الذي أشار إليه العراقي فلفظه: إن أناسًا من أمتي يُعذَّبون بذنوبهم فيكونون في النار ما شاء الله أن يكونوا، ثم يعيرهم أهل الشرك فيقولون: ما نرى ما كنتم فيه من تصديقكم، نفعكم، فلا يبقى موحد إلا أخرجه الله تعالى من النار، ثم قرأ رسول الله ﷺ: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مسلمين﴾ [الحجر: ٢] (^١)، ونلاحظ أن سياق هذه الرواية غير موافق فعلا لسياق الرواية التي أوردها الغزالي، وإن كان بمعناها، بينما سياق الرواية التي أشار إليها الزبيدي موافق لسياق المصنف، بأكثر ألفاظه، بحسب مراجعتي لها في المستدرك، وهي مخرجة في مصدر ملتزم الصحة، وهو «مستدرك الحاكم» وبسند صرح الحاكم بصحته، وأقره الذهبي (^٢)، وقد خرجها كذلك من قبل الزبيدي الحافظ السيوطي فعزاها للمستدرك وغيره مما عزاها الزبيدي إليه، مع سياق لفظها (^٣)، وفي تخريج حديث كفارة المجلس، اقتصر العراقي على عزوه للنسائي في (عمل اليوم والليلة) بإسناد حسن (^٤) بينما هو نفسه قد عزاه في كتابين له هما: شرح ألفية المصطلح، والنكت على ابن الصلاح إلى الترمذي وابن حبان، والحاكم، وقرر أنهم صححوه، على تخريج الإحياء، يعني الكبير، لعدم وجود ما أحال به في الصغير (^٥).\nوعليه فإن العراقي لم يُراع في تخريج هذا الحديث أيا من الغرضين اللذين نص على رعايته لهما.\n_________\n(^١) إتحاف السادة المتقين ١٠/ ٥٥٩.\n(^٢) المستدرك مع تلخيص الذهبي ٢/ ٢٤٢.\n(^٣) الدر المنثور للسيوطي ٤/ ٩٢، ٩٣.\n(^٤) المغني ١/ ٣٣٣ حديث ١١.\n(^٥) ينظر فتح المغيث للعراقي ١/ ١٠٧ ونكته على ابن الصلاح/ ١١٨.","vol":"4","page":1419},{"text":"ثم إن التدرج في العزو إلى المصادر والتخريج منها، الذي قرر العراقي انتهاجه في هذا التخريج، يختلف عما انتهجه قرينه ابن الملقن في تخريجه لأحاديث «الشرح الكبير» للرافعي، حيث إن العراقي قرر أنه إذا لم يكن الحديث في الصحيحين أو احدهما، عزاه إلى بقية الكتب الستة، وحيث كان الحديث في أحد الستة لم يعزه إلى غيرها، إلا لغرض صحيح كما تقدم توضيحه، فاعتبر بذلك المصادر الحديثية التي يخرج منها ثلاث درجات.\nأولاها: الصحيحان.\nوثانيتهما: بقية الكتب الستة، وهي السنن الأربعة.\nوالثالثة: غير الستة من كتب الحديث وعلومه، سواء الملتزم فيه منها بالصحة، كصحيحي ابن خزيمة وابن حبان «وكمستدرك الحاكم»، أو غير الملتزم بالصحة، كالمسانيد، والمعاجم، وكتب الرجال، والتخريج، وغيرها.\nوبهذا التقسيم والتدرج جعل العراقي عزو الأحاديث إلى السنن الأربعة وتخريجها منها، مقدما على عزوها وتخريجها من المصادر التي التزمت الصحة، غير الصحيحين، ولهذا تجده في تخريج الحديث الثالث في كتاب «الإحياء»، وهو حديث «نعوذ بالله من علم لا ينفع» يقول: «أخرجه ابن ماجه من حديث جابر بإسناد حسن» (^١)، فاكتفى بتخريجه من سادس الكتب الستة وأحد السنن الأربعة، وهو سنن ابن ماجه، مع أنه موجود في «صحيح ابن حبان» من حديث جابر أيضا بلفظ: «اللهم\n_________\n(^١) «المغني بهامش الإحياء» جـ ١/¬٩.","vol":"4","page":1420},{"text":"إني أسألك علما نافعا، وأعوذ بك من علم لا ينفع» (^١).\nأما ابن الملقن فلم يجعل المصادر التي خرج منها وعزا إليها في تخريجه لشرح الرافعي، ثلاث درجات كما فعل العراقي، بل جعلها درجتين فقط.\nأولاهما: الصحيحان.\nوثانيتهما: بقية كتب السنة وعلومها، بما في ذلك السنن الأربعة والكتب التي التزمت الصحة، غير الصحيحين.\nوذلك أنه في مقدمة تخريجه المذكور قال: «فإن كان الحديث أو الأثر في صحيحي البخاري ومسلم أو أحدهما، اكتفيتُ بعزوه إليهما، أو إليه، ولا أعرج على من رواه غيرهما من باقي أصحاب الكتب الستة. والمسانيد والصحاح، لأنه لا فائدة في الإطالة بذلك .. اللهم إلا أن يكون في الحديث زيادة عندهم، والحاجة داعية إلى ذلك، فأشفعه بالعزو إليهم، وإن لم يكن الحديث في واحد من الصحيحين، عزيته إلى من خرجه من الأئمة، كمالك في «موطئه»، والشافعي في «الأم» … وعدد باقي مصادره من كتب السنة وعلومها، بما في ذلك السنن الأربعة، والصحاح: لأبي عوانة وابن خزيمة وابن حبان والحاكم» (^٢).\nوبهذا جعل التخريج من السنن الأربعة، ومن الكتب التي التزمت الصحة غير صحيحي البخاري ومسلم، في منزلة واحدة، ولكن ما انتهجه العراقي\n_________\n(^١) انظر ثبت الشيخ الأمير الكبير/ ١٧، والإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ١/ ١٤٩ كتاب العلم - باب: «ما يجب على المرء أن يسأل الله جل وعلا …» اط الحوت.\n(^٢) انظر: «البدر المنير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير» ج ١/¬٨ ب - ١٠ ب.","vol":"4","page":1421},{"text":"من تقديم السنن الأربعة في التخريج والعزو على ما سوى الصحيحين من كتب الصحاح، هو الموافق لما قرره شيخه مغلطاي وغيره من المحدثين: «أنه لا يجوز أن يعدل عن الستة، ويعزو حديثًا إلى غيرها مع وجوده في شئ منها، إلا إذا كان فيه زيادة أو نحو ذلك» (^١).\nوذكر المناوي أن ذلك يعتبر قانونًا معروفًا بين المحدثين (^٢)، لكني وجدت العراقي أحيانًا يخرج الحديث من غير الكتب الستة، مما يُعتبر من مصادر الأحاديث الضعيفة أو الموضوعة، وبسند ضعيف، مع وجود هذا الحديث بالسياق الوارد في «الإحياء»، في مصدر ملتزم الصحة، وبسند مصحح، ففي تخريج حديث عقبة بن عامر «تدنو الشمس من الأرض يوم القيامة فيعرق الناس، فمنهم من يبلغ عرقه عقبه، ومنهم من يبلغ نصف ساقه، ومنهم من يبلغ ركبته، ومنهم من يبلغ فخذه، ومنهم من يبلغ خاصرته، ومنهم من يبلغ فاه، وأشار بيده فألجمها فاه، ومنهم من يغطيه العرق، وضرب بيده على رأسه هكذا» (^٣)، قال العراقي: «رواه أحمد، وفيه ابن لهيعة» (^٤) أي أن في سنده ضعفا، لأن ابن لهيعة متكلّم فيه، كما قدمت في بحث «التخريج الكبير».\nوقد استدرك الزبيدي على العراقي في هذا فقال: «قلت: هذا السياق أي السياق الوارد في «الإحياء»، هو للحاكم، أما سياق أحمد المشار إليه فهو:\n_________\n(^١) «فيض القدير»، ج ١/ ٨٥، ١٩١.\n(^٢) «فيض القدير»، ج ٢/ ٣٧٨.\n(^٣) «الإحياء»، ج ٤/ ٤٩٨.\n(^٤) «المغني بهامش الإحياء»، ج ٤/ ٤٩٨.","vol":"4","page":1422},{"text":"«فمن الناس من يبلغ عرقه كعبيه، ومنهم من يبلغ نصف الساق ومنهم من يبلغ إلى ركبتيه، ومنهم من يبلغ العجز، ومنهم من يبلغ الخاصرة ومنهم من يبلغ منكبيه، ومنهم من يبلغ حلقه، ومنهم من يلجمه، ومنهم من يغمره»» (^١).\nوبهذا ترى أن العراقي قد ترك عزو الحديث إلى المصدر الذي التزم الصحة وهو (مستدرك الحاكم) مع كونه ورد فيه بنفس سياق «الإحياء» وبسند صححه الحاكم وأقره الذهبي، وأضيف: أن ابن حبان قد شارك الحاكم في تخريج الحديث أيضا، بل إني وجدت أصل الحديث في «صحيح مسلم» (^٢).\nومع هذا اقتصر العراقي على عزو الحديث لمسند أحمد وهو غير الكتب الستة، والحديث وارد فيه بسند فيه ضعف، وبغير سياق «الإحياء».\nوأيضًا في تخريج حديث «أكرموا الخبز» قال العراقي: «رواه البزار والطبراني وابن قانع من حديث عبد الله بن أم حرام، بإسناد ضعيف جدا، وذكره ابن الجوزي في «الموضوعات» (^٣)، بينما نجد الحديث بهذا اللفظ عند الحاكم في «المستدرك» وصححه، وأقره على تصحيحه الذهبي وغيره من الحفاظ (^٤)، فكان على العراقي بمقتضى منهجه، أن يُؤثر عزو الحديثين السابقين إلى «مستدرك الحاكم»، ولكنه لم يفعل كما رأيت، وهذا مما ينتقده\n_________\n(^١) «إتحاف السادة المتقين»، ج ١٠/ ٤٥٨.\n(^٢) يُنظر المستدرك - الأهوال ٤/ ٥٧١ والإحسان لابن بلبان - باب الإخبار عن البعث ٩/ ٢١٤ ط الحوت، و«صحيح مسلم» كتاب الجنة وصفة نعيمها/ ح ٢/ ١٥٨ ط الشعب.\n(^٣) «المغني بهامش الإحياء» ج ٢/¬٤ حديث ٥.\n(^٤) ينظر المستدرك للحاكم كتاب الأطعمة ٤/ ١٢٢، و«الجامع الصغير» للسيوطي ج ١/ ١٥٤ و«فيض القدير» للمناوي ج ٢/ ٩١، وهـ تنزيه الشريعة، ج ٢/ ٢٤٥.","vol":"4","page":1423},{"text":"المخرجون، ويعدونه قصورًا في التخريج، لأنه كما قرر العراقي نفسه وغيره، يتطلب العزو ما أمكن إلى المصدر الوارد فيه الحديث بسند صحيح، وبلفظ مقارب إلى اللفظ الوارد في الكتاب المخرج» (^١).\nأما في تخريج حديث «خير دينكم أيسره، وأفضل العبادة الفقه» فقد قال العراقي: «رواه ابن عبد البر من حديث أنس بسند ضعيف، والشطر الأول، (يعني «خير دينكم أيسره») عند أحمد من حديث محجن بن الأدرع بإسناد جيد» (^٢).\nوقد أضاف الزبيدي تخريج حديث محجن هذا، من أربعة مصادر أخرى غير مسند أحمد وهي: «مسند أبي داود الطيالسي» «والأدب المفرد» للبخاري «والمعجم الكبير» للطبراني «والمسند» لأبي بكر بن أبي شيبة وخرجه أيضًا من طريق صحابي آخر غير محجن وهو «بريدة»، وذلك من «مسند مسدد»، ومن طريق صحابي ثالث، هو عمران بن الحصين، وذلك من «المعجم الكبير» للطبراني، ومن طريق صحابي رابع، وهو أنس بن مالك وذلك من عند الطبراني في «المعجم الأوسط» وابن عدي في «الكامل» والضياء المقدسي في «المختارة» ثم عقب على ذلك بأن اقتصار العراقي على تخريج الحديث من طريق صحابي واحد هو محجن، ومن مصدر واحد هو «مسند أحمد»، يعتبر قصورًا ظاهرا (^٣)، وأنا مع الزبيدي في أن العراقي ﵀ استروح في تخريج الحديث من «مسند أحمد» فقط،\n_________\n(^١) انظر (المغني بهامش الإحياء) ج ١/¬٩ و«فيض القدير» ج ١/¬٢٩، ٥١٨ وج ٢/ ٥٢٦.\n(^٢) «المغني بهامش الإحياء» ج ١/¬١٣ حدث ١٢\n(^٣) «إتحاف السادة المتقين» ج ١/ ٨٣","vol":"4","page":1424},{"text":"لأن ذلك مخالف لمنهجه في هذا التخريج، حيث إن الحديث موجود بمثل رواية أحمد في كتاب «المختارة» الذي قرر العراقي بنفسه أن مؤلفه قد التزم فيه الصحة (^١)، وهو قد صرح في مقدمة تخريجه بأنه يعتني بتخريج الحديث من المصادر التي التزمت الصحة، غير الكتب الستة كما قدمت بيانه، أما نسبة القصور إلى العراقي في غير هذا مما ذكره الزبيدي، فلست أقره عليه، لأنه ليس داخلا في إطار منهج العراقي في هذا التخريج، حيث إنه لم يلتزم فيه لا باستيعاب رواة الحديث من الصحابة، ولا باستيعاب المصادر المخرج فيها الحديث، بل صرح في المقدمة أنه اختصره غاية الإختصار (^٢).\nوأما التوسع والاستيعاب، فهو من مميزات تخريجه الكبير كما تقدم في بحثه.\nثم إن العراقي قد بين مراده بعزو الحديث إلى صاحب المصدر المخرج منه فقال: «وحيث عزوت الحديث لمن خرجه من الأئمة فلا أريد ذلك اللفظ بعينه، بل قد يكون بلفظه، وقد يكون بمعناه، أو باختلاف على قاعدة المستخرجات» (^٣) ولعل الإمام الزبيدي لم يتنبه لهذا البيان من العراقي فاستدرك عليه في عزو بعض الأحاديث إلى بعض المصادر، بأنها ليست فيها بنفس سياق الحديث في «الإحياء»، ففي تخريج حديث أنس بن مالك ﵁ «لأن أقعد مع قوم يذكرون الله تعالى من غدوة إلى طلوع الشمس أحب إلي من أن أعتق أربع رقاب».\n_________\n(^١) انظر هـ التقييد والإيضاح، له/ ٢٤.\n(^٢) «المغنى بهامش الإحياء»، جـ ١/¬٩.\n(^٣) «المغني» ج ١/¬٩ وسيأتي تعريف المستخرجات وقاعدتها في موضعها من مؤلفات العراقي.","vol":"4","page":1425},{"text":"قال العراقي: «رواه أبو داود بإسناد حسن» (^١)، فاستدرك الزبيدي عليه في هذا، فذكر أن الغزالي تبع صاحب القوت، في سياق الحديث باللفظ المذكور.\nثم قال: «والحافظ العراقي سكت عليه، وعزاه بهذا السياق إلى أبي داود والذي في «سننه» من رواية موسى بن خلف عن قتادة عن أنس رفعه «لأن أقعد مع قوم يذكرون الله من صلاة الغداة حتى تطلع الشمس، أحب إلي من أن أعتق أربعة من ولد إسماعيل، ولأن أقعد مع قوم يذكرون الله من صلاة العصر إلى أن تغرب الشمس، أحب إلي من أن أعتق أربعة … (^٢)، فلو أن الزبيدي تنبه إلى بيان العراقي في مقدمة التخريج المراده بعزو الأحاديث إلى المصادر، لما قال إنه عزا هذا الحديث بهذا السياق الوارد في «الإحياء» إلى «سنن أبي داود»».\nوفي تخريج حديث الضيافة ثلاثة، فما زاد فصدقة» قال العراقي: متفق عليه من حديث أبي شريح الخزاعي (^٣)، فخرج الزبيدي اللفظ المذكور من عند البخاري في «صحيحه» وأحمد وأبي داؤد، ثم قال: «وقول العراقي: «إنه متفق عليه من حديث أبي شريح»، كأنه يريد معناه، لا لفظه» (^٤) فلو أن الزبيدي وضع في الإعتبار تصريح العراقي بأنه لا يقصد عزو نفس لفظ الحديث كما في «الإحياء»، لما تعقبه بقوله: «كأنه يريد معناه لا لفظه»، على أن تنبيه العراقي إلى أنه لا يقصد عزو نفس لفظ الحديث كما في «الإحياء»\n_________\n(^١) «المغني» ج ١/¬٣٨ حديث ٥.\n(^٢) «إتحاف السادة المتقين» ج ١/ ٢٣٣.\n(^٣) «المغني» ج ٢/¬١٩ حدث ١.\n(^٤) «إتحاف السادة المتقين» ج ٥/ ٢٦١.","vol":"4","page":1426},{"text":"إلى المصادر التي يذكرها، مُنْصَبٌّ على حالات العزو المطلق كما في المثالين السابقين، لأنه يعتني كثيرًا ببيان الألفاظ الواردة في المصادر المخرج منها، ووجوه الإتفاق، والإختلاف، والزيادة، والنقص، بينها وبين اللفظ المذكور في «الإحياء» كما سيأتي توضيحه.\nهذا وقد وجدت العراقي أحيانًا يحدد موضع الحديث في المصدر المخرج منه، مثلما في تخريج حديث «لما قيل له ﷺ: من أكرم الناس، من أكيس الناس؟ قال: أكثرهم للموت ذكرًا» الحديث، فقد قال العراقي: «رواه ابن ماجه من حديث ابن عمر دون قوله: «من أكرم الناس» ثم قال: «وهو بهذه الزيادة عند ابن أبي الدنيا في «ذكر الموت»، آخر الكتاب» (^١).\nوهذا التحديد الموضع الحديث في الكتاب، يعتبر دقيقًا بالنسبة لعصر العراقي، حيث لم تكن هناك طباعة للكتب، ولا حتى ترقيم عددي الصفحات المخطوطات، ولهذا فإنه لم يلتزم هذا التحديد عمومًا، بل جرى مجرى الكثيرين من معاصريه، في العزو المطلق إلى المصادر المخرج منها، دون تحديد موضع المنقول، أما قرين العراقي ابن الملقن، فقد بين في مقدمة تخريجه السالف الذكر، أنه بالنسبة إلى الكتب المؤلفة على الأبواب، إذا كان الحديث في مظنته منها أطلق العزو إليها، وإن لم يكن في مظنته حدّد الباب الموجود فيه من الكتاب (^٢).\nولا شك أن هذا يسهل على الباحث الرجوع إلى مكان الحديث في المصدر\n_________\n(^١) «المغني»، ج ٣/ ٣٦٤ حديث ٢.\n(^٢) انظر: «البدر المنير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير» لابن الملقن ج ١/¬١٠ ب.","vol":"4","page":1427},{"text":"المخرج منه، ولذا فإنه أدق وأفيد من عدم التحديد كلية.\nوكثيرا ما وجدت العراقي لا يذكر الكتاب الذي خرج منه الحديث مع علمه به، ولكنه يكتفي بذكر مؤلف الكتاب فقط، مثلما في تخريج حديث معاذ ﵁: «تعلموا العلم فإن تعلمه لله خشية» (الحديث) فقد قال العراقي: «رواه أبو الشيخ ابن حيان في «كتاب الثواب»، وابن عبد البر وقال: ليس له إسناد قوي» (^١)، فعزا الحديث إلى ابن عبد البر، ونقل كلامه عن سنده، ولكنه لم يذكر الكتاب الذي أورده فيه ابن عبد البر، مع أنه ذكره في «نكته على كتاب ابن الصلاح» حيث قال: فروى ابن عبد البر في كتاب «بيان آداب العلم» … وساق الحديث المذكور وكلام ابن عبد البر عن سنده (^٢)، ولعل مرجع هذا، أن العراقي في تخريجه التزم فقط بتحديد المؤلف الذي أخرج الحديث في بعض كتبه (^٣)، ولم يلتزم بتحديد الكتاب من بين الكتب المتعددة للمؤلف الذي عزا تخريج الحديث إليه، ويبدو أن السبب في عدم التزامه بهذا ما اصطلح عليه كثير من علماء التخريج، من أن بعض الأئمة متى عزي الحديث إليهم، انصرف إلى كتاب معين من مؤلفاتهم، وإن لم ينص عليه، فمثلا إذا قيل عن حديث: أخرجه البخاري ومسلم، كان المراد أنهما أخرجاه في صحيحيهما، وإذا قيل عن حديث: رواه الحاكم، كان المراد أنه رواه في «المستدرك على الصحيحين» (^٤)، وإذا قيل عن حديث:\n_________\n(^١) «المغني» ج ١/¬١٨.\n(^٢) «التقييد والإيضاح»، للعراقي/ ٦٠.\n(^٣) «المغني» ج ١/¬٨.\n(^٤) «الجامع الصغير» للسيوطي ج ١/¬٢.","vol":"4","page":1428},{"text":"رواه البيهقي، كان المراد أنه رواه في (سننه الكبرى) (^١)، فجرى العراقي على هذا، ولكن كان ينبغي عليه التنبيه على ذلك في مقدمة تخريجه، كما فعل قرينه ابن الملقن (^٢)، وغيره (^٣).\nوقد سبق لي أن نقدت العراقي في مثل هذا العزو المطلق إلى المؤلفين دون تحديد لمؤلفاتهم المنقول منها، بل إني وجدته في تخريج حديث «المؤمن لا يكون صمته إلا فكرًا، ونظره إلا عبرة، ونطقه إلا ذكرًا» يقول: لم أجد له أصلا، وروى محمد بن زكريا الغلايي (أحد الضعفاء) عن ابن أبي عائشة عن أبيه قال: خطب رسول الله ﷺ فقال: «إن الله أمرني أن يكون نطقي ذكرًا، وصمتي فكرًا، ونظري عبرة» (^٤).\nوبهذا لم يذكر لا المؤلف، ولا الكتاب الذي ورد فيه ما رواه محمد بن زكريا المذكور، ودفعًا لاحتمال سقوط ذلك من النساخ، رجعت إلى شرح الزبيدي للإحياء فوجدت نقله لكلام العراقي مطابقًا لما تقدم (^٥).\nإلا أن ذلك لا يقدح في دقة العراقي وأمانته في الرجوع الفعلي إلى المصادر التي عزا الأحاديث المخرجة إليها، لأني بالبحث المفصل لم أجد استدراكًا عليه في هذا إلا نادرًا جدًا، مثلما في تخريج الحديث السابق، وفي تخريج حديث «من كره لقاء الله، كره الله لقاءه» حيث قال\n_________\n(^١) «خلاصة البدر المنير في تخريج أحاديث الشرح الكبير» / لابن الملقن/ ١٨٩ أ.\n(^٢) انظر «خلاصة البدر المنير» له/ ١٨٩ أ.\n(^٣) انظر «الجامع الصغير» للسيوطي/ جـ ١/¬٢.\n(^٤) «المغني» جـ ٣/ ١٠٩ حديث ١.\n(^٥) انظر «إتحاف السادة المتقين» جـ ٧/ ٤٥٩، ٤٦٠.","vol":"4","page":1429},{"text":"العراقي: «متفق عليه من حديث أبي هريرة» (^١).\nفتعقبه الزبيدي قائلا: «قلت: هو متفق عليه من حديث عائشة ومن حديث أبي موسى، ومن رواية أنس عن عبادة بن الصامت، وأما حديث أبي هريرة، فرواه مسلم فقط والنسائي» (^٢)، ومعنى ذلك أن الحديث ليس موجودا في البخاري من رواية أبي هريرة، كما ذكر العراقي.\n\n<span data-type='title' id=toc-502>«تحقيق القول بتعاون العراقي مع الزيلعي في التخريج»</span>\nيتصل ببيان مصادر العراقي في هذا التخريج، ما ذكره الحافظ ابن حجر في ترجمة الإمام عبد الله بن يوسف الزيلعي الحنفي المتوفى سنة ٧٦٢ هـ حيث قال: «ذكر لي شيخنا العراقي أنه كان يرافقه في مطالعة الكتب الحديثية لتخريج الكتب التي كانا قد اعتنيا بتخريجها»، فالعراقي لتخريج أحاديث «الإحياء»، والأحاديث التي يشير إليها الترمذي في الأبواب، والزيلعي «لتخريج أحاديث الهداية، وتخريج أحاديث الكشاف»، فكان كل منهما يعين الآخر (^٣)، وقال في ترجمته لشيخه العراقي: «ولع بتخريج أحاديث «الإحياء»، ورافق الزيلعي في تخريجه «أحاديث الكشاف» و«أحاديث الهداية»، فكانا يتعاونان» (^٤).\nوقد أقر ابن حجر على ذلك غير واحد ممن جاء بعده (^٥).\n_________\n(^١) «المغني»، ج ٣/ ٤٣٤.\n(^٢) «إتحاف السادة المتقين»، ج ١٠/ ٢٢٢.\n(^٣) «الدرر الكامنة»، لابن حجر ج ٢/ ٤١٧.\n(^٤) «ذيل الدرر الكامنة» / ٧٠.\n(^٥) انظر «الأعلام»، ج ٤/ ٢١٩ أو «طبقات الشافعية» / ١١٠ ب كلاهما لابن قاضي شهبة =","vol":"4","page":1430},{"text":"وعندما قمت بقراءة معظم تخريج الزيلعي «الأحاديث تفسير الكشاف» - وهو تخريج ما يزال مخطوطًا حتى الآن (سنة ١٣٩٨ هـ) - وجدت به إشارتين من الزيلعي إلى هذا الترافق والتعاون مع العراقي في عملية التخريج، ففي تخريج حديث «من دعا لظالم بالبقاء فقد أحب أن يعصى الله في أرضه» قال الزيلعي: «قلت: غريب مرفوعًا، وذكره الغزالي كذلك مرفوعا في موضعين من كتابه «إحياء علوم الدين»، ولم نجده إلا من قول يونس بن عبيد، رواه البيهقي في «شعب الإيمان» في الباب ٦٦ عن عبد الله بن عمر الرقي عن يونس بن عبيد سمعت الحسن يقول: … فذكره، ورواه أبو نعيم في «الحلية» من قول سفيان الثوري، في ترجمته (^١) فقول الزيلعي: «ولم نجده، يفيد إشتراك غيره معه في البحث عن هذا الحديث، بدليل أنه يقول في غيره: «ولم أجده» (^٢)، ولما كان الحديث قد ورد في الإحياء كما قال الزيلعي، فإن هذا يدل على مشاركته في البحث عنه هو العراقي، لأنه كما قدمت كان الوحيد الذي تصدى لتخريج أحاديث «الإحياء» بأكمله، وفي نفس موطن وعصر الزيلعي، كما أني رجعت إلى كتاب «الإحياء» فوجدت الحديث فعلا قد ذكر فيه مرفوعًا في موضعين»» (^٣)، ورجعت أيضًا إلى تخريج العراقي له فوجدته بعد ذكر الحديث يقول: «لم» أجده مرفوعا، وإنما رواه ابن\n_________\n= و«بهجة الناظرين» للغزي/ ١٢٩، و«مقدمتي شرحي المناوي لألفية السيرة» للعراقي.\n(^١) «تخريج أحاديث الكشاف» للزيلعي/ مخطوط بدار الكتب المصرية برقم/ ١٣٢ حديث/ ١١٨ أ.\n(^٢) انظر «تخريج الكشاف» للزيلعي/ ٩ أ، ١٤٧ ب.\n(^٣) «الإحياء» ج ٢/ ٨٨، ١٤٢.","vol":"4","page":1431},{"text":"أبي الدنيا في كتاب «الصمت» من قول الحسن، وقد ذكره المصنف هكذا على الصواب في آفات اللسان (^١).\nومع أن ما قرره بشأن الحديث متفق مع ما قرره الزيلعي، إلا أنك تلاحظ أنه لم يشر لمشاركة غيره له في البحث عنه، حيث قال: «لم أجده»، كما أنه خرجه من كتاب «الصمت» لابن أبي الدنيا، وهو غير الكتاب الذي خرجه منه الزيلعي، وهو كتاب «شعب الإيمان» للبيهقي.\nوفي تخريج الحديث الخامس من سورة الرعد، وهو قوله ﷺ عن القرآن: «ولا تجعله علينا ماحلا مصدقا».\nقال الزيلعي: «قلت: غريب بهذا اللفظ»، والذي وجدناه في الحديث المرفوع: القرآن شافع مشفع، وما حل صدق (^٢)، فقوله «والذي وجدناه» يدل على مشاركة غيره له في البحث عن هذا الحديث أيضًا، بدليل قوله عن غيره: «وأقرب ما وجدته كذا» (^٣)، وبالرجوع إلى تخريج «الإحياء» للعراقي نجده قد خرج الحديث المذكور من نفس المصدر الذي خرجه منه الزيلعي (^٤).\nفهذا يدل على المشاركة بينهما، وإن لم يصرح بها العراقي كما صرح الزيلعي، كما أني وجدتهما يتفقان تمامًا في عدة مواضع في المصادر المخرج\n_________\n(^١) «المغني بهامش الإحياء» جـ ٢/ ٨٨.\n(^٢) «تخريج الكشاف»، للزيلعي/ ١٢٤ أ.\n(^٣) «تخريج الكشاف»، للزيلعي/ ٥٨ ب.\n(^٤) «المغني» جـ ٢/ ٢٧٩.","vol":"4","page":1432},{"text":"منها الحديث (^١)، إلا أني قرأت «التخريج الصغير» للإحياء جميعه، وقرأت المجلد الأول من «تكملة شرح الترمذي» للعراقي، وقرأت أكثر من مجلد من أثنائه، فلم أجد خلال ذلك تصريحًا من العراقي بأن الزيلعي قد أفاده تخريج حديث أو دله على المصدر الموجود فيه، كما أني قرأت معظم «تخريج الزيلعي لأحاديث الهداية» فلم أجد تصريحًا منه بشيء من ذلك أيضًا، بل إني وجدت بعض مواضع كان يلزمهما فيها التعاون فلم أجدهما فعلاه.\nمثال ذلك: «أن الغزالي أورد في «الإحياء» حديث «ليس على مستكره طلاق» فلم يخرجه العراقي كلية (^٢)، بينما الزيلعي قد خرجه في «تخريج أحاديث الهداية» (^٣)، فكان مقتضى تعاونهما معًا أن يخرجه العراقي إستفادة من رفيقه الزيلعي، وهناك أيضًا: حديث النهي عن الإغتسال بالماء المشمس من رواية ابن عباس، فقد كانت هذه الرواية كما قدمت في الباب الأول مما أعيا الحفاظ المشتغلين بالتخريج في مصر والشام الوقوف عليها مسندة في مصدر حديثي، وقد سئل العراقي في رحلته الأولى للشام عن تلك الرواية فخرجها لمن سأله، من مشيخة القاضي أبي بكر الأنصاري، واعترف الحافظ ابن كثير، شيخ العراقي باستفادة ذلك منه، فكان مقتضى التعاون العلمي بين الزيلعي والعراقي استفادة الزيلعي منه تخريج هذه الرواية التي شغلت الجميع، كما استفادها منه غيره، ولكن عندما نرجع إلى تخريج الزيلعي لأحاديث\n_________\n(^١) انظر: نصب الراية للزيلعي، جـ ١/ ١٠٤، ١٠٥ حديث «إذا بلغ الماء قلتين»، وقارنه بالمغني بهامش الإحياء، جـ ١/ ١٣٤ وجـ ٤/ ٤١٣، ٤١٤ من «نصب الراية»، وقارن بالمغني، جـ ٢/ ٢١٣ حديث/ ١٠.\n(^٢) «الإحياء وبهامشه المغني»، جـ ١/¬٣٣.\n(^٣) «نصب الراية»، جـ ٣/ ٢٢٤.","vol":"4","page":1433},{"text":"الهِدايَةِ» لا نجد به تخريج رواية ابن عباس هذه كلية (^١)، كذلك وجدت أنَّ الزيلعي والعراقي قد يتفقان في تخريج الحديث من مصدر واحد ولكن أحدهما يبين درجة الحديث والآخر لا يبينها (^٢)، ومقتضى التعاون أن يستفيد كل منهما من الآخر في تلك النقطة الهامة في علم التخريج، وعلى ضوء هذا كله يمكن القول: إن ترافق وتعاون الزيلعي والعراقي في مجال التخريج كان في بعض الأحيان، وكان مقتصرا على التقائهما معا في بعض مجالس، يتناوبان فيها - على ما يبدو - قراءة بعض كتب السنة، لتخفيف مشقة قيام كل منهما بذلك منفردا، وعند مرور أيهما في القراءة على حديث مطلوب، يقوم المحتاج إليه منهما بنقله وتقييده، فيما هو مشتغل بتخريجه، وهكذا، ثم يقوم كل منهما على انفراد، باستكمال بحوث تخريج أحاديث الكتاب المشتغل بتخريجه، ويعتبر القدر المذكور من تشاركهما في الإطلاع والبحث أنموذجا طيبا ورائدا للتعاون العلمي الصادق بين المشتغلين بعلوم السنة، كما أنه يدل كما قدمت في الباب الأول على أريحية كل من الزيلعي والعراقي، وتقدير كل منهما للآخر، رغم اختلاف المذهب الفقهي، حيث إن الزيلعي حنفي والعراقي شافعي، وقد كان الخلاف المذهبي - حينذاك - مثارًا للعداء الشديد ورغم أن الزيلعي بمنزلة شيوخ العراقي، ويرد هذا أيضا - كما قدمت - القول بتأخر العراقي وتراخيه في طلب السنة على وجهها، ولا سيما إذا راجعنا\n_________\n(^١) انظر «نصب الراية» للزيلعي جـ ١/ ١٠١ - ١٠٣.\n(^٢) انظر «نصب الراية» / جـ ١/ ٣٤٨ حديث «اللهم ارحم خلفائي»، وقارن «بالمغني بهامش الإحياء» جـ ١/¬١٨، وانظر «تخريج أحاديث الكشاف» للزيلعي/ ١٥٢ ب حديث ٧ وقارن «بالمغني بهامش الإحياء» جـ ٢/¬١٢، ١٣، ٣٥٣، ١٥٩ أ حديث ١٣ من «تخريج الكشاف، وقارن بالمغني» جـ ٣/¬٧.","vol":"4","page":1434},{"text":"ما قدمته من بحوثه وآرائه التي تضمنها تخريجه الكبير، الذي كان باكورة مؤلفاته في السنة، وخلاصة عمله في تلك الآونة.\n\n<span data-type='title' id=toc-503>«معارضة القول بانتفاع العراقي في التخريج بمؤلفات تلميذه الهيثمي»</span>\nيتصل أيضًا ببيان مصادر العراقي في هذا التخريج، ما ذكره الحافظ ابن حجر، وتلميذه السخاوي من انتفاع العراقي في «تخريج أحاديث الإحياء» وغيره، بمؤلفات تلميذه الحافظ نور الدين الهيثمي السابق التعريف به، فقد ذكر ابن حجر في ترجمته للهيثمي: أنه جمع كلا من زوائد مسانيد أحمد وأبي يعلى والبزار ومعاجم الطبراني الثلاثة، ثم جمعهم بعد حذف الأسانيد في كتابه المعروف «مجمع الزوائد ومنبع الفوائد» وذكر أيضًا تأليفه لترتيب أحاديث «حلية الأولياء» لأبي نعيم، ولترتيب كتابي الثقات، لكل من ابن حبان والعجلي، ثم أعقب ابن حجر ذلك بقوله: «وكان الشيخ (أي العراقي)، يستعين به، (أي بالهيثمي)، في عمل هذه التصانيف لينتفع، أي العراقي، بها فيما يجمعه، ويشرحه، وخصوصًا تخريج أحاديث الإحياء، وتخريج ما يقول الترمذي فيه: وفي الباب» (^١).\nوقال السخاوي: «إن العراقي استروح فيما بَعُدُ بما عمله الهيثمي من المؤلفات، سيما «مجمع الزوائد» (^٢)، وهذا يفيد أن العراقي اعتمد في «تخريج أحاديث الإحياء»، على مؤلفات الهيثمي المذكورة، ولكني قدمت في التعريف بالهيثمي معارضتي لهذا من أربعة أوجه (^٣)، ثم وعدت بإضافة\n_________\n(^١) «ذيل الدرر الكامنة» ١/ ٨٥، ٨٦.\n(^٢)، (^٣) انظر ص ٤٨٩ وما بعدها.","vol":"4","page":1435},{"text":"المزيد هنا فأقول: «إني قد قرأت جميع «التخريج الصغير» للإحياء غير مرة، فلم أجد العراقي - رغم أمانته في النقل، والتزامه العام بالعزو إلى مصادره - كما تقدم - لم أجده أشار أية إشارة لاستفادة شئ من تلميذه الهيثمي، أو من أي مؤلف من مؤلفاته، بينما وجدت العكس، وهو تصريح الهيثمي بالإستفادة من شيخه العراقي، وذلك في «مجمع الزوائد»، وهو الصورة النهائية لجمع الهيثمي للزوائد، كما أنه الكتاب الذي نص السخاوي على استفادة العراقي به كما مر».\nففي تخريج حديث «اتجروا في أموال اليتامى لا تأكلها الزكاة» قال الهيثمي: «رواه الطبراني في «الأوسط»، وأخبرني سيدي وشيخي (يعني العراقي) أن إسناده صحيح» (^١)، ثم نقل ذلك عن الهيثمي من بعده (^٢)، وإذا كان الحافظ ابن حجر قد ذكر «تخريج الإحياء» في مقدمة المؤلفات التي انتفع العراقي فيها بمؤلفات الهيثمي، دون أن يذكر لنا مثالًا واحدًا لذلك، فإن الحافظ المناوي قد أثبت عكس ذلك مؤيدًا بالأمثلة، حيث صرح في تخريج أحاديث كثيرة بتبعية الهيثمي في «مجمع الزوائد»، لما قرره شيخه العراقي في هذا «التخريج الصغير» (^٣)، وهو آخر مؤلفات العراقي الثلاثة في تخريج الإحياء، وقد فرغ منه في زمن متأخر من حياته، وهو سنة ٧٩٠ هـ كما تقدم،\n_________\n(^١) «مجمع الزوائد» للهيثمي ج ٣/ كتاب الزكاة/ باب زكاة أموال الأيتام.\n(^٢) «فيض القدير» ج ١/ ١٠٨، ١٠٩.\n(^٣) انظر «فيض القدير» ج ١/ ٦٩، ١٠٩ وقارن «بمجمع الزوائد» ج ٣/ كتاب الزكاة/ باب زكاة أموال الأيتام، و«فيض القدير» ج ٢/ ٢٤٩، ٣٨٥، ٤٨٧ وقارن «بالمغني بهامش الإحياء» ج ٣/¬٢٩.","vol":"4","page":1436},{"text":"كما أني وجدت بعض أمثلة تنافي انتفاع العراقي في هذا التخريج بمجمع الزوائد لتلميذه الهيثمي، ففي تخريج حديث «اتسع في السماء» ذكر العراقي حديث خالد بن الوليد «ارفع إلى السماء، واسأل الله السعة» وعزاه إلى الطبراني ثم قال: «في إسناده لين» (^١)، بينما نجد الهيثمي في «مجمع الزوائد» قد خرَّج الحديث من عند الطبراني أيضًا فقال: «رواه الطبراني بإسنادين أحدهما حسن» (^٢)، فلو أن العراقي اعتمد على كتاب الهيثمي لما أهمل ذكر السند الحسن الذي أشار إليه الهيثمي، لأن قواعد التخريج كما تقدَّم، تقضي عند الاختصار، أن يقدم تخريج الحديث بالسند الأقوى، أو يكتفي به.\nثم إن هناك تصريحات متعددة من العراقي، برجوعه المباشر للمصادر التي خرج الهيثمي منها «مجمع الزوائد» (^٣)، كما أن من الرواة من صرَّح الهيثمي في «المجمع» بأنه لا يعرفه، بينما نجد العراقي قد بيَّنه في «تخريجه الكبير للإحياء»، وذلك في تخريج حديث «دع ما يريبك الى ما لا يريبك» فقد أخرجه العراقي في «الكبير» من مسند الإمام أحمد، من رواية أبي عبد الله الأسدي عن أنس رفعه، ثم قال العراقي: «وأبو عبد الله الأسدي قال أبو حاتم: مجهول، تفرَّد عنه يحيى بن أيوب المصري».\nوعقب على ذلك بقوله: «وهو معروف، وسماه بعضهم: عيسى بن\n_________\n(^١) «المغني»، ج ٤/ ٢٣١ حديث ٦.\n(^٢) «مجمع الزوائد» ١٠/ ١٦٩ و«فيض القدير» ج ١/ ٤٧٦.\n(^٣) انظر مثلًا «المغني»، ج ٣/ ٣٦٥.","vol":"4","page":1437},{"text":"عبد الرحمن (^١)، أما الهيثمي فإنه بعد تخريج الحديث بالعزو إلى أحمد، وذلك. في (المجمع) قال: وأبو عبد الله الأسدي، لم أعرفه .. (^٢).\nوهكذا توافرت الأدلة والشواهد على دفع القول بانتفاع العراقي في (تخريج أحاديث الإحياء) بمؤلفات تلميذه الهيثمي.\n_________\n(^١) «إتحاف السادة المتقين» ج ١/ ١٥٨.\n(^٢) (المجمع - كتاب الأدعية - باب دعاء المرء لأخيه ..) ١٠/ ١٥٢ وه إتحاف السادة المتقين» ج ١/ ١٥٨.","vol":"4","page":1438},{"text":"<span data-type='title' id=toc-504>شرط العراقي فيما التزم بتخريجه في الكتاب واهمية معرفته ونقده</span>\nمما يبين أهمية الوقوف على شرط العراقي في هذا الكتاب، وتوضيحه ما يلي:\n١ - أن العراقي كما تقدم في تسمية الكتاب، جعل موضوعه الذي تفيده التسمية عامًا، يشمل تخريج أنواع الأخبار الواردة في الإحياء، دون استثناء في حين نجد واقع الكتاب أخص مما في العنوان.\n٢ - أن العراقي كتب مقدمة الكتاب بعد الفراغ منه، وضمنها أهم اصطلاحاته، وعناصر منهجه، وختمها بتسميته للكتاب، ولكن لم يوضح في تلك المقدمة مقصوده «بالأخبار» فيما خرجه (^١)، مع أن المقدمة هي المكان المناسب، والمظنة القريبة لتوضيح هذا القصد، حتى يتفق الاسم مع المسمى، ويتطابق عنوان الكتاب مع مضمونه، ولو في الجملة، ويعرف القارئ منذ البداية ما شرط العراقي على نفسه أن يتصدى لتخريجه من أنواع الأخبار الواردة في الإحياء، وبالتالي لا ينتقده في ترك ما لم يلتزم بتخريجه، ولا يطالبه بغير ما شرط على نفسه الوفاء به.\n٣ - أن الغزالي في إيراده للمرويات التي اعتمد عليها في الإحياء، لم يلتزم طريقة موحدة؛ حيث نجده عند سرده للأدلة، يضع عنوانا باسم «الأخبار» ويورد تحته أحاديث مصرحًا برفعها إلى النبي ﷺ، ويورد معها أيضًا مرويات أخرى عن غير النبي ﷺ، كما قدمته في مبحث تسمية الكتاب ثم يضع عنوانا آخر باسم (الآثار) ويضع تحته مرويات موقوفة، مصرحًا\n_________\n(^١) ينظر «المغني» بهامش «الإحياء» ١/¬٨، ٩.","vol":"4","page":1439},{"text":"بنسبتها إلى الصحابة، أو مقطوعة مصرحا بنسبتها إلى التابعين، أو غيرهم، ويورد غير ذلك أيضا من أنواع الأخبار التي أشرت إليها في مبحث شرط العراقي في التخريج الكبير، وقد يورد تحته أيضا بعض أحاديث مصرحا برفعها إلى الرسول ﷺ (^١) وقد يطلق «الأثر» على الحديث المرفوع (^٢).\nكما أنه قد يورد الحديث الواحد في موضعين متباعدين، ويصرح برفعه في موضع، ويوقفه على الصحابي أو من دونه في موضع آخر، أو يقتبسه أيضا في موضع متباعد في خلال كلامه هو، وبذلك لا يتيسر للقارئ الربط بين الحديث في الموضعين، إلا من خلال المراجعة التفصيلية للكتاب كله.\nوقد يقول: حديث فلان من الصحابة، فمن دونهم، ويكون الحديث في: بعض مصادره المتداولة، قد روي عن هذا الصحابي موقوفا عليه، مرة، ومرفوعا منه إلى الرسول ﷺ مرة أخرى.\nوقد يورد الغزالي الحديث بعبارة غير صريحة في إفادة رفع الحديث، مثل قوله: وفي «الخبر، أو الأخبار، كذا» أو «روي كذا» ثم يكون المذكور بعد هذه العبارة أو نحوها، قد روي في المصادر مرفوعا، وموقوفا أيضا، وقد يورده الغزالي بمثل هذه العبارات المحتملة للرفع وغيره، ثم يورده مرة أخرى في موضع آخر مصرحا برفعه.\nوستأتي أمثلة توضيحية لما ذكرت، خلال هذا المبحث، وما بعده بإذن الله.\nومن أجل تنوع صنيع الغزالي هكذا، أصبح في كتابه الإحياء مرويات كثيرة.\n_________\n(^١) انظر مثلا «الإحياء» ١/¬١٤ - ١٧ و٦٥.\n(^٢) انظر «الإحياء» ٤/¬٤٦ ومعه «المغني».","vol":"4","page":1440},{"text":"مصرح بها، أو مشار إليها، وعبارة الغزالي في إيرادها محتملة أنه يقصد أحاديث مرفوعة إلى الرسول ﷺ، أو يقصد غير المرفوع مما هو موقوف على الصحابة، أو من دونهم، أو ما هو أعم من ذلك. كما أن الغزالي خلال عرضه الجوانب العديدة لموضوعات كتابه، يسوق أحاديث مرفوعة، وآثارا موقوفة، بألفاظهما، أو يشير إلى ذلك بمثل قوله: «وجوب التوبة ظاهر بالأخبار» (^١) أو يذكر مرويات عن بعض الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، أو بعض الحكماء، أو غير ذلك مما ستأتي نماذجه التفصيلية، إن شاء الله.\nومن أجل هذا كله، احتاج العراقي أن يضع لنفسه شرطًا يحدد به ما التزم في كتابه «المغني» هذا بتخريجه من تلك المرويات المتعددة، منعًا للالتباس، ودفعًا للانتقاد بالغفلة، أو التقصير في الوفاء بعنوان الكتاب العام، كما تقدم.\n٤ - إن تأخير العراقي ذكر شرطه عن محله المعتاد، وهو مقدمة الكتاب، أو عنوانه، إلى مواضع متفرقة خلال الكتاب، جعل الوقوف عليه، ومراعاته تخفيان على من لم يطالع الكتاب مطالعة تفصيلية، ولهذا يعتبر استخراجه من ثنايا الكتاب، وإظهاره هكذا في مبحث خاص، أمرًا له أهميته باعتباره عنصرا أساسيًا في بيان موضوع الكتاب، وتحديد مضامينه، ومعرفة قيمته الحديثية، وجهد المؤلف فيه.\n٥ - لعل طريقة العراقي هذه في ذكر شرطه خلال الكتاب، تنبه الباحثين إلى أن الإعتماد في بيان مناهج المؤلفين على تسمية كتبهم ومقدماتها فقط مع أخذ أمثلة متفرقة من الكتاب، دون فحص تفصيلي لكل الكتاب، مما يوقع الباحث\n_________\n(^١) «الإحياء»، ٤/¬٤.","vol":"4","page":1441},{"text":"في خطأ الحكم على مثل هذا الكتاب وتقويمه.\nوأول تلك المواضع التي بين العراقي فيها شرطه، وجدته عند قول صاحب الإحياء، كما في طبعة الحلبي: «وجاء في الخبر» وفي نسخة الزبيدي: «وجاء في الآثار: إن الملائكة يفتقدون الرجل إذا تأخر عن وقته يوم الجمعة».\nويبدو أن نسخة العراقي كانت مثل نسخة الزبيدي في هذا الموضع، فإنه قال في تخريجه: حديث: إن الملائكة .. البيهقي من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، مع زيادة ونقص، بإسناد حسن.\nثم قال: واعلم أن المصنف - يعني الغزالي - ذكر هذا أثرًا؛ فإن لم يرد به حديثا مرفوعًا، فليس من شرطنا، وإنما ذكرناه احتياطا (^١)، أي احتياطا لأن يكون الغزالي قصد بكلمة «الآثار» الحديث المرفوع، فراعى العراقي مقصده، وإن كان لفظه ليس صريحًا في إرادة الحديث المرفوع.\nفقول العراقي هنا: «فإن لم يرد به حديثا مرفوعًا، فليس من شرطنا» يفيد أنه شرط على نفسه في هذا «التخريج الصغير» أن يتصدى لتخريج كل ما أورده الغزالي في الإحياء بصيغة تدل على أنه يقصد حديثا مرفوعا إلى النبي ﷺ، كقوله: قال ﷺ كذا، أو فعل كذا، أو اتصف بكذا.\nأما ما يورده بصيغة تحتمل الرفع وغيره، مثلما في هذا الموضع، فليس من شرط العراقي الإلتزام بتخريجه، وإنما قد يخرجه احتياطا في تحقيق مقصد الغزالي، كما قرر هنا، أو لقصد تحقيق فائدة معينة، كما سيأتي، وقد يترك تخريجه، وهو الأكثر، لعدم دخوله فيما اشترط على نفسه التصدي لتخريجه.\n_________\n(^١) ينظر «الإحياء وبهامشه المغني» ١/ ١٨٨ و«الإتحاف مع الإحياء» ٣/ ٢٥٩.","vol":"4","page":1442},{"text":"وفي موضع بعد هذا، ذكر الغزالي عددًا من الأعمال المكفرة للذنوب وقال في واحد منها: «وفي بعض الآثار: تسبغ الوضوء، وتدخل المسجد وتصلي ركعتين».\nفقال العراقي في تخريجه: أثر: إن من مكفرات الذنوب، أن تسبغ الوضوء … وعزاه إلى أصحاب السنن من حديث أبي بكر الصديق ﵁ مرفوعًا ثم قال: وهو في السنن الكبرى - يعني للنسائي - مرفوعا وموقوفا؛ فلعل المصنف عبر «بالأثر» لإرادة الموقوف، فذكرته احتياطا، وإلا فالآثار ليست من شرط كتابي (^١). فمعنى كلام العراقي هذا، أنه وإن كان ما ذكره الغزالي قد روي عند أصحاب السنن مرفوعًا، إلا أن أحدهم، وهو النسائي، قد رواه موقوفًا أيضًا (^٢) فلما عبر الغزالي بالأثر، احتمل أن يكون مراده الرواية الموقوفة فقط، وحينئذ لا يكون تخريجها داخلا في شرط العراقي في هذا التخريج، كما صرح بذلك في بقية كلامه.\nولكنه خرجه احتياطيًا لأن يكون الغزالي قصد بالأثر: الرواية المرفوعة، لكونها موجودة عند النسائي مع الموقوفة، وموجودة عند باقي أصحاب السنن الثلاثة. أقول: والذي ساعد على احتمال إرادة الموقوف، أن الغزالي قبل هذا - بسطور - قال: وفي الآثار، ما يدل على أن الذنب إذا أتبع بثمانية أعمال، كان العفو عنه مرجوا .. وذكرها .. ثم أعقبها بقوله السابق: «وفي بعض الآثار ..» (^٣).\n_________\n(^١) «الإحياء» ٤/¬٤٦ - التوبة - باب ما ينبغي أن يبادر التائب إليه.\n(^٢) تنظر «تحفة الأشراف» ٥/ ٢٩٩ جـ ٦٦١٠.\n(^٣) «الإحياء» ٤/¬٤٦ كتاب التوبة.","vol":"4","page":1443},{"text":"ويلاحظ أن العراقي لم يتصد لتخريج شيء في مقابل قول الغزالي: وفي الآثار ما يدل … إلخ، لكونه لم ير فيه ما رآه في الذي يليه من احتمال إرادة الغزالي بذلك حديثا مرفوعا.\nوفي موضع بعد هذا قال الغزالي: وفي حديث مجاهد: القلب مثل الكف المفتوحة، كلما أذنب العبد ذنبا انقبضت إصبع … (الحديث).\nفقال العراقي في تخريجه: هكذا قال المصنف: «وفي حديث مجاهد» وكأنه أراد به قول مجاهد، وكذا ذكره المفسرون، من قوله، وقد رويناه في «شعب الإيمان» للبيهقي من قول حذيفة (^١).\nفأشار العراقي بذلك إلى أنه تعرض لتخريج هذا من أجل تعبير الغزالي فيما أضافه إلى مجاهد بلفظ «الحديث»، الذي يطلق في الأصل على ما هو مرفوع، لكنه لم يجده مرفوعا، فخرج الرواية الموقوفة على مجاهد، وعلى حذيفة، ثم أتبعها بالتنبيه على سبب تصديه لها، مع أنها تعتبر من الآثار الموقوفة، وهي ليست من شرط كتابه.\nوفي موضع آخر بعد هذا أيضا قال صاحب الإحياء: قال أبو جعفر - يعني\nمحمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب -: «فرش لحده ﷺ بمفرشه، وقطيفته .. ثم قال: فلم يترك ﷺ بعد وفاته مالا، ولا بنى في حياته لبنة، ولا وضع قصبة على قصبة».\nوقد اختلفت نسخ كتاب المغني في تخريج هذا الموضع ففي المطبوع مع «الإحياء» جاء التخريج هكذا: حديث أبي جعفر: فرش لحده ﷺ\n_________\n(^١) «الإحياء مع المغني»، ٤/ ٥٢ حديث (٢).","vol":"4","page":1444},{"text":"بمفرشه وقطيفته، وفيه: فلم يترك بعد وفاته مالًا … أما وضع القطيفة، فالذي وضع القطيفة، (شُقْران) مولى رسول الله ﷺ، وليس ذكر ذلك من شرط كتابنا، وأما كونه لم يترك مالًا، فقد تقدّم من حديث عائشة وغيرها، وأما كونه ما بنى في حياته، فتقدم أيضًا (^١).\nوفي نسخة شارح الإحياء جاء التخريج هكذا «قال العراقي: الذي وضع المفرشة شُقْران مولى رسول الله ﷺ، وليس ذكر ذلك من شرط كتابنا، ولمسلم والترمذي وحسنه - والنسائي من حديث ابن عباس قال: جعل في قبر النبي ﷺ قطيفة حمراء» (^٢).\nفالكلام الذي ذكره الغزالي متصلًا بعضه ببعض، يعتبر في مصادر التخريج أمرين منفصلين:\nأولهما: قول أبي جعفر: فرش لَحْدَهُ ﷺ بمفرشه، وقطيفته إلى قوله: في أكفانه. وثانيهما: فلم يترك ﷺ بعد وفاته مالًا، ولا بنى في حياته لبنة على لبنة ولا وضع قصبة على قصبة فهذا الأمر الثاني مرفوع إلى الرسول ﷺ، ولذلك تصدى العراقي لتخريجه ببيان أنه مُتَضَمِّن في حديثين سبق تخريجه لهما، فأحال عليهما، كما ترى في نسخة «المغني» التي مع الإحياء.\nأما العبارة الأولى، فأصلها أثر موقوف على شُقْران، من رواية أبي جعفر التي أشار إليها الغزالي، أو موقوف على ابن عباس، كما ذكره العراقي حسب نسخة الزبيدي. وعلى كلتا الروايتين يصدق عليه قول العراقي «ليس\n_________\n(^١) «الإحياء مع المغني»، ٤/ ٤٦٠.\n(^٢) «الإتحاف» ١٠/ ٣٠٤.","vol":"4","page":1445},{"text":"ذكر ذلك من شرط كتابنا» وبذلك لا يكون مطالبًا بتخريجه، وبهذا يتجه تركه لتخريجه كلية، حسب نسخة التخريج التي مع الإحياء.\nأما في نسخة الزبيدي، فإن العراقي بعد تقرير أن الموقوف ليس من شرطه تخريجه، ذكر له رواية موقوفة على ابن عباس، في حين أن الرواية التي ذكرها الغزالي من رواية أبي جعفر، موقوفة على شقران، كما ذكر العراقي نفسه، في كلتا النسختين، وقد أخرجها الترمذي (^١) قبل رواية ابن عباس التي عزاها العراقي إلى الترمذي وغيره، كما مر.\nوقد أخرج الترمذي أثر شقران هذا من طريق أبي جعفر، ومن طريق ابن أبي رافع. وقال الترمذي: حديث شقران حديث حسن غريب.\nفلعل العراقي يكون ذكر تخريجه هكذا من عند الترمذي، وأتبعه بتخريج رواية ابن عباس من عند الترمذي وغيره، ولكن سقط من نسخة التخريج التي طبعت مع الإحياء تخريج رواية شقران، كما سقط تخريج الروايتين المرفوعتين من نسخة الزبيدي ..\nفيكون كلا النسختين حصل فيهما سقط، ويكون تخريج العراقي لأثر شقران، من باب الإحتياط لأن يكون هو مقصود الغزالي، بدليل ذكره معزوا إلى راويه أبي جعفر، كما تقدم، وإتباعه بتخريج رواية ابن عباس، شاهدًا، ولورودها في صحيح مسلم كما ذكر في تخريجها السابق.\nوفي موضع آخر قال الغزالي: الكبائر سبع عشرة، جمعتها من جملة الأخبار، وجملة ما اجتمع من قول ابن عباس وابن مسعود، وابن عمر،\n_________\n(^١) «جامع الترمذي» - الجنائز - باب الثوب الواحد يلقى تحت الميت - ٢/ ٢٥٥، ٢٥٦ ح ١٠٥٢.","vol":"4","page":1446},{"text":"وغيرهم .. وذكر عددًا مما في الأحاديث المرفوعة، وعددًا مما جاء في أقوال الصحابة موقوفًا عليهم، دون تمييز ما في المرفوع، عما في الموقوف.\nفقال العراقي في التخريج: … وسأذكر ما ورد منها مرفوعًا .. وذكر المرفوعات، ثم قال: وأما الموقوفات ..، وذكر أربع روايات موقوفة عن أربعة من الصحابة، ثم قال: وإنما ذكرت الموقوفات، حتى يعلم ما ورد في المرفوع، وما ورد في الموقوف (^١)، فنبه بذلك على أن تخريجه للموقوفات، وإن لم تكن على شرطه، أنه قصد تحقيق فائدة علمية، وهي تمييز ما ورد في المرفوع عما ورد في الموقوف، مما يتعلق بهذا الموضوع الهام، وهو موضوع كبائر الذنوب - أعاذنا الله منها - وهذه كما ترى فائدة لها أهميتها، سواء في باب الرواية وأو الإحتجاج.\nوستأتي أمثلة أخرى أيضًا لما خرجه العراقي من الآثار الموقوفة، زيادة على شرطه، ضمن مبحث «ما خرجه العراقي زيادة على شرطه».\nوفي موضع آخر اقتبس الغزالي لفظ حديث نبوي فأدمجه في سياق كلامه حيث ذكر أن من يتخذ أواني الذهب والفضة، فقد كفر بالنعمة، ثم قال: فمن لم ينكشف له هذا، انكشف له بالترجمة الإلهية، وقيل له: من شرب في آنية من ذهب أو فضة، فكأنما يجرجر في بطنه نار جهنم.\nفقال العراقي في تخريجه: «حديث من شرب في آنية الذهب …» متفق عليه، من حديث أم سلمة، ثم قال: ولم يصرّح المصنف بكونه حديثًا (^٢).\n_________\n(^١) «الإحياء مع المغني» ٤/¬١٧، ١٨.\n(^٢) «الإحياء مع المغني» ٤٥/ ٨٩ - كتاب الشكر - تمييز ما يحبه الله عما يكرهه.","vol":"4","page":1447},{"text":"أي أن هذا وإن كان لفظ حديث مرفوع، لكن المصنف وهو الغزالي، قد أورده ضمن سياق كلامه هو، غير مصرح بنسبته إلى الرسول ﷺ. وعليه لا يكون من شرط العراقي التصدي لتخريجه، ولكنه أثر تخريجه كما نرى، تحقيقًا للفائدة.\nلكن هناك مواضع أخرى مشابهة، ولم يتعرض العراقي لتخريجها.\nوستأتي بعض الأمثلة لذلك في مبحث «ما خرجه زيادة على شرطه».\nكما سيأتي ملاحظة الزبيدي عدم التزام العراقي بتخريج كل ما يقتبسه الغزالي من الأحاديث في سياق كلامه.\nوفي موضع آخر، ذكر الغزالي آداب حضور المدعو إلى منزل الداعي إلى طعام، فقال في سياقها: «وينوي مع ذلك زيارته، ليكون من المتحابين في الله، إذ شرط رسول الله ﷺ فيه التبادل والتزاور».\nفقال العراقي في تخريجه: حديث وجبت محبتي للمتزاورين في، والمتباذلين في، وعزاه إلى مسلم من حديث أبي هريرة. ثم قال: ولم يذكر المصنف هذا الحديث، وإنما أشار إليه (^١).\nأي أن الغزالي أشار إلى هذا الحديث، بذكر معناه، أو موضوعه العام، ولم يذكر لفظا معينًا، ومع ذلك تصدى العراقي لتخريجه، لدخوله في شرطه، وهو تصريح الغزالي بالعزو إلى الرسول ﷺ، سواء ساق لفظ الحديث، كما هو الأصل، أو أشار إليه إشارة بذكر موضوعه، أو معناه العام كما في هذا الموضع.\n_________\n(^١) «الإحياء مع المغني» - كتاب آداب الأكل - باب آداب إجابة الطعام ٢/¬١٤.","vol":"4","page":1448},{"text":"وقد لاحظت توفية العراقي بذلك، إلا في بعض المواضع التي ستأتي الإشارة إليها في مبحث ما فاته، إن شاء الله.\nوفي موضع آخر قال الغزالي: «وفي الخبر: ما وَقَى الرجل به عرضه، فهو له صدقة».\nفتصدى العراقي لتخريج ذلك بالعزو إلى أبي يعلى وابن عدي، من حديث جابر، وذكر تضعيف ابن عدي له (^١).\nوقد أقر الشارح العراقي على هذا، وزاد تخريج الحديث من مصادر أخرى (^٢)؟\nويلاحظ أن الغزالي أورد هذا الحديث مصدرًا بعبارة: «وفي الخبر» دون أن يعزوه إلى الرسول ﷺ، أو إلى غيره، وقد قرر العراقي أن الغزالي كثيرًا ما يعبر بعبارة «وفي الخبر» هكذا مطلقة، ويكون ما بعدها من الإسرائيليات غير المرفوعة (^٣)، وسيأتي توضيح ذلك في مبحث «موقف العراقي من الإسرائيليات التي في الإحياء» وقوله هذا يفيد أن ما يورده الغزالي بعبارة «وفي الخبر كذا …» فإنها لا تكون صريحة في رفع ما بعدها؛ بل تحتمل إرادة المرفوع، كالمثال السابق، وبالتالي يتصدى العراقي لتخريج ذلك احتياطًا، وتحتمل في حالات كثيرة إرادة روايات غير مرفوعة، كالإسرائيليات الموقوفة كما سيأتي، وغيرها. وبالتالي لا يكون العراقي مطالبا بتخريجها، تبعا لشرطه مهما كثرت.\nوتقرير العراقي هذا، لما جرى عليه الغزالي فيما يورده بعبارة: «وفي الخبر»،\n_________\n(^١) «الإحياء مع المغني». آداب الألفة. حقوق المسلم ٢/ ٢٠٦ ومثله في ٣/ ٢٣٥ حديث ٥\n(^٢) «الإتحاف» ٦/ ٢٨٨.\n(^٣) انظر «والمغني مع الإحياء» ٤/ ١٥٦.","vol":"4","page":1449},{"text":"يؤكد ما قدمته من انتقاد عنونته للكتاب بـ «تخريج ما في الإحياء من الأخبار».\nوفي موضع آخر قال الغزالي: ويروى أن الله ﷿ لما لعن إبليس، سأله النظرة، فأنظره إلى يوم القيامة، فقال: وعزتك، لا خرجت من قلب ابن آدم، ما دام فيه الروح (الحديث).\nفخرج العراقي رواية بنحوه من حديث أبي سعيد مرفوعًا، … ثم قال: أورده المصنف بصيغة «ويُروى كذا»، ولم يعزه إلى النبي ﷺ، فذكرته احتياطا (^١)، يعني احتياطا لأن يكون هذا هو مقصود الغزالي.\nوفي موضع آخر قال الغزالي: ويروى: لو أن قطرة من الموت وضعت على جبال الدنيا كلها لذابت.\nوقد تصدى العراقي لتخريج هذا بقوله: حديث: لو أن قطرة من الموت … لم أجد له أصلا، ثم قال: ولعل المصنف لم يورده حديثا، فإنه قال: «ويروى» (^٢).\nومن هذين المثالين نفهم أن العراقي يعتبر ما يذكره الغزالي بعبارة «يروى كذا» يحتمل أن يريد به حديثا مرفوعًا، ويحتمل غيره، حتى من الروايات التي لا أصل لها، وبالتالي لا يكون العراقي ملزمًا - حسب شرطه - بالتصدي لما يورده الغزالي بهذه الصيغة، وإنما تارة يخرجه احتياطًا، وتارة يتركه، لخروجه عن شرطه.\nومما يدل على مراعاة العراقي لشرطه فيما يتركه، أنا نجد الغزالي يورد الحديث الواحد، مرة مرفوعا إلى النبي ﷺ، ومرة يورده بعبارة محتملة للرفع وغيره، ومرة أخرى منسوبًا إلى غيره ﷺ: كالصحابة أو التابعين، أو غيرهم.\n_________\n(^١) المغني مع الإحياء ٤/¬١٤.\n(^٢) المغني مع الإحياء ٤/ ٤٤٧","vol":"4","page":1450},{"text":"وقد يورده مرة مرفوعًا، ومرة يقتبسه في سياق كلامه هو.\nفنجد العراقي يتصدى لتخريج مثل هذا الحديث، في حالة رفعه فقط ويتركه في بقية الحالات، كما سيأتي في الأمثلة.\nوقد عرف شرط العراقي هذا، ولاحظ مراعاته له من عدمها، مَنْ مارس كتابه بتفصيل، وعناية، مثل الإمام الزبيدي شارح الإحياء.\nوبعد الذي قدمته من تصريحات العراقي بشرطه، وإشاراته إليه، أُورِدُ هنا بعض الأمثلة الدالة على التزامه بالشرط، ومراعاته لمقتضاه، خلال الكتاب وكذا بعض الأمثلة الدالة على ملاحظة الزبيدي لمراعاة العراقي لشرطه، أو عدم مراعاته، ثم أتبع ذلك بمبحث خاص لإبراز ما خرجه العراقي زيادة على شرطه.\nفمن تلك الأمثلة: حديث: (يوزن يوم القيامة مداد العلماء بدم الشهداء) فقد ذكره الغزالي في كتاب العلم - الباب الأول - ضمن الأدلة من الأخبار وصرح بنسبته إلى الرسول ﷺ.\nفقام العراقي بتخريجه بالعزو إلى ابن عبد البر في (جامع بيان العلم) - من حديث أبي الدرداء، مرفوعًا (^١).\nثم أورده الغزالي مرة ثانية في الباب نفسه، ضمن الأدلة من الآثار، ونسبه إلى الحسن - يعني البصري - فقال: وقال الحسن ﵀ … فذكره بلفظه، وزاد في آخره: فيرجح مداد العلماء بدم الشهداء.\nولم يتعرض العراقي لتخريجه (^٢)، ولو بالإحالة على ما سبق، كما يفعل\n_________\n(^١) «الإحياء مع المغني» ١/¬١٢.\n(^٢) «الإحياء مع المغني» ١/¬١٥.","vol":"4","page":1451},{"text":"بالنسبة للأحاديث المكررة، وذلك لخروجه في هذا الموضع عن شرطه.\nأما الزبيدي فعلق عليه بقوله: قد روي ذلك مرفوعًا عن أبي الدرداء، كما تقدم ذكره في الحديث العاشر - يعني الحديث السابق الذي خرجه العراقي ثم أضاف الزبيدي عزو الحديث إلى الشيرازي في «الألقاب» مرفوعًا أيضًا من حديث أنس، ثم قال: فلعل الحسن سمعه من أنس (^١)، ولكنه لم يتعقب العراقي في عدم تعرضه لتخريج هذا الموضع، لعلمه بشرطه، كما سيأتي له تصريح بذلك.\nوفي موضع آخر قال الغزالي: وكذلك قوله ﷺ: «كُلُّ مَا أَصْمَيْتَ وَدَع مَا أَنْمَيْتَ».\nفقام العراقي بتخريجه بالعزو إلى الطبراني في «الأوسط»، من حديث ابن عباس مرفوعًا، وإلى البيهقي موقوفًا على ابن عباس أيضًا، ونقل عن البيهقي قوله: إن المرفوع ضعيف (^٢).\nفيتضح من هذا أن العراقي خرج الرواية الموقوفة، مع المرفوعة لفائدة، وهي الإشارة إلى تعارض الرفع والوقف في هذا، وبيان رجحان الموقوف، وبالتالي إعلال المرفوع، وضعفه، وتحصيل مثل هذه الفائدة أولى من الإلتزام بالشرط في هذا الموضع.\nثم إن الغزالي في الباب التالي للموضع السابق - قال: فإن قيل: فقد قال ابن عباس: كل ما أَصْمَيتَ ودع ما أَنميتَ (^٣).\n_________\n(^١) «الإتحاف» ١/ ٩٠، ٩١.\n(^٢) «الإحياء مع المغني» ٢/ ٩٦.\n(^٣) «الإحياء» ٢/ ١٠١.","vol":"4","page":1452},{"text":"فلم يتعرض العراقي له بتخريج، ولا بإحالة على ما تقدم من تخريجه لهذه الرواية الموقوفة مع المرفوعة كما تقدم.\nوذلك لأن الغزالي في هذا الموضع ذكره موقوفًا على ابن عباس.\nثم إن الشارح أحال بتخريج تلك الرواية الموقوفة على ما ذكره العراقي في تخريج الموضع السابق (^١)، ولكن لم يتعقب العراقي بترك هذا الموضع الموقوف وذلك لمعرفتة بشرطه، وملاحظة أن جَرْيَهُ عليه هو الأصل، كما سيأتي مثال ذلك.\nوفي موضع آخر قال الغزالي: وروي مسندًا: لا يفتي الناس إلا ثلاثة: أمير، أو مأمور، أو متكلف.\nفقام العراقي بتخريجه (^٢).\nثم أورده الغزالي مرة ثانية فقال: ويشهد لحسن الإحتراز من تقلد الفتاوى ما روى مسندًا عن بعضهم أنه قال: لا يفتي الناس إلا ثلاثة … فذكر الحديث بلفظه المتقدم (^٣).\nولم يتعرض العراقي لتخريجه هنا، لكون الغزالي نسبه إلى بعضهم كما ترى، ولم يرفعه إلى الرسول ﷺ.\nوقد أحال الزبيدي في «الإتحاف» بتخريجه على الموضع السابق، الذي خرجه العراقي فيه، دون تعقبه للعراقي بشيء، لمعرفته بشرطه (^٤).\n_________\n(^١) «الإتحاف» ٦/¬٣٧ وانظر مثالًا آخر في «الإحياء مع المغني» ٣/ ١٩٩ حديث رقم ٤، مع: «الإحياء» ٣/ ٢٠٥ و«الإتحاف» ٨/ ٩٧.\n(^٢) «الإحياء مع المغني» ١/¬٢٤.\n(^٣) «الإحياء مع المغني» ١٥/ ٧٦.\n(^٤) «الإتحاف» ١/ ٣٩٨.","vol":"4","page":1453},{"text":"وفي موضع آخر ذكر الغزالي أن معرفة العبد نفسه بالعبودية، وربه بالربوبية إنما يتم في الحياة الدنيا، ثم قال: وهو المعني بقوله ﵊: الدنيا مزرعة الآخرة.\nفتصدى العراقي لتخريجه (^١).\nوفي موضع قبل هذا قال الغزالي: ولا نظام للدين، إلا بنظام الدنيا، فإن الدنيا مزرعة الآخرة.\nفأورد لفظ الحديث نفسه، كما ترى مقتبسا في خلال كلامه هو، فلم يتعرض العراقي لتخريجه، لعدم دخوله في هذا الموضع في شرطه (^٢).\nوهناك موضوعات كاملة، يعتبر سياق الغزالي لأحكامها منتزعا من ألفاظ ومعاني عدد من الأحاديث المرفوعة، والمخرجة في مصادر مشهورة، كالكتب الستة وغيرها، ولكن لما لم يُصرّح الغزالي برفع شيء منها للرسول ﷺ، لم يتعرض العراقي بدوره لتخريج شيء منها. مثال ذلك: موضوع كيفية الغسل - من كتاب الطهارة، فقد ساق الغزالي أحكامه، ووصف بعضها بالوجوب، وبعضها بالسنن، وبعضها بالمستحب، ولم يتعرض العراقي لتخريج شيء منها، بناء على عدم توافر شرطه فيها (^٣).\nفي حين وجدها شارح الإحياء تحتاج إلى تخريج، فقام بذلك من جانبه لكن\n_________\n(^١) «الإحياء مع المغني» ٤/¬١٩.\n(^٢) «الإحياء مع المغني» ١/¬١٩ وانظر مثالًا آخر في «الإحياء مع المغني» ٤/¬٢٣ حديث رقم (١) و«الإحياء» ٤/ ٤٧٨.\n(^٣) «الإحياء مع المغني» ١/ ١٤١.","vol":"4","page":1454},{"text":"لَمْ يتعقب العراقي بترك تخريجها (^١).\nومما يدل على معرفة الزبيدي (^٢) بشرط العراقي هذا، وملاحظته التزامه به، من عدمه، أن الغزالي قال في موضع: قال رسول الله ﷺ: من سن سنة سيئة، فعمل بها من بعده، كان عليه وزرها .. (الحديث).\nفقام العراقي بتخريجه (^٣).\nوفي موضع متقدم على هذا بعدة كتب - قال الغزالي في صدد بيان عظم وزر العالم في معاصيه: «إذ يزل بزلته عالم كثير، ويقتدون به، ومن سن سنة سيئة …» فذكر لفظ الحديث السابق، ضمن سياق كلامه (^٤) فلم يتعرض العراقي لتخريج الحديث في هذا الموضوع لخروجه عن شرطه.\nأما الزبيدي في «الإتحاف (^٥) فقال عند هذا الموضع: قوله: ومن سن سنة سيئة …» هي قطعة من حديث، وذكر تمامه، ثم خرجه، وعقب على تخريجه ببيان ملاحظته سبب ترك العراقي لتخريجه، وهو خروجه عن شرطه، فقال: «ولم يذكره العراقي في تخريجه، وكأنه لعدم ذكر المصنف في أوله: قال رسول الله ﷺ، بل ساقه مساق كلامه، وإلا فلا يخفى مثل ذلك عليه».\nويؤيد ملاحظة الزبيدي هذه، ما أسلفته من تخريج العراقي فعلا للحديث نفسه، في الموضع الذي يوافق شرطه، وهو موضع تصريح الغزالي بنسبته\n_________\n(^١) «الإتحاف» ٢/ ٣٧٠ - ٣٩٥.\n(^٢) «الإتحاف» ١/ ٣٩٨.\n(^٣) «الإحياء مع المغني» ٢/ ٧٥ - كتاب آداب الكسب.\n(^٤) «الإحياء مع المغني» ١/ ٦٤.\n(^٥) ١/¬١/¬٣٤.","vol":"4","page":1455},{"text":"إلى الرسول ﷺ، كما قدمت.\nوكلام الزبيدي السابق يدل على معرفته أن ما يقتبسه الغزالي في سياق كلامه من الأحاديث المرفوعة، ولكنه لا يصرح عند اقتباسها برفعها، فإنها تكون خارجة عن شرط العراقي في كتابه، وبذلك لا يطالب بتخريجها، لا ينتقد بتركها، ولكنه مع ذلك قد خرج بعضا منها، كما سيأتي في بيان ما زاده على شرطه.\nوفي موضع آخر قال الغزالي: وقال أنس بن مالك: يؤتى بأنعم الناس في الدنيا من الكفار، فيقال: اغمسوه في النار غمسه … (الحديث).\nفلم يتعرض العراقي لتخريجه؛ لكون الغزالي ذكره موقوفا على أنس، كما ترى (^١). أما الزبيدي فقد قام بتخريجه من حديث أنس مرفوعا، بالعزو إلى أحمد، وعبد بن حميد، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه، وأبي يعلى. ثم قال الزبيدي: ولما لم يُصرّح المصنف - يعني الغزالي - برفعه، لم يتعرض له العراقي بالتخريج، وهو واجب التنبيه (^٢).\nفكلام الزبيدي هذا يفيد معرفته أن شرط العراقي فيما التزم بتخريجه، أن يُصرح الغزالي برفع الحديث للرسول ﷺ، وأما قوله عن هذا الحديث: «وهو واجب التنبيه»، فلعله يشير به إلى أنه وإن لم يصرح الغزالي برفع الحديث، فإنه قد روي مرفوعا في عدد من مصادر الحديث المشهورة، كما أنه لا مجال للرأي فيه، فله حكم الرفع، ولو كان موقوفا على أنس، ومن ثم يرى\n_________\n(^١) «الإحياء مع المغني» ٤/ ٥١٦.\n(^٢) «الإتحاف» ١٠/ ٥١٤.","vol":"4","page":1456},{"text":"الزبيدي أن مثل هذا كان يجب على العراقي التصدي لتخريجه، بخصوصه، وينبه على أنه في حكم المرفوع، وإن لم يكن من حيث صيغة إيراد الغزالي له، داخلا في شرط العراقي.\nومما يؤيد ملاحظة الزبيدي لمدى التزام العراقي بشرطه، أنه قد تعقبه في إغفال تخريج ما هو على شرطه، وفي تعقبه التصدي لتخريج ما ليس على شرطه.\nففي موضع قال الغزالي: قال ﷺ حين سأله رجل، فقال: يا رسول الله فيم النجاة؟ فقال: أن لا يعمل العبد بطاعة الله، يريد بها الناس.\nولم يتعرض العراقي لتخريج هذا الحديث مع دخوله في شرطه كما نرى (^١).\nأما الزبيدي، فإنه تعقب العراقي فقال: أغفله العراقي، يعني وهو على شرطه، ثم قام الزبيدي بتخريجه، من جانبه هو (^٢).\nوستأتي بعض الأمثلة أيضًا، عند بيان ما فات العراقي، ونحوه مما لم يجده، أو بيض له.\nوفي موضع آخر قال الغزالي: ويقال: مِنْ وَهَنِ علم الرجل، ولُوْعُه بالماء في الطهور (^٣).\nفيلاحظ أن الغزالي لم يُصرح برفع هذا إلى الرسول ﷺ، وبالتالي، لا يكون داخلا في شرط العراقي، كما أنه مما للرأي فيه مجال، فيكون حمل\n_________\n(^١) «الإحياء مع المغني» ٣٥/ ٢٨٦ «ما ورد في ذم الرياء».\n(^٢) «الإتحاف»، ٨/ ٢٦٢.\n(^٣) «الإحياء مع المغني» ١/ ١٣٩.","vol":"4","page":1457},{"text":"مقصد الغزالي به على حديث مرفوع، غير ظاهر، ورغم ذلك تصدى لتخريجه، فقال: حديث «من وَهَن علم الرجل …» لم أجد له أصلا (^١).\nوقد تعقب الشارح العراقي في هذا، فقال: وظن العراقي أنه حديث، فقال: لم أجد له أصلا، وليس كذلك؛ بل هو من كلام بعض السلف (^٢).\nوقد أثر اختلاف النسخ أيضًا في بيان ملاحظة الزبيدي لمدى التزام العراقي بشرطه، ففي نسخة «الإحياء» التي بين أيدينا ونسخة الزبيدي جاءت عبارة للغزالي هكذا «قال بعضهم: إذا عمل الرجل في بيت أخيه أربع خصال، فقد تم أنسه … به».\nفتعرض العراقي لتخريج ذلك بقوله: حديث «إذا صنع الرجل في بيت أخيه …» لم أجد له أصلا (^٣).\nوقد قال الزبيدي عند هذا الموضع: ووقع هذا في نسخة العراقي مرفوعًا إلى النبي ﷺ، فقال: لم أجد له أصلا، وأنت خبير بأنه من قول بعض الصوفية، هكذا هو في «القوت» أيضًا، فتنبه لذلك (^٤).\nوتعقب الزبيدي هذا، يفيد استحضاره لشرط العراقي، وأنه بمقتضاه ملتزم بالتصدي لكل ما يُصرح في «الإحياء» برفعه إلى الرسول ﷺ، فإن وجده في المصادر الحديثية خرّجه، وإن لم يجده، نبه على ذلك، لإفادة غيره، أن هذا آخر ما وصل إليه بحثه.\n_________\n(^١) «المغني مع الإحياء» / الموضع السابق.\n(^٢) «الإتحاف»، ٢/ ٣٧٠، وانظر مثالا آخر في الإتحاف ٨/ ٥٦٢.\n(^٣) «الإحياء مع المغني»، ٢/ ١٨٧.\n(^٤) «الإتحاف»، ٦/ ٢٤٢.","vol":"4","page":1458},{"text":"وسيأتي - بمشيئة الله - مبحث خاص بما قال العراقي فيه: (لا أصل له) مطلقًا، أو مقيدًا.\nتعقيب إجمالي:\nومجموع ما تقدم من تصريحات العراقي، وإشاراته إلى شرطه، وعلى ضوء تصرفه فيما خرجه، وما تركه، وكذا من تتبعات وملاحظات الزبيدي المقتضى شرط العراقي، ومدى التزامه به، من عدم التزامه. كل ذلك يوضح لنا أن العراقي شرط على نفسه في هذا «التخريج الصغير»، أن يتصدى لتخريج كل ما يُصرح في كتاب «الإحياء» بنسبته إلى الرسول ﷺ، سواء سيقت عبارة الحديث، أو أشير إليه إشارة، بذكر موضوعه، أو معناه العام، وما لم يجد له من ذلك أصلًا في المصادر الحديثية ينبه عليه، وهو بهذا يلتقي مع شرطه السابق في تخريجه الكبير.\nوأما ما عدا ما يدخل تحت شرطه المذكور من الروايات المتنوعة التي وردت في «الإحياء»، فإن العراقي بمقتضى هذا الشرط، قد أعفى نفسه من الالتزام بالتعرض لتخريج جميعها، ولكنه يعرض لتخريج بعضها، زيادة على شرطه، لفائدة تظهر له في كل موضع بحسبه، سواء صرّح بتلك الفائدة، كما مر معنا، وكما سيأتي أيضًا، أو لم يُصرح، اعتمادًا على فهم القارئ، وإمكانه قياس ما لم يُذكر من الفوائد والدواعي، على ما ذكر.\nويلاحظ أن العراقي في شرطه وتعبيره، في كل من «التخريج الكبير» و«الصغير»، قد أطلق «الأثر» على ما يكون موقوفًا على الصحابة وأطلق الحديث على المرفوع إلى الرسول ﷺ، وهذا لا يعكر على ما قدمته في صدر","vol":"4","page":1459},{"text":"هذا الكتاب من اصطلاح المحدثين على ترادف الخبر، والحديث والأثر، وذلك لأن الترادف يكون في حالة إطلاق كل لفظ وَحْدَه، بدون قرينة تحدد المراد، أما إذا وجدت قرينة، أو ذكر أحدهما في مقابل الآخر كما في هذين الشرطين، وفي تعبيرات العراقي خلال الكتابين، فإنه في مثل هذا يُحمل كل لفظ على ما يُقصد به في موضعه، من مرفوع أو موقوف.\nثم إنه قد تبين لي من القراءة التفصيلية المتعددة لهذا التخريج بأكمله، أن العراقي قد التزم بما شرطه، وراعاه خلال الكتاب كله، ووفى به، بصفة عامة.\nوتبين لي أيضًا أن ما فاته مما هو داخل في شرطه، قليل، كما سيأتي توضيحه. كما أنه قد تصدى لتخريج روايات كثيرة، خارجة عن شرطه، ولم يكن ملزمًا بتخريجها، كما ستأتي في مبحث خاص بها.\nوعموما فإن إبراز شرط العراقي هكذا ضمن عناصر منهجه في هذا الكتاب، يمكن القارئ من تحديد مسئولية العراقي في تخريجه، ويوضح السبب في تخريجه لبعض الروايات التي في الإحياء، دون بعض، ويظهر الجهد العلمي الذي بذله العراقي في تقويم الأدلة الحديثية على مشتملات الكتاب، وما قدمه من ذلك، زيادة على شرطه الذي حدده.\nوبذلك يعفى من تعقبات متعددة، وجهت إليه، سواء ممن وقف على شرطه، كالإمام الزبيدي شارح الإحياء، كما تقدم، وسيأتي أيضًا، أو ممن قد لا يكون وقف على هذا الشرط لتفرقه في ثنايا الكتاب، أو يكون وقف عليه، ولكنه لم يلاحظه عند التعقب، وسيأتي شيء من ذلك عند بيان ما فات العراقي تخريجه، أو تعقب بتركه، وتحقيق القول في ذلك بإذن الله.","vol":"4","page":1460},{"text":"<span data-type='title' id=toc-505>ما تعرض العراقي لتخريجه، زيادة على شرطه:</span>\nتقدم أن العراقي التزم في شرطه في هذا الكتاب بتخريج ما جاء في الإحياء مصرحا برفعه إلى الرسول ﷺ، وأنه لا يخرج عن ذلك إلا لفائدة يذكرها، أو يترك للقارئ قياسها على ما ذكره.\nوقد وفقني الله لقراءة هذا الكتاب جميعه، بعناية، وقرأت كتاب الإحياء أيضًا بصحبته، لمعرفة موقف العراقي من تخريج ما فيه من مرويات مصرح بها، أو مشار إليها، بإشارات ظاهرة، أو محتملة، وقد تبين لي من ذلك أن العراقي قد زاد على التزامه العام بشرطه، فتصدى لتخريج أنواع من المرويات التي لا تدخل تحت شرطه، مع ورودها في الإحياء بلفظها أو بمعناها، أو بالإشارة الإجمالية إليها، وقد بين في عدد من المواضع - كما قدمت - السبب الذي دعاه إلى هذا، والفائدة التي قصدها، حتى لا يظن القارئ لمثل تلك المواضع من كتابه، أنه غفل عن مراعاة شرطه أو أخل به، دون مبرر مفيد، أو أنه بعبارة أخرى ليس منهجيا في تأليفه هذا.\nوسأورد فيما يلي نماذج لأنواع ما تعرض العراقي لتخريجه، زيادة على شرطه الأساسي، لإبراز جهده العلمي في ذلك، وما تحصل به من الفوائد مع توضيح كل نوع ببعض الأمثلة التطبيقية من الكتاب، دون استقصاء وإن كنت في الواقع قد أحصيت مواضع كل نوع تقريبا، من خلال اطلاعي التفصيلي أكثر من مرة على الكتاب، وعلى كتاب الإحياء، وعلى أكثر كتاب شرح الإحياء للزبيدي، بأجزائه العشرة الكبار، ويعلم الله وحده كم أمضيت في ذلك من الشهور المتواصلة ليلا ونهارًا، وأحمد الله على توفيقه لي","vol":"4","page":1461},{"text":"في ذلك وغيره، وعلى ما استفدته كذلك من دقائق علمية.\n\n١ -<span data-type='title' id=toc-506> تخريجه للآثار الموقوفة على الصحابة، أو التابعين، أو ما أطلق عليه الغزالي اسم «الأثر»:</span>\nتعتبر الآثار الموقوفة، وخاصة على الصحابة، أو التابعين، ذات مكانة ظاهرة في كتاب الإحياء، فبالنسبة للصحابة، يقرر الغزالي، فيه: أن آثار الصحابة، تدل على سنة رسول الله ﷺ بحكم مشاهدتهم تنزل الوحي وعلمهم بقرائن الأحوال التي غابت عن غيرهم (^١)، ولهذا فإنه أكثر في الكتاب من الاستدلال بالآثار الموقوفة عليهم، كما ذكر آثارًا غير قليلة موقوفة على التابعين، وتابعيهم. فقد جرى في الكتاب عمومًا على تقسيم الأدلة إلى ثلاثة أقسام:\nأولها: الآيات القرآنية.\nوثانيها: ما يعنونه بالأخبار، ويورد تحته الأحاديث المرفوعة وغيرها، كما قدمت بيانه في شرط العراقي.\nوثالثها: ما يعنونه (بالآثار) وفي مقدمة ما يذكره تحت هذا العنوان، ما هو موقوف على الصحابة، ﵃ (^٢)، ولكنه يذكر في بعض المواضع تحت قسم الآثار ما هو منسوب إلى التابعين فمن دونهم، ولا يذكر شيئًا عن الصحابة (^٣)، وأحيانًا يذكر تحته ما نسب إلى بعض الأنبياء السابقين، أو\n_________\n(^١) «الإحياء» ١/¬٢٣ - كتاب العلم.\n(^٢) ننظر أمثلة تلك الأقسام الثلاثة في «الإحياء مع المغني» ١/¬١١ - ١٥، ٦٩ وما بعدها كتاب العلم، ٢/ ٦٣ - ٦٥، ٣/ ٧٨ - ٨١ فضيلة الجوع، وذم الشبع، ٤/ ١٤٣ - ١٤٩.\n(^٣) ينظر الإحياء ٤/ ٢٣٩ فضيلة التوكل.","vol":"4","page":1462},{"text":"الحكماء، أو التوراة أو الإنجيل (^١)، وقد يطلق الأثر على بعض الأحاديث التي تكون مرفوعة في مصادرها الحديثية، كما قدمت (^٢) وكما سيأتي ضمن هذه الفقرة، فهو بهذا، متوسع في إطلاق الآثار بأعم من إطلاق العراقي لها في شرطه السابق، حيث أطلقها على الموقوف على الصحابة، أو التابعين، في مقابل المرفوع إلى الرسول ﷺ.\nوبالتالي يكون المنسوب منها إلى غيرهم، خارجا عن شرطه، من باب أولى.\nومن أمثلة ما خرجه العراقي مما عبر عنه الغزالي «بالأثر» ولو كان له رواية مرفوعة قوله في موضع: وقد جاء في الأثر: صلّ من الليل، ولو قدر حلب شاة.\nفقام العراقي بتخريجه معبرا عنه من جانبه بالحديث فقال: «حديث: صل من الليل … .».\nوخرجه بالعزو إلى أبي يعلى من حديث ابن عباس بمعناه مرفوعا، ثم قال: ولأبي الوليد بن مغيث من رواية إياس بن معاوية، مرسلا، لابد من صلاة الليل، ولو حلبة ناقة، أو حلبة شاة (^٣).\nفلعل العراقي لما وجد في معنى ما ذكره الغزالي حديثا مرفوعًا، ورواية بنحوه مرسلة تصدى لتخريجه، احتياطًا لأن يكون الغزالي قصد بقوله «جاء في الأثر» الحديث المرفوع. وقد سبق تصريحه بمثل هذا التعليل في تخريج ما عبّر عنه الغزالي «بالأثر» (^٤).\n_________\n(^١) انظر مثالًا لذلك في «الإحياء» ١/ ٦٥ وما بعدها.\n(^٢) وانظر كذلك «الإحياء» ١/ ١٤٣ - الطهارة.\n(^٣) «المغني مع الإحياء» ١/ ٣٧٢ و«الإتحاف» ٥/ ٢٠٣.\n(^٤) وانظر «المغني مع الإحياء» ١/ ١٨٨.","vol":"4","page":1463},{"text":"وفي موضع آخر قال الغزالي: «وأحب طيب الرجال ما ظهر ريحه، وخفي لونه، وطيب النساء ما ظهر لونه، وخفي ريحه، رُوِيَ ذلك في الأثر».\nوقد قام العراقي بتخريج هذا فقال: حديث: طيب الرجال …، وعزاه إلى أبي داود والترمذي والنسائي، من حديث أبي هريرة، ونقل عن الترمذي أنه حسنه. (الإحياء مع المغني ١/ ٨٧ حديث ٦ والإتحاف ٣/ ٢٥٤).\nفوقوف العراقي على الرواية مرفوعة، جعله يرجح أن الغزالي قصد بـ «الأثر» في هذا الموضع، الحديث المرفوع، ومن ثم قام بتخريجه زيادة عن مقتضى شرطه.\nوفي موضع قال الغزالي: وقال ﷺ: «ما زار رجل رجلا في الله شوقا إليه، ورغبة في لقائه، إلا ناداه مَلَكَ مِنْ خَلْفِهِ: طبت وطاب ممشاك …».\nفقام العراقي بتخريجه، لدخوله في شرطه (^١)، ثم في باب آخر، بعد هذا قال الغزالي: وفي الأثر: ما زار رجل .. (الحديث) بلفظه السابق.\nفتصدى العراقي لتخريجه بالإحالة على ما تقدم، فقال: «حديث: ما زار رجل …» تقدم في الباب قبله (^٢)، وأقره الشارح على ذلك (^٣) ويعتبر تخريج العراقي له في هذا الموضع الثاني زائدا عن شرطه، ويعتبر ذكر الغزالي له في الموضع الأول مصرحًا برفعه، مرجحا لقصده «بالأثر» في الموضع الثاني: الحديث المرفوع.\nوهناك أقوال وأفعال لم يصدرها الغزالي بعبارة «الأثر»، ولكن عزاها مباشرة.\n_________\n(^١) «الإحياء مع المغني» ٢/ ١٥٧.\n(^٢) «الإحياء مع المغني» ٢/ ١٧٣.\n(^٣) «الإتحاف» ٦/ ٢٠٩.","vol":"4","page":1464},{"text":"للصحابة موقوفة عليهم، فتعرض العراقي لتخريج بعضها زيادة على شرطه.\nفمن ذلك قول الغزالي: وقالت عائشة ﵂، في قوله ﷿: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾. أي بدعائك.\nفخرجه العراقي بقوله: متفق عليه (^١).\nوبمراجعة رواية البخاري لقول عائشة المذكور نجد أنها قالت: «أُنزِل ذلك في الدعاء» (^٢)، وهذا يدل على أن قول عائشة هذا من أسباب النزول، وقد أخرجه الواحدي، بسنده عنها في أسباب نزول تلك الآية (^٣).\nوذكر الغزالي أيضًا عن جابر، قال: ما نزلت آية المتلاعنين إلا لكثرة السؤال.\nوقد قام العراقي بتخريجه من عند البزار، بسند جيد (^٤).\nوفي موضع آخر قال الغزالي: وقال ميمون بن مهران: لما نزلت هذه الآية ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ صاح سلمان الفارسي، ووضع يده على رأسه، وخرج هاربًا، ثلاثة أيام، لا يقدرون عليه.\nوقد تصدى العراقي لهذا بقوله: حديث ميمون بن مهران … لم أقف له على أصل (^٥).\nوسيأتي في الكلام على ما ذكر العراقي أنه لا أصل له، تعقبي له في هذا.\n_________\n(^١) «الإحياء مع المغني» ١/ ٣١٣ - الأذكار والدعوات.\n(^٢) «البخاري مع الفتح» - التفسير [سورة الإسراء]- باب «ولا تجهر بصلاتك …» ٨/ ٤٠٥.\n(^٣) «أسباب النزول» للواحدي -[سورة الإسراء] / ١٧١ ط. مصطفى الحلبي.\n(^٤) «الإحياء مع المغني» ٣/ ١٦٠ آفات اللسان.\n(^٥) الإحياء مع المغني ٤/ ١٨٢ كتاب الخوف.","vol":"4","page":1465},{"text":"ولكن المهم هنا أنه تعرض لتخريجه، زيادة على شرطه.\nويلاحظ في هذه الأقوال الثلاثة: أنها متعلقة بأسباب نزول آيات، ومن المقرر لدى علماء المصطلح أن ما يأتي عن الصحابي في بيان سبب نزول آية يعتبر مرفوعا حكمًا (^١)، فلعل العراقي تصدى لتخريج مثل هذه الآثار عن الصحابة، بناء على ذلك، وإن لم تكن داخلة تحت صريح شرطه، كما تقدم.\nومن الآثار التي تعرض العراقي أيضًا لتخريجها: أفعال بعض الصحابة؛ فقد قال الغزالي في موضع: وقال عثمان ﵁ ما تغنيت ولا تمنيت، ولا مسست ذكري بيميني،، منذ بايعت رسول الله ﷺ.\nوقد خرجه العراقي بقوله: حديث عثمان، قوله: ما تغنيت ..، أبو يعلى الموصلي في «معجمه» بإسناد ضعيف، من رواية أنس عنه في أثناء حديث: وإن عثمان ﵁ قال: يا رسول الله .. فذكره بلفظ «منذ بايعتك - يعني الرسول ﷺ» قال: هو ذاك يا عثمان (^٢).\nويلاحظ أن الرواية التي خرجها العراقي، فيها ما هو مصرح برفعه إلى الرسول ﷺ مخاطبا له، في حين لفظ رواية الغزالي فيها قول عثمان فقط في آخرها: «منذ بايعت رسول الله ﷺ».\nولعل تخريج العراقي لذلك احتياط لأن يكون الغزالي أراد بقول عثمان المذكور، تلك الرواية التي خرجها أبو يعلى، مشتملة على موقوف ومرفوع. وفي موضع آخر قال الغزالي: إن أبا ذر كان يقول في إنكاره على بعض\n_________\n(^١) «التدريب»، ١/ ١٩٢، ١٩٣.\n(^٢) «الإحياء مع المغني»، ٣/ ٣١٠ - كتاب ذم الجاه.","vol":"4","page":1466},{"text":"الصحابة: قد غَيَّرتُم؛ يَنْخُلُ لكم الشَّعير، ولم يكن يُنْخَل، وخَبَزْتُم المُرَقَّق، وجمعتُم بين إدامَيْن، واختلف عليكم بألوان الطَّعام، وغدا أحدكم في ثوب وراح في آخر، ولم تكونوا هكذا على عهد رسول الله ﷺ، وكان قوت أهل الصفة مُدًا من تمر، بين اثنين، في كل يوم (^١).\nوقد أورد العراقي في تخريجه الفقرة الأخيرة فقط، فقال: حديث: كان قوت أهل الصفة ..، الحاكم، وصحح إسناده، من حديث طلحة النصري (^٢).\nأقول: والحديث في «المستدرك» (^٣)، والفقرة التي ذكرت عند الغزالي من كلام أبي ذر، ذكر فيه نحوها باختصار، لكن من قول الرسول ﷺ\nمع اختلاف الصحابي أيضًا الراوي للحديث، وهو طلحة النصري بدل «أبي ذر».\nولكن لعل تعرض العراقي لتخريج ما هو بمعنى أثر أبي ذر هذا، لكون أبي ذر قد ذكر أفعال الصحابة منسوبة إلى عهد رسول الله ﷺ، والمعروف اصطلاحا، أن ما يضيفه الصحابي إلى عهده ﷺ، فله حكم الرفع (^٤)، فلعل العراقي خرّج في مقابل أثر أبي ذر حديثًا مرفوعًا، احتياطا، أو للإشارة إلى أن ما جاء عنه موقوفا، جاء في معناه حديث مرفوع، وقد صححه الحاكم كما مر، ومما يؤيد أن هذا من زيادة العراقي على شرطه، أن الغزالي قال قبل هذا\n_________\n(^١)، (^٢) «الإحياء مع المغني» ٣/ ٨٧ - كتاب رياضة النفس.\n(^٣) «الفتن» ٤/ ٥٤٨، ٥٤٩.\n(^٤) انظر «التدريب» ١/ ١٨٦.","vol":"4","page":1467},{"text":"بعدة أسطر: وقد كان أبو ذر يقول: طعامي في كل جمعة صاع من شعير، على عهد رسول الله ﷺ، والله لا أزيد عليه حتى ألقاه.\nفلم يتعرض العراقي لتخريج ذلك (^١) رغم إضافة أبي ذر فعله هذا إلى عهد رسول الله ﷺ.\nوقد تصدى الزبيدي لتخريجه فقال: وأما قوله: يعني أبا ذر - كان قوتي إلخ، فقد أخرجه أبو نعيم في «الحلية»، دون قوله: «من شعير ..»، ولكن الزبيدي لم يتعقب العراقي بأنه ترك تخريجه، لمعرفته بأنه ليس داخلا في شرطه (^٢)، ومما تعرض له العراقي من تخريج ما هو موقوف على بعض التابعين، أو غيرهم، أن الغزالي قال: وفي آخر الليل، وردت الأخبار باهتزاز العرش، وانتشار الرياح من جنات عدن، ومن نزول الجبار تعالى، إلى سماء الدنيا.\nوقد تعرض العراقي لتخريج ذلك فقال: «الأخبار الواردة في اهتزاز العرش ..» أما حديث النزول، فتقدم، وأما الباقي، فهو آثار، رواها محمد بن نصر في «قيام الليل» من رواية سعيد الجريري قال: قال داؤد ﵇: يا جبريل، أي الليل أفضل؟ قال: ما أدري، غير أن العرش يهتز من السحر. وفي رواية: له - يعني ابن نصر - عن الجريري، عن سعيد ابن أبي الحسن، قال: إذا كان من السحر، ألا ترى كيف تفوح ريح كل شجر؟\nثم خرج رواية لحديث النزول من رواية أبي الدرداء، مرفوعًا (^٣).\n_________\n(^١) «الإحياء مع المغني» ٣/ ٨٧.\n(^٢) «الإتحاف»: ٧/ ٤٠٦.\n(^٣) «المغني مع الإحياء» ١/ ٣٥٧ - كتاب ترتيب الأوراد، وإحياء الليل.\nوانظر، «مختصر قيام الليل» للمروزي - باب الإستغفار بالأسحار/ ٨٢.","vol":"4","page":1468},{"text":"فيلاحظ أن الغزالي عبر هنا بـ «الأخبار»، إشارة إلى ما ورد في الموضوعات التي ذكرها، سواء كان مرفوعًا، أو موقوفًا، وهذا يؤيد ما قدمته من أنه يطلق «الخبر» أو «الأخبار» على المرفوع وغيره.\nوقد تصدى العراقي لتخريج ما ورد في الموضوعات التي ذكرها الغزالي فبين أن ما يدل على نزول الرب ﷾ إلى سماء الدنيا، قد جاء في حديثين مرفوعين، أما الموضوعان الآخران، وهما: اهتزاز العرش في السحر، وانتشار الريح فيه من جنات عدن، فإن الوارد فيهما أثران، وبتخريجه لهما بالعزو إلى ابن نصر في قيام الليل، ظهر أن: أحد الأثرين ينسبه سعيد بن إياس الجريري، - وهو تابعي - (^١) إلى داود ﵇ من قوله، فهو من الإسرائيليات غير المرفوعة.\nوثانيهما: من قول سعيد بن أبي الحسن البصري، وهو تابعي أيضًا (^٢).\nوبهذا يكون تخريج العراقي لهما من زيادته على شرطه، ولعله فعل ذلك لتمييز ما ورد مرفوعًا، عما ورد موقوفًا في الموضوعات التي ذكرها الغزالي. كما سبق له مثل هذا بالنسبة لما ورد في بيان الكبائر (^٣).\nويمكن لمن قرأ كتاب العراقي بعناية، وتأمل، قياس ما لم يصرح فيه بفائدة تخريجه لما ليس من شرطه، على المواضع المماثلة التي صرح فيها بفائدة ذلك\n_________\n(^١) «التقريب» / ٢٣١ وقال ابن حجر: ثقة اختلط قبل موته بثلاث سنين.\n(^٢) «التقريب» / ٢٣٤ وقال ابن حجر: ثقة. وانظر: «مختصر قيام الليل» / باب الاستغفار بالأسحار/ ٨٢.\n(^٣) وانظر «المغني مع الإحياء» ٤/¬١٧، ١٨.","vol":"4","page":1469},{"text":"وبالتالي يظهر أن ما خرجه زائدا على شرطه، لا يخلو من فائدة حديثية لها أهميتها.\nوستأتي أيضًا بعض مواضع خرج فيها ما هو موقوف على تابعي التابعين، لفائدة حديثية.\nلكن لابد من التنبيه هنا إلى أن ما خرجه العراقي من تلك الآثار عموما، رغم تنوع فوائده، فإنه يعتبر قليلا جدا، بالنسبة إلى مجموع الآثار التي لم يخرجها، التزاما بشرطه، وبالتالي لا ينتقد العراقي بما تركه بدون تخريج من تلك الآثار، ونحوها، حتى ولو كان مشابها لما خرجه فيما تقدم، كالذي يعبر عنه الغزالي بقوله: «وفي الأثر» (^١)، أو ما يكون سبب نزول آية (^٢)، أو مما نسب إلى صحابي، ولا مجال للرأي فيه (^٣)، ولم يتعرض العراقي له.\n\n٢ -<span data-type='title' id=toc-507> ما أورده الغزالي بعبارة تحتمل الرفع وغيره:</span>\nقد أورد الغزالي في «الإحياء» روايات كثيرة مصدرة، أو مختتمة بعبارات ليست صريحة في نسبة المروي إلى الرسول ﷺ؛ بل تحتمل الرفع وعدمه، وبذلك لم يلتزم العراقي بالتصدي لتخريج جميعها، بناء على شرطه، ولكنه خرج بعضها، زيادة على شرطه، لأجل الفائدة التي تتحقق في كل موضع بحسبه.\n_________\n(^١) «الإحياء» ١/ ٨١ كتاب العلم، ٢٤٩ - كتاب الحج - فضيلة البيت ومكة.\n(^٢) «الإحياء» ٣/ ٣٣٦ - قوله: وقالت قريش فيما أخبر الله عنهم: «لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم».\n(^٣) «الإحياء» ٢/ ١٨٧ - كتاب الألفة - قول بعض الصحابة: «إن الله لعن المتكلفين» وانظر «الشرح» ٦/ ٢٤٢، و«الإحياء» ٢/ ١٩٣ «قول ابن عباس: «ما عفا رجل عن مظلمة إلا زاده الله بها عزا» و٢/ ٣٠٣ قول معاذ: «لا يتحسر أهل الجنة إلا على ساعة مرت بهم ..» و«الإحياء» ٣/ ٢٠٤ قال أبو أمامة: لما بعث محمد ﷺ».","vol":"4","page":1470},{"text":"أ - فمن ذلك ما وصف بأنه «سنة» أو «من السنة»، دون إضافة صريحة إلى الرسول ﷺ أو إلى عصره. وكذلك وصفه بعض الأمور بأنها ليست من السنة، ففي كتاب الحج - قال الغزالي: فإن أفاض - يعني الحاج - من منى، فالأولى أن يقيم بالمحصب من منى، ويصلي العصر والمغرب والعشاء، ويرقد رقدة، فهو السنة، رواه جماعة من الصحابة ﵃.\nفخرج العراقي ذلك بقوله: حديث نزول المحصب وصلاة العصر والمغرب والعشاء به، والرقود به رقدة، البخاري من حديث أنس أن النبي ﷺ صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالبطحاء، ثم هجع هجعة (الحديث) (^١).\nأقول: ولعل تعرض العراقي لتخريجه، لكون الغزالي بعد أن وصف ما ذكره بأنه هو السنة، أتبعه بقوله: «رواه جماعة من الصحابة»، والأصل في رواية الصحابة المتعلقة بالعبادة، أن تكون عنه ﷺ، فكأن ذلك من الغزالي إشارة إلى رفع ما ذكره، وإن لم يصرح.\nوفي موضع آخر قال الغزالي: فقد وردت السنة بأن تفكّر ساعة، خير من عبادة سنة.\nفقام العراقي بتخريج ذلك (^٢).\nوفي موضع آخر، قال الغزالي عن ركعتي الطواف: قال الزهري: مضت السنة أن يُصلِّي - يعني الحاج - لكل سبع ركعتين.\nفقام العراقي بتخريج ذلك فقال: حديث الزهري: مضت السنة ..» ذكره\n_________\n(^١) «الإحياء» (١/ ٢٦٤ مع ٥ المغني) حديث ٣.\n(^٢) «الإحياء مع المغني» ٤/ ٤٠٩ حديث رقم (١).","vol":"4","page":1471},{"text":"ثم قال: وفي الصحيحين من حديث ابن عمر: قدم رسول الله ﷺ وطاف بالبيت سبعًا، وصلى خلف المقام ركعتين (^١).\nفالزهري - كما هو معروف - تابعي، فقوله «مضت السنة بكذا» مما اختلف فيه، هل يعتبر مرفوعا مرسلا، أو موقوفا عليه؟ وقد حكي فيه عن الغزالي نفسه الإحتمالان، بلا ترجيح، ولكن السخاوي والأنصاري - تبعا له - أخذا من كلام الغزالي عقب ذكر الإحتمالين، أنه يشير إلى ترجيح كونه مرفوعا مرسلا (^٢)، وصحح النووي كونه موقوفا، وتبعه العراقي (^٣)، وسيأتي في تقريره في المثال الذي بعد هذا من تخريجه.\nوعليه، فعبارة الغزالي التي حكى بها رواية الزهري السابقة، تعتبر محتملة للرفع، وللوقف على الزهري، وبالتالي لا تدخل في شرط العراقي. لكن سياق البخاري لعبارة الزهري المعلقة، كما تقدم ذكر العراقي لها، وكذا سياقها عند من وصلها غير البخاري (^٤)، يفيد كل ذلك رفع ما ذكره الزهري، إلى الرسول ﷺ، حيث إنه بعد أن قال: السنة أفضل، أردف قائلا: لم يطف النبي ﷺ أسبوعا إلا صلى ركعتين.\nفلعل هذا مما جعل العراقي يتصدى لتخريج قول الزهري هنا، احتياطا لأن يكون\n_________\n(^١) «الإحياء مع المغني»، ١/ ٢٥٨.\n(^٢) انظر «التدريب» ١/ ١٩٠ و«فتح المغيث» للسخاوي ١/ ١٢٣ و«فتح الباقي للأنصاري مع شرح التبصرة والتذكرة للعراقي» ١/ ١٣٨.\n(^٣) «شرح التبصرة والتذكرة للعراقي مع فتح الباقي» ١/ ١٣٧.\n(^٤) «البخاري مع الفتح» - كتاب الحج - باب ٦٩ ج ٣/ ٤٨٤، ٤٨٥.","vol":"4","page":1472},{"text":"الغزالي أراد ما رفعه الزهري، وإن لم تكن عبارة الغزالي صريحة في ذلك.\nكما يلاحظ أن العراقي أضاف إلى تخريج رواية الزهري، تخريج رواية مرفوعة تشهد لها من حديث ابن عمر ﵄.\nوفي موضع آخر قال الغزالي: وقال سفيان الثوري: يستحب أن يُصلّي بعد عيد الفطر اثنتي عشرة ركعة، وبعد عيد الأضحى ست ركعات، وقال - يعني سفيان -: هو السنة.\nوقد تصدى العراقي لهذا في تخريجه فقال: قال سفيان من السنة …» لم أجد له أصلا، في كونه سنة. وفي الحديث الصحيح ما يخالفه، وهو أنه ﷺ لم يصل قبلها، ولا بعدها، ثم أردف قائلا: وقد اختلفوا في قول التابعي: من السنة كذا، [والصحيح أنه موقوف] (^١)، وأما قول تابعي التابع كذلك، كالثوري، فهو مقطوع (^٢).\nأقول: وخروج هذا الموضع عن شرط العراقي في تخريجه واضح، فليس مصرحًا بكونه حديثا مرفوعًا، ولا الصيغة التي صدره الغزالي بها وهي قول تابعي التابع: «من السنة كذا» محتملة للرفع كما قرر العراقي بنفسه، ومع هذا تعرض العراقي له كما ترى، وذلك - فيما يبدو لي - له أكثر من فائدة: في مقدمتها: تنبيهه على أنه لم يجد أصلا يدل على أن ما ذكره سفيان هو من السنة الثابتة عن رسول الله ﷺ.\n_________\n(^١) ليست هذه العبارة في «المغني» المطبوع مع «الإحياء»، وأثبتها من نقل الشارح في (الإتحاف): ٣/ ٤٠٨.\n(^٢) «الإحياء مع المغني» ١/ ٢٠٨/ حديث ٥، والشرح/ الموضع السابق.","vol":"4","page":1473},{"text":"وفائدة ثانية: وهي تقريره أن الثابت الصحيح عنه ﷺ خِلافُ ما ذكر عن سفيان. وبذلك لا يتجه تعقب الشارح للعراقي بما روى عن عدد من الصحابة والتابعين أنهم كانوا يصلون أربعًا بعد العيد (^١)؛ لأن ذلك لو صح عنهم، فلا مطابقه يقاوم ما صح في المرفوع إليه ﷺ.\nأما الفائدة الثالثة من تعرض العراقي لهذا الموضع: فهي بيانه لرأي المحدثين في قول كل من التابعي وتابعه: «من السنة كذا»، وقد تقدم أنه بين حكم قول التابعي في شرحه لألفيته في المصطلح كما أحلته عليها هناك، أما بيانه هنا لحكم قول تابعي التابع: «من السنة كذا» فيعتبر زيادة علمية ذكرها بمناسبة قول سفيان هذا، ولم يذكرها في كتبه المعروفة في المصطلح، وهي الألفية المسماة «بالتبصرة والتذكرة» وشرحها، ونكته على كتاب ابن الصلاح، وقد تقدّم الكلام عن الثلاثة في مواضعه من هذا الكتاب.\nويمكن القول: إن تحقيق تلك الفوائد الثلاثة أولى من عدم تعرض العراقي لهذا الموضع باعتباره ليس على شرطه.\nوإذا كانت المواضع الثلاثة التي تقدمت، كان وصف الأمور المذكورة فيها بأنها من السنة، قد صدر من صحابي أو تابعي، أو تابعي التابع، فإن هناك أمورًا ذكرها الغزالي ووصفها من جانبه هو بأنها سنة، وذكر بعض الأمور أيضًا، ووصفها بأنها ليست من السنة، وقد تناول العراقي بعض تلك المواضع بالتخريج وترك بعضًا آخر.\nوسأذكر بعض الأمثلة، لما خرجه، وبعضها لما تركه، مع الإحالة على\n_________\n(^١) «إتحاف السادة المتقين» ٣/ ٤٠٨","vol":"4","page":1474},{"text":"مواضع أخرى، دون ذكرها.\nففي كتاب الحج - باب ترتيب الأعمال الظاهرة - قال الغزالي: والسنة في الوداع أن يقول: (استودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك). فتصدى العراقي لتخريجه بلفظه مرفوعًا من سنن أبي داود والترمذي والنسائي (^١).\nوفي كتاب الحج أيضًا - الباب السابق - قال الغزالي: والأحب في الليل أن يتناوب الرفيقان في الحراسة، فإذا نام أحدهما حرس الآخر، فهو السنة\nوقد تصدى العراقي لتخريج ذلك بمعناه من حديث جابر مرفوعا (^٢).\nوانظر أيضًا مثالين آخرين مشابهين/ (الإحياء مع المغني) ١/ ٢٥٧ حديث رقم (١)، ص ٢٧١ حديث (٩) - باب دقائق الآداب في الحج.\nوفي كتاب آداب الأكل - الباب الرابع - قال الغزالي: فمن ظن به أنه يستثقل الإطعام، وإنما يفعل ذلك مباهاة أو تكلفا، فليس من السنة إجابته\nوقد قام العراقي بتخريج ما يدل على هذا فقال: حديث ليس من السنة إجابة من يُطعم مباهاة أو تكلفا، أبو داؤد من حديث ابن عباس أن النبي ﷺ نهى عن طعام المتباريين .. وللعقيلي في «الضعفاء»: نهى النبي ﷺ عن طعام المتباهين (^٣).\nوإذا كان وصف تابعي التابع لأمر من الأمور بأنه سنة، أو ليس بسنة، يعتبر\n_________\n(^١) «الإحياء مع المغني» ١/ ٢٥٣، ٢٥٤ ووالإتحاف (٤/ ٣٢٥ وقد سقط من ١ المغني) سياق\nلفظ الحديث، وهو في الشرح منقول عن العراقي\n(^٢) «الإحياء مع المغني» ١/ ٢٥٥ حديث (٢)\n(^٣) «الإحياء» ٢/¬١٤ مع «المغني» حديث (٢) وانظر الشرح ٥/ ٢٤٢.","vol":"4","page":1475},{"text":"مقطوعًا كما تقدم تقرير العراقي له، فمن باب أولى يكون وصف الغزالي الأمر من الأمور بذلك لا يقتضي رفعه إلى الرسول ﷺ، وعليه فلا يكون مثل هذا داخلا فيما التزم العراقي بتخريجه حسب شرطه، حتى لو كان ما ذكره الغزالي قد ورد مرفوعًا في كتب الحديث، كما ظهر من تخريج الأمثلة الثلاثة السابقة، فلعل العراقي خرج ما خرجه من ذلك بقصد الاحتياط لأن يكون الغزالي قصد بعبارته الإشارة إلى الحديث المرفوع الوارد في الأمور التي ذكرها. ولما كان هذا الاحتياط زائدًا على شرطه، فإنه ترك الكثير من المواضع التي وصف فيها الغزالي أيضًا بعض الأمور بأنها سنة، أو بأنها ليست من السنة، ففي كتاب - الحج - آداب الإحرام - قال الغزالي: ويكفي مجرد النية لانعقاد الإحرام، ولكن السنة أن يقرن بالنية لفظ التلبية فيقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك .. إلخ. فلم يتعرض له العراقي بشيء (^١).\nولما تعرض الزبيدي لشرح هذا الموضع، لم يذكر حديثًا ولا أثرًا يدل على قرن النية بلفظ التلبية، وإنما خرج لفظ التلبية فقط بالعزو إلى الكتب الستة، من طرق عن ابن عمر ﵄، ولم يتعقب العراقي بشيء (^٢).\nوعند ذكر الغزالي للحلق للتحلل من الإحرام، قال: والسنة أن يستقبل القبلة ويبتدئ بمقدم رأسه، فيحلق الشق الأيمن إلى العظمين المشرفين على القفا …، ولم يتعرض العراقي لذلك في تخريجه (^٣).\nولكن الشارح تعرض له وخرج في معناه أثرًا عن ابن عمر وحديثًا عن أنس\n_________\n(^١) «الإحياء مع المغني» ١/ ٢٥٥.\n(^٢) «شرح الإحياء» ٤/ ٣٣٧.\n(^٣) «الإحياء مع المغني» ١/ ٢٦٣.","vol":"4","page":1476},{"text":"مرفوعا، إلا أنه لم يتعقب العراقي بعدم تخريج ذلك (^١)، وانظر مواضع أخرى مماثلة، ولم يتعرض العراقي لها (^٢). وفي كتاب الحج - زيارة المدينة - قال الغزالي: «ثم يأتي قبر النبي ﷺ وليس من السنة أن يمس الجدار، ولا أن يقبله»، فلم يتعرض العراقي لذلك (^٣).\nوكذا لم يتعرض له الشارح بتخريج أي رواية مرفوعة أو موقوفة، ولا تعقب العراقي في تركه (^٤).\n٢ - ومما صدره الغزالي أيضًا بعبارة غير صريحة في رفع ما بعدها إلى الرسول ﷺ، ما قال فيه (ويُروى كذا) بصيغة البناء للمجهول، دون تصريح بعزو ما بعدها، لا إلى النبي ﷺ، ولا إلى غيره، وبذلك يحتمل الأمر أن الغزالي يريد رفع ما يذكره إلى النبي ﷺ، ويحتمل أن يريد ما هو معزو إلى غيره ﷺ حسبما يظهر من البحث والتخريج، بل قد يكون ما أورده بهذه الصيغة مما لم يقف العراقي له على أصل، كما تقدم تقريره لذلك في بيان شرطه، وتقدم هناك بيانه أيضًا أنه قد يخرج ما يورده الغزالي بهذه الصيغة، احتياطا؛ لأن يكون أراد الحديث المرفوع الذي يجده العراقي موافقا لما ذكر، وإن لم تكن الصيغة التي استعملها الغزالي صريحة في الرفع، وسيأتي من الأمثلة ما\n_________\n(^١) (شرح الإحياء) ٤/ ٣٩٩.\n(^٢) «الإحياء» ١/ ٢٨٩ كتاب آداب تلاوة القرآن - أعمال الباطن في التلاوة/ حيث قال الغزالي «والمقصود من القراءة التدبر، ولذلك سن فيه الترتيل». وفي كتاب ترتيب الأوراد - وظائف المريد. ذكر الغزالي: القيلولة وقال: «وهي سنة يستعان بها على قيام الليل»، ١/ ٣٤٩\n(^٣) «الإحياء مع المغني»، ١/ ٢٦٦\n(^٤) «شرح الإحياء» ٤/ ٤١٨.","vol":"4","page":1477},{"text":"يؤيد هذا، وقد سبق في بيان شرط العراقي ذكر مثالين لما تعرض لتخريجه من هذا النوع، مع إشارته إلى خروج ما يورده الغزالي بهذه الصيغة عن شرطه في هذا التخريج.\nوهنا أضيف ما يؤكد ذلك، بذكر بعض الأمثلة التي خرجها، وبعض الأمثلة التي تركها، مع تشابههما في الصيغة التي أوردهما الغزالي بها.\nفقد قال الغزالي في موضع: (وروي أن الحلية تبلغ مواضع الوضوء) فقام العراقي بتخريجه بالعزو إلى الصحيحين، من حديث أبي هريرة مرفوعًا (^١).\nوقال الغزالي في موضع آخر بعد هذا: «ويروى أن الطاهر كالصائم».\nوقد خرجه العراقي أيضًا، مرفوعًا إلى الرسول ﷺ، من حديث عمرو ابن حريث، عند الديلمي، بسند ضعيف (^٢).\nوقال الغزالي في موضع آخر: وقد يتكل المؤمن على قوته، كما روي عن سليمان ﵇، أنه قال: لأطوفن الليلة على مائة امرأة، ولم يقل: إن شاء الله تعالى، فحرم ما أراد من الولد.\nفقام العراقي بتخريج هذا من حديث أبي هريرة مرفوعًا، وذلك بعزوه إلى البخاري (^٣).\nثم قال الغزالي بعد ذلك في موضع آخر: «وروي أن سليمان بن داود ﵉، لما عوقب على خطيئته، لأجل التمثال الذي عبده في داره أربعين\n_________\n(^١) «الإحياء مع المغني» ١/ ١٣٩ - الطهارة - كيفية الوضوء - حديث (٣).\n(^٢) «الإحياء مع المغني» ١/ ١٤١ حديث (٢).\n(^٣) «الإحياء مع المغني» ٣/ ٣٦٤ حديث (١) - كتاب ذم الكبر.","vol":"4","page":1478},{"text":"يوْمًا، وقِيلَ: لأَنَّ المرْأَةَ سأَلَتْهُ أَنْ يَحْكُمَ لأَبِيهَا …».\nفلم يتعرض العراقي لتخريج ذلك (^١).\nأما الزبيدي في الشرح فقد خرج في معنى ما ذكره الغزالي عدة روايات، بعضها موقوف على ابن عباس، وبعضها موقوف على سعيد بن جبير، وبعضها موقوف على مجاهد، وقد عزا تلك الروايات إلى مصادر مما اعتمد العراقي عليه في تخريجه هذا (^٢)، فلعله لم يتعرض له لعدم وقوفه على حديث مرفوع فيه، حسب شرطه.\nوقال الغزالي في موضع آخر: «وروي أن عابدا عبد الله تعالى في غيضة دهرا طويلا .. إلى أن قال: فأوحى الله تعالى إلى نبي ذلك الزمان: قل لفلان العابد …».\nفلم يتعرض العراقي إلى تخريج ذلك (^٣).\nأما الزبيدي فعلق على هذا الموضع بقوله: نقله صاحب القوت يعني - قوت القلوب، لأبي طالب المكي، ثم قال: ورواه البيهقي في الشعب عن أحمد بن أبي الحواري، قال: سمعت أخي يقول … فذكره، بنحو ما في «الإحياء» (^٤).\nأقول: وأحمد بن أبى الحواري هذا من تبع أتباع التابعين حيث توفي سنة ٢٤٦ هـ (^٥).\n_________\n(^١) «الإحياء مع المغني» ٤/ ٥٢ - التوبة - دواء التوبة.\n(^٢) «الإتحاف» ٨/ ٦١٤، ٦١٥\n(^٣) «الإحياء مع المغني» ٤/ ٣٢٣، ٣٢٤ - كتاب المحبة - علامات محبة العبد لله.\n(^٤) «الإتحاف» ٩/ ٦٢٤\n(^٥) «التقريب» ١/ ٨١ ترجمة ٦١.","vol":"4","page":1479},{"text":"وقد روي هذا الكلام بطوله، عن أخيه، من قوله، واقتصار الزبيدي على ذلك، يفيد عدم وقوفه على رواية مرفوعة.\nومما تقدم نلاحظ أمرين:\nأولهما: أن ما يورده الغزالي بهذه الصيغة، بعضه يوجد بلفظه أو بمعناه مرفوعا، أو موقوفا على بعض الصحابة أو من دونهم، وبعضه لم يوقف له على أصل.\nثانيهما: أن كل ما يورده الغزالي بهذه الصيغة يعتبر خارجا عن شرط العراقي، ولكنه يخرج منه مواضع، يقف لها على روايات مرفوعة، احتياطا لأن يكون الغزالي يقصد تلك الروايات المرفوعة، وإن لم تكن عبارته صريحة في قصد ذلك.\nوأما عدم تنبيه العراقي في كل موضع على أنه تصدى لتخريجه احتياطا فذلك من دأب العلماء السابقين، أنهم كانوا يكتفون بالتنبيه على الشيءء في بعض مواضعه، اعتمادًا على أن القارئ يطلع على الكتاب بأكمله فيتضح له المسكوت عنه، بمثيله المنبه عليه.\nهذا وستأتي أمثلة أخرى لما أورده الغزالي بصيغة «يُروى» أو «رُوي» مما خرجه العراقي زيادة على شرطه، وما تركه لخروجه على الشرط، وذلك ضمن مبحث موقف العراقي من الإسرائيليات، والأحاديث القدسية التي ترد في الإحياء، ولكني لاحظت أن المخرج عند العراقي، مما هو مذكور بهذه الصيغة، أقل مما لم يتصد لتخريجه.\n٣ - ومما صدره أو ختمه الغزالي أيضًا بعبارة غير صريحة في رفع الحديث،","vol":"4","page":1480},{"text":"ما يقول فيه: «وفي الخبر كذا» أو «وردت الأخبار بكذا» ونحو ذلك.\nوقد سبق في بيان شرط العراقي تقريره أن الغزالي يعبر بهذه العبارة كثيرا، صلى الله في غير المرفوع إلى الرسول ﷺ (^١)، وبذلك تكون تلك العبارة وما شابهها ليست صريحة في إرادة الغزالي رفع ما يذكره بها إلى الرسول ﷺ، وعليه فلا يكون الوارد بهذه الصيغة داخلا في شرط العراقي؛ لكنه خرج بعضه لفائدة، وترك الكثير لخروجه عن شرطه.\nففي موضع ذكر الغزالي رواية بعبارة: «وفي الخبر» وهي تعتبر موقوفة بحسب المصدر الذي نقلها الغزالي منه، فتصرف الغزالي في نقلها بحذف الموقوف عليه، فصارت العبارة تحتمل إرادة الرفع، وغيره، وقد انتقده الشارح في هذا.\nبيان ذلك، أن الغزالي قال: وروي أن عابدا دعا بعض إخوانه، فقرب إليه رغفانًا، فجعل أخوه يقلب الأرغفة ليختار أجودها، فقال له العابد: مة أما علمت أن في الرغيف الذي رغبت عنه كذا وكذا حكمة، وعمل فيه كذا، وكذا صانع …\nإلى أن قال: «وفي الخبر: لا يستدير الرغيف، ويوضع بين يديك، حتى يعمل فيه ثلاثمائة وستون صانعا، أولهم ميكائيل …».\nفهذه الرواية ذات شطرين:\nالأول قوله: روي أن عابدا دعا بعض إخوانه .. إلى قوله: وفي الخبر.\nوالثاني قوله: «وفي الخبر .. إلخ».\n_________\n(^١) وانظر كذلك «المغني مع الإحياء» ٤/ ١٥٦.","vol":"4","page":1481},{"text":"فالعراقي لم يتعرض لتخريج الشطر الأول المصدر بعبارة «روي»، ولكن تعرض للشطر الثاني المصدر بلفظ «وفي الخبر» فقال: حديث: لا يستدير الرغيف، ويوضع بين يديك حتى يعمل فيه …، لم أجد له أصلا (^١).\nأما الزبيدي فعلق على قول العراقي هذا فقال: قلت: «رواه - يعني ما تقدم بشطريه - صاحب «القوت» عن وهب بن منبه، باللفظ الأول، يعني قوله: روي أن عابدًا، .. إلى قوله وفي الخبر، وعن غيره - يعني غير وهب - باللفظ الثاني، يعني قوله: وفي الخبر، لا يستدير الرغيف …» ثم قال الزبيدي: والقصة واحدة، وهي قصة دعاء العابد لبعض إخوانه، وقد صرّح صاحب «القوت» بذلك، وميز بين السياقين، حيث قال: وقال الآخر زيادة: في الخبر - أي في هذا الخبر الذي ساقه - وأراد به، هذه القصة، ولم يرد صاحب «القوت» بقوله: «في الخبر» أنه مرفوع إلى نبينا ﷺ، فمن هنا جاء الاشتباه، يعني على العراقي بحيث تصدى لتخريج الشطر الثاني ببيان أنه لم يجد له أصلا، كما تقدم.\nثم أشار الزبيدي إلى الاعتذار عن العراقي في اشتباه الأمر عليه، فقال: والحق أن سياق المصنف - يعني الغزالي - مشعر بأنه: في الخبر النبوي، ولكن حيث وجدنا أصل الكلام الذي هو مأخذ المصنف في كتابه هذا، استرحنا، فهو خبر إسرائيلي، من قول ذلك العابد، الذي دعا، مخاطبًا به أخاه، وهذا موضع شديد الالتباس، وناهيك بالمصنف، مع جلالة قدره، كيف يغفل عن ذلك، ويزيد في كلامه لبسا، حتى يظن من جاء بعده، أنه كلام نبوي،\n_________\n(^١) «الإحياء مع المغني» - كتاب كسر الشهوتين ٣/ ٩١ حديث (١).","vol":"4","page":1482},{"text":"ولكن مراجعة الأصول الصحيحة، تمنع من الوقوع في الغلط، والله أعلم (^١).\nأقول: ويبدو أن العراقي لم يراجع في هذا الموضع، مصدر كلام الغزالي المذكور، وهو كتاب (قوت القلوب)؛ لأنه لو رجع إليه لظهر له أن عبارة «وفي الخبر» هنا، لا تحتمل الرفع، وبذلك لم يكن تعرض لتخريج ما ذكر بها، ولو على سبيل الاحتياط للوفاء بشرطه.\nوفي موضع آخر، قال الغزالي: وفي الخبر: لا يدخلن أحدكم الصلاة وهو مقطب، ولا يصلين، وهو غضبان.\nوقد قام العراقي بتخريج ذلك فقال: حديث لا يدخل أحدكم الصلاة وهو مقطب …، لم أجده (^٢).\nوقد أقر الشارح العراقي على هذا (^٣).\nوقال الغزالي في موضع آخر أيضًا: «وقد ورد في الخبر: أنه ينشر للعبد بكل يوم وليلة أربع وعشرون خزانة مصفوفة، فيفتح له منها خزانة فيراها مملوءة نورًا من حسناته …».\nوقد تصدى العراقي لتخريجه بقوله: لم أجد له أصلا (^٤).\nوقد أقره الزبيدي على ذلك (^٥).\n_________\n(^١) «الإتحاف» ٧/ ٤١٨.\n(^٢) «الإحياء مع المغني» ١/ ١٦٣ حديث (٣).\n(^٣) «الإتحاف» ٣/ ٩٤.\n(^٤) «الإحياء مع المغني» ٤/ ٣٨٢ حديث (١).\n(^٥) «الإتحاف» ١٠/ ٩٢.","vol":"4","page":1483},{"text":"ولعل فائدة تعرض العراقي لمثل هذه المواضع، مع خروجها عن شرطه؛ لكي ينبه على عدم وجوده ذلك مرفوعًا، ولا موقوفًا، حتى لا يعول عليه من لا دراية له، أو لكي يحفز غيره لمواصلة البحث عنه في المتاح له من المصادر\nوسيأتي في مبحث ما قال عنه العراقي: إنه لا أصل له، أو لم يجد له أصلا، ما يؤيد هذا، بتعقب غيره له في بعض المواضع المماثلة\nوفي موضع قال الغزالي: وفي الخبر: من بورك له في شيء فليلزمه، ومن جُعِلَتْ معيشته في شيء، فلا ينتقل عنه، حتى يتغير عليه\nوقد تصدى العراقي لتخريج ذلك ببيان أنه مفرق في حديثين مرفوعين (^١) وبوقوف العراقي عليه في المرفوع ترجح لديه احتمال أن الغزالي يريد بقوله هنا: (وفي الخبر)، يعني الخبر المرفوع، فتصدى لتخريجه، وإن لم تكن عبارة الغزالي صريحة في ذلك.\nوقد لاحظ الزبيدي هذا، فذكر في الشرح كلمة «المرفوع» عقب قول الغزالي في هذا الموضع: (وفي الخبر) فأصبح تقدير كلامه هكذا «وفي الخبر المرفوع …» إلخ، ثم ذكر تخريج العراقي للحديث، مع إضافة بعض مخارج أخرى من عنده (^٢)\nوفي موضع قال الغزالي: وفي الخبر: إذا نام - يعني الشخص - على طهارة، رفع روحه إلى العرش.\n_________\n(^١) «الإحياء مع المغني» - كتاب الحج، فضيلة المدينة ١/ ٢٥١ حديث (٦)\n(^٢) «الإتحاف» ٤/ ٢٨٧ وانظر من مثل هذا أيضًا في «الإحياء مع المغني» ١/ ٢٦٩ حديث (٣) مع\n«الإتحاف» ٤/ ٤٣٣، و«الإحياء مع المغني» ٣/ ٣١٠ حديث (٢)، و«الإحياء مع المغني» ٤/ ٢١٦ حديث (١) و«الإحياء مع المغني» ٤/ ٣٢٠ حديث (٢) مع «الإتحاف» ٩/ ٦١٤.","vol":"4","page":1484},{"text":"فقام العراقي بتخريج هذا بالعزو إلى ابن المبارك في «الزهد»، موقوفًا على أبي الدرداء، وإلى البيهقي في «الشعب»، موقوفًا على عبد الله بن عمرو ابن العاص، ثم ذكر رواية ثالثة مرفوعة بمعناه، مع زيادة، وعزاها إلى الطبراني في «الأوسط»، وذكر أنها ضعيفة (^١).\nوقد نقل الزبيدي عن العراقي تخريج الروايتين الموقوفتين فقط (^٢)، فلعل الرواية المرفوعة سقطت من نسخته أو من الطباعة.\nووجود تلك الرواية المرفوعة بالإضافة إلى الروايتين الموقوفتين، يعتبر مرجحًا لأن الغزالي يريد بقوله: «وفي الخبر» هنا، المرفوع إلى الرسول ﷺ وبالتالي يكون تصدي العراقي لتخريج هذا الموضع من نوع الاحتياط لتحقيق مراد الغزالي، كما أشار إلى ذلك في موضع مماثل فيما تقدم في بيان شرط العراقي.\nوفي موضع قال الغزالي: (وجاء في الخبر: يأتي على الناس زمان يُوَشُّون ثيابهم، كما توشي البرود اليمانية).\nفلم يتعرض العراقي لتخريجه (^٣)، وقد علّق الشارح على ذلك بقوله: أورده صاحب «القوت»، وأغفله العراقي (^٤).\nومن الواضح أن هذا الموضع ليس على شرط العراقي، فلا ضير عليه في إغفاله، خاصة وأن الشارح لم يعزه لأي مصدر آخر غير «القوت»، فكأنه\n_________\n(^١) «المغني مع الإحياء» ١/ ٣٥٤ حديث (٢).\n(^٢) «الإتحاف» ٥/ ١٥٧.\n(^٣) «الإحياء مع المغني» ٤/ ٢٣٠.\n(^٤) «الإتحاف» ٩/ ٣٦١.","vol":"4","page":1485},{"text":"ذِكرُ إغفالِ العراقيِّ له، للإشارةِ إلى عَدَمِ وُقوفِهِ هو الآخَرُ عليهِ في مَصْدَرِ حَديثي، وبهذا يترجَّحُ أنَّ الغزاليَّ لم يَرِدْ في هذا الموضعِ بقولِهِ: «وفي الخَبَرِ» رَفَعَ ما بعدَهُ إلى الرسولِ ﷺ.\nوفي مَوْضِعٍ قالَ الغزاليُّ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: من حَضَرَ مَعْصِيةً فَكَرِهَها فكأنَّه غابَ عَنْها، ومَن غابَ عَنْها فأحبَّها، فكأنه حَضَرَها.\nوقد قامَ العِراقيُّ بتخريجِ ذلكَ بناءً على شرطِه (^١).\nثم بعدَ هذا الموضعِ بِكَثيرٍ، قالَ الغزاليُّ: وفي الخبرِ المشهورِ: مَنْ شَهِدَ مُنْكرًا فَرَضيَ به، فكأنَّه فَعَلَهُ.\nفلم يتعرَّضِ العراقيُّ لتخريجِه ولا أحالَ به على الموضِعِ الأولِ، كما هو مَنهجُهُ في المكرَّرِ، وهو بنحوِ الثاني (^٢) كما ترى، بحيثُ إنَّ الشارِحَ أحالَ من الأوَّلِ على الثاني فقال: كذا في «القوتِ»، يعني بهذا اللفظِ وتقدَّمَ في كتابِ الأمرِ بالمعروفِ، يعني الموضعَ الأولَ، ثمَّ ذَكَرَ رِوايةً بنحوِهِ من عندِ أبي يَعْلى في «مُسْنَدِهِ» من حديثِ الحسينِ بنِ عليٍّ ﵄ (^٣).\nويُلاحَظُ أنَّ عِبارةَ الغزاليِّ في الموضِعِ الثاني تُرَجِّحُ إرادتَهُ للرَّفْعِ، حيثُ قالَ: «وفي الخبرِ المشهورِ».\nوقد خَرَّجَ العراقيُّ ما صُدِّرَ بِمِثلِها في مَوضِعٍ آخَرَ (^٤) عليه فلم يظهر لي وَجْهُ\n_________\n(^١) «الإحياء مع المغني» ٢/ ٣٠٥، ٣٠٦ حديث (١) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.\n(^٢) «الإحياء مع المغني» ٤/ ٣٤١.\n(^٣) «الإتحاف» ٩/ ٦٦٤ وانظر «مسند أبي يعلى،» ١٢/ ١٥٤ حديث ٦٧٨٥ وقال محققه: إسناده ضعيف جدًّا.\n(^٤) «الإحياء مع المغني» ١/¬٤٨ حديث (٣).","vol":"4","page":1486},{"text":"في ترك العراقي لتخريج هذا الموضع الثاني، إلا كونه خارجًا عن شرطه.\nوفي موضع آخر قال الغزالي: قال النبي ﷺ: البذاذة من الإيمان. فقام العراقي بتخريجه (^١)، ثم قال بعد هذا بكثير: «وفي الخبر: البذاذة من الإيمان» فلم يتعرض العراقي لتخريجه، ولا أحال به على ما تقدم (^٢)، وفي موضع آخر قال الغزالي: قال رسول الله ﷺ: من ترك زينة لله، ووضع ثيابًا حسنة تواضعًا لله، وابتغاء لمرضاته، كان حقا على الله أن يدخر له عبقري الجنة.\nفقام العراقي بتخريجه (^٣). ثم قال الغزالي بعد هذا بكثير أيضًا: وفي الخبر: من ترك ثوب جمال، وهو يقدر عليه، تواضعًا لله تعالى، وابتغاء لوجهه كان حقا على الله، أن يدخر له من عبقري الجنة …».\nولم يتعرض العراقي لتخريجه، ولا أحال به (^٤) في حين نجد الشارح ذكر في الموضع الثاني ما ذكره العراقي في تخريج الموضع الأول، مع زيادة من عنده (^٥) ولكنه لم يتعقب العراقي بعدم تخريج هذا الموضع الثاني، وسبب ذلك على ما يظهر، هو معرفة الشارح بخروج مثل هذا الموضع عن شرط العراقي.\nوبذلك يتضح أن ما يخرجه العراقي مما يعبر فيه الغزالي بعبارة «وفي الخبر» أو «ورد في الأخبار» هكذا مطلقة، يعتبر من زيادته على ما هو داخل في شرطه، وليس من شرطه الالتزام بتخريجه، حتى لو كان يعلم أن هذا لفظ، أو\n_________\n(^١) «الإحياء مع المغني» ٣/ ٣٤٥ حديث (٥).\n(^٢) «الإحياء مع المغني» ٤/ ٢٢٩.\n(^٣) «الإحياء مع المغني» ٣/ ٢٤٦ حديث (١).\n(^٤) «الإحياء مع المغني» ٤/ ٢٢٩.\n(^٥) «الإتحاف» ٩/ ٣٥٧.","vol":"4","page":1487},{"text":"معنى حديث مرفوع، بدليل تخريجه له مرفوعًا في الموضع المطابق لشرطه وستأتي بعض أمثلة أخرى في مبحث الأحاديث القدسية، ومبحث الإسرائيليات\n٤ - ومما أورده الغزالي بعبارة غير صريحة في الرفع قوله: «ورد الأمر بكذا، أو النهي عن كذا، ونحو هاتين العبارتين، دون تحديد الأمر، ولا الناهي، ولا من روى هذا الأمر أو النهي، ثم خرج العراقي بعضه، وترك الكثير منه، تبعا لشرطه. فقد قال الغزالي: في شأن سجود التلاوة: فإنه ورد الأمر بالسجود فليتبع فيه الأمر».\nفلم يتعرض العراقي لتخريج ذلك (^١) ومثله الشارح (^٢)، فلعل مراد الغزالي هنا ورود الأمر يعني في بعض آيات السجود.\nوفي موضع آخر ذكر الغزالي عن طواف الملائكة بالبيت المعمور في السماء: إن الخلق أمروا بالتشبه بهم، بحسب الإمكان، بالطواف بالكعبة.\nفلم يتعرض العراقي لتخريج ما يدل على الأمر بالطواف بالكعبة (^٣).\nوفي موضع آخر قال الغزالي: «وقد ورد الأمر بإكرام الخبز».\nفتصدى العراقي لتخريجه بقوله: حديث: أكرموا الخبز، البزار والطبراني وابن قانع من حديث عبد الله بن أم حرام، بإسناد ضعيف جدًا، وذكره ابن الجوزي في «الموضوعات» (^٤).\n_________\n(^١) «الإحياء مع المغني» ١/ ٢٨٤.\n(^٢) «الإتحاف» ٤/ ٤٨٨.\n(^٣) «الإحياء مع المغني» ٤/ ٢٧٦.\n(^٤) «الإحياء مع المغني» ٢/¬٤ حديث (٥).","vol":"4","page":1488},{"text":"وقد ذكر الزبيدي أن قول الغزالي هنا «ورد الأمر بإكرام الخبز» مشار به إلى حديث «أكرموا الخبز هذا، لكنه لم يذكر - حسب عادته - تخريج العراقي السابق له».\nبل خرجه هو من جانبه بالعزو إلى البيهقي والحاكم وصححه، وأقره الذهبي، وإلى البغوي في «معجمه» (يعني معجم الصحابة) ولا بن قتيبة في «غريبه» (^١).\nولعل مما يرجح أن الغزالي يريد بعبارته السابقة حديثا مرفوعًا، أنه بعد نحو عشرين سطرًا ذكر حديث «أكرموا الخبز» مصرحًا برفعه، ولم يتعرض العراقي لتخريجه ثانيًا لكونه تقدم قريبًا، ومن شرطه في المكرر قريبًا هكذا ألا يعيد تخريجه، ولا ينبه على تقدمه (^٢).\nأما الشارح فتعرض ثانيًا لتخريجه بتوسع عما ذكره في الموضع الأول ولم ينسب مما ذكره شيئًا للعراقي، ولعله لم يتعقب العراقي بتركه في هذا الموضع المصرح به، لمعرفته بشرطه في المكرر، كما قدمت (^٣).\nوعموما فإن تخريج العراقي للحديث في موضع الإشارة إليه بقول الغزالي: «ورد الأمر بكذا» يعتبر زائدًا على شرطه، ويعتبر تخريجه له احتياطًا لأن يكون الغزالي قصد الحديث المرفوع، كما صرح به بعد هذا بقليل.\nوأما النهي المطلق، فمنه قول الغزالي في موضع: وأما نقض الوتر، فقد صح فيه نهي، فلا ينبغي أن يُنقض.\n_________\n(^١) «الإتحاف» ٥/ ٢١٦.\n(^٢) انظر مقدمته مع «الإحياء» ١/¬٩.\n(^٣) «الإتحاف» ٥/ ٢١٩، ٢٢٠.","vol":"4","page":1489},{"text":"وقد تصدى العراقي لتخريجه فقال: حديث النهي عن نقض الوتر، قال المصنف - يعني الغزالي -: صح فيه نهي، قلت: وإنما صح من قول (عائد) بن عمرو، وله صحبة، كما رواه البخاري. ومن قول ابن عباس كما رواه البيهقي.\nثم قال: ولم يصرح الغزالي بأنه مرفوع، فالظاهر أنه إنما أراد ما ذكرناه عن الصحابة (^١).\nوقد نقل الشارح ما ذكره العراقي، دون تعليق (^٢).\nويلاحظ أن العراقي أشار إلى أن هذا الموضع خارج عن شرطه، لعدم تصريح الغزالي برفع هذا النهي إلى رسول الله ﷺ، ولكنه تصدى لتخريج ما أشار له الغزالي، للوفاء بما ظهر له أنه مقصوده، وإن لم يكن داخلا في شرطه، لكون ما وقف عليه في ذلك يعتبر من الآثار الموقوفة على الصحابة (^٣).\nوفي موضع آخر، وهو «باب المنهيات في الصلاة» قال الغزالي: «ونُهي أيضا عن أن يشبك - أي المصلي - أصابعه، أو يفرقع أصابعه، أو يستُرَ وَجْهَهُ …».\nفقام العراقي بتخريج أحاديث في ذلك، مستهلا أولها بقوله: «حديث النهي عن تشبيك الأصابع …» ثم أتبعه بالباقي، قائلا في بداية تخريج كل حديث: حديث النهي عن كذا … (^٤).\n_________\n(^١) «الإحياء مع المغني» ١/ ٣٥٣.\n(^٢) «الإتحاف» ٥/ ١٥٦.\n(^٣) وانظر الأثرين السابقين عند البيهقي في السنن ٣/¬٣٦ - باب من قال: لا ينقض القائم من الليل وتره. وأثر عائذ في «البخاري مع الفتح» - المغازي، باب غزوة الحديبية ٧/ ٤٥١ مع «الفتح».\n(^٤) انظر «الإحياء مع المغني» ١/ ١٦٣.","vol":"4","page":1490},{"text":"وقال الغزالي في موضع آخر: نُهي عن الإنتباذ في المزفت، والحنتم والنقير.\nفقام العراقي بتخريج ذلك بقوله: حديث النهي عن الانتباذ .. متفق عليه من حديث ابن عباس (^١).\nويلاحظ أن الموضعين السابقين مشابهين للموضع الأول في التعبير بـ «نهي»، دون تصريح بالرفع، فلعل العراقي تصدى لتخريجهما لما وجده في معناهما من الأحاديث المرفوعة، فخرجهما احتياطا لأن يكون الغزالي قصد تلك الأحاديث المرفوعة، وإن لم تكن عبارته صريحة في ذلك.\nومما يؤيد اعتباره ذلك من تخريج ما هو زائد على شرطه، أنه جاءت بعض المواضع المشابهة أيضًا، ولم يتعرض لتخريجها.\nففي موضع ذكر الغزالي: أن من القصص ما ينفع سماعه، ومنها ما يضر، وإن كان صدقا، ثم قال: فَمِنْ هَذَا نهي عنه.\nفلم يتعرض العراقي لتخريج ذلك (^٢)، وكذا الشارح، ولم يتعقب العراقي في تركه، لمعرفته مقتضى شرطه، كما سبق (^٣).\nوقد تقدم قبل هذا الموضع ببابين قول الغزالي: روي مسندا: لا يفتي الناس إلا ثلاثة: أمير أو مأمور أو متكلف …\nفتصدى العراقي لتخريجه بقوله: حديث: لا يفتي الناس إلا ثلاثة (الحديث) ابن ماجه، من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، بلفظ:\n_________\n(^١) «الإحياء مع المغني» ٢٥/ ٢٧٠.\n(^٢) «الإحياء مع المغني» ١/¬٤١.\n(^٣) «الإتحاف» ١/ ٢٤٥.","vol":"4","page":1491},{"text":"لا يقص على الناس، وإسناده حسن (^١)، فكان بإمكان العراقي أن يحيل على هذا، كما يفعل في إحالات ما هو على شرطه، ولكنه لم يفعل لعدم دخول هذا الموضع الثاني في شرطه.\nوأيضًا فإن الموضع السابق الذي ذكر فيه الغزالي قوله: \"نهي عن الإنتباذ … \" جاء بعده بعدة أسطر قول الغزالي أيضًا: «بل لهذا، يُنهى عن لبس القباء، وعن ترك الشعر على الرأس قزعًا .. ولا يُنهى عن ذلك فيما وراء النهر ..» ولم يتعرض العراقي لتخريج ما يدل على هذا النهي (^٢).\nومن يتأمل سياق كلام الغزالي في الموضع الأخير يلاحظ أنه لا يريد رفع النهي إلى الرسول ﷺ. ولعل هذا مما جعل العراقي لا يتصدى لذلك، ولو على سبيل الاحتياط.\n٥ - ومما أورده الغزالي أيضًا بعبارة غير صريحة في الرفع، فتصدى العراقي لتخريجه زيادة عن شرطه، قول الغزالي: «وَعْدُ الخُلُقِ بكذا، أو ورد الوعد بكذا».\nففي موضع ذكر الغزالي: أن الخلق وَعَدُوا بأن من تشبه بقوم، فهو منهم.\nفتعرض العراقي لتخريجه بقوله: حديث: من تشبه بقوم ..» (^٣).\nفلعل وقوف العراقي على اللفظ المذكور، مرفوعًا، رجح لديه حمل مراد الغزالي عليه، وإن لم تكن عبارته صريحة في ذلك.\n_________\n(^١) «الإحياء مع المغني» ١/¬٢٤ وص ٤١ من والإحياء.\n(^٢) «الإحياء مع المغني» ٢/ ٢٧٠.\n(^٣) «الإحياء مع المغني» ١/ ٢٧٦.","vol":"4","page":1492},{"text":"وفي موضع آخر ذكر الغزالي أن ذبح الهذي في الحج تقرب إلى الله تعالى بحكم الامتثال، ثم قال: «فَأَكْمِل الهَدْي، وارْج أن يعتق الله بكل جزء منه جزءا منك من النار، فهكذا ورد الوعد»\nوقد قام العراقي بتخريج ذلك بقوله: حديث أنه يعتق بكل جزء من الأضحية جزءًا من المضحي من النار، لم أقف له على أصل، ثم ذكر حديثا آخر في المعنى (^١).\nولعل الذي جعل العراقي يتصدى لهذا رغم خروجه عن شرطه، حرضه على بيان أنه لا أصل لحديث بهذا اللفظ الذي أورده الغزالي، خصوصا وأن مثله لا يقال من جهة الرأي والاجتهاد، فصار في حكم المرفوع، لو ثبت.\n٦ - وقد عبّر الغزالي أيضًا في بعض المواضع بصيغة بعيدة عن إرادة رفع ما بعدها إليه ﷺ، وهي صيغة «قيل» أو «يقال كذا».\nفخرج العراقي بعض تلك المواضع، وترك الكثير منها، لخروج ذلك عن شرطه.\nففي موضع قال الغزالي: ويقال: إن الملائكة تحضر المائدة إذا كان عليها بقل، فذلك أيضًا مستحب.\nولم يتعرض العراقي لتخريج ما يدل على استحباب هذا (^٢).\nوفي موضع آخر قال الغزالي: «ويقال: إن المرائي ينادى يوم القيامة بأربعة أسماء …».\n_________\n(^١) «الإحياء مع المغني» ١/ ٢٧٧.\n(^٢) «الإحياء مع المغني» ٢/¬١٧.","vol":"4","page":1493},{"text":"فلم يتعرض العراقي لتخريجه (^١)، مع أن مثله لا يقال من جهة الرأي والاجتهاد، كما ترى.\nوفي موضع آخر قال الغزالي: ويقال: ما أتى الله عبدًا علما إلا آتاه معه حلما. ولم يتعرض العراقي لتخريج شيء فيه (^٢).\nوعدم دلالة عبارة (يقال) هذه على الرفع واضح، وقد سبق في بيان شرط العراقي، أن الزبيدي قد انتقده في التعرض لتخريج بعض ما أورده الغزالي بتلك العبارة.\nلكن قال الغزالي في موضع: «فقد قيل: إن العبد إذا نام على طهارة فذكر الله تعالى، يكتب مصليا، حتى يستيقظ، ويدخُلُ في شعاره ملك …».\nفقام العراقي بتخريجه قائلا: «حديث: قيل: إنه إذا نام على طهارة ذاكرا لله …» (رواه) ابن حبان من حديث ابن عمر: من بات طاهرا بات في شعاره ملك … (^٣).\nوقد نقل الشارح تخريج العراقي هذا، ولم ينتقد تعرضه لتخريج هذا الموضع مثلما انتقده في مثيله كما قدمت، ولعله اكتفى بالنقد السابق لانسحابه على كل المواضع المماثلة.\nوهذا النقد يفيد أن ما تعرض له العراقي بالتخريج مما أورده الغزالي بمثل هذه العبارة، يعتبر زيادة عن شرطه، لفائدة يراها أولى من التزام الشرط، الذي\n_________\n(^١) «الإحياء مع المغني» ٣/ ٢٨٩.\n(^٢) «الإحياء مع المغني» ١/ ٨١.\n(^٣) «الإحياء مع المغني» ١/ ٣٥٤.","vol":"4","page":1494},{"text":"راعاه في أكثر المواضع، كما في الأمثلة السابقة.\n\n٧ -<span data-type='title' id=toc-508> موقف العراقي من تخريج الأحاديث المقتبسة:</span>\nجرى الغزالي في «الإحياء» على أنه يذكر خلال كلامه، بعض ألفاظ الأحاديث المرفوعة، ممزوجة بكلامه، على سبيل الاقتباس، دون إشارة إلى أن ما ذكره لفظ حديث نبوي، وبالتالي لا تعتبر مثل هذه المواضع داخلة فيما التزم العراقي بتخريجه حسب شرطه، كما قدمت توضيحه، ولكنه مع ذلك تصدى لتخريج بعض ما أورده الغزالي على هذا النحو، زيادة عن شرطه، وقد ذكرت بعض تلك المواضع عند بيان شرط العراقي، وسأورد هنا بعضًا آخر، يوضح موقف العراقي من هذا النوع من أحاديث «الإحياء».\nفقد أورد الغزالي حديث «طلب العلم فريضة على كل مسلم» مصرحًا برفعه في مقدمة الكتاب، فقام العراقي بتخريجه (^١) ثم كرره في موضع آخر مصرحا برفعه، فأعاد العراقي تخريجه بالإحالة على الموضع السابق (^٢).\nثم في موضع بعد هذا قال الغزالي: ولا تظنن أن الجاهل بما يقدر على التعلم فيه، يُعْذَر، هيهات، بل طلب العلم فريضة على كل مسلم، ولهذا كانت ركعتان من عالم .. إلخ.\nفلم يتعرض العراقي لتخريج الحديث هنا، ولو بالإحالة على ما تقدم وهنا هو مُقْتَبَس كما ترى، دون إشارة لكونه حديثا (^٣).\n_________\n(^١) «الإحياء مع المغني» ٩/¬١٠.\n(^٢) «الإحياء مع المغني» ٢/ ٩٠.\n(^٣) «الإحياء مع المغني» ٤/ ٣٨٨.","vol":"4","page":1495},{"text":"أما الزبيدي فقد علق على هذا الموضع بقوله: كما في الخبر، وتقدم في كتاب العلم (^١)، لكنه لم يتعقب العراقي بأنه أغفل تخريج الحديث هنا، وإن كان تعقبه في موضع آخر، كما سيأتي.\nومما يدل على اعتبار العراقي أن ذلك خارج عن شرطه، أن الغزالي في موضع ذكر حديث «إذا ذكر القدر فأمسكوا» مصرحًا برفعه.\nفقام العراقي بتخريجه (^٢).\nثم بعد ذلك بعدة كتب من «الإحياء» ذكر الغزالي: أن بعض العباد أشرقت أقطار الملكوت بين أيديهم بنور ربها، فأدركوا الأمور كلها كما هي عليه، فقيل لهم: تأدبوا بآداب الله تعالى، واسكتوا، و«إذا ذكر القدر، فأمسكوا».\nوقد تعرض العراقي لتخريج ذلك بقوله: حديث: «إذا ذكر القدر فأمسكوا»، الطبراني من حديث ابن مسعود، وقد تقدم في العلم، ولم يصرح المصنف بكونه حديثا (^٣)، يعني في هذا الموضع الأخير، وهو بهذا يشير إلى خروجه عن شرطه، مع تعرضه لتخريجه.\nوفي موضع آخر قال الغزالي: «فإن للوتر فضلا عن الزوج، فإن الله سبحانه وتر يحب الوتر».\n_________\n(^١) «الإتحاف» ١٠/ ١٠٤.\n(^٢) «الإحياء مع المغني» ١/¬٣٦ حديث (١).\n(^٣) «الإحياء مع المغني» ٤/ ٩٤.","vol":"4","page":1496},{"text":"فلم يتعرض العراقي لتخريج ذلك، لخروجه عن شرطه (^١).\nلكن الزبيدي علق على هذا الموضع بقوله: «هو حديث، وقد أغفله العراقي، أخرجه أحمد والبزار عن ابن عمر، وقال الهيثمي: رجاله موثقون …» (^٢).\nومقتضى معرفة الزبيدي بشرط العراقي في تخريجه هذا، ألا يتعقبه بإغفال تخريج الحديث في هذا الموضع، لكون الغزالي لم يصرح فيه برفع الحديث كما ترى.\nوقد سبق عدم تعقبه للعراقي في موضع مماثل، فلعله لم يستحضر شرطه حين علق على الحديث الأخير هذا.\nوفي موضع آخر قال الغزالي: وبذل الزاد في طريق الحج نفقة في سبيل الله ﷿، والدرهم بسبعمائة درهم.\nفلم يتعرض العراقي لتخريج ذلك (^٣).\nفجاء الزبيدي، فعلق على هذا بقوله: نقله صاحب «القوت»، وقال: روي ذلك عن رسول الله ﷺ، ثم تصدى الزبيدي لتخريجه، دون أن يتعقب العراقي بأنه أغفله (^٤) فكأنه لاحظ هنا شرط العراقي.\n\n<span data-type='title' id=toc-509>موقف العراقي من تخريج الإسرائيليات:</span>\nالمقصود بالإسرائيليات هنا، ما وقع في «الإحياء» غير مصرح برفعه (^٥): من\n_________\n(^١) «الإحياء مع المغني» ١/ ١٤٧ وانظر مثالا آخر في ١/ ٣٤٠ مع ٤/ ١٤٥ حديث (٧).\n(^٢) «الإتحاف» ٢/ ٤١٥.\n(^٣) «الإحياء مع المغني» ١/ ٢٧٠.\n(^٤) «الإتحاف» ٤/ ٤٣٤ وانظر «الإحياء» ٤/ ١٦٨ عدة أحاديث مقتبسة، ولم تخرج.\n(^٥) لأن المصرح برفعه في شرط العراقي، ويتصدى لتخريجه.","vol":"4","page":1497},{"text":"الروايات التي تنسب إلى التوراة، والإنجيل، أو أحدهما (^١)، أو تكون من أقوال بعض أنبيائهم، أو من أخبارهم، أو بعض ما أوحي إليهم (^٢).\nوقد فسر شارح الإحياء الإسرائيليات في بعض المواضع ٦/ ٢٢٨ بأنها: الكتب التي أنزلها الله تعالى على أنبياء بني إسرائيل، ولكنها في الواقع الموجود خلال «الإحياء» أعم من هذا، فقد تكون موعظة، أو عبرة من أحوال بني إسرائيل، أو أقوال أو أخبار بعضهم، من الصلحاء أو العلماء أو العصاة (^٣).\nوقد أورد الغزالي ذلك بصيغ متعددة؛ منها الصريح في الرفع إلى الرسول ﷺ، وهذه داخلة في شرط العراقي، ومنها ما ليس صريحًا في إفادة الرفع إلى الرسول ﷺ ولذلك فإن العراقي ترك التعرض لتخريج الكثير منها، وخرج القليل، لما ظهر له في ذلك من فائدة تتعلق بالموضع الذي تعرض له، وما يماثله، مما لم يتعرض له.\nففي بعض مواضع يقول الغزالي: «وفي الإسرائيليات كذا …» (^٤).\nوبعضها «ذكر بعض العلماء في الإسرائيليات كذا» (^٥) وبعضها «روي أو يُروى في الإسرائيليات كذا» (^٦) وبعضها يعبر بصيغة «يروى كذا»، أو «وفي\n_________\n(^١) «الإحياء» ١/ ٦٩، ٧٠ و٢/ ٩٢، ٣٠٨ و٤/ ٣١٥، ٣٢٨.\n(^٢) «الإحياء» ١/ ٦٥، ٦٦، ٦٧ و٢/ ٣٠٩ و٣/¬٣١، ٣٦٤ و٤/ ١٥٦، ٢٧٨، ٣١٥، ٣٣٥، ٣٣٦، ٣٣٩، ٣٥٣، ٣٨٩.\n(^٣) «الإحياء» ١/ ٦٧، ٦٨، ٣١٥ و٢/¬١٧، ٩٢ و٣/ ٣٤٠ و٤/¬٣٤، ٥٢، ١٥٠، ٣١٥، ٣٣٦، ٣٥٢.\n(^٤) «الإحياء» ٤/¬٣٤.\n(^٥) «الإحياء» ٤/ ٢٧٧.\n(^٦) «الإحياء» ١/ ٨١، ٢/ ١٨١ و٤/ ٥٢، ٣٣٦، ٣٥٢.","vol":"4","page":1498},{"text":"الخبر كذا»، كما سيأتي في الأمثلة التالية:\nففي موضع قال الغزالي: روي أن رجلا في بني إسرائيل، كان يقال له: خليع بني إسرائيل .. وساق قصة.\nفلم يتعرض العراقي لتخريجها (^١)، ثم بعد ذلك بعدة أسطر قال الغزالي: وكذلك روي أن رجلًا في بني إسرائيل أتى عابدًا من بني إسرائيل فوطئ على رقبته … وساق قصة مشابهة.\nفقام العراقي بتخريج ذلك (^٢)، مع أن الصيغة التي أورد الغزالي بها الروايتين واحدة، وليس فيها تصريح بالرفع كما ترى، وبالتالي لا تدخل الروايتان في شرطه، فلعله خرج الرواية الثانية لوقوفه عليها مرفوعة، فأخرجها احتياطا لأن تكون هي المقصودة للغزالي، وإن لم تكن عبارته صريحة في ذلك.\nوفي موضع آخر قال الغزالي: «ورُوي أن سليمان بن داؤد ﵇، لما عوقب على خطيئته لأجل التمثال الذي عُبد في داره …».\nفلم يتعرض العراقي لتخريجه (^٣). لكن الزبيدي قام من جانبه بتخريج عدة روايات في معنى ما ذكره الغزالي، وهي روايات موقوفة، بعضها موقوف على ابن عباس، وبعضها موقوف على سعيد بن حبير، وبعضها موقوف على مجاهد، وقد عزا تلك الروايات إلى مصادر مما اعتمد عليه العراقي في\n_________\n(^١) «الإحياء مع المغني» ٣/ ٣٤٠.\n(^٢) «الإحياء مع المغني» ٣/ ٣٤٠.\n(^٣) «الإحياء مع المغني» ٤/ ٥٢ وانظر مثالًا آخر في «الإحياء مع المغني» ٤/ ١٥٠ و«الإتحاف». ٩/ ١٨٧","vol":"4","page":1499},{"text":"تخريجه هذا (^١) بحيث يمكن القول: إنها لم تكن خافية عليه، ولكنه لم يخرجها لكونها ليست على شرطه، حيث لم يصرح الغزالي برفعها، ولذا لم ينتقد الشارح العراقي بعدم التعرض لها.\nوفي موضع آخر قال الغزالي: روي عن سليمان ﵇ أنه قال: لأطوفن الليلة على مائة امرأة، ولم يقل: إن شاء الله، فحرم ما أراد من الولد.\nفقام العراقي بتخريجه، بالعزو إلى البخاري في صحيحه، من حديث أبي هريرة (^٢) فلعل هذا ما جعله يتصدى لتخريجه، وإن لم يكن على شرطه وذلك لبيان أن من الإسرائيليات ما هو ثابت صحيح.\nوفي بعض المواضع قال الغزالي: «قال عيسى ﵇: إلى متى تصفون الطريق للمدلجين …».\nفلم يتعرض العراقي لتخريجه (^٣).\nثم في موضع آخر قال الغزالي: وقال عيسى ﵇: الأمور ثلاثة: أمر استبان رشده .. (الحديث).\nفتصدى العراقي لتخريجه (^٤)، ولعل سبب ذلك وقوفه عليه مرفوعا، فآثر إفادة ذلك، وإن لم يكن على شرطه.\n_________\n(^١) «الإتحاف» ٨/ ٦١٤، ٦١٥ وانظر أمثلة ما تركه ولم يخرجه الشارح مرفوعا/ الإحياء مع المغني ٢/ ١٥٧ والشرح ٦/ ١٧٧ والإحياء مع المغني ٤/ ٣٩٣ مع الشرح ١٠/ ١١٥.\n(^٢) «الإحياء مع المغني» ٣/ ٣٦٤.\n(^٣) «الإحياء» ١/ ٦٥ ومثله في ٦٦، ٦٧، ٦٨ و٤/ ٣٥٣.\n(^٤) «الإحياء مع المغني» ٤/ ٣٨٩.","vol":"4","page":1500},{"text":"وفي موضع آخر قال الغزالي: وفي الخبر: إن الله تعالى أوحى إلى داؤد ﵇: يا داؤد: خفني كما تخاف السبع الضاري.\nفقال العراقي: حديث: إن الله تعالى أوحى إلى داود ..، لم أجد له أصلا، ولعل المصنف قصد بإيراده، أنه من الإسرائيليات، فإنه عبّر عنه بقوله: (وفي الخبر)، وكثيرًا ما يعبر بذلك عن الإسرائيليات التي هي غير مرفوعة (^١).\nوفي موضع آخر قال الغزالي: وفي الخبر: إن الله تعالى أوحى إلى داؤد ﵇ أحبني، وأحب من يحبني.\nفقال العراقي في تخريجه: لم أجد له أصلا، وكأنه من الإسرائيليات كالذي قبله (^٢) وقوله: «كالذي قبله، إشارة إلى ما أورده الغزالي أيضًا لكنه بعد سطور، حيث قال: وفي الخبر: أن رجلا من بني إسرائيل كان يُقنط، ويشدد عليهم ..».\nوقد قام العراقي أيضًا بتخريجه من رواية عن زيد بن أسلم مقطوعا (^٣)، وقوله عن الحديث الأول إنه قبل الثاني، لعله سبق نظر منه، لتقارب موضعهما أو لعله كان مقدما في نسخته من (الإحياء).\nوفي موضع آخر، قال الغزالي: وفي خبر موسى ﵊: وأما الورعون، فإنه لا يبقى أحد إلا ناقشته الحساب، وفتشت عما في يديه إلا الورعين، فإني أستحي منهم، وأجلهم أن أوقفهم للحساب. فلم\n_________\n(^١) (الإحياء مع المغني) ٤/ ١٥٦.\n(^٢) (الإحياء مع المغني) ٤/ ١٤٢.\n(^٣) و«الإحياء مع المغني» ٤/ ١٤٢.","vol":"4","page":1501},{"text":"يتعرض العراقي لتخريجه (^١).\nوأما الزبيدي فإنه خرج مقابل هذا رواية بنحوه من حديث ابن عباس، قال: قال الله تعالى يا موسى ..، فذكره بنحوه، ثم قال: ولم يتعرض له العراقي هنا، لكونه من الإسرائيليات وليس من المرفوع (^٢) وعبارة الزبيدي هذه تؤيد ما قدمته أن الإسرائيليات التي لا تدخل في شرط العراقي هي التي لا تذكر على أنها مرفوعة.\nوفي موضع آخر قال الغزالي: وفي الخبر: أن المائدة التي أنزلت على بني إسرائيل: كان عليها من كل البقول، إلا الكراث، وكان عليها سمكة …\nفلم يتعرض العراقي لتخريج ذلك (^٣).\nوقد قام الشارح بتخريج عدة روايات، أحدها بنحو هذا الخبر، ومنها ما هو في معناه، ولكن جميعها موقوفات، فمنها ما هو موقوف على سلمان الفارسي، ومنها موقوف على ابن عباس، ومنها موقوف على غيرهما، وقد عزاها الشارح إلى مصادر مما رجع العراقي إليه في هذا التخريج، بحيث لا يظن خفاؤها على اطلاعه، لو أراد تخريجها (^٤)، ولكنها ليست من مقتضى شرطه كما أشار الشارح إلى ذلك في المثال الذي قبل هذا، ولعل ذلك مما جعله لا يتعقب العراقي بإغفال تخريج هذا الموضع، مراعاة منه لشرطه. كما أن تخريج الشارح لذلك وما قبله بروايات موقوفة، يؤيد ما قرره العراقي فيما\n_________\n(^١) «الإحياء مع المغني» ٤/ ١٥٨.\n(^٢) «الإتحاف» ٩/ ٢١١.\n(^٣) «الإحياء مع المغني»: ٢/¬١٧.\n(^٤) «الإتحاف» ٥/ ٢٥٦، ٢٥٧.","vol":"4","page":1502},{"text":"سبق، من أن الغزالي كثيرًا ما يعبر بقوله: وفي الخبر: عن الإسرائيليات غير المرفوعة ويؤيد أيضا ما قدمته من نقد تسميته كتابه بتخريج ما في (الإحياء) من الأخبار.\nوهكذا نلاحظ فيما تقدم من الأمثلة، أن الإسرائيليات التي يوردها الغزالي بعبارة غير صريحة في الرفع إلى الرسول ﷺ، قد ترك العراقي تخريج الكثير منها، لخروجه عما يلزمه تخريجه، حسب شرطه في هذا التخريج. كما نلاحظ أن ما خرجه منها زيادة عن شرطه، قد تحقق من خلاله فوائد علمية تعتبر أهم من ترك تخريج تلك المواضع، حسبما يقتضيه شرطه.\nفمن ذلك تنبيه العراقي خلال أحد الأمثلة السابقة على قاعدة استقرائية هامة بالنسبة لمنهج العزالي في إيراد المرويات في (الإحياء)، وهي: أنه كثيرًا ما يستعمل صيغة «وفي الخبر» هكذا مطلقة، في إيراد الإسرائيليات، بأنواعها السابقة، غير المرفوعة إلى النبي ﷺ.\nوقد أصاب العراقي في تقرير هذه القاعدة، حيث لاحظت بنفسي مطابقتها لواقع «الإحياء» خلال قراءتي له جميعه.\nوحبذا لو كان العراقي بين هذه القاعدة في مقدمة التخريج التي كتبها بعد الفراغ منه، فالمقدمة هي مكانها الأساسي، لكي يتسنى للقارئ فهم اصطلاح الغزالي هذا، منذ شروعه في مطالعة تخريج روايات و«الإحياء»، وليستفاد بها أيضًا في تمييز مرويات الإحياء بعضها عن بعض.\nوأيضًا فإن تقرير العراقي لهذه القاعدة، مفيد في بيان أن كثيرًا من الروايات التي يصدرها الغزالي بعبارة «وفي الخبر» مطلقة، ليست داخلة في شرط","vol":"4","page":1503},{"text":"العراقي في هذا التخريج، وبذلك لا يتعقب فيما لا يتصدى لتخريجه منها كما في الموضع السابق ذكره عن الزبيدي.\nومن فوائد تعرض العراقي لتخريج أحد الأمثلة السابقة، إشارته من خلاله إلى أن الإسرائيليات التي لا يصرح الغزالي برفعها، منها ما هو في الواقع مرفوع إلى الرسول ﷺ، حسب مصادر التخريج، ومنها ما ليس مرفوعًا، وقد بين العراقي في أحد المواضع السابقة، ما روي مقطوعًا من تلك الإسرائيليات.\nومن فوائد ما تعرض العراقي لتخريجه أيضًا، إشارته خلال بعض الأمثلة السابقة إلى أن الإسرائيليات، كما أن منها ما هو ثابت عن الرسول ﷺ في «صحيح البخاري»، فكذلك منها ما لا أصل له في كتب السنة عمومًا، فلا يعول عليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-510>موقف العراقي من تخريج ما في «الإحياء» من الأحاديث القدسية:</span>\nلقد لاحظت من قراءتي للإحياء أن الغزالي يورد الأحاديث القدسية فيه مصدرة بصيغ مختلفة، فتارة يرفعها إلى الرسول ﷺ فيما يروي عن ربه ﷿ (^١) وتارة يذكرها بصيغة غير صريحة في الرفع (^٢)، وتارة يقتبس لفظها في سياق كلامه (^٣) وتارة يذكرها عن بعض التابعين أنه ينسبها إلى الله ﷿، وبمقتضى شرط العراقي السابق، فإنه يكون ملتزمًا بتخريج النوع الأول فقط؛ لكني وجدته في بعض المواضع قد يترك ما يدخل في شرطه، وفي بعضها.\n_________\n(^١) «الإحياء مع المغني» ١/ ١٧٣، ٢٣٧ و٣/¬٤٧، ٢٠٧ و٤/ ٣٣٥.\n(^٢) «الإحياء» ١/ ٣٧٠ و٤/¬٣١، ٢٨٢، ٣٢٦، ٣٣٥\n(^٣) ٣/ ٣٧٤","vol":"4","page":1504},{"text":"خرج ما ليس من شرطه لفائدة، فمرة ذكر الغزالي بعض الأحاديث مصرّحًا برفعها إلى الرسول ﷺ ثم قال: ولقد جاءت الرواية عنه عن ربه ﷿، أنه قال لموسى ﵇: إذا رأيت الغنى مقبلًا، فقل ذنب عجلت عقوبته، وإذا رأيت الفقر مقبلًا، فقل مرحبا بشعار الصالحين.\nفلم يتعرض العراقي لتخريجه (^١)، مع دخوله في شرطه؛ لتصريح الغزالي برفعه إلى الرسول ﷺ عن ربه، كما ترى.\nوقد قام الزبيدي في شرحه للإحياء بتخريج الحديث، لكن بروايتين موقوفتين، إحداهما عن فضيل بن عياض، والثانية عن كعب الأحبار (^٢) فلعل ما في «الإحياء» جاء غير مرفوع في نسخة العراقي بسقوط كلمة «عنه» التي تعود إليه ﷺ.\nولم يتعقب الزبيدي أيضًا العراقي هنا مع وجود كلمة «عنه» في نسخته ومعرفته بشرط العراقي.\nثم إن الغزالي بعد هذا الموضع بعدة كتب من «الإحياء» قال: وفي الخبر: إذا رأيت الفقر مقبلًا، فقل مرحبا بشعار الصالحين، وإذا رأيت الغنى مقبلًا (الحديث).\nفقام العراقي بتخريجه في هذا الموضع (^٣)، دون إشارة لتقدمه، كما هو منهجه في الإحالة على ما يتكرر (^٤)، ويلاحظ أن الغزالي في هذا الموضع لم\n_________\n(^١) «الإحياء مع المغني» ٣/ ٢٠٧.\n(^٢) «الإتحاف» ٨/ ١٠١.\n(^٣) «الإحياء مع المغني» ٤/ ١٩١.\n(^٤) انظر (مقدمة التخريج بحاشية الإحياء) ١/¬٩.","vol":"4","page":1505},{"text":"يذكر كون الحديث قدسيا، بذكر نسبته إلى الله ﷿، كما أنه لم يصرح برفعه إلى الرسول ﷺ وإنما أورده بصيغة «وفي الخبر» التي تحتمل أن مقصوده بها حديثا مرفوعًا أو غيره، كما تقدم تقرير العراقي ذلك بنفسه، وبالتالي لا يكون هذا الموضع داخلا في شرطه، فلعله خرجه احتياطًا لأن يكون مقصود الغزالي هنا الحديث المرفوع، وإن لم يصرح.\nوقد نقل الزبيدي تخريج العراقي للحديث هنا، وأشار أيضًا إلى تقدمه في الموضع السابق، ولكنه لم يتعقب العراقي ببيان كونه هنا ليس من شرطه (^١).\nوقد أورد الغزالي في موضع آخر حديثين قدسيين: أحدهما صدره بصيغة «روي» والثاني بصيغة «وفي الخبر المشهور» وبذلك لا يكونان من شرط العراقي، ولكنه قام بتخريجهما (^٢)، ونقل الشارح تخريجهما، دون تعقب (^٣). وأورد الغزالي في موضع آخر حديثًا قدسيًا بصيغة «روي أن الله تعالى …» فلم يتعرض العراقي لتخريجه (^٤)، وقد عزاه الشارح إلى «شعب الإيمان» للبيهقي، من قول بشر الحافي، بنحوه مع زيادة في أوله، ولم يتعقب العراقي في عدم تعرضه له (^٥).\nوأورد الغزالي حديثًا آخر بالصيغة نفسها، فلم يتعرض له العراقي كذلك (^٦).\n_________\n(^١) «الإتحاف»: ٩/ ٢٧٧ وانظر مثالًا آخر كهذا في (الإحياء مع المغني) ٤/ ١٤٥ حديث (٤) و«الإتحاف»: ٩/ ١٧٧\n(^٢) «الإحياء ومعه المغن» ي: ٤/ ٣٣٥.\n(^٣) «الإتحاف»: ٩/ ٦٥١، ٦٥٢.\n(^٤) «الإحياء ومعه المغني»: ٤/ ٣٢٦.\n(^٥) «الإتحاف»: ٩/ ٦٢٩.\n(^٦) «الإحياء مع المغني»: ٤/ ٢٨٢.","vol":"4","page":1506},{"text":"واقتصر الشارح على عزوه «لقوت القلوب» لأبي طالب المكي (^١). وفي موضع آخر، جاء في النسخة المطبوعة من «الإحياء» ما نصه: «وقوله ﷿: أعددت لعبادي الصالحين، ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر»، ولم أجد تعرض العراقي لتخريجه في هذا الموضع (^٢)، وقد جاء في نسخة الزبيدي من «الإحياء» هكذا: «وقوله ﷺ قال الله ﷿: أعددت لعبادي …» الحديث.\nوعلق عليه الزبيدي قائلا: «أغفله العراقي، وسبب إغفاله، أنه يوجد في بعض نسخ الكتاب: «وقال الله ﷿»، بدون «وقوله ﷺ» وهو حديث قدسي، رواه أحمد والشيخان والترمذي وابن ماجه من حديث أبي هريرة ..» (^٣).\nوبهذا نجد أن الشارح استحضر هنا شرط العراقي في تخريجه، وبين عذره في عدم تخريج الحديث في هذا الموضع، وهو حدوث خلاف في نسخ الإحياء نفسه في صيغة إيراد الحديث، وبالتالي يحمل إغفال العراقي له على وروده في نسخته غير مصرح برفعه، كما جاء في النسخة المطبوعة بمطبعة الحلبي، والتي سبقت الإحالة عليها، وبذلك لا يكون هذا الموضع داخلا فيما يلزم العراقي تخريجه، حسب شرطه.\nوأضيف هنا تأييدا لتعليل الزبيدي، أنه بعد هذا الموضع بعدة كتب من كتب\n_________\n(^١) «الإتحاف»: ٩/ ٥٢٧.\n(^٢) «الإحياء مع المغني» ٤/¬٣١.\n(^٣) و«الإحياء مع الإتحاف» ٨/ ٥٦٨.","vol":"4","page":1507},{"text":"«الإحياء» أورد الغزالي الحديث المذكور ضمن حديث مرفوع، غير قدسي، وذلك في موضعين متقاربين، فقام العراقي بتخريجهما، مع ذكر رواية الحديث القدسي هذه، ضمن تخريجهما (^١).\nوفي موضع آخر قال الغزالي: «وقال قتادة: إذا راعى العبد، يقول الله تعالى: انظروا إلى عبدي يستهزئ بي (^٢). ثم كرره مرة أخرى في موضع بعد هذا، ولم يتعرض العراقي له في الموضعين (^٣).\nويلاحظ أن من نسبه إلى الله تعالى، تابعي، وهو «قتادة بن دعامة». وفي موضع آخر قال الغزالي: فإن قلت: فأين الغلط في قول العصاة، والفجار: إن الله كريم، وإنا لنرجوا رحمته، ومغفرته، وقد قال: «أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي خيرا؟»، فما هذا إلا كلام صحيح مقبول الظاهر في القلوب …».\nفعبارة «أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي خيرا» بنحو حديث قدسي مرفوع، ولكن الغزالي أورده هنا اقتباسا في أثناء كلامه هو، كما ترى ولذلك لم يتعرض العراقي لتخريجه، وكذلك شارح «الإحياء» (^٤). ثم إن الغزالي قد أورد نحو هذا مرفوعًا في كتاب آخر من «الإحياء» بعد\n_________\n(^١) • الإحياء مع المغني، ٤/ ٥٢٣، ٥٢٧.\n(^٢) • الإحياء مع المغني، ٣/ ٢٨٩.\n(^٣) • الإحياء مع المغني، ٤/ ٢٩٣.\n(^٤) • الإتحاف، ٨/ ٤٤١.","vol":"4","page":1508},{"text":"هذا فقال: وقال ﷺ: يقول الله ﷿: أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء. فقام العراقي بتخريجه بالعزو إلى ابن حبان من حديث واثلة بن الأسقع، وإلى الصحيحين من حديث أبي هريرة، دون قوله: «فليظن بي ما شاء» (^١)، وقد ساق العجلوني (كشف الخفاء) لفظ رواية ابن حبان هكذا «أنا عند ظن عبدي بي، إن ظن بي خيرًا، فله وإن ظن شرا، فله».\nوهو بنحو اللفظ الذي اقتبسه الغزالي في الموضع الذي ذكرته قبل هذا.\nوفي موضع آخر قال الغزالي: وفي خبر آخر: يقول الله ﷿: إنما خلقت الخلق ليربحوا علي، لم أخلقهم لأربح عليهم.\nوقد تعرض العراقي له بقوله: لم أقف له على أصل (^٢).\nوقد أقره الشارح على هذا، مع بيان أن هذا الخبر من الإسرائيليات التي ليست مرفوعة ولا مسندة (^٣).\nوهكذا يظهر لنا أن ما تعرض العراقي لتخريجه من الأحاديث القدسية التي لم يُصرح في الإحياء برفعها، قد تحقق من خلال تعرضه لها فوائد علمية هامة، حيث تبين أن من تلك الأحاديث ما يوجد في مصادر حديثية مرفوعا، مع بيان العراقي لدرجته، ومن تلك الأحاديث ما لم يقف العراقي له على أصل في المصادر التي أتيحت له، مع حرصه، وسعة اطلاعه.\n_________\n(^١) «الإحياء مع المغني» ٤/ ١٤١.\n(^٢) «الإحياء مع المغني» ٤/ ١٤٧.\n(^٣) «الإتحاف» ٩/ ١٨٠.","vol":"4","page":1509},{"text":"<span data-type='title' id=toc-511>تخريج العراقى للأحاديث التي تتكرر في الإحياء، عرض، ونقد.</span>\nكتاب «الإحياء» مرتب على الموضوعات، أي على الكتب، لأن كل كتاب من كتبه يتناول موضوعا عاما، كالعلم، وقواعد العقائد، والمحبة والشوق، والرضا بالله.\nوكل كتاب قسمه الغزالى إلى أبوبا، أفصول، أو شطرين، أو أقسام …، ومن المعروف أن المؤلفات التي ترتب هكذا، وتعتم على الاستدلال بالأحاديث، فإنه يتكرر فيها الحديث الواحد، بكامله، أو ببعض أجزائه، في أكثر من موضع، حسب الأحكام، والآداب التي تدل ألفاظه عليها، بمختلف أنواع الدلالة.\nولهذا، فإن الغزالي يكرر الحديث في أكثر من كتاب من كتب الإحياء، ويكرر أيضا، في أكثر من باب أو فصل، أ قسم، خلال الكتاب الواحد من كتب الإحياء. وأكثر ما وقفت عليه، تكريره الحديث في سبعة مواضع خلال كتاب الإحياء كله مثل ك حديث: «سبعة يظلهم الله في ظله» (^١).\nولذلك، فإن العراقي في بيانه لعناصر منهجه في مقدمة هذا التخريج، قد حرص على بيان طريقته في التعرض لتخريج الأحاديث. التي تتكرر في الإحياء، فقال: وحيث كبرر المصنف (^٢) ذِكرَ الحديث، فإن كان في باب (^٣) واحد منه،\n_________\n(^١) انظر الإحياء مع المغني ١/ ٢١٦ و٢٩٦ و٢/ ١٥٧، ١٨٤ و٣/ ١٠١، ٢٨٧ و٤/ ١٦٠.\n(^٢) يعنى الغزالي.\n(^٣) مقصوده بالباب هنا، وفى باقى كلامه الآتى، هو الموضوع المتفرع من أحد كتب الإحياء، كالصلاة، ورياضة النفس، سواء عنونه الغزالي بباب،، أو فصل، أو قسم.","vol":"4","page":1510},{"text":"اكتفيت بذكره أول مرة، يرد فيها (^١)، وربما ذكرته فيه (^٢) ثانيا، وثالثا (^٣) الغرض، أو لذهول عن كونه تقدم. وإن كرره في باب آخر، ذكرته، ونبهت على أنه قد تقدم، وربما لم أنبه على تقدمه، لذهول عنه (^٤).\nوعند قراءتي لكل من كتاب الإحياء، وتخريج الواقي هذا له، قراءة مفصلة، ظهر لى موافقة صنيع العراقي في الأكثر ولما قرره في كلامه السابق، كما ظهر لى بعض اختلاف في واقع التخريج، عما ذكره العراقى في كلامه السابق، في المقدمة.\nوتفصيل ذلك كما يلى:\n١ - ذكر العراقي آنفا، أنه يخرج الحديث المكرر عند أول مرة يرد فيه الحديث في الإحياء، ولكنه لم يلتزم بذلك دائما، فقد يترك تخريج الحديث في أول مرة يذكر فيها في الإحياء، ثم يخرجه بعد ذلك عند تكرر الحديث في موضع متأخر من الإحياء، أو عند ايراده هو له ضمن تخريج حديث متأخر أيضا من أحاديث الإحياء.\nوقد تسبب هذا في بعض المواضع، وفي نقد العراقي بأنه لم يخرج بعض الأحاديث، لعدم تنبه المنتقد إلى أن العراقى قد خرج هذا الحديث، ولكن في موضع آخر؛ بعد هذا الموضع، الذي لم يتعرض للحديث فيه. مزيد بيان.\n_________\n(^١) يعنى بذكر الحديث، نقله من الإحياء إلى كتاب المغني وثم التعرض لتخريجه، أو بيان عدم وقوفه عليه، ونحو ذلك.\n(^٢) يعنى نقلته وتكلمت عنه، مرة أخرى، خلال تخريج أحاديث الكتاب نفسه من كتب الإحياء.\n(^٣) أو أكثر من ذلك حسب تكرر الحديث.\n(^٤) الإحياء مع المغني ١/¬٩.","vol":"4","page":1511},{"text":"وأمثلة لذلك في مبحث «ما فات العراقي تخريجه» بمشيئة الله، وهنا نورد أيضا بعض الأمثلة للتوضيح:\n«فمن ذلك أنه في كتاب الصلاة - بيان ما ينبغى أن يَخْصُرَ في القلب عند كل ركن …» قال الغزالي: «إذ كانت قرة عينه فيها ﷺ» - يعنى في الصلاة.\nفهذه إشارة إلى جزء من الحديث المشهور: حبب إلى من دنياكم النساء والطيب، وجعلت قرة عينى في الصلاة.\nولكن العراقي لم يتعرض لتخريج هذه الفقرة من الحديث في هذا الموضع الأول الذي أورها فيه الغزالي (^١).\nثم كررها الغزال بعد هذا لكثير، ضمن الحديث كله، وذلك في كتاب آخر وهو «كتاب النكاح - آفاته، وفوائده» - فقال: وقال ﵊: حبب إلى من دنياكم ثلاث: «الطيب والنساء، وقرة عينى في الصلاة. فقام العراقى بتخريجه بالعزو إلى سنن النساء وإياكم …». ولم يشر إلى أنه تقدم بعضه وهو قرة عينه ﷺ في الصلاة (^٢) مع أن الغزالي بعد هذا كرر تلك الفقرة وحدها، فأحال العراقى بتخريجها على هذا الموضع الذي خرجها فيه ضمن الحديث بكامله، فقد قال الغزالي بعد هذا، في كتاب رياضة النفس - بيان السبب الذي يُنال به حسن الخلق - قال ﷺ: وجعلت قرة عينى في الصلاة (^٣).\n_________\n(^١) الإحياء مع المغني ١/ ١٧١.\n(^٢) الإحياء مع المغني ٢/¬٣١ حديث (٧).\n(^٣) انظر الإحياء مع المغني ٤/ ٥٢٥ حديث (٥).","vol":"4","page":1512},{"text":"قال العراقي في تخريجه: رواه النسائي من حديث أنس، وقد تقدم (^١) فقوله: (وقد تقدم) إشارة إلى الموضع السابق الذي خرج فيه الحديث بكامله من سنن النسائي والحاكم، لأنه هو الموضع الوحيد الذي تقدم تخريجه للحديث فيه، قبل هذا الموضع المحال منه.\nوكرره الغزالي أيضا بعد هذا الموضع في كتاب آخر، وهو كتاب كسر الشهوتين، فأحال بتخريجه بقوله: تقدم أيضا (^٢).\nوقد تنبه شارح الإحياء لتلافى إهمال العراقي تخريج هذه الفقرة من الحديث، في أول مرة ذكرها الغزالي، كما تقدم، فعلق عليها بقوله: وقد أشار - يعنى الغزالي - بذلك إلى الحديث المشهور: حبب إلي من دنياكم الطيب والنساء، وجعلت قرة عيني في الصلاة، كما رواه أحمد في كتاب الزهد، والنسائي والحاكم والبيهقى عن أنس ﵁ وسيأتى الكلام على تخريج هذا الحديث، وما يتعلق به من الإشارات، حيث يذكره المصنف إن شاء الله تعالى (^٣) ثم لما تكررت هذه الفقرة في الموضع التالى لهذا، ضمن الحديث بكامله، وهو موضع تخريج العراقى لها معه، قام الشارح ايضا بما وعد به من تخريج الحديث بما ذكره العراقي، وزاد عليه توسعا كثيرا (^٤).\nوفي موضع آخر وهو كتاب آداب الأكل - الباب الرابع - قال الغزالي: قال ﷺ: «سيد الإدام اللحم».\n_________\n(^١) الإحياء مع المغني ٣/ ٥٧ حديث (١).\n(^٢) الإحياء مع المغني ٣/ ٩٨ حديث (٥).\n(^٣) الإتحاف ٣/ ١٣٧، ١٣٨\n(^٤) الإتحاف ٥/ ٣١١.","vol":"4","page":1513},{"text":"فلم يتعرض العراقي لتخريجه (^١) مع أن هذه أول مرة ذكره الغزالي فيها. ثم بعد ذلك بثمانية كتب، ذكر الغزالي - في كتاب آداب المعيشة وأخلاق النبوة - أنه ﷺ كان أحب الطعام إليه اللحم، ويقول: هو يزيد في السمع، وهو سيد الطعام في الدنيا والآخرة .. (الحديث).\nفقام العراقى بتخريجه، بعدة روايات، ومنها ما عزاه إلى ابن ماجه من حديث أبي الدرداء بإسناد ضعيف، سيد طعام أهل الدنيا، وأهل الجنة اللحم (^٢) وهو كما ترى بمعنى الحديث السابق ولكنه لم يشر إلى ذلك.\nوقد تلافى الشارح ايضا عدم تعرض العراقي لتخريج الحديث في الموضع الأول، فقام هو بتخريجه من عدة مصادر، وذكر منها حديث ابن ماجه الذي ذكره العراقي ضمنتخريج الحديث في الموضع الثاني المتأخر، كما أوضحته (^٣).\nهذا وسيأتي ضمن مبحث ما فات العراقي تخريجه، بعض الأمثلة الأخرى.\n٢ - قول العراقي عن الحديث المكرر: فإن كان في باب واحد منه، اكتفيت بذكره أول مرة يرد فيها» يعنى أن الحديث إذا تكرر في باب أو فصل، ونحوهما من فروع أحد كتب الإحياء، فإنه يكتفى بذكره في المغنى والتعرض لتخريجه في المرة الأولى فقط ولا يذكره في المغنى عند تكرره في الإحياء مرة أخرى في الباب أو الموضوع نفسه، مثل الباب الأول من كتاب العلم، أو\n_________\n(^١) الإحياء مع المغني ٢/¬١٧.\n(^٢) الإحياء مع المغني ٢/ ٣٦٩ حديث (٤).\n(^٣) الإتحاف ٥/ ٢٥٤، ٢٥٥.","vol":"4","page":1514},{"text":"الفصل الرابع من كتاب الزكاة، أو «بيان ذم الدنيا» من كتاب ذم الدنيا، أو الشطر الثانى من كتاب «الكبر والعجب» وهكذا.\nولعل العراقي راس هذا، اعتمادًا على أن الكتاب الواحد من كتب الإحياء، يعتبر دائرة أضيق، يمكن القارئ ملاحظة تكرار الحديث في فروعه، وبالتالي رجوعه إلى الموضع الذي خرج العراقى الحديث فيه، فلا يحتاج مع ذلك لتكرير تخريجه له، خصوصا إذا كان تخريجه للحديث هو هو، ليس فيه إضافة جديد.\nلكن الذي لاحظته أن بعض من طالع الإحياء، وطالع تخريج العراقي له، قدمها عن اصطلاح العراقى هذا، وعن ملاحظة الموضع الذي قدم تخريج الحديث فيه. ولهذا تعقب العراقى في الموضع المتأخر من الكتاب نفسه عن موضع تخريجه للحديث فيه، بأنه لم يخرج الحديث مطلقا، في حين يكون العراقي قد خرجه قبل موضع التعقب بقليل.\nففى كتاب آداب الأكل - الباب الأول منه - قال الغزالي: «وقد ورد الأمر بإكرام الخبز».\nفقام العراقي بتخريجه بقوله: حديث «أكرموا الخبز» البزار والطبراني، وابن قانع من حديث عبد الله بن أم حرام … (^١).\nثم بعد هذا بقرابة نصف صفحة من الباب نفسه، قال الغزالي: قال ﷺ: «أكرموا الخبر».\n_________\n(^١) الإحياء مع المغني ٢/¬٤ حديث (٥).","vol":"4","page":1515},{"text":"فلم يتعرض العراقى له بشيء، تبعا لاصطلاحه السابق ذكره (^١) فجاء مصحح طبعة مصطفى الحلبى للإحياء مع المغنى، وعلق على هذا الموضع الثاني الذكر تكرر في الحديث في الإحياء، بقوله: لم يخرجه العراقي، وخرجه الشارح عن الحكيم الترمذي، وغيره، فانظره اهـ مصححه (^٢).\nأقول: ولو أن المصحح نظر فقط في الصفحة السابقة لتعليقه هذا، لرأى تخريج العراقي للحديث المذكور.\nوقد لاحظ الشارع، ما غفل عنه المصحح من تكرر الحديث، لكنه في الموضع الأول الذي خرج فيه العراقى الحديث، لم ينقل تخريج العراقي له، وإنما خرجه من مصادر أخرى غير التي خرجه منها العراقي، ثم قال: وسيأتي باقى الكلام على هذا الحديث قريبا وفي القسم الثاني، يعنى من آداب الأكل (^٣) ثم إنه في الموضع الثانى الذي أشار لتكرر الحديث فيه، قام ثانيا بإعادة تخريج الحديث من مصادر أخرى غير التي خرج الحديث منها في الموضع المتقدم، وذكر مصدرًا واحدًا مما عزا العراقي الحديث إليه، وهو الموضوعات لابن الجوزي، وتعقب ذكره في الموضوعات ببيان توفر شواهد له تدفع الحكم بوضعه، وذكر منها الروايات التي ذكرها في تخريج الحديث في الموضع الأول (^٤)، ولم يتعقب العراقي بعدم تخريجه للحديث، كما فهم المصحح.\n_________\n(^١) الإحياء مع المغني ٢/¬٥.\n(^٢) الإحياء مع المغني ٢/¬٥ حاشية المصحح، برقم (٢).\n(^٣) الإتحاف ٥/ ٢١٦.\n(^٤) الإتحاف ٥/ ٢١٩، ٢٢٠.","vol":"4","page":1516},{"text":"وفي كتاب (كسر الشهوتين) بيان فضيلة الجوع - قال الغزالي: قال رسول الله ﷺ جاهدوا أنفسكم بالجوع والعطش، فإن الأجر في ذلك، كأجر المجاهد في سبيل الله (الحديث).\nوقد تعرض العرقى للحديث بقوله: لم أجد له أصلا (^١).\nوبعد ذلك بثلاثة صفحات ونصف تقريبا - بيان فوائد الجوع - من كتاب كسر الشهوتين نفسه - قال الغزالي: قال رسول الله ﷺ: جاهدوا أنفسكم بالجوع والعطش، فإن الأجر في ذلك.\nفلم يتعرض العراقي له ثانية لتقدم تعرضه له في الكتاب نفسه، حسب اصطلاحه (^٢).\nلكن مصحح طبعة مصطفى الحلبي علق على الحديث في هذا الموضع بقوله: لم يخرجه العراقي (^٣).\nومقصوده أنه لم يتعرض له بشيء، بدليل أنه لا يعلق بمثل هذا على الأحاديث الأخرى التي يوردها العراقي في المغنى، ويعلق عليها بأنه لم يجدها، أو لم يجد لها أصلا.\nأما الشارح فعلق على الحديث في هذا الموضع الثاني بقوله: تقدم هذا الحديث قريبا، قال العراقي: لم أجد له أصلا (^٤).\n_________\n(^١) الإحياء مع المغني ٣/ ٧٨ حديث (١).\n(^٢) الإحياء مع المغني ٣/ ٨١\n(^٣) الإحياء مع المغني ٣/ ٨١ حاشية المصحح برقم (١).\n(^٤) الاتحاف ٧/ ٣٩٤","vol":"4","page":1517},{"text":"فهذا يدل على أن تعقب المصحح في غير محله.\nوفي «كتاب ذم الجاه والرياء» بيان سبب كون الجاه محبوبا - قال الغزالي: قال رسول الله ﷺ: - منهومان لا يشبعان، منهوم العلم، ومنهوم المال.\nفتعرض العراقي لتخريجه، ثم قال: وقد تقدم. وذلك إشارة إلى تقدمه في كتاب ذم البخل السابق على كتاب ذم الجاه، هذا (^١).\nوقد كرر الغزالي الحديث نفسه مرة ثالثة في كتاب ذم الجاه، بعد الموضع السابق ذكره، بنحو صفحتين.\nفلم يتعرض العراقى له لشيء، وذلك لتقدم تخريجه له قريبا في الباب نفسه، حسب اصطلاحه (^٢).\nفلما تعرض الشارح لهذا الموضع علق على الحديث بقوله: تقدم قريبا (^٣) فأحال بذلك على تخريجه في الموضع الذى خرجه فيه العراقي قريبا من هذا. كما: أوضحته.\nوفي كتاب آداب الألفة - الباب الثالث - أورد الغزالي: حديث: «من حمى عرض أخيه المسلم في الدنيا، بعث الله له ملكا يحميه يوم القيامة من النار» فخرجه العراقي بقوله: رواه أبو داود من حديث معاذ بن أنس نحوه بسند ضعيف (^٤).\n_________\n(^١) انظر المغني مع الإحياء ٢/ ٢٣٢ و٢٧٤ حديث (١).\n(^٢) الإحياء مع المغني ٣/ ٢٧٦.\n(^٣) الإتحاف ٨/ ٢٤٤.\n(^٤) الإحياء مع المغني ٢/ ٢٠٥ حديث (١).","vol":"4","page":1518},{"text":"وقد بين الشارح أن لفظ أبي داود: من حمى مؤمنا من منافق يغتابه، بعث الله ملكا يحيى لحمه يوم القيامة (^١).\nوبعد هذا الموضع بصفحتين من الباب نفسه، ذكر الغزالي الحديث بنحو رواية ابي داود السابقة.\nفلم يتعرض له العراقي حسب اصطلاحه.\nفقام الشارح بتخريجه من عند أبي داود وغيره، ثم قال: وتقدم قريبا، ولم يذكره العراقي (^٢).\nفقوله: «لم يذكره العراقى» يعنى في هذا الموضع الثاني، وكان مفروضا أن لا يتعقبه بهذا، طالما ذكر أنه تقدم قريبا.\nفلعله لم يلاحظ اصطلاح العراقي في هذا النوع من تكرر الأحاديث.\n٣ - ثم نبه العراقي على أنه قد يخالف هذا الإصطلاح بالنسبة لما يتكرر من الأحاديث في الإحياء، فى الباب الواحد أكثر من مرة، فقال: وربما ذكرته فيه. - يعنى فى الباب نفسه عند تكرره - ثانيا، وثالثا، لغرض، أو لذهول عن كونه تقدم.\nفبين ذلك أنه قد يكرر ذكر الحديث في المغنى، ويتعرض للكلام عليه، وذلك لسببين:\nأحدهما: وجود غرض مفيد، يقتضى إعادة الكلام على الحديث، وذلك\n_________\n(^١) الإتحاف ٦/ ٢٨٤.\n(^٢) الإتحاف ٦/ ٢٩٣ وقد نقل كلام الشارح مصحح طبعة مصطفى الحلبي بحاشيتها، عند هذا الحديث ٢/ ٢٠٨، دون أن ينتبه كذلك لتخريج العراقي للحديث قبل صفحتين فقط.","vol":"4","page":1519},{"text":"يتركه العراقي لاستنتاج القارئ بعدما يراجع كلامه عن الحديث في الموضعين. وثانيهما: ذهول العراقي عن أن الحديث تكرر، وأنه تكلم عليه فيما قبل هذا الموضع من التخريج. وليس هناك علامة يُستدل بها على ذهول العراقي، في إعادة تخريج الحديث، غير أنه يمكن معرفة ذلك بأن يكون كلامه عن تخريج الحديث في الموضعين، هو هو، بدون زيادة فائدة.\nفمن أمثلة النوع الأول، وهو المكرر لغرض: أن الغزالي في كتاب ذم الجاه والرياء - بيان ترك الطاعات خوفا من الرياء - قال: وكذلك حديث عبد الرحمن بن سمرة، إذ قال له النبي ﷺ: يا عبد الرحمن، لا تسأل الإمارة، فإنك إن أوتيتها من غير مسألة، أعنت عليها (الحديث). فقام العراقي بتخريجه، بقوله حديث عبد الرحمن بن سمرة: لا تسأل الإمارة (الحديث) متفق عليه (^١).\nثم بعد هذا بصفحة تقريبا، في الكتاب نفسه، قال الغزالي: قد نهى رسول الله ﷺ عن طلب الإمارة، وتوعد عليها: فقام العراقي أيضا - بتخريجه بقوله: حديث النهى عن طلب الإمارة، وهو حديث عبد الرحمن بن سمرة: لا تسل الإمارة، وقد تقدم قبله بثلاثة أحاديث - (^٢) يعنى من الأحاديث المخرجه في المغنى. فيلاحظ هنا تقارب موضع تكرر الحديث في كتاب واحد، لكن الغزالي ذكره أولا بلفظه، ثم ذكره في الموضع الثانى بالإشارة، بمعناه، فيبدو أن\n_________\n(^١) الإحياء مع المغني ٣/ ٣١٥، ٣١٦.\n(^٢) الإحياء مع المغني ٣/ ٣١٧ حديث (١).","vol":"4","page":1520},{"text":"العراقي أعاد تخريجه في الموضع الثاني، بالإحالة على الأول، ليبين أن ما أشار إليه الغزالي في الموضع الثاني، يطابق ما قد ذكره بلفظه في الموضع الأول. وفي كتاب آفات اللسان - بيان عظيم خطر اللسان - قال الغزالي: وروى عبد الله بن سفيان عن أبيه قال: قلتُ: يارسول الله، أخبرني عن الإسلام بأمر، لا أسأل عنه أحدًا بعدك، فقال: قل آمنت بالله، ثم استقم، قال قلت: فما أتقى؟ فأومًا بيده إلى لسانه.\nفقام العراقي بتخريج الحديث قائلا: حديث سفيان الثقفي، أخبرني عن الإسلام بأمر لا أسأل عنه أحدًا بعدك (الحديث) رواه الترمذي، وصححه، والنسائي، وابن ماجه، وهو عند مسلم، دون آخر الحديث، الذي فيه ذكر اللسان (^١).\nأقول: وسفيان الثقفي - هو ابن عبد الله بن ربيعة الثقفي الطائفي - صحاب (^٢). وبعد الموضع السابق بتسعة أسطر - في كتاب الإحياء - قال الغزالي: وقال عبد الله الثقفى: قلت يارسول الله، حدثني بأمر أعتصم به (الحديث) بنحو ما تقدم.\nفتصدى العراقى لتخريجه مرة ثانية، رغم تقدمه القريب، فقال: حديث عبد الله الثقفى: قلت: يارسول الله، حدثني بأمر أعتصم به (الحديث)، ورواه النسائي، قال ابن عساكر: هو خطأ، والصواب سفيان بن عبد الله الثقفي، كما رواه الترمذي، وصححه، وقد تقدم قبل هذا بخمسة\n_________\n(^١) الإحياء مع المغني ٣/ ١٠٥ حديث (٣)\n(^٢) تهذيب التهذيب ٤/ ١١٥، ١١٦.","vol":"4","page":1521},{"text":"أحاديث (^١). فالغزالي ذكر صحابى الحديث في الموضع الأول على الصواب وأنه «سفيان الثقفي»، ثم كرر الحديث ثانيا وسمى صحابيه «عبد الله الثقفي» وهذا خطأ، ولكنه جاء هذا في إحدى روايتي النسائي للحديث، فأعاد العراقي تخريج مرة ثانية، رغم قرب موضع تخريجه الأول له، من النسائي وغيره، واكتفى في هذه المرة الثانية بعزوه للنسائي فقط، لأنه جاء عنده في إحدى روايتيه باسم «عبد الله» كما ذكر الغزالي، ثم نبه العراقي على أن ما ذكره الغزالي، وكذلك النسائي، في إحدى روايتيه، من أن صحابي الحديث اسمه «عبد الله» خطأ، والصواب: «سفيان بن عبد الله» كما ذكر في الموضع الأول من الإحياء، وفي المصادر الأخرى للحديث.\nويبدو أن التنبيه على هذا الخطأ، هو الغرض الذي جعل العراقي يكرر تخريج الحديث، مرة ثانية، مع قرب تخريجه الأول له.\nوالتنبيه على هذا الخطأ، فائدة، لا تخفى أهميتها، خاصة أنها لم تذكر في مصدر تخريج الحديث، وهو سنن النسائى، وإنما نبه عليها الحافظ ابن عساكر، كما ذكر العراقي، ولعل تنبيهه هذا في كتابه في أطراف السنن الأربعة (^٢).\nوسيأتي أيضا بيان أن إعادته تخريج الحديث المكرر في كتابين من كتب الأحياء له بعض الفوائد الهامة.\nولكنى وجدت مواضع كرر الغزالي الحديث فيها في موضعين متقاربين في\n_________\n(^١) الإحياء مع المغني ٣/ ١٠٥، ١٠٦ حديث (٩).\n(^٢) انظر تحفة الأشراف للمزي ٤/¬٢٠ حديث (٤٤٧٨)، وانظر مثالا آخر لما اشتمل فيه التكرير في الكتاب نفسه على فائدة هامة الإحياء مع المغني ٣/ ٢٨٦ حديث (٥) مع ص ٢٩٣ حديث (١) «الرياء الشرك الأصغر».","vol":"4","page":1522},{"text":"كتاب واحد، وكرر العراقي تخريجه لها كما هو، دون إضافة فائدة جديدة. فمن ذلك ما جاء في كتاب آفات اللسان - الآفة السادسة عشرة - حيث قال الغزالي: وعن ابن عمر عن النبي ﷺ إن الله لما خلق الجنة قال لها تكلمى، قالت: سعد من دخلني، قال الجبار ﷻ: وعزتى وجلالي لا يسكن فيك ثمانية نفر من الناس، فذكرهم … وفيهم: ولا فتَّات، وهو النمام، ولا قاطع رحم …\nوقد تعرض العراقي لتخريج الحديث فقال: لم أجده هكذا بتمامه، ثم ذكر خمسة أحاديث كل منها يتضمن بعض الثمانية، وذكر منها قوله: وللشيخين من حديث جبير بن مطعم: لا يدخل الجنة قاطع (^١).\nثم ذكر الغزالي في الكتاب نفسه، بعد أقل من صفحة: أن الرسول ﷺ قال: لا يدخل الجنة قاطع، قيل: وما القاطع؟ قال قاطع بين الناس.\nفقام العراقي بتخريجه قائلا كحديث: لا يدخل الجنة، قاطع. متفق عليه من حديث جبير بن مطعم (^٢).\nفيلاحظ أنه لم يزد في تخريج الحديث في المرة الثانية شيئا عما ذكره في تخريجه في المرة الأولى، ضمن الحديث السابق، كما أنه لم يشر إلى تقدم هذه الرواية ضمن الحديث السابق، مع أنه يفعل مثل هذا في غير هذا الموضع (^٣). فلعل إعادته لتخريج هذا الحديث في الموضع الثاني؛ ذهولا منه عن تقدمه\n_________\n(^١) الإحياء مع المغني ٣/ ١٥٢، ١٥٣ حديث (٢).\n(^٢) الإحياء مع المغني ٣/ ١٥٣ حديث (٢).\n(^٣) انظر المغني مع الإحياء ١/¬١٢ حديث والموت قبيلة … ا مع ص ١٣ حديث رقم (٩): فضل العالم على العابد … .","vol":"4","page":1523},{"text":"ضمن الحديث السابق، وإن كانا متقاربين؛ حيث لم يفصل بينهما في كتاب المغنى إلا حديث واحد.\nلكني لاحظت أيضا أن هناك أحاديث تتكرر في كتاب واحد، ويكرر العراقي تخريجها كما هو، دون أن يكون ذاهلا عن تكرارها، حيث يشير مع تكرير التخريج إلى تقدم الحديث أيضا.\nففي كتاب الرجاء والخوف - بيان فضيلة الرجاء - قال الغزالي: وقال ﷺ: لا يموتن أحدكم إلا هو يحسن الظن بالله. فخرجه العراقي بقوله: (رواه) مسلم من حديث جابر (^١).\nثم كرر الغزالي الحديث ثانية في الكتاب نفسه - بيان المفاضلة بين غلبة الرجاء، وغلبة الخوف - فأعاد العراقي تخريجه بقوله: رواه مسلم من حديث جابر، وقد تقدم (^٢).\nفقوله: وقد تقدم، دليل على عدم ذهوله عن تكرره، ومع ذلك أعاد تخريجه كما هو في الموضع الأول.\n٤ - وقول العراقي: وإن كرره - يعنى الغزالي - في باب آخر، ذكرته، ونبهت على أنه قد تقدم، وربما لم أنبه على تقدمه، لذهول عنه. بعد أن بين طريقته في تخريج ما يكرره الغزالي في باب واحد من الإحياء، أتبعه هنا ببيان طريقته في تخريج ما يذكره الغزالي في باب من أحد كتب الإحياء، ثم يكرره بعد ذلك في باب آخر أو أكثر، سواء من الكتاب نفسه أو من غيره.\n_________\n(^١) الإحياء مع المغني ٤/ ١٤١ حديث (٢).\n(^٢) الإحياء مع المغني ٤/ ١٦٤ حديث (١).","vol":"4","page":1524},{"text":"فقرر أنه في هذا النوع من التكرير، يلتزم بتكرير الحديث في المغنى عند موضع، أو مواضع تكرره في الإحياء، مع التنبيه على أنه تقدم، ولا يترك ذلك إلا قليلا، عندما ينسى أن الحديث قد مر قبل هذا، في باب آخر.\nومن خلال القراءة التفصيلية، تبين لى أن طريقة العراقي في ذكر ما يتكرر هكذا والتنبيه على تقدمه، متنوعة:\nفمرة ينقل الحديث إلى المغنى من كتاب الإحياء في الموضع الذي كرره الغزالي فيه، ثم لا يتعرض لشيء من تخريجه، وإنما يحيل بذلك على الموضع الذي سبق تخريجه له فيه، فيقول: حديث كذا، «تقدم» وفقط (^١).\nومرة يعيد تخريج الحديث كما ذكره في الموضع السابق، دون زيادة أو نقص، ثم يحيل على الموضع السابق، بقوله: «وقد تقدم» (^٢).\nومرة يتوسع في تخريج الحديث في أول موضع يتعرض لتخريجه فيه، وفى الموضع المتأخر بذكر بعضا مما قدمه، ثم يحيل عليه بقوله: وقد تقدم، وفى هذه الحالة، تكون مراجعة الموضع السابق، المحال عليه، ضرورية، لأجل استيفاء كل ما ذكر عن تخريج الحديث، لاسيما أن هذا النوع هو الكثير عنده.\nفمن ذلك، أن في كتاب رياضة النفس - بيان علامات حسن الخلق - قال الغزالي: «ولما أكثر تقريش إيذاءَهُ وضَرْبَه، قال: اللهم اغفر لقومي، فإنهم لا يعلمون» فتصدى العراقى لتخريجه بقوله: (رواه) ابن حبان والبيهقي في\n_________\n(^١) ينظر مثلا: ٤/¬٢٣ حديث (٢) ٥ قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن، مع ٣/¬١٩ حديث (٢). و٤/¬٢٣ حديث (٣): «إن الله خلق آدم على صورته» مع ٢/ ١٦٦ حديث (١).\n(^٢) انظر مثلا: ٢/ ٢٢١ حديث (٥): كلكم راع … مع ٢/¬٣٢ حديث رقم (٣)، ١/ ٥٤ حديث (٢) «إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر» مع ٣/ ٣١٠ حديث (٢).","vol":"4","page":1525},{"text":"دلائل النبوة، من حديث سهل بن سعد، وفي الصحيحين من حديث ابن مسعود، أنه حكاه ﷺ عن نبي من الأنبياء ضربه قومه (^١)\nثم في كتاب ذم الجاه والرياء - وهو متأخر عن الكتاب السابق بعدة كتب - قال الغزالي: «قال ﷺ: اللهم اغفر لقومى، اللهم اهد قومي، فإنهم لا يعلمون».\nفأعاد العراقي تخريجه بقوله: حديث «اللهم اغفر لقومي، فإنهم لا يعلمون، قاله لما ضربه قومه، (رواه) البيهقى فى دلائل النبوة، وقد تقدم، والحديث في الصحيح: أنه ﷺ: قاله حكاية عن نبي من الأنبياء، حين ضربه قومه (^٢)\nفإذا تأملنا تخريجه للحديث في الموضع الأول نجد فيه زيادة عزو الحديث إلى صحيح ابن حبان وبين مشاركته للبيهقي في كتاب الدلائل، في كون الحديث عندهما من طريث صحابي واحد وهو سهل بن سعد، وبذلك عُرِفَتْ قوة رواية البيهقى التي في الدلائل، عرف الصحابي الذي روى الحديث فيها عنه.\nوكذلك في الموضع الأول بيان اسم الصحابي الذي روى الحديث عنه في الصحيحين، وهو ابن مسعود، فأفاد ذلك مع صحة الرواية، تعدد طرقها، بكونها عن صحابيين.\nوبذلك يكون تخريجه الأول للحديث أو فى كثيرا مما ذكره في الموضع الثاني. وعلى ذلك فإنه ينبغى لقارئ كتاب المغنى هذا أن يحرص على\n_________\n(^١) الإحياء مع المغني ٣/ ٦٨ حديث (٣).\n(^٢) الإحياء مع المغني ٣/ ٢٨٣ حديث (١).","vol":"4","page":1526},{"text":"مراجعة تخريج الحديث المكرر تخريجه، في الموضع أو المواضع المكررة، لتحصيل كل ما أفاده العراقي في تخريجه (^١) ويسهل ذلك عندما تعمل له فهارس دقيقة.\nومرة أخرى نجد العراقي يصنع عكس ما تقدم، فيكون تخريجه للحديث في الموضع المتأخر، أوفى من تخريجه له في الموضع المتقدم.\nفمن ذلك أن في كتاب آداب الكسب - قال الغزالي: وفي الحديث: إن الله ليغضب إذا مُدح الفاسق.\nفقام العراقي بتخريجه بقوله: (رواه) ابن أبي الدنيا في الصمت، وابن عدى في الكامل، وأبو يعلى والبيهقي في الشعب، من حديث أنس بسند ضعيف (^٢) ثم بعد ذلك بعدة كتب، في كتاب آفات اللسان - أعاد الغزالي الحديث، فأعاد العراقي تخريجه بقوله: (رواه) ابن أبي الدنيا في الصمت، والبيهقي في الشعب، من حديث أنس، وفيه أبو خلف، خادم أنس، ضعيف.\nورواه أبو يعلى الموصلي وابن عدى، بلفظ: إذا مُدح الفاسق، غضب الرب، واهتز العرش، قال الذهبي في الميزان: منكر، وقد تقدم في آداب الكسب (^٣). فعند تأمل تخريجه الأخير للحديث نجده أوفى من تخريجه له في الموضع المتقدم، فمن جهة: أنه بين سبب ضعف الحديث، ببيان وجود راو\n_________\n(^١) وانظر مثالا آخر ٤/ ٣٤٨ حديث (٢) وثلاث من كن فيه، استكمل إيمانه … مع ٤/ ٣٨٩ حديث (٦).\n(^٢) الإحياء مع المغني ٢/ ٨٨ حديث (٣).\n(^٣) الإحياء مع المغني ٣/ ١٥٦ حديث (٣).","vol":"4","page":1527},{"text":"ضعيف في إسناده، وهو أبو خلف، خادم أنس. ومن جهة أخرى بين أن لفظ رواية ابن عدى وأبي يعلى، يختلف عن لفظ رواية ابن أبي الدنيا والبيهقي، كما ذكر حكم الذهبى على رواية ابى يعل وابن عدى: بأنها منكرة. ولاشك أن أهمية هذه الإضافات، لا تخفى، ولكن العراقي ذكرها متأخرة، في الموضع الثاني، مع أن حقها التقديم.\nومرة نجد العراقي يوزع فوائد تخريج الحديث بين الموضعين المكرر فيهما، فيذكر في كل موضع إفادة، لا يذكرها في الآخر، وبذلك لا تتكامل فوائد تخريج الحديث التي ذكرها إلا بمراجعة كلا الموضعين؛ المتقدم والمتأخر.\nفمن ذلك أن في كتاب ترتيب الأوراد، وتفصيل إحياء الليل - قال الغزالي: وقال ﷺ: رحم الله رجلا قام من الليل، فصلى، ثم ايقظ امرأته، فصلت، فإن أبت نضح في وجهها الماء.\nفقام العراقي بتخريج الحديث قائلا: (رواه) أبو داود وابن حبان من حديث أبي هريرة. (^١)\nوبعد عدة كتب - في كتاب المراقبة والمحاسبة - ذكر الغزالي: أن سبيل معالجة النفس، لأجل المطاوعة على المجاهدة، والمواظبة على الأوراد، أن تُسْمِعَها ما ورد في الأخبار من فضل المجتهدين.\nوقد قام العراقي بتخريج بعض الأحاديث التي تتضمن ما أشار إليه الغزالي بعبارته المذكورة.\nفقال: الأخبار الواردة في حق المجتهدين … . وذكر حديثا من عند أبي داود، ثم\n_________\n(^١) الإحياء مع المغني ١/ ٣٦٦ حديث (٤).","vol":"4","page":1528},{"text":"قال: وله، وللنسائي، وابن ماجة، من حديث أبي هريرة، بإسناد صحيح، رحم الله رجلا … (الحديث)، ثم ذكر حديثا آخر، ثم قال: وقد تقدم في الأوراد، مع غيره، من الأخبار في ذلك (^١).\nفعندما نقارن بين تخريج العراقي الحديث (رحم الله رجلا …) في الموضع الأول، وبين تخريجه في هذا الموضع الثاني، نجد أن في كل منهما إفادة ليست في الآخر، ففى الموضع الأول ذكر عزو الحديث لابن حبان في صحيحه، مع عزوه لأبى داود فقط من رجال السنن، وهذا العزو إلى ابن حبان يفيد درجة الحديث، وهى الصحة عند ابن حبان، وأما ف الموضع الثانى فل يعز الحديث لابن حبان، ولكن زاد عزوه لكل من النسائي وابن ماجه، كما زاد الحكم على إسناد الحديث عندهما وعند أبي داود، بأنه صحيح (^٢) تنوعت طريقته كذلك في الإحالة للموضع المتقدم فيه الحديث المكرر. في بابين - كما رأيت.\n٥ - وكما تنوعت طريقة العراقي في تخريج الحديث المكرر.\nفمرة يكتفى بقوله: (تقدم) فقط، ويترك للقارئ مهمة البحث عن الموضع الذي تقدم الحديث فيه، وهذه إحالة صعبة، في حالة افتقاد الفهارس الدقيقة، كما أن الحديث أحيانا يكون تقدم أكثر من مرة، مع تباعد المواضع، وعدم استيفاء تخريج الحديث في موضع واحد من مواضع التكرر.\nفمن ذلك أن الغزالي في كتاب المحبة، أورد حديث: لا أحصي ثناء عليك،\n_________\n(^١) الإحياء مع المغني ٤/ ٣٩٥ حديث (١).\n(^٢) وينظر مثال آخر حديث: يوم من سلطان عادل، أو (إمام عادل) ١/ ١٧٩ حديث (٧) مع ٢/¬٣٢ حديث (٣) و٣/ ٣١٥ حديث (١).","vol":"4","page":1529},{"text":"أنت كما أثنيت على نفسك.\nفقال العراقي في تخريجه: (تقدم). (^١)\nوالحديث تقدم في موضعين متباعدين:\nأولهما: في أوائل الإحياء - كتاب قواعد العقائد، وقال في تخريجه: (رواه مسلم) من حديث عائشة، أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول ذلك في سجوده (^٢)\nوثانيهما: في كتاب آداب تلاوة القرآن - وهو بعد الكتاب السابق بعدة كتب، وقال في تخريجه: رواه مسلم وقد تقدم (^٣).\nويلاحظ أن أوفى ما ذكره العراقي من تخريج الحديث، جاء في الموضع الأول، فقط، ولا يعرف ذلك إلا بمراجعة الموضعين المتقدمين على الموضع الثالث والأخير.\nومرة يقول عن الحديث: (تقدم غير مرة) ويكون خرج الحديث في موضع واحد فقط من تلك المرات، أو موضعين، والباقي إحالات أيضا (^٤)\n_________\n(^١) الإحياء مع المغني ٤/ ٢٩٧ حديث رقم (١).\n(^٢) الإحياء مع المغني ١/ ١٠٦ حديث (٢).\n(^٣) الإحياء مع المغني ٢/ ٢٨٧ حديث (٢).\n(^٤) الإحياء مع المغني ذكر الموت ٤/ ٤٣٣ حديث (١) والكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، مع ٤/ ٣٨٤ حديث (٢) (كتاب المراقبة والمحاسبة) مع ٤/ ٦٦ حديث (٢) كتاب الصبر والشكر، مع ٣/ ٣٧٤ حديث (١) كتاب ذم الغرور، مع ص ٣٦٨ من نفس الكتاب السابق حديث (٢)، مع ٢/ ٣٢٦ حديث (١) (كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر). وانظر أيضا ٣/ ٣٧٨ حديث (٢) ولا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر .. =","vol":"4","page":1530},{"text":"ومرة يقول: تقدم قريبا (^١) أو «تقدم قبل بيسير» (^٢).\nومرة حدد الموضع بالورقة، حيث لم تكن الطباعة قد وُجدت في عصره، ولذلك أصبحت الإحالة بعد الطباعة، غير محددة (^٣).\nومرة يحدد برقم الحديث المتقدم بالنسبة للحديث المحال، مثل قوله عن الحديث: تقدم في الذي قبله (^٤) أو «تقدم قبله بحديث» (^٥) أو «بحديثين» (^٦) أو بخمسة أحاديث (^٧) أو بستة (^٨) أو بثلاثة عشر\n_________\n= (كتاب ذم الغرور، مع ٣/ ٣٤٢ حديث (١» كتاب ذم الكبر، مع ٣/ ٣٣٥ (الكتاب نفسه) حديث (٢) مع ٣/ ٣٢٧ حديث (٣) الكتاب نفسه.\n(^١) انظر الإحياء مع المغني - كتاب ذم الجاه والرياء ٣/ ٢٨٧ حديث شداد بن أوس: (إني تخوفت على أمتي الشرك) برقم () (٧) مع ٣/ ٢٦٨ حديث رقم (١) - الكتاب نفسه. وفي تخريجه له في الموضع المتأخر قصور ظاهر عما في الموضع المتقدم.\n(^٢) ينظر الإحياء مع المغني ١/ ٢٣٢ حديث (١٠) قال ﷺ يوما لأصحابه: (تصدقوا .. الحديث) كتاب الزكاة - مع ١/ ٢١٨ حديث (٣) - الكتاب نفسه، بلفظ: «قدم رسول الله ﷺ نفقة الزوجة …»، وقد أشار في هذا الموضع الأول أيضا إلى أن الحديث سيأتي، دون تحديد موضع إتيانه.\n(^٣) ينظر الإحياء مع المغني - كتاب ذم الجاه والرياء ٣/ ٢٨٧ حديث (٢) عن معاذ ﵁: (إن الرياء شرك) وقال بعد تخريجه: تقدم قبل هذه الورقة - يعني ٣/ ٢٧١ حديث (١) الكتاب نفسه.\n(^٤) ينظر الإحياء مع المغني ١/ ٢٠٢ حديث رقم (١١) (الوتر بثلاث عشرة).\n(^٥) ٢/¬٢٢ حديث (٣) (من رغب عن سنتي).\n(^٦) ينظر الإحياء مع المغني ١/ ١٤٣ حديث (٦) (استبطاء الوحي ..) و١/ ١٧٩ حديث (٥) (اللهم أرشد الأئمة ..) و٤/ ٥٢٥ حديث (٥) (إن في الجنة سوقا ..).\n(^٧) ينظر الإحياء مع المغني ٣/ ١٠٥ - ١٠٦ حديث (٩) عن عبد الله الثقفي؛ قلت يا رسول الله … (الحديث).\n(^٨) ٣/ ١٦٢ حديث (١) (قال رجل: أي شيء أشد علي؟ ..).","vol":"4","page":1531},{"text":"حديثا (^١) أو بخمسة وعشرين حديثا (^٢) وهكذا.\nومرة يحدد باسم الكتاب مثل قوله: تقدم «في العلم» (^٣)، وقد يحيل على عدة كتب مثل قوله في حديث «اتق الله حيثما كنت …» وتقدم أوله في آداب الكسب، وبعضه في أوائل التبوة - والموضع المحال منه في التوبة أيضا - وتقدم في رياضة النفس (^٤).\nومرة يحدد باسم باب من كتاب، دون ذكر اسم الكتاب معه، مثل قوله في حديث «كان الفقر أن يكون كفرا»: تقدم في ذم الحسد (^٥) وهذا باب من كتاب الغضب والحقد والحسد (^٦).\nومرة يحدد باسم الكتاب والباب، مثل قوله: تقدم في الباب الثالث من العلم (^٧) وقوله: تقدم في الباب الأول من الحلال الحرام (^٨) وقوله: تقدم في أول الباب الثاني من الحلال والحرام (^٩).\nولعل ممن أسباب تنوع طريقة العراقي هكذا في التنبيه على تقدم الحديث المكرر، طول مدة اشتغاله بهذا التخريج لعدة سنوات كما تقدم، فصار\n_________\n(^١) ٣/ ٢٣٦ حديث (٥) و«ألا أيها الناس، أجملوا في الطلب …».\n(^٢) ٤/ ١٦٦ حديث (٢) «كان أشد الناس خوفا …».\n(^٣) ١/ ١٠٥ أحاديث ٢، ٣، ٤، ٦.\n(^٤) ٤/¬٣٥ مع ٢/ ٨٧ و٣/¬٤٨ و٤/¬١٠.\n(^٥) ٤/ ١٨٩ حديث (١) - كتاب الفقر والزهد.\n(^٦) ٣/ ١٨٤ حديث (١).\n(^٧) الإحياء مع المغني ١/ ٢٩٦ حديث (١): «من فسر القرآن برأيه …» مع ١/¬٤٤ حديث (١).\n(^٨) الإحياء مع المغني ٢/ ١٣٦ حديث (١): «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك …».\n(^٩) الموضع السابق حديث (٢): «من تركها فقد استبرأ لعرضه ودينه».","vol":"4","page":1532},{"text":"تَذَكَّرَهُ المواضع الحديث متفاوتا، فمنها ما يذكر موضعه محدّدًا، ومنها ما يذكر مجرد تكرره فيما تقدم، بل سيأتي أن منها ما يذهل عن تقدمه كلية، كما صرح هو نفسه في المقدمة.\n٦ - قد اختلفت نسخ المغني - بحسب الطبعات التي بين أيدينا الآن في الإشارة إلى تقدم بعض الأحاديث المكررة، وعدم الإشارة، أو في تحديث موضع تقدم الحديث.\nففي كتاب آداب الألفة والأخوة - ذكر الغزالي حديث: «إذا حدث الرجل بحديث، ثم التفت، فهو أمانة».\nفقام العراقي بتخريجه (^١).\nثم بعد ذلك بعدة كتب - في كتاب آفات اللسان - ذكر الغزالي الحديث مرة ثانية.\nفأعاد العراقي تخريجه بمثل ما تقدم، ولم يُذكر في طبعتي مصطفى الحلبي، ولا عيسى الحلبي، الإشارة إلى تقدم الحديث (^٢).\nأما نسخة الزبيدي، فجاء فيها بعد تخريج الحديث، قوله العراقي: «وقد تقدم» (^٣).\nوهذا هو المطابق للواقع فعلا، كما أوضحت. ولهذا يلزم مراجعة أكثر من نسخة معتبرة من المغنى، قبل تقرير ذهول.\n_________\n(^١) الإحياء مع المغني ١/ ١٧٦ حديث (٣).\n(^٢) الإحياء مع المغني ٣/ ١٢٩ حديث (١) في كلتا الطبعتين.\n(^٣) الإتحاف ٧/ ٥٠٤.","vol":"4","page":1533},{"text":"العراقي عن التنبيه على تقدم الحديث، وقد راعيت أنا ذلك فيما اعتبرته ذهولا منه، كما سيأتي، وكما مرت بعض الأمثلة أيضا.\nوقد وجدت أيضا اختلاف النسخ في تحديث موضع تقدم بعض الأحاديث، فقد ذكر الغزالى فى الباب الثالث من كتاب العلم - حديث «تسحروا، فإن في السحور بركة».\nفخرجه العراقي في هذا الموضع (^١)\nثم كرر الغزالى الحديث مرة ثانية، بعد هذا، في كتاب آداب تلاوة القرآن، فأحال العراقي بتخريجه على الموضع المتقدم، ولكن اختلفت الطبعات التي بين يدي في تحديث موضع تقدم الحديث، فجاء في طبعة عيسى الحلبي أن الحديث تقدم في الباب الثاني من العلم (^٢)\nوجاء في طبعة مصطفى الحلبى (^٣) ونسخة الزبيدي (^٤) أن الحديث تقدم في الباب الثالث من العلم.\nوهذا هو الصواب المطابق للواقع، كما تقدم.\nوقد ذكر الغزالي في أوائل كتاب «ذم البخل، وذم حب المال» حديث: «حب المال والشرف، ينبتان النفاق في القلب …»\nفقال العراقي في تخريجه: لم أجده بهذا اللفظ، وذكره - يعنى الغزالي -\n_________\n(^١) الإحياء مع المغني ١/¬٤٢ حديث (٣).\n(^٢) الإحياء مع المغني ١/ ٢٩٢ طبعة عيسى الحلبي.\n(^٣) ١/ ٢٩٨ حديث (٢).\n(^٤) الإتحاف ٤/ ٥٣٤.","vol":"4","page":1534},{"text":"بعد هذا، بلفظ «الجاه» بدل «الشرف» (^١).\nثم ذكر الغزالي بعد هذا في الكتاب التالي وهو كتاب «ذم الجاه والرياء» الحديث بلفظ: «حب المال والجاه ينبتان النفاق في القلب …» فاختلفت نسخ طبعات المغنى فى بيان تقدم هذا الحديث، فجاء في نسخة الزبيدي، قول العراقي: لم أجده هكذا، وقد تقدم (^٢).\nأما طبعتا مصطفى وعيسى الحلبيان، فجاء فيهما قول العراقي، بعد ذكر الحديث: «تقدم في أول هذا الباب، ولم أجده (^٣) - يعني أول كتاب «ذم الجاه والرياء» وهذا التحديد خطأ، لأن موضع تقدم الحديث كما ذكرته هو أول الكتاب السابق وهو كتاب «ذم البخل» ويبدو أن الخطا في التحديد بأول كتاب ذم الجاه، من العراقي؛ بدليل أن الغزالي ذكرى في الموضع الثاني عقب الحديث السابق حديث: ما ذئبان ضاريان أرسلا في غنم …»\nفقال العراقي في تخريجه: تقدم أيضا هناك (^٤) يعنى الحديث السابق، والحديث السابق قد ذكر فى «ذم البخل» كما قدمت، وقد ذكر الحديث الثاني عقبه أيضا (^٥) فدل هذا على أن الإحالة بالحديث الأول على أول كتاب «ذم الجاه» خطأ، وأنها صادرة من العراقي.\nلكن الإحالة حسب نسخة الزبيدى، تعتبر صوابا، لأنها بلفظ الإشارة\n_________\n(^١) الإحياء مع المغني ٣/ ٢٢٦ حديث (١) من طبعتي مصطفى وعيسى الحلبيين.\n(^٢) الإتحاف ٨/ ٢٣٨.\n(^٣) الإحياء مع المغني ٣/ ٢٧٢ حديث (١).\n(^٤) الإحياء مع المغني ٣/ ٢٧٢ حديث (٢).\n(^٥) الإحياء مع المغني ٣/ ٢٢٦ حديث (٢).","vol":"4","page":1535},{"text":"للتقدم مطلقا، دون تحديد الموضع، والحديث قد تقدم فعلا؛ لكن الخطأ حصل في تحديث موضع تقدمه، كما أوضحته.\n٧ - قد اشار العراقي إلى تقدم بعض الأحاديث في موضع، ثم بحثت عنها في الموضع المحال عليه فلم أجدها.\nفقد ذكر الغزالي في كتاب الصير والشكر - حديث (الحج عرفة). فقال العراقي في تخريجه: حديث «الحج عرفة». تقدم في الحج (^١).\nوقد راجعت كتاب الحج في كل من الإحياء والمغنى، فلم أجد الحديث في أي منهما، بحسب الطبعات التي بين يدى الآن.\nثم كرر الغزالى الحديث أيضا في كتاب الصبر مرة ثانية. فأعاد العراقي الكلام عنه بقوله: (رواه أصحاب السنن من حديث عبد الرحمن ابن يعمر، وقد تقدم في الحج) (^٢).\nفقد يكون قول العراقي في الموضعين: إن الحديث تقدم في الحج، ذهول منه ﵀.\n٨ - قصر العراقى كلامه في مقدمة الكتاب، على بيان طريقته في التنبيه على تقدم الحديث فقط، ولم يذكر شيئا عن التنبيه على أن الحديث سيأتي، مع أنه نبه في مواضع متعددة على أن الحديث سيأتى، سواء مع تخريجه ايضا للحديث المحال، أو مع الاكتفاء بالإحالة على الموضع الآتى، كما أنه قد يطلق الإحالة بقوله: سيأتى، أو سيذكره، وقد يحدد موضع إتيان الحديث\n_________\n(^١) الإحياء مع المغني ٤/ ٦٠ حديث (٦).\n(^٢) الإحياء مع المغني ٤/ ٦٦ حديث (١).","vol":"4","page":1536},{"text":"باسم الكتاب الذي سيأتى فيه كالصلاة، وذكر الموت، ونحو ذلك (^١).\nولعل العراقي لم ينبه على ذلك في المقدمة، لقلة مواضع الإحالة على ما سيأتى، فاقتصر على بيان الأكثر، وهو الإحالة على ما يتقدم، كما مر.\n٩ - أما ما ذكره العراقى فى مقدمة الكتاب، كما أسلفته، من أنه قد يذهل عن كون الحديث تقدم في تخريجه لأحاديث باب سابق، وبالتالي لا ينبه على تقدمه في الموضع المتأخر، فهذا قد وقع منه فعلا، وذلك على النحو التالي:\n١ - أن يُذكر الحديث في كتاب سابق من الإحياء، فيخرجه العراقي فيه، ثم يتكرر الحديث في كتاب متأخر، فلا يتعرض له العراقي بشيء، فهذا يعتب ذهولا منه عن تخريج الحديث في هذا الموضع المتأخر، وذهو أيضا تقدم تخريجه له، لأنه لو كان متذكرا لذلك، لكان من اليسير جدا عليه، أن\n_________\n(^١) ينظر الإحياء مع المغني ١/ ٩٨ حديث (٧) (سؤال المسلمين عن الأعمال …) و١٢٤ حديث (١) حديث تعذيب العصاة … عدة أحاديث.\nو١٢٧ حديث (١) (يخرج من النار …) و١٢٨ حديث (٥) (الشرك أخفى في أمتي …) و١٤٢ حديث (٥) (كان لا يفارقه المشط …) و١٥٣ حديث (٣) (أول ما ينظر الله فيه …) و٢١٨ حديث (٣) (قدم رسول الله ﷺ نفقة الزوجة …) مع ص ٢٣٢ حديث (١٠) قال يوما لأصحابه تصدقوا … .\nوينظر ٢/ ٢٠١ حديث (٥) (يُسلم الراكب على الماشي …) مع ص ٢٠٢ حديث (٢). وينظر ٣/ ٢٢٦ حديث (١) (حب المال والشرف …) مع ٢٧٢ حديث (١) وصواب إحالته كتاب (ذم البخل) كما بينته فيما سبق من تقرير الإحالة على ما تقدم خطأ وص ٣٧٨ حديث (٤) و٢٨٦ حديث (٢) في الثلاثة: المقتول … و٣٦٤ حديث (٢) (لما قيل له: من أكرم الناس؟) وسقط من طبعة مصطفى الحلبي، الإحالة، ولكنها موجودة في نسخة الشارح - كما في الإتحاف ٨/ ٤١٩ مع ٤/ ٤٣٥ من الإحياء مع المغني - حديث (٨) (من أكيس الناس؟).","vol":"4","page":1537},{"text":"يحيل بتخريجه على ما تقدم، بدلا من تركه بدون تخريج.\nوقد تسبب هذا النوع من الذهول فى توجيه بعض التعقبات له، ففى الباب السابع من كتاب العلم ذكر الغزالى حديث: إن الرجل ليدرك بحسن خلقه، درجة الصائم القائم … (الحديث).\nفقام العراقي بتخريجه (^١).\nثم بعد هذا بعدة كتب، وفى كتاب آداب الأكل - كرر الغزالى صدر الحديث، كما قدمته.\nفلم يتعرض له العراقي بشيء (^٢).\nوقد علق مصحح طبعة مصطفى الحلبي على الحديث فى هذا الموضع بأن العراقي لم يخرجه (^٣) فى حين أنه قد خرجه فيما تقدم، وفاته فقط أن يحيل هنا على الموضع المتقدم، ولعله ﵀ قد ذهل عن تقدم تخريج الحديث للتباعد بين موضع تقدمه، ومضيع تأخره هذا.\nأما الشارح فقام من جانبه هو بتخريج الحديث فى هذا الموضع المتأخر، وذلك من مصدرين غير المصدرين اللذين خرجه منهما العراقي فى الموضع الأول (^٤) ولم يتعقب العراقي بشيء، كما يشير إلى تقدم الحديث.\nوفى الباب الثالث من كتاب آداب الألفة والأخوة - قال الغزالى:\n_________\n(^١) الإحياء مع المغنى ١/ ٨٩ حديث (٥).\n(^٢) الإحياء مع المغنى ٢/¬١٨.\n(^٣) الموضع السابق حاشية المصحح برقم (١).\n(^٤) الإتحاف ٥/ ٢٦٠، ٢٦١.","vol":"4","page":1538},{"text":"وقيل لرسول الله ﷺ: إن فلانة تصوم النهار، وتقوم الليل، وتؤذي جيرانها … (الحديث).\nفقام العراقي بتخريج الحديث (^١).\nوبعد ذلك بعدة كتب، وفى كتاب رياضة النفس - ذكر الغزالي الحديث مرة ثانية بنحو ما تقدم.\nفلم يتعرض له العراقى بشيء (^٢).\nوقد علق مصحح طبعة مصطفى الحلبي على هذا الموضع بقوله: لم يخرجه العراقي، ولم ينبه عليه، وقد تقدم في باب الصيحة (^٣).\nويعتبر تعقب المصحح هذا في محله، كما ترى.\nأما الشارح فذكر تخريج الحديث في هذا الموضع المتأخر بمثل تخريج العراقي له في الموضع الأول، دون أن يعزوه للعراقي، ولكنه قال: وقد تقدم في آداب الصحبة (^٤) فلعله يقصد أنه تقدم تخريج العراقى له في الموضع المذكور، بدليل تطابق تخريجه للحديث، مع تخريج العراقي السابق، كما ذكرت.\nب - يذكر الحديث في موضع من الإحياء، فيخرجه العراقي، ثم يتكرر بعد ذلك أكثر من مرة، فينبه العراقي على تقدمه في بعض المواضع، ويذهل عن ذلك في بعضها، وهذا يوقع القارئ فى توهم ترك العراقي لتخريج الحديث.\n_________\n(^١) الإحياء مع المغني ٢/ ٢١٢ حديث (٨).\n(^٢) الإحياء مع المغني ٣/¬٤٨.\n(^٣) الموضع السابق/ حاشية المصحح برقم (١).\n(^٤) الإتحاف ٧/ ٣١٩.","vol":"4","page":1539},{"text":"كلية، أو يضيع عليه بعض الفائدة، وذلك حين لا يتيسر له الوقوف على بقية مواضع تكرر الحديث.\nففى كتاب آفات اللسان - الآفة الثامنة - قال الغزالي: «وفي الخبر: إن المظلوم ليدعو على الظالم حتى يكافئه، ثم يبقى للظالم عنده فضلة يوم القيامة».\nفقال العراقي في تخريجه: لم أقف له على أصل، وللترمذي من حديث عائشة - بسند ضعيف: من دعا على من ظلمه، فقد انتصر (^١).\nثم في الكتاب الذى يلى هذا من الإحياء، وهو كتاب «ذم الغضب والحقد والحسد» فضيلة العفو والإحسان - ذكر الغزالي حديث عائشة هذا فلم يتعرض له العراقي بشيء (^٢).\nوقد قام الشارح بتخريجه في هذا الموضع من عند الترمذي وغيره، ولكن لم يعز شيئا من تخريجه للعراقى، ولا أشار لتقدم الحديث (^٣).\nوبذلك فإن من يقف على الحديث في هذا الموضع فقط، يظن أن العراقي ترك تخريج الحديث كلية، مع أنه قد خرجه في الموضع السابق كما رأيت، وذهل فقط عن الإحالة بتخريجه في هذا الموضع، عل اما تقدم ثم إن الغزالي بعد هذا بعدة كتب، وفى كتاب التوحيد والتوكل - كرر الحديث بقوله: ففى الخبر: «من دعا على ظالمه، فقد انتصر».\n_________\n(^١) الإحياء مع المغني ٣/ ١٢٢ حديث (٧).\n(^٢) الإحياء مع المغني ٣/ ١٧٨.\n(^٣) الإتحاف ٨/¬٤٠.","vol":"4","page":1540},{"text":"فتعرض العراقي له بالإحالة: فقال: تقدم (^١)، ويلاحظ أنها إحالة مطلقة، يصعب تحديدها بدون فهارس فنية، ويعلم الله وحده، كما عانيت في الربط بين مواضع التكرير هذه عموما، حيث لم يكن لدى اية فهارس لأحاديث الكتاب.\nأما الزبيدي فقد أعاد تخريج الحديث بنحو تخريجه السابق له، ولم يذكر إشارة العراقي لتقدمه، ولا أشار هو كذلك (^٢).\nوفي الباب الثاني من كتاب العلم قال الغزالي: قال ﷺ: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك».\nفقام العراقى بتخريجه بقوله: رواه الترمذى، وصححه، والنسائي وابن حبان، من حديث الحسن بن على (^٣).\n_________\n(^١) الإحياء مع المغني ٤/ ٢٧٥ حديث (١).\n(^٢) الإتحاف ٩/ ٥١٤.\nوانظر مثالا آخر لذلك في كتاب آفات اللسان - الآفة السابعة - المغني مع الإحياء ٣/ ١١٩ حديث (٤) والمُسْتَبَانِ، ما قالا، فعلى البادي، حتى يعتدي المظلوم، مع الإحياء - كتاب ذم الغضب والحقد والحسد - بيان القدر الذي يجوز الانتصار والتشفي به من الكلام ٣/ ١٧٥ ولم يتعرض للحديث في هذه الصفحة، ثم كرره في الصفحة التالية ٣/ ١٧٦، فأعاد العراقي تخريجه بالعزو إلى صحيح مسلم، ثم قال: وقد تقدم - المغني مع الإحياء في هذا الموضع حديث رقم (٣)، وقد نقص عن تخريجه له في الموضع الأول، أنه لم يذكر صحابي الحديث الذي رواه مسلم عنه وهو أبو هريرة، ولم يذكر الفرق بين رواية مسلم وبين اللفظ الذي أورده العزالي. وقد قام الشارح بتخريج الحديث من جانبه هو في الموضع الذي بعده، ونبه في الموضعين على تقدم الحديث كذلك الإتحاف ٨/¬٣٥، ٣٦.\n(^٣) الإحياء مع المغني ١/¬٢٥ حديث (٣).","vol":"4","page":1541},{"text":"وبعد كتاب العلم هذا بكتاب، وذلك في كتاب أسرار الطهارة - القسم الثالث - ذكر الغزالى أن الرسول ﷺ أمر بتنظيف ما تحت الأظفار. فقام العراقى بتخريجه بقوله: رواه الطبراني من حديث وابص ةبن (معبد) سألت النبي ﷺ عن كل شيء، حتى سألته عن الوسخ الذي يكون بين الأظفار فقال: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك (^١) ولم يشر إلى تقدم هذا اللفظ، وحده، كما ترى.\nثم بعد هذا بعدة كتب من الإحياء، وذلك في كتاب الحلال والحرام - الباب الأول - ذكر الغزالي حديث: «دع ما يريبك …» مرة أخرى، فقام العراقي بتخريجه بقوله: (رواه) النسائى والترمذي والحاكم، وصححاه، من حديث الحسن بن على (^٢) ولم يشر إلى تقدمه.\nويلاحظ أن تخريجه في هذا الموضع فيه زيادة عزو الحديث إلى الحاكم (^٣)، ونقصه عزوه إلى صحيح ابن حبان (^٤). فلو كان أشار إلى تقدم الحديث، لأمكن للبحاث الفحص عن موضعه السابق، وبذلك يجتمع له ما ذكر في الموضعين من عزو الحديث لكل من صحيح ابن حبان والحاكم، وهما فائدتان ظاهرتان. ثم إنه في الباب الثاني من كتاب الحلال والحرام، ذكر الغزالي الحديث مرة أخرى.\n_________\n(^١) الإحياء مع المغني ١/ ١٤٣ حديث (٥).\n(^٢) الإحياء مع المغني ٢/ ٩٦ حديث (١).\n(^٣) هو في المستدرك ٢/¬١٣ و٤/ ٩٩.\n(^٤) وهو فيه - كما في الإحسان - كتاب الرقاق - باب الورع والتوكل ٢/ حديث ٧٢٢.","vol":"4","page":1542},{"text":"فأعاد العراقى ذكره، وقال: تقدم في الباب قبله (^١).\nوهذه كما ترى إحالة على أقرب موضع فقط لتكرر الحديث، ومن يرجع إلى هذا الموضع فقط، فلن يستفيد عزو الحديث إلى صحيح ابن حبان الذي ذكر في الموضع الأول، في كتاب العلم، كما مر. وكذلك لا يستفيد عزوه للطبراني الذي ذكره العراقي في أسرار الطهارة، كما قدمته أيضا. ثم في الباب الثالث من كتاب الحلال والحرام، ذكر الغزالي الحديث مرة أخرى. فذكره العراقي وقال: تقدم في البابين قبله (^٢) وهذه أيضا إحالة لغير الموضع الأول والثاني، بما فيهما من فائدة.\nوفي الباب الخامس من كتاب الحلال - ذكر الغزالي الحديث مرة أخرى فذكره العراقي، وأحال به على الباب الأول فقط من كتاب الحلال والحرام (^٣).\nج - قد يتعرض العراقي لتخريج الحديث المكرر في موضعين، ولكن يذهل فقط عن التنبيه في الموضع الثاني على تقدم الحديث قبل هذا، وعند مراجعة موضعى الحديث، نجد أن تخريجه في الموضع المتقدم مستوفى، وفي الموضع المتأخر، قصور يحتاج جبره المراجعة المتقدم، الذى لم ينبه عليه، فمن ذلك أنه في كتاب كسر الشهوتين - ذكر الغزالى حديث: شر أمتى الذين غذوا بالنعيم، ونبتت عليه أجسامهم.\n_________\n(^١) الإحياء مع المغني ٢/ ١١٧ حديث (٢).\n(^٢) الإحياء مع المغني ٢/ ١٢٠ حديث (٢).\n(^٣) الإحياء مع المغني ٢/ ١٣٦ حديث (١).","vol":"4","page":1543},{"text":"فقال العراقي في تخريجه: رواه ابن عدى فى الكامل، ومن طريقه البيهقي في شعب الإيمان، من حديث فاطمة بنت رسول الله ﷺ، وروى من حديث فاطمة بنت الحسين مرسلا، قال الدارقطني في العلل: إنه أشبه بالصواب، ورواه أبو نعيم في الحلية من حديث عائشة، بإسناد لا بأس به (^١).\nوفي الكتاب التالي لهذا، وهو كتاب آفات اللسان - الآفة السادسة - ذكر الغزالي الحديث مرة ثانية.\nفأعاد العراقي تخريجه بقوله: رواه ابن أبي الدنيا، والبيهقي في شعب الإيمان (^٢) وزاد الشارح نقلا عن العراقي قوله: وفيه انقطاع (^٣).\nولم يشر العراقي إلى تقدم الحديث، كما ترى، فلعله من ذهوله، ويلاحظ التصور في تخريج الحديث في الموضع المتأخر، والاستيفاء المناسب في الموضع المتقدم الذى لم ينبه العراقى عليه.\nأما الشارح فإنه قد خرج الحديث في الموضع الثاني بالعزو إلى ابن عدى والبيهقي وابن عساكر وابن ابى الدنيا، وساق سند رواية ابن أبي الدنيا، وبين أنها متصلة، ورد بذلك قول العراقي بانقطاع سند الحديث مطلقا.\nثم أضاف التنبيه على تقدم الحديث قريبا، فتلافي بذلك ما ذهل عنه العراقي (^٤).\n_________\n(^١) الإحياء مع المغني ٣/ ٨٩ حديث (٢).\n(^٢) الإحياء مع المغني ٣/ ١١٧ حديث (١).\n(^٣) الإتحاف ٧/ ٤٧٧\n(^٤) الإتحاف ٧/ ٤٧٧","vol":"4","page":1544},{"text":"نتيجة إجمالية: ولعلى فيما قدمته آنفا، قد وفقت إلى استخراج ما بثه العراقي خلال هذا التخريج من تقرير شرطه فيه، والذي لم يصرح به في مقدمة الكتاب، بحيث يتنبه له منذ البداية، كل من يطالع الكتاب، ولعلى ايضا قد وفقت في بيان التزام العراقي بشرطه في غالب الكتاب، وأبرزت أهم الفوائد والدواعي التي اقتضت زياداته، بتخريج ما ليس داخلا في شرطه من المرويات الواردة في الإحياء.\nعلى أنه سيأتي بيان ما فاته تخريجه مما هو على شرطه، وتحقيق القول في ذلك بإذن الله.","vol":"4","page":1545},{"text":"<span data-type='title' id=toc-512>ما فات العراقي تخريجه من أحاديث الإحياء، وتحقيق القول في ذلك.</span>\nتقدم في بيان شرط العراق في هذا التخريج، انه التزم بالتعرض لما يصرح الغزالي بأنه حديث مرفوع، إما إلى الرسول ﷺ، فقط، وإما أن ينسبه الرسول ﷺ إلى ربه ﷿، وهو الحديث القدسي.\nوتقدم بيان أن العراقي قد خرج عددًا كثيرًا من الأحاديث والآثار، التي وردت في «الإحياء» بصور متعددة غير التي تضمنها شرطه المشار إليه.\nوتقدم كذلك إشار العراقي إلى تركه التعرض لتخريج أحاديث وآثار، وردت في الإحياء، ولكنها ليست على شرطه، في الموضع الذي تركها فيه.\nثم إنه في مقدمة كتاب التخريج هذا ذكر؛ أنه قد فاته تخريج بعض الأحاديث الواردة في الإحياء، لا لأنها خارجة عن شرطه، وإنما لأنه لم يقف عليها، رغم بحثه الطويل خلال عدة سنوات، واطلاعه الذي لا تخفى سعته، عل من يقرأ كتابه هذا.\nفقد قال العراقي في مقدمة الكتاب: «فلما وفق الله تعالى لإكمال الكلام على أحاديث إحياء علوم الدين، في سنة إحدى وخمسين - يعنى وسبعمائة للهجرة - تعذر الوقوف على بعض أحاديث، فأخرت تبييضه إلى سنة ستين - يعنى وسبعمائة - فظفرت بكثير مما عَزُبَ عنى علمه وثم شرعت في تبييضه، في مصنف متوسط حجمه، وأنا مع ذلك متباطئ في إكماله، غير متعرض لتركه وإهماله، إلى أن ظفرت بأكثر ما كنت لم اقف عليه …» (^١).\n_________\n(^١) المغني مع الإحياء ١/¬٨.","vol":"4","page":1546},{"text":"فقوله: «ظفرت بأكثر ما كنت لم أقف عله»، يفيد أنه بقيت في كتاب الإحياء أحاديث، داخلة فى شرط العراقي، ولكنه لم يقف عليها في أي من المصادر العديدة التى توافرت لديه، وإن كانت تلك الأحاديث قليلة بالنسبة إلى ما وقف عليه.\nغير أن العراقي لم يسرد لنا تلك الأحاديث التي لم يقف على تخريج لها، حتى نعرفها على وجه التحديد، ولم يذكر حتى عددها الإجمالي، رغم أن مقدمة الكتاب التي ذكر فيها كلامه السابق، قد كتبها بعد الفراغ من التخريج.\nوقد قمت من جانبي بقراءة كل من الإحياء، وتخريج العراقي له وقراءة تفصيلية، كاملة، وأمضيت فى ذلك ليالى وأياما متواصلة، لعدة أشهر، وقيدت مئات الملحوظات المتعلقة ببيان ما فات العراقي تخريجه، أو التعرض له، ول ببيان عدم وقوفه عليه.\nومن خلال ذلك تبين لى أن تحديد كل الأحاديث التي فاتت العراقي، مع اطلاعه عليها في الإحياء، أمر في غاية الصعوبة، وذلك لما يلى:\n١ - أن العراقي قد أشار إلى اعتماده في ذكر الأحاديث التي يتعرض لتخريجها، إلى أكثر من نسخة من كتاب «الإحياء» (^١) ولم يتح لنا الآن الوقوف على تلك النسخ ذاتها التي رجع إليها العراقي.\n_________\n(^١) انظر المغني مع الإحياء ١/ ٣٠٥ حديث (٦) وص ٣٠٦ وشرح الإحياء ١/ ٢٩٥ حديث «الكبرياء ردائي والعظمة إزاري». والمغني مع الإحياء ٤/ ٢٢٨ حديث (٣). والمغني ١/ ٩٠ حديث (٣) مع الشرح ١/ ٤٥٧.","vol":"4","page":1547},{"text":"٢ - أن نسخ كتاب الإحياء تختلف في الأحاديث الواردة فيها، تقديما وتأخيرا، وإفرادا وتكريرا (^١) وزيادة ونقصا، وبذلك قد يكون الحديث موجودا الآن في النسخ التي بين أيدينا، ولنه لم يكن موجودا في النسخ التي اعتمد العراقي عليها، وبالتالي لم يتعرض له بشيء، وبالعكس أيضا، كما في الأمثلة التالية: -\nففي أكثر من طبعة مما بين أيدينا من الإحياء، أورد الغزالي ما نصه «قال ﷺ: استنجدوا هداياكم، فإنها مطاياكم يوم القيامة».\nولكنه لم يوجد في المغنى، بحسب ما بين أيدينا من طبعاته أيضا (^٢) وبمراجعة نسخة شارح الإحياء لا نجد الحديث فيها ايضا، ولذلك لم نجد تعرض الشارح للحديث بشي (^٣).\nوقد علق مصحح طبعة مصطفى الحلبي على الحديث بقوله: قوله: «استنجدوا» … الخر هذا الحديث لم يخرجه العراقي، وهو ليس في نسخته (الشارح)، فلعله لم يكن في نسخته اهـ مصححه (^٤).\n_________\n(^١) انظر الإحياء مع المغني ٢/ ٢٠١، ٢٠٢ حديث: «إذا التقى المؤمنان فتصافحا»، برقم (٥) مع الشرح ٦/ ٢٧٣.\n(^٢) الإحياء مع المغني ١/ ٢٧٢ ونسخة الإحياء المطبوعة بحاشية شرحه للزبيدي ٤/ ٤٤١.\n(^٣) انظر الإتحاف ٤/ ٤٤١.\n(^٤) الإحياء مع المغني ١/ ٢٧٢ والحديث أورده السخاوى في المقاصد (برقم ١٠٨) طبعة الخشت - بلفظ: «استفرهوا ضحاياكم، فإنها مطاياكم على الصراط» وعزاه إلى الديلمي من طريق ابن المبارك عن يحى بن عبيد الله عن أبيه عن أبي هريرة، رفعه بهذا، وقال: ويحى ضعيف جدا. ووافقه الشيخ الألباني في ضعيف الجامع الصغير وزيادته ١/ حديث (٩٢٤).","vol":"4","page":1548},{"text":"وفي أكثر من طبعة ايضا نجد في الإحياء ما نصه «ويدل على ذلك، توضؤ رسول الله ﷺ من مزادة مشركة» (^١).\nوليس هذا الحديث في طبعة المغنى التي بن أيدينا (^٢) وليس ايضا في نسخة الشارح من الإحياء، ولذلك لم يتكلم عنه بشيء (^٣).\nوفي أكثر من طبعة من الإحياء أيضا نجد ما نصه «وقال معاوية: قال رسول الله ﷺ: اشفعوا إلى تؤجروا، إني أريد الأمر، وأؤخره، كي تشفعوا إلى تؤجروا، إني أريد الأمر، وأؤخره، كي تشفعوا إلى، فتؤجروا (^٤).\nولكن لا نجد الحديث في طبعة المغنى أيضا، وبالتالي لا نجد تعرض العراقي له. في حين جاء الحديث بنسخة الشارح من الإحياء، فتصدى لتخريجه، ثم قال: وقد سقط هذا الحديث، عند العراقي (^٥) وقد تبعه على هذا مصحح طبعة الحلبي من الإحياء مع المغنى (^٦).\nوفي الإحياء ايضا قال الغزالي: «وقال ﷺ: إن الله عند لسان كل قائل، فليتق الله امرؤ عِلْمَ ما يقول» (^٧).\n_________\n(^١) الإحياء مع المغني ٢/ ١٠٦ والنسخة المطبوعة بهامش شرح الإحياء ٦/¬٤٦.\n(^٢) المغني مع الإحياء ٢/ ١٠٦.\n(^٣) الإتحاف ٦/¬٤٦.\n(^٤) الإحياء مع المغني ٢/ ٢٠٠، والنسخة المطبوعة بهامش الشرح ٦/ ٢٧٣.\n(^٥) الإتحاف ٦/ ٢٧٣.\n(^٦) الإحياء مع المغني ٢/ ٢٠٠ تعليق المصحح.\n(^٧) الإحياء مع المغني ٣/ ١٠٧ والإحياء بحاشية الشرح ٧/ ٤٥٤.","vol":"4","page":1549},{"text":"ولكن لم نجد الحديث في المغنى (^١).\nوقد جاء الحديث في نسخة الشارح، فخرجه من جانبه، وقال: وهذا الحديث أغفله العراقي، وكأنه سقط من نسخته، وهو ثابت عندنا في سائر النسخ (^٢) فمثل هذه الأحاديث، تعتبر مما فات العراقي تخريجه، وإن كان له عذر في ذلك، بعدم وجودها فيما اطلع عليه من نسخ الإحياء.\nوقد حدث عكس هذا ايضا، فوجدت أحاديث في نسخة العراقي من الإحياء، وتعرض لها، ولم نجد هذه الأحاديث في المطبوع حاليا من نسخ الإحياء، فمن ذلك ما جاء فى المغنى من قول العراقي: حديث أنس من صلى ليلة الأحد بين المغرب والعشاء اثنتى عشرة ركعة (الحديث) لم أجد له أصلا (^٣) وليس هذا الحديث فى أى من نسخ الإحياء التي بين أيدينا (^٤).\nكما أنه غير موجود بنسخة المغنى التي اعتمد عليها شارح الإحياء (^٥). ولا بنسختى المغنى المخطوطتين بدار الكتب المصرية تحت رقم (١٢٨٢) حديث، و(٧٩٢) حديث طلعت/ ق ١٨/ ب.\nوفى المغنى أيضا جاء ما نصه «حديث: كان له ثوب لجمعته خاصة (الحديث): تقدم قريبا، بلفظ ثوبين (^٦).\n_________\n(^١) انظر المغني مع الإحياء ٣/ ١٠٧.\n(^٢) الإتحاف ٧/ ٤٥٤\n(^٣) الإحياء مع المغني ١/ ٢٠٠، ٢٠٦ حديث رقم (١).\n(^٤) الإحياء مع المغني الموضع السابق، والإحياء بهامش الشرح، ونسخة الشارح ٣/ ٣٧٨\n(^٥) انظر الإتحاف/ الموضع السابق\n(^٦) الإحياء ومعه المغني ٢/ ٣٧٥ والموضع المتقدم ص ٣٧٤ حديث رقم (١).","vol":"4","page":1550},{"text":"فهذا الحديث ليس موجودا بنسخة الإحياء، طبعة مصطفى الحلبي (^١) ولا النسخة التي بها حسر الشرح، ولكنه موجود بنسخة الشارح، ونقل تخريج العراقي له بالإحالة على ما تقدم، بلفظ «ثوبين»، كما أسلفته (^٢).\nوفى المغنى كذلك قال العراقي: حديث: يد طلحة، لما أزال ما كان بها من شلل أصابها يوم أحد حين مسحها بيده، أخرجه النسائي من حديث جابر: لما كان يوم أحد … (^٣).\nوهذا الحديث ليس بنسخ الإحياء التي بين أيدينا حاليا، ولا بنسخة الشارح، ولذلك نقله من المغنى مع تخريج العراقى له، ثم قال: ولم أجد ذلك في نسخ الإحياء الموجودة عندى (^٤) وأشار مصحح طبعة مصطفى الحلبي، لذلك أيضا (^٥).\n٣ - أن نسخ الإحياء ايضا تختلف، في ذكر العبارة التي تفيد رفع الحديث، إلى الرسول ﷺ، حتى يدخل فى شرط العراقى، أو عدم رفعه، فلا يدخل في شرطه، وقد تقدم مثال لذلك في بيان شرط العراقي (^٦).\nوأضيف هنا مثالا آخر، فقد جاء في الإحياء: قال أبو ذر ﵁: الوحدة خير من جليس السوء، والجليس الصالح خير من الوحدة، ويُروى مرفوعا\n_________\n(^١) انظر الموضع السابق\n(^٢) الإحياء بهامش الشرح، والشرح ٧/ ١٣٠.\n(^٣) المغني مع الإحياء ٢/ ٣٨٨.\n(^٤) الإتحاف ٧/ ١٩١.\n(^٥) هامش الإحياء مع المغني ٢/ ٣٨٨.\n(^٦) وانظر المغني مع الإحياء ٢/ ١٨٧ حديث (٢) مع الشرح ٦/ ٢٤٢.","vol":"4","page":1551},{"text":"ولم يتعرض العراقي لتخريجه، لا موقوفا على أبي ذر، ولا مرفوعا، كما صرح به الغزالى، مع دخوله بمقتضى ذلك في شرط العراقي (^١).\nوقد قام الزبيدي بتخريجه مرفوعا. ثم قال: وقد أغفله العراقي، فلم يورده (^٢) ويمكن الجواب عن إغفال العراقى لإيراد الحديث في المغنى وتخريجه، بأن تكون عبارة «ويُروى مرفوعا» التي ذكرت في آخر الحديث، لم تكن موجدة في نسخة العراقي من الإحياء، وبذلك تبقى الرواية موقوفة على أبي ذر ﵁ كما صرح بذلك في بدايتهما، وعليه تكون الرواية خارجة عن شرط العراقي، فا تعد مما فاته تخريجه، حسب شرطه.\nوفي طبعتين من الإحياء جاء في موضع، ما نصه: «وقوله ﷿: أعددت لعبادي الصالحين، ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر».\nوبذلك لم يورد العراقى فى مقابل هذا الموضع شيئا، ولم يتعرض لتخريجه، تبعا لشرطه، لأنه غير مرفوع (^٣).\nلكن جاءي في نسخة الشارح من الإحياء هكذا، «وقوله ﷺ: قال الله ﷿ …»\nفعلق عليه الشارح بقوله: أغفله العراقى، وسبب إغفاله، أنه يوجد في بعض، نسخ الكتاب: «وقال الله ﷿ ..، بدون «وقوله: ﷺ»\n_________\n(^١) الإحياء مع المغني ٢/ ١٧٠.\n(^٢) الإتحاف ٦/ ٢٠٣.\n(^٣) الإحياء مع المغني ٤/¬٣١.","vol":"4","page":1552},{"text":"ثم بين أنه حديث قدسي، وخرجه بالعزو إلى الشيخين والترمذي وابن ماجه وغيرهم» (^١).\nأقول: ويؤيد ما ذكره الشارح أن الغزالى قد ذكر الحديث بعد هذا في موضعين مصرحا برفعه، فتصدى العراقى لتخريجه فيهما، مرة بالعزو إلى البخارى، ومرة بالعزو إلى الشيخين (^٢) وذكره مرة ثالثة ضمن تخريج حديث آخر (^٣).\nفيكون تركه له في الموضع الأول، لخروجه عن شرطه حسب نسخته من الإحياء، فلا يعتبر مما فاته، ومثل ذلك أيضا المثال التالي: - في طبعتين من الإحياء أيضا ما نصه «وقال عيسى ﷺ: مَنْ عَلِمَ وَعَمِلَ وَعَلَّمَ، فذلك يُدْعى عظيما في ملكوت السموات»، ولم يتعرض له العراقي (^٤) لعدم دخوله هكذا في شرطه.\nولكن في نسخة الزبيدي منا لإحياء جاء هكذا «وقال ﷺ: مَنْ علم وعمل … (الحديث). فعلق عليه بقوله: لم يخرجه العراقي، وفي بعض النسخ، وقال عيسى ﵇ …» ثم خرجه من قول عيسى ﵇، ومن قول بعض التابعين، ومرفوعا إلى النبي ﷺ (^٥).\n_________\n(^١) الإتحاف ٨/ ٥٦٨.\n(^٢) الإحياء مع المغني ٤/ ٣٠٢ حديث (١)، ٥٢٣ حديث (١).\n(^٣) المغني مع الإحياء ٤/ ٥٢٧ حديث رقم (٢).\n(^٤) الإحياء مع المغني ١/¬١٧ والنسخة التي بهامش الشرح ١/ ١٠٦.\n(^٥) الإتحاف ١/ ١٠٦.","vol":"4","page":1553},{"text":"٤ - أن نسخ الإحياء تختلف في تقطيع الحديث الواحد إلى حديثين متتاليين، أو وصل حديثينفى سياق واحد، وهما منفصلين في نسخة أخرى، فحين يُذكر في تخريج العراقي صدر الحديث الأول منهما، يظن القارئ أن الحديث الثاني قد فات العراقي، مع أنه داخل في تخريج الأول، حسبما يظهر ذلك بمراجعة الرواية فى المصدر الذى يعزو العراقي إليه الحديث.\nففي موضع قال الغزالي: قال رسول الله ﷺ: ذاكر الله في الغافلين، كالشجرة الخضراء وسط الهشيم، وقال ﷺ: ذاكر الله في الغافلين، كالمقاتل بين الفارين.\nفهذان الحديثان يوجدان في المصادر الحديثية حديثا واحدًا، وقد ذكرا في نسخ الإحياء التي بين يدينا هكذا منفصلين (^١).\nوقد قال العراقي ف المغنى: حديث: ذاكر الله في الغافلين، كالشجرة الخضراء في وسط الهشيم، أبو نعيم في الحلية، والبيهقي في الشعب، من حديث ابن عمر بسند ضعيف، وقالا: فى وسط الشجر .. (الحديث).\nفمن يقرأ تخريج العراقى هذا، يظن أنه للفظ الحديث الذي ذكره فقط، دون اللفظ الثاني الذي ذكره الغزالي بعد على أنه حديث مستقل عن الذي قبله، وهو: «ذاكر الله في الغافلين، كالمقاتل بين الفارين».\nوبذلك يظ القارئ أنه قد فات العراقى تخريج هذا الحديث الثاني، مع كونه على شرطه.\n_________\n(^١) الإحياء مع المغني ١/ ٣٠١ حديث رقم (١) والإحياء بهامش الإتحاف ٥/¬٥ ومع الإتحاف/ الموضع نفسه","vol":"4","page":1554},{"text":"ولكن عند مراجعة المصدرين اللذين عزا العراقى الحديث لهما، وهما الحلية لابي نعيم ٦/ ١٨١ ترجمة عمران بن مسلم المنقرى القصير، والشعب - كما في الإتحاف - نجد أن سياق الحديث عندهما مشتمل على الحديثين معًا اللذين فرقهما الغزالي وبل إننا نجد الحدث الثاني عند الغزالي، هو المذكور في أول السياق عندهما هكذا «ذاكر الله في الغافلين»، كالذي يقاتل عن الفارين، وذاكر الله في الغافلين مثل المصباح في البيت المظلم، وذاكر الله في الغافلين، مثل الشجرة الخضراء في وسط الشجر … (الحديث).\nولما اقتصر العراقي على ذكر اللفظ الأول فى صدر تخريج الحديث كما أسلفت، علق الشارح عليه بقوله: المذكور هنا، قطعة من الحديث، لفظه … وساقه كما قدمت بطوله، مشتملا على اللفظين اللذين أوردهما الغزالي منفصلين.\nثم علق الشارح على اللفظ الثاني الذي أورده الغزالي منفصلا بقوله: «هكذا في سائر النسخ - يعنى ذكر فيها منفصلا - ثم قال: ولم يتعرض له العراقي، وكأنه لم يكن عنده، وفى نسخة أخرى - يعنى من الإحياء - «كالحي بين الأموات» يعنى بدل «كالمقاتل بين الفارين» - ثم قال: وهو قطعة من حديث ابن عمر عند الجماعة، وهو الذى تقدم قبله بلفظ «مثل الذي يقاتل عن الفارين» …» (^١).\nأقول: وقول الشارح: ولم يتعرض له العراقى، يعنى تعرضا مستقلا عن الذي قبله، بأن يورده في المغنى منفصلا، كما أورده الغزالي، ثم يعلق عليه\n_________\n(^١) الإتحاف ٥/¬٥.","vol":"4","page":1555},{"text":"مثلا بقوله: هو بعض الحديث الذى قبله، كما يفعل ذلك في بعض المواضع التي يقطع الغزالي فيها الحديث إلى قطعتين حسب الاستدلال (^١).\nأما تعليل الشارح عدم تعرض العراقي لهذا الحديث بقوله: كأنه لم يكن عنده، يعني في نسخته من الإحياء، فهو تعليل ممكن؛ لكن يمكن أيضا تعليل عدم تعرضه العراقي للحديث منفصلا عما قبله، لأجل دخوله في تخريج ما قبله، كما قدمت توضيحه. وقد تكون عبارة «وقال ﷺ» الثانية ليست في نسخة العراقي، كما سيأتى فى المثال الذى بعد هذا. لكن الغزالي كرر هذا الحديث باللفظين منفصلين أيضا بعد هذا بكثير زفلم يتعرض العراقي لأي من الروايتين بالتخريج، ولا أشار لتقدم تخريج أى منهما، كما يفعل في حالات مماثلة (^٢) فلعله ذهل عن تقدمهما، كما تقدم في مبحث تخريجه للأحاديث التي تتكرر. وقد تعقبه الشارح في هذا الموضع الثاني أيضا بعدم تعرضه لتخريج أى من الروايتين (^٣) ثم خرجهما بنحو ما ذكر في الموضع الأول من التخريج.\nوفي موضع آخر قال الغزالي: وقال ﷺ: رحم الله رجلا قام من الليل فصلى، ثم ايقظ امرأته فصلت، فإن أبت نضح في وجهها الماء، وقال ﷺ: رحم الله امرأة قامت من الليل فصلت وثم ايقظت زوجها فصلى، فإن ابي نضحت في وجهه الماء. هكذا جاء السياق في نسختين من الإحياء (^٤) وعليه.\n_________\n(^١) ينظر مثلا الإحياء مع المغني ١/¬١٢ حديثي رقم (٢)، (٣). و٢/ ١٧٥ حديثي (٣)، (٤).\n(^٢) الإحياء مع المغني ٢/ ٨٦\n(^٣) الإتحاف ٥/ ٥١١\n(^٤) الإحياء مع المغني ١/ ٣٦٦ وبهامش الشرح ٥/ ١٨٧.","vol":"4","page":1556},{"text":"يعتبر المذكور حديثين منفصلين.\nفي حين جاء السياق في نسخة الزبيدي بإسقاط عبارة «وقال ﷺ» الثانية، فاصبح المذكور حديثا واحدا (^١) وهكذا هو في المصادر الحديثية، وعليه جرى العراقي في التخريج، فقال: حديث: رحم الله رجلا قام من الليل، فصلى، ثم ايقظ امرأته فصلت (الحديث)، وعزاه إلى أبي داود وابن حبان من حديث أبي هريرة (^٢).\nوعندما نراجع سنن أبي داود مثلا، نجد الحديث فيه في موضعين، بالسياق الوارد في نسخة الزبيدي، الشامل لصلاة الرجل، وإيقاظ امرأته، ولصلاة المرأة، وإيقاظها زوجها (^٣).\nلكن من يقف على نسخ الإحياء التي أوردت صلاة الرجل حديثا مستقلا، وصلاة المرأة حديثا مستقلا، ثم يقرأ تخريج العراقي، يظن أنه قد خرج حديث صلاة الرجل فقط، وفاته تخريج حديث صلاة المرأة، مع أنه في الحقيقة قد خرجه تبعا للشرط الأول من الحديث.\n٥ - أن كتاب التخريج المغني هذا، نسخة مختلفة زيادة ونقصا، فيوجد في بعضها بعض أحاديث مخرجة، ولا يوجد ذلك في بعض النسخ الأخرى، فمن يقف على النسخة التي لم يُذكر فيها الحديث مخرجا، يظن أن العراقي قد فاته تخريج الحديث، بينما هو يكون قد خرجه، ولكن سقط من تلك النسخة.\n_________\n(^١) الإتحاف ٥/ ١٨٧.\n(^٢) المغني مع الإحياء ١/ ٣٦٦ حديث رقم (٤).\n(^٣) سنن أبي داود - الصلاة - باب قيام الليل حديث (١٣٠٨) وباب الحث على قيام الليل حديث (١٤٥٠).","vol":"4","page":1557},{"text":"فمن ذلك أن الغزالي قد قال في موضع: فأما قوله ﷺ: من فسر القرآن برأيه، ونهيه عنه.\nوجاء في نسخة المغنى المطبوعة مع الإحياء (طبعة مصطفى الحلبي) ما نصه: حديث النهي عن تفسير القرآن بالرأي، غريب (^١).\nوقوله: «غريب» هذه كلمة اصطلاحية تعنى أنه لم يجد هذا الحديث، فيما تيسر له من المصادر الحديثية، وقد استعمل العراقي هذه الكلمة الاصطلاحية في تخريجه هذا عموما، دون أن ينسبه على المقصود الاصطلاحي لها، كما سيأتي توضيح ذلك.\nوحين نرجع إلى الزبيدي شارح الإحياء في هذا الموضع، نجده يذكر الحديث، ولكن لا يذكر تعرض العراقي لتخريجه، بقوله: غريب، ولا نجده هو أيضا تعرض من جانبه لتخريج الحديث (^٢).\nوجدير بالذكر أن الغزالي ذكر قبل هذا الموضع بقليل حديث «من فسر القرآن برأيه، فليتبوأ مقعده من النار» وذكره أيضا في موضع متقدم كثيرا عن هذا، فتعرض العراقي لتخريجه في الموضع المتقدم، ثم أحال عليه في الموضع القريب (^٣) وهو بمعنى هذا الحديث الذي قال عنه: غريب، بمعنى أنه لم يجده.\nوفي موضع قال الغزالي: وقال ﷺ في الصائم - يقول الله ﷿:\n_________\n(^١) الإحياء مع المغني ١/ ١٩٧ حديث (٤).\n(^٢) الإتحاف ٤/ ٥٣٠.\n(^٣) الإحياء مع المغني ١/¬٤٤ حديث (١) و٢٩٦ حديث (١).","vol":"4","page":1558},{"text":"انظروا يا ملائكتي إلى عبدى، ترك شهوته، ولذته، وطعامه وشرابه من أجلى.\nوقد ذُكر هذا الحديث فى طبعة المغنى السابقة مع الإحياء، ولم يُذكر كلام للعراقي عنه (^١).\nفى حين نجد الزبيدي يقول: قال العراقي: لم أجده (^٢) ومعنى هذا أنه سقط من نسخة المغنى المطبوعة مع الإحياء، قول العراقي هذا.\nثم إن الشارح تعقب العراقى بوجود حديث بنحو ما ذكره الغزالي، أخرجه ابن السني في عمل اليوم والليلة له من حديث طلحة بن عبيد الله ﵁ (^٣) وفى موضع آخر قال الغزالي: وفى الحديث الآخر: إن الله يكره لكم البيان كل البيان.\nولم أجد هذا الحديث ولا تخريجه في نسخة المغنى المطبوعة مع الإحياء (^٤) لكن وجدت الزبيدي ذكر تخريج العراقي لهذا الحديث بقوله: رواه ابن السني في كتاب رياضة المتعلمين، من حديث أبي أمامة بسند ضعيف (^٥).\nفيكون سقط الحديث وتخريجه من طبعة المغنى السابق ذكرها.\nوفى موضع آخر قال الغزالي: وقال رسول الله ﷺ: من أقر عين مؤمن، أقر الله عينه يوم القيامة.\n_________\n(^١) الإحياء مع المغني ١/ ٢٣٨ حديث (٧).\n(^٢) الإتحاف ٤/ ١٩٣.\n(^٣) الإتحاف الموضع السابق.\n(^٤) الإحياء مع المغني ٢/ ١٧٥.\n(^٥) الإتحاف ٦/ ٢١٣.","vol":"4","page":1559},{"text":"ولم أجد الحديث ولا تخريجه في نسخة المغني المطبوعة مع الإحياء، وأشار مصححها أنه لم يجده في النسخة الخطية التي طبع عنها (^١).\nوعند الرجوع إلى الزبيدي في شرح الإحياء نجده ينقل تخريج العراقي له بقوله: رواه ابن المبارك في الزهد والرقائق، بإسناد ضعيف، مرسلا (^٢) وفي موضع قال الغزالي: وقد بلغنا أن رسول الله ﷺ قال كمن أسف على دنيا فاتته، اقترب من النار مسيرة شهر، وقيل سنة.\nوقد وجدت الحديث مذكورا في طبعة المغني التي مع الإحياء، لكن بدون تخريج له (^٣) وعند مراجعة الشرح وجدت الزبيدي نقل تخريجه عن العراقي بقوله: رويناه في كتاب القربة لأبي حفص العتكي، من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وقال: مسيرة ألف سنة، وإسناده ضعيف، ورويناه في الجزء الثاني عشر من فوائد الخلعي، من هذا الوجه (^٤).\nوفى موضع قال الغزالي: وقال أبو هريرة: قال رسول الله ﷺ: لا يقولن أحدكم عبدي ولا أمتي، كلكم عبيد الله، وكل نسائكم إماء الله … (الحديث).\nولم أجد الحديث ولا تخريجه فى المغنى الذي مع الإحياء (في طبعة مصطفى الحلبى) (^٥) وعند الرجوع إلى الشرح نجد الزبيدي تصدي لتخريج\n_________\n(^١) الإحياء مع المغني ٢/ ٢٠٧.\n(^٢) الإتحاف ٦/ ٢٩٢.\n(^٣) الإحياء مع المغني ٣/ ٢٦١.\n(^٤) الإتحاف ٨/ ٢١٩.\n(^٥) الإحياء مع المغني ٣/ ١٥٨.","vol":"4","page":1560},{"text":"الحديث بتوسع، ولكن نقل ضمن تخريجه، عن العراقي في تخريج الشطر الذي قدمته، قوله: هو متفق عليه من حديث أبي هريرة (^١).\nوفي موضع قال الغزالي: وروى جابر أنه ﵇ قال: رأيتني دخلت الجنة فإذا أنا بالرميصاء أمرأة أبي طلحة.\nوبعد هذا بسطور قال: لما مات إبراهيم ولد النبي ﷺ فاضت عيناه، فقيل له: أما نهيتنا عن هذا؟ فقال: إن هذه رحمة، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء.\nولم أجد الحديثين ولا تخريجهما في المغنى المطبوع مع الإحياء (طبعة مصطفى الحلبي) (^٢) وعند مراجعة شرح الإحياء نجد الزبيدي قد نقل عن العراقي تخريج هذين الحديثين (^٣) وفي موضع قال الغزالي: وقال جابر: قال رسول الله ﷺ: قال جبريل ﵇: قال الله تعالى: إن هذا دين ارتضيته لنفسى، ولن يصلحه إلا السخاء وحسن الخلق، فاكرموه بهما ما استطعتم، وفي رواية فأكرموه بهما ما صحبتموه، ثم قال: وعن عائشة الصديقة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: ما جبل الله تعالى وَلِيًّا له، إلا على حسن الخلق والسخاء.\nوقد وجدت في طبعة المغنى التي مع الإحياء تخريج العراقي للحديثين (^٤).\n_________\n(^١) الإتحاف ٧/ ٥٧٦.\n(^٢) الإحياء مع المغني ٤/ ٧٢.\n(^٣) انظر الإتحاف ٩/¬٣٠، ٣١\n(^٤) الإحياء مع المغني ٣/ ٢٣٨ حديثي ٢، ٣.","vol":"4","page":1561},{"text":"فلما رجعت للشرح، وجدت الزبيدى نقل تخريج العراقى لحديث عائشة على أنه تخريج الحديث جابر، مع تصريح العراقى فيه بأنه عن عائشة.\nثم قال عقب حديث عائشة: أغفله العراقى، وقام من جانبه هو بتخريجه من عدة مصادر، وذكر منها المصادر التى خرجه العراقى منها نفسها (^١).\nومن ذلك يظهر أنه قد سقط من نسخة الزبيدى تخريج العراقى لحديث جابر، فلما نقل بدله تخريج حديث عائشة سهوا، نسب إلى العراقى إغفال تخريج حديث عائشة، والحال أنه خرجه، وخرج حديث جابر، كما قدمت.\nاستنتاج وبيان:\nفمن تلك الأمور الخمسة يتضح لنا صعوبة الجزم بحصر جميع الأحاديث التى فاتت العراقى، وكان يلزمه التصدى لتخريجها في هذا الكتاب، بمقتضى شرطه فيه.\nوعلى ذلك فلا يسعنا إلا بيان نماذج منوعة لما ظهر لنا بالدليل، أنه قد فات العراقى تخريجه، وهو على شرطه، وذلك حسب ما هو متاح من طبعات الكتاب المخرج وهو «الإحياء» وما هو متاح أيضا من طبعات ونسخ خطية لكتاب التخريج وهو «المغنى» للعراقى.\nوذلك على النحو التالى: -\nأولا: هناك أحاديث نقلها العراقى فعلا من الإحياء، إلى كتاب المغنى لكى يخرجها، ثم وجدنا موضع التخريج بياضا، لم يُذكر فيه شيء، أو وجدنا بعض نقاط من تخريج الحديث، دون أن تُستكمل.\n_________\n(^١) الإتحاف ٨/ ١٧١.","vol":"4","page":1562},{"text":"فمن ذلك أن الغزالى قال: قال النبي ﷺ: «إنك إذا بخيل».\nفقال العراقي في المغنى: حديث: «إنك لبخيل»، ثم لم يتكلم عنه بشيء (^١) وقد ورد الحديث أيضا في نسخة الزبيدي من الإحياء، ولكنه لم يعلق عليه بشيء (^٢).\nوفي حاشية طبعة مصطفى الحلبى للمغنى بهامش الإحياء، ذكر مصحح الطبعة، الحديث، ثم علق عليه بقوله: هكذا بالنسخ - يعني نسخ المغنى التي اعتمد عليها في طبعته هذه - من غير ذكر راو، ولم يخرجه الشارح أيضا، فلينظر اهـ. مصححه (^٣) وفى موضع آخر قال الغزالي: قال أبو هريرة: قال ﷺ: إن أهل الجنة كل أشعث أغبر، ذى طمرين، لا يؤبه له، الذين إذا استأذنوا على الأمراء لم يؤذن لهم … (الحديث).\nوقد أورده العراقى هكذا في المغنى، ولم يذكر عنه شيئا (^٤).\nوهكذا جاء الحديث ايضا بنسخة الزبيدى من الإحياء، وقد علق عليه بقوله: بيض له العراقي (^٥)، ثم لم يزد هو الآخر شيئا على ذلك.\nوفي حاشية الطبعة السابق ذكرها، قال مصححها: قول العراقي: «لم يؤذن لهم» (الحديث)، هكذا في النسخ، من غير راو، وقال الشارح: بيض له العراقي، فَلْيُعْلَم. وهناك حديث ثالث: ذكره الغزالي بقوله: وليس\n_________\n(^١) الإحياء مع المغني ٣/ ٢٥٠ وبهامش الشرح ونسخة الشارح ٨/ ١٩٩.\n(^٢) الإتحاف/ الموضع السابق.\n(^٣) الإحياء مع المغني ٣/ ٢٥٠.\n(^٤) الإحياء مع المغني ٣/ ٢٧٠ حديث (٤).\n(^٥) الإتحاف ٨/ ٢٣٥.","vol":"4","page":1563},{"text":"رسول الله ﷺ يوما واحدا ثوبا سيراء من سندس، قيمته مائتا درهم … ثم نزعه … (الحديث).\nوقد أورده العراقى فى المغنى، ثم لم يذكر عنه شيئا (^١).\nوكذلك الشارح الزبيدى (^٢)؛ لكن لم يذكر تبييض العراقي له كسابقة.\nوفي حاشية طبعة المغنى السابق ذكرها، قال مصححها: قول العراقي: ثم نزعه، (الحديث)، هكذا في النسخ، بغير ذكر راو، ولم يتكلم عليه الشارح، فلينظر اهـ. وأيضا حديث رابع أورده الغزالي بقوله: عن النبي ﷺ: أنه خرج على قوم ذات يوم، وهم يتفكرون، فقال: مالكم لا تتكلمون؟ فقالوا: نتفكر في خلق الله ﷿، قال: فكذلك فافعلوا … (الحديث).\nوقد أورد العراقي صدر الحديث، ثم قال: رويناه في جزء من حديث عبد الله بن سلام (^٣).\nوقد ورد الحديث فى نسخة الزبيدي فعلق عليه بقوله: قال العراقي: رويناه في جزء، ثم ترك البياض، ولم يعين الجزء، ولا من رواه … (^٤).\nويلاحظ من هذا أن نسخة الزبيدي من التخريج، تنقص ذكر راوي الحديث، في حين نجده في طبعة التخريج السابق ذكرها، وهو «عبد الله بن سلام ﵁»، لكنه لم يذكر اسم الجزء الذي ورد فيه الحديث، كما ترى ..\n_________\n(^١) الإحياء مع المغني ٤/ ٢٢٧.\n(^٢) الإتحاف ٩/ ٣٥٣.\n(^٣) الإحياء مع المغني ٤/ ٤١٠.\n(^٤) الإتحاف ١٠/ ١٦٢.","vol":"4","page":1564},{"text":"ثم إن الزبيدي خرج رواية عبد الله بن سلام المشار إليها بقوله: وروى أحمد ومن طريقه الطبراني، ثم صاحب الحلية، من طريق عبد الجليل بن عطية عن شهر (بن حوشب) عن عبد الله ابن سلام، قال: خرج رسول الله ﷺ على ناس من أصحابه، وهم يتفكرون في خلق الله … فذكر نحوه، مختصرا (^١).\nأما صاحب كشف الخفاء ومزيل الإلباس فقد قال: قال النجم: إن العراقي قال في جزء له: رويناه من حديث عبد الله بن سلام، أنه ﷺ خرج على قوم ذات يوم، وهم يتفكرون … وساق الرواية بطولها كما جاءت في الإحياء (^٢).\nولعل ما نقله العجلوني هذا، تحريف عما ذكره العراقي في الموضع السابق، ويلاحظ أن العجلوني ناقل له بقوله: «قال النجم» …، ولعل مراده بالنجم: محمد بن محمد بن محمد، نجم الدين، الغزى العامري الدمشقي الشافعي المتوفى سنة ١٠٦١ هـ، فإن له كتابا باسم «إتفاق ما يحسن من بيان الأخبار الدائرة على الألسن» جمع فيه أحاديث مما دار على الألسن، مع بيان ما يصح منها، وما يخشن، وما لم يرد عن سيد البشر .. (^٣).\n_________\n(^١) الإتحاف ١٠/ ١٦٢ وذكر روايات أخرى من غير حديث عبد الله بن سلام، في مجموعها أكثر ألفاظ الرواية التي ذكرها الغزالي وانظر الحلية ٦/ ٦٦ ترجمة شهر بن حوشب. والعظمة لأبي الشيخ ١/ ٢٣٧ - ٢٣٨.\n(^٢) كشف الخفاء ومزيل الإلباس فيما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس للشيخ/ إسماعيل العجلوني ١/ ٣٧٠ ح ١٠٠٤.\n(^٣) انظر مقدمة الحد الحثيث، في بيان ما ليس بحديث/ ٩ للشيخ أحمد بن عبد الكريم الغزي، =","vol":"4","page":1565},{"text":"فلعله هو مظنة هذا النقل، مع تحريفه السابق. والصواب أن هذا ليس تخريجا من العراقي للحديث، كما رأيت، ولكن تسويد بذكر بعض المعلومات، التي لم يكملها، أما الحديث الخامس، فقد قال الغزالي: قال النبي ﷺ: من شبع ونام، قسا قلبه، ثم قال: لكل شيء زكاة، وزكاة البدن الجوع.\nفأورد العراقي هذا في المغنى كما هو، ثم قال: ابن ماجه من حديث أبي هريرة: لكل شيء زكاة، وزكاة الجسد الصوم، وإسناده ضعيف (^١).\nوبهذا يكون العراقي قد خرج الشطر الأخير من الحديث فقط، وسكت عن صدره وهو «من شبع ونام، قسا قلبه»، وقد علق الزبيدي على هذا بقوله: وأما الجملة الأولى من الحديث، فلم اقف لها على أصل (^٢) فلعل العراقي سكت عنها لأجل عدم قوفه لها على أصل كذلك.\nويلاحظ أن تلك الأحاديث الخمسة، كلها داخلة تحت ما التزم العراقي بالتعرض لتخريجه بمقتضى شرطه، كما أن الذى تعقبه الشارح بتخريجه، حديث واحد منها، وهو الحديث الرابع فقط، وقد خرجه من مصادر معروفة خرج العراقي منها كثيرا من الأحاديث، خلال كتابه هذا.\nثانيا: أحاديث وردت في الإحياء، مصرحا بها، أو مشارًا إليها، ولكن لم أجدها مذكورة في المغنى أصلا، ولو بدون تخريج.\n_________\n= حفيد النجم المذكور - وقرأه الشيخ بكر أبو زيد، وانظر معجم المؤلفين لعمر كحالة ١١/ ٢٨٨، ٢٨٩\n(^١) الإحياء مع المغني ٣/ ٨٢ حديث (٣).\n(^٢) الإتحاف ٧/ ٣٩٥.","vol":"4","page":1566},{"text":"فهذه تعتبر بحسب ما أوقفنى عليه البحث - مما فات العراقي تخريجه، وعدد هذا النوع من الأحاديث خلال الإحياء كله، يعتبر قليلا جدا، بالنسبة لمجموع ما خرجه العراقي من أحاديثه.\nوقد وجدت الإمام الزبيدى شارح الإحياء، صرح في عدد منتلك الأحاديث، بأن العراقي قد أغفلها، واعتذر عنه في بعضها باحتمال أنها لم تكن في نسخته من الإحياء، ثم تصدى هو لتخريج بعضها، وشارك العراقي في عدم عدم التصدى لتخريج بعضها، مع وجودها في نسخته من الإحياء، وإليك نماذج لما ذكرت؛ فمن ذلك أن الغزالي عند كلامه عن الإمام مالك، قال: وروى أن أبا جعفر المنصور، منعه من رواية الحديث فى طلاق المكره، ثم دس عليه من يسأله، فروى على ملأ من الناس: (ليس على مُستكرَه طلاق)، فضربه بالسياط، ولم يترك رواية الحديث.\nولم يتعرض العراقي لتخريج ذلك. (^١) وعدم وقوع طلاق المكره، في معناه أكثر من حديث مرفوع، ولكنها ليست من رواية مالك (^٢).\nوفيه معناه أيضا عدد من آثار الصحابة والتابعين (^٣) وقد روى مالك في موطئه بعض تلك الآثار عن كل من ابن عمر وابن الزبير، ولفظ رواية ابن عمر: ليس ذلك بطلاق - يعنى طلاق المكره (^٤). وهو بنحو اللفظ الذي ذكره الغزالي.\n_________\n(^١) الإحياء مع المغني ١/¬٣٣.\n(^٢) انظر نصب الراية للزيلعي ٣/ ٢٢٣، ٢٢٤، سنن الدارقطني - النذور ٤/ ١٧١ حديث ٣٤ مع التعليق المغني، والطلاق ٤/¬٣٦ حديث ٩٨، ٩٩.\n(^٣) انظر نصب الراية ٣/ ٢٢٣، ٢٢٤ مع حواشيها.\n(^٤) الموطأ - الطلاق - ٢/ ٥٨٧ حديث ٧٨ -","vol":"4","page":1567},{"text":"وبذلك أصبح لما ذكره الغزالي محمل من الحديث الموقوف، ومحمل من الحديث المرفوع، فتدخل فى شرط العراقي، وتحتاج إلى تخريج يتميز به ما ثبت من ذلك من رواية مالك، وكان سببا فى بلائه، وما رواه غيره. ومع ذلك لم يتعرض العراقى لتخريج هذا الموضع كما ترى.\nأما شارح الإحياء الإمام الزبيدى فقد تعرض لهذا بأمرين: -\nأحدهما: تنبيهه على أن الصحيح أن الذى منع مالكا من رواية حديث طلاق المكره، وآذاه في ذلك، هو جعفر بن سليمان الهاشمي، أمير المدينة في خلافة أبي جعفر المنصور، وليس المنصور نفسه، ايد ذلك بما رواه أبو نعيم في الحلية ٦/ ٣١٦ (ترجمة مالك بن أنس).\nثانيهما: أنه ذكر حديثا واحدًا مرفوعا مما استدل به القائلون بعدم وقوع طلاق لمكره، وهو ما رواه أبو داود وأحمد والحاكم وغيرهم من حديث عائشة ﵂ مرفوعا: لا طلاق ولا عتاق في إغلاق. وذكر أن المراد «بالإغلاق» الإكراه، وقيل الغضب، كما بين ضعف الحديث المذكور (^١) وبذلك لم يتعرض لما رواه مالك من أثر ابن عمر وابن الزبير، كما قدمته.\nكما أنه لم يتعقب العراقي بعدم تعرضه لتخريج شيء في هذا الموضع. وفي موضع قال الغزالي: فقد كان ﷺ، مأمورًا بالدعوة … فلم يتعرض العراقي لتخريج ما يدل على ذلك (^٢).\n_________\n(^١) الإتحاف ١/ ٢٠٣، ٢٠٤.\n(^٢) الإحياء مع المغني ١/¬١٤٣.","vol":"4","page":1568},{"text":"في حين أورد الشارح في مقابل ذلك حديثا مرفوعا فقال: وأخرج أبو يعلى وابن عدى من حديث عمر بن الخطاب ﵁ رفعه: بعثت داعيا ومبلغا … (الحديث) وإسناده ضعيف (^١) فيعتبر هذا مما فات العراقي تخريجه، مع دخوله فى شرطه، ولكن الشارح، لم يتعقبه بذلك.\nوفي موضع قال الغزالي: قال ابن مسعود: نهينا أن نجيب دعوة من يباهي بطعامه (^٢).\nومن المعروف أن قول الصحابي: «نهينا عن كذا» له حكم الرفع على الصحيح، (^٣).\nوبذلك يكون هذا من شرط العراقي في الكتاب، ولكن لم يعرض له بشيء (^٤) وقد تعرض له الشارح بقوله: رواه صاحب القوت (^٥).\nوقد أخرجه أبو نعيم في الحلية ١٠/ ٧٣ من طريق عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ نهى أن يؤكل طعام المتباهين.\nومن طريق عكرمة عن ابن عباس مرفوعا - أخرجه أبو داود (الأطعمة) - حديث (٣٧٥٤) والحاكم في المستدرك - كلاهما بلفظ «أنه ﷺ نهى عن طعام المتبارين أن يؤكل - وقال الحاكم ٤/ ١٢٩ (الأطعمة) صحيح الإسناد، وأقره الذهبي\n_________\n(^١) الإتحاف ٢/ ٣٩٧.\n(^٢) الإحياء مع المغني ٢/¬١٨ ونسخة الإحياء التي بهامش الإتحاف ٥/ ٢٥٩.\n(^٣) التدريب للسيوطي ١/ ١٨٨ (الموقوف - الفرع الثاني).\n(^٤) المغني مع الإحياء ٢/¬١٨.\n(^٥) الإتحاف ٥/ ٢٥٩","vol":"4","page":1569},{"text":"وهذه الرواية بمعنى ما في الحلية.\nوذكر الغزالي بعد هذا فى الموضع السابق: أن النبي ﷺ قال: إن من سنة الضيف أن يشبع إلى باب الدار.\nفلم يتعرض العراقي لتخريجه (^١).\nوقد علق مصحح طبعة مصطفى الحلبى على هذا الموضع بأن العراقي لم يخرج هذا الحديث (^٢).\nوقد أخرجه الشارح بالعزو إلى سنن ابن ماجه من حديث أبي هريرة، بنحوه، وبين أن في إسناده - كما قال البيهقي: على بن عروة، وهو متروك (^٣).\nوقال الغزالي عقب هذا ايضا: قال أبو قتادة: قدم وفد النجاشي على رسول الله ﷺ فقام يخدمهم بنفسه فقال له أصحابه: نحن نكفيك (الحديث).\nولم يتعرض العراقي لتخريج هذا أيضا (^٤) وتعقبه بذلك مصحح طبعة مصطفى الحلبي (^٥) ولم يتعرض شارح الإحياء أيضا لتخريج الحديث المذكور (^٦).\nوالحديث قد أخرجه البيهقى فى دلائل النبوة من طريق أبي قتادة قال: قدم\n_________\n(^١) الإحياء مع المغني ٢/¬١٨.\n(^٢) انظر الموضع السابق حاشية المصحح.\n(^٣) الإتحاف ٥/ ٢٦٠.\n(^٤) الإحياء مع المغني ٢/¬١٨.\n(^٥) انظر هامش الطبعة - الموضع السابق.\n(^٦) الإتحاف ٥/ ٢٦٠.","vol":"4","page":1570},{"text":"وفد النجاشي … فذكره بلفظه، وأخرجه ايضا من حديث أبي أمامة، بنحوه (^١) وكتاب الدلائل للبيهقى من مصادر كل من العراقي والزبيدي في تخريج كثير من أحاديث الإحياء، كما يعرف ذلك من مراجعة كتابيهما.\nوأورد الغزالي في موضع آخر أن النبي ﷺ كان يعجبه الثياب الخضر فلم يتعرض له العراقي (^٢).\nوقد قال الشارح: أغفله العراقى، ثم تصدى هو لتخريجه (^٣).\nوفي موضع ذكر الغزالي: حديث ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه … وفيه: فثلث طعام، وثلث شراب، وثلث للنفس.\nوقد قام العراقي بتخريجه (^٤).\nثم جاء في موضع بعد هذا بكثير قول الغزالي: وفي بعض الألفاظ: «ثلث للذكر» بدل «للنفس».\nفلم يتعرض العراقي لتخريج رواية «ثلث للذكر» هذه (^٥).\nوقد علق الشارح عليها بقوله: هكذا أورده صاحب القوت - يعنى قوت القلوب لأبى طالب المكى - ثم قال: ورواية هذا اللفظ، أغفلها العراقي (^٦).\n_________\n(^١) انظر البداية والنهاية لابن كثير - باب هجرة الحبشة ٣/ ٨٦ ط. الفجالة بمصر.\n(^٢) الإحياء مع المغني ٢/ ٣٧٢.\n(^٣) الإتحاف ٧/ ١٢٦.\n(^٤) الإحياء مع المغني ٢/¬٤ حديث (٤).\n(^٥) الإحياء مع المغني ٣/ ٨٧.\n(^٦) الإتحاف ٧/ ٤٠٥.","vol":"4","page":1571},{"text":"ولم يتعرض هو لتخريجها من مصدر آخر غير القوت.\nوفي موضع قال الغزالي: وقد قسم النبي ﷺ نساءه على مثل هذه الأ قسام: فبعضهن كان يعطيها قوت سنة، عند حصول ما يحصل، وبعضهن قوت أربعين يوما، وبعضهن يوما وليلة، وهو قسم عائشة وحفصة فلم يتعرض العراقي لتخريج شيء من ذلك (^١). وكذلك الشارح (^٢).\nوفي موضع قال الغزالي: وعن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: لما ورد موسى ﵇ ماء مدين، كانت خضرة البقل تثر في بطنه من الهزال. فلم يتعرض العراقي لتخريج ذلك (^٣) ولا تعرض له الشارح أيضا (^٤).\nوقد قدمت في اختلاف نسخ الإحياء في ذكر، أو سقط بعض الأحاديث أنه جاء في نسخ الإحياء التي بين أيدينا قول الغزالي: وقال ﷺ: ﴿إِنَّ اللّهَ عِنْدَ لِسَانِ كُلِّ قَائِل﴾ (الحديث) وأنه لم يوجد تخريج الحديث عند العراقي في المغني، وأن الشارح قام بتخريجه من مصادره، ثم بين إغفال العراقي لتخريجه، والتمس له عذرا، فقال: وهذا الحديث أغفله العراقي، وكأنه سقط من نسخته، وهو ثابت عندنا في سائر النسخ (^٥).\nوهناك مواضع أخرى مماثلة لما ذكرت مما فات العراقي، وهو على\n_________\n(^١) الإحياء مع المغني ٤/ ٢٠٢.\n(^٢) الإتحاف ٩/ ٢٩٦.\n(^٣) الإحياء مع المغني ٤/ ٢١٨.\n(^٤) الإتحاف ٩/ ٣٣٢.\n(^٥) وانظر أيضا الإحياء مع المغني ٣/ ١٠٧ والإتحاف ٧/ ٤٥٤.","vol":"4","page":1572},{"text":"شرطه (^١) وفيما ذكرته كفاية لتوضيح هذا النوع.\nثالثا: أحاديث مصرح بها أو مشار إليها، وتتكرر في الإحياء أكثر من مرة، فقد يخرج العراقي الحديث في موضع، وعند تكرره في موضع آخر يذهل عن التعرض له مرة أخرى، إما بإعادة تخريجه، وإما بالإحالة على موضع تخريجه له، وقد نبه العراقي في مقدمة الكتاب على حصول هذا الذهول منه (^٢)، وتقدم توضيح مثل هذا الذهول في مبحث «تخريج العراقي للأحاديث المكررة …» لكن من يقف على الحديث في أحد المواضع التي لم يتعرض العراقي فيها له بتخريج أو إحالة، يظن أنه قد فاته تخريجه كلية، فينتقده في ذلك، مع أنه يكون في الواقع قد خرج الحديث، لكن في موضع آخر، ولم يقف عليه من ينتقده، ومما ساعد على ذلك أنه قد يكون تخريجه للحديث ليس في الموضع الأول لوروده في الإحياء.\nففي موضع ساق الغزالي بعض معجزاته ﷺ، وذكر منها «ما تفجر من بين أصابعه من الماء».\nفلم يتعرض العراقي في هذا الموضع لتخريج الحديث المشتمل على هذه\n_________\n(^١) انظر الإحياء مع المغني ٢/¬٦ (حديث أنه ﷺ شرب لبنا، (الحديث) وفيه قوله ﷺ الأيمن فالأيمن) وقد خرجه الشارح ٥/ ٢٢٣ والإحياء ٢/¬١٧ (حديث فضل عائشة على النساء، كفضل الثريد على سائر الطعام) وقد خرجه الشارح ٥/ ٢٥٣.\nوالإحياء ٢/ ٣٣٢ (حديث نهيه ﷺ من أكل الثوم والبصل فلا يحضر المساجد) وقد خرجه الشارح ٧/ ٥٦.\nوالإحياء ٤/ ٩٦ (ذكر الغزالي أنه لم يكن السيف والملك لغيره ﷺ من الأنبياء) وقد خرج الشارح ما يدل على ذلك/ الإتحاف ٩/ ٧٧.\n(^٢) المغني مع الإحياء ١/¬٩.","vol":"4","page":1573},{"text":"المعجزة، ولا نبه على أنه قد خرجه في موضع آخر (^١).\nثم بعد هذا بعدة أبواب بلغت قرابة مئتى صفحة، ذكر الغزالي حديثا طويلا لعمر بن الخطاب ﵁ في تعداد فضائل وخصائص للرسول ﷺ، استهلها بقوله: بأبي أنت وأمى يارسول الله، لقد كان جذع تخطب عليه، فلما كثر الناس، اتخذت منبرا لتسمعهم، فحن الجزع لفراقك … إلى أن قال: لئن كان موسى بن عمران أعطاه حجرا تنفجر منه الماء، فماذا بأعجب من أصابعك حين نبع منها الماء، ﷺ … «الحديث بطوله.\nفقام العراقي بتخريج فقرات الحديث، ومنها قوله: وحديث نبع الماء من بين أصابعه، متفق عليه، من حديث أنس، وغيره …» (^٢).\nلكن لما كان الموضع الذي خرج فيه الحديث متأخرا عن الموضع الأول، كما ترى، فإن الشارح علق على الحديث في الموضع الأول بقوله: وقد فات العراقي هذا الحديث، فلم يذكره في تخريجه، ونحن نذكر - بعون الله تعالى - من رواه من الصحابة، ومن أخرجه، فنقول: … ثم ساق تخريجه بتوسع، عن سنة من الصحابة، وبدأ بمن خرج العراقى الحديث عنها بالعزو إلى الصحيحين، وهما أنس وجابر كما تقدم، لكن لم ينسب ذلك للعراقي (^٣) فلما جاء الموضع المتأخر الذي خرج فيه العراقي الحديث نقل الشارح تخريج العراقي له، دون تنبه لانتقاده الأول له (^٤).\n_________\n(^١) الإحياء مع المغني ١/ ١١٩.\n(^٢) الإحياء مع المغني ١/ ٣١٨، ٣١٩.\n(^٣) الإتحاف ٢/ ٢٠٧.\n(^٤) الإتحاف ٥/ ٥٢.","vol":"4","page":1574},{"text":"وفي موضع قال الغزالي - كما في نسختين من الإحياء - وقال ﷺ: خير الطعام، ما كثرت عليه الأيدى.\nفلم يتعرض العراقي لتخريج هذا الحديث في هذا الموضع (^١).\nولم يوجد هذا الحديث بنسخة الزبيدى من الإحياء، ولذلك لم يوجد عنده شيء عنه (^٢).\nوقد علق مصحح طبعة مصطفى الحلبى، على هذا الحديث بقوله: لم يتكلم عليه العراقي لسقوطه من نسخته، كما لم يذكره الشارح، فليتأمل. اه مصححه.\nأقول: وجَزْمُ المصحح بسقوط هذا الحديث من نسخة العراقي، لا يسلم له؛ لعدم وقوفه على نسخة العراقي من الإحياء، ولكن عدم وجود الحديث في نسخة الزبيدى، وكذلك عدم وجود تخريج العراقي له في نسخة الزبيدي من المغنى، كلاهما يجعلان احتمال السقط واردا، ولكن هناك احتمال آخر وهو أن العراقي تعرض لتخريج حديث بنحوه بعد هذا الموضع بكثير، ثم ذهل عن الإحالة بأنه سيأتى (^٣)، كما أحال في مواضع أخرى على ما سيأتي، وقد أوضحت ذلك في مبحث «تخريج العراقي للمكرر …»\nوفي موضع قال الغزالي: قال أبو الدرداء لكعب (الأحبار): أجزلي عن\n_________\n(^١) الإحياء مع المغني ٢/¬٥ ونسخة الإحياء بهامش الإتحاف ٥/ ٢١٧.\n(^٢) الإتحاف ٥/ ٢١٧.\n(^٣) الإحياء مع المغني ٢/ ٣٦٦ حديث رقم (٥) - كتاب آداب المعيشة - بيان أخلاقه ﷺ وآدابه في الطعام.","vol":"4","page":1575},{"text":"أخص آية - يعنى في التوراة - فقال: يقول الله تعالى: طال شوق الأبرار إلى لقائي … (الحديث) بطوله، وفى آخره: قال ابو الدرداء: أشهد أنى سمعت رسول الله يقول هذا.\nفلم يتعرض له العراقي بشيء (^١).\nوقد أورد الغزالي قبل هذا الموضع بكثير - الحديث مختصرا فقال: وبقوله: ﵊ حكاية عن ربه، ﷿ لقد طال شوق الأبرار إلى الصلاة والسلام - حكاية عن ربه، ﷿ لقد طال شوق الأبرار إلى لقائي، وأنا إلى لقائهم أشد شوقا.\nفتصدى العراقي لتخريجه في هذا الموضع المتقدم (^٢) ولكنه عند تكرره في الموضع الثاني لم يحل على السابق، ولا تعرض لتخريجه، كما أسلفت.\nوقد نقل الشارح في الموضع الأول عن العراقي تخريجه للحديث، دون زيادة (^٣) لكن عند تكرره في الموضع الثاني تعقبة بقوله: أغفله العراقي، والذى رواه أبو الدرداء مرفوعا هو قوله: يقول الله تعالى: من طلبني وجدني، ومن طلب غيرى ولم يجدني (^٤).\nرابعا: أحاديث أوردها الغزالى في الإحياء، ونقلها العراقي في المغنى، وعلق عليها بأنه لم يجدها، أو بأنه لم يجد لها أصلا، هكذا بإطلاق، أو مع تقييد\n_________\n(^١) الإحياء مع المغني ٤/ ٣١٥.\n(^٢) الإحياء مع المغني ٣/¬٨ حديث رقم (٢).\n(^٣) الإتحاف ٧/ ٢٢١.\n(^٤) الإتحاف ٩/ ٦٠٤.","vol":"4","page":1576},{"text":"يتعلق بالسند مثل قوله: لم أجد له إسنادا، أو يتعلق بالمتن، مثل قوله: لم أجده بهذا اللفظ.\nثم قام العلماء من بعده بتعقبه بما وجدوه من ذلك.\nحتى ألف بعضهم فيما فات العراقي في هذا التخريج، وسيأتي توضيح ذلك في موضعه إن شاء الله.","vol":"4","page":1577},{"text":"٢ - <span data-type='title' id=toc-513>«عدد أحاديث الإحياء التي خرجها العراقي في المغني، وترقيمها»</span>\nقدمت في مبحث التخريج الكبير ما ذكره ابن فهد من أن القدر الذي قرئ على العراقي مما بيضه منه، ينتهي إلى قوله فى أواخر كتاب «الحج»: الحديث الثامن والعشرون، قال ﷺ: ولم يصبر على شدتها ولأوائها أحد إلا كنت له شفيعا يوم القيامة (^١) وهذا يدل صراحة على أن العراقي قام في التخريج الكبير بترقيم وإحصاء أحاديث الإحياء التي خرجها في كل باب على حدة، ويجمع جملة أحاديث الأبواب كان يمكننا الحصول على عدد أحاديث الكتاب كله التي خرجها العراقي، إلا أن التخريج الكبير كما قدمت في حكم المفقود حاليا، ولما كان هذا التخريج الصغير طابعه الأساسي هو الاختصار، فإن العراقي لم يتعرض فيه لترقيم وإحصاء الأحاديث التي خرجها، وقد فعل قرينه ابن الملقن مثل ذلك، حيث إنه في تخريجه الكبير لأحاديث شرح الرافعي الكبير، رقم بالتسلسل، الأحاديث التي خرجها في كل باب من أبواب الكتاب على حدة، بالإضافة إلى أنه بين في مقدمة التخريج، العدد الإجمالي لأحاديث وآثار الكتاب التي خرجها فقال: إنها تزيد على أربعة آلاف بالمكرر (^٢) أما في مختصره لهذا التخريج والذي سماه «خلاصة البدر المنير» فإنه لم يرقم أحاديث الكتاب التي خرجها، ولكن اكتفى بذكره في المقدمة الإحصاء الإجمالي للأحاديث والآثار المخرجه في الكبير، بنحو ما ذكره في مقدمة التخريج الكبير (^٣) وهذا بلا شك أفضل من عدم ذكر ذلك.\n_________\n(^١) انظر ص ٧٦١ من هذا الكتاب.\n(^٢) انظر البدر المنير ج ١/¬٨ أ و١/ ٣١١ من المطبوع.\n(^٣) انظر خلاصة البدر المنير/ ١٨٨ و١/¬٣ من المطبوع.","vol":"4","page":1578},{"text":"الإحصاء كما فعل العراقي، معرفة العدد الإجمالي للأحاديث المخرجة في الكتاب، تعد دليلا واضحا على قيمته في علم التخريج وعلى أثر وجهد صاحبه فيه، ولهذا رأيت أن أقوم من جانبي بإحصاء عدد الأحاديث التي خرجها العراقي في هذا التخريج الصغير، حيث إني لم أجد من سبقني إلى ذلك، وقد اعتمدت في الإحصاء على الترقيم المسلسل للأحاديث في كل صفحة من الكتاب في طبعته الحلبية السابق التعريف بها، فوجدت جملة أحاديث الكتاب خمسة وتسعين وخمسمائة وأربعة آلاف حديث (^١)، مع ملاحظة أنه يدخل في هذا العدد الأحاديث التي قال العراقي إنه لم يجدها (^٢) والأحاديث التي تكرر ورودها في الإحياء وتكرر تخريج العراقي لها أو تنبيهه على تكررها كما سيأتي، ويدخل في هذا العدد أيضا الأحاديث المتقطعة؛ حيث يذكر الغزالي جزءا من حديث للاستدلال به، ثم يورد جزءا آخر من نفس الحديث للاستدلال أيضا به، دون أن يشير إلى كونه جزء من الحديث السابق، فيذكرهما العراقي في التخريج على أنهما حديثان، ولكن ينبه على أنهما واردان في كتاب السنة حديثا واحدا، مثال ذلك: أن الغزالي في الإحياء قال: قال رسول الله ﷺ: العلماء ورثة الأنبياء، فخرجه العراقي من حديث أبي الدرداء (^٣) ثم قال الغزالي عقب ذلك بقليل: وقال ﷺ: «يستغفر للعالم ما في المسوات والأرض»، فقال العراقي في تخريجه: حديث «يستغفر\n_________\n(^١) وقد خرجت الآن سنة ١٤١٥ هـ طبعة للمغني مرقمة الأحاديث، بعناية الأخ أشرف عبد المقصود فبلغ العدد حسب ترقيمه (٤٦١٣)، ويلاحظ أن الفرق بيننا يسير جدا، فالحمد لله على توفيقه.\n(^٢) انظر المغني بهامش الإحياء ج ١/ ٢٢٢، ٢٢٣.\n(^٣) الإحياء وبهامشه المغني ج ١/¬١٢ حديث (٢).","vol":"4","page":1579},{"text":"للعالم ما فى السموات والأرض، هو بعض حديث أبى الدرداء المتقدم (^١). ويدخل فى العدد المذكور أيضا الأحاديث المجموعة حيث يذكر الغزالى حديثين أو أكثر فى سياق واحد دون فصل أو تمييز، فيذكر العراقى ذلك فى التخريج على أنه حديث واحد كما ذكره الغزالى، ولكن يبين أنه فى واقع كتب السنة يعتبر أكثر من حديث، فقد قال الغزالى: وفى الحديث: من قال أنا مؤمن فهو كافر، ومن قال أنا عالم فهو جاهل، فقال العراقى فى تخريجه: أخرجه الطبرانى فى الأوسط بالشطر الأخير منه من حديث ابن عمر، وفيه ليث بن أبى سليم تقدم، والشطر الأول روى من قول يحيى بن أبى كثير، رواه الطبرانى فى الأصغر بلفظ: من قال أنا فى الجنة فهو فى النار، وسنده ضعيف (^٢) وقال الغزالى: وروى أن جبريل ﵇ نزل على رسول الله ﷺ فقال: يا محمد: إن الله ﷿ يقرأ عليك السلام ويقول: أتحب أن أجعل هذه الجبال ذهبا، وتكون معك أينما كنت؟ فأطرق رسول الله ساعة ثم قال: يا جبريل، إن الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، ولها يجمع من لا عقل له، فقال له جبريل: يا محمد ثبتك الله بالقول الثابت».\nفقال العراقى فى تخريجه: هذا ملفق من حديثين … وذكرهما (^٣) وفى موضع آخر قال عما أورده الغزالى: لم أجده بهذا اللفظ مجموعا، ثم خرج فى مقابله حديثين (^٤) وفى موضع ثالث قال الغزالى: وروى أنعمر بن الخطاب\n_________\n(^١) الإحياء وبهامشه المغنى ج ١/¬١٢ حديث (٣).\n(^٢) الإحياء وبهامشه المغنى ج ١/ ١٣٠ حديث (١).\n(^٣) الإحياء مع المغنى ج ٤/ ١٩٠.\n(^٤) الإحياء مع المغنى ج ١/ ٣٢٩.","vol":"4","page":1580},{"text":"شمع بعد موت رسول الله ﷺ يبكى ويقول: بأبي أنت وأمى يارسول الله … وساق حديثا طويلا ذكر فيه عمر ﵁ حنين الجذع إلى رسول الله ﷺ، ونبع الماء من بين أصابعه، والإسراء به، وكلام الشاة المسمومة له، وأنه أُدْمِى وجهه وكُسِرَتْ رَبَاعِيتُه فقال: اللهم اغفر لقومى فإنهم لا يعلمون، وأنه لبس الصوف، وركب الحمار، وأردف خلفه، ووضع طعامه على الأرض، ولعق أصابعه، فقال العراقي في تخريجه لهذا: هو غريب بطوله من حديث عمر، وهو معروف من أوجه أخرى … وخرج في مقابلة عشرة أحاديث، ومع ذلك فهي معدودة حديثا واحدا تبعا لصنيع الغزالي في إيرادها سياقا واحدا (^١) كما يدخل ف الإحصاء الذي ذكرته أيضا، ما أشار الغزالي نفسه إلى تعدده، ولكنه اعتبر حديثا واحدا؛ لكون الإشارة إليه واحدة، كقول الغزالي عن صيام الدهر: إن الأخبار وردت بكراهته، فقال العراقي في تخريجه: الأحاديث الدالة على صيام الدهر … وخرج ثلاثة أحاديث (^٢) بل إن الغزالي أورد قول ابى طالب المكي: إن الكبائر سبع عشرة، جمعتها من جملة الأخبار، فقال العراقى: الأخبار الواردة ف الكبائر … وذكر واحدا وعشرين حديثا مرفوعا، وأربعة آثار، ولكن الجميع معدود حديثا واحدا؛ لكونه ورد جملة واحدة في مقابل إشارة واحدة من الغزالي (^٣) وبذلك ترى أن الإحصاء الإجمالى الذي ذكرته، تعتبر الأحاديث المخرجة فعلا أكثر منه بمئات، بحيث يجاوز العدد الإجمالي للأحاديث المخرجة خمسة آلاف\n_________\n(^١) انظر الإحياء وبهامشه المغني ج ١/ ٣١٨، ٣١٩.\n(^٢) الإحياء وبهامشه المغني ج ١/ ٢٤٤\n(^٣) الإحياء وبهامشه المغني ج ٤/¬١٧، ١٨.","vol":"4","page":1581},{"text":"حديث، بينما تخريج ابن الملقن لشرح الرافعى بلغ أربعة آلاف فقط كما تقدم، وهذا يصور لنا مدى ما بذله العراقى من المضنى والمفيد في علم التخريج عموما وفي خدمة كتاب الإحياء خصوصا، على امتداد عشرات السنين قضاها برغم أعبائه ومهماته العلمية السابقة والآتية، قضاها حلا وترحالا مصبحا وممسيا في البحث والتنقيب عن هذه الآلاف المؤلفة من الأحاديث، وتخريج ألفاظها وأسانيدها من مئات المصادر كما قدمت، إيضاحه، ثم الكشف عن رواة تلك الأحاديث وبيان حالها متنا وسندا، كما سأفصله فيما يلى من مباحث.","vol":"4","page":1582},{"text":"<span data-type='title' id=toc-514>ما صرح العراقي بأنه لم يجده، أو عبر عن ذلك بعبارة اصطلاحية</span>\nذكرت فيما فات العراقي تخريجه من أحاديث كتاب «الإحياء»، أن هذا الفائت متنوع: فمنه ما وجد في «الإحياء» ولم أجد العراقي تعرض له في كتاب «المغني» مطلقا.\nومنه ما وجدت العراقي ذكره في «المغني» وترك موضع الكلام في تخريجه بياضا.\nومنه ما ذكر بعض المعلومات عنه، ولم يكمل تخريجه.\nوهنا أريد أن أبين الآتي:\nأولا: أن هناك أحاديث ذكرت في كتاب الإحياء، ولكن العراقي صرح بنفسه أنه لم يجدها.\nفقد قال في مقدمة كتابه «المغني»: «وحيث لم أجد ذلك الحديث - يعني المطلوب تخريجه - ذكرت ما يغني عنه غالبا، وربما لم أذكره» (^١).\nفمن هذا يتضح أن هناك أحاديث وردت في «الإحياء»، وبحث عنها العراقي بحثه المعروف بالتوسع والدقة، ولكن لم يقف عليها في المصادر التي أتيحت له رغم كثرتها وتنوعها - كما تقدم في بيان مصادره - وأنه حيال تلك الأحاديث، تعدد موقفه: فتارة يذكر مما وقف عليه هو، ما يمكن - في نظره - الاستغناء به في الاستدلال للموضع الذي ورد فيه الحديث الذي لم يجده.\nومن يلاحظ مصاعب البحث في المصادر في عصر العراقي قبل ظهور.\n_________\n(^١) المغنى مع الإحياء ١/¬٩.","vol":"4","page":1583},{"text":"الطباعة والفهرسة الدقيقة، يستطيع تصور الجهد الكبير والمشكور الذي بذله العراقي في هذا، وجمعه بين العلم بنصوص الأحاديث، وبين فقهها (^١).\nوتارة لا يجد العراقي الحديث المطلوب، ولا يذكر ما يقوم مقامه ويفهم من قوله: «وربما لم أذكره» أن الأحاديث التي لم يجدها ولم يذكر من جانبه بديلا عنها، تعتبر قليلة، بجانب ما ذكر بديلا عنه.\nولقد استعرضت كتاب العراقي كله، فوقفت على أكثر من مائة موضع، مما قال فيه: «لم أجده» أو «لم أره» أو «لم أقف عليه» مطلقا، أو مقيدا. وقد تنوعت عبارته عن ذلك:\nفتارة يطلق القول بأن الحديث المطلوب تخريجه، «لم يجده» أو «لم يقف عليه»، ثم يسكت، فلا يذكر شيئا (^٢)، وهذا في أقل المواضع.\nوتارة يقيد عدم وجوده للحديث المطلوب، بأمر يتعلق بالسند، مثل قوله: «لم أظفر له بإسناد» أو «لم أره» أو: لم أجده، من حديث فلان (^٣)، وقد يقيد بأمر يتعلق بالمتن، مثل قوله: «لم أجده بهذا اللفظ» (^٤) أو لم أجده\n_________\n(^١) تنظر الأمثلة التي سأحيل عليها قريبا.\n(^٢) ينظر مثلا الإحياء مع المغنى ١/ ٩٧ حديث (٤) ولم يذكر الشارح ٢/¬٣٧ قول العراقي، ولا ذكر من جانبه هو شيئا.\nو١/ ١٦٣ حديث (٣) ووافقه الشارح ٣/ ٩٤، ٢/ ٣٧٤ حديث (٣) ووافقه الشارح ٧/ ١٢٨، ٤/ ٣٨٩ حدث (١)، (٥) مع الشرح ١٠/ ١٠٥، ١٠٦.\n(^٣) ١/ ١٣١ حديث ٤ وأقره الشارح ١/ ٧٨ وص ١٣٢ حديث (١) وأقره الشارح ٢/ ٣٠٨ و١/ ١٣١ حديث (٣) وأقره الشارح ٢/ ٣٠٧، ٣٠٨، ١/ ١٨٧ حديث (٧) مع الشرح ٣/ ٢٥٥، ٣/ ١٠٧ حديثى (٦)، (٧) ووافقه الشارح ٧/ ٤٥٤\n(^٤) الإحياء مع المغنى ١/ ٦٥ حديث (٤) ووافقه الشارح ١/ ٣٥٤، ١/ ١٦٢ =","vol":"4","page":1584},{"text":"هكذا (^١) أو بهذا السياق (^٢).\nوقد تعقب العراقي في بعض الأحاديث التي قرر إنه لم يجدها مطلقا أو مقيدا.\nفمن ذلك: أن الغزالي ذكر حديث سهيل بن عمرو أن رسول الله ﷺ لما قدم مكة وضع يده على باب الكعبة، والناس حوله فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له صدق وعده (الحديث) وفيه: يا معشر قريش ما تقولون وما تظنون؟\nوقد قال العراقي: لم أجده (^٣).\nوقد تعقبه الزبيدي في الشرح ٨/¬٤١ فقال: قلت: بل رواه أحمد بن زنجويه في كتاب الأموال من طريق ابن أبي حسين، فساقه بنحوه.\nأقول: وهو فعلا في كتاب الأموال لابن زنجويه برقم (٤٥٦).\nوهناك موضع آخر مشابه لهذا (^٤).\nولكن بالتتبع ظهر لي أن المتعقب على العراقي في ذلك قليل، والأكثر أقره الشارح وغيره عليه، كما ستأتي الإشارة إلى ذلك في أثر الكتاب.\n_________\n= حديث (٨) قال العراقي: لم أجده بهذا اللفظ - يعنى المذكور في الإحياء - ولكن الشارح ٣/ ٩٣ لم يذكر قول العراقي هذا، ١/ ١٧٢ حديث (١) مع التصويب من الشرح ٣/ ١٣٩، ٣/ ١٣٦ حديث (٢) مع الشرح ٧/ ٥٢٦.\n(^١) المغنى مع الإحياء ١/ ١٥٢ حديث (٧) وسقطت من طبعة المغنى تلك العبارة، ولكنها في نقل الشارح ٣/¬٩.\n(^٢) المغني مع الإحياء ٣/ ٦٤ حديث (٣) مع الشرح ٧/ ٣٥١.\n(^٣) الإحياء مع المغنى ٣/ ١٧٩ حديث (٢).\n(^٤) ينظر الإحياء مع المغنى ٣/ ٧٩ حديث ٣ مع الشرح ٧/ ٣٨٨.","vol":"4","page":1585},{"text":"ثانيا: قد عبَّر العراقي كذلك عما لم يجده من الأحاديث بعبارة اصطلاحية وهي قوله: «غريب» مع الإطلاق أو التقييد أيضا.\nولكنّه لم ينبه على ذلك في المقدمة ضمن عناصر منهجه.\nوهذه العبارة قد استعملها غير العراقي ممن اشتغل بتخريج أحاديث كتب الفقه وغيره من العلوم الشرعية.\nفممن سبقه إلى ذلك الإمام النووي (ت ٦٧٦) هـ في كتابه المجموع شرح المهذب في الفقه الشافعي (^١) ولكنه أيضا لم يبين مراده بهذه العبارة الاصطلاحية في مقدمة كتابه المذكور بحسب استعراضي لها (^٢) ولكن الحافظ ابن حجر ذكر تعبير النووي بتلك العبارة وقال: إنه يستعملها فيما لم يجده (^٣) فلعل الحافظ وقف على بيان النووي لذلك في موضع آخر، أو استنتجه من خلال النظر في المواضع التي استعملها فيها.\nومن معاصري العراقي استعملها أيضا رفيقه في الاشتغال بالتخريج كما تقدم، وهو عبد الله بن يوسف الزيلعي (ت ٧٦٢ هـ).\nكما نجده في كتابه نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية، فيقول عن بعض الأحاديث: غريب (^٤) أو غريب بهذا اللفظ (^٥) أو غريب جدا (^٦) وكذلك\n_________\n(^١) ينظر المجموع ٨/ ١٥٠.\n(^٢) ينظر المجموع ١/¬٢ - ٧٩ مع فتح العزيز للرافعي.\n(^٣) الفتوحات الربانية على الأذكار النووية ٥/¬٢٤ وتحفة الأبرار للسيوطى/ ٩٨.\n(^٤) ١/¬٩ حديث (٥)، ٣٧ حديث (١٥).\n(^٥) ١/¬٣٤ حديث ١٤.\n(^٦) النصب ١/¬٣٧ حديث ١٦.","vol":"4","page":1586},{"text":"في تخريجه لأحاديث كتاب الكشاف في تفسير القرآن للزمخشرى (^١) ولم أجد تصريح الزيلعي بمراده بهذه العبارات بنفسه، ولكن الحافظ قاسم بن قطلوبغا (ت ٨٧٩) نسب ذلك إليه فقال: إنه يقول لما لم يجده: حديث غريب، ثم عقب ابن قطلوبغا على هذا بقوله: وهو اصطلاح غريب (^٢).\nأقول: ولعل هذا مما جعل الحافظ ابن حجر عند اختصاره (لنصب الراية) يعدل عن هذه اللفظة إلى التصريح بالمقصود بها؛ ففي المواضع التي يستعملها الزيلعي، ولا يجد ابن حجر بدوره الحديث، فإنه يقول: «لم أجده» يدل قول الزيلعي: غريب (^٣).\nواستعمل هذه العبارة بهذا الاصطلاح أيضا قرين العراقي: عمر بن علي، المعروف بابن الملقن (ت ٨٠٤ هـ)، ولكنه نبه في مقدمة كتابه «خلاصة البدر المنير» على ذلك فقال: مشيرا بقولي: متفق عليه إلى …، وبقولي: غريب أنى لا أعلم من رواه (^٤).\nويعتبر ابن الملقن بهذا، هو الوحيد ممن تقدم ذكرهم الذي وقفت على تصريحه بمقصوده بهذه العبارة الاصطلاحية، وقد ذكر الحافظ ابن قطلوبغا\n_________\n(^١) تنظر ورقة ١٥٢/ أ، ١٥٤/ ب من نسخة تخريج الزيلعي الخطية بدار الكتب المصرية.\n(^٢) منية الألمعي فيما فات من تخريج أحاديث الهداية للزيلعي/ ٩ بآخر الجزء الرابع من نصب الراية.\n(^٣) ينظر النصب ١/¬٩ حديث ٥ مع الدراية ١/¬١٧ حديث ٦. و١/¬٣٤ حديث ١٤ مع الدراية ١/¬٢٨ حديث ٨، ١/¬٣٧ حديثي ١٥، ١٦ مع الدراية ١/¬٣٠ حديثي ١٩، ٢٠.\n(^٤) خلاصة البدر المنير/ مخطوط ضمن مجموع بدار الكتب المصرية برقم (٦٩٩) حديث. ورقة ١٨٨/ ب، ١٩٨/ أ.","vol":"4","page":1587},{"text":"استعمال الزيلعي لهذه العبارة الاصطلاحية، ووصف ذلك بأنه اصطلاح غريب كما تقدم، ثم قال: فعله أيضا العلامة أبو حفص عمر بن الملقن، في تخريج أحاديث الرافعي، فالله أعلم هل تواردا - يعني الزيلعي وابن الملقن - أو أخذ أحدهما من الآخر (^١).\nأقول: فلعل ابن قطلوبغا لم يكن وقف حينذاك على سبق النووي (ت ٦٦٧ هـ) لكليهما كما قدمت، أما وقوفه على استعمال العراقي لهذا فهو مؤكد، لأن له تأليفا في الاستدراك عليه في تخريج أحاديث الإحياء هذا كما سيأتي، ومقتضاه اطلاعه التفصيلي، وبعناية على كتاب «المغني» هذا، وقد استعمل فيه العراقي هذا الاصطلاح كما ترى.\nولعل عدم تنبيه العراقي عليه كما فعل قرينه ابن الملقن، لأن العراقي رأى أنه اصطلاح معروف عند من قبله، وبين معاصريه، كما أوضحته، بخلاف ما قرره ابن قطلوبغا، بحسب اطلاعه هو.\nوسيأتي أيضا أن العراقي في بعض المواضع قرن بين لفظ «غريب» هذا وبين قوله: «لم أجده» فأشار بذلك إلى مقصوده الاصطلاحي بلفظ «غريب». في باقى المواضع، وإن كانت هي الأكثر.\nثم إلى راجعت المواضع التي استعمل فيها العراقي هذا الاصطلاح فوجدتها أقل من مواضع قوله عن الحديث المطلوب تخريجه: لم أجده، أو لم أره، ونحوهما، مع الإطلاق والتقييد، كما أسلفت. ووجدت استعماله للفظة «غريب» هذه الاصطلاحية مطلقة، في مواضع\n_________\n(^١) تنظر منية الألمعي له، بآخر نصب الراية ٩، ١٠.","vol":"4","page":1588},{"text":"قليلة (^١) ومقيدة بما يتعلق بالسند (^٢) أو المتن (^٣)، وذلك في غالب المواضع، كما أنه في تلك المواضع المقيدة، يذكر ما يراه بديلا عما ذكره الغزالي، أو بديلا عن بعضه. وقد لاحظت في بعض المواضع أنه قرن بين لفظة «غريب» وعبارة «لم أجده» فأفاد بذلك في توضيح مراده بلفظة «غريب» (^٤) وأنه يقصد بها أنه لم يقف على ما ذكره الغزالي، مطلقا، أو مقيدا فتكون عنده بمعنى عبارة «لم أجده» التي سبق الكلام عنها.\nولاحظت كذلك أن شارح الإحياء الإمام الزبيدي قد وافق العراقي في غالب ما استعمل فيه لفظة «غريب» الاصطلاحية، هذه.\nولكن تعقبه في بعض المواضع، حيث قال الغزالي: «وفي حديث آخر: ثلاث من أوتيهن فقد أوتي مثل ما أوتى آل داود: العدل، في الرضا والغضب، والقصد في الغنى والفقر، وخشية الله في السر والعلانية، فقال العراقي: غريب بهذا اللفظ، والمعروف ثلاث منجيات، فذكرهن بنحوه» (^٥).\n_________\n(^١) ينظر الإحياء مع المغنى ٣/ ٣٣٢ أحاديث ٥، ٦، ٧.\nوقد أقر الشارح العراقى على قوله في حديثى ٦، ٧: غريب ولكن تعقبه في حديث (٥) بذكر رواية مختصرة في معناه/ ينظر الاتحاف ١٠/ ٣٥٣، ٣٥٤.\n(^٢) الإحياء مع المغنى ٤/ ٥٢٤ حديث (٤) وقد وافقه الشارح من جهة السند التي استغربها، ولكن تعقبه بوجود حديث بسياق المتن الذى في الإحياء/ الإتحاف ١٠/ ٥٤١.\n(^٣) ينظر مثلا الإحياء مع المغنى ١/ ٣١٤ حديث (٢) ووافقه الشارح ٥/¬٣٧، ١/ ٣١٩ حديث (١) ووافقه الشارح ٥/ ٥٣، ٢/ ٥٦ حديث (٢) ووافقه الشارح ٦/ ١٧٣، ٢/ ٢١٧ حديث (٢) ووافقه الشارح ٦/¬٦/¬٣.\n(^٤) ينظر الإحياء مع المغنى ١/ ٣٠٦ حديث (٧) ووافقه الشارح ٥/¬١٤، ٤/ ٥٤ حديث (١) ووافقه الشارح ٨/ ٦١٩، ٤/ ٦٠ حديث (٤).\n(^٥) ينظر الإحياء مع المغنى ٤/ ٣٤٨ حديث (٤).","vol":"4","page":1589},{"text":"وقد تعقبه الزبيدي بقوله: قلت: ليس بغريب؛ بل رواه هكذا الحكيم في النوادر، من حديث أبي هريرة (^١).\nومراده بالحكيم (الترمذي الحكيم) وبالنوادر: كتابه المعروف بنوادر الأصول. ويلاحظ أن هذا الكتاب من مصادر العراقي في كتابه هذا (^٢) فلعله لم يراجعه في هذا الحديث، وقد عزا السيوطي وغيره الحديث إلى الحكيم في النوادر (^٣).\nوفي موضع قال الغزالي: وفي حديث معاذ بن جبل ﵁ أن النبي ﷺ قال: إن العبد ليسأل يوم القيامة عن كل شيء، حتى عن كحل عينيه … (الحديث).\nفقال العراقي: لم أجد له إسنادا (^٤).\nثم كرر الغزالي الحديث في موضع آخر (^٥) فأحال العراقي بتخريجه على حديث قبله قال عنه: لم أقف له على أصل (^٦).\n_________\n(^١) الإتحاف ٩/ ٦٧٨.\n(^٢) ينظر المغنى مع الإحياء ١/ ١٨٥ حديث (٦) وغيره كثير/ ينظر المغنى ٣/ ٣٤٢ ط أضواء السلف.\n(^٣) الجامع الصغير للسيوطي مع فيض القدير ٣/ ٢٩٢ حديث (٣٤٣١) وفي الفيض تفصيل في الرواية يدل على اطلاع المناوي فعلا على الحديث في كتاب النوادر، وينظر كنز العمال ١٥/ حديث (٤٣٢٢٤).\n(^٤) ينظر المغنى مع الإحياء ٤/ ٣٦٠ حديث (٢).\n(^٥) الإحياء مع المغنى ٤/ ٣٨٨ حديث (١).\n(^٦) ينظر الموضع السابق ص ٣٨٧ حدث (١).","vol":"4","page":1590},{"text":"وقد تعقب الزبيدي العراقي في الموضع الأول بقوله: قلت: بل رواه أبو نعيم في الحلية بلفظ: يا معاذ … (الحديث) وفيه: إن المؤمن ليسأل يوم القيامة عن جميع سعيه، حتى عن كحل عينيه (^١) وفي الموضع الثاني أعاد الشارح تعقبه السابق مع بعض تصرف (^٢) أقول: والحديث فعلا في الحلية لأبي نعيم، يرويه بسنده، في موضعين، من طرق عن معاذ، وأحد الموضعين باللفظ السابق ذكر الزبيدي له (^٣) ويلاحظ أن كتاب الحلية أيضا من المصادر التي رجع العراقي إليها كثيرا في تخريجه هذا، فسبحان من لا يسهو، ولا يغفل. كما أن مما يؤيد كون العراقي لم يكن اعتماده في هذا التخريج على عمل رفيقه وتلميذه الهيثمي في ترتيب أحاديث الكتب أو جمع زوائدها، كما تقدم ذكر ذلك والجواب عنه.\nلأن كتاب «الحلية» قد قام الهيثمي بتجريد أحاديثه ثم ترتيبها على الأبواب، وكان العراقي هو الذي يوجهه في ذلك وغيره من مؤلفاته كما تقدم في ترجمته ضمن تلاميذ العراقي.\nفكان مقتضى استعانة العراقي بعمل الهيثمي في هذا، أن يحصل منه على تلك الرواية المسندة للحديث في موضعين من الحلية، كما تقدم، بدلا من نفيه الجازم بأنه لم يجد لها إسنادا، كما سبق ذكره.\n_________\n(^١) الاتحاف ١٠/¬٢٥.\n(^٢) الاتحاف ١٠/¬١٠٣.\n(^٣) تنظر الحلية ١/¬٢٦، ١٠/¬٣١.","vol":"4","page":1591},{"text":"<span data-type='title' id=toc-515>بيان العراقي لما لم يجد له أصلا من أحاديث الإحياء تحليلا ومقارنة ونقدا</span>\nقال العراقي في مقدمة كتابه هذا «وأبين ما ليس له أصل في كتب الأصول (^١)» ومعنى هذا أنه جعل من عناصر منهجه في الكتاب الاعتناء ببيان هذا النوع مما ذكر في «الإحياء» على أنه حديث.\nوقد سبق العراقي غير واحد من الأئمة المعتبرين - حتى عصره - في استعمال عبارة «لا أصل له» أو «ليس له أصل» في نقد الأحاديث، وتمييز المردود منها من المقبول.\nفاستعملها الإمام البخاري في وصف حديث إسناده منكر، فقال: هذا لا أصل له (^٢) ونقل ذلك العراقي عنه في تخريجه هذا (^٣).\nوكذلك الترمذي ذكر حديث قتادة عن أنس في النهي عن أن ينتعل الرجل وهو قائم، وقال: إنه لا يصح عند أهل الحديث، ولا نعرف لحديث قتادة عن أنس أصلا (^٤).\nوعبارة العراقي السابق التي ذكرها في مقدمة الكتاب فيها إجمال؛ حيث لم يبين مراده بـ «الأصل» في قوله: «ليس له أصل» ولا مراده بكتب الأصول التي يقرر أن الحديث ليس له أصل فيها.\n_________\n(^١) المغني مع الإحياء ١/¬٩.\n(^٢) التاريخ الكبير للبخاري ١/ ترجمة (١٠٥٧).\n(^٣) المغني ١/ ٢١٢ حديث (٦).\n(^٤) جامع الترمذي - كتاب اللباس باب كراهية المشي في نعل واحدة ٣/ حديث (١٨٣٤) ط عبد الرحمن عثمان.","vol":"4","page":1592},{"text":"وهذا الإجمال لا يتضح تفصيله إلا بمراجعة صنيع العراقي عمليا خلال الكتاب، في كافة المواضع التي استعمل فيها هذا الاصطلاح.\nوقد وفقني الله تعالى لمراجعة تلك المواضع كلها، بعون منه ﷿، فاستبان لي ما يلي: -\n١ - أن عبارتي: «لا أصل له» و«ليس له أصل» قد استعملهما العراقي مطلقين، واستعملهما مقيدين، والأكثر هو الاستعمال المقيد.\nومراده «بالأصل» في حالة الإطلاق يتنوع تبعا للسياق، فتارة يظهر أن مراده به «الإسناد»، وهذا هو الكثير، وتارة يظهر أن مراده: المتن، وتارة يظهر أن مراده السند والمتن معا.\nفيكون معنى: «ليس له أصل» إما: ليس له إسناد مطلقا، وإما: له إسناد؛ ولكنه منكر، أو موضوع أو شديد الضعف (^١) وإما أنه لم يوقف له على سند ولا متن باعتباره حديثا.\nويتحدد المقصود من ذلك بقرينة السياق، والموضع المذكور فيه العبارة كما سيأتي. ولكل من تلك الإطلاقات وجه، فبالنسبة للإسناد، يعتبر هو الأصل الذي يخرج الحديث منه، ويعتمد على حلقاته في القبول أو الرد، فإذا لم يوجد للحديث إسناد مطلقا يمكن وصفه بأنه: ليس له أصل، وقد جاء ما يؤيد كون الإسناد هو أصل الحديث عن جماعة من أئمة النقد والرواية،\n_________\n(^١) وعلى هذا الاعتبار ألف الشيخ أبي المحاسن محمد بن خليل القاوقجي الطرابلسي المتوفى سنة ١٣٠٥ هـ كتابه المسمى «اللؤلؤ المرصوع فيما لا أصل له، أو بأصله موضوع» وقد استفاد فيه من تخريج الإحياء هذا ومن غيره، وطبع مرتين ثانيتهما بتحقيق الشيخ قواز زمرلى سنة ١٤١٥ هـ.","vol":"4","page":1593},{"text":"كالزهري وابن عيينة وحماد بن زيد، وابن المبارك، وأبي سعيد الحداد، وغيرهم (^١).\nوأيضا إذا وجد للحديث سند، ولكن وجد فيه، أو في المتن، أو فيهما، ما يقتضي النكارة أو الوضع، أو شدة الضعف، فيمكن وصفه بأنه ليس له أصل، وقد تقدم إطلاق البخاري والترمذي الوصف على ما له إسناد، ولكنه منكر لا يصح، ومن باب أولى إذا لم يوقف للحديث على سند ولا متن باعتباره حديثا.\nوعليه، فعندما يوصف الحديث في هذا التخريج بأنه «ليس له أصل» بدون قيد يوضح المراد، فإنه ينظر في السياق الوارد فيه وصف الحديث بهذا، ويحدد على أساسه مقصود العراقي بأنه لا أصل له.\nأما إذا قيد العراقي الوصف بقيد معين مثل قوله: ليس له أصل في الحديث المرفوع (^٢) أو لم أجد له أصلا بهذا اللفظ (^٣) فيكون المقصود ما أفاده القيد المذكور.\n٢ - أن مراد العراقي بكتب الأصول في عبارته التي ذكرها في المقدمة، يعني الكتب التي يذكر فيها الحديث مرويا بسند مؤلفه، سواء كان الإسناد مقبولا أم مردودا، كما سيتضح من الأمثلة الآتية بعد.\n_________\n(^١) تنظر الكفاية للخطيب/ باب ذكر ما احتج به من ذهب إلى قبول المراسيل/ ٣٩١ - ٣٩٤ وشرح العلل لابن رجب ١/ ٥٦ - ٦٠.\n(^٢) المغنى مع الإحياء ٢/ ٢٣١ حديث (١) وأقره الشارح ٦/ ٣٥١، وينظر مثال آخر في المغنى مع الإحياء ٤/ ٣٥٢ حديث (٣) وأقره الشارح ٧/¬١٠، ٨.\n(^٣) المغني مع الإحياء ٤/ ٣٤١ حديث (٢) وأقره الشارح ٩/ ٦٦٤.","vol":"4","page":1594},{"text":"٣ - من الأمثلة التي يدل سياقها على أن المقصود «بالأصل» هو الإسناد، ما ذكره الغزالي بقوله: وفي خبر آخر: إن الأطفال يجتمعون في موقف القيامة عند عرض الخلائق للحساب .. فذكر الخبر مطولا.\nفقال العراقي: لم أجد له أصلا يعتمد عليه (^١) وقد ذكر الشارح قول العراقي هذا، دون تعقب، وذكر أن صاحب قوت القلوب - وهو أبو طالب المكي - أورد الحديث بطوله، وقال في بدايته: وروينا في خبر غريب … وساقه.\nفبهذا يتضح أن المتن قد ذكر عند صاحب القوت على أنه خبر مروي، ولكن لم يذكر له إسنادا، فيحمل قول العراقي السابق عن الحديث، على أنه لم يجد له إسنادا.\nوذكر الغزالي من الحديث القدسي: لقد طال شوق الأبرار إلى لقائي (الحديث).\nفقال العراقي: لم أجد له أصلا، إلا أن صاحب الفردوس خرجه من حديث أبي الدرداء، ولم يذكر له ولده في مسند الفردوس إسنادا (^٢).\nوذكر الشارح قول العراقي هذا، وأقره (^٣).\nفمقصود العراقي هنا كما ترى أنه لم يجد للحديث إسنادا، مطلقا، وإن كان وجد متنه، في كتاب الفردوس على أنه حديث من رواية أبي الدرداء، مرفوعا (^٤).\n_________\n(^١) ينظر الإحياء ومعه المغني ٢/¬٢٧، ٢٨ حديث رقم (١).\n(^٢) الإحياء مع المغنى ٣/¬٨ حديث (٢).\n(^٣) الإتحاف ٧/ ٢٢١.\n(^٤) ينظر الفردوس لأبي شجاع الديلمي ٥/ حديث (٨٠٦٧) ط دار الكتب العلمية.","vol":"4","page":1595},{"text":"وذكر الغزالي من حديث جابر ﵁: كان إبليس أول من ناح، وأول من تغنى.\nفقال العراقي: لم أجد له أصلا من حديث جابر، وذكره صاحب الفردوس من حديث علي بن أبي طالب، ولم يخرجه ولده في مسنده (^١). وقد ذكر الشارح قول العراقي هذا، ثم أتبعه بقول تلميذ العراقي الحافظ ابن حجر بعد عزو الحديث نفسه إلى أبي شجاع الديلمي في الفردوس: لم أقف له على أصل، ولا ذكر له ولده أبو منصور في مسنده سندا (^٢) فاتفق قول الحافظ ابن حجر مع شيخه العراقي كما ترى على أن المراد بالأصل هنا هو الإسناد.\nثم ذكر الشيخ الألباني الحديث، وكلام العراقي عنه بكامله، وقرر على أساسه: أن الحديث لا أصل له (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-516>ومما يحمل فيه المقصود «بالأصل» على المتن ولو كان له سند:</span>\nأن الغزالي ذكر حديث ابن عباس: إن لله ملكا على بيت المقدس ينادي كل ليلة: من أكل حراما لم يقبل منه صرف ولا عدل.\nفقال العراقي: لم أقف له على أصل، ولأبي منصور الديلمي في مسند الفردوس، من حديث ابن مسعود: من أكل لقمة من حرام، لم تقبل منه صلاة أربعين ليلة (الحديث) وهو منكر (^٤).\n_________\n(^١) الإحياء مع المغني ٢/ ٢٨٢ حديث (٢) والفردوس لأبي شجاع الديلمي ١/ حديث (٤٢).\n(^٢) الإتحاف ٦/ ٥١٨.\n(^٣) تنظر سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة للشيخ الألباني ١/ حديث (٤٤٤).\n(^٤) الإحياء مع المغني ٢/ ٩٠ حديث (٦) وينظر الفردوس ٣/ حديث (٥٨٥٣).","vol":"4","page":1596},{"text":"وقد ذكر الشارح قول العراقي وأقره (^١) وذكر الحافظ ابن حجر أنه رأى حديث ابن مسعود هذا عند الديلمي من طريق حامد الهروى عن الفضل بن عبيد الله اليشكرى عن مالك بن سليمان - يعني الهروى قاضى هراة - بسند صحيح إلى ابن مسعود. ثم قال: لا يُعرف إلا من رواية الفضل عن مالك بن سليمان، وقال إنه حديث منكر (^٢) يعني لتفرد الفضل به عن مالك بن سليمان، وكلاهما ضعفه غير واحد، ووصف الفضل بأنه يروى العجائب، ومالك بن سليمان بأنه يروى مناكير (^٣) وبذلك لم ينفع الحديث صحة السند من فوقهما إلى ابن مسعود.\nفمن ذلك ترى أن العراقي ذكر في معنى الحديث المطلوب تخريجه رواية مسندة، ووصفها بالنكارة، ووافقه على ذلك تلميذه ابن حجر، فصار ذكره لهذه الرواية المسندة قرينة تدل على أن قوله عن رواية ابن عباس المطلوب تخريجها: «لم أقف لها على أصل» مقصود به متنها الذي ذكره الغزالي؛ لأن ما في معناها، وإن كان منكرا، قد وجد له إسناد.\nومثال ما يُحمل الوصف فيه على السند والمتن معًا، بدليل السياق: - أن الغزالي ذكر عن النبى ﷺ مثال: إن لي حرفتين اثنتين، فمن أحبهما فقد أحبنى، ومن أبغضهما فقد أبغضني: الفقر والجهاد.\nفقال: العراقي: لم أجد له أصلا (^٤).\n_________\n(^١) الاتحاف ٦/¬٨.\n(^٢) اللسان ٤/ ترجمة (١٣٥٩) و٥/ ترجمة (١٢).\n(^٣) ينظر اللسان/ الموضعين السابقين.\n(^٤) الإحياء ومعه المغنى ٤/ ١٩٠ حديث (٢).","vol":"4","page":1597},{"text":"فهذا السياق يدل على أن العراقي لم يجد لهذا الحديث ذِكرا، لا بإسناد، ولا بدون إسناد، وقد أقره الشارح على هذا (^١).\nولذلك قد يقرن العراقي عبارة «لا أصل له» بوصف «البطلان» دون إشارة إلى وجود سند للحديث، أو ذكر لمتنه، ولو بدون سند في أي مصدر.\nفقد قال الغزالي: روى أن رسول الله ﷺ كان يطوف بالبيت، فإذا رجل متعلق بأستار الكعبة (الحديث مطول، في ذم البخيل).\nفقال العراقي: الحديث بطوله، باطل لا أصل له (^٢) ووافقه الشارح (^٣).\nوقد يقرن الوصف بالبطلان بعبارة «لا أصل له»، لما يكون له سند، ولكنه محكوم بوضعه، حتى من العراقي نفسه في موضع آخر من تخريجه هذا.\nفقد ذكر الغزالي أن رسول الله ﷺ قال: يا أبا هريرة، أتريد أن تكون رحمة الله عليك حيا وميتا …؟ (الحديث).\nفقال العراقي: هذا باطل، لا أصل له (^٤).\nوقد علق الشارح عقب ذكر كلام العراقي هذا بقوله: قلت: هذا الحديث من جملة الأحاديث التي يقول فيها: يا أبا هريرة، افعل كذا وكذا، يا أبا هريرة لا تفعل كذا وكذا، والنسخة بتمامها حكموا بوضعها، ثم قال: وقد مر من هذه النسخة حديث: فضل التهليل، نبهنا هناك على وضعه (^٥).\n_________\n(^١) الإتحاف ٩/ ٢٧٥.\n(^٢) الإحياء مع المغنى ٣/ ٢٤٩ حديث (٨).\n(^٣) الإتحاف ٨/ ١٩٧.\n(^٤) الإحياء مع المغنى ١/ ٣٦٥ حديث (٥).\n(^٥) الإتحاف ٥/ ١٨٦.","vol":"4","page":1598},{"text":"أقول: وحديث التهليل هذا الذي أشار الشارح إليه، قد ذكره الغزالى في صدر حديث طويل: أن النبي ﷺ قال: يا أبا هريرة: إن كل حسنة تعملها توزن يوم القيامة، إلا شهادة أن لا إله إلا الله (الحديث)، فقال العراقي: وصية أبي هريرة هذه موضوعة، ثم خرج آخر الحديث من مصادر أخرى (^١) وأقره الشارح (^٢) فصار المأخوذ من مجموع كلام العراقي عن الحديث في الموضعين: أنه يطلق عبارة (لا أصل له) على ما له سند، ولكنه موضوع، ويعرف ذلك من قرينة الموضع الذي يذكر فيه ذلك، حيث قرن عبارة «لا أصل له»، بوصف البطلان كما ترى، ثم عُرف أن الحديث مذكور ضمن نسخة موضوعة، كما بينه الشارح.\nأما ما وصفه العراقي بأنه لا أصل له مع تقييد ذلك ببعض القيود التي توضح مقصوده فهذا هو الأكثر كما قدمت، وقد سبق ذكرى لبعض الأمثلة، فأكتفي هنا بمثال آخر حيث قال الغزالي: إنه ﷺ كان يأكل البطيخ بالخبز وبالسكر.\nفقال العراقي بعد الكلام على الخبز: وأما أكل البطيخ بالسكر؛ فإن أريد بالسكر: نوع من التمر والرطب مشهور، فهو الحديث الآتي بعده - يعني حديث أكل البطيخ بالرطب - وإن أريد به: السكر الذي هو «الطَّبَرْزَد» - يعني السكر الأبيض الصُّلْب (^٣) فلم أر له أصلا، إلا في حديث منكر معضل، رواه أبو عمر النوقاني في كتاب البطيخ، من رواية محمد بن علي بن الحسين: أن\n_________\n(^١) الإحياء مع المغنى ١/ ٣٠٤ حديث (٦).\n(^٢) الإتحاف ٥/¬١٦.\n(^٣) ينظر اللسان ١٣/ ٤٢٣: (طبرزل) والمعرب للجواليقي/ ٤٤٨ أصل وحاشية.","vol":"4","page":1599},{"text":"النبي ﷺ أكل بطيخا بسكر. وفيه موسى بن ابراهيم المروزي، كذبه يحيى ابن معين (^١) وقد أقره الشارح (^٢).\nفيلاحظ أن العراقي في هذا الموضع لم يطلق القول بأنه: «لم ير للحديث أصلا» ولكن قيده بما ذكره فيلاحظ أن العراقي في هذا الموضع لم يطلق القول بأنه: «لم ير للحديث أصلا» ولكن قيده بما ذكره في بقية كلامه، وهو أنه وجد له أصلا منكر المتن، ومعلول الإسناد، وتسميته لهذا أصلا، يؤيد ما قدمته من أنه قد يقصد بالأصل ما له إسناد ولو كان معلولا بما يصل لدرجة الوضع، كما يفيده مجموع الأقوال في موسى بن ابراهيم المروزي الذي في سند هذا الحديث (^٣)، ويؤيد هذا المثال أيضا ما قدمته من أنه يريد بكتب الأصول: كل ما روى فيه الحديث بإسناد مؤلفه، سواء كان إسنادا مقبولا أم مردودا.\n٤ - إن حكم العراقي على الحديث بأنه ليس له أصل، إنما هو باعتبار مبلغ علمه هو، وما أداه إليه بحثه وتنقيبه بأقصى وسعه فيما أتيح له من المصادر العديدة، كما أشرت في مبحث مصادره.\nولذلك نجده خلال هذا التخريج يكثر من التقييد بهذا، فيقول: لم أجد له أصلا (^٤).\n_________\n(^١) الإحياء مع المغنى ٢/ ٣٦٨ حديث (٦).\n(^٢) الاتحاف ٧/ ١١٨.\n(^٣) اللسان ٦/ ترجمة (٣٨٥) والمغنى للذهبي ٢/ ترجمة (٦٤٧٦).\n(^٤) ينظر المغنى مع الإحياء ١/ ٨٢ حديث (١)، ٢/ ٥٣ حديث (١)، ٣/ ٩٨ حديث (٣)، ٤/ ٢٥١ حديث (٢).","vol":"4","page":1600},{"text":"أو: لم أقف له على أصل (^١). أو: لم أر له أصلا (^٢)\nوعليه فإن عبارته المطلقة في مقدمة الكتاب بقوله: وأبين ما ليس له أصل (^٣)، وقوله كذلك خلال الكتاب عن عدد من الأحاديث: لا أصل له (^٤) دون تقييد، فيحمل هذا الإطلاق على ما قيده بمبلغ علمه وغاية ما أمكنه هو الوقوف عليه.\nوقد مر في مبحث ما قال: إنه لم يجده، تعقبه ببعض ما هو موجود في بعض المصادر التي رجع إليها مرارًا في غير الحديث المتعقب.\nوبذلك فإنه لا لوم عليه فيما وصفه بأنه لا أصل له، مع الإطلاق أو التقييد، ثم بحث غيره عنه، فوجده، أو وجد أصله الذي يفيد معناه العام، أو وجد بعضه، ولو في بعض المصادر التي يكون العراقي قد رجع إليها في هذا الكتاب، في بعض الأحاديث الأخرى، لأنه وقف عند مبلغ علمه، ومن وقف عند مبلغ علمه فقد أنصف.\nوستأتي بعض الأمثلة لما يتعقب فيه العراقي، ومنها موضع تيسر لشخصي الضعيف الوقوف عليه في أحد مصادر العراقي المتكررة في هذا التخريج، ولكنه قال: لم أجد له أصلا، ولم أجد من تعقبه في ذلك غيري.\n٥ - إن المواضع التي يصف العراقي الحديث المطلوب فيها بأنه لم يقف له على أصل، قد يذكر بديلا عنه أو عن بعضه حسب فهمه هو لمعنى الحديث.\n_________\n(^١) ينظر المغنى مع الإحياء ١/ ٥٢ حديث (٤)، ٢/ ٣٦٦ حديث (٣)، ٣/ ١٥٥ حديث (٢)، ٤/ ١٤٤ حديث (٦).\n(^٢) ينظر المغنى مع الإحياء ١/ ٢٢٧ حديث (١)، ٣/¬١٤ حديث (٤)، ٢٦٤ حديث (١).\n(^٣) المغنى مع الإحياء ١/¬٩.\n(^٤) المغنى مع الإحياء ١/ ٣٤٦ حديث (٥)، ٣/ ٩٦ حديث (١).","vol":"4","page":1601},{"text":"المطلوب، وقد يكون البديل الذي يذكره ضعيفا ضعفا غير شديد، وقد يكون صحيحا.\nفقد ذكر الغزالي عن معاذ بن جبل ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: إن الله حف الإسلام بمكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال، ومن ذلك حسن المعاشرة .. (الحديث) وعدد فيه أكثر من أربعين خصلة.\nفقال العراقي: الحديث بطوله، لم أقف له على أصل، ويغنى عنه حديث معاذ الآتي بعده بحديث (^١) وحديث معاذ الآخر الذي أحال عليه العراقي قد ذكره الغزالي فعلا بعد هذا بحديث، وفيه: أنه ﷺ قال: يا معاذ: إني أوصيك … وذكر كذلك نحو أربعين خصلة بنحو ما ذُكر في الحديث السابق، وقد خرجه العراقي بالعزو إلى أبي نعيم في الحلية، والبيهقى في الزهد، ثم أحال به على موضع آخر تقدم، وبالرجوع إليه وجدت العراقي زاد عزوه إلى الخرائطى في مكارم الأخلاق، ثم قال: وإسناده ضعيف (^٢) وقد لا يذكر العراقي البديل عما لم يجد له أصلا، وإنما يذكر ما يعارضه، وكأنه بهذا يؤكد عدم وجود أصل للحديث، بذكر ما يرده أو يخالفه.\nفقد قال الغزالي: وقال سفيان الثورى: يستحب أن يصلى بعد عيد الفطر اثنتى عشرة ركعة، وبعد عيد الفطر ست ركعات، وقال: هو من السنة.\nفقال العراقي: لم أجد له أصلا في كونه سنة، وفي الحديث الصحيح ما يخالفه، وهو أنه ﷺ: لم يصل قبلها، ولا بعدها، ثم ذكر أن قول تابعي\n_________\n(^١) الإحياء مع المغنى ٢/ ٣٥٣ حديث (٢) مع الإتحاف ٧/ ٩٥.\n(^٢) ينظر الإحياء مع المغنى الموضع السابق، ٢/ ٩٥ حديث (٦) وأقره الشارح ٦/ ٢٦١ وينظر البديل الصحيح في المغنى ٤/¬١٤ (٦).","vol":"4","page":1602},{"text":"التابع، كالثوري: من السنة كذا، يعتبر مقطوعا (^١).\nوفي موضع آخر ذكر الغزالي أنه جاءه أعرابي وهو ﷺ متغير اللون … (الحديث) وفيه كون المسيح الدجال يأتى الناس بالثريد وقد هلكوا جوعا.\nفقال العراقي: هو حديث منكر، لم أقف له على أصل، ويرده قوله ﷺ في حديث المغيرة بن شعبة المتفق عليه حين سأله ﷺ عما يقال: إن المسيح الدجال معه جبل خبز ونهر ماء، قال: هو أهون على الله من ذلك، وفي رواية لمسلم أنهم يقولون: إن معه جبالا من خبز ولحم، الحديث، نعم في حديث حذيفة وأبي مسعود المتفق عليهما: أن معه ماء ونار (الحديث) (^٢).\n٦ - قد يكون غير العراقي قال عن الحديث الوارد في الإحياء: إنه ليس له أصل، أو إنه لم يجد له أو لبعضه إسنادا، مع الإطلاق أو التقييد بأمر معين.\nوقد وجدت موقف العراقي من ذلك متنوعا: -\nأ - فتارة ينقل قول غيره، من المتقدمين أو المتأخرين - حتى عصره، ولا يتعقبه، وبذلك يعتبر موافقا لغيره على هذا.\nفقد ذكر الغزالي أن الرسول ﷺ قال: ومن سر أخاه المؤمن فقد سر الله تعالى.\nفقال العراقي: وروى ابن حبان والعقيلي في الضعفاء من حديث أبي بكر الصديق:\nمن سر مؤمنا فإنما سر الله (الحديث)، قال العقيلي: باطل لا أصل له (^٣)\n_________\n(^١) الإحياء مع المغنى ١/ ٢٠٨ حديث (٥) مع الشرح ٣/ ٤٠٨.\n(^٢) الإحياء مع المغنى ٢/ ٣٦٥، ٣٦٦ حديث (١٠).\n(^٣) الإحياء مع المغنى ٢/¬١٢ حديث (١).","vol":"4","page":1603},{"text":"وقد أخرج العقيلي الحديث بسنده (^١).\nولم يتعقب العراقي قول العقيلي هذا بشيء، وكذلك الزبيدي (^٢).\nوذكر الغزالي أيضا أن الرسول ﷺ قال: عليكم بدين العجائز.\nفقال العراقي: قال ابن طاهر في كتاب التذكرة: هذا اللفظ تداوله العامة، ولم أقف له على أصل يرجع إليه من رواية صحيحة ولا سقيمة، حتى رأيت حديثا لمحمد بن عبد الرحمن بن البيلماني عن ابن عمر عن النبي ﷺ إذا كان في آخر الزمان واختلفت الأهواء، فعليكم بدين أهل البادية والنساء، وابن البيلماني له عن أبيه عن ابن عمر نسخة كان يتهم بوضعها. انتهي. ثم قال العراقي: وهذا اللفظ من هذا الوجه رواه ابن حبان في الضعفاء في ترجمة ابن البيلماني، والله أعلم (^٣).\nويلاحظ أن العراقي أقر ابن طاهر على ما ذكره، وأضاف بيان تخريج ابن حبان للحديث بسنده في كتابه المجروحين، وهذا يؤيد ما قدمته من إطلاق وصف «لا أصل له» على الحديث، ولو كان له إسناد، لكن في رواته من نُسب إلى وضع الحديث مثل محمد بن البيلماني في الحديث المذكور.\nوقد اتفق التاج ابن السبكي مع العراقي في إقرار قول ابن طاهر عن هذا الحديث (^٤).\n_________\n(^١) الضعفاء للعقيلي ٤/¬٢٩ ترجمة (محمد بن إسحاق بن ابراهيم العكاشي).\n(^٢) الإتحاف ٥/ ٢٣٨.\n(^٣) الإحياء مع المغنى ٣/ ٧٥ حديث (١) وتنظر تذكرة الحفاظ لابن طاهر حدث ٨٢، ٥٢٧ والمجروحين لابن حبان ٢/ ٢٦٤.\n(^٤) تنظر طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي ٦/ ٣٣٣.","vol":"4","page":1604},{"text":"أما السخاوي والزبيدي، فحاولا إثبات أصل للحديث بما لا ينهض، والأكثر على ما أقره العراقي وابن السبكي (^١).\nوقال الغزالي: قال نبينا ﷺ: احذروا الدنيا، فإنها أسحر من هاروت وماروت. فذكر العراقي تخريجه بالعزو إلى ابن أبي الدنيا، والبيهقي في الشعب من طريقه، من رواية أبي الدرداء الرهاوي، مرسلا، وقال البيهقي: إن بعضهم قال: عن أبي الدرداء عن رجل من الصحابة، قال الذهبي: لا يدرى من أبو الدرداء، قال: وهذا منكر لا أصل له (^٢) وقد أقر العراقي الذهبي على هذا، فلم يتعقبه بشيء، وكذلك أقرهما الزبيدي (^٣) والحافظ ابن حجر في اللسان ٦/¬٤٤ ترجمة (٤١٦).\nوقد نقل الشيخ الألباني كلام العراقي كاملا بما فيه ما نقله عن الذهبي، وأتبعه بإقرار الحافظ في اللسان، وأقر الجميع، وجزم بأن الحديث: منكر لا أصل له (^٤).\n_________\n(^١) ينظر المقاصد حديث (٧١٤) والإتحاف ٧/ ٣٧٦ وكشف الخفاء للعجلوني ٢/ حديث (١٧٧٤).\n(^٢) الإحياء مع المغني ٣/ ٢٠٠ حديث (٣).\n(^٣) الإتحاف ٨/ ٨٦.\n(^٤) تنظر السلسلة الضعيفة ١/ ٥٣ حديث (٣٤) وقد تعقب الشيخ كلا من السيوطي والمناوي اعتبارهما أبا الدرداء الرهاوى هو أبو الدرداء الصحابي المشهور، فلم يذكرا نسبته «والرهاوي» التي تميزه عن الصحابي المشهور، ولم يصفا كذلك روايته بالإرسال.\nكما تعقب المناوى فى اقتصاره في إعلال الحديث على وجود هشام بن عمار في إسناده، وذلك بناء على ما فهمه الشيخ مما فى اللسان من أن للحديث طريقا آخر عن أبي الدرداء، ولو أنه تيسر له حينذاك مراجعة مصدرى الحديث وهما: ذم الدنيا لابن أبي الدنيا حديث (١٣٢) وشعب الإيمان للبيهقي ٧/ حديث (١٠٥٠٤) لظهر له أن مدار طريقي الحديث على هشام بن =","vol":"4","page":1605},{"text":"ب - وتارة يذكر العراقي قول غيره عن الحديث بأنه لم يجد له أصلا، أو أنه غير معروف، ثم يتعقب ذلك بذكر ما يرى أنه يمكن اعتباره أصلا للحديث معروفا.\nفقد ذكر الغزالي: أنه ﵊ قال: ادَّهِنُوا غِبًا.\nفقال العراقي: قال ابن الصلاح: لم أجد له أصلا، وقال النووي: غير معروف، ثم أتبع ذلك قائلا: وعند أبي داود والترمذي والنسائي من حديث عبد الله بن مغفل: النهي عن الترجل إلا غبا، بإسناد صحيح (^١).\nوقد أقر الزبيدي العراقي على ذلك (^٢).\nوتقرير العراقي أن حديث عبد الله بن مغفل هذا يصلح أصلا للفظ الحديث الوارد في الإحياء، يعتبر استنباطا فقهيا منه، على ضوء ما يستفاد من تضمن النهي عن الشيء أمرًا بضده، أو بأحد أضداده (^٣) وقد بوب النسائي على حديث ابن مغفل ونحوه فقال: «الترجل غبا (^٤)».\nوذكر الغزالي أيضا حديث: الصلاة عماد الدين، فمن تركها فقد هدم الدين.\n_________\n= عمار عن صدقة بن خالد عن عتبة بن أبي حكيم عن أبي الدرداء الرهاوي.\nفتكون علة الحديث: حال هشام بن عمار، حيث وصف بأنه حدث بما لا أصل له، وجهالة أبي الدرداء الرهاوي.\n(^١) الإحياء مع المغنى ١/ ١٤٢ حديث (٢).\n(^٢) الإتحاف ٢/ ٣٩٤.\n(^٣) ينظر البحر المحيط للزركشي ٢/ ٤٢١ وما بعدها.\n(^٤) سنن النسائي ٨/ ١٣٢ - الزينة - باب الترجل غبا.","vol":"4","page":1606},{"text":"فخرجه العراقي بالعزو إلى البيهقي في الشعب بسند ضَعَّفَه، من حديث عمر، قال الحاكم: عكرمة لم يسمع من عمر، قال البيهقي: أُراه ابن عمر.\nثم قال العراقي: ولم يقف عليه ابن الصلاح فقال في مشكل الوسيط: إنه غير معروف (^١).\nوقد أقر الشارح العراقي على ذلك (^٢) وبمراجعة لفظ الحديث عند البيهقي يتضح أنه مقارب لما ذكر في الإحياء، كما قدمته (^٣).\nوكذلك وافق الزيلعي رفيقه العراقي في تخريج الحديث بالعزو إلى شعب الإيمان للبيهقي، والكلام عليه بنحو ما تقدم، وأضاف عزوه لأبي القاسم الأصبهاني في الترغيب والترهيب من حديث على ﵁، مختصرًا بلفظ «الصلاة عماد الإسلام» وذكر أن في سنده الحارث (يعني الأعور) ضعيف جدا، ثم قال: وذهل ابن الصلاح في كتابه «مشكل الوسيط» فقال: «إن هذا الحديث غير صحيح ولا معروف». فقد روى من وجهين كما بيناه، وكأنه لم يظفر به أصلا (^٤).\nأما السخاوي فأضاف: أن النووي قال في التنقيح عن هذا الحديث: إنه منكر باطل (^٥).\n_________\n(^١) الإحياء مع المغنى ١/ ١٥٢ حديث (٨).\n(^٢) الإتحاف ٣/¬٩.\n(^٣) ينظر كشف الخفاء ٣٩/¬٢، ٤٠ حديث (١٦٢١) وشعب الإيمان باب (٢١) حديث (٢٨٠٧)\n(^٤) تخريج أحاديث الكشاف للزيلعي ١/¬٤٢ حديث (١٩) بتحقيق الأخ الفاضل: سلطان الطبيشي.\n(^٥) المقاصد حرف الصاد/ ٤٢٧ حديث (٦٣٢).","vol":"4","page":1607},{"text":"وفيما تقدم رد لقول ابن الصلاح: إن الحديث غير معروف، ورد لقول النووي هذا بأنه منكر باطل.\nأما قول ابن الصلاح إنه حديث غير صحيح، فمسلم له، ولعل هذا ما جعل العراقي يقتصر من كلام ابن الصلاح على قوله: إن الحديث غير معروف، لأنه هو الذي يتعقب فيه بما تقدم من وجود الحديث بنحوه، وبشطره الأول، وإن كان إسناد الروايتين مضعف كما تقدم.\nج - وأكثر ما لاحظت، هو اختلاف العراقي مع معاصره التاج ابن السبكي، في بيان ما لم يجد له إسنادا أو أصلا.\nفقد قدمت أن ابن السبكي عقد فصلا للكلام على أحاديث الإحياء، وقد أشار إليه مرة بقوله: وسنعقد فصلا للأحاديث المنكرة في كتاب الإحياء (^١).\nثم عنون الفصل نفسه بقوله: وهذا فصل جمعت فيه جميع ما وقع في كتاب (الإحياء) من الأحاديث التي لم أجد لها إسنادا (^٢).\nوقد قدمت أن الأحاديث التي ذكرها ابن السبكي في هذا الفصل بحسب إحصائي لها تبلغ قرابة ألف حديث بالمكرر، ومقتضى عنوان الفصل المذكور، أن جميع الأحاديث التي أوردها ابن السبكي في هذا الفصل لم يجد لها أصلا؛ لكنه خلالها قد خرج نحو مائة حديث تخريجا إجماليا، وذلك بعزو بعضها كاملا، أو عزو بعض ألفاظها إلى مصدر أو أكثر من المصادر الحديثية، ومنها: الصحيحان والسنن الأربعة ومسند أحمد وغيرها.\n_________\n(^١) الطبقات ٦/ ٢٥٠.\n(^٢) الطبقات ٦/ ٢٨٧.","vol":"4","page":1608},{"text":"وقد يذكر الحديث ويقول عن بعض ألفاظه: غريب لا يعرف (^١) أو: لم أجده (^٢) ولكن لا يذكر المصدر الذي وجد فيه بقية الحديث، أو يقول عن حديث من فعله ﷺ: لم أجده إلا من قوله (^٣) ولكن لا يذكر المصدر الذي وجد فيه قوله ﷺ.\nوقد يقول عن الحديث: لم أجده بهذا اللفظ (^٤) أو لم أره بهذا اللفظ (^٥) لكن لا يذكر مصدرًا لما وجده.\nوبقية الألف حديث وهي الأكثر، يوردها فقط دون تعليق، إشارة إلى دخولها تحت العنوان الأصلى الذي وضعه لهذا الفصل وهو: أنه لم يجد لذلك إسنادا.\nوقد أشار ابن السبكي إلى تخريج العراقي لأحاديث الإحياء بما يدل على اطلاعه عليه واستفادته منه، ومع ذلك لاحظت اختلافه مع العراقي في بيان ما لم يجد له إسنادا أو أصلا، فهناك عدد غير قليل ذكره ابن السبكي ضمن ما لم يجد له إسنادا، وقد وجد العراقي له أو لبعضه إسنادا، وخرجه بالعزو إلى ما تيسر له من المصادر، ولا سيما الصحيحين. فمن ذلك أن الغزالي ذكر في «الإحياء» أنه ﷺ قال: كلموا الناس بما يعرفون، ودعوا ما ينكرون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله؟ (^٦).\n_________\n(^١) الطبقات ٦/ ٣٠٠.\n(^٢) الطبقات ٦/ ٣٢٤، ٣٢٥، ٣٢٦.\n(^٣) الطبقات ٦/ ٣٢٧.\n(^٤) الطبقات ٦/ ٣٤٢، ٣٤٣.\n(^٥) الطبقات ٦/ ٣٤٨.\n(^٦) الإحياء ١/¬٤٣.","vol":"4","page":1609},{"text":"فذكره ابن السبكي ضمن ما لم يجد له إسنادا (^١).\nأما العراقي فخرجه في تخريجه الكبير والصغير، ففي الكبير ذكر أن البخاري أخرجه موقوفا على على ﵁، وقال العراقي: إن هذا الوقف - هو الصواب، بلفظ: حدثوا الناس، والباقى سواء، وهكذا رواه البيهقى في المدخل، بتقديم: «أتريدون؟» على «حدثوا». ورفعه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس، من طريق أبي نعيم، ثم قال: وسيأتي في آخر الباب الخامس من حديث ابن عمر موقوفا: أمرنا أن نكلم الناس على قدر عقولهم، أى قدر ما تحتمله عقولهم، وهو شاهد جيد، ويأتي الكلام عليه هناك اهـ (^٢).\nأما في الصغير، فاكتفي بعزوه إلى البخاري موقوفا على على، ثم قال: ورفعه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من طريق أبي نعيم (^٣).\nوالحديث أخرجه البخاري في صحيحه - فعلا - موقوفا على على ﵁ بلفظ: حدثوا الناس … والباقى سواء، كما ذكر العراقي (^٤) كما أنه في الفردوس بنحوه (^٥) وقد عز إليه ابن السبكي غير هذا الحديث (^٦).\n_________\n(^١) الطبقات ٦/ ٢٨٨.\n(^٢) ينظر الإتحاف ١/ ٢٥٣.\n(^٣) المغنى مع الإحياء ١/¬٤٣ حديث (٢).\n(^٤) صحيح البخاري مع فتح البارى - كتاب العلم - باب (٤٩) من خص بالعلم قوما دون قوم كراهة أن لا يفهموا/ حديث (١٢٧).\n(^٥) فردوس الأخبار لأبي شجاع الديلمي ٢/ ٢٠٥ حديث (٢٤٧٨) بتحقيق الشيخ فؤاد الزمرلي وزميله.\n(^٦) الطبقات ٦/ ٣٦٨.","vol":"4","page":1610},{"text":"فإيراده ﵀ الحديث ضمن ما لم يجد له إسنادا، مع وجوده مسندا في صحيح البخاري، فضلا عن غيره من المصدرين الآخرين، قصور ظاهر.\nأما عدم استفادته ذلك من تخريج العراقي، مع اطلاعه عليه، فلعل اطلاعه كان متأخرا عن زمن كتابته لهذا الفصل.\nوذكر الغزالي أن الرسول ﷺ كان يسمع كلام جبريل ﵇ ويشاهده، ومن حوله لا يسمعونه، ولا يرونه (^١).\nفذكر ابن السبكي ذلك ضمن ما لم يجد له إسنادا (^٢).\nأما العراقي فخرج الحديث بالعزو إلى البخاري ومسلم من حديث عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ يوما: يا عائشة، هذا جبريل يقرئك السلام، فقلت: وعليه السلام ورحمة الله وبركاته، ترى ما لا أرى. ثم قال العراقي: قلت: وهذا هو الأغلب، وإلا فقد رأى جبريل جماعة من الصحابة، منهم: عمر، وابنه عبد الله، وكعب بن مالك، وغيرهم (^٣) وقد نقل الشارح كلام العراقي بأكمله، ولم يتعقبه بشيء (^٤) وما ذكرته عن المثال السابق يقال عن هذا المثال، بالنسبة لما يؤخذ على ابن السبكي ﵀.\nوأقتصر على هذين المثالين لظهورهما، وكفايتهما في الدلالة على أحقية العراقي فيما خالفه فيه ابن السبكي، ولقد جمعت ما يزيد على مائة موضع مما ذكره ابن السبكي ضمن ما لم يجد له إسنادا، ولكن العراقي خرج ذلك من\n_________\n(^١) الإحياء ١/ ١١٩.\n(^٢) الطبقات ٦/ ٢٩١.\n(^٣) المغنى مع الإحياء ١/ ١١٩ حديث (٦).\n(^٤) الإتحاف ٢/ ٢١٧.","vol":"4","page":1611},{"text":"مصدر أو أكثر من المصادر المسندة، ومنها مصادر مشهورة متداولة، مما رجع إليها ابن السبكي نفسه، في موضع آخر. ومثل هذا يدل بوضوح، على جهد العراقي الذي بذله في بيان الأصل - ولاسيما من المحتج به، لما قرر غيره أنه لم يجد له إسنادا، ولو معلولا.\nكما أن هذا الاختلاف الكثير من ابن السبكي يقتضينا أن ننتبه من يقف على فصله المذكور، أن لا يتابعه فيما قرر أنه لم يجد له إسنادا.\nحتى يقارن ذلك بما في تخريج الحافظ العراقي هذا، بالدرجة الأولى، وأيضا يبحث بنفسه في المصادر الأخرى حتى يتثبت من القول الراجح في وجود أصل للحديث من عدمه.\n٧ - إن الإطلاق والتقييد في قول العراقي: «إنه لم يجد للحديث أصلا» يحتاج إلى الدقة في مراعاته عند إرادة الاستفادة منه، ونقله عن العراقي، وذلك لما يلي: -\nأ - فقد تكون عبارة العراقي في هذا التخريج المختصر مطلقة، ولكنها فيما نقل عن تخريجه الكبير مقيدة، فينبغي حمل ما أطلق في المختصر، على ما قيد في الكبير.\nفقد ذكر الغزالي عن حديث «طوبى للغرباء» أنه سئل: ومن الغرباء؟ فقال: هم المتمسكون بما أنتم عليه اليوم.\nفقال العراقي في تخريجه الكبير: لم أقف له على إسناد، إلا أن في أثناء حديث أبي الدرداء، وأبي أمامة، وواثلة، وأنس وفيما أخرجه الطبراني في الكبير، وأبو بكر الآجري في كتاب «صفة الغرباء» ذكر افتراق الأمم كلهم.","vol":"4","page":1612},{"text":"على الضلالة، إلا السواد الأعظم، قالوا: وما السواد الأعظم؟ قال: من كان على ما أنا عليه وأصحابي (الحديث) (^١) فقد قيد العراقي كما ترى، أن ما لم يقف له على إسناد، هو اللفظ المذكور في الإحياء، أما ما هو بمعناه فموجود في المصدرين المذكورين، وبذلك يعتبر معنى الحديث موجودًا بإسناده في المصدرين المذكورين.\nلكنه في التخريج المختصر قال عن الحديث باللفظ الوارد في الإحياء: لم أر له أصلا (^٢) وفقط، فصارت عبارته مطلقة كما ترى، ومن يقتصر على الرجوع إلى المختصر وحده، يبقى نقله هكذا مطلقا، كما فعل الشيخ محمد أمين السويدى العراقي في كتابه «الموضوعات في الإحياء» (^٣).\nومن وقف على ما نقل عن تخريج العراقي الكبير يجد التقييد السابق، كما فعل الزبيدي في شرحه للإحياء (^٤)\nب - وأيضا فإن نسخ التخريج المختصر نفسه قد اختلفت في وجود الإطلاق والتقييد، فقد ذكر الغزالى حديث «إن المسجد لينزوى من النخامة، كما تنزوى الجلدة على النار» فجاء في المطبوع قول العراقي عن الحديث: لم أجد له أصلا (^٥).\nأما في نسخة مكتبة طلعت الخطية (٨/ أ) وكذا نسخة الزبيدي جاء كلام\n_________\n(^١) ينظر الإحياء مع الإتحاف ١/ ٢٦٥.\n(^٢) المغنى مع الإحياء ١/¬٤٥ حديث (٢).\n(^٣) ينظر الكتاب المذكور ص ١٨ حديث (٥) بتحقيق الشيخ على رضا.\n(^٤) الإتحاف ١/ ٢٦٥.\n(^٥) الإحياء مع المغنى ١/ ١٠٧ حديث (٢).","vol":"4","page":1613},{"text":"العراقي هكذا: لم أر له أصلا في المرفوع، وإنما هو من قول أبي هريرة، رواه ابن أبي شيبة في مصنفه (^١) وقد نقل الشيخ محمد أمين السويدى في كتابه السابق العبارة المطلقة، حسب النسخة التي أتيحت له من التخريج الصغير (^٢).\nفي حين نقل الزبيدي من النسخة التي ذُكر فيها التقييد كما قدمت.\nوالحديث موجود فعلا في مصنف ابن أبي شيبة من طريقين، موقوفا على أبي هريرة (^٣).\nأما ابن عراق فقد أود الحديث بنحوه في أثناء حديث مطول، وعزاه إلى أبي منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث أنس، مرفوعا، وعقب عليه بقوله: قلت: في سنده من لم أعرفه.\nثم ذكر الرواية التي في الإحياء وعقب عليها بقوله: قال العراقي في تخريجه: لا أصل له مرفوعا، وإنما هو من قول أبي هريرة، والله أعلم (^٤) فلعل نسخته هو الآخر من تخريج العراقي جاءت هكذا بذكر التقييد، دون ذكر مصدر الرواية الموقوفة على أبي هريرة.\nج - وقد يرد الحديث في الإحياء مرة، فيخرجه العراقي، ثم يورده الغزالي مرة أخرى مع زيادة فيه عن الرواية الأولى، فيحكم العراقي على الثانية بأنها لا أصل لها بتلك الزيادة، فيسهو الناقل عن ذلك، ويعمم الحكم على الروايتين بأنهما لا أصل لهما.\n_________\n(^١) الإتحاف ٢/ ٧٥.\n(^٢) الموضوعات في الإحياء/ ٢٢ حديث (٢٢).\n(^٣) المصنف لابن أبى شيبة - كتاب الصلاة ٢/ ٣٦٦.\n(^٤) تنزيه الشريعة ٢/ ١١٥ (الصلاة) الفصل الثالث.","vol":"4","page":1614},{"text":"فقد ذكر الغزالي أنه ﷺ قال: (إني لأجد نفس الرحمن من جانب اليمن) فخرجه العراقي بالعزو إلى أحمد - يعني مسنده - من حديث أبي هريرة في أثناء حديث بلفظ (وأجد نفس ربكم من قبل اليمن)، ورجاله ثقات (^١).\nثم كرر الغزالي الحديث مرة أخرى بعد هذا بكثير، وزاد فيه: أن الرسول ﷺ أشار بهذا الحديث إلى «أُويس القرني» ﵀.\nفقال العراقي: حديث: إني لأجد نفس الرحمن من جانب اليمن، أشار به إلى أويس القرني، تقدم في قواعد العقائد، لم أجد له أصلا (^٢) فقوله: لم أجد له أصلا، متجه إلى الرواية المشتملة على زيادة الإشارة بالحديث إلى أويس القرني، بدليل تخريجه السابق للحديث بدون تلك الزيادة.\nولم يتنبه الشيخ على قارى إلى هذا، فذكر الرواية الخالية من الزيادة ضمن الأحاديث الموضوعة في كتابيه: الأسرار المرفوعة في الأخبار الموضوعة (^٣)، و«المصنوع في معرفة الحديث الموضوع» (^٤) وقال في الكتابين: قال العراقي: لم أجد له أصلا.\nومِنْ بَعد القاري جاء الشيخ محمد بن علي الشوكاني، فذكر في كتابه «الفوائد المجموعة، في الأحاديث الموضوعة» الحديث بروايته الخالية من الزيادة أيضا، وقال: قال - يعني العراقي - في المختصر: لم أجده (^٥) ولم\n_________\n(^١) الإحياء مع المغنى ١/ ١٠٩ حديث (٢) ومسند أحمد ٢/ ٥٤١.\n(^٢) الإحياء مع المغنى ٣/ ٢١٧ حديث (٢).\n(^٣) ص ١٣٧ حديث «١٠٦».\n(^٤) ص ٦٩ حديث (٧٠).\n(^٥) الفوائد المجموعة للشوكاني بتحقيق الشيخ عبد الرحمن المعلمي/ ص ٤٣٦ - كتاب =","vol":"4","page":1615},{"text":"يتنبه أحد ممن حقق الكتب الثلاثة إلى وهم كل من القاري والشوكاني في هذا، رغم ما ذكروا من التعليقات المفيدة على الحديث في حواشي الكتب الثلاثة.\nأما الإمام ابن السبكي فأورد الحديث في الفصل الذي عمله لبيان ما لم يجد له إسنادا من أحاديث «الإحياء» كما تقدم، وفي الموضع الأول الذي ذكر الغزالي الحديث فيه بدون الزيادة، عده ابن السبكي ضمن ما لم يجد له إسنادا (^١) وفي الموضع الثاني الذي ذكر الغزالي فيه الحديث مع الزيادة، عده ابن السبكي ضمن ما لم يجد له إسنادا أيضا (^٢).\nوالصواب ما جرى عليه العراقي، كما قدمت من أن الحديث بدون الزيادة ثابت وله أصل كما في مسند أحمد وغيره (^٣) ولكنه مع الزيادة لم يجد العراقي له أصلا، ولم أجد من تعقبه في ذلك.\nد - وقد يحدث اختصار أو تصرف في نقل كلام العراقي من تقييد، إلى إطلاق.\nفقد ذكر الغزالي أنه ﷺ قال: عند ذكر الصالحين تتنزل الرحمة.\nفقال العراقي: ليس له أصل في الحديث المرفوع، وإنما هو قول سفيان بن عيينة، كذا رواه ابن الجوزي في مقدمة صفة الصفوة (^٤).\n_________\n= الفضائل - فضائل الأمكنة والأزمنة/ حديث (٢١).\n(^١) الطبقات ٦/ ٢٩١ (قواعد العقائد).\n(^٢) الطبقات ٦/ ٣٤٦ (كتاب ذم الدنيا).\n(^٣) المسند لأحمد ٤/ ١٠٤ والطبراني الكبير ٧/ ٦٠ حديث (٦٣٥٨).\n(^٤) الإحياء مع المغني ٢/ ٢٣١ حديث (١).","vol":"4","page":1616},{"text":"ولم يتعقب الشارح العراقي في ذلك (^١)، وكذلك السخاوي، مع إضافة قول شيخه ابن حجر: لا أستحضره مرفوعا، واعتبر ذلك في معنى قول شيخه العراقي السابق (^٢).\nأما الشوكاني فأورد الحديث في كتابه «الفوائد المجموعة» مرتين: - الأولى في (كتاب الأدب وغيره) فقال: (حديث: إنها تنزل الرحمة عند ذكر الصالحين) قال العراقي وابن حجر: لا أصل له (^٣).\nوالمرة الثانية في خاتمة الكتاب ضم أحاديث متفرقة، فقال: حديث: عند ذكر الصالحين تنزل الرحمة.\nقال العراقي وابن حجر: لا أصل له في المرفوع وإنما هو من قول سفيان ابن عيينة (^٤).\nفتلاحظ اختلاف نقل الشوكاني ﵀ لقول العراقي وابن حجر، من إطلاق إلى تقييد، في هذين الموضعين، من كتاب واحد، مع أن الثابت عنهما هو التقييد فقط، كما تقدم، فلذلك يلزم الانتباه والتثبت من نص عبارة العراقي في الإطلاق، والتقييد، حتى لا ينسب إليه ما لم يقله، خاصة في هذا الحكم الخطير الذي يترتب عليه اعتبار الحديث موضوعا، أو غير موضوع، أو مرفوعا إلى الرسول ﷺ أو غير مرفوع، بحسب مبلغ علم\n_________\n(^١) الإتحاف ٦/ ٣٥١.\n(^٢) المقاصد الحسنة/ حرف العين حديث (٧٢٠).\n(^٣) الفوائد المجموعة للشوكاني/ ٢٥٤ حديث (١٠٩).\n(^٤) الفوائد المجموعة ص ٥٠٨ حديث (١١٣).","vol":"4","page":1617},{"text":"العراقي وغاية بحثه (^١).\n٨ - بعض ما يذكره الغزالي على أنه حديث ولا يجد العراقي له إسنادًا، يكون معناه صحيحًا في الواقع، فيبين العراقي ذلك للتنبيه على أنه ليست العبرة بسلامة معنى المتن فقط، وإنما لابد مع ذلك أن يثبت له إسناد أيضًا، برفعه صراحة أو حكمًا إلى الرسول ﷺ.\nفقد ذكر الغزالي أن أنسا ﵁ قال: فلم يَدَعْ - يعني الرسول ﷺ نصيحة جميلة إلا وقد دعانا إليها، وأمرنا بها، ولم يدع غِشًّا أو قال: عيبا، أو قال: شَيْئًا، إلا حَذَّرْناه، ونهانا عنه.\nفقال العراقي: لم أقف له على إسناد، وهو صحيح من حيث الواقع (^٢).\nوقد أقر الزبيدي العراقي على ذلك (^٣).\n٩ - سبق بياني لما قال العراقي عنه من أحاديث الإحياء: «إنه لم يجده» أو «لم يره» أو «لم يقف عليه» مع الإطلاق أو التقييد، وقد لاحظت أنه يقول عن الحديث الواحد، مرة: «لم أجده» ومرة «لا أصل له»، فأفاد ذلك أن استعماله للعبارتين من تنويع العبارة، فقط، ومراده بهما واحد.\nفقد قال الغزالي: قال ﷺ: أفضل الأعمال ما أكرهت عليه النفوس.\n_________\n(^١) بل إن الشيخ أمين السويدى نقل عن العراقى أنه قال عن حديث: لم أجد له أصلا، مع أن العراقي قد خرج الحديث، وبين ضعفه، ونقل الزبيدى عنه ذلك، وأقره، وزاد تخريج الحديث من مصدر آخر، وبين ضعفه كذلك/ ينظر الموضوعات في الإحياء للشيخ محمد أمين السويدي ص ١١٠ حديث (٢٥٣) والمغنى مع الإحياء ٤/ ٢٩٠ حديث (٢) والإتحاف ٩/ ٥٥٥.\n(^٢) الإحياء مع المغنى ٢/ ٣٥٣ حديث (٣).\n(^٣) الإتحاف ٧/ ٩٥.","vol":"4","page":1618},{"text":"فقال العراقي: لا أصل له مرفوعا، وإنما هو من قول عمر بن عبد العزيز، هكذا رواه ابن أبي الدنيا في كتاب محاسبة النفس (^١).\nثم كرر الغزالي الحديث بعد هذا، فقال العراقي: تقدم، ولم أجده مرفوعا (^٢)؟\n٩ - إن العراقي كما اختلف مع من سبقه أو عاصره في ما لم يجدوا له إسنادا أو أصلا من الأحاديث، وتعقب خلال تخريجه هذا غير واحد في ذلك كما قدمت، أيضا قد تعقبه غير واحد بذكر ما يعتبر أصلا لما قرر هو أنه لم يجد له أصلا، فقد قال الغزالي: قال ﷺ: «الوضوء على الوضوء نور على نور».\nفقال العراقي: لم أجد له أصلا (^٣).\nوذكر السخاوي الحديث، ثم قال: ذكره في الإحياء، فقال مخرجه - يعني العراقي -: لم أقف عليه، وسبقه لذلك المنذري، وأما شيخنا - يعني ابن حجر - فقال: إنه حديث ضعيف، رواه رزين في مسنده. ثم ذكر السخاوي أن في معناه أيضا، حديث: من توضأ على طهر كتب الله له عشر حسنات (^٤).\nوذكر الزبيدي ما قرره السخاوي، وأقره (^٥).\nوقال الغزالي: ولم أر في الكتب خبرا مرويا في ترتيب قلم الأظفار، ولكن\n_________\n(^١) الإحياء مع المغنى ٤/ ٦١ حديث (١). وينظر محاسبة النفس لابن أبي الدنيا/ ص ٩٥\nبرقم (١١٣).\n(^٢) الإحياء مع المغنى ٤/ ٢٨٠ حديث (٦).\n(^٣) الإحياء مع المغنى ١/ ١٤٠ حديث (٨).\n(^٤) المقاصد الحسنة/ حرف الواو ص ٧٠٤ حديث (١٢٦٤).\n(^٥) الإتحاف ٢/ ٣٧٥.","vol":"4","page":1619},{"text":"سمعت أنه ﷺ، بدأ بمسبحته اليمنى، وختم بإبهامه اليمنى، وابتدأ في اليسرى بالخنصر إلى الإبهام.\nفقال العراقي: لم أجد له أصلا، وقد أنكره أبو عبد الله المازري في الرد على الغزالي، وشنع عليه به (^١) وقد سبق النووي العراقي فذكر انتقاد المازري للغزالي بسبب هذا الحديث، وما يستفاد منه، وأجاب عن الغزالي في بعض ما انتقده به المازري ثم قال: وأما الحديث الذي ذكره، فباطل، لا أصل له (^٢) ثم نقل الحافظ ابن حجر خلاصة كلام النووي وأقره، وأضاف: أنه لم يثبت في ترتيب الأصابع عند القص شيء من الأحاديث (^٣).\nأما السخاوي فأجاب عن الغزالي بقوله: ولا اعتراض عليه ﵀ فإنه أعلم بأنه لم يجده - يعني الحديث - في الكتب، وإنما سمعه بلاغا، وأتى به مع ذلك بصيغة التمريض.\nثم ذكر قول النووي السابق عن الحديث، وكذا قول العراقي، وعقب عليهما بقوله:\nوقد وقفت في مسند الفردوس على حديث أخرجه من طريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رفعه: من أراد أن يأمن الفقر، وشكاية العمى والبرص، والجنون، فليقلم أظفاره يوم الخميس بعد العصر، وليبدأ بخنصر اليسرى.\n_________\n(^١) الإحياء مع المغني ١/ ١٤٦ حديث (٥).\n(^٢) المجموع للنووي ١/ ٢٨٦.\n(^٣) فتح الباري - اللباس - باب ٦٣ قص الشارب ١٠/ ٣٤٥.","vol":"4","page":1620},{"text":"ثم قال: وهو واه جدا، مع أن في سنده من لم أعرفه (^١).\nوقد ذكر ابن عراق هذا الحديث، وكلام السخاوي عنه، وأقره (^٢).\nأما الحافظ الذهبي فأشار إلى الرواية التي ذكرها الغزالي، وأطلق عليها اسم الأثر، ثم قال: هو أثر موضوع (^٣).\nلكن ذكر السخاوي للرواية السابقة من حديث أبي هريرة تعقيبا على قول النووي والعراقي السابقين، يدل على أنه اعتبرها استدراكا عليهما، مع تقريره شدة ضعفها.\nومما يؤيد هذا أن العراقي يخرج بعض أحاديث الإحياء، ويحكم عليها بشدة الضعف، أو الوضع، كما سيأتي، ولا يقول: إنه لم يجد لها أصلا (^٤).\nوذكر الغزالي: أنه يستحب للحاج أن يضع يده على الرمانة السفلى، التي كان رسول الله ﷺ يضع يده عليها عند الخطبة.\nفقال العراقي: لم أقف له على أصل، وذكر محمد بن الحسن بن زبالة في تاريخ المدينة: أن طول رمانتى المنبر اللتين كان يمسكهما ﷺ بيديه الكريمتين إذا جلس شبر وأُصبعان (^٥).\nوقد تعقب الزبيدي العراقي في هذا بقوله: قلت: بل وجدت له أصلا، قال.\n_________\n(^١) للسخاوى ١/ ٩٣، ٩٤ بتحقيق الأخ الدكتور/ محمد إسحق/ حديث (٢٤).\n(^٢) تنزيه الشريعة لابن عراق - كتاب اللباس والزينة والطب - ٢/ ٢٨٠.\n(^٣) سير أعلام النبلاء ١٩/ ٣٤٢.\n(^٤) الإحياء مع المغنى ٤/ ٢٦٩، ٢٧٠ حديث (١).\n(^٥) الإحياء مع المغنى ١/ ٢٦٦ حديث (٢).","vol":"4","page":1621},{"text":"ابن سعد في الطبقات: أخبرنا عبد الله بن (مسلمة) القعنبي، وخالد بن مخلد البجلي قالا: حدثنا أبو عوانة عبد العزيز مولى الهذيل عن يزيد بن عبد الله ابن قسيط قال: رأيت أناسا من أصحاب رسول الله ﷺ إذا دخلوا المسجد، أخذوا برمانة المنبر الصلعاء التي تلى القبر بميامنهم، ثم استقبلوا القبلة يدعون. (الحديث) (^١).\nوالحديث فعلا في طبقات ابن سعد، كما ذكر الزبيدي (^٢).\nويعتبر الزبيدي أكثر من وقفت على تعقب له على العراقي في هذا، سواء بالنقل عن غيره، أو من جهته هو (^٣) وذلك لأنه جعل من منهجه في شرح الإحياء ذكر كلام العراقي على الأحاديث، في تخريجه المختصر هذا أو في غيره.\n_________\n(^١) الإتحاف ٤/ ٤٢٣.\n(^٢) طبقات ابن سعد ط دار الشعب بالقاهرة عن الطبعة الأوربية ١/ قسم ٢/¬١٣.\n(^٣) ينظر الإحياء مع المغنى ١/ ٣٤٢ حديث (٦) مع الإتحاف ٥/ ١٢٧، والإحياء مع المغنى ٣/¬٧ حديث (١) مع الإتحاف ٦/ ٢٨٧، والإحياء مع المغنى ٣/¬٣٥ حديث (١) مع الإتحاف ٧/ ٢٨٣ وشعب الإيمان (٨٣٤٥).\nوالإحياء مع المغنى ٣/ ٨٨ حديث (١) وفي المغنى سقط يعرف من الإتحاف مع التعقب ٧/ ٤٠٩ والحلية لأبي نعيم ٣/ ٣٢٣، والإحياء مع المغنى ٣/ ١٧٢ حديث (٦) مع الإتحاف ٨/¬٢٨، والإحياء مع المغنى ٣/ ٢٤٨ حديث (٦) مع الإتحاف ٨/ ١٩٥ والبخلاء للخطيب ص ٢٤ بتحقيق محمد ابراهيم سليم، والإحياء مع المغني ٣/ ٢٤٩ حديث (٢) مع الإتحاف ٨/ ١٩٦ والبخلاء للخطيب ص ٣٤.\nوالإحياء مع المغنى ٤/ ٢٧٠ حديث (١) مع الإتحاف ٩/ ٥٠٣، والإحياء مع المغنى ٤/ ٢٨٢، ٢٨٣ حديث (٥) مع الإتحاف ٩/ ٥٣٠، والإحياء مع المغنى ٤/ ٤٤٧ حديث (٦) مع الإتحاف ١٠/ ٢٦٢، والإحياء مع المغنى ٤/ ٤٥٨ حديث (١) مع الإتحاف ١٠/ ٤٠٧.","vol":"4","page":1622},{"text":"وذكر الغزالي في الإحياء: أن ميمون بن مهران: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ صاح سلمان الفارسي. ووضع يده على رأسه، وخرج هاربا ثلاثة أيام لا يقدرون عليه.\nفقال العراقي: لم أقف له على أصل (^١).\nوقد نقل الزبيدي قول العراقي، وأعقبه بذكر قصة أخرى لميمون بن مهران نفسه أنه سمع الحسن البصري يقرأ قوله تعالى ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ، ثُمَّ جَاءَهُم مَا كَانُوا يُوعَدُونَ، مَا أَغْنَى عَنْهُم مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ فسقط ميمون على الأرض وهو يتفحص برجليه كالشاة المذبوحة، وعزا ذلك إلى الحلية (^٢).\nأما الرواية التي ذكرها الغزالي عن سلمان الفارسي فلم يذكر الزبيدي عنها شيئا، ولم أجد من تعقب العراقي بذكر أصل لها.\nلكني وجدت القرطبي عند تفسيره للآية قال: ويُروى أن سلمان الفارسي ﵁ لما سمع هذه الآية: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ فر ثلاثة أيام من الخوف لا يعقل … (الحديث) (^٣)\nولم يعز القرطبي هذه الرواية إلى مصدر، أما السيوطي فقال: أخرج الثعلبي عن سلمان الفارسي، لما سمع قوله تعالى: «وإن جهنم لموعدهم أجمعين» فر ثلاثة أيام هاربا من الخوف، لا يعقل (الحديث) (^٤)\n_________\n(^١) الإحياء مع المغنى ٤/ ١٨٢ حديث (٢)، والآية من سورة الحجر رقم (٤٢).\n(^٢) الإتحاف ٩/ ٢٥٥، ٢٥٦.\n(^٣) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، سورة الحجر آية (٤٣) جـ ١٠/ ص ٣١.\n(^٤) لباب النقول للسيوطى/ ١٣١ (سورة الحجر).","vol":"4","page":1623},{"text":"وقد راجعت أكثر من نسخة خطية من تفسير الثعلبي - سورة الحجر - فلم أجد هذه الرواية، وتفسير الثعلبي من المصادر التي خرج العراقي منها بعض الأحاديث في كتابه هذا، فلعل النسخة التي اعتمد عليها منه لم يوجد فيها الحديث، مثل النسختين اللتين رجعت إليهما.\nوتعتبر النسخة التي وقف عليها السيوطي أكمل في هذا الموضع من غيرها. وعموما فإن هذه التعقبات التي تعقب العراقي فيها بالنسبة لما لم يتعقب فيه، تعتبر قليلة.","vol":"4","page":1624},{"text":"<span data-type='title' id=toc-517>بيان العراقي لدرجات الأحاديث، وأهميته وموقفه من الغزالي في هذا</span>\nيعتبر بيان درجة الحديث من الصحة وغيرها أمرا بالغ الأهمية، ولا سيما في مقام الاستدلال به، وفي عصر الغزالي وما بعده، حيث لم يلتزم الأكثرون في مؤلفاتهم بذكر الأحاديث بكامل إسنادها، وما ذكر فيه الإسناد، لم يعد ذكره كافيا للكثيرين، إلا بمعرفة شروط ممن يذكرون الإسناد، أو بيانهم التفصيلي لدرجات الأحاديث المسندة.\nوقد أورد الغزالي في كتاب (الإحياء) آلاف الأحاديث، بقصد الاستدلال\nبها على ما تضمنه كتابه من أمور العقائد والعبادات والمعاملات والأخلاق، والتصوف، مع ما لابسه من بدع ومخالفات شرعية، خصوصا في عصر الغزالي، وما بعده، حتى عصر العراقي، كما ستأتي بعض الإشارات إلى ذلك.\nورغم ما تمتع به الغزالي في عصره من مكانة علمية كبيرة، فإنه قد عرف أيضا بأنه لم يكن له يد باسطة في علم الحديث (^١).\nوجاء في ترجمته أنه سمع الصحيحين (^٢) وبعض سنن أبي داود (^٣)، وطالع الصحيحين.\nوقد تكلم في (الإحياء) عن عدد قليل جدا من الأحاديث التي استدل بها، فأشار إلى صحة بعضها، وضعف بعضها، ولكن الغالب ذكره للأحاديث\n_________\n(^١) تنظر طبقات الشافعية الكبرى لتاج الدين ابن السبكي ٦/ ١٩١، وما بعدها وص ٢٤٩.\n(^٢) الطبقات ٦/ ٢٠٠، ٢١٤. (٣) الطبقات ٦/ ٢١٢.\n(^٣) الطبقات ٦/ ٢١٠.","vol":"4","page":1625},{"text":"مجردة عن الإسناد، وقد يذكر صحابي الحديث، وقد لا يذكر لفظ الحديث، ولكن يشير إلى معناه، كما تقدم بيان شيء من ذلك في شرط العراقي في تخريجه هذا.\nوقد ظهر لي من صنيع الغزالي خلال كتابه «الإحياء» أنه يعتمد تصحيح البخاري ومسلم، أو أحدهما، أو غيرهما ممن رأى أهليته لذلك. ولكنه أضاف إلى ذلك أمرا آخر، وهو أنه يجيز الحكم بصحة متن الحديث، إذا وجد المعناه محتمل شرعي، ولو لم يوقف له على إسناد مطلقا، أو لم يوقف عليه في أي كتاب من كتب الحديث. ولعل هذا مما جعله يعول كثيرا في نقل الأحاديث التي أوردها في «الإحياء» على مصادر غير حديثية، مثل: «قوت القلوب» لأبي طالب المكني (^١) و«الرسالة» لأبي القاسم القشيري وغيرهما من كتب الصوفية والفقهاء (^٢) ولذلك وقع في الكتاب كثير من الأحاديث التي قرر العراقي وغيره كما تقدم، أنه لا أصل لها، أو لم توجد في كتب الأحاديث بأنواعها، أو وجدت في كتب الموضوعات كما سيأتي. وقد كان هذا محل انتقاد شديد للغزالي كما سيأتي.\nوقد وقف الحافظ العراقي من ذلك كله موقف المحدث الناقد المنصف.\nفأقر الغزالي على ما يتفق مع القواعد النقدية عند المحدثين، ورد عليه ما يخالفها، بالدليل المعتبر، في هدوء واتزان، وعفة لسان، وذلك مما يجعله أسوة حسنة ينبغي الاقتداء بها لمن بعده من النقاد.\n_________\n(^١) ينظر شرح الزبيدي للإحياء ٣/ ٢٨١، ٣٧٠، ٣٨٠.\n(^٢) تنظر طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي ٦/ ٢٤٧، ٢٤٩.","vol":"4","page":1626},{"text":"ويتضح ذلك من خلال تخريجه وحكمه على ما أورده الغزالي أو أشار إليه من الأحاديث عموما، ومن خلال ما ذكره الغزالي من درجات بعض الأحاديث خصوصا.\nفقد قال الغزالي: والدليل على هذا التفصيل، ما روي في الصحيح مفصلا في لفظ الحديث: قال رسول الله ﷺ قالت الملائكة ﵈: رب ذاك عبدك يريد أن يعمل سيئة (الحديث).\nفقال العراقي: قال المصنف: هو في الصحيح، وهو كما قال، في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة (^١).\nوذكر الغزالي أن ابن مسعود ﵁ قال: الغناء ينبت في القلب النفاق (الحديث)، ثم قال: ورفعه بعضهم إلى رسول الله ﷺ وهو غير صحيح.\nوقد خرج العراقي الحديث بالعزو إلى أبي داود في رواية ابن العبد من السنن، وإلى البيهقي مرفوعًا، وموقوفًا، وقال العراقي: قال المصنف - يعني الغزالي - والمرفوع غير صحيح، ثم أضاف العراقي قائلا: لأن في إسناده من لم يُسم (^٢).\n_________\n(^١) ينظر «الإحياء» مع المغني ٣/¬٤١ (١) وأمثلة أخرى في الإحياء مع المغني ١/¬٣٩ (٣) و٢٤٩ (٤) ومع الشرح ٤/ ٢٧٨، والإحياء مع المغني ١/ ٣١٠ مع الشرح ٥/¬٢٣، والإحياء مع المغني ١/ ٣٥٣ (٦) مع الشرح ٥/ ١٥٦.\nوالإحياء مع المغني ٢/¬٤٣ (٥) و٢/ ١١٥ (٢)، (٣) و٢/ ١١٦ (٣)، والإحياء مع المغني ٣/ ٢٨٩ (١) و٤/¬٣٨ (١)، ٤/ ١٤١ (٦)، ٤/ ٥٣١ (١)، (٢).\n(^٢) ينظر الإحياء مع المغني ٢/ ٢٨٣ (٣) وتنظر السنن الكبرى للبيهقي ١٠/ ٢٢٣ (كتاب الشهادات) ففيها ذكر الرجل الذي لم يُسم في الرواية المرفوعة.","vol":"4","page":1627},{"text":"فتعليله هذا لعدم صحة الرواية المرفوعة، يفيد إقراره لحكم الغزالي السابق بعدم صحة رواية هذا الحديث مرفوعا (^١).\nومن أمثلة ما خالف العراقي فيه ما قرره الغزالي أنه ذكر الاكتحال في كل عين ثلاثا، وقال: وقد نقل ذلك في الصحيح.\nفذكر العراقي ذلك، وعقب عليه بقوله: قلت: هو عند الترمذي وابن ماجه، من حديث ابن عباس، قال الترمذي: حديث حسن (^٢) وبذلك قدم الرد العملي لقول الغزالي: إن ذلك نقل في الصحيح.\nوقد حاول شارح الإحياء التماس محمل لقول الغزالي بصحة الحديث المنقول في ذلك، ولكنه محمل غير معتبر (^٣).\nوذكر الغزالي حديث «ذكاة الجنين ذكاة أمه»، ووصفه بأنه صح في الصحاح من الأخبار، صحة لا يتطرق احتمال إلى متنه، ولا ضعف إلى سنده.\nوذكر العراقي أن الغزالي أخذ هذا من قول الإمام الحرمين في كتاب الأساليب له، ثم تعقب ذلك بأن الحديث المذكور رواه أبو داود والترمذي وحسنه، وابن ماجه وابن حبان من حديث أبي سعيد، والحاكم من حديث أبي هريرة، وقال: صحيح الإسناد، وعقب على تصحيح الحاكم بقوله: وليس كذلك،\n_________\n(^١) وينظر ٣/ ٧٩ (٤) حديث وصف الغزالي حديثا بأنه مرسل، وأقره العراقي.\n(^٢) ينظر الإحياء مع المغني ١/ ١٤٧ (١).\n(^٣) ينظر الإتحاف ٢/ ٤١٥، ٤١٦، وينظر مثال آخر وصفه الغزالي بالصحة، وبين العراقي في التخريج أن بعضه صحيح وبعضه حسن فقط/ الإحياء مع المغني ١/¬٤٥ (١) والشرح ١/.","vol":"4","page":1628},{"text":"ثم قال: وللطبراني من حديث ابن عمر، بسند جيد، وقال عبد الحق: لا يحتج بأسانيدها كلها (^١).\nفبين العراقي بذلك من واقع المصادر الحديثية، أن في تصحيح الحديث خلافا، وليس كما جزم الغزالي بنفي تطرق احتمال الضعف إليه، تبعا لمن سبقه إلى ذلك.\nوذكر الغزالي صفة خيمة المؤمن في الجنة، وعزاه إلى البخاري في صحيحه، فتعقبه العراقي بقوله: عزاه المصنف للبخاري، وهو متفق عليه من حديث أبي موسى الأشعري (^٢).\nوهذا ليس تعقبا في التصحيح، ولكن في الاقتصار في تخريج ما في الصحيحين على العزو ولأحدهما فقط، حيث يفهم منه انفراد أحد الصحيحين به عن الآخر (^٣).\nوذكر الغزالي القول بأن حد الغنى المانع من السؤال أربعون درهما، وقال في دليله: لما رواه عطاء بن يسار - منقطعا - أنه قال: من سأل وله أوقية فقد ألحف في السؤال.\nفذكر العراقي في تخريجه أن أبا داود والنسائي أخرجا الحديث من رواية عطاء عن رجل من بني أسد، متصلا وليس بمنقطع كما ذكر المصنف؛ لأن الرجل صحابي، فلا يضر عدم تسميته، وأخرجه أبو داود والنسائي وابن\n_________\n(^١) ينظر الإحياء مع المغني ٢/ ١١٦ (٢).\n(^٢) الإحياء مع المغني ٤/ ٥٢٣ (٥).\n(^٣) وينظر مثال عكس ذلك في الإحياء مع المغني ٢/ ٥٤ (٥).","vol":"4","page":1629},{"text":"حبان من حديث أبي سعيد (^١) ووافقه الشارح (^٢).\nفرد العراقي قول الغزالي بأن سند الحديث منقطعًا، وتبعا لذلك رد ما يقتضيه الانقطاع من ضعف الحديث، وأيد ردَّه بالدليل الاصطلاحي، وهو أن إبهام اسم الصحابي لا يضر، كما بين تصحيح ابن حبان للحديث من رواية صحابي آخر وهو أبو سعيد الخدري ﵁.\nوقال الغزالي: لما صحَّ قوله ف ﷺ: «المؤمن يَذْبَحُ على اسم الله تعالى، سَمَّى أو لم يُسمّ …»\nفقال العراقي في تخريج هذا: قال المصنف: إنه صح، قلت: لا يعرف بهذا اللفظ، فضلًا عن صحته، ثم ذكر ثلاثة أحاديث في الموضوع، بألفاظ أخرى، وبين ضعف كل منها (^٣).\nوقد نقل شارح الإحياء عن النووي وابن حجر ما يؤيد قول العراقي هذا في رد ما قرره الغزالي من ورود حديث باللفظ الذي ذكره (^٤)، كما وافق العراقي في نقده هذا للغزالي تاج الدين ابن السبكي (^٥)، وسراج الدين ابن الملقن، قرين العراقي (^٦).\nوقال الغزالي أيضًا: «ولم أر في الكتب خبرا مرويا في ترتيب قلم الأظفار،\n_________\n(^١) الإحياء مع المغني ١/ ٢٣١ (٣).\n(^٢) الإتحاف ٤/ ١٦٠.\n(^٣) الإحياء مع المغني ٢/ ١١٦ (٣).\n(^٤) الإتحاف ٦/ ٦٧ والتلخيص الحبير ٤/ ١٣٧ وفتح الباري ٩/ ٦٣٦.\n(^٥) طبقات الشافعية ٦/ ٣١٤.\n(^٦) الخلاصة لابن الملقن ٤/ ٣٧٥ حديث (٢٦٥٢).","vol":"4","page":1630},{"text":"ولكن سمعت أنه في بدأ بمسبحته اليمنى، وختم بإبهامه اليمنى، وابتدأ في اليسرى بالخنصر إلى الإبهام».\nثم قال: ولما تأملت هذا، خطر لي من المعنى ما يدل على أن الرواية فيه صحيحة، إذ مثل هذا المعنى لا ينكشف ابتداءا إلا بنور النبوة … ثم قال: إذ الشرع يستحب إدارة الطهور وغيره على اليمنى، وبعد سرد الترتيب في قلم الأظفار قال: «وهذه الدقائق في الترتيب تنكشف بنور النبوة، في لحظة واحدة».\nوقد قدمت أن العراقي قال عن الحديث المذكور: لم أجد له أصلا، ثم قال: وقد أنكره أبو عبد الله المازري في الرد على الغزالي، وشنع عليه به (^١).\nوفي طرح التثريب شرح تقريب الأسانيد، ذكر العراقي أيضا كلام الغزالي السابق عن هذا الحديث، ثم قال: وقد تعقبه في ذلك الإمام أبو عبد الله المازري في كتاب وقفت عليه له، في الرد عليه، وبالغ في هذا المكان في إنكار هذا عليه، وقال: إنه يريد أن يخلط الشريعة بالفلسفة، قال العراقي: «هذا حاصل كلامه، وبالغ في تقبيح ذلك، والأمر في ذلك سهل …» (^٢).\nأقول: وكتاب المازري المذكور لم أقف عليه، وكلام العراقي في المغني، وفي طرح التثريب، يفهم من مجموعه أمران: -\nالأول: أن ما قرره الغزالي من تجويز تصحيح ما يُنسب إلى الرسول ف على أنه حديث، إذا كان له محمل شرعي، وإن لم يوجد له إسناد، ولا وجد في\n_________\n(^١) ينظر الإحياء مع المغني ١/ ١٤٦ (٥).\n(^٢) طرح التثريب شرح التقريب للعراقي ٢/ ٧٧، ٧٨.","vol":"4","page":1631},{"text":"كتاب من كتب الحديث.\nفإن العراقي لا يقره على ذلك، وقد تقدم ما يؤيد موقفه هذا أيضًا، حيث ذكر الغزالي عن أنس ﵁ أن الرسول ﷺ «لم يدع نصيحة جميلة إلا وقد دعاهم إليها، وأمرهم بها».\nفقال العراقي في تخريج ذلك: لم أقف له على إسناد، وهو صحيح من حيث الواقع (^١) فبين بذلك أن العبرة ليست بصحة معنى الحديث في الواقع فقط، ولكن لابد من وجود إسناد صحيح بنسبة متن الحديث إلى الرسول ﷺ.\nالثاني: يشير العراقي إلى أن الرد على ما يظهر خطؤه مطلوب ممن تأهل لذلك، ولكن بدون قبح ولا تشدد.\nوليس قوله: «إن الأمر في ذلك سهل» موجهه إلى مسألة التصحيح بدون إسناد؛ لأن رده على ذلك صرح به في بداية كلامه، بوضوح هادئ؛ ولكن مراده أن ما التمسه الغزالي من وجه مشروع لترتيب تقليم أظافر اليدين، أمر مناسب في عمومه، وبالتالي لا ينبغي توجيه النقد القبيح إليه، بل يكتفي ببيان: الخطأ وتصويبه بأسلوب عفيف وواضح.\nويؤيد ذلك ما قرره الإمام النووي قبل العراقي، فقد ذكر النووي أن المازري: ذكر في إنكاره على الغزالي كلاما لا أوثر ذكره - يعني لقبحه كما وصفه العراقي بعد اطلاعه عليه كما قدمت - ثم قال النووي: والمقصود أن الذي ذكره الغزالي لا بأس به، إلا في تأخير إبهام اليمني، فلا يقبل قوله فيه؛ بل يقدم اليمنى بكمالها، ثم يشرع في اليسرى، وأما الحديث الذي ذكره،\n_________\n(^١) وينظر «المغني ومعه الإحياء» ٢/ ٣٥٣ (٣) والاتحاف ٢/ ٤١١.","vol":"4","page":1632},{"text":"فباطل لا أصل له (^١).\nفاتفق بذلك النووي والعراقي على رد الخطأ، وبيان الصواب، وتجنب القبح والشدة في ذلك.\nوهذا هو المشلك الأمثل للنقد العلمى الأمثل، والذي ينبغي لنا التأسى فيه بكل من الإمام النووي، والحافظ العراقي - رحمهما الله.\nوقول العراقي في طرح التثريب: إنه لم يثبت في كيفية تقليم الأظفار حديث يُعمل به (^٢).\nلا يعارضه ما تعقبه به السخاوي بذكر حديث واه في ذلك، كما قدمت، لأنه ليس مما يعمل به على الراجح (^٣).\nوفي مبحث معجزاته، وآيات صدقه ﷺ.\nقال الغزالي: فلنذكر من جملتها ما استفاضت به الأخبار، واشتملت عليه الكتب الصحيحة: … ثم ذكر في هذا المبحث زيادة على أربعين حديثا بعضها باللفظ، وبعضها بالمعنى.\nوقد قام العراقي بتخريجها، مبينا ما هو مخرج منها في الصحيحين أو أحدهما، وما هو مخرج عند غيرهما بسند صحيح، أو جيد، وهذا أكثرها، كما بين أن بعض ما ذكره الغزالي ضعيف، أو ضعيف جدا، وهذا أقلها (^٤).\n_________\n(^١) المجموع شرح المهذب للنووى ١/ ٢٨٦.\n(^٢) طرح التثريب ٢/ ٧٧، ٧٨.\n(^٣) وانظر الفتح ١٠/ ٣٤٥ والأجوبة المرضية للسخاوى سؤال (٢٤).\n(^٤) ينظر «الإحياء مع المغني» ٢/ ٣٨٤ - ٣٨٨.","vol":"4","page":1633},{"text":"فكان هذا نقدا عمليا مفصلا لحكم الغزالي العام بالصحة على كل ما أورده في هذا الموضوع.\nوعموما فإن الأحاديث التي وصفها الغزالي بالصحة أو عدم الصحة، قليلة جدا بالنسبة لمجموع الآلاف التي أوردها دون بيان لِدَرَجَاتِها، ولا عزوها إلى مصدر يمكن مراجعتها فيه، وإن كان قد عُرف بالاستقراء إكثاره النقل من كتاب «قوت القلوب» لأبي طالب المكي، ولا يعني فيه أبو طالب بذكر أسانيد الأحاديث التي يوردها، مع كونه من المتقدمين.\nولهذا، كانت حاجة كتاب (الإحياء) إلى تخريج أحاديثه عموما وبيان درجاتها، أمرا ضروريا، وكان أول من عرف قيامه بهذا هو الحافظ العراقي، كما قدمت.\nوكما جعل العراقي من منهجه في هذا التخريج، بيان ما لا أصل له من أحاديث «الإحياء» كما قدمت، فإنه قد جعل من منهجه أيضا بيان درجات الأحاديث التي وجد لها مصادر أصلية أو فرعية.\nفقال في مقدمة الكتاب، وهو يبين العناصر العامة لمنهجه: «فاقتصرت على ذكر طرف الحديث، وصحابيه، ومخرجه، وبيان صحته أو حسنه، أو ضعف مخرجه؛ فإن ذلك هو المقصود الأعظم عند أبناء الآخرة؛ بل وعند كثير من المحدثين، عند المذاكرة والمناظرة (^١) والمقصود بأبناء الآخرة هم الذين آثروا ثوابها على غيره، من حظوظ الدنيا مهما عظمت».\nوفيما ذكره العراقي كما ترى - تقرير اصطلاح هام في علم تخريج\n_________\n(^١) ينظر المغني ١/¬٨.","vol":"4","page":1634},{"text":"الأحاديث، وهو أن بيان درجات الأحاديث، وخاصة عند تخريجها بالعزو فقط إلى المصادر، دون ذكر الأسانيد، يعتبر مقصدا عظيما لمن يحتاج الحديث المخرج للاستدلال، أو للاطلاع والمعرفة.\nوبالتالي يكون على من يتصدى لتخريج الحديث، وخاصة بدون ذكر شيء من أسانيده، أن يعوض القارئ عن الإسناد بذكر درجة الحديث، باعتبار ما يتيسر له من أسانيده، سواء ذكرها أم لم يذكرها.\nوقد أشار العراقي أيضا بمثل هذا على رفيقه الحافظ الهيثمي في كتابه مجمع الزوائد (^١).\nلكن هذا مشروط بأن يكون المتصدي للتخريج متأهلا تأهيلا كافيا لمهمة الحكم هذه، كما هو الحال بالنسبة للحافظ العراقي.\nومن لم تكن لديه الأهلية الكافية فليتق الله ﷿ في سنة رسوله ﷺ ويقف عند مبلغ علمه، ولو كان عزو الحديث إلى موضعه من مصادره، وإن وجد كلاما عن درجته لأهل العلم المعتبرين ذكره معزوا إلى قائله، ولا يتجاسر على خطورة الحكم بغير علم، لما يترتب على ذلك من إدخاله في السنة ما ليس منها، أو إخراجه ما هو منها.\nبل إني وجدت العراقي نفسه خلال هذا التخريج قد اقتصر على عزو كثير من الأحاديث إلى ما توافر له من مصادرها الخالية من بيان الدرجة، ولا يبين هو أيضا درجاتها من الصحة أو غيرها، وقد يكون ما يعزو إليه الحديث بعض المصادر المشهورة، والتي بين في مواضع أخرى درجة ما عزاه إليها، مثل: سنن\n_________\n(^١) ينظر مجموع الزوائد ١/¬٧.","vol":"4","page":1635},{"text":"أبي داود (^١)، والنسائي وابن ماجه (^٢)، وقد يكون ما لم يبين درجته قد بينها رفيقه الهيثمي (^٣).\nفلعل العراقي لم يتيسر له حينذاك مراجعة ما يحتاجه الحكم من كتب الرجال وغيرها. وقد يتابعه الشارح على عدم بيان الدرجة أيضا (^٤)، ولم أجد في النسخ الخطية الموثقة لهذا التخريج التي أتيحت مراجعتها بياضا متروكا في تلك المواضع التي لم يُذكر فيها بيان درجة الحديث، بحيث يستفاد من ذلك أن العراقي كان ينوى بيان الدرجة في وقت لاحق، كما يلاحظ أنه لم ينبه على ذلك في المقدمة، ولعل ذلك لكون ما لم يبين درجته يعتبر قليلا بجانب ما بين درجته، كما يلاحظ ذلك من يراجع الكتاب بأكمله.\nولما يسر الله تعالى لي قراءة هذا التخريج كله تبين لي أن ما ذكره العراقي في مقدمة الكتاب عن بيانه لدرجات الأحاديث، يعتبر مجملا كما هو شأن المقدمات، فذكر أصل التقسيم العام لدرجات الأحاديث حسبما استقر عليه الاصطلاح، وهو الصحة والحسن والضعف، في حين نجده خلال التخريج يصف بعض الأحاديث بأن إسنادها جيد (^٥) ويصف بعضا آخر بأن رجاله ثقات، أو رجاله رجال الصحيح، ويصف كثيرا من الأحاديث بأنها موضوعة، أو\n_________\n(^١) المغني مع الإحياء ١/¬١٢ (٩)، ٢٤٣، (٢).\n(^٢) المغني مع الإحياء ١/ ٢٤٢ (٢).\n(^٣) المغني مع الإحياء ١/¬١٣ (١٣) ومجمع الزوائد ١/ ١٢٢.\n(^٤) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ٢٤٤ (٥) مع الاتحاف ٤/ ٢٥٧.\n(^٥) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ٦٥ (٢) و٦٧ (١) و١١٩ (٤) و١٤٢ (٤) و١٤٩ (١) و١٨٤ (٣) وغير ذلك كثير.","vol":"4","page":1636},{"text":"ذُكرت في بعض كتب الأحاديث الموضوعة، أو يُذكر أنها ضعيفة جدا، أو يبيّن بعض علل الحديث الدقيقة مثل تعارض الرفع والوقف، والوصل والإرسال، كما يبين أحوال كثير من الرواة، ويذكر إضافات علمية أخرى من القواعد الاصطلاحية والنقدية التي توضح درجات الأحاديث المقبولة أو المعلولة، بحيث يظهر من خلال ذلك شخصيته العلمية البارزة، وإمامته في الصناعة الحديثية، وجمعه في ذلك بين تقرير قواعد المنهج النقدى للمحدثين، وتطبيقه في تمييز المقبول من المردود، بما له من خبرة مشهودة واطلاع واسع، وإنصاف في التعويل على أئمة الرواية والدراية حتى عصره، مع التعقب المهذب في موضعه، وستأتي أمثلة لذلك كله خلال العرض الآتي لتفصيل منهجه في بيان درجات الأحاديث.\nوسيَتَّضِح منه أن صنيع العراقي هذا يعتبر غربلة عملية لآلاف الأحاديث التي اشتمل عليها كتاب «الإحياء» ولم تبيَّن درجات أكثرها في مصادره، كما طالت أسانيد الكثير منها فامتدت إلى القرن الخامس الهجري.\nوتضمن أيضا التوضيح التفصيلي لكل ما وجّه إلى أحاديث الكتاب من انتقادات عامة أو خاصة.\nوتمثل فيه موقف العراقي الحاسم في مواجهة من زيَّن له هواه الابتداع في أمور الدين، فراح يخلط حقائقه بأباطيل مبتدعة، مروجا لها بأحاديث بعضها مكذوب على صاحب الشرع ف، وبعضها شديد الضعف، وبعضها لم يوجد له أصل في دواوين السنة، بعد البحث والتقصى، كما تقدم.\nوقد تنوعت طريقة العراقي في بيانه لدرجات الأحاديث التي وجد لها.","vol":"4","page":1637},{"text":"مصدرا، وهي أغلب أحاديث الكتاب، بحيث يطول سرد تفاصيلها، والمادة العلمية التي جمعتها في ذلك تحتمل دراسة مستقلة، لكن الذي يتحقق به المقصود هنا، هو إجمال عناصر طريقة العراقي في بيان درجات الأحاديث، وذكر بعض النماذج، والمقارنات، والنقد في موضعه، بحيث يتوافر للقارئ تصور عام لجهد العراقي في هذا، بما له، وما عليه.\nوذلك على النحو التالي: -\n١ - جعله العزو إلى المصدر المخرج منه الحديث، بمثابة البيان لدرجته، وذلك بالنسبة للكتب التي اشترطت الصحة، أو كانت من مصادر الأحاديث الضعيفة والموضوعة.\nفإذا عزا الحديث إلى البخاري أو مسلم عزوا مطلقا، كقوله: «حديث: لما توفي عثمان بن مظعون قالت أم سلمة: هنيئا لك الجنة (الحديث)، البخاري من حديث أم العلاء الأنصارية … (^١)».\nوقوله: حديث: دُعَاءُ الرجل الفارسي فقال: أنا وعائشة (الحديث) مسلم من حديث أنس (^٢). فيعتبر هذا بيانا منه لدرجة الحديث وهي الصحة تبعا لشرط البخاري أو مسلم، كما هو معروف. فإن كان الحديث في الصحيحين من رواية صحابي واحد أو أكثر، قال: متفق عليه من حديث فلان أو متفق عليه من حديث فلان وفلان يعني صحابي الحديث (^٣).\n_________\n(^١) ينظر المغني مع الإحياء ٤/ ١٦٦ (٥).\n(^٢) ينظر المغني مع الإحياء ٢/ ١١٩ (٥).\n(^٣) ينظر المغني مع الإحياء ١/¬١٢ (١٠) و١٧ (٣) و٤٤ (٣) و١١٩ (١)، و٢/ ٨٠ (٢)، (٣) و٨٢ (٥).","vol":"4","page":1638},{"text":"وَقد يعزو الحديث إليهما عن صحابي واحد، ولا يقول: إنه متفق عليه (^١).\nوقد يقول: أخرجاه من حديث فلان، إشارة إلى الشيخين، دون تقدم ذكرهما في موضع قريب، يوضح عائد الضمير (^٢) وعندما يكون الحديث عند كل منهما عن صحابي يبين ذلك (^٣) ويميز في العزو إلى الصحيحين، بين الموصول الإسناد، وبين المعلَّق (^٤) وقد يميز التعليق المجزوم من غيره (^٥).\nوسيأتي أن التعليق نوع من الانقطاع في الإسناد يقتضي الضعف، وينجبر بوجود الرواية الموصولة، فلذلك عنى العراقي بتمييز المعلق عن الموصول.\nويكتفي العراقي أيضًا بالعزو إلى ابن حبان في صحيحه، تارة بالعزو المطلق كقوله: «لابن حبان …» وتارة بالتقييد كقوله: «ابن حبان في صحيحه»، وسواء عزا إليه وحده (^٦) أو ذكر معه غيره ممن خرج الحديث، ولم يشترط الصحة، كأبي داود والنسائي، في سننهما وأحمد في مسنده، وغيرهم (^٧) وقد يذكره مع غيره ممن اشترط الصحة (^٨) وقد يتعقب تصحيحه (^٩).\n_________\n(^١) المغني مع الإحياء ١/ ٥٧ (١).\n(^٢) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ١٣٩ (٢) و٢١٠ (٢) و٢٤٥ (٣).\n(^٣) المغني مع الإحياء ١/¬٤٢ (٢)، (٣) و٩٨ (١) و١٤٩ (٣) و١٥٢ (٤) و١٥٩ (١) و١٦١ (٢) و١٦٣ (٤).\n(^٤) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ١٢٢ (٤) و١٨٢ (٤) و٢٢٦ (٣).\n(^٥) المغني مع الإحياء ١/ ١٣٨ (٥).\n(^٦) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ٦٨ (٤) و٧٠ (٣) و١٠٥ (١) و٣١٤ (٦).\n(^٧) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ٩٧ (٢) و١٦٧ (١) و٢١٣ (٣) و٢٤٧ (٣) و٣٥٠ (٢) و٣/ ٣٠٥ (٢).\n(^٨) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ١٩١ (٥) و٢٠٢ (٢) و٢١٨ (٣) و٢٤٧ (٦).\n(^٩) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ٢٢٢ (٥) والإحسان لابن بلبان ٨/ حديث (٣٣٠٩) =","vol":"4","page":1639},{"text":"ويعزو أيضا لابن خزيمة (^١) وقد يتعقبه في تصحيحه (^٢).\nويعزو أيضا إلى المختارة للضياء المقدسي وهي مما اشترط فيه الصحة، كما هو معروف (^٣) وإلى بعض المستخرجات على الصحيحين مثل المستخرج على صحيح البخاري للإسماعيلي (^٤).\nوالمستخرج على صحيح البخاري أيضا لعمر بن محمد البجيري (^٥).\nوأيضا قد يشير العراقي إلى ضعف الحديث، أو وضعه بالعزو إلى بعض المصادر التي تبين ذلك.\nمثل عزوه الحديث إلى ابن حبان في الضعفاء (^٦).\nأو ابن عدي وابن حبان في الضعفاء (^٧) أو العقيلي في الضعفاء (^٨) أو العقيلي في الضعفاء، وابن الجوزي في الموضوعات (^٩) أو ابن الجوزي وحده في\n_________\n= والمقاصد الحسنة للسخاوى حديث (٦١٨).\n(^١) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ١٨٠ (٣) و٢/ ٣٧٣ (٤).\n(^٢) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ١٩٤ (٦).\n(^٣) ينظر المغني مع الإحياء ٣/ ١٤٣ (٢) مع الشرح ٧/ ٥٤٣ - ٥٤٤.\n(^٤) ينظر المغني مع الإحياء ٢/ ٣٨٤ (٤).\n(^٥) المغني مع الإحياء ٢/ ٣٧٩ - ٣٨٠ (٧) وقد طبعت قطعة من هذا المستخرج بتحقيق الأخ الدكتور/ محمد بن بكر عابد، وتفضل مشكورا بإهدائي نسخة منها.\n(^٦) ينظر المغني مع الإحياء ٣/ ١٣٨ (٦).\n(^٧) المغني مع الإحياء ١/ ١٢٨ (٥).\n(^٨) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ٢٣٣ (١).\n(^٩) المغني مع الإحياء ١/ ٧٤ (٢) و٢/ ١٤١ (١).","vol":"4","page":1640},{"text":"الموضوعات (^١) أو أبو الفتح الأزدي (^٢).\nوقد أخذ السيوطي في جامعه الكبير بطريقة الإشارة هذه إلى درجة الحديث، بالعزو إلى عدد من المصادر في الصحة، أو في الضعف، (^٣) لكن اكتفاء العراقي في بيان الدرجة بالعزو إلى بعض المصادر بدلا من التصريح بها، يعتبر قليلا جدا بالمقارنة بما صرح بدرجته كما سيأتي.\n٢ - التصريح بدرجة الحديث أو ما يدل عليها.\nيعتبر بيان العراقي لدرجات الأحاديث تصريحا، هو الغالب في كتابه هذا، وتصريحه تارة يكون بالنقل عن غيره من العلماء حتى عصره، سواء مع الإقرار لهم على حكمهم، حيث ينقله ولا يتعقبه بشيء، أو ينقله، ثم يتعقبه بما يظهر له هو، فتتضح لنا بذلك شخصيته الحديثية، وأنه ليس مجرد ناقل ومردد لأحكام غيره.\nوتارة يبين درجة الحديث دون تصريح بالعزو لغيره، وتارة يذكر ما يدل على على درجة الحديث في الجملة، وإن لم يصرح بها. وسيتضح ذلك كله مما سيأتي من الأمثلة والإحالات التي بالحواشى منعا للتطويل.\nأ - النقل عن غيره مع الإقرار أو التعقب:\nوفي نقل العراقي عن غيره يهتم بنقل ما يذكره من أخرج الحديث المطلوب،\n_________\n(^١) ينظر المغني مع الإحياء ١/¬١٦ (٣) و٦٨ (١) مع تنزيه الشريعة ١/ ٢٦٩ والأسرار المرفوعة للقارى/ ٣٦٣.\n(^٢) المغني مع الإحياء ١/ ٢٤٤ (٣) والإتحاف ٤/ ٢٥٦.\n(^٣) تنظر مقدمة كنز العمال للمتقي الهندي ١/¬٩، ١٠.","vol":"4","page":1641},{"text":"مثل أبي داود (^١) والنسائي والترمذي (^٢) وقد أكثر النقل عنه كما سيأتي، والعقيلي (^٣) وابن عدي (^٤) والبيهقي (^٥) وابن الجوزي (^٦) وغيرهم.\nوهذا يدلنا دلالة عملية على أن من مطالب تخريج الحديث من مصدره، أن يذكر المخرج ما يجده في مصدر الحديث، من بيان صريح لدرجة الحديث، أو ما يدل على الدرجة، عازيا ذلك إلى المصدر المخرج منه؛ لأن اقتران بيان الدرجة بالحديث في مصدره، له أهمية لا تخفي ومما يؤيد هذا، تعقب المناوي في الفيض، للسيوطي في عدة مواضع لم يذكر فيها ما وجد في المصدر الذي عزا إليه الحديث، من بيان أو إشارة إلى درجة الحديث (^٧).\nوإذا كان من أخرج الحديث جعل من منهجه بيان درجات الأحاديث التي يخرجها، ثم أخرج بعض الأحاديث وسكت عن بيان درجتها، فإن العراقي قد ينبه على سكوته، ثم يتصدى هو لبيان درجة ما سكت عنه هذا الحديث، وقد لا ينبه على هذا السكوت، ولكن يكتفي ببيان درجة المسكوت عنه، كما سيأتي.\n_________\n(^١) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ١٨٥ (٥) و٢/¬١٤ (٢) و٢/ ٣٦٩ - ٣٧٠ (١١) مع السنن لأبي داود ٤ حديث (٣٧٤٨).\n(^٢) ينظر المغني مع الإحياء ٢/ ٣٧٦ (٤)، ١/ ٣٢٧ (٨) مع السنن الكبرى ٦/ ح ٩٨٤٣، ١٠٤٠٧ والمغني مع الإحياء ٢/¬٥ (٦).\n(^٣) ينظر المغني مع الإحياء ٢/ ٩١ (٨).\n(^٤) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ٢١٢ (٦) و٣/¬٢٧ (٣).\n(^٥) ينظر المغني مع الإحياء ١/¬١٥ (٥) و٢/ ٢١٨ (٢)، ٣/¬٧ (٢).\n(^٦) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ٢٤٩ (٦) و٢/¬١٢ (١).\n(^٧) ينظر فيض القدير للمناوى ومعه الجامع الصغير للسيوطي ١/ ٧٢، ٨١، ٨٧، ١١٥، ١٤١ وغيرها.","vol":"4","page":1642},{"text":"أيضا لما كان أبو داود له اصطلاح فيما سكت عن تضعيفه، فقد عني العراقي بذكر سكوته، وبيان دلالته عنده (^١) أو تعقبه بما ذكره غيره من النقاد (^٢).\nوالعراقي في نقله بيان الدرجة عن غيره، تارة يكتفي بنقل قول الغير دون تعقب، ومقتضاه إقراره من نقل عنه؛ لأنه نقل عنه في مقام الاحتجاج (^٣).\nغير أنه قد ينقل حكمين مختلفين على حديث واحد، دون تعقب (^٤) ففي مثل هذه الحالة، يمكن القول: بأنه لم يترجح للعراقي شيء في هذا الاختلاف. وقد يتعقب العراقي ما ينقله عن غيره في بيان الدرجة، ولو كان هذا الغير قد أخرج الحديث بسنده، كما سيأتي بالنسبة للترمذي والحاكم، وقد يكون تعقبه بذكر قول آخر لغيره، وقد يذكر التعقب من جانبه هو دون عزو لغيره. ومما يوضح بيان العراقي لدرجة الحديث بالنقل ذكر بعض الأمثلة لمن أكثر النقل عنهم كما يلي: -\nنقله عن الترمذي، وموقفه منه:\nفمن أكثر النقل عنه الإمام الترمذي خاصة عند تخريجه الحديث من جامعه المعروف (بالسنن). ولما كانت نسخ الجامع - كغيرها من النسخ الخطية للكتب - تختلف في كلام الترمذي عن درجة بعض الأحاديث، فإن العراقي\n_________\n(^١) ينظر المغني مع الإحياء ٢/ ٢٢٤ (١).\n(^٢) ينظر المغني مع الإحياء ٤/¬١٧ (١) حديث من حفظ آية أو سورة من القرآن ثم نسيها. و٤/ ٢٠٥ (١).\n(^٣) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ١٨٥ (٣) مع فيض القدير للمناوي ١/ ٤٨١ - ٤٨٢ حديث (٢٣٦٣)، والمغني مع الإحياء ٢/ ٦٣ (٦) مع الفيض ٢/ حديث (١٨٦٣).\n(^٤) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ٣٢٩ (٣).","vol":"4","page":1643},{"text":"حرص في نقله لحكم الترمذي على الحديث، أن يراجع أكثر من نسخة خطية للجامع، فيما يراه بحاجة إلى ذلك.\nففي حديث: «إن الله وملائكته وأهل السموات وأهل الأرض … ليصلون على معلم الناس الخير» عزاه العراقي إلى الترمذي في السنن، من حديث أبي أمامة، وذكر أن الترمذي قال عنه: غريب، ثم قال: وفي نسخة: حسن صحيح (^١).\nوبمراجعة نسخ الجامع المطبوعة حاليا نجدها مختلفة، منها ما ذكر «غريب» فقط كما في النسخة الأولى عند العراقي، وأكثرها ذكر فيه «حسن صحيح غريب» (^٢).\nونقل الزبيدي عن العراقي الاقتصار على قول واحد للترمذي بلفظ «حسن غريب صحيح» (^٣).\nفلعل هذا ما اقتصر عليه في التخريج الكبير؛ لأن الزبيدي ينقل منه، مع التخريج الصغير، كما تقدم، ولكنه تارة يميز المنقول من الكبير عن المنقول من الصغير وتارة لا يميز، ونقله هذا يختلف بالتقديم والتأخير فقط مع أكثر النسخ المطبوعة حاليا، كما أسلفت، فلعل هذه نسخة ثالثة، رجع إليها العراقي عند اشتغاله بالتخريج الكبير.\nوقد أقر العراقي حكم الترمذي بتصحيح الحديث كما ترى، حيث لم يتعقبه بشيء.\n_________\n(^١) المغني مع الإحياء ١/¬١٧ (٧).\n(^٢) ينظر جامع الترمذي - أبواب العلم - فضل العلم على العبادة حديث (٢٦٨٥) مع حاشية التحقيق - للدكتور بشار عواد.\n(^٣) الإتحاف ١/ ١١٠.","vol":"4","page":1644},{"text":"وأقره أيضا في مواضع أخرى على التحسين (^١) أو التضعيف (^٢)، وقد لاحظت أن إقراره لأحكام الترمذي هو بالأكثر.\nولكنه في مواضع غير قليلة أيضا كانت له مواقف نقدية لحكم الترمذي، حيث يذكر حكمه على الحديث ثم يتعقبه بما يظهر له.\nففي حديث عبد الله بن مغفل: «أن عامة الوسواس من البول في المغتسل» عزاه لأصحاب السنن، وقال: قال الترمذي: غريب.\nثم عقب على ذلك بقوله: قلت: وإسناده صحيح (^٣).\nوقد أقره شارح الإحياء على ذلك (^٤).\nووجه التعقب هنا أن كلام الترمذي عقب الحديث: «هذا حديث غريب، لا نعرفه مرفوعا إلا من حديث أشعث بن عبد الله، ويقال له: الأشعث الأعمى (^٥)»، فقرر غرابة رفع الحديث؛ لتفرد أشعث به، ولم يحكم بصحة ولا بغيرها، مع تلك الغرابة.\nلكن أشار العقيلي إلى ضعف الحديث مرفوعا من طريق أشعث هذا، حيث وصفه بأن في حديثه وهما، وذكر له الحديث المذكور من طريق معمر عن الأشعث عن الحسن عن عبد الله بن مغفل، وهي طريق الترمذي. ثم ذكر\n_________\n(^١) ينظر المغني مع الإحياء ١/¬٢٥ (٥).\n(^٢) ينظر المغني مع الإحياء ٢/ ٢٠٢ (٣).\n(^٣) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ١٣٦ (٤).\n(^٤) ينظر الإتحاف ٢/ ٣٣٨.\n(^٥) جامع الترمذي - أبواب الطهارة - ما جاء في كراهية البول في المغتسل ١/ حديث (٢١).","vol":"4","page":1645},{"text":"للحديث طريقا أخرى موقوفة، من رواية شعبة عن قتادة، عن عقبة بن صهبان عن ابن مغفل، وَرَجَّحها على المرفوعة السابقة (^١).\nفاقتضى ذلك تقريره ضعف رواية أشعث المرفوعة.\nفي حين نجد العراقي حكم بصحة إسناد تلك الرواية كما تقدم، وقد سبقه إلى ذلك ابن حبان (^٢) والحاكم، ووافقه الذهبي (^٣) ولكنه لم يعز الحديث، ولا تصحيح إسناده لأى منهم.\nوتصحيح ابن حبان والحاكم للحديث دون تعقب من غيرهما، يفيد اتصال رواية الحسن للحديث، وإن كانت بالعنعنة.\nوفي حديث: (من قال حين يصبح: رضيت بالله ربا) ذكر العراقي ضمن تخريجه، عزوه للترمذي من حديث ثوبان، وقال: «وحَسَّنه» وعقب على ذلك بقوله: وفيه نظر، ففيه (سعيد) بن المرزبان، ضعيف جدا (^٤)، وقد أقره شارح الإحياء على هذا التعقب مع التنبيه على أن لفظ الترمذي: من قال حين «يمسي …» بدل «يصبح» وهو كذلك فعلا في المطبوع حاليا من جامع الترمذي، فكان الأولى بالعراقي التنبيه على هذا الفرق المهم، كما يفعل في مواضع أخرى كثيرة، وسيأتي بعضها. والحديث أخرجه الترمذي من طريق سعيد بن المرزبان، وقال: حسن غريب من هذا الوجه (^٥).\n_________\n(^١) ينظر الضعفاء للعقيلي ١/¬٢٩.\n(^٢) ينظر الإحسان لابن بلبان/ حديث (١٢٥٥).\n(^٣) ينظر المستدرك مع تلخيص الذهبي ١/ ١٦٧.\n(^٤) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ٣٠٩ (٣).\n(^٥) جامع الترمذي - الدعوات - حديث رقم (٣٣٨٩).","vol":"4","page":1646},{"text":"وبمراجعة مجموع الأقوال في حال سعيد هذا، نجد غالبها يلتقي مع ما قرره العراقي في خلاصة حاله، وهو أنه «ضعيف جدا»، كما أنه وصف بالتدليس القادح في اتصال الإسناد (^١).\nوعليه يكون تعقب العراقي للترمذي هنا في محله (^٢).\nوقد يكون ما تعقب العراقي به الترمذي أصله لغيره ممن سبقه، ولكنه لا يعزوه إليه.\nفقد ذكر حديث أبي سعيد الخدري: من قال حين يأوي إلى فراشه: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم (الحديث) وعزاه إلى الترمذي، وذكر قوله عنه: «غريب، لا نعرفه إلا من حديث عبيد الله بن الوليد الوصافي»، ثم تعقبه العراقي بقوله: قلت: الوصافي وإن كان ضعيف، فقد تابعه عليه (عصام ابن قدامة) وهو ثقة، رواه البخاري في التاريخ، دون قوله: «حين يأوى إلى فراشه» ودون قوله: «ثلاث مرات» (^٣) وقد تابعه شارح الإحياء في هذا (^٤).\nوعندما نرجع إلى «الترغيب والترهيب» للمنذري، نجد أن ما تعقب العراقي به الترمذي هو نفسه تعقب المنذري، مع اختلاف يسير (^٥)؛ لكن تفصيل العراقي لفرق رواية البخاري في التاريخ، أشار إليه المنذري فقط؛ حيث ذكر: إن\n_________\n(^١) ينظر التهذيب ٤/ ترجمة (١٣٧) وطبقات المدلسين لابن حجر بتحقيق الأخ الفاضل الدكتور / عاصم القريوتي/ ترجمة (١٣٧).\n(^٢) وينظر تعقب له أيضا في المغني مع الإحياء ١/ ٣٢٠ (٤).\n(^٣) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ٣٢٠ (٣).\n(^٤) ينظر الاتحاف ٥/ ٥٧.\n(^٥) ينظر الترغيب والترهيب للمنذري ١/ ٣٠٧ (حديث ٩٠٠) ط دار الحديث بالقاهرة.","vol":"4","page":1647},{"text":"رواية البخاري في التاريخ، بنحو رواية الترمذي، أما المزى فذكر رواية الترمذي وحكمه بالغرابة، ثم قال: رواه البخاري عن عثمان بن هارون، عن عصام بن قدامة عن عطية (^١)، فأطلق العزو إلى البخاري، ولم يقيده بكونه في التاريخ، كما أنه ليس مقصوده العزو إلى الصحيح. وعند مراجعة الحديث في جامع الترمذي نجده عنده عن صالح ابن عبد الله عن أبي معاوية عن الوصافي عن عطية (يعني ابن سعد العوفي) عن أبي سعيد، به.\nواختلفت نسخ الترمذي في درجته ففي بعضها «حسن غريب لا تعرفه إلا من هذا الوجه من حديث الوصافي، عبيد الله بن الوليد».\nوفي بعضها كما ذكر العراقي، والمنذري، بلفظ الغرابة فقط دون «التحسين» وكذا البغوي في شرح السنة، والمزي في التحفة (^٢)، وهو المناسب لحال الإسناد، كما سيأتي. ومن عزو المنذري والعراقي إلى التاريخ مطلقا، يفهم أن المراد: «التاريخ الكبير» للبخارى، لكني لم أقف على الحديث في مظنته منه، ولا في مظنته من تاريخه في طبعتيه: المعنونة «بالتاريخ الصغير» والمعنونة «بالأوسط». مع أن نقل كل من المنذري، والمزي، والعراقي، لتفاصيل الرواية يشعر باطلاعهم عليها عند البخاري، فلعلها كانت فيما رجعوا إليه من نسخ التاريخ الخطية.\nونعم أخرج البخاري في التاريخ الكبير المطبوع حاليا، عن موسى (يعني ابن\n_________\n(^١) تحفة الأشراف ٣/ ٤٢٠ حديث (٤٢١٤).\n(^٢) ينظر جامع الترمذي - الدعوات - حديث (٣٣٩٧) د/ بشار عواد. مع حاشيته وشرح السنة للبغوي ٥/ حديث (١٣٢٠) والتحفة للمزي ٣/ ٤٢٠ حديث (٤٢١٤).","vol":"4","page":1648},{"text":"إسماعيل) عن حفص بن عُمَر الشُّنّى قال: حدثني أبي، عُمَر بن مرة، سمعت بلال بن يسار بن زيد، قال: حدثني أبي عن جدي سمع النبي ﷺ: من قال أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحى القيوم، وأتوب إليه، غُفِر له (^١) وهذا اللفظ مُقارب لما ذكره العراقي، لكنه كما ترى ليس من حديث أبي سعيد الخدري، ولا في سنده أحد من رواة الطريقين السابقين إليه، بل حديث البخاري هذا من طريق آخر عن صحابي آخر وهو زيد، مولى رسول الله ﷺ، فلا تتحقق به المتابعة المقصودة.\nولو كان هذا الحديث هو مقصود المنذري ومن بعده، لكان عزوه إلى الترمذي أيضًا أولى بدلًا من تاريخ البخاري؛ لأن الترمذي أخرجه عن البخاري، به، مع زيادة في آخره، وقال: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه (^٢).\nوعلى كل فوجه تعقب الترمذي حسب ما عزاه إليه كل من المنذري ومن بعده المزي والعراقي: أنه حكم بتفرد «الوصافي» بالحديث من هذا الطريق، فأشار بذلك إلى ضعفه الحال الوصافي المنفرد به. فأراد الثلاثة تعقبه بدفع تفرد الوصافي بأصل الحديث، لأنه قد تابعه عليه ثقة وهو عصام بن قدامة (^٣)، فانجبر بذلك تضعيف الحديث من جهة الوصافي.\nلكن بقي أن عصام بن قدامة قد تابع الوصافي على رواية الحديث عن عطية العوفي، كما صرح به المزي فيما قدمته، وعطية العوفي كما لخص ابن حجر\n_________\n(^١) ينظر تاريخ البخاري الكبير ٣/ ترجمة (١٢٧٦).\n(^٢) ينظر جامع الترمذي - الدعوات - حديث رقم (٣٥٧٧).\n(^٣) ينظر تهذيب التهذيب ٧/ ترجمة (٣٧٤) والكاشف ٢/ ترجمة (٣٧٩٢).","vol":"4","page":1649},{"text":"حاله في التقريب: صدوق يخطئ كثيرًا، وكان شيعيا مدلسا (^١). وفي طبقات المدلسين قال الحافظ: ضعيف الحفظ، مشهور بالتدليس القبيح (^٢) فما زال الحديث لأجله ضعيفًا من حديث أبي سعيد.\nوبذلك يكون الترمذي متعقبا في حكمه على الحديث بالحسن مع الغرابة حسب بعض نسخ الجامع كما تقدم، ومتعقبا في الحكم بالغرابة من جهة الوصافي.\nويمكن أن يشهد لأصل الحديث رواية زيد مولى رسول الله ﷺ التي قدمتها، وفي إسنادها أيضا ضعف، أشار إليه الترمذي بالوصف بالغرابة فقط، كما تقدم (^٣).\nوذكر العراقي حديث أبي موسى الأشعري في تحريم لبس الحرير والذهب على الذكور من المسلمين، دون إناثهم، وعزاه إلى النسائي، والترمذي، وقال: إنه صححه، ثم عقب على ذلك بقوله: قلت: والظاهر انقطاعه بين سعيد بن أبي هند، وأبي موسى، فأدخل أحمد - يعني ابن حنبل - بينهما رجلا لم يسم (^٤).\nوالحديث أخرجه الترمذي من طريق سعيد بن أبي هند عن أبي موسى الأشعري، وذكر أن في الباب عن عمر وعلى … وذكر جماعة من الصحابة، ثم\n_________\n(^١) التقريب ترجمة (٤٦١٦).\n(^٢) طبقات المدلسين/ ص ١٣٠.\n(^٣) وينظر التعليق على الحديث بهامش جامع الترمذي ٥/ حديث (٣٥٧٧) حاشية (٣).\n(^٤) ينظر المغني مع الإحياء ٢/¬١٦ (٢) ومسند أحمد ٤/ ٣٩٢، ٣٩٣.","vol":"4","page":1650},{"text":"قال: وحديث أبي موسى، حديث حسن صحيح (^١).\nوهذا التعقب من العراقي بتقريره انقطاع إسناد الرواية التي صححها الترمذي، قد وافقه عليه رفيقيه: الزيلعي (^٢) وابن الملقن (^٣) والحافظ ابن حجر تلميذ العراقي وابن الملقن (^٤) ولكن يمكننا التماس وجه لتصحيح الترمذي للحديث، وذلك بمجموع طرقه التي أشار إليها بذكر أحاديث أخرى في الباب عن جماعة من الصحابة، فيكون حديث أبي موسى صحيحًا لغيره.\nوقد يذكر العراقي حكم الترمذي على الحديث، ويقره عليه، حيث لا يتعقبه بشيء، ولكنه يكون متعقبا من غير العراقي.\nفقد ذكر حديث أبي سعيد الخدري: «من شغله القرآن عن ذكري، أو مسألتي، أعطيته أفضل ما أعطى السائلين» وعزاه إلى الترمذي، وذكر قوله عنه: حسن غريب، ولم يتعقبه بشيء (^٥).\nوفي سند الحديث عند الترمذي: محمد بن الحسن بن أبي يزيد، وعطية بن سعد العوفي.\nوفي ترجمة «محمد بن الحسن» في الميزان، تعقب الذهبي الترمذي في الحكم على هذا الحديث، فقال: حسنه الترمذي، فلم يُحسن (^٦).\n_________\n(^١) ينظر جامع الترمذي - أبواب اللباس - ٣/ حديث (١٧٢٠).\n(^٢) ينظر نصب الراية للزيلعي ٤/ ٢٢٣ وما بعدها.\n(^٣) الخلاصة لابن الملقن ١/ ٢٣٢.\n(^٤) الدراية في تخريج أحاديث الهداية ٢/ ٢١٩ حديث (٩٣٩).\n(^٥) المغني مع الإحياء ١/ ٢٨٠ (٥) وجامع الترمذي - فضائل القرآن حديث (٢٩٢٦).\n(^٦) الميزان ٣/ ترجمة (٧٣٨٢).","vol":"4","page":1651},{"text":"يعني لأجل حال محمد بن الحسن هذا.\nلكنه في السير، قال عنه: بالجهد أن يكون حديثه حسنًا (^١).\nغير أنه في عدد آخر من كتبه ذكر وصفه بالترك (^٢) أو بما في حكمه (^٣)، وأقوال النقاد فيه تؤيد تضعيفه على الأقل (^٤).\nوقد قرر الزيلعي رفيق العراقي تضعيف الحديث من رواية الترمذي هذه (^٥) ومن قبله قال أبو حاتم الرازي: هذا حديث منكر، ومحمد بن الحسن، ليس بالقوي (^٦).\nثم إن في إسناد الحديث كذلك «عطية بن سعد العوفي» وسبق بيان رجحان القول بتضعيفه، وتدليسه القادح، وقد عنعن هنا.\nوعليه فإن إقرار العراقي لتحسين الترمذي لهذا الحديث من طريقه المذكور، في غير محله.\n\n<span data-type='title' id=toc-518>نقله عن الحاكم، وموقفه منه:</span>\nوممن أكثر العراقي النقل عنه في الحكم على الأحاديث، الحاكم أبو عبد الله، حيث إن من منهجه - خاصة في المستدرك على الصحيحين - الكلام على\n_________\n(^١) ينظر السير ٧/ ٥٩.\n(^٢) ينظر ديوان الضعفاء/ ٣٤٧.\n(^٣) ينظر المغني ٢/ ترجمة (٥٤١٣)، والكاشف ٢/ ترجمة (٤٧٩٩).\n(^٤) ينظر التهذيب ٩/ ١٢٠، ١٢١ والميزان ٣/ ترجمة (٧٣٨٢).\n(^٥) تخريج أحاديث الكشاف للزيلعي ٣/ ٢٢٠ سورة غافر/ بتحقيق الأخ الفاضل سلطان الطبيشي.\n(^٦) علل الحديث لابن أبي حاتم ٢/ مسألة (١٧٣٨).","vol":"4","page":1652},{"text":"درجة أكثر الأحاديث، والسكوت عن بعضها، وقد نقل العراقي من أحكامه على ما حكم عليه، مع الإقرار أو التعقب، وكذلك قد يذكر سكوته عما سكت عن بيان درجته، ويبين موقفه هو مما سكت عنه الحاكم.\nفقد ذكر الغزالي: أن عمر ﵁ قبل الحجر الأسود، وقال: إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ ف يقبلك ما قبلتك، ثم بكى، فالتفت إلى ورائه، فرأى عليا ﵁ وراءه، فقال له: بل هو يضر وينفع، قال: وكيف؟ قال: إن الله تعالى لما أخذ الميثاق على الذرية، كتب عليهم كتابا، ثم ألقمه هذا الحجر، فهو يشهد للمؤمن بالوفاء، ويشهد على الكافر بالجحود (الحديث).\nفقال العراقي في تخريجه: أخرجاه - يعني البخاري ومسلم - دون هذه الزيادة التي رواها على، ورواه بتلك الزيادة الحاكم، وقال: ليس من شرط الشيخين (^١)، ولم يتعقب العراقي الحاكم في ذلك، ومقتضاه إقراره لحكمه المذكور على الحديث، مع أنه كما ترى ليس فيه تحديد صريح لدرجة الحديث، ولذا علق الذهبي على قول الحاكم هذا بأن في سند الحديث «أبا هارون العبدي» ساقط (^٢) وبذلك أفاد شدة ضعف الزيادة التي ذكرت في هذا الحديث منسوبة إلى على ﵁.\nوذكر الغزالي أيضا أن رسول الله ﷺ كان يسجد على الحجر الأسود.\nفعزاه العراقي إلى البزار والحاكم من حديث عمر ﵁ وذكر أن\n_________\n(^١) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ٢٤٩ (٣) والمستدرك مع تلخيص الذهبي له ١/ ٤٥٧.\n(^٢) ينظر المستدرك مع تلخيص الذهبي ١/ ٤٥٧.","vol":"4","page":1653},{"text":"الحاكم صحح إسناده (^١) ولم يتعقبه بشيء.\nوقد تختلف نسخة العراقي من المستدرك عن المطبوع حاليا من المستدرك، في ذكر درجة الحديث، أو سقوطها.\nفقد ذكر الغزالي: أن (الحجر الأسود ياقوتة من يواقيت الجنة، وله عينان ولسان) (الحديث).\nفذكر العراقي أن عجز الحديث - يعني ذكر «العينين واللسان للحجر الأسود» - رواه الترمذي وحسنه، وابن حبان والحاكم، وصحح إسناده من حديث ابن عباس.\nولم يتعقب العراقي الترمذي ولا الحاكم بشيء في حكمهما السابق، ثم قال: وللحاكم من حديث أنس: إن الركن والمقام، ياقوتتان من يواقيت الجنة، وصحح إسناده (^٢) وأقر الحاكم على هذا.\nوعندما نرجع إلى طبعة المستدرك الحالية نجد فيها الحديث، ولكن بدون كلام للحاكم عن درجة إسناده، لا بتصحيح ولا بغيره.\nمع أن الذهبي في مختصره المطبوع حاليا مع المستدرك، ذكر تصحيح الحاكم للحديث (^٣) فدل ذلك على ثبوت تصحيح الحاكم في نسخة الذهبي، كما ثبت في نسخة العراقي، وإن لم نجده في طبعة المستدرك الحالية.\n_________\n(^١) ينظر الإحياء مع المغني ١/ ٢٤٩ (٢) والمستدرك مع تلخيص الذهبي ١/ ٤٥٥ (المناسك) وأقر الذهبي أيضا تصحيح الحاكم.\n(^٢) ينظر الإحياء مع المغني ١/ ٢٤٨ (٤) والمستدرك مع تلخيص الذهبي له ١/ ٤٥٦، ٤٥٧.\n(^٣) ينظر المستدرك مع تخليص الذهبي ١/ ٤٥٦.","vol":"4","page":1654},{"text":"لكن الذهبي لم يقر الحاكم على تصحيح إسناد هذا الحديث، كما أقره العراقي، وإنما تعقبه بقوله: قلت: داود، قال أبو داود: متروك (^١) وبمراجعة إسناد الحديث في المستدرك تجد فيه فلانا (داود بن الزبرقان)، وقد وصفه أبو داود السجستاني في رواية عنه: بأنه ترك حديثه، ووصفه بنحو ذلك جماعة من النقاد، وجماعة آخرون وصفوه بمطلق الضعف (^٢) فيكون الحديث من طريقه دائرًا بين الضعف الشديد، أو الضعف فقط، وبذلك يعتبر سكوت العراقي عن تصحيح الحاكم للحديث من طريقه، في غير محله (^٣).\nولكنه قد يتعقب تصحيح الحاكم بما لم أجد تعقب الذهبي به، أو غيره ممن قبل العراقي.\nفقد ذكر حديث: «ليكن بلاغ أحدكم من الدنيا كزاد راكب».\nوعزاه إلى ابن ماجه والحاكم من حديث سلمان ﵁ مع اختلاف بعض الألفاظ، ثم ذكر أن الحاكم قال: صحيح الإسناد، وعقب عليه بقوله: قلت: هو من رواية أبي سفيان عن أشياخه، غير مُسَمّين (^٤) ومعنى ذلك أن في السند إبهاما يقتضي ضعفه.\nوقد أورد المنذري هذا الحديث في كتابه الترغيب والترهيب، وعزاه إلى الحاكم فقط، وذكر قوله: «صحيح الإسناد» وعلق عليه بقوله: كذا قال (^٥).\n_________\n(^١) ينظر تلخيص المستدرك للذهبي مع المستدرك ١/ ٤٥٦.\n(^٢) التهذيب ٣/ ترجمة (٣٥٢).\n(^٣) وينظر مثال آخر في المغني مع الإحياء ١/ ٣٠٨ (٧) والمستدرك مع تلخيص الذهبي ١/¬٥.\n(^٤) ينظر المغني مع الإحياء ٤/ ١٠٤ (٣).\n(^٥) ينظر الترغيب والترهيب للمنذري ٤/ الزهد/ حديث (٤٧٠٠) ط دار الحديث بالقاهرة.","vol":"4","page":1655},{"text":"وهذه إشارة إلى توقفه في تصحيح الحاكم، لكنه لم يفصح بسبب توقفه.\nوأيضا ذكر الذهبي تصحيح الحاكم، ولم يتعقبه بشيء (^١).\nوذكر العراقي حديث عائشة ﵂ قلت: يا رسول الله، ﴿الَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا، وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾: هو الرجل يسرق ويزنى؟ قال: لا (الحديث) وعزاه إلى الترمذي وابن ماجه والحاكم، وذكر أن الحاكم قال: صحيح الإسناد. ثم تعقبه بقوله: قلت: بل منقطع، بين عائشة، وبين عبد الرحمن بن (سعيد) ابن وهب (^٢).\nومقتضى هذا أن إسناد الحديث ضعيف لأجل هذا الانقطاع.\nويؤيد هذا قول أبي حاتم الرازي: عبد الرحمن بن سعيد بن وهب، لم يلق عائشة ﵂، وأقره العلائي (^٣).\nفي حين نجد الإمام الذهبي يذكر تصحيح الحاكم لإسناد هذا الحديث، ولا يتعقبه بشيء (^٤).\nأما ذكر العراقي لسكوت الحاكم، مع تعقبه أيضا: - فمن ذلك أنه ذكر حديث سعد بن أبي وقاص أنه فى أخرج عمه العباس وغيره من المسجد، وأسكن عليا، وعزاه إلى الحاكم، وأنه سكت عنه، وأن فيه مسلما الملائي ضعيف (^٥).\n_________\n(^١) ينظر المستدرك مع تلخيص الذهبي ٤/ ٣١٧ (الرقاق).\n(^٢) ينظر المغني مع الإحياء ٤/ ١٥٩ (٤) وينظر تعقبه أيضا للحاكم في المغني مع الإحياء ٢٠/ ٣٥٥ (٣) و٣/ ١٣٠ (٣).\n(^٣) جامع التحصيل للعلائي/ ٢٢٢.\n(^٤) ينظر المستدرك للحاكم مع مختصره للذهبي ٢/ ٣٩٣ - ٣٩٤.\n(^٥) ينظر المغني مع الإحياء ٢/ ٣٥٨ (٦).","vol":"4","page":1656},{"text":"ومقتضى هذا أن الحاكم سكت عن تضعيف إسناد هذا الحديث، مع وجود «مسلم» هذا فيه، كما يتضح ذلك من مراجعة المستدرك (^١) وقد قرر الذهبي أيضا سكوت الحاكم عن درجة الحديث بهذا الإسناد، وتعقبه بقوله: ومسلم متروك (^٢).\nووصف «مسلما» بالترك، ونحوه في مواضع أخرى من مختصر المستدرك (^٣) وفي عدد من مؤلفاته (^٤).\nواقتصر الحافظ ابن حجر على وصفه بمثل ما وصفه به شيخه العراقي، من الضعف فقط (^٥) وبذلك يفترق تعقب الذهبي عن العراقي، فباعتبار وصف «مسلم» بمطلق الضعف يكون الحديث من طريقه ضعيفا فقط وينجبر إلى درجة الاحتجاج به، بمتابع أو شاهد مثله في الضعف أو أقوى منه (^٦).\nوباعتبار وصف «مسلم» بأنه متروك أو واه، كما قرره الذهبي، يكون الحديث من طريقه شديد الضعف، فلا ينجبر بمثله من متابع أو شاهد، إلى درجة الاحتجاج (^٧).\n_________\n(^١) ينظر المستدرك للحاكم مع تلخيصه للذهبي ٣/ ١١٦ (معرفة الصحابة).\n(^٢) ينظر تلخيص المستدرك للذهبي مع المستدرك ٣/ ١١٦ (معرفة الصحابة).\n(^٣) ينظر تلخيص المستدرك مع المستدرك ٢/ ١٤٨ و٣/ ٨٣ و٤/ ١١٩، ١٩٥.\n(^٤) ينظر المغني في الضعفاء ٢/ ترجمة (٦٢٢٠) والديوان/ ترجمة (٤١٠٩) والكاشف ٢/ ترجمة (٥٤٢٦).\n(^٥) ينظر التقريب (٦٦٤١) والفتح ١٢/ ٣١٢.\n(^٦) ينظر أجوبة الحافظ ابن حجر على أحاديث مشكاة المصابيح، بآخرها ٣/ ١٧٧٨ ومقدمة جامع التحصيل للعلائي/ ٣٤ وما بعدها.\n(^٧) ينظر التدريب ١/ ١٧٧ بتحقيق شيخنا الشيخ عبد الوهاب عبد اللطيف ﵀.","vol":"4","page":1657},{"text":"وذكر العراقي أيضا حديث عمر ﵁ «أن النبي ﷺ كان إذا مد يديه في الدعاء، لم يردهما حتى يمسح بهما وجهه» وعزاه إلى الترمذي، وذكر أنه قال: غريب، وعزاه إلى الحاكم ثم قال: وسكت عليه، وهو ضعيف (^١). فبين بذلك أن الحاكم سكت عن بيان درجة الحديث، وبين هو أنه ضعيف، لكنه لم يبين سبب الضعف كما ترى.\nأما الذهبي فإنه في تلخيص المستدرك لم يتعقب الحاكم بشيء (^٢)، ولكن قال في كتاب السير: أخرجه الحاكم في مستدركه، فلم يصب، «حماد» ضعف (^٣).\nوبمراجعة سند الحديث في المستدرك، نجد فيه فعلا «حماد بن عيسى» (^٤) وهو أيضا في سند رواية الترمذي التي نقل العراقي عنه وصفها بالغرابة، وبقية كلام الترمذي التي لم يذكرها العراقي تفيد: أن سبب الغرابة تفرد «حماد بن عيسى» هذا بتلك الرواية، مع قلة حديثه (^٥) ووصف الذهبي له بالضعف، موافق الخلاصة أقوال النقاد في حاله (^٦) وبذلك يتضح سبب تضعيف الحديث من طريقه، وإن كان العراقي لم يوضحه، كما أوضح غيره، مما تقدم، وما سيأتي.\n_________\n(^١) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ٣١٣ (٧).\n(^٢) ينظر تلخيص الذهبي للمستدرك مع المستدرك ١/ ٥٣٦.\n(^٣) سير النبلاء ١٦/ ٦٧.\n(^٤) المستدرك مع تلخيص الذهبي ١/ ٥٣٦.\n(^٥) جامع الترمذي - الدعوات - حديث (٣٣٨٦) بتحقيق الدكتور بشار عواد.\n(^٦) ينظر التهذيب ٣/ ترجمة (١٨) والتقريب/ ترجمة (١٥٠٣).","vol":"4","page":1658},{"text":"وقد يكون تعقب العراقي للحاكم، متفقا مع تعقب الذهبي قبله، ولكن العراقي لا ينسبه إلى الذهبي، ولا إلى غيره.\nفقد ذكر العراقي حديث «أنه ف قبل الركن اليماني» وعزاه إلى الحاكم، وذكر أنه قال: صحيح الإسناد، ثم تعقبه بقوله: فيه عبد الله بن مسلم بن هرمز، ضعفه الجمهور (^١).\nأما الذهبي فتعقب الحاكم بقوله: و«عبد الله بن مسلم بن هرمز» هذا، ضعفه غير واحد، وقال أحمد: صالح الحديث (^٢).\nفيلاحظ أن عبارة العراقي السابقة، هي ملخص ما ذكره الذهبي، في حال «عبد الله بن مسلم» (^٣) لكن العراقي لم يشر إلى استفادته من تعقب الذهبي هذا، مع أنه صرح بالنقل عنه في مواضع أخرى كما سيأتي.\n\n<span data-type='title' id=toc-519>نقله درجة الحديث من مصدر غير الذي خرجه منه:</span>\nقد يكون من أخرج الحديث بسنده لم يتكلم عن درجته من الصحة أو غيرها، فيخرج العراقي الحديث من مثل هذا المصدر بالعزو إليه، ثم يبحث هو بخبرته المشهودة عن مصدر آخر، تكلم عن درجة الحديث نفسه، سواء كان لبعض العلماء المتقدمين على العراقي أو المعاصرين له، فيذكر أقوالهم منسوبة إليهم،\n_________\n(^١) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ٢٥٨ (٣).\n(^٢) ينظر تلخيص المستدرك للذهبي مع المستدرك ١/ ٤٥٦ (المناسك).\n(^٣) وانظر مثالا آخر في المغني مع الإحياء ٤/ ١٠٥ (١) مع المستدرك وتلخيص الذهبي له ٣/ ٣١١ (معرفة الصحابة) والمغني مع الإحياء ٣/ ٣٣٢ (١) مع المستدرك وتلخيصه للذهبي ٤/","vol":"4","page":1659},{"text":"وبذلك قدم العراقي لنا اصطلاحا عمليا في منهج التخريج، ينبغي الأخذ به في علم التخريج للأحاديث، كما فعله العراقي في كتاب المغني هذا، وفعله غيره أيضا ممن عاصره، كالزيلعي، وابن كثير، والزركشي وابن الملقن وغيرهم، ومن صنيعهم هذا يتقرر اصطلاح عام وهو: أن من لم يجد في المصدر المخرج منه بيانا لدرجة الحديث المطلوب تخريجه، فينبغي له البحث بأقصى ما يمكن عمن يكون تكلم عن درجة هذا الحديث في مصدر آخر معتبر، سواء كان سابقا أو مُعاصرًا، ويذكر قوله، مصرحًا بنسبته إليه، وبموضعه في المصدر المنقول منه، سواء مع الإقرار. لمن نقل عنه، أو التعقب بما يظهر له أنه الصواب، أو الراجح. وقد وجدت نقول العراقي في ذلك شملت المتقدمين والمتأخرين حتى عصره، سواء مع الإقرار أو المخالفة.\nفنقل عن الإمام أحمد (^١) والبخاري (^٢) والنسائي (^٣) وابن السكن (^٤) وعبد الحق الإشبيلي (^٥) وأبو بكر بن العربي (^٦) وأبو الحسن على بن القطان الفاسي (^٧) والنووي (^٨) والذهبي (^٩).\n_________\n(^١) ينظر المغني مع الإحياء ٣/ ١٣٧ (٢).\n(^٢) ينظر المغني مع الإحياء ٤/ ٤٧٤ (١).\n(^٣) ينظر المغني مع الإحياء ٢/¬٥ (٦).\n(^٤) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ٢٦٥ (٤).\n(^٥) ينظر المغني مع الإحياء ٤/ ٤٧٥ (٣).\n(^٦) ينظر المغني مع الإحياء ٢/ ٩١ (١).\n(^٧) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ١٨٣ (٥).\n(^٨) ينظر المغني مع الإحياء ٤/ ١٤١ (٤).\n(^٩) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ٢٣٠ (٣) و٢/¬٩ (٩) و٨٢/ (١) و٣/ ٢٣٦ (١) و٣٣٨ (٣) و٤/ ١٤٧ (٢) و٤٧٦ (١).","vol":"4","page":1660},{"text":"وسيأتي كذلك نقول للعراقي عن غيره، فيما يتعلق بأحوال الرواة أو الأسانيد أو المتون التي يستعان بها على بيان درجة الحديث، قبولا أو ردا\n\n<span data-type='title' id=toc-520>بيان العراقي للخلاف في درجة الحديث، وموقفه من ذلك:</span>\nوقد يكون الحديث مما اختلفت آراء العلماء في درجته، بحسب مبلغ علم كل منهم، وما أداه إليه اجتهاده (^١)\nوقد لاحظت أن العراقي في هذا يتنوع موقفه، فتارة يكتفي بذكر الخلاف دون تصريح بترجيح قول معين، وتارة يرجح ما يظهر له رجحانه، وتارة يكون سياق كلامه يشير إلى الترجيح، دون تصريح به.\nوفي كل ذلك جهد حديثى للعراقي يظهر شخصيته العلمية.\nفقد ذكر حديث أبي أمامة: «ثلاثة لا تجاوز صلاتهم رؤوسهم» الحديث، وعزاه إلى الترمذي، وذكر قوله فيه: حسن غريب، ثم قال: وضعفه البيهقي (^٢)\nفيلاحظ أنه ذكر ما يفيد تحسين الترمذي للحديث لذاته، وأتبعه بذكر تضعيف البيهقي له، ولم يبين أي القولين أرجح\nفي حين نجد الإمام النووي بعد ذكر هذين القولين، يقول: والأرجح هنا قول الترمذي (^٣).\nوعند مراجعة سند الحديث عند كل من الترمذي والبيهقي نجد مداره على «أبي غالب البصري» عن أبي أمامة\n_________\n(^١) تنظر نكت الحافظ ابن حجر على ابن الصلاح ١/ ٢٧٠ - ٢٧١\n(^٢) الإحياء مع المغني ١/ ١٧٩ (١) وجامع الترمذي - الصلاة - حديث (٣٦٠) وسنن البيهقي ٣/ ١٢٨.\n(^٣) خلاصة الأحكام للنووي ٢/ حديث (٢٤٥٨)","vol":"4","page":1661},{"text":"وقد جعل البيهقي سبب ضعف الحديث هو وجود أبي غالب هذا في إسناده.\nلكن عند مراجعة مجموع الأقوال في أبي غالب نجدها مختلفة بين توثيق، وجرح مجمل، وقال ابن عدي: لم أر في أحاديثه حديثًا منكرًا، وأرجو أنه لا بأس به (^١)، وقد صحح له الترمذي والحاكم بعض الأحاديث التي لم أجد له متابعًا عليها (^٢)، وعليه فتحسين الترمذي لحديثه هذا، لذاته، غير منتقد، وبه يتأيد ترجيح النووي (^٣).\nوذكر العراقي حديث أبي هريرة: إذا صلى أحدكم فليجعل نعليه بين رجليه، وعزاه إلى أبي داود، ثم قال: بسند صحيح، وضعفه المنذري، وليس بجيد (^٤)؛ فيلاحظ أنه حكم بصحة سند أبي داود بالحديث، ثم بين مخالفة المنذري في هذا بتضعيفه الحديث، ثم قرر أن حكمه هذا ليس بجيد، ومقتضاه ترجيحه لحكمه هو بالصحة.\nوبمراجعة مختصر سنن أبي داود للمنذري، نجد الحديث من طريق يوسف بن ماهك عن أبي هريرة، وعلق المنذري عليه بقوله: في إسناده عبد الرحمن بن قيس، ويشبه أن يكون الزعفراني البصري، كنيته أبو معاوية، ولا يحتج به (^٥).\n_________\n(^١) ينظر تهذيب التهذيب ١٢/ ١٩٧.\n(^٢) ينظر جامع الترمذي/ حديث (٥٢٥٣) مع المستدرك للحاكم وتلخيص الذهبي له ٢/ ٤٤٧ - ٤٤٨.\n(^٣) وتنظر أمثلة أخرى لما ذكر العراقي فيه الخلاف دون تصريحه بترجيح في المغني مع الإحياء ١/¬١٨ (٥) و١٨٣ (٥) و١٩٤ (٦) مع الإتحاف ٣/ ٣٠٠ - ٣٠١ و٢٣١ (٢) مع الإتحاف ٤/ ١٦٠ و٣١٢ (٧).\n(^٤) المغني مع الإحياء ١/ ١٩٦ (١).\n(^٥) تنظر سنن أبي داود - الصلاة - ١/ حديث (٦٥٤)، ومختصر السنن للمنذري مع معالم السنن للخطابي، وتهذيب ابن القيم للسنن ١/ ٣٢٩ (حديث ٦٢٤).","vol":"4","page":1662},{"text":"فدل كلام المنذري هذا على تضعيفه الحديث لأجل وجود «عبد الرحمن» هذا في إسناده.\nولكن الحافظ ابن حجر تعقب المنذري بأن هذا ظن منه ليس في موضعه، والصواب أن «عبد الرحمن» الذي في سند أبي داود، هو ابن قيس العتكي، أبو روح، وأنه قد ذكره ابن حبان في الثقات، وصحح حديثه هذا، كما صححه أيضا ابن خزيمة، بخلاف من قصده المنذري، فهو واهي (^١).\nوعليه يترجح ما قرره العراقي من عدم تضعيف الحديث بما ذكره المنذري.\nلكن الذي يظهر أيضا أن تصحيح العراقي لهذا الإسناد فيه توسع، وبعرضه على القواعد المعتبرة، نجده حسنا لذاته، فقط.\nوذلك لأن في الإسناد غير «عبد الرحمن العتكي» راو آخر هو «صالح بن رستم، أبو عامر الخزاز» ومجمل الأقوال فيه تقتضي أنه صدوق له مناكير، ولم يعد منها هذا الحديث (^٢).\nأما «عبد الرحمن العتكي» فلم أجد فيه إلا ذكر ابن حبان له في الثقات، وتصحيح كل من ابن خزيمة وابن حبان والحاكم لحديثه المذكور معنا، وإقرار الذهبي له (^٣) ومقتضى ذلك أن يكون حديثه في مرتبة الحسن لذاته بالإصطلاح العام، ما لم تكن هناك علة أخرى، لأن هؤلاء الثلاثة يعتبرون الحسن نوعا من\n_________\n(^١) ينظر التهذيب لابن حجر ٦/ ترجمة (٥٠٩).\n(^٢) ينظر التهذيب ٤/ ترجمة - (٦٥٨).\n(^٣) ينظر صحيح ابن خزيمة (١٠١٦) والإحسان لابن بلبان (٢١٨٨) والمستدرك للحاكم مع تلخيص الذهبي له ١/ ٢٥٩، وقد سقط الإسناد من طبعة المستدرك الحالية، ولكنه موجود عند البيهقي في سننه ٢/ ٤٣٢، حيث رواه عن الحاكم به.","vol":"4","page":1663},{"text":"الصحيح (^١)، ولم نجد لغيرهم ما يرقى حال هذا الراوي عن ذلك، كما قدمت.\nوقد يذكر العراقي الخلاف في درجة الحديث دون تصريح بالترجيح، ولكن من سياق كلامه، يفهم ترجيحه لأحد الأقوال.\nفمن ذلك أنه ذكر حديث عثمان ﵁: من شهد صلاة العشاء (في جماعة) فكأنما قام نصف ليلة (الحديث) وعزاه إلى مسلم من حديث عثمان ﵁ مرفوعا ثم قال: قال الترمذي: وروى عن عثمان موقوفا (^٢)، فعزوه الحديث مرفوعًا إلى مسلم أولا، ثم ذكر القول المعارض عن الترمذي برواية الحديث موقوفا، مما يشير إلى ترجيحه تصحيح مسلم للرواية المرفوعة، وبمراجعة بقية كلام الترمذي عن الحديث، يتضح ذلك.\nفالترمذي قد شارك مسلما في إخراج الرواية المرفوعة من طريق سفيان عن عثمان ابن حكيم عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن عثمان به، ثم قال: حديث عثمان، حديث حسن صحيح، وذكر روايته موقوفا على عثمان، ثم قال: وروي من غير وجه عن عثمان مرفوعا (^٣) فأشار بذلك إلى رجحان صحة الرواية المرفوعة.\nأما الإمام الدارقطني فاختلف ترجيحه: ففي التتبع (^٤) رجح الوقف بأحفظية\n_________\n(^١) تنظر نكت الحافظ ابن حجر على ابن الصلاح ١/ ٢٧٠ - ٢٧١، ٢٩٠ - ٢٩١، ٤٢٨ والفتح ١١/ ١٦٣ و١٣/ ٣٥٣.\n(^٢) المغني مع الإحياء ١/ ١٥٤ (٥).\n(^٣) ينظر صحيح مسلم/ المساجد/ حديث (٢٦٠)، وجامع الترمذي - الصلاة/ حديث (٢٢١).\n(^٤) ينظر التتبع مع الإلزامات/ ٣٦٠ - ٣٦٢.","vol":"4","page":1664},{"text":"منْ رَوَاهُ، وفي العِلل (^١) رجح المرفوع، فيؤخذ من قوله بما وافقه عليه غيره، وهو ترجيح الرفع، كما أشار إليه الترمذي فيما قدمته.\nوذكر العراقي أيضًا حديث «للسائل حق وإن جاء على فرس» وعزاه إلى أبي داود من حديث الحسين بن علي، وأبيه علي ﵄ ثم قال: وفي الأول - يعني حديث الحسين - يعلى بن أبي يحيى، جهله أبو حاتم، ووثقه ابن حبان.\nوفي الثاني: - يعني حديث علي - شيخ لم يسم.\nثم قال: وسكت عنهما - أي الحديثين - أبو داود.\nثم قال: وما ذكره ابن الصلاح في علوم الحديث: أنه بلغه عن أحمد بن حنبل، قال: أربعة أحاديث، تدور في الأسواق، ليس لها أصل، منها: حديث «للسائل حق» (الحديث)، فإنه لا يصح عن أحمد، فقد أخرج حديث الحسين بن علي في مسنده (^٢).\nفمن مجموع كلام العراقي هذا عن الحديث يفهم ترجيحه للقول بأن الحديث له أصل، وأنه مخرج فعلا في مصدرين أصليين مشهورين وهما: سنن أبي داود ومسند أحمد، بإسناديهما (^٣).\nوذلك خلاف ما ذكره ابن الصلاح عن الإمام أحمد، وأقره، بأن الحديث مما ليس له أصل؛ ويعتبر تخريج العراقي للحديث من مسند أحمد، ردًّا عمليًا.\n_________\n(^١) تنظر العلل ٣/¬٤٨.\n(^٢) ينظر المغني مع الإحياء ٤/ ٢٠٥ (١).\n(^٣) ينظر سنن أبي داود - الزكاة - حدث (١٦٦٢، ١٦٦٣) ومسند أحمد ١/ ٢١٠ (١٧٣٠).","vol":"4","page":1665},{"text":"واضحا، على قول ابن الصلاح.\nلكن ما ذكره العراقي عن إسنادى الحديث، ثم ذكره سكوت أبي داود عنهما، ليس صريحا في تحديد درجته.\nغير أنه تعرض لهذا الحديث بطريقيه، في كتابين آخرين له، وهما: شرحه\nلألفيته في مصطلح الحديث المسماة «بالتبصرة والتذكرة» (^١) وكتاب النكت على ابن الصلاح (^٢) فقرر أن الرواية الأولى للحديث إسنادها جيد.\nوأن «يعلى بن أبي يحيى» الذي في هذا الإسناد، وإن جهله أبو حاتم فقد وثقه ابن حبان، وباقى رجال الإسناد ثقات.\nوأما الرواية الثانية للحديث، التي في سندها رجل لم يسم، فذكر لها شاهدين وبين ضعف كل منهما، وعليه فيرتقى إسنادها إلى الحسن لغيره.\nويصبح الحديث بذلك له أصل، ويرقى بمجموع طرقه إلى الاحتجاج به.\nوما قرره الحافظ العراقي في كتابيه المذكورين عن هذا الحديث، وجدت شيخه الحافظ العلائي سبقه إلى نحوه، وقرر أن «يعلى بن أبي يحيى» ترتفع جهالته بذكر ابن حبان له في ثقاته، لكن حكم على الإسناد بأنه «حسن»، بدلا من حكم العراقي بأنه «جيد» (^٣) و«يعلى» قد ذكره ابن حبان في الثقات، وذكر له راويا واحدا، هو «مصعب بن محمد» (^٤) وقد روى عنه\n_________\n(^١) ينظر الطبعة المعنونة «بفتح المغيث» للعراقي ٤/ ٣ / مبحث الغريب والعزيز والمشهور.\n(^٢) ينظر التقييد والإيضاح مع مقدمة ابن الصلاح/ ٢٦٤/ مبحث الغريب والعزيز والمشهور.\n(^٣) ينظر النقد الصحيح لما اعترض عليه من أحاديث المصابيح للعلائي/ ٤٠ - ٤١ بتحقيق الأخ الفاضل الدكتور/ عبد الرحيم القشقرى/ ٤٠ - ٤٢.\n(^٤) الثقات لابن حبان ٧/ ٦٥٢.","vol":"4","page":1666},{"text":"حَديثنا هذا، ولَخَّصَ ابن حجر حال (مُصْعَب) بأنه «لا بأس به (^١)».\nولا يُسلَّمُ للحافظين: العلائي، وتلميذه العراقي رَحِمَهُما الله ما قرَّراه هنا، من أن مُجرَّد ذكر ابن حِبّان «ليغلى» هكذا في ثقاته، يقتضي رفع جهالة حاله، وحسَّن حديثه، أو جَوْدَتَه، لذاته.\nوذلك لأن ابن حبان يُدخِلُ في كتابه الثقات مَنْ يُعرَف كونه مُسْلِمًَا مِنْ ظاهر حاله، ولو بالاسم فقط، طالما أنه لا يُعرف فيه جرح، سواء روى عنه واحد أو أكثر (^٢).\nومثل هذا يُعتَبَر مجهولًا، أو مستور الحال، عند غيره من جمهور النقاد، وحديثه عندهم ضعيف لذاته، ويرتقى إلى الحسن أو الصحيح لغيره، بمتابع أو شاهد مُعتَبَر.\nوقد أقرَّ العلائي والعراقي ومن جاء بعدهم هذا، تبعًا لإقرارهم تعريف الإمام الترمذي للحسن لغيره بما مُجْمَلُه، أنه: ما رواه مستور لم تتحقق أهليته، وروى حديثه من وجه آخر يُعتضد به، أو أكثر (^٣).\nبل إن ابن حبان نفسه لم يكتف في الاحتجاج بالراوي بمجرد ذكره في كتابه الثقات، وإنما أضاف إلى ذلك أن يوجد في الراوي ما يقتضي صدقه،\n_________\n(^١) ينظر التقريب (٦٦٩٥).\n(^٢) ينظر مثلًا الثقات ٦/ ٤٨٢ و٨/ ٢٤٢.\n(^٣) ينظر جامع التحصيل للعلائي/ ٣٩ - ٤٢ و٦٢ - ٦٣ وفتح المغيث للعراقي ١/¬٣٩ و٢/¬٢٢ - ٢٥، والتقييد والإيضاح مع مقدمة ابن الصلاح/ ٤٧ - ٤٨ و١٤٤ - ١٤٨.\nوشرح شرح النخبة للملا علي قاري/ ٧٠ - ٧٢ و١٥٢ - ١٥٥ و١٦٢.","vol":"4","page":1667},{"text":"وضَبطُه في الجُملة (^١)، وسيأتي للعراقي أيضا أنَّه يَصِفُ بعض الرُّواةِ بجهالة الحال مع ذكر ابن حِبَّانَ له في الثِّقاتِ.\nو«يعلى بن أبي يَحيَى» هذا، قد اعتمد جهالته التي وصفه بها أبو حاتم الرازي، غير واحد من الأئمَّة ممَّن سَبَقَ العلائي والعراقي، أو عاصرهما، أو تأخر عنهما (^٢) نعم هناك ملحظ آخر يُمكِن التعويل عليه في رفع جهالة «يعلى» هذا، والاحتجاج بحديثه، وهو أن ابن خُزَيمة قد أخرج حديثه الذي معنا في صحيحه (^٣) ولم أجد من تعقَّبه في ذلك بحجَّةٍ مُعتَبَرة، كما لم أجد متابعا ليعلى على هذا الحديث.\nفيكون ابن خُزَيمة قد احتجَّ به بمفرده في هذا الحديث، فيُعتَبَر الحديث من طريقه هذا حسنا لذاته، بناء على أن ابن خُزَيمة ممن يُعتَبَر الحسن من قسم الصحيح (^٤) ولكن العلائي والعراقي - رحمهما الله - لم ينظر في تحسين أو تجويد سند الحديث من طريق يعلى إلى احتجاج ابن خُزَيمة به في هذا الحديث، بدليل أنهما لم يعزوا الحديث إلى ابن خُزَيمة، مع حرصهما على تقويته، كما ترى، بل اقتصرَا على الاعتماد على ذكر ابن حِبَّان «ليعلى» في كتابه الثقات، وهو غير كاف في الاحتجاج به حتى عند ابن حِبَّان.\n_________\n(^١) تنظر مقدمة كتاب الثقات لابن حبان ١/¬١١ - ١٣ ومقدمة صحيحه كما في الإحسان لابن بلبان ١/ ١٣٩ - ١٤٣.\n(^٢) ينظر عون المعبود - شرح سنن أبي داود - نقلا عن المنذري ٥/ ٨٤، والكاشف ٢/ (٦٤٢١) والمغني ٢/ (٧٢١٢) والديوان (٤٧٨٥) ثلاثتهم للذهبي، والتقريب (٧٨٥١) لابن حجر.\n(^٣) صحيح ابن خزيمة ٤/ الزكاة/ حديث (٢٤٦٨) وفي إسناده سقط طويل من المطبوع، وراجعته في المخطوط، ومسند أحمد ١/ ٢١٠.\n(^٤) ينظر نكت الحافظ ابن حجر على ابن الصلاح ١/ ٢٧٠ - ٢٧١، ٢٩٠، ٤٢٨.","vol":"4","page":1668},{"text":"نفسه، كما أسلفت توضيحه (^١).\nوقد يذكر العراقي الخلاف في درجة الحديث، دون تصريح بالترجيح في هذا التخريج الصغير، في حين نجده ذكر في الكبير ما يشير إلى الترجيح، وهذا من مميزات تخريجه الكبير (^٢)، الذي نأسف على افتقاد معظمه حتى الآن، كما أسلفت.\n\nب -<span data-type='title' id=toc-521> بيان العراقي لدرجات الأحاديث بدون عزو لغيره، أو بالعزو مع الزيادة:</span>\nويعتبر هذان المسلكان أكثر من اقتصاره على النقل عن غيره، كما تقدم، ومقتضى عدم العزو لغيره، أنه هو الذي قرّر درجة الحديث، بناء على خبرته المشهودة بعلمى الرواية والدراية، ومراعاته للقواعد النقدية، المتعلقة بسند الحديث ومتنه.\nلكني وجدت بعض الأحكام التي لم يعزها إلى غيره، قد شبق إليها من غيره.\nومن ذلك حديث أبي أمامة ﵁ «إن سياحة أمتى الجهاد في سبيل الله» فقد عزاه إلى أبي داود، ثم قال: وإسناده جيد (^٣)، وقد أخرج أبو داود الحديث من طريق العلاء بن الحارث، عن القاسم بن عبد الرحمن عن\n_________\n(^١) وينظر لما لم يصرح فيه العراقي بالترجيح، ولكن يفهم ذلك من سياق كلامه/ المغني مع الإحياء ٢/ ١٩٧ (٤) والمستدرك للحاكم وتلخيصه للذهبي ٤/ ٥٧٦ والمغني مع الإحياء ٢/ ٥٥ (٥) مع اللآلئ المصنوعة ٢/ ١٧٧.\n(^٢) ينظر «المغني مع الإحياء» ١/ ٦٤ (٢) مع الإتحاف للزبيدي ١/ ٣٤٩.\n(^٣) «المغني مع الإحياء» ٣/¬٤٠ - ٤١ (١).","vol":"4","page":1669},{"text":"أبي أمامة، به (^١) … وقد سبق العراقي إلى بيان درجة الحديث بهذا الإسناد، حيث أخرجه الحاكم من طريق العلاء، به وصحح إسناده، وأقره الذهبي (^٢). أما الإمام النووي فحكم بمثل عبارة العراقي، فقال: إسناده جيد (^٣).\nومع ذلك لم يعز العراقي هذا الحكم إليه، ولا عزا الحديث كذلك إلى الحاكم، ولا ذكر تصحيحه (^٤).\nوقد تنوع بيانه لدرجة الحديث على أنحاء متعددة، يطول تفصيلها، ومجمله: أنه تارة يقيد الدرجة بسندة واحد عن صحابي واحد، وتارة بيّين الدرجة بأكثر من سندة أو أكثر من طريق عن أكثر من صحابي، وقد يكون الإسناد متأخرا إلى القرن السادس، وتارة يذكر الدرجة من غير تصريح بالتقييد بسند معين، وهذا قليل، وقد يفهم القيد من السياق.\nوإليك الأمثلة:\nذكر العراقي حديث: إن الله ليؤيد هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم، وعزاه إلى النسائي من حديث أنس ﵁ ثم قال: بإسناد صحيح (^٥).\nوبالمراجعة يظهر لنا أن النسائي أخرج الحديث في سننه الكبرى (^٦) منفردا به.\n_________\n(^١) السنن لأبي داود (٢٤٨٦) / الجهاد.\n(^٢) المستدرك مع تلخيصه ٢/ ٧٣.\n(^٣) ينظر فيض القدير للمناوى ٢/ ٤٥٣ حديث (٢٢٨٠).\n(^٤) وينظر مثال آخر في المغني مع الإحياء ١/ ٣٠٦ (٦) حديث عبد الله بن عمرو: إن نوحا قال لابنه (الحديث) مع البداية والنهاية لابن كثير ١/ ١١٩.\n(^٥) المغني مع الإحياء ١/ ٥٤ (١).\n(^٦) تنظر تحفة الأشراف ١/ ٢٥٩ حديث (٩٦١) والسنن الكبرى للنسائي - كتاب السير - ياب الاستعانة بالفجار ٥/ ٢٧٩ (٨٨٨٥).","vol":"4","page":1670},{"text":"عن بقية الستة، فرواه عن محمد بن سهل بن عسكر عن عبد الرزاق، عن رباح بن زيد عن معمر بن راشد عن أيوب عن أبي قلابة عن أنس به. وهذا إسناد ظاهر الصحة، لثقة رواته (^١) وعدم ظهور قادح فيه، وأبو قلابة - هو عبد الله ابن زيد الجرمي - مع ثقته فإنه كثير الإرسال، لكن روايته عن أنس متصلة (^٢).\nوذكر العراقي حديث أمره ف عمر ﵁ أن يزود أربعمائة راكب من تمر كان كربضة بعير، وعزاه إلى أحمد من حديث النعمان بن مقرن، ودكين بن سعيد، ثم قال: بإسنادين صحيحين (^٣).\nوذكر حديث: يبعث زيد بن عمرو بن نفيل أمة وحده، وعزاه إلى النسائي في الكبرى من حديث زيد بن حارثة، وأسماء بنت أبي بكر، ثم قال: بإسنادين جيدين (^٤)، ويلاحظ أن الحكم بجودة الإسناد مما لم ينص العراقي عليه في المقدمة، ولكن عُرف باستقراء منهجه خلال الكتاب، كما سيأتي.\nوذكر حديث: تأويل قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ الآية - هو أن تصل من قطعك (الحديث) وعزاه إلى ابن مردويه - يعن في تفسيره - من حديث جابر، وقيس بن سعد بن عبادة، وأنس. ثم قال: بأسانيد حسان (^٥).\nوذكر حديث: ليس من أخلاق المؤمن الملق إلا في طلب العلم، وعزاه إلى ابن عدي - يعني في كتابه الكامل في الضعفاء - من حديث معاذ، وأبي أمامة.\n_________\n(^١) ينظر التقريب (٥٩٣٧) و(٤٠٦٤) و(١٨٧٣) و(٦٨٠٩) و(٦٠٥) و(٣٣٣٣).\n(^٢) ينظر جامع التحصيل للعلائي/ ٢١١.\n(^٣) ينظر المغني مع الإحياء ٢/ ٣٨٥ (٢).\n(^٤) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ٢٩٩ - ٣٠٠ (١).\n(^٥) ينظر المغني مع الإحياء ٣/¬٤٨ (٢).","vol":"4","page":1671},{"text":"﵄ ثم قال: بإسنادين ضعيفين (^١).\n- وذكر حديث أتاني جبريل في كفه مرآة بيضاء فقال: هذه الجمعة (الحديث)، وعزاه إلى الشافعي في المسند، والطبراني في الأوسط، وابن مردويه في التفسير ثم قال: بأسانيد ضعيفة، مع اختلاف (^٢).\nوذكر حديث: إذا أراد الله بعبده خيرًا جعل له واعظا من نفسه، وعزاه إلى أبي منصور الديلمي في مسند الفردوس، من حديث أم سلمة، ثم قال: وإسناده جيد (^٣)، وتابعه الشارح على ذلك (^٤).\nوذكر حديث: تحفة المؤمن في الدنيا الفقر، وعزاه إلى محمد بن خفيف الشيرازي في كتاب شرف الفقر، وأبي منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث معاذ بن جبل، ثم قال: بسند لا بأس به.\nثم قال: ورواه أبو منصور أيضا، فيه - يعني في مسند الفردوس - من حديث ابن عمر، بسند ضعيف جدا (^٥)، وتبعه الشارح كذلك، لكن ذكر في درجة الحديث الأخير: «ضعيف» فقط (^٦).\nوحكم العراقي هذا على حديث أم سلمة، بإسناد أبي منصور الديلمي، بأنه\n_________\n(^١) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ٥٦ (٢) وينظر مثل ذلك في ١/ ٨٩ (٢) و١٥٧ (٤) و٢/¬١١ (١) و(٢).\n(^٢) المغني مع الإحياء ١/ ١٨٥ (١) وينظر مثل ذلك في المغني مع الإحياء ٤/ ٢٨١ (١).\n(^٣) المغني مع الإحياء ٣/¬١١ (١).\n(^٤) الإتحاف ٧/ ٢٢٨.\n(^٥) المغني مع الإحياء ٤/ ١٩١ (٥).\n(^٦) الإتحاف ٩/ ٢٧٦","vol":"4","page":1672},{"text":"جيد، وعلى حديث معاذ بن جبل بسند الديلمي أيضا بأنه لا بأس به، يعتبر ردا عمليا على ما ذكره ابن الصلاح من التوقف عن الحكم بالصحة على الأحاديث بأسانيد المتأخرين؛ لأن أبا منصور الديلمي متوفى سنة ٥٥٨ هـ (^١) فإسناداه بالحديثين الأول والثاني، من أسانيد العصور المتأخرة، وقد حكم العراقي على الحديث الأول بأن إسناده جيد، وسيأتي أنه في حكم الصحيح، أو فوق الحسن، ودون الصحيح.\nوكذلك الحكم على سند الحديث الثاني بأنه «لا بأس به» فهو بمثابة الحسن، وهو مشارك للصحيح في أصل الاحتجاج، وإن كان دونه في القوة، كما هو معروف.\nأما حكم العراقي على حديث عمر ﵁ بسند الديلمي أيضا أنه (ضعيف جدا) أو (ضعيف) فقط، حسب ما تقدم من اختلاف النسخ، فيمكن القول بأنه مبنى على حال بعض رجال الإسناد المتقدمي الطبقة، بعد الصحابي.\nوقد وجدت السيوطي ذكر حديث أم سلمة السابق وعزاه إلى الديلمي صاحب مسند الفردوس، وحده، ووجدت في طبعة الجامع الصغير التي مع فيض القدير على هذا الحديث الرمز إلى ضعفه.\nلكن المناوي في فيض القدير قرر أن السيوطي لم يرمز على الحديث بشيء يدل على درجته، وأشار في التيسير والفيض إلى اطلاعه على لفظ الحديث في مسند الفردوس، وقال في التيسير: وإسناده جيد، كما ذكره العراقي، وقال في\n_________\n(^١) تنظر الرسالة المستطرفة للكتاني/ ٥٥ ط دار البشائر.","vol":"4","page":1673},{"text":"الفيض: قال الحافظ العراقي وغيره: إسناده جيد، كذا جزم به في المغني (^١).\nولا أعلم من الذي قصده المناوي بقوله «وغيره» حيث لم أقف على من حكم بجودة إسناد هذا الحديث غير العراقي.\nوقد نقل الشيخ الألباني ﵀ عن الطبعة التي رجع إليها من كتاب تخريج «الإحياء»: أن العراقي قال عن هذا الحديث: إسناده حسن، وذكر الشيخ إسناد الديلمي بالحديث، وبين من حال بعض الرواة، وغيره، ما يقتضي ضعفه (^٢).\nأما الحديث الثاني وهو حديث معاذ «تحفة المؤمن في الدنيا الفقر» فقد ذكره السيوطي أيضا في الجامع وعزاه إلى الديلمي في مسند الفردوس، ورمز له بالضعف، في الطبعة التي مع الفيض من الجامع، وذكر المناوي في الفيض أن سند الديلمي بهذا الحديث فيه يعقوب بن الوليد المدني، وأن الذهبي في الضعفاء قال: كذبه أحمد والناس، ونقل عن السخاوي قوله: حرف اسمه - يعني يعقوب هذا - على بعض رواة الحديث، فسماه «إبراهيم» وللحديث طرق كلها واهية (^٣).\nوذكر ابن طولون الحديث كما ذكره العراقي، وذكر حكمه على سند حديث معاذ بأن إسناده لا بأس به، وحكمه على سند حديث معاذ بأن\n_________\n(^١) ينظر الجامع الصغير مع شرحه فيض القدير ١/ ٢٥٦، والتيسير بشرح الجامع الصغير ١/ ٦٤.\n(^٢) تنظر «سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة» للشيخ الألباني ٥/ حديث (٢١٢٤).\n(^٣) ينظر الجامع الصغير للسيوطي، مع شرحه فيض القدير للمناوي ٣/ حديث (٣٢٥٨) والمغني في الضعفاء للذهبي ٢/ ترجمة (٧٢٠٥).","vol":"4","page":1674},{"text":"إسناده لا بأس به، وحكمه على سند حديث ابن عمر بأنه ضعيف جدا (^١) ولكن لم ينسب هذين الحكمين للعراقي، مع ظهور اتفاقهما مع ما جاء في المغني كما تقدم.\nويبدو أن ما قدمه المناوي من حال «يعقوب المدني» الذي في سند حديث معاذ، يقتضي شدة ضعفه، وبذلك يكون حكم العراقي أو من يوافقه بأن إسناده «لا بأس به» غير مُسْلم.\nكما يُلاحَظ أن عبارة «لا بأس به» وعبارة «ضعيف جدا» مما استعمله العراقي في بيان درجات الحديث خلال «المغني» ولم يصرح به في منهجه العام في مقدمته.\nلكن يبقى لنا ما استفيد من صنيع العراقي من حيث المبدأ، في رد قول ابن الصلاح بالتوقف عن الحكم بتصحيح الأحاديث باعتبار أسانيد عصر ابن\nالصلاح فما بعده، وذلك عند التمكن من بحث هذه الأسانيد حسب القواعد النقدية.\nومما ذكر فيه العراقي درجة الحديث دون تصريح بالتقيد بسند معين، أنه ذكر حديث القضاة ثلاثة، قاض بالحق، وهو يعلم فذلك في الجنة (الحديث) وعزاه إلى أصحاب السنن - يعني أبا داود والترمذي والنسائي وابن ماجه - من حديث بريدة، ثم قال: وهو صحيح (^٢).\nوذكر حديث: «أنه ﷺ كان يتوكأ في خطبة العيد والاستسقاء على قوس\n_________\n(^١) ينظر الشذرة في الأحاديث المشتهرة لمحمد بن طولون الصالحي ٢/ حديث (٦٣٨).\n(^٢) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ٧٠ (١).","vol":"4","page":1675},{"text":"أو عصا» وعزاه إلى الطبراني من حديث البراء، ثم قال: ونحوه في يوم الأضحى، ليس فيه الاستسقاء، وهو ضعيف (^١).\nلكن الغالب أنه يقيد الحكم بسند واحد عن الصحابي، أو من دونه من التابعي أو غيره في الموقوف أو المرسل، كما سيأتي في بعض الأمثلة.\n\n<span data-type='title' id=toc-522>بيانه لدرجات الأحاديث بما لم يصرح به في مقدمة الكتاب، وتقويم ذلك:</span>\nقد ذكر العراقي في مقدمة كتاب المغني أنه يبين صحة الحديث، وحسنه، وضعف مخرجه، يعني الطريق الذي روى منه الحديث.\nوهذه الألفاظ تدل اصطلاحا على الدرجات الأساسية للأحاديث، كما هو معروف.\nلكن من يقرأ كتاب المغني يلاحظ أن العراقي لم يقتصر على ما ذكره في المقدمة، بل ذكر ألفاظا، وعبارات أخرى، لها دلالات اصطلاحية، بعضها في حكم الدرجات التي ذكرت في المقدمة، وبعضها يفترق عنها، وقد استقرأتها جميعا خلال الكتاب كله، ولكن عرضها جميعا، وتحليلها، ومقارنتها، يطول، بحيث يستغرق دراسة مستقلة، وليس ذلك من مطالب هذا البحث العام.\nويمكن إجمال القول بأن ما ذكر خلال الكتاب من ألفاظ وعبارات، بعضه يتعلق بأحوال رجال الإسناد أو بعضهم، وبعضه يتعلق بحال الإسناد نفسه،\n_________\n(^١) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ٨٦ (٢)، وينظر أيضًا المغني مع الإحياء ١/ ٨٦ (١) و٢١٣ (١) و٣٧٣ (٤) و٤/ ٤٤٢ (٢).","vol":"4","page":1676},{"text":"وبعضه يتعلق بكلا الأمرين، وبعضها يتعلق بالمتن فقط، وبه يرد على من زعم أن المحدثين صبوا عنايتهم في نقد السند فقط دون المتن، كما سيأتي، وبعضها يتعلق بالمتن، والسند معا. وسيتضح كل ذلك من النماذج التالية، وما يحال عليه غيرها في حواشي هذه النماذج.\n\n<span data-type='title' id=toc-523>الحكم على الإسناد بأنه: لا بأس به، أو جيد:</span>\nفقد حكم العراقي على أسانيد بعض الأحاديث بأنه «لا بأس به» ومن المعروف أن هذه العبارة تطلق على الراوي أيضا، وتكون بمنزلة لفظ (صدوق) ونحوها، في الاصطلاح العام، وبالتالي يكون وصف الإسناد بأنه «لا بأس به» بمثابة وصفه بأنه حسن لذاته، واستعمال العراقي لعبارة «لا بأس به» في وصف الأسانيد خلال كتاب المغني هذا قليلة جدا بالمقارنة باستعماله العبارة المشهورة وهي عبارة (إسناد حسن).\nوقد سبق مثال لما حكم فيه العراقي بعبارة «إسناد لا بأس به» مع مناقشته، ونضيف هنا مثالا آخر.\nفقد ذكر العراقي حديث: «اجمعوا وضوءكم، جمع الله شملكم» وعزاه إلى القضاعي في مسند الشهاب من حديث أبي هريرة، ثم قال: بإسناد لا بأس به، وأتبع ذلك بقوله: وجعل ابن طاهر مكان أبي هريرة (إبراهيم).\nوقال: إنه معضل، وفيه نظر (^١).\nفيلاحظ أنه حكم على إسناد القضاعي بأنه لا بأس به، ثم أتبعه بمعارضة ما جاء عن غيره مما يقتضي ضعف إسناد الحديث، ومقتضاه أن حكمه هو على\n_________\n(^١) ينظر المغني مع الإحياء ٢/¬٨ (١).","vol":"4","page":1677},{"text":"إسناد الحديث بأنه لا بأس به، مقصود به عدم ضعفه. وقد تابع العراقي على هذا شارح الإحياء (^١) والشيخ أحمد بن الصديق الغماري ﵀ دون تعقب منهما (^٢).\nلكن هذا متعقب بما ذكره السيوطي من عزو الحديث إلى ابن لال والبيهقي في الشعب، كلاهما من حديث أبي هريرة، ثم ذكر أن البيهقي ضعفه (^٣).\nوحكم العراقي على كثير من الأحاديث بأن «إسنادها جيد» وقد ذكر غير واحد من أهل الاصطلاح أن (الجيد) بمعنى (الصحيح)، وذكر بعضهم: أن الناقد الخبير من المحدثين، لا يعدل عن لفظ (صحيح) إلى لفظ (جيد) إلا لنكتة تظهر له في سند الحديث، أو متنه، تجعله يراه في درجة أقوى من الحسن لذاته، ولكن لا يبلغ درجة الصحيح لذاته، فيطلق عليه وصف (جيد)، وبذلك يكون الوصف به أنزل من الوصف بالصحيح، وأعلى من الوصف بالحسن (^٤)\nوعليه يكون حكم العراقي على الإسناد بأنه جيد، يقتضي أن الحديث في نظره، صالح للاحتجاج به، بدرجة أقوى من الحسن في الجملة.\nوقد يتفق حكمه بهذا مع غيره، وقد يختلف.\n_________\n(^١) ينظر الإتحاف ٥/ ٢٣٠.\n(^٢) ينظر فتح الوهاب بتخريج أحاديث الشهاب/ للغماري - بتحقيق الشيخ حمدى السلفي ١/ ٤٩٩ - ٥٠٠.\nوينظر أيضا: المغني مع الإحياء ٣/ ٨٩ (٢) و٤/ ٩٦ (١) و١٩١ (٥).\n(^٣) ينظر كنز العمال للمتقي الهندى ٩/ حديث (٢٦٢٤٤).\n(^٤) ينظر تدريب الراوي للسيوط ١/ ١٧٧ - ١٧٨.","vol":"4","page":1678},{"text":"فقد ذكر حديث: (إن سياحة أمتى الجهاد) وعزاه إلى أبي داود في السنن من حديث أبي أمامة، ثم قال: وإسناده جيد (^١).\nوذكر السيوطي الحديث في الجامع الصغير، وعزاه إلى أبي داود والحاكم في المستدرك، والبيهقي في الشعب، ورمز له السيوطي بالصحة.\nوعلق عليه المناوي في الفيض، فذكر أن الحاكم قال: صحيح، وأقره الذهبي، وأن النووي في رياض الصالحين والعراقي قالا عن الحديث: إسناده جيد (^٢).\nوذكر العراقي حديث: إنَّ الله ي سأل العبد حتى يقول: ما منعك إذ رأيت المنكر في الدنيا، أن تنكره؟ (الحديث) وعزاه إلى ابن ماجه، من حديث أبي سعيد الخدري، ثم قال: بإسناد جيد (^٣) وأقره الشارح (^٤) لكن المناوي نقل عن شيخ العراقي وهو الحافظ العلائي قوله عن هذا الحديث: إسناد لا بأس به (^٥).\nوهذه العبارة بمعنى: إسناده حسن، كما قدمت توضيحه.\nوعليه يكون حكم العراقي على إسناد هذا الحديث أعلا من حكم شيخه العلائي.\nوعند مراجعة إسناد الحديث عند ابن ماجه (^٦) نجد رجاله متفق على توثيقهم،\n_________\n(^١) ينظر المغني مع الإحياء ٣/ ص ٤١.\n(^٢) ينظر الجامع الصغير مع شرحه فيض القدير ٢/ ٤٥٣ والمستدرك للحاكم ٢/ ٧٣.\n(^٣) المغني مع الإحياء ٢/ ٢٢٩ (٢).\n(^٤) ينظر الإتحاف ٦/ ٣٤٦.\n(^٥) ينظر فيض القدير للمناوي ٢/ ٢٦٢ حديث (١٧٦٦).\n(^٦) سنن ابن ماجه - الفتن (٤٠٦٦) ط الأعظمي.","vol":"4","page":1679},{"text":"عدا رجلين اختلف فيهما: أحدهما: محمد بن فضيل بن غرزوان قال الذهبي: ثقة (^١) وقال ابن حجر: صدوق، عارف، رُمي بالتشيع (^٢).\nوثانيهما: نهار العَبْدِي: قال الذهبي: ثقة (^٣) وقال ابن حجر: صدوق (^٤).\nوعلى ضوء هذا الاختلاف يمكن توجيه اختلاف حكم العراقي عن حكم شيخه العلائي.\nوقد لاحظت مواضع أخرى، يعتبر حكم العراقي فيها بالجودة، أو بالحسن، فيه توسع، أو خطأ.\nفقد ذكر حديث ابنة بشير بن سعد أنها قدمت طعاما يسيرا، فأطعم النبي ف منه أهل جيش، وعزاه إلى البيهقي في دلائل النبوة، من طريق محمد بن إسحق حدثنا سعيد بن ميناء، عن ابنة بشير بن سعد، به، ثم قال: وإسناده جيد (^٥) وأقره الشارح (^٦) ومن المعروف أن ابن إسحق، قد رجح غير واحد من العلماء، قبل وبعد العراقي: أن حديثه الذي يُصَرِّح فيه بما يدل على الاتصال كما هنا، ولم تكن له علة أخرى، يكون حسنا لذاته، ومن يصحح له كابن خزيمة وابن حبان، والحاكم، فلأنهم يعتبرون كل من يحتج به من الرواة، فحديثه صحيح، وبذلك يعتبرون الحسن نوعًا من الصحيح (^٧).\n_________\n(^١) الكاشف ٢/ ترجمة (٥١١٥).\n(^٢) التقريب (٦٢٢٧).\n(^٣) الكاشف ٢/ (٥٨٨٢)\n(^٤) التقريب (٧١٩٥).\n(^٥) ينظر المغني مع الإحياء ٢/ ٣٨٤ (٦)\n(^٦) الإتحاف ٧/ ١٦٩ - ١٧٠.\n(^٧) ينظر الرواة المختلف فيهم للمنذرى في آخر الترغيب والترهيب ٥/ ٣٣٠ وما بعدها ط =","vol":"4","page":1680},{"text":"وعليه، فحكم العراقي على هذا الحديث من طريق إسحق بأن إسناده جيد، يعتبر توسعا، أو تساهلا منه، لرفعه بذلك عن مرتبة الحسن.\nوقد سبق ذكرى لحديث آخر مما حكم العراقي بجودة إسناده، مع تعليله ذلك بما لا يقتضي الجودة ولا الحسن: بحسب الاصطلاح العام.\nوذكر أيضا حديث: (لا يقص على الناس إلا ثلاثة) (الحديث) وعزاه إلى ابن ماجه - من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، ثم قال: وإسناده حسن (^١). وبمراجعة إسناد الحديث عند ابن ماجه (^٢) نجد أن راويه عن عمرو بن شعيب هو: عبد الله بن عامر الأسلمي، القاري، وقد اتفق على أنه ضعيف الحديث (^٣). وبعبد الله هذا ضعف البوصيري الحديث (^٤).\nوذكر حديث: مالي لا أرى ميكائيل يضحك (الحديث) وعزاه إلى أحمد وابن أبي الدنيا - في كتاب الخائفين له - من رواية ثابت عن أنس ﵁، ثم قال: بإسناد جيد (^٥)، وبمراجعة إسناد الحديث عند أحمد (^٦) نجده من\n_________\n= دار الحديث بالقاهرة، والميزان ٣/ ٤٧٥ وسير النبلاء ٧/¬٤١ كلاهما للذهبي، وفتح البارى ٤/¬٣٢ و١١/ ١٦٣ و١٣/ ٣٥٣، والنكت على ابن الصلاح ١/ ٢٧٠، ٢٧١، ٢٩٠، ٢٩١ - كلاهما لابن حجر. وتدريب الراوي للسيوطي ١/ ١٦٠.\n(^١) ينظر المغني مع الإحياء ١/¬٢٤ (٢).\n(^٢) سنن ابن ماجه - الأدب - جـ ٢/ حديث (٣٧٩٨).\n(^٣) ينظر التهذيب ٥/ ترجمة (٤٧١) والكاشف ١/ ترجمة (٢٧٩٨) والتقريب (٣٤٠٦).\n(^٤) ينظر مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه للبوصيري - ٣/ حديث (١٣١٣) بتحقيق الأخ الدكتور عزت عطية وزميله.\n(^٥) ينظر المغني مع الإحياء ٤/ ١٧٨ (٢).\n(^٦) المسند ٣/ ٢٢٤ (١٣٣٤٣).","vol":"4","page":1681},{"text":"طريق إسماعيل ابن عياش عن عمارة بن غزية الأنصاري أنه سمع حميد بن عبيد مولى بني المعلى يقول سمعت ثابتا البناني عن أنس به.\nوقد قال الهيثمي: إن هذا الحديث رواية إسماعيل بن عياش عن المدنيين - يعني أحدهم وهما عمارة بن غزية - وهي ضعيفة، ثم قال الهيثمي: وبقية رجاله ثقات (^١) وبهذا يكون حكم العراقي بأن إسناد الحديث جيد مردود، كما أن مخالفة الهيثمي هذه له تدل على عدم استفادة العراقي من قرينه الهيثمي في مثل هذا الموضع المشترك بين كتابه المغني، وبين مجمع الزوائد للهيثمي.\nثم إن في سند الحديث أيضًا «حميد بن عبيد»، لم يُذكر أنه روى عنه غير عمارة ابن غزية، كما لم يُذكر شيء عن بيان حاله، فهو مجهول (^٢)، وبذلك يتأكد تضعيف الحديث بهذا الإسناد، ويُرد كذلك قول الهيثمي السابق: إن بقية رجال الإسناد ثقات.\nوذكر العراقي أيضا حديث عبد الله بن عمر أنه ف كان إذا قفل من غزو أو حج أو عمرة، يكبر على كل شرف من الأرض ثلاث تكبيرات ويقول: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له (الحديث) وفي آخره في بعض الروايات: وكل شيء هالك إلا وجهه، له الحكم، وإليه ترجعون، وقد عزاه العراقي بهذه الزيادة إلى المحاملي في كتاب الدعاء، ثم قال: بإسناد جيد (^٣)، وأقره الشارح (^٤).\n_________\n(^١) ينظر مجمع الزوائد للهيثمى ١٠/ ٣٨٥ - كتاب صفة النار.\n(^٢) تعجيل المنفعة (٢٣٤).\n(^٣) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ٢٦٨ (٣).\n(^٤) ينظر الاتحاف ٤/ ٤٣١.","vol":"4","page":1682},{"text":"وبمراجعة إسناد الحديث عند المحاملي (^١) نجده من طريق معاوية بن عبد الله بن معاوية - من نسل الزبير بن العوام - حدثتنا عائشة - يعني بنت الزبير بن هشام بن عروة ــ، عن هشام بن عروة عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر، به. ورجال الإسناد ثقات، ماعدا (معاوية بن عبد الله) فإنه «لا بأس به» كما قال أبو حاتم (^٢)، و«عائشة بنت الزبير» لم أجد من ترجم لها غير ابن حبان في الثقات (^٣) وذكر لها راويا واحدا باسم «معاوية بن عبد الرحمن بن عبد الله الزبيري»، ولعله هو السابق ذكره في سند المحاملي بهذا الحديث، ولم يتكلم ابن حبان عن حال عائشة بشيء، فهي مجهولة. وعليه فحكم العراقي على هذا الإسناد بأنه جيد ليس صوابا، بل هو ضعيف لحال عائشة هذه.\nكما أني لم أجد من تابع عائشة على ذكر تلك الزيادة، فتظل على ضعفها، وإن كان أصل الحديث بدونها صحيح متفق عليه، كما ذكر العراقي نفسه في بداية تخريجه للحديث.\nومن تلك النماذج وغيرها، يظهر لنا توسع العراقي، وتساهله، في بيان درجات بعض الأحاديث، خلال كتاب المغني هذا.\nلكنه - بحسب التتبع والمقارنة - ليس طابعًا عامًا في كل أحكامه على الأحاديث، سواء بالجودة أو بغيرها، ولكن وقع منه ذلك في بعض الأحاديث، والكثير من أحكامه متفق مع القواعد النقدية العامة، كما ستأتي أمثلة لذلك.\n_________\n(^١) الدعاء للمحاملي - باب ما يدعو إذا قفل من سفر/ رقم (٧٧).\n(^٢) الجرح والتعديل للرازي ٨/ ٣٨٧.\n(^٣) الثقات لابن حبان ٧/ ٣٠٧.","vol":"4","page":1683},{"text":"ومما يؤيد أن التساهل في أحكام العراقي ليس طابعا عاما، ما تقدم من نماذج تعقباته للترمذي وغيره، ولمن عُرف بالتساهل في التصحيح كالحاكم (^١) أو بالتوسع في إطلاق الصحة على ما هو حسن باصطلاح جمهور المتأخرين، كابن خزيمة وابن حبان، كما تقدم (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-524>وَصْفُهُ للحديث بأن رجاله ثقات، أو رجال الصحيح:</span>\nمما أشار به العراقي إلى درجة الحديث قوله: رجاله ثقات (^٣) أو موثقون (^٤) أو «رجاله رجال الصحيح (^٥)».\nومن المعروف أن تلك العبارات بمفردها لا تفيد درجة معينة للحديث، ولا تفيد صلاحيته للحجية (^٦) وإنما تفيد: أن رجال إسناد الحديث ليس في أحد منهم ما يقتضي إعلاله، لكن قد يكون فيه علة أخرى تقتضي ضعفه ضعفا غير شديد.\nفمن ذلك: أنه ذكر حديث انتظاره فى عائشة، وقولها له: إني كنت\n_________\n(^١) وينظر كذلك المغني مع الإحياء ١/ ٢٨٠ (٧) و٣/ ٣٤٠ (٣).\n(^٢) وينظر المغني مع الإحياء ١/ ١٩٤ (٦).\n(^٣) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ١٠٩ (١) ومجمع الزوائد للهيثمي ١٠/ ٥٦، والمغني مع الإحياء ١/ ١٥٣ (٢) و٣١٣ (٣) و٢/ ٣٧١ (٦) و٣٧٣ (٥) و٣٨٦ (٧) والمغني مع الإحياء ٣/¬٣٤ (٣) و٤٩ (٥) والمغني مع الإحياء ٤/ ٤٤٧ (١).\n(^٤) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ٣٢٠ (٤).\n(^٥) ينظر المغني مع الإحياء ٢/ ٣٥٤ (٩) و٣/ ١٤٢ (٢).\n(^٦) يُنظر النكت على ابن الصلاح ١/ ٢٨٤ والتلخيص الحبير ٣/¬١٩ كلاهما للحافظ ابن حجر، وسبل السلام - شرح بلوغ المرام للأمير الصنعاني ١/¬٣٥، ٣/¬٢٤ ط. جامعة الإمام محمد بن سعود الاسلامية.","vol":"4","page":1684},{"text":"أسمع قراءة رجل ما سمعت أحسن صوتا منه (الحديث). وعزاه إلى ابن ماجه من حديث عائشة ﵂ وقال: ورجال إسناده ثقات (^١).\nوبمراجعة إسناد الحديث عند ابن ماجه (^٢) نجد أن رجاله فعلا ثقات كلهم، وفيهم «الوليد بن مسلم» يدلس تدليس التسوية، ولكنه صرح بالتحديث، وفيهم عبد الرحمن بن سابط، وقد ذكر الذهبي أنه يرسل عن عائشة ﵂ (^٣) - وهو يروى هنا عنها بالعنعنة.\nفيكون إسناد الحديث مع ثقة رجاله، إلا أنه ضعيف من جهة انقطاعه بالإرسال.\nولكن البوصيري ﵀ لم يلاحظ هذا، فقال: هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات ثم قال: رواه الحاكم في المستدرك، وساق سنده إلى الوليد بن مسلم، حدثنا حنظلة بن أبي سفيان أنه سمع عبد الرحمن بن سابط، يحدث عن عائشة به. (^٤) وقد أخرج الحاكم الحديث فعلا في المستدرك (^٥) وأبو نعيم في الحلية (^٦) كلاهما من طريق الوليد به.\nوقال الحاكم: صحيح على شرطهما، وأقره الذهبي في تلخيص المستدرك.\n_________\n(^١) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ٢٨٧ (١).\n(^٢) سنن ابن ماجه حديث رقم (١٣٣٢) (الصلاة).\n(^٣) الكاشف ١/ ترجمة (٣١٩٨) والإصابة ٣/ ١٤٨.\n(^٤) ينظر: مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه - الصلاة ١/ حديث (١٣٣٧) بتحقيق الأخ الدكتور عزت عطية وزميله.\n(^٥) كتاب معرفة الصحابة ٣/ ٢٢٥ - ٢٢٦ مع تلخيص الذهبي.\n(^٦) معرفة الصحابة ١/ ٣٧٦.","vol":"4","page":1685},{"text":"ولعل هذا ما جعل البوصيري يجزم بتصحيحه، كما قدمت.\nأما الحافظ ابن حجر فأعل هذا الإسناد بأمرين، واعتبرهما مما خفي على الحاكم في تصحيحه للحديث بهذا الإسناد.\nأحدهما: الاختلاف في سند الحديث على حنظلة بن أبي سفيان.\nوثانيهما: كون «عبد الرحمن بن سابط» قد رواه بالعنعنة عن عائشة ﵂ وهو موصوف بكثرة الإرسال، قال الحافظ: ويقال: لم يصح له سماع من صحابي (^١) وبهذا يتأيد توقف العراقي في تصحيح إسناد ابن ماجه بالحديث، واقتصاره على الحكم بأن: رجال إسناده ثقات، كما تقدم.\nلكن الحافظ ابن حجر ذكر للحديث طريقا آخر للحديث عن عائشة ﵂، وذكر أنه بمجموع الطريقين يصلح ارتقاؤه لدرجة الحسن، ثم قال: ولا يبعد تصحيحه (^٢). وهذا أتم من اقتصار شيخه على الحكم بأن رجال الإسناد الأول ثقات.\nويؤيد أن العراقي لا يقصد بتلك العبارة ولا عبارة رجال الصحيح، حجية الحديث بهذا الإسناد، جمعه بين أي منهما، وبين وصف الإسناد بالإرسال، أو الانقطاع، أو غيرهما، مما يقتضي الضعف (^٣).\n_________\n(^١) ينظر الإتحاف ٤/ ٤٩٨ والإصابة ٢/¬٧ و٣/ ١٤٨ مع الاستيعاب والتقريب (٣٨٦٧).\n(^٢) ينظر الاتحاف ٤/ ٤٩٨.\n(^٣) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ٣٣٤ (٤).\nو٢/ ١٨٣ (٣) و١٩٢ (٩) و٢٢٤ (٦) و٢/ ٣٥٢ (٦) و٢/ ٣٥٤ (٩): و٢/ ٣٧٥ (٥) و٢/ ٣٨٦ (٧). و٣/ ١٣٢ (٥) و٣/ ١٤٢ (٣). و٤/ ٤٤٧ (٣).\n:\n:\n:\n:\n:\n:","vol":"4","page":1686},{"text":"لكن في بعض المواضع لاحظت من سياق كلام العراقي إشارته بتوثيق رجال الإسناد إلى تقوية الحديث، وإن لم يُصرح بذلك (^١).\nوفي موضع أشار بتوثيق رجال الإسناد إلى التقوية، ولكني وجدت فيهم من لم يترجح توثيقه، فقد ذكر حديث أنه ف كان يعصب الحجر على بطنه من الجوع، وذكر أنه متفق عليه من حديث جابر، في قصة حفر الخندق، وفيه: (فإذا رسول الله ﷺ شد على بطنه حجرًا)، ثم قال: وأغرب ابن حبان فقال في صحيحه: إنما هو الحجز - بضم الحاء، وآخره زاى، جمع لحجزة، وذكر أن ابن حبان لم يتابعه أحد على ذلك، ثم قال: ويرد على ذلك، ما رواه الترمذي من حديث أبي طلحة: شكونا إلى رسول الله ﷺ الجوع، ورفعنا بطوننا عن حجر حجر، فرفع رسول الله ﷺ عن حجرين، وعقب العراقي على حديث الترمذي هذا بقوله: ورجاله ثقات (^٢).\nوأقره الشارح على ذلك (^٣).\nفيلاحظ أن العراقي ذكر رواية الترمذي التي جاءت بلفظ «حجرين» بالراء المهملة للرد على ابن حبان في ضبطه (الحجر) في حديث جابر الذي خرجه، بالزاي المعجمة، بدل الراء.\nومقتضاه أنه يرى قوة رواية الترمذي هذه، بحيث يرد بها ضبط ابن حبان السابق ذكره. في حين أن الترمذي قال عن هذا الحديث: غريب، لا نعرفه\n_________\n(^١) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ٣٢٠ (٤) و٢/ ٣٧٣ (٥) و٤/ ٢٠٢ (٤).\n(^٢) ينظر المغني مع الإحياء ٢/ ٣٥٦ (١).\n(^٣) ينظر الاتحاف ٧/ ١٠١.","vol":"4","page":1687},{"text":"إلا من هذا الوجه (^١) فأضاف العراقي إلى ذلك كون رجال هذا الإسناد ثقات، إشارة إلى التقوية، كما قدمت.\nثم إن في إسناد الترمذي هذا «سيار بن حاتم الغزي» وهو مختلف فيه توثيقا وتضعيفا (^٢) وقال الذهبي في الميزان: صالح الحديث (^٣) وفي الكاشف: قال: صدوق (^٤) وجمع ابن حجر بين الأقوال بقوله: صدوق له أوهام (^٥) فترجيح العراقي لتوثيقه مطلقا، خلاف ما يُستفاد من مجموع الأقوال في حاله.\n\n<span data-type='title' id=toc-525>من عباراته المنوعة عن الضعف المطلق للحديث:</span>\nلم يقتصر العراقي في بيان الضعف المطلق للحديث على لفظ «الضعف» الذي صرح به في مقدمة الكتاب، ولكنه تارة يقرنه بلفظ آخر، وتارة يذكر لفظا غيره مما هو في حكمه:\nفتارة يقول عن الحديث: فيه ضعف (^٦) أو يقول: في إسناده ضعف (^٧)، أو «بإسناد لين» (^٨) أو «فيه لين» (^٩) أو «ليس إسناده\n_________\n(^١) ينظر جامع الترمذي - أبواب الزهد حديث رقم (٢٣٧١).\n(^٢) ينظر الميزان ٢/ ترجمة (٣٦٢٨) والتهذيب ٤/ ترجمة (٤٩٧) ورواية ابن محرز عن ابن معين ١/ ٣٨٨.\n(^٣) الميزان ٢/ ترجمة (٣٦٢٨).\n(^٤) الكاشف ١/ ترجمة (٢٢١٤).\n(^٥) التقريب (٢٧١٤).\n(^٦) المغني مع الإحياء ١/ ٣٣٢ (٨).\n(^٧) المغني مع الإحياء ٣/ ١٣٩ (٢).\n(^٨) المغني ١/ ١٥٦، (٥)، ٢٤٠، (٢)، ٢٧٠ (١). و٢/ ٣٤١ (١)، ٣٨٦ - ٣٨٧ (١٠).\n(^٩) ينظر المغني مع الإحياء ٢/ ٦٥ (٣) و٢/ ٣٠٤ (٤). و٣/¬٤٩ (٢)، (١٠).","vol":"4","page":1688},{"text":"بالقوي» (^١) وقد يعزو هذه العبارة إلى غيره من الأئمة (^٢) أو يقول: «بإسناد فيه مقال» (^٣) وقد يعزو هذه العبارة إلى غيره من الأئمة (^٤)، أو يقول: «بإسناد فيه نظر» (^٥) أو بإسنادين فيهما نظر (^٦).\n\n<span data-type='title' id=toc-526>الوصف بما يتعلق بأحوال الرواة، أو جهالتهم، أو نحوها:</span>\nفمن ذلك قوله عن الحديث «بإسناد مظلم» (^٧).\nوفي الكبير ذكر بدلها «إسناده مجهول» (^٨) وعليه يمكن تفسير مقصود العراقي بكون السند مظلما: أن من رجاله من هو مجهول، عينا أو حالا، أو مبهما كرجل، أو امرأة، ونحوهما.\nفقد ساق العراقي في التخريج الكبير إسناد الحديث المذكور بأكمله، كما في كتاب «نوادر الأصول» للحكيم الترمذي، ثم وصفه بأنه: إسناد مجهول (^٩) وبعد البحث الموسع، لم أقف لأكثرهم على ترجمة.\nوقد يُصَرِّح في المغني بوصف بعض الأسانيد بالجهالة، فقد ذكر حديث:\n_________\n(^١) ينظر المغني ١/ ١٤٢، (٣) ٢١٨، (٢).\n(^٢) المغني مع الإحياء ١/ ٢١٨، (٢) ٢٦٠، (٢)، ٢٨١ (٤)، ٣٢١ (٥).\n(^٣) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ١٥٣ (١) و٤/ ٥٢٢ (١).\n(^٤) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ٢١٣ (٥)، ٢٤٦ (١).\n(^٥) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ١٤٩ (٤)، ٤/ ١٨٢ (١).\n(^٦) ينظر المغني مع الإحياء ٤/ ١٨٢ (١).\n(^٧) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ٧٨ (٣).\n(^٨) الإتحاف ١/ ٤٠٩.\n(^٩) ينظر الإتحاف ١/ ٤٠٩.","vol":"4","page":1689},{"text":"إذا كان في آخر الزمان، خرج الناس للحج أربعة أصناف (الحديث)، وعزاه إلى الخطيب من حديث أنس بنحوه ثم قال: بإسناد مجهول (^١) وبمراجعة الحديث في تاريخ بغداد للخطيب (^٢) وجدت في إسناده أكثر من راو لم أقف له على ترجمة، وفيه أيضا: «فرقد بن يعقوب السبخي»، وخلاصة حاله أنه كما في التقريب: أنه صدوق عابد، لين الحديث، كثير الخطأ (^٣).\nوذكر حديث: (إن من العلم جهلا) وعزاه إلى أبي داود من حديث بريدة، ثم قال: وفي إسناده من يجهل (^٤)، وبمراجعة إسناد الحديث عند أبي داود (^٥) نجد فيه (عبد الله بن ثابت المروزي، أبو جعفر النحوى) قال عنه الذهبي: شيخ لا يعرف، تفرد عنه أبو تميلة (^٦) وقال ابن حجر: مجهول (^٧).\nوذكر حديثا آخر، وعزاه لأحمد من حديث عبيد، مولى رسول الله ﷺ، ثم قال: بسند فيه مجهول (^٨) وبمراجعة إسناد الحديث في مسند أحمد، نجد فيه رجلا مبهما (^٩).\nوقال عن حديث آخر: بسند فيه جهالة (^١٠)\n_________\n(^١) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ٢٦٩ (١).\n(^٢) تاريخ بغداد ١٠/ ٢٩٦.\n(^٣) التقريب/ ترجمة (٥٣٨٤).\n(^٤) ينظر المغني مع الإحياء ١/¬٣٨ (١).\n(^٥) السنن - كتاب الأدب حديث رقم (٤٩٧٣).\n(^٦) الكاشف ١/ ترجمة (٢٦٥٦) مع التهذيب ٥/ ترجمة (٢٨٣).\n(^٧) التقريب (ترجمة ٣٢٤١).\n(^٨) المغني مع الإحياء ١/ ٢٤١ (٤).\n(^٩) ينظر مسند أحمد ٥/ ٤٣١.\n(^١٠) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ٢٥١ (٦).","vol":"4","page":1690},{"text":"وبمراجعة إسناد الحديث (^١) نجد فيه راويين، خلاصة حال كل منهما أنه: مجهول (^٢)، وباقي رواته ثقات.\nوقال عن حديث آخر: في إسناده جهالة (^٣) وذكر تلميذه الهيثمي أن في سنده (عبد الرحمن بن عبيد) لم ير من ذكره (^٤).\nوهكذا وصف العراقي عددًا آخر من الأحاديث بأن في إسناد كل منها جهالة (^٥).\nوقد سبقه إلى مثل هذا غيره من الأئمة المتقدمين، كالترمذي، وابن المديني، ونقل هو عنهما ذلك في بعض المواضع دون تعقب، وعند مراجعة الإسناد الذي وصفه أحدهما بذلك، نجد فيه من الرواة من وصف بأنه: لا يُعرف، أو «بأنه مجهول (^٦)» فدل ذلك على مراد كل منهما بجهالة السند، وإقرار العراقي لهما على ذلك.\n_________\n(^١) تنظر سنن ابن ماجه - التجارات/ حديث (٢١٦٤) ط الأعظمي.\n(^٢) ينظر التهذيب ٣/ ٢١٦ مع التقريب/ ترجمة (١٩٩٩) والتهذيب ١٠/ ٤١٥ مع التقريب/ ترجمة (٧٠٨٨).\n(^٣) المغني مع الإحياء ١/ ٣٦٢ (١).\n(^٤) مجمع الزوائد ١/¬٣٦.\n(^٥) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ١٢٨ (٦)، ١٥٣ (٥)، ١٨٠ (٣).\n(^٦) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ١٨١ (٥) مع جامع الترمذي ١/ حديث (١٩٥) والتهذيب لابن حجر ١١/ ترجمة (٥٥٤) والميزان ٤/ ترجمة (٩٦٢٩).\nوالمغني مع الإحياء ١/ ٢٩٧ (٢) مع جامع الترمذي ٥/ حديث (٢٩٠٦) والميزان ٤/ ٥٧١، ٥٩٨، والمغني مع الإحياء ٤/ ٢٨١ (٣) مع المعجم الأوسط للطبراني ١/ ٤٤٥ ط الحرمين، ومجمع الزوائد للهيثمي ٢/ ٣٠٥ - باب في الحمى، والميزان ٤/ ترجمة (٨١٨٤).","vol":"4","page":1691},{"text":"وقد يصرح العراقي بأن في السند من لا يُعرف، وعند مراجعة الإسناد الذي قال عنه هذا، نجد بعض رواته لم يوقف له على ترجمة (^١).\nوقد يقيد العراقي عدم المعرفة لبعض رجال السند بمبلغ علمه هو، فيصف الإسناد بقوله: وفيه من لم أعرفه (^٢).\nوقد وجدت موضعا عزا فيه العراقي الحديث إلى الطبراني - يعني الكبير - من حديث العرس بن عميرة، ثم قال: وفي سنده من لم أعرفه (^٣) وقد قال قرينه وتلميذه الهيثمي عن هذا الحديث: رجاله ثقات (^٤) ولكن في الإسناد «محمد ابن صالح بن الوليد النرسى» شيخ الطبراني (^٥) لم أقف له على ترجمة، فلعله هو المشار إليه في عبارة العراقي.\nولعل الهيثمي حكم بتوثيقه بناء على ما قرره في مقدمة المجمع بقوله: ومن كان من مشايخ الطبراني في الميزان نبهت على ضعفه، ومن لم يكن في الميزان ألحقته بالثقات الذين بعده (^٦) وهذا توسع ظاهر منه ﵀ لا\n_________\n(^١) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ٣٠٢ (٥) مع الترغيب والترهيب للأصبهاني ٢/ ٥٥٩/ حديث (١٣٣٥) بتحقيق إبراهيم زايد.\nوالمغني مع الإحياء ٢/ ٢٥٢ (٥) مع مكارم الأخلاق للخرائطى ٢/ «باب ما يستحب للمرء أن يفعله إذا أراد سفرا …» حديث (٨٥٨) بتحقيق الدكتورة/ سعاد الخندقاوى، والاتحاف ٦/ ٤٠٣، ٤٠٤.\n(^٢) ينظر المغني مع الإحياء ٢/ ٣٨٠ (٨).\n(^٣) المغني مع الإحياء ٢/ ٣٠٥ (١).\n(^٤) مجمع الزوائد ٧/ ٢٦٨.\n(^٥) ينظر المعجم الكبير للطبراني ١٧/ حديث (٣٤٣).\n(^٦) ينظر مجمع الزوائد للهيثمي ١/¬٨.","vol":"4","page":1692},{"text":"تساعده قواعد الجرح والتعديل المقررة في مظانها.\nوالصواب: أن يتوقف عن الحكم على الإسناد الذي لا يوقف على ترجمة لأحد رجاله، مع كون باقيهم ثقات، حيث لا يبعد أن يوقف عليه فيما بعد، فيظهر ضعفه أو تهمته بالكذب، ويعتبر صنيع العراقي في مثل هذا الإسناد توقفا عن الحكم عليه بدرجة معينة، وهذا هو الصواب، والأحوط في صيانة السنة، وفي رعاية القواعد النقدية.\nوقد يصرح العراقي بتحديد الراوي الذي جاء في إسناد الحديث، ثم يذكر وصفه بالجهالة المطلقة، فتشمل جهالة عينه وحاله، أو يصفه بجهالة الحال فقط. وكلا الأمرين يقتضي أحدهما ضعف الحديث بالإسناد المذكور، فيعتبر ذلك من العراقي إشارة إلى ضعفه.\nوقد يصف الراوي بأنه: لم يعرفه، أو يذكر عبارة نحوها، ومقتضى ذلك التوقف عن تحديد درجة للحديث بهذا الإسناد، وإن كان باقي رجاله ثقات.\n\n<span data-type='title' id=toc-527>فمن أمثلة وصفه لأحد الرواة في الإسناد بالجهالة المطلقة:</span>\nأنه ذكر حديث (رده ف واثلة بن الأسقع إلى فتوى قلبه) وعزاه إلى الطبراني من حديث واثلة، ثم قال: وفيه العلاء بن ثعلبة، مجهول (^١).\nوبمراجعة مصادر ترجمة (العلاء) هذا نجد أن أبا حاتم الرازي، ذكر رواية شخص واحد عنه، ثم وصفه بالجهالة المطلقة، فقال: مجهول، ومقتضى هذا أنه مجهول عينا وحالا، وقد تابع أبا حاتم على هذا من ترجم (لثعلبة)\n_________\n(^١) ينظر المغني مع الإحياء ٢/ ١١٧ (١) مع المعجم الكبير للطبراني ٢٢/ حديث (١٩٣).","vol":"4","page":1693},{"text":"من بعده، بما فيهم العراقي، وإن لم ينسبوا ذلك لأبي حاتم (^١) وتكرر هذا من العراقي أيضا (^٢)\nوفي بعض المواضع عزا إليه، وصف الراوي بالجهالة، حيث ذكر حديث «أخوف ما أخاف على أمتى أن يكثر لهم المال» (الحديث) وعزاه إلى ابن أبي الدنيا في كتاب ذم الحسد له، من حديث أبي عامر الأشعري، ثم قال: وفيه ثابت بن أبي ثابت، جَهَلَهُ أبو حاتم (^٣).\nوبمراجعة كتاب ابن أبي حاتم نجده ذكر راويا واحدا عن ثابت هذا، باسم «عوف» هكذا مهملا، ثم ذكر قول أبي حاتم في ثابت هذا: هو مجهول (^٤) وتبعا لهذا قال الذهبي: ثابت بن أبي ثابت، شيخ العوف، مجهولان (^٥) يعني ثابتا وعوفا الراوي عنه، أما الحافظ ابن حجر فذكر راويا ثانيا غير عوف، روى عن ثابت (^٦)، فأقصى ما يقتضيه هذا زوال جهالة عينه،\nوبقاء جهالة حاله.\nوقد يصرح العراقي بيكون الراوي مجهول العين والحال معا، أو يذكر ما يفيد ذلك\n_________\n(^١) ينظر الجرح والتعديل للرازي ٦/ ٣٥٣ والميزان ٣/ ترجمة (٥٧٢٠) واللسان ٤/ ترجمة (٤٨١)\n(^٢) ينظر المغني مع الإحياء ٢/ ٢٠٢ (٥) مع الجرح والتعديل ٣/ ترجمة (١٤٢)، والميزان ١/ (٥١٩) واللسان ٢/ ترجمة (١٠٣٥) والاتحاف ٦/ ٢٨٠.\n(^٣) ينظر المغني مع الإحياء ٣/ ١٨٤ (٤).\n(^٤) الجرح والتعديل ٢/ ترجمة (١٨٠٧).\n(^٥) الميزان ١/ ترجمة (١٣٥٦).\n(^٦) اللسان ٢/ ترجمة (٢٩٠).","vol":"4","page":1694},{"text":"فقد ذكر حديث أنه ف بعث بعثا عليهم قيس بن سعد (الحديث)، وفيه: (إن الجود لمن شيمة أهل ذلك البيت)، وعزاه إلى الدار قطني في كتاب (المستجاد) له، ثم قال: من رواية أبي حمزة الحميري عن جابر، وذكر أن «أبا حمزة الحميري» هذا، لا يُعرف اسمه، ولا حاله (^١) وتابعه على ذلك الشارح (^٢). ومعنى هذا، جهالة عين «أبي حمزة» هذا وجهالة حاله معا، والذي في مصادر الترجمة يؤيد هذا.\nفقد ذكر البخاري (^٣) وابن أبي حاتم (^٤) وابن حبان في الثقات (^٥) أبا حمزة الخولاني، سمع جابرا، وروى عنه بكر بن سوادة، وزاد أبو زرعة الرازي قوله: هو مصري لا يعرف اسمه.\nوبمراجعة سند الحديث في كتاب (المستجاد) الذي عزاه العراقي إليه (^٦) وفي مصدر آخر، رواه من الطريق نفسه، نجده ذكر «الحميري» (^٧) كما ذكر العراقي، بدل «الخولاني» الذي في مصادر الترجمة السابقة وذكره ابن حجر\n_________\n(^١) المغني مع الإحياء ٣/ ٢٤١ (٢).\n(^٢) الإتحاف ٨/ ١٧٩\n(^٣) التاريخ الكبير للبخاري ٩/¬٢٦.\n(^٤) الجرح والتعديل ٩/ ترجمة (١٦٤٥).\n(^٥) الثقات ٥/ ٥٧٨.\n(^٦) المستجاد للدارقطني حديث (٤٧) ومن طريقه رواه ابن عساكر في تاريخ دمشق ١٤/ ٤٥٣/ أ/ ترجمة (قيس بن سعد بن عبادة).\n(^٧) ينظر الغيلانيات وعواليها، لأبي بكر الشافعي، بتحقيق الأخ الفاضل الدكتور/ فاروق عبد العليم/ حديث (١٠٥٣) ط أضواء السلف.","vol":"4","page":1695},{"text":"في اللسان (^١) مثلما ذكره شيخه العراقي، نقلا عنه، ولم يذكر أن أحدا ترجم له غير شيخه، ثم ذكر في الفتح رواية «أبي حمزة»، للحديث المذكور، وذكر نسبته «الخولاني» (^٢)، ولا يبعد تحريف (الحميري) إلى (الخولاني).\nوعلى كل فيظل «أبو حمزة» هذا غير معروف الاسم، ولم يعرف له راو غير «بكر ابن سوادة» فيكون مجهول العين والحال، كما ذكر العراقي آنفا، ويكون الحديث من طريقه ضعيفا.\nولكنه روى من بعض الطرق الأخرى (^٣).\nوتقرير العراقي أن «أبا حمزة» المذكور آنفا يعتبر مجهول العين والحال، دليل على عدم اعتداده بذكر ابن حبان له في الثقات كما تقدم، في حين تقدم أيضا اعتداده بذلك في غير هذا الراوي.\nوقد يصف العراقي الراوي بجهالة الحال فقط، كما في حديث أبي ذر: (ثلاثة يحبهم الله، وثلاثة يشنؤهم الله) (الحديث).\nفقد عزاه لأحمد بلفظه - يعني في المسند - ثم قال: وفيه (ابن الأحمس) لا يُعرف حاله (^٤).\nوبمراجعة المسند، نجد الإمام احمد أخرج الحديث من طريق أبي العلاء بن\n_________\n(^١) لسان الميزان ٧/ ترجمة (٣٦٣).\n(^٢) ينظر فتح الباري ٨/ ٨١.\n(^٣) ينظر تاريخ ابن عساكر ١٤/ ٤٥٣/ أ والإتحاف ٨/ ١٧٩.\nوالمستجاد للدارقطني/ حديث (٤٧) مع التعليق عليه.\n(^٤) ينظر المغني مع الإحياء ٣/ ١٣١ (٨).","vol":"4","page":1696},{"text":"الشخير عن ابن الأحمس عن أبي ذر، به (^١)\nوقد ذكره البخاري هكذا «ابن الأحمسي» بزيادة ياء النسب، في آخره، وذكر رواية «ابن الشخير» فقط عنه، ولم يتكلم عنه بشيء (^٢) وتتابع على هذا عامة من ترجم له بعد البخاري (^٣) وعليه فيعتبر «أبو حمزة» هذا مجهول العين والحال معا، وليس مجهول الحال فقط، كما ذكره العراقي (^٤).\nوذكر العراقي أيضا حديث عائشة ﵂ في زيارة\nوعزاه إلى ابن أبي الدنيا في كتاب القبور له، ثم قال: وفيه عبد الله بن سمعان، ولم أقف على حاله (^٥)، وتعقبه الزبيدي بأن «عبد الله بن سمعان» هذا معروف الحال، إما بالثقة، وإما بالضعف، وأيد ذلك بما في كتب التراجم (^٦).\n_________\n(^١) مسند الإمام أحمد ٥/ ١٥١.\n(^٢) التاريخ الكبير للبخاري ٨/ ٤٣١.\n(^٣) ينظر الجرح والتعديل ٩/ ٣١٥ والتذكرة برجال العشرة ٤/ ترجمة رقم (٩١٨٦) بتحقيق الأخ الفاضل الدكتور/ رفعت فوزي.\nوالإكمال ٢/ ترجمة (١٢٠٨) بتحقيق تلميذى الفاضل الشيخ/ عبد الله سرور الباكستاني، كلاهما لأبي حمزة الحسيني، وتعجيل المنفعة لابن حجر العسقلاني/ ترجمة رقم (١٤٣٦).\n(^٤) وينظر المغني مع الإحياء ٤/ ١٠٣ (٢) مع الإتحاف ٩/ ٩١.\n(^٥) المغني مع الإحياء ٤/ ٤٧٥ (٣).\n(^٦) الإتحاف ١٠/ ٣٦٥.","vol":"4","page":1697},{"text":"<span data-type='title' id=toc-528>ممن توقف العراقي في معرفته من الرواة، فتوقف عن درجة حديثه، وما يُتعقب به في ذلك:</span>\nمع سعة علم العراقي واطلاعه على كتب الرواية والدراية وعلم الرجال، فإنى وجدته توقف في معرفة بعض الرواة في أسانيد بعض الأحاديث، بعد تحديد كل منهم حسب ذكره في الإسناد، وبالتالي توقف عن ذكر درجة الحديث من طريق هذا الراوي.\nوبذلك أفادنا أمرًا منهجيا في هذا، وهو: أنه عندما يوجد في سند الحديث راو لا نقف له على ترجمة بعد البحث الكافي، فإننا نتوقف في بيان درجة الحديث بهذا الإسناد، إن كان باقي رواته ثقات، أما إذا كان في الإسناد سبب آخر يقتضي الضعف فيمكن الحكم عليه بحسبه، كما سيأتي مثال لذلك.\nومن أمثلة ما توقف العراقي في معرفته، وبيان درجة الحديث من طريقه: أنه ذكر حديث أبي سعيد الخدري: «من سألنا أعطيناه» (الحديث) وعزاه إلى القناعة لابن أبي الدنيا، والحارث بن أبي أسامة في مسنده، ثم قال: وفيه «حصن ابن هلال» لم أر من تكلم فيه، وباقيهم ثقات (^١) وتابعه الشارح على هذا، لكن ذكر في الشرح «حصين» بدل «حصن» (^٢).\nوقد بحثت غاية وسعى عن ترجمة لهذا الراوي، فلم أجد من ترجم له، فلعل هذا مقصود العراقي بأنه لم يجد من تكلم فيه، وبذلك توقف عن بيان\n_________\n(^١) ينظر المغني مع الإحياء ٤/ ٢٠٦ (٥).\n(^٢) الاتحاف ٩/ ٣٠٤.","vol":"4","page":1698},{"text":"درجة الحديث من طريقه مع تقريره أن باقى رواته ثقات.\nوذكر حديث: «ما أعمال البر عند الجهاد في سبيل الله إلا كنفئة في بحر لُجِّي، وما جميع أعمال البر والجهاد في سبيل الله عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا كنفئة في بحر لُجِّي» ثم ذكر أن الشطر الأول من الحديث رواه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث جابر بإسناد ضعيف، وقال: وأما الشطر الأخير فرواه على بن معبد في كتاب الطاعة والمعصية من رواية يحيى بن عطاء، مرسلا، أو معضلا، ولا أدري من يحيى بن عطاء (^١).\nفرواية الشطر الأخير هذه وجد في سندها راو لم يوقف له على ترجمة، وهو «يحيى ابن عطاء» ولكن عُرف أنه ليس بصحابي مع رفعه الحديث إلى النبي ﷺ، فبحسب تسلسل الإسناد، احتمل كونه تابعيا، فيكون الحديث مرسلا، أو تابع تابعي فيكون معضلا، وكل منهما انقطاع يقتضي ضعف الحديث من هذا الطريق، ولو كان رجاله ثقات، وبناء عليه أشار العراقي لضعف هذا الحديث بما وجد في سنده من الانقطاع، ثم ذكر توقفه في معرفة أحد رجال إسناده، عينا وحالا، وهو «يحيى بن عطاء».\nولما وقف الحافظ ابن حجر على كلام شيخه العراقي عن هذا الحديث، علق عليه بحاشية كتاب المغني بقوله: «لعله يحيى عن عطاء».\nومعنى هذا، أنه لم يقف هو الآخر على ترجمة باسم «يحيى بن عطاء» فذكر احتمال أن تكون لفظة «بن» تحرفت عن لفظة «عن»، ومن يمارس النظر في الأسانيد، يعرف أن مثل هذا يحدث في النسخ الخطية، وما يُطبع\n_________\n(^١) ينظر المغني مع الاحياء ٢/ ٣٠٤ (٥).","vol":"4","page":1699},{"text":"عنها (^١) وقد علق الزبيدي شارح الإحياء، بدوره على عبارة ابن حجر السابقة فقال: «قلت: فلا يكون الحديث معضلًا» ثم قال: «وينظر من «يحيى» هذا الذي روى عن عطاء؟» (^٢)\nوعليه فما زال في السند راو لم تعرف عينه، ولا حاله، لكن أيضا فيه ما يقتضي ضعفه، وهو الإرسال، على فرض أن يكون: «يحيى عن عطاء».\nوذكر العراقي حديث «حلول طائفة من الخلق الأعراف».\nوذكر ضمن تخريجه: أن الطبراني أخرجه من رواية أبي معشر، عن يحيى ابن شبل عن عمر بن عبد الرحمن المدني عن أبيه، مختصرا (^٣) ثم قال: وأبو معشر، نجيح السندي، ضعيف، ويحيى بن شبل، لا يعرف (^٤).\nوعند مراجعة الحديث في مجمع الزوائد (^٥) نجد اقتصر في الإشارة إلى ضعف الحديث من هذا الطريق، بذكر ضعف أبي معشر. في حين زاد العراقي ذكر «يحيى ابن شبل» الذي يروى عنه أبو معشر، وذكر أنه لا يُعرف، كما تقدم.\nوبمراجعة كتب الرجال، نجد رجلين، كل منهما يقال له: «يحيى بن شبل».\n_________\n(^١) ومن أراد عدة أمثلة لذلك، فليراجع الطبعة الميمنية المسند الإمام أحمد، وما صور عنها، مع طبعة المسند التي أخرجتها مؤسسة الرسالة مؤخرا بإشراف معالى الدكتور/ عبد الله بن عبد المحسن التركي، وزير الشئون الإسلامية والأوقاف - بالمملكة العربية السعودية، وكان لي شرف المشاركة في مراجعة الأجزاء الأولى منه حتى الجزء التاسع عشر.\n(^٢) إتحاف السادة المتقين، للزبيدي ٧/¬٨.\n(^٣) وهذا الحديث ضمن المسانيد المفقودة حاليا من طبعة المعجم الكبير للطبراني.\n(^٤) ينظر المغني مع الإحياء ٤/¬٣٠ (١).\n(^٥) ينظر مجمع الزوائد ٧/¬٢٣ - ٢٤.\n-","vol":"4","page":1700},{"text":"وقد ذكر أحدهما الذهبي في الميزان (^١) وذكر أنه يروي عن مقاتل بن سليمان، ويروي عنه مكي بن إبراهيم، وقال الذهبي: لا يعرف.\nفلعل العراقي قصد هذا، لاتفاق عبارته في وصف «يحيى» مع عبارة الذهبي هذه، وإن لم ينسبها العراقي إليه.\nلكن ما ذكر من أنه يروي عن مقاتل ويروي عنه مكي بن إبراهيم، لا يتفق مع ما ذكر في رواية الحديث الذي معنا.\nوالذي يتفق معه هو (يحيى بن شبل) آخر، ذكره ابن أبي حاتم (^٢) وذكر روايته عن شخصين؛ أحدهما: (عبد الرحمن) المذكور في سند هذا الحديث، وذكر نسبته (المزني) بدل (المدني) ولعله تحرف (المزني) عن (المدني)، كما يستفاد من بقية المصادر (^٣) كما ذكر خمسة ممن رووا عنه، وذكر منهم (أبا معشر)، ولكن لم يذكر ابن أبي حاتم فيه جرحا ولا تعديلا. وبذلك يكون معروف العين، مجهول الحال، حسب الاصطلاح العام، وقد سبق مثال لمن صرح العراقي بوصفه بجهالة الحال، فوصفه (ليحيى بن شبل) هذا بأنه لا يعرف، غير متفق مع ما ذكر في مصادر ترجمته، ولا مع صنيع العراقي في من وصفه بجهالة الحال غير هذا الراوي.\nولهذا يترجح لدى الظن بأن العراقي ﵀ اشتبه عليه «يحيى بن شبل» الثاني، «بيحيى بن شبل» الأول، الذي ذكره الذهبي، بدليل وصفه.\n_________\n(^١) الميزان ٤/ ترجمة (٩٥٤٢).\n(^٢) الجرح والتعديل ٩/ ترجمة (٦٥٣).\n(^٣) ينظر مجمع الزوائد ٧/¬٢٣ - ٢٤ وتهذيب التهذيب ١١/ ترجمة (٣٧٠).","vol":"4","page":1701},{"text":"بعبارة «لا يُعرف» التي ذكرها الذهبي، كما قدمت.\nوذكر حديث «كان رسول الله ﷺ يقول في دعائه: اللهم إني أعوذ بك من أمل يمنع خير العمل (الحديث) وعزاه إلى ابن أبي الدنيا في كتاب «قصر الأمل» له، وقال: من رواية حوشب عن النبي ﷺ وفي إسناده ضعف، وجهالة، ولا أدرى من حوشب؟» (^١).\nوبمراجعة كتاب «قصر الأمل» المشار إليه، نجد ابن أبي الدنيا قد روى الحديث عن أبي بلال الأشعري قال حدثنا جابر بن سليمان عن أبي عمير المكي عن حوشب قال: كان رسول الله ﷺ (الحديث) (^٢).\nوهذا الإسناد لم أجد من رجاله من له ترجمة مطابقة لما في الإسناد، والذي وجدت ترجمة له أبو بلال الأشعري، الكوفي، مع الخلاف في اسمه فقيل «مرداس» وقيل غير ذلك، وخلاصة حاله أنه: ضعيف (^٣) ولكن لم يذكر ممن روى عنهم «جابر بن سليمان» الذي في هذا الإسناد، ولا ذُكر ابن أبي الدنيا ضمن من يروون عنه.\nلكني وجدت ابن أبي الدنيا قد روى عنه في غير هذا الكتاب من مؤلفاته (^٤) فلو كان العراقي يقصده بقوله عن الحديث: «في إسناده ضعف» فيمكن حمل الجهالة التي ذكرها أيضا، على من لم نقف لهما على ترجمة وهما: «جابر\n_________\n(^١) المغني مع الإحياء ٤/ ٤٣٨ (٧).\n(^٢) ينظر قصر الأمل لابن أبي الدنيا حديث (٤٦) بتحقيق/ محمد خير رمضان.\n(^٣) ينظر الثقات لابن حبان ٩/ ١٩٩ واللسان ٦/ ترجمة (١٥٠) و٧/ ترجمة (٢٠٧).\n(^٤) ينظر «الصمت» بتحقيق د/ نجم خلف حديث (٢٤٢) وذم الغيبة والنميمة/ بتحقيقه أيضا (ح ١٠٤).","vol":"4","page":1702},{"text":"ابن سليمان» و«أبي عمير المكي».\nأما قول العراقي: لا أدرى من «حوشب» فيبدو أنه ليس مقصوده عدم وجود ترجمة له، ولكن المقصود أنه لا يدرى كونه صحابيا، أو من التابعين أو من أتباعهم، وذلك لكونه رفع الحديث إلى الرسول ﷺ بدون لفظ يدل على الاتصال بينهما مثل: رأيت، أو سمعت، أو حدثنا، ونحو هذا، وقد ذكر «حوشب» في السند كما ترى غير منسوب، وقد ذكر في الصحابة من اسمه «حوشب» غير منسوب، ومن اسمه «حوشب» منسوبا (^١) وذكر في التابعين وأتباعهم من يقال له «حوشب» كذلك (^٢) وليس في تراجم هؤلاء جميعا ما يتطابق مع ما في إسناد الحديث الذي معنا.\nوقد ذكر الزبيدي في الاتحاف تعقبا على العراقي في قوله «لا أدري من حوشب» فقال: وجدت بخط شمس الدين الداودي، ما نصه: هو تابعي صغير، وله رواية عن الحسن في كتاب ابن أبي الدنيا أيضا، ثم أضاف الزبيدي من عنده فقال: قلت: هذا التابعي الذي ذكره، له ذكر في الحلية، في ترجمة «محمد بن واسع» ثم ذكر أن في الصحابة اثنان، يقال لهما «حوشب» كل منهما غير منسوب، …\nثم قال: فليحرر، والله أعلم (^٣).\nأقول والتحرير هو ما قدمته، وما نقله الزبيدي عن الداودي، لم أجده في\n_________\n(^١) تنظر الإصابة ١/ ترجمة (١٨٧٤، ١٨٧٥، ٢٠١٨).\n(^٢) ينظر الثقات لابن حبان ٤/ ١٨٤ و٦/ ٢٤٣ والجرح والتعديل ٣/ ٢٨٠، ٢٨١ والميزان ١/ ص ٦٢٢.\n(^٣) ينظر الاتحاف ١٠/ ٢٤٠.","vol":"4","page":1703},{"text":"كتاب «قصر الأمل» المطبوع، وإذا وجد فرواته عن الحسن، تخالف ما معنا من رفعه الحديث إلى النبي ﷺ.\nوكذلك «حوشب» الذي ذكره الزبيدي وأحال به على كتاب «الحلية»، موجود فعلا في الموضع الذي أشار إليه، وفي موضع آخر قبله (^١) ولكنه لا يطابق الإسناد الذي معنا في هذا الحديث، وقد عزا الزبيدي الحديث أيضا لكتاب اليقين لابن أبي الدنيا، ولم أجده في طبعته الحالية. وبذلك يكون تعقب العراقي بما ذكره الزبيدي عن الداودى، وبما أضافه هو إلى ذلك، غير مؤكد.\nوذكر العراقي أيضا حديث عائشة: قلت لامرأة: إنها طويلة الذيل (الحديث) وعزاه إلى ابن أبي الدنيا [في كتاب الصمت] وابن مردويه في تفسيره، ثم قال: وفي إسناده امرأة لا أعرفها (^٢).\nوالحديث قد أخرجه ابن أبي الدنيا كما ذكر العراقي في كتاب الصمت (^٣).\nوفي كتاب «ذم الغيبة والنميمة» له أيضا (^٤) في كليهما: عن عبيد الله العتكي عن موسى بن إسماعيل عن الهنيد بن القاسم قال سمعت غبطة بنت خالد قالت سمعت عائشة (الحديث).\nوقد اختلف رسم اسم تلك المرأة الراوية للحديث عن عائشة، في نسخ كتابي ابن أبي الدنيا السابقين فمرة رسم (غبطة) ومرة رسم «قطبة» ومرة رسم\n_________\n(^١) تنظر الحلية ٢/ ٣٤٦ و٣٥١.\n(^٢) ينظر المغني مع الإحياء ٣/ ١٤١ (٦).\n(^٣) الصمت لابن أبي الدنيا - بتحقيق د/ نجم خلف/ حديث (٢١٦).\n(^٤) كتاب ذم الغيبة - بتحقيق د/ نجم خلف/ حديث (٦٧).","vol":"4","page":1704},{"text":"«عطية» ولم يوقف لها على ترجمة بأى من ذلك، ولعل هذا ما جعل العراقي يتوقف فيها، كما تقدم.\nلكن الخرائطي قد أخرج حديثها الذي معنا في كتابه «مساوئ الأخلاق» (^١) من طريق موسى بن إسماعيل التبوذكى حدثنا الهنيد بن القاسم، به، وجاءت تسميتها في هذا الإسناد «رابطة» وقد ذكرها ابن سعد في الطبقات فقال: ريطة الحنفية، روت عن عائشة ﵂، وأخرج من طريق ميسرة عنها قالت: أمتنا عائشة في الصلاة، فقامت وسطنا، ولم يذكر فيها جرحا ولا تعديلا (^٢) ومن رواية ابن سعد هذه، ورواية ابن أبي الدنيا والخرائطي للحديث الذي معنا، نجد أنه قد عُرف اسم ونسب «ريطة» هذه، وعرف أيضا أنه روى عنها اثنان، فترتفع جهالة عينها، وتبقى جهالة حالها. ويظهر بذلك تحريف اسمها من بعض النساخ لكتابي ابن أبي الدنيا السابقين. ولأجله لم يتيسر للعراقي ﵀ الوقوف على ترجمة لها، فتوقف عن الحكم على إسناد هذا الحديث.\nولم أجد من ترجم لها ممن حقق كتابي ابن أبي الدنيا السابقين، أما باقي رجال الإسناد: - فهم: -\nعبيد الله بن جرير بن جبلة، أبو العباس، العتكى، قال الخطيب: كان ثقة (^٣)؟\nوموسى بن إسماعيل، التبوذكى، المنقرى، ثقة على الراجح (^٤)\n_________\n(^١) مساوئ الأخلاق للخرائطى - حديث رقم (٢٠١) بتحقيق مصطفي الشلبي.\n(^٢) تنظر الطبقات لابن سعد ٨/ ٤٨٣.\n(^٣) تارخ بغداد ١٠/ ٣٢٥ - ٣٢٦.\n(^٤) التقريب (٦٩٤٣).","vol":"4","page":1705},{"text":"وهنيد بن القاسم بن عبد الرحمن، ذكره ابن أبي حاتم (^١) وابن حبان في الثقات (^٢) ولم يذكرا راويا عنه غير موسى التبوذكي، كما لم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا. وعليه، فهو مجهول.\nوبذلك يكون الحديث بهذا الإسناد ضعيفا لأجل «هنيد» هذا، و«ريطة بنت خالد» التي روى هو عنها الحديث، كما تقدم.\n\n<span data-type='title' id=toc-529>الإشارة إلى الحديث ببيان وجود راو مبهم في السند، أو معدل على الإبهام:</span>\nوقد صرح العراقي بذلك في عدة مواضع مما وقع الإبهام في سنده مثل «رجل من بنى فلان» و«عمة فلان» ونحو ذلك، وقد يبين اسم المبهم ولا يبين عينه ولا حاله، وقد يذكر التعديل على الإبهام مثل «من لا أتهم»، ومقتضى هذا كله ضعف الحديث من الطريق الذي وقع فيه شيء من ذلك (^٣) وإن لم يصرح العراقي بوصف الضعف (^٤).\n_________\n(^١) الجرح والتعديل ٩/ ترجمة (٥٠٩).\n(^٢) الثقات لابن حبان ٥/ ٥١٥.\n(^٣) ينظر شرح شرح النخبة - لعلى قارى/ ١٥٢ - ١٥٣.\nوالابتهاج في أحاديث المعراج لأبي الخطاب ابن دحية/ ٦٨ بتحقيق الأخ الفاضل الدكتور/ رفعت فوزى.\n(^٤) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ١٥٦ (٨) و٢٧١ (٧) مع سنن أبي داود - اللباس - حديث (٤٠٧٠) و٣٢٤ (٢) و٣٣٤ (٧) مع المسند لأحمد ٥/ ٣٥٩. و٣٦٤ (٢).\nوينظر المغني مع الإحياء ٢/ ٢٠٣ (٥) و٣٧٣ (٣) و٣٠٠ (١) و٣٥٥ (٧). و٣/ ٣٠٥/ ١٥٩ (٥) و١٧٠ (٦) و١٧١ (٤).\nو٤/ ١٠٣ (٢) و١٤٨ (٩).","vol":"4","page":1706},{"text":"<span data-type='title' id=toc-530>الإشارة إلى درجة الحديث بوصف الراوي بأنه «متكلم فيه»:</span>\nقد يشير العراقي إلى درجة الحديث بذكر أحد رجال الإسناد، ولا يصفه بلفظ اصطلاحي معين يوضح مرتبة ضعفه، ولكن يقول: فيه، فلان، «متكلم فيه»، أو «تكلم فيه فلان» وهذه العبارة تعتبر جرحا غير مفسر، كما ذكر الذهبي (^١) وهي بمفهومها العام، متسعة الدلالة، كما ترى.\nولكن الذي لاحظته في كتب الرجال عند إطلاقها هكذا، بدون قرينة أخرى، أن الراوي تكلم فيه بعض النقاد بما لا يقتضي شدة ضعفه. وبنحو هذا أطلقها العراقي في بعض المواضع: -\nفقد ذكر حديث: «إن بُدلاء أمتي لم يدخلوا الجنة بصلاة ولا بصيام» (الحديث) وعزاه إلى الخرائطي في مكارم الأخلاق من حديث أبي سعيد (الخدري) نحوه، ثم قال: وفيه «صالح المري» متكلم فيه (^٢) وأقره الشارح (^٣).\nثم في موضع آخر ذكر حديثا أخرجه الحاكم من طريق «صالح المري» هذا وقال: مستقيم الإسناد، تفرد به صالح المري، وهو أحد زهاد البصرة اهـ. فتعقب العراقي الحاكم فقال: لكنه ضعيف في الحديث (^٤) فاستفدنا من ذلك مقصوده بوصفه لصالح في الموضع الآخر بأنه «متكلم فيه» وبمراجعة مصادر ترجمة «صالح» هذا نجد الأقوال فيه مختلفة، والأكثرون على تضعيفه ضعفا\n_________\n(^١) ينظر سير أعلام النبلاء ١٣/ ٣٥٥.\n(^٢) المغني مع الإحياء ٣/ ٢٤٠ (٥).\n(^٣) الإتحاف ٨/ ١٧٧.\n(^٤) المغني مع الإحياء ١/ ٣١٥ (١).","vol":"4","page":1707},{"text":"غير شديد، من جهة ضبطه (^١).\nلكن لم يطرد إطلاق العراقي لتلك العبارة بمعنى الضعف غير الشديد، خلال الكتاب كله:\nفقد ذكر حديث سعيد بن عامر: يدخل فقراء المسلمين الجنة، قبل الأغنياء بخمسمائة عام (الحديث) وعزاه إلى الطبراني مع بعض اختلاف، ثم قال: وفي إسناده يزيد بن أبي زياد، تكلم فيه (^٢). ووصفه بذلك أيضا في موضع آخر (^٣).\nو«يزيد بن أبي زياد» هذا، هو القرشي الدمشقي الشامي، وقد وصف بالصلاح والفقه، لكن الأكثرين على أنه شديد الضعف.\nفيتجه ذلك إلى شدة ضعف ضبطه للحديث (^٤) مع أن العبارة كما أشرت، لا يستفاد منها ذلك، بدون قرينة.\nوعليه فكان ينبغي على العراقي أن لا يقتصر عليها في بيان حال هذا الراوي، المشار به إلى درجة الحديث من طريقه.\nوذكر العراقي في موضع آخر، حديث: «لا تتكلفوا للضيف» وعزاه بنحوه، إلى أبي بكر بن لال في مكارم الأخلاق، من حديث «سلمان»\n_________\n(^١) ينظر الميزان ٢/ ٢٨٩ والتهذيب ٤/ ٣٨٢ وترتيب العلل الكبير للترمذى ٢/ ٩٦٨ والتقريب (٢٨٤٥).\n(^٢) المغني مع الإحياء ٤/ ١٩٤ (٣) مع الإتحاف ٩/ ٢٨١.\n(^٣) المغني مع الإحياء ٣/ ٣١٥ (٥).\n(^٤) ينظر الميزان ٤/ ٤٢٥ والتهذيب ١١/ ترجمة (٦٢٩).\nوالكاشف ٢/ ترجمة (٦٣٠٤) والتقريب (٧٧١٦).","vol":"4","page":1708},{"text":"﵁، ثم قال: وفيه محمد بن الفرج الأزرق، متكلم فيه (^١) وأقره الشارح (^٢).\nوبمراجعة ما جاء في حال (محمد) هذا، نجد أنه تكلم في جرحه مجملا، ومفصلا، وعارض ذلك توثيق الخطيب له، وذكر ابن حبان له في الثقات مع بيان أنه من شيوخ شيوخه، ورد غير واحد على ما تجرح به، وقرر الخطيب أن أحاديثه عموما، صحاح مستقيمة (^٣).\nوعليه يكون اقتصار العراقي على وصفه بأنه (متكلم فيه) مخالف لما يفيده الإطلاق العام لهذه العبارة، ومخالف أيضا للراجح من حال هذا الراوي، والذي يشير إلى حسن حديثه - على الأقل - ما لم تكن هناك علة أخرى.\nومما وصف العراقي الراوي فيه بأنه «تكلم فيه فلان»، أنه ذكر حديث الحسن (البصري): «هل منكم من يريد أن يُذهب الله عنه العمى؟» وعزاه إلى ابن أبي الدنيا، والبيهقي - في شعب الإيمان - من طريق الحسن، مرسلا، ثم قال: وفيه إبراهيم بن الأشعث، تكلم فيه أبو حاتم (^٤).\nوبالمراجعة نجد أن ابن أبي حاتم قال: سألت أبي عن إبراهيم بن الأشعث، وذكرت له حديثا رواه عن معن عن ابن أخي الزهري عن الزهري، فقال: هذا حديث باطل، موضوع، كنا نظن بإبراهيم بن\n_________\n(^١) المغني مع الإحياء ٢/¬١٢ (٣).\n(^٢) الإتحاف ٥/ ٢٣٨.\n(^٣) ينظر سؤالات الحاكم للدارقطني/ ترجمة (١٨٨) والثقات لابن حبان ٩/ ١٤٤ والميزان ٤/¬٤ واللسان/ ٥/ ترجمة (١١٢١).\n(^٤) المغني مع الإحياء ٣/ ٢٠٠ (٤).","vol":"4","page":1709},{"text":"الأشعث الخير، فقد جاء بمثل هذا (^١)\nوبالنظر لمن فوق إبراهيم، في سلسلة هذا الإسناد السابق، نجد أن «مُعنَّا - وهو ابن عيسى - والزهري، كلاهما ثقتان، وابن أخي الزهري - هو محمد بن عبد الله ابن مسلم - لخص ابن حجر حاله بأنه «صدوق له أوهام (^٢)» وبذلك يكون الثلاثة أرفع حالا من «إبراهيم» ومقتضى كلام أبي حاتم السابق، أنه جعل عهدة هذا الحديث الذي حكم ببطلانه، راجعة إلى إبراهيم، فيكون هذا جرحا شديدا له، يصل إلى تهمة الكذب في نظر أبي حاتم، في حين نجد بعض تلاميذ «إبراهيم» قد وثقه، ونجد غير أبي حاتم تكلم فيه برواية المناكير، وبعض الوهم، وهذا أخف تضعيفا، من قول أبي حاتم السابق (^٣) فاقتصار العراقي على تكلم أبي حاتم في «إبراهيم» يشير إلى اختيار قول أبي حاتم فيه، مع أنه أشد الأقوال فيه، كما أوضحت، فيكون العراقي قد تشدد في هذا الموضع، في الإشارة لتضعيف الحديث بكون راويه تكلم فيه أبو حاتم، بما تقدم ذكره (^٤) وعموما فإن العراقي لم يكثر خلال الكتاب من استعمال عبارة «متكلم فيه» ولا عبارة «تكلم فيه فلان»، ولكن الأكثر هو التصريح بالألفاظ الاصطلاحية في وصف الراوي المشار به إلى درجة الحديث، كما سيأتي توضيحه خلال الفقرات التالية».\n_________\n(^١) الجرح والتعديل ٢/ ٨٨.\n(^٢) التقريب (٦٠٤٩).\n(^٣) ينظر اللسان ١/ ترجمة (٦٨).\n(^٤) وينظر مثال آخر في المغني مع الإحياء ٣/ ١٧١ (٤) مع اللسان ٣/ ترجمة (٢١٤).","vol":"4","page":1710},{"text":"<span data-type='title' id=toc-531>تصريح العراقي بوصف الراوي ببعض الألفاظ الاصطلاحية، إشارة إلى درجة الحديث من طريقه:</span>\nمما جرى عليه العراقي في بيان درجة الحديث، ذكره راويا أو أكثر من إسناد الحديث، ومن يذكره، يصفه بلفظ اصطلاحي يدل على درجة ضعفه، وبالتالي يدل على درجة ضعف الحديث من هذا الطريق، وتارة ينسب اللفظ لقائله، وتارة لا ينسبه، وتارة يسوق القول بنصه، وتارة بمعناه.\nفمن ذلك أنه ذكر حديث: «ينادى مناد من تحت العرش يوم القيامة» (الحديث) وعزاه إلى سباعيات أبي الأسعد القشيري من حديث أنس، ثم قال: وفيه الحسين ابن داود البلخي، قال الخطيب: ليس بثقة (^١).\nومما عبر فيه العراقي عن قول الناقد، ولم يسق لفظه، أنه ذكر حديث «أكثروا على من الصلاة في الليلة الغراء واليوم الأزهر» وعزاه إلى الطبراني في الأوسط من حديث أبي هريرة، ثم قال: وفيه عبد المنعم بن بشير، ضعفه ابن معين وابن حبان (^٢).\nوبالمراجعة نجد أن لفظ ابن معين: «أتيت عبد المنعم، فأخرج إلى أحاديث أبي مودود، نحوا من مائتي حديث، كذب، فقلت: يا شيخ، أنت سمعت\n_________\n(^١) المغني مع الإحياء ٤/ ٥٣٠ (١) مع اللسان ٢/ ترجمة (١١٧٥).\nوتنظر أمثلة أخرى لما ذكر فيه الألفاظ معزوة إلى قائليها:\nفي المغني مع الإحياء ٢/ ٣٤٢ (١) مع الميزان ١/ ترجمة (٤٦٢)، والمغني مع الإحياء ٣/ ٢٣٦ (١) مع الميزان ٣/ ترجمة (٦٣١٧)، والمغني مع الإحياء ٤/ ٤٥٧ (١) مع الميزان ١/ ترجمة (٦٨١) و٢/ ترجمة (٥٢٧٠) وترجمة (٤٦٤٢).\n(^٢) المغني مع الإحياء ١/ ٢٠٧ (٤).","vol":"4","page":1711},{"text":"هذه من أبي مودود؟ قال: نعم، قلت: اتق الله، فإن هذه كذب، وقمت، ولم أكتب عنه» (^١).\nوقول ابن حبان لفظه: منكر الحديث جدا، يأتي عن الثقات بما ليس من حديث الأثبات، لا يجوز الاحتجاج به بحال (^٢).\nومن ذلك تلاحظ أن لفظ كل منهما يفيد شدة ضعف «عبد المنعم» هذا، في حين ما عبر به العراقي عن قولهما يفيد مجرد ضعفه فقط. وبذلك تختلف درجة ضعف حديث «عبد المنعم» من ضعيف جدا، إلى ضعيف فقط، وسيأتي بيان تفريق العراقي نفسه بين الضعيف فقط، والضعيف جدا، وهكذا هما متفاوتان في الاصطلاح العام كما سيأتي توضيحه.\nولهذا فإنه ينبغى على من يريد تحرير القول في واحد من الرواة أو الأسانيد، أو المتون، أن يطالع أقوال النقاد بألفاظهم التي نقلت عنهم، ولا يكتفي بنقل العراقي أو غيره لها بالمعنى، كما في المثال السابق. ويعتبر نقل العراقي السابق لقولى ابن معين وابن حبان بالمعنى، متوسعا فيه، كما أوضحته.\nوأما وصفه للرواة ببعض الألفاظ الاصطلاحية دون عزوها لغيره، فهذا كثير، ومنه: أنه ذكر حديث «رحم الله عبدا تكلم فغنم» (الحديث) وعزاه إلى البيهقي في الشعب من حديث أنس، ثم قال: بسند فيه ضعف؛ فإنه من رواية إسماعيل ابن عياش عن الحجازيين (^٣).\n_________\n(^١) الميزان ٢/ ترجمة (٥٢٧١).\n(^٢) ينظر المجروحين لابن حبان ٢/ ١٥٨.\n(^٣) المغني مع الإحياء ٣/ ١٠٧ (٢).","vol":"4","page":1712},{"text":"فيلاحظ أنه ضعف الحديث، من رواية أنس، ﵁ بهذا الإسناد، وعلل ذلك بحال إسماعيل في روايته عن الحجازيين، ومعناه أن شيخه في هذا الإسناد حجازى.\nوبمراجعة سند الحديث عند البيهقي نجد شيخ إسماعيل فيه هو «عمارة بن غزية» وهو أنصارى مدنى (^١).\nوبمراجعة الأقوال في حال «إسماعيل» نجد ما ذكره العراقي، قد قرره جماعة من النقاد المعتبرين (^٢) وهذا يعتبر تطبيقا منه لمراعاة قاعدة الجرح المقيد في الحكم على مرويات الراوي؛ لأن إسماعيل وإن ضعف في روايته عن الحجازيين، فهو محتج به، في روايته عن الشاميين (^٣) كما أن العراقي في هذا الموضع ذكر الضعف المطلق بمعناه الاصطلاحي، وهو الضعف الخفيف، الذي يقبل الانجبار بمثله، أو بما هو أقوى منه (^٤) لكنه لم يطرد منهجه على هذا في كل الكتاب، بل خرج عنه في مواضع، فمن ذلك أنه ذكر حديث «من أحب قوما على أعمالهم، حشر في زمرتهم» وعزاه إلى ابن عدي في الكامل، من حديث جابر، ثم قال: وفيه إسماعيل بن يحيى التيمي، ضعيف (^٥).\nومقتضى هذا أن يكون الحديث من طريق «إسماعيل» هذا، ضعفه غير\n_________\n(^١) شعب الإيمان للبيهقى ٤/ حديث رقم (٤٩٣٨) والتقريب (٤٨٥٨).\n(^٢) التهذيب ١/ ٢٢٣ - ٢٢٦.\n(^٣) ينظر تهذيب التهذيب ١/ ٢٢٣ - ٢٢٦.\n(^٤) وتنظر أيضا بعض الأمثلة في المغني مع الإحياء ٣/ ٣١٥ (٤) مع الميزان ١/ ترجمة رقم ٧٢٨ و٣/ ترجمة (٥٦٦٧) والمغني مع الإحياء ٤/ ٦١ (٢).\n(^٥) المغني مع الإحياء ٤/ ٣٤١ (٦).","vol":"4","page":1713},{"text":"شديد، لكن عند مراجعة الأقوال في «إسماعيل» المذكور، نجده موصوفا بوضع الحديث، وبالكذب، وبأن عامة ما يرويه بواطيل، مع ذكر بعضها في مصدر ترجمته (^١). وعليه فاقتصار العراقي على وصفه بمطلق الضعف، غير متوافق، لا مع خلاصة الأقوال في حال هذا الراوي، ولا متوافق مع المرتبة الاصطلاحية للفظ «الضعف» المطلق، ودرجة حديث الراوي الموصوف به. وقد لخص الذهبي حاله بأنه «متروك» كأبيه (^٢)، فأقل أحوال حديثه أنه شديد الضعف، لا ضعيفه فقط.\nوأيضا وجدت حكم العراقي على بعض الرواة الذين أشار بوصفهم إلى درجة الحديث من طريق كل منهم، قد تغير، من موضع لآخر في كتاب المغني نفسه.\nفمن ذلك أنه ذكر حديث «إن في النار توابيت، يجعل فيها المتكبرون»، وعزاه إلى البيهقي في الشعب، من حديث أنس ثم قال: وفيه أبان بن أبي عياش، وهو ضعيف (^٣).\nوذكره في حديث آخر وذكر أنه «ضعيف» أيضا (^٤).\nثم ذكره في حديث آخر بعد هذين الموضعين، وذكر أنه ضعيف جدا (^٥) والمتناسب مع خلاصة الأقوال في حال «أبان» هو القول الأخير بأنه ضعيف\n_________\n(^١) ينظر الميزان ١/ ترجمة (٩٦٥) واللسان ١/ ترجمة (١٣٧٣).\n(^٢) ينظر ديوان الضعفاء/ ترجمة (٤٥٥).\n(^٣) المغني مع الإحياء ٣/ ٣٢٩ (٣).\n(^٤) المغني مع الإحياء ١/ ٣١٢ (٤).\n(^٥) المغني مع الإحياء ١/ ٣٧٣ (١).","vol":"4","page":1714},{"text":"جدًا (^١) وتكرر مثل هذا في مواضع أخرى من الكتاب (^٢).\nومن المعروف أن هناك تفاوتًا بين مرتبة «ضعيف» ومرتبة «ضعيف جدًا» وقد غاير العراقي نفسه خلال الكتاب بينهما كما سيأتي توضيحه، فإطلاقه كلا اللفظين على راو واحد، غير مناسب للاصطلاحات المقررة لمراتب الألفاظ النقدية. لكن هذا الاختلاف في الحكم على الراوي الواحد، يعتبر قليلًا بالمقارنة بما لم يختلف حكم العراقي عليه عند تكرره في هذا الكتاب.\n\n<span data-type='title' id=toc-532>إشارة العراقي لدرجة الحديث بوصف راويه بأنه «مختلف فيه»، أو ذكر ما يفيد الخلاف فيه، دون تصريح بالراجح:</span>\nومن المعروف أن الراوي المختلف في بيان حاله جرحا وتعديلا، يحتاج إلى عمق في البحث، ودقة في النظر، على ضوء قواعد النقد، حتى تستخلص النتيجة في حاله، جمعًا، أو ترجيحًا، وعلى ضوء ذلك تتحد درجة حديثه، ومثل هذا لا يتاح إلا لأفذاذ العلماء والنقاد، ومنهم من جعل حصول الخلاف في حال الراوي عمومًا، يقتضي الحكم بتحسين حديثه لذاته، ما لم تكن فيه علة أخرى (^٣)، ولكن هذا توسع، لا يستقيم تعميمه على كل المختلف فيهم.\nوقد حسن العراقي بعض الأسانيد التي فيها أحد الرواة مختلفًا فيه، مع\n_________\n(^١) ينظر الكاشف ١/ ترجمة (١١٠) والمغني في الضعفاء ١/ ترجمة (١٤). والديوان/ ترجمة (١٣٧) ثلاثتهم للذهبي. والتقريب/ ترجمة (١٤٢).\n(^٢) ينظر المغني مع الإحياء ٣/ ٢٢٦ (٤) والميزان ١/ ترجمة (١٠١٧) واللسان ١/ ترجمة (١٤٢٤) والمغني ١/ ترجمة (٧٧٤) والديوان/ ترجمة (٤٨٦) والمغني مع الإحياء ٢/ ٣٦٨ (٤) مع ٤/ ٧٠ (٤).\n(^٣) النكت على علوم ابن الصلاح - لابن حجر ١/ ٣٨٦، ٤٢٦ - ٤٢٨.","vol":"4","page":1715},{"text":"ترجيح الاحتجاج به بمرتبة الحسن لذاته، عند العلماء ما لم توجد علة أخرى، مثل: عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده (^١)، وشريك بن عبد الله النخعي (^٢)، وأقر تحسين الترمذي لحديث من طريق بهز بن حكيم عن أبيه عن جده (^٣).\nلكنه أطلق وصف «مختلف فيه» على بعض الرواة الذين لا يترجح تحسين حديثهم لذاته، سواء عند غيره من العلماء، أو عنده هو، في موضع آخر من كتاب المغني نفسه.\nفمن وصفه بأنه «مختلف فيه»: «عمارة بن زاذان» مشيرا بذلك لدرجة الحديث من طريقه، وبمراجعة مصادر ترجمته نجد أقوال العلماء على ترجيح تضعيفه (^٤) ومنهم من ترجح لدى غير العراقي من العلماء أنه متروك الحديث، مثل «حفص بن سليمان الأسدي، أبو عمر المقرى» مع إمامته في القراءة (^٥).\nوأما «نجيح بن عبد الرحمن السندى، أبو معشر» فقد وصفه العراقي في موضع من المغني بأنه «اخْتُلِفَ فيه» (^٦) ثم وصفه في موضع آخر بأنه\n_________\n(^١) المغني مع الإحياء ١/ ١٨٨ (٤) وينظر التدريب ١/ ١٦٠.\n(^٢) المغني مع الإحياء ٣/ ١٥٤ (١) ومدار الحديث على (شريك) ولم أقف له على متابع، وقد سبق العراقي إلى تحسين هذا الحديث من طريق (شريك) هذه، على بن المديني، كما ذكره المزى، في ترجمة (نعيم بن حنظلة) من تهذيب الكمال ٣/ ١٤٢١ (مخطوط مصور).\n(^٣) المغني مع الإحياء ٣/ ١٣١ (٩) وينظر التدريب ١/ ١٦٠.\n(^٤) المغني مع الإحياء ٣/ ٢٦٠ (٢) مع الكاشف ٢/ ترجمة (٤٠٠٨) والمغني في الضعفاء ٢/ ترجمة (٤٤٠٠) والديوان/ ترجمة (٣٠٠٤) والتقريب/ ترجمة (٤٨٤٧).\n(^٥) المغني مع الإحياء ١/ ٣٣٤ (١) مع الكاشف ١/ ترجمة (١١٤٦). والتقريب/ ترجمة (١٤٠٥).\n(^٦) المغني مع الإحياء ٣/¬١٠٩ (٥).","vol":"4","page":1716},{"text":"«ضعيف» (^١). وهذا هو المتفق مع عامة الأقوال في حاله، في الحديث (^٢).\nووصف العراقي أيضا (ليث بن أبي سليم) بأنه «مختلف فيه» في مواضع (^٣)، ثم قال في موضع: «ضعفه الجمهور» (^٤)\nووصف (الربيع بن صبيح السعدى) في موضع بأنه «مختلف فيه» (^٥) ووصفه في موضع آخر بأنه «ضعيف جدا» (^٦)\nومن ذلك يظهر أن تعقيب العراقي على الحديث بأن في سنده الراوي الفلاني، «مختلف فيه» لا يستفاد منه وحده، تحديد العراقي درجة معينة للحديث، ولكنه يشير بذلك إلى أن الحديث بهذا الاسناد، يحتاج إلى بحث ونظر، حتى تحدد درجته قبولا، أو ردا.\nوهناك عدد آخر من الرواة، ذكر الاختلاف في حالهم، من عالم واحد، أو من أكثر من عالم، دون أن يصرح بترجيح شيء من هذا الاختلاف، مع كونه أشار بذكر هذا الاختلاف في حال الراوي، إلى درجة الحديث من طريقه (^٧) وبذلك كان المقام يقتضي الترجيح.\n_________\n(^١) المغني مع الإحياء ٤/¬٣٠ (١).\n(^٢) ينظر الميزان ٤/ ترجمة (٩٠١٧).\n(^٣) ينظر المغني ١/ ٣٣٠ (٣) و٢/¬٣٣ (٤)، ١٥٧ (٦)، ٢٣٩ (١). و٣/ ٣١٢ (٤) و٤/ ٣٥٢ (٩).\n(^٤) المغني مع الإحياء ٢/ ١٧٨ (١).\n(^٥) ينظر المغني ٤/¬١٨ (ضمن أحاديث الكبائر).\n(^٦) ينظر المغني مع الإحياء ٤/ ٥٢٦ (٦).\n(^٧) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ٣٠٢ (١٠) و٢/¬٣ (٢) و٣/ ٢٣٨ (٥)، ٣١٥ (٦)، و٤/ ٣٥٩ (٤) و٤/ ١٣٣ (١).","vol":"4","page":1717},{"text":"لكن لعل العراقي حين تكلم على هؤلاء الرواة، سواء من وصفهم بوصف «مختلف فيه» أو من ذكر الخلاف فيهم دون ترجيح، لم يكن ظهر له رأى راجح في كل منهم، بدليل من صرح في بعض المواضع بما ظهر له في حالهم، كما قدمت، وبدليل أن منهم من رجح فيه غيره، أو جمع بين الأقوال، مثل «سعد بن سنان» (^١)\nثم إن هناك عددًا آخر من الرواة المختلف فيهم، ذكرهم العراقي مشيرا بهم إلى درجة الحديث من طريق كل منهم، وتأمل الخلاف في كل منهم، وذكر ما ترجح لديه في حال كل منهم، وعلى ضوء ذلك تستفاد درجة الحديث عنده من طريق كل منهم، كا يدلنا ذلك على شخصيته النقدية، وكفاءته، واجتهاده في اختيار ما يترجح لديه، من وجوه الاختلاف، وعلى درايته بنقد الرواة، ومراتبهم تقعيدًا وتطبيقا\nفبعض الأحاديث ذكر أن في سندها فلانا ضعفه الجمهور (^٢)، وبعضها ذكر أن في سندها فلانا أجمعوا على ضعفه (^٣) أو فلانا أجمعوا على تركه (^٤).\nوبعض الرواة ذكر بعض الأقوال بتضعيفه، وعارضها بالأقوال المرجحة لتوثيقه، فدل ذلك على اختياره التوثيق.\n_________\n(^١) ينظر المغني مع الإحياء ٣/ ١٣٢، ١٣٣ (٩) مع التهذيب ٣/ ترجمة (٨٧٨) والمغني في الضعفاء ١/ ترجمة (٢٣٤٤) والديوان/ ترجمة (١٥٦٧) والتقريب/ ترجمة (٢٢٣٨).\n(^٢) ينظر المغني مع الإحياء ١/¬٢٨ (١)، ٢٥٨ (٣) و٢/ ١١٦ (١)، ٢/ ١٩٧ (٣)، ٢٠٨ (٦) و٣/ ٢٣٢ (٢) مع ٤/ ٢٢٨ (٣) و٣/ ٢٦٠ (٣)، ٣/ ٣٦٣ (١) و٣/ ١٨٣ (٤) و٤/ ٧٩ (٢)، ٨٢ (١)، ٢٧٧ (٨)، ٤/ ٣٨٠ (٢).\n(^٣) المغني مع الإحياء ٢/ ٣٦٨ (٤).\n(^٤) المغني مع الإحياء ٣٢٩ (١).","vol":"4","page":1718},{"text":"قد ذكر حديث فضل: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ …﴾ (الآيتين)، وعزاه إلى المستغفري في الدعوات من حديث علي، ﵁، وإلى ابن حبان في الضعفاء - في ترجمة «الحارث بن عمير» وذكر قول ابن حبان: إن الحديث موضوع، لا أصل له، وقوله: إن الحارث يروي عن الأثبات الموضوعات، ثم عقب على ذلك، بأن «الحارث» هذا وثقه حماد بن زيد، وابن معين، وأبو زرعة، وأبو حاتم (الرازيان) والنسائي، وذكر أن البخاري روى له تعليقا (^١).\nفمن تعقب العراقي هذا بذكر جماعة الموثقين للحارث، في مواجهة شدة تضعيف ابن حبان له، يستفاد أن العراقي يرى ترجيح قول الموثقين له، لأكثريتهم، لاسيما أن فيهم من عرف بالتشدد في التوثيق وهو النسائي وأبو حاتم، وفيهم أيضا من هو أكبر سنا من الحارث، بحيث شاهده وعرفه عن قرب، وهو حماد بن زيد، وبذلك رد قول ابن حبان بتجريح الحارث، مع كونه مفسرا، لما عرف من تشدده في الجرح. وهذا المسلك من العراقي يتمشى مع قاعدة الترجيح بالأكثر، مع ضميمة قرينة التشديد التي أشرت إليها في جانبي التوثيق والتجريح.\nثم إن العراقي قد سئل عن هذا الحديث الذي معنا بخصوصه، فضمن إجابته تضعيف ابن حبان واثنين آخرين معه وهما الحاكم والذهبي، وعارض ثلاثتهم بذكر جماعة الموثقين للحارث بالقول وبالرواية عنه، والاحتجاج بروايته (^٢).\n_________\n(^١) المغني مع الإحياء ١/ ٣٤٥ (٦).\n(^٢) ينظر اللآلئ المصنوعة للسيوطى ١/ ٢٢٩.","vol":"4","page":1719},{"text":"أما الإمام الذهبي، فذكر جماعة الموثقين للحارث الذين ذكرهم العراقي، وعقب على ذلك بقوله: وما أراه إلا بين الضعف، وأيد ذلك بقول ابن حبان وبقول للحاكم أيضا بنحوه (^١).\nفأفاد ذلك ترجيحه للقول بتضعيفه المفسر، على قول الأكثرين بتوثيقه والرواية عنه. ومقتضى هذا أنه أخذ بالقول بتقديم الجرح المفسر مطلقا، وفي كتابه المغني في الضعفاء، أشار إلى هذا الترجيح (^٢)، ولما ذكر الحارث في كتابه «من تكلم فيه بما لا يوجب الرد» صدر الترجمة بقوله: «لا يحتج به» (^٣).\nأما الحافظ ابن حجر، فاتجه إلى الجمع بين الأقوال بدلا من الترجيح، كما دفع ما وجه إلى الحارث من تضعيف شديد؛ ففي التقريب قال: وثقه الجمهور، وفي أحاديثه مناكير ضعفه بسببها الأزدي وابن حبان، وغيرهما، فَلَعَلّهُ تغير حفظه في الآخر (^٤).\nفجعل توثيق الجمهور له، محمولا على أول أمره، وتضعيف من ضعفه، محمولا على ضعف ضبطه، في أواخر عمره.\nوفي غير كتاب التقريب، ذكر الحافظ نسبة ابن حبان له إلى رواية الموضوعات، وحكمه على ما روى من طريقه بالبطلان، ثم أجاب عن ذلك بأنه إفراط من ابن حبان، وبأن حديثنا هذا الذي انتقده على الحارث، علته ممن دون الحارث في الإسناد، وهو أبو صالح محمد بن أبي الأزهر، المعروف\n_________\n(^١) الميزان ١/ ترجمة (١٦٣٨).\n(^٢) المغني في الضعفاء للذهبى ١/ ترجمة (١٢٤٥).\n(^٣) معرفة الرواة المتكلم فيهم بما لا يوجب الرد - للذهبي/ ترجمة (٧٣).\n(^٤) التقريب/ ترجمة (١٠٤١).","vol":"4","page":1720},{"text":"بابن زنبور، لأنه وإن وثقه بعض العلماء فقد ضعفه بعضهم، وقد روى عن الحارث مناكير، لكنها لا تصل إلى درجة الوضع، بل تعتبر ضعيفة فقط، وبذلك اعتبر ذكر ابن الجوزي للحديث الذي معنا في الموضوعات، أنه إفراط منه (^١).\nوهذا الصنيع من ابن حجر، بالجمع بين الأقوال، أولى من ترجيح التوثيق مطلقا، كما صنع شيخه العراقي، ومن ترجيح التضعيف مطلقا كما صنع الإمام الذهبي، وذلك لما في الجمع من إعمال مجموع الأقوال.\nوقد تابع ابن حجر عليه كل من السيوطي (^٢) وابن عراق (^٣).\nوبعض الرواة نجد الحافظ العراقي يقتصر على أحد الآراء الواردة فيهم، مع توافر بقية الآراء في مصادره التي رجع إليها، فدل هذا على اختياره لما ذكره من الآراء، دون غيره، واختياره تبعا لذلك درجة حديث الراوي المذكور على ضوء ما اقتصر عليه في حال راويه.\nومن ذلك أنه ذكر حديثين من طريق «الحارث بن عبد الله الأعور» وعقب على كل منهما بقوله: فيه الحارث الأعور، وهو ضعيف (^٤) وبمراجعة الآراء في الحارث، نجدها مختلفة، ومتفاوتة بين تقوية، وتضعيف، وتكذيب (^٥).\nفاقتصار العراقي على تضعيفه، يعتبر اختيارا منه، وسطًا، وقد نسب الذهبي\n_________\n(^١) ينظر تهذيب التهذيب ٢/ ترجمة (٢٦١) واللآلئ المصنوعة ١/ ٢٢٩.\n(^٢) اللآلئ ١/ ٢٢٩.\n(^٣) تنزيه الشريعة ١/ ٢٨٧ - ٢٨٨.\n(^٤) المغني عن حمل الأسفار مع الإحياء ١/ ٢٨٥ (٦) و٤/ ٣٤٨ (٥).\n(^٥) ينظر الميزان ١/ ترجمة (١٦٢٧)، وتهذيب التهذيب ٢/ ترجمة (٢٤٨).","vol":"4","page":1721},{"text":"توهين (الحارث) إلى الجمهور (^١)، ولخص حاله بقوله: شيعي لين (^٢) وبنحوه لخصه ابن حجر (^٣).\nولكني لاحظت أن العراقي قد يختار في الحكم على الراوي المشار به إلى درجة الحديث، خلاف الراجح من الأقوال في حاله.\nفقد ذكر حديث (من أحب قوما على أعمالهم حشر في زمرتهم يوم القيامة) وعزاه إلى ابن عدي، من حديث جابر ﵁ ثم قال: وفي طريقه «إسماعيل ابن يحيى التيمي» ضعيف (^٤).\nوبمراجعة الأقوال في حال (يحيى) هذا، نجدها تدور بين: الوصف بالكذب، مطلقا، وبين الوصف برواية الأحاديث الموضوعة، والباطلة عن الثقات، والكذب في الرواية عنهم، وقال الذهبي: مجمع على تركه، وأقره الحافظ ابن حجر (^٥).\nفالحكم على هذا الراوي وعلى الحديث من طريقه بمجرد الضعف، خلاف ما اتفق عامة النقاد عليه في حاله، كما قدمت.\nوقد سبق للعراقي وصف بعض الرواة بعبارة الإجماع على تركه، كما أنه يفرق بين الضعف والترك في غير هذا الموضع (^٦) كما سيأتي. فعدم ذكره لهذا:\n_________\n(^١) الميزان ١/ ترجمة (١٦٢٧).\n(^٢) الكاشف ١/ ترجمة (٨٥٩).\n(^٣) التقريب/ ترجمة (١٠٢٩).\n(^٤) المغني مع الإحياء ٤/ ٣٤١ (٦).\n(^٥) ينظر الميزان ١/ ترجمة (٩٦٥) واللسان ١/ (١٣٧٣).\n(^٦) ينظر المغني مع الإحياء ٤/ ١٤٦ (٥).","vol":"4","page":1722},{"text":"في حال (يحيى) هذا، يشير إلى اختياره عدم وصفه بالترك، وإن كان هو الراجح من الأقوال كما أسلفت.\nوذكر العراقي أيضا حديث «ارحموا ثلاثة …» (الحديث) وعزاه إلى ابن حبان في الضعفاء من رواية «عيسى بن طهمان عن أنس» ثم قال: وعيسى ضعيف (^١)، ومقتضى الاقتصار على هذا، أن الحديث من طريقه ضعيف، لأجله.\nولكن عندما نراجع الأقوال في حال «عيسى» هذا، نجد أن عامة النقاد على توثيقه، ماعدا ابن حبان، حيث أورد هذا الحديث في ترجمته، وقال: ينفرد بالمناكير عن أنس، ويأتى عنه بما لا يشبه حديثه، كأنه يدلس، عن أبان ابن أبي عياش، ويزيد الرقاشي، عنه، لا يجوز الاحتجاج بخبره (^٢).\nولم أجد من وافق ابن حبان على قدحه في عيسى هذا، وقد وضع الذهبي في الميزان رمز «صح» أمام ترجمته، للإشارة إلى رجحان توثيقه في نظره (^٣) وفي الكاشف جزم بأنه «ثقة» (^٤)\nوفي (معرفة من تكلم فيه بما لا يوجب الرد) قال: صدوق، قال ابن حبان وحده، لا يجوز الاحتجاج به (^٥)، وقد اعتبر الحافظ ابن حجر قول ابن حبان: إفحاشا في حق عيسى هذا، وأجاب عن حديثنا هذا، بأن\n_________\n(^١) المغني مع الإحياء ٤/¬٢٨ (٣).\n(^٢) المجروحين لابن حبان ٢/ ١١٧ - ١١٨.\n(^٣) الميزان ٣/ ترجمة (٦٥٧٤).\n(^٤) الكاشف ٢/ ترجمة (٤٣٧٨).\n(^٥) معرفة من تكلم فيه بما لا يوجب الرد/ ترجمة (٢٦٩).","vol":"4","page":1723},{"text":"الآفة فيه ممن دون عيسى في الإسناد، وليس منه (^١)\nكما أن الزبيدي وجد بحاشية إحدى نسخ كتاب المغني هذا الخطية تعقبا من الحافظ ابن حجر لشيخه العراقي، في تضعيف عيسى هذا، فقال: عيسى، ثقة، لم يتكلم فيه غير ابن حبان، وقد احتج به البخاري، والنسائي (والآفة) - يعني في هذا الحديث - ممن دونه (^٢).\nوعليه فإن أخذ العراقي هذا بقول ابن حبان وحده في تضعيف عيسى هذا، وجعله هو سبب ضعف الحديث، مردود عليه، كما ترى.\n\n<span data-type='title' id=toc-533>الوصف بما يتعلق بحال الإسناد، للإشارة به إلى درجة الحديث:</span>\nأما ما ذكره العراقي من أوصاف للإسناد، مشيرا بها إلى درجة الحديث بالإسناد الموصوف، فأوصاف متعددة، وأكثرها يرجع إلى أنواع الانقطاع التي تقع في سلسلة السند، ويسمى كل منها باسم اصطلاحي، كما سيأتي.\nوبعض الأوصاف يرجع إلى ما يحصل في طرق الحديث من اختلاف على بعض الرواة في الإسناد، كالاختلاف بالرفع والوقف، أو بالوصل والإرسال، وغير ذلك. فمثل هذا الاختلاف منه ما يكون سببا في ضعف الحديث، وإعلاله، فأشار العراقي إلى ضعف بعض الأحاديث بما وجد في طرقها من هذا الاختلاف، كما سيأتي.\nفمما يتعلق بانقطاع السند: الإرسال، بنوعيه: الظاهر، والخفي، والأول هو المشهور، عند الإطلاق، وهو ما لم يُذكر فيه الصحابي، فيرفع التابعي\n_________\n(^١) هدى السارى/ ٤٣٤، والتقريب/ ترجمة (٥٣٠١).\n(^٢) الاتحاف ٨/ ٥٥٩.","vol":"4","page":1724},{"text":"الحديث إلى الرسول ﷺ (^١)، ويذلك يضعف المتن المروي بهذا الإسناد، ما لم يوجد له طريق آخر ينجبر به ضعف الإسناد المرسل (^٢).\nولكن العراقي يقيد حكمه - في الغالب - ببعض أسانيد الحديث، ثم إن أتيح له طرق أخرى ذكرها، ليستفيد الباحث بما يصلح منها الجبر ما في الطريق الأخرى من انقطاع بالإرسال أو غيره.\nوفي بعض المواضع التي أشار العراقي فيها إلى درجة الحديث يوصف سنده بالإرسال، أشار إلى أن مراده به النوع الاصطلاحي المشهور، الذي لم يذكر فيه الصحابي كما قدمت.\nوقد يشير إلى أن الحكم بالإرسال من استنتاجه هو، بحكم خبرته بطبقات الرواة، وبقواعد المصطلح، فيضيف بذلك أثرا علميا لخدمة السنة، وتمحيص مروياتها، بما لا نجده في مصدر الرواية التي حكم هو عليها.\nفقد ذكر حديث «تسعة أعشار الرزق في التجارة» وعزاه إلى إبراهيم الحربي، في غريب الحديث، من حديث نعيم بن عبد الرحمن، ثم قال: ورجاله ثقات، و«نعيم» هذا قال فيه ابن مندة: ذكر في الصحابة، ولا يصح، وقال أبو حاتم الرازي، وابن حبان: إنه تابعي، فالحديث مرسل (^٣) فيلاحظ أنه استنتج الحكم بالإرسال على ضوء أقوال العلماء: بأن رافعه تابعي، لا صحابي.\n_________\n(^١) ينظر فتح المغيث للعراقي ١/ ٦٧ - ٦٨.\n(^٢) ينظر فتح المغيث للعراقي ١/ ٥٣ - ٥٥ و٦٧ - ٧٣.\n(^٣) المغني مع الإحياء ٢/ ٦٤ (٢) والإصابة ٤/ ترجمة (٨٩٠٣).","vol":"4","page":1725},{"text":"وذكر حديث الأوزاعي مع المنصور، وموعظته له، وعزاها إلى ابن أبي الدنيا، وغيره، من طريق متكلم في أحد رواته، ثم قال: وقد رأيت سرد الأحاديث المذكورة في الموعظة، لنذكر: هل لبعضها طريق غير هذا الطريق؟، وليعرف صحابي كل حديث، أو كونه مرسلا؟ (^١)، ثم ذكر من تلك الأحاديث: حديث عروة بن رويم: كانت بيد رسول الله ﷺ جريدة، يستاك بها، ويروع بها المنافقين (الحديث) وعزاه إلى ابن أبي الدنيا في «مواعظ الخلفاء» ثم قال: وهو مرسل، و«عروة بن رويم» ذكره ابن حبان في ثقات التابعين (^٢). وذكر حديث: إذا استقر أهل الجنة في الجنة (الحديث) وعزاه إلى البزار من رواية الحسن عن أنس، ثم قال: ورواه الأصفهاني في الترغيب والترهيب، مرسلا، دون ذكر أنس (^٣).\nوقد يحكم بالإرسال على سبيل الاحتمال، لعدم توافر دليل الجزم لديه (^٤) وقد يضم إلى وصف الحديث بالإرسال، بيانا لدرجة الإسناد، إلى من أرسل الحديث، ففي أحد الأمثلة التي تقدمت، ذكر أن رجال الإسناد إلى من أرسل الحديث ثقات (^٥).\nوفي موضع آخر ذكر العراقي حديث يزيد الرقاشي: كانت صلاة رسول الله ﷺ مستوية (الحديث) وعزاه إلى ابن المبارك في الزهد، ولغيره من طريقه،\n_________\n(^١) المغني مع الإحياء ٢/ ٣٤٢ (١).\n(^٢) المغني مع الإحياء ٢/ ٣٤٣ (١) مع الثقات لابن حبان ٥/ ١٩٦.\n(^٣) المغني مع الإحياء ٤/ ٥٢٦ (٦).\n(^٤) ينظر المغني مع الإحياء ١/¬١٨ (٥) و٤/ ٣٩٤ (١) مع الاتحاف ١٠/ ١١٧.\n(^٥) وينظر أيضا المغني مع الإحياء ٤/ ٤٨١ (١).","vol":"4","page":1726},{"text":"ثم قال: وهو مرسل ضعيف (^١).\nفيزيد الرقاشي، تابعي، وخلاصة حاله أنه ضعيف، كما ذكر الذهبي (^٢) وابن حجر (^٣)، وعلى هذا وصف العراقي الحديث بأنه مرسل، باعتبار كون التابعي هو الذي رفعه إلى الرسول ﷺ، وبأنه ضعيف باعتبار أن هذا التابعي ضعيف (^٤).\nوفي موضع آخر ذكر حديث ابن أبي مليكة: أن النبي ﷺ قال: زوروا موتاكم (الحديث)، وعزاه إلى ابن أبي الدنيا في (أهوال) القبور، ثم قال: هكذا، مرسلا، وإسناده حسن (^٥).\nوابن أبي مليكة الذي رفع الحديث: هو عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة، ثقة من كبار التابعين (^٦).\nوفي موضع آخر ذكر حديث «من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر، لم يزدد من الله إلا بعدا»، وعزاه إلى كتاب الطاعة والمعصية لعلى بن معبد، من حديث الحسن، ثم قال: مرسلا، بإسناد صحيح (^٧).\nويلاحظ أن العراقي - في الغالب - يذكر التابعي الذي أرسل الحديث،\n_________\n(^١) المغني مع الإحياء ١/ ١٥٣ (٦).\n(^٢) الكاشف ٢/ ترجمة (٦٢٧٧).\n(^٣) التقريب/ ترجمة (٧٦٨٣).\n(^٤) وينظر أيضا المغني مع الإحياء ١/ ٢٦٧ (٣)، ٣٠٥ (٤)، ٣٦٥ (٨) و٢/ ٣٧٠ (٣).\n(^٥) المغني مع الإحياء ٤/ ٤٧٤ (٦).\n(^٦) التقريب (ترجمة - ٣٤٥٤).\n(^٧) المغني مع الإحياء ١/ ١٥٦ (٥) وينظر أيضا ١/ ١٧٠ (٣) و٢/¬٢٧ (١) و٤/ ٤٧٤ (٨).","vol":"4","page":1727},{"text":"فيكون المراد بتحسين أو تصحيح الإسناد المرسل، أن السند من أوله إلى التابعي الذي أرسل الحديث، مستوفي شروط الحسن أو الصحة، لذاته، وإن كان كل منهما ضعيفا، من حيث عدم اتصاله إلى الرسول ﷺ\nوتكون فائدة الحكم بالحسن أو الصحة للإسناد إلى التابعي: إمكان الاحتجاج بالمروى، عند من يحتج بالمرسل الذي ليست له علة سوى الإرسال، وأيضا بيان صلاحية هذا المرسل للاعتضاد بغيره، بحيث يرتقى بما يوجد له من عاضد مثله في المرتبة أو أقوى منه، إلى درجة الحسن أو الصحة، فيحتج به من لا يحتج بالمرسل، بمفرده، وقد يصف العراقي إحدى روايات الحديث بالإرسال، ثم يذكر معها بعض ما يجبر ضعفها من الشواهد (^١) ويترك ملاحظة ذلك للقارئ.\nوأما النوع الثاني الذي ذكره العراقي من المرسل، فهو المسمى بالمرسل الخفي، وقد عرفه هو بنفسه بأن يروى الراوي عمن سمع منه ما لم يسمعه منه، أو عمن لقيه ولم يسمع منه، أو عمن عاصره ولم يلقه، وقد بين العراقي أيضا سبب وصفه بـ «الخفي» فقال: فهذا قد يخفي على كثير من أهل الحديث، لكونهما - أي الراوي والمروى عنه - جمعهما عصر واحد (^٢)\nويلاحظ أن العراقي قد أدخل في التعريف رواية المدلس، في قوله: «أن يروى الراوي عمن سمع منه ما لم يسمعه منه» مع أنه في هذا التخريج وغيره، يذكر التدليس وحده على رواية الراوي عمن سمع منه ما لم يسمعه منه كما\n_________\n(^١) المغني مع الإحياء ٣/ ٢٣٩ (٣) و٤/ ٢٣٠ (٤).\n(^٢) فتح المغيث للعراقي ٤/¬٢٥.","vol":"4","page":1728},{"text":"سيأتي. وقد أخرج تلميذ العراقي ابن حجر العسقلاني وغيره عبارة (راوية الراوي عمن سمع منه، ما لم يسمعه منه) من تعريف الإرسال الخفي، الذي ذكره العراقي، لكن يميزوا الإرسال الخفي عن التدليس، واعتمد هذا السخاوي (^١).\nوقد ذكر العراقي نوع الإرسال الخفي في حديث لحكيم بن حزام قال: «بايعت رسول الله ﷺ على ألا أخر إلا قائما» فعزاه إلى أحمد والنسائي، ثم قال: وفيه إرسال خفي (^٢).\nولم يوضح العراقي كما ترى، الإرسال الخفي الذي في سند الحديث، ولكن بمراجعة إسناده عند كل من النسائي وأحمد، نجدهما أخرجاه من طريق يوسف بن ماهك عن حكيم بن حزام.\nوقد ذكر الإمام أحمد أن رواية يوسف عن حكيم مرسلة، وصححه العلائي (^٣) وتاريخ وفاة يوسف على ما رجحه الذهبي، وقال به الأكثرون سنة ١١٣ (^٤) وهو … ... … من أقران عطاء بن أبي رباح، وقد ولد عطاء أيام خلافة عثمان ﵁ (^٥).\nوحكيم عاش إلى سنة ٥٤ هـ أو بعدها، كما قال الحافظ ابن حجر (^٦)،\n_________\n(^١) ينظر - فتح المغيث للسخاوى ٤/ ٧٠.\n(^٢) المغني مع الإحياء ٣/ ٣٥٠ (٢) مع الاتحاف ٨/ ٣٩٤ ومسند أحمد ٣/ ٤٠٢، وسنن النسائي - كتاب التطبيق - باب كيف السجود ٢/ ٢٠٥.\n(^٣) جامع التحصيل للعلائي/ ٣٠٥.\n(^٤) التهذيب ١١/ ترجمة (٨٢١) وتاريخ الاسلام - وفيات سنة ١١٣ ص ٥٠٨.\n(^٥) تهذيب الكمال ٣٢/ ترجمة (٧١٥٠) والسير ٥/¬٢٩.\n(^٦) التقريب/ ترجمة (١٤٧٠).","vol":"4","page":1729},{"text":"وبذلك يكون إدراك يوسف ومعاصرته الحكيم ظاهرة، لكن لم يوقف على سماعه منه، فتحقق بذلك الإرسال الخفي بينهما، ومقتضاه ضعف روايته عنه، لعدم اتصالها، على الراجح.\nوقد يعبر العراقي بذكر عدم السماع بدلا من ذكر اسم «الإرسال الخفي»، فقد ذكر حديث «من انقطع إلى الله، كفاه الله كل مؤنة» (الحديث)، وعزاه إلى الطبراني في الصغير، وابن أبي الدنيا، ومن طريقه البيهقي في الشعب، كلهم من رواية الحسن عن عمران بن حصين، ثم قال العراقي: «ولم يسمع منه …» (^١) يعني لم يسمع الحسن - وهو ابن يسار البصري - من عمران بن حصين، والحسن قد ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر بن الخطاب ﵁، أي سنة ١٩ هـ تقريبا (^٢) في حين توفي عمران بن حصين سنة ٥٢ هـ (^٣)، فإدراك الحسن - وهو في سن تمكنه من السماع، لعمران بن حصين، حاصل، ولكن اختلف في سماعه منه، والأكثرون على نفي صحة سماعه منه (^٤) وقد وصف البيهقي روايته عن عمران بأنها مرسلة (^٥) وبناء على حصول المعاصرة، دون السماع، ينطبق على هذا الإرسال تعريف المرسل الخفي، كما تقدم، لكن العراقي لم يسمه بذلك كما سمى نظيره في المثال السابق (^٦).\n_________\n(^١) المغني مع الإحياء ٤/ ٢٣٩ (٣).\n(^٢) التهذيب ٢/ ٢٦٣.\n(^٣) ينظر الكاشف للذهبى ٢/ ترجمة (٤٢٦١).\n(^٤) ينظر جامع التحصيل للعلائي ترجمة (١٣٥) من رواة المراسيل.\n(^٥) السنن الكبرى للبيهقى ١٠/ ٨٠.\n(^٦) وينظر أيضا المغني مع الإحياء ٤/ ٤٨٨ (١) مع جامع التحصيل للعلائي/ ترجمة (٢٥٨) من المراسيل.","vol":"4","page":1730},{"text":"وقد يطلق العراقي الإرسال على ما يعتبر مُعضلا في الاصطلاح، وهو ما سقط من إسناده اثنان فأكثر، من موضع واحد، ممن فوق بداية الإسناد (^١).\nفقد ذكر حديث «لا تشغلوا قلوبكم بذكر الدنيا» وعزاه إلى البيهقي في الشعب، من طريق ابن أبي الدنيا، من رواية محمد بن النضر الحارثي، مرفوعا، وقال: إنه مرسل (^٢)، وتبعه الشارح (^٣).\nو«محمد بن النضر» هذا يعتبر ممن تبع أتباع التابعين (^٤)، وقد رفع الحديث إلى الرسول ﷺ فيكون سقط بينهما أكثر من راويين، مع التوالى، فيكون الإسناد معضلا، وليس مرسلا، كما ذكره العراقي.\nومما ذكره مشيرا به إلى درجة الحديث (الانقطاع)، وقد يذكر معه ما يدل على أن مراده به المعنى الاصطلاحي المعروف وهو: ما سقط من إسناده راو واحد غير الصحابي (^٥) سواء كان السقط في موضع أو أكثر، خلال الإسناد (^٦).\nومقتضاه ضعف الحديث بهذا الإسناد، لفقد الاتصال، وهذا الانقطاع يطلق عليه أيضا اسم «الإرسال» بغير معناه الاصطلاحي المشهور، والسابق ذكره، وستأتي بعض الأمثلة لذلك.\nوقد يصرح العراقي بالمعنى الاصطلاحى للانقطاع كما قدمت تعريفه، وقد\n_________\n(^١) فتح المغيث للعراقي ١/ ٧٥.\n(^٢) المغني مع الإحياء ٢/ ٢٠١ (٣) مع الشعب للبيهقى ٧/ حديث (١٠٥٨٤).\n(^٣) الإتحاف ٨/ ٨٧.\n(^٤) الثقات لابن حبان ٩/ ٩٦ والجرح والتعديل ٨/ ١١٠ والحلية لأبي نعيم ٨/ ٢١٧.\n(^٥) فتح المغيث للعراقي ١/ ٧٥.\n(^٦) التدريب ١/ ٢٠٨ وفتح المغيث للعراقي ١/ ٧٥.","vol":"4","page":1731},{"text":"يحدد موضع الانقطاع في الإسناد، بما يفيد إرادته هذا المعنى\nفقد ذكر حديث: أنه ﷺ علم أبا بكر ﵁ أن يقول: اللهم إني أسألك بمحمد نبيك (الحديث) في الدعاء لحفظ القرآن، وعزاه إلى أبي الشيخ بن حبان، في كتاب الثواب، من رواية عبد الملك بن هارون بن عنترة عن أبيه، أن أبا بكر أتى النبي ﷺ، ثم قال العراقي: وعبد الملك وأبوه، ضعيفان، وهو منقطع بين هارون، وأبي بكر (^١).\nو«هارون بن عنترة» هذا يقال له أيضا «هارون بن أبي وكيع» وهذا الانقطاع لم أجد من ذكره غير العراقي، ولعله استنتاج منه، كما أسلفت الإشارة إلى ذلك، وذلك بناء على نظره في طبقة «هارون» هذا، حيث ذكره ابن حبان في ثقاته، ضمن أتباع التابعين، فيكون بينه وبين أبي بكر الصديق ﵁ راو آخر، وهو التابعي (^٢) وبهذا يتحقق تعريف الانقطاع الاصطلاحي، كما سبق، وعلى ضوء هذا المثال، يمكن تفسير مراد العراقي بالانقطاع في غير هذا الموضع مما يماثله، دون أن يبين فيه العراقي مقصوده (^٣).\nوقد ذكر أيضا حديث «هذان - يعني الذهب والحرير - حرامان على ذكور أمتي» وعزاه إلى النسائي، والترمذي بنحوه، من حديث أبي موسى الأشعري، وذكر أن الترمذي صححه، ثم عقب على تصحيحه بقوله: قلت: الظاهر انقطاعه بين سعيد بن أبي هند، وأبي موسى الأشعري، ثم\n_________\n(^١) المغني مع الإحياء ١/ ٣٢٣ حديث (٤) مع ص ٣٢٤، وقد تحرف «عنترة» إلى «عبشر».\n(^٢) ينظر الثقات لابن حبان ٧/ ٥٦٦، ٥٧٨.\n(^٣) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ١٤٨ (٤)، ٣٠٥ (١)، ٣٣٣ (٥)، ٣٣٦ (٥)، ٣٤٤ (٨) و٣/ ٨٧ (١)، ١٠٩ (٦).","vol":"4","page":1732},{"text":"دلل لذلك بقوله: فأدخل أحمد بينهما رجلا لم يُسم (^١).\nويلاحظ أن تقرير هذا الانقطاع تعقب به العراقي تصحيح الترمذي للحديث، وهكذا فعل رفيقه الزيلعي (^٢) وتلميذ العراقي الحافظ ابن حجر (^٣) ثم الشيخ الألباني في الإرواء (^٤).\nوقد سبق هؤلاء جميعا أبو حاتم الرازي وابن حبان، والدارقطني (^٥).\nولكن يمكن الجواب عن تصحيح الترمذي للحديث، أنه باعتبار شواهده، المروية عن جماعة من الصحابة، كما أشار بنفسه إلى ذلك، حيث قال عقب هذا الحديث: وفي الباب عن عمر، وعلى … وذكر تمام ثلاثة عشر صحابيا (^٦). وعليه فكان الأولى بالعراقي أن يشير إلى ذلك، بدلا من الاقتصار على ذكر ما يضعف الحديث من رواية أبي موسى، وحدها.\nفي حين سلك رفيقه الزيلعي مسلك ذكر عدد من طرق الحديث الأخرى، التي تشهد له (^٧) وتابعه مع التوضيح والإضافة: الشيخ الألباني في الإرواء (^٨).\nوذكر العراقي حديث: إذا غضب أحدكم، وهو قائم فليجلس (الحديث)،\n_________\n(^١) ينظر المغني مع الإحياء ٢/¬١٦ (٢) مع المسند لأحمد ٤/ ٣٩٢، ٣٩٣.\n(^٢) نصب الراية للزيلعي ٤/ ٢٢٣ - ٢٢٤ (كتاب الكراهية).\n(^٣) الدراية ٢/ حديث (٩٣٩).\n(^٤) ١/ حديث (٢٧٧).\n(^٥) جامع التحصيل للعلائي/ ١٨٥، ونصب الراية ٤/ ٢٢٣ - ٢٢٤.\n(^٦) جامع الترمذي - اللباس (حديث ١٧٢٠).\n(^٧) نصب الراية ٤/ ٢٢٣ - ٢٢٤.\n(^٨) الإرواء ١/ حديث (٢٧٧).","vol":"4","page":1733},{"text":"من حديث أبي ذر، وعزاه إلى أبي داود، ثم قال: وفيه عنده انقطاع، سقط منه أبو الأسود (^١).\nوذلك لأن الحديث عند أبي داود من طريق أبي حرب بن أبي الأسود، عن أبي ذر، وقد قال أبو داود عقبه: إن أبا حرب لا يحفظ له سماع من أبي ذر (^٢)؟ وقد أخرج الإمام أحمد الحديث في مسنده (٥/ ١٥٢) من طريق أبي حرب ابن أبي الأسود، عن أبيه، عن أبي ذر، فدل ذلك على سقوط أبي الأسود من سند أبي داود.\nفيعتبر بيان العراقي هنا للانقطاع، مستفادا من مصدر تخريجه للحديث، وهو سنن أبي داود، وإن كان العراقي لم يصرح بذلك.\nوذكر حديث عائشة: قلت: يا رسول الله ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ هو الرجل يسرق ويزني؟ قال: لا، (الحديث) وعزاه إلى الترمذي، والحاكم، وذكر قول الحاكم: صحيح الإسناد، ثم تعقبه بقوله: بل منقطع بين عائشة وعبد الرحمن ابن سعيد بن وهب - يعني الراوي له عنها (^٣).\nوهذا التعقب من العراقي، لم أجده ضمن تعقبات الذهبي في مختصره لمستدرك الحكم، رغم ما سيأتي عنه بعد قليل.\nفيعتبر هذا إضافة من العراقي لتنقية ما صححه الحاكم في المستدرك.\n_________\n(^١) ينظر المغني مع الإحياء ٣/ ١٧٠ (٦).\n(^٢) ينظر السنن لأبي داود - الأدب (٤٧٤٩) وتحفة الأشراف ٩/ ١٩٣/ حديث (١٢٠٠١).\n(^٣) ينظر المغني مع الإحياء ٤/ ١٥٩ (٤) مع المستدرك ٢/ ٣٩٣، ٣٩٤، ومعه مختصر الذهبي للمستدرك.","vol":"4","page":1734},{"text":"ومن قبل العراقي ذكر أبو حاتم الرازي: أن عبد الرحمن هذا، لم يلق عائشة، وأقره على هذا العلائي شيخ العراقي (^١).\nومعروف أن نفي اللقاء وحده لا يقتضي نفي المعاصرة، وبالتالي ينطبق على رواية عبد الرحمن هذا عن عائشة اسم المرسل الخفي، كما تقدم، وقد وصف أبو حاتم نفسه رواية عبد الرحمن هذا عن عائشة بالإرسال (^٢) لكن الذهبي في الكاشف: ذكر أنه قيل: إن عبد الرحمن، لم يدرك عائشة (^٣) وهذا هو المناسب لتعريف الانقطاع، اصطلاحا، كما تقدم، فلعل العراقي أخذ بما ذكره الذهبي في الكاشف، مع أنه في مختصر المستدرك لم يتعقب الحاكم في تصحيحه (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-534>ذكر الإعضال، مشارا به إلى درجة الحديث:</span>\nوذكر العراقي أيضا «الإعضال» مشيرا به إلى درجة الحديث، ويعرف الإعضال اصطلاحا، بأنه: ما سقط من إسناده اثنان فصاعدا، مع التوالي، من أي موضع كان في الإسناد، سواء سقط الصحابي والتابعي، أو التابعي وتابعه، أو اثنان قبلهما، بشرط كون السقط من موضع واحد، في كل الأحوال (^٥) وله قسم ثان، وهو رواية تابع التابعي عن التابعي، ما هو موقوف عليه (^٦).\n_________\n(^١) ينظر المراسيل لابن أبي حاتم/ ١٢٧ وجامع التحصيل للعلائي/ ٢٢٢.\n(^٢) ينظر الجرح والتعديل ٥/ ٢٣٩.\n(^٣) الكاشف ١/ ترجمة (٣٢٠٧).\n(^٤) وينظر مثال آخر في المغني مع الإحياء ٤/¬٤٧ (١) وتحفة التحصيل لأبي زرعة بن العراقي/ ٢٣٠.\n(^٥) ينظر فتح المغيث للعراقي ١/ ٧٥.\n(^٦) المصدر السابق ١/ ٧٦.","vol":"4","page":1735},{"text":"وقد يقرن العراقي وصف الإعضال بما يدل على المقصود الاصطلاحي به.\nولما كان وصف الإعضال في السند، يقتضي ضعف الحديث، بهذا الإسناد، فإن العراقي إذا توافر لديه، من طرق الحديث الأخرى، عاضد يجبر ضعف الطريق المعضل، فإنه يذكره، للإشارة إلى صلاحية الحديث للاحتجاج بمجموع العاضد والمعضود، لكنه لا يصرح بدرجة الحديث التي ارتقى إليها بمجموع ما ذكره من طرقه، فيترك استنتاج ذلك للقارئ نفسه.\nوإليك بعض الأمثلة الموضحة، لما أجملته:\nفقد ذكر العراقي حديث: كان رسول الله ﷺ يقول عند ختم القرآن: اللهم ارحمني بالقرآن (الحديث)، وعزاه إلى أبي منصور المظفر بن الحسين الأرجاني، في فضائل القرآن، وأبي بكر بن الضحاك في الشمائل، كلاهما من طريق أبي ذر الهروى، من رواية داود بن قيس معضلا (^١).\nوبمراجعة كتب التراجم، نجد راويين كل منهما يقال له: «داود بن قيس» وكلاهما من أتباع التابعين، كما ذكر ابن حبان (^٢) ولم يتضح لي المقصود منهما في إسناد هذا الحديث، لكن باعتبار طبقتهما هذه، تعتبر رواية كل منهما عن النبي ﷺ معضلة، على الاصطلاح، كما تقدم، لعدم ذكر الصحابي والتابعي فيها (^٣).\n_________\n(^١) المغني مع الإحياء ١/ ٢٨٥ (٢).\n(^٢) ينظر الثقات لابن حبان ٦/ ٢٨٨.\n(^٣) ينظر لمحات الأنوار للغافقي بتحقيق الأخ الدكتور/ رفعت فوزى ٣/ حديث رقم (١٨٤٤). وينظر مثال آخر في المغني مع الإحياء ١/ ٢٩١ (٢).\nوتحرف فيه «الفضيل» إلى «الفضل»، فينظر الاتحاف ٤/ ٥١٥ مع الثقات لابن حبان ٧/ ٣١٥.","vol":"4","page":1736},{"text":"وذكر حديث «ما أبالي ما رددت به الجوع» وعزاه إلى أبي الحسن بن الضحاك المقرى - في الشمائل، من رواية الأوزاعي قال: قال رسول الله ﷺ (الحديث)، ثم قال: وهذا معضل (^١)، فيعتبر حكمه هذا بالإعضال استنتاج منه، طبقا لتعريف المعضل الاصطلاحي، كما تقدم، وذلك لأن الأوزاعي - وهو عبد الرحمن ابن عمرو - إمام أهل الشام، المعروف، وقد ذكره ابن حبان في أتباع التابعين (^٢) وقد رفع الحديث منه مباشرة إلى النبي ﷺ، دون ذكر التابعي، ولا الصحابي.\nثم إن العراقي أتبع الحديث بما يشهد لمعناه، فقال: ولمسلم من حديث جابر: أن النبي ﷺ سأل أهله الأدم، فقالوا: ما عندنا إلا خل، فدعا به (الحديث) (^٣) وبذلك يرتقي الحديث إلى درجة الصحيح لغيره، باعتبار شاهده الصحيح هذا، وإن لم يصرح العراقي بذلك، كما أشرت لذلك فيما تقدم.\nوذكر حديث «لا يستكمل عبد الإيمان، حتى يكون قلة الشيء أحب إليه من كثيره» (الحديث)، وقال: ذكره صاحب الفردوس، من رواية علي بن أبي طلحة مرسلا، ولم يخرجه ولده في مسند الفردوس، ثم قال: وعلي بن أبي طلحة، أخرج له مسلم، وروى عن ابن عباس؛ لكن روايته عنه مرسلة، فالحديث إذن معضل (^٤). ويلاحظ أن العراقي وصف رواية علي بن أبي طلحة،\n_________\n(^١) المغني مع الإحياء ٢/ ٣٥٦ (٢).\n(^٢) الثقات لابن حبان ٧/ ٦٢.\n(^٣) ينظر المغني مع الإحياء ٢/ ٣٥٦ (٢) وينظر أمثلة أخرى/ المغني مع الإحياء ٢/ ٣٧٣ (٧)، ٢٤٣ (٣)، ٣٤٤ (٢، ٣، ٤)، ٣٤٥ (١)، ٣٧٣ (٧) و٤/ ٨٢ (١).\n(^٤) المغني مع الإحياء ٤/ ٢١٨ (٤).","vol":"4","page":1737},{"text":"أولا بأنها مرسلة، ثم عرف بحاله، وبطبقته التي تدل على أنه يعتبر من أتباع التابعين، وعقب على ذلك باستنتاج: أن روايته هذه للحديث معضلة، لعدم ذكر التابعي والصحابي فيها.\nوبذلك يكون قوله الأول: إن روايته للحديث مرسلة، مقصود به، مجرد عدم الاتصال، وليس الإرسال بمعناه الاصطلاحي المشهور، ثم حدد في آخر كلامه نوع الانقطاع، وأنه إعضال، بناء على طبقة على بن طلحة، ويؤيده ما ذكره ابن حبان في الثقات (^١).\nوذكر العراقي أيضا حديث أنه ﷺ كان إذا نزل بأهله الضيق، أمرهم بالصلاة (الحديث)، وعزاه إلى الطبراني في الأوسط، من حديث محمد بن حمزة، عن عبد الله بن سلام، قال: كان النبي ﷺ (الحديث)، ثم قال العراقي: ومحمد بن حمزة بن يوسف بين عبد الله بن سلام، إنما ذكروا له روايته عن أبيه عن جده، فيبعد سماعه من جد أبيه (^٢).\nوالمراد بجد أبيه: (عبد الله بن سلام) الذي يروى عنه هنا هذا الحديث، ومقتضى كلام العراقي أن الإسناد هنا معضل؛ لأنه سقط منه راويان متواليان، هما: «حمزة» والد محمد، و«يوسف» جده (^٣).\nوفي النسخة الخطية التي بين أيدينا، للمعجم الأوسط للطبراني، جاء سند الحديث من طريق عبد الله بن المبارك عن معمر عن محمد بن حمزة، عن\n_________\n(^١) ينظر الثقات لابن حبان ٧/ ٢١١، وينظر مثال آخر في المغني مع الإحياء ١/ ٧٨ (٢) مع الثقات لابن حبان ٦/ ١٢٩.\n(^٢) المغني مع الإحياء ٤/ ٢٣٩ (٥).\n(^٣) ينظر تهذيب التهذيب ٩/ ترجمة (١٧٩).","vol":"4","page":1738},{"text":"عبد الله بن سلام، به، موافقا لما ذكره العراقي، وبين إعضاله.\nوهكذا أخرجه أبو نعيم في الحلية ٨/ ١٧٦ عن الطبراني، بسنده إلى ابن المبارك، به.\nوأخرجه البيهقي في الشعب (^١) من طريق سعيد بن منصور عن عبد الله بن المبارك، به.\nلكن لما رجعت إلى النسخة الخطية لسنن سعيد بن منصور (ق ١٥٤/ أ) وجدت الإسناد بعد ابن المبارك هكذا «عن معمر عن حمزة بن عبد الله بن سلام»، قال: كان النبي ف (الحديث).\nولم أجد في الرواة من يقال له «حمزة بن عبد الله بن سلام»، فلعله وقع من الناسخ في هذا الموضع سقط، وتحريف.\nوقد أخرج البيهقي الحديث أيضا في موضع متأخر عن السابق، في الشعب، ووقع في السند فيه تحريف صوبه المحقق، بناء على الموضع المتقدم (^٢).\nوعلى هذا مشى فضيلة الأخ الدكتور/ محمود الطحان في تحقيقه للمعجم الأوسط للطبراني، وقد قرر الطبراني عقب الحديث: أنه لا يروى عن عبد الله بن سلام إلا بهذا الإسناد (^٣)، وبنحوه قال أبو نعيم (^٤) في تحقيق المعجم الأوسط في\n_________\n(^١) الشعب ٦/ حديث (٢٩١١) الطبعة الهندية.\n(^٢) ينظر شعب الإيمان ١٧/ حديث (٢٩٥٥) الطبعة الهندية.\n(^٣) المعجم الأوسط للطبراني بتحقيق الأخ الدكتور/ محمود الطحان ١/ حديث (٨٩٠) ط دار المعارف بالرياض.\n(^٤) تنظر الحلية ٨/ ١٧٦.","vol":"4","page":1739},{"text":"طبعته المصرية (^١) وكذا في تحقيق «مجمع البحرين» (^٢) حصل تصرف من الأخوة المحققين في سند الحديث في صلب الكتاب، حيث أثبتوا الراويين الساقطين في موضع الإعضال، وذلك بين حاصرتين، دون مستند صحيح لذلك.\nوأيضا ذكر السيوطي أن سند الحديث عند البيهقي في الشعب: صحيح (^٣).\nونسب الزبيدي التصحيح للبيهقي لكن لم أجد للبيهقي كلاما عن الحديث في الموضعين اللذين خرجه فيهما في الشعب.\nوقد حاول الزبيدي ﵀ توجيه تصحيح البيهقي للسند، مع ثبوت الإعضال فيه كما تقدم - فقال: وكأنه أثبت سماعه - يعني محمد بن حمزة - من أبي جده، أو أنه سقط في سياق الطبراني: «عن أبيه» (^٤). وتقييد الزبيدي ﵀ السقط بأنه من سياق الطبراني، يفيد أنه لم يراجع السند في الشعب، لأنه فيه كما في الطبراني، كما أسلفت.\nوذكر العراقي حديث «أن عطاء بن يسار قال: إن رجلا قال للنبي ﷺ أكذب على أهلي؟ قال: لا خير في الكذب (الحديث) وعزاه لابن عبد البر في التمهيد، مرسلا، من رواية صفوان ابن سليم عن عطاء بن يسار، مرسلا، ثم قال: وهو في الموطأ، عن صفوان بن سليم، معضلا، من غير ذكر عطاء\n_________\n(^١) ينظر المعجم الأوسط ط دار الحرمين بالقاهرة ١/ حديث (٨٨٦) مع التعليق عليه.\n(^٢) ينظر مجمع البحرين للهيثمي ط مكتبة الرشد بالرياض ٦/ حديث (٣٣٦٦).\n(^٣) ينظر الدر المنثور للسيوطى ٤/ ٣١٣/ سورة طه آية (٣٢).\n(^٤) ينظر الإتحاف ٩/ ٣٨٨، ٣٨٩.","vol":"4","page":1740},{"text":"ابن يسار (^١)، يعني أن يكون سقط منه التابعي والصحابي، معا، فيكون معضلا اصطلاحيا، كما تقدم.\nويلاحظ في هذا المثال تمييز العراقي بين المرسل والمعضل الاصطلاحيين.\n\n<span data-type='title' id=toc-535>ذكر العراقي التعليق في الإسناد، للإشارة به إلى درجة الحديث:</span>\nمما أشار به العراقي أيضا إلى درجة الحديث من طريق معين، وصفه بالتعليق من هذا الطريق، فيفيد ذلك ضعفه من هذا الطريق، لانقطاع إسناده بالتعليق، فقد عُرِفَ المعلق كما ذكر العراقي وغيره بأنه ما سقط من بداية إسناده من ناحية مؤلف الكتاب المعزو إليه الحديث، أو راو أو أكثر، حتى لو أسقط الإسناد كله، وذكر الرسول في فقط (^٢).\nويوجد التعليق في كثير من الحديث الأصلية المسندة، ولكن الإمام البخاري أورده في صحيحه أكثر من غيره من الأئمة، مع وصله له في موضع آخر من الصحيح، وهذا هو الأكثر، وقد يذكر تعليقا فقط، مع كونه موصولا عنده في غير الصحيح، أو موصولا عند غيره، وقد يكون التعليق بعبارة جازمة مثل «قال» أو «ذكر» أو بعبارة تفيد التضعيف مثل «يُرْوَى» أو «يُذْكَر»، وبمراعاة الطريق الموصولة، تكون درجة الحديث بمجموع الطريقين، حسن أو صحيح (^٣).\nفمن ذلك: حديث: «يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وفي قلبه\n_________\n(^١) ينظر المغني ٣/ ١٣٥ (٢).\n(^٢) ينظر فتح المغيث للعراقي ١/¬٣٠ - ٣١ وهدى الساري ١٧/¬٢٠.\n(^٣) ينظر هدى السارى /¬١٧ - ١٩.","vol":"4","page":1741},{"text":"وزن ذرة من إيمان» وعزاه إلى البخاري تعليقا من حديث أنس، ثم قال: وهذا عندهما - يعني البخاري ومسلما - متصل بلفظ «خير» بدل «إيمان» وذكر للرواية التي فيها لفظ «الإيمان» بعض الشواهد من الصحيحين (^١).\nوعليه تكون الرواية المعلقة بمراعاة بقية الطرق الموصولة صحيحة لغيرها (^٢) وقد يكون التعليق عند البخاري قد وصله غيره، فيبينه العراقي، فقد ذكر حديث: عليكم بالسواك (الحديث)، وعزاه إلى البخاري بقوله: تعليقا مجزوما من حديث عائشة، ثم أتبع ذلك بعزوه إلى النسائي وابن خزيمة، وقال: موصولا (^٣) ونحو هذا ذكر ابن الملقن - قرين العراقي - مع زيادة، لكن لم يصرح بأن رواية النسائي وابن خزيمة قد وصلت تعليق البخاري (^٤).\nوقد يذكر الرواية الموصولة شاهدا، للمتن وإن لم تبين اتصال التعليق، فقد ذكر حديث الزهري: «مضت السنة أن يُصلّى لكل أسبوع ركعتين»\nوعزاه إلى البخاري تعليقا، ثم أتبعه بذكر شاهد من حديث ابن عمر، وعزاه إلى الصحيحين (^٥).\nويلاحظ أن الزهري من التابعين المعروفين، وقول التابعي: «من السنة كذا ..» مختلف في كونه مرفوعا مرسلا، أو موقوفا متصلا إلى قائله، وهو التابعي؟\n_________\n(^١) ينظر المغني ١/ ١٢٢ (٤).\n(^٢) وينظر بعض الأمثلة أيضا في المغني مع الإحياء ٢/ ٣٥٧ (٢)، ٣٦١ (٤)، ٤/ ٨٨ (١).\n(^٣) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ١٣٨ (٥) وبعض أمثلة أخرى في المغني مع الإحياء ١/ ٢٦٤ (١)، ١/ ٢٦٧ (٣) و٢/ ٣٧٩ (٧).\n(^٤) تنظر خلاصة البدر المنير لابن الملقن ١/ حديث (٦٦).\n(^٥) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ٢٥٨ (٤) ومثال آخر ٢/ ٢٧٣ (١).","vol":"4","page":1742},{"text":"وقد رجح النووي والمؤلف القول بأنه موقوف متصل (^١) وقد علقه البخاري عن الزهري، كما ذكره العراقي مع بيان الشاهد له من الصحيحين، كما قدمت.\nوقد يذكر المعلق في غير الصحيحين، ثم يتبعه ببيان من وصله، فقد ذكر حديث عبد الرحمن بن غنم عن عشرة من الصحابة «تعلموا ما شئتم أن تعلموا، فلن يأجركم الله حتى تعملوا» وقال: علقه ابن عبد البر، وأسنده ابن عدي، وأبو نعيم، والخطيب في اقتضاء العلم للعمل، من حديث معاذ فقط، بسند ضعيف، ورواه الدارمي موقوفا على معاذ، بسند صحيح (^٢).\nومما ذكره العراقي يستفاد أن الحديث بمجموع ما ذكره من طرقه معلقا وموصولا يرتقي إلى الصحيح لغيره.\n\n<span data-type='title' id=toc-536>ذكر العراقي أيضا «البلاغ» مشيرا به إلى درجة الحديث وبعض ما ينتقد عليه، فيه:</span>\nوالبلاغ: هو ما يقول فيه الراوي: بلغنى كذا، أو بلغني عن فلان كذا، وكلا العبارتين تفيدان الانقطاع في الإسناد بين من يقول: «بلغنى» ومن فوقه في الإسناد، بحسب من يظهر لنا سقوطه في موضع الانقطاع، يكون الاسم الاصطلاحي لهذا الانقطاع، كما سيأتي في المثال.\nوأشهر من عُرف بالرواية بلفظ «بلغنى» هو الإمام مالك ﵀ في موطئه، وإن كان قد عبر بذلك غيره.\nفقد ذكر العراقي حديث عبد الله بن عبيد بن عمير: بلغني أن رسول الله\n_________\n(^١) ينظر فتح المغيث للعراقي ١/ ٦٤، ٦٥ والتقييد والإيضاح/ ٦٨، ٦٩.\n(^٢) المغني مع الإحياء ١/ ٦٩ (٢).","vol":"4","page":1743},{"text":"ف قال: إن الميت يقعد، وهو يسمع خطو مشيعيه (الحديث) وعزاه إلى ابن أبي الدنيا في كتاب القبور، له ثم عقب على تلك الرواية بقوله: هكذا مرسلا، ورجاله ثقات، ثم قال: ورواه ابن المبارك في الزهد إلا أنه قال عنه: «بلغني» ولم يرفعه (^١).\nو«عبد الله بن عبيد» هذا قد روى عن عدد من الصحابة، وتوفي سنة ١١٣ هـ، فإدراكه للصحابة متحقق، ووصفه العجلى بأنه تابعي مكى ثقة، وعده الحافظ ابن حجر من أواسط التابعين كما في التقريب (^٢).\nفرواية ابن أبي الدنيا التي رفع «عبد الله» فيها هذا الحديث، يعتبر بلاغه فيها إرسالا، كما وصفه العراقي، وحسب الاصطلاح المشهور في المرسل.\nوأما روايته الثانية التي عند ابن المبارك، والتي فيها «بلغنى: أن الميت» (الحديث) ولم يرفعها، يمكن اعتبارها منقطعة بينه، وبين من بلغه عنه الحديث، سواء أكان صحابيا أم تابعيا، ولو كان والده «عبيد بن عمير»، كما ذكر روايته عنه الزبيدي في الإتحاف، بنحو تلك الرواية (^٣) ..\nأما بلاغات الإمام مالك، فهي منقطعة أيضا، ولكن يختلف اسم الانقطاع فيه بحسب من أضيف إليه البلاغ، فتارة يقول مالك: بلغني: أن سعيد بن المسيب مثلا، وتارة يقول: بلغنى عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ وتارة يقول: بلغنى أن رسول الله ف قال كذا (^٤).\n_________\n(^١) المغني مع الإحياء ٤/ ٤٨٣ (١) مع الإتحاف ١٠/ ٣٩٧.\n(^٢) تقريب التهذيب/ ترجمة (٣٤٥٤) وينظر التهذيب ٥/ ت (٥٢٤).\n(^٣) الاتحاف للزبيدي ١٠/ ٣٩٧\n(^٤) ينظر جمع ابن عبد البر لبلاغات مالك في الموطأ/ التمهيد ٢٤/ ١٦١ - ٣٣٤، وقد قرر =","vol":"4","page":1744},{"text":"وقد ذكر الغزالي أنه ﷺ قال: «أما إني لا أنسى، ولكن أُنسى، لأشرع».\nفقال العراقي: ذكره مالك، بلاغا بغير إسناد، وقال ابن عبد البر: لا يوجد في الموطأ إلا مرسلا، لا إسناد له، وكذا قال حمزة الكناني: إنه لم يرد من غير طريق مالك، وقال أبو طاهر الأنماطى: وقد طال بحثى عنه، وسؤالى عنه للأئمة والحفاظ، فلم أظفر به، ولا سمعت عن أحد أنه ظفر به، قال: وادعى بعض طلبة الحديث: أنه وقع له مسندا (^١) وقد ذكر الزبيدي كلام العراقي هذا، مقتصرا عليه، وأقره (^٢).\nوالحديث قد جاء في الموطأ هكذا «قال يحيى بن يحيى: وحدثني عن مالك، أنه بلغه أن رسول الله ﷺ قال: (الحديث)» (^٣).\nومنه يتضح أن مقصود العراقي بقوله: «بغير إسناد»، ومقصود ابن عبد البر بقوله: «لا يوجد في الموطأ إلا مرسلا، ولا إسناد له»، أن مالكا لم يذكر إسناد هذا الحديث، منه إلى من نسب إليه الحديث، وهو الرسول ﷺ، وهذا ينطبق عليه اسم المعضل الاصطلاحي، كما تقدم.\nوكلام ابن عبد البر الذي ذكره العراقي، مذكور بنحوه، في إحدى موضعين، وقفت على كلامه فيهما، عن الحديث (^٤).\nلكن كلامه بنصه أوضح وأدق من اختصار العراقي ﵀ له، فابن\n_________\n= في التمهيد أيضا ١/¬٢٣ أنها تعتبر منقطعة.\n(^١) الإحياء مع المغني ٤/¬٤٢ (١).\n(^٢) الاتحاف ٨/ ٥٩٢.\n(^٣) الموطأ - رواية يحيى بن يحيى ١/ ١٠٠ (السهو في الصلاة/ حديث) (٢).\n(^٤) ينظر تجريد التمهيد لابن عبد البر/ ٢٥٣، ٢٥٤.","vol":"4","page":1745},{"text":"عبد البر يقول مرة عن الحديث: إنه لا يوجد في غير الموطأ، ولا يحفظ - بهذا اللفظ - مسندا، ولا مرسلا، من غير رواية مالك هذه المنقطعة، ثم يقول: والذي يصح في هذا المعنى عن النبي ﷺ من حديث ابن مسعود: إنما أنا بشر، أنسى كما تنسون (^١) ومرة أخرى يقول: أما هذا الحديث - بهذا اللفظ - فلا أعلمه يروى عن النبي ﷺ بوجه من الوجوه، لا مسندا، ولا مقطوعا، من غير هذا الوجه، والله أعلم.\nثم قال: وهو أحد الأحاديث الأربعة في الموطأ، التي لا توجد في مسنده، ولا مرسلة، والله أعلم، ومعناه صحيح في الأصول، ثم ذكر حديث ابن مسعود السابق، على أنه من الأصول الصحيحة التي هي بمعنى ما ذكره مالك في الموطأ (^٢).\nوعلى ذلك فالمنفي وجوده هو الحديث باللفظ الذي ذكره مالك بلاغا، وليس بالمعنى، وحديث ابن مسعود ﵁ الذي قرر ابن عبد البر أنه بمعناه، قد اتفق عليه البخاري ومسلم (^٣).\nوبذلك يتحقق قول ابن عبد البر: إن معنى الحديث صحيح، وإن لم يوجد له سند بلفظه. ومن بعد ابن عبد البر جاء ابن الصلاح فقال: وأما حديث النسيان، فرويناه من وجوه كثيرة صحيحة … وذكر منها حديث ابن مسعود، السابق وعزاه إلى الصحيحين، ثم قرر أن ما في الموطأ من\n_________\n(^١) ينظر تجريد التمهيد/ ٢٥٣، ٢٥٤.\n(^٢) التمهيد ٢٤/ ٣٧٥ - ٣٧٦.\n(^٣) ينظر البخاري مع الفتح - الصلاة - باب التوجه نحو القبلة ١/ حديث (٤٠١) ومسلم - كتاب المساجد ١/ ٤٠٠ حديث (٨٩).","vol":"4","page":1746},{"text":"حديث مالك، طرف منه (^١).\nوالعراقي من منهجه في هذا التخريج: أنه إذا لم يجد الحديث باللفظ الوارد في الإحياء، ولا بنحوه، ووجد ما هو بمعناه يذكره، في أحيان كثيرة، وهكذا يفعل غيره من أئمة علم التخريج، فلا أدرى لماذا، لم يفعل ذلك في هذا الحديث، واقتصر على إطلاق القول بأنه لم يرد من غير طريق مالك المنقطعة هذه، مع أن عبارة ابن عبد البر التي اختصرها العراقي، نصها ليس فيه الإطلاق، بل هي مقيدة باللفظ الذي في الموطأ، كما تقدم نقلى لها، ومضاف فيها بعد التقييد تقرير وجود بعض الروايات الصحيحة بمعناها، ثم زاد ابن الصلاح بعد هذا التصريح بأن حديث ابن مسعود مشتمل على طرف من لفظ رواية مالك المطلوب وصلها، وأقر أن الرواية الصحيحة التي بمعناها تدل على اتصالها، كما قدمت.\nوقد ذكر الشيخ الزرقاني: أنه وقع في فتح البارى، وصف حديث مالك هذا بأنه لا أصل له، ثم تأول ذلك، على معنى: أنه لا أصل له يحتج به، وعلل ذلك بقوله: لأن البلاغ من أقسام الضعيف، وليس معناه أنه موضوع - معاذ الله - إذ ليس البلاغ بموضوع عند أهل الفن، لا سيما من مالك، كيف وقد قال سفيان: إذا قال مالك: بلغني، فهو إسناد صحيح (^٢). وما ذكره من قول سفيان هذا، يخالف ما قرره ابن عبد البر\n_________\n(^١) ينظر حاشية التمهيد لابن عبد البر ٢٤/ ٣٧٥ نقلا عن رسالة ابن الصلاح في وصل بلاغات أربعة من الموطأ/ ص ١٤ - ١٥.\n(^٢) ينظر شرح الزرقاني على الموطأ ١/ ٢٩٤، وسفيان، يبدو أنه ابن عيينة لتأخر وفاته عن وفاة مالك - رحمهما الله.","vol":"4","page":1747},{"text":"من أن بلاغات مالك تعتبر منقطعة، كما تقدم (^١).\nأما تأويل الشيخ الزرقاني لما عزاه إلى الفتح بأن معناه «لا أصل له يحتج به» فيرده ما تقدم من أن حديث ابن مسعود ﵁ المتفق على صحته، يعتبر بمعنى رواية مالك، وفيه طرف منها.\nوعليه فما اقتصر العراقي عليه في تخريج بلاغ مالك هذا، فيه قصور عما جاء في المصدر الذي رجع إليه فيه، وهو ابن عبد البر، بل يعتبر قاصرًا عن صنيعه في تخريج كثير من المراسيل ونحوها في سنده نوع من الانقطاع خلال كتابه هذا.\nوقد بنى الشيخ الألباني على ما اقتصر عليه العراقي فقرر أن هذا البلاغ بلفظه الوارد في الموطأ، باطل، ولا أصل له، وأنه مخالف لحديث ابن مسعود السابق ذكره (^٢).\nوهذا مخالف لما قدمته عن ابن عبد البر ومَنْ بعده.\nوقد ذكر العلائي بلاغ مالك هذا بلفظه، ضمن ما استدل به لبعض الأقوال في تفسير حديث «ذي اليدين» في السهو في الصلاة، وقد أورده بلفظ «روى» الدال على التضعيف، لكن لم يتعقبه بكونه موضوعًا، ولا شديد الضعف (^٣).\nفأوسط الأمور في شأن بلاغ مالك هذا أنه يعتبر ضعيفًا لذاته باعتبار إعضال سند مالك به، ويرتقى للصحيح لغيره باعتبار ما يشهد لمعناه، وما وجد فيه.\n_________\n(^١) وينظر التمهيد ١/¬٢٣.\n(^٢) تنظر سلسلة الأحاديث الضعيفة ١/ حديث (١٠١).\n(^٣) ينظر نظم الفرائد للعلائي بتحقيق الشيخ بدر البدر ٣/ ١٨٣، ١٨٤.","vol":"4","page":1748},{"text":"طرف منه من الأحاديث الصحيحة، كما تقدم.\n\n<span data-type='title' id=toc-537>إشارة العراقي إلى درجة الحديث بعنعنة المدلس القادحة:</span>\nومما أشار به العراقي أيضا إلى درجة الحديث ذكر عنعنة الراوي الموصوف بالتدليس القادح، حيث تقتضى عنعنته انقطاع سند الحديث من طريقه، فيكون ضعيفا بهذا الإسناد، وإن كان العراقي لا يصرح بذلك.\nفقد ذكر حديث أبي هريرة، موقوفا، ومرفوعا: من أكل لحم أخيه في الدنيا، قرب إليه لحمه في الآخرة (الحديث)، وعزاه إلى ابن مردويه، في تفسيره، موقوفا، ومرفوعا، ثم قال: وفيه محمد بن اسحق، رواه بالعنعنة (^١).\nومحمد بن إسحق، خلاصة حاله: أنه حسن الحديث، في غير ما وهم فيه، أو رواه بالعنعنة ونحوها مما يدل على عدم الاتصال (^٢).\nوقد يذكر مع الرواية المضعفة بالعنعنة، بعض الروايات الأخرى التي تجبر هذا الضعف.\nفقد ذكر حديث: طوبى لمن طال عمره، وحسن عمله، وعزاه إلى الطبراني من حديث عبد الله بن بشر، ثم قال: وفيه «بقية»، رواه بصيغة «عن» وهو مدلس (^٣).\n_________\n(^١) المغني مع الإحياء ٣/ ١٤٠ (٣).\n(^٢) ينظر التقريب/ ترجمة (٥٧٢٥) وفتح الباري لابن حجر ١١/ ١١٣، وطبقات المدلسين له/ ١٤، ٥١ بتحقيق الأخ د/ عاصم القريوتي.\nوتنظر من الأمثلة لذلك/ المغني مع الإحياء ٣/ ٢٤٢ (١) و٤/ ١٤٩ (١)، ٤٥٤ (٢).\n(^٣) المغني ٤/ ٣٩٥ (٣).","vol":"4","page":1749},{"text":"و«بقية» هذا هو ابن الوليد بن صائد الحمصي، وخلاصة حاله، كما في التقريب: أنه صدوق، كثير التدليس عن الضعفاء (^١).\nوذكره الحافظ في المرتبة الرابعة من المدلسين (^٢) ووصفه أيضا بتدليس التسوية، وهو أسوأ أنواع التدليس (^٣).\nفيكون الحديث من طريقه المذكور ضعيفا، لانقطاعه.\nلكن العراقي أتبعه بقوله: وللترمذى من حديث أبي بكرة: خير الناس من طال عمره، وحسن عمله، وقال: حسن صحيح (^٤).\nوبهذا الشاهد لحديث «بقية» ينجبر ضعفه، ويرتقي إلى الصحيح لغيره.\n\n<span data-type='title' id=toc-538>بيان العراقي للضعف الشديد للحديث، وتعقب المخالف:</span>\nالضعف الشديد يمكن تعريفه، تعريفا تقريبيا بأنه:\nوصف الحديث، أو الإسناد، أو أحد الرواة فيه، بعبارة «ضعيف جدا» أو ما في معنى هذه العبارة، مما يدل على شدة الضعف، مثل «واه جدا، أو واه بمرة، أو منكر جدا، أو متروك، أو متهم بالكذب، أو فاحش الخطأ».\nويعتبر الوصف بمثل هذه العبارات أخف من الوصف بالكذب، أو الوضع.\nولما ذكر العراقي ضمن منهجه في المقدمة، بيان درجة الحديث، ذكر أنه يبين ضعف الحديث فقط، ولم يبين أنه يبين الضعف الشديد، مع أنه بين.\n_________\n(^١) التقريب/ ترجمة (٧٣٤).\n(^٢) تعريف أهل التقديس/ ٤٩.\n(^٣) النكت على ابن الصلاح بتحقيق فضيلة الدكتور/ ربيع بن هادى ١/ ٢٩٣، ٤٥٨.\n(^٤) المغني مع الإحياء ٤/ ٣٩٥ (٣).","vol":"4","page":1750},{"text":"كثيرا منه خلال الكتاب، كما سيأتي، فأفاد ذلك تفريقه بين الضعيف فقط، والضعيف جدا.\nومرتبة الضعف الشديد هذه، عند أهل الاصطلاح بمن فيهم العراقي، تعتبر أسوأ ضعفا من درجة الضعيف فقط، حيث إن الراوي الواحد الشديد الضعف، إذا شارك غيره من هو مثله، أو من هو ضعيف فقط، فإن مشاركته لأى منهما لا تجبر ضعفه إلى درجة الحسن لغيره، وإذا شارك غيره ممن هو مثله في شدة الضعف، فإنه يحتاج إلى اثنين معه - على الأقل - حتى يرتقى إلى درجة الضعف المطلق (^١).\nوالعراقي في نكته على ابن الصلاح قد أقره على التفريق بين الضعيف فقط، القابل للانجبار إلى درجة الحجية، وبين الضعيف الشديد الضعف (^٢).\nوخلال هذا التخريج أطلق العراقي وصف الضعف المطلق، وما في حكمه، على بعض الرواة أو الأسانيد أو الأحاديث، وهذا هو الكثير، وهو الذي نص عليه في المقدمة، لكنه أطلق أيضا وصف الضعف الشديد وما في حكمه، كبعض العبارات السابق ذكرى لها.\nفدل ذلك على تفريقه بينهما في التطبيق، كما في التقعيد، وعلى إقراره لتفاوتهما في المرتبة، وإن اشتركا في أصل الضعف.\n_________\n(^١) ينظر تدريب الراوي للسيوطى ١/ ١٧٥ - ١٧٧ بتحقيق شيخنا الشيخ عبد الوهاب عبد اللطيف ﵀ والامتاع بالأربعين المتباينة بشرط السماع للحافظ ابن حجر/ ٢٩٩ بتحقيق الشيخ صلاح الدين مقبول، وشرح شرح النخبة للقارى/ ٧٢ والنكت الوفية للبقاعي/ ٧٠/ أ.\n(^٢) ينظر التقييد والإيضاح للعراقي مع مقدمة ابن الصلاح/ ٤٩ - ٥١، ٥٥، ١٣٣.","vol":"4","page":1751},{"text":"وقد ظهر ذلك في بعض المواضع جليا، حيث ذكر حديث «أن إبليس لما نزل إلى الأرض قال: يا رب، أنزلتني إلى الأرض، وجعلتني رجيما (الحديث) وعزاه إلى الطبراني في الكبير من حديث أبي أمامة، وقال: وإسناده ضعيف جدا، ثم قال: ورواه (أي الطبراني) من حديث ابن عباس، بسند ضعيف أيضا (^١).\nفوصف الإسناد الأول - كما ترى - بأنه ضعيف جدا، والإسناد الثاني بأنه ضعيف فقط.\nوبالمراجعة نجد أن إسناد الطبراني لحديث أبي أمامة، فيه: عبيد الله بن زحر، عن على بن يزيد الألهاني، عن القاسم - وهو ابن عبد الرحمن الشامي، أبو عبد الرحمن، عن أبي أمامة (^٢)\nوقد تشدد ابن حبان في حكم هذه الترجمة، لدرجة اتهام أصحابها بوضع ما يُروى بها، عن أبي أمامة (^٣)\nوتوسط جماعة غيره، فاقتصروا على تضعيف كل من: عبد الله بن زحر، وعلى بن يزيد (^٤).\nولخص الحافظ ابن حجر حال «القاسم» بأنه صدوق يغرب كثيرا (^٥)\n_________\n(^١) ينظر المغني مع الإحياء ٣/¬٣٣ (٢) والإتحاف ٧/ ٢٨١.\n(^٢) المعجم الكبير للطبراني ٨/ حديث (٧٨٣٧).\n(^٣) ينظر المجروحين لابن حبان ٢/ ٦٢، ١٠١ و٣/¬٢٦، ٢٧.\n(^٤) ينظر الميزان ٣/ ترجمتي (٥٣٥٩)، (٥٩٦٦) والكاشف ١/ ترجمة (٣٥٤٤) و٢/ (٣٩٨٣) والتقريب ترجمتي (٤٢٩٠)، (٤٨١٧).\n(^٥) التقريب (٥٤٧٠).","vol":"4","page":1752},{"text":"ومقتضاه تضعيفه من جهة ضبطه، فاجتماع هؤلاء الثلاثة في سند تلك الرواية يقتضي فعلًا شدة ضعفها، كما قرره العراقي.\nأما سند حديث ابن عباس عند الطبراني أيضا، فعندما نراجعه، نجد أن رجاله محتج بهم، ما عدا «يحيى بن صالح الأبلى» فقد ضعفه كل من العقيلي وابن عدي، من جهة ضبطه، ومجموع كلامهما يدل على ضعفه ضعفا غير شديد (^١).\nفيكون حكم العراقي على الحديث من طريقه بالضعف فقط، متفقا مع خلاصة حال راويه، ومع ما تقضى به قواعد النقد، ومراتبه.\nلكن الذي ظهر لي بالتتبع لأحكام العراقي خلال التخريج كله، أنه لم يطرد منهجه على هذا، فتارة يراعى التمييز بين الضعيف فقط، وبين الضعيف جدا، كما قدمت، وتارة لا يراعى هذا.\nفقد ذكر حديث أبي أمامة: «إن الكذب باب من أبواب النفاق» وعزاه إلى ابن عدي في الكامل، ثم قال: بسند ضعيف، وفيه عمر بن موسى الوجيهي ضعيف جدا (^٢)\nفوصفه للسند بالضعف فقط، ثم إتباع ذلك بأن فيه من هو ضعيف جدا، يشير إلى عدم تفريقه بين الضعيف فقط، وبين الضعيف جدا.\nوأقوال العلماء في حال «عمر بن موسى الوجيهي» تؤيد أنه ضعيف ضعيف\n_________\n(^١) ينظر المعجم الكبير للطبراني ١١/ حديث (١١١٨١) مع اللسان لابن حجر/ ٦ ترجمة (٩٢٠)\n(^٢) المغني مع الإحياء ٣/ ١٣١ (٦).","vol":"4","page":1753},{"text":"جدا، بل نسبه ابن عدي إلى وضع الحديث (^١).\nوذكر حديث معاذ بن جبل (إن اليسير من الرياء شرك) (الحديث) وعزاه إلى الطبراني، والحاكم - واللفظ له - وذكر قوله: صحيح الإسناد، ثم تعقبه بقوله: بل ضعيف، فيه عيسى بن عبد الرحمن، وهو الزرقى، متروك (^٢).\nفحكم على السند بالضعف فقط، وعلل ذلك بوجود راو في إسناده، موصوف بأنه متروك، سواء من العراقي كما هنا، أو من غيره (^٣).\nوهذا الوصف، بهذا الإطلاق، يعتبر من ألفاظ الضعف الشديد، وليس الضعف فقط، كما هو معروف (^٤).\nوقد يكون حكمه بالترك المقتضى لشدة الضعف خلاف الراجح من الأقوال في حال الراوي المذكور في الإسناد، فمن ذلك أنه ذكر حديث «أنه ﷺ زار قبر أمه، وأكثر البكاء» وعزاه إلى ابن أبي الدنيا في كتاب القبور، من حديث بريدة، وذكر أن شيخ ابن أبي الدنيا في الحديث هو أحمد بن عمران الأخنسى، متروك، ثم قال: ورواه - يعني ابن أبي الدنيا - بنحوه من وجه آخر، …، وذكره، لكن لم يبين درجته من هذا الوجه الآخر (^٥).\n_________\n(^١) ينظر الكامل لابن عدي ١/¬٤٣ (باب - ٢٠) والميزان ٣/ ترجمة (٦٢٢٢).\n(^٢) المغني مع الإحياء ٣/ ٢٧١ (١).\n(^٣) ينظر الميزان ٣/ ترجمة (٦٥٨٣) والتهذيب ٨/ ت (٤٠٤) والمغني ٢/ ت (٤٨١٣) والديوان/ ت (٣٢٨٥) كلاهما للذهبى، والتقريب ت (٥٣٠٦).\n(^٤) ينظر فتح المغيث للعراقي ٢/¬٤١، ٤٢، وفتح المغيث للسخاوى ١/ ٣٧٢، ٣٧٣ ط الشيخ عبد الرحمن الأعظمي ﵀.\nوينظر مثال آخر في المغني مع الإحياء ٣/ ٢٣٨ (٣).\n(^٥) ينظر المغني مع الإحياء ٤/ ٤٧٤ (٢).","vol":"4","page":1754},{"text":"ووصف العراقي لأحد رجال إسناد الرواية الأولى بأنه «متروك» هكذا بإطلاق، يفيد شدة ضعفه، كما أشرت لمدلول تلك اللفظة فيما تقدم. ومن يراجع مصادر ترجمة «أحمد بن عمران» هذا، يجد أنه مختلف في حاله، فمن العلماء من وصفه بالترك، ونحوه، ومنهم من ذكر له بعض المناكير، ووثقه ابن عدي، وقال ابن حبان: حدثنا عنه أبو يعلى، وهو مستقيم الحديث، وقال العجلى: كوفي، لا بأس به، وأكثر أبو عوانة الراوية عنه في صحيحه (^١) وقال البيهقي: ثقة فيما زعم ابن عدي وغيره (^٢).\nومن ذلك يلاحظ أن الجزم بكونه متروكا تشدد غير مفسر السبب، ويمكن الجمع بين الأقوال فيه بأنه: صدوق له مناكير، فيحسن من حديثه ما ليس منكرا.\nوعليه يكون جزم العراقي بكون أحمد هذا متروكا، وبالتالى شدة ضعف الحديث من طريقه، يعتبر أخذا منه بالتشدد المخالف للراجح.\nوالكثير من عمل العراقي خلال الكتاب، يفيد تفريقه بين الضعيف فقط، وبين الضعيف جدا، وبين الموضوع أيضا، كما سيأتي.\nوقد يعل الحديث الواحد بأن في سنده راويين كل منهما يصفه بأنه ضعيف جدا (^٣).\nوقد يكون تضعيفه الشديد للحديث، ليس مصرحا به، هكذا، ولكنه\n_________\n(^١) ينظر الميزان ١/ ترجمة (٤٩٨) والمغني ١/ ت (٣٨٨) واللسان ١/ ت (٧٣٩).\n(^٢) شعب الايمان للبيهقى ٦/ ١٢٦ ط دار الكتب العلمية.\n(^٣) ينظر المغني مع الإحياء ٣/ ٣٦٥ (٤).","vol":"4","page":1755},{"text":"يستفاد من ذكره أكثر من علة في الحديث، تكون بمفردها خفيفة، ولكن عند اجتماعها مع مثلها في حديث واحد، فإن المجموع يفيد شدة الضعف، تبعا لما هو معروف عند علماء الاصطلاح - ومنهم العراقي -: أن ما عُدِمت فيه صفة واحدة من صفات القبول، فهو أخف ضعفا مما عُدِمت فيه صفتان، وهكذا، حتى ينتهي الحديث إلى درجة الموضوع المختلق، فيكون هذا الوصف وحده أشد مما عداه (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-539>فمما ذكر العراقي فيه أكثر من سبب للضعف:</span> -\nأنه ذكر حديث أبي هريرة: من استمع إلى آية من كتاب الله، كتب الله له حسنة مضاعفة (الحديث) وعزاه إلى أحمد، ثم قال: وفيه ضعف،\nوانقطاع (^٢).\nوبالمراجعة نجد الحديث في مسند الإمام أحمد من طريق عباد بن ميسرة، عن الحسن البصري، عن أبي هريرة ﵁ (^٣).\nوعباد هذا، خلاصة حاله: أنه لين الحديث، وممن ضعفه الإمام أحمد نفسه (^٤) والحسن البصري لم يسمع من أبي هريرة، على الراجح (^٥).\nفاجتماع هاتين العلتين في الإسناد، يقتضي شدة ضعف الحديث بهذا الإسناد.\n_________\n(^١) ينظر فتح المغيث للسخاوى ١/ ١١٥، ١١٦ والتدريب للسيوطي ١/ ١٨٠.\n(^٢) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ٢٨٧ (٥):\n(^٣) المسند ٢/ ٣٤١.\n(^٤) الكاشف ١/ ترجمة (٢٥٧٧) والتقريب/ ترجمة (٣١٤٩).\n(^٥) جامع التحصيل للعلائي/ ١٦٤.","vol":"4","page":1756},{"text":"وقد أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (^١) والبغوى في تفسيره (^٢)، كلاهما من طريق إسماعيل بن عياش عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد عن أبي هريرة.\nوفيه كما ترى - إسماعيل بن عياش، يروى عن ليث بن أبي سليم، وهو غر شامى، فرواية إسماعيل عنه فيها ضعف، كما هو معروف (^٣) وليث بن أبي سليم، أيضا فيه ضعف من جهة ضبطه (^٤).\nوبذلك يكون ضعف هذا الطريق شديدًا، فلا يجبر بمفرده الطريق السابق للحديث.\nوذكر العراقي أيضا حديث: من زار قبر أبويه أو أحدهما غفر له (الحديث)، وعزاه إلى الطبراني في الصغير والأوسط، من حديث أبي هريرة، وإلى ابن أبي الدنيا في كتاب القبور له من رواية محمد بن النعمان، يرفعه. ثم قال عن سند ابن أبي الدنيا: وهو معضل، ومحمد بن النعمان مجهول.\nأما سند الطبراني، فهو موصول من طريق محمد بن النعمان بن عبد الرحمن عن يحيى بن العلاء البجلي الرازي عن عبد الكريم أبي أمية عن مجاهد عن أبي هريرة (^٥).\nوقال عنه العراقي: محمد بن النعمان مجهول، وشيخه عند الطبراني: «يحيى\n_________\n(^١) الشعب/ بتحقيق أبي هاجر برقم (١٩٨١).\n(^٢) تفسير البغوى/ المقدمة ١/¬٣٤ ط دار المعرفة - بيروت.\n(^٣) التقريب/ ترجمة (٤٧٣).\n(^٤) ينظر الكاشف ٢/ ترجمة (٤٦٩٢) والتقريب/ ترجمة (٥٦٨٥).\n(^٥) المعجم الأوسط ٦/ حديث (٦١١٤) ط الحرمين، والصغير مع الروض الدان ٢/ حديث (٩٥٥) وفي السند تحريف عما في الأوسط.","vol":"4","page":1757},{"text":"ابن العلاء البجلي» متروك (^١).\nوفي مصادر ترجمة كل منهما ما يؤيد قول العراقي فيه (^٢).\nويستفاد من كلامه عن طريقي الحديث، وجود الاعضال وجهالة راو، في طريق الحديث عند ابن أبي الدنيا، ووجود الراوي المجهول نفسه، مع راو متروك في طريق الطبراني، وذلك يقتضي شدة ضعف كل من الطريقين، وبالتالي لا ينجبر أحدهما بالآخر بمفرده، كما أن في سند الطبراني سببا ثالثا للضعف، وهو وجود «عبد الكريم أبي أمية» فيه، وقد اقتصر الهيثمي في المجمع على إعلال الحديث، به (^٣)، وكان يلزم عند إرادة الاقتصار، ذكر «يحيى بن العلاء»؛ لكونه أشد ضعفا، فتتبعه درجة الحديث بهذا الإسناد، كما هو معروف، ولعل هذا هو سبب عدم ذكر العراقي لعبد الكريم ضمن أسباب ضعف سند الطبراني؛ لذكره الأشد ضعفا منه، وهو «يحيى بن العلاء» كما تقدم (^٤).\nويؤيد هذا ماجاء في موضع آخر، حيث ذكر حديث ابن مسعود في صلاة\n_________\n(^١) المغني مع الإحياء ٤/ ٤٧٤ (٧).\n(^٢) الميزان ٤/ ترجمة (٨٢٦٦) والكاشف ٢/ ترجمة (٦٢٢٤).\n(^٣) ينظر مجمع الزوائد ٣/ ٥٩ (٢) وينظر مثال آخر في المغني مع الإحياء ٢/ ٣٨٦ (٦) مع المعجم الكبير للطبراني ٤/ حديث (٤٤٣٤)، والمؤتلف للدارقطني ٢/ ص ١٠٦٣ واللسان ٣/ ت (١٤٨١) وتاريخ الطبرى ٣/ ٢٨٧، ٢٨٩.\n(^٤) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ٢١٣ (٥) وتحرف فيه (عمر) إلى «عمرو»، والصواب (عمر) كما في الإتحاف ٣/ ٤٧٠ وكتب التراجم.\nلكن وهم الزبيدي في بيان حاله كما سيأتي.","vol":"4","page":1758},{"text":"الحاجة اثنتى عشرة ركعة، وعزاه إلى أبي منصور الديلمي في مسند الفردوس، وقال: بإسنادين ضعيفين جدا، فيهما (عمر) بن هارون البلخي، كذبه ابن معين، ثم قال: وفيه علل أخرى فاقتصر العراقي - كما ترى - على ذكر سبب واحد يقتضي شدة ضعف الحديث بإسناديه، مع معرفته بوجود أكثر من علة أخرى، في هذا الحديث، وإن كان لم يصرح بشيء منها. وقد تعقب الزبيدي العراقي في تلك العلة التي اقتصر عليها، فذكر أن عمر بن هارون هذا روى عنه أبو داود وجماعة، قال الذهبي في الكاشف: قال ابن حبان مستقيم الحديث، وقد روى عنه الترمذي وابن ماجه، فمثل هذا لا يترك حديثه، كما ذكر أن الحديث الذي ذكره الغزالي في الإحياء، قد أخرجه أبو نعيم في الحلية بسند قو (^١).\nوهذا التعقب من الزبيدي فيه أمران:\nالأول: ما ذكره من حديث الحلية مُسلّم، وكان ينبغى على العراقي ذكره بدلا من حديث الديلمي الشديد الضعف.\nالأمر الثاني: ما ذكره بخصوص حال «عمر بن هارون» وهذا غير مسلّم له، لأنه ما ذكره عبارة عن خلط بين ترجمة «عمر بن هارون» وترجمة راو آخر مذكور بعده بترجمة في كتاب الكاشف الذي عزا إليه ما ذكره، وهو «عمر ابن يزيد أبو حفص السيارى» فقد جاء في الكاشف (^٢) في ترجمته أنه روى عنه أبو داود وعدة، وأن ابن حبان قال فيه «مستقيم الحديث»، فلعل الزبيدي سبق نظره إلى هذا.\n_________\n(^١) الاتحاف ٣/ ٤٧٠.\n(^٢) الكاشف ٢/ ترجمة (٤١٢٠).","vol":"4","page":1759},{"text":"وأما «عمر بن هارون» فقد جاء في ترجمته في الكاشف (^١) أنه روى له الترمذي وابن ماجه، ثم قال الذهبي فيه: واه، اتهمه بعضهم (^٢) وهذا يقتضي أنه متروك، وضعيف جدا، كما قال العراقي وذكر فعلا في ترجمة في غير الكاشف أن يحيى ابن معين كذبه، كما حكى العراقي، وممن ذكر تكذيب ابن معين له ابن حبان، وذكر أنه في رواية أخرى قال فيه «ليس بشيء» ثم زاد ابن حبان من جانبه تأكيدا لذلك، فبعد وصفه بعدالة الدين:\nقال: والمناكير في رواياته، تدل على صحة ما قال يحيى بن معين فيه (^٣) وما اختاره ابن حبان من اتصاف (عمر بن هارون) هذا بعدالة الدين، مع شدة ضعفه في رواية الحديث، يعتبر جمعا بين مجمل الأقوال في حاله (^٤)\nلكني وجدت العراقي أيضا في بعض المواضع، لا يقتصر على ذكر السبب الأشد في الضعف فقط، بل يذكر معه أكثر من سبب آخر أخف ضعفا.\nفمن ذلك أنه ذكر حديث تعليم الرسول ﷺ أبا بكر الدعاء لحفظ القرآن، وعزاه إلى أبي الشيخ ابن حبان، في كتاب الثواب له، من رواية عبد الملك ابن هارون بن عنترة عن أبيه أن أبا بكر أتى النبي ﷺ (الحديث) ثم قال العراقي: وعبد الملك، وأبوه، ضعيفان، وهو منقطع، بين هارون، وأبي بكر ﵁ (^٥)\n_________\n(^١) الكاشف ٢/ ترجمة (٤١١٨).\n(^٢) وبنحو هذا لخص حاله في المغني في الضفعاء ٢/ ت (٤٥٦٨) والديوان/ ترجمة (٣١١٨).\n(^٣) ينظر المجروحين له ٢/ ٩٠ - ٩١.\n(^٤) ينظر الميزان ٣/ ترجمة (٦٢٣٧) والتهذيب ٧/ ترجمة (٨٣٩) والكاشف ٢/ ترجمة (٤١١٨) مع التعليق عليه.\n(^٥) المغني مع الإحياء ١/ ٣٢٣ (٤).","vol":"4","page":1760},{"text":"فذكر ثلاثة أسباب - كما ترى - لضعف إسناد هذا الحديث.\nولم يذكر له رواية أخرى.\nوبالمراجعة يظهر لنا أن اقتصار العراقي في حال «عبد الملك بن هارون» على الضعف فقط، قد تبع فيه الأقل ممن تكلم فيه، ولكن الأكثر، على وصفه بالكذب والترك، ووضع الحديث، أو التهمة بذلك، ورواية المناكير عن أبيه (^١) فلو لم يكن في السند مطعن غير «عبد الملك» هذا، لكان كافيا في شدة ضعف الحديث من طريقه ومع ذلك ذكر العراقي معه السببين الآخرين.\nوذكر الغزالي حديث الصلاة المأثورة في ليلة السابع والعشرين من رجب، فعزاها العراقي لأبي موسى المديني في فضائل الأيام والليالي، من طريق محمد بن الفضل عن أبان، عن أنس، مرفوعا، ثم قال: ومحمد بن الفضل، وأبان، ضعيفان جدا، والحديث منكر (^٢).\nفذكر العراقي ثلاثة أسباب أيضا، وجمع فيها بين نقد السند، بشدة ضعف راويين فيه، ونقد المتن بأنه منكر.\nوستأتي أمثلة أخرى لعنايته بنقد المتن، ولكن المقصود هنا بيان عدم اقتصاره على سبب واحد مما يقتضي شدة ضعف الحديث. مثلما اقتصر في أحد الأمثلة السابقة.\nوعلى ذلك يمكن القول بأن العراقي تنوع منهجه في ذكر ما يضعف به الحديث، بحسب ما يتيسر له من سبب أو أكثر، حتى لو كان بعض ما\n_________\n(^١) ينظر اللسان ٤/ ترجمة (٢١٣).\n(^٢) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ٣٧٣ (١).","vol":"4","page":1761},{"text":"يذكره يقتضي بمفرده شدة ضعف الحديث.\n\n<span data-type='title' id=toc-540>جمع العراقي بين الحكم بشدة الضعف، والرد على من خالف في ذلك:</span>\nقد لا يقتصر العراقي على ذكر ما يدل على شدة ضعف الحديث، ولكن يتبعه بالرد على من خالف في ذلك.\nفقد ذكر الحديث القدسي: قال الله تعالى: «لا إله إلا الله حصني …» (الحديث) وعزاه إلى الحاكم في كتابه التاريخ - يعني تاريخ نيسابور - ولأبي نعيم في الحلية، من طريق أهل البيت، من حديث على ﵁، ثم قال: بإسناد ضعيف جدا، وأتبع ذلك بقوله: وقول أبي منصور الديلمي: إنه حديث ثابت، مردود عليه (^١) وزاد ابن عراق نقلا عن العراقي أيضا في تخريجه: عزو الحديث إلى مسند الشهاب للقضاعي من رواية على بن موسى الرضا عن آبائه، كما زاد نقل العراقي عن كتاب «الكشف عن أخبار الشهاب» لابن طاهر المقدسي: أن راوى الحديث عن على الرضا في الحلية هو أبو الصلت الهروى وأنه متفق على ضعفه، وأن راويه عن على الرضا عند القضاعي هو: أحمد بن على بن صدقة، متهم بالوضع (^٢).\nوقد أفادتنا هذه الزيادة بيان مستند العراقي في الحكم بشدة التضعيف الإسناد الحديث، وهو وجود را ومتهم بالوضع في أحد طريقي الحديث، وهو «أحمد بن علي بن صدقة».\nأما أبو الصلت: هو عبد السلام بن صالح الهروى، فقد تعقب ابن عراق\n_________\n(^١) المغني مع الإحياء ١/ ١٧٣ (١).\n(^٢) تنزيه الشريعة لابن عراق ١/ ١٤٧ - ١٤٨.","vol":"4","page":1762},{"text":"وصفه السابق بأنه متفق على تضعيفه، فذكر توثيق ابن معين والحاكم له، ولكنه نقل عن العراقي ما يفيد عدم اعتداده بإطلاق توثيقه، لوجود جرح مفسر فيه، من أحد من وثقه وهو الحاكم حيث وصفه بأنه روى عن عدد من شيوخه مناكير (^١) كما جاء عن أكثر من تكلم فيه ما يفيد شدة تضعيفه (^٢) كما هو مقتضى حكم العراقي على إسناد هذا الحديث، فيحمل توثيق من وثقه وهم الأقل على ما وصف به من غيرهم من الزهد والتقشف، ولذا لما لخص الذهبي حاله قال: واه، شعى متهم، مع صلاحه (^٣) وما ذكره العراقي عن أبي منصور الديلمي يفيد أن الديلمي أخرج الحديث في مسند الفردوس، وحكم عليه بذلك، مع أن العراقي لم يعزه إلى مسند الفردوس، كما ترى.\nلكن يفهم من زهرة الفردوس لابن حجر أن أبا منصور الديلمي روى الحديث في مسند الفردوس من طريق أبي نعيم في الحلية (^٤) وقد جاء الحديث فعلا في الحلية (^٥)، مع اختلاف في لفظ أوله، وذلك من طريق أحمد بن على الأنصارى عن أبي الصلت عبد السلام بن صالح عن علي بن موسى بن جعفر عن أبيه عن جده، عن على مرفوعا، وقال أبو نعيم: هذا حديث ثابت مشهور بهذا الإسناد.\n_________\n(^١) ينظر تنزيه الشريعة ١/ ١٤٧ و١٥١.\n(^٢) ينظر الميزان ٢/ ترجمة (٥٠٥١) والتهذيب ٦/ ترجمة (٦١٦).\n(^٣) ينظر الكاشف ١/ ترجمة (٣٣٦٨) والمغني ٢/ ترجمة (٣٦٩٤) والديوان/ ترجمة (٢٥٢٨) والتقريب/ ترجمة (٤٠٧٠) مع التلخيص الحبير ١/ ٢٣٥.\n(^٤) ينظر الفردوس لأبي شجاع الديلمي ٥/ حديث (٨١٠١) مع تعليق المحقق عليه.\n(^٥) الحلية ٣/ ١٩١، ١٩٢.","vol":"4","page":1763},{"text":"فيبدو أن أبا منصور الديلمي لما أخرج الحديث من طريق أبي نعيم، ذكر قوله هذا عن الحديث، فظنه العراقي من كلام أبي منصور، مع أنه قد عزا الحديث إلى أبي نعيم في الحلية، ومقتضى هذا أنه وقف على قول أبي نعيم عن الحديث، فكان الأولى أن يوجه تعقبه السابق، إلى أبي نعيم، لكونه أسبق من الديلمي، أو يوجهه إلى كل من أبي نعيم، والديلمي، لإقراره قول أبي نعيم.\nوما ذكره العراقي وغيره في أحوال الراويين للحديث عن على بن موسى الرضا عن آبائه عن على ﵃ يؤيد القول بشدة ضعف الحديث بهذا الإسناد، ورد قول أبي نعيم والديلمي من بعده، بأنه ثابت مشهور (^١).\nوهذا يعتبر من الأمثلة الدالة على تأثير العراقي في نقد أحاديث الإحياء وغربلتها.\n\n<span data-type='title' id=toc-541>مما يتعقب به العراقي في بعض اصطلاحات التخريج، وتضعيف بعض الأحاديث:</span>\nوليس ذلك مما يقدح في جهوده الظاهرة خلال الكتاب، ولكن القصد منه تطبيق مبدأ التوازن في عرض وتقويم تلك الجهود والآثار للعراقي، فيذكر ما لها، وهو الأكثر، وما عليها وهو الأقل.\nفمن ذلك أن العراقي قد يقتصر في تخريج الحديث على عزوه إلى مصدر غير مشهور، وبسند شديد الضعف، مع وجوده في مصادر أخرى مشهورة، ودرجة الحديث فيها أقوى.\n_________\n(^١) ينظر مسند الشهاب للقضاعي ٢/ حديث (١٤٥١) مع تعليق الشيخ حمدى السلفي عليه.","vol":"4","page":1764},{"text":"فقد ذكر الغزالي حديث «أقرب الناس منى مجلسا يوم القيامة، إمام عادل» فاقتصر العراقي على عزوه لأبي القاسم الأصبهاني في الترغيب والترهيب له، من حديث أبي سعيد الخدرى، وقال: من رواية عطية العوفي، وهو ضعيف، عنه يعني عن أبي سعيد، ثم قال: وفيه أيضا: إسحق بن إبراهيم الديباجي، ضعيف أيضا (^١).\nفكتاب الترغيب والترهيب للأصبهاني مع كونه مصدرًا أصليا، وهاما، لكنه غير مشهور، خاصة بالمقارنة بما سيأتي من المصادر الأخرى الأصلية لهذا الحديث، كما أن سند الحديث عند الأصبهاني يعتبر شديد الضعف، لوجود راويين ضعيفين فيه\nفي حين أن هذا الحديث قد أخرجه من حديث أبي سعيد، بنحوه، كل من الترمذي في جامعه (^٢) وأحمد في مسنده (^٣) والبيهقي في سننه الكبرى (^٤) وشعب الإيمان (^٥)، وليس في أسانيدهم (إسحق بن إبراهيم الديباجي)، وإنما جميعهم رووه من طريق «عطية العوفي» فقط وقال الترمذي: حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه\nوخلاصة حال «عطية العوفي» أنه ضعيف من جهة ضبطه، ورمى بالتشيع،\n_________\n(^١) ينظر الإحياء مع المغني ٣/ ٣١٥ (٤) والترغيب والترهيب للأصبهاني ٣/ ح (٢١٨٩) تحقيق أيمن شعبان.\n(^٢) كتاب الأحكام/ برقم (١٣٢٩).\n(^٣) ينظر المسند ٣/¬٢٢، ٥٥.\n(^٤) ينظر السنن ١٠/ ٨٨\n(^٥) ينظر الشعب ٦/ حديث (٧٣٦٦).","vol":"4","page":1765},{"text":"وبالتدليس القادح (^١) فيحمل تحسين الترمذي للحديث، على مراعاة ما يشهد له، كما أشار إلى ذلك بقوله: وفي الباب عن عبد الله بن أبي أوفى\nولعل توجيه تحسين الترمذي بهذا، أولى من صنيع الزيلعي، رفيق العراقي، حيث أخذ بقول ابن القطان الفاسي بتحسين الحديث لذاته، من طريق عطية وحده حيث قال: وعطية العوفي مضعف، وقال ابن معين فيه: صالح، فالحديث حسن، وأقره الزيلعي (^٢)، مع أن قول ابن معين «صالح» هكذا مطلقا، ليس صريحا في صلاحية الراوي ولا صلاحية حديثه للحجية، بل يحتمل إرادة الصلاح في الدين فقط (^٣) وصلاحية الحديث للاعتبار، وليس للاحتجاج، ولو سلم الحمل على الاحتجاج، فهو معارض بتضعيف الأكثرين لعطية العوفي كما قدمت.\nوعلى كل، فإن طرق هذا الحديث التي يوجد فيها عطية العوفي وحده، تعتبر أقل ضعفا من طريق الأصبهاني التي اقتصر عليها العراقي، وفيها كل من العوفي، وإسحق الديباجي.\nكما أن ما ترك العراقي عزو الحديث إليه من المصادر السابق ذكرها، شهرتها واضحة.\nولذلك فإن السخاوي قد تعقب العراقي في موقفه من هذا الحديث، فقال: وقد اقتصر مخرج «الإحياء» على عزوه للأصبهاني، وأعله - مع ضعف عطية -.\n_________\n(^١) ينظر الكاشف ٢/ ترجمة (٣٨٢٠) والتقريب/ ترجمة (٤٦١٦)، وطبقات المدلسين/ ص ٥٠ بتحقيق الأخ د/ عاصم القريوتي.\n(^٢) نصب الراية للزيلعي ٤/ ٦٨ (أدب القاضي).\n(^٣) تنظر نكت ابن حجر العسقلاني على ابن الصلاح ٢/ ٦٨٠.","vol":"4","page":1766},{"text":"بضعف إسحق بن إبراهيم الديباجي، أيضا، وعجبت منه - مع جلالته - كيف لم يعزه للترمذي وغيره ممن ذكرته - يعني أحمد والبيهقي - والله المستعان (^١).\nوبهذا التعقب أفادنا السخاوي اصطلاحين، من اصطلاحات علم التخريج، ومخالفة العراقي لهما في هذا الموضع، وهما:\n١ - إذا كان الحديث في مصدر مشهور، أو أشهر، فلا يليق الاقتصار على عزوه إلى ما هو غير مشهور، أو ما هو أقل شهرة، إلا لفائدة، أو عذر.\n٢ - إذا كان الحديث في بعض المصادر بسند قوى، أو أقل ضعفا، فلا يليق الاقتصار على عزوه إلى غيرها مما هو ضعيف، أو أشد ضعفا.\nويلاحظ في تعقب السخاوي السابق، تحليه بأدب العلماء في النقد، حيث قرنه بتقرير مكانة العراقي الجليلة، فقال: «وعجبت منه، مع جلالته» فأفاد بذلك أن انتقاده هذا، لا يغض من تمتعه بمنزلة جليلة عنده من حيث العموم.\nومما تعقب به العراقي أيضا من مخالفة الاصطلاح الأول، أنه ذكر حديث «أنه خرج يمشى إلى البقيع، فتبعه أصحابه، فوقف، فأمرهم أن يتقدموا (الحديث)، وعزاه إلى أبي منصور الديلمي في مسند الفردوس، من حديث أبي أمامة، ثم قال: بسند ضعيف جدا، وأضاف قائلا: وهو منكر، فيه جماعة ضعفاء» (^٢).\n_________\n(^١) تخريج أحاديث كتاب العادلين، لأبي نعيم - للحافظ السخاوي حديث رقم (١٢) بتحقيق الأستاذ/ مشهور حسن.\n(^٢) المغني مع الإحياء ٣/ ٣٤٤ (٢).","vol":"4","page":1767},{"text":"فقوله: فيه جماعة ضعفاء، بيان ظاهر لسبب حكمه بشدة ضعف إسناده، تبعا لما قدمته من أن تعدد أسباب الضعف المطلق، يجعله أشد مما يوجد فيه سبب واحد منه، وسيأتي من أحوال رجال هذا السند، ما يوضح ذلك. أما قول العراقي: هو حديث منكر، فيبدو أنه موجه إلى المتن، فيكون سببا زائدا على ما في رجال الإسناد من ضعف، وبالمجموع تتأكد شدة الضعف للحديث سندا ومتنا، ويعتبر حكمه بنكارة المتن من أمثلة عنايته بنقد المتن، بجانب نقده للإسناد.\nلكن الحافظ ابن حجر تعقب شيخه العراقي في تخريج هذا الحديث، فذكر الزبيدي أنه عند تخريج العراقي للحديث، وجد تعليقا للحافظ ابن حجر بخطه على حاشية نسخة من كتاب المغني هذا، قال فيها: «رواه - أي الحديث المذكور - أحمد، بسياق مطول، وابن ماجه مختصرا» (^١).\nفهذا التعقب من ابن حجر يعتبر بيانا لمخالفة شيخه العراقي هنا للإصطلاح الأول فيما قدمته عن السخاوي، حيث إن العراقي اقتصر في تخريج هذا الحديث على العزو إلى مسند الفردوس لأبي منصور الديلمي فقط، بينما هو موجود بنحوه، ضمن رواية مطولة في مسند الإمام أحمد، وله رواية مختصرة في سند ابن ماجة. وكلا المصدرين - كما ترى - أشهر، وأقدم بزمن طويل، عن مسند الفردوس للديلمي، فكان عزو الحديث إليهما أولى، أو الجمع بينهما وبين المسند للديلمي، بدلا من الاقتصار عليه وحده.\nوقد راجعت كلا من مسند أحمد وسنن ابن ماجه، فوجدت الحديث فيهما\n_________\n(^١) الاتحاف للزبيدي ٨/ ٣٧٨.","vol":"4","page":1768},{"text":"فعلا كما ذكر الحافظ، ومن حديث الصحابي نفسه الذي أخرج الديلمي الحديث من روايته (^١).\nولكن سند الحديث عندهما فيه ثلاثة رواة، كل منهم يعتبر ضعيفا ضعفا غير شديد، وهم: معان بن رفاعة (^٢) والقاسم بن عبد الرحمن الدمشقي (^٣) وعلى بن يزيد الألهاني (^٤) والمتن عندهما بنحوه، أو مختصر، كما تقدم، وبذلك تكون شدة الضعف في روايتهما متقاربة مع شدة الضعف في رواية الديلمي (^٥)، ولذا لم يتعقب الحافظ ابن حجر شيخه في الحكم على الحديث بشدة الضعف، وإنما وجه تعقبه لمخالفته اصطلاح التخريج من المصدر المشهور، والاقتصار على التخريج من غير المشهور، دون ظهور فائدة أو ضرورة لذلك.\nوذكر العراقي حديث: اللهم إني أسألك الثبات في الأمر، والعزيمة على\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجة في المقدمة من سننه - باب من كره أن يوطأ عقبه ١/ حديث (٢٤٥) عن محمد بن يحيى - وهو الذهلي - عن أبي المغيرة - وهو عبد القدوس بن حجاج - عن معان بن رفاعة عن على بن يزيد - وهو الألهاني - عن القاسم بن عبد الرحمن - وهو الدمشقي - عن أبي أمامة، به، مختصرا.\nوأخرجه أحمد في المسند ٥/ ٢٦٦ عن أبي المغيرة به، بنحوه، مع زيادة في آخره.\n(^٢) التقريب/ ترجمة (٦٧٤٧).\n(^٣) التقريب/ ترجمة (٥٤٧٠).\n(^٤) التقريب/ ترجمة (٤٨١٧).\n(^٥) وقال البوصيري في زوائد ابن ماجه عن الحديث: هذا إسناد ضعيف لضعف رواته، وأيد هذا بقوله: قال ابن معين: على بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة، هي ضعفاء كلها/ مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه للبوصيري ١/ ١٠٧ حديث (٩٨) ويستدرك عليه وجود «معان ابن رفاعة» أيضًا في إسناد ابن ماجة، وقد رجح الحافظ ابن حجر أنه: لين الحديث، كثير الإرسال/ التقريب/ ترجمة (٦٧٤٧).","vol":"4","page":1769},{"text":"الرشد (الحديث) وعزاه إلى الترمذي والنسائي والحاكم، ثلاثتهم من حديث شداد بن أوس، وذكر أن الحاكم صححه، ثم قال:\nقلت: بل هو منقطع، وضعيف (^١) وهذا التعقب - كما ترى - متوجه نحو إسناد الحاكم الذي صحح الحديث باعتباره، حيث أخرجه في المستدرك من طريق محمد بن سنان القزاز عن عمر بن يونس اليمامي عن عكرمة بن عمار عن شداد أبي عمار عن شداد بن أوس، مرفوعًا، به، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه وأقره الذهبي في تلخيص المستدرك (^٢).\nوهذا الإسناد رجاله محتج بهم، ولم أجد في تراجمهم ما يقتضي الانقطاع بينهم، ومحمد بن سنان القزاز، وإن ضعفه الحافظ في التقريب (^٣) إلا أن مجموع الأقوال فيه، ودفاع الحافظ نفسه عنه في التهذيب (^٤) يقتضي أنه لا بأس به، فالحديث بهذا الإسناد حسن (^٥).\nوبذلك لا ينطبق عليه تعقب العراقي السابق بالضعف والانقطاع.\nوإنما ينطبق هذا على إسناد الحديث عند الترمذي والنسائي.\nفقد أخرجه الترمذي من طريق سفيان الثورى عن سعيد بن إياس الجريري عن يزيد بن عبد الله بن الشخير أبي العلاء عن رجل من بني حنظلة عن شداد\n_________\n(^١) المغني مع الإحياء ١/ ٣٢٨ (١).\n(^٢) المستدرك مع تلخيص الذهبي له ١/ ٥٠٨.\n(^٣) التقريب/ ترجمة (٥٩٣٦).\n(^٤) التهذيب ٩/ ترجمة (٣٢٣) مع السير ١٢/ ٥٤٤.\n(^٥) جامع الترمذي - الدعوات/ حديث (٣٤٠٧).","vol":"4","page":1770},{"text":"ابن أوس، به، مع زيادة في آخره، وقال الترمذي: هذا حديث إنما نعرفه من هذا الوجه (^١).\nفلم يحكم عليه الترمذي - كما ترى - بدرجة معينة، وفي سنده رجل مبهم من بني حنظلة، ولم أجد من بين شخصه، ولا حاله، فيكون الإسناد لأجله ضعيفا.\nوأخرج النسائي الزيادة التي في آخر رواية الترمذي هذه من طريق هلال بن حق عن الجريرى عن أبي العلاء بن الشخير عن رجلين، عن شداد بن أوس (^٢)\nوأخرج النسائي أيضا الحديث من طريق حماد بن سلمة عن سعيد الجريري عن أبي العلاء بن الشخير عن شداد بن أوس، به، مع اختصار (^٣) وقد قال الحافظ ابن حجر: هذا الحديث، لم يسمعه أبو العلاء من شداد، إنما سمعه من رجل من بنى حنظلة عن شداد (^٤) وبذلك تلاحظ أن إسناد روايات الحديث عند الترمذي والنسائي، بعضها ضعيف لوجود مبهم في سنده، وبعضها منقطع كما قال الحافظ.\nفلعل العراقي ﵀ أراد ذكر تعقبه السابق بالضعف والانقطاع،\n_________\n(^١) سنن النسائي الكبرى/ «عمل يوم وليلة - باب ثواب من يأوي إلى فراشه فيقرأ سورة …» ٦/ ٢٠٣ حديث (١٠٦٤٨).\n(^٢) سنن النسائي - الصلاة - نوع آخر من الدعاء ٣/ ٥٤ (١٣٠٣).\n(^٣) وفي طرق الحديث إلى شداد بن أوس اختلاف، لكنه عند التحقيق والتأمل لا يعكر على تحسينه/ تنظر الحلية لأبي نعيم ١/ ٢٦٥ - ٢٦٧ والإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ٥/ ٣١٠ - ٣١١ بتحقيق فضيلة الشيخ شعيب ومساعدوه/ حديث (١٩٧٤).\n(^٤) ينظر إتحاف المهرة لابن حجر ٦/ ١٦٨.","vol":"4","page":1771},{"text":"عقب عزو الحديث إلى الترمذي والنسائي، فذهل عن ذلك، ووضعه متأخرا عقب عزو الحديث للحاكم، وذكر تصحيحه له باعتبار إسناده هو الخالي من الضعف والانقطاع كما قدمت توضيحه.\nهذا ولم أجد من تعقب العراقي في حكمه على هذا الحديث بالضعف والانقطاع.\n\n<span data-type='title' id=toc-542>بيان العراقي لدرجة الحديث المختلف على بعض رواته، واختلافه مع غيره في هذا:</span>\nالمراد بالاختلاف هنا: أن يشترك راويان فأكثر في رواية حديث، عن أحد رجال الإسناد، حتى صحابي الحديث، ثم يختلف هذان الراويان فأكثر، في رواية الحديث عمن روياه، أو رووه عنه. سواء كان الاختلاف في المتن والسند معا، أو في أحدهما.\nويعبر العلماء عن هذا بقولهم: «هذا الحديث رواه فلان، - من الصحابة فمن دونهم - واختلف عليه فيه».\nأو يقولون: «هذا الحديث اختلف فيه على فلان»، سواء كان صحابيا، أو دونه. وسيأتي في الأمثلة ما يوضح ذلك.\nوهذا الاختلاف يعتبر بابا كبيرا من أبواب علل الحديث الدقيقة، حيث ينشأ عنه تعارض الرفع والوقف للحديث، أو الوصل والإرسال، أو الزيادة والنقص في أثناء الإسناد، أو البكارة والشذوذ، والاضطراب في المتن أو الإسناد، وذلك إذا لم يمكن الجمع بين وجهي أو وجوه الاختلاف بأحد وجوه الجمع المعتبرة، وبذلك تندفع عن الحديث علة التعارض والاختلاف.","vol":"4","page":1772},{"text":"فإذا لم يمكن الجمع يبحث عن بعض الوجوه المعتبرة التي يمكن بها ترجيح بعض وجوه الاختلاف على غيرها، فإن أمكن ذلك يبرأ الوجه الراجح من علة الاختلاف، مع إمكان وجود علة أخرى فيه.\nوأما الوجه المرجوح فإنه يكون معلولا بمخالفته للأرجح منه، وقد توجد فيه أيضا علة أخرى.\nوقد يوجد للوجه المعلول ما يعضده ويقويه من غير الطرق المختلفة. وفي الموضوع تفاصيل وتقعيدات، ليس هنا محل تفصيلها.\nومع أن المنهج العام للعراقي في هذا التخريج، هو الاختصار، إلا أنه لم يهمل هذا الجانب الدقيق من جوانب بيان درجة الحديث، لما له من أهمية لا تخفي، فتناوله، وأظهر أثره في معالجته، مع مراعاة الاختصار في ذلك حسب منهجه العام في هذا الكتاب، حتى إنه قد يكتفي بالإشارة إلى أن الاختلاف هو علة الحديث.\nفقد ذكر حديث فاطمة ﵂ (أن ساعة الإجابة التي في يوم الجمعة، تكون قبيل غروب الشمس) وعزاه إلى الدارقطني في العلل، والبيهقي في الشعب، ثم قال: وعلته الاختلاف (^١) ومعنى هذا أنه لم يتيسر له في هذا الاختلاف جمع ولا ترجيح.\nولا يتضح هذا الاختلاف الذي أشار إليه إلا بمراجعة مصادر الحديث، وخاصة ما عزا هو إليه منها، وهما العلل للدارقطني، وشعب الايمان للبيهقي. ولم أستطع الوقوف على موضع الحديث في علل الدارقطني، ولكن وقفت\n_________\n(^١) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ١٩٢ (٦).","vol":"4","page":1773},{"text":"على روايته في شعب الإيمان للبيهقي، فوجدته ذكر عددا من طرقه التي وقع الاختلاف المشار إليه، فيها، فقد أخرجه من طريق زيد بن على بن الحسين بن على بن أبي طالب ﵃، مع اختلاف فيه على زيد بن على، وعلى من دونه في الإسناد، ولم يرجح البيهقي من هذا الخلاف شيئا (^١).\nوأيضا رواه الطبراني في الأوسط، من طريق عبد الرحمن بن محمد المحاربي عن الأصبغ بن زيد عن زيد بن على عن مرجانة مولاة على عن فاطمة، مرفوعا، وقال: لا يروى هذا الحديث عن فاطمة إلا بهذا الإسناد، تفرد به المحاربي (^٢) فمدار الحديث كما ترى على زيد بن على بن الحسين، واختلف عليه فيه. والرواة من دون زيد، ومن فوقه، فيهم عدد لم أقف له على ترجمة، وبذلك لم يتيسر لي ما يساعد على الجمع أو الترجيح في هذا الاختلاف.\nوهذا ما واجه تلميذى العراقي: وهما الهيثمي وابن حجر العسقلاني، في هذا الحديث.\nفالهيثمي قال عن إسناد الطبراني السابق: (مرجانة) لم تدرك فاطمة ﵂ وهي مجهولة، وفيه مجاهيل غيرها (^٣) ويلاحظ أنه لم يتعرض لبيان إعلال الحديث بالاختلاف، الذي اقتصر شيخه العراقي على الإعلال به. ولعل الهيثمي فعل ذلك لكون الطبراني الذي هو بصدد الكلام عن روايته، قد خرج الحديث من طريق واحد، ولم يشر إلى الخلاف فيه.\nأما الحافظ ابن حجر فعزا الحديث إلى كل من الطبراني في الأوسط،\n_________\n(^١) شعب الإيمان للبيهقي ٦/ ٢٣٦ - ٢٣٩.\n(^٢) المعجم الأوسط ٦/ حديث (٦٤٤٠).\n(^٣) مجمع الزوائد للهيثمي ٢/ ١٦٦.","vol":"4","page":1774},{"text":"والدارقطني في العلل، والبيهقي في الشعب وفي فضائل الأوقات، كلها من طريق زيد بن علي بن الحسين بن علي عن مرجانة عن فاطمة عن أبيها، ثم قال الحافظ: وفي إسناده اختلاف على زيد بن على، وفي بعض رواته من لم يعرف حاله (^١).\nويلاحظ أنه لم يذكر ما ذكره الهيثمي من الانقطاع بين مرجانة، وفاطمة ﵂، وهذا يؤيد ما قدمته من أنه قد يكون في طرق الحديث بعض العلل الأخرى غير الاختلاف.\nويلاحظ أن الحافظ ابن حجر لم يرجح شيئا في هذا الاختلاف (^٢) وقد يصرح العراقي بترجيح في الخلاف، نقلا عن غيره، مع إقراره، وهذا كثير (^٣) وقد لا يصرح بالراجح المذكور في بعض مصادر تخريج الحديث، ولكن يفهم الترجيح من سياق كلامه، وقد يبين الراجح من جانبه هو، ولو خالفه غيره في هذا، وقد يصرح بوصف الحديث بالاضطراب.\nوتفصيل الأمثلة لذلك، كما يلي:\nفقد ذكر حديث: «من شهد صلاة العشاء فكأنما قام نصف ليلة» وعزاه إلى مسلم من حديث عثمان ﵁ مرفوعا، ثم قال: قال الترمذي:\n_________\n(^١) ينظر الفتح ٢/ ٤٤١ حديث (٩٣٥).\n(^٢) وتنظر بعض الأمثلة الأخرى في المغني ١/ ١٩٢ (٧)، ٦٤ (٢)، ٢/ ٣٧٥ (٥)، ٣/ ١٣٩ (٥).\n(^٣) ينظر المغني مع الإحياء ١/¬٣٨ (٤)، ٣٩ (١)، ١١٩ (٢)، ١٧٢ (٢) مع الاتحاف ٣/ ١٤٠ لتصويب ما في المغني المطبوع، ١٩٤ (٥)، ٢٧٣ (٢)، ٢/ ١٦٦ (٢)، ٢٨٣ (٤)، (٣/ ١٣٣) ٦ (، ٤/ ١٦٠) ٧ (، ٢٧٦) ٣ (،) ٥","vol":"4","page":1775},{"text":"وروى عن عثمان موقوفا (^١)\nفالسياق هنا يفيد رجحان الوجه المرفوع، لتصحيح الإمام مسلم له وعدم ظهور مرجح للموقوف.\nوعند مراجعة جامع الترمذي نجده لم يقتصر على الإشارة إلى الرواية الموقوفة، وإنما أخرج الرواية المرفوعة من إحدى طريقي مسلم (^٢) وهي: سفيان الثورى عن عثمان بن حكيم عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن عثمان، مرفوعا، وقال عقبها: حديث عثمان حديث حسن صحيح، وقال عقب الإشارة للرواية الموقوفة: وروى من غير وجه عن عثمان، مرفوعا (^٣).\nفهاتان قرينتان ظاهرتان على ترجيح الترمذي للمرفوعة، مع الإشارة إلى وجه الترجيح، وهو أكثرية رواتها\nوأما الدارقطني، فاختلف ترجيحه، ففي التتبع رجح الوقف، بأحفظية رواته (^٤) وفي العلل، استعرض الخلاف في طرق الحديث رفعا، ووقفا، ثم قال: والأشبه بالصواب: حديث الثورى، وقد أخرجه مسلم في صحيحه (^٥)، وحيث لم نعرف المتأخر من قولى الدارقطني هذين، فنأخذ بما وافقه عليه غيره منهما، وهو ترجيح الرفع\nوأما تصريح العراقي بالترجيح دون عزو لغيره، فمنه: أنه ذكر\n_________\n(^١) المغني مع الإحياء ١/ ١٥٤ (٥).\n(^٢) كتاب المساجد (٢٦٠).\n(^٣) جامع الترمذي - الصلاة حديث (٢٢١).\n(^٤) ينظر التتبع/ ٣٦٠ - ٣٦٢\n(^٥) العلل ٣/ مسألة (٢٧٩).","vol":"4","page":1776},{"text":"حديث أنس ﵁ مررت ليلة أُسري بي، بقوم يخمشون وجوههم بأظفارهم (الحديث) وعزاه إلى أبي داود مسندا ومرسلا، ثم قال: والمسند أصح (^١).\nوعند مراجعة الحديث في سنن أبي داود، نجده أخرج الرواية المرفوعة عن شيخه محمد بن المصفي عن بقية - يعني ابن الوليد - وأبي المغيرة - كلاهما عن صفوان عن راشد بن سعد، وعبد الرحمن بن هبيرة، عن أنس مرفوعا، ثم قال أبو داود: حدثنا يحيى بن عثمان عن بقية - يعني ابن الوليد - ليس فيه أنس.\nثم قال: حدثنا عيسى بن أبي عيسى السيلحينى، عن أبي المغيرة، كما قال ابن المصفي (^٢).\nوعند تأمل صنيع أبي داود هذا نجد فيه إشارة إلى ترجيح الرواية المسندة على المرسلة، حيث ذكر متابعة لشيخه محمد بن المصفي على الرواية المسندة، ولم يذكر متابعة لشيخه يحيى بن عثمان على الرواية المرسلة.\nولكنه لم يصرح بالترجيح كما ترى.\nوأيضا الحافظ المنذري ذكر المسند والمرسل، ولم يذكر ترجيحا لأيهما (^٣).\nفيعتبر تصريح العراقي يترجيح الرواية المسندة الموصولة، من استنتاجه هو،\n_________\n(^١) ينظر المغني ٣/ ١٣٩ (١).\n(^٢) سنن أبي داود - الأدب - باب الغيبة (رقم ٤٨٤٤، ٤٨٤٥).\n(^٣) مختصر سنن أبي داود للمنذري ٧/ ٢١٣ مع المعالم وتهذيب السنن، والترغيب والترهيب للمنذرى - الأدب - الترهيب من الغيبة ٤/ حديث (٤١٧٠) ط دار الحديث.","vol":"4","page":1777},{"text":"بالنظر في صنيع أبي داود.\nكما أن الضياء المقدسي قد أخرج الرواية المسندة، في المختارة (^١) ولعل صاحب عون المعبود ﵀ لم يتح له مراجعة ترجيح العراقي هذا، ولذلك لم يذكره في شرحه للسنن، مع أهميته في الاستدلال بالحديث (^٢).\nوأما خلاف العراقي مع غيره بالنسبة للاختلاف:\nفمنه: أنه ذكر حديث القراءة في المغرب ليلة الجمعة: «قل يا أيها الكافرون»، «وقل هو الله أحد» (الحديث)، وعزاه إلى ابن حبان في صحيحه، والبيهقي في سننه الكبرى من حديث جابر بن سمرة، وقال: وفي ثقات ابن حبان: المحفوظ عن سماك، مرسلا، وعقب على هذا بقوله:\nقلت: لا يصح مسندا ولا مرسلا (^٣).\nوبمراجعة المصادر التي عزا العراقي إليها الحديث، نجد البيهقي أخرج الرواية المسندة من طريق سعيد بن سماك بن حرب عن أبيه عن جابر بن سمرة، مرفوعا، ولم يتكلم عنها بشيء (^٤).\nوكذلك أخرجها ابن حبان في صحيحه، من الطريق نفسه (^٥) ولم يتعقبها بشيء، فدل ذلك على تصحيحه لها، وترجيحها على الرواية المرسلة، ولكنه\n_________\n(^١) المختارة للضياء المقدسي - بتحقيق فضيلة الدكتور/ عبد الملك بن دهيش ٦/ ٢٦٥.\n(^٢) عون المعبود لأبي الطيب شمس الحق ١٣/ ٢٢٣ - ٢٢٤.\n(^٣) المغني مع الإحياء ١/ ١٩٤ (١) والإتحاف ٣/ ٢٩٥.\n(^٤) السنن الكبرى للبيهقي ٣/ ٢٠١.\n(^٥) الإحسان ٥/ حديث (١٨٤١).","vol":"4","page":1778},{"text":"ذكر في كتاب الثقات، الحديث من الطريق نفسه أيضا، ثم قال: المحفوظ عن سماك مرسلا (^١).\nومقتضاه أنه يرى الرواية المسندة معلولة، ولو كان رجالها ثقات، مع اتصال السند، فتكون شاذة، لمخالفتها للمحفوظ من طريقي الحديث، وهو الطريق المرسل.\nوبذلك اختلف ترجيح ابن حبان، كما ترى، فمرة رجح الرواية المسندة بتصحيحها، ومرة رجح الرواية المرسلة، بتقريره أنها هي المحفوظة.\nونلاحظ أن العراقي لم يأخذ بأى من الترجيحين، فقرر عدم صحة الحديث من أي من الوجهين، وهنا يتفق مع الراجح من حال الراوي الذي عليه مدار طريقي الحديث، وهو «سعيد بن سماك» فإنه قد ذكره ابن حبان في الثقات، ولكن أشار إلى إعلال روايته للحديث، كما تقدم، وقال فيه أبو حاتم: متروك الحديث (^٢) ومقتضاه شدة ضعف الحديث من طريقه مسندا أو مرسلا.\nفيعتبر بيان العراقي لعدم صحته مسندا ومرسلا، أولى من سكوت كل من البيهقي وابن التركماني - شيخ العراقي - عليه (^٣).\nفي حين عقب الذهبي على الحديث بقوله: قلت: سعيد متروك (^٤) وبه يتأيد حكم العراقي السابق.\n_________\n(^١) ينظر الثقات لابن حبان ٦/ ٣٦٧.\n(^٢) الثقات لابن حبان ٦/ ٣٦٧ والجرح والتعديل ٣/¬٣٢ واللسان ٣/¬٣٣.\n(^٣) السنن الكبرى للبيهقى، وبهامشه الجوهر النقى لابن التركماني ٣/ ٢١٠.\n(^٤) المهذب في اختصار سنن البيهقي للذهبي ٣/ ١٧٦ حديث (٤٠٦٨).","vol":"4","page":1779},{"text":"وذكر العراقي أيضا حديث «إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله رب العالمين» من حديث سالم بن (عبيد)، وعزاه إلى أبي داود، والترمذي، ثم قال: واختلف في إسناده (^١).\nوبمراجعة ما عزا المؤلف الحديث إليه، وغيره من المصادر، نجد أن الحديث قد روي عن منصور بن المعتمر، واختلفت الرواية عنه، بعضها عن منصور عن هلال ابن يساف، عن سالم بن عبيد.\nوبعضها بذكر واسطة.\nوبعضها بذكر واسطتين بين هلال بن يساف وبين سالم.\nوقد أخرج أبو داود الرواية التي بدون واسطة، والتي بواسطة، وهو خالد بن عرفطة، بين هلال، وبين سالم، ولم يتعرض لترجيح أي منهما (^٢).\nوأخرج الترمذي الرواية التي بدون واسطة، ثم أشار إلى الخلاف بذكر الواسطة، ولم يرجح شيئا (^٣).\nأما ابن حبان، فأخرج ا ديث في صحيحه، من طريق إسرائيل عن منصور، عن هلال بن يساف عن سالم، به، دون تعقب منه، فاقتضى ذلك ترجيحه للوجه الذي بدون واسطة، وتصحيحه (^٤).\nوعزا الحافظ ابن حجر الحديث إلى أصحاب السنن، وصحح إسناده،\n_________\n(^١) ينظر المغني مع الإحياء ٢/ ٢٠٥ (٤).\n(^٢) سنن أبي داود - الأدب/ ٥/ حديث (٤٩٩٢، ٤٩٩٣).\n(^٣) جامع الترمذي - الأدب (رقم ٢٧٤٠).\n(^٤) الإحسان ٢/ حديث (٥٩٩) ط الرسالة.","vol":"4","page":1780},{"text":"فاقتضى ذلك أيضا ترجيحه لهذا الوجه الذي بدون واسطة (^١).\nأما النسائي والحاكم فقررا أن هذا الوجه الذي بدون واسطة، وهم، وخطأ من راويه، وعلل الحاكم ذلك بأن هلال بن يساف، لم يدرك سالم بن عبيد، ولم يره (^٢).\nومقتضى ذلك ترجيح الروايات التي فيها واسطة، وإن كان فيها علة جهالة تلك الواسطة.\nوعليه يكون ما جرى عليه ابن حبان والحافظ ابن حجر من ترجيح الرواية التي بدون واسطة، وتصحيحها، مردود عليهما بما ذكره كل من النسائي والحاكم.\nلكن الحافظ العراقي في عبارته السابقة، اكتفي بذكر الخلاف، ولم يأخذ لا بترجيح ابن حبان وابن حجر، ولا بترجيح النسائي والحاكم.\nأما الحافظ المنذري، فذكر ترجيح النسائي وأقره (^٣) وهو ما يؤيده قول الحاكم: بأن هلال بن يساف لم يدرك سالم بن عبيد، كما تقدم.\n\n<span data-type='title' id=toc-543>تصريح العراقي بوصف الحديث بالاضطراب، ونقده في ذلك:</span>\nوأما تصريحه بالوصف بالاضطراب، دون عزو ذلك لغيره، أو بالنقل عن الغير دون تعقب، فقد جاء هذا أو ذاك في أكثر من موضع (^٤) ومقتضى\n_________\n(^١) الإصابة لابن حجر ٢/¬٥/ ترجمة (سالم بن عبيد).\n(^٢) سنن النسائي الكبرى - عمل يوم وليلة ٦/ حديث (١٠٠٥٣ - ١٠٠٥٩)، والمستدرك ٤/ ٢٦٧.\n(^٣) مختصر سنن أبي داود للمنذرى مع معالم السنن ٧/ ٣٠٦ - ٣٠٧.\n(^٤) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ١٣٨ (٢) و٢/ ١٣٢ (٣)، ٢٨٣ (١).","vol":"4","page":1781},{"text":"التعريف الاصطلاحي للمضطرب (^١) أن العراقي لم يترجح له وجه معتبر، لا للجمع ولا للترجيح بين وجه أو أوجه الخلاف في الحديث الذي وصفه بذلك أو أقر وصف غيره له بذلك.\nلكني وجدت بعض أمثلة لم يتوافر فيها الضابط الاصطلاحي للمضطرب، وحكم العراقي عليها بالاضطراب أو نقله عن غيره، دون تعقب.\nفقد ذكر حديث: (ردوا السائل ولو بظلف محرق) وعزاه إلى أبي داود، والترمذي والنسائي، من حديث أم بجيد، وذكر قول الترمذي عن الحديث: حسن صحيح، ثم قال: وقال ابن عبد البر: حديث مضطرب (^٢).\nوبمراجعة الحديث عند من عزاه العراقي إليهم، نجده عندهم من طريق سعيد المقبري عن عبد الرحمن بن بجيد، عن جدته أم بجيد، مرفوعا (^٣) وقال الترمذي: حديث أم بجيد حديث حسن صحيح.\nوهكذا أخرجه ابن خزيمة (^٤) وابن حبان (^٥).\nوالحاكم في مستدركه، وصححه، ووافقه الذهبي (^٦).\nوأما قول ابن عبد البر، فقد ذكره في الاستيعاب في ترجمة (أم بجيد)\n_________\n(^١) ينظر فتح المغيث للعراقي ١/ ١١٣ وللسخاوى ١/ ٢٣٣ ط حبيب الرحمن الأعظمي.\n(^٢) ينظر المغني مع الإحياء ٤/ ٢٠٥ (٢).\n(^٣) ينظر سنن أبي داود ٢/ الزكاة/ حديث (١٦٦٤) ط عوامة، والترمذي ٢/ الزكاة/ حديث (٦٦٥) ط. د/ بشار، والنسائي/ الزكاة ٥/ ٨٦.\n(^٤) صحيح ابن خزيمة/ حديث (٢٤٧٣).\n(^٥) الإحسان ٨/ حدث (٣٣٧٣):\n(^٦) المستدرك مع تلخيص الذهبي له ١/ ٤١٧.","vol":"4","page":1782},{"text":"حيث ذكرها باسم (حواء الأنصارية) وأخرج من طريق حفص بن ميسرة عن زيد بن أسلم عن عمرو بن معاذ الأنصاري عن جدته حواء قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ردوا السائل ولو بظلف محرق، ثم قال: وروى المقبري عن عبد الرحمن ابن بجيد الأنصاري عن جدته قالت: قال رسول الله ﷺ يا نساء المؤمنات، لا تحقرن إحداكن لجارتها، ولو فرسن شاة، ثم قال: وقد ذكرنا الاضطراب في هذا الإسناد، في كتاب التمهيد (^١)، ثم ذكرها في باب الكنى فقال: أم بجيد الأنصارية الحارثية، قيل اسمها «حواء» وفي ذلك اضطراب، وهي مشهورة بكنيتها، ثم قال: حديثها عن سعيد المقبري عن عبد الرحمن بن بجيد أخي بني حارثة، أن جدته أم بجيد حدثته … وذكر حديث السائل الذي معنا، بنحوه، وذكر جماعة من الرواة المحتج بهم، رووه هكذا، عن المقبري (^٢).\nوبذلك صار في سند الحديث ومتنه اختلاف كما ترى، بين حفص بن ميسرة، وبين سعيد المقبري، ولكنهما لم يشتركا في رواية الحديث عن شيخ واحد، كما هو الأصل في الاختلاف، ولكن خلافهما هنا عبارة عن تبادل سندين ومتنين بكاملهما، فجعل سند أحد الحديثين لمتن الحديث الآخر، ومتن أحدهما لسند الآخر. وهذا سماه ابن عبد البر في الموضعين من الاستيعاب، اضطرابا، كما قدمت، وأحال بتوضيحه على التمهيد، وبمراجعة التمهيد، نجده ذكر حديث السائل من طريق سعيد المقبري السابقة، ثم قال: وخالف حفص بن ميسرة أبو عمرو الصنعاني، في إسناد هذا الحديث، وفي الذي قبله\n_________\n(^١) الاستيعاب ٤/ ٢٦٤ مع الإصابة.\n(^٢) الاستيعاب مع الإصابة ٤/ ٤١٧.","vol":"4","page":1783},{"text":"- يعني حديث: لا تحقرن إحداكن لجارتها - فقلبهما، وجعل إسناد هذا، في متن ذلك (^١).\nفسمى صنيع حفص هذا مخالفة، وقلبا، ولم يسمه اضطرابا كما سماه في الاستيعاب، ومعروف أن الاختلاف لا يسمى اضطرابا إلا عند تعذر الجمع أو الترجيح، كما قدمت، ويبدو أن ابن عبد البر أطلق الاضطراب بمعنى مطلق الاختلاف، لأن من يتأمل باقى كلامه المحال عليه في التمهيد يجد فيه ما يقتضي ترجيحه بنفسه رواية حديث السائل من طريق المقبري عن عبد الرحمن بن بجيد عن جدته، على روايته من طريق حفص بن ميسرة عن زيد بن أسلم عن عمرو بن معاذ عن جدته أم بجيد.\nفقد ذكر رواية مالك للحديث عن زيد بن أسلم عن ابن بجيد عن جدته، ثم قال: هكذا رواه جماعة رواة الموطأ عن مالك، وذكر متابعة معمر لمالك، على سند الحديث ومعناه، كما ذكر متابعة منصور بن حبان وسعيد المقبري لزيد بن أسلم عليه، بمعناه.\nوأما رواية الحديث من طريق حفص عن زيد بن أسلم عن عمرو بن معاذ عن جدته أم بجيد، فقد وصفها بأنها مخالفة، ومقلوبة، ولم يذكر لحفص متابعا إلا هشام بن سعد فقط، وعقب على ذكر متابعته بقوله: وهذا الحديث إنما هو لابن بجيد (^٢)، يعني: وليس لعمرو بن معاذ، كما رواه حفص، وهشام ابن سعد.\n_________\n(^١) ينظر التمهيد ٤/ ٢٩٥، ٢٩٦، ٢٩٨ - ٣٠١.\n(^٢) ينظر التمهيد ٤/ ٣٠٠.","vol":"4","page":1784},{"text":"ومقتضى هذا ترجيحه رواية سعيد المقبري ومن تابعه.\nوعند البحث والنظر نجد أن من تابع زيد بن أسلم، وهما: سعيد المقبري، ومنصور بن حبان، أكثر وأوثق (^١) ممن تابع حفص بن ميسرة، وهو هشام بن سعد (^٢).\nفطالما أمكن الترجيح، بهذا الوجه المعتبر، وأيده ما ذكره ابن عبد البر نفسه، فقد زال الاضطراب الذي أطلقه في الاستيعاب، ويؤيد هذا الترجيح وزوال الاضطراب تصحيح عدد من الأئمة للحديث من طريق سعيد المقبري، كما قدمت.\nوعليه فما كان للعراقي أن يتعقب ما ذكره الترمذي من تصحيح الحديث، بذكر وصف ابن عبد البر له بالاضطراب، مع السكوت عنه.\nوذكر العراقي أيضا حديث: إنما الصلاة تمسكن ودعاء وتضرع (الحديث)، وعزاه إلى الترمذي والنسائي بنحوه، من حديث الفضل بن العباس، ثم قال: بإسناد مضطرب (^٣) وتبعه في هذا الزبيدي (^٤) وبمراجعة ما عزا العراقي الحديث إليه من المصادر، نجد أنه قد رواه الليث بن سعد، وشعبة، كلاهما عن عبد ربه بن سعيد، واختلفا عليه، وبعض النقاد توقف عن الترجيح في هذا الاختلاف (^٥).\n_________\n(^١) ينظر التقريب (٢٣٢١)، (٦٨٩٧).\n(^٢) ينظر التقريب (٧٢٩٤).\n(^٣) المغني مع الإحياء ١/ ١٥٦ (٢).\n(^٤) الإتحاف ٣/¬٢١.\n(^٥) ينظر الضعفاء للعقيلي ٢/ ٣١١/ ترجمة عبد الله بن نافع، والآحاد والمثاني لابن أبي عاصم ١/ ٣٥٦ وصحيح ابن خزيمة ٢/ حديث (١٢١٢، ١٢١٣) وسنن قط ١/ ٤١٨/ حديث (٤).","vol":"4","page":1785},{"text":"وصرح ابن عبد البر بوصف الإسناد بالاضطراب، وضعفه لأجله (^١)، ولعله هو مستند العراقي في الجزم بالاضطراب، وإن لم يعزه إلى ابن عبد البر، ولا غيره، كما تقدم.\nلكن هناك عدد أكثر من العلماء النقاد، قرروا ترجيح رواية الليث بن سعد للحديث عن عبد ربه بن سعيد عن عمران بن أبي أنس عن عبد الله بن نافع ابن العمياء عن ربيعة بن الحارث عن الفضل بن العباس، به مرفوعا.\nومنهم البخاري، وأبو حاتم الرازي، وقد أيدا ترجيحهما بأمر معتبر، وهو وجود متابع ثقة لليث بن سعد، على روايته السابقة، وهو «عمرو بن الحارث المصري» (^٢) في حين لم نجد متابعا لشعبة، كما أن الليث وعمرو بن الحارث كانا يكتبان مروياتهما، وشعبة كان صاحب حفظ يعتمد على حفظه، أكثر منهما، كما ذكر أبو حاتم الرازي (^٣).\nويعتبر الحديث من رواية الليث الراجحة ضعيفا، لأن «عبد الله بن نافع بن أبي العمياء» في سنده، كما تقدم توضيحه، وقد وصفه البخاري بأنه لم يصح حديثه (^٤)\n_________\n(^١) التمهيد ١٣/ ١٨٦.\n(^٢) التقريب (٥٠٠٤).\n(^٣) ينظر علل الحديث للرازى ١/ مسألة (٣٢٤، ٣٦٥)، وجامع الترمذي - الصلاة/ حديث (٣٨٥) والعلل الكبير له - بترتيب أبي طالب القاضي ١/ ٢٥٨/ حديث (١٢٩) وسنن النسائي الكبرى ١/ حديث (٦١٥، ١٤٥٠)، وتاريخ البخاري ٣/ ترجمة (٩٧٢) (ربيعة ابن الحارث) والطبراني في الأوسط حديث (١٨٦٣٢) ط الحرمين وفي الدعاء ٢/ ٨٨٤ ومعالم السنن للخطابي ١/ ٢٤١ - باب الأمر بالتطوع والعلل للدارقطني ٥/ ق ١٠/ أ، والسنن الكبرى للبيهقي ٢/ ٤٨٧.\n(^٤) ينظر الكاشف ١/ ٦٠٢/ ترجمة (٣٠١٦).","vol":"4","page":1786},{"text":"لكن بثبوت الترجيح يندفع عنه وصف الاضطراب الذي اقتصر كل من ابن عبد البر ثم العراقي عليه في تضعيف الحديث به، ويصبح الحديث مضعفا، لا من جهة اضطراب إسناده، ولكن من جهة حال راويه (عبد الله بن نافع) كما تقدم.\n\n<span data-type='title' id=toc-544>من نقد العراقي لمتن الحديث بالنكارة أو الشذوذ (^١) أو نحوهما:</span>\nمن الانتقادات التي وجهت إلى علماء الحديث: أنهم ركزوا عنايتهم في نقد أسانيد الأحاديث، ورواتها، ولم يعطوا نقد المتون من العناية إلا قدرًا يسيرًا، وقد انبرى لرد هذا الانتقاد عدد من الباحثين، إجمالا، وتفصيلا (^٢).\nوقد أردت هنا أن أجعل بيان ما وقفت عليه من جهود للعراقي في نقد المتون، بمثابة رد عملى على هذا الانتقاد، حيث وجدته جعل من منهجه في بيان درجة الأحاديث، نقد بعضها من جهة متنه، ولو لم يقف له إسناد مطلقا، أو وقف له على إسناد مستقيم، ولكن المتن منتقد، وقد يجمع بين نقد المتن والإسناد معا، وقد يصرح في بعض المواضع بالنقل عن سبقه من النقاد دون تعقب، أو مع إضافة من جانبه.\nفقد ذكر الغزالي حديث أنس من صلى يوم الاثنين اثنتي عشرة ركعة (الحديث) فقال العراقي: ذكره أبو موسى المديني بغير سند، وهو منكر (^٣)\n_________\n(^١) ينظر في تعريف المنكر والشاذ/ فتح المغيث للعراقي ١/ ٨٩ - ٩٣، والنكت لابن حجر ٢/ ٦٥٢ - ٦٧٩ وفتح المغيث للسخاوى ١/ ١٩٣ - ٢٠٢ ط الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي.\n(^٢) ينظر مثلا كتاب (نقد متون السنة) للأخ الفاضل الدكتور/ مسفر الدميني/ ص ٢٣٨ وما بعدها.\n(^٣) المغني مع الإحياء ١/ ٢٠٤ (٦).","vol":"4","page":1787},{"text":"وتبعه الزبيدي في هذا (^١).\nويلاحظ أن العراقي قرر عدم وقوفه للحديث على أي سند في المصدر الذي عزاه إليه، فيعتبر حكمه بالنكارة متوجها إلى المتن فقط، كما أن التعريف الاصطلاحي للحديث المنكر، غير منطبق عليه، إلا باعتبار أن ألفاظ هذا المتن فيها مبالغة في الثواب، ومخالفة للثابت في هيئة الصلاة (^٢).\nوذكر العراقي أيضا حديث أبي هريرة: من صلى ليلة الخميس ما بين المغرب والعشاء ركعتين (الحديث) وعزاه إلى أبي موسى المديني، وأبي منصور الديلمي في مسند الفردوس، ثم قال: بسند ضعيف جدا، وهو منكر (^٣).\nفيلاحظ هنا أنه بين درجة الإسناد ثم أتبعها بوصف النكارة فينصرف إلى المتن (^٤).\nوذكر حديث «مثل الذي يغزو، ويأخذ أجرًا مثل أم موسى، ترضع ولدها، وتأخذ أجرها» وعزاه إلى ابن عدي من حديث معاذ، وذكر أن ابن عدي قال: مستقيم الإسناد، منكر المتن (^٥) فهذا إقرار من العراقي لما قرره أحد النقاد المتقدمين وهو ابن عدي، وجمع فيه بين الحكم باستقامة السند ونكارة المتن المروى به (^٦).\n_________\n(^١) الاتحاف ٣/ ٣٧٤، ٣٧٥.\n(^٢) وينظر أيضا المغني مع الإحياء ١/ ٢٠٦، (١)، (٢)، (٣).\n(^٣) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ٢٠٧ (١).\n(^٤) وينظر أيضا المغني مع الإحياء ١/ ٢٠٧ (٣).\n(^٥) المغني مع الإحياء ١/ ٢٦٩ (٣).\n(^٦) ينظر الكامل لابن عدي ١/ ٢٩١/ ترجمة «إسماعيل بن عياش».","vol":"4","page":1788},{"text":"لكن ابن الجوزي أخرج الحديث في الموضوعات من طريق ابن عدي وحكم بوضعه، وجعل علة ذلك خطأ راويه إسماعيل بن عياش، وأيد ذلك بوصف ابن حبان لابن عياش بتغير حفظه وكثرة خطئه التي تخرجه عن حد الاحتجاج (^١) به.\nولو سلم قول ابن حبان هذا في ابن عياش فهو لا يقتضي الحكم بوضع الحديث من طريقه، ثم إنه غير مسلم لابن حبان قوله المذكور، لأن غيره من النقاد قد قرروا أن ما عُرف لابن عياش من أخطاء قادحة، فذلك في روايته عن غير الشاميين (^٢) وهو يروى الحديث في هذا الطريق الذي انتقده ابن الجوزي، عن صفوان بن عمرو السكسكي الحمصي، وقد وثقه غير واحد، ولم ينتقد عليه هذا الحديث (^٣)، بل إن تلميذ ابن عياش أيضا في هذا الحديث شامى (^٤).\nولذا تعقب الذهبي ابن الجوزي في الحكم بوضع الحديث عموما فقال: وهذا إسناد صالح، ومتن غريب، لا يليق إيراده في الموضوعات (^٥) وتابعه على هذا ابن عراق (^٦) ويلتقى هذا مع ما قرره العراقي فيما تقدم.\nوبهذا تتابع على نقد متن الحديث وسنده من تقدم، ومن تأخر.\n_________\n(^١) تنظر الموضوعات لابن الجوزي - باب مثل من يحج عن غيره ٢/ حديث رقم (١١٧٤) ط أضواء السلف.\n(^٢) ينظر الكاشف ١/ ترجمة (٤٠٠) مع تعليق فضيلة المحقق عليها، والتقريب (٤٧٣) وبذل الماعون/ ١٩٦ - ١٩٧\n(^٣) ينظر التهذيب ٤/ ترجمة (٧٤١).\n(^٤) ينظر الكامل ١/ ٢٩١ والموضوعات لابن الجوزي ٢/ حديث (١١٧٤).\n(^٥) ينظر تلخيص الذهبي لموضوعات ابن الجوزي/ حديث (٥٢٢) ط. مكتبة الرشد\n(^٦) ينظر تنزيه الشريعة ٢/ ١٧٤","vol":"4","page":1789},{"text":"وذكر الغزالي حديث «إن الله تعالى خمر طينة آدم بيده أربعين صباحا» فعزاه العراقي إلى أبي منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث ابن مسعود، وسلمان الفارسي، ثم قال: بإسناد ضعيف جدا، وهو باطل (^١) فقوله: «وهو باطل» متجه إلى متن الحديث، لتقدم توجيهه نقدا آخر للسند بأنه ضعيف جدا، كما ترى (^٢).\nوذكر العراقي حديث «إذا قام أحدكم من الليل يصلي، فليجهر بقراءته، فإن الملائكة، وعمار الدار يستمعون إلى قراءته (الحديث)، وقال: رواه بنحوه، بزيادة فيه، أبو بكر البزار، ونصر المقدسي في المواعظ، وأبو شجاع - يعني الديلمي صاحب الفردوس - من حديث معاذ بن جبل، ثم قال: وهذا حديث منكر، ومنقطع» (^٣).\nوقد راجعت ما تيسر لي من المصادر التي عزا العراقي الحديث إليها، وهو مسند البزار، فوجدته أخرج الحديث بسنده، من طريق خالد بن معدان عن معاذ بن جبل: أن النبي ﷺ قال: من صلى منكم من الليل فليجهر بقراءته (الحديث) بطوله، في صفحتين ونصف تقريبا، وقال البزار عقب روايته له: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن النبي ﷺ بهذا اللفظ، إلا من هذا الوجه، ولم يسمع خالد بن معدان من معاذ، وإنما ذكرناه، لأنا لم نحفظه عن النبي ﷺ إلا من هذا الوجه، فلذلك ذكرناه (^٤).\n_________\n(^١) ينظر المغني مع الإحياء ٤/ ٢٦٩ (١).\n(^٢) وينظر أيضا المغني مع الإحياء ١/ ٣٧٣ (١)، ٤/ ١٩٤ (٢).\n(^٣) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ٢٨٦ (٢).\n(^٤) مسند البزار بتحقيق الدكتور/ محفوظ الرحمن ٧/ حديث (٢٦٥٥)، وكشف الأستار =","vol":"4","page":1790},{"text":"وكلام البزار هذا يفيد ما صرح به العراقي من نقد سند الحديث بأنه منقطع، كما يفيد أن وصفه له بالنكارة راجع إلى متنه، ومن يطالع المتن بطوله، سيجد فيه من المبالغات، ما يقتضي النكارة، وبذلك يظهر أن العراقي نقد سند الحديث ومتنه، وأنه استفاد في ذلك من نقد من سبقه ممن روى الحديث، ونقده، وهو الإمام البزار، وإن كان العراقي لم ينسب له غير رواية الحديث فقط، كما تقدم.\nوهذا النقد من العراقي أولى مما فعله قرينه وتلميذه الهيثمي، حيث اقتصر على نقد الحديث من جهة سنده فقط (^١).\nوقد وجد للحديث شاهد من طريق داود بن راشد الطفاوي الكرماني، عن مسلم بن شداد عن عبيد بن عمير عن عبادة بن الصامت، بنحوه (^٢). وداود ابن راشد قال فيه ابن حجر في التقريب (^٣) «لين الحديث».\nوبه يستدرك على البزار فيما ذكره من أنه لم يعلمه عن النبي ﷺ إلا من الوجه الذي ذكره، وهو حديث معاذ ﵁.\nلكن تبقى نكارة المتن ظاهرة في كلتا الروايتين، لمن يطالعهما، وذلك لما اشتملا عليه من المبالغات الزائدة.\nوقد لا يقتصر العراقي على الوصف بمجرد النكارة، فنجده يحكم بالنكارة الشديدة.\n_________\n= ١/ ٣٤١ حديث (٧١٢) ومجمع الزوائد ٢/ ٢٥٣.\n(^١) ينظر مجمع الزوائد للهيثمي ٢/ ٢٥٣ - ٢٥٤ (كتاب الصلاة).\n(^٢) اللآلئ المصنوعة ١/ ٢٤٠ - ٢٤١ وتنزيه الشريعة ١/ ٢٩١، ٢٩٢.\n(^٣) التقريب/ ترجمة (١٧٨٣).","vol":"4","page":1791},{"text":"فقد ذكر الغزالي حديث «من أكل ما سقط من المائدة عاش في سعة، وعوفي في ولده» فعزاه العراقي إلى أبي الشيخ ابن حبان الأصبهاني في كتاب الثواب له، من حديث جابر بلفظ «أمن من الفقر والبرص والجذام، وصرف عن ولده الحمق» ثم قال: وله - يعني أبا الشيخ ابن حبان - من حديث الحجاج ابن علاط (السلمي): «أعطى سعة من الرزق، ووقى في ولده» ثم قال: وكلاهما - يعني الحديثين - منكر جدا (^١).\nوالكتاب الذي عزا العراقي الحديثين إليه، وهو كتاب «الثواب» لأبي الشيخ الأصبهاني، لا أعرف حتى الآن، وجود نسخة خطية له، حتى أتبين مراد العراقي بالنكارة الشديدة في هذين الحديثين.\nلكن الزبيدي في شرحه للإحياء، ذكر أن الخطيب البغدادى في كتابه «المؤتلف والمختلف» روى من طريق هدبة بن خالد عن حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس - رفعه -: «من أكل ما تحت المائدة أمن من الفقر» ثم قال: قال الحافظ ابن حجر في أطراف المختارة: في سنده - يعني الحديث المذكور - هذبة، على شرط مسلم، والمتن منكر فينظر من دون «هدبة» (^٢).\nفأفاد هذا، أن وصف النكارة الشديدة في كلام العراقي متجه إلى متن الحديث، وقد ذكر ابن عراق (^٣) والزبيدي (^٤) عدة روايات أخرى للحديث\n_________\n(^١) المغني مع الإحياء ٢/¬٦ (٥).\n(^٢) الإتحاف للزبيدي ٥/ ٢٢٤، ولم أجد الحديث في المطبوع من المختارة، من طريق حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس /¬٥/¬٢٥ - ٨٠.\n(^٣) تنزيه الشريعة لابن عراق ٢/ ٢٦٢ (كتاب الأطعمة).\n(^٤) الإتحاف ٥/ ٢٢٤.","vol":"4","page":1792},{"text":"عن غير أنس وجابر ﵄ وبعضها في سنده كذاب، وبعضها في سنده ضعيف.\nفأشار الزبيدي إلى أن تعدد هذه الروايات ومنها الضعيف فقط، يعارض الوصف بشدة النكارة التي حكم بها العراقي، ولاسيما حديث أنس الذي أخرجه الضياء في المختارة، وبذلك يكون الأولى الاقتصار على الوصف بمطلق النكارة فقط، كما ذكره الحافظ ابن حجر فيما تقدم.\nوذكر العراقي حديث أبي ذر: أن أبا بكر قال: يا رسول الله، هل من جهاد غير قتال المشركين (الحديث) مطولا، وقال: الحديث بطوله، لم أقف له على أصل، وهو منكر (^١). وتبعه الزبيدي (^٢)\nفقول العراقي: (لم أقف له على أصل) يفيد عدم وقوفه على أي رواية له، لا بلفظه، ولا بمعناه، وبذلك يكون قوله بعد هذا «وهو منكر» موجه إلى نقد المتن المذكور، لما اشتمل عليه من مبالغات، لم يوجد ما يشهد لها.\nوقد يحكم العراقي بنكارة أو غرابة جزء من متن الحديث فقط، دون بقيته.\nفذكر الغزالي حديثا لأبي عبيدة بن الجراح قال: قلت: يا رسول الله، أي الشهداء أكرم على الله؟ قال: رجل قام إلى والي جائر، فأمره بالمعروف، ونهاه عن المنكر، فقتله، فإن لم يقتله، فإن القلم لا يجرى عليه بعد ذلك، وإن عاش ما عاش.\nوقد ذكر العراقي أن الحديث رواه البزار، دون قوله: فإن قتله .. إلى آخر\n_________\n(^١) المغني مع الإحياء ٢/ ٣٠٧ (١).\n(^٢) الإتحاف ٧/¬١٢.","vol":"4","page":1793},{"text":"الحديث، ثم قال: وهذه الزيادة منكرة.\nثم بين درجة إسناد البزار بقوله: وفيه أبو الحسن، غير مشهور، لا يعرف (^١) مجمع بذلك بين نقد سند رواية البزار، وخص ما زاد عنها من المتن بنقد خاص وهو النكارة، وقد تبعه في ذلك الزبيدي (^٢).\nوذكر الغزالي حديث عائشة «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث إلا أن يكون ممن لا يأمن بوائقه».\nفعزاه العراقي إلى ابن عدي - يعني في الكامل - وذكر أن ابن عدي قال عن الحديث: غريب المتن والإسناد، ثم قال: وحديث عائشة عند أبي داود، دون الاستثناء، بسند صحيح (^٣).\nوالمراد بقوله: «دون ذكر الاستثناء» يعني دون قوله «إلا أن يكون ممن لا يأمن بوائقه» وبذلك بين العراقي أن المنتقد بالغرابة من متن الحديث، هو تلك الزيادة فقط، لكون ما عداها قد صح من طريق آخر، فاندفعت غرابته.\nوقد يحكم بضعف حديث من جهة إسناده، ثم يحكم برد متنه من جهة وجود حديث آخر يعارضه.\nفقد ذكر حديث الطبراني في الصغير والأوسط من حديث عائشة أنه ﷺ كان له ثوبان الجمعته، فإذا انصرف طويتهما إلى (مثلها)، وقال: بسند\n_________\n(^١) المغني مع الإحياء ٢/ ٣٠٧ (٢).\n(^٢) الإتحاف ٧/¬١٢، وينظر مثال آخر في المغني مع الإحياء ٣/ ٢٥٢ (٣)، والإتحاف ٨/ ٢٠٢\n(^٣) المغني مع الإحياء ٢/ ٢٢٤ (٣).","vol":"4","page":1794},{"text":"ضعيف، ثم قال: ويرده حديث عائشة عند ابن ماجه «ما رأيته يسب أحدًا، ولا يطوى له ثوب (^١) وبمراجعة مصادر الحديث الأول، نجد الطبراني بعد تخريجه للحديث يقرر أنه لا يروى عن عائشة إلا بهذا الاسناد، وأنه تفرد به الواقدى (^٢) وبهذا ظهر وجه حكم العراقي بضعف إسناده، وهو وجود الواقدى فيه، مع تفرده به أيضا، وقد صرح العراقي في غير هذا الموضع بأنه ضعيف الحديث (^٣).\nأما الحديث الثاني الذي جعله معارضا يرد حديث الواقدي السابق، من جهة المتن، فقد أخرجه ابن ماجه من حديث عائشة ﵂ من طريق ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن على بن الحسين عن عائشة، به (^٤) وقال البوصيري: هذا إسناد ضعيف، لضعف عاصم بن عمر وابن لهيعة (^٥)، كذا جاء في طبعتين من مصباح الزجاجة للبوصيري (^٦) وعاصم ابن عمر بن قتادة» كما تقدم ذكره في الإسناد، ليس ضعيفا، بل متفق على توثيقه (^٧) فذكر البوصيري لتضعيفه وهم\n_________\n(^١) المغني مع الإحياء ٢/ ٣٧٤ (١).\n(^٢) ينظر المعجم الأوسط/ ط الحرمين/ ٤/ حديث (٣٥١٦) والصغير ١/ حديث (٤٢٤) مع الروض الداني\n(^٣) المغني مع الإحياء ٢/ ٣٥٩ (٧).\n(^٤) سنن ابن ماجه - ٢/ حديث (٣٥٥٤) (اللباس)\n(^٥) مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه للبوصيرى ٣/ ١٤٥ (اللباس) بتحقيق الأخ الفاضل الدكتور/ عزت عطية وموسى محمد على ﵀.\n(^٦) إحداهما سبقت الإحالة عليها والأخرى طبعة يوسف الحوت ٢/ حديث (١٢٤١).\n(^٧) الميزان ٢/ ت (٤٠٥٩) والتهذيب ٥/ ت (٨٥) والتقريب/ ت (٣٠٧١).","vol":"4","page":1795},{"text":"وبذلك يستبعد ذكره ضمن ما يضعف به الحديث، ويقتصر على ابن لهيعة فقط، وبهذا تكون درجة ضعف الحديثين متقاربة، بحيث لا يسلم للعراقي ما قرره من رد الحديث الأول بالثاني.\nوقد تعقبه الزبيدي في هذا فقال: قلت: «يمكن الجمع بينهما بأن يستثنى: أي غير ثوبى الجمعة»، ثم قال: «سيأتي أنه كان له برد أخضر للجمعة خاصة» (^١).\nكذا قال، والذي أحال عليه لفظه «في العيدين والجمعة» (^٢) فيشهد المعنى الحديث الأول في الجملة، وبه يترجح على الثاني، لا أن الثاني يرده كما ذكر العراقي، ولعله لم يتيسر له هذا الشاهد حين كلامه على هذا الحديث، بدليل أن الموضع التالي الذي ذكر فيه الزبيدي هذا الشاهد، لم يذكره العراقي، ولكن أحال بتخريج الحديث على هذا الموضع المتقدم (^٣).\nوقد يذكر مع الحكم بالنكارة تعليله بما يتوافق مع المعنى الاصطلاحي للمنكر، سواء من جهة السند أو المتن.\nفقد ذكر حديث «إذا كان يوم القيامة أنبت الله لطائفة من أمتى أجنحة، فيطيرون من قبورهم (الحديث) وفيه: أنهم يقولون: «ما رأينا حسابا، ولا صراطا، ولا جهنم» وعزاه إلى ابن حبان في الضعفاء وأبي عبد الرحمن السلمي، كلاهما من حديث أنس، مع اختلاف، ثم قال: وفيه - يعني سند\n_________\n(^١) الاتحاف ٧/ ١٢٨.\n(^٢) الإتحاف ٧/ ١٣٠.\n(^٣) ينظر المغني مع الإحياء ٢/ ٣٧٥ (٧).","vol":"4","page":1796},{"text":"الحديث - حميد بن على القيسي، ساقط هالك، ثم أتبع ذلك بقوله: والحديث منكر، مخالف للقرآن، وللأحاديث الصحيحة في الورود، وغيره (^١). يعني ورود جهنم، وغيره كالصراط والحساب».\nفقد بين هنا شدة ضعف سند الحديث في حد ذاته، لحال حميد القيسي (^٢)، ثم بين حال متنه وهو النكارة، وعلل ذلك بمعارضته لما ثبت في الأحاديث الصحيحة، وبهذا يتحقق التعريف الاصطلاحي للمنكر، بل النكارة هنا شديدة لكون الراوي المخالف شديد الضعف (^٣) ومخالفة المتن أيضا لما جاء في القرآن الكريم في قوله تعالى ﴿وَإِنْ مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ (الآية) [مريم: ٧١] وقد يحكم العراقي أيضا بصحة إسناد الحديث المعارض، ثم يحكم بشذوذ متنه، مع التعليل بما يوافق معنى الشذوذ اصطلاحا (^٤).\nفقد ذكر حديث عثمان ﵁ عند أحمد في المسند (^٥): إنى لأعلم كلمة لا يقولها عبد حقا من قلبه، إلا حُرّم على النار، قال عمر بن الخطاب: هي كلمة الإخلاص (الحديث) ثم قال: وإسناده صحيح، ولكن هذا ونحوه شاذ، مخالف لما ثبت في الأحاديث الصحيحة، من دخول جماعة من الموحدين النار، وإخراجهم بالشفاعة … (^٦).\n_________\n(^١) ينظر المغني مع الإحياء ٤/ ٣٣٥ (١).\n(^٢) ينظر اللسان ٢/ ترجمة (١٤٩٦).\n(^٣) وينظر أيضا/ المغني مع الإحياء ٤/ ١٣٣ (٤) و١٩١ (٦) و٤٥٥ (١) و٤٥٧ (١).\n(^٤) ينظر فتح المغيث للسخاوى ١/ ٢٣٠ - ٢٣١.\n(^٥) مسند أحمد ١/ ٦٣ رقم (٤٤٧).\n(^٦) المغني مع الإحياء ٤/ ١٤٧ (٧).","vol":"4","page":1797},{"text":"وبذلك يكون متن هذا الحديث ضعيفا لشذوذه، وإن كان ظاهر إسناده الصحة.\nوقد جرى غير واحد من العلماء على هذا الظاهر، فصحح الحديث بهذا الإسناد، كالحاكم في المستدرك ووافقه الذهبي (^١) والمنذري (^٢).\nفي حين تبع الزبيدي حكم العراقي بالشذوذ المقتضى للضعف (^٣) ولعل من حكم بالصحة، رأى أنه يمكن الجمع بين المتن ومعارضه على معنى «حُرِّمَ خلود قائلها في النار»، وإن لم يصرح أحد منهم بذلك\nوما تقدم في المثال السابق، من تعليل العراقي للنكارة بما يوافق المعنى الاصطلاحي، وما ذكر هنا من تعليله للشذوذ بما يوافق المعنى الاصطلاحي له، يعتبر إسهاما منه في جانب هام، وهو التوضيح التطبيقي لعلم مصطلح الحديث، ويعد ذلك أيضا من الفوائد الحديثية الواردة في ثنايا تراث علماء التخريج، وتحتاج لمن يبرزها لتتيسر الاستفادة العملية بها، في مجال دراسة الأسانيد، وبيان درجات الأحاديث\nوقد يحكم العراقي بنكارة متن الحديث، ثم يتبعه بذكر ما هو معروف في معناه، ولو لم يكن مرفوعا أو كان مرفوعا بسند ضعيف\nفقد ذكر الغزالي أنه قيل للنبي ﷺ: إن عيسى ﵇ يقال: إنه مشى على الماء، فقال النبي ف لو ازداد يقينا لمشى على الهواء\n_________\n(^١) المستدرك مع تلخيص الذهبي له ١/ ٣٥١.\n(^٢) الترغيب والترهيب للمنذرى ٢/ حديث (٢٢٩١) كتاب الذكر والدعاء.\n(^٣) الاتحاف ٩/ ١٨٠ وينظر مثال آخر في المغني مع الإحياء ٢/ ٥٢ (٥) والإتحاف ٥/ ٣٧٨\n:","vol":"4","page":1798},{"text":"التاب الرابع: ان العراقي موتالات والله وعلى التي وفقه السنة وقدها فقال العراقي: هذا حديث منكر، لا يعرف هكذا، والمعروف ما رواه ابن أبي الدنيا في كتاب اليقين، من قول بكر بن عبد الله المزني قال: فقد الحواريون نبيهم، فذكر الخبر وفيه أن عيسى أقبل يمشى على الماء، وأنه قال: لو أن لابن آدم من اليقين قدر شعرة، مشى على الماء، ثم قال: وروى أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس بسند ضعيف من حديث معاذ بن جبل: لو عرفتم الله حق معرفته لمشيتم على البحور، ولزالت بدعائكم الجبال (^١).\nفيلاحظ أن الرواية الأولى من قول تابعي وهو بكر بن عبد الله المزنى، موقوفة عليه، وهي من أخبار بنى إسرائيل التي لم يشهدها هذا التابعي الجليل، ولم يذكر من أخذها عنه، فانقطاعها ظاهر، والرواية الثانية المرفوعة قرر العراقي بنفسه ضعف إسنادها، كما أن كلاهما اشتملا على بعض الحديث وهو المشى على الماء، ولم يذكر فيهما المشى على الهواء.\nفيفهم من مجموع ذلك أن العراقي يقصد بالنكارة هنا معنا خاصا يستفاد من السياق، وهو عدم وجود رواية للحديث بلفظه المذكور بأكمله، ولو بسند ضعيف.\n\n<span data-type='title' id=toc-545>عناية العراقي بذكر ما يجبر ضعف الحديث، أو يغنى عنه في الاستدلال:</span>\nذكرت في الأمثلة السابقة بعض الأحاديث التي بين العراقي ضعف إحدى رواياتها، ثم أتبعها بذكر بعض الروايات الأخرى التي يمكن أن تجبر الضعف المذكور، فيرتقى الحديث إلى الحسن أو الصحة بمجموع ما يذكره من رواياته،\n_________\n(^١) المغني مع الإحياء ٤/ ٩٤ (٢) وينظر مثال آخر في المغني مع الإحياء ٣/ ١٥٧ (٥) مع الإتحاف ٧/ ٥٧١ - ٥٧٢","vol":"5","page":1799},{"text":"وإن لم يصرح بدرجة الحديث بمجموع ما يذكره.\nولما كان العراقي من أبرز حفاظ عصره، وقد جرى خلال كتابه على هذا، فقد رأيت أن أبرزه هنا باعتباره عنصرا منهجيا ينبغى الاستفادة بمنهج العراقي فيه، لم يتصدى للتخريج، ولدراسة أسانيد الأحاديث وبيان درجاتها، بعد التأهل الكافي لذلك.\nكما أنه ذكر عنصرا منهجيا آخر، وهو أنه إذا ورد في أمر من الأمور حديث: ضعيف، وآخر صحيح، فإنه يذكرهما، ويقرر أنه يستغنى في الاستدلال بالصحيح عن الضعيف.\nفمن العنصر الأول: أنه يذكر في تخريج الحديث الرواية المعلقة، ويتبعها بذكر رواية أخرى فيها وصل هذا التعليق، سواء أكانت الموصولة مما يحتج بها لذاتها أو لغيرها (^١).\nوقد يذكر الطريق الموصولة من حديث صحابي آخر، فتكون بمثابة الشاهد للرواية المعلقة (^٢).\nويذكر في تخريج الحديث الرواية المرسلة، ويتبعها بذكر رواية أخرى موصولة، بحيث ينجبر بها انقطاع الإرسال، ويرتقى بها الحديث من الضعف إلى الحسن أو الصحة لغيره، حسب ما يستفاد من مجموع الطريقين (^٣).\n_________\n(^١) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ١٣٨ (٥)، ٢٦٤ (١)، ٢٦٨ (حديث بئر جمل)، و٢/ ٣٥٧ (٢)، ٣٦١ (٤)، ٣٧٩ (٧) و٤/ ١٨٨ (١).\n(^٢) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ٢٥٨ (٤) و٢/ ١٥٩ (١).\n(^٣) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ١٥٦ (٥)، ١٩١ (٥)، ٢٦٤ (٢)، ٢٧٢ (٣) و٢/ ٢٢٥ (٣)، ٣٧٠ (٦) و٣/¬٣٦ (١)، ١٢٥ (٨)، ٢٠٧ (١)، ٢١١ (٣) =","vol":"5","page":1800},{"text":"ويذكر في تخريج الحديث الرواية المعضلة ثم يتبعها بذكر رواية موصولة، لينجبر بها انقطاع المعضلة، ويرتقى الحديث بمجموعهما إلى الحجية أيضا (^١). ومثل ذلك يفعل في الرواية المنقطعة (^٢) والموقوفة يعضدها بمرفوعة (^٣) والتي في سندها مبهم يعضدها برواية فيها تسمية المبهم أو برواية أخرى خالية من الإبهام، وقد يتبع الروايتين بشاهد صحيح الإسناد (^٤).\nوقد يذكر رواية من طريق معلول ثم يتبعها ببعض المتابعات التي تؤثر في دفع علة الطريق المعلول، أو ترقيها إلى الحجية (^٥).\nوقد يذكر الشواهد بدل المتابعات لجبر الضعف أيضا (^٦).\nوأما العنصر الثاني، وهو الاستغناء في الاستدلال عن الضعيف بالصحيح، فمن أمثلته: أن الغزالي ذكر في أخلاقه ﷺ: أنه كان أشد الناس تواضعا، وأسكنهم في غير كبر. فعزاه العراقي إلى أبي الحسن الضحاك في الشمائل له من حديث أبي سعيد، بنحوه، وقال: وإسناده ضعيف، ثم قال: وفي\n_________\n= و٤/ ٢٣٠ (٤)، ٢٣١ (٦).\n(^١) ينظر المغني مع الإحياء ٢/ ٣٤٣ (٣)، ٣٤٤ (٣)، ٣٥٦ (٢)، (٤)، ٣٧٣ (٧).\n(^٢) ينظر المغني مع الإحياء ٢٠/ ٥٦ (١٠)، ٢٣٣ (١).\n(^٣) ينظر المغني ٣/¬٣٠ (٢) و٤/¬٤٧ (٤).\n(^٤) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ٣٦٥ (٧).\n(^٥) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ٣٢٠ (٣) و٢/ ٣٧٣ (٤) و٣/ ٢٣٨ (٨).\n(^٦) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ١٥٦ (٥)، ٢٦٤ (٢)، ٢٧٣ (١)، ٣١٢ (٤)، (٧) و٢/¬٤٦ (٤)، ٥٧ (٤)، ٢٥٥ (١)، ٣٥٨ (٧) و٣/ ٢٤٠ (٦)، (٧)، ٢٤١ (٨) و٤/ ٤٤٩ (١).","vol":"5","page":1801},{"text":"الأحاديث الصحيحة الدالة على شدة تواضعه غنية عنه، منها … وذكر ثلاثة أحاديث (^١).\nوالفرق بين هذا العنصر والذي قبله، وهو جبر الضعيف بمثله، أو بما هو حسن أو صحيح، أنه في هذا العنصر يكون في الرواية الضعيفة زيادة بعض تفاصيل لا يوجد في الرواية الصحيحة ما يشهد لها، وبالتالي لا ينجبر ضعفها، فيشير العراقي بهذا إلى أنه يعتمد في الاستدلال على ما في الصحيح فقط، وما زاد عنه في الرواية الضعيفة فلا يعول عليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-546>بيان العراقي للحديث الموضوع، مع المقارنة، وتحقيق القول بتساهله في ذلك:</span>\nفي منهج العراقي الذي أجمله في مقدمة المغني، لم يصرح بأنه سيبين الأحاديث الموضوعة، مع أن أبرز الانتقادات التي وجهت إلى كتاب الإحياء اشتماله على كثير من الأحاديث الموضوعة، وقد تصدى العراقي لبيانها تفصيلا خلال هذا التخريج، وأظهر بالأدلة النقدية اشتمال كتاب الإحياء فعلا على كثير من الأحاديث الموضوعة، وبالتالي لا يصلح الاستدلال بشيء منها لما استدل له الغزالي بها من أمور العقائد والعبادات والمعاملات والآداب والسلوك.\nولما كان هناك من سبق العراقي إلى الحكم على بعض تلك الأحاديث بالوضع، أو بغيره، فإن العراقي قد ظهر جهده وشخصيته الحديثية في موقفه من أحكام من سبقه، فتارة يعزو الحكم لمن سبقه من العلماء، ولا يتعقبه.\n_________\n(^١) ينظر المغني مع الإحياء ٢/ ٣٥٧ (١) وينظر مثال آخر ٣/ ١٣٠ (٦).","vol":"5","page":1802},{"text":"بشيء فيعتبر إقرارا منه للحكم، وقد يذكر مثل قول غيره دون عزوه لأحد، وقد يخالف غيره في الحكم من جانبه هو، بحسب ما تقضي به القواعد الاصطلاحية في نظره.\nوقد قام بعض من جاء بعد العراقي بالموازنة بين بعض أحكامه، وأحكام غيره، فمنهم من قرر اعتداله، ومنهم من قرر تساهله، كما سيأتي. ومجمل طريقة العراقي في الحكم بوضع الحديث أنه تارة يصرح بذلك، وتارة يذكر حال راوى الحديث التي تقتضى الحكم بوضع الحديث من طريقه، إذا انفرد به، كأن يترجح وصفه بوضع الحديث أو بالكذب مطلقا.\nفمن ذلك: أن الغزالي ذكر حديث: «ما من عبد إلا وله أربعة أعين، عينان في رأسه يبصر بهما أمر دنياه، وعينان في قلبه، يبصر بهما أمر دينه»، فعزاه العراقي إلى الديلمي في مسند الفردوس، من حديث معاذ ﵁ بنحوه، وقال: وفيه الحسين بن أحمد بن محمد الهروى، الشماخي، الحافظ، كذبه الحاكم، والآفة منه (^١) وتبعه في ذلك الزبيدي (^٢).\nفيلاحظ أن العراقي نقل عن الحاكم وصف أحد رجال إسناد الحديث بالكذب، ثم قرر أن الآفة منه، ولم يذكر للحديث طريقا آخر من متابع أو شاهد، ولم أجد من تعقبه في ذلك.\nوبمراجعة الحديث في أحد مصادره، نجد في سنده فعلا «الحسين الشماخي» هذا، كما نجد في مصادر ترجمته عن غير الحاكم ما يؤيد وصف الحاكم له.\n_________\n(^١) المغني مع الإحياء ٣/¬٤٣ (١).\n(^٢) الاتحاف ٧/ ٢٩٩.","vol":"5","page":1803},{"text":"بالكذب، ووصفه أيضا برواية المناكير الكثيرة (^١).\nوذكر العراقي حديث: «إن الله يحب أن يرى عبده تعبا في طلب الحلال» وعزاه إلى الديلمي في مسند الفردوس من حديث علي، ثم قال: وفيه «محمد بن سهل العطار» قال الدارقطني: يضع الحديث (^٢).\nولم أجد الحديث في طبعتي «الفردوس» المتوافرتين، كما لم أجده في مصدر آخر سابق على العراقي.\nوقد أقر كل من الذهبي (^٣) وابن حجر وصف «محمد بن سهل» بأنه يضع الحديث، لكن لم يذكر هذا الحديث ضمن ما انتقد عليه، فيعتبر حكم العراقي عليه من استنتاجه، وذكر السيوطي الحديث في الجامع الصغير (^٤) وعزاه إلى الديلمي وحده، ورمز له بالضعف.\nوقد انتقده المناوي في الاقتصار على تضعيفه، وفي ذكره الحديث في الجامع الصغير الذي شرط أن لا يذكر فيه ما تفرد به وضاع، واعتبر ما ذكره العراقي حكما منه بوضع الحديث من طريق راويه «محمد بن سهل» (^٥) وقد أقر الزبيدي العراقي على هذا (^٦).\n_________\n(^١) ينظر الفردوس للديلمي - بتحقيق أبي هاجر ٤/ حديث (٦٠٤٠) مع حاشيته وتاريخ بغداد للخطيب ٨/¬٨، ٩ واللسان ٢/ ترجمة (١٠٩٦). وينظر بعض أمثلة أخرى في المغني مع الإحياء ١/ ٢٠٥ (١)، ٣٤٥ (٥)، ٣٥١ (٢).\n(^٢) المغني مع الإحياء ٢/ ٦٣ (٥).\n(^٣) الميزان ٣/ ت (٧٦٥٣) واللسان ٥/ ت (٦٧٥).\n(^٤) الجامع الصغير للسيوطي مع الفيض ٢/ ٢٩٣ (١٨٨٢).\n(^٥) ينظر الفيض للمناوي ٢/ ٢٩٣ (١٨٨٢).\n(^٦) الإتحاف ٥/ ٤١٥.","vol":"5","page":1804},{"text":"أيضا جزم الشيخ الألباني بالحكم بوضع الحديث، اعتمادا على ما ذكره العراقي (^١). فيعتبر هذا من تأثير جهود العراقي فيمن بعده من النقاد حتى عصرنا الحاضر.\nلكن هناك بعض أحاديث اقتصر العراقي فيها على ذكر الحديث من طريق راو يقتضي الحكم بوضع ما يتفرد به، مع أنه يكون للحديث بعض الروايات الأخرى الخالية من هذا الراوي.\nفقد ذكر حديث «أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك، وعزاه إلى البيهقي في الزهد من حديث ابن عباس، وقال: وفيه «محمد بن عبد الرحمن بن غزوان» أحد الوضاعين (^٢). وقد نقل الزبيدي عن الحافظ ابن حجر قوله: وللحديث طرق أخرى غير هذه، من حديث أنس وغيره (^٣).\nويلاحظ أن الحافظ ﵀ لم يذكر مصدرا لتلك الروايات حتى يمكن مراجعته، وكذلك الزبيدي من بعده، لكن التعقب بوجود تلك الروايات يدل على وقوف الحافظ عليها، وعلى كونها لا تصل إلى درجة الوضع في نظره، وإلا لم يكن تعقب بها شيخه العراقي.\n_________\n(^١) تنظر سلسلة الأحاديث الضعيفة/ حديث (١٠) وتنظر أمثلة أخرى في المغني مع الإحياء ١/ ١٢٦ (١) و٢/¬٢٧ (٣) مع الإتحاف ٥/ ٢٩٨ والمغني مع الإحياء ٢/ ٢٦٨ (٤)، (٦) و٤/¬٢٨ (٣) حديث ابن عباس، مع الإتحاف ٨/ ٥٥٩.\n(^٢) المغني مع الإحياء ٣/¬٤ (١) والزهد للبيهقي برقم (٣٤٥) مع المغني للذهبي ٢/ ترجمة (٥٧٥٥)، وينظر أيضا بعض الأمثلة في المغني مع الإحياء ٣/ ٧٩ (١) و٣/ ٣٣٨ (٣) مع الإتحاف ٨/ ٣٦٨.\n(^٣) الإتحاف ٧/ ٢٠٦.","vol":"5","page":1805},{"text":"أما العجلوني فقد ذكر الحديث وعزاه إلى البيهقي في الزهد، ثم قال: بإسناد ضعيف (^١) فيعتبر هذا حكما متساهلا من العجلوني ﵀ إذا قورن بحكم العراقي السابق، الذي تؤيده كتب التراجم. وقد ذكر العجلوني أن للحديث شواهد من حديث أنس (^٢)، لكن لم يذكر مصدرا لتلك الشواهد.\nوأما ما صرح العراقي بوصفه بالوضع، سواء بالنقل عن غيره، مع إقراره، أو بدون عزو إلى غيره، فمنه ما يوفق أيضا عليه، ومنه ما خولف فيه. فقد ذكر حديث «حضور مجلس علم أفضل من صلاة ألف ركعة» وعزاه إلى ابن الجوزي في الموضوعات، ولم يتعقبه بشيء) (^٣).\nوقد بين ابن الجوزي سبب الحكم بوضعه، بأن في سنده «أحمد بن عبد الله الهروى»، المعروف بالجويبارى، وأنه هو الذي وضعه، وذكر أيضا أن شيخه في هذا الحديث (إسحق بن نجيح) وصفه أحمد بأنه: أكذب الناس (^٤). وقد أقر ابن الجوزي على ذلك غير العراقي، من جاء بعده؛ ونظر في الحديث (^٥) واعتبر ابن عراق (^٦) والشيخ على قارى (^٧) أن العراقي أقر ابن\n_________\n(^١) ينظر كشف الخفاء ومزيل الإلباس للعجلوني ١/ حديث (٤١٢).\n(^٢) ينظر كشف الخفاء/ الموضع السابق.\n(^٣) ينظر المغني مع الإحياء ١٦/¬١ (٣).\n(^٤) الموضوعات لابن الجوزي - بتحقيق الأخ الدكتور/ نور الدين بوياجيلار - ط أضواء السلف.\n(^٥) ينظر اللآلئ المصنوعة للسيوطى ١/ ١٩٩.\n(^٦) تنزيه الشريعة له ١/ ٢٥٣ - ٢٥٤.\n(^٧) المصنوع في معرفة الحديث الموضوع/ حديث (١١٤).","vol":"5","page":1806},{"text":"الجوزي على الحكم بوضع الحديث (^١).\nوهناك بعض مواضع ذكر العراقي فيها قول ابن الجوزي بوضع الحديث، مقتصرا على ذلك، دون تعقب، في حين نجد حكم ابن الجوزي هذا متعقبا من غير العراقي.\nفقد ذكر حديث أنس ﵁ «العلماء أمناء الرسل على عباد الله (الحديث)».\nوعزاه إلى العقيلي في الضعفاء، ثم قال: وذكره ابن الجوزي في الموضوعات (^٢) ولم يتعقب ابن الجوزي بشيء، وتتكرر الحديث مرة ثانية، فاقتصر على عزوه إلى العقيلي في الضعفاء، ثم أحال على هذا الموضع الأول (^٣) ومقتضى هذا إقراره حكم ابن الجوزي على هذا الحديث بالوضع.\nوبمراجعة الحديث عند ابن الجوزي نجد في سنده ثلاثة، أحدهم متروك، والثاني قال ابن عدي: ليس بمعروف، والثالث وصف بأنه كذاب (^٤) ولكن\n_________\n(^١) وينظر أمثلة أخرى في المغني مع الإحياء ٢/¬١٢ (١) حديث أبي بكر الصديق «من سر مؤمنا فإنما سر الله» (الحديث) وتنزيه الشريعة ٢/ ١٤٣ والاتحاف ٥/ ٢٣٨، والمغني مع الإحياء ٢/¬١٢ (٢) مع الموضوعات لابن الجوزي ٢/ ٥١٨ واللآلئ المصنوعة ٢/ ٨٧ (كتاب الصدقات) والمغني مع الإحياء ٣/ ٢٨٦ (٤) وتنزيه الشريعة ٢/ ١٢٩، والمغني مع الإحياء ٣/ ٢٨٩ (١) مع المضوعات لابن الجوزي ٣/ ٤٠٥ - ٤١٤ والترغيب والترهيب للمنذرى ١/ ٥٤ ط دار الحديث والمجروحين لابن حبان ٢/ ٢١٤ وتنزيه الشريعة ٢/ ٢٨٩.\n(^٢) المغني مع الإحياء ١/ ٧٤ (٢).\n(^٣) المغني مع الإحياء ٢/ ١٤١ (١).\n(^٤) تنظر الموضوعات لابن الجوزي ١/ حديث (٥١٠) ط أضواء السلف، مع تعليق المحقق عليها.","vol":"5","page":1807},{"text":"ابن عبد البر لما ذكر الحديث، أشار إلى ضعفه فقط (^١).\nأما السيوطي فتعقب ابن الجوزي فقال: قلت: الحديث ليس بموضوع، وذكر له بعض الطرق المتابعة التي لم يذكرها ابن الجوزي، ثم ذكر له بعض الشواهد، ثم قال: وله شواهد بمعناه كثيرة، صحيحة، وحسنة، فوق الأربعين حديثا، وأنه على مقتضى الصناعة الحديثية يُحكم له بالحسن (^٢) وأقره ابن عراق (^٣) والمناوي (^٤) والزبيدي (^٥). وأما الشوكاني فأشار إلى تضعيف القول بأن الحديث موضوع (^٦).\nواقتصر الشيخ الألباني على تضعيفه (^٧) ومن هذا يتضح أن إقرار العراقي حكم ابن الجوزي بوضع الحديث، ليس في محله، وأنه يعتبر تساهلا منه في الحكم بالوضع، بالمقارنة بما تقدم من تعقبات، يؤيدها ماوجد من طرق أخرى للحديث (^٨).\nوهناك أيضا من الأحاديث ما وجَدْتُ العراقي اقتصر على الحكم بضعفه، مع أن مقتضى القواعد أن يحكم عليه بالوضع.\n_________\n(^١) جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر ١/ ٦٤٣ تحقيق أبي الأشبال.\n(^٢) اللآلئ المصنوعة ١/ ٢١٩ - ٢٢٠.\n(^٣) تنزيه الشريعة ١/ ٢٦٧ - ٢٦٨.\n(^٤) فيض القدير ٤/ ٣٨٢ - ٣٨٣.\n(^٥) الاتحاف ١/ ٣٨٨.\n(^٦) الفوائد المجموعة للشوكاني/ ٢٨٨ - ٢٨٩.\n(^٧) ضعيف الجامع وزيادته حديث رقم (٣٨٨٧).\n(^٨) وتنظر بعض الأمثلة أيضا في المغني مع الإحياء ١/ ٦٨ (١) مع الإتحاف ١/ ٣٦٥ - ٣٦٧ وتنزيه الشريعة ١/ ٢٦٩، والمغني مع الإحياء ١/ ٦٨ (٣) مع الإتحاف ١/ ٣٦٧ - ٣٦٨.","vol":"5","page":1808},{"text":"فقد ذكر حديث «ما من شيء إلا له توبة، إلا صاحب سوء الخلق، فإنه لا يتوب من ذنب إلا عاد في شر منه» وعزاه إلى الطبراني في المعجم الصغير من حديث عائشة ﵂ ثم قال: وإسناده ضعيف (^١). وتبعه الزبيدي العراقي (^٢) وكذا العجلوني (^٣).\nوبمراجعة الحديث في المصدر الذي عزاه العراقي إليه، وهو المعجم الصغير للطبراني، نجد في سنده «عمرو بن جميع» يرويه عن يحيى بن سعيد الأنصاري، وقال الطبراني عقب روايته للحديث: لم يروه عن يحيى إلا عمرو، ولا يروى عن عائشة إلا بهذا الإسناد (^٤).\nومقتضى هذا تفرد «عمرو بن جميع» برواية الحديث، وحاله تقتضي الحكم بوضع الحديث من طريقه (^٥)، وقد مشى الشيخ الألباني على هذا، فجزم بوضع الحديث، ثم وصف حكم العراقي السابق بضعف إسناد الطبراني بالحديث، بأنه قصور، ثم قال: إلا أن يلاحظ أن الموضوع من أنواع الضعيف، كما هو مقرر في المصطلح (^٦).\nأقول: وهذا الاعتذار عن العراقي أو التماس وجه لحكمه بالضعف في هذا الموضع، وما يشبهه، غير مسلم؛ لأن العراقي في هذا التخريج - كما تقدم -\n_________\n(^١) ينظر المغني مع الإحياء ٣/ ٥١ (٢).\n(^٢) الإتحاف ١/ ٣٢٤.\n(^٣) ينظر كشف الخفاء ١/ ٥٥٩ ضمن تخريج حديث (١٠١٠) الذي بلفظ «سوء الخلق شؤم».\n(^٤) المعجم الصغير مع الروض الداني ١/ ٣٣٣ حديث (٥٥٣).\n(^٥) ينظر مقدمة تنزيه الشريعة ١/ ترجمة (٤٠١) ومجمع الزوائد للهيثمي ٨/¬٢٥.\n(^٦) تنظر السلسلة الضعيفة للألباني ١/ حديث (١٢٦).","vol":"5","page":1809},{"text":"حكم بالضعيف، والضعيف جدا، والموضوع، فدل ذلك على تفاوت هذه الدرجات عنده، وأن دخولها في نوع الضعيف لا يقتضي عدم تلقيب كل منها بلقب خاص يوضح تفاوتها في الضعف بحسب درجة ضعفها.\nولعل حكم العراقي على هذا الحديث والذي قبله بالضعف المطلق، وكذا ما يماثلهما (^١) هو الذي جعل الشيخ أحمد بن الصديق الغماري ﵀ يصف العراقي بأنه متساهل في الحكم للحديث، وأنه لا يكاد يصرح بوضع حديث إلا إذا كان كالشمس في رابعة النهار (^٢) والواقع أن نسبة التساهل المطلق إلى العراقي غير مسلم، لأن ذلك يقتضي منا الاستقراء التام لكل أو أغلب أحكامه بالضعف والوضع في عامة مؤلفاته، ومقارنتها بأحكام غيره على ضوء قواعد الجرح والتعديل وغيرها من قواعد نقد السند والمتن.\nولا أظن الشيخ أحمد الغماري ﵀ تفرغ لمثل هذا، ولكنه فيما يبدو لاحظ وجود تساهل في عدد من الأحكام مثل التي ذكرتها فيما تقدم،\n_________\n(^١) ينظر المغني ٢/ ٣٦٨ (١) حديث ابن عباس، عند ابن ماجه في «الفالوذج»، مع سنن ابن ماجه (٣٣٤٠) وفي سنده عبد الوهاب بن الضحاك السلمي، شيخ ابن ماجه، منسوب إلى وضع الحديث/ تنزيه الشريعة ١/ ٨٢ ترجمة (٢١٦). والمغني ١/ ٢١٠ (١) حديث على ﵁ عند ابن ماجه (إذا كانت ليلة النصف من شعبان، فقوموا ليلها) (الحديث) وقال العراقي: إسناده ضعيف، مع أن في سنده «أبو بكر بن عبد الله، المعروف بابن أبي سبرة» وصف من غير واحد بأنه يضع الحديث، ويروى الموضوعات/ التهذيب ١٢/ ترجمة (١٣٨). والمغني مع الإحياء ٤/¬٢٤ (١) مع الجامع الصغير، وشرحه فيض القدير ٣/ حديث (٤٢٧٨)، والمغني مع الإحياء ٤/ ٤٦٣ (١) مع الاتحاف ١٠/ ٣١٤، والموضوعات لابن الجوزي ٢/ حديث (٥٩٧) ط. أضواء السلف. وتنزيه الشريعة ١/ ٣٤٦ حديث (١٤).\n(^٢) المغير على الأحاديث الموضوعة في الجامع الصغير، له/ ٧.","vol":"5","page":1810},{"text":"وهذا لا يصلح بناء حكم عام على أساسه. فالأولى أن يقال: إن العراقي يتساهل فعلا في بعض أحكامه بالضعف أو الوضع، كالأمثلة السابقة، ولكن تساهله غير مطرد، ولا أغلبي.\nويؤيد ذلك أمور:\nأولها: أن الشيخ أحمد الغمارى نفسه، خلال عدد من مؤلفاته قد أقر أحكام العراقي على كثير من الأحاديث.\nثانيها: أن هناك من الأحاديث ما حكم عليه العراقي بما يخالف حكم من تساهل في التصحيح، كالحاكم، وحكم من تساهل في الحكم بالوضع مثل ابن الجوزي، وكذا خالف من تشدد في الحكم بالوضع كابن حبان، وبالتحاكم إلى القواعد النقدية العامة، وجدنا حكم العراقي متوافقا معها، وهي الفيصل الذي يوزن به أحكام الجميع، وقد مرت أمثلة وجدنا فيها حكم العراقي متوافقا مع تلك القواعد، وأقره عليه من جاء بعده.\nونذكر هنا بعض الأمثلة الأخرى: -\nفقد ذكر حديث: أربع لا يُصَبْن إلا بعَجَب: الصمت، وهو أول العبادة (الحديث) وعزاه إلى الطبراني والحاكم من حديث أنس، ثم قال: قال الحاكم: صحيح الإسناد، ثم تعقبه فقال: قلت: فيه العوام بن جويرية، قال ابن حبان: يروى الموضوعات، ثم روى له هذا الحديث (^١).\nوبمراجعة كل من الطبراني في الكبير (^٢) والحاكم في المستدرك (^٣) وابن حبان\n_________\n(^١) ينظر المغني مع الإحياء ٣/ ٣٣٢ (١).\n(^٢) ١/ ٢٢٩ حديث (٧٤١).\n(^٣) ٤/ ٣١١.","vol":"5","page":1811},{"text":"في المجروحين (^١) وابن عدي في الكامل (^٢) نجد أن الحديث عندهم من طرق عن أبي معاوية محمد بن خازم الضرير عن العوام بن جويرية عن الحسن عن أنس، به مرفوعا، وقد ذكر «الصبر» بدل «الصمت» عند الطبراني.\nوأخرجه تمام في فوائده (^٣) من طريق بشر بن الحارث عن أبي معاوية، به، موقوفا على أنس، وابن أبي عاصم في الزهد (^٤) من طريق محمد بن خازم - وهو أبو معاوية - عن العوام، به، بنحوه، موقوفا على أنس، وابن أبي الدنيا في الصمت (^٥) من طريقين آخرين عن العوام، به، موقوفا على أنس.\nوأخرجه هناد عن عبيد الله بن الوليد الوصافي عن العوام عن الحسن عن النبي ﷺ ف مقتصرا على لفظ «أول العبادة الصمت» (^٦) وهذا مرسل كما ترى، و«الوصافي» ضعيف (^٧).\nويلاحظ أن الحديث في مصادره المتعددة مداره على «العوام» مرفوعا، وموقوفا، ومرسلا.\nوالعوام هو ابن جويرية، وقد ذكره البخاري في التاريخ الكبير (^٨). وقال:\n_________\n(^١) ٢/ ١٩٦.\n(^٢) ٢/ ٦٩٧.\n(^٣) الروض البسام بترتيب وتخريج فوائد تمام لجاسم الدوسرى ٣/ حديث رقم (١١١٥):\n(^٤) الزهد لابن أبي عاصم/ حديث (٤٨).\n(^٥) الصمت لابن ابى الدنيا - تحقيق د/ نجم خلف/ حديث (٥٦٠).\n(^٦) الزهد لهناد/ بتحقيق الأخ الدكتور/ عبد الرحمن الفريوائي ٢/ حديث رقم (١١٣٠) باب الصمت.\n(^٧) ينظر التقريب/ ترجمة (٤٣٥٠).\n(^٨) التاريخ الكبير للبخارى ٧/ ٦٧.","vol":"5","page":1812},{"text":"يروى عن الحسن، وروى عنه أبو معاوية هـ ولم يزد على ذلك.\nلكن قال فيه يحيى بن معين: ضعيف (^١) أما ابن حبان فقال: كان ممن يروى الموضوعات عن الثقات، على صلاح فيه، كان يهم، ويأتى بالشيء على التوهم، من غير أن يتعمد، فاستحق ترك الاحتجاج به، ثم ذكر له هذا الحديث الذي معنا (^٢) فدل ذلك على أنه من مناكيره. وبنحو ذلك لخص المنذري كلام ابن حبان، كما سيأتي.\nوقد اختلف على أبي معاوية وعلى العوام، في رفع هذا الحديث، ووقفه على أنس، وإرساله، كما تقدم.\nولم أجد متابعا لأبي معاوية، ولا للعوام على رفع هذا الحديث.\nوقد رجح أبو حاتم وقف الحديث على أنس، أو على الحسن (^٣) ورجح ابن عدي الوقف على أنس (^٤).\nوبذلك اتفق قولهما على إعلال طريق رفع الحديث عن أنس. ويلتقى معهما في هذا ابن حبان، كما تقدم.\nوترجيح غير المرفوع لا يمنع من الحكم بضعفه كذلك؛ لأن مدار طرق\nالحديث مرفوعا وموقوفا ومرسلا على (العوام) وهو ضعيف، كما تقدم. وأيضا في إسناد ابن عدي بالحديث: حميد بن الربيع، عن أبي معاوية،\n_________\n(^١) معرفة الرجال له/ رواية ابن محرز (٢/ برقم ٤٩٩).\n(^٢) المجروحين لابن حبان ٢/ ١٩٦.\n(^٣) تنظر علل الحديث للرازى ٢/ مسألة (١٨٣٦).\n(^٤) ينظر الكامل لابن عدي ٢/ ٦٩٧.","vol":"5","page":1813},{"text":"عن العوام، به مرفوعا (^١).\nوقد أخرجه ابن الجوزي في الموضوعات، من طريق ابن عدي هذه (^٢) وبنى الحكم بوضعه على أن (حميدا) هذا وصفه يحيى بن معين بأنه كذاب، بالإضافة إلى كلام ابن حبان السابق في (العوام). ومع اتفاق ابن عدي وابن حبان على إعلال الحديث مرفوعا، إلا أنهما اختلفا فيمن تحمل علة رفع الحديث عليه.\nفابن عدي ترجم الحميد بن الربيع، وروى عن غير واحد وصفه بأنه كذاب، ثم أخرج هذا الحديث من طريقه عن أبي معاوية الضرير عن العوام عن الحسن عن أنس، مرفوعا، وعقب على ذلك بأمرين: - أولهما: ترجيح وقف الحديث على أنس كما قدمت. وثانيهما: بيان أن (حميدا) لم ينفرد برفع الحديث، ولكن توبع من غير واحد، وذكر أن حميد أضعف ممن تابعوه على رفع الحديث، وأن بعض حديثه مما سرق من الثقات، وبعضه من الموقوف الذي رفعه، وأنه ضعيف جدا في كل ما يرويه (^٣) وبذلك أشار إلى أن عهدة رفع الحديث على (حميد)، دون من تابعه، لكونه هو الأضعف، ولشدة ضعفه فيما يرويه، جعل ابن عدي الحديث من طريقه لا ينجبر بمن تابعوه، غير أن متابعتهم تمنع من الجزم ببطلان الحديث، لعدم تفرد حميد بن الربيع به. أما ما تفرد به، فقد ذكر منه.\n_________\n(^١) ينظر الكامل ٢/ ٦٩٧.\n(^٢) الموضوعات لابن الجوزي ٣/ حديث (١٦٠٩).\n(^٣) ينظر الكامل ٢/ ٦٩٦ - ٦٩٧.","vol":"5","page":1814},{"text":"حديثين، وجزم ببطلانهما معللا ذلك بتفرده بكل منهما (^١).\nفكأن ابن عدي بهذا لا يرى أن هذا الحديث مجزوم بوضعه مرفوعا.\nولكنه شديد الضعف فقط، ويحمل عهدة شدة ضعفه على (حميد) هذا. أما «العوام بن جويرية» فلم أجد له ترجمة عند ابن عدي، كما أني لم أجد «الحميد» ترجمة عند ابن حبان في المجروحين، وإنما وجدته ترجم للعوام بن جويرية ووصفه بأنه مع صلاحه في الدين، إلا أنه يروى الموضوعات عن الثقات على سبيل الوهم والخطأ، دون تعمد، وعليه قرر أنه يترك الاحتجاج بروايته (^٢) ومقتضى هذا أنه يمكن الاعتبار بها، وتكون ضعيفة لذاتها، ما لم تكن هناك علة أخرى.\nوهذا يلتقى مع ما تقدم من وصف ابن معين له بأنه ضعيف فقط.\nثم إن ابن حبان قد ذكر حديثنا هذا في ترجمة «العوام» وذلك من طريقين عن أبي معاوية عن العوام عن الحسن عن أنس مرفوعا (^٣) فأشار بذلك إلى تحميل العوام علة رفعه، لتفرده بذلك، مع الاختلاف عليه، وترجح الوقف كما قدمت.\nومقتضى ذلك أن أبن حبان اعتبر هذا الحديث من طريقه المرفوعة ضعيفا فقط، لا موضوعا، واعتبر علة ضعفه تفرد العوام به. لكن ابن الجوزي لما أخرج الحديث في الموضوعات جعل الدليل على وضعه ما ذكره كل من ابن عدي وابن حبان بشأنه (^٤).\n_________\n(^١) ينظر الكامل/ الموضع السابق.\n(^٢) المجروحين لابن حبان ٢/ ١٩٦.\n(^٣) المجروحين لابن حبان ٢/ ١٩٦.\n(^٤) الموضوعات لابن الجوزي ٣/ حديث (١٦٠٩) ط أضواء السلف.","vol":"5","page":1815},{"text":"في حين أن ما ذكراه يقتضي ضعف الحديث فقط كما أوضحته، وعلى ضوء ذلك تعقبه كل من السيوطي وابن عراق مكتفين بتضعيفه فقط تبعا لحال من تفرد به وهو «العوام بن جويرية» (^١).\nأما الإمام المنذري فجمع في إعلاله بين خلاصة ما تقدم عن ابن حبان والرازي، فقد ذكر تصحيح الحاكم للحديث من الطريق المرفوعة ثم تعقبه بقوله: في إسناده العوام - وهو ابن جويرية، قال ابن حبان كان يروى الموضوعات، وقد عَدَّ هذا الحديث من مناكيره، وروى عن أنس موقوفا عليه، وهو أشبه (^٢) وصنيع كل من المنذري والسيوطي وابن عراق في بيان سبب تضعيف الحديث أوضح من صنيع كل من الذهبي والعراقي، فالذهبي تعقب تصحيح الحاكم للحديث فقال: قلت: «العوام يروى الموضوعات» (^٣) والعراقي تعقبه بقوله - كما تقدم -: فيه «العوام بن جويرية»، قال ابن حبان يروى الموضوعات، ثم روى له هذا الحديث.\nوكلا العبارتين فيهما الإشارة لاتهامه بوضع ما يرويه، ومنه الحديث الذي معنا، وبهذا أخذ الشيخ الألباني، مع زيادة أخرى كما سيأتي.\nلكن كلا من الذهبي والعراقي، قد تصرفا في ذكر كلام ابن حبان بحذف قوله في العوام: إنه «يروى الموضوعات عن الثقات على سبيل الوهم والخطأ، دون تعمد، وأنه لذلك يترك الاحتجاج فقط بروايته، دون الاعتبار بها.\n_________\n(^١) ينظر اللآلئ المصنوعة للسيوط ٢/ ٣١٩ - ٣٢٠. وتنزيه الشريعة ٢/ ٣٠٣ حديث (٦٥).\n(^٢) الترغيب والترهيب للمنذرى ٤/ حديث (٤٢٢٠).\n(^٣) المستدرك مع تلخيص الذهبي له ٤/ ٣١١.","vol":"5","page":1816},{"text":"وبذلك يبرأ من تهمة الوضع لما يرويه، بحيث لو روى من طريقه حديث موصوف بالوضع، يكون من غير جهته.\nولعل هذا مما جعل الشيخ الألباني يعزز الحكم بوضع الحديث بأمر آخر، وهو وروده من بعض الطرق المنقطعة، منسوبا إلى عيسى ﵇ (^١) فقد أخرجه ابن المبارك في الزهد عن وهيب قال: قال عيسى ﵇ … فذكره بنحوه (^٢).\nو«وهيب» هذا يحتمل أن يكون ابن خالد الباهلي البصري، وهو كما في التقريب «ثقة ثبت، تغير قليلا بآخره» (^٣).\nأو يكون «وهيب بن الورد القرشي مولاهم، وهو ثقة ثبت» (^٤)، لأن كليهما من شيوخ ابن المبارك. وأخرجه هناد في الزهد أيضا، فقال: حدثنا قبيصة عن سفيان، قال: قال عيسى بن مريم … فذكره بنحوه (^٥).\nو«قبيصة» هو ابن عقبة السوائى، وخلاصة حاله: أنه صدوق ربما خالف، وفي روايته عن سفيان الثورى ضعف (^٦).\nومن هذين السندين يظهر بجلاء، أن بين كل من «وهيب» و«سفيان الثورى» وبين من نسبا الحديث إليه، وهو «عيسى ﵇» انقطاع تام.\n_________\n(^١) تنظر السلسلة الضعيفة والموضوعة حديث رقم (١٩٥٨).\n(^٢) ينظر الزهد لابن المبارك/ ٢٢٢/ برقم (٦٢٩).\n(^٣) التقريب (٧٤٨٧).\n(^٤) ينظر التقريب (٧٤٨٧).\n(^٥) الزهد لهناد ١/ رقم (٥٩٤، ١١٣١).\n(^٦) التهذيب ٨/ ترجمة (٦٢٩) والتقريب/ ترجمة (٥٥١٣).","vol":"5","page":1817},{"text":"ولهذا قال الشيخ الألباني: فعاد الحديث إلى أنه من الإسرائيليات وهو بها أشبه.\nلكن هذا وحده لا يقتضي الجزم بوضع الحديث؛ حيث إن رجال هذين الطريقين - رغم وضوح انقطاعهما - ليس فيهم من هو متهم بالوضع، كما أن للحديث طريقا آخر، وإن كانت ضعيفة، مرفوعة، وموقوفة، كما تقدم.\nوبعد هذا العرض والتحليل، والمقارنة لأقوال العلماء في درجة هذا الحديث، نجد أن عامتهم مخالفين للحاكم في تساهله في الحكم بصحته، وأن أكثرهم مخالفين لابن الجوزي في تساهله في الحكم بوضعه.\nونجد أن عبارة العراقي فيها رد لتساهل الحاكم في تصحيح الحديث، ونجد فيها الإشارة للحكم بوضعه، لكن ليس فيها تصريح بذلك كما فعل ابن الجوزي تساهلا.\nوذكر العراقي حديث «السخاء شجرة في الجنة» وعزاه بنحوه إلى ابن حبان في الضعفاء من حديث عائشة، وإلى ابن عدي والدارقطني في «المستجاد» له، من حديث أبي هريرة، وإلى أبي نعيم من حديث جابر، وقال عن بعض أسانيد هؤلاء: إنها ضعيفة، وعن بعضها الآخر «ضعيفة جدا»، ثم ذكر أن ابن الجوزي روى الحديث في الموضوعات من حديث كل من: عائشة وأبي هريرة، وجابر، والحسين (بن على) وأبي سعيد (الخدري) ﵃ (^١).\n_________\n(^١) المغني مع الإحياء ٣/ ٢٣٨ (١)، (٢)، (٣)، (٧) مع الموضوعات لابن الجوزي ٢/ حديث (١١٠٨ - ١١١٣).","vol":"5","page":1818},{"text":"ومقتضى هذا مخالفته لابن الجوزي في التساهل في الحكم بوضع الحديث من رواية هؤلاء الصحابة، والاقتصار على تضعيف بعض طرقه فقط، وشدة تضعيف بعضها الآخر.\nوقد اتفق مع العراقي في تعقب حكم ابن الجوزي بالوضع كل من السيوطي (^١) وابن عراق (^٢) والزبيدي (^٣) والألباني (^٤) وبذلك لا يعتبر في هذا الموضع متساهلا.\nوذكر حديث «اطلبوا الخير عند حسان الوجوه» وعزاه إلى أبي يعلى، من رواية إسماعيل بن عياش عن جبرة بنت محمد بن ثابت بن سباع، عن أمها عن عائشة، ثم قال: وجبرة وأمها لا أعرف حالهما، ثم قال: ورواه ابن حبان من وجه آخر في الضعفاء، من حديثها، والبيهقي في الشعب من حديث ابن عمر، ثم قال: وله طرق كلها ضعيفة (^٥) وفي نقل الزبيدي عن العراقي زيادة عزو الحديث إلى البزار والطبراني وابن عدي (^٦).\nوبمراجعة روايات الحديث في هذه المصادر، وفي غيرها نجد أن سند الحديث عند أبي يعلى كما في طبعته التي بين يدى (^٧) موافقا للعراقي، كما في طبعة\n_________\n(^١) اللآلئ المصنوعة ٢/ ٩٣ - ٩٥.\n(^٢) تنزيه الشريعة ٢/ ١٣٩، ١٤٠.\n(^٣) الإتحاف ٨/ ١٧٢.\n(^٤) ضعيف الجامع الصغير وزيادته/ برقم (٣٣٣٩).\n(^٥) ينظر المغني مع الإحياء ٤/ ١٠٣ (٢) ومسند أبي يعلى ٨/ حديث (٤٧٥٩)، والمجروحين لابن حبان ٢/ ١١٣ ترجمة (محمد بن يونسي الكديمي).\n(^٦) الإتحاف ٩/ ٩١.\n(^٧) وهي طبعة دار المأمون للتراث - بدمشق بتحقيق/ حسين أسد.","vol":"5","page":1819},{"text":"مصطفي الحلبي التي رجعت في بحثى هذا إليها، مع المقارنة بغيرها عند الحاجة، وجاء فيهما «خيرة» بالخاء المعجمة، والياء المثناة من تحت، ولكن في نسخة الزبيدي من المغني «جبرة» بالجيم والباء الموحدة، ونقل الزبيدي عن الحافظ ابن حجر أنه علق على حاشية نسخة «المغني» لشيخه العراقي ضبط هذا الاسم كما في نسخة الزبيدي مع عزو هذا الضبط إلى الدارقطني والذهبي، وذكر أن في سند الحديث عند الدارقطني «عن أبيها» بدل «عن أمها» واعتذر عن شيخه العراقي، باحتمال أن تكون نسخته من المسند حصل فيها تصحيف «أمها» بدل «أبيها»، كما تعقبه بأن «جبرة» هذه معروفة برواية الحديث، وإن لم يوجد كلام عن حالها (^١).\nويؤيد هذا التصويب والتعقيب سند الحديث عند البيهقي في الشعب، فقد جاء فيه «جبرة» بالجيم والباء الموحدة، وجاء فيه «أبيها» بدل «أمها»، وفيه رواية الحديث من ثلاثة طرق عن «جبرة» فتكون معروفة العين بذلك (^٢).\nكما نجد أن رواية ابن عمر عند ابن حبان في سندها «محمد بن يونس الكريمي»، وقد وصفه ابن حبان بأنه: كان يضع على الثقات الحديث وضعا، ولعله وضع أكثر من ألف حديث (^٣).\nوقال الدارقطني: يتهم بوضع الحديث، وما أحسن القول فيه إلا من لم يخبر حاله (^٤).\n_________\n(^١) الاتحاف ٩/ ٩١.\n(^٢) ينظر شعب الإيمان للبيهقى ٣/ حديث (٣٥٤١)، (٣٥٤٢).\n(^٣) المجروحين لابن حبان ٢/ ٢١٢، ٢١٣.\n(^٤) ينظر الميزان ٤/ ترجمة (٨٣٥٣).","vol":"5","page":1820},{"text":"فمثل هذا الطريق يعتبر العراقي متساهلا في حكمه بضعفه فقط، وذلك ضمن حكمه السابق على كل طرق الحديث بأنها ضعيفة.\nلكن للحديث عن ابن عمر بعض الطرق الأخرى غير طريق الكديمي هذه، كما يعرف من بقية مصادر الحديث (^١). وكذلك له طرق عن غير ابن عمر وعائشة،\nكما أشار إليه العراقي، وقال ابن الجوزي: فيه عن ابن عباس وابن عمر وجابر وأنس وأبي هريرة، ويزيد القسملي، وعائشة.\nثم ساق رواياتهم بطرقها، ثم قال: هذا حديث لا يصح عن رسول الله ﷺ من جميع جهاته، وأتبع ذلك بما يراه علة في الطرق التي ذكرها (^٢).\nلكن تعقب ذلك من جاء بعد ابن الجوزي، بذكر طرق أخرى للحديث وإن كانت بين ضعيفة، وضعيفة جدا، لكنها تدفع التفرد به ممن رمى بالكذب أو الوضع، كما يفيد انضمامها إلى غيرها مما ليس فيه من رمى بالكذب أو، الوضع، أن للحديث أصلا في الجملة، وإن تفاوت تقدير درجته في القوة.\nوأكثر من رأيته جمع طرق الحديث هو الحافظ السخاوي، وانتهي إلى أن له طرقا، مع ضعفها، يقوى بعضها بعضا، وذكر عن شيخه ابن حجر أنه بناء على هذا لا يتهيأ الحكم بوضع هذا المتن، خلافا لما تقدم عن ابن الجوزي (^٣).\n_________\n(^١) ينظر الاتحاف ٩/ ٩١.\n(^٢) ينظر الموضوعات لابن الجوزي ٢/ أحاديث (١٠٥٣ - ١٠٦٨).\n(^٣) المقاصد الحسنة للسخاوي - حرف الهمزة - بلفظ (التمسوا الخير ..) (الحديث) برقم (١٦١).","vol":"5","page":1821},{"text":"وتبع السخاوي على هذا الزيدي (^١) وهو يتفق في الجملة مع ما تقدم عن العراقي من الحكم بضعف كل طرق الحديث، وبهذا يكون قد خالف ابن الجوزي في تساهله في الحكم بوضع الحديث من جميع جهاته، كما تقدم.\nلكن يتميز السخاوي عن العراقي بالتصريح بأن طرق الحديث الضعيفة يقوى بعضها بعضا، ومقتضاه أنه يرتقى بمجموعها إلى الحسن لغيره.\nوقدمت أن العراقي مع اعتنائه بذكر ما يجبر الضعيف ويرقيه إلى الحسن أو الصحة، لكنه يترك استنتاج ذلك للقارئ، ولا يصرح به.\nوبذلك لا يكون اكتفاؤه هنا بالحكم بضعف طرق الحديث المتعددة، معارضا لتصريح السخاوي بتقوى بعضها ببعض. ويلي السخاوي في جمع طرق الحديث، الحافظ السيوطي، ولكنه زاد عنه في تقدير درجة الحديث، فقد ذكر أنه جمع الطرق التي تيسرت له في جزء مستقل، وأن مجموعها يقتضي أن الحديث في نظره حسن صحيح (^٢)، في حين تفيد عبارة السخاوي السابقة ترقية الحديث إلى درجة الحسن لغيره فقط، كما قدمت.\nوقد تابع السيوطي على حكمه المذكور، الحافظ ابن عراق (^٣).\nلكن المناوي ذكر قول العراقي السابق بضعف كل طرق الحديث، ثم ذكر قول السيوطي ومن وافقه بأن مجموع طرق الحديث الصالحة، تقتضى ترقيته.\n_________\n(^١) الاتحاف ٩/ ٩١:\n(^٢) ينظر اللآلئ المصنوعة للسيوطي ٢/ ٧٧ - ٨١.\n(^٣) ينظر تنزيه الشريعة ٢/ ١٣٣ - ١٣٤.","vol":"5","page":1822},{"text":"إلى أنه حسن صحيح، وتعقبه بأنه يعتبر تفريطًا، كما ذكر أن قول ابن الجوزي ومن يوافقه بأن الحديث باطل لا يصح، يعتبر إفراطا، ثم قال: والقول العدل، ما أفاده زين الحفاظ العراقي (^١). فاعتبر قوله وسطا بين الإفراط والتفريط في الحكم على هذا الحديث. وقد سبق بيان توافق قوله هذا مع ما يفيده قول السخاوي من أن الحديث حسن لغيره.\nوذكر العراقي حديث (تجافوا عن ذنب السخي، فإن الله آخذ بيده كلما عثر)، وعزاه إلى الطبراني في مكارم الأخلاق، وأبي نعيم في الحلية من حديث ابن مسعود، بنحوه، ثم قال: بإسناد ضعيف، ورواه ابن الجوزي في الموضوعات من طريق الدارقطني (^٢).\nفنلاحظ من هذا أنه جزم بضعف إسناد حديث ابن مسعود، خلافا لتساهل ابن الجوزي في الحكم بوضعه، وطريق الدارقطني التي أشار إليها العراقي، وأخرج ابن الجوزي أيضا الحديث منها، تلتقى مع أحد طريقي أبي نعيم، والبيهقي للحديث، في «عبد الرحيم بن حماد البصري الثقفي» (^٣).\nوقد بنى ابن الجوزي حكمه بالوضع على أن (عبد الرحيم) هذا تفرد برواية الحديث عن الأعمس، وأنه وصفه العقيلي بأنه: يروى عن الأعمش ما ليس من حديثه (^٤).\n_________\n(^١) ينظر فيض القدير للمناوى ١/ ٥٤٠ - ٥٤١.\n(^٢) المغني مع الإحياء ٣/ ٢٣٩ (١).\n(^٣) ينظر أطراف الغرائب والأفراد لابن القيسرائي ٤/ حديث (٣٩٤٠)، وفيه في الحلية ٤/ ١٠٨ (عبد الرحمن) بدل (عبد الرحيم) والصواب: (عبد الرحيم) وكذا جاء في الفيض ٣/ ٢٢٨ نقلا عن الدارقطني، وفي الشعب للبيهقى ٧/ حديث (١٠٨٦٧، ١٠٨٦٨).\n(^٤) ينظر العقيلي في الضعفاء ٣/ ٨١ واللسان ٤/ ترجمة (٥).","vol":"5","page":1823},{"text":"وقد تعقب القول بتفرد (عبد الرحيم) لوجود متابع له وهو (محمد بن حميد العتكى) عند أبي نعيم (^١) مع قوله في موضع آخر عن رواية (عبد الرحيم) هذه: إنها غريبة من حديث الأعمش (^٢).\nوبرواية (محمد بن حميد) يرتفع قول أبي نعيم هذا، كما أنه برواية (عبد الرحيم) يرتفع قول الطبراني بتفرد (محمد بن حميد) بالحديث عن الأعمش (^٣).\nأما حكم ابن الجوزي بوضع الحديث فيتعقب بأمرين: الأول: أن حال «عبد الرحيم» تقتضى ضعف الحديث فقط من طريقه، وبهذا حكم البيهقي عليه (^٤). الثاني: أن (عبد الرحيم) لم ينفرد به، فقد تابعه (محمد بن حميد) كما تقدم.\nوبذلك يكون حكم العراقي على الحديث بأن إسناده ضعيف، متوافقا مع واقع حال (عبد الرحيم) ومع حكم البيهقي على الحديث من طريقه بالضعف فقط.\nوعلى هذا مشى كل من السيوطي (^٥) وابن عراق (^٦) والزبيدي (^٧) والألباني (^٨)\n_________\n(^١) ينظر الحلية ٥/ ٥٨.\n(^٢) ينظر الحلية ٤/ ١٠٨.\n(^٣) ينظر المعجم الأوسط للطبراني ٢/ حديث (١١٩٩).\n(^٤) ينظر اللسان ٤/ ترجمة (٥) والشعب للبيهقى ٧/ حديث (١٠٨٦٨)، واللآلئ المصنوعة ٢/ ٩٥ (الصدقات).\n(^٥) اللآلئ المصنوعة ٢/ ٩٥.\n(^٦) تنزيه الشريعة ٢/ ١٤٠.\n(^٧) الإتحاف ٨/ ١٧٤.\n(^٨) ضعيف الجامع الصغير وزيادته حديث رقم (٢٣٨٩).","vol":"5","page":1824},{"text":"وأشار الشيخ «أحمد الغماري» ﵀ إلى أن تعدد طرق هذا الحديث مما يدفع قول ابن الجوزي بوضع الحديث (^١).\nفالتقى بذلك مع حكم العراقي السابق بضعف الحديث فقط، ودل ذلك على أن ما نسبه بنفسه إلى العراقي من التساهل في الحكم للحديث، ليس على إطلاقه كما تفيده عبارته (^٢).\nوذكر حديث «الجنة دار الأسخياء» من حديث عائشة ﵂ وعزاه إلى ابن عدي والدارقطني في المستجاد، والخرائطي، وذكر قول الدارقطني: إنه لا يصح، ثم ذكر أن ابن الجوزي رواه في الموضوعات، من طريق الدارقطني، وأن الذهبي قال: حديث منكر، ما آفته سوى جحدر، وعقب على ذلك بأن الدارقطني روى الحديث في المستجاد أيضا من طريق آخر، وفيه «محمد بن الوليد الموقرى» وهذا ضعيف جدا (^٣). وبهذا رد العراقي القول بتفرد جحدر بالحديث، ورد تساهل ابن الجوزي بذكره له في الموضوعات.\nوبمراجعة ما عزا العراقي الحديث إليه، نجده عند ابن عدي (^٤)، والدارقطني في المستجاد (^٥) ونجده عند ابن الجوزي والخرائطي في المكارم (^٦) ليس من طريق\n_________\n(^١) المغير على الأحاديث الموضوعة في الجامع الصغير/ ص ٣٤.\n(^٢) المغير للشيخ أحمد الغماري ص ٧.\n(^٣) المغني مع الإحياء ٣/ ٢٤٠ (٢).\n(^٤) الكامل لابن عدي ١/ ١٩٠ و٤/ ١٦٢٨.\n(^٥) ينظر المستجاد للدارقطني حديث (١٦) ومن طريقه الأصبهاني في الترغيب والترهيب - باب السين/ حديث (١٥٤٦) ط دار الحديث بالقاهرة.\n(^٦) ينظر المنتقى من مكارم الأخلاق/ حديث (٢٩٧).","vol":"5","page":1825},{"text":"الدارقطني كما ذكر العراقي، ولكن من طريق ابن عدي التي فيها «جحدر» لكنه نقل قول الدارقطني في «المستجاد»: إن الحديث لا يصح، وذكر قول ابن عدي في «جحدر» إنه يسرق الحديث، ويروى المناكير، ويزيد في الأسانيد، ثم جعل ابن الجوزي هذا معتمده في ذكر الحديث في الموضوعات (^١).\nوقد روى الطبراني الحديث في الأوسط بمعناه من طريق جحدر بن عبد الله الرحبي - قال: ثنا بقية عن الأوزاعي عن الزهري عن عروة عن عائشة، به، بمعناه، وقال: لم يرو هذا الحديث عن الأوزاعي إلا بقية، تفرد به جحدر بن عبد الله الرحبي (^٢) لكن ابن عدي أخرجه من طريق زيد بن عبد العزيز ثنا جحدر ثنا بقية، به، وذكر اختلافا فيه عن بقية، ثم قال: ورواه جماعة عن بقية عن الأوزاعي (^٣) فأشار بذلك إلى عدم تفرد جحدر به، وكذا قرر السيوطي (^٤) وعليه يكون الحكم بوضع الحديث باعتبار حال جعفر، مع تفرده به، غير مسلم.\nأما ما ذكره العراقي من أن الطريق الآخر عند الدارقطني فيه «محمد بن الوليد الموقرى» ففيه خطأ بقلب الاسم، والذي وجدته في كتب التراجم، ويتفق مع الإسناد، أن اسم هذا الراوي «الوليد بن محمد الموقرى» فلعله\n_________\n(^١) تنظر الموضوعات لابن الجوزي ٢/ حديث (١١١٥) ط أضواء السلف.\n(^٢) المعجم الأوسط للطبراني ٦/ حديث (٥٧٤٢) ط الحرمين و٦/ حديث (٥٧٣٨) ط دار المعارف وجاء في الطبعتين «جحدر بن عبد الله الرحبي» كما ترى، و«جحدر» لقب، وفي اسمه واسم أبيه اختلاف كما في الميزان ٢/ ترجمة (٣٨٤٣) وصدر ترجمته بأنه «عبد الرحمن ابن الحارث …».\n(^٣) ينظر الكامل ١/ ١٩٠ - ١٩١ و٤/ ١٦٢٨.\n(^٤) اللآلئ المصنوعة ٢/ ٩٦.","vol":"5","page":1826},{"text":"حصل تقديم وتأخير من الحافظ العراقي ﵀ على سبيل السهو - لأنه جاء هكذا مقلوبا في طبعة المغني التي طبعها مصطفي الحلبي، والتي اعتمدت عليها في هذا البحث، وكذلك في نسخة الزبيدي من المغني (^١) وفي نقل السيوطي (^٢).\nوأيضا درجة ضعف (الموقرى) التي وصفه بها العراقي، قد اختلفت عبارتها، ففي طبعة الحلبى التي اعتمدت في البحث عليها جاءت العبارة (ضعيف جدا) كما سبق نقلها، وفي نقل السيوطي «ضعيف» فقط، وفي نقل الزبيدي: «ضعيف أيضا» فلعل لفظتى «أيضا» و«جدا» تحرفت إحداهما عن الأخرى.\nلكن مجمل الأقوال في «الوليد بن محمد الموقرى» هذا تفيد تضعيفه فقط لكثرة غلطه، ونسبته إلى الكذب خلاف قول الأكثرين، مع كونها أيضا مجملة غير مفسرة بشيء معين من الكذب، وقد أشار الإمام أحمد وغيره إلى أن المناكير التي ظهرت في رواياته، قد أدخلت عليه من بعض الرواة عنه، وذكر سليمان بن عبد الرحمن - أحد الرواة عنه، وأبو زرعة الدمشقى: أن «موسى بن محمد البلقاوى، أبو طاهر» - وهو أحد الموصوفين بالكذب - قد قدم على (الوليد) هذا فغير كتبه، وهو لا يعلم، فأفسد حديثه، وأشار ابن المديني إلى أن سبب رواياته المنكرة عن الزهري: أنه أتيح له نسخ مما دوّن عن الزهري (^٣)، ومما يؤيده أن (الوليد) كان مولى ليزيد بن عبد الملك، وقد احتفظ\n_________\n(^١) ينظر الاتحاف ٩/ ١٧٦\n(^٢) اللآلئ ٢/ ٩٦\n(^٣) ينظر تهذيب الكمال للمز ٣١/ ٧٨ - ٧٩.","vol":"5","page":1827},{"text":"هشام بن عبد الملك بمدونات كثيرة عن الزهري (^١) وكذا قرر الوليد نفسه أنه لازم الزهري عشر سنين (^٢) فعلى هذا لا يستغرب تفرده عن الزهري بما لا يوجد عند غيره من الرواة عنه.\nثم إن ابن حبان مع وصفه له بأنه يروى الموضوعات، لم يتهمه بها، كما يتهم غيره، بل قرر فقط عدم الاحتجاج به، لا ترك الرواية مطلقا عنه (^٣) وأحد تلاميذه أيضا وهو على بن حجر، وصفه بكثرة الخطأ فقط، ولم يترك الرواية عنه (^٤).\nوعلى ذلك فمن وصفه بأنه لا يكتب حديثه، أو بأنه متروك، فيحمل ذلك على ترك الاحتجاج به، دون الاعتبار (^٥).\nومما يؤيد ذلك رواية كل من الترمذي وابن ماجه له في سننهما (^٦)، واقتصر الترمذي على تضعيفه فقط، عقب روايته له عن الزهري (^٧).\nوقول ابن عدي: كل أحاديثه غير محفوظة (^٨) معارض بقول بعض من روى عن الوليد، أو روى عمن روى عنه، وتقرير كل منهم: أن من روايات بعض\n_________\n(^١) تنظر ترجمة الزهري - من تاريخ دمشق - بتحقيق الأخ شكر الله قوجانى/ ٩١ - ٩٣ والتهذيب ٩/ ٤٤٩.\n(^٢) ينظر تهذيب الكمال ٣١/ ٨٠.\n(^٣) ينظر المجروحين له ٣/ ٧٦ - ٧٨.\n(^٤) ينظر التاريخ الكبير للبخاري ٨/ ترجمة - (٢٥٤٢).\n(^٥) ينظر الجرح والتعديل للرازي ٢/¬٣٨ والتهذيب ١١/ ترجمة (٢٥١).\n(^٦) تهذيب الكمال ٣١/ ٧٦ - ٨٠.\n(^٧) جامع الترمذي/ حديث (٣٦٦٥).\n(^٨) الكامل ٧/ ٢٥٣٤ - ٣٥٣٦","vol":"5","page":1828},{"text":"تلاميذه عنه ما هو مستقيم وصحيح (^١) وعليه يكون القول بضعفه في الجملة، هو المناسب لتحقيق الأقوال فيه.\nوبالتالي يكون هذا الحديث من طريقه ضعيفا فقط أما «جحدر» السابق ذكر روايته، فهذا لقب له، وقد اختلف فيمن لقب به من الرواة، هل هو شخص واحد، مختلف في اسمه واسم أبيه، أو هما اثنان، أحدهما ابن يسمى «أحمد» والآخر «أب له» مع خلاف في اسمه أيضا؟ فقيل «عبد الله» (^٢) وقيل «عبد الرحمن بن الحارث» (^٣).\nوتردد الذهبي في الميزان في كونهما اثنين (^٤)، لكن جزم في كتابه في الألقاب بأن «جحدرًا» لقب شخص واحد من الرواة هو «عبد الرحمن بن الحارث الكفرتوثى، صاحب بقية (^٥) يعني ابن الوليد.\nوتردد الحافظ ابن حجر في اللسان (^٦) في أنهما اثنان: أحدهما ابن يسمى (أحمد) والآخر أب له يسمى «عبد الرحمن بن الحارث»، وهو صاحب بقية بن الوليد، ثم جزم بذلك في كتابه في الألقاب (^٧) وقرر أن كلا منهما لقبه «جحدر».\n_________\n(^١) تهذيب الكمال ٣١/ ٧٩ - ٨٠ والتهذيب ١١/ ١٥٠.\n(^٢) الثقات لابن حبان ٨/¬٣٥ والمعجم الأوسط للطبراني ٦/ حديث (٥٧٤٢) ط الحرمين.\n(^٣) ينظر الثقات ٨/ ٣٨٣ والكامل لابن عدي ١/ ١٩٠ و٤/ ١٦٢٨ والأنساب للسمعاني ٥/ ١٢٦.\n(^٤) ينظر الميزان ٢/ ٥٥٥.\n(^٥) ينظر ذات النقاب في الألقاب للذهبي/ ٢٢.\n(^٦) ينظر اللسان ٣/ ٤٠٩.\n(^٧) نزهة الألباب له بتحقيق الأخ الفاضل الدكتور/ عبد العزيز السديري.","vol":"5","page":1829},{"text":"وسواء كان «جحدر» شخصا واحدا أو اثنين، فإن المترجمين متفقون على أن الملقب بهذا يروى الحديث الذي معنا عن بقية بن الوليد، وقد ترجم له ابن حبان في الثقات مرتين، الأولى ذكره باسم «أحمد بن عبد الله بن الحارث» وروى من طريقه هذا الحديث، وقال: لم أر في حديثه ما في القلب منه، إلا هذا الحديث، ثم قال: هذا حديث منكر، أحاديث بقية غير مستقيمة (^١).\nفأشار بذلك إلى أن نكارة الحديث، ليست من جهة «جحدر» بل من جهة شيخه بقية بن الوليد. وفي المرة الثانية ترجم له باسم «عبد الرحمن بن الحارث» ولم يتكلم عن حاله بشيء غير قوله: حدثنا عنه القطان - يعني الحسين بن عبد الله - وغيره من شيوخنا (^٢).\nلكن الحافظ ابن حجر تعقب ابن حبان بذكره «جحدرا» هذا في الثقات، فقال: كأنه ما عرفه (^٣) ثم اتفق مع غير ابن حبان على أن «جحدرا» ضعيف جدا، يسرق الحديث (^٤).\nوقد قرر ابن عدي أن حديثنا هذا مما سرقه «جحدرا» من الثقات، وادعاه عن شيوخهم (^٥).\nومن هذا يفهم أن سرقة الحديث نوع من تعمد الكذب في رواية حديث\n_________\n(^١) ينظر الثقات لابن حبان ٨/¬٣٥ - ٣٦.\n(^٢) تنظر الثقات لابن حبان ٨/ ٣٨٣.\n(^٣) اللسان ١/ ٢١٠ - ٢١١.\n(^٤) ينظر الكامل ١/ ١٩٠ و٤/ ١٦٢٨، ١٦٢٩ والضعفاء والمتروكين لابن الجوزي ١/ ٧٥ و٢٠/ ٩٢ والميزان ١/ ١١٠ و٢/ ٥٥٥ واللسان ١/ ٢١٠ - ٢١١ و٣/ ٤٠٩.\n(^٥) الكامل لابن عدي ٤/ ١٦٢٨، ١٦٢٩.","vol":"5","page":1830},{"text":"موجود، لكن من رواية شخص آخر غير سارقه، ولذا فإن الإنصاف به يقدح في فاعله، وفي درجة حديثه لكن بدرجة أخف من اختلاق الحديث ابتداء، دون أن تكون له رواية من قبل (^١) وعليه فإن المتهم بسرقة الحديث يعتبر ضعيفا جدا، ويعتبر الحديث من طريقه وحده متروكا لشدة ضعف راويه، ولكن لا يجزم بأنه موضوع؛ لأن تهمة الكذب غير الاتصاف بالكذب فعلا، وأخف درجة منه مع شدتها في الضعف (^٢).\nوعليه فلا يسلم لابن الجوزي الحكم بوضع هذا الحديث بناء على ما ذكر من حال (جحدر) ومن قول الدارقطني: لا يصح هذا الحديث (^٣) وصنيع الإمام الذهبي في تلخيص الموضوعات، يؤيد هذا (^٤) وقد حكم عليه في الميزان بأنه منكر لأجل جحدر، كما تقدم، والمنكر نوع من الضعيف غير الموضوع، كما هو معلوم (^٥).\nومن بعد الذهبي جاء العراقي، فذكر إيراد ابن الجوزي للحديث في الموضوعات من طريق (جحدر) وذكر قول الذهبي بأن الحديث منكر وأن آفته (جحدر) وحده، ثم تعقب ذلك بوجود رواية للحديث أخرى من غير طريق (جحدر) وهي رواية «الموقرى» كما تقدم، ومع أنها لا تقوى على\n_________\n(^١) ينظر الاقتراح لابن دقيق العيد/ ٢٣٠ بتحقيق الدكتور/ عامر صبرى، والموقظة للذهبي/ ص ٦٠ والسير ١١/ ٥٠٤.\n(^٢) تنظر الموقظة للذهبي/ ٨١ والمعرفة والتاريخ للفسوى ٢/ ٣٨٥ ومقدمة الحافظ ابن حجر للتقريب/ ص ٧٤، ٧٥.\n(^٣) تنظر الموضوعات لابن الجوزى ٢/ حديث (١١١٥).\n(^٤) ينظر تلخيص الموضوعات للذهبي/ حديث (٤٨٦) ط مكتبة الرشد بالرياض.\n(^٥) وتنظر التعقبات على الموضوعات للسيوطى/ ص ٣٧/ ط لاهور.","vol":"5","page":1831},{"text":"جبر الضعف الشديد لطريق (جحدر) لكنها تدفع القول بتفرده بالحديث، فأشار العراقي بذكرها إلى رد القول بالتفرد، ورد القول بالوضع أيضًا لعدم ثبوت تفرد أحد الوضاعين به.\nوقد ذكر الحافظ ابن حجر مما يعرف به وضع الحديث: تفرد راو كذاب به، ولا يوجد ذلك الحديث عند غيره، وطبق ذلك على بعض الأحاديث (^١).\nوبهذا أخذ السيوطي خلال كتابه اللآلئ المصنوعة وغيرها، والمناوي أيضًا (^٢). وقد تابع السيوطي العراقي على ما قرره في هذا الحديث (^٣)، ثم أضاف ذكر: متابعة أخرى لجحدر بن الحارث، حيث قال: وقد توبع، فرواه أبو الشيخ عن أبي (الحريش) (^٤) أحمد بن عيسى الكلابي حدثنا محمد بن عوف الحمصي، حدثنا بقية، به.\nوهذه المتابعة تعتبر أمثل طرق الحديث عن بقية.\nفأبو الحريش - لقب للراوي - واسمه: أحمد بن عيسى الكلابي أبو جعفر، ذكره ابن القرضي في الألقاب (^٥) وروى من طريقه حديثا، ولكن لم يتكلم عن حاله بشيء، وذكره ابن ماكولا، وزاد وصفه بأنه كان بمصر (^٦) فهو على هذا مجهول الحال.\n_________\n(^١) ينظر أجوبته عن أحاديث المشكاة ٣/ ١٧٧٨ و١٧٨٤ - ١٧٨٥.\n(^٢) ينظر فيض القدير للمناوى ٣/ ٢٥٥ حديث (٥٢١٦).\n(^٣) اللآلئ المصنوعة ٢/ ٩٦.\n(^٤) تحرف فى اللآلئ إلى (التجريش) وتصويبه من مصدر ترجمته الآتي بعد قليل.\n(^٥) كما في مختصره (٢/ ٢٢٧).\n(^٦) الإكمال ٢/ ٤٢١.","vol":"5","page":1832},{"text":"ومحمد بن عوف الحمصي: ثقة حافظ، إليه المرجع في أحاديث الشاميين، وقد صرح بالتحديث عن «بقية» وهو حمصي (^١).\nوبذلك يتقوى رد العراقي للحكم بوضع الحديث.\nوقد ذكر السيوطي للحديث بعض الشواهد أيضا (^٢)، وتبعه ابن عراق (^٣) وكذا قرر الشيخ الألباني: أن الحديث ضعيف لا موضوع (^٤).\nومما يوضح موقف العراقي من حكم ابن حبان بالوضع، ما يلي: - أنه ذكر حديث «فضل: قل اللهم مالك الملك .. الآيتين، وفاتحة الكتاب، وآية الكرسي، والآيتين من آل عمران: ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو﴾ … إلى قول «الإسلام» وقال: وفيه الحارث بن عمير، وفي ترجمته ذكره ابن حبان في الضعفاء، وقال: موضوع، لا أصل له، والحارث يروي عن الأثبات الموضوعات، ثم عقب على قول ابن حبان هذا، بأن الحارث وثقه حماد بن زيد وابن معين، وأبو زرعة، وأبو حاتم والنسائي، وروى له البخاري تعليقا (^٥). وتابع العراقي على هذا الزبيدي في الاتحاف» (^٦).\nوهو بهذا التعقب قد رد حكم ابن حبان بوضع الحديث، والذي بناه على ما\n_________\n(^١) التهذيب ٩/ ت (٦٣٢) والتقريب/ ت (٦٢٠٢).\n(^٢) اللآلئ المصنوعة ٢/ ٩٦، ٩٧.\n(^٣) تنزيه الشريعة ٢/ ١٤٠، ١٤١.\n(^٤) ينظر ضعيف الجامع الصغير وزيادته/ حديث رقم (٢٦٦٧)، وينظر مخالفة العراقي لابن الجوزي في الحكم بوضع الحديث أيضا/ المغنى مع الإحياء ٢/ ٨٨ (٤).\n(^٥) ينظر المغنى مع الإحياء ١/ ٣٤٥ (٦).\n(^٦) الإتحاف ٥/ ١٣٣ والمجروحين لابن حبان ١/ ٢٢٣.","vol":"5","page":1833},{"text":"وصف به راويه.\nوقد أخرج الحديث ابن السني (^١) وابن حبان في ترجمة الحارث في المجروحين، مع كلامه السابق عن كل من الحارث وحديثه هذا، ومن بعد ابن حبان أخرجه ابن الجوزي في الموضوعات (^٢) والحافظ ابن حجر في التهذيب (^٣)، جميعهم من طريق محمد بن زنبور، ويقال: ابن جعفر بن أبي الأزهر المكي عن الحارث بن عمير، به.\nوقد قرر ابن الجوزي: أن الحديث موضوع، وعلل ذلك بتفرد الحارث به، مع ذكر قول ابن حبان السابق فيه، وزاد قولا آخر لابن خزيمة: أن الحارث كذاب، وأنه لا أصل لهذا الحديث، فيعتبر رد العراقي على ابن حبان، هو رد على ابن الجوزي أيضا، وغيرهما ممن يتفق معهما.\nويلاحظ أن العراقي لم يعارض الحكم بوضع الحديث هنا، بذكر طريق آخر للحديث غير طريق الحارث، كما فعل في المثال الذي قبل هذا، فكأنه أقر تفرد الحارث بالحديث، ولكنه رد تشدد ابن حبان المعروف به في الجرح (^٤) فبين أن قوله في الحارث والذي بنى عليه ابن الجوزي حكمه بوضع الحديث، معارض بما هو أرجح منه، وهو القول بتوثيق الحارث مطلقا من الأكثرين من النقاد المعتبرين، مع تقدمهم الزمني على ابن حبان، ومخالطة بعضهم للحارث، كما سيأتي توضيحه.\n_________\n(^١) ينظر عمل يوم وليلة له/ حديث (١٢٥) بتحقيق بشير عيون.\n(^٢) الموضوعات ١/ ٣٩٩ - ٤٠٠/ ط أضواء السلف.\n(^٣) ينظر التهذيب ٢/ ترجمة (٢٦١).\n(^٤) ينظر الميزان ١/ ترجمة (١٠٢٣). و٣/¬٤٥ ترجمة (٥٥٣٢).","vol":"5","page":1834},{"text":"وبهذا تنوع منهج العراقي في تطبيق قواعد نقد الحديث، في كل موضع بحسبه، فطبق في المثال السابق قاعدة عدم تفرد الراوي المنسوب إلى الوضع أو الكذب بالحديث، وهنا طبق قاعدة أخرى، وهي النظر في حال الراوي المنفرد بالحديث، والأخذ بما عليه الأكثرون المعتمدون في حاله، ما لم تكن علة أخرى، كما سيأتي.\nلكن الإمام الذهبي - مع وقوفه على توثيق من ذكرهم العراقي للحارث، وعلى قول ابن حبان وغيره من المجرحين له، فإنه اختلف موقفه؛ فمرة حكى الخلاف، ولم يرجح شيئا (^١) ومرات أخرى أخذ بقول المجرحين، وحكمهم بوضع الحديث الذي معنا (^٢).\nويبدو لي أن الإمام الذهبي ﵀ في موقفه هذا من أقوال النقاد في الحارث، وفي درجة ما ذكره من حديثه، وهو ثلاثة، أحدها حديثنا هذا، قد عوّل بالدرجة الأولى على أن ابن حبان، وإن كان متأخرا عن زمن الراوي، ومتشددا في الجرح، إلا أنه أيد قدحه في الحارث بذكر بعض الأحاديث المنتقدة التي رويت من طريقه، دون متابع له عليها، فاعتبرها بذلك تفسيرا للجرح الذي ذكره، فانطبق عليه القول بتقديم الجرح المفسر على التعديل مطلقا، كما ذكر الذهبي قولا للحاكم أبي عبد الله، في الحارث، يوافق قول ابن حبان في الجملة (^٣) لكن هذا معارض بأمور:\n_________\n(^١) الكاشف للذهبي ١/ ترجمة (٨٦٨).\n(^٢) ينظر المغني في الضعفاء ١/ ترجمة (١٢٤٥) و«من تكلم فيه وهو موثق» / ترجمة (٧٣) بتحقيق محمد شكور، وتاريخ الإسلام وفيات سنة ١٧٠ - ١٨٠ هـ/ ص ٧٥، والميزان ١/ ترجمة (١٦٣٨) جميعها للإمام الذهبي.\n(^٣) ينظر الميزان ١/ ترجمة (١٦٣٨).","vol":"5","page":1835},{"text":"أولها: تقرير الإمام الذهبي نفسه أنه ما علم أحدا سبق ابن حبان إلى تضعيف الحارث، مردود بما جاء عن ابن خزيمة من وصفه بأنه كذاب، وأن حديثه الذي معنا لا أصل له، كما تقدم، وابن خزيمة شيخ ابن حبان، وقد أكثر الرواية عنه في صحيحه وغيره، بل إن الذهبي لما ذكر حديثنا هذا في تلخيص موضوعات ابن الجوزي اقتصر على قول ابن خزيمة في الحارث، وفي حديثه هذا (^١) ولا يبعد استفادة ابن حبان في نقد الحارث ونقد حديثه من شيخه ابن خزيمة، وإن لم يصرح بذلك.\nكما أن ابن حبان شيخ الحاكم أبي عبد الله، فلا يبعد استفادته ما ذكره من نقد الحارث ونقد حديثه من شيخه ابن حبان، حيث إن الحاكم وصف الحارث بأنه يروي أحاديث موضوعة عن حميد الطويل وعن جعفر الصادق، وهذا هو طريق الحديثين الذين انتقدهما ابن حبان على الحارث (^٢) وأبو الفتح الأزدي. متوفى سنة ٣٧٤ هـ فلا يبعد استفادته في نقد الحارث بمن تقدمه. فكأن المدار الأساسي في نقد الحارث ونقد حديثه هذا هو قول ابن خزيمة، ثم تابعه من بعده.\nثانيها: أن توثيق الحارث توثيقا مطلقا، لم يقتصر على جماعة المتقدمين عن ابن خزيمة، بل وثقه أيضا الدارقطني (^٣) وهو من شيوخ الحاكم أبي عبد الله.\nثالثها: إن قاعدة تقديم الجرح المفسر ليست على عمومها (^٤)، وفي مقدمة ما\n_________\n(^١) ينظر تلخيص الموضوعات للذهبي/ حديث (١٤٤) ط مكتبة الرشد بالرياض.\n(^٢) ينظر المجروحين لابن حبان ١/ ٢٢٣.\n(^٣) ينظر تهذيب التهذيب ٢/ ترجمة (٢٦١).\n(^٤) ينظر قاعدة التاج ابن السبكي في الجرح والتعديل/ ٥٣ ضمن أربع رسائل في علوم الحديث =","vol":"5","page":1836},{"text":"يخصصها: أن يكون الجمع ممكنا بوجه معتبر، بين القول بالجرح والقول بالتعديل، فيقدم الجمع، كما هو معروف (^١) وهو ممكن هنا، كما سيأتي.\nرابعها: إن الموثقين للحارث لهم مرجحات معتبرة، منها: الأكثرية، والأقدمية، والخبرة المباشرة للراوي أو الأقرب منه، فهم ما عدا الدارقطني، متقدمون زمنا على ابن خزيمة فمن بعده من المجرحين، وفي مقدمة الموثقين حماد بن زيد وهو من أقران الحارث أو أكبر سنا منه، مع إمامته، واعتماد قوله في النقد، لاسيما عند الذهبي (^٢) وقد رأى حماد الحارث وحكم بتوثيقه وهو يشير إليه، وينظره (^٣) في حين نظر ابن خزيمة ومن بعده في بعض مروياته التي لا تذكر، بجانب كثرة حديثه، مع إمكان الجواب عنها، كما سيأتي.\nومن الموثقين المتقدمين: الإمام أحمد - وهو مع اتصافه بالاعتدال في النقد (^٤) - قد وثق الحارث توثيقا مؤكدًا، مقترنا بالخبرة الواسعة، وروايته عنه بواسطة واحدة فقط من الثقات (^٥)، ثم ذكر أنه رأى حمزة بن الحارث وأن آثار الصلاح ظاهرة عليه (^٦).\n_________\n= بتحقيق فضيلة شيخنا الشيخ عبد الفتاح أبو غدة ﵀.\n(^١) ينظر البحر المحيط للزركشى ٤/ ٢٩٨.\n(^٢) ينظر من يعتمد في قوله للذهبى ضمن أربع رسائل/ ص ٩٤.\n(^٣) تهذيب التهذيب ٢/ ترجمة (٢٦١).\n(^٤) ينظر من يعتمد قوله للسخاوى/ ٩٤ ضمن أربع رسائل.\n(^٥) سؤالات أبى داود للإمام أحمد في الجرح والتعديل/ ٢٣٠ والعلل برواية عبد الله ٢/ ٣٣٥ والمعرفة والتاريخ ٢/ ١٩٦.\n(^٦) تنظر سؤالات أبى داود للإمام أحمد في الجرح والتعديل/ ٢٣٥ بتحقيق الأخ الفاضل الدكتور/ زياد منصور.","vol":"5","page":1837},{"text":"خامسها: من المتقدمين الذين وثقوا الحارث، كل من ابن معين وأبي حاتم الرازي، والنسائي، وثلاثتهم معروفون بالتشدد في التوثيق (^١) وبتوثيق النسائي له يذهب تعجب الإمام الذهبي من تخريج النسائي له في سننه.\nومن ذلك يبدو لمن تأمل جانبي التوثيق والتجريح للحارث، أن مرجحات التوثيق أقوى، خلافا لما جرى عليه الإمام الذهبي من ترجيح الجرح، وإقرار الحكم بوضع الحديث الذي معنا.\nوبتلك المرجحات يتأيد تقديم العراقي توثيق الحارث، وتعقبه به لتجريح ابن حبان له، والحكمه بوضع حديثه الذي معنا، كما تقدم.\nومن تخريج الحديث فيما سبق، نلاحظ أن مدار طرقه على محمد بن زنبور المكي، عن الحارث، والحارث قد رواه عن جعفر الصادق عن أبيه عن جده عن علي ﵁ مرفوعا.\nفكأن التفرد بالحديث لم يقتصر على الحارث وحده، بل تفرد به عنه تلميذه ابن زنبور، فأصبح الأمر يحتاج إلى النظر فيمن تفرد به عن الحارث أيضا.\nوقد سئل العراقي عن هذا الحديث بخصوصه، فأجاب بما يؤكد، ويكمل ما ذكره عنه في المغني، فقد أجاب بقوله: رجال إسناده، وثقهم المتقدمون، وتكلم في بعضهم المتأخرون، وليس فيه محل نظر إلا محمد بن زنبور المكي، والحارث ابن عمير، فأما ابن زنبور، فوثقه النسائي وابن حبان، وقال ابن خزيمة ضعيف، وأما الحارث، فوثقه حماد بن زيد وأبو زرعة وأبو حاتم.\n_________\n(^١) ينظر «المتكلمون في الرجال» للسخاوى/ ١٣٦ - ١٣٧ وذكر من يعتمد قوله للذهبي/ ص ١٥٨ - ١٥٩ ضمن أربع رسائل في علوم الحديث، وهدى السارى/ ٣٨٧:","vol":"5","page":1838},{"text":"ويحيى بن معين والنسائي، واستشهد به البخاري في صحيحه، وروى عنه الأئمة: عبد الرحمن بن مهدي، وسفيان بن عيينة، واحتج أصحاب السنن به، وضعفه ابن حبان، والحاكم، وذكر قولهما المتقدم (^١).\nفيلاحظ من هذا الجواب إشارته إلى اثنين من مرجحات التوثيق الذي ذكره لكل من الحارث وابن زنبور، وهما: أكثرية الموثقين، وتقدم زمنهم، في مقابل أقلية المجرحين وتأخرهم عن زمن الراويين، وقد سبق توضيحي لأثر هذين الأمرين في ترجيح التوثيق.\nويلاحظ أيضا: أن العراقي في كلامه في المغني، وفي جواب السؤال عن هذا الحديث بخصوصه، قد اقتصر على رد ترجيح الجرح للراويين المنفردين بالحديث وهما: ابن زنبور وشيخه الحارث، وتبعا لذلك يرد الحكم بوضع الحديث.\nكما يلاحظ أن العراقي في جواب السؤال ذكر قول الحاكم بالجرح مع ابن حبان، فجعل الرد شاملا لهما معا.\nلكنه لم يحدد لنا درجة الحديث على ضوء ذلك، ولعل اقتصاره على ما ذكر باعتبار أن الأهم دفع الحكم على هذا الحديث بالوضع، أو لعل السؤال كان مقتصرا على هذا لأهميته، وما عداه يمكن فهمه على ضوء ما ذكر من حال راوييه المتفردين به، مع باقي رجال الاسناد، وقد أشار العراقي إلى سلامة هؤلاء الباقين من الضعف.\nومن بعد العراقي تعرض تلميذه ابن حجر لهذا الحديث، ولراوييه المنفرد به\n_________\n(^١) تنظر اللآلئ المصنوعة للسيوطى ١/ ٢٢٩ (فضائل القرآن).","vol":"5","page":1839},{"text":"كل منهما، وهما ابن زنبور، وشيخه الحارث بن عمير، وما قرره يلتقي مع ما قرره شيخه العراقي، مع زيادة وتتميم يصل بنا رد الحكم بوضع الحديث، وتقرير ضعفه فقط، وذلك على النحو التالي: -\nفبالنسبة للحارث ذكر الأقوال في توثيقه، مع الإشارة إلى مرجحاتها بنحو ما ذكره شيخه العراقي، مع زيادة ذكر توثيق الدارقطني، وتضعيف الأزدي له، ثم صرح بأن وصف ابن حبان له بأنه يروي الموضوعات عن الأثبات، يعتبر إفراطا في تضعيف الحارث (^١) وينسحب هذا أيضا على قول كل من ابن خزيمة والحاكم، لكونهما في معنى قول ابن حبان.\nلكن وجود بعض الأحاديث المنتقدة من روايته متفردا مثل حديثنا هذا يحول دون رد تضعيفه كلية، فيحمل المنكر من روايته وحده على وهمه في ذلك، لا على تعمده الكذب أو الوضع، مراعاة للتوثيق الثابت له عن جمهور المتقدمين، ولا يتعارض حصول الوهم النادر أو القليل مع التوثيق العام، بل يمكن الجمع بينهما، بحمل التوثيق على غير ما أنكر على الحارث، وبذلك لخص الحافظ ابن حجر حال الحارث فقال: وثقه الجمهور، وفي أحاديثه مناكير ضعفه بسببها الأزدي وابن حبان، وغيرهما، فلعله تغير حفظه في الآخر (^٢).\nوبهذا تحول الحافظ من ترجيح التوثيق المطلق كما يفهم من صنيع شيخه العراقي، إلى الجمع بوجه معتبر وهو حمل التوثيق العام على أول حياة الحارث،\n_________\n(^١) ينظر اللآلئ المصنوعة ١/ ٢٢٩ والنكت البديعات للسيوطي أيضا/ ٥٦ والتهذيب ٢/ ترجمة (٢٦١).\n(^٢) ينظر التقريب/ ترجمة (١٠٤١).","vol":"5","page":1840},{"text":"وحمل ما يقتضي ضعفه على حصول تغير حفظه في آخر حياته التي هي مظنة ذلك، وطالما أمكن الجمع، فهو أولى من الترجيح كما هو معلوم.\nأما المنفرد بهذا الحديث عن الحارث وهو ابن زنبور، فذكر الحافظ كذلك مجمل الأقوال في توثيقه وتجريحه بنحو ما ذكره شيخه العراقي، وزاد أنه مع توثيقه، فقد وصف بأنه يروي عن الحارث مناكير (^١). ثم لخص حاله بقوله: صدوق له أوهام (^٢) وبذلك جمع أيضا بين الأقوال في حاله، بحمل التوثيق على صدقه وعدالته، وحمل الجرح بالمناكير على أوهام له غير متعمدة، فتنزله عن درجة التوثيق المطلق إلى درجة الصدوق المحتج به، في غير ما وهم فيه (^٣). ولما كان ابن زنبور على هذا أدنى حالا من شيخه الحارث، وقد تفرد بالحديث عنه، فرأى الحافظ تحميله الوهم في هذا الحديث أولى من تحميله لشيخه الحارث، فقال في ترجمة الحارث عقب روايته للحديث: والذي يظهر لي: أن العلة فيه ممن دون الحارث (^٤) إشارة إلى ابن زنبور لتفرده عن الحارث به، واتصافه بأن له عن الحارث مناكير، كما قدمت.\nثم ذكر الحافظ علة أخرى للحديث من جهة انقطاع سنده، فذكر أن الضمير في كلمة (جده) إن عاد على (جعفر) اقتضى أن يكون الحديث من\n_________\n(^١) اللآلئ المصنوعة ٢/ ٢٢٩ والنكت البديعات/ ٥٦ كلاهما للسيوطي، وتهذيب التهذيب ٩/ ترجمة (٢٤٧).\n(^٢) التقريب ترجمة (٥٨٨٦).\n(^٣) ينظر مقدمة معرفة من تكلم فيه وهو موثق ط دار الباز بمكة المكرمة/ ص ٥١ وتدريب الراوى ١/ ١٩١ - ١٩٢ ط مكتبة الكوثر بالرياض.\n(^٤) التهذيب ٢/ ترجمة (٢٦١).","vol":"5","page":1841},{"text":"رواية «الباقر» عن «الحسين»، وإن عاد الضمير على «محمد» اقتضى أن يكون الحديث من رواية «زين العابدين» عن «علي» وفي سماع كل منهما خلاف (^١).\nثم نظر الحافظ أيضا إلى متن الحديث، لكونه اشتمل على مبالغة كبيرة في ثواب من يقرأ تلك الآيات المذكورة في الحديث، وابن الجوزي يعتبر مثل ذلك من علامات وضع الحديث، التي يشكل أمرها في حالة ثقة رجال الإسناد (^٢) كما هو الحال في حديثنا هذا، لصعوبة الجزم بوضع الحديث من طريقهم.\nولهذا فإن الحافظ بعد بيان حال الإسناد، ورجاله، كما تقدم، وعدم اقتضاء ذلك للحكم بوضع الحديث، قال: وقد أفرط ابن الجوزي، فذكره في الموضوعات، ولعله استعظم ما فيه من الثواب، وإلا فحال رواته، كما ترى (^٣).\nفاعتبر الحكم بوضع الحديث لمجرد المبالغة في الثواب فيه، يعد إفراطا وتشددا من ابن الجوزي، ومثل ذلك يقال عن حكم ابن خزيمة وابن حبان، حيث تبين لنا مما تقدم عدم وجود ما يقتضي الجزم بوضع الحديث، وعليه يكون الظاهر المؤيد بدلائل تحقيق الأقوال في سند الحديث ومتنه، يقتضي أن هذا الحديث ضعيف فقط، لا موضوع، وعلى هذا جرى السيوطي (^٤) ثم ابن\n_________\n(^١) اللآلئ المصنوعة ١/ ٢٢٩.\n(^٢) ينظر اللآلئ ١/ ٢٢٩ والنكت البديعات/ ٥٦.\n(^٣) ينظر المصدرين السابقين.\n(^٤) اللآلئ المصنوعة ١/ ٢٢٩ والنكت البديعات/ ٥٦.","vol":"5","page":1842},{"text":"عراق (^١)، تبعا لما حققه العراقي، وتلميذه ابن حجر، كما أسلفت، وذكر السيوطي وابن عراق أيضا شاهدا للحديث، وقال ابن عراق: وفي سنده ضعيف (^٢).\nومع تعقب العراقي لابن حبان في تشدده في الحكم بوضع الحديث السابق، فإنه قد أقر حكمه بالوضع على حديث آخر، وهو حديث: «ما عظمت نعمة الله على عبد إلا كثرت حوائج الناس إليه …» (الحديث).\nوقد عزاه العراقي إلى ابن عدي، وابن حبان في الضعفاء، من حديث معاذ بن جبل بلفظ «إلا عظمت مؤنة الناس عليه، فمن لم يحتمل تلك المؤنة» … (الحديث) ثم قال: ورواه ابن حبان في الضعفاء من حديث ابن عباس، وقال: إنه موضوع على «حجاج الأعور» (^٣) فنقل حكم ابن حبان كما ترى بأن الحديث عن ابن عباس، من طريق حجاج الأعور، موضوع على حجاج، وأقره، ونحوه فعل الذهبي (^٤).\nوبمراجعة المجروحين لابن حبان، نجده ذكر الحديث فعلا من رواية طاهر بن الفضل الحلبي عن حجاج الأعور عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس به. ووصف طاهرا بأنه يضع الحديث على الثقات وضعًا، وأن هذا الحديث موضوع على الحجاج بلاشك (^٥) والحجاج هذا ثقة اختلط بآخره (^٦).\n_________\n(^١) ينظر تنزيه الشريعة ١/ ٢٨٧ - ٢٨٨.\n(^٢) المصدر السابق.\n(^٣) ينظر المغنى مع الإحياء ٤/ ١٢٤ (١) والمجروحين لابن حبان ١/ ٣٨٠، ٣٨١ ترجمة طاهر ابن الفضل الحلبي.\n(^٤) ينظر الميزان ٢/ ترجمة (٣٩٨٠).\n(^٥) ينظر المجروحين/ الموضع السابق.\n(^٦) ينظر التقريب/ ترجمة (١١٣٥).","vol":"5","page":1843},{"text":"فمن تلك الأمثلة يظهر لنا أن العراقي لم يسلك في الحكم بوضع الحديث، مسلك التساهل العام، ولا التشدد العام، بدليل أن من عُرف بالتساهل في الحكم بالوضع كابن الجوزي ومن يوافقه، ومن عُرف بالتشدد في ذلك كابن حبان ومن يوافقه، تارة يوافق العراقي كلا منهم، وتارة يخالفه، على ضوء ما يظهر له بالبحث والنظر في قواعد النقد، وفي أقوال من يقف على آرائهم من النقاد، فدل هذا على تمتعه بملكة وخبرة نقدية، تبرز شخصيته الحديثية في اختيار ما يترجح لديه بالدليل.\nلكن ضخامة عدد الأحاديث التي تعرض للحكم عليها في كتاب المغني هذا، جعلته في مواضع لا يعني بتحقيق الخلاف وبيان الراجح.\nفقد ذكر - مثلا - الحديث السابق من رواية معاذ ﵁، واقتصر على عزوها لابن عدي وابن حبان في الضعفاء، ولم يصرح بالحكم عليه بشيء، وبمراجعة ما عزا إليه الحديث وهو ابن عدي (^١) وابن حبان (^٢) يستفاد أن رواية الحديث عن معاذ ضعيفه، لا موضوعة.\nلكن أبا حاتم الرازي قال عن الحديث من الطريق نفسه الذي ذكره ابن عدي، وابن حبان: إنه باطل (^٣).\nفكان الأمر يقتضي من العراقي تحقيق هذا الخلاف في حديث معاذ، وبيان الراجح من القولين السابقين فيه، ولكنه لم يفعل كما ترى.\n_________\n(^١) ينظر الكامل لابن عدى ١/ ١٧٨.\n(^٢) ينظر المجروحين له ١/ ١٤٢، ١٤٣.\n(^٣) ينظر اللسان ١/ ترجمة (٩٣٨).","vol":"5","page":1844},{"text":"ولا يقال: إنه اكتفى بإقراره لحكم ابن حبان بوضعه من رواية ابن عباس، لأنه من المعروف أن الحديث قد يكون مقبولا من رواية أحد الصحابة، ومردودا من رواية غيره، بحسب حال الإسناد إلى كل منهما، وقد طبق العراقي بنفسه هذا في بعض المواضع (^١).\nوأما الأحاديث التي جزم العراقي بالحكم بوضعها دون عزو ذلك إلى غيره. فمنها: حديث فضل سورة الفتح، حيث ذكر في فضلها، ما رواه أبو الشيخ ابن حبان في (كتاب الثواب) من حديث أبي بن كعب: من قرأ سورة الفتح، فكأنما شهد فتح مكة مع النبي ﷺ، وهو حديث موضوع (^٢) وقد تابعه على ذلك الزبيدي (^٣).\nوكتاب الثواب لأبي الشيخ، الذي عزا العراقي الحديث إليه يعتبر من المفتقد حاليا، حيث لا تعرف له نسخة خطية، حسب البحث والنظر في المظان المتاحة حاليا.\nولذلك لم أعرف الإسناد الذي روى به هذا الحديث عن أبي بن كعب، ولكن العراقي نفسه في شرحه للألفية (^٤) وفي نكته على علوم ابن الصلاح (^٥) أنه قد قام المؤمل بن إسماعيل البصري، نزيل مكة بالبحث عن راوي هذا الحديث بسنده إلى أبي، مرفوعا، وذلك في رحلة شاقة من المدائن إلى واسط إلى\n_________\n(^١) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ٣٠٤ (٦).\n(^٢) المغني مع الإحياء ١/ ٣٤٦ (١).\n(^٣) الإتحاف ٩/ ١٣٣.\n(^٤) ينظر فتح المغيث للعراقي ١/ ١٣١.\n(^٥) التقييد والإيضاح/ ١٣٤.","vol":"5","page":1845},{"text":"البصرة، إلى عبادان، حتى لقي بها أحد المتصوفة - ولم يذكر اسمه - فأقر له بأنه مع آخرين، قد وضعوه ليرغبوا الناس في قراءة القرآن بعد أن رأوا إعراضهم عن ذلك.\nوالمؤمل بن اسماعيل هذا، خلاصة حاله كما في التقريب، أنه صدوق سيء الحفظ، ومات سنة ٢٠٦ هـ (^١).\nوقد سبق العراقي إلى الحكم بوضع الحديث من رواية أبي بن كعب، وابن عباس: ابن الجوزي، معتمدا على غير واحد أقدم من «المؤمل»، كعبد الله ابن المبارك، وابن مهدي، وغيرهما (^٢).\nفلا أدري لماذا لم يشر العراقي هنا إلى مصدره في الحكم بوضع هذا الحديث، خاصة أنه اقتصر على عزوه إلى كتاب مفتقد، ولم يذكر لنا سنده لننظر فيه، كما أن مؤلفه أبا الشيخ لا يعني فيه بذكر درجات الأحاديث، كما يعرف ذلك من متابعة نقول العراقي وغيره عنه (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-547>من اختلاف حكم العراقي على الحديث بالضعف والوضع:</span>\nلقد لاحظت من مقارنة أحكام العراقي في المغني بأحكامه في غيره من مؤلفاته، أنه قد يتفق حكمه في المغني مع حكمه في غيره مثلما في الحديث السابق، وقد يتغير حكمه على الحديث الواحد.\n_________\n(^١) التقريب/ ترجمة (٧٠٢٩).\n(^٢) الموضوعات لابن الجوزى ١/¬٢٣ - ٢٤ و٣٩٠ - ٣٩٤ والضعفاء للعقيلي ١/ ١٥٦، ١٥٧.\n(^٣) وانظر مثالا آخر في المغنى ١/ ٢٠٩. (٢) وفي الإتحاف ٣/ ٤٢٣ - ٤٢٥ تعقبه بغير دليل معتبر، وتنظر الموضوعات لابن الجوزى ٢/ حديث (١٠٠٨) ط أضواء السلف، واللآلئ المصنوعة ٢/ ٥٥ - ٥٦ والتنزيه ٢/ ٩٠ - ٩٢.","vol":"5","page":1846},{"text":"فقد ذكر في المغني حديث معاذ مرفوعا: تعلموا العلم، فإن تعلمه لله خشية، وطلبه عبادة (الحديث) بطوله.\nوعزاه إلى أبي الشيخ بن حيان في كتاب الثواب، وابن عبد البر - يعني في جامع بيان العلم وفضله - وقال: - أي ابن عبد البر: ليس له إسناد قوى (^١) ومفهوم هذا أن الحديث له طرق مرفوعة، ولكنها ضعيفة، وتمام كلام ابن عبد البر عن الرواية المرفوعة لهذا الحديث هكذا: هو حديث حسن جدا، وليس له إسناد قوى، ثم قال: ورويناه من طرق شتى، موقوفا … وساق واحدا منها (^٢).\nوقد ذكر العراقي في المغني كما ترى قول ابن عبد البر السابق، المفيد للحكم بضعف طرق الروايات المرفوعة، ولم يتعقبه بشيء. لكنه في نكته على ابن الصلاح تعقب ابن عبد البر، فذكر أن مراده بعبارة (حسن جدا): حسن اللفظ قطعا، وليس الحسن الاصطلاحي، وعلل ذلك بأن إسناد ابن عبد البر فيه موسى بن محمد البلقاوى، عن عبد الرحيم بن زيد العمى، وأن البلقاوى هذا كذاب، كذبه أبو زرعة وأبو حاتم، ونسبه ابن حبان والعقيلي إلى وضع الحديث، وأن عبد الرحيم بن زيد العمى، متروك الحديث، وقال: والظاهر أن هذا الحديث مما صنعت يد موسى البلقاوى (^٣).\nوقد ذكر العراقي أيضا في تخريجه الكبير للإحياء نحوا مما ذكرت، مع\n_________\n(^١) ينظر المغنى ١/¬١٨ (٦).\n(^٢) ينظر جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر ١/ حديث رقم (٢٦٨، ٢٦٩) تحقيق أبي الأشبال الزهيري.\n(^٣) ينظر التقييد والإيضاح/ ٦٠ مع مقدمة ابن الصلاح.","vol":"5","page":1847},{"text":"زيادة أن في إسناد ابن عبد البر أيضا «زيدًا العمى» والد «عبد الرحيم» السابق، وأن زيدًا هذا مختلف فيه، جرحا وتعديلا، وكذلك في سنده «الحسن عن معاذ» والحسن لم يدرك معاذا (^١) وبذلك يكون اقتصار العراقي في المغني على إقرار قول ابن عبد البر المقتضى للضعف فقط لرواية حديث معاذ، مرفوعًا، قد تغير في كتابين آخرين له، إلى الحكم بوضع الحديث، مع تأييد ذلك بأدلته، كما نرى.\nوقد تابع العراقي على هذا صاحب تنزيه الشريعة (^٢).\nوذكر العراقي أيضا حديث «إذا أتى على يوم لا أزداد فيه علما يقربني إلى الله ﷿، فلا بورك لي في طلوع شمس ذلك اليوم»، وعزاه إلى الطبراني في الأوسط، وأبي نعيم في الحلية، وابن عبد البر في (جامع بيان) العلم، ثلاثتهم من حديث عائشة ﵂، ثم قال: بإسناد ضعيف (^٣).\nولكنه في التخريج الكبير للإحياء ذكر الحديث عند هؤلاء، من رواية الحكم بن عبد الله (الديلي) عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن عائشة، به ..\nثم ذكر أن الحكم هذا متروك كذاب، وأن ابن الجوزي أورد الحديث في الموضوعات، وحكى عن الصورى: أن هذا حديث منكر، لا أصل له عن الزهري، ولا يصح عن رسول الله ﷺ ولا أعلم أحدا حدث به غير الحكم (^٤)، ومقتضى هذا إقراره بوضع الحديث، لتفرد «الحكم» به، وقد\n_________\n(^١) الاتحاف ١/ ١٢٢ - ١٢٣.\n(^٢) تنزيه الشريعة ١/ ٢٨٢.\n(^٣) المغنى مع الإحياء ١/¬١٣ (٧).\n(^٤) الإتحاف ١/ ٧٨ - ٧٩ والموضوعات لابن الجوزى ١/ حديث (٤٦٠).","vol":"5","page":1848},{"text":"وصف بالترك والكذب، وهذا هو المتفق مع القواعد النقدية، بخلاف ما جاء في المغني من الحكم بالضعف فقط، على هذا الإسناد نفسه، كما تقدم.\nوقد لاحظ هذا صاحب تنزيه الشريعة، فذكر كلام العراقي في «المغني» كما سبق، ثم قال: هكذا في التخريج الصغير، وأما في الكبير، فذكر أن ابن الجوزي أورده في الموضوعات، وأنه نقل عن الصوري أنه قال: منكر، لا أصل له، وأقره (^١).\nفأفاد ابن عراق بذلك إقراره لحكم العراقي في التخريج الكبير، لكن يؤخذ على ابن عراق ﵀ أنه سها، فنقل هذا عقب حديث آخر، أخرجه ابن الجوزي أيضا بلفظ «إذا أتى على يوم لم أزدد فيه خيرا يقربني إلى ربي، فلا بورك في ذلك اليوم» ولعل مما ساعد على السهو، دقة الفرق المؤثر بين الحديثين، وهو لفظ «خير» بدل «علم» في حديثنا السابق، فلفظ «خير» أعم، وكذلك كون الحديثين عند ابن الجوزي من رواية «الحكم بن عبد الله عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن عائشة».\nلكن لو راجع ابن عراق ﵀ بقية سند الحديث الذي بلفظ «خير» عند ابن الجوزي، لظهر له أن فيه راويا آخر، دون «الحكم» براويين، وهو سليمان بن بشار، وقد أعل ابن الجوزي الحديث بكلا الراويين، فبعد بيان بيانه لحال «الحكم» كما تقدم، ذكر وصف ابن حبان لسليمان هذا بأنه يحدث عن الثقات ما لم يحدثوا به، ويضع على الأثبات، ما لا يحصى كثرة (^٢) ولم\n_________\n(^١) تنزيه الشريعة ٢/ ٢٨٩.\n(^٢) ينظر الموضوعات لابن الجوزى ٣/ حديث (١٦٢٦).","vol":"5","page":1849},{"text":"يذكر كلام «الصورى» الخاص بالحديث السابق الذي بلفظ «عِلْمًا»، كما أنه لو راجع الحديث في المصادر التي عزا العراقي الحديث إليها (^١) لوجده فيها بلفظ «علما»، ولوجد أن طرقه مدارها على (الحكم بن عبد الله)، وليس فيها «سليمان بن بشار»، فليلاحظ هذا من يراجع تنزيه الشريعة في هذا الموضع.\nنعم أخرج ابن عدي الحديث بلفظ (علما) في ترجمة (سليمان بن بشار)، فصار في سنده كل من (سليمان) و(الحكم) (^٢)، لكن لم يعزه العراقي إليه، كما تقدم، وقد روى سليمان الحديث عن ابن عيينة عن بقية عن الحكم عن الزهري، به، وقال ابن عدي عقب روايته: وهذا عن ابن عيينة عن بقية، منكر ها فصارت هذه علة في رواية ابن عدي هذه، زائدة على علة تفرد الحكم به، عن الزهري، والتي أعلت بها رواية من عزا العراقي الحديث إليهم، وقد أشار الشيخ الألباني إلى رواية ابن عدي هذه من طريق سليمان، بعد تقريره الحكم بوضع الحديث باعتبار تفرد الحكم به، في الروايات الأخرى (^٣) ..\nوذكر العراقي حديث: «من صلى يوم الأحد أربع ركعات، يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب وآمن الرسول .. (الحديث). وعزاه إلى أبي موسى المديني في كتاب (وظائف الليالي والأيام) من حديث أبي هريرة، وقال: بسند ضعيف» (^٤)\n_________\n(^١) ينظر المعجم الأوسط للطبراني ٦/ حديث (٦٦٣٦) والحلية لأبي نعيم ٨/ ١٨٨ وجامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر ١٠/ حديث (٣١٨).\n(^٢) ينظر الكامل ٣/ (١١٤٢).\n(^٣) تنظر السلسلة الضعيفة برقم (٣٧٩).\n(^٤) ينظر المغنى مع الإحياء ١/ ٢٠٤ (٣).","vol":"5","page":1850},{"text":"لكن ابن عراق قال: قال الحافظ في تخريج «الإحياء»: رواه جعفر الفريابي في جزئه في صلاة الأيام، وفي سنده محمد بن حميد الرازي، ورواه الحافظ أبو موسى المديني في «وظائف الليالي والأيام» من طريق الفريابي، ومن طريق آخر، ثم قال العراقي: وألان الحافظ أبو موسى القول في تضعيف هذا الحديث، وهو كذب موضوع، انتهى (^١).\nوتخريج «الإحياء» الذي نقل ابن عراق كلام العراقي هذا منه هو «التخريج الكبير» حيث لا يوجد شيء منه في المغني المعروف بالصغير؛ بل هو مخالف لما في المغني كما سبق، حيث حكم العراقي على الحديث عند أبي موسى في المصدر نفسه وهو «وظائف الليالي والأيام» من رواية أبي هريرة بأن سنده ضعيف، فقط، كما أن فيما نقله ابن عراق عن التخريج الكبير للعراقي يلاحظ انتقاده أبا موسى المديني بأنه تساهل في تضعيف هذا الحديث بدرجة أخف من الوضع، ثم جزم هو بوصف الحديث بأنه كذب موضوع، ومن هذا يتبين أنه يفرق بين درجة الضعف المطلق، وبين درجة «الوضع»، وأن الأولى أخف من الثانية، وبالتالي يكون الحكم على الحديث بالأولى بدل الثانية يعتبر تساهلا لا يرضاه.\nوقد تقدم أيضا تعقبه لمن تشدد فحكم بالثانية بدل الأولى، فدل هذا وذاك على أن من منهجه الاعتدال في الحكم، فلا تساهل ولا تشدد، وإن كان لم يطرد له ذلك خلال الكتاب كله، كما مرت بعض الأمثلة لذلك.\nثم إنه قد قرر في هذا الحديث أن أبا موسى قد أخرجه من طريقين: -\n_________\n(^١) ينظر تنزيه الشريعة لابن عراق ٢/ ٨٦.","vol":"5","page":1851},{"text":"إحداهما: فيها «محمد بن محميد الرازي» ومع أنه لم يصرح بحاله، ولا بالعلة التي في الطريق الآخر إلا أن تعقيبه على ذلك بالجزم بأن الحديث كذب موضوع، يفيد أن تعدد طرقه لم يفد في دفع الوضع عنه، كما أنه قد وصف «محمد بن حميد» هذا في موضع آخر من من المغني بأنه أحد الكذابين (^١). وذكر في موضع آخر من التخريج الكبير أنه قد كذبه أبو زرعة، وإسحق الكوسج، وفضلك الرازي (^٢).\nأما الطريق الآخر: الذي أشار إليه العراقي، فلعله هو ما أخرجه منه الجورقاني وابن الجوزي في الموضوعات، كلاهما من طريق أبي المفضل الشيباني، بسنده إلى سعيد المقبري عن أبي هريرة، به.\nوقال ابن الجوزي: هذا موضوع، وفيه جماعة مجاهيل، وأقره السيوطي (^٣).\nأما الذهبي، فمع إقراره لابن الجوزي على الحكم بالوضع، فإنه أضاف أن في سند الحديث «أبو المفضل الشيباني»، وأنه متهم (^٤).\nوالذي وجدته في الميزان واللسان (محمد بن عبد الله، أبو المفضل الشيباني، الكوفي، وأنه نُسب إلى الكذب، ووضع الحديث للرافضة (^٥) وزاد في اللسان: محمد بن عبد الله بن محمد الكلوذاني)، قال عنه الخطيب: مجهول، ثم قال أيضا: الظاهر أنه أبو الفضل الشيباني - يعني السابق - وأقر الحافظ ابن حجر ذلك (^٦).\n_________\n(^١) ينظر المغنى مع الإحياء ١/ ٢٠٥ (١).\n(^٢) تنظر حاشية تنزيه الشريعة ٢/ ٨٧.\n(^٣) ينظر الموضوعات لابن الجوزى ٢/ حديث (٩٩٨) واللآلئ المصنوعة ٢/¬٥٠.\n(^٤) ينظر تلخيص الموضوعات للذهبي/ حديث رقم (٤٢٢) ط مكتبة الرشد، بالرياض.\n(^٥) ينظر الميزان ٣/ ترجمة (٧٨٠٢) واللسان ٥/ ترجمة (٨١١).\n(^٦) ينظر اللسان ٥/ ترجمة (٨١٤).","vol":"5","page":1852},{"text":"فبناء على ترجيح الخطيب هذا، وإقرار الحافظ له، يكون مدار الحديث من طريقيه على راو موصوف بالكذب، فضلا عما في باقى السند من المجاهيل، وبالتالي يكون الحكم عليه بالوضع هو الراجح، كما ترى، وكما جزم به العراقي في تخريجه الكبير، بدلا من حكمه بضعفه فقط في الصغير.\nوقد تابعه على الحكم بالوضع ابن عراق (^١) ومن قبل العراقي جزم بالحكم بالوضع ابن القيم (^٢).\nلكن الزبيدي - فيما يبدو - لم يقف على كلام العراقي الذي في التخريج الكبير بالنسبة لهذا الحديث، كما لم يقف على كلام الذهبي وغيره في «أبي المفضل الشيباني» فذكر قول ابن الجوزي ومن بعده السيوطي في تعليل الحكم بوضع الحديث بقوله: فيه جماعة مجاهيل. وعقب على ذلك بقوله: الحكم على هذا بالوضع ليس بسديد، وغاية ما يقال: إنه ضعيف، ثم قال: فالقول ما قاله الحافظ العراقي: أن سنده ضعيف، لا قول ابن الجوزي: إنه موضوع، وشتان بين الموضوع والضعيف (^٣).\nفهذا من أمثلة عيوب الاعتماد على حكم العراقي على الحديث، في كتاب المغني وحده، دون النظر في غيره من مؤلفاته الأخرى، أو فيما نقل عنها، وخاصة المتعلق بتخريج أحاديث «الإحياء» نفسه، كما في الحديث السابق (^٤).\n_________\n(^١) ينظر تنزيه الشريعة ٢/ ٨٦.\n(^٢) المنار المنيف في الصحيح والضعيف لابن القيم/ حديث (٤٧).\n(^٣) الإتحاف ٣/ ٣٧٢ - ٣٧٣.\n(^٤) وينظر مثال آخر لما حكم العراقي فيه بالضعف في المغنى، وحكم بالوضع في التخريج الكبير/ المغنى مع الإحياء ١/ ٨٨ (١) مع الإتحاف ١/ ٤٥٠ واللآلئ المصنوعة ١/ ١٥٣، ١٥٤.","vol":"5","page":1853},{"text":"<span data-type='title' id=toc-548>من الأحكام العامة للعراقي على مجموعة الأسانيد أو المتون الخاصة بحديث معين، أو بموضوع معين:</span>\nمن ضمن ما انتهجه العراقي في بيان درجات الأحاديث في كتاب المغني، قد يذكر حديثا، ويذكر بعض الطرق التي روى منها، ثم يذكر حكما عاما على كل طرقه، سواء ما ذكره أو لم يذكره، وقد يذكر حديثا في موضوع أو باب معين، ويتبع الحكم عليه بحكم عام على درجة الأحاديث المتعلقة بموضوع الحديث وبابه عموما.\nوكلا هذين التعميمين فيهما خطورة من جهة تعرض من يذكر أيا منهما للتعقب فيما عمم الحكم فيه، كما سيأتي.\nومن جهة أخرى له فائدة في إعطاء حكم عام، يمكن أن يوفر على الباحث معاناة تتبع الروايات المتعددة للحديث، غير الرواية التي ذكرت.\nكما أنه يدل على سعة بحث العراقي، ومحاولته الإحاطة، وتارة يعزو الحكم العام إلى من سبقه من الأئمة، وتارة لا يعزو، ولو كان مسبوقا إلى ما ذكره.\nفمما نقله عمن سبقه: أنه ذكر حديث عائشة ﵂ أنه ﷺ كان له منشفة، وعزاه إلى الترمذي، وذكر أنه قال: ليس بالقائم، وقال: ولا يصح عن النبي ﷺ في هذا الباب شيء (^١).\n_________\n(^١) ينظر المغنى مع الإحياء ١/ ١٤٠ (٢) وينظر مثال آخر نقله عن أبي داود/ المغنى ١/ ٣٣٤ (٦) والمراسيل لأبى داود/ حديث (٥٢٧) مع تحفة الأشراف ١٣/ ٣٤٠، ومثال عن العقيلي/ المغنى ١/ ١٩٤ (٦) مع الاتحاف ٣/ ٣٠٠ - ٣٠١، والمغنى ١/ ٢٣٣ (٢) مع الاتحاف ٤/ ١٧١، والمغنى ١/ ٢٣٤ (١)، وعن ابن عدى ٣/ ٢٤٠ (١).","vol":"5","page":1854},{"text":"وبمراجعة موضع الحديث في جامع الترمذي نجده ذكر هذا، مع زيادة بيان سبب ضعف حديث عائشة هذا، وهو وجود راو في إسناده ضعيف عند أهل الحديث، كما ذكر في الباب حديثا آخر وبين ضعفه أيضا (^١) وقد ذكر صاحب تحفة الأحوذي (١/ ١٧٥) أربعة أحاديث أخرى في الباب، وبين ضعف كل منها، وهي تشهد لما ذكره الترمذي.\nثم ذكر صاحب التحفة أن العيني في عمدة القاري أورد حديثا من طريق أبي مريم إياس بن جعفر عن فلان، رجل من الصحابة، أن النبي ﷺ كان له منديل أو خرقة يمسح بها وجهه إذا توضأ، وقال العيني: أخرجه النسائي في الكنى بسند صحيح.\nوعلق صاحب التحفة على هذا بأنه لم يقف على سند هذا الحديث، ولم يظفر بكتاب الكنى للنسائي.\nولما كان هذا يعتبر تعقبا ظاهرا لقول الترمذي السابق: بأنه لا يصح عن النبي ﷺ في هذا الباب شي، مع إقرار العراقي له، فقد بحثت عن الحديث المذكور، فوجدت الدولابي قد أخرجه في الكنى (١/ ٢١٠) من الطريق التي عزاها العيني إلى النسائي، فقال الدولابي: حدثنا إبراهيم بن يعقوب قال حدثنا سهل بن حماد، قال حدثنا أبو عمرو بن العلاء قال: أخبرني إياس بن جعفر بن الصلت الحنفي، أبو مريم قال أنبأ فلان أن النبي ﷺ (الحديث).\nوبالنظر في إسناد الحديث نجد أنه مروي بعبارات الاتصال بين رجاله إلى الصحابي، كما ترى.\n_________\n(^١) ينظر جامع الترمذى - الطهارة - باب المنديل ١/ حديث (٥٣).","vol":"5","page":1855},{"text":"وأحوال رجاله: ابراهيم بن يعقوب الجوزجاني: ثقة حافظ رمي بالنصب كما في التقريب (ترجمة/ ٢٧٣) وليس حديثه هذا متعلقا ببدعته.\nوسهل بن حماد العنقزى أبو عتاب، مختلف في حاله، ولخصه الحافظ في التقريب (٢٦٥٤) بأنه صدوق.\nوأبو عمرو بن العلاء: ثقة من علماء العربية/ التقريب (٨٢٧١).\nوإياس بن جعفر أبو مريم: ذكره ابن أبي حاتم (٢/ ٢٧٧). ونقل عن والده وأبي زرعة أنه: مرسل عن النبي ﷺ.\nوقال أبو زرعة: يُعد في البصريين، وذكره ابن حبان في الثقات مرتين: مرة في التابعين (^١) ومرة في أتباع التابعين (^٢) ولم يذكر أحدا روى عنه غير «أبي عمرو بن العلاء» الذي معنا في هذا الإسناد، ولم يتكلم عن حال إياس بشيء.\nفإذا اعتبرنا رواية الثقة المشهور عنه، وهو «أبوعمرو بن العلاء» مع ذكر ابن حبان له في الثقات، وعدم وقوفنا على قادح فيه، ووجود عدة شواهد الحديثه - كما تقدم - فتدفع عنه النكارة، فيمكن بهذه القرائن ترقى حاله إلى درجة «صدوق».\nويرجح كونه تابعيا روايته الحديث الذي معنا عن الصحابي بعبارة «أنبأ» التي تفيد الاتصال، كما تقدم.\nوبذلك يكون الحديث بهذا الإسناد حسنا، لا صحيحا، كما ذكر العيني. وشواهده السابق الإشارة إليها، ضعيفة، فلا ترقيه إلى الصحة.\n_________\n(^١) الثقات ٤/¬٣٣.\n(^٢) الثقات ٦/ ٦٥.","vol":"5","page":1856},{"text":"وعليه فلا يتعقب به قول الترمذي الذي أقره العراقي: بأنه لا يصح عن النبي ﷺ في هذا الباب شيء.\nومن أحكامه العامة على طرق حديث، دون عزو لغيره، أنه ذكر حديث «كان عند النبى ﷺ طير، فقال: اللهم ائتني بأحب الخلق إليك يأكل معي هذا الطير، فجاء علي فأكل معه» وعزاه إلى الترمذي من حديث أنس، وذكر قول الترمذي: حديث غريب، ثم قال العراقي: وله طرق كلها ضعيفة (^١).\nوفي هذا رد لتصحيح الحاكم للحديث عن أنس على شرط الشيخين (^٢) ومع أن العراقي لم هذا الحكم العام على طرق الحديث بالضعف إلى أحد، فإنه مسبوق إلى ذلك من غير واحد من العلماء المعتبرين.\nومنهم معاصراه: الذهبي وابن كثير - رحمهما الله (^٣).\nوذكر العراقي أيضا حديث كرز بن وبرة عن [رجل من أهل الشام عن] ابراهيم التيمي عن الخضر عن النبي ﷺ (أنه علمه المسبعات العشرة) وقد علق العراقي عليه بقوله: ليس له أصل، ثم قال: ولم يصح حديث قط في اجتماع الخضر بالنبي ﵊، ولا عدم اجتماعه، ولا حياته،\n_________\n(^١) ينظر المغنى مع الإحياء ٢/ ٣٦٩ (٨) والاتحاف ٧/ ١٢٠، وينظر من الأمثلة كذلك: المغنى مع الإحياء ٤/ ١٠٣ (٢) مع الاتحاف ٩/ ٩١.\n(^٢) المستدرك ٣/ ١٣٠ - ١٣١.\n(^٣) ينظر مختصر المستدرك للذهبي مع المستدرك ٣/ ١٣١ - ١٣٢ وتعليق الأخ الفاضل الدكتور سعد الحميد على تحقيقه المختصر ابن الملقن لاستدراك الذهبى على مستدرك الحاكم ٣/ حديث (٥٦٣) وهو أوعب من استوفى طرقه عن أنس، وحقق الأقوال في ذلك، فجزاه الله خيرا.","vol":"5","page":1857},{"text":"ولا موته (^١) وقد تابعه الزبيدي في الإتحاف (^٢).\nوقول العراقي: «ولا موته» يعني لم يصح حديث في بيان موت الخضر بخصوصه، لأن حديث «أرأيتكم ليلتكم هذه فإن على رأس مائة سنة منها لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد» أخرجه البخاري ومسلم، وأجاب به البخاري ﵀ حينما سئل عن حياة «الخضر، وإلياس» ﵇، في وقته، (^٣) فدل ذلك على دخول موت الخضر في عموم هذا الحديث مع صحته، ومثله لا يخفى على العراقي، بل إنه عارض بموجبه أحد شيوخ عصره كما سيأتي.\nومع أنه لم ينسب حكمه هذا العام، إلى غيره، فإنه أيضا مسبوق إليه من غير واحد من المتقدمين والمتأخرين، كالحسين بن المنادي (ت ٣٣٦ هـ) (^٤)، وابن الجوزي وأبو الخطاب بن دحية (^٥) وابن القيم (^٦) والذهبي (^٧) وغيرهم (^٨).\n_________\n(^١) ينظر المغنى ١/ ٣٤٦ (٥).\n(^٢) ينظر الاتحاف ٥/ ١٣٥، وينظر بعض الأمثلة كذلك في المغنى مع الإحياء ٢/ ٨٨ (١) مع الإتحاف ٦/ ٢٤٤ والمغنى مع الإحياء ٤/ ١٥٩ (٣) مع الإتحاف ٩/ ٢١٢ وجنة المرتاب لأبى إسحق الحوينى ١/ ٥٩ - ٧٦.\n(^٣) ينظر الاعتبار في حمل الأسفار للسويدى، وتعليق محققه/ على رضا بحاشيته/ حديث (٧٢).\n(^٤) تنظر الإصابة ٢/ ٤٣٥ مع الاستيعاب.\n(^٥) ينظر الموضوعات لابن الجوزى ١/ ٣٠٨ - ٣٢٢ ط أضواء السلف، والإصابة مع الاستيعاب ٢/. ٤٣٣\n(^٦) المنار المنيف/ ٦٧ - ٧٦.\n(^٧) المستدرك وتلخيصه للذهبي ٢/ ٦١٧.\n(^٨) ينظر الفتح ٦/ ٤٣٣ - ٤٣٦ والإصابة مع الاستيعاب ١/ ٤٢٩ - ٤٥٢ واللآلئ المصنوعة ١/ ١٦٤ - ١٧٠ وتنزيه الشريعة ١/ ٢٣٣ - ٢٣٧.","vol":"5","page":1858},{"text":"وهذا يؤيده النظر في حال السند أو المتن، أو كليهما في الأحاديث الواردة فيما ذكره العراقي بشأن الخضر.\nلكن كان ينبغى للعراقي العزو إلى بعض من سبقه إلى هذا، خاصة وأنه فعل ذلك في مواجهة بعض شيوخ عصره الذين عرفوا بالتصوف مع اشتغالهم بالعلم وهو الشيخ عبد الله بن أسعد المعروف بعفيف الدين اليافعي المتوفى سنة ٧٦٨ هـ ﵀ وكان له تأليف في إثبات حياة الخضر إلى عصره، ومما يصور شدة نفوذ التصوف آنذاك، أن هذا الشيخ حكى العراقي أنه قال له هو وبعض من حضر معه: (إن لم تقولوا: إنه حى، وإلا غضبت عليكم) وذلك لما ذكروا له قول البخاري والحربي وغيرهما بإنكار ذلك.\nوكان من أثر تهديده، ما ذكره العراقي بقوله: (فقلنا: رجعنا عن اعتقاد موته) (^١).\nلكن تاريخ وفاة الشيخ اليافعي هذا كما قدمته، يفيد حصول هذا من العراقي في وقت متقدم، خلال طلبه للعلم، وتردده مع غيره على شيوخ عصره، ثم استقر أمره بعد ذلك على ما قرره في تخريج هذا الحديث كما سبق، وقد فرغ من تبييض كتاب (المغني) هذا في ١٢ ربيع الأول سنة ٧٩٠ هـ (^٢) أي بعد وفاة اليافعي بأكثر من عشرين سنة.\nوذكر العراقي أيضا حديث أنس «من صلى ركعتين ليلة الجمعة، قرأ فيهما\n_________\n(^١) تنظر الإصابة ١/ ٤٥٢ و١/ ٤٢٩ - ٤٥٢ مع الاستيعاب، وطبقات الشافعية للإسنوى ٢/ ٣٣٠ - ٣٣٣ والدرر الكامنة ٢/ ٣٥٢ - ٣٥٤ ترجمة (٢١٢٠) وشذرات الذهب لابن العماد ٦/ ٢١٠ - ٢١٢.\n(^٢) ينظر المغنى مع الإحياء ٤/ ٥٣٢.","vol":"5","page":1859},{"text":"بفاتحة الكتاب، و«إذا زلزلت» خمسة عشر مرة (الحديث) وذكر رواية أخرى في ذلك من حديث ابن عباس، وقال: وكلها ضعيفة منكرة، ثم قال: وليس يصح في أيام الأسبوع ولياليه شيء، والله أعلم (^١) وتبعه الشارح على هذا» (^٢).\nوهذا التعميم من العراقي غير مسلم، فقد سبقه إلى ذكر هذا التعميم وتقييده أبو حفص عمر بن بدر الموصلي المتوفى سنة ٦٢٢ هـ، فذكر صلاة الرغائب، والمعراج، والنصف من شعبان، وصلاة الإيمان، والأسبوع، كل يوم وليلة، وبر الوالدين يوم عاشوراء، وغير ذلك، وقال: ولا يصح في هذا الباب شيء عن النبي ﷺ والصحيح من النوافل: السنن الرواتب، والتراويح، والضحى، وصلاة الليل، وتحية المسجد، وشكر الوضوء، وصلاة الاستخارة، والعيدين - على قول من لا يراهما واجبتين - وصلاة الكسوف، والاستسقاء (^٣) فهذا التقييد من الموصلي هو الموافق لما ورد من الأحاديث فيما قيد به العموم المذكور، لم أجد من تعقبه في هذا التقييد، كما لا أظن الأحاديث الواردة فيما قيد به الموصلي مما يخفي على العراقي، مع تأليفه في أحاديث الأحكام كما سيأتي.\nولذا كان الأولى أن يقيد حكمه العام هنا بمثل ما قيده به الموصلي من قبله.\n_________\n(^١) ينظر المغنى مع الإحياء ١/ ٢٠٧ (٣).\n(^٢) الإتحاف ٣/ ٣٨١.\n(^٣) ينظر المغنى عن الحفظ والكتاب للموصلى مع جنة المرتاب ٢/ ٢٩٧ والأحاديث الموضوعة في الأحكام المشروعة له/ بتحقيق ربيع السعودي/ ٥٠، ٦١.","vol":"5","page":1860},{"text":"<span data-type='title' id=toc-549>التعقب والاستدراك على العراقي في كتابه «المغني» والتأليف في ذلك:</span>\nبعد هذا العرض والتفصيل لكتاب «المغني عن حمل الأسفار»، وبيان عناصر منهج العراقي فيه، مع التحليل والمقارنة والنقد الموضوعي في مواضعه.\nمن خلال هذا كله، يستطيع القارئ الخبير بعلمي التخريج ودراسة الأسانيد، وبيان درجات الأحاديث وعللها، تقدير الجهد المتنوع والمضنى، الذي بذله العراقي خلال سنوات في إنجاز هذا الكتاب، وتقرير محتوياته من قواعد واصطلاحات، وعناصر منهجية .. وتطبيقها، ونتائجها الحديثية.\nولكنه كأي جهد بشرى لم يسلم من بعض نقاط القصور التي لا تغض من فوائده العامة، وأثره فيما بعده، كما سيأتي، ومكانة مؤلفه الحديثية المشهودة.\nوتتلخص تلك التعقبات والاستدراكات فيما يلي:\n\n<span data-type='title' id=toc-550>أولا: تعقبات واستدراكات متفرقة من بعض العلماء المتأخرين عن العراقي، مع استفادتهم مما لم ينتقدوه فيه.</span>\nوقد تقدم ذكرى لبعض تلك التعقبات والاستدراكات، خلال عرض الكتاب، وتفصيل عناصر منهج العراقي فيه.\nوأكثر من وجدته جمع تلك التعقبات هو الزبيدي شارح «الإحياء» في كتابه «إتحاف السادة المتقين» مع إشارته إلى استفادة عدد منها من حواشي خطية بخط الحافظ ابن حجر تلميذ العراقي أو «الداودى» تلميذ السيوطي أو غيرهما، وقف عليها الزبيدي معلقة على بعض نسخ الإحياء أو بعض نسخ كتاب المغني الخطية، كما ذكر الزبيدي بعض تعقبات من جانبه هو.\nوقد تنوعت تلك التعقبات التي من الزبيدي أو من غيره؛ فمنها ما يتعلق","vol":"5","page":1861},{"text":"بالتخريج لما أغفله العراقي فلم يتعرض له، أو صرح بأنه لم يجده، أو لم يقف عليه، أو لم يقف له على أصل، أو على إسناد.\nومنها ما يتعلق بأحوال بعض رواة صرح بأنه لم يعرفه.\nومنها ما يتعلق بنقد حكمه على بعض الأحاديث، ومنها ما يتعلق بتحريف لفظة في أحد متون الأحاديث.\nومجموع ذلك كله قليل جدا إذا قورن بمشتملات كتاب المغني هذا التي قاربت خمسة آلاف حديث وأثر كما قدمت (^١).\n_________\n(^١) وقد بلغ ما أحصيته من ذلك قرابة ثلاثين موضعا، خلال كتاب شرح الإحياء كله، وبيانها كالتالي: المغنى مع الإحياء ١/ ١٨٥ (٦) مع الاتحاف ٣/ ٢١٧ والمغنى مع الإحياء ١/ ٢٠٥ (٣) مع الاتحاف ٣/ ٣٧٦، والمغنى ١/ ٢٦٦ (١)، (٢) مع الاتحاف ٤/ ٤٢٢ - ٤٢٣، والمغنى مع الإحياء ١/ ٣٢٩ (٤) مع الاتحاف ٥/ ٨٠، والمغنى مع الإحياء ١/ ٣٤٥ (٥) مع الإتحاف ٥/ ١٣٣، والمغنى مع الإحياء ٢/¬١٧ (١) مع الإتحاف ٥/ ٢٥٢، والمغنى ٢/¬٢٧ (٦) مع الاتحاف ٥/ ٢٩٩، والإحياء ٢/ ١٧٠ مع الاتحاف ٦/ ٢٠٣ مع الفتح لابن حجر ١١/ ٣٣١، والمغنى مع الإحياء ٢/ ٢٠٤ (٩) مع الإتحاف ٦/ ٢٨٤، والمغنى مع الإحياء ٢/ ٣٨٨ (٢) مع الإتحاف ٧/ ١٩١، والمغنى مع الإحياء ٣/¬٥٠ (٢) مع الاتحاف ٧/ ٣٢٢، والمغنى مع الإحياء ٣/ ٨٨ (١) مع الإتحاف ٧/ ٤٠٩، والمغنى مع الإحياء ٣/ ١١٧ (١) مع الإتحاف ٧/ ٤٧٧، والمغنى مع الإحياء ٣/ ١٩٤ (٢) مع الإتحاف ٨/ ٧٣، والمغنى مع الإحياء ٣/ ١٩٩ (٤) مع الإتحاف ٨/ ٨٥، والمغنى ٣/ ٢٢٧ (٤) مع الاتحاف ٨/ ١٤٦، والمغنى مع الإحياء ٣/ ٢٨٦ (١) مع الاتحاف ٨/ ٢٦١، والمغنى مع الإحياء ٣/ ٣٤٤ (٢) مع الإتحاف ٨/ ٣٧٨، والمغنى مع الإحياء ٤/¬٢٨ مع الإتحاف ٨/ ٥٥٩، والمغنى مع الإحياء ٤/ ٦٤ (١) مع الإتحاف ٩/¬١٣، والمغنى مع الإحياء ٤/ ٧٣ (١) مع الإتحاف ٤/¬٣٣، والمغنى مع الإحياء ٤/ ١٠٣ (٢) مع الإتحاف ٩/ ٩١، والمغنى مع الإحياء ٤/ ٢٣٠ مع الإتحاف ٤/ ٣٦١، والمغني مع الإحياء ٤/ ٣١٥ مع الاتحاف ٩/ ٦٠٤، والمغنى مع الإحياء =","vol":"5","page":1862},{"text":"ومن تلك التعقبات ما ليس في محله عند التحقيق، فمن ذلك أن الغزالي ذكر في الإحياء من حديث أنس «حبب إلي من دنياكم ثلاث الطيب والنساء وقرة عينى في الصلاة»\nفقال العراقي في تخريجه: «حديث حبب إلى من دنياكم الطيب والنساء وقرة عينى في الصلاة» وعزاه إلى النسائي والحاكم من حديث أنس، وقال: بإسناد جيد، وضعفه العقيلي (^١).\nفقد تعقبه الزبيدي بما خلاصته: أن لفظ «ثلاث» لم ترد في روايات الحديث، وأن وجودها في الحديث يفسد المعنى، وأن الجواب عن وجودها غير متقن، ونقل عن السخاوي أنه لم يجدها إلا في موضعين من «الإحياء» وفي تفسير «آل عمران» من تفسير الكشاف.\nوعلى ضوء ذلك تعقب الزبيدي العراقي بعدم تنبيهه على عدم وجود لفظ ثلاث هذا في المصادر الحديثية وخاصة ما عزاه إليها وهو المستدرك وسنن النسائي، وقال: مع أنه - أى العراقي - ذكر في أماليه أن هذه اللفظة ليست في شيء من كتب الحديث، وأنها تفسد المعنى (^٢).\nوالجواب عن هذا أن الحديث تكرر في الإحياء بعد هذا الموضع خمس مرات، منها ثلاثة مختصرة بدون ذكر لفظ «ثلاث» وقد خرجها العراقي، دون\n_________\n= ٤/ ٣٢٦ (٢) مع الإتحاف ٩/ ٦٢٨، والمغنى مع الإحياء ٤/ ٣٤٨ (٤) مع الإتحاف ٩/ ٦٧٨، والمغنى مع الإحياء ٤/ ٣٦٠ (١)، (٢) مع الاتحاف ١٠/¬٢٥، والمغنى مع الإحياء ٤/ ٤٤٧ (٦) مع الإتحاف ١٠/ ٢٦٢.\n(^١) ينظر الإحياء ومعه المغنى ٢/¬٣١ (٧).\n(^٢) ينظر الاتحاف ٥/ ٣١١.","vol":"5","page":1863},{"text":"تعرض اللفظ ثلاث، وتابعه الشارح على هذا دون تعقب (^١).\nوفي موضعين ذكر لفظ (ثلاث) فخرجهما العراقي ونبه على عدم وجود لفظ (ثلاث) في المصادر التي خرج الحديث منها، ونقل ذلك الشارح بنفسه عنه (^٢) فلعل الموضع السابق الذي انتقد الشارح فيه العراقي لم يذكر فيه لفظ (ثلاث) في نسخة العراقي من الإحياء، وبالتالي لم ينبه عليها كالمواضع الثلاثة السابقة التي لم يذكر فيها لفظ «ثلاث» فلم ينبه عليه في كل منها. وبذلك يتحقق قول السخاوي لم يقف عليه في الإحياء إلا في موضعين (^٣) ويرتفع عنه هو الآخر تعقب الزبيدي بوجود لفظ (ثلاث) في ثلاثة مواضع من الإحياء، بناء على ما في نسخته هو، التي هي غير النسخة التي رجع السخاوي إليها.\n\n<span data-type='title' id=toc-551>ثانيا: تعقبات واستدراكات مجتمعة في تأليف</span>\nوقد وقفت على ذكر كتابين في ذلك:\n١ - تأليف للحافظ ابن حجر العسقلاني، تلميذ العراقي، وقد ذكره السخاوي بعنوان «الاستدراك على شيخه العراقي في تخريج الإحياء» ولم يتكلم عنه بشيء (^٤).\n_________\n(^١) ينظر المغنى مع الإحياء ٢/ ٣٥٨ (٢) مع الإتحاف ٧/ ١٠٤، والمغنى مع الإحياء ٣/ ٥٧ (١) مع الاتحاف ٧/ ٣٣٨، والمغنى مع الإحياء ٣/ ٩٨ (٥) مع الاتحاف ٧/ ٤٣٣.\n(^٢) ينظر المغنى مع الإحياء ٣/ ٢١٤ (١) مع الاتحاف ٨/ ١١٧، والمغنى مع الإحياء ٤/ ٢٨٩ (١) مع الإتحاف ٩/ ٥٥٢.\n(^٣) ينظر الاتحاف ٥/ ٣١١ والمقاصد الحسنة للسخاوى/ حديث (٣٨٠) بتحقيق/ محمد الخشت.\n(^٤) الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر/ للسخاوى ١/ ٦٦٧ بتحقيق الأخ الفاضل: ابراهيم باجس.","vol":"5","page":1864},{"text":"وذكره السيوطي باسم «الاستدراك على تخريج الإحياء للعراقي»، وذكر أنه مما شرع فيه الحافظ ابن حجر، وكتب منه اليسير (^١).\nأما حاجي خليفة فذكر أن الحافظ ابن حجر استدرك في هذا الكتاب على شيخه العراقي ما فاته من تخريج «الإحياء» وأنه في مجلد (^٢)، وكذا قال الزبيدي (^٣).\nولكني لم أقف على ذكر نسخة خطية لهذا الكتاب، رغم البحث المضني، ولا على شيء من النقول عنه.\n٢ - الكتاب الثاني من تأليف قاسم بن قطلوبغا المصري، الفقيه الحنفي، زين الدين، المتوفى سنة ٨٧٩ هـ، وهو تلميذ للحافظ ابن حجر صاحب الكتاب السابق.\nوقد ذكر صاحب كشف الظنون أن ابن قطلوبغا سمى كتابه هذا «تحفة الأحياء فيما فات من تخاريج أحاديث الإحياء» (^٤).\nوكذا ذكر صاحب الرسالة المستطرفة (^٥).\nوعبارة «من تخاريج» تفيد أن الكتاب استدراك على كتب العراقي الثلاثة التي ألفها في تخريج الإحياء، كما تقدم.\n_________\n(^١) نظم العقيان للسيوطي/ ٤٩ - ٥٠.\n(^٢) كشف الظنون ١/¬٢٤.\n(^٣) الإتحاف ١/¬٤١.\n(^٤) كشف الظنون ١/¬٢٤، ٣٦١.\n(^٥) الرسالة المستطرفة للكتاني/ ١٩٠ بتحقيق محمد المنتصر الكتاني.","vol":"5","page":1865},{"text":"لكن السخاوي - وهو ممن عاشر ابن قطلوبغا، وذاكره العلم - قال: «إتحاف الأحياء بما فات من تخريج أحاديث الإحياء» (^١)، وكذا سماه الزبيدي (^٢) فيفيد هذا أنه استدراك على كتاب واحد، من الثلاثة، والذي كمل منها واشتهر هو كتاب المغني هذا، فلعله هو المقصود بهذا الاستدراك، وسماه أيضا بهذا الإسم صاحب «إيضاح المكنون»، وزاد: أن أوله «الحمد لله الذي خص الأنبياء بالعصمة، ثم قال: الخ» (^٣) وهذه إضافة على من سبقه، هامة حيث تفيد أن الكتاب وُجد فعلًا، وأن صاحب ذيل كشف الظنون هذا مع تأخره كثيرا عن زمن المؤلف، قد وقف على نسخة من الكتاب، فنقل من بدايتها، أو يكون استفاد هذا ممن وقف على نسخة للكتاب.\nلكني - رغم البحث المستقصى - لم يتيسر لي الوقوف على ذكر نسخة لهذا الكتاب، ولا على شيء من النقول عنه.\nتعقيب: وعموما فإن ما قدمته من جوانب التعريف بكتاب «المغني» وبمنهج العراقي فيه، وجهوده الحديثية خلاله، كل ذلك يفيد أن التعقبات والاستدراكات عليه، سواء المتفرقة، أو المجتمعة في تأليف مستقل لكل من الحافظين ابن حجر وتلميذه ابن قطلوبغا، فإن ذلك لا يغض من قيمة الكتاب الحديثية؛ ولا من مكانة مؤلفه في ريادة مدرسة الحديث في عصره، ويؤيد ذلك ما قدمته من واقع دراسة وتحليل الكتاب: أن الذي فات العراقي تخريجه من أحاديث كتاب الإحياء التي شرط على نفسه تخريجها، تعتبر قلية جدا.\n_________\n(^١) الضوء اللامع للسخاوى ٦/ ١٨٦.\n(^٢) الإتحاف ١/¬٤١.\n(^٣) إيضاح المكنون في الذيل على كشف الظنون لاسماعيل باشا البغدادي ١/¬١٤ نهر (٢).","vol":"5","page":1866},{"text":"بالمقارنة بما خرجه، كما أن ما سيأتي من أثر الكتاب فيما بعده، يؤيد علو مكانته، وعمق تأثيره هو ومؤلفه.\n\n<span data-type='title' id=toc-552>أثر كتاب المغني فيما بعده:</span>\nتتفق المصادر التي ترجمت للعراقي على أن كتاب المغني هذا قد نال الشهرة والانتشار الواسعين منذ فراغ العراقي من تأليفه، فتلميذه ابن حجر، بعد أن ذكر التخريج الكبير قال: واختصر هذا، فسماه: «المغني» في مجلد واحد، وقد بيض وكتب منه نسخ (^١).\nوفي إنباء الغمر قال: وكتب منه النسخ الكثيرة (^٢).\nفكتابة تلك النسخ الكثيرة منه بعد الفراغ منه، دليل على كثرة الطلب الفوري له في حياة العراقي، وتلميذه ابن حجر.\nثم إن السخاوي تلميذ ابن حجر ذكر التخريجين: الكبير والمتوسط ثم قال: وصغير، وهو المتداول (^٣).\nفقوله: وهو المتداول، دليل على استمرار الطلب للكتاب، والإقبال عليه، ولاسيما من طلبة العلم في عصر السخاوي (ت ٩٠٢ هـ) بحيث أصبح متداولا بين أيديهم للاطلاع والاستفادة.\nوأما تقي الدين ابن فهد المكي (ت ٨٧١ هـ) تلميذ العراقي بالإجازة، فقد ذكر التخريج الكبير للإحياء، ثم قال «ثم اختصره في مجلد ضخم،\n_________\n(^١) المجمع المؤسس لابن حجر ٢/ ١٨٢ بتحقيق الأخ الدكتور يوسف مرعشلي.\n(^٢) إنباء الغمر ٥/ ١٧١.\n(^٣) ينظر الضوء اللامع للسخاوى ٤/ ١٧٣.","vol":"5","page":1867},{"text":"سماه (المغني عن حمل الأسفار …) فاشتهر، وكتب منه نسخ عديدة، وسارت به الركبان إلى الأندلس، وغيرها من البلدان؛ فبسبب ذلك تباطأ الشيخ عن إكمال تبييض الأصل (^١).\nومن هذا وغيره يتضح مدى انتشار الكتاب عالميا، في حياة مؤلفه، حتى كان له تأثيره في عدم إسراع الشيخ بإكمال تبييض الأصل وهو التخريج الكبير.\nوفي ذلك تقرير صريح أن انتشار الكتاب والإقبال عليه، لم يقتصر على موطن إقامة العراقي، وهي مصر - على اتساعها وكثرة معاهد وطلاب العلم بها - ولكنه تجاوز ذلك حتى وصلت شهرته والطلب عليه إلى أقصى الحواضر العلمية للعالم الإسلامى حينذاك من جهة الغرب، وهي الأندلس، وقول ابن فهد: «وغيرها من البلدان» فيه تعميم ظاهر يشمل بقية الحواضر العلمية للعالم الإسلامي حينذاك، وهو في أقصى اتساعه، غربا، حتى الأندلس في أوربا، وشرقا حتى بلاد الهند في آسيا، كما هو معروف.\nوقدمت في التعريف بنسخ الكتاب الخطية التي انتشرت حتى الآن في مكتبات العالم، ما يؤيد هذا.\nوبجانب هذا الانتشار الواسع لنسخه، وتأثيرها في الإفادة الحديثية، حتى الآن، فإن العراقي قد قام أيضا بمدارسة الكتاب مع طلابه، وأثبت خطه على بعض نسخه بقراءة من قرأه عليه، وسماع من سمعه، مع الإجازة لكل منهم بأن يرويه عنه، وبذلك تواصل تأثير الكتاب، رواية، ودراية تعليمية في تقعيد.\n_________\n(^١) ذيل تذكرة الحفاظ لابن فهد - ضمن ذيول التذكرة/ ٢٣٠.","vol":"5","page":1868},{"text":"وتطبيق قواعد علمي التخريج ودراسة الأسانيد.\nوقد استمر تداول بعض تلك النسخ الموثقة بالقراءة والسماع، للنقل عنها، واحتكام العلماء والباحثين إليها في المواضع المشكلة، حتى عصر الطباعة الذي نحن فيه.\nفالحافظ ابن حجر لما ذكر هذا الكتاب، ذكر أن شيخه العراقي ناوله إياه، وأنه سمع شيئا منه (^١).\nوترجم السخاوي لعبد الرحيم بن محمد بن أبي بكر الهيثمي، ابن أخي الحافظ نور الدين الهيثمي، وأرخ وفاة عبد الرحيم هذا بعد الثلاثين وثمانمائة، وقال: إنه لازم العراقي، حتى قرأ عليه تخريج الإحياء وغيره من تصانيفه (^٢).\nوذكر الزبيدي - شارح إحياء علوم الدين - والمتوفى سنة ١٢٠٥ هـ أنه وقف على نسخة من المغني للعراقي قرئت عليه، وعليها خطه، واحتكم إليها في موضع مشكل (^٣).\nوكذا ذكر الشيخ عبد الرحمن المعلمي ﵀ (^٤).\nوقد طبع كتاب المغني بعد ذلك في حياة المعلمي، وتعددت طبعاته (^٥).\n_________\n(^١) ينظر المعجم المفهرس بالمجمع المؤسس لابن حجر/ كتاب رقم (١٧٩٢) بتحقيق/ محمد شكور.\n(^٢) ينظر الضوء اللامع للسخاوى ٤/ ١٨٥.\n(^٣) ينظر الاتحاف ١/ ٣٧٦.\n(^٤) ينظر الجرح والتعديل للرازى بتحقيق الشيخ المعلمى ٣/¬١٠ حاشية رقم (١).\n(^٥) وآخرها وأجودها طبعة مكتبة دار طبرية (أضواء السلف) حاليا، باعتناء الأخ الفاضل/ أشرف عبد المقصود.","vol":"5","page":1869},{"text":"فصارت دليلا على استمرار الحاجة إليه، والاستفادة به.\nوأثر هذا الكتاب في المؤلفات الحديثية بعده كبير، ومنتشر حتى وقتنا هذا، بحيث يصعب إحصاء الناقلين عنه، والمستفيدين منه، سواء مع موافقتهم للعراقي، واعتمادهم على ما ذكره فيه، وهذا هو الأكثر، أو مع تعقبه والاستدراك عليه، وهذا أقل.\nوحيال هذا التأثير الواسع المتوالي، لا يسعني إلا ذكر بعض الأمثلة المنوعنة، دون حصر أو استيعاب.\nوفي مقدمة ما يُذكر في هذا: أن أبرز تلاميذ العراقي وحافظ الدنيا من بعده، وهو أحمد بن علي المعروف بابن حجر العسقلاني، كما تلقى الكتاب عن العراقي، مناولة وسماعا، كما أسلفت، فإنه نقل منه في بعض مصنفاته (^١).\nوقد قدمت أنه وجد للحافظ ابن حجر تعقبات لشيخه على حواشي إحدى نسخ كتاب المغني الخطية، وأنه ألف كتابا في تخريج ما فات شيخه العراقي من أحاديث الإحياء، وهذا وذاك يعتبر دليلا على مراجعة تفصيلية للكتاب واستفادة ابن حجر منه فما ليس له عليه تعقب.\nوأيضا الحافظ محمد بن عبد الرحمن السخاوي (ت ٩٠٢ هـ) من أبرز تلاميذ ابن حجر العسقلاني، وقد نقل عن كتاب المغني هذا في غير واحد من كتبه الحديثية المتداولة (^٢).\n_________\n(^١) ينظر لسان الميزان له ٢/ ترجمة (٩١٦) مع المغنى ٤/ ٥٢٣ والجرح والتعديل للرازي ٣/¬١٠، واللسان ٧/ ترجمة (٣٦٣) مع المغنى ٣/ ٢٤١.\n(^٢) تنظر الأجوبة المرضية ٢/ ٧٥٠، ٨٤٢ بتحقيق الأخ الفاضل الدكتور/ محمد إسحق الهندي، والمقاصد الحسنة/ حديث (٥٠) مع المغنى ١/ ٢٣٦ (٣).","vol":"5","page":1870},{"text":"والحافظ السيوطي - وهو معاصر السخاوي، ومنافسه - ت (٩١١ هـ)، قد أكثر النقل عن (المغني) في غير واحد من مؤلفاته الحديثية، وخاصة كتابه (اللآلئ المصنوعة) وذلك في تأييد تعقبه لحكم ابن الجوزي بوضع الأحاديث (^١).\nوقد تابعه في غالب نقوله المحدث الناقد أبو الحسن عل بن محمد بن عراق (ت ٩٦٣ هـ)، وذلك في كتابه تنزيه الشريعة (^٢) في الفصل الثاني من فصول كل باب في الكتاب وهو الذي خصصه لما تعقب ابن الجوزي في الحكم عليه بالوضع، وفي الفصل الثالث أيضا وهو ما خصصه لما زاده السيوطي من عند غير ابن الجوزي، أو زاده هو على السيوطي، كما أنه صرح في مقدمة كتابه أن مما راجعه حال تأليف كتابه هذا، تخريج الإحياء للعراقي (^٣).\n_________\n(^١) ينظر اللآلئ المصنوعة ١/¬١٩ مع المغنى ١/ ١٠٧ (١)، واللآلئ ١/ ١١٦ مع المغنى ٤/ ٢٩٠ (٢) واللآلئ ١/ ١٥٤ مع المغنى ١/ ٨٨ (١)، واللآلئ ٢/ ٧٧ مع المغنى ٣/ ٢٣٨ (٨) واللآلئ ٢/ ٩٦ مع المغنى ٣/ ٢٤٠ (٢)، واللآلئ ١/ ١٧٧ مع المغني ٢/ ٥٥ (٥) واللآلئ ٢/ ٢١١ مع المغنى ٢/ ٣٦٩ (١)، واللآلئ ٢/ ٢٥٦ مع المغنى ٢/¬١٩ (٣) واللآلئ ٢/ ٣٠٣٠ مع المغنى ٣/ ١٥٠ (٢)، وتنظر الدرر المنتشرة للسيوطى/ ص ٥٩ حديث: بنى الدين على النظافة مع المغنى ١/¬٣٠ (٢). واللآلئ ٢/ ٣٢٧ مع المغنى ٤/ ٤٠٩ (١)، واللآلئ ٢/ ٣٢٨ مع المغنى ٤/ ٢١٦ (٤).\n(^٢) ينظر تنزيه الشريعة المرفوعة لابن عراق، بتحقيق شيخنا الشيخ عبد الوهاب عبد اللطيف، وشيخنا بالإجازة/ الشيخ عبد الله بن الصديق الغماري - رحمهما الله - ١/ ٢٧١ - ٢٧٢ مع المغنى ١/¬١٣ (٣)، وتنزيه الشريعة ١/ ٢٧٧ مع المغنى ١/ ٧٠ (٤) والتنزيه ١/ ٢٨٣ - ٢٨٤ مع المغنى ١٧ (٩) وتنزيه الشريعة ١/ ٣٠١ - ٣٠٢ مع المغنى ١/ ١٩٣ (٤) وتنزيه الشريعة ٢/ ١١٥ مع المغنى ١/ ١٠٧ (٢) وتنزيه الشريعة ٢/ ٣١٨ - ٣١٩ مع المغنى ١/ ٣٠٦ (٧).\n(^٣) ينظر تنزيه الشريعة ١/¬٤، ٥.","vol":"5","page":1871},{"text":"وأيضا العلامة نور الدين علي بن محمد بن سلطان، المشهور بالملا على القاري (المتوفى سنة ١٠١٤ هـ).\nنقل عن كتاب المغني هذا في كتابه (الأسرار المرفوعة في الأحاديث الموضوعة) المعروف بالموضوعات الكبرى، وذلك في أكثر من ثلاثين موضعا، كثير منها في بيان ما لا أصل له، أو ما لم يجده العراقي مطلقا، أو مقيدا (^١).\nوأيضا محمد المدعو: عبد الرؤوف المناوي المتوفى سنة ١٠٣١ هـ، وهو من ذوي أرحام الحافظ العراقي، حيث يقول المناوي: إن العراقي جدنا الأعلا من جهة الأمهات، كما قدمته (^٢) وقد أكثر النقل عن المغني في كتابه المعروف (فيض القدير شرح الجامع الصغير)، وفي مرات يصرح باسم كتاب المغني (^٣).\nومرات كثيرة لا يصرح، بل يكتفي بالعزو إلى العراقي فقط، ويُعرف كون النقل من المغني بمقابلة ما في الفيض بالموضع الموافق له في المغني (^٤).\n_________\n(^١) ينظر (الأسرار المرفوعة) لعلى القارى ط مؤسسة الرسالة سنة ١٣٩١ هـ/ الأحاديث ذات الأرقام: ١٧٦، ١٩٠، ٢١١، ٢٣٢، ٣٠٦، ٣٣٣، ٣٣٧، ٣٧٢، ٣٨٦، ٣٩٨، ٤١٥، ٢٠، ٥٣، ٥٧، ٦١، ٧٨، ٨١، ٨٤، ٨٨، ٩٠، ٩٥، ٩٦، ٩٧، ١٠٦، ١٠٩، ٤٢٢، ٤٤٢، ٤٦٣، ٤٨٧، ٤٩٣، ٥٠٤، ٥٣٧، ٥٣٨، ٥٤٦، ٦٠٣.\n(^٢) وينظر فيض القدير، شرح الجامع الصغير للمناوى ١/¬٣.\n(^٣) ينظر الفيض ١/ ٧١، ٢٥٦، ٥٢٢، ٥٣٣.\n(^٤) ينظر الفيض ١/ ١٥٢ مع المغنى ٢/¬٤ (٧)، والفيض ١/ ٢٤٣ مع المغنى ٢/¬٩ (٦)، والفيض ١/ ٣٥٥ مع المغنى ٤/ ١٢٩ (٣) والفيض ١/ ٥٢٣ مع المغنى ١/ ١٣٩ (١) والفيض ٢/ ٦٢ مع المغنى ١/ ٢٨١ (٣)، والفيض ٢/ ٨٩ مع المغنى ١/ ٣٠٥ (٢) والفيض ٢/ ٢٢٢ مع المغنى ٣/ ٢٤٠ (٦)، والفيض ٢/ ٥٢٩ مع المغنى ٢/ ١٩٤ (٢)، وغير ذلك كثير يظهر لمن طالع الكتابين وقارن بينهما.","vol":"5","page":1872},{"text":"وأما أكثر الناقلين على الإطلاق من كتاب المغني هذا، والمتأثرين بما فيه، بحسب البحث والتتبع، فهو اللغوي المحدث الشهير: محمد بن محمد الزبيدي المعروف بمرتضى، المتوفى سنة ١٢٠٥ هـ، فقد نقل في شرحه للإحياء، نسخة كاملة من كتاب المغني هذا، موزعة خلال شرحه الماتع الذي بلغ في طبعته الحالية عشرة مجلدات، وجعل لما ينقله من المغني في تخريج الحديث محل الصدارة، فيذكره أولا، ثم إن كانت هناك إضافات أو تعقبات يذكرها عقب ذلك، وقد كانت نسخته من المغني موثقة بوجود تعليقات عليها بخط الحافظ ابن حجر، أبرز تلاميذ العراقي وأخصهم بهذا الفن (^١)، وقد قرر الزبيدي في مقدمة شرحه أثر كتاب المغني هذا فقال: «ومن الكتب التي أعتمد على تخريج الأحاديث عليها: المغني عن حمل الأسفار، للحافظ العراقي، في مجلد، فأذكر كلامه عقيب الحديث، ثم أزيد عليه حسبما فتح الله علي في مطالعتى لكتب الفن» (^٢).\nوهذا واضح الدلالة على الأثر الكبير لكتاب المغني هذا في جانب تخريج أحاديث الإحياء خلال شرح الزبيدي المذكور.\nوهناك من ألف في جانب من الجوانب التي تناولها العراقي في كتابه هذا، فنجده قد نقل من هذا التخريج ما يتعلق بهذا الجانب، مثل الشيخ أبي المحاسن محمد بن خليل القاوقجي الطرابلسى الأزهرى المتوفى سنة ١٣٠٥ هـ. فقد ألف كتابا في الأحاديث الموضوعة، والتي قيل: إنه لا أصل لها،\n_________\n(^١) ينظر الاتحاف ٩/ ٩١.\n(^٢) ينظر إتحاف السادة المتقين للزبيدي ١/¬٤.","vol":"5","page":1873},{"text":"وسماه «اللؤلؤ المرصوع، فيما لا أصل له أو بأصله موضوع» وقال في مقدمته:\nوضعت هذا اللؤلؤ المرصوع، مختصرًا فيه على ما قيل: لا أصل له، أو بأصله موضوع، ورتبته على حروف المعجم … (^١).\nوقد نقل القاوقجي عن المغني في هذا الكتاب في أزيد من عشرين موضعا، أكثرها مما قيل فيه: «لا أصل له»، أو قال العراقي: لم أجد له أصلا، مطلقا، أو مقيدا، وقد لا يصرح المؤلف باسم كتاب «المغني» ولكن يعزو إلى العراقي فقط، أو إلى «العراقي في تخريج الإحياء»، ويعرف أن المنقول من «المغني» عند المقارنة لما ذكره المؤلف بما في الموضع الموافق له في المغني (^٢).\nوهناك من جرد الأحاديث التي حكم عليها العراقي في كتاب المغني هذا بأنه «لا أصل لها» أو «بأنه لم يجد لها إسنادا»، أو «لم يجدها»، مطلقا، أو مقيدا بالوجه الذي وردت به في الإحياء، وجعل ذلك في تأليف خاص، مثلما صنع أحد علماء العراق وهو الشيخ محمد أمين بن على السويدي العباسي البغدادي، أبو الفوز، المتوفى سنة ١٢٤٦ هـ (^٣)، حيث ألف كتابا سماه «الاعتبار في حمل الأسفار» وقال في مقدمته: لما كانت الأحاديث الواقعة في كتاب: «إحياء علوم الدين» للغزالي، الإمام، قد تكلم فيها العلماء الأعلام، لأن منها ما هو موضوع ظاهر وضعه، ومنها ما هو مشهور على الألسنة؛ لكنه لا يوجد له إسناد، تعرض لها الشيخ الحافظ عبد الرحيم بن الحسين العراقي،\n_________\n(^١) ينظر اللؤلؤ الموضوع للقاوقجي/ بتحقيق الشيخ فؤاد زمرلي/ ٢٧\n(^٢) ينظر «اللؤلؤ المرصوع»، وحواشي المحقق له/ صفحات: ٣٤، ٤٨، ٥٠، ٥٧، ٥٨، ٦٣، ١٠٦، ١٢٤، ١٣٥، ١٥٧، ١٦٢، ١٨٧، ٢٠٤، ٢٠٥، ٢٠٦، ٢١١\n(^٣) ينظر الأعلام للزركلي ٦/ ٢٦٧","vol":"5","page":1874},{"text":"فصنف كتابا سماه «المغني عن حمل الأسفار …» جمع فيه أحاديث «الإحياء» وتكلم عليها، وبينها بيان شفاء، فأحببت أن ألخص من كتابه الأحاديث التي ذكر أنها لا إسناد لها، فقط .. وسميته: «الاعتبار في حمل الأسفار» (^١).\nوقد أورد السويدي في هذا الكتاب (٢٧١) حديثا، بعضها مما عزاه العراقي الموضوعات ابن الجوزي، ولم يتعقبه، وأكثرها قال فيه العراقي: لم أجده، أو لم أجد له أصلا، مع الإطلاق أو التقييد، كما قدمت في منهجه، ولذلك ختم السويدى الكتاب بقوله: هذه الأحاديث التي لا يوجد لها أصل، المنقولة من تخريج «الإحياء» (^٢) وبمقابلة ما ذكره السويدي، مع المواضع الموافقة له في كتاب «المغني» نجد أنه لم يستوعب في تأليفه هذا النوع الذي خصص كتابه هذا له، ولذلك تعقب عليه الأخ محقق الكتاب (٣٦) حديثا آخر عنونها بقوله «الإخبار بما فات من أحاديث الاعتبار» وجعله عقب نهاية كتاب «الاعتبار» (^٣).\nوفي عصرنا الحاضر قام فضيلة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني ﵀ بالإسهام الكبير في إحياء مدرسة الحديث في المشرق الإسلامي، ومن أبرز ما ساهم به في ذلك تأليف كتابيه المشهورين؛ كتاب «سلسلة الأحاديث\n_________\n(^١) ينظر الاعتبار/ ص ١٥ بتحقيق على رضا بن عبد الله، ويليه «الإخبار بما فات من أحاديث الاعتبار» وهو استدراك من المحقق على مؤلف «الاعتبار» وقد عنون الكتاب في طبعته هذه هكذا «الموضوعات في الإحياء، أو الاعتبار في حمل الأسفار»، ط مكتبة لينة بدمنهور - مصر سنة ١٤١٤ هـ.\n(^٢) ينظر الاعتبار/ ص ١١٦.\n(^٣) ينظر ص ١١٨ - ١٢٤ بآخر «الاعتبار».","vol":"5","page":1875},{"text":"الضعيفة» وكتاب (سلسلة الأحاديث الصحيحة)، وقد قرر ﵀ أن كتاب (المغني) هذا يعتبر من كتب التخريج التي سهلت لمن بعدها معرفة درجة الأحاديث (^١) ثم تطابق قوله هذا مع الأثر الفعلى لهذا الكتاب في سلسلتيه المذكورتين، حيث نقل عنه في كل منهما في كثير من المواضع، مع الموافقة لحكمه على الأحاديث، وهذا هو الكثير، أو مع المخالفة والتعقب وهو القليل (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-553>الاستنتاج العام لأثر الكتاب:</span>\nوبتلك النماذج المتولية لأثر كتاب المغني منذ أنجزه العراقي، وحتى عصرنا الحاضر، يمكن للقارئ المتتبع تصور الأثر الحديثي الكبير والمتتابع لهذا الكتاب، سواء في التكوين العلمي لمن جاء بعد العراقي من المشتغلين بعلوم السنة، أو في المؤلفات في ذلك، ولاسيما في علمى التخريج ودراسة الأسانيد، وبيان درجات الأحاديث عموما.\n_________\n(^١) تنظر السلسلة الصحيحة ١/ أحاديث: (٣٤، ٥٢، ١٣١، ٢٠٤) و٢/ أحاديث: (٥٠٣، ٦٢٥، ٦٦٤).\nوتنظر السلسلة الضعيفة ١/ أحاديث: (٢، ٤، ٧، ١٠، ١١، ١٤، ١٦، ٢٩، ٣٤، ٣٨، ٤٩، ٥٢، ٥٣، ٥٩، ٩٦، ٩٧، ١٢٤، ١٢٦، ١٥٩، ١٧٣، ١٧٥. وج ٢/) أحاديث: (٥٠٥، ٥٠٧، ٥٤١).","vol":"5","page":1876},{"text":"<span data-type='title' id=toc-554>تخريج أحاديث وآثار كتاب: منهاج الوصول إلى علم الأصول</span>\n<span data-type='title' id=toc-555>أولا: التعريف بكتاب منهاج الوصول، واعتناء العلماء به.</span>\nهو كتاب مختصر في أصول الفقه، ألفه القاضي ناصر الدين عبد الله بن عمر بن محمد، المعروف بالقاضي البيضاوى، الشافعي، المتوفى سنة ٦٩١ هـ وقيل سنة ٦٨٥ هـ (^١)! وقد أخذ الكتاب تسميته من قول المؤلف في مقدمته: «وإن كتابنا هذا، منهاج الوصول إلى علم الأصول …» (^٢).\nوقد وصف ابن كثير الكتاب بأنه مشهور، ولقب مؤلفه بأنه صاحب المنهاج (^٣) وقال ابن قاضي شهبة: لو لم يكن له غير المنهاج، الوجيز لفظه، المحرر، لكفاه (^٤).\nوقال تقى الدين السبكي: إنه من أحسن المختصرات في أصول الفقه (^٥).\n_________\n(^١) ينظر طبقات الشافعية الكبرى، لتاج الدين بن السبكى ٨/ ١٥٧ - ١٥٨ أصل وحاشية/ بتحقيق الأخوين الدكتور/ عبد الفتاح الحلو والدكتور/ محمود الطناحي - رحمهما الله تعالى. وطبقات الشافعية لجمال الدين الإسنوي ١/ ١٣٦ بتحقيق كمال الحوت، وطبقات الشافعية لابن قاضي شهبة ٢/ ٢٢٠ بتحقيق الدكتور/ عبد العليم خان، والبداية والنهاية لابن كثير بتحقيق معالي الدكتور/ عبد الله التركى ١٧/ ٦٦، والوافي بالوفيات لصلاح الدين الصفدي ٧/ ٣٧٩، وبغية الوعاة للسيوطى ٢/¬٥٠ بتحقيق د/ محمد أبو الفضل إبراهيم.\n(^٢) ينظر مقدمة المنهاج مع الابتهاج بتخريج أحاديث المنهاج للغماري/ ١٩.\n(^٣) تنظر البداية والنهاية ١٧/ ٦٦.\n(^٤) طبقات الشافعية له ٢/ ٢٢٠.\n(^٥) الابهاج في شرح المنهاج لتقي الدين السبكي، وولده تاج الدين ١/¬٦ ط دار الكتب العلمية - بيروت.","vol":"5","page":1877},{"text":"وقد كان الكتاب فى عصر العراقى من المقررات الدراسية، بحيث إن طلاب العلم، بعد حفظهم للقرآن الكريم، يجعلون هذا الكتاب من ضمن كتب، المتون التى يحفظونها (^١)، ويقرؤونها على الشيوخ البارزين من فقهاء الشافعية، مع البحث والدراسة (^٢)، ولهذا نال الكتاب الشهرة الواسعة بين طلاب العلم، والعناية الفائقة من العلماء بخدمته، تارة بنظمه، وتارة بشرحه، وتارة بتخريج أحاديثه وآثاره المصرح بها فيه، والمشار إليها (^٣).\nبل قال الإسنوى، شيخ العراقي: «إن أكثر المشتغلين بعلم أصول الفقه فى عصره، قد اقتصروا من كتبه على المنهاج، لكونه صغير الحجم، كثير العلم مستعذب اللفظ، ثم ذكر أنه لازمه درسا، وتدريسا» (^٤).\nوقد جمع العراقى فى العناية بهذا الكتاب بين نظمه شعرا، لتسهيل حفظه، كما سيأتى، وبين تخريج أحاديثه وآثاره فى كتابه الذى نحن بصدده.\n\n<span data-type='title' id=toc-556>ثانيا: ممن شارك العراقى فى تخريج أحاديث الكتاب وآثاره:</span>\nقد سبق العراقى إلى تخريج أحاديث وآثار هذا الكتاب، الحافظ بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشى، المتوفى سنة ٧٩٤ هـ، وذلك مع تخريج\n_________\n(^١) طبقات الشافعية لابن قاضى شهبة ٤/¬٢٠ - ٢١، ٧١.\n(^٢) مقدمة الابتهاج فى شرح المنهاج ١/¬٦.\n(^٣) المعتبر فى تخريج أحاديث المنهاج والمختصر للزركشى/ ٢٣ بتحقيق الشيخ حمدى السلفى. وكشف الظنون ٢/ ١٨٧٨ - ١٨٨٠، وطبقات الشافعية لابن قاضى شهبة ٢/ ٢٤٧، ٣٠٨، ٣٠٩، ٣١٠، ٣٧٥ و٣/¬٩، ٣٩، ٦٠، ٩٦، ١٣٥، ١٤٣ و٤/ ٥٦، ٥٨، ٨٩، ووجيز الكلام فى الذيل على دول الإسلام للذهبى - تأليف محمد بن عبد الرحمن السخاوى ١/¬٣٩، ١٨١، ٣١٧، ٣٦٢، ٥٣٦ ط مؤسسة الرسالة سنة ١٤١٦ هـ.\n(^٤) نهاية السول شرح منهاج الأصول للإسنوى مع شرح البدخشى ١/¬٤.","vol":"5","page":1878},{"text":"أحاديث وآثار كتاب آخر في أصول الفقه أيضا، وهو «مختصر منتهى السول والأمل» لابن الحاجب المالكي، وسمى الزركشي كتابه «المعتبر في تخريج أحاديث المنهاج والمختصر» (^١). كما خرج أحاديثه وآثاره أيضا قرين العراقي الحافظ سراج الدين، عمر بن علي المعروف بابن الملقن ت (٨٠٤) ويسمى «تذكرة المحتاج إلى أحاديث المنهاج» (^٢) وقد جاء في آخره أنه وافق تعليقه يوم الخميس ٢٦ من شوال سنة ٧٥٥ هـ.\nفي حين لم أجد تاريخا محددا لتأليف العراقي لكتابه، كما سيأتي، وبالتالي لا يتيسر لى تحديد السابق منهما.\nوفي عصرنا الحاضر قام شيخنا بالإجازة، الشيخ عبد الله بن الصديق الغماري ﵀ بتخريج أحاديثه وآثاره في كتاب سماه «الابتهاج بتخريج أحاديث المنهاج» (^٣).\nوهذه الكتب الثلاثة مطبوعة حاليا، وستأتى بعض الأمثلة منها في المقارنة بتخريج العراقي هذا.\n\n<span data-type='title' id=toc-557>ثالثا: تسمية الكتاب، وثبوت نسبته إلى العراقي، وزمن تأليفه له:</span>\nلم أجد تصريح العراقى بتسمية معينة لهذا الكتاب، مثل التسميات السابقة\n_________\n(^١) ينظر المعتبر/ ٢٤ بتحقيق الشيخ حمدى السلفي.\n(^٢) ينظر مقدمة تحقيق الكتاب ص ٥، ٧ حيث عنونت نسختان من مخطوطاته بهذا، خلافا لما سماه به صاحب الرسالة المستطرفة ص ١٨٧ أنه يسمى «تحفة المحتاج إلى أحاديث المنهاج» لأن المسمى بهذا الاسم، كتاب آخر له، وهو في تخريج أحاديث منهاج الطالبين للنووي، وهو في الفقه الشافعي.\n(^٣) ينظر الابتهاج مع المنهاج/ ١٩.","vol":"5","page":1879},{"text":"لكتب غيره ممن ألف في تخريج أحاديث الكتاب، وأيضا من ترجموا للعراقي من تلاميذه وغيرهم، وعددوا مؤلفاته ذكروا أن له كتاب «تخريج أحاديث منهاج البيضاوى»، ولم يذكر أحد منهم له تسمية معينة (^١).\nونسخته الخطية المنقولة عن نسخة «سبط ابن العجمى» تلميذ العراقي، المنقول عن نسخة العراقي، قد عنونت بـ «تخريج أحاديث منهاج البيضاوى» (^٢).\nوعنوت نسخة الظاهرية بـ «تخريج أحاديث منهاج الأصول للبيضاوى، تأليف العلامة، شيخ المحدثين، عبد الرحيم بن الحسين العراقي ..» (^٣) وقد حصلت على نسخة مصورة عنها كما سيأتي.\nأما نسخة المكتبة الأزهرية التي سيأتى التعريف بها، فعنوانها «ذكر الأحاديث والآثار الواقعة في منهاج الأصول، تأليف الحافظ الكبير … عبد الرحيم بن الحسين العراقي ﵀».\nوهذا العنوان هو الأقرب مطابقة لمضمون الكتاب، لكن كان الأولى التعبير بكلمة «تخريج» بدل كلمة «ذكر» التي في أول العنوان، لأن واقع الكتاب هو ذكر الأحاديث والآثار الواقعة فى المنهاج، وتخريجها، وليس ذكرها فقط.\nفكاتب هذه النسخة تساهل في التعبير بكلمة «ذكر» بدل «تخريج»، ولكنه أصاب في ذكر الآثار مع الأحاديث طبقا لواقع الكتاب، ولم يقتصر على ذكر الأحاديث فقط في العنوان، كما فعل من كتب النسختين السابق ذكرهما.\n_________\n(^١) الضوء اللامع للسخاوى ٤/ ١٧٥ والأعلام لابن قاضي شهبة ٤/ ق ٢١٩/ ب/ مخطوط، وبهجة الناظرين للغزى/ ص ١٣٠ مخطوط، وذيول تذكرة الحفاظ/ ٢٣٢.\n(^٢) ينظر المنتخب من المخطوطات العربية في حلب/ ٧٨ - ٧٩.\n(^٣) ينظر المنتخب من مخطوطات دار الكتب الظاهرية للشيخ الألباني ﵀/ ٣٥٨.","vol":"5","page":1880},{"text":"وأيضا أحسن فضيلة الشيخ محمد بن ناصر العجمي في عنونة طبعته المحققة لهذا الكتاب بـ «تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في منهاج البيضاوي» فهذا هو الاسم المطابق لواقع الكتاب فعلا، كما سيأتي توضيحه.\nومما تقدم عمن ترجموا للعراقي، وعن عناوين بعض نسخ الكتاب الخطية يتضح لنا ثبوت نسبة هذا الكتاب إلى الحافظ العراقي، وسيأتي أيضا نسبته إليه ممن نقلوا عنه في مؤلفاتهم.\nوقد ذكر تلميذ العراقي وملازمه «سبط ابن العجمي» أن شيخه أخبره بأنه عمل تخريج أحاديث البيضاوي بين الظهر والعصر (^١).\nوهذه كما ترى ساعات قليلة، ولم يعهد من العراقي التسرع في إنجاز مؤلفاته، صغيرة كانت أو كبيرة، بل كان شأنه التأني في عمومها، وما تقدم من مراحل تأليفه لتخريج أحاديث «الإحياء» يؤيد ذلك.\nلكن «سبط ابن العجمي» ذكر هذا في معرض بيان مهارة شيخه العلمية، وسعة اطلاعه، وسرعة استحضاره، بحيث عول في تأليف هذا الكتاب على حفظه بالدرجة الأولى، مع خبرة سابقة بمواضع الأحاديث والآثار التي يحتاجها، ولاسيما في المصادر الضخمة التي عزى إلى بعضها، مثل سنن البيهقي الكبرى، وصحيح ابن حبان، مع ترتيبه العسر لأحاديثه على التقاسيم والأنواع، هذا فضلا عن بيانه لدرجات الأحاديث في الغالب، كما سيأتي.\nوإذا كان سبط ابن العجمي ﵀ قد نقل إلينا عن شيخه العراقي المدة التي استغرقها في تأليف كتابه هذا، فإنه لم يبين لنا في أي سنة ألفه؟\n_________\n(^١) ينظر الضوء اللامع للسخاوي ٤/ ١٧٥.","vol":"5","page":1881},{"text":"وقد سبق في ترجمة السبط ضمن تلاميذ العراقي، أن رحلته الأولى إلى مصر وتلمذته للعراقي بها بدأت سنة ٧٨٠ هـ، واستمرت نحو خمس سنوات قرأ على العراقي فيها عددًا من مؤلفاته، ثم رحل مرة ثانية سنة ٧٩٦ هـ واستمر في التلمذة على العراقى نحوًا من خمس سنوات أخرى، فتكون نهايتها، في نهاية سنة ٨٠١ هـ تقريبا، وسيأتى أن «السبط» قد قرأ الكتاب على شيخه العراقي، ونسخ لنفسه نسخة من نسخة شيخه كذلك، ومقتضى هذا أن يكون العراقي قد فرغ من تأليف هذا الكتاب قبل نهاية سنة ٨٠١ هـ على وجه التقريب.\nويبدو أن العراقي لم يقصر جهده في تأليف الكتاب على الساعات القليلة التي أنجز أصله فيها، ولكن أعاد النظر فيه مرة أخرى، فأضاف بعض ما فاته، حيث جاء في بعض نسخ الكتاب الآتى ذكرها: «أثر عمر ﵁ قال: أقضى في الجد برأيي» وقال العراقي: لم أجده. وفي نسخة أخرى ذكر بدل عبارة «لم أجده» عبارة «البيهقي في سننه الكبرى» والأثر فعلا في سنن البيهقى الكبرى (^١) وذكر عقب هذا الأثر، أثرًا آخر عن عثمان ﵁: «إن اتبعت رأيك فسديد، وإن اتبعت رأى من قبلك فنعم الرأى» وترك موضع تخريجه في بعض النسخ بياض، وفي بعضها بدل البياض، وَجَدْتُ عبارة «البيهقى في سننه»، والأثر في سنن البيهقي الكبرى فعلًا (^٢).\n_________\n(^١) تنظر نسخة الظاهرية/ ق ٧٩/ أ مع طبعة التخريج التي بتحقيق الأستاذ صبحي السامرائي/ أثر رقم (٥) وطبعته بتحقيق الشيخ محمد بن ناصر العجمي/ أثر رقم (٥) مع تعليقه برقم (١) و(٢).\n(^٢) ينظر الإحالة التي في التعليق السابق أثر رقم (٦).","vol":"5","page":1882},{"text":"<span data-type='title' id=toc-558>رابعًا: نُسَخُ الكتاب الخطية، وطبعاته، وتقويمُهما.</span>\nعندما كنت أبحث عن مؤلفات العراقي الواردة في تراجم العلماء له، لأتبين الموجود منها والمفتقد، مكثت عامين كاملين، وأنا لا أجد ذكرًا لأي نسخة خطية لهذا الكتاب في فهارس المخطوطات بمصر، فضلًا عن وجوده مطبوعًا، ولم يكن الحصول على بعض نسخه الخطية من خارج مصر ميسورًا، ثم هيأ الله تعالى إلى أخا فاضلًا، وهو الأخ الدكتور/ همام عبد الرحيم سعيد، عندما كان يعد رسالته للدكتوراه بكلية أصول الدين بالقاهرة، فأفادني - مشكورًا - بأنه توجد نسخة خطية للكتاب بالمكتبة الظاهرية بدمشق (مكتبة الأسد) حاليًا، ثم أضاف فضلًا آخر بإحضار نسخة ورقية منها إلى، وسيأتي التعريف بها، فحمدت الله تعالى على ذلك، وشكرت للأخ الفاضل حُسن صنيعه.\nثم كانت هذه النسخة فاتحة خير لإحياء شأن هذا بمصر، فقد أعثرني الله تعالى - بمحض الصدفة - بعد ذلك على نسخة أخرى للكتاب بالمكتبة الأزهرية بالقاهرة، رغم أنها لم تذكر في فهارسها المطبوعة، ثم وقفت بعد ذلك على ذكر عدة نسخ أخرى خطية للكتاب، بلغ انتشارها في حواضر العالم الإسلامي من الهند شرقًا، حتى المملكة المغربية غربًا، ومنها ما هو جيد التوثيق، وسأعرف بمجموع ما تيسر لي معرفته من نسخه الخطية فيما يلي: -\n١ - نسخة المكتبة الظاهرية السابق الإشارة إليها، وهي ضمن مجموعة برقم (٣٩٦٣) عام.\nوعدد أوراقها عشر ورقات من (٧٠/ أ - ٨٠/ أ) من المجموعة المشار إليها. وقد حصلت على نسخة ورقية منها بمعونة الأخ الدكتور/ همام.","vol":"5","page":1883},{"text":"عبد الرحيم، كما أسلفت.\nوعنوانها «تخريج أحاديث منهاج الأصول للبيضاوي» تأليف العلامة، شيخ المحدثين، زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقي، تغمده الله برحمته … وبهذا العنوان ذكرها الشيخ الألباني ﵀ (^١).\nوتعتبر تلك النسخة من أكمل نسخ الكتاب الخطية نصا، رغم أني لم أجد عليها شيئًا من علامات التوثيق، مثل بلاغ المقابلة بأصلها أو بغيره، أو إثبات القراءة أو السماع، ونحو ذلك، ولم يُذكر اسم ناسخها، ولكن ذكر في آخرها تاريخ نسخها هكذا «نجز بحمد الله وعونه وحسن توفيقه (سنة) (٦) بعد الألف» وخط هذه النسخة، نسخ معتاد، وعدد سطور الصفحة (١٧) سطرًا.\n٢ - نسخة المكتبة الأزهرية، وهى أيضا ضمن مجموعة، برقم (١٧٢) مجاميع، وهذا مما سبب خفاءها على من فهرس هذه المجموعة، فلم يذكرها كما قدمت، وعدد أوراقها (٨) ورقات (من ق ٣٩/ ب - ٤٧/ ب) وعدد سطور الصفحة (٢٣) سطرًا، وخطها معتاد، قريب إلى «الرقعة».\nوقد طلبت هذه المجموعة للاطلاع على تخريج أحاديث المنهاج لابن الملقن، لأنه هو الذي ذكر في فهرس المكتبة المطبوع (^٢)، وذكر المفهرس أن نسخة تخريج ابن الملقن هذا من (ق ٢١ - ٤٦).\nوهذا خطأ، فتخريج ابن الملقن ينتهى فى (٣٩/ أ) ثم يليه نسخة تخريج.\n_________\n(^١) المنتخب من مخطوطات دار الكتب الظاهرية له/ ٣٥٨.\n(^٢) ينظر فهرس المكتبة الأزهرية ١/ ٤٢٦.","vol":"5","page":1884},{"text":"العراقي هذه، كما قدمت.\nولكن تشابه الخط، واتفاق موضوع الكتابين، ساعدا على عدم تنبه المفهرس لكتاب العراقي، مع أنه قد عُنون بعنوان مستقل هكذا «ذكر الأحاديث والآثار الواقعة في منهاج الأصول، تأليف الحافظ الكبير … عبد الرحيم بن الحسين العراقي ﵀».\nومن هذا الترحم على المؤلف، يفهم أن النسخة كتبت بعد وفاته، وتشبه تلك النسخة سابقتها من حيث خلوها من علامات التوثيق، وعدم بيان الأصل المنسوخة عنه، ولا تحديد تاريخ النسخ ولا اسم الناسخ.\nوبالفحص التفصيلي والمقارنة بنسخة الظاهرية السابقة تبين لي وجود فروق بينهما، تدل على عدم رجوعهما إلى أصل واحد، كما تدل على أن نسخة الظاهرية في عمومها، أقل سقطا من هذه النسخة.\nوقد قامت هيئة «اليونيسكو» للعلوم والثقافة بتصوير هذه النسخة مع نسخة تخريج ابن الملقن على «ميكروفيلم» أودعته دار الكتب المصرية برقم (١٣١١) وذكر في الفهرس على أنه كتاب واحد فقط هو كتاب ابن الملقن (^١).\n٣ - نسخة بالمكتبة الأحمدية بحلب، ضمن مجموعة تضمها هي والتخريج المختصر للإحياء تحت رقم (٢٣٢) مجاميع الحديث، وعدد أوراقها (٦) ورقات، وعدد سطور الصفحة (٢٥) سطرًا، وهى نسخة جيدة، وموثقة حيث ذكر مفهرسها أنها منقولة من نسخة سبط ابن العجمي التي نقلها من\n_________\n(^١) ينظر قائمة المخطوطات المصورة و«بالميكروفيلم» من مكتبة الأزهر وأروقته بواسطة وحدة و«اليونيسكو» سنة ١٩٦٤ م/ ص ٥٤","vol":"5","page":1885},{"text":"نسخة شيخه المصنف، لكن لم يذكر اسم ناسخها، ولا تاريخ نسخها (^١). وتوجد منها نسخة «ميكرو فيلمية» بمديرية إحياء ونشر التراث العربي بسوريا (^٢).\n٤ - نسخة أخرى بالمكتبة الأحمدية بحلب أيضا برقم (٣٠٨) مجاميع، عدد أوراقها (٤) ورقات، وعدد سطور الصفحة (٢٧) سطرا، وخطها جيد، ومضبوط بالشكل، ولم يذكر اسم ناسخها أيضا ولا تاريخ النسخ (^٣).\n٥ - نسخة بمكتبة داماد ابراهيم باشا برقم (٣٩٦) ضمن مجموع، وتلك المكتبة ألحقت مخطوطاتها بالمكتبة السليمانية باستامبول - بتركيا. وتعتبر هذه النسخة أوثق ما عرفته من نسخ الكتاب، وأفيدها في بيان أثره الحديثي كما سيأتي.\nوعدد أوراقها (١٥) ورقة، وعدد سطور الصفحة (١١) سطرا، وخطها نسخ جميل، ومضبوط بالشكل، وناسخها كما جاء في آخر المجموع «عمر ابن نصر الله بن اسماعيل الإربلي الأصل، الحلبي، وهو من طلاب علم الحديث، كما يفهم من طبقة السماع التي بآخر النسخة، كما سيأتي. وتاريخ النسخ سنة ٨٦٧ هـ، وفي آخرها طبقة سماع بقراءة والد كاتب النسخة، على أحد تلاميذ سبط ابن العجمى، وهو محمد بن ابراهيم بن\n_________\n(^١) ينظر فهرس المكتبة الأحمدية بحلب ص ١٢ والمنتخب من المخطوطات العربية في حلب/ ٧٨ - ٧٩.\n(^٢) ينظر فهرس المخطوطات المصورة بتلك المديرية/ إعداد عدنان درويش سنة ١٩٦٩ م/ نشرة رقم (٤) / ص ١٦.\n(^٣) ينظر المنتخب من المخطوطات العربية في حلب/ ٧٩.","vol":"5","page":1886},{"text":"محمد السلامي، بخطه، وسيأتي ذكر نص هذه الطبقة في بيان أثر الكتاب فيما بعده.\nوعلى حواشي النسخة تعليقات حديثية بخط دقيق، منسوبة إلى سبط ابن العجمي، ومذكور أنها نقلت من خطه، وفيها إضافة تخريج بعض الأحاديث من مصدر غير الذي عزاه العراقي إليه (^١).\n٦ - نسخة بالمكتبة الناصرية بمدينة (لكنو) بالهند، وتوجد منها صورة ميكروفيلمية بمكتبة الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية. برقم (٣٥٧١)، وعدد أوراقها (٧) ورقات، وكل صفحة فيها (٢٧) سطرا، وخطها نسخ جيد، وناسخها كما في آخرها هو (حسين حامد بن مولانا السيد حسين المعماني) فرغ منها في ظهر يوم ٢٦ شعبان سنة ١٣٢٤ هـ (^٢) ورغم تأخر تاريخ نسخها كما ترى، فإنه كتب بصفحة العنوان منها، ما يدل على أنها نقلت من نسخة مكتوبة في حياة المؤلف، حيث دعى له في عنوان نسخة الأصل المنقولة عنه، بتمتع المسلمين بحياته. فهذا يدل على وثاقة تلك النسخة في عمومها.\n٧ - نسخة ذكرها الشيخ عبد الحي الكتاني ﵀ في ترجمة ابن العراقي أحمد بن عبد الرحيم بن الحسين المعروف بأبي زرعة ابن العراقي) فقال الشيخ الكتاني: (وعندي خطه على أول تخريج أحاديث المنهاج، للبيضاوى، لوالده (^٣) فهذا يفيد توثيق تلك النسخة في عمومها باطلاع ولد\n_________\n(^١) تنظر مقدمة تحقيق تخريج أحاديث المنهاج للعراقي، المحققه الشيخ محمد بن ناصر العجمي/ ٢٢ - ٢٣.\n(^٢) تنظر مقدمة تحقيق تخريج أحاديث المنهاج السابقة/ ٢٣.\n(^٣) فهرس الفهارس للكتاني ٢/ ١١١٩ ط ثانية.","vol":"5","page":1887},{"text":"المؤلف وتلميذه أبو زرعة ابن العراقي عليها، والتوقيع عليها بخطه، وقد نُقِلَتْ مكتبة الشيخ الكتاني ﵀ بمحتوياتها النفيسة من المخطوطات، إلى مكتبة القرويين بمدينة فاس، بالمملكة المغربية، ورمز لها في فهارس المكتبة بحرف (ك) فيمكن الرجوع إلى تلك النسخة في مكتبة القرويين هذه.\nتعقيب: وباستعراض تلك النسخ الخطية للكتاب، يتضح ما قدمته، من انتشاره مخطوطا في أنحاء البلاد الاسلامية، من أقصى الشرق بالهند، إلى أقصى الغرب بالمملكة المغربية.\n\n<span data-type='title' id=toc-559>خامسا: طبعات الكتاب وتقويمها:</span>\nرغم حصولي على صور لأكثر من نسخة خطية للكتاب، منذ أكثر من عشرين سنة، ودراستى التفصيلية للكتاب كما ترى من خلال تلك النسخ، فإن مشاغلى الدراسية لم تسمح لى بطبعه محققا. فهيأ الله لغيري من الأساتذة الأفاضل القيام بهذه المهمة، وفى إعداد هذه الرسالة للطبع استفدت ممن سبقني إلى طبع الكتاب محققا، كما ترى في إحالاتي بالحواشي. وأول من عرفته قام بتحقيق هذا الكتاب ونشره هو الأستاذ صبحي البدرى السامرائى العراقى، الذى جمعتنى وإياه بعض المجالس العلمية بمدينة الرياض بالسعودية.\nوقد اعتمد الأستاذ في نشرته على نسخة واحدة فقط، هي نسخة المكتبة الظاهرية السابق ذكرها.\nونشرت طبعته هذه ضمن مجلة كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بمكة جامعة الملك عبد العزيز (أم القرى حاليا).","vol":"5","page":1888},{"text":"وذلك فى العدد الثانى من المجلة سنة ١٣٩٩ هـ (من ص ٢٧٩ - ٣١٣).\nثم أعيدت هذه الطبعة مستقلة عن المجلة فى دار الكتب السلفية بالقاهرة لصاحبها/ شرف حجازى ﵀.\nولم يظهر على النسخة التي لدى من تلك الطبعة تاريخ الطبع.\nوهاتان الطبعتان أهم ما يميزهما، هو سبقهما في إخراج الكتاب إلى عالم الطباعة، وبالتالى اتساع دائرة انتشاره، والاستفادة منه لطلاب علوم السنة، والشريعة.\nلكنهما اشتملتا على تحريفات متعددة، وسقط، وخلل في بعض المواضع في ترتيب النص، كما جاء عنوان الكتاب في مقدمة المحقق، وفي عنوان الطبعتين هكذا «تخريج أحاديث مختصر المنهاج، في أصول الفقه» وكلمة «مختصر» ذكرها خطأ محض، ومخالف لعنوان النسخة الوحيدة التي اعتمد الأستاذ المحقق عليها.\n٢ - ثم طبع الكتاب مرة ثالثة سنة ١٤٠٩ هـ في دار البشائر الإسلامية، ببيروت، بعنوان «تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في منهاج البيضاوي» وهذا هو العنوان المطابق لواقع الكتاب، فعلا، كما أشرت من قبل.\nوهذه الطبعة بتحقيق فضيلة الشيخ محمد بن ناصر العجمي، الكويتى.\nمع تعليقه على الكتاب بتحديد مواضع الحديث أو الأثر فيما عزاه العراقي إليه من المصادر، مع زيادات فى العزو إلى مصادر أخرى، وبيان لأحوال بعض الرواة، ولدرجات الأحاديث على ضوئها.\nوقد اعتمد فضيلة المحقق في تحقيق نص الكتاب على النسخة التركية السابق","vol":"5","page":1889},{"text":"ذكرها وجعلها أصلا، وعلى نسختي الظاهرية والهند السابقتين، لاستكمال وتصويب بعض المواضع.\nوتعتبر هذه الطبعة أفضل طبعة للكتاب حتى الآن.\nولكن يتعقب عليها موضع حصل فيه سقط من النص، ففي سطر (٣) ص ٨٤ جاء النص هكذا «عن أبيه عن ابن عمر».\nوالذي في نسخة الظاهرية، وهي إحدى النسخ التي اعتمد عليها فضيلة المحقق، هكذا «عن أبيه عن ابن المسيب عن ابن عمر».\nوهكذا جاء في مصدر تخريج الحديث الذي عزا إليه فضيلته، ومن قبله المؤلف، فلعل هذا من سقط الطباعة فقط.\nسادسا: موضوع الكتاب:\nيفيد عنوان الكتاب، ومضمونه، أن موضوعه هو تخريج الأحاديث المرفوعة، والآثار الموقوفة على الصحابة، والتي ذكرت في منهاج الوصول إلى علم الأصول، للإمام البيضاوي، سواء صرح فيه بلفظ الحديث أو الأثر، أو أشير إليه بالمعنى، وسواء صرح فيه بالرفع إلى الرسول ﷺ أو إلى الصحابي، أو ترك التصريح بذلك اعتمادا على معرفة القارئ ذلك.\nلكن العراقي في مقدمة الكتاب قال: «قد ذكرت في هذه الأوراق الأحاديث التي ضمنها قاضي القضاة، ناصر الدين عبد الله بن عمر بن محمد ابن علي البيضاوي، كتاب المنهاج» (^١).\n_________\n(^١) تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في منهاج البيضاوي للعراقي/ بتحقيق محمد العجمي/ ٣٣.","vol":"5","page":1890},{"text":"فاقتصر على ذكر الأحاديث كما ترى، مع أن واقع الكتاب أنه خرج الأحاديث والآثار، إلا بعض مواضع قليلة فاتته كما سيأتي، وقد جعل للآثار مبحثا خاصا في آخر الكتاب عنونه بقوله: «وفيه من الآثار» (^١) وصار يذكر الأثر وصحابيه، ثم يخرجه، وقد بلغ ما ذكره من الآثار (١٨) أثرا، واتفقت نسخ الكتاب على قوله في واحد منها فقط: «لم أجده» وهو موجود كما سيأتي.\nوبلغ عدد الأحاديث (٨٩) حديثا، مع تكرر عدد قليل منها.\nفكان الأولى أن يذكر العراقي في المقدمة أنه خرج الأحاديث والآثار أيضا، طبقا لواقع الكتاب، كما فعل قرينه ابن الملقن في كتابه السابق ذكره في تخريج أحاديث وآثار منهاج البيضاوى أيضا، فقال في مقدمته: «فهذا تعليق نافع إن شاء الله تعالى، على الأحاديث والآثار الواقعة في منهاج الأصول …» (^٢)\nفلعل اقتصار العراقي على النص على الأحاديث فقط، لكونها هي المقصود الأصلي، والآثار تبع لها، وعددها قليل بالنسبة لعدد الأحاديث كما قدمت.\nوقد فعل الشيخ الغمارى فى كتباه الابتهاج مثلما فعل العراقي، فاقتصر في تسمية الكتاب وفى مقدمته على النص على الأحاديث (^٣) مع كونه خرج الأحاديث والآثار، ولكن لم يجعل لها مبحثا مستقلا، بل خرج كل أثر في موضعه من ترتيب المنهاج\nأما الزركشي فاقتصر في تسمية كتابه على النص على الأحاديث فقط فقال:\n_________\n(^١) ينظر المصدر السابق/ ١١٩ وما بعدها.\n(^٢) ينظر تذكرة المحتاج لابن الملقن/ ٩ بتحقيق الشيخ حمدى السلفي.\n(^٣) ينظر الابتهاج مع المنهاج/ ١٩","vol":"5","page":1891},{"text":"«وسميته المعتبر في تخريج أحاديث المنهاج والمختصر» ولكن نبه في المقدمة على أنه يخرج الأحاديث والآثار (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-560>سابعا: منهج العراقي في الكتاب، مع المقارن والتقويم</span>\nأجمل العراقي منهجه في هذا الكتاب في مقدمته، فقال: «ذكرت في هذه الأوراق الأحاديث التي ضمنها … البيضاوي كتاب المنهاج، ذاكرا من خرجها من الأئمة، وصحابي كل حديث، أو من رواه مرسلا، مع التنبيه على صحتها وضعفها، على سبيل الاختصار» (^٢) وعلى ضوء هذا الإجمال لعناصر المنهج، ومراجعتى التفصيلية للكتاب، مع المقارنة أيضا بمثيله، يتضح الآتي: -\n\n<span data-type='title' id=toc-561>أ - نوع التخريج:</span>\nأنه تخريج مختصر بالعزو، فيذكر الحديث أو الأثر، كما ذكره أو أشار إليه البيضاوي في المنهاج، ثم يتبعه بعزو إجمالي لبعض من أخرج الحديث أو الأثر من الأئمة بسنده، في بعض مؤلفاته، دون تحديد موضع الحديث أو الأثر في المصدر الذي يعزو إليه، ويكتفى من الإسناد غالبا بذكر الراوى الأعلى فقط، وهو الصحابي، أو من دونه ممن أرسل الحديث بالنسبة للمرسل، مثال ذلك قوله: «حديث: والله لأغزون قريشا، ابن حبان في صحيحه من حديث ابن عباس، ورواه أبو داود مرسلا من رواية عكرمة مولى ابن عباس» (^٣).\n_________\n(^١) ينظر المعتبر/ ٢٣ - ٢٤.\n(^٢) ينظر تخريج أحاديث وآثار المنهاج للعراقي/ ٣٣ - ٣٤.\n(^٣) ينظر التخريج حديث رقم (٢).","vol":"5","page":1892},{"text":"وقد يكون بعض من أخرج الحديث، رواه من طريق مصنف آخر متقدم عليه، فيبين العراقي ذلك، مثل قوله عن حديث: (إذا روى عنى حديث فاعرضوه على كتاب الله …): الدارقطني، والبيهقى من طريقه في المدخل … (^١).\nومن مراجعة الكتاب يظهر أن منهج الاختصار الذي أشار إليه العراقي هو أنه لا يستوعب ولا يتوسع في عزو الحديث أو الأثر إلى مصادره، بل يكتفى ببعضها عن الآخر، فإن كان الحديث في الصحيحين أو أحدهما اكتفى بذلك، وإن كان في غيرهما مع تعدد مصادره، تخير منها ما هو الأشهر أو الأقوى إسنادا، أو الأقل ضعفا، أو الأقرب إلى اللفظ الوارد في المنهاج، ويعرف ذلك، بمراجعة الرواية في المصدر المعزو إليه سندا ومتنا.\nكما يعنى العراقي ببيان ما بين الروايات من اختلاف في الألفاظ المؤثرة في المعنى غالبا (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-562>ب - مصارد العراقي في الكتاب:</span>\nاعتمد العراقي في هذا الكتاب مع صغر حجمه على مصادر متعددة أصلية، حيث يُروى الحديث أو الأثر فيها بسند مؤلف المصدر كأصحاب السنن والمسانيد وابن حبان والحاكم والبيهقى، والموضوعات لابن الجوزى، وبعض كتب الرجال الأصلية كالضعفاء لابن حبان والكامل لابن عدى.\nوهناك عدد من المصادر عزا إليها العراقى فى هذا الكتاب، وهي تعتبر - بحسب علمي - مفتقدة حتى الآن وهى: كتاب الفضائل للدارقطني (حديث ٥٥)،\n_________\n(^١) ينظر التخريج حديث (٢٣) وينظر أيضا حديث (٥٥).\n(^٢) ينظر الأحاديث رقم (٢٠، ٣٠، ٥١) وغيرها.","vol":"5","page":1893},{"text":"وكتاب العلم والحلم لآدم بن أبي إياس (حديث ٦٠)، ومشيخة ابن كليب (حديث ٨٠)، وحديث أهل مصر والجزيرة لابن عدى (حديث ٨٨)، وتفسير القرآن الكريم لابن مردويه (حديث ٣٢).\nولم يذكر قرينه ابن الملقن من تلك المصادر غير الفضائل للدارقطني، مع أنه ﵀ معروف بامتلاكه مكتبة حديثية حافلة، حتى كان احتراقها في أواخر حياته سببا لاختلال عقله، واختلاطه، حتى توفى ﵀ (^١).\nفانفراد العراقي عن قرينه بالعزو إلى تلك المصادر الأصلية النادرة، دليل على سعة اطلاعه، وافتقادنا تلك المصادر الآن تعطى قيمة لكتابه هذا، بحفظه من النصوص الحديثية ما فقدنا أصله حتى الآن، وأصبح كتابه بديلا عنها فيما احتفظ به منها.\n\n<span data-type='title' id=toc-563>ج - بيانه لدرجة الأحاديث:</span>\nجعل العراقي من منهجه في هذا الكتاب بيان درجة الأحاديث، وأشار إلى ذلك إجمالا بقوله: (وأنبه على صحتها وضعفها).\nفاقتصر كما ترى على ذكر الصحة والضعف المطلق، ولكن عند المراجعة التفصيلية للكتاب نجده زاد على هذين النوعين، فبين أن بعض الأحاديث: إسناده حسن، وبعضها ضعيف جدا، وبعضها موضوع باطل، وبعضها لا أصل له مطلقا، أو مقيدا،، بحسب مبلغ علمه، كما سأفصله فيما يأتى.\nولما كان العراقي في مؤلفاته في مصطلح الحديث وعلم الرجال، يفرق بين.\n_________\n(^١) ينظر المجمع المؤسس للحافظ ابن حجر ٢/ ٣١٨ والاغتباط فمن رمى بالاختلاط لسبط ابن العجمى مع نهاية الاغتباط لعلاء الدين على رضا/ رقم (٧٩).","vol":"5","page":1894},{"text":"درجات الحديث هذه، ويميزها باعتبار مراتب رواتها، فإنه كان ينبغى أن يفصل في منهجه في المقدمة، بحيث يتطابق مع صنيعه خلال الكتاب، ومع ما قرره في علم المصطلح والرجال.\n١ - وفي بيان العراقي لصحة الحديث، تارة يكتفى فيه بالعزو، كقوله عن الحديث: متفق عليه، أو رواه الشيخان، من حديث فلان (^١) أو رواه البخاري، أو عند البخاري (^٢) أو مسلم (^٣) أو ابن حبان في صحيحه، أو ابن خزيمة (^٤). وتارة يبيين الصحة بذكر قول من أخرج الحديث، مثل قوله: رواه الحاكم من حديث فلان وقال صحيح الإسناد على شرط مسلم، أو على شرط الشيخين، أو وصححه (^٥).\nوإن كان تصحيح الحاكم متعقبا ذكر ما يتعقب به، كما سيأتي.\nويذكر أيضا تصحيح الترمذى (^٦) والدارقطني والخطابي والبيهقي (^٧).\n٢ - وأما بيانه لتحسين الحديث، فتارة يكون بالنقل عن الترمذى مع إقراره، وذلك في أغلب المواضع (^٨).\n_________\n(^١) ينظر التخريج حديث ١، ٥، ٦، ٣٣، ٣٨.\n(^٢) ينظر التخريج حديث ٧، ٩، ٢٩، ٣٥.\n(^٣) ينظر التخريج حديث ٣، ١١، ٣٧، ٧٠.\n(^٤) ينظر التخريج حديث ٢، ٦٢، ٦٨، ٧٢، ٨٦.\n(^٥) ينظر التخريج حديث ١٧، ٣٠، ٣٦، ٥١، ٥٢، ٥٤، ٧٣، ٧٧.\n(^٦) ينظر التخريج حديث ٤٢، ٥٣، ٦٨.\n(^٧) ينظر التخريج حديث (٣٤).\n(^٨) ينظر التخريج حديث ٤٩، ٥١، ٥٢، ٥٤.","vol":"5","page":1895},{"text":"وتارة لا يعزو الحكم بالحسن إلى غيره، حيث ذكر حديث «لا تُنكِحُ المرأةُ المرأةَ» وعزاه إلى ابن ماجه من حديث أبي هريرة وقال: بسند حسن، بلفظ «لا تُزَوِّجُ (^١)».\nوسيأتى مقارنة ذلك بحكم غيره على هذا الإسناد.\n٣ - وأما بيانه للضعف فمتنوع أيضا، فتارة يصرح بوصف الحديث بالضعف، وتارة يذكر من حال السند أو حال بعض الرواة، أو حال كليهما، ما يقتضى الضعف، وتارة يشير إلى الضعف إشارة مجملة، وتارة يعزو الحكم إلى غيره ولا يتعقبه، فيكون مقرا له، وتارة لا يعزو الحكم لغيره، وتارة يبين السبب، وتارة لا يبينه، وتارة يذكر مع الرواية الضعيفة ما ينجبر به الضعف، وتارة لا يذكره.\nومن الأمثلة على ما قدمت ما يلى: -\nفقد ذكر حديث «الماء طهور لا ينجسه شيء، إلا ما غير طعمه أو ريحه» وعزاه إلى ابن ماجه من حديث أبي أمامة بلفظ «الماء طهور» ثم قال: وإسناده ضعيف (^٢).\nوبالمراجعة لسنن ابن ماجه لا نجد لفظ «طهور» في هذه الرواية (^٣). وأما الإسناد فنجد أن فيه «رشدين» وهو ابن سعد بن مفلح المهرى، وخلاصة حاله أنه ضعيف من جهة ضبطه (^٤).\n_________\n(^١) ينظر التخريج حديث (٨).\n(^٢) ينظر التخريج حديث (٢٤).\n(^٣) ينظر السنن - كتاب الطهارة - باب الحياض حديث (٥٢١).\n(^٤) ينظر الكاشف ١/ ترجمة (١٥٧٥) والتقريب/ ترجمة (١٩٤٢).","vol":"5","page":1896},{"text":"وذكر العراقي حديث: «لا صلاة إلا بطهور» وعزاه إلى الدارقطني من حديث عائشة، وذكر أن الدارقطني ضعفه (^١).\nوذكر حديث: سيأتيكم عنى أحاديث مختلفة (الحديث)، وعزاه إلى البيهقي من حديث أبى هريرة، ثم قال: قال البيهقي تفرد به صالح بن موسى الطلحي، وهو ضعيف لا يحتج به، قاله الدارقطني والحاكم (^٢).\nوذكر حديث معاذ في بعثه إلى اليمن، لإثبات القياس، وعزاه إلى أبي داود والترمذي، وذكر قول الترمذى: ليس إسناده عندى بمتصل (^٣).\nومن هذا يفهم ضعف الحديث بهذا الإسناد، لانقطاعه.\nوذكر أثرين عن ابن مسعود أحدهما: أنه قال: «لا أقيس شيئا بشيء فتزل قدم بعد ثبوتها» وقال: رواه الطبراني.\nوالثاني: عن ابن مسعود أيضا «إياكم ورأيت، وأرأيت؟؟ …»، وقال: رواه الطبراني، بإسناد منقطع، وأتبع ذلك بقوله: وفيهما - يعنى إسناد الأثرين - جابر الجعفي وهو ضعيف (^٤) ويلاحظ هنا أنه لم يعز بيان الدرجة لأحد غيره.\nوبالمراجعة يظهر أن الأثر الأول أخرجه الطبراني في الكبير (^٥)، من طريق جابر.\n_________\n(^١) ينظر التخريج حديث (٢٠) مع سنن الدراقطني ١/ ٣٥٥ حديث (٤).\n(^٢) ينظر التخريج حديث (٢٣) وسنن الدراقطني ٤/ ٢٠٨ حديث (١٧)، وينظر مثال آخر حديث (٥٥) حديث جابر بن عبد الله، وعمر، وابن عباس، وجواب بن عبد الله، مرسلا، ومرفوعا.\n(^٣) ينظر التخريج حديث (٥٧) وينظر مثال للإرسال حدث (٢)، (١٢).\n(^٤) ينظر التخريج ص ١٢٥، ١٢٦، وينظر مثال آخر: أثر رقم (٧) ص ١٢٦.\n(^٥) المعجم الكبير للطبراني ٩/ أثر رقم (٩٠٨١).","vol":"5","page":1897},{"text":"الجعفى عن الضحاك عن مسروق عن ابن مسعود، به.\nوالثاني أخرجه الطبراني أيضا من طريق أبي يزيد - وهو جابر الجعفى - عن الشعبي عن ابن مسعود به (^١).\nوفي إسناد الأثرين كما ترى (جابر الجعفى) وقد اختلفت الأقوال فيه بين توثيق وتضعيف فقط، وشدة التضعيف، والتكذيب (^٢) ونسب المؤلف في المغنى تضعيفه إلى الجمهور (^٣) ولخص ابن حجر حاله بقوله: ضعيف رافضي (^٤)\nأما الانقطاع الذي أشار إليه العراقي في سند الأثر الثاني، فهو بين الشعبي وابن مسعود، حيث ذكر أبو حاتم الرازى وغيره أن الشعبي لم يسمع من أبن مسعود (^٥):\nفاجتمع في سند هذا الأثر الثانى سببان للضعف وهما: انقطاع الإسناد، وضعف أحد رجاله وهو جابر الجعفي.\nويتميز تخريج العراقي لهذين الأثرين عن تخريج قرينه ابن الملقن لهما، ببيان العراقى لضعفهما كما تقدم، في حين اقتصر ابن الملقن على عزوهما فقط إلى المعجم الكبير للطبراني (^٦).\n_________\n(^١) المعجم الكبير ٩/ أثر رقم (٨٥٥٠).\n(^٢) ينظر تهذيب التهذيب ٢/ ترجمة (٧٥) والميزان ١/ ترجمة (١٤٢٥)، ومختصر المختلف فهيم لابن شاهين/ ترجمة (٣) بتحقيق الأخ د/ القشقرى.\n(^٣) ينظر المغنى عن حمل الأسفار مع الإحياء ٤/ ٢٧٧ حديث (٩).\n(^٤) التقريب/ ترجمة (٨٧٨).\n(^٥) ينظر جامع التحصيل للعلائي/ ترجمة (٣٢٢).\n(^٦) ينظر تذكرة المحتاج لابن الملقن/ ص ٩١ بتحقيق الشيخ حمدى السلفي.","vol":"5","page":1898},{"text":"٤ - وأما ذكر العراقي لما يجبر الضعيف، وعدم ذكره، فمن أمثلتهما ما يلى: -\nذكر العراقي حديث: «لا تجتمع أمتى على خطأ».\nوعزاه إلى البيهقى فى المدخل من حديث ابن عباس بلفظ «ضلالة» بدل «خطأ»، ولابن ماجه من حديث أنس بنحو رواية البيهقي، ثم قال: وروى من حديث أبي ذر، وأبي مالك الأشعرى وابن عمر، وأبي بصرة، وقدامة بن عبد الله الكلابي، وعقب على تلك الروايات كلها بقوله: وفي كلها نظر، وقد حسن الترمذى حديث ابن عمر (^١).\nفهذه العبارة فيها إشارة إجمالية إلى تضعيف روايات الحديث من طرقه السابقة، ما عدا رواية ابن عمر التي ذكر أن الترمذى حسنها، وهذا بحسب نسخته هو من جامع الترمذى، وكذا نسخة قرينه ابن الملقن (^٢) أما نسخة الزركشي (^٣) والنسخ التي بين أيدينا حاليا (^٤) ففيها أن الترمذى قال عن حديث ابن عمر: إنه غريب.\nثم إن العراقي لم يشر إلى أن تلك الطرق يجبر بعضها ضعف بعض، ولم يشر إلى وجود جابر آخر لضعفها، وهو ما يشهد للحديث في الصحيحين من حديث أنس: «المؤمنون شهداء الله في الأرض» وفي لفظ لمسلم «من أثنيتم عليه خيرا وجبت له الجنة ومن أثنيتم عليه شرا وجبت له\n_________\n(^١) ينظر التخريج حديث (٤٩).\n(^٢) ينظر تذكرة المحتاج له/ حديث (٥١) ص ٥٢، وذكر قول الترمذى عن الحديث: حسن غريب.\n(^٣) ينظر المعتبر للزركشي/ ٥٨.\n(^٤) ينظر جامع الترمذى حديث (٢١٦٧).","vol":"5","page":1899},{"text":"النار، أنتم شهداء الله في الأرض، ثلاثا».\nوقد ذكر الزركشي هذا، وذكر أيضا تقوى طرق الحديث الضعيفة بعضها ببعض (^١) وهذا هو الموافق لما تقرره قواعد الاصطلاح التي لا تخفى على العراقي.\nوذكر أيضا حديث: «الاثنان فما فوقهما جماعة» وعزاه إلى ابن ماجه والحاكم من حديث أبي موسى الأشعرى، ثم قال: وهو ضعيف (^٢) وبالمراجعة نجد الحديث عند ابن ماجه (^٣) والحاكم (^٤) في سنده الربيع بن بدر الملقب بـ «عُليلة»، يروى الحديث عن أبيه عن جده عن أبي موسى.\nو«الربيع بن بدر» هذا متفق على ضعفه من جهة ضبطه ووصفه النسائي بأنه متروك، وبه قال الحافظ في التقريب (^٥) والزركشي في المعتبر، وزاد: أن الذهبي قال عن والد الربيع وجده: إنهما مجهولان (^٦). لكن للحديث طرق أخرى عن خمسة آخرين من الصحابة، وفى سند أكثرها ما يقتضى شدة ضعفه (^٧) لكن الزركشي قرر أن هذه الطرق يقوى بعضها بعضا (^٨). وللحديث أيضا شاهد موقوف على زيد بن ثابت بلفظ «الأخوة في كلام العرب، أخوان فصاعدا» وقد أخرجه الحاكم وصححه على شرط الشيخين وأقره.\n_________\n(^١) ينظر المعتبر/ ٦٢.\n(^٢) ينظر التخريج حديث (١٩).\n(^٣) سنن ابن ماجة/ حديث (٩٧٢).\n(^٤) المستدرك ٤/ ٣٣٤ وسكت عنه، ولم أجده في مختصر الذهبي للمستدرك.\n(^٥) التقريب (١٨٨٣) وينظر الميزان ٢/ ت (٢٧٣٠).\n(^٦) المعتبر للزركشى/ حديث (١٠٤).\n(^٧) ينظر تعليق الشيخ محمد العجمى على تخريج المنهاج حديث (١٩).\n(^٨) ينظر المعتبر/ حديث (١٠٤).","vol":"5","page":1900},{"text":"الذهبي (^١)، فلا يبعد أن يرتقى الحديث بمجموع ذلك إلى الحسن لغيره، ويؤيده ما تقدم عن الزركشي، وهذا أولى من اقتصار العراقي على ما يقتضى تضعيف الحديث فقط.\nوقد يذكر بعض ما يضعف الحديث، ويتبعه بما يجبر موضع الضعف فقط، ولو كان فيما ذكره سبب آخر يقتضى الضعف، وقد يتبعه بما يجبر ضعف الحديث عموما ويرقيه إلى درجة الحجية فمثال الأول أنه ذكر حديث «البيان لتكرار وجوب الزكاة».\nوعزاه إلى أبي داود - وجادة - من حديث عبد الله بن معاوية رفعه، في أثناء حديث «وأعطى زكاة ماله طيبة بها نفسه، كل عام» (الحديث) ثم قال: ووصله الطبراني وغيره (^٢).\nفوصفه رواية أبي داود بأنها «وجادة» إشارة إلى تضعيفها بالانقطاع، وقوله: «ووصله الطبراني وغيره» بيان لوجود طريق آخر لهذا الحديث موصول، وبه بنجبر الانقطاع السابق، لكن عندما نراجع إسناد الطبراني وغيره ممن وصل الحديث.\nنجد فيه: إسحق بن ابراهيم، عن عمرو بن الحارث (^٣).\nوإسحق بن ابراهيم قال الحافظ: إنه صدوق يهم كثيرا، وأطلق محمد بن\n_________\n(^١) ينظر المستدرك ٤/ ٣٣٥ ومعه مختصر الذهبي.\n(^٢) ينظر التخريج حديث (١٠) مع سنن أبي داود حديث (١٥٨٢).\n(^٣) ينظر التاريخ الكبير للبخارى ٥/¬٣١ والمعرفة للفسوى ١/ ٢٦٩ والطبراني في مسند الشاميين (١٨٧٠) والبيهقى في السنن (٤/ ٩٥ - ٩٦) كلهم من طريق إسحق بن إبراهيم عن عمرو بن الحارث بسنده إلى عبد الله بن معاوية، به.","vol":"5","page":1901},{"text":"عوف أنه يكذب (^١) وعمرو بن الحارث الزبيدى الحمصي - ذكر الذهبي رواية اثنين عنه، ثم قال: فهو غير معروف العدالة (^٢)\nفهذا الطريق وإن جبر انقطاع الطريق الآخر، إلا أنه بقى ضعفه من جهة حال الراويين السابقين.\nلكن للحديث طريق آخر لم يذكره العراقى أخرجه الطبراني في الصغير (^٣).\nوفيه (عبد الحميد بن ابراهيم، أبو تقى) قال الحافظ في التقريب: صدوق إلا أنه ذهبت كتبه فساء حفظه (^٤). فبمجموع ذلك يرتقى الحديث إلى الحسن لغيره. وذكر العراقي حديث: «لا ضرر ولا ضرار في الإسلام».\nوعزاه إلى ابن ماجه من حديث ابن عباس، وعبادة بن الصامت دون قوله «في الإسلام» وإلى الحاكم من حديث أبي سعيد وقال: صحيح الإسناد على شرط مسلم. ثم قال: ورواه بهذه الزيادة - يعنى زيادة قوله: «في الإسلام» - أبو داود في المراسيل من حديث واسع بن حبان، ثم قال: ووصله الطبراني في الأوسط من روايته عن جابر (^٥) يعنى من رواية «واسع بن حبان» عن جابر ابن عبد الله مرفوعا.\nوبالمراجعة نجد أن مجموع ما ذكره العراقي من طرق الحديث يمكن أن يرقى بأصله إلى الحسن، وأضاف النووى إلى ذلك رواية مالك في الموطأ عن عمرو\n_________\n(^١) التقريب (٣٣٠)\n(^٢) الميزان ٣/ ت (٦٣٤٧)\n(^٣) المعجم الصغير مع الروض الداني ١/ حديث (٥٥٥).\n(^٤) التقريب (٣٧٥١).\n(^٥) التخريج حديث (٧٧)","vol":"5","page":1902},{"text":"ابن يحيى عن أبيه عن النبي ﷺ مرسلا، وهذا مرسل صحيح الإسناد إلى يحيى، وقرر النووي وابن الصلاح وابن رجب أن مجموع تلك الطرق يقوى بعضها بعضا، ويرتقي بها الحديث إلى الحسن لغيره (^١).\n٥ - وذكر العراقي حديث: «لو كنت سمعت هذا الشعر قبل أن أقتله ما قتلته» يعني النضر بن الحارث، وقد عزا الحديث إلى مشيخة ابن كليب، من رواية هشام بن محمد الكلبي عن أبيه عن أبي صالح عن ابن عباس، مرفوعا، ثم قال: والكلبي ضعيف جدا (^٢).\nوبمراجعة ترجمة «هشام» هذا، نجده قد وصف من غير واحد بأنه متروك، ونسب إلى الرفض (^٣).\nوهذا يؤيد وصف العراقي له بشدة الضعف، وبالتالي يكون الحديث من طريقه ضعيفا جدا. وقد تقدم وصف العراقي لغير هشام بالضعف فقط، فدل هذا على أنه يفرق بين الضعيف فقط، والضعيف جدا. وبالتالي كان ينبغي أن لا يقتصر في المقدمة على أنه يبين الضعيف فقط. لكني لاحظت أنه لم يلتزم بهذا التمييز بين الضعيف فقط، والضعيف جدا، خلال الكتاب كله، بل قد يطلق الضعف فقط، على من يشابه حاله حال من وصف بأنه ضعيف جدا فى المثال السابق.\nفقد ذكر حديث (الاثنان فما فوقهما جماعة) وعزاه إلى ابن ماجه والحاكم\n_________\n(^١) ينظر جامع العلوم والحكم لابن رجب حديث (٣٢) وتعليق الشيخ محمد العجمي على تخريج العراقي حديث (٧٧) المذكور.\n(^٢) ينظر التخريج حديث (٨٠).\n(^٣) الميزان ٤/ ت (٩٢٣٧) واللسان ٦/ ت (٧٠٠).","vol":"5","page":1903},{"text":"من حديث أبي موسى الأشعري، ثم قال: وهو ضعيف (^١).\nوبالمراجعة، نجد الحديث عند ابن ماجه والحاكم، كلاهما من طريق الربيع ابن بدر عن أبيه عن جده عمرو بن جراد، عن أبي موسى، به (^٢).\nوفي هذا الإسناد (الربيع بن بدر) وخلاصة حاله أنه متروك ولم ينسب إلى الكذب (^٣).\nوبذلك يكون في مرتبة «هشام بن محمد، ابن الكلبي» الذي وصفه العراقي في المثال السابق بأنه (ضعيف جدا) كما أن في باقي السند «بدر بن عمرو» ووالده (عمرو بن جراد).\nوخلاصة حال كل منهما أنه (مجهول) (^٤) ومع ذلك حكم العراقي على الحديث بهذا الإسناد: أنه ضعيف فقط.\nوذكر حديث (أصحابي كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم) وعزاه إلى عبد ابن حميد في مسنده، وابن عدى فى الكامل، من رواية حمزة بن أبي حمزة النصيبي عن نافع عن ابن عمر، بلفظ: «فبأيهم أخذتم بقوله» بدل (اقتديتم). ثم قال: وإسناده ضعيف، من أجل حمزة، فقد اتهم بالكذب (^٥). فحكم\n_________\n(^١) ينظر التخريج حديث (١٩).\n(^٢) ينظر سنن ابن ماجه - الصلاة - حديث (٩٧٢) والمستدرك للحاكم - الفرائض ٤/ ٣٣٤.\n(^٣) ينظر الميزان ٢/ ت (٢٧٣٠) والكاشف ١/ ت (١٥٢٥) والتقريب/ ت (١٨٨٣).\n(^٤) ينظر الميزان ١/ ت (١١٢٦) والتقريب/ ت (٦٤٤) والميزان ٣/ ت (٦٣٤٤) والتقريب/ ت (٤٩٩٩).\n(^٥) ينظر التخريج حديث (٥٥) مع الميزان ١/ ت (٢٢٩٩) والكاشف ١/ ت (١٢٣٤) والتقريب (ت ١٥١٩) والتلخيص الحبير ٤/ ١٩٠، والمنتخب من مسند عبد بن حميد حديث رقم (٧٨١) والكامل لابن عدى ٢/ ٧٨٥ - ٧٨٧","vol":"5","page":1904},{"text":"على الإسناد بالضعف فقط كما ترى، وعلل ذلك بكون راوى الحديث «حمزة النصيبي» متهما بالكذب، فهذا يفيد أن من يكون متهما بالكذب فحديثه عنده ضعيف فقط.\nوهذا مخالف لما نقله بنفسه عن ابن الصلاح وأقره، من أن الراوى الموصوف بتهمة الكذب فضعفه أشد، والموصوف بسوء الحفظ ونحوه فضعفه أقل، بحيث يقبل الانجبار إلى درجة الحسن والاحتجاج، بخلاف المضعف بتهمة الكذب ونحوه (^١).\nوعليه فإن ما ارتضاه العراقى فى التقعيد الاصطلاحي من تفاوت مراتب الضعف، والتفريق بين الضعيف فقط والضعيف جدا، كان يقتضيه التزام هذا في التطبيق، بدلا من مراعاته القاعدة مرة، كما في المثال الأول، وعدم مراعاتها كما في المثالين السابقين.\nوقد سبق أن نبهت إلى مثل هذا في منهج العراقي فى تخريج الإحياء.\nومع كون حديث «أصحابي كالنجوم» السابق ذكره من حديث ابن عمر، قد ظهر أن إسناده ضعيف جدا، فإن له طرقا أخرى عن غير ابن عمر، ذكرها العراقي وغيره كما سيأتى.\n٦ - وأما بيانه للحديث الموضوع، فقد ذكر حديث «مطر بن ميمون عن أنس أن النبي ﷺ قال: إن أخى ووزيرى وخليفتي في أهلى، وخير من أترك بعدى، يقضى دينى وينجز موعدى، على بن أبي طالب»، وعزاه إلى ابن حبان فى الضعفاء، وذكر قول ابن حبان: مطر يروى الموضوعات، وذكر أن\n_________\n(^١) ينظر فتح المغيث للعراقي ١/¬٤٢ - ٤٣ ومقدمة ابن الصلاح مع التقييد والإيضاح/ ٤٩ - ٥٠.","vol":"5","page":1905},{"text":"ابن الجوزى روى الحديث أيضا فى الموضوعات، ووصفه بأنه موضوع (^١).\nوبمراجعة ما عزا العراقى الحديث إليه من المصادر وغيرها، نجد ما يؤيد إقراره للحكم بوضع الحديث واتصاف راويه «مطر بن ميمون» بما يقتضى ذلك (^٢).\nوذكر أيضا حديث ميناء، مولى عبد الرحمن بن عوف عن ابن مسعود قال: كنت عند النبي ﷺ ليلة الجن (الحديث) وفيه: أن ابن مسعود لما أشار على النبي ﷺ بأن يستخلف عليا ﵁ قال ﵊: «والذى نفسي بيده، لئن أطاعوه ليدخلن الجنة …» وعزاه إلى الطبراني في الأوسط، ثم قال: ومينا كان يكذب، قاله أبو حاتم، وذكر أيضا أن ابن الجوزى روى الحديث في الموضوعات، ووصفه بأنه موضوع (^٣) ولم يتعقب ذلك بشيء.\nوبالمراجعة، لم أقف على الحديث في مظنته من المعجم الأوسط الذي عزاه العراقي إليه، ولكن وجدته في الكبير (^٤).\nوعزاه الهيثمي إلى الطبراني مطلقا (^٥) فينصرف إلى الكبير، كما هو معروف.\nوقد أخرجه ابن الجوزى فى الموضوعات من طريق أبي نعيم صاحب الحلية عن الطبراني، وقال: هذا حديث موضوع، وعلل ذلك بوجود «ميناء» في إسناده، وذكر تكذيب أبي حاتم الرازى له، وتضعيف ابن معين له.\n_________\n(^١) ينظر التخريج حديث (٤٦).\n(^٢) ينظر: المجروحين لابن حبان ٣/¬٥/ ت مطر بن ميمون الإسكاف، والموضوعات لابن الجوزى ٢/ حديث (٦٤٨) ط أضواء السلف، واللآلئ المصنوعة ١/ ٣٢٦ وتنزيه الشريعة ١/ ٣٥٣، والفوائد المجموعة للشوكاني/ ٣٤٦ حديث (٤٦).\n(^٣) ينظر التخريج حديث (٤٦).\n(^٤) ينظر المعجم الكبير للطبراني ١٠/ حديث (٩٩٧٠).\n(^٥) مجمع الزوائد ٥/ ١٨٥.","vol":"5","page":1906},{"text":"تضعيفا شديدًا (^١).\nلكن السيوطي قد تعقب ابن الجوزى فى الحكم بوضع الحديث، وذلك بناء على أن «ميناء» لم ينفرد به، فذكر له متابعا هو «أبو عبد الله الجدلي»، في رواية للطبراني أيضا، بنحوه، كما ذكر له شاهدا من حديث على ﵁ (^٢) ومع أن كلا من المتابع والشاهد ضعفهما ليس هينا، فقد اعتبرهما السيوطى مانعين من الجزم بوضع الحديث، لعدم تفرد «ميناء» به، بل قال: إن الحديث قد يقوى بالشاهد المروى من حديث على ﵁ (^٣) ووافقه على هذا ابن عراق (^٤) وسيأتى معارضة العراقي الحكم بوضع حديث آخر مع التعليل بعدم تفرد الراوى المنسوب إلى الوضع به، فلعله حين تأليفه لهذا الكتاب لم يتح له ما ذكره السيوطى من المتابع والشاهد لهذا الحديث. ومن هذين المثالين لحكم العراقي على بعض الأحاديث بالوضع يتضح أنه ذكر خلال الكتاب من درجات الأحاديث ما لم ينبه عليه في مقدمته.\n٧ - وأما بيانه لما ليس له أصل، فمنه ما أطلق الحكم فيه، ومنه ما ذكر معه ما يدل على التقييد، وهذا هو الأكثر، فقد ذكر حديث «حكمى على الواحد حكمى على الجماعة» وقال: ليس له أصل، وسئل المزى والذهبي عنه فأنكراه، ثم قال: وللترمذى والنسائى من حديث أميمة بنت رقيقة: «ما قولى لامرأة واحدة إلا كقولى لمائة امرأة» لفظ النسائي، وقال الترمذي: «إنما\n_________\n(^١) ينظر الموضوعات لابن الجوزى ط أضواء السلف ٢/ حديث (٦٤٥).\n(^٢) ينظر اللآلئ المصنوعة ١/ ٣٢٥ - ٣٢٦.\n(^٣) ينظر اللآلئ/ الموضع السابق\n(^٤) تنزيه الشريعة ١/ ٣٧٧.","vol":"5","page":1907},{"text":"قولي لمائة امرأة، كقولى لامرأة واحدة» (^١) فيلاحظ أن الروايتين المذكورتين بمعنى اللفظ المطلوب، وأقربهما رواية النسائي.\nفيفهم من ذكره له، أن مقصوده بعبارة «ليس له أصل» مقيدة، باللفظ المذكور في المنهاج فقط، ولكن يوجد ما هو بمعناه، ولا سيما رواية النسائي. وعلى هذا التقييد يحمل إنكار كل من المزى والذهبي.\nوقد صرح بالتقييد غير العراقي ممن خرج أحاديث المنهاج. فقال الزركشي: لا يُعرف بهذا اللفظ، ولكن معناه ثابت، ثم ذكر روايتي الترمذي والنسائي السابقتين (^٢).\nوقال ابن الملقن: هذا الحديث لم أره بهذا اللفظ … . وذكر إنكار المزى والذهبي له ثم قال: لكن في سنن النسائي … وذكر روايته ثم رواية الترمذي، ثم زاد عزو الحديث لأحمد في مسنده باللفظين، ثم ذكر شاهدا بالمعنى أيضا من الصحيحين (^٣).\nوبذلك نجد أن عبارة الزركشى فيها التصريح بالتقييد، وبأن الروايتين المذكورتين بمعنى اللفظ المطلوب، وأن ابن الملقن صرح بالتقييد، وترك للقارئ ملاحظة كون الروايات التي خرجها تعتبر بمعنى اللفظ المطلوب. وأما حكم العراقي على الحديث بأنه «ليس له أصل» مطلقا، فحديث واحد، في هذا الكتاب، حيث ذكر حديث «ما اجتمع الجلال والحرام، إلا\n_________\n(^١) ينظر التخريج حديث (٢٥)، وينظر أيضا حديث ٤٧، ٧٨.\n(^٢) ينظر المعتبر/ حديث (١٢٣).\n(^٣) ينظر تذكرة المحتاج لابن الملقن/ حديث (٢٤).","vol":"5","page":1908},{"text":"وغلب الحرام الحلال، وقال: لم أجد له أصلا (^١) ولم يزد على ذلك.\nوعبارته هذه تفيد أن هذا الحكم وإن كان مطلقا، فهو مقيد بمبلغ علمه وبحثه هو.\nوقد جاء في تخريج أحاديث الكتاب لغيره، ما يعتبر تعقبا لإطلاقه، وأيده الواقع.\nفابن الملقن - قرين العراقى - قال: هذا الحديث، قال فيه البيهقي في سننه: رواه جابر الجعفى عن الشعبى، عن ابن مسعود، وجابر ضعيف، والشعبي عن ابن مسعود منقطع (^٢).\nوبالمراجعة نجد البيهقى - فعلا - قد أخرج هذه الرواية الموقوفة على ابن مسعود، تعليقا، وبين ضعفها بما نقله عنه ابن الملقن فيما تقدم، بل لكلام البيهقى بقية هكذا: وإنما رواه غيره - يعنى غير جابر - بمعناه عن الشعبي من قوله، غير مرفوع إلى ابن مسعود (^٣).\nوبهذا تميز تخريج ابن الملقن في هذا الموضع، حيث أثبت للحديث أصلا وإن كان ضعيفا وموقوفا.\nوأما تخريج الزركشي فجاء أوفى وأدق، حيث قال: لا يُعرف مرفوعا، ورواه عبد الرزاق موقوفا في مصنفه فى الطلاق: حدثنا سفيان الثورى عن جابر عن الشعبي قال: قال عبد الله: … (فذكره مع زيادة) ثم ذكر تخريج\n_________\n(^١) ينظر تخريج أحاديث المنهاج/ حديث (٨٧).\n(^٢) ينظر تذكرة المحتاج حديث (٨٥) وذكر أيضا حديثا ضعيفا معارضًا له.\n(^٣) ينظر سنن البيهقى الكبرى - النكاح ٧/ ١٦٩.","vol":"5","page":1909},{"text":"البيهقى له وبيانه لدرجته كما ذكر ابن الملقن، ثم قال: ومن شواهده حديث عائشة: ما خير رسول الله بين امرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما، فإن كان إثما كان أبعد الناس منه - ثم قال: متفق عليه (^١).\nفتميز تخريجه للحديث كما ترى بذكر رواية عبد الرزاق الموصولة، للرواية الموقوفة التي ذكرها البيهقي معلقة، وزاد ذكر شاهد مرفوع له متفق على صحته.\nوبهذا وبما سيأتى يتضح خطورة استعمال عبارة «ليس له أصل» في مجال تخريج الأحاديث، خاصة من عالم حافظ مثل العراقي بما له من مكان الريادة في علم التخريج كما قدمت، سواء بين حفاظ عصره، أو من بعدهم.\nفرغم أن العراقي كما أوضحت قيد حكمه على هذا الحديث بمدى علمه وبحثه هو، فقال: لم أجد له أصلا، فإن من جاء بعده قد حذف هذا القيد الهام، ونسب إليه العبارة مطلقة فقال عن هذا الحديث: قال العراقي: إنه لا أصل له (^٢).\nبل إن الملا على قارى ﵀ فعل هذا الإطلاق بالنسبة لقول العراقي السابق عن حديث «حكمي على الواحد …»، مع أن بقية كلامه في تخريج الحديث تفيد التقييد، كما قدمت (^٣)، فلينتبه الباحثون لورود هذه.\n_________\n(^١) ينظر المقاصد الحسنة للسخاوى/ حرف الميم حديث (٩٤١) والدرر المنتشرة للسيوطي حرف الميم حديث (٤١٠) ط جامعة الملك سعود سنة ١٤٠٣ هـ.\n(^٢) ينظر المعتبر للزركشي حديث (٣٢٩) والمصنف لعبد الرزاق كتاب النكاح ٧/ حديث (١٧٧٢).\n(^٣) ينظر الأسرار المرفوعة فى الأخبار المرفوعة للملا على قارى/ حديث رقم (١٧٨) ط مؤسسة الرسالة سنة ١٣٩١ هـ.","vol":"5","page":1910},{"text":"العبارة في الحكم على الأحاديث عموما، ويتيفظوا لإطلاقها وتقييدها، سواء من العراقي أو من غيره.\n\n<span data-type='title' id=toc-564>د - مما خالف فيه العراقي غيره في بيان درجة الأحاديث.</span>\nبينت فيما سبق أن بيان العراقى لدرجة الأحاديث، بعضه بالنقل عن غيره من الأئمة مع إقراره، وبعضه يذكره بدون عزو لغيره، ويكون له فيه استنتاج لدرجة الحديث بناء على نظره في سنده، أو في حال بعض رواته، وفي كلتا الحالتين، إذا قارنا أحكامه التي أقرها أو استنتجها، نجد منها ما يخالف العراقي فيه غيره، ومع أن ذلك جاء في مواضع قليلة بسبب صغر حجم الكتاب، ومنهج الاختصار الذي انتهجه العراقي فيه كما تقدم، إلا أن ذلك يدل على ظهور شخصيته العلمية في نتاجه الحديثي، سواء كان صغيرا أو كبيرا،\nبحيث لا يقر غير ما يرتضيه حسب مبلغ علمه، ولو خالفه غيره.\nفمن ذلك أنه ذكر حديث (لا تُنكِحُ المرأة المرأة) وعزاه إلى ابن ماجه، من حديث أبي هريرة، وقال: بسند حسن (^١) فحكم على الحديث بإسناد ابن ماجه أنه حسن، في حين نجد قرينه ابن الملقن يقول عن الحديث نفسه: رواه ابن ماجه بإسناد ضعيف (^٢)، ومن قبله أعله ابن الجوزى، كما سيأتي.\nوبالمراجعة نجد الحديث قد أخرجه ابن ماجه عن جميل بن الحسن العتكى حدثنا محمد بن مروان العقيلى حدثنا هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبى هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: لا تزوج المرأة المرأة، ولا تزوج المرأة\n_________\n(^١) ينظر التخريج حديث (٨).\n(^٢) ينظر تذكرة المحتاج/ حديث (٨).","vol":"5","page":1911},{"text":"نفسها، فإن الزانية هي التي تزوج نفسها (^١) ورواه الدارقطني عن أحمد بن محمد الفزاري عن جميل به (^٢).\nوقد أعل ابن الجوزى الحديث بأن في سنده (جميل بن الحسن) لا يعرف (^٣)؟ وقد رد عليه ذلك ابن عبد الهادى فى (التنقيح) بأن جميلا مشهور، وأن ابن خزيمة أخرج له هذا الحديث (^٤). يعني فيكون ذلك تعديلا فعليا من ابن خزيمة له، وكذلك أخرجه له ابن حبان في صحيحه (^٥).\nوبمراجعة مصادر ترجمته نجد أنه تفرد عبدان الأهوازي بتجريحه بالفسق والكذب فى كلامه، وقد اعتبر ذلك إفراطا منه مردودا عليه، وأما غير الأهوازي فخلاصة ما يستفاد من أقوالهم أن جميلا هذا صدوق صالح الرواية، وله غرائب عن أبي همام الأهوازي (^٦).\nوفي الإسناد كذلك شيخ جميل وهو محمد بن مروان العقيلي، مختلف فيه، ويجمع بين الأقوال فيه، قول الحافظ في التقريب بأنه صدوق له أوهام (^٧).\n_________\n(^١) ينظر سنن ابن ماجه/ حديث (١٨٨٢).\n(^٢) سنن الدارقطني ٣/ ٢٢٧ حديث (٢٥).\n(^٣) نصب الراية ٣/ ١٨٨.\n(^٤) ينظر نصب الراية ٣/ ١٨٨، ومن طريق ابن خزيمة أخرجه البيهقي في سننه الكبرى ٧/ ١١٠.\n(^٥) ينظر الإحسان برقم (٨٨٠).\n(^٦) ينظر الكامل ٢/ ٥٩٤ والميزان ١/ ت (١٥٥٥) والكاشف ١/ ت (٨١٢). والتهذيب ٢/ ت (١٧٩).\n(^٧) ينظر الميزان ٤/ ت (٨١٥٥) والكاشف ٢/ ت (٥١٤٤) مع حاشية التحقيق، وديوان الضعفاء/ ت (٣٩٧٠) والتهذيب ٩/ ت (٧١٧) والتقريب ت/ (٦٢٨٢).","vol":"5","page":1912},{"text":"وباقي رجال الإسناد ثقات، وعليه يكون إسناد ابن ماجه حسن، لحال كل من جميل وشيخه (^١).\nوبهذا يرد تضعيف كل من ابن الجوزي وابن الملقن - رحمهما الله - لهذا الإسناد، ويترجح حكم العراقي بالتحسين، ويؤيده تصحيح كل من ابن خزيمة، وابن حبان، كما قدمت، وكذا ترجيح البيهقي والزركشي (^٢).\nوذكر العراقي حديث «أصحابي كالنجوم …» وعزاه إلى كل من الدارقطني وابن عبد البر من حديث جابر، وذكر تضعيف ابن عبد البر له، وعزاه إلى عبد بن حميد في مسنده، وابن عدى من حديث ابن عمر، وضعفه، وعزاه إلى البزار من رواية عبد الرحيم بن زيد العمي عن أبيه عن ابن المسيب عن ابن عمر، وذكر قول البزار: إنه منكر، لا يصح، وقول ابن حزم: إنه مكذوب، موضوع، باطل، ثم أتبع هذا كله بقول البيهقي: ويؤدي بعض معناه: حديث أبي موسى: النجوم أمنة لأهل السماء، وفيه «وأصحابي أمنة لأمتي» الحديث، رواه مسلم (^٣).\nومعنى هذا أن العراقي وإن أقر إعلال طرق الحديث التي أوردها من عند غير الإمام مسلم، فإنه لا يقر حكم البزار المطلق بأن الحديث منكر لا يصح، ولا حكم ابن حزم أيضًا بأنه باطل وموضوع، ولكن يتعقبهما بما ذكره البيهقي من وجود شاهد صحيح لبعض معنى الحديث، رواه الإمام مسلم، كما تقدم.\nوقد توقف غير البيهقي والعراقي في هذا.\n_________\n(^١) ينظر المعتبر/ حديث (٩٥).\n(^٢) ينظر سنن البيهقي ٧/ ١١٠ والمعتبر/ حديث (٩٥) والإرواء ٦/ حديث (١٨٤١).\n(^٣) تخريج أحاديث المنهاج/ حديث (٥٥) وصحيح مسلم/ برقم (٢٥٣١).","vol":"5","page":1913},{"text":"فالزركشي بعد ذكر قول البيهقي السابق عقب عليه بقوله: ولا يخلو عن نظر (^١).\nأما الحافظ ابن حجر فقال: صدق البيهقي هو - يعنى حديث مسلم السابق - يؤدى صحة التشبيه للصحابة بالنجوم خاصة، أما في الاقتداء، فلا يظهر في حديث أبي موسى، نعم يمكن أن يتلمح ذلك من معنى الاهتداء بالنجوم (^٢).\nأقول: ويتلمح أيضا من معنى (الأمنة) في قوله: ﴿أصحابي أمنة لأمتي﴾ (^٣) كما يلاحظ من كلام الحافظ ﵀ عدم الجزم بنفي شهادة حديث أبي موسى هذا لبعض معنى الحديث المطلوب، وبذلك يبقى لقول البيهقي الذي أقره العراقي محمله.\nوقد ذكر الزركشي وجها آخر لتقوية الحديث بلفظه المطلوب، وهو تعدد طرقه عمن تقدم ذكر العراقي لهم من الصحابة.\nفذكر أنه يتقوى بعضها ببعض، كما ذكر أنه يتقوى كذلك باعتماد الامام أحمد عليه في فضائل الصحابة له (^٤).\nأقول: وله أيضا شاهدان من حديث أنس وسمرة بن جندب يصلحان لتقويته (^٥).\n_________\n(^١) ينظر المعتبر للزركشي/ حديث (٣٢) ص ٨٤.\n(^٢) ينظر التلخيص الحبير ٤/ ١٩١ حديث (٢٠٩٨).\n(^٣) ينظر النهاية لابن الأثير مادة (أمن) ١/ ٧٠ - ٧١.\n(^٤) ينظر المعتبر للزركشي حديث (٣٢) مع تعليق المحقق عليه وفضائل الصحابة لأحمد ١/ ٥٨.\n(^٥) ينظر المقاصد الحسنة/ حديث (٩٩٦) مثل أصحابي في أمتي كالملح في الطعام ولا يصلح الطعام إلا بالملح، ومسند أبي يعلى حديث (٢٧٦٢) ومختصر زوائد البزار لابن حجر ٢/ حديث (٢٠٢٢) وشرح السنة للبغوى ١٤/ ٧٣.","vol":"5","page":1914},{"text":"وذكر العراقي أيضا حديثا بلفظ: «وإن أصاب فله عشرة أجور» يعنى المجتهد في حكم شرعي وعزاه إلى أحمد والحاكم، وذكر أن الحاكم قال: هذا حديث صحيح الإسناد، ثم قال: وتعقبه الذهبي بتضعيفه بالفرج بن فضالة (^١).\nوبالمراجعة، نجد أن الحديث قد أخرجه الإمام أحمد في المسند، والحاكم في المستدرك وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه بهذه السياقة (^٢). وفي سندهما «فرج بن فضالة»، ونجد الذهبي تعقب تصحيح الحاكم فقال: قلت: فرج ضعفوه (^٣).\nو«فرج» هو ابن فضالة بن النعمان التنوخي، مختلف فيه، جرحًا، وتعديلا، ولكن الأكثرين على تضعيفه، مع إشارة بعضهم إلى ضعفه من جهة ضبطه، فيحمل توثيق من وثقه على عدالته دينا وصلاحا (^٤).\nويعتبر العراقي بذكره تعقب الذهبي هذا، قد خالف الحاكم، ورد عليه تصحيحه لهذا الحديث، وهكذا ضعفه تلميذ العراقي الحافظ ابن حجر (^٥).\nفي حين نجد كلا من الزركشي وابن الملقن في تخريجهما لأحاديث المنهاج يذكران تصحيح الحاكم للحديث، دون تعقبه بشيء (^٦) مع وجود ما يقتضى\n_________\n(^١) ينظر تخريج المنهاج/ حديث (٨٩).\n(^٢) ينظر المسند لأحمد ٤/ ٢٠٥ والمستدرك ٤/ ٨٨.\n(^٣) مختصر المستدرك للذهبي مع المستدرك ٤/ ٨٨.\n(^٤) ينظر الميزان ٣/ ت (٦٦٩٦) والتهذيب ٨/ ت (٤٨٥) والكاشف ٢/ ت (٤٤٤٦) والتقريب/ ت (٥٣٨٣).\n(^٥) ينظر التلخيص الحبير ٤/ ١٨٠ وفتح البارى ١٣/ ٣١٩.\n(^٦) ينظر المعتبر للزركشي/ حديث (٣١٤) وتذكرة المحتاج لابن الملقن حديث (٨٧).","vol":"5","page":1915},{"text":"التضعيف في سند الحديث، وهو فرج بن فضالة كما قدمت.\n\n<span data-type='title' id=toc-565>ثامنا: أهم مميزات الكتاب:</span>\nمما قدمت من عناصر الدراسة والتحليل والمقارنة لجهود العراقي في هذا الكتاب، يتضح لنا أنه تميز ببعض الجوانب على تخريج غيره من معاصريه وغيرهم لأحاديث وآثار الكتاب.\nوأهم تلك المميزات ما يلى: -\n١ - أنه تعرض لتخريج حديث «اختلاف أمتي رحمة» فعزاه إلى البيهقي في المدخل من حديث ابن عباس بلفظ «أصحابي» يعنى بدل لفظ «أمتى» ثم قال: ورواه آدم بن أبي إياس، في كتاب «العلم والحلم» بلفظ «اختلاف أصحابي لأمتى رحمة» وقال: وهو مرسل ضعيف، ثم قال: وذكره البيهقي في رسالته الأشعرية، بهذا اللفظ، بغير إسناد (^١).\nوالرواية المذكورة بمعنى اللفظ المطلوب، باعتبار أن اختلاف أصحابه ﷺ في حكم اختلاف الأمة (^٢).\nوقد تعرض لتخريج الحديث نفسه، قرين العراقي ابن الملقن، فقال: هذا الحديث لم أر من خرجه مرفوعا، بعد البحث الشديد عنه، وإنما نقله ابن الأثير في مقدمة جامعة من قول مالك، وفى المدخل للبيهقي عن القاسم ابن محمد أنه قال: اختلاف أمة محمد رحمة، ثم قال: ورأيت بخط بعضهم أن الحليمي قال: قوله ﵇: «اختلاف أمتي رحمة» أى.\n_________\n(^١) ينظر تخريج أحاديث المنهاج رقم (٦٠) والمدخل إلى السنن الكبرى حديث (١٥٢).\n(^٢) ينظر فيض القدير للمناوى ١/ ٢١٢.","vol":"5","page":1916},{"text":"في الحرف والصنائع (^١).\nفتلاحظ من مقارنة التخريجين، أنهما اتفقا على عدم وجود رواية مرفوعة للحديث المطلوب بلفظه، ثم تميز تخريج العراقى بذكر رواية بمعناه، مع بيان درجتها بأنها مرسلة ضعيفة، وقد زاد الوصف بالإرسال على ما ذكره في بيان درجة هذا الحديث نفسه في كتابه «المغنى عن حمل الأسفار»، السابق دراسته (^٢).\nفأشار العراقي بذلك إلى أن الحديث ضعيف، من جهة انقطاع سنده بالإرسال، ومن جهة أحد رواته بالضعف.\nوعند المراجعة نجد أن الأمرين موجودان فعلا في الإسناد المذكور، فقد أخرجه البيهقي في المدخل إلى السنن الكبرى وكذلك الخطيب البغدادي في الكفاية كلاهما من طريق سليمان بن أبي كريمة عن جويبر عن الضحاك عن ابن عباس، مرفوعا (^٣).\nوفي هذا الإسناد رواية «الضحاك» وهو ابن مزاحم الهلالي، صاحب التفسير، والراجح أنه لم يلق ابن عباس، فروايته عنه مرسلة، بمعنى أنها منقطعة (^٤) وقال الحافظ ابن حجر في خلاصة حال الضحاك: صدوق كثير الإرسال (^٥)، وسليمان بن أبي كريمة ضعفه أبو حاتم، وأشار ابن عدى إلى أن\n_________\n(^١) ينظر تذكرة المحتاج لابن الملقن حديث (٦٢)، وقد رد السبكي على القول بأن المراد الاختلاف في الصنائع والحرف/ ينظر فيض القدير للمناوى ١/¬٢١٢.\n(^٢) وينظر المغنى مع الاحياء ١/¬٣٤ حديث (١).\n(^٣) ينظر المدخل/ حديث (١٥٢) والكفاية للخطيب/ باب تعديل الله ورسوله للصحابة/ ٤٨.\n(^٤) ينظر جامع التحصيل للعلائي/ ١٩٩ - ٢٠٠.\n(^٥) ينظر التقريب/ (٢٩٧٨).","vol":"5","page":1917},{"text":"ضعفه من جهة ضبطه (^١).\nوجويبر بن سعيد الأزدى، راوى التفسير، لم أجد من اتهمه بالكذب (^٢). ولخص ابن حجر حاله بأنه ضعيف جدا (^٣). فالحديث بهذا الإسناد ضعيف جدا.\nولكن هذا أولى مما قاله ابن السبكي: إن الحديث بلفظ «اختلاف أمتى رحمة» لا أصل له (^٤).\nومن قول والده تقى الدين السبكي - شيخ العراقي -: إنه لم يقف للحديث على سند صحيح ولا ضعيف ولا موضوع (^٥)، يعنى بلفظ «اختلاف أمتى رحمة»، لأن الحديث الذي ذكره العراقى بمعنى هذا اللفظ، كما تقدم.\n٢ - تميز تخريج العراقى أيضا أنه ذكر بدل الآيات القرآنية، حديث «خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة»، مخرجا بالعزو إلى الشيخين من حديث أبي هريرة، وحديث عبد الله بن قرط: «إن أعظم الأيام عند الله يوم النحر …» (الحديث) وعزاه إلى أبي داود والنسائي، وإلى ابن حبان بنحوه (^٦) وذلك مقابل إشارة مؤلف المنهاج إلى تفضيل الشارع لبعض الأزمنة.\nفى حين ذكر قرينه ابن الملقن مقابل ذلك دليلين من القرآن الكريم (^٧) وهو وإن\n_________\n(^١) الميزان ٢/ ت (٣٥٠٢).\n(^٢) ينظر المجروحين لابن حبان ١/ ٢١٧ والتهذيب ٢/ ت (٢٠٠).\n(^٣) التقريب/ (٩٨٧) وينظر الكاشف ١/ ت (٨٢٦).\n(^٤) إتحاف السادة المتقين للزبيدى ١/ ٢٠٤ - ٢٠٥.\n(^٥) المصدر السابق.\n(^٦) ينظر تخريج أحاديث المنهاج/ برقم (٦٢).\n(^٧) ينظر تذكرة المحتاج/ حديث (٦٣).","vol":"5","page":1918},{"text":"كان مقدما على السنة في الاستدلال، إلا أن موضوع التخريج هو ذكر الأحاديث التي تتعلق بمضامين الكتاب، ولو كان هناك ما هو بمعناها في القرآن الكريم.\nأما الشيخ الغماري ﵀ فلم يذكر في مقابل تفضيل الشارع للأزمنة شيئا، لا من القرآن ولا من الحديث (^١).\n٣ - ذكر صاحب المنهاج من أمثلة ما نهى الشارع عنه: بيع الحصاة، والملاقيح، والربا (^٢).\nفذكر ابن الملقن حديثا في النهى عن بيع الحصاة، وأحاديث في النهي عن بيع الملاقيح، ولم يذكر شيئا في النهى عن الربا (^٣) وذكر الغماري الأحاديث المشتملة على النهى عن الملاقيح فقط، ولم يذكر شيئا في النهي عن بيع الحصاة ولا فى النهى عن الربا (^٤) أما العراقي فذكر الأحاديث المشتملة على النهى عن بيع الحصاة، وبيع الملاقيح، والنهي عن الربا (^٥)، فجاء تخريجه في هذا الموضع أكمل من تخريج رفيقه ابن الملقن، ومن بعده الغماري.\n٤ - يعتبر ما قدمته أيضا في مبحث اختلاف العراقي مع غيره في درجات الأحاديث، من مميزات هذا التخريج.\n_________\n(^١) ينظر الابتهاج بتخريج أحاديث المنهاج لعبد الله بن الصديق، مع المنهاج/ ص ٢٢١.\n(^٢) ينظر المنهاج مع الابتهاج ص ٧٤ - ٧٥.\n(^٣) ينظر تذكرة المحتاج/ حديث ١١، ١٢.\n(^٤) ينظر الابتهاج حديث (١٤) مع المنهاج.\n(^٥) ينظر تخريج العراقي/ أحاديث ١١، ١٢، ١٣.","vol":"5","page":1919},{"text":"<span data-type='title' id=toc-566>تاسعا: من المآخذ على الكتاب:</span>\nرغم جهود العراقي الحديثية في هذا الكتاب، وما ذكرته له من مميزات، فإنه لم يخل من المآخذ، كما هو شأن كل جهد بشرى، وبهذا يتوازن تقويم الكتاب، وبيان أثره الحديثي.\nوأهم تلك المآخذ، ما يلى: -\n١ - لقد شرط العراقى فى مقدمة الكتاب أن يبين درجة الأحاديث التي يخرجها، من الصحة والضعف، مع الاختصار فى ذلك، كما سبق توضيحه، وقد وفي العراقي بشرطه هذا في أكثر الكتاب، ولكن هناك أحاديث وآثار قليلة بالنسبة لمجموع أحاديث الكتاب وآثاره، وقد خرجها بالعزو إلى بعض مصادرها، ولكن لم يتكلم على درجة كل منها بشيء.\nوأكثر ما وقع ذلك في المبحث الذي خصصه في آخر الكتاب لتخريج ما في المنهاج من الآثار غير المرفوعة إلى النبي ﷺ.\nوقد بلغ مجموع الأحاديث التي لم يبين العراقى درجتها خلال الكتاب كله، خمسة أحاديث (^١) ومنها حديث عزاه إلى الترمذى، وقد قال الترمذى إنه حسن صحيح، فلم يذكر العراقي حكم الترمذى هذا، ولا غيره (^٢) مع اعتنائه خلال باقى الكتاب وغيره من كتبه بذكر أحكام الترمذي وغيره، مع الاقرار\n_________\n(^١) ينظر حديث (١٥) (الأئمة من قريش)، وحديث (٢٥) قولي لامرأة واحدة، و(قولى لمائة امرأة)، حديث (٢٨) (دباغها طهورها)، حديث (٣٢) إنه ﷾ أنزل ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، حديث (٥٨) حديث أبي موسى في القياس، حديث (٨٢) (لا تقض في شيء واحد بحكمين مختلفين).\n(^٢) ينظر حديث (٢٥) مع جامع الترمذي ٣/ حديث رقم (١٥٩٧).","vol":"5","page":1920},{"text":"أو التعقب، كما قدمت، وقد ذكر حكم الترمذى على هذا الحديث كل من الزركشي (^١) وابن الملقن (^٢) والغماري (^٣) ومنها حديث بين العراقي بنفسه درجته في تخريج (الإحياء) السابق دراسته (^٤).\nوهناك أربعة مواضع ذكر العراقي في تخريج الحديث أكثر من رواية، وبين درجة بعض الروايات، وبعض الروايات لم يذكر درجتها (^٥) فلعله اكتفى بما بين درجته، من باب الاختصار الذي جعله من منهجه في هذا الكتاب.\nوأما الآثار التي لم يبين درجتها فبلغ عددها تسعة آثار (^٦).\n٢ - قال العراقي: إن حديث «ما اجتمع الحلال والحرام إلا وغلب الحرام، على الحلال» لم يجد له أصلا، وتقدم بيان أن له أصلا ضعيفًا، موقوفا على ابن مسعود، وشاهدًا صحيحًا بمعناه.\nوذكر أثر أبي بكر ﵁ في الكلالة، إنها ماعدا الوالد والولد، وقال: إنه لم يجده (^٧) وهو موجود في عدة مصادر أصلية، ومعروفة، ومن مصادر العراقي في هذا الكتاب وغيره (^٨).\n_________\n(^١) المعتبر حديث (١٢٣).\n(^٢) تذكرة المحتاج حديث (٢٤).\n(^٣) الابتهاج حديث (٣٠).\n(^٤) ينظر تخريج أحاديث المنهاج حديث (١٥) والمغنى مع الإحياء ٤/ ١٠٢ (٢).\n(^٥) ينظر أحاديث (٢٠)، (٣٣)، (٤٦)، (٦٤).\n(^٦) ينظر أثر (٢)، (٤)، (٧)، (١٠) ومن الآثار في ذم القياس، الأثر رقم (١)، (٢)، (٣)، (٥)، (٨).\n(^٧) ينظر تخريج أحاديث المنهاج - الآثار - برقم (٣).\n(^٨) ينظر سنن الدارمي ٢/ ٣٦٥، ٣٦٦، والبيهقى ٦/ ٢٢٣ - ٢٢٤، ومصنف =","vol":"5","page":1921},{"text":"وهناك أثران أوردهما العراقي، ولم يتعرض لتخريجهما، مع وجود ما هو بمعناهما (^١).\n٣ - هناك أكثر من عشرين موضعا في كتاب «منهاج الوصول»، أشير في معظمها إلى أحاديث مرفوعة، ولكن لم يتعرض العراقي لذكرها كما ذكر الأثرين السابقين، وبالتالي لم يتعرض لتخريج شيء منها، في حين ذكر ابن الملقن بعضها وخرجه، وذكر أكثرها الشيخ عبد الله الغماري، وخرجها (^٢).\nتعقيب: ولعل مرجع تلك المآخذ ما ذكره تلميذ العراقي وخريجه «سبط ابن العجمي»، حيث قال: وقد أخبرني أنه عمل تخريج أحاديث البيضاوي، بين الظهر والعصر (^٣) فهذا الوقت لا يتسع لأكثر من كتابة ما أورده العراقي في هذا.\n_________\n= عبد الرزاق ١٠/ ٣٠٤ وابن أبي شيبة ١١/ ٤١٥\n(^١) ينظر التخريج أثر رقم (٨) عن عبد الله بن عباس: أنه قاس الحد على ابن الابن في حجبه للأخوة - وقد أخرج البخاري تعليقا مجزوما عن ابن عباس، بمعناه - الفرائض - باب ٩ في ترجمة الباب -١٢/¬١٨ مع الفتح، ووصله سعيد بن منصور في سننه، بنحوه ١/ حديث (٤٦). وأثر رقم (٩): أن أبا بكر نصب زيد بن ثابت، مع أنه كان يخالفه،، وقد ذكر الزركشي أن المعروف في ذلك تنصيب أبي بكر لزيد في جمع القرآن/ المعتبر/ ٢٤٥ - ٢٤٦. وهذا قد أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب فضائل القرآن - حديث (٤٩٨٦) وذكر الطبرى في تاريخه ٣/ ٤٢٦ بدون إسناد، وكذا خليفة بن خياط في تاريخه أيضا/ ١٢٣: أنه يقال: إن زيد بن ثابت كتب لأبي بكر.\n(^٢) ينظر تذكرة المحتاج لابن الملقن/ حديث (٢٥) أثر مخالفة أبى هريرة لما رواه في غسل الإناء سبعا من ولوغ الكلب، وحديث (٤٥) والمنهاج مع الابتهاج/ ١٥٧، ١٦١، وحديث (٤٩)، (٧٨) الأحاديث التي بنحو حديث: لو سمعت ما قتلت. وينظر الابتهاج مع المنهاج، أحاديث/ ١٢، ١٣، ١٥، ١٦، ٢٣، ٤٠، ٤١، ٤٢، ٤٣، ٤٤، ٤٩، ٥٤، ٥٥، ٥٧، ٥٨: ٥٩، ٦٠، ٦١، ٧١، ٧٢، ١٠٤، ١٠٥.\n(^٣) ينظر الضوء اللامع للسخاوى ٤/ ١٧٥","vol":"5","page":1922},{"text":"الكتاب، اعتمادًا على ذاكرته التي عُرف بقوة حفظها، وسعة استيعابها، مع بعض المراجعات اليسيرة لما يتسع الوقت المذكور لمراجعته من المصادر المتعددة التي عزا إليها.\nكما أن هذه المآخذ لا تطغى على ما اشتمل عليه الكتاب - رغم صغر حجمه - من الفوائد والمميزات السابق ذكرها.\nولم تحجب هذه المآخذ أيضًا آثاره الحديثية فيما بعده، كما سأشير إلى بعضها في المبحث التالي.\n\n<span data-type='title' id=toc-567>عاشرًا: أثر الكتاب فيما بعده:</span>\nما إن فرغ العراقي من تأليف كتابه هذا، حتى بدأ يؤتي ثماره، ويحقق آثاره فيما بعده من حفاظ السنة، والمؤلفات فيها.\nفإن إحدى نسخه الخطية الموثقة، وهى نسخة مكتبة «داماد ابراهيم باشا السابق ذكرها»، قد جاء في آخرها طبقة سماع للكتاب مؤرخة في يوم الجمعة العشرين من جمادى الآخرة سنة ٨٦٧ هـ، يقول كاتبها: «الحمد لله رب العالمين، وبعد فقد قرأ على جميع هذا المؤلف، الشيخ الفاضل العالم البارع الأوحد: ناصر الدين، نصر الله بن عماد الدين إسماعيل الإربلي الشافعي، نفع الله به، يقراءتي له على شيخنا الإمام العلامة الحافظ، برهان الدين، ابراهيم بن محمد بن خليل، سبط ابن العجمي الحلبي ﵀، بقراءته له على مخرجه، الحافظ زين العراقي - رحمه الله تعالى - فسمعه ولد القارى، الشيخ زين الدين عمر …» وذكر جماعة من الشيوخ، ثم قال: وصح ذلك وثبت يوم الجمعة .. وذكر التاريخ السابق، ثم قال: وأجزت لهم ما يجوز لي، وعنى","vol":"5","page":1923},{"text":"روايته، قال ذلك وكتبه محمد بن ابراهيم بن محمد السلامي عفا الله عنه (^١). وأيضا نسخة الكتاب التي كانت محفوظة في مكتبة حلب - بسوريا، كما سبق، فقد جاء في وصفها أنها منقولة عن نسخة عن نسخة سبط ابن العجمي الذي نقلها عن نسخة شيخه المصنف، وتقدم أيضا أن نسخة الكتاب الخطية المحفوظة في إحدى مكتبات الهند، قد نقلت من نسخة كتبت في حياة المؤلف.\nفيستفاد من مجموع ذلك أن العراقي بعدما أنجز كتابه هذا قام بمدارسته مع طلابه، وهم بدورهم فعلوا ذلك مع طلابهم، كما يستفاد أن العراقي أذن لطلابه بتداول الكتاب للاستفادة منه والإفادة لغيرهم رواية ودراية.\nوبذل لبعضهم نسخته الخاصة لينقلوا منها لأنفسهم نسخا، ويتداولونها، وهم بدورهم فعلوا ذلك مع طلابهم.\nوهذا يدل على حصول الإقبال على الكتاب من طلاب السنة وعلومها، مع وجود مثيل له من تأليف قرين العراقي ابن الملقن، وبذلك حصل انتشار نسخ الكتاب الخطية في حواضر العالم الإسلامي، كما تقدم في التعريف بها، فوجد بعضها في مصر حيث أقام العراقى وأنجز الكتاب ودرسه، وبعضها في الشام حيث نقلها خريجه سبط ابن العجمي، حافظ حلب، والشام، وبعضها فى تركيا التي كانت دار الخلافة الإسلامية، وحاضرة ثقافته، وتراثه العلمي.\n_________\n(^١) ينظر أنموذج نسخة داماد ابراهيم الخطية في مقدمة تحقيق تخريج العراقي لفضيلة الشيخ محمد ابن ناصر العجمي ص ٢٦ وص ٢٢ - ٢٣.","vol":"5","page":1924},{"text":"وبعضها في بلاد المغرب العربي حيث ذكر الشيخ الكتاني ﵀ وجود نسخة من هذا الكتاب لديه، عليها خط أبي زرعة أحمد بن العراقي، وقد ألحقت مكتبة الشيخ بخزانة القرويين بفاس، كما قدمت. وبعضها في بلاد الهند، كما قدمت أيضا.\nوتقدم أن سبط ابن العجمي وجدت له تعليقات على نسخته من الكتاب، دلت على بحثه المضامينه، والتعليق عليه بما رآه متمما لفائدته.\nثم اتسعت دائرة انتشار الكتاب أكثر، وانتشار آثاره تبعا لذلك، وهذا من خلال طبعاته الثلاث السابق ذكرها.\nوكما انتشر الكتاب مخطوطا ومطبوعا، وتداوله حفاظ الحديث وطلابه، فقد انتشرت النقول عنه في المؤلفات الحديثية التي عاصرته أو جاءت بعده.\nوتلك النقول في غالبها مما ذكره الناقل للاعتماد عليه، وإقراره، وتارة يكون النقل بالعزو إلى الكتاب منسوبا إلى العراقي، وتارة بالعزو إلى العراقي فقط دون ذكر الكتاب، ولكنه يعرف بمقارنة المنقول بما في الموضع الموافق له في الكتاب، وتارة يكون النقل من الكتاب بدون واسطة، وتارة يكون بواسطة مصدر وسيط وإن لم يصرح به الناقل، ولكن يعرف ذلك بالقرائن، وأغلبه يكون ممن هو متأخر كثيرا عن عصر العراقي أو معاصر لنا.\nفمن أمثلة النقول المباشرة ما وجدته بحواشى نسخة دار الكتب المصرية المخطوطة من كتاب (تذكرة المحتاج لأحاديث المنهاج) لابن الملقن قرين العراقي، فقد وجدت بحواشيها تعليقات من أولها إلى آخرها عبارة عن نقول عن تخريج أحاديث المنهاج للعراقي، دون تصريح باسم الكتاب، ولكن تارة.","vol":"5","page":1925},{"text":"يقول: قال العراقي، وتارة يقول: عند العراقي كذا، وتارة يقول: عبارة العراقي كذا، وتارة ينقل ما ذكره العراقي في تخريج الحديث وفي نهايته يذكر لفظة «عراقي» إشارة إلى أن الكلام المذكور منقول عن العراقي، وبمقارنة تلك النقول كلها وجدتها في كتاب العراقي هذا. ويعتبر المنقول بحواشي تلك النسخة أكثر ما وجدته من النقول عن هذا الكتاب.\nونقل عنه شهاب الدين أحمد بن أبي بكر البوصيري المتوفى سنة ٨٤٠ هـ، وهو أحد كبار تلاميذ العراقي، وذلك في كتابه مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه، وختم ما نقله بقوله: قاله شيخنا العراقي ﵀ (^١) ونقل عنه الحافظ محمد بن عبد الرحمن السخاوى المتوفى سنة ٩٠٢ هـ (^٢).\nونقل عنه السيوطي المتوفى سنة ٩١١ هـ (^٣) والمناوي المتوفى سنة ١٠٣١ هـ وهو من أحفاد العراقي من جهة الأم (^٤).\nوممن يعتبر نقله بواسطة، سواء صرح بها أم لم يصرح: العجلوني صاحب\n_________\n(^١) ينظر مصباح الزجاجة - كتاب الفتن - باب السواد الأعظم ٣/ ٢٢٨. حديث (٣٩٥٠).\n(^٢) ينظر المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة حديث (٣٩) و(اختلاف أمتى رحمة) مع تخريج أحاديث المنهاج للعراقي (٦٠)، والمقاصد/ حديث (١٧٨) «أمرت أن أحكم بالظاهر» والأجوبة المرضية للسخاوى أيضا - بتحقيق الأخ الدكتور/ محمد إسحق الهندي حديث (٢١٩) مع تخريج العراقي (٧٨) والمقاصد (٤١٦) (حكمى على الواحد، حكمي على الجماعة) مع تخريج العراقي (٢٥) والمقاصد (٩٤١): «ما اجتمع الحلال والحرام إلا غلب الحلال» وصرح السخاوى باسم الكتاب في هذا الموضع، مع تخريج العراقي (٨٧).\n(^٣) ينظر الدرر المنتشرة له/ (٤٠١) بتحقيق د/ محمد الصباغ، مع تخريج العراقي (٨٧).\n(^٤) ينظر فيض القدير بشرح الجامع الصغير ١/ ٢١٢ مع تخريج العراقي (٦٠) حديث «اختلاف أمتى رحمة».","vol":"5","page":1926},{"text":"كشف الخفاء (^١) والملا على قارى (^٢).\nوالشيخ عبد الله بن الصديق الغماري (^٣).\n_________\n(^١) ينظر كشف الخفاء ومزيل الإلباس له أحاديث (١٥٣، ٥٨٥، ١١٦١) وصرح باسم الكتاب في هذا الموضع، ٢١٨٦ وصرح باسم الكتاب أيضا.\n(^٢) ينظر الأسرار المرفوعة له (١٧٨) مع تخريج العراقي (٢٥).\n(^٣) ينظر الابتهاج له مع المنهاج أحاديث/ ٨٧، ١٠٣، ١١٣.","vol":"5","page":1927},{"text":"<span data-type='title' id=toc-568>تأليف العراقي في تخريج بعض الأربعينات الحديثية وفي عواليها</span>\n<span data-type='title' id=toc-569>التعريف بالأربعينات الحديثية وعواليها</span>\nالأربعينات هي مؤلفات حديثية، صغيرة الحجم، حيث يشتمل كل منها على أربعين حديثا، أو أزيد قليلا، مع تنوع مقاصد ومناهج مؤلفيها، من حيث السند أو المتن أو كليهما (^١).\nوقد راجعت عددا من كتب الأربعينات، فوجدت اتفاق مؤلفيها على أن الدافع الذي حثهم على تأليف هذا النوع أمران:\nأولهما: الحديث المروي عن جماعة من الصحابة (^٢) في فضل وجزاء من حفظ للأمة المحمدية أربعين حديثا من أمر دينها، وسنة نبيها ﷺ، مع تقرير بعضهم أن الحديث وإن كان في طرقه مقال، فإنه يتقوى بعضها ببعض، وإن لم ترق إلى درجة الصحة، لكن يمكن الأخذ بها في موضوعها هذا، لأنه ليس فيه فرض (^٣).\n_________\n(^١) بلغ عددهم (١٥) صحابيا، ينظر الأربعين للآجرى/ ٦٥ - ٧١، والأربعين البلدانية لابن عساكر/ ٣٩ - ٤٣ والعلل المتناهية لابن الجوزى ١/ ١١١ - ١٢١ والأربعين للصدر البكرى/ ٢٤ - ٤٦ والأربعين المتباينة لابن حجر/ ٢٨٩ - ٢٩٧ - وقال البكرى: إن طرق الحديث عن أنس بن مالك وحده كثيرة، حتى إنه لو ذكرها جاءت كتابا مفردا/ الأربعين له/ ٤٥.\n(^٢) ينظر الأربعين للآجرى/ ٦٥ - ٧١ والأربعين البلدانية للسلفي ٢٨ - ٣٥ والأربعين البلدانية لابن عساكر/ ٣٢ - ٣٩ والأربعين للبكرى/ ٢٤ - ٢٨ وكشف الظنون ١/ ٥٢ - ٦١. والنكت للزركشي على ابن الصلاح/ ٤٩/ ب، وشرح السيوطى لألفيته في المصطلح/ ٢/ ١٥٢ والأربعين لصدر الدين البكرى ص ٢٨.\n(^٣) ينظر الأربعين البلدانية لابن عساكر/ ص ٤٣ والأربعين المتباينة لابن حجر/ ٢٩٨ - ٢٩٩.","vol":"5","page":1928},{"text":"وقرر كل من الرهاوي والسلفي ومن تابعهما: أن هذه التقوية تصل إلى الصحة المفيدة للعلم (^١).\nويرى الإمام النووي، والحافظ ابن حجر وغيرهما: أن مجموع طرق الحديث - على كثرتها - تتقوى ببعضها، لكن بحيث ترتقي بمجموعها من شدة الضعف التي في مرتبة المردود المنكر الذي لا يجوز العمل به بحال، إلى رتبة الضعيف الذي يجوز العمل به في فضائل الأعمال، وأضاف النووي: أن معنى الحديث مندرج أيضا تحت عموم ما صح من الأحاديث في أمره ﷺ بالتبليغ عنه، وبالنضرة لمن فعل ذلك (^٢).\nوذكر العراقي حديث الأربعين هذا، وعزاه إلى ابن عبد البر في جامع بيان العلم من حديث ابن عمر وأنس، وذكر تضعيف ابن عبد البر لروايته عنهما، ولم يتعقبه بشيء (^٣)، أما الزبيدي فذكر أن للحديث شاهدا قويا مع ضعفه، وهو من حديث أبي سعيد الخدري، وعزاه إلى ابن النجار في تاريخه، وقرر إجمالا: أن الحديث بمجموع طرقه عن هؤلاء الثلاثة من الصحابة، وغيرهم، كما قدمت، يكون حسنا أو صحيحا (^٤).\nالأمر الثاني: الذي حث المؤلفين للأربعينات هو تأسي اللاحق منهم، بمن\n_________\n(^١) ينظر الأربعين البلدانية للسلفي/ ٢٨ - ٣١ و٣٣ - ٣٤/ تحقيق/ عبد الله رابح والنكت للزركشي على ابن الصلاح/ ٤٩/ ب، وشرح السيوطي لألفيته في المصطلح/ ١٥٢/ أ والأربعين لصدر الدين البكري ص ٢٨.\n(^٢) ينظر الأربعين النووية مع شرحها، كلاهما للنووي/ ٣ - ٤. والأربعين المتباينة لابن حجر/ ٢٩٨ - ٢٩٩ والاتحاف للزبيدي ١/ ٧٧.\n(^٣) ينظر المغني مع الإحياء ١/¬٧.\n(^٤) الاتحاف ١/ ٦٤، ٧٤ - ٧٧.","vol":"5","page":1929},{"text":"سبقه إلى ذلك من سلف الأمة الصالح (^١). ومن العلماء من ألف بعض الأربعينات بنفسه، من مروياته عن شيوخه، ومنهم جمعها لغيره، مخرجة من مرويات هذا الغير بأسانيده عن شيوخه، وفي هذين النوعين، نجد من يراعى علو الإسناد، فيطلق عليها ما يفيد ذلك، كالسباعيات والثمانيات والتساعيات والعشاريات وسيأتي بيان ما للعراقي من تأليف في ذلك.\nومنهم من يراعى البلاد التي أخذ صاحب الأربعين الأحاديث فيها عن شيوخه، فتسمى الأربعين البلدانية، وللعراقي تأليف في ذلك أيضًا، كما سيأتي، ومن هذين النوعين أيضا ما يجمع فيه بين التخريج بالرواية بإسناد صاحب الأربعين، وبين التخريج بالعزو إلى بعض مصادر الحديث الأصلية، ولاسيما الصحيحين، والسنن الأربعة، ومنهم من يختار الأربعين حديثا من مصنفات الحديث الأصلية، مع حذف الأسانيد، ماعدا الصحابي، ثم يذكر تخريجها بالعزو الإجمالي إلى مصدر أو أكثر من المصادر الأصلية، مثلما فعل النووى في أربعينه المعروفة، كما سيأتى.\nومنهم من لا يذكر في أربعينه تخريجا، لا بالرواية بأسانيده، ولا بالعزو إلى شيء من المصادر، مثلما نجده في «الأربعين في اصطناع المعروف» للحافظ المنذري، ومن الأربعينات ما يذكر فيها درجة الأحاديث من الصحة وغيرها، ومنها ما لا يذكر فيه ذلك،\n_________\n(^١) ينظر الأربعين لأبي بكر الأجرى/ ٦٥ - ٧١، ٢٠٣ - ٢٠٤ والأربعين البلدانية للسلفي/ ٢٨ - ٣٧ بتحقيق/ عبد الله رابح، والأربعين البلدانية لابن عساكر ٣٧ - ٤٣/ بتحقيق مطيع الحافظ، والأربعين لصدر الدين البكرى/ ٢٤ - ٤٦، والأربعين النووية مع شرحها له/ ٣ - ٥ طبع شركة الطوبجي بالقاهرة.","vol":"5","page":1930},{"text":"كأربعين المنذري السابقة.\nومن العلماء من يرى بعض كتب الأربعين التي ألفها غيره، تحتاج إلى تخريج أحاديثها وبيان درجاتها من الصحة أو غيرها، أو شرحها، وبيان مشتملاتها من الحكم والآداب، فيتصدى لذلك.\nوقد أسهم العراقي في موضوع الأربعينات هذا بالتأليف، والتخريج، وذلك على النحو التالي:","vol":"5","page":1931},{"text":"<span data-type='title' id=toc-570>أولا: تخريج الأربعين حديثا العشارية الإسناد، للعراقي</span>\n<span data-type='title' id=toc-571>١ - نسبة الكتاب إلى العراقي:</span>\nذكر غير واحد ممن ترجم للعراقي، من تلاميذه، وغيرهم، أن من مؤلفاته كتاب الأربعين حديثا العشارية الإسناد، وأنه هو الذي خرجها لنفسه (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-572>٢ - تسمية الكتاب وتاريخ تأليفه:</span>\nذكر صاحب فهرس الفهارس أن لديه نسخة عتيقة مسموعة من هذا الكتاب في كراسين، وقال: عنوانها «كتاب الأربعين العشاريات الإسناد»، ونقل نحو نصف صفحة من مقدمة الكتاب (^٢). وهذا العنوان مأخوذ بالمعنى من قول العراقي في المقدمة: «فاستخرت الله تعالى في إملاء أربعين حديثا عشاريات الإسناد …» (^٣). فلا تعتبر هذه تسمية صريحة منه للكتاب، ولكنه بيان لموضوعه.\nوفي نسخة خطية أخرى للكتاب، سيأتي ذكرها، جاء عنوان الكتاب هكذا «الأربعين العشاريات السامية، مما وقع لشيخنا من الأخبار العالية» وهذه يمكن اعتبارها تسمية صريحة للكتاب، لكنها ليست من العراقي نفسه، وإنما\n_________\n(^١) المجمع المؤسس، للحافظ ابن حجر ٢/ ١٨٨، ٣/ ٢٢٧، وذيل تذكرة الحفاظ لابن فهد/ ٢٣٢ - ٢٣٣، والضوء اللامع للسخاوى ٤/ ١٧٣، ١٧٦، والجواهر والدرر له ١/ ٣٣٨ - ٣٣٩، ٣٧٨، ومقدمة عبد الرحيم بن عبد الكريم بن نصر الله الشيرازي لكتاب الأربعين العشارية/ ١٢٠ - ١٢١، وكشف الظنون ٢/ ١١٠٤ والرسالة المستطرفة للكتاني/ ١٠١، وفهرس الفهارس للشيخ عبد الحي الكتاني ٢/ ٨١٧، ٨٨٠، ٨٨١\n(^٢) فهرس الفهارس للكتاني ٢/ ٨٨٠\n(^٣) ينظر فهرس الفهارس ٢/ ٨٨٠ وكتاب الأربعين العشارية للعراقى بتحقيق الشيخ/ بدر البدر/","vol":"5","page":1932},{"text":"من أحد تلاميذه، لقوله فيها: «لشيخنا» كما نرى.\nوسيأتي ذكر تلميذه هذا، وذكر كلامه الذى يشير إلى هذا العنوان. أما تاريخ تأليف الكتاب، فقد ذكر ابن فهد: أن هذه الأربعين كانت أول أمالي العراقي الحديثية، وأنه أملاها بالمدينة الشريفة، بين قبره ﷺ ومنبره (^١)، ولكن لم يحدد تاريخ الشروع أو الانتهاء من إملائها.\nوقد حدده تلميذ للعراقي كان من أوائل من طلب منه هذا الإملاء، وحضره، وهو عبد الرحيم بن عبد الكريم بن نصر الله القرشى الجرهي الشيرازي المتوفى سنة ٨٢٨ هـ، وكان من أهل شيراز، من بلاد إيران الحالية، وبلاد فارس قديما (^٢).\nوقد ذكر أنه وفد على المدينة النبوية ولقى الحافظ العراقي، فوجده أوحد دهره علما وفضلا، ونعم بسماع الحديث المسلسل بالأولية منه، في يوم الأربعاء ١٧ صفر سنة ٧٩٠ هـ، ثم لازمه للسماع منه والقراءة عليه من مؤلفاته المفيدة صباحا ومساءا، عدة أشهر، وفي خلالها طلب بنفسه من شيخه العراقي أن يملى عليه هو ومن يحضر من طلبة العلم معه بعض ما اتصل بالعراقي من الأسانيد العشارية السامية، ويحدثهم بما وقعت له من الأخبار العالية، ثم قال تلميذ العراقى هذا: فأجابنا ﵁ وعن مُخَلِّفيه - لما رأى ذلك متعينا عليه، وعلم أنه قربة من الله فانتدب إليه، ورسم أن يملى أربعين حديثا … . وكان ابتداء الإملاء المبارك، يوم السبت، من رجب الفرد سنة ٧٩٠ هـ، بالروضة الشريفة …، ثم رأى - فسح الله في مدته - أن يفتتح.\n_________\n(^١) ذيل تذكرة الحفاظ/ ٢٣٢.\n(^٢) الضوء اللامع ٤/ ١٨٠ - ١٨٢ ومعجم البلدان ٢/ ١٣١ «جره».","vol":"5","page":1933},{"text":"هذا الجزء أيضًا بالحديث المذكور - أعنى المسلسل بالأولية - عودًا على بدء، فأملاه علينا من لفظ الشريف، مبتدئا بسم الله ﵎، والثناء عليه، وذكر - يعنى العراقي - مقدمة، فقال: … (^١). وساق مقدمة الكتاب، ثم بقيته إلى آخره.\nومما ذكره هذا التلميذ الشيرازي يظهر لنا أن بين سماعه وحده الحديث المسلسل بالأولية من شيخه العراقى في ١٧ صفر سنة ٧٩٠ هـ، وبين شروعه في إملاء كتاب الأربعين العشارية، والمسلسل بالأولية، في رجب سنة ٧٩٠ هـ، توجد مدة أربعة أشهر وبعض شهر، وأنه خلال هذه المدة قام بجمع أحاديث الكتاب حسب الشرط المطلوب، فانتقاها من مروياته الكثيرة بحيث يكون في إسناد كل حديث بينه وبين الرسول ﷺ عشرة أشخاص، وعمل لذلك مقدمة، وكتب لذلك كله نسخة خطية وقعت في جزء حديثى، كما وصفه مشاهده تلميذ العراقي هذا، ثم شرع العراقى في إملاء مشتملات الكتاب تفصيلا ابتداء من التاريخ السابق ذكره، واستمر في إملاء بقيته في مجالس أسبوعية، بحيث يعقد في كل أسبوع مجلسًا واحدا، ويملى فيه حديثا أو حديثين من حفظه، كما أشار تلميذه هذا بقوله: «من لفظه» وكما هو معروف في طريقة الأمالي الحديثية، وسيأتي تفصيل أكثر عند بيان أمالي العراقي الحديثية عموما.\nويلاحظ أن هذا التلميذ الشيرازي ذكر تاريخ بداية العراقي في إملاء مشتملات الكتاب في يوم السبت من شهر رجب سنة ٧٩٠ هـ، ولم ييين\n_________\n(^١) ينظر مقدمة ابن نصر الله الشيرازي للأربعين العشارية/ ١١٩ - ١٢٢.","vol":"5","page":1934},{"text":"تاريخ فراغه من إملائه، حتى نعرف المدة الإجمالية التي استغرقها في إملائه كله، ولم أجد من ذكرها، لكن وجدت ما يفيد فراغ العراقي من إملاء الكتاب كله قبل ليلة الأحد الخامس من جمادي الأولى سنة ٧٩١ هـ، حيث إن هناك نسخة خطية للكتاب، غير نسخة الشيرازى هذه، وهي النسخة الحلبية الآتى ذكرها، وقد أثبت في حواشيها، وآخرها أنها قرئت على العراقي بواسطة رفيقه الهيثمى في ستة مجالس، سادسها - وهو الأخير - كان في ليلة الأحد الخامس من جمادي الأولى سنة ٧٩١ هـ بالمدينة الشريفة، ومقتضاه أن فراغ العراقي من إملائها على السامعين، كان قبل مجالس قراءتها عليه بواسطة الهيثمي في التاريخ المذكور.\nكما يلاحظ أن المجلس الأخير لقراءتها عليه كان يوم الأحد، في حين كان ميعاد الإملاء السابق كل يوم سبت، ويلاحظ أيضًا أن مجالس قراءة الكتاب على العراقى تعتبر قليلة العدد حيث بلغت ستة مجالس فقط، بينما مجالس الإملاء المتعارف عليها تكون مرة واحدة في الأسبوع، وبالتالي يكون العراقي قد استغرق في إملائه لهذا الكتاب فترة أطول من فترة قراءته عليه السابق ذكرها.\n\n<span data-type='title' id=toc-573>من نسخ الكتاب الخطية، وطبعه:</span>\nيوجد للكتاب عدة نسخ خطية مفرقة في أنحاء العالم، شرقا وغربا، وسأذكر بعضها، لكون الكتاب قد طبع الآن محققا، كما سيأتي.\n١ - نسخة بدار الكتب المصرية برقم (١٥٧٨) حديث دار الكتب، وعدد أوراقها (٢١) ورقة، وبها خرم بعد الورقتين الأوليين، مع اختلال ترتيب الورقة الثانية عن موضعها الأصلى، كما أن حواشى بعض الأوراق مقصوص عند تجليدها بواسطة من لا خبرة له بالمخطوطات، وبذلك ضاع بعض نصوص","vol":"5","page":1935},{"text":"الكتاب، وبعض الأوراق أصابها تلويث أيضا، وعدد سطور الصفحات مختلف بين ١٤، ١٥ سطرا.\n٢ - نسخة بالمكتبة الأحمدية بحلب، تحت رقم (٣٠٦) مجاميع وهي رقم (٥) في المجموعة، وعدد أوراقها (١٩) ورقة، وعنوانها هكذا «هذه أربعون حديثا عشارية الإسناد، ألفها ﵀، بالمدينة المنورة، وذلك في سنة إحدى وتسعين وسبعمائة، والله أعلم» فلم يذكر اسم المؤلف عليها كما ترى وجعل تاريخ قراءتها عليه هو تاريخ التأليف ولذلك جاء في فهرس المكتبة الأحمدية الذي أعده الشيخ راغب الطباخ ﵀ قوله: «أربعين حديثا عشارية الإسناد، تأليف الحافظ العراقي أو ابن حجر» وكتب عقب ذلك عبارة «تراجع».\nفلما وقفت على النسخة وقابلتها بنسخة دار الكتب المصرية السابق ذكرها، وجدت توافقهما في الجملة، وبذلك يرتفع تردد الشيخ الطباخ ﵀ في نسبة الكتاب للعراقي.\n٣ - نسخة بمكتبة جوته بألمانيا، ذكرها بروكلمان، وذكر أنها منسوبة في فهرس المكتبة خطأ للترمذى، وذكر رقمها هكذا (١/ ٦١٣) (^١). ويبدو أن هذه النسخة هي التي اعتمد عليها الشيخ الفاضل/ بدر البدر في تحقيق الكتاب كما سيأتي.\nوهي تقع في (٣٤) ورقة، وخطها نسخ جيد.\nوقد وصفها الشيخ بدر في مقدمة تحقيقه للكتاب، والذي أود التنويه عنه.\n_________\n(^١) ينظر تاريخ الأدب العربي لبروكلمان/ ملحق رقم ٢/ ٦٩ - ٧٠.","vol":"5","page":1936},{"text":"بشأنها أمران: -\nأحدهما: أني لاحظت استعمال الناسخ للفصل بين فقرات النص، علامة الفاصلة التي نستعملها حاليا في الإملاء الحديث للغرض نفسه، فيعتبر هذا أنموذجا لتأصيل استعمال بعض علامات الترقيم المعاصر.\nوثانيهما: أن تلك النسخة اشتملت في بدايتها على مقدمة للشيخ عبد الرحيم الشيرازي تلميذ العراقي، أوضح فيها بعض الأسباب التي دعت العراقي إلى تأليف الكتاب، وحدد تاريخ شروعه في إملائه، ومكان ذلك كما قدمت.\n٤ - نسخة الشيخ عبد الحي الكتاني، صاحب فهرس الفهارس، ﵀. وقد ذكرها في فهرسه، كما قدمت، ووصفها بأنها نسخة عتيقة مسموعة، يعنى عليها إثبات سماعها على مؤلفها العراقي (^١).\nومكتبة الشيخ الكتاني قد ألحقت بعد وفاته بالخزانة العامة بالرباط، ويرمز في فهرسها إلى محتويات تلك المكتبة برمز (ك) ولعل هذه النسخة هي التي ذكرها الشيخ محمد بن الحسين العراقي في مقدمة تحقيقه لكتاب شرح ألفية العراقي في المصطلح، حيث ذكر كتاب الأربعين هذا وقال: اطلعت على نسخة منه بالخزانة الكتانية (^٢).\nطبع الكتاب:\nحين أعددت هذا البحث قبل أكثر من عشرين سنة كان اعتمادى في دراسة هذا الكتاب هو ما أمكن اطلاعى عليه من نسخه الخطية السابقة، بعد نسخى\n_________\n(^١) ينظر فهرس الفهارس للكتانى ٢/ ٨١٧ - ٨٨١.\n(^٢) ينظر مقدمة تحقيق شرح التبصرة والتذكرة ١/¬١٨.","vol":"5","page":1937},{"text":"لها بيدى حيث كان التصوير الورقى للمخطوطات غير منتشر، ولكني الآن وجدت الكتاب مطبوعا بتحقيق الشيخ الفاضل: بدر بن عبد الله البدر، من الكويت، وهو محقق معروف الاعتناء بكتب السنة المطهرة، فجزاه الله خيرا، وقد نشر الكتاب بواسطة دار ابن حزم في بيروت سنة ١٤١٣ هـ مع كتاب الأربعين في الجهاد والمجاهدين، لعفيف الدين محمد بن عبد الرحمن المقرى، وكتاب العراقى هو الكتاب الثانى منهما، وعدد صفحاته (٢٥٦) صفحة بما فيها الفهارس، ومقدمة المحقق، وذلك من ص ١٠١ - ٢٥٦، وقد حقق الشيخ (بدر) كتاب الأربعين هذا بالاعتماد على نسخة واحدة هي النسخة الألمانية السابق ذكرها، وقام مشكورا بخدمة الكتاب على وجه لائق، فقدم له بمقدمة عرف فيها بالحافظ العراقي بإيجاز مناسب، وبين منهجه في الكتاب باختصار، وذكر أهم مصادر العراقي فيه، ووصف النسخة الخطية التي اعتمد عليها، كما علق على الكتاب بتخريج أحاديثه من مصادر العراقي وغيرها، مع التعريف بما اقتضاه الأمر من الرواة، وبيان درجات بعض أحاديث الكتاب، بعد ذكره بعض طرقها التي لم يذكرها العراقي، كما عمل عدة فهارس مفيدة تيسر الاستفادة بمشتملات الكتاب، وهناك بعض ملحوظات يسيرة ظهرت لى على نص الكتاب، مرجعها إلى كون النسخة التي اعتمد فضيلة المحقق عليها واحدة، وقد صوبت بعضها خلال الأمثلة الآتي ذكرها.\nولكني استفدت عموما من تلك الطبعة في تعديل بعض جوانب دراسة الكتاب الآتى ذكرها؛ كما أحلت على تلك الطبعة في خلال الدراسة، بجانب ما هو لدى من نسخ الكتاب الخطية في موضع الحاجة.","vol":"5","page":1938},{"text":"كما أني أعددت الكتاب على ضوء بقية نسخه التي لدى، لطبعة ثانية إن شاء الله.\n\n<span data-type='title' id=toc-574>أسباب تأليف الكتاب، وموضوعه:</span>\nذكر الشيرازي تلميذ العراقي في تقديمه لهذا الكتاب كما أسلفت، أنه خلال ملازمته لشيخه العراقي طلب منه أن يملي عليه، وعلى من يحضر معه بعض الأحاديث التي اتصل إسناده بها عاليا، ويحدثهم بها، فأجابه الشيخ بما تضمنه هذا الكتاب، وبذلك يكون طلب الشيرازي هذا هو السبب الأول لتأليف العراقي هذا الكتاب، والسبب الثاني هو التقرب إلى الله تعالى، وقد ذكر الشيرازي هذين السببين فقال: «فأجابنا ﵁، وعن مُخَلَّفيه - لما رأى ذلك متعينا عليه، وعلم أنه قربة من الله فانتدب إليه» (^١).\nثم قال الشيرازي: «وَرَسَم - أى العراقي - أن يملي أربعين حديثا مقتفيا طرق السلف الصالح، ونعمت المسالك، ومتكلا على دعائه عليه أفضل الصلوات والتسليمات، وأكمل البركات والتحيات، بالنضرة لم سمع مقالته فأداها كذلك» (^٢). فهذان سببان أيضا.\nوقد أشار العراقي في مقدمته للكتاب إلى بعض هذه الأسباب التي ذكرها تلميذه، وأضاف سببا آخر، وهو ابتداؤه إحياء سنة إملاء الحديث على طلابه، بعد أن كانت منقطعة قبل ذلك، كما سيأتى توضيحه عند ذكر أمالي العراقي الحديثية عموما (^٣).\n_________\n(^١) ينظر مقدمة الشيرازي للأربعين العشارية/ ١٢٠ - ١٢١.\n(^٢) ينظر مقدمة الشيرازي/ الموضع السابق.\n(^٣) وانظر مقدمة العراقي للأربعين العشارية/ ١٢٢ - ١٢٣.","vol":"5","page":1939},{"text":"وأما الموضوع الأساسى للكتاب، ومشتملاته العامة، فقد ذكر الشيرازى والعراقي أنه تضمن أربعين حديثا عشارية الإسناد، فيرويها العراقي بسنده المتصل عن شيوخه فمن فوقهم، حتى يصل إلى الرسول ﷺ ويكون عدد سلسلة إسناد كل حديث، عشرة أشخاص، أولهم شيخ العراقي، وآخرهم الصحابى الذى رفع الحديث إلى الرسول ﷺ.\nثم ألحق العراقي بالحديث رقم عشرين أثرًا موقوفا على عبد الملك بن مروان، في معنى الحديث المذكور، وساقه بسند عشاري أيضا، إلى عبد الملك بن مروان، كما أتبعه برواية بيت من الشعر، وحديث آخر معلق، كلاهما في معنى الحديث المذكور (^١).\nورأى العراقي أن يضيف إلى تلك الأربعين، على سبيل الفائدة، حديثا في بدايتها، وهو الحديث المسلسل بالأولية، وإن لم يكن عشاريا، ولكن يذكر العراقي أنه أول حديث سمعه من شيخه أبى الفتح الميدومي، وهكذا يذكر من فوق الميدومى، أن هذا أول حديث سمعه من شيخه حتى ينتهى تسلسل الأولية إلى سفيان بن عيينة (^٢)، وزاد العراقي أيضا في آخر العشاريات إسنادا تساعيًا للحديث الأربعين، وبعده حديثين تساعيين أيضا، بحيث نجد رجال الإسناد من شيخ العراقي حتى الرسول ﷺ عددهم تسعة أشخاص، وبنهاية الحديث الثاني منهما ينتهى الكتاب (^٣) أما مقدمة الكتاب فضمنها العراقي أهم أسباب تأليفه له كما قدمت، وأهمية علو الإسناد، ومجمل عناصر منهجه في\n_________\n(^١) ينظر الأربعين العشارية/ ١٨٠ - ١٨١\n(^٢) ينظر الأربعين العشارية/ ١٢٤ - ١٢٥\n(^٣) ينظر الأربعين العشارية/ ٢٢٧ - ٢٣٥.","vol":"5","page":1940},{"text":"الكتاب، كما سيأتي تفصيله.\nوأما متون أحاديث الكتاب فموضوعاتها متنوعة، فالحديث المسلسل بالأولية، موضوعه الرحمة، والحديث الأول من العشاريات موضوعة إحدى علامات الساعة، والثاني في حكم القصاص في القتل، وهكذا، بحيث يمكن القول: إن متون أحاديث الكتاب تشمل أزيد من أربعين موضوعا من عقائد أو عبادات أو معاملات أو أخلاق، لكن لم يتعرض العراقي لبيان ذلك، لأن الغرض الأصلى هو جمع وتخريج الروايات بأسانيد عالية، مع بيان نوع العلو في كل منها، ودرجة الإسناد من حيث الصحة أو غيرها، كما سيأتي.\n\n<span data-type='title' id=toc-575>منهج العراقي في الكتاب، عرضا، وتحليلا مقارنا، وتقويما.</span>\n<span data-type='title' id=toc-576>أولا: مصادر العراقي في الكتاب:</span>\nأ - المصادر المباشرة للعراقى فى هذا الكتاب، هم شيوخه الذين تلقى عنهم أحاديثه، وساق سنده بها عنهم، فيه، وقد بلغ عددهم ٢٨ شيخا، بحسب الطبعة الحالية للكتاب، وأكثر من روى عنه فى هذه الأربعين هو شيخه مسند وقته بمصر محمد بن محمد إبراهيم الميدومي المتوفى سنة ٧٥٤ هـ، سواء بمفرده، أو مع ذكر شيخ أو أكثر معه، عند تعدد طرق العراقي بالحديث، وقد ذكر الحافظ ابن حجر: إن الميدومي أعلا شيخ عند شيخه العراقي من المصريين، وقد أكثر عنه (^١) وأما باقى شيوخه الذين روى عنهم في الكتاب، فغالبهم من قدماء شيوخه ببلده مصر، وبغيرها من البلاد التي رحل إليها، وسمع بها المرويات في رحلاته الأولى، كما تقدم تفصيلها، ويستفاد من روايته عنهم\n_________\n(^١) ينظر الدرر الكامنة لابن حجر ٤/ ٢٧٤.","vol":"5","page":1941},{"text":"في هذا الكتاب أنهم أعلا شيوخه إسنادا، باعتبار أن تلك العشاريات هي أعلا أسانيد العراقي المقبولة، بل ذكر هو أن العشاريات هي أعلا ما يقع في حياته لغيره من الشيوخ المعاصرين له، كما سيأتي (^١).\nب - المصادر الوسيطة، ومن المعروف أن المرويات قد دونت قبل عصر العراقى في مصنفاتها المعروفة، من جوامع وسنن ومسانيد ومعاجم وأجزاء ونسخ، وأمالي، وغير ذلك، ولذا فإن مرويات العراقي عن شيوخه كانت عبارة عن تلك المدونات، فتلقاها كما هي عن شيوخه بالسماع وغيره، بالأسانيد التي تحمل شيوخه بها تلك المدونات عن شيوخهم فمن فوقهم حتى أصحاب تلك المدونات، كالبخاري ومسلم وغيرهما، بأسانيدهم التي في تلك المدونات.\nوبهذا صار للعراقى مصادر من تلك المدونات المتقدمة على شيوخه، وهي عبارة عن كتب الرواية الأصلية، كالكتب الستة (^٢) وبعض المسانيد (^٣) وبعض المصادر الأخرى التي تميز مؤلفوها بعلو الإسناد، وما في سنده نوع تفرد أو غرابة.\nفقد روى أحد عشر حديثا من طريق عبد الله بن ابراهيم بن أيوب بن ماسى البزار، وقد كان ثقة كثير الرواية، معمرا، حيث توفي سنة ٣٦٩ هـ عن خمس وتسعين سنة (^٤) ولذا كانت مروياته عالية الإسناد، ومنها جزء معروف\n_________\n(^١) وينظر الأربعين العشارية/ ١٢٣.\n(^٢) ينظر الأربعين العشارية/ ١٢٥، ١٣٥، ١٤٢، ١٤٥، ١٧٣، ٢١١، ٢٤٤.\n(^٣) ينظر الأربعين العشارية/ ١٢٨، ١٢٩.\n(^٤) ينظر السير ١٦/ ٢٥٢ والإكمال لابن ماكولا ٧/ ٩٧ والبداية والنهاية ١/ ٤٠١ بتحقيق معالي الدكتور/ عبد الله التركي.","vol":"5","page":1942},{"text":"بفوائد ابن ماسى (^١) وقد أخرج العراقي من هذا الجزء أكثر من ربع أحاديثه العشارية (^٢). وقد أشار الذهبى إلى علو إسناده بما يرويه من جزء الفوائد هذا (^٣).\nوأخرج العراقي في الأربعين من طريق الطبراني في معاجمه: الكبير، والأوسط، والصغير، ستة أحاديث (^٤) وقد عرف الطبراني بأنه كان في زمانه فردا في الروايات العالية الإسناد، كما ذكر الذهبي (^٥) كما عنى الطبراني أيضا ببيان أنواع التفرد فيما يرويه (^٦).\nوأخرج العراقي من طريق الحسن بن عرفة أربعة أحاديث (^٧).\nوقد توفى الحسن بن عرفة سنة ٢٥٧ هـ، وكان مُسند وقته، ثقة، وعُمر طويلا فبلغ عمره (١١٠) سنين، وذكر الذهبى أنه في سنة ٧٣٥ هـ وما قبلها، انتهى إلى ابن عرفة علو الإسناد (^٨) وله جزء حديثي معروف، وهو الذي تؤخذ منه العوالى، وتروى من طريقه (^٩) وقد أخرج العراقي من طريقه\n_________\n(^١) ينظر المجمع المؤسس لابن حجر ١/ ١٦٢، أصل وحاشية و٤٥١.\n(^٢) ينظر الأربعين العشارية/ الأحاديث ٢، ٤، ٦، ٧، ٨، ١٢، ١٤، ١٦، ٢٧، ٣٠، ٣٣، وقد خرج فضيلة المحقق جميعها بالعزو إلى جزء الفوائد هذا.\n(^٣) ينظر الميزان للذهبى ٢/ ترجمة (٣٤١٤)\n(^٤) ينظر الأربعين العشارية/ أحاديث ١٠، ١٧، ٢٢، ٢٤، ٢٦، ٤٠.\n(^٥) ينظر نقل السيوطى ذلك عنه في تاريخ الخلفاء له/ ١٧٦ بتحقيق د/ محمد أبو الفضل ابراهيم.\n(^٦) ينظر الأربعين العشارية/ حديث (٤٠).\n(^٧) ينظر الأربعين العشارية/ أحاديث ١، ٥، ١١، ١٣.\n(^٨) السير ١١/ ٥٤٧ - ٥٥١.\n(^٩) ينظر المجمع المؤسس لابن حجر ١/ ٢١١.","vol":"5","page":1943},{"text":"أربعة أحاديث، وُجِدَتْ في هذا الجزء (^١).\nوأخرج من طريق أبي طالب محمد بن ابراهيم بن غيلان البزار المتوفى سنة ٤٤٠ هـ، وقد خرج له الدارقطني من مسموعاته أحد عشر جزءا حديثيا عرف بالأجزاء الغيلانيات، أو «الفوائد الغيلانيات» قال الكتاني: هي من أعلا الحديث وأحسنه (^٢) وقد أخرج العراقي من طريقه ثلاثة أحاديث (^٣) ومن الأجزاء الحديثية المعروفة بعلو إسنادها: جزء حديث سفيان بن عيينة (^٤) وقد أخرج العراقي منه حديثين (^٥).\nوأخرج أيضا من طريق أبي نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني المتوفى سنة ٤٣٠ هـ وقد ذكر الذهبي أن أبا نعيم كان حافظا مبرزا عالى الإسناد، تفرد في الدنيا بشيء كثير من العوالى (^٦) وقد أخرج العراقي من طريقه ثلاثة أحاديث (^٧) وأخرج حديثين من طريق عبد الملك بن محمد بن عبد الله، المعروف بأبي القاسم بن بشران المتوفى سنة ٤٣٠ هـ، وكان كما ذكر الذهبي مسند العراق في زمانه (^٨) والحديثان موجودان في أماليه، مع تقريره علو سنده بهما (^٩).\n_________\n(^١) ينظر الأربعين العشارية/ أحاديث رقم ١، ٥، ١١، ١٣ مع تخريج المحقق.\n(^٢) الرسالة المستطرفة/ ٩٢ - ٩٣.\n(^٣) ينظر الأربعين العشارية/ ٧، ٩، ١٨ مع تخريج المحقق.\n(^٤) ينظر الجواهر والدرر للسخاوي ١/ ١٢٧.\n(^٥) ينظر الأربعين العشارية/ حديثى ٣٢، ٣٧ مع تخريج المحقق، وجزء حديث سفيان/ حديث ٤، ٤٥.\n(^٦) ينظر السير ١٧/ ٤٥٣ - ٤٦٤.\n(^٧) الأربعين العشارية/ ١٥، ٢٣، ٣٥.\n(^٨) السير ١٧/ ٤٥٠ - ٤٥٢.\n(^٩) ينظر الأربعين العشارية/ ٢٠، ٢١ مع الأمالي لابن بشران ٢/ حديث (٩٨٨، ١٢٧٧).","vol":"5","page":1944},{"text":"وأخرج العراقي أيضا ثلاثة أحاديث من طريق أبي الغنائم النرسي (^١) وهو المسند المعمر صاحب العوالي محمد بن علي بن ميمون المتوفى سنة ٥١٠ هـ وله مشيخة، وتسمى معجم شيوخ أيضا، وهو مظنة تلك الأحاديث (^٢) وأخرج حديثا واحدا من طريق أحمد بن علي بن المثنى، المعروف بأبي يعلى الموصلي صاحب المسند، ومعجم شيوخه، المتوفى سنة ٣٠٧ هـ، عن ٩٧ سنة، قال الذهبي: انتهى إليه علو الإسناد (^٣).\nوالحديث الذي رواه العراقي من طريقه موجود في معجم شيوخه (^٤) وقال الذهبي عن هذا الحديث من طريق أبي يعلى: هذا حديث عالي، تساعى لنا (^٥)\nوأخرج العراقي حديثا واحدا من طريق أبي أحمد محمد بن أحمد بن الغطريف، الغطريفي المتوفى سنة ٣٧٧ هـ (^٦) وله جزء حديثي يعرف بجزء الغطريف، وهو من مرويات العراقي، وقد حدث به (^٧).\nوأخرج حديثا واحدا من طريق أبي عمرو إسماعيل بن نجيد السلمي المتوفى سنة ٣٦٦ على الأكثر، وله جزء حديثي يعتبر مظنة هذا الحديث الذي أخرجه\n_________\n(^١) ينظر الأربعين العشارية/ ٣١، ٣٦، ٣٨.\n(^٢) ينظر سير النبلاء ١٩/ ٢٧٤ وما بعدها، والمجمع المؤسس ١/ ١٤٨ أصل وحاشية، ١٤٨ و٢، ١٣٩، ١٥٦/\n(^٣) السير ١٤/ ١٧٤ - ١٨٢.\n(^٤) ينظر الأربعين العشارية (٣٩) مع معجم شيوخ أبي يعلى/ حديث (٢٢٤) بتحقيق الأستاذ إرشاد الحق.\n(^٥) السير ١٤/ ١٨١.\n(^٦) السير ١٦/ ٣٥٤.\n(^٧) ينظر المجمع المؤسس ٢/ ٢١٢ والرسالة المستطرفة (٨٧ - ٨٨).","vol":"5","page":1945},{"text":"العراقي من طريقه (^١).\nكما أن العراقي اعتمد أيضا على مصادر علم الرجال لبيان أحوال الرواة: الذين يحتاج إلى بيان حالهم في الحكم على الحديث بالصحة أو الحسن أو الضعف، وتارة يصرح باسم الكتاب مع اسم مؤلفه كابن حبان في الثقات (^٢) أو في الضعفاء (^٣) والذهبى في الميزان (^٤) والوفيات (^٥) وابن دريد في الاشتقاق (^٦) وابن قتيبة في المعارف (^٧) والنووى في شرح مسلم (^٨).\nوقد يذكر اسم المؤلف فقط، دون تحديد كتابه، اعتمادا على خبرة القارئ، وهذا هو الكثير (^٩).\nومما تقدم نلاحظ أن العراقي قد اختار مصادره الأساسية في الكتاب، وهى مصادر الأحاديث العشارية الإسناد، اختيارا دقيقا، بحيث يتحقق بها الغرض المطلوب، وهو علو الإسناد، سواء كانت مصادر مشهورة مثل معاجم الطبراني الثلاثة، أو غير مشهورة مثل كتب الأمالي وبعض الأجزاء الحديثية السابق ذكرها.\n_________\n(^١) ينظر الأربعين العشارية حديث (١٩) والرسالة المستطرفة/ ٨٧ - ٨٨\n(^٢) ينظر الأربعين العشارية/ ١٢٨، ١٠٩، ١٧٩، ٢٠٦، ٢٢٥\n(^٣) ينظر الأربعين العشارية/ ١٧٣\n(^٤) الموضع السابق\n(^٥) ينظر الأربعين العشارية/ ١٧٥\n(^٦) ينظر الأربعين العشارية/ ١٧٤\n(^٧) ينظر الموضع السابق\n(^٨) ينظر الأربعين العشارية/ ١٣٦\n(^٩) ينظر الأربعين العشارية/ ١٢٤، ١٢٨، ١٢٩، ١٥٧، ١٥٨، ١٠٩، ١٧٣، ١٧٥،\n٢٣٥، ٢٣٠، ٢٢٠، ٢٢١، ٢١٧، ٢٠٦، ٢٠١، ٢٠٠، ١٩٧، ١٨٠ - ١٧٩","vol":"5","page":1946},{"text":"<span data-type='title' id=toc-577>ثانيا: طريقة العراقي في تخريج أحاديث الكتاب</span>\nجمع العراقى في تخريج الأحاديث في هذا الكتاب بين طريقتين: -\nالأولى: تخريجه للحديث بالرواية بسند نفسه، فيبدأ بقوله: أخبرني، أو أخبرنا، أو حدثني أو حدثنا، فلان بن فلان من شيوخه، ويذكر طريقة تحمله للحديث كالسماع والقراءة، وموضع تحمله كقوله: بجامع بني أمية بدمشق، أو بتاران، قرية من قرى طرابلس، أو بالقاهرة، أو بمصر، أو بدار الحديث الكاملية، أو بثغر الاسكندرية، وقد يذكر الزمن، كالرحلة الأولى، أو الثانية - يعنى إلى الشام.\nثم يسوق باقي السند من فوق شيخه إلى الصحابي الذي يرفع الحديث إلى الرسول ﷺ أو إلى من دون الصحابي في الأثر الموقوف، وبهذا يعتبر الكتاب مصدرًا معتمدا للحديث المروى فيه بسند العراقي، ما لم يوجد المصدر الذي رواه العراقي من طريقه، مثل كتب الأمالي والأجزاء والفوائد التي تقدم ذكرها في مصادره.\nالثانية: طريقة التخريج بالعزو إلى بعض المصادر الأصلية الأخرى التي يكون السند فيها أنزل من سند العراقي العشاري، ويلتقى الإسنادان في راو معين يكون هو المدار للإسنادين، ويسوق العراقى سند الحديث في هذا المصدر المعزو إليه، حتى المدار الذي يلتقى فيه كل من سند العراقي وسند المصدر، وعلى ضوء عدد الرواة بين مصنف المصدر وبين المدار، يكون نوع العلو في سند العراقي، من كونه موافقة أو بدلا أو مساواة، كما سيأتي.\nوإذا عزا الحديث إلى أكثر من مصدر، ساق إسنادهم إلى المدار. كما سيأتي مثاله، وفائدة ذكر التخريج بالعزو بجانب التخريج بالرواية، أن","vol":"5","page":1947},{"text":"التخريج بالعزو يساعد في بيان درجة الحديث عموما، لكون المصدر المعزو إليه مما التزمت فيه الصحة كالبخاري ومسلم، أو لكون مؤلفه يعنى ببيان درجة الحديث كالترمذي، أو لكون رجال الحديث في هذا المصدر توجد مصادر المعرفة أحوالهم، فيمكن معرفة درجة الحديث بعد مراجعة تراجمهم، كالسنن الأربعة ومسند الإمام أحمد.\nبخلاف سند العراقي العشاري الذي روى الحديث به، فإنه مظنة وجود بعض الرواة ممن فوق شيوخ العراقي، يصعب الوقوف على تراجمهم، بل منهم من صرح العراقي نفسه بأنه لم يعرفه، كما سيأتى.\nوبالتالي قد لا يتيسر بيان درجة الحديث باعتبار سنده العشاري وَحْدَه، وقد يكون فيه من هو معروف الحال بالضعف، فينجبر ضعفه بطريق الحديث الذي في المصدر المعزو إليه.\nوفي تخريج الحديث بالرواية وبالعزو، نجد العراقي يعني بجمع ما يذكره من الطرق إلى المدار الذي تلتقى فيه.\nففى طريقة الرواية نجد أكثر الأحاديث التي رواها له فيها طريقان أو أكثر، حيث يرويها عن شيخين من شيوخه، أو أكثر ويسوق إسناده عن كل منهم إلى المدار الذي تلتقى فيه الطرق.\nففي الحديث الثالث يقول: أخبرني أبو حفص (عمر) (^١) بن عثمان بن سالم بن خلف بن فضل المقدسي - بظاهر دمشق.\n_________\n(^١) في المطبوعة (عمرو)، والتصويب من النسخة الحلبية، وتؤيدها تكنيته لأبي حفص ومصادر ترجمته/ الوفيات لابن رافع السلامى ٢/ ترجمة (٧٣٢) والدرر الكامنة ٣/ ترجمة (٣٠٣٣) ..","vol":"5","page":1948},{"text":"وأبو الوفاء محمود بن عبد الحميد بن سليمان الوراق - بها.\nقالا: أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عبد الواحد المقدسي، قال: أخبرنا عمر بن محمد بن معمر الدارقرى، قال: أخبرنا أبو المواهب أحمد بن محمد ابن عبد الملك بن ملوك الوراق، والقاضي أبو بكر محمد بن عبد الباقي ابن محمد الأنصارى ح.\nوأخبرني أبو الفتح محمد بن محمد بن ابراهيم الخطيب، قال أخبرنا عبد اللطيف بن عبد المنعم الحراني، قال: أخبرنا ضياء بن أبي القاسم بن الخريف، قال أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الباقي الأنصارى، قال هو وأبو المواهب: أخبرنا القاضي أبو الطيب طاهر بن عبد الله الطبرى، قال: حدثنا أبو أحمد محمد بن أحمد بن الغطريف … (^١).\nفنلاحظ أنه جمع روايته للحديث عن شيخيه على مدارهما، وهو أبو الحسن المقدسي. وجمع رواية كل من أبى المواهب والأنصاري على مدارهما وهو أبو الطيب الطبري\nوفي الحديث الثامن، رواه بإسناده من طريق سليمان التيمي عن أنس ﵁، مرفوعا.\nثم خرجه بالعزو مع بيان درجته فقال: هذا حديث صحيح، أخرجه الأئمة الستة، فرواه البخاري عن محمد بن كثير عن سفيان الثوري، وعن آدم عن شعبة، ورواه مسلم عن محمد بن عبد الله بن نمير عن حفص بن غياث، وعن أبي كريب عن أبي خالد الأحمر … وساق طرق الحديث عند أصحاب\n_________\n(^١) ينظر الأربعين العشارية/ ١٣٢.","vol":"5","page":1949},{"text":"السنن الأربعة، فبلغ مجموع طرق الأئمة الستة بالحديث عن سليمان التيمي تسعة، فقال: تسعتهم عن سليمان التيمي، به، وذكر حكم الترمذى على الحديث بأنه حسن صحيح (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-578>ثالثا: التزامه في الكتاب بعلو الإسناد، مع قبوله، وبيانه لنوع العلو، ولبعض لطائف الإسناد.</span>\nذكر العراقي من أسباب تأليفه هذا الكتاب - كما قدمت - أن جماعة من طلبة العلم الواردين إلى المدينة النبوية طلبوا منه أن يملى عليهم بعض عوالي مروياته، فقال: «ورغبوا أن يكون ذلك من الأحاديث العالية الإسناد، المتصلة بنقله، فاستخرت الله تعالى في إملاء أربعين حديثا عشارية الإسناد، فهي أعلا ما يقع اليوم للشيوخ مع ثقة رجال الإسناد ووصله» (^٢).\nومن يراجع الأحاديث الأربعين التي هي موضوع الكتاب الأصلي، يجد سند العراقي بها عشاريا، كما سبق توضيحه، بل إنه ذكر أثرا موقوفا في معنى الحديث رقم (٢٠)، فكان سنده به عشاريا كذلك (^٣).\nوفي آخر الحديث (٤٠) من الكتاب، ذكر أنه وقع له بإسناد آخر تساعيا، مع ضعفه، وساق سنده التساعي به (^٤).\nثم قال: وقد وقع لنا حديثان آخران في المعجم الصغير للطبراني، بهذا الإسناد، تساعيان، في الثاني منهما نظر، فرأيت إيرادهما مع بيان أمرهما،\n_________\n(^١) ينظر الأربعين العشارية/ ١٤٥.\n(^٢) ينظر الأربعين العشارية/ ١٢٢ - ١٢٣.\n(^٣) الأربعين العشارية/ ١٨٠ - ١٨١.\n(^٤) الأربعين العشارية/ ٢٢٧ - ٢٢٨.","vol":"5","page":1950},{"text":"للفائدة، ثم ذكرهما (^١).\nوبذلك يكون ما ذكر في كلامه السابق من أن العشاري الإسناد هو أعلا ما يقع اليوم للشيوخ، يقصد بذلك نفسه، وأقرانه من معاصريه الذين يقاربونه في السن، ويشاركونه في الشيوخ، كالبلقيني وابن الملقن، والهيثمي.\nوأما قوله في شرحه لألفية المصطلح له: وأعلا ما يقع للشيوخ في هذا الزمان من الأحاديث الصحاح المتصلة بالسماع، ما هو تساعى الإسناد، ثم قال: ولا يقع لأمثالنا من الصحيح المتصل بالسماع إلا عشاري الإسناد، وقد يقع لنا التساعي الصحيح، ولكن بإجازة في الطريق (^٢). فمراد العراقي في هذا الموضع بالشيوخ هم شيوخه هو، بدليل قوله عقبه كما ترى: ولا يقع لأمثالنا من الصحيح المتصل بالسماع إلا عشاري الإسناد.\nولما كان علو الإسناد عدة أنواع (^٣) فقد أشار العراقي في كتابه هذا إلى ثلاثة أنواع.\nأحدها: علو مطلق، لكن بإسناد منتقد، بمعنى قلة عدد الرواة بين الراوى الأخير، كالعراقي، وبين الرسول ﷺ مع وجود من هو معروف بالكذب أو متهم بالوضع، في الإسناد، وهذا النوع قرر العراقي أنه علو لا يفرح به إلا من هو جاهل، وأنه قد اجتنبه في كتابه هذا (^٤).\nالثاني: علو مطلق بإسناد نظيف خال ممن هو كذاب أو متهم، وهذا ما\n_________\n(^١) ينظر الأربعين العشارية/ ٢٢٨ - ٢٣٥.\n(^٢) فتح المغيث للعراقي ٣/ ١٠٠.\n(^٣) ينظر فتح المغيث للعراقي ٣/ ٩٨ - ١٠٧.\n(^٤) الأربعين العشارية/ ١٢٣.","vol":"5","page":1951},{"text":"فضله، والتزم الرواية به في عشارياته، وأشار إلى أن ما ورد في فضل علو الإسناد فالمقصود به هذا النوع.\nلكنه اقتصر في فضل علو الإسناد على تقرير أنه سنة عمن سلف فقط (^١) في حين أنه في ألفيته في المصطلح قرر أنه سنة مطلقا، فتنصرف إلى السنة النبوية، وفي شرحه لها ذكر قول الإمام أحمد: (طلب الإسناد العالى سنة عمن سلف)، وأتبعه بتقرير الحاكم أنه ثبت فيه سنة صحيحة، وهي حديث ضمام بن ثعلبة في وفادته على الرسول ﷺ، فهي سنة تقريرية، ثم أتبع ذلك ببيان أن المذهب المخالف في فضل علو السند، مذهب ضعيف، وهكذا قرر ابن الصلاح وغيره، وذكر السخاوى مع حديث ضمام السابق، حديث عبد الله بن زيد الذي رأى الأذان في المنام، وحكاه للرسول ﷺ فأمره بالقائه على بلال ليؤذن به (^٢).\nوبذلك كان الأولى أن يقول العراقى هنا: إن علو الإسناد سنة نبوية تقريرية، بدلا من الاقتصار على كونه سنة عمن سلف فقط.\nالنوع الثالث: العلو النسبى، أي بالنسبة إلى سند معين، يكون الحديث رواه به أحد الأئمة أصحاب المصنفات الحديثية، كالبخاري ومسلم والإمام أحمد، وغيرهم.\nوعلو إسناد العراقى في هذا الكتاب نوعان، كل منهما باعتبار. فالأول: وهو العشاري، يعتبر من العلو المطلق، باعتبار قرب العراقي من\n_________\n(^١) الأربعين العشارية/ ١٢٤.\n(^٢) ينظر الألفية مع فتح المغيث للعراقي ٣/ ٩٨ - ٩٩ وعلوم الحديث لابن الصلاح مع التقييد والإيضاح/ ٢٥٧، وفتح المغيث للسخاوى ٣/ ٣٣٤ - ٣٥٤.","vol":"5","page":1952},{"text":"الرسول ﷺ، بسند متصل خال ممن هو معروف بالكذب، أو متهم بالوضع، كما قدمت.\nوهذا هو القسم الأول أيضا من أقسام العلو، كما قرره العراقي نفسه (^١) وغيره (^٢).\nوالثاني: هو العلو المقيد، أو العلو النسبي، أي بالنسبة للقرب من إمام من أئمة الحديث أصحاب المصنفات الحديثية المشهورة التي خرجت الأحاديث التي رواها العراقي بسنده في هذا الكتاب، والتقى سنده مع سند أصحاب تلك المصنفات في راو معين.\nويسمى هذا النوع من العلو بعدة أسماء، بحسب الراوى الذي يلتقى فيه الإسنادان، كما سيأتى في الأمثلة.\nفمنه ما يسمى علو موافقة، وهو أن يلتقى الإسنادان في شيخ مصنف الكتاب الذي اشترك مع العراقى في رواية الحديث، مع علو طريق العراقي بقلة عدد رواته بواحد فأكثر عما لو روى الحديث من طريق صاحب الكتاب المشارك له (^٣).\nولأجل اتفاقه مع مصنف الكتاب في شيخه، سمى موافقة.\nومنه ما يسمى علو بدل، وهو أن يلتقى الإسنادان في شيخ شيخ مصنف الكتاب الذي شارك العراقى في رواية الحديث، مع علو سند العراقي كما\n_________\n(^١) ينظر فتح المغيث للعراقي ٣/ ٩٩ - ١٠٠.\n(^٢) مقدمة ابن الصلاح مع التقييد والإيضاح/ ٢٥٧ وفتح المغيث للسخاوى ٣/ ٣٣٩ - ٣٤٠ وشرح الشرح للشيخ على قارى/ ١٩٣.\n(^٣) ينظر فتح المغيث ٣/ ١٠٢ وللسخاوى ٣/ ٣٤٤ - ٣٤٥.","vol":"5","page":1953},{"text":"تقدم (^١) ويسمى بدلا، لأن الحديث وقع للعراقي من طريق راو بدل الراوى الذي أخرجه مصنف الكتاب من طريقه. ومنه ما يسمى علو مساواة، وهو أن يكون الرواة في السند من العراقي إلى الصحابي، أو إلى من دونه في غير المرفوع، عددهم متساويا مع عدد رواة إسناد مصنف الكتاب المشارك للعراقي في رواية الحديث إلى الصحابي نفسه أو من دونه (^٢).\nولأجل هذا التساوى في العدد سمى علو مساواة.\nفإن علا إسناد أحد المصنفين عن إسناد المساواة مع العراقي براو واحد، سمى علو العراقي علو مصافحة، كأنه لقى هذا المصنف وتحمل الحديث عنه، مع تصافحهما عند ذلك كما هو شأن المتلاقيين (^٣).\nلكن العراقي لم يذكر في هذا الكتاب لنفسه شيئا من علو المساواة، ولا من المصافحة، وإنما ذكر مصافحة واحدة لبعض شيوخ شيوخه، كما سيأتي، لكنه أخرج مساواة لبعض شيوخه، ومصافحة لنفسه في شرحه للألفية (^٤).\nومثال ما ذكره في كتاب الأربعين هذا من الموافقة، أنه روى الحديث الأول بسنده إلى عمار بن محمد عن الصلت بن قويد الحنفى سمعت أبا هريرة ﵁ يقول: سمعت خليلي أبا القاسم يقول: لا تقوم الساعة حتى لا تنطح ذات قرن جَمَّاء، ثم قال: رواه الإمام أحمد في مسنده عن عمار بن محمد، فوقع موافقة له عالية (^٥).\n_________\n(^١) وانظر «فتح المغيث للعراقي» ٣/ ١٠٢ وللسخاوى ٣/ ٣٤٦.\n(^٢) «فتح المغيث للعراقي» ٣/ ١٠٣ وفتح المغيث للسخاوى ٣/ ٣٤٨.\n(^٣) ينظر «فتح المغيث للعراقي» ٣/ ١٠٣ - ١٠٤ وفتح المغيث للسخاوى ٣/ ٣٤٩ - ٣٥٠.\n(^٤) «فتح المغيث للعراقي» ٣/ ١٠٣ - ١٠٤.\n(^٥) تنظر المشارية/ ١٢٧ - ١٢٨.","vol":"5","page":1954},{"text":"فنلاحظ أن إسناد العراقي التقى مع إسناد الإمام أحمد في شيخ أحمد، وهو عمار بن محمد، فصارت موافقة بينهما، ولو روى العراقي الحديث نفسه من طريق الإمام أحمد، زاد إسناده واحدًا، وهو الإمام أحمد، فتعتبر موافقته لأحمد في شيخه موافقة عالية بدرجة (^١).\nومثال البدل أن العراقى روى الحديث (١٣) من طريق أبي بكر بن عياش عن أبي إسحق عن البراء بن عازب ﵄ قال: خرج رسول الله ﷺ وأصحابه، فأحرمنا بالحج (الحديث).\nثم قال: أخرجه ابن ماجه عن محمد بن الصباح، ورواه النسائي في سننه الكبرى في عمل اليوم والليلة عن أبي كريب، كلاهما عن أبي بكر بن عياش، فوقع لنا بدلا لهما عاليا بثلاث درجات (^٢) وذلك لكون أبي بكر بن عياش الذي التقى فيه سند العراقى مع سند ابن ماجه والنسائي، يعتبر الحلقة الثالثة في إسنادهما، كما ترى.\nوقد ذكر العراقي من البدل ما هو عال بدرجتين، وثلاث، وأربع، وخمس وست (^٣).\nوقد يكون الحديث فيه علو الموافقة والبدل معا باعتبار طرق الحديث عند من يعزوه إليه من المصنفات.\nفقد روى الحديث (٢٦) من طريق أبي عاصم عن يزيد بن أبي عبيد عن\n_________\n(^١) وينظر له علو موافقة أيضا في حديث (٢)، ٧، ٢٤، ٣١، ٣٨.\n(^٢) ينظر الأربعين العشارية/ ١٥٦ - ١٥٧.\n(^٣) ينظر الأحاديث رقم/ ٣، ٤، ٥، ٦، ٧، ٨، ٩، ١٠، ١١، ١٢، ١٥، ١٧، ١٨، ١٩، ٢١، ٢٢، ٢٣، ٢٤، ٢٥، ٢٨، ٣٣، ٣٤، ٣٥، ٣٧، ٣٩.","vol":"5","page":1955},{"text":"سلمة ﵁ قال: بايعت رسول الله ﷺ يوم الحديبية (الحديث). ثم قال: أخرجه البخاري عن أبي عاصم، وعن مكي بن ابراهيم، فرقهما، عن يزيد بن أبي عبيد، فوقع لنا موافقة له عالية من طريق أبي عاصم، وبدلا له عاليا من طريق مكي بن ابراهيم (^١).\nوأما المصافحة لبعض شيوخ شيوخه، فقد جاء ذلك في حديث واحد من الأربعين، وهو حديث (٧)، فقد رواه بسنده إلى محمد بن عبد الله الأنصاري عن حميد الطويل عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان ابن لأم سليم يقال له: أبو عمير، كان النبي ﷺ يمازحه (الحديث).\nثم قال: أخرجه الإمام أحمد في مسنده، عن محمد بن عبد الله الأنصاري، فوقع موافقة له عالية.\nثم قال: ورواه النسائي في سننه الكبرى، في عمل اليوم والليلة عن عمران ابن بكار البراد الحمصي عن الحسن بن خمير عن الجراح بن مليح عن شعبة عن محمد بن قيس عن حميد، بنحوه، فوقع لنا عاليا بست درجات، وكأن شيوخ شيوخنا لقوا النسائي وصافحوه به (^٢).\nوهناك ثمانية أحاديث من هذه الأربعين اقتصر العراقي فيها على العلو العشاري المطلق، ولم يذكر فيها علوا نسبيا (^٣).\nوأما لطائف الإسناد فقد ذكر العراقي منها أمرين:\nأولهما: التسلسل بالأولية، بمعنى أن يذكر الراوى أن الحديث المذكور هو\n_________\n(^١) وانظر أيضا حديث (٧).\n(^٢) ينظر الأربعين العشارية/ ١٤٢.\n(^٣) ينظر الأربعين العشارية/ ١٦٠، ١٦٧، ١٧٠، ١٩٦، ٢٠٠، ٢٠٢، ٢١٦، ٢٢٧.","vol":"5","page":1956},{"text":"أول حديث سمعه من شيخه الذي يرويه عنه، وقد قال العراقي: «ورأيت أن أقدم قبل الأربعين، إملاء الحديث المسلسل بالأولية، وإن لم يكن عشاريا، ليحصل التسلسل لمن ابتدأ السماع من الصبيان، والغرباء»، ثم ساق الحديث فقال: حدثنا أبو الفتح محمد بن محمد بن ابراهيم بن أبي القاسم … الميدومى، سماعا من لفظه، وهو أول حديث سمعته من لفظه … وساق بقية إسناد الحديث، وفيه تصريح كل واحد ممن فوق الميدومي بأنه أول حديث سمعه من شيخه، حتى الراوى السابع وهو عبد الرحمن بن بشر بن الحكم فقال: حدثنا سفيان بن عيينة وهو أول حديث سمعته منه، ثم توقف التسلسل بالأولية عند سفيان فقال: عن عمرو بن دينار، عن أبي قابوس، مولى عبد الله بن عمرو بن العاص عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: الراحمون يرحمهم الرحمن ﵎ ارحموا من في الأرض، يرحمكم من في السماء (^١).\nأقول: وقد من الله تعالى علي فسمعت هذا الحديث مسلسلا بالأولية، من لفظ عدد من شيوخي رحمهم الله تعالى، وهم بحسب الترتيب الزمنى السماعي منهم: الشيخ عبد الفتاح أبو غدة، ثم الشيخ حمود التويجرى، ثم الشيخ محمد ياسين الفاداني، ثم الشيخ حماد بن محمد الأنصارى، ثم أجازني كل منهم بمروياته عموما، وأثبتوا لي ذلك كتابة، فجزاهم الله تعالى عنا كل خير، وألحقني بهم على خير حال آمين. وسماعي لهذا الحديث من شيخي الشيخ حماد بن محمد الأنصاري سنده\n_________\n(^١) ينظر الأربعين/ ١٢٤ - ١٢٥.","vol":"5","page":1957},{"text":"إلى الحافظ ابن حجر العسقلاني عن شيخه الحافظ العراقي بسنده المذكور في هذا الكتاب (^١) ولله الحمد والمنة.\nالثاني: التسلسل بالآخرية، وهو أن يكون كل راو في الإسناد هو آخر من بقى حيا من الرواة عن شيخه، مطلقا، أو مقيدًا بأحد طرق الرواية، ولاسيما السماع.\nوقد جاء ذلك عند العراقى في الحديث الأول من الأربعين، فقال: أخبرني أبو الفتح محمد بن محمد بن ابراهيم الميدومي بقراءتي عليه عودًا على بدء (^٢)، قال: أخبرنا أبو الفرج عبد اللطيف بن عبد المنعم بن علي بن نصر بن منصور بن الصيقل الحراني، وشيخنا آخر من حدث عنه بالسماع على وجه الأرض.\nثم قال العراقي: وأخبرني أبو عبد الله محمد بن اسماعيل بن ابراهيم بن الخباز بقراءتي عليه بدمشق في الرحلة الأولى قال: أخبرنا أحمد بن عبد الدائم ابن نعمة المقدسي، قراءة عليه، وأنا حاضر، وإجازة لما يرويه، وهو آخر من بقى ممن حضر عنده. ثم ساق باقى الإسنادين مسلسلين بالآخرية إلى الصلت بن قويد الحنفى الراوى للحديث عن أبي هريرة، قال: لا تقوم الساعة حتى لا تنطح ذات قرن جماء.\nثم قال العراقي: هذا حديث عجيب التسلسل بالآخرية (^٣).\nوقد ذكر العراقي خلال إسناد الحديث أن إسماعيل بن محمد بن اسماعيل الصفار هو آخر من حدث عن الحسن بن عرفة (^٤).\n_________\n(^١) الأربعين العشارية/ ١٢٤ - ١٢٥.\n(^٢) يعنى عدة مرات.\n(^٣) الأربعين العشارية/ ١٢٧ - ١٢٨.\n(^٤) الأربعين العشارية/ ١٢٧.","vol":"5","page":1958},{"text":"وقد ذكر الحافظ ابن حجر أنه قد قرأ هذا الكتاب بما فيه هذا الحديث، على شيخه العراقي، وبعد مدة وقف في تذكرة الحفاظ على أن على بن الفضل الستورى هو آخر من حدث عن الحسن بن عرفة، فذكر ذلك لشيخه، فذكر له أن سلفه في ذلك الشيخ صلاح الدين العلائي، وأحضر تاريخ بغداد للخطيب فوجد في ترجمة على بن الفضل هذا ما يؤيد ما ذكره الذهبي (^١).\nقال الحافظ ابن حجر: قلت فعلى هذا يكون إسماعيل الصفار هو آخر من حدث عن الحسن بن عرفة بالحديث المذكور، بخصوصه، وقد رجع شيخنا عما قال أولا، وزاد فيه - يعنى في سند الحديث. وهو آخر من حدث عنه بهذا الحديث، ثم قال ابن حجر: ولى مع الشيخ مراجعات كثيرة يطول شرحها (^٢).\nوهذا الموضع يستفاد منه أمور:\nأحدها: أريحية الحافظ العراقى وصفاء نفسه في تقبل النقد والتصويب من أحد تلاميذه، وهو الحافظ ابن حجر، وأيضا حسن مسلك الحافظ مع شيخه، فلم يمنعه تقديره وإجلاله له من ابداء الصواب لما ظهر له خطؤه فيه، كما لم يخرجه ذلك عن حدود الأدب الواجب مع إسناده، فجاء الرد هادئا، ومؤيدا بالدليل الناصع على موضع التعقب، ولم نعرف أن العلاقة بين الرجلين تكدرت بسبب هذا، ولا غيره من التعقبات العلمية المنصفة التي أبداها ابن حجر، سواء على هذا الكتاب في غير هذا الموضع كما سيأتي، أو على غيره من مؤلفات شيخه، كما تقدمت إشارته إلى ذلك.\n_________\n(^١) تنظر التذكرة للذهبي ٣/ ٨٥٩ وتاريخ بغداد ١٢/¬٤٧.\n(^٢) ينظر المجمع المؤسس لابن حجر ٢/ ١٨٨ - ١٨٩ والجواهر والدرر للسخاو ١/ ٣٣٨ - ٣٣٩.","vol":"5","page":1959},{"text":"فينبغي أن يكون لكل من الأساتذة والطلاب في كل منهما أسوة حسنة.\nالأمر الثاني: ما ذكره العراقي من التعويل على شيخه العلائي في موضع الخطأ، قد صرح به في كتابه التقيد والإيضاح، كما سيأتي، ولعله اكتفى بذلك عن التصريح به هنا في كتاب الأربعين العشارية لتأخر تأليفها عن تأليف التقييد والإيضاح.\nوتعويل العراقي هذا على شيخه العلائى مثال على أن من العلماء المعتبرين كالعراقي من كان يعول على غيره ممن يثق في علمه العلائي، ولكنه مع ذلك يقبل إعادة النظر عند وجود ما يستدعى ذلك، كما فعل العراقي عند معارضة تلميذه ابن حجر له في هذا كما تقدم.\nلكن إذا قارنا هذا الموضع، ببقية الكتاب، وعناية العراقي بذكر مصادره المتعددة فيه، كما قدمت، فسنجد أن هذا أمر نادر، فلا يقدح مثله في أصل الدقة العلمية المشهود بها للعراقى، كما لا يقدح مثل هذا في القيمة الحديثية للكتاب، وجهود العراقي فيه.\nالأمر الثالث: أن التصويب الذي ذكر ابن حجر أن شيخه العراقي قد أثبته، لم يوجد في النسخة التى حقق الكتاب وطبع بالاعتماد عليها، ولم يوجد كذلك في النسخة الحلبية التي أثبت عليها القراءة على العراقي بالمدينة المشرفة، ويبدو أن هذا التصويب ذكر في النسخة المصرية، لأن العراقي ذكر فيها ما لم يوجد في النسختين السابق ذكرهما، لكن للأسف أن موضع هذا الحديث في النسخة المصرية مخروم، فلم يمكن الوقوف عليه. ولكن أمكن الوقوف على بديل عنه ولله الحمد، فقد روى العراقى في كتابه التقييد والإيضاح عن شيخيه أبي الفتح الميدومى وأبى عبد الله محمد بن اسماعيل بن ابراهيم.","vol":"5","page":1960},{"text":"الأنصارى، كلاهما من طريق اسماعيل بن محمد الصفار قال حدثنا الحسن بن عرفة أنبأنا خلف بن خليفة عن حميد الأعرج عن عبد الله بن الحارث عن عبد الله ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ يوم كلم الله موسى ﵇، كانت عليه جبة صوف (الحديث) (^١).\nوسند العراقى بهذا الحديث عشارى إلى ابن مسعود، وابن مسعود هو الحادى عشر، وقد عزاه إلى الترمذى عن على بن حجر عن خلف بن خليفة، به، وذكر أنه بهذا الإسناد لا يقع لأحد في عصره أعلا منه على وجه الدنيا من حيث العدد، وأن علوه مطلق بالنسبة له وللترمذي، كما ذكر تسلسله بالآخرية المطلقة، من شيخه أبى الفتح الميدومى إلى «خلف بن خليفة» ونسب إلى شيخه العلائي القول بأن الصفار هو آخر من روى عن الحسن بن عرفة، صاحب الجزء المعروف، كما تقدم في مصادر العراقى (^٢).\nأما في شرحه للألفية فذكر الحديث، ووجوده في جزء ابن عرفة، وذكر علوه المطلق به، بنحو ما تقدم، ثم قال: وكل واحد من شيخنا - يعنى الميدومى - فمن بعده إلى خلف هو آخر من رواه عن شيخه بالسماع من الجزء المذكور (^٣) وقد جاء بحاشية إحدى النسخ الخطية لشرح الألفية ما نصه «قوله من الجزء المذكور زاده العراقى بعد قراءة البرهان الحلبي عليه» وبهذا قيد آخرية رواية الصفار عن الحسن بن عرفة، بالسماع من جزئه المذكور، الذى روى العراقي من طريقه حديث أبى هريرة «لا تقوم حتى لا تنطح ذات قرن\n_________\n(^١) التقييد والإيضاح مع علوم ابن الصلاح/ ٢٥٨ - ٢٥٩.\n(^٢) التقييد والإيضاح/ ٢٥٩\n(^٣) فتح المغيث للعراقي ٣/ ١٠١.","vol":"5","page":1961},{"text":"جماء» كما هو في عدد من نسخ الأربعين، وفي المطبوع الآن، والذي روى من طريقه أيضا حديث ابن مسعود السابق ذكره، وهذا التقييد بالسماع من الجزء كله، أعم من التقييد الذي ذكره ابن حجر بحديث واحد، كما سبق، والبرهان الحلبى هو سبط ابن العجمي، من تلاميذ العراقي البارزين، وتقدم في التعريف به أن رحلته إلى مصر التي قرأ فيها شرح الألفية على شيخه أن مع البحث والاستدراك بمثل هذه الزيادة، كانت سنة ٧٨٠ هـ و…، نحو خمس سنوات، ولكنها مع هذا تعتبر أسبق من قراءة الحافظ ابن حجر للأربعين العشارية، والتي كانت بعد عودة العراقى إلى مصر من المدينة النبوية خلال سنة ٧٩١ هـ، كما تقدم أيضا، وبذلك يكون تقييد الآخرية الذى في شرح الألفية، أسبق وأعم من التقييد الذى حصل في الأربعين العشارية بآخرية سماع الصفار الحديث واحد فقط، بناء على تنبيه الحافظ ابن حجر، كما تقدم.\nوبهذا يستدل أيضا على أن أريحية العراقى في قبول المراجعة والنقد المفيد كانت مبدأ أصيلا عنده، ولم تكن قاصرة على شخص بعينه.\nرابعا: بيانه لدرجات الأحاديث، وأحوال الرواة:\nذكر العراقي في شرحه لألفيته في المصطلح: إنه لا يقع لأمثاله من الصحيح المتصل بالسماع إلا عشاري الإسناد (^١).\nوقال في مقدمة كتاب الأربعين العشارية هذا: فهي أعلا ما يقع للشيوخ، مع ثقة رجال الإسناد ووصله، فلم يقيد الاتصال بكونه بالسماع، وذلك لأن\n_________\n(^١) فتح المغيث للعراقي ٣/ ١٠٠.","vol":"5","page":1962},{"text":"بعض أسانيده متصلة بالإجازة له، أو لبعض من فوقه في الإسناد، كما سيأتى توضيحه.\nلكنه ذكر شرط ثقة الرواة المقتضى للصحة، وقال في أواخر الكتاب: وقد روينا عدة أحاديث تساعيات لا تصح أسانيدها، ولا فائدة في العلو مع عدم الصحة (^١).\nفمن مجموع ذلك نفهم أنه شرط على نفسه أن يورد في هذه الأربعين، أعلا ما عُرف من الإسناد في عصره لأقرانه وهو العشاري، مع مراعاة الصحة، باتصال السند، وثقة الرواة؛ لكنه في بقية كلامه في مقدمة الكتاب قال: فأوردت فيها الأحاديث الصحاح والحسان، وربما أوردت الغريب إذا كان راويه غير معروف بتعمد الكذب وفعله، ولاشك أن رواية من هو مستور أو مجهول، أولى ممن علم جرحه مفسرا عند أهله (^٢).\nفهذا يدل على أنه لم يقتصر في تلك الأربعين على ذكر الصحيح المتوافر فيه اتصال السند، وثقة الرواة، ولكن يذكر أيضا ما هو حسن، وراويه - كما هو معروف. في المرتبة الأنزل من الثقة مباشرة، وهي مرتبة: «الصدوق» كما صرح به العراقى في غير هذا الموضع، كما سيأتى.\nوقوله: «ربما أوردت الغريب إذا كان راويه غير معروف بتعمد الكذب» أفاد أنه يذكر أيضا نوعا ثالثا وإن كان قليلا، وهو الضعيف ضعفا غير شديد، لكون راويه ليس معروفا بتعمد الكذب، لكنه متفرد عن المتابع، فلذلك يعتبر غريبا، لكنه ليس منكرا، كما صرح به في غير هذا الموضع كما سيأتى.\n_________\n(^١) الأربعين العشارية/ ٢٣٥.\n(^٢) الأربعين العشارية/ ١٢٣ - ١٢٤.","vol":"5","page":1963},{"text":"ثم أتبع العراقي ذلك ببيان تفاوت مراتب الضعف بحسب تفاوت أحوال الرواة، فقال: «ولاشك أن رواية من هو مستور أو مجهول أولى ممن علم جرحه مفسرا عند أهله».\nوفي تقريظ العراقي لكتاب تلميذه ابن حجر «نظم الآلي بالمائة العوالي» قال: نظرت هذه الأحاديث العشاريات المائة المخرجة عن الشيوخ العوالي أحسن تخريج وأضواه، … من الأحاديث الصحاح والحسان والغرائب، التي هي عن النكارة، (مبرأة)، عن الثقات الأثبات، وأهل الصدق، والسُّنَن والصيانة المجزئة … (^١) فيلاحظ أنه ذكر ثلاث درجات للأحاديث هي الصحاح ثم الحسان ثم الغرائب غير المنكرة، وقابل الصحاح برواية الثقات الأثبات، والحسان برواية أهل الصدق والصيانة، فصارت الغرائب غير المنكرة دون هاتين، وهي الضعيفة ضعفا خفيفا.\nومن المراجعة التفصيلية لكتاب الأربعين للعراقي، وملاحظة كلامه السابق نجد أن الأحاديث في كتابه هذا ثلاث درجات: هي الصحيح والحسن والضعيف القابل للانجبار، مع بيانه خلال ذلك لما تواتر من الصحيح، ولأحوال الرواة المقتضية للصحة أو الحسن أو الضعف، وذلك على النحو التالي: -\n\n<span data-type='title' id=toc-579>أ - بيانه للصحيح، والحال رواته، وللمتواتر منه.</span>\nعندما نراجع كتاب الأربعين للعراقي نجد غالب أحاديثه من الصحيح لذاته، أو لغيره، وقد بين بنفسه ذلك حسب شرطه السابق، وبيانه للصحة متنوع،\n_________\n(^١) ينظر نظم اللآلئ/ ١٤٤ بتحقيق كمال يوسف الحوت.","vol":"5","page":1964},{"text":"فمنه ما بين صحته بالعزو إلى البخارى ومسلم أو أحدهما، وذلك من بعض طرق الحديث التي تلتقى في أحد الرواه مع طريق العراقي التي أخرج الحديث بسنده منها، وعدد هذه الأحاديث بحسب النسخة المطبوعة حاليا (٢٢) حديثا، فتكون أزيد من نصف أحاديث الكتاب (^١) وقد بين الصحة أيضا بالعزو إلى من خرج الحديث وحكم بصحته كالإمام الترمذي، وهما حديثان (^٢) وهذه الطريقة في بيان الصحة من فوائد التخريج بالعزو كما تقدم.\nومن الأحاديث ما حكم بصحته من جانبه هو دون عزو لغيره، وذلك أربعة أحاديث، مع بيان سبب الحكم بالصحة في اثنين منهم، كما سيأتي، وذكر الحكم بالصحة فقط في اثنين (^٣)، كما بين تواتر حديث واحد من الصحيح الذى رواه في هذا الكتاب، وهو الحديث الرابع، فقد رواه بسنده من طريق سليمان التيمي عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: من كذب على متعمدا فليتبوأ مقعده من النار.\nوقال: هذا حديث صحيح، وأيد ذلك بعزوه إلى البخارى في الصحيح عن أبي معمر عن عبد الوارث بن سعيد عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس، ثم قال: هذا الحديث من أشهر الأحاديث (^٤) حتى ذكر مثالا للمتواتر؛ فقد ورد من حديث مائة من الصحابة، أو يزيدون، منهم العشرة المشهود لهم بالجنة،\n_________\n(^١) ينظر الأحاديث رقم/ ٢، ٣، ٤، ٥، ٦، ٧، ٨، ٩، ١٠، ١١، ١٢، ١٥، ٢١، ٣٧، ٣٥، ٣٢، ٢٨، ٢٤، ٢٥، ٢٦، ٢٣، ٢٢\n(^٢) ينظر ص ١٢٥ وحديث (١٩)\n(^٣) ينظر الأربعين العشارية/ ص ١٦١، ١٦٧، ١٧٠، ٢١٢.\n(^٤) في المطبوع «الحديث» والمثبت من الحلبية.","vol":"5","page":1965},{"text":"ثم قال: وحكى النووى في شرح مسلم عن بعضهم: أنه رواه مائتان من الصحابة، وعقب العراقى على ذلك بقوله: وفيه بعد (^١).\nفمن هذا يستفاد تصحيحه للحديث، وإقراره بلوغ طرقه درجة المتواتر - وهو ما رواه في جميع حلقات سنده جمع أكثر من ثلاثة، ويستحيل عادة اتفاقهم على الكذب (^٢)، وإقراره أيضا أن عدد رواته من الصحابة يزيدون على المائة، بما فيهم العشرة المشهود لهم بالجنة، واستبعاده للقول بأن عدد رواته مائتان من الصحابة.\nوقد قرر هذه الأمور أيضا في شرحه لألفيته في المصطلح (^٣).\nلكن في نكته على كتاب ابن الصلاح قرر خلاف هذا، فعدد (٧٥) صحابيا، وذكر أنهم هم الذين ورد الحديث عنهم باللفظ السابق ذكره، وأن من زادوا عن هؤلاء، فروايتهم في مطلق الكذب عليه ﷺ وأنه لذلك، لا تعتبر رواياتهم من طرق الحديث باللفظ السابق.\nكما قرر أيضا أنه لا يمكن التواتر في شيء من طرقه، لأنه يتعذر وجود شرط التواتر في الطرفين والوسط من تلك الطرق؛ بل بعض طرقه الصحيحة إنما هي أفراد عن بعض رواتها.\nوعقب على القول برواية الحديث عن مائتين من الصحابة، بقوله: ولعل هذا محمول على الأحاديث الواردة في مطلق الكذب، لا هذا المتن بعينه (^٤) يعنى (من كذب علي متعمدا).\n_________\n(^١) ينظر الأربعين العشارية/ ١٣٥ - ١٣٦.\n(^٢) ينظر فتح المغيث للعراقي ٤/¬٦.\n(^٣) ينظر فتح المغيث للعراقي ٤/¬٥ - ٨.\n(^٤) ينظر التقييد والإيضاح مع كتاب ابن الصلاح/ ٢٧٠ - ٢٧٢.","vol":"5","page":1966},{"text":"فيلاحظ من كلامه هذا على الحديث في النكت: أنه ينفى الحكم بتواتره مطلقا، وأنه يذكر محملا للقول بروايته عن مائتين من الصحابة، بدلا من استبعاده مطلقا. وقد نقل البرهان الحلبي كلام شيخه هذا في النكت وأقره (^١) لكن كتاب الأربعين هذا يعتبر زمن تأليفه متأخرا بنحو عشر سنوات تقريبا عن تاريخ فراغه من النكت، فيكون ما ذكره هنا في الأربعين هو الذي استقر عليه أخيرا.\nوهو الموافق لما قرره ابن الصلاح (^٢) ووافقه عليه غير واحد، سواء من شيوخ العراقي كابن كثير (^٣) أو من أقرانه كالبلقيني (^٤) وابن الملقن (^٥) ومن بعدهما كابن حجر، مع إشارته إلى ما ذكره شيخه العراقى في نكته، ورده عليه دون تصريح باسمه (^٦) وتابعه على ذلك تلميذه السخاوى (^٧).\nأما الحديثان اللذان صححهما العراقى وبين سبب تصحيحهما: فالحديث الأول منهما: حديث (٤) وقد رواه بسنده إلى أنس بن مالك ﵁ أن أم سليم - وهي أم أنس أيضا - ذهبت به إلى رسول الله ﷺ لما قدم المدينة مهاجرا، فقالت: يا رسول الله، هذا أنس غلام لبيب كاتب،\n_________\n(^١) ينظر الكشف الحثيث عمن رمى بوضع الحديث لبرهان الدين الحلبي، المعروف بسبط ابن العجمي/ ٣٠.\n(^٢) ينظر علوم الحديث لابن الصلاح مع التقييد والإيضاح/ الموضع السابق.\n(^٣) مختصر علوم الحديث له مع الباعث الحثيث ١/ ٢٤٠ (مبحث الحديث الموضوع).\n(^٤) محاسن الاصطلاح مع المقدمة/ ٣٩٣ - ٣٩٤.\n(^٥) المقنع له/ ص ١٠٤ مخطوط.\n(^٦) فتح البارى - كتاب العلم ١/ ٢٠٢ - ٢٠٣.\n(^٧) فتح المغيث له ٤/¬١٦.","vol":"5","page":1967},{"text":"يخدمك … (الحديث).\nوقال العراقي عقبه: هذا حديث صحيح، رجاله كلهم ثقات، قال الحافظ أبو نصر الوائلي: ما وقفت له على علة توجب تركه (^١).\nفنلاحظ أنه لم يعز الحكم بالصحة إلى غيره، وأتبعه ببيان ما توافر فيه من شروط الصحة الأساسية وهى ثقة رجال الإسناد، وعدم وجود علة أخرى قادحة، لكنه اعتمد في الشرط الأخير على من سبقه وهو عبيد الله بن سعيد أبو نصر الوائلي السجزى المتوفى سنة ٤٤٠ هـ (^٢) وقد ذكر ابن حجر أن السجزى أخرج الحديث وصححه، لكن لم يذكر الكتاب الذي أخرج الحديث فيه، وإنما قال: قال أبو نصر السجزى بعد أن أخرج الحديث الذي رويناه - يعنى هذا الحديث من الطريق الذي رواه العراقي منه -: هذا حديث صحيح، ما وقفت له على علة توجب تركه (^٣).\nفجعل الحكم بالصحة أيضا ممن سبق العراقي إلى تخريج الحديث بالسند نفسه، وهو السجزى.\nوالحديث الثاني: الذي بين العراقى سبب حكمه بصحته، قد رواه بسنده إلى سليمان التيمى عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: لا هجرة بين المسلمين فوق ثلاثة أيام، وقال: ثلاث ليال.\nوقال العراقي عقبه: هذا حديث صحيح، رجاله كلهم محتج بهم في الصحيحين (^٤).\n_________\n(^١) ينظر الأربعين العشارية/ ١٦٠ - ١٦١.\n(^٢) ينظر السير ١٧/ ٦٥٤.\n(^٣) ينظر نظم اللآلئ لابن حجر/ حديث (٧١) ص ١٠٩.\n(^٤) ينظر الأربعين العشارية/ ١٦٧:","vol":"5","page":1968},{"text":"ويلاحظ في بيان سبب التصحيح هنا أنه لم يذكر غير حال الرواة فقط المشترط في الصحة، فلعل سكوته عن باقى الشروط لعدم وجود قادح فيها في تقديره.\nوأيضا الحديثان الآخران اللذان حكم بصحة كل منهما فقط، دون بيان توافر شروط التصحيح، لعل سكوته عن ذلك لعدم وجود قادح في صحة كل منهما في نظره.\nلكن عندما تراجع الحديث الأول مما بين العراقي سبب تصحيحه، وكذلك الحديث الثاني مما لم يبين توافر شروط التصحيح فيهما، نجد أن هذين الحديثين من رواية حميد الطويل عن أنس بالعنعنة، وقد وصف حميد بالتدليس عن أنس، مع الخلاف في مرتبته، فالعلائى اعتبره من أهل المرتبة الثانية الذين لا تقدح عنعنتهم، لكونه عرف بأنه لا يدلس إلا عن ثقة (^١) لكن الحافظ ابن حجر اعتبره من أهل المرتبة الثالثة الذين يترجح قدح عنعنتهم، ووصفه بكثرة التدليس عن أنس (^٢) في حين نجد المتقدمين على الحافظ ﵀ منهم وصف حميدا، بمطلق التدليس ومنهم من وصفه بقلته (^٣) وجاء عن الحافظ نفسه في الفتح، قوله: اشتهر أن حميدًا كان ربما يدلس عن أنس (^٤) ومقتضى هذا عدم قدح عنعنته، وتقدم تصحيحه هو والسجزى لحديثه عن أنس أنه لما قدم رسول الله ﷺ المدينة ذهبت أم أنس به إلى رسول الله ﷺ ليخدمه.\n_________\n(^١) جامع التحصيل/ ١١٣، ١٦٨.\n(^٢) طبقات المدلسين/ ص ٨٦ بتحقيق البنداري.\n(^٣) تهذيب التهذيب ٣/ ترجمة (٦٥).\n(^٤) ينظر فتح البارى ٤/ ٢٣٠.","vol":"5","page":1969},{"text":"ونقل أيضا عن الذهبي ما يفيد عدم قدح عنعنة حميد الطويل عن أنس (^١) وبهذا يتأيد تصحيح العراقي لرواية حميد عن أنس بالعنعنة، مع توافر باقى شروط الصحة.\nوروى العراقي الحديث (١٥) من طريق حميد عن أنس أيضا وصححه، مؤيدا ذلك باتفاق البخاري ومسلم على إخراجه في الصحيحين من طريق سالم بن أبي الجعد عن أنس ﵁ (^٢).\nثم روى الحديث نفسه من طريق آخر وهو طريق عثمان بن سعد قال: سمعت أنس بن مالك، به. وقال: عثمان بن سعد أخرجت (^٣) حديثه للمتابعة وفيه لين، وقد أخرج له أبو داود عن أنس ﵁ حديث: «كانت قبيعة سيف رسول الله ﷺ فضة» وسكت عليه فهو عنده صالح (^٤) (^٥) وقد أفادنا العراقي في هذا الموضع أن الطريق التي تصلح للمتابعة لا يشترط أن تكون صحيحة ولاحسنة، بل يمكن أن تكون ضعيفة ضعفا خفيفا.\nوأفادنا في هذا الموضع أيضا أن ما كان ضعفه خفيفا هكذا، وعضده طريق\n_________\n(^١) ينظر نظم اللآلئ بالمائة العوالي/ تخريج الحافظ ابن حجر/ ١٠٨ - ١٠٩.\n(^٢) ينظر الأربعين العشارية/ ١٦٢ - ١٦٣.\n(^٣) في المطبوع (أخْرَجًا) والتصويب من النسخة الحلبية والمصرية، وبذلك يكون تعقب فضيلة المحقق في هذا الموضع للعراقي، في غير محله.\n(^٤) ينظر الأربعين العشارية/ ١٦٥.\n(^٥) كذا جاء في طبعة السنن بتحقيق الشيخ عوامة ٣/ حديث (٢٥٧٨) وفي طبعة الشيخ محيي الدين عبد الحميد ﵀ زيادة من بعض النسخ فيها تضعيف رواية سعد هذه فيكون ما ذكره العراقي من سكوت أبى داود، هو حسبما جاء في النسخة التي رجع إليها، فانتقاد فضيلة المحقق له في هذا بإطلاق، أيضا مدفوع.","vol":"5","page":1970},{"text":"آخر صحيح لذاته، فإن الضعيف يرتقي إلى الصحة لغيره مباشرة، وليس إلى الحسن فقط، وهذا مما لا نجده مصرحا به عند العراقي في مظنته من مؤلفاته في مصطلح الحديث. فيكون ما ذكره العراقي من سكوت أبي داود، هو حسبما جاء في النسخة التي رجع إليها، فانتقاد فضيلة المحقق له في هذا بإطلاق، أيضا مدفوع.\nولعل العراقي اعتنى بذكر تلك المتابعة مع ضعفها، لتصريح المتابع فيها بالسماع من أنس ﵁ في مقابل عنعنة حميد عنه، وإن كان الراجح اتصالها كما قدمت.\n\n<span data-type='title' id=toc-580>ب - بيانه للحسن، ولحال رواته.</span>\nأما الأحاديث التي حسنها العراقي في هذا الكتاب، فمنها حديث حسنه تبعا للترمذي (^١).\nوبقية المواضع وهي الأكثر - لم يعز فيها التحسين لغيره، وقد أعقبها بتعليلات للتحسين، ضمنها بيانا لأحوال بعض رجال الإسناد الذين اقتضى حالهم تحسين الإسناد، مع تطبيقات هامة لقواعد الجرح والتعديل لا نجد تصريحا بها في مظانها من كتب مصطلح الحديث، وكتب الرجال بما في ذلك مؤلفات العراقي نفسه في ذلك.\nوبذلك يكون لتعليلات العراقي وتطبيقاته في هذا الكتاب، آثارها الهامة في الاستفادة منها في بيان درجات الرواة المشابهين، ودرجات أحاديثهم، ودراسة الأسانيد عموما.\n_________\n(^١) ينظر الأربعين العشارية/ ٢١١.","vol":"5","page":1971},{"text":"فمن ذلك أن العراقى روى الحديث الأول من الأربعين، من طريق عمار بن محمد عن الصلت بن قويد الحنفى قال سمعت أبا هريرة ﵁ يقول: سمعت خليلي أبا القاسم ﷺ يقول: (الحديث).\nثم قال: وإسناده حسن، وعلل ذلك بقوله: عمار بن محمد، يكنى أبا اليقظان، وهو ابن أخت سفيان الثورى، وثقه يحيى بن معين، وغيره، واحتج به مسلم، ثم قال: والصلت بن قويد ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وروى عنه غير واحد، وأما النسائى فقال: لا أدرى كيف هو؟. ثم قال: وقد صرح الصلت بسماعه له من أبي هريرة، وقال أبو أحمد الحاكم في الكنى: سمع أبا هريرة (^١).\nفنلاحظ أنه علل تحسين الإسناد ببيان حال راويين فيه:\nأولهما: «عمار بن محمد» فذكر أن يحيى بن معين وغيره قد وثقوه، ثم قال: واحتج به مسلم، وبذلك جمع في بيان حاله بين التوثيق القولي، من ابن معين وغيره، وبين احتجاج مسلم به في صحيحه، وهذا يسمى التوثيق الفعلى، أو التعديل بالرواية (^٢) وقد قرر ابن دقيق العيد أن المصحح لحديث الراوى المنفرد به، بمثابة قوله: إنه ثقة (^٣) وقد أفادنا العراقي هنا أنه يعتد في بيان حال الراوى بالتوثيق الفعلى بجانب التوثيق القولي، بينما لا نجده يصرح بهذا.\n_________\n(^١) ينظر العشارية/ ١٢٨ - ١٢٩.\n(^٢) التعديل والتجريح للباجي ١/ ٢٩١ بتحقيق فضيلة الأخ الدكتور أبو لبابة حسين، والمنخول في علم الأصول للغزالي/ ٢٦٤/ بتحقيق الدكتور هيتو والمحصول للرازي ٤/ ٥٨٩ - ٥٩٠ - بتحقيق الأخ د/ طه علوان. والبحر المحيط للزركشى ٤/ ٢٨٩ - ٢٩١ وروضة الناظر مع شرحها نزهة الخاطر ١/ ٢٩٧ - ٢٩٩.\n(^٣) نصب الراية للزيلعي ١/ ١٤٨ - ١٤٩/ أحاديث التيمم.","vol":"5","page":1972},{"text":"في مظناته من مؤلفاته في مصطلح الحديث.\nوعندما نراجع مصادر ترجمة «عمار» هذا نجد مع توثيقه المتعدد بالقول والفعل، أن غير واحد من النقاد قد ضعفه تضعيفا مجملا، وفسر ابن حبان جهة الضعف بقوله: كان ممن فحش خطؤه، وكثر وهمه، فاستحق الترك من أجله (^١).\nولعل الدارقطني - وهو تلميذ ابن حبان - قد تبعه في وصفه «عمارًا» هذا بأنه متروك (^٢).\nوبهذا يظهر أن عمارًا مختلف فيه، ويُفهم من اقتصار العراقي على ذكر توثيقه القولي والفعلي أنه يرجح توثيقه، في حين اختلف ترجيح الذهبي: بين ثقة وصدوق (^٣) وذكر الحافظ ابن حجر ما يفيد الجمع بين الأقوال، فقال: صدوق يخطئ، وكان عابدًا (^٤).\nوهذا يلتقى مع القول بتحسين حديثه فيما لم يتبين خطؤه فيه.\nوأما الراوى الثاني: وهو «الصلت بن قويد» فذكر العراقي أن ابن حبان ذكره في ثقات التابعين، وأنه روى عنه غير واحد، وعقب على ذلك بأن النسائي قال فيه: «لا أدرى كيف هو؟».\n_________\n(^١) المجروحين لابن حبان ٢/ ١٩٥.\n(^٢) ينظر التاريخ الكبير للبخاري ٧/¬٢٩ والأوسط المطبوع باسم الصغير ٢/ ٢٤٧ والجرح والتعديل ٦/ ترجمة (٢١٩٠) والموضوعات لابن الجوزي ١/ ١٥٩ ط أضواء السلف وتهذيب التهذيب ٧/ ترجمة (٦٥٩).\n(^٣) الميزان ٣/ ١٦٨ والكاشف ٢/ ترجمة (٣٩٩٧) والمغنى ٢/ ترجمة (٤٣٨٥)، والديوان/ ترجمة (٢٩٩٣) ومعرفة الرواة المتكلم فيهم بما لا يوجب الرد/ ترجمة (٢٥٢).\n(^٤) التقريب/ ترجمة (٤٨٣٢).","vol":"5","page":1973},{"text":"وقد أفادنا العراقي بتحسين الإسناد: أن الراوى إذا روى عنه أكثر من واحد، ولم يوجد - بعد البحث الكافي - ما يفيد جرحه ولا تعديله، ولكن ذكره ابن حبان في الثقات، ولاسيما إن كان تابعيا، فإنه بمجموع ذلك تزول جهالة عينه وحاله، ويكون حديثه بمرتبة الحسن لذاته، ما لم تكن علة أخرى. وبناء على إشارته السابقة في تقريظ نظم الآلئ، يمكن وصف مثل هذا الراوى أيضا بأنه صدوق، حيث جعل وصف (الثقة) مقابل الصحة، ووصف أهل الصدق والسنن والصيانة المجزئة، مقابل الحسن كما أوضحته هناك وهذا التقعيد والتطبيق المستفاد من صنيع العراقي هنا، لا نجده أيضا مصرحا به في مظناته من مؤلفاته في مصطلح الحديث، مع أنه قد كرره أيضا في كتابه هذا، وفي بعض مؤلفاته الأخرى عند حكمه على بعض الأسانيد بالحسن، كما سيأتي.\nوعبارة النسائي التي ذكرها العراقى في وصف «الصلت» فيها اختصار، وقد جاءت في نقل الذهبى موضحة، فذكر أن النسائي ساق للصلت حديثه الذي رواه العراقي هنا،، ثم قال النسائي: لا أدرى كيف هو، حديثه منكر (^١).\nفأفاد بذلك أن عبارة «حديثه منكر» معناها هنا أنه منفرد بهذا الحديث، فلم يقف النسائى على متابع له عليه، ولم يجد ما يرفع جهالة حاله، ولذلك قرن مع تلك العبارة، عبارة «لا أدرى كيف هو؟» فتعتبر عبارة «حديثه منكر» ليست بيانا لحاله كما هو معتاد، ولكنها بمثابة تعليل من النسائي.\n_________\n(^١) المغنى في الضعفاء للذهبى ١/ ترجمة (٢٨٩٧).","vol":"5","page":1974},{"text":"لجهالته بحال «الصلت» وهو أنه متفرد بحديثه هذا، فهو إطلاق للنكارة بمعنى مجرد التفرد فقط، لا بمعنى الجرح، بدليل السياق، ولذلك اعتبر الذهبي والعراقى أن عبارة النسائي هذه تفيد جهالته بحال الصلت، لكنهما اختلفا بعد ذلك، فاقتصر الذهبي على الحكم بجهالة «الصلت» تبعا لقول النسائي، فقال: لا يعرف (^١) ورأى العراقى أن رواية أكثر من واحد عنه، وعدم وجود ما يفيد جرحه، مع ذكر ابن حبان له في ثقات التابعين، يرفع جهالة حاله، ويجعله في مرتبة من هو صدوق، حسن الحديث، كما تقدم.\nأما قول العراقي عن الحديث: وقد صرح الصلت بسماعه له من أبي هريرة، وتأييد ذلك بقول أبي أحمد الحاكم، فهو بيان لاستيفاء الحديث اتصال السند الذي هو شرط من شروط الصحيح والحسن لذاتهما، كما هو معروف.\nوروى العراقي أيضا الحديث (٢٠) من طريق سحامة بن عبد الله، قال: قدم علينا أنس بن مالك ﵁ واسطا، فحدثنا أن رجلا جاء إلى النبي ﷺ فذكر من أمره حاجة وفقرا (الحديث).\nوقال: هذا حديث حسن، «وسحامة» بفتح السين والحاء المهملتين. وقد ذكره ابن حبان في الثقات، إلا أنه سمى أباه «عبد الرحمن» وهكذا قال ابن أبي حاتم عن أبيه فيما صدر به كلامه، قال: وقيل: ابن عبيد الله، وقد روى عنه جماعة، وكيع، وأبو عامر العقدى، وآخرون (^٢).\nفيلاحظ أنه علل تحسين الحديث من طريق «سحامة» هذا بنحو ما علل به تحسين الحديث السابق من طريق «الصلت» وهو أن راويه قد ذكره ابن حبان.\n_________\n(^١) الديوان/ ١٨٦.\n(^٢) الأربعين العشارية/ ١٧٩ - ١٨٠.","vol":"5","page":1975},{"text":"في الثقات، وهو تابعي، وقد روى عنه جماعة، ولم نجد ما يفيد جرحه (^١) ونلاحظ هنا أن «سحامة» روى عنه أكثر من اثنين، فوصفه العراقي بأنه «روى عنه جماعة» والصلت لم نجد روى عنه سوى اثنين فقط، فوصفه بأنه «روى عنه غير واحد» وبهذا يستفاد أن الذي يطبق عليه العراقي قاعدة التحسين هذه، هو من روى عنه اثنان على الأقل، وذكره ابن حبان في الثقات، ولاسيما من كان من التابعين، ولم يوجد ما يفيد جرحه. وسيأتي تطبيق العراقي لتلك القاعدة أيضا في غير هذا الكتاب (^٢).\nوكما خالف الذهبي العراقي في حال «الصلت» كما سبق، فقد خالفه أيضا تلميذه ابن حجر في حال «سحامة» هذا، فوصفه بأنه «مقبول» (^٣) ومقتضى اصطلاحه في هذا الوصف أن حديثه ضعيف لذاته، فلا يرتقى إلى الحسن إلا بعاضد يقويه.\nوالحديث التاسع والثلاثون، رواه العراقي من طريق عبد الله بن بكار قال: حدثنا عكرمة بن عمار عن الهرماس بن زياد ﵁ قال: رأيت رسول الله ﷺ يوم عيد الأضحى، يخطب على بعير، ثم قال: هذا حديث حسن، وعزاه إلى أبي داود من طريق هشام بن عبد الملك الطيالسي، وإلى النسائي من طريق أبي نوح عبد الرحمن بن غزوان، كلاهما عن عكرمة بن عمار به.\nثم أشار إلى وجه تحسين الحديث فقال: وعبد الله بن بكار، ذكره ابن حبان.\n_________\n(^١) ينظر الثقات ٤/ ٣٥٠ - ٣٥١ والتهذيب ٣/ ٤٥٤.\n(^٢) ينظر قرة العين بالمسرة بوفاء الدين للعراقي/ ص ٣٥ بتحقيق مسعد السعدني.\n(^٣) التقريب (٢٢١١).","vol":"5","page":1976},{"text":"في الثقات، وعكرمة بن عمار، احتج به مسلم في صحيحه، ووثقه العجلى والدارقطني، وقال ابن عدى: مستقيم الحديث إذا روى عنه ثقة (^١) ويُلاحظ أن مدار طرق الحديث التي معنا على عكرمة بن عمار، وقد ذكر العراقي توثيقه الفعلى باحتجاج مسلم به في صحيحه، وذكر توثيقه القولى عن جماعة، ولم يذكر فيه تجريحا، في حين نجد في مصادر ترجمته وصف غير واحد من النقاد له بضعف ضبطه لبعض مروياته (^٢).\nفظهر أنه مختلفا في توثيقه المطلق الذى اقتصر العراقي عليه، فأفاد ترجيحه له، في حين جمع الذهبي وابن حجر بين الأقوال، فالذهبي مرة قال: ثقة إلا في حديثه عن يحيى بن أبي كثير (^٣) ومرة أخرى قال: صدوق مشهور (^٤). أما الحافظ ابن حجر فقال في التقريب: صدوق يغلط، وفي روايته عن يحيى بن أبي كثير اضطراب (^٥) وهذا هو الأقرب لجمع الأقوال في حاله، ويلتقى مع الحكم بتحسين الحديث الذي معنا من طريقه، لأنه ليس من روايته عن يحيى بن أبي كثير، لكن كان مقتضى ترجيح العراقي لتوثيقه المطلق، أن يصحح الحديث، لكون مدار طرقه عليه، كما أسلفت.\nأما عبد الله بن بكار فلم يذكر العراقي من حاله إلا ذكر ابن حبان له في الثقات، وبالمراجعة نجد أن ابن حبان قد ذكره في الثقات، وروى هذا\n_________\n(^١) الأربعين العشارية/ ٢٢٤ - ٢٢٥.\n(^٢) ينظر الميزان ٣/ ت (٥٧١٣).\n(^٣) الكاشف ٢/ ترجمة (٣٨٦٦).\n(^٤) ينظر المغنى في الضعفاء ٢/ ت (٤١٦٨).\n(^٥) التقريب/ ت (٤٦٧٢).","vol":"5","page":1977},{"text":"الحديث من طريقه، ولم يتكلم عنه بشيء، ولم يذكر له راويا غير من روى عنه هذا الحديث، وهو أبو يعلى الموصلي، صاحب المسند (^١).\nولم أجد من ترجم له غير ابن حبان في ثقاته، وأخرج له في صحيحه حديثا توبع عليه (^٢) فدل على عدم احتجاجه به بمفرده.\nوصنيع العراقي هنا يفيد ذلك، حيث ذكر من تخريج الحديث ما دل على متابعة اثنين من الثقات له وهما: هشام بن عبد الملك الطيالسي، أبو الوليد (^٣) عند أبي داود، وأبو نوح عبد الرحمن بن غزوان (^٤) عند النسائي، فيكون تحسينه للحديث من طريق ابن بكار، تحسينا لغيره.\nحيث لم يتوافر فيه بقية الشروط التي أشار إليها العراقي فيمن حسن حديثه لذاته، ممن ذكره ابن حبان في الثقات، كما تقدم في الحديثين السابقين، إلا أنه توبع من ثقتين كما تقدم.\nوقد حكم الحافظ ابن حجر على طريق أحدهما، وهو هشام بن عبد الملك، عند أبي داود، بأنه إسناد صحيح (^٥).\nفكان مقتضى ما تقدم عن العراقى أن يحكم هنا بالصحة لغيره، لا بالحسن؛ لأنه تقدم ذكره متابعة (عثمان بن سعد) وبيان ضعفها الخفيف، وتقرير الحكم بصحة الحديث باعتبار صحة طريق من تابعه (عثمان) من رواة الحديث الثقات (^٦).\n_________\n(^١) ينظر الثقات ٧/ ٦٢.\n(^٢) ينظر الإحسان ١١/ حديث (٤٧٤٤، ٤٧٤٧، ٤٧٤٨).\n(^٣) ينظر التقريب (٧٣٠١).\n(^٤) التقريب (٣٩٧٧).\n(^٥) تنظر الإصابة ٤/ ترجمة (٨٩٤٦).\n(^٦) ينظر الأربعين العشارية/ ١٦٣ - ١٦٥.","vol":"5","page":1978},{"text":"أما الحافظ الذهبي فقد أورد حديثنا هذا من طريق أبي يعلى الموصلي عن عبد الله بن بكار، به، وذلك في موضعين من كتابه (سير أعلام النبلاء) وفي أحدهما قال: هذا حديث حسن (^١) وفي الموضع الآخر قال: هذا حديث قوى الإسناد (^٢).\nوما قدمته من حال «عبد الله بن بكار» يقتضى أن الحديث من طريقه ضعيف لذاته، وبمراعاة المتابعة الصحيحة يكون صحيحا لغيره، تبعا للقواعد. إلا أن الذي لاحظته بالنسبة إلى العراقى وغير واحد من الحفاظ المعتبرين، أن بعض القواعد التي يقررونها، لا يطرد تطبيقهم لها في كل المواضع المشابهة. وهذا في تقديرى لا يقدح في سلامة القاعدة نفسها، وإنما يقدح في الموضع الذي لا يُراعى فيه تطبيقها فقط، لسهو عارض، أو لغيره، مما لا يقدح أيضا في مكانة هؤلاء الحفاظ العلمية، وسبحان من له الكمال وحده.\nوقد روى العراقى الحديث (١٣) بسنده من طريق أبي بكر بن عياش عن أبي إسحق عن البراء بن عازب ﵄ قال: خرج رسول الله ﷺ وأصحابه، فأحرمنا بالحج (الحديث) وقال العراقي: هذا حديث حسن، وأتبع ذلك بأمرين: -\nأولهما: بيان حال أبي بكر بن عياش، لكون مدار طرق الحديث عليه، وقد ذكر قول بعض من وثقه مطلقا، ومن قال فيه: ثقة ربما غلط، ومن أثنى على عدالته في الدين، كما ذكر من تعديله الفعلى أن البخارى احتج به في صحيحه، وأن الترمذى صحح من طريقه، وأن ابن حبان ذكره في الثقات،\n_________\n(^١) السير ١٤/ ١٨١.\n(^٢) ٧/ ١٣٨.","vol":"5","page":1979},{"text":"كما ذكر قول ابن عدي: لم أر له حديثا منكرا من رواية ثقة عنه، لكنه ذكر أيضا أن ابن نمير ويحيى القطان قد ضعفاه (^١) وبهذا أشار إلى أنه مختلف في توثيقه وتجريحه، وأن الأكثرين على ترجيح الاحتجاج به، وبذلك يكون الحديث من طريقه لا ينزل عن مرتبة الحسن لذاته، ما لم تكن هناك علة أخرى.\nأما الأمر الثاني: فهو دفع العراقى لمظنة انقطاع الإسناد، ولضعف رواية أبي بكر بن عياش عن أبي إسحق السبيعي، حيث إنه بعد بيان حال ابن عياش كما قدمت قال: وقد صحح الترمذي بهذا الإسناد حديث «كنا نتحدث أن أصحاب بدر بعدة أصحاب طالوت» الحديث (^٢).\nوالحديث المذكور قد أخرجه الترمذى فعلا من طريق أبي بكر بن عياش عن أبي إسحق السبيعي عن البراء، به وقال: هذا حديث حسن صحيح (^٣).\nوأبو إسحق السبيعي هو عمرو بن عبد الله، وقد وصف بالاختلاط بآخره، وبالتدليس القادح (^٤) وممن وصفه بالتدليس: الترمذى في غير هذا الموضع من جامعه (^٥) فتصحيحه للحديث السابق ذكره، يفيد مراعاته لعدم تدليس السبيعي فيه، كما أن تصحيحه لهذا الحديث يفيد أن رواية أبى بكر بن عياش عن السبيعي ليست في وقت اختلاط السبيعي، وهذا استنتاج تطبيقي من مقتضى الشروط\n_________\n(^١) ينظر الأربعين العشارية/ ١٥٧ - ١٥٩ والكاشف ٢/ ترجمة (٦٥٣٥) والتهذيب ١٢/ ت (١٥١).\n(^٢) الأربعين العشارية/ ١٥٨.\n(^٣) جامع الترمذى (١٥٩٨).\n(^٤) الكواكب النيرات/ ترجمة (٤١) وطبقات المدلسين/ ١٠١ بتحقيق البنداري وزميله.\n(^٥) جامع الترمذي - كتاب الدعوات/ عقب الحديث (٣٤٧٥).","vol":"5","page":1980},{"text":"المعتبرة في الصحيح، ومن حكم الترمذي به على المروى بهذا الإسناد، ومثل هذا لا نجده في مصادر ترجمة كل من أبى بكر بن عياش، وأبي إسحق السبيعي. ويؤيد هذا الاستنتاج تصحيح الذهبي للحديث بهذا الإسناد، كما سيأتي. وفي هذا أيضا معارضة لقول أبي حاتم الرازي: إن سماع أبي بكر بن عياش، من أبي إسحق السبيعي، ليس بالقوى (^١).\nومما يؤيد معارضة ذلك: أن كلا من البخارى ومسلم قد أخرجا في صحيحيهما عن أبي الأحوص عن أبي إسحق (^٢).\nوقد سئل ابن معين: أبو الأحوص أحب إليك في أبي إسحق، أو أبو بكر بن عياش؟ فقال: ما أقربهما (^٣) فسوى بينهما كما ترى في روايتهما عن أبي إسحق، ومقتضاه أن رواية ابن عياش عنه مشاركة الرواية أبي الأحوص في الصحة، وفي كونها قبل اختلاط أبى إسحق، وأيضا جاء عن أبي بكر بن عياش ما يفيد عنايته بتمييز ما سمعه أبو إسحق من شيوخه (^٤).\nوبما تقدم عن العراقي وبما يؤيده يندفع أيضا توقف البوصيري في الحكم على الحديث لأجل عدم وقوفه على حال رواية أبي بكر بن عياش عن السبيعي (^٥). أما الإمام الذهبي فأخرج الحديث بسنده المذكور، وقال: هذا حديث صحيح من العوالي (^٦).\n_________\n(^١) ينظر علل الراز ١/¬٣٥.\n(^٢) ينظر الكواكب النيرات وحاشيته/ ص ٣٥١ - ٣٥٢.\n(^٣) ينظر سؤالات عثمان الدارمي/ برقم (٨٦).\n(^٤) ينظر شرح العلل لابن رجب ٢/ ٥٣٨.\n(^٥) ينظر مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه للبوصيري/ حديث (١٠٤٦).\n(^٦) ينظر السير ٨/ ٤٣٨.","vol":"5","page":1981},{"text":"ومقتضى هذا ترجيحه لتوثيق أبى بكر بن عياش، في غير ما عرف وهمه فيه، كما يفهم هذا أيضا من تلخيصه لحاله في عدد من كتبه (^١).\nلكنه أنزله إلى مرتبة من يحسن حديثه في غير ما وهم فيه، وذلك في كتابين آخرين من كتبه (^٢).\nوهذا هو الموافق لصنيع العراقي هنا.\nومن هذا كله يتضح لنا عمليا أن الراوى المختلف في توثيقه وتجريحه، تختلف أنظار النقاد، بل الناقد الواحد، في تحديد مرتبته، ودرجة حديثه تبعا لذلك.\nويؤيد ذلك أيضا أن العراقي أخرج الحديث (٢٧) من طريق سلمة بن وردان، قال: سمعت أنس بن مالك ﵁ يقول: ارتقى رسول الله ﷺ المنبر فقال: آمين (الحديث) ثم قال: هذا حديث حسن، ثم أتبع ذلك ببيان حال «سلمة بن وردان» لكون مدار الحديث عليه، فقال: وسلمة بن وردان حسن له الترمذى حديثه عن أنس: من ترك المراء وهو باطل (الحديث)، وهو من أفراده عن أنس، فقال: هذا حديث حسن، لا نعرفه إلا من حديث سلمة، ثم قال العراقي: وقال معاوية بن صالح عن ابن معين: ليس حديثه بذاك، وقال أبو حاتم: ليس بقوى، عامة ما يرويه عن أنس منكر (^٣).\nوروى العراقي الحديث (٣٠) أيضا من طريق مسلمة بن وردان عن أنس.\n_________\n(^١) ينظر الكاشف ٢/ ترجمة (٦٥٣٥) والمغنى ٢/ ت (٧٣٤٦) ومعرفة الرواة المتكلم فيهم/ رقم (٣٩٠) ط الباز.\n(^٢) ينظر الميزان ٤/ ترجمة (١٠٠١٦) والديوان/ ت (٤٨٧٧).\n(^٣) الأربعين العشارية ١٩٥ - ١٩٧.","vol":"5","page":1982},{"text":"﵁ خرج رسول الله ﷺ يتبرز فلم يتبعه أحد (الحديث)، وقال العراقي: هذا حديث حسن، وأتبع ذلك بقوله: وسلمة بن وردان، فيه ضعف، وقد حسن له الترمذي أحاديث، كما سيأتي (^١).\nوقوله: كما سيأتي، إحالة إلى حديث (٣٣)، فقد أخرجه من طريق سلمة بن وردان أيضا، وقال: هذا حديث حسن، أخرجه الترمذي عن يوسف بن عيسى عن الفضل بن موسى عن سلمة بن وردان، وقال: هذا حديث حسن، إنما نعرفه من حديث سلمة (^٢).\nومن هذا تلاحظ أن العراقي يؤكد تقريره لنوع التعديل الفعلي، وإمكان ترجيحه على التجريح القولي، ولو تعدد، فقد ذكر ما يفيد أن الترمذي إذا حسن حديث الراوي مع إشارته لتفرده به عن شيخه، فإن ذلك يفيد تقرير اتصال رواية هذا الشخص عن شيخه، وتحسين حديثه لذاته، ما لم تكن هناك علة أخرى، ودون احتياج إلى ما قد يكون للحديث من شواهد (^٣) وأن ذلك يكون بمثابة وصف الترمذي للراوي بأنه صدوق، وما في حكم هذه اللفظة، وقد أفاد العراقي أيضا أن الترمذي يشير إلى تفرد الراوي بالحديث ببعض العبارات الاصطلاحية، كقوله: لا نعرفه إلا من حديث فلان، أو قوله: إنما نعرفه من حديث فلان.\n_________\n(^١) الأربعين العشارية/ ٢٠٢ - ٢٠٤.\n(^٢) الأربعين المشارية/ ٢١٠ - ٢١١ وجامع الترمذي (٣٥١٢) وفي طبعة الحلبي: حسن غريب، وهو الموافق لبقية كلام الترمذي بعده.\n(^٣) لأن الأحاديث الثلاثة السابقة لها شواهد/ ينظر تعليق فضيلة محقق الأربعين العشارية/ ١٩٦، ٢٠٤ - ٢٠٢، ١٩٧","vol":"5","page":1983},{"text":"وقد سبق ابن دقيق العيد، العراقي إلى تقرير هذا بالنسبة إلى تصحيح الترمذى، فذكر أنه لا فرق بين أن يقول الترمذى عن الراوى: (إنه ثقة)، وبين أن يصحح له حديثا تفرد به، ولو كان هذا الراوى لم يُعرف أنه روى عنه غير راو واحد (^١) كما قرر الحافظ ابن حجر مثلما قرر شيخه بالنسبة إلى الحسن، فذكر أن من يقول الترمذى عن حديثه: (حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث فلان) فذلك يقتضى أن يكون هذا الراوى عند الترمذى صدوقا معروفا (^٢).\nوبمثل ذلك يتقرر قبول التعديل الفعلى والاعتداد به، من حيث كونه قاعدة عامة يؤخذ بها، أما من حيث تطبيقها فيلزم مراعاة الملابسات الخاصة بكل راو على حدة، مع مجموع ما جاء في حاله من جرح أو تعديل آخر، إن وجد.\nفإذا فعلنا هذا بالنسبة لسلمة بن وردان، وجدنا أن أكثر النقاد غير الترمذي، قد ضعفوه، مع تفسير بعضهم ذلك بما يتعلق بضبطه، ولاسيما روايته عن أنس ﵁ وهو في الحديث الذى معنا يروى عن أنس، وقد عزا ابن حبان ضعف ضبط سلمة إلى تغير حفظه بعد كبر سنه، ولم أجد من وافق الترمذى على الاحتجاج به بمفرده، إلا ما حكاه ابن شاهين عن أحمد بن صالح المصرى أنه قال: هو عندى ثقة حسن الحديث، حسن الحال، أما ابن سعد فقال: كان عنده أحاديث يسيرة، وكان ثبتا فقيها، ولا يحتج بحديثه، وبعضهم يستضعفه (^٣)\n_________\n(^١) ينظر نصب الراية للزيلعي ١/ ١٤٨ - ١٤٩/ باب التيمم.\n(^٢) ينظر تعجيل المنفعة/ ترجمة (عبد الله بن عبيد الديلي) رقم (٥٦١). وتحفة الأبرار للسيوطى/ ٤٤.\n(^٣) ينظر الميزان ٢/ ترجمة (٣٤١٤) والتهذيب ٤/ ترجمة (٢٧٥) وإكمال تهذيب الكمال =","vol":"5","page":1984},{"text":"وفي عبارة ابن سعد هذه جمع بين الأقوال في حال سلمة، فأشار إلى أن ما يوصف به من التعديل، يحمل على عدالته في الدين، وما وصف به من تضعيف فيحمل على ضعف ضبطه، بحيث لا يرقى إلى الاحتجاج به بمفرده، وبهذا صرح ابن حبان أيضا في نهاية كلامه عنه (^١).\nوسيأتى عن السخاوى نحو هذا الجمع.\nوقد رجح تضعيفه مطلقا كل من الذهبى (^٢) والهيثمى (^٣) وابن حجر مع توقفه في تحسين الترمذى لحديثه هذا لذاته (^٤).\nوبذلك لا يوافق الإمام الترمذى ولا أحمد بن صالح المصرى، على تحسين حديث «سلمة» لذاته، ولا يوافق الحافظ العراقى في متابعته للترمذى على ذلك، لمخالفتهم ما عليه أكثر النقاد من تضعيف «سلمة» من جهة ضبطه، لاسيما في روايته عن أنس بن مالك ﵄ فيكون حديثه ضعيفا لذاته، ويرتقى إلى الحسن أو الصحة بما يعضده.\nوقد ذكر السخاوى ما يفيد هذا، فذكر الحديث المذكور من طريق «سلمة» عن أنس، وعزاه إلى البزار، وابن أبى شيبة في مسنديهما، وذكر قول البزار: سلمة، صالح، وله أحاديث يستوحش منها، لا يعلم رواها بألفاظه غيره.\nوعقب السخاوى على ذلك، فقال: قلت: بل هو ضعيف، والظاهر أن قول\n_________\n= لمغلطاي ٣/ ٩٩٠ - ٩٩١ مخطوط.\n(^١) ينظر المجروحين ١/ ٣٣٦.\n(^٢) ينظر الكاشف ١/ ترجمة (٢٠٥٢) والمغنى ١/ ترجمة (٢٥٤٩) والديوان ترجمة (١٧١٩).\n(^٣) مجمع الزوائد ١٠/ ١٦٦.\n(^٤) ينظر نظم اللآلئ له حديث (٩١).","vol":"5","page":1985},{"text":"البزار: إنه صالح، عنى به الديانة؛ لكن لحديثه شواهد، كما ترى. وهو عند «تمام» من حديث موسى الطويل عن أنس بمعناه، وسنده ضعيف أيضا، ثم ذكر أن له شواهد، وذكر منها ما يزيد على عشرة، منها ما هو صحيح، وما هو حسن، وما هو ضعيف (^١).\nفيعتبر «سلمة بن وردان» هذا مثالا للراوى المختلف في تعديله وتجريحه وبالتالي في درجة حديثه لذاته، مع ترجح تضعيفه وبالتالي تضعيف حديثه لذاته، وتقويته بما يعضده.\nوروى العراقي الحديث التاسع والعشرين من طريق يحيى بن عبد الحميد الحماني قال: حدثنا عطوان بن مشكان قال: حدثتني جمرة بنت عبد الله اليربوعية قالت: ذهب بي أبي إلى رسول الله ﷺ (الحديث).\nثم قال: هذا حديث حسن، ويحيى بن عبد الحميد الحماني، إمام حافظ، ولكن قد اختلف فيه، فوثقه ابن نمير، وابن معين، واختلف كلام أحمد بن حنبل، فوثقه مرة، ونسبه مرة إلى الكذب، وعطوان روى عنه جماعة، وقال فيه أبو حاتم: شيخ ليس بمنكر الحديث، كتبنا عن رجلين عنه (^٢).\nفيلاحظ هنا أنه أعقب حكمه بالتحسين، ببيان حال راويين فقط من إسناده، هما: يحيى الحماني، وعطوان، إشارة إلى أنهما قد يستشكل بحالهما على حكمه بتحسين الحديث من طريقهما، وقد أشار في بيان حال يحيى إلى أن سبب نزول حديثه إلى درجة الحسن، أنه مع اتصافه بالإمامة والحفظ، فقد اختلف فيه اختلافا قويا، بين توثيقه، وصدقه، وبين تكذيبه وغفلته، وجاء\n_________\n(^١) ينظر القول البديع للسخاوى - الباب الثالث/ ٢٠٧ - ٢١٣.\n(^٢) الأربعين العشارية/ ٢٠٠ - ٢٠١.","vol":"5","page":1986},{"text":"في عدة أقوال مفسرة، ما يفيد أن تكذيبه ليس لوضعه الحديث، ولكن لسرقته بعض مرويات غيره، ودعوى سماعه ما لم يسمعه، وكذبه في بدعته، وقد جاء عنه نفسه وعن ابن معين رد ما جرح به، بأنه من بعض حسدته، ومقتضاه عدم قدحه فيه، ولما سبر ابن عدى رواياته قال: لم أر في مسنده، وأحاديثه منكرا، وأرجو أنه لا بأس به (^١).\nوعليه يكون تحسين العراقي للحديث هنا من طريقه متجها مع خلاصة رأى ابن عدى هذه فيه، وقد أشار الذهبى في الديوان إلى إقرار قول ابن عدى فيه، مع إضافته نسبته إلى غلو التشيع (^٢) وحديثه هنا كما نرى، ليس مؤيدا لبدعته، وقال عنه الذهبي أيضا: حافظ منكر الحديث (^٣).\nوقال ابن حجر: حافظ، إلا أنهم اتهموه بسرقة الحديث (^٤)، وجزم في الفتح بأنه ضعيف (^٥) لكن في الإصابة، ذكر ما يفيد الاحتجاج به، كما سيأتي، والعراقي نفسه مع تحسين حديثه هنا، فإنه في كتابه «محجة القرب» ذكر الخلاف فيه بنحو ما ذكره هنا، وقال: وضعفه الجمهور (^٦)، وهذا يفيد ترجيحه لتضعيفه.\nومن هذا يظهر لنا أن الراوى المختلف في تعديله وتجريحه، بين أكثر من عالم، قد\n_________\n(^١) ينظر تاريخ بغداد ١٤/ ١١٩ والميزان ٤/ ترجمة (٩٥٦٧) والتهذيب ١١/ ٣٩٨.\n(^٢) ديوان الضعفاء/ ترجمة (٤٦٥٦).\n(^٣) ينظر المغنى في الضعفاء ٢/ ترجمة (٧٠٠٦).\n(^٤) التقريب (٧٥٩١).\n(^٥) فتح الباري ٣/ ٤٠٤، ٨/ ٢٣٥.\n(^٦) محجة القرب للعراقي/ ١١/ ب مخطوطة دار الكتب المصرية.","vol":"5","page":1987},{"text":"يختلف أيضا رأى العالم الواحد في تقرير الراجح من حاله، وبالتالى درجة حديثه، كما ترى، فلابد من الاحتراس والتأنى في استخلاص الراجح في حال الرواة المختلف فيهم، والأخذ بما تقتضى به القواعد والقرائن.\nوأما «عطوان بن مُشْكان»: فقد ترجم له ابن أبي حاتم، وذكر الرجلين اللذين رويا عنه، وذكر قول أبي حاتم السابق بأنه ليس بمنكر الحديث (^١)، ويضاف للراويين عنه المشار إليهما: يحيى الحماني الذي يروى عنه هنا، فيصبح الرواة عنه جماعة، كما ذكر العراقي، وقد اعتبر العراقي أيضا قول أبي حاتم السابق، أنه بمثابة وصفه بأنه صدوق، يُحسن حديثه، بل نقل ابن حجر عن ابن معين أنه قال: لا بأس به (^٢).\nوقد تعقب ابن حجر أيضا قول ابن عبد البر عن حديث «جمرة» هذا بأنه لا يصح، فذكر أنه ليس في إسناده من هو محل نظر غير «عطوان» هذا وأن وصف ابن معين السابق له، يقتضى الاحتجاج به.\nوبهذا يتأيد حكم العراقي بتحسين الحديث من طريقه كما تقدم.\n\n<span data-type='title' id=toc-581>جـ - بيانه للضعيف أو الموضوع، والحال راويهما، ونقده لغيره في هذا</span>\nبعد أن ذكر العراقى أنه يورد في كتابه هذا الصحاح والحسان، قال: وربما أوردت الغريب إذا كان راويه غير معروف بتعمد الكذب وفعله، ولاشك أن رواية من هو مستور الحال أو مجهول، أولى ممن عُلم جرحه مفسرا عند أهله، ثم قال: واجتنبت إيراد رواية من عُرف بالكذب، كأبي هدبة، وموسى\n_________\n(^١) ينظر الجرح والتعديل ٧/¬٤١.\n(^٢) ينظر الإصابة ٤/ ترجمة (جمرة بنت عبد الله).","vol":"5","page":1988},{"text":"الطويل، ودينار الحبشى، ويغنم بن سالم والأشج (^١) وهؤلاء الضرب الذين لا يفرح بعواليهم إلا من غلب عليه غباوة جهله (^٢) فيستفاد من كلامه هذا، أنه لم يقتصر في كتابه على الصحيح ولكنه يذكر الضعيف أيضا، وإن كان قليلا بالنسبة إلى مجموع أحاديث الكتاب، وهذا فعلا مطابق لواقع الكتاب، كما سيأتي توضيحه.\nثم إن العراقي أشار إلى نقاش درجات الضعف، بحسب درجات من يرويه، من مجهول أو مستور، أو مصرح بجرحه المفسر بفعل الكذب في الحديث تعمدا، وقرر أنه اجتنب إيراد حديث من عُرف بتعمد الكذب وفعله في الحديث، وقد وفي العراقى بذلك فعلا، بالنسبة للأربعين العشارية التي هي أصل موضوع الكتاب، وذلك لما هو معروف: أن الحديث إذا انفرد به من ثبت تعمده الكذب في الحديث، كان هذا الحديث بسببه موضوعا، مكذوبًا عليه ﷺ (^٣) كما سيأتي بيانه.\nومعنى هذا أن ما لم يجتنبه من الضعيف، بل أورد القليل منه في أصل موضوع الكتاب وهو العشاريات، فإنه حرص على أن يكون ضعفه أخف من ضعف من عرف بتعمد الكذب في الحديث.\n_________\n(^١) هو عثمان بن الخطاب المغربي، أبو عمر البلوى، أبو الدنيا، الأشج، روى عن علي بن أبي طالب بعد الثلاثمائة، فافتضح أمره، وكذبه النقاد/ ينظر تاريخ بغداد ١١/ ٢٠٩٩ والميزان ٣/¬٣٣ و٤/ ٥٢٢.\n(^٢) الأربعين العشارية/ ١٢٣.\n(^٣) ينظر مقدمة جامع التحصيل للعلائي/ ٣٤ وما بعدها. والكامل لابن عدى ٢/ ٦٩٦ - ٦٩٧/ ترجمة (حميد بن الربيع) وأجوبة الحافظ ابن حجر على ما وصف بالوضع من أحاديث مشكاة المصابيح ٣/ ١٧٧٨، ١٧٨٤ (الحديث الثامن). وتنزيه الشريعة ١/¬١٠، ٢/ ١٣٣ - ١٣٤ واللآلئ المصنوعة للسيوطى ١/ ٤٣٧ - ٤٣٩.","vol":"5","page":1989},{"text":"وبمراجعة ما حكم العراقي عليه بالغرابة فقط خلال الكتاب، نجد أن مراده بالغريب: ما تفرد به راو مجهول وهذا في موضع واحد (^١) أو ما تفرد به راو مصرح بتضعيفه ضعفا يقبل الانجبار بما يعضده وهذا في (٣) مواضع، ولم يراع ما يوجد للحديث أو لبعضه من شاهد يعضده، ويدفع غرابته (^٢) مع أنه في تقريظه لكتاب «نظم اللآلئ» لتلميذه ابن حجر، راعى ذلك فقال: والغرائب التي هي عن النكارة مبرأة (^٣).\nلكنه في كتابه هذا اقتصر على الحكم بالغرابة للطريق التي روى هو منها الحديث فقط، دون نظر لما قد وجده غيره من الشواهد، وقد أيد حكمه في ثلاثة أحاديث بذكر وصف الترمذي لكل منها بالغرابة المقيدة بالوجه الذي رواه العراقي منه (^٤).\nولما كان العراقي من أئمة الاصطلاح تأليفا، وتطبيقا، في دراسة الأسانيد والحكم عليها، خلال مؤلفاته بما فيها هذا الكتاب نفسه، فإنه كان ينبغي أن لا يقتصر على وصف الغرابة المجردة، ويترك استنتاج اتصاف الإسناد بالضعف للقارئ، بناء على ما يذكره من حال الراوى المنفرد، بل كان الأولى أن يصرح في إجمال منهجه بذلك، فيقول مثلا: «وربما أوردت الغريب الضعيف إذا كان راويه غير معروف بتعمد الكذب … الخ» وقد فعل مثل هذا في غير هذا الكتاب، كما سيأتي في موضعه، وفعل هذا الذهبي أيضا في حكمه.\n_________\n(^١) ينظر الأربعين العشارية مع حواشيها ص ١٧٢، ٢٠٥، ٢١٦.\n(^٢) ينظر الأربعين العشارية مع حواشيها ص ١٧٢، ٢٠٥، ٢١٦.\n(^٣) ينظر نظم اللآلئ بالمائة العوالي/ ١٤٤.\n(^٤) ينظر الأربعين العشارية مع حواشيها/ ١٧٢، ٢٠٥، ٢١٦.","vol":"5","page":1990},{"text":"على الحديث الأربعين عند العراقي، ومثله الحديث الأول مما زاده على الأربعين من الثلاثة التساعيات، ونقل العراقي حكم الذهبي المصرح بالتفرد والضعف، وأقره (^١).\nكما ينبغي أيضا أن يراعى أن أكثر تلك الأحاديث التي وصفها بالغرابة، قد وجد لها من الشواهد ما يرقى بعضها إلى الحسن، وبعضها إلى الصحة (^٢). وبمقتضى هذا تخرج عن دائرة الضعف، وترقى إلى درجة الاحتجاج بها.\nأما ما أشار العراقي إلى ضعفه بغير وصف الغرابة، فهو قليل، فمنه طريق للحديث الأول، حيث أخرجه أولا بسنده، من طريق الصلت بن قويد عن أبي هريرة، وحسنه، ثم ذكر طريقا آخر للحديث، عزاها لعبد الله بن أحمد في زياداته على المسند عن إبراهيم بن عبد الله الهروي، وذكر في سندها بين الصلت بن قويد، وبين أبي هريرة «أبا أحمر» وتعقب العراقي ذلك بأنه وهم من إبراهيم الهروي، ثم قال: وسبب الوهم: أن الصلت كنيته «أبو أحمر» كما قال يحيى بن معين والنسائي وأبو أحمد الحاكم، وابن حبان في الثقات، ثم بين أن إبراهيم مختلف فيه تضعيفا وتوثيقا، ولكنه خلاف لا ينزله إلى درجة الضعف في عامة رواياته، ولكن ما يظهر خطؤه فيه فقط، مثل تلك الرواية، فتضعف بخصوصها (^٣).\nومجموع الآراء في حال إبراهيم، وخلاصتها يؤيد ذلك (^٤).\n_________\n(^١) ينظر الأربعين العشارية/ ٢٢٧.\n(^٢) ينظر الأربعين العشارية، وحواشي محققها الفاضل/ ٢٠٦ - ٢٠٧، ٢١٦ - ٢١٧، ٢٢٠ - ٢٢٣.\n(^٣) ينظر الأربعين العشارية/ ١٢٩.\n(^٤) ينظر تاريخ بغداد ٦/¬١٢ والكاشف ١/ ترجمة (١٥٢) والتهذيب ١/ ترجمة رقم (٢٣٥) والتقريب (ترجمة رقم ١٩٣).","vol":"5","page":1991},{"text":"لكن هذه الرواية لم أجدها في طبعات المسند الحالية، وقد ذكرها الحافظ في التعجيل، وأشار إلى سبق العلائي إلى ذكرها في مسلسلاته وتبعية العراقي في ذلك لشيخه العلائى، ولم يتعقبهما بشيء (^١) مع أنه لم يذكر هذه الرواية في كتابه «المسند المعتلى» في أطراف المسند.\nوقد بين العراقي بهذا أن تلك الرواية بزيادة راو في الإسناد، لا تعلى الرواية الأخرى الخالية من الزيادة والتي حكم بحسنها، لكون الوهم في رواية الزيادة هذه ظاهر، ويقتضى ضعفها.\nوروى العراقي أيضا متابعة للحديث الخامس عشر كما تقدم، وبين ضعفها الخفيف الذي ارتقى بالطريق الصحيحة للحديث إلى الصحيح لغيره، كما قدمت (^٢).\nوروى العراقي الحديث الأربعين من طريق جعفر بن حميد عن عمر بن أبان قال: أراني أنس بن مالك الوضوء (الحديث)، وذكر قول الطبراني: لم يرو عمر (^٣) بن أبان عن أنس حديثا غير هذا، ثم قال: هذا حديث غريب، أخرجه الطبراني هكذا في معجميه، الصغير (^٤) والأوسط (^٥) وأورده الحافظ أبو عبد الله الذهبي في الميزان، في ترجمة (جعفر بن حميد) (^٦) وقال: تفرد به.\n_________\n(^١) تعجيل المنفعة ١/ ترجمة (٤٨٢).\n(^٢) وينظر الأربعين العشارية/ ١٦٣ - ١٦٥.\n(^٣) في المطبوع «عمرو» والتصويب من النسخة المصرية.\n(^٤) حديث (٣٢٢).\n(^٥) حديث (٣٣٦٢).\n(^٦) الميزان ١/ ترجمة (١٤٩٩).","vol":"5","page":1992},{"text":"عنه الطبراني، وعمر بن أبان لا يدرى من هو؟ والحديث ثماني لنا على ضعفه (^١).\nفأفاد الذهبي بهذا جهالة كل من: عمر بن أبان، وجعفر بن حميد، وصرح بضعف الحديث من طريقهما، وبتفرد الطبرانى به عن جعفر، وعلى ضوء ذلك حكم العراقي على الحديث بأنه غريب، مع إقراره الذهبي على تضعيفه. وقد أوضح بصنيعه هذا ما أشار إليه في مقدمة الكتاب من أنه ربما ذكر حديثا غريبا، يكون ضعفه خفيفا لجهالة أو ستر راويه، وعدم جرحه بتعمد الكذب.\nونلاحظ أنه لم يذكر العراقي ولا الذهبي لهذا الحديث ما يدفع غرابته ويجبر ضعفه من متابع أو شاهد، في حين يوجد له شاهد بنحوه من حديث على ﵁ أخرجه البزار في مسنده، وقال الحافظ ابن حجر عنه: إسناده مقارب (^٢).\nفيمكن به دفع الغرابة، وارتقاء الحديث إلى الحسن لغيره.\nوأيضا تثليث الوضوء ماعدا مسح الرأس، له عدة شواهد (^٣) وقد أخرج ابن حجر هذا الحديث في عشارياته من طريق الطبراني، به ثم قال: هذا حديث غريب من هذا الوجه، وذكر كلام الذهبى السابق عن كل من: جعفر وعمر ابن أبان، وتضعيف الحديث لأجلهما، وعقب على ذلك بقوله: و«عمر بن أبان» ذكره ابن حبان في الثقات (^٤) وكذا ذكر الهيثمي رفيق العراقي (^٥).\n_________\n(^١) ينظر الأربعين العشارية/ ٢٢٦ - ٢٢٧.\n(^٢) نصب الراية للزيلعي ١/¬٣١ - ٣٢ والدراية لابن حجر ١/¬٢٧ - ٢٨.\n(^٣) ينظر نصب الراية ١/¬٣١ - ٣٢.\n(^٤) الأربعين العشارية لابن حجر ٥/ ب (مخطوط).\n(^٥) مجمع الزوائد ١/ ٢٣٥.","vol":"5","page":1993},{"text":"ويبدو أن هذا اشتباه منهما، فإن ابن حبان ذكر ممن اسمه (عمر بن أبان) في الثقات، راويين، أحدهما في التابعين (^١) والثاني في أتباع التابعين (^٢) ولكن ماذكره عن كل منهما لا ينطبق على الذى معنا.\nولعل مما يؤيد هذا أن ابن حجر لما ذكر عمر بن أبان هذا في اللسان، أقر حكم الذهبي بجهالته، ولم يذكر أن ابن حبان قد ذكره في الثقات (^٣) وأيضا تعقب ابن الجزرى ما ذكره الذهبى عن راوبي هذا الحديث، وتضعيفه له فقال: رحم الله الذهبي، ما أسرعه إلى التضعيف والجرح، أما جعفر بن حميد فلا يضره تفرد الطبراني عنه، بل رفع عنه الجهالة، ولا نعلم أحدا تكلم فيه، وأما عمر بن أبان فقد ذكره ابن حبان في الثقات، فحكمه على الحديث بالضعف غير مسلم (^٤).\nوما قدمته بشأن ذكر (عمر بن أبان) في ثقات ابن حبان، يفيد اشتباه الأمر على ابن الجزرى كذلك، ويؤيد الحكم بضعف الحديث بسنده هذا، كما ذكر الذهبي والعراقي، لكنهما متعقبان بوجود شواهد للحديث ترقيه إلى: الحسن لغيره، كما قدمت، ولم يذكر أي منهما شيئا منها.\nأما الضعيف الذي ذكره العراقى فيما زاده على الأربعين، وهو الأحاديث الثلاثة التساعية، فالأول منها، رواه بسنده، من طريقه السابق، لكن بإسناد\nتساعى، فيكون أعلا درجة من إسناده العشارى به (^٥) وقد اكتفى العراقي عن\n_________\n(^١) الثقات ٥/ ١٥٣\n(^٢) الثقات ٧/ ١٧١\n(^٣) اللسان ٤/ ترجمة (٨٠٦).\n(^٤) ينظر الأربعين العشارية لابن الجزري/ ٧١ - ٧٣ (مخطوط).\n(^٥) ينظر الأربعين العشارية/ ٢٢٧ - ٢٢٨","vol":"5","page":1994},{"text":"الكلام على رواته، وتضعيفه بما تقدم، وبالتالي يتعقب بما قدمت أيضا من وجود شواهد عاضدة له، لم يذكر العراقي منها شيئا.\nوأما الحديث الثانى من التساعيات فهو من الشديد الضعف الذي كثرت طرقه، فأشار العراقى إلى أنه يتقوى بذلك، كما سأوضحه.\nفقد قال العراقي: وقد وقع لنا حديثان آخران في المعجم الصغير للطبراني بهذا الإسناد - يعنى إسناده إلى الطبراني فمن فوقه - تساعيان، في الثاني منهما نظر، فرأيت إيرادهما مع بيان أمرهما للفائدة.\nثم ساق سنده التساعي بالحديث الأول منهما إلى الطبراني قال: حدثنا محمد بن أحمد بن يزيد القصاص قال: حدثنا دينار بن عبد الله - مولى أنس - حدثني أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ طوبى لمن رآني (الحديث).\nثم قال: حديث ضعيف، رواه الطبراني هكذا في معجميه الصغير (^١) والأوسط (^٢)، ثم قال: وقد رواه عن أنس جماعة من الضعفاء المتهمين، منهم: يغنم بن سالم بن قنبر (^٣) وأبو هدبة ابراهيم بن هدبة (^٤) وموسى الطويل (^٥) ودينار الحبشى، هذا (^٦) وكلهم كذابون، متهمون بالوضع (^٧).\n_________\n(^١) حديث رقم (٨٥٨).\n(^٢) حديث رقم (٦١٠٦).\n(^٣) الكشف الحثيث للبرهان الحلبى/ ترجمة (٨٥١).\n(^٤) الكشف الحثيث/ ترجمة (٢٤).\n(^٥) الكشف الحثيث/ ترجمة (٧٩٣).\n(^٦) الميزان ٢/ ت (٢٦٩٢).\n(^٧) ينظر الأربعين العشارية/ ٢٢٨ - ٢٣٠.","vol":"5","page":1995},{"text":"ويلاحظ هنا أن العراقي وصف الحديث بالضعف فقط، مع تعليل ذلك بأن رواته الأربعة عن أنس كذابون متهمون بالوضع بما فيهم دينار بن عبد الله الحبشى مولى أنس الذى روى العراقي الحديث من طريقه.\nوقد كان مقتضى وصفهم بالكذب أن يكون الحديث من طريق كل منهم موضوعا، وليس ضعيفا فقط، كما ذكر العراقي.\nلكن من شروط الحكم بالوضع كما قدمت أن يكون الراوى المعروف بتعمد الكذب في الحديث، قد تفرد به، فلم نجد له متابعا ولا شاهدا، وبوجود المتابعات، وبعض الشواهد - كما سيأتى - لهذا الحديث، انتفى شرط الحكم بوضعه، فلا يكون موضوعا.\nومتابعة الأربعة المعروفين بالكذب بعضهم بعضا على رواية الحديث، أصبح كل منهم متهما فقط بالنسبة لهذا الحديث لمشاركة مثله له في روايته، وبهذا الاعتبار جمع لهم العراقي هنا مع الاتصاف بالكذب، الاتهام بالوضع. مع:\nاقتصاره في مقدمة الكتاب على وصفهم الأصلي وهو الكذب فقط كما قدمت.\nوباعتبار متابعة الثلاثة المذكورين، لرابعهم الذى روى العراقي الحديث من طريقه وجدناه حكم بضعف الحديث فقط.\nوبذلك أفادنا قاعدة تطبيقية فى مجال دراسة الأسانيد والحكم عليها لانجد بيانها في مظانها من مؤلفاته في المصطلح، فصنيعه هذا يستفاد منه أن الحديث إذا روى من طريق من هو معروف بالكذب في الحديث، أو متهم بذلك، ولكنه لم ينفرد به، بل وجد له بعض المتابعات - ولو من مثله - أو الشواهد، فإنه في تلك الحالة لا يحكم بوضعه، ولكن ينظر فيما وُجد له من متابعات أو","vol":"5","page":1996},{"text":"شواهد، فإن وجد منها عدد اثنين فأكثر ممن هو معروف بالكذب أو متهم به، فلا يصلحون لترقية الحديث إلى درجة الحسن لغيره، ولكن يصلحون لترقيته داخل دائرة الضعف، فيتحول من كونه منكرا موضوعا، إلى كونه بمجموع طرقه هذه ضعيفا فقط، كما تقدم في عبارة العراقي.\nوقد جاء نحو هذا عن تلميذ العراقى الحافظ ابن حجر، وتابعه عليه غيره. فقد ذكر الحافظ تعليل المنذرى لحكم السلفى بصحة حديث «من حفظ على أمتى أربعين حديثا»، بقوله: لعل السلفى كان يرى أن مطلق الأحاديث الضعيفة، إذا انضم بعضها إلى بعض أخذت قوة.\nوعقب الحافظ على هذا فقال: قلت: لكن تلك القوة لا تخرج هذا الحديث عن مرتبة الضعف، ولكن الضعف يتفاوت، فإذا كثرت طرق حديث، رجح على حديث فرد، فيكون الضعيف الذى ضعفه ناشئ عن سوء حفظ رواته إذا كثرت طرقه، ارتقى إلى مرتبة الحسن، والذى ضعفه ناشئ عن تهمة أو جهالة، إذا كثرت طرقه ارتقى عن مرتبة المردود المنكر الذي لا يجوز العمل به بحال، إلى رتبة الضعيف الذي يجوز العمل به في فضائل الأعمال (^١).\nأقول: وقد جاء نحو هذا عمن عاصر السلفى ووقف على قوله بتصحيح هذا الحديث في أربعينه (^٢) وهو الحافظ أبو القاسم ابن عساكر (٥٧١ هـ) حيث روى الحديث المذكور بسنده من حديث كل من أبي الدرداء، وابن عباس، وابن مسعود، وفى أسانيده بتلك الأحاديث من نسب إلى الكذب\n_________\n(^١) ينظر الامتاع بالأربعين المتباينة لابن حجر/ ٢٩٩ بتحقيق صلاح الدين مقبول أحمد.\n(^٢) ينظر الأربعين البلدانية لابن عساكر/ ٣٩.","vol":"5","page":1997},{"text":"والوضع (^١) ثم ذكر أن الحديث روى أيضا عن ١٦ صحابيا وسرد أسماءهم، وعقب على الجميع بقوله: في أسانيدها كلها مقال، ليس فيها، ولا فيما تقدمها للتصحيح مجال، لكن الأحاديث الضعيفة إذا ضم بعضها إلى بعض أخذت قوة، لاسيما ما ليس فيه إثبات فرض (^٢).\nوبهذا خالف قول معاصره السلفى بتصحيح الحديث، بمجموع طرقه الكثيرة، ولكن أثبت له بمجموعها قوة تجعله يصلح دليلا لما ليس بفرض مثل الآداب والفضائل ونحوهما، وهذا كما ترى قريب مما ذكره الحافظ ابن حجر في تعقب السلفى كما قدمت.\nوأيضا الإمام النووى قد حكم بأن هذا الحديث بمجموع طرقه ضعيف وأقره الحافظ ابن حجر (^٣).\nوقال في الفتح: الكثرة الواهية تفيد (^٤) وفى النكت على ابن الصلاح ذكر تفاوت مراتب الصحيح والحسن، والاستفادة منها عند التعارض، ثم قال: وكذلك أقول في الضعيف، إذا روى بأسانيد كلها قاصرة عن درجة الاعتبار بحيث لا يُجبر بعضها ببعض، إنه أمثل من ضعيف روى بإسناد واحد كذلك، وتظهر فائدة ذلك في جواز العمل به، أو منعه مطلقا (^٥).\nوقال السيوطي: وأما الضعف لفسق الراوى أو كذبه، فلا يؤثر فيه موافقة\n_________\n(^١) ينظر مقدمة الشيخ عبد الله الجديع لتحقيق الأربعين في الحث على الجهاد لابن عساكر/. ٢١، ١٠ - ١٢\n(^٢) ينظر الأربعين البلدانية لابن عساكر/ ٤٣\n(^٣) الأربعين المتباينة/ ٣٠٠ - ٣٠١.\n(^٤) فتح البارى ١٠/ ٤٤٦\n(^٥) النكت على ابن الصلاح لابن حجر ١/ ٤١٩ - ٤٢٠ ..","vol":"5","page":1998},{"text":"غيره له، إذا كان الآخر مثله، لقوة الضعف، وتقاعد الجابر، ثم قال: نعم يرتقى بمجموع طرقه عن كونه منكرًا أو لا أصل له، صرح به شيخ الإسلام - يعنى ابن حجر (^١). ثم قال السيوطى: بل ربما كثرت الطرق حتى أوصلته إلى درجة المستور، أو السيء الحفظ، بحيث إذا وجد له طريق آخر فيه ضعف قريب محتمل، ارتقى بمجموع ذلك إلى درجة الحسن (^٢).\nوذكر السخاوى نحو ذلك، لكن بدون عزو شيء منه لشيخه ابن حجر، مع أنه مثل لما كثرت طرقه على النحو المذكور بحديث «من حفظ على أمتى أربعين حديثا» (^٣) وهو الحديث الذى علق عليه الحافظ بكلامه السابق، والمتضمن لما ذكر السيوطى والسخاوى، ولعل عدم عزو السخاوى شيئا لشيخه، لكونه لم يأخذ بكل ما ذكره، كما يلاحظ ذلك من مقارنة كلاميهما.\nأما البقاعي في نكته الوفية التى ذكر أن معظمها مستفاد مما حضره من دروس شيخه ابن حجر، فإنه ذكر ما ذكره السيوطى - فيما قدمته - وأضاف قائلا: وقد جعلنا مجموع تلك الطرق الواهية بمنزلة الطريق التي فيها ضعف يسير، فصار ذلك بمنزلة طريقين، كل منهما ضعفه يسير (^٤) وما قرره كل من السخاوى والبقاعي والسيوطى من مرحلة الترقى إلى الحسن لغيره، يلتقى مع صنيع العراقي بالنسبة لبقية طرق حديث أنس هذا، حيث إنه بعد حكمه\n_________\n(^١) كما تراه ضمن كلامه السابق.\n(^٢) ينظر التدريب مع التقريب ١/ ١٩٤ ط مكتبة الكوثر.\n(^٣) ينظر فتح المغيث للسخاوى ١/ ٨٣ ط مكتبة الطبرى.\n(^٤) النكت الوفية بما في شرح الألفية - يعنى شرح العراقى لألفيته في المصطلح - ٦٩/ ب مخطوط.","vol":"5","page":1999},{"text":"بضعفه باعتبار مجموع الطرق الأربعة التي عرف رواتها بالكذب والاتهام بالوضع، أتبع ذلك بذكر متابعة أخرى وبين ضعفها فقط، فقال: وقد روى أحمد في مسنده من رواية جسر عن ثابت البناني عن أنس مرفوعا: طوبى لمن رآني (الحديث)، ثم قال: و«جسر» هو ابن فرقد، ضعفه ابن معين والنسائي (^١).\nثم ذكر العراقي شاهدين آخرين للحديث وبين ضعف كل منهما. فقال في أولهما: ورواه أحمد هكذا من حديث أبي أمامة، من رواية أيمن عنه، ثم قال: وأيمن هذا لا أعرفه (^٢) فأشار إلى ضعف هذا الشاهد لجهالة «أيمن» المذكور، حسب علمه.\nولكن لا يسلم هذا للعراقي ﵀ فقد ذكر تلميذه ابن حجر «أيمن» هذا في اللسان وذكر تبعا للميزان وصفه بأنه شيخ مجهول، ثم قال: شيخنا في آخر أربعينه العشارية: لا أعرفه، ثم تعقب هذا فقال: قلت: وقد ذكره ابن حبان في الثقات فقال: هو أيمن بن مالك الأشعرى (^٣)، ثم ذكر ابن حجر أن حديثه الذى معنا وهو «طوبى لم رآني» قد اختلف فيه على همام على وجهين أحدهما: عن قتادة عن أيمن عن أبي أمامة، والثاني: عن قتادة عن أيمن عن أبي هريرة، وذكر أن ابن حبان أخرج في صحيحه الحديث بالوجهين وصححهما، ولم يذكر الحافظ ولا غيره جرحا في «أيمن بن موسى»\n_________\n(^١) الأربعين العشارية/ ٢٣٠ والمسند لأحمد ٣/ ١٥٥ وتحرف فيه «جسر» إلى «حسن» والميزان ١/ ٣٩٨ واللسان ٢/ ١٠٤ - ١٠٥.\n(^٢) ينظر الأربعين العشارية/ ٢٣١.\n(^٣) الثقات ٤/¬٤٨.","vol":"5","page":2000},{"text":"هذا (^١) فمقتضى قاعدة التعديل الفعلى التى أقرها العراقى خلال هذا الكتاب نفسه، كما قدمت، وأقرها غيره كما قدمت أيضا، يكون أيمن هذا بناء على تصحيح ابن حبان لحديثه منفردًا، معروف العين والحال عنده، دون معارض، ويكون حديثه الذى معنا حسنا لذاته، وليس ضعيفا كما أشار العراقى، وقد قال رفيقه الهيثمى عن رواية أحمد التى من طريق أيمن: رجالها رجال الصحيح غير أيمن بن مالك الأشعرى، وهو ثقة (^٢) ولا يطعن هذا في قاعدة التعديل الفعلى، ولكن يتعقب العراقى بعدم تطبيقه لها في هذا الموضع كما طبقها في غيره، مما تقدم، ويبدو أنه ﵀ لم يقف على الحديث في صحيح ابن حبان، بدليل أنه لم يعزه إليه، في حين وقف عليه تلميذه ابن حجر، فتعقب شيخه وغيره في وصف «أيمن» بالجهالة، وأقر تصحيح ابن حبان للحديث من طريقه.\nأما الشاهد الثانى: فقد ذكره العراقى بقوله: ورواه - يعنى أحمد في مسنده - من حديث أبى سعيد الخدري نحوه، من رواية ابن لهيعة عن دراج عن أبى الهيثم عن أبى سعيد (^٣).\nوفي إسناده كما ترى رواية ابن لهيعة له بالعنعنة، ورواية دراج أبي السمح عن أبي الهيثم فيها ضعف كما في التقريب (^٤) وبذلك يكون هذا الشاهد ضعيفا.\n_________\n(^١) اللسان ١/ ترجمة (١٤٥٦) والإحسان في تقريب صحيح ابن حبان برقم (٧١٨٩).\n(^٢) ينظر مجمع الزوائد ١٠/ ٦٧.\n(^٣) ينظر الأربعين العشارية/ ٢٣٢ مع المسند لأحمد ٣/ ٧١.\n(^٤) ينظر التقريب (١٨٢٤).","vol":"5","page":2001},{"text":"فإذا مشينا على عدم تعقب العراقى في تضعيفه رواية «أيمن بن موسى» نجد أنه بمجموع ما ذكره لهذا الحديث من المتابعات الأربعة والشاهدين، أشار إلى أنه يتقوى إلى درجة الحسن لغيره، حيث إنه صدر كلامه عن هذا الحديث والذي بعده بقوله: (في الثاني منهما نظر) ومعناه أن أولهما وهو حديث أنس هذا ليس في قبوله نظر عنده.\nكما أن للحديث متابعة خامسة لم يذكرها العراقي (^١).\nوقد كان الأولى من إشارة العراقى هذه المجملة إلى قبول الحديث بمجموع ما ذكره له من متابعات وشواهد، أن يصرح بتحسينه لغيره على الأقل، لتوافر ما يحقق شرط الحسن لغيره في طرقه كما تقدم.\nلكن قد مر بنا في بيانه لدرجات الأحاديث في كتابه (المغنى عن حمل الأسفار) أنه كان يفعل مثل هذا أيضا، فيذكر من طرق الحديث ما يرقيه إلى الصحة أو الحسن لغيره، ويترك استنتاج ذلك للقارئ الخبير. وقد أفادنا العراقي بهذا التطبيق العملى أن تلك الطرق الثلاثة التي ضعفها يسير في تقديره، يرتقى الحديث ولو بواحد منها، عن درجة الضعف اليسير التي أوصله إليها متابعة جماعة المتهمين، إلى درجة الحسن لغيره، فأصبح ليس في قبوله نظر.\nولا يعكر على هذا ما سبق تعقب العراقى فيه من كون أحد الشاهدين اللذين ذكرهما للحديث يترجح أنه حسن لذاته، فإن هذا تعقب جزئى لا يقدح في أصل ما أفاده تطبيق العراقي هنا، واتفق معه غيره في مثله، من أن الطرق الكثيرة التي لا يصلح كل منها بمفرده للاعتبار، وإن لم يتقو مجموعها إلى\n_________\n(^١) ينظر تاريخ واسط لبحشل/ ٧٢ وتعليق فضيلة محقق كتاب الأربعين العشارية، بحاشية ص ٢٣٢","vol":"5","page":2002},{"text":"درجة الاحتجاج، لكنه يتقوى إلى درجة الضعف اليسير الذي يصلح للاعتبار.\nوبهذا يمكن التوفيق بين من يقول: إن مثل هذه الطرق، ولو كثرت فلا تجبر مثلها ولا تنجبر به، لشدة ضعف كل منها.\nوبين من يقول: إنها تجبر وتنجبر، فيحمل القول الأول على نفى الجبر والانجبار بالمثل إلى درجة الحجية، ويحمل القول الثاني على إثبات الجبر والانجبار بالمثل من أضعف إلى ضعيف يعتبر به فقط.\nأما الحديث الثانى التساعي الذي قال العراقي: إن فيه نظرا، وهو يعتبر الحديث الثالث والأخير من التساعيات التي زادها على الأربعين العشارية، فقد رواه من طريق الطبراني أيضا قال: أخبرنا عبيد الله بن رماحس القيسي، برمادة الرملة سنة ٢٧٤ قال: حدثنا أبو عمرو زياد بن طارق - وكان قد أتت عليه (١٢٠) سنة قال: سمعت أبا جرول زهير بن صرد الجشمي يقول: لما أسرنا رسول الله ﷺ يوم حنين (الحديث) بقصته، وشعره، قال الطبراني: لم يرو عن زهير بن صرد بهذا التمام إلا بهذا الإسناد، تفرد به عبيد الله بن رماحس (^١).\nثم قال العراقي: هذا حديث غريب، أخرجه الطبراني هكذا في معاجمه الثلاثة، وشيخه عبيد الله بن رماحس، روى عنه جماعة منهم أبو سعيد بن الأعرابي، ثم قال: قال أبو عبد الله الذهبي في الميزان: ما رأيت للمتقدمين فيه جرحا، وما هو من المعتمد عليهم، ثم نقل عن الذهبي أيضا قوله: ثم رأيت الحديث الذي رواه - يعنى حديثنا هذا - له علة قادحة، قال أبو عمر بن\n_________\n(^١) ينظر الأربعين البلدانية لابن عساكر/ ٣٧","vol":"5","page":2003},{"text":"عبد البر، في شعر زهير - يعنى الذى في هذا الحديث -: رواه عبيد الله بن رماحس عن زياد بن طارق، عن زياد بن صرد بن زهير عن أبيه عن جده زهير بن صرد، فعمد عبيد الله إلى الإسناد فأسقط رجلين منه، وما قنع بذلك حتى صرح أن زياد بن طارق قال: حدثني زهير، ثم نقل العراقي عن الذهبي قوله: زياد ابن طارق، نكرة، لا يُعرف، تفرد عنه عبيد الله بن رماحس، ثم قال: وإنما ذكرت هذه الأحاديث التساعية، لبيان أمرها، خصوصا هذا الأخير الذي فيه إسقاط رجلين، ثم أشار إلى انتقاد كل من: الحافظ الشريف الحسيني، لايراد هذا الحديث في ثمانيات النجيب، وأبو الفتح ابن سيد الناس اليعمري، لا يراده في ثمانيات «مؤنسة خاتون» وسباعياتها (^١).\nومن كلام العراقي هذا على الحديث يظهر معنى إشارته السابقة إلى أن فيه نظرًا، ففي سنده ما يقتضى ضعفه سواء من جهة إعضاله بسقط راويين، أو من جهة ضعف عبيد الله بن رماحس، وجهالة زياد بن طارق مع التفرد عن المتابع والشاهد.\nلكن تلميذ العراقي الحافظ ابن حجر تعقبه في هذا، حيث أخرج الحديث نفسه في أول الأربعين العشارية له، وذلك من طريق الطبراني، به، ثم قال: هذا حديث حسن غريب، وعزاه إلى ابن قانع في معجم الصحابة له عن عبد الله ابن على الخواص عن عبيد الله - يعنى ابن رماحس - شيخ الطبراني. وإلى الضياء المقدسي في المختارة، من طريقين عن الطبراني، عن عبيد الله بن رماحس، به، وذكر قول الضياء عقب الحديث: «زهير» لم يذكره البخاري.\n_________\n(^١) الأربعين العشارية/ ٢٣٣ - ٢٣٥.","vol":"5","page":2004},{"text":"ولا ابن أبي حاتم في كتابيهما، ولا زياد بن طارق، وقد روى محمد بن إسحق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده نحو هذه القصة والشعر، وساقه من طريق الطبراني بتمامه (^١) وعقب الحافظ على ذلك، فقال: قلت: ولا أعلم للحافظ ضياء الدين في تصحيحه سلفا، لكن رواته لم يجرحوا، وقد صرح كل منهم بالسماع من شيخه، فهو فرد غريب، لا وجه لتضعيفه، ثم ذكر ما تقدم نقل العراقي له في تضعيف الحديث من كلام ابن عبد البر والذهبي، ووصفه بأنه تحكم بلا دليل، ورده من جانبه هو بالدليل، ثم ذكر كلام شيخه العراقي بإقراره لما ذكره كل من ابن عبد البر والعراقي، وتقدم لكل من الشريف الحسيني وابن سيد الناس، وقال: إنه قلد في ذلك الحافظ أبا عبد الله الذهبي (^٢).\nلما تعرض الحافظ ابن حجر لهذا الحديث أيضا في عدد من كتبه (^٣) وتوسع أكثر في اللسان (^٤) فبين طرق الحديث ورد إعلال كل من ابن عبد البر والذهبي له، وكذا في الأربعين المتباينة بشرط السماع (^٥) وفيهما بين أن الحديث حسن لغيره بشاهده الذي رواه ابن إسحق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده،\n_________\n(^١) ينظر الأربعين العشارية لابن حجر ٢/ ب مخطوط، والمختارة للضياء المقدسي ٩/ حديث (٨٧) بتحقيق معالي الدكتور/ عبد الملك بن دهيش، لكن من طريق واحد فقط عن الطبراني، ولم أجد في هذا الموضع كلام الضياء عن زهير بن زياد ولا عن زياد بن طارق، ولا ذكره لرواية ابن إسحق.\n(^٢) ينظر الأربعين العشارية لابن حجر ٢/ ب - ٤/ مخطوط.\n(^٣) ينظر الفتح ٨/¬٣٤ والإصابة ١/ ٥٥٣ ترجمة «زهير بن صرد».\n(^٤) لسان الميزان/ ٤/ ٩٩ - ١٠٤/ ترجمة «عبد الله بن رماحس».\n(^٥) حديث (٢٢) / ١٧١ - ١٧٧ بتحقيق صلاح الدين مقبول.","vol":"5","page":2005},{"text":"ويفهم ذلك أيضا من كلامه في الفتح (^١).\nأما في الأربعين العشارية له فقال: حسن غريب، وهو فرد غريب لا وجه لتضعيفه (^٢) وهذا يفيد تحسينه لذاته.\nوعلى أى من القولين، يكون اقتصار العراقي على الحكم يضعف هذا الحديث مطلقا، مردود، لرد ما ضعفه لأجله، كما تقدم، وقول الحافظ ابن حجر: إنه فرد غريب، يرده ما ذكره الحافظ نفسه من شاهده الذي رواه ابن إسحق كما تقدم.\nد - إشارته إلى الحديث الموضوع، وذكر بعض رواته، ونقده لمن يفرح بمواليهم.\nأما الحديث الموضوع فلم يذكر العراقي شيئا منه في هذا الكتاب، بل أشار صراحة إلى استبعاده فقال: واجتنبت إيراد رواية من عرف بالكذب، كأبى هدبة، وموسى الطويل، ودينار الحبشى، ويغنم بن سالم والأشج، وهؤلاء الضرب الذين لا يفرح بمواليهم، إلا من غلبت عليه غباوة جهله (^٣).\nوقد أعاد ذكر هؤلاء الرواة الخمسة في الكلام على الحديث التساعي الذي رواه من طريق أحدهم وهو دينار الحبشى، وذكر متابعة: كل من: يغنم وأبو هدبة، وموسى الطويل له، كما تقدم، وذكر أنهم كذابون متهمون بالوضع (^٤).\n_________\n(^١) فتح البارى ٨/¬٣٤.\n(^٢) الأربعين العشارية لابن حجر ٢/ ب مخطوط.\n(^٣) الأربعين العشارية/ ١٢٣.\n(^٤) الأربعين العشارية/ ٢٢٨ - ٢٣٠.","vol":"5","page":2006},{"text":"ولا يعتبر ذكره هذا الحديث من طريقهم إخلالا بشرطه في اجتناب رواية هؤلاء وأمثالهم، لأن هذا ليس من الأربعين العشارية التي هي الموضوع الأصلي للكتاب، ولكنه من التساعيات التي زادها للفائدة فقط، ثم إن هذا الحديث لم يتفرد به دينار الحبشى، بل وجد له متابعات وشواهد، ذكر منها العراقي ما يرقيه إلى الحسن لغيره، ولذلك قرر العراقي نفسه أنه ليس في قبوله نظر، كما قدمت توضيحه.\nأما ما تفرد به بعض هؤلاء الموصوفين بالكذب، وأمثالهم، فبين أنه يوجد من طريقهم أحاديث تكون بالنسبة له ولأقرانه أعلا إسنادا، فتكون تساعية مثلا، ولكن لا يصح سندها، ثم يقول: ولا فائدة في العلو مع عدم الصحة (^١) ويقول إن هؤلاء الرواة المعروفين بالكذب، وأضرابهم، لا يفرح بعواليهم إلا من غلب عليه غباوة جهله بقواعد النقد، وبخطورة الكذب على رسول الله ﷺ (^٢).\nوقد ذكر ممن وقع منه ذلك معاصريه اثنين هما: الحافظ الشريف عز الدين الحسيني (المتوفى سنة ٧٦٥ هـ) في كتابه «ثمانيات النجيب الحراني»، والحافظ أبو الفتح ابن سيد الناس اليعمري (المتوفى سنة ٧٣٤ هـ) في كتابيه «ثمانيات المسندة» مؤنسة خاتون بنت الملك العادل (^٣) وسباعياتها (^٤).\nوذكر أيضا الحافظ ابن حجر أن شيخه وقرين العراقي، سراج الدين بن الملقن (المتوفى سنة ٨٠٤ هـ) كان عنده عوالى كثيرة، ومع ذلك فقد\n_________\n(^١) الأربعين العشارية/ ٢٣٥.\n(^٢) الأربعين العشارية/ ١٢٣.\n(^٣) ينظر المجمع المؤسس لابن حجر ٢/¬٢٦.\n(^٤) ينظر الأربعين العشارية/ ٢٣٥.","vol":"5","page":2007},{"text":"عقد مجلس الإملاء، فأملى الحديث المسلسل بالأولية ثم عدل إلى أحاديث «خراش» (^١) وأضرابه من الكذابين، فرحا بعلو الإسناد، وعقب ابن حجر على ذلك بقوله: وهذا مما يعيبه أهل النقد، ويرون أن النزول أولى من العلو في هذا الموضع، إذا كان العالى من رواية الكذابين، وذلك لأنه عندهم كالعدم (^٢).\nوعبارة العراقي السابقة بأنه لا يفرح بعوالى الكذابين إلا من غلبت عليه غباوة جهله، تعتبر شدة في النقد لم نعهدها منه، والمحمل المناسب لها هو ما وصف به من الشدة في الحق، كما تقدم في دراسة شخصيته، ويتفق موقفه هذا مع ما قرره النقاد المعتبرون من قبله ومن بعده، من أن العبرة في العلو مع قلة عدد رجال الإسناد، سلامتهم من تعمد الكذب أو الاتهام به، كما أشار الحافظ ابن حجر في عبارته السابقة.\nخامسا: من القواعد والفوائد وآراء العراقي خلال الكتاب.\nخلال ما تقدم من عناصر منهج العراقى في هذا الكتاب، ذكرت بعض القواعد والتطبيقات التي أوردها العراقي تبعا لما يتعلق بها من مشتملات الكتاب، وهنا سأورد بعض النماذج الأخرى لقواعد وفوائد وآراء أشار إليها العراقي أيضا خلال الكتاب، حتى يستفاد بها فيما يماثلها.\nفمن ذلك: جمعه بين أوجه الاختلاف من الثقات على الراوى الثقة الذي يكون عليه مدار طرق الحديث، وذلك بحمل الخلاف على تعدد شيوخ المدار،\n_________\n(^١) الكشف الحثيث عمن رمى بوضع الحديث/ ١٦٦ قال ابن حبان: كان يضع الحديث وضعا/ ترجمة (٢٧٣).\n(^٢) المجمع المؤسس لابن حجر ٢/ ٣١١ و٢/ ٣١٦ وفتح المغيث للسخاوى ٣/ ٣٤١.","vol":"5","page":2008},{"text":"وبالتالي صحح الطرق المختلفة للحديث. فقد روى الحديث السابع من طريق محمد بن عبد الله الأنصاري عن حميد الطويل عن أنس بن مالك ﵁ أنه كان ابن لأم سليم يقال له: أبو عمير، كان النبي ﷺ يمازحه (الحديث). وقال: هذا حديث صحيح، أخرجه الإمام أحمد في مسنده عن محمد بن عبد الله الأنصاري، ثم قال: ورواه النسائي في سننه الكبرى، في عمل اليوم والليلة، عن عمران بن بكار البراد الحمصي، عن الحسن بن خمير عن الجراح بن مليح عن شعبة عن محمد بن قيس عن حميد، بنحوه. ثم قال: وقد اختلف في هذا الحديث على شعبة، فرواه الجراح بن مليح والد وكيع، عنه. يعنى عن شعبة - هكذا وخالفه آدم بن أبي إياس، وعبد الله ابن إدريس الأودي، ويزيد بن زريع، فرووه عن شعبة عن أبي التياح - واسمه - يزيد بن حميد الضبعي - عن أنس. وعزاه إلى الأئمة الستة خلا أبا داود، من رواية شعبة، هكذا وقال: وهو المحفوظ. ثم قال: ورواه سعيد بن عامر عن شعبة عن قتادة عن أنس، وعزاه إلى النسائي في اليوم والليلة أيضا. ثم قال: ورواية الأنصاري - يعنى التي رواها العراقي بسنده كما تقدم - له عن حميد عن أنس صحيحة (^١). فأصبح هناك تعارض في ظاهر الأمر بين حكمه هذا بصحة الوجه المخالف لأكثر الثقات، وبين وصفه ما رواه أكثر الثقات بأنه هو المحفوظ، وتصحيح الشيخين وغيرهما له.\n_________\n(^١) الأربعين العشارية/ ١٤٢ - ١٤٣.","vol":"5","page":2009},{"text":"وقد اقتصر المزى هنا على الأخذ بقاعدة الترجيح بالأكثر، فوصف روايتهم بأنها هي المحفوظة (^١) ومقتضاه إعلاله للوجه المخالف الذي صححه العراقي، وذلك لكونه مخالف للمحفوظ، فيكون شاذا، وإن كان رجال إسناده ثقات.\nلكن العراقي بين أنه يمكن دفع هذا التعارض الظاهري والشذوذ، بالجمع بين وجهى الخلاف، وذلك بحمله على تعدد شيوخ شعبة، وتعدد تحديثه عنهم، فيكون الكل محفوظا.\nوذلك أنه بعد الحكم بصحة رواية الأنصارى، قال: ولا مانع أن يكون لشعبة فيه ثلاثة شيوخ، فحدث به مرة عن هذا، ومرة عن هذا، ومرة عن هذا، والله أعلم (^٢).\nوقد أخذ تلميذه ابن حجر بهذا الجمع، دون عزوه لشيخه العراقي أو لغيره (^٣).\n٢ - ويلاحظ أنه خلال تخريج العراقى لوجوه الخلاف في هذا الحديث، عزا بعضها إلى (عمل اليوم والليلة للنسائي)، وقرر أن هذا الكتاب يعتبر من كتب سننه الكبرى، وهذا يرد ما يظنه بعض المشتغلين بالحديث من أن هذا كتابا مستقلا عن السنن، متابعة منهم لصنيع المزى في تهذيب الكمال، حيث أفرده برمز خاص، دون بيان وجه لذلك، كما قال الحافظ ابن حجر (^٤) وقد كرر العراقي صنيعه هذا أيضا في تخريج الحديث (١٣) (^٥).\n_________\n(^١) تحفة الأشراف ١/ ٢٠٦.\n(^٢) الأربعين العشارية/ ١٤٣.\n(^٣) فتح البارى - كتاب الأدب باب الكنية للصبى ٩/ ٥٨٣.\n(^٤) تهذيب التهذيب لابن حجر ١/¬٦.\n(^٥) الأربعين العشارية/ ١٧٥.","vol":"5","page":2010},{"text":"٣ - لما أخرج الحديث (١٣) من طريق أبى بكر بن عياش، بين خلاصة حاله كما قدمت، ثم تعرض لمبحث آخر، وهو تحقيق الخلاف في اسم هذا الراوى، فقال: وقد اختلف في اسمه على ثلاثة عشر قولا، فقيل اسمه شعبة، وصححه أبو زرعة الرازى، وقيل اسمه سالم، وقيل عبد الله، وقيل غير ذلك، ثم قال: والصحيح أن اسمه كنيته، صححه ابن حبان (^١) وابن عبد البر (^٢) وابن الصلاح (^٣) والمزى (^٤) والذهبي (^٥).\nفيلاحظ أنه مع ذكر مجمل الأقوال، ذكر تصحيح من قبله لوجهين، ثم رجح منهما ما صححه الأكثرون.\n٤ - في الحديث رقم (٢٠) ذكر العراقي أن والد «سُحَامة» أحد رواة الحديث، قد اختلف في تسميته، وأن ابن حبان سماه «عبد الرحمن» ثم قال: وهكذا قال ابن أبى حاتم عن أبيه فيما صدر به كلامه، ثم ذكر أن ابن أبى حاتم قال أيضا: وقيل عبيد الله (^٦).\nفتقريره أن ابن أبى حاتم صدر كلامه بما يوافق ما ذكره ابن حبان، وذكره القول الثانى في التسمية بعبارة «قيل»، يعتبر استنتاجا منه لكون ابن أبى حاتم يرجح التسمية (بعبد الرحمن) التى ذكرها ابن حبان، ويضعف القول الثاني بأن اسمه «عبيد الله».\n_________\n(^١) الثقات ٧/ ٦٦٩.\n(^٢) الاستغناء في الكنى له ١/ ٤٤٠ - ٤٤٤.\n(^٣) علوم الحديث لابن الصلاح مع التقييد والإيضاح/ ٣٧٣ (معرفة الأسماء والكني).\n(^٤) تهذيب الكمال ٣٣/ ١٢٩ - ١٣٠.\n(^٥) تذكرة الحفاظ ١/ ٢٦٥.\n(^٦) الأربعين العشارية/ ١٧٩ - ١٨٠.","vol":"5","page":2011},{"text":"وهذا تطبيق من العراقي لقاعدة قررها وطبقها أيضا في نكته على ابن الصلاح، كما تقدم في موضعه (^١) وهي: أن تصدير العالم كلامه بأحد الآراء يفيد ترجيحه له على غيره، وقد زاد هنا فبين أمرا آخر وهو: أن حكاية أحد الأقوال بلفظ «قيل» يفهم منه تضعيفه إذا وجدت قرينة مؤيدة، مثل قرينة التصدير بالقول المخالف.\nوبذلك يفهم من مجموع ما ساقه العراقى عن الخلاف في اسم والد «سحامة» هذا أنه يرجح كونه «عبد الرحمن»، استنتاجا من صنيع ابن أبى حاتم في ذكر الخلاف في هذا وتطبيق بعض قواعد الترجيح في هذا، فيمكننا الاستفادة من هذا فيما يتناسب معه من مواقع اختلاف الأقوال، وقد مشى الحافظ ابن حجر على مقتضى هذا الترجيح في ترجمة «سحامة» في التهذيب ٣/ ترجمة (٧٤٩) ولكنه عكس في التقريب/ ترجمة (٢٢١١).\n٥ - اعتباره قول النسائي في الراوى: «لا بأس به» أنه توثيقا له عنده، مع ما هو معروف من أن النسائي يستعمل في التوثيق اللفظ الصريح في ذلك، وهو لفظ ثقة. فقد ذكر العراقي الأقوال في حال «اسماعيل بن موسى الفزاري» ومما ذكره قوله: «ووثقه النسائي، فقال: ليس به بأس» (^٢) ولم أجد تصريحا من النسائي بأنه يقصد بهذا اللفظ التوثيق، وقد ذكر هذا اللفظ عنه كل من المزى (^٣) والذهبي (^٤) وابن حجر (^٥) ولم يذكروا أنه يعتبر توثيقا عنده، فيعتبر هذا\n_________\n(^١) وينظر التقييد والإيضاح مع علوم الحديث لابن الصلاح/ ٣١٤، ٣١٧، ٣٧٨، ٣٩٠.\n(^٢) الأربعين العشارية/ ٢٠٦.\n(^٣) «تهذيب الكمال» ٣/ ترجمة (٤٩١٠).\n(^٤) الميزان ١/ ترجمة (٦١٣٥).\n(^٥) «تهذيب التهذيب» ١/ ت (٦٠٦).","vol":"5","page":2012},{"text":"إستنتاجا من العراقي، يفيدنا به أن التوثيق عند النسائى مراتب، فمنه مرتبة يصرح فيها بلفظ: «ثقة» ومنه مرتبة يصف الراوى فيها بأنه «ليس به بأس» فيكون توثيقا أدنى من الصريح، فيستفاد من تفاوته هذا عند الاختلاف في حال الراوى، كما يستفاد بذلك في تقدير حال الراوى عند النسائي حين يصفه بهذه اللفظة وحدها.\n٦ - روى العراقي الحديث رقم (١٨) بسنده إلى عكراش بن ذؤيب أن قومه بعثوه بصدقاتهم إلى رسول الله ﷺ فقدم المدينة ولقى الرسول ﷺ وسلمه الصدقات (الحديث). وقد علق العراقى على هذا الحديث بذكر الخلاف في آخر من مات من الصحابة مطلقا، في جميع بلاد الإسلام، مع بيان الراجح والمرجوح من ذلك بالدليل، وقد أفاض في تناول هذا الموضوع بنحو صفحتين (^١).\nوقد تناول العراقي هذا المبحث نفسه في كتاب سابق على هذا الكتاب، وهو التقييد والإيضاح (^٢)، وما ذكره هنا متقارب مع ما ذكره هناك، فلعله أعاده هنا مراعاة لمن تلقوا عنه هذا الكتاب في مجالس إملائه بالمدينة النبوية لكونهم من الغرباء الوافدين من مختلف الأقطار، وقد لا يكون توافر لهم كتابه الآخر الذي بين فيه ذلك.\nولما كان هذا المبحث لم أتعرض له في دراسة كتاب التقييد والإيضاح، فإنه يمكن هنا بيان أهم ما يستفاد منه من تقعيد وآراء للعراقي في هذا الموضوع.\nفقد ذكر صحبة صحابي هذا الحديث وهو عكراش بن ذؤيب، ثم ذكر أن\n_________\n(^١) ينظر الأربعين العشارية/ ١٧٣ - ١٧٦.\n(^٢) ينظر التقييد والإيضاح/ ٣١٢ - ٣١٣.","vol":"5","page":2013},{"text":"ابن قتيبة (الدينوري) ذكر في كتابه المسمى بـ «المعارف» (^١) أن عكراشا هذا حضر مع علي ﵁ وقعة الجمل، وأن عليا مسح على رأسه، وأن عكراشا عاش بعد ذلك مائة سنة (^٢).\nوذكر أن ابن دريد ذكر هذا في كتابه المسمى «الاشتقاق» (^٣) وأنه أخذه مما ذكره ابن قتيبة في كتابه «المعارف» وأن بعض المتأخرين على ابن دريد احتج بهذا في اعتراض له على ابن الصلاح في قوله في كتاب علوم الحديث له: إن آخر الصحابة موتا على الإطلاق هو أبو الطفيل عامر بن واثلة، مات سنة ١٠٠ هـ، وبنى اعتراضه على ما يستنتج من قول ابن دريد: إن عكراشا عاش بعد موقعة الجمل مائة سنة، فيكون هو آخر الصحابة موتا على الإطلاق، وليس أبا الطفيل، كما ذكر ابن الصلاح.\nثم تصدى العراقي لرد هذا الاعتراض، فقال: وهذا مردود، إجماعا، وابن دريد لا يعتمد عليه في ذلك، وإنما حكى حكاية بغير إسناد، محتملة للتأويل، ثم ذكر كذلك أن ابن قتيبة حكى هذا بغير إسناد، ثم ذكر دليل الإجماع فقال: وقد أجمع أهل الحديث أن أبا الطفيل آخر من مات من الصحابة، وذكر خمسة من الأئمة النقاد قرروا آخرية وفاة أبي الطفيل مطلقا، وقال: وغيرهم، ثم قال: ولم أر لغيرهم خلاف ذلك إلا عن جرير بن حازم، فإنه قال: آخرهم موتا سهل بن سعد ثم قال: وكأنه أخذه من قول سهل بن سعد: لو مت لم تسمعوا أحدا يقول: قال رسول الله ﷺ، وإنما كان خطاب سهل.\n_________\n(^١) المعارف لابن قتيبة/ ١٣٤ مع الأربعين العشارية/ ١٧٤.\n(^٢) ينظر الأربعين العشارية/ ١٧٣ - ١٧٦.\n(^٣) الاشتقاق لابن دريد/ ٢٤٩ تحقيق عبد السلام هارون.","vol":"5","page":2014},{"text":"ابن سعد لأهل المدينة، وإنما أراد جرير بن حازم ذلك - يعنى آخرية من مات بالمدينة فقط، بدليل أن وهب بن جرير بن حازم روى عن أبيه قال: كنت بمكة سنة ١١٠ هـ، فرأيت جنازة فسألت عنها فقالوا هذا أبو الطفيل.\nقال العراقي: وقد مات سهل قبل ذلك بمدة طويلة، وأكثر ما قيل في موته أنه سنة ٩١ هـ، فعلى هذا يكون الإجماع (واقعا) (^١) على أن آخرهم موتا أبو الطفيل، وإنما اختلفوا في سنة وفاته، ثم ذكر ثلاثة أقوال أخرى، ثالثها أنه سنة ١١٠ هـ وقال: وصححه أبو عبد الله الذهبي في الوفيات.\nثم قال: والدليل على كذب من ادعى أنه بقى بعد سنة ١١٠ هـ قوله ﷺ في الحديث الصحيح، في السنة التي مات فيها: أرأيتكم ليلتكم هذه على رأس مائة سنة منها، لا يبقى أحد على وجه الأرض، وعزا الحديث إلى البخاري في صحيحه، ثم قال: فعلى هذا لم يبق أحد بعد سنة ١١٠ هـ.\nثم قال: وكيف يظن عاقل أنه يعيش واحد من الصحابة إلى بعد الثلاثين ومائة في بلد من البلاد أو فى حى من الأحياء، ولا يعرف به أحد من أهل العلم، ولا يقصده أحد من أهل الحديث، ولا يسمع منه أحد، وإنما انفرد عنه ابنه عبيد الله بالرواية، هذا ما لا يقع في الذهن إمكانه، مع حرص أهل العلم على طلب الصحابة والسماع منهم، والله أعلم (^٢).\nفمن خلال هذا المبحث يستفاد الآتي: -\nأولا: إشارة العراقي إلى أن المتأخر إذا ذكر قولا موافقا لقول غيره ممن سبقه، فيمكن اعتباره مستفيدا ذلك ممن سبقه، ولو لم يصرح المتأخر بأخذه من\n_________\n(^١) ينظر الأربعين العشارية/ ١٧٣ - ١٧٦.\n(^٢) في المطبوع «واحدا»، والتصويب من النسخ الأخرى.","vol":"5","page":2015},{"text":"المتقدم، وذلك لأن جرير بن حازم لم نجد تصريحه بأخذ قوله مما يفيده قول سابقه سهل بن سعد، وكذلك ابن دريد (سنة ٣٢١ هـ) لم يصرح بأنه أخذ ما ذكره من قول سابقه ابن قتيبة (٢٧٦) هـ ولا من غيره (^١).\nوهذه الإشارة من العراقي، قد أقرها وأخذ بها الكثير من العلماء والباحثين، قديما وحديثا في إثبات التأثير والتأثر بين السابق واللاحق من العلماء، والمدارس العلمية (^٢) وإن تفاوتت الأنظار في ذلك.\nثانيا: أهمية الاختصاص في تقدير آراء العلماء، فلا يعتد بقول المخالف إذا لم يكن من أهل الاختصاص المتعلق بهذا القول، وإن كان له مكانته المعروفة في غير هذا الاختصاص، كابن قتيبة، وابن دريد، فلم يعتد بقولهما المخالف في مبحث الصحابة المذكور، وإن كان لكل منهما منزلته العلمية في غير ذلك.\nثالثا: أن العلم المستفاد من المرويات يتوقف قبوله على ثبوت إسناد له يعول عليه، فإذا ثبت الإسناد، وتعارض مضمون المتن مع مساويه في القوة، فينظر في محمل معتبر لمضمونه يمكن على ضوئه الجمع بين المتعارضين في الظاهر، وذلك أن العراقي انتقد ما ذكره ابن قتيبة وابن دريد بعدم ذكر إسناد لما حكياه، مع كونه من باب الرواية، ثم ذكر أنه لو فرض وجود سند معتبر لما ذكراه، فإنه يمكن حمل القول بأن عكراشا عاش بعد الجمل مائة سنة، على معنى أنه عمره كله، وتم بالفترة التي بعد الجمل مائة سنة، وبذلك يتفق مع القول المجمع عليه بأن آخر الصحابة موتا على الإطلاق هو أبو الطفيل، ويندفع بذلك التعارض بينهما.\n_________\n(^١) ينظر الاشتقاق لابن دريد/ ٢٤٩ بتحقيق عبد السلام هارون.\n(^٢) ينظر تهذيب التهذيب لابن حجر ٤/ ٤٥٢ (الضحاك بن مخلد).","vol":"5","page":2016},{"text":"وأيضا بعد ثبوت سند قول سهل بن سعد، أمكن حمله على من خاطبهم به، وهم أهل المدينة النبوية فقط، فلا يعارض الآخرية العامة لوفاة أبي الطفيل، ولا ينقضى الإجماع على ذلك، كما لا ينقضه الخلاف في تحديد سنة وفاة أبي الطفيل، كما سبق.\nرابعا: أن الصحيح من الأقوال قد يخالف المشهور منها، فقد ذكر العراقي أن القول المشهور في وفاة أبي الطفيل هو سنة مائة، ثم حكى قولا آخر بأنه بقى إلى سنة ١١٠ هـ، وذكر تصحيح الذهبي له، وأقره.\nخامسا: أن المسائل النقلية ينبغى العناية بما يؤيدها من الشواهد الواقعية المعقولة، كما أشار إلى ذلك العراقى في إتباعه الرواية التي صح سندها بقوله: «وكيف يظن عاقل أنه … الخ».\n٧ - من أنواع تحمل الحديث المعتد بها في اتصال الإسناد، تحمله بالإجازة، ولكنها أقل درجة من السماع من لفظ الشيخ ومن القراءة عليه، فتعتبر مرتبة ثالثة من أنواع التحمل، ولها عدة أنواع بلغ بها العراقي وغيره تسعة أنواع (^١).\nوذكر العراقي أن النوع الثالث منها: الإجازة بتعميم المجاز له، وتعرف بالإجازة العامة، حيث يقول المجيز: أجزت لجميع المسلمين، أو لمن أدرك زماني، أو لكل أحد، ونحو ذلك، أن يروى عنى جميع مروياتي، أو يحدد بعضها، وهذا النوع كما ترى فيه توسع ظاهر، ولذلك اشتد الخلاف فيه فأجازه جماعة ورووا به، ورده جماعة أكثر، كما فصله العراقي\n_________\n(^١) فتح المغيث للعراقي مع ألفيته ٢/ ٦٥ - ٧٨ وللسخاوى ٢/ ٢١٤ - ٢٧٧ وتدريب الراوى ١/ ٤٤٧ - ٤٦٦.","vol":"5","page":2017},{"text":"وغيره (^١) وقال العراقى في شرحه للألفية: وقد قرأت بها عدة أجزاء على الوجيه عبد الرحمن العوفي بإجازته العامة من عبد اللطيف القبيطي، وأبي إسحق الكاشغري، وابن رواج والسبط - يعنى سبط السلفي - وآخرين من البغداديين والمصريين، ثم قال: وفي النفس من ذلك شيء، وأنا أتوقف عن الرواية بها، ثم أجاب عن تحمله بها فقال: وأهل الحديث يقولون إذا كتبت فقمش - أي اجمع جمعا عاما - وإذا حدثت ففتش - أى تخير وانتق ما تحدث به (^٢) وفي (التقييد والإيضاح) ذكر ممن قرأ بها شيخه العلائي على أبي العباس بن نعمة بإجازته العامة من داود بن معمر الفاخر، ثم قال: وبالجملة ففى النفس من الرواية بها شيء، والاحتياط، ترك الرواية بها، والله أعلم (^٣).\nلكن في هذا الكتاب تعدد صنيع العراقي، ففي بداية تأليفه له وإملائه، وقراءته عليه بالمدينة حتى جمادى الأولى سنة ٧٩١ هـ كما تقدم نجده قد روى فيه بالإجازة العامة في ثلاثة أحاديث، جميعها عن شيخه العوفي السابق ذكره له، وأولها من رواية العوفى عن ابراهيم بن عثمان الكاشغري إذنا عاما قال أخبرنا محمد بن عبد الباقي بن أحمد بن البطى وعلى بن عبد الرحمن بن محمد المعروف بتاج القراء قالا … الخ (^٤).\nوالحديثان الآخران من رواية العوفى أيضا قال أخبرنا أبو القاسم عبد الرحمن\n_________\n(^١) ينظر فتح المغيث للعراقي ٢/ ٦٧ - ٦٨ وللسخاوى ٢/ ٢٢٣ - ٢٤٣ والتدريب ١/ ٤٥١ - ٤٥٤\n(^٢) ينظر فتح المغيث للعراقي ٢/ ٦٨ والتدريب ١/ ٤٥٣.\n(^٣) التقييد والإيضاح/ ١٨٣ والتدريب ١/ ٤٥٣.\n(^٤) الأربعين العشارية/ ١٩٨ مع تصويب بعض الألفاظ من النسخ الخطية.","vol":"5","page":2018},{"text":"ابن مكي بن عبد الرحمن بن أبي سعيد فيما أذن لنا عموما أن نروى عنه قال: أخبرني جدى لأمى الحافظ أبو طاهر أحمد بن محمد بن أحمد السلفي … الخ (^١).\nوقد ذكر السخاوي صنيع العراقي هذا (^٢) وذكره تلميذه ابن الجزري وعقب عليه بقوله: والعجب أنه قال في شرح ألفيته؛ وفي النفس من ذلك شيء وأنا أتوقف عن الرواية به (^٣) ويبدو مما تقدم عن ظروف تأليف الكتاب وإملائه بالمدينة النبوية، أن العراقي اضطره إلى ذلك ضيق الوقت وبعده عن مكتبته الخاصة وغيرها، لكنه لما رجع إلى مصر حيث مكتبته الخاصة التي كانت غنية بالكتب والأجزاء الحديثية كما تقدم في التعريف بها، وكذلك وفرة المراجع الحديثية في المكتبات العامة بمصر آنذاك، مع شيء من سعة الوقت، كل ذلك ساعد العراقي على البحث في مرويات أخرى له عالية الإسناد، وخالية من الإجازة العامة، بل ومن الإجازة عموما؛ فعمل نسخة أخرى من هذه الأربعين وهي النسخة المصرية السابق ذكرها، فجاء فيها قيامه في ربيع الآخر سنة ٨٠٠ هـ بإلحاق حديثين بديلين عن حديثين مما فيه الرواية بالإجازة العامة، خاليين من الإجازة عموما (^٤).\nوفيها أيضا إبدال حديثين مشتملين على إجازة خاصة (^٥).\n_________\n(^١) الأربعين العشارية/ ٢٠٨، ٢١٨.\n(^٢) فتح المغيث للسخاوى ٢/ ٢٢٧.\n(^٣) ينظر الأربعين العشارية لابن الجزري/ ٢١ (مخطوط).\n(^٤) ينظر النسخة المصرية ١٥/ أ، ب و١٦/ أ، ب مع ص ٢٠٨، ٢١٨ من المطبوع.\n(^٥) ينظر النسخة المصرية ١٨/ أ، ب مع المطبوع/ ١٨٩، ٢٢٤.","vol":"5","page":2019},{"text":"ولكنه رغم هذا بقى حديث واحد مروى بالإجازة العامة في النسخة المصرية كما هو في غيرها (^١) وكذلك أبقى الحديثين اللذين ذكر بدلهما، كما هما لقصد الفائدة، فبهذا التغيير في النسخة المصرية، يتضح أنه تغير رأيه إلى جواز الرواية بالإجازة العامة عند الضرورة، فقط، فتكون حينئذ خيرا من إيراد الحديث بدون سند، وقد قررت هذا أيضا في الجمع بين قوله وصنيعه العملي، وذلك في دراستى السابقة لكتابه التقييد والإيضاح، وبنحو هذا قال تلميذه الحافظ ابن حجر (^٢) وتبعه في هذا السيوطى (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-582>أثر الكتاب فيما بعده:</span>\n١ - من أهم آثار هذا الكتاب أنه حفظ لنا أنموذجا عمليا واضحا لإحياء سنة إملاء الحديث من حفظ المحدث، وإسماعه من لفظه، لمن حضر لتحمله عنه، كما فعل الرسول ﷺ مع صحابته، ثم صحابته فمن بعدهم إلى زمن …\n٢ - أنه يعتبر أنموذجا محفوظا ومتداولا لاتصال أسانيد رواية الحديث، وخاصة بأعلا ما وجد في عصره من الأسانيد، ابتداء من مصدرها الأعلى، وهو الرسول ﷺ وصحابته الكرام، وانتهاء بمن تحمل هذا الكتاب عن العراقي في أواخر القرن الثامن الهجرى، من طلبة علوم السنة وروايتها من مختلف الأعمار، من الصبيان الصغار فمن هو أكبر منهم، ومن مختلف أقطار الاسلام شرقا وغربا ممن وفد على مشكاة النبوة بالمدينة المشرفة، كما أشار العراقي إلى ذلك في مقدمة الكتاب في قوله: «ورأيت أن أقدم قبل الأربعين،\n_________\n(^١) ينظر المصرية ١٢/ أ، ب مع المطبوع/ ١٩٨.\n(^٢) شرح نخبة الفكر/ ٦٦ ط دار الكتب العلمية.\n(^٣) التدريب ١/ ٤٥٣.","vol":"5","page":2020},{"text":"إملاء الحديث المسلسل بالأولية وإن لم يكن عشاريا، ليحصل التسلسل لمن ابتدأ السماع من الصبيان، والغرباء» (^١).\n٣ - أن الكتاب بعد إملاء العراقي له على من حضر مجالس الإملاء، صار ضمن مؤلفات علم الحديث الدراسية، فقرئ على العراقي، وسمعه طلابه منه أكثر من مرة، في المدينة النبوية في عدة مجالس بقراءة رفيقه نور الدين الهيثمي، كما تقدم في وصف نسخ الكتاب، وبيان منهج المؤلف فيه، وفي مصر قرئ الكتاب مرة أخرى عليه وسمعه جماعة وذلك بقراءة تلميذه البارز ابن حجر العسقلاني. وذلك في مجلس واحد في ١٢ شوال سنة ٧٩٦ هـ، وأجازهم كذلك، كما جاء بآخر نسخة دار الكتب المصرية السابق ذكرها. وأيضا كتبت من هذا الكتاب عدة نسخ خطية تداولها طلبة العلم والرواية كما تقدم في التعريف بنسخه الخطية.\nوقد اتصل سند رواية أحاديث الكتاب إلى عصرنا الحاضر، كما أثبته الشيخ عبد الحي الكتاني في كتابه المعروف «فهرس الفهارس والأثبات» (^٢).\n٤ - قد استفيد من مضامين هذا الكتاب رواية ودراية، جملة وتفصيلا، وأظهر الأمثلة لتلك الإفادة ما حصل لأحد تلاميذ العراقي البارزين وهو محمد ابن محمد بن محمد بن على الدمشقى المعروف بابن الجزرى، شيخ القراء في عصره المتوفى سنة ٨٣٣ هـ (^٣) وقد ألف كتابا في الأربعين العشارية الإسناد لنفسه، وقال في مقدمتها: وكان بعض شيوخنا من كبار الحفاظ ﵏.\n_________\n(^١) ينظر الأربعين العشارية/ ١٢٤.\n(^٢) ينظر فهرس الفهارس له ٢/ ٨١٧، ٨٨٠ - ٨٨١.\n(^٣) ينظر المجمع المؤسس لابن حجر ٣/ ٢٢٢ - ٢٢٩ والضوء اللامع للسخاوى ٩/ ٢٥٥ - ٢٦٠.","vol":"5","page":2021},{"text":"قد جمع أربعين حديثًا عشارية الإسناد، ولم يكن في عصره أعلا منه في أقطار البلاد، فرأيت أن أقتدي به في ذلك، لأني له في كبار شيوخه موافق ومشارك (^١).\nقال السخاوى: إن ابن الجزرى أشار بذلك إلى شيخه العراقي (^٢) وقد كثرت إقامة ابن الجزري في بلاد فارس والروم (^٣) وقد قال الحافظ ابن حجر: وقد أوقفنى بعض الطلبة من أهل تلك البلاد على جزء فيه أربعون حديثًا عشاريات - يعنى لابن الجزري - قال ابن حجر: فتأملتها، فوجدته خرجها بأسانيده من جزء الأنصاري وغيره، وأخذ كلام شيخنا - يعنى العراقي - في أربعينه العشاريات بفصه، فكأنه عمل عليها مستخرجا، بعضه بالسماع، وأكثره بالإجازة، ومنه ما خرجه شيخنا من جزء ابن عرفة، فإنه رواه عن ابن الخباز بالقراءة، فأخرجه ابن الجزرى عن ابن الخباز بالإجازة (^٤).\nوقال ابن حجر أيضا: وخرج - يعنى ابن الجزري - لنفسه أربعين عشارية، لقطها من أربعى شيخنا العراقي وغيرها، فيها أشياء، ووهم فيها كثيرًا، وقد بينت وهمه في كراسة (^٥).\nوقال السخاوى: إن ابن حجر كتب بخطه على العشاريات الأربعين التي خرجها ابن الجزري لنفسه: هذه قد انتزعها كلها من الأربعين العشارية\n_________\n(^١) ينظر الأربعين العشارية لابن الجزري/ ص ٣ (مخطوط).\n(^٢) الضوء اللامع للسخاوى ٤/ ١٧٦\n(^٣) ينظر الضوء اللامع ٩/ ٢٥٦ - ٢٥٨\n(^٤) ينظر الضوء اللامع للسخاوى ٩/ ٢٥٩\n(^٥) المجمع المؤسس ٣/ ٢٢٧","vol":"5","page":2022},{"text":"لشيخنا أبي الفضل العراقي، إلا الحديث الحادي عشر، … . وساقه بسند ابن الجزري، ثم قال: وإيراد هذا في المشاريات غلط منه، ثم قال: ووقع له في خطبتها من الأوهام غير ذلك، والله المستعان (^١).\nومن هذا يظهر مدى أثر كتاب العراقي في كتاب تلميذه هذا، جملة وتفصيلا.\nوقد سبق أن ذكرت بعض ما نقله ابن الجزري في أربعينه هذا عن شيخه العراقي، وتعقيبه عليه.\nومن آثاره أيضا ما سبق من نقل الحافظ ابن حجر أيضا في كتابه لسان الميزان عن هذا الكتاب، وتعقيبه عليه.\nوكذا نقله عنه في أربعينه المشارية مع التعقب كما قدمت. ولكن تلك التعقبات اليسيرة لا تغض من قيمة الكتاب وفوائده الحديثية، كما تقدم في دراسة الكتاب.\n_________\n(^١) الجواهر والدرر للسخاوي - بتحقيق الأخ الفاضل إبراهيم باجس ١/ ٣٧٨.","vol":"5","page":2023},{"text":"<span data-type='title' id=toc-583>ثانيا: تخريج العراقي للأربعين حديثا النووية</span>\n<span data-type='title' id=toc-584>أ - نسبة الكتاب إلى العراقى، وبيان عدم الوقوف على تسميته:</span>\nاتفق عير واحد ممن ترجم للعراقي، خصوصا من هو من تلاميذه، على نسبة كتاب «تخرج أحاديث الأربعين النووية» إلى العراقي، ولم أجد من ذكر لهذا الكتاب اسما معينا (^١) كالاسم الذي ذكره السخاوى لتخريج شيخه ابن حجر لكتاب الأربعين النووية هذا مثلا، كما سيأتي.\n\n<span data-type='title' id=toc-585>ب - التعريف بالكتاب إجمالا، وتاريخ تأليفه، وافتقاد نسخه حاليا.</span>\nذكر غير واحد من تلاميذ العراقي وغيرهم أنه لما عُزل عن وظائفه في المدينة النبوية، أدى فريضة الحج، ثم عاد إلى مصر، وأقام بالقاهرة، وشرع في الأمالي الحديثية بها، من سنة ٧٩٥ هـ إلى أن مات، فأملى أولا أشياء نثريات، ثم أملى على الأربعين النووية تخريجا لها (^٢).\nوذكر ابن حجر أنه استملى على شيخه العراقى كثيرا من تلك الأمالي، وكتب بعضها، وأن شيخه كان يمليها من حفظه، متقنة محررة مهذبة، كثيرة الفوائد الحديثية (^٣)، وتابع ابن حجر على هذا غيره (^٤).\n_________\n(^١) ينظر المجمع المؤسس لابن حجر ٢/ ١٨٣، وذيل ابن فهد لتذكرة الحفاظ/ ٢٣٣، والضوء اللامع للسخاوى ٤/ ١٧٤.\n(^٢) ينظر المجمع المؤسس لابن حجر ٢/ ١٨٣، وذيل ابن فهد لتذكرة الحفاظ ٢٣٣/ والمنهل الصافي لابن تغر برد ٢/ ٣١٢/ ب، ٣١٣/ أ (مخطوط) وذيل التقييد للتقى الفاسي/ ٢٢٠/ أ (مخطوط) ومقدمة الشرح الصغير لألفية العراقى في السيرة للمناوى ٢/ أ، ب (مخطوط).\n(^٣) ينظر المجمع المؤسس لابن حجر ٢/ ١٨٧ وذيل الدرر الكامنة له/ ص ٧٢ (مخطوط)، والجواهر والدرر للسخاوى ١/ ١٣٧، ٢٧١/ بتحقيق الأخ الفاضل/ ابراهيم باجس.\n(^٤) ينظر بهجة الناظرين للغزى/ ص ١٢٩ (مخطوط) والأعلام لابن قاضي شهبة ٤/ ٢١٩/ أ، ب (مخطوط).","vol":"5","page":2024},{"text":"ومما تقدم يتبين لنا الآتى: -\n١ - أن تخريج العراقى للأحاديث الأربعين للنووى، كان ضمن أماليه الحديثية بالقاهرة، وكان ترتيبه فيها الثاني، بعد إملائه بعض المجالس النثرية، أى التى تتعلق بموضوعات متفرقة، حسب المناسبات والوقائع، مثل فضل العشر من ذي الحجة، ونحو ذلك مما وجد من تلك الأمالي، كما سيأتى في موضعه.\nفبعد أن أملى العراقى عددا من تلك الأمالي في الموضوعات المتفرقة، أملى تخريج الأحاديث الأربعين التي ألفها الإمام النووى، والمعروفة بالأربعين النووية. وقد أملى العراقي تخريجها هذا في مجالس أسبوعية متوالية كل يوم ثلاثاء غالبا (^١).\nوكتاب الأربعين النووية هذا يعتبر من أشهر كتب الأربعينات، عموما، وأكثرها تداولا بين طلبة العلم وغيرهم، ولذا كثرت العناية بتخريج أحاديثه وشرحها.\nوقد اختار النووى أحاديثه من جوامع كلمه ﷺ في الغالب، وهي ما قلت ألفاظه، وكثرت معانيه، والأحكام المستفادة منه، مثل حديث «بني الإسلام على خمس» (الحديث)، وعدة أحاديث الكتاب بالتحديد اثنان وأربعون حديثا (^٢) وقد حذف الإمام النووى أسانيد تلك الأحاديث ما عدا الصحابي، واستعاض عن الأسانيد بعزو كل حديث إلى بعض مصادره التى فيها إسناده،\n_________\n(^١) بناء على ما وقفت عليه من تلك المجالس. مؤرخة بذلك.\n(^٢) تنظر الأربعين النووية مع شرحه لها/ ٤، ٢٠ الحديث (٣)، ومقدمة جامع العلوم والحكم لابن رجب ١/ ٥٣ - ٥٧ ط مؤسسة الرسالة.","vol":"5","page":2025},{"text":"كما ذكر درجة ما ليس في الصحيحين، صحة أو حسنا.\nومع هذا لاحظ العلماء من بعده حاجة الكتاب إلى زيادة تخريج لطرق أحاديثه، وألفاظها، حتى إن الحافظ ابن حجر مع اطلاعه على تخريج شيخه هذا، قد تصدى أيضا لتأليف تخريج لأحاديثه يسمى (تخريج الأربعين النووية بالأسانيد العلية)، وكذلك فعل السخاوى مع علمه بتخريج شيخه ابن حجر (^١).\nوقد بحثت كثيرا عن نسخة، أو بعض نسخة لكتاب العراقي هذا، أو حتى بعض نقول منسوبة إليه، فلم يتيسر لى شيء من ذلك، مع أن أماليه عموما - بما فيها هذا الكتاب - قد كتبت عنه في مجالس إملائه.\n٢ - ولكن على ضوء ما ذكر عن أمالي العراقى فيما قدمته، وما وقفت عليه من بعض مجالسها، وكذا النظر في أمالي تلميذه ابن حجر المماثلة، يمكن تصور جهود العراقي في الكتاب، ومنهجه الاجمالي فيه، بأن الحديث الذي يذكره النووى في أربعينه من رواية صحابي معين، مثل عمر بن الخطاب، أو أبي هريرة ﵄، يقوم العراقى بتخريج هذا الحديث بطريقتين غالبا:\nإحداهما: طريق الرواية بإسناده هو، فيسوقه عن شيوخه إلى صحابي الحديث الذي ذكر النووى الحديث عنه.\nوثانيهما: تخريج الحديث نفسه بالعزو الإجمالي فقط، إلى بعض المصادر الأصلية، كما يتكلم عن درجة الحديث من الصحة وغيرها، عند الحاجة، ويذكر أيضا بعض ما يتعلق بالحديث من فوائد إسنادية أو متنيه، حتى يتحقق.\n_________\n(^١) ينظر الجواهر والدرر للسخاوى ٢/ ٦٦٧ و٣/ ١٠٨٥ وفهرس الفهارس للكتاني ٢/ ٩٩٠.","vol":"5","page":2026},{"text":"ما تقدم من قول من حضرها وهو الحافظ ابن حجر: إن العراقي كان يمليها من حفظه متقنة محررة كثيرة الفوائد الحديثية.\nوأيضا إملاء العراقي لها من حفظه سندا ومتنا، دليل على تمكنه الحديثي، وسلامة ذاكرته، واستيعابها الدقيق.","vol":"5","page":2027},{"text":"<span data-type='title' id=toc-586>ثالثا: تخريج أربعين حديثا من تساعيات البياني</span>\n<span data-type='title' id=toc-587>١ - نسبة الكتاب إلى العراقي، وتحديد المراد «بالبياني» الذي يروي هذه التساعيات:</span>\nذكر هذا الكتاب ضمن مؤلفات العراقي في علم التخريج، كل من أبن فهد المكى - والشيخ عبد الحي بن عبد الكبير الكتاني.\nفابن فهد قال في ترجمته للعراقي: له المؤلفات المفيدة المشهورة في علم الحديث، والتخاريج الحسنة، … ثم عدد مؤلفاته، وتخاريجه حتى قال: وأربعون تساعية، وعشرون ثمانية، كلاهما من رواية البياني (^١).\nوبمثل عبارة ابن فهد في ذكر هذين الكتابين ذكرهما الكتاني أيضا (^٢).\nوقد ذكر محقق ذيول تذكرة الحفاظ تعليقا على نسبة البياني هذا فقال: هو أبو محمد عبد الرحيم بن غنائم بن إسماعيل التدمري البياني (^٣) وهذا خطأ لاشتراك البياني هذا مع صاحب تلك التساعيات في تلك النسبة، مع كون صاحب التساعيات، والثمانيات السابق ذكرهما شخص آخر هو أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن محمد بن أبي بكر، الأنصاري الخزرجي البياني المقدسي المتوفى سنة ٧٦٦ هـ.\nوقد تقدم التعريف به عند ذكر ما ألفه العراقى أيضًا له من فهرست حافل.\n_________\n(^١) ذيل تذكرة الحفاظ لابن فهد/ ٢٣٢.\n(^٢) فهرس الفهارس والأثبات للكتاني ٢/ ٨١٧ ط دار الغرب الإسلامي.\n(^٣) ذيل التذكرة/ ٢٣٢ (حاشية) وهذه النسبة إلى الشيخ القدوة أبي البيان نبا بن محمد بن محفوظ القرشي الشافعي الدمشقي يعرف بابن الحوراني المتوفى سنة ٥٥١ هـ/ تبصير المنتبه ١/ ١٧١ والدارس للنعيمي ٢/ ١٩٢.","vol":"5","page":2028},{"text":"أو ذيل على مشيخته.\nوقد تتلمذ له العراقي وولده أبو زرعة ابن العراقي (^١).\nوسيأتي أيضا ذكره بهذا الاسم في عنوان نسخة كتاب التساعيات إن شاء الله، مع نسبة تأليف الكتاب إلى العراقي.\n\n<span data-type='title' id=toc-588>٢ - ما وقفت عليه من نسخ الكتاب:</span>\nوقفت على نسخة خطية لهذا الكتاب بدار الكتب المصرية برقم (٤٣٣) حديث تيمور.\nوعدد أوراقها (١١) ورقة، وعدد سطور الصفحات مختلف من ٢٣ سطرا، فأكثر، وخطها رقعة حديث، قليل النقط. ولم يذكر اسم الناسخ، ولا تاريخ النسخ، لكن فيها علامات توثيق أخرى، كما سيأتي توضيحه في بقية دراسة الكتاب.\n\n<span data-type='title' id=toc-589>٣ - عنوان النسخة: جزء فيه أربعون حديثا تساعيات الإسناد.</span>\nمن مرويات الشيخ المسند أبي عبد الله محمد بن إبراهيم بن محمد بن أبي بكر بن أحمد بن يعقوب بن إلياس الأنصاري الخزرجي البياني المقدسي.\nتخريج حافظ العصر أبي الفضل عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن العراقي - رحمه الله تعالى.\n\n<span data-type='title' id=toc-590>٤ - إسناد النسخة:</span>\nجاء بأول النسخة بعد البسملة والدعاء بالعون والتيسير، الآتى: -\n_________\n(^١) ينظر الوفيات لابن رافع السلامي ٢/ ترجمة ٨٣٢ والدرر الكامنة لابن حجر ٣/ ٣٨١ - ٣٨٢ والمعجم المفهرس لابن حجر/ ص ٦٥ وذيل أبي زرعة ابن العراقي على العبر ١/ ١٨٦ - ١٨٨ والنجوم الزاهرة ١١/ ٨٩. والمجمع المؤسس لابن حجر ٢/ ٢٠٤.","vol":"5","page":2029},{"text":"أخبرنا الشيخ الإمام العلامة زين الدين عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله ابن محمد الزركشى المصرى الحنبلى شفاها، أنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم البياني الخزرجي، إجازة إن لم يكن سماعا لها أو لبعضها.\nثم ذكر الحديث الأول فالثاني، وهكذا.\nفمن هذا الإسناد يتأكد لنا أن هذه الأربعين ليست رواية البياني أبي محمد عبد الرحيم، كما ظن محقق ذيول تذكرة الحفاظ، ولكنها رواية بياني آخر هو أبو عبد الله محمد بن إبراهيم، وقد ذكرت رواية الأربعين عنه بسماع بعضها وإجازة جميعها للعلامة زين الدين عبد الرحمن الزركشي، وقد ذكر ابن تغرى بردى في ترجمة أبي عبد الله البياني أن الزركشي هذا هو آخر من تأخرت وفاته ممن سمع على البياني المذكور (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-591>٥ - موضوع الكتاب:</span>\nهو تخريج أربعين حديثا بإسناد تساعى، بمعنى أن يكون بين أبي عبد الله البياني وبين الرسول ﷺ تسعة أشخاص بما فيهم الصحابي، وقد زاد العراقي حديثا آخر في نهاية الأربعين - كما سيأتي، فأصبح عدد الأحاديث (٤١) حديثًا.\nوقد مر معنا أن أعلا أسانيد العراقي الخالية من شدة الضعف هي العشارية، فلما كان البياني من شيوخ العراقي كما أسلفت فإن تساعياته تكون أعلا أسانيد أقرانه المقبولة، وأعلا منها ما يكون ثماني، وسيأتي الكلام عليها عقب كتاب التساعيات هذا.\n_________\n(^١) ينظر النجوم الزاهرة لابن تغرى بردى ١١/ ٨٩ وإنباء الغمر لابن حجر ٩/ ١٩٤ وفيات سنة ٨٤٦ هـ والضوء اللامع للسخاوى ٤/ ١٣٦.","vol":"5","page":2030},{"text":"ومتون الأحاديث التساعيات هذه، متنوعة الموضوعات، منها ما يتعلق بالعقيدة، ومنها ما يتعلق بالطهارة، ومنها ما يتعلق بالصلاة ومنها ما يتعلق بالصوم ومنها ما يتعلق بالمعاملات ومنها ما يتعلق بالآداب.\n\n<span data-type='title' id=toc-592>٦ - منهج العراقي في الكتاب:</span>\nيعتبر منهج العراقي في هذا الكتاب مشابها لمنهجه في أربعينه العشارية، بمختلف عناصره التي سبق تفصيلها، سواء من ناحية المصادر أو التخريج أو بيان نوع العلو، أو درجات الأحاديث، وأحوال الرواة والأسانيد.\nولذلك لا أرى ضرورة لتكرير الكلام في هذا، لكن هناك بعض اختلافات في عناصر المنهج في الكتابين بحكم اختلاف موضوعهما، والأحاديث المخرجة في كل منهما، فيقتضى الأمر بيان ذلك، على النحو التالي:\n\n<span data-type='title' id=toc-593>أولا: المصادر المباشرة في هذا الكتاب ليست شيوخ العراقي،</span> ولكن شيوخ شيخه أبي عبد الله البياني الذين روى عنهم هذه الأحاديث بسند تساعى كما قدمت توضيحه.\nأما المصادر غير المباشرة وهي المصنفات الحديثية المشتملة على بقية أسانيد الأحاديث ومتونها، فمعظمها من المصادر التي أخذ العراقي منها عشارياته، وعزا إليها.\n\n<span data-type='title' id=toc-594>ثانيا: في الأربعين العشارية للعراقي جمع بين التخريج بالرواية بإسناده وبين التخريج بالعزو إلى المصادر الحديثية الأصلية، وذلك في أغلب الأحاديث أما هنا ففعل العكس،</span> حيث اقتصر في أغلب الأحاديث على التخريج بالرواية بسند شيخه البياني فقط، فجمع بين نوعى التخريج في (١٥) حديثا فقط (^١) من\n_________\n(^١) تنظر الأحاديث ذات الأرقام ٤، ٧، ٨، ٩، ١٠، ١١، ١٢، ١٣، ١٤، ١٦، ١٧، ١٩، ٢١، ٢٤، ٢٥.","vol":"5","page":2031},{"text":"مجموع أحاديث الكتاب، وهي (٤١) حديثا.\nومع ذلك تميز تخريجه للخمسة عشر حديثا المشار إليها بأن منها أربعة أحاديث اقتصر في أربعينه العشارية على تخريجها بالرواية فقط في حين نجده قد خرجها في هذه التساعيات بالرواية والعزو إلى بعض المصادر (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-595>ثالثا: بيانه لدرجات الأحاديث وأحوال الرواة، مع المقارنة والنقد.</span>\n<span data-type='title' id=toc-596>أ - أشار العراقي في عشارياته - كما تقدم - إلى حرصه والتزامه فيها - مع علو الإسناد - بأن يكون صحيحا أو حسنا،</span> وربما يكون ضعيفا غير شديد الضعف، لكنه هنا لم يلتزم بذلك، فأخرج الصحيح أو الحسن بنوعيه أو الضعيف فقط أو الضعيف الشديد الضعف، بل من في سنده بعض من قرر العراقي أنه اجتنب في أربعينه روايتهم، وأنه لا يفرح بعواليهم وأنهم ممن عرف بالكذب اتهم به، وهم: إبراهيم بن هدبة أبو هدبة، ودينار بن عبد الله الحبشي أبو مكيس، وموسى بن عبد الله الطويل، ويغنم بن سالم (^٢) وزاد عليهم رواية يعلى بن الأشدق، وحاله مثل حالهم، ولا سيما فيما رواه عن عمه عبد الله بن جراد، وقد زعم أن لعمه هذا صحبة (^٣).\nوالأربعة الأول من هؤلاء الخمسة قد أخرج العراقي من طريقهم بإسناد البياني\n_________\n(^١) ينظر حديث ٧ من التساعية مع حديث ١٦ من العشارية. وحديث ١٢ من التساعية مع حديث ١٤ من العشارية. وحديث ١٨ من التساعية مع حديث ٢٧ من العشارية. وحديث ١٩ من التساعية مع حديث ٣٠ من العشارية.\n(^٢) ينظر الأربعين العشارية ١٢٣، ٢٢٨ والميزان ١/ ترجمة (٢٤٢)، و٢/ ترجمة (٢٦٩٢) و٤/ ترجمة (٨٨٨٨) وترجمة (٩٨٤٥).\n(^٣) ينظر اللسان ٦/ ترجمة (١٢٢٥).","vol":"5","page":2032},{"text":"ثمانية أحاديث، أغلبها بدون ذكر متابع (^١).\nأما الخامس وهو يعلى بن الأشدق فأخرج من طريقه تسعة أحاديث من روايته عن عمه عبد الله بن جراد مرفوعا.\nولم يذكر له متابعا على أى منها (^٢).\nوعقب عليها بذكر بعض الأقوال في حال يعلى بن الأشدق، مشيرا بذلك إلى درجة تلك الأحاديث التسعة المخرجة من طريق يعلى هذا فقال: ويعلى بن الأشدق يروى عن عمه عبد الله بن جراد عن النبي ﷺ - أحاديث كثيرة مناكير، قاله ابن عدى، قال: وهو وعمه غير معروفين، وقال البخاري: لا يكتب حديثه، وقال أبو زرعة: ليس بشيء (^٣).\nوبالتأمل في هذه الأقوال نجد أشدها قول البخارى: «لا يكتب حديثه» فهو يفيد شدة ضعفه، بدون وصفه بكذب ولا تهمة به.\nلكن عند المراجعة نجد أن قول أبي زرعة الرازى له بقية تفيد وصف يعلى بالكذب والوضع، ولم يذكرها العراقي، والعبارة بأكملها كما حكاها ابن أبي حاتم قال: سئل أبو زرعة عن يعلى بن الأشدق، فقال: هو عندى لا يصدق، وليس بشيء، قدم الرقة فقال: رأيت رجلا من أصحاب النبي ﷺ يقال له: عبد الله بن جراد، فأعطوه على ذلك، فوضع أربعين حديثا وعبد الله بن جراد لا يعرف (^٤) فاختصار العراقي لقول أبي زرعة هذا، غير\n_________\n(^١) ينظر حديث ١، ٢، ٣، ٣٧، ٣٨، ٣٩، ٤٠، ٤١.\n(^٢) ينظر الأحاديث من ٢٦ - ٣٤.\n(^٣) ينظر الأربعين التساعية/ ص ١٧، ١٨.\n(^٤) ينظر الجرح والتعديل ٩/ ت (١٣٠٥).","vol":"5","page":2033},{"text":"مناسب، لعدم دلالة المذكور منه على المحذوف، وهو اتصاف ابن الأشدق بالكذب ووضع الحديث من طريق عمه ابن جراد، والأحاديث التسعة التي أخرجها في تلك التساعيات كلها من رواية ابن الأشدق عن عمه ابن جراد، دون متابع كما تقدم.\nوأيضا كل من دينار أبي مكيس، وموسى الطويل، ويغنم بن سالم، قد ذكر العراقي الأقوال في حال كل منهم للإشارة إلى درجة ما أخرجه في هذه التساعيات من طريقهم، لكنه ذكر من تلك الأقوال ما يقتضى ضعف كل منهم فقط، في حين نجده في أربعينه العشارية قرر اتصاف كل منهم بالكذب أو الاتهام به كما تقدم، ونجد في مصادر تراجمهم ما يؤيد ذلك (^١).\nفكان يلزم أن يذكر من أقوال النقاد أو من خلاصتها ما يدل على حالهم، كما صنع في أربعينه العشارية.\nولا أجد للعراقي عذرًا في تخريج عوالى شيخه البياني من طريق هؤلاء الرواة الخمسة دون متابع، إلا قصد التنبيه على حال تلك العوالي، رغم تساهله في ذلك كما رأيت، لكنه ينبه في الجملة إلى عدم اغترار من يقف عليها بعلو أسانيدها:\n\n<span data-type='title' id=toc-597>ب - وقد أخرج العراقي في هذه الأربعين خمسة أحاديث من طريق سلمة بن وزدان </span>(^٢) أولها هو الحديث الثامن عشر.\nوقد أخرجه بسند البياني من طريق سلمة بن وردان سمعت أنس بن مالك يقول: ارتقى رسول الله ﷺ المنبر فقال: آمين … (الحديث)، وأخرجه.\n_________\n(^١) ينظر الميزان ٢/ ترجمة (٢٦٩٢)، ٤/ ترجمة (٨٨٨) وترجمة (٩٨٤٥).\n(^٢) ينظر التساعيات، أحاديث (١٨ - ٢٢).","vol":"5","page":2034},{"text":"أيضا من طريق آخر إلى سلمة بن وردان أنه سمع أنس بن مالك يقول: ارتقى رسول الله ﷺ درجة المنبر (الحديث). وقال العراقي: هذا حديث حسن، وسلمة بن وردان كان ضعفه الجمهور، وحسن له الترمذي ثلاثة أحاديث (^١). ثم أخرج العراقي بقية الأحاديث الخمسة التي من طريق سلمة بن وردان، والثالث منها وهو رقم (٢٠) من التساعيات عزاه العراقي إلى الترمذي وذكر قوله: هذا حديث حسن، إنما نعرفه من حديث سلمة.\nوهذان الحديثان قد خرجهما العراقي في أربعينه العشارية أيضا من طريق سلمة، وحكم على الحديث الأول منهما بالحسن كما هنا، ونقل تحسين الترمذي للثاني، وتعليله للتحسين كما هو هنا أيضا، وأقره.\nلكن عبارة العراقي هنا في تعليله تحسين حديث سلمة، فيها اختلاف عما هناك؛ لأن خلاصة ما قرره هناك أن سلمة مختلف في حاله، فأقوال عدد من النقاد تفيد تضعيفه، وصنع الترمذي يفيد احتجاجه به، حيث حسن له بعض أحايث مما انفرد به (^٢).\nلكنه هنا في التساعيات قال: وسلمة بن وردان كان ضعفه الجمهور، وحسن له الترمذي ثلاثة أحاديث.\nفأفاد بذلك أن الاحتجاج الفعلي المتعدد من الترمذي بسلمة بمفرده، يترجح على قول الجمهور بتضعيفه، ومنهم من فسر الضعف بجهة الضبط كما تقدم. وقد سبق في دراستي للأربعين العشارية للعراقي الرد عليه في ذلك، مؤيدا بأقوال بعض العلماء، فاكتفى هنا بالإحالة على ما تقدم هناك مع إضافة الآتي:\n_________\n(^١) ينظر التساعيات ص: ١٢، ١٣.\n(^٢) ينظر الأربعين العشارية/ ١٩٦ - ١٩٧ و٢٠٤.","vol":"5","page":2035},{"text":"أن الترمذي لم يطرد تحسينه لحديث سلمة لذاته، حيث إن مجموع ما أخرجه له في جامعه أربعة أحاديث فقط حسب المتوافر لدينا حاليا من طبعاته.\nفمنها ثلاثة أحاديث اتفقت على تحسينها الطبعات ونسختان خطيتان موثقتان، مع تعليل التحسين في حديثين بتفرد سلمة بالحديث من هذا الوجه، حسب مبلغ علم الترمذي (^١).\nأما الحديث الرابع فاختلفت الطبعات فيه، فبعضها جاء فيه: قال الترمذي: حديث غريب من هذا الوجه (^٢) وهذه أوثقها (^٣) وبعضها قال الترمذي: هذا حديث غريب حسن من هذا الوجه (^٤) وبعضها: قال الترمذي: حديث حسن غريب من هذا الوجه من حديث علي، وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ (^٥) وفي جميع هذه الطبعات والنسختين المخطوطتين أتبع الترمذي رواية سلمة للحديث برواية أخرى عن محمد بن كامل المروزي قال: حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم الزاهد عن كثير بن زيد عن الوليد بن رباح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ (الحديث). وصححه (^٦) وعليه فلا يكون سلمة منفردا بالحديث تفردا مطلقا، بل مقيد بروايته من هذا الوجه من حديث علي ﵁.\n_________\n(^١) ينظر جامع الترمذي - ط دار الجيل ودار الغرب الإسلامي، كلاهما ببيروت/ الأحاديث رقم. (٣٥١٢، ٢٨٩٠، ١٩٩٣)\n(^٢) ينظر تحفة الأشراف ١٠/ حديث (١٤٨١٠) وجامع الترمذي (٣٩١٥) ط السابق الإحالة عليها.\n(^٣) حيث وافقت النسختين الخطيتين الجامع الترمذي.\n(^٤) جامع الترمذي مع التحفة ١٠/ حديث (٤٠٠٨).\n(^٥) جامع الترمذي ٢/ ٣٣٦ (المناقب - فضل المدينة) ط المطبعة الأميرية سنة ١٢٩٢ هـ.\n(^٦) جامع الترمذي (حديث ٣٩١٦) ط دار الجيل، وغيرها.","vol":"5","page":2036},{"text":"أما رواية سلمة للحديث من هذا الوجه من حديث أبي هريرة، فلم ينفرد بها، بل له متابع، كما ساقه الترمذي بنفسه وصححه، كما ترى.\nفيكون الحديث من طريق سلمة وحده ضعيفا، ويرتقى إلى الصحة أو الحسن بمراعاة متابعه.\nوعليه يكون الترمذي قد احتج بسلمة في أكثر المواضع، ولكن لم يحتج به بمفرده في الموضع الأخير، وهذا يلتقى مع قول الجمهور بتضعيف سلمة كما قرره العراقي بنفسه فيما تقدم، وعند تعدد قولين أو موقفين للعالم - كما حصل هنا من الترمذي - فيؤخذ من ذلك بما يوافقه عليه الجمهور، وهو تضعيف سلمة، وليس الاحتجاج به بمفرده، الذي رجحه العراقي.\n\n<span data-type='title' id=toc-598>ج - قد ظهر في هذه الأربعين أيضا تطبيق العراقي للحكم بتحسين الحديث لغيره، حسب التعريف الاصطلاحي له عند الترمذي واستقرار عمل من بعده عليه إلى الآن.</span>\nفقد أخرج بإسناد البياني حديث أنس ﵁ قال: دخل رسول الله ﷺ المدينة وأنا ابن ثمانى سنين (الحديث) في تكثير الطعام الذي صنعته أم أنس ﵄ على يديه ﷺ، وذلك من طريق كثير بن عبد الله الأبلى أبو هاشم، وقال العراقي: هذا حديث حسن، وأتبعه بقوله: وكثير بن عبد الله الأبلى قال فيه البخاري وأبو حاتم الرازي: منكر الحديث، ثم قال: قال صاحب الميزان: وما أرى رواياته بالمنكرة جدا (^١)، ثم قال أيضا: تابعه - يعني تابع كثير بن عبد الله - حميد الطويل، رواه ابن ماجه عن أحمد بن عبدة عن عثمان بن عبد الرحمن الجمحي عن حميد، به (^٢).\n_________\n(^١) ينظر الميزان للذهبي ٣/ ترجمة (٦٩٤٢).\n(^٢) ينظر التساعيات/ ص ٥.","vol":"5","page":2037},{"text":"فبين العراقي بذلك أنه وإن كان في الطريق الأول للحديث راو ضعيف، وهو كثير بن عبد الله، فإنه بمتابعة حميد الطويل له، يرتقى الحديث إلى الحسن لغيره.\nوبمراجعة إسناد متابعة حميد هذه عند ابن ماجه، نجد فيه عثمان بن عبد الرحمن الجمحي، وخلاصة حاله أنه ليس بالقوى (^١) فيكون الحديث: بمجموع الطريقين حسنا لغيره (^٢).\nوسيأتي مثال آخر لتطبيقه اصطلاح الحسن لغيره أيضا. وقد سبق في دراستي لكتاب المغني عن حمل الأسفار، وغيره أن العراقي قد يذكر مع الحديث الذي يضعفه بعض الطرق الأخرى التي تصلح لجبر ضعفه وترقيته للحسن لغيره، ولكن لا يصرح بتحسين الحديث بمجموع طريقيه كما صرح هنا في هذا الحديث وفيما سيأتي، بل ترك في المغنى وغيره مما سبق استنتاج ذلك للقارئ. فيعتبر صنيعه هنا أولى وأفيد في بيان الطريق العملي لتطبيق تعريف الحسن لغيره، فيساعد القارئ لكتابه هذا من الباحثين في دراسة الأسانيد على فهم تطبيق القاعدة الاصطلاحية للحديث الحسن لغيره.\n\n<span data-type='title' id=toc-599>د - لكن لم يلتزم العراقي بهذا في بقية أحاديث الكتاب التي تحتاج إلى ما يجبر ضعفها.</span>\nفالحديث رقم (٣٦) من هذه التساعيات أخرجه العراقي بإسناد البياني من طريق عبد الله بن محمد البغوى ثنا شيبان بن فروخ ثنا سعيد بن سليم عن\n_________\n(^١) ينظر التقريب/ ترجمة (٤٤٩٥) والكاشف ٢/ ت (٣٧١٩).\n(^٢) وينظر تقرير ذلك من كل من العلائي/ جامع التحصيل/ ٣٤ وبعدها، وأجوبة الحافظ ابن حجر عن أحاديث المصابيح مع المصابيح ٣/ ١٧٧٨.","vol":"5","page":2038},{"text":"أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ قال الله تعالى: من أخذت كريمتيه في الدنيا لم أرض له ثوابا إلا الجنة (الحديث)، ثم قال: سعيد بن سليم الضبي البصرى ضعفه ابن عدى والأزدى (^١) ولم يزد على ذلك، ومقتضاه أن الحديث ضعيف الحال سعيد بن سليم الواقع في إسناده، كما تقدم.\nلكن الحافظ ابن حجر تلميذ العراقي أخرج الحديث نفسه في عشارياته من طريق سعيد هذا، وقال: هذا حديث حسن، رواه البخاري من طريق عمرو ابن أبي عمر، والترمذي من طريق أبي ظلال، كلاهما عن أنس بغير هذا اللفظ، وسعيد بن سليم أثبت البخاري سماعه من أنس، وقد تابعه أبو ظلال وعمرو بن عمر ومولى المطلب، وأشعث بن عبد الله، وجماعة، كلهم عن أنس، ولأصله شواهد يقوى بها، والله أعلم (^٢).\nوبذلك نجد الحافظ ابن حجر لم يقتصر على الطريق العالية الضعيفة ولكن ذكر لسعيد بن سليم عدد ممن تابعه، وذكر أن لأصل الحديث شواهد، وقرر أنه يتقوى بها، يعنى إلى درجة الحسن التي صرح بها في بداية كلامه عن درجة الحديث.\nوهذا بلا شك أولى من الاقتصار على ذكر الطريق العالي للحديث، وبيان ضعفه، كما صنع شيخه العراقي آنفا.\nكذلك أخرج العراقي الحديث رقم (٦) بسند البياني من طريق يعلى بن الأشدق سمعت النابغة يقول: أنشدت النبي ﷺ:\n_________\n(^١) تنظر التساعيات ص ١٨ - ١٩.\n(^٢) ينظر الأربعين العشارية لابن حجر/ ص ٥ (مخطوط).","vol":"5","page":2039},{"text":"بلغنا السماء مجدنا وجدودنا … (الحديث).\nثم قال: ويعلى بن الأشدق قال فيه البخاري: لا يكتب حديثه، وقال أبو زرعة الرازي ليس بشيء (^١)، ولم يزد على ذلك. وفي هذا قصور من جهة عدم تخريج الحديث بالعزو لأى مصدر آخر، ومن جهة ما حذفه من كلام أبي زرعة الرازي في حال (يعلى) بما يقتضي وصفه بالكذب والوضع كما قدمت توضيحه أما الحافظ ابن حجر فإنه أخرج الحديث نفسه في عشارياته، من طريق يعلى هذا، وأعقبه بتخريجه بالعزو إلى البزار والحسن بن سفيان في مسنديهما من طريقين عن يعلى بن الأشدق، به.\nوعزاه أيضا إلى الدارقطني في المؤتلف والمختلف من طريق الحسن بن عبيد الله حدثني من سمع النابغة الجعدى به.\nثم ذكر قول ابن عبد البر: قد روينا هذا الخبر من وجوه كثيرة عن النابغة الجعدى، من طريق يعلى بن الأشدق وغيره (^٢) وعلق الحافظ على ذلك بقوله: قلت: فيان أن للحديث أصلا، فلذلك أخرجته والله المستعان (^٣) كما أخرجه أيضا بالعزو إلى الأربعين البلدانية للسلفي، ووصف إسناده بأنه غريب (^٤) وهذا أولى من صنيع العراقي السابق ذكره.\n\n<span data-type='title' id=toc-600>هـ - ذكره الوصف بالحسن خلاف الاصطلاح العام، وردّه.</span>\nأما الحكم على بعض الأحاديث بالحسن على غير المعنى الاصطلاحي بنوعيه\n_________\n(^١) تنظر تساعيات البياني/ ص ٥، ٦.\n(^٢) ينظر الاستيعاب مع الإصابة ٣/ ٥٥٢ - ٥٥٥ والإصابة مع الاستيعاب ٣/ ٥٠٨ وبعدها.\n(^٣) ينظر الأربعين العشارية له/ ٦/ أ (مخطوط).\n(^٤) العشرة العشارية لابن حجر/ حديث (٨) مخطوط.","vol":"5","page":2040},{"text":"كما سبق، فإن العراقي نقله عن أحد الحفاظ المتقدمين، وتعقبه بما يفيد رده.\nفالحديث الخامس من هذه الأربعين أخرجه العراقي بإسناد البياني من طريق الحافظ أبي القاسم إسماعيل بن أحمد بن عمر السمرقندي (^١) بسنده إلى أبي أمامة الباهلي ﵁ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: اكفلوا لي بست أكفل لكم الجنة (الحديث)، ثم قال: قال الحافظ أبو القاسم ابن السمرقندي: هذا حديث حسن في فضائل الأعمال انتهى. وعقب العراقي على ذلك فقال: وفضال بن جبير ضعفه ابن حبان وابن عدى (^٢).\nفيلاحظ أن ابن السمرقندي قد حكم على الحديث على غير المعنى الاصطلاحي الذي يراعى فيه حال السند مع حال المتن من جهة عدم النكارة أو الشذوذ، كما هو معروف، فقيد حكمه بموضوع المتن فقط، وهو اشتماله على خصال من فضائل الأعمال، ومعلوم أن هذا القيد ليس داخلا في تعريف الحسن الاصطلاحي، ولذلك تعقب العراقي حكم ابن السمرقندي هذا، فبين أن في سند الحديث ما يخل بتحسينه لذاته، وهو وجود فضال بن جبير في إسناده، مع تضعيف ابن حبان وابن عدى له، ومقتضاه أنه ضعيف لذاته، بغض النظر عن كون متنه في فضائل الأعمال أو في غيرها.\nوقد اقتصر العراقي بهذا على رد حكم ابن السمرقندي بالتحسين من طريق فضال هذه.\nأما تلميذه ابن حجر فأخرج الحديث نفسه في عشارياته من طريق طالوت بن عباد ثنا فضال بن جبير، به.\n_________\n(^١) متوفى سنة ٥٣٦ هـ/ السير ٢٠/¬٢٨.\n(^٢) ينظر التساعيات/ ص ٥.","vol":"5","page":2041},{"text":"ثم قال: هذا حديث حسن، وذكر حال طالوت بن عباد بما يفيد أنه صدوق، وأنه توبع على هذا الحديث.\nثم قال: وأما فضال فأشار إلى أنه مختلف فيه، فضعفه ابن عدى وابن حبان وغيرهما، وأخرج له الحاكم في المستدرك.\nثم قال: ولحديثه هذا شواهد، منها عن عبادة بن الصامت في صحيح ابن حبان ومستدرك الحاكم.\nوعن أنس في مسند أحمد بن منيع والحسن بن سفيان وأبي يعلى ومستدرك الحاكم.\nوعن أبى هريرة في المعجم الأوسط للطبراني وغيره وعن الزبير بن عدى مرسلا، في الزهد لسعيد بن منصور (^١).\nوبهذا أثبت رقى الحديث للحسن لغيره، باعتبار مجموع طرقه كما هو المعنى الاصطلاحي لأحد نوعى الحسن.\nوهذا أكمل من صنيع شيخه العراقي في هذه التساعيات كما تقدم ..\nوقد أخرج العراقي أيضا الحديث (٣٥) من التساعيات، بإسناد البياني من طريق فضال بن جبير سمعت أبا أمامة الباهلي يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لو جاز لأحد أن يسجد لأحد دون الله لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها تعظيما لحقه عليها، ثم قال: وفضال بن جبير ضعفه ابن حبان وابن عدى (^٢).\nفأشار بذلك إلى ضعف الحديث من طريقه هذا، كما صنع في الحديث رقم (٦) السابق ذكره.\n_________\n(^١) ينظر العشرة العشارية لابن حجر/ حديث (١٠).\n(^٢) ينظر التساعيات/ ص ١٨.","vol":"5","page":2042},{"text":"وبالمراجعة يظهر أن الحديث له شواهد عن عدد من الصحابة، في مصادر مشهورة يرتقى بها الحديث إلى الحسن لغيره، على الأقل (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-601>و- بيانه للانقطاع في موضع التصريح بالتحديث:</span>\nمما يتعلق ببيان العراقي لدرجة الأحاديث أنه أخرج الحديث (٢٥) من التساعيات بإسناد البياني قال: أخبرني الشيخ فخر الدين على بن أحمد بن عبد الواحد، وزينب بنت مكى بن على الحرانية فيما أذنا لى أن أروى عنهما قالا: … . وساق الإسناد إلى أبى الفتح يوسف بن عمر بن مسرور القواس قرئ على أبي القاسم ابن بنت منيع وأنا أسمع قيل له حدثكم سلام بن مسكين أنا أبو غالب عن أبي أمامة قال: أتي برؤس الحرورية فنصبت على درج دمشق، فنظر إليها أبو أمامة، وهي منصوبة فقال: شر قتلى تحت ظل السماء (الحديث)، ثم قال العراقي: هكذا نقلت هذا الحديث من خط الحافظ جمال الدين ابن الظاهرى، ونقل منه سماع ابن البخاري، وزينب، على ابن طبرزد، وسنده كما تقدم: أن أبا القاسم ابن بنت منيع قيل له: حدثكم سلام بن مسكين.\nوهو منقطع فيما بين أبي القاسم وسلام، فإنه لم يسمع منه؛ بل لم يدركه أصلا، والله أعلم (^٢)\n_________\n(^١) ينظر الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان (٤١٦٢، ٤١٧١) وجامع الترمذي (١١٥٩) وقال حسن غريب وسنن أبي داود (٢١٤٠) والحاكم في المستدرك ٢/ ١٨٧ ومسند أحمد ٣/ ١٥٨ وجود المنذري إسناده في الترغيب ٣/ ٧٥ وانظر الجامع الصغير مع فيض القدير ٥/ حديث (٧٤٨١، ٧٤٨٢).\n(^٢) ينظر التساعيات/ ص ١٦ (مخطوط).","vol":"5","page":2043},{"text":"وبالمراجعة نجد ما يؤيد ما قرره العراقي من الانقطاع وعدم الإدراك بين أبي القاسم وسلام، حيث إن أبا القاسم ولد - على الأكثر - سنة ٢١٤ هـ (^١) وسلام بن مسكين توفى - على الأكثر - سنة ١٦٧ هـ (^٢) فيكون ذكر لفظ التحديث بينهما، سهو أو سبق قلم ممن أثبته.\nولم أجد في مصادر ترجمة الرجلين إشارة إلى الرواية أو التلمذة بينهما، كما لم أجد من نبه على هذا الوهم غير العراقي، فتعتبر هذه إضافة علمية في نقد الأسانيد، والسماعات المدونة بخطوط الحفاظ المعنيين بذلك مثل الحافظ أحمد بن محمد بن عبد الله الظاهرى هذا، المتوفى سنة ٦٩٦ هـ وقد عرف بتأليفه عددا من المشيخات والأثبات (^٣)\nوهذا المثال يوضح لنا ضرورة التحقق من ثبوت صيغة التحديث وغيرها مما يفيد اتصال الإسناد بين الراوى والمروى عنه، وعدم الاغترار بمجرد وجود تلك العبارات أو رموزها مثل: ثنا، وأنا، وغيرهما، لا سيما في المواضع التي تكون مظنة انقطاع كما في هذا الموضع الذي نبه عليه العراقي، ويعتبر من نقده الداخلي للإسناد.\nويؤيد جزم العراقي بثبوت الانقطاع في هذا الطريق أنه في نهاية هذه الأربعين، زاد حديثا آخر متصلا؛ فقال: حديث آخر ذكرته تعويضا عن الحديث (٢٥) لأجل الانقطاع الذي فيه، وساق حديثا بإسناد البياني التساعي من طريق إبراهيم بن هدبة أبو هدبة الفارسي سمعت أنس بن\n_________\n(^١) تاريخ بغداد ١٠/ ١١١ - ١١٧ والسير ١٤/ ٤٤٠ واللسان ٣/ ٣٣٨ - ٣٤١.\n(^٢) تهذيب الكمال ١٢/ ترجمة (٢٦٦٢) وتهذيب التهذيب ٤/ ترجمة (٤٩٣).\n(^٣) ينظر تذكرة الحفاظ ٤/ ١٤٧٩ والمعجم الكبير لشيوخ الذهبي ١/ ٩٣.","vol":"5","page":2044},{"text":"مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: لو أن الله ﷿ أذن للسموات والأرض أن تتكلم، لبشرت الذي يصوم شهر رمضان بالجنة (^١).\nوعبارة العراقي السابقة تفيد أن قصده الأساسي من ذكر هذا الحديث كونه متصل الإسناد مع علوه، وإن كان علوا لا يُفرح به، كما نبه العراقي بنفسه على ذلك عقب تخريج الحديث، فذكر قول غير واحد من النقاد بأنه باطل، وإسناده مظلم، وأن في سنده إبراهيم بن هدبة، وهو كذاب خبيث، فلا يفرح بعواليه (^٢) وسيأتي مزيد بيان لهذا.\nثم إن العراقي بعد بيانه للانقطاع في إسناد البياني بحديث الحرورية رقم (٢٥) كما تقدم، بين أن له طرقا أخرى غير هذا الطريق أخرجها أبو داود الطيالسي (^٣) والترمذي وقال حديث حسن (^٤) وابن ماجه مختصرا (^٥) والحاكم وصححه على شرط مسلم (^٦) وأقره الذهبي. وبذلك قرر أن الحديث بمجموع طرقه حسن (^٧)\nز - بيانه الإجمالي لدرجة الأحاديث العوالى في عصره، وذكر أقوى مصادرها.\nذكر العراقي الحديث رقم (٤١) وهو آخر حديث في تساعيات البياني\n_________\n(^١) ينظر التساعيات/ ص ٢٠ - ٢١.\n(^٢) تنظر التساعيات/ ٢٠ - ٢١.\n(^٣) مسند الطيالسي/ حديث ١٢٣٢ بتحقيق معالي الدكتور محمد التركي.\n(^٤) جامع الترمذي حديث (٣٠٠٠).\n(^٥) سنن ابن ماجه/ حديث (١٧٦).\n(^٦) مستدرك الحاكم ٢/ ١٤٩ - ١٥٠.\n(^٧) ينظر التساعيات/ ص ١٦ - ١٧.","vol":"5","page":2045},{"text":"هذه، وذكر من دلائل بطلان هذا الحديث كونه من رواية إبراهيم بن هدبة، وأنه كذاب خبيث، كما قدمت، ثم أتبع ذلك بقوله: قال صاحب الميزان - يعنى الذهبي -: متى رأيت المحدث يفرح بعوالى أبي هدبة، ويعلى بن الأشدق، وموسى الطويل، وأبى الدنيا (^١) وهذا الضرب، فاعلم أنه عامي بعد انتهى.\nثم عقب العراقي على ذلك بقوله: قلت: لم يبق في الدنيا أحاديث صحيحة تساعية، متصلة تروى في زماننا هذا إلا في جزء الأنصاري (^٢) والغيلانيات (^٣) وجزء الغطريف (^٤) وما عداه فكلها ضعيفة (^٥).\nوهذا البيان الإجمالي لدرجات الأحاديث العوالي، وحصر مصادر الصحيح منها هكذا، لم أجد من ذكرهما غير العراقي، ويعتبر أيضا من مميزات هذا الكتاب. كما أن دلالة عبارته السابقة على عمق خبرته وسعة اطلاعه لا تخفى. وبمراجعة ما تقدم في هذه التساعيات من درجات الأحاديث التي بينها العراقي بنفسه نجد أن القسمة رباعية فالأحاديث التي خرجها من طريق جزء الأنصاري والغيلانيات وجزء الغطريف منها الصحيح ومنها الحسن ومنها الضعيف (^٦) والتي خرجها من طريق غيرها منها الضعيف فقط والضعيف جدا والموضوع الباطل، كما قدمت مثاله.\n_________\n(^١) ويلقب بـ «بالأشج» وهو عثمان بن الخطاب المغربي أبو عمر البلوى/ الميزان ٣/¬٣٣ و٤/ ٥٢٢ واللسان ٤/ ١٣٤ و٧/¬٤٥.\n(^٢) يعنى محمد بن عبد الله الأنصاري - يروى عن سليمان التيمي، وحميد الطويل وغيرهما.\n(^٣) طبعت مع عواليها بمكتبة أضواء السلف بتحقيق الأخ الفاضل الدكتور فاروق عبد العليم سنة ١٤١٦ هـ.\n(^٤) طبع كذلك محققا.\n(^٥) ينظر التساعيات/ ص ٢٠.\n(^٦) ينظر التساعيات أحاديث ٧، ٨، ٩، ١٠، ١١، ١٤، ١٦، ١٧، ٢٤.\n:\n:","vol":"5","page":2046},{"text":"<span data-type='title' id=toc-602>من مميزات الكتاب:</span>\nبناء على ما تقدم من دراسة وتحليل ومقارنة المحتويات هذا الكتاب، يمكن القول بأن من أهم مميزات هذا الكتاب، ما يلى: -\n١ - إحياء وضبط عدد من الأسانيد العالية لأحد المسندين الثقات من شيوخ العراقي ومعاصريه، وهو أبو عبد الله البياني، وبيان ما في مروياته من علو الموافقات، أو الأبدال، وقد ظهر أثر ذلك في وصل تلك الأسانيد العالية لهذه المرويات، لمن بعد العراقي، حتى عصرنا الحاضر، كما سيتضح في بيان أثر الكتاب فيما بعده.\n٢ - التطبيق العملي لقواعد علم التخريج، والنقد، ودراسة الأسانيد، وبيان درجات الأحاديث على ضوء ذلك، فمن يراجع ما في الكتاب في هذه الجوانب، بعناية، يجد فيها تدريبا عمليا على كيفية التخريج بالرواية، وبالعزو إلى المصادر، وكيفية بيان درجات الأحاديث من الصحة أو الحسن أو الضعف بأنواعه، مع مراعاة أحوال الرواة، والأسانيد.\n٣ - تقرير بعض النتائج الحديثية العامة في درجات أسانيد عوالى الأحاديث في عصر العراقي عموما، وبيان أقوى المصادر الحديثية لذلك، وتقدم تنبيهي على أن هذه النتائج لم أقف عليها عند غير العراقي.\n\n<span data-type='title' id=toc-603>بعض المآخذ على الكتاب:</span>\nوبجانب تلك المميزات السابقة فإنه توجد بعض المآخذ التي لا تغض من تلك المميزات، وقد سبق أن أشرت خلال بيان عناصر منهج العراقي ومقارنتها إلى أهم تلك المآخذ ومجملها ما يلى: -\n١ - عدم تخريج بعض الأحاديث بالعزو إلى مصادرها المشهورة والمتداولة،","vol":"5","page":2047},{"text":"من السنن والمسانيد، حتى يستفاد من ذلك في معرفة كون الحديث له، أو ليس له، من الطرق غير ما رواه البياني به عاليا، وبذلك يمكن معرفة درجة الحديث عموما.\n٢ - تخريج بعض العوالي من طريق من عرف بالكذب أو الوضع في الحديث، أو اتهم بذلك، مع تقرير العراقي في هذا الكتاب نفسه، وفي غيره أن مثل تلك العوالي لا يفرح بها، وإن كان قد نبه على حال كل من هؤلاء الرواة عقب ما أخرجه من طريقهم، كما قدمت.\n٣ - الاقتصار في عدد من الأحاديث على بيان ضعفها فقط باعتبار حال الإسناد الذي خرجها العراقي به عاليا، في حين توجد طرق أخرى من المتابعات والشواهد يمكن ترقى الحديث بها إلى درجة الحسن لغيره على الأقل.\n\n<span data-type='title' id=toc-604>أثر الكتاب فيما بعده:</span>\nأهم ما وقفت عليه من أثر لهذا الكتاب فيما بعده، هو العناية بتداول روايته بكل مشتملاته عن كل من مخرجه العراقي، وشيخه البياني الذي خرج العراقي له من عواليه تلك التساعيات، وعنهما اتصلت روايته إلى عصرنا الحاضر كما سيأتي.\nوكذلك تداول بعض العلماء لنسخه، ودراسته، كما سيأتي أيضا، وذلك على النحو التالي: -\n١ - جاء في آخر النسخة الخطية التي وقفت عليها لهذا الكتاب، طبقة سماع وقراءة منقولة عن الأصل الذي نسخت منه، مع اختصار.\nونص ما وجدته: «سمع جميع هذه الأربعين التساعيات للبياني على الشيخ الجليل المسند جمال الدين أبي محمد عبد الله بن محمد بن أبي بكر بن","vol":"5","page":2048},{"text":"سليمان الهيثمي بإجازته من البياني والعراقي، بقراءة أبي الفضل عبد الرحمن ابن أحمد بن إسماعيل القلقشندي».\n«وكتب في الأصل - ومنه لخصت -: الشيخ زين الدين رضوان بن محمد بن يوسف العقبى وولده جلال الدين عبد الرحمن - في الخامسة - وغائم بن عبد الله بن غائم الدمسيسى، ويونس بن فارس بن عبد الله القادري، ومحمد ابن علم الدين محمد بن محمد السنباطي العطار - أبوه بباب الزهرية - في يوم الجمعة ثالث شعبان سنة ٨٣٨ هـ بتربة برقوق، وأجاز هـ».\nفهذا الملخص لتلك الطبقة والمنقول من خط أبرز السامعين، يستفاد منه تداول القراءة والسماع للكتاب.\nفالمسند الجليل جمال الدين الهيثمي وهو متوفى سنة ٨٤١ هـ (^١) قد أجيز برواية محتويات الكتاب من المخرجة له وهو البيانى، باعتبارها من مروياته العالية عن شيوخه، وأجيز بها أيضا من مخرجها العراقي باعتبار أنها من مروياته العالية أيضا عن شيخه البياني.\n«وبمقتضى هذه الإجازة صارت تلك التساعيات تسمع منه، وتقرأ عليه، كما في هذه الطبقة، حيث قرأها عليه أحد المحدثين في عصره وهو عبد الرحمن ابن أحمد القلقشندي، وهو متوفى سنة ٨٧١ هـ (^٢) وبقراءته في التاريخ المذكور، والمكان المذكور من القاهرة، سمع هو وهؤلاء الخمسة المذكورون في الطبقة، على الجمال الهيثمي، وأجازهم كذلك برواية الكتاب عنه».\n_________\n(^١) وهو ابن أخى قرين العراقي الحافظ نور الدين الهيثمي، وقد أحضر هذا المسند في الخامسة من عمره عند أبي عبد الله البياني صاحب تلك التساعيات، وأجيزه منه/ ينظر الضوء اللامع ٥/¬٤٧.\n(^٢) الضوء اللامع للسخاوى ٤/¬٤٦ - ٤٧.","vol":"5","page":2049},{"text":"وأبرز هؤلاء هو كاتب السماع بخطه كما تقدم وهو زين الدين رضوان العقبى المتوفى سنة ٨٥٢ هـ، وقد لقب بحافظ عصره، وعرف بدراية الأسانيد والشيوخ والمرويات، وقد تتلمذ كثيرا للعراقي ولولده أبي زرعة، وكتب عنهما كثيرا من أماليهما، ثم كان ممن تخرج به الحافظ السخاوي المتوفى سنة ٩٠٢ هـ (^١).\nوسيأتي أن هذا الكتاب قد روى من طريق كل من العقبي هذا، ثم تلميذه السخاوي.\n٢ - جاء بصفحة عنوان النسخة المذكورة من الكتاب أيضا ما نصه «يرويه عن جمع من أصحاب ابن المخرج: سليمان نجل أحمد الزواوي».\nوالمراد بابن المخرج: أبو زرعة أحمد بن عبد الرحيم العراقي المتوفى سنة ٨٢٦ هـ وهو أيضا من أبرز تلاميذ والده، كما تقدم، وقد سمع كثيرا من البياني صاحب هذه التساعيات (^٢) ومقتضاه أنه كان يروي هذه التساعيات عن المخرج وعن المخرج له، وبالتالي رواها عنه جماعة من أصحابه، ثم رواها عنهم سليمان بن خليل الزواوى، وقد ذكر السخاوى مولده سنة ٨٥٢ هـ، ولم يذكر تاريخ وفاته، ولكن ذكر سماعه للحديث وملازمته للسخاوي (^٣).\nومن هذا يستفاد انتشار رواية هذا الكتاب عن البياني وعن العراقي فمن بعدهما طبقة بعد طبقة. وسيأتي في الفقرة التالية ما يؤكد هذا.\n٣ - كتب على صفحة عنوان الكتاب أيضا بخط الإمام الزبيدي (شارح\n_________\n(^١) ينظر الضوء اللامع له ٣/ ٢٢٦ - ٢٢٩ ولحظ الألحاظ لابن فهد/ ٣٤٣.\n(^٢) ذيل أبي زرعة ابن العراقي على العبر للذهبي ١/ ١٨٦ - ١٨٨.\n(^٣) الضوء اللامع للسخاوى ٣/ ٢٦٠.","vol":"5","page":2050},{"text":"كتاب الإحياء والقاموس) ما نصه «أرويه بالسند إلى الحافظ السخاوي عن أبي النعيم رضوان العقبى عن المخرج له، وكتبه محمد مرتضى الحسنى عفا الله عنه» وكتب أيضا بالجهة العليا اليسرى من صفحة العنوان بخط الزبيدي ما نصه «تقع لنا الأحاديث بستة عشر» يعنى أن أحاديث هذا الكتاب التي إسناد البياني بها تساعى، يكون إسناد الزبيدى بها عن شيوخه إلى الرسول ﷺ عدد رواته ستة عشر شخصا.\nوالإمام الزبيدي هو محمد مرتضدى بن محمد بن محمد بن عبد الرزاق الحسيني أبو الفيض، خاتمة حفاظ الديار المصرية في عصره، ومن الأشراف بها، وتوفى سنة ١٢٠٥ هـ وكان له عناية فائقة بإحياء علم الرواية في عصره، حتى قال عن نفسه في ألفيته التي ألفها في علم الإسناد:\nوقل أن ترى كتابا يُعتمد … إلا ولى فيه اتصال بالسند\nأو عالما إلا ولى إليه … وسائط توقفن عله\nكما كان له اعتناء خاص بعوالى البياني، فاختصر مشخته، وقال عنه صاحب فهرس الفهارس: إن هذه الشعلة الضئيلة الموجودة الآن في بلاد الإسلام، إنما هي مقتبسة من أبحاثه وسعيه وتصانيفه ونشره، ووصفه تلميذه عبد الرحمن الجبرتي في تاريخه بالحرص على جمع ما أغفله المتأخرون من الأسانيد وتخاريج الأحاديث واتصال طرائق المحدثين المتأخرين بالمتقدمين، وأحيا إملاء الحديث من حفظه على طريقة السلف، وغير ذلك، وقد عده غير واحد ممن ترجم له أنه من المجددين المحدثين على رأس المائة الثانية عشرة، وقد توفى سنة ١٢٠٥ هـ (^١).\n_________\n(^١) ينظر فهرس الفهارس للكتاني ١/ ٥٢٦ - ٥٤٣.","vol":"5","page":2051},{"text":"وسيأتي ما يفيد نشره لكتاب التساعيات هذا بالرواية وبالنسخ الخطية.\n٤ - فقد كتب الزبيدي في آخر نسخة الكتاب السابقة بخطه ما نصه: «قرأها - يعنى التساعيات - على، على بن عبد البر الونائي، وكتب لنفسه منها نسخة، وكتب محمد مرتضى عفا الله عنه» وبذلك يتضح انتشار الكتاب بواسطة الإمام الزبيدي رواية ونسخا، منذ عصر العراقي حتى عصر الإمام الزيدي ثم تلاميذه.\nوتلميذه الونائي هذا قد وصف بأنه من نوابغ المصريين في عصره، وأثنى شيخه الزبيدي على ملازمته له ومعرفته بالأسانيد والرجال، وله ثبت مرويات وتوفى سنة ١٢١٢ هـ (^١) وقد أثبت له شيخه الزبيدي بخطه كما ترى روايته لهذه التساعيات عنه بقراءة الونائي، وقد اتصلت مروياته عن شيخه الزبيدي بما فيها هذه التساعيات إلى عصرنا الحاضر.\nفقد ذكر الشيخ عبد الحي الكتاني أنه يروى ما للونائي عن البرزنجي وأبي النصر الخطيب كلاهما عن محمد الحبشي عن صالح الفلاني عنه (^٢) والشيخ عبد الحي من شيوخ شيخنا بالسماع والإجازة، الشيخ محمد ياسين الفاداني ﵀ (^٣)\nكما ذكر الشيخ عبد الحي أنه يروى ألفية الزبيدى في الأسانيد من طريق كل من الونائي والفلاني (^٤)\n_________\n(^١) فهرس الفهارس ٢/ ١١١٤ - ١١١٦.\n(^٢) فهرس الفهارس ٢/ ١١١٤ - ١١١٦.\n(^٣) ينظر الروض النضير في اتصالات ومجموع إجازات الشيخ الفاداني ثبت الأمير/ ص ٣، وهذا الروض مما أجازني به الشيخ الفاداني ﵀.\n(^٤) فهرس الفارس ١/ ١٩٩ - ٢٠١.","vol":"5","page":2052},{"text":"كما ذكر أنه يروى ما للحافظ العراقي من مؤلفات بما فيها التساعيات هذه - من طرق منها طريق عبد الرحمن الثعالبي عن أبي زرعة ابن العراقي عن أبيه (^١).\n_________\n(^١) فهرس الفهارس ٢/ ٨١٧.","vol":"5","page":2053},{"text":"<span data-type='title' id=toc-605>رابعا: تخريج عشرين حديثا من ثمانيات البياني</span>\n<span data-type='title' id=toc-606>نسبة الكتاب إلى العراقي، وبيان موضوعه</span>\nذكر تلميذ العراقي ابن فهد المكى أن مما خرجه العراقي عشرين حديثا ثمانيات الإسناد من رواية البياني (^١).\nوذكره الكتاني ضمن ما يرويه بسنده إلى العراقي، لكن ذكر عنده لفظ «عشرة» (^٢) بدل لفظ «عشرين» ويبدو أن هذا تحريف كتابي أو طباعي، ويؤكد كونها عشرين كما ذكر ابن فهد، ما جاء عن العراقي نفسه، وذلك في آخر نسخة كتاب التساعيات السابق حيث قال العراقي: وقد رأيت أن أورد بعدها - يعنى بعد التساعيات. عشرين حديثا ثمانية الإسناد، ليعرف حالها، والله تعالى يوفقنا لصالح العمل، إنه المستعان، وعليه المتكل (^٣).\nوللأسف أن النسخة انتهت عند هذا، ولم يُذكر فيها ولا بعدها شيء من هذه الثمانيات، فلعلها كانت موجودة بعد التساعيات في الأصل الذي نقلت منه هذه النسخة، ولكن كاتب التساعيات لم ينسخها، أو نسخها ثم فقدت.\nولكن من عبارة العراقي هذه تفيد أن موضوع هذا الكتاب هو: جمع عشرين حديثا من مرويات أبي عبد الله البياني العالية الإسناد، بحيث تكون سلسلة الإسناد من أول شيخ البياني، إلى الرسول ﷺ ثمانية أشخاص، بما فيهم الصحابي الراوى للحديث.\nومقتضى هذا أن سند البياني بهذه الأحاديث أعلا بدرجة واحدة من سنده\n_________\n(^١) ذيل تذكرة الحفاظ لابن فهد/ ٢٣٢.\n(^٢) فهرس الفهارس للكتاني ٢/ ٨١٧.\n(^٣) تنظر التساعيات/ ٢٠.","vol":"5","page":2054},{"text":"بالتساعيات السابقة. وباعتبار أن العراقي من تلاميذ البياني - كما قدمت - يكون سند العراقي تساعيًا بهذه العشرين.\nوقوله عن سبب جمعها: «لِيَعْرِفَ حَالَهَا» فيه إشارة إلى أنه بين درجة كل حديث منها، وأن جميعها من نوع الضعيف. وإن تفاوتت من ضعيف إلى أضعف.\nوذلك بناء على ما وجدته من تعبيره بمثل هذه العبارة اعتذارًا عما أورده من مروياته هو من العوالي الضعيفة أو شديدة الضعف باعتبار سندها العالي، حيث إنه في آخر الأربعين العشارية له، السابق دراستها. قال: وقد وقع لنا حديثان آخران في المعجم الصغير للطبراني بهذا الإسناد، تساعيان، في الثاني منهما نظر، فرأيت إيرادهما، مع بيان أمرهما، للفائدة … وساقهما، ثم بين ضعف كل منهما بالإسناد التساعي الذي رواهما به (^١).\nوبهذا الاعتذار يدفع عن العراقي ما يلاحظ من التعارض بين عنايته بجمع العوالى الضعيفة أو شديدة الضعف، وبين نقده لمن يفرح بإخراج مثلها، كما قدمت في دراسة الأربعين العشارية له.\n_________\n(^١) الأربعين العشارية للعراقي/ ٢٢٨ - ٢٣٥.","vol":"5","page":2055},{"text":"<span data-type='title' id=toc-607>خامسا: تخريج أربعين حديثا تساعيات الإسناد من مرويات الميدومي</span>\n<span data-type='title' id=toc-608>نسبة الكتاب إلى العراقي وبيان موضوعه.</span>\nذكر تلميذ العراقي ابن فهد المكى مما ألفه شيخه العراقي في التخريج: أربعين حديثا تساعية للميدومى (^١) وكذا ذكره السخاوى (^٢).\nوذكره غيرهما كما سيأتي.\nوالميدومي: هو محمد بن محمد بن إبراهيم، أبو الفتح الميدومي، وهو أعلا شيوخ العراقي المصريين إسنادا، وقد أكثر العراقي الرواية عنه خصوصا في عواليه، كما قدمت توضيحه في التعريف بشيوخ العراقي، وفي دراسة كتابه «الأربعين العشارية» وقد توفى الميدومي سنة ٧٥٤ هـ (^٣).\nومن عنوان هذا الكتاب يُعرف أن موضوعه هو جمع أربعين حديثا من مرويات الميدومي العالية، بحيث تكون سلسلة الإسناد من أول شيخه إلى رسول الله ﷺ تسعة أشخاص، بما فيهم الصحابي الراوي للحديث.\nوبناء على كون العراقي من تلاميذ الميدومى الحريصين على الأخذ عنه، تكون هذه الأحاديث عشارية الإسناد بالنسبة إلى العراقي.\nوقد ذكر الشيخ الكتاني ﵀ هذا الكتاب ضمن مؤلفات العراقي، ثم ذكر أنه يروى بأسانيده إلى العراقي، عامة ما له من\n_________\n(^١) ذيل تذكرة الحفاظ لابن فهد/ ٢٣٢.\n(^٢) ينظر الضوء اللامع للسخاوى ٤/ ١٧٣.\n(^٣) ينظر الدرر الكامنة لابن حجر ٤/ ترجمة (٤٢٧٩).","vol":"5","page":2056},{"text":"مؤلفات بما فيها تساعيات الميدومى هذه (^١).\nولكن لم أقف على نسخة لكتاب التساعيات، هذا، ولا على أي شيء من النقول المعزوة إليه.\n_________\n(^١) ينظر فهرس الفهارس للكتانى ٢/ ٨١٧.","vol":"5","page":2057},{"text":"<span data-type='title' id=toc-609>سادسا: تخريج أربعين حديثا بلدانية، من مرويات العراقي نفسه</span>\n<span data-type='title' id=toc-610>١ - نسبة الكتاب إلى العراقي، وبيان موضوعه، وما أنجزه العراقي منه</span>\nذكر غير واحد من تلاميذ العراقي وغيرهم ممن ترجم له، أن من مؤلفاته في التخريج: أربعين حديثا بلدانية (^١).\nومعنى كون هذه الأربعين بلدانية: أن كل حديث منها قد تلقاه العراقي عن أحد شيوخه في بلد معين، ولأجل هذا وصفت بأنها بلدانية وسماه ابن قاضي شهبة والمناوي: الأربعين متباينة البلاد (^٢).\nوقد يكون البلد كبيرا مثل مكة، والقاهرة، وقد يكون قرية أو ضاحية تتبع بلدا كبيرا مثل حمص وحماه بالنسبة للشام، وقاسيون بالنسبة لدمشق آنذاك، وقد تكون حيا من أحياء بلد كبير مثل «سوق الليل» من أحياء مكة المكرمة. وقد سبق العراقي إلى تخريج هذا النوع من الأربعينات، من كثير من العلماء كابن عساكر (ت ٥٧١ هـ) والسلفي (ت ٥٧٦ هـ) كما لحقه فيه كثيرون، حتى عصرنا الحاضر، حيث ألف شيخنا الفاداني ﵀ (ت ١٤١٠ هـ) أربعين حديثا بلدانية، عن أربعين شيخا من أربعين بلدا (^٣) وهي مما أجازني بروايته عنه، والحمد لله.\n_________\n(^١) ينظر المجمع المؤسس لابن حجر ٢/ ١٧٨ وذيل تذكرة الحفاظ لابن فهد/ ٢٢٥، ٢٣٢، ٢٣٣ ومجموع ابن خطيب الناصرية/ ترجمة العراقي (مخطوط) والضوء اللامع ٤/ ١٧٢ والجواهر والدرر ١/ ١٩٦ كلاهما للسخاوي وفهرس الفهارس للكتاني ٢/ ٨١٧.\n(^٢) طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة ٤/¬٣٥ والمخطوطة ١/ ١١٠/ ب والشرح الصغير للمناوي لألفية العراقي في السيرة/ مخطوط ٢/ أ وذيل الدرر الكامنة لابن حجر/ ١٤٤.\n(^٣) وهو مطبوع في دار البشائر الإسلامية سنة ١٤٠٧ هـ.","vol":"5","page":2058},{"text":"والتأليف في هذا النوع له أهميته من وجوه: -\nمنها: الدلالة على اتساع رحلة المؤلف وعلو همته في طلب الحديث (^١).\nومنها: إحياء مراكز علم رواية الحديث والاعتناء به في العالم الإسلامي في عصر مؤلف الأربعين، حتى إن بعض من يعتنى بذلك قد يتفق مع أحد أهل العلم والإسناد، ويذهبان إلى بعض البلاد أو ضواحيها ليسمع الطالب من المسند في هذا الموضع بعض مروياته، ويقيدها عنه، ثم يغادر كل منهما هذا الموضع إلى محل إقامته.\nوقد حاول العراقي ذلك أكثر من مرة ليستكمل أربعين بلدا، قال تلميذه ابن حجر: إن العراقي جمع لنفسه أربعين بلدانية، لم تكمل (^٢) وقال: رأيتها بخطه وقد زادت على الثلاثين (^٣) وعدد ابن خطيب الناصرية سبع عشرة بلدا مما سمع العراقي فيها الحديث عن شيوخه خلال طلبه الحديث بنفسه ورحلاته فيه كما تقدم تفصيله، ثم قال: وبغيرها - يعنى وسمع بغيرها - من البلاد يجمعها الأربعون البلدانية التي خرجها، لكنه لم يكملها، بقى عليه منها أربعة بلاد (^٤).\nونحو ذلك عدد السخاوى البلاد ثم قال: وتمام ستة وثلاثين، بحيث أفرد البلدانيات بالتخريج، ورام البروز لبعض الضواحي (^٥) ومعه بعض المسندين.\n_________\n(^١) ينظر مقدمة ابن عساكر لأربعينه البلدانية/ ٣٧ - ٣٨ ومقدمة السلفى لأربعينه السلفية/ ٣٢.\n(^٢) المجمع المؤسس ١/ ١٧٨.\n(^٣) طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة ٤/¬٣٦ والمخطوط ١١٠/ ب وذيل الدرر الكامنة لابن حجر/ ١٤٤.\n(^٤) مجموع ابن خطيب الناصرية/ ترجمة العراقي (مخطوط).\n(^٥) يعنى ضواحي القاهرة حيث كانت إقامته، كما تقدم في جوانب شخصيته.","vol":"5","page":2059},{"text":"من شيوخ شيخنا (^١)، ليكملها أربعين، فما تيسر، كما ذكر السخاوى أيضا أن العراقي هم بالرحلة إلى كل من تونس وبغداد فلم يقدر له هذا (^٢).\nأما تلميذ العراقي ابن فهد فقال: وقد خرج لنفسه أربعين بلدانية، لم تكمل، بلغ بها ستة وثلاثين بلدا (^٣).\nفمن ذلك يستفاد أن العراقي قد ألف معظم كتابه الأربعين البلدانية، ولم يتح له إكمال البلاد التي سمع الحديث بها أربعين، حتى يكمل الكتاب، ورغم محاولته ذلك بقى عليه أربعة بلاد، حتى يكمل عدد البلاد التي سمع الحديث بها أربعين، وبالتالى صار عدد ما أنجزه من الكتاب ستة وثلاثين حديثا فقط، كل حديث منها سمعه من شيخ في بلد، أو ضاحية، ثم دونها جميعا في هذا الكتاب.\nولكنى لم أقف لهذا الكتاب على أي نسخة خطية، ولا نقول منه.\n\n<span data-type='title' id=toc-611>٢ - مشتملات الكتاب، ودرجة أحاديثه إجمالا.</span>\nعامة من ترجم للعراقي لم يذكروا شيئا عن مادة هذا الكتاب العلمية تفصيلا، ما عدا ابن فهد المكي - تلميذه بالمكاتبة والإجازة - فإنه خلال بيانه لمؤلفات شيخه العراقي قال: وأربعين بلدانية، انتخبها من صحيح ابن حبان (^٤) وقوله «انتخبها» يعنى: اختارها، وبذلك يستفاد أن الأحاديث الستة والثلاثين التي أودعها العراقي في كتابه هذا؛ جميعها مما أخرجه ابن حبان في.\n_________\n(^١) يعنى الحافظ ابن حجر العسقلاني.\n(^٢) ينظر الضوء اللامع للسخاوى ٤/ ١٧٢، ١٧٣.\n(^٣) ذيل تذكرة الحفاظ/ ٢٢٥.\n(^٤) ذيل تذكرة الحفاظ لابن فهد/ ٢٣٢.","vol":"5","page":2060},{"text":"صحيحه، ولعل ابن فهد استفاد هذا من قول العراقي في طرح التثريب عند ترجمته لابن حبان: خرجت له من صحيحه أربعين حديثا بلدانية (^١) ومن يطالع صحيح ابن حبان يجده يذكر في كثير من الأحاديث اسم البلد التي سمع فيها هذا الحديث من شيخه، فلعل العراقي اختار من بلدانيات ابن حبان، ما وقع له أيضا بلدانيا، وعلى ضوء مراجعة الأربعينات البلدانية التي ألفها غيره، يمكن القول: إن العراقي في كتابه هذا يذكر سنده برواية الحديث عن شيخه المعين، ويذكر اسم البلد التي سمع الحديث فيها منه، ويسوق باقي إسناد الشيخ إلى أن يصل إلى ابن حبان بسنده في صحيحه للحديث المذكور سماعه له من شيخه في بلد معين، وهكذا، ومن ذلك يستفاد أن درجة أحاديث هذا الكتاب كلها مما هو صحيح عند ابن حبان، بمقتضى إخراجه في صحيحه.\n\n<span data-type='title' id=toc-612>٣ - أثر الكتاب فيما بعده</span>\nرغم أنني لم أقف للكتاب على نسخة، ولا وقفت على نقول عنه، كما قدمت، إلا أن تلميذ العراقي ابن فهد قد انفرد أيضا بذكر ما يدل على أثر الكتاب فيمن بعده، فذكر أن شيخه أبا حامد بن ظهيرة المكي قرأ العشرة الأحاديث الأول من هذا الكتاب على مؤلفه الحافظ العراقي، وحدد تاريخ هذه القراءة هكذا «سنة أربع وسبعمائة» (^٢).\nوقد أشار محقق ذيل تذكرة الحفاظ لابن فهد الذي ورد فيه هذا القول، إلى استشكال هذا التاريخ، وهو محق في استشكاله، لأن ابن ظهيرة هذا هو:\n_________\n(^١) ينظر طرح التثريب ١/ ١٠٢.\n(^٢) ذيل تذكرة الحفاظ لابن فهد/ ٢٢٥.","vol":"5","page":2061},{"text":"جمال الدين أبو حامد، محمد بن عبد الله بن ظهيرة المكي، وقد ولد سنة ٧٥١ هـ، وتوفى سنة ٨١٧ هـ (^١) والتاريخ السابق لا يتفق مع تاريخ مولده، بل ولا مولد شيخه العراقي مؤلف الكتاب.\nولكن هناك قرينة يمكن على ضوئها تصويب هذا التاريخ بأنه سنة ٧٧٤ هـ، والقرينة التي يمكن الاستدلال بها ما تقدم في رحلات العراقي الحجازية، من أنه في الرحلة الرابعة له، قرأ ابن ظهيرة هذا عليه بعضا من شرحه على ألفيته في المصطلح، في مجالس آخرها في ٢٤ ذي القعدة سنة ٧٧٣ هـ.\nوكتب العراقي حينذاك بخطه إجازة لابن ظهيرة هذا، ولغيره ممن حضر القراءة عليه، بما يجوز له وعنه روايته.\nفلعل العراقي بقي بمكة من أواخر ذى القعدة سنة ٧٧٣ هـ إلى بداية ٧٧٤ هـ وبالتالي واصل ابن ظهيرة القراءة عليه، وكان مما قرأه حينذاك العشرة الأحاديث الأولى من هذا الكتاب، وتحملها هو ومن حضر عن العراقي بتلك القراءة عليه.\nبل إن فهد بعد ذكره لقراءة ابن ظهيرة هذه العشرة على العراقي، ذكر في موضع ثان من ترجمته للعراقي إن ابن ظهيرة قرأ على العراقي كل ما أنجزه من هذه الأربعين، وهو ستة وثلاثون حديثا كما سبق (^٢) فلعله استكمل قراءة الباقي بعد قراءة العشرة الأول، وبذلك تعتبر قراءة ابن ظهيرة هذه على العراقي لما أنجزه من هذا الكتاب، هي الثمرة الأولى من ثماره وآثاره في الرواية والدراية، لاسيما مع سماع غير ابن ظهيرة ممن حضر، مثلما حصل في قراءته.\n_________\n(^١) ينظر الضوء اللامع ٨/ ٩٢ - ٩٥ وذيل تذكرة الحفاظ لابن فهد/ ٢٥٣ - ٢٥٥.\n(^٢) ينظر ذيل تذكرة الحفاظ/ ٢٣٣.","vol":"5","page":2062},{"text":"السابقة على العراقي في شرحه لألفيته في المصطلح.\nوأيضا الحافظ ابن ظهيرة هذا قد ذكر العراقي في معجم شيوخه مع مروياته عنه (^١).\nوذكر في ترجمته أنه تصدر لإفادة الطلاب بمكة من سنة ٧٧٠ هـ، فازدحموا عليه، وحدث بغالب مسموعاته، ولاسيما ما تضمنه معجم شيوخه هذا (^٢) بمن فيهم العراقي، ومروياته عنه.\nوبذلك اتصل أثر الكتاب عن طريق الحافظ ابن ظهيرة فضلا عن غيره ممن حضر معه القراءة على العراقي.\n_________\n(^١) ينظر الضوء اللامع للسخاوي ٤/ ١٧٦.\n(^٢) ينظر الضوء اللامع ٨/ ٩٢ - ٩٥ وذيل تذكرة الحفاظ لابن فهد/ ٢٥٣ - ٢٥٥.","vol":"5","page":2063},{"text":"<span data-type='title' id=toc-613>تخريجه للأمالي الحديثية</span>\nأولا: سبق أن ذكرت الأمالي الحديثية للعراقي ضمن وظائفه العلمية وأثرها في علوم السنة، ونشاطه في ذلك خارج مصر وداخلها، حيث إنه بدأ إحياءه لسنة إملاء الحديث بالمدينة النبوية، ثم استكمل ذلك بمصر على مدى عشر سنوات، كما تقدم.\nوقدمت هناك مفهوم الإملاء، وسببه وأهميته في الرواية، وكيفية وخطوات إعداد العراقي له، وغير ذلك.\nفلا حاجة لإعادة شيء من ذلك.\nولكني أتناول هنا تلك الأمالي من جوانب أخرى. وذلك على النحو التالي: -\n\n<span data-type='title' id=toc-614>١ - الأمالي المتفرقة وأثرها:</span>\nوالمقصود بهذا النوع من الأمالي ما تناول العراقي في كل مجلس أو أكثر منه موضوعا معينا غير متقيد في ذلك بكتاب معين، وإنما يكون الإملاء بمناسبة معينة، كما سيأتي (^١) والذي وقفت عليه من ذلك كاملا، قليل، وبعضها، وقفت على نقول منه في مؤلفات غيره من تلاميذه فمن بعدهم. وذلك كما يلي:\n\n<span data-type='title' id=toc-615>أ - الحديث المسلسل بالأولية، وشرحه:</span>\nومعنى التسلسل بالأولية أن الحديث المذكور يكون هو أول حديث سمعه العراقي من شيخه الذي يرويه عنه، وهكذا يكون أول حديث أيضا سمعه شيخه فمن فوقه في الإسناد (^٢).\n_________\n(^١) وينظر الجواهر والدرر للسخاوى ٢/ ٥٨٢ لبيان معنى الأمالي المتفرقة.\n(^٢) ينظر «فتح المغيث للعراقي» ٤/¬١٢.","vol":"5","page":2064},{"text":"فيقول العراقي فيه: حدثنا أبو الفتح محمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي القاسم … . البكري، الميدومى، سماعا من لفظه، وهو أول حديث سمعته من لفظه، قال: حدثني أبو الفرج عبد اللطيف بن عبد المنعم بن على بن نصر الحراني، وهو أول حديث سمعته من لفظه … . وهكذا يستمر تصريح كل راو بأن هذا الحديث هو أول حديث سمعه ممن فوقه في الإسناد حتى قول عبد الرحمن بن بشر بن الحكم حدثنا سفيان بن عيينة، وهو أول حديث سمعته منه، ثم يتوقف التسلسل، فيرويه سفيان عن عمرو بن دينار عن أبي قابوس مولى عبد الله بن عمرو بن العاصى عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن النبي ﷺ قال: الراحمون يرحمهم الرحمن ﵎، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء …» ولا يُذكر في هذا الحديث تسلسل الأولية من سفيان فمن فوقه (^١).\nويبدو أن العراقي كما استفتح أماليه الحديثية في المدينة النبوية بهذا الحديث، فإنه استفتحها أيضا في القاهرة بالحديث نفسه، تحقيقا للسبب الذي ذكره للاستفتاح به في أمالي المدينة حيث قال: ليحصل التسلسل لمن ابتدأ السماع من الصبيان، والغرباء (^٢).\nومما يدل على أن العراقي قد استفتح أماليه القاهرية بهذا الحديث أمران: -\nأولهما: أن العراقي في المجلس (٨٦) من تلك الأمالي ذكر حديث الرحمة هذا من رواية عبد الله بن عمرو بإسناد غير مسلسل بالأولية، ثم قال: وقد\n_________\n(^١) ينظر الأربعين العشارية للعراقي/ ١٢٤ - ١٢٦.\n(^٢) الأربعين العشارية/ ١٢٤.","vol":"5","page":2065},{"text":"تقدم إيراد هذا الحديث مسلسلا في المجلس الأول من الإملاء، بإسناد آخر (^١) إشارة إلى الإسناد المسلسل بالأولية كما قدمت.\nثانيهما: أن على بن خطيب الناصرية، تلميذ العراقي وولده أبي زرعة بمصر، قال في مجموع له: فائدة، نقلتها من خط الحافظ أبي الفضل العراقي، من المجلس الأول من إملائه: سأل سائل عن قوله ﷺ في حديث عبد الله بن عمرو: «الراحمون يرحمهم الرحمن»، ما الحكمة في قوله: «الراحمون» الذي هو جمع راحم، ولم يقل: «الرحماء» جمع «رحيم» الذي هو الغالب في الاستعمال؟ …\nثم ذكر الجواب عن ذلك في نحو عشرة أسطر، وفيه نقل العراقي عن غيره ما يوضح جواب السائل، ويتضمن شرح ألفاظ الحديث.\nوبمراجعة الحديث في بداية أمالى العراقي بالمدينة لا نجد فيه إلا رواية الحديث بسنده المسلسل فقط مع تخريجه غير مسلسل بالعزو إلى أبي داود والترمذي وقال حسن صحيح (^٢).\nوبمراجعة ما وجدته من أمالي العراقي القاهرية يتضح أنه كان يجعل لكل مجلس موضوعا، فيفهم مما قدمته أن العراقي قد خصص المجلس الأول من أماليه القاهرية لإملاء الحديث المسلسل بالأولية، وذلك بروايته بإسناده كما أسلفت، مع التعليق عليه بالشرح لما سأله عنه بعض السامعين، وبيان ما تيسر له من الفوائد الحديثية، كما هو شأن مطالب الأمالي.\nويفهم من كلام تلميذه ابن خطيب الناصرية السابق أن العراقي كان يكتب.\n_________\n(^١) ينظر المجلس (٨٦) من مخطوطة الظاهرية (٧٦/ ب و٧٧/ أ).\n(^٢) الأربعين العشارية/ ١٢٥.","vol":"5","page":2066},{"text":"تلك الأمالي بخطه بعد إعدادها\nوقد اعتبر الشيخ عبد الحي الكتاني ﵀ هذا المجلس من أمالي العراقي تأليفا مفردًا له، فذكر روايته لهذا الحديث من طرق، منها: طريق المسندة أم محمد زينب بنت زين الدين العراقي، والرئيسة أم المكارم أنس، زوجة الحافظ ابن حجر، وأبى الفتح محمد بن أبي بكر المراغى، والحافظ ابن حجر، أربعتهم عن الحافظ زين الدين العراقي بسنده السابق (^١).\nوذكر جماعة ممن أفرد هذا الحديث بالتأليف، وذكر من بينهم الحافظ العراقي (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-616>ب - ما كان العراقي يستفتح به مجالس إملائه، وتحديد يوم الإملاء وإعداد مادته العلمية وحفظها، والمقارنة الإجمالية لها.</span>\nذكر السخاوي أن شيخه ابن حجر كان يستفتح مجلس الإملاء بقراءة سورة الأعلى، وقد سئل عن الحكمة في خصوص سورة الأعلى، دون غيرها، فقال: قد تبعت في ذلك شيخنا العراقي، ثم قال: وفيها من المناسبة قوله ﴿تعالى﴾: ﴿سنقرئك فلا تنسى﴾ وقوله: ﴿فذكر﴾ وقوله: ﴿صحف إبراهيم وموسى﴾ (^٣).\nفقول الحافظ ابن حجر: تبعت في ذلك شيخنا العراقي، يدل على أن العراقي كان يستفتح مجلس إملائه بقراءة هذه السورة، بنفسه أو بغيره.\n_________\n(^١) ينظر فهرس الفهارس للكتاني ١/ ٨٧، ٨٩، ٩٠، ٩٣.\n(^٢) ينظر فهرس الفهارس ١/ ٩٤.\n(^٣) ينظر الجواهر والدرر ٢/ ٥٨٤ وفتح المغيث للسخاوى ٣/ ٢٥٥.","vol":"5","page":2067},{"text":"كما يدل هذا على تأثير الحافظ ابن حجر في أماليه، بشيخه العراقي في أماليه الحديثية هذه.\nوقد قدمت عند الكلام على تلك الأمالي ضمن الوظائف العلمية للعراقي، ووصف ابن حجر لأمالي شيخه بأنه كان يمليها من حفظه متقنة محررة مهذبة كثيرة الفوائد الحديثية، وقد وصف السخاوي أمالي شيخه ابن حجر تلميذ العراقي بمثل تلك العبارة (^١).\nكما اتفق الحافظ ابن حجر مع شيخه العراقي أيضا في اليوم المحدد للإملاء وهو يوم الثلاثاء من كل أسبوع، كما يلاحظ هذا من تاريخ بعض المجالس من إملاء كل منهما (^٢).\nوهذا أيضا من دلائل تأثير العراقي في تلميذه الحافظ ابن حجر.\nوإن كان السخاوي بعدما أثبت بعض علامات التأثير هذه، فضل أمالي الحافظ على شيخه العراقي في عبارة مهذبة فقال:\nومن رام التفضيل بين مجالسه - يعني ابن حجر - ومجالس شيخه - يعني العراقي فلينظرهما، فالذي عندي - مع اعتقادي جلالة شيخه علما وعملا وإتقانا، أنها أمتن وأتقن (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-617>جـ - المجلسان العاشر والحادي عشر من الأمالي المتفرقة «عرض وتحليل».</span>\nوهذان المجلسان لم أجد لهما نسخة، ولكن وجدت في شرح ألفية السيرة النبوية للعراقي تأليف تلميذه محب الدين أبي الفتح محمد بن أحمد بن\n_________\n(^١) الجواهر والدرر ٢/ ٥٨٤.\n(^٢) وينظر الجواهر والدرر ٢/ ٥٨٧.\n(^٣) ينظر الجواهر ٢/ ٥٨٧.","vol":"5","page":2068},{"text":"محمد بن عماد المصرى المعروف بابن الهائم المتوفى سنة ٧٩٨ هـ (^١)، ما سأذكره من النقول عنهما فيما يلي: -\nذكر ابن الهائم هذا حديث ابن عباس: «ولد رسول الله ﷺ يوم الفيل» وعزاه إلى الجزء الأول من حديث يحيى بن معين (^٢) وعقب عليه بقوله: قال شيخنا الناظم - فسح الله في مدته. في المجلس العاشر من أماليه: وإسناده جيد عال (^٣).\nوفي هذا الشرح أيضا - ضمن أدلة ولادته ﷺ مختونا، قال الشارح: ومنها ما رويناه عن شيخنا الناظم - فسح الله في مدته - بالإجازة، في المجلس الحادى عشر - من أماليه، قال: أنا أبو الفتح محمد بن إبراهيم الميدومي … . وساق سنده إلى الحسن عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ ولد مختونا.\nثم قال: قال شيخنا أبقاه الله عقب إملائه هذا الحديث: هذا حديث في إسناده مقال، ومحمد بن كثير الكوفى مشاه يحيى بن معين، فقال: ليس به بأس، وضعفه الجمهور، وإسماعيل بن مسلم البصرى، نزيل مكة، كان رجلا عابدا، لكنه ضعيف أيضا، والحسن لم يسمع من أبي هريرة على المشهور. انتهى.\nثم ذكر ابن الهائم حديثا آخر من أدلة ولادته ﷺ مختونا.\nفقال: ومنها ما رواه الحافظ أبو الحسين محمد بن جميع الغساني في معجم.\n_________\n(^١) شذرات الذهب ٦/ ٣٥٥.\n(^٢) ينظر المجمع المؤسس لابن حجر ٢/¬٤٤ - ٤٥.\n(^٣) ينظر الغرر المضية في شرح نظم السيرة السنية لابن الهائم/ مخطوط ص ٨٦.","vol":"5","page":2069},{"text":"شيوخه من حديث عطاء عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ ولد مختونا مسرورا (^١).\nوعقب على هذا فقال: قال شيخنا في المجلس الحادى عشر من أماليه: وفي إسناده جعفر بن عبد الواحد الهاشمي، تأمر القضاء بسر من رأى، وهو ضعيف جدا (^٢).\nفمن هذه النقول يتضح الآتى: أولا: أن هذين المجلسين من الأمالي المتفرقة، حيث يتناول كل منهما موضوعا معينا.\nفالمجلس العاشر متعلق بتحديد تاريخ مولده ﷺ. والمجلس الحادي عشر متعلق بولادته مختونا مربوط السرة، وهذان من صفاته ﷺ الخلقية.\nثانيا: أن العراقي كان يراعى شروط الإملاء من حيث اختيار ما يكون إسناده به عاليا، مع بيان درجته، فقال في حديث ابن عباس في المجلس العاشر: إسناده جيد عال.\nوقد روى في المجلس الحادى عشر حديث أبي هريرة عن شيخه الميدومى، وهو من أعلا أسانيده.\nثالثا: أن بيان العراقي لدرجات الأحاديث التي كان يمليها تارة بعبارة اصطلاحية مثل قوله السابق: إسناده جيد، وتارة ببيان ما في سند الحديث، أو بعض رجاله من أقوال، وذلك بعبارة مختصرة ومفيدة، كما في كلامه السابق عن حديث أبي هريرة من حيث انقطاع سنده، بعدم سماع الحسن.\n_________\n(^١) ينظر معجم ابن جميع/ ٣٣٦ ترجمة من اسمه (عمر) وقوله (مسرورا) أي مربوط الشرة.\n(^٢) ينظر الغرر المضية/ ٩٧.","vol":"5","page":2070},{"text":"من أبي هريرة على المشهور، ومن حيث بيان ضعف راويين من رجاله. ومثل حكمه على حديث ابن عباس: بأن في إسناده جعفر الهاشمي، وأنه ضعيف جدا.\nرابعا: إن ما كان يمليه من الأحاديث في الموضوع الذي يتناوله، منها ما يكون في درجة المحتج به بمفرده، مثل حديث تاريخ ولادته ﷺ. ومنها ما يكون ضعيفا، أو ضعيفا جدا، مثل الحديثين الآخرين.\nوبذلك اشتملت تلك الأمالى على ما ذكره المترجمون للعراقي من الفوائد الحديثية المحررة، كما هو شأن أمالي الحفاظ النقاد.\nخامسا: أن تلك الأمالي كان لها فعلا، أثر علمى فيمن بعد العراقي، كما ترى، فرغم افتقاد نسخة خطية لمجموع تلك الأمالي، فقد وجدت النقول الكثيرة عنها في مؤلفات تلاميذ العراقي، مثل ابن الهائم هذا، ومثل الحافظ ابن حجر (^١).\nكما وجدت نقول أيضا منها في مؤلفات من جاء بعد العراقي من المحدثين والحفاظ غير تلاميذه (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-618>د - المجلس الثاني والثمانون من الأمالي، وأثره. «عرض وتحليل ومقارنة»</span>\nوهذا المجلس قد طبع في آخر كتاب التقييد والإيضاح مع مقدمة ابن الصلاح في مصر سنة ١٣٨٩ هـ/ نشر المكتبة السلفية بالمدينة المنورة. ص ٤٧٣ - ٤٧٥.\n_________\n(^١) ينظر معرفة الخصال المكفرة للذنوب المقدمة والمؤخرة لابن حجر/ ٩٥.\n(^٢) ينظر الرد الوافر على من زعم بأن من سمى ابن تيمية (شيخ الإسلام) كافر/ ١٧٩ - ١٨٠. والمقاصد الحسنة للسخاوى/ حديث (١١٩٣) من وسع على عياله يوم عاشوراء، واللآلئ المصنوعة للسيوطى ١/ ١٣٨ - ١٤١ و٢/ ١١١ - ١١٣.","vol":"5","page":2071},{"text":"وقد أرخ تاريخ إملائه في يوم الثلاثاء ٢ من ذي الحجة سنة ٧٩٦ هـ. ومن هذا التاريخ يظهر أن العراقي قد أملاه بمناسبة زمانية كريمة وهي «حلول العشر الأول من شهر ذي الحجة».\nوقد جاء في بدايته أن العراقي حدث به جماعة الحاضرين إملاء من حفظه ولفظه (^١).\nوقد روى العراقي فيه ثلاثة أحاديث بإسناده عن شيوخه، وهي في فضل العمل - وخاصة ذكر الله تعالى بالتسبيح والتهليل - في عشر ذي الحجة.\nوقد اختار العراقي في هذا المجلس تخريج حديث اختلف النقاد في حاله، فتصدى لتحقيق القول في ذلك، وبيان موقفه من أقوال النقاد قبله.\nفقد أخرج بسنده إلى أحمد بن على بن سعيد المروزي قال: حدثنا ابن شاهين قال: حدثنا خالد عن يزيد عن مجاهد عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: ما من أيام أعظم عند الله، ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه الأيام العشر، فأكثروا فيهن من التهليل والتحميد والتسبيح والتكبير.\nثم قال: هذا حديث رجاله مخرج لهم في الصحيح، فابن شاهين، واسمه: إسحق، احتج به البخاري. وخالد هو ابن عبد الله الواسطى، اتفقا عليه. ويزيد وهو ابن أبي زياد، روى له مسلم في المتابعات، وعلق له البخاري. ثم قال: والحديث أوله مشهور من حديث ابن عباس، وآخره غريب من حديثه.\n_________\n(^١) ينظر المجلس المذكور بآخر التقييد والإيضاح/ ٤٧٣.","vol":"5","page":2072},{"text":"وإنما يعرف آخره من حديث ابن عمر، كما سيأتي. أهـ\nوالمراد بآخره قوله ﷺ: «فأكثروا فيهن من التهليل». ثم بين العراقي أن أول الحديث مع شهرته من حديث ابن عباس، فهو صحيح من حديثه أيضا، حيث عزاه إلى البخاري وأبي داود والترمذي وابن ماجة، كلهم من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس، دون قوله في آخره: فأكثروا (الحديث)، وزاد فيه ذكر الجهاد، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب.\nثم أخرج بسنده إلى أبي عوانة عن يزيد بن أبي زياد عن مجاهد، عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ ما من أيام أفضل عند الله ولا أحب إليه العمل فيهن من أيام العشر، فأكثروا فيهن من التسبيح والتهليل.\nثم قال العراقي: هذا حديث حسن، ويزيد بن أبي زياد، أخرج له مسلم في المتابعات، كما تقدم.\nثم قال: (وحكى البيهقي) (^١) في شعب الإيمان عن أحمد بن حنبل أنه قال: ما قال فيه أحد هذا الكلام الأخير إلا أبو عوانة.\nيعني: فأكثروا فيهن (الحديث).\nثم اعترض عليه البيهقي بأنه رواه أيضا محمد بن فضيل، وأبو سعد مسعود، كلاهما عن يزيد بن أبي زياد.\nوعقب العراقي على ما ذكره البيهقي بقوله: قلت: وقد وقع لنا من طريق محمد بن فضيل … وساق رواية ابن فضيل بإسناده، ثم قال: وأما رواية أبي سعد مسعود، عن يزيد بن أبي زياد، فرواها البيهقي في شعب الإيمان. هـ (^٢).\n_________\n(^١) ما بين القوسين ساقط من المطبوع واستدركته من المخطوط.\n(^٢) ينظر الشعب للبيهقي ٣/ حديث (٣٧٥١) ط دار الكتب العلمية.","vol":"5","page":2073},{"text":"أقول: ورواية محمد بن فضيل أحال بها البيهقي على كتاب الدعوات له، ولكني لم أجدها في طبعته الحالية، في مظنتها منه لكني وجدت ابن أبي شيبة قد أخرجها في مصنفه عن محمد بن فضيل به (^١).\nأما رواية أبي سعد مسعود فقد أخرجها البيهقي في الشعب، كما أشار العراقي، وذلك عقب ما ذكره من قول الإمام أحمد بتفرد أبي عوانة بذكر «فأكثروا فيهن ..» (الحديث).\nفأشار بذلك إلى رد قول الإمام أحمد بتفرد أبي عوانة بهذه الزيادة.\nوأبو عوانة: هو الوضاح بن عبد الله اليشكرى، من الأثبات/ التقريب (٧٤٥٧). فتفرده غير قادح، بل أخرج روايته أبو عوانة في مستخرجه كما سيأتي.\nثم إن العراقي أضاف ما لم يذكره البيهقي وهو: أن يزيد بن أبي زياد، شيخ أبي عوانة قد توبع أيضا على هذه الزيادة من أحد الثقات، بإسناد جيد. فقد قال العراقي: قلت: وتابع يزيد بن أبي زياد عليه موسى بن أبي عائشة - أحد الثقات - عن مجاهد، رواه خيثمة بن سليمان الأطرابلسي، بإسناد جيد (^٢).\nأقول: والأطرابلسي هذا من محدثى طرابلس الشام المعروفين الثقات وقد توفى سنة ٣٤٣ هـ، ولم يصلنا من مؤلفاته إلا القليل (^٣). ولم أجد الحديث\n_________\n(^١) المصنف لابن أبي شيبة (الجزء المتمم) ٤/¬١ الحج- باب التكبير أيام التشريق (ح ١٧٨٧) ص ٢٧١. ط باكستان.\n(^٢) ينظر المجلس ٨٢ بآخر التقييد والإيضاح/ ٤٧٥.\n(^٣) ينظر مقدمة تحقيق (من حديث خيثمة الأطرابلسي) للدكتور عمر التدمري/ ٩ - ٥٤.","vol":"5","page":2074},{"text":"المذكور فيما طبع من أجزائه الحديثية، وإن كان العراقي قد عوضنا عن ذلك: بحكمه على إسناد الحديث عنده بأنه جيد. لكني وجدت الحديث قد أخرجه أبو عوانة في مستخرجه على صحيح مسلم في كتاب الصيام - كما في إتحاف المهرة ٨/ حديث (١٠١٢٠) قال: حدثني أبو يحيى بن أبي مسرة ثنا عبد الحميد بن غزوان ثنا أبو عوانة عن موسى بن أبي عائشة عن مجاهد بن جبر عن عبد الله بن عمر به.\nومعروف أن صحيح أبي عوانة هذا أشهر، وأقوى عموما من كتاب خيثمة الأطرابلسي الذي عزا العراقي هذه الرواية إليه، كما تقدم، فلعله حين أعد أحاديث هذا المجلس للإملاء لم يتح له مراجعة صحيح أبي عوانة، وإلا فإن العزو إليه أولى حسب قواعد التخريج الاصطلاحية التي نقد العراقي بها غيره (^١).\nوبمجموع ما ذكره العراقي من عند البيهقي، وما أضافه هو من جانبه، من طرق حديث ابن عمر، والحكم على الذي ذكره بأن إسناده جيد، مع توثيق المتابع وهو موسى بن أبي عائشة، يثبت بكل هذا أن رواية زيادة «التسبيح والتهليل» وإن كانت غريبة من حديث ابن عباس، فهي معروفة من حديث ابن عمر هذا.\nوقد أخرجه أبو عوانة في صحيحة، كما قدمت.\nومجموع طريقيه: التي أخرجها العراقي، والتي أخرجها أبو عوانة في صحيحه، يرتقى الحديث بتلك الزيادة إلى الحجية.\n_________\n(^١) ينظر التقييد والإيضاح/ ٣٥٤ مع مقدمة ابن الصلاح.","vol":"5","page":2075},{"text":"فالطريق الأولى فيها يزيد بن أبي زياد الهاشمي، وهو وإن أخرج له مسلم في المتابعات كما ذكر العراقي آنفًا، لكن غاية ما يترجح في حاله أنه صدوق تغير بآخره (^١).\nوالطريق الثانية في إسنادها أبو يحيى بن أبي مسرة، وعبد الحميد بن غزوان وما قيل في حال كل منهما (^٢) مع تخريج أبي عوانة للحديث في صحيحه من طريقهما، يمكن ترقية حال كل منهما إلى مرتبة من يحسن حديثه لذاته على الأقل.\nوبذلك يكون حكم العراقي بجودة هذا الإسناد، مقارب لحال راوييه هذين مع ثقة باقي رجاله.\nالاستنتاج:\nوعلى ضوء ما تقدم، فإنه يستفاد مما أورده العراقي في هذا المجلس عن الحديث المذكور من رواية ابن عمر وابن عباس، فوائد: -\nمنها: تخريج العراقي للحديث بإسناده العالى عن شيوخه، مع التخريج بالعزو إلى بعض المصادر الأصلية من كتب الصحيح والسنن.\nومنها: الصناعة الحديثية التطبيقية لقواعد نقد الرواة ودراسة الأسانيد، ومصطلحات الحكم على الأحاديث.\nفمن ذلك تقريره أن حديث ابن عباس أوله مشهور عنه وآخره غريب عنه\n_________\n(^١) ينظر الكاشف ٢/ ت (٦٣٠٥) والتقريب (٧٧١٧) والتهذيب ١١/ ت ٦٣٠، وهدى السارى/ ٤٥٩.\n(^٢) الجرح ٥/¬٦ والثقات لابن حبان ٨/ ٣٦٩ والجرح ٦/¬١٧ والثقات ٨/ ٣٩٨ وأخبار الفقهاء والمحدثين للخشني/ ١٥٢.","vol":"5","page":2076},{"text":"أيضا، فاجتمع في وصفه الشهرة والغرابة المقيدتين باعتبار طرق روايته عن ابن عباس، كما حكم بالحسن والجودة على طريقين للحديث. وأيضا بين أن الحكم بتفرد بعض الرواة مطلقا بزيادة في الحديث عن باقي الرواة، يمكن بتتبع الطرق الوقوف على ما يدفع هذا الحكم بالتفرد، ولو كان من بعض نقاد الحديث الكبار، كالإمام أحمد هنا ﵀.\nكما أن العراقي زاد على ما أورده البيهقي من متابعات، مع بيان جودة إسناد ما زاده، وبذلك دفع ما كان يمكن ظنه من تفرد يزيد بن أبي زياد بما في آخر الحديث، وأثبت تقوية طريقه المذكور.\nومن ذلك أن العراقي مع سعة علمه واطلاعه الذي مكنه من الزيادة على البيهقي، قد فاته عزو الحديث إلى مصدر مشهور مما اشترط فيه الصحة وهو مستخرج أبي عوانة على صحيح مسلم كما تقدم.\nولكن مع ذلك يعتبر هذا المجلس بما قدمته عنه أنموذجا واضحا لما وصفت به أمالي العراقي الحديثية من فوائد حديثية لا توجد مجتمعة في غيرها، حيث لم أجد بعد البيهقي من جمع طرق الحديث المذكور وزاد على ما ذكره منها غير العراقي في هذا المجلس، مع بيانه لآثار هذه الطرق في دفع الغرابة والضعف عن الحديث. كما أسلفته.\n\n<span data-type='title' id=toc-619>٢ - الإملاء لكتاب مستقل من مؤلفات العراقي.</span>\n<span data-type='title' id=toc-620>أ - تخريج طرق حديث «الموت كفارة لكل مسلم».</span>\n<span data-type='title' id=toc-621>أولا: المراد بطرق الحديث:</span>\nنقل السخاوى عن كتاب سماه «الذخائر»: أن طرق الحديث معرفة ما تضمنته من الأحكام مع معرفة رواته، ثم قال: وهذا مخالف لاصطلاحهم.","vol":"5","page":2077},{"text":"يعني المحدثين - فإنهم إنما يريدون بالطرق: تعداد الأسانيد، والوجوه (^١) للحديث الواحد.\nثم قال: وقال صاحب الوافي: المراد بطرقه، معرفة الصحيح والضعيف والغريب، ومعرفة أسماء الرجال، وعدالتهم وجرحهم، وتعرف معانيه (^٢).\nوالمؤلفات التي بين أيدينا من تأليف المتقدمين والمتأخرين إلى عصر العراقي في جمع طرق حديث (^٣) أو أكثر تدل على أن المراد بطرق الحديث، ذكر أسانيده الكاملة، وطرقه المتفرعة عن الأسانيد في أي حلقة من رجالها. وبيان درجاتها. وذكر ألفاظ المتون المروية بتلك الأسانيد والطرق.\nوذكر ما يتطلبه المقام من التعريف بالرواة، وشرح ألفاظ المتون، وغير ذلك (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-622>ثانيا: إملاء العراقي كتاب «طرق حديث: الموت كفارة لكل مسلم»</span>\n١ -<span data-type='title' id=toc-623> نسبته إلى العراقي، وموضوعه، وأثره.</span>\nيعتبر العراقي في مقدمة من نسب هذا الكتاب إلى نفسه فقد ذكر الغزالي:\n_________\n(^١) وبهذا يكون السخاوى قد فرق بين الإسناد وبين الوجه، بما يعنى أن الإسناد هو سلسلة رجال الإسناد كله من أدناه إلى أعلاه، وهو الصحابي ثم الرسول ﷺ في المرفوع. وأما الوجه فهو الطريق الذي يتفرع من هذا الإسناد في أي حلقة منه، وقد أكثر الترمذي من استعماله في جامعه بهذا الاعتبار.\n(^٢) ينظر الجواهر والدرر ١/ ٧١.\n(^٣) مثل طرق حديث (من كذب علي) للطبراني، وطرق حديث: (إن لله تسعة وتسعين اسما) لأبي نعيم الأصبهاني، وطرق حديث (ماء زمزم لما شرب له) للحافظ ابن حجر (كلها مطبوعة).\n(^٤) وينظر الجامع للخطيب البغدادي ٢/ ٢١٢ ط دار المعارف وفتح المغيث للسخاوى ٣/ ٣٣١ ط دار الإمام الطبرى.","vol":"5","page":2078},{"text":"هذا الحديث في الإحياء (^١) فذكر العراقي في تخريجه له، قول ابن العربي في سراج المريدين: إنه حسن صحيح، ثم قال: وضعفه ابن الجوزى (^٢) وقد جمعت طرقه في جزء (^٣) ومقتضى هذا أنه ألف هذا الجزء قبل فراغه من التخريج المختصر للإحياء الذي ذكر فيه هذا، وتاريخ فراغه منه متقدم كثيرا عن تاريخ أماليه المصرية هذه.\nفلعله كان مؤلفا من قبل، ثم بدا له أن يمليه ضمن تلك الأمالي، حيث إنه تكلم عن الكتاب نفسه في كتاب آخر.\nوهو رده على موضوعات الصغاني كما سيأتي في موضعه.\nوقد أشار إلى أن ما أورده في هذا الجزء قد رواه بإسناده كما هو المعروف في عامة أماليه.\nفقد ذكر أبو الحسن الصغاني هذا الحديث ووصفه بالوضع فذكر العراقي أنه قد سبقه إلى ذلك ابن الجوزى ثم تعقبهما بقوله: قلت: وقد رويناه من حديث جماعة من الصحابة، يحصل من مجموعها أنه حديث حسن، رواه أبو نعيم في الحلية (^٤) والبيهقي في شعب الإيمان (^٥) والخطيب في تاريخ بغداد (^٦) من حديث أنس. ورواه القاضي أبو بكر بن العربي في كتاب سراج المريدين، وقال عقبه: إنه حديث حسن صحيح.\n_________\n(^١) الإحياء مع المغنى ٤/ ٤٣٤.\n(^٢) ينظر الموضوعات لابن الجوزى ٣/ ١٧٤١ - ١٧٤٣.\n(^٣) المغنى مع الإحياء ٤/ ٤٣٤.\n(^٤) حلية الأولياء ٣/ ١٢١ ترجمة وعاصم بن سليمان ٤.\n(^٥) شعب الإيمان للبيهقي ح (٩٨٨٥ و٩٨٨٦).\n(^٦) تاريخ بغداد ١/ ٣٤٧.","vol":"5","page":2079},{"text":"ثم قال العراقي: وقد جمعت طرقه في جزء مفرد (^١).\nونسب هذا الجزء أيضًا للعراقي تلميذه ابن فهد (^٢)، ونسب إليه تلميذه ابن حجر وغيره، مع تقرير أنه من ضمن أماليه الحديثية كما سيأتي.\nولم أقف على شيء من نسخ هذا الكتاب، ولكن وقفت على بعض نصوصه، كما سيأتى، وهي تفيد أن موضوع هذا الجزء هو جمع طرق الحديث المذكور برواياته عن جماعات من الصحابة، مع سوق طرقهم بإسناد العراقي عن شيوخه، والكلام على درجته. على ضوء ما توافر له من طرقه. وكلام العراقي السابق في تعقبه للصغاني وابن الجوزى يفيد أيضا ذلك.\nأما السخاوى فقد ذكر الحديث وعزاه إلى البيهقي في الشعب، والقضاعي من حديث يزيد بن هارون عن عاصم الأحول، عن أنس، به مرفوعا، وصححه أبو بكر بن العربي.\nوقال العراقي في أماليه: إنه ورد من طرق يبلغ بها رتبة الحسن، ولم يصب ابن الجوزى في ذكره في الموضوعات، وتبعه الصغاني (^٣)، وذكر السيوطي نحوا من ذلك وعزاه إلى العراقى في أماليه (^٤).\nوبهذا نجد تصريح السخاوى بأن العراقي قد أورد الحديث في أماليه، ونقل عنها كلامه السابق عن درجته. فأفاد ذلك وقوفه بنفسه على موضع الحديث في تلك.\n_________\n(^١) رسالة العراقي في الرد على موضوعات الصغاني/ ٢٠٩/ ب مخطوط.\n(^٢) ذيول التذكرة/ ٢٣١.\n(^٣) المقاصد الحسنة للسخاوى/ حرف الميم حديث (١٢٠٩) ط الخشت.\n(^٤) الدرر المنتشرة في الأحاديث المشتهرة للسيوطي/ حديث (٤١٧) أما في اللآلئ ٢/ ٤١٥ فلم يصرح بأن النقل المذكور من أمالي العراقي وإنما ذكر أنه من الجزء الذي جمعه العراقي في طرق الحديث، وتبعه ابن عراق كما في تنزيه الشريعة ٢/ ٣٦٤.","vol":"5","page":2080},{"text":"الأمالي، وهكذا يستفاد من نقل السيوطي. وقد تابعهما على هذا غير واحد (^١).\nأما الحافظ ابن حجر فأخرج الحديث بسنده هو عن شيخه أحمد بن الحسن (بن محمد بن محمد، المقدسي السويداوى) (^٢)، بسنده إلى أبي نعيم في الحلية، من طريق أحمد بن عبد الرحمن السقطى عن يزيد بن هارون أنا عاصم الأحول عن أنس ابن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: الموت كفارة لكل مسلم.\nوعزاه إلى الخطيب البغدادى في تاريخه عن أبي نعيم أيضا، وذكر أن ابن الجوزى أورده في الموضوعات من هذا الوجه، وقال: هذا حديث لا يصح (^٣)، وذكر أن ابن طاهر المقدسي سبق ابن الجوزى إلى ذلك، وأنه بالغ في إنكار الحديث. ثم ذكر بعض الطرق الأخرى للحديث، ثم قال: وقد جمع شيخنا الحافظ أبو الفضل بن العراقي طرقه في جزء.\nثم قال: والذي يصح في ذلك حديث حفصة بنت سيرين عن أنس ﵁ بلفظ: الطاعون كفارة لكل مسلم، أخرجه البخاري (^٤) ثم بين أن أحمد السقطي الذي في طريق الحديث السابق ليس بمعروف عند أهل النقل وأن الأزدى وهاه، ثم ذكر أن للحديث طريقا أخرى، ذكرها في موضع آخر من اللسان (^٥) وذكر له أيضا طريقا أخرى في موضع آخر من اللسان (^٦)\n_________\n(^١) ينظر كشف الخفاء للعجلوني ٢/ حديث (٢٦٦٣) وإتحاف السادة المتقين ١٠/ ٢٢٨، وفيض القدير للمناوي ٦/ ٢٧٩.\n(^٢) المجمع المؤسس ١/ ٢٩٩.\n(^٣) ينظر الموضوعات لابن الجوزي ٣/ ١٧٤١ - ١٧٤٣.\n(^٤) ينظر صحيح البخارى مع الفتح (٢٨٣٠، ٥٧٣٢).\n(^٥) ينظر اللسان ٦/ (ت ٥٣٢) واللسان ١/ ٢١١.\n(^٦) ينظر اللسان ٥/ (ت ٦٩٧).","vol":"5","page":2081},{"text":"ولعلّ هذا ما جعله يقول كما نقل السخاويّ عنه: إنّه لا يتهيّأ الحكم عليه بالوضع مع وجود هذه الطرق (^١).\nومن مجموع ما تقدّم يستفاد أنّ النقّاد قبل العراقيّ قد اختلفوا في درجة هذا الحديث، فمنهم من حكم بأنّه حسن صحيح، وهو ابن العربيّ، ومنهم من حكم بوضعه كابن الجوزيّ وابن القيسرانيّ، وأبو الحسن الصغانيّ، فقام العراقيّ بجمع ما توافر له من طرقه عن جماعة من الصحابة، وأملاها بأسانيده عن شيوخه، مع تقرير أنّ مجموعها يرتقي إلى الحسن لغيره، وبذلك ردّ القول بوضعه، والقول بصحّته، وأثبت له درجة وسطا بينهما وهي الحسن.\nوقد نقل هذا عن العراقيّ غير واحد ممّن جاء بعده، دون تعقّب، فدلّ هذا على تأثير مضمون هذا الجزء من أماليه فيمن بعده (^٢) ويظهر من نقول من تقدّم ذكرهم عن العراقيّ أنّه لم يتعرّض لشرح متن الحديث، مع كون ظاهره مشكلًا، ولذا نقل السخاويّ عن شيخه ابن حجر قوله بأنّ الحديث ليس على ظاهره، بل هو محمول على موت مخصوص، إن ثبت الحديث (^٣).\nونقل الزبيديّ عن ابن الجوزي أنّ في بعض طرق الحديث ما يفهم أنّ المراد بالموت الطاعون، فإنّهم كانوا في الصدر الأوّل يطلقون الموت ويريدونه به (^٤). وذكر صاحب تنزيه الشريعة نحو ذلك دون عزوه لابن الجوزي (^٥).\n_________\n(^١) ينظر المقاصد حديث (١٢٠٩).\n(^٢) ينظر الإحالات السابقة على المقاصد للسخاويّ، واللآلئ والدرر المنتشرة كلاهما للسيوطيّ، وتنزيه الشريعة لابن عراق، وإتحاف السادة المتقين للزبيديّ، وفيض القدير للمناويّ وكشف الخفاء للعجلونيّ.\n(^٣) المقاصد الحسنة/ حديث (١٢٠٩).\n(^٤) إتحاف السادة المتقين ١٠/ ٢٢٧ - ٢٢٨.\n(^٥) تنزيه الشريعة لابن عراق ٢/ ٣٦٤.","vol":"5","page":2082},{"text":"<span data-type='title' id=toc-624>ب - إملاء العراقي «كتاب تخريج الأربعين حديثا النووية»</span>\nوقد سبق ذكره ضمن تأليف العراقي في تخريج بعض الأربعينات الحديثية وعواليها.\n\n<span data-type='title' id=toc-625>ج - تأليف العراقي في المستخرجات، وإملاؤه لما ألفه، وأثره.</span>\n<span data-type='title' id=toc-626>تعريف الاستخراج، والمستخرج، وأهميته:</span>\nيستفاد من مجموع ما ذكرته مراجع علم المصطلح، وما يوافقها من صنيع العراقي فيما استخرجه: أن الاستخراج هو أن يأتي أحد حفاظ الحديث إلى كتاب من كتب الحديث الأصلية، وهي التي يروى مؤلفوها أحاديثها بأسانيدهم، فيقوم المستخرج بإيراد أحاديث مثل هذا الكتاب حديثا حديثا بأسانيد لنفسه، من غير طريق مؤلف الكتاب المستخرج عليه، بشرط أن يلتقى معه في شيخه، أو فيمن فوقه من رجال الإسناد، حتى لو لم يلتقيا إلا في الصحابي المروى عنه الحديث، ويفضل أن لا يلتقى سند المستخرج مع سند المستخرج عليه في راو فوق شيخه إلا لعذر مثل ضيق مخرج الحديث، أو لفائدة، كعلو السند الذي هو جل مقصد المستخرجين، أو زيادة مهمة على ما في رواية الأصل، ونحو ذلك.\nفإذا لم يجد مؤلف المستخرج طريقا خاصا به، إلى شيخ مؤلف الأصل، أو من فوقه، ساغ له أن يروى الحديث من طريق مؤلف الأصل نفسه، اضطرارًا أو يحذف مثل هذا الحديث كلية من مستخرجه، أو يعلقه عن أحد رجال إسناد مؤلف الأصل المستخرج عليه (^١).\n_________\n(^١) ينظر فتح المغيث للسخاوى ١/¬٤٤ - ٤٨ والنكت الوفية للبقاعي/ ٣٢/ ب - ٣٣/ ب مخطوط.","vol":"5","page":2083},{"text":"وعلى ضوء هذا التعريف الوصفي للاستخراج، يمكن تعريف المستخرج بأنه: الكتاب الذي ألفه صاحبه على منهج الاستخراج، وشروطه المذكورة.\nوتبدو أهمية المستخرجات فيما يتحقق بها من فوائد حديثية. في كل من المتن والإسناد، وقد ذكر الحافظ ابن حجر من ذلك عشرة فوائد، أكثرها تشترك فيه المستخرجات على غير الكتب التي اشترط مؤلفوها الصحة، ولاسيما البخاري ومسلم، وذكر البقاعي أن غير شيخه ابن حجر قد أوصل فوائد المستخرجات إلى قرابة خمس عشرة فائدة (^١).\nوما سيأتي من تأليف العراقي في ذلك سنوضح بعض مشتملاته من تلك الفوائد إن شاء الله:\n\n<span data-type='title' id=toc-627>١ - كتاب: المستخرج على كتاب الأمالي الشارحة لأبى القاسم الرافعي </span>(^٢)\nوكتاب أمالي الرافعي هذا لم أقف على نسخة له، ولكن وصفه وبين قيمته الحديثية اثنان ممن وقفوا عليه، ونقلا عنه، أحدهما: ابن السبكى في ترجمته\n_________\n(^١) ينظر نكت ابن حجر على ابن الصلاح ١/ ٣٢١ - ٣٢٣ والنكت الوفية للبقاعي/ ٣٥/ ب - ٣٦/ أ.\n(^٢) هو: عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم، أبو القاسم القزويني، الرافعي، توفى آخر سنة ٦٢٣ هـ أو بداية سنة ٦٢٤ هـ، وكان إمام عصره في فقه الشافعية، وله اعتناء بالحديث والتفسير أيضا، فكان له بقزوين مجلس للتفسير، ومجلس لتسميع الحديث، وله شرح على مسند الإمام الشافعي، وشرحه المعروف بالشرح الكبير لكتاب الوجيز للغزالي في فقه الشافعية، وكتاب الأمالي هذا ذكر له ابن السبكى وابن الملقن باسم (الأمانى الشارحة على مفردات الفاتحة) وكلاهما من رأى الكتاب ونقل عنه/ ينظر طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة ٢/ ٩٤ - ٩٨ ولابن السبكي ٨/ ٢٨١ - ٢٩٣ ومقدمة البدر المنير لابن الملقن ١/ ق ٩/ ب و٢٠/ أ مخطوط.","vol":"5","page":2084},{"text":"للرافعي (^١) وثانيهما قرين العراقي ومعاصره سراج الدين عمر بن على المعروف بابن الملقن (ت ٨٠٤ هـ) وهو أكثر تفصيلا وأدل على تداول الكتاب في عصر العراقي، وقد قال ابن الملقن: أمالي إمام الملة والدين أبي القاسم الرافعي … . وهي مفيدة جدا، لم أر أحدا مشى على منوالها، فإنه أملاها في ٣٠ مجلسا، ذكر في كل مجلس منها حديثا بإسناده، على طريقة أهل الفن، ثم تكلم عليها بما يتعلق بإسناده، وحال رواته، وغريبه، وعربيته، وفقهه ودقائقه، ثم يختمه بفوائد وأشعار وحكايات، ورتبها ترتيبا بديعا على نظم كلمات الفاتحة، بإرداف كلمة (آمين)؛ لأنها بها (٣٠) كلمة (*) فاشتمل الحديث الأول على كلمة (اسم) والثانى على اسم «الله» العظيم، والثالث على «الرحمن» وهلم جرا، إلى آخرها، وهذا ترتيب بديع، ومن نظر في الكتاب المذكور عرف حذر هذا الإمام، وحكم له بتقدمه في هذا العلم خصوصا (^٢)\nأما كتاب العراقي فقد ذكره ضمن أماليه غير واحد ممن ترجم له: في مقدمتهم تلميذه ابن حجر وهو ممن سمع تلك الأمالي واستملى بنفسه على شيخه عددا منها، وقد ذكر أن العراقي بعد إملائه المجالس المتفرقة، أملى\n_________\n(^١) ينظر طبقات الشافعية لابن السبكى ٨/ ٢٨١ و٢٨٥ - ٢٨٨.\n(*) لكن غير واحد من المفسرين يعدون الفاتحة (٢٥) كلمة فقط/ ينظر تفسير القرآن العظيم لابن كثير ١/ ١٠٢ بتحقيق تلميذنا الفاضل الشيخ سامى السلامة، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١/ ١١٠ ط دار إحياء التراث. وهذا العدد بناء على استبعاد كلمة (آمين)، وأربع كلمات مكررة هي: لفظ و«الجلالة» (الله)، (الرحمن، الرحيم، الصراط).\n(^٢) ينظر مقدمة البدر المنير لابن الملقن ١/¬٩/ ب ضمن مصادره التي اعتمد عليها في كتابه هذا. والرسالة المستطرفة للكتاني/ ١٦٠.","vol":"5","page":2085},{"text":"على الأربعين النووية السابق ذكرها، ثم أملى على أمالي الرافعي، كما أشار إلى أن أمالي العراقي من بدايتها إلى نهاية أماليه على أمالي الرافعي تبلغ (١١٥) مجلسا (^١) ونحو هذا ذكر تلميذه ابن فهد (^٢) ومن بعدهما السخاوى (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-628>موضوع الكتاب، وأهميته:</span>\nوعلى ضوء ما تقدم من تعريف المستخرج، والتعريف بكتاب الرافعي المستخرج عليه، يمكن القول بأن موضوع مستخرج العراقي عليه، هو روايته لأحاديث أمالي الرافعي هذه بأسانيد له عن شيوخه، بحيث يلتقى سنده في كل حديث مع سند الرافعي في شيخه أو فيمن فوقه في إسناد الحديث المستخرج، كما سيتضح مما سأذكره من أحد النماذج وتحليله، بعد قليل إن شاء الله.\nومقتضى كون أمالى الرافعي هذه قد بلغت ثلاثين مجلسا، كما تقدم، أن يكون مستخرج العراقى هذا عليها قد بلغ ثلاثين مجلسا أيضا، وفي كل مجلس يذكر حديث أو أكثر في معنى كلمة من كلمات الفاتحة الثلاثين، وسيأتى في أثر الكتاب ما يؤيد هذا.\nوقد أشار ولى الدين أبو زرعة أحمد بن العراقي إلى أهمية مستخرج والده هذا، ومستخرجه الآتى على مستدرك الحاكم، بقوله: إنها أكثر فائدة من أمالي الحافظ ابن عساكر (ت ٥٧١ هـ)، لكون أكثرها مستخرجات على ما هو محتاج إلى الاستخراج عليه (^٤).\n_________\n(^١) المجمع المؤسس ٢/ ١٨٤ - ١٨٥.\n(^٢) ذيول تذكرة الحفاظ/ ٢٣٣.\n(^٣) الضوء اللامع ٤/ ١٧٤، ١٧٥.\n(^٤) ينظر الجواهر والدرر للسخاوى ٢/ ٥٨٨.","vol":"5","page":2086},{"text":"ومما يؤيد هذا أن البحث الموسع لم يوقفنى على تأليف آخر لغير العراقي في الاستخراج على أمالي الرافعي هذه.\n\n<span data-type='title' id=toc-629>أنموذج تحليلى من الكتاب:</span>\nرغم البحث الموسع فإنى لم أقف من هذا الكتاب إلا على (٨) ثماني ورقات خطية، ضمن مجاميع المكتبة الظاهرية بدمشق تحت رقم (٣٩٦٣) عام.\nوهي عبارة عن ثلاث صفحات من المجلس رقم (٨٤) من أمالي العراقي المصرية، وهو يعتبر المجلس الأول أو الثانى على الأكثر من المستخرج على أمالي الرافعي وهو من ق ١٨٧/ ب - ١٨٨/ ب من المجموعة.\nوقبله يوجد مجلس كامل من الأمالي وهو رقم (٨٦) من الأمالي المصرية للعراقي، ويعتبر المجلس الثالث أو الرابع من المستخرج وهو من ق ١/ ٧٥ - ٢/ ٨٠ من المجموعة وقد جاء في أوله (المجلس السادس والثمانون من أمالي شيخنا أبي الفضل الحافظ أبقاه الله تعالى) فدل هذا على أن نسخة هذا المجلس مكتوبة بخط أحد تلامذة العراقي، وفي حياته، حيث دعى له بطول البقاء، وكذلك الصفحات الثلاثة السابق ذكرها من المجلس (٨٤).\nولما كان المجلس (٨٦) هو الذي وجدته بأكمله، فقد جعلته أنموذجا العرض وتحليل هذا المستخرج على النحو التالي: -\nبدأ هذا المجلس بالبسملة، ثم الصلاة على النبي ﷺ.\nوبعدها قال: حدثنا شيخنا الإمام حافظ الوقت، أبو الفضل عبد الرحيم بن الحسين بن العراقي - أبقاه الله تعالى - إملاءا … وسماعا لباقيه، وذلك في يوم الثلاثاء ١٥ شهر الله المحرم سنة ٧٩٧ هـ بالمدرسة القراسَنقُرِيَّة (^١) من القاهرة المعزية.\n_________\n(^١) نسبة إلى من أنشأها وهو الأمير شمس الدين قرا سنقر المنصوري/ ينظر/ الخطط للمقريزي ٢/ ٣٨٨.","vol":"5","page":2087},{"text":"قال: أخبرني الشيخ الصالح أبو محمد عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن نصر المقدسي ﵀ بقراءتي عليه بصالحية دمشق … . وساق سنده إلى محمد بن يحيى بن أبي عمر العدنى ثنا سفيان عن عمرو بن دينار قال أخبرني أبو قابوس مولى عبد الله بن عمرو، عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض، يرحمكم من في السماء.\nثم قال العراقي: وبه - يعني سنده السابق - إلى عمرو بن دينار عن أبي قابوس سمع عبد الله بن عمرو يقول: قال رسول الله، ﷺ: الرحم شجنة من الله، فمن وصلها وصله الله، ومن قطعها قطعه الله.\nثم قال العراقي: هذا حديث صحيح، أخرجه الترمذي عن محمد بن يحيى ابن أبي عمر، جمع الحديثين في متن واحد (^١).\nوأبو داود عن أبي بكر بن أبي شيبة ومسدد، مقتصرا على الحديث الأول (^٢) جميعا (^٣) عن سفيان بن عيينة.\nفوقع لنا موافقة عالية للترمذي، وبدلا عاليا، لأبي داود.\nقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.\nثم قال العراقي: وقد رواه أبو القاسم الرافعي في أماليه من طريق الترمذى، بالجملتين معا (^٤) فوقع بينه وبين سفيان سبعة رجال، فكأني سمعته من الرافعي.\n_________\n(^١) جامع الترمذي/ أبواب البر والصلة/ حديث (١٩٢٤).\n(^٢) عني «الراحمون يرحمهم الرحمن … .» إلى «في السماء» - سنن أبى داود- الأدب/ حديث (٤٩٤١).\n(^٣) يعني - ابن أبي عمر وابن أبي شيبة ومسدد.\n(^٤) يعني «الراحمون يرحمهم الرحمن … .» إلى «في السماء» و«الرحم شجنة» (الحديث).","vol":"5","page":2088},{"text":"ثم ذكر العراقي قول الرافعي: إن الأشهر رواية جملتي الحديث، وهما: ذكر الرحمة، وذكر الرحم، مفصولين، بإسنادين مختلفين.\nوقوله: إن الجملة الثانية أشهر من الأولى، وأنها تروى عن النبي ﷺ برواية جماعة من الصحابة، منهم: أبو هريرة، وعبد الرحمن بن عوف.\nثم عقب العراقي على هذا فقال: قلت: وقد تابع أبا قابوس على رواية الجملة الثانية: أبو العنبس واسمه: محمد بن عبد الله بن قارب عن عبد الله ابن عمرو، رويناه في مسند أبى داود الطيالسي (^١) وفي كتاب الأدب المفرد للبخاري (^٢)، وأما حديث أبي هريرة فرواه البخاري (^٣) في صحيحه، وأما حديث عبد الرحمن بن عوف، فرواه أبو داود (^٤) والترمذي (^٥) وصححه ابن حبان في صحيحه (^٦).\nثم قال العراقي: ورواه آخرون من الصحابة (^٧).\nثم تعقب العراقي الإمام الترمذي بقوله: وما أدرى لم جمع الترمذي بين هاتين الجملتين، وهما في مسند شيخه ابن أبي عمر، حديثان.\n_________\n(^١) مسند الطيالسي/ حديث (٢٣٦٤) بتحقيق تلميذي الفاضل الدكتور/ محمد التركي.\n(^٢) الأدب المفرد - باب فضل صلة الرحم (٥٤) وقال الشيخ الألباني ﵀: صحيح.\n(^٣) كتاب الأدب/ حديث (٥٩٨٨).\n(^٤) في كتاب الزكاة (١٦٩٤) باب في صلة الرحم، بنحوه.\n(^٥) في كتاب البر (١٩٠٧) بنحوه، وقال: حديث صحيح.\n(^٦) كما في الإحسان (٤٤٣).\n(^٧) منهم سعيد بن زيد وعائشة ﵄، أخرجهما الحاكم في المستدرك ٤/ ١٥٧ - ١٥٩ وصححهما، وأقره الذهبي ومنهم أم سلمة أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٨/ ٣٥٠ وفي المسند له كما في المطالب العالية ٣/ حديث ٢٥٤٤.","vol":"5","page":2089},{"text":"مفصول كل واحد منهما من الآخر، وإسنادهما واحد.\nفإن كان الترمذي سمعه من شيخه في مُسنده فهما فيه حديثان، ويحتمل أن شيخه جمعهما له في إسناد واحد، وفيه بُعد.\nثم قال العراقي: وقد رواه الحاكم في المستدرك من رواية علي بن المديني عن سفيان، فذكر الجملتين مجموعتين في إسناد واحد، وقال: إن إسناده صحيح. (^١)\nثم قال العراقي: وقد وقع لي الحديث بلفظ «الرَّحيم» مكان «الرَّحمن» فأردت إيراده لاستيعاب ألفاظ «الفاتحة».\nوساق الحديث بسنده إلى على بن الحسن الخُلْعى بسنده إلى الحسن بن محمد الزعفراني ثنا سفيان عن عمرو عن أبي قابوس عن ابن لعبد الله بن عمرو بن العاصي عن عبد الله بن عمرو ﵄ يبلغ به النبي ﷺ: الرَّاحمون يرحمهم الرَّحيم، ارحموا أهل الأرض يرحمكم أهل السماء.\nثم قال العراقي: هكذا انفرد الحسن بن محمد الزعفراني بقوله فيه (الرَّحيم) وبزيادة ابن عبد الله بن عمرو في الإسناد، ولم يتابع عليه، وقد صرح أبو قابوس بسماعه له من عبد الله بن عمرو كما في رواية الحاكم في المستدرك.\nثم شرح العراقي بعض ألفاظ متن الحديث.\nفذكر أن المراد بـ «من في السماء» الملائكة بدليل رواية يرحمكم أهل السماء.\n_________\n(^١) ينظر المستدرك ٤/ ١٥٩ ووافقه الذهبي.","vol":"5","page":2090},{"text":"كما ذكر ضبط كلمة (شِجْنَة) بالحروف، وذكر الخلاف في ضبط حرف الشين، وقرر أن الصحيح من الأوجه كسرها.\nثم بين معناها اللغوى، والمعنى المقصود بها في الحديث، وبين أن لفظ الرحم مشتق من لفظ الرحمن، وقال: ويؤيده قوله تعالى في الحديث الصحيح: أنا الرحمن وهي الرحم، شققت لها من اسمى.\nثم أخرج العراقي بسنده حديثا آخر مشتملا على لفظ «الرحيم»، وذلك من طريق أبي يعلى الموصلى بسنده إلى سنان بن سعد عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ والذي نفسي بيده لا يضع الله رحمته إلا على رحيم، قالوا يا رسول الله، كلنا يرحم، قال: ليس برحمة أحدكم صاحبه، يرحم الناس كافة (^١).\nثم قال: هذا حديث حسن غريب، وسنان بن سعد، قيل فيه: سعد بن سنان، وقيل سعيد بن سنان، وثقه ابن معين وابن حبان، وقال: حدث عنه المصريون وهم يختلفون فيه، وأرجو أن يكون الصحيح: سنان بن سعد، قال: وقد اعتبرت حديثه، فرأيت ما روى عن سنان بن سعد، يشبه أحاديث الثقات، وما روى عن سعد بن سنان، وسعيد بن سنان، فيه المناكير، كأنهما اثنان.\nولم يكتب أحمد حديثه لاضطرابهم في اسمه، وقال النسائي: منكر الحديث (^٢)\nثم قال العراقي: قلت: ولم ينفرد به سنان بن سعد؛ بل تابعه عليه أخشن\n_________\n(^١) ينظر مسند أبي يعلى ٦/ ٢٥٠ حديث (٤٢٥٨).\n(^٢) ينظر ثقات ابن حبان ٤/ ٣٣٦ والتهذيب ٣/ ت (٨٧٧).","vol":"5","page":2091},{"text":"السدوسي عن أنس، رويناه في كتاب الأدب للبيهقي بلفظ: «لا يدخل الجنة منكم إلا رحيم قالوا: يا رسول الله، كلنا رحيم، قال: ليس رحمة أحدكم نفسه وأهل بيته حتى يرحم الناس» (^١).\nثم قال العراقي: وأخشن هذا ذكره ابن حبان في الثقات (^٢) ثم قال: وقد أورد الرافعي في أماليه من حديث ثوبان مرفوعا: إن أرفعكم درجة في الجنة أشدكم رحمه للعامة.\nوعقب على هذا بقوله: فلم أستحسن إيراده في الإملاء، لأن فيه خمسة رجال على الولاء ما بين ضعيف وكذاب، ومجهول، فإنه من رواية خالد بن الهياج بن بسطام عن أبيه عن الحسن بن دينار عن الخصيب بن جحدر عن النضر وهو ابن شُفى عن أبى أسماء، عن ثوبان، والحسن بن دينار والخصيب متهمان بالكذب.\nثم قال: وذكرت بدله حديث أنس المتقدم.\nثم أخرج العراقي بسنده حديثا آخر من طريق سليمان التيمي عن قتادة عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال في مرضه: أرحامكم أرحامكم.\nوقال: هذا حديث صحيح، أخرجه ابن حبان في صحيحه (^٣) هكذا.\nوقال: وقد رواه الرافعي في أماليه من رواية سعيد بن أبي عروبة عن قتادة بلفظ: صلوا أرحامكم فإنه أبقى لكم في الدنيا والآخرة، ولم يقل: «في مرضه»\n_________\n(^١) ينظر الأدب للبيهقي/ حديث (٤٤) باب في تراحم الخلق.\n(^٢) الثقات ٤/ ٦١ ولم يذكر من حاله شيئا، ولا ذكر له راويا غير عبد المؤمن بن عبيد الله.\n(^٣) الإحسان ٢/ حديث (٤٣٦).","vol":"5","page":2092},{"text":"ثم روى العراقي بسنده، حديث جبير بن مطعم المتفق عليه: أن رسول الله ﷺ قال: لا يدخل الجنة قاطع رحم (^١) وبين علو سنده به عن سند كل من البخاري ومسلم.\nثم روى بسنده إلى مالك قال: بلغني أن عيسى بن مريم ﵇ كان يقول: لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله، فتقسو قلوبكم … وفي آخره: فارحموا أهل البلاء، واحمدوا الله على العافية. وبعده ما يلى: -\nقال شيخنا المملى ﵁: ومما قلته في ذلك …\nوذكر ثلاثة أبيات شعرية، في معنى ما رواه عن عيسى ﵇. وبذلك انتهى هذا المجلس.\n\n<span data-type='title' id=toc-630>التحليل والاستنتاج:</span>\nومما عرضته من هذا المجلس بتمامه، يتضح لنا الآتي: -\n١ - أن من تلك الأمالي من مستخرج العراقي على أمالي الرافعي ما كان الواحد منها يشتمل على عشرة أحاديث أو أكثر، وبعض الآثار، والأشعار.\n٢ - أن العراقي حرص على تخريج ما علا سنده به ما أمكن، من المصافحات والموافقات والأبدال، سواء كان العلو بالنسبة لإسناد الرافعي الذي استخرج العراقي على أماليه، أو بالنسة لأصحاب المصنفات الأصلية السابقة عليهما، فالحديث الأول من هذا المجلس، بعد أن أخرجه العراقي بإسناده، عزاه إلى كل من الترمذي وأبي داود، ثم بين علو سنده عن سند الترمذي علو موافقة (^٢).\n_________\n(^١) صحيح البخاري مع الفتح - الأدب حديث (٥٩٨٤) ومسلم - البر والصلة حديث (٢٥٥٦).\n(^٢) حيث التقى سند العراقي والترمذي بالحديث في شيخ الترمذي.","vol":"5","page":2093},{"text":"وعلو سنده عن سند أبي داود بالحديث نفسه علو بدل (^١)\nوأيضا ذكر علو سنده على سند كل من البخاري ومسلم بحديث جبير بن مطعم المتفق عليه منهما وهو: لا يدخل الجنة قاطع. وأما بالنسبة للإمام الرافعي، فقد أخرج العراقي الحديث الأول في المجلس بسنده إلى سفيان بن عيينة. ثم ذكر أن الرافعي في روايته له في أماليه، بلغ عدد الرواة بينه وبين سفيان، سبعة، ثم قال: فكأني سمعته من الرافعي هـ.\nوبالمراجعة لسند العراقي بالحديث نجد بين شيخه وبين سفيان سبعة أشخاص، مع تأخر تاريخ إملاء العراقي المستخرجه هذا عن تاريخ وفاة الرافعي قرابة قرنين من الزمان.\nوهذا يسمى علو المصافحة (^٢) ولذا قال العراقي: كأني سمعته من الرافعي.\n٣ - أيضا أخرج العراقي في هذا المستخرج عدة أحاديث، بسنده، دون أن يبين علو سنده بها.\nكما نجده ذكر بعض أحاديث، في المتابعات، مع حذف سنده بها والاكتفاء بالإشارة إليه بقوله: «رويناه»\nوبعض الأحاديث نجده يخرجها بالعزو فقط إلى مصدرها الأصلى مثل البخاري وابن حبان في صحيحيهما، وأبو داود والترمذي في سننهما، وذلك فيما يذكره للاستشهاد به. بل في بعض روايات حديث (الرحم شجنة من الرحمن) اكتفى بالعزو الإجمالي للصحابى، دون ذكر مصدر لروايته فقال: «ورواه آخرون من الصحابة» وتقدم تخريجى لرواية ثلاثة من الصحابة، من\n_________\n(^١) حيث التقى الإسنادان في شيخ شيخ أبي داود\n(^٢) ينظر كتاب العلو لابن القيسراني/ ٨٩ وتدريب الراوى ٢/ ٦١٢ - ٦١٣.","vol":"5","page":2094},{"text":"مصادر متوافرة لا تخفى على مثل العراقي.\nومقتضى هذا أن احتسابنا هذه الأمالي من روايات العراقي المسندة، إنما هو بحسب الروايات الأصلية، لأحاديث أمالى الرافعي التي استخرج العراقي رواياتها بأسانيده هو مثل رواية علو المصافحة السابق ذكرها.\n٤ - أن العراقي قد زاد في مستخرجه هذا أحاديث مستقلة، بإسناده، لم يوردها الرافعي في أماليه، مثل حديث عبد الله بن عمرو الذي بلفظ: «الراحمون يرحمهم الرحيم …» (الحديث)، وقد نبه بنفسه على سبب زيادته لهذا الحديث، وهو ذكر لفظ (الرحيم) فيه وهو أحد كلمات سورة الفاتحة، ولكن الرافعي لم يذكر له رواية تشتمل عليه، فذكر العراقي تلك الرواية زيادة على ما أورده الرافعي، تحقيقا لفائدة استيفاء ألفاظ الفاتحة التي لم يورد الرافعي في أماليه ما يشتمل عليها.\nوقد يكون أصل الرواية عند الرافعي، ولكن تشتمل رواية العراقي المستخرجة عليها، على زيادة تفيد معنى زائدا، مثل عبارة (في مرضه) ﷺ التي جاء في رواية العراقي لحديث أنس (أرحامكم أرحامكم)، ونبه عقبها على أنها لم تذكر في رواية الرافعي، ومثل هذه الزيادة في المتن، وكذا في الإسناد، بزيادة بعض الطرق، معروف في المستخرجات (^١).\n٥ - كذلك ذكر العراقي أنه استبعد بعض أحاديث أمالي الرافعي لكونه وجد في إسنادها ما يقتضى أنها موضوعة بهذا الإسناد. وذكر بدلها ما ليس موضوعا، وهذا يدل على أنه اجتنب في أماليه إخراج ما يعلم أنه موضوع،\n_________\n(^١) ينظر النكت الوفية للبقاعي/ ٣٣/ أ، ب ٣٥/ أ. ونكت ابن حجر على ابن الصلاح ١/ ٢٩١ - ٢٩٣، ٣٢٢ - ٣٢٣. والتدريب ١/ ١١٧ - ١١٩.","vol":"5","page":2095},{"text":"مثل ما رواه الرافعي من حديث ثوبان مرفوعا: «إن أرفعكم درجة في الجنة، أشدكم رحمة للعامة».\nفهذا الصنيع من العراقي يعتبر من مميزات مستخرجه هذا على أمالي الرافعي التي استخرج عليها.\n٦ - حرص العراقي أيضا على ذكر بعض المتابعات أو الشواهد، العاضدة لرواية بعض الرواة المتكلم فيهم فيما ساقه من أسانيد، وبذلك دفع ما يظن من تفرد كل منهم بما روى، ولتعضيده بما يقوى روايته.\nفبعد ذكره تصحيح الترمذي لحديث أبي قابوس عن عبد الله بن عمرو بجملتيه كما تقدم، ثم ذكر متابعة أبي العنبس لأبي قابوس، في رواية الجملة الثانية من الحديث، وهي «الرحم شجنة من الله» (الحديث)، وذلك لأن في حال أبى قابوس ما يقتضى ضعف حديثه بمفرده (^١).\nوبعد ذكره لتلك المتابعة ذكر أيضا بعض شواهد الحديث الصحيحة وبمجموعها يتأيد تصحيح الترمذي للحديث.\nوتقدم أيضا أن العراقي روى بسنده حديث أنس «والذي نفسي بيده لا يضع الله رحمته إلا على رحيم» من طريق سنان بن سعد، وقال: هذا حديث حسن غريب، ثم قال: ولم ينفرد به سنان، تابعه عليه أخشن السدوسي عن أنس.\nوكما عنى ببيان مثل تلك المتابعة وسابقتها، فإنه عنى أيضا ببيان من تفرد من رجال الإسناد، فلم يوجد له متابع على روايته.\n_________\n(^١) التهذيب لابن حجر ١٢/ ت (٩٤٢).","vol":"5","page":2096},{"text":"فقد روى بسنده من طريق الحسن بن محمد الزعفرانى عن سفيان عن عمرو ابن دينار عن أبي قابوس عن ابن لعبد الله بن عمرو بن العاص عن عبد الله بن عمرو ﵄ يبلغ به النبي ﷺ قال: الراحمون يرحمهم الرحيم (الحديث).\nثم قال العراقي: هكذا انفرد الحسن بن محمد الزعفراني بقوله فيه: «الرحيم» وبزيادة «ابن عبد الله بن عمرو» في إسناده، ثم قال: ولم يتابع عليه.\n٧ - كذلك نجد العراقي قد عنى ببيان درجات أكثر الأحاديث التي أوردها، سواء التي استخرجها بإسناده، أو التي خرجها بالعزو إلى مصادرها، وتنوع بيانه لدرجات الأحاديث، تارة بالعزو إلى من اشترط الصحة كالشيخين وابن حبان، وتارة بذكر قول من أخرج الحديث كالترمذي والحاكم.\nوتارة بذكر حال راو أو أكثر من رجال الإسناد مثل قوله السابق بتفرد الحسن ابن محمد الزعفراني، بما لم يتابع عليه، مع الاتفاق على ثقته (^١) لكن خالف الأرجح في هذه الرواية.\nوأيضا حديث ثوبان الذي رواه الرافعي في أماليه، أشار العراقي إلى وضعه ببيان أن في سنده خمسة رجال على الولاء، ما بين ضعيف وكذاب، ومجهول، ثم ذكرهم، وهم: خالد بن هياج البساطي، والراجح من حاله أنه ضعيف (^٢).\nوأبوه: وهو هياج البساطى، جزم الذهبي بأنه ضعيف (^٣).\n_________\n(^١) التهذيب ٢/ ت (٥٥٢).\n(^٢) اللسان ٢/ ت (١٥٩٤).\n(^٣) الكاشف ٢/ ت (٦٠١٢).","vol":"5","page":2097},{"text":"والحسن بن دينار، قد وصف من غير واحد بالكذب، ووصف أيضا بكثرة الغلط (^١) ولكن العراقي بعد ذكر الوصف بالكذب في الإجمال، اقتصر في التفصيل على الوصف بتهمة الكذب فقط، وهي أخف من الوصف بصريح الكذب، كما هو معلوم.\nو«الخصيب بن جحدر» وصفه أيضا غير واحد بالكذب (^٢)\nفوصف العراقي له في التفصيل بتهمة الكذب فقط توسع بدون مستند. وأما المجهول الذي أشار إليه العراقي فهو النضر بن شُفَى، وقد جاء في ترجمة «الخصيب» السابق أن «النضر» هذا لا يُدرى من هو؟ وكذا وصفه ابن القطان بأنه مجهول جدا (^٣)\n- يلاحظ كذلك أن العراقي في مستخرجه هذا لم يقتصر على الأحاديث المرفوعة، ولكن روى بإسناده أحد الآثار المعضلة جدا، لكونها من رواية مالك ابن أنس ﵁ بلاغا عن سيدنا عيسى ﵇، وهي من الاسرائيليات، وإن كانت صحيحة المعنى، لكن سندها إلى عيسى معضل ظاهر الإعضال، ولعل هذا مما جعل العراقي لا ينبه على ضعفها لظهوره. لكن كان الأولى عدم ذكرها حتى لو كانت من أمالي الرافعي المستخرج عليها، فقد ذكر الخطيب أنه مما يجتنب ذكره في الأمالي: الاسرائيليات (^٤).\n- أيضا فإن العراقي عنى بضبط وشرح ما جاء من الألفاظ الغريبة في بعض\n_________\n(^١) اللسان ٢/ ت (٩١٨) والتهذيب ٢/ ت (٥٠٢).\n(^٢) ينظر اللسان ٢/ ت (١٦٣١).\n(^٣) اللسان ٦/ ت (٥٧١).\n(^٤) ينظر التدريب ٢/ ٥٨٠: ٥٨١.","vol":"5","page":2098},{"text":"الأحاديث التي أملاها، وهو لفظ (الشجنة) وبين الراجح في ضبطه. وهذا من المطالب العلمية الهامة التي يطلب تحققها في الأمالي (^١).\n١٠ - أورد العراقي في خاتمة هذا المجلس ثلاثة أبيات شعرية من نظمه، في معنى الرحمة التي اشتمل المجلس على الأحاديث المتعلقة بها، لاشتمال أوائل كلمات الفاتحة على (الرحمن والرحيم). فدل ذلك على ما قدمته عن شخصية العراقي العلمية من تمتعه بموهبة شعرية بجانب اختصاصه الحديثي، وأيضا في ذكره لهذه الأبيات توفية بما استحسنه المحدثون من ختم مجلس الإملاء ببعض الإنشادات الشعرية المفيدة (^٢).\n١١ - في هذا المجلس أيضا أورد العراقي بعض الروايات من مصادر حديثية، تعتبر حتى الآن مفتقدة أو عزيزة النسخ الخطية، فقد ذكر إحدى الروايات من مسند محمد بن يحيى بن أبى عمر العدني (ت ٢٤٣ هـ) (^٣) وقد كان في حياة العراقي موجودا بعض نسخه الكاملة، حتى أتيح للحافظ ابن حجر قراءة معظمه على شيخه العراقي، ثم أخرج زوائده ضمن كتابه المطالب العالية (^٤) لكننا اليوم لا نعرف له نسخة خطية في مكتبات المخطوطات عموما المفهرسة. كما ذكر أيضا إحدى الروايات من كتاب فوائد أبي الحسن علي بن الحسن الخلعي المتوفى سنة ٤٩٢ هـ (^٥) ونسخها الخطية تعتبر عزيزة المنال حاليا.\n_________\n(^١) ينظر تدريب الراوي ٢/ ٥٨٠.\n(^٢) ينظر التدريب ٢/ ٥٨١.\n(^٣) السير ١٢/ ٩٦.\n(^٤) مقدمة المطالب العالية/ المسندة بتحقيق الأخوين الكريمين/ غنيم عباس، وياسر إبراهيم ١/¬٤٧، ٥٠.\n(^٥) تذكرة الحفاظ ٤/ ١٢٣٠.","vol":"5","page":2099},{"text":"<span data-type='title' id=toc-631>أثر المستخرج على أمالي الرافعي فيما بعده</span>\n١ - يعتبر أكثر هذا المستخرج مفتقدا حاليا، بحيث لم أجد شيئا من نسخه الخطية بعد البحث الموسع سوى المجلس السابق دراسته، وثلاث صفحات من بداية مجلس آخر.\nولكن كلا المجلسين جاء في افتتاحهما عبارة «حدثنا شيخنا أبو الفضل عبد الرحيم، زين الملة والدين … الخ».\nفدل ذلك على أنه قد حضر سماع تلك الأمالي وتحملها عن العراقي جماعة من المختصين بالحديث والمهتمين بتحمله بإسناده، ولاسيما العالى منه، سماعا وكتابة حتى عصر العراقي هذا، وعن هؤلاء أنتشرت تلك المرويات فيمن بعدهم.\nوفي مقدمة هؤلاء الحافظ ابن حجر الذي قرأ على العراقي أكثر أماليه، واستملى عليه كثيرا منها، وكتب عنه بعضها كذلك، وكتب غيره أيضا من شيوخ السخاوي صاحب فتح المغيث (^١) وكذا ولي الدين أحمد بن الحافظ العراقي، حيث كان هو المعين رسميا للاستملاء على والده، وفي غيبته كان يستملى غيره وغير ابن حجر (^٢)\n٢ - ومن آثار تلك بعض النقول التي وقفت عليها.\nفقد أورد السيوطي في الجامع الصغير حديث «استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولن يحافظ على الوضوء إلا مؤمن».\n_________\n(^١) ينظر الجواهر والدرر للسخاوي ١/ ١٣٧، ٢٧١ - ٢٧٣ والمجمع المؤسس لابن حجر ٢/ ١٨٧.\n(^٢) المجمع المؤسس ٢/ ١٨٧.","vol":"5","page":2100},{"text":"وعزاه إلى أحمد في مسنده (^١) وابن ماجه (^٢) والحاكم (^٣) والبيهقى (^٤) عن ثوبان، وعزاه إلى ابن ماجه (^٥) والطبراني عن عبد الله بن عمرو، وإلى الطبراني (^٦) عن سلمة بن الأكوع.\nورمز له بالصحة (^٧).\nورواية الحديث عن ثوبان التي عزاها السيوطي إلى أحمد ومن بعده إلى البيهقي قد رويت عند أربعتهم من طريق سالم بن أبي الجعد عن ثوبان به وقال الحاكم هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، ولست أعرف له علة يعلل بمثلها مثل هذا الحديث إلا وهم من أبي بلال الأشعري وهم فيه على أبي معاوية - ثم أخرج رواية أبي بلال هذه. ولم يتعقب الذهبي الحاكم في هذا التصحيح في مختصره للمستدرك. ولكن ذكر في غيره ما يتعقب به، كما سيأتي. فإن المناوى في فيض القدير عند شرحه لهذا الحديث، ذكر تصحيح الحاكم السابق ونقل عن المنذري قوله: إسناد ابن ماجه (^٨) وقال: وقال الذهبي في المهذب - يعنى مختصر سنن البيهقي - صحيح خرجه ابن ماجه من حديث منصور عن سالم - وهو لم يدرك ثوبان (^٩)\n_________\n(^١) المسند ٥/ ٢٧٦ - ٢٧٧.\n(^٢) السنن لابن ماجه - الطهارة - حديث (٢٧٧).\n(^٣) المستدرك - الطهارة - ١/ ١٣٠.\n(^٤) البيهقي في الكبرى ٢/ ٨٢، ٤٥٧.\n(^٥) السنن - الطهارة/ حديث (٢٧٨).\n(^٦) في الكبير (ح ٦٢٧٠).\n(^٧) الجامع مع الفيض ١/ حديث (٩٩٤).\n(^٨) الترغيب والترهيب للمنذري - الطهارة/ حديث (٣١٣) ط دار الحديث\n(^٩) ينظر المهذب في اختصار سنن البيهقي للذهبي الطهارة فضيلة الوضوء وإسباغه ١/ حديث (٣١٠)","vol":"5","page":2101},{"text":"ثم قال المناوي: وقال الحافظ العراقي في أماليه: حديث حسن، رواته ثقات إلا أن في سنده انقطاعا بين سالم وثوبان كما قال ابن حبان (^١).\nثم ذكر المناوى أن سند الحديث عن عبد الله بن عمرو قال فيه مغلطاي: لا بأس به.\nثم قال: قال الدميرى: ذكره - يعنى الحديث - الرافعي في المجلس العشرين في أماليه، وقال ما ملخصه: إنه حديث ثابت (^٢).\nفمن كلام الدميرى هذا يستفاد أنه وقف على المجلس العشرين من أمالي الرافعي التي استخرج عليها العراقي، وقد قام بتلخيص ما فصله الرافعي من الكلام في درجة الحديث، وأفاد بما فصله أن الحديث ثابت - يعنى بمجموع طرقه عن ثوبان وغيره. ثم إن الدميرى ممن تتلمذ للعراقي أيضا (^٣).\nوعندما نراجع عدد كلمات سورة الفاتحة - بالمكرر منها نجد أن الكلمة رقم (٢٠) هي كلمة ﴿المستقيم﴾ فيوافقها بداية لفظ هذا الحديث وهو «استقيموا … .».\nومقتضاه أن ما نقله المناوى أولا وعزاه إلى أمالي العراقي أنه قال: حديث حسن الخ. قد أخذه من المجلس العشرين أيضا من مستخرج العراقي هذا على أمالي الرافعي.\n_________\n(^١) ينظر الإحسان ٣/ (١٠٣٧).\n(^٢) ينظر فيض القدير ١/ ٤٩٧ حديث (٩٩٤).\n(^٣) هو محمد بن موسى بن عيسى، الدميري الأصل القاهرى الشافعي توفى سنة ٨٠٨ هـ/ الضوء اللامع ١٠/ ٥٩ وحاشية المجمع المؤسس للعراقي/ مخطوطة دار الكتب المصرية برقم (٤٥٣) / ص ١٧٧ والمنهل الصافي لاين تغر برد ٢/ ٣١٢/ ب.","vol":"5","page":2102},{"text":"ويعتبر هذا المجلس ضمن المفقود حاليا من هذا المستخرج، ولكن نقل المناوي المذكور عنه يفيد أن بعض نسخه الخطية كانت موجودة، ومستفادا منها حتى عصر المناوي صاحب فيض القدير والمتوفى سنة ١٠٣١ هـ.\nكما يلاحظ أن حكم العراقي بالتحسين للحديث مع بيان انقطاع الإسناد بين سالم وثوبان، يخالف إطلاق الحافظ المنذري قبله الحكم بتصحيح إسناد ابن ماجه، من هذا الطريق، وكذلك إطلاق الحاكم تصحيحه على شرط الشيخين من الطريق نفسه كما تقدم.\nويوافقه في الحكم بانقطاع هذا الطريق المتقدمون، كابن حبان الذي صرح بالنقل عنه، والمعاصرون له كالذهبي فيما تقدم نقله عنه (^١) أما حكمه بتحسين الحديث فلأجل متابعة لسالم عن ثوبان، أخرجها ابن حبان في الموضع الذي ذكر فيه ما نقله عنه العراقي من انقطاع طريق سالم عن ثوبان كما تقدم (^٢) وفي سند المتابعة «عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان» وهو ممن يحسن حديثه (^٣).\nوأما من صحح الحديث فقد راعى بقية طرقه عن غير ثوبان من الصحابة (^٤).\n_________\n(^١) وينظر تحفة التحصيل لأبي زرعة ابن العراقي/ ١٢٠ ط دار الرشد.\n(^٢) ينظر الإحسان ٣/ حديث (١٠٣٧).\n(^٣) ينظر الكاشف ١/ ت (٣١٥٨) والتقريب (٣٨٢٠).\n(^٤) ينظر التعليق على الإحسان ٣/ حديث (١٠٣٧) وعلى مسند أحمد ٢٧/ ٦٠ - ٦٢ حديث (٢٢٧٨).","vol":"5","page":2103},{"text":"<span data-type='title' id=toc-632>٢ - كتاب المستخرج على المستدرك على الصحيحين للحاكم أبي عبد الله</span>\nفي مقدمة من ذكر هذا الكتاب وسماه باسم «المستخرج على المستدرك» هو الحافظ العراقي نفسه، وذلك في ترجمة «عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب القرشي» من كتابه «ذيل الميزان» حيث أخرج الحاكم من طريقه عن مقسم عن ابن عباس عن النبي ﷺ في الذي يأتي امرأته وهي حائض، قال: يتصدق بدينار أو بنصف دينار، وصححه ووصف عبد الحميد هذا بأنه ثقة مأمون (^١) وقال العراقي: وقد صححه الحاكم وأبو الحسن بن القطان، وضعفه الجمهور كما قلته في المستخرج على المستدرك (^٢).\nفمن ذلك عرفنا أن العراقي سمى كتابه هذا باسم «المستخرج على المستدرك» وعرفنا أنه أنجز منه على الأقل - من أوله إلى الموضع الذي أخرج الحاكم الحديث المذكور فيه وهو أواخر كتاب الطهارة (^٣).\nكما يستفاد من ذكره هذه الإحالة عليه في كتاب ذيل الميزان أنه وصل فيه إلى هذا الموضع قبل كتابته هذه الترجمة من كتاب الذيل، وهي تقع في ثلثه الأخير تقريبا.\nوتأليف كتاب الذيل متقدم على تاريخ شروع العراقي في أماليه المصرية سنة ٧٩٥ هـ كما تقدم تحقيقه عند الكلام على أماليه.\nومقتضاه أنه فرغ من هذا القدر المحال عليه من المستخرج قبل شروعه في\n_________\n(^١) المستدرك - الطهارة ١/ ١٧٢.\n(^٢) ذيل الميزان/ ترجمة (٥١٥) ط جامعة أم القرى.\n(^٣) ينظر المستدرك مع تلخيصه للذهبي ١/ ١٧٢.","vol":"5","page":2104},{"text":"إملائه على الأقل، ولم يبين لنا العراقي في كلامه السابق مقدار ما أنجزه من هذا المستخرج بعد هذا الموضع الذي أحال عليه وهو أواخر كتاب الطهارة الذي يعتبر ثالث كتب المستدرك بعد كتابي الإيمان والعلم.\nلكن الحافظ ابن حجر وهو الذي خبر جميع أمالي شيخه، سماعا وكتابة، قد فصل الأمر فيها، فذكر أماليه المستخرجة على أمالي الرافعي، وأتبعها بقوله: ثم شرع في الإملاء من تخريج المستدرك، فكتب منه قدر مجلدة، إلى أثناء كتاب الصلاة، أملى ذلك في نحو ثلاثمائة مجلس، من أول السادس عشر بعد المائة، إلى آخر السادس عشر بعد الأربعمائة، لكن مجلس ٤٠٨ و٤١٣ إلى آخر مجلس (٤١٦) من الأمالي، ليست من المستخرج (^١).\nوبذلك يكون مجموع ما أملاه العراقي من هذا المستخرج (٢٩٨) مجلسا، فهي نحو ثلاثمائة كما ذكره الحافظ في بداية كلامه. وهي تمثل معظم أمالي العراقي عموما كما ترى.\nوقد ذكر ابن فهد مثل التفصيل السابق من ابن حجر، لكنه حدد عدد أمالي المستخرج على المستدرك بـ «٣٠١» مجلس (^٢)، وهي لا تكون كذلك مع استثناء المجالس الأربعة التي اتفق مع ابن حجر في استثنائها (^٣). والحافظ ابن حجر مقدم في هذا، لما قدمته من خبرته الوطيدة بتلك الأمالي. ويتفق معه\n_________\n(^١) ينظر المجمع المؤسس لابن حجر/ مخطوط ص ١٧٧ والمطبوع ٢/ ١٨٥ بتحقيق الأخ الدكتور يوسف مرعشلي.\n(^٢) ذيول تذكرة الحفاظ/ ٢٣٣.\n(^٣) وذلك لكى يكون العدد هكذا من ٤١٦ - ١١٥ = ٣٠١ مجلس. أما مع استثناء المجالس الأربعة، وهي ٤٠٨، ٤١٤، ٤١٥، ٤١٦، فيكون العدد المحدد لها هكذا، ٣٠١ - ٤ = ٢٩٨ مجلسا.","vol":"5","page":2105},{"text":"في جملة التفاصيل تلميذه السخاوى (^١) وفي تحديد العدد الإجمالي للأمالي أبو زرعة ابن العراقي (^٢) وقد وجدت الزبيدي في شرحه للإحياء يقول: قرأت في إصلاح المستدرك للحافظ العراقي، بخطه … وذكر حديث صفوان عسال: ما من خارج يخرج من بيته في طلب العلم (الحديث)» (^٣) وقد أخرجه الحاكم في المستدرك (١/ ١٠٠)، وسيأتي بقية كلام الزبيدي عنه في أثر الكتاب فيمن بعده.\nوالمقصود هنا بيان تسمية الزبيدى لهذا المستخرج باسم «إصلاح المستدرك» وقد صرح بأن النسخة التي وقف عليها هي بخط العراقي مؤلف الكتاب، وقد سبق تصريحه بتسميته بـ «المستخرج على المستدرك» فإن كان الزبيدي وجد هذه التسمية على النسخة فلعلها كتبت من بعض من اطلع عليها غيره، أو لعل الزبيدي هو الذي أطلق عليه هذه التسمية لما رآه فيه من تعقبات العراقي المتعددة للحاكم، كما سيأتي في بقية كلامه. ويؤيد هذا أنه لم ينسب تلك التسمية إلى العراقي، ولا إلى غيره.\nوالراجح هي تسمية المؤلف العراقي له باسم «المستخرج على المستدرك» وقد وافقه على ذلك من حضر الإملاء وكتب منه، وهو الحافظ ابن حجر، كما تقدم، وهكذا جاءت التسمية في بعض المجالس الخطية التي وصلت إلينا كما سيأتي.\nويفهم مما تقدم أن العراقي لم يكمل هذا المستخرج، بل ولا أنجز منه إلا قدرًا\n_________\n(^١) الضوء اللامع ٤/ ١٧٥.\n(^٢) الجواهر والدرر ٢/ ٥٨٧.\n(^٣) إتحاف السادة المتقين ١/ ٩٦.","vol":"5","page":2106},{"text":"قليلا بالنسبة لكتاب المستدرك.\nفهو عبارة عن كتاب الإيمان وكتاب العلم، وكتاب الطهارة، وقريبا من نصف كتاب الصلاة وتوابعها التي تنتهي عند بداية كتاب الجنائز (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-633>أنموذج تحليلي من الكتاب.</span>\nإن البحث الموسع عن نسخ خطية لهذا الكتاب لم يوقفني منه إلا على قطعة يسيرة، عبارة عن سبعة مجالس فقط، من أثنائه، وجميعها مما أملاه العراقي بالمدرسة الفاضلية بالقاهرة (^٢).\nوهي مجالس متفرقة، أولها يعتبر المجلس (٢٦٢) من أمالي هذا المستخرج، وسقط بعده مجلسان (٢٦٣، ٢٦٤)، ويلى ذلك مجالس رقم (٢٦٥)، (٢٦٦)، (٢٦٧)، (٢٦٨) ثم سقط مجلسان (٢٦٩)، (٢٧٠) ثم يلي ذلك مجلس (٢٧١)، ثم سقط مجلس (٢٧٢) ثم يلي ذلك مجلس (٢٧٣). وبنهايته تنتهى هذه القطعة، وهي مخطوطة مصورة بمعهد المخطوطات بالقاهرة (^٣) ويوجد لهذه المجالس نسخة أخرى مخطوطة بمكتبة «ليدن» بهولندا، وطبعت هذه المجالس طبعة محققه على تلك النسخة، وقد رجعت إليها في دراستي لهذا المستخرج (^٤) مع مراجعة مخطوطة المعهد فيما أشكل.\nوكل مجلس من تلك المجالس يتضمن حديثا أو حديثين، من أحاديث.\n_________\n(^١) ينظر المستدرك ١/ ٣٣٩.\n(^٢) تنظر خطط المقريزي ٢/ ٣٦٦.\n(^٣) نسخة مصورة بمعهد المخطوطات بالقاهرة برقم [٣٨٩] حديث.\n(^٤) طبعة بتحقيق الأستاذ/ محمد عبد المنعم رشاد/ نشر مكتبة السنة بالقاهرة سنة ٠١٤١٠ هـ.","vol":"5","page":2107},{"text":"المستدرك في موضوع واحد.\nلكن إذا كانت أحاديث الموضوع أكثر، مع تعدد طرقها، ووجود اختلاف للعلماء والرواة فيها، فإن العراقي يقسم إملاءها إلى أكثر من مجلس، وذلك مثل أحاديث الجهر بالبسملة في الصلاة، فقد وجدت المجلس (٢٦٢) وهو الأول من تلك القطعة، يبدأ من أثناء الكلام على الخلاف على المعتمر بن سليمان، ومحمد بن أبي السرى في إسناد حديث أنس في الجهر بها، وقد أحال العراقي منه على بعض وجوه الخلاف التي قدم ذكرها في المجلس السابق عليه، وهو من المفتقد (^١)، وقد ابتدأ المجلس (٢٦٢) هذا بما نصه: «يقول: كاتبه العبد الفقير إلى الله تعالى: عبد القادر النعيمي، بسم الله الرحمن الرحيم، أخبرنا شيخنا العلامة أبو عبد الله، محمد بن عبد الرازق بن عبد القادر الأريحي، سماعًا، قال: حدثنا شيخنا العلامة شيخ الإسلام، حافظ الزمان، زين الدين أبو الفضل عبد الرحيم بن الحسين … . العراقي، عامله الله بلطفه، وعفا عنه بمنه وكرمه، إملاءا من لفظه وحفظه، يوم الثلاثاء ٢٨ من جمادى الأول سنة ٨٠٤ هـ بالمدرسة الفاضلية، بالقاهرة المعزية المحروسة، قال: واختلف على المعتمر بن سليمان وعلى محمد بن أبي السرى في إسناد الحديث المتقدم ومتنه، فقيل: عن ابن أبي السرى، وإبراهيم بن محمد الذارع (^٢) عن المعتمر عن أبيه عن أنس، في الجهر بها، كما تقدم (^٣) يعني في\n_________\n(^١) ينظر المستخرج للعراقي/ ٤٥.\n(^٢) هو إبراهيم بن محمد التيمي القاضي. كما في سند الدارقطني بالحديث في سننه ١/ ٣٠٨ - ٣٠٩/ حديث (٢٦).\n(^٣) ينظر المخطوط/ ص ٣ والمطبوع/ ٤٥.","vol":"5","page":2108},{"text":"المجلس السابق على هذا، وهو مفتقد، كما ذكرت آنفا.\nوقد تكررت افتتاحية المجلس السابقة، في بداية كل مجلس من تلك المجالس السبعة التي وجدت حاليا من هذا المستخرج. كما أن كل مجلس منها قد ختم بعبارة تتضمن الرقم المتسلسل لكل مجلس ضمن أمالي العراقي عموما، ورقم آخر يتضمن التسلسل للمجلس نفسه ضمن أمالي المستخرج على المستدرك.\nفالمجلس الثاني من تلك المجالس جاء في آخره ما نصه «آخر المجلس (٣٨١) من الأمالي وهو (٢٦٥) من المستخرج على المستدرك» (^١) والمجلس الأول من تلك المجالس يقابل في المستدرك ١/ ٢٣٣ - ٢٣٤/ كتاب الصلاة - حديث الجهر بالبسملة.\n\n<span data-type='title' id=toc-634>طريقة العراقي في الاستخراج والتخريج</span>\nأما طريقة الاستخراج، فهي أنه يروى الحديث بسنده عن شيوخه، بحيث يلتقى سنده مع سند الحاكم بالحديث، في شيخ الحاكم، أو فيمن فوقه، فيسمى الأول موافقة، ويسمى الثاني بدلا، مع العلو، كما هو مقرر في علم المصطلح (^٢) وسيأتي في التطبيق، وهذا هو الاستخراج، وهو المقصود الأصلى بالنسبة إلى أحاديث المستدرك، كما أن العراقي يعزو بعض الأحاديث أو الروايات من أحاديث المستدرك، أو ما يتعلق بها، إلى بعض المصادر الأصلية غير المستدرك كالمسانيد أو السنن، ثم يبين التقاء إسناد مؤلفيها مع\n_________\n(^١) ينظر المستخرج ص ٧٠.\n(^٢) فتح المغيث للسخاوي ٣/ ٣٤٥ - ٣٥٦ (العالي والنازل).","vol":"5","page":2109},{"text":"إسناده أيضا في شيخ مؤلف المصدر، أو فيمن فوقه، وهذا أيضا استخراج فرعى، جاء تبعا للاستخراج السابق الأصلى\nوفي كلتا الحالتين يبين العراقي ما حصل في إسناده هو من علو، بالنسبة الإسناد الحاكم، أو غيره من أصحاب المصادر الأخرى التي عزا إليها الحديث، ويذكر كون هذا العلو بدرجة، أو بدرجتين أو بثلاثة\nومن الروايات الفرعية ما يعزوه العراقي فقط إلى بعض المصادر الأصلية، دون بيان التقائه بسنده، هو، ولا علوه، وهذا هو التخريج المجرد، وهو أقل من الاستخراج في الجملة\nفمثال ما يجمع كلا من الاستخراج بنوعيه، والتخريج:\nأن العراقي في المجلس (٢٦٥) قال: أخبرني أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم الدمشقي بقراءتي عليه بها … . وساق سنده إلى أحمد ابن جعفر القطيعي ثنا عبد الله بن أحمد حدثني أبي ثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن عمرو بن مرة عن عاصم العنزى عن نافع بن جبير بن مطعم عن أبيه ﵁ (^١).\nثم ذكر (ح) التحويل وقال: وبه - يعني سنده السابق - قال أحمد ثنا يحيى ابن سعيد عن مسعر حدثني عمرو بن مرة عن نافع بن جبير بن مطعم عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول في صلاة التطوع: الله أكبر كبيرا، ثلاث مرات، والحمد لله كثيرا، ثلاث مرات (الحديث) (^٢)\nثم ذكر (ح) التحويل - وقال: وبه قال أحمد ثنا عبد الله بن محمد بن أبي\n_________\n(^١) ينظر مسند أحمد ٤/ ٨٥ حديث (١٦٧٨٤).\n(^٢) المسند ٤/ ٨٠ حديث (١٦٧٣٩).","vol":"5","page":2110},{"text":"شيبة - قال عبد الله بن أحمد: وسمعته من عبد الله بن محمد قال: ثنا عبد الله بن إدريس عن حصين عن عمرو بن مرة عن عباد بن عاصم عن نافع ابن جبير عن أبيه، وفيه: أن ذلك في صلاة الضحى (^١)\nثم قال العراقي: وأخبرني عاليا: الشيخ الصالح أبو محمد عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن نصر المقدسي ﵀ بقراءتي عليه بصالحية دمشق … . وساق سنده إلى الطبراني ثنا أبو مسلم الكشي ثنا أبو الوليد الطيالسي ثنا شعبة عن عمرو بن مرة، عن عاصم - رجل من عنزة - عن نافع ابن جبير بن مطعم عن أبيه ﵁ قال: رأيت رسول الله ﷺ دخل في صلاته فقال: الله أكبر كبيرا، ثلاث مرات (الحديث) (^٢)\nوبهذا نجد العراقي قد استخرج هذا الحديث بسنده إلى كل من شعبة ويحيى ابن سعيد القطان، ومحمد بن جعفر.\nثم قال العراقي: هذا حديث حسن، مشهور من رواية عمرو بن مرة.\nأخرجه أبو داود عن عمرو بن مرزوق عن شعبة.\nوعن مسدد عن يحيى بن سعيد (^٣)\nوأخرجه ابن ماجه عن محمد بن بشار عن محمد بن جعفر (^٤)\nفوقع لنا بدلا لهما (^٥)، وعاليا بالنسبة لرواية أبي داود الثانية، وعاليا\n_________\n(^١) في المطبوع والصبح، والتصويب من المخطوطة، ويؤيده التخريج، وليس هذا في رواية أحمد/ المسند ٤/ ٨٣/ حديث (١٦٧٦٠).\n(^٢) المستخرج على المستدرك للعراقي/ ٦١ - ٦٨ والمعجم الكبير للطبراني ٢/ حديث (١٥٦٨).\n(^٣) سنن أبي داود - الصلاة (٧٦٤).\n(^٤) سنن ابن ماجه - الصلاة (٨٠٧).\n(^٥) يعنى لأبي داود وابن ماجه، حيث يلتقي سند العراقي الأول والرابع مع سند أبي داود الأول، =","vol":"5","page":2111},{"text":"من طريقنا الثاني بالنسبة لرواية ابن ماجة\nثم قال العراقي: ورواه ابن حبان في صحيحه (^١)\nورواه الحاكم من ثلاثة طرق (^٢) أحدهما عن القطيعي، فوقع لنا موافقة له عالية بطريقنا الأول (^٣) وعاليا بدرجتين، من طريقنا الثاني (^٤) (^٥)\nثم قال العراقي: ورواه - يعنى الحاكم - أيضا من رواية وهب بن جرير، وآدم ابن أبي إياس، كلاهما عن شعبة. وقال - يعنى الحاكم -: وفي حديث وهب ابن جرير عن نافع بن جبير بن مطعم، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه (^٦)\nفيلاحظ أنه بين العلو في مستخرجه على أحد طرق الرواية الأصلية وهي رواية الحاكم عن القطيعي، كما بين علوه في الاستخراج على الروايات المتابعة لها عند أبي داود وابن ماجه.\nأما الروايات الأخرى فاكتفى بتخريجها بالعزو فقط مثل رواية الحاكم\n_________\n= في شعبة، وهو شيخ شيخ أبي داود. ويلتقى سند العراقي الثاني مع سند أبي داود الثاني في شيخ شيخه، وهو يحيى بن سعيد، ويلتقى سند العراقي الأول أيضا مع سند ابن ماجه في شيخ شيخه محمد بن جعفر.\n(^١) كما في الإحسان ٥/ حديث (١٧٧٩).\n(^٢) المستدرك (١/ ٢٣٥).\n(^٣) لالتقاء سند العراقي في الطريق الأول مع سند الحاكم في شيخه وهو القطيعي.\n(^٤) يعنى طريقه إلى الطبراني، حيث يلتقى سند العراقي مع سند الحاكم في شعبة، وشعبة هو شيخ شيخ الطبراني في هذا الحديث.\n(^٥) أما العلو بثلاث درجات: فينظر في المستخرج/ ٨٨ - ٩١، ١٢٠ - ١٢٨.\n(^٦) المستدرك ١/ ٢٣٥.","vol":"5","page":2112},{"text":"الأخيرة، ورواية ابن حبان في صحيحه، وروايات البخارى في تاريخه أيضا، حيث قال بعد ذكر الرواية الأخيرة للحاكم وتصحيحه لها!\nقلت: وأورد البخاري في تاريخه في ترجمة عاصم بن عمير العنزي، طرق هذا الحديث … الخ وساق مجمل تخريج البخارى لطرقه المختلفة (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-635>من بيان العراقي لدرجات الحديث، وللصناعة الحديثية، وموقفه من النقاد وقبله:</span>\nاهتم العراقي أيضا في هذا المستخرج ببيان درجات الأحاديث التي يوردها، سواء بالحكم بالصحة أو الحسن أو الضعف، تارة بالعزو لمن اشترط الصحة كابن خزيمة (^٢) وابن حبان (^٣)، وتارة بالنقل عمن خرج الحديث كالترمذي (^٤) والدارقطني والبيهقي (^٥).\nوتارة يحكم العراقي بنفسه بناء على تطبيق القواعد النقدية، وأقوال غيره من العلماء، وهذا ما يظهر فيه جهد العراقي، وشخصيته العلمية أكثر، كما عنى أيضا بجوانب أخرى من الصناعة الحديثية، مع بيان موقفه ممن سبقه من النقاد، كما يتضح من النماذج التالية:\nفمن ذلك أنه روى بسنده إلى شعبة عن عمرو بن مرة عن عاصم - رجل من\n_________\n(^١) ينظر/ المستخرج/ ٦٩ وتاريخ البخاري ٦/ ٤٨٨. وتنظر من أمثلة التخريج فقط أيضا/ المستخرج/ ٥٦ - ٥٧، ١١٧ - ١١٨.\n(^٢) المستخرج/ ١١٧ - ١١٨.\n(^٣) ينظر المستخرج ٦٨، ٩٧، ١٠٩.\n(^٤) ينظر المستخرج/ ٩١، ١١٧.\n(^٥) ينظر المستخرج/ ٥٧، ١١٧.","vol":"5","page":2113},{"text":"عنزة - عن نافع بن جبير بن مطعم عن أبيه ﵁ أنه رأى رسول الله ﷺ دخل في صلاته فقال: الله أكبر كبيرا، ثلاث مرات (الحديث).\nوحكم بأن هذا الحديث حسن مشهور من رواية عمرو بن مرة.\nثم ذكر أن البخاري أورد في تاريخه طرقا لهذا الحديث فيها خلاف على عمرو بن مرة في تسمية شيخه، هل هو عاصم العنزي، أو عباد بن عاصم، أو عمار بن عاصم، وذكر قول البخارى بأن تسميته «عمار بن عاصم» لا تصح. (^١)\nثم ذكر العراقي قول البزار عند ذكره هذا الاختلاف في الاسم: والرجل ليس بمعروف، وقول ابن المنذر: عباد بن عاصم، وعاصم العنزي، مجهولان لا يدرى من هما؟ (^٢)\nثم ذكر أن الدارقطني أيضا بسط هذا الخلاف في علله، وقال: والصواب قول من قال: عن عاصم العنزى عن نافع بن جبير، به.\nوأيد العراقي هذا بأن ابن حبان ذكر عاصما هذا في الثقات (^٣)، وأخرج الحديث باسمه هكذا في صحيحه (^٤).\nوبذلك أنهى العراقي عرض هذا الخلاف بترجيح في تسمية الراوى باسم (عاصم العنزى) ويدفع القول بتعدده، وبجهالته، وتقرير أنه محتج به بناء على إخراج ابن حبان لحديثه الذي معنا في صحيحه، مع ذكره له في الثقات.\n_________\n(^١) التاريخ الكبير ٦/ ٤٨٨.\n(^٢) الأوسط لابن المنذر ٣/ ٨٨ - ٨٩.\n(^٣) الثقات لابن حبان ٥/ ٢٣٨.\n(^٤) الإحسان ٥/ حديث (١٧٧٩).","vol":"5","page":2114},{"text":"ومعروف أن مثل هذا الخلاف، من باب العلل الدقيقة التي لا يخوض غمارها، ويفصل القول فيها، إلا جهابذة النقاد، وقد خاضه العراقي كما ترى، وخلص فيه بنتيجة راجحة في تقديره، مع تأيد ذلك بما توافر لديه من أقوال من سبقه من النقاد.\nومن ذلك أيضا أنه ساق رواية الطبراني لحديث جبير بن مطعم، وفيها بعد التعوذ من الشيطان الرجيم، من نفخه، ونفثه، وهمزه، قال: نفخه الكبر، ونفثه الشعر، وهمزه الموتة.\nثم عقب على ذلك بقوله: وما ذكر في آخر الحديث في تفسير: (نفخه، ونفثه، وهمزه) هو مدرج فيه، وهو قول عمرو بن مرة، كما هو مصرح به في مسند البزار، من رواية شعبة، وحصين، وفي سنن البيهقى (^١) من رواية أبي الوليد الطيالسي، عن شعبة والله أعلم (^٢).\nفبين بذلك وجود إدراج في متن الحديث مع عدم التصريح في رواية الطبراني بذلك، وأيد العراقي ذلك بما في غير الطبراني من مصادر الحديث.\nوعندما نراجع الحديث في طبعة الطبراني الحالية ٢/ (١٥٦٨) نجد فيها ما نصه «قال عمرو: نفخه الكبر …» الخ فلعل لفظ «عمرو» هذا سقط من نسخة العراقي التي نقل منها، وإلا لما احتاج إلى البحث في المصدرين المحال عليهما في تعقبه، وإثبات الإدراج على أساس ما جاء فيهما.\nومن ذلك أن العراقي روى بسنده إلى الأسود. وهو ابن يزيد - عن عمر ﵁ أنه حين افتتح الصلاة كبر، ثم قال: سبحانك اللهم وبحمدك …\n_________\n(^١) ينظر سنن البيهقي ٢/¬٣٥.\n(^٢) ينظر المستخرج/ ٦٣ - ٧٠.","vol":"5","page":2115},{"text":"(الحديث) وذلك من طريق البيهقي في سننه (^١)، ثم قال العراقي: وهو عند مسلم من رواية عبدة ابن أبي لبابة عن عُمر - ولم يسمع منه (^٢).\nوبالتأمل في صنيع العراقي هذا نجد أمرين:\nأحدهما: بيانه أن رواية الإمام مسلم لهذا الأثر عن عمر ﵁ منقطعة بين عبدة بن أبي لبابة وبين عمر، ومثله جاء عن المنذرى (^٣) والمزى (^٤) والعلائي (^٥) وخالفهم أبو زرعة ابن العراقي فقرر أن «عبدة» قد أدرك عمر ﵁ وأن مسلما اكتفى بالمعاصرة بينهما في إخراج هذا الحديث، على قاعدته (^٦)، وهذا معارض بأن شرط مسلم في الاكتفاء بالمعاصرة عدم وجود ناف الحصول اللقاء، وبالنسبة لعبدة هذا، نجد أن حبيب ابن أبي ثابت أكبر منه، ولم يدرك عمر ﵁ فعدم إدراك عبدة له من باب أولى، وهذا دليل تاريخي ينفى حصول اللقاء (^٧).\nالأمر الثاني: أن العراقي قدم على ذكر رواية الإمام مسلم المنقطعة رواية موصولة عن عمر ﵁ من غير طريق عبدة، ثم ذكر بعد ذلك عن الدارقطني قوله: إنها هي المحفوظة (^٨).\n_________\n(^١) سنن البيهقي ٢/¬٣٤ - ٣٥ وقال: أصح ما روى فيه هو هذا.\n(^٢) ينظر المستخرج/ ٧٩ - ٨٠ وصحيح مسلم ١/ حديث (٣٩٩) مكرر وعبارة (ولم يسمع منه) من كلام العراقي.\n(^٣) تحفة التحصيل لأبي زرعة ابن العراقي/ ٢٢٣/ بتحقيق الأخ الدكتور/ رفعت فوزى.\n(^٤) تهذيب الكمال ١٨/ ٥٤٢.\n(^٥) جامع التحصيل/ ٢٣١.\n(^٦) ينظر تحفة التحصيل لأبي زرعة/ ٣٢٣.\n(^٧) تنظر حاشية تحفة التحصيل/ الموضع السابق.\n(^٨) المستخرج/ ٨٢.","vol":"5","page":2116},{"text":"فأفاد بذلك انجبار رواية مسلم المنقطعة بتلك الرواية الموصولة عند غيره، وقد أخرجها أيضا الحاكم في المستدرك من تلك الطريق الموصولة وهي طريق الأسود بن يزيد عن عمر به، وصححها (^١) وكذا قال البيهقي عند تخريجها: وأصح ما روى فيه: الأثر الموقوف على عمر.\nثم إن العراقي بعد عزوه أثر عمر هذا إلى صحيح مسلم قال: وعزاه ابن العربي في العارضة للصحيحين (^٢) وليس عند البخاري (^٣)، فتعقب بذلك عزو ابن العربي هذا الأثر إلى الصحيحين معا.\nومن ذلك أن الحاكم أخرج من طريقين عن أنس ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يجهر في الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم. وقال الحاكم عن الطريقين: رواتهما عن آخرهم ثقات (^٤) ثم أخرج رواية ثالثة من طريق حميد عن أنس قال: صليت خلف النبي ﷺ وخلف أبي بكر وخلف عمر وخلف عثمان وخلف علي، فكلهم كانوا يجهرون بقراءة بسم الله الرحمن الرحيم، وقال الحاكم: إنما ذكرت هذا الحديث شاهدا لما تقدمه، [ففي] هذه الأخبار التي ذكرناها معارضة لحديث قتادة الذي يرويه أئمتنا عنه (^٥). وقد أخرج العراقي هذا الشاهد من طريق الحاكم (^٦) فيعتبر هذا مثالا لما قد\n_________\n(^١) ينظر المستدرك ١/ ٢٣٥.\n(^٢) ينظر عارضة الأحوذي بشرح الترمذي ٢/¬٤٢.\n(^٣) ينظر المستخرج/ ٨٢.\n(^٤) المستدرك للحاكم ١/ ٢٣٣ - ٢٣٤.\n(^٥) المستدرك ١/ ٢٣٤ وتحرفت في المستخرج إلى «خالف في».\n(^٦) ينظر المستخرج/ ٥١.","vol":"5","page":2117},{"text":"يرويه صاحب المستخرج من طريق صاحب الكتاب المستخرج عليه، لعدم توافر سند آخر له في مروياته (^١) ثم قال العراقي عقب كلام الحاكم السابق: قلت: وقد أنكر الحافظ أبو عبد الله الذهبي في مختصر المستدرك، إخراجه لهذا الطريق الأخير، فقال: أما استحى المؤلف أن يورد مثل هذا الموضوع؟ فأشهد بالله، ولله بأنه كذب (^٢).\nوعقب العراقي على قول الذهبي هذا بقوله: قلت: لم يبين الذهبي مستنده في أنه موضوع كذب؛ فإن كان لمخالفته لرواية الموطأ (^٣) عن حميد عن أنس قال: صليت وراء أبي بكر وعمر وعثمان، فكلهم كان لا يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم. فعلى (^٤) تقدير كونه مردودًا، فنهاية ما يمكن أن يقال: إنه شاذ ولا يلزم بالشذوذ، الحكم بأنه كذب موضوع، وقد أعل الشافعي رواية حميد هذه بأنه قد خالف مالكا فيها سبعة، أو ثمانية، لقيهم هو، موثقين (^٥) منهم: سفيان بن عيينة والفزاري والثقفي، قال: والعدد الكثير أولى بالحفظ من واحد، انتهى.\nثم قال العراقي: وإسماعيل بن أبي أويس (^٦) احتج به الشيخان، ولكن فيه.\n_________\n(^١) ينظر فتح المغيث للسخاوى ١/¬٤٤.\n(^٢) ينظر مختصر الذهبي للمستدرك مع المستدرك ١/ ٢٣٤.\n(^٣) ينظر الموطأ - الصلاة - حديث (٣٠) مع زيادة «إذا افتتح الصلاة».\n(^٤) كذا في المخطوط، وهو المستقيم.\n(^٥) في المطبوع من المستخرج/ ٥٤ تحريف صوبته من المخطوط. ومن نقل البيهقي في السنن ٢/ ٥٢ وفيها بدل «موثقين»: «متفقين» وهو الأقرب للسياق لكونه في الكلام على الاختلاف والاتفاق.\n(^٦) يعنى الراوى للحديث عن مالك في رواية الحاكم التي معنا/ ينظر المستخرج/ ٥١ - ٥٦.","vol":"5","page":2118},{"text":"تغفل، قال أحمد: لا بأس به، وقال ابن معين: صدوق ضعيف العقل، وقال أبو حاتم: محله الصدق، مغفل (^١).\nوأتبع العراقي ذلك بقوله: وقد قال الحافظ شمس الدين ابن عبد الهادي في تنقيح التحقيق (^٢): إن الحديث ثابت عن مالك، لكن سقط منه لفظ «لا» اهـ يعني قبل «يجهرون».\nوبهذا يتضح قوة موقف العراقي هذا في النقد المؤيد بالأدلة المعتبرة، في مواجهة الموقف المتشدد من الإمام الذهبي ﵀ في الجزم بكون هذا الحديث موضوعا مكذوبا، وتأكيده هذا الجزم بالقسم، دون ذكره دليلا علميا على ما يقول. فسبحان من لا يغفل ولا يسهو.\nكما يتضح لنا من أسلوب العراقي في النقد أنه مقتصر على الرد العلمي الملتزم بالموضوعية والهدوء في مواجهة الشدة الظاهرة. فليكن لنا في مثل موقف العراقي هذا وهو رائد مدرسة الحديث في عصره، ومصره، الأسوة الحسنة. ثم إننا عند المراجعة والموازنة نجد أن رفيق العراقي وهو جمال الدين الزيلعي (ت ٧٦٢ هـ) قد اقتصر في رده على قول الذهبي، بذكر قول ابن عبد الهادي فقط (^٣).\nأما سراج الدين عمر ابن الملقن (ت ٨٠٤ هـ) قرين العراقي، فإنه في مختصره لاستدراك الذهبي نقل كلامه السابق في الجزم بوضع الحديث، ثم لم يتعقبه بشيء (^٤).\n_________\n(^١) ينظر التهذيب ١/ ت (٥٦٨) وقال في التقريب (٤٦٠) صدوق أخطأ في أحاديث.\n(^٢) التنقيح ١/ ٣٦٦.\n(^٣) ينظر نصب الراية ١/ ٣٥١ - ٣٥٢ (الصلاة).\n(^٤) ينظر مختصر استدراك الذهبي لابن الملقن ١/ حديث ٤٧ بتحقيق تلميذي الفاضلين، =","vol":"5","page":2119},{"text":"<span data-type='title' id=toc-636>من مواقف العراقي في مستخرجه من الحاكم:</span>\nوصف العراقي الحاكم أبا عبد الله في غير هذا المستخرج بأنه متساهل في التوثيق (^١) وبأنه أشد تساهلا في التصحيح من ابن حبان (^٢) وهناك غير العراقي من انتقد الحاكم أيضا بأنه يخرج بعض الأحاديث ويقول: على شرط الشيخين أو أحدهما، ولم يخرجاه، ويكون الحديث بذلك اللفظ فيهما أو في أحدهما (^٣).\nلكن موقف العراقي السابق في الرد على الذهبي، فيه دفاع عن الحاكم، والذي وقفت عليه من مستخرج العراقي هذا، فيه تعقب منه أيضا للحاكم، في الجانبين المذكورين وغيرهما.\nفمن ذلك أن العراقي قال: ذكر الحاكم - رحمه الله تعالى - حديث أبي هريرة ﵁ قال: صلى بنا رسول الله ﷺ الظهر، فلما سلم، نادى رجلا كان في آخر الصفوف فقال: يا فلان، ألا تتقى الله، ألا تنظر كيف تصلى؟ (الحديث) من رواية محمد بن إسحق ثنا سعيد بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ وقال: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه بهذه السياقة (^٤).\nوعقب العراقي على ذلك بقوله: قلت: بل أخرجه مسلم، من رواية الوليد.\n_________\n= الدكتور/ سعد الحميد والدكتور عبد الله اللحيدان. ط دار العاصمة بالرياض.\n(^١) الجواهر والدرر للسخاوى ١/ ٨٣ بتحقيق الأخ الفاضل الأستاذ إبراهيم باجس.\n(^٢) ينظر فتح المغيث للعراقي ١/¬٢٠.\n(^٣) ينظر البحر الذي زخر للسيوطي ط مكتبة الغرباء ٢/ ٨٠٧ ونكت الزركشى ١/ ٢٠٠ - ٢٠١ ط أضواء السلف.\n(^٤) ينظر المستدرك ١/ ٢٣٥ - ٢٣٦.","vol":"5","page":2120},{"text":"ابن كثير قال: حدثني سعيد بن أبي سعيد المقبرى، مع خُلْفٍ في بعض ألفاظه (^١) وليس في رواية الحاكم زيادة إلا قوله: إن أحدكم إذا قام يصلى، إنما يقوم يناجي ربه، فلينظر كيف يناجيه.\nثم قال العراقي: وهذه الزيادة عند البخاري من رواية معمر عن همام عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: إذا قام أحدكم إلى الصلاة، فلا يبصق أمامه، فإنما يناجي الله ﷿، مادام في مصلاه (الحديث) (^٢) قال العراقي: فلا حاجة لاستدراكه (^٣).\nأقول: إن الحاكم قيد استدراكه بالسياقة التي ذكرها، وهي غير موجودة في الصحيحين ولا أحدهما، إلا مفرقة، ومع اختلاف في بعض الألفاظ، كما صرح العراقي بنفسه، وكما يلاحظ فعلا عند مراجعة ما أحال عليه العراقي في الصحيحين، وعليه فإن تعقب العراقي هنا للحاكم ليس في محله.\nومن تعقبه أيضا أنه عزا إلى الحاكم في المستدرك من طريق عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن عبيد الله بن عمر عن ثابت عن أنس أن رجلا كان يؤمهم بقباء، فكان إذا أراد أن يفتتح سورة يقرأ بها، قرأ قل هو الله أحد، ثم قرأ بالسورة (الحديث)، وذكر قول الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، قال: وقد احتج البخاري أيضا مستشهدًا بعبد العزيز ابن محمد، في مواضع من كتابه (^٤).\n_________\n(^١) صحيح مسلم - الصلاة/ حديث (٤٣٣).\n(^٢) صحيح البخاري مع الفتح ١/ حديث رقم (٤١٦).\n(^٣) ينظر المستخرج/ ٨٣ - ٨٤.\n(^٤) ينظر المستدرك ١/ ٢٤٠ - ٢٤١.","vol":"5","page":2121},{"text":"ثم تعقبه العراقي بقوله: قلت: إنما روى له البخاري مقرونا بغيره، فلا يقال: احتج به مستشهدا (^١)\nوهذا التعقب من العراقي فيه أمران:\nأحدهما: بيانه أن الاحتجاج بالراوي يكون في حالة إخراج الشيخين أو أحدهما حديثه مسندا بمفرده، دون عاضد يقويه.\nأما لو أخرجا أو أحدهما له في التعاليق فقط، أو في الأحاديث المسندة، لكن مع ذكر متابع مقرون به في ذات الإسناد، مثل فلان وفلان عن فلان، أو غير مقرون، مثل ذكر الراوي في طريق وذكر المتابع له في طريق آخر للحديث، مع اتفاقهما في الصحابي. فلا يعتبر الراوي في هذه الحالات محتجا به عندهما أو عند أحدهما.\nالأمر الثاني: تقرير العراقي أن المتابع لا يسمى شاهدا، لاتفاقه مع متابعه في الصحابي المروى عنه الحديث. والشاهد ما كان حديثه عن صحابي آخر، وهذا هو الأكثر وعليه الجمهور (^٢).\nلكن من يراجع المستدرك يجد أن الحاكم تارة يطلق المتابع والشاهد بالمعنى الذي أشار إليه العراقي والذي عليه الجمهور (^٣).\nوتارة يطلق كل منهما على الآخر وهذا عنده أقل من الأول (^٤).\n_________\n(^١) ينظر المستخرج/ ١١٨.\n(^٢) ينظر فتح المغيث للسخاوى ١/ ٢٤٠ - ٢٤٣.\n(^٣) ينظر المستدرك ١/¬٤٤، ٤٦، ٤٧، ٩٣، ٩٦، ٩٧، ١٤٠، ١٤١، ١٤٢، ١٦٦، ١٦٨، ١٧٦، ٢٦٠، ٢٦١، ٢٦٢، ٢٦٨، ٣٦١، ٥٧٥.\n(^٤) ينظر المستدرك ١/ ١٠٠، ١٦٥، ١٧٥، ٣٧٤، ٤٦٣.","vol":"5","page":2122},{"text":"وقد وجدته في صفحة واحدة يجرى على اصطلاح الجمهور، وعلى خلافه (^١) وقد صرح العراقي نفسه في ألفيته وشرحها، وكذا غيره من علماء المصطلح بجواز إطلاق المتابع على الشاهد وبالعكس (^٢)\nأما ما ذكره العراقي عن رواية البخاري للدراوردى فيتفق مع ما ذكره تلميذه ابن حجر، حيث ذكر أن البخاري روى له حديثين قرنه فيهما بغيره، وروى له أحاديث يسيرة أفرده؛ لكنه أوردها بصيغة التعليق في المتابعات (^٣) ومقتضى هذا أنه لم يتحقق فيه شرط احتجاج البخارى به على الوجه المعتبر، كما قدمت.\nلكن الحافظ ابن حجر بعد تفصيل روايات البخاري له كما تقدم قال: «واحتج به الباقون» يعنى بقية الأئمة الستة عدا البخاري، ومقتضى هذا أن مسلما قد احتج به، وبذلك لا يعتبر تعقب العراقي هذا قادحًا في قول الحاكم بأن الحديث المذكور صحيح على شرط مسلم.\nومن تعقباته للحاكم أيضا، أنه قد أخرج بسنده إلى يونس بن عبيد عن الزهرى، سمعت أبا الأحوص، مولى بنى ليث يحدثنا في مجلس ابن المسيب - وابن المسيب جالس - أنه سمع أبا ذر ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ: لا يزال الله ﷿ مقبلا على العبد ما لم يلتفت\n(الحديث) ثم قال العراقي: هذا حديث حسن، وبين علو سنده به.\n_________\n(^١) ينظر المستدرك ١/ ١٥٣.\n(^٢) فتح المغيث للعراقي ١/ ٩٤ - ٩٥. والتدريب ١/ ٢٨٣ - ٢٨٤.\n(^٣) ينظر هدى السارى/ ٤٣٠ وقد تعقبه الأخ الشيخ محمد عوامة في حاشية الكاشف ١/ ت (٣٤٠٧) بأن روايات البخاري له مقرونا أربعة، وليس حديثان فقط، كما ذكره الحافظ.","vol":"5","page":2123},{"text":"ثم قال: ورواه الحاكم من رواية الليث بن سعد عن يونس، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وأبو الأحوص هذا، مولى ليث، تابعي من أهل المدينة، وثقه الزهري، وروى عنه، وجرت بينه وبين سعد بن إبراهيم مناظرة في معناه (^١) وتعقب العراقي الحاكم بقوله: قلت: قال ابن معين فيه: ليس بشيء، وقال النسائي في الكنى: لم نقف على اسمه، ولا نعرفه، ولا نعلم أحدا روى عنه غير ابن شهاب الزهري، وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالمتين عندهم، وقال ابن القطان، لا يعرف له حال، ولا قضى له بالثقة قول الزهري: سمعت أبا الأحوص في مجلس سعيد بن المسيب، وذكره ابن حبان في الثقات، وأما المناظرة التي وقعت بين الزهري وبين سعد بن إبراهيم، فذكرها الحميدي عن ابن عيينة: أن سعد بن إبراهيم قال للزهري: من أبو الأحوص؟ كالمغضب (عليه) حين حدث عن رجل مجهول، فقال له الزهري: أما تعرف الشيخ مولى بني غفار، المدني؟ كان يصلي في الروضة، إنه الذي، وجعل يصفه له، وسعد لا يعرفه (^٢).\nفنلاحظ أن العراقي قد حسن هذا الحديث من طريق أبي الأحوص هذا، ثم ذكر تصحيح الحاكم له، وذكره توثيق الزهري لأبي الأحوص وروايته لهذا الحديث عنه، والإشارة المناظرة الزهري لمن جهل أبا الأحوص وتقريره أنه معروف عنده هو.\n_________\n(^١) ينظر المستدرك ١/ ٢٣٦.\n(^٢) ينظر المستخرج/ ٨٥ - ٨٨، وتهذيب التهذيب ١٢/ ت (١٥) والكنى لأبي أحمد الحاكم ١/ ت (٣٤٥)، والوهم والإيهام لابن القطان ٤/ ١٧٤ - ١٧٥ ومسند الحميدي ١/ حديث (١٢٨) والثقات لابن حبان ٥/ ٥٦٤.","vol":"5","page":2124},{"text":"ثم تعقب العراقي الحاكم بذكر ما يفيد تضعيف كل من ابن معين والحاكم أبو أحمد له، وما يفيد قول كل من النسائي وابن القطان الفاسي وسعد بن إبراهيم بجهالته، وذكر عن كل من ابن القطان وسعد بن إبراهيم ما يفيد رد مستند الحاكم في توثيق أبي الأحوص.\nثم أتبع العراقي ذلك بأن ابن حبان ذكر أبو الأحوص في الثقات. وعليه يكون حكم العراقي بتحسين الحديث فقط، بناء على أن مداره على أبي الأحوص، وأنه بحسب ما ذكره في حاله، يعتبر مختلفا فيه توثيقا وتجريحا بما لا يقتضي شدة ضعفه، دون ترجيح (^١).\nومقتضى هذا أنه يتعقب الحاكم في الحكم بصحة الحديث من طريق أبي الأحوص، ويرى إنزاله إلى درجة الحسن، لحال أبي الأحوص. لكن عند مراجعة ما قيل في حال أبى الأحوص، نجد أن توثيقه هو الراجح، لأن الزهري لم يقتصر على مجرد روايته عنه فقط، وإنما لما سأله عنه سعد بن إبراهيم بين له أنه يعرفه بنسبه إلى بنى غفار بالولاء، ويعرف سنه، وهو أنه حين سماعه منه كان شيخا، ووصفه كذلك بما يقتضي عدالته من المواظبة على العبادة، وعدد صفات أخرى له مؤيدة لهذا، وكون سعد - رغم هذا - لم يعرف أبا الأحوص، لا يضره، لأن الزهري إمام ناقد، وهو الذي روى عنه، وذكر ما يقتضى توثيقه عنده، فالعبرة بمعرفته له وتوثيقه، لا بجهالة غيره له،\n_________\n(^١) ومما يؤيد هذا، أن العراقي في بعض كتبه الأخرى يحسن الحديث، ويعلل ذلك بكون أحد رجال إسناده - لاسيما من عليه مداره. قد اختلف في الاحتجاج به/ ينظر مثلا قرة العين بالمسرة بوفاء الدين ص ٦٦ - ٦٧ ط دار الصحابة للتراث بطنطا، وبنحوه يقول ابن القطان الفاسي/ النكت على ابن الصلاح للعراقي ١/ ٣٨٦.","vol":"5","page":2125},{"text":"ولو كان معاصرا له كسعد بن إبراهيم، أو تاليا له كالنسائي.\nوقد اعتبر الحاكم مناظرة الزهري هذه توثيقا منه لأبي الأحوص، فقال كما تقدم: وثقه الزهري، وروى عنه.\nوبذلك يرد قول ابن القطان الفاسي: إن أبا الأحوص، لا يقضي له بالثقة لقول الزهري: «سمعت أبا الأحوص في مجلس سعيد بن المسيب»، لأن هذا ليس هو المستند الأساس في توثيقه، وإنما الأساس ما تقدم من مناظرة الزهري في التعريف به عينا وحالا، وهي كافية. على أن ابن عبد البر اعتبر إصغاء ابن المسيب إلى من يحدث في مجلسه، دليلا على إجلاله له (^١) فيعتبر هذا ردا آخر على قول ابن القطان السابق.\nأما قول ابن معين في أبي الأحوص: «روى عنه الزهري، ليس بشيء» فقد أجاب عنه ابن عبد البر أيضا بقوله: ليس لقول ابن معين أصل غير قول سعد ابن إبراهيم - يعني السابق جوابه، ثم قال: وقد تناقض ابن معين في هذا المعنى، لأنه قيل له: ابن أكيمة (^٢) لم يرو عنه غير ابن شهاب الزهري، فقال: يكفيك قول ابن شهاب: حدثني أكيمة، ويلزمه مثل هذا في أبي الأحوص (^٣).\nثم إن ابن حبان قد ذكره في الثقات (^٤) كما في كلام العراقي السابق، وأضاف الحافظ ابن حجر تخريج ابن حبان وابن خزيمة (^٥) حديثه هذا.\n_________\n(^١) ينظر التمهيد ١١/¬٢٢ - ٢٣.\n(^٢) يعنى «عمارة بن أكيمة» والتهذيب ٧/ ت ٦٦٧\n(^٣) الاستغناء ٢/ ت (١٣٠٣).\n(^٤) ينظر الإحسان حديثي (٢٢٧٣، ٢٢٧٤).\n(^٥) ابن خزيمة ١/ حديث (٤٨٢).","vol":"5","page":2126},{"text":"وبناء على ما قدمته يتضح رجحان توثيق أبي الأحوص، وبالتالي صحة الحديث من طريقه لا حسنه، الذي أنزله العراقي إليه كما تقدم.\nومن الأحاديث ما ذكر العراقي في مستخرجه هذا تصحيح الحاكم الإسناده، ثم تعقبه بتضعيفه، مؤيدا ذلك باتفاق العلماء على ضعف راويه الذي عليه مدار إسناده (^١).\nوبمثل هذا يتأيد تساهله في التصحيح كما تقدم.\nلكن هناك أيضا من الأحاديث ما ذكر العراقي تصحيح الحاكم له، ولم يتعقبه بشيء، فأفاد ذلك إقراره على تصحيحه (^٢).\nومنها ما حكم بصحته، وأتبع ذلك بتصحيح الترمذي له، ثم ذكر تصحيح الحاكم، مؤيدا له (^٣).\nوبذلك يتضح أن العراقي تنوع موقفه من تصحيح الحاكم، بناء على ما استقر عليه الأمر عند الإمام الترمذي ومن بعده من إشهار والتزام القسمة الثلاثية للحديث إلى صحيح وحسن وضعيف، مع تفاوت أفراد كل قسم من الثلاثة.\n_________\n(^١) ينظر المستخرج ٧٤ - ٧٧ حديث حارثة بن محمد عن عمرة عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا افتتح الصلاة رفع يديه حذو منكبيه (الحديث).\n(^٢) ينظر المستخرج ٧٩ - ٨٠ حديث الأسود بن يزيد عن عمر ﵁، أنه حين افتتح الصلاة كبر، ثم قال: سبحانك اللهم وبحمدك (الحديث) مع المستدرك ١/ ٢٣٥ والمستخرج ٦٩ حديث وهب بن جرير عن نافع بن جبير بن مطعم عن أبيه أن النبي ﷺ كان إذا افتتح الصلاة قال: الله أكبر كبيرًا (الحديث) مع المستدرك ١/ ٢٣٥.\n(^٣) ينظر المستخرج ٨٨ - ٩٣ حديث زيد بن سلام عن أبي سلام حدثني الحارث الأشعري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: إن الله أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات (الحديث) مع المستدرك ١/ ١١٧ - ١١٨، ٤٢١ - ٤٢٢.","vol":"5","page":2127},{"text":"وهذا ما قرره في شرحه لألفيته في المصطلح بقوله عن تصحيح الحاكم: فالحق أن ما انفرد بتصحيحه يتتبع، بالكشف عنه، ويحكم عليه بما يليق بحاله، من الصحة أو الحسن أو الضعف (^١).\nوقد أشار الحافظ الذهبي في كلامه عن المستدرك إلى نحو هذا التقسيم لأحاديث المستدرك (^٢) لكنه في مختصره للمستدرك لا يتعقبه غالبا في تصحيحه ما يعتبر حسنا لذاته فقط عند أصحاب القسمة الثلاثية، مع أن الذهبي منهم.\nوقد ذكر الحافظ ابن حجر ما يمكن أن يوجه به عدم تعقب الذهبي للحاكم في هذا بمثل ما تعقبه العراقي، فقد ذكر الحافظ أن الحاكم ممن لا يفرق بين الصحيح والحسن، بل يجعل الجميع صحيحا، تبعا لمشايخه، ومن سبقه بهذا كابن خزيمة وابن حبان، وبالتالي لا يشاحح في هذا، ولكن يناقش فيما يصححه على شرط الشيخين أو أحدهما، ولا يكون كذلك، وهذا يعتبر عمدة مستدركه، كما هو معلوم (^٣) وقد تقدم للعراقي بعض تعقبه للحاكم في هذا أيضا.\n\n<span data-type='title' id=toc-637>مما يتعقب به العراقي في مستخرجه.</span>\nبجانب ما قدمته من جهود العراقي وإفاداته الحديثية المتعددة في هذا المستخرج، فإني قد وجدت بعض ما يتعقب به، مع قلته بجانب جهوده وإفاداته.\n_________\n(^١) ينظر فتح المغيث للعراقي ١/¬٢٠ وفي نكته على ابن الصلاح عزا ذلك إلى الشيخ بدر الدين ابن جماعة، وقال: وهذا هو الصواب/ التقييد والإيضاح مع مقدمة ابن الصلاح/ ٣٠.\n(^٢) السير ١٧/ ١٧٠ والنكت لابن حجر ١/ ٣١٤.\n(^٣) ينظر النكت على ابن الصلاح لابن حجر ١/ ٢٩٠ و٣١٧.","vol":"5","page":2128},{"text":"فمن ذلك أنه روى بسنده إلى الإمام أحمد في مسنده (^١) عن يحيى بن سعيد، بسنده إلى جبير بن مطعم أنه سمع رسول الله ﷺ يقول في صلاة التطوع: الله أكبر كبيرا (الحديث).\nثم أحال بسنده السابق إلى أحمد أيضا عن عبد الله بن محمد عن حصين، وقال عبد الله بن أحمد وسمعته (أنا) من عبد الله بن محمد، عن عبد الله ابن إدريس عن حصين عن عمرو بن مرة عن عباد بن عاصم عن نافع بن جبير عن أبيه، ثم قال العراقي: وفيه «أن ذلك في صلاة الضحى (^٢) وهذا سهو من العراقي ﵀ فليس في روايات أحمد في المسند ذكر «صلاة الضحى»».\nلكنها جاءت رواية للطبراني مختصرة من طريق حصين، به، ولم يذكرها العراقي، وهي بلفظ «أن جبير بن مطعم رأى النبي ﷺ يصلى الضحى (^٣). وجاءت أيضا في إحدى روايات البخاري في تاريخه ضمن الاختلاف الذي نقله منه العراقي بعد هذا الموضع فيما أملاه في المجلس نفسه» (^٤)\nومن المعروف أنه ﵀ كان يملى من حفظه، فلعل ذهنه سبق إلى الموضع الذي نقل منه من تاريخ البخاري، مع كونه لم يذكرها فيما نقله. وليس هذا الوهم اليسير مما يقدح فيما قد شهد للعراقي به، من الضبط التام.\n_________\n(^١) المسند ٤/ ٨٠ حديث (١٦٧٣٩) و٨٣/ حديث (١٦٧٦٠).\n(^٢) ينظر المستخرج/ ٦١ - ٦٣ وجاء في المطبوع «الصبح» بدل «الضحى»، والصواب ما أثبته كما في المخطوط، ويؤيده التخريج بعد هذا.\n(^٣) المعجم الكبير للطبراني ٢/ حديث (١٥٧١).\n(^٤) ينظر المستخرج/ ٦٩ مع البخاري في التاريخ ٦/ ٤٨٨.","vol":"5","page":2129},{"text":"لما كان ينقله أو يحدث به من حفظه إلى أن توقف عن ذلك قبيل موته، كما تقدم ذكره في موضعه.\n\n<span data-type='title' id=toc-638>سبق العراقي إلى الكتاب، ومميزاته وأثره فيما بعده.</span>\nمن مميزات هذا الكتاب إجمالا أنه يمثل القدر الأكبر من أمالي العراقي الحديثية وقد قال عنها الحافظ ابن حجر إنها كانت كثيرة الفوائد الحديثية، كما سبق ذكره، وأيضا فإن ولى الدين ابن العراقي، وهو ممن حضر تلك الأمالي واستملى الكثير منها على والده، وقد قال: إن أماليه كانت أكثر فائدة من أمالي ابن عساكر، لكون أكثرها مستخرجات على ما هو محتاج إلى الاستخراج عليه (^١).\nثم إنى بعد البحث، لم أجد من سبق العراقي إلى تأليف مستخرج على المستدرك، كما لا أعرف من نهض بعده بمحاولة إتمام ما بدأه، فصار بذلك رائدا لم يتكرر، وتحقق له بذلك إضافة جديدة لمسوغات ريادته لمدرسة الحديث في عصره عمومًا، يضاف إلى أولياته العلمية، وهي سبقه إلى تخريج أحاديث كتاب إحياء علوم الدين للغزالي، وإلى استخراجه على أمالي الرافعي، كما قدمت.\nوسيأتي في بيان أثر الكتاب، بيان السيوطي لمميزات تفصيلية المستخرج العراقي هذا على المستدرك.\nوتعتبر المجالس السبعة التي سبق ذكرها ودراسة نماذجها أكبر قدر أمكن الوقوف عليه - حتى الآن - من هذا المستخرج، وهي قليلة جدا بجانب المفقود منه.\n_________\n(^١) ينظر الجواهر والدرر ٢/ ٥٨٨.","vol":"5","page":2130},{"text":"لكن رغم هذا، نجد آثار ظاهرة للكتاب فيما بعده، سواء في علماء الحديث ومروياتهم، أو في المؤلفات الحديثية حتى الآن.\nفمن ناحية علماء الحديث ومروياتهم، كان هذا الكتاب كما قدمت يمثل القدر الأكبر من أمالي العراقي الحديثية التي أحيا بها عمليا المنهج الأول والطريقة العليا لتحمل السنة المطهرة وأدائها من فم قائلها، وحفظ صدره، إلى أذن سامعها، مع اتصال سنده العالي بها عبر تسعة قرون، حيث أداها العراقي بسنده العالي عن شيوخه فمن فوقهم إلى الرسول ﷺ في الغالب، وسمع ذلك جماعة الحريصين على الحضور من طلاب الحديث وحفاظه البارزين في عصر العراقي من المصريين وغيرهم (^١) سماعا مباشرا لما ألقاه هذا الحافظ الرائد المدرسة الحديث في عصره، مع تبليغ مستمليه أيضا عنه للسامعين، حتى لا يخفى أو يسقط شيء مما يخرج من فم الحافظ العراقي.\nوقد مر بنا في نماذج المجالس السبعة اشتمال نسختها الخطية على إثبات سماع أحد حفاظ الشام في عصره لتلك المجالس من لفظ العراقي، ثم تبليغه لغيره بالقراءة عليه، وهو العلامة القدوة شمس الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الرزاق بن عبد القادر الأريحي - نسبة إلى «أريحا» بلاد الشام حينذاك - وتعتبر حاليا من بلاد فلسطين، وينسب العلامة شمس الدين هذا أيضا إلى دمشق، وقد جاء في ترجمته أنه قدم مصر، وكتب عن الزين العراقي مجالس من أماليه، وقد أرخت وفاته سنة ٨٧٤ هـ (^٢).\n_________\n(^١) مثل الحافظ ابن حجر، والبرهان الحلبي المعروف بسبط ابن العجمي وينظر الضوء اللامع للسخاوى (٤/ ١٨٦، ٢٠٤) (٥ - ١٦١).\n(^٢) ينظر الضوء اللامع للسخاوى ٨/ ٥٤.","vol":"5","page":2131},{"text":"وبذلك انتشرت تلك الأمالى من مستخرج العراقي هذا، داخل مصر وخارجها، واصلة الماضي بالحاضر، جامعة بين علو الإسناد، وإحياء أصول الرواية الأولى، وبين التطبيق العملى للقواعد النقدية للرواة ومروياتهم.\n٢ - أما أثر المستخرج في المؤلفات الحديثية من بعده، فيظهر أنموذجه فيما وقفت عليه من نقول متفرقة في بعض المصادر الحديثية المتداولة حتى الآن. وأغلب تلك النقول، قد لاحظت أنها من غير المجالس السبعة التي سبق دراسة نماذجها.\nأ - وفي مقدمة ذلك، ما وجدته عند أبرز من حضر تلك الأمالي، واستملى على شيخه منها، وهو الحافظ ابن حجر.\nفقد ذكر في كتابه (بذل الماعون في فضل الطاعون) من طريق أبي بلج عن أبي بكر بن أبي موسى، عن أبي موسى الأشعري، ﵁ أن رسول الله ﷺ قال عن الطاعون: «هو وخز أعدائكم من الجن، وهو لكم شهادة». وذكر ضمن تخريجه أن الحاكم قد أخرجه في كتاب الإيمان من المستدرك (^١) من طريق أبى بلج، وقال: صحيح على شرط مسلم.\nثم قال ابن حجر: وتعقبه شيخنا في أماليه على المستدرك، فقال: لم يحتج مسلم بـ «أبى بلج» وإنما روى له أصحاب السنن، ولكن للحديث طرق يرتفع بها إلى درجة الصحة … وذكر بقية تعقب شيخه في نحو ثلاثة أسطر (^٢).\nولما كان مقتضى تعقب العراقي هذا أنه يضعف الحديث من طريق أبي بلج،\n_________\n(^١) المستدرك ١/¬٥٠.\n(^٢) بذل الماعون لابن حجر/ ١١٦ - ١١٧ ط دار العاصمة.","vol":"5","page":2132},{"text":"وحده، فإن الحافظ تعقب شيخه في هذا ببيان أن مجموع ما جاء في حال أبي بلج يقتضي أن حديثه حسن لذاته، وليس ضعيفا، وبمجموع طرقه يرتقي إلى الصحة (^١).\nثم ذكر الحافظ بعد ذلك أيضا حديثا آخر متعلقا بالطاعون، ولكن الحاكم أخرجه في كتاب الجهاد من المستدرك، وقال صحيح الإسناد (^٢) ويبدو أن العراقي ذكر الحديث مع الحديث السابق ضمن أحاديث كتاب الإيمان، وتكلم عليه أيضا.\nفقال الحافظ: وقال لنا شيخنا الحافظ أبو الفضل بن الحسين، فيما أملاه، على المستدرك: هذا حديث رجاله ثقات … وساق بقية كلام العراقي عن ذلك، وتعقبه أيضا في بعض ما قاله (^٣).\nثم قال: وأنشد شيخنا في أماليه في معنى الحديث المذكور … وذكر بيتين من شعر العراقي (^٤).\nب - ومن ذلك أن فضيلة شيخنا الشيخ عبد الوهاب عبد اللطيف قد حقق كتاب تدريب الراوي للسيوطي، وجعل نسخة خطية بمكتبة الأزهر أصلا في التحقيق، وفي حاشية ص ٥٣ من تلك الطبعة جاء الآتي: -\nقال العراقي في مستخرجه على المستدرك ما نصه «لا يحل لطالب العلم أن ينقل عن المستدرك من النسخ التي لا يثق بها حديثا بصيغة الجزم، ولا نسخة\n_________\n(^١) بذل الماعون/ ١١٧ - ١١٨.\n(^٢) المستدرك ٢/ ٩٢.\n(^٣) بذل الماعون/ ١٢١ - ١٢٢.\n(^٤) بذل الماعون/ ١٢٢.","vol":"5","page":2133},{"text":"يوثق بها حينئذ لاسيما في هذا الزمان الذي كثر فيه أن ينسخ كتب العلم من ليس من أهل الملة» أهـ ومن خطه - يعني العراقي. نقلتُ، عن هامش الأصل (^١).\nومعنى هذا أن ناقل هذه الحاشية، قد وقف على نسخة المستخرج التي بخط مؤلفه العراقي، وذلك في عصر السيوطى المتأخر عن عصر العراقي كثيرا، حيث توفى السيوطى سنة ٩١١ هـ كما هو معلوم.\nوهذا النص ليس مذكورًا في المجالس السبعة السابق ذكرها. وهو يفيد عدم اطمئنان العراقي لنسخ المستدرك التي كانت تكتب في عصره بواسطة غير المسلمين، كما يشير إلى أنه كان يوجد بعض نسخ من المستدرك، كتبت في تاريخ متقدم على عصره، وأنه كان يعتمد على إحدى تلك النسخ الموثقة؛ لأنه كما مر بنا قد جزم بنسبة كثير من الأحاديث إلى المستدرك في مستخرجه هذا، وفي غيره من مؤلفاته. كما قام تلميذه ابن حجر بعمل أطراف المستدرك ضمن كتابه (إتحاف المهرة). ولم أجد من ذكر هذا التقويم العام لنسخ المستدرك الخطية غير العراقي، وكذلك تنبيهه إلى محاذير وجود ظاهرة نسخ كتب العلم الشرعي في عصره بواسطة غير المسلمين ويشابهه في عصرنا الحاضر قيام كثير من المستشرقين وأتباعهم بتحقيق ونشر كتب الحديث وتاريخ رواته.\nج - وقد ذكر السيوطى في شرح ألفيته مستخرج العراقي هذا بما يدل على اطلاعه تفصيلا عليه، وأثنى على مشتملاته، فقال: وأملى الحافظ أبو الفضل\n_________\n(^١) ينظر تدريب الراوى - بتحقيق شيخنا الشيخ عبد الوهاب عبد اللطيف ﵀ ط أولى سنة ١٣٧٩ هـ - نشر المكتبة العلمية - بالمدينة المنورة ص (٥٣).","vol":"5","page":2134},{"text":"العراقي عليه - يعنى المستدرك - مستخرجا، وصل فيه إلى أثناء الصلاة، حرر فيه الكلام على أحاديثه تحريرا بالغا (^١) ثم نقل بعد ذلك بعض نقول من تحريرات العراقي لدرجات أحاديث المستدرك، أحدها مما تضمنته المجالس السبعة (^٢).\nكما وجدت السيوطى نقل عن هذا المستخرج في شرحه لسنن أبي داود، وعنه نقل صاحب عون المعبود (^٣).\nد. تقدم أن الزبيدي شارح الإحياء ذكر كتاب المستخرج هذا باسم (إصلاح المستدرك) وقال إنه وقف عليه بخط العراقي (^٤) وقد توفى الزبيدي ﵀ سنة ١٢٠٥ هـ، ومعناه أن نسخة الكتاب التي بخط العراقي كما كانت متداولة في عصر السيوطي، فقد بقيت إلى عصر الزبيدي هذا الذي يعتبر قريبا على عصرنا الحالي سنة ١٤٢٢ هـ.\nثم نقل الزبيدي عن المستخرج رواية العراقي بسنده لحديث صفوان بن عسال في وضع الملائكة أجنحتها لطالب العالم، وذلك من طريق الإمام أحمد (^٥) ثم ذكر روايات الحاكم له، وكلامه عن الخلاف فيها رفعا ووقفا، وتصحيحا (^٦)\n_________\n(^١) البحر الذى زخر في شرح ألفية الأثر للسيوطى - ط مكتبة الغرباء الأثرية بالمدينة المنورة ٢/ ٨٢٣ بتحقيق الدكتور أبو أنس الأندونيسي ٢/ ٨٢٣.\n(^٢) ينظر البحر الذي زخر ٢/ ٨٢٦ - ٨٣٣ مع المستدرك للحاكم ١/¬٤، ٢٣٤.\n(^٣) ينظر العون ١٢/ ٤٣٠ حديث أبى هريرة: ما أدرى أتبع لعين هو أم لا؟ كتاب السنة - باب التخيير بين الأنبياء مع المستدرك ١/¬٣٦ وكشف الظنون ٢/ ١٠٠٥.\n(^٤) ينظر إتحاف السادة المتقين ١/ ٩٦.\n(^٥) ينظر المسند ٤/ ٢٤٠/ حديث (١٨٠٩٣).\n(^٦) ينظر المستدرك ١/ ١٠٠ - ١٠١ - كتاب العلم.","vol":"5","page":2135},{"text":"ثم قال الزبيدي: وقد أورد العراقي على الحاكم في هذا السياق ثمان مؤاخذات، تركتها خوف الإطالة والله أعلم (^١).\nوأقول ليته ﵀ علم أن تخوفه من هذه الإطالة قد أضاع علينا هذه الثروة العلمية الثمينة في النقد والتمحيص من العراقي لدرجة هذا الحديث وطرقه المختلف فيها عند الحاكم وغيره.\nهـ - سبق في النماذج التحليلية ذكر تعقب العراقي في مستخرجه للإمام الذهبي في وصف حديث أنس في إثبات الجهر بالبسملة بإسناد الحاكم أنه موضوع، وأن الحافظ ابن الملقن نقل قول الذهبي بالوضع وأقره.\nوعند تحقيق الأخ الدكتور سعد الحميد للقسم الأول من مختصر استدراك الذهبي لابن الملقن، نقل رد العراقي على الذهبي كما قدمته، ثم أتبعه بالدراسة الفعلية لإسناد الحاكم التي تؤيد رد العراقي (^٢) فيعتبر هذا امتدادا لتأثير آراء العراقي في مستخرجه، في الدراسات العلمية المعاصرة حول نقد وتمحيص أحاديث مستدرك الحاكم.\n_________\n(^١) الاتحاف ١/ ٩٦.\n(^٢) ينظر مختصر استدراك الذهبي لابن الملقن ١/ حديث (٤٧).","vol":"5","page":2136},{"text":"<span data-type='title' id=toc-639>٣ - مختصر كتاب، المائتين، من حديث أبي عثمان الصابوني </span>(^١)\n<span data-type='title' id=toc-640>نسبة الكتاب للعراقي وموضوعه وحجمه:</span>\nذكر الحافظ ابن حجر كتاب أبى عثمان الصابوني هذا ضمن مروياته عن شيخين من شيوخه مناصفةً، وقال: إن فيه مائتا حديث، ومائتا حكاية، ومائتا قطعة من الشعر (^٢) ونقل السيوطي (^٣) والزبيدي (^٤) منه بعض الأحاديث التي تدل على أن مؤلفه يخرج فيه الأحاديث بأسانيده عن شيوخه، ويتكلم على درجاتها، ولطائف إسنادها.\nوقد أورد الغزالي في الإحياء أنه رُوِيَ في خبر من طريق أهل البيت: إذا كان آخر الزمان خرج الناس إلى الحج أربعة أصناف (الحديث). فخرجه العراقي بالعزو إلى الخطيب (البغدادي) من حديث أنس، بإسناد مجهول (^٥) ثم قال: ورواه أبو عثمان الصابوني في كتاب «المائتين» فقال: تحج أغنياء أمتي للنزهة، وأوساطهم للتجارة، وفقراؤهم للمسألة (الحديث). ومن ذلك نفهم أن العراقي قد وقف على كتاب الصابوني هذا، ونقل منه\n_________\n(^١) هو إسماعيل بن عبد الرحمن بن أحمد، أبو عثمان الصابوني المحدث المفسر، الملقب بشيخ الإسلام، شهد له أعيان الرجال بالكمال في الحفظ والتفسير، وكان كثير السماع والتصانيف وتوفى سنة ٤٤٩ هـ/ السير ١٨/¬٤٠ وطبقات الشافعية للسبكي ٤/ ٢٧١.\n(^٢) ينظر المجمع المؤسس ١/ ٣١١ - ٣١٢، ٢/ ٦٤ والمعجم المفهرس/ كتاب (١٤٩٥).\n(^٣) الآلئ المصنوعة ١/ ٣١٠.\n(^٤) إتحاف السادة المتقين ٤/ ٤٣٢.\n(^٥) ينظر تاريخ بغداد ١٠/ ٢٩٦.","vol":"5","page":2137},{"text":"في تخريجه للإحياء، الذي يعتبر من أوائل مؤلفاته. ثم جاء الزبيدي في شرحه للإحياء، ونقل من الكتاب الحديث السابق بإسناد الصابوني، من ثلاثة طرق عن أنس ﵁، وذكر أن الصابوني بعد إخراج الحديث من تلك الطرق قال: هذا حديث غريب لم أكتبه إلا من هذا الطريق، عن هذا الشيخ. يعنى شيخه أبو سعد الرستمي (^١).\nوقال الزبيدي: وقد رأيت الحافظ العراقي اختصر «المائتين» في نحو عشر ورقات، فذكر هذا الحديث فيما رأيته بخطه (^٢).\nفلعل العراقي بعد اطلاعه على كتاب «المائتين» بدا له أن يختصره، فيحذف الحكايات والقصائد الشعرية أو الكثير منها، ويقتصر على ذكر الأحاديث بأسانيد الصابوني، ثم كلامه عن درجاتها، ولطائف أسانيدها بنحو كلامه عن الحديث السابق.\nوبذلك جاء هذا المختصر في نحو عشر ورقات، بخط العراقي، وقد وقف الزبيدي على تلك النسخة التي بخط العراقي ونقل منها، كما ترى. وقد توفى الزبيدي سنة ١٢٠٥ هـ.\nفدل هذا على وجود تلك النسخة حتى هذا العصر القريب، ولكني لم أقف عليها ولا على غيرها بعد البحث، كما أنى لم أجد من ذكر هذا الكتاب من مؤلفات العراقي غير الزبيدي في كلامه السابق، والموثق بالاطلاع على الكتاب بنفسه، ونقله منه، وبيان أن النسخة التي وقف عليها بخط العراقي نفسه.\n_________\n(^١) ينظر إتحاف السادة المتقين ٤/ ٤٣٢ كتاب الحج. والأنساب للسمعاني ٦/ ١٢٠ - ١٢١.\n(^٢) ينظر الإتحاف ٤/ ٤٣٢.","vol":"5","page":2138},{"text":"وعلى ضوء ما ذكره الزبيدي، فإن هذا الكتاب يعتبر من كتب التخريج بالعزو إلى الكتاب الأصلي وهو كتاب «المائتين» للصابوني، مع نقل الأحاديث منه بأسانيدها ومتونها، والكلام على درجاتها، كما في الحديث السابق.\nولعل ما كتبته هنا يحفز الباحثين من بعدي على اكتشاف هذا الكتاب، والإفادة منه، إن شاء الله.","vol":"5","page":2139},{"text":"<span data-type='title' id=toc-641>مما نسب خطأ إلى العراقي من كتب التخريج، جزء عوالى ابن الشيخة.</span>\nذكره صاحب كشف الظنون فقال: عوالى ابن الشيخة. وهو الإمام أبو الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن مبارك الغزى، المعروف بابن الشيخة المتوفى سنة ٧٩٩ هـ (^١)، تخريج شيخ الإسلام، الزين العراقي (^٢).\nوقد وجد من هذه العوالى نسخة خطية في المكتبة الأحمدية بحلب (^٣) في مجموعة برقم (٣١٠) مجاميع.\nوذكر مفهرس المكتبة أن هذا جزء فيه أحاديث عوال، وفوائد منتقاة من مسموعات أبي الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن المبارك القرشي - الشهير بابن الشيخة، تخريج الحافظ العراقي (^٤).\nولما يسر الله تعالى لى الاطلاع على صورة ميكروفيلمية لهذه النسخة، وجدت الكتاب منسوبا في عنوانه وفي نهايته إلى أبي زرعة أحمد بن الحافظ العراقي، وليس إلى والده، وقد نسبه إلى أبي زرعة أيضا الحافظ ابن حجر، ووصفه بأنه لطيف الحجم (^٥)، وهذا يطابق واقع تلك النسخة التي وقفت على صورتها، حيث تقع في نحو (٢٠) ورقة من الحجم الصغير.\nوعليه يكون ما جاء في كشف الظنون، وفي فهرس المكتبة الأحمدية، وما\n_________\n(^١) المجمع المؤسس لابن حجر ٢/ ١٠٧ - ١٠٨.\n(^٢) كشف الظنون ٢/ عمود (١١٧٨).\n(^٣) وألحقت حاليا بمكتبة الأسد في دمشق (المكتبة الظاهرية سابقا).\n(^٤) ينظر فهرس المجاميع بالمكتبة الأحمدية مخطوط مصور بمعهد المخطوطات بالقاهرة.\n(^٥) ينظر المجمع المؤسس ٢/ ١٠٨.","vol":"5","page":2140},{"text":"تابعها من نسبة هذا الجزء إلى الزين العراقي والد أبي زرعة، يعتبر خطأ مخالفا للواقع، ولما قرره الحافظ ابن حجر بناءً على اطلاعه على الكتاب.","vol":"5","page":2141},{"text":"<span data-type='title' id=toc-642>تأليف العراقي في كتب الأطراف والتعليق عليها</span>\n<span data-type='title' id=toc-643>أ - التعريف بكتب الأطراف، وأهميتها في التخريج.</span>\nبناء على ما وقفت عليه من كتب الأطراف مخطوطا، وما هو متداول بين أيدينا مطبوعا (^١) يمكن تعريفها - إجمالا - بأنها مؤلفات تتضمن أجزاء من متون الأحاديث الواردة في كتاب أو أكثر من كتب الحديث المسندة، سواء كان هذا جزء المتن المذكور طرفا من بداية المتن، أو من أثنائه، مع ذكر أسانيد تلك المتون مرتبة على مسانيد الصحابة، مع ترتيبهم في الذكر هجائيا، من الألف إلى الياء، حسب أسمائهم، ثم كناهم، ثم ذكر المبهم منهم مثل رجل، وامرأة، مرتبين هجائيا بحسب من روى الحديث عن هذا الصحابي المبهم، ثم ذكر الروايات المرسلة مرتبة بحسب ترتيب الرواة المرسلين لها على حروف المعجم، وفي كل ذلك يُذكر الرجال ثم يليهم النساء.\nومن هذا يظهر لنا أن تسمية تلك الكتب اصطلاحا بكتب «الأطراف»، ليس لكونها تقتصر على أطراف متون الأحاديث فقط، مثل بعض فهارس الكتب المعاصرة، ولكن لكون المقصود الأصلي منها هو الوصول إلى أطراف متون الأحاديث في المواضع المتعددة من كل كتاب، مع جمع طرق كل حديث في الكتاب أو الكتب بطريقة حاصرة، وبذلك تعتبر كتب الأطراف من كتب التخريج للسند والمتن بدقة.\nفمتى عرفنا الصحابي الراوي للحديث أمكن معرفة كل أحاديثه، سندا\n_________\n(^١) ينظر مثلا تحفة الأشراف للمزى من ١ - ١٣، أطراف مسند أحمد لابن حجر من جـ ١ - جـ ٩","vol":"5","page":2142},{"text":"ومتنا، مهما تعددت مواضعها في الكتاب أو الكتب التي خصص الأطراف أحاديثها تأليف معين.\n\n<span data-type='title' id=toc-644>ب - كتاب أطراف صحيح ابن حبان، للعراقي، وأهميته، وما أنجزه منه، وأوليته في ذلك.</span>\nوعلى ضوء ما تقدم تظهر فائدة تأليف كتاب في جمع أطراف صحيح ابن حبان، فإن طريقة تأليفه على تقاسيم خمسة للسنن، وتنويع لكل قسم منها إلى أنواع بلغ مجموعها أربعمائة نوع، قد جعل ذلك الكشف على موضع أو مواضع الحديث فيه يصعب على الكثيرين، بواسطة تقليب أوراق أجزائه الكثيرة، لاسيما قبل ظهور الطباعة والعناية بالفهرسة العامة لموضوعات كل كتاب.\nوقد شهد بهذه الصعوبة كثير ممن طالع صحيح ابن حبان ومارس الحاجة المتكررة إلى تخريج بعض الأحاديث منه كما سيأتي (^١).\nولاشك أن اشتغال العراقي بمؤلفاته المتعددة في علم التخريج، للأحاديث، قد أشعره بتلك الصعوبة، وقد مرت بنا بعض أمثلة فاته فيها تخريج بعض الأحاديث من صحيح ابن حبان مع وجوده فيه، واحتياج المقام إلى تقديمه على غيره في تخريج الحديث.\nفلعل ذلك مما حفزه إلى تأليف كتاب أطراف صحيح ابن حبان هذا، لتيسير تخريج الحديث منه بواسطة معرفة صحابي الحديث.\nوخير ما يوضح أهمية كتاب العراقي هذا بالنسبة لصحيح ابن حبان ما ذكره.\n_________\n(^١) وتنظر مقدمة الإحسان لابن بلبان ١/ ٧٩ وسير النبلاء ١٦/ ٩٢، ٩٧.","vol":"5","page":2143},{"text":"السيوطي، حيث قال: صحيح ابن حبان ترتيبه مخترع، ليس على الأبواب، ولا على المسانيد، ولهذا سماه «التقاسيم والأنواع» … . ثم قال: والكشف - يعنى الوقوف على موضع الحديث - من كتابه عسر جدا، ولهذا عمل له الحافظ أبو الفضل العرقي أطرافا، فأجاد كل الإجادة، لأن أحق ما عملت الأطراف لمثل هذا الذي لا تدرى مظنة الحديث منه البتة (^١).\nويلاحظ أن السيوطى لم يذكر من سبق العراقي إلى مثل هذا الكتاب، وهو من أهل الخبرة المعروفة في هذا، كما أنى رغم البحث الموسع لم أقف أيضا على من سبقه إلى مثله، رغم بالغ أهميته التي أشار إليها السيوطى كما ترى. فيضم هذا إلى أوليات العراقي السابقة من مؤلفاته. ولم أجد تسمية معينة للكتاب بغير «أطراف صحيح ابن حبان» وهذه تسمية عنوان فقط، اعتمادا على موضوع الكتاب، وبها سماه ابن فهد تلميذ العراقي أيضا، وقد تكلم على الكتاب بتفاصيل تفيد الوقوف عليه بنفسه أو بواسطة من وقف عليه، فقد ذكره ضمن مؤلفات العراقي التي لم تكمل فقال: «وأطراف صحيح ابن حبان، بلغ فيه إلى أول النوع الستين من القسم الثالث، … ثم ذكر أنه مسودة (^٢)، يعنى أنه لم يبيض، وذلك لكونه لم يكمل».\nومقتضى تحديد ابن فهد هذا لما وصل إليه العراقي في الكتاب، أنه أنجز منه قرابة ثلاثة أرباع الكتاب تقريبا، حيث لا يبقى من أنواعه الأربعمائة، كما قدمت إلا (١٢٠) نوعًا (^٣) وعلى ضوء ما قدمت من التعريف بكتب\n_________\n(^١) ينظر البحر الذي زخر للسيوطى/ ٤٣/ ب مخطوط دار الكتب المصرية.\n(^٢) ينظر ذيل التذكرة لابن فهد/ ٢٣٢ - ٢٣٣.\n(^٣) ينظر مقدمة ابن بلبان للإحسان ١/ ٨٩ - ١٣٧.","vol":"5","page":2144},{"text":"الأطراف يفهم أن العراقي قام بترتيب هذا القدر من كتابه على مسانيد الصحابة ﵃ مرتبين هجائيا، مع ذكر ما في القدر المذكور من صحيح ابن حبان، من أحاديث لكل صحابي، مع ذكر أسانيد ابن حبان بتلك الأحاديث وتحديد موضع، أو مواضع كل حديث بذكر القسم والنوع، مثل تحديد ابن فهد السابق مثلا، بالنوع الستين من القسم الثالث من الصحيح، وهكذا.\n\n<span data-type='title' id=toc-645>ظهور أثر فكرة الكتاب، رغم افتقاده حاليا:</span>\nولقد بحثت كثيرا عن نسخة خطية لهذا الكتاب من خلال فهارس المكتبات العالمية المنشورة، فلم أجد، كما لم أجد شيئا من النقول عنه، ويعتبر عدم إكمال العراقي له، وبقاء ما أنجزه منه في مسودته دون تبييض، من أقوى الأسباب لافتقاد نسخ الكتاب حاليا، وافتقاد النقول عنه.\nلكن رغم هذا فإن فكرة الكتاب لم تمت، بل قيض الله تعالى لها من ثمار غرس العراقي من حققها كاملة مع الزيادة عليها، وذلك أن أبرز تلاميذ العراقي وملازميه وهو الحافظ ابن حجر قام بتأليف كتابه الكبير «إتحاف المهرة بالفوائد المبتكرة بأطراف العشرة» وجعل من ضمن هذه العشرة أطراف صحيح ابن حبان، وإن كان لم يشر في مقدمته إلى تأليف شيخه العراقي هذا (^١) إلا أنه قد شرع في تأليف كتابه «الإتحاف» في حياة شيخه سنة ٨٠٢ هـ أي قبل وفاة العراقي بأربع سنوات، وأكمل منه إلى سنة ٨١٠ هـ أطراف الدارمي وابن\n_________\n(^١) ينظر إتحاف المهرة للحافظ ابن حجر ١/ ١٥٨ - ١٦٩.","vol":"5","page":2145},{"text":"خزيمة وابن حبان والحاكم والدارقطني وابن الجارود (^١)\nفأقل ما يذكر من أثر كتاب شيخه العراقي في هذا هو فكرة الكتاب، ويبعد عدم معرفة الحافظ بها من شيخه العراقي، نظرًا لطول ملازمته له، وكثرة قراءته عليه منذ سنة ٧٩٦ هـ وما بعدها إلى شوال سنة ٨٠٥ هـ، وهي أواخر حياة العراقي حيث توفي سنة ٨٠٦ هـ، كما هو معروف (^٢)\n\n<span data-type='title' id=toc-646>ج - حواشي العراقي على تحفة الأشراف للمزي</span>\n<span data-type='title' id=toc-647>١ - نسبتها للعراقي وتاريخ الفراغ منها، ومحتواها العام:</span>\nذكر هذه الحواشي الحافظان: ابن حجر، وولى الدين ابن العراقي، وكلاهما أكثر من اطلع عليها واستفاد منها.\nفالحافظ ابن حجر في مقدمة كتابه «النكت الظراف» ذكر من المصادر التي استفاد منها في كتابه: جزءًا جمعه العلامة مغلطاي بن قليج (المتوفى سنة ٧٦٢ هـ) وهو أحد شيوخ العراقي، وبين فيه ما وجده من أوهام للمزي في: تحفة الأشراف … .\nثم قال ابن حجر: ونقلت كثيرًا من هوامش نسخة شيخي حافظ العصر أبي الفضل، ثم وقع لي جزء لطيف بخط الإمام الحافظ القاضي ولي الدين، ابن شيخنا المذكور، جمع فيه بين حواشي والده، وبين جزء مغلطاي، وأضاف إليه من عمله هو شيئا يسيرا … .، ثم ذكر أن كتاب ولى الدين هذا يكون قدر العشر من كتابه «النكت الظراف» (^٣)\nوقد جاء بحاشية نسخة النكت الظراف قول ناسخها «عمر بن فهد المكي»\n_________\n(^١) ينظر مقدمة تحقيق الإتحاف ١/ ١٣٠.\n(^٢) ينظر ذيل الدرر الكامنة له/ ص ٧٢ مخطوط والمجمع المؤسس ٢/ ١٨٧ - ١٨٨.\n(^٣) مقدمة النكت الظراف مع التحفة ١/¬٥ - ٦.","vol":"5","page":2146},{"text":"إن الحافظ ابن حجر قال في أول نسخته المنقول منها: نقلته من حواشي نسختي من كتاب الأطراف للمزي في أواخر شهور سنة ٨٣٩ هـ، وكنت كتبت منه شيئا يسيرا في سنة ٨٠٥ هـ انتهى (^١).\nفمن مجموع ذلك يستفاد نسبة هذه الحواشي للعراقي، وتسميتها بالحواشي لكونها عبارة عن تعليقات متفرقة كتبها العراقي على حواشي نسخته من تحفة الأشراف.\nكما يستفاد أن فكرة كتاب ابن حجر «النكت الظراف» والشروع فيه كان في حياة شيخه العراقي، وأنه وقف على حواشيه هذه التي علقها على نسخته من التحفة، وسيأتي ما يفيد أن تعليق العراقي لتلك الحواشي كان سابقا على تاريخ شروع ابن حجر في نكته الظراف، وقد صرح في مقدمتها كما تقدم بأن ما نقله من تلك الحواشي كثير، ولذلك اكتفى بهذا التصريح في المقدمة عن العزو المتكرر خلال الكتاب، ولكنى وقفت على موضع في نحو منتصف الكتاب صرح فيه بالنقل عن شيخه العراقي (^٢) كما ذكر في مقدمة النكت كذلك بوقوفه على حواشي شيخه هذه مجموعة مع جزء مغلطاي في كتاب ولي الدين ابن العراقي، وسيأتي التعريف به (^٣).\nوقد ذكر الحافظ ابن حجر فيما تقدم أن كتاب ولى الدين هذا بالمقارنة بحجم كتابه هو، يكون قدر العشر، ولكن عند الوقوف على الكتابين نجد خلاف ذلك، فالنسخة الخطية لكتاب ابن حجر تقع في (١٧١) ورقة عدد\n_________\n(^١) حاشية النكت الظراف ١/¬٦ هامش رقم (١) وجـ ٢/¬٨ من مقدمة المحقق وفي الجواهر والدرر للسخاوى أنه علقه من حواشى نسختين له من التحفة.\n(^٢) ينظر النكت الظراف مع التحفة ٦/ ٧٥.\n(^٣) ينظر الفهرس الشامل للتراث الإسلامى (الحديث) ٣/ ١٧٠٣.","vol":"5","page":2147},{"text":"أسطر الصفحة (٢٧) سطرا (^١) والنسخة الخطية لكتاب ولى الدين تقع في ٩٥ ورقة وعدد أسطر الصفحة ٢٤ سطرًا (^٢) وبذلك يبلغ حجم كتاب ولى الدين نصف كتاب ابن حجر على الأقل.\nوقد ذكر ولى الدين العراقي في مقدمة كتابه أنه سماه (الإطراف بأوهام الأطراف) (^٣) وذكر في مقدمتها أن مراجعته المتعددة لكتاب تحفة الأشراف أظهرت أن الكتاب رغم جلالة مؤلفه وكثرة فوائده، قد وجدت فيه مواضع وهم المؤلف فيها، ومواضع أخرى أهمل ذكر أحاديثها مع وجودها في الكتب الستة. قال: وكثير من تلك المواضع من تثبت والدي ﵀ وحواشيه، فبتدريبه ما نبتدؤه ونثنيه، فجمعت تلك المواضع تسهيلا على المطالع … .. ثم ذكر وقوفه أيضا تصنيف الإمام علاء الدين مغلطاي، واستفادته بما فيه، مع تعقبه فيما لم يوافقه عليه بيانا للحق ومنعا لاغترار غيره به، ثم ذكر ما ضمه إلى ذلك من جمعه هو، لما وقف عليه بنفسه في كتاب المزي، مع تقريره أنه بمجموع ذلك لم يستوعب كل ما في كتاب المزي. بل بقى فيه مواضع سيراجعها ويلحق ما يجده فيها في الموضع المناسب من كتابه هذا، فيما بعد، إن امتد به الأجل إن شاء الله (^٤).\nوفي آخر الكتاب قال ولى الدين ابن العراقي: وهذا آخر ما تيسر تعليقه، وكان الفراغ منه على يد جامعه أحمد بن عبد الرحيم ابن العراقي يوم الاثنين.\n_________\n(^١) ينظر مقدمة تحقيق كتاب الإطراف لابن العراقي/ ٢١ - ٢٦.\n(^٢) وقد طبع بتحقيق كمال الحوت سنة ١٤٠٦ هـ ببيروت.\n(^٣) ينظر الإطراف لأبي زرعة ابن العراقي/ ٣١.\n(^٤) ينظر الإطراف/ ٢٦ و٢٣٩.","vol":"5","page":2148},{"text":"١٦ شوال سنة ٧٩٥ هـ (^١).\nومقتضى هذا أنه قام بتجريد حواشي والده من نسخته، في حياته وأدخلها في كتابه هذا، في حياة والده أيضا.\nكما يستفاد من التاريخ المذكور أن العراقي نفسه قد فرغ من تعليق حواشيه المذكورة على نسخته قبل هذا التاريخ.\nلكني لاحظت أن ولي الدين لما ذكر والده في مقدمة الكتاب ترحم عليه، وفي الثلث الأخير من الكتاب ذكره بقوله: قال والدي ﵀ فيما نقلته من خطه … (^٢).\nوفي الثلث الأول من الكتاب ذكره بقوله: نقلت ذلك من خط والدي - أبقاه الله - (^٣) وذكره في موضع قبل هذا بصفحات (^٤) وفي ستة مواضع أخرى خلال الكتاب، من بعد ثلثه الأول وحتى أواخره، ذكر ولي الدين والده العراقي بدون دعاء له بالبقاء، ولا بالرحمة (^٥).\nفلعل ما ذكره في آخر الكتاب من تاريخ الفراغ منه سنة ٧٩٥ هـ، مقصود به الفراغ من جملة جمعه وتصنيفه، فيما عدا الموضعين اللذين ترحم فيهما على والده، وهما: المقدمة والموضع السابق ذكره، فيكون قد كتبهما في تاريخ متأخر عن تاريخ الفراغ الإجمالي من الكتاب، وبعد وفاة والده العراقي ﵀ في سنة ٨٠٦ هـ.\n_________\n(^١) ينظر الإطراف/ ١٧٣.\n(^٢) ينظر الإطراف/ ٧٣.\n(^٣) تنظر/ ٥٩.\n(^٤)، (^٥) ينظر الإطراف/ ٧٧، ١٣١، ١٧٠، ٢٠٤، ٢١١، ٢٣١.","vol":"5","page":2149},{"text":"ويؤيد هذا إشارة ولى الدين في المقدمة أنه سيلحق في الكتاب ما يجده حتى بعد كتابة تلك المقدمة (^١).\nوقد سبق للعراقي نفسه أنه أخر كتابة مقدمة كتاب «المغنى عن حمل الأسفار» عن تاريخ الفراغ من تأليف جملته عدة سنوات، وألحق خلالها فيه بعض ما لم يكن وجده من الأحاديث (^٢).\nوعليه فإن ترحم ولده ولى الدين عليه في الموضعين المشار إليهما من كتابه «الإطراف»، لا يعكر على ما ذكرته من أن العراقي الوالد قد فرغ من تعليق حواشيه على نسخته من تحفة الأشراف قبل سنة ٧٩٥ هـ التي فرغ فيها ولده من تصنيف مجمل كتابه «الإطراف».\nوما ذكره ولده في مقدمة كتابه هذا، وكذلك مراجعتي للكتاب كله تفصيلا، يستفاد من مجموعهما: أن موضوع الكتاب، ومحتواه الإجمالي جانبان: -\nالأول: بيان مواضع وهم الإمام المزي فيما ذكره فيها من كتاب التحفة، مع بيان تصويب ذلك.\nالثاني: بيان أحاديث، وما يتعلق بها، وجدت في نسخ معتبرة من الصحيحين والسنن الأربعة، وفات الإمام المزي ذكرها في التحفة مطلقا، أو في موضعها المناسب.\nومقتضى هذا أن حواشي العراقي قد تضمنت إجمالا هذين الجانبين، حيث قال ولده في مقدمة كتابه كما تقدم: «وكثير من تلك المواضع من تثبيت.\n_________\n(^١) ينظر الإطراف/ ٢٦ و٣١.\n(^٢) وينظر المغنى مع الإحياء ١/¬٨.","vol":"5","page":2150},{"text":"والدي، وحواشيه».\nوالمراد بتثبيت والده، يعنى مراجعة ولى الدين له شفاهة فيما أشكل عليه للتثبت من مقصوده ببعض تعليقاته في تلك الحواشي، ولا يخفى على المختصين بعلوم السنة أهمية هذين الجانبين، ودقتهما في تحرير الاستفادة من كتاب تحفة الأشراف، العديم النظير في بابه.\n\n<span data-type='title' id=toc-648>٢ - أثر حواشي العراقي فيما بعده:</span>\nمما تقدم يظهر لنا أن حواشي العراقي هذه على تحفة الأشراف، لم نقف على نسخة لها مجردة مستقلة، وأيضا لم أقف - بعد البحث - على نسخة العراقي من التحفة التي علق عليها تلك الحواشي، مع أنها كانت في حوزته، حين إقامته بالقاهرة، في أواخر حياته، واطلع عليها، وجرد الحواشي منها الحافظان: أبو زرعة ولى الدين ابن العراقي، وابن حجر العسقلاني، وأدخلاها أو أكثرها في مؤلفيهما «الإطراف» و«النكت الظراف» كما مر معنا.\nويعتبر هذا من أبلغ، وأبقى الآثار العلمية الحواشي العراقي هذه فيما جاء بعده من تراث علوم السنة، وتحقيق نصوصها سندًا ومتنا، لا سيما وأن كتابي «الإطراف» و«النكت الظراف» قد طبعا منذ سنوات، وتداولهما طلاب علوم السنة، والباحثون فيها، والمشتغلون بعلم التخريج والتحقيق بمراجعة «تحفة الأشراف» ومصادرها.","vol":"5","page":2151},{"text":"<span data-type='title' id=toc-649>القسم الثاني: تَأْلِيفُ العِرَاقِيِّ وَآرَاؤُهُ فِي فِقْهِ السُّنَّةِ وشرحها وَبَيَانِ غريبها وأثر ذلك</span>","vol":"5","page":2153},{"text":"١ - «تأليفه فيما عُدَّ أصح الصحيح، أو من أصحه، في أحاديث الأحكام» وشرحه.\n\n<span data-type='title' id=toc-650>أولا: تقريب الأسانيد وترتيب المسانيد</span>\n<span data-type='title' id=toc-651>نسبة الكتاب إلى العراقي:</span>\nفي مقدمة من نسب هذا الكتاب إلى العراقي هو العراقي نفسه كما سيأتي. ثم نسبه إليه غير واحد ممن ترجم له، ولاسيما بعض تلاميذه، وتلاميذ ولده أبي زرعة، فالحافظ ابن حجر تلميذهما نسب الكتاب إلى العراقي (^١) وكذلك تلميذهما على بن خطيب الناصرية (^٢) وابن فهد المكي (^٣). ومن بعدهم ذكره السخاوي (^٤). والسيوطى (^٥) وصاحب كشف الظنون (^٦) وصاحب هدية العارفين (^٧) وصاحب فهرس الفهارس (^٨) وغيرهم.\n_________\n(^١) فتح البارى - كتاب النفقات - ٩/ ٤٩٨ وكتاب الطب ١٠/ ١٧٥، والإصابة مع الاستيعاب ٣/¬١٨ والمجمع المؤسس/ مخطوط ق/ ٣٦٦ ترجمة/ أبي زرعة أحمد بن عبد الرحيم العراقي. ورفع الإصر عن قضاة مصر/ ٨٢.\n(^٢) مجموع ابن خطيب الناصرية/ منتقى منقول من ديباجة شرح الأحكام للشيخ الحافظ زين الدين … . العراقي.\n(^٣) ذيول تذكرة الحفاظ/ ٢٣٠.\n(^٤) فتح المغيث له ١/¬٢٦ - ٢٧ وثبت مرويات السخاوى/ ١٧٨/ ب ضمن مجموع/ مخطوط/ والضوء اللامع ١/ ٣٤٣، ٤/ ١٧٣.\n(^٥) تدريب الراوى ١/ ٩١/ مبحث (الصحيح) والبحر الذى زخر ٢/ ٤٦٤ - ٤٦٦.\n(^٦) ١/ ٤٦٤ نهر ١.\n(^٧) ١/ ٥٦٢ نهر ٢.\n(^٨) فهرس الفهارس للكتاني ٢/ ٨١٦.","vol":"5","page":2155},{"text":"<span data-type='title' id=toc-652>تسمية الكتاب. وبيان مناسبة الاسم للمسمى:</span>\nتولى العراقي بنفسه تسمية الكتاب في مقدمة نسختيه الكبرى والصغرى، فقال: وسميته: «تقريب الأسانيد وترتيب المسانيد (^١)» وفي شرحه طرح التثريب قال: فلما أكملت كتابي المسمى بتقريب الأسانيد، وترتيب المسانيد (^٢).\nوتولى العراقي كذلك بنفسه بيان المناسبة المعنوية بين هذه التسمية وبين هذا الكتاب المسمى بها، فقال: المناسبة بين الكتاب وبين هذه التسمية: أن الأسانيد الطوال قربت، بكونها جمعت في تراجم (^٣) محصورة، فصارت قريبة التناول، وأن الأحاديث المرتبة على التراجم، جرت العادة بأن توضع على الحروف في تراجم الرجال (^٤)، فرتبت هذه على أبواب الفقه، مع كونها على التراجم، و«المسانيد» جمع مسند … (^٥).\nوبتسمية العراقي هذه للكتاب ذكره ممن تقدم كل من ابن فهد والسخاوي (^٦) وصاحب هدية العارفين والزركلي (^٧)، وبه عنونت بعض نسخه الخطية كما سيأتي.\n_________\n(^١) ينظر تقريب الأسانيد مع طرح التثريب ١/¬٢٢.\n(^٢) ينظر طرح التثريب ١/¬١٤.\n(^٣) المراد بالتراجم هنا سلسلة الرواة في كل إسناد إلى الصحابي الراوى للحديث، مثل «مالك عن نافع عن ابن عمر».\n(^٤) كما في كتاب المختارة للضياء المقدسي والمعجم الكبير للطبراني.\n(^٥) طرح التثريب ١/¬٢٢\n(^٦) وفي موضع من الضوء اللامع ١/ ٣٤٣ حصل تقديم وتأخير هكذا «ترتيب المسانيد وتقريب الأسانيد»، ولكن في موضع آخر ٤/ ١٧٣ جاء على ترتيب تسمية المؤلف.\n(^٧) ينظر هدية العارفين ١/ ٥٦٢ نهر/ ٢ والأعلام للزركلي ٤/ ١١٩.","vol":"5","page":2156},{"text":"ولكن ذكره غير واحد بالشطر الأول فقط من هذه التسمية وهو «تقريب الأسانيد»، على جهة الاختصار (^١).\nوقد عنونت بعض نسخه الخطية بذلك أيضا كما سيأتي.\nوهناك بعض نسخ خطية عنونت بعنوان وصفى لمضمون الكتاب فقط مثل «مختصر في أحاديث الأحكام»، ونحو ذلك كما سيأتي.\n\n<span data-type='title' id=toc-653>نسخ الكتاب الخطية:</span>\nتفرقت نسخ الكتاب الخطية في مكتبات العالم بالعناوين التالية:\n١ - «تقريب الأسانيد وترتيب المسانيد».\nذكر بهذا العنوان: نسخة في المكتبة الأحمدية بحلب برقم (٣٤٤) (^٢) ونسخة بمكتبة لا له لى بتركيا - استانبول برقم [٤٢٤] علم الحديث (^٣) ونسخة بمكتبة أيا صوفيا. باستانبول برقم [٤٧٣]. ونسخة بمكتبة برلين برقم [١٣٤٧] (^٤).\n٢ - مختصر في الأحاديث المتعلقة بالأحكام.\nبهذا العنوان: نسخة في المكتبة الظاهرية بدمشق برقم [٢٤٦] علم الحديث.\n_________\n(^١) مثل الحافظ في الفتح ٩/ ١٩٨ و١٠/ ١٧٥ وفي الإصابة ٣/¬١٨ مع الاستيعاب، ورفع الإصر/ ٨٢ والسيوطى في التدريب ١/ ٩١ والبحر الذي زخر ٢/ ٤٦٤ - ٤٦٦ وحسن المحاضرة ١/ ٣٦٣ وذيول تذكرة الحفاظ/ ٣٧٦.\n(^٢) ينظر فهرس المكتبة المصور بالفوتوستات في معهد المخطوطات العربية بالقاهرة.\n(^٣) ينظر فهرس المكتبة المخطوط أيضا ص ٢٥ والمطبوع ص ٣٥.\n(^٤) تاريخ الأدب العربي لبروكلمان ٢/ ص ٧٧ الأصل الألماني والملحق رقم ٢ ص ٦٩ وما بعدها.","vol":"5","page":2157},{"text":"٣ - «مختصر في أحاديث الأحكام».\nبهذا العنوان: نسخة في مكتبة راغب باشا - باستانبول برقم [١٤٧٠] ضمن مجموعة.\n٤ - المختصر للعراقي - نسخة بهذا العنوان بمكتبة فيض الله أفندي باستانبول برقم [٢١٧١] مجاميع رقم (٣) (^١).\nطبع الكتاب:\nطبع الكتاب طبعة أولى بعنوان «تقريب الأسانيد وترتيب المسانيد» بمطبعة جمعية النشر والتأليف الأزهرية، بتصحيح وتعليق شيخنا الشيخ محمود حسن ربيع ﵀.\nويقع الكتاب في (١٩٠) صفحة بما في ذلك الفهرس، وأُرخت هذه الطبعة في أولها سنة ١٣٥٣ هـ وفي آخرها بـ الأول من رجب الحرام سنة ١٣٥٤ هـ موافق ٢٨ سبتمبر ١٩٣٥. كما ذكر في آخرها أنها النسخة الكبرى من تقريب الأسانيد (^٢).\nوعن هذه الطبعة طبع الكتاب بعد ذلك أكثر من مرة.\nكما طبع الكتاب مرة أخرى مع شرحه «طرح التثريب» وجعل أعلا صفحات الشرح.\nكما تضمن الشرح نفسه النسخة الصغرى من التقريب، حيث يُذكر الحديث أو الحديثان منها، في بداية شرحهما، ثم يُذكر الشرح التفصيلي لما\n_________\n(^١) ينظر فهرس المجاميع بالمكتبة المذكورة ص ١٤٣ (مخطوط).\n(^٢) ينظر تقريب الأسانيد/ صفحة العنوان وخاتمة الطبع ص ١٩٠.","vol":"5","page":2158},{"text":"ذكر من الأحاديث، وتعتبر هذه هي الطبعة الأولى أيضا للنسخة الصغرى من التقريب كما سيأتي، وتاريخ طبعها هو سنة ١٣٥٤ هـ (^١) وعنها صور\nالكتاب وطبع مع شرحه أكثر من مرة.\nتأليف الكتاب في نسختين: كبرى وصغرى، وتاريخ تأليفهما، وبيان محتوى كل منهما إجمالا:\nذكر ابن فهد تلميذ العراقي تقريب الأسانيد هذا ضمن مؤلفات شيخه العراقي فقال: «تقريب الأسانيد وترتيب المسانيد» في الأحكام، ثم اختصره في نحو نصف حجمه، وشرح قطعة صالحة من الأصل في قريب من مجلد (^٢).\nوذكر السخاوي في ثبت مروياته ضمن ما سمعه بقراءة غيره على شيخه ابن حجر: قطعة من أول تقريب الأسانيد، المختصر، بقراءة شيخه ابن حجر على مؤلفه العراقي (^٣).\nوذكر صاحب فهرس الفهارس من مؤلفات العراقي: الأحكام الصغرى والكبرى (^٤).\nوأطلق أبو زرعة عليهما، تارة: النسخة الصغرى والنسخة الكبرى (^٥) وتارة قال: النسخة الكبرى (^٦) وتارة قال: النسخة الكبرى من\n_________\n(^١) ينظر مقدمة شيخنا الشيخ محمود ربيع ﵀ لطبعة فتح المغيث للعراقي ١/¬٢.\n(^٢) ذيل التذكرة لابن فهد/ ٢٣٠.\n(^٣) ثبت السخاوي/ ١٧٨/ ب ضمن مجموع مخطوط مصور.\n(^٤) فهرس الفهارس للكتاني ٢/ ٨١٦.\n(^٥) طرح التثريب ٥/ ٢٠٢ و٧/ ١٣٣.\n(^٦) ٢/ ٢٦٢، ٢٦٤ و٤/ ٧٠٦، ٩ و٦/ ١٥٨ و٧/ ٨١.","vol":"5","page":2159},{"text":"الأحكام (^١) وتارة قال: الأحكام الكبرى (^٢).\nوأطلق العراقي نفسه على النسخة الكبرى اسم «الأصل (^٣)».\nومن ذلك كله يستفاد أن العراقي ألف في هذا النوع من أحاديث الأحكام كتابين، وسماهما باسم واحد هو «تقريب الأسانيد، وترتيب المسانيد» كما تقدم.\nوجعل أحدهما موسعًا في محتواه عن الآخر، كما سيأتي توضيحه، وقد أطلق العراقي على الموسع اسم «الأصل» كما قدمت.\nوجعل الثاني مختصرًا لهذا الأصل الموسع، فجاء في نحو نصفه تقريبا. وكان كل منهما يُقرأ على العراقي ويروى عنه على حدة، وقد مر ذكر السخاوي سماعه للمختصر على شيخه ابن حجر بقراءته له على شيخه العراقي.\nوذكر أبو زرعة ابن العراقي أنه كان لديه نسخة خاصة به من الأحكام الكبرى وقرأ فيها على والده (^٤).\nوقد اطلعت من نسختي الكتاب الكبرى والصغرى على الآتي:\n١ - النسخة المطبوعة بمفردها بعنوان: «تقريب الأسانيد وترتيب المسانيد». وقد جاء في آخرها التصريح بأنها النسخة الكبرى للكتاب (^٥). وكل ما أحيل في «طرح التثريب» على النسخة الكبرى قد وجدته فعلا فيها.\n_________\n(^١) طرح التثريب ٢/ ٣٦٠ و٣/ ٢٤٢، ٢٧٨ و٤/¬٤٥، ٥٠، ١٤٠، ١٦٠ و٥/ ١٥٥، ١٥٧ و٦/ ٧٠ و٧/ ١٨٠ وفيها والرواية الكبرى من الأحكام، ٨/ ٧١.\n(^٢) طرح التثريب ٤/ ١٣٢ و٨/ ٧١، ١٤٩، ١٧١.\n(^٣) طرح التثريب ٢/ ٣٠٧، ٣١٥.\n(^٤) طرح التثريب ٨/ ١٧١ وتقريب الأسانيد/ ١٧٦.\n(^٥) ينظر ص ١٧٩ خاتمة الطبع.","vol":"5","page":2160},{"text":"وقد طبعت هذه النسخة مرة أخرى بالهامش الأعلا لطرح التثريب، موزعة على أجزائه الثمانية حسب ما يقابلها من الشرح.\n٢ - النسخة الصغرى، وهذه ذكرت أحاديثها ضمن طرح التثريب للعراقي، وتكملته لولده أبي زرعة.\nحيث إن كلا من العراقي وولده قد جعلا من منهجهما في هذا الشرح البدء بسوق لفظ الحديث كاملا، ثم يتبعانه بالشرح التفصيلي له.\nومما يؤيد أن لفظ تلك الأحاديث التي يسوقانها في بداية شرح كل منها هي عبارة عن النسخة الصغرى لتقريب الأسانيد، أن أبا زرعة حينما يذكر في الشرح بعض الروايات الزائدة ينسبها إلى النسخة الكبرى، ويميزها عما في الصغرى (^١) أما العراقي نفسه فيميز ما في الكبرى بقوله: في الأصل كذا (^٢).\nوبالمراجعة نجد ما ذكر موجودا فعلا في النسخة الكبرى.\nكما أني قد استعرضت مواضع كثيرة خلال الشرح كله، للتعرف على ما أورده العراقي وولده أبو زرعة من أحاديث النسخة الصغرى، وما زاداه من روايات من النسخة الكبرى.\nوتبين لي الآتي:\nأن النسخة الصغرى من تقريب الأسانيد، قد اقتصر العراقي فيها على الأحاديث التي رواها بسنده إلى الإمام أحمد في مسنده، وإلى الإمام مالك في موطئه رواية أبي مصعب، وذلك بالطرق التي عدت أصح الأسانيد أو من أصحها.\n_________\n(^١) طرح التثريب ٥/ ٢٠٢ و٧/ ١٣٣ و٤/¬٦، ٧.\n(^٢) طرح التثريب ٢/ ٣٠٧، ٣١٥.","vol":"5","page":2161},{"text":"ثم يضيف إلى ذلك تخريج تلك الروايات بالعزو إلى الصحيحين أو أحدهما أو غيرهما من المصادر الأصلية التي اشتركت مع الإمام مالك، والإمام أحمد في رواية الحديث من الطريق الموصوف بالأصحية المطلقة أو المقيدة.\nمثال ذلك الحديث الثالث من باب الوضوء، حيث ذكره العراقي هكذا وعن بريدة قال: أصبح رسول الله ﷺ فدعا بلال، فقال: يا بلال بم سبقتني إلى الجنة؟ (الحديث) (^١) ثم قال: رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح غريب (^٢) وابن حبان (^٣).\nوالحاكم في المستدرك، وقال: صحيح على شرط الشيخين (^٤). فعند المراجعة نجد أن الحديث قد أخرجه أحمد في مسنده (^٥) بالسياق الذي ذكره العراقي، وذلك عن زيد بن الحباب حدثني حسين بن واقد أخبرني عبد الله بن بريدة قال: سمعت أبي فذكر الحديث.\nوقد ذكر الحاكم أن هذا الإسناد أثبت أسانيد الخراسانيين (^٦) والثلاثة الذين عزا العراقي تخريج الحديث لهم وهم الترمذى وابن حبان والحاكم، قد أخرجوا الحديث عن طريق الحسين بن واقد عن عبد الله بن بريدة، به. ولهذا عزا العراقي الحديث إليهم (^٧).\n_________\n(^١) ينظر تقريب الأسانيد مع طرح التثريب ٢/ ٥٦ - ٥٧.\n(^٢) جامع الترمذي - المناقب ٦/ ح ٣٦٨٩.\n(^٣) الإحسان حديث (٧٠٨٦).\n(^٤) المستدرك ١/ ٣١٣ و٣/ ٢٨٥.\n(^٥) المسند ٣/ ٣٥٤ ح ٢٢٩٩٦ وص ٣٦٠.\n(^٦) معرفة علوم الحديث للحاكم/ ٥٦.\n(^٧) ينظر مواضع تخريجهم للحديث فيما تقدم.","vol":"5","page":2162},{"text":"وعليه فإن النسخة الصغرى لكتاب تقريب الأسانيد، والتي أطلق عليها أيضا النسخة الصغرى لأحاديث الأحكام، أو الأحكام الصغرى، هي التي اقتصر العراقي فيها على ذكر الأحاديث المروية له بأصح الأسانيد أو من أصحها فقط مثل الحديث السابق الذي أورده بأصح أسانيد الخراسانيين، كما أوضحته. أما النسخة الكبرى، فإن العراقي أورد فيها أحاديث النسخة الصغرى، وزاد عليها روايات أخرى متعلقة بأبواب النسخة الصغرى، لكنها مروية بطرق أخرى أو بألفاظ أخرى غير الموصوفة بالأصحية المطلقة أو المقيدة، ولكن منها ما هو مخرج في الصحيحين أو أحدهما، أو مخرج في غيرهما كالسنن والمسانيد، من طرق أخرى، منها الصحيح، ومنها الحسن، ومنها الضعيف، كما ستأتي بعض الأمثلة (^١).\nوقد أشار ابن فهد إلى مقدار تلك الزيادات إجمالا كما تقدم، فذكر أن النسخة المختصرة تبلغ نحو نصف حجم الأصل (^٢) يعني النسخة الكبرى. وهي في طبعتها الأولى بمفردها قد بلغت (١٧٦) صفحة. ومعنى هذا أن النسخة الكبرى ضعف الصغرى، وأن الزيادات التي في الكبرى تبلغ مثل حجم النسخة الصغرى، وبمقارنتي التفصيلية بينهما وجدت ذلك صحيحا.\nوقد أحصيت أحاديث النسخة الصغرى بحسب ترقيم العراقي وولده.\n_________\n(^١) وينظر تقريب الأسانيد مع طرح التثريب ٢/ ٦٢ - ٦٥، ٧٣ - ٧٤، ٨٦، ١٣٤ - ١٣٥، ١٥٨ - ١٥٩، ١٧٢، ٢٣٦، ٢٤٢، ٢٥٢ - ٢٥٣، ٢٨٤، ٢٨٨ - ٢٨٩، ٢٩٦ - ٢٩٧. و٧/ ٢٥٨ - ٢٥٩، ٨/ ٢٠٤ - ٢٠٥ و٢٣٦ - ٢٣٧.\n(^٢) ذيول التذكرة/ ٢٣٠.","vol":"5","page":2163},{"text":"فوجدتها (٢٤٧) حديثا، وذلك بحسب الأسانيد، وقد يكون الإسناد الواحد قد روى به أكثر من متن.\nوقد طبعت النسخة الكبرى سنة ١٤٢٠ هـ طبعة مرقمة فبلغ عدد رواياتها بحسب الترقيم المتسلسل (١١١١) رواية، لكن في ترقيم هذه الطبعة أخطاء فترقم الرواية الواحدة برقمين على أنها حديثين، وبذلك زاد عدد الأحاديث كثيرا عن العدد الحقيقي (^١).\nوتحتوى النسخة الكبرى أيضا زيادة على الروايات الحديثية، ذكر بعض ما يؤخذ من بعض الأحاديث من الأحكام، وذكر الناسخ والمنسوخ من الأحاديث، وغير ذلك، كما سيأتي في بيان منهج العراقي في الكتاب.\n\n<span data-type='title' id=toc-654>موضوع الكتاب، والهدف منه ونقده، وشرط المؤلف في أصله، وأوليته في ذلك.</span>\nقال العراقي في مقدمة التقريب: وبعد فقد أردت أن أجمع لابني أبي زرعة مختصرا في أحاديث الأحكام، يكون متصل الأسانيد بالأئمة الأعلام، فإنه يقبح بطالب الحديث، بل بطالب العلم أن لا يحفظ بإسناده عدة من الأخبار، يستغني بها عن حمل الأسفار في الأسفار، وعن مراجعة الأصول عند المذاكرة والاستحضار، ويتخلص به من الحرج في الجزم بنقل ما ليست له به رواية، فإنه غير سائغ بإجماع أهل الدراية.\nولما رأيت صعوبة حفظ الأسانيد في هذه الأعصار لطولها، وكان قصر.\n_________\n(^١) ينظر مثلا حديث (١٨٧، ١٨٨، ٤٩٠، ٤٩١، ٦٦٦، ٦٦٧). من طبعة تقريب الأسانيد - نشر مكتبة نزار الباز - بتحقيق عبد المنعم إبراهيم.","vol":"5","page":2164},{"text":"أسانيد المتقدمين وسيلة لتسهيلها، ورأيت أن أجمع أحاديث عديدة في تراجم محصورة، وتكون تلك التراجم فيما عُد من أصح الأسانيد مذكورة، إما مطلقا على قول من عممه، أو مقيدا بصحابي تلك الترجمة ولفظ الحديث الذي أورده في هذا المختصر، هو لمن ذكر الإسناد إليه، من الموطأ، ومسند أحمد. ثم قال: ولم أرتبه على التراجم، بل على أبواب الفقه، لقرب تناوله وأتيت في آخره بجملة من الأدب والاستئذان، وغير ذلك (^١).\nوقول العراقي السابق: «في تراجم محصورة» التراجم: جمع ترجمة، والمراد بها هنا رجال إسناد معين إلى أحد الصحابة مثل «مالك عن نافع عن ابن عمر ﵃».\nكما يدل على ذلك بقية الكلام، وواقع الكتاب.\nوما ذكره من إجماع أهل الدراية. يعني من المحدثين - على أنه لا يسوغ لأحد أن يجزم بنقل شيء من الأحاديث من مصادرها، دون أن يكون له بها رواية، قد أوضح في مقدمة شرحه «طرح التثريب» أن حاكي هذا الإجماع هو ابن خير الإشبيلي (ت ٥٧٥ هـ) وأقره على ذلك أيضا (^٢).\nوقد سبق للعراقي ذكر ذلك وإقراره أيضا في ألفيته في المصطلح وفي شرحها (^٣) وسبق في هذا الكتاب عند دراستي للألفية وشرحها أن رددت على العراقي في هذا، كما رده عليه السخاوي (^٤) أيضا فأردت التنبيه لهذا هنا.\n_________\n(^١) ينظر تقريب الأسانيد الطبعة المفردة ٢ - ٥ ومع طرح التثريب ١/¬١٦ - ٢٣.\n(^٢) طرح التثريب ١/¬١٧.\n(^٣) ألفية المصطلح مع شرح العراقى «فتح المغيث» ١/¬٣٤ - ٣٥.\n(^٤) فتح المغيث للسخاوى ١/ ٧٠ - ٧١.","vol":"5","page":2165},{"text":"أما باقي كلام العراقي السابق ذكره من مقدمة الكتاب، فإنه يستفاد منه عدة أمور: -\nأحدها: أن الموضوع الأصلي للكتاب هو ذكر نوع متميز من أحاديث الأحكام الشرعية مبوبة حسب أبواب الفقه من عبادات ومعاملات، وتوابعهما مع إضافة بعض أبواب الآداب وغيرها في آخر الكتاب.\nوقول العراقي: «الآداب وغيرها» إشارة إلى بعض أبواب العقيدة التي ذكرها أيضا عقب أبواب الآداب، كما سيأتي تفصيله.\nثانيها: أن هدف العراقي من تأليف الكتاب على هذا الشكل المختصر، هو مساعدة ولده أبي زرعة على حفظه بأسانيد نفسه المتصلة، ومتونها، دون: عنت ولا مشقة كبيرة، وذلك تحقيقا لما كان متعارفا عليه في عصره: أن من لوازم طالب التخصص في الحديث، فضلا عن طلب غيره من العلوم الشرعية، أن يحفظ طائفة من الأحاديث النبوية بأسانيده التي تحمل بها تلك الأحاديث عن شيوخه.\nوقد طالت الأسانيد حينئذ بسبب تأخر عصر العراقي وولده، حتى كانت أعلا أسانيدهما المقبولة، مكونة من عشرة رواة بينهما وبين الرسول ﷺ، كما تقدم في عشاريات العراقي، وكما ذكره من أسانيد ولده العالية بأحاديث هذا الكتاب (^١).\nلأجل هذا رأى العراقي أن يذلل بهذا الكتاب، لولده، بالدرجة الأولى صعوبة حفظ تلك الأسانيد الطويلة أثناء مرحلة الطلب، فاختار لتحقيق هذا:\n_________\n(^١) ينظر طرح التثريب ١/¬١٧.","vol":"5","page":2166},{"text":"الهدف نوعية خاصة من أسانيد المتقدمين من أصحاب المصنفات المسندة، وهي الأسانيد التي عدها غير واحد من العلماء أصح الأسانيد أو من أصحها، وهي لأجل هذا قليلة محصورة العدد، وقد اختار العراقي منها ستة عشر إسنادًا وكل إسناد منها يُسمى في الاصطلاح (ترجمة) (^١) وكل ترجمة من هذا العدد اليسير قد روى بها أحاديث عديدة، في المصادر الحديثية المسندة، فاختار منها ما روى بهذه التراجم في مصدرين فقط، وهما مسند الإمام أحمد وموطأ الإمام مالك رواية أبي مصعب.\nوبذلك صار عدد متون الأحاديث الأصلية في الكتاب يسيرًا أيضا، وهو (٣٤٧) حديثا بحسب ترقيم العراقي وولده كما قدمت. وهو الذي اشتملت عليه نسخة التقريب المختصرة، أو الأحكام الصغرى كما قدمت توضيحه. فأصبح بذلك للعراقي في أحاديث الكتاب الأصلية شرط في الأسانيد، وشرط في المتون، وبمجموعهما يسهم في تيسير حفظ مشتملات الكتاب. أما شرط الأسانيد، فهو: كونها مما عُد أصح الأسانيد مطلقا مثل: مالك عن نافع عن ابن عمر. أو مقيدا مثل: معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة. فقد ذكر الحاكم أن هذا أصح أسانيد اليمانيين (^٢). مع الاقتصار على ١٦ إسنادا، أو ترجمة فقط من النوعين.\nوأما شرط المتون فهو: كونها مما روى بتلك الأسانيد في كتابين فقط هما: مسند أحمد، وإحدى روايات الموطأ.\nأما النسخة الكبرى من تقريب الأسانيد، فقد زاد فيها العراقي على ما شرطه\n_________\n(^١) ينظر البحر الذى زخر للسيوطي ١/ ٣٩٧.\n(^٢) ينظر طرح التثريب ١/¬٢١ ومعرفة علوم الحديث للحاكم/ ٥٥.","vol":"5","page":2167},{"text":"في الصغرى، زيادات كثيرة في الأسانيد والمتون، كما أشرت من قبل، وكما سيأتي بعض أمثلته.\nوقد حقق الله للعراقي ما قصده من تيسير صعوبة حفظ الكتاب بحمد الله، فسجله بنفسه في مقدمة طرح التثريب فقال: فلما أكملت كتابي المسمى بتقريب الأسانيد وترتيب المسانيد، وحفظه ابني أبو زرعة المؤلّف لَهُ .. (^١)\nولكن لم يقتصر العراقي على هذا الهدف الخاص بولده، بل أضاف إليه القصد العام أيضا. فقال: والله أسأل: أن ينفع به من حفظه أو سمعه، أو نظر فيه (^٢) وقال أيضا: أدام الله النفع به للخاص والعام على ممر الشهور والأعوام (^٣).\nوسيأتي في بيان أثر الكتاب، ما يفيد تحقق هذا بحمد الله.\nثالثها: يعتبر العراقي أول من وقفت له على تأليف في أحاديث الأحكام بشرط الأصحية، مطلقا أو مقيدا، كما تقدم.\nولم أقف أيضا بعد البحث الموسع على من واصل المسيرة من بعده (^٤)، مع الأهمية التي لا تخفى لإبراز هذا النوع من أحاديث الأحكام.\nوعليه فإن كتاب العراقي هذا يعتبر من أولياته الرائدة التي لم يسبق إلى مثلها، فأحرز بها قصب السبق، وأثبت بها عمليا ريادته لمدرسة السنة النبوية في عصره، وتنوع تأثيره فيها. وفتح آفاق جديدة للنتاج العلمي في تراثها.\n_________\n(^١) يعنى لأجله/ ينظر طرح التثريب ١/¬١٤.\n(^٢) التقريب مع طرح التثريب ١/¬٢٢ - ٢٣.\n(^٣) التقريب مع طرح التثريب ٨/ ٢٧٩.\n(^٤) سيأتي ذكر عمل معاصر في هذا.","vol":"5","page":2168},{"text":"وقد ذكر الحافظ ابن حجر عن هذا الكتاب ما يفيد تقديره العلمي لشرط شيخه العراقي فيه، والحث على تفرغ من هو كفء لإكمال ما بدأه، مع إشارة لبعض النقد له.\nفقد قال: وقد أخلى كثيرا من الأبواب، لكونه لم يجد فيها بتلك الشريطة، وفاته أيضا جملة من الأحاديث على شرطه، لكونه تقيد بالكتابين (^١) للغرض الذي أراده، من كون الأحاديث المذكورة تصير متصلة الإسناد، مع الاختصار البالغ، ثم قال الحافظ: ولو قُدِّر أن يتفرغ عارف لجمع الأحاديث الواردة، بجميع التراجم المذكورة (^٢) من غير تقييد بكتاب، ويضم إليها التراجم المزيدة عليها (^٣) لجاء كتابا حافلا، حاويا لأصح الصحيح (^٤)\nوقد ذكر السيوطي مما يمكن أن يفرد من أنواع علوم الحديث: معرفة الأصح مطلقا أو في الباب» (^٥)\nفيعتبر كتاب العراقي هذا هو المؤلف الوحيد حتى الآن في هذا النوع حسبما\n_________\n(^١) يعنى مسند أحمد وموطأ مالك، رواية أبي مصعب.\n(^٢) يعنى الأسانيد التي وصفت بالأصحية مطلقا، أو مقيدة بصحابي معين كأبي هريرة أو ببلد معين كمكة ومصر وخراسان. ينظر معرفة علوم الحديث للحاكم/ ٥٣ - ٥٦ والمستدرك ١/ ٥١٢ والكفاية للخطيب/ ٣٩٧ - ٣٩٩ وتدريب الراوى ١/ ٧٧ - ٩٠\n(^٣) يعنى على ما ذكره العراقي وهو (١٦) ترجمة كما تقدم وتنظر الزيادة في المعرفة للحاكم والمستدرك له، والكفاية للخطيب في المواضع السابقة. والبحر الذي زخر للسيوطي ٢/ ٤٤٢ - ٤٦٤\n(^٤) تدريب الراوى ١/ ٩١ - ٩٢ والبحر الذي زخر ٢/ ٤٦٤ - ٤٦٦\n(^٥) البحر الذي زخر ١/ ٢٥١.","vol":"5","page":2169},{"text":"أوقفني عليه البحث. وعند المراجعة التفصيلية لكتاب تقريب الأسانيد نجد العراقي قد التزم بشرط الأصحية هذا، مطلقا أو مقيدا في أغلب النسخة الصغرى، بحيث لم يخرج فيه عن الشرط إلا في مواضع قليلة، ومنها موضع نبه عليه هو بنفسه وأجاب عنه بما يفيد حرصه على مراعاة شرطه إلا لداع علمي طارئ.\nفقد ذكر حديث التطبيق في الركوع هكذا: عن علقمة والأسود عن عبد الله قال: إذا ركع أحدكم فليفرش ذراعيه فخذيه، وليجنًا، ثم طبق بين كفيه (الحديث).\nوفي شرحه للحديث قال: فيه فوائد، الأولى: أن الأسود ليس من الأسانيد التي ذكرتها في هذا الكتاب (^١) وإنما وقع في المسند (^٢) رواية إبراهيم النخعي عن علقمة والأسود، معا، فذكرته معه، فهو على هذا متصل الإسناد فيما بيننا وبينه، وإنما ذكرته ولم أحذفه (^٣) لما تقرر في علوم الحديث، أن الحديث إذا كان عن رجلين فلا يحسن حذف أحدهما وإبقاء الآخر، لاحتمال أن يكون اللفظ لأحدهما، وحمل لفظ الآخر عليه، ويجوز على هذا أن يكون المحذوف هو الذي له لفظ الحديث، فالاقتصار عليه ليس بجيد، وحذفه في حالة كونهما ثقتين أقرب، وأخف ضررًا مما إذا كان أحدهما ضعيفا، وحذف الضعيف، وأُبقي الثقة، فإنه ربما أدى إلى أن يُذكر لفظ الضعيف معزوا إلى الثقة (^٤).\n_________\n(^١) يعنى التي وصفت بالأصحية.\n(^٢) ينظر مسند أحمد ١/ ٣٨٨ ح ٣٥٨٨ و٤٢٦ ح ٤٠٤٥ وفي هذا الموضع الثانى قال الأسود: دخلت أنا وعلقمة على عبد الله بن مسعود (الحديث).\n(^٣) بأن يقول: عن علقمة وحده.\n(^٤) طرح التثريب ٢/ ٢٨٣.","vol":"5","page":2170},{"text":"وفي موضع آخر ذكر العراقي حديث الذي تفوته صلاة العصر فقال: وعن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: الذي تفوته صلاة العصر، فكأنما وتر أهله وماله.\nثم قال: زاد أبو مسلم الكشي: وهو قاعد (^١).\nفلما شرح أبو زرعة ابن العراقي الحديث قال:\nهذه الزيادة التي نقلها المصنف ﵀ عن أبي مسلم الكشي، رواها - يعني الكشى - من طريق حماد بن سلمة عن أيوب السختياني عن نافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله وهو قاعد (^٢).\nفيلاحظ أن هذه الرواية المشتملة على زيادة كلمة «وهو قاعد» قد ذكرها العراقي في نسخة التقريب الصغرى التي التزم فيها بأصح الأسانيد، لكن بداية إسناد هذه الرواية كما ترى هو: حماد بن سلمة عن أيوب عن نافع …» ولم يذكر «حماد بن سلمة» ضمن هذا الإسناد موصوفا بالأصحية، وإنما ذكر حماد بن زيد عن أيوب عن نافع به (^٣).\nفيعتبر ذكر العراقي لتلك الزيادة في النسخة الصغرى من طريق حماد بن سلمة عن أيوب عن نافع به، مما خرج عن شرطه فيها.\nوقال العراقي أيضا: وعن الزهري أو غيره عن عروة (^٤) عن عائشة قالت:\n_________\n(^١) ينظر تقريب الأسانيد مع طرح التثريب ٢/ ١٧٧. وسيأتى في مصادر العراقي في الكتاب تعريف بأبي مسلم الكشى وبكتابه.\n(^٢) طرح التثريب ٢/ ١٨١ - ١٨٢.\n(^٣) التدريب ١/ ٨٤.\n(^٤) سقط من نسخة التقريب في الطبعة الأولى قوله «عن عروة» ص ١١٣ ولكنها ثابتة في النسخة التي في ضمن طرح التثريب ١/¬٤٦ وهو الصواب حتى يستقيم الإسناد، فأثبتها من النسخة التي ضمن الشرح.","vol":"5","page":2171},{"text":"جاءت فاطمة ابنة عقبة بن أبي ربيعة تبايع النبي ﷺ (الحديث) وقال العراقي في النسخة الكبرى من التقريب: انفرد أحمد بهذا الطريق (^١) وقد قال أبو زرعة ابن العراقي في شرحه للحديث: هكذا وقعت هذه الرواية في مسند الإمام أحمد على الشك في راويها عن عروة، هل هو الزهري أو غيره (^٢)؟ ومع ذلك، لا يحكم لها بالصحة، للجهل براويها، وما كان ينبغي للشيخ ﵀ أن يذكرها مع الأسانيد الصحيحة، مع أنه ليس فيها ما يدل على تبويبه (^٣)، وليست في شيء من الكتب الستة، ولم تشتهر هذه القصة عن فاطمة هذه، وإنما اشتهر شيء من ذلك عن أختها هند بنت عقبة بن ربيعة زوج أبي سفيان بن حرب … . (^٤).\nوهذا النقد وارد في محله فعلا على شرط العراقي باعتبار اقتصاره على إيراد الحديث في النسختين الصغرى والكبرى بهذا الإسناد فقط، وهو مشتمل كما ترى على الشك والإبهام للراوي الآخر المشكوك فيه غير الزهري.\nلكن أخرج عبد الرزاق الحديث في مصنفه ٦/ ح ٩٨٢٧ و١١/ ح ٢١٠٢٠ عن معمر الزهري عن عروة عن عائشة، به بلفظه.\nوبذلك زال الشك والإبهام، مع الثقة الظاهرة لرجال الإسناد بما يقتضي صحته.\n_________\n(^١) ينظر تقريب الأسانيد مع طرح التثريب ٧/¬٤٦ والمراد انفرد عن أصحاب الكتب الستة ينظر مجمع الزوائد ٦/¬٣٧ مع المسند ٦/ ١٥١.\n(^٢) ينظر المسند لأحمد ٦/ ١٥١ ح (٢٥١٧٥).\n(^٣) حيث أوردها تحت باب: «ما يحرم من الأجنبية، وتحرم المؤمنة على الكافر» / التقريب مع طرح التثريب ٧/¬٣٩ و٤٦.\n(^٤) ينظر طرح التثريب ٧/¬٤٦ - ٤٧.","vol":"5","page":2172},{"text":"وقد أخرجه ابن حبان في صحيحه (^١) من طريق عبد الرزاق، به بلفظه. كما أخرجه البخاري من طريق عبد الرزاق، به مختصرا (^٢).\nوما ذكره أبو زرعة: إن الرواية بلفظها عند أحمد، ليست في شيء من الكتب الستة، وأن القصة لم تشتهر عن فاطمة بنت عتبة وإنما اشتهرت عن أختها هند بنت عتبة … إلخ.\nفهذا كله لا يمنع من صحتها بإسنادها الخالي من الشك والإبهام كما قدمت. كما أن لها شاهدًا أخرجه الحاكم وصححه وأقره الذهبي (^٣). وفيه أن فاطمة هذه كانت مع أختها هند بنت عتبة حين ذهبت لمبايعة الرسول ﷺ وأيضًا ذكر الحافظ ابن حجر: إنه يحتمل تعدد البيعة (^٤).\nفلو أن العراقي ذكر لرواية أحمد هذه بعض ما يعضدها كما ذكرته آنفا لكان انتقاده أخف من الاقتصار عليها بسندها المعلول. وقد فعل مثل هذا في موضع آخر حيث قال: -\nعن سالم عن أبيه أن النبي ﷺ وقت، وقال مرة: مهل أهل المدينة من ذي الحليفة، وأهل الشام من الجحفة، وأهل نجد من قرن. قال: وذكر لي ولم أسمعه: ومهل أهل اليمن من يلملم.\nقال: وعن نافع عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: مهل أهل المدينة، .. فذكره، وقال: وبلغني أن رسول الله ﷺ قال: ومهل أهل اليمن من يلملم (^٥).\n_________\n(^١) كما في الإحسان ١٠/ ح (٤٥٥٤).\n(^٢) البخارى مع الفتح - الأحكام ح (٧٢١٤).\n(^٣) المستدرك ٢/ ٤٨٦ - التفسير - الممتحنة.\n(^٤) الفتح ٩/ ٦٣٧ ك الأحكام - باب بيعة النساء.\n(^٥) تقريب الأسانيد مع طرح التثريب ٥/¬٢ - ٣.","vol":"5","page":2173},{"text":"فيلاحظ أنه أورد رواية: مُهل أهل اليمن يَلَمْلَم مرسلة لتصريح ابن عمر بأنه لم يسمعها من النبي ﷺ.\nفتكون من هذا الطريق ضعيفة للانقطاع بين ابن عمر وبين النبي ﷺ. وهذا خلاف شرط الصحة فضلا عن الأصحية التي هي شرط العراقي؛ ولكنه بعد اقتصاره على تلك الرواية المنقطعة في نسخة التقريب الصغرى، أتبعها في النسخة الكبرى بقوله: ووصل الشيخان من حديث ابن عباس: ولأهل اليمن يلملم (الحديث) (^١) وبذلك تجبر سبب الضعف في الطريقين الأولين، فصارت الأصحية هنا ثابتة بمجموع الطريقين المنقطعين، مع شاهدهما الموصول المتفق على صحته من الشيخين، ولذلك نجد أبا زرعة ابن العراقي عند شرحه لهذا الموضع، لا يتعقب والده بمخالفة شرطه في هذا الحديث (^٢).\nوفي موضع آخر قال العراقي: وعن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: إن الحمى من فيح جهنم فأطفئوها بالماء (الحديث) (^٣) وقد أخرج البخاري الحديث نفسه من طريق عبد الله بن وهب عن مالك عن نافع به (^٤). وقال الحافظ ابن حجر في شرحه: حديث ابن عمر أخرجه من طريق عبد الله بن وهب عن مالك، وكذا مسلم.\nوأخرجه النسائي من طريق عبد الرحمن بن القاسم عن مالك.\nثم نقل عن الدارقطني في اختلاف الموطآت قوله: لم يروه من أصحاب\n_________\n(^١) تقريب الأسانيد مع طرح التشريب/ الموضع السابق.\n(^٢) ينظر طرح التثريب ٥/¬٣.\n(^٣) ينظر تقريب الأسانيد مع طرح التثريب ٨/ ١٨٥.\n(^٤) ينظر البخارى مع الفتح - الطب ١٠/ ١٧٥ ح ٥٧٢٣.","vol":"5","page":2174},{"text":"مالك في الموطأ إلا ابن وهب وابن القاسم، وقال: ولم يأت به معن ولا القعنبي ولا أبو مصعب ولا ابن بكير.\nوقال الحافظ: وكذا قال ابن عبد البر في التقصي.\nثم قال: وقد أخرجه شيخنا - يعنى العراقي - في تقريبه من رواية أبي مصعب عن مالك، وهو ذهول منه؛ لأنه اعتمد فيه على الملخص للقابسي، والقابسي إنما أخرج الملخص من طريق ابن القاسم عن مالك.\nثم قال الحافظ: وهذا ثاني حديث عثرت عليه في تقريب الأسانيد لشيخنا عفا الله تعالى عنه من هذا الجنس، وقد نبهت عليه نصيحة لله تعالى (^١).\nفمن هذا نلاحظ أن العراقي خالف شرطه في هذا الحديث وفي حديث آخر لم يحدده الحافظ، ووجه المخالفة أنه التزم في أحاديث الموطأ أن يكون سنده بها موصولا من طريق أبي مصعب الزهري عن مالك. في حين أن الحديث الذي معنا وحديث آخر كلاهما لم يروه مصعب عن مالك، وبالتالي لا يكون سند العراقي به إلى مالك موصولا على شرطه.\nوقد أشار الحافظ ابن حجر إلى إمكان التماس العذر لشيخه العراقي في هذين الحديثين بأنه ذهول منه ونسيان، وجل من لا يسهو. ويبدو أنه كتب هذا التعقب لشيخه العراقي في حياته حيث دعا له بأن يعفو الله عنه، بدلا من الترحم عليه، كما تلطف في بيان قصده من هذا التعقب، وهو النصيحة في أمر ديني لوجه الله تعالى.\nويلاحظ أن هذه المواضع السابقة التي تعقب فيها العراقي من جهة شرطه في\n_________\n(^١) ينظر فتح البارى/ الموضع السابق.","vol":"5","page":2175},{"text":"هذا الكتاب، تعتبر قليلة جدا بالمقارنة بمجموع أحاديث الكتاب، وبالتالي لا تقدح في قيمته العلمية، ولا في مكانته المتميزة بين السابق واللاحق من المؤلفات في أحاديث الأحكام.\n\n<span data-type='title' id=toc-655>مصادر العراقي في الكتاب</span>\nبناء على ما تقدم من شرط العراقي في النسخة الصغرى من هذا الكتاب، فإن: مصادره فيها تعتبر محدودة وقليلة، بالمقارنة بمصادره في النسخة الكبرى.\nففي النسخة الصغرى عول في أسانيد وألفاظ الأحاديث على كتابين فقط: هما مسند الإمام أحمد وموطأ الإمام مالك - رواية أبي مصعب الزهري عنه.\nثم خرج العراقي تلك الروايات بالعزو فقط إلى مصادر أخرى غير الكتابين المذكورين، ولكنها مشاركة لهما أو لأحدهما في سند الحديث ومتنه بلفظ: رواية الكتابين أو بمعناها.\nوفي مقدمة هذه المصادر التي عزا إليها العراقي: الصحيحان للبخاري ومسلم (^١) والسنن الأربعة لكل من أبي داود والترمذي والنسائي، وابن ماجه، وصحيح ابن خزيمة وابن حبان، ومستدرك الحاكم (^٢).\nوهناك مصدر يعتبر حاليا من المفتقد نسخه الخطية، وهو كتاب السنن لأبي مسلم إبراهيم بن عبد الله الكشى أو الكجى المتوفى سنة ٢٩٢ هـ (^٣) وقد عزا.\n_________\n(^١) ينظر تقريب الأسانيد/ النسخة الصغرى المتضمنة في طرح التثريب والكبرى المطبوعة بهامشه ٢/¬٣٧ و٤١ - ٤٢ و١٠٤، ١١٥.\n(^٢) ينظر تقريب الأسانيد الصغرى/ في طرح التثريب والكبرى بهامشه ٢/ ٥٦ - ٥٧ و١٤٥ و٣/ ٦٧ - ٦٨.\n(^٣) ينظر الرسالة المستطرفة للكتاني/ ٣٤.","vol":"5","page":2176},{"text":"إليه العراقي رواية في النسختين الصغرى والكبرى (^١) ويبدو أن الكتاب كان في متناول يد العراقي وولده أبي زرعة فقد عزا إليه العراقي كما قدمت، ثم قال ولده في الشرح: هذه الزيادة التي نقلها المصنف ﵀ عن أبي مسلم الكشى، رواها من طريق حماد بن سلمة عن أيوب السختياني عن نافع عن ابن عمر … وساق الرواية (^٢)\nفهذا يدل على توافر الكتاب بين يدي أبي زرعة بحيث نقل عنه الحديث سندا ومتنا.\nوقد عزا إليه أيضا الحافظ ابن حجر تلميذ العراقي (^٣).\nوما يقال عن وجود نسخة خطية من هذا الكتاب في الخزانة الجرمنية فهو غير صحيح.\nأما النسخة الكبرى من تقريب الأسانيد، فقد كثرت فيها وتنوعت مصادر العراقي بسبب الزيادات التي اشتملت عليها. فمصادره في الكبرى، هي مصادره في الصغرى كما أسلفت مع زيادة مصادر أخرى كثيرة ومتنوعة، لكنه تارة يصرح باسم المؤلف وباسم كتابه، وهذا هو الأكمل والأدق، وتارة يصرح باسم المؤلف فقط، مع كون مؤلفاته متعددة، ويمكن أن يكون أكثر من واحد منها مظنة لما عزاه العراقي إليه.\nوذلك مثل الإمام أبو جعفر الطحاوي فقد عزا إليه العراقي باسمه فقط في موضعين، دون تحديد كتاب من كتبه، ولم يوجد المحال به في المظنة القريبة.\n_________\n(^١) ينظر التقريب مع طرح التثريب ٢/ ١٧٧.\n(^٢) طرح التثريب ٢/ ١٨١ - ١٨٢.\n(^٣) ينظر فتح البارى ٣/ ٢٦٤، ٥٣٨ و٤/ ٢٣٢، ٢٣٣.","vol":"5","page":2177},{"text":"وهي كتاب «شرح معاني الآثار» ولكن وجدته في كتاب «شرح المشكل» له (^١) ومثل عزوه للطبراني دون تقييد وبالمراجعة نجد بعض ما عزاه في المعجم الكبير (^٢) وبعضه في الأوسط (^٣) وفي عزوه لسنن النسائي تارة يطلق ويريد الكبرى (^٤). ويعزو للإمام أحمد، وذلك في مسنده من غير الطرق المروية بأصح الأسانيد (^٥) والموطأ برواية يحيى بن يحيى (^٦). ومسند البزار (^٧). والشمائل للترمذي (^٨) والسنن للدارقطني (^٩) ومعرفة السنن والآثار، والسنن الكبرى كلاهما للبيهقي (^١٠) واعتمد أكثر من نسخة من صحيح البخاري مع بيان زيادة إحداهما على الأخرى (^١١).\n_________\n(^١) ينظر التقريب مع طرح التثريب ٢/ ٢٥٤ مع شرح المشكل للطحاوي ١٥/ حديث (٥٨٣١) والتقريب مع طرح التثريب ٦/ ١٩٤ - ١٩٥ وشرح المشكل ١٣/ ٤٢٠ - ٤٢١ حـ ٥٣٧٩.\n(^٢) ينظر التقريب مع طرح التثريب ٥/¬٥ والمعجم الكبير للطبراني ١/ حـ ٧٢١.\n(^٣) ينظر التقريب مع طرح التثريب ٢/ ٢٥٣ والمعجم الأوسط ١/ حديث (١٦) ط الحرمين.\n(^٤) التقريب مع طرح التثريب ٧/ ٢١٩ - ٢٢٠ مع السنن الكبرى - كتاب خصائص على ﵁ ٥/ ١٠٩ حـ (٨٤٠٢).\n(^٥) ينظر التقريب مع طرح التثريب ٤/ ١٦٠ مع المسند ٢/ ٣٨٥ حديث (٩٠٠١).\n(^٦) ينظر التقريب مع طرح التثريب ٥/ ١١٩ مع الموطأ برواية يحيى - ك الحج ٢/ ٣٤٢ - ٥٤.\n(^٧) ينظر التقريب مع طرح التثريب ٥/¬٢٠ وكشف الأستار /¬٢/¬٢٧ حـ ١١٢٤ والتقريب مع طرح التثريب ٢/ ١٣١ مع كشف الأستار ١/ ١٤٥ حـ ٢٧٧.\n(^٨) ينظر التقريب مع طرح التثريب ٨/ ١٨٠ مع الشمائل للترمذي - باب ما جاء في تواضع رسول الله ﷺ حـ ٣٤٤.\n(^٩) التقريب مع طرح التثريب ٢/ ٢٨٩ مع سنن الدارقطني ٢/¬٣٩ حـ ٩ - ١١.\n(^١٠) ينظر التقريب مع طرح التثريب ٢/ ١٣١ مع معرفة السنن للبيهقي ٢/ ص ٥٦ - ٥٨: حـ ١٧٢٣ والسنن الكبرى له ١/ ٢٤١.\n(^١١) ينظر التقريب مع طرح التثريب ٢/ ٢٧٨.","vol":"5","page":2178},{"text":"والمحلى لابن حزم، والوهم والإيهام لابن القطان (^١)\nوالسيرة النبوية لابن إسحق (^٢)، والناسخ والمنسوخ للحازمي (^٣).\nوالعلل للدارقطني (^٤) والعلل الكبير للترمذي (^٥)\nوكتب الرجال مثل الكامل لابن عدى (^٦) والثقات لابن حبان (^٧) وكتب شروح الحديث مثل معالم السنن للخطابي (^٨) شرح سنن أبي داود\nوكتب الأطراف مثل تحفة الأشراف للمزى (^٩)\nومن المصادر التي عول عليها ما لم توجد له حاليا نسخة خطية كاملة، مثل كتاب التمييز للإمام مسلم (^١٠) وغرائب حديث مالك للدارقطني (^١١) والعلل للخلال (^١٢).\n_________\n(^١) ينظر التقريب مع طرح التثريب ٢/ ٢٥٤ مع المحلى ٤/ ١٢٣ - ١٢٩ والوهم والإيهام ٣/ ٢٠٦ ح ٩٢٤\n(^٢) التقريب مع طرح التثريب ٤/ ١٨١ والسير والمغازى لابن إسحق/ ١٢١ بتحقيق د/ سهيل زكار.\n(^٣) التقريب مع طرح التثريب ٥/ ٢٢٠ والناسخ والمنسوخ للحازمي/ ١٦٠\n(^٤) التقريب مع طرح التثريب ٢/ ٢٥٤ مع التلخيص الحبير ١/ ٢١٩\n(^٥) التقريب مع طرح التثريب ٦/ ١١٨ مع ترتيب القاضي للعلل الكبير للترمذى ١/ ٤٩٨ - ٥٠٠.\n(^٦) ينظر التقريب مع طرح التثريب ٦/ ١٩٥ والكامل لابن عدى ٣/ ١١١٧ ترجمة سليمان بن موسى.\n(^٧) ينظر التقريب مع طرح التثريب ٦/ ١٩٥ مع الثقات لابن حبان ٨/ ١٠٠\n(^٨) ينظر التقريب مع طرح التثريب ٦/ ٩٧ مع المعالم ٥/ ٨٩\n(^٩) التقريب مع طرح التثريب ٥/ ١٠٢ مع تحفة الأشراف ١٢ ح ١٦٦٥٤\n(^١٠) التقريب مع طرح التثريب ٢/ ٣٥٤\n(^١١) التقريب مع طرح التثريب ٢/ ٢٥٣\n(^١٢) التقريب مع طرح التثريب ٢/ ١٥٦","vol":"5","page":2179},{"text":"وبذلك حفظ لنا العراقي من نصوص تلك المصادر ما يصعب علينا الوقوف على أصله، حتى الآن، كما دلّ رجوعه إلى تلك المصادر المتنوعة على عمق خبرته، وسعة اطلاعه التي أهلته ليكون حافظ عصره عن كفاءة وجدارة.\n\n<span data-type='title' id=toc-656>تبويب أحاديث الكتاب، ودلالة تراجمه على فقه العراقي للسنة ومقارنته، وتأثره بغيره.</span>\nالمقصود بتبويب الأحاديث: تقسيمها إلى مجموعات، يطلق على كل مجموعة: كتاب كذا، أو باب كذا، بحسب الموضوعات والأحكام التي تدل عليها أحاديث كل مجموعة، فيوضع عنوان عام لكل كتاب، مثل: كتاب الطهارة، ويوضع عنوان خاص متفرع عن العنوان العام مثل: باب الوضوء.\nوالذي يؤلّف، مطالب علميا بأن يكون ما يذكره من أحاديث، يدل بلفظه أو بشيء من معناه على العنوان الذي يضعه للكتاب أو الباب.\nوكل عنوان لكتاب أو لباب يسمى اصطلاحا «ترجمة لهذا الكتاب، أو لهذا الباب» بمعنى أنه يعبر إجمالا عما تضمنه الحديث أو الأحاديث التي يذكرها المؤلف تحت هذا العنوان من الأحكام، وبذلك نجد أن المحدثين أطلقوا «الترجمة» بمعنى الإسناد المعين، كما تقدم (^١)، وأطلقوها كذلك بمعنى عنوان الكتاب أو الباب (^٢).\nويتحدد المقصود بها بحسب السياق الذي تذكر فيه، كما جرى عليه.\n_________\n(^١) وانظر تدريب الراوى ٢/ ٦٠١ (آداب طالب الحديث).\n(^٢) ينظر هدى السارى/ ١٣ - ١٤ وعمدة القارى للعينى - كتاب الإيمان - باب دعاؤكم إيمانكم: ١/ ١٣٢ - ١٣٣.","vol":"5","page":2180},{"text":"العراقي في كتابه هذا، فأطلقها بمعنى الإسناد المعين، وفي شرحه لألفية المصطلح أطلقها بالمعنيين، بمعونة دلالة السياق على كل منهما (^١).\nوقرر ابن الصلاح أن العلماء أطلقوا على قولهم: «باب كذا وكذا» اسم الترجمة؛ لكونه يعبر عما يذكر بعده (^٢) وأقره على هذا النووى (^٣) ويلتقى معهما في هذا غير واحد ممن سبقهما أو لحقهما، لاسيما من ألف في شرح صحيح البخاري أو شرح تراجم أبوابه وعلاقتها بما ذكره تحتها من الأحاديث (^٤).\nواختيار المؤلف العناوين أو تراجم الكتب والأبواب في تأليفه، يدل على فهمه لما تضمنه الحديث أو الأحاديث التي يذكرها تحت هذه التراجم، من أحكام، وعلى رأيه في ذلك.\nفالترجمة بمثابة قول الفقيه: إن المراد بهذا الحديث العام هو الخصوص، مثلا أو تأويل ظاهره، أو تفصيل مجمله أو تفسير غامضه هو كذا، قال الحافظ ابن حجر: ولهذا اشتهر من قول جمع من الفضلاء: فقه البخاري في تراجمه ها (^٥).\nيعني في عناوينه لكتب وأبواب صحيحه؛ لكونها عبارة عن استنباطاته غالبا، للأحكام الفقهية من الأحاديث وغيرها مما يورده تحت الترجمة.\n_________\n(^١) ينظر التقريب مع طرح التثريب ١/¬١٧ - ١٨، ٢٠، ٢٢ - ٢٣ وفتح المغيث للعراقي ١/¬١٢ - ١٥.\n(^٢) صيانة صحيح مسلم لابن الصلاح/ ١٥٢ بتحقيق أ. د/ موفق بن عبد القادر وعلوم الحديث له مع التقييد والإيضاح/ ٢٦.\n(^٣) في شرح صحيح مسلم له - الإيمان - باب (٦) حديث (٢٤) ١/ ٢٥٩ - ٢٦٠.\n(^٤) يُنظر هدى السارى/ ١٣ - ١٤، وتراجم البخارى لبدر الدين ابن جماعة/ ٩٥ - ٩٨ بتحقيق الأخ الدكتور/ على الزبن، توضيح الأفكار للصنعاني ١/¬٤٠.\n(^٥) ينظر هدى السارى/ ١٣ - ١٤.","vol":"5","page":2181},{"text":"وعلى ضوء ذلك نقول هنا: إن من فقه العراقي في السنة ما ذكره في عناوين أو تراجم الكتب والأبواب التي قسم إليها الأحاديث في كتابه «تقريب الأسانيد»، وسيأتي بيان مخالفته أو موافقته لغيره في بعض التراجم، بما يدل على فقهه في ذلك.\nوقد أشار العراقي إلى تبويب كتابه إجمالا، وهدفه من ذلك فقال: ولم أرتبه على التراجم (^١) بل على أبواب الفقه؛ لقرب تناوله، وأتيت في آخره بجملة من الأدب والاستئذان، وغير ذلك (^٢).\nفقوله: ولم أرتبه على التراجم، يعني على الأسانيد التي رويت بها الأحاديث عن الصحابي، كما فعل الضياء المقدسي في كتابه: الأحاديث المختارة مما ليس في الصحيحين (^٣).\nوقوله: «بل على أبواب الفقه» يعني الفروع الفقهية من عبادات كالصلاة، ومعاملات ونظم، كالبيوع والجهاد والأقضية.\nوقوله: لقرب تناوله، أي أنه قصد بترتيب الكتاب على أبواب الفقه تسهيل الاستفادة به في موضوعه وهو الأحكام الفقهية.\nوقوله: وأتيت في آخره بجملة من الأدب والاستئذان، إشارة منه إلى أن هذه الأبواب غير داخلة في أبواب الفقه التي سبق ذكره لها، ولكنه ألحقها بها، ولعل ذلك ملاحظة منه لدخولها تحت عموم الأحكام الشرعية، وإن لم تخصص لها أبواب تفصيلية في كتب الفقه.\n_________\n(^١) يعني الأسانيد عن كل صحابي.\n(^٢) ينظر تقريب الأسانيد مع طرح التثريب ١/¬٢٢.\n(^٣) فقد رتبه على الصحابة، مع تقسيم أحاديث كل صحابي بحسب الرواة عنه.","vol":"5","page":2182},{"text":"وقوله: وغيرها، يعنى غير أبواب الأدب التي ذكرها، وهذه إشارة منه إلى ما ذكره ضمن هذا الملحق أيضا من أبواب متعلقة بأمور الاعتقاد وهي: القدر وأشراط الساعة والبعث وذكر الجنة والنار (^١). فهذه الأبواب تعتبر من أصول الدين العقدية، لا من فروعه الفقهية.\nوما ختم به العراقي كتابه هذا بنسختيه الكبرى والصغرى، من أبواب الأدب والاعتقاد، عندما نقارنه بغيره ممن ألف في أحاديث الأحكام، نجده يقترب كثيرا من منهج سابق له وهو الحافظ عبد الحق الإشبيلي المتوفى سنة ٥٨١ هـ، وذلك في خاتمته أحكامه الكبرى (^٢) والوسطى (^٣) والصغرى (^٤).\nوهذا يدل على تأثر العراقي به في هذا. لكن الحافظ عبد الحق الإشبيلي يختلف في بداية أحكامه الثلاثة عن الحافظ العراقي، فقد ذكر عبد الحق في بداية أحكامه الثلاثة: كتاب الإيمان، ثم كتاب العلم، وثلث بالطهارة إلخ.\nأما العراقي فبدأ بكتاب الطهارة، ثم كتاب الصلاة … إلخ. ولعل عدم ذكر العراقي لكتابي الإيمان والعلم، لكونهما ليسا من فقه الفروع من جهة، ومن جهة ثانية ما أشار إليه في مقدمة التقريب من الرغبة في\n_________\n(^١) ينظر التقريب مع طرح التثريب ٨/ ٢٤٤ - ٢٦٠.\n(^٢) ينظر الأحكام الكبرى لعبد الحق الإشبيلي بتحقيق الأخ الشيخ حسين عكاشة/ ط مكتبة الرشد بالرياض ٣/ ٢٩٦ - ٥٨٣ و٤/¬٥ - ٦٠٧ مع المقارنة بالتقريب مع طرح التثريب ٨/ ٩٩ - ٢٧٩. وكذلك ما سيأتي من الأحكام الوسطى والصغرى.\n(^٣) ينظر الأحكام الوسطى - بتحقيق الشيخ حمدى السلفى ٤/ ٢٠٧ - ٣٦٦.\n(^٤) ينظر الأحكام الصغرى له ط مكتبة العلم بجدة - ٢/ ٨١٨ - ٩٠٥.","vol":"5","page":2183},{"text":"الاختصار، لأجل تيسير حفظ أحاديث الكتاب سندا ومتنا (^١)\nثم إن اشتراط العراقي في أصل أحاديث الكتاب من حيث الإسناد أن تكون بعدد محصور من تراجم الأصحية، ومن حيث المتن أن تكون مما روى بتلك التراجم في كتابين فقط، هما مسند أحمد والموطأ، كما تقدم، جعله ذلك يترك كثيرا من أبواب الأحكام كلية، وأيضا لا يتوسع فيما ذكره منها.\nوقد أشار الحافظ ابن حجر إلى ذلك، فذكر شرط العراقي السابق في التراجم والمتون، ثم قال: وقد أخلى كثيرا من الأبواب، لكونه لم يجد فيها بتلك الشريطة، وفاته أيضا جملة من الأحاديث على شرطه، لكونه تقيد بالكتابين، للغرض الذي أراده، من كون الأحاديث المذكورة تصير متصلة الإسناد، مع الاختصار البالغ (^٢).\nويؤيد كلام الحافظ عن اختصار كتاب شيخه هذا، ما نجده في واقع الكتاب، حيث نجد فيه كلا من كتاب الأطعمة وكتاب الصيد، وكتاب الفرائض وكتاب الأيمان وكتاب الشهادات، كلها غير مقسمة إلى أبواب، وإنما اقتصر العراقي على ذكر بعض الأحاديث تحت عنوان كل كتاب، كما أن هناك بعض كتب ذكرها عبد الحق الإشبيلي الذي ظهر لنا تأثر العراقي به في التبويب، ولكن لم يذكرها العراقي مثل كتاب الأشربة (^٣) وكتاب اللباس والزينة (^٤).\n_________\n(^١) التقريب مع طرح التثريب ١/¬١٦ - ١٨.\n(^٢) ينظر التدريب ١/ ٩١ والبحر الذي زخر ٢/ ٢٦٤ - ٢٦٥ كلاهما للسيوطي.\n(^٣) ينظر الأحكام لعبد الحق الإشبيلي ٤/ ١٧٩.\n(^٤) المصدر السابق ٤/ ١٩٨.","vol":"5","page":2184},{"text":"ونجد أيضا العراقي من أجل الاختصار قد جمع أكثر من كتاب في عنوان واحد مثل قوله: كتاب (العتق والتدبير وصحبة المملوك) (^١) وكتاب (الجنايات والقصاص والديات) (^٢) وفي الكتب التي قسمها العراقي إلى أبواب، نجد أبوابها عنده يقل عددها كثيرا عن أبوابها عند عبد الحق (^٣) وقد لاحظت من تأثر العراقي بعبد الحق، تطابق تراجم عدد من الأبواب عندهما (^٤).\nوذكر أبو زرعة ابن العراقي أن والده في وضعه بعض الأحاديث تحت إحدى تراجم الأبواب، قد اقتدى بأصحابه الشافعية (^٥) وفي موضع آخر ذكر موافقته في ذلك لابن بطال شارح صحيح البخاري، وللقرطبي شارح صحيح مسلم (^٦) وفي موضع ثالث ذكر موافقته في ذلك لابن عبد البر - صاحب التمهيد في شرح الموطأ، وللقاضي عياض شارح صحيح مسلم في كتابه إكمال المعلم (^٧).\n_________\n(^١) ينظر التقريب مع طرح التثريب ٦/ ١٩٢.\n(^٢) ينظر التقريب مع طرح التثريب ٧/ ١٧٩.\n(^٣) ينظر الأحكام الكبرى لعبد الحق كتاب الجنائز ٢/ ٤٨٢ - ٥٧٥ وقارن بالتقريب مع طرح التثريب ٣/ ٢٣٦ - ٣٠٩.\n(^٤) ينظر الأحكام الكبرى لعبد الحق ٣/ ٢٧٦ باب الرجاء مع الخوف، والأمثال ٣/ ١٣٧ والقدر ٣/ ٤٤٥ والرؤيا ٤/ ٢٥٣ وتنظر الأحكام الصغرى لعبد الحق ٢/ ٨١٨ هـ باب الأسماء والكنى، و٨٣٥ «الطب». وقارن بالتقريب مع طرح التثريب ٨/ ١٤٧، ١٨٢، ٢٠٤، ٢٢٠، ٢٢٨، ٢٤٤.\n(^٥) ينظر التقريب مع طرح التثريب ٨/ ٩١ - ٩٩.\n(^٦) المصدر السابق ٢/ ٢٢٦.\n(^٧) ينظر المصدر السابق ٣/ ٢٦٠.","vol":"5","page":2185},{"text":"فهذا يدل على استفادته في فقه التراجم ممن سبقه من الفقهاء وشراح الأحاديث.\nلكن هناك ما يدلنا على أن العراقي كان يعتني بوضع عناوين أو تراجم يستفاد حكمها مما يورده تحتها من الأحاديث حسب فهمه هو، دون تبعية لغيره، حيث وجدته في أحد المواضع ذكر حديثا تحت ترجمة، ثم بدا له أن وضعه تحت غيرها أنسب، فنقله إلى الموضع الأنسب في نظره.\nفقد ذكر حديث عبد الله بن مسعود ﵁ لما نزلت هذه الآية: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ …﴾ (^١) شق ذلك على الناس، وقالوا: يا رسول الله، فأينا الذي لا يظلم نفسه؟ (الحديث). تحت (كتاب الشهادات).\nفقال أبو زرعة ولده: «أورده المصنف ﵀ في الشهادات، كأنه للاستدلال به على أن مطلق الظلم والمعصية لا يخرج الإنسان عن العدالة، ولا يبطل الشهادة، لقول الصحابة ﵃ فأينا الذي لم يظلم نفسه؟ وتقرير النبي ﷺ لهم على ذلك، وهو كذلك …»\nثم قال أبو زرعة: وكان والدي ﵀ أورد أولا هذا الحديث في (كتاب الطهارة) للاستدلال به على أن التشريك في العبادة مفسد لها، كما أن التشريك في الإلهية مفسد للإيمان، ثم نقله إلى هذا الموضع. يعنى الشهادات - لما ذكرناه.\nثم قال أبو زرعة: والاستدلال المذكور أيضا لا بأس به، والشيخ ﵀ لما\n_________\n(^١) سورة الأنعام آية (٨٢).","vol":"5","page":2186},{"text":"التزم هذه التراجم (^١) المحصورة التي قيل: إنها أصح الأسانيد، وقعت له فيها أحاديث، ليست فقهية، فاحتاج إلى مثل هذا، وهو فقه دقيق إن أنصفت، وتكلَّف (^٢) إن أسرفت، والعلم عند الله (^٣).\nوفي كتاب الجهاد - أخرج العراقي حديث أبي هريرة بروايتين: - الأولى: والذي نفسي بيده لا يُكلم أحد في سبيل الله، والله أعلم بمن يُكلم في سبيله (الحديث). والثانية: بلفظ «كل كلم يُكلمه المسلم في سبيل الله … (الحديث). والحديث بروايتيه واضح الدلالة على فضل الجهاد في سبيل الله والإصابة بالجراح فيه. وبمقتضاه أورده العراقي تحت كتاب الجهاد (^٤) في حين نجد البخاري قد أخرجه في صحيحه تحت كتاب الطهارة - باب ما يقع من النجاسات في السمن والماء (^٥) وقد استشكل شراح البخاري هذا، فذكر ابن بطال: أن البخاري فعل هذا لأنه لم يجد حديثا صحيح السند على شرطه في الماء، فاستدل على حكم الماء المائع بحكم الدم المائع، وذلك هو المعنى الجامع بينهما، ولكن خالطه غيره من الشراح في هذا (^٦) وبهذا نجد مخالفة العراقي للبخاري في هذا الموضع، مع جلالته وإمامته، لما هو ظاهر من أولوية ذكر الحديث في كتاب الجهاد، ودلالته على عظيم فضله.\n_________\n(^١) يعنى الأسانيد، بدليل بقية سياق الكلام الآتي بعده.\n(^٢) في المطبوع (وتكلفت) والتصويب من المخطوط رقم (٧٢٠) بدار الكتب المصرية.\n(^٣) ينظر التقريب مع طرح التثريب ٨/ ٨٨ - ٩٠.\n(^٤) المصدر السابق ٧/ ١٩٨.\n(^٥) صحيح البخارى مع الفتح ١/ ٣٤٤ حديث (٢٣٧).\n(^٦) ينظر طرح التثريب ٧/ ٢٠١ وفتح البارى ١/ ٣٤٥.","vol":"5","page":2187},{"text":"وقد يورد العراقي متن الحديث الواحد في كتابين مختلفين، لاشتمال الفاظه على أكثر من معنى، فيستدل لكل موضع بما يتعلق به من متن الحديث، مع زيادة فائدة، فقد ذكر في (باب الوضوء) حديث بريدة بن الحصيب، وفيه أنه ﷺ أصبح فدعى بلالا، فقال: يا بلال، بم سبقتني إلى الجنة؟ (الحديث) وفيه: فأتيت على قصر من ذهب، مرتفع مشرف، فقلت لمن: هذا القصر؟ قالوا لرجل من العرب، قلت أنا عربي، (الحديث) وفيه: قالوا لعمر بن الخطاب، فقال رسول الله ﷺ: لولا غيرتك يا عمر لدخلت القصر، فقال: يا رسول الله ما كنت لأغار عليك، قال: وقال لبلال: بم سبقتني إلى الجنة؟ قال: ما أحدثت إلا توضأت وصليت ركعتين، فقال رسول الله ﷺ: بهذا.\nوالمتعلق من الحديث بباب الوضوء هو آخره فقط، كما ترى. ولكن جاء في أثنائه قصة غيرة عمر ﵁ (^١) فنجد العراقي في كتاب النكاح أخرج القصة فقط من حديث صحابي آخر وهو جابر بن عبد الله، بنحو ما في حديث بريدة السابق، وبذلك لم يعتبر هذا تكرارًا محضا، بل تضمن: فائدة هامة وهي ثبوت القصة من حديث صحابي آخر بسند أصحية آخر (^٢) وهو يماثل في هذا صنيع البخاري في بعض مواضع التكرير في صحيحه (^٣) وقد علق أبو زرعة على هذا بقوله: وقدم الشيخ - يعنى والده - قصة عمر ﵁ هذه في باب الوضوء من حديث بريدة … ثم قال:\n_________\n(^١) ينظر التقريب مع طرح التثريب ٢/ ٥٦ - ٥٧.\n(^٢) ينظر التقريب مع طرح التثريب ٧/ ٦٣ - ٦٤.\n(^٣) ينظر هدى السارى/ ١٥ - ١٦.","vol":"5","page":2188},{"text":"وإنما ذكرها لما فيها من ذكر الغيرة التي تجري في معاشرة الأزواج كثيرا، والحديث يدل على أن لها أصلا في الشرع، وأنها تراعى في الجملة، ولا تنكر (^١).\nويلاحظ أن الحديث فيه غيرة الرجال، ولكن المقصود الأكثر في النكاح بيان غيرة النساء بعضهن من بعض، فيعتبر هذا الحديث مثالا لأثر تقيد العراقي في الكتاب بالأسانيد المعينة من الموصوف بالأصحية، فذكر قصة عمر هذه بدلًا من الأحاديث الصحيحة الأخرى التي صرح فيها بغيرة النساء أنفسهن، لا الغيرة من الرجال عليهن (^٢).\nكما يعتبر هذا من أمثلة دقة استنباطه لفقه الحديث، في حدود ما شرطه على نفسه من نوع الأصحية فيما يذكره، ورعاية المناسبة بين المذكور وبين الترجمة التي يعنون بها لما يذكره من الأحاديث.\nومن أمثلة دقته في ذلك أيضا اقتصاره من لفظ الحديث المطول على ذكر ما يتعلق بالترجمة التي يذكره تحتها (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-657>بعض ما انتقد على العراقي في مناسبة التراجم لما ذكر تحتها من الأحاديث.</span>\nولكن رغم ذلك فهناك بعض مواضع قليلة جدا، مما ينتقد على العراقي في هذا، وقد جاء نقده من أولى الناس بالإنصاف معه، وهو ولده أبو زرعة فيما\n_________\n(^١) ينظر طرح التثريب ٧/ ٦٣.\n(^٢) ينظر طرح التثريب ٧/ ٦٣ - ٦٤. وينظر من أمثلة التكرير أيضا في التقريب مع طرح التثريب ٢/ ١٠٤ و١١٠ (باب التيمم) مع ٧/ ١٩٢ و٢١٣ (كتاب الجهاد).\n(^٣) ينظر التقريب مع طرح التثريب ٨/ ١٧٦.","vol":"5","page":2189},{"text":"شرحه من كتاب التقريب هذا. ففي كتاب النكاح - ذكر العراقي: بابا عنونه: بقوله: (ما يحرم من الأجنبية، وتحرم المؤمنة على الكافر)، وذكر تحته حديث عروة عن عائشة ﵂ قالت: جاءت فاطمة ابنة عقبة بن ربيعة تبايع النبي ﷺ فأخذ عليها: ﴿ألا يشركن بالله شيئا، ولا يزنين﴾ (الآية). وقد تعقبه ولده أبو زرعة بأن هذه الرواية ليس فيها ما يدل على تبويبه، ثم قال: إن قلت لم يُورد الشيخ ﵀ لقوله في التبويب: «وتحريم المؤمنة على الكافر» ما يدل عليه، قلت: «كأن ذلك فهم مما علم من آية الامتحان …» (^١).\nفيلاحظ أن الحديث لم يتضمن التصريح بما يدل على صدر الترجمة، وما ذكره في عجزها حاول ولده التماس دلالة عليه من الآية المذكورة في الحديث، لكن لم يجزم بذلك كما ترى (^٢). والأصل أن يكون الحديث المذكور تحت الترجمة - واضح الدلالة عليها أو على بعضها، أو قريب الصلة بها.\n\n<span data-type='title' id=toc-658>استنباط العراقي لبعض الأحكام من الحديث</span>\nلم يقتصر فقه العراقي في أحاديث الكتاب على تراجم كتبه وأبوابه، كما قدمت، ولكنه في النسخة الكبرى منه قد يتبع الحديث بذكر بعض ما يستنبط منه من الأحكام، ويعتبر هذا مما تتميز به النسخة الكبرى من تقريب الأسانيد على النسخة الصغرى منه، لخلوها من هذا، فقد ذكر حديث همام عن أبي\n_________\n(^١) ينظر التقريب مع طرح التثريب ٧/¬٤٦.\n(^٢) وينظر أيضا التقريب مع طرح التشريب ٤/¬٢٥ و٢٧ - ٢٨.","vol":"5","page":2190},{"text":"هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: ذروني ما تركتكم (الحديث) وفيه: «فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بالأمر، فأتمروا ما استطعتم». ثم قال العراقي: وقال الشيخان: «فأتوا منه ما استطعتم». وعقب بقوله: واستُدِلَّ بهذا اللفظ على أن من وجد بعض ما يكفيه من الماء للطهارة، فيجب استعماله (^١).\nوقد ينسب الحكم المستنبط إلى غيره دون تعقب منه (^٢) فيكون مقرا له. وعموما فإن هذه الاستنباطات مع فائدتها فهي قليلة، كما أن للعراقي أقوالا أخرى في الجمع بين ما ظاهره التعارض أو بيان النسخ وغير ذلك مما سيأتي ضمن عناصر المنهج، وهذا يعتبر كذلك من استنباط العراقي وفقهه في السنة.\n\n<span data-type='title' id=toc-659>تخريجه للأحاديث وسوقه لها، واصطلاحاته في ذلك</span>\nسلك العراقي في تخريجه لأحاديث الكتاب طريقتين:\nإحداهما: التخريج بالرواية بسنده وسند ولده أبي زرعة.\nثانيتهما: التخريج بالعزو إلى المصادر.\nأما الطريقة الأولى فقد أشار إليها في مقدمة التقريب بقوله: أردت أن أجمع لابني أبي زرعة مختصرا في أحاديث الأحكام، يكون متصل الأسانيد بالأئمة الأعلام (^٣).\nثم ذكر سنده هو المتصل بأسانيد أحاديث الكتاب المروية في مسند أحمد\n_________\n(^١) التقريب مع طرح التثريب ٢/ ١١٥ وينظر من أمثلة ذلك أيضا التقريب مع طرح التشريب ٢/ ١٠١ و١٩٧، ١٩٩ - ٢٠١ و٣٠٨ و٥/ ١٦٤ - ١٦٥ و٨/ ١٧٠.\n(^٢) ينظر التقريب مع طرح التثريب ٢/ ٢٨٤.\n(^٣) ينظر التقريب مع طرح التثريب ١/¬١٦.","vol":"5","page":2191},{"text":"وموطأ مالك بالتراجم الست عشرة الموصوفة بالأصحية، فقال: فما كان فيه من حديث نافع عن ابن عمر، ومن حديث الأعرج عن أبي هريرة، ومن حديث أنس، ومن حديث عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة، فأخبرني به … . وساق سنده عن شيوخه إلى أبي مصعب الزهري عن مالك، ثم ذكر سند مالك الموصوف بالأصحية إلى الصحابة الأربعة السابق ذكرهم. وهذه تراجم أو أسانيد أربعة من الـ ١٦ ترجمة (^١).\nثم أتبع ذلك بقوله: -\nوما كان فيه من غير هذه التراجم الأربعة، فأخبرني به … وساق سنده إلى الإمام أحمد في مسنده ثم ساق أسانيد الإمام أحمد في المسند ببقية التراجم الست عشرة الموصوفة بالأصحية وهي (١٢) ترجمة، بعضها عن الصحابة الأربعة السابق ذكرهم، وبعضها عن غيرهم (^٢).\nولما أراد استفتاح الكتاب بحديث النية، ولم يكن إسناده بأحد تلك التراجم الست عشرة، قال: ورأيت الابتداء بحديث النية مسندا بسند آخر، لكونه لا يشترك مع ترجمة أحاديث عمر … (^٣) يعنى الموصوفة بالأصحية. ثم ساق سنده به، وأتبعه بمتنه (^٤).\nأما سند أبي زرعة ابن العراقي المتصل بأحاديث الكتاب المروية بالتراجم الست عشرة، فساقه والده أيضا في بداية طرح التثريب (^٥).\n_________\n(^١) ينظر التقريب مع طرح التثريب ١/¬١٩ - ٢٠.\n(^٢) ينظر التقريب مع طرح التثريب ١/¬٢٠ - ٢٢.\n(^٣) ينظر التقريب مع طرح التثريب ١/¬٢٣.\n(^٤) ينظر التقريب مع طرح التثريب ١/¬٢٣ و٢/¬٢ - ٣.\n(^٥) ينظر طرح التثريب مع التقريب ١/¬١٦ - ١٧.","vol":"5","page":2192},{"text":"وأما متون أحاديث الكتاب التي رواها العراقي وولده بأسانيدهما المتصلة بالتراجم الست عشرة، فبين مصدرها بقوله: ولفظ الحديث الذي أورده في هذا المختصر، هو لمن ذكر الإسناد إليه، من الموطأ، ومسند أحمد (^١).\nوالأحاديث المخرجة بطريقة الرواية هذه، هي التي يقدمها العراقي في الذكر فيسوقها عقب تراجم الكتب والأبواب، في النسختين: الصغرى والكبرى، ثم يتبعها بالروايات والزوائد التي يخرجها بالعزو، كما سيأتي.\nوأما الطريقة الثانية: وهي التخريج بالعزو، فقد سلكها العراقي في أحاديث الكتاب عموما بنسختيه الكبرى والصغرى.\nوذلك أن ما خرجه بالرواية بسنده وبسند ولده أبي زرعة، متصلا بالتراجم الست عشرة كما سبق، قد خرجه أيضا بالعزو إلى غير مسند أحمد والموطأ من المصادر التي اتفقت معهما في تخريج تلك الأحاديث بالتراجم المذكورة.\nثم خرج بالعزو أيضا ما زاده على تلك الأحاديث في النسخة الكبرى من أحاديث مروية بغير تراجم الأصحية الست عشرة. وجعل لنفسه في التخريج بالعزو عموما اصطلاحات وعبارات تدل على مقصوده، وذكر مجمل ذلك في مقدمة التقريب فقال: فإن كان الحديث في الصحيحين، لم أعزه لأحد، وكان ذلك علامة كونه متفقا عليه (^٢)، وإن كان في أحدهما اقتصرت على\n_________\n(^١) ينظر التقريب مع طرح التثريب ١/¬١٨.\n(^٢) مثال ذلك الحديث الأول من باب الوضوء/ ينظر التقريب مع طرح التثريب ٢/¬٤١ - ٤٢\nوحديث النية في أول كتاب الطهارة/ التقريب مع طرح التثريب ٢/¬٢ - ٣.\nأما المتفق عليه من غير المروى بأصح الأسانيد فإنه يصرح بالاتفاق عليه مثل التقريب مع طرح التثريب ٨/ ٢٥٤.","vol":"5","page":2193},{"text":"عزوه إليه (^١) وإن لم يكن في واحد من الصحيحين، عزوته إلى من خرجه من أصحاب السنن الأربعة (^٢) وغيرهم ممن التزم الصحة كابن حبان والحاكم (^٣)\nثم قال: فإن كان عند من عزوت الحديث إليه زيادة تدل على حكم ذكرتها، وكذلك أذكر زيادات أخر من عند غيره (^٤)\nثم قال: فإن كانت الزيادة من حديث ذلك الصحابي، لم أذكره (^٥)، بل أقول: ولأبي داود، أو غيره كذا، وإن كانت من غير حديثه قلت: ولفلان (^٦) من حدث فلان (^٧) كذا (^٨)\nثم قال: وإذا اجتمع حديثان فأكثر في ترجمة واحدة (^٩) كقولى: «عن نافع عن ابن عمر»، لم أذكرها في الثاني وما بعده، بل أكتفي بقولي: وعنه (^١٠) ما لم يحصل اشتباه (^١١)، وقال أيضا: فإن لم يكن الحديث إلا في الكتاب الذي رويته منه، عزوته إليه بعد تخريجه وإن كان\n_________\n(^١) مثال البخاري/ التقريب مع طرح التثريب ٢/ ٢٣٢ ومثال مسلم ٢/ ١٠٤\n(^٢) ينظر مثاله في التقريب مع طرح التثريب ٣/ ٢٨١.\n(^٣) ينظر التقريب مع طرح التثريب ٣/ ٦٧ و٥/ ٢٠٢ - ٢٠٠ و٨/¬١٨ - ١٩.\n(^٤) ينظر التقريب مع طرح التثريب ٧/¬١٨ و٨/ ١٦٣، ١١٩، ١٦٩.\n(^٥) يعنى لم أذكر الصحابي مرة ثانية.\n(^٦) يعنى من أصحاب المصنفات.\n(^٧) يعنى من الصحابة.\n(^٨) ينظر التقريب مع طرح التثريب ٨/¬١٥ - ٦.\n(^٩) يعنى طريقا واحدا كما في المثال الذي ذكره.\n(^١٠) ينظر التقريب مع طرح التثريب ٥/ ١٧٩ - ١٨٣.\n(^١١) يعنى فإن حصل في نظره اشتباه في عائد الضمير في قوله: «وعنه»، صرح بالترجمة في الحديث الثاني أيضا مثل/ التقريب مع طرح التشريب ٦/ ٩٨ - ١٠٦.","vol":"5","page":2194},{"text":"قد علم أنه فيه، لئلا يلتبس ذلك بما في الصحيحين (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-660>أما سوق المتون وتخريجها، فسلك العراقي فيه مسلكين:</span>\nأولهما: ذكر لفظ المصدر الذي روى الحديث فيه، وهذا يشمل الأحاديث التي رواها بسند الأصحية من مسند أحمد والموطأ كما قدمت الإشارة إلى ذلك.\nويشمل أيضا ما صرح خلال التقريب بأنه لفظ رواية فلان من أصحاب المصنفات مثل قوله: وفي لفظ البخاري كذا (^٢) أو لفظ مسلم كذا (^٣) بل إنه قد يعنى ببيان الفرق بحرف واحد بين روايتين، لكونه يؤثر في المعنى مثل قوله: ولأبي داود من حديث حكيم بن حزام: البيعان بالخيار حتى يتفرقا، أو يختار، ثلاث مرار.\nثم قال: وهو عند البخاري دون قوله: «أو» (^٤).\nثانيهما: ما عزاه إلى مصدر أو أكثر ولم يحدد كون اللفظ المذكور هو لفظ رواية واحد، أو أكثر ممن عزا إليهم. وهذا يبين أنه أجراه على قاعدة اصطلاحية. فقال: وحيث عزوت الحديث لمن خرجه (^٥) فإنما أريد أصل الحديث، لا ذلك اللفظ (^٦)، على قاعدة المستخرجات (^٧) وخلاصة ما جاء\n_________\n(^١) ينظر التقريب مع طرح التثريب ٢/ ٢٧٢.\n(^٢) ينظر التقريب مع طرح التثريب ٣/ ١٥٨ و٦/¬١٥ - ١٦.\n(^٣) التقريب مع طرح التثريب ٥/¬٢٨ - ٣١.\n(^٤) التقريب مع طرح التثريب ٦/ ١٤٧ صحيح البخاري - مع الفتح كتاب البيوع - باب إذا كان البائع بالخيار … ٤/ ٣٣٣ - ٣٣٤ حديث ٢١١٤.\n(^٥) يعنى ولم أبين شيئا عن لفظ الرواية.\n(^٦) يعنى الذي ساقه.\n(^٧) ينظر التقريب مع طرح التثريب ١/¬١٨ - ١٩.","vol":"5","page":2195},{"text":"في مبحث المستخرجات عند العراقي وغيره أن الحديث في المستخرج، وفي الكتاب المستخرج عليه، يكون بين روايتيه اختلاف في الألفاظ، زيادة ونقصا، أو اختلاف يسير في المعنى، ولكن أصل الروايتين أو معناهما العام متفق (^١).\nوبهذه القاعدة وجه أبو زرعة عزو والده أحد الأحاديث إلى الصحيحين مع زيادة اللفظ الذي ذكره عما في البخاري (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-661>من نقد تخريجه للأحاديث ومخالفته لاصطلاحه في ذلك:</span>\nمن المراجعة التفصيلية لكتاب التقريب تبين لي أن العراقي التزم بمنهجه واصطلاحاته في تخريج أحاديث الكتاب، وذلك في الأغلب، لكن الكمال لله وحده، فقد وقفت على بعض ما يتعقب به العراقي في تخريجه لبعض الأحاديث، حيث ذكر حديث على ﵁ قال: نهى عن مياثر الأرجوان، ولبس القسى، وخاتم الذهب … (الحديث) وعزاه العراقي الأبي داود، فقط (^٣).\nوبالمراجعة نجد الحديث عند أبي داود بإسناد الأصحية مختصرا هكذا: حدثنا يحيى بن حبيب حدثنا روح حدثنا هشام عن محمد عن عبيدة عن على قال: نهى عن مياثر الأرجوان (^٤). في حين لو رجعنا إلى سنن النسائي الكبرى نجد الحديث من طريق هشام عن محمد عن عبيدة عن على قال:\n_________\n(^١) ينظر فتح المغيث للعراقي ١/¬٢١ وتدريب الراوى ١/ ١١٧ - ١١٨.\n(^٢) التقريب مع طرح التثريب ٧/ ١٣١ - ١٣٣\n(^٣) التقريب مع طرح التثريب ٣/ ٢٢٨\n(^٤) سنن أبي داود - اللباس - باب من كرهه - يعنى الحرير - ٤/ ح ٤٠٤٧ ط عوامة.","vol":"5","page":2196},{"text":"نهى عن مياثر الأرجوان، ولبس القسى وخاتم الذهب (^١).\nولهذا تعقب أبو زرعة والده العراقي في هذا، فذكر أن أبا داود اقتصر على الجملة الأولى من الحديث، ثم قال: فلو عزاه المصنف (^٢) ﵀ للنسائي لكان أولى، لكونه أخرجه بتمامه من هذا الوجه (^٣) يعنى بإسناد الأصحية. وعليه يكون التعقب للعراقي في هذا الموضوع في محله (^٤).\nومما خالف فيه اصطلاحه في التخريج بالعزو، أنه قال: وعن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ نهى عن الوصال (الحديث) وفي آخره: إني أطعم وأسقى. ثم قال: وللبخاري: إني أظل أطعم وأُسقي (^٥). فتعقبه ولده أبو زرعة بقوله: وعزو والدي ﵀ في أحكامه الكبرى هذه الرواية للبخاري عقب حديث ابن عمر يقتضي (^٦) أنها عنده من حديث ابن عمر، وليس كذلك، وإنما هي عنده من حديث أنس.\n_________\n(^١) سنن النسائي الكبرى - كتاب الزينة - باب ذكر حديث عبيدة ٥/ حديث ٩٤٩٦.\n(^٢) يعنى والده العراقي.\n(^٣) ينظر التقريب مع طرح التثريب ٣/ ٢٢٨.\n(^٤) وينظر تعقبه في الاقتصار على ذكر الرواية المعلقة مع وجود المسندة/ التقريب مع طرح التثريب ٣/ ٢٤٢ وفي غزوه ما هو في الصحيحين لأحدهما فقط، حيث يوهم ذلك تفرد أحدهما بالحديث عن الآخر/ ينظر التقريب مع طرح التثريب ٤/¬٤٥ و٥/ ١٤٩، ١٥١، ١٥٦ - ١٥٧، ١٨٠، ١٨٩ - ١٩١. وفيما ذكر أنه لم يره في المصدر المعزو إليه مع أنه موجود فيه/ التقريب مع طرح التثريب ٥/ ١٠٢ - ١٠٣ مع تحفة الأشراف ١٢ حديث (١٦٦٥٤). وفيما عزاه إلى ابن ماجه، ولم يوقف عليه فيه/ التقريب مع طرح التثريب ٥/ ١٤٩، ١٥٥ مع تحفة الأشراف ٢/ حديث ٢٩٢٨ وإلى البخاري ولم يوقف عليه فيه ٥/ ١٩٥ مع ١٩٧ وإلى البزار ولم يوقف عليه فيه ٧/ ٢٥٩.\n(^٥) التقريب مع طرح التثريب ٤/ ١٢٧.\n(^٦) يعنى حسب اصطلاحه في المقدمة كما تقدم ذكره وينظر التقريب مع طرح التثريب ١/¬١٨.","vol":"5","page":2197},{"text":"كما ذكرته، هذا الذي وقفت عليه (^١).\nومن التعقبات ما أشار أبو زرعة إلى أنها وهم من غير والده، ولكن والده تابع غيره فيه (^٢).\nلكن مثل هذه التعقبات وإن كانت في موضعها إلا أنها لا تقدح في بقية الكتاب، ولا في ريادة مؤلفه في علم التخريج في عصره، وريادة كتابه هذا بالأولية في موضوعه كما تقدم.\n\n<span data-type='title' id=toc-662>بيان العراقي لدرجات الأحاديث.</span>\nهذا الكتاب بنسختيه الكبرى والصغرى، بين العراقي فيهما درجات الأحاديث بطرق واصطلاحات متنوعة، وذلك على النحو التالي: -\n\n<span data-type='title' id=toc-663>أولا: شرطه في أصل أحاديث الكتاب،</span> حيث شرط كما تقدم أن يورد فيه من أحاديث الأحكام ما هو مروى بست عشرة ترجمة مما وصف بالأصحية مطلقا أو مقيدا، وينتهي مجموعها إلى عشرة من الصحابة هم بحسب ذكره لهم: عبد الله بن عمر، وأبو هريرة وأنس، وعائشة، وعمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وجابر بن عبد الله، وبريدة بن الحصيب، وعقبة بن عامر، ﵃ (^٣).\nوقد روى تلك الأحاديث بسنده موصولا بتلك التراجم، عن هؤلاء.\n_________\n(^١) ينظر طرح التثريب ٤/ ١٣٢ وصحيح البخاري مع الفتح - كتاب التمني باب ما يجوز من اللو ١٣/ ٢٢٤ - ٢٢٥ حديث (٧٢٤١). وينظر مثال آخر في التقريب مع التعقب في طرح التقريب ٤/ ١٣٩، ١٤٠.\n(^٢) ينظر التقريب مع طرح التثريب ٤/ ١٥٩ - ١٦٠.\n(^٣) ينظر التقريب مع طرح التثريب ١/¬١٨ - ٢٣.","vol":"5","page":2198},{"text":"الصحابة من مسند الإمام أحمد وموطأ الإمام مالك. وقد تقدم أن عدد تلك الأحاديث (٣٤٧) حديثا وزيادة. ويستفاد من هذا الشرط أمران: - أحدهما: أن أحاديث الكتاب المروية بسند العراقي المتصل، وهي التي يبدأ بها عقب تراجم الكتب والأبواب، تُعد من أصح الصحيح، وإن لم يصرح العراقي بوصف كل منها بذلك.\nالأمر الثاني: أن الكتابين اللذين اختار العراقي منهما هذه الأحاديث، لم يشترط مؤلفاهما فيهما الصحة، فأثبت العراقي عمليا أن من المصادر التي لم يشترط فيها مؤلفوها الصحة، ما يشتمل على أحاديث من أصح الصحيح، وبذلك لفت الأنظار إلى عدم انحصار الأحاديث الصحيحة في الصحيحين، وغيرهما مما اشترط مؤلفوه فيه الصحة.\n\n<span data-type='title' id=toc-664>ثانيا: من بيان العراقي لدرجات الأحاديث أيضا تخريج الحديث بالعزو إلى بعض المصادر التي اشترط مؤلفوها فيها الصحة،</span> وقد أشار إلى اصطلاحه في ذلك كما قدمته في مبحث التخريج، وقد ذكر فيه أن ما يسكت عن عزوه إلى أي مصدر، فهذا يعنى أنه متفق عليه عند البخاري ومسلم، وأماما انفرد به أحدهما عن الآخر، أو أخرجه كل منهما عن صحابي غير الذي أخرجه عنه الآخر، فيصرح بعزوه، وكذلك ما أخرجه غيرهما ممن اشترط الصحة كابن حبان وابن خزيمة كما قدمت أمثلة ذلك في مبحث التخريج أيضا، وكذلك ابن خزيمة وإن لم يذكره في المقدمة (^١).\nثالثا: بيان درجات الأحاديث بالتصريح بها كالصحة أو الحسن أو الضعف أو غيره.\n_________\n(^١) ينظر التقريب مع طرح التثريب ٢/ ٦٥ و٥/ ١٦٥.","vol":"5","page":2199},{"text":"وهذا التصريح بالدرجة، تارة ينقله عن غيره كالترمذي (^١) والنسائي وابن المنذر وابن خزيمة والخطابي والحاكم والبيهقي وغيرهم (^٢).\nوتارة يذكر درجة الحديث أو ما يدل عليها من جانبه هو، دون عزو لغيره، فيدل ذلك على إصداره للحكم بناء على نظره هو، وخبرته النقدية، كما ستأتي بعض الأمثلة.\nوأغلب ما تصدى العراقي لبيان درجته بنفسه دون عزو إلى غيره والأحاديث التي في النسخة الكبرى، زيادة على ما في النسخة الصغرى التي هي أصل أحاديث الكتاب كما تقدم.\nوقد يجمع في بيان درجة الحديث أكثر من طريقة تؤيد درجته، فقد ذكر حديث أبي هريرة بلفظ «إذا استجمر أحدكم فليوتر، من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج» وعزاه إلى أبى داود وابن ماجه وقال: بإسناد حسن، ثم قال: وأخرجه ابن حبان (^٣) فقرر من جانبه أن رواية أبي داود وابن ماجه إسنادها حسن، ثم أتبع ذلك بعزو الحديث إلى ابن حبان - يعنى في صحيحه، فأفاد ذلك تصحيح ابن حبان أيضا للحديث بسنده عنده. وبالمراجعة نجد الحديث عند أبي داود (^٤) وابن ماجه (^٥) من طريق ثور بن\n_________\n(^١) ينظر التقريب مع طرح التثريب ٢/ ٢٧٠ مع جامع الترمذي الصلاة - باب القراءة في صلاة العشاء ١/ ٣٤١ - ٣٤٢ حديث (٣٠٩).\n(^٢) ينظر التقريب مع طرح التثريب ٤/¬٤٤ - ٤٥ مع المستدرك ١/ ٤١٠ - ٤١١ والتقريب مع طرح التثريب ٦/ ١٩٧.\n(^٣) ينظر التقريب مع طرح التثريب ٢/ ٨٦.\n(^٤) السنن - الطهارة - باب الاستتار في الخلاء ١/ ١٦٤ ح ٣٦.\n(^٥) الطهارة - باب الارتياد للغائط ١/ ١٢١ حديث (٣٣٧).","vol":"5","page":2200},{"text":"يزيد عن حصين عن أبي سعيد عن أبي هريرة، به بتمامه.\nوعند ابن حبان من طريق القعنبي عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج، ومن طريق أبي عامر الخراز عن عطاء كلاهما عن أبي هريرة (^١) لكن بدون قوله: «من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج». (^٢)\nوفي بعض الأحاديث جمع العراقي بين بيان الدرجة التي يراها وبين الرد على من خالفه، وهذا أظهر في الدلالة على أثره، وتمكنه في النقد.\nفقد روى حديث نافع عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: ﴿من أعتق شركا له في عبد﴾ (الحديث) وفي آخره: وأُعتق عليه العبد، وإلا عَتَقَ منه ما عتق. وأشار إلى أن الحديث - بهذا اللفظ - متفق عليه من طريق مالك عن نافع به.\nثم ذكر أن الدارقطني والبيهقي رويا الحديث من طريق عبيد الله بن عمر، وإسماعيل بن أمية ويحيى بن سعيد - يعنى القطان - ثلاثتهم عن نافع عن ابن عمر، به مع زيادة في آخره بلفظ «ورق منه ما بقى» ثم قال العراقي: وإسنادهما - يعني الدارقطني والبيهقي - جيد، وقال: وقول ابن حزم: إنها (^٣) موضوعة مكذوبة، لا نعلم أحدًا رواها، لا ثقة ولا ضعيف، فمردود عليه. وكذا كلام الطحاوى في راويها إسماعيل بن مرزوق (^٤) بقوله: ليس ممن\n_________\n(^١) الإحسان ٤/ حديثى (١٤٣٧، ١٤٣٩).\n(^٢) وينظر التقريب مع طرح التثريب ٢/ ١٤٥ مع الإحسان (١٤٥٤) وجامع الترمذى - الإيمان ٤/ حديث (٢٦٢١).\n(^٣) يعنى الزيادة المذكورة.\n(^٤) سيأتي الكلام عنه وتجتمع فيه طرق الحديث عند الدارقطني والبيهقي والطحاوى، ثلاثتهم من طريقه عن يحيى بن أيوب عن إسماعيل بن أمية وعبيد الله بن عمر ويحيى بن سعيد، به.","vol":"5","page":2201},{"text":"يقطع بروايته، فقد ذكره ابن حبان في الثقات (^١) وروى عنه غير واحد ولم أر أحدا ضعفه، وباقي إسنادها ثقات (^٢).\nفيلاحظ أن العراقي قد حكم بجودة إسناد هذه الزيادة عند الدارقطني والبيهقي، من طريق إسماعيل هذا. ورد قول الطحاوى بما يشير إلى تضعيف راويها، وتضعيفها تبعا له، وكذا رد قول ابن حزم بوضعها، الذي يقتضي تكذيب راويها هذا، وذكر العراقي من الأدلة ما رآه مؤيدا لما قرره.\nوبالمراجعة لمستند العراقي في هذا الرد، وفي الحكم بجودة إسناد الحديث، نجد أن ابن حبان قد ذكر إسماعيل هذا فعلا في كتاب الثقات (^٣) وذكر راويا واحدا عنه وهو محمد بن عبد الله بن عبد الحكم الراوى لهذا الحديث عنه، ولم يتكلم ابن حبان عن حال إسماعيل بشيء. وقد زاد العراقي ذكر راو آخر عن إسماعيل في ترجمته له، كما سيأتي، وأشار إليه في كلامه السابق بقوله: روى عنه غير واحد، ثم قال: ولم أر أحدا ضعفه.\nفهذه أمور ثلاثة وهي: ذكر ابن حبان لإسماعيل في الثقات، ورواية غير واحد عنه، وعدم وقوف العراقي على من ضعفه، وقد جعل مجموعها يفيد أمرين:\nأحدهما: رد نقد كل من الطحاوي وابن حزم لإسماعيل هذا ولحديثه.\n_________\n(^١) ٨/ ١٠٠ ولم يذكر فيه شيئا ولم يذكر ممن روى عنه غير محمد بن عبد الله بن عبد الحكم.\n(^٢) ينظر التقريب مع طرح التثريب ٦/ ١٩٠ - ١٩٣ وسنن الدارقطني ٤/ ١٢٣ - ١٢٤ وسنن البيهقي من طريق الدارقطن، به ١٠/ ٢٨٠، وشرح مشكل الآثار للطحاوى ١٣/ ٤٢٠ - ٤٢١ حديث (٥٣٧٩)، والمحلى لابن حزم - كتاب العتق ١٠/ ٢١٥.\n(^٣) الثقات لابن حبان ٨/ ١٠٠.","vol":"5","page":2202},{"text":"وثانيهما: تقرير أن إسماعيل هذا يعد في مرتبة من هو صدوق حسن الحديث أو جيده، كما صرح به في الحكم على هذا الحديث من طريقه بالزيادة المذكورة.\nوقد تكلم العراقي عن حال إسماعيل هذا في عدة مواضع غير كتاب تقريب الأسانيد بنحو ما تقدم نقله عن التقريب (^١).\nوزاد تفصيلا في الرد على كل من الطحاوى وابن حزم.\nفبالنسبة للطحاوى ذكر ما خلاصته: أنه لما لم يجد في إسماعيل موضعا للقدح، تكلم فيه بلا حجة، وبلا قادح، لأنه وصفه بعدم إفادة روايته القطع في هذا الحكم، قال العراقي: وهذا في الحقيقة لا يضره، لأن خبر الواحد لا يفيد القطع (^٢) يعنى بذاته ولو كان ثقة، فضلا عن أن يكون مضعفا (^٣).\nوبالنسبة لابن حزم ذكر العراقي أنه أفحش القول عند ذكره الزيادة المذكورة في الحديث من طريق إسماعيل هذا …، وذكر قوله السابق، ثم تعقبه بقوله: وهذه مجازفة منه، فقد رواها ابن يونس في تاريخ مصر، والدارقطني والبيهقي في سننهما، ولا يظن بإسماعيل هذا وضعها، فإنها معروفة قبل إسماعيل، فقد ذكرها الشافعي، وقد عاش إسماعيل هذا بعد الشافعي ثلاثين سنة، فقد ذكر ابن يونس أنه توفى بمصر سنة ٢٣٤ هـ (^٤).\n_________\n(^١) ينظر مقدمة طرح التثريب للعراقي ١/¬٣٤ وذيل الميزان له/ ترجمة (١٩٩) وطرح التثريب ٦/ ١٩٠\n(^٢) طرح التثريب ١/¬٣٤.\n(^٣) ينظر طرح التثريب ٦/ ١٩٥.\n(^٤) ينظر طرح التثريب ١/¬٣٤ وذيل الميزان/ ترجمة (١٩٩) بنحوه.","vol":"5","page":2203},{"text":"وقد تابع العراقي على هذا تلميذاه ابن حجر (^١) وأبو زرعة (^٢).\nولكن فيما ذكره أمور: -\n١ - إن ما ذكره من كون إسماعيل بن مرزوق قد ذكره ابن حبان في الثقات وأنه روى عنه غير واحد وأنه لم يجد أحدًا ضعفه، فهذه الأمور الثلاثة، يرى بعض العلماء ممن سبق العراقي أنها تكفى لرفع جهالة حال الراوى والاحتجاج به، وأرجع البيهقي الأصل في ذلك إلى صنيع الإمام مسلم في صحيحه (^٣) وأيد الحافظ ابن حجر ذلك (^٤) لكن الملاحظ أن هؤلاء العلماء يلجئون إلى ذلك عند عدم وقوفهم - بعد البحث - على ما يوضح حال الراوي، من قول أو فعل، كما أشار إليه العراقي بقوله في إسماعيل: ولم أر أحدًا ضعفه، وفي موضع آخر قال: ولا أعلم أحدًا تكلم فيه (^٥).\nلكن الله تعالى قد وفقني إلى الوقوف على توثيق صريح له عند معاصر لابن حزم، وهو الحافظ الأمير ابن ماكولا، حيث ترجم لإسماعيل هذا، وقال: وكان ثقة (^٦).\nوالعجيب أن الحافظ ابن حجر ذكر هذا التوثيق أيضا في تبصير المنتبه (^٧)، لكن لم يذكره في اللسان مع مسيس الحاجة إليه لقطع النزاع في حال\n_________\n(^١) لسان الميزان ١/ ترجمة (١٣٥٧).\n(^٢) طرح التثريب ٦/ ١٩٥ - ١٩٦.\n(^٣) ينظر صحيح ابن خزيمة ١/ حديث (٣١) والسنن للبيهقي ١/ ١٥٨ و١٥٩.\n(^٤) تهذيب التهذيب ٢/ ٨٧ (جعفر بن أبي ثور).\n(^٥) ينظر ذيل الميزان/ ترجمة (١٩٩).\n(^٦) ينظر الإكمال لابن ماكولا ١/ ٢٣٠ هـ «أبو بريد».\n(^٧) ٤/ ص ١٤٩٢.","vol":"5","page":2204},{"text":"إسماعيل، وفي درجة حديثه كما ترى (^١).\n٢ - ما ذكره العراقي من أن الزيادة التي رواها إسماعيل في هذا الحديث قد ذكرها الشافعي قبله.\nعند المراجعة نجد الشافعي في كتاب اختلاف الحديث من كتاب الأم قد روى أصل الحديث السابق من غير الزيادة، وفي أثناء شرحه له ذكر تلك الزيادة من قوله هو (^٢) فتعتبر موقوفة عليه، وهو مع إمامته، معدود من صغار أتباع التابعين.\nوقد قال أبو زرعة ابن العراقي: وقد ذكر الشافعي هذه الزيادة بغير إسناد، وذلك يدل على أن لها أصلا (^٣).\nوهذا غير مسلم، لأن الرواية أصلها الإسناد، فمتى لم يوجد لا يكون لها أصل، وبالتالي لا يعتبر ذكر الشافعي لهذه الزيادة متابعة، ولا شاهدًا لإسماعيل على روايتها، وعليه فلا يندفع بذلك ما ذكره الطحاوي وأشار إليه ابن حزم، من تفرد إسماعيل برواية هذه الزيادة، ورفعها. أما ما ذكرته من التوثيق الصريح لإسماعيل فيتأيد به حكم العراقي بجودة الحديث من طريقه بالزيادة المذكورة، ويرد به أيضا ما سبق عن كل من الطحاوي وابن حزم ومن تابعهما (^٤) من نقدهم لإسماعيل، ولزيادته المذكورة في هذا الحديث.\n_________\n(^١) ينظر اللسان ١/ ترجمة (١٣٥٧).\n(^٢) ينظر اختلاف الحديث للشافعي/ ٢٩٢ الطبعة المفردة بتحقيق عامر حيدر.\n(^٣) طرح التثريب ٦/ ١٩٦.\n(^٤) كالشيخ الألباني ﵀ في الإرواء ٥/ ٣٥٧ و٦/ ١٧٣ وابن التركماني في الجوهر النقى له بحاشية سنن البيهقي ١٠/ ٢٨٠.","vol":"5","page":2205},{"text":"ويزاد في الرد على ابن حزم ومن وافقه في وصفه الزيادة بالوضع: أن إسماعيل وإن تفرد بها، فقد ثبت توثيقه، ولم يُعرف من نسبه إلى الكذب أو اتهمه به، وبالتالي لا يعتبر ما تفرد به ضعيفا ولا موضوعا، إلا بعلة أخرى تقتضي ذلك حسب القواعد النقدية المعتبرة (^١).\n٣ - قول العراقي عن باقي رجال إسناد هذه الزيادة: إنهم ثقات، فيه توسع في ترجيح التوثيق المطلق ليحيى بن أيوب الغافقي، شيخ إسماعيل بن مرزوق في هذا الإسناد، فيحيى هذا مختلف فيه توثيقا وتضعيفا، وجمع الحافظ ابن حجر بين الأقوال فيه بقوله: صدوق ربما أخطأ (^٢) ونحوه قول الذهبي: له غرائب ومناكير، يتجنبها أرباب الصحاح، وينقون حديثه، وهو حسن الحديث (^٣)، وفي كتابه «ذكر أسماء من تكلم فيه وهو موثق» صدر كلامه بقوله: صدوق، ثم ذكر قول بعض من ضعفه مطلقا ومقيدا (^٤) فيحمل توثيق العراقي المطلق ليحيى هذا على معنى الاحتجاج به في غير ما أنكر عليه.\nرابعا: يعتبر من بيان العراقي لدرجة الحديث أيضًا، ما يتعلق بجوانب الصناعة الحديثية، كالعلل وحال الأسانيد والرواة، وغير ذلك كما سيأتي بيانه.\n\n<span data-type='title' id=toc-665>جوانب الصناعة الحديثية</span>\nجعل العراقي من منهجه في هذا الكتاب بيان ما يتعلق بالصناعة الحديثية،\n_________\n(^١) ينظر تنزيه الشريعة لابن عراق ١/¬١٠ وأجوبة الحافظ ابن حجر عن أحاديث مصابيح السنة للبغوى - مع المصابيح ٣/ ١٧٧٨.\n(^٢) التقريب (ت ٧٥١١) وينظر التهذيب المجموع الأقوال ١١/ ت ٣١٥.\n(^٣) ينظر السير ٨/¬٦.\n(^٤) ينظر ذكر أسماء من تكلم فيه وهو موثق/ ترجمة رقم (٣٦٧).","vol":"5","page":2206},{"text":"سندا أو متنا، وذلك على النحو التالي:\n\n<span data-type='title' id=toc-666>بيانه لأحوال الرواة، والتعريف بالمبهم:</span>\nيتعرض العراقي لبيان أحوال الرواة تعرضا تبعيا، حيث جعله من وسائل بيان درجة الحديث، وكشف علته أو دفعها، ولأجل هذا نجده لا يتوسع في بيان الآراء في حال الراوي، بل يوجز القول، ويختار من أقوال النقاد ما يراه معبرا عن حال الراوي، وعن مرتبة حديثه تبعا لذلك، وقد مر بنا كلامه عن حديث ابن عمر في العتق عند كل من الدارقطني والبيهقي، فبعد الحكم بأن إسنادهما جيد، أيده ببيان حال إسماعيل في نظره، ثم قال: وباقي إسنادها ثقات.\nومن ذلك أنه ذكر حديث أبي هريرة: طهور إناء أحدكم إذا ولغ الكلب فيه أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب، وعزاه إلى صحيح مسلم ثم نقل عن البيهقي في كتابه (معرفة السنن والآثار) قوله: ومحمد بن سيرين ينفرد بذكر «التراب» فيه من حديث أبي هريرة (^١)، وقال في كتابه السنن: إن التراب في هذا الحديث، لم يروه ثقة غير ابن سيرين.\nوقد تعقب العراقي البيهقي بقوله: قلت: تابعه عليه أخوه يحيى بن سيرين فيما رواه البزار، وقال: أولاهن أو أخراهن بالتراب (^٢) ومقتضى هذا التعقب توثيق العراقي ليحيى بن سيرين أخو محمد، وهو كذلك عند جماعة النقاد (^٣)\n_________\n(^١) يعني كما في رواية مسلم هذه من طريق ابن سيرين/ صحيح مسلم - كتاب الوضوء ١/ حديث (٩١)، وينظر المعرفة ٢/ حديث ١٧٢٣.\n(^٢) ينظر التقريب مع طرح التثريب ٢/ ١٢٦ - ١٢٧ و١٣١.\n(^٣) ينظر التهذيب ١١/ ت (٣٦٩) والتقريب (ترجمة ٧٥٦٦).","vol":"5","page":2207},{"text":"وبه رد قول البيهقي السابق بتفرد ثقة واحد بهذه اللفظة، وهو محمد بن سيرين، ودفع أيضا، ما يفيده قول البيهقي من غرابة هذه اللفظة، التي صححها الإمام مسلم.\nومن ذلك أن العراقي عزا إلى الطبراني في الكبير، حديث جهجاه الغفاري أن الرسول ﷺ قال: الكافر يأكل في سبعة أمعاء والمؤمن يأكل في معى واحد، وفيه أن جهجاه هو صاحب قصة الحديث (^١) ثم قال العراقي: وفيه موسى بن عبيدة، ضعيف (^٢).\nوببيانه ضعف موسى هذا راوي الحديث، أفاد ضعف الحديث من طريقه. وقد لخص الحافظ في التقريب حال موسى بمثل ما قال شيخه العراقي (^٣). ومن الرواة ما اكتفى العراقي في بيان حاله بعض الأقوال المختلفة فيه جرحًا وتوثيقا، دون بيان الراجح من ذلك.\nفقد ذكر حديث أبي سعيد الخدري: لا ينبغي للمطى أن تشد رحاله إلى مسجد ينبغي الصلاة فيه غير المسجد الحرام (الحديث) وعزاه الأحمد في مسنده ثم قال: وفيه شهر بن حوشب، وثقه أحمد وابن معين، وتكلم فيه غيرهما (^٤).\nفعلى هذا يمكن اعتبار ذكر العراقي للخلاف في حال شهر بدون ترجيح إشارة منه إلى تحسين الحديث من طريقه هذا، وقد صرح تلميذه وقرينه\n_________\n(^١) ينظر المعجم الكبير ٢/ حديث (٢١٥٢).\n(^٢) ينظر التقريب مع طرح التثريب ٦/¬١٦ - ١٧.\n(^٣) ينظر التقريب/ ترجمة (٦٩٨٩). ينظر المسند ٣/ ٦٤.\n(^٤) ينظر التقريب مع طرح التثريب ٦/¬٤١.","vol":"5","page":2208},{"text":"الهيثمي بذلك في المجمع حين إيراد هذا الحديث\nفقال: ورواه أحمد، وشهر فيه كلام، وحديثه حسن (^١).\nوهذه طريقة من يعتبر أن الراوي المختلف فيه توثيقا وتضعيفا غير شديد دون ترجيح، فحديثه حسن لذاته، ما لم توجد علة أخرى (^٢).\nوقد قال الزبيدي في شهر: مختلف فيه، والراجح قبوله (^٣). فرجح الاحتجاج به كما ترى. لكن العراقي رجح التضعيف في نكته على ابن الصلاح حث ذكر حديث «الأذنان من الرأس» وتخريج ابن حبان له في صحيحه من طريق شهر بن حوشب عن أبي أمامة، وعقب عليه بقوله: وشهر ضعفه الجمهور (^٤) فأفاد ذلك ترجيحه لتضعيفه، وبالتالي تضعيف الحديث من طريقه. وهذا يخالف ما تقدم من ترجيح الزبيدي لقبوله. وعليه فإنه كان الأولى عدم اقتصار العراقي في الموضع السابق على ذكر الخلاف في حال شهر دون تحرير الراجح عنده فيه، كما صنع في النكت، أو كان يصرح بدرجة الحديث المذكور من طريقه، فيمكن بذلك معرفة الراجح عنده في حال شهر راويه. لكنه في مواضع أخرى من التقريب يوضح ما أجمله غيره، فقد ذكر حديث ابن عمر: من ابتاع محفلة (^٥) فهو بالخيار ثلاثة أيام (الحديث) وعزاه\n_________\n(^١) ينظر مجمع الزوائد للهيثمى ٤/¬٣ (الحج) باب قوله: لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد.\n(^٢) ينظر نكت الحافظ ابن حجر على ابن الصلاح ١/ ٣٨٦، ومقدمة الترغيب والترهيب للمنذري ١/¬١٧ والرجال المتكلم فيهم في كتابه هذا/ ١٧٩ - ١٨٠ والوهم والإيهام لابن القطان ١/ ق ٢٣٥/ أ.\n(^٣) ينظر إتحاف السادة المتقين ١٠/ ٩٥.\n(^٤) ينظر التقييد والإيضاح مع علوم ابن الصلاح/ ٥٠ - ٥١.\n(^٥) هي الناقة ونحوها - لا يُحلب لبنها أياما، ليجتمع في ضرعها/ المعجم الوسيط: «حفل»","vol":"5","page":2209},{"text":"إلى أبي داود وابن ماجه (^١) وقال: قال الخطابي: ليس إسناده بذاك (^٢) وقال البيهقي: تفرد به جميع بن عمير، قال البخاري: فيه نظر، وكذبه ابن نمير وابن حبان (^٣).\nفيلاحظ أن قول الخطابي عن درجة الحديث فيه إجمال، فأتبعه العراقي بما يوضحه من بيان البيهقي لتفرد أحد رجال الإسناد بالحديث، مع ذكر ما يفيد شدة ضعفه. وبالمراجعة نجد أن الموجود في سنن البيهقي هو قول البخاري في جميع هذا: «فيه نظر» أهـ (^٤) فقط.\nفلعل ذكر قول ابن نمير وابن حبان من إضافة العراقي، وإن كان لم يميزها عما نقله عن البيهقي. كما ترى.\nوقولهما موجود فعلا في كتاب المجروحين لابن حبان (^٥) لكن يلاحظ أن ما اقتصر العراقي على ذكره في بيان حال «جميع بن عمير» هذا يعتبر أشد ما جرح به، مع تقريره تفرده بالحديث كما قدمت، ومقتضى هذا أن الحديث من طريق «جميع» يعتبر موضوعا، لرميه بالكذب مع تفرده بالحديث (^٦).\n_________\n(^١) سنن أبي داود - البيوع - باب من اشترى مصراة ٤/ حديث ٣٤٣٩ وابن ماجة - التجارات - باب: بيع المصراة ٢/ حديث (٢٢٤٠) كلاهما من طريق جميع بن عمير عن ابن عمر به، وألفاظهما متقاربة.\n(^٢) معالم السنن للخطابي ٥/ ٨٩ مع مختصر السنن للمنذري.\n(^٣) ينظر التقريب مع طرح التثريب ٦/ ٩٧ والسنن الكبرى للبيهقي - البيوع ٥/ ٣١٩ وليس فيه إلا قول البخاري فقط وينظر التاريخ الكبير ٢/ ٢٤٢.\n(^٤) ينظر سنن البيهقي/ الموضع السابق.\n(^٥) ينظر المجروحين ٢/ ٢١٨.\n(^٦) ينظر مقدمة تنزيه الشريعة ١/¬١٠ وأجوبة الحافظ ابن حجر عن أحاديث مصابيح السنة للبغوى، بآخر المصابيح ٣/ ١٧٧٨.","vol":"5","page":2210},{"text":"وهذا يعارضه أمران: -\nأحدهما: ما نقله العراقي بنفسه فيما تقدم من قول الخطابي عن الحديث: «ليس إسناده بذاك».\nفهذه العبارة تقتضي تضعيف الحديث فقط تضعيفا خفيفا من طريق «جميع» وليس وضعه.\nالأمر الثاني: أننا عند مراجعة قول ابن نمير الذي أجمله العراقي، نجد لفظه هكذا: جميع بن عمير من أكذب الناس، وكان يقول: الكراكي (^١) تفرخ في السماء، ولا تقع فراخها (^٢).\nفأشار بذكر مقولة «جميع» هذه، إلى أن المراد كذبه في كلامه هو للناس، وليس كذبه في حديث الرسول ﷺ. وهذا يقتضي أنه يكون متهما فقط بالكذب في الحديث، لا كاذبا بالفعل، ومما يؤيد هذا أن ابن حبان مع تصريحه بأنه «كان رافضيا يضع الحديث» فإنه لم يذكر له شيئا موضوعا، بل إنه ذكره أيضا في ثقات التابعين (^٣) وأقل ما يفيده صنيعه هذا، أنه اختلف رأيه فيه (^٤) وبالتالي لا يؤخذ منه إلا ما يوافق رأى الأكثرين، أو يؤيده دليل معتبر، ولم نجد أيا منهما.\nبل نجد غير واحد من النقاد وصفوا «جميعًا» هذا بالصدق، مع التسليم.\n_________\n(^١) جمع «كُركِى» وهو نوع من الطيور، يأوى إلى الماء أحيانا/ ينظر المعجم الوسيط ٢/ ٧٨٤ (كرك).\n(^٢) المجروحين ٢/ ٢١٨.\n(^٣) ينظر الثقات ٤/ ١١٥.\n(^٤) ينظر الجواهر والدرر للسخاوى ١/ ٨٣ نقلا عن العراقي في توجيه ذكر ابن حبان للراوى في الثقات وفي المجروحين.","vol":"5","page":2211},{"text":"بنسبته للتشيع، ونقده من جهة ضبطه (^١).\nوقد قام معاصر ابن حبان وهو ابن عدي بسبر أحاديث «جميع» ولم يذكر له شيئا موضوعا، ولكن ذكر له أربعة أحاديث عن ابن عمر ﵁ في مناقب علي ﵁، وأشار إلى تفرده بغيرها أيضا، وعلى ضوء ذلك قرر أن وصف البخاري له بأن فيه نظرا، يحمل على ما يلاحظ في أحاديثه من النكارة، لعدم وجود متابع له عليها، ثم قرر أنه رغم ذلك، فقد روى عنه جماعة. اهـ (^٢) ومقتضى هذا أنه ليس متروكا.\nلكن أخرج الخطيب من طريق عصام بن الحكم العكبري عن جميع بن عمر البصري عن سوار عن محمد بن جحادة عن الشعبي عن علي مرفوعا: أنت وشيعتك في الجنة (^٣) ومن طريق الخطيب هذا أخرجه ابن الجوزي في الموضوعات، وعلق عليه بقوله: هذا حديث لا يصح عن رسول الله ﷺ وسوار ليس بثقة، قال ابن نمير: جميع من أكذب الناس، وقال ابن حبان كان يضع الحديث (^٤) وهنا وهم من ابن الجوزي وتابعه عليه من بعده، وهو ذكر قول ابن نمير وابن حبان على أنه في «جميع» الذي في سند هذا\n_________\n(^١) ينظر المغني للذهبي ١/ ت ١١٧٨ والإكمال لمغلطاي ٢/ ت ١٠١٦ وتهذيب التهذيب ٢/ ت ١٧٧ والتقريب (٩٦٨).\n(^٢) ينظر الكامل ٢/ ٥٨٨.\n(^٣) تاريخ بغداد ١٤/ ٢٢٩ - ٢٣٠ ط د/ بشار.\n(^٤) ينظر الموضوعات لابن الجوزي ٢/ حديث (٧٤١) وقد غير محققه الفاضل «عمر» إلى «عمير» ليتفق مع ما ذكره ابن الجوزي في حال (جميع) مع أن ابن الجوزي وهم في ذلك كما سأوضحه في بقية الكلام على الحديث.","vol":"5","page":2212},{"text":"الحديث، والصواب أن قوليهما في «جميع بن عمير الكوفي» (^١) كما قدمت، وعليه مشى ابن الجوزي نفسه في كتابه في الضعفاء ١/ (ت ٦٨٥ هـ) وهو تابعي يروى عن الصحابة كابن عمر وعائشة ﵄ (^٢).\nأما الذي في سند هذا الحديث عند كل من الخطيب وابن الجوزى (^٣) ومن نقل عنهما (^٤) فهو «جميع بن عمر البصري» فافترق عن الأول في اسم الأب وفي البلد، كما أنه في إسناد الحديث قال: حدثنا سوّار عن محمد بن جحادة عن الشعبي عن على، به كما تقدم، وبذلك تكون طبقته متأخرة عن التابعين كما لا يخفى، ثم إن ابن حبان لم يذكره لا في المجروحين ولا في الثقات بحسب ما في أيدينا من طبعتيهما.\nوقد أورد له الذهبي ترجمة في الميزان هكذا «جميع بن عمر (عن) (^٥)\nسُوّار - متروك - عن محمد بن جحادة عن الشعبي عن على …» وبالتأمل نجد أن الذهبي ﵀ قد استخرج هذه الترجمة من سند الحديث السابق عند كل من الخطيب وابن الجوزي ومن تبعهما (^٦) لكن تحرف في المطبوع من الميزان (^٧) لفظ «عن» الذي بين «عمر» وبين «سُوّار» إلى «بن» وبذلك\n_________\n(^١) ينظر المجروحين ٢/ ٢١٨.\n(^٢) ينظر الثقات لابن حبان ٤/ ١١٥.\n(^٣) ينظر الإحالة المتقدمة عليها، ومختصر الموضوعات للذهبي/ حديث (٢٩٣).\n(^٤) ينظر اللآلئ ١/ ٣٧٩.\n(^٥) تحرفت في طبعة الميزان إلى «بن» فغيرت المعنى، كما سأوضحه في بقية الكلام. ينظر الميزان ١/ ت (١٥٥١).\n(^٦) ينظر الإحالة السابقة على كل من تاريخ الخطيب وموضوعات ابن الجوزي واللآلئ المصنوعة.\n(^٧) ينظر الميزان ١/ (ت ١٥٥١).","vol":"5","page":2213},{"text":"صارت كلمة «متروك» المذكورة بعد «سوار» راجعة إلى «جميع بن عمر» والصواب أنها راجعة إلى «سوار» الذي هو في الإسناد المذكور يعد شيخا ل «جميع بن عمر» وليس جده.\nو«سوار» هذا هو ابن مصعب الهمداني، المؤذن، الأعمى، وقد وصفه ابن الجوزي في التعليق على الحديث المذكور بأنه «ليس بثقة (^١)» وهي عبارة بمعنى «متروك» وقد جاء في ترجمته وصفه بكلا الأمرين من النقاد، كما وصف بأنه يروى الموضوعات عن عطية العوفي (^٢) وله رواية للحديث المذكور بنحوه من حديث أم سلمة ﵂ (^٣). وبذلك يبرأ «جميع بن عمير الكوفي» من عهدة حديث علي هذا في شيعته. لأن المذكور في سند الحديث راو آخر غيره، واشتبه به على كل من ابن الجوزى ومن تابعه (^٤).\nوحتى «جميع بن عمر البصري» الذي في سند الحديث إلى «علي» ﵁ لم أجد من تكلم فيه بشيء غير روايته هذا الحديث عن سوار عن ابن جحادة عن الشعبي عن علي، كما تقدم، ووصف الحديث بأنه باطل (^٥). لكنه لم ينفرد بالحديث، بل رواه غيره وهو الفضل بن غانم عن سوار عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري عن أم سلمة، به بنحوه مع زيادة (^٦).\n_________\n(^١) ينظر الموضوعات لابن الجوزى ٢/ حديث (٧٤١).\n(^٢) ينظر الميزان ٢/ واللسان ٣/ ت (٤٤٨).\n(^٣) ينظر تاريخ بغداد ١٤/ ٣٢٢/ ترجمة «الفضل بن غانم».\n(^٤) ينظر اللآلئ المصنوعة ١/ ٣٧٩ والفوائد المجموعة للشوكاني/ حديث رقم ٨٧ (المناقب) وتنزيه الشريعة ١/ ٣٦٦ وتحرف «عمر» إلى «عمرو».\n(^٥) ينظر التهذيب ٢/ ت ١٧٦ وتحرف فيها «عمر» إلى عمير، والميزان ٢ (ت ١٥٥١).\n(^٦) ينظر تاريخ بغداد ١٤/ ٣٢١ - ٣٢٢.","vol":"5","page":2214},{"text":"وتقدم أن سوارا … وصف برواية الموضوعات عن عطية العوفي. فيكون الأولى بتحمل تبعة الحديث هو من دار إسناده من الطريقين عليه، وهو «سوار»، وليس «جميع بن عمر البصري» هذا.\nالخلاصة: ومما يتقدم يستخلص: أن «جميع بن عمر البصري» الذي روى من طريقه حديث علي ﵁ السابق في الشيعة، ليس هو «جميع بن عمير الكوفي» الذي روى أبو داود وابن ماجة والبيهقي من طريقه حديث ابن عمر ﵄ في خيار بيع المحفلة كما تقدم، وأن «جميع بن عمير» هذا لم يثبت ما يقتضي اتهامه بوضع الحديث والكذب فيه، كما نقله العراقي وأقره فيما تقدم.\nولكن خلاصة حاله: أنه عرف بالتشيع مع صدقه، وعليه يحمل ما ذكر من توثيق العجلي له (^١)، وله أحاديث منكرة، لم يعرف له متابع عليها، فيقتضي ذلك ضعفه فقط من جهة ضبطه، وفي راوية ما يؤيد بدعته.\nويلتقي هذا مع قول الحافظ في التقريب إنه «صدوق يخطئ، ويتشيع» (^٢) ومع قول الذهبي في المجرد: إنه «لين» (^٣) ومع قول الخطابي عن حديث ابن عمر السابق: ليس إسناده بذاك. كما تقدم. وهناك أمثلة أخرى بين العراقي فيها أحوال بعض الرواة مشيرا بذلك إلى درجة الحديث المروي من طريقهم، يمكن مراجعة بعضها في التقريب مع طرح التثريب ٥/ ٢٠٥ مع سنن أبي داود - كتاب الضحايا - باب العقيقة ٣/ حديث (٢٨٣٧) والتقريب مع.\n_________\n(^١) ينظر إكمال مغلطاي ٣/ ت ١٠١٦ والتهذيب ٢/ ت ١٧٦.\n(^٢) تقريب التهذيب (٩٦٨).\n(^٣) المجرد في رجال ابن ماجه للذهبي بتحقيق الأخ الفاضل د/ باسم الجوابرة/ ت (٤٦٨).","vol":"5","page":2215},{"text":"طرح التثريب ٦/¬١٦ - ١٧ مع معجم الطبراني ٢/ حديث (٢١٥٢) والتقريب مع طرح التثريب ٦/ ١٩٥ - ١٩٦.\nوأيضا سيأتي بيان العراقي لأحوال بعض الرواة تبعا لما يتعلق بهم من عناصر منهجه الآتي بيانها بعد هذا.\n\n<span data-type='title' id=toc-667>بيانه لانقطاع الإسناد بالإرسال، أو التعليق، أو البلاغ، أو التدليس، مع بيان الوصل، في الغالب.</span>\nتقدم أن شرط العراقي فيما يورده في النسخة الصغرى للتقريب، هو الأصحية المطلقة أو المقيدة، ولكنه بالمراجعة نجد العراقي قد ذكر فيها بعض الأحاديث التي حصل في سندها انقطاع أو بلاغ، ثم أتبعها برواية أخرى للحديث بسند آخر موصول بالثقات، حتى ينجبر به انقطاع الطريق الأول، ويتحقق شرط الأصحية بمجموع الطريقين، وقد تقدم ذكرى لبعض أمثلة ذلك عند بيان شرط العراقي هذا، وسأذكر هنا بعضا آخر منها، وبعضا من الروايات التي أوردها في النسخة الكبرى للتقريب زيادة على ما في الصغرى.\nفمما ذكره في الصغرى مرسلا مع ذكر وصله، أنه قال: وللنسائي - مرسلا - من رواية شعيب بن محمد بن عبد الله، وزيد بن أسلم قالوا يا رسول الله، الفرع؟ (^١) (الحديث) وفي آخره «العتيرة حق» ثم قال العراقي: ووصله الحاكم من رواية شعيب عن جده عبد الله بن عمرو، في الفرع، وصححه، ومن حديث أبي هريرة أيضا وصححه (^٢).\n_________\n(^١) هو نتاج يولد من الماشية والحيوان المأكول اللحم/ ينظر المعجم الوسيط/ فرع.\n(^٢) التقريب مع طرح التثريب ٥/ ٢١٩ - ٢٢٠ وسنن النسائي ٧/ ١٦٨ حديث (٤٢٣٦) ط دار المعرفة، والمستدرك ٤/ ٢٣٦ وفي السند عند النسائي سقط راو، وهو محمد بن عبد الله بن =","vol":"5","page":2216},{"text":"فيلاحظ أن العراقي بين كون رواية النسائي للحديث من طريقيها مرسلة، وذلك لعدم ذكر الصحابي فيها، فتكون ضعيفة بانقطاع الإرسال، ثم ذكر ما يجبر هذا الانقطاع، بالنسبة للشطر الأول من الحديث وهو المتعلق بالفرع، فذكر تخريج الحاكم له موصولا، مع الحكم بالصحة، وذلك من الطريق المرسلة نفسها، التي أخرجها النسائي، ومن طريق آخر عن صحابي آخر، وهو أبو هريرة ﵁، ووافق الذهبي الحاكم على تصحيح الطريقين (^١). وفي موضع آخر جمع العراقي بين إثبات وصل المرسل، وبين أهمية كون الوصل بسند أصح.\nفقد ذكر حديث معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: دخل النبي ﷺ على ضباعة (الحديث) وفيه: حجي واشترطى: أن محلى حيث حبستني. وهذا السند أحد التراجم الموصوفة بالأصحية مما أورده العراقي، وقد ذكر عقبه قول النسائي: لا أعلم أحدًا أسنده عن الزهري غير معمر (^٢). وكلام النسائي هذا ذكره في سننه عقب تخريجه للحديث من الطريق المذكور (^٣) ومن هذا الطريق أخرجه أيضًا الإمام مسلم في صحيحه (^٤).\n_________\n= عمرو، وعليه مشى العراقي في كلامه المذكور، في حين أثبته المزى في التحفة ٦/ حديث (٨٧٠١) فقال: عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو، عن أبيه عن أبيه، وزيد بن أسلم …». وقد وضع على عبارة «عن أبيه» الثانية علامة (صح)، للإشارة إلى تأكد الناسخ من ثبوتها، ومقتضاه أن يقال: رواه النسائي - مرسلًا - من طريق: محمد بن عبد الله، وزيد بن أسلم.\n(^١) ينظر المستدرك ٤/ ٢٣٦ مع تلخيص الذهبي للمستدرك\n(^٢) ينظر التقريب مع طرح التثريب ٥/ ١٦٤ - ١٦٥.\n(^٣) ينظر المجتبى للنسائي ٢/ حديث (٢٧٦٧).\n(^٤) ينظر صحيح مسلم ٢/ حديث (١٢٠٧) مكرر - (الحج).","vol":"5","page":2217},{"text":"وعليه فإن تفرد معمر عن الزهرى به مسندا، كما ذكر النسائي، غير قادح. ولذلك رد العراقي بإسناد الأصحية هذا، قول الأصيلي: إنه لا يثبت في الاشتراط إسناد صحيح، فتعقبه بقوله: هذا غلط فاحش من الأصيلي (^١). كما أن البخاري ومسلما قد اتفقا عليه من طريق أبي أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، به، بنحوه (^٢).\nلكن أخرج الشافعي الحديث من طريق عروة أن النبي ﷺ مر بضباعة (الحديث)، فهو مرسل كما ترى، وقال الشافعي عقب روايته هذه المرسلة: لو ثبت لم أعده إلى غيره.\nوعلق العراقي على ذلك بقوله: وقد ثبت ولله الحمد، فالشافعي قائل به (^٣). وقد سبقه البيهقي إلى نحو هذا (^٤). ومقصودهما ثبوته موصولا صحيحا كما تقدم، مع ذكر البيهقي بعض الطرق الأخرى أيضا (^٥).\nومن ذلك يظهر أهمية بيان العراقي لوصل الرواية المرسلة لهذا الحديث، في دفع عدم الاحتجاج به، وفي ثبوته بسند صحيح ردّ على نفي ثبوت حديث صحيح في الاشتراط في الحج. كما تقدم.\nوقد تعدد أيضا ذكر العراقي لرواية بعض الأحاديث المعلقة، وإتباعها برواية.\n_________\n(^١) ينظر التقريب/ الموضع السابق قبل قليل.\n(^٢) ينظر صحيح البخارى - النكاح حديث (٥٠٨٩) ومسلم/ الحج ٢/ حديث (١٢٠٧).\n(^٣) ينظر التقريب الموضع السابق.\n(^٤) السنن الكبرى للبيهقي (٥/ ٢٢١).\n(^٥) ينظر الموضع السابق.","vol":"5","page":2218},{"text":"لها موصولة، وأغلب ذلك في الألفاظ، والطرق الزائدة، على روايات أصح الأسانيد، فقد قال: وعن همام عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: إذا نودي للصلاة، صلاة الصبح، وأحدكم جنب فلا يصم يومئذ.\nثم قال: ذكره البخاري تعليقا، ووصله ابن ماجه (^١).\nفعند المراجعة نجد رواية همام - وهو ابن منبه - عن أبي هريرة، التي بدأ العراقي بها، هي رواية أحمد في مسنده موصولا (^٢)، وهي بأحد تراجم أصح الأسانيد، حيث قال: حدثنا عبد الرزاق بن همام، حدثنا معمر عن همام بن منبه، قال: هذا ما حدثنا به أبو هريرة … وساق أحاديث صحيفة همام بن منبه عن أبي هريرة، ومنها الحديث المذكور.\nثم أضاف العراقي تخريجا للحديث عند غير الإمام أحمد، فعزا إلى البخاري تخريجه تعليقا، وهذا التعليق ذكره البخاري بصيغة الجزم فقال: وقال همام وابن عبد الله بن عمر: عن أبي هريرة: كان النبي ﷺ يأمر بالفطر (^٣).\nومع كون هذا تعليقا مجزوما، عن ثقة، وهو همام بن منبه، إلا أنه يعد منقطع الإسناد بين البخاري وبين همام.\nولذلك أتبعه العراقي بذكر رواية ابن ماجه له موصولا ليجبر انقطاع التعليق. ورواية ابن ماجه هذه من غير طريق همام عن أبي هريرة به، بنحوه (^٤) وقال.\n_________\n(^١) تقريب الأسانيد مع طرح التثريب ٤/ ١٢٢.\n(^٢) مسند أحمد ٢/ ٣١٢ و٣١٤.\n(^٣) ينظر البخارى مع الفتح ٤/ عقب حديث (١٩٢٦) - الصيام - باب الصائم يصبح جنبا.\n(^٤) ينظر سنن ابن ماجه ١/ حديث (١٧٠٢) - كتاب الصيام.","vol":"5","page":2219},{"text":"البوصيري في زوائد ابن ماجه: هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات (^١). وقد روى الحديث موصولا أيضا ابن حبان في صحيحه، من طريق عبد الرزاق عن معمر عن همام، به، بنحوه (^٢). ولم نجد تعقبا لابن حبان في تصحيحه، فطالما أن العراقي قد اقتصر في بيان وصل هذا التعليق على مصدر واحد؛ فكان الأولى ذكر رواية ابن حبان بدلا من رواية ابن ماجه، لكون ابن حبان وصل التعليق من طريق من علق البخاري عنه الحديث، وهو همام، مع شرط الصحة، بدون تعقب له من غيره، وقد فعل مثل هذا في الموضع التالي: -\nفقد ذكر حديث الأعرج عن أبي هريرة مرفوعا بلفظ «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك»، ثم قال: وفي رواية للبخاري علقها، زيادة بلفظ «مع كل وضوء» (^٣) وأتبع ذلك بقوله: وأسندها ابن خزيمة في صحيحه، والحاكم، وصححها (^٤). وبالمراجعة نجد أن النسائي قد وصل هذه الرواية أيضا في سننه الكبرى (^٥)، لكن العراقي قد اقتصر في بيان وصلها على من اشترط الصحة وهو ابن خزيمة والحاكم، مع عدم تعقبهما في هذا الحديث كما تقدم. فصنيعه هذا أولى من\n_________\n(^١) مصباح الزجاجة ٢/¬٢٢ حديث (٦١٥).\n(^٢) الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ٨/ حديث (٣٤٨٥).\n(^٣) ينظر البخاري مع الفتح (الصيام) باب سواك الرطب واليابس للصائم ٤/ ١٥٨/ ضمن ترجمة الباب.\n(^٤) ينظر صحيح ابن خزيمة ١/ ٧٣ حديث (١٤٠) والمستدرك للحاكم ١/ ١٤٦ من طريق المقبري عن أبي هريرة مرفوعًا، وصححه على شرطهما ووافقه الذهبي.\n(^٥) ينظر السنن الكبرى للنسائي - الصيام - ٢/ حديث (٣٠٣٢).","vol":"5","page":2220},{"text":"صنيعه في وصل التعليق السابق، كما أوضحته (^١).\nوفي بعض المواضع ذكر العراقي ما هو معلق عند البخاري، ولم يذكر من وصله.\nفقد ذكر حديث عروة عن عائشة قالت: صلى رسول الله ﷺ في خميصة ذات علم (^٢) (الحديث) وأتبعه بقوله:\nوقال البخاري: (فنظر إلى أعلامها نظرة)، ثم قال: وفي رواية له علقها: «كنت أنظر إلى علمها وأنا في الصلاة، فأخاف أن يفتني» (^٣).\nفيلاحظ أنه لم يذكر لهذا التعليق رواية موصولة، في حين توجد له رواية موصولة بلفظ مقارب، أخرجها الإمام مالك في الموطأ (^٤) وقد ذكرها تلميذ العراقي، الحافظ ابن حجر في الفتح (^٥)، (^٦).\nوأما التدليس القادح وبيان ما يزيله، فإن العراقي ذكر حديث عائشة ﵂ قالت: لما نزل عُذرى قام النبي ﷺ على المنبر، فذكر ذلك (الحديث)،\n_________\n(^١) وينظر بعض الأمثلة الأخرى لذكره للتعليق مع بيان وصله/ التقريب مع طرح التثريب ٣/ ٢٤٢، ٧/¬٢٢، ٨/ ٧١.\n(^٢) هي خطوط التطريز ونحوها.\n(^٣) ينظر التقريب مع طرح التثريب ٢/ ٣٧٧ والبخارى مع الفتح - الصلاة - باب إذا صلى في ثوب له أعلام، ونظر إليها ١/ ٤٨٢ - ٤٨٣ عقب حديث (٣٧٣).\n(^٤) ينظر الموطأ - الصلاة ١/ ٦٧ - باب النظر في الصلاة إلى ما يشغلك عنها/ حديث (٦٧).\n(^٥) ينظر الفتح ١/ ٤٨٣. وينظر مثال آخر في التقريب مع طرح التثريب ٣/ ٢٢٨ وصحيح البخاري مع الفتح ١٠/ ٢٩٢ - اللباس - باب لبس القسى - ضمن ترجمة الباب، وهو موصول في صحيح مسلم - اللباس - باب ١٧ حدث (٢٠٧٨).\n(^٦) وينظر مثال ما أشار إلى إعلاله بالانقطاع التقريب مع طرح التثريب ٢/ ٧٣ - ٧٤ مع سنن ابن ماجه ١/ حديث (٢٩٤) والتاريخ الكبير للبخارى ٤/ ٧٧ (ت ٢٠١١).","vol":"5","page":2221},{"text":"وعزاه إلى أصحاب السنن - يعني الأربعة - ثم قال: وقال الترمذي: حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث محمد بن إسحق، ثم قال: قلت: في رواية البيهقي تصريح ابن إسحق بالتحديث (^١) فأشار العراقي إلى أن «محمد ابن إسحق» الذي روى الحديث من طريقه في السنن الأربعة، يدلس تدليسا قادحا في اتصال روايته المعنعنة، ما لم يوجد ما يدل على اتصالها، ثم بين وجود ذلك بتصريح ابن إسحق بالتحديث في رواية البيهقي (^٢)، فيزول بذلك ما يخشى من تدليسه.\nوبذلك تتأيد سلامة حكم الترمذي بتحسين الحديث لذاته، مع تقييده بطريق ابن اسحق وَحْدَه، كما تقدم (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-668>بيانه للعلة إثباتا أو نفيا:</span>\nوالمقصود الأصلى بالعلة هنا: ما يوجد من سبب خفي، يقتضي ضعف الحديث سندا أو متنا، مع كون الظاهر السلامة منه (^٤).\nفمن ذلك أن العراقي قال: وللحاكم من حديث ابن عمر عن رسول الله ﷺ أنه نهى أن تباع السلع حيث تشترى (الحديث). وقال: صحيح على شرط مسلم. ثم عقب العراقي بقوله: قلت: يمنعه ابن إسحق، واختلف عليه في إسناده (^٥).\n_________\n(^١) ينظر التقريب مع طرح التثريب ٨/ ٧١ - ٧٢.\n(^٢) ينظر السنن الكبرى للبيهقي ٨/ ٢٥٠.\n(^٣) وينظر جامع الترمذي ٥/ حديث (٣١٨١) وطبقات المدلسين للحافظ ابن حجر/ ١٣٢ ط الباز.\n(^٤) أما العلة الظاهرة فمثالها ما تقدم من الانقطاع أو ضعف الراوى، وسيأتي ذكر بعضها تبعا.\n(^٥) ينظر التقريب مع طرح التثريب ٣/ ١١٠ - ١١١ مع المستدرك ٢/¬٤٠ ووافقه الذهبي.","vol":"5","page":2222},{"text":"فبين العراقي بذلك أن تصحيح الحاكم للحديث بهذا الإسناد على شرط مسلم غير مُسَلَّمٍ له، بل يمنع هذا التصحيح علتان:\nإحداهما: عنعنة ابن إسحق في سنده، وهي قادحة في الاتصال كما في المثال السابق.\nوثانيتهما: أنه اختلف على ابن إسحق فيه، فرواه يزيد بن هارون عن ابن إسحق عن نافع عن ابن عمر، رفعه. وهذا هو الطريق الذي حكم الحاكم بصحته على شرط مسلم كما تقدم.\nكما أن مسلما قد أخرج لابن إسحق متابعة مقرونا، وليس احتجاجا (^١) ثم قال الحاكم عقبه: وعند محمد بن إسحق فيه إسناد آخر، وساق الوجه الثاني للخلاف من طريق أحمد بن خالد الوهبي عن ابن إسحق عن أبي الزناد عن عبيد بن حنين عن ابن عمر، عن زيد بن ثابت، رفعه بنحوه. ولم يحكم الحاكم على هذا الوجه بشيء، حسب طبعة المستدرك التي بين أيدينا.\nومقتضى ذلك أن الحاكم رجح الوجه الأول حيث حكم بصحته دون الثاني، حيث سكت عنه.\nفي حين نجد ابن حبان قد أخرج الحديث في صحيحه من هذا الوجه الثاني (^٢) مع تصريح ابن إسحق عنده بالتحديث.\nومقتضى هذا تصحيح ابن حبان للحديث من هذا الطريق أيضا. وقال ابن عبد الهادي بعد عزوه للحاكم وابن حبان: وهو حديث ثابت جيد (^٣).\n_________\n(^١) ينظر الكاشف للذهبى ٢/ (ت ٤٧١٨).\n(^٢) ينظر الإحسان ١١/ حديث (٤٩٨٤).\n(^٣) ينظر تنقيح التحقيق لابن عبد الهادى ٢/ حديث (١٥٠٦).","vol":"5","page":2223},{"text":"لكن العراقي كما تقدم اقتصر على ذكر الخلاف على ابن إسحق دون ترجيح لأي من الوجهين، وبذلك أعل الحديث من طريقيه، ولم يُسلّم للحاكم تصحيح أولهما.\nوبالمراجعة نجد أن الوجه الثاني أرجح، حيث صرح ابن إسحق فيه بالتحديث عند ابن حبان وغيره، كما أن ابن إسحق قد توبع عليه من طريقين عند الدارقطني (^١).\nوقال العراقي أيضا: ولمسلم من حديث جابر - أحسبه رفعه إلى النبي ﷺ: ويُهل أهل العراق من ذات عرق، ويُهل أهل اليمن من يلملم.\nثم قال: وصرح ابن ماجه برفعه بلفظ: ومهل أهل المشرق من ذات عرق، وفيه إبراهيم بن يزيد الخوزي وهو متروك (^٢) ففي هذا الطريق كما نرى شك في رفع الحديث، ولذلك نجد ابن خزيمة عند تخريج الحديث من هذا الطريق يتوقف في صحته فيقول: إن ثبت الخبر مسندا (^٣).\nوقد أتبع العراقي الرواية المذكورة بقوله: وصرح ابن ماجه (^٤) برفعه، بلفظ «مهل أهل المشرق من ذات عرق» ثم قال: وفيه إبراهيم بن يزيد الخوزي، متروك، وكذا قال تلميذ العراقي ابن حجر في التقريب (^٥).\nوبهذا بين العراقي أن روايته هذه لا تفيد في دفع علة الشك في رفع الحديث\n_________\n(^١) ينظر سنن الدارقطني ٣/¬١٢ حديث ٣٤، ٣٥.\n(^٢) ينظر التقريب مع طرح التثريب ٥/¬٤ وصحيح مسلم ٢/ حديث (١١٨٣).\n(^٣) صحيح ابن خزيمة ٤/ حديث (٢٥٩٢).\n(^٤) السنن له/ المناسك حديث (٢٩١٥).\n(^٥) تقريب التهذيب (ت ٢٧٢).","vol":"5","page":2224},{"text":"التي جاءت في طريق مسلم، لكنه أتبع ذلك بذكر شاهد للحديث من رواية عائشة ﵂، وعزاه لأبى داود والنسائي، وقال: بإسناد جيد (^١). كما أن الإمام مسلما قد أخرج لأصله شاهدا من حديث ابن عباس صدر به الباب (^٢) وبذلك ينجبر ما في الرواية السابقة التي بالشك، من الضعف، ويصح الحديث بمجموع طرقه (^٣).\nومثال ما أُعل بذكر راو بدلا من را وآخر، مع ثقة رجال الإسناديين: أن العراقي قال: وعن عروة عن عائشة أن النبي ﷺ قال لها: هذا جبريل ﵇ وهو يقرأ عليك السلام (الحديث).\nثم قال: الصواب: رواية الزهري عن أبي سلمة عن عائشة، كما هو في الصحيحين، وأما رواية عروة، فرواها النسائي وقال: هذا خطأ (^٤) فنلاحظ أن العراقي صرح بتصويب الرواية التي بذكر (أبي سلمة) في إسناد هذا\n_________\n(^١) التقريب مع طرح التثريب ٥/¬٤.\n(^٢) صحيح مسلم - الحج - باب مواقيت الحج والعمرة ٢/ حديث (١١٨١).\n(^٣) وينظر مثال آخر للشك مع ذكر ما يرجح ارتفاعه/ التقريب مع طرح التثريب ٨/ ١٨٩ - ١٩٠.\n(^٤) ينظر التقريب مع طرح التثريب ٨/ ١٠٧ وفي نسخة التقريب المختصرة التي ذكرت في ضمن طرح التثريب يوجد اختلاف في السياق، مع اتفاق المعنى. وينظر صحيح البخاري مع الفتح ٦/ ٣٠٥ و٣١٠ - ٣١١ (بدء الخلق) حديث (٣٢١٧)، ٧/ ١٠٦ فضائل الصحابة حديث (٣٧٦٨) والأدب ١٠/ ٥٨١ حديث (٦٢٠١)، ١١/¬٣٣ الاستئذان/ حديث (٦٢٤٩) مع ذكره متابعة عدد من الثقات عليه وصحيح مسلم - فضائل الصحابة ٤/ حديث (٢٤٤٧) مكرر. وسنن النسائي/ المجتبى - عشرة النساء ٧/ ٦٥ حديث (٣٩٦٣). والكبرى ٥/ حديث (٨٩٠١) وعمل يوم وليلة ٦/ ١٠١ - ١٠٢ وفيه ذكر الخلاف في الإسناد بذكر عروة مرة، وذكر أبي سلمة مرة أخرى، وبين أن الصواب الثاني، لمتابعة جماعة من الثقات بعضهم بعضا عليه.","vol":"5","page":2225},{"text":"الحديث، على الرواية التي بذكر «عروة» بدلا من «أبي سلمة» وأشار إلى وجه ترجيحها بكونها في الصحيحين. وأيد ذلك بقول النسائي: إن الرواية بذكر «عروة» خطأ.\nوبمراجعة الحديث عند النسائي نجد أنه صوب رواية «أبي سلمة»، بمتابعة جماعة الثقات بعضهم بعضا عليها، وحكم على رواية «عروة»، - رغم ثقة رجالها - بأنها خطأ، وذلك لمخالفتها لرواية أكثر الثقات، فيكون إسنادها هذا معلولا بشذوذه، مع كون ظاهره السلامة، بل هو معدود من أصح الأسانيد كما ترى (^١).\nولذا قرر البرديجي ثم السيوطي تبعا له: أن هذه التراجم، الموصوفة بالأصحية، تعد صحيحة، وأصح، ما لم يقع فيها اختلاف يقتضي الاضطراب، أو الشذوذ، كما في هذا المثال الذي معنا (^٢).\nلكن هذا لا يقدح في أصحية المتن هذا من الطريق الأخرى الراجحة، التي بذكر «أبي سلمة» لاتفاق أكثر الثقات عليها، وتصحيح الشيخين لها، كما تقدم (^٣).\n_________\n(^١) ينظر الموضع السابق من النسائي.\n(^٢) ينظر البحر الذي زخر للسيوطي ط مكتبة الغرباء الأثرية ٢/ ٤٦٢ - ٤٦٣ بل إن من الأحاديث ما يعد متنه موضوعا، ولكنه رُكّب على ما هو من أصح الأسانيد بواسطة أحد الرواة المنسوبين إلى الوضع/ ينظر مثلا العلل المتناهية ١/ ٧٠ حديث (٨٢) مع تلخيص الذهبي له/ كتاب العلم/ حديث (٣٠) مع اللسان ١/ ٢٥٢ - ٢٥٣ و٢٨٧ وموجبات الجنة لابن الفاخر الأصبهاني/ ٢٥ حديث (١٠).\n(^٣) وينظر مثال آخر لبيان العراقي لشذوذ المتن/ التقريب مع طرح التثريب ٦/ ٧٠، ١٠٧، و٤/ ٣٥٣ - ٣٥٤ مع ذكر دليل الترجيح، ورجح ولده في الشرح الجمع/ طرح التثريب =","vol":"5","page":2226},{"text":"وقد تختلف الآراء في إثبات العلة ونفيها، فيذكر العراقي، الخلاف فقط، دون تصريح بموقفه منه.\n_________\n= ٤/ ٣٦١. ومثال آخر لإبدال راو براو آخر مع بيان الصواب منهما/ التقريب مع طرح التشريب ٧/¬٤٨ - ٥٠ وسنن النسائي المجتبى/ عشرة النساء ٧/ ٦٥ - ٦٩.\nوينظر مثال لتعارض الرفع والوقف مع ترجيح الوقف، ومقتضاه إعلال الرفع/ التقريب مع طرح التشريب ٤/¬٤٥ - ٤٦ مع سنن أبي داود ٢/ حديث (١٦٢٢) الزكاة، والنسائي - المجتبى ٥/ حديث (٢٥٠٧، ٢٥٠٩ (الزكاة».\nوينظر تقرير الترمذي إعلال زيادة لفظة «من المسلمين» في حديث ابن عمر في فرض زكاة الفطر، ودفع العراقي لذلك بعدم تفرد مالك بها، وذكره جماعة ممن تابعوه عليها من الثقات في الصحيحين وغيرهما/ التقريب مع طرح التثريب ٤/¬٤٣ و٤٧ - ٤٨ و٦٢ وذكر العراقي أيضا من حديث ابن عمر أن النبي ﷺ كان يرفع يديه في كل خفض ورفع وركوع وسجود (الحديث) وعزاه إلى الطحاوى، وذكر حكمه بأن هذه الرواية شاذة، ثم قال: وصححها ابن القطان.\nوذكر حديث أبي هريرة أنه ﷺ كان يرفع يديه في كل خفض ورفع، وعزاه إلى الدارقطني في العلل، وذكر قول الدارقطني: أن الصحيح «يكبر» يعني بدل «يرفع» ثم عزى لابن حزم وابن القطان تصحيح حديث: الرفع في كل خفض ورفع، وتعقب ذلك بقوله: وأعله الجمهور/ التقريب مع طرح التثريب ٢/ ٢٥٤، ٢٦١ - ٢٦٢ وشرح المشكل للطحاوى ١٥/ حديث (٥٨٣١) والمحلى لابن حزم ٤/ ١٢٣ - ١٢٩، فعزو الإعلال للجمهور، وذكر قول الدارقطني أن الصحيح «يكبر» بدل «يرفع» إشارة ظاهرة من العراقي إلى ترجيحه إعلال روايات الحديث السابقة التي بلفظ «يرفع» ولو كان منها ما هو مروى بإسناد رجاله ثقات.\nوذكر العراقي أيضا حديث «واقضوا ما فاتكم» من طريق ابن عيينة عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، وذكر إعلال مسلم لهذا الطريق بتفرد ابن عيينة به، مخالفا غيره من الثقات في روايته عن الزهري بلفظ «فأتموا» بدل «اقضوا» وذكر من تابع ابن المسيب عليه عن أبي هريرة، ثم ذكر إعلال البيهقي لذلك بقوله: والذين قالوا: «فأتموا» أكثر وأحفظ، وألزم لأبي هريرة، فهو أولى/ التقريب مع طرح التثريب ٢/ ٣٥٤ و٣٦٠ - ٣٦١، فنقله لقول البيهقي هكذا دون تعقب يشير إلى إقراره. وينظر التقريب ٧/¬٤٨ - ٥٠ مع طرح التثريب ففيه إقرار العراقي لذكر راو عن عائشة بدل راو آخر، حسبما صوبه جماعة من النقاد وهم النسائي والذهلي والدارقطني.","vol":"5","page":2227},{"text":"ومن ذلك أنه عزا إلى أصحاب السنن - يعنى الأربعة - (^١) عن سالم عن أبيه أنه رأى الرسول ﷺ وأبا بكر وعمر، يمشون أمام الجنازة، زاد النسائي: وعثمان.\nثم قال العراقي: وصحح ابن المبارك والنسائي أنه من رواية الزهري مرسلا، واختار البيهقي ترجيح الموصول (^٢).\nفيلاحظ أن العراقي حكى الخلاف بين كل من النسائي وابن المبارك، وبين البيهقي، دون إشارة لما يراه هو راجحا.\nوبالمراجعة نجد أن أكثر الثقات قد رووا الإرسال، ولذا نسب الترمذي القول بترجيحه إلى أهل الحديث عموما (^٣).\nأما ترجيح البيهقي للوصل، فأيده بكون راويه وهو سفيان بن عيينة مع إمامته قد استقر على روايته، ولم يختلف عليه فيه، وأضاف ابن التركماني إلى ذلك أيضا متابعة غير واحد من الثقات له (^٤) لكن الحافظ ابن حجر ذكر أن استقرار\n_________\n(^١) ينظر سنن أبي داود - الجنائز/ حديث (٣١٧٩) موصولا، والترمذى ٢/ حديث (١٠٠٧) والنسائي ٤/ حديث (١٩٤٣، ١٩٤٤) وقال النسائي هذا - يعنى الموصول - خطأ، والصواب مرسل. وابن ماجه ١/ حديث (١٤٨٢). وأخرجه الترمذى في الموضع السابق مرسلا، برقم (١٠٠٩) وذكر أن غير واحد من الحفاظ رووه هكذا عن الزهرى مرسلا. ثم ذكر أن أهل الحديث كلهم يرون أن الحديث المرسل في ذلك أصح. وروي بسنده عن ابن المبارك قوله: حديث الزهري في هذا مرسل أصح، من حديث ابن عيينة.\n(^٢) ينظر التقريب مع طرح التثريب ٣/ ٢٨١ - ٢٨٢ وينظر قول النسائي وابن المبارك فيما تقدم من تخريج الحديث وينظر سنن البيهقى ٤/¬٢٣.\n(^٣) ينظر جامع الترمذى في الموضع السابق تخريج الحديث منه.\n(^٤) ينظر سنن البيهقي مع الجوهر النقى ٤/¬٢٣ - ٢٤.","vol":"5","page":2228},{"text":"ابن عيينة على الوصل وعدم الاختلاف عليه، لا ينفى عنه الوهم (^١) أما متابعة الثقات له فيمكن الجواب عنه بمخالفتهم للأكثر كما تقدم، وبذلك يمكن ترجح الإرسال.\nوقد يذكر العراقي ما يدفع علة الاختلاف عن الروايات المختلف فيها على بعض الرواة، وذلك بالجمع بينها بوجه معتبر، كتعدد الواقعة المتعلق بها الحديث، أو ثبوت رواية الحديث بالوجهين المختلفين في الإسناد.\nفمن الأول: أنه ذكر حديث الشيخين من طريق الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر بحطب فيحطب، ثم أمر بالصلاة (الحديث) وفيه: ثم أخالف إلى رجال فأحرق عليهم بيوتهم.\nوذكر أن في رواية لمسلم زيادة في أولها: أن الرسول ﷺ فقد ناسا في بعض الصلوات.\nثم قال: وفي رواية للبيهقي: فأحرق على قوم بيوتهم، لا يشهدون الجمعة. وقال البيهقي: كذا قال (^٢) (الجمعة) والذي يدل عليه سائر الروايات أنه عبر بالجمعة عن الجماعة (^٣).\nوبالمراجعة نجد أن رواية «الجمعة» هذه قد أخرجها البيهقي من طريق معمر عن جعفر بن برقان عن يزيد الأصم عن أبي هريرة به.\n_________\n(^١) ينظر التلخيص الحبير ٢/ ١١١.\n(^٢) يبدو أن مراد البيهقى بالقائل هنا: «يزيد الأصم» الراوى عن أبى هريرة، بدليل بقية كلامه بعده.\n(^٣) سنن البيهقي ٣/ ٥٦ والتقريب مع طرح التثريب ٢/ ٣٠٧ - ٣٠٨. وفي نقل العراقي عن البيهقي حذف رواية أخرى تشهد الرواية الجمعة من غير طريق الأعرج عن أبي هريرة.","vol":"5","page":2229},{"text":"وقد أخرج قبلها الحديث من طريق أبي نعيم عن جعفر، به، بلفظ «الصلاة». بدل الجمعة (^١) ثم أيد رواية «الجمعة» بشاهد لها من حديث ابن مسعود، وعزاه إلى مسلم في صحيحه. وجاءت رواية الأعرج السابقة وكذا رواية أبي صالح كلاهما عن أبى هريرة بلفظ «الصلاة» أو «بعض الصلوات» بدل الجمعة (^٢). وقد جمع البيهقى بين أوجه الخلاف هذه بأن المراد «بالجمعة» في رواية يزيد الأصم عن أبى هريرة، وما شهد لها من حديث ابن مسعود، هو الجماعة المفهومة من رواية الأعرج وأبي صالح، وبذلك لا تعل روايتهما رواية الأصم، ولا شاهدها، لارتفاع التعارض الظاهري بينهما بهذا الجمع.\nومقتضى هذا الجمع أن واقعة الحديث برواياته السابقة واحدة وإن تعدد الصحابي لكن العراقي تعقبه قائلا: قلت: والظاهر أنهما واقعتان ثم أيد ذلك بقوله: ففي الصحيحين في أول هذا الحديث يعنى حديث أبي هريرة: إن أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر …» وهذا يدل على أن المراد: الجماعة.\nثم قال: ولمسلم من حديث ابن مسعود: أن النبي ﷺ قال لقوم يتخلفون عن الجمعة: … (الحديث) وفيه: ثم أحرق على رجال يتخلفون عن الجمعة (^٣) فأفاد العراقي بذلك أن الجمع باتحاد الواقعة يمكن قبوله بالنسبة لروايات. الحديث عن أبي هريرة، من طريق كل من الأصم والأعرج وأبي صالح، أما\n_________\n(^١) ينظر سنن البيهقي ٣/ ٥٦.\n(^٢) ينظر البخارى مع الفتح ٢/ حديث (٦٤٤، ٦٥٧، وصحيح مسلم ١/ حديث (٦٥١، ٦٥٢) وسنن هق ٣/ ٥٦.\n(^٣) ينظر التقريب مع طرح التثريب ٢/ ٣٠٨ وينظر الإحالة السابقة على الصحيحين.","vol":"5","page":2230},{"text":"رواية ابن مسعود بلفظ (الجمعة) فيجمع بينها وبين روايات الحديث عن أبي هريرة بلفظ (الصلاة) أو (العشاء والفجر) بتعدد واقعة التخلف والهم بالتحريق، مرة بالنسبة لصلاة الجمعة، ومرة بالنسبة لصلاة غيرها في جماعة.\nوقد نقل في شرحه للحديث عن النووى ما يؤيد ذلك (^١)\nومن الثاني: وهو الجمع بين اختلاف الإسناد، أن العراقي ذكر الحديث المتفق عليه من طريق سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن النبي ﷺ قال: من باع عبدا وله مال، فماله للبائع إلا أن يشترط المبتاع، ومن باع نخلا مؤبرا (الحديث).\nقال البيهقي: هكذا رواه سالم.\nوخالفه نافع، فروى قصة النخل عن ابن عمر عن النبي ﷺ، وقصة العبد عن ابن عمر عن عمر.\nقال مسلم والنسائي والدارقطني: القول ما قال نافع، وإن كان سالم أحفظ منه.\nوذكر الترمذي عن البخاري أن حديث سالم أصح، وذكر في العلل: أنه سأل البخاري عنه، قال: فكأنه رأى الحديثين صحيحين، وأنه يحتمل عنهما (^٢)، وقد أشار العراقي إلى إقراره لقول البخاري الأخير بتصحيح الوجهين، وذلك بذكره تخريج النسائي للحديث بالوجهين (^٣) وبهذا دفع العراقي إعلال أي من الروايتين للأخرى.\n_________\n(^١) ينظر طرح التثريب ٢/ ٣١٠ وينظر بعض أمثلة دفع العراقي لعلة الاختلاف بالجمع بتعدد الواقعة في التقريب مع الطرح ٢/ ٢٠٠ و٢٠٩ - ٢١٠ و٢٧٢ و٢٧٦ - ٢٧٨ و٣/¬٢ - ٤.\n(^٢) ينظر التقريب مع طرح التثريب ٦/ ١١٦ - ١١٨ والسنن للبيهقى ٥/ ٢٩٧ و٣٢٤ - ٣٢٦ وجامع الترمذى ٢/ حديث (١٢٤٤) والعلل الكبير له بترتيب القاضي ١/ ٤٩٨ - ٥٠٠.\n(^٣) ينظر التقريب الموضع السابق والسنن الكبرى للنسائي - العتق ٣/ حديث (٤٩٨٢) و(٤٩٨٩) و(٤٩٩٠ - ٤٩٩٢).","vol":"5","page":2231},{"text":"<span data-type='title' id=toc-669>مما يتعقب به العراقي في الإعلال:</span>\nهناك أحد المواضع أقر العراقي فيه إعلال رفع حديث مختلف في رفعه ووقفه، مع أن الراجح عدم الإعلال.\nفقد عزا العراقي إلى مسلم في صحيحه من طريق علقمة والأسود عن ابن مسعود أنه قال لهما: إذا كنتم ثلاثة فصلوا صفا، وإذا كنتم أكثر من ذلك فليؤمكم أحدكم (الحديث).\nثم قال: وقول ابن مسعود: «إذا كنتم ثلاثة فصلوا صفا» رفعه أبو داود، وفيه ضعف (^١).\nوبهذا أفاد العراقي أن رواية أبى داود برفع الحديث ضعيفة، وأن الراجح وقفها على ابن مسعود عند مسلم، لصحتها.\nوقد سبق العراقي إلى ذلك ابن عبد البر، حيث قال: وهذا الحديث لا يصح رفعه، والصحيح فيه عندهم التوقيف على ابن مسعود أنه كذلك صلى بعلقمة والأسود، وقد تبعه المنذري على ذلك، وأضاف الإشارة إلى سبب الضعف فقال: وفي إسناده هارون بن عنترة، وقد تكلم فيه بعضهم (^٢).\nومن بعد المنذرى جاء النووي - رحمهما الله - فذكر نحو ما ذكره المنذرى، وزاد بيان حال هارون بن عنترة فقال: وثقه أحمد وابن معين، وقال الدارقطني: هو متروك يكذب، ثم قال النووى: وهذا جرح مفسر، فيقدم على التعديل، والثابت في صحيح مسلم وغيره:\n_________\n(^١) ينظر التقريب مع طرح التثريب ٢/ ٢٨٢ - ٢٨٤، ٢٨٦، وصحيح مسلم ٢ حديث (٥٣٤) وسنن أبي داود ٢/ حديث (٦١٣) بمعناه.\n(^٢) ينظر مختصر سنن أبي داود للمنذرى مع تهذيب ابن القيم للسنن ١/ حديث (٥٨٤).","vol":"5","page":2232},{"text":"أن ابن مسعود فعل ذلك، ولم يقل: هكذا كان رسول الله ﷺ (^١). وبالمراجعة يظهر أن ما ذكره النووي ﵀ في حال «هارون» فيه أمران: أحدهما: ذكره مع توثيقه قول الدارقطني: هو متروك يكذب، واعتبر ذلك جرحا مفسرا فيقدم على ما جاء عن غير الدارقطني من توثيق هارون المذكور، مع كونهم أكثر عددا.\nوهذا غير مسلم، لأن وصف الراوي بمطلق الكذب، كما في قول الدارقطني هذا لا يعتبر مفسرا (^٢). والأمر الثاني: أن قول الدارقطني هذا، لم يقله في «هارون» المذكور، وإنما قاله في ولده عبد الملك بن هارون (^٣).\nوبالتالي يكون ذكر النووي له في «هارون» الأب، ووهم، لا يعتد به، والراجح في حال هارون ما لخصه الحافظ ابن حجر بقوله: لا بأس به (^٤) وعليه فإن الرواية المرفوعة للحديث المذكور من طريقه إسنادها حسن، لأجله. وليست ضعيفة كما ذكر العراقي ومن سبقاه.\nثم إن الإمام مسلما قد أخرج الرواية الموقوفة على ابن مسعود كما تقدم،.\n_________\n(^١) ينظر خلاصة الأحكام للنووي ٢/ ٧١٦ - ٧١٧ ط مؤسسة الرسالة.\n(^٢) ينظر قواعد في علوم الحديث للنهانوي/ ٤٠٤ ط (٣) بتحقيق شيخنا الشيخ عبد الفتاح أبو غدة ﵀.\n(^٣) ينظر سؤالات البرقاني للدارقطني/ ترجمة رقم (٢٥٢) والميزان ٤/ ترجمة (٩١٦٥). والكاشف ٢/ ترجمة (٥٩١٤).\n(^٤) ينظر التقريب (٧٢٣٦) وينظر الكاشف ٢ (٥٩١٤) والتهذيب ١١/ (ت ١٩).","vol":"5","page":2233},{"text":"وأخرجها أيضا مرفوعة عنه من غير طريق هارون المذكور (^١)، وكأنه بذلك يشير إلى كونه لا يرى الرواية الموقوفة تعلها وأشار الترمذي كذلك إلى الرواية المرفوعة (^٢).\nفتكون طريق مسلم هذه عاضدة لطريق هارون التي عند أبي داود، فترتقي روايته إلى الصحيح لغيره، ويندفع عنها إعلال كل من العراقي ومن سبقوه، لكونهم بنوا التعليل على الخطأ في حال «هارون» والذهول عن رواية مسلم المرفوعة في حين تنبه رفيق العراقي وهو الزيلعي (ت ٧٦٢ هـ) فقد ذكر ما تقدم من قول المنذري والنووي وتعقبه بقوله: قلت: كأنهما ذهلا، فإن مسلما أخرجه من ثلاث طرق، لم يرفعه في الأولين، ورفعه في الثالث إلى النبي ﷺ فقال فيه: هكذا فعل رسول الله ﷺ وأيد الزيلعي ذلك بما تقدم عن الترمذي أيضا (^٣).\nلكن الجمهور أعل حديث ابن مسعود من جهة أخرى، وهي كثرة عدد الثقات الذين رووا خلافها، كحديث أنس المتفق عليه في تقدمه ﷺ على أنس والغلام اليتيم وهو يؤمهما (^٤).\nوهناك من اعتمد تصحيح حديث ابن مسعود المرفوع، لاسيما رواية مسلم له في صحيحه، وبعد التصحيح، جمع بينه وبين مخالفه، بما أفاده حديث\n_________\n(^١) صحيح مسلم ١/ كتاب المساجد/ حديث (٢٨).\n(^٢) جامع الترمذى/ الصلاة/ باب ما جاء في الرجل يصلى مع الرجلين ١/ ٢٧٢ - ٢٧٣ عقب حديث (٢٣٣).\n(^٣) ينظر نصب الراية للزيلعي ٢/¬٣٤ - ٣٥.\n(^٤) ينظر نصب الراية الموضع السابق.","vol":"5","page":2234},{"text":"أبى ذر، وفيه: أنه صلى مع رسول الله ﷺ وابن مسعود، فأقام أبا ذر عن يمينه وابن مسعود عن شماله (الحديث) فظن ابن مسعود أن هذه هي السنة، فقال في رواية مسلم: هكذا فعل رسول الله ﷺ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-670>بيانه للناسخ والمنسوخ:</span>\nيعتبر بيان الناسخ والمنسوخ من أهم مطالب التأليف في أحاديث الأحكام، حتى يُعرف المتعبد به من غيره، ولذا نجد العراقي قد عنى خلال الكتاب، ببيان الناسخ والمنسوخ من أحاديثه، كما يستفاد من بيانه أيضا، أن الصحة أو الأصحية للحديث لا تستلزم العمل به، بل قد يكون مع أصحيته قد نسخ العمل به.\nفمن ذلك أن العراقي بوب بقوله: (باب التطبيق في الركوع ونسخه) وأخرج من طريق علقمة والأسود عن عبد الله (يعنى ابن مسعود) قال: إذا ركع أحدكم فليفرش ذراعيه فخذيه، ولتجنًا، ثم طبق بين كفيه، فلكأني أنظر إلى اختلاف أصابع رسول الله ﷺ ثم طبق بين كفيه. وعزاه لمسلم مع زيادة في أوله.\nثم قال العراقي: والتطبيق منسوخ بما في الصحيحين من رواية مصعب بن سعد قال: صليت إلى جنب أبى فطبقت بين كفئ، ثم وضعتهما بين فخذى فنهاني أبي، وقال: كنا نفعله فنهينا عنه، وأمرنا أن نضع أيدينا على الركب (^٢).\n_________\n(^١) ينظر المسند للإمام أحمد ١٧/ حديث (٢١٤٩٥) ط مؤسسة الرسالة.\n(^٢) ينظر التقريب مع طرح التثريب ٢/ ٢٨٢ - ٢٨٣.","vol":"5","page":2235},{"text":"فيلاحظ أن الحديث المنسوخ قد أخرجه مسلم في صحيحه (^١) وهو مروى بأصح الأسانيد إلى ابن مسعود، وقد ذكر العراقي الحديث الناسخ له أيضا، وهو صحيح متفق عليه (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-671>أثر الكتاب فيما بعده:</span>\nفي مقدمة آثار هذا الكتاب أوليته، فكرة وتطبيقا في موضوعه، وهو أصح الصحيح من أحاديث الأحكام، كما تقدم، بحيث أصبح رائدا للعمل في استكمال هذا الموضوع، وإخراجه إلى حيز الوجود ليتبوأ مكانته العليا بالنسبة للمؤلفات في أحاديث الأحكام، كما أشار إلى ذلك أبرز تلاميذ العراقي وهو الحافظ ابن حجر، فيما تقدم (^٣)، وحق للعراقي أن يقول في آخر هذا الكتاب: «وقد انتهى الغرض بنا فيما جمعناه على هذا المنوال المنيع، والمثال البديع، أدام الله النفع به للخاص والعام، على ممر الشهور والأعوام» (^٤).\n٢ - أن الكتاب بمجرد فراغ العراقي منه صار مقررا دراسيا ضمن مواد علم الحديث، حفظا، ورواية ودراية، داخل مصر وخارجها.\nفقد قال العراقي في خاتمته: وبعد، فقد قرأ على ابني أبو زرعة جميع هذه\n_________\n(^١) ينظر صحيح مسلم ١/ حديث (٥٣٤) مكرر.\n(^٢) وينظر باقي أمثلة بيان الناسخ والمنسوخ في التقريب مع طرح التثريب ٤/ ١٢١ - ١٢٢، ٥/ ١٩٤ - ١٩٥ و٢١٧ - ٢٢٠، ٨/¬٤٢ - ٤٣.\n(^٣) ينظر التقريب مع طرح التثريب ٨/ ٢٨٩.\n(^٤) وقد وفق الله تعالى الآن (سنة ١٤٢٣ هـ) إحدى الباحثات الفضليات، من هيئة التدريس بكلية التربية للبنات - جامعة عين شمس، بمصر، فأعدت رسالتها للدكتوراه بعنوان «أصح الأسانيد، جمع ودراسة» وهي في طريقها للنشر والتداول بإذن الله.","vol":"5","page":2236},{"text":"الأحكام، في مجالس تسعة، آخرها بمكة المشرفة، في ثاني صفر سنة ٧٧٦ هـ، وأجزت له أن يرويه عنى، وما يجوز لي، وعنى روايته، متلفظًا، كتبه مؤلفه عبد الرحيم بن الحسين بن العراقي (^١) وباخر إحدى نسخ الكتاب أيضا إجازة من العراقي به لتلميذ آخر غير ولده أبي زرعة (^٢).\nكما ذكر العراقي أيضا أنه لما أكمل هذا الكتاب، وحفظه ابنه أبو زرعة، طلب حَمْلَهُ عنه جماعة من الطلبة الحملة أهـ (^٣) يعنى طلب منه جماعة من طلاب الحديث المجدين في تلقيه بأسانيده، أن يرويه لهم بأسانيده، حتى يؤدوه لغيرهم (^٤).\nوسيأتي ذكر من عرض الكتاب على العراقي بعد حفظه له.\n٣ - وقد اتصل أثر الكتاب حفظا ورواية، ودراية على يد أبرز تلاميذ العراقي فمن بعدهم.\nفنجد الحافظ السخاوي (ت ٩٠٢ هـ) أبرز تلاميذ الحافظ ابن حجر، يذكر أنه سمع على ابن حجر بقراءة غيره، قطعة من أول تقريب الأسانيد المختصر بقراءة المسمع - يعنى ابن حجر- لجميعه، على مؤلفه الزين العراقي (^٥).\nفمن هذا يظهر أن الحافظ ابن حجر خلال تلمذته للعراقي بمصر وملازمته له\n_________\n(^١) ينظر تقريب الأسانيد/ ١٧٦/ الطبعة الأولى.\n(^٢) ينظر خاتمة الطبعة الأولى لتقريب الأسانيد/ ١٨٠.\n(^٣) ينظر طرح التثريب ١/¬١٤.\n(^٤) وينظر خاتمة الطبعة الأولى لتقريب الأسانيد/ ١٨٠ ففيها إجازة لناسخها سنة ٨٥٩ برواية الكتاب عمن رواه بسنده إلى العراقي ورفيقه الهيثمي.\n(^٥) ينظر ثبت السخاوى/ ضمن مجموع/ ق ١٧٨/ ب.","vol":"5","page":2237},{"text":"قد قرأ عليه جميع كتاب تقريب الأسانيد هذا في نسخته المختصرة، ثم أسمعه لطلابه بقراءة أحدهم عليه، وأن السخاوي ممن سمع قطعة من الكتاب حينما قرئ على شيخه ابن حجر، وبذلك اتصل سند العراقي بمروياته في الكتاب التي من أصح الصحيح، إلى الجيل الثالث بعده من الحفاظ والمشيدين.\n٤ - وأما حفظ الكتاب، فتقدم تقرير العراقي أن ابنه أبا زرعة قد حفظه، وممن حفظه وعرضه على العراقي تلميذ آخر وهو أحمد بن يعقوب بن أحمد ابن عبد المنعم، الأطفيحي (^١) ثم القاهري، الأزهري، الشافعي، ويعرف بابن يعقوب، وهو صهر العراقي على ابنته زينب.\nوقد حدث ابن يعقوب هذا، وسمع منه الأئمة، وكانت ولادته بالقاهرة سنة ٧٥٦ هـ ووفاته سنة ٧٩٠ هـ (^٢).\n٦ - وممن حفظه أيضا: عبد الرحيم بن محمد بن محمد التقى، أبو الفضل، ابن المحب، القاهري، الشافعي، ويعرف بالأوجاقي، وقد ولد سنة ٨٢٥ هـ وتوفى في أوائل جمادى الآخرة سنة ٩١٠ هـ (^٣).\n٧ - ومن آثار الكتاب في مؤلفات علوم السنة، نجد أن أبا زرعة ابن العراقي في تكملته لـ «طرح التثريب، في شرح التقريب» كما سيأتي، قد أكثر النقل من زوائد النسخة الكبرى للتقريب في مواضع متعددة، للاستشهاد بما في تلك الزوائد في الغالب، أو للتعقب في بعض الأحيان (^٤).\n_________\n(^١) نسبة إلى إحدى القرى المصرية القريبة من القاهرة تسمى «أطفيح».\n(^٢) ينظر الضوء اللامع للسخاوي ٢/ ٢٤٥.\n(^٣) ينظر الضوء اللامع ٤/ ١٨٨ - ١٨٩ وشذرات الذهب ٨/¬٤٥ - ٤٦ وفيات سنة ٩١٠ هـ.\n(^٤) ينظر تحديد عدد من مواضع النقل فيما سبق. مبحث «تأليف الكتاب في نسختين».","vol":"5","page":2238},{"text":"ونجد أيضا نقولا منه عند الحافظ ابن حجر في أشهر مؤلفاته (^١) ونقل عنه أيضا تلميذ العراقي الحافظ شهاب الدين أحمد بن أبي بكر البوصيري المتوفى سنة ٨٤٠ هـ، وإن كان لم يصرح باسم الكتاب (^٢) ونقل عنه أبرز تلاميذ ابن حجر وهو محمد بن عبد الرحمن السخاوى المتوفى سنة ٩٠٢ هـ في كتابه فتح المغيث في شرح ألفية الحديث، مع تصرف في المنقول (^٣).\n\nتم الجزء الخامس [¬*] من «كتاب الحافظ العراقي وأثره في السنة» ويليه الجزء السادس والأخير وأوله: شرح العراقي لكتاب «تقريب الأسانيد» في كتابه «طرح التثريب في شرح التقريب»\n_________\n(^١) ينظر فتح البارى ٩/ ٤٩٨ و١٠/ ١٧٥ والإصابة ٣/¬١٨ مع الاستيعاب.\n(^٢) ينظر مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه للبوصيري ٢/¬٢٢ - ٢٣ بتحقيق الأخ الدكتور/ عزت عطية والشيخ موسى محمد على ﵀. وتقريب الأسانيد مع طرح التثريب ٤/ ١٢٢ وعن البوصيرى نقل السندى في حاشيته على سنن ابن ماجه ١/ ٥٢١ دون توضيح، وعن السندى نقل الشيخ فؤاد عبد الباقى في تعليقه على ابن ماجه ١/ ٥٤٣ مع تصرف فاحش حيث قال في بداية النقل: «قال السندى: قال شيخنا أبو الفضل ..» يعنى العراقي.\n(^٣) ينظر فتح المغيث شرح ألفية الحديث للسخاوى ١/¬٢٦ (مبحث الصحيح). مع تقريب الأسانيد مع طرح التثريب ١/¬١٩ - ٢٢.\n\n[¬*] (تعليق الشاملة): وهو نهاية ما وقفنا عليه من المطبوع.","vol":"5","page":2239}]}