{"ً":{"ٌ":30169,"ٍ":"الدخيل في تفسير القرآن الكريم","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"/30169/","files":["00_94178.pdf","01_94178.pdf","02_94178.pdf"]},"ّ":"الكتاب: الدخيل في تفسير القرآن الكريم\nالمؤلف: د عبد الوهاب عبد الوهاب فايد [ت ١٤٢٠ هـ]\nالناشر: مكتبة حسان، القاهرة - مصر\nالطبعة: الأولى، ١٣٩٨ هـ - ١٩٧٨ م\nعدد الأجزاء: ٢\n[الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":3181,"ٕ":4,"ٖ":1770156312,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1","2"],"ٚ":[{"title":"الإهداء","level":1,"page":1},{"title":"الجزء الأول","level":1,"page":2},{"title":"مقدمة","level":2,"page":2},{"title":"الفصل الأول المصادر الأصيلة للتفسير","level":2,"page":9},{"title":"القرآن الكريم كمصدر أصيل من مصادر التفسير","level":3,"page":12},{"title":"أمثلة من بيان القرآن بالقرآن","level":4,"page":15},{"title":"أولا - البيان بطريق تفصيل الموجز","level":5,"page":15},{"title":"ثانيا - البيان بطريق توضيح المجمل","level":5,"page":16},{"title":"ثالثا - البيان بطريق تخصيص العام","level":5,"page":18},{"title":"رابعا - البيان بطريق تقييد المطلق","level":5,"page":20},{"title":"خامسا: البيان بطريق النسخ","level":5,"page":22},{"title":"سادسا: البيان بطريق التوفيق بين ما يوهم التعارض","level":5,"page":24},{"title":"سابعا: البيان بطريق القراءات","level":5,"page":28},{"title":"السنة النبوية كمصدر أصيل من مصادر التفسير","level":3,"page":32},{"title":"هل الرسول تناول القرآن كله بالتفسير أم لا؟","level":4,"page":34},{"title":"مناقشة أدلة الفريقين والرأي المختار في هذه المسألة","level":4,"page":38},{"title":"أمثلة من بيان القرآن بالسنة","level":4,"page":41},{"title":"ولنا أن نتساءل هذا: هل كان الرسول ﷺ له اجتهاد في فهم القرآن؟","level":4,"page":44},{"title":"أقوال الصحابة والتابعين كمصدر أصيل من مصادر التفسير","level":3,"page":47},{"title":"ونتساءل هنا: هل هؤلاء الصحابة كانوا جميعا على درجة واحدة بالنسبة الفهم القرآن وتفسيره؟","level":4,"page":51},{"title":"أمثلة من تفسير الصحابة للقرآن","level":4,"page":56},{"title":"قيمة أقوال الصحابة في تفسير القرآن الكريم","level":4,"page":61},{"title":"قواعد اللغة وأسرارها كمصدر أصيل من مصادر التفسير","level":3,"page":71},{"title":"الرأي والاجتهاد كمصدر أصيل من مصادر التفسير","level":3,"page":77},{"title":"موقف العلماء من قضية الرأي في تفسير القرآن الكريم","level":3,"page":78},{"title":"أدلة المانعين للتفسير بالرأي","level":4,"page":78},{"title":"أدلة المجيزين للتفسير بالرأي","level":4,"page":80},{"title":"موقفنا من هذا الخلاف","level":4,"page":82},{"title":"أسباب الخطأ في تفسير القرآن بالرأي","level":4,"page":92},{"title":"الفصل الثاني الدخيل في التفسير","level":2,"page":99},{"title":"أولا - الإسرائيليات","level":3,"page":99},{"title":"ثانيا - الأحاديث الموضوعة والضعيفة","level":3,"page":101},{"title":"ثالثا - بدع التفاسير اللغوية","level":3,"page":102},{"title":"رابعا - تأويلات الباطنية","level":3,"page":102},{"title":"خامسا - شطحات المتصوفة في التفسير","level":3,"page":103},{"title":"سادسا - تحريفات البابية والبهائية والقاديانية في التفسير","level":3,"page":103},{"title":"سابعا - شطحات المفسرين العصريين","level":3,"page":104},{"title":"الفصل الثالث الإسرائيليات في التفسير","level":2,"page":106},{"title":"موقف الرسول من الإسرائيليات","level":3,"page":107},{"title":"بقيت كلمة أخيرة في هذا المبحث، وهي أنه مما قيل - في التوفيق بين أحاديث النهي والإذن","level":4,"page":113},{"title":"كيف تسللت الإسرائيليات إلى التفسير؟","level":3,"page":113},{"title":"موقف الصحابة من الإسرائيليات","level":3,"page":120},{"title":"دفاع عن الصحابة ضد المستشرقين وأتباعهم","level":3,"page":129},{"title":"موقف التابعين من الإسرائيليات","level":3,"page":136},{"title":"كعب الأحبار ووهب ابن منبه","level":3,"page":139},{"title":"أولا - كعب الأحبار","level":4,"page":139},{"title":"ثانيا - وهب بن منبه","level":4,"page":141},{"title":"ثالثا - دفاع عن كعب ووهب","level":4,"page":143},{"title":"أقسام الإسرائيليات من حيث القبول والرد","level":3,"page":152},{"title":"موقف المفسرين من الإسرائيليات","level":3,"page":159},{"title":"وإليك أمثلة من الإسرائيليات نقلتها من كتب التفسير المختلفة","level":3,"page":160},{"title":"المثال الأول: ذكر البغوي في تفسير قوله تعالى: ﴿ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب﴾","level":4,"page":160},{"title":"المثال الثاني: ذكر الزمخشري عند تفسير قوله تعالى: ﴿ألم تر كيف فعل ربك بعاد (٦) إرم ذات العماد (٧) التي لم يخلق مثلها في البلاد (٨)﴾","level":4,"page":166},{"title":"المثال الثالث: أورد القرطبي - في تفسير قوله تعالى: ﴿وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب (٢١)﴾","level":4,"page":168},{"title":"المثال الرابع: ذكر ابن كثير عند تفسير قوله تعالى: ﴿واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان﴾","level":4,"page":170},{"title":"هل يجوز تفسير القرآن بالإسرائيليات؟","level":3,"page":172},{"title":"الجزء الثاني","level":1,"page":178},{"title":"مقدمة","level":2,"page":178},{"title":"الفصل الأول الأحاديث الموضوعة في التفسير","level":2,"page":180},{"title":"متي بدأ الوضع؟","level":3,"page":182},{"title":"أسباب الوضع في التفسير.","level":3,"page":187},{"title":"أولا: الزندقة","level":4,"page":188},{"title":"ثانيا: الخلافات السياسية والدينية","level":4,"page":189},{"title":"ثالثا: استهواء العامة والتكسب بالوعظ والقصص","level":4,"page":192},{"title":"رابعا: الجهل بالدين مع القصد الحسن","level":4,"page":193},{"title":"خامسا: التزلف إلى الخلفاء والأمراء","level":4,"page":195},{"title":"سادسا: التعصب للجنس أو المكان","level":4,"page":197},{"title":"أمارات الوضع","level":3,"page":197},{"title":"الآثار السيئة للوضع","level":3,"page":204},{"title":"جهود العلماء في مقاومة الوضع","level":3,"page":208},{"title":"أولا - المبادرة إلى تدوين السنة","level":4,"page":208},{"title":"ثانيا - وضع علم الجرح والتعديل","level":4,"page":209},{"title":"ثالثا: تصنيف الكتب في بيان الأحاديث الموضوعة","level":4,"page":212},{"title":"١ - كتاب الموضوعات للحافظ أبى الفرج ابن الجوزي","level":5,"page":212},{"title":"٢ - كتاب اللالئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة للحافظ جلال الدين السيوطي","level":5,"page":213},{"title":"٣ - كتاب الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة للإمام أبي عبد الله محمد بن على الشوكاني","level":5,"page":214},{"title":"٤ - كتاب تذكرة الموضوعات للحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي","level":5,"page":214},{"title":"أمثلة من الأحاديث الموضوعة في التفسير","level":3,"page":215},{"title":"المثال الأول: قصة الغرانيق","level":4,"page":217},{"title":"المثال الثاني: قصة زينب بنت جحش","level":4,"page":226},{"title":"المثال الثالث - الأحاديث الموضوعة في فضائل القرآن","level":4,"page":233},{"title":"المثال الرابع - الأحاديث الموضوعة في فضائل علي ﵁","level":4,"page":236},{"title":"الفصل الثاني بدع التفاسير اللغوية","level":2,"page":240},{"title":"والأسباب التي أدت إلى الوقوع في بدع التفاسير اللغوية كثيرة، أهمها ما يلي","level":3,"page":241},{"title":"١ - الجهل بقواعد اللغة وأوضاعها","level":4,"page":241},{"title":"٢ - التعسف في التأويل اتباعا للهوى وانتصارا للمذهب","level":4,"page":242},{"title":"٣ - عدم مراعاة سياق الكلام","level":4,"page":243},{"title":"أمثلة من بدع التفاسير اللغوية","level":3,"page":245},{"title":"أولا - ما يتعلق بالمعاني اللغوية","level":4,"page":245},{"title":"١ - تحريف الكلم عن مواضعه","level":5,"page":245},{"title":"٢ - تفسير اللفظ بغير ما يدل عليه في لغة العرب","level":5,"page":247},{"title":"٣ - تخريج معنى الآية على لغة غريبة","level":5,"page":249},{"title":"٤ - تفسير اللفظ بمعنى مستهجن لا يصح حمل القرآن عليه","level":5,"page":252},{"title":"٥ - تفسير الآية بمعنى باطل عقلا وشرعا","level":5,"page":254},{"title":"٦ - حمل الآية على معنى بعيد لا يتناسب مع السياق","level":5,"page":259},{"title":"ثانيا - ما يتعلق بالقواعد النحوية","level":4,"page":264},{"title":"المثال الأول: في تفسير قوله تعال: ﴿قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم (١٦)﴾","level":5,"page":264},{"title":"المثال الثاني: في تفسير قوله تعالى: ﴿إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم (٢٣) وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله﴾","level":5,"page":265},{"title":"ثالثا - ما يتعلق بالقراءات","level":4,"page":267},{"title":"أما القسم الأول فهو أن بعض الناس استباحوا لأنفسهم أن يستحدثوا بعض القراءات التي ليس لها سند قط","level":5,"page":267},{"title":"المثال الأول: ما ذكر في تفسير قوله تعالى: ﴿قل أعوذ برب الفلق (١) من شر ما خلق (٢)﴾","level":6,"page":267},{"title":"المثال الثاني: ما نسب إلى بعض الشيعة في تفسير قوله تعالى: ﴿فإذا فرغت فانصب (٧)﴾","level":6,"page":268},{"title":"وأما القسم الثاني - في هذا المجال - فهو رد بعض القراءات الصحيحة بمقتضى بعض المذاهب النحوية","level":5,"page":269},{"title":"المثال الأول: ما ذكره ابن عطية عند تفسير قوله تعالى: ﴿واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا (١)﴾","level":6,"page":269},{"title":"المثال الثاني: ما فعله الزمخشري في تفسير قوله تعالى: ﴿وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم﴾","level":6,"page":274},{"title":"الفصل الثالث تأويلات الباطنية","level":2,"page":278},{"title":"حركة الباطنية وأهدافها","level":3,"page":278},{"title":"هل الباطنية يؤمنون بالظاهر؟","level":3,"page":293},{"title":"موقفنا من التأويل الباطني أو التفسير الرمزي","level":3,"page":302},{"title":"أمثلة من تأويلات الباطنية","level":3,"page":309},{"title":"١ - في قوله تعالى: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل﴾","level":4,"page":309},{"title":"٢ - وفي قوله تعالى: ﴿والله جعل لكم من بيوتكم سكنا﴾","level":4,"page":311},{"title":"٣ - ثم نجده يؤول لنا قول الله تعالى: ﴿وأنزلنا من السماء ماء بقدر﴾","level":4,"page":312},{"title":"٤ - وفي قوله تعالى: ﴿قد أفلح من تزكى﴾","level":4,"page":313},{"title":"٥ - ثم نجده يؤول القتل الذي ورد في القرآن","level":4,"page":314},{"title":"٦ - وأخيرا وليس آخرا يؤول الطير الذي جاء في القرآن بالدعاة","level":4,"page":315},{"title":"ما ورد من تأويلات الباطنية في كتب بعض خصومهم","level":3,"page":317},{"title":"١ - ذكر الإمام البغدادي في كتابه: (الفرق بين الفرق) أمثلة من تأويلات الباطنية","level":4,"page":317},{"title":"٢ - وعقد الإمام الغزالي في كتابه: (فضائح الباطنية) فصلا في تأويلات الباطنية للظواهر","level":4,"page":318},{"title":"٣ - ثم نجد شيخ الإسلام ابن تيمية في رسالته التي أسماها (مقدمة في أصول التفسير)","level":4,"page":319},{"title":"الفصل الرابع شطحات الصوفية في التفسير","level":2,"page":322},{"title":"متى بدأ التصوف؟","level":3,"page":322},{"title":"ونستطيع أن نلخص الأدوار التي مر بها التصوف فيما يلي","level":3,"page":326},{"title":"أولا: كان التصوف - في البداية كما ذكرنا - بمعنى الزهد والتقشف","level":4,"page":326},{"title":"ثانيا: ولما دونت العلوم كان أول ما اتجهت إليه الهمم. وانصرفت إليه الأفكار علم الشريعة بمعنى الأحكام العملية","level":4,"page":326},{"title":"ثالثا: ثم اتسعت أنظار الباحثين في العلوم الدينية","level":4,"page":328},{"title":"رابعا: ثم جاء المتأخرون من الصوفية","level":4,"page":329},{"title":"موقف الصوفية من تفسير القرآن الكريم","level":3,"page":333},{"title":"أحدهما: الدعاوى الطويلة العريضة في العشق مع الله تعالى","level":4,"page":342},{"title":"الصنف الثاني من الشطح كلمات غير مفهومة لها ظواهر رائقة، وفيها عبارات هائلة، وليس وراءها طائل،","level":4,"page":343},{"title":"أمثلة من شطحات الصوفية","level":3,"page":348},{"title":"المثال الأول: في ضوء نظرية (وحدة الوجود) التي يقررها ابن عربي في كتبه","level":4,"page":349},{"title":"المثال الثاني: وقد ترتب على إيمان ابن عربي بوحدة الوجود أنه قال كذلك بوحدة الأديان،","level":4,"page":352},{"title":"المثال الثالث: وفي الآيات التي تعرضت القصة موسى مع فرعون","level":4,"page":359},{"title":"المثال الرابع: ثم نجد ابن عربي يذكر لنا تفسيرا غريبا","level":4,"page":363},{"title":"المثال الخامس ذكر الإمام ابن الجوزي في كتابه: (تلبيس إبليس)","level":4,"page":365},{"title":"الفصل الخامس تحريفات البهائية والقاديانية في التفسير","level":2,"page":368},{"title":"أولا - البهائية","level":3,"page":368},{"title":"أمثلة من تحريفات البهائية في التفسير","level":4,"page":376},{"title":"المثال الأول: في تفسير قوله تعالى: ﴿إذ قال يوسف لأبيه ياأبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين (٤)﴾","level":5,"page":376},{"title":"المثال الثاني: وهذا هو أحد دعاة البهائية ويدعى أبا الفضل الجرباذقاني الإيراني ي","level":5,"page":377},{"title":"المثال الثالث: وفي تفسير قول الله تعالى: ﴿بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله﴾","level":5,"page":380},{"title":"المثال الرابع: وفي تفسير قول الله تعالى: ﴿ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه﴾","level":5,"page":382},{"title":"ثانيا - القاديانية","level":3,"page":386},{"title":"أمثلة من تحريفات القاديانية في التفسير","level":4,"page":399},{"title":"المثال الأول: في تفسير قوله تعالى: ﴿ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين﴾","level":5,"page":399},{"title":"المثال الثاني: كما زعم هذا الرجل كذلك أن قوله تعالى: ﴿وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن﴾","level":5,"page":402},{"title":"المثال الثالث: كذلك استدل دعاة القاديانية بقول الله تعالى: ﴿الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس﴾","level":5,"page":404},{"title":"المثال الرابع: وأيضا استدل أحد دعاة القاديانية على بقاء النبوة بعد محمد ﷺ","level":5,"page":406},{"title":"المثال الخامس: ومما هو شبيه بما تقدم","level":5,"page":407}],"ٛ":{"1,3":1,"1,5":2,"1,6":3,"1,7":4,"1,8":5,"1,9":6,"1,10":7,"1,11":8,"1,12":9,"1,13":10,"1,14":11,"1,15":12,"1,16":13,"1,17":14,"1,18":15,"1,19":16,"1,20":17,"1,21":18,"1,22":19,"1,23":20,"1,24":21,"1,25":22,"1,26":23,"1,27":24,"1,28":25,"1,29":26,"1,30":27,"1,31":28,"1,32":29,"1,33":30,"1,34":31,"1,35":32,"1,36":33,"1,37":34,"1,38":35,"1,39":36,"1,40":37,"1,41":38,"1,42":39,"1,43":40,"1,44":41,"1,45":42,"1,46":43,"1,47":44,"1,48":45,"1,49":46,"1,50":47,"1,51":48,"1,52":49,"1,53":50,"1,54":51,"1,55":52,"1,56":53,"1,57":54,"1,58":55,"1,59":56,"1,60":57,"1,61":58,"1,62":59,"1,63":60,"1,64":61,"1,65":62,"1,66":63,"1,67":64,"1,68":65,"1,69":66,"1,70":67,"1,71":68,"1,72":69,"1,73":70,"1,74":71,"1,75":72,"1,76":73,"1,77":74,"1,78":75,"1,79":76,"1,80":77,"1,81":78,"1,82":79,"1,83":80,"1,84":81,"1,85":82,"1,86":83,"1,87":84,"1,88":85,"1,89":86,"1,90":87,"1,91":88,"1,92":89,"1,93":90,"1,94":91,"1,95":92,"1,96":93,"1,97":94,"1,98":95,"1,99":96,"1,100":97,"1,101":98,"1,102":99,"1,103":100,"1,104":101,"1,105":102,"1,106":103,"1,107":104,"1,108":105,"1,109":106,"1,110":107,"1,111":108,"1,112":109,"1,113":110,"1,114":111,"1,115":112,"1,116":113,"1,117":114,"1,118":115,"1,119":116,"1,120":117,"1,121":118,"1,122":119,"1,123":120,"1,124":121,"1,125":122,"1,126":123,"1,127":124,"1,128":125,"1,129":126,"1,130":127,"1,131":128,"1,132":129,"1,133":130,"1,134":131,"1,135":132,"1,136":133,"1,137":134,"1,138":135,"1,139":136,"1,140":137,"1,141":138,"1,142":139,"1,143":140,"1,144":141,"1,145":142,"1,146":143,"1,147":144,"1,148":145,"1,149":146,"1,150":147,"1,151":148,"1,152":149,"1,153":150,"1,154":151,"1,155":152,"1,156":153,"1,157":154,"1,158":155,"1,159":156,"1,160":157,"1,161":158,"1,162":159,"1,163":160,"1,164":161,"1,165":162,"1,166":163,"1,167":164,"1,168":165,"1,169":166,"1,170":167,"1,171":168,"1,172":169,"1,173":170,"1,174":171,"1,175":172,"1,176":173,"1,177":174,"1,178":175,"1,179":176,"1,180":177,"2,3":178,"2,4":179,"2,5":180,"2,6":181,"2,7":182,"2,8":183,"2,9":184,"2,10":185,"2,11":186,"2,12":187,"2,13":188,"2,14":189,"2,15":190,"2,16":191,"2,17":192,"2,18":193,"2,19":194,"2,20":195,"2,21":196,"2,22":197,"2,23":198,"2,24":199,"2,25":200,"2,26":201,"2,27":202,"2,28":203,"2,29":204,"2,30":205,"2,31":206,"2,32":207,"2,33":208,"2,34":209,"2,35":210,"2,36":211,"2,37":212,"2,38":213,"2,39":214,"2,40":215,"2,41":216,"2,42":217,"2,43":218,"2,44":219,"2,45":220,"2,46":221,"2,47":222,"2,48":223,"2,49":224,"2,50":225,"2,51":226,"2,52":227,"2,53":228,"2,54":229,"2,55":230,"2,56":231,"2,57":232,"2,58":233,"2,59":234,"2,60":235,"2,61":236,"2,62":237,"2,63":238,"2,64":239,"2,65":240,"2,66":241,"2,67":242,"2,68":243,"2,69":244,"2,70":245,"2,71":246,"2,72":247,"2,73":248,"2,74":249,"2,75":250,"2,76":251,"2,77":252,"2,78":253,"2,79":254,"2,80":255,"2,81":256,"2,82":257,"2,83":258,"2,84":259,"2,85":260,"2,86":261,"2,87":262,"2,88":263,"2,89":264,"2,90":265,"2,91":266,"2,92":267,"2,93":268,"2,94":269,"2,95":270,"2,96":271,"2,97":272,"2,98":273,"2,99":274,"2,100":275,"2,101":276,"2,102":277,"2,103":278,"2,104":279,"2,105":280,"2,106":281,"2,107":282,"2,108":283,"2,109":284,"2,110":285,"2,111":286,"2,112":287,"2,113":288,"2,114":289,"2,115":290,"2,116":291,"2,117":292,"2,118":293,"2,119":294,"2,120":295,"2,121":296,"2,122":297,"2,123":298,"2,124":299,"2,125":300,"2,126":301,"2,127":302,"2,128":303,"2,129":304,"2,130":305,"2,131":306,"2,132":307,"2,133":308,"2,134":309,"2,135":310,"2,136":311,"2,137":312,"2,138":313,"2,139":314,"2,140":315,"2,141":316,"2,142":317,"2,143":318,"2,144":319,"2,145":320,"2,146":321,"2,147":322,"2,148":323,"2,149":324,"2,150":325,"2,151":326,"2,152":327,"2,153":328,"2,154":329,"2,155":330,"2,156":331,"2,157":332,"2,158":333,"2,159":334,"2,160":335,"2,161":336,"2,162":337,"2,163":338,"2,164":339,"2,165":340,"2,166":341,"2,167":342,"2,168":343,"2,169":344,"2,170":345,"2,171":346,"2,172":347,"2,173":348,"2,174":349,"2,175":350,"2,176":351,"2,177":352,"2,178":353,"2,179":354,"2,180":355,"2,181":356,"2,182":357,"2,183":358,"2,184":359,"2,185":360,"2,186":361,"2,187":362,"2,188":363,"2,189":364,"2,190":365,"2,191":366,"2,192":367,"2,193":368,"2,194":369,"2,195":370,"2,196":371,"2,197":372,"2,198":373,"2,199":374,"2,200":375,"2,201":376,"2,202":377,"2,203":378,"2,204":379,"2,205":380,"2,206":381,"2,207":382,"2,208":383,"2,209":384,"2,210":385,"2,211":386,"2,212":387,"2,213":388,"2,214":389,"2,215":390,"2,216":391,"2,217":392,"2,218":393,"2,219":394,"2,220":395,"2,221":396,"2,222":397,"2,223":398,"2,224":399,"2,225":400,"2,226":401,"2,227":402,"2,228":403,"2,229":404,"2,230":405,"2,231":406,"2,232":407,"2,233":408,"2,234":409},"ٜ":{"1":[3,180],"2":[3,234]},"ٝ":["1,3","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","2,3","2,4","2,5","2,6","2,7","2,8","2,9","2,10","2,11","2,12","2,13","2,14","2,15","2,16","2,17","2,18","2,19","2,20","2,21","2,22","2,23","2,24","2,25","2,26","2,27","2,28","2,29","2,30","2,31","2,32","2,33","2,34","2,35","2,36","2,37","2,38","2,39","2,40","2,41","2,42","2,43","2,44","2,45","2,46","2,47","2,48","2,49","2,50","2,51","2,52","2,53","2,54","2,55","2,56","2,57","2,58","2,59","2,60","2,61","2,62","2,63","2,64","2,65","2,66","2,67","2,68","2,69","2,70","2,71","2,72","2,73","2,74","2,75","2,76","2,77","2,78","2,79","2,80","2,81","2,82","2,83","2,84","2,85","2,86","2,87","2,88","2,89","2,90","2,91","2,92","2,93","2,94","2,95","2,96","2,97","2,98","2,99","2,100","2,101","2,102","2,103","2,104","2,105","2,106","2,107","2,108","2,109","2,110","2,111","2,112","2,113","2,114","2,115","2,116","2,117","2,118","2,119","2,120","2,121","2,122","2,123","2,124","2,125","2,126","2,127","2,128","2,129","2,130","2,131","2,132","2,133","2,134","2,135","2,136","2,137","2,138","2,139","2,140","2,141","2,142","2,143","2,144","2,145","2,146","2,147","2,148","2,149","2,150","2,151","2,152","2,153","2,154","2,155","2,156","2,157","2,158","2,159","2,160","2,161","2,162","2,163","2,164","2,165","2,166","2,167","2,168","2,169","2,170","2,171","2,172","2,173","2,174","2,175","2,176","2,177","2,178","2,179","2,180","2,181","2,182","2,183","2,184","2,185","2,186","2,187","2,188","2,189","2,190","2,191","2,192","2,193","2,194","2,195","2,196","2,197","2,198","2,199","2,200","2,201","2,202","2,203","2,204","2,205","2,206","2,207","2,208","2,209","2,210","2,211","2,212","2,213","2,214","2,215","2,216","2,217","2,218","2,219","2,220","2,221","2,222","2,223","2,224","2,225","2,226","2,227","2,228","2,229","2,230","2,231","2,232","2,233","2,234"],"ٞ":{"1":[1],"2":[2,3],"9":[4],"12":[5],"15":[6,7],"16":[8],"18":[9],"20":[10],"22":[11],"24":[12],"28":[13],"32":[14],"34":[15],"38":[16],"41":[17],"44":[18],"47":[19],"51":[20],"56":[21],"61":[22],"71":[23],"77":[24],"78":[25,26],"80":[27],"82":[28],"92":[29],"99":[30,31],"101":[32],"102":[33,34],"103":[35,36],"104":[37],"106":[38],"107":[39],"113":[40,41],"120":[42],"129":[43],"136":[44],"139":[45,46],"141":[47],"143":[48],"152":[49],"159":[50],"160":[51,52],"166":[53],"168":[54],"170":[55],"172":[56],"178":[57,58],"180":[59],"182":[60],"187":[61],"188":[62],"189":[63],"192":[64],"193":[65],"195":[66],"197":[67,68],"204":[69],"208":[70,71],"209":[72],"212":[73,74],"213":[75],"214":[76,77],"215":[78],"217":[79],"226":[80],"233":[81],"236":[82],"240":[83],"241":[84,85],"242":[86],"243":[87],"245":[88,89,90],"247":[91],"249":[92],"252":[93],"254":[94],"259":[95],"264":[96,97],"265":[98],"267":[99,100,101],"268":[102],"269":[103,104],"274":[105],"278":[106,107],"293":[108],"302":[109],"309":[110,111],"311":[112],"312":[113],"313":[114],"314":[115],"315":[116],"317":[117,118],"318":[119],"319":[120],"322":[121,122],"326":[123,124,125],"328":[126],"329":[127],"333":[128],"342":[129],"343":[130],"348":[131],"349":[132],"352":[133],"359":[134],"363":[135],"365":[136],"368":[137,138],"376":[139,140],"377":[141],"380":[142],"382":[143],"386":[144],"399":[145,146],"402":[147],"404":[148],"406":[149],"407":[150]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"﷽\n\n<span data-type='title' id=toc-1>الإهداء</span>\n• إلى روح والدي الذي رباني، وتعهدني بكل أسباب الرعاية منذ نعومة أظافرى إلى أن صرت شابا فتيا إلى روح والدي الذي ناضل وكافح، وتعلم وعلم، وكان مثلا أعلى لأولاده وتلاميذه أجمعين.\n• إلى روح والدي الذي وهب أبناءه جميعا للأزهر والإسلام، فكانوا كما أراد، وحقق الله له ما تمنى.\n• إلى روح والدي الذي عاش طول حياته للقرآن، ومات وهو يتلو كتاب الله تعالى مثل الخليفة الراشد عثمان بن عفان ﵁.\n• إلى روح والدي وأستاذي الأول: المرحوم الشيخ عبد الوهاب فايد.\n\nأهدى هذا الكتاب اعترافا بفضله وحسن توجيهه، وتقديرا لجهاده وكفاحه، سائلا الله ﷿ أن يجزيه عنا أحسن الجزاء، وأن يتغمده بواسع رحمته، وأن يسكنه فسيح جناته (مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا).\n\nالقاهرة في يوم الأحد\n١٢ من ربيع الأول ١٣٩٨ هـ\n١٩ فبراير ١٩٧٨ م\n\nد/ عبد الوهاب عبد الوهاب فايد\nالأستاذ المساعد بكلية أصول الدين جامعة الأزهر","vol":"1","page":3},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3>مقدمة</span>\nالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد إمام المرسلين، وخاتم النبيين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.\nأما بعد: فإن القرآن الكريم أنزله الله على محمد ﷺ بلسان عربي مبين، ليبشر به المتقين، وينذر به الكافرين ﴿إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا (٩) وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة أعتدنا لهم عذابا أليما (١٠)﴾ (^١).\nولقد كان نزول القرآن على محمد ﷺ إعلاما بنبوته ورسالته إلى الناس أجمعين، كيف لا والقرآن الكريم هو المعجزة الخالدة لمحمد ﵊ إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ﴿وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه قل إنما الآيات عند الله وإنما أنا نذير مبين (٥٠) أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون (٥١)﴾ (^٢).\nوبدأ نزول القرآن في (غار حراء)، على مقربة من مكة المكرمة، فقد جاء في صحيح البخاري عن عائشة أم المؤمنين ﵂ أنها قالت: أول ما بدئ به رسول الله من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء،\n_________\n(^١) سورة الإسراء: ٩، ١٠.\n(^٢) سورة العنكبوت: ٥٠، ٥١.","vol":"1","page":5},{"text":"فيتحنث فيه - وهو التعبد - الليالى ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله.\nويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق، وهو في غار حراء، فجاءه الملك، فقال: اقرأ، قال: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فقطني حتى بلغ منى الجهد، ثم أرسلنى فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطنى الثانية حتى بلغ منى الجهد، ثم أرساني فقال: اقرأ، فقات: ما أنا بقارئ فأخذني فغطنى الثالثة، ثم أرسلني فقال: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علق *اقرأ وربك الأكرم﴾ (^١).\nوهكذا بدأ نزول القرآن إلى الرسول ﷺ، ثم تتابع نزوله.\nعليه في بضع وعشرين سنة، طوال مدة بعثته ﵊، وقد عرف القسم الذي نزل على الرسول ﷺ قبل الهجرة بأنه مكي، كما عرف القسم الذي نزل عليه بعد الهجرة بأنه مدنى، ومن ثم فإن القرآن الكريم لم ينزل على الرسول ﷺ جملة واحدة، بل نزل منجما ومفرقا على حسب المناسبات والأحوال، قال تعالى: ﴿وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا (١٠٦)﴾ (^٢).\nولقد قام الرسول ﷺ طوال مدة بعثته بتبليغ هذا القرآن إلى الناس امتثالا لأمر الله تعالى، قال جل شأنه: ﴿ياأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين (٦٧)﴾ (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري عن عروة بن الزبير عن عائشة في باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ ج ١ ص ٣ ط دار مطابع الشعب.\n(^٢) سورة الإسراء: ١٠٦.\n(^٣) سورة المائدة: ٦٧.","vol":"1","page":6},{"text":"وقد اقتضى قيام الرسول ﷺ بواجب التبليغ أن يقوم ﵊ بعملين عظيمين بالنسبة للقرآن الكريم، الأول: قراءة القرآن على الناس، وإلقاؤه إليهم بقصد التدبر والتعبد بعيدا عن كل المؤثرات الخارجية، قال تعالى: ﴿أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها (٢٤)﴾ (^١)، والعمل الآخر: بيان معاني القرآن، وشرح ما يحتاج من ألفاظه إلى البيان، قال جل شأنه: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون (٤٤)﴾ (^٢)، ولعل هذين العملين العظيمين الرسول ﷺ نستشفهما من قول الله تعالى - مخاطبا إياه في بداية بعثته -: ﴿لا تحرك به لسانك لتعجل به (١٦) إن علينا جمعه وقرآنه (١٧) فإذا قرأناه فاتبع قرآنه (١٨) ثم إن علينا بيانه (١٩)﴾ (^٣).\nوظل الحال هكذا طوال عهد النبوة، ولما لحق الرسول ﷺ بالرفيق الأعلى جاء دور الصحابة والتابعين في تبليغ هذا القرآن إلى الناس خارج الجزيرة العربية، وذلك واجب ألقاه الإسلام على عاتقهم باعتبار أنهم خلفاء محمد ﷺ، وأنهم خير أمة أخرجت للناس، وأنهم مؤهلون - بحكم ذلك - لقيادة العالم بأسره، قال تعالى: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون (١١٠)﴾ (^٤).\n_________\n(^١) سورة محمد: ٢٤.\n(^٢) سورة النحل: ٤٤.\n(^٣) سورة القيامة: ١٦ - ١٩.\n(^٤) سورة آل عمران: ١١٠.","vol":"1","page":7},{"text":"وقال عز من قائل: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا﴾ (^١).\nولقد تطلب هذا الواجب من الصحابة والتابعين أن يقوموا جميعا بعملين رائعين في مجال الدعوة الإسلامية خارج الجزيرة العربية، العمل الأول: أن يجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، حتى يرفعوا راية الإسلام عالية خفاقة على مشارق الأرض ومغاربها، ومن ثم اندفعوا يحملون رسالة الحرية والعدالة والمساواة والإخاء، وينشرون الحق والخير بين الناس، ويحققون على هذه الأرض الأمن والسلام، وساروا متجهين إلى الشرق، يحطمون سلطان الأكاسرة وغيرهم حتى وصلوا الصين، وتدفقوا - كالسيل الجارف- إلى الشمال والغرب، يدمرون تيجان القياصرة وغيرهم، حتى دقوا أبواب (القسطنطينية) في الشمال، وتوغلوا في أفريقيا حتى بلغوا الأندلس وجنوب فرنسا في الغرب.\nوالعمل الآخر الذي تطلبه الواجب من الصحابة والتابعين هو أن يعملوا جاهدين - بعد تثبيت سلطانهم في أرض الله الواسعة - على نشر الإسلام دين الله الحنيف، الخاتم للأديان كلها، والمهيمن عليها، والجامع لكل حقائقها وفضائلها، قال تعالى: ﴿إن الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب﴾ (^٢)، وقال جل شأنه: ﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين﴾ (^٣).\n_________\n(^١) سورة البقرة: ١٤٣.\n(^٢) سورة آل عمرال: ١٩.\n(^٣) سورة آل عمران: ٨٥.","vol":"1","page":8},{"text":"ولما كان القرآن الكريم هو جوهر هذا الدين كان عمل المسلمين في كل زمان ومكان منصبا على حفظه ونشره وحمايته، وإبقائه بعيدا عن التغيير والتبديل والتحريف إلى أن تقوم الساعة مصداقا لقول الله تعالى: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون (٩)﴾ (^١) بيد أن الصحابة والتابعين - رضوان الله عليهم أجمعين - قد حرصوا كل الحرص على القيام بنفس المهمة التي قام بها الرسول ﷺ بالنسبة للقرآن الكريم، ألا وهي تبليغ هذا القرآن - بأمانة - إلى الناس، بمعنى قراءته على الناس بقصد التدبر والتعبد، وبيان معناه للناس لعلهم يهتدون.\nوعندما دخل الصحابة والتابعون إلى البلاد التي فتحها الله عليهم في مشارق الأرض ومغاربها، وقاموا بواجبهم في مجال الدعوة الإسلامية خير قيام، كان لزاما أن تحدث المواجهة بينهم من جهة باعتبار أنهم حملة الدين الخاتم، وبين أصحاب الأديان الأخرى من سماوية وغير سماوية من جهة أخرى.\nوحدث تفاعل بين الفريقين في هذه البلاد المفتوحة نتيجة لتلك المواجهة، فعلى الصعيد غير الإسلامي نجد الملايين من العجم عندما دعاهم الصحابة والتابعون إلى الإسلام - يدخلون في دين الله أفواجا، عن عقيدة واقتناع، لا عن إكراه وإرهاب، ومن ثم أصبحت الجنسية التي يحملها المنتسب لهذا الدين هو أنه مسلم، لا أنه عربي.\nوعلى الصعيد الإسلامي نجد - للأسف - ظاهرتين خطيرتين، أولاهما: أن هناك من دخلوا في الإسلام من هؤلاء المغلوبين لا عن عقيدة واقتناع، بل على دخل ونفاق، لكي يكيدوا للإسلام، وينتقدوا مجدهم القديم،\n_________\n(^١) سورة الحجر: ٩.","vol":"1","page":9},{"text":"وحضارتهم البائدة الفاسدة، وهؤلاء - وإن كانوا قلة - إلا أنهم كانوا خطرين على الإسلام، ورموس فتنة بين المسلمين، والظاهرة الأخرى: أنه وجدت - في العالم الإسلامي الجديد والواسع الأطراف - جماعات من المسلمين ضعاف النفوس، يمكن أن نعتبرهم امتدادا لجماعة (المؤلفة قلوبهم) الذين ورد ذكرهم في القرآن الكريم، وهؤلاء الضعفاء كانوا - في الحقيقة ألعوبة في أيدي الخبثاء المنافقين الذين تمثلهم الظاهرة الأولى، وكانوا أيضا يشكلون خطرا جسيما على الإسلام وأهله، فالفريق الأول يمثل اليد المدبرة والمحركة في الخفاء، والفريق الثاني يمثل اليد المنفذة والفاعلة في الظاهر، ولعل حادثة قتل الخليفة الراشد جامع القرآن عثمان بن عفان ﵁ وأرضاه - وهو يقرأ القرآن في الصحف الإمام - بأيدي شراذم الآفاق، وقطاع الطرق، الذين انتسبوا إلى الإسلام زورا، وجاءوا إلى المدينة من كل فج عميق، بتدبير وتحريك من عدو الله (عبد الله بن سبأ) اليهودي - لعل هذه الحادثة أعظم وأكبر مثل على ما نقول.\nولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل تخطى هؤلاء الخبثاء، والضعفاء معا - بعداوتهم للإسلام وأهله - الناحية العملية إلى الناحية الفكرية، ليطعنوا الإسلام في الصميم، فتآمروا أيضا على الكيد للإسلام في أعز شيء لديه، وهو القرآن الكريم، وما ورد عن الرسول ﷺ من سنة شارحة له.\nوفي هذا الجو الفاسد الموبوم انتشرت في العالم الإسلامي الأحاديث الموضوعة والضعيفة والمنكرة والشاذة، وعملت الإسرائيليات عملها في تشويه حقائق هذا الدين، وباضت وأفرخت المجوسية والديانات الشرقية الغامضة، فولدت (الباطنية) ومذاهب أخرى فاسدة تنتسب زورا إلى (على) كرم الله وجهه، أو إلى آل البيت رضوان الله عليهم أجمعين.","vol":"1","page":10},{"text":"وكانت المؤامرة الكبرى من الخبثاء والضعفاء على الإسلام وأهله، تلك التي لا نزال - إلى وقتنا الحاضر - نتجرع سمومها، ونقاسي أهوالها، ونتذوق آلامها، ونكتوي بنيرانها.\nوبعد: فهذه مقدمة أردت أن أضعها بين يدي بحثي المستفيض عنه (الدخيل في تفسير القرآن الكريم) والله ولي التوفيق، وهو نعم المولى ونعم النصير؟\nالمؤلف","vol":"1","page":11},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4>الفصل الأول المصادر الأصيلة للتفسير</span>\nبينا - فيما سبق - الظروف والملابسات التي تسلسل الدخيل فيها إلى تفسير القرآن الكريم، وكيف بدأ هذا التسلل في عمر مبكر من عصر الإسلام، وهو عصر الصحابة والتابعين.\nولعل سائلا يسأل: كيف لنا أن نميز الأصيل في التفسير من الدخيل، وتعيين كل منهما يحتاج إلى دليل؟\nونجيب على ذلك ببيان معنى كل من الأصيل والدخيل، وتحديد الضوابط الدقيقة لكل منهما، وذلك لكي نسير في موضوعنا هذا، بمشيئة الله تعالى - من بدايته وإلى نهايته - على هدى من قواعد البحث، ولا نسلك سبل الضالين المتخبطين، ولكيلا تختل المقاييس، فيختلط الحابل بالنابل، ويلتبس الحق بالباطل، ويشتبه الغث بالسمين.\nوالآن نريد أن نعرف معنى كل من الأصيل والدخيل لغة واصطلاحا، أما معناهما في اللغة فقد قال صاحب لسان العرب: «رجل أصيل: له أصل، ورأي أصيل: له أصل، ورجل أصيل. ثابت الرأي عاقل»، وقال أيضا: «فلان دخيل في بني فلان إذا كان من غيرهم فيدخل فيهم، والأنثى دخيل، وكلمة دخيل أدخلت في كلام العرب وليست منه، استعملها ابن دريد كثيرا في الجمهرة»، وقال صاحب القاموس: «الأصل أسفل الشيء، والأصيل من له أصل، والعاقب النابت الرأي»، وقال أيضا: «وهو دخيل","vol":"1","page":12},{"text":"فيهم أي من غيرهم ويدخل فيهم، والدخيل كل كلمة أدخلت في كلام العرب وليست منه».\nوقال صاحب المصباح المنير: «أصل الشيء أسفله، وأساس الحائط أصله، واستأصل الشيء ثبت أصله وقوي، ثم كثر حتى قيل: أصل كل شيء ما يستند وجود ذلك الشيء إليه، فالأب أصل الولد، والنهر أصل للجدول» وقال أيضا «فلان دخيل بين القوم أي ليس من نسبهم، بل هو نزيل عليهم، ومنه قبل: هذا الفرع دخيل في الباب، ومعناه أنه ذكر استطرادا ومناسبة، ولا يشتمل عليه عقد الباب».\nمن هذا كله يتبين لنا - بوضوح - أن الأصيل - لغة هو الذي له أصل ثابت، وأما الدخيل فهو الوافد الذي تسلل من الخارج، وليس له أصل في المحيط الذي تسلل إليه، ويستعمل كل منهما - كما تحدثنا كتب اللغة - في الأشخاص والألفاظ والمعاني وما أشبه ذلك.\nوإذا كان ذلك يعني الأصيل والدخيل في اللغة فما معناهما في اصطلاح علماء التفسير والدراسات القرآنية؟.\nيمكننا أن نقول: إن الأصيل - في هذا المجال - هو التفسير الذي له أصل في الدين، أو بتعبير آخر: هو التفسير الذي يستمد روحه ومقوماته من كتاب الله تعالى أو من سنة الرسول ﷺ، أو من أقوال الصحابة والتابعين، وما إلى ذلك، أما الدخيل - في هذا المجال - فهو التفسير الذي لا أصل له في الدين، على معنى أنه تسلسل إلى رحاب القرآن الكريم على حين غرة، وعلى غفلة من الزمن، بفعل، وثرات معينة حدثت بعد وفاة الرسول الكريم ﷺ: وهذه المؤثرات - كما أشرنا","vol":"1","page":13},{"text":"إلى ذلك فيما سبق - ذات جانبين: جانب خارجي، وجانب داخلي، فالجانب الخارجي يتمثل في أعداء الإسلام الحاقدين، من اليهود والنصارى والمجوس ومن على شاكلتهم، الذين أرادوا أن يفسدوا الإسلام، ويشوشوا على تعاليمه، وينتقموا لأمجادهم الغابرة، وحضاراتهم المزيفة، بدس خرافاتهم وترهاتهم وأباطيلهم حول القرآن الكريم، قاصدين - من وراء ذلك - فتنة المسلمين في دينهم، وزهرغة نفوسهم في كتاب ربهم، وتفتيت وحدة الأمة الإسلامية، تلك التي أرسى قواعدها رسول الإنسانية محمد ﷺ.\nأما الجانب الداخلي فيتمثل في طوائف معينة انتسبت إلى الإسلام زورا ولكنها في الحقيقة تمت بصلة وثيقة إلى أعداء الإسلام السابقين، ومن هنا أدلت هذه الطوائف بدلوها أيضا في التشويش على القرآن الكريم، بنشر الخرافات والأباطيل حوله، وتفسيره تفسيرا كله تحريف وتخريف تمشيا مع المخطط الهدام، الذي رسمه لهم أعداء الإسلام من اليهود والنصارى والمجوس وغيرهم، للقضاء على الإسلام، وتحطيم عقائده وتعاليمه في النفوس.\nولعل أخطر هذه الطوائف على الإطلاق هي طائفة (الباطنية) الذين يفسرون القرآن الكريم تفسيرا رمزيا، ويريدون - من وراء ذلك - إبطال الشريعة، وهدم الدين من أساسه، قال الإمام ابن الجوزي ﵀: (الباطنية) سموا بذلك لأنهم يدعون أن لظواهر القرآن والحديث بواطن تجرى من الظاهر مجرى اللب من القشر، وأنها بصورتها توهم الجمال صورا جلية، وهي عند العقلاء رموز وإشارات إلى حقائق خفية، وأن من تقاعد عقله من الغوص على الخفايا والأسرار، والبواطن والأغرار، وقنع","vol":"1","page":14},{"text":"بظواهرها - كان تحت الأغلال التي هي تكاليف الشرع، ومن ارتقى إلى علم الباطن الحط عنه التكليف، واستراح من أعبائه - قالوا - وهم المرادون بقوله تعالى: ﴿ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم﴾ (^١) ومرادهم «أن ينزعوا عن العقائد موجب الظواهر، ليقدروا - بالتحكم بدعوى الباطن - على إبطال الشرائع» (^٢).\nونحن لا نريد أن نستبق الأحداث سريعا، فما نزال في بداية الطريق بالنسبة لبحثنا هذا، وسنحاول الآن أن نتعرف على الأصيل من التفسير، وضوابطه الدقيقة، لكي يسهل علينا - بعد ذلك - التعرف على الدخيل فنقول - والله المستعان -:\nإن مصادر التفسير الأصيلة خمسة:\nوهي القرآن الكريم، والسنة النبوية، وأقوال الصحابة والتابعين، وقواعد اللغة وأسرارها، والاجتهاد الذي يعتمد على الدليل، وإليك البيان:\n\n<span data-type='title' id=toc-5>القرآن الكريم كمصدر أصيل من مصادر التفسير:</span>\nإن القرآن الكريم يفسر بعضه بعضا، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (فإن قال قائل: فما أحسن طرق التفسير؟ فالجواب: أن أصح الطرق في ذلك أن يفسر القرآن بالقرآن، فما أجمل في مكان فإنه قد فسر في موضع آخر، وما اختصر في مكان فقد بسط في موضع آخر) (^٣).\nولتوضيح هذه العبارة نقول: إن القرآن الكريم يعرض الموضوعات شتى وقضايا متعددة، إلا أن هذه الموضوعات وتلك القضايا لم يعرض القرآن\n_________\n(^١) سورة الأعراف: ١٥٧.\n(^٢) تلبيس إبليس س ١٠٢.\n(^٣) مقدمة في أصول التفسير ص ٩٣.","vol":"1","page":15},{"text":"الكريم لكل منهما على حدة، كما هي عادة الكتب التي يؤلفها الناس، بل نجد القرآن قد عرض لهذه الموضوعات والقضايا في أماكن متعددة، ومواضع كثيرة وأوردها متفرقة هنا وهناك في سوره وآياته، والحكمة في ذلك - كما يقول المرحوم الإمام الأكبر الشيخ محمود شلتوت، عند تعرضه للحديث عن آيات الأحكام المتفرقة في القرآن - هي أن لهذه الطريقة إيحاء خاصا، وهو أن جميع ما في القرآن - وإن اختلفت أماكنه، وتعددت صوره وأحكامه، فهو وحدة عامة لا يصح تفريقه في العمل، ولا الأخذ ببعضه دون البعض، وكأنه - وقد ملك هذا المسلك - يقول للمكلف.\nوهو يحدثه عن شئون الأسرة وأحكامها مثلا -: لا تلمك أسرتك وشئونها من مراقبة الله فيما يجب له من صلاة وخشوع، ولا ريب أن لمثل هذا الإيحاء تأثيرا في المراقبة العامة، وعدم الاشتغال بشأن من شأن، فيكمل للروح تهذيبها، وللنفس صلاحها، وللعقل إدراكه، وللمجتمع صلاحه (^١).\nنعود - بعد ذلك - إلى ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية، ماذا يعني بعبارته تلك؟ إنه يقول: إن أصح طرق التفسير وأحسنها أن يفسر القرآن بالقرآن، فما اختصر في مكان من القرآن تجد له بسطا في مكان آخر، وما أجمل في موضع تجد له بيانا في موضع آخر، وما أطلق في آية تجده مقيدا في آية أخرى، وما ورد عاما في سورة تجدة مخصوصا في صورة أخرى، وما ورد من أحكامه في موضع قد يجيء بيان نسخه في موضع آخر، وما جاء من القراءات فقد يحمل على عنى التفسير وهكذا.\nذلك هو ما يعنيه ابن تيمية من عبارته سالفة الذكر، وتلك - لعمر ربي - صيحة أطلقها هذا العالم الجليل في أواخر القرن السابع الهجري\n_________\n(^١) الإسلام عقيدة وشريعة ص ٥٠٠، ٥٠١.","vol":"1","page":16},{"text":"بالنسبة لتفسير القرآن الكريم، ولعله - عندما أطلق هذه الصيحة المدوية التي تقول: إن القرآن يفسر بعضه بعضا - كان يعاني في عصره مما نعاني منه في هذا العصر من اختلاط الحابل بالنابل في تفسير القرآن الكريم.\nولقد توقفت مليا أمام هذا المنهج الدقيق الذي نادى به ابن تيمية، فوجدت أن له جذورا أصيلة في كتاب الله تعالى، وأن آيات القرآن تشهد له وتنطق بصحته، فقد ذكر الله تعالى أنه تكفل ببيان القرآن، في بداية نزوله على محمد ﷺ، ومن المعلوم أن البيان كما يكون للألفاظ يكون أيضا للمعاني، قال تعالى …\nمخاطبا رسول الله ﷺ ﴿لا تحرك به لسانك لتعجل به (١٦) إن علينا جمعه وقرآنه (١٧) فإذا قرأناه فاتبع قرآنه (١٨) ثم إن علينا بيانه (١٩)﴾ (^١).\nثم أخبر الله تعالى عن نفسه بأنه بين لنا القرآن، فقال عز من قائل: ﴿قد بينا لكم الآيات لعلكم تعقلون﴾ (^٢) كما أخبر الله تعالى بأنه يبين لنا الآيات، فقال جل شأنه: ﴿كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون﴾ (^٣).\nوبعد أن بين الله تعالى هذا الكتاب كان حقا أن يصفه بأنه بيان فقال: ﴿هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين﴾ (^٤) وأن يصفه بأنه آيات بينات في قوله: ﴿ولقد أنزلنا إليك آيات بينات وما يكفر بها إلا الفاستون﴾ (^٥)، وأن يصفه الله أيضا بأنه كتاب مبين في قوله:\n_________\n(^١) سورة القيامة: ١٦ - ١٩.\n(^٢) سورة الحديد: ١٧\n(^٣) سورة البقرة: ٢١٩.\n(^٤) سورة ال عمران: ١٣٨\n(^٥) سورة البقرة: ٩٩.","vol":"1","page":17},{"text":"﴿قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين﴾ (^١)، وأن يصفه كذلك بأنه قرآن مبين في قوله: ﴿تلك آيات الكتاب وقرآن مبين﴾ (^٢).\nمن أجل هذا كله نقول إن ابن تيمية قد أصاب المحز في قوله: إن أصح طرق التفسير هو أن يفسر للقرآن بالقرآن، وما أجمل كلام الراغب الأصفهاني حيث يقول في هذا الصدد: «وسمي الكلام بيانا لكشفه عن المعنى المقصود إظهاره نحو: ﴿هذا بيان للناس﴾، وسمي ما يشرح به المجمل والمبهم من الكلام بيانا نحو قوله: ﴿إن علينا بيانه﴾» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-6>أمثلة من بيان القرآن بالقرآن:</span>\n<span data-type='title' id=toc-7>أولا - البيان بطريق تفصيل الموجز:</span>\nمن المعلوم أن آيات القرآن وسوره تختلف من حيث الإيجاز والأطناب، والاختصار والبسط، وبالنسبة للموضوع الواحد الذي جاء في الآيات والسور القرآنية المتفرقة نجد القرآن يأتي تارة، موجزا، وتارة مطنبا، وما جاء مطنبا في مكان إنما هو في الحقيقة - تفسير لما جاء موجزا في مكان آخر، ومثال ذلك قصة آدم وحواء وإبليس فقد ترددت هذه القصة في كثير من سور القرآن الكريم، إلا أنها تارة تجيء موجزة ومختصرة كما في صورتي الكهف والإسراء، وتارة يأتي الحديث عنها مفصلا ومطنبا كما في صورتي البقرة والأعراف، وطورا يأتي الحديث عنها وسطا بين الإيجاز والإطناب كما في سورة طه وص والحجر.\n_________\n(^١) سورة المائدة: ١٥\n(^٢) الحجر: ١\n(^٣) المفردات في غريب القرآن ص ٦٩.","vol":"1","page":18},{"text":"وعندما تدرس هذه القصة، وتفسر آياتها فلا بد من الرجوع لكل هذه السور التي تعرضت لها، فإن بعضها - لا محالة - يكمل البعض الآخر، ويوضحه أيما توضيح، ويشرحه شرحا وافيا، وقس على ذلك سائر ما ورد من القصص وتردد في سور القرآن الكريم.\n\n<span data-type='title' id=toc-8>ثانيا - البيان بطريق توضيح المجمل:</span>\nونعني بالمجمل هنا. ما لم تتضح دلالته، وبالمبين: «ما كان واضح الدلالة»، والإجمال أسباب كثيرة نذكر منها ما يلي:\n١ - الاشتراك في اللفظ، وهو أن يكون اللفظ الواحد له معنيان أو معان متعددة، مثل قوله تعالى: ﴿والليل إذا عسعس﴾ (^١)، فإن (عسعس) موضوع المعنين متقابلين هما: أقبل وأدبر، وقوله سبحانه: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ (^٢)، فإن القرء يطلق في اللغة على معنيين مختلفين، وهما الطهر والحيض.\n٢ - الحذف، مثل قوله تعالى: ﴿وترغبون أن تنكحوهن﴾ (^٣) فإنه يحمل على معنيين مختلفين تماما، بناء على تقدير الحرف المحذوف، فمن قدره (في) كان معنى الآية لديه هو: وترغبون في نكاحهن، ومن قدره (عن) كان المعنى عنده هو: وترغبون عن نكاحهن، وفرق بين الرغبة في الشيء والرغبة عن الشيء أي الزهد فيه.\n٣ - اختلاف مرجع الضمير، مثل قوله جل شأنه: ﴿إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه﴾ (^٤).\n_________\n(^١) التكوير: ١٧\n(^٢) البقرة: ٢٢٨.\n(^٣) النساء: ١٢٧\n(^٤) فاطر: ١٠","vol":"1","page":19},{"text":"فإن ضمير الفاعل في قوله: (يرفعه) يحتمل أن يعود على ما عاد عليه ضمير (إليه) وهو الله تعالى، ويحتمل أن يعود على الكلم الطيب، والمعنى: أن الكلم الطيب - وهو الإيمان - يرفع العمل الصالح، لأنه لا تصح الأعمال إلا مع الإيمان، ويحتمل أن يعود الضمير على العمل، ويكون معناه: أن العمل الصالح هو الذي يرفع الكلم الطيب، قال الزركشي - من الاحتمالين الأخيرين -: «وكلاهما صحيح، لأن الإيمان فعل وعمل ونية لا يصح بعضها إلا ببعض» (^١).\n٤ - احتمال العطف والاستئناف مثل قوله تعالى: ﴿وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به﴾ (^٢) فقد تحتمل الواو العطف، فيكون للراسخين في العلم نصيب من علم المتشابه، وقد تحتمل الاستئناف فلا يكون للراسخين نصيب من ذلك، ويكون المتشابه مما استأثر الله تعالى بعلمه، وهذا هو مسلك من يقول بصدده:: الله أعلم بمراده.\n٥ - غرابة اللفظ، مثل قوله تعالى: ﴿ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن﴾ (^٣)، فالعضل معناه الحبس والتضييق.\n٦ - التقديم والتأخير، مثل قوله تعالى: ﴿ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل مسمى﴾ (^٤)، تقديره: ولولا كلمة سبقت من ربك وأجل مسمى اسكان لزاما، ولولا هذا التقدير لكان (أجل) منصوبا مثل (لزاما).\nهذا - وما ورد من القرآن مجملا فقد يجيء بيانه في القرآن نفسه، إلا أن\n_________\n(^١) البرهان في علوم القرآن ج ٢ ص ٢١١.\n(^٢) آل عمران: ٧\n(^٣) النساء ١٩\n(^٤) طه: ١٢٩","vol":"1","page":20},{"text":"البيان قد يكون متصلا بالآية، وقد يكون منفصلا عنها، أي في مكان آخر من القرآن الكريم، فمثال النوع الأول قوله تعالى: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾ (^١) فإن قوله (من الفجر) إنما هو بيان للخيط الأبيض والخيط الأسود، فليس الكلام هنا على الحقيقة، كما فهم بعض الناس، بل هو ضرب من المجاز.\nومثال النوع الثاني قوله تعالى: ﴿فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم﴾ (^٢)، فقد بينت هذه الكلمات في موضع آخر من القرآن، وهو قوله تعالى: ﴿قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين﴾ (^٣)، وإذا ما جاء البيان في القرآن فلا يعدل عنه إلى غيره.\n\n<span data-type='title' id=toc-9>ثالثا - البيان بطريق تخصيص العام:</span>\nالعام - عند علماء الشريعة - هو اللفظ الدال بوضع واحد - على كثير غير محصور مستغرق لجميع ما يصلح له، والتخصيص هو قصر العام على بعض ما يتناوله لفظه بدليل، أو إخراج بعض أفراد العام عن حكمه بدليل (^٤).\nوألفاظ العموم كثيرة، منها لفظ كل وجميع وكافة وما في معناها. ومنها أسماء الموصول وأسماء الشرط، والمعروف بأل، واسم الجاس المضاف، والنكرة في سياق النفي والنهي والشرط (^٥).\n_________\n(^١) البقرة: ١٨٧.\n(^٢) البقرة: ٣٧.\n(^٣) الأعراف: ٢٣.\n(^٤) البيان والنسخ في أصول الفقه للاستاذ الدكتور محمد سعاد جلال ص ٢٠.\n(^٥) انظر الأمثلة في الإيقان ج ٢ ص ١٦.","vol":"1","page":21},{"text":"وقد ورد تخصيص العام كثيرا في القرآن الكريم، حتى جاء في المثل: ما من عام إلا وقد خصص، والمخصص للعام إما أن يكون متصلا، وإما أن يكون منفصلا، فالمتصل خمسة أنواع في القرآن الكريم:\n١ - الاستثناء، مثل قوله تعالى: ﴿والشعراء يتبعهم الغاوون - إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ (^١).\n٢ - الوصف، مثل قوله تعالى: ﴿وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم﴾ (^٢).\n٣ - الشرط، مثل قوله تعالى: ﴿كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين﴾ (^٣).\n٤ - الغاية، مثل قوله تعالى: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾ (^٤).\n٥ - بدل البعض من الكل، مثل قوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾ (^٥).\nأما المخصص المنفصل بآية أخرى في محل آخر فمثاله قول الله تعالى: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة﴾ (^٦) خصص بقوله تعالى: - في حق الإماء - ﴿فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على\n_________\n(^١) الشعراء: ٢٢٤، ٢٢٧\n(^٢) النساء: ٢٣\n(^٣) البقرة: ١٨٠\n(^٤) البقرة: ١٨٧\n(^٥) فاطر: ١٠٠.\n(^٦) النور: ٢","vol":"1","page":22},{"text":"المحصنات من العذاب﴾ (^١)، ومثاله أيضا قول الله تعالى: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾ (^٢) خصص بقوله تعالى: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت﴾ (^٣) الآيات.\n\n<span data-type='title' id=toc-10>رابعا - البيان بطريق تقييد المطلق:</span>\nقال السيوطي ﵀: «المطلق الدال على الماهية بلا قيد، وهو مع القيه كالعام مع الخاص» (^٤).\nوهل يحمل للطلاق على القيد أبدا؟ في ذلك شيء من التفصيل، ولعل أدق تعبير ورد في هذا المقام هو ما ذكره الإمام الزركشي حيث يقول: «قاعدة في الإطلاق والتقييد: إن وجد دليل على تقييد المطلق صير إليه، وإلا فلا، والمطلق على إطلاقه، والمقيد على تقييده، لأن الله تعالى خاطبنا بلغة العرب، والضابط أن الله تعالى إذا حكم في شيء بصفة أو شرط، ثم ورد حكم آخر مطلقا نظر، فإن لم يكن له أصل يرد إليه إلا ذلك الحكم المقيد، وجب تقييده به، وإن كان له أصل غيره لم يكن رده إلى أحدهما أولى من الآخر» (^٥).\nونكتفي هنا بمثال واحد لكل نوع منهما، فمثل النوع الأول: أن الدم المحرم في الإسلام جاء في أربع آيات من القرآن الكريم، في سور مختلفة، ثلاث آيات منها جاء الدم فيها مطلقا، والآية الرابعة جاء الدم فيها مقيدا بالوصف، وهو (للمسفوح) فعند ذلك يجب حمل المطلق على المقيد، لأنه\n_________\n(^١) النساء ٢٥\n(^٢) النساء ٣\n(^٣) النساء ٢٣، ٢٤.\n(^٤) الإتقان ج ٢ ص ٣١\n(^٥) البرهان ج ٢ ص ١٥.","vol":"1","page":23},{"text":"ليس له أصل هذا سواء، والآيات الثلاث هي قول الله تعالى - في سورة البقرة -: ﴿إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم (١٧٣)﴾ (^١) وقوله تعالى - في سورة المائدة -: ﴿حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به﴾ الآية (^٢)، وقوله تعالى - في سورة النحل -: ﴿إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم (١١٥)﴾ (^٣)، أما الآية الرابعة التي جاء الدم فيها مقيدا فهى قول الله تعالى - في سورة الأنعام -: ﴿قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم (١٤٥)﴾ (^٤).\nومثال النوع الثاني: أن الصوم جاء مقيدا بالتتابع في كفارتي القتل والظهار قال تعالى - في كفارة القتل -: ﴿فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله وكان الله عليما حكيما﴾ (^٥)، وقال تعالى - في كفارة الظهار: ﴿فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا﴾ (^٦)، ثم جاء الصوم مقيدا بالتفريق عند التمتع في الحج، قال تعالى: ﴿فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة﴾ (^٧) ثم جاء الصوم مطلقا في كفارة اليمين وقضاء رمضان، قال تعالى: ﴿فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم﴾ (^٨) وقال عز من قائل: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه\n_________\n(^١) البقرة ١٧٣\n(^٢) المائدة ٣\n(^٣) النحل ١١٥\n(^٤) الأنعام ١٤٥\n(^٥) النساء ٩٢\n(^٦) المجادلة ٤\n(^٧) البقرة ١٩٦\n(^٨) المائدة ٨٩","vol":"1","page":24},{"text":"ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾ (^١) فما الحكم إذن في صوم كفارة اليمين وقضاء رمضان؟ هل يكون متتابعا أو مفرقا؟\nيقول السيوطي إن الصوم الذي أطلق في كفارة اليمين وقضاء رمضان يبقى على إطلاقه من جوازه مفرقا ومتتابعا، لأنه لا يمكن حمله عليهما ..\nأي على القيدين المذكورين - لتنافي القيدين، وهما التفريق والتتابع، ولا يمكن حمله على أحدهما لعدم المرجح (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-11>خامسا: البيان بطريق النسخ:</span>\nذكر الزركشي في (البرهان) والسيوطي في (الإتقان) أن الأئمة قالوا لا يجوز لأحد أن يفسر كتاب الله إلا بعد أن يعرف منه الناسخ والمنسوخ، وأن علي بن أبي طالب قد قال للقاص: أتعرف الناسخ من المنسوخ؟ قال: لا، أو قال: الله أعلم، قال: هلكت وأهلكت (^٣).\nوالنسخ يطلق - في اللغة - على الإزالة، يقال: نسخت الشمس الظل إذا أزالته، ويطلق كذلك على النقل والتحويل، يقال: نسخت النحل العسل إذا نقلته من خلية إلى خلية.\nوالنسخ - شرعا - حقيقته - كما قال أحد الأساتذة الأجلاء - أنه بيان لمدة انتهاء الحكم المعلوم لله، وإن كان قد خفي عنا عله ظاهرا، فصار تبديلا بالنسبة لنا - قال - ويرى ابن حزم أن النسخ نوع من تأخير البيان، لأن تأخير البيان عنده ينقسم إلى قسمين: أحدهما: يقع على اللفظ المجمل يظل على إجماله حتى يحين وقت التكليف بحكمه، فيرد من الشارع ما يفسره\n_________\n(^١) البقرة ١٨٥\n(^٢) الإتقان ج ٢ ص ٣١ بتصرف.\n(^٣) البرهان ج ٢ ص ٢٩ والإتقان ج ٢ ص ٢٠.","vol":"1","page":25},{"text":"للمكلف، وثانيهما: عمل كافنا الله به في وقت معين نظنه مستمرا، وقد سبق في علم الله أنه سينقلنا عنه إلى التكليف بغيره في وقت آخر، فإذا جاء هذا الوقت الآخر بين لنا ما كان غائبا عنا من علمه، واستأنف تكليفنا بحكم غير هذا الحكم المتقدم (^١).\nوقد ورد بيان النسخ في القرآن الكريم، فالآية الناسخة ما هي إلا بيان لانتهاء أمد الحكم الذي جاء في الآية المنسوخة، وانتهاء أمد الحكم المنسوخ في وقت معين وإن كان معلوما بالنسبة لله تعالى إلا أنه كان قد خفي هذا علمه في الظاهر، فصار النسخ تبديلا بالنسبة لنا، وإذن فالنسخ قسم من أقسام البيان وهو ما جرى عليه الإمام (البزدوي)، وتابعه عليه (صدر الشريعة)، وسماه (بيان التبديل) (^٢).\nولنضرب لذلك مثالا من القرآن الكريم، ففي سورة البقرة يقول الله تعالى في عدة للمتوفى عنها زوجها: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج فإن خرجن فلا جناح عليكم في ما فعلن في أنفسهن من معروف والله عزيز حكيم﴾ (^٣). فهذه الآية تفيد أن عدة للمتوفى عنها زوجها عبارة عن حول كامل، ثم نسخ الله تعالى هذا الحكم بأن عدة المتوفى عنها زوجها هي أن تتربص أربعة أشهر وعشرا فقال جل شأنه: في سورة البقرة نفسها - ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف والله بما تعملون خبير﴾ (^٤).\n_________\n(^١) البيان والنسخ في أصول الفقه ص ٥٣، ٥٤.\n(^٢) نفس المصدر السابق ص ١٠\n(^٣) البقرة ٢٤٠.\n(^٤) البقرة ٢٣٤","vol":"1","page":26},{"text":"<span data-type='title' id=toc-12>سادسا: البيان بطريق التوفيق بين ما يوهم التعارض:</span>\nكثيرا ما نجد في القرآن الكريم آيات تبدو - في ظاهرها - متعارضة .. فماذا نصنع إزاءها؟\nإننا لو تركناها على ما هي عليه من تعارض لأعطينا الملاحدة وأعداء الدين سلاحا بتارا يهاجمون به كتاب الله تعالى، وهل هناك معول يقوضون به صرح الدين أكثر من أن يتهموا القرآن الكريم بالتعارض والتناقض والاختلاف، وكيف يكون ذلك والله تعالى يقول - في محكم تنزيله -: ﴿أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا﴾ (^١).\nوإذن فمن الواجب أن نسعى - جاهدين - في إزالة هذا التعارض، والتوفيق بين النصوص الموهمة الاختلاف، فهذا التعارض والاختلاف إنما هو في الظاهر فقط، ولكنه - في الحقيقة - لا يوجد تعارض ولا اختلاف، بل ثمة ترابط وانسجام، وتلاؤم واتفاق.\nوالإمام ابن قتيبة - وهو أحد علماء الإسلام في القرن الثالث الهجري - كان الباعث له على تأليف كتابه: (تأويل مشكل القرآن) هو الدفاع عن القرآن الكريم، ضد الملاحدة وأعداء الدين، الذين أثاروا - في عصره - الشكوك حول القرآن الكريم وطعنوا في آياته البينات بأنها مختلفة ومتعارضة، ومتناقضة، ويحدثنا ابن قتيبة ﵀ عن ذلك في أول كتابه فيقول: «وقد اعترض كتاب الله بالطعن الملحدون، وأنفوا فيه وهجروا، واتبعوا ﴿ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله﴾ (^٢) بأفهام كليلة، وأبصار عليلة، ونظر مدخول، فحرفوا الكلم عن مواضعه، وعدلوه عن سبله، ثم قضوا\n_________\n(^١) النساء ٨٢\n(^٢) آل عمران ٧.","vol":"1","page":27},{"text":"عليه بالتناقض، والاستحالة في اللحن، وفساد النظم، والاختلاف، وأدلوا في ذلك بعلل، ربما أمالت الضعيف الغمر، والحدث الغر، واعترضت بالشبه في القلوب، وقدحت بالشكوك في الصدور، ولو كان ما نحلوا إليه على تقديرهم وأولهم لسبق إلى الطعن به من لم يزل رسول الله ﷺ يحتج عليهم بالقرآن، ويجعله العلم لنبوته، والدليل على صدقه، ويتحداه في موطن بعد موطن على أن يأتي بسورة من مثله، وهم الفصحاء والبلغاء، والخطباء والشعراء، والمخصوصون من بين جميع الأنام بالألسنة الحداد، واللدد في الخصام مع اللب والنهي، وأصالة الرأي، وقد وصفهم الله بذلك في غير موضع من الكتاب، وكانوا مرة يقولون: هو سحر، ومرة يقولون: هو قول الكهنة، ومرة أساطير الأولين، ولم يحك الله تعالى عنهم، ولا بلغنا في شيء من الروايات أنهم جدبوه (^١) من الجهة التي جدبه منها الطاعنون، فأحببت أن أنضح (^٢) عن كتاب الله، وأرمي من ورائه بالحجج النيرة والبراهين البينة، وأكشف للناس ما يلبسون، فألفت هذا الكتاب، جامعا لتأويل مشكل القرآن (^٣).\nوقد بين العلماء الفرق بين التعارض أو الاختلاف الحقيقي، وبين التعارض أو الاختلاف الظاهري، فقال الصيرفي: «جماع الاختلاف والتناقض أن كل كلام صح أن يضاف بعض ما وقع الاسم عليه إلى وجه من الوجوه فليس فيه تناقض، وإنما التناقض في اللفظ: ما ضاده من كل جهة على حسب ما تقتضيه الأسماء، ولن يوجد في الكتاب ولا في السنة شيء من ذلك أبدا،\n_________\n(^١) الجدب كالعيب وزنا ومعنى، وبا به ضرب، وفي الحديث «أنه جدب السمر بعد العشاء»، أي ما به اه من مختار الصحاح.\n(^٢) الضح: الرش، وبابه ضرب، ونضح البيت رشه اهـ من مختار الصحاح.\n(^٣) تأويل مشكل القرآن بتحقيق الأستاذ السيد أحمد صقر ١٧، ١٨.","vol":"1","page":28},{"text":"وأإنما يوجد النسخ في وقتين» (^١). كما قال الكرماني - عند قوله تعالى: ﴿ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا﴾ -: (الاختلاف على وجهين: اختلاف تناقض: وهو ما يدعو فيه أحد الشيئين إلى خلاف الآخر، وهذا هو الممتنع على القرآن، واختلاف تلازم: وهو ما يوافق الجانبين، كاختلاف وجوه القراءة، واختلاف مقادير السور والآيات، واختلاف الأحكام من الناسخ والمنسوخ، والأمر والنهي، والوعد والوعيد) (^٢).\nوالأسباب الموهمة للاختلاف والتعارض كثيرة، ذكر الزركشي والسيوطي منها خمسة، وهي وقوع المخبر به على أحوال مختلفة وأطوار شتى، واختلاف الموضع، والاختلاف في جهة الفعل، والاختلاف في الحقيقة والمجاز، والاختلاف بوجهين واعتبارين (^٣).\nوسنكتفي هنا مثالين فقط في هذا المجال:\nالأول: لقد ورد في القرآن الكريم آيات كثيرة في خلق آدم ﵇ تبدو في ظاهرها متعارضة، فمرة قال الله عنه: ﴿إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه الله من تراب ثم قال له كن فيكون﴾ (^٤)، ومرة قال الله عنه: ﴿قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين﴾ (^٥)، ومرة قال الله عنه: ﴿وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا\n_________\n(^١) البرهان ج ٢ ص ٥٣ والإتقان ج ٢ ص ٣٠.\n(^٢) الإتقان ج ٢ ص ٣١.\n(^٣) انظر البرهان ج ٢ ص ٥٤ - ٦٥ والإتقان ج ٢ ص ٢٩.\n(^٤) آل عمران - ٥٩.\n(^٥) الأعراف - ١٢.","vol":"1","page":29},{"text":"من صلصال من حمإ مسنون (^١) ومرة قال الله عنه: ﴿خلق الإنسان من صلصال كالفخار﴾ (^٢).\nفهذه الآيات - وإن كانت تبدو في ظاهرها متعارضة - إلا أننا يمكن أن نزيل هذا التعارض، وأوفق بين هذه النصوص، بأن نقول: إن كل آية من هذه الآيات تبين طورا من أطوار خلق آدم ﵇ قبل نفخ الروح فيه، فالتراب يمثل الطور الأول، والطين يمثل الطور الثاني بعد أن اختلط التراب بالماء - قال تعالى: ﴿وجعلنا من الماء كل شيء حي﴾ (^٣)، وقال جل شأنه: ﴿والله خلق كل دابة من ماء﴾ (^٤)،، والحمأ المسنون - وهو الطين الأسود المنتن المتغير - يمثل الطور الثالث الذي يصير إليه الطين إذا ترك الفترة من الزمن، والصلصال - وهو الطين الجاف اليابس الذي يكون كالفخار - يمثل الطور الرابع، ثم يجيء الطور الخامس وهو نفخ الروح فيه، وإذن فلا تعارض ولا تناقض ولا اختلاف بين الآيات القرآنية التي وردت في هذا المقام، قال الزركشي ﵀ وهذه الألفاظ مختلفة ومعانيها في أحوال مختلفة، لأن الصلصال غير الحمأ، والحمأ غير التراب، إلا أن مرجعها كلها إلى جوهر وهو التراب، ومن التراب تدرجت هذه الأحوال (^٥).\nالثاني: يقرر الله تعالى في آية الأعراف أن السؤال يوم القيامة حق - قال تعالى: ﴿فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين﴾ (^٦)، وفي آية الرحمن يقرر الله تعالى أنه لا سؤال يوم القيامة حيث يقول:\n_________\n(^١) الحجر ٢٨\n(^٢) الرحمن ١٤\n(^٣) الأنبياء ٣٠\n(^٤) النور - ٤٥\n(^٥) البرهان ج ٢ ص ٥٤، ٥٥\n(^٦) الأعراف - ٦","vol":"1","page":30},{"text":"﴿فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان﴾ (^١) فهذا تعارض في الظاهر يمكننا أن نزيله بأحد وجهين: الوجه الأول: أن نقول إن السؤال المثبت هو سؤال التوبيخ والتهديد والتبكيت للكفار، أما السؤال المنفي فهو سؤال الاستعلام، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، فهو علام الغيوب، وهو بكل شيء عليم، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ولا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، والوجه الآخر: أن نقول: إن مواطن القيامة ومواقفها متعددة، فهم يسألون في بعض هذه المواطن والمواقف، ولا يسألون في البعض الآخر، وبذلك يمكن أن نقول: إنه لا تعارض بين الآيات التي تثبت السؤال والآيات التي تنفيه والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-13>سابعا: البيان بطريق القراءات:</span>\nالقراءات قسمان: صحيحة وشاذة، فالقراءات الصحيحة هي التي اجتمع فيها شروط ثلاثة: أن توافق العربية ولو بوجه، وأن توافق الرسم العثماني ولو احتمالا، وأن يصح سندها، أما القراءات الشاذة فهي التي فقدت شرطا أو أكثر من الشروط المذكورة.\nوللقراءات سواء أكانت صحيحة أم شاذة - فوائد متعددة، لعل من أبرزها هو أنه يستعان بها كثيرا في مجال التفسير، فمن القرارات الصحيحة التي تحمل معنى البيان والتفسير قراءة حمزة والكسائي وعاصم في رواية ابن عياش: - (يطهرن) بالتشديد، أي يتطهرون في قوله تعالى: ﴿ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾ (^٢) فقد قال الشافعية: إن قراءة التشديد توضح قراءة التخفيف،\n_________\n(^١) الرحمن. ٣٩.\n(^٢) البقرة - ٢٢٢.","vol":"1","page":31},{"text":"فالمراد من القراءتين الاغتسال لا مجرد انقطاع الدم، لأن صيغة المبالغة يستفاد منها الطهارة الكاملة، والطهارة الكاملة للنساء عن المحيض هو الاغتسال، فلما دلت قراءة التشديد على أن غاية حرمة القربان هو الاغتسال، والأصل في القراءات التوافق حملت قراءة التخفيف عليها (^١).\nكذلك من القراءات الصحيحة التي تحمل معنى البيان والتفسير قراءة حمزة والكسائي: (فتثبتوا) في قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا﴾ (^٢) - قال الإمام الألوسي: (والتبين: طلب البيان والتعرف، وقريب منه التثبت كما في قراءة ابن مسعود وحمزة والكسائي (فتثبتوا)، وهو طلب الثبات والتأني حتى يتضح الحال) (^٣).\nأما القراءات الشاذة التي وردت من السلف مخالفة للرسم العثماني فقد يكون المراد بها تفسير القراءات الصحيحة وتوضيح معناها، فمثال القراءة التي تخالف الرسم في اللفظ دون المعنى قراءة ابن مسعود ﵁: (أو يكون لك بيت من ذهب)، فإنها تفسر لفظ (الزخرف) في القراءة المشهورة: «أو يكون لك بيت من زخرف» (^٤)، وقد جعل أبو حيان في البحر المحيط - ذلك تفسيرا لا قراءة لمخالفته سواد المصحف (^٥).\nومثال القراءة التي تخالف الرسم في اللفظ والمعنى معا إلا أنها تعين على المعنى المراد قراءة كثير من الصحابة والتابعين (فامضوا) في قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله﴾ (^٦)\n_________\n(^١) روح المعاني للإمام الألوسي ج ٢ ص ١٢٣ ط إدارة الطباعة المنيرية.\n(^٢) الحجرات - ٦ …\n(^٣) روح المعاني ج ٢٦ ص ١٤٥.\n(^٤) الإسراء - ٩ …\n(^٥) روح المعاني ج ١٦ ص ١٦٩.\n(^٦) الجمعة - ٩.","vol":"1","page":32},{"text":"قال الألوسي: «وحملت - أي قراءة (فامضوا) - على التفسير بناء على أنه لا يراد بالسعي الإسراع في المشي، ولم تجعل قرآنا لمخالفتها سواد المصحف المجمع عليه» (^١).\nومثال القراءة التي تخالف الرسم العثماني بالزيادة والنقصان، حيث تكون الزيادة في القراءة الشاذة موضحة للقراءة الصحيحة التي جاءت بدونها - قراءة ابن عباس: «ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم في مواسم الحج»، فإن هذه القراءة تفسر القراءة الأخرى التي لا زيادة فيها (^٢)، وتزيل الحرج الذي كان قد علق في نفوس المسلمين من التجارة في مواسم الحج، إذ كانوا يفعلون ذلك في الجاهلية.\nوهنا يرد سؤال: هل هذه القراءات المخالفة للرسم العثماني، والتي وردت من الصحابة والتابعين تعتبر من القرآن أو من باب التفسير؟\nالحق أنها ليست بقرآن لأن من شروط القرآن التواتر، وهي لم تتواتر بل نقلت إلينا من طريق الآحاد، وإنني أميل إلى القول بأن ما ورد عن الصحابة والتابعين من هذا القبيل لا يعتبر من باب القراءات أيضا بل يعد من باب التفسير، فقد كان الصحابة في مصاحفهم الخاصة يكتبون إلى جانب القرآن - بعض الأدعية المأثورة، وبعض كلمات التفسير، لا على أنها من القرآن أو القراءات، بل على أنها شارحة ومفسرة وموضحة لبعض ألفاظ القرآن الكريم، فوهم من جاء بعدهم ونقلها عنهم على أنها قراءات، والواقع أنها تفسير، قال السيوطي ﵀: «وظهر لي سادس يشبه من أنواع\n_________\n(^١) روح المعاني ج ٢٨ ص ١٠٣.\n(^٢) البقرة - ١٩٨.","vol":"1","page":33},{"text":"الحديث المدرج»، وهو ما زيد في القراءات على وجه التفسير، كقراءة سعد بن أبي وقاص: «وله أخ أو أخت من أم» أخرجها سعيد بن منصور وقراءة ابن عباس: «ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من بكم في مواسم الحج»، أخرجها البخاري، وقراءة ابن الزبير: «ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون من المنكر ويستعينون بالله على ما أصابهم»، قال عمرو: فما أدري أكانت قراءته أم فسر - أخرجه سعيد بن منصور، وأخرجه الأنباري وجزم بأنه تفسير، وأخرج عن الحسن أنه كان يقرأ: «وإن منكم إلا واردها الورود الدخول»، قال الأنباري: قوله: (الورود الدخول) تفسير من الحسن المعنى الورود، وغلط فيه بعض الرواة فأدخله في القرآن، قال ابن الجزري - في آخر كلامه -: وربما كانوا يدخلون التفسير في القراءات إيضاحا وبيانا، لأنهم محققون لما تلقوه عن النبي ﷺ قرآنا، فهم آمنون من الالتباس، وربما كان بعضهم يكتبه معه، وأما من يقول: «إن بعض الصحابة كان يجيز القراءة بالمعنى فقد كذب» (^١)\n_________\n(^١) الإتقان ج ١ ص ٧٧.","vol":"1","page":34},{"text":"<span data-type='title' id=toc-14>السنة النبوية كمصدر أصيل من مصادر التفسير</span>\nالسنة - في اللغة - الطريقة حسنة كانت أم سيئة، ومنه قول الرسول ﷺ فيما رواه مسلم -: (من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة).\nأما السنة فإنها - في اصطلاح جمهور المحدثين - ما ورد عن النبي ﷺ من أقوال وأفعال وتقديرات وصفات خلقية أو خلقية ونحو ذلك، وهي - بهذا المعنى - مرادفة للحديث النبوي عند جمهور المحدثين، قال أحد أساتذتنا الأجلاء: (وعلماء الحديث يريدون بالسنة - على ما ذهب إليه جمهورهم - أقوال النبي ﷺ وأفعاله وتقريراته وصفاته الخلقية والخلقية وسيره ومغازيه، وبعض أخباره قبل البعثة، مثل تحنثه في (غار حراء) ومثل حسن سيرته، لأن الحال يستفاد منها ما كان عليه من كريم الأخلاق ومحاسن الأفعال) (^١).\nوالسنة النبوية - على صاحبها أفضل الصلاة والسلام - هي الأصل الثاني للإسلام، وتأتي في المرتبة التالية للقرآن، لأنها بيان وتوضيح وشرح لما جاء في القرآن الكريم، قال تعالى … مخاطبا - الرسول ﷺ: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون﴾ (^٢)، وقال جل شأنه: ﴿وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم\n_________\n(^١) الحديث والمحدثون للاستاذ الدكتور محمد أبو زهو ص ١٠\n(^٢) النحل: ٤٤.","vol":"1","page":35},{"text":"الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون» (^١)، وقال - عز من قائل - ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ (^٢).\nوقد جاء عن الرسول ﷺ أحاديث كثيرة تفيد حجية السنة ومنزلتها العظيمة في الدين، فمن ذلك ما رواه أبو داود عن المقداد بن معديكرب عن رسول الله ﷺ أنه قال: (ألا وإني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه) (^٣)، وفي حديث العرباض بن سارية - مرفوعا: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ) رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح (^٤).\nوروى الحاكم عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ خطب في حجة الوداع فقال: (إن الشيطان قد يئس أن يعبد، بأرضكم. ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحقرون من أمركم، فاحذروا، إني تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا: كتاب الله وسنة نبيه) (^٥).\nوقد ذكر الإمام القرطبي في مقدمة تفسيره طائفة من الآثار التي وردت عن السلف، وكلها، تفيد أن السنة شارحة للقرآن ومفسره له، فقال ﵀: «وروى ابن المبارك عن عمران بن حصين أنه قال لرجل: إنك رجل أحمق، أتجد الظهر في كتاب الله أربعا لا يجهر فيها بالقراءة؟\n_________\n(^١) النحل: ٦٤.\n(^٢) الحشر: ٧.\n(^٣) انظر تفسير القرطبي جـ ١ ص ٣٧.\n(^٤) انظر أعلام المحدثين للأستاذ الدكتور محمد أبو شهبة ص ١٢.\n(^٥) المصدر السابق.","vol":"1","page":36},{"text":"ثم عدد عليه الصلاة والزكاة ونحو هذا، ثم قال: أتجد هذا في كتاب الله مفسرا، إن كتاب الله تعالى أبهم هذا، وإن السنة تفسر هذا، وروى الأوزاعي عن حسان بن عطية قال: كان الوحي ينزل على رسول الله ﷺ، ويحضره جبريل بالسنة التي تفسر ذلك، وروى سعيد بن منصور: حدثنا عيسى بن يونس عن الأوزاعي عن مكحول قال: القرآن أحوج إلى السنة من السنة إلى القرآن، وبه عن الأوزاعي قال: قال يحيى بن أبي كثير: السنة قاضية على الكتاب، وليس الكتاب بقاض على السنة، قال الفضل بن زياد: سمعت أنا عبد الله - يعني أحمد بن حنبل - وسئل عن هذا الحديث الذي روى أن السنة قاضية على الكتاب، فقال: «ما أجسر على هذا أن أقوله، ولكني أقول: إن السنة تفسر الكتاب وتبينه» (^١).\nهذا - وقد علق ابن عبد البر على الأثر الأخير الذي يفيد أن السنة قاضية على الكتاب فقال: (يريد أنها تقضي عليه وتبين المراد منه) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-15>هل الرسول تناول القرآن كله بالتفسير أم لا؟</span>\nونتساءل هنا: هل تناول الرسول ﷺ آيات القرآن كلها بالبيان أم أنه تناول بعض الآيات بالبيان وترك البعض الآخر لاجتهاد الأئمة من بعده؟\nالعلماء - في ذلك - فريقان:\nالفريق الأول: - وعلى رأسهم ابن تيمية - يقولون: إن الرسول ﷺ قد تناول آيات القرآن كلها بالبيان، فلم يترك آية من آياته\n_________\n(^١) تفسير القرطبي ج ١ ص ٣٩.\n(^٢) جامع بيان العلم ج ٢ ص ١٩١.","vol":"1","page":37},{"text":"إلا فسرها لصحابته، وفي ذلك يقول ابن تيمية: (يجب أن يعلم أن النبي ﷺ بين لأصحابه معاني القرآن، كما بين لهم ألفاظه، فقوله تعالى: ﴿لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ يتناول هذا وهذا (^١).\nويستدل هذا الفريق من العلماء على أن الرسول ﷺ بين لأصحابه كل معاني القرآن بما يلي:\n١ - قال تعالى - مخاطبا رسوله ﵊: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ (^٢)، والبيان الذي أسند إلى الرسول ﷺ يتناول بيان الألفاظ وبيان للمعاني.\n٢ - ما ورد عن أبي عبد الرحمن السلمي - قال: (حدثنا الذين كانوا يقرأوننا القرآن، كعثمان بن عفان، وعبد الله بن مسعود وغيرهما: أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي ﷺ عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعا) (^٣).\nفهذا الأثر صريح في أن الصحابة كانوا يتعلمون من الرسول ﷺ القرآن والعلم والعمل جميعا، ومعنى ذلك أنهم كانوا يتلقون عنه ألفاظ القرآن، كما كانوا يتلقون عنه معاني القرآن وعلومه، وأيضا كانوا يتلقون عنه التطبيق العملي لما ورد في القرآن الكريم.\n٣ - أن الله تعالى دعا الناس - في كثير من الآيات - إلى تدبر القرآن، وعقل ما جاء فيه، ولا يمكن تدبر الكلام وعقله إلا بعد فهم معناه،\n_________\n(^١) مقدمة في أصول التفسير ص ٣٥.\n(^٢) سورة النحل - آية: ٤٤.\n(^٣) مقدمة في أصول التفسير ص ٣٥، ٣٦.","vol":"1","page":38},{"text":"قال ابن تيمية - في هذا الصدد -: «وذلك أن الله تعالى قال: ﴿كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته﴾ (^١)، وقال: ﴿أفلا يتدبرون القرآن﴾ (^٢)، وقال: ﴿أفلم يدبروا القول﴾ (^٣)، وتدبر الكلام بدون فهم معانيه لا يمكن، وكذلك قال: ﴿إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون﴾ (^٤) وعقل الكلام متضمن لفهمه» (^٥).\n٤ - أن المادة تمنع أن يقرأ قوم كتابه في فن من العلم، كالطب والحساب، ولا يستشرحوه، فكيف بكلام الله تعالى الذي هو عصمتهم، وبه نجاتهم وسعادتهم، وقيام دينهم ودنياهم (^٦).\nومن ثم نجد الخلاف في تفسير القرآن بين الصحابة قليلا جدا، نظرا لأنهم كانوا يتلقون هذا التفسير عن الرسول ﷺ مباشرة، وما دام المصدر الذي يأخذون عنه، والمورد الذي ينهلون منه - وهو الرسول ﷺ واحدا فقلما يحدث الاختلاف والنزاع.\n٥ - ما أخرجه أحمد وابن ماجه عن عمر أنه قال: «من آخر ما نزل آية الربا، وإن رسول الله ﷺ قبض قبل أن يفسرها»، فقد دل فحوى الكلام على أنه كان يفسر لهم كل ما نزل، وأنه إنما لم يفسر هذه الآية لسرعة موته بعد نزولها، وإلا لم يكن للتخصيص بها وجه (^٧).\n_________\n(^١) سورة ص - آية: ٢٩.\n(^٢) سورة النساء - آية ٢٧ وسورة محمد - آية: ٢٤.\n(^٣) سورة المؤمنون - آية: ٦٨.\n(^٤) سورة يوسف - آية ٢.\n(^٥) مقدمة في أصول التفسير ص ٣٦، ٣٧.\n(^٦) المصدر السابق ص ٣٧.\n(^٧) الإتقان ج ٢ ص ٢٠٥.","vol":"1","page":39},{"text":"الفريق الآخر: - وعلى رأسهم السيوطي - يقولون: إن الرسول ﷺ لم يصح عنه - في تفسير القرآن إلا القليل، ومعظم ما ورد في هذا المجال من قبيل الأحاديث الموضوعة والضعيفة والشاذة والمنكرة، وفي ذلك يقول السيوطي: «قال الزركشي في البرهان: للناظر في القرآن لطلب التفسير مآخذ كثيرة، أمهاتها أربعة، الأول: النقل عن النبي ﷺ، وهذا هو الطراز المعلم، لكن يجب الحذر من الضعيف منه والموضوع فإنه كثير، ولهذا قال أحمد: ثلاث كتب لا أصل لها المغازي والملاحم والتفسير، قال المحققون من أصحابه: مراده أن الغالب أنه ليس لها أسانيد صحاح متصلة، وإلا فقد صح من ذلك كثير، كتفسير الظلم بالشرك في آية الأنعام، والحساب اليسير بالعرض، والقوة بالرمي في قوله:\n﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة﴾ (^١) - قلت - أي السيوطي: - الذي صح من ذلك قليل جدا، بل أصل المرفوع منه في غاية القلة (^٢):\nويستدل هذا الفريق من العلماء على قولهم بأدلة منها:\n١ - ما أخرجه البزار عن عائشة قالت: ما كان رسول الله ﷺ يفسر شيئا من القرآن إلا آيا بعدد علمه إياهن جبريل»، قال القاضي عبد الحق بن عطية - في هذا الصدد -: «ومعنى هذا الحديث: في مغيبات القرآن وتفسير مجملة، ونحو هذا مما لا سبيل إليه إلا بتوقيف من الله تعالى، ومن جملة مغيباته ما لم يعلم الله به، كوقت قيام الساعة ونحوه، ومنها ما يستقرأ\n_________\n(^١) سورة الأنفال - آية: ٦٠.\n(^٢) الإتقان ج ٢ ص ١٧٨، ١٧٩.","vol":"1","page":40},{"text":"من ألفاظه، كعدد النفخات في الصور، وكرتبة خلق السماوات والأرض» (^١).\n٢ - أن الرسول ﷺ دعا لابن عباس ﵁ وقال: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل» (^٢) فلو كان التأويل - وهو التفسير - مسموعا كله من الرسول ﷺ كالتنزيل، وصادرا عنه لكل صحابته لكان علم للتأويل أمرا مشتركا بين الصحابة جميعا، ولما كان اختصاص ابن عباس بهذا الدعاء فائدة.\n٣ - أن الصحابة والمفسرين اختلفوا في تفسير بعض الآيات، فقالوا فيها أقاويل مختلفة لا يمكن الجمع بينها، وسماع جميعها من رسول الله ﷺ محال، ولو كان الواحد مسموعا لرد الباقي، فتبين - على القطع - أن كل مفسر قال في المعنى بما ظهر له باستنباطه (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-16>مناقشة أدلة الفريقين والرأي المختار في هذه المسألة:</span>\nالحق أن كلا الفريقين مغال في قوله، ومبالغ في رأيه، فالفريق الأول وهو من يقول: إن الرسول ﷺ بين جميع معاني القرآن يمكن أن نناقشهم في أدلتهم فنقول:\nأولا: إن دليلهم الأول الذي استندوا إليه، وهو قوله تعالى - مخاطبا الرسول ﷺ: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل\n_________\n(^١) مقدمتان في علوم القرآن ص ٢٦٣.\n(^٢) رواه البخاري من حديث ابن عباس دون قوله: (وعلمه التأويل)، وهو - بهذه الزيادة - عند أحمد وابن حبان والحاكم - وقال: صحيح الإسناد. انظر المغني عن حمل الأسفار في الأسفار على هامش الإحياء جـ ١ ص ٥٥.\n(^٣) إحياء علوم الدين جـ ١ ص ٣٧٩.","vol":"1","page":41},{"text":"إليهم﴾، لا يدل على أن الرسول الكريم ﷺ مطالب ببيان كل معاني القرآن، بل تحتمل الآية أن الرسول ﵊ مطالب ببيان ما يحتاج من القرآن إلى البيان، وهذا ما ترشد إليه الآية الكريمة الأخرى - في هذا المقام - وهي قول الله تعالى: ﴿وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه﴾ (^١) فإن مثل هذه الأمور التي يختلفون فيها هي التي تحتاج إلى البيان من الرسول ﷺ.\nثانيا: أن دليلهم الثاني: وهو الأثر الذي ورد عن أبي عبد الرحمن السلمي - لا يدل على أن الصحابة تلقوا كل معاني القرآن مباشرة عن الرسول ﷺ كما هي الدعوى، بل يفيد أن الصحابة كانوا لا يتركون شيئا من القرآن حتى يتعلموا ما فيه من العلم والعمل معا، وهذا محتمل لأن يتعلم الصحابة ذلك من الرسول ﷺ، أو يتعلموه من الصحابة إخوانهم.\nثالثا: أن الآيات التي تحث الناس على تدبر القرآن لا تدل - دلالة قطعية - على أن الصحابة تلقوا كل معاني القرآن مباشرة عن الرسول ﷺ، بل تفيد أن الصحابة أرشدوا إلى أن يتدبروا القرآن، وتدبرهم القرآن بواسطة فهمهم المعانيه لا يتعين أن يكون كله عن طريق الرسول ﷺ، بل يجوز يكون البعض عن طريقه والبعض الآخر عن طريق غيره من الصحابة.\nرابعا: أن القياس - قياس كتاب الله على كتب الطب والحساب - قد بني على مقدمات خاطئة، لأن المطلوب في كل ليس هو الاستيضاح\n_________\n(^١) النحل - ٦٤","vol":"1","page":42},{"text":"والاستشراح على إطلاقهما، بل المطلوب هو فهم هذه الكتب، واستيعاب ما جاء فيها، أهم من أن يكون ذلك بواسطة أو بغير واسطة.\nخامسا: أن الحديث الذي يفيد أن الرسول ﷺ لم يفسر آية الربا يدل دلالة واضحة على أنه ﵊ لم يفسر كل آيات القرآن الكريم، ومن ثم يسقط استدلالهم بهذا الحديث على دعواهم.\nأما الفريق الثاني - وهم الذين يقولون: إنه لم يصح عن الرسول ﷺ في تفسير القرآن إلا القليل فيمكن أن نناقشهم بما يلي:\nأولا: أن استدلالهم بحديث عائشة - وهو: «ما كان رسول الله ﷺ يفسر شيئا من القرآن إلا آيا بعدد علمه إياهن جبريل» - استدلال باطل، لأن الحديث منكر (^١)، والحديث المنكر لا ينهض للاستدلال به.\nثانيا: ان دعاء الرسول ﷺ لابن عباس بأن يفقهه الله في الدين، ويعلمه التأويل يدل على أن الرسول ﷺ لم يفسر كل آيات القرآن، ولكنه لا يدل على أنه فسر النزر القليل فقط، كما هو المدعى، وأيضا فإن اختلاف الصحابة والمفسرين بالنسبة لتفسير القرآن الكريم يدل على أن الرسول ﷺ لم يتناول القرآن كله بالتفسير، ولكنه لا يدل بحال على أنه فسر النزر القليل فقط.\nكما يدعون.\nوالذي تميل إليه في هذه المسألة هو النوسط بين الرأيين المتعارضين، ذلك أننا نرى أن الرسول ﷺ فسر جانبا كبيرا من القرآن الكريم، إلا إنه لم يستوعب القرآن كله بالشرح والبيان، ومن هنا نجد في كتب الحديث التي ألفت على الأبواب بابا معينا أو كتابا معينا يخصصه أصحاب\n_________\n(^١) الإتقان ج ٢ ص ٢٠٥.","vol":"1","page":43},{"text":"هذه الكتب للتفسير، وقد أوردوا في هذا المجال طائفة كبيرة من الأحاديث الصحيحة والحسنة، كما نجد - في كتب التفسير التي انتهجت منهج التفسير بالمأثور - أحاديث كثيرة وصحيحة وردت عن الرسول ﷺ في تفسير القرآن الكريم قال أستاذنا الجليل الدكتور محمد حسين الذهبي ﵀ «والرأي الذي تميل إليه النفس، بعد أن اتضح لنا مغالاة كل فريق في دعواه، وعدم صلاحية الأدلة لإثبات المدعى، هو أن نتوسط بين الرأيين، فنقول: إن الرسول ﷺ بين الكثير من معاني القرآن لأصحابه، كما تشهد بذلك كتب الصحاح، ولم يبين كل معاني القرآن، لأن من القرآن ما استأثر الله تعالى بعلمه، ومنه ما يعلمه العلماء، ومنه ما تعلمه العرب من لغاتها، ومنه ما لا يعذر أحد في جهالته كما صرح بذلك ابن عباس - فيما رواه عنه ابن جرير - قال: التفسير على أربعة أوجه: وجه تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير تعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-17>أمثلة من بيان القرآن بالسنة:</span>\nإن وظيفة السنة النبوية هي تفسير القرآن الكريم، والكشف عن أسراره وتوضيح مراد الله منه، ووجوه بيان السنة للقرآن الكريم كثيرة، فهي إما بيان المجمل من القرآن الكريم، أو تقييد للمطلق، أو تخصيص للعام، أو توضيح للمشكل، أو بيان للناسخ، أو بيان لما قد أو بيان بزيادة على ما جاء في الكتاب، وإليك أمثلة على ما ذكرنا:\n١ - بيان المجمل من الكتاب، كبيانه ﷺ للصلوات الخمس في مواقيتها وسائر أحكامها،\n_________\n(^١) التفسير والمفسرون جـ ١ ص ٥٣.","vol":"1","page":44},{"text":"وكبيانه المقادير الزكاة وشروطها، والأموال التي تجب فيها، وبيانه لمناسك الحج، قال ﷺ حين حج بالناس - «خذوا عني مناسككم»، وقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» أخرجه البخاري.\n٢ - تقييد المطلق من القرآن مثل الأحاديث التي بينت أن المراد من اليد في قوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فأقطعوا أيديهما﴾ (^١) هي اليمنى، وأن القطع من الكوع لا من المرفق.\n٣ - تخصيص العام من القرآن مثل الحديث الذي بين أن المراد من الظلم في قوله تعالى: ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن (^٢)﴾، هو الشرك، فإن بعض الصحابة فهم منه العموم حتى قال: (أينا لم يظلم؟)، فقال الرسول ﷺ: «ليس بذاك إنما هو الشرك» (^٣).\n٤ - توضيح المشكل من القرآن كالحديث الذي بين المراد من الخيطين في قوله تعالى: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر (^٤)﴾، فقد فهم منه بعض الصحابة العقال الأبيض والعقال الأسود، فأزال الرسول ﷺ هذا الإشكال بقوله: «بل هو سواد الليل وبياض النهار» (^٥).\n٥ - بيان النسخ - على رأي من يجيز نسخ الكتاب بالسنة ومثال ذلك حديث «لا وصية لوارث» فإنه ناسخ لحكم الوصية للوالدين والأقربين\n_________\n(^١) المائدة - ٣٨.\n(^٢) الأنعام - ٨٢\n(^٣) أخرجه أحمد والشيخان وغيرهم عن عبد الله بن مسعود - انظر الإتقان ج ٢ ص ١٩٣\n(^٤) البقرة - ١٧٨.\n(^٥) أخرجه البخاري في كتاب التفسير عن عدي بن حاتم ج ١ ص ٣١ ط الشعب.","vol":"1","page":45},{"text":"الوارثين - الثابت بقوله تعالى: ﴿كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين (١٨٠)﴾ (^١) على أحد الوجوه في تفسير الآية.\n٦ - بيان التأكيد، وذلك بأن يكون الحديث موافقا لما جاء في القرآن فيكون القصد من ذلك التأكيد، ومثال ذلك قوله ﷺ: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب من نفسه» - رواه الديلمي - فإنه يوافق قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ (^٢).\n٧ - البيان بزيادة على ما جاء في الكتاب، ومن أمثلة ذلك قوله ﷺ في البحر -: «هو الطهور ماؤه الحل ميتته»، وقوله ﵊ في الجنين الخارج ميتا من بطن أمه المزكاة -: «ذكاة الجنين ذكاة أمه»، وما ثبت في الأحاديث من تحريم نكاح المرأة على عمتها وخالتها، وتحريم الحمر الأهلية، وكل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير، وتحريم ربا الفضل، والقضاء باليمين مع الشاهد وغير ذلك، ويعتبر هذا كله من قبيل البيان للقرآن لأن الله تعالى يقول: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ (^٣) ويقول أيضا: ﴿ياأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا (٥٩)﴾ (^٤) ويقول كذلك: ﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا (٨٠)﴾ (^٥).\n_________\n(^١) البقرة - ١٨٠.\n(^٢) النساء - ٢٩\n(^٣) الحشر - ٧\n(^٤) النساء - ٥٩\n(^٥) النساء - ٨٠.","vol":"1","page":46},{"text":"<span data-type='title' id=toc-18>ولنا أن نتساءل هذا: هل كان الرسول ﷺ له اجتهاد في فهم القرآن؟</span> أو بتعبير آخر: هل ما ورد عن الرسول ﷺ في تفسير القرآن كله بوحي من الله تعالى، أم أن بعضه كان بوحي من الله، والبعض الآخر كان باجتهاد من الرسول ﷺ؟\nالواقع أنني أميل إلى أن الرسول ﷺ كانت له - إلى جانب ما أوحاه الله إليه وحيا جليا أو خفيا - اجتهادات خاصة في بعض أمور الدين؛ ومن جملة هذه الأمور تفسير القرآن الكريم، والدليل على ذلك أمران:\nالأول: أن الرسول ﷺ عاتبه ربه في القرآن الكريم على خطئه [¬*] في مواقف معينة، مثل إعراضه عن عبد الله بن أم مكتوم، وموقفه من الأسرى في غزوة بدر، وإذنه للمخلفين من الأعراب في غزوة العسرة، ولا يمكن أن يعاتب الرسول ﷺ على أمر أوحاه الله إليه، بل لا بد أن يكون الرسول مجتهدًا في هذه المواقف، والمجتهد معرض للصواب والخطأ، وليس في هذا الخطأ ما ينافي عصمة الرسول ﵊، لأن العصمة إنما تكون - في المرتبة الأولى - بالنسبة للتبليغ عن الله تعالى كما ذهب إلى ذلك المحققون من العلماء، قال أحد أساتذنا الأجلاء: «ذهب الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني إلى أنهم - أي الأنبياء - معصومون عما يخل بالتبليغ والرسالة عصمة مطلقة، لا يجوز عليهم في هذا الشأن عمد ولا سهو ولا غلط، لأنه لو وقع منهم ما يوجب الإخلال بالتبليغ - أي شئ - لكان وقوعه منهم مناقضا لمطلب المعجزة، وهو محال، ولأنه يرفع الوثوق بتبليغات النبي، فكل تبليغ يصدر عن النبي حينئذ يداخله احتمال أن يكون خطأ أو سهوًا، وذلك ما لا ينظم عليه ثبات الشريعة، والمبادرة إلى العمل بالتكاليف الشرعية المخاطب بها الجمهور، وهذا الرأي هو الذي نؤمن بصحته\n_________\n[¬*] تعليق الشاملة: لا يجوز إطلاق مثل هذه العبارات في حق رسول الله ﷺ وكان الأَولى بالمؤلف - غفر الله لنا وله - أن يسير على نهج السابقين في استعمال بعض العبارات كقولهم: فَعَلَ رسول الله ﷺ خلاف الأَولى.\nوقد فعل المؤلف ذلك لاحقا.","vol":"1","page":47},{"text":"ونقتنع به» (^١).\nوتكون عصمة الأنبياء أيضا من حدود الكبائر والصغائر عمدا أو سهوا، وكل ما يجوز صدوره من الأنبياء إنما هو من قبيل مخالفة الأولى، ومواقف الرسول ﷺ التي عاتبه الله بسببها من هذا القبيل.\nالثاني: إن الرسول ﷺ أذن لأصحابه بالاجتهاد عندما لا يجدون ما يطلبون في القرآن أو السنة، فقد قال ﵊ لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمين: بم تقضي إذا عرض لك قضاء؟ قال: بكتاب الله، قال: فإن لم تجد، قال: بسنة رسول الله ﷺ، قال: فإن لم تجد، قال: أجتهد رأيي ولا آلو، فضرب رسول الله ﷺ في صدره وقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضى الله ورسوله (^٢)، وكيف يأذن الرسول ﷺ لأصحابه في أمر لم يكن مأذونا له فيه؟.\nبقي أن ننبه هنا إلى أمر عام بالنسبة لاجتهاد الرسول ﷺ في تفسير القرآن الكريم، وهو أنه - بناء على هذا الاجتهاد - لم يكن هناك مجال للخلاف أو الاختلاف لأن المرجع في النهاية إلى الوحي، وذلك لأن اجتهاد الرسول ﵊ إن كان صوابا فسيقره الله عليه، وإن كان خطأ فسينبه الله إلى موضع الخطأ فيه، قال الدكتور محمد عبد الله دراز - بعد أن قسم الأحاديث النبوية إلى قسمين: توقيفي وتوفيقي - «على أن هذا الامتياز لا يؤدي إلى نتيجة عملية، فسواء علينا عند العمل بالحديث\n_________\n(^١) السنة وعملها في إثبات الأحكام الشرعية للدكتور محمد سعاد جلال ص ٣١\n(^٢) قال ابن كثير: هذا الحديث في المسانيد والسنن بإسناد جيد انظر تفسير ابن كثير ج ١ ص ١٣.","vol":"1","page":48},{"text":"أن يكون من هذا القسم أو من ذاك، إذ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في تبليغه صادق مأمون، وفي اجتهاده فطن موفق، وروح القدس يؤيده، فلا يقره على خطأ إن أخطأ في أمر من أمور الشريعة، فكان مرد الأمر في الحقيقة إلى الوحي في كلتا الحالتين، إما بالتعليم ابتداء، وإما بالإقرار أو النسخ انتهاء ولذلك وجب أن نتلقى كل سنته بالقبول» (^١).\n_________\n(^١) النبأ العظيم ص ١٢.","vol":"1","page":49},{"text":"<span data-type='title' id=toc-19>أقوال الصحابة والتابعين\nكمصدر أصيل من مصادر التفسير</span>\nلحق الرسول ﷺ بالرفيق الأعلى بعد أن بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، وجاء عصر الصحابة - رضوان الله عليهم - فساروا على هدي الرسول ﷺ في كل شيء، في العلم والعمل معا.\nوفي مجال فهم القرآن وتفسيره كان الصحابة في عصر الرسول ﷺ كثيرا ما يلجأون إلى الرسول ﵊ لكي يتعلموا منه القرآن، ويتدبروا آياته، ويفهموا معانيه، ويقفوا على أسراره، وفي ذلك يقول أبو عبد الرحمن السلمي: (حدثنا الذين كانوا يقرأوننا القرآن كعثمان ابن عفان، وعبد الله بن مسعود وغيرهما: أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي ﷺ عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعا) (^١)، كما يقول القرطبي - في هذا الصدد: «ذكر أبو عمرو الداني في كتابه، البيان له بإسناده عن عثمان وابن مسعود وأبي: أن رسول الله ﷺ كان يقرئهم العشر فلا يجاوزونها إلى عشر أخرى حتى يتعلموا ما فيها من العمل، فيعلمنا القرآن والعمل جميعا» (^٢).\nوبعد وفاة الرسول ﷺ كان هؤلاء الصحابة الذين أخذوا عنه ﵊ القرآن علما وعملا - مرجعا أساسيا في تفسير القرآن الكريم - لأنهم - كما يقول ابن تيمية وتلميذه ابن كثير - أدرى بذلك لما شاهدوه.\n_________\n(^١) مقدمة في أصول التفسير ص ٣٥، ٣٦.\n(^٢) تفسير القرطبي جـ ١ ص ١٩.","vol":"1","page":50},{"text":"عن القرائن والأحوال التي اختصوا بها، ولما لهم من الفهم التام، والعلم الصحيح والعمل الصالح، لاسيما علماؤهم وكبراؤهم كالأئمة الأربعة الخلفاء الراشدين، والأئمة المهديين وعبد الله بن مسعود ﵁ (^١).\nوكان منهج الصحابة في التفسير يقوم على أسس ثابتة، فهم يلجأون إلى القرآن نفسه أولا، فإن لم يجدوا لجأوا إلى السنة، فإن لم يجدوا لجأوا إلى الاجتهاد والرأي، وقلما كانوا يلجأون إلى أهل الكتاب في هذا المجال، وهذا المنهج الذي سار عليه الصحابة - رضوان الله عليهم - لم يكن خاصا بالتفسير فقط، بل كان عاما في شئون حياتهم العملية والعلمية على السواء، يدلنا على ذلك حديث معاذ ابن جبل فقد قال الرسول ﷺ له حين بعثه إلى اليمين: «بم تحكم؟ قال: بكتاب الله، قال: فإن لم تجد، قال: بسنة رسول الله، قال: فإن لم تجد، قال: أجتهد رأيي، قال: فضرب رسول الله ﷺ في صدره، وقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضى رسول الله» (^٢).\nثم إننا لنلاحظ أن اختلاف الصحابة في الرأي لا يكاد يذكر في عهد الرسول ﷺ، وكيف يختلفون والرسول ﵊ معهم وبين ظهرانيهم؟ بيد أن الصحابة بعد وفاة الرسول ﷺ بدأوا يختلفون في الرأي بالنسبة لبعض أمور الدين، وبخاصة في المسائل التي لم يرد لها نص في الكتاب ولا في السنة، إلا أن الخلاف أو الاختلاف كان سرعان ما يحسم فيما بينهم؛ ولقد كانت خلافة الرسول ﷺ هي أول مظاهر هذا الخلاف أو الاختلاف؛ ولا منع قوم الزكاة بعد وفاة الرسول ﷺ اختلف عمر بن الخطاب مع خليفة\n_________\n(^١) مقدمة في أصول التفسير ص ٩٥ وتفسير ابن كثير ج ١ ص ١٣ ط الشعب.\n(^٢) سبق ما قاله ابن كثير بالنسبة لهذا الحديث.","vol":"1","page":51},{"text":"رسول الله أبي بكر الصديق في مسألة قتالهم، وهل قتالهم يجوز شرعا أم لا؟ وفي معركة (اليمامة) إحدى المعارك التي خاضها المسلمون ضد المرتدين استحر القتل (^١) بقراء القرآن وحملته، وعلى إثر ذلك أشار عمر على أبي بكر بجمع القرآن خوفا من ضياعه بموت القراء في مواطن القنال، فاستدعى أبو بكر الصديق زيد بن ثابت وكلفه بجمع القرآن، وهذا الموضوع أيضا - على الرغم من أهمينه البالغة في الدين - لم يخل من الاختلاف في الرأي في بدايته بين أبي بكر وعمر تارة، وبين أبي بكر وزيد تارة أخرى كما ورد في الصحيح.\nلذا نستطيع أن نقول: إن اختلاف الصحابة في تفسير القرآن لم يظهر بصورة واضحة إلا بعد وفاة الرسول ﵊ غير أنه في عهد الشيخين أبي بكر وعمر ﵄ كان الاختلاف في تفسير القرآن قليلا إلى حد كبير، وذلك لأسباب كثيرة أهمها ما يلي:\n١ - أن عهد الشيخين كان قريبا من عصر النبوة الذي لا يكاد يذكر فيه اختلاف كما أسلفنا.\n٢ - أن الصحابة كانوا في عهد الشيخين يلتزمون فيما بينهم بمبدأ الشورى وكان التشاور بينهم غالبا ما يؤدي إلى القضاء على الاختلاف، ويحسم مادة النزاع.\n٣ - أن معظم الصحابة - في هذا العهد - كانوا في صقع واحد، ولم يتفرقوا في الأمصار كما كان عليه الحال فيما بعد، ومن ثم لم يتسع الخلاف بينهم. اتساعه في الأعصر التالية، فقد رأى عمر بن الخطاب بثاقب رأيه أن يستبقي الصحابة إلى حين في المدينة عاصمة الخلافة، ونهاهم عن الخروج إلى جهة\n_________\n(^١) استمر القتل أي اشتد.","vol":"1","page":52},{"text":"أخرى إلا بإذن خاص منه (^١)\n٤ - أن عهد الشيخين كان خاليا من الفتن الدامية التي أحدثها - بعد ذلك - أعداء الإسلام في الخارج والداخل نتيجة لامتداد الإسلام إلى مشارق الأرض ومغاربها، ومن الواضح أن هذه الفتن هي التي عصفت بوحدة المسلمين، وشثت شملهم، وفرقت آراءهم.\nوفي أواخر عهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان ﵁ بدأت الفتنة تطل برأسها، وتعمل عملها في تفريق صف المسلمين، وتمزيق وحدتهم، وبالتالي في تعدد آرائهم، واختلاف مذاهبهم، وليس من الغريب إذن أن تجد الاختلاف في تفسير القرآن يتسع كثيرا بعد مقتل الخليفة عثمان ﵁، فقد كان مقتله بداية لقيام الفرق الإسلامية من أموية وشيعة وخوارج ومرجئة ومعتزلة وغيرهم، وكان كل أولئك يلجأون إلى القرآن الكريم فيفسرونه على حسب آرائهم ومذاهبهم؛ إلا أننا نستطيع أن نقول: إن الصحابة - رضوان الله عليهم - كانوا أثناء هذه الفتن ملتزمين في تفسير القرآن الكريم بالمنهج الذي أقرهم عليه الرسول ﷺ في حديث معاذ ابن جبل الذي تقدم ذكره، أما الآراء الكثيرة المختلفة في تفسير القرآن فإنها - في الحقيقة - كانت آنذاك من اجتهاد بعض تلاميذهم من التابعين.\nوالذين اشتهروا بتفسير القرآن من الصحابة - كما يقول السيوطي - عشرة وهم الخلفاء الراشدون، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، وأبي بن كعب؛ وزيد بن ثابت وأبو موسى الأشعرى وعبد الله بن الزبير (^٢).\n_________\n(^١) نشاة الفقه الاجتهادى وأطواره الفضيلة الشيخ محمد على السايس ص ٧٤.\n(^٢) الإتقان ج ٢ ص ١٨٧","vol":"1","page":53},{"text":"كما يذكر السيوطي أنه قد ورد عن جماعة من الصحابة غير هؤلاء اليسير من التفسير كأنس بن مالك وأبي هريرة وعبد الله بن عمر وجابر بن عبد الله وعبد الله بن عمرو بن العاص» (^١).\nوكل ما ثبت عن الصحابة رضوان الله عليهم من أقوال في التفسير فذلك مصدر أصيل من مصادر التفسير يجب على المفسر لكتاب الله تعالى أن يرجع إليه عندما يعوزه القرآن والسنة؛ قال القاضي عبد الحق بن عطية: «وكل ما أخذ عن الصحابة فحسن متقدم» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-20>ونتساءل هنا: هل هؤلاء الصحابة كانوا جميعا على درجة واحدة بالنسبة الفهم القرآن وتفسيره؟</span>\nالحقيقة أن الصحابة لم يكونوا سواء في هذا المجال، لأنهم كانوا يختلفون - لا محالة - في أمور كثيرة، فقد كانوا يتفاوتون في العلم بلغتهم، فمنهم من كان واسع الاطلاع فيها عارفا بغريبها، ومنهم من كان دون ذلك، وكانوا يتفاوون في ملازمة الرسول ﷺ ويختلفون في حفظ القرآن، فمنهم من كان يحفظ القرآن كله، ومنهم من كان لا يحفظه كله، حتى قيل: إن بعض كبار الصحابة لم يكن يحفظ القرآن كله، وإنما كان جل اهتمامهم بالعمل - قال ابن قتيبة: «ولم يفرض الله على عباده أن يحفظوا القرآن كله، ولا أن يختموه في التعليم، وإنما أنزله ليعملوا بمحكمه، ويؤمنوا بمتشابهه، ويأتمروا بأمره وينتهوا بزجره، ويحفظوا للصلاة مقدار الطاقة؛ ويقرءوا فيها الميسور؛ قال الحسن: نزل القرآن اليعمل به؛ فاتخذ الناس تلاوته عملا، وكان أصحاب رسول الله ﷺ ورضي عنهم؛\n_________\n(^١) الإتقان جـ ٢ ص ١٨٩\n(^٢) مقدمتان في علوم القرآن ص ٢٦٤.","vol":"1","page":54},{"text":"وهم مصابيح الأرض؛ وقادة الأنام؛ ومنتهى العلم إنما يقرأ الرجل منهم السورتين والثلاث والأربع، والبعض والشطر من القرآن إلا نفرا منهم وفقهم الله لجمعه وسهل عليهم حفظه، قال أنس بن مالك: كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جد فينا أي جل في عيوننا، وعظم في صدورنا، قال الشعبي: «توفي أبو بكر وعمر وعلي ﵏ ولم يجمعوا القرآن، وقال: لم يختمه أحد من الخلفاء غير عثمان» (^١).\nوأيضا يقول القرطبي - في هذا الصدد -: «ذكر أبو بكر الأنباري: حدثني محمد بن شهريار حدثنا حسين بن الأسود حدثنا عبيد الله بن موسى من زياد بن أبي مسلم أبي عمرو عن زياد بن مخراق قال: قال عبد الله بن مسعود: إنا صعب علينا حفظ ألفاظ القرآن، وسهل علينا العمل به، وإن من بعدنا يسهل عليهم حفظ القرآن، ويصعب عليهم العمل به - حدثنا إبراهيم بن موسى حدثنا يوسف بن موسى حدثنا الفضل بن دكين حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن المهاجر عن أبيه عن مجاهد عن ابن عمر قال: كان الفاضل من أصحاب رسول الله ﷺ في صدر هذه الأمة لا يحفظ من القرآن إلا السورة أو نحوها، ورزقوا العمل بالقرآن، وإن آخر هذه الأمة يقرءون القرآن، منهم الصبي والأعمى، ولا يرزقون العمل به» (^٢).\nفهذه الروايات - إن صحت - تدل دلالة واضحة على أن الصحابة رضوان الله عليهم لم يكونوا سواء في حفظ القرآن الكريم، إلا أنني أشك كثيرا في صحة ما نقله ابن قتيبة عن الشعبي من أن أبا بكر وعمر وعليا ماتوا ولم يجمعوا القرآن الكريم،\n_________\n(^١) مشكل القرآن ص ١٨٠، ١٨١.\n(^٢) تفسير القرطبي ج ١ ص ٤٠","vol":"1","page":55},{"text":"إذ لا يعقل من هؤلاء الأئمة الراشدين، وهم من هم ملازمة للرسول ﷺ ألا يحفظوا القرآن في حياته ﵊، فضلا عن أن يموتوا وهم للقرآن غير حافظين، قال القرطبي: «وقد تظاهرت الروايات بأن الأئمة الأربعة جمعوا القرآن على عهد النبي ﷺ لأجل سبقهم إلى الإسلام، وإعظام الرسول ﷺ لهم» (^١) كما يقول السيوطي: «وقد ذكر أبو عبيد في كتاب (القراءات): القراء من أصحاب النبي ﷺ فعد من المهاجرين الخلفاء الأربعة» (^٢) .. الخ.\nوأيضا كان من الصحابة من يعرف أسباب النزول، ومنهم من لا يعرفه. كذلك كان منهم من يحفظ الكثير من أحاديث الرسول ﷺ ومنهم من كان دون ذلك في الحفظ، من أجل هذه الأسباب كلها لم يكن الصحابة رضوان الله عليهم على درجة واحدة في فهم القرآن وتفسيره، قال مسروق: جالست أصحاب محمد ﷺ، فوجدتهم كالإخاذ (^٣) يروي الواحد، والإخاذ يروي الاثنين، والإخاذ يروي العشرة، والإخاذ يروي المائة، والإخاذ لو ورد عليه الناس أجمعون لأصدرهم (^٤).\nولعل أبرز الصحابة جميعا في مجال التفسير ثلاثة: علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن مسعود رضوان الله عليهم، أما علي بن أبي طالب فقد ورد عنه الكثير في تفسير القرآن الكريم، ولا غرو في ذلك فقد\n_________\n(^١) تفسير القرطبي ج ١ ص ٥٧\n(^٢) الإتقان ج ١ ص ٧٢.\n(^٣) الإخاذ هو الموضع الذي يحبس الماء كالغدير.\n(^٤) تفسير القرطبي ج ١ ص ٢٥ ونشأة الفقه الاجتهادي وأطواره ص ٥٦.","vol":"1","page":56},{"text":"قال عامر بن واثلة: «شهدت علي بن أبي طالب ﵁ يخطب، فسمعته يقول في خطبته: سلوني، فوالله لا تسألوني عن شيء يكون إلى يوم القيامة إلا حدثتكم به، سلوني من كتاب الله فوالله ما من آية إلا أنا أعلم: أبليل نزلت أم بنهار، أم في سهل نزلت أم في جبل» (^١).\nومما يشهد لعلي -كرم الله وجهه- بالتقدم والإمامة في التفسير أن عبد الله ابن عباس وعبد الله بن مسعود - وهما من هما جلالة وقدرا قد أخذا التفسير عنه فقد قال ابن عباس: «ما أخذت من تفسير القرآن فمن علي بن أبي طالب» (^٢) كما قال ابن مسعود: «لو أعلم أحدا أعلم بكتاب الله في تبلغه المطلي لأتيته، فقال له رجل: أما لقيت علي بن أبي طالب؟ فقال: بلى، قد لقيته» (^٣).\nمن هنا وصف ابن عطية وهو أحد أئمة التفسير في القرن الخامس الهجري - وصف علي بن أبي طالب بأنه صدر المفسرين والمؤيد فيهم (^٤).\nوأما عبد الله بن عباس فإنه الذي دعا له الرسول ﷺ بقوله: «اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل»، فكان ترجمان القرآن والبحر وحبر هذه الأمة، وقد ذكر ابن عطية أن ابن عباس ﵄ يتلو علي بن أبي طالب في تفسير القرآن الكريم، إلا أن المحفوظ عنه في ذلك أكثر من المحفوظ عن علي بن أبي طالب، لأنه قد تجرد للأمر وكمله (^٥)، كما ذكر ابن عطية كذلك أن ابن عباس كان يبدأ في مجلسه بالقرآن، ثم بالتفسير،\n_________\n(^١) تفسير القرطبي ج ١ ص ٣٥ والإتقان ج ٢ ص ١٨٧.\n(^٢) مقدمتان في علوم القرآن ص ٢٦٤.\n(^٣) تفسير القرطبي ج ١ ص ٣٥.\n(^٤) مقدمتان في علوم القرآن ص ٢٦٣.\n(^٥) المصدر السابق","vol":"1","page":57},{"text":"ثم بالحديث (^١).\nولقد تعددت الروايات عن ابن عباس ﵄ في التفسير، واختلفت طرقها، فمن جيد هذه الطرق طريق علي بن أبي طلحة الهاشمي عنه، قال أحمد ابن حنبل: «بمصر صحيفة في التفسير رواها علي بن أبي طلحة لو رحل رجل فيها إلى مصر قاصدا ما كان كثيرا» (^٢)، قال السيوطي ﵀: «قال ابن حجر: وهذه النسخة كانت عند أبي صالح كاتب الليث رواها عن معاوية بن صالح من علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وهي عند البخاري عن أبي صالح، وقد اعتمد عليها في صحيحه كثيرا فيما يعلقه عن ابن عباس»، ثم قال السيوطي «وقال قوم: لم يسمع ابن أبي طلحة عن ابن عباس التفسير، وإنما أخذه من مجاهد أو سعيد بن جبير، قال ابن حجر: بعد أن عرفت الواسطة وهو ثقة فلا ضير في ذلك» (^٣).\nوأوهى الطرق إلى ابن عباس ﵁ طرق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس - قال السيوطي: «فإن انضم إلى ذلك رواية محمد بن مروان السدي الصغير فهي سلسلة الكذب، وكثيرا ما يخرج منها الثعلبي والواحدي» (^٤).\nوما أكثر الأقوال التي تنسب إلى ابن عباس كذبا في تفسير القرآن الكريم وابن عباس منها براء، مثل الأقوال التي تلقفها الملاحدة وأعداء الدين من المستشرقين وأذنابهم، فأثاروا بها الشبهات حول القرآن الكريم تارة، وحول صحابة رسول الله تارة أخرى باعتبار أنهم حملة الدين إلينا عن\n_________\n(^١) المصدر السابق ص ٢٦٢.\n(^٢) الإتقان ج ٢ ص ١٨٨.\n(^٣) الإتقان ج ٢ ص ١٨٨.\n(^٤) الإتقان ج ٢ ص ١٨٩.","vol":"1","page":58},{"text":"الرسول ﷺ، والملك بعد أن عرفت أن ثمة أقوالا تنسب إلى ابن عباس كذبا - تدرك معي معنى قول الشافعي ﵁: «لم يثبت عن ابن عباس في التفسير إلا شبيه بمائة حديث» (^١).\nوأما عبد الله بن مسعود ﵁ فقد وضعه ابن عطية في المرتبة التالية لابن عباس ﵄ (^٢)، ومما يدل على جلالته في علم التفسير ما قاله عن نفسه وهو في ذلك من الصادقين، فقد أخرج ابن جرير وغيره عنه أنه قال: «والذي لا إله غيره ما نزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيمن نزلت، وأين نزلت، ولو أعلم مكان أحد أعلم بكتاب الله مني تناله المطايا لأتيته» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-21>أمثلة من تفسير الصحابة للقرآن:</span>\n١ - ما أخرجه البخاري عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: «كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر، فكأن بعضهم وجد في نفسه، فقال: لم تدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله؟ فقال عمر: إنه من حيث علمتم، فدعاه ذات يوم فأدخله معهم، فما رأيت أنه دعاني يومئذ إلا ليريهم، قال: ما تقولون في قول الله تعالى: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾» (^٤)؟ فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله ونستغفره، إذا نصرنا وفتح علينا، وسكت بعضهم فلم يقل شيئا، فقال لي: أكذاك تقول يا ابن عباس؟ فقلت: لا، قال: فما تقول؟ قلت: هو أجل رسول الله ﷺ أعلمه له، قال: (إذا جاء نصر الله والفتح) وذلك\n_________\n(^١) المصدر السابق.\n(^٢) مقدمتان في علوم القرآن ص ٢٦٤.\n(^٣) مقدمة في أصول التفسير ص ٩٥، ٩٦.\n(^٤) سورة النصر.","vol":"1","page":59},{"text":"علامة أجلك (فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا)، فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما تقول (^١).\n٢ - كذلك اختلف علي بن أبي طالب مع عبد الله بن مسعود في الرأي بالنسبة للحامل المتوفى عنها زوجها، وكل منهما يستند بدليله من القرآن الكريم، ويتفرد بفهم خاص له، فقال علي ﵁: تعتد بأبعد الأجلين، جمعا بين الآيتين، آية البقرة المقتضية أن عدة المتوفى عنها زوجها أن تتربص أربعة أشهر وعشرا، وآية الطلاق المقتضية أن عدة الحامل أن تضع حملها، أما عبد الله ابن مسعود ﵁ فقد قال: تعتد بوضع الحمل، عملا بالآية الأخيرة، لتأخرها في النزول، فكان الاختلاف هنا بسبب تعارض ظواهر النصوص، فلجأ أحدهما إلى طريقة الجمع بين النصين، ولجأ الآخر إلى طريقة النسخ أو التخصيص (^٢).\n٣ - ومن ذلك أيضا ما روي أن عمر بن الخطاب ﵁ رفعت إليه قضية رجل قتلته امرأة أبيه وخليلها، فتردد عمر في قتل الجماعة بالواحد، لأن كتاب الله يقول: ﴿النفس بالنفس﴾ (^٣)، فقال علي بن أبي طالب ﵁: أرأيت يا أمير المؤمنين لو أن نفرا اشتركوا في سرقة جزور فأخذ هذا عضوا، وذاك عضوا أكنت قاطعهم؟ قال: نعم، قال: فكذلك، فأخذ عمر برأيه، وكتب إلى عامله: «أن اقتلهما، فلو اشترك فيه أهل صنعاء كلهم لقتلتهم به» (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في كتاب التفسير - سورة (إذا جاء نصر الله) ح ٦ ص ٢٢٠، ٢٢١.\n(^٢) نشأة الفقه الاجتهادي وأطواره ص ٤٤.\n(^٣) سورة المائدة - آية ٤٥.\n(^٤) نشأة الفقه الاجتهادي وأطواره ص ٤٢.","vol":"1","page":60},{"text":"٤ - وقد ورد أيضا في مجال فهم القرآن وتفسيره لدى الصحابة أن عمر ﵁ وقف يوما يخطب في النهي عن التغالي في المهور، ويضع لها حدا أعلى، فيقول: لا تزيدوا مهور النساء على أربعين أوقية، وإن كانت بنت ذي القصة - يعني يزيد بن الحصين الحارثي - فمن زاد ألقيت الزيادة في بيت المال، فقامت امرأة من صف النساء طويلة، في أنفها فطس، فقالت: ما ذلك لك، قال: ولم؟ قالت: لأن الله يقول: ﴿وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا﴾ (^١) فقال عمر رضوان الله عليه: امرأة أصابت ورجل أخطأ (^٢).\nفقد فهمت هذه المرأة المسلمة أن القنطار في الآية بمعنى المال الكثير الذي لا يحد، وكان هذا الفهم منها صائبا وسديدا بدليل أن عمر - وهو من هو - صوب قولها، وخطأ نفسه، ورجع عما كان يعتزم القيام به من تحديد المهور.\n٥ - أن ابن عباس ﵄ فسر الأجل في قوله تعالى: ﴿فلما قضى موسى الأجل﴾ (^٣) بأنه عشر حجج لا ثمان محتجا بأنه رسول، والرسول يقضي أطيب الأجلين وأحسنهما، فعن سعيد بن جبير قال: «سألني يهودي من أهل الحيرة: أي الأجلين قضى موسى؟ قلت: لا أدري حتى أقدم على حور العرب فأسأله، فقدمت فسألت ابن عباس، فقال: قضى أكثرهما إن رسول الله ﷺ إذا قال فعل» (^٤).\n_________\n(^١) سورة النساء - آية ٢٠.\n(^٢) حرية الفكر في الإسلام تأليف الشيخ محمد الصادق عرجون ص ٢٣.\n(^٣) سورة القصص - آية ٢٩.\n(^٤) أخرجه البخاري عن سعيد بن جبير في كتاب الشهادات باب من أمر بإنجاز الوعد وفعله الحسن ج ٣ ص ٢٣٦.","vol":"1","page":61},{"text":"أستطيع بعد هذا أن نوجز المصادر التي اعتمد عليها الصحابة في التفسير فنقول: إن الصحابة كانوا يعتمدون - أساسا - في تفسير القرآن على القرآن أولا، ثم على السنة ثانيا، ثم على الاجتهاد ثالثا، وأنهم ما كانوا يلجأون إلى أهل الكتاب في تفسير القرآن الكريم إلا في أضيق الحدود، ومقابيس معينة، فما كانوا يلجأون إليهم قط في تفسير آيات العقائد والأحكام، بل كان سؤال أهل الكتاب - إن وجد - إنما يتعلق ببعض أخبار السابقين، وقصص الأنبياء والمرسلين، وأيضا ما كان الصحابة يسألون أهل الكتاب عن شيء من ذلك إلا إذا لم يجدوا في كتاب الله ولا في سنة رسوله ما يشفي غليلهم في هذا المجال، كذلك فإن الصحابة ما كانوا يسألون أهل الكتاب عن الأشياء الثانية والحقيرة، وأنهم أيضا ما كانوا ينقلون عنهم في هذا المجال - ما يخالف حقائق الدين، أو مسلمات العقل السليم، ومن ثم فإن ما ننسب إلى الصحابة من خرافات وأساطير لا شك أنه مكذوب عليهم.\nوفي ضوء ما قررناه الآن لا يصح بحال أن نتهم كلام ابن تيمية على إطلاقه الذي يفيد أن الصحابة كانوا يروون عن أهل الكتاب أشياء رأوها ويحدثون بما جاء في كتبهم، بل لا بد أن يقيد هذا الكلام بثلاثة المقاييس التي شرحناها، قال ابن تيمية: «ولهذا فإن غالب ما يرويه إسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير في تفسيره عن هذين الرجلين: ابن مسعود وابن عباس»، ولكن في بعض الأحيان ينقل عنهم ما يكونه من أقاويل أهل الكتاب التي أباحها رسول الله ﷺ حيث قال: «بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي متعمدا\n_________\n١.\n(المقدمة صـ ٢٥).","vol":"1","page":62},{"text":"فليتبوأ مقعده من النار» (^١) رواه البخاري عن عبد الله بن عمرو، ولهذا كان عبد الله بن عمرو قد أصاب يوم اليرموك زاملتين من كتب أهل الكتاب، فكان يحدث منهما بما فهمه من هذا الحديث من الإذن في ذلك، (^٢).\nكذلك نستطيع أن نوجز خصائص ومميزات المأثور عن الصحابة في التفسير فيما يلي:\n١ - لم يؤثر عن الصحابة، أو بتعبير أدق: لم يصل إلينا عنهم تفسير كامل للقرآن الكريم، أما التفسير الذي نسب إلى ابن عباس ﵁، وهو (تنوير المقباس من تفسير ابن عباس) فإن جامعه ومؤلفه هو أبو طاهر محمد بن يعقوب الفيروزأبادي صاحب القاموس المحيط.\n٢ - إن الاختلاف في تفسير القرآن الكريم في عهد الصحابة كان قليلا إذا قيس بما حدث في العصور التالية لهم.\n٣ - أن التفسير المأثور عن الصحابة كان ينقل عنهم - على وجه العموم - بطريق الرواية، ولم تدون أقوالهم في التفسير في زمانهم، وما نقل عن مجاهد تلميذ ابن عباس من أنه كتب عن ابن عباس التفسير كله في ألواحه (^٣) فتلك حالة فردية لا تتنافى مع ما ذكرناه من أن الطابع العام للتفسير في عهد الصحابة كان الرواية لا التدوين.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري عن عبد الله بن عمر وبن العاص في كتاب الأنبياء - باب ما ذكر عن بني إسرائيل ج ٤ ص ٢٠٧.\n(^٢) مقدمة في أصول التفسير ص ٩٨ والزاملة بعير يحمل عليه المتاع.\n(^٣) مقدمة في أصول التفسير ص ١٠٣.","vol":"1","page":63},{"text":"<span data-type='title' id=toc-22>قيمة أقوال الصحابة في تفسير القرآن الكريم:</span>\nالمأثور عن الصحابة في تفسير القرآن الكريم أقسام ثلاثة:\nالقسم الأول: ما لا مجال للرأي فيه، وليس من قبيل الإسرائيليات، مثل أقوالهم في أسباب النزول، والمحكم والمتشابه، والناسخ والمنسوخ، وهذا القسم من الأصالة بمكان، بل يعد من الأحاديث الموقوفة على الصحابة ومن المعروف عند المحدثين أن الحديث الموقوف - في هذه الحالة - يأخذ حكم الحديث المرفوع إلى الرسول ﷺ، إذ يحمل على سماعه منه ﵊، وفي ذلك يقول ابن تيمية: «وما نقل في ذلك عن الصحابة نقلا صحيحا فالنفس إليه أسكن مما نقل عن بعض التابعين، لأن احتمال أن يكون سمعه من النبي ﷺ أو من بعض من سمعه منه أقوى، ولأن نقل الصحابة عن أهل الكتاب أقل من نقل التابعين، ومع جزم الصحابي بما يقوله: كيف يقال: إنه أخذه من أهل الكتاب وقد نهوا عن تصديقهم؟» (^١) وأيضا ذكر السيوطي أن من بين مآخذ التفسير - الأخذ بقول الصحابي فإن تفسيره عندهم بمنزلة المرفوع إلى النبي ﷺ، كما قاله الحاكم في مستدركه، وقال أبو الخطاب - من الحنابلة -: يحتمل أن لا يرجع إليه إذا قلنا: إن قوله ليس بحجة، والصواب الأول، لأنه من باب الرواية لا الرأي - قال السيوطي: «ما قاله الحاكم نازعه فيه ابن الصلاح وغيره من المتأخرين، لأن ذلك مخصوص بما فيه سبب النزول أو نحوه مما لا مدخل للرأي فيه، ثم رأيت الحاكم نفسه صرح به في علوم الحديث، فقال: ومن الموقوفات تفسير الصحابة، وأما من يقول: إن تفسير الصحابة مسند فإنما يقوله فيما فيه سبب النزول، فقد\n_________\n(^١) المصدر السابق ص ٥٨.","vol":"1","page":64},{"text":"خصص هنا وعمم في المستدرك، فاعتمد الأول، والله أعلم» (^١).\nومن ثم نجد البخاري يذكر في صحيحه - من هذا القسم - كثيرا من أقوال الصحابة الموقوفة عليهم، بل وأقوال التابعين قال ابن حجر: (وأما الموقوفات فإنه يجزم منها بما صح عنده، ولو لم يكن على شرطه، ولا يجزم بما كان في إسناده ضعف، أو انقطاع إلا حيث يكون منجبرا، إما بمجيئه من وجه آخر، وإما بشهرته عمن قاله، وإنما يورد ما يورد من الموقوفات من فتاوى الصحابة والتابعين، ومن تفاسيرهم الكثير من الآيات على طريق الاستئناس والتقوية لما يختاره من المذاهب في المسائل التي فيها الخلاف بين الأئمة) (^٢).\nالقسم الثاني: ما كان الرأي فيه مجال، وغالب ما ورد عن الصحابة من أقوال في ذلك انما هو من قبيل الفهم والاستنباط لبعض الأحكام الفقهية من القرآن، وأقوال الصحابة في ذلك حجة عند الاجتماع، وليست بحجة عند الاختلاف، وفي ذلك يقول الشيخ محمد أبو زهرة: «واجتماع فقهاء الصحابة على رأى فقهى يكون حجة، وكذلك إذا لم يرد عنهم في تفسير الآية التي تتعلق بالحلال والحرام إلا رأى واحد، وإذا اختلفوا جاز للفقهاء المحبذين أن يختاروا من آرائهم، ولا يخرجوا عنها» (^٣).\nوعن هذين القسمين يحدثنا السيوطي - فيما نقله عن الزركشي - فيقول: واعلم أن القرآن قسمان: قسم ورد تفسيره بالنقل، وقسم لم يرد، والأول إما أن يرد عن النبي ﷺ أو الصحابة أو رءوس التابعين،\n_________\n(^١) الإتقان ج ٢ ص ١٧٩.\n(^٢) هدى السارى مقدمة فتح الباري ص ١٦.\n(^٣) المعجزة الكبرى القرآن ص ٥٩١.","vol":"1","page":65},{"text":"فالأول يبحث فيه عن صحة السند، والثاني - ينظر في تفسير الصحابي، فإن فسره من حيث اللغة فهم أهل اللسان فلاشك في اعتماده، أو بما شاهده من الأسباب والقرائن فلا شك فيه، وحينئذ إن تعارضت أقوال جماعة من الصحابة فإن أمكن الجمع فذاك، وإن تعذر قدم ابن عباس لأن النبي ﷺ بشره بذلك حيث قال: اللهم علمه التأويل، وقد رجح الشافعي قول زيد في الفرائض الحديث: أفرضكم زيد (^١).\nوالقسم الثالث: ما ورد عن الصحابة في التفسير بما يشبه الإسرائيليات، وإذا ما ورد شيء من ذلك فإنه ينظر: هل تصح نسبته إلى الصحابة أم لا، لأن معظم ما نسب إليهم لم يصح، وإذا ما صح فسوف تجده قليلا جدا، وسلبين - إن شاء الله تعالى - وجهة نظرهم في نقل ذلك عن أهل الكتاب عند الحديث على الإسرائيليات بالتفصيل في الفصول القادمة، ويكفى هنا أن نذكر المكلمة التي قالها ابن عباس ﵁ منكرا على من يسترسل في سؤال أهل الكتاب عن شيء مما في كتبهم، فقد روى البخاري في صحيحه عن ابن عباس قال: (يا معشر المسلمين كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء، وكتابكم الذي أنزل الله على نبيه ﷺ أحدث الأخبار بالله، تقرءونه لم يشب، وقد حدثكم الله أن أهل الكتاب بدلوا ما كتب الله، وغيروا بأيديهم الكتاب، فقالوا: هو من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا، أفلا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مساءلتهم، والله ما رأينا منهم رجلا قط يسألكم عن الذي أنزل عليكم) (^٢).\n_________\n(^١) الإتقان ج ٢ ص ١٨٣.\n(^٢) أخرجه البخاري عن ابن عباس ﵄ في كتاب الشهادات باب لا يسأل أهل الشرك عن الشهادة وغيرها ج ٣ ص ٢٣٧.","vol":"1","page":66},{"text":"يقول الشيخ محمد أبو زهرة ﵀ في هذا الصدد: (ومن الموضوعات التي أثر عن الصحابة أقوال فيها في تفسير القرآن وفهم معانيه، آيات القصص في القرآن الكريم، وليس المروى عنهم في ذلك كثيرا، والصحيح النسبة إليهم ﵃ قدر ضئيل، وذلك لأنهم ما كانوا يعنون إلا بماله أثر عملى يتعلق بالحلال والحرام، وما له أثر في أعمالهم، وتنظيم جماعتهم، وإقامة الحق والعدل في الأرض، وكانوا يعتمدون في فهم القصص القرآني على السنة الصحيحة، وعلى تفسير القرآن نفسه لبعضه، وكانوا يكتفون بما جاء في القرآن والسنة، ولا يزيدون عليه لأنه هو الصحيح، ولا يحاولون أن يعرفوا ما عداه، ولكن لما دخل في الإسلام اليهود والنصارى، وبثوا في المسلمين ما عندهم من قصص وأساطير، وجد بين المسلمين من يعني بالقصص غير مقتصر على القرآن الكريم، والسنة النبوية، وظهر ذلك في آخر عصر الخلفاء الراشدين، ولم ينظر الصحابة إلى ذلك نظرة راضية أو متغاضية، بل نظروا إليه نظرة غير متساهلة، لما قد يجر إليه من نشر أساطير ما أنزلها الله، وربما أوجدت غياما على معانيه) (^١).\nأقوال التابعين في التفسير:\nثم جاء عصر التابعين، وهم الجيل الذي تتلمذ على أصحاب الرسول ﷺ، وكان عصر التابعين يتميز بالفتن الدامية التي بدأت بمقتل الخليفة عثمان بن عفان رض الله عنه، ويتميز كذلك بوجود الفرق الإسلامية التي نشأت - بكثرة - في العالم الإسلامي نتيجة لتلك الفتن.\nوقد اشتهر بالتفسير من التابعين جماعة على رأسهم مجاهدين جبر وسعيد\n_________\n(^١) المعجزة الكبرى القرآن ص ٥٩٢.","vol":"1","page":67},{"text":"ابن جبيرو عكرمة مولى ابن عباس وزيد بن أسلم، قال ابن تيمية: «وأئمة التفسير فإن أعلم الناس به أهل مكة، لأنهم أصحاب ابن عباس، كمجاهد، وعطاء بن أبي رباح، وعكرمة مولى ابن عباس، وغيرهم من أصحاب ابن عباس كطاووس، وأبي الشعثاء، وسعيد بن جبير، وأمثالهم، وكذلك أهل الكوفة من أصحاب عبد الله بن مسعود ومن ذلك ما تميزوا به على غيرهم، وعلماء أهل المدينة في التفسير مثل زيد بن أسلم الذي أخذ عنه مالك التفسير، وأخذه عنه أيضا ابنه عبد الرحمن، وعبد الله بن وهب» (^١).\nوقد استمد التابعون أقوالهم في التفسير من مصادر خمسة: وهي القرآن الكريم، والسنة النبوية، وأقوال الصحابة، والأخذ من الكتاب، والاجتهاد في الرأي، ويشرح الطوفي سليمان بن عبد القوى البغدادي - أحد علماء التفسير في القرن السابع الهجري - الأسباب التي جعلت التابعين يرجعون إلى مصادر لم تكن على عهد الرسول ولا صحابته، فيقول: «وسبب ذلك أن ما أخذه بعض الصحابة عن النبي ﷺ من التفسير تذاقوه فيما بينهم على حسب الإمكان، ولعل بعضهم مات ولم ينقل ما عنده منه، لمبادرة الموت له، ثم تفرق الصحابة ﵃ بعد موت النبي ﷺ في البلاد، ونقلوا ما علموه من التفسير إلى تابعيهم، وليس كل صحابي علم تفسير جميع القرآن، بل بعضه، إذا الجامعون للقرآن على عهده ﷺ كانوا نفرا معدودين، وشرذمة قليلين» (^٢)، فألقى الصحابي ذلك البعض إلى تابعه، ودل ذلك\n_________\n(^١) معرفة في أصول التفسير ص ٦١.\n(^٢) في هذا الكلام نظر لأن القرآن متواتر منذ نزوله إلى يومنا هذا وإلى أن تقوم الساعة، ومعنى كونه متواترا أنه نقله في كل عصر جماعة كثيرون تحيل العادة تواطؤهم على الكذب، ولعل صواب العبارة هكذا: «إذ الجامعون لتفسير القرآن» وبذلك يستقيم الكلام.","vol":"1","page":68},{"text":"التابعي لم يجتمع بصحابي آخر يكمل له التفسير، أو اجتمع بمن لا زيادة عنده على ما عنده عن الصحابي الذي أخذ عنه، فاقتصر عليه، وشرع يكمل تفسير القرآن باجتهاده، استنباطا من اللغة تارة، ومن السنة تارة أخرى؛ ومن نظير الآية المطلوب تفسيرها من القرآن تارة ثالثة، ومن مدارك أخرى وآها صالحة لأخذ التفسير منها، كالتاريخ، وأيام الأمم الخالية، والقضايا الإسرائيلية ونحوها، فاتسع الخرق، وكثر الدخل في التفسير (^١).\nوتتميز أقوال التابعين في التفسير بما يأتي: أولا: أن هذه الأقوال يكثر فيها الاختلاف، بخلاف أقوال الصحابة التي تضيق فيها دائرة الاختلاف إلى حد كبير، قال ابن تيمية: «ولهذا كان النزاع بين الصحابة في تفسير القرآن قليلا جدا، وهو وإن كان في التابعين أكثر منه في الصحابة، فهو قليل بالنسبة إلى ما بعدهم، وكلما كان العصر أشرف كان الاجتماع والإئتلاف والعلم والبيان فيه أكثر» (^٢).\nغير أننى أستطيع أن أقول: إن أقوال النابعين في التفسير وإن كانت مختلفة إلا أن معظم هذا الاختلاف يرجع إلى أنه اختلاف تنوع وليس اختلاف تضاد، وفي ذلك يقول ابن تيمية ﵀: «فتذكر أقوالهم - يعني التابعين - في الآية، فيقع في عباراتهم تباين في الألفاظ يحسبها من لا علم عنده اختلافا، فيحكيها أقوالا، وليس كذلك، فإن منهم من يعبر عن الشيء بلازمه أو نظيره، ومنهم من ينص على الشيء بعينه، والكل بمعنى واحد في كثير من الأماكن فليتفطن اللبيب لذلك» (^٣).\n_________\n(^١) الاكسير في علم التفسير ص ٦.\n(^٢) مقدمة في أصول التفسير ص ٣٧.\n(^٣) المصدر السابق ص ١٠٤.","vol":"1","page":69},{"text":"ثانيا: كذلك تتميز أقوال النابعين في التفسير بأنها تسائل إليها الكثير من الأحاديث الموضوعة والأخبار الإسرائيلية، ولهذا قال أحمد ابن حنبل: «ثلاث كتب لا أصل لها: للغازى والملاحم والتفسير»، قال المحققون من أصحابه: مراده أن الغالب أنه ليس لها أسانيد صحاح متصلة وإلا فقد صح من ذلك كثير (^١)، وقال أستاذنا الدكتور محمد حسين الذهبي ﵀: «ولكن هل بقى التحفظ في رواية الإسرائيليات على ما كان عليه في عهد الصحابة؟ لا، فقد جاء عهد التابعين، وفيه كثرت الروايات الإسرائيلية في التفسير، ويرجع ذلك إلى كثرة من دخل من أهل الكتاب في الإسلام، وميل نفوس القوم لسماع التفاصيل عما يشير إليه القرآن من أحداث يهودية أو نصرانية أو غيرها، فظهرت في هذا العهد جماعة من المفسرين أرادوا أن يسدوا هذه الثغرات القائمة في التفسير - كما يظنون - بما هو موجود هند اليهود والنصارى فحشوا التفسير بكثير من القصص المتناقضة، والروايات التي هي أقرب إلى الخرافة، ومن هؤلاء مقاتل بن سليمان المتوفى سنة ١٥٠ هـ، والذي نسبه أبو حاتم إلى أنه استقى علومه بالقرآن من اليهود والنصارى؛ وجعلها موافقة لما في كتبهم» (^٢).\nثالثا: ومن مميزات التفسير المأثور عن التابعين كذلك أنه ظل محتفظا بطابع التلقى والرواية، كما كان عليه الحال في عهد الصحابة، وجاء تدوين التفسير بعد ذلك في عصر تابعي التابعين، وفي ذلك يقول السيوطي - بعد أن ذكر أئمة التفسير من التابعين -: «فهؤلاء قدماء المفسرين، وغالب أقوالهم تلقوها عن الصحابة، ثم بعد هذه الطبقة ألفت تفاسير تجمع أقوال\n_________\n(^١) الإتقان جـ ٢ ص ١٧٨، ١٧٩.\n(^٢) الانجاهات المنحرفة في تفسير القرآن الكريم ص ٢٥، ٢٦.","vol":"1","page":70},{"text":"الصحابة والتابعين كتفسير سفيان بن عيينة ووكيع بن الجراح وشعبة بن الحجاج ويزيد بن هارون وعبد الرزاق» الخ (^١).\nرابعا: وأيضا تتميز أقوال التابعين في التفسير بأنها حملات نواة الخلاف المذهبي في العقائد الدينية، والأحكام الشرعية، فظهرت - في ثنايا هذه الأقوال - بعض تفسيرات مذهببة كانت نتيجة لظهور الفرق الإسلامية، ونشأة الفقه الاجتهادي بين المسلمين.\nونتساءل هنا: ما قيمة المأثور عن التابعين في عالم التفسير، وللإجابة على ذلك نقول: نقل عن الإمام أحمد بن حنبل ﵁ في الرجوع لقول التابعي - روايتان بالقبول والمنع، ويبدو أن اختلاف الرواية عن الإمام أحمد - في هذا المجال - إنما هو بالنسبة لنوع معين من أقوال التابعين، وهو الذي يحمل آراءهم الخاصة فقط، قال السيوطي - فيما نقله عن الزركشي -: «وفي الرجوع إلى قول التابعي روايتان عن أحمد؛ واختار ابن عقيل المنع، وحكوه من شعبة، لكن عمل المفسرين على خلافه فقد حكوا في كتبهم أقوالهم لأن غالبها تلقوها عن الصحابة، وربما يحكى منهم عبارات مختلفة الألفاظ، فيظان من لا فهم عنده أن ذلك اختلاف محقق، فيحكيه أقوالا، وليس كذلك؛ بل يكون كل واحد منهم ذكر معنى من الآية لكونه أظهر عنده، أو أليق بحال السائل، وقد يكون بعضهم يخبر من الشيء بلازمه ونظيره، والآخر مقصود، وثمرته؛ والكل يقول إلى معنى واحد غالبا، فإن لم يمكن الجمع فالمتأخر من القولين عن الشخص الواحد مقدم إن استويا في الصحة منه، وإلا فالصحيح المقدم» (^٢).\n_________\n(^١) الإتقان ج ٢ ص ١٩٠\n(^٢) الإتقان ج ٢ ص ١٧٩.","vol":"1","page":71},{"text":"ويقول ابن تيمية - في هذا الصدد - كذلك: (قال شعبة بن الحجاج وغيره: أقوال التابعين في الفروع ليست حجة فكيف تكون حجة في التفسير؟ يعني أنها لا تكون حجة على غيرهم ممن خالفهم، وهذا صحيح، أما إذا اجتمعوا على الشيء فلا يرتاب في كونه حجة، فإن اختلفوا فلا يكون قول بعضهم حجة على بعض، ولا على من بعدهم، ويرجع في ذلك إلى لغة القرآن أو السنة، أو عموم لغة العرب، أو أقوال الصحابة في ذلك) (^١).\nولا يفوتني هنا أن أنقل رأى أستاذين جليلين في هذا المجال.\nالأول: هو الأستاذ الدكتور محمد حسين الذهبي ﵀ حيث يقول: (والذي تميل إليه النفس هو أن قول التابعي لا يجب الأخذ به إلا إذا كان مما لا مجال للرأي فيه، فإنه يؤخذ به حينئذ عند عدم الريبة، فإن ارتبنا فيه بأن كان يأخذ من أهل الكتاب فلنا أن نترك قوله ولا نعتمد عليه، أما إذا أجمع التابعون على رأى فإنه يجب علينا أن نأخذ به ولا نتعداه إلى غيره) (^٢).\nوالآخر هو الأستاذ الشيخ محمد أبو زهرة ﵀ حيث يقول: (إن ما ذكر على أنه أقوال التابعين عن الصحابة فيما يتعلق بالأحكام الفقهية مقبول النقل، ويعتبر نقلهم عن الصحابة حجة عند أكثر الفقهاء على ما قررنا في اعتبار أقوال الصحابة حجة، ولكن التابعين إذا قالوا في الحلال والحرام مفسرين للقرآن برأيهم فإنه إذا استثنينا أحمد بن حنبل وبعض\n_________\n(^١) مقدمة في أصول التفسير ص ١٠٥.\n(^٢) التفسير والمفسرون ج ١ ص ١٢٨، ١٢٩.","vol":"1","page":72},{"text":"المالكية فإن باقي الأمة لا يعتبرون قولهم حجة، إنما يكون ما أيده من دليل هو الحجة، ويقول فيهم أبو حنيفة: إذا آل الأمر إلى الحسن وإبراهيم فهم رجال ونحن رجال، ولكن الكلام في القصص والكونيات وبعض ما يتعلق بالنبي صلى الله تعالى عليه وسلم دخله الإسرائيليات، وكثرت في كتب التفسير وتجاوزت الحد، وردد بعض التابعين كثيرا من الإسرائيليات ثم قال - بعد ذلك -: «ولقد توقف العلماء في قبول الإسرائيليات التي راجت حول التفسير») (^١).\n_________\n(^١) المعجزة الكبرى القرآن ص ٥٩٣، ٥٩٤.","vol":"1","page":73},{"text":"<span data-type='title' id=toc-23>قواعد اللغة وأسرارها كمصدر أصيل من مصادر التفسير</span>\nالقرآن الكريم وصفه الله تعالى بأنه (قرآن عربي) فقال عز من قائل: ﴿إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون﴾ (^١) كما وصف الله القرآن بأنه نزل بلسان عربي مبين، فقال - جل شأنه -: ﴿وإنه لتنزيل رب العالمين (١٩٢) نزل به الروح الأمين (١٩٣) على قلبك لتكون من المنذرين (١٩٤) بلسان عربي مبين (١٩٥)﴾ (^٢)، وأيضا وصف الله تعالى القرآن بأنه لسان عربي مبين أي أطلق لسان عربي مبين فقال ﷿: ﴿ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين (١٠٣)﴾ (^٣) كذلك خاطب الله تعالى محمدا ﷺ بأنه يسر له القرآن بلسانه أي بلغته فقال - وهو أصدق القائلين -: ﴿فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون﴾ (^٤).\nوإذن فلا بد في تفسير القرآن من الرجوع إلى اللغة العربية في شعرها ونثرها ولا بد لمن يتصدى لتفسير هذا الكتاب أن يتقيد بما للغة العربية من قواعد وأسرار، ونعني بقواعد اللغة وأسرارها ما ذكره اللغويون من تحديد المعنى المفردات، وشرح للغات، وما قعده النحاة من قواعد في الإعراب والتعريف، وما استشفه البلاغيون في كلام العرب من أسرار ونكات، وما وضعه الأدباء والنقاد من معايير دقيقة، استمدوها بحسهم الأدبي، من\n_________\n(^١) وسف - ٤\n(^٢) الشعراء - ١٩٢ - ١٩٥.\n(^٣) النحل - ١٠٣\n(^٤) الدخان - ٠٨","vol":"1","page":74},{"text":"أشعار العرب وخطبهم ورسائلهم ومحاوراتهم، التي هي آية في البلاغة والبيان وهكذا.\nومن ثم نجد الرسول الكريم صلوات الله عليه يرشد إلى أهمية اللغة العربية لدراسة القرآن الكريم فيقول: «أعربوا القرآن والتمسوا غرائبه» (^١) والمراد بإعراب القرآن في هذا الحديث - كما يقول السيوطي - هو معرفة معاني ألفاظه، وليس المراد به الإعراب المصلح عليه عند النحاة - وهو ما يقابل اللحن - لأن القراءة مع فقده ليست قراءة ولا ثواب فيها، ويقول ابن عطية … في تعليقه على هذا الحديث: «إعراب القرآن أصل في الشريعة، لأن بذلك تقوم معانيه التي هي الشرع» (^٢)\nكما نجد ابن عباس ﵁، وهو ترجمان القرآن، يعتمد - فيما يعتمد عليه من أدوات التفسير - على لغة العرب وشعرها، فقد روي عنه أنه قال: «إذا سألتموني من غريب القرآن فالتمسوه في الشعر، فإن الشعر ديوان العرب» (^٣)\nوروي عنه كذلك أنه كان يسأل عن القرآن فينشد فيه الشعر، قال أبو عبيد: يعني كان يستشهد به على التفسير (^٤)، ولعل مسائل نافع ابن الأزرق التي تقدم بها إلى ابن عباس أكبر دليل على ذلك، فبينما عبد الله ابن عباس جالس بفناء الكعبة قد اكتنفه الناس يسألونه عن تفسير القرآن،\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف وأبو يعلى الموصلي والبيهقي في الشعب من حديث أبي هريرة وسنده ضعيف - انظر المغنى عن حمل الأسفار في الأسفار في تخريج ما في الاحياء من الاخبار ج ١ ص ٣٧٨\n(^٢) انظر منج ابن عطية في تفسير القرآن الكريم للمؤلف ص ١٤٨\n(^٣) الإتقان - ١ ص ١١٩\n(^٤) الإتقان ج ١ ص ١٢٠","vol":"1","page":75},{"text":"فقال نافع بن الأزرق لنجدة بن هويمر، قم بنا إلى هذا الذي يجترئ على تفسير القرآن بما لا علم له به، فقاما إليه فقالا: إنا نريد أن نسألك عن أشياء من كتاب الله فتفسرها لنا، وتأتينا بمصادقه من كلام العرب، فإن الله تعالى إنما أنزل القرآن بلسان عربي مبين، فقال ابن عباس: سلاني عما بدا (^١).\nوأيضا يرى أحد أئمة التابعين في التفسير وهو مجاهد بن جبر أن الجرأة على التفسير من غير معرفة بلغات العرب عمل لا يحل شرعا، وأنه يتنافى مع قضية الإيمان بالله واليوم الآخر فيقول: «لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يتكلم في كتاب الله إذا لم يكن عالما بلغات العرب» (^٢).\nكما يرى الإمام مالك بن أنس ﵁ أن الإنسان الذي يقتحم هذا الميدان من غير أن يكون عالما بلغة العرب يجب أن يعاقب، فيقول: «لا أوتى برجل يفسر كتاب الله غير عالم بلغة العرب إلا جعلته نكالا» (^٣) أي إلا أمرت بمعاقبته.\nمن أجل هذا كله نستطيع أن نقول: أن العربية لغة ونحوا وصرفا وبلاغة ونثرا وشعرا من أهم مصادر التفسير إن لم تكن أهمها على الإطلاق، ولذلك كان هذا المصدر هو الركيزة الأساسية التي تعتمد عليها المصادر جميعا، فالرسول الكريم ﷺ ما كان يفسر القرآن إلا بما يوافق العربية، والصحابة والتابعون ومن تبعهم بإحسان ما جاز لهم أن يفسروا كتاب الله تعالى إلا في ضوء قواعد اللغة وأسرارها، وأصحاب التفسير بالرأي لا يقبل كلامهم في\n_________\n(^١) المصدر السابق\n(^٢) البرهان ج ١ ص ٢٩٢\n(^٣) للمصدر السابق، وفي رواية: (بلغات العرب) كما في البرهان ج ٢ ص ١٦٠.","vol":"1","page":76},{"text":"تفسير القرآن إلا إذا وافق العربية ولم يخالفها.\nوقد ذكر الزركشي أن من أمهات مآخذ التفسير بالنسبة لدارس القرآن الكريم الأخذ بمطلق اللغة، فإن القرآن نزل بلسان عربي مبين، وقد ذكره جماعة، ونص عليه أحمد بن حنبل في مواضع، لكن نقل الفضل ابن زياد عنه - وقد سئل عن القرآن - يمثل له الرجل ببيت من الشعر، فقال: ما يعجبني، فقيل: ظاهره المنع، ولهذا قال بعضهم: في جواز تفسير القرآن بمطلق اللغة روايتان عن أحمد، وقيل: الكراهة تحمل على من يصرف الآية عن ظاهرها إلى معان خارجة محتملة، يدل عليها القليل من كلام العرب ولا يوجد غالبا إلا في الشعر ونحوه، ويكون المتبادر خلافها (^١).\nوأيضا يقول السيوطي - في هذا الصدد -: «معرفة هذا الفن للمفسر ضرورية، كما سيأتي في شروط المفسر، قال - في البرهان -: ويحتاج الكاشف عن ذلك إلى معرفة علم اللغة أسماء وأفعالا وحروفا، فالحروف لقلتها تكلم النحاة عن معانيها، فيؤخذ ذلك من كتبهم، وأما الأسماء والأفعال فتؤخذ من كتب علم اللغة» (^٢).\nوبعد هذا كله فلعل من نافلة القول أن نقول: إن إغفال اللغة العربية في تفسير القرآن الكريم له آثار سيئة بعيدة المدى مثل الخطأ في التأويل، والإلحاد في آيات التنزيل، وتحريف الكلم عن مواضعه، وحمل القرآن على معان غريبة، وأفكار دخيلة، لا تمت إلى القرآن بصلة، ولا يمكن بحال أن تدل ألفاظه عليها، وهل هناك أضل ممن يقتحم ميدان التفسير، وهو ليس له بأهل، ولا يعرف في العربية شيئا، فيتخبط في الفهم، ويضطرب في\n_________\n(^١) البرهان ج ٢ ص ١٦٠\n(^٢) الإتقان ج ١ ص ١١٤.","vol":"1","page":77},{"text":"التأويل، وعند ذلك يلتبس الحق بالباطل، ويختلط الحابل بالنابل، وتطل الفتنة برأسها، فيعيش الناس في ضلال مبين، وتلك هي الطامة الكبرى نعوذ بالله منها.\nبقيت هنا نقطة أخيرة، وهي أن القرآن الكريم قد يستعان على تفسيره بالشعر، باعتبار أن الشعر يمثل جانبا كبيرا من نصوص اللغة العربية، ولقد سار على ذلك جميع المفسرين إلى يومنا هذا، وأول من سار على هذه الطريقة هو ترجمان القرآن عبد الله بن عباس ﵄ فقد كان يستشهد على التفسير بالشعر وكان يقول: «إن الشعر ديوان العرب» كما سبق أن ذكرنا.\nوإذن فليس على الصواب في شيء أولئك الذين يقولون: إنه لا يجوز الاستشهاد على معاني القرآن بالشعر، بدعوى أننا بذلك نجمل الشعر أصلا القرآن، والشعر مذموم في القرآن والحديث، وقد أجاب أبو بكر بن الأنباري على ذلك، فقال - فيما نقله عنه السيوطي -: «قد جاء عن الصحابة والتابعين كثيرا الاحتجاج على غريب القرآن ومشكله بالشعر، وأنكر جماعة لا علم لهم على النحويين ذلك، وقالوا: إذا فعلتم ذلك جعلتم الشعر أصلا للقرآن - قالوا: وكيف يجوز أن يحتج بالشعر على القرآن، وهو مذموم في القرآن والحديث - قال: وليس الأمر كما زعموه من أنا جعلنا الشعر أصلا للقرآن، بل أردنا نبيين الحرف الغريب من القرآن بالشعر، لأن الله تعالى قال: ﴿إنا جعلناه قرآنا عربيا﴾ (^١)، وقال: ﴿بلسان عربي مبين﴾ (^٢) وقال ابن عباس: الشعر ديوان العرب، فإذا خفي علينا الحرف\n_________\n(^١) الزخرف - ٣\n(^٢) الشعراء - ١٩٥.","vol":"1","page":78},{"text":"من القرآن الذي أنزله الله بلغة العرب رجعنا إلى ديوانها فالتمسنا معرفة ذلك منه» (^١).\nوأيضا يقول الأستاذ الدكتور محمد حسين الذهبي - في هذا المجال -: «وقد استمرت هذه الطريقة - يعني طريقه الرجوع إلى الشعر والاستعانة به على فهم غريب القرآن - إلى عهد التابعين ومن يليهم، إلى أن حدثت خصومة بين متورعي الفقهاء وأهل اللغة، فأنكروا عليهم هذه الطريقة، وقالوا: إن فعلتم ذلك جعلتم الشعر أصلا للقرآن، وقالوا: كيف يجوز أن يحتج بالشعر على القرآن، وهو مذموم في القرآن والحديث، والحق أن هذه الخصومة التي حدثت في الأجيال المتأخرة لم تقم على أساس، فالأمر ليس كما زعمه أصحاب هذا الرأي، من جعل الشعر أصلا للقرآن، بل هو في الواقع بيان للحرف الغريب من القرآن بالشعر، لأن الله تعالى يقول: ﴿إنا جعلناه قرآنا عربيا﴾ وقال: «بلسان عربي مبين»، ولهذا لم يتحرج المفسرون إلى يومنا هذا من الرجوع إلى الشعر الجاهلي الاستشهاد به على المعنى الذي يذهبون إليه في فهم كلام الله تعالى» (^٢).\nوأرى أن الاستشهاد على معاني القرآن بالشعر أمر لا غبار عليه، ولا يصح أن يكون موضع خلاف وجدال بين علماء الإسلام، ولعل التحرج من ذلك إنما نشأ من تنزيه القرآن عن الشعر في قوله تعالى: ﴿وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون﴾ (^٣)، ولكن فرق بين تنزيه القرآن عن الشعر وتفسير القرآن بالشعر والله أعلم.\n_________\n(^١) الإتقان ج ١ ص ١١٩.\n(^٢) التفسير والمفسرون ج ١ ص ٧٩، ٧٧.\n(^٣) الحاقة - ٤١.","vol":"1","page":79},{"text":"<span data-type='title' id=toc-24>الرأي والاجتهاد كمصدر أصيل من مصادر التفسير</span>\nالرأي مصدر هام من مصادر التفسير، لأن المأثور في التفسير من الرسول ﷺ، وعن الصحابة والتابعين لم يصح منه قدر كبير، وأن الصحيح منه لا يشمل القرآن كله، وما أكثر المأثور الذي يوصف بأنه ضعيف أو موضوع أو منكر أو واه أو مستمد من بني إسرائيل.\nومن هنا لجأ المفسرون (^١) - منذ عصر مبكر، ربما يكون قبل العصر الذي وصل إلينا منه أعظم عمل في التفسير، وهو تفسير ابن جرير الطبري، المتوفى سنة ٣١٠ هـ - لجأوا إلى الاعتماد على الرأي في تفسير القرآن الكريم، إلا أن الرأي في التفسير كان - في بادئ الأمر - يدور في فلك المأثور، كتوجيه بعض الروايات، أو ترجيح رواية على أخرى، أو رد رواية ضعيفة، أو شرح الآية الكريمة في ضوء المأثور، أو الاستشهاد على معاني القرآن بالشعر القديم على طريقه ابن عباس ﵄، أو استنباط حكم على سبيل الاجتهاد الفقهي الذي نشأ في عصر الصحابة والتابعين وما إلى ذلك.\nثم اتسع مجال الرأي والاجتهاد في تفسير القرآن الكريم شيئا فشيئا عبر العصور المتتالية، وأخذ يتحرر بعيدا إلى حد ما من دائرة المأثور، وبخاصة بعد أن ظهرت الفرق الإسلامية من خوارج وشيعة ومرجئة ومعتزلة وغيرها، وأصبحت كل فرقة منها تمثل قطاعا فكريا وسياسيا من قطاعات\n_________\n(^١) نعنى بالمفسرين هنا: المفسرين الذين قاموا بتدوين التفسير والتأليف فيه، وليس من السهل معرفة أول من دون تفسير القرآن كله من علماء المسلمين، لأن تفاسير العصور الأولى للإسلام تكاد تكون مفقودة الآن.","vol":"1","page":80},{"text":"الأمة الإسلامية آنذاك، فنجد هؤلاء جميعا كانوا كثيرا ما يلجأون - في نصرة مذاهبهم وتأييد آرائهم - إلى القرآن الكريم، وكانت كل فرقة تحاول أن تفسر القرآن الكريم بما يتمشى مع مذهبها وآرائها، واند كان هذا التفسير المذهبي يعتمد في المقام الأول على الرأي والاجتهاد في فهم القرآن الكريم.\n\n<span data-type='title' id=toc-25>موقف العلماء من قضية الرأي في تفسير القرآن الكريم:</span>\nالعلماء - في هذه القضية - فريقان: فريق يقول: إن تفسير القرآن بالرأي ممنوع ولا يجوز، وأن القرآن يجب أن يفسر بالمأثور فقط، وفريق يقول: إن تفسير القرآن بالرأي جائز، ولا يقل أهمية عن التفسير بالمأثور، ولكل من الفريقين أدلة سنبينها فيما يلي، ثم تحدد موقفها من هذا الخلاف، فنقول - والله المستعان:\n\n<span data-type='title' id=toc-26>أدلة المانعين للتفسير بالرأي:</span>\nالذين يمنعون تفسير القرآن بالرأي لهم أدلة نوجزها فيها يلي:\nأولا: يستدلون على ذلك بدليل عقلي مستمد من القرآن الكريم.\nفيقولون: إن التفسير بالرأي قول على الله بغير علم، والقول صلى الله بغير علم حرام ومنهي عنه، فالتفسير بالرأي حرام ومنهي عنه، ويقولون - في مقام الاستدلال على صحة المقدمة الصغرى - إن التفسير بالرأي إنما هو من قبيل القول بالظن، والقول بالظن قول على الله بغير علم، كما يستدلون على صحة المقدمة الكبرى - وهي أن الأول على الله بغير علم حرام ومنهي عنه - يقول الله تعالى: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾ (^١)، وبقوله تعالى: ﴿وأن\n_________\n(^١) سورة الاسراء آية: ٣٦.","vol":"1","page":81},{"text":"تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾، فهذا معطوف على ما قبله من المحرمات في قوله تعالى: ﴿قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن﴾ الآية (^١).\nثانيا: وأيضا يستدلون على منع التفسير بالرأي بقوله تعالى: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ (^٢)، ووجه استدلالهم بهذه الآية أن الله أسند البيان إلى الرسول ﷺ خاصة، فعلم أنه ليس لغيره بيان.\nثالثا: كذلك يستدلون على عدم جواز التفسير بالرأي بالحديث النبوي، ويذكرون - في هذا المجال - حديثين يحذران من التفسير بالرأي، أولهما: ما رواه الترمذي عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «اتقوا الحديث عني إلا ما علمتم، فمن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار، ومن قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار،، قال الترمذي: حديث حسن» (^٣).\nوالحديث الآخر هو ما رواه الترمذي وأبو داود عن جندب أنه قال: قال رسول الله ﷺ: «من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ» (^٤).\nرابعا: كذلك يستدلون على تحريم التفسير بالرأي ببعض الآثار التي وردت عن السلف في التحرج من التفسير بالرأي، والتحذير منه، فمن ذلك ما روي\n_________\n(^١) سورة الأعراف آية: ٣٣.\n(^٢) سورة النحل آية: ٤٤.\n(^٣) سنن الترمذي في أبواب التفسير ج ٢ ص ١٥٧.\n(^٤) المصدر السابق.","vol":"1","page":82},{"text":"عن أبي بكر الصديق ﵁، أنه قال: «أي أرض تقلني، وأي سماء تظلني، إذا قلت في كتاب الله ما لم أعلم»، وما روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قرأ على المنبر ﴿وفاكهة وأبا﴾ (^١) فقال: هذه الفاكهة قد عرفناها فما الأب، ثم رجع إلى نفسه فقال: إن هذا لهو التكلف يا عمر.\nومن ذلك ما روي عن سعيد بن المسيب فقد قال عنه يزيد بن أبي يزيد: «كنا نسأل سعيد بن المسيب عن الحلال والحرام، وكان أعلم الناس، فإذا سألناه عن تفسير آية من القرآن سكت كأن لم يسمع»، وعن محمد بن سيرين قال: «سألت عبيدة السلماني عن آية من القرآن، فقال: «ذهب الذين كانوا يعلمون فيم أنزل القرآن، فاتق الله وعليك بالسداد»، وعن إبراهيم النخعي قال: وكان أصحابنا يتقون التفسير ويهابونه، وعن مسروق قال: اتقوا التفسير فإنما هو الرواية عن الله، إلى غير ذلك» (^٢).\nفهذه الآثار كلها تفيد أن السلف كانوا يعظمون تفسير القرآن الكريم، ويتحرجون من القول فيه بآرائهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-27>أدلة المجيزين للتفسير بالرأي:</span>\nأما أدلة المجيزين للتفسير بالرأي فبيانها كما يلي:\nأولا: استدلوا بآيات كثيرة تحث على التذكر والتدبر في آيات القرآن الكريم، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون﴾ (^٣) وقوله تعالى: ﴿فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون﴾ (^٤) وقوله تعالى:\n_________\n(^١) سورة عبس آية: ٣١.\n(^٢) انظر هذه الآثار كلها في مقدمة في أصول التفسير ص ١٠٨ وما بعدها.\n(^٣) سورة البقرة آية: ٢٢١.\n(^٤) سورة الدخان آية: ٥٨.","vol":"1","page":83},{"text":"﴿كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب﴾ (^١) وقوله تعالى: ﴿أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها﴾ (^٢).\nوإذا كان الناس مطالبين بالتذكر في القرآن، والتدبر في آياته، فلا يمكن أن يتسير لهم ذلك إلا بعد فهم آياته، والوقوف على معانيه، ولم يؤثر عن الرسول ﷺ ولا صحابته - كما أسلفنا - تفسير صحيح كامل للقرآن الكريم، فكيف يتذكر الناس ويتدبروا في القرآن إلا إذا أعملوا عقولهم في تفسيره، واجتهدوا بآرائهم في فهمه، وبخاصة في تلك الآيات التي لم يؤثر عن الرسول صلوات الله عليه ولا صحابته تفسير صحيح لها.\nثانيا: كذلك استدلوا - على جواز التفسير بالرأي بما ورد عن الصحابة والتابعين من أقوال مختلفة ومتضاربة في تفسير الآية الواحدة من القرآن الكريم ووجه استدلالهم هو أن هذه الأقوال لا يمكن بحال أن تكون صادرة عن الرسول ﷺ ومنقولة عنه، وإذن فمن البديهي أن تكون هذه الأقوال المأثورة عن الصحابة والتابعين نتيجة لتوجيه آرائهم، وإعمال عقولهم، واجتهاداتهم الخاصة في التفسير، وما كان لهم أن يفعلوا ذلك إلا إذا كانوا يعلمون أن تفسير القرآن بالرأي جائز شرعا، بل وأمر مطلوب في الدين.\nثالثا: وأيضا استدلوا - على قولهم - بما ورد عن الرسول ﷺ من دعائه لابن عباس ﵄ بقوله: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل (^٣) وقالوا: إن هذا التأويل لا يمكن أن يكون مقصورا على السماع من الرسول ﷺ\n_________\n(^١) سورة ص آية: ٢٩.\n(^٢) سورة محمد آية: ٢٤.\n(^٣) سبق تخريج هذا الحديث.","vol":"1","page":84},{"text":"وإلا لم تكن هناك فائدة من تخصيص ابن عباس بهذا الدعاء، وإذن فالتأويل الذي دعا الرسول ﵊ لابن عباس بأن يعلمه الله إياه لا بد أن يكون أساسه الرأي السديد والاجتهاد الصائب في فهم القرآن الكريم، وهل هناك أدل على جواز التفسير بالرأي من هذا؟\nرابعا: كذلك استدلوا - على جواز التفسير بالرأي - ببعض الآثار التي وردت عن السلف في جواز ذلك والعمل به، فقد روي عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أنه سئل: هل خصكم رسول الله ﷺ بشيء؟ فقال: «ما عندنا غير ما في هذه الصحيفة، أو فهم يؤتاه الرجل في كتابه (^١)»، ولما سئل عبد الله بن مسعود عن المرأة التي تزوجت ولم يفرض لها زوجها صداقا ومات قبل أن يدخل بها قال: (أقول فيها برأيي، لها مهر مثلها، لا وكس ولا شطط، فإن يكن صوابا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه بريئان) (^٢) إلى غير ذلك من الآثار التي تدل على جواز التفسير بالرأي.\n\n<span data-type='title' id=toc-28>موقفنا من هذا الخلاف:</span>\nأولا: يبدو أن هذا الخلاف خلاف لفظي لا حقيقي، على الرغم من تردده كثيرا في كتب التفسير وعلوم القرآن والدراسات القرآنية، لأن الفريقين يمكن أن يلتقيا معا عند نقطة واحدة.\nفهؤلاء العلماء الذين منعوا التفسير بالرأي إنما قالوا ذلك تحت تأثير ظروف معينة، وهي أنهم وجدوا الفرق الكثيرة، والطوائف المتعددة كلها\n_________\n(^١) تفسير الألوسي ج ١ ص ٦.\n(^٢) نشأة الفقه الاجتهادي وأطواره ص ٤٠.","vol":"1","page":85},{"text":"تلجأ إلى القرآن الكريم، فتريد كل فرقة أو طائفة أن تفسر القرآن لحسابها فقط، وفي ضوء معتقداتها الخاصة - صحيحة كانت أو فاسدة، من غير أن يكون هناك - في تفسير القرآن الكريم - ضوابط يلتزمون بها، أو معايير يقفون عندها، وهنا نادى هؤلاء العلماء - بأعلى صوتهم - أن ارجعوا إلى المأثور عن الرسول ﷺ وصحابته في تفسير القرآن الكريم، فإن فيه الهداية كل الهداية، وإياكم من إعمال عقولهم في تفسير القرآن، فإن إعمال العقول - في هذا المجال - أدى بكم إلى الضلال، قال أحد الباحثين:\n«الظاهر أن التفسير بالرأي بدأ بين الأمة الإسلامية في أواخر عصر الصحابة، وأوائل عهد التابعين، منذ ظهرت المتن والاضطرابات الدامية». فكان المتظاهرون على عثمان ﵁ يتمسكون على صحة أعمالهم بظواهر بعض الآيات، ثم شاع هذا الأمر منذ شرعت النقلة والمترجمون في نقل علوم الأوائل من اليونانية والسريانية واليهاوية إلى العربية، فلما تسربت أقوال ذوي النحل إلى أوساط العلماء والحلقات المدرسة أخذ المتكلمون وأصحاب الجدل في التصدي لهم، ورد آرائهم، واضطهاد أقاويلهم، فلما لم يجدوا من السنة ما يؤيد آراءهم لجأوا إلى تفسير الآيات القرآنية بما يتفق مع آرائهم، إرغاما للخصم، وانتصارا للمذهب.\nوأما نماذج هذه الأقاويل فتقدمه لنا رسائل (إخوان الصفا) وكتب المعتزلة، إلا أنه نشأت إلى جانب هؤلاء عدة طوائف أخرى، يتظاهرون بالإسلام، يخفون به ما انطوت عليه صدورهم من ضغن وحقد مكتوم، كالمانوية وبعض فرق (الباطنية)، فكان أن أخذ أصحاب الحديث من ذلك الوقت ينكرون على من يجوز تفسير القرآن بالرأي - رأيه أشد","vol":"1","page":86},{"text":"الإنكار (^١).\nأما هؤلاء العلماء الذين يجيزون التفسير بالرأي فلا أظن أنهم يجيزون ذلك لكل من هب ودب، بل يضعون - في اعتبارهم - عندما يجيزون ذلك شروطا، مبينة لا بد من توافرها فيمن يتصدى لتفسير الكتاب العزيز، مثل أن يكون عالما باللغة وأصول الفقه وأصول الدين، وأسباب النزول، والناسخ والمنسوخ، وأحاديث النبي ﷺ وما إلى ذلك، ومن ثم أستطيع أن أقول: إنه يمكن أن يلتقي الفريقان معا عند نقطة واحدة، وهو جواز تفسير القرآن بالرأي إذا كان موافقا للدين واللغة، وعدم جوازه إذا كان مخالفا للدين أو اللغة.\nثانيا: إن أدلة الجواز أقوى من أدلة المنع، لأن أدلة المنع يمكن أن يرد عليها بخلاف أدلة الجواز، وإليك هذه الردود:\n١ - بالنسبة للدليل العقلي على تحريم التفسير بالرأي - أجاب العلماء عنه، فقالوا: بمنع المقدمة الصغرى لأن الظن نوع من العلم، إذ هو إدراك العارف الراجح، وعلى فرض تسليم الصغرى فإنا نمنع الكبرى، لأن الظن منهي عنه إذا أمكن الوصول إلى العلم اليقيني القطعي، بأن يوجد نص قاطع من نصوص الشرع، أو دليل عقلي موصل لذلك، أما إذا لم يوجد شيء من ذلك فالظن كاف هنا، لاستناده إلى دليل قطعي من الله ﷾ على صحة العمل به إذ ذاك، كقوله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾ (^٢).\n_________\n(^١) انظر بحث (التفسير الرأي) للدكتور سيد جعفر شهيدي ص ٥١ في كتاب (بحوث قرآنية) الذي أصدره مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر عن المؤتمر السادس للمجمع عام ١٩٧١ م.\n(^٢) سورة البقرة آية: ٢٨٦.","vol":"1","page":87},{"text":"وقوله ﵊: (جعل الله للمصيب أجرين، وللمخطئ واحدا) (^١).\n٢ - أما بالنسبة للدليل الثاني - وهو قول الله تعالى: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون﴾، فقد أجاب العلماء عنه فقالوا: نعم إن النبي ﷺ مأمور بالبيان، ولكنه مات ولم يبين كل شيء، فما ورد بيانه عنه ﷺ ففيه الكفاية عن فكرة من بعده، وما لم يرد عنه بيانه ففيه حينئذ فكرة أهل العلم بعده، فيستدلون بما ورد بيانه على ما لم يرد، والله تعالى يقول في آخر الآية: ﴿ولعلهم يتفكرون﴾ (^٢).\nوأما بالنسبة للحديث الأول الذي رواه ابن عباس - وهو قول الرسول ﷺ: (من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار)، فقد فسره العلماء تفسيرين:\nأحدهما: من قال في مشكل القرآن بما لا يعرف من مذاهب الأوائل من الصحابة والتابعين فهو متعرض لسخط الله.\nوالتفسير الآخر - وهو أثبت القولين وأصحهما معنى -: من قال في القرآن قولا يعلم أن الحق غيره فليتبوأ مقعده من النار (^٣).\nأما الحديث الذي رواه جندب - وهو قول الرسول ﷺ: (من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ) - فقد أجاب عنه العلماء بأحد جوابين - الأول: أن هذا الحديث لم تثبت صحته، لأن من رواته سهيل\n_________\n(^١) انظر التفسير والمفسرون جـ ١ ص ٢٥٧.\n(^٢) انظر المصدر السابق.\n(^٣) تفسير القرطبي ج ١ ص ٣٢.","vol":"1","page":88},{"text":"ابن أبي حزم، وهو متكلم فيه، قال فيه أبو حاتم: ليس بالقوي، وكذا قال البخاري والنسائي، وضعفه ابن معين، وقال فيه الإمام أحمد: روى أحاديث منكرة، والترمذي نفسه يقول - بعد روايته لهذا الحديث -: وقد تكلم بعض أهل الحديث في سهيل بن أبي حزم (^١).\nوالجواب الآخر: أن الحديث - إن صح - فالرأي معني به الهوى، فمن قال في القرآن قولا يوافق هواه، لم يأخذه عن أئمة السلف فأصاب فقد أخطأ، لحكمه على القرآن بما لا يعرف أصله، ولا يقف على مذاهب أهل الأثر والنقل فيه (^٢)، ومن ثم قال البيهقي - في هذا الحديث -: «إن صح أراد - والله أعلم - الرأي الذي يغلب من غير دليل قام عليه، وأما الذي يشده برهان فالقول به جائز، وقال في المدخل: في هذا الحديث نظر، وإن صح فإنما أراد به - والله أعلم - فقد أخطأ الطريق، فسبيله أن يرجع في تفسير ألفاظه إلى أهل اللغة، وفي معرفة ناسخة والمسوخة وسبب نزوله، وما يحتاج فيه إلى بيانه - إلى أخبار الصحابة الذين شاهدوا ننزيله، وأدوا إلينا من السنن ما يكون بيانا لكتاب الله تعالى» (^٣).\nويعجبني هنا ما قاله ابن عطية - في شرح هذا الحديث - فقد قال: «ومعنى هذا أن يسأل الرجل عن معنى في كتاب الله فيتسور عليه برأيه، دون نظر فيما قال العلماء، أو اقتضته قوانين العلوم، كالنحو والأصول، وليس يدخل في هذا الحديث أن يفسر اللغويون لغته، والنحاة نحوه، والفقهاء معانيه، ويقول كل واحد باجتهاده المبني على قوانين علم ونظر،\n_________\n(^١) التفسير والمفسرون ج ١ ص ٢٥٩، ٢٦٠.\n(^٢) تفسير القرطبي ج ١ ص ٣٢.\n(^٣) الإتقان ج ٢ ص ١٧٩.","vol":"1","page":89},{"text":"فإن هذا القائل على هذه الصفة ليس قائلا بمجرد رأيه (^١)، قال القرطبي - معلقا عن كلام ابن عطية هذا - (هذا صحيح، وهو الذي اختاره غير واحد من العلماء، فإن من قال فيه بما سنح في وهمه، وخطر على باله، من غير استدلال عليه بالأصول فهو مخطئ، وأن من استنبط معناه بحمله على الأصول المحكمة المتفق على معناها فهو ممدوح) (^٢).\n٥ - أما الآثار التي وردت عن السلف في التحرج من التفسير فقد أجاب عنها ابن تيمية ﵀ فقال: (هذه الآثار الصحيحة وما شاكلها عن أئمة السلف محمولة على تحرجهم من الكلام في التفسير بما لا علم لهم به، فأما من تكلم بما يعلم من ذلك لغة وشرعا فلا حرج عليه، ولهذا روي عن هؤلاء وغيرهم أقوال في التفسير، ولا منافاة لأنهم تكلموا فيها علموه، وسكتوا عما جهلوه، وهذا هو الواجب على كل أحد، فإنه كما يجب السكوت عما لا علم له به، فكذلك يجب القول فيما سئل عنه مما يعلمه، لقوله تعالى: ﴿لتبيننه للناس ولا تكتمونه﴾ (^٣)، ولما جاء في الحديث المروى من طرق: (من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار» (^٤).\nوأيضا قال أستاذنا الدكتور محمد حسين الذهبي - في هذا الصدد -: (وقد أجاب المجيزون عن هذه الآثار بأن إحجام من أحجم من السلف عن التفسير بالرأي إنما كان منهم ورعا واحتياطا لأنفسهم مخافة ألا يبلغوا\n_________\n(^١) مقدمنان في علوم القرآن ص ٢٦٣.\n(^٢) تفسير القرطبي ج ١ ص ٣٣.\n(^٣) سورة آل عمران آية: ١٨٧.\n(^٤) مقدمة في أصول التفسير ص ١١٤، ١١٥، والحديث الأخير أخرجه الطبراني في الكبير والأوسط من راوية عبد الله بن عمر وـ ورجاله موثوقون.","vol":"1","page":90},{"text":"ما كلفوا به، من إصابة الحق في القول، وكانوا يرون أن التفسير شهادة على الله بأنه عنى باللفظ كذا وكذا، فأمسكوا عنه خشية أن لا يوافقوا مراد الله ﷿، وكان منهم من يخشى أن يفسر القرآن برأيه فيجعل في التفسير إماما يبني على مذهبه، ويقتفي طريقه، فربما جاء أحد المتأخرين، وفسر القرآن برأيه، فوقع في الخطأ، ويقول: إمامي في التفسير بالرأي فلان من السلف، ويمكن أن يقال أيضا: إن إحجامهم كان مقيدا بما لم يعرفوا وجه الصواب فيه.\nوأما إذا عرفوا وجه الصواب فكانوا لا يتحرجون من إبداء ما يظهر لهم، ولو بطريق الظن، فهذا أبو بكر ﵁ يقول: وقد سئل عن الكلالة - (أقول فيها برأيي، فإن كان صوابا فمن الله، وإن كان غير ذلك فمني ومن الشيطان، الكلالة كذا وكذا).\nويمكن أن يقال أيضا: إنما أحجم من أحجم لأنه كان لا يتعين الإجابة، لوجود من يقوم عنه في تفسير القرآن، وإجابة السائل، وإلا لكانوا كاتمين للعلم، وقد أمرهم الله ببيانه للناس (^١).\nثالثا: أن للقرآن يحتمل وجوها كثيرة من التأويل ولا يمكن معرفة هذه الوجوه إلا بالاجتهاد والاستنباط، وفي ذلك يقول الرسول ﷺ: (لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يرى للقرآن وجوها كثيرة) (^٢).\nكما يقول ﵊: «القرآن ذلول ذو وجوه فاحملوه».\n_________\n(^١) التفسير والمفسرون جـ ١ ص ٢٦١.\n(^٢) أخرجه ابن سعد وغيره عن أبي الدرداء موقوفا - أنظر الإتقان ج ١ ص ١٤١.","vol":"1","page":91},{"text":"على أحسن وجوهه (^١) قال الإمام السيوطي - في شرح هذا الحديث: «فقوله: (ذلول) يحتمل معنيين، أحدهما: أنه مطيع لحامليه تنطق به ألسنتهم، والثاني: أنه موضح لمعانيه حتى لا يقصر عنه أفهام المجتهدين، وقوله: (ذو وجوه) يحتمل معنيين، أحدهما: أن من ألفاظه ما يحتمل وجوها من التأويل، والثاني: قد جمع وجوها من الأوامر والنواهي، والترغيب والترهيب، والتحليل والتحريم، وقوله: (فاحملوه على أحسن وجوهه) يحتمل معنيين، أحدهما: الحمل على أحسن معانيه، والثاني: أحسن ما فيه من العزائم دون الرخص، والعفو دون الانتقام، وفيه - أي في الحديث - دلالة ظاهرة على جواز الاستنباط والاجتهاد في كتاب الله تعالى» (^٢)\nومن أجل أن القرآن الكريم ذو وجوه كثيرة من التأويل طلب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - إلى عبد الله بن عباس ﵄ حين أرسله إلى الخوارج - أن لا يقيم الحجة عليهم من القرآن، وإنما يخاصمهم بالسنة، فقد أخرج ابن سعد - من طريق عكرمة عن ابن عباس -: (أن علي بن أبي طالب أرسله إلى الخوارج، فقال: اذهب إليهم فخاصمهم، ولا تحاجهم بالقرآن، فإنه ذو وجوه، ولكن خاصمهم بالسنة) (^٣) كما أخرج ابن سعد - من وجه آخر -: أن ابن عباس قال له: «يا أمير المومنين، فأنا أعلم بكتاب الله منهم، في بيوتنا نزل، قال:\n_________\n(^١) أخرجه أبو نعيم وغيره من حديث ابن عباس - انظر الإتقان ج ٢ ص ١٨٠.\n(^٢) الإتقان ج ٢ ص ١٨٠.\n(^٣) الإتقان ج ١ ص ١٤٢.","vol":"1","page":92},{"text":"صدقت، ولكن القرآن حمال ذو وجوه، تقول ويقولون، ولكن خاصمهم بالسنن، فإنهم لم يجدوا عنها محيصا، فخرج إليهم فخاصمهم بالسنن، فلم تبق بأيديهم حجة» (^١).\nرابعا: من هذا كله نصل - في بحثنا هذا - إلى حقيقة هامة، وهي أن التفسير بالرأي قسمان: قسم يتفق مع أدلة الشرع، وقوانين العربية، وهذا القسم جائز وممدوح؛ ولا يسوغ المسلم أن يرده؛ وقسم لا يتفق مع أدلة الشرع، أو قوانين العربية، وهذا القسم حرام ومذموم، ولا يجوز لمسلم أن يقبله.\nوهذا الرأي الذي انتهينا إليه هو - في الحقيقة - رأي المحققين من العلماء قديما وحديثا (^٢)، ويهمني هنا أن أوضح رأي ابن تيمية في هذا المجال، فأقول:\nإن ابن تيمية يرى ما نراه من أن تفسير القرآن بمجرد الرأي حرام (^٣)، كما يفهم من الحديث الشريف، ويرى كذلك أن العلم هو الأساس في جواز التفسير بالرأي وأن عدم العلم هو الأساس في تحريم التفسير بالرأي، فيقول: «ولهذا تحرج جماعة من السلف عن تفسير ما لا علم لهم به» (^٤)، كما يقول: «فأما من تكلم بما يعلم من ذلك لغة وشرعا فلا حرج عليه، ولهذا روي عن هؤلاء وغيرهم أقوال في التفسير، ولا منافاة لأنهم تكلموا فيما علموه،\n_________\n(^١) المصدر السابق.\n(^٢) انظر إحياء علوم الدين جـ ١ ص ٣٧٨، ٣٧٩ وتفسير القرطبي ج ا ص ٣٣ والتفسير والمفسرون جـ ١ ص ٢٦٤.\n(^٣) مقدمة في أصول التفسير ص ١٠٥.\n(^٤) مقدمة في أصول التفسير ص ١٠٨.","vol":"1","page":93},{"text":"وسكتوا عما جهلوه، وهذا هو الواجب على كل أحد، فإنه كما يجب السكوت ما لا علم له به، فكذلك يجب القول فيما سئل عنه مما يعلمه» (^١).\nومن ذلك يتبين لنا أن قول ابن تيمية «فأما تفسير القرآن بمجرد الرأي فحرام»، لا يصح أن يفهم على إطلاقه، وذلك لأمرين، الأول: أن كلمة (مجرد الرأي) معناها: الرأي المحض الذي لا يشده برهان، ولا يقوم به دليل، أما الرأي الذي يشده البرهان، ويقوم به الدليل فلا خلاف في جوازه، والأمر الآخر: أن ابن تيمية ذكر بعد ذلك بقليل في مقدمته أن من تكلم بما يعلم من تفسير القرآن لغة وشرعا فلا حرج عليه، ومعنى ذلك أن التفسير بالرأي - في هذه الحالة جائز عنده وليس بحرام.\nومن ثم فلا نوافق الأستاذ الشيخ أبا زهرة في حمله كلام ابن تيمية على إطلاقه حيث يقول ﵀: «والتفسير بالرأي - على هذا النحو - تضاربت فيه أقوال العلماء، فبعضهم توقف ومنع أن يفسر القرآن بالرأي، بل لا بد لبيانه من علم السنة، ومنه علم الصحابة وما يجمع عليه التابعون، وقد ناصر ذلك الرأي، وشدد في التمسك به شيخ الإسلام ابن تيمية، فهو يقول: تفسير القرآن بالرأي حرام» (^٢)، ثم يقول: «ونحن لا نرى فيما ساقه ابن تيمية - جزاه الله تعالى عن الإسلام خيرا - ما يدل على المنع، ولكن يدل على وجوب الاحتياط في فهم القرآن، وأن يكون بين يديه من دلائل العلم وبيناته ما يجعله يقول عن بينة، ولا ينطبق عليه النهي في قوله تعالى: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾ (^٣)، كما يقول أيضا إن ابن تيمية قد\n_________\n(^١) المصدر السابق ص ١١٤.\n(^٢) المعجزة الكبرى القرآن ص ٥٩٦.\n(^٣) المصدر السابق ص ٥٩٨، والآية الأخيرة هي رقم ٣٦ من سورة الاسراء.","vol":"1","page":94},{"text":"عد التفسير بالرأي منهجا مهجورا أو يجب أن يهجر» (^١).\nأقول: إني لا أوافق شيخنا أبا زهرة فيما قاله هنا في شرح مذهب ابن تيمية بالنسبة للتفسير بالرأي فإن مذهبه واضح كما شرحناه آنفا، ولعلك أدركت معي الآن أن الذي أوقع شيخنا في هذا الفهم الخاطئ لمذهب ابن تيمية في هذا المجال هو أنه أسقط من كلام شيخ الإسلام كلمة (مجرد) ففهم ما فهم، وقال ما قال، وسبحان من تفرد بالكمال.\n\n<span data-type='title' id=toc-29>أسباب الخطأ في تفسير القرآن بالرأي:</span>\nثمة أسباب كثيرة للخطأ في تفسير القرآن بالرأي، وقد أوجزها ابن تيمية ﵀ فقال: «هذا أكثر ما فيه الخطأ من جهتين حدثنا بعد تفسير الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان، فإن التفاسير التي يذكر فيها كلام هؤلاء صرفا لا يكاد يوجد فيها شيء من هاتين الجهتين، مثل تفسير عبد الرزاق ووكيع، وعبد بن حميد، وعبد الرحمن بن إبراهيم دحيم، ومثل تفسير الإمام أحمد، وإسحاق بن راهويه، وبقي بن مخلد، وأبي بكر ابن المنذر، وسفيان بن عيينة، وسنيد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبي سعيد الأشج، وأبي عبد الله بن ماجة، وابن مردويه، أحدهما (أي الوجهين): قوم اعتقدوا معاني، ثم أرادوا حمل ألفاظ القرآن عليها، والثاني: قوم فسروا القرآن بمجرد ما يسوغ أن يريده من كان من الناطقين بلغة العرب بكلامه، من غير نظر إلى المتكلم بالقرآن، والمنزل عليه، والمخاطب به، فالأولون راعوا المعنى الذي راده من غير نظر إلى ما تستحقه ألفاظ القرآن من الدلالة والبيان، والآخرون راعوا مجرد اللفظ وما يجوز\n_________\n(^١) المصدر السابق.","vol":"1","page":95},{"text":"أن يريد به عندهم العربي من غير نظر إلى ما يصلح المتكلم وسياق الكلام» (^١).\nكذلك نجد القرطبي - في مقدمة تفسيره - يذكر كلاما قريبا من هذا الكلام الذي ذكره ابن تيمية، فيقول القرطبي - في بيان ما ورد من النهي عن تفسير القرآن بالرأي -: «وإنما النهي يحمل على أحد وجهين: أحدهما - أن يكون له في الشيء رأي، وإليه ميل من طبعه وهواه، فيتأول القرآن على وفق رأيه وهواه، ليحتج على تصحيح غرضه، ولو لم يكن له ذلك الرأي والهوى لكان لا يلوح له من القرآن ذلك المعنى، وهذا النوع يكون تارة مع العلم كالذي يحتج ببعض آيات القرآن على تصحيح بدعته، وهو يعلم أن ليس المراد بالآية ذلك».\nولكن مقصوده أن يلبس على خصمه؛ وتارة يكون مع الجهل، وذلك إذا كانت الآية محتملة، فيميل فهمه إلى الوجه الذي يوافق غرضه، ويرجح ذلك الجانب برأيه وهواه، فيكون قد فسر برأيه، أي رأيه حمله على ذلك التفسير، ولولا رأيه لما كان يترجح عنده ذلك الوجه، وتارة يكون له فرض صحيح، فيطلب له دليلا من القرآن، ويستدل عليه بما يعلم أنه ما أريد به، كمن يدعو إلى مجاهدة القلب القاسي فيقول: قال الله تعالى: ﴿اذهب إلى فرعون إنه طغى (^٢)﴾ ويشير إلى قلبه، ويومئ إلى أنه المراد بفرعون، وهذا الجنس قد يستعمله بعض الوعاظ في المقاصد الصحيحة، تحسينا للكلام، وترغيبا للمستمع، وهو ممنوع، لأنه قياس في اللغة، وذلك غير جائز، وقد تستعمله الباطنية في المقاصد الفاسدة، لتغرير الناس، ودعوتهم إلى مذاهبهم.\n_________\n(^١) مقدمة في أصول التفسير ص ٧٩ - ٨١.\n(^٢) سورة طه - آية: ٢٤.","vol":"1","page":96},{"text":"الباطلة، فينزلون القرآن على وفق رأيهم ومذهبهم على أمور يعلمون قطعا أنها غير مرادة، فهذه الفنون أحد وجهي المنع من التفسير بالرأي؛ الوجه الثاني: أن يتسارع إلى تفسير القرآن بظاهر العربية، من غير استظهار بالسماع والنقل فيما يتعلق بغرائب القرآن، وما فيه من الألفاظ المبهمة والمبدلة (^١)، وما فيه من الاختصار، والحذف والإضمار، والتقديم والتأخير، فمن لم يحكم ظاهر التفسير، وبادر إلى استنباط المعاني مجرد فهم العربية كثر غلطه، ودخل في زمرة من فسر القرآن بالرأي، والنقل والسماع لا بد له منه في ظاهر التفسير أولا، لينقي به مواضع الخطأ، ثم بعد ذلك يتسع الفهم والاستنباط، والغرائب التي لا تفهم إلا بالسماع كثيرة، ولا مطمع في الوصول إلى الباطن قبل إحكام الظاهر، ألا ترى أن قوله تعالى: ﴿وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها﴾ (^٢)، معناه: آية مبصرة، فظلموا أنفسهم بقتلها، فالناظر إلى ظاهر العربية يظن أن المراد به أن الناقة كانت مبصرة، ولا يدري بماذا ظلموا؛ وأنهم ظلموا أنفسهم وغيرهم، فهذا من الحذف والإضمار، وأمثال هذا في القرآن كثير، وما عدا هذين الوجهين فلا يتطرق النهي إليه والله أعلم (^٣).\nوهذا الكلام الذي توارد عليه كل من الإمامين الجليلين: ابن تيمية والقرطبي، رحمهما من علماء القرن السابع الهجري - هذا الكلام يحتاج - في نظري - لشيء من التفصيل والبيان، فأقول - والله المستعان -:\n_________\n(^١) هكذا جاءت في تفسير القرطبي، ولعل الصواب: (والمشكلة).\n(^٢) سورة الاسراء آية: ٥٩.\n(^٣) تفسير القرطبي جـ ١ صـ ٣٣، ٣٤.","vol":"1","page":97},{"text":"إن أسباب الخطأ في تفسير القرآن بالرأي تكمن في أمور ثلاثة:\nالأمر الأول: أن يعتقد المفسر معنى من المعاني، ثم بريد حمل ألفاظ القرآن عليه، وألفاظ القرآن لا تدل عليه من قريب أو بعيد، وقد يكون هذا المعنى الذي يعتقده المفسر في نفسه صحيحا، وحينئذ يكون الخطأ في الدليل لا في المدلول، ولذلك صورتان، كلاهما خطأ في تفسير القرآن:\nالصورة الأولى - وهي أسوأهمها -: أن ينفي المفسر المعنى الظاهر الآية ولا يجيز في تفسيرها سوى المعنى الذي يعتقده، مع أن الآية لا تدل عليه كما ذكرنا، ومثال ذلك ما فسر به سهل التستري قوله تعالى: ﴿ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين﴾ (^١) حيث يقول: «لم يرد الله معنى الأكل في الحقيقة، وإنما أراد معنى مساكنة الهمة لشيء هو غيره» (^٢)، قال أستاذنا الدكتور الذهبي: (وهذه الصورة تنطبق على تفاسير بعض المتصوفة الذين يفسرون القرآن بمعان إشارية صحيحة في حد ذاتها، ومع ذلك فإنهم يقولون: إن المعاني الظاهرة غير مرادة، وتفسير هؤلاء أقرب ما يكون إلى تفسير الباطنية) (^٣).\nوالصورة الأخرى: هي أن يحمل المفسر الآية على المعنى الذي يعتقده والآية بمعزل عنه كما ذكرنا، ولكنه لا ينفي أن يكون المعنى الظاهر مرادا من الآية كذلك، وهذه الصورة نجدها كثيرا في كتب الصوفية والوعاظ الذين يفسرون القرآن بمعان صحيحة في ذاتها، إلا أن القرآن لا يدل عليها.\n_________\n(^١) سورة البقرة آية: ٣٢.\n(^٢) تفسير التستري: ص ١٦.\n(^٣) التفسير والمفسرون ج ١ ص ٢٨٢.","vol":"1","page":98},{"text":"ومع ذلك فهم لا ينكرون المعنى الظاهر الذي يدل عليه القرآن، ومثال ذلك ما ذكره أبو عبد الرحمن السلمي - عند تفسير قوله تعالى: ﴿ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم﴾ (^١) - فقد قل: «اقتلوا أنفسكم بمخالفة هواها أو اخرجوا من دياركم أي أخرجوا حب الدنيا من قلوبكم» (^٢).\nوالأمر الثاني: أن يعتقد المفسر معنى من المعاني الفاسدة، ثم يريد حمل ألفاظ القرآن عليه، والقرآن براء منه، وحينئذ يكون الخطأ في الدليل والمدلول معا، وهذا النوع من التفسير يعتبر أسوأ أنواع التفسير بالرأي قاطبة، ويعرف باسم التفسير الرمزي، أو القول بالباطن في تفسير القرآن الكريم، ولذلك صورتان:\nالصورة الأولى: أن يحمل المفسر الآية على هذا المعنى الفاسد دون غيره بحيث ينفي أن يكون المعنى الظاهر مرادا من الآية، وهذا ما تفعله الباطنية وغلاة الشيعة وأهل البدع، ومثال ذلك ما ذكره ابن تيمية من تفاسير الرافضة كقولهم: «تبت يدا أبي لهب» (^٣) هما أبو بكر وعمر، و﴿لئن أشركت ليحبطن عملك﴾ (^٤) أي بين أبي بكر وعمر وعلي في الخلافة، و«إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة» (^٥) هي عائشة، و﴿فقاتلوا أئمة الكفر (^٦)﴾: طلحة\n_________\n(^١) سورة النساء آية: ٦٦.\n(^٢) تفسير السلمي ص ٤٩.\n(^٣) سورة المسد آية: ١.\n(^٤) سورة الزمر آية: ٦٥.\n(^٥) سورة البقرة آية: ٦٧.\n(^٦) سورة التوبة آية: ١٢.","vol":"1","page":99},{"text":"والزبير، و﴿مرج البحرين﴾ (^١) علي وفاطمة، و﴿اللؤلؤ والمرجان﴾ (^٢) الحسن والحسين، وما إلى ذلك (^٣).\nوالصورة الأخرى: هي أن يحمل المفسر الآية على المعنى الفاسد، ولكنه لا ينفي أن يكون المعنى الظاهر الآية مرادا منها أيضا، قال أستاذنا الدكتور محمد حسين الذهبي: (وهذه الصورة تنطبق على ما ذكره بعض المتصوفة من المعاني الباطلة، وذلك كالتفسير المبني على القول بوحدة الوجود، كما جاء في التفسير المنسوب لابن عربي -عندما عرض لقوله تعالى في الآية) (٨) من سورة المزمل: ﴿واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا﴾ من قوله - في تفسيرها -: «واذكر اسم ربك الذي هو أنت، أي اعرف نفسك ولا تنسها فينسك الله - الخ» (^٤).\nوالأمر الثالث: أن يفسر أحد القرآن بظاهر العربية من غير مراعاة السياق الكلام، ومن غير نظر إلى المتكلم بالقرآن، والمنزل عليه، والمخاطب به، وهنا يأتي الخطأ في التفسير، ولذلك أيضا صورتان:\nالصورة الأولى: أن يكون اللفظ الذي جاء في الآية من الألفاظ المشتركة التي تطلق في اللغة على معنين أو أكثر، والمراد منه في الآية واحد بعينه، فيحمله المفسر على معنى آخر من معانيه غير المعنى المراد - قال أستاذنا الدكتور الذهبي: (وذلك كلفظ (أمة)، فإنه يطلق على معان، منها الجماعة والطريقة المسلوكة في الدين، والرجل الجامع الصفات الخير، فحمله على غير\n_________\n(^١) سورة الرحمن: آية ١٩.\n(^٢) سورة الرحمن آية: ٢٢.\n(^٣) انظر مقدمة في أصول التفسير ص ٨٧ وما بعدها.\n(^٤) التفسير والمفسرون ج ١ ص ٢٨٣.","vol":"1","page":100},{"text":"معنى الطريقة المسلوكة في الدين في قوله تعالى في الآية (٢٢) من سورة الزخرف ﴿إنا وجدنا آباءنا على أمة﴾، غير صحيح وإن احتمله اللفظ لغة» (^١).\nوالصورة الأخرى: هي أن يكون اللفظ موضوعا لمعنى معين، ولكنه غير مراد في الآية، وإنما المراد معنى آخر غير ما وضع له اللفظ بقرينة السياق مثلا، فيخطئ المفسر في تعيين المعنى المراد، ومثال ذلك ما ذكره القرطبي في مقدمة تفسيره، حيث يقول: «ألا ترى أن قوله تعالى ﴿وآتينا ثمود الناقة بصرة فظلموا بها﴾ (^٢) معناه: آية مبصرة فظلموا أنفسهم بقتلها، فالناظر إلى ظاهر العربية يظن أن المراد به أن الناقة كانت مبصرة، ولا يدري بماذا ظلموا، وأنهم ظلموا غيرهم وأنفسهم» (^٣).\n_________\n(^١) المصدر السابق ج ١ ص ٢٨٤.\n(^٢) سورة الإسراء آية: ٨٩.\n(^٣) تفسير القرطبي ج ١ ص ٣٤.","vol":"1","page":101},{"text":"<span data-type='title' id=toc-30>الفصل الثاني الدخيل في التفسير</span>\nالدخيل في التفسير أنواع كثيرة، فالإسرائيليات في التفسير نوع من أنواع الدخيل، والأحاديث الموضوعة والضعيفة في التفسير نوع من أنواع الدخيل، وتأويلات الباطنية لون من ألوان الدخيل، وشطحات المتصوفة في التفسير ضرب من ضروب الدخيل، وبدع التفاسير اللغوية قسم من أقسام الدخيل، وتحريفات البهائية والقاديانية في التفسير جزء من أجزاء الدخيل، وشطحات المفسرين العصريين نهاية المطاف في عصرنا الحاضر بالنسبة للدخول في التفسير، ولا ندري - بعد ذلك - ماذا سينسال إلى التفسير من الدخيل في مستقبل الأيام.\nونتساءل هنا: كيف تسللت هذه الأنواع الكثيرة من الدخيل إلى تفسير القرآن الكريم؟ ومن أين تسللت؟\nالواقع أن أنواع الدخيل في التفسير تسللت - للأسف - عن طريق بعض مصادر التفسير التي تحدثت عنها بالتفصيل في الفصل السابق وإليك البيان:\n\n<span data-type='title' id=toc-31>أولا - الإسرائيليات:</span>\nتسللت الإسرائيليات إلى تفسير القرآن الكريم عن طرق أنول الصحابة والتابعين، فمن المعروف أنه حدث اتصال كبير، واحتكاك واسع بين المسلمين من جهة، وبير أهل الكتب من جهة أخرى، وقد بدأ هذا الاتصال والاحتكاك في عصر الرسول ﷺ إلا أن تأثير الثقافة الإسرائيلية","vol":"1","page":102},{"text":"من يهودية ونصرانية في ثقافة المسلمين لا يوجد قط في عصر النبوة، بل على العكس من ذلك كان تأثير المسلمين وثقافتهم في اليهود يبدو واضحا في عهد الرسول ﷺ، والسبب في أن المسلمين لم يتأثروا بثقافة أهل الكتاب في عصر النبوة أمران: الأول: أن القرآن الكريم - وهو الذي يمثل ثقافة المسلمين - كان ينزل متتابعا ومتواصلا على الرسول ﷺ، وكان يطغى على كل شيء في حياة المسلمين العلمية والعلمية، فلم يكن المسلمون في حاجة قط لثقافة أخرى غير ثقافة القرآن، والأمر الآخر: أن المسلمين في هذا العصر كانوا ينظرون إلى ثقافة أهل الكتاب بعين الريبة، نظرا لما جاء في القرآن الكريم من أنهم حرفوا الكلم عن مواضعه، وغيروا آيات الله، وبدلوا في كتب الله المنزلة على رسلهم، ومن ثم فلم يكن هناك مجال لكي تؤثر الثقافة الإسرائيلية في المجتمع الإسلامي أو في ثقافة المسلمين على عهد الرسول ﷺ.\nثم جاء عصر الصحابة فكان في بدايته - وبخاصة في عهد الشيخين - يسير على نفس النهج الذي كان عليه الحال في عهد الرسول ﷺ بالنسبة للثقافة اليهودية أو النصرانية، أما في أواخر عهد الصحابة، وبعد أن امتدت الفتوحات الإسلامية إلى مشارق الأرض ومغاربها، وبعد أن قتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان ﵁ فقد اختلت الأمور، واضطربت الأحوال، وبدأ الدخيل من الثقافات اليهوية والنصرانية يتسلل إلى ثقافة المسلمين، ومن جملتها تفسير القرآن الكريم، إلا أننا نستطيع أن نقول: أن هذا الدخيل إلى التفسير في عصر الصحابة لم يكن شيئا مذكورا:\nومضى عصر الصحابة وجاء عصر التابعين وتابعيهم فاتسع الأخذ من أهل الكتاب - بالتدريج - شيئا فشيئا بتعاقب الأيام، حتى تضخمت","vol":"1","page":103},{"text":"الإسرائيليات في التفسير وكتب التفسير، وتراكمت تراكما كبيرا بحيث أصبحت - في أيامنا هذه - تحجب عن الناس هداية القرآن الكريم، وتحيط كتاب الله تعالى بهالة من الخرافات والأساطير.\n\n<span data-type='title' id=toc-32>ثانيا - الأحاديث الموضوعة والضعيفة:</span>\n- بدأ الوضع في الحديث عند ظهور الفرق الإسلامية بعد مقتل الخليفة الراشد عثمان بن عفان ﵁، فكانت كل فرقة تحاول بالحق وبالباطل أن تنتصر لرأيها ومذهبها بشتى الوسائل، ومن جملة هذه الوسائل وضع الأحاديث ونسبتها إلى الرسول ﷺ، وإلى جانب ذلك كانت هناك أيضا عوامل أخرى ساعدت على وضع الحديث ستتحدث عنها بالتفصيل عندما يحين الوقت للحديث عن ذلك.\nوقد اعتمد الوضع في الحديث إلى تفسير القرآن الكريم، وبخاصة إلى اللون الذي يعرف باسم التفسير بالمأثور، فكان ذلك من أسباب ضعفه وعدم الوثوق به، ومن ثم نستطيع أن نقول: إن الأحاديث الموضوعة والضعيفة تسللت إلى كتب التفسير عن طريق المصدر الثاني من مصادر التفسير وهو السنة النبوية.\nومن المعلوم أن الذي قام بنقل السنة النبوية هم الصحابة ثم التابعون ثم تابعو التابعين وهكذا.\nولا يصح أن يفهم من كلامنا هذا أننا نعتبر الحديث الموضوع أو الضعيف من المصدر الثاني للتفسير وهو السنة النبوية، فذلك مما لا يخطر على بال مسلم فضلا عن باحث في حقل التفسير والدراسات القرآنية، بل الذي نريد أن نقوله هو أن هذه الأحاديث الموضوعة والضعيفة إنما نسبت إلى الرسول ﷺ","vol":"1","page":104},{"text":"زورا لكي ينخدع الناس بها، ونحن إنما نقصد فقط هذا الجانب الدخيل على السنة النبوية - الذي قام علماء الحديث ببيان زيفه وبطلانه.\n\n<span data-type='title' id=toc-33>ثالثا - بدع التفاسير اللغوية:</span>\n- تسلال هذا اللون من الدخيل إلى التفسير عن طريق اللغة باعتبار أنها مصدر من مصادر التفسير\nوقد حدث ذلك عندما تصدى لتفسير القرآن الكريم طائفة من الناس ليس عندهم إلمام كامل بأوضاع اللغة، ولا معرفة تامة بأسرارها، ولم تجتمع لديهم الشروط التي يجب أن تتوافر فيمن يتصدى للتفسير، فجاءوا بالبدع والغرائب في التفسير، وأدخلوا على تفسير القرآن ما هو شاذ وعليل، فالتبس على الناس الأصيل بالدخيل، واختلط الغث بالسمين.\n\n<span data-type='title' id=toc-34>رابعا - تأويلات الباطنية:</span>\n- الباطنية طائفة من غلاة الشيعة، يعتنقون مبادئ هداية، وقد استمدوا هذه المبادئ من عقائد المجوس والوثنيين، وليس لهذه المبادئ أصل في كتاب الله تعالى، ولا في سنة الرسول ﷺ.\nغير أنهم - كعادة المنحرفين دائما - يحاولون التمسح بالقرآن انتصارا لمذهبهم الفاسد، فيؤولونه تأويلا باطنيا، يتمشى مع عقائدهم الباطلة، وآرائهم الضالة، من غير تقيد باللغة العربية ومدلولات الألفاظ، ومن هنا تسللت تأويلاتهم المنحرفة إلى تفسير القرآن الكريم عن طريق الرأي والاجتهاد في تفسير القرآن الكريم، إلا أن هذا الرأي والاجتهاد لا وزن لهما، فهو رأي لا يشده برهان، واجتهاد لا يعتمد على دليل.","vol":"1","page":105},{"text":"<span data-type='title' id=toc-35>خامسا - شطحات المتصوفة في التفسير:</span>\nالمتصوفة - بالنسبة لتفسير القرآن - فريقان: الأول فريق المعتدلين، وهم الذين يفسرون القرآن تفسيرا إشاريا لا يصطدم مع اللغة أو الدين، ولا يهملون - مع ذلك - التفسير الظاهري للقرآن الكريم، فيعتمدون على الظاهر والباطن معا في تفسير القرآن الكريم، وهذا الفريق من المتصوفة قد يكون كلامهم مقبولا في تفسير القرآن الكريم.\nوالفريق الثاني: فريق المشعوذين، وهم الذين يشطحون في المعاني والأفكار، ويخوضون في خضم من الرموز والألغاز، ويتكلمون في جو يسوده الغموض والإبهام، وهؤلاء يفسرون القرآن الكريم تفسيرا ما أنزل الله به من سلطان، فتفسيرهم لا يمت إلى الشرع ولا إلى اللغة بصلة، ومن ثم نستطيع أن نقول: إن شطحات هؤلاء في التفسير لون من ألوان الدخيل، وقد تسللت إلى التفسير عن طريق الرأي والاجتهاد في تفسير القرآن الكريم كما تسللت إليه تأويلات الباطنية.\n\n<span data-type='title' id=toc-36>سادسا - تحريفات البابية والبهائية والقاديانية في التفسير:</span>\nالبابية والبهائية والقاديانية طوائف ظهرت أخيرا على المسرح الإسلامي في القرن التاسع عشر الميلادي، ولكل طائفة آراء منحرفة، ومعتقدات شاذة، وقد حاولت كل منها أن تتمسح كذلك بالقرآن الكريم، لكي تحرف الكلم عن مواضعه، وتلحد في آيات الله، فيفتتن المسلمون في دينهم، وتقع البلبلة في نفوسهم، وكل طائفة تدعي الاجتهاد في الدين أو تجديد هذا الدين، ولكن أنى لهم ذلك وقد تكفل الله تعالى بحفظ كتابه من أن يناله تحريف أو تغيير، أو ينال منه انحراف في التأويل والتفسير، حيث","vol":"1","page":106},{"text":"يقول - وهو أصدق القائلين: «﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون (٩)﴾ (^١)».\n\n<span data-type='title' id=toc-37>سابعا - شطحات المفسرين العصريين:</span>\nلقد ظهر في عصرنا الحاضر جماعة من الناس يتصدون لتفسير كتاب الله تعالى، من غير أن يكون عندهم أهلية للتفسير، بحجة أن فهم القرآن وتفسيره ليس حكرا على قوم من المسلمين دون قوم، بل هو أمر يجب أن يكون مشاعا بين المسلمين جميعا، لا فرق بين المتخصصين في الدين وغيرهم.\nومن هذا المنطلق الذي سنناقشه بعد حين نجدهم في التفسير يصيبون حينا، ويخطئون أحيانا كثيرة، وما أشنع الخطأ الذي يصدر عنهم في مجال التفسير، وما أخطره، ذلك لأن القرآن الكريم ليس كتاب شعر أو أدب، فإذا ما أخطأ الإنسان في شرح بيت من الشعر أو نص من الأدب كان خطاؤه هينا وبسيطا، لأنه لا يعدو أن يكون سوء فهم؛ ولا يترتب على هذا الفهم السيئ انحرافات في سلوك المسلمين.\nليس القرآن الكريم كذلك، بل هو كتاب الله تعالى الذي أنزله هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان، وهو دستور المسلمين الذي ينظم لهم العلاقات والمعاملات، ويحدد لهم الحقوق والواجبات، ويبين لهم الحدود والأحكام في آياته البينات، فمن الخطورة بمكان أن يفسر هذا القرآن تفسيرا خاطئا، لأنه سيترتب على ذلك - لا محالة - أن يطبقه الناس تطبيقا خاطئا، وهذا سيؤدي إلى الانحراف في سلوك المسلمين.\nإن تفسير القرآن الكريم من باب الرواية عن الله تعالى - كما جاء في\n_________\n(^١) سورة الحجر - آية: ٩.","vol":"1","page":107},{"text":"بعض الآثار- فكيف يتصيد الإنسان أشياء غريبة، ويجهد نفسه إجهادا في البحث عنها، ثم يحاول أن يلصقها إلصاقا بهذا الكتاب الكريم الصادر عن الله ﵎.\nومن ثم نستطيع أن نقول: إن شطحات أدعياء التفسير في عصرنا الحاضر نوع من أنواع الدخيل في التفسير، ولا يقل - في خطورته - عن الأنواع السابقة التي تكلمنا عليها بإيجاز، أما التفصيل فإنه في الفصول القادمة إن شاء الله تعالى.","vol":"1","page":108},{"text":"<span data-type='title' id=toc-38>الفصل الثالث الإسرائيليات في التفسير</span>\nالإسرائيليات جمع إسرائيلية، والإسرائيلي أو الإسرائيلية نسبة إلى إسرائيل وهو لقب نبي الله يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل عليهم جميعا صلوات الله وسلامه.\nوعندما تطلق الإسرائيليات في كتب علماء الإسلام فإنهم يريدون بها القصص والأخبار التي تسللت إلى ثقافة المسلمين عن طريق أهل الكتاب من اليهود والنصارى، وكلا الفريقين ينتسب - ولو زورا - إلى إسرائيل ﵇.\nوأغلب هذه الإسرائيليات تتعلق بما جرى للأولين، وما حدث للأنبياء والمرسلين، ولا تخلو هذه الإسرائيليات من تناقض وتهافت، وكذب وبهتان، لأنها مستمدة من التوراة والإنجيل، وهما قد أصابها التحريف والتبديل (^١).\nبل إن بعض علماء الإسلام توسع في معنى الإسرائيليات، فأطلقها على كل ما دسه أعداء الإسلام في ثقافة المسلمين ولو كان من أصل غير إسرائيلي، كالأساطير التي نقلت عن المجوس مثلا، وحينئذ يكون إطلاق الإسرائيليات على ذلك من باب التغليب، قال أستاذنا الدكتور محمد الذهبي ﵀: «ولفظ الإسرائيليات - وإن كان يدل بظاهرة على القصص الذي يروى أصلا من مصادر يهودية - يستعمله علماء التفسير والحديث، ويطلقونه\n_________\n(^١) منهج ابن عطية في تفسير القرآن الكريم للمؤلف ص ١٧٨.","vol":"1","page":109},{"text":"على ما هو أوسع وأشمل من القصص اليهودية، فهو في اصطلاحهم يدل على كل ما تطرق إلى التفسير والحديث من أساطير قديمة منسوبة - في أصل روايتها - إلى مصدر يهودي أو نصراني أو غيرهما، بل توسع بعض المفسرين والمحدثين، فعدوا من الإسرائيليات ما دسه أعداء الإسلام من اليهود وغيرهم على التفسير والحديث من أخبار لا أصل لها في مصدر قديم، وإنما هي أخبار من صنع أعداء الإسلام، صنعوها بخبث نية، وسوء طوية، ثم دسوها على التفسير والحديث، ليفسدوا بها عقائد المسلمين، كقصة الغرانيق، وقصة زينب بنت جحش وزواج الرسول ﷺ منها، وإنما أطلق علماء التفسير والحديث لفظ الإسرائيليات على كل ذلك من باب التغليب للون اليهودي على غيره، لأن غالب ما يروى من هذه الخرافات والأباطيل يرجع في أصله إلى مصدر يهودي (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-39>موقف الرسول من الإسرائيليات:</span>\nإن موقف الرسول ﷺ بالنسبة للإسرائيليات توضحه لنا أحاديثه النبوية الشريفة، والأحاديث - في هذا المجال - تبدو في ظاهرها متعارضة، ولكنني - بعون الله تعالى وتوفيقه - سأقوم بالتوفيق بين هذه الأحاديث بطريقة أعتقد أنني لم أسبق إليها، فأقول - وبالله التوفيق:\nلقد ورد عن الرسول ﷺ فيما يتعلق بالإسرائيليات - أحاديث ثلاثة، كل حديث منها ينم عن مرحلة من مراحل التدرج في تشريع الحكم المسلمين بالنسبة لهذه الإسرائيليات.\nوالمرحلة الأولى: تتمثل في تحذير المسلمين تحذيرا شديدا، ومنعهم منعا\n_________\n(^١) الإسرائيليات في التفسير الحديث ص ٢٠ - ٢٢.","vol":"1","page":110},{"text":"تاما من محاولة التعرف على ثقافات أهل الكتاب، سواء كان ذلك بطريق القراءة في كتبهم، أو سؤالهم، أو الاستماع لأخبارهم، وكان ذلك - كما يبدو - في بداية اتصال المسلمين بأهل الكتاب في المدينة.\nوالمرحلة الثانية: تتمثل في الإذن للمسلمين بالاستماع فقط الأحاديث أهل الكتاب، بشرط عدم التصديق لهذه الأحاديث أو التكذيب بها، وأنه يجب على المسلمين أن يقولوا - لدى سماعهم لشيء من تلك الأحاديث -: «آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون» (^١)، وكان هذا الإذن - كما يبدو - متأخرا في الزمن بعض الشيء عن التحذير الذي ورد في المرحلة السابقة.\nوالمرحلة الثالثة والأخيرة: تتمثل في الإذن المسلمين بالتحدث عن أهل الكتاب، ورواية الأخبار عنهم، بشرط أن تكون هذه الأخبار صادقة، وكانت هذه المرحلة - كما يبدو - في أواخر عهد الرسول ﷺ.\nوالآن نستعرض معا هذه الأحاديث النبوية:\nأما الحديث الأول فهو ما أخرجه الإمام أحمد - من حديث جابر بن عبد الله - «أن عمر بن الخطاب أتى النبي ﷺ بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب، فقرأه عليه فغضب، فقال: أمتهوكون (^٢) فيها يابن الخطاب؟ والذي نفسي بيده، لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به، أو بباطل فتصدقوا به، والذي نفسي بيده\n_________\n(^١) سورة البقرة آية: ١٣٦.\n(^٢) متهوكون أي متحيرون شاكون مترددون، والاستفهام هنا إنكاري.","vol":"1","page":111},{"text":"لو أن موسى ﷺ حيا ما وسعه إلا أن يتبعني» (^١).\nوهذا الحديث يتضمن نهي الرسول ﷺ عن أمرين: القراءة في كتب أهل الكتاب، وسؤالهم عن أشياء يظن أنهم على علم بها، والسبب في نهي الرسول ﷺ عن ذلك أن ثقافات أهل الكتاب لا يطمأن إليها، ولا يوثق بها، لأنهم قد حرفوا الكلم عن مواضعه، وغيروا وبدلوا في كتب الله المنزلة على رسلهم، فالواجب أن يكون المسلمون على حذر من ثقافاتهم. حتى لا يقعوا في حيرة واضطراب وبلبلة وحتى لا يلتبس عندهم الحق بالباطل، ويختلط الحابل بالنابل، أما شريعة القرآن فقد جاءنا بها الرسول ﷺ بيضاء نقية من الشوائب، ولو كان موسى ﵇ حيا - في زمن الرسول ﷺ ما وسعه إلا أن يكون تابعا لنبي الإسلام ﵊.\nويستفاد من روح هذا الحديث وسياقه أن هذا النهي والتحذير من الرسول ﷺ لأصحابه إنما كان في بداية احتكاكهم باليهود في المدينة خوفا من الفتنة عليهم، واختلاط الحق بالباطل لديهم؛ وهذا الحديث يمثل المرحلة الأولى من مراحل التدرج في تشريع الحكم بالنسبة للإسرائيليات.\nوأما الحديث الثاني فهو ما أخرجه البخاري من أبي هريرة ﵁ أنه قال: كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله ﷺ: «لا تصدقوا أهل الكتاب، ولا تكذبوهم، وقولوا آمنا بالله وما أنزل» الآية (^٢).\n_________\n(^١) مسند الإمام أحمد جـ ٣ ص ٣٨٧، قال ابن حجر في فتح الباري جـ ١٢ ص ٤٠٤ بعد أن تكلم في جميع طرق هذا الحديث: «وهي وإن لم يكن فيها ما يحتج به لكن مجموعها يقتضي أن لها أصلا».\n(^٢) أخرجه البخاري عن أبي هريرة في كتاب التوحيد - باب ما يجوز من تفسير التوراة وغيرها من كتاب الله بالعربية وغيرها جـ ٩ ص ١٩٣.","vol":"1","page":112},{"text":"ويمثل هذا الحديث للمرحلة الثانية من مراحل التدرج في تشريع الحكم بالنسبة للإسرائيليات، فبعد أن كان الرسول ﷺ في المرحلة السابقة - ينهى ويحذر صحابته عن قراءة كتب أهل الكتاب أو سؤالهم أو الاستماع إلى أحاديثهم - نجد الرسول ﷺ في هذا الحديث الذي معنا - لا يحذر صحابته من أن يستمعوا لأحاديث أهل الكتاب، بل يحذرهم فقط من تصديق هذه الأحاديث أو تكذيبها، لأنها قد تكون كاذبة فيصدقون بها، أو قد تكون صادقة فيكذبون بها فيقعون في الحرج، ومعنى ذلك أنهم يتوقفون بالنسبة لها، ويكفي حينئذ أن يقولوا - كما علمهم الله - ﴿آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل﴾ الآية.\nألا ترى معي هذا إلى أن الحكم قد تدرج من المنع المطلق إلى الإذن المقيد تبعا لتغير المصلحة، ولعل المصلحة الجديدة هنا هي أن الصحابة - في ذلك الوقت - كان قد كثر احتكاكهم بأهل الكتاب، بقصد دعوتهم إلى الإسلام، ومجادلتهم بالتي هي أحسن، وأنه كان قد زال المحذور الذي من أجله جاء المنع في المرحلة الأولى، وإذن فلا حرج عليهم من أن يستمعوا لشيء من أخبار أهل الكتاب، بشرط أن لا يصدقوا أهل الكتاب، وأن لا يكذبوهم.\nومما يرجع ما ذكرت أن هناك آية في القرآن الكريم تلتقي كثيرا مع هذا المعنى الذي فهمته من هذا الحديث الشريف، وهي قول الله تعالى: ﴿ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون﴾ (٤٦) (^١).\n_________\n(^١) سورة العنكبوت - آية: ٤٦.","vol":"1","page":113},{"text":"ولعل السبب في نهي الرسول ﷺ عن تصديق أهل الكتاب أو تكذيبهم هو أن أهل الكتاب - نظرا لكثرة ما حرفوا في كتب الله - لم يكونوا أهلا لأن يثق المسلمون في أخبارهم، وليسوا كذلك أمناء عندما يقومون بترجمة التوراة من العبرانية إلى العربية، فلا غرو إذن أن يحذر الرسول من تصديقهم أو تكذيبهم، وحسب المؤمنين أن يقولوا لهم - عند سماع أخبارهم -: ﴿آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون﴾.\nوأما الحديث الثالث والأخير: فهو ما أخرجه البخاري عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي ﷺ قال: (بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار) (^١).\nوهذا الحديث يمثل المرحلة الأخيرة من مراحل تدرج التشريع في هذا المجال، لأن الرسول ﷺ أذن لصحابته هذا بأن يحدثوا عن في إسرائيل، وأن يرووا عنهم الأخبار بشرط أن تكون هذه الأخبار صادقة، ألا ترى معي أن الإذن قد اتسعت دائرته من ذي قبل، فبعد أن كان الإذن في الاستماع فقط لأخبار أهل الكتاب جاء الإذن في هذا الحديث الأخير - برواية الأخبار عنهم بشرط أن يتأكد المسلمون من صدقها، لما قد يكون في ذلك من الاعتبار أو البشارة بالنبي ﵊ ولا يستطيع المسلم أن يتأكد من صدق أي خبر من أخبار أهل الكتاب إلا إذا جاء في شرعنا ما يدل على صدقه، أما الخبر الذي يكون في الشرع\n_________\n(^١) أخرجه البخاري عن عبد الله بن عمرو بن العاص في كتاب الأنبياء باب ما ذكر عن بني إسرائيل ج ٤ ص ٢٠٧.","vol":"1","page":114},{"text":"مما يدل على كذبه، أو الذي يكون مخالفا ومنافيا للعقل السليم فإنه لا يصح بحال روايته، بل يجب رده وعدم قبوله.\nويبدو أن هذا الإذن الذي ورد في الحديث الأخير إنما وقع بعد أن تأصلت الثقافة الإسلامية في نفوس المسلمين، وتميزت في عقولهم تميزا كاملا من ثقافات أهل الكتاب، وإذن فلا حرج أن يأذن الرسول ﷺ لصحابته بأن يحدثوا عن بني إسرائيل أحاديث الصدق فقط، بدليل أن الرسول ﷺ بدأ حديثه بالأمر بوجوب تبليغ القرآن، والقرآن أصدق الحديث، ثم ختم حديثه بالتحذير من الكذب عليه ﷺ، وبين الأمر والتحذير جاء الإذن بالتحدث عن بني إسرائيل، فلا يعقل أن يكون الإذن هنا إلا مقيدا بدائرة الصدق فقط، لكي يتحدث المسلمون من بني إسرائيل بأحاديث الصدق لا الكذب، ولكي يتمشى هذا الإذن مع السياق والسباق في الحديث. قال ابن حجر - في التوفيق بين أحاديث النهي والإذن - «وكأن المنهي وقع قبل استقرار الأحكام، والقواعد الدينية، خشية الفتنة، ثم لما زال المحذور وقع الإذن لما في سماع الأخبار التي كانت في زمانهم من الاعتبار» (^١).\nهذا رأي خاص في فهم هذه الأحاديث الثلاثة لا أظن أن أحدا سبقني إليه، وقد أكون مصيبا في هذا الرأي، وقد أكون مخطئا فيه، فإن أصبت فذلك من فضل الله تعالى وعظيم توفيقه، وإن أخطأت فحسبي أني اجتهدت، وبذلت قصارى جهدي وما قصرت، ونسأل الله أن يجنبنا الزلل في القول والعمل إن ربي سميع مجيب.\n_________\n(^١) فتح البارى جـ ٦ صـ ٣٢٠، وكلام ابن حجر هذا هو الذي فتح أمامي باب الاجتهاد في هذا الموضوع.","vol":"1","page":115},{"text":"<span data-type='title' id=toc-40>بقيت كلمة أخيرة في هذا المبحث، وهي أنه مما قيل - في التوفيق بين أحاديث النهي والإذن </span>- أن النهي إنما كان في مبدأ الإسلام وقبل استقرار الأحكام مخافة التشويش على عقائد المسلمين وأفكارهم، وأن الإباحة جاءت بعد أن عرفت الأحكام واستقرت، وذهب خوف الاختلاط (^١).\nوأرى أن هذا الوجه في التوفيق لا يخلو من ضعف، لأن المسلمين في مبدأ الإسلام لم يكونوا على اتصال مباشر بأهل الكتاب، حتى يخاف الرسول ﷺ عليهم أن تشوش الإسرائيليات على عقائدهم وأفكارهم، بل كانوا في مكة يحاربون الشرك والوثنية، وظلوا هناك إلى أن أذن الله لهم بالهجرة إلى المدينة، وهنا فقط بدأ احتكاك المسلمين بأهل الكتاب، ومن ثم كان حديث النهي والتحذير من ثقافاتهم في أول الأمر، فكيف يقال إذن: إن النهي كان في مبدأ الإسلام، والإسلام بدأ في مكة لا في المدينة كما هو معلوم.\n\n<span data-type='title' id=toc-41>كيف تسللت الإسرائيليات إلى التفسير؟</span>\nهاجر الرسول ﷺ إلى المدينة، وكان يعيش في المدينة طوائف من اليهود، وهم بنو قينقاع وبنو النضير وبنو قريظة، فدعاهم الرسول ﷺ كثيرا إلى الإسلام، ولكنهم أبوا إلا الكفر والعناد، وإضمار الحقد والحسد، وإظهار العداوة والبغضاء، ومنذ اللحظة الأولى لمقدم الرسول ﷺ إلى المدينة كثرت منهم المناقشات والمجادلات في أمور كثيرة مع الرسول ﷺ، وتصور لنا\n_________\n(^١) التفسير والمفسرون ج ١ ص ١٧٣ والإسرائيليات في التفسير والحديث. ص ٨٥.","vol":"1","page":116},{"text":"أم المؤمنين صفية بنت حيي بن أخطب - وهي يهودية الأصل - فصلا من فصول تلك الروايات، وقد حدث هذا الفصل عقب وصول الرسول ﷺ إلى المدينة مهاجرا، فتقول ﵂: «كنت أحب ولد أبي إليه، وإلى عمي أبي ياسر، لم ألقهما قط مع ولد لهما إلا أخذاني دونه، قالت: فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة، ونزل بقباء في بني عمرو بن عوف غدا عليه أبي حيي بن أخطب، وعمي أبو ياسر بن أخطب مغلسين (^١)، قالت: فلما يرجعا حتى كان مع غروب الشمس، قالت: فأتيا كالين كسلانين ساقطين يمشيان الهوينى؛ قالت: فهششت إليهما كما كنت أصنع؛ فواالله ما التفت إلي واحد منهما مع ما بهما من الغم؛ قالت: وسمعت عمي أبا ياسر وهو يقول لأبي حيي بن أخطب: أهو هو؟ قال: نعم والله، قال: أنعرفه ونثبته؟ قال: نعم، قال: فما في نفسك منه، قال: عداوته والله ما بقيت» (^٢).\nهذا - ولم يسلم من أحبار اليهود في عصر الرسول ﷺ سوى رجلين: أحدهما عبد الله بن سلام الذي قال عنه سعد بن أبي وقاص: «ما سمعت النبي ﷺ يقول لأحد يمشي على الأرض: إنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام - قال: وفيه نزلت هذه الآية ﴿وشهد شاهد من بني إسرائيل﴾ الآية (^٣)، والآخر هو مخيريق الذي استشهد يوم أحد، وأوصى بأمواله للرسول ﷺ، فقال الرسول ﵊\n_________\n(^١) التغليس: السير بغلس، والغلس - بفتحتين - ظلمة آخر الليل.\n(^٢) سيرة ابن هشام ج ٢ ص ١٤٠، ١٤١ ط كتاب التحرير.\n(^٣) أخرجه البخاري عن سعد بن أبي وقاص في باب مناقب عبد الله بن سلام ﵁ ج ٥ ص ٤٦.","vol":"1","page":117},{"text":"عنه «مخيريق خير يهود» (^١)، ومن ثم قال السهيلي ﵀: «لم يسلم من أحبار يهود على عهد رسول الله ﷺ إلا اثنان، وقد جاء في الحديث: لو اتبعني عشرة من اليهود لم يبق في الأرض يهودي إلا اتبعني - رواه أبو هريرة» (^٢).\nولكن ما أكثر الذين دخلوا في الإسلام نفاقا من أحبار اليهود في المدينة (^٣) ومن هؤلاء الأحبار من أسلم ثم ارتد عن الإسلام وهو ابن صورى (^٤).\nولما جاء وفد نصارى نجران إلى الرسول ﷺ في المدينة دعاهم الرسول ﵊ كذلك إلى الإسلام، ولكنهم لم يسلموا، وأبوا إلا الكفر والعناد، وأن يثيروا أمام الرسول ﷺ مناقشات بيزنطية حول عيسى ابن مريم ﵇، وهل هو إله أو ابن إله أو ثالث ثلاثة؟ فبين لهم الرسول ﷺ بالأدلة القاطعة والبراهين الساطعة - أن المسيح عيسى ابن مريم ما هو إلا رسول قد خلت من قبله الرسل.\nونلاحظ هنا أن نصارى نجران - عندما جاءوا إلى الرسول ﷺ في المدينة - احتكوا كذلك بيهود المدينة، واختلفوا معهم أمام الرسول ﷺ وتنازعوا فيما بينهم في بعض الأمور، مثل طعن كل فريق\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ج ٢ ص ١٤٠.\n(^٢) الروض الأنف ج ٢ ص ٢٦ ط الجمالية بمصر سنة ١٩١٤ م\n(^٣) سيرة ابن هشام ج ٢ ص ١٤٩.\n(^٤) سيرة ابن هشام ج ٢ ص ١٩٤.","vol":"1","page":118},{"text":"في دين الآخر، وكفر كل منهما برسول الآخر وكتابه (^١)، ومثل اختلافهم وتنازعهم عند الرسول ﷺ في إبراهيم ﵇، هل كان يهوديا أو نصرانيا (^٢)؟ إلا أنهم - على كثرة ما اختلفوا فيه وتنازعوا عليه - اتفقوا فيما بينهم أمام الرسول ﷺ على شيء واحد، وهو رفض الإسلام، وتكذيب الرسول ﵊ (^٣).\nومن هذا كله يتبين لنا - بوضوح - أن احتكاك المسلمين - فكريا - بأهل الكتاب من اليهود والنصارى بدأ في عصر الرسول ﷺ، عندما دعاهم الرسول ﵊ إلى الإسلام، ولكنهم أبوا إلا الكفر والضلال، ولم يسلم منهم إلا القليل، فقد أسلم من أحبار اليهود اثنان فقط كما سبق أن ذكرنا، وأسلم من رهبان النصارى تميم الداري الذي أثنى عليه الرسول ﷺ وهو يخطب الناس على المنبر - وقال لصحابته: «إني والله ما جمعتكم لرغبة ولا لرهبة ولكن جمعتكم لأن تميما الداري كان رجلا نصرانيا، فجاء فبايع وأسلم، وحدثني حديثا وافق الذي كنت أحدثكم عن مسيح الدجال» الحديث (^٤).\nوبعد وفاة الرسول ﷺ كثر الاحتكاك الفكري بين المسلمين من جهة وبين أهل الكتاب من جهة أخرى، فقد اتسعت الفتوحات.\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ج ٢ ص ١٧٥.\n(^٢) سيرة ابن هشام ج ٢ ص ١٨٠.\n(^٣) سيرة ابن هشام ج ٢ ص ١٨١.\n(^٤) أخرجه مسلم في صحيحه - من حديث فاطمة بنت قيس - أخت الضحاك ابن قيس عن رسول الله ﷺ في كتاب الفتن وأشراط الساعة حديث ١١١ ج ٥ ص ٧٩٩ ط كتاب الشعب.","vol":"1","page":119},{"text":"الإسلامية في عصر الصحابة والتابعين، ودخل كثير من أهل الكتاب في الإسلام، إلا أن بعض هؤلاء قد دخلوا في الإسلام نفاقا يريدون الكيد للإسلام والتشويش على حقائقه وعقائده، ويقصدون كذلك إثارة الفتنة بين المسلمين، وبث الفرقة في صفوفهم.\nولقد نجح هؤلاء المنافقون في تنفيذ مآربهم الخبيثة ضد الإسلام والمسلمين إلى حد كبير، فمن الناحية العملية ألب واحد منهم - وهو عبد الله بن سبأ اليهودي - الناس على قتل الخليفة الراشد عثمان بن عفان ﵁، فقتله الغوغاء وشذاذ الآفاق، ومنذ ذلك الحين فتح باب الفتنة على مصراعيه أمام المسلمين، ولم يغلق إلى وقتنا هذا.\nأما من الناحية الفكرية فقد قام هؤلاء المنافقون من أهل الكتاب الذين تستروا بالدخول في الإسلام - بإدخال الإسرائيليات ومعظمها أساطير وخرافات إلى المجتمع الإسلامي، لكي يشوهوا جمال الإسلام، ويشوشوا على تعاليمه، ووجد - الأسف - من المسلمين من يتهافت على نقل هذه الإسرائيليات عنهم، فتنتقل بين المسلمين جيلا بعد جيل.\nبل استطيع أن نقول: إن أهل الكتاب الذين دخلوا في الإسلام صادقين أو منافقين، ولا سيما الأحبار والرهبان منهم - كانوا في عصر الصحابة والتابعين مصدرا من أهم المصادر التي أدخلت الإسرائيليات إلى ثقافة المسلمين، ومن ثم تسلسل جزء كبير منها إلى التفسير.\nيضاف إلى ذلك أيضا أن المفسرين - منذ العصور الأولى للتفسير - لاحظوا بعد أن كثر احتكاك المسلمين - فكريا - بأهل الكتاب، أن القرآن الكريم يشترك مع التوراة والإنجيل في التعرض لأخبار الأولين، وقصص السابقين، إلا أن منهج القرآن يتميز بالإجمال، ويركز في القصص","vol":"1","page":120},{"text":"على مواطن العظات والعبر، ولم يعن القرآن كثيرا بالتفاصيل والجزئيات، أما التوراة والإنجيل فهما - على العكس من ذلك - يسرفان في التفاصيل، ويستطردان - في القصص - إلى الجزئيات، ومن ثم كان بعض هؤلاء المفسرين - بحكم غريزة حب الاستطلاع - يحاولون أن يتعرفوا من مسلمة أهل الكتاب على هذه التفاصيل والجزئيات بالنسبة لأخبار الأولين، وقصص السابقين، وعلى رأس هؤلاء مقاتل بن سليمان المتوفى سنة ١٥٠ هـ الذي نسبه أبو حاتم إلى أنه استقى علومه بالقرآن من اليهود والنصارى، وجعلها موافقة لما في كتبهم (^١).\nكذلك يرجع ابن خلدون إقبال المسلمين على أهل الكتاب في نقل هذه الإسرائيليات إلى اعتبارات اجتماعية ودينية، فالاعتبارات الاجتماعية هي أن العرب كانوا أمة أمية، يغلب عليها طابع البداوة، وكانوا يتطلعون إلى معرفة شيء عن بدء الخليقة وأنباء القرون الأولى، فلجأوا إلى أهل الكتاب يلتمسون منهم ذلك، والاعتبارات الدينية هي أن هذه الأخبار التي أخذت عن أهل الكتاب لا تمت بصلة إلى جوهر الدين الإسلامي، وعقائده الأساسية، وأحكامه الشرعية، وحيث كان جوهر الدين بعيدا عن هذا كله ومصونا فلا حرج حينئذ من رواية مثل هذه الأخبار التي تتعلق بقصص الأولين، وأنباء السابقين، ومن هنا دخلت الإسرائيليات في كتب التفسير، تلك التي تشتمل على الغث والسمين، والمقبول والمردود (^٢)، وفي ذلك يقول ابن خلدون: «وقد جمع المتقدمون في ذلك - يعني في التفسير\n_________\n(^١) وفيات الأعبان جـ ٢ ص ٥٦٨ والاتجاهات المنحرفة في تفسير القرآن الكريم ص ٢٦.\n(^٢) انظر منهج ابن عطية في تفسير القرآن الكريم ص ١٧٨، ١٧٩.","vol":"1","page":121},{"text":"النقلي - وأوعوا، إلا أن كتبهم ومنقولاتهم تشتمل على الغث والسمين، والمقبول والمردود، والسبب في ذلك أن العرب لم يكونوا أهل كتاب وعلم، وإنما غلبت عليهم البداوة والأمية، وإذا تشوقوا إلى معرفة شيء مما تتشوق إليه النفوس البشرية، في أسباب المكونات، وبدء الخليفة، وأسرار الوجود، فإنما يسألون عنه أهل الكتاب قبلهم، ويستفيدونه منهم، وهم أهل التوراة من اليهود، ومن تبع دينهم من النصارى، وأهل التوراة الذين بين العرب يومئذ بادية مثلهم، ولا يعرفون من ذلك إلا ما تعرفه العامة من أهل الكتاب، ومعظمهم من (حمير) الذين أخذوا بدين اليهودية، فلما أسلموا بقوا على ما كان عندهم مما لا تعلق له بالأحكام الشرعية التي يحتاطون لها، مثل أخبار بدء الخليقة، وما يرجع إلى الحدثان والملاحم وأمثال ذلك، وهؤلاء مثل كعب الأحبار ووهب بن منبه وعبد الله بن سلام وأمثالهم، فامتلأت التفاسير من المنقولات عندهم - في مثل هذه الأغراض - أخبارا موقوفة عليهم، وليست مما يرجع إلى الأحكام فيتحرى فيها الصحة التي يجب بها العمل، وتساهل المفسرون في مثل ذلك، وملأوا كتب التفسير بهذه المنقولات؛ وأصلها - كما قلنا - عن أهل التوراة الذين يسكنون البادية، ولا تحقيق عندهم معرفة ما ينقلونه من ذلك، إلا أنهم بعد صيتهم، وعظمت أقدارهم، لما كانوا عليه من المقامات في الدين والملة، فتلقيت بالقبول من يومئذ» (^١).\nومن هذا الكلام الذي ذكره ابن خلدون في مقدمته يتضح لنا أن المفسرين توسعوا كثيرا في الأخذ من أهل الكتاب، وتساهلوا تساهلا كبيرا،\n_________\n(^١) مقدمة ابن خلدون ج ٣ ص ٩٩٧، ٩٩٨ بتحقيق الدكتور على عبد الواحد وافي.","vol":"1","page":122},{"text":"فيما لا تعلق له بالعقائد الدينية، والأحكام الشرعية، وذلك مثل الأخبار التي تتعلق بقصص الأولين، أو أسباب المكونات أو بدء الخليقة، أو أسرار الوجود، أو الحدثان والملاحم ونحو ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-42>موقف الصحابة من الإسرائيليات:</span>\nسبق أن ذكرنا أن الإسرائيليات تسللت إلى ثقافة المسلمين عن طريق مسلمة أهل الكتاب في عصر مبكر من عصور الإسلام، وهو عصر الصحابة والتابعين.\nونتساءل هنا: هل كان منهج الصحابة يختلف عن منهج التابعين في الأخذ عن أهل الكتاب أم ماذا؟.\nالواقع أن الصحابة - رضوان الله عليهم - كانوا يختلفون تماما من التابعين في هذا المجال، فقد كان منهج الصحابة - في الأخذ عن أهل الكتاب - يقوم - أساسا - على التحري والدقة والاحتياط، بخلاف منهج التابعين، ويرجع ذلك - عند الصحابة - لعدة أسباب وهي:\n١ - أن الصحابة كانوا خلفاء محمد ﷺ وتلاميذه، وقد أثنى الله عليهم في كتابه العزيز، ووثقهم الرسول ﵊ فقال: (أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم) [¬*]، ولا شك أنهم كانوا يعلمون - تماما - موقف الرسول ﷺ من ثقافات أهل الكتاب، فليس من المعقول ولا من للمقبول أن يخالف الصحابة رسول الله ﷺ في ذلك.\n٢ - أن الصحابة لم يكونوا في حاجة إلى أخبار أهل الكتاب بالنسبة لتفسير القرآن الكريم، فهم الذين عاصروا التنزيل، وشاهدوا القرائن والأحوال، وعرفوا أسباب النزول، وفهموا القرآن فهما صحيحا، فلا يمكن بحال -\n_________\n[¬*] (تعليق الشاملة): لا يصح، وقد حكم عليه العلماء بالضعف الشديد، بل حكى بعضهم وضعه.\nوممن ضعفه الإمام أحمد بن حنبل قال: (لا يصح هذا الحديث) وكذلك الإمام ابن عبد البر قال: (هذا إسناد لا تقوم به حجة) والإمام ابن حزم قال: (هذه رواية ساقطة). وقال الشيخ الألباني: (موضوع).","vol":"1","page":123},{"text":"أن يعدلوا عن هذا الفهم الصحيح الذي استمدوه - في المقام الأول - من الرسول ﷺ إلى شيء آخر.\n٣ - أن الصحابة كانوا مشغولين - في سبيل أداء رسالتهم الخالدة - بالجهاد في سبيل الله، ودعوة الناس - في أنحاء المعمورة - إلى الإسلام، وتبليغ القرآن - لفظا ومعنى - إلى من بعدهم، فكيف يقال عنهم - وهم على مستوى هذه المسئولية الخطيرة -: إنهم قد توسعوا في الأخذ من أهل الكتاب، نعم إن بعضهم قد أخذ بعض الأشياء عن أهل الكتاب، ولكن هذا الأخذ كان مقرونا بالتحفظ والحذر، والتحري والاحتياط كما ذكرنا.\n٤ - أن الصحابة كانوا ينظرون إلى ثقافة أهل الكتاب - بصفة عامة - نظرة تتسم بالشك والريبة، لأنهم كانوا يعلمون أن هذه الثقافة معظمها مستمد من التوراة والإنجيل، وهما قد أصابهما التغيير والتحريف والتبديل.\nومن أجل هذا كله كان منهج الصحابة في الأخذ عن أهل الكتاب دقيقا إلى أبعد غايات الدقة، ويتلخص هذا المنهج في أنهم كانوا لا يسألون أهل الكتاب عن كل شيء، ولا ينقلون منهم كل شيء.\nولتوضيح ذلك نقول: إن الصحابة كانوا - على وجه اليقين - لا يسألون أهل الكتاب عن الأشياء التي تتعلق بعقائد الإسلام وأحكامه لأن هذا الجانب الذي يتعلق بالعقيدة والشريعة يختلف - تماما - في الإسلام عما كان عليه أهل الكتاب في عصر صدر الإسلام.\nكما كان الصحابة لا يسألون أهل الكتاب من الأخبار التي ورد فيها نص من الرسول ﷺ، فإذا سمعوا من الرسول ﷺ حديثا في مجال القصص والأخبار لم يعدلوا عنه إلى غيره.","vol":"1","page":124},{"text":"وكانوا كذلك لا يسألون أهل الكتائب - في مجال القصص - عن الأشياء التافهة التي يعد السؤال عنها مضيعة للوقت، فإن ذلك من قبيل العلم الذي لا ينفع، والجهالة التي لا تضر، ولهذا قال الدهلوي - بعد أن بين أن السؤال عن مثل هذه الأشياء تكلف -: «وكانت الصحابة ﵃ يعدون مثل هذا قبيحا من قبيل تضييع الأوقات» (^١).\nوأيضا كان الصحابة لا يقبلون من أهل الكتاب كل شيء، بل يرفضون ما كان من أخبارهم مخالفا للدين أو منافيا للعقل، ويقبلون ما جاء موافقة للدين والعقل، أما إذا سمعوا شيئا من أخبار أهل الكتاب وليس في الدين ما يوافقه ولا ما يخالفه فإنهم كانوا يتوقفون في قبوله، وفي روايته، ويقولون: ﴿آمنا بما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل﴾ الآية كما أمرهم الرسول ﷺ.\nولعل قصة اختلاف أبي هريرة مع كعب الأحبار، وقصة مراجعته أيضا لعبد الله بن سلام في بيان ساعة يوم الجمعة - لعل ذلك أكبر دليل على ما نقول، وهو أن الصحابة لم يكونوا يقبلون كلام أهل الكتاب على علاته من غير مناشة أو نقد، بل كانوا يناقشونهم، ويراجعونهم، وينقدون … كلامهم، وهذه هي القصة:\nذكر القسطلاني - في شرحه للحديث الذي أخرجه البخاري عن أبي هريرة ﵁ وهو أن رسول الله ﷺ ذكر يوم الجمعة فقال: «فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم - وهو قائم يصلى - يسأل الله تعالى شيئا إلا أعطاه إياه،\n_________\n(^١) الفوز الكبير في أصول التفسير ص ٣٥.","vol":"1","page":125},{"text":"وأشار بيده يقللها» (^١).\nذكر القسطلاني - في شرح هذا الحديث - أن السلف اختلفوا في تعيين هذه الساعة، وهل هي باقية أو رفعت، وإذا كانت باقية فهل هي في جمعة واحدة في السنة أو في كل جمعة منها، فنجد أبا هريرة ﵁ يسأل كعب الأحبار عن ذلك، فيجيبه كعب بأنها في جمعة واحدة من السنة، فيرد عليه أبو هريرة قوله هذا، ويبين له أنها في كل جمعة، فيرجع كعب إلى التوراة، فيرى الصواب مع أبي هريرة فيرجع إليه (^٢)، كما نجد أبا هريرة أيضا يسأل عبد الله بن سلام عن تحديد هذه الساعة، ويقول له: أخبرني .. ولا تضن علي، فيجيبه عبد الله بن سلام بأنها آخر ساعة في يوم الجمعة، فيرد عليه أبو هريرة بقوله: كيف تكون آخر ساعة في يوم الجمعة وقد قال رسول الله ﷺ: ﴿لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي﴾، وتلك الساعة لا يصلى فيها؟ فيجيبه عبد الله بن سلام بقوله: ألم يقل رسول الله ﷺ: ﴿من جلس مجلسا ينتظر الصلاة فهو في صلاة حتى يصلي﴾ الحديث (^٣).\nومما يؤيد ما ذهبنا إليه كذلك أن عبد الله بن عباس وعبد الله بن مسعود اللذين اشتهروا بين الصحابة بتفسير القرآن نجد كلا منهما يعلنها صيحة مدوية بين الناس، أن لا يسألوا أهل الكتاب، وأن لا يأخذوا عنهم شيئا، لأن أهل الكتاب قد بدلوا كتب الله، وحرفوا الكلام عن مواضعه، وأنهم قد ضلوا ضلالا كبيرا، فكيف يهتدى بأخبارهم،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري عن أبي هريرة في كتاب الجمعة - باب الساعة التي في يوم الجمعة ج ٢ ص ١٦.\n(^٢) القسطلانى ج ٢ ص ١٩٠ ط الأميرية.\n(^٣) نفس المصدر السابق.","vol":"1","page":126},{"text":"وفي أيدينا القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والذي أنزله الله على محمد ﷺ نقيا وخاليا من الشوائب كلها.\nولعل هذين الصحابيين الجليلين - حين قالا ذلك - كانا يقصدان - بهذا القول الدال على التحذير الشديد - فريقا معينا من التابعين، كانوا يتهافتون على سؤال أهل الكتاب، وكانوا يسرفون في نقل الروايات عنهم، ومعظمها خرافات وأساطير لا يقبلها عقل، ولا يقرها دين.\nأما ابن عباس ﵄ فقد أخرج البخاري عنه أنه قال: «يا معشر المسلمين كيف تسألون أهل الكتاب، وكتابكم الذي أنزل الله على نبيه ﷺ أحدث الأخبار بالله، تقرءونه لم يشب، وقد حدثكم الله أن أهل الكتاب بدلوا ما كتب الله، وغيروا بأيديهم الكتاب، فقالوا: هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا، أفلا ينها كم ما جاءكم من العلم عن مساءلتهم؟ ولا والله ما رأينا رجلا منهم قط يسألكم عن الذي أنزل عليكم». (^١).\nوأما ابن مسعود ﵁ فقد ورد عنه أنه قال: «لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء، فإنهم لن يهدوكم وقد أضلوا أنفسهم، إما أن يحدثوكم بصدق فتكذبونهم، أو بباطل فتصدقونهم» (^٢).\nومما يؤكد ما قلنا أيضا من أن منهج الصحابة - بالنسبة للإسرائيليات - كان يقوم أساسا على الدقة والتحري، والاحتياط والتشدد أن أمير المؤمنين\n_________\n(^١) سبق تخريج هذا الحديث.\n(^٢) أخرجه الحافظ الهيثمي، وقال: رواه الطبراني في الكبير ورجاله موثوقون - انظر مجمع الزوائد ج ١ ص ١٩٢ ومقدمة في أصول التفسير ص ٥٧ بالهامش.","vol":"1","page":127},{"text":"عمر بن الخطاب ﵁ وهو يمثل السلطة الشرعية، أمر كعب الأحبار بترك الحديث عن الأوائل، وهدده بالنفي إذا لم يستجب، فقد ورد عنه أنه قال لكعب: (لتتركن الحديث عن الأول أو لألحقنك بأرض القردة) (^١).\nويستفاد من هذا أن سياسة عمر ﵁ كانت تقوم على التشدد في رواية الإسرائيليات؛ كما كانت تقوم على التشدد في رواية الأحاديث النبوية؛ فقد ورد عنه كذلك أنه قال لأبي هريرة ﵁: «لتتركن الحديث عن رسول الله أو لألحقنك بأرض دوس» (^٢).\nولا يفوتني هنا أن أنقل الكلمة النفيسة التي سجلها أستاذنا الدكتور محمد حسين الذهبي - هذا الصدد - فقد قال ﵀. «وإذا كان ابن كثير يروي أن عمر بن الخطاب ينهى كعب الأحبار عن التحدث، ويقول له: (لتتركن الحديث عن الأول أو لألحقنك بأرض القردة) فذلك لم يكن لتهمة، وإنما كان مخافة التشوش على عقائد العامة وأفكارهم، لعدم تميزهم بين الحق والباطل، مما يحدث به من أخبار الأول، وقد كان عمر ﵁ يمنع المكثرين من الرواية مطلقا، حتى هدد أبا هريرة بمثل ما هدد به كعب الأحبار، فقال له - على ما رواه ابن كثير -: (لتتركن الحديث من رسول الله ﷺ أو لألحقنك بأرض دوس)، وقد علل ابن كثير هذا بقوله: (وهذا محمول من عمر على أنه خشي من الأحاديث التي تضعها الناس)\n_________\n(^١) البداية والنهاية لابن كثير ج ٨ ص ١٠٨ ط السعادة، والله يقصد بالقردة هنا اليهود، من قوله تعالى: ﴿فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين﴾، آية ٦٥ من صورة البقرة.\n(^٢) المصدر السابق، ودوس هي قبيلة أبي هريرة باليمن.","vol":"1","page":128},{"text":"على غير مواضعها، وأنهم يتكلمون على ما فيها من أحاديث الرخص، وأن الرجل إذا أكثر من الحديث ربما وقع في أحاديثه بعض الغلط أو الخطأ، فيحملها الناس عنه أو نحو ذلك).\n- أقول -: ولعل سر نهيه لكعب عن الحديث عن الأول، ونهيه لأبي هريرة عن الحديث عن رسول الله ﷺ أن أبا هريرة كان يحدث عن رسول الله ﷺ بما سمعه منه، ومن كعب بما يحدثه به، فكان الناس يخلطون بين حديث الرسول ﷺ، وحديث كعب، فقد روى مسلم بن الحجاج بسنده إلى بشر بن سعيد أنه قال: اتقوا الله، وتحفظوا من الحديث، فوالله لقد رأيتنا نجالس أبا هريرة، فيحدث عن رسول الله ﷺ، ويحدثنا عن كعب الأحبار، ثم يقوم فأسمع بعض من كان معنا يجعل حديث رسول الله ﷺ عن كعب، وحديث كعب عن رسول الله ﷺ وفي رواية: يجعل ما قاله كعب عن رسول الله، وما قاله رسول الله عن كعب، اتقوا الله وتحفظوا في الحديث (^١).\nمن أجل هذا نرى أن ما قيل من أن الصحابة قد تلقوا الإسرائيليات وحكوها، وأن بعضهم اقتنى أسفارها وأدمن مطالعتها لما استبان له من البشائر النبوية (^٢)، وما قيل من أن عبد الله بن عباس وعبد الله بن مسعود كانا يحكيان أقاويل أهل الكتاب التي أباحها رسول الله ﷺ حيث يقول: «بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب على متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» (^٣) - لا يصح أن يفهم\n_________\n(^١) الإسرائيليات في التفسير والحديث ص ١٢٨، ١٢٩.\n(^٢) تفسير القاسمي ج ١ ص ٤٢.\n(^٣) مقدمة في أصول التفسير ص ٩٨.","vol":"1","page":129},{"text":"هذا أو ذاك على إطلاقه، بل لا بد أن تقيد رواية الصحابة من أهل الكتابي بدائرة الجواز، وهي الأخبار الصادقة فقط، كما قيدت الإباحة في الحديث بذلك على حسب ما وضحنا، قال الشافعي ﵁ في تعليقه على هذا الحديث: «من المعلوم أن النبي ﷺ لا يجيز التحدث بالكذب، فالمعنى: حدثوا عن بني إسرائيل بما لا تعلمون كذبه، وأما ما تجوزونه فلا حرج عليكم في التحدث به عنهم» (^١).\nوأيضا نرى أن ما ورد عن عبد الله بن عمرو بن العاص من أنه أصاب يوم اليرموك زاملتين من كتب أهل الكتاب، فكان يحدث منهما بما فهمه من هذا الحديث من الإذن في ذلك (^٢)، وما ورد عنه كذلك من أنه أصاب جملة من كتب أهل الكتاب، وأدمن النظر فيها، ورأى فيها عجائب (^٣)، وما ورد عنه أيضا من أنه تحمل عن أهل الكتاب أشياء تتعلق بالقصص وأخبار الفتن والآخرة (^٤) - ما ورد من هذا كله لا يصح أن يفهم على إطلاقه، بل لا بد أن يقيد بدائرة الجواز - كما فهمنا من الحديث الشريف وهي الأخبار الصادقة فقط، ذلك لأن منهج الصحابة جميعا - كما قدمنا كان يقوم أساسا على الدقة والتحري، والاحتياط والتشدد في النقل من أهل الكتاب، ويعجبني ما قاله أحد الباحثين - تعليقا على خبر الزاملتين -\nفقد قال: «ولكن الذي يخشاه الباحث، وهو يرى الرواة وكتاب التراجم يتحدثون عن قراءة عبد الله بن عمرو بالسريانية وأنه كان بينه وبين\n_________\n(^١) فتح الباري ج ٦ ص ٣٢٠.\n(^٢) مقدمة في أصول التفسير ص ٩٨ وتفسير ابن كثير ج ١ ص ١٤.\n(^٣) تفسير القاسمي ج ١ ص ٤٢.\n(^٤) الإتقان ج ٢ ص ١٨٩.","vol":"1","page":130},{"text":"كعب الأحبار جواب أو استفسار - أن يكون خبر الزاملتين قد جاء تتويجا لهذه الأخبار، وركونا إليها، وأن يكون من جنس بعض الروايات الساقطة التي قيلت في هذا الباب، مثل ما روي عنه أنه قال: «رأيت فيما يرى النائم كأن في إحدى يدي عسلا، وفي الأخرى سمنا، وأنا ألعقهما - قال - فذكرت ذلك للنبي ﷺ، فقال: تقرأ الكتابين: التوراة والقرآن، قال الراوي: وكان يقرأهما».\nثم قال هذا الباحث بعد ذلك: «ثم قد صح عن عبد الله بن عمرو ﵄ أنه استأذن النبي ﷺ في كتابة ما سمعه منه، فأذن له فكتبه، فكان عمرو يسمي صحيفته تلك (الصادقة)، قال مجاهد: (رأيت عند عبد الله بن عمرو بن العاص صحيفة فسألت عنها، فقال: هي الصادقة، فيها ما سمعت من رسول الله ﷺ، ليس بيني وبينه أحد) - وفي البخاري عن أبي هريرة: «ما من أصحاب النبي ﷺ أحد أكثر حديثا عنه مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب ولا أكتب» (^١)، فهل كان لصاحب الصحيفة الصادقة بعد هذا - أن يحدث من زاملتين من كتب أهل الكتاب؟ أي من حمل راحلتين من الكتب.\nفإذا أضفنا إلى ذلك طرفا من سيرة عبد الله بن عمرو في تعبده وتبتله اللذين كان يجهد فيهما نفسه، ويحيف فيهما على زوجه وأقرب الناس إليه مع كثرة حديثه عن الرسول ﷺ كما قدمنا - فإن لنا أن نعيد النظر في خبر الزاملتين، وأنه كان يحدث الناس منهما» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري عن وهب بن منبه عن أخيه عن أبي هريرة في كتاب العلم - باب كتابه العلم ج ١ ص ٣٩.\n(^٢) مقدمة في أصول التفسير بالهامش ص ٩٨، ٩٩ بتصرف ط بيروت.","vol":"1","page":131},{"text":"<span data-type='title' id=toc-43>دفاع عن الصحابة ضد المستشرقين وأتباعهم:</span>\nوحيث قد عرفنا منهج الصحابة - رضوان الله عليهم - في الأخذ من أهل الكتاب، فليس من الحق في شيء ما يردده المستشرقون وأذنابهم الذين يدعون البحث العلمي، والدراسة المحررة من أن الصحابة كانوا يتوسعون كثيرا في الأخذ عن أهل الكتاب، وأنهم نقلوا الغث والسمين من الأخبار الإسرائيلية بغير روية ولا تبصر، مخالفين - في ذلك - تحذير الرسول ﷺ:\nولعل أشد المستشرقين خطرا، وأوسعهم باعا، وأكثرهم خبثا وإفسادا في هذا الميدان - كما يقول الدكتور مصطفى السباعي - هو المستشرق اليهودي المجري (جولد تسيهر)، فقد كان واسع الاطلاع على المراجع العربية - على ما يظهر - حتى عد شيخ المستشرقين من الجيل الماضي، ولا تزال كتبه وبحوثه مرجعا خصبا وهاما للمستشرقين في هذا العصر، وقد نقل لنا الأستاذ (أحمد أمين) بصورة غير رسمية كثيرا من آرائه عن تاريخ الحديث في: (فجر الإسلام وضحاه)، كما نقل لنا بصورة رسمية سافرة بعض آرائه التي صرح بعزوها إليه (^١).\nيقول المستشرق اليهودي (جولد تسيهر) - بصدد ما نحن فيه - وكثيرا ما نجد بين مصادر العلم المفضلة لدى ابن عباس، اليهود بين اللذين اعتنقا الإسلام: كعب الأحبار وعبد الله بن سلام، كما نجد أهل الكتاب - على وجه العموم - أي رجالا من طوائف ورد التحذير من أخبارها\n_________\n(^١) السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي للدكتور مصطفى السباعي ص ٣٩٨. ط الدار القومية للطباعة والنشر.","vol":"1","page":132},{"text":"- عدا ذلك - في أقوال تنسب إلى ابن عباس نفسه، ومن الحق أن اعتناقهم للإسلام قد سما بهم على مظنة الكذب، ورفعهم إلى مرتبة مصادر العلم التي لا تثير ارتيابا، ولم يعد (أوتولوث) شاكلة الصواب، إذ يتحدث عن مدرسة ابن عباس ذات المسحة اليهودية، ولم يعد ابن عباس أولئك الكتابيين الذين دخلوا في الإسلام حججا فقط في الإسرائيليات وأخبار الكتب السابقة التي ذكر كثيرا عنها من الفوائد، بل كان يسأل أيضا كعب الأحبار مثلا عن التفسير الصحيح للتعبير بن القرآنيين: أم الكتاب والمرجان، كما يفترض عند هؤلاء الأحبار اليهود فهم أدق المدارك الدينية العامة الواردة في القرآن، وفي أقوال الرسول، وكان يرجع إلى أخبارهم في مثل هذه المسائل، على الرغم من ضروب التحذير الصادرة من جوانب كثيرة فيهم، ففي تعيين وقت يوم الجمعة الذي أخبر الرسول أن أداء للمسلم الصلاة فيه لا بد أن يقبل - ذكر أن أبا هريرة طلب بيان ذلك عند كعب الأحبار وعبد الله بن سلام، وذلك بأنهما يعرفان التوراة التي لا بد أن يوجد فيها مثل ذلك، والظاهر أن المحور الذي تدور حوله مثل هذه الأخبار في الغالب هو افتراضات المسلمين في الزمن المتأخر، ويدل على مدى ما تستطيع أن تبلغه مثل هذه الافتراضات من طابع السذاجة ما روى مثلا من حصول اختلاف بين ابن عباس وعمرو بن العاص على قراءة كلمة: (من لدني) في الآية ٧٦ من سورة الكهف، هل هي بتشديد نون (لدني) أو بتخفيفها، وأن الاثنين قصدا إلى كعب الأحبار لتسوية هذا الخلاف (^١).\nولقد حذا حذو هذا المستشرق اليهودي، وتأثر به تأثرا كبيرا الأستاذ\n_________\n(^١) مذاهب التفسير الإسلامي لجولد تسيهر - ترجمة الدكتور عبد الحليم النجار ص ٨٦ - ٨٨.","vol":"1","page":133},{"text":"(أحمد أمين)، فقال - في هذا الصدد نفسه -: «وكان الذي يسد هذا الطمع هو التوراة، وما علق عليها من حواش وشروح، بل وما أدخل عليها من أساطير، وقد دخل بعض هؤلاء اليهود في الإسلام، فتسرب منهم إلى المسلمين كثير من هذه الأخبار، ودخلت في تفسير القرآن يستكملون بها الشرح، ولم يتحرج حتى كبار الصحابة مثل ابن عباس من أخذ قولهم، روى أن النبي ﷺ قال: «إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم، ولكن العمل كان على غير ذلك، وأنهم كانوا يصدقونهم وينقلون منهم، وإن شئت مثلا لذلك فاقرأ ما حكاه الطبري وغيره». عند تفسير قوله تعالى: (﴿هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة﴾ (^١)، وقد رأيت أن ابن عباس كان يجالس كعب الأحبار ويأخذ عنه) (^٢).\nوالحق أن الصحابة - رضوان الله عليهم - الذين نقلوا لنا سنة الرسول ﷺ، وحافظوا عليها علما وعملا، وجاهدوا في الله حق جهاده، ونشروا الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، كلهم عدول، وقد أثنى عليهم الله تعالى في القرآن الكريم، وزكاهم رسول الله ﷺ، فلا يمكن - بحال - أن يكونوا متصفين بهذه الأوصاف القبيحة التي يرددها المستشرقون وأذنابهم، تجريحا للصحابة وطعنا في عدالتهم، حتى لا يوثق بهم ولا يطمأن لنقلهم، وقد نقلوا لنا - فيما نقلوا - أحاديث الرسول ﷺ، فالطعن فيهم إنما هو وسيلة للطعن في الأصل الثاني الإسلام، وهي السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام.\n_________\n(^١) البقرة: ٢١٠.\n(^٢) فجر الإسلام ص ٢٤٨.","vol":"1","page":134},{"text":"قال أستاذنا الدكتور محمد حسين الذهبي - في مقام الرد على هؤلاء الأفاكين -: (والحق أن هذا الاتهام بعيد كل البعد عن الحق والصواب)، فابن عباس وغيره من الصحابة - كما قلت آنفا - كانوا يسألون علماء اليهود الذين اعتنقوا الإسلام، ولكن لم يكن سؤالهم عن شيء يتصل بالعقيدة أو بأصل من أصول الدين، أو بفرع من فروعه، وإنما كانوا يسألونهم عن تفاصيل لبعض القصص والأخبار الماضية، ولم يكونوا يقبلون كل ما يروى لهم، على أنه صواب لا يتطرق إليه شك، بل كانوا يحكمون دينهم وعقولهم، في اتفق مع الدين والعقل صدقوه، وما خالف ذلك نبذوه، وما سكت عنه القرآن، ولم يرد فيه نص عن الرسول ﷺ، واحتمل الصدق والكذب توقفوا فيه، ثم كيف يعقل أن يستبيح ابن عباس ﵄ لنفسه أن يحدث عن بني إسرائيل بمثل هذا التوسع والتساهل الذي يجعله مخالفا لأمر الرسول ﷺ، وقد كان من أشد الناس نكيرا على من يفعل ذلك؟ ثم قال ﵀: (وأما ما قاله جولد تسهير من أن ابن عباس كان لا يقتصر في سؤاله لأهل الكتاب على المسائل الإنجيلية أو الإسرائيلية، بل كان يتجاوز ذلك فيسألهم عن التفسير الصحيح لأم القرآن والمرجان، ونحو ذلك من الألفاظ القرآنية، لما كان يراه ويراه غيره من الصحابة من أن هؤلاء اليهود كان عندهم أحسن الفهم - على العموم - في القرآن وفي كلام الرسول - فقول يريد أن يرفع به ذلك اليهودي خسيسة قومه، ولست أرى عليه مسحة حق، ولا أمارة صدق، إذ كيف يعقل أن يكون ابن عباس وهو ترجمان القرآن، ومن دعا له رسول الله ﷺ بقوله: (اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل)، ومن كان عنده أدق الفهم الإشارات القرآن، ودقائق معانيه، حتى لقد ظهر في أكثر من مرة في المسائل المعقدة في التفسير بمظهر الرجل الملهم،","vol":"1","page":135},{"text":"والذي أثنى علي بن أبي طالب على براعته وشفافيه عقله في التفسير بقوله: «كأنما ينظر إلى الغيب من ستر رقيق»، والذي قال فيه عبد الله بن عمر ﵄: «ابن عباس أعلم أمة محمد بما أنزل على محمد».\nكيف يعقل أن ابن عباس - وهذه بعض صفاته - يرجع إلى رجل يهودي دخيل على العرب في لفظ عربي ورد في كتاب الله، أو في سنة رسوله، ولو أننا رجعنا إلى الروايات الواردة في ذلك، ونقدناها على طريقة المحدثين في نقد الحديث لوجدناها معلولة الأسانيد، ولا تصلح أن تقوم بها حجة على دعوى رجوع ابن عباس لأبي الجلد (^١) أو لغيره لمعرفة معنى لفظ قرآني أو نبوي دق عليه فهمه، وخفي عليه معناه) (^٢).\nوفي نفس هذا المخطط الهدام سار (محمود أبو رية) يعلنها حربا لا هوادة فيها على الصحابة رضوان الله عليهم، فقد رماهم بالتهم الباطلة التي تلقفها من أفواه أسياده المبشرين والمستشرقين، رماهم بالغفلة وعدم الفهم، وأنهم لم يفطنوا لتمييز الصدق من الكذب، وأنهم تتلمذوا على أحبار أهل الكتاب، وأنهم وثقوا بهم، وانقادوا لهم، وقد أسف في كلامه إسفافا بالغا بالنسبة لأبي هريرة ﵁ بصفة خاصة، وتفوه بكلمات نابية - في حق هذا الصحابي الجليل - تنم عن طبع غير كريم، وقلب غير سليم، فقال هذا اللئيم: «كان من أثر وثوق الصحابة بمسلمة أهل الكتاب واغترارهم بهم أن صدقوهم فيما يقولون، ويروون عنهم ما يفترون، وقد نص رجال\n_________\n(^١) زعم جولد تسيهر أن ابن عباس كان يرجع - كتابة - في تفسير بعض ألفاظ القرآن إلى رجل يدعى (أبا الجلد) ويبدو أنه كان يهوديا - انظر التفسير الإسلامي ص ٨٥.\n(^٢) الإسرائيليات في التفسير والحديث ص ١٠٣ وما بعدها.","vol":"1","page":136},{"text":"الحديث في كتبهم أن العبادلة الثلاثة (^١) وأبا هريرة ومعاوية وأنس وغيرهم قد رووا عن كعب الأحبار وإخوانه، وكان أبو هريرة أكثر الصحابة وثوق بهم، وأخذا عنهم، وانقيادا لهم (^٢).\nثم قال: (من أجل ذلك كله أخذ أولئك الأحبار يبنون في الدين الإسلامي أكاذيب وترهات، يزعمون مرة أنها في كتابهم ومن مكنون علمهم، ويدعون أخرى أنها مما سمعوه من النبي ﷺ، وهي في الحقيقة من مفترياتهم، وأنى للصحابة أن يفطنوا لتمييز الصدق من الكذب من أقوالهم، وهم من ناحية لا يعرفون العبرانية التي هي لغة كتبهم، ومن ناحية أخرى كانوا أقل منهم دهاء وأضعف مكرا، وبذلك راجت بينهم سوق هذه الأكاذيب، وتلقى الصحابة ومن تبعهم كل ما يلقيه هؤلاء الدهاة بغير نقد أو تمحيص، معتبر بن أنه صحيح لا ريب فيه) (^٣).\nثم قال - عن أبي هريرة ﵁: (ويبدو أن أبا هريرة كان أول الصحابة انخداعا به - يعني كعب الأحبار - وثقة فيه، ورواية عنه وعن إخوانه، كما كان أكثرهم رواية الحديث، ويتبين من الاستقراء أن كعب الأحبار قد سلط قوة دهائه على سذاجة أبي هريرة، لكي يستحوذ عليه وينيمه، ليلقنه كل ما يريد أن يبثه في الدين الإسلامي من خرافات وأوهام، وكان له في ذلك أساليب غريبة، وطرق عجيبة) (^٤).\nوقد أبلى علماؤنا الأجلاء بلاء حسنا في الدفاع عن أبي هريرة ﵁\n_________\n(^١) يعني عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص.\n(^٢) أضواء على السنة المحمدية ص ١٢٥، ١٢٦.\n(^٣) المصدر السابق ص ١١٠.\n(^٤) المصدر السابق ص ١٧٢.","vol":"1","page":137},{"text":"وأنصفوه أيما إنصاف من هذا البذيء الذي أعمى الله بصيرته، وأضله على علم، فأطلق لسانه وقلمه سبا وطعنا في هذا الصحابي الجليل، ومن هؤلاء العلماء أستاذنا الدكتور محمد السماحي، فقد قال - في مقام الرد على أكاذيب أبي ربة -: (ومن العجيب الغريب قوله: (ويبدو أن أبا هريرة كان أول الصحابة انخداعا به، وثقة فيه» الخ - نعم، روى أبو هريرة عن كعب كما روى عنه غيره، فإن كان كعب دخل الإسلام على دخل، وانخدع به الصحابة - كما يقول - فأبو هريرة مثلهم، ولكن من أين بدا له أن أبا هريرة كان أولهم انخداعا به، وثقة فيه، ورواية عنه، فإن صح ما يقول فأول منخدع به، واثق فيه، مكثر الرواية عنه ومن أمثاله هو ابن عباس الذي روت الرواة عنه شرح آيات القرآن في قصصه بالإسرائيليات (^١)، ولم يكن ابن عباس ممن يقرأ التوراة ولا التلمود، وهو من رواة كعب، ولم يطعن أحد في ابن عباس، ولم يؤخذ عليه أنه ينقل عن الإسرائيليات، ولا أنه كان مخدوعا بكعب أو بغيره، إلى كل ما في الأمر أنهم يسترشدون بتفصيل ما أجمل في القرآن بروايات كعب وأمثاله من علماء اليهود الذين دخلوا في الإسلام، والقاعدة عندهم معلومة، فقد أباح لهم الرسول ﷺ أن يحدثوا عنهم، وحذرهم من تصديقهم وتكذيبهم؛ فليست إذن هذه الروايات مما يعول عليها في دين الله وشريعة الإسلام، حتى تكون مصدر شبهات للمؤمنين، أو الملاحدة والمارقين، ولا توجب أن يكون الدين كغيره من سائر الأديان دين خرافات وأوهام، وليست عقائد حتى تجلى المسلمين عن عقائدهم، بل كل ما في الأمر أنها قصص لا يضر الجهل به، ولا ينفع العلم به، فإن ذكر على أنه استئناس بما جاء في الكتب السابقة، وتفصيل\n_________\n(^١) وما أكثر الروايات الباطلة التي نسبت - زورا - إلى ابن عباس ﵄.","vol":"1","page":138},{"text":"لما أجمله القرآن على أساس القاعدة المعلومة فلا بأس من روايته، ومن ذلك يتبين لك أن الصحابة لم ينخدعوا في كعب لا في قليل ولا في كثير، فسواء صدق كعب فيما يحدث به أو كذب فإنه لا يروي عن مصدر التشريع المنير عندهم (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-44>موقف التابعين من الإسرائيليات:</span>\nوإذا كان ذلك موقف الصحابة - رضوان الله عليهم - من الأخبار الإسرائيلية فما هو موقف التابعين؟\nلقد كان منهج التابعين - على العكس من ذلك - يقوم على التوسع في رواية الإسرائيليات، والأخذ عن أهل الكتاب، ومن ثم ألبس الحق بالباطل، واختلط الحابل بالنابل، واشتبه الغث بالسمين، ويمكن أن نرجع ذلك - عند التابعين - إلى سببين:\nالأول: أن التابعين لم تثبت عدالتهم جميعا كما ثبت عدالة الصحابة، ومن ثم نجد بعض التابعين قد أسرف في رواية الإسرائيليات عن أهل الكتاب من غير أن يتحرى الدقة في روايتها، بل إن بعضهم قد تساهل في رواية بعض الإسرائيليات وهو يعلم أنها مكذوبة وباطلة، وهذا ما لم يكن بحال يحدث من الصحابة رضوان الله عليهم.\nوالسبب الآخر: أنه قد دخل عدد كبير من أهل الكتاب في الإسلام إلا أن بعضهم قد اعتنق الإسلام نفاقا وزورا، مثل عبد الله بن سبأ اليهودي، وهؤلاء الكتابيون جميعا كانوا مصدرا أساسيا لإدخال الإسرائيليات في\n_________\n(^١) أبو هريرة في الميزان ص ٨٦، ٨٧.","vol":"1","page":139},{"text":"ثقافة المسلمين، وبالتالي في تفسير القرآن الكريم، وهذه الظاهرة كانت أكثر وضوحا في عهد التابعين.\nوزاد الطين بلة في العصور التي جاءت بعد عصر التابعين فيما يتعلق بالرواية من أهل الكتاب، والتوسع في الأخذ منهم، فتضخمت الإسرائيليات ومعظمها خرافات في تفسير القرآن الكريم تضخما كبيرا، وأصبحت من الكثرة بحيث تكاد تحجب عن المسلمين هداية القرآن الكريم، ومن هؤلاء المسرفين والحاطبين بليل محمد بن السائب الكلبي الذي كان يهودي النزعة فقد كان من أتباع عبد الله بن سبأ اليهودي (^١)، وكان متهما بالكذب والوضع (^٢) وقد عرف هذا الكلبي بالتفسير (^٣)، ومنهم كذلك عبد الملك ابن عبد العزيز بن جريج الذي كان روميا نصرانيا، وقد رويت عنه مرويات كثيرة في التفسير منها الصحيح وغير الصحيح لأنه لم يقصد الصحة، وإنما روى ما ذكر في كل آية من الصحيح والسقيم (^٤)، قال الدكتور الذهبي - عن ابن جريج هذا -: «ونرى أن كثيرا منهم - يعني العلماء - يحكم عليه بالتدليس وعدم الثقة ببعض مروياته، ومع هذا فقد قال فيه الإمام أحمد: إنه من أوعية العلم، ونحن معه في ذلك، ولكنه وعاء لعلم امتزج صحيحه بعليله؛ ولا نظن إلا أن الإمام أحمد يعني ذلك بدليل ما تقدم عنه من قوله: (بعض هذه الأحاديث التي كان يرسلها ابن جريح أحاديث موضوعة وكان ابن جريج لا يبالي من أين أخذها)، وكان الإمام مالك ﵁\n_________\n(^١) الإسرائليات في التفسير والحديث ص ١٤٤.\n(^٢) المصدر السابق ص ١٤٦.\n(^٣) الإتقان ج ٢ ص ١٨٩.\n(^٤) المصدر السابق ج ٢ ص ١٨٨.","vol":"1","page":140},{"text":"يرى فيه أنه لا يبالي من أين يأخذ، فقد روى عنه أنه قال: - ابن جريج حاطب ليل» (^١).\nومن هؤلاء المسرفين في الروايات الإسرائيلية كذلك مقاتل بن سليمان الذي ناله من الطعن والتجريح ما لم ينله أحد من علماء عصره فيما نعلم، وذلك لما عرف عنه من المذاهب الردية، والعقائد الفاسدة، فعن أبي حاتم محمد بن حبان البستي أنه قال: «مقاتل بن سليمان كان يأخذ عن اليهود والنصارى من علم القرآن العزيز الذي يوافق كتبهم، وكان مشبها يشبه الرب بالمخلوقين،. وكان يكذب مع ذلك في الحديث» (^٢) وأيضا قال الدكتور الذهبي: «والحق أن علم مقاتل بن سليمان علم شره أكثر من خيره، وضره أكبر من نفعه، وإذا كان مقاتل بن حيان يقول: إن علمه كالبحر، فكثيرا ما يحمل البحر الخبث، ويقذف بالغثاء والزبد، والحق أيضا أن تفسير مقاتل يحوي من الإسرائيليات والخرافات وضلالات المشبهة والمجسمة ما ينكره الشرع، ولا يقبله العقل، وإذا كان حقا ما نسب إلى الشافعي من قوله: (الناس عيال في التفسير على مقاتل) فلست ألمح في قوله هذا استحسانا لتفسيره ولا ثناء عليه، ولا أعقل من هذه العبارة - وقد بلوت تفسير مقاتل - إلا أن الشافعي أراد أنه كان مرجعا المفسرين على اختلاف مشاربهم ومذاهبهم، وجد فيه المعتدلون الفهم السليم للنص القرآني، فاقتبسوه منه، ووجد فيه أصحاب المذاهب الردية كالمشبهة والمجسمة ما يوافق هواهم، فنقلوه عنه، ووجد فيه المولعون بالقصص ورواية الأخبار معينة فياضا بالغرائب والأعاجيب، فاستمدوا منه ما أشبع رغباتهم، ووافق ميولهم\n_________\n(^١) الإسرائيليات في التفسير والحديث ص ١٥٠.\n(^٢) وفيات الأعيان لابن خلكان ج ٤ ص ٣٤٣ ط السعادة.","vol":"1","page":141},{"text":"وإذا كان هؤلاء هم عيال مقاتل على مائدة تفسيره فما أكثر المتخمين منهم بالمناكير والأباطيل، وما أقل من طوى صدره منهم على الحقيقة الناصعة، والرأي السديد» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-45>كعب الأحبار ووهب ابن منبه:</span>\nوقبل أن نختم الحديث عن الإسرائيليات في عصر الصحابة والتابعين نود أن نتحدث عن قطبي الرواية الإسرائيلية في هذا العصر، وهما كعب الأحبار ووهب بن منبه، وذلك لكثرة ما أثير حولهما من أباطيل وأكاذيب.\n\n<span data-type='title' id=toc-46>أولا - كعب الأحبار:</span>\nهو حبر من أحبار اليهود الذين كانوا باليمين، أسلم - على المشهور - في عهد عمر بن الخطاب ﵁، وقد أجمع علماء الجرح والتعديل على توثيقه، ويكفي أن الإمام مسلما - وهو من هو في دقة الحديث وضبطه - قد أخرج له في صحيحه، كما يكفيه فخرا أن فريقا من الصحابة قد رووا عنه مثل عبد الله بن عباس وأبي هريرة وعبد الله بن عمرو وغيرهم.\nوقد كان لكعب الأحبار - بعد إسلامه - دور بارز في نقل كثير من الأخبار الإسرائيلية إلى المجتمع الإسلامي، وإلى ثقافة المسلمين، إلا أن بعض هذه الأخبار التي نقلت عنه لا تعدو أن تكون من قبيل الخرافات والأساطير، وقد اختلف الناس في أخباره التي هي من هذا القبيل، فقال قوم - معتذرين عن كعب في حكايتها -: إنه كان يحكي هذه\n_________\n(^١) الإسرائيليات في التفسير والحديث ص ١٥٢.","vol":"1","page":142},{"text":"الأخبار، لا على أنها من كلام الرسول ﷺ، ولا على أنها صادقة، بل كان يحكيها على علاتها، معتمدا على أن المسلمين جميعا يعلمون أنها مستمدة من كتب اليهود المحرفة، فالذنب ليس ذنبه في رواج هذه الأخبار، بل ذنب هؤلاء المسلمين الذين لم يحتاطوا في قبولها ولا في روايتها، بل توسعوا توسعا كبيرا في ذلك، وحشدوا الإسرائيليات حشدا في كتبهم، فتناقلها الناس جيلا بعد جيل، وراجت بين المسلمين رواجا كبيرا، قال أحد أساتذتنا الأجلاء: (لا ينبغى أن يتخذ من رواية هذه الإسرائيليات وسيلة للطعن في رواتها من أمثال كعب ووهب ممن أثنى عليهم الصحابة، وزكاهم أهل البصر بالتعديل والتجريح، وذلك لأنهم حكوها من الكتب غير مصدقين لها على الإطلاق، بل كانت عقيدتهم فيها كعقيدة الصحابة: ما جاء على وفق شرعنا صدقوه، وما خالفه كذبوه، وما لم يوافق أو يخالف شرعنا ردوا فيه العلم إلى الله ﷿، وما مثلهم فيما ينقلون ويحكون إلا كمثل رجل أمين أراد أن يطلعك على كتاب مؤلف بغير لسانك، فترجمه إلى لغة تفهمها، لتعرف ما فيه إن صدقا وإن كذبا، والصدق والكذب حينئذ يضاف إلى الكتاب لا إلى الناقل) (^١).\nوقال آخرون: إن كعب الأحبار بريء من هذه الأخبار فهي قد نسبت إليه كذبا وزورا، ولعل أولئك الذين نسبوها إليه إنما أرادوا أن يضفوا عليها لباسا من الثقة والإجلال، وذلك بنسبتها إلى تابعي عظيم، وعالم جليل جمع الثقافتين الإسلامية واليهودية معا، وهو كعب الأحبار، وكعب منها براء، وهذا القول هو ما تميل إليه نفسى، ويطمئن إليه قلبي، لأن كعبا كان صادق\n_________\n(^١) الحديث والمحدثون لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد محمد أبو زهو ص ١٨٦، ١٨٧","vol":"1","page":143},{"text":"الإسلام، وكان يعلم تماما أحاديث الرسول ﷺ بالنسبة لهذه الإسرائيليات، وأن الرسول - صلوات الله عليه - لا يجيز روايتها هكذا على علاتها، فكيف يسوغ لتابعي جليل رضيه بعض الصحابة أستاذا لهم - أن يخالف الرسول عن أمره، وقد قال الله تعالى: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-47>ثانيا - وهب بن منبه:</span>\nهو يمني من أصل فارسي، وكان من أهل الكتاب الذين أسلموا، وكان عالما بأخبار الأولين، وقصص السابقين، حتى لقد روي عنه أنه قال: «عبد الله بن سلام أعلم أهل زمانه، وكعب الأحبار أعلم أهل زمانه، أفرأيت من جمع علمهما - يريد نفسه» (^٢)، وقد اتفق الجمهور على توثيقه. ولم يشذ عنهم سوى رجل واحد اتهمه بالقول في القدر، قال ابن حجر: «وهب بن منبه الصنعاني من التابعين، وثقه الجمهور، وشذ القلاس، فقال: كان ضعيفا، وكان شبهته في ذلك أنه كان يتهم بالقول في القدر» (^٣)، ولكنه قد رجع من هذا القول بعد أن ظهر له الصواب، وبعد رجوعه عن رأيه لا يصح أن نطمن عليه من هذه الناحية (^٤).\nوقد نسب إلى وهب بن منبه الكثير من الإسرائيليات، ولكن جانبا كبيرا منها - فيما يبدو - لا تصح نسبته إليه، ولعل ما صنعه البخاري\n_________\n(^١) سورة النور: ٦٣.\n(^٢) التفسير والمفسرون ج ١ ص ١٩٦.\n(^٣) الإسرائيليات في التفسير والحديث ص ١٤١.\n(^٤) التفسير والمفسرون ج ١ ص ١٩٦.","vol":"1","page":144},{"text":"بالنسبة لوهب بن منبه يدل دلالة واضحة على ما ذكرنا، فقد أخرج له حديثا واحدا عن أخيه همام عن أبي هريرة في كتابة الحديث (^١)، فاقتصار البخاري على حديث واحد لوهب يدل على أن معظم ما نسب إليه أسانيده واهية وإلا لأخرج البخاري له في صحيحه أكثر من حديث (^٢)، قال أستاذنا الدكتور الذهبي ﵀: (وما كان لي ولا لغيري أن ينكر إكثار وهب من رواية الإسرائيليات، فذلك أمر تتعلق به كتب التفسير والحديث التي تعنى بسرد الإسرائيليات، ولكن الذي أنكره وينكره كل منصف أن تكون كل هذه الإسرائيليات - ومنها أباطيل كثيرة - صحيح نسبتها إليه، فلو أننا عرضناها على قواعد المحدثين في نقد الرواية والرواة لتبين لنا أن طائفة منها مكذوبة عليه، وأن اسمه - لشهرته العلمية الواسعة بما كتب أهل الكتاب - قد استغل واتخذ مطية لترويج الكذب وإذاعته بين الناس) (^٣).\nهذان هما قطبا الرواية الإسرائيلية: كعب الأحبار، ووهب بن منبه التابعيان الجليلان اللذان عاشا مع الصحابة، وأخذا من الصحابة، ولقد جاء من بعدهما أناس ينقلون كل ما هب ودب بالنسبة الإسرائيليات في التفسير، ولا يميزون بين الحق والباطل، ولا بين الغث والسمين، مثل محمد بن السائب الكلبي، وعبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، ومقاتل بن سليمان ومحمد بن مروان السدي، وهؤلاء جميعا - كما سبق أن ذكرنا - تكلم فيهم علماء الجرح والتعديل، واتهموهم بالكذب والوضع والمذاهب الفاسدة.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في كتاب العلم باب كتابة العلم ج ١ ص ٣٩.\n(^٢) الإسرائيليات في التفسير والحديث ص ١٤٢ بالهامش.\n(^٣) المصدر السابق ص ١٤٠، ١٤١.","vol":"1","page":145},{"text":"وإني أرى أن هؤلاء وأمثالهم هم الذين يتحملون وزر إدخال الإسرائيليات بدون ضوابط ولا قيود - في التفسير بصفة خاصة، وفي ثقافة المسلمين بصفة عامة، فقد كانوا لا يتورعون من وضع الخرافات، ثم ينسبونها كذبا إلى من قبلهم من الصحابة أو التابعين، بقصد ترويجها بين المسلمين، ولقد جاء بعدهم أناس ألفوا في التفسير، فشحنوا كتبهم بهذه الخرافات والأساطير، ومن ثم قال الإمام أحمد: «ثلاثة ليس لها أصل: التفسير والملاحم والمغازي» (^١) ولعله يعني بالتفسير هذا التفسير المحشو بالخرافات والأساطير والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-48>ثالثا - دفاع عن كعب ووهب:</span>\nوعلى الرغم من أن علماء الجرح والتعديل قد وثقوا كلا من كعب الأحبار ووهب بن منبه - كما سبق أن ذكرنا - نجد للأسف في عصرنا الحاضر أصواتا شاذة تحاول أن تشكك في صدق هذين الرجلين، بل وفي إسلامهما، وأصحاب هذه الأصوات أناس يلبسون مسوح التحقيق العلمي، والتحقيق العلمي منهم براء، وبعض هؤلاء - في الحقيقة - عملاء الأعداء الدين من المبشرين والمستشرقين الذين يريدون - من وراء هجومهم على الصحابة والتابعين - تشكيك المسلمين في دينهم، وإثارة البلبلة في نفوسهم، ﴿يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون﴾ (^٢).\nوأشهر أولئك الذين هاجموا كعب الأحبار ووهب بن منبه ثلاثة، هم السيد محمد رشيد رضا، والأستاذ أحمد أمين، ومحمود أبو رية.\nأما السيد محمد رشيد رضا فإنه قد اتهم كلا الرجلين بالكذب،\n_________\n(^١) الإتقان ج ٢ ص ١٧٨.\n(^٢) سورة التوبة: ٣٢.","vol":"1","page":146},{"text":"وأن علماء الجرح والتعديل قد انخدعوا بتصديقهما وتوثيقهما، وأن ما دسه الرجلان في الإسلام من الأكاذيب كان من جملة ما تعلق به الملاحدة وأعداء الدين في شبهاتهم التي أثاروها حول الإسلام، وفي ذلك يقول: «فأنت ترى أن هذا الإمام المحقق - يعني ابن تيمية - جزم بالوقف عن تصديق جميع ما عرف أنه من رواة الإسرائيليات، وهذا في غير ما يقوم الدليل على بطلانه في نفسه، وصرح في هذا المقام بروايات كعب الأحبار ووهب بن منبه، مع أن قدماء رجال الجرح والتعديل اغتروا بهما وعدلوهما فكيف لو تبين له ما تبين لنا من كذب كعب ووهب، وعزوهما إلى التوراة وغيرها من كتب الرسل ما ليس فيها شيء منه، ولا حومت حوله» (^١) ثم قال السيد محمد رشيد رضا أيضا: «وإنا بعد اختبارنا ثلث قرن قضيناه في معالجة الشبهات، ومناظرة الملاحدة وأمثالهم من خصوم الإسلام، والرد عليهم قولا وكتابة، قد ثبت عندنا أن روايات كعب ووهب في كتب التفسير والقصص والتاريخ كانت شبهات كثيرة للمؤمنين، لا للملاحدة والمارقين وحدهم، وإن المستقلين في الرأي لا يقبلون ما قالوه: أن كل من قال جمهور رجال الجرح والتعديل بعدالته فهو عدل، وإن ظهر لمن بعدهم فيه من أسباب الجرح ما لم يظهر لهم»، وقال ﵀: «رأينا الشيء الكثير في رواياتهما مما نقطع بكذبه، لمخالفة ما روياه مما كانا يعزوانه للتوراة وغيرهما من كتب الأنبياء، فجزمنا بكذبهما، وهو مما لم يكن يعلمه المتقدمون، لأنهم لم يعلموا على كتب أهل الكتاب، والطعن في روايتهما يدفع شبهات كثيرة عن كتب الإسلام، ولا سيما تفسير كتاب الله المحشو بالخرافات» (^٢).\n_________\n(^١) تفسير المنار ج ١ ص ١٠٠٩ ط الهيئة المصرية العامة للكتاب.\n(^٢) مجلة المنار جـ ٢٧ ص ٥٣٩.","vol":"1","page":147},{"text":"ويعجبني في هذا المقام رد أستاذنا الجليل الدكتور محمد حسين الذهبي على هذا الاتهام حيث يقول ﵀: «إننا لا نقر الشيخ ﵀ على هذا الاتهام البليغ لكعب ووهب، ولا على رميهما بالكذب، ولا على ما ادعاه عزوهما إلى التوراة أو غيرها ما ليس فيها، كما أنا لا نقره على اتهامه لعلماء الجرح والتعديل الذين طهروا لنا السنة من الدخيل، وأزاحوا عنها ما لصق بها من الموضوعات، وبينوا لنا الصحيح والعليل فيها، والعدل والمجروح من رواتها، حيث رماهم بالغفلة والاغترار، وهم أهل هذا الفن الذي لا يصلح له إلا قليل من الناس، وهو نفسه يرتضيهم في باب الجرح والتعديل، ويعتمد رأيهم في كثير من المواقف التي يحتاج فيها إلى تصحيح حديث أو تضعيفه، ولا ندري ما هذا الكذب الذي تبين له من كعب ووهب، وخفي عن ابن تيمية - وهو من نعلم علما ومعرفة - وليت الشيخ ﵀ بين لنا ما يستند إليه في دعواه، وغالب الظن أنه ما نسبهما إلى الكذب إلا لأنه قارن بين ما يروى عن كعب وغيره من مسلمة أهل الكتاب وما يقابل ذلك من التوراة التي ينقل عنها كثيرا في تفسيره، فوجده مخالفا لما فيها، فكان ذلك كذبا في نظره، كأن التوراة هي العمدة التي يعتمد عليها، والأصل الذي يحتكم إليه، ونسي أنها محرفة مبدلة، وأن بجوارها شروحا وسننا تعتبر عند أهلها من المصادر المهمة، فلم لا تكون التوراة التي نقل عنها كعب ووهب غير التي نقل عنها الشيخ رشيد، ومعروف أن يد التحريف والتبديل لعبت فيها أكثر من مرة؟ ولم لا تكون الرواية التي رواها كعب أو غيره، ولا يجدها الشيخ في التوراة التي يحتكم إليها، في تفسيره، ويرد بها روايات كعب ووهب - لم لا تكون مأخوذة من التلمود أو غيره من شروح التوراة وما يتبعها من نصائح وسنن» (^١)\n_________\n(^١) الإسرائيليات في التفسير والحديث ص ١٣٥، ١٣٦.","vol":"1","page":148},{"text":"وأيضا حمل أستاذنا الدكتور محمد أبو زهو حملة شعواء على صاحب هذا الاتهام الباطل، فقال: «وليس كل ما ينسب إلى كعب ووهب وأضرابهما صحيحا، فقد اختلق عليهم الوضاعون كثيرا، ليروجوا باطلهم بنسبته إليهم، وتناقل هذه الأخبار المكذوبة بعض القصاص والمؤرخين والأدباء، وبعض القاصرين من المفسرين، على أنها حقائق، من غير أن يتثبتوا من صحة نسبتها إلى من عزيت إليه، وبدون أن يفطنوا إلى أنهم كانوا يروونها على أنها إسرائيليات بتقدير صحتها عنهم، فضلوا وأضلوا، والذنب ليس ذنب كعب ووهب، ولكنه ذنب القصور والتقصير، ومن المضحكات المبكيات ما زعمه بعض أدعياء العلم في عصرنا، من أنه قد عني بمطالعة الكتب التي ألفها أعداء الدين، فوجد أكثر المطاعن التي تتخذ شبهة على الإسلام مأخوذة من إسرائيليات تروى عن كعب ووهب، وهذا يدل - في نظره القاصر - على أنهما من اليهود الذين تظاهروا بالإسلام ليفسدوه، وزعم هذا المدعي أيضا أن الصحابة والتابعين ومن بعدهم من علماء الجرح والتعديل قد أثنوا عليهما خيرا وعدلوهما، من غير أن يفطنوا إلى ما فطن له هو من أمرهما - وهذا الزعم بنوعيه لا يصدر إلا عن جاهل قد ملأه الغرور، أو مجنون لا يدري ما يقول، ولو أنه كلف نفسه النظر في أسانيد هذه الروايات التي تنسب إليهما ليتبين أصحيحة هي منهما أم باطلة، ثم تأمل بعد ذلك إلى أنهما كانا يرويانها على أنها إسرائيليات ما رمى الصحابة والتابعين ومن بعدهما من حذاق الناقدين بهذا البهتان المبين» (^١).\nوأما الأستاذ أحمد أمين فقد وجه إلى كعب الأحبار تهمتين:\n_________\n(^١) الحديث والمحدثون ص ١٩١، ١٩٢.","vol":"1","page":149},{"text":"الأولى: أنه دس هو وأمثاله في علوم للمسلمين كثيرا من الأخبار الباطلة التي كان لها في نفوس المسلمين أثر غير صالح.\nوالثانية: أنه كان شريكا في المؤامرة التي قتل فيها عمر بن الخطاب ﵁، وفي ذلك يقول أحد أمين: (وقد لاحظ بعض الباحثين أن بعض الثقات كابن قتيبة والنووي لا يروي عنه - يعني كعبا - أبدا، وابن جرير الطبري يروي عنه قليلا، ولكن غيرهم كالثعلبي والنسائي ينقل عنه كثيرا.\nفي قصص الأنبياء، كقصة يوسف والوليد بن الريان وأشباه ذلك، ويروي ابن جرير أنه جاء إلى عمر بن الخطاب قبل مقتله بثلاثة أيام، وقال له: اعهد فإنك ميت في ثلاثة أيام، قال: وما يدريك؟ قال أجده في كتاب الله ﷿ في التوراة، قال عمر: إنك لتجد عمر بن الخطاب في التوراة، قال: اللهم لا … ولكن أجد صفتك وحليتك، وأنه قد فني أجلك، وهذه القصة إن صحت دلت على وقوف كعب على مكيدة قتل عمر، ثم وضعها هو في هذه الصبغة الإسرائيلية، كما تدلنا على مقدار اختلافه فيما ينقل، وعلى الجملة فقد دخل على المسلمين من هؤلاء وأمثالهم في عقيدتهم وعلمهم كثير كان له فيهم أثر غير صالح (^١).\nوقد قام أستاذنا الدكتور الذهبي بالرد على ما قاله أحمد أمين، فقال: «ولسنا نقر الأستاذ أحمد أمين ﵀ على كلامه هذا، فكون بعض الثقات كابن قتيبة والنووي لم يرووا من كعب لا يدل على وهن فيه، فقد روى عنه من هو خير من ابن قتيبة والنووي في باب الحديث رواية ودراية كالإمام مسلم وغيره ممن ذكرنا، والقصة التي رواها ابن جرير في تاريخه عن مقتل عمر ﵁ لا أظنها صحيحة، لأنها لو صحت لكان\n_________\n(^١) فجر الإسلام ص ١٩٨.","vol":"1","page":150},{"text":"معنى ذلك أن كعبا - وهو شريك في الجريمة كما يزعم - يكشف عن نفسه بنفسه، وذلك على غير المألوف من عادة المجرمين من المبالغة في كتمان ما يدبرون، وعدم إثارة الشكوك حولهم، ورواية ابن جرير للقصة لا تدل على صحتها، لأن ابن جرير - كما هو معروف عنه - لم يلتزم الصحة في كل ما يرويه، والذي ينظر في تفسيره يجد فيه مما لا يصح شيئا كثيرا، كما أن ما يرويه في تاريخه لا يعدو أن يكون من قبيل الأخبار التي تحتمل الصدق والكذب، ولم يقل أحد بأن كل ما يروى في كتب التاريخ ثابت صحيح. ثم إن ما يعرف عن كتب الأحبار من دينه وخلقه وأمانته، وتوثيق أكثر أصحاب الصحاح له يجعلنا نحكم بأن هذه القصة موضوعة عليه، ونحن ننزه كعبا عن أن يكون شريكا في قتل عمر، أو يعلم من يدبر أمر قتله ثم لا يكشف لعمر عنه، كما ننزهه أن يكون كذابا وضاعا، يحتال على تأكيد ما يخبر به من مقتل عمر بنسبته إلى التوراة، وصوغه في قالب إسرائيلي ثم قال - وإذا كانت هذه الإسرائيليات المروية عن كعب وغيره قد أثرت في عقيدة المسلمين وعلمهم أثرا غير صالح فليس ذنب هذا راجعا إلى كعب وأضرابه، لأنهم رووه على أنه مما في كتبهم، ولم يشرحوا به القرآن، اللهم إلا ما يتفق من هذا مع القرآن ويشهد له، ثم جاء من بعدهم فحاولوا أن يشرحوا القرآن بهذه الإسرائيليات، فربطوا بينها وبينه على ما بينهما من بعد شاسع، بل وزادوا على ذلك ما نسجوه من قصص خرافية نسبوها لهؤلاء الأعلام، ترويجا لها، وتمويها على العامة، فالذنب إذن ذنب المتأخرين الذين ربطوا هذه الإسرائيليات بالقرآن، وشرحوه على ضوئها، واخترعوا من الأساطير ما نسبوه زورا وبهتانا إلى هؤلاء الأعلام وهم منه براء» (^١).\n_________\n(^١) الإسرائيليات في التفسير والحديث ص ١٣١ - ١٣٣.","vol":"1","page":151},{"text":"وأما محمود أبو رية - وهو الذي أكاد أجزم بأنه عميل في كتاباته للمبشرين والمستشرقين أعداء الإسلام - فقد اتهم الرجلين بالنفاق في الدين، وأنهما دخلا الإسلام متستترين لكي يكيدا للإسلام والمسلمين، واتهم كذلك كعب الأحبار بأن له يدا في قتل عمر بن الخطاب ﵁، قال محمود أبو رية: «ولما كان أشد الناس عدواة للذين آمنوا اليهود، لأنهم بزعمهم شعب الله المختار، فلا يعترفون لأحد غيرهم بفضل، ولا يقرون لنبي بعد موسى برسالة فإن رهبانهم وأحبارهم لم يجدوا بدا - وبخاصة بعد أن غلبوا على أمرهم، وأخرجوا من ديارهم - من أن يستعينوا بالمكر، ويتوسلوا بالدعاء، لكي يصلوا إلى ما يبتغون، فهداهم المسكر اليهودي إلى أن يتظاهروا بالإسلام، ويطووا نفوسهم على دينهم، حتى يخفى كيدهم، ويجوز على المسلمين مكرهم، وقد كان أقوى هؤلاء الكهان دهاء، وأشدهم مكرا، كتب الأحبار ووهب بن منبه وعبد الله بن سبأ (^١)، ولما وجدوا أن حيلهم قد راجت بما أظهروه من كاذب الورع والتقوى، وأن المسلمين قد سكنوا إليهم، واغتروا بهم، جعلوا أول همهم أن يضربوا المسلمين في صميم دينهم، وذلك بأن يدسوا إلى أصوله التي قام عليها ما يريدون من أساطير وخرافات، وأوهام وترهات، لكي تهي هذه الأصول وتضعف» (^٢) إلخ، ثم قال أيضا «ولم يكن قتل عمر على يد أبي لؤلؤة إلا نتيجة لتلك المؤامرة التي دبرها له\n_________\n(^١) هكذا سلكها في سلك عبد الله بن سبأ اليهودي، ولقد قال - في وقاحة وتبجح -: كان الأستاذ سعيد الأفغاني قد نشر بمجلة الرسالة مقالة ذكر فيها أن الصهيوني الأول عبد الله بن سبا، فرددنا عليه بمقال مفصل أثبتنا فيه أن الصهيوني الأول هو كعب الأحبار، ونشر هذا الرد في مجلة الرسالة أيضا - انظر أضواء على السنة المحمدية ص ١١١ بالهامش.\n(^٢) أضواء على السنة المحمدية ص ١٠٨، ١٠٩.","vol":"1","page":152},{"text":"الهرمزان، لما كان يكنه من الحقد والموجدة للعرب، بعد أن ثلوا عرش الفرس، ومزقوا دولتهم، وممن اشترك فيها وكان له أثر كبير في تدبيرها كعب الأحبار، وهذا أمر لا يمترى فيه أحد إلا الجهلاء» (^١).\nوقد فند هذه الأباطيل التي أطلقها هذا العميل كثير من الأساتذة الأجلاء في العالم الإسلامي، وعلى رأسهم فضيلة أستاذنا الدكتور محمد السماحي حيث يقول - بصدد الدفاع عن إسلام كعب ووهب -: «ونحن إذا رجعنا لروايات كعب وأمثاله مما رواه الرواة عنه نجد أكثر مما وضعه عليه القصاصون والأخباريون، والباقي إما أن يكون متفقا مع القرآن، فالحجة فيه القرآن، وإما أن يكون مخالفا فيكون من المحرف أو الموضوع في علم أهل الكتاب، وإما أن يكون غير ذلك فلا نصدقه ولا نكذبه، وبذلك تعلم أن مرويات كعب ووهب وغيرهما لم تؤثر على الإسلام، في قليل ولا كثير، اللهم إلا عند الجهلة والذين يريدون الكيد للإسلام، من المستشرقين والملاحدة، وهذا لا يوجب طعنا في كعب ولا في أمثالهما ممن وأنهما النقاد من علماء الحديث، الخبيرين بصحيحه وغير صحيحه، والعدول والمجروحين، وعلى هذا فينبغي لمن أراد أن ينقح مرويات كعب وأمثاله أن يرجع لرجال الإسناد، ويعلم حالهم وحال ما رووه، وينزله على القاعدة التي ذكرنا، ثم يحكم بعد ذلك على ما رووه إن كان مقبولا أو غير مقبول، أما اتهامهما بأنهما من اليهود الذين دخلوا في الإسلام خداها، وطووا قلوبهم على يهوديتهم، من أجل روايات وضعها عليهم الوضاعون فلا يقبل في النظر العلمي، بعد ما وثقهما الموثقون العدول، وروى عنهما الأئمة من الصحابة والتابعين» (^٢).\n_________\n(^١) المصدر السابق ص ١١٧، ١١٨.\n(^٢) أبو هريرة في الميزان ص ٨٥.","vol":"1","page":153},{"text":"وحتى الدكتور طه حسين الذي كان ينظر بعين العطف والرضا إلى كتاب (محمود أبو رية) بوجه عام لم يعجبه اتهام أبي رية الكعب بالاشتراك في قتل عمر، فقال: «والمؤلف يؤكد أن عمر إنما قتل نتيجة مؤامرة دبرها الهرمزان وشارك فيها كعب، ويؤكد أن هذه المؤامرة ثابتة لا يشك فيها إلا الجهلاء، وأريد أن أؤكد أنا للمؤلف أني أنا أحد هؤلاء الجهلاء، لأني أشك في هذه المؤامرة أشد الشك وأقواه، ولا أراها إلا وهما، فقد قتل ذلك العبد المشئوم نفسه قبل أن يسأل، وتعجل عبيد الله بن عمر فقتل الهرمزان دون أن يسأل، وعاش كعب الأحبار هذا سبعة أعوام أو ثمانية دون أن يسأله أحد، أو يتهمه أحد بالاشتراك في هذه المؤامرة، وكان كثيرا ما يدخل على عثمان، ثم ترك المدينة وذهب إلى حمص، فأقام فيها حتى مات سنة اثنتين وثلاثين للهجرة، فمن أين استطاع المؤلف أن يؤكد وقوع هذه المؤامرة أولا، ومشاركة كعب فيها ثانيا، مع أن المسلمين قد غضبوا حين تعجل عبيد الله ابن عمر حين قتل الهرمزان جهلا عليه، ولم يقدمه إلى الخليفة، ولم يقم عليه البينة لأنه شارك من قريب أو من بعيد في قتل أبيه، وقد ألح جماعة من المسلمين من أصحاب النبي ﷺ على عثمان أن يقيم الحد على عبيد الله لأنه قتل مسلما دون أن يقاضيه إلى الإمام، ودون أن يثبت عليه قتل عمر بالبينة، فعفا عنه عثمان مخافة أن يقول الناس: (قتل عمر أمس، ويقتل ابنه اليوم) وعد الثائرون على عثمان هذا العفو إحدى أغلاطه، وكان (علي) حين تولى الخلافة مزمعا معاقبة عبد الله على فعلته تلك، ولكنه هرب من علي ولجأ إلى معاوية فعاش في ظله، وقتل في موقعة صفين، ولم يسأل عثمان كمبا عن شيء، ولم يتهمه أحد بشيء، وقد ذهب من المدينة إلى الشام، ومعاوية أمير عليها، فعاش فيها حتى مات، فلم يسأله معاوية عن شيء، فمن أين يأتي هذا التأكيد الذي ألح فيه المؤلف حتى لعن كعبا، ولم يكن له ذلك، فالمعروف من أمر كعب","vol":"1","page":154},{"text":"أنه أسلم، والمعروف كذلك أن لعن المسلمين غير جائز» (^١)\n\n<span data-type='title' id=toc-49>أقسام الإسرائيليات من حيث القبول والرد:</span>\nالإسرائيليات - من حيث القبول والرد، وجواز الرواية وعدم جوازها .. ثلاثة أقسام:\nالقسم الأول: ما نعلم صدقه، لأن في ديننا ما يصدقه ويوافقه، وهذا القسم مقبول، وتجوز روايته.\nوالقسم الثاني: ما نعلم كذبه، لأن في ديننا ما يكذبه ويخالفه، وهذا القسم مردود، ولا تصح روايته إلا مقرونا ببيان زيفه وبطلانه.\nوالقسم الثالث: ما لا نعلم صدقه ولا كذبه، لأنه ليس في ديننا ما يوافقه ولا ما يخالفه، وهذا القسم المسكوت عنه يجب أن نتوقف في قبوله، فلا نصدقه ولا نكذبه، بل نقول: آمنا بما أنزل إلينا وما أنزل من قبل، كما جاء في الحديث الشريف.\nونتساءل هنا: هل هذا القسم المسكوت عنه تجوز روايته أم لا؟.\nيرى بعض العلماء أن هذا القسم تجوز روايته استنادا إلى عموم الإباحة في قوله ﷺ: (حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج).\nومن هؤلاء العلماء شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ حيث يقول: الثالث: ما هو مسكوت عنه، لا من هذا القبيل، ولا من هذا القبيل، فلا نؤمن\n_________\n(^١) نشر الدكتور طه حسين هذا الكلام في مقال بجريدة الجمهورية الصادرة يوم ٢٥ نوفمبر سنة ١٩٥٨ م انظر أبو هريرة راوية الإسلام ص ٣٢٣.","vol":"1","page":155},{"text":"به، ولا نكذبه، وتجوز حكايته لما تقدم (^١)، وغالب ذلك مما لا فائدة فيه تعود إلى أمر ديني (^٢)، ومنهم أيضا الإمام برهان الدين البقاعي حيث يقول: «هذا فيما يصدقه كتابنا، وأما ما لا يصدقه ولا يكذبه فقد روى البخاري عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن النبي ﷺ قال: «حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج» ورواه مسلم والترمذي والنسائي عن أبي سعيد ﵁، وهو معنى ما في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: «كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله عليه وسلم: لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم، الآية، فإن دلالة هذا على سنية ذكر مثل ذلك أقرب من الدلالة على غيرها» (^٣)، وقد أكد البقاعي رأيه هذا في كتابه: «الأقوال القويمة في حكم النقل من المكتب القديمة»» (^٤).\nوقد مشى على سنن هؤلاء العلماء فضيلة أستاذنا الجليل الدكتور محمد حسين الذهبي ﵀ فأجاز رواية هذا القسم المسكوت عنه فقال: «وأما ما سكت عنه شرعنا، ولم يكن فيه ما يشهد لصدقه ولا لكذبه، وكان محتملا فحكمه أن نتوقف في قبوله فلا نصدقه ولا نكذبه، وعلى هذا\n_________\n(^١) أي لما تقدم من قول الرسول ﷺ: «حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج» انظر مقدمة في أصول التفسير ص ٩٨.\n(^٢) مقدمة في أصول التفسير ص ١٠٠ بتحقيق الدكتور عدنان زرزور ط بيروت.\n(^٣) تفسير القاسمي ج ١ ص ٤٧.\n(^٤) الإسرائيليات في التفسير والحديث ص ٩٠.","vol":"1","page":156},{"text":"يحمل قول النبي ﷺ: (لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم)، أما روايته فجائزة على أنها مجرد حكاية لما عندهم، لأنها تدخل في عموم الإباحة المفهومة من قوله ﵊: (حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج) (^١) كما قال أيضا: «وما سكت عنه شرعنا توقفنا فيه فلا نحكم عليه بصدق ولا بكذب، ونجوز روايته لأن غالب ما يروى من ذلك راجع إلى القصص والأخبار، لا إلى العقائد والأحكام، وروايته ليست إلا مجرد حكاية له كما هو في كتبهم، أو كما يحدثون به بصرف النظر عن كونه حقا أو غير حق» (^٢).\nولكنني أرى أن هذا القسم المسكوت عنه - وهو الذي لا نعلم صدقه ولا كذبه - لا تجوز روايته، بل يجب أن نتوقف في روايته، كما توقفنا في قبوله، لأن روايته توهم قبوله والتصديق به، وما دمنا قد توقفنا في قبوله، فمن الأحوط أن نتوقف كذلك في روايته، وإذن فالمقياس في القبول والرواية واحد، وهو ما ورد من نصوص في القرآن أو السنة، فما كان من الإسرائيليات موافقا لذلك قبلنا، وأجزنا روايته، وما كان منها مخالفا لذلك رددناه أخذا، وأبطلناه رواية، وما كان مسكوتا عنه في ديننا، بحيث لا يكون في نصوص القرآن أو السنة ما يوافقه ولا ما يخالفه توقفنا في قبوله عملا بالحديث الشريف، وأرى كذلك أن نتوقف في روايته، قياسا على توقفنا في قبوله، وسدا للذريعة، وعلى ذلك فإن الحديث الشريف وهو قول الرسول ﷺ: (حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج)، محمول على ما نعلم صدقه فقط كما سبق أن وضحنا.\n_________\n(^١) المصدر السابق ص ٨٠.\n(^٢) المصدر السابق ص ٨٦، ٨٧.","vol":"1","page":157},{"text":"ويعجبني في هذا المقام ما ذكره أستاذنا الدكتور محمد أبو زهو - في شرح هذا الحديث - فقد قال: «ويرى بعضهم أن معنى حديث عبد الله بن عمرو: حدثوا عن بني إسرائيل بما لم يثبت لديكم كذبه في المواعظ والقصص، لا في العقائد والأحكام، وحمل الحديث على هذا المعنى غير مرضي عندنا، وذلك لأن ما لم يثبت كذبه نوعان: أحدهما - ما ثبت صدقه، وهذا تجوز حكايته باتفاق، ولا ينبغي أن يخص بالمواعظ والقصص، وثانيهما - ما لم يثبت صدقه ولا كذبه، ولا فائدة تعود على المسلمين من التحديث بهذا النوع بعد قوله ﷺ فيه: «لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم»، الحديث، وشرعنا - والحمد لله - مكتف بنفسه، وليس بحاجة إلى مثل هذا، ففيه من العقائد والأحكام، والأخلاق والآداب، والمواعظ والأمثال ما فيه كفاية وذكرى لكل من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد» (^١).\nوفي ختام هذا المبحث يجدر بنا أن نذكر ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية والإمام البقاعي في هذا المجال، فإنهما قد وضعا لنا القواعد السليمة والضوابط الدقيقة بالنسبة الإسرائيليات.\nأما ابن تيمية - وهو فيما أعلم أول فارس في هذا الميدان - فقد قال: «ولكن هذه الأحاديث الإسرائيلية تذكر للاستشهاد لا للاعتقاد، فإنها على ثلاثة أقسام، أحدهما: ما علمنا صحته مما بأيدينا مما يشهد له بالصدق فذلك صحيح، والثاني: ما علمنا كذبه بما عندنا مما يخالفه، والثالث: ما هو مسكوت عنه، لا من هذا القبيل ولا من هذا القبيل، فلا تؤمن به، ولا نكذبه، وتجوز حكايته لما تقدم، وغالب ذلك مما لا فائدة فيه تعود\n_________\n(^١) الحديث والمحدثون ص ١٩٠، ١٩١.","vol":"1","page":158},{"text":"إلى أمر ديني، ولهذا يختلف علماء أهل الكتاب في مثل هذا كثيرا ويأتي من المفسرين خلاف لسبب ذلك، كما يذكرون في مثل هذا كثيرا ويأتي عن المفسرين خلاف لسبب ذلك، كما يذكرون في مثل هذا أسماء أصحاب الكهف، ولون كلبهم وعدتهم، وعصا موسى من أي الشجر كانت، وأسماء الطيور التي أحياها الله تعالى لإبراهيم، وتعيين البعض الذي ضرب به القتيل من البقرة، ونوع الشجرة التي كلم الله منها موسى، إلى غير ذلك مما أبهمه الله تعالى في القرآن، مما لا فائدة من تعيينه تعود على المكلفين في دنياهم ولا دينهم، ولكن نقل الخلاف عنهم في ذلك جائز، كما قال تعالى: ﴿سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجما بالغيب ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم قل ربي أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا ولا تستفت فيهم منهم أحدا (٢٢)﴾ (^١)»، فقد اشتملت هذه الآية الكريمة على الأدب في هذا المقام، وتعليم ما ينبغي في مثل هذا، فإنه تعالى أخبر عنهم بثلاثة أقوال، ضعف القولين الأولين، وسكت عن الثالث فدل على صحته، إذ لو كان باطلا لرده كما ردهما، ثم أرشد إلى أن الاطلاع على عدتهم لا طائل تحته، فيقال في مثل هذا: «قل ربي أعلم بعدتهم»، فإنه ما يعلم بذلك إلا قليل من الناس ممن أطلعه الله تعالى عليه، فلهذا قال: «فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا»، أي لا تجهد نفسك فيما لا طائل تحته، ولا تسألهم من ذلك، فإنهم لا يعلمون من ذلك إلا رجم الغيب، فهذا أحسن ما يكون في حكاية الخلاف: أن تستوعب الأقوال في ذلك المقام، وأن ينبه على الصحيح منها ويبطل الباطل، ونذكر فائدة الخلاف وثمرته لئلا يطول النزاع والخلاف فيما لا فائدة تحته، فيشتغل به عن الأهم، فأما من حكي خلافا في مسألة،\n_________\n(^١) سورة الكهف: ٢٢","vol":"1","page":159},{"text":"ولم يستوعب أقوال الناس فيها فهو ناقص، إذ قد يكون الصواب في الذي تركه، أو يحكي الخلاف ويطلقه ولا ينبه على الصحيح من الأقوال فهو ناقص أيضا، فإن صحح غير الصحيح عامدا فقد تعمد الكذب، أو جاهلا فقد أخطأ، كذلك من نصب الخلاف فيما لا فائدة تحته، أو حكى أقوالا متعددة لفظا، ويرجع حاصلها إلى قول أو قولين معنى؛ فقد ضيع الزمان، وتكثر بما ليس بصحيح، فهو كلابس ثوبي زور، والله الموفق للصواب (^١).\nأما الإمام البقاعي فقد صنف الإسرائيليات تصنيفا يتفق - إلى حد كبير - مع التصنيف الذي ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية، فقال البقاعي: «حكم النقل عن بني إسرائيل ولو كان فيما لا يصدقه كتابنا ولا يكذبه الجواز، وإن لم يثبت ذلك المنقول، وكذا ما نقل عن غيرهم من أهل الأديان الباطلة لأن المقصود الاستئناس لا الاعتماد، بخلاف ما يستدل به في شرعنا، فإنه العمدة في الاحتجاج الدين، فلا بد من ثبوته، فالذي عنده من الأدلة ثلاثة أقسام: موضوعات وضعاف وغير ذلك، فالذي ليس بموضوع ولا ضعيف مطلق ضعف يورد الحجة، والضعيف المتماسك للترغيب، والموضوع يذكر لبيان التحذير منه بأنه كذب، فإذا وازنت ما ينقله أئمتنا من أهل ديننا للاستدلال لشرعنا - بما ينقله الأئمة عن أهل الكتاب سقط من هذه الأقسام الثلاثة في النقل عنهم ما هو للحجة، فإنه لا ينقل عنهم ما يثبت به حكم من أحكامنا، ويبقى ما يصدقه كتابنا فيجوز نقله وإن لم يكن في حيز ما يثبت في حكم الموعظة لنا، وأما ما كذبه كتابنا فهو\n_________\n(^١) مقدمة في أصول التفسير ص ١٠٠ - ١٠٢ وقد نقل هذا الكلام. تلميذ ابن تيمية الحافظ ابن كثير في تفسيره ج ١ ص ١٤.","vol":"1","page":160},{"text":"كالموضوع لا يجوز نقله إلا مقرونا ببيان بطلانه» (^١).\nبقيت كلمة أخيرة بالنسبة للإسرائيليات والكتب القديمة بوجه عام، وهي أنه يجوز - لمن له قدم راسخة في العلم - الاطلاع عليها، والاستشهاد بها، والنقل منها، في مقام الرد على أصحابها وإلزامهم، وإقامة الحجة عليهم، ومجادلتهم بالتي هي أحسن، والدليل على ذلك قول الله تعالى: ﴿قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين﴾ (^٢) فإن الإتيان بالتوراة وتلاوتها يفيدان جواز معرفة ما فيها والاطلاع عليها في مقام المحاجة لهم، ويدلنا على ذلك أيضا ما ثبت عن الرسول ﷺ من أنه طلب إلى اليهود أن يحتكموا في قضايا معينة إلى التوراة التي بأيديهم فرفضوا، فإن طلب الرسول ﷺ ذلك من اليهود دليل لنا على جواز معرفة ما في كتبهم والإطلاع عليها في مقام إلزامهم وإقامة الحجة عليهم، قال تعالى: ﴿ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون (٢٣)﴾ (^٣).\nوإنما قلنا: إن ذلك جائز لمن له قدم راسخة في العلم دون غيره لأن من تمكن في علوم الدين، وقويت معرفته بها يستطيع - بسهولة - أن يميز بين الحق والباطل، والصواب والخطأ، والغث والسمين، بخلاف غيره فقد يلتبس عنده الحق بالباطل، ويختلط أمامه الحابل بالنابل، فيقع في ضلال مبين، قال الحافظ ابن حجر: «والأولى في هذه المسألة التفرقة بين من لم يتمكن ويصير من الراسخين في الإيمان فلا يجوز له النظر في شيء من ذلك، بخلاف\n_________\n(^١) انظر الإسرائيليات في التفسير والحديث ص ٩٠، ٩١.\n(^٢) سورة آل عمران: ٩٣.\n(^٣) سورة آل عمران: ٢٣.","vol":"1","page":161},{"text":"الراسخ فيجوز له، ولاسيما عند الاحتياج إلى الرد على المخالف، ويدل على ذلك نقل الأمة قديما وحديثا من التوراة، وإلزامهم اليهود بالتصديق بمحمد ﷺ، بما يستخرجونه من كتابهم، ولولا اعتقادهم جواز النظر فيه لما فعلوه وتواردوا عليه» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-50>موقف المفسرين من الإسرائيليات:</span>\nلنا في البداية هنا ملاحظتان عامتان، أولاهما: أن المفسرين - بوجه عام - قد تساهلوا في إيراد الإسرائيليات في كتبهم، ومعظمها أباطيل وخرافات، إلا أن مقدار هذا التساهل يختلف من مفسر لآخر، والملاحظة الثانية: أن أولئك المفسرين الذين وضعوا لأنفسهم في مقدمة تفاسيرهم منهجا دقيقا بالنسبة الإسرائيليات لم يلتزموا هذا المنهج في أثناء التفسير، مثل الإمام القرطبي المتوفى سنة ٦٧١ هـ، فعلى الرغم من أنه يقول في مقدمة تفسيره: «وأضرب عن كثير من قصص المفسرين، وأخبار المؤرخين إلا ما لابد منه ولا غنى عنه للتبيين» (^٢) نجده يتوسع كثيرا في إيراد الإسرائيليات، ويأتي لنا في خلال تفسيره بالأباطيل والخرافات.\nبعد ذلك أستطيع أن نقول: إن المفسرين - بالنسبة للإسرائيليات - فريقان، فريق أكثر من رواية هذه الإسرائيليات، وفريق قلل من روايتها، فمن المفسرين الذين أسرفوا في روايتها، وتوسعوا في ذكرها: الإمام محمد ابن جرير الطبري المتوفى سنة ٣١٠ هـ في كتاب: (جامع البيان في تفسير القرآن)، والإمام أحمد بن إبراهيم الثعلبي النيسابوري المتوفى سنة ٤٢٧ هـ في تفسيره المسمى: (الكشف والبيان عن تفسير القرآن)، أما المفسرون\n_________\n(^١) فتح الباري ج ١٣ ص ٤٣٨.\n(^٢) تفسير القرطبي ج ١ ص ٣.","vol":"1","page":162},{"text":"الذين قللوا من رواية الإسرائيليات إلى حد كبير، واحتاطوا كثيرا في إيرادها والأخذ بها فعلى رأسهم الإمام عبد الحق بن عطية المتوفى سنة ٥٤١ هـ في تفسيره الذي اشتهر باسم: (المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز) (^١)، والحافظ إسماعيل بن كثير المتوفى سنة ٧٧٤ هـ في تفسيره المسمى: (تفسير القرآن العظيم).\nكذلك نستطيع أن نقول: إن المفسرين يختلفون - بالنسبة للإسرائيليات - ما بين ناقل وناقد، فمن الذين شحنوا كتبهم بالإسرائيليات من غير تمحيص ولا نقد يذكر الإمام الحسين بن مسعود البغوي المتوفى سنة ٥١٦ هـ صاحب كتاب (معالم التنزيل) والإمام علي بن محمد البغدادي المعروف بالخازن المتوفى سنة ٧٤١ هـ صاحب كتاب (لباب التأويل في معاني التنزيل)، أما المفسرون الذين كان لهم جهود موفقة في نقد هذه الإسرائيليات وتمحيصها فعلى رأسهم الإمام عبد الحق بن عطية والحافظ ابن كثير، والعلامة جار الله الزمخشري المتوفى سنة ٥٣٨ وإن كان قد تسرب إلى تفاسيرهم جميعا بعض الإسرائيليات من غير أن يعقبوا عليها بشيء، وسبحان من له الكمال وحده.\n\n<span data-type='title' id=toc-51>وإليك أمثلة من الإسرائيليات نقلتها من كتب التفسير المختلفة:</span>\n<span data-type='title' id=toc-52>المثال الأول: ذكر البغوي في تفسير قوله تعالى: ﴿ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب﴾</span> (^٢) قصة أسطورية طويلة، تتنافى مع عقائد الدين، وتطعن عصمة الأنبياء والمرسلين، فقال: «ولقد فتنا سليمان:\n_________\n(^١) هذا التفسير كان موضوع رسالتي: (منهج ابن عطية في تفسير القرآن الكريم) التي نلت بها درجة الدكتوراه في التفسير سنة ١٩٧١ م، وهو تفسير لا يزال معظمه مخطوطا، ونسأل الله أن يهيئ للمسلمين أمر تحقيقه وإخراجه.\n(^٢) سورة ص: ٣٤","vol":"1","page":163},{"text":"اختبرناه وابتليناه بسبب ملكه، وكان سبب ذلك ما ذكره محمد بن إسحاق عن وهب بن منبه - قال: سمع سليمان ﵇ بمدينة في جزيرة من جزائر البحر، يقال لها: (صيدون) بها ملك عظيم الشأن، ولم يكن للناس عليه سبيل لمكانه في البحر، وكان الله قد أتى سليمان في ملكه سلطانا لا يمتنع عليه شيء في بر ولا بحر، إنما يركب إليه الريح، فخرج إلى تلك المدينة، تحمله الريح على ظهر الماء، حتى نزل بها بجنوده من الجن والإنس، فقتل ملكها وسبى ما فيها وأصاب فيما أصاب بنتا لذلك الملك، يقال لها جرادة لم ير مثلها حسنا وجمالا، فاصطفاها لنفسه، ودعاها إلى الإسلام فأسلمت على جفاء منها وقلة فقه، وأحبها حبا لم يحبه شيء من نسائه، وكانت على منزلتها عنده لا يذهب حزنها ولا يرقأ دمعها، فشق ذلك على سليمان فقال لها: ويحك ما هذا الحزن الذي لا يذهب، والدمع الذي لا يرقأ؟ قالت: إن أبي أذكره وأذكر ملكه وما كان فيه وما أصابه فيحزنني ذلك. قال سليمان: فقد أبدلك الله به ملكا هو أعظم من ملكه وسلطانا هو أعظم من سلطانه، وهداك للإسلام وهو خير من ذلك كله، قالت: إن ذلك كذلك ولكني إذا ذكرته أصابني ما ترى من الحزن، فلو أنك أمرت الشياطين فصوروا لي صورته في داري التي أنا فيها أراها بكرة وعشيا لرجوت أن يذهب ذلك حزني، وأن يسليني عن بعض ما أجد في نفسي. فأمر سليمان الشياطين، فقال: مثلوا لها صورة أبيها في دارها حتى لا تنكر منه شيئا فمثلوه لها حتى نظرت إلى أبيها بعينه إلا أنه لا روح فيه، فعمدت إليه حين صنعوه فأزرته وقمصته وعممته وردته بمثل ثيابه التي كان يلبس، ثم كانت إذا خرج سليمان من دارها تغدو عليه في ولائدها حتى تسجد له ويسجدن له كما كانت تصنع به في ملكه، وتروح كل عشية بمثل ذلك وكان سليمان لا يعلم بشيء من ذلك أربعين صباحا، وبلغ","vol":"1","page":164},{"text":"ذلك آصف بن برخيا، وكان صديقا وكان لا يرد عن أبواب سليمان أي ساعة أراد دخول شيء من بيوته حاضرا كان سليمان أو غائبا، فأتاه فقال: يا نبي الله كبر سني ورق عظمي ونفد عمري وقد حان مني الذهاب فقد أحببت أن أقوم مقاما قبل الموت أذكر فيه من مضى من أنبياء الله وأثني عليهم بعلمي فيهم، وأعلم الناس بعض ما كانوا يجهلون من كثير من أمورهم، فقال: افعل، فجمع له سليمان الناس فقام فيهم خطيبا فذكر من مضى من أنبياء الله تعالى، فأثنى على كل نبي ما فيه فذكر ما فضله الله حتى انتهى إلى سليمان، فقال: ما أحكمك في صغرك وأورعك في صغرك وأفضلك في صغرك وأحكم أمرك في صغرك وأبعدك من كل ما تكره في صغرك، ثم انصرف، فوجد سليمان ﵇ في نفسه من ذلك حتى مُلئ غضبًا، فلما دخل سليمان داره أرسل إليه. فقال: يا آصف ذكرت من مضى من أنبياء الله، فأثنيت عليهم خيرا في كل زمانهم وعلى كل حال من أمرهم، فلما ذكرتني جعلت تثني علي بخير في صغري، وسكت عما سوى ذلك من أمري في كبري؟ فما الذي أحدثت في آخر أمري؟ فقال: إن غير الله ليعبد في دارك منذ أربعين صباحا في هوى امرأة، فقال: في داري؟ فقال: في دارك، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، لقد عرفت أنك ما قلت الذي قلت ذلك إلا عن شيء بلغك، ثم رجع سليمان إلى داره وكسر ذلك الصنم، وعاقب تلك المرأة وولائدها. ثم أمر بثياب الظهيرة فأتي بها وهي ثياب لا تغزلها إلا الأبكار ولا تنسجها إلا الأبكار ولا تغسلها إلا الأبكار لم تمسسها امرأة قد رأت الدم، فلبسها ثم خرج إلى فلاة من الأرض وحده فأمر برماد ففرش له ثم أقبل تائبا إلى الله ﷿، حتى جلس على ذلك الرماد وتمعك فيه بثيابه تذللا لله تعالى،","vol":"1","page":165},{"text":"وتضرعا إليه يبكي ويدعو، ويستغفر مما كان في داره.\nفلم يزل كذلك يومه حتى أمسى، ثم رجع إلى داره، وكانت له أم ولد يقال لها الأمينة، وكان إذا دخل مذهبه (^١) أو أراد إصابة امرأة من نسائه وضع خاتمه عندها حتى يتطهر، وكان لا يمس خاتمه إلا وهو طاهر، وكان ملكه في خاتمه فوضعه يوما عندها، ثم دخل مذهبه فأتاها الشيطان صاحب البحر واسمه (صخر) على صورة سليمان لا تنكر منه شيئا، فقال: خاتمي، أمينة فناولته إياه، فجعله في يده ثم خرج حتى جلس على سرير سليمان، وعكفت عليه الطير والجن والإنس، وخرج سليمان فأتى الأمينة وقد غيرت حاله وهيئته عند كل من رآه. فقال: يا أمينة خاتمي، قالت: من أنت؟ قال: أنا سليمان بن داود، قالت: كذبت فقد جاء سليمان فأخذ خاتمه وهو جالس على سرير ملكه، فعرف سليمان أن خطيئته قد أدركته، فخرج فجعل يقف على الدار من دور بني إسرائيل فيقول أنا سليمان بن داود فيحثون عليه التراب ويسبونه، ويقولون: انظروا إلى هذا المجنون أي شيء يقول يزعم أنه سليمان.\nفلما رأى سليمان ذلك عمد إلى البحر، فكان ينقل الحيتان لأصحاب البحر إلى السوق فيعطونه كل يوم سمكتين فإذا أمسى باع إحدى سمكتيه بأرغفة وشوى الأخرى فأكلها، فمكث بذلك أربعين صباحا عدة ما كان عبد الوثن في داره.\nفأنكر آصف وعظماء بني إسرائيل حكم عدو الله الشيطان في تلك الأربعين، فقال آصف: يا معشر بني إسرائيل هل رأيتم من اختلاف حكم ابن داود ما رأيت؟ قالوا: نعم، قال:\n_________\n(^١) لعل المراد بالمذهب هنا مكان قضاء الحاجة.","vol":"1","page":166},{"text":"أمهلوني حتى أدخل على نسائه فأسألهن فهل أنكرتن منه في خاصة أمره ما أنكرنا في عامة أمر الناس وعلانيته، فدخل على نسائه، فقال: ويحكن هل أنكرتن من أمر ابن داود ما أنكرنا؟ فقلن أشده ما يدع منا امرأة في دمها ولا يغتسل من الجنابة، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون إن هذا لهو البلاء المبين، ثم خرج على بني إسرائيل فقال: ما في الخاصة أعظم مما في العامة.\nفلما مضى أربعون صباحا طار الشيطان عن مجلسه، ثم مر بالبحر فقذف الخاتم فيه فبلعته سمكة فأخذها بعض الصيادين، وقد عمل له سليمان صدر يومه ذلك حتى إذا كان العشي أعطاه سمكتيه وأعطاه السمكة التي أخذت الخاتم، فخرج سليمان بسمكتيه، فباع التي ليس في بطنها الخاتم بالأرغفة، ثم عمد إلى السمكة الأخرى فبقرها ليشويها فاستقبله خاتمه في جوفها، فأخذه فجعله في يده ووقع ساجدا، وعكفت عليه الطير والجن وأقبل عليه الناس، وعرف الذي كان قد دخل عليه لما كان قد أحدث في داره، فرجع إلى ملكه وأظهر التوبة من ذنبه، وأمر الشياطين فقال: ائتوني بصخر فطلبته الشياطين حتى أخذته فأتي به وجاؤوا له بصخرة فنقرها فأدخله فيها ثم شد عليه بأخرى، ثم أوثقهما بالحديد والرصاص، ثم أمر به فقذف في البحر. هذا حديث وهب. (^١)\nولا يكتفي البغوي بهذا كله، بل بسوق روايات إسرائيلية أخرى أغرب من الخيال في تفسير هذه الآية، والأعجب من هذا أنه ذكر - فيما ساق من روايات - القصة الصحيحة التي هي أقرب إلى الصواب في تفسير معنى الآية، وهي ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «قال سليمان ابن داود: لأطوفن الليلة على تسعين امرأة، تحمل كل امرأة فارسا يجاهد في سبيل الله، فقال له صاحبه: إن شاء الله، فلم يقل: ولم تحمل شيئا إلا واحدا\n_________\n(^١) معالم التنزيل ج ٦ ص ٤٦ - ٤٨.","vol":"1","page":167},{"text":"ساقطا أحد شقيه، فقال النبي ﷺ: لو قاله لجاهدوا في سبيل الله» (^١).\nولكن البغوي لا يرجح هذا الحديث الصحيح في تفسير الآية، بل يرضى لنفسه أن يجري وراء الخرافات والأساطير، ويميل إلى تصديق رواية (صخر) فيقول: «وأشهر الأقاويل أن الجسد الذي ألقي على الكرسي هو صخر الجني، فذلك قوله ﷿: ﴿وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب﴾ أي رجع إلى ملكه بعد أربعين يوما» (^٢).\nوهذه الرواية الإسرائيلية التي مال إليها البغوي في تفسيره تحمل في طياتها أدلة البطلان والاختلاق، ولا يقرها عقل ولا دين، ومن ثم فندها الزمخشري في تفسيره ونقل عن العلماء أنها من أباطيل اليهود (^٣)، كما علق ابن كثير على رواية من هذا القبيل فقال: «إسناده إلى ابن عباس قوي، ولكن الظاهر أنه إنما تلقاه ابن عباس - إن صح - من أهل الكتاب، وفيهم طائفة لا يعتقدون نبوة سليمان ﵇، فالظاهر أنهم يكذبون عليه، ولهذا كان في هذا السياق منكرات من أشدها ذكر النساء فإن المشهور أن ذلك الجني لم يسلط على نساء سليمان (^٤)، بل عصم من الله منه، تشريفا وتكريما لنبيه ﷺ» (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري عن أبي هريرة في كتاب الأنبياء - باب قوله تعالى: «ووهبنا لداود سليمان» ج ٤ ص ١٩٧.\n(^٢) معالم التنزيل جـ ٦ ص ٤٩، ٥٠.\n(^٣) الكشاف ج ٤ ص ٧٣.\n(^٤) هذا على فرض صحة الرواية الإسرائيلية، وهي عندى باطلة جملة وتفصيلا.\n(^٥) تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ٦٠.","vol":"1","page":168},{"text":"<span data-type='title' id=toc-53>المثال الثاني: ذكر الزمخشري عند تفسير قوله تعالى: ﴿ألم تر كيف فعل ربك بعاد (٦) إرم ذات العماد (٧) التي لم يخلق مثلها في البلاد (٨)﴾</span> (^١) قصة خرافية من (إرم ذات العماد) فقال: (وروى كان لعاد ابنان: شداد وشديد فملكا وقهرا، ثم مات شديد وخلص الأمر لشداد، فملك الدنيا ودانت له ملوكها، فسمع بذكر الجنة فقال: أبنى مثلها، فبنى إرم في بعض صحارى عدن في ثلاثمائة سنة، وكان عمره تسعمائة سنة: وهي مدينة عظيمة قصورها من الذهب والفضة، وأساطينها من الزبرجد والياقوت. وفيها أصناف الأشجار والأنهار المطردة، ولما تم بناؤها سار إليها بأهل مملكته، فلما كان منها على مسيرة يوم وليلة بعث الله عليهم صيحة من السماء فهلكوا. وعن عبد الله بن قلابة: أنه خرج في طلب إبل له، فوقع عليها، فحمل ما قدر عليه مما ثم، وبلغ خبره معاوية فاستحضره، فقص عليه، فبعث إلى كعب (^٢) فسأله فقال: هي إرم ذات العماد، وسيدخلها رجل من المسلمين في زمانك أحمر أشقر قصير على حاجبه خال وعلى عقبه خال، يخرج في طلب إبل له، ثم التفت فأبصر ابن قلابة فقال: «هذا والله ذلك الرجل») (^٣).\nوقد طعن ابن خلدون في هذه القصة التي ذكرها الزمخشري في تفسيره وشكك في صحتها، فقال: «وهذه المدينة لم يسمع لها خبر من يومئذ في شيء من بقاع الأرض، وصحارى (عدن) التي زعموا أنها بنيت فيها هي في وسط اليمن، وما زال عمرانه متعاقبا، والأدلاء تقص طرقه من كل وجه، ولم ينقل عن هذه المدينة خبر، ولا ذكرها أحد من الإخباريين ولا من الأمم،\n_________\n(^١) سورة الفجر - آية ٦ - ٨.\n(^٢) يريد كعب الأحبار قطب الروايات الإسرائيلية.\n(^٣) الكشاف ج ٤ ص ٥٩٧.","vol":"1","page":169},{"text":"ولو قالوا: إنها درست فيها درس من الآثار السكان أشبه، إلا أن ظاهر كلامهم أنها موجودة، وبعضهم يقول: إنها (دمشق) بناء على أن قوم عاد ملكوها، وقد ينتهي الهذيان ببعضهم إلى أنها غائبة، وإنما يعثر عليها أهل الرياضة والسحر، مزاعم كلها أشبه بالخرافات».\nوالذي حمل المفسرين على ذلك ما اقتضته صناعة الإعراب في لفظة (ذات العماد) أنها صفة (إرم) وحملوا العماد على الأساطين، فتبين أن يكون بناء، ورشح لهم ذلك قراءة ابن الزبير: (عاد إرم) على الإضافة من غير تنوين، ثم وقفوا على تلك الحكايات التي هي أشبه بالأقاصيص الموضوعة، والتي هي أقرب إلى الكذب، المنقولة في عداد المضحكات، وإلا فالعماد هي عماد الأخبية بل الخيام، وإن أريد بها الأساطين فلا بدع في وصفهم بأنهم أهل بناء وأساطين على العموم، بما اشتهر من قوتهم، لا أنه بناء خاص في مدينة معينة أو غيرها، وإن أضيفت كما في قراءة (ابن الزبير) فعلى إضافة الفصيلة إلى القبيلة، كما تقول: قريش كنانة، وإلياس مضر، وربيعة نزار، وأي ضرورة إلى هذا المحمل البعيد الذي تمحل لتوجيهه بأمثال هذه الحكايات الواهية التي يتنزه كتاب الله عن مثلها لبعدها عن الصحة (^١)، وأيضا يعاتب ابن حجر على هذا الخبر قائلا: إن آثار الوضع عليه لائحة (^٢)، كما يقول ابن كثير - في هذا الصدد -: (فإن هذا كله من خرافات الإسرائيلين، من وضع بعض زنادقتهم، ليختبروا بذلك هقول الجهلة من الناس أن تصدقهم في جميع ذلك) (^٣).\nثم قال: (وقد ذكر ابن أبي حاتم قصة ﴿إرم ذات العماد﴾ ههنا مطولة جدا، فهذه الحكاية ليس يصح إسنادها، ولو صح إلى ذلك\n_________\n(^١) مقدمة ابن خلدون بتحقيق الدكتور على عبد الواحد وافي ج ١ ص ٢٢٨.\n(^٢) الكافي الشاف على هامش الكشاف ج ٤ ص ٥٩٧.\n(^٣) تفسير ابن كثير جـ ٨ ص ٤١٨.","vol":"1","page":170},{"text":"الأعرابي فقد يكون اختلاق ذلك، أو أنه أصابه نوع من الهوس والخبال، فاعتقد أن ذلك له حقيقة في الخارج وليس كذلك، وهذا مما يقطع بعدم صحته (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-54>المثال الثالث: أورد القرطبي - في تفسير قوله تعالى: ﴿وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب (٢١)﴾</span> الآيات (^٢) - قصة باطلة عن دواد ﵇، فقال: «وسبب ذلك ما حكاه ابن عباس أن داود ﵇ حدث نفسه - إن ابتلي - أن يعصم، فقيل له: إنك ستبتلى وتعلم اليوم الذي تبتلى فيه، فخذ حذرك، فأخذ الزبور ودخل المحراب، ومنع من الدول عليه، فبينا هو يقرأ الزبور إذ جاء طائر كأحسن ما يكون من الطير، فجعل يدرج بين يديه، فهم أن يتناوله بيده، فاستدرج حتى وقع في كوة المحراب، فدنا منه ليأخذه فطار، فاطلع ليبصره، فأشرف على امرأة تغتسل، فلما رأته غطت جسدها بشعرها، قال السدي: فوقعت في قلبه، قال ابن عباس: وكان زوجها غازيا في سبيل الله، وهو (أوريا بن حنا) فكتب داود إلى أمير الغزاة أن يجعل زوجها في حملة التابوت، وكان حملة التابوت إما أن يفتح الله عليهم أو يقتلوا، فقدمه فيهم فقتل، فلما انقضت عدتها خطبها داود، واشترطت عليه إن ولدت غلاما أن يكون الخليفة بعده، وكتبت عليه بذلك كتابا، وأشهدت عليه خمسين رجلا من بني إسرائيل، فلم تستقر نفسه حتى ولدت سليمان وشب، وتسور الملكان وكان من شأنها ما قص الله في كتابه» (^٣).\nوالحق أن هذه القصة التي ذكرها القرطبي في تفسيره عن دواد ﵇\n_________\n(^١) المصدر السابق.\n(^٢) سورة ص: ٢١ - ٢٥.\n(^٣) تفسير القرطبي ج ١٥ ص ١٦٦.","vol":"1","page":171},{"text":"قصة مختلفة ولا أساس لها من الصحة، لأنها تتنافى مع ما هو ثابت من عصمة الأنبياء ﵈، إذ هي تصور لنا داود ﵇ في صورة رجل قد تملكته الشهوة وسيطرت على حسه بحيث لا يهمه سوى إشباع نزواته، ويريد الشر للناس، ولا شك أن الأنبياء ﵈ معصومون من هذا كله، ولذلك قال ابن كثير - في تفسير هذه الآيات -: «قد ذكر المفسرون ههنا قصة أكثرها مأخوذ من الإسرائيليات، ولم يثبت فيها من المعصوم ﷺ حديث يجب اتباعه، ولكن روى ابن أبي حاتم هنا حديثا لا يصح سنده، لأنه من رواية (يزيد الرقاشي) عن أنس، ويزيد - وإن كان من الصالحين - لكنه ضعيف الحديث عند الأئمة، فالأولى أن يقتصر على مجرد تلاوة هذه القصة، وأن يرد علمها إلى الله ﷿، فإن القرآن حق، وما تضمن فهو حق أيضا» (^١).\nكما يقول أحد الفضلاء: «وقصة دواد مع امرأة أوريا منقولة عن اليهود الذين حرفوا الكلم عن مواضعه، وهي مفصلة في سفر صموئيل الثاني سفر ١٢. وتوجه في الكتاب المقدس ص ٢٨٦ وما وراءها، قال الحافظ عماد الدين ابن كثير في تفسيره: «قد ذكر المفسرون ههنا قصة أكثرها مأخوذ من الإسرائيليات، ولم يثبت فيها عن الرسول ﷺ حديث يجب اتباعه»، وخير ما يقال في آيات (ص) أنها تعبر عن حقيقة، لا تمثيل فيها ولا تجوز، ويكون موضع الملام أن داود ﵇ قد احتجز نفسه عن رعيته في الخلوة لعبادة ربه فترة من الوقت، حتى اضطر الخصوم لأن يتسوروا عليه المحراب، ليقضي بينهم، ويفصل في أمرهم، والحاكم ليس من حقه أن يمتنع من المتنازعين، أو يرجئ النظر في أمرهم، لأن ذلك يطيل ساعات النزاع،\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير ج ٢ ص ٥١.","vol":"1","page":172},{"text":"وقد استخلفه الله في أرضه ليفصل في المنارعات بالحق، ودون إبطاء، فإذا ساير هواه، وآثر الخلوة على القضاء بين الناس فقد تعرض لمحاسبة الله له» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-55>المثال الرابع: ذكر ابن كثير عند تفسير قوله تعالى: ﴿واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان </span>وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت﴾، الآية (^٢).\n- ذكر قصة باطلة عن هاروت وماروت، ثم علق عليها بأنها من أخبار بني إسرائيل، قال ابن كثير: (وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: أما شأن هاروت وماروت فإن الملائكة عجبت من ظلم بني آدم، وقد جاءتهم الرسل والكتب والبينات، فقال لهم ربهم تعالى: اختاروا منكم ملكين أنزلهما يحكمان في الأرض بين بني آدم، فاختاروا - فلم يألوا - هاروت وماروت، فقال لهما - حين أنزلهما -: أعجبتها من بني آدم من ظلمهم ومن معصيتهم، وإنما تأتيهم الرسل والكتب من وراء وراء، وأنها ليس بيني وبينكما رسول، فافعلا كذا وكذا، ودعا كذا وكذا، فأمرها بأمر ونهاهما بنهي، ثم نزلا على ذلك ليس أحد أطوع لله منهما، فحكما فعدلا، فكانا يحكمان النهار بين بني آدم، فإذا أمسيا عرجا فكانا مع الملائكة، وينزلان حين يصبحان، فيحكمان فيعدلان، حتى أنزلت عليهما الزهرة في أحسن صورة امرأة تخاصم، فقضيا عليها، فلما قامت وجد كل واحد منهما في نفسه، فقال أحدهما لصاحبه: وجدت مثل الذي وجدت؟ قال: نعم، فبعثا إليها أن النينا نقض لك،\n_________\n(^١) الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي لابن قيم الجوزيه بتحقيق الأستاذ الشيخ محمود عبد الوهاب فايد - انظر الهامش ص ٢٠٢.\n(^٢) سورة البقرة. ١٠٢.","vol":"1","page":173},{"text":"فلما رجعت قاما وقضيا لها فأتتهما فكشفا لها عن عورتيهما، وإنما كانت سوأتهما في أنفسهما ولم يكونا كبني آدم في شهوة النساء ولذاتها، فلما بلغا ذلك واستحلا افتتنا، فطارت الزهرة فرجعت حيث كانت، فلما أمسيا عرجا فزجرا فلم يؤذن لهما ولم تحملهما أجنحتهما، فاستغاثا برجل من بني آدم فأتياه فقالا: ادع لنا ربك، فقال: كيف يشفع أهل الأرض لأهل السماء؟ قالا: سمعنا ربك يذكرك بخير في السماء، فوعدهما يوما، وغدا يدعو لهما فدعا لهما فاستجيب له، فخيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فنظر أحدهما إلى صاحبه فقال: ألا تعلم أن أفواج عذاب الله في الآخرة كذا وكذا في الخلد وفي الدنيا تسع مرات مثلها؟ فأمرا أن ينزلا ببابل فتم عذابهما، وزعم أنهما معلقان في الحديد مطويان يصفقان بأجنحتهما. وقد روى في قصة هاروت وماروت عن جماعة من التابعين كمجاهد والسدي والحسن البصري وقتادة وأبي العالية والزهري والربيع بن أنس ومقاتل بن حيان وغيرهم، وقصها خلق من المفسرين من المتقدمين والمتأخرين، وحاصلها راجع في تفصيلها إلى أخبار بني إسرائيل إذ ليس فيها حديث مرفوع صحيح متصل الإسناد إلى الصادق المصدوق المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى، وظاهر سياق القرآن إجمال القصة من غير بسط ولا إطناب فنحن نؤمن بما ورد في القرآن على ما أراده الله تعالى، والله أعلم بحقيقة الحال) (^١).\nهذا - وقد أنكر تلك القصة أيضا كثير من العلماء، وقالوا إنها من أباطيل اليهود، فإن الملائكة عباد مكرمون، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون، يسبحون\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير ج ١ ص ٢٠٣.","vol":"1","page":174},{"text":"الليل والنهار لا يفترون، والأقرب في قصة هاروت وماروت أن يقال: إن أهل بابل كانوا قوما صابئين، يعبدون الكواكب، وكان قد انتشر بينهم السحر انتشارا عظيما، وكانت السحرة عندهم بالمحل الأجل، ولهم في نفوس العامة من الإجلال والتعظيم ما لهم، وكانوا يحتالون بحيل يموهون بها على العامة، فيعتقدون صحتها، فبعث الله إليهم ملكين، هما هاروت وماروت، يبينان للناس حقيقة ما يدعون، وبطلان ما يذكرون، ويكشفان لهم ما به يموهون، ويخبر انهم بهذه الحيل التي كانوا يخدعون بها العامة، وينهيانهم عن قبولها والعمل بها، ويقولان لهم: إنما نحن فتنة فلا تكفر، فهذان الملكان أنزلا لتعليم السحر، ابتلاء من الله تعالى، فمن تعلم وعمل به كفر، ومن تعلم وتوقى عمله ثبت على الإيمان، والله تعالى أن يمتحن عباده بما يشاء والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-56>هل يجوز تفسير القرآن بالإسرائيليات؟:</span>\nلا شك أن الإسرائيليات في كتب التفسير، وما تحمله من خرافات وأساطير أثرا خطيرا على قارئي هذا الكتب، فإنها تشوش أعظم تشويش على عقولهم وعقائدهم، كما تلقي ظلالا كثيفة حول هداية القرآن الكريم، فتحجب هذه الهداية أن يصل شعاعها إلى القلوب.\nوأيضا فإن لهذه الإسرائيليات أثرا ضارا بالإسلام نفسه لأن وجودها في كتب التفسير يصور الإسلام في صورة دين خرافي، ومن هذا يتخذ الملاحدة وأعداء الدين من البشرين والمستشرقين من هذا الموضوع مادة خصبة للهجوم على القرآن الكريم بدعوى أنه كتاب تفسره الخرافات، وتحيط به الأباطيل وهل هناك سلاح أقوى من ذلك في تشويه الإسلام وكتاب الإسلام؟\nمن أجل هذا كله نرى أن علماء الإسلام عامة، وعلماء الأزهر خاصة","vol":"1","page":175},{"text":"يجب أن يقوموا بواجبهم نحو كتاب الله العزيز، وذلك بأن يسموا جاهدين لتنقية كتب التفسير من هذه الإسرائيليات، وقد رأى أستاذنا الدكتور محمد حسين الذهبي أن هذا الواجب يمكن القيام به على وجه من الوجوه التالية:\n١ - أن يوكل إلى كل قطر إسلامي مجموعة من كتب التفسير، ليجردها علماؤه من الإسرائيليات، وما حوت من الموضوعات، كالأحاديث التي أوردها بعض المفسرين في فضائل القرآن سورة سورة، ثم تطبع هذه التفاسير، بعد تجريدها على نفقته الخاصة (حكومة أو شعبا)، وقد يكون هذا أصعب الوجوه:\nأولا: لأن ذلك يحتاج إلى إقناع المسئولين أو المعنيين بالشئون الإسلامية في كل قطر بهذه الفكرة، وبالمساهمة فيها ماديا وعلميا.\nثانيا: لأنه يحتاج إلى وقت طويل، وجهد ليس بالقليل.\nثالثا: لأنه سوف يقال حتما: إن هذه التفاسير تراث إسلامي فلا يجوز التصرف فيها بحذف بعض ما تحويه، وإذا تم تجريدها من الإسرائيليات وأعيد طبعها مجردة منها فليس ذلك بقاض على ما هو موجود منها اليوم في المكتبات العامة والخاصة، وبهذا تبقى العلة قائمة.\n٢ - أن يوكل إلى علماء كل قطر إسلامي مهمة التعليق على مجموعة من كتب التفسير، ببيان ما فيها من إسرائيليات وموضوعات، وإبطال كل ذلك، ثم تطبع هذه التفاسير وما عليها من تعليقات على نفقة كل قطر (حكومة أو شعبا)، وهذا الوجه - وإن أبقى تراثنا في التفسير على ما هو عليه - تقوم في سبيل تنفيذه نفس الصعوبات السابقة:\n٣ - أن يعهد مجمع البحوث الإسلامية إلى جماعة من العلماء بكتابة تفسير للقرآن الكريم خال من الإسرائيليات والأباطيل، ويعمم نشره في","vol":"1","page":176},{"text":"جميع الأقطار الإسلامية وغير الإسلامية، وهذا عمل حسن، ولكنه سوف لا يمنع الناس من الرجوع إلى غيره من التفاسير القديمة.\n٤ - أن يعهد مجمع البحوث الإسلامية إلى لجان يكونها من علمائه الأكفاء، ومن غير علمائه بدراسة كل ما لدينا من كتب التفسير دراسة وافية شاملة، تكشف عما في كل كتاب من أباطيل الإسرائيليات وخرافاتها، ومن كل دخيل على كتاب الله تعالى، وتحذر من تصديق ذلك وقبوله، ثم يجمع ذلك كله في كتاب مستقل، ينشر في الأوساط العلمية، والأوساط العامة، وربما كان هذا الوجه أيسر الوجوه وأجدرها وأكثرها احتمالا للتنفيذ (^١) وفي نهاية هذا المبحث أحب أن أطرح هذا السؤال، وهو: هل يجوز أن يفسر القرآن بالإسرائيليات؟ أو بتعبير آخر: هل يجوز أن توضع الإسرائيليات موضع التفسير للقرآن الكريم؟.\nلعل الجواب الذي يتبادر إلى الأذهان هو أن ذلك جائز، بدليل أن الرسول ﷺ أذن في التحدث عن أهل الكتاب بشروط معينة، وأن المفسرين ساروا على ذلك، وذكروا الإسرائيليات في كتبهم، وإن كانوا قد اختلفوا في الالتزام بهذه الشروط.\nولكنني أرى أن تفسير القرآن بالإسرائيليات الآن وفي عصرنا الحاضر لا يجوز شرعا لأمور كثيرة وهي:\nأولا: أن القرآن يجب أولا أن يفسر بالقرآن، فإن لم يوجد فبالسنة النبوية، فإن لم يوجد فبأقوال الصحابة والتابعين في غير ما أخذ عن أهل الكتاب، فإن لم يوجد في الرأي والاجتهاد في ضوء الدين واللغة.\n_________\n(^١) الإسرائيليات في التفسير والحديث ص ٢٨٥ - ٢٨٧.","vol":"1","page":177},{"text":"ثانيا: إن الإسرائيليات قد اختلط الحق فيها بالباطل اختلاطا كبيرا، ولقد نادى علماء الإسلام - قديما وحديثا - بنقدها وتمييز الحق فيها من الباطل، ولكن هذا الأمر تعجز عن القيام به كما ينبغي المجامع العلمية المتخصصة فضلا عن الجهود الفردية، وإذن فمن الخير في تفسير القرآن الكريم أن تترك هذه الإسرائيليات جملة وتفصيلا.\nثالثا: أننا - بهذا العمل - نزيل عن القرآن الكريم الشوائب المتراكمة والأجواء المظلمة، فيسهل على الناس أن يصلوا إلى هداية القرآن الكريم، كما نزيل عن الإسلام التهمة التي وجهت إليه من أعدائه وهي أنه دين خرافي.\nرابعا: أن إغفالنا للإسرائيليات عند تفسيرنا للقرآن الكريم لا يصح أن يفسح المجال أمامنا للطعن في أحد من الصحابة أو التابعين بغير وجه حق، لأن كثيرا مما روي عنهم لا تصح نسبته إليهم كما سبق أن ذكرنا.\nوبعد: فإن هذا الرأي الذي أنادي به اليوم، وهو أنه لا يجوز أن يفسر القرآن بشيء من الإسرائيليات قد نادى به من قبل عالم جليل ومحقق كبير هو الشيخ أحمد محمد شاكر، فقد قال ﵀: «إن إباحة التحدث عنهم - أي عن أهل الكتاب - فيما ليس عندنا دليل على صدقه ولا كذبه شيء، وذكر ذلك في تفسير القرآن، وجعله قولا أو رواية في معنى الآيات، أو في تعيين ما لم يعين فيها، أو في تفصيل ما أجمل فيها - شيء آخر، لأن في إثبات مثل ذلك بجوار كلام الله ما يوهم أن هذا الذي لا نعرف صدقه ولا كذبه مبين لمعنى قول الله سبحانه، ومفصل لما أجمل فيه، وحاشا لله ولكتابه من ذلك، وإن رسول الله ﷺ إذ أذن بالتحدث منهم - أمرنا أن لا نصدقهم ولا نكذبهم، فأي تصديق لرواياتهم أقوى من","vol":"1","page":178},{"text":"أن نقرنها بكتاب الله، ونضعها منه، وضع التفسير أو البيان، اللهم غفرا» (^١)\nوفي ختام هذا الفصل أحب أن أنقل هنا رأي الإمام الأكبر الشيخ محمود شلتوت في هذا المجال، فقد قال - تعليقا على الروايات والآثار في وصف الدابة التي تكلم الناس، وهي نموذج لما سودت به الصحف، وضاع الوقت في نقله - قال ﵀: «هذا وقد فات المفسرين أن يضعوا حدا لصون التفسير عن هذه الإسرائيليات التي أظلمت الجو على طلاب الهداية القرآنية، وشغلتهم عن اللب والجوهر بما ألصقته بالقرآن، وقصروا جهودهم على النبش فيما ألصق، وليس هذا خاصا - كما قلنا - بالدابة، وإنما هي ريح السموم هبت على كتب التفسير من نواح كثيرة في كل أمر غيبي أخبر به القرآن، ولم يتصل به بيان قاطع عن الرسول ﵊، فقد قيل مثله في يأجوج ومأجوج، وفي الصور، وفي اللوح المحفوظ وفي غيرها، وقد تتبع بعض المفسرين غرائب الأخبار التي ليس لها سند صحيح، وأغدقوا من شرها على الناس وعلى القرآن، وكان جديرا بهم أن يقيموا بينها وبين الناس سدا، يقيهم البلبلة الفكرية فيما يتصل بالغيب الذي استأثر الله بعلمه، ولم ير فائدة لعباده في أن يطلعهم على شيء عنه، وإذا كان للناس بطبيعتهم ولع بسماع الغرائب وقراءتها، فما أشد أثرها في إلهائهم عن التفكير النافع فيما تضمنه القرآن من آيات العقائد والأخلاق وصالح الأعمال، والذي أحب أن أقرره هنا - بهذه المناسبة فيما أخبر الله به من شئون الغيب التي لم يتصل بها بيان قاطع عن الرسول من الدابة والصور ونحوهما - هو أنا نؤمن به على القدر الذي أخبر الله به دون صرف للفظ عن معناه، ودون زيادة عما تضمنه الخبر الصادق» (^٢).\n_________\n(^١) عمدة التفسير عن الحافظ ابن كثير ج ١ ص ١٥.\n(^٢) الفتاوى للإمام الأكبر المرحوم الشيخ محمود شلتوت ص ٥٥، ٥٦ ط دار القلم.","vol":"1","page":179},{"text":"وإلى هنا نكون قد انتهينا من الحديث عن الإسرائيليات في التفسير، وهي النوع الأول من أنواع الدخيل في تفسير القرآن الكريم فإلى النوع الثاني من الدخيل، وموعدنا الجزء القادم - إن شاء الله تعالى - من هذا الكتاب، والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.\n* * *","vol":"1","page":180},{"text":"﷽\n\n<span data-type='title' id=toc-58>مقدمة</span>\nالحمد لله رب العالمين، أنزل على رسوله الكتاب المبين، هدى وموعظة للمتقين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين، وإمام المرسلين، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.\nأما بعد: فهذا هو الجزء الثاني من كتابنا: (الدخيل في تفسير القرآن الكريم)، يتضمن الحديث عن أنواع أخرى من الدخيل تضاف إلى النوع الأول الذي فصلناه تفصيلا في الجزء الأول من هذا الكتاب، وهو الإسرائيليات في التفسير.\nوأرجو أن تكون - أيها القارئ الكريم - على ذكر من معنى الدخيل في التفسير، فقد سبق أن شرحناه لك في الجزء الأول من كتابنا هذا، وقلنا: إنه عبارة عن التفسير الذي ليست له أصول ثابتة في الدين، كأن يكون مخالفا لروح القرآن الكريم، أو منافيا للعقل السليم، أو ناشئا عن فهم سقيم، أو نابعا من فكر وافد على الإسلام دين الله القويم.\nذلك هو الدخيل في التفسير، وهو علم من علوم القرآن الكريم، عرف عند المفسرين الأقدمين - باسم (أصول التفسير)، وكان شيخ الإسلام (ابن تيمية) المتوفى سنة ٧٢٨ هـ. - فيما أعلم - من أوائل العلماء الذين","vol":"2","page":3},{"text":"طرقوا هذا الباب، وأصلوا قواعد هذا العلم، حيث كتب رسالة قيمة ومفيدة في هذا المجال، أسماها: (مقدمة في أصول التفسير).\nوفي عصرنا الحاضر بعث هذا العلم من جديد، ونشطت حركة التأليف فيه، والذي أدى إلى ذلك هو أنه ظهرت - في عصرنا هذا - جماعة من الأدعياء، اقتحموا ميدان التفسير بآراء غريبة، وأفكار شاذة، فتصدى الأثبات من العلماء لمحاربة هذه التيارات المنحرفة، وبينوا ما تنطوي عليه هذه الأفكار الدخيلة من فساد وبطلان، ومن أبرز الكتب التي ألفت في هذا العلم، وأكرمها ما كتبه أستاذنا الجليل الدكتور محمد حسين الذهبي - رحمه الله تعالى - فقد ألف كتابين عظيميين في هذا المجال، وهما: (الإسرائيليات في التفسير والحديث) و(الاتجاهات المنحرفة في تفسير القرآن الكريم).\nهذا - وأرجو أن يضع كتابي هذا لبنة أخرى في بناء صرح هذا العلم، وتثبيت قواعده، كما أرجو أن يكون هذا الكتاب سلاحا نافعا في الذود عن حمى كتاب الله العزيز، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ﴿تنزيل من حكيم حميد﴾.\nوالله أسأل أن يوفقني إلى إتمام ما بدأت فيه من عمل، إن ربي سميع مجيب، ﴿وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب﴾.\nد. عبد الوهاب عبد الوهاب فايد الأستاذ المساعد بكلية أصول الدين جامعة الأزهر القاهرة في يوم الجمعة الموافق: ١٣ من المحرم سنة ١٤٠١ هـ ٢١ من نوفمبر سنة ١٩٨٠ م","vol":"2","page":4},{"text":"<span data-type='title' id=toc-59>الفصل الأول الأحاديث الموضوعة في التفسير</span>\nالحديث الموضوع - في اصطلاح علماء الإسلام - هو المختلق المصنوع الذي ينسب - كذبا - إلى الرسول ﷺ، أو إلى أحد من الصحابة والتابعين، وهو شر أنواع الأحاديث الضعيفة وأقبحها، وإذا ما أطلق الحديث الموضوع فإنه ينصرف إلى الموضوع على الرسول ﷺ، أما الموضوع على غيره ﵊ فينبغي تقييده بأن يقال: هذا حديث موضوع على ابن عباس أو علي مجاهد مثلا.\nوالوضع في الحديث من أكبر الكبائر، وأعظم الذنوب، بل عده بعض العلماء كفرا، فقد جزم الشيخ أبو محمد الجويني - والد إمام الحرمين - بتكفير واضع الحديث (^١)، ووافق الجويني على هذه المقالة جماعة من العلماء، وفي ذلك يقول أحد أساتذتنا الأجلاء: «جمهور العلماء على أن الكذب على رسول الله من الكبائر، ولا يكفر فاعل ذلك إلا إذا كان مستحلا للكذب عليه»، وقال الإمام أبو محمد الجويني - والد إمام الحرمين - من أئمة الشافعية: «يكفر من تعمد الكذب على رسول الله» نقل ذلك عنه ابنه إمام الحرمين، وقال: (إنه لم يره لأحد من الأصحاب وأنه هفوة من والده)، ووافق الجويني على هذه المقالة ناصر الدين بن المنير من أئمة المالكية، وغيره من الحنابلة، ووافقهم الإمام الذهبي في تعمد الكذب في الحلال والحرام، ولعل مما يشهد لهم قوله تعالى: ﴿إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات\n_________\n(^١) تدريب الراوي ج ١ ص ٢٨٤.","vol":"2","page":5},{"text":"الله﴾ (^١).\nفقد نفت الآية الإيمان عمن يفترى الكذب على الله، والكذب على الرسول كذب على الله - أقول …\nلعل مراد هؤلاء من تعمد ذلك، أو أنهم قالوه على سبيل المبالغة في الزجر والتنفير منه (^٢).\nومن علمائنا المعاصرين الذين صوبوا ما ذهب إليه الإمام أبو محمد الجويني من تكفير واضع الحديث الشيخ محمد أحمد شاكر حيث يقول ﵀: «وقد جزم الشيخ أبو محمد الجويني - والد إمام الحرمين - بتكفير من وضع حديثا على رسول الله ﷺ قاصدا إلى ذلك عالما بافترائه، وهو الحق (^٣)».\nوالحديث الموضوع لا تجوز روايته إلا مقرونا ببيان وضعه، فإذا ما علم الشخص بأن هذا الحديث موضوع فإنه يحرم عليه روايته في كتاب أو ذكره في حديث إلا إذا قرنه ببيان أنه موضوع، لأن البيان - في هذه الحالة - يزيل من ذهن القاريء أو السامع شبهة الاعتقاد في صحة نسبته إلى الرسول ﷺ.\nوقد شنع الإمام ابن الجوزي على جهلة المحدثين الذين يتساهلون في رواية الأحاديث الموضوعة دون أن ينبهوا على وضعها، فقال: «ومن تلبيس إبليس على علماء المحدثين رواية الحديث الموضوع من غير أن يبينوا أنه موضوع، وهذه جناية منهم على الشرع، ومقصودهم ترويج أحاديثهم، وكثرة مروياتهم (^٤)».\nوالأصل في تحريم هذا كله هو أن الكذب - بصفة عامة - محرم في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ، ورد ذلك في كثير من الآيات القرآنية\n_________\n(^١) سورة النحل: ١٠٥.\n(^٢) في أصول الحديث: الأستاذ الدكتور محمد أبو شهبة ص ٧٠٠٦٩.\n(^٣) الباعث الحثيث: شرح إختصار علم الحديث، ص ٨٦.\n(^٤) تلبيس إبليس ص ١١٨.","vol":"2","page":6},{"text":"والأحاديث النبوية.\nوأما الكذب على رسول الله ﷺ بوجه خاص فهو أشد جرما، وأعظم إثما، لأن الكذب على الرسول ﷺ بمثابة الكذب على الله تعالى، وأن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون، قال ﷺ: «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار (^١)»، وقال ﵊: «من حدث علي بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين (^٢)».\n\n<span data-type='title' id=toc-60>متي بدأ الوضع؟</span>\nاتسعت الفتوحات الإسلامية في عصر الخلفاء الراشدين، وانتصر الإسلام انتصارا ساحقا على أعدائه من الفرس والروم، ونتج عن ذلك أن انتشر الإسلام في كل مكان، ودخل الناس في دين الله أفواجا، إلا أن بعض أولئك الذين دخلوا في الإسلام لم يعتنقوا الإسلام عن عقيدة واقتناع، بل اعتنقوه على دخل ونفاق، وذلك لكى يطعنوا الإسلام من الداخل بعد أن عجزوا عن أن يطعنوه أو يوجهوا إليه الضربات من الخارج، ومن هنا أخذوا يدسون الأباطيل والترهات في تعاليمه، ويزرعون الشكوك والشبهات في نفوس أتباعه، وكان من الوسائل التي لجأوا إليها في هذا المضمار هو وضع الأحاديث المكذوبة على رسول الله ﷺ، وترويج هذه الأحاديث الموضوعة بين الناس، ولم يقف وضعهم للأحاديث عند حد معين، بل كانوا يضعون الأحاديث في مجالات الدين المختلفة، ومن جملتها تفسير القرآن الكريم.\nولا ينبغي أن يغيب هنا عن الذاكرة - في هذا الصدد - ما فعله\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في مقدمة كتابه (باب تغليظ الكذب على رسول الله ﷺ) عن أبى هريرة، وهو حديث متواتر.\n(^٢) أخرجه مسلم في مقدمة كتابه عن سمرة بن جندب والمغيرة بن شعبة وقوله: (يرى فيه روايتان: بضم الياء وبفتحها، فأما من ضم الياء فمعناه: يظن، وأما من فتحها فمعناه: يعلم). وقوله (الكاذبين) فيه روايتان أيضا بكسر الباء وبفتحها، أي بلفظ الجمع وبلفظ المثنى.","vol":"2","page":7},{"text":"عبد الله بن سبأ اليهودي من تأليب الناس على الخليفة الراشد: عثمان بن عفان ﵁ متسترا بالدخول في الإسلام، والتشيع لعلي بن أبي طالب، كرم الله وجهه، وقد نجح هذا اليهودي في أمرين خطيرين، كان لهما أسوأ الأثر في حياة المسلمين السياسية والفكرية على السواء.\nالأمر الأول: أنه أشعل بين المسلمين نار الفتنة، حيث قام أتباعه بقتل الخليفة عثمان بن عفان ﵁، فانقسم المسلمون - تبعا لذلك - إلى شيع وأحزاب، من عثمانة يطالبون بدم الخليفة القتيل، وشيعة يؤيدون الخليفة الجديد، وخوارج يتمردون - بعد ذلك - على ولاة الأمر، وهكذا تفرقت كلمة المسلمين، وتحطمت وحدتهم منذ ذلك الحين.\nوالأمر الثاني: أن هذا اليهودي وأتباعه الذين أظهروا التشيع لعلي كرم الله وجهه، قاموا - في سبيل الانتصار لعقائدهم الضالة - بدس الأباطيل في الدين، ووضع الأحاديث في فضائل على كرم الله وجهه وغيرها، وفي ضوء هذه الأحاديث التي وضعوها أرادوا أن يفسروا بعض آيات القرآن الكريم، فأخذوا يحرفون الكلم عن مواضعه، ويعتسفون في التأويل، ويلحدون في آيات التنزيل، وبذلك أفسدوا على المسلمين الحياة الفكرية إلى جانب الحياة ما أفسدوه من حياة المسلمين السياسية.\nإذن نستطيع أن نقول: إن الوضع في الحديث واكب الفتنة، وقد بدأ الوضع - كما يقول كثير من العلماء - سنة أربعين أو إحدى وأربعين من الهجرة (^١)، أي في أواخر عصر الخلفاء الراشدين وأوائل عصر بني أمية.\nومما يجدر التنبيه إليه هنا أن الوضع في الحديث لم يقع قط من صحابة\n_________\n(^١) انظر السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي للدكتور مصطفى السباعي ص ٧٦، وفي أصول الحديث للدكتور محمد أبو شهبة ص ٧٢، والتفسير والمفسرون للدكتور محمد حسين الذهبي ج ١ ص ١٥٨.","vol":"2","page":8},{"text":"الرسول ﷺ في حياته ولا بعد وفاته، وإنما وقع من غيرهم، كعبد الله بن سبأ اليهودي ومن على شاكلته، ويرى الأستاذ أحمد أمين: أن الوضع في الحديث بدأ في عهد الرسول ﷺ، واستدل على ذلك بحديث «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار»، وفي ذلك يقول: «نشأ من عدم تدوين الحديث في كتاب خاص في العصور الأولى واكتفائهم بالاعتماد على الذاكرة، وصعوبة حصر ما قال رسول الله ﷺ أو فعل في مدة ثلاثة وعشرين عاما من بدأ الوحي إلى الوفاة، أن استباح قوم لأنفسهم وضع الحديث ونسبته كذبا إلى رسول الله، ويظهر أن هذا الوضع حدث حتى في عهد الرسول، فحديث «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار»، يغلب على الظن أنه إنما قيل لحادثة حدثت زور فيها على الرسول» (^١).\nكما يذهب أستاذنا الدكتور محمد أبو زهو إلى قريب من هذا الرأي، وإن كان يرى أن الوضع في الحديث لم ينتشر بكثرة، ولم يظهر بصورة مزعجة إلا سنة ٤١ هـ فيقول: «ولما أن ولي عثمان ﵁، ووقعت الفتنة في زمنه، وجد الكذب على رسول الله ﷺ من أتباع عبد الله بن سبأ اليهودي الذي أوقد نيران الفتنة، وألب الناس على خليفة المسلمين حتى قتلوه ظلما، ثم لما ولي علي - كرم الله وجهه - الخلافة، وكان ما كان بينه وبين معاوية في (صفين) افترق الناس إلى شيعة وخوارج وجمهور كما رأيت، وهنا ظهر الكذب على رسول الله ﷺ، واشتد أمره من الشيعة والخوارج ودعاة بني أمية، لذلك يعتبر العلماء مبدأ ظهور الوضع في الحديث من هذا الوقت (سنة ٤١ هـ)»، وهذا التحديد إنما هو لظهور الوضع في الحديث وإلا فقد وجد الكذب على رسول الله ﷺ قبل ذلك، حتى في زمنه صلى الله وسلم، ومن أجل ذلك يقول ﷺ: «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار\n_________\n(^١) فجر الإسلام ج ١ ص ٢٥٨.","vol":"2","page":9},{"text":"فما قال النبي ﵊ ذلك إلا لحادثة وقعت في عصره، كذب عليه فيها» (^١).\nبيد أني أرى أن هذا القول الذي يرجع بداية الوضع إلى عهد النبوة، أو يوهم صدور الكذب من الصحابة عار من الصحة، وبعيد كل البعد عن دائرة الصواب، ذلك لأن الصحابة - رضوان الله عليهم، جميعا عدول، وقد أثنى عليهم الرسول ﷺ وزكاهم، فليس من المعقول إذن أن يكذبوا على رسول الله ﷺ اتباعا لهوى أو رغبة في دنيا، أخرج البيهقي عن البراء قال: «ليس كلنا كان يسمع حديث النبي ﷺ، كانت لنا ضيعة وأشغال، ولكن كان الناس لم يكونوا يكذبون، فيحدث الشاهد الغائب» كما أخرج عن قتادة قال: «إن أنس حدث بحديث، فقال له رجل: أسمعت هذا من رسول الله ﷺ؟ قال: نعم، أو حدثني من لم يكذب، والله ما كنا نكذب، ولا كنا ندري ما الكذب (^٢)».\nويرحم الله الدكتور مصطفى السباعي، فقد قام برد علم مفصل علي ما قاله الأستاذ أحمد أمين في هذا الصدد، قال الدكتور مصطفى السباعي: «قال صاحب (فجر الإسلام) ص ٢٥٨، متكلما عن نشأة الوضع: ويظهر أن هذا الوضع حدث في عهد الرسول ﷺ، فحديث «من كذب علي متعمدا، فليتبوأ مقعده من النار» يغلب على الظن أنه إنما قيل لحادثة زور فيها على الرسول ﵊، وهذا الذي استظهره لا سند له في التاريخ الثابت، ولا في سبب الحديث المذكور، كما جاء في الكتب المعتمدة».\n_________\n(^١) الحديث والمحدثون ص ٤٨٠.\n(^٢) السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي، ص ٧٨، نقلا عن كتاب: (مفتاح الجنة).","vol":"2","page":10},{"text":"أما التاريخ فقاطع بأنة لم يقع في حياة الرسول أن أحدا ممن أسلم وصحبه زور عليه كلاما، ورواه على أنه حديثه ﵊، ولو وقع مثل هذا لتوافر الصحابة عن نقله لشناعته وفظاعته، كيف وقد كان حرصهم شديدا على أن ينقلوا لنا كل ما يتصل به ﷺ، حتى مشيه وقعوده، ونومه ولباسه، وعدد الشعرات البيض في رأسه الشريف؟\nوأما الحديث المذكور فقد اتفقت كتب السنة الصحيحة المعتمدة على أن الرسول إنما قاله حين أمرهم بتبليغ حديثه إلى من بعدهم، فقد أخرج البخاري في باب ما ذكر عن بني إسرائيل من طريق عبد الله بن عمرو - أن النبي ﷺ قال: «بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار»، وروى مسلم من طريق أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه، وحدثوا عني ولا حرج، ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار»، وروى الترمذي عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: «انقوا الحديث على إلا ما علمتم، فمن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» وروى الإمام أحمد عن أبي موسى الغافقي أنه قال: إن رسول الله ﷺ كان آخر ما عهد إلينا أن قال: «عليكم بكتاب الله، وسترجعون إلى قوم يحبون الحديث عني، فمن قال علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار، ومن حفظ شيئا فليتحدث به»، ورواه غيرهم أيضا بهذا المعنى.\nوظاهر من هذه الروايات أن النبي - وقد علم أن الإسلام سينتشر وسيدخل فيه أقوام من أجناس مختلفة - نبه بصورة قاطعة على وجوب التحري في الحديث عنه، وتجنب الكذب عليه بما لم يقله، ووجه الخطاب في ذلك إلى صحابته، لأنهم هم المبلغون إلى أمته من بعده، وهم شهداء نبوته ورسالته، وليس في هذه الروايات إشارة قط إلى أن هذا الحديث إنما قيل لوقوع تزوير على النبي ﷺ (^١).\n_________\n(^١) السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي ص ١٧٨، ١٧٩","vol":"2","page":11},{"text":"ثم تناول الدكتور مصطفى السباعي - بالتضعيف - روايتين غريبتين في هذا المجال وردتا في بعض كتب الحديث، وذكرنا سببا آخر للحديث غير ما تقدم، وبعد أن بين وجوه الضعف في هاتين الروايتين قال: «بهذا نعلم أنه سواء كان سبب الحديث ما ذكرته كتب السنة المعتمدة، أو ما جاء في هاتين الروايتين اللتين حكم عليهما بعض النقاد بعدم الصحة، فليس فيه ما يدل على حصول الوضع في عهد الرسول، فاستظهار ذلك خطأ قائم على غير اساس فلا يصح الذهاب إليه، لاسيما وأن من أول نتائجه نسبة الكذب إلى أصحاب الرسول ﵇، وهو مناف للحق والواقع والمعروف من تاريخ هؤلاء الأصحاب، ومخالف لما ذهب إليه جمهور المسلمين من عدالتهم على الإطلاق، لم يشذ في ذلك إلا الشيعة وطوائف الخوارج والمعتزلة، كما سبق - فإن كان الأستاذ يريد بما استظهره الإشارة إلى هذا الرأي المنوذ، والتمهيد لما سيذكره عن أبي هريرة، ونقد الصحابة بعضهم لبعض، ليضع بذلك (أول لغم) في بناء السنة، فقد أخطأ الطريق، وجانب الحق، وبني أمرا خطيرا على ظنون لا يؤيدها تاريخ صحيح ولا حديث ثابت» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-61>أسباب الوضع في التفسير.</span>\nلا فرق بين أسباب الوضع في التفسير وأسباب الوضع في الحديث، فالأسباب واحدة، لأن التفسير - في عصر صدر الإسلام - كان يعتبر بابا من أبواب الحديث، وقسماها ما من أقسامه، فهؤلاء الذين كانوا يفسرون القرآن آنذاك - إنما كانوا يفسرونه بالمأثور، أي بما ورد عن الرسول ﷺ، أو ما نقل عن الصحابة والتابعين.\nومن ثم فإن الوضع في الحديث شمل - فيما شمل - مجال التفسير، ذلك لأن الوضاءين لم يضعوا الأحاديث في غرض واحد، بل كانوا يضعون الأحاديث في أغراض متعددة، وفنون شتي، كانوا يضعون الأحاديث في فضائل\n_________\n(^١) المصدر السابق ص ١٨٠، ١٨١","vol":"2","page":12},{"text":"الأشخاص والأمكنة والأزمان، وفي الترغيب والترهيب، وفي الحلال والحرام وفي الزهد والتصوف، وفي الوعظ والقصص، وأيضا كانوا يضعون الأحاديث في فضائل القرآن وفي التفسير بوجه عام.\nوالأسباب التي دعت الوضاعين إلى الوضع كثيرة، وقد أشرنا إلى بعضها فيما سبق، ويمكننا هنا أن نوجز هذه الأسباب فيما يلي:\n\n<span data-type='title' id=toc-62>أولا: الزندقة:</span>\nونعني بها كراهية الإسلام دينا ودولة - فقد طهر في العصور الأولى للإسلام جماعة من الزنادقة كانوا يعتنقون الإسلام في الظاهر، ويبطنون الكفر في قلوبهم، وهؤلاء الزنادقة كانوا دائما حربا على الإسلام والمسلمين، فبين حين وآخر كانوا يكيدون للإسلام بدس الترهات والأباطيل، وترويجها بين الناس على أنها من تعاليم الدين، وكانوا يقصدون - من وراء ذلك - فتنة المؤمنين في دينهم، وإثارة البلبلة في نفوسهم، وتمزيق وحدة الأمة الإسلامية، ولقد كانوا - في كثير من الأحيان - يضعون الأحاديث التي تتضمن بعض هذه الترهات والأباطيل، وينسبونها - كذبا - إلى الرسول ﷺ أو إلى أحد من الصحابة والتابعين، لكى تروج بين الناس على أنها من سنة الرسول ﷺ، وبذلك يفسدون على الناس دينهم.\nومن هؤلاء الزنادقة عبد الكريم بن أبى العرجاء الذي قتل وصلب في زمن المهدي، قال ابن عدي: لما أخذ ليضرب عنقه قال: «وضعت فيكم أربعة آلاف حديث، أحرم فيها الحلال وأحلل الحرام» (^١).\nومنهم بيان بن سمعان النهدي الذي ظهر بالعراق بعد المائة، وادعى - لعنه الله - إلاهية علي -كرم الله وجهه- وزعم مزاعم فاسدة، فقتله خالد ابن عبد الله القسرى على ذلك وأحرقه بالنار (^٢)\n_________\n(^١) تدريب الراوي ج ١ ص ٢٨٤\n(^٢) الباعث الجثث ص ٩٢ والملل والنحل للشهرستاني ج ١ ص ١٣٦.","vol":"2","page":13},{"text":"ومنهم محمد بن سعيد الشامي المصلوب، قال أحمد بن حنبل: «قتله أبو جعفر المنصور في الزندقة، حديثه حديث موضوع» (^١) وحكى عنه الحاكم أنه روى عن حميد عن أنس مرفوعا.\n«أنا خاتم النبيين لا نبي بعدي إلا أن يشاء الله» وقال: وضع هذا الاستثناء لما كان يدعو إليه من الإلحاد والزندقة والدعوة إلى التنبي (^٢).\nوالخلاصة أن الزنادقة وضعوا طائفة كبيرة من الأحاديث يفسدون بها الدين، فقد روى العقيلي بسنده إلى حماد بن زيد قال: «وضعت الزنادقة على رسول الله ﷺ أربعة عشر ألف حديث» (^٣) ولكن الله جل شأنه - قيض للأمة الإسلامية من يحفظ لها دينها من إفساد هؤلاء الزنادقة وعبثهم، فقام جهابذة الحديث ونقاده ببيان هذه الأحاديث الموضوعة، وكشفوا للناس عن زيفها وبطلانها، قيل لعبد الله بن المبارك. هذه الأحاديث الموضوعة، فقال: تعيش لها الجهابذة ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-63>ثانيا: الخلافات السياسية والدينية:</span>\nفقد انقسم المسلمون - بعد مقتل عثمان وخلافة علي - إلى فرق متعددة، كالشيعة والخوارج والمرجئة والمعتزلة وغير ذلك، وكان لكل فرقة من هذه الفرق مذهب وآراء في السياسة والدين، كما كانت كل فرقة تحاول أن تتلمس سندا شرعيا لمذهبها وآرائها في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ، فإذا لم تجد دليلا صريحا في القرآن لجأت إلى التعسف في تأويل النصوص، وتحميل ألفاظ القرآن ما لا تحتمل، وأيضا إذا لم تجد ما يؤيدها من السنة سارعت إلى وضع الأحاديث انتصارا لرأيها، وتشهيرا بغيرها.\n_________\n(^١) الباعث الحثيث ص ٩٢ وخلاصة تذهيب الكمال للخزرجي ج ٢ ص ٤٠٧\n(^٢) تفسير القرطبي ج ١ ص ٧٨ وتدريب الراوي ج ١ ص ٢٨٤\n(^٣) تدريب الراوي ج ١ ص ٢٨٤\n(^٤) المصدر السابق ج ١ ص ٢٨٢ والآية هي رقم ٩ من سورة الحجر.","vol":"2","page":14},{"text":"والرافضة (^١) - وهم طائفة من غلاة الشيعة - أكثر هذه الفرق كذبا ووضعا للحديث، فقد سئل مالك بن أنس ﵁ عن الرافضة، فقال: «لا تكلمهم ولا ترو عنهم فإنهم يكذبون» وقال شريك بن عبد الله القاضي - وقد كان معروفا بالتشيع مع الاعتدال فيه: «أحمل عن كل من لقيت إلا الرافضة فإنهم يضعون الحديث ويتخذونه دينا» (^٢). وروى الخطيب بسنده عن حماد ابن سلمة قال: «أخبرني شيخ من الرافضة أنهم كانوا يجتمعون على وضع الأحاديث» (^٣).\nأما الخوارج فقد كان بعضهم يضع الأحاديث - وإن كان وضعهم للحديث قليلا إذا قيسوا بغيرهم من أصحاب البدع والأهواء - ذكر القرطبي - في مقدمة تفسيره - أن شيخا من شيوخ الخوارج قال - بعد أن تاب - «إن هذه الأحاديث دين، فانظروا ممن تأخذون دينكم فانا كنا إذا هوينا أمرا صير ناه حديثا» (^٤).\nوأما المرجئة فقد وضعوا الأحاديث نصرة لآرائهم، قال الحاكم: «كان محمد بن القاسم الطايكاني من رءوس المرجئة، وكان يضع الحديث على مذهبهم» (^٥)\n_________\n(^١) الرافضة فرقة من شيعة الكوفة، سموا بذلك لأنهم رفضوا أي تركوا زيد بن علي بن الحسين ﵃ حين نهاهم عن الطعن في الصحابة، فلما عرفوا مقالته، وأنه لا يبرأ من الشيخين رفضوه، ثم استعمل هذا اللقب في كل من غلا في هذا المذهب، وأجاز الطعن في الصحابة. اهـ من المصباح المنير.\n(^٢) السنة ومكانتها من التشريع الإسلامي ص ٧٩، ٨٠ نقلا عن كتاب منهاج السنة.\n(^٣) تدريب الراوي ج ١ ص ٢٨٥.\n(^٤) تفسير القرطبي ج ١ ص ٧٨.\n(^٥) تدريب الراوي جا ص ٢٨٥","vol":"2","page":15},{"text":"وبالجملة فإن أصحاب البدع والأهواء كان لهم دور بارز في هذا المجال، روى ابن حبان - في الضعفاء - بسنده إلى عبد الله بن يزيد المقرئ قال: «انظروا هذا الحديث عمن رجلا من أهل البدع رجع عن بدعته فجعل يقول: تأخذونه، فإنا كنا إذا رأينا رأيا جعلنا له حديثا» (^١).\nولقد تنبه المحدثون - منذ عصر مبكر من عصور الإسلام - إلى هذه الظاهرة السيئة التي اشتهر بها أصحاب البدع والأهواء، ألا وهي ظاهرة الوضع في الحديث، فكانوا لا يقبلون حديثهم ولا يروون عنهم - روى مسلم في صحيحه عن ابن سيرين قال: «لم يكونوا يسألون عن الإسناد فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم» (^٢).\nهذا ما يتعلق بالخلافات العقدية، أما ما يتعلق بالخلافات الفقهية فقد حملت هذه الخلافات بعض الفقهاء من الجهل المتصبين إلى وضع الأحاديث للتنويه بإمام دون إمام، أو نصرة رأى فقهى على آخر وهم جرا.\nقال الإمام السيوطي ﵀ بصدد الحديث عن أمثلة من هذه الأحاديث الموضوعة. «قيل لمأمون بن أحمد المروي: ألا ترى إلى الشافعي ومن تبعه بخراسان، فقال: حدثنا أحمد بن عبد الله - حدثنا عبيد الله بن معدان الأزدي عن أنس مرفوعا: «يكون في أمتي رجل يقال له: محمد بن ادريس أضر على أمتي من إبليس، ويكون في أمتي رجل يقال له: أبو حنيفة، هو سراج أمتي، هو سراج أمتي» وقيل لمحمد بن عكاشة الكرماني: إن قوما يرفعون أيديهم في الركوع وفي الرفع منه، فقال حدثنا المسيب بن واضح، حدثنا ابن المبارك عن يونس بن يزيد عن الزهري عن أنس مرفوعا: من رفع يديه في الركوع فلا صلاة له» (^٣).\n_________\n(^١) المصدر السابق.\n(^٢) أخرجه مسلم في مقدمة كتابه - باب بيان أن الإسناد من الدين.\n(^٣) تدريب الراوي جـ ١ ص ٢٧٧، ٢٧٨.","vol":"2","page":16},{"text":"<span data-type='title' id=toc-64>ثالثا: استهواء العامة والتكسب بالوعظ والقصص:</span>\nفقد ظهرت - في زمن التابعين وتابعيهم - جماعة يعظون الناس في المساجد والأسواق، كانوا يعرفون بالقصاص، وكانوا يتكسبون مما يلقونه علي الناس من قصص وعظات، وأحاديث وحكايات، وكلما كان القصص منهم أغرب كان التفات الناس حولهم أشد، وعطاء الناس لهم أكثر، ولقد كان هؤلاء القصاص يستميلون الناس ويستهوونهم بالغرائب والمناكير، والأباطيل والأساطير، وكانوا - في هذا المجال - يستبيحون لأنفسهم الكذب في الحديث، فيضعون على رسول الله ﷺ - كما يقول الإمام القرطبي - أحاديث بأسانيد صحاح قد حفظوها، ثم يذكرون الموضوعات بتلك الأسانيد (^١)، وكان لهم في ذلك جرأة ووقاحة وصفاقة وجه، ويذكر المحدثون - في هذا الصدد - قصة مشهورة عن الإمام أحمد بن حنبل ويحيى ابن معين، فقد روى ابن الجوزي بإسناده إلى أبي جعفر بن محمد الطيالسي قال: «صلي أحمد بن حنبل ويحيى بن معين في مسجد الرصافة، فقام بين أيديهم قاص، فقال: حدثنا أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، قالا: حدثنا عبد الرازق عن معمر عن قتادة عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: من قال لا إله إلا الله خلق الله من كل كلمة طيرا منقاره من ذهب، وريشه من مرجان، وأخذ في قصة نحوا من عشرين ورقة، فجعل الإمام أحمد بن حنبل ينظر إلى يحيى بن معين، وجعل يحيى بن معين ينظر إلي أحمد، فقال له: حدثته بهذا؟ فيقول: والله ما سمعت هذا إلا الساعة، فلما فرغ من قصصه أخذ العطيات ثم قعد ينتظر بقيتها، فقال له يحيى بن معين بيده: تعال، فجاء متوهما لنوال فقال له يحيى: من حدثك بهذا الحديث؟ فقال: أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، فقال: أنا يحيى بن معين، وهذا أحمد بن حنبل ما سمعنا بهذا قط في حديث رسول الله ﷺ، فقال: لم أزل أسمع أن يحيى بن معين أحمق، ما تحققت هذا إلا الساعة، كأن ليس يحيى بن معين وأحمد بن حنبل غيركما،\n_________\n(^١) تفسير القرطبي ج ١ ص ٧٩.","vol":"2","page":17},{"text":"وقد كتبت عن سبعة عشر أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، فوضع أحمد كمه على وجهه، وقال: دعه يقوم، فقام كالمستهزئ بهما» (^١).\nومن المؤسف حقا أن هؤلاء القصاص الجهال الذين تشبهوا بأهل العلم، وتجرؤوا على أن يكذبوا على الله ورسوله قد وجدوا من العامة آذانا صاغية ولقي العلماء منهم أذى كثيرا، وعنتا كبيرا. فقد ذكر السيوطي في كتابه: (تحذير الخواص من أكاذيب القصاص) أن أجد هؤلاء القصاص جلس ببغداد، فروى تفسير قوله تعالي: ﴿عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا﴾ (^٢) وزعم أن النبي ﷺ يجلس مع الله على عرشه، فبلغ ذلك محمد بن جرير الطبري - المفسر - فغضب من ذلك، وبالغ في إنكاره، وكتب على باب داره: (سبحان من ليس له أنيس، ولا له على عرشه جليس) فثارت عليه عوام بغداد، ورجموا بيته بالحجارة، حتى استد بابه بالحجارة وعلت عليه (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-65>رابعا: الجهل بالدين مع القصد الحسن:</span>\nوهو ما فعله بعض الزهاد والعباد والجهلة، فقد كانوا يضعون الأحاديث في مجال الترغيب والترهيب - حسبة، زاعمين أنهم بذلك يتقربون إلى الله، ويحسبون أنهم يحسنون صنعا، وإذا ما حاول أحد أن يقدم النصح لهم، وينبههم إلى قبح صنعهم، وأنهم داخلون تحت طائلة الوعيد الشديد الذي جاء في قول الرسول ﷺ:\n_________\n(^١) الباعث الحثيث ص ٩٣، ٩٤ وقد شكك الأستاذ الدكتور محمد أبو شهبة في كتابه: (في أصول الحديث) ص ٧٦ في صحة هذه القصة التي تحكى عن أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، ولكنه قال: إن التشكك لا يعود على أصل الفكرة بالنقض.\n(^٢) سورة الإسراء: ٧٩.\n(^٣) السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي ص ٧٦ نقلا عن كتاب الإسلام والحضارة).","vol":"2","page":18},{"text":"«من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» فإن هؤلاء الجهلة يقولون: «نحن ما كذبنا عليه، وإنما كذبنا له» أي لصالح الدين في زعمهم الفاسد.\nوفي مقدمة من استباح هذا العمل القبيح طائفة تسمى «بالكرامية (^١)» جوزت - كما يقول السيوطي في التدريب - وضع الأحاديث في الترغيب والترهيب، واستدلوا على ذلك - بما روي في بعض طرق الحديث: «من كذب علي متعمدا ليضل به الناس»، وحمل بعضهم حديث: «من كذب علي» أي قال إنه شاعر أو مجنون، وقال بعضهم: إنما نكذب له لا عليه، قال السيوطي - «وهو - أي الذي قالوه من جواز الوضع في الترغيب والترهيب - خلاف إجماع المسلمين الذين يعتد بهم» (^٢).\nوقد شنع كثير من العلماء على هؤلاء، وأمثالهم الذين يظن بهم الصلاح في الدين، فينخدع الناس فيهم بتصديق ما يضعون من أحاديث، وقام العلماء كذلك بالرد على الشبهة التي تعلقوا بها في هذا المجال، وبينوا أن الرسول ﷺ لا يحتاج في كمال شريعته إلى ما يختلقه هؤلاء الوضاعون، فعملهم هذا إنما يدل على كمال جهلهم وقلة عقلهم، وفي ذلك يقول الحافظ ابن كثير: «ومنهم - أي من الذين يضعون الحديث - متعبدون، يحسبون أنهم يحسنون صنعا، يضعون أحاديث فيها ترغيب وترهيب، وفي فضائل الأعمال، ليعمل بها، وهؤلاء طائفة من الكرامية وغيرهم، وهم من آشر ما فعل هذا، لما يحصل بضررهم من الغرر على كثير ممن يعتقد صلاحهم، فيظن صدقهم، وهم شر من كل كذاب في هذا الباب، وقد انتقد الأئمة كل شيء فعلوه من ذلك، وسطروه عليهم في زبرهم، عارا على واضعى ذلك في\n_________\n(^١) الكرامية - بتشديد الراء - جماعة من المبتدعة ينسبون إلى زعمهم لم يسمى محمد بن كرام أحد المتكلمين الذين يذهبون إلى التجسيم والتشبيه في ذات الله تعالى وصفاته؛ «تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا».\n(^٢) تدريب الراوي ج ١ ص ٢٨٣، ٢٨٤، بتصرف.","vol":"2","page":19},{"text":"الدنيا، ونارا وشنارا في الآخرة، قال رسول الله ﷺ: «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» وهذا متواتر عنه، قال بعض هؤلاء الجهلة: نحن ما كذبنا عليه، إنما نكذب له، وهذا من كمال جهلهم، وقلة عقلهم، وكثرة فجورهم وافترائهم، فإنه ﵇ لا يحتاج في كمال شريعته وفضلها إلى غيره» (^١).\nومن هذا المنطلق وضع جماعة من الجهال كثيرا من الأحاديث في فضائل القرآن ترغيبا للناس في تلاوته، وعللوا ذلك بأنهم وجدوا الناس قد انصرفوا عن القرآن، وانشغلوا عنه بعلوم أخرى، فوضعوا من الأحاديث في فضل القرآن ما يحبب الناس في قراءته والإقبال عليه، ولقد كان لما صنعه هؤلاء الجهلة من الوضاعين أثر سيئ. في كتب المسلمين، فوجدنا بعض العلماء الذين لا خبرة لهم بفن الحديث، وليست لديهم معرفة بطرقه ورجاله يحشدون في كتبهم ومؤلفاتهم هذا النوع من الأحاديث الموضوعة التي تذكر في باب الترغيب والترهيب، ومن هؤلاء الإمام (أبو حامد الغزالي) - وهو أحد رجال التصوف البارزين - فقد ملأ كتابه: (إحياء علوم الدين) بالأحاديث الموضوعة، من غير أن يتنبه إلى أنها موضوعة فضلا عن أن ينبه عليها.\nقال ابن الجوزي ﵀: «وجاء أبو حامد الغزالي فصنف لهم - أي للمتصوفة - كتاب (الإحياء) علي طريقة القوم، وملأه بالأحاديث الباطلة وهو لا يعلم بطلانها» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-66>خامسا: التزلف إلى الخلفاء والأمراء:</span>\nفقد قام بعض علماء السوء بوضع الأحاديث التي يظن أنها ترضي هوى الخلفاء، وتذيل الحظوة لديهم، والقرب منهم، فاستحبوا العمى على الهدى،\n_________\n(^١) الباعث الحثيث ص ٨٥، ٨٦.\n(^٢) تلبيس إبليس ص ١٦٦.","vol":"2","page":20},{"text":"وكذبوا على رسول ﷺ، رغبة في دنيا يصيبونها، أو متاع زائل يحصلون عليه.\nومن أمثلة ذلك ما فعله غياث بن إبراهيم النخعي فقد دخل على المهدي العباسي - وكان المهدي يحب الحمام ويلعب به - فإذا أمامه حمام، فقيل له: حدث أمير المؤمنين، فقال: حدثنا فلان عن فلان أن النبي ﷺ قال: «لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر أو جناح»، وزاد في الحديث (أو جناح)، فأمر له المهدي بجائزة، فلما قام قال: أشهد على قفاك أنه قفا كذاب على رسول الله ﷺ، ثم قال المهدي: أنا حملته على ذلك، ثم أمر بذبح الحمام، ورفض ما كان فيه (^١).\nويروى أن هذه الحكاية إنما حدثت مع الخليفة هارون الرشيد، وأن الذي تولى كبرها قاض من قضاة الرشيد، اسمه أبو البخترى، وأن الرشيد لما أمر بالحمام أن يذبح قيل له: وما ذنب الحمام! فقال: من أجله كذب على رسول الله ﷺ (^٢).\nومن أمثلة هذا النوع كذلك ما فعله مقاتل بن سليمان مع المهدي العباسي فقد حكى أبو عبد الله وزير المهدي قال: قال المهدي: ألا ترى إلى ما يقول لي هذا - يعني (مقاتلا) -! قال: إذا شئت وضعت لك أحاديث في العباس، قلت: لا حاجة لي بها (^٣).\n_________\n(^١) الباعث الحثيث ص ٩٤ وتدريب الراوي ج ١ ص ٢٨٥، ٢٨٦.\n(^٢) تفسير القرطبي ج ١ ص ٧٩، ٨٠\n(^٣) الباعث الحثيث ص ٩٤.","vol":"2","page":21},{"text":"<span data-type='title' id=toc-67>سادسا: التعصب للجنس أو المكان:</span>\nفقد وضعت الشعوبية (^١) بعض الأحاديث التي تفضل الفرس على العرب، واللغة الفارسية على غيرها، مثل حديث (أن كلام الله حول العرش بالفارسية، وأن الله إذا أوحى أمرا فيه لين أوحاه بالفارسية، وإذا أوحى أمرا فيه شدة أوحاه بالعربية) قال الشوكاني: «هذا الحديث رواه ابن عدي عن أبي أمامة مرفوعا، وهو موضوع وباطل لا أصل له، وكل ما ورد في هذا المعنى فهو موضوع، وقد تعسف من زعم غير ذلك» (^٢).\nكذلك وضعت أحاديث في فضل بعض البلدان بدافع التعصب الممقوت مثل حديث: «جنان هذه الدنيا دمشق من الشام، ومرو من خراسان وصنعاء اليمن، وجنة هذه الجنان صنعاء» - قال الشوكاني: «وقد توسع المؤرخون في ذكر الأحاديث الباطلة في فضائل البلدان، ولا سيما بلدانهم، فإنهم يتساهلون في ذلك غاية التساهل، ويذكرون الموضوع ولا ينبهون عليه، فليحذر المتدين من اعتقاد شيء منها أو روايته، فإن الكذب في هذا قد كثر، وجاوز الحد، وسببه ما جبلت عليه القلوب من حب الأوطان والشغف بالمنشأ» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-68>أمارات الوضع:</span>\nالأمارات التي تدل على الوضع كثيرة، ويمكننا أن نقسم هذه الأمارات إلى قسمين: القسم الأول: أمارات في سند الحديث، والقسم الثاني: أمارات في متن الحديث.\n_________\n(^١) الشعوبية - بالضم - فرقة تحقر أمر العرب، وتفضل العجم عليهم، وإنما نسب إلى الجمع لأنه صار علما لغلبته على الجيل الواحد كالأنصار.\n(^٢) الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة ص ٣١٤ بتصرف.\n(^٣) المصدر السابق ص ٤٣٦، ٤٣٧ بتصرف.","vol":"2","page":22},{"text":"أما أمارات الوضع في السند فأهمها ما يلي:\n١ - أن ينفرد برواية الحديث راو معروف بالكذب لدى علماء الجرح والتعديل، بحيث لا يشاركه في رواية هذا الحديث أحد من الثقات، فتلك أمارة قوية على أن هذا الحديث موضوع، ومثال ذلك حديث: «أن ابن عباس قال: سألت النبي ﷺ عن الكلمات التي تلقاها آدم من ربه - قال: سأل بحق محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين إلا تبت علي فتاب عليه»، قال الدارقطني: «تفرد به عمرو بن ثابت وقد قال يحيى: إنه لا ثقة ولا مأمون، وقال ابن حبان: يروي الموضوعات (^١) ومما هو جدير بالذكر هنا أن علماء الجرح والتعديل لهم معرفة واسعة بالوضاعين والكذابين، قال النسائي: «الكذابون المعروفون بوضع أحاديث أربعة: ابن أبي يحيى بالمدينة، والواقدي ببغداد، ومقاتل بخراسان ومحمد بن سعيد المصلوب بالشام» (^٢).\nوأيضا ذكر السيوطي أن أوهى الطرق إلى ابن عباس هو طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، فإن انضم إلى ذلك رواية محمد بن مروان السدي الصغير فهي سلسلة الكذب» (^٣).\n٢ - أن يقر الراوي بأنه وضع الحديث، فيؤخذ حينئذ بإقراره، لأن الإقرار - كما يقولون - سيد الأدلة، ومثال ذلك الحديث الذي رواه نوح ابن أبي مريم عن عكرمة عن ابن عباس في فضائل القرآن سورة سورة فقد اعترف نوح بوضعه، وقال: «إني رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ومغازي ابن إسحاق فوضعت هذا الحديث حسبة» (^٤).\n_________\n(^١) المصدر السابق ص ٣٩٤، ٣٩٥.\n(^٢) تدريب الراوي ج ١ ص ٢٨٧.\n(^٣) الإتقان ج ٢ ص ١٨٩.\n(^٤) تدريب الراوي ج ١ ص ٢٨٢.","vol":"2","page":23},{"text":"كما اعترف ميسرة بن عبدربه بأنه وضع حديثا مماثلا في فضائل القرآن، فقد قيل الميسرة: من أين جئت بهذه الأحاديث، من قرأ كذا فله كذا، قال: وضعتها أرغب الناس (^١).\n٣ - أن يروي الراوي الحديث عن شيخ لم يثبت لقياه له كمان يكون الشيخ قد مات قبل أن يولد هذا الراوي، وقد اهتم المحدثون بمعرفة وفيات الرواة ومواليدهم ومقدار أعمارهم، وهو فن عظيم يعرف به اتصال السند وانقطاعه، ويعرف به كذلك الكذابون والمدلسون، قال سفيان الثوري: «لما استعمل الرواة الكذب استعملنا لهم التاريخ».\nوقال حفص بن غياث: «إذا اتهمتم الشيخ فحاسبوه بالسنين» - يعني سنه وسن من كتب عنه، وقال حسان بن يزيد: «لم نستعن على الكذابين بمثل التاريخ، نقول للشيخ: سنة كم ولدت؟ فإذا أقر بمولده عرفنا صدقه من كذبه» (^٢).\nوفى هذا المجال يذكر المحدثون بعض الحوادث الطريفة التي تعرفوا فيها - بواسطة التاريخ - على الكذابين من الرواة الذين لم يثبت لقياهم لمن يروون عنهم، ومن هذه الطرائف ما ذكره الحاكم - قال: «لما قدم علينا محمد بن حاتم الكشي فحدث عن عبد بن حميد، سألته عن مولده، فقال: إنه ولد سنة ستين ومائتين، فقلت لأصحابنا: إنه يزعم أنه سمع منه بعد موته بثلاث عشرة سنة» (^٣).\n٤ - أن تدل الحالة النفسية للراوي على كذبه فيما يرويه، ومثال ذلك ما أخرجه الحاكم عن سيف بن عمر التميمي قال: «كنت عند سعد بن طريف فجاء ابنه من الكتاب يبكي، فقال: مالك؟ قال: ضربني المعلم، قال: لأخزينهم اليوم، حدثني عكرمة عن ابن عباس مرفوعا: معلمو صبيانكم شراركم،\n_________\n(^١) المصدر السابق ج ١ ص ٢٨٣.\n(^٢) المصدر السابق ج ٢ ص ٣٥٠.\n(^٣) الباعث الحثيث ص ٢٦٧","vol":"2","page":24},{"text":"أقلهم رحمة لليتيم، وأغلظهم على المسكين» (^١).\nفهذا الحديث قد دلت على وضعه قرينة في الراوي، وهذه القرينة تتمثل في حالة الغضب التي سيطرت عليه، بسبب ضرب المعلم لولده، فدفعته إلى اختلاق هذا الحديث، وذلك واضح من تصدير الحديث بقوله: (لأخزينهم اليوم).\nهذا ما يتعلق بأمارات الوضع التي تكون في سند الحديث أي رواته ورجاله، وأما الأمارات التي تكون في متن الحديث أي نصه ولفظه فاليك بيانها:\n١ - أن يكون الحديث ركيكا، ولا يعقل أن يصدر عن الرسول ﷺ الذي أعطي جوامع الكلم، فتلك قرينة قوية تشهد للحديث بالوضع، والركاكة قد تكون راجعة إلى اللفظ، وقد تكون راجعة إلى المعنى، وقد تكون راجعة إلى الأمرين معا، قال الحافظ ابن حجر: «المدار في الركة على ركة المعنى، فحينما وجدت دلت على الوضع، وإن لم ينضم إليها ركة اللفظ، لأن هذا الدين كله محاسن، والركة ترجع إلى الرداءة، أما ركاكة اللفظ فقط فلا تدل على ذلك، لاحتمال أن يكون رواه بالمعنى فغير ألفاظه بغير فصيح، نعم إن صرح بأنه من لفظ النبي ﷺ فكاذب» (^٢).\nوقال الربيع بن خيثم: «إن للحديث ضوءا كضوء النهار تعرفه، وظلمة كظلمة الليل تنكره». وقال ابن الجوزي: «الحديث المنكر يقشعر له جلد الطالب للعلم، وينفر منه قلبه في الغالب»، وقال البلقيني: «وشاهد هذا أن إنسانا لو خدم إنسانا سنين، وعرف ما يحب وما يكره، فادعى إنسان أنه كان يكره شيئا يعلم ذلك أنه يحبه، فبمجرد سماعه يبادر إلى تكذيبه» (^٣).\n٢ - أن يكون مخالفا لصريح القرآن السكريم، أو السنة النبوية أو\n_________\n(^١) تدريب الراوي ج ١ ص ٢٧٧\n(^٢) المصدر السابق ج ١ ص ٢٧٦\n(^٣) المصدر السابق ج ١ ص ٢٧٥، ٢٧٦","vol":"2","page":25},{"text":"الإجماع القطعي، فهذا يدل على أن الحديث موضوع، فمثال ما يخالف صريح القرآن حديث: «إذا روي عني حديث فاعرضوه على كتاب الله فإذا وافقه فاقبلوه، وإن خالفه فردوه»، فقد ذكر الشوكاني أن هذا الحديث من وضع الزنادقة، ثم قال: «على أن في هذا الحديث الموضوع نفسه ما يدل على رده، لأنا إذا عرضناه على كتاب الله ﷿ خالفه، ففي كتاب الله ﷿: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ (^١) ونحو هذا من الآيات» (^٢).\nومثال ما يخالف السنة الصحيحة حديث: «إذا حدثتم علي بحديث يوافق الحق فخذوا به، حدثت به أو لم أحدث»، فهو مناقض لقول الرسول ﷺ في الحديث الصحيح المتواتر - (من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار).\nومثال ما يخالف الإجماع القطعى حديث: «من قضي صلوات من الفرائض في آخر جمعة من رمضان كان ذلك جابرا لكل صلاة فاتته في عمره إلى سبعين سنة»، فإن هذا يخالف ما أجمع عليه علماء الإسلام من أن الصلاة الفائتة لا تسقط عن المكلف بحال، ولا يقوم مقامها شيء من العبادات الأخرى.\n٣ - أن يكون مخالفا للعقل بحيث لا يقبل التأويل، ويلتحق به ما يدفعه الحس والمشاهدة، ومثال ذلك ما رواه ابن الجوزي من طريق عبد الرحمن ابن زيد بن أسلم عن أبيه عن جده مرفوعا: «إن سفينة نوح طافت بالبيت سبعا، وصلت عند المقام ركعتين» (^٣)، وقد عرف عبد الرحمن بن زيد هذا بمثل هذه الغرائب، حتى قال الشافعي - فيما نقله صاحب التهذيب -: «ذكر رجل لمالك - يعني الإمام - حديثا منقطعا، فقال: اذهب إلى عبد الرحمن ابن زيد بن أسلم يحدثك عن أبيه عن نوح» (^٤).\n_________\n(^١) سورة الحشر: ٧\n(^٢) الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة ص ٢٩١\n(^٣) تدريب الراوي ج ١ ص ٢٧٨.\n(^٤) الباعث الحثيث ص ٩١","vol":"2","page":26},{"text":"ومن أمثلة ما يخالف العقل كذلك ما رواه ابن الجوزي من طريق محمد بن شجاع الثلجي عن حبان بن هلال عن حماد بن سلمة عن أبي المهزم عن أبي هريرة مرفوعا -: «إن الله خلق الفرس، فأجراها فعرقت، فخلق منها نفسه» (^١). قال السيوطي - في تعليقه على هذا الحديث -: «هذا لا يضعه مسلم، بل ولا عاقل، والمتهم به محمد بن شجاع كان زائفا في دينه، وفيه أبو المهزم، قال شعبة: رأيته، لو أعطي درهما وضع خمسين حديثا» (^٢).\n٤ - أن يكون مخالفا لحقائق التاريخ، ومثال ذلك حديث: «لما أسرى بي إلى السماء أدخلني جبريل الجنة، فناولني تفاحة فأكلتها، فصارت نطفة في صلبي، فلما نزلت واقعت خديجة، ففاطمة من تلك النطفة»، فهذا مخالف للواقع. إذ من الثابت تاريخيا أن فاطمة ﵂ ولدت قبل بعثة الرسول ﷺ، قال الشوكاني - في التعقيب على هذا الحديث -: «قال الذهبي في تلخيص المستدرك: هذا كذب جلي، وقال ابن حجر: فاطمة ولدت قبل ليلة الإسراء بالإجماع، وقال الذهبي: فاطمة ولدت قبل النبوة فضلا عن الإسراء» (^٣).\n٥ - أن يشتمل الحديث على مجازفات ومبالغات لا تصدر عن عاقل، كأن يكون فيه وعيد شديد على أمر صغير، أو وعد عظيم على فعل حقير، وهذا كثير في أحاديث القصاص ومن على شاكلتهم، فمثال النوع الأول حديث: «من أعان تارك الصلاة بلقمة فكأنما أعان على قتل الأنبياء كلهم»، فقد حكم السيوطي - فيما نقله عنه الشوكاني - على هذا الحديث بأنه موضوع (^٤).\n_________\n(^١) تدريب الراوي ج ١ ص ٢٧٨\n(^٢) المصدر السابق\n(^٣) الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة ص ٣٨٩.\n(^٤) المصدر السابق ص ٢٨.","vol":"2","page":27},{"text":"ومثال النوع الثاني ما ذكره الشوكاني - في مجال الصلاة - وهو حديث: «من علق في مسجد قنديلا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى ينطق، ذلك القنديل، ومن بسط فيه حصيرا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يقطع ذلك الحصير» قال الشوكاني: «في إسناده عمر بن صبح كذاب» (^١).\n٦ - أن يكون الراوي رافضيا والحديث في فضائل أهل البيت، فهذه قرينة تدل على أن الحديث موضوع، ومثال ذلك حديث: «خلقت أنا وعلي من نور، وكنا على يمين العرش قبل أن يخلق آدم بألفي عام، ثم خلق الله آدم، فانقلبنا في أصلاب الرجال، ثم جعلنا في صلب عبد المطلب، ثم شق أسماؤنا من اسمه، فالله محمود وأنا محمد، والله الأعلى وعلي علي». - قال الشوكاني - عن هذا الحديث -: «هو موضوع، وضعه جعفر بن أحمد ابن علي بن بيان، وكان رافضيا وضاعا» (^٢).\nومما هو جدير بالذكر هنا أن الرافضة اشتهروا بوضع الأحاديث في فضل علي وآل البيت، وفي ذلك يقول ابن الجوزي: «وغلو الرافضة في حب علي ﵁ حملهم على أن وضعوا أحاديث كثيرة في فضائله أكثرها تشينه وتؤذيه». وقد ذكرت منها جملة في كتاب (الموضوعات)، منها: (أن الشمس غابت، فقاتلت عليا صلاة العصر، فردت له الشمس) وهذا من حيث النقل موضوع، لم يروه ثقة، ومن حيث المعنى فإن الوقت قد فات، وعودها طلوع متجدد، فلا يرد الوقت، «وكذلك وضعوا أن فاطمة اغتسلت ثم ماتت، وأوصت أن تكتفي بذلك الغسل، وهذا من حيث النقل كذب، ومن حيث المعنى قلة فهم؛ لأن الغسل عن حدث الموت، فكيف يصبح قبله» (^٣).\n_________\n(^١) المصدر السابق ص ٢٦.\n(^٢) المصدر السابق ص ٣٤٣.\n(^٣) تلبس إبليس ص ٩٩.","vol":"2","page":28},{"text":"<span data-type='title' id=toc-69>الآثار السيئة للوضع:</span>\nلقد ترتب على حركة الوضع آثار سيئة وعميقة في حياة المسلمين، ففي مجال التأليف نجد بعض علماء الدين الذين لهم قدم راسخة في ميادين العلم المختلفة إلا أن بضاعتهم مزجاة في علم الحديث، نجدهم ينساقون - بحسن نية - في الجري وراء هذه الأحاديث الموضوعة، فيوردون الكثير منها في كتبهم ومؤلفاتهم، وذلك كما فعل الإمام حجة الإسلام الغزالي في كتابه: (إحياء علوم الدين)، والعلامة جار الله الزمخشري في تفسير (الكشاف) وغيرهم ممن ألفوا في مجال التصوف أو التفسير أو الفقه أو علم الكلام أو التاريخ.\nولقد كان لإيراد هذه الموضوعات في كتب هؤلاء أثر بالغ في حياة المسلمين العملية والفكرية على السواء، حيث راجت هذه الأحاديث بين كثير من الناس، وانخدعوا بتصديقها، واطمأنوا إليها، كيف لا، وقد انخدع بها قبلهم أئمة كبار، وعلماء أجلاء.\nأما أثر ذلك من الناحية العملية فقد يصدق المسلم حديثا موضوعا في مجال العبادات مثلا، فيعمل به على أساس أنه من الدين والدين منه براء، وحينئذ يصبح ما دسه الملاحدة والزنادقة في نظره جزءا من تعاليم الدين، وأما أثر ذلك من الناحية الفكرية فما أعظم الضرر الذي يلحق المسلم عندما تنقلب أمامه الحقائق، وتحتل لديه المقاييس، ويعتقد الباطل حقا والكذب صدقا، فيعيش في ضلال مبين.\nكذلك من الآثار السيئة لحركة الوضع في مجال التفسير أننا نجد - في بعض الأحيان - أقوالا متعارضة في تفسير القرآن الكريم لبعض الصحابة والتابعين، ويكون التعارض بين الأقوال حقيقيا لا مكان فيه للتوفيق، بل قد نجد - أحيانا - قولين متعارضين في تفسير آية واحدة ينسبان إلى صحابي واحد، مما يوهم الجهال بأنه شخص متناقض مع نفسه، ولكننا عندما نعرض القولين على مناهج المحدثين نجد أن أحد القولين هو الذي تصح نسبته إلى صاحبه لصحة السند الذي روى به، بينما القول الآخر موضوع","vol":"2","page":29},{"text":"عليه، قد وضعه كذاب أو زنديق، وفي هذه الحالة فإن من الواجب الاعتماد على الصحيح دون غيره، وغني عن البيان أن الذي أوقعنا في هذه البلبلة الفكرية هو تلك الحركة المشبوهة والمسمومة، حركة الوضع في التفسير.\nيضاف إلى ذلك أيضا أن كثيرا من المستشرقين والمبشرين أعداء الإسلام، اتخذوا من هذه الأحاديث الموضوعة سلاحا لمحاربة الإسلام، وتوجيه الطعون إليه، وقد تصيدوا من هذه الأحايث ما يكون منافيا للعقل، أو مخالفا للواقع، وأثاروا بها الشبهات حول الإسلام أو القرآن أو الرسول ﵊، أو الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، واستندوا في هذا كله - إلى ورود هذه الأحاديث في بعض كتب المسلمين التي أشرنا إليها، وجهلوا أو تجاهلوا الحقيقة العلمية الثابتة، وهي أنه ليس كل ما يذكر في هذه الكتب صحيحا، بل هذه الكتب التي اعتمدوا عليها تشتمل على الغث والسمين، والأصيل والدخيل، والصحيح والعبيل.\nونكتفي هنا بمثال واحد مما أورده المستشرقون من شبهات؛ فقد اتهم المستشرق اليهودي (جولد تسيهر) الصحابي الجليل عبد الله بن عباس رض الله عنه بالتناقض في مسألة الذبيح، وهل هو إسماعيل أو إسحاق، فمرة ذكر الرواة عنه أنه قال: إن الذبيح هو إسماعيل، ومرة أخرى ذكر الرواة عنه أنه قال إن الذبيح هو إسحاق، وعد هذا من ابن عباس تناقضا في الرأي وفي ذلك يقول (جولد تسيهر): (ولا نستطيع - على الرغم من كثرة الزيف القليل الفائدة - أن نقدر حق القدر ذلك النشاط الذي حفظ به الرواة المعلومات الهائلة، الفياضة بالأقوال المتعارضة دون مبالاة ولا اكتراث، وأول ما يتبادر للنظر في ذلك النطاق هو تلك الظاهرة الغريبة، حيث تسند إلى ابن عباس أقوال تصور آراء شديدة التناقض، لا تقبل توفيقا ولا تسوية ويوجد مثال لذلك في مسألة الخلاف التي كثر حولها الجدل قديما: أي ابني إبراهيم أراد أبوه أن يذبحه طوعا لأمر الله) - ثم قال بعد أن استعرض كلا الرأيين المتعارضين في هذا المجال: «هكذا يقف الرأيان جميعا، أحدهما","vol":"2","page":30},{"text":"بإزاء الآخر، كلاهما ثابت بالنقل، مدعوم بالسند الكافي لإقناع مطالب العلماء الإسلامين، فيستطيع فريق إسحاق أن يرجع عن طريق أبي هريرة - إلى العالم اليهودي: كعب الأحبار، وهو من أهم مصادر الرواية للإسرائيليات والنصرانيات في الأساطير الإسلامية، بل لقد ذكر العباس - عم الرسول - الذي يقال إنه استند إلى النبي نفسه في ذلك شاهدا لتأييد فريق إسحاق، بيد أن الحجة الكبرى في مسائل تفسير القرآن هو دائما ابن عباس، فيظهر ابن عباس نفسه إذن على أنه أساس الإسناد عند كلا الفريقين، وتسوق كلتا الروايتين قوله المدعوم برجال السلسلة في نسق جيد دليلا على صحة مذهب كل منهما، ففريق إسحاق يتخذ عكرمة، وفريق إسماعيل يتخذ الشعبي أو مجاهد عمدة في الرواية المباشرة عن ابن عباس أنه حسم في هذا الموضوع بما يوافق رأي كل منهما» (^١).\nهذا ما يقوله (جولد تسيهر) الذي أراد أن يصور لنا ابن عباس بصورة الرجل الذي يناقض نفسه، وكذب (جولد تسيهر) فيما يقول، لأن الرواية التي تنسب إلى ابن عباس أنه قال: إن الذبيح هو إسماعيل أصح من الرواية الأخرى، وهي التي يجب أن يعتمد عليها في هذا الموضوع، وينبغي أن تحسم مادة الخلاف فيه، واستمع معي إلى أستاذنا الجليل الدكتور محمد حسين الذهبي، فقد رد على هذا المستشرق ردا علميا مفصلا ومدعما بالدليل حيث يقول ﵀: «هذا ما حكم به الأستاذ جولد تسيهر على التفسير بالمأثور في كتابه، وكل ما قاله في هذا الموضوع لا يعدو أن يكون محاولات فاشلة، يريد من ورائها أن يظهر ابن عباس خاصة، ومن تكلم في التفسير من الصحابة عامة بمظهر الشخص الذي يناقض نفسه في الكلمة الواحدة، أو الموضوع الواحد، كما يرمى من وراء ذلك إلى أن يصرف نظر المسلمين عن هذه الثروة الضخمة التي خلفها لهم السلف الصالح في التفسير زعما أن هذا التناقض الموجود بين الروايات نتيجة لاختلاف وجهات النظر من شخص واحد أو أشخاص، وتفسير هذا شأنه تحن في حل من التزامه، لأنهم قالوا بعقولهم، ونحن مشتركون معهم في هذا القدر».\n_________\n(^١) مذاهب التفسير الإسلامي ص ٩٨ وما بعدها.","vol":"2","page":31},{"text":"ونحن لا ننكر أن هناك اختلافا بين السلف في التفسير، كما لا ننكر أن هناك اختلافا بين قولين أو أقوال لشخص واحد منهم، ولكن هذا الاختلاف قلنا عنه - فيما سبق مفصلا - إن معظمه يرجع إلى اختلاف عبارة وتنوع، لا اختلاف تناقض وتضاد، فما كان من هذا القبيل فالجمع بينه سهل ميسور، وما لم يمكن فيه الجمع فالمتأخر من القولين عن الشخص الواحد مقدم إن استويا في الصحة عنه، وإلا فالصحيح المقدم.\nأما إذا تعارضت أقوال جماعة من الصحابة وتعذر الجمع أو الترجيح فيقدم ابن عباس على غيره، لأن النبي ﷺ بشره بذلك حيث قال: «اللهم علمه التأويل»، وقد رجح الشافعي قول زيد في الفرائض لحديث «أفرضكم زيد».\nوأما ما ساقه على سبيل المثال من اختلاف الرواية عن ابن عباس في تعيين الذبيح فقد رجعت إلى ابن جرير في تفسيره، فوجدته قد ذكر عن ابن عباس هاتين الروايتين المختلفتين، وساق كل رواية منهما بأسانيد تتصل إلى ابن عباس، بعضها يرفعه إلى الرسول ﷺ، وبعضها موقوف عليه.\nوابن جرير - كما نعلم - لم يلتزم الصحة في كل ما يرويه، ولو أننا عرضنا هاتين الروايتين على قواعد المحدثين في نقد الرواية والترجيح لتبين لنا - بكل وضوح وجلاء - أن الرواية القائلة بأن الذبيح هو إسماعيل أصح من غيرها وأرجح مما يخالفها، لأنها مؤيدة بأدلة كثيرة، يطول ذكرها، وأيضا فإن الرواية التي يذكرها ابن جرير عن ابن عباس مرفوعة إلى رسول الله ﷺ، ومفيدة أن الذبيح هو إسحاق في سندها الحسن بن دينار عن على بن زيد، والحسن بن دينار متروك، وعلي بن زيد منكر الحديث كما ذكره الحافظ ابن كثير في تفسيره.\nأما باقي الروايات الموقوفة على ابن عباس والتي تفيد أن الذبيح هو إسحاق فهي - وإن كانت صحيحة الأسانيد - محمولة على أن ما تضمنته من أن الذبيح هو إسحاق كان رأي ابن عباس في أول الأمر، لأنه سمع ذلك من بعض الصحابة الذين كانوا يحدثون في مثل هذا بما سمعوه من كعب وغيره","vol":"2","page":32},{"text":"من مسلمي اليهود، ثم علم بعد أن ذلك قول اليهود فرجع عنه وصرح بنقيضه، كما قال ابن جرير: «حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عمر بن قيس عن عطاء بن أبي رباح عن عبد الله بن عباس أنه قال: «المفدى إسماعيل، وزعمت اليهود أنه إسحاق، وكذبت اليهود»»، وهذا الأمر صحيح عن ابن عباس، إسناده على شرط الصحيح، وهو - كما ترى - صريح في تكذيب اليهود فيما زعموه، وهو يقضي على كل أثر بخلافه، وبهذا الطريق تنتظم الآثار الواردة عن ابن عباس في هذا الباب، قال ابن كثير في تفسيره - بعد ما ساق الروايات في أن الذبيح هو إسحاق - «وهذه الأقوال - والله أعلم - كلها مأخوذة عن كعب الأحبار، فإنه لما أسلم في الدولة العمرية جعل يحدث عمر ﵁ عن كتبه قديما، فربما استمع له عمر ﵁، وترخص الناس في استماع ما عنده، ونقلوا ما عنده عنه، غثها وسمينها، وليس لهذه الأمة - والله أعلم - حاجة إلى حرف واحد مما عنده» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-70>جهود العلماء في مقاومة الوضع:</span>\nولأن الأمر جد خطير لم يكتف علماء الإسلام بما وضعوه من أمارات وقرائن لمعرفة الحديث الموضوع، بل قاموا كذلك - في سبيل الحفاظ على السنة - بجهود موفقة ومشكورة المقاومة حركة الوضع في الحديث، وهذه الجهود تتمثل فيما يلي:\n\n<span data-type='title' id=toc-71>أولا - المبادرة إلى تدوين السنة:</span>\nلم تدون السنة في عصر النبي ﷺ، ولا في عصر الصحابة رضوان الله عليهم، وإنما بدأ تدوينها في عصر التابعين، وهو العصر الذي كثر فيه الوضع في الحديث، وانتشرت الموضوعات بين الناس انتشارا كبيرا، ويذكر المؤرخون أن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ﵁ هو أول من فكر\n_________\n(^١) التفسير والمفسرون ج ١ ص ١٦١ وما بعدها.","vol":"2","page":33},{"text":"في تدوين السنة - علي صاحبها أفضل الصلاة والسلام - وكان ذلك على رأس المائة الأولى من هجرة الرسول ﷺ، فقد كتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر ابن حزم - عامله وقاضيه على المدينة - يقول:\n«انظر ما كان من حديث رسول الله ﷺ فاكتبه، فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء» وأوصاه أن يكتب له ما عند عمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية والقاسم بن محمد بن أبي بكر، وكذلك كتب إلى عماله في أمهات المدن الإسلامية بجمع الحديث، وممن كتب إليه بذلك الإمام محمد بن شهاب الزهري (^١).\nومنذ ذلك الحين أقبل العلماء على جمع السنة، وتدوين الحديث بهمة موفورة ونشاط بالغ، وجد عظيم، ولم يكد ينتهى القرن الثالث الهجري حتى كانت الأحاديث النبوية مجموعة في كتب معتمدة مثل كتاب الموطأ للإمام مالك، وكتاب المسند للإمام أحمد، وصحيح البخاري، وصحيح مسلم، وسنن الترمذي والنسائي وابن ماجة وأبى داود، وغيرها من الكتب التي حفظت لنا هذا التراث العظيم الذي تركه لنا رسول الإنسانية محمد ﷺ، وبهذا العمل الجليل حال علمائنا الكرام بين الوضاعين وبين ما أرادوه من الإفساد والعبث في سنة الرسول ﵊.\n\n<span data-type='title' id=toc-72>ثانيا - وضع علم الجرح والتعديل:</span>\nومن الجهود المباركة كذلك في مقاومة حركة الوضع في الحديث أن علماءنا الأجلاء قاموا بوضع علم يتعلق برجال الحديث، وهو ما يعرف بعلم الجرح والتعديل، وهذا العلم يبحث فيه عن أحوال الرواة وأمانتهم وثقتهم وعدالتهم وضبطهم، أو عكس ذلك من كذب أو غفلة أو نسيان.\n_________\n(^١) انظر الحديث والمحدثون ص ٢٤٤ وفي أصول الحديث ص ١٠٠ والسنة ومكانتها في التشريع الإسلامي ص ١٠٢","vol":"2","page":34},{"text":"ويصف الدكتور مصطفى السباعي هذا العلم بأنه من أجل العلوم التي نشأت عن تلك الحركة المباركة - يعني حركة العلماء وجهودهم في مقاومة الوضع - لا نعرف له مثالا أيضا في تاريخ الأمم الأخرى، وقد أدى إلى نشأة هذا العلم حرص العلماء علي الوقوف على أحوال الرواة، حتي يميزوا بين الصحيح وغيره، فكانوا يختبرون بأنفسهم من يعاصرونهم من الرواة، ويسألون السابقتين ممن لم يعاصرونهم، ويعلنون رأيهم فيهم دون تحرج ولا تأثم، إذ كان ذلك ذبا عن دين الله وسنة رسوله ﷺ، وقد قيل للبخاري: إن بعض الناس ينقمون عليك التاريخ يقولون: فيه اغتياب الناس، فقال: إنما روينا ذلك رواية، ولم نقله من عند أنفسنا، وقد قال النبي ﷺ: «بئس أخو العشيرة المغتاب» (^١).\nوإذن فالباعث على وضع هذا العلم هو صيانة السنة والذب عنها، وتمييز ما صح من الأحاديث عن غيره، وقد أجاز العلماء الجرح - وهو بيان حالة الراوي من كذب أو فسق أو جهل أو زندقة أو اعتقاد فاسد ونحو ذلك لما يترتب عليه من صيانة الشريعة والذب عنها، وبيان ما تطرق إلى السنة - وهي الأصل الثاني للدين - من أحاديث موضوعة وضعيفة ومنكرة وشاذة، ولا يعد تجريح الراوي هنا من باب الغيبة المحرمة شرعا قال أبو بكر بن خلاد ليحى بن سعيد: أما تخشى أن يكون هؤلاء الذين تركت حديثهم خصماءك عند الله؟ فقال: لأن يكونوا خصمائي أحب إلي من أن يكون خصمي رسول الله ﷺ، يقول لي: «لم لا تذب الكذب عن حديثي» وقال أبو تراب النخشبي لأحمد بن حنبل: لا تغتب العلماء، فقال له أحمد: «ويحك، هذا نصيحة، ليس هذا غيبة»، وقال بعض الصوفية لابن المبارك: «تغتاب؟ قال: اسكت، إذا لم نبين كيف نعرف الحق من الباطل» (^٢).\n_________\n(^١) السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي ص ١٠٦.\n(^٢) تدريب الراوي ج ٢ ص ٣٦٩","vol":"2","page":35},{"text":"والجرح له مراتب أشدها ثلاثة وفيها يكون الراوي ساقطا لا يكتب حديثه ولا يعتبر به - المرتبة الأولى - وهي أقلها - أن يقولوا، (مردود الحديث، أو ضعيف جدا، أو طرحوا حديثه، أولا يساوى شيئا)، والمرتبة الثانية - وتزداد قبحا عن الأولى - أن يقولوا: (متروك الحديث، أوساقط، أو لا يعتبر بحديثه، أو متهم بالكذب أو بالوضع)، والمرتبة الثالثة - وهي أقبح المراتب الثلاثة - أن يقولوا: (كذاب. أو دجال، أو وضاع، أو يضع الأحاديث) (^١).\nومما يدل على الدقة المتناهية لدى علماء الجرح والتعديل أنهم قالوا: إن الذي يكذب في حديث الرسول ﷺ لا تقبل روايته بحال، وإن تاب عن الكذب، بخلاف الذي يكذب في حديث الناس، ثم يتوب، فإن روايته تقبل بعد التوية، وفي ذلك يقول الحافظ ابن كثير: «التائب من الكذب في حديث الناس تقبل روايته، خلافا لأبي بكر الصيرفي، فأما إن كان قد كذب في الحديث متعمدا فنقل ابن الصلاح عن أحمد بن حنبل وأبي بكر الحميدى شيخ البخاري: أنه لا تقبل روايته أبدا، وقال أبو المظفر السمعاني: من كذب في خبر واحد وجب إسقاط ما تقدم من حديثه» (^٢). وعلق الشيخ أحمد شاكر على كلام ابن كثير هذا فقال: «ورد النووى هذا، فقال - في شرح مسلم -: (المختار القطع بصحة توبته، وقبول روايته كشهادته، كالكافر إذا أسلم)، والراجح ما قاله أحمد بن حنبل ومن معه تغليظا وزجرا بليغا عن الكذب على رسول الله ﷺ، لعظم مفسدته، فإنه يصير شرعا مستمرا إلى يوم القيامة، بخلاف الكذب على غيره والشهادة فإن مفسدتهما قاصرة ليست عامة، فلا يقاس الكذب في الرواية\n_________\n(^١) انظر تدريب الراوي ج ١ ص ٣٤٧\n(^٢) الباعث الحثيث ص ١١٢.","vol":"2","page":36},{"text":"على الكذب في الشهادة أو في غيرها، ولا على أنواع المعاصي الأخرى» (^١):\nهذا والكتب التي ألفها العلماء في مجال الجرح والتعديل كثيرة، منها ما أفرد لذكر الثقات فقط مثل كتاب الثقات لابن حيان، ومنها ما أفرد لذكر الضعفاء والمتروكين فقط مثل كتاب الكامل لابن عدي، ومنها ما جمع فيه بين الثقات والضعفاء مثل تواريخ البخاري الثلاثة: الكبير وهو مرتب على حروف المعجم، والأوسط والصغير وهما مرتبان على السنين.\n\n<span data-type='title' id=toc-73>ثالثا: تصنيف الكتب في بيان الأحاديث الموضوعة:</span>\nثم تتبع علماؤنا الاجلاء - جزاهم الله خيرا عن الإسلام وأهله - الأحاديث الموضوعة، وأفردوها بالجمع والتأليف، وبينوا ما في أسانيدها من الرواة الوضاعين، وما في متونها من إمارات الوضع، وعلامات الكذب، حتى لا ينخدع بها أحد من المسلمين، وبذلك أسدوا أجل الخدمات للسنة النبوية الشريفة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، ومن أشهر الكتب التي ألفت في هذا المجال مما يلي:\n\n<span data-type='title' id=toc-74>١ - كتاب الموضوعات للحافظ أبى الفرج ابن الجوزي </span>المتوفى سنة ٥٩٧ هـ ومما يؤخذ على هذا الكتاب أن ابن الجوزي تساهل فيه كثيرا، بحيث أدخل في الموضوع ما ليس منه مثل الأحاديث الضعيفة التي لا دليل فيها على الوضع، وقد ذكر السيوطي - في التدريب - أن فيه الحسن والصحيح، ثم قال: «وأغرب من ذلك أن فيه حديثا من صحيح مسلم وهو ما رواه من طريق أبي عامر العقدي عن أفلح بن سعيد عن عبد الله بن رافع\n_________\n(^١) المصدر السابق ص ١١٣.","vol":"2","page":37},{"text":"عن أبي هريرة قال: قال ﷺ: «إن طالت بك مدة أوشك أن ترى قوما يغدون في سخط الله، ويروحون في لعنته، في أيديهم مثل أذناب البقر». قال شيخ الإسلام - يعني الحافظ ابن حجر: لم أقف في كتاب الموضوعات على شيء حكم عليه بالوضع - وهو في أحد الصحيحين - غير هذا الحديث، وإنها لغفلة شديدة منه» (^١).\nكما يقول ابن حجر - عن كتاب الموضوعات هذا: «غالب ما في كتاب ابن الجوزي موضوع، والذي ينتقد عليه - بالنسبة إلى ما لا ينتقد - قليل جدا، وفيه من الضرر أن تظن ما ليس بموضوع موضوعا عكس الضرر بمستدرك الحاكم، فإنه يظن ما ليس بصحيح صحيحا، ويتعين الاعتناء بانتقاد الكتابين، فإن الكتابين في تساهلهما عدم الانتفاع بهما إلا لعالم بالفن، لأنه ما من حديث إلا ويمكن أن يكون قد وقع فيه التساهل» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-75>٢ - كتاب اللالئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة للحافظ جلال الدين السيوطي </span>المتوفى سنة ٩١١ هـ، وقد ذكر السيوطي في التدريب أنه اختصره من كتاب ابن الجوزي، فعلق أسانيده، وذكر منها ما تمس إليه الحاجة، وأتى بالمتون وكلام ابن الجوزي عليها، وتعقب كثيرا منها، وتتبع كلام الحفاظ في تلك الأحاديث، خصوصا ما ذكره شيخ الإسلام ابن حجر في تصانيفه (^٣).\nوللسيوطي أيضا كتاب آخر في هذا المجال، وهو ذيل اللالي المصنوعة، زاد فيه مافات ابن الجوزي في الموضوعات (^٤).\n_________\n(^١) تدريب الراوي ج ١ ص ٢٧٨ وما بعدها (بتصرف).\n(^٢) المصدر السابق ج ص ٢٧٩.\n(^٣) المصدر السابق بتصرف في العبارة.\n(^٤) السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي ص ١١٧.","vol":"2","page":38},{"text":"<span data-type='title' id=toc-76>٣ - كتاب الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة للإمام أبي عبد الله محمد بن على الشوكاني </span>المتوفى سنة ١٢٥٠ هـ لكنه أدرج فيه كثيرا من الأحاديث التي لم تبلغ درجة الوضع، بل ومنها صحاح وحسان، قلد في ذلك ابن الجوزي وأضرابه من المتساهلين (^١).\n<span data-type='title' id=toc-77>٤ - كتاب تذكرة الموضوعات للحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي </span>المتوفى سنة ٥٠٧ هـ، وقد ذكر فيه الأحاديث التي رواها الكذبة والمجروحون، والضعفاء والمتروكون.\n_________\n(^١) الحديث والمحدثون ص ٤٨٩.","vol":"2","page":39},{"text":"<span data-type='title' id=toc-78>أمثلة من الأحاديث الموضوعة في التفسير</span>\nلقد كان التفسير من الميادين الفسيحة التي كثر فيها الوضع، وجال فيها الوضاعون وصالوا، ونشطوا فيها نشاطا كبيرا، فتارة كان الوضاعون يضعون الأحاديث في أسباب النزول بغية أن يفسروا القرآن في ضوئها على حسب أهوائهم، وتارة أخرى كانوا يضعون الأحاديث في المراد من بعض الآيات انتصارا لمذهب معين، وطورا كانوا يضعون الأحاديث في تحديد المعنى الآيات، مثلما فعل الباطنية الذين كانوا يفسرون القرآن تفسيرا رمزيا ويستدلون على تفاسيرهم تلك ببعض الأحاديث الموضوعة.\nوقد انتشر الوضع في التفسير منذ عصر مبكر من عصور الإسلام، حتى أنه يروى عن الإمام أحمد بن حنبل المتوفى سنة ٢٤١ هـ أنه قال: «ثلاثة ليس لها أصل: التفسير والملاحم والمغازي» وفي رواية: «ثلاثة كتب لا أصل لها: المغازي والملاحم والتفسير» (^١).\nواختلف العلماء في فهم المراد من كلام ابن حنبل هذا، وماذا يريد بعبارته\n_________\n(^١) المغازي جمع مغزى، يقال: غزا يغزوا غزوا ومغزى، وأصل الغزو القصد، ومغزى الكلام مقصده، والمراد بالمغازي هنا ما وقع من قصد النبي ﷺ الكفار بنفسه أو بجيش من قبله، أي ما يعم الغزوات والسرايا الحربية، أما الملاحم فجمع ملحمة، والملحمة هي الحرب ذات القتل الشديد كما في لسان العرب، وتطلق أحيانا على القتال في الفتنة أو الوقعة العظيمة في الفتنة، ولعل هذا المعنى الأخير هو المراد هنا، فالملاحم هي حروب الفتنة التي وقعت أو تقع بين المسلمين بعضهم مع بعض ولم يثبت فيها سوى أحاديث قليلة.","vol":"2","page":40},{"text":"تلك، فقال الخطيب البغدادي: «هذا محمول على كتب مخصوصة في هذه المعاني، غير معتمد عليها، لعدم عدالة ناقليها، وزيادة القصاص فيها، فأما كتب الملاحم فجميعها بهذه الصفة، وليس يصح في ذكر الملاحم المرتقبة والفتن المنتظرة غير أحاديث يسيرة، وأما كتب التفسير فمن أشهرها كتابا الكلبي ومقاتل بن سليمان، وقد قال الإمام أحمد - في تفسير الكلبي -: «من أوله إلى آخره كذب» قيل له. فيحل النظر فيه؟ قال: لا، وقال أيضا كتاب مقاتل قريب منه، وأما المغازي فمن أشهرها كتب محمد بن إسحاق: وكان يأخذ عن أهل الكتاب، وقال الشافعي: كتب الواقدي كذب، وليس في المغازي أصح من كتاب موسى بن عقبة» (^١).\nويرى بعض العلماء أن المراد من كلام الإمام أحمد هو أن ما لم يصح من الأحاديث - في مجال التفسير - كثير جدا إذا قيس بالصحيح، ومثل التفسير المغازي والملاحم، قال ابن تيمية (ومعلوم أن المنقول في التفسير أكثره كالمنقول في المغازي والملاحم) ولهذا قال الإمام أحمد: «ثلاثة أمور ليس لها إسناد: التفسير والملاحم والمغازي ويروى: «ليس لها أصل» أي إسناد، لأن الغالب عليها المراسيل» (^٢).\nوقال الزركشي: «لطالب التفسير مآخذ كثيرة، أمهاتها أربعة: الأول النقل عن الرسول ﷺ، وهذا هو الطراز الأول، لكن يجب الحذر من الضعيف فيه والموضوع فإنه كثير، وإن سواد الأوراق سواد في القلب، قال الميموني: سمعت أحمد بن حنبل يقول: «ثلاثة كتب ليس لها أصول: المغازي والملاحم والتفسير»، قال المحققون من أصحابه: ومراده أن الغالب أنها اليس لها أسانيد صحاح متصلة، وإلا فقد صح من ذلك كثير» (^٣).\n_________\n(^١) الحديث والمحدثون ص ٤٨٦.\n(^٢) مقدمة في أصول التفسير ص ٥٨، ٥٩.\n(^٣) البرهان في علوم القرآن ج ٢ ص ١٥٦.","vol":"2","page":41},{"text":"وسواء أكان المراد من العبارة هذا أم ذاك فإنه يغلب على الظن أن هذه العبارة قيلت بسبب انتشار ظاهرة الوضع في التفسير، في هذا العصر المبكر الذي عاش فيه الإمام أحمد بن حنبل ﵁.\nوأيضا يذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في أوائل القرن الثامن الهجري - أن كثيرا من كتب التفسير مشحون بالأحاديث الموضوعة التي لا أصل لها فيقول: (وفي التفسير من هذه الموضوعات قطعة كبيرة، مثل الحديث الذي يرويه الثعلبي والواحدي والزمخشري في فضائل سور القرآن سورة سورة، فإنه موضوع باتفاق أهل العلم، والثعلبي نفسه كان فيه خير ودين، ولكنه كان حاطب ليل). ينقل ما وجد في كتب التفسير من صحيح وضعيف وموضوع، والواحدي صاحبه، كان أبصر منه بالعربية، لكن هو أبعد عن السلامة واتباع السلف، والبغوي تفسيره مختصر من الثعلبي. لكنه صانه عن الأحاديث الموضوعة والآراء المبتدعة، والموضوعات في كتب التفسير كثيرة، منها الأحاديث الكثيرة الصريحة في الجهر بالبسملة، وحديث على الطويل في تصدقه بخاتمه في الصلاة، فإنه موضوع باتفاق أهل العلم، ومثل ما روي في قوله «ولكل قوم هاد (^١) إنه علي، «وتعيها أذن واعية» (^٢) أذنك يا علي» (^٣).\nوبعد فإليك أمثلة من الأحاديث الموضوعة في التفسير، وما قاله العلماء فيها، والله المستعان.\n\n<span data-type='title' id=toc-79>المثال الأول: قصة الغرانيق:</span>\nذكر بعض المفسرين - عند تفسير قوله تعالى: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي\n_________\n(^١) سورة الرعد: ٧\n(^٢) سورة الحاقة: ١٢.\n(^٣) مقدمة في أصول التفسير ص ٧٥ وما يعدها.","vol":"2","page":42},{"text":"الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم (٥٢)﴾ (^١) - رواية باطلة في سبب نزول هذه الآية الكريمة، ملخصها: أن الرسول ﷺ لما نزلت عليه سورة (النجم) أخذ يقرؤها على الناس، ويلقيها على مسامع المشركين، فلما بلغ قوله تعالى: ﴿أفرأيتم اللات والعزى. ومناة الثالثة الأخرى﴾.\nألقي الشيطان بعد ذلك في قراءة الرسول ﷺ جملتين فاسدتين، هما: «تلك الغرانيق العلا (^٢)، وإن شفاعتهن لترتجى»، فسر المشركون بذلك سرورا عظيما، لأنه ذكر آلهتهم بخير، فلما سجد الرسول ﷺ في آخر السورة سجد معه المشركون، وتقول الرواية - إمعانا في نسج خيوط هذه القصة - أن هذه الكلمة فشت في الناس وأظهرها الشيطان، حتى بلغت أرض الحبشة، وأن كثيرا من المهاجرين إلى الحبشة رجعوا إلى مكة، إثر حدوث ذلك، ظنا منهم أن مشركي مكة قد أسلموا (^٣).\nوممن انخدع بتصديق هذه الرواية الباطلة من المفسرين العلامة جار الله الزمخشري، حيث يقول: (والسبب في نزول هذه الآية أن رسول الله ﷺ لما أعرض عن قومه وشاقوه، وخالفه عشيرته ولم يشايعوه على ما جاء به تمنى - لفرط ضجره من إعراضهم، ولحرصه وتهالكه على إسلامهم أن لا ينزل عليه ما ينفرهم، لعله يتخذ ذلك طريقا إلى استمالتهم واستنزالهم عن غيهم وعنادهم، فاستمر به ما تمناه، حتى نزلت عليه سورة (النجم) - وهو في نادي قومه، وذلك التمني في نفسه - فأخذ يقرؤها، فلما بلغ قوله تعالى: (ومناة الثالثة الأخرى) ألقى الشيطان في أمنيته التي تمناها، أي وسوس إليه\n_________\n(^١) سورة الحج: ٥٣.\n(^٢) الغرانيق هنا الأصنام، وهي في الأصل: الذكور من طيور الماء، واحدها غرنوق وغرنيق، سمي به لبياضه، وكانوا يزعمون أن الأصنام تقربهم من الله وتشفع لهم، فشبهت بالطيور التي تعلو في السماء وترتفع. اهـ من النهاية لا بن الأثير.\n(^٣) تفسير ابن كثير ج هـ ص ٤٣٨، وتفسير الآلوسي جـ ١٧ ص ١٧٦.","vol":"2","page":43},{"text":"بما شيعها به، فسبق لسانه - على سبيل السهو أو الغلط - إلى أن قال: (تلك الغرانيق العلا، وإن شفاعتهم لترتجى) - وروى الغرانقة - ولم يفطن له حتى أدركته العصمة فتنبه عليه، ووقيل: نبهه جبريل ﵇، أو تكلم الشيطان بذلك فأسمعه الناس، فلما سجد في آخرها سجد معه جميع من في النادي، وطابت نفوسهم وكان تمكين الشيطان من ذلك محنة من الله وابتلاء، زاد المنافقون به شكا وظلمة، والمؤمنون نورا وإيقانا، والمعنى: أن الرسل والأنبياء من قبلك كانت هجيراهم (^١) كذلك، إذا تمنوا مثل ما تمنيت مكن الله الشيطان، ليلقي في أمانيهم مثل ما ألقى في أمنيتك، إرادة امتحان من حولهم، والله - سبحانه - له أن يمتحن عباده بما شاء من صنوف المحن، وأنواع الفتن، ليضاعف تواب الثابتين، ويزيد في عقاب المذبذبين» (^٢).\nوفد ذكر كثير من العلماء أن هذه الرواية مختلفة ولا أصل لها، وأنها من وضع الزنادقة وأعداء الدين، وبينوا كذلك ما تنطوي عليه هذه القصة الخرافية من أدلة الفساد، وشواهد الكذب، قال الإمام الآلوسي ﵀: «وقد أنكر كثير من المحققين هذه القصة، فقال البيهقي: هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل»، وقال القاضي عياض - في الشفاء: «يكفيك في توهين هذا الحديث أنه لم يخرجه أحد من أهل الصحة»، ولا رواه ثقة بسند صحيح سليم متصل، وإنما أولع به وبمثله المفسرون والمؤرخون المولعون بكل غريب، المتلقفون من الصحف كل صحيح وسقيم، وفي «البحر» (^٣) أن هذه القصة سئل عنها الإمام محمد بن إسحاق، جامع السيرة النبوية. فقال: هذا من وضع الزنادقة. وصنف في ذلك كتابا، وذكر الشيخ أبو منصور الماتريدي\n_________\n(^١) يقال: ما زال ذلك هجيراه - بكسر الهاء وتشديد الجيم - أي دأ به وشأنه وعادته، ا هـ من لسان العرب.\n(^٢) تفسير الكشاف ج ٢ ص ٦٥\n(^٣) يريد كتاب (البحر المحيط) لأبي حيان الأندلسي.","vol":"2","page":44},{"text":"- في كتاب (حصص الأنقياء): (الصواب أن قوله: (تلك الغرانيق العلا) من جملة إيحاء الشيطان إلى أوليائه من الزنادقة، حتى يلقوا بين الضعنماء وأرقاء الدين، ليرتابوا في صحة الدين، وحضرة الرسالة بريئة من مثل هذه الرواية).\nوذكر غير واحد أنه يلزم على القول بأن الناطق بذلك النبي ﷺ بسبب إلقاء الشيطان الملبس بالملك أمور: منها تسلط الشيطان عليه ﵊ وهو ﷺ بالإجماع معصوم من الشيطان، لاسيما في مثل هذا من أمور الوحي والتبليغ والاعتقاد، وقد قال سبحانه: ﴿إن عبادي ليس لك عليهم سلطان﴾ (^١) وقال تعالى: ﴿إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا﴾ (^٢) إلى غير ذلك، ومنها زيادته ﷺ في القرآن ما ليس منه وذلك مما يستحيل عليه ﵊ لمكان العصمة، ومنها اعتقاد النبي ﷺ ما ليس بقرآن أنه قرآن، مع كونه بعيد الالتئام متناقضا ممتزج المدح بالذم، وهو خطأ شنيع لا ينبغي أن يتساهل في نسبته إليه ﷺ، ومنها أنه إما أن يكون ﵊ عند نطقه بذلك معتقدا ما اعتقده المشركون من مدح آلهتهم بتلك الكلمات، وهو كفر محال في حقه ﷺ، وإما أن يكون معتقدا معنى آخر مخالفا لما اعتقدوه، ومباينا لظاهر العبارة، ولم يبينه لهم مع فرحهم وادعائهم أنه مدح آلهتهم، فيكون مقرا لهم على الباطل، وحاشاه ﷺ أن يقر ذلك، ومنها كونه ﷺ اشتبه عليه ما يلقيه الشيطان بما يلقيه عليه الملك، وهو يقتضي أنه ﵊ على غير بصيرة فيما يوحى إليه، ويقتضي أيضا جواز تصور الشيطان بصورة الملك، ملبسا على\n_________\n(^١) سورة الحجر: ٤٢\n(^٢) سورة النحل: ٩٩","vol":"2","page":45},{"text":"النبي، «ولا يصح ذلك كما قال - في الشفاء - لا في أول الرسالة ولا بعدها، والاعتماد في ذلك دليل المعجزة» (^١).\nوعلى الرغم من أن هذه الرواية ظاهرة البطلان، وتفوح منها رائحة الوضع نجد الحافظ ابن حجر يميل إلى تصديق هذه الرواية، ويجهد نفسه في تأويل ما جاء فيها، ويأخذ على أبي بكر بن العربي والقاضي عياض إنكارهما لصحة هذه الرواية، فيقول بعد أن ساق طرقا لابن عباس وغيره: «وكأنها سوى طريق سعيد بن جبير إما ضعيف وإما منقطع، لكن كثرة الطرق تدل على أن للقصة أصلا، مع أن لها طريقين آخرين مرسلين، رجالهما علي شرط الصحيحين» ثم قال: «وقد تجرأ أبو بكر بن العربي كعادته، فقال: ذكر الطبري في ذلك روايات كثيرة باطلة، لا أصل لها، وهو إطلاق مردود عليه، وكذا قول عياض: هذا الحديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة، ولا رواة ثقة بسند سليم متصل، مع ضعف نقلته، واضطراب رواياته، وانقطاع إسناده، وكذا قوله: ومن حملت عنه هذه القصة من التابعين والمفسرين لم يسندها أحد منهم، ولا رفعها إلى صاحب، وأكثر الطرق عنهم في ذلك ضعيفة واهية، قال: وقد بين البزار أنه لا يعرف من طريق يجوز ذكره إلا طريق أبي بشر عن سعيد ابن جبير، مع الشك الذي وقع في وصله، وأما الكلبي فلا تجوز الرواية عنه لقوة ضعفه، ثم رده عن طريق النظر بأن ذلك لو وقع لارتد كثير ممن أسلم قال: ولم ينقل ذلك …» انتهى.\nوجميع ذلك لا يتمشي على القواعد، فإن الطرق إذا كثرت وتباينت مخارجها دل ذلك على أن لها أصلا، وقد ذكرت أن ثلاثة أسانيد منها على شرط الصحيح، وهي مراسيل يحتج بمثلها من يحتج بالمرسل، وكذا من\n_________\n(^١) تفسير الآلوسي ج ١٧ ص ١٧٧","vol":"2","page":46},{"text":"لا يحتج به لاعتضاد بعضها ببعض، وإذا تقرر ذلك تعين تأويل ما وقع فيها مما يستنكر، وهو قوله: \"ألقى الشيطان على لسانه: تلك الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لترتجى\" فإن ذلك لا يجوز حمله على ظاهره، لأنه يستحيل عليه أن يزيد في القرآن عمدا ما ليس منه، وكذا سهوا إذا كان مغايرا لما جاء به من التوحيد لمكان عصمته، وقد سلك العلماء في ذلك مسالك، فقيل: جرى ذلك على لسانه حين أصابته سنة، وهو لا يشعر، فلما علم بذلك أحكم الله آياته، وهذا أخرجه الطبري عن قتادة، ورده عياض بأنه لا يصح، لكونه لا يجوز على النبي ﷺ ذلك، ولا ولاية للشيطان عليه في النوم، وقيل: إن الشيطان ألجأه إلى أن قال ذلك بغير اختياره، ورده ابن العربي بقوله تعالى حكاية عن الشيطان: ﴿وما كان لي عليكم من سلطان﴾ (^١) الآية، قال: لو كان للشيطان قوة على ذلك لما بقي لأحد قوة في طاعة، وقيل: إن المشركين كانوا إذا ذكروا آلهتهم وصفوهم بذلك، فعلق ذلك بحفظه ﷺ، فجرى على لسانه لما ذكرهم سهوا، وقد رد ذلك عياض فأجاد، وقيل: لعله قالها توبيخا للكفار، قال عياض: وهذا جائز إذا كانت هناك قرينة تدل على المراد، ولا سيما وقد كان الكلام - في ذلك الوقت - في الصلاة جائزا، وإلى هذا نحا الباقلاني، وقيل: إنه لما وصل إلى قوله: (ومناة الثالثة الأخرى) خشي المشركون أن يأتي بعدها بشيء يذم آلهتهم به، فبادروا إلى ذلك الكلام، فيخلطوه في تلاوة النبي ﷺ، على عادتهم في قولهم: ﴿لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه﴾ (^٢)، ونسب ذلك للشيطان، لكونه الحامل لهم على ذلك، أو المراد بالشيطان شيطان الإنس، وقيل: المراد بالغرانيق العلا الملائكة، وكان الكفار يقولون: (الملائكة بنات الله) ويعبدونها، فسيق ذكر السكل ليرد عليهم بقوله تعالى: ﴿ألكم الذكر وله الأنثى﴾ (^٣)، فلما سمعه المشركون\n_________\n(^١) سورة إبراهيم: ٢٢\n(^٢) سورة فصلت: ٢٦\n(^٣) سورة النجم: ٢١","vol":"2","page":47},{"text":"حملوه علي الجميع، وقالوا: قد عظم آلهتنا، ورضوا بذلك، فنسخ الله تلك الكلمتين، وأحكم آياته، وقيل: كان النبي ﷺ يرتل القرآن، فارتصده الشيطان في سكتة من السكتات، ونطق بتلك الكلمات، محاكيا نغمته بحيث سمعه من دنا إليه، فظنها من قوله وأشاعها، قال: وهذا أحسن الوجوه (^١) بيد أن جمهور علماء الإسلام القدامى والمحدثين رفضوا - بشدة - هذه القصة المشبوهة جملة وتفصيلا، وشككوا في صحة هذه الرواية الخطيرة التي تحمل في طياتها ما ينافي عصمة الرسول ﷺ، ويطعن في صميم نبوته، وهل هناك أخطر على عقيدة المسلم من أن يظن - بمقتضى هذه الرواية - أن النبي ﷺ تسلط الشيطان عليه، أو تمكن من إلقاء الكلام على لسانه: ﴿كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا﴾ (^٢)، ومن هؤلاء العلماء الذين شككوا في صحة هذه الرواية الإمام عبد الحق بن عطية - أحد رجالات التفسير بالأندلس في أوائل القرن السادس الهجري، وكان معاصرا للقاضي أبي بكر بن العربي والقاضي عياض بن موسى اليحصبي - فقد قال ابن عطية فيما نقله عنه القرطبي: «وهذا الحديث الذي فيه (هي الغرانيق العلا) وقع في كتب التفسير ونحوها، ولم يدخله البخاري ولا مسلم، ولا ذكره - في علمي - مصنف مشهور، بل يقتضي مذهب أهل الحديث أن الشيطان ألقى، ولا يعينون هذا السبب ولا غيره، ولا خلاف أن إلقاء الشيطان إنما هو لألفاظ مسموعة، بها وقعت الفتنة»، ثم اختلف الناس في صورة هذا الإلقاء، فالذي في التفاسير - وهو مشهور - القول أن النبي ﷺ تكلم بتلك الألفاظ على لسانه، وحدثني أبي ﵁ أنه لقي بالمشرق من شيوخ العلماء والمتكلمين من قال: هذا لا يجوز على النبي ﷺ، وهو المعصوم في التبليغ، وإنما الأمر أن الشيطان نطق بلفظ أسمعه الكفار عند قول النبي ﷺ: (أفرأيتم اللات والعزى، ومناة الثالثة الأخرى) وقرب صوته من صوت النبي ﷺ، حتي\n_________\n(^١) فتح البارى جـ ٨ ص ٤٣٩، ٤٤٠ ط المطبعة السلفية.\n(^٢) سورة الكهف: ٥.","vol":"2","page":48},{"text":"حتى التبس الأمر على المشركين، وقالوا: محمد قرأها، وقد روي نحو هذا التأويل عن الإمام أبي المعالي، وقيل: الذي ألقى شيطان الإنس، كقوله ﷿: ﴿والغوا فيه﴾ (^١).\nوممن ذهب كذلك إلى عدم صحة هذه الرواية وبين أن معنى الآية لا يتوقف عليها الإمام شهاب الدين الألوسي البغدادي المتوفى سنة ١٢٧٠ هـ فقد قال «بعد أن ذكر بالتفصيل وجهة نظر أولئك الذين حكموا بصحة هذه الرواية -: «لكن إثبات صحة الخبر أشد من خرط القتاد» (^٢)، فإن الطاعنين فيه - من حيث النقل علماء أجلاء، عارفون بالغث والسمين من الأخبار، وقد بذلوا الوسع في تحقيق الحق فيه، فلم يروه إلا مردودا، وما ألقى الشيطان إلى أوليائه معدودا، وهم أكثر ممن قال بقبوله، ومنهم من هو أعلم منه، ويغلب على الظن أنهم وقفوا على رواته في سائر الطرق، فرأوهم مجروحين، وفات ذلك القائل بالقبول، ولعمري أن القول بأن هذا الخبر مما ألقاه الشيطان على بعض ألسنة الرواة، ثم وفق الله تعالي جمعا من خاصته لا بطاله أهون من القول بأن حديث الغرانيق مما ألقاه الشيطان على لسان رسول الله ﷺ، ثم نسخه ﷾، لاسيما وهو مما لم يتوقف علي صحته أمر ديني، ولا معنى آية ولا ولا سوى أنه يتوقف عليه حصول شبه في قلوب كثير من ضعفاء المؤمنين، لا تكاد تدفع إلا بجهد جهيد، ويؤيد عدم الثبوت مخالفته لظواهر الآيات، فقد قال سبحانه .. في وصف القرآن ﴿لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد﴾ (^٣) والمراد بالباطل ما كان باطلا في نفسه، وذلك الملقى كذلك» (^٤).\n_________\n(^١) تفسير القرطبي ج ١٢ ص ٨١\n(^٢) القتاد - كسحاب - شجر صلب له شوك كالإبر، وخرط الشجر يخرطه - من باب ضرب وقتل - انتزع الورق منه اجتذابا بالكف، وفي المثل (من دون ذلك خرط القتاد) ويضرب للأمر الذي تحول دون تحققه الموانع.\n(^٣) سورة فصلت: ٤٢.\n(^٤) تفسير الآلوسي ج ١٧ ص ١٨٢","vol":"2","page":49},{"text":"ثم قال الألوسي - بعد ذلك -: «وأنت تعلم أن تفسير الآية - أعني قوله تعالى: ﴿وما أرسلنا﴾ إلخ - لا يتوقف على ثبوت أصل لهذه القصة، وأقرب ما قيل في تفسيرها - على القول بعدم الثبوت - هو وما أرسلنا من قبلك رسولا ولا نبيا إلا وحاله أنه إذا قرأ شيئا من الآيات ألقى الشيطان الشبه والتخيلات فيما يقرؤه على أوليائه ليجادلوه بالباطل، ويردوا ما جاء به، كما قال تعالى: ﴿وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم﴾ (^١) وقال سبحانه: ﴿وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا﴾ (^٢)، وهذا كقولهم - عند سماع قراءة الرسول ﷺ: ﴿إنما حرم عليكم الميتة﴾ (^٣): إنه يحل ذبيح نفسه ويحرم ذبيح الله تعالى، وقولهم - على ما في بعض الروايات، عند سماع قراءته ﵊: ﴿إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم﴾ (^٤): إن عيسى عبد من دون الله تعالى، والملائكة ﵈ عبدوا من دون الله تعالى، ومعنى قوله تعالى: ﴿فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته﴾ أي فيبطل الله ما يلقيه الشيطان من تلك الشبه، ويذهب به بتوفيق النبي ﷺ لرده، أو بانزال ما يرده، ﴿ثم يحكم الله آياته﴾ أي يأتي بها محكمة مثبتة لا تقبل الرد بوجه من الوجوه، وعلى ذلك فهذه الآية مسوقة لتسلية النبي ﷺ بأن السعي في إبطال الآيات أمر معهود، وإنه لسعي مردود» (^٥).\nوأيضا من العلماء المعاصرين الذين هاجموا هذه الأسطورة، وردوا بالأدلة العلمية - أقوال أولئك الذين مالوا إلى تصديقها العالم السوري المحقق.\n_________\n(^١) سورة الأنعام: ١٢١.\n(^٢) سورة الأنعام: ١١٢.\n(^٣) سورة النحل: ١١٥.\n(^٤) سورة الأنبياء: ٩٨.\n(^٥) تفسير الآلوسي جـ ١٧ ص ١٨٦، ١٧٣ بشيء من التصرف في النقل.","vol":"2","page":50},{"text":"الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، فقد ألف كتابا في إبطال هذه القصة، أسماه: «نصب المجانيق لنسف قصة الغرانيق» والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.\n\n<span data-type='title' id=toc-80>المثال الثاني: قصة زينب بنت جحش:</span>\nوفي تفسير قول الله تعالى: ﴿وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه﴾ (^١) يورد بعض المفسرين رواية باطلة تتعلق بالسيدة زينب بنت جحش ﵂، وتقول هذه الرواية: إن الرسول ﷺ ذهب لكي يزور زيد بن حارثة فلم يجده، ووجد زوجته (زينب بنت جحش)، فوقع نظره عليها، وأعجب بها، وتعلق قلبه بحبها، ثم انصرف وهو يقول: (سبحان مقلب القلوب)، ويزعم أصحاب هذه الرواية أن هذا هو المراد من قوله تعالى: ﴿وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه﴾ فقد أخفى الرسول ﷺ حبها في قلبه آنذاك، ولكن الله أظهره بزواج الرسول ﷺ من زينب بعد ذلك.\nومن المفسرين الذين انساقوا وراء هذه الرواية الباطلة جار الله الزمخشري فقد قال: «(أمسك عليك زوجك) يعني زينب بنت جحش ﵂، وذلك أن رسول الله ﷺ أبصرها بعدما أنكحها إياه - يقصد زيدا - فوقعت في نفسه، فقال: (سبحان الله مقلب القلوب) وذلك أن نفسه كانت تجفو عنها قبل ذلك لا تريدها، ولو أرادتها لاختطبها، وسمعت زينب بالتسبيحة، فذكرتها لزيد ففطن، وألقى الله في نفسه كراهة صحبتها، والرغبة عنها لرسول الله ﷺ، فقال الرسول الله ﷺ: إني أريد أن أفارق صاحبتي، فقال: مالك؟ أرابك منها شيء؟ قال: لا والله ما رأيت منها إلا خيرا، ولكنها تتعاظم على الشرفها وتؤذيني، فقال له: (أمسك عليك زوجك واتق الله)،\n_________\n(^١) سورة الأحزاب: ٣٧.","vol":"2","page":51},{"text":"ثم طلقها بعد، فلما اعتدت قال رسول الله ﷺ: ما أجد أحدا أوثق في نفسي منك، اخطب علي زينب، قال زيد: فانطلقت فإذا هي تخمر عجينها، فلما رأيتها عظمت في صدري، حق ما أستطيع أن أنظر إليها حين علمت أن رسول الله ﷺ ذكرها، فوليتها ظهري، وقلت: يا زينب أبشري، إن رسول الله ﷺ يخطبك، ففرحت وقالت: ما أنا بصانعة شيئا حتى أوامر ربي فقامت إلى مسجدها، ونزل القرآن (زوجناكها)، فتزوجها رسول الله ﷺ، ودخل بها» (^١).\nكذلك ردد ابن القيم هذه الأكذوبة في كتاب من كتبه، فقال: (وهذا سيد الأولين والآخرين، ورسول رب العالمين ﷺ نظر إلى زينب بنت جحش ﵂، فقال: (سبحان مقلب القلوب) وكانت تحت زيد بن حارثة مولاه، فلما هم بطلاقها قال له: (اتق الله وأمسك عليك زوجك). فلما طلقها زوجها الله سبحانه من رسوله ﷺ، من فوق سبع سماوات، فكان هو وليها وولي تزويجها من رسول الله ﷺ وعقد عقد نكاحها من فوق عرشه، وأنزل على رسوله: ﴿وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه﴾) (^٢).\nوالحق أن هذه الرواية لا أصل لها ولا سند، وقد حكم المحققون من علماء الإسلام بأنها باطلة نقلا وعقلا، وإليك بعض ما قالوه في هذا الصدد:\n١ - ذكر الإمام الآلوسي في البداية المعنى الصحيح للآية، وأن المراد من قوله تعالى: «وتخفى في نفسك ما الله مبديه» هو ما أوحاه الله تعالى إلي نبيه من أن زينب سيطلقها زيد، ويتزوجها الرسول ﷺ من\n_________\n(^١) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٢١٣.\n(^٢) الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي لابن القيم ص ١٩٨ وما بعدها.","vol":"2","page":52},{"text":"بعده، وقال الآلوسي: «وإلى هذا ذهب أهل التحقيق من المفسرين كالزهري وبكر بن العلاء والقشيري والقاضي أبي بكر بن العربي وغيرهم» (^١)، ثم بعد ذلك نعى الآلوسي على القصاص ما ذكروه في هذا المقام من كلام باطل لا يعول عليه، ولا ينبغي قبوله والالتفات إليه، لأنه مما يجب تنزيه ساحة الرسول ﷺ عن مثله، وفي ذلك يقول الآلوسي: «وللقصاص في هذه القصة كلام لا ينبغي أن يجعل في حيز القبول، منه ما أخرجه ابن سعد والحاكم عن محمد بن يحيى بن حبان أنه ﷺ جاء إلى بيت زيد فلم يجده، وعرضت زينب عليه دخول البيت، فأبى أن يدخل، وانصرف راجعا يتكلم بكلام لم تفهم منه سوى (سبحان الله العظيم، سبحان مصرف القلوب)، فجاء زيد فأخبرته بما كان، فأتى رسول الله ﷺ فقال له: بلغني يا رسول الله أنك جئت بمنزلي فهلا دخلت يا رسول الله، لعل زينب أعجبتك فأفارقها، فقال ﵊: (أمسك عليك زوجك واتق الله) فما استطاع زيد إليها سبيلا بعد، فقارقها، وفي تفسير عن بن إبراهيم أنه ﷺ أتى بيت زيد، فرأى زينب جالسة وسط حجرتها، تسحق طيبا بفهر لها (^١)، فلما نظر إليها قال: (سبحان خالق النور، تبارك الله أحسن الخالقين) فرجع، فجاء زيد فأخبرته الخبر، فقال لها: لعلك وقعت في قلب رسول الله ﷺ، فهل لك أن أطلقك حتى يزوجك رسول الله ﵊، فقال: أخشى أن تطلقني ولا يتزوجني، فجاء إلى رسول الله صلى عليه وسلم، فقال له: أريد أن أطلق زينب، فأجابه بما قص الله تعالى، إلى غير ذلك مما لا يخفى على المتتبع، وفي\n_________\n(^١) الفهر - بالكسر - الحجر قدر ما يدق به الجوز ونحوه، وقيل: الحجر ملء الكف، ويؤنث، وسحق الشيء يسحقه سحقا - كمنعه -: دقه أشد الدق، وقيل: السحق الدق الرقيق. اهـ من القاموس ولسان العرب.","vol":"2","page":53},{"text":"شرح (الموافق) أن هذه القصة مما يجب صيانة النبي ﷺ عن مثله) (^١).\n٢ - كما فند القرطبي هذه الرواية الساقطة، وبين ما تشتمل عليه من مساس بشخص الرسول ﷺ.\nفقال: «فأما ما روي أن النبي ﷺ هوى زينب امرأة زيد …» وربما أطلق بعض المجان لفظ (عشق) - فهذا إنما يصدر عن جاهل بعصمة النبي ﷺ عن مثل هذا، أو مستخف بحرمته، قال الترمذي الحكيم في (نوادر الأصول) - وأسند إلى علي بن الحسين قوله: فعلي بن الحسين جاء بهذا من خزانة العلم جواهرا من الجواهر، ودرا من الدرر أنه إنما عتب الله عليه في أنه قد أعلمه أن ستكون هذه من أزواجك، فكيف قال بعد ذلك لزيد: «أمسك عليك زوجك، وأخذتك خشية الناس أن يقولوا: تزوج امرأة ابنه والله أحق أن تخشاه» (^٢).\n٣ - كذلك أشار الحافظ ابن كثير إلى هذه الرواية الهابطة، وبين أنها غير صحيحة، ومن ثم أعرض عن ذكرها، فقال في تفسير الآية «ذكر ابن جرير وابن أبي حاتم ههنا آثارا عن بعض السلف ﵃، أحببنا أن نضرب عنها صفحا، لعدم صحتها، فلا نوردها»، ثم أورد ابن كثير بعد ذلك - رواية علي بن الحسين التي أشار إليها القرطبي في تفسيره، والتي سبق ذكرها منذ قليل، فقال: (وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثني علي بن هاشم بن مرزوق، حدثنا ابن عينية عن علي بن زيد جدعان) قال: سألني علي بن الحسين: ما يقول الحسن (^٣) في قوله: «وتخفي في نفسك ما الله\n_________\n(^١) تفسير الآلوسي جـ ٢٢ ص ٢٤، ٢٥.\n(^٢) تفسير القرطبي جـ ١٤ ص ١٩١.\n(^٣) لعله يقصد الحسن البصري المتوفى سنة ١١٠ هـ وهو من كبار التابعين الذين اشتهروا بالوعظ والتفسير.","vol":"2","page":54},{"text":"مبديه»؟ فذكرت له (^١)، فقال: لا، ولكن الله أعلم نبيه أنها ستكون من أزواجه قبل أن يتزوجها، فلما أتاه زيد ليشكوها إليه قال: «اتق الله وأمسك عليك زوجك، فقال: قد أخبرتك أني مزوجكها، وتخفى في نفسك ما الله مبديه» (^٢).\n٤ - كما أضرب الحافظ ابن حجر في فتح الباري - كذلك عن إيراد هذا القصص المشين، وذكر أنه لا ينبغي التشاغل به، وبين القول الصحيح في تفسير الآية، فقال: (وقد أخرج ابن أبي حاتم هذه القصة من طريق السدي، فساقها سياقا واضحا حسنا، ولفظه: بلغنا أن هذه الآية نزلت في زينب بنت جحش، وكانت أمها أميمة بنت عبد المطلب عمة رسول الله ﷺ، وكان رسول الله ﷺ أراد أن يزوجها زيد بن حارثة مولاه، فكرهت ذلك، ثم إنها رضيت بما صنع رسول الله ﷺ، فزوجها إياه، ثم أعلم الله ﷿ نبيه ﷺ بعد أنها من أزواجه فكان يستحيي أن يأمر بطلاقها، وكان لا يزال يكون بين زيد وزينب ما يكون بين الناس، فأمره رسول الله ﷺ أن يمسك عليه زوجه، وأن يتقي الله، وكان يخشى الناس أن يعيبوا عليه، ويقولوا: تزوج امرأة ابنه، وكان قد تبنى زيدا وعنده من طريق علي بن زيد عن علي بن الحسين بن على قال: أعلم الله نبيه ﷺ أن زينب ستكون من أزواجه قبل أن يتزوجها، فلما أتاه زيد يشكوها إليه، وقال له: اتق الله وأمسك عليك زوجك قال الله: قد أخبرتك أنى مزوجكها، وتخفي في نفسك ما الله مبديه).\nوقد أطنب الترمذي الحكيم في تحسين هذه الرواية، وقال إنها من جواهر العلم المكنون، وكأنه لم يقف على تفسير السدي الذي أوردته، وهو أوضح سياقا، وأصح إسنادا إليه، لضعف على بن زيد بن جدعان، وروى عبد الرزاق\n_________\n(^١) يبدو أنه ذكر له جانبا من هذا القصص المشين الذي نتعرض لرده هنا.\n(^٢) تفسير ابن كثير ج ٦ ص ٤٢٠","vol":"2","page":55},{"text":"عن معمر عن قتادة قال: جاء زيد بن حارثة، فقال: يا رسول الله إن زينب اشتد على لسانها، وأنا أريد أن أطلقها، فقال له: اتق الله وأمسك عليك زوجك، قال: والنبي ﷺ يحب أن يطلقها، ويخشى قالة الناس.\nووردت آثار أخرى أخرجها ابن أبي حاتم والطبري، ونقلها كثير من المفسرين لا ينبغي التشاغل بها، والذي أوردته منها هو المعتمد، والحاصل أن الذي كان يخفيه النبي ﷺ هو إخبار الله إياه أنها ستصير زوجته، والذي كان يحمله على إخفاء ذلك خشية قول الناس: تزوج امرأة ابنه، وأراد الله إبطال ما كان أهل الجاهلية عليه من أحكام التبني بأمر لا أبلغ في الإبطال منه، وهو تزوج امرأة الذي يدعى ابنا، ووقوع ذلك من إمام المسلمين، ليكون أدعى لقبولهم، وإنما وقع الخبط في تأويل متعلق الخشية والله أعلم (^١).\nوأيضا يقول أحد علمائنا المعاصرين - في التعليق على كلام ابن القيم سالف الذكر -: «رحم الله ابن القيم وعفا عنه فقد انزاق - بحسن نية - إلى ما دسه المغرضون أعداء الإسلام، لينالوا من مقام نبيه ويطعنوا في خلقه، غير مبالين بشهادة الله له ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾ (^٢) ومنطوق آيات الأحزاب ومفهومها يعلنان شناعة هذا القول المفترى، ويتبرآن من هذه الآثار الموضوعة، ويردان على من في قلوبهم مرض، وليس فيها شيء يشين رسول الله ﷺ أو يحط من شأنه، معاذ الله وحقيقة الأمر أن المولي اقتضت حكمته أن يضع حدا لما جرت عليه عادة العرب من التبني، وإعطاء الأدعياء جميع الحقوق والأحكام التي تخص الأبناء الحقيقيين، من الميراث وحرمة\n_________\n(^١) فتح الباري ج ٨ ص ٥١٣، ٥٢٤.\n(^٢) سورة القلم: ٤.","vol":"2","page":56},{"text":"النسب وتحريم تزوج المتبنى بزوجة المتبنى بعد طلاقها، كما هو الحال في زوجة الابن الحقيقي» (^١).\nثم أخذ في شرح الآيات الكريمة من سورة الأحزاب على أساس من هذا الفهم السليم والمنطق القويم، وقال بعد ذلك: «هذا هو الحق الذي يؤيده القرآن بمنطوقه ومفهومه، ومعاذ الله أن يكون الرسول قد اشتهى زينب بعد أن زوجها هو لزيد مولاه، ولو كان له فيها رغبة لتزوجها أول الأمر، وقد كانت ذلك الوقت - ممتنعة على زيد، ونافرة منه، وزاهدة في الزواج به، فكيف تمتد عينه إليها بعد أن أصبحت ذات بعل والله يقول: ﴿ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه﴾ (^٢)، أكان الله يسمح له بعد هذا النهي بأن يتبع هواه، ويساير شهوته؟ سبحانك هذا بهتان عظيم» (^٣).\nوالخلاصة أن هذه الرواية مختلفة ولا أصل لها، وأنها من وضع الزنادقة والملاحدة الذين أرادوا أن يثيروا بها الشبهات حول الرسول ﷺ، ويشككوا الناس في رسالته، ويصوروه على أنه رجل شهواني، يصدر عن نزوات نفسه، وتسيطر عليه الذات حسه، ولكن أنى لهم ذلك، والرسول ﷺ في عصمته وفي كمال خلقه وعظمته - أقوى من أن تنال منه تلك المحاولات الدنيئة، أو المقالات الرخيصة، إنه القمة الشامخة في عليائها، فهل يضيرها عواء الذئاب أو نباح الكلاب؟\nويرحم الله الشاعر الذي يقول:\nكناطح صخرة يوما ليوهنها … فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل\n_________\n(^١) الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي بتحقيق الأستاذ الشيخ محمود عبد الوهاب فايد ص ١٩٨، ١٩٩.\n(^٢) سورة طه: ١٣١.\n(^٣) الجواب الكافي ص ٢٠٢.","vol":"2","page":57},{"text":"<span data-type='title' id=toc-81>المثال الثالث - الأحاديث الموضوعة في فضائل القرآن:</span>\nلقد وضع بعض الناس - كما سبق أن ذكرنا - أحاديث في فضائل القرآن الكريم، ونسبوا هذه الأحاديث - كذبا - إلى الرسول ﷺ، وكانوا يعتقدون أنهم بذلك يتقربون إلى الله تعالى، ويحسبون أنهم يحسنون صنعا، وقد برروا عملهم هذا بأنهم وجدوا الناس قد تشاغلوا عن القرآن الكريم بكتب الفقه والمغازي، فأرادوا - بهذه الأحاديث التي وضعوها - أن يرغبوا الناس في قراءة القرآن الكريم، فهؤلاء الجهال قد وضعوا تلك الأحاديث بحسن نية، إلا أن هذا لا يعفيهم من تحمل مسئولية الكذب، ولن يكون ذلك شفيعا لهم يوم القيامة عندما يحاسبهم الله تعالى على ما وضعوا من أكاذيب وما اقترفوا من آثام.\nوقد اشتهر من هؤلاء الكذابين أربعة، وضعوا الأحاديث في فضائل القرآن، وأسهموا بنصيب وافر في هذا الميدان:\nالأول: هو أبو عصمة نوح بن أبي مريم، فقد روى الحاكم بسنده إلى أبي عمار المروزي أنه قيل لأبي عصمة هذا: من أين ذلك، عن عكرمة عن ابن عباس في فضائل القرآن سورة سورة، وليس عند أصحاب عكرمة هذا، فقال: إني رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن، واشتغلوا بفقه أبي حنيفة، ومغازي ابن إسحاق، فوضعت هذا الحديث حسبة، وكان يقال لأبي عصمة هذا: نوح الجامع، قال ابن حبان: جمع كل شيء إلا الصدق (^١).\nوالثاني هو ميسرة بن عبد ربه، فقد روى ابن حبان في الضعفاء عن ابن مهدي قال: قلت الميسرة بن عبدر به: من أين جئت بهذه الأحاديث: من قرأ كذا فله كذا؟ قال: وضعتها أرغب الناس، وكان ميسرة هذا غلاما يتزهد ويهجر شهوات الدنيا، وغلقت أسواق بغداد لموته، ومع ذلك كان يضع الحديث (^٢).\n_________\n(^١) تدريب الراوي ج ١ ص ٢٨٢\n(^٢) المصدر السابق ج ١ ص ٢٨٣","vol":"2","page":58},{"text":"الثالث والرابع هما بزيع بن حسان ومخلد بن عبد الواحد فقد قيل أنهما وضعا معا الحديث الطويل عن أبي بن كعب - مرفوعا - في فضل القرآن سورة سورة، أو أن أحدهما وضعه والآخر سرقه، قال الشوكاني: حديث: (من قرأ فاتحة الكتاب أعطي من الأجر كذا) فذكر فضل سورة سورة إلى آخر القرآن، رواه العقيلي عن أبي بن كعب مرفوعا، قال ابن المبارك: أظن الزنادقة وضعته، والآفة من بزيع، وروى - بإسناد آخر أيضا رواه ابن أبي داود - والآفة من مخلد بن عبد الواحد، ولهذا الحديث طرق كلها باطلة موضوعة، وذكر الخليلي في الإرشاد عن ابن عباس مرفوعا وفي إسناده نوح بن أبى مريم، وقد أقر بأنه الواضع له: «فقبح الله الكذابين ولا خلاف بين الحفاظ بأن حديث أبي بن كعب هذا موضوع، وقد اغتر به جماعة من المفسرين، فذكروه في تفاسيرهم، كالثعلبي والواحدي والزمخشري ولا جرم فليسوا من أهل هذا الشأن» (^١).\nوقال العراقي - تعليقا على من ذكره من المفسرين -: «لكن من أبرز إسناده منهم كالأولين فهو أبسط لعذره، إذ أحال ناظره على الكشف عن سينده، وإن كان لا يجوز له السكوت عليه، وأما من لم يبرز سنده وأورده بصيغة الجزم فخطؤه أفحش» (^٢).\nوإليك أمثلة مما ذكره الزمخشري من هذه الأحاديث الموضوعة في أواخر تفسيره لبعض السور:\n١ - في آخر سورة (النازعات) أورد في تفسيره هذا الحديث: «من قرأ سورة (والنازعات) كان ممن حبسه الله في القبر والقيامة حتى يدخل الجنة قدر صلاة المكتوبة».\n٢ - وفي آخر سورة (الانفطار) أورد في تفسيره هذا الحديث:\n_________\n(^١) الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة ص ٢٩٦\n(^٢) تدريب الراوي ج ١ ص ٢٨٩","vol":"2","page":59},{"text":"«من قرأ سورة ﴿إذا السماء انفطرت﴾ كتب الله له بعدد كل قطرة من السماء حسنة وبعدد كل قبر حسنة».\n٣ - وفي آخر سورة ﴿البروج﴾ ذكر في تفسيره هذا الحديث: «من قرأ سورة ﴿البروج﴾ أعطاه الله بعدد كل يوم جمعة وكل يوم عرفة يكون في الدنيا عشر حسنات».\n٤ - وفي آخر سورة ﴿الفجر﴾ ذكر في تفسيره هذا الحديث: «من قرأ سورة ﴿الفجر﴾ في الليالي العشر غفر له، ومن قرأها في سائر الأيام كانت له نورا يوم القيامة».\n٥ - وفي آخر سورة ﴿الضحى﴾ ذكر في تفسيره هذا الحديث: «من قرأ سورة ﴿والضحى﴾ جعله الله فيمن يرضى محمد أن يشفع له، وعشر حسنات يكتبها الله له بعدد كل يتيم وسائل».\n٦ - وفي نهاية سورة ﴿التين﴾ أورد في كشافه هذا الحديث: «من قرأ سورة ﴿والتين﴾ أعطاه الله خصلتين: العافية واليقين، ما دام في دار الدنيا، وإذا مات أعطاه الله من الأجر بعدد من قرأ هذه السورة».\n٧ - وفي نهاية سورة ﴿التكاثر﴾ جاء في تفسيره هذا الحديث: «من قرأ ﴿ألهاكم التكاثر﴾ لم يحاسبه الله بالنعيم الذي أنعم به عليه في دار الدنيا، وأعطي من الأجر كأنما قرأ ألف آية».\n٨ - وفي نهاية سورة ﴿الكوثر﴾ جاء في الكشاف هذا الحديث: «من قرأ سورة ﴿الكوثر﴾ سقاه الله من كل نهر في الجنة، ويكتب له عشر حسنات بعدد كل قربان قربه العباد في يوم النحر أو يقربونه».\n٩ - وفي آخر سورة ﴿الكافرون﴾ ذكر في الكشاف هذا الحديث: «من قرأ سورة ﴿الكافرون﴾ فكأنما قرأ ربع القرآن، وتباعدت منه مردة الشياطين، وبرئ من الشرك، ويعافى من الفزع الأكبر».","vol":"2","page":60},{"text":"١٠ - وفي آخر سورة (الفلق) جاء في الكشاف هذا الحديث: «من قرأ المعوذتين فكأنما قرأ الكتب التي أنزلها الله تعالى كلها».\nهذا - ومما يجدر التنبيه إليه في هذا المقام أن معظم ما أورده المفسرون في فضل سور القرآن موضوع، ما عدا أحاديث معينة صحت في فضائل بعض السور، وقد بينها الإمام السيوطي فقال:\n«واعلم أن السور التي صحت الأحاديث في فضائلها: الفاتحة والزهراوان (^١) والأنعام، والسبع الطول (^٢) مجملا، والكهف، ويس، والدخان، والملك، والزلزلة والنصر والكافرون والإخلاص والمعوذتان، وما عداها لم يصح فيه شيء» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-82>المثال الرابع - الأحاديث الموضوعة في فضائل علي ﵁:</span>\nسبق أن ذكرنا أن الشيعة - ولا سيما الروافض منهم - وضعوا كثيرا من الأحاديث في فضل علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، وآل بيته رضوان الله عليهم.\nويقتضي البحث هنا أن نذكر من هذه الأحاديث ما يتعلق بتفسير القرآن الكريم، ونكتفي في هذا المجال ببعض الأمثلة وهي:\n١ - في تفسير قوله تعالى: ﴿إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون﴾ (^٤) يذكر المفسرون روايات تفيد أن علي بن أبي طالب كان قائما يصلى، فمر سائل وهو راكع؛ فأعطاه خاتمه، فنزلت: ﴿إنما وليكم الله ورسوله﴾.\n_________\n(^١) الزهراوان هما البقرة وآل عمران.\n(^٢) السبع الطول هي البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف، واختلف في السابعة فقيل: هي الأنفال وبراءة، وقيل: هي يونس، وقيل: هي الكهف.\n(^٣) تدريب الراوي ج ١ ص ٢٩٠.\n(^٤) سورة المائدة: ٥٥.","vol":"2","page":61},{"text":"وقد ذكر ابن كثير في تفسيره أن هذه الروايات لا يصح شيء منها بالكلية، لضعف أسانيدها وجهالة رجالها (^١)، كما قال ابن تيمية إن هذا الحديث موضوع باتفاق أهل العلم (^٢).\n٢ - وفي تفسير قوله تعالى: ﴿ألقيا في جهنم كل كفار عنيد﴾ (^٣) وضعت الشيعة هذا الحديث: «إذا كان يوم القيامة قال الله لي ولعلي بن أبي طالب: أدخلا الجنة من أحبكما، وأدخلا النار من أبغضكما، فذلك قوله تعالى: ﴿ألقيا في جهنم كل كفار عنيد﴾».\nوقد قال الشوكاني عن هذا الحديث -: «في إسناده يحيى بن عبد الحميد الحماني، وهو كذاب، وإسحاق بن محمد بن أبان النخعي، وهو الواضع له» (^٤).\n٣ - وفي تفسير قوله تعالى: ﴿والنجم إذا هوى﴾ (^٥) يذكرون في سبب نزول السورة هذا الحديث الموضوع: «لما عرج بالنبي ﷺ إلى السماء السابعة أراه الله من العجائب في كل سماء، فلما أصبح جعل يحدث الناس عن عجائب ربه، وكذبه من كذبه من أهل مكة، وصدقه من صدقه، فعند ذلك انقض نجم من السماء، فقال النبي ﷺ: في دار من وقع هذا النجم فهو خليفتي من بعدي، وطلبوا ذلك النجم، فرجدوه في دار علي بن أبي طالب ﵁، فقال أهل مكة: ضل محمد وغوى، وهوى أهل بيته ومال إلى ابن عمه. فعند ذلك نزلت هذه السورة: ﴿والنجم إذا هوى﴾».\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير ج ٣ ص ١٣٠\n(^٢) مقدمة في أصول التفسير ص ٧٨\n(^٣) سورة ق: ٢٤\n(^٤) الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة ص ٣٨٢\n(^٥) سورة النجم: ١.","vol":"2","page":62},{"text":"وهذه الرواية يلوح عليها آثار الوضع، لاسيما وأنها تتحدث عن مشكلة من أعقد وأعضل المشاكل التي واجهت المسلمين بعد وفاة الرسول ﷺ، ألا وهي الخلافة، والشيعة - كما هو معروف - يزعمون أن عليا هو الخليفة بعد رسول الله ﷺ، وقد حكم الإمام الشوكاني علي الحديث السابق بالوضع، فقال: «رواه الجوزقاني عن ابن عباس مرفوعا، وفي إسناده ثلاثة كذابون، وهو موضوع بلا ريب» (^١).\nوفي تفسير قول الله تعالى: ﴿ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا (٨) إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا (٩)﴾ (^٢) وضعت الشيعة هنا قصة طويلة في سبب النزول، ملخصها أن الحسن والحسين مرضا، فنذر علي وفاطمة وجارية لهما - إن شفاهما الله تعالى - أن يصوموا ثلاثة أيام شكرا، فشفاها الله تعالى، فصاموا اليوم الأول، وعندما جاء - المغرب، وحان وقت الإفطار مر عليهم مسكين، فآتروه بالطعام، ولم يذوقوا إلا الماء، وأصبحوا صائمين، وفي اليوم الثاني مر عليهم يتيم فآثروه بالطعام، ولم يذوقوا إلا الماء، وأصبحوا صائمين، وفي اليوم الثالث مر عليهم أسير، فآثروره بالطعام، ولم يذوقوا إلا الماء، فلما أصبحوا أخذ على ﵁ الحسن والحسين، وأقبلوا إلى رسول الله ﷺ، ورآهم يرتعشون - كالفراخ - من شدة الجوع، ثم قام الرسول ﷺ فانطلق معهم إلى فاطمة ﵂ فرآها في محرابها قد التصق بطنها بظهرها، وغارت عيناها من شدة الجوع، فرق لذلك الرسول ﷺ. وهنا هبط جبريل بسورة الإنسان، وفيها: ﴿ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا (٨) إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا﴾ (٩).\n_________\n(^١) الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة ض ٣٦٩.\n(^٢) سورة الإنسان: ٨، ٩","vol":"2","page":63},{"text":"قال الآلوسي - تعليقا على هذه القصة -: والخير مشهور بين الناس، وذكره الواحدي في كتاب (البسيط)، وعليه قول بعض الشيعة:\nإلام إلام وحتى متى … أعاتب في حب هذا الفتى\nوهل زوجت غيره فاطم … وفي غيره هل أتى هل أتى\nوتعقب بأنه خبر موضوع مفتعل، كما ذكره الترمذي وابن الجوزي، وآثار الوضع ظاهرة عليه لفظا ومعنى (^١).\n«كما يقول القرطبي - عن هذا الحديث -: «قال الترمذي الحكيم أبو عبد الله في (نوادر الأصول): فهذا حديث مزوق مزيف، قد تطرف فيه صاحبه، حتى تشبه على المستمعين، فالجاهل بهذا الحديث يعض شفتيه تلهفا ألا يكون بهذه الصفة، ولا يعلم أن صاحب هذا الفعل مذموم، وقد قال الله تعالى في تنزيله: ﴿ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو﴾ (^٢) وهو الفضل الذي يفضل عن نفسك وعيالك، وجرت الأخبار عن رسول الله ﷺ متواترة بأن خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، وابدأ بنفسك ثم بمن تعول»، وافترض الله على الأزواج نفقة أهاليهم وأولادهم، وقال رسول الله ﷺ: «كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت»، أفيعجب عاقل أن عليا جهل هذا الأمر حتى أجهد صبيانا صغارا من أبناء خمس أو ست على جوع ثلاثة أيام ولياليهن؟ حتى تضوروا من الجوع، وغارت العيون منهم، لخلاء أجوافهم، حتى أبكى رسول الله ﷺ ما بهم من الجهد، هب أنه آثر على نفسه هذا السائل فهل كان يجوز له أن يحمل أهله على ذلك؟ وهب أن أهله سمحت بذلك لعلي فهل جاز له أن يحمل أطفاله على جوع ثلاثة أيام بلياليهن؟ ما يروج مثل هذا إلا على حمقى جهال، أبى الله لقلوب متنبهة أن تظن بعلي مثل هذا» (^٣).\nوإلى هنا نكون قد وفينا هذا النوع من الدخيل في التفسير حقه من الدراسة والبحث، ولننتقل الآن إلى نوع آخر منه، والله المستعان.\n_________\n(^١) تفسير الآلوسي جـ ٢٩ ص ١٥٧، ١٥٨\n(^٢) سورة البقرة: ٢١٩\n(^٣) تفسير القرطبي جـ ١٩ ص ١٣٤","vol":"2","page":64},{"text":"<span data-type='title' id=toc-83>الفصل الثاني بدع التفاسير اللغوية</span>\nالبدعة اسم من الابتداع، كالرفعة من الارتفاع، وتطلق على الحالة المخالفة، إلا أنه غلب استعمالها فيما هو نقص في الدين أو زيادة، قال - في القاموس -: «والبدعة - بالكسر - الحدث في الدين بعد الإكمال، أو ما استحدث بعد النبي ﷺ من الأهواء والأعمال، وجمعها بدع كعنب».\nوإذا ما أطلقت البدعة فانها تنصرف غالبا إلى بدعة الضلال، وهي التي تكون في خلاف ما أمر الله به ورسوله ﷺ، وتلك داخلة في حيز الذم والإنكار، وعلى ذلك يحمل حديث: «كل محدثة بدعة»، فإن المراد به ماخالف أصول الشريعة، ولم يوافق السنة، وأكثر ما يستعمل المبتدع عرفا في الذم.\nهذا ما يتعلق بمعنى البدعة لغة وشرعا، أما بدع التفاسير فذلك اصطلاح ورد على لسان الزمخشري، وتردد في مواضع كثيرة من تفسيره المعروف بالكشاف، ويعني الزمخشري بهذا الاصطلاح نوعا من الأنواع المخطئة أو الخاطئة في التفسير، تلك التي لا سند لها من الدين ولا من اللغة، كأن يكون التفسير مخالفا لما تقتضيه القواعد المأخوذة من الكتاب والسنة، أو يكون منافيا لسياق الكلام، بعيدا عن معنى الآية، أو يكون قائما على أساس من التكلف والنعسف في التأويل، أو يكون مخرجا على الوجوه الضعيفة أو الشاذة بحسب القواعد النحوية، وما إلى ذلك، ومن الطريف أن الزمخشري - وهو الذي استحدث هذا التعبير - قد وقع في شيء من هذه البدع في التفسير وسنبين ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى.","vol":"2","page":65},{"text":"<span data-type='title' id=toc-84>والأسباب التي أدت إلى الوقوع في بدع التفاسير اللغوية كثيرة، أهمها ما يلي:</span>\n<span data-type='title' id=toc-85>١ - الجهل بقواعد اللغة وأوضاعها:</span>\nفقد تصدى لتفسير كتاب الله تعالى جماعة من الذين ليست عندهم أهلية تامة للتفسير، وليس لديهم معرفة واسعة بأوضاع اللغة وقوانينها، فأخطئوا في التأويل، وحرفوا الكلم عن مواضعه، وجاءوا لنا بالبدع والغرائب في التفسير، وهؤلاء لا نعرف لهم كتبا خاصة فربما تكون هذه الكتب التي ألفوها في التفسير ضاعت مع الأيام وبمرور الزمان، وكل الذي نعرفه عنهم إنما هي أقوال منسوبة إليهم، مبثوثة هنا وهناك في كتب التفسير المختلفة، وكتب الدراسات القرآنية بوجه عام.\nومن أمثلة ذلك ما حكي عن سفيان بن عيينة (^١) في تفسير قوله تعالى: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى﴾ (^٢) فقد فسر قوله تعالى: (تذكر إحداهما الأخرى) بمعنى: تجعل إحداها الأخرى ذكرا، يعني أنهما إذا اجتمعتا كانتا بمنزلة الذكر.\nوهذا التفسير - كما ترى - غريب من جهة المعنى، لأن التذكير بمعنى جعل الأنثى ذكرا شيء غير معهود ولا مألوف في لغة العرب، كما أن هذا التفسير بعيد عن روح الآية، لأنه لا يتلاقى مع قوله: (أن تضل إحداهما) ومن ثم قال الزمخشري إن هذا الكلام من بدع التفاسير (^٣).\nأما الإمام الآلوسي فقد فند هذا الوجه في تأويل الآية بأن فيه قصورا من جهة المعنى واللفظ، لأن التذكير في مقابلة النسيان معنى مكشوف وغرض بين، ورعاية العدد لأن النسوة محل النسيان كذلك، ولأن جعلها ذكرا مجاز.\n_________\n(^١) انظر تفسير الآلوسي ج ٣ ص ٥٩\n(^٢) سورة البقرة: ٢٨٢\n(^٣) تفسير الكشاف ج ١ ص ٢٨٩","vol":"2","page":66},{"text":"عن إقامتها مقام الذكر، ثم تجوز ثانيا لأنهما القائمتان مقامه، فلم تجعل إحداها الأخرى قائمة مقامه (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-86>٢ - التعسف في التأويل اتباعا للهوى وانتصارا للمذهب:</span>\nفقد لجأ كثير من أصحاب الفرق والمذاهب الإسلامية إلى القرآن الكريم لتأييد ما يعتنقون من عقائد وآراء، فإذا ما وجدوا في القرآن الكريم نصا مخالفا لما يعتنقون أشهروا في وجهه سلاح التأويل، وارتكبوا في سبيل ذلك مخالفات شنيعة، وتمحلوا له تحلات غريبة، وحملوا ألفاظ القرآن على معان ما أنزل الله بها من سلطان، ولنضرب لذلك مثالا: وهو أن المعتزلة ينفون صفات الله تعالى، فإذا ما صادفوا في القرآن الكريم نصا يثبت صفة من هذه الصفات لجأوا إلى التعسف في التأويل انتصارا للمذهب، فمثلا عند تفسير قوله تعالى: ﴿وكلم الله موسى تكليما﴾ (^٢) يقول بعضهم إن هذه الآية لا دلالة فيها على إثبات صفة الكلام لله تعالى، لأن (كلم) هنا بمعنى جرح، فهي من الكلم - بفتح فسكون - أي الجرح.\nوالزمخشري - وإن كان إماما من أئمة الاعتزال - إلا أنه بحسه اللغوي، وذوقه الأدبى لم يرتض هذا المسلك الغريب في تفسير الآية، بل نجده يقول: «ومن بدع التفاسير أنه - يعني (كلم) - من الكلم، وأن معناه وجرح الله موسي بأظفار المحن ومخالب الفتن» (^٣).\nولما كانت الآية صريحة في إثبات صفة الكلام لله تعالى، والفعل فيها مؤكدا بالمصدر الذي يرفع احتمال المجاز فيه نجد ابن المنير - في تعليقه على ذلك يقول: «وإنما ينقل هذا التفسير عن بعض المعتزلة، لإنكارهم الكلام القديم\n_________\n(^١) تفسير الآلوسي ج ٣ ص ٥٩\n(^٢) سورة النساء: ١٦٤\n(^٣) تفسير الكشاف ج ١ ص ٣٩٨","vol":"2","page":67},{"text":"الذي هو صفة الذات، إذ لا يثبتون إلا الحروف والأصوات قائمة بالأجسام، لا بذات الله تعالى، فيرد عليهم بجحدهم كلام النفس إبطال خصوصية موسى ﵇ في التكليم، إذ لا يثبتونه إلا بمعنى سماعه حروفا وأصواتا قائمة ببعض الأجرام، وذلك مشترك بين موسي وبين كل سامع لهذه الحروف، حتى المشرك الذي قال الله فيه: ﴿حتى يسمع كلام الله﴾ (^١)، فيضطر المعتزلي إلى إبطال الخصوصية الموسوية بحمل التكليم على التجريح، وصدق الزمخشري وأنصف إنه لمن بدع التفاسير التي ينبو عنها الفهم، ولا يبين بها إلا الوهم والله الموفق» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-87>٣ - عدم مراعاة سياق الكلام:</span>\nفقد تعسف قوم في تأويل القرآن الكريم، لأنهم لم يراعوا سياق الكلام، ولم يضعوا في اعتبارهم - وهم يفسرون القرآن - أن تكون الآيات بعضها مع بعض منسجمة المعاني، مترابطة الأوصال، ومن ثم جاءوا لنا في التفسير بكلام متنافر الأجزاء، مقطع الأوصال، ممزق الأوشاج، يلفظه الفهم الصحيح، ويمجه الذوق السليم، - من ذلك ما نقل عن النضر بن شميل (^٣) - وهو إمام من أئمة اللغة وأظنه لا يصح عنه، فقد فسر قول الله تعالى: ﴿سنسمه على الخرطوم﴾ (^٤) بأن الخرطوم هي الخمر وأن معنى الآية سنحده على شربها، وقد وصف الزمخشري هذا التفسير بأنه تعسف (^٥)، كما قال الآلوسي إن هذا التفسير تنفيه الرواية والدراية معا، أما الرواية فلان أولئك الكفار هلكوا قبل تحريم الخمر، وأن الوليد بن المغيرة وهو الذي نزلت الآية في شأنه لم يثبت\n_________\n(^١) سورة التوبة: ٦\n(^٢) الانتصاف على هامش الكشاف ج ١ ص ٣٩٨\n(^٣) انظر تفسير الآلوسي جـ ٢٩ ص ٢٩\n(^٤) سورة القلم: ١٦.\n(^٥) تفسير الكشاف ج ٢ ص ٤٨٠.","vol":"2","page":68},{"text":"أنه حد على شرب الخمر، وأما الدراية فلأنه تفسير يؤدي إلى تعقيد اللفظ وفوات فخامة المعنى (^١).\nوحيث قد عرفنا أن هذا التفسير مردود فما معنى الآية إذن؟ إن المعنى الصحيح الذي يتناسب مع السياق هو: سنجعل له سمة وعلامة على الخرطوم أي الأنف، وهو كناية عن غاية الإذلال، لأن السمة على الوجه شين، فكيف بها على أكرم موضع منه؟ والضمير يعود على الوليد بن المغيرة الذي جاءت أوصافه في الآيات السابقة: ﴿ولا تطع كل حلاف مهين * هماز مشاء بنميم﴾ الخ، وقد خطم بالسيف يوم بدر، فبقيت سمة على خرطومه إهانة وإذلالا له في الدنيا، وقيل: هذا وعيد له بأمر يكون في الآخرة، وهو أنه يوم القيامة على أنفه بسمة يعرف بها كفره وانحطاط قدره والله أعلم.\n_________\n(^١) تفسير الآلوسي: ص ٢٩.","vol":"2","page":69},{"text":"<span data-type='title' id=toc-88>أمثلة من بدع التفاسير اللغوية:</span>\nإن بدع التفاسير اللغوية كثيرة ومتنوعة، فمنها ما يتعلق بالمعاني اللغوية، ومنها ما يتعلق بالقواعد النحوية، ومنها ما يتعلق بالقراءات وتوجيهها، ونحن هنا إن شاء الله تعالى سنتناول - بالدراسة - كل نوع من هذه الأنواع، كما سنورد في كل نوع بعض الأمثلة التي توضحه وتلقي مزيدا من الضوء عليه، وأيضا سنبين - أثناء تناولنا لبدع التفسير - المعنى الصحيح في تفسير الآية إن اقتضى الأمر ذلك، والله المستعان، وإليك البيان:\n\n<span data-type='title' id=toc-89>أولا - ما يتعلق بالمعاني اللغوية:</span>\n<span data-type='title' id=toc-90>١ - تحريف الكلم عن مواضعه:</span>\nوذلك بالتغيير في بعض ألفاظ القرآن الكريم، وتفسيرها على أساس من هذا التغيير، ولا شك أن هذا إلحاد في آيات الله تعالى، وتبديل في رسم المصحف الشريف، ولا يجترئ على ارتكاب مثل ذلك إلا منحرف أو زائغ، بل إن هذا العمل يكاد يكون كفرا، ومثال ذلك ما قيل في تفسير قوله تعالى: ﴿من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه﴾ (^١) فقد حرف بعض الصوفية هذه الآية إلى (من ذل ذي) يعني نفسه يشفع عنده، يقصد أن من ذل نفسه في طاعة الله كان حقيقا بالشفاعة عند مولاه، وقد غفل هذا الجاهل عن أن فعل (ذل) لازم لا يتعدى إلى ما بعده، كما غفل عن معنى الاستثناء الذي يقتضي أن يتقدم المستثنى شيء يصح أن يكون في موضع المستثنى منه، قال السيوطي في هذا الصدد -: «وسئل شيخ الإسلام سراج الدين البلقيني عن رجل قال في قوله تعالى: ﴿من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه﴾ إن معناه: (من ذل) أي من الذل، (ذي) إشارة إلى النفس، (يشف) من الشفا جواب من، (ع) أمر من الوعي، فأفتى بأنه ملحد، وقد قال الله تعالى: ﴿إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا﴾ (^٢)\n_________\n(^١) سورة البقرة: ٢٥٥\n(^٢) سورة فصلت: ٤٠.","vol":"2","page":70},{"text":"قال ابن عباس: «هو أن يوضع الكلام على غير موضعه، أخرجه ابن أبي حاتم» (^١).\nولعل من الواضح هنا أن معنى (من) في هذه الآية استفهامية لا شرطية والاستفهام إنكاري بمعنى النفي، ولذا جاء الاستثناء بعده، والمراد من الآية بيان كبرياء الله تعالى وعظم شأنه، وأنه لا أحد يساويه أو يدانيه، بحيث يستقل أن يدفع ما يريده الله دفعا على وجه الشناعة فضلا عن أن يستقل بدفعه عنادا، وفي ذلك تأبيس للكفار حيث زعموا أن آلهتهم شفعاء لهم عند الله تعالى.\nومن أمثلة هذا النوع ما ذكر في تفسير قوله تعالى: ﴿عينا فيها تسمى سلسبيلا﴾ (^٢) فتمد حرف بعض الناس الآية إلى (سلسبيلا)، وقال إنه أمر للنبي ﷺ ولأمته بسؤال السبيل إليها، وقد نسب هذا القول إلى علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، قال الزمخشري: «وقد عزوا إلى علي ابن أبي طالب ﵁ أن معناه: سل سبيلا إليها، وهذا غير مستقيم على ظاهره، إلا أن يراد أن جملة قول القائل: (سل سبيلا) جعلت علما للعين، كما قيل: تأبط شرا، وذرى حبا: وسميت بذلك لأنه لا يشرب منها إلا من سأل إليها سبيلا بالعمل الصالح، وهو مع استقامته في العربية تكلف وابتداع، وعزوه إلى مثل على ﵁ أبدع، وفي شعر بعض المحدثين:\nسل سبيلا فيها إلى راحة النفس … براح كأنها سلسبيل (^٣)».\nوأغلب الظن أن هذا القول في تفسير الآية لا يصح عن على كرم الله وجهه، بل لقد نص بعض العلماء على أنه افتراء عليه ﵁ (^٤)،\n_________\n(^١) الإتقان جـ ٢ ص ١٨٤.\n(^٢) سورة الإنسان: ١٨.\n(^٣) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٥١٢.\n(^٤) تفسير الآلوسي جـ ٢٩ ص ١٦١!","vol":"2","page":71},{"text":"أما القول الصحيح في تفسير الآية فإن السلسبيل - كالسلسل والسلسال - ما كان من الشراب غاية في السلاسة وسهولة الانحدار في الحلق، وكأن العين إنما سميت بذلك لسلاستها وسهولة مساغها.\n\n<span data-type='title' id=toc-91>٢ - تفسير اللفظ بغير ما يدل عليه في لغة العرب:</span>\nفإن هذا يؤد ولا شك إلى الخطأ في التأويل، وتحميل ألفاظ القرآن ما لا تحتمل من المعاني، ومثال ذلك ما روي عن محمد بن كعب القرظي (^١) في تفسير قوله تعالى: ﴿يوم ندعو كل أناس بإمامهم﴾ (^٢) من أن إماما جمع أم وأن الناس يدعون يوم القيامة بأمهاتهم لا بآبائهم، وقد ندد الزمخشري بهذا التفسير، وتهكم عليه فقال: «ومن بدع التفاسير أن الإمام جمع أم، وأن الناس يدعون يوم القيامة بأمهاتهم، وأن الحكمة من الدعاء بالأمهات دون الآباء رعاية حق عيسى ﵇، وإظهار شرف الحسن والحسين، وأن لا يفتضح أولاد الزنا، وليت شعري أيهما أبدع: أصحة لفظه أم بهاء حكمته؟» (^٣).\nكما فند الآلوسي هذه البدعة في التفسير من حيث اللفظ والمعنى فقال ﵀: «ووجه عدم قبوله على ما في الكشف، أما أولا فلان إمام جمع أم غير شائع، وإنما المعروف أمهات، وأما ثانيا فلأن رعاية حق عيسى ﵇ في امتيازه بالدعاء بالأم، فإن خلقه من غير أب كرامة له، لا غض منه ليجبر بأن الناس أسوته في انتسابهم إلى الأمهات، وإظهار شرف الحسنين بدون ذلك أتم، فإن أباهما خير من أمهما، مع أن أهل البيت كحلقة مفرغة، وأما افتضاح أولاد الزنا فلا فضيحة إلا للأمهات، وهي حاصلة، دعي غيرهم بالأمهات أو بالآباء، ولا ذنب لهم في ذلك، حتى يترتب عليه الافتضاح» (^٤).\n_________\n(^١) انظر تفسير الآلوسي ج ١٥ ص ١٢١.\n(^٢) سورة الإسراء: ٧١.\n(^٣) تفسير الكشاف ج ١ ص ٧١٣.\n(^٤) تفسير الآلوسي جـ ١٥ ص ١٢١.","vol":"2","page":72},{"text":"ويبدو أن صاحب هذه البدعة إنما استند - في بدعته إلى بعض الأحاديث التي تفيد أن بعض الناس يدعون يوم القيامة بأسماء أمهاتهم، غير أن هذه الأحاديث ضعيفة ومعارضة لما في الصحيح، وفي ذلك يقول أحد العلماء المعاصرين: روى الطبرانى في الكبير عن ابن عباس مرفوعا: «إن الله يدعو الناس يوم القيامة بأمهاتهم سترا منه علي عباده» في إسناده وضاع، وورد نحوه من حديث عائشة وأنس بأسانيد ضعيفة، ولذا ذكره ابن الجوزي في الموضوعات، وهو معارض بحديث أبي الدرداء مرفوعا: «إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم فحسنوا أسماءكم» رواه أبو داود بإسناد جيد، وفي صحيح البخاري عن ابن عمر مرفوعا: «إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة يرفع لكل غادر لواء، فيقال: هذه غدرة فلان ابن فلان». فهذان الحديثان الصحيحان يفيدان أن الناس يدعون يوم القيامة بأسماء آبائهم (^١).\nوعلى ذلك فإن الإمام في الآية لفظ مفرد: وهو المقتدى به، والمتبع عاقلا كان أو غيره، والمعنى: يوم ندعو كل أناس من بني آدم بمن ائتموا به من نبي أو مقدم في الدين، أو كتاب أو دين، فيقال: يا أتباع فلان، يا أهل دين كذا، أو كتاب كهذا والله أعلم.\nومن أمثلة ذلك أيضا أن بعض المعتزلة فسر الكرسي بالعلم في قوله تعالى: ﴿وسع كرسيه السماوات والأرض﴾ (^٢)، واستدل على ذلك ببيت من الشعر كأنه مصنوع لهذا الغرض؛ وهو:\nولا يكرسئ علم الله مخلوق\nأى لا يعلم علم الله مخلوق، وغرض من فسر الآية بذلك إنكار أن يكون لله تعالى كرسي،\n_________\n(^١) بدع التفاسير للشيخ عبد الله محمد الصديق الغماري ص ٧٨ بالهامش.\n(^٢) سورة البقرة: ٢٥٥","vol":"2","page":73},{"text":"وهو جسم عظيم بين يدي العرش محيط بالسماوات السبع كما يعتقد أهل السنة والجماعة، وحقيقته لا يعلمها إلا الله تعالى.\nوقد نعى ابن قتيبة علي المعتزلة هذا المسلك الغريب، في تفسير الآية، فقال: «وفسروا القرآن بأعجب تفسير، يريدون أن يردوه إلي مذاهبهم ويحملوا التأويل على نحلهم، فقال فريق منهم في قوله تعالي: ﴿وسع كرسيه السماوات والأرض﴾، أي علمه، وجاءوا على ذلك شاهد لا يعرف، وهو قول الشاعر:\nولا يكرسئ علم الله مخلوق.\nكأنه عندهم: ولا يعلم علم الله مخلوق، والكرسي غير مهموز، ويكرسئ مهموز، يتوحشون أن يجعلوا الله كرسيا» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-92>٣ - تخريج معنى الآية على لغة غريبة:</span>\nمن الواجب على المفسر أن يجتنب غريب اللغة والشاذ في تفسير القرآن الكريم، وأن يعتمد اعتمادا كليا على أفصح اللغات، حتى يحمل القرآن على أحسن وجوه التأويل، وقد أخطأ قوم فسروا القرآن بلغة غريبة أو شاذة، فجاءوا لنا بالبدع والغرائب في التفسير، ومن ذلك ما ذكر في تفسير قوله تعالى- عن نسوة يوسف -: ﴿فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن وقلن حاش لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم (٣١)﴾ (^٢) فقد قال بعد الناس: إن (أكبرن) بمعنى: حضن.\nوقد وجه الآلوسي هذا القول الذي قيل إنه مروى عن ابن عباس في تفسير الآية، ثم أعقبه بالرد عليه وتضعيف نسبته إلى ابن عباس، وفي ذلك يقول\n_________\n(^١) تأويل مختلف الحديث ص ٨٠.\n(^٢) سورة يوسف: ٣١.","vol":"2","page":74},{"text":"الآلوسي: «وعن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما أن معنى (أكبرن) حضن، ومن ذلك قوله:\nيأتي النساء على أطهارهن ولا … يأتي النساء إذا أكبرن إكبارا\nوكأنه إنما سمي الحيض إكبارا لسكون البلوغ يعرف به، فكأنه يدخل الصغار من الكبر، فيكون في الأصل كناية أو مجازا، والهاء - على هذا - إما ضمير المصدر، فكأنه قيل: أكبرن إكبارا، وإما ضمير يوسف ﵇، على إسقاط الجار، أي حضن لأجله من شدة شبقهن، والمرأة - كما زعم الواحدي - إذا اشتد شبقها حاضت، ومن هنا أخذ المتبنى قوله:\nخف الله واستر ذا الجمال برقع … إذا لحت حاضت في الخدور العواتق\nوقيل: إن الهاء للسكت، ورد بأنها لا تحرك ولا تثبت في الوصل، وإجراء الوصل مجرى الوقف، وتحريكها تشبيها لها بالضمير كما في قوله:\nواحر قلباه ممن قلبه شبم\nعلى تسليم صحته ضعيف في العربية، واعترض في (الكشف) التخريجين الأولين، فقال: إن نزع الخافض ضعيف، لأنه إنما يجري في الظروف والصفات والصلات، وذلك لدلالة الفعل على مكان الحذف، وأما في مثل هذا فلا، والمصدر ليس من مجازه، إذ ليس المقام للتأكيد، وزعم أن الوجه هو الأخير، وكل ما ذكره في حيز المنع كما لا يخفى.\nوأنكر أبو عبيدة مجيء (أكبرن) بمعنى حضن، وقال: لا نعرف ذلك في اللغة، والبيت مصنوع مختلق، لا يعرفه العلماء بالشعر، ونقل مثل ذلك عن الطبري وابن عطية وغير واحد من المحققين، ورواية ذلك عن ابن عباس إنما أخرجها ابن حرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق عبد الصمد،","vol":"2","page":75},{"text":"وهو - وإن روى ذلك عن أبيه على عن أبيه ابن عباس - لا يعول عليه، فقد قالوا: إنه - عليه الرحمة - ليس من رواة العلم» (^١).\nولا يخفى أن المعنى الصحيح للآية هو: فلما رأت النسوة يوسف ﵇ أكبرنه أي أعظمنه ودهشن برؤية جماله الفائق الرائع، فإن فضل جماله على جمال كل جميل كان كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، ومن هنا قطعن أيديهن بالسكاكين التي كانت في الأيدي لفرط دهشتهن من جمال يوسف ﵇.\nومن أمثلة هذا النوع كذلك ما قيل في تفسير قوله تعالي: ﴿وعصى آدم ربه فغوى (^٢)﴾ فقد ذكر بعض المتكلمين أن معنى (غوى) هنا بشم من كثرة الأكل، وكأنه بذلك يفر من إسناد الغي الذي هو ضد الرشد إلى آدم ﵇، ولم يدر أن آدم ﵇ إنما أكل من الشجرة نسيانا، بدليل قوله تعالي: ﴿ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما﴾ (^٣).\nوقد حكم الزمخشري على هذا التفسير بأنه خبيث لأنه نسب آدم ﵇ إلى الشره. وهو دال على الدناءة، والأنبياء معصومون من الدناءة، كما أن هذا التفسير مخرج علي لغة ضعيفة، قال الزمخشري: «وعن بعضهم: فغوى - فبشم من كثرة الأكل، وهذا وإن صح على لغه من يقلب الياء المكسور ما قبلها ألفا، فيقول في فني وبقي فنا وبقا، وهم بنو طيء تفسير خبيث» (^٤).\n_________\n(^١) تفسير الآلوسي ج ١١ ص ٢٢٩، ٢٣٠.\n(^٢) سورة طه: ١٢١.\n(^٣) سورة طه: ١١٥.\n(^٤) تفسير الكشاف ج ٢ ص ٣٧.","vol":"2","page":76},{"text":"كذلك من الأمثلة في هذا المجال ما نقل عن الجنيد (^١) في تفسير قوله تعالى: ﴿يوم لا ينفع مال ولا بنون * إلا من أتى الله بقلب سليم﴾ (^٢) فقد قال: إن السليم هنا بمعنى اللديغ من خشية الله تعالى، استنادا إلى إطلاق السليم في لسان العرب على اللديغ من باب التفاؤل، قال الزمخشري: (ومن بدع التفاسير تفسير بعضهم السليم باللديغ من خشية الله) (^٣).\nومن الواضح أن حمل الآية على هذا المعنى غير سليم، والتفسير الصحيح للآية هو أن نقول: إن يوم القيامة لا ينفع الإنسان فيه ماله ولا أولاده، ولكن ينفعه أن يأتي الله بقلب سليم من الشرك والمعاصي والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-93>٤ - تفسير اللفظ بمعنى مستهجن لا يصح حمل القرآن عليه</span>\nفإن مثل هذه المعاني المستهجنة القبيحة مما يجب تجنبه في التفسير، وتنزيه ساحة القرآن عنه، وقد أقدم بعض الناس على ارتكاب هذا النوع في التفسير، فأساءوا إلى القرآن الكريم إساءة بالغة، ودل فعلهم هذا على ما هم عليه من جهل عظيم، وفهم سقيم. ومن ذلك ما ذكروا في تفسير قوله تعالى: ﴿واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان عليا كبيرا (٣٤)﴾ (^٤). فقد قال بعض الناس: إن قوله تعالى (واهجروهن) معناه: وأكرهوهن على الجماع واربطوهن، من هجر العير إذا ربطه بالهجار، والهجار ككتاب حبل يشد به البعير.\nوهذا - ولا شك - معنى مستهجن لا يليق بالقرآن الكريم، ولا بجلال ألفاظه، فما الذي يجعلنا نعدل عن اللغة المشهورة في بيان معنى الهجر\n_________\n(^١) انظر تفسير الآلوسي ج ١٩ ص ١٠١.\n(^٢) سورة الشعراء: ٨٨، ٨٩.\n(^٣) تفسير الكشاف ج ٢ ص ١٢٦.\n(^٤) سورة النساء: ٣٤","vol":"2","page":77},{"text":"إلى هذه اللغة المسترذلة القبيحة من غير ضرورة تدعو إلى ذلك، وقد علق الزمخشري على هذا التفسير الشاذ فقال: «وهذا من تفسير الثقلاء» (^١)، وصدق فيما قال، فإن الزوجة إذا كانت ناشزا ومتمردة على الزوج، فهل يليق به أن يرغمها على الجماع، ويربطها من أجله، إلا أن يكون سمجا ثقيل الظل، عديم الشعور والإحساس، وإن الذي يحمل الآية على هذا المعنى إنما هو من هذا الصنف من الناس.\nوقد ذهب الطبري - في تفسير الآية - إلى قريب من هذا المنزع، واختار أن يكون معنى (اهجروهن) هو شدوهن وثاقا في بيوتهن واحبسوهن من قولهم: هجر البعير أي ربطه بالهجار (^٢).\nونحن نرى أن ما ذكره الطبري هنا غير مقبول، لأنه قد اختار في تفسير اللفظه القرآنية هذا المعنى المرذول، وإن لم يذكر الجماع، ولا شك أن الذي اختاره الطبري في تفسير الآية لا يقل في القبح عن القول السابق، فهما مأخوذان من معين واحد، ومن ثم نجد القرطبي يتعقب ما قاله الطبري في هذا الصدد فيقول: «وفي كلامه في هذا الموضع نظر، وقد رد عليه القاضي أبو بكر بن العربي في أحكامه فقال: يا لها من هفوة من عالم بالقرآن والسنة، والذي حمله على هذا التأويل حديث غريب رواه ابن وهب عن مالك أن أسماء بنت أبي بكر الصديق امرأه الزبير بن العوام كانت تخرج، حتى عوتب في ذلك، قال: وعتب عليها وعلى ضرتها، فعقد شعر واحدة بالأخرى، ثم ضربهما ضربا شديدا، وكانت الضرة أحسن اتقاء، وكانت أسماء لا تتقى، فكان الضرب بها أكثر، فشكت إلى أبيها أبي بكر ﵁، فقال لها: أي بنية، اصبري فإن الزبير رجل صالح، ولعله أن يكون زوجك في الجنة، ولقد بلغني أن الرجل إذا ابتكر بامرأة تزوجها في الجنة، فرأى الربط والعقد\n_________\n(^١) تفسير الكشاف ج ١ ص ٣٦٣.\n(^٢) انظر تفسير القرطبي ج هـ ص ١٧٢.","vol":"2","page":78},{"text":"مع احتمال اللفظ، مع فعل الزبير، فأقدم على هذا التفسير» (^١).\nوغني عن البيان أن الهجر في الآية بمعنى الترك، قال الآلوسي: «﴿واهجروهن في المضاجع﴾: أي مواضع الاضطجاع، والمراد اتركوهن منفردات في مضاجعهن، فلا تدخوهن تحت اللحف، ولا تباشروهن، فيكون الكلام كناية عن ترك جماعهن، وإلى ذلك ذهب ابن جبير، وقيل: المراد اهجروهن في الفراش بأن تولوهن ظهوركم فيه، ولا تلتفتوا إليهن، وروي ذلك عن أبي جعفر ﵁، ولعله كناية أيضا عن ترك الجماع» (^٢).\nومن أمثلة هذا النوع كذلك ما قاله بعض الناس في تفسير قوله تعالى: ﴿وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطئوها وكان الله على كل شيء قديرا (٢٧)﴾ (^٣) من أن المراد بالأرض في قوله: «وأرضا لم تطئوها» نساء بني قريظة، وقد عد الزمخشري هذا القول من بدع التفاسير (^٤)، كما سخر منه أحد العلماء المعاصرين فقال: «هذا تأويل بعث عليه شبق، وانتقل ذهن صاحبه من وطء الأرض إلى وطء الفرج» (^٥).\nونحن هنا نتساءل: كيف يصح أن يحمل القرآن على هذا المعنى المستهجن وأمامنا المعنى المستقيم للآية، الذي لا عوج فيه ولا التواء، وهو أن الأرض هنا يراد منها الحقيقة لا المجاز، فقيل: هي أرض خيبر التي فتحت بعد بني قريظة، وقيل: هي مكة، وقيل: أرض الروم وفارس، وقيل: هي ما ظهر عليه المسلمون إلى يوم القيامة والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-94>٥ - تفسير الآية بمعنى باطل عقلا وشرعا:</span>\n_________\n(^١) المصدر السابق.\n(^٢) تفسير الآلوسي ج هـ ص ٢٥.\n(^٣) سورة الأحزاب: ٢٧.\n(^٤) تفسير الكشاف ج ٢ ص ٢١٠.\n(^٥) بدع التفاسير ص ١٠٢","vol":"2","page":79},{"text":"وهذا ميدان فسيح لأهل البدع والأهواء، وأصحاب الاتجاهات المنحرفة في تفسير القرآن، فقد حمل بعضهم ألفاظ القرآن الكريم على معان ما أنزل الله بها من سلطان، وليس لها دليل ولا برهان، وإنما هي أوهام وترهات، وأكاذيب وضلالات، وقد غفل هؤلاء عن حقيقة لا يعزر أحد بجهلها، وهي أنه ليس كل ما يحتمله اللفظ من المعاني جائزا في تفسير القرآن الكريم، فقد يكون اللفظ - من حيث العربية - يحتمل معنى من المعاني، إلا أن هذا المعنى لا يصح حمل القرآن عليه حيث قام الدليل على فساده وبطلانه، وفي هذه الحالة يكون حمل القرآن عليه ضربا من ضروب الإلحاد في آيات الله، وتحريفا للكلم عن مواضعه، وكذبا علي الله تعالى، وجهلا فاضحا بحقائق التنزيل، ومن أمثلة ذلك ما ذكره بعض الجهلة في تفسير قوله تعالى: ﴿قال يانوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح﴾ (^١) فقد قال إن معنى (ليس من أهلك) إنه ابن زنا، وهذا قول شنيع يدل على الجهل بمقام النبوة، ثم إن هذا القول مردود بنص القرآن الكريم، فإن الله تعالى قال - قبل هذه الآية -: ﴿ونادى نوح ابنه﴾ (^٢) فنسب الابن إليه، وهذا دليل قاطع علي أنه ابنه لصلبه، إذ من المستحيل أن يكون ابن زنا وينسبه الله إليه، كما يرد هذا القول أيضا أن نوحا قال: ﴿رب إن ابني من أهلي﴾ (^٣)، فاشتمل كلامه على أمرين: نسبة الابن إليه، وأنه من أهله، ورد الله عليه فقال: ﴿إنه ليس من أهلك﴾، فأقر ببنوته، ونفى أنه من أهله الناجين، ولو لم يكن ابنه لقال له: ليس البنك وليس من أهلك (^٤).\nويرد هذا القول كذلك بأن الأنبياء لا يجوز في حقهم ما قد يجوز على بعض الناس من أن زوجاتهم يزنين ويحملن من سفاح، وصدق من قال:\n_________\n(^١) سورة هود: ٤٦.\n(^٢) سورة هود: ٤٥.\n(^٣) سورة هود: ٤٥.\n(^٤) انظر بدع التفاسير ص ٦٨ بالهامش.","vol":"2","page":80},{"text":"«ما بغت امرأة نبي قط»، وقد ذكر القشيري إجماع المفسرين على ذلك (^١).\nهذا وقد نسب القرطبي هذا القول الفاسد في تفسير الآية إلى ابن جريج، ثم قام بالرد عليه فقال: (وقال ابن جريج: ناداه وهو يحسب أنه ابنه، وكان ولد على فراشه، وكانت امرأته خانته فيه، ولهذا قال: «فخانتاهما» (^٢)، وقال ابن عباس ما بغت امرأة نبي قط، وأنه كان ابنه لصلبه، وقيل لسعيد بن جبير: يقول نوح: ﴿إن ابني من أهلي﴾ أكان من أهله؟ أكان ابنه؟ فسبح الله طويلا. ثم قال: لا إله إلا الله، يحدث الله محمدا ﷺ أنه ابنه، وتقول إنه ليس ابنه، نعم كان ابنه، ولكن كان مخالفا في النية والعمل والدين، ولهذا قال الله تعالى: ﴿إنه ليس من أهلك﴾، وهذا هو الصحيح في الباب إن شاء الله تعالى لجلالة من قال به) (^٣).\nكذلك من أمثلة هذا النوع الباطل ما قيل في تفسير قوله تعالى: ﴿ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأت نوح وامرأت لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا النار مع الداخلين (١٠)﴾ (^٤) فقد ذكر بعض الناس أن المراد بالخيانة هذا الزنا، وقد فند الآلوسي هذا المعنى الفاسد فقال: «ولا تفسر - يعني الخيانة - هنا\n_________\n(^١) تفسير القرطبي ج ١٨ ص ٢٠٢.\n(^٢) سورة التحريم: ١٠.\n(^٣) تفسير القرطبي ج ٩ ص ٤٦، ٤٧.\n(^٤) سورة التحريم: ١٠.","vol":"2","page":81},{"text":"بالفجور لما أخرج غير واحد عن ابن عباس: «ما زنت امرأة نبي قط»، ورفعه أشرس إلى النبي ﷺ، وفي الكشاف لا يجوز أن يراد بها الفجور، لأنه سمج في الطبع نقيصة عند كل أحد، بخلاف الكفر فإن الكفر لا يستسمجونه ويسمونه حقا، ونقل ابن عطية عن بعض تفسيرها بالكفر والزنا وغيره، ولعمري لا يكاد يقول بذلك إلا ابن زنا، فالحق عندي أن عهر الزوجات كعهر الأمهات من المنفرات التي قال السعد: إن الحق منعها في حق الأنبياء ﵈، وما ينسب للشيعة مما يخالف ذلك في حق سيد الأنبياء ﷺ كذب عليهم، فلا تعول عليه وإن كان شائعا (^١).\nكما ذكر أحد العلماء المعاصرين - بالتفصيل - الأدلة العقلية والنقلية على فساد هذا القول وبطلانه فقال: «زعم بعض المعاصرين ممن أقحم نفسه في التفسير بغير علم أن المراد بالخيانة الزنا، وهذا من بدع التفاسير، وهو يدل على جهل صاحبه وغباوته، فليست الخيانة هنا إلا المخالفة في العقيدة، ومساعدة الكفار على زوجيهما، وهو خلاف ما تقضيه العشرة الزوجية من صفاء المودة، وحسن المراعاة».\nوالدليل على هذا أمور:\nالأول: أن امرأة نوح كانت ترمي زوجها بالجنون، وتساعد قومه عليه من شتمه وإيذائه، وامرأة لوط كانت تدل قومه على ضيوفه، إذا كانوا حسان الوجوه، لم ينقل عنهما غير ذلك.\nالثاني: لو تبت عليهما شيء من الزنا الأسرع قوم نوح وقوم لوط إلى تعييرها والتشنيع عليهما، لكنهم لم يعرجوا على ذلك بحال.\n_________\n(^١) تفسير الآلوسي جـ ٢٨ ص ١٦٢.","vol":"2","page":82},{"text":"الثالث: أن من يقع الزنا في بيته بأهله وهو لا يشعر كيف يكون أهلا لأن يدعو أمة، ويتزعم شعبا؟.\nالرابع: أن أكبر عار يلحق بالرجل ويسقط حرمته وكرامته ووقوع الزنا في أهله، فكيف ينسب إلى رسولين كريمين، كان أحدهما يكافح جريمة اللواط، وكان من السهل جدا أن يقول له قومه: اذهب إلى بيتك فطهره من الفاحشة، ثم تعال فطهرنا.\nالخامس: لا يجوز أن يقع الزنا في بيت نبي يوحى إليه، ولا ينبه الله عليه، هذا محال لأن الله تعالى غيور، كما ثبت في الصحيحين، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إن الله ﷿ يغار، وغيرة الله أن يأتي المؤمن ما حرم الله عليه)، وفي صحيح البخاري عن ابن عباس في قصة قذف هلال بن أمية امرأته، ونزول قوله تعالي: ﴿والذين يرمون أزواجهم﴾ (^١) الآية، وقول سعد بن عبادة: لو رأيت رجلا مع امرأتي لضربته بالسيف غير مصفح (^٢)، قال النبي ﷺ: «أتعجبون من غيرة سعد، لأنا أغير منه، والله أغير مني، ومن أجل غيرة الله حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن» فكيف برضاها في بيت رسول يختاره لتلقى وحيه، ودعوة الناس إلى توحيده وإقامة دينه.\nالسادس: أن من الشروط التي يجب عقلا وجودها في الرسول الفطنة والذكاء والذي يقع الزنا في أهله وهو لا يشعر - يكون بالغ النهاية في الغنملة والبلاهة، ولا يجوز أن يكون الرسول مغفلا أو أبله، بل الغفلة\n_________\n(^١) سورة النور: ٦.\n(^٢) مصفح - بضم الميم وسكون الصاد وفتح الفاء - مائل علي صفحته أي جانبه، والمعنى: لو وجدت رجلا مع امرأتي لضربته بحد السيف لأقتله، ولا أضربه بجانب السيف الذي لا يقتل.","vol":"2","page":83},{"text":"مذمومة في عموم الصالحين، ألا ترى إلى قول عمر ﵁: «لست بخب، والخب لا يخدعنب» تجده يتبرأ من الغفلة، كما يتبرأ من الخبث، فهو ليس بخبيث، لكنه ليس من الغفلة، بحيث يخدعه خبيث، لأنه مؤمن، والمؤمن فطن، كما جاء في مسند الشهاب القضاعي من حديث أنس: «المؤمن كيس فطن حذر».\nالسابع: أن كفر المرأة لا يعيبها ولا يلحق زوجها عار بسببه، لأنه ينشأ عن عناد في الرأي، أو اعتداد به، أو تقليد للآباء. لكن زناها يعيبها ويعيب أهلها، لأن سببه اغتلام الشهوة، وانحطاط الخلق، ودناءة الهمة، وسوء التربية، ولهذا لما جاءت هند زوجة أبي سفيان، لتسلم وكانت من العنيدات في الشرك، والمعتزات به - وعرض عليها النبي ﷺ فيما عرض ﴿ولا تزنين﴾ قالت مستنكرة: أوتزني الحرة؟ فمن ثم جاز أن تكون زوج النبي كافرة، ولم يجز أبدا بحال أن تكون زانية، وهذا معني مارواه عبد الرزاق والطبري وابن مردويه من طرق عن ابن عباس ﵄ قال: ما بغت امرأة نبي قط، أي ما زنت (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-95>٦ - حمل الآية على معنى بعيد لا يتناسب مع السياق:</span>\nوهذا كثير في كتب التفسير، ونكتفي هنا بمثالين أرى أنهما من بدع التفاسير، ولا يقل أحدهما عن الآخر غرابة وبعدا عن سياق القرآن الكريم، وأحد المثالين قديم والآخر حديث، وإليك البيان:\nالمثال الأول: ما ذكره بعض اللغويين في تفسير قوله تعالى: ﴿وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون﴾ (^٢) من أن المراد بالفرقان هنا القرآن، والمعني: ولقد آتينا موسى الكتاب أي التوراة والإيمان بالفرقان أي القرآن، أو المعنى: ولقد آتينا موسى التوراة وآتينا محمدا القرآن.\n_________\n(^١) بدع التفاسير ص ١٣٤ وما بعدها،\n(^٢) سورة البقرة: ٥٣.","vol":"2","page":84},{"text":"وأنت ترى أن هذا المعنى بعيد كل البعد عن سياق الآية، إذ أنه يحتاج لتقدير كلام، وهذا الكلام المقدر لضرورة تدعو إليه في تفسير الآية، والمعنى الصحيح للآية الذي لا يحتاج إلى تقدير هو أن نقول: وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان، يعني الجامع بين كونه كتابا منزلا وفرقانا يفرق بين الحق والباطل، والمراد بذلك التوراة، كما تقول رأيت الغيث والليث، نريد الرجل الجامع بين الجود والشجاعة، ونحوه قوله تعالى: ﴿ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكرا﴾ (^١)، يعني الكتاب الجامع بين كونه فرقانا وضياء وذكرا، وقيل: المعنى: وإذ آتينا موسى التوراة والبرهان الفارق بين الكفر والإيمان من العصا واليد وغيرهما من الآيات، وقيل: المراد بالفرقان الشرع الفارق بين الحلال والحرام، أو النصر الذي فرق بينه وبين عدوه، كقوله تعالى: ﴿وما أنزلنا علي عبدنا يوم الفرقان﴾ (^٢) يريد به يوم بدر الذي انتصر فيه المسلمون على الكفار.\nومن الواضح أن هذه المعاني التي ذكرناها في بيان المراد بالفرقان، كلها تتناسب مع ذكر موسى ﵇، أما القرآن فليس ثمة مناسبة واضحة بينه وبين موسى ﵇، فما الذي يلجئنا إلى تقدير كلام لا يساعد عليه نظم القرآن الكريم، ويرحم الله الإمام الآلوسي فقد رفض - بذوقه السليم - هذا الضرب من التأويل، فقال: «وقيل: إنه القرآن، ومعنى إتيانه لموسى ﵇ نزول ذكره له حتى آمن به، حكاه ابن الأنباري، وهو بعيد، وأبعد منه ما حكي عن الفراء وقطرب أنه القرآن، والكلام علي حذف مفعول، أي ومحمدا الفرقان» (^٣).\nالمثال الثاني: ما ذكره الشيخ محمد عبده في تفسير قوله تعالى: ﴿وأرسل\n_________\n(^١) سورة الأنبياء: ٤٨.\n(^٢) سورة الأنفال: ٤١.\n(^٣) تفسير الآلوسي ج ١ ص ٢٥٩.","vol":"2","page":85},{"text":"عليهم طيرا أبابيل﴾.\nترميهم بحجارة من سجيل (^١) فقد فسر الطير الأبابيل بالذباب الذي عمل الجراثيم، جريا وراء ما يسمى بالتجديد ومسايرة التطور العلمي، فقال ﵀: «وقد بينت لنا هذه السورة الكريمة أن ذلك الجدري أو تلك الحصبة نشأت من حجارة يابسة سقطت على أفراد الجيش بواسطة فرق عظيمة من الطير مما يرسله الله مع الريح، فيجوز لك أن تعتقد أن هذا الطير من جنس البعوض أو الذباب الذي يحمل جراثيم بعض الأمراض، وأن تكون هذه الحجارة من الطين المسموم اليابس، الذي تحمله الرياح، فيعلق بأرجل هذه الحيوانات، فإذا اتصل بجسد دخل في مسامه، فأثار فيه تلك القروح التي تنتهي بإفساد الجسم، وتساقط لحمه، وأن كثيرا من هذه الطيور الضعيفة يعد من أعظم جنود الله في إهلاك من يريد إهلاكه من البشر، وأن هذا الحيوان الصغير الذي يسمونه الآن بالمكروب لا تخرج عنها، وهو فرق وجماعات لا يحصي عددها إلا بارئها».\nثم قال: «هذا ما يصح الاعتماد عليه في تفسير السورة، وما عدا ذلك فهو مما لا يصح قبوله إلا بتأويل، إن صحت روايته، ومما تعظم به القدرة أن يؤخذ من استعز بالفيل - وهو أضخم حيوان من ذوات الأربع جسما - ويهلك بحيوان صغير لا يظهر للنظر، ولا يدرك بالبصر، حيث ساقه القدر، لا ريب عند العاقل أن هذا أكبر وأعجب وأبهر» (^٢).\nونحن نرى أن هذا التأويل الغريب الذي ذكره الشيخ محمد عبده هنا بعيد عن روح الآية، ومخالف لسياق الكلام، وذلك من عدة وجوه:\n_________\n(^١) سورة الفيل آية: ﴿٣، ٤﴾، والأبابيل هي الجماعات، جمع إبالة - بكر الهمزة وتشديد الباء الموحدة، وحكى الفراء إبالة مخففا - وهي حزمة الحطب الكبيرة، شبهت بها الجماعة من الطير في تضامها، والسجيل هو الطين المتحجر، وهو معرب كما يستفاد من كلام ابن عباس.\n(^٢) تفسير جزء عم للشيخ محمد عبده ص ١٢٠ ط الشعب.","vol":"2","page":86},{"text":"الوجه الأول: أن الجراثيم والميكروبات التي قال عنها إنها فرق وجماعات لم يعهد في لغة العرب تسميتها بالطير الأبابيل، فضلا عن أن العرب لم يكن لهم علم قط بما يسمى بالجراثيم والمكروبات، فكيف ساغ له أن يفسر الآية بشيء لا يعرفه العرب، وليس له ذكر في لسانهم؟.\nوالوجه الثاني: أن الإمام قد اضطرب في كلامه، ففي أول الكلام نجده يقول إن الطير الأبابيل هي البعوض أو الذباب الذي يحمل الجراثيم، وأن الجراثيم عبارة عن الحجارة في نظره، بينما نجده في آخر الكلام يشير إلى أن الطير الأبابيل هي نفس المكروبات والجراثيم التي لا يحصي عددها إلا الله تعالى، فعلى أي وجه تفهم الآية إذن؟.\nوالوجه الثالث: أنه أطلق على المكروب أنه حجارة، وأن الذباب يرمي بالحجارة أي بالمكروب، وأظن أن هذا تعسف في التأويل، فهل المكروب - عند مكتشفيه - نوع من أنواع الحجارة، أم أنه كائن حي كما اعترف هو نفسه بذلك؟.\nوهل الذباب إذا أصاب أحدا بالمكروب يصح أن يقال عنه: إنه رماه بالحجارة، أم أنه الولوع بما هو جديد في عالم الطب بصرف النظر عن سياق الآية، ومدلولات الألفاظ؟.\nوالوجه الرابع: أنه أراد أن يشكك في صحة الروايات التي وردت في قصة الطير الأبابيل، ومعناها أن الله عزت قدرته أرسل طيرا حقيقية خاصة في منقارها وأظافرها الحجارة لإهلاك أصحاب الفيل، مع أنه لا وجه لتضعيف هذه الروايات، لا سيما وأن الحافظ ابن كثير - وهو إمام من أئمة الحديث - أورد في تفسيره بعض هذه الروايات، ثم حكم عليها بأن أسانيدها صحيحة (^١)، ومتى صحت الرواية فليس هناك ما يمنع من حمل الكلام عليها.\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير جـ ٨ ص ٥٠٨.","vol":"2","page":87},{"text":"وإرادة المعنى الحقيقي للطير والحجارة، فما ذلك على الله بعزيز، كما أنه ليس في الآية ما يصرف اللفظ عن الحقيقة إلى المجاز، فلماذا إذن نلجأ في تفسير السورة إلى هذا التأويل الموغل في البعد والغرابة؟\nوالوجه الخامس: أن سياق الآيات يدلنا دلالة واضحة على أن الكلام على حقيقته وليس فيه تجوز قط، وأن ذلك إنما هو إشارة إلى أس خارق للعادة حدث في العام الذي ولد فيه الرسول ﷺ تكريما لمولده، واحتفاء بمقدمه، وإرهاصا بمبعثه ﵊، فهل موت أصحاب الفيل بواسطة الجراثيم والمكروبات التي تتسبب في حدوث الأمراض يعتبر أمرا خارقا للعادة، جديرا بالتنويه به في سورة قرآنية؟ اللهم لا، وإذن فإن حق القرآن علينا أن نرفض هذا التأويل الغريب للسورة، وأن نعتمد في تفسيرها على ما ذكره جمهور المفسرين، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.","vol":"2","page":88},{"text":"<span data-type='title' id=toc-96>ثانيا - ما يتعلق بالقواعد النحوية</span>\nتكلمنا - فيما سبق - عن بدع التفاسير التي تتعلق بالمعاني اللغوية، أي بمدلولات الألفاظ، وقد حان الوقت الآن للحديث عن بدع التفاسير التي تتعلق بالقواعد النحوية، ونعنى بها ما وقع فيه بعض المعربين من تخريجات نحوية مضطربة، شاذة أو ضعيفة، أدت إلى خلل في معاني التنزيل، وحرفت الكلم عن مواضعه، وإليك مثالين على ذلك:\n\nالمثال الأول: في تفسير قوله تعال: ﴿قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم﴾ (^١) قال بعض الناس: إن (ما) استفهامية، أي فبأي شيء أغويتني، ثم ابتدأ بقوله: ﴿لأقعدن لهم صراطك المستقيم﴾.\nوهذا الإعراب المضطرب لا يصح تخريج الآية عليه لأمرين:\nالأمر الأول: أن الاستفهام هنا لا معنى له، إذ كيف يسأل إبليس ربه، بأي شيء أغواه وأضله، والأمر الآخر: أن (ما) الاستفهامية إذا وقعت بعد حروف الجر فإن ألفها تحذف في فصيح الكلام، قال تعالى: ﴿عم يتساءلون﴾ (^٢) وقال عز من قائل: ﴿فيم أنت من ذكراها﴾ (^٣) أما إثبات ألفها في تلك الحالة، فإنه - كما يقول الزمخشري - قليل شاذ (^٤)، ومثل هذه اللغة القليلة الشاذة لا يصح تخريج القرآن عليها.\n_________\n(^١) سورة الأعراف: ١٦.\n(^٢) سورة النبأ: ١.\n(^٣) سورة النازعات: ٤٣.\n(^٤) تفسير الكشاف ج ١ ص ٤٨١.","vol":"2","page":89},{"text":"وعلى ذلك فإن القول بأن (ما) هنا استفهامية قول باطل، والصواب أن تكون (ما) في الآية مصدرية، والباء للسببية، والمعنى: فبسبب إغوائك إياي لأقعدن لهم صراطك المستقيم، أي لأعترضن لهم على طريق الإسلام، كما يعترض العدو على الطريق ليقطعه على السابلة.\n\n<span data-type='title' id=toc-98>المثال الثاني: في تفسير قوله تعالى: ﴿إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم (٢٣) وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله﴾</span> (^١) نجد بعض الجهلة يقف على (عرش)، ثم يبتدئ بقوله: (عظيم وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله)، يريد أن يجعل قوله (عظيم) خبرا مقدما، والمبتدأ هو قوله: (وجدتها) الخ، والمعنى: أمر عظيم أن وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله.\nوهذا - ولا شك - تخريج شاذ، لا يلجأ إليه إلا من فسدت سليقته، واختل ذوقه، ومن ثم نجد الزمخشري ينعي على ذلك يمسخ الذي الآية بهذا التخريج الأعوج، فيقول: «ومن نوكي القصاص (^٢) من يقف على قوله: (ولها عرش)، ثم يبتدئ: (عظيم وجدتها)، يريد أمر عظيم أن وجدتها وقومها يسجدون للشمس، فر من استعظام الهدهد عرشها، فوقع في عظيمة وهي مسخ كتاب الله» (^٣).\nكما أنكر الآلوسي هذا التخريج الشاذ الذي لا يستقيم في شيء مع الفصحى، ولا تساعد عليه أحكام الوقف والابتداء، فقال: \": قال صاحب المرشد: ولا يوقف على (عرش)، وقد زعم بعضهم جوازه، وقال: معناه عظيم عند الناس، وقد أنكر هذا الوقف أبو حاتم وغيره من المتقدمين، ونسبوا\n_________\n(^١) سورة النمل: ٢٣، ٢٤.\n(^٢) النوك - بضم النون وبفتحها - الحمق وقلة العقل، ويقال: هو أنوك كأحمق. والجمع نوكى كحمقى وأسرى.\n(^٣) تفسير الكشاف ج ٢ ص ١٤٢.","vol":"2","page":90},{"text":"القائل به إلى الجهل، وقول من قال: عظيم عبادتهم للشمس من دون الله قول ركيك لا يعتد به، وليس في الكلام ما يدل عليه\" (^١).\nولعل من نافلة القول أن نقول: إن (عظيم) في الآية إنما هو وصف للعرش دون غيره، ويتعين أن يكون الوقف على (عظيم) لأنه رأس آية، أما قوله: (وجدتها) الخ فإنه جملة مستأنفة، قال الآلوسي: \"واستعظام الهدهد لعرشها مع ما كان يشاهده من ملك سليمان ﵇ إما بالنسبة إلى حالها، أو إلى عروش أمثالها من الملوك، وجوز أن يكون ذلك لأنه لم يكن لسليمان ﵇ مثله، وإن كان عظيم الملك، فإنه قد يوجد لبعض أمراء الأطراف شيء لا يكون للملك الذي هم تحت طاعته، وأيا ما كان فوصفه بذلك بين يديه ﵇ لما ذكر أولا من ترغيبه ﵇ في الإصغاء إلى حديثه، وفيه توجيه لعزيمته ﵇ نحو تسخيرها، ولذلك عقبه بما يوجب غزوها من كفرها وكفر قومها، حيث قال: (وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله) أي يعبدونها متجاوزين عبادة الله تعالى\" (^٢).\n_________\n(^١) تفسير الآلوسي ج ١٩ ص ١٩٠.\n(^٢) المصدر السابق.","vol":"2","page":91},{"text":"<span data-type='title' id=toc-99>ثالثا - ما يتعلق بالقراءات:</span>\nوفي هذا المجال نجد كذلك كثيرا من بدع التفاسير اللغوية ويمكننا هنا أن نقسم هذه البدع إلى قسمين: القسم الأول هو استحداث قراءات لم يقرأ بها، والقسم الثاني هو رد بعض القراءات الصحيحة، وإنما صح لنا أن نعتبر ذلك من بدع التفاسير اللغوية لأن الأمر لم يقتصر على القراءات في حد ذاتها بالاختلاق أو بالإنكار فحسب، بل تخطى هذا الجانب إلى محاولة حمل القرآن على معنى قراءة باطلة، أو محاولة تنزيه القرآن عن معنى قراءة صحيحة، وكلاهما من الخطورة بمكان.\n\n<span data-type='title' id=toc-100>أما القسم الأول فهو أن بعض الناس استباحوا لأنفسهم أن يستحدثوا بعض القراءات التي ليس لها سند قط،</span> وإنما هي شبيهة بالحديث الموضوع، وهدفهم من وراء ذلك هو تأييد مذهبهم، ونصرة معتقدهم، وقد نقل شيء من هذا القبيل عن بعض المعتزلة وبعض الشيعة، وسنذكر هنا مثالين، أحدهما للمعتزلة والآخر للشيعة:\nالمثال الأول: ما ذكر في تفسير قوله تعالى: ﴿قل أعوذ برب الفلق * من شر ما خلق *﴾ (^١) فقد قرأ بعض المعتزلة (من شر ما خلق) بتنوين شر وجعل (ما) نافية، والمعنى: من شر لم يخلقه الله تعالى بل خلقه فاعله، والذي حمل المعتزلة إلى اختلاق هذه القراءة الباطلة هو أنهم يعتقدون أن الله لا يفعل القبيح لوجوب الصلاح والأصلح عليه، وأن العباد هم الذين يخلقون أفعال أنفسهم، فمن ثم حرف بعضهم الآية وقرأها بهذه القراءة التي لا سند لها،\n_________\n(^١) سورة الفلق: ٢٦١.","vol":"2","page":92},{"text":"قال ابن عطية: «هي قراءة عمرو بن عبيد وبعض المعتزلة القائلين بأن الله تعالى لم يخلق الشر، وحملوا (ما) على النفي، وجعلوا الجملة في موضع الصفة، أي من شر ما خلقه الله تعالى ولا أوجده، وهي قراءة مردودة مبنية على مذهب باطل» (^١).\nهذا - وعلى فرض أن هذه القراءة شاذة أي غير صحيحة السند فإنه لا يتعين فيها هذا التوجيه الذي ذكره المعتزلة، بل يجوز - كما قال الآلوسي - أن تكون (ما) بدلا من شر على تقدير محذوف، قد حذف لدلالة ما قبله عليه، أي من شر شر ما خلق (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-102>المثال الثاني: ما نسب إلى بعض الشيعة في تفسير قوله تعالى: ﴿فإذا فرغت فانصب (٧)﴾</span> (^٣) من أنه قرأ (فانصب) بكسر الصاد، والمراد بذلك عندهم: إذا فرغت يا محمد - من أداء الرسالة فانصب عليا للإمامة، وهم بذلك ينتصرون لمذهبهم في أن علي بن أبي طالب ﵁ هو الخليفة بعد رسول الله ﷺ، وأن تعيين الإمام إنما يكون بطريق النص عليه في القرآن والسنة، وهذه الآية - في زعمهم - نص على أن الخلافة لعلى بعد الرسول ﷺ.\nونحن نرى أن هذه القراءة باطلة، فقد حكم ابن عطية عليها بأنها قراءة شاذة ضعيفة المعنى لم تثبت عن عالم (^٤)، كما عد الزمخشري هذه القراءة بدعة من البدع فقال: «ومن البدع ما روي عن بعض الرافضة أنه قرأ (فانصب) بكسر الصاد، أي فانصب عليا للإمامة، ولو صح هذا للرافضي\n_________\n(^١) تفسير الألوسي جـ ٣٠ ص ٢٨١.\n(^٢) المصدر السابق.\n(^٣) سورة الشرح: ٧.\n(^٤) تفسير الألوسي جـ ٣٠ ص ١٧٢.","vol":"2","page":93},{"text":"لصح للناصبي (^١) أن يقرأ هكذا، ويجعله أمرا بالنصب الذي هو بغض على وعداوته» (^٢).\nهذا وإن سلمنا جدلا أن هذه القراءة صحيحة المعنى - وهي غير ذلك كما قدمنا - فليس فيها دلالة على تخصيص على للخلافة بعد الرسول، كما يزعم الشيعة، وفي ذلك يقول الآلوسي: «ونسب إلى بعض الإمامية أنه قرأ ﴿فانصب﴾ بكسر الصاد، فقيل: أي فإذا فرغت من النبوة فانصب عليا للإمامة، وليس في الآية دليل على خصوصية المفعول فللسني أن يقدر أبا بكر ﵁» (^٣).\nوإذا علمت أن هذه القراءة لا يعول عليها فإن القراءة الصحيحة والمتواترة هي ﴿فانصب﴾ بفتح الصاد، من نصب … كفرح … ينصب نصبا إذا تعب، والمعنى: إذا فرغت من عبادة فاتعب في عبادة أخرى، شكرا لما عددناه عليك من النعم السابقة واللاحقة، أو إذا فرغت من الصلاة فانصب في الدعاء، أو إذا فرغت من الغزو فاجتهد في العبادة ونحو ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-103>وأما القسم الثاني - في هذا المجال - فهو رد بعض القراءات الصحيحة بمقتضى بعض المذاهب النحوية،</span> وهذا عمل شنيع أقدم عليه بعض المفسرين، وسجلوه في كتبهم، مما يسوغ لنا أن نعتبره حقا من بدع التفاسير اللغوية، ونكتفي هنا أيضا بمثالين:\n<span data-type='title' id=toc-104>المثال الأول: ما ذكره ابن عطية عند تفسير قوله تعالى: ﴿واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا (١)﴾</span> (^٤). فقد رد قراءة\n_________\n(^١) النواصب والناصبة وأهل النصب هم قوم يتدينون ببغضة على رضى الله سموا بذلك لأنهم نصبوا له أي عادوه. اهـ من القاموس.\n(^٢) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٥٥٢.\n(^٣) تفسير الآلوسي جـ ٣٠ ص ١٧٢.\n(^٤) سورة النساء: ١.","vol":"2","page":94},{"text":"حمزة هنا بجر الأرحام، فقال: (وهذه القراءة عند رؤساء نحويي البصرة لا تجوز)، لأنه لا يجوز عندهم أن يعطف ظاهر على مضمر مخفوض، قال الزجاج عن المازني: لأن المعطوف والمعطوف عليه شريكان، يحل كل واحد منهما محل صاحبه، فكما لا يجوز: مررت بزيد وك، فكذلك لا يجوز: مررت بك وزيد، وأما سيبويه فهي عنده قبيحة لا تجوز إلا في الشعر، كما قال:\nفاليوم قد بت تهجونا وتشتمنا … فاذهب فما بك والأيام من عجب\nثم قال: «ويرد عندي هذه القراءة من المعنى وجهان: أحدهما أن ذكر الأرحام فيما يتساءل به لا معنى له في الحض على تقوى الله، ولا فائدة فيه أكثر من الإخبار بأن الأرحام يتساءل بها، وهذا تفرق في معنى الكلام، وغض من فصاحته، وإنما الفصاحة في أن يكون لذكر الأرحام فائدة مستقلة. والوجه الثاني: أن في ذكرها - على ذلك - تقريرا للتساؤل بها، والقسم بحرمتها، والحديث الصحيح يرد ذلك في قوله ﵇: «من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت» (^١)، وقالت طائفة: إنما خفض (والأرحام) على جهة القسم من الله، على ما اختص به - لا إله إلا هو - من القسم بمخلوقاته، ويكون المقسم عليه فيما بعد من قوله: (إن الله كان عليكم رقيبا)، وهذا قول يأباه نظم الكلام وسرده، وإن كان المعنى يخرجه» (^٢).\nذلك ما ذكره ابن عطية في تفسيره، فقد رد قراءة حمزة هنا، وأثار الشبهات حولها، وهذا من ابن عطية ولا شك اتجاه خاطئ تبع فيه رؤساء نحاة البصرة، وعلى رأسهم أبو العباس المبرد الذي كان أول من شنع على\n_________\n(^١) أخرجه البخاري من حديث ابن عمر في كتاب الأيمان والنذور، باب لا تحلفوا بآبائكم\n(^٢) انظر منهج ابن عطية في تفسير القرآن الكريم للمؤلف ص ١٦٧","vol":"2","page":95},{"text":"حمزة حتى قال: لا يحل القراءة بها (^١)، وروى عنه أيضا أنه قال: لو صليت خلف إمام يقرأ هذه القراءة لأخذت نعلي ومضيت (^٢).\nونحن لا يمكن بحال أن نقبل من ابن عطية هذا الكلام الذي أثاره حول هذه القراءة الصحيحة، فإن كلامه باطل من عدة وجوه نبينها فيما يلي:\nأولا: أن حمزة - وهو أحد القراء السبعة - لم يقرأ بهذه القراءة من قبل نفسه، أو على حسب رأيه واجتهاده، بل قرأ بها بناء على سماعها من الثقات الذين سمعوها من في رسول الله ﷺ، وقد انعقد الإجماع على صحة قراءة السبعة، فرد هذه القراءة الثابتة الصحيحة من ابن عطية أو غيره يعتبر شيئا في غاية الخطورة، لأن ذلك بمثابة الرد على رسول الله ﷺ، والتكذيب بالقرآن الذي أنزله الله عليه (^٣).\nثانيا: أن ما ذكره ابن عطية - في تخطئة هذه القراءة - من امتناع العطف على الضمير المخفوض إنما هو مذهب البصريين فقط، ونحن لسنا متعبدين باتباعهم، لاسيما إذا علمنا أن هذا المذهب غير صحيح، بل الصحيح ما ذهب إليه الكوفيون من الجواز، فقد ورد ذلك في لسان العرب نثرا ونظما، وقد اختار ابن مالك مذهب الكوفيين هنا فقال:\nوعود خافض لدى عطف على … ضمير خفض لازما قد جعلا\nوليس عندي لازما إذ قد أتى … في النظم والنثر الصحيح مثبتا\nثالثا: أن قراءة حمزة لا يتعين توجيهها على أساس العطف، بل يجوز\n_________\n(^١) انظر تفسير الآلوسي ج ٤ ص ١٨٤.\n(^٢) انظر تفسير القرطبي ج ٥ ص ٣.\n(^٣) منهج ابن عطية في تفسير القرآن الكريم ص ١٦٧.","vol":"2","page":96},{"text":"أن توجه على جهة القسم من الله تعالى، فتكون الواو للقسم، والمقسم عليه هو قوله تعالى: ﴿إن الله كان عليكم رقيبا﴾، والله أن يقسم بما شاء على ما شاء، وليس هذا التوجيه مما يأباه نظم الكلام وسرده - كما يقول ابن عطية - بل هو توجيه له قيمته، حيث إن الله تعالى - بعد أن أمر بتقواه - أراد أن يؤكد الوصية بالارحام، فأقسم بها في هذا المقام، على أنه رقيب على أعمال العباد، فالآية - على ذلك - قريبة في المعنى لقول الله تعالى: ﴿واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى﴾ (^١).\nرابعا: أما ما قاله ابن عطية من أن ذكر الأرحام فيما يتساءل به لا معنى له في الحض على تقوى الله تعالى فكلام ساقط عن درجة الاعتبار، وغلو من ابن عطية في التحاكم إلى السياق، لأن ذكر الأرحام في هذه الآية له أعظم الفائدة في الحض على تقوى الله تعالى، فإن الأرحام يراد بها القرابات، لاسيما تلك القرابات التي كانت بين الرسول ﷺ وبين العرب، فكأن العرب - وهم المخاطبون بهذه الآية خطابا أوليا - أمروا هنا بتقوى الله، ودعوا إلى الدخول في الإسلام، وحضوا على ذلك بذكر باعثين في الآية، أحدهما حق الله تعالى عليهم، والآخر قرابة الرسول ﷺ لهم، فهل بعد هذا يصح أن يقول ابن عطية: إنه - على هذه القراءة - لا معنى لذكر الأرحام في الحض على تقوى الله، وأن هذه القراءة تؤدي إلى التفرق في معنى الكلام، والغض من فصاحته (^٢).\nخامسا: أما الشبهة التي تعلق بها ابن عطية - في رد هذه القراءة - بأن عطف (الأرحام) على المضمر المخفوض يقتضي تقرير التساؤل بها، والقسم بحرمتها،\n_________\n(^١) سورة النساء: ٣٦.\n(^٢) منهج ابن عطية في تفسير القرآن الكريم ص ١٦٩.","vol":"2","page":97},{"text":"والحديث الصحيح يرد ذلك للنهي فيه عن الحلف بغير الله تعالى فتلك شبهة واهية، لأنا لا نسلم أن الحلف بغير الله مطلقا منهي عنه، بل المنهي عنه ما كان مع اعتقاد وجوب التعظيم، وأما الحلف على سبيل التأكيد مثلا فلا بأس به، فقد جاء في الخبر: «أفلح وأبيه إن صدق»، وأيضا ذكر بعض العلماء أن هذه القراءة لا تفيد معنى الحلف، وإنما تفيد معنى التوسل والاستعطاف، وعلى ذلك فليس في هذه القراءة ما يقتضي تقرير الحلف بالأرحام، المنهي عنه في الحديث الصحيح، قال الآلوسي ﵀: «وقد ذكر بعضهم أن قول الشخص لآخر: أسألك بالرحم أن تفعل كذا ليس الغرض منه سوى الاستعطاف، وليس هو كقول القائل: والرحم لأفعلن كذا، ولقد فعلت كذا، فلا يكون متعلق النهي في شيء» (^١).\nمن هذا كله يتبين لنا أن قراءة حمزة هنا قراءة صحيحة يجب قبولها ولا يجوز ردها، وقد نص أئمة القراء على أن الاعتماد في قبول القراءة إنما يتوقف على الأثبت في الأثر، والأصح في النقل، لا على الأفشى في اللغة، والأقيس في العربية، وفي ذلك يقول أبو عمرو الداني - فيما نقله عنه ابن الجزري -: «وأئمة القراء لا تعمل في شيء من حروف القرآن على الأفشى في اللغة، والأقيس في العربية، بل على الأثبت في الأثر، والأصح في النقل، والرواية إذا ثبتت عنهم لم يردها قياس عربية، ولا فشو لغة، لأن القراءة سنة متبعة، يلزم قبولها والمصير إليها» (^٢).\nوأيضا يقول الإمام القشيري - في مقام الرد على من انتقد قراءة حمزة هذه -: «ومثل هذا الكلام مردود عند أئمة الدين، لأن القراءات التي قرأ بها أئمة القراء ثبتت عن النبي ﷺ تواترا يعرفه أهل الصنعة، وإذا ثبت شيء عن النبي ﷺ فمن رد ذلك فقد رد على النبي ﷺ، واستقبح ما قرأ به، وهذا\n_________\n(^١) تفسير الآلوسي ج ٤ ص ١٨٤، ١٨٥\n(^٢) النشر ج ١ ص ١٠، ١١","vol":"2","page":98},{"text":"مقام محذور، ولا يقلد فيه أئمة اللغة والنحو، فإن العربية تتلقى من النبي ﷺ ولا يشك أحد في فصاحته» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-105>المثال الثاني: «ما فعله الزمخشري في تفسير قوله تعالى: ﴿وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم﴾</span> (^٢) فقد وجدناه هو الآخر يرد قراءة ابن عامر ببناء الفعل المفعول الذي هو القتل، ونصب الأولاد وجر الشركاء، وقد استند الزمخشري - في رد هذه القراءة - إلى أنه لا يجوز - عند النحويين - الفصل بين المضاف والمضاف إليه بغير الظرف، وفي ذلك يقول: (وأما قراءة ابن عامر: (قتل أولادهم شركائهم) برفع القتل، ونصب الأولاد وجر الشركاء، على إضافة القتل إلى الشركاء، والفصل بينهما بغير الظرف فشيء لو كان في مكان الضرورات - وهو الشعر - لكان سمجا مردودا، كما سمج ورد: (زج القلوص أبي مزاده) (^٣)، فكيف به في الكلام المنثور، فكيف به في القرآن المعجز نحسن نظمه وجزالته، والذي حمله على ذلك أن رأى في بعض المصاحف (شركائهم) مكتوبا بالياء، ولو قرأ بجر الأولاد والشركاء، لأن الأولاد شركاؤهم في أموالهم لوجد في ذلك مندوحة عن هذا الارتكاب)» (^٤).\nوقد وافق الزمخشري في بدعته تلك بعض النحاة، ومن هؤلاء أبو جعفر\n_________\n(^١) تفسير القرطبي ج ٥ ص ٤\n(^٢) سورة الأنعام: ١٣٧\n(^٣) هذا شطر بيت من الشعر، والبيت بتمامه هو:\nفرججتها بمزجة … زج القلوص أبي مزاده\nوالضمير في زججتها للكتيبة، والزج الطعن، والمزجة رمح قصير، والقلوص الناقة الشابة.\n(^٤) تفسير الكشاف ج ١ ص ٤٧٢","vol":"2","page":99},{"text":"النحاس فقد قال: «وأما ما حكاه أبو عبيد عن ابن عامر وأهل الشام فلا يجوز في كلام ولا في شعر، وإنما أجاز النحويون التفريق بين المضاف والمضاف إليه بالظرف، لأنه لا يفصل فأما بالأسماء غير الظروف فلحن» (^١)، ومنهم كذلك أبو غانم أحمد بن حمدان النحوي حيث يقول: «قراءة ابن عامر لا تجوز في العربية، وهي زلة عالم، وإذا زل العالم لم يجز اتباعه، ورد قوله إلى الإجماع، وكذلك يجب أن يرد من زل منهم أو سها إلى الإجماع، فهو أولى من الإصرار على غير الصواب، وإنما أجازوا في الضرورة للشاعر أن يفرق بين المضاف والمضاف إليه بالظرف لأنه لا يفصل» (^٢).\nوهذا الاتجاه الخاطئ من الزمخشري وأمثاله في رد هذه القراءة الصحيحة مبني لديهم على أساس خاطئ، وهو أنهم ظنوا أن القراء إنما قرأوا بهذه القراءات اجتهادا منهم، مع أن من الحقائق العلمية الثابتة أن القراءات توقيفية، وليست اجتهادية. وأن القراء السبعة ومنهم ابن عامر - إنما تلقوا قراءاتهم عن الثقات الذين تلقوها بدورهم عن رسول الله ﷺ، ولقد شنع على هؤلاء في هذا المجال غير واحد من العلماء، وهذا هو الإمام القشيري يقول في هذا الصدد -: \"وقال قوم: هذا قبيح، وهذا محال، لأنه اذا ثبتت القراءة بالتواتر عن النبي ﷺ فهو الفصيح لا القبيح، وقد ورد ذلك في كلام العرب، وفي مصحف عثمان (شركائهم) بالياء، وهذا يدل على قراءة ابن عامر، وأضيف القتل - في هذه القراءة - إلى الشركاء لأن الشركاء هم الذين زينوا ذلك، ودعوا إليه، فالفعل مضاف إلى فاعله، على ما يجب في الأصل، لكنه فرق بين المضاف والمضاف إليه وقدم المفعول، وتركه منصوبا على حاله، إذا كان متأخرا في المعنى، وأخر المضاف إليه، وتركه مخفوضا على حاله، إذ كان متقدما بعد القتل والتقدير: «وكذلك زين لكثير من المشركين\n_________\n(^١) تفسير القرطبي ج ٧ ص ٩٢\n(^٢) تفسير القرطبي ج ٧ ص ٩٢، ٩٣","vol":"2","page":100},{"text":"قتل شركائهم أولادهم، أي أن قتل شركائهم أولادهم» (^١).\nأما ابن المنير السكندري فقد حمل حملة شعواء على الزمخشري، في رده لقراءة ابن عامر هذه، وناقشه مناقشة علمية مفصلة، وبين جهله في علمي القراءة والأصول، فقال: «لقد ركب المصنف في هذا الفصل متن عمياء، وتاه في تيهاء، وأنا أبرأ إلى الله، وأبرئ حملة كتابه وحفظة كلامه مما رموه به، فإنه تخيل أن القراء - أئمة الوجوه السبعة - اختار كل منهم حرفا قرأ به اجتهادا، لا نقلا وسماعا فلذلك غلط ابن عامر في قراءته هذه، وأخذ يبين أن وجه غلطه رؤيته الياء ثابتة في (شركائهم)، فاستدل بذلك على أنه مجرور، وتعين عنده نصب (أولادهم) بالقياس، إذ لا يضاف المصدر إلى أمرين معا، فقرأه منصوبا». قال المصنف - يريد الزمخشري - وكانت له مندوحة عن نصبه إلى جره بالإضافة، وإبدال الشركاء منه، وكان ذلك أولى مما ارتكبه - يعني ابن عامر - من الفصل بين المضاف والمضاف إليه، الذي يسمح في الشعر فضلا عن النثر، فضلا عن المعجز، فهذا كله - كما ترى - ظن من الزمخشري أن ابن عامر قرأ قراءته هذه رأيا منه، وكان الصواب خلافه، والفصيح سواه، ولم يعلم الزمخشري أن هذه القراءة - بنصب الأولاد، والفصل بين المضاف والمضاف إليه بها - يعلم ضرورة أن النبي ﷺ قرأها على جبريل، كما أنزلها عليه كذلك، ثم تلاها النبي ﷺ على عدد التواتر من الأئمة، ولم يزل عدد التواتر يتناقلونها ويقرءونها خلفا عن سلف إلى أن انتهت إلى ابن عامر، فقرأها أيضا كما سمعها، فهذا معتقد أهل الحق في جميع الوجوه السبعة، أنها متواترة جملة وتفصيلا عن أفصح من نطق بالضاد ﷺ، فإذا علمت العقيدة الصحيحة فلا مبالاة بعدها بقول الزمخشري ولا بقول أمثاله ممن لحن ابن عامر، فإن المنكر عليه إنما أنكر ما ثبت أنه\n_________\n(^١) تفسير القرطبي جـ ٧ ص ٩٣","vol":"2","page":101},{"text":"براء منه قطعا وضرورة، ولولا عذر أن المنكر ليس من أهل الشأنين، أعني علم القراءة وعلم الأصول، ولا يعد من ذوى الفنيين المذكورين الخيف عليه الخروج من ربقة الدين» (^١).\nوبعد:\nفهذه هي بدع التفاسير اللغوية - وهي نوع من أنواع الدخيل في التفسير - تكلمنا عليها بالتفصيل، فإلى نوع آخر من الدخيل، وهي تأويلات الباطنية، والله ولي التوفيق.\n_________\n(^١) الانتصاف على هامش الكشاف ج ١ ص ٤٧١","vol":"2","page":102},{"text":"<span data-type='title' id=toc-106>الفصل الثالث تأويلات الباطنية</span>\nالباطنية اسم يطلق على جماعات متعددة من غلاة الشيعة، كالإسماعيلية، والقرامطة، والخرمية، والرافضة، وقد أطلق عليهم هذا الاسم بسبب أنهم يتفقون جميعا على أمر واحد، وهو التأويل الباطني للنصوص، ويقولون: إن لكل ظاهر باطنا، ولكل تنزيل تأويلا، وأن الظاهر بمثابة القشر، أما الباطن فإنه يمثل اللباب عندهم، وبذلك أسقطوا التكاليف الشرعية، وقالوا: إنه لا يراد بها الحقيقة، وإنما هي رموز إلى أشياء معينة، زينها الشيطان لهم، فتمسحوا بها وزعموا أنها مما تلقوه عن الإمام المعصوم، ومن ثم فقد ورد عنهم بعض التأويلات الفاسدة لألفاظ القرآن الكريم، وهذه التأويلات ترفضها قوانين العربية، وتتعارض - تماما - مع قواعد الشرع، مما يحق لنا أن نعتبر تلك التأويلات من جملة الدخيل الذي تسلل إلى رحاب القرآن الكريم.\n\n<span data-type='title' id=toc-107>حركة الباطنية وأهدافها:</span>\nنشأت حركة الباطنية في أحضان الفكر الشيعي المتطرف، وقد ظهرت هذه الحركة بصورة منظمة - في زمن الخليفة المأمون العباسي - على يد رجل يدعى: (ميمون بن ديصان) المعروف بالقداح، يقال: إنه كان مجوسيا من سبي الأهواز (^١)، وكان مولى لجعفر بن محمد الصادق (^٢).\n_________\n(^١) الفرق بين الفرق للبغدادي ص ٢٩٣ ط صبيح.\n(^٢) المصدر السابق ص ٢٨٢.","vol":"2","page":103},{"text":"ويذكر البغدادي أن هذا الرجل اشترك مع جماعة ممن على شاكلته في تأسيس هذا المذهب الباطني الذي يدعو إلى دين المجوس بالتأويلات الرمزية التي يتأولون عليها القرآن والسنة، حيث اجتمعوا كلهم مع ميمون بنديصان في سجن والي العراق، فأسسوا في ذلك السجن مذهب الباطنية، ثم ظهرت دعوتهم بعد خلاصهم من السجن (^١).\nكما يذكر البغدادي أن ميمون بن ديصان هذا أخذ يجوب الآفاق، داعيا الناس إلى مذهبه، ثم رحل إلى ناحية المغرب، وانتسب في تلك الناحية إلى عقيل بن أبي طالب، وزعم أنه من نسله، فلما دخل في دعوته قوم من غلاة الرفض والحلولية منهم ادعى أنه من ولد محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق، فقبل الأغبياء ذلك منه، على جهل منهم بأن محمد بن إسماعيل ابن جعفر مات ولم يعقب عند علماء الأنساب (^٢).\nوهذا المذهب الباطني الذي أخذ يدعو الناس اليه بعضه مستمد من عقائد المجوس، وبعضه مأخوذ من كلام الفلاسفة، ويبدو أن أولئك الذين ساعدوه على انتشار دعوته جماعة من فصيلته أبناء الفرس الذين تظاهروا بالإسلام، إلا أن قلوبهم كانت تنطوي على بعض العقائد المجوسية والوثنية تلك التي كانت لآبائهم وأجدادهم، ويشرح البغدادي صلة هذا المذهبي الباطني بالمجوسية فيقول: «ذكر أصحاب التواريخ أن الذين وضعوا أساس دين الباطنية كانوا من أولاد المجوس، وكانوا مائلين إلى دين أسلافهم، ولم يخسروا على إظهاره خوفا من سيوف المسلمين، فوضع الأعمار منهم أسسا من قبلها منهم صار في الباطن إلى تفضيل أديان المجوس، وتأولوا آيات القرآن وسنن النبي ﵇ على موافقة أسسهم» (^٣)\n_________\n(^١) المصدر السابق.\n(^٢) المصدر السابق.\n(^٣) المصدر السابق ص ٢٨٤، ٢٨٥.","vol":"2","page":104},{"text":"وأيضا يبين الغزالي أن الباطنية أخذوا عقائدهم وتعاليمهم من المجوس تارة ومن الفلاسفة تارة أخرى فيقول: (فنرى أن نشتغل بالرد عليهم فيما اتفقت كلمتهم عليه - وهو إبطال الرأي، والدعوة إلى التعليم من الإمام المعصوم - فهذه عمدة معتقدهم وزبدة مخضهم (^١)، فلنصرف العناية إليه، وما عداه فمنقسم إلى هذيان ظاهر البطلان، وإلى كفر مسترق من الثنوية (^٢) والمجوس في القول بالإلهين، مع تبديل عبارة: (النور والظلمة) بالسابق والتالي، إلى ضلال منتزع من كلام الفلاسفة في قولهم: إن المبدأ الأول علة لوجود العقل على سبيل اللزوم عنه، لا على سبيل القصد والاختيار (^٣) .. إلى أن قال: «فصار أكثر مذهبهم موافقا للثنوية والفلاسفة في الباطن، وللروافض والشيعة في الظاهر، وغرضهم بهذه التأويلات انتزاع المعتقدات الظاهرة من نفوس الخلق») (^٤).\nويحدثنا ابن الجوزي حديثا مفصلا عن السبب الذي حمل هؤلاء الباطنية علي الدخول في هذه البدعة فيقول: (اعلم أن القوم أرادوا الانسلال من الدين، فشاوروا جماعة من المجوس والمزدكية (^٥)، والثنوية واحدة الفلاسفة.\n_________\n(^١) جاء في لسان العرب: «مخض اللبن يمخضه ويمخضه ويخضه محضا - ثلاث لغات - فهو ممخوض ومخيض: أخذ زبده» ا هـ.\n(^٢) الثنوية هم المجوس حيث أثبتوا أصلين اثنين مدبرين قديمين، يقتسمان الخير والشر، والنفع والضر، والصلاح والفساد، أحدهما النور والآخر الظلمة، وبالفارسية: يزدان وأهر من - انظر الملل والنحل ج ١ ص ٢١٢.\n(^٣) فضائح الباطنية ص ٤٠ ط الكويت.\n(^٤) المصدر السابق ص ٤٦.\n(^٥) المزدكية هم أصحاب (مزدك)، وهو الذي ظهر في أيام (قباذ) والد (أنو شروان) من ملوك الفرس، ودعا مزدك (قباذ) إلى مذهبه فأجابه، واطلع (أنوشروان) على خزيه وافترائه، فقتله، ومذهب مزدك يقوم - أساسا - على الإباحية في النساء والأموال وجعل الناس شركة فيهما - انظر الملل والنحل ج ١ ص ٢٢٩.","vol":"2","page":105},{"text":"في استنباط تدبير يخفف عنهم ما نابهم من استيلاء أهل الدين عليهم، حتى أخرسوهم عن النطق بما يعتقدونه من إنكار الصانع، وتكذيب الرسل، وجحد البعث، وزعمهم أن الأنبياء ممخرقون ومنمسون (^١)، ورأوا أمر محمد ﷺ قد استطار في الأقطار، وأنهم قد عجزوا عن مقاومته، فقالوا: سبيلنا أن ننتحل عقيدة طائفة من فرقهم، أركم عقلا، وأسخفهم رأيا (^٢)، وأقبلهم للمحالات، والتصديق بالأكاذيب، وهم الروافض، فنتحصن بالانتساب إليهم، ونتودد إليهم بالحزن على ماجرى على آل محمد من الظلم والذل، ليمكننا شتم القدماء الذين نقلوا إليهم الشريعة، فإذا هان أولئك عندهم لم يلتفتوا إلى ما نقلوا، فأمكن استدراجهم إلى الانخلاع من الدين، فإن بقي منهم معتصم بظواهر القرآن والأخبار أوهمناه أن تلك الظواهر لها أسرار وبواطن، وأن المنخدع بظواهرها أحمق، وإنما الفطنة في اعتقاد بواطنها، ثم نبث إليهم عقائدنا، ونزعم أنها المراد بظواهرها عندكم، فإذا تكثرنا بهؤلاء سهل علينا استدراج باقي الفرق) (^٣).\nوأخيرا يلخص لنا الغزالي مذهب الباطنية بصورة إجمالية، فيقول:\n«أما الجملة فهو أنه مذهب ظاهره الرفض، وباطنه الكفر المحض، ومفتتحه حصر مدارك العلوم في قول الإمام المعصوم، وعزل العقول عن أن تكون مدركة للحق، لما يعتريها من الشبهات، ويتطرق إلى النظار من الاختلافات، وإيجاب لطلب الحق بطريق التعليم والتعلم، وحكم بأن المعلم المعصوم هو المستبصر، وأنه مطلع من جهة الله على جميع أسرار الشرائع، يهدي إلى الحق ويكشف عن المشكلات، وأن كل زمان ولا بد فيه من إمام معصوم، يرجع\n_________\n(^١) نمس عليه الأمر: لبس عليه ودلس، ومخرق مثله.\n(^٢) في الأصل: (أذكاهم عقلا وأتحفهم رأيا)، والصواب ما ذكرناه كما في فضائح الباطنية ص ١٩.\n(^٣) تلبيس إبليس ص ١٠٦ وهذا الكلام الذي ذكره ابن الجوزي مأخوذ من فضائح الباطنية ص ١٨، ١٩.","vol":"2","page":106},{"text":"إليه فيما يستبهم من أمور الدين، هذا مبدأ دعوتهم، ثم إنهم - بالآخرة - يظهرون ما يناقض الشرع، وكأنه غاية مقصدهم، لأن سبيل دعوتهم ليس يمتعنين في فن واحد، بل يخاطبون كل فريق بما يوافق رأيه، بعد أن يظفروا منهم بالانقياد لهم والموالاة الإمامهم، فيوافقون اليهود والنصارى والمجوس على جملة معتقداتهم، ويقرونهم عليها، فهذه جملة المذهب» (^١).\nهذا - وقد استفحل أمر الباطنية، واشتد خطرهم على الدولة العباسية، في فترات متلاحقة من الزمن، ففي أيام الخليفة المعتصم العباسي ظهرت طائفة من الباطنية تدعى بالبابكية أو الخرمية (^٢) ومذهب هؤلاء يتلخص في طي بساط التكليف، وحط أعباء الشرع عن المتعبدين، وتسليط الناس على اتباع اللذات وطلب الشهوات، وقضاء الوطر من المباحات والمحرمات (^٣)، وكان زعيم هذه الطائفة هو بابك الخرمي، ظهر في بعض الجبال بناحية أزربيجان سنة ٢٠١ هـ وتبعه خلق كثيرون، واستفحل أمر هؤلاء واستباحوا المحظورات، وخرجوا على الخليفة العباسي، فأرسل الخليفة جيشا لقتالهم، واستمرت الحرب بين الفريقين عشرين سنة، وفي النهاية استطاع الأفشين قائد المعتصم أن يهزم بابك الخرمي، وأن يسيره هو وأخاه مكبلين بالحديد إلى الخليفة العباسي، فأمر بقتلهما وصلبهما في (سر من رأى) سنة ٢٢٣ هـ.\nوبعد ذلك ظهر من طوائف الباطنية القرامطة، وهؤلاء القرامطة ينتسبون إلى رجل يقال له: (حمدان قرمط) لقب بذلك لقرمطة في خطه أو في خطوه (^٤)، وقد تلقى هذا الرجل الدعوة الباطنية على يد داع من دعاتها،\n_________\n(^١) فضائح الباطنية ص ٣٧\n(^٢) خرم - علي وزن سكر - لفظ أعجمي ينبئ عن الشيء المستلد المستطاب الذي يرتاح الإنسان له، وقد كان هذا الاسم لقبا للمزدكية. وهم أهل الإباحة من المجوس، فسمي هؤلاء بهذا الاسم لمشابهتهم إياهم.\n(^٣) فضائح الباطنية ص ١٤ وتلبيس إبليس ص ١٠٥، ١٠٦.\n(^٤) الفرق بين الفرق ص ٢٨٢","vol":"2","page":107},{"text":"وعاهده الداعي علي كتم السر، فالتزم حمدان عهده، واندفع الداعي في تعليمه فنون جهله حتى استغواه واستجاب له في جميع ما دعاه، ثم انتدب حمدان للدعوة، وصار أصلا من أصول هذه البدعة، فسمى أتباعه بالقرامطة (^١).\nوقد تغلب القرامطة على ناحية البحرين سنة ٢٨٦ هـ بزعامة رجل منهم شديد البأس اسمه أبو سعيد الجنابي كان من أتباع حمدان، وقد قوي أمره آنذاك، وقتل ما لا يحصى من المسلمين، وخرب المساجد، وأحرق المصاحف، وفتك بالحجاج (^٢)، ولما مات خلفه ابنه أبو طاهر، ففعل مثلما فعل أبوه، وهجم على الكعبة، فأخذ ما فيها من الذخائر، وقلع الحجر الأسود، فحمله إلى بلده، وأوهم الناس أنه الله ﷿ (^٣).\nوهناك رواية أخرى تقول إن الذي سرق الحجر الأسود رجل من القرامطة يقال له: سليمان بن الحسن، فقد دخل مكة سنة ٣١٧ هـ وقتل من وجده في الطواف، واقتلع الحجر وحمله إلى البحرين، ثم رد منها إلى الكوفة، ورد بعد ذلك من الكوفة إلى مكة على يد أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن يحيى المزكي النيسابوري في سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة (^٤).\nولا ندري هل وقعت هذه الحادثة المشئومة مرتين، أم أنه حدث اضطراب في أحد المصدرين، أم أن الشخصين تعاونا معا على ارتكاب تلك الجريمة النكراء؟\nوفي أواخر القرن الثالث الهجري ظهر رجل من الباطنية بناحية القيروان\n_________\n(^١) تلبيس إبليس ص ١٠٥ وفضائح الباطنية ص ١٣، ١٤.\n(^٢) تلبيس إبليس ص ١٠٠\n(^٣) المصدر السابق\n(^٤) الفرق بين الفرق ص ٢٩٠، ٢٩١.","vol":"2","page":108},{"text":"اسمه عبيد الله بن الحسين الملقب بالمهدي، وخدع قوما من كتامة، وقوما من المصامدة، وشرذمة من البربر بحيل أظهرها لهم، وظن الأغمار أنها معجزة له، فتبعوه لأجلها ووافقوه على بدعته، فاستولى بهم على بلاد المغرب (^١)، وأسس الدولة الفاطمية أو العبيدية في بلاد المغرب ثم لم تلبث هذه الدولة أن انتقلت إلى مصر سنة ٣٦٢ هـ على يد أحد أحفاده وهو المعز لدين الله الفاطمي الذي أنشأ مدينة القاهرة، وبنى الجامع الأزهر، وظلت هذه الدولة قائمة في مصر حتي قضى عليها صلاح الدين الأيوبي في أواخر القرن السادس الهجري.\nومن الباطنية الذين كان لهم دور خطير في تاريخ الإسلام والمسلمين جماعة اشتهرت بالاغتيالات الفردية، وزعيم هذه الجماعة هو الحسن بن الصباح الذي تلقى تعاليم الباطنية في مدينة الري بفارس، ثم رحل إلى مصر في عهد الخليفة الفاطمي المستنصر سنة ٤٧١ هـ للتفقه في هذا المذهب، وبعد أن أقام في مصر نحو عام ونصف العام عاد إلى فارس ليبث الدعوة فيها، وتسلل في عام ٤٨٣ هـ إلى قلعة حصينة بناحية قزوين تسمى قلعة (الموت)، واستولى عليها، وكان له فيها أتباع عديدون، واتخذ من تلك القلعة معقلا له، وقام هو وأتباعه بعدة غارات على الأماكن المجاورة، واستولى مباغة على الحصون الموجودة فيها، وبنى حصونا جديدة، ويقال إنه أنشأ هناك حدائق غناء كان الفدائيون من أتباعه يتمتعون فيها بالملاذ التي يتوقعون التنعم بها في الفردوس، ولكن الأرجح - كما في دائرة المعارف الإسلامية - أن جنتهم تلك كانت محض خيال يصوره لهم الحشيش الذي كانوا يدخنونه (^٢).\nوقد عمرت دولة ابن الصباح طويلا في بلاد فارس، ولم يستطع أحد من\n_________\n(^١) المصدر السابق ص ٢٨٨،\n(^٢) انظر دائرة المعارف الإسلامية ج ٣ ص ٣٧٧ •","vol":"2","page":109},{"text":"سلاطين المسلمين القضاء عليها، ولكن شاءت إرادة الله أن تسقط هذه الدولة الباطنية على يد (هولاكو) المغولي سنة ٦٥٤ هـ قبل أن يتوجه لتخريب (بغداد)، وذلك في أثناء الزحف المغولي على بلاد المشرق الإسلامي.\nوهكذا كان للباطنة دور خطير في العالم الإسلامي من الناحيتين الفكرية والسياسية على السواء، ولقد قام الخلفاء العباسيون وولاتهم بمطاردة هؤلاء الباطنية، ومكافحة خطرهم عن طريق القوة العسكرية كما بينا، أما علماء الإسلام فقد تصدروا مشكورين - لمقاومة هذا المذهب الباطني الشاذ بالردود العلمية، وألفوا الكثير من الكتب لبيان فضائح الباطنية وضلالاتهم وعقائدهم الفاسدة، ومن هؤلاء صدر الإسلام الإمام عبد القاهر البغدادي المتوفى سنة ٤٢٩ هـ فقد خصص فصلا من فصول كتابه: (الفرق بين الفرق) لذكر الباطنية وبيان خروجهم عن جميع فرق الإسلام، ومنهم كذلك حجة الإسلام الإمام أبو حامد الغزالي المتوفى سنة ٥٠٥ هـ فقد ألف كتابا في الرد على الباطنية أسماه: (فضائح الباطنية) وهكذا.\nومما تجدر الإشارة إليه هنا أن الباطنية لهم ألقاب كثيرة ذكرها الغزالي في كتابه: (فضائح الباطنية)، وأشهر هذه الألقاب ثلاثة: الإسماعيلية، والسبعية، والتعليمية.\nأما اللقب الأول - وهو الإسماعيلية - فقد لقبوا بذلك لقولهم بثبوت الإمامة لإسماعيل بن جعفر الصادق، بالنص عليه من أبيه جعفر، وفائدة النص عليه عندهم وإن كان قد مات قبل أبيه، إنما هو بقاء الإمامة في عقبه، كقصة هارون مع موسى صلوات الله عليهما، قالوا: ثم انتقلت الإمامة من إسماعيل إلى ابنه محمد المكتوم السابع التام، وقد تم دور الأئمة السبعة به، ثم ابتدئ منه بالأئمة المستورين الذين كانوا يسيرون في البلاد سرا، ويظهرون الدعاة جهرا، فالامام عندهم قد لا يكون له شوكة فيستتر،","vol":"2","page":110},{"text":"وتسكون دعاته ظاهرين، إقامة للحجة على الخلق، وإذا كانت له شوكة ظهر وأظهر دعوته (^١).\nوأما اللقب الثاني وهو السبعية فانما لقبوا بذلك لأمرين:\nأحدهما اعتقادهم أن دور الإمامة سبعة علي ما بينا، وأن الانتهاء إلى السابع هو آخر الأدوار، وهو المراد بالقيامة، وأن تعاقب هذه الأدوار لا آخر له، والثاني لقولهم أن تدبير العالم السفلي منوط بالكواكب السبعة: زحل ثم المشتري ثم المريخ ثم الزهرة ثم الشمس ثم عطارد ثم القمر (^٢).\nوأما اللقب الثالث وهو التعليمية فقد لقبوا بذلك لأن مبدأ مذهبهم.\nإبطال الرأي، وإفساد تصرف العقول، ودعاء الخلق إلى التعليم من الإمام المعصوم، وأنه لا تدرك العلوم إلا بالتعليم (^٣).\nهذا - ومن جملة هذه العلوم التي زعموا أنهم أخذوها عن الإمام المعصوم تلك التأويلات الباطنية التي سنتعرض لها الآن، والله المستعان\n_________\n(^١) مقدمة ابن خلدون ص ١٧٩، ١٨٠ ط الشعب.\n(^٢) تلبيس إبليس ص ١٠٣\n(^٣) المصدر السابق ص ١٠٦","vol":"2","page":111},{"text":"اعتماد الباطنية على التأويل الباطني أو التفسير الرمزي\nالباطنية - بالنسبة للتأويل الباطني - فريقان: الفريق الأول: يذهبون إلى إبطال ظواهر النصوص، ويقولون: إنه لا عبرة بهذه الظواهر، ولا تعويل عليها، ويعتمدون اعتمادا كليا على المعاني الباطنية، والرموز الخفية التي تضمنتها ظواهر المشريعة في زعمهم، وهؤلاء هم غلاة الباطنية الذين يطرحون الظاهر، ويعتقدون الباطن، وهم الذين عناهم ابن الجوزي بقوله: «الباطنية سموا بذلك لأنهم يدعون أن لظواهر القرآن والأحاديث بواطن، تجري من الظواهر مجرى اللب من القشر، وأنها بصورتها توهم الجهال صورا جلية، وهي عند العقلاء - ويريدون أنفسهم - رموز وإشارات إلى حقائق خفية، وأن من تقاعد عقله عن الغوص على الخفايا والأسرار، والبواطن والأغوار (^١)، وقنع بظواهرها كان تحت الأغلال التي هي تكليفات الشرع، ومن ارتقى إلى علم الباطن انحط عنه التكليف، واستراح من أعبائه، قالوا: وهم المرادون بقوله تعالى: ﴿ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم﴾ (^٢)، ومرادهم أن ينزعوا من العقائد موجب الظواهر، ليقدروا - بالتحكم بدعوى الباطن - على إبطال الشرائع» (^٣).\nوالفريق الثاني: وهم جماعة من الأذكياء منهم - لا يرون إبطال ظواهر\n_________\n(^١) الغور - بفتح الغين وسكون الواو - من كل شيء قعره، ومنه يقال: (فلان بعيد الغور) أي حقود، ويقال: عارف بالأمور، وغار في الأمر: إذا دقق النظر فيه، وجمع غور أغوار\n(^٢) سورة الأعراف: ١٥٧\n(^٣) تلبيس إبليس ص ١٠٢","vol":"2","page":112},{"text":"الشريعة بالكلية، ويأنفون من مقالة الفريق الأول، ويقولون: إن ظواهر الشريعة معمول بها في ظاهرها، ولها أيضا بواطن هي سرها ولبابها، فيعملون بزعمهم على الظواهر والبواطن جميعا (^١).\nوكلا الفريقين يقول: إن هذه المعاني الباطنية لا تؤخذ بالأقيسة وبالاستنباط والاجتهاد، وإنما تؤخذ من أفواه الأئمة المعصومين من آل البيت رضوان الله عليهم، ويبدو أنه لا يوجد فرق واضح بين الفريقين لأن القول بالباطن قدر مشترك بينهما، وأن المقالة التي أعلنها الفريق الثاني إنما كانت منهم على سبيل التقية أو التستر على ما تنطوي عليه نفوسهم من عقيدة فاسدة، ومذهب باطل، وسنزيد هذا الأمر وضوحا عما قريب إن شاء الله تعالى.\nهذا - وقد حاول الباطنية في سبيل الانتصار لمذهبهم في التأويل الباطني والتفسير الرمزي أن يستدلوا على صحة ذلك بآيات من القرآن الكريم، إلا أن هذه الآيات لا دلالة فيها على ما يدعون، فمثلا يستدلون بالآيات التي تذكر فيها الحكمة مثل قوله تعالى: ﴿ويعلمهم الكتاب والحكمة﴾ (^٢) وقوله جل شأنه: ﴿وأنزل عليك الكتاب والحكمة﴾ (^٣)، وقوله سبحانه: ﴿ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا﴾ (^٤)، فيقولون: إن المراد بالحكمة في هذه الآيات هو باطن الكتاب وتأويله، وهو أحد جزئي الكتاب، والجزء الثاني ظاهر الكتاب وهو تنزيله، فباطنه التأويل، وظاهره التنزيل (^٥).\nونحن نرى أن هذا الاستدلال غير سديد، بل هو ضرب من التخبط،\n_________\n(^١) انظر مشكاة الأنوار الهادمة لقواعد الباطنية الأشرار للإمام يحيى بن حمزة العلوي ص ٦٥، ٦٦ طبع دار الفكر الحديث\n(^٢) سورة الجمعة: ٢\n(^٣) سورة النساء: ١١٣\n(^٤) سورة البقرة: ٢٦٩\n(^٥) مشكاة الأنوار الهادمة لقواعد الباطنية الأشرار ص ١١٥","vol":"2","page":113},{"text":"وفن من الضلال، لأن المراد بالكتاب هنا هو هذا القرآن المنزل من السماء، أما الحكمة فيختلف معناها باختلاف مواقعها، ففي قوله تعالى: ﴿ويعلمهم الكتاب والحكمة﴾ وفي قوله: ﴿وأنزل عليك الكتاب والحكمة﴾، يراد بالحكمة السنة، وفي قوله ﴿ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا﴾ يراد بالحكمة العلم والعمل، فالحكيم عند الله هو العالم العامل بما علمه، وعلى ذلك فإن استدلال الباطنية بهذه الآيات على صحة القول بالباطن فاسد حيث إن كلامهم في واد، والآيات القرآنية التي يستدلون بها في واد آخر.\nوأيضا يستدل الباطنية على نصرة الباطن بدليل آخر، وهو أن هناك في القرآن ما لا يمكن حمله بزعمهم على ظاهره، وإذا لم يمكن حمله على الظاهر تعين أن يكون المراد به الباطن، وضربوا لذلك بعض الأمثلة منها قوله تعالى: ﴿في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون﴾ (^١) فقد قالوا: إن الله أخبر عن القرآن بأنه لا يمسه إلا المطهرون، وهذا الخبر إذا حمل على ظاهره تطرق الكذب إليه، لأنه ليس من المتعذر على من ليس بطاهر أن يمس الكتاب، وخبر الله يجب أن يكون صادقا، وإذن فلابد من القول بالباطن، وهنا يسبحون في خضم التأويلات الفاسدة، والهذيانات المضحكة.\nوقد رد عليهم أحد العلماء الأجلاء، وأبطل استدلالهم بهذه الآية فقال: ليس يخلو حال الجملة الفعلية في قوله. ﴿لا يمسه إلا المطهرون﴾ من أن تكون صفة للكتاب أو صفة للقرآن (^٢)، فإن كانت صفة للكتاب فالمراد به اللوح المحفوظ، وهو لا يحتاج إلى تأويل، فإنه لا يمسه إلا المطهرون من الملائكة، وإن كانت صفة للقرآن فالغرض منه أنه نفى في معنى النهي، كأنه قال: إنه لقرآن كريم فانتهوا عن مسه، وبعد هذا فلا شك ولا ريب، وهذا\n_________\n(^١) سورة الواقعة: ٧٨، ٧٩.\n(^٢) يعني في الآية السابقة على هاتين الآيتين وهي قوله تعالى: «إنه لقرآن كريم».","vol":"2","page":114},{"text":"بحث يليق بمقاصد الإعراب، ومما يؤكد الأضحوكة على مذهبهم أن يقال: إذا كان لا محيص لكل طاهر عن باطن، فلعل باطن قوله تعالى: ﴿لا يمسه إلا المطهرون﴾ أحد أمرين:\nإما لا يكشف أستار الباطنية إلا المتكلمون، وإما لا يطلع على إلحاد الإسماعيلية إلا الموحدون (^١).\nومن الآيات التي يتعلقون بها في هذا المجال كذلك قوله تعالي - في صفة البيت الحرام -: ﴿فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا﴾ (^٢) فقد قالوا: إن حمل الآية على ظاهرها غير ممكن، لأنا نعلم أن البيت يدخله الآمن، كما يدخله الخائف، وخبر الله لا بد أن يكون صادقا لا كذب فيه، ومن أجل ذلك تعين في هذه الآية التأويل، وأن يراد بها الباطن.\nإلا أننا يمكننا أن نرد عليهم بأن ظاهر هذه الآية مراد، ولا استحالة فيه، غاية ما في الأمر أن الخبر هنا بمعنى الأمر، ومعناه: ليأ من كل من دخله، ومخالفة الأمر لا كذب فيه، لأن الإنشاء يخالف الخبر، وعلي ذلك فليس في هذه الآية دليل لهم على ما يزعمون.\nإذن نستطيع أن نقول: إن التأويل الباطني الذي اعتمد عليه الباطنية لا سند له في كتاب الله تعالى، بل ولا في سنة رسوله ﷺ، وقد قدمنا أن هؤلاء الباطنية الذين سلكوا هذا المسلك الشاذ إنما ظهرت حركتهم بصورة منظمة في أيام العباسيين، بيد أنه يمكننا أن نرجع بداية التأويل الباطني إلى غلاة الشيعة الذين ظهروا في أيام الدولة الأموية ومن هؤلاء طائفة السبئية، وهم أتباع عبد الله بن سبأ اليهودي الذي زعم بعد مقتل علي - كرم الله وجهه - أنه حي لم يمت، وأنه صعد إلى السماء كما صعد إليها عيسى ابن مريم ﵇، وأنه سينزل إلى الدنيا ويملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا وقد زعم بعض السبئية أن عليا في السحاب، وأن الرعد صوته، والبرق سوطه،\n_________\n(^١) مشكاة الأنوار الهادمة لقواعد الباطنية الأشرار ص ١٢٨\n(^٢) سورة آل عمران: ٩٧","vol":"2","page":115},{"text":"ومن سمع من هؤلاء صوت الرعد قال: عليك السلام يا أمير المؤمنين (^١)، وفي ذلك يقول أحد الشعراء:\nبرئت من الخوارج لست منهم … من الغزال منهم وابن باب\nومن قوم إذا ذكروا عليا … يردون للسلام على السحاب\nولكني أحب بكل قلبي … وأعلم أن ذاك من الصواب\nرسول الله والصديق حبا … به أرجو غدا حسن المآب\nومما لا شك فيه أن السبئية أرادوا بهذه التأويلات المنحرفة إفساد عقائد المسلمين، كما أفسدت من قبل عقائد النصارى، وفي ذلك يقول البغدادي: قال المحققون من أهل السنة إن ابن السوداء يعني ابن سبأ كان على هوي دين اليهود، وأراد أن يفسد على المسلمين دينهم بتأويلاته في على وأولاده، لكي يعتقدوا فيه ما اعتقدت النصاري في عيسى ﵇ (^٢).\nومن غلاة الشيعة كذلك الذين كان لهم دور بارز في التأويل الباطني طائفة الكيسانية، وهم أصحاب (كيسان) مولى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، فقد قالوا: إن الدين طاعة رجل، حتى حملهم ذلك على تأويل الأركان الشرعية من الصلاة والصيام والزكاة والحج وغير ذلك على رجال، فحمل ذلك بعضهم على ترك القضايا الشرعية بعد الوصول إلى طاعة الرجل (^٣).\nومن هؤلاء الغلاة أيضا الذين أسهموا في مجال التأويل الباطني\n_________\n(^١) الفرق بين الفرق ص ٢٣٤\n(^٢) المصدر السابق ص ٢٣٥\n(^٣) الملل والنحل ج ١ ص ١٣١، ١٣٢.","vol":"2","page":116},{"text":"طائفة المنصورية أتباع (أبي منصور العجلي) الذي صلب في أيام هشام بن عبد الملك وكان يزعم أن الإمامة انتقلت إليه بعد وفاة الإمام محمد الباقر، ومن تأويلاته الفاسدة قوله: إن الجنة رجل أمرنا بموالاته، وهو إمام الوقت، وإن النار رجل أمرنا بمعاداته، وهو خصم الإمام، وإن المحرمات كلها أسماء رجال أمرنا الله تعالى بمعاداتهم، وإن الفرائض أسماء رجال أمرنا بموالاتهم، وغرض هذه الطائفة من تأويل الفرائض والمحرمات بأسماء رجال هو إسقاط التكليف وأن من ظفر بالإمام وعرفه فقد سقط عنه التكليف، وارتفع الخطاب، إذ قد وصل إلى الجنة وبلغ الكمال (^١).\nوممن وضعوا بذور التأويل الباطني كذلك طائفة الجناحية، وهم أتباع (عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب) الذي خرج على الأمويين في عهد آخر خلفائهم مروان بن محمد، فقد تأولوا قول الله تعالى: ﴿ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا﴾ (^٢) الآية على أن من وصل إلى الإمام وعرفه ارتفع عنه الحرج في جميع ما يطعم، ووصل إلى الكمال (^٣).\nوهذه الطائفة استحلت كل ما حرم الله، وأسقطت التكاليف الشرعية، وفي ذلك يقول البغدادي: «كفرت هذه الطائفة بالجنة والنار، واستحلوا الخمر والميتة والزنى واللواط وسائر المحرمات، وأسقطوا وجوب العبادات، وتأولوا العبادات على أنها كنايات عمن تجب موالاتهم من أهل بيت علي، وقالوا في المحرمات المذكورة في القرآن: إنها كنايات عن قوم يجب بغضهم كأبي بكر وعمر وطلحة والزبير وعائشة» (^٤).\n_________\n(^١) المصدر السابق ص ١٥٨، ١٥٩\n(^٢) سورة المائدة: ٩٣\n(^٣) الملل والنحل ج ١ ص ١٣٥\n(^٤) الفرق بين الفرق ص ٢٤٦","vol":"2","page":117},{"text":"هؤلاء هم غلاة الشيعة القدامى الذين ظهروا أيام الدولة الأموية، ووضعوا بذور التأويل الباطني والتفسير الرمزي، ولا شك أن الباطنية الذين ظهروا أيام العباسيين قد سلكوا سبيلهم، وساروا على نهجهم، إلا أنهم توسعوا كثيرا في هذا المضمار، وبالغوا مبالغة شديدة في تأويل النصوص، حتى ارتبط اسمهم - في تاريخ الفكر الإسلامي - بهذه التأويلات الفاسدة التي تروى عنهم، والتي ليس لها سند من اللغة ولا من الدين.\n\n<span data-type='title' id=toc-108>هل الباطنية يؤمنون بالظاهر؟</span>\nسبق أن ذكرنا أن الباطنية فريقان: الفريق الأول يهملون الظواهر، وينكرون الشرائع، ويسقطون التكاليف، ويقولون: إن ظواهر القرآن والسنة لا يراد منها الحقيقة، بل هذه الظواهر رموز إلى أسرار باطنية، وحقائق خفية، فهم لا يعولون إلا على هذه الرموز التي يزعمون أنهم أخذوها من أفواه الأئمة المعصومين من آل البيت رضوان الله عليهم.\nوالفريق الثاني - وهم أخف وطأة من السابقين - يقولون: إنهم يعتمدون على الظاهر والباطن معا، ويتحرجون من مقالة الفريق الأول، إلا أن اهتمامهم بالبواطن أشد، وعنايتهم بالرموز أعظم.\nبيد أننا نرى أنه لا يكاد يوجد فرق واضح بين الفريقين في هذا المجال، لأن الظاهر الذي يعتمد عليه الفريق الثاني هو ما يكون موافقا لمذهب الروافض من الشيعة، لا ما يكون موافقا للمذاهب المجمع عليها من المسلمين، ومن ثم فإنهم ينكرون الظاهر الذي أجمع عليه المسلمون، فآل الأمر عندهم إلى إهمال الظاهر والقول بالباطن، شأنهم في ذلك شان الفريق الأول الذي ذهب إلى التعويل على الباطن دون الظاهر، وكل ما في الأمر أن الفريق الأول من الباطنية جماعة من الأغبياء بخلاف الفريق الثاني فإنهم جماعة من الأذكياء.\nوقد صور لنا الغزالي عقيدة الباطنية بوجه عام فيما يتعلق بالظواهر والبواطن فقال ﵀: «والمنقول عنهم الإباحة المطلقة ورفع الحجاب","vol":"2","page":118},{"text":"واستباحة المحظورات واستحلالها، وإنكار الشرائع، إلا أنهم بأجمعهم ينكرون ذلك إذا نسب إليهم، وإنما الذي يصح من معتقدهم فيه أنهم يقولون: لا بد من الانقياد للشرع في تكاليفه، على التفصيل الذي يفصله الإمام، من غير متابعة للشافعي وأبي حنيفة وغيرهما، وإن ذلك واجب على الخلق والمستجيبين، إلى أن ينالوا رتبة الكمال في العلوم، فإذا أحاطوا من جهة الإمام بحقائق الأمور، واطلعوا على بواطن هذه الظواهر انحلت عنهم هذه القيود، وانحطت عنهم التكاليف العملية، فإن المقصود من أعمال الجوارح تنبيه القلب لينهض لطلب العلم، فإذا ناله استعد للسعادة القصوى، فيسقط عنه تكاليف الجوارح، وإنما تكليف الجوارح في حق من يجري بجهله مجرى الحمر التي لا يمكن رياضتها إلا بالأعمال الشاقة، وأما الأذكياء والمدركون للحقائق فدرجتهم أرفع من ذلك، وهذا فن من الإغواء شديد على الأذكياء، وغرضهم هدم قوانين الشرع» (^١).\nونحن نرى أن الإمام الغزالي الذي حكم على الباطنية بهذا الحكم صادق في قوله، وعادل في حكمه، لأنه - وإن كان خصما من خصوم الباطنية، والذي دعاه إلى تأليف كتابه (فضائح الباطنية) هو ما رآه في عصره من استفحال أمر الباطنية، وبث دعاة الإسماعيلية من قبل الدولة الفاطمية في مصر للدعوة للخليفة الفاطمي (المستنصر بالله) ضد الخليفة العباس (المستظهر بالله) (^٢). أقول إن الغزالي - على الرغم من ذلك - راعي الدقة في تصوير مذهب الباطنية، حيث استمد معلوماته عنهم من أناس كثيرين كانوا قد استجابوا لهم، وانخدعوا بهم، ثم تابوا إلى الله، ورجعوا عن غوايتهم، ويحدثنا الغزالي عن ذلك فيقول: \"فإن قيل: ما جلبتموه من العظائم لا يتصور أن\n_________\n(^١) فضائح الباطنية ص ٤٦، ٤٧\n(^٢) انظر مقدمة الدكتور عبد الرحمن بدوى لكتاب (فضائح الباطنية). ص (ح).","vol":"2","page":119},{"text":"يخفى على عاقل، وقد رأينا خلقا كثيرا، وجما غفيرا من الناس يتابعونهم في معتقدهم، وتابعوهم في دينهم، فلعلكم ظلمتموهم بنقل هذه المذاهب عنهم في خلاف ما يعتقدونه، وهذا هو القريب الممكن، فإنهم لو أظهروا هذه الأسرار نفرت القلوب عنهم، واطلعت النفوس على مكرهم، وما باحوا بها إلا بعد العهود والمواثيق، وصانوها إلا عن موافق لهم في الاعتقاد، فمن أين وقع لكم الاطلاع عليها، وهم يسترون ديانتهم، ويستبطنون بعقائدهم؟\nقلت: «أما الاطلاع على ذلك فانما عثرنا عليه من جهة خلق كثير، تدينوا بدينهم، واستجابوا لدعوتهم، ثم تنبهوا لضلالهم، فرجعوا عن غوايتهم إلى الحق المبين، فذكروا ما ألقوا إليهم من الأقاويل، وأما سبب انقياد الخلق إليهم في بعض أقطار الأرض فإنهم لايفشون هذا الأمر إلا إلى بعض المستجيبين لهم، ويوصون الداعي ويقولون له: إياك أن تسلك بالجميع مسلكا واحدا، فليس كل من يحتمل هذه المذاهب يحتمل الخلع والسلخ (^١)، ولا كان من يحتمل الخلع يحتمل السلخ، فليخاطب الداعي الناس على قدر عقولهم، فهذا هو السبب في تعلق هذه الحيل ورواجها» (^٢).\nأجل إن الغزالي صادق في قوله، وعادل في حكمه، ومما يؤيد ذلك أنني وقعت على كتابين في معتقدات الفاطميين وتأويلاتهم هما (دعائم الإسلام)، و(تأويل الدعائم) ومؤلفهما هو القاضي النعمان بن محمد التميمي المتوفى سنة\n_________\n(^١) الخلع والسلخ حيلة من حيل الباطنية التي يستدرجون بها الناس ويستغوونهم، والفرق بين الخلع والسلخ أن الخلع يختص بالعمل، فإذا أفضوا بالمستجيب إلى ترك حدود الشرع وتكاليفه يقولون: وصلت إلى درجة الخلع، أما السلخ فيختص بالاعتقاد الذي هو خلع الدين، فإذا انتزعوا ذلك من قلبه دعوا ذلك سلخا، وسميت هذه الرتبة: البلاغ الأكبر - انظر فضائح الباطنية ص ٣٢\n(^٢) فضائح الباطنية ص ٣٣","vol":"2","page":120},{"text":"٣٦٣ هـ، وقد عاش هذا الرجل قبل الغزالي بأكثر من قرن من الزمان، وكان داعية من أكبر دعاة الفاطميين، حيث خدم المهدي بالله مؤسس الدولة الفاطمية، ثم ولي قضاء طرابلس في عهد القائم بأمر الله الخليفة الثاني للفاطميين، وفي عهد الخليفة الثالث المنصور بالله عين قاضيا للمنصورية، ووصل إلى أعلى المراتب في عهد المعز لدين الله الخليفة الفاطمي الرابع، إذ رفعه إلى مرتبة قاضي القضاة وداعي الدعاة (^١).\nكما يقول رواة الفاطميين: إن هذا القاضي لم يؤلف شيئا دون الرجوع إلى أئمة عصره، ويعتبر أقوم كتبه - وهو كتاب (دعائم الإسلام) - من عمل المعز نفسه، وليس من عمل قاضيه الأكبر ولهذا كان هذا الكتاب هو القانون الرسمي منذ عهد المعز حتى نهاية الدولة الفاطمية (^٢).\nوقد خرجت من هذين الكتابين بحقيقة هامة، وهي أن الفاطميين الذين يزعمون أنهم يعملون بالظاهر والباطن معا لا يختلفون كثيرا عن غلاة الباطنية، الذين يهملون الظواهر، ويعتمدون على الرموز والبواطن، ولإيضاح ذلك نقول: أولا: أعلن قاضي الفاطميين - في بداية الأمر أن العقيدة عندهم هي أن يعملوا بالظاهر والباطن معا فقال: «اعلموا أن كل ما اجتمع عليه كتاب (دعائم الإسلام) من علم ظاهر الفرائض والأحكام، والحلال والحرام، هو ظاهر دين الله ﷿ الذي تعبدكم باقامته والعمل به، فاعملوا بما أمرتم به فيه وأقيموه، وتنزهوا عما نهيتم عنه فيه واجتنبوه،\n_________\n(^١) انظر كتاب دعائم الإسلام للقاضي النعمان بن محمد ج ١ ص ١١ ط دار المعارف\n(^٢) المصدر السابق ص ١٢","vol":"2","page":121},{"text":"وإن الذي سمعتموه وتسمعونه من تأويل ذلك واطنه علم وحكمة، ونعمة ورحمة، بين لكم الله ﷿ على ألسنة أوليائه - يقصد أئمة أهل البيت - ذلك بما دل عليه مما تعبدكم الله بظاهره، وما تعبدكم به من ولايتهم، والسكون معهم، والسمع والطاعة لهم، وأنه لا ينفع عمل عامل في ظاهر ولا باطن إلا بذلك، وبين ذلك في كتابه بقوله: ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾» (^١).\nواستدل هذا القاضي الفاطمي على تلك العقيدة بدليلين:\nالدليل الأول: هو قول الله تعالى: ﴿وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة﴾ (^٢) فقد قال - في وجه الاستدلال بهذه الآية -: «ومن أجل نعمه ما تعبد العباد به وجعله لهم سببا لنيل النعمة العظيمة الدائمة من الثواب في دار المآب، فأخبر أن ذلك لا يكون إلا ظاهرا وباطنا» (^٣).\nوالدليل الثاني: هو قول الله تعالي: ﴿وذروا ظاهر الإثم وباطنه﴾ (^٤) حيث يقول - في مقام الاستدلال بهذه الآية -: «فلم يقبل الله ترك ما نهى عنه إلا ظاهرا وباطنا، كما لم يقبل ما أمر به إلا كذلك، فجعل كل شيء مما تعبد العباد به ظاهرا وباطنا، وافترض عليهم أن يأتوا به كذلك» (^٥).\nولقد هاجم هذا القاضي غلاة الشيعة الذين يعتمدون في التأويل على\n_________\n(^١) تأويل الدعائم للقاضي النعمان بن محمد ج ٢ ص ٨٥ ط دار المعارف، والآية الأخيرة رقم ٥٩ من سورة النساء والأصل به شيء من التحريف.\n(^٢) سورة لقمان: ٢٠.\n(^٣) تأويل الدعائم ج ٢ ص ٨٦\n(^٤) سورة الأنعام: ١٢٠.\n(^٥) تأويل الدعائم ج ٢ ص ٨٦","vol":"2","page":122},{"text":"الباطن دون غيره، ثم ذكر طرفا من أخبارهم في عهد الإمام على ﵁ والأئمة من بعده، وكيف أن عليا أحرق جماعة منهم وقال:\nلما رأيت الأمر أمرا منكرا … أضرمت نارى ودعوت قنبرا (^١)\nوكيف أن أئمة آل البيت كانوا يلعنون هؤلاء الغلاة ويتبرءون منهم، لأنه لم يكن للأئمة من السلطان ما يمكنهم من معاقبة هؤلاء الغلاة (^٢).\nثم ذكر القاضي أن الإمام جعفر الصادق أخبر بأن من شيعته جماعة تعدوا الحدود، واستحلوا المحارم، واطرحوا الظاهر، وتأولوا الفرائض على أنها أسماء رجال، وزعموا أن الفواحش أشخاص، فقال - مجيبا لمن كتب يسأله عن حكم هؤلاء الناس -: «وكتبت تسألني عن ذلك وعن حالهم وما يقولون فأخبرك أنه من كان يدين الله بهذه الصفة التي كتبت تسألني عنها، فهو عندي مشرك بالله بين الشرك، فلا يسع أحدا أن يشك فيه، ألم يسمع هؤلاء قول الله ﷿: ﴿قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن﴾ (^٣) وقوله جل ثناؤه: ﴿وذروا ظاهر الإثم وباطنه﴾ (^٤)، فظاهر الحرام وباطنه حرام كله، وظاهر الحلال وباطنه حلال كله، وإنما جعل الظاهر دليلا على الباطن والباطن دليلا على الظاهر، يؤكد بعضه بعضا، ويشده ويقويه ويؤيده، فما كان مذموما في الظاهر فباطنه مذموم، وما كان ممدوحا في الظاهر فباطنه ممدوح» (^٥).\n_________\n(^١) انظر كتاب دعائم الإسلام ج ١ ص ٤٨ وما بعدها.\n(^٢) المصدر السابق ج ١ ص ٥٠.\n(^٣) سورة الأعراف: ٣٣\n(^٤) سورة الأنعام: ١٢٠\n(^٥) دعائم الإسلام ج ١ ص ٥٢","vol":"2","page":123},{"text":"ثانيا: وبعد أن أكد هذا القاضي - بوضوح - تلك العقيدة التي تعتمد على الظاهر والباطن معا نجده يهاجم - بشدة - مذاهب الأئمة من أهل السنة مثل مالك والشافعي وأبي حنيفة، ويرميهم بالجهل والضلال، وينادي بعدم اتباعهم (^١)، ثم يذكر أن الذين يجب اتباعهم - في هذا الصدد - هم أئمة أهل البيت دون غيرهم، ومعنى ذلك أن الظاهر الذي يؤمن به هو وأمثاله هو ما يكون موافقا لمذهب الشيعة الفاطمية، لا ما يكون موافقا للمذاهب الإسلامية التي تلقتها الأمة بالقبول، وفي ذلك يقول: «إن الذي يجب قبوله وتعلمه ونقله من العلم ما جاء عن الأئمة من آل محمد ﷺ، لا ما يؤخذ عن المنسوبين إلى العلم من العامة المحدثين المبتدعين الذين اتخذوا دينهم لعبا، وغرتهم الحياة الدنيا، وقنعوا برياستها، وبعاجل ما نالوه بذلك من حطامها، فجلسوا غير مجالسهم، ووردوا غير شربهم، ونازعوا الأمر أهله، وأنفوا أن يتخطوا إليهم فيه، فيسألونهم كما أمرهم الله ﷿ عما لا يعلمون، ويسمعون لأمرهم ويطيعون، بل قالوا في دين الله ﷿ بآرائهم، على قياسهم، واتبعهم جهال الأمة ورعاعها، وقلدوهم فيما ابتدعوه فيه، ليصلوا بعدهم من الرياسة إلى ما وصلوا إليه، وكلما أغرق أئمتهم في الجهل اعتدوا لهم بذلك الفضل» (^٢).\nوفي موضع آخر يؤكد عقيدته الشيعية المتطرفة فيحكم على أن من لم يدخل في دعوة الحق - وهي في نظره الدعوة الشيعية الفاطمية - ليس له حظ في الإسلام فيقول: «فكما لا يقبل الله جل وعز من أحد طاعته إلا مقرونة بطاعة رسوله، كذلك لا تقبل طاعة الرسول إلا مقرونة بطاعة أولي الأمر»، وجاء عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة» فظاهر الصلاة ما قد عرفتموه، وباطنها ماقد أخبرتم به من الدخول في دعوة الحق، فمن ترك الصلاة الظاهرة والباطنة أو إحداهما لم يكن له حظ\n_________\n(^١) انظر دعائم الإسلام ج ١ ص ٨٧ وما بعدها.\n(^٢) دعائم الإسلام ج ١ ص ٨٤.","vol":"2","page":124},{"text":"في الإسلام لأن الله جل وعز «لا يقبل من عباده ما افترض عليهم حتى يقوموا به ظاهرا وباطنا» (^١).\nثم نجده ينكر الظاهر الذي عليه أهل السنة، ويأمر بإطراحه ونبذه ظهريا، فيقول: «ومثل قوله: إن عليا ﵇ كان يمشي خلف الجنازة حافيا، فالحافي خلاف الناعل، والنعل مثلها في الباطن مثل ظاهر أهل الخلاف - يعني المخالفين لهم من أهل السنة - ومنه قول الله ﷿ لموسى ﵇ ﴿فاخلع نعليك إنك بالوادي المقدس طوى﴾ (^٢)، ذلك في أول اتصاله، فأمر بإطراح ظاهر أهل الخلاف الذي كان عليه معهم، وكذلك يفعل من صار إلى دءوة الحق واتبعها، وذلك كما ذكرناه مثله مثل اتباع الجنازة، ففعل ذلك علي ﵇ ليدل بظاهره على الباطن فيه» (^٣).\nثالثا: ثم نجده في مكان آخر يصرح بأن الباطن أهم من الظاهر لديه، لأن الباطن يمثل الجوهر واللباب، وفضله على الظاهر كفضل الروح على الجسد فيقول: «وجاء من قبل ذلك في هذا الخبر عن علي صلوات الله عليه - إذ حكى غسل رسول الله صلى الله عليه وآله - أنه قال: «أردت أن أكبه لوجهه، لأغسل ظهره، فنوديت: لا تكبه، فقلبته لجنبيه وغسلت ظهره»، تأويل ذلك أن الظهر مثله مثل الظاهر، والبطن مثله مثل الباطن، والباطل أعلى وأشرف، وهو الجوهر واللباب، والعلم الحقيقي الروحاني؛ لأنه علم فوائد تحيا به الأرواح، وعلم الظاهر علم عمل على جوارح البدن الظاهرة، وليس ذلك مما يخل به، ولا مما يضيع من مواجبه ومفترضه، بل فرضه واجب، وعلمه والعمل به لازم، واسكن فضل الباطن عليه كفضل الروح على الجسد، وكلاهما له فضل» (^٤).\n_________\n(^١) تأويل الدعائم جـ ٢ ص ٨٥، ٨٦.\n(^٢) سورة طه: ١٢.\n(^٣) تأويل الدعائم جـ ٢ ص ٦٢، ٦٣.\n(^٤) تأويل الدعائم جـ ٢ ص ٤٨.","vol":"2","page":125},{"text":"ومن هذا كله يتبين لنا أن مذهب الفاطميين الذين تظاهروا بالاعتدال في باطنيتهم إنما هو قريب من مذهب الغلاة من الباطنية الذين أبطلوا الظواهر وقالوا بالرموز والأسرار دون غيرها، ومن ثم نستطيع أن نؤكد أن الإمام الغزالي كان عادلا في حكمه، ومحقا في قوله: «إنه مذهب ظاهره الرفض، وباطنه الكفر المحض» (^١).\nولقد أشار الغزالي في كتابه إلي الفاطميين على أنهم من الباطنية فقال: «وطريقنا أن نرتب شبهتهم على أقصي الإمكان ثم نكشف عن مكمن التلبيس فيها، وآخر دعواهم أن العارف بحقائق الأشياء هو المتصدي للإمامة بمصر، وأنه يجب على كافة الخلق طاعته والتعلم منه، لينالوا به سعادة الدنيا والآخرة» (^٢).\nونحن سنذكر لك - أيها القارئ الكريم - بعد قليل أمثلة من التأويلات الباطنية التي وردت في كتاب «تأويل الدعائم» للقاضي النعمان بن محمد، حتى لا يكون لديك أدنى شك في تلك الحقيقة التي توصلنا إليها في بحثنا هذا، وهي أن الفاطميين - شأنهم في ذلك شأن سائر الباطنية - يعولون على الباطن أكثر من تعويلهم على الظاهر، وأن الظاهر لديهم هو ما يكون موافقا لمذهبهم، لا ما يكون موافقا للمذاهب المجمع عليها من المسلمين.\n_________\n(^١) فضائح الباطنية ص ٣٧\n(^٢) فضائح الباطنية ص ٧٣","vol":"2","page":126},{"text":"<span data-type='title' id=toc-109>موقفنا من التأويل الباطني أو التفسير الرمزي</span>\nليس ثمة شك في أن مسلك الباطنية في التأويل الذي يقوم أساسا على إبطال الظاهر والقول بالباطن إنما هو إلحاد في آيات الله، وتحريف للكلم عن مواضعه وضلال مبين، وهذا هو أحد علماء الزيدية في القرن الثامن الهجري، وهو الإمام يحيى بن حمزة العلوي المتوفى سنة ٧٤٥ هـ يناقش الباطنية في قولهم بالرموز والكنايات، ويصمهم بالكفر والزندقة في إبطالهم لظواهر النصوص، ويبين أن هذا المسلك منهم إنما هو مناقض لقصد صاحب الشريعة وهو الرسول ﷺ، فيقول ﵀: «يقال لهم: معاشر الجهالة من الباطنية وبقية الملاحدة: ما تقولون في النصوص القرآنية، وما تضمنته الأخبار المروية، من الأوامر والنواهي، والقصص وأحوال الجنة والنار، وصفات الثواب والعقاب، والحشر والنشر؟ هل تفيد بظواهرها معنى أم لا؟»\nفإن قالوا: لا تفيد بظواهرها معنى، ولكنها رموز وكنايات عن أسرار باطنية، كما ذهب إلى هذا طوائف منهم، فيقال لهم: هذا هو الكفر والرد، والخروج عن الدين وتجاوز الحد، فإنا نعلم من قصد صاحب الشريعة فهم هذه الظواهر ودعاء الخلق إليها، وتعويله على العمل عليها وقبولها، ونعلم من دين الأمة - باضطرار - الأخذ بها والإكباب على العمل بها، والتصديق بمخبراتها، بحيث لا يغادرهم فيها شك، ولا يعتريهم عنها لبس، ونعلم ضرورة أن واحدا من أقيال الأمة لو قال بحضرتهم: «إن هذه الظواهر كلها ليس الغرض بها ما هو المفهوم من ظاهرها، وإنما هي رموز إلى أسرار، وأن لها بواطن غفلتم عنها، وإنكم في غطاء عن حقائقها لبادروا إلى تكذيبه والحكم بردته واستحلال دمه، وهذا يفهمك معرفتهم بقصد صاحب الشريعة فيها،","vol":"2","page":127},{"text":"وأن غرضه ظواهرها، وكيف لا وقد رغبهم فيها وأرهبهم بها، وكررها على آذانهم، ووعتها قلوبهم، وطرقت أسماعهم مرة بعد مرة، وكل ذلك لا يعقل إلا وظواهرها مفهومة يعقلونها، ويصغون آذانهم إليها، فأما إذا كان القصد منها غير ظاهرها، وأن تحتها أسرارا لم يعقلوها، ورموزا لم تخطر لأحد منهم على بال فهذا هذيان، واستئصال لقواعد الشريعة، واجتهاد في محو رسوم المسلة» (^١).\nهذا ما قاله الإمام يحيى بن حمزة العلوي في رده على الباطنية الذين يعتمدون على التأويل الباطني، والتفسير الرمزي، وقد سبقه - في هذا المجال - الإمام أبو حامد الغزالي فهدم نظرية الباطنية التي تقول إن مصدر التأويل الباطني هو الإمام المعصوم، وكان هدمه لهذه النظرية من وجهين:\nالوجه الأول: أنه أثار الشكوك في صدق الإمام المعصوم بزعمهم فيما يصدر عنه من تأويل باطني، وقال لهم: كيف تصدقون الإمام بدون معجزة، ولا تصدقون الرسول ﷺ مع المعجزات؟\nوالوجه الثاني: أنه أثار الشكوك في قول الإمام المعصوم على فرض صدقه، حيث بين أن ظاهر اللفظ الذي صدر عن الإمام في تأويله الباطني للنصوص محتمل كذلك لا محالة للرمز والباطن، ومادام ظاهر اللفظ محتملا للرمز والباطن فكيف يتم لهم ما يدعون؟ ألست ترى أن الغزالي هنا يحاربهم بنفس السلاح الذي شهروه وهو سلاح الرمز والباطن؟\nواستمع معي إلى الإمام الغزالي وهو يناقشهم بالأدلة الدامغة، ويفحمهم بالبراهين القاطعة. فيقول ﵀ بصدد تأويلهم الحشر والنشر والجنة والنار بالرموز: «لو قال الباطني: أخبرني الإمام المعصوم أن البعث مستحيل فصدقته قيل له: وما الذي دعاك إلى تصديق الإمام المعصوم بزعمك،\n_________\n(^١) مشكاة الأنوار الهادمة لقواعد الباطنية الأشرار ص ٥٦، ٥٧","vol":"2","page":128},{"text":"ولا معجزة له، وصرفك عن تصديق محمد بن عبد الله مع المعجزات، والقرآن من أوله إلى آخره دال على جواز ذلك ووقوعه؟ فهل لك من مانع سوى أن عصمته علمت بمعجزته، وعصمة من تدعيه علمت بهذيانك وشهوتك، فإن قال إن ما في القرآن ظواهر هي رموز إلى بواطن لم يفهموها، وقد فهمها الإمام المعصوم فتعلمنا منه، قلنا: تعلمتم منه بمشاهدة ذلك في قلبه بالعين، أو سماعا من لفظه، ولا يمكن دعوى المشاهدة، ولا بد من الاستناد إلى سماع لفظه، قلنا: وما يؤمنك أن لفظه له باطن لم تطلع عليه، فلا نثق بما فهمته من ظاهر لفظه، فإن زعمت أنه صرح معك وقال: ما ذكرته هو ظاهر لا رمز فيه، والمراد ظاهره، قلنا: وبم عرفت أن قوله هذا - وهو أنه ظاهر لا رمز فيه أيضا ظاهر، وليس فيه رمز إلى ما لم تطلع عليه (^١)؟ فلا يزال يصرح بلفظه، ونحن نقول: لسنا ممن يغتر بالظواهر، فلعل تحته رمزا، وإن أنكر الباطن فنقول: تحت إنكاره رمز، وإن حلف بالطلاق الثلاث على أنه ما قصد إلا الظاهر، فنقول: في طلاقه رمز، وإنما هو مظهر شيئا، ومضمر غيره، فإن قلت: فذلك يؤدي إلى حسم باب التفهيم، قلنا: فأنتم حسمتم باب التفهيم على الرسول، فإن ثلث القرآن في وصف الجنة والنار، والحشر والنشر، مؤكد بالقسم والأيمان، وأنتم تقولون: لعل تحت ذلك رمزا، وأنتم تقولون، وأي فرق بين أن يطول في تفهيم الأمور التطويل الذي عرف في القرآن والأخبار، وبين أن يقول: ما أريد إلا الظاهر؟ فإن جاز عليه أن يفهم الظاهر، ويكون مراده غير ما علم قطعا أنه ما وصل إلى إفهام الخلق، ويكون كاذبا في جميع ماقال، لأجل مصلحة وسر فيه جاز أن يكون إمامكم المعصوم بزعمكم يضمر معكم خلاف ما يظهره، وضد ما يفهمه، ونقيض ما يتيقن أنه الواصل إلى أفهامكم، ويؤكد ذلك بالأيمان المغلظة، لمصلحة له وسر فيه، وهذا لا جواب عنه أبد الدهر. وعند هذا ينبغي أن يعرف الإنسان أن رتبة هذه الفرقة أخس من رتبة كل فرقة من فرق الضلال، إذ لا نجد فرقة ينقض\n_________\n(^١) في الأصل: (وفيه رمز إلى ما لم تطلع عليه) ولعل الصواب ما ذكرناه حتى يستقيم المعنى ١٢٩.","vol":"2","page":129},{"text":"مذهبها بنفس المذهب سوى هذه، إذ مذهبها إبطال النظر، وتغيير الألفاظ عن موضوعاتها بدعوى الرموز، وكل ما يتصور أن ينطلق به لسانهم إما نظر أو نقل، أما النظر فقد أبطلوه، وأما اللفظ فقد جوز أن يراد باللفظ غير موضوعه، فلا يبقى لهم معتصم. فإن قيل: فهذا ينقلب عليكم، فأنتم تجوزون أيضا تأويل الظواهر، كما أولتم آية الاستواء وخبر النزول وغيرهما، قلنا: ما أبعد هذا القلب فإن لنا معيارا في التأويل وهو أن ما دل نظر العقل ودليله على بطلان ظاهره علمنا ضرورة أن المراد غير ذلك، بشرط أن يكون اللفظ مناسبا له بطريق التجوز والاستمارة، قد دل الدليل على بطلان الاستواء والنزول، فإن ذلك من صفات الحوادث، فحمل على الاستيلاء، وهو مناسب للغة، وأما الحشر والنشر، والجنة والنار فليس في العقل دليل على إبطاله، ولا مناسبة بين الألفاظ الواردة فيه وبين المعنى الذي أولوه عليه، حتى يقال إنه المراد، بل التأويل فيه تكذيب محض» (^١).\nوأيضا نجد الإمام ابن الجوزي في كتابه: (تلبيس إبليس) يناقش الباطنية في تأويلاتهم الرمزية بأسلوب آخر، فيقول: «ثم يقال لهم: هذه البواطن والتأويلات يجب إخفاؤها أم إظهارها؟ فإن قالوا: يجب إظهارها، قلنا: فلم كتمها محمد ﷺ؟ وإن قالوا: يجب إخفاؤها، قلنا: ما وجب على الرسول إخفاؤه كيف حل لكم إفشاؤه؟ قال ابن عقيل: هلك الإسلام بين طائفتين: بين الباطنية والظاهرية، فأما أهل الباطن فإنهم عطلوا ظواهر الشرع بما ادعوه من تفاسيرهم التي لا برهان لهم عليها. حتى لم يبق في الشرع شيء إلا وقد وضعوا وراءه معنى، حتى أسقطوا إيجاب الواجب، والنهي عن المنهي، وأما أهل الظاهر فإنهم أخذوا بكل ما ظهر مما لا بد من تأويله، فحملوا الأسماء والصفات علي ما عقلوه، والحق بين المنزلتين، وهو أن نأخذ بالظاهر ما لم لم يصرفنا عنه دليل، وترفض كل باطن لا يشهد به دليل من أدلة الشرع» (^٢)\n_________\n(^١) فضائح الباطنية ص ٥١ وما بعدها.\n(^٢) تلبيس إبليس ص ١٠٨، ١٠٩.","vol":"2","page":130},{"text":"وإذا ثبت أن مسلك الباطنية في التأويل مرفوض، يجب رده، ولا يمكن قبوله فهل هناك مقياس لصحة التأويل، وقبول الباطن في التفسير؟\nنعم، إن هناك مقياسا دقيقا جاء على لسان الإمام الشاطبي في (الموافقات) فقد تكلم الشاطبي عن القرآن الكريم على أنه الأصل الأول للتشريع، وبين أن له ظاهرا وباطنا، وأن المراد بالظاهر هو المفهوم العربي، والباطن هو مراد الله تعالى من كلامه وخطابه، فكل ما كان من المعاني العربية التي لا ينبني فهم القرآن إلا عليها فهو داخل تحت الظاهر، كالمسائل البيانية، والمنازع البلاغية، وكل ما كان من المعاني التي تقتضي تحقيق المخاطب بوصف العبودية والإقرار الله بالربوبية، فذلك هو الباطن المراد، والمقصود الذي أنزل القرآن لأجله (^١).\nوبعد أن قرر الشاطبي ذلك بالتفصيل ذكر شرطين لقبول الباطن في تفسير القرآن الكريم، هما موافقة اللغة، وشهادة الشرع، قال الشاطبي ﵀: «وكون الباطن هو المراد من الخطاب قد ظهر أيضا مما تقدم في المسألة قبلها ولكن يشترط فيه شرطان: أحدهما - أن يصح على مقتضي الظاهر المقرر في لسان العرب، ويجري على المقاصد العربية، والثاني: أن يكون له شاهد نصا أو ظاهرا في محل آخر يشهد لصحته من غير معارض، فأما الأول فظاهر من قاعدة كون القرآن عربيا، فإنه لو كان له فهم لا يقتضيه كلام العرب لم يوصف بكونه عربيا بإطلاق، ولأنه مفهوم يلصق بالقرآن ليس في ألفاظه ولا في معانيه ما يدل عليه، وما كان كذلك فلا يصح أن ينسب إليه أصلا، إذ ليست نسبته إليه على أنه مدلوله أولى من نسبة ضده إليه، ولا مرجح يدل على أحدهما، فإثبات إحدهما تحكم وتقول على القرآن ظاهر، وعند ذلك يدخل قائله تحت إثم من قال في كتاب الله بغير علم، والأدلة المذكورة في أن القرآن عربي جارية هنا.\n_________\n(^١) انظر الموافقات ج ٣ ص ٢٢٧ وما بعدها ط المطبعة السلفية بمصر.","vol":"2","page":131},{"text":"وأما الثاني فلأنه إن لم يكن له شاهد في محل آخر، أو كان له معارض صار من جملة الدعاوى التي تدعى على القرآن، والدعوى المجردة غير مقبولة باتفاق العلماء، وبهذين الشرطين يتبين صحة ما تقدم أنه الباطن، لأنهما موفران فيه، بخلاف ما فسر به الباطنية فإنه ليس من علم الباطن، كما أنه ليس من علم الظاهر، فقد قالوا: في قوله تعالى: ﴿وورث سليمان داوود﴾ (^١) أنه الإمام ورث النبي علمه: وقالوا - في الجنابة -: إن معناها مبادرة المستجيب با فشاء السر إليه قبل أن ينال رتبة الاستحقاق، ومعنى الغسل: تجديد العهد على من فعل ذلك، ومعنى الطهور: هو التبري والتنظيف من اعتقاد كل مذهب سوى متابعة الإمام» (^٢) إلخ.\nوإذن فلابد لقبول الباطن في التفسير من شرطين: موافقة اللغة وشهادة الشرع، وإلا كان هذا الباطن فاسدا ومردودا، ومن هذا القبيل تأويلات الباطنية، فانها فاقدة للشرطين معا، وقد حكم عليها الشاطبي - كما رأينا - بأنها ليست من علم الباطن، ولا من علم الظاهر في شيء، وإنما هي في حقيقة الأمر ضرب من ضروب الهذيان، وفن من فنون الضلال.\nأما الإمام يحيى بن حمزة العلوي فإنه يحدثنا عن معيار آخر دقيق، المعرفة ما يقبل من التأويل وما يرد، ويحكم - بمقتضى هذا المعيار على تأويلات الباطنية بالفساد والبطلان، وهذا المعيار الذي ذكره الإمام العلوي يشبه إلى حد كبير - ما ذكره الشاطبي في (الموافقات)، لأنه يعتمد هو الآخر على دعامتين: إحداهما لفظية وهي اللغة العربية، والأخرى معنوية وهي الأصول الشرعية من الكتاب والسنة والإجماع وشهادة العقل، وفي ذلك يقول الإمام يحيى العلوي: «الأصل الأول: في المعيار الصادق، والفيصل الفارق في تمييز ما يعرف به صحيح التأويل من سقيمه، وذلك ضربان: لفظى ومعنوى، أما اللفظي فهو اللغة العربية، وذلك لأن الله تعالى أنزل\n_________\n(^١) سورة النمل: ١٦.\n(^٢) الموافقات ج ٣ ص ٢٣٥ - ٢٣٦.","vol":"2","page":132},{"text":"القرآن بلغة العرب ولسانها، كما قال تعالى: ﴿بلسان عربي مبين﴾ (^١) وقال تعالى: ﴿وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه﴾ (^٢) وقد تقرر في العقول أن الله تعالى لا يجوز أن يخاطبنا بخطاب لا نفهمه ولا نعلمه، ولا يريد بخطابه غير ما وضع له إلا وبينه لنا، فإذا تم ذلك فالواجب أولا عرض التأويلات المختلفة على اللغة العربية وقوانينها، فإن كانت غير محتملة لهذه التأويلات من جهة اللغة إن كان الكلام لغويا، ولا من جهة الشرع إن كان الكلام شرعيا، ولا من جهة العرف إن كان الكلام عرفيا، أسقط هذا التأويل، وألقي واطرح، ونس ولم يقع عليه تعويل، ولا إلى العمل به سبيل، وهذا كتأويلات الباطنية - أبادهم الله تعالى - كلها فإنهم راعوا في صحة التأويلات قول الإمام بزعمهم، ولم يلتفتوا إلى شيء من موضوعات اللغة وقوانينها، وهذا كما قالوا: إن المراد باللوح والقلم: السابق والتالي، وأن المراد باللبن العلم، وأن الثعبان هو البرهان إلى غير ذلك من هذيانهم، فإنا إذا عرضنا هذه التأويلات على اللغة العربية وجدنا ذلك غير جائز فيها، لا على قرب ولا بعد، وإن أحدا من أرباب اللغة وأئمة الأدب لا يعرف اللوح والقلم بمعنى السابق والتالى، بل لا يعرف السابق والتالي أبدا بالمعنى الذي كذبوه، فيجب إذن إلقاء ما قالوه واطراحه.\nأما المعنوى فهو ما إذا كان اللفظ محتملا لهذ المعنى، ومفهوما منه وجب حينئذ الرجوع في معرفة صحته وفساده إلى الأصول من جهة المعنى، فما حكمت به تلك الأصول بفساده أو بعضه سقط، وما حكمت بصحته ثبت واستقر، وتلك الأصول هي أربعة: الكتاب والسنة والإجماع والعقل (^٣).\n_________\n(^١) سورة الشعراء: ١٩٥.\n(^٢) سورة إبراهيم: ٤.\n(^٣) مشكاة الأنوار الهادمة لقواعد الباطنية الأشرار ص ٠١٠٢٤١٠١","vol":"2","page":133},{"text":"<span data-type='title' id=toc-110>أمثلة من تأويلات الباطنية</span>\nوهنا سنذكر - إن شاء الله تعالى - نوعين من الأمثلة:\nالنوع الأول: ما ورد من تأويلات الباطنية في بعض كتبهم، وهذا النوع من الأمثلة إنما يصور لنا مسلكهم في التأويل الباطني أصدق تصوير، كيف لا وهو كلامهم الذي صدر عنهم.\nوالنوع الثاني: ما ورد من تأويلات الباطنية في كتب بعض خصومهم، وسنرى أن هؤلاء الخصوم لم يفتاتوا عليهم في شيء، لا سيما إذا ما قارنا هذه الأمثلة التي ذكرها الخصوم لهم، بالأمثلة التي وردت في كتبهم.\nما ورد من تأويلات الباطنية في بعض كتبهم:\nالباطنية - بوجه عام - يحرصون أشد الحرص على كتم تعاليمهم، والإسرار بمعتقداتهم، ومن أجل ذلك لم ينشر من كتبهم إلا القليل، ومن هذه الكتب القليلة التي نشرت لهم - في مجال التأويل الباطني - كتاب (تأويل الدعائم) للقاضي الفاطمي النعمان بن محمد التميمي، ونحن سنعتمد في هذا الصدد - على هذا الكتاب الذي نشرته دار المعارف بمصر، فكل ما نذكره هنا من الأمثلة إنما هو مستمد من هذا الكتاب، حيث إنه لم يتح لنا الاطلاع على غيره من كتب الباطنية التي عنيت بالتأويل الباطني، فإلى أن ييسر الله لنا الاطلاع على غيره من الكتب نكتفي الآن بذكر هذه الأمثلة التي وردت في كتاب (تأويل الدعائم) والله المستعان.\n\n<span data-type='title' id=toc-111>١ - في قوله تعالى: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل﴾</span> (^١) ذكر القاضي النعمان بن محمد\n_________\n(^١) سورة الأنفال: ٤١","vol":"2","page":134},{"text":"بعض الخزعبلات في التأويل الباطني هذه الآية، مثل قوله إن خمس الغنائم هو علم من علوم الله ﷿ جعل استنباطه واستخراجه وإظهار ما فيه من باطن الحكمة والتأويل لأوليائه ومن أقامه لذلك بأمره، وأن المراد باليتامى والمساكين في الباطن الأئمة وأولياء عهودهم، وأن ابن السبيل في الباطن هم طبقات الدعاة إلى أولياء الله، واستمع إليه وهو يسترسل في هذه السخافات المضحكة - حيث يقول: (جاء عن الصادق جعفر بن محمد صلوات الله عليه أنه قال: الخمس لله ﷿، جعله للرسول ﷺ ولقرابته ويتاماهم ومساكينهم وأبناء سبيلهم، وكذلك يقول كثير من العوام، وقالوا: قوله (فأن الله) افتتاح كلام، والله ﷿ له كل شيء، والخمس لهؤلاء الخمسة الأصناف: للرسول ولذى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، فهذا هو القول والحكم في الخمس في الظاهر، وتأويل ذلك في الباطن ماقد ذكرناه أن مثل مال الخمس - في حيث وجب ذلك - علم من علم الله جل وعز، جعل استنباطه واستخراجه وإظهار ما فيه من باطن الحكمة والتأويل لأوليائه، ومن أقامه لذلك بأمره، وماجرت به في ذلك سنته. وذكر الخمس من ذلك لأنه يجري ويدور على خمسة أصناف، لكل صنف منهم ذلك من قسطه، على حسب ما ذكرناه في ابتداء ذكر الزكاة).\nيقول الله جل وعز: (فأن الله خمسه)، هو ما فسره الصادق صلوات الله عليه: أنه لله ﷿، أي هو علمه سبحانه، أعطاه من ذكره من أولياء الله، وأمرهم باعطاء ما أجرى منه لمن يقيمونهم من أسبابهم، فالرسول أحد الأصناف من ذلك، وأولو القربى الأسس (^١)، وهم قرابة الرسول وأوصياؤهم\n_________\n(^١) الأسس جمع أساس، وهو الصامت والوصي، فقد قالوا: في العالم العلوي عقل ونفس كلي فوجب أن يكون في هذا العالم عقل مشخص هو كل، وحكمه حكم الشخص الكامل البالغ، ويسمونه: (الناطق) وهو النبي، ونفس مشخصة وهي كل أيضا، وحكمه حكم الطفل الناقص المتوجه إلى الكمال، أو حكم النطفة المتوجهة إلى التمام، أو حكم الأنى المزدوجة بالذكر، ويسمونه: (الأساس) وهو الوصي - انظر الملل والنحل ج ١ ص ١٧٣ المره","vol":"2","page":135},{"text":"وأولو الأمر من بعدهم، واليتامى هم في الباطن الأئمة، وسموا يتامى لأن كل واحد منهم في عصره فرد منقطع القرين، لامثل له فيه، ومن ذلك قيل للدرة التي لا نظير لها من الدر: اليتيمة، وقيل لهم أيضا: يتامى لأن آباءهم، وهم الأئمة من قبلهم في الظاهر والباطن، قد نقلوا من الدنيا، ولا يكون إماما في الدنيا وأبوه حي، والمساكين وهم في الباطن أولياء عهود الأئمة في حياتهم، وحججهم، والذين تصير إليهم الإمامة من بعدهم، وقبلهم مساكين لأنهم محتاجون مفتقرون إلى معروف الأئمة ظاهرا وباطنا، لا يملكون من ذلك إلا ما ملكوهم وأعطوهم، خاضعون مستكينون إليهم، وابن السبيل في الباطن هم طبقات الدعاة إلى أولياء الله، وقيل لهم: أبناء السبيل لتصوفهم وتفرقهم في سبيل جزائر الأرض وأقاليمها، يدعون إلى أولياء الله من استجاب لهم من أهلها، كما يكون كذلك أبناء السبيل في الظاهر، الضاربون في الأرض، فهذه خمسة أصناف، قد جزأ الله جل وعز عليها ما قسمه لعباده المؤمنين من العلم والحكمة، فلكل أهل طبقة منهم قسطهم من ذلك، على ما حده سبحانه وأوجبه وجرت به سنة الله في عباده (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-112>٢ - وفي قوله تعالى: ﴿والله جعل لكم من بيوتكم سكنا </span>وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين (٨٠)﴾ (^٢) يبين ما في هذه الآية من تأويل - فيذكر أن البيوت - في الباطن - هم أولياء الله أي الأئمة، والسكن - في الباطن - ما تسكن إليه قلوب المؤمنين من علم أولياء الله وهو علم التأويل، وأن الجلود والأصواف والأوبار والأشعار هي الظاهر الذي يعمل به إلى حين سقوط الأعمال بحضور الساعة، ولاندرى ماذا يريد بالساعة في كلامه هل يريد بها ساعة الموت أم يريد بها ساعة وصول الباطني إلى رتبة الكمال في العلوم، والإحاطة من جهة الإمام بحقائق الأمور، فتسقط\n_________\n(^١) تأويل الدعائم ج ٢ ص ١٠٥، ١٠٦\n(^٢) سورة النحل: ٨٠","vol":"2","page":136},{"text":"عنه التكاليف العملية، كما هو مذهب الباطنية، ثم ألست معي في أن هذا التأويل الباطني الذي ذكره هذا الداعية الفاطمي ماهو إلا ضرب من ضروب التخبط والخبال، والفساد والضلال؟ يقول القاضي النعمان، فأمثال البيوت في الباطن أولياء الله وأسبابهم الذين أقاموهم لصلاح عبادهم، إليهم يأوي المؤمنون على طبقاتهم، كل طبقة منهم (تأوي) (^١) إلى من أقيم لهم، ومن ذلك قول الله جل من قائل: ﴿وأتوا البيوت من أبوابها﴾ (^٢)، تأويله ألا يؤتى أحد منهم إلا من الباب الذي أقامه، ومنه قول رسول الله ﷺ: (أنا مدينة العلم، وعلى بابها)، ومثل الجلود والأصواف، والأوبار والأشعار مثل الظاهر، وعنى بالسكن ما تسكن اليه قلوب المؤمنين من علم أولياء الله، علم التأويل، وبالجلود والصوف والوبر والشعر ظاهرهم، فلذلك يعمل به، ويستمتع منه الى حين دفع الأعمال بحضور الساعة» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-113>٣ - ثم نجده يؤول لنا قول الله تعالى: ﴿وأنزلنا من السماء ماء بقدر </span>فأسكناه في الأرض وإنا على ذهاب به لقادرون (١٨) فأنشأنا لكم به جنات من نخيل وأعناب لكم فيها فواكه كثيرة ومنها تأكلون (١٩)﴾ (^٤) فيذكر أن الماء الذي ينزل من السماء - في الباطن - هو العلم الذي يصير من الناطق إلى الحجة، وأن النبات - في الباطن - هم المؤمنون الذين تنبتهم حكمة أولياء الله، ويختلفون فيما بينهم كما تختلف أصناف النبات والثمار، وفي ذلك يقول: «فمثل ما ينزل من السماء من الماء مثل ما يخرج عن الناطق من العلم، ومصيره إلى الأرض وما أودعته من ذلك مثله مثل ماصار من العلم من قبل الناطق إلى حجته، ومثل ما يخرج عن ذلك من النبات أمثال المؤمنين الذين تنبتهم حكمة\n_________\n(^١) هذه الكلمة ليست في الأصل، وقد زدناها لكي يستقيم النص.\n(^٢) سورة البقرة: ١٨٩\n(^٣) تأويل الدعائم ج ٢ ص ١١٣.\n(^٤) سورة المؤمنون: ١٨، ١٩","vol":"2","page":137},{"text":"أولياء الله، وهم ضروب كما يخرج من الأرض من النبات والثمار والحبوب، فما كان من ذلك من الثمار والأعناب والتمر وما أشبه ذلك مما يعصر منه، ويكون فيه عصير من الثمار أو حلاوة، فمثله مثل النقباء والدعاة وأسبابهم الذين يعتصر منهم العلم والحكمة، ويميزون بين التنزيل والتأويل، وبين الظاهر والباطن، ويكون العلم والحكمة عندهم، وذلك ما في هذه الثمار من الحلاوة، وهم على طبقات وأصناف، كما كذلك الثمرات، والحنطة وأجناسها أمثال المأذونين، وسائر الحبوب والأشجار غير المثمرة والحشائش أمثال المستجيبين» (^١).\nفانظر إلى هذا التصنيف العجيب الذي نشم منه رائحة كريهة. هي رائحة التفرقة بين المؤمنين، وتفضيل بعضهم على بعض، لا على أساس من التقوى والعمل الصالح، كما تقضي بذلك تعاليم الدين الحنيف، بل على أساس من التشيع الكاذب، والتعصب البغيض، والطائفية الممقوتة، والجري وراء وهم يقال له: الإمام المعصوم، عصمنا الله من الزلل. ووقانا شر النتنة ما ظهر منها وما بطن، إنه على ما يشاء قدير.\n\n<span data-type='title' id=toc-114>٤ - وفي قوله تعالى: ﴿قد أفلح من تزكى﴾</span> (^٢)، يذكر لنا معنى باطنيا غريبا لزكاة الفطر التي أشارت إليها هذه الآية، فيقول: إن زكاة الفطر معناها - في الباطن - أن كل من صار إلى دعوة الحق عليه أداء الواجب إلى من يلي أمره من الدعاة، ومعنى ذلك أن دعوة الحق - وهي الدعوة الشيعة الفاطمية عنده - دين في عنق كل شخص، وعليه أن يستجيب لدعاتها، ويخضع خضوعا تاما لهم، كما يجب أن يؤدي عن نفسه زكاة الفطر، وأنت ترى أنه لا توجد أدنى مناسبة بين زكاة الفطر، وهذا المعنى الباطني الذي ذهب إليه، يقول القاضي النعمان - في هذا الصدد: «فزكاة الفطر واجبة على الصغير والكبير،\n_________\n(^١) تأويل الدعائم ج ٢ ص ١٢٩. ١٣٠\n(^٢) سورة الأعلى: ١٥","vol":"2","page":138},{"text":"والغني والفقير في الظاهر، وتأويلها - في الباطن - أنه يجب على جميع من صار إلى دعوة الحق من المفيدين والمستفيدين، الذين أمثالهم أمثال الذكور والإناث، وأهل الاتساع منهم في العلم والمقصرين فيه الذين أمثالهم أمثال الاغنياء والفقراء، وذوي الرفعة في الدرجات منهم والدون الذين أمثالهم أمثال الكبار والصغار، فعلى أهل هذه الحدود كلها - على تفاوت درجاتهم، وتباين مراتبهم، واختلاف أحوالهم فكاك رقابهم بأداء الواجب في ذلك عليهم إلى من يلي أمر كل فريق منهم (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-115>٥ - ثم نجده يؤول القتل الذي ورد في القرآن </span>بأنه ترك المفيد بلا فائدة، ويقول: إن قتل الأولاد - في الباطن - ترك الداعي أهل دعوته لا يفيدهم، وأن القتل بالحق - في الباطن - هو أن يقطع الإمام مادة العلم عن الداعي الذي يفعل ذلك، وأن قتل النفس - في الباطن هو الإعراض عن العلم والحكمة، استمع إليه يقول: ومن ذلك قول الله جل ذكره: ﴿ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطئا كبيرا (٣١)﴾ (^٢) وقوله: ﴿ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا﴾ (^٣) فقتل الأولاد في الباطن - خشية الإملاق، والإملاق الفقر: ترك الداعي أهل دعوته. وهم في الباطن - أولاده، لا يفيدهم، يخشي أن يصير لهم من العلم ما يترأسون به عليه (^٤)، فيحلوا محله، ويريد أن يكونوا أبدأ جهالا، وهو عالم وحده بينهم، فلولي الزمان ولمن أقامه لمثل ذلك\n_________\n(^١) تأويل الدعائم ج ٢ ص ١٣١\n(^٢) سورة الأنعام: ١٥١\n(^٣) سورة الإسراء:: ٣٣\n(^٤) في الأصل: (يصيرهم من العلم ما يترأسوا به عليه) وهو خطأ، والصواب ما ذكرنا.","vol":"2","page":139},{"text":"سلطان على من فعل ذلك، (وهو) (^١) أن يقيد منه، والقتل - في التأويل - ترك المفيد بلا فائدة، فيفعل من له السلطان بمن فعل ذلك مثل فعله، وذلك أن يقبض يده عن الدعوة، ويقطع عنه مادة العلم، فهذا هو تأويل القتل بالحق؛ ومثل القصاص من القاتل، والقتل الأول هو مثل القتل ظلما، ومثل المعرض عن العلم والحكمة - وهو يجدها - مثل من قتل نفسه في الباطن، وقد قال الله جل من قائل: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما﴾ (^٢). «فافهموا أيها المؤمنون تأويل ما علمتم ظاهره من أمر دينكم، وباطن ذلك، وأقيموا ظاهر ما تعبدتم به وباطنه، وفقكم الله لذلك وأعانكم عليه، وصلى الله على محمد نبيه، وعلى الأئمة من آله، وسلم تسليما، وحسبنا الله ونعم الوكيل» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-116>٦ - وأخيرا وليس آخرا يؤول الطير الذي جاء في القرآن بالدعاة،</span> ولا ندري ما هي العلاقة التي جعلته يربط بين الطير الذي يسبح في كبد السماء، والدعاة الذين ينتشرون على وجه الأرض لدعوة الناس إلى المذهب الشيعي الباطني، واستمع إليه في هذا التأويل الذي يقوم أساسا على التحريف والتخريف حيث يقول: «والميت الذي يلقى على وجه الأرض أو يصلب مثله - في حال الموت المحمود - مثل الداعي الذي يرفع فوق الدعاة، وهو دون النقيب، لأن هذا إنما صار على وجه الأرض، ولم يغب فيها، ومنه قول الله جل ذكره - حكاية عن يوسف ﵇: ﴿وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه﴾ (^٤) ومثل الطير مثل الدعاة، ومثل أكلها من رأسه إفادتها عنه ما يفيده من الحكمة، ومن مثل الطير أنهم في الباطن الدعاة\n_________\n(^١) هذه الكلمة ليست في الأصل، وقد رأينا زيادتها لكي يستقيم الكلام.\n(^٢) سورة النساء: ٢٩\n(^٣) تأويل الدعائم ج ٢ ص ٩٨ - ٩٩\n(^٤) سورة يوسف: ٤١","vol":"2","page":140},{"text":"قول الله ﷿: ﴿وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير﴾ (^١) يعني - في التأويل الباطن - أتباعه من أهل الباطن وأهل الظاهر والدعاة، وقوله لإبراهيم: ﴿فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك﴾ (^٢). «وقد ذكرنا تأويل ذلك وبيانه وأنه عني - في الباطن - أربعة من الدعاة، فافهموا أيها المؤمنون بيان التأويل، وعلم باطن الدين والتنزيل» (^٣).\nوبعد:\nفهذه أمثلة من تأويلات الباطنية التي وردت في كتاب (تأويل الدعائم) للنعمان بن محمد التميمي قاضي الدولة الفاطمية، وهي - كما ترى طائفة من الخزعبلات والمضحكات التي لا تكاد تصدر عن عاقل، كما أنها - في جملتها - تدور حول عقيدة (الإمام المعصوم)، وتعميق إيمان الناس بها، ودعوتهم إلى الاستجابة لها، والالتفات حولها، وفي ذلك انتصار للدعوة الشيعية الفاطمية، ونحن نرى أن هذه التأويلات التي تدور في هذا الفلك تشبه إلى حد كبير - ما يسمى في عصرنا الحاضر بالدعاية السياسية الحزبية التي يطلقها رجال الأحزاب، وأصحاب المصالح المشتركة، لصالح رجل معين أو جماعة معينين، والفرق الوحيد بين النمطين هو أن هذه التأويلات الباطنية قد أخذت طابعا دينيا، بخلاف ما نشاهده اليوم من الدعايات الحزبية، ومن ثم نرى أن هذه التأويلات الباطنية فاسدة وباطلة، كيف وهي لا تستقيم مع اللغة ولامع الشرع في شيء، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.\n_________\n(^١) سوة النمل: ١٧\n(^٢) سورة البقرة: ٢٦٠\n(^٣) تأويل الدعائم ج ٢ ص ٧٥","vol":"2","page":141},{"text":"<span data-type='title' id=toc-117>ما ورد من تأويلات الباطنية في كتب بعض خصومهم</span>\nوإلى جانب ما تقدم نجد أمثلة لهذه التأويلات الفاسدة في كتب أهل السنة الذين رفضوا هذا المذهب الباطني جملة وتفصيلا، وهاجموا أصحابه مهاجمة شديدة، وحكموا عليهم بالزندقة والإلحاد، وعند المقارنة بين هذه الأمثلة التي وردت في كتب أولئك الخصوم، وبين الأمثلة التي وردت في كتب الباطنية أنفسهم، والتي سبق أن ذكرنا طرفا منها نجد أن النوعين من الأمثلة تخرجان من مشكاة واحدة، ومن منبع واحد، مما يؤكد لنا أن علماءنا الأجلاء من أئمة أهل السنة لم يكونوا يصدرون أحكامهم بطريقة عشوائية، اتباعا للهوى أو بدافع التعصب الممقوت، بل كانت أحكامهم عادلة، ونظراتهم صادقة، ودراساتهم دقيقة، وأبحاثهم محررة، فرضي الله عنهم وأرضاهم، وجزاهم عن الإسلام وأهله أحسن الجزاء، وإليك أمثلة مما ورد من تأويلات الباطنية في بعض هذه الكتب:\n\n<span data-type='title' id=toc-118>١ - ذكر الإمام البغدادي في كتابه: (الفرق بين الفرق) أمثلة من تأويلات الباطنية </span>فقال: «والباطنية يرفضون المعجزات، وينكرون نزول الملائكة من السماء بالوحي والأمر والنهي، بل ينكرون أن يكون في السماء ملك، وإنما يتأولون الملائكة على دعاتهم إلى بدعتهم، ويتأولون الشياطين على مخالفيهم، والأبالسة على مخالفيهم، ويزعمون أن الأنبياء قوم أحبوا الزعامة، فسأسوا العامة بالنواميس والحيل، طلبا للزعامة بدعوى النبوة والإمامة، وكل واحد منهم صاحب دور مسبع، إذا انقضي دور سبعة تبعهم دور آخر (^١)،\n_________\n(^١) في الأصل: (تبعهم في دور آخر)، ولعل الصواب ما ذكرناه.","vol":"2","page":142},{"text":"وإذا ذكروا النبي والوصي (^١) قالوا: إن النبي هو الناطق، والوصي أساسه الفائق، وإلى الفائق تأويل نطق الناطق على ما تراه يميل إليه هواه، فمن صار إلى تأويله الباطن فهو من الملائكة البررة، ومن عمل بالظاهر فهو من الشياطين الكفرة، ثم تأولوا لكل ركن من أركان الشريعة تأويلا يورث تضليلا، فزعموا أن معنى الصلاة موالاة إمامهم، والحج زيارته، وإدمان خدمته، والمراد بالصوم الإمساك عن إفشاء سر الإمام دون الإمساك عن الطعام، والزنى عندهم إفشاء سرهم بغير عهد وميثاق، وزعموا أن من عرف معنى العبادة سقط عنه فرضها، وتأولوا في ذلك قوله: ﴿واعبد ربك حتى يأتيك اليقين﴾ (^٢)، وحملوا اليقين على معرفة التأويل» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-119>٢ - وعقد الإمام الغزالي في كتابه: (فضائح الباطنية) فصلا في تأويلات الباطنية للظواهر،</span> وذكر طرفا منها فقال: (والقول الوجيز فيه أنهم لما عجزوا عن صرف الخلق عن القرآن والسنة صرفوهم عن المراد بهما إلى مخاريق زخرفوها، واستفادوا - بما انتزعوه من نفوسهم من مقتضى الألفاظ - إبطال معاني الشرع، وبما زخرفوه من التأويلات تنفيذ انقيادهم المبايعة والموالاة، وأنهم لو صرحوا بالنفي المحض، والتكذيب المجرد لم يحظوا بموالاة الموالين، وكانوا أول المقصودين المقتولين، ونحن نحكي من تأويلاتهم نبذة لنستدل بها على مخازيهم، فقد قالوا: كل ما ورد من الظواهر في التكاليف والحشر والنشر والأمور الإلهية فكلها أمثلة ورموز إلى بواطن أما الشرعيات، فمعنى الجنابة عندهم مبادرة المستجيب بإفشاء سر إليه قبل أن ينال رتبة استحقاقه، ومعنى الغسل: تجديد العهد على من فعل ذلك، ومجامعة البهيمة معناها عندهم معالجة من لا عهد عليه، ولم يؤد شيئا من صدقة النجوى،\n_________\n(^١) في الأصل: (الوحي) في هذا الموضع والذي يليه، وهو خطأ، والصواب ما ذكرناه.\n(^٢) سورة الحجر: ٩٩\n(^٣) الفرق بين الفرق ص ٢٩٥، ٢٩٦","vol":"2","page":143},{"text":"وهي مائة وتسعة عشر درهما عندهم، فلذلك أوجب الشرع القتل على الفاعل والمفعول به، وإلا فالبهيمة متى وجب القتل عليها، والزنى هو إلقاء نطفة العلم الباطن في نفس من لم يسبق معه عقد العهد، والاحتلام هو أن يسبق لسانه إلى إنشاء الشر في غير محله، فعليه الغسل، أي تجديد المعاهدة، والطهور هو التبري والتنظف من اعتقاد كل مذهب سوى مبايعة الإمام، والصيام هو الإمساك عن كشف السر، والكعبة هي النبي، والباب علي، والصفا هو النبي والميقات هو الأساس، والتلبية إجابة الداعي، والطواف بالبيت سبعا هو الطواف بمحمد إلى تمام الأئمة السبعة» (^١). إلى آخر هذه الخزعبلات.\n\n<span data-type='title' id=toc-120>٣ - ثم نجد شيخ الإسلام ابن تيمية في رسالته التي أسماها (مقدمة في أصول التفسير)</span> سلك الباطنية في سلك المفسرين الذين يحملون ألفاظ القرآن على معان فاسدة، وألفاظ القرآن لا تدل عليها بحال، فيخطئون في الدليل والمدلول معا، وفي هذا المجال ذكر لنا بعض تأويلاتهم الفاسدة للنصوص فقال: - بصدد الحديث عن التفاسير الباطلة بوجه عام - «وما من تفسير من تفاسيرهم الباطلة إلا وبطلانه يظهر من وجوه كثيرة، وذلك من جهتين: تارة من العلم بفساد قولهم، وتارة من العلم بفساد ما فسروا به القرآن، إما دليلا على قولهم، أو جوابا من المعارض لهم، ومن هؤلاء من يكون حسن العبارة فصيحا، ويدس البدع في كلامه، وأكثر الناس لا يعلمون، كصاحب (الكشاف) ونحوه، حتى إنه يروج - على خلق كثير ممن لا يعتقد الباطل - من تفاسيرهم الباطلة ما شاء الله، وقد رأيت من العلماء المفسرين وغيرهم من يذكر في كتابه وكلامه من تفسيرهم - يعني هؤلاء المبطلين - ما يوافق أصولهم التي يعلم أو يعتقد فسادها، ولا يهتدي لذلك، ثم إنه بسبب تطرف (^٢) هؤلاء وضلالهم دخلت الرافضة الإمامية ثم الفلاسفة ثم القرامطة وغيرهم فيما هو أبلغ من ذلك، وتفاقم الأمر في الفلاسفة والقرامطة\n_________\n(^١) فضائح الباطنية ص ٥٥، ٥٦\n(^٢) في الأصل: «تطرق» بالقاف، ولعل الصواب ما ذكرناه.","vol":"2","page":144},{"text":"والرافضة، فإنهم فسروا القرآن بأنواع لا يقضي منها العالم عجبه، فتفسير الرافضة كقولهم: «تبت يدا أبي لهب» (^١) هما أبو بكر وعمر، و«لئن أشركت ليحبطن عملك» (^٢) أي بين أبي بكر وعمر، وعلى في الخلافة، و﴿وإن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة﴾ (^٣) هي عائشة، و«فقاتلوا أئمة الكفر» (^٤)، وطلحة والزبير، و«مرج البحرين» (^٥): علي وفاطمة، و«اللؤلؤ والمرجان (^٦): الحسن والحسين، و«كل شيء أحصيناه في إمام مبين» (^٧): في علي بن أبي طالب، و﴿عم يتساءلون عن النبأ العظيم﴾ (^٨): علي بن أبي طالب» (^٩)، وهكذا.\n٤ - ثم نجد الإمام يحيى بن حمزة العلوي في كتابه: «مشكاة الأنوار الهادمة لقواعد الباطنية الأشرار» يورد لنا الكثير من هذه التأويلات المنحرفة والإمام يحيى العلوي - وإن كان شيعيا زيديا - إلا أنه لم يرتض هذا المسلك الذي سلكه الباطنية في التأويل، بل حاربهم حربا لا هوادة فيها. وخصص كتابه سالف الذكر للرد عليهم والتنديد بهم، ومن المعروف أن الزيدية هم أقرب طوائف الشيعة إلى أهل السنة ولذلك فإن الفريقين مشربهم يكاد يكون واحدا في الأصول والفروع.\n_________\n(^١) سورة المسد: ١\n(^٢) سورة الزمر: ٦٥\n(^٣) سورة البقرة: ٦٧\n(^٤) سورة التوبة: ١٢\n(^٥) سورة الرحمن: ١٩\n(^٦) سورة الرحمن: ١٩\n(^٧) سورة يس: ١٢\n(^٨) سورة النبأ: ١، ٢\n(^٩) مقدمة في أصول التفسير ص ٨٦، ٨٧ ط الكويت","vol":"2","page":145},{"text":"يقول الإمام يحيى - في هذا الصدد -: «المطلب الخامس في ذكر طرف من خرافاتهم ليعجب منها العقلاء، ونقتصر منها على أنواع خمسة، فإنا نضن بالبياض عن أن نسوده بهذه الترهات» (^١) وبعد أن ذكر الأنواع الأربعة الأولى التي تتعلق بأحوال العبادات، والأمور الشرعية، والمحرمات والمعجزات شرع في بيان النوع الخامس فقال: «النوع الخامس: أمور خارجة عما ذكرنا أولا، منها إبليس وآدم، زعموا أنهما عبارة عن أبي بكر وعلى إذ امر أبو بكر بالسجود لعلي والطاعة فأبى واستكبر، والدجال عبارة عن أبي بكر، وكان أعور لأن أبا بكر لم يبصر إلا بعين الظاهر دون عين الباطن، ويأجوج ومأجوج هم أهل الظاهر، والشياطين هم أهل الظاهر الذين كلفوا الأعمال الشاقة، والقيامة عندهم هو قيام السابع الناسخ للشرع، المغير للأمر، وهو محمد بن إسماعيل، والمعاد عندهم هو عود كل شيء إلى أصله، حتى يصير البدن ترابا ونارا وهواء وماء، لأن هذه الأشياء هي أصل الأجسام، والذي نقلناه بالنسبة لهذيانهم قطرة من بحر لجي، لأن جميع ظواهر الشريعة ونصوصها أولوها على ما عن وسنح من هذيانهم. بغير هدى من الله، ولا نور من تبيانه فحصل من هذا أنه لا غرض لهم إلا التسلق بلطيف الاستدراج، ودقة الحيلة والتفرس إلى إبطال الشريعة ومحو آثارها، ويأبى الله الا إتمام نوره وتشييد معالمه ولو كره المشركون» (^٢).\nوإلى هنا نكون قد انتهينا من بحث هذا الموضوع، ودراسة جوانبه المختلفة، ولننتقل الآن إلى موضوع وثيق الصلة به وهو شطحات الصوفية وبالله التوفيق.\n_________\n(^١) مشكاة الأنوار ص ١٦٢\n(^٢) المصدر السابق ص ١٦٣، ١٦٤","vol":"2","page":146},{"text":"<span data-type='title' id=toc-121>الفصل الرابع شطحات الصوفية في التفسير</span>\n<span data-type='title' id=toc-122>متى بدأ التصوف؟</span>\nيمكننا أن نقول: إن التصوف الإسلامي بمعناه العام - وهو الزهد والتقشف - ترجع بدايته إلى عصر مبكر من عصور الإسلام، وهو عصر الصحابة والتابعين، بيد أن الصحابة والتابعين - رضوان الله عليهم - لم يعرفوا باسم الصوفية أو المتصوفة، فالجيل الأول منهم - وهم الصحابة - لم يطلق عليهم سوى هذا الوصف الكريم الذي يربطهم بالرسول ﷺ، وهو وصف الصحبة، إذ لا شرف ولا أفضلية فوقها، ولما أدركهم أهل الجيل الثاني سمى من صحب الصحابة بالتابعين.\nوفي القرن الثاني الهجري وما بعده نشأ بين الناس الإقبال على الدنيا، والانغماس في شهواتها، فظهر آنذاك جماعة من الناس لهم شدة عناية بأمر الدين قيل لهم: الزهاد والعباد.\nولما نشأت الفرق الإسلامية ادعى كل فريق أن فيهم زهادا وعبادا، وهنا انفرد خواص أهل السنة المقبلون على العبادة باسم (الصوفية أو المتصوفة)، واشتهر هذا الأسم قبل المائتين من الهجرة، فهو اسم محدث بعد عهد الصحابة والتابعين (^١).\n_________\n(^١) انظر تعليق الشيخ مصطفى عبد الرازق على مادة (التصوف في دائرة المعارف الإسلامية) جـ ٩ ص ٢٣٧.","vol":"2","page":147},{"text":"ونتساءل هنا: مم اشتق لفظ (الصوفي) أو (المتصوف)؟\nاختلف الناس في ذلك اختلافا كبيرا، فالإمام القشيري يرى أن هذا اللفظ غير مشتق، حيث يقول: «ولا يشهد لهذا الاسم اشتقاق من جهة العربية ولا قياس، والظاهر أنه لقب» (^١) ويرى آخرون أن هذا اللفظ مشتق، والقائلون بالاشتقاق اختلفوا فيما بينهم فمن قائل: إنه مشتق من الصفاء أو الصفو، والمراد صفو قلوب أهل التصوف والشراح صدورهم، ورضاهم بما يجريه الله عليهم، ثم إنهم مع الله في صفاء لا يشوبه شاغل، وهم بما أطلعهم الله عليه قد صفوا من كدر الجهل، قالوا: وكان في الأصل صفوى، فاستثقل ذلك فقيل: صوفي.\nومن قائل: إن اللفظ مأخوذ من الصوف، لأن لباس الصوف كان يكثر في الزهاد، ويستأنس لذلك بأن الله تعالى ذكر طائفة من خواص أصحاب عيسى ﵇، فنسبهم إلى ظاهر اللباس، فقال ﷿: ﴿إذ قال الحواريون﴾ (^٢) الآية، وكانوا قوما يلبسون البياض، فنسبهم الله تعالى إلى ذلك، ولم ينسبهم إلى نوع من العلوم والأعمال والأحوال التي كانوا بها مترسمين، فكذلك الصوفية - والله أعلم - نسبوا إلى ظاهر اللباس، ولم ينسبوا إلى نوع من أنواع العلوم والأحوال التي هم بها مترسمون، لأن لبس الصوف كان دأب الأنبياء ﵈ والصديقين، وشعار المساكين المتنسكين.\nوقال قائلون: إن الصوفية نسبوا إلى الصفة (^٣) التي ينسب إليها كثير من\n_________\n(^١) مقدمة ابن خلدون ص ٤٣٩ ط الشعب.\n(^٢) سورة المائدة: ١١٢.\n(^٣) الصفة من البيت جمعها صفف، مثل غرفة وغرف. اهـ من المصباح المنير، وجاء في القاموس: أهل الصفة كانوا أضياف الإسلام، كانوا يبيتون في صفة مسجده ﷺ، وهو موضع مظلل من المسجد اهـ.","vol":"2","page":148},{"text":"الصحابة، فيقال: أهل الصفة، وأهل الصفة هم زهاد من مهاجري الصحابة فقراء غرباء، كانو سبعين ويقلون حينا ويكثرون، لا مسكن لهم ولا مال ولا ولد، يسكنون صفة المسجد، وهو موضع مظلل في مسجد المدينة، لكن النسبة إلى الصفة لا تجيء على الصوفي، بل على الصفي.\nوقيل: إن الصوفي نسبة إلى الصف الأول، لأنهم في الصف الأول بقلوبهم من حيث المحاضرة والمناجاة وارتفاع الهمة مع الله تعالى والقرب منه، أو لأنهم كانوا أسرع الناس إلى الصف الأول في المساجد عند الصلاة (^١).\nويرى البيروني أن هذا اللفظ إنما هو تحريف للكلمة (سوف) اليونانية التي تعني الحكمة، حيث يقول: «وهذا رأى السوفية، وهم الحكماء، فإن (سيف) باليونانية الحكمة، وبها سمى الفيلسوف (بيلاسوبا) أي محب الحكمة، ولما ذهب في الإسلام قوم إلى قريب من رأيهم سموا باسمهم» (^٢) ثم أشار البيروني بعد ذلك إلى أن الاسم دخله التصحيف.\nونحن نرى - كما يرى كثير من الباحثين - أن أرجح هذه الأقوال وأقربها إلى الصواب القول بأن الصوفي نسبة إلى الصوف، وأن المتصوف مأخوذ منه كذلك، يقال: تصوف إذا لبس الصوف، كما يقال: تقمص إذا لبس القميص، فهذا القول له - كما رأينا - وجه سائغ في الاشتقاق، وتسمية القوم بذلك إنما يرجع - كما يقول ابن خلدون - إلى أن المتقدمين من سلفهم كانوا في الغالب مختصين بلبس الصوف، لما كانوا عليه من مخالفة الناس في لبس فاخر الثياب (^٣).\n_________\n(^١) انظر تعليق الشيخ مصطفى عبد الرازق على مادة التصوف في دائرة المعارف الإسلامية جـ ٩ ص ٣٣٩ - ٣٤٠.\n(^٢) الفلسفة الهندية للبيروني بتحقيق الدكتور عبد الحليم محمود ص ٣٦.\n(^٣) مقدمة ابن خلدون ص ٤٣٩، وانظر كذلك عوارف المعارف للسهر وردى ص ٩١","vol":"2","page":149},{"text":"وقد دافع أستاذنا الدكتور عبد الحليم محمود عن هذا الرأي الذي ينسب الصوفية إلى الصوف فقال ﵀: «وإذا كانت هذه الكلمة تنتسب إلى الملبس - وهو مظهر وشكل ورسم - فليس معنى ذلك أن التصوف مظاهر وأشكال، وليس من المحتم دائما أن يكون المعنى الأصلي للاسم هو المراد مما وضع الاسم له، إذ المعنى الأصلي قد يتطور ويتغير ويختلف، وقد يقصد عكسه، ومن أجل ذلك فإنه لا مجال لتخوف هؤلاء الذين لا يريدون أن ينسبوا التصوف إلى الصوف بحجة أن انتسابه إلى المظاهر يحط من شأنه، حقيقة أن الباحثين كثيرا ما يجدون صلة وثيقة بين المعنى الأصلي للاسم وما وضع الاسم له، أو بين الاسم والمسمى، ولكن ذلك ليس مطردا، والواقع أن التصوف أصبح معنى معروفا لاشان له بالمظاهر والأشكال» (^١).\nوتعليقا على ذلك نقول: إن ابن خلدون قد ذكر لنا في مقدمته - كما سبق أن وضحنا - صلة وثيقة بين الصوفية والصوف، فقال: إن القوم كانوا في الغالب مختصين بلبس الصوف الخشن على سبيل التقشف مخالفين بذلك ما كان عليه الناس من التحلي بفاخر الثياب، والتمتع بزينة الحياة الدنيا، فمن هنا سموا بالصوفية، وأطلق هذا الاسم عليهم منذ ذلك الحين، وهذا الذي ذكره العلامة ابن خلدون لا يتعارض قط مع ما يراه أستاذنا الدكتور عبد الحليم محمود ﵀ من أن التصوف أصبح معنى معروفا لا شأن له بالمظاهر والأشكال.\nولقد أشار أستاذنا ﵀ إلى هذه الصلة، فقال - بعد قليل -: «ولقد رأى هؤلاء الزهاد - من ناحية الملبس - في الصوف ما يحقق أهدافهم التي تتصل بالتقشف والشظف والخشونة، فهو متين رخيص\n_________\n(^١) انظر مقدمة (المنقذ من الضلال) للدكتور عبد الحليم محمود ص ٢٩، ٣٠","vol":"2","page":150},{"text":"خشن لا يحتاج الإنسان معه في الشتاء إلى غيره، ولا يحتاج إلى تغييره كثيرا، ذلك أنه لا يبلي بسرعة، فتصوفوا: أي لبسوا الصوف، وكان لابد من اسم يطلق على هؤلاء، وكان من السهولة بمكان أن يطلق عليهم صوفية، وأطلق الاسم مصادفة أو تعمدا، فذاع وشاع، وأصبح الزهاد يعرفون - في البيئات العربية - باسم الصوفية» (^١).\nالأدوار التي مر بها التصوف:\nقلنا: إن التصوف - في بداية الأمر - كان عبارة عن التقشف والزهد، والاشتغال بالعبادة، والاقبال على الله تعالى، والإعراض عن زخرف الحياة الدنيا وزينتها، ولكن هل بقي التصوف منحصرا في نطاق هذا المعنى طوال العصور المختلفة أم ماذا؟\nالواقع أن التصوف تطور عبر العصور، وانقلاب إلى علوم ومعارف، ونظريات وأحوال\n\n<span data-type='title' id=toc-123>ونستطيع أن نلخص الأدوار التي مر بها التصوف فيما يلي:</span>\n<span data-type='title' id=toc-124>أولا: كان التصوف - في البداية كما ذكرنا - بمعنى الزهد والتقشف،</span> ومجاهدة النفس، والاشتغال بالعبادة، والعزوف عن الدنيا، وكان لقب الصوفي أو المتصوف يطلق آنذاك على الزاهد والعابد والفقير، ولم يكن لهذه الألفاظ معنى يزيد على شدة العناية بأمر الدين، فإن الزهد والفقر ولبس الصوف مظهر ذلك.\n<span data-type='title' id=toc-125>ثانيا: ولما دونت العلوم كان أول ما اتجهت إليه الهمم. وانصرفت إليه الأفكار علم الشريعة بمعنى الأحكام العملية،</span> حتى ظن الناس آنذاك أن الاشتغال بهذا العلم والعمل به هو غاية الدين، هنالك تطور معنى التصوف إلى\n_________\n(^١) المصدر السابق ص ٣٠، ٣١.","vol":"2","page":151},{"text":"ما يناسب الكمال في الدين الذي وضع له اللفظ أولا، وأدى هذا الطموح إلى نشأة علم ديني إلى جانب العلم الفقهي.\nوانقسم علم الشريعة - تبعا لذلك - إلى قسمين:\nالأول: علم يدل ويدعو إلى الأعمال الظاهرة التي تجري على الجوارح والأعضاء الجسمية، وهي العبادات كالطهارة والصلاة والزكاة والصوم إلى آخره، وأحكام المعاملات كالحدود والزواج والطلاق، والعتق والبيوع والفرائض والقصاص، وسمي هذا العلم علم الفقه، وهو مخصوص بالفقهاء وأهل الفتيا في العبادات والمعاملات.\nوالثاني: علم يدل على الأعمال الباطنة ويدعو إليها، والأعمال الباطنة هي أعمال القلوب، وسمي هذا العلم الثاني علم التصوف، وسمي المتصوفون أنفسهم أرباب الحقائق وأهل الباطن، وسموا من عداهم أهل ظواهر وأهل رسوم، وأهل الرسوم طائفتان: القراء والفقهاء، فالقراء هم أهل التنسك والتعبد، سواء كانوا يقرءون القرآن أم لا يقرءون، وهمتهم مقصورة على ظاهر العبادة دون أرواح المعارف وأعمال القلوب، والفقهاء هم المشتغلون بالفتيا وعلوم الشريعة، وهؤلاء وهؤلاء عند الصوفية أهل رسوم، ففريق مع رسوم العلم، وفريق مع رسوم العبادة، والتصوف في هذا الدور عبارة عن الأخلاق الدينية ومعاني العبادة (^١).\nويحدثنا ابن خلدون عن هذا الدور والسمات البارزة فيه، فيقول: «فلما كتبت العلوم ودونت وألف الفقهاء في الفقه وأصوله، والكلام والتفسير وغير ذلك كتب رجال من أهل هذه الطريقة في طريقهم، فمنهم من كتب في أحكام الورع ومحاسبة النفس على الاقتداء في الأخذ والترك، كما فعله\n_________\n(^١) انظر تعليق الشيخ مصطفى عبد الرازق على مادة (التصوف) في دائرة المعارف الإسلامية جـ ٩ ص ٣٤١، ٣٤٢","vol":"2","page":152},{"text":"المحاسبي في كتاب (الرعاية) له، ومنهم من كتب في آداب الطريقة وأذواق أهلها ومواجدهم في الأحوال، كما فعله القشيري في كتاب (الرسالة)، والسهروردي في كتاب (عوارف المعارف) وأمثالهم، وجمع الغزالي ﵀ بين الأمرين في كتاب (الإحياء) فدون فيه أحكام الورع والاقتداء، ثم بين آداب القوم وسننهم، وشرح اصطلاحاتهم في عباراتهم، وصار علم التصوف في الملة علما مدونا بعد أن كانت الطريقة عبادة فقط، وكانت أحكامها إنما تتلقى من صدور الرجال، كما وقع في سائر العلوم التي دونت بالكتاب من التفسير والحديث والفقه والأصول وغير ذلك» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-126>ثالثا: ثم اتسعت أنظار الباحثين في العلوم الدينية،</span> ودقت أفكارهم، وعنوا عناية خاصة بالكلام في قضايا التوحيد والعقيدة والأمور الغيبية، واستعانوا على ذلك بالأدلة المنطقية والعقلية، وهؤلاء هم الذين عرفوا في تاريخ الفكر الإسلامي باسم المتكلمين والفلاسفة، وهنا اتجه الصوفية إلى وضع نظرية خاصة لهم في المعرفة وسبيل الوصول إليها، هذه النظرية لا تعتمد على الاستدلال العقلي، كما يرى المتكلمون والفلاسفة، بل تعتمد - أساسا - على البصيرة التي سبيلها مجاهدة النفس والتزكي والتطهر، فانها عندهم هي الطريق الوحيد الموصل إلى معرفة الله تعالى، ومعرفة الله تعالي هي السعادة التي وعد الله بها المتقين.\nوقد عقد الإمام الغزالي في كتابه: (إحياء علوم الدين) فصلا لبيان الفرق بين طريق الصوفية في استكشاف الحق، وطريق النظار، والفرق بين الإلهام والتعلم، فقال ﵀: «اعلم أن العلوم التي ليست ضرورية، وإنما تحصل في القلب في بعض الأحوال تختلف الحال في حصولها، فتارة تهجم على القلب، كأنه ألقى فيه من حيث لا يدرى، وتارة تكتسب بطريق الاستدلال والتعلم، فالذي يحصل لا بطريق الاكتساب وحيلة الدليل\n_________\n(^١) مقدمة ابن خلدون ص ٤٤٠","vol":"2","page":153},{"text":"يسمى إلهاما، والذي يحصل بالاستدلال يسمى اعتبارا واستبصارا، ثم الواقع في القلب بغير حيلة وتعلم واجتهاد من العبد ينقسم إلى ما لا يدرى العبد أنه كيف حصل له؟ ومن أين حصل؟ وإلى ما يطلع معه على السبب الذي منه استفاد ذلك العلم، وهو مشاهدة الملك الملقي في القلب، والأول يسمى إلهاما ونفثا في الروع، والثاني يسمى وحيا، وتختص به الأنبياء، والأول يختص به الأولياء والأصفياء، والذي قبله - وهو المكتسب بطريق الاستدلال - يختص به العلماء» (^١).\nثم بين الإمام الغزالي أن الصوفية يحرصون على العلوم الإلهامية دون سواها وشرح سبيلهم في الوصول إليها فقال: «فإذا عرفت هذا فاعلم أن ميل أهل التصوف إلى العلوم الإلهامية دون التعليمية، فلذلك لم يحرصوا على دراسة العلم وتحصيل ما صنفه المصنفون، والبحث عن الأقاويل والأدلة المذكورة، بل قالوا: الطريق تقديم المجاهدة ومحو الصفات المذمومة، وقطع العلائق كلها، والإقبال بكنه الهمة على الله تعالى، ومهما حصل ذلك كان الله هو المتولي لقلب عبده، والمتكفل له بتنويره بأنوار العلم، وإذا تولى الله أمر القلب فاضت عليه الرحمة، وأشرق النور في القلب، وانشرح الصدر، وانكشف له سر الملكوت، وانقشع عن وجه القلب حجاب الغرة بلطف الرحمة، وتلألأت فيه حقائق الأمور الإلهية، فليس على العبد إلا الاستعداد بالتصفية المجردة وإحضار الهمة مع الإرادة الصادقة، والتعطش التام، والترصد بدوام الانتظار لما يفتحه الله تعالى من الرحمة» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-127>رابعا: ثم جاء المتأخرون من الصوفية </span>- كابن عربي وابن الفارض وأمثالهما - فانصرفت عنايتهم إلى كشف الحجاب والكلام في المدارك التي وراءه، وذهب جماعة من هؤلاء الذين توسعوا كثيرا في ميدان التصوف النظري، وصيروا المدارك الوجدانية علمية نظرية إلى القول بنظرية وحدة\n_________\n(^١) إحياء علوم الدين ج ٣ ص ٢٤ ط الحلبي.\n(^٢) المصدر السابق ج ٣ ص ٢٥","vol":"2","page":154},{"text":"الوجود (^١)، ووحدة الوجود - عندهم - معناها أنه ليس هناك إلا وجود واحد، كل العالم مظاهر ومجال له، فالله سبحانه هو الموجود الحق، وكل ما عداه ظواهر وأوهام ولا توصف بالوجود إلا بضرب من التوسع والمجاز، وهذه النظرية سرت إلى بعض الصوفية عن طريق الفلاسفة، وعن طريق الإسماعيلية الباطنية الذين خالطوهم، وأخذوا عنهم مذهبهم القائل بحلول الإله في أئمتهم، وصوروه - أعني الصوفية - بصورة أخرى تتفق مع مذهب الباطنية في الحقيقة، وإن اختلفت في الاصطلاح والألفاظ (^٢).\nوقد شرح ابن خلدون هذه النظرية الغربية - نظرية وحدة الوجود - ومدى تأثرها بالفلسفة اليونانية وعقيدة النصارى في المسيح ﵇، فقال: «وذهب جماعة من المتصوفة والمتأخرين الذين صيروا المدارك الوجدانية علمية نظرية إلى أن البارئ تعالى متحد بمخلوقاته في هويته ووجوده وصفاته، وربما زعموا أنه مذهب الفلاسفة قبل أرسطو مثل أفلاطون وسقراط، وهذا الاتحاد هو الحلول الذي تدعيه النصارى في المسيح ﵇، وهو أغرب لانه حلول قديم في محدث، أو إتحاده به، وهو أيضا عين ما تقوله الإمامية من الشيعة في الأئمة، وتقرير هذا الاتحاد في كلامهم على طريقين:\nالأولى: أن ذات القديم كامنة في المحدثات، محسوسها ومعقولها، متحدة بها في التصورين، وهي كلها مظاهر لها، وهو القائم عليها أي المقوم لوجودها، بمعنى لولاه كانت عدما، وهو رأى أهل الحلول.\nالثانية: طريق أهل الوحدة المطلقة، وكأنهم استشعروا من تقرير أهل الحلول الغيرية المنافية المعقول الاتحاد، فنفوها بين القديم وبين المخلوقات في الذات.\n_________\n(^١) وممن قال بوحدة الوجود من متقدى الصوفية كذلك الحسين ابن منصور المعروف بالحلاج الذي نسب إليه أنه قال: أنا الله، فأمر الخليفة العباسي بقتله سنه ٣٠٩ هـ.\n(^٢) التفسير والمفسرون ج ٣ ص ١٢","vol":"2","page":155},{"text":"والوجود والصفات، وغالطوا في غيرية المظاهر المدركة بالحس والعقل بأن ذلك من المدارك البشرية، وهي أوهام، ولا يريدون الوهم الذي هو قسيم العلم والظن والشك، وإنما يريدون أنها كلها عدم في الحقيقة، وجود في المدرك البشري فقط، ولا وجود بالحقيقة إلا للقديم لا في الظاهر ولا في الباطن، والتعويل في تعقل ذلك على النظر والاستدلال - كما في المدارك البشرية - غير مفيد، لأن ذلك إنما ينقل من المدارك الملكية، وإنما هي حاصلة للأنبياء بالفطرة، ومن بعدهم للأولياء بهدايتهم، وقصد من يقصد الحصول عليها بالطريقة العلمية ضلال» (^١).\nمن هذا كله يتبين لنا أن هؤلاء المتصوفة الذين قالوا بوحدة الوجود قد تأثروا تأثرا كبيرا بالفلسفة اليونانية وبالمسيحية، كما تأثروا كذلك بمذهب الإسماعيلية الباطنية في قولهم بالقطب والأبدال ونحو ذلك، وفي هذا يقول ابن خلدون: «ثم إن هؤلاء المتأخرين من المتصوفة المتكلمين في الكشف وفيما وراء الحس توغلوا في ذلك، فذهب الكثير منهم إلى الحلول والوحدة كما أشرنا إليه، وملأوا الصحف منه، مثل الهروي في كتاب (المقامات) له، وغيره، وتبعهم ابن العربى (^٢) وابن سبعين وتلميذهما ابن العفيف، وابن الفارض والنجم الإسرائيلي في قصائدهم، وكان سلفهم مخالطين للإسماعيلية المتأخرين من الرافضة الدائنين أيضا بالحلول وإلاهية الأئمة مذهبا لم يعرف لأولهم، فأشربت كل واحد من الفريقين مذهب الآخر، واختلط كلامهم، وتشابهت عقائدهم، وظهر في كلام المتصوفة القول بالقطب، ومعناه رأس العارفين، يزعمون أنه لا يمكن أن يساويه أحد في مقامه في المعرفة حتى يقبضه الله، ثم يورث مقامه لآخر من أهل العرفان، وهو بعينه ما تقوله\n_________\n(^١) مقدمة ابن خلدون ص ٤٤٢، ٤٤٣ يشيء من التصرف في النقل.\n(^٢) يقصد ابن خلدون بابن العربي هنا أبا بكر محيى الدين بن عربي الأندلسي الصوفي المتوفى سنة ٦٣٨ هـ ولا يقصد به القاضي أبا بكر بن العربي الفقيه المالكي المتوفى سنة ٥٤٣ هـ.","vol":"2","page":156},{"text":"الرافضة في توارث الأئمة عندهم، فانظر كيف سرقت طباع هؤلاء القوم هذا الرأي من الرافضة، ودانوا به، ثم قالوا بترتيب وجود الأبدال بعد هذا القطب، كما قاله الشيعة في النقباء، حتى إنهم لما أسندوا لباس خرقة التصوف ليجعلوه أصلا لطريقتهم ونحلتهم وقفوه على على ﵁، وهو من هذا المعنى أيضا، وإلا فعلي ﵁ لم يختص من بين الصحابة بنحلة ولا طريقة في لبوس ولا حال» (^١).\nومما هو جدير بالذكر أن هؤلاء المتصوفة الذين أسرفوا في كشف الحجاب، والكلام في مدارك ما وراء الحس، وقالوا بوحدة الوجود، مثل ابن عربي، هم الذين يقع عليهم عبء ما يعرف بالشطحات في التفسير، وسنزيد هذا الأمر وضوحا - إن شاء الله تعالى - عما قريب.\n_________\n(^١) مقدمة ابن خلدون ص ٤٤٥ بتصرف في النقل.","vol":"2","page":157},{"text":"<span data-type='title' id=toc-128>موقف الصوفية من تفسير القرآن الكريم</span>\nالصوفية - بوجه عام - يقولون: إن للقرآن ظاهرا وباطنا، فالظاهر هو ما يفهم من النص بمقتضى العربية، والباطن هو مراد الله تعالى من كلامه وخطابه، وربما يستدلون على ذلك بما أخرجه الفريابي عن الحسن - مرسلا - عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لكل آية ظهر وبطن، ولكل حرف حد، ولكل حد مطلع» وقد شرح السيوطي ألفاظ هذا الحديث، فقال: «أما الظهر والبطن ففي معناهما أوجه: أحدها - أنك إذا بحثت عن باطنها وقسته على ظاهرها وقفت على معناها، والثاني - أنه ما من آية إلا عمل بها قوم، ولها قوم سيعملون بها، كما قاله ابن مسعود فيما أخرجه ابن أبي حاتم، والثالث - أن ظاهرها لفظها وباطنها تأويلها، والرابع - قال أبو عبيدة - وهو أشبهها بالصواب - إن القصص التي قصها الله تعالى عن الأمم الماضية وما عاقبهم به ظاهرها الأخبار بهلاك الأولين، إنما هو حديث حدث به عن قوم، وباطنها وعظ الآخرين وتحذيرهم أن يفعلوا كفعلهم، فيحل بهم مثلما حل بهم، وحكى ابن النقيب قولا خامسا: أن ظهرها ما ظهر من معانيها لأهل العلم بالظاهر، وبطنها ما تضمنته من الأسرار التي أطلع الله عليها أرباب الحقائق، ومعنى قوله: (ولكل حرف حد) أي منتهى فيما أراد الله من معناه، وقيل: لكل حكم مقدار من الثواب والعقاب، ومعنى قوله: (ولكل حد مطلع) لكل غامض من المعاني والأحكام مطلع يتوصل","vol":"2","page":158},{"text":"به إلى معرفته ويوقف على المراد منه، وقيل: كل ما يستحقه من الثواب والعقاب يطلع (^١) عليه في الآخرة عند المجازاة» (^٢).\nهذا وقد بين حجة الإسلام الغزالي - وهو إمام من أئمة الصوفية- أن الظاهر لا بد من إحكامه أولا قبل التعرض للباطن في تفسير القرآن الكريم، وأن من يدعي معرفة الباطن قبل إحكام الظاهر كمن يدعي البلوغ إلى صدر البيت قبل تجاوز الباب، فقال ﵀: «فمن لم يحكم ظاهر التفسير وبادر إلى استنباط المعاني بمجرد فهم العربية كثر غلطه ودخل في زمرة من يفسر بالرأي، فالنقل والسماع لا بد منه في ظاهر التفسير أولا، ليتقي به مواضع الغلط، ثم بعد ذلك يتسع الفهم والاستنباط، والغرائب التي لا تفهم إلا بالسماع كثيرة، ونحن نرمز إلى جمل منها ليستدل بها علي أمثالها، ويعلم أنه لا يجوز التهاون بحفظ التفسير الظاهر أولا، ولا مطمع في الوصول إلى الباطن قبل إحكام الظاهر، ومن ادعى فهم أسرار القرآن ولم يحكم التفسير الظاهر فهو كمن يدعي البلوغ إلى صدر البيت قبل مجاوزة الباب، أو يدعي فهم مقاصد الأتراك من كلامهم وهو لا يفهم لغة الترك، فإن ظاهر التفسير يجري مجرى تعليم اللغة التي لا بد منها للفهم» (^٣).\nوفي ضوء إيمان الصوفية بهذه النظرية التي تقول: (إن للقرآن ظاهرا وباطنا) فسروا لنا آيات القرآن الكريم، إلا أن لهم طرائق مختلفة في هذا المجال، فبعضهم جمع في تفسيره بين ظاهر القرآن وباطنه، مثل الإمام الآلوسي\n_________\n(^١) جاء في كتاب (البرهان) للزركشى هذه العبارة (لكل ما يستحقه من الثواب والعقاب مطلع يطلع عليه في الآخرة) وهذه العبارة أوضح من عبارة السيوطي.\n(^٢) الإتقان ج ٢ ص ١٨٤ وانظر كذلك البرهان للزركشى ج ٢ ص ١٦٩\n(^٣) إحياء علوم الدين ج ١ ص ٣٨٠","vol":"2","page":159},{"text":"في كتابه (روح المعاني) فإنه يولي عنايته أولا للمعاني الظاهرة، ثم يتبع ذلك بذكر الباطن فيقول: (ومن البطون كذا) أو (من باب الإشارات كذا)، بيد أن تفسير الآلوسي أقرب إلى أهل الظاهر منه إلى أهل الباطن.\nومنهم من غلبت عليه ناحية التفسير الباطني، مع تعرضه قليلا للتفسير الظاهر، وذلك كما فعل سهل التستري في تفسيره، ومنهم من وجه همته كلها للتفسير الباطني، ولم يحم حول المعاني الظاهرة للقرآن الكريم، مثلما فعل أبو عبد الرحمن السلمي في كتابه: (حقائق التفسير) ومحيي الدين بن عربي في مواضع من الفتوحات المكية وفصوص الحكم، وفي التفسير المنسوب إليه (^١).\nغير أن ابن عربي في كتابه: (الفتوحات المكية) ينوه كثيرا بتفسير الصوفية للقرآن الكريم الذي يدور حول الباطن، ويطلق عليه اسم (الإشارات)، ويقول: إن أهل الله - وهم الصوفية في نظره - قد تلقوا - هذه الإشارات عن الله تعالى بطريق الإلهام الرباني، لا بطريق التعلم بالقلم، بينما علماء الرسوم - ويريد بهم العلماء الذين يعملون بالظاهر - قد تلقوا علومهم - بالطريقة التقليدية - من أفواه أمثالهم من البشر، وشتان بين من يتلقى علمه عن الحي الذي لا يموت وبين من يتلقى علمه عن الأموات، ثم يدعي ابن عربي أن الصوفية هم أحق الناس بتفسير القرآن وشرحه، وأن إشاراتهم - في هذا المجال - منزلة من عند الله تعالى، فكما أن الكتاب منزل من الله على الأنبياء فإن شرح هذا الكتاب قد أنزله الله تعالى علي الأولياء، وبين حين وآخر يحمل ابن عربي حملة شعواء على علماء الظاهر الذين أسماهم علماء الرسوم أي الأشكال والمظاهر، ويصفهم بأنهم للأولياء كالفراعنة للرسل ﵈، فيقول ابن عربي - في هذا الصدد -: «وما خلق الله أشق ولا أشد من علماء الرسوم على أهل الله المختصين بخدمته،\n_________\n(^١) الحق أن التفسير الذي ينسبونه للشيخ محيى الدين بن عربي إنما هو لعبد الرازق القاشاني المتوفى سنة ٣٧٠ هـ.","vol":"2","page":160},{"text":"العارفين به من طريق الوهب الإلهى الذي منحهم أسراره في خلقه، وفهمهم معاني كتابه وإشارات خطابه، فهم لهذه الطائفة مثل الفراعنة للرسل ﵈، ولما كان الأمر في الوجود الواقع على ما سبق به العلم القديم - كما ذكرناه - عدل أصحابنا - يعني الصوفية - إلى الإشارات، كما عدلت مريم ﵍ من أجل أهل الإفك والإلحاد إلى الإشارة، فكلامهم ﵃ في شرح كتابه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه إشارات، وان كان ذلك حقيقة وتفسيرا لمعانيه النافعة، ورد ذلك كله إلى نفوسهم مع تقريرهم إياه في العموم، وفيما نزل فيه، كما يعلمه أهل اللسان الذي نزل ذلك الكتاب بلسانهم، فعم به سبحانه عندهم الوجهين، كما قال تعالى: ﴿سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم﴾ (^١) يعني الآيات المنزلة في الآفاق وفي أنفسهم، فكل آية منزلة لها وجهان: وجه يرونه في نفوسهم، ووجه آخر فيما خرج عنهم فيسمون ما يرونه في نفوسهم إشارة. أيأنس الفقيه صاحب الرسوم إلى ذلك، ولا يقولون في ذلك إنه تفسير وقاية لشرهم وتشنيعهم في ذلك بالكفر عليه، وذلك لجهلهم بموانع خطاب الحق، واقتدوا في ذلك بسنن الهدى، فإن الله كان قادرا على تنصيص ما تأويله أهل الله في كتابه، ومع ذلك فما فعل، بل أدرج في تلك الكلمات الإلهية التي نزلت بلسان العامة علوم معاني الاختصاص التي فهمها عباده، حين فتح لهم فيها بعين الفهم الذي رزقهم، ولو كان علماء الرسوم ينصفون لاعتبروا في نفوسهم إذا نظروا في الآية بالعين الظاهرة التي يسلمونها فيما بينهم، فيرون أنهم يتفاضلون في ذلك، ويعلو بعضهم على بعض في الكلام في معنى تلك الآية، ويقر القاصر بفضل غير القاصر فيها، وكلهم في مجرى واحد، ومع هذا الفضل المشهود لهم فيما بينهم في ذلك ينكرون على أهل الله إذا جاءوا بشيء مما يغمض عن إدراكهم، وذلك لأنهم يعتقدون فيهم أنهم ليسوا بعلماء،\n_________\n(^١) سورة فصلت: ٥٣","vol":"2","page":161},{"text":"وأن العلم لا يحصل إلا بالتعلم المعتاد في العرف، وصدقوا فإن أصحابنا ما حصل لهم ذلك العلم إلا بالتعلم، وهو الإعلام الرحماني الرباني، قال تعالى: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علق * اقرأ وربك الأكرم * الذي علم بالقلم * علم الإنسان ما لم يعلم﴾ (^١) فإنه القائل: ﴿أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا﴾ (^٢) وقال تعالى: ﴿خلق الإنسان * علمه البيان﴾ (^٣) فهو سبحانه معلم الإنسان، فلا نشك أن أهل الله هم ورثة الرسل ﵈، والله يقول - في حق الرسول -: ﴿وعلمك ما لم تكن تعلم﴾ (^٤) وقال - في حق عيسي -: ﴿ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل﴾ (^٥) وقال - في حق خضر صاحب موسى ﵇: ﴿وعلمناه من لدنا علما﴾ (^٦) فصدق علماء الرسوم عندنا فيما قالوا: إن العلم لا يكون إلا بالتعلم، وأخطئوا في اعتقادهم أن الله لا يعلم من ليس بنبي ولا رسول، يقول الله: ﴿يؤتي الحكمة من يشاء﴾ (^٧) وهي العلم، وجاء بمن وهي نكرة، ولكن علماء الرسوم لما آثروا الدنيا على الآخرة، وآثروا جانب الخلق على جانب الحق، وتعودوا أخذ العلم من الكتب ومن أفواه الرجال الذين من جنسهم، ورأوا في زعمهم أنهم من أهل الله بما علموا وامتازوا به عن العامة - حجبهم ذلك عن أن يعلموا أن لله عبادا تولى الله تعليمهم في سرائرهم بما أنزله في كتبه،\n_________\n(^١) سورة العلق: ١ - ٥\n(^٢) سورة النحل: ٧٨\n(^٣) سورة الرحمن: ٣، ٤\n(^٤) سورة النساء: ١١٣\n(^٥) سورة آل عمران: ٤٨\n(^٦) سورة الكهف: ٦٥\n(^٧) سورة البقرة: ٢٦٩","vol":"2","page":162},{"text":"وعلى ألسنة رسله، وهو العلم الصحيح عن العالم المعلم الذي لا يشك مؤمن في كمال علمه ولا غير مؤمن».\nثم قال ابن عربي: «وكما كان أصل تنزيل الكتاب من الله على أنبيائه، كان تنزيل الفهم على قلوب بعض المؤمنين به، فالأنبياء ﵈ ما قالت على الله ما لم يقل لها، ولا أخرجت ذلك من نفوسها ولا من أفكارها، ولا تعملت فيه، بل جاءت به من عند الله، كما قال تعالى: ﴿تنزيل من حكيم حميد﴾ (^١) وقال فيه إنه «لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه» (^٢) وإذا كان الأصل المتكلم فيه من عند الله، لا من فكر الإنسان ورويته - وعلماء الرسوم يعلمون ذلك - فينبغي أن يكون أهل الله العاملون به أحق بشرحه وبيان ما أنزل الله فيه من علماء الرسوم، فيكون شرحه أيضا تنزيلا من عند الله على قلوب أهل الله كما كان الأصل، وكذا قال علي بن أبي طالب ﵁ في هذا الباب: «ما هو إلا فهم يؤتيه الله من يشاء من عباده في هذا القرآن» فجعل ذلك عطاء من الله، يعبر عن ذلك العطاء بالفهم عن الله، فأهل الله أولي به من غيرهم».\nإلى أن قال ﵀: «فاسم الفقيه أولى بهذه الطائفة من صاحب علم الرسوم، فإن الله يقول فيهم: ﴿ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون﴾ (^٣) فأقامهم مقام الرسوم في التفقه في الدين والإنذار، وهو الذي يدعو إلى الله على بصيرة، كما يدعو رسول الله ﷺ على بصيرة، لا على غلبة ظن، كما يحكم عالم الرسوم، فشتان بين من هو فيما يفتي به ويقوله على بصيرة منه في دعائه الى الله، وهو علي بينة من ربه، وبين من يفتى في دين الله بغلبة ظنه، ثم إن من شأن عالم الرسوم في الذب عن نفسه أنه يجهل من يقول: (فهمتي ربي)، ويرى أنه أفضل منه، وأنه\n_________\n(^١)، (^٢) سورة فصلت: ٤٢\n(^٣) سورة التوبة: ١٢٢","vol":"2","page":163},{"text":"صاحب العلم، إذ يقول من هو من أهل الله: (إن الله ألقى في سري مراده بهذا الحكم في هذه الآية) أو يقول: (رأيت رسول الله ﷺ في واقعتي فأعلمني بصحة هذا الخبر المروي عنه وبحكمه عنده) قال أبو زيد البسطامي ﵁ في هذا المقام وصحته - يخاطب علماء الرسوم: أخذتم علمكم ميتا عن ميت، وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت، يقول أمثالنا: حدثني قلبي عن ربي، وأنتم تقولون: حدثني فلان، وأين هو؟ قالوا: مات، عن فلان، وأين هو؟ قالوا: مات» (^١).\nومن هذا يتبين لنا أن معظم أولئك الذين تعرضوا للتفسير من الصوفية كانوا يركزون على الباطن أكثر من تركيزهم على الظاهر، ويسمون المعاني الباطنية بالحقائق والجواهر والأسرار والإشارات، وعلى الرغم من ذلك نجد كثيرا من أئمة الصوفية يقولون: إن الصوفية يعترفون بالظاهر إلى جانب اعترافهم بالباطن في تفسير القرآن الكريم، فهذا هو الإمام الغزالي - بعد أن ذكر لنا مثالا للتفسير الصوفي - يقول: «لا تظنن من هذا الأنموذج وطريقة ضرب الأمثال رخصة مني في رفع الظواهر، واعتقادا في إبطالها حتى أقول مثلا: لم يكن مع موسى نعلان، ولم يسمع الخطاب بقوله: ﴿اخلع نعليك﴾ (^٢) حاشى لله فإن إبطال الظواهر رأي الباطنية الذين نظروا بالعين العوراء إلى أحد العالمين، وجهلوا جهلا بالموازنة بينهما، فلم يفهموا وجهه، كما أن إبطال الأسرار مذهب الحشوية، فالذي يجرد الظاهر حشوي، والذي يجرد الباطن باطني، والذي يجمع بينهما كامل، ولذلك قال ﵊: (للقرآن ظاهر وباطن وحد ومطلع) (^٣) وربما\n_________\n(^١) الفتوحات المكية ج ١ ص ٢٧٩، ٢٨٠ ط دار الكتب العربية الكبرى.\n(^٢) سورة طه: ١٢.\n(^٣) أخرجه ابن حبان في صحيحه من حديث ابن مسعود بنحوه - انظر المغنى عن حمل الأسفار في الأسفار في تخريج ما في الإحياء من الأخبار ج ١ ص ١٣٦.","vol":"2","page":164},{"text":"وربما نقل هذا عن على موقوفا عليه، بل أقول: موسى فهم من الأمر بخلع النعلين: اطرح الكونين، فامتثل الأمر ظاهرا بخلع نعليه، وباطنا بخلع العالمين، فهذا هو الاعتبار أي العبور من شيء إلى غيره، ومن ظاهر إلى سر (^١).\nكما يؤكد الشيخ ابن عطاء الله السكندري وهو علم من أعلام التصوف البارزين هذه الحقيقة، وهي أن الصوفية يؤمنون بالظاهر إلى جانب إيمانهم بالباطن في تفسير القرآن الكريم، فيقول: \"اعلم أن تفسير هذه الطائفة يعني الصوفية … لكلام الله وكلام رسوله بالمعاني الغريبة ليس إحالة للظاهر عن ظاهره، ولكن ظاهر الآية مفهوم منه ما جلبت الآية له ودلت عليه في عرف اللسان، وثم أفهام باطنة تفهم عند الآية والحديث لمن فتح الله قلبه، وقد جاء في الحديث: (لكل آية ظهر وبطن) فلا يصدنك عن تلقي هذه المعاني منهم أن يقول لك ذو جدل ومعارضة: هذا إحالة لكلام الله وكلام رسوله، فليس ذلك إحالة، وإنما يكون إحالة لو قالوا: «لا معنى للآية إلا هذا، وهم لم يقولوا ذلك، بل يقرون الظواهر على ظواهرها مرادا بها موضوعاتها، ويفهمون عن الله تعالي ما أفهمهم» (^٢).\nوأيضا نجد الامام الآلوسي يقرر هذا المعنى في تفسيره فيقول: «وأما كلام السادة الصوفية في القرآن فهو من باب الإشارات إلى دقائق تنكشف على أرباب السلوك، ويمكن التطبيق بينها وبين الظواهر المرادة، وذلك من كمال الايمان ومحض العرفان، لا أنهم اعتقدوا أن الظاهر غير مراد أصلا،\n_________\n(^١) مشكاة الأنوار ص ٣٢ من سلسلة (القصور العوالي من رسائل الإمام الغزالي) ط مكتبة الجندي.\n(^٢) الإتقان ج ٢ ص ١٨٥","vol":"2","page":165},{"text":"وإنما المراد الباطن فقط، إذ ذاك اعتقاد الباطنية الملاحدة، توصلوا به إلى تفي الشريعة بالكلية، وحاشي سادتنا من ذلك، كيف وقد حضوا على حفظ التفسير الظاهر، وقالوا: لا بد منه أولا، إذ لا يطمع في الوصول إلى الباطن قبل إحكام الظاهر، ومن ادعى فهم أسرار القرآن قبل إحكام التفسير الظاهر فهو كمن ادعى البلوغ إلى صدر البيت قبل أن يجاوز الباب» (^١).\nومن هذه النصوص التي أوردناها ونقلناها عن أئمة الصوفية يتبين لنا أن الصوفية - بوجه عام .. يعترفون بالظاهر والباطن معا في تفسير القرآن الكريم، وكأنهم - بهذا الاعتراف - يريدون أن ينفوا عن أنفسهم تهمة شنيعة وجهت إلى الشيعة الباطنية من قبل علماء أهل السنة وغيرهم، ألا وهي تهمة إنكار الظاهر، والاعتماد على الباطن دون غيره في تأويل النصوص الدينية من آيات وأحاديث، ولكن من حق البحث علينا أن نتسائل: هل الباطن الذي قال به الصوفية في تفسير القرآن الكريم يتمشي مع الظاهر دائما؟ أو بتعبير أدق: هل الباطن الذي ورد عن الصوفية في التفسير قد توافر فيه الشرطان اللذان ذكرهما الشاطبى في (الموافقات) وهما موافقة اللغة وشهادة الشرع (^٢) حتى يمكننا قبوله أم لا؟.\nالواقع أننا لا نستطيع أن نقول: إن الصوفية جميعا قد التزموا بهذين الشرطين تماما في تفسير القرآن الكريم، بل نجد لبعضهم من أمثال ابن عربي تأويلات بعيدة عن روح القرآن الكريم، وفاقدة للشرطين معا، لا سيما تلك التأويلات التي تمت بصلة إلى نظرية وحدة الوجود، فمثل هذه\n_________\n(^١) تفسير الآلوسي ج ١ ص ٧.\n(^٢) راجع ما كتبناه عن رأى الشاطبي في التأويل الباطني، وذلك في الفصل الثالث من هذا الكتاب.","vol":"2","page":166},{"text":"التأويلات يمكن أن يطلق عليها شطحات، ونحن نميل إلى رفضها وعدم قبولها، لأنها عندنا لا تختلف كثيرا عن تأويلات الباطنية التي تحدثنا عنها في الفصل السابق.\nوهذه الشطحات التي تتضمن أقوالا موهمة، ولا يقرها شرع ولا عقل قد توقف في قبولها من قبل الإمام الغزالي ﵀ وهو علم من أعلام الصوفية بل حرمها، وكشف عن خطرها وضررها، وأفتى بقتل من نطق بها، فقال ﵀:\n(وأما الشطح فنعني به صنفين من الكلام أحدثه بعض الصوفية):\n\n<span data-type='title' id=toc-129>أحدهما: الدعاوى الطويلة العريضة في العشق مع الله تعالى،</span> والوصال المغني عن الأعمال الظاهرة، حتى ينتهي قوم إلى دعوى الاتحاد وارتفاع الحجاب، والمشاهدة بالرؤية، والمشافهة بالخطاب، فيقولون: قيل لنا كذا، وقلنا كذا، ويتشبهون فيه بالحسين بن منصور الحلاج الذي صلب لأجل إطلاقه كلمات من هذا الجنس، ويستشهدون بقوله: (أنا الحق) وبما حكي عن أبى يزيد البسطامي أنه قال: (سبحاني سبحاني) وهذا فن من الكلام عظيم ضرره في العوام، حتى ترك جماعة من أهل الفلاحة فلاحتهم، وأظهروا مثل هذه الدعاوى، فإن هذا الكلام يستلذه الطبع، إذ فيه البطالة من الأعمال، مع تزكية النفس بدرك المقامات والأحوال، فلا تعجز الأغبياء عن دعوى ذلك لأنفسهم، ولا عن تلقف كلمات مخبطة مزخرفة، ومهما أنكر عليهم ذلك لم يعجزوا عن أن يقولوا: هذا إنكار مصدره العلم والجدل، والعلم حجاب، والجدل عمل النفس، وهذا الحديث لا يلوح إلا من الباطن بمكاشفة نور الحق، فهذا ومثله مما قد استطار في البلاد شرره، وعظم في العوام ضرره، حتى من نطق بشيء منه فقتله أفضل في دين الله من إحياء عشرة، وو أما أبو يزيد البسطامي ﵀ فلا يصح عنه ما يحكى، وإن سمع ذلك منه فلعله كان يحكيه عن الله ﷿ في كلام يردده في نفسه كما لو سمع وهو يقول: ﴿إني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني﴾ (^١) فإنه ما كان ينبغي أن يفهم منه ذلك إلا على سبيل الحكاية.\n_________\n(^١) سورة طه: ١٤.","vol":"2","page":167},{"text":"<span data-type='title' id=toc-130>«الصنف الثاني من الشطح كلمات غير مفهومة لها ظواهر رائقة، وفيها عبارات هائلة، وليس وراءها طائل،</span> إما أن تكون غير مفهومة عند قائلها، بل يصدرها عن خبط في عقله، وتشويش في خياله، لقلة إحاطته بمعنى كلام قرع سمعه، وهذا هو الأكثر، وإما أن تكون مفهومة له ولكنه لا يقدر على تفهيمها وإيرادها بعبارة تدل على ضميره، لقلة ممارسته للعلم، وعدم تعلمه طريق التعبير عن المعاني بالألفاظ الرشيقة، ولا فائدة لهذا الجنس من الكلام إلا أنه يشوش القلوب ويدهش العقول، ويحير الأذهان، أو يحمل على أن يفهم منها معان ما أريدت بها، ويسكون فهم كل واحد على مقتضى هواه وطبعه» (^١).\nأما العلامة ابن خلدون فيرى أن هذه الشطحات إن كانت قد صدرت عمن صدرت عنه - وهو غائب عن الحس - فإنه يعذر، أما إذا كانت قد صدرت عن صاحبها - وهو حاضر الحس - فإنه يؤاخذ، كما بين ابن خلدون أن سلف الصوفية وأعلامهم المتقدمين لم يخوضوا في شيء من هذا القبيل، بل كانوا يحذرون من الخوض فيه، وكانوا يلتزمون بأحكام الشرع ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا، وفي ذلك يقول ابن خلدون: «وأما الألفاظ الموهمة التي يعبرون عنها بالشطحات ويؤاخذهم بها أهل الشرع فاعلم أن الإنصاف في شأن القوم أنهم أهل غيبة عن الحس، والواردات تملكهم حتي ينطقوا عنها بما لا يقصدونه، وصاحب الغيبة غير مخاطب (^٢) والمجبور معذور فمن علم منهم فضله واقتداؤه حمل على القصد الجميل من هذا وأمثاله، وإن العبارة عن المواجد صعبة لفقدان الوضع لها، كما وقع لأبي يزيد البسطامي\n_________\n(^١) إحياء علوم الدين ج ١ ص ٥٣، ٥٤.\n(^٢) يعني غير مؤاخذ بما يصدر عنه وغير مكلف، وهو تعبير فقهى مشهور، يقال مثلا: الصبي والمجنون غير مخاطبين أي غير مكلفين.","vol":"2","page":168},{"text":"وأمثاله، ومن لم يعلم فضله ولا اشتهر فمؤاخذ بما صدر عنه من ذلك، إذ لم يتبين لنا ما يحملنا على تأويل كلامه، وأما من تكلم بمثلها وهو حاضر في حسه. ولم يملكه الحال فمؤاخذ أيضا ولهذا أفتى الفقهاء وأكابر الصوفية بقتل الحلاج، لأنه تكلم في حضور وهو مالك لحاله والله أعلم، وسلف المتصوفة من أهل الرسالة (^١) أعلام الملة الذين أشرنا إليهم من قبل لم يكن لهم حرص على كشف الحجاب، ولا هذا النوع من الإدراك، إنما همهم الاتباع والاقتداء ما استطاعوا، ومن عرض له شيء من ذلك أعرض عنه ولم يحفل به، بل يفرون منه ويرون أنه من العوائق والمحن، وأنه إدراك من إدراكات النفس مخلوق حادث، وأن الموجودات لا تنحصر في إدراك الإنسان. وعلم الله أوسع، وخلقه أكبر، وشريعته بالهداية أملك، فلم ينطقوا بشيء مما يدركون بل حظروا الخوض في ذلك، ومنعوا من يكشف لهم الحجاب من أصحابهم من الخوض فيه والوقوف عنده، بل يلتزمون طريقتهم كما كانوا في عالم الحس قبل الكشف من الاتباع والاقتداء، ويأمرون أصحابهم بالتزامها» (^٢).\nويرى الشيخ ابن الصلاح أن كلام الصوفية في القرآن - بوجه عام - لا يعد من قبيل التفسير، بل هو من باب ذكر النظير بالنظير، فيقول: «وجدت عن الإمام أبي الحسن الواحدي - المفسر - أنه قال: صنف أبو عبد الرحمن السلمي (حقائق التفسير) فإن كان قد اعتقد أن ذلك تفسير فقد كفر - قال ابن الصلاح - وأنا أقول: الظن بمن يوثق به منهم إذا قال شيئا من ذلك أنه لم يذكره تفسيرا، ولا ذهب به مذهب الشرح للكلمة، فإنه لو كان كذلك كانوا قد سلكوا مسلك الباطنية، وإنما ذلك منهم لنظير ما ورد به القرآن فإن النظير يذكر بالنظير. ومع ذلك فيا ليتهم لم يتساهلوا بمثل ذلك لما فيه من الإبهام والإلباس» (^٣).\n_________\n(^١) يعني بها الرسالة القشيرية للإمام القشيري.\n(^٢) مقدمة ابن خلدون ص ٤٤٨، ٤٤٩.\n(^٣) الاتقان ج ٢ ص ١٨٤ والبرهان ج ٢ ص ١٧٠، ١٧١","vol":"2","page":169},{"text":"أما أستاذنا الجليل الدكتور محمد حسين الذهبي فيرى أن تفسير الصوفية للقرآن قسمان: القسم الأول تفسير صوفي نظري، والقسم الآخر تفسير صوفي إشاري، وكلاهما لا يخلو من شطحات، وهذه الشطحات لا يمكن لنا قبولها، إذ أنها لا تتفق مع الشرع ولا مع العقل في شيء، وفي هذا الصدد يقول الدكتور الذهبي ﵀: «وإذا ما ذهبنا نستعرض ما للقوم من تفسير صوفي نظري، وما لهم من تفسير إشاري فيضي وجدنا في هذا أو ذاك اتجاها منحرفا عن النهج القويم لتفسير القرآن الكريم، فالتفسير الصوفي النظري تفسير يخرج بالقرآن - في الغالب - عن هدفه الذي يرمي إليه، يقصد القرآن هدفا معينا بنصوصه وآياته، ويقصد الصوفي هدفا معينا بأبحاثه ونظرياته، وقد يكون بين الهدفين تنافر وتضاد، فيأبى الصوفي إلا أن يحول القرآن عن هدفه ومقصده إلى ما يقصده هو ويرمي إليه، وغرضه بهذا كله أن يروج لتصوفه على حساب القرآن، وأن يقيم نظرياته وآراءه على أساس من كتاب الله، وبهذا الصنيع يكون الصوفي قد خدم فلسفته ونظرياته التصوفية ولم يقدم للقرآن شيئا إلا هذا التأويل الذي كله شر على الدين وإلحاد في آيات الله» (^١).\nثم قال - بعد ذلك -: (وليس من شك في أن التفسير الذي أقامه ابن عربي على نظرية (وحدة الوجود) لا يقبل بحال من الأحوال، لأنه هدم للدين من أساسه، كما أن التفسير الذي أقامه على نظريات الفلاسفة في الطبيعة وما وراء الطبيعة لا يقبل على أنه تفسير موافق لمراد الله تعالى ومقصوده الذي جاء القرآن من أجله، هذه كلمة الحق أقولها في الاتجاه النظري للتفسير الصوفي، أما الاتجاه الاشارى أو الفيضي فللقوم فيه جولات وشطحات، وإذا ما بحثنا عن مستند لهذا الاتجاه في التفسير وجدنا مستندهم الأول والأهم ما ينسب إلى رسول الله ﷺ من أن القرآن له ظهر وبطن، وعلماء الرسوم - في زعم القوم - يفهمون الظاهر فقط، أما الباطن فلا يدركه إلا من صفت نفسه\n_________\n(^١) الاتجاهات المنحرفة في تفسير القرآن الكريم ص ٧١","vol":"2","page":170},{"text":"وتعلق بالله قلبه، حتى أصبح يدرك بعين اليقين ما لا يدركه أهل الرسوم بعلم اليقين، ولا نريد أن نناقش القوم في صحة ما ينسب إلى رسول الله ﷺ من أن القرآن له ظهر وبطن، ولكن نناقشهم في معنى الظهر والبطن، فهل الظهر ما يظهر من معنى النص القرآني بادي الرأي، والبطن ألغاز وأحاج ومعميات لا يفهمها إلا هم؟ لا فالقرآن فوق هذا، لأن الله تعالى يقول في شأنه: ﴿ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر﴾ (^١) ويقول: ﴿قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين﴾ (^٢) ويقول: ﴿ولقد أنزلنا إليك آيات بينات﴾» (^٣).\nوالذي أدين الله عليه أن ظاهر القرآن - وهو المنزل بلسان عربي مبين - هو المفهوم العربي المجرد، وباطنه هو مراد الله تعالى وغرضه الذي يقصد إليه من وراء الألفاظ والتراكيب (^٤).\nوبعد:\nفإنه ليس من الصواب في شيء أن نقبل ونسلم بكل ما قاله الصوفية في تفسير القرآن الكريم من إشارات، ولو كانت من قبيل الشطحات، بدعوى أنهم تلقوا هذه الإشارات عن الله تعالى بطريق الالهام كما يقول ابن عربي في كلمته سالفة الذكر، كما أنه ليس من الانصاف في شيء أن نلغي عقولنا ومسلمات ديننا لكي نسلم للصوفية بكل ما صدر عنهم من شطحات لا يقبلها عقل ولا يقرها شرع، ولست أرى ما يراه الإمام الآلوسي - في هذا الصدد -\n_________\n(^١) سورة القمر في أكثر من آية\n(^٢) سورة المائدة: ١٥\n(^٣) سورة البقرة: ٩٩\n(^٤) الاتجاهات المنحرفة في تفسير القرآن الكريم ص ٧٣، ٧٤","vol":"2","page":171},{"text":"من أن الإنصاف كل الانصاف هو التسليم للسادة الصوفية الذين هم مركز للدائرة المحمدية ما هم عليه، واتهام ذهنك السقيم فيما لم يصل - لكثرة العوائق والعلائق - إليه (^١).\nولكني أرى ما يراه الإمام الشاطبي في كتابه: (الموافقات) من أن التأويل الباطني للقرآن لا بد في قبوله من شرطين: هما موافقة اللغة وشهادة الشرع، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.\n_________\n(^١) تفسير الآلوسي ج ١ ص ٨","vol":"2","page":172},{"text":"<span data-type='title' id=toc-131>أمثلة من شطحات الصوفية</span>\nفي التفسير الشطحات - كما سبق أن ذكرنا - هي الألفاظ الموهمة والدعاوى العريضة التي صدرت عن بعض شيوخ الصوفية، والشطح كلمة مولدة تفيد معنى التباعد والاسترسال، يقال: شطح في السير أو في القول إذا تباعد واسترسل (^١)، فكأن هؤلاء الذين نطقوا بهذه الألفاظ الموهمة قد تباعدوا عما يفهمه الناس ويألفونه، وتوغلوا - في هذا المضمار - توغلا كبيرا، مثلما نقل عن (الحلاج) أنه قال: (أنا الحق)، ومثلما حكي عن أبي يزيد البسطامي أنه قال: (سبحاني سبحاني، ما أعظم شاني).\nوقد ذكر الشيخ مصطفى عبد الرازق تعليلا آخر الكلمة الشطح فقال ﵀: «والشطح لفظة مأخوذة من الحركة، يقال: شطح إذا تحرك، وهو عبارة مستغربة في وصف وجد فاض بقوته، وهاج لشدة غليانه وغلبته، فهي حركة أسرار الواجدين إذا قوى وجدهم، فعبروا عن وجدهم بعبارات يستغربها سامعها، ومن ذلك ما يروى عن أبي يزيد البسطامي المتوفى سنة ٢٦١ هـ (٨٧٥ م) أنه قال: رفعني مرة، فأقامني بين يديه، وقال لي: يا أبا يزيد إن خلقي يحبون أن يروك، فقلت: زيني بوحدانيتك، وألبسني ربانيتك، وارفعني إلى أحديتك حتى إذا رآني خلقك قالوا: رأيناك، فتكون أنت ذاك، ولا أكون أنا هناك» (^٢).\n_________\n(^١) انظر المعجم الوسيط الصادر عن مجمع اللغة العربية بالقاهرة جـ ١ ص ٤٨٢\n(^٢) دائرة المعارف الإسلامية جـ ٩ ص ٣٤٥، وفي الأصل: (ألبسني أنانيتك)، والصواب ما ذكرناه كما جاء في تلبيس إبليس ص ٣٤٥","vol":"2","page":173},{"text":"هذا وإليك أمثلة من شطحات الصوفية في التفسير، ونكتفي - في هذا المجال - بما ذكره محيي الدين ابن عربي في بعض كتبه، وبما ذكره ابن الجوزي عن تفاسير الصوفية للقرآن، والله المستعان:\n\n<span data-type='title' id=toc-132>المثال الأول:\nفي ضوء نظرية (وحدة الوجود) التي يقررها ابن عربي في كتبه </span>يفسر لنا قول الله تعالى: ﴿ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا﴾ (^١) فيقول: «فقد علمت حكمة نشأة آدم أعني صورته الظاهرة، وقد علمت نشأة روح آدم، أعني صورته الباطنة، فهو الحق الخلق، وقد علمت نشأة رتبته، وهي المجموع الذي به استحق الخلافة، فآدم هو النفس الواحدة التي خلق منها هذا النوع الإنساني، وهو قوله تعالى: ﴿ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء﴾ فقوله: (اتقوا ربكم) اجعلوا ما ظهر منكم وقاية لربكم، واجعلوا ما بطن منكم - وهو ربكم - وقاية لكم، فإن الأمر ذم وحمد، فكونوا وقايته في الذم، واجعلوه وقايتكم في الحمد تكونوا أدباء عالمين» (^٢).\nوقد علق الدكتور أبو العلا عفيفي على هذه الفقرة من كلام ابن عربي فقال: (أما قوله: (اجعلوا ما ظهر منكم وقاية لربكم) إلخ فيمكن فهمه بمعنيين: الأول - اجعلوا الصورة التي هي مجلي الاسم الإلهي وقاية لذلك الاسم، فإنه لا وجود للاسم ولا معنى له إلا بها، ولا تنسوا أن الاسم الالهى أيضا وقاية للصورة، إذ لا وجود لها إلا به، والمعنى الثاني وهو أدنى إلى المراد، وأكثر تمشيا مع بقية الفقرة - أن يقال: إن الصورة الخارجية\n_________\n(^١) سورة النساء: ١\n(^٢) فصوص الحكم للشيخ محيى الدين بن عربي بتحقيق وتعليق الدكتور أبو العلا عفيفي ج ١ ص ٥٦ ط بيروت","vol":"2","page":174},{"text":"للإنسان هي جسمه، وهو المشار إليه بقوله: (ما ظهر)، والصورة الباطنية له هي ذلك الجزء الإلهي فيه المقوم لصورته، وهو المعبر عنه بالرب، فالمراد أن ينسب الإنسان كل الصفات البدنية إلى البدن وحده، وبذلك يقي ربه، لأن صفات البدن ذميمة، وقصر الوصف بها على البدن وقاية للرب، وأن ينسب كل الصفات الروحية إلى الصورة الباطنية، وهي الرب. وفي هذا وقاية للبدن، لأن صفات الرب صفات حمد أو مدح، ومن له صفات الحمد يحتمي به من له صفات الذم، ومعنى العبارة كلها: إن كان ذم فانسبوه لأنفسكم واحموا الله منه، وإن كان مدح فانسبوه إلى الله الذي هو فيكم واحتموا به، ولذلك قال المؤلف: فكونوا وقايته في الذم، واجعلوه وقايتكم في الحمد» (^١).\nونحن لنا على كلام ابن عربي هنا ملاحظتان:\nالملاحظة الأولى: أن ابن عربي وصف آدم ﵇ بأنه الحق والخلق معا، أي أنه الله وما خلق الله في وقت واحد، وزعم أن آدم هو الحق باعتبار صورته الباطنة، أو وجود الروح الإلهية فيه، كما زعم أنه الخلق باعتبار صورته الظاهرة أي بدنه، وهذا الذي قاله ابن عربي خلاف ما أجمع عليه المسلمون من أن آدم - بروحه وبدنه - مخلوق للحق ﵎، وفرق بين الخالق والمخلوق، فالخالق «ليس كمثله شيء وهو السميع البصير» (^٢).\nوالملاحظة الثانية: أن ابن عربي فسر قوله تعالى: (اتقوا ربكم) تفسيرا غريبا مخالفا لما قاله المفسرون، فإن ظاهر الآية يفيد أن الناس مأمورون بتقوى الله تعالي، والتقوى هي جعل النفس في وقاية مما يخاف، فمعني (اتقوا ربكم) خافوا عذابه بامتثال أوامر. واجتناب نواهيه، ولكن ابن عربي يتجاهل هذا كله، ويخلط بين الأمر والمأمور خلطا\n_________\n(^١) المصدر السابق ج ٢ ص ١٩\n(^٢) سورة الشورى: ١١","vol":"2","page":175},{"text":"عظيما، حيث يجعل الناس - باعتبار (وحدة الوجود) التي يؤمن بها - لهم صورة ظاهرة، وصورة باطنة، أما الصورة الظاهرة منهم - وهي أبدانهم - فهم مطالبون بأن يجعلوها وقاية لربهم، فينزهوا الرب عن صفات الأبدان الذميمة، وأما الصورة الباطنة منهم - وهي الرب - فهم مطالبون بأن يجعلوها وقاية لهم، لأن صفات الرب صفات حمد، ومن له صفات الحمد يحتمى به من له صفات الذم.\nألا ترى معي أن هذا التفسير الباطني الذي ذكره ابن عربي هنا لا يتمشى قط مع عقيدة التوحيد التي نادى بها القرآن حيث يقول ﴿وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم﴾ (^١)، كما أنه لا يتفق ومدلولات الألفاظ في كلام العرب من حيث الحقيقة أو المجاز، ومن ثم فإنه يحق لنا أن نرفض هذا التفسير شكلا وموضوعا، وأن نعتبره من جملة الدخيل الذي تسلل إلى رحاب القرآن الكريم.\nيضاف إلى ذلك أن مذهب ابن عربي القائل بوحدة الوجود مذهب دخيل علي الإسلام وليس من الإسلام في شئ لأن عقيدة الإسلام تقوم أساسا على التفرقة بين الخالق والمخلوق، فتفسير ابن عربي للآية في ضوء هذا المذهب الباطل لا يمكن لنا قبوله بحال، كيف وقد جعل عقيدته أصلا والقرآن تابعا لها على عكس ما يجب أن يكون، يقول الدكتور أبو العلا عفيفي - في شرح مذهب ابن عربي في وحدة الوجود -: «أما مذهبه فوحدة الوجود وليس من الإسلام في قليل أو كثير، لأنه يرى أن الوجود حقيقة واحدة، ويعد التعدد والكثرة أمرا قضت به الحواس الظاهرة، والعقل الإنساني القاصر عن أن يدرك الوحدة الذاتية للأشياء، أو يدرك المجموع كمجموع، ويتلخص مذهبه في عبارته القصيرة الواردة في الفتوحات» (ج ٢ ص ٦٠٤) وهي: «سبحان من خلق الأشياء وهو عينها، فإنه يقرر فيها وجود الأشياء ووجود خالق لها، كما يقرر الوحدة الذاتية، أو العينية للاثنين: الخالق والمخلوق،\n_________\n(^١) سورة البقرة: ١٦٣","vol":"2","page":176},{"text":"وفي البيتين الآتيين الواردين في الفصوص (ص ١٣٩) إشارة إلى هذا المعنى، وهما:\nيا خالق الأشياء في نفسه … أنت لما تخلقه جامع\nتخلق ما لا ينتهي كونه … فيك فانك الضيق الواسع\nفلا فرق في نظره بين الواحد والكثير، أو الحق والخلق إلا بالاعتبار والنظر العقلي، أما العارف فيدرك بطريق الذوق وحدتها، وعلى ذلك فمذهبه واحدي لا ثنوى، إلا إذا اعتبرنا الثنوية في الصفات لا غير، لأنه كثيرا ما يصف الحقيقة الوجودية الواحدة بالمتقابلات، أمثال الحق والخلق؛ والباطن والظاهر، والأول والآخر، والمشبه والمنزه وأمثال ذلك، أما الحقيقة في ذاتها فواحدة لا تقبل كثرة ما» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-133>المثال الثاني:\nوقد ترتب على إيمان ابن عربي بوحدة الوجود أنه قال كذلك بوحدة الأديان،</span> وأنه لا فرق بين الأديان السماوية وغيرها، فالكل صحيح، واستدل على ذلك بقوله تعالى: ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾ (^٢)، وقد صاغ عقيدته تلك في بيت شعري فقال:\nعقد الخلائق في الإله عقائدا … وأنا اعتقدت جميع ما اعتقدوه\nكما شرح لنا تلك العقيدة فقال: «فإياك أن تتقيد بعقد مخصوص وتكفر بما سواه فيفوتك خير كثير، بل يفوتك العلم بالأمر علي ما هو عليه، فكن في نفسك هيولى لصور المعتقدات كلها، فإن الله تعالى أوسع وأعظم من أن يحصره عقد دون عقد، فإنه يقول: (فأينما تولوا فتم وجه الله)، وما ذكر أينا\n_________\n(^١) دائرة المعارف الإسلامية ج ١ ص ٣٤٦\n(^٢) سورة البقرة: ١١٥","vol":"2","page":177},{"text":"من أين … فقد بان لك عن الله تعالى أنه في أينية كل وجهة، وما ثم إلا الاعتقادات، فالكل مصيب، وكل مصيب مأجور، وكل مأجور سعيد، وكل سعيد مرضي عنه (^١).\nوفي ضوء إيمان ابن عربي بوحدة الأديان يرى الوثنيين على حق في عبادة الأصنام لأنهم لا يعبدون في الحقيقة إلا الله ﷾، فيقول - عن قوم نوح ﵇: فقالوا - في مكرهم -: «﴿لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا﴾» (^٢) فإنهم إذا تركوهم جهلوا من الحق على قدر ما تركوا من هؤلاء، فإن للحق في كل معبود وجها يعرفه من يعرفه، ويجهله من يجهله، في المحمدين: ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه﴾ (^٣) أى حكم، فالعالم يعرف من عبد، وفي أي صورة ظهر حتى عبد، وأن التفريق والكثرة كالأعضاء في الصورة المحسوسة، وكالقوى المعنوية في الصورة الروحانية، فما عبد غير الله في كل معبود، فالأدنى من تخيل فيه الألوهية، فلولا هذا التخيل ما عبد الحجر ولا غيره، ولهذا قال: «قل سموهم (^٤) فلو سموهم لسموهم حجارة وشجرا وكوكبا، ولو قيل لهم: من عبدتم لقالوا: إلها، ما كانوا يقولون: الله ولا الإله، والأعلى ما تخيل، بل قال: هذا مجلى إلهي ينبغي تعظيمه فلا يقتصر، فالأدنى صاحب التخيل يقول: «ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى» (^٥)، والأعلى العالم يقول: «إنما إلهكم إله واحد فله أسلموا» (^٦) حيث ظهر (وبشر المخبتين)».\n_________\n(^١) فصوص الحكم ج ١ ص ١١٣، ١١٤ بتصرف في النقل.\n(^٢) سورة نوح: ٢٣\n(^٣) سورة الاسراء: ٢٣\n(^٤) سورة الرعد: ٣٣\n(^٥) سورة الزمر: ٣\n(^٦) صواب الآية هكذا: ﴿فالهكم إله واحد فله أسلموا وبشر المخبتين﴾ سورة الحج: ٣٤","vol":"2","page":178},{"text":"الذين خبت نار طبيعتهم، فقالوا: إلها ولم يقولوا طبيعة» (^١).\nويعلق الدكتور أبو العلا عفيفي على كلام ابن عربي هذا فيقول: «يرى ابن عربي أن كل من يدعو إلى الله على هذا الوجه - أي على سبيل التنزيه كما دعا نوح قومه - يمكر بمن يدعوه ويخدعه، وذلك أن المدعو مهما كانت عقيدته، ومهما كان معبوده لا يعبد في الحقيقة إلا الله، لأنه لا يعبد إلا مجلى من مجالي الحق في الوجود، فدعوته إلى الله مكر به، لأنها تحمله على الاعتقاد بأنه يعبد شيئا آخر سوى الله، وما في الوجود سواه، أما مكر قوم نوح فظاهر من عبارتهم: ﴿لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا﴾، لأنهم إن تركوا هذه الآلهة فقد جهلوا من الحق على قدر ما تركوا، ذلك لأن للحق في كل معبود وجها لا يعبد المعبود إلا من أجله، وهنا يفهم ابن عربي نصا آخر من القرآن على أنه تقرير لوحدة الوجود من حيث صلتها بعبادة الله، فيقول: في مذهب المحمديين: ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه﴾، أي حكم، بمعنى قدر أزلا أنكم إن تعبدوا إلا إياه، لا بمعنى أمر ألا تعبدوا إلا إياه، يدل على ذلك قوله في العبارة التالية: فالعالم يعلم من عبد. وفي أي صورة ظهر حتى عدل (^٢).\nونحن نرى أن ابن عربي هنا قد جانبه الصواب، وخانه التوفيق من وجوه:\nالوجه الأول: أن وحدة الأديان التي نادى بها ابن عربي، ومفادها أن معتقدات الناس كلها صحيحة لا يمكن لنا قبولها، لأن من حقنا أن نتساءل: إذا كانت هذه المعتقدات كلها صحيحة فلماذا إذن حارب الرسل ﵈ عبادة الأصنام، وسفهوا أحلام من عبدوها من دون الله؟ أليس ذلك دليلا\n_________\n(^١) فصوص الحكم ج ١ ص ٧٢\n(^٢) المصدر السابق ج ٢ ص ٣٩، ٤٠","vol":"2","page":179},{"text":"على عدم صحتها، وبطلان عبادتها؟ إن شئت برهانا على ذلك فاقرأ معنى قول الله تعالى - حكاية عن إبراهيم ﵇: ﴿وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة إني أراك وقومك في ضلال مبين (٧٤) وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين (٧٥) فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين (٧٦) فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين (٧٧) فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال ياقوم إني بريء مما تشركون (٧٨) إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين (٧٩)﴾ (^١).\nثم إن من حقنا كذلك أن نتساءل: إذا كانت هذه المعتقدات كلها صحيحة فلماذا إذن حطم إبراهيم ﵇ الأصنام التي كانوا يعبدونها من دون الله؟ أليس ذلك دليلا على أنها معبودات باطلة، وأن الصحيح فقط هو عبادة الله رب العالمين، إن شئت فاقرأ معى ما حكاه الله تعالى كذلك عن إبراهيم ﵇ حيث يقول: ﴿ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين (٥١) إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون (٥٢) قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين (٥٣) قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين (٥٤) قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين (٥٥) قال بل ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن وأنا على ذلكم من الشاهدين (٥٦) وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين (٥٧) فجعلهم جذاذا إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون (٥٨)﴾ (^٢).\n_________\n(^١) سورة الأنعام: ٧٤ - ٧٩.\n(^٢) سورة الأنبياء: ٥١ - ٥٨ ومعنى قوله (فجعلهم جذاذا) أي قطعا مكسورة، من الجذ وهو كسر الشيء وتفتيته.","vol":"2","page":180},{"text":"وأيضا لنا أن نتساءل: إذا كانت عقيدة التثليث. صحيحة، كما يستفاد من كلام ابن عربي فلماذا إذن حكم الله بفساد هذه العقيدة وكفر معتنقيها، ثم لماذا قرر عقيدة التوحيد بدلا عنها ودعا الناس إليها، فقال - عز من قائل: - ﴿لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يابني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار (٧٢) لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم (٧٣)﴾ (^١).\nإذا لا يمكننا بحال أن نقبل هذه الفكرة الخاطئة التي تقول: إن الأديان كلها صحيحة، وأنه لا فرق بين الأديان السماوية وغيرها فلو كان الأمر كذلك ما كان هناك حاجة لإرسال الرسل ولا لإنزال الكتب، فهل بعث بالله ﷾ الرسل بين حين وآخر إلا لكي يصححوا للناس ما كانوا عليه من انحرافات في العقائد والأخلاق؟ وهل أنزل الله تعالى المكتب إلا الهداية الناس إلى عقيدة التوحيد بعد أن تخبطوا طويلا في دياجير الضلال، والعقائد الوثنية؟\nالوجه الثاني: أن ابن عربي قد استدل بقوله تعالى: ﴿فأينما تواوا فتم وجه الله﴾، على أن جميع الأديان صحيحة، والحق أنه لا دلالة في الآية على ما يقول، فهذه الآية إنما نزلت في شأن القبلة أو الدعاء، وفي ذلك يقول ابن عطية: «واختلف المفسرون في سبب نزول هذه الآية، فقال قتادة: أباح الله لنبيه ﵇ بهذه الآية - أن يصلي المسلمون حيث شاءوا، فاختار النبي ﵇ بيت المقدس حينئذ، تم نسخ ذلك كله بالتحول إلى الكعبة، وقال مجاهد والضحاك: معناها إشارة إلى الكعبة أي حيث كنتم\n_________\n(^١) سورة المائدة: ٧٢، ٧٣٠","vol":"2","page":181},{"text":"من المشرق والمغرب فأنتم قادرون على التوجه إلى الكعبة التي هي وجه الله الذي وجهكم إليه.\nقال الفقيه أبو محمد: وعلى هذا فهي ناسخة لبيت المقدس، وقال ابن زيد: كانت اليهود قد استحسنت صلاة النبي ﷺ إلى بيت المقدس وقالوا: ما اهتدى إلا بنا، فلما حول إلى الكعبة قالت اليهود: «ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها» (^١) فنزلت: ﴿لله المشرق والمغرب﴾ الآية، وقال ابن عمر: نزلت هذه الآية في صلاة النافلة، حيث توجهت بالإنسان دابته، وقال النخعي: الآية عامة، أينما تولوا في متصرفاتكم ومساعيكم فثم وجه الله أي موضع رضاه وثوابه، وجهة رحمته التي يوصل إليها بالطاعة، وقال عبد الله بن عامر ابن ربيعة: نزلت فيمن اجتهد في القبلة فأخطأ، وورد في ذلك حديث رواه عامر بن ربيعة قال: «كنا مع النبي ﷺ في سفر، في ليلة مظلمة، فتحرى قوم القبلة، وأعلموا علامات، فلما أصبحوا رأوا أنهم قد أخطئوها، فعرفوا رسول الله ﷺ بذلك فنزلت هذه الآية، وذكر قوم هذا الحديث على أن النبي ﷺ لم يكن مع القوم في السفر، وذلك خطأ، وقال أيضا قتادة: نزلت هذه الآية في (النجاشي)، وذلك أنه لما مات دعا النبي ﷺ المسلمين إلى الصلاة عليه، فقال قوم: كيف نصلي على من لم يصل إلى القبلة قط، فنزلت هذه الآية، أي أن (النجاشي) كان يقصد وجه الله وإن لم يبلغه التوجه الى القبلة، وقال ابن جبير: نزلت الآية في الدعاء، لما نزلت: ﴿ادعوني أستجب لكم﴾ (^٢) قال المسلمون: الى أين ندعو؟\nفنزلت: ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾ (^٣) فأنت ترى - بعد أن ذكرنا لك أقوال المفسرين في معنى الآية - أن الذي\n_________\n(^١) سورة البقرة: ١٤٢\n(^٢) سورة غافر: ٦٠\n(^٣) انظر منهج ابن عطية في تفسير القرآن الكريم للمؤلف ص ٣٠٦، ٣٠٥","vol":"2","page":182},{"text":"استنبطه ابن عربي من الآية، وهو أن كل المعتقدات صحيحة لا علاقة له بالآية لا من قريب ولا من بعيد، بل يعتبر ذلك من جملة الشطحات التي اشتهر بها ابن عربي غفر الله له.\nوالوجه الثالث: أن ابن عربي فسر (قضى) في قوله تعالى: ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه﴾، بمعنى حكم، وعلى ذلك فمعنى الآية عنده أن الله تعالى حكم وقدر في الأول أن لا يعبد الناس سواه، وحكم الله لا بد من نفاذه وإذن فالمعبودات التي عرفها البشر على مر العصور كلها صحيحة، بمقتضى هذا الحكم الأزلي، وما عبدوها إلا لأنهم رأوها صورا للإله الحق في نظرهم، فعبادتها - في الحقيقة - ما هي إلا عبادة لله تعالى.\nوقد حاول الإمام الآلوسي أن يدافع عن ابن عربي وأمثاله ممن يفسرون الآية على هذا الوجه، فقال ﵀: «ومن باب الإشارة في الآيات ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه﴾ قالت الوجودية من الصوفية: إنه تعالى سبق قضاءه أن لا يعبد سواه، فكل عابد إنما يعبد الله سبحانه من حيث يدري، ومن حيث لا يدري، فإنه جل شأنه الأول والآخر والظاهر والباطن، والأعيان الثابتة ما شمت رائحة الوجود ولا تشمه أبدا، ومما ينسبونه إلى زين العابدين ﵁، ويزعمون أنه مشير إلى مدعاهم قوله:\nإني لأكتم من علمي جواهره … كيلا يرى الحق ذو جهل فيفتتنا\nوقد تقدم في هذا أبو حسن … إلى الحسين وأوصى قبله الحسنا\nقرب جوهر علم لو أبوح به … لقيل لي أنت ممن يعبد الوثنا\nولا ستحل رجال مسلمون دمي … يرون أقبح ما يأتونه حسنا\nقالوا: إنه - رضى الله تعالى عنه - عني بهذا الجوهر الذي لو باح به لقيل له: أنت ممن يعبد الوثن علم الوحدة، إذ منه يعلم أن الوثن وكذا غيره مظهر له جل وعلا، وليس في الدار غيره ديار، وقد مر عن قرب ما نقل عن","vol":"2","page":183},{"text":"الحلاج، ومثله كثير للشيخ الأكبر (^١) - قدس سره - ولغيره عربا وهجما، وهو عفا الله تعالى عنه قد فتح بابا في هذا المطلب لا يسد الى أن يأتي أمر الله ﷿، وكأنه أوصى إليه بأن يبوح وينثر هاتيك الجواهر، بين الأصاغر والأكابر، كما أوصى إلى الحسنين بأن يكتما من ذلك ما علما، وفي بعض كتبه - قدس سره - ما هو صريح في أنه مأمور، فإن صح ذلك فهو معذور، وأنا لا أرى عذرا لمن يقفوا أثره في المقال، مع مباينته له في الحال، فإن هذا المطلب أجل من أن يحصل لغريق الشهوات، وأسير المألوفات، ورهين العادات (^٢).\nبيد أني أرى أن كلام ابن عربي في تفسير الآية مخالف لما أجمع عليه المفسرون من أن قضى بمعنى أمر، كما أنه يؤدي - لا محالة- إلى التفكك في أوصال الآية الكريمة، فلو كان قضى بمعنى حكم ما ساغ عطف قوله تعالى: ﴿وبالوالدين إحسانا﴾ على ما قبله، إذ لا يسع عاقل أن يقول: إن كل أحد محسن إلى والديه من حيث يدرى ومن حيث لا يدرى، ومن أجل ذلك وجدنا الإمام الألوسي - على الرغم من اعتذاره عن ابن عربي ودفاعه عنه - لا يرى أن يفتح هذا الباب على مصراعيه لكل أحد، فإن هذا الأمر شائك، ويؤدي - لا محالة - إلى الضلال.\n\n<span data-type='title' id=toc-134>المثال الثالث:\nوفي الآيات التي تعرضت القصة موسى مع فرعون </span>في سورة الشعراء نجد ابن عربي يسير في تفسيرها على أساس مذهبه في وحدة الوجود، ويعطي لفرعون الحق في ادعاء الألوهية، لأنه جزء من العالم الذي قال عنه إنه صورة الله تعالي، فيقول - معلقا على قول الله تعالي - حكاية عن موسى عليه\n_________\n(^١) يعني بالشيخ الأكبر هنا محيي الدين بن عربي، فإنه مشهور عند الصوفية بهذا اللقب.\n(^٢) تفسير الآلوسي ج ١٥ ص ١٢٤، ١٢٥.","vol":"2","page":184},{"text":"السلام -: ﴿قال رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين﴾ (^١) وقوله سبحانه: ﴿قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون﴾ (^٢) يقول: «فالجواب الأول جواب الموقنين، وهم أهل الكشف ووجود، فقال له: «إن كنتم موقنين» أي أهل كشف ووجود، فقد علمتم بما تيقنتموه في شهودكم كم، فإن لم تكونوا من هذا الصنف فقد أجبتكم في الجواب الثاني إن كنتم أهل عقل وتقييد وحصر، ثم الحق فيما تعطيه أدلة عقولكم، فظهر موسى بالوجهين ليعلم فرعون فضله وصدقه، وعلم موسى أن فرعون علم ذلك أو يعلم ذلك لكونه سأل عن الماهية (^٣)، فعلم أنه ليس سؤاله على اصطلاح القدماء في السؤال بما، فلذلك أجاب، ولو علم منه غير ذلك لخطأه في السؤال، فلما جعل موسى المسئول عنه عين العالم، خاطبه فرعون بهذا اللسان الكشفي والقوم لا يشعرون، فقال له: «لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين» (^٤)، والسين في السجن من حروف الزوائد أي لأسترنك، فإنك أجبت بما أيدتني به، «فاستحققت» (^٥) أن أقول لك مثل هذا القول» (^٦).\nوقد وضح الدكتور أبو العلا عفيفي كلام ابن عربي - في هذا الصدد فقال: «لعل هذا الجزء من الفص أصعب ما فيه، لا من حيث موضوعه، فإنه لم يخرج عن دائرة وحدة الوجود التي يشرحها على لسان موسى تارة، ولسان فرعون تارة أخرى، بل من حيث الطريقة الملتوية التي يلجأ إليها في\n_________\n(^١) سورة الشعراء: ٢٤.\n(^٢) سورة الشعراء: ٢٨.\n(^٣) أي حيث جاء سؤاله بما التي يسأل بها عن الماهية فقال: «وما رب العالمين».\n(^٤) سورة الشعراء: ٢٩.\n(^٥) هذه الكلمة ليست في الأصل وقد زدناها لكي يستقيم الكلام.\n(^٦) فصوص الحكم ج ١ ص ٢٠٨، ٢٠٩.","vol":"2","page":185},{"text":"تفسير الآيات القرآنية والتعليق عليها، ليخرج من كل ذلك بفكرته كاملة غير منقوصة في وحدة الوجود، مع المحافظة في الشكل على مسرح القصة القرآنية وما دار فيها من حديث بين موسى وفرعون، فسر قول موسى لفرعون إن الله هو ﴿رب السماوات والأرض وما بينهما﴾، تفسيرا يتفق مع فكرته في وحدة الوجود كما أسلفنا، لأنه أولها بمعنى أن الله هو الظاهر في صورة ما في السماوات والأرض وما بينهما أي بصورة العالم، ومهد بذلك لتفسير دعوى فرعون الألوهية، ولكل ما جرى بينهما بعد ذلك من حديث، قال فرعون الموسي: ﴿لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين﴾، فيسلم ابن عربي بادعاء فرعون الألوهية، وكيف لا يكون فرعون إلها، وهو جزء من العالم الذي قال: إنه صورة الله؟ إن فرعون وغيره من المحدثات صور الحق في الوجود الظاهري، والصورة فرعون مرتبة أعلى من مرتبة صورة موسي في ذلك المقام الخاص الذي كانا يتحدثان فيه، لأنه اعطى الحكم والملك والتصرف فيمن دونه من الناس الذين قلت مراتبهم عن مرتبته، فالعين واحدة في الجميع، ولكنها متكاثرة بالمراتب، ومرتبة فرعون أعلى من غيرها، ولذلك قال: «أنا ربكم الأعلى» (^١)، قال فرعون لموسى: «لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين»، وظاهر هذه الآية يعطي الوعيد، ولكن ابن عربي يقلب معنى الآية رأسا على عقب، فيقول: إن السين في مسجونين من حروف الزوائد، ومعنى: «لأجعلنك من المسجونين» لأسترنك، لأن لسان الباطن في نظره يقتضي أن يقرأ القرآن هكدا، فبعد حذف السين لا يبقى إلا مادة الجيم والنون التي معناها الستر والأخفاء، وبهذا انقلب وعيد فرعون لموسى وعدا، وتهديده له بالسجن حماية ووقاية، جزاء لموسى على ما مهد به لفرعون من ادعاء الألولهية» (^٢).\n_________\n(^١) سورة النازعات: ٢٤.\n(^٢) فصوص الحكم ج ٢ ص ٣١٠، ٠٣١١.","vol":"2","page":186},{"text":"ونحن نرى أن كلام ابن عربي هنا خطير من ثلاثة وجوه:\nالوجه الأول: أننا لو سلمنا بدلا أن فرعون كان على حق في ادعاء الألوهية كما يقول ابن عربي فلماذا إذن أرسل الله موسى ﵇ إليه؟ هل أرسله إليه لكى يظهر أحقيته في ادعاء الألوهية، ويؤيده في ذلك علي ملا من الناس؟ أم أن الله أرسله إليه لأنه طغى واستكبر وعاث في الأرض فسادا، ولما لم يكف عن هذا كله عاقبه الله تعالى في الدنيا بالإغراق، وسيعاقبه في الآخرة بالإحراق، استمع معي إلى قول الله تعالى: ﴿هل أتاك حديث موسى (١٥) إذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى (١٦) اذهب إلى فرعون إنه طغى (١٧) فقل هل لك إلى أن تزكى (١٨) وأهديك إلى ربك فتخشى (١٩) فأراه الآية الكبرى (٢٠) فكذب وعصى (٢١) ثم أدبر يسعى (٢٢) فحشر فنادى (٢٣) فقال أنا ربكم الأعلى (٢٤) فأخذه الله نكال الآخرة والأولى (٢٥) إن في ذلك لعبرة لمن يخشى (٢٦)﴾ (^١).\nوالوجه الثاني: أن ابن عربي زعم أن موسى ﵇ جعل المسئول عنه - وهو الله تعالى - عين العالم حين أجاب فرعون بقوله: «رب السماوات والأرض وما بينهما»، وبقوله: «رب المشرق والمغرب وما بينهما»، والحق أن موسى ﵇ ما فعل ذلك، فمن المسلم به بداهة أن المضاف غير المضاف إليه، وأن الشيء لا يضاف إلى نفسه، وكل الذي يستفاد من جواب موسى ﵇ هو أن الله تعالى رب العالم كله، علويه وسفليه، ورب كل شيء. في هذا الوجود ورب المشارق والمغارب، سبحانه وتعالى عما يشركون، فأين هذا المعنى مما يريد ابن عربي أن يحمل القرآن عليه قسرا من أن الله عين العالم انطلاقا من مذهبه في وحدة الوجود؟\nوالوجه الثالث: أنه فسر المسجون بالمستور في قوله تعالى - حكاية عن فرعون - ﴿لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين﴾، وبذلك قلب\n_________\n(^١) سورة النازعات من آية ١٥ إلى آية ٢٦","vol":"2","page":187},{"text":"معنى الآية من الوعيد إلى الوعد، وهذا المعنى الذي ذكره ابن عربي لا يستقيم عربية، حيث لم يقبل أحد من أئمة اللغة أن السين زائدة في مادة (سجن)، وحتى لو سلمنا جدلا أن المعنى كما يقول فكيف ساغ لنبي الله موسى ﵇ أن يسكت على هذا الكلام الذي صدر عن فرعون؟ أليس هذا تسليما من موسى لفرعون بادعاء الألوهية وهو النبي الذي جاء لكي يدعوه إلى عبادة الله رب العالمين، اللهم إن هذا لافك مبين.\n\n<span data-type='title' id=toc-135>المثال الرابع:\nثم نجد ابن عربي يذكر لنا تفسيرا غريبا </span>للآيات التي تتعلق بالكافرين في صدر سورة البقرة، فيقول - معلقا على قول الله تعالى: ﴿إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون (٦) ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم (٧)﴾ (^١) - يقول -: «إيجاز البيان فيه: يا محمد، إن الذين كفروا. ستروا محبتهم في عنهم، فسواء عليهم أأنذرتهم بوعيدك الذي أرسلتك به أم لم تنذرهم لا يؤمنون بكلامك، فإنهم لا يعقلون غيري، وأنت تنذرهم بخلق، وهم ما عقلوه ولا شاهدوه، وكيف يؤمنون بك وقد ختمت على قلوبهم، فلم أجعل فيها متسعا لغيري، وعلى سمعهم فلا يسمعون كلاما في العالم إلا مني، وعلى أبصارهم غشاوة من بهائي عند مشاهدتي، فلا يبصرون سواي، ولهم عذاب عظيم عندي، أردهم بعد هذا المشهد السني إلى إنذارك، وأحجبهم عني، كما فعلت بك بعد قاب قوسين أو أدنى قربا، أنزلتك إلى من يكذبك ويرد ما جئت به إليه مني في وجهك، وتسمع في ما يضيق له صدرك، فأين ذلك الشرح الذي شهدته في إسرائك، فهكذا أمنائي على خلقى الذين أخفيتهم، رضائي عنهم فلا أسخط عليهم أبدا» (^٢).\nفانظر إليه كيف قلب أوصاف الكافرين من صفات ذم إلى صفات مدح.\n_________\n(^١) سورة البقرة: ٦، ٧\n(^٢) الفتوحات المكية ج ١ ص ١١٥","vol":"2","page":188},{"text":"وكيف حمل هذه الأوصاف على أولياء الله بدلا من أعدائه، فهل هذا الذي صنعه ابن عربي هو مراد الله من كلامه؟\nإننا إذا ما استعرضنا الآيات القرآنية هنا نجد أن الله تعالى حدثنا حديثا مستفيضا عن المؤمنين في مستهل سورة البقرة، فقال - عز من قائل -: ﴿ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين (٢) الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون (٣) والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون (٤) أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون (٥)﴾ (^١).\nوبعد ذلك جاء الحديث عن الكافرين في قوله تعالى: ﴿إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون (٦) ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم (٧)﴾.\nثم بجاء الحديث عن المنافقين في قوله تعالى: ﴿ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين (٨)﴾ (^٢) الآيات، وهؤلاء هم طوائف للناس المختلفة إزاء هداية القرآن الكريم، إما مؤمنون أو كافرون أو منافقون، فأين هذا مما قاله ابن عربي هنا؟\nولعل أغرب ما في كلام ابن عربي هنا أنه فسر قوله تعالى: ﴿ولهم عذاب عظيم﴾، بأن الله تعالى يحجب هؤلاء عنه بعد أن شاهدوه، فذلك عذاب نفسي لهم، واعتبر ابن عربي هذا شبيها بارجاع الرسول ﷺ إلى أعدائه بعد أن شاهد الحق في إسرائه.\nإننا نرى أن الذي ذكره ابن عربي في هذا المقام مرفوض جملة وتفصيلا، ولا يمكن لمسلم قبوله في تفسير القرآن الكريم، لأنه ضرب من ضروب الشطح، ولون من ألوان التخبط في الفهم، ونعوذ بالله من ذلك.\n_________\n(^١) سورة البقرة: ٢ - ٥.\n(^٢) سورة البقرة: ٨","vol":"2","page":189},{"text":"<span data-type='title' id=toc-136>المثال الخامس\nذكر الإمام ابن الجوزي في كتابه: (تلبيس إبليس)</span> عن الصوفية أقوالا خاطئة في تفسير القرآن الكريم، وهذه الأقوال يجمعها قدر مشترك بينها وهو مخالفة العربية، ومن أجل ذلك اعتبرنا هذه الأقوال بمثابة مثال واحد، وإن كانت متعددة ومتنوعة ومنقولة عن كثيرين من شيوخ الصوفية.\nفمثلا روى ابن الجوزي عن الجنيد أنه سأله سائل عن قوله ﷿: ﴿سنقرئك فلا تنسى﴾ (^١) فقال الجنيد: لا تنس العمل به، وسأله عن قوله تعالى: ﴿ودرسوا ما فيه﴾ (^٢) فقال له الجنيد: تركوا العمل به، فقال السائل: لا يفضض الله فاك.\nثم رد ابن الجوزي هذين القولين في تفسير الآيتين لمخالفتهما العربية من حيث اللغة والنحو فقال: «أما قوله: (لا تنس العمل به) فتفسير لا وجه له والغلط فيه ظاهر، لأنه فسره على أنه نهي، وليس كذلك، إنما هو خبر لا نهي، وتقديره: فما تنسى، إذ لو كان نهيا كان مجزوما، فتفسيره على خلاف إجماع العلماء، وكذلك قوله: (ودرسوا ما فيه) إنما هو من المدرس الذي هو التلاوة من قوله ﷿: ﴿وبما كنتم تدرسون﴾ (^٣) لا من دروس الشيء الذي هو إهلاكه» (^٤).\nكذلك نقل ابن الجوزي عن أبي عبد الرحمن السلمي بعض الأقوال الشاذة في التفسير وقام بالرد عليها، فقال: «وقد جمع أبو عبد الرحمن السلمي\n_________\n(^١) سورة الأعلى: ٦\n(^٢) سورة الأعراف: ١٦٩ وهي قوله تعالي: ﴿ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه﴾.\n(^٣) سورة آل عمران: ٧٩ وهي قوله تعالى: ﴿ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون﴾.\n(^٤) تلبيس إبليس ص ٣٣١","vol":"2","page":190},{"text":"في تفسير القرآن من كلامهم الذي أكثره هذيان لا يحل نحو مجلدين، سماها (حقائق التفسير)، فقال - في فاتحة الكتاب عنهم - إنهم قالوا: إنما سميت فاتحة لأنها أوائل ما فاتحناك به من خطابنا، فإن تأدبت بذلك وإلا حرمت لطائف ما بعد، قال المصنف ﵀: وهذا قبيح، لأنه لا يختلف المفسرون أن الفاتحة ليست من أول ما نزل، وقال - في قول الإنسان (آمين): أي قاصدين نحوك، قال المصنف ﵀: وهذا قبيح لأنه ليس من (أم) لأنه لو كان كذلك لكانت الميم مشددة، وقال في قوله: ﴿ومن دخله كان آمنا﴾ (^١) أي من هواجس نفسه ووساوس الشيطان، وهذا غاية في القبح لأن لفظ الآية لفظ الخبر، ومعناه الأمر، وتقديرها: من دخل الحرم فأمنوه، وهؤلاء قد فسروها على الخبر، ثم لا يصح لهم، لانه كم من داخل إلى الحرم ما أمن من الهواجس ولا الوساوس» (^٢).\nثم قال ابن الجوزي - بعد أن ذكر جملة من هذه الأقوال الفاسدة في التفسير -: «وجميع الكتاب - يعني كتاب السلمي - من هذا الجنس، ولقد هممت أن أثبت منه ههنا كثيرا فرأيت أن الزمان يضيع في كتابة شيء بين الكفر والخطأ والهذيان، وهو من جنس ما حكينا عن الباطنية، فمن أراد أن يعرف جنس ما في الكتاب فهذا أنموذجه، ومن أراد الزيادة فلينظر في ذلك الكتاب» (^٣).\nوأيضا نقل ابن الجوزي عن أبي حامد الغزالي قولا له في تفسير آية قرآنية ثم أتبعه بالرد عليه، فقال: \"وقد ذكر أبو حامد الطوسي - في كتاب (ذم المال) في قوله ﷿: ﴿واجنبني وبني أن نعبد الأصنام﴾ (^٤)\n_________\n(^١) سورة آل عمران: ٩٧\n(^٢) تلبيس إبليس ص ٣٣١، ٣٣٢ بتصرف في النقل.\n(^٣) المصدر السابق ص ٣٣٢، ٣٣٣.\n(^٤) سورة إبراهيم: ٣٥.","vol":"2","page":191},{"text":"قال: إنما هي الذهب والفضة، إذ رتبة النبوة أجل من أن يخشى عليها أن تعبد الآلهة والأصنام، وإنما عني بعبادته حبه والاعتزاز به، قال المصنف ﵀: وهذا شيء لم يقله أحد من المفسرين، وقد قال شعيب: ﴿وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا﴾ (^١)، ومعلوم أن ميل الأنبياء إلى الشرك أمر ممتنع لأجل العصمة، لا أنه مستحيل (^٢)، ثم قد ذكر مع نفسه من يتصور في حقه الإشراك والكفر، فجاز أن يدخل نفسه معهم، فقال: ﴿واجنبني وبني﴾ ومعلوم أن العرب أولاده، وقد عبد أكثرهم الأصنام (^٣).\nوبعد:\nفهذه أمثلة من شطحات الصوفية في التفسير، ذكرناها وكشفنا عن وجوه فسادها وبطلانها، وبذلك نكون قد وفينا هذا الموضوع حقه من الدراسة والبحث، وننتقل الآن إلى الموضوع الأخير من هذا الكتاب، ألا وهو تحريفات البهائية والقاديانية في التفسير والله ولي التوفيق\n_________\n(^١) سورة الأعراف: ٨٩\n(^٢) يريد أن ميل الأنبياء إلى الشرك أمر ممتنع شرعا لا مستحيل عقلا\n(^٣) تلبيس إبليس ص ٣٣٣","vol":"2","page":192},{"text":"<span data-type='title' id=toc-137>الفصل الخامس تحريفات البهائية والقاديانية في التفسير</span>\n<span data-type='title' id=toc-138>أولا - البهائية:</span>\nالبهائية نحلة شاذة منحرفة، ظهرت في القرن التاسع عشر الميلادي في بلاد فارس (إيران)، ومؤسس هذه النحلة رجل يدعى الميرزا حسين علي، الملقب ببهاء الله، وهذه النحلة ما هي إلا امتداد لنحلة أخرى سبقتها، تعرف باسم (البابية)، نسبة إلى رجل يسمى الميرزا علي محمد الشيرازي، الملقب بالباب، ولما تم إعدامه في سنة ١٨٥٠ م تولى الزعامة من بعده خليفته الميرزا حسين علي الملقب ببهاء الله، وعرف أتباعه باسم البهائيين.\nأما الزعيم الأول - وهو الميرزا علي محمد الشيرازي (الباب) - فقد ولد بمدينة (شيراز) في سنة ١٨١٩ م أو ١٨٢٠ م، ولما شب اشتغل بالتجارة إلى أن بلغ سن العشرين، وكان مع ذلك مشتغلا بالعبادة، وتسخير الروحانيات ومراقبة الكواكب وعمل الطلاسم، وكان يقضي النهار فوق سطح المنزل تحت أشعة الشمس المحرقة، منهمكا في الأذكار وعمل الطلاسم، فاعتراه بسبب ذلك ذهول، وحل به ضعف مستمر، فأشخصه خاله إلى (كربلاء) بالعراق خوفا عليه، ليستشفي بزيارة مشاهد آل البيت هناك، وتغيير المناخ، وهناك بدأ تحوله عما كان عليه، فقد التقى هناك برجل اسمه: (كاظم الرشتي الجيلاني) وهذا الرجل كان قد جمع بين التصوف والفلسفة والشريعة ومزج بينها، وجمع بين اعتقادات الشيعة الإمامية والإسماعيلية والأصول الفلسفية على نحو جديد، وعقائد هؤلاء لا يقرها الإسلام، وكان مما سمعه منه أن (المهدي) المنتظر ظهوره عند الشيعة هو الآن من سكان عالم روحاني، فلازم الباب هذا الرجل","vol":"2","page":193},{"text":"وتأثر بكلامه، وبنى عليه أحلامه وخيالاته ثم انقطع عنه فجأة، ولازم الرياضة بمسجد الإمام (علي) مدة، ثم ظهر فجأة بمشروع جديد، هو حاصل تلك الشطحات السطوحية، والشطحات الروحانية الطاسمية، والكلام الفارغ الكاذب الذي سمعه من هذا الرشتي، والرياضة في مسجد الإمام (علي) ﵁، إذ قال: إنه (باب المهدي المنتظر)، وأنه المراد من الاثر المشهور: ﴿أنا مدينة العلم وعلي بابها﴾، وادعى أنه أرسلته العناية الإلهية لإصلاح ما أفسده علماء الدين الإسلامي بسوء فهمهم، واستطاع بذكائه وسعة حيلته وطلاوة عبارته ورخامة صوته أن يستغل بعض الجهلة وأنصاف المثقفين وأن يجعلهم يصدقونه في دعواه أنه (باب المهدي)، ولما لم يجد وقتئذ معارضة جادة من العلماء مضى إلى المرحلة الثانية من أحلامه، وهي النبوة، فزعم أن الوصول إلى الله لا يكون إلا من باب النبوة، وأنه نبي، وهو الباب الموصل إلى الله تعالى، فآمن به من آمنوا من قبل بأنه باب المهدي، واعتبروا هذه رتبة جديدة منحها الله له، وأطلقوا عليه (الباب)، بسبب هذا الزعم الذي قاله لهم، وسموا أنفسهم البابيين (^١).\nولما استفحل أمر هذا الرجل، وأخذت دعوته المسمومة تعمل عملها في نفوس الجهلة من الناس في إيران تنبه العلماء لخطورة هذه الدعوة، فقاموا في وجوهها، وعقد بعض الولاة بينهم وبين الميرزا علي هذا مجالس للمناظرة، فرأى بعضهم ما في أقواله من غرابة وخروج عن الدين الإسلامي، فأفتى بكفره، ورأى آخرون ما فيها من لغو وسخافة، فنسبه إلى الجنون واختلال الفكر. وأخيرا اعتقل هذا الرجل في (شيراز) ثم في (أصفهان)، وساقته الحكومة الإيرانية في عهد الملك ناصر الدين شاه إلى (تبريز). وثارت بين أشياعه وبين المسلمين فتن وحروب سفكت فيها الدماء، وكانت عاقبته أن أعدمته الحكومة.\n_________\n(^١) البابية والبهائية في الميزان للأستاذ الشيخ مصطفى الطير الحديدي ص ٧ - ٩ ط جمع البحوث الإسلامية.","vol":"2","page":194},{"text":"في (تبريز) صلبا عام ١٢٦٥ هـ (١٨٥٠) (^١) كما سبق أن ذكرنا.\nولما أعدم الباب اختلف أتباعه في شأن من ينوب عنه، وكان الميرزا حسين علي الذي لقبوه بعد بهاء الله من شيعة الباب ودعاة نحلته، فقبض عليه وسجن في (طهران) بضعة أشهر، ثم أبعد إلى (بغداد) سنة ١٢٦٩ هـ، وهنا التحق طوائف من البابيين ببغداد، واجتمعوا حول الميرزا حسين الملقب بهاء الله، ثم حدث بينهم وبين الشيعة ببغداد شقاق كاد يفضي إلى قتال، فقررت الحكومة العثمانية وقتئذ إبعاد البابيين من العراق، فنقلتهم إلى (الأستانة) ونفتهم إلى (أدرنة)، وعلى أثر ذلك قام المسمى (بهاء الله) يدعو إلى نفسه، وزعم أنه هو الموعود به الذي أخبر عنه الباب، وأشار إليه بلفظ (من يظهره الله)، وقبل دعوته أكثر البابيين، وتسموا حينئذ بالبهائيين، وممن رفض دعوته أخوه الميرزا يحيى الملقب (صبح أزل)، ثم إن الحكومة العثمانية أمرت بإبعاد الفريقين من (أدرنة)، فنفت الميرزا يحيى وأتباعه إلى (قبرص)، ونفت البهاء وأتباعه إلى (عكا) بفلسطين، وبقي البهاء بعكا إلى أن هلك عام ١٢٠٩ هـ (^٢).\nولما هلك البهاء قام ابنه (عباس) بالأمر من بعده، ولقب نفسه بعبد البهاء وقدسه البهائيون كما فعلوا مع أبيه من قبل، ثم غير وبدل في نحلة (البابية)، وعما وأثبت ماشاء، وادعى أن ذلك وحي من الله، فخرج عليه أخوه (محمد علي) الملقب بغصن الله الأكبر، ورماه بالكفر، وانضم إليه عدد كبير من معتنقي البهائية وانقسم البهائيون فرقتين الناقضين وهم أتباع محمد علي، والمارقين وهم أتباع عباس، وهكذا سمت كل فرقة منهما أخيها، واستطاع عباس - بدهاء ومكره - أن يكتسح أخاه وفرقته، فكان يدخل نفسه في كل ملة.\n_________\n(^١) القديانية والبهائية للأستاذ الأكبر المرحوم الشيخ محمد الخضر حسين ص ٦ ط كلية أصول الدين.\n(^٢) المصدر السابق ص ٦، ٧.","vol":"2","page":195},{"text":"فهو مسلم مع المسلمين، ويهودي مع اليهود، ونصراني مع النصارى، وبوذي مع البوذيين، وبرهمي مع البرهميين، ويوهم أهل كل دين بأنه معهم، وأنه يريد الإصلاح، وإزالة الضغائن بين أهل الأديان، ونسي هذا الطاغوت أن الحق لا يتعدد، وقد سلك أتباعه هذا المسلك الخادع في الشرق، وإنك لترى الكثيرين منهم يصلون الصلوات الخمس مع المسلمين جماعة، ويظهرون الإيمان، ويبطنون الكفر ﴿يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون﴾ (^١) ولكنك تراهم في (أمريكا) يجهرون بعقيدتهم، ولا يخشون حسابا ولا نقدا، ولقد قدم عباس إلى الإسكندرية، بحجة الاستشفاء، وخدع الكثيرين هناك، فزعم أنه مصلح إسلامي، وكان قدومه في أوائل هذا القرن (^٢).\nولما قدم هذا الضال إلى مصر كان شيخ الأزهر في ذلك الوقت هو الشيخ (سليم البشري) فسئل عن هذا الرجل واستفتي فيه، ونشرت فتواه في أحد أعداد جريدة (مصر الفتاة) التي كان تصدر في القاهرة آنذاك، وإليك نص الحوار الذي دار بين أحد محرري هذه الجريدة وبين شيخ الأزهر: قال المحرر للشيخ الأكبر في مجمع من العلماء: ما رأي فضيلتكم في هذا الزعيم الديني الجديد؟ قال الشيخ الأكبر - وقد أظهر شيئا من الدهشة -: إن هذا الرجل الضال كان معتقلا في (عكا)، فما الذي جاء به إلى هذه البلاد؟ قال المحرر: إنه قد جاء يا مولانا، وهو الآن نزيل ثغر (الإسكندرية)، فما رأى فضيلتكم فيه؟ قال الشيخ الأكبر: إنه كافر (^٣).\nكما روى الشيخ محمد رشيد رضا أن الإمام محمد عبده حين سئل عن\n_________\n(^١) سورة البقرة: ٩\n(^٢) البابية والبهائية في الميزان ص ٣٨، ٣٩\n(^٣) المصدر السابق ص ٤١، ٤٢","vol":"2","page":196},{"text":"(عباس البهائي) أجاب إنه ضال مضل (^١)، وأيضا سئلت لجنة الفتوى بالأزهر عن حكم هذه النحلة في الإسلام، فكان جوابها كما يلي: «الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم باحسان إلى يوم الدين، أما بعد فقد أطلعت اللجنة على هذا السؤال، وعلى البيان المرفق الذي شرح به المستفق مبادى. المذهب البهائي، ونفيد أن مذهب البهائية باطل، ليس من الإسلام في شيء، بل إنه ليس من اليهودية ولا النصرانية، ومن يعتنقه من المسلمين يكون مرتدا خارجا عن دين الإسلام، فإن هذا المذهب قد اشتمل على عقائد تخالف الإسلام، ويأباها كل الإباء، منها إدعاء النبوة لبعض زعماء هذا المذهب، وادعاء الكفر لمن يخالفه، وادعاء أن هذا المذهب ناسخ الجميع الأديان إلى غير ذلك. ومن المقرر شرعا أن المرتد لا يرث المسلم ولاغيره، وعلى هذا فمعتنق مذهب البهائية لا يرث غيره مطلقا وبهذا علم الجواب عن السؤال والله أعلم» (^٢).\nأما عن مذهب البهائية فيرى المرحوم الشيخ محمد الخضر حسين أنه في أصله - مستمد من الباطنية، وأن أصحاب هذا المذهب قد أخذوا عقائدهم وآراءهم من ضلالات الشيعة الباطنية فيقول ﵀: «ليست البهائية بالنحلة المحدثة التي لم يتقدم لها في النحل المارقة من الإسلام ما يشابهها، أو تتخذه أصلا تبني عليه مزاعمها، وإنما هي وليدة من ولائد الباطنية، تغذت من ديانات وآراء فلسفية، ونزعات سياسية، ثم اخترعت لنفسها صورا من الباطل، وخرجت تزعم أنها وحي سماوي، ولولا أن في الناس طوائف يتعلقون بذيل كل ناعق لما وجدت داعيا ولا مجيبا لندائها»، ثم قال: «عرفنا تاريخ الباطنية، وقرأنا بعض كتب البابية والبهائية فوجدنا روح الباطنية حلت في جسم ميرزا علي وميرزا حسين علي، فخرجت باسم البابية والبهائية، الباطنية يستدلون بكلام النبوة، ويحرفون كلم القرآن والحديث من\n_________\n(^١) المصدر السابق ص ٤٣\n(^٢) المصدر السابق ص ٤٢، ٤٣","vol":"2","page":197},{"text":"مواضعه، كما فسروا حج البيت العتيق بزيارة شيوخهم، والبابية أو البهائية يستدلون بالقرآن والحديث، ويذهبون في تأويلها إلى مثل هذا الهذيان نفسه، ولميرزا على المسمى بالباب تفسير السورة (يوسف) متي فيه على هذا النمط، فقال في قوله تعالى: «إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأ. رأيتهم لى ساجدين» (^١): المراد من يوسف حسين ابن علي، والمراد بالشمس فاطمة، وبالقمر محمد وبالنجوم أئمة الحق، فهم الذين يبكون على يوسف سجدا، - إلى أن قال -: (ولم يكن تأويل البهائية وأسلافهم الباطنية لنصوص الشريعة على هذا الوجه الناقض لأصولها بشيء ابتدعوه من أنفسهم ابتداعا)، وإنما هو صنع عملوا فيه على شاكلة طائفة من فلاسفة اليهود من قبل، فانا نقرأ في ترجمة (فيلون) الفيلسوف اليهودي المولود ما بين عشرين وثلاثين قبل ميلاد المسيح أنه ألف كتابا في تأويل التوراة، ذاهبا إلى أن كثيرا مما فيها رموز إلى أشياء غير ظاهرة، ويقول الكاتبون في تاريخ الفلسفة: إن هذا التأويل الرمزي كان موجودا معروفا عند أدباء اليهود بالاسكندرية قبل زمن (فيلون)، ويذكرون أمثلة تأويلهم أنهم فسروا آدم بالعقل، والجنة برياضة النفس، وإبراهيم بالفضيلة الناتجة عن العلم، وإسحاق عندهم هو الفضيلة الغريزية، ويعقوب الفضيلة الحاصلة من التمرين (^٢) إلخ\nوأخيرا يلخص لنا الشيخ محمد الخضر حسين هذا المذهب تلخيصا دقيقا، ويبين جذوره المختلفة، فيقول ﵀: «وملخص القول في البابية والبهائية أنه مذهب مصنوع من ديانات ونحل وآراء فلسفية»، قال صاحب كتاب (مفتاح باب الأبواب) يصف البابيين: (لهم دين خاص مزيج من أخلاط الديانات البوذية والبرهمية الوثنية، والزرادشتة، واليهودية والمسيحية والإسلامية، ومن\n_________\n(^١) سورة يوسف: ٤\n(^٢) القديانية والبهائية ص ٧ وما بعدها.","vol":"2","page":198},{"text":"واعتقادات الصوفية والباطنية)، وما زالت البهائية مذهبا قائما على أطلال الباطنية، يحمل في سريرته القصد إلى هدم الإسلام بمعول التأويل، ودعوى الرسالة والوحي بشريعة ناسخة لأحكامه، حتى جاء (عباس) عبد البهاء إلى هذا المذهب المصنوع، وأراد أن يكسوه ثوبا جديدا، فخطه بآراء التقطها مما يتحدث به بعض الناس على أنها من مقتضيات المدنية، أو مما كشفه العلم حديثا نحو التساوي بين الرجال والنساء في التعليم، ونزع السلاح وإنفاق الأمم على لغة واحدة تدرس في العالم كله، وتأسيس محكمة عمومية تحل مشاكل الأمم، أن الإنسان تدرج بالارتقاء من أبسط الأنواع، حتى وصل شكله الحالي (نظرية دورين)، ولهج - بعد هذا بكلمة نشر السلام العام، ونبذ العصبيات الدينية، وقد تخيل (عباس) أنه بإدخال مثل هذه الآراء في مذهب البهائية يستدرج المولعين بالجديد من النابتة الحديثة، ولهذا الطمع ترونه بقول: «تحتوي تعاليم بهاء الله على جميع آمال ورغائب فرق العالم، سواء كانت دينية أو سياسية أو أخلاقية، وسواء كانت من الفرق القديمة أو الحديثة، فالجميع يجدون فيها دينا عموميا في غاية الموافقة للعصر الحاضر، وأعظم سياسة للعالم الإنساني» (^١).\nهذا - ومن المعروف أن ثمة صلة وثيقة بين البهائية من جهة وبين الصهيونية من جهة أخرى، لا سيما إذا علمنا أن معقل البهائين إنما هو في (عكا)، وهي مدينة فلسطينية تقع تحت الاحتلال الإسرائيلي منذ سنة ١٩٤٨ م، ومن ثم فإن أصحاب هذه النحلة الضالة يعملون دائما بوحي من الصهيونية العالمية، ويدورون في فلك مخططاتها، وهذا هو أحد زعمائهم وهو عباس البهائي - يقول في تزلفه إلى اليهود: إنه يريد أن يوحد بين المسلمين والنصار، واليهود، ويجمعهم على أصول نواميس موسى ﵇ الذي يؤمنون به جميعا (^٢).\nوالبهائيون - في موالاتهم لأعداء الله إنما يسيرون علي سنن أسلافهم.\n_________\n(^١) المصدر السابق ص ١٦، ١٧.\n(^٢) المصدر السابق ص ١٧","vol":"2","page":199},{"text":"من الباطنية الذين كانوا دائما حربا على الإسلام وأهله، وكان لهم دور بارز في إسقاط الخلافة العباسية على يد المغول، يقول الشيخ محمد الخضر حسين - معلقا على كلام عباس البهائي سالف الذكر: «ولا أحسب عبد البهاء عباسا يقصد من هذا الحديث إلا التزلف لليهود، والتظاهر بموالاتهم، ليجعلهم من أشياعه، وإلا فكيف يقع في خاطر من عرف القرآن أن يعمل على صرف الناس عن شريعة الإسلام ويرجع بهم إلى شفا حفرة من النار بعد أن أنقذهم الله منها، يذكر الشيخ ابن تيمية أن الباطنية هم دائما مع كل عدو للمسلمين، وقال: (إن التتار ما دخلوا بلاد الإسلام، وقتلوا خليفة (بغداد) وغيره من ملوك المسلمين إلا بمعاونتهم) وكذا نجد في البابية تحيزا إلى أعداء المسلمين، وانظروا إلى عباس عبد البهاء كيف يتحيز إلى اليهود ويبشر بأن فلسطين ستصير وطنا لهم، فقال: (سيجتمع بنو إسرائيل في الأرض المقدسة، وتكون أمة اليهود التي تفرقت في الشرق والغرب، والجنوب والشمال مجتمعة) وقال: (تأتي طوائف اليهود إلى الأرض المقدسة، ويزدادون تدريجيا الى أن تصير جميعا وطنا لهم) فالبهائية شأنهم شأن الباطنية في بغض الإسلام وموالاة خصومه، ولنا الأمل الوثيق في أن العرب وسائر المسلمين من ورائهم سيقفون في وجه الاستعمار الصهيوني، والدعاية البهائية التي تظاهرها وتساندها، حتى تبقى (فلسطين) وطنا عربيا إسلاميا، على الرغم من عبد البهاء والبهائيين» (^١).\n_________\n(^١) المصدر السابق ص ١٧، ١٨.","vol":"2","page":200},{"text":"<span data-type='title' id=toc-139>أمثلة من تحريفات البهائية في التفسير</span>\nوعلى الرغم من أن البهائيين - كما ذكرنا - لا صلة لهم بالإسلام، وأنهم قوم ضالون نجدهم كثيرا ما يتمسحون بالإسلام، لكي يوهموا السذج من الناس بأنهم لا يزالون مسلمين، وقد ورد عن بعض هؤلاء تفسير لبعض آيات القرآن الكريم، وتفسيرهم هذا ما هو إلا تحريف للكلم عن مواضعه، وإلحاد في آيات الله تعالى، شأنهم في ذلك شأن أسلافهم من الباطنية، وإليك أمثلة من تحريفاتهم في مجال التفسير لترى مقدار هذيانهم وتلاعبهم بالنصوص القرآنية:\n\n<span data-type='title' id=toc-140>المثال الأول:\nفي تفسير قوله تعالى: ﴿إذ قال يوسف لأبيه ياأبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين (٤)﴾</span> (^١) يقول الميرزا علي محمد الملقب بالباب: «وقد قصد الرحمن من ذكر يوسف نفس الرسول، وثمرة البتول، حسين بن علي بن أبي طالب مشهودا إذ قال حسين لأبيه يوما: إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم بالإحاطة على الحق الله القديم سجادا، وإن الله قد أراد بالشمس فاطمة، وبالقمر محمدا، وبالنجوم أئمة الحق في أم الكتاب معروفا، فهم الذين يبكون على يوسف باذن الله سجدا وقياما» (^٢).\nفانظر إلى أي مدى بلغ هذا الرجل في الهذيان، وكيف حمل ألفاظ القرآن\n_________\n(^١) سورة يوسف: ٤\n(^٢) التفسير والمفسرون ج ٢ ص ٢٦٥، ٢٦٦ نقلا عن كتاب: (مفتاح باب الأبواب).","vol":"2","page":201},{"text":"ما لا يحتمل من المعاني، وكيف نقلنا من قصة يوسف ﵇ إلى قصة الحسين بن علي ﵁، إنه يقول: إن المراد بيوسف الحسن، وبالشمس والقمر فاطمة ومحمد ﷺ، وبالكوكب الأئمة من آل البيت، وهؤلاء جميعا يكونون على الحسن سجدا وقياما، وإننا نتساءل: ما علاقة هذا كله بقصة يوسف ﵇، والرؤيا التي رآها في المنام في مقتبل عمره؟\nأليس هذا قريبا من منزع أولئك الذين قالوا إن المراد من البقرة عائشة في قول الله تعالى: ﴿وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين﴾ (^١).\nواستمع معي إلى ابن كثير يحدثنا عن التأويل الصحيح للآية، فيقول ﵀: «وقد تكلم المفسرون على تعبير هذا المنام: أن الأحد عشر كوكبا عبارة عن إخوته يعني يوسف وكانوا أحد عشر رجلا، والشمس والقمر عبارة عن أبيه وأمه. روى هذا عن ابن عباس والضحاك وقتادة وسفيان الثوري وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وقد وقع تفسيرها بعد أربعين سنة، وقيل: ثمانين سنة، وذلك حين رفع أبويه على العرش، وهو سريره، وإخوته بين يديه ﴿وخروا له سجدا﴾، وقال يا أبت: ﴿هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا﴾ (^٢)، وكان السجود سائغا في شرائعهم إذا سلموا على الكبير يسجدون له، ولم يزل هذا جائزا من لدن آدم ﵇، ثم حرم هذا في الإسلام، وجعل السجود مختصا لرب العزة ﷻ».\n\n<span data-type='title' id=toc-141>المثال الثاني:\nوهذا هو أحد دعاة البهائية ويدعى أبا الفضل الجرباذقاني الإيراني ي</span>فسر لنا قول الله تعالى: ﴿وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة﴾.\n_________\n(^١) سورة البقرة: ٦٧\n(^٢) تفسير ابن كثير ج ٤ ص ٢٩٨ ط الشعب، والآية الأخيرة هي رقم ١٠٠ من سورة يوسف.","vol":"2","page":202},{"text":"فيقول: المراد بالليل - كما سمعته مني مرارا هي عبارة عن أيام غيبة شمس الحقيقة، واليوم - على حسب ما نزل في التوراة المقدسة - يحسب كل يوم واحد بسنة واحدة، وكان موسي ﵇ لما فارق أرض مصر، وفر من فرعون وملئه إلى مدين كان ابن ثلاثين، وأقام في مدين عشر سنوات، يشتغل فيها برعي أغنام (شعيب) النبي ﵇، وكان في طي هذه المدة التي كانت كالليالي المظلمة، والدياجي الكالحة من ظلم الفراعنة، وأوهام الصابئة، مشتغلا بتهذيب نفسه، وتطييب أعراقه، وتنقية فؤاده، والمناجاة مع ربه في وحدته وانفراده، فلما طاب خلقه، وتم خلقه، بعثه الله نبيا لهداية بني إسرائيل، وإنقاذهم من ذلك الوبيل، فالمراد بأربعين ليلة هو أربعون سنة، أقام موسى ﵇ في أثنائها في مصر ومدين، ولا تنافي كلمة (واعدنا) هذا التفسير، حيث ظاهرها يقتضي تكلم الرب مع موسى قبل بعثته، فإن أمثال هذه الكلمة كثيرا ما أطلقت على ما ألقي في الروع، وألهم في القلب، حتى على الحيوانات، كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا﴾ إلخ (^١).\nوهذا التأويل الشاذ الذي انفرد به هذا الرجل مخالف لما أجمع عليه المفسرون من وجوه:\nالوجه الأول: أنه فسر الليالي بالأعوام، واستند في تفسيره هذا إلى نص جاء في التوراة، فهل يصح الرجوع في تفسير كلمة عربية وردت في القرآن الكريم إلى أشياء جاءت في التوراة، الله أعلم بصحتها، ومن المعلوم بداهة أن تفسير الليالي بالأعوام أمر لم يعهد في لغة العرب، إذ الليالي شيء والأعوام شيء آخر.\n_________\n(^١) التفسير والمفسرون جـ ٢ صـ ٢٦٩ نقلا عن كتاب: (رسائل أبي الفضائل)، والآية الأخيرة هي رقم ٦٨ من سورة النحل ..","vol":"2","page":203},{"text":"والوجه الثاني: أنه قال إن المواعدة كانت بالإلهام لا بالوحي، ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿وأوحى ربك إلى النحل﴾، وهذا الذي قاله مخالف لما هو معروف من أن مواعدة الله للرسل وخطاباته معهم لا تكون إلا بطريق الوحي الكريم، إذ أننا لا نلجأ إلى تأويل هذه الأشياء بالإلهام إلا إذا كانت هناك ضرورة تقتضى ذلك، مثل أن تسند إلى إنسان لم تثبت نبوته أو حيوان. ففي هذه الحالة نحملها على الإلهام دون غيره.\nوالوجه الثالث: أنه فسر الآية على أساس أنها تصور لنا أن موسى ﵇ بعث على رأس الأربعين، وأن ميقات ربه هو الوقت الذي بعثه الله فيه رسولا إلى فرعون وملئه، وهذا الذي قاله مخالف للسياق، إذ أن الآيات السابقة تتحدث عن إغراق فرعون في البحر، ومجاوزة موسى بنى إسرائيل البحر، ونجاتهم من فرعون وعمله، والآيات اللاحقة تشير إلى نزول التوراة على موسى ﵇، فسياق الآيات يقضى بأن المواعدة هنا إنما كانت في الفترة ما بين هذا وذاك، فقد روى أن موسى ﵇ وعد بني إسرائيل وهم بمصر إن أهلك الله عدوهم أتاهم بكتاب فيه بيان ما يأتون وما يذرون، فلما هلك فرعون سأل موسى ﵇ ربه الكتاب، فأمره الله أن يصوم ثلاثين، فلما أتم الثلاثين أنكر خلوف فمه فتسوك، فأمره الله تعالى أن يزيد عليها عشرة أيام، ولما أتم موسى ﵇ الأربعين ليلة جاء لميقات ربه، قال تعالى: ﴿ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين (١٤٣) قال ياموسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين (١٤٤) وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها سأريكم دار الفاسقين (١٤٥)﴾ (^١).\n_________\n(^١) سورة الأعراف: ١٤٣ - ١٤٥.","vol":"2","page":204},{"text":"<span data-type='title' id=toc-142>المثال الثالث: وفي تفسير قول الله تعالى: ﴿بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله﴾</span> (^١) نجد أبا الفضل الإيراني البهائي يقول: «ليس المراد من تأويل آيات القرآن معانيها الظاهرية ومفاهيمها اللغوية، بل المراد المعاني الخفية التي أطلق عليها الألفاظ على سبيل الاستعارة والتشبيه والكناية». ثم قال بعد هذا: «قرر الله تنزيل تلك الآيات على ألسنة الأنبياء، وبيان معانيها وكشف الستر عن مقاصدها إلى روح الله حينما ينزل من السماء» - وقال: «إنما بعثوا ﵈ لسوق الخلق إلى النقطة المقصودة، واكتفوا منهم بالإيمان الإجمالي، حتى يبلغ الكتاب أجله، وينتهى سير الأفئدة إلى رتبة البلوغ، فيظهر روح الله الموعود، ويكشف لهم الحقائق المكنونة في اليوم المشهود» - وقال: «وفي نفس الكتب السماوية تصريحات بأن تأويل آياتها إلى معانيها الأصلية المقصودة لا تظهر إلا في اليوم الآخر، يعني يوم القيامة، ومجيء مظهر أمر الله وإشراق آفاق الأرض ببهاء وجه الله» ثم قال: «ولذلك جاءت تفاسير العلماء من لدن نزول التوراة إلى نزول البيان (^٢) تافهة باردة عقيمة جامدة، بل مضلة مبعدة، محرفة مفسدة (^٣)».\nونحن إذا ما استعرضنا هذه الفقرات فاننا نجدها مشتملة على ما يأتي من الضلالات والافتراءات:\n١ - أن هذا البهائي الضال يزعم أن تأويل القرآن لا يؤخذ إلا من روح الله الموعود، وروح الله في نظره هو البهاء وهو المراد بالنقطة، وهو الذي يكشف للناس الحقائق المكنونة في اليوم الموعود، وهذا الزعم لا أساس له لأن تأويل القرآن مستمد في المقام الأول من مشكاة النبوة.\n_________\n(^١) سورة يونس: ٣٩.\n(^٢) هو الكتاب الذي وضعه الميرزا علي محمد الملقب بالباب.\n(^٣) القديانية والبهائية ص ١٠.","vol":"2","page":205},{"text":"قال تعالى: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ (^١) ثم يأتي بعد ذلك اجتهاد المجتهدين.\n٢ - أنه كذلك يزعم أن البيان كتاب منزل من السماء، وهذا هو اعتقاد البهائيين جميعا، فإنهم لا يؤمنون بأن محمدا ﷺ خاتم النبيين بل يقولون: إن الباب نبيء، والكتاب الذي أنزل عليه هو البيان، ويزعمون أنه المشار إليه في قوله تعالى ﴿الرحمن * علم القرآن * خلق الإنسان علمه البيان﴾ (^٢) فالإنسان هو الباب، والبيان هو كتابه المنزل عليه من السماء «كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا» (^٣).\n٣ - أنه يزعم أن يوم القيامة هو اليوم الذي ظهر فيه البهاء، ومعنى ذلك أنه ينكر أن يكون هنالك يوم للبعث والحساب والجزاء، وفيه يقوم الناس لرب العالمين، وهذا الزعم الذي جاء على لسان هذا الضال وقلمه إنما هو مستمد من مذهب الباطنية، الذين أرادوا القيامة، وقالوا: إنها رمز إلى خروج الإمام، وقيام الزمان، وهو السابع الناسخ للشرع، المغير للأمر (^٤).\n٤ - وأخيرا نجده يتهم التفاسير كلها من لدن نزول التوراة إلى وقتنا هذا - ومن جملتها تفاسير القرآن الكريم - يتهمها بأنها تافهة وباردة، وعقيمة وفاسدة، والحق أن هذه الأوصاف التي وصف بها التفاسير، لا تنطبق إلا على تفسير واحد، هو تفسير هذا الضال وأمثاله من المنحرفين.\nويجدر بنا هنا أن نكشف النقاب عن المعنى الصحيح للآية الكريمة التي\n_________\n(^١) سورة النحل: ٤٤.\n(^٢) سورة الرحمن: ١ - ٤.\n(^٣) سورة الكهف: ٥.\n(^٤) فضائح الباطنية ص ٤٤.","vol":"2","page":206},{"text":"نحن الآن بصددها، والتي ألقي عليها هذا البهائي ظلالا من الشبهات والظلمات، فقد قال الإمام الآلوسي ﵀ في تفسيرها: «والمراد أنهم - أي الكفار - سارعوا إلى تكذيب القرآن من غير أن يتدبروا ما فيه، ومعنى قوله «ولما يأتهم تأويله»: ولم يقفوا بعد على معانيه الوضعية والعقلية المنبئة عن علو شأنه وسطوع برهانه، فالتأويل نوع من التفسير، والإتيان مجاز عن المعرفة والوقوف، ولعل اختياره للاشعار بأن تلك المعاني متوجهة إلى الأذهان منساقة إليها بنفسها، وجوز أن يراد بالتأويل: وقوع مدلوله، وهو عاقبته وما يئول إليه وهو المعنى الحقيقي عند بعض، فاتيانه حينئذ مجاز عن تبينه وانكشافه، أي ولم يتبين لهم إلى الآن تأويل ما فيه من الإخبار بالغيوب، حتى يظهر أنه صدق أم كذب والمعنى أن القرآن معجز من جهة النظم والمعنى، ومن جهة الإخبار بالغيوب، وهم فاجئوا بتكذيبه قبل أن يتدبروا نظمه، ويتفكروا في معناه، أو ينتظروا وقوع ما أخبر به من الأمور المستقبلة» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-143>المثال الرابع:\nوفي تفسير قول الله تعالى: ﴿ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه </span>قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين (١٤٣)﴾ (^٢) يذكر لنا أبو الفضل الإيراني معنى الكلمة (الجبل) لا وجود له في لغة العرب فيقول: (اعلم - أيها الحبيب اللبيب - أن أهل البيان كثيرا ما أطلقوا في عبارتهم لفظ (جبل) على أكابر الرجال استعارة، سواء كانوا من صناديد الدولة والملك، أو من فروع أهل العلم والفضل، كما أطلق أمير المؤمنين ﵇ على مالك بن الحارث\n_________\n(^١) تفسير الآلوسي ج ١١ ص ١١٩، ١٢٠ بشيء من التصرف في النقل.\n(^٢) سورة الأعراف: ١٤٣","vol":"2","page":207},{"text":"النخعي المعروف بالأشتر، لما اشتهر ذكر وفاته، وأخبر بمماته، ومقامه ﵇ معلوم لديك في الفصاحة والبراعة، ورسائله وخطبه استغنية عن المدح والإطراء بالطلاوة والصناعة وعبارته هذه مذكورة في (نهج البلاغة)، وهذه استعارة في غاية المناسبة واللطافة، حيث أن أكابر الرجال هم بمنزلة الأوتاد، لاستقرار أرض المعارف والديانة، أو الأمة والدولة، وكثيرا ما أطلقه داود ﵇ في مزاميره، وسائر الأنبياء من بني إسرائيل في كتبهم على الرب تعالى، كما جاء في مزمور (٤٢): (أقول الله صخرتي: لماذا نسيتني) وجاء في مزمور (٧١): (كن لي صخرة وملجأ أدخله دائما، أمرت بخلاصي لأنك صخرتي وحصني) إلى كثير من أمثالها، فإذا عرفت هذا فاعلم أن موسى ﵇ إنما طلب رؤية الله تعالى بسبب اقتراح الشعب عليه أن يريهم الله، كما يدلك عليه قوله تعالى: ﴿أرنا الله جهرة﴾ (^١) إلا أن الله تعالى أخبره بأن رؤيته موقوفة باستقرار جبال المعلم والإيمان، في مكانهم من الإذعان واليقين، ولكنهم بسبب عدم بلوغهم إلى المقام الثابت الراسخ المكين، من العلم والمعرفة واليقين، فلا بد وأن تندك جبال وجودهم، ويتزعزع بنيان إذعانهم المعبودهم حين لقائه، فيتبدل إيمانهم بالكفر، ويقينهم بالشك، وإقبالهم بالإعراض، حيث لم تكمل بعد مراتب عرفإنهم، ولم يبلغ إلى الدرجة العليا بنيان إيمانهم، فلم يبلغوا بعد إلى رتبة استحقاق الرؤية واللقاء ولم يصعدوا إلى درجة الاستقرار والبقاء، فلا بد من ظهور الأنبياء وقيام الأصفياء، لتربية أشجار الوجودات البشرية، وتكميل معارفهم بالإيمان على مر الدهور وطي العصور، حتى يبلغوا إلى درجة التمكن والاستقرار، حينئذ يتجلى عليهم رب الأرض والسماء، ويتشرف البالغين منهم إلى درجة المشاهدة واللقاء، فخلاصة تفسير الآية الكريمة: أن موسى ﵇ قال رب أرني انظر إليك، حيث إن الشعب طلبوا منه رؤية الله تعالى، فأجابه الله تعالى بأنك لن تراني، لأن بني إسرائيل لم يبلغوا بعد إلى درجة كمال\n_________\n(^١) سوره النساء: ١٥٣","vol":"2","page":208},{"text":"وجودهم، ولم يستعدوا للقاء معبودهم، فانظر إلي جبال الوجودات، ومقادير استقرار الإيقان، فإن استقر جبل الوجود في مقام إيمانه وإيقانه حين تجلى المعبود، ولم يتزلزل ولم يتزعزع من مقامه حين الشهود، حينئذ استعد للقاء الله، واستحق للوقوف بين يدي الله، والتشرف برؤية الله، ثم تجلى الرب لأحد من تلك الأمة ممن كان من رؤساء الشعب، ومن جبال الإيمان والإيقان، فاندك وجوده، وتضعضع إيمانه، واضطرب إيقانه، فانصعق موسى من ذلك الامتحان، وعرف مقدار صعوبة الافتتان، فندم على ما سأل الرؤية للطالبين، ورجع في الحين، وقال: «سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين» (^١).\nفأنت ترى هنا أن هذا الرجل قد صرف لفظ (الجبل) عن معناه الأصلي وهو الذي ورد في الأخبار من أنه جبل طور سيناء - إلى معنى مجارى وهو الرجل الذي يكون إيمانه راسخا ويقينه ثابتا - من غير ضرورة تدعو إلى ذلك، ولعل الذي دفعه إلى هذا التأويل المنحرف هو أنه يؤمن - كغيره من البهائيين - أن الله لا يتجلى بذاته، وإنما يتجلى في صور الأنبياء، وأن تجليه الأعظم إنما هو في ظهور (البهاء)، ويصور لنا عباس (عبد البهاء) هذه العقيدة الضالة فيقول: «وقد أخبرنا بهاء الله بأن مجيء رب الجود والرب الأولى ومخلص العالم الذي لا بد منه في آخر الزمان، كما أنذر جميع الأنبياء عبارة عن تجليه في الهيكل البشري، كما تجلي في هيكل (عيسى) الناصري، إلا أنه تجليه في هذه المرة أتم وأكمل وأبهى، فعيسى وغيره من الأنبياء هيأوا الأفئدة والقلوب لاستعداد هذا التجلي الأعظم، يريد بهذا أن الله تجلى فيه بأعظم من تجليه في أجسام الأنبياء على ما يزعم»، وقال مهذارهم أبو الفضل الإيراني: «فكل ما توصف به ذات الله، ويضاف ويسند إلى الله من العزة والعظمة، والقدرة والعلم، والحكمة والإرادة والمشيئة وغيرها من الأوصاف\n_________\n(^١) التفسير والمفسرون ج ٢ ص ٢٧١، ٢٧٢","vol":"2","page":209},{"text":"والنعوت إنما يرجع بالحقيقة إلى مظاهر أمره، ومطامع نوره، ومهابط وحيه، ومواقع ظهوره» (^١).\nوبعد فنكتفي بهذه الأمثلة من تحريفات البهائية في التفسير، وهي إن دلت على شيء فانما تدل على مقدار ما وصل اليه هؤلاء الناس من سخافة التفكير، وسماجة التعبير، وجهالة العقل، وسفاهة الرأي، نسأل الله أن يجنبنا الزلل في القول والعمل، إن ربي سميع مجيب، والآن ننتقل إلى نوع آخر من التحريفات، وهي تحريفات القاديانية في التفسير، والله المستعان وهو نعم المولى ونعم النصير.\n_________\n(^١) القديانية والبهائية ص ١٤، ١٥","vol":"2","page":210},{"text":"<span data-type='title' id=toc-144>ثانيا - القاديانية</span>\nالقاديانية نحلة ضالة ظهرت في القرن التاسع عشر الميلادي بالهند، على يد رجل يدعى الميرزا غلام أحمد القادياني.\nوقد ولد غلام أحمد هذا سنة ١٢٥٢ هـ (١٨٣٩ م)، وكان آباؤه الأولون يسكنون (سمرقند)، ثم رحلوا إلى الهند، واستوطنوا قرية (قاديان) بها، وصارت لهم الرياسة في تلك الناحية، ثم دارت عليهم الدوائر، وانهالت عليهم المصائب، وذهبت عنهم تلك الرياسة، ونهبت أموالهم، إلى أن جاء عهد الاحتلال البريطاني للهند، فرد إلى أبيه بعض القرى، وأعاد له شيئا من المجد القديم.\nولما بلغ غلام أحمد أشده تلقى في (قاديان) مبادئ العلوم، ومنها الطب والمنطق والفلسفة، واشتغل بالوظائف فترة من الزمن، وقد أصيب في شبابه بلوثة عقلية، ونوبات عصيبة حادة، وكان يتداوى من مرضه بالأدوية وبعض المواد المسكرة (^١).\nوفي سنة ١٨٧٦ م مرض أبوه، فزعم غلام أحمد أنه نزل عليه وحي من الله بأن أباه سيموت في الغروب، وكان هذا الإخبار - في زعم أتباعه - أول وحي نزل عليه، وأخذ بعد هذا يصرح ببعض آراء، زاعما أنه يتلقاها من طريق الوحي، وكان المسلمون يلاقون هذه المزاعم بالإنكار الشديد (^٢).\n_________\n(^١) الحركات الهدامة - القاديانية ص ٨ ط رابطة العالم الإسلامي في مكة المكرمة.\n(^٢) القديانية والبهائية ص ٢٥٠.","vol":"2","page":211},{"text":"وقد زعم في أول الأمر أنه مكلف من الله تعالى بإصلاح الخلق على نهج المسيح عيسى ابن مريم ﵇، وأن له إلهامات ومكاشفات إلهية يشهدها من يحضر إليه بقاديان، وتدرج من ذلك إلى ضلالات أخرى وهي:\n١ - أن روح المسيح قد حلت فيه.\n٢ - وأن ما يلهمه هو كلام الله كالقرآن الكريم والتوراة والإنجيل.\n٣ - وأن المسيح سينزل آخر الزمان في (قاديان).\n٤ - وأن (قاديان) البلدة المقدسة المكنى عنها في القرآن بالمسجد الأقصى، وهي الثالثة بعد مكة والمدينة.\n٥ - وأن الحج إليها فريضة.\n٦ - وأنه قد أوحي إليه بآيات تربو على عشرة آلاف آية.\n٧ - وأن من يكذبه كافر.\n٨ - وأن القرآن ومحمدا وسائر الأنبياء قبله قد شهدوا له بالنبوة، بل عينوا زمن بعثته ومكانها إلى غير ذلك من الضلالات (^١).\nوهذا المذهب للقادياني الذي نادى به غلام أحمد يعتبر ولا شك ثورة على النبوة المحمدية والإسلام. وهذا هو أحد علماء المسلمين في الهند - وهو العلامة أبو الحسن الندوي - رئيس ندوة العلماء بالهند يحدثنا حديثا مستفيضا عن ضلالات هذا المذهب، وخطورته على الإسلام، ويستدل على ذلك بكلام القاديانيين أنفسهم، فيقول: «والحق أن القاديانية - مع الأسف - لم يفطن العالم الإسلامي لخطرها بعد، ولم يتنبه إلى أنها ليست مجرد عقيدة، أو طائفة دينية فحسب وإنما هي مؤامرة منظمة ضد النظام الإسلامي القائم، وثورة ماكرة على الإسلام الذي جاء به محمد ﷺ، ومعاندة له، إنها تزاحم الإسلام في كل شيء، وتريد أن تحل محله في العقيدة والفكر\n_________\n(^١) الحركات الهدامة - القاديانية ص ٨، ٩.","vol":"2","page":212},{"text":"والعاطفة، وأن تستولي على نصيبه من الطاعة والحب والاحترام والتقديس، إنها تتبجح بإعلان تفضيل الغلام القاديان على أكثر الأنبياء أولي العزم من الرسل فضلا عن الصحابة وأولياء هذه الأمة ومجدديها وأئمتها، ولا تعترف بفرق بين أصحابه وأصحاب النبي ﷺ. إنها تقول بمساواته لسيد المرسلين وزيادة، ومساواة خلفائه للخلفاء الراشدين، ومساواة بلده (قاديان) بمكة والمدينة - شرفهما الله - ومساواة الحج إلى (قاديان) بالحج إلى مكة، ففي كتاب (حقيقة النبوة) لمرزا بشير أحمد الخليفة الثاني: «إن غلام أحمد أفضل من بعض أولي العزم من الرسل (ص ٢٥٧) وفي صحيفة (الفضل) - المجلد الرابع عشر - (٢٩ أبريل سنة ١٩٢٧): «إنه كان أفضل من كثير من الأنبياء، ويمكن أن يكون أفضل من جميع الأنبياء»»، وفي صحيفة (الفضل) - المجلد الخامس -: «لم يكن فرق بين أصحاب النبي ﷺ وتلاميذ مرزا غلام أحمد، إلا أن أولئك رجال البعثة الأولى، وهؤلاء رجال البعثة الثانية» (عدد ٩٢ يوم ٢٨ مايو سنة ١٩١٨) وفي صحيفة (الفضل) - المجلد الثالث: مرزا هو محمد ﷺ، وهو مصداق قوله: ﴿اسمه احمد﴾ (أنوار الخلافة ص ٢١) بل وتقول بفضله على سيد الأولين والآخرين ﵊ فيقول غلام أحمد نفسه في الخطبة الإلهامية (ص ١٧٧): لقد تجلت روحانية النبي ﷺ في الألف الخامس (كذا) بصفات إجمالية، ولم تكن الروحانيات قد بلغت غايتها وأوجها في ذلك العهد القاصر، بل كانت الخطوة الأولى في سبيل ارتقائها وكمالها، ثم تجلت هذه الروحانيات في الألف السادس، زمن المسيح الموءود (غلام أحمد) في أبهى حللها، وأرقى مظاهرها، ويزيد فينشد متطاولا:\nله خسف القمر المنير وإن لي … غسا القمران المشرقان أتنكر\nومما جاء في فضل مدفن (غلام أحمد) ومساواته لمدفن سيد الرسل ﷺ في كتب القاديانيين وصحفهم ما نشرته صحيفة (الفضل) في","vol":"2","page":213},{"text":"عدد (١٨٤٨) من المجلد العاشر الصادر في ديسمبر سنة (١٩٢٢) إعلانا عن قسم التربية في (قاديان): «إن الذي يزور قبة المسيح الموعود البيضاء يساهم في البركات التي تختص بقبة النبي الخضراء في المدينة، فما أشقى الرجل الذي يحرم نفسه من هذا التمتع في الحج الأكبر إلى قاديان»، ويعتقد القاديانيون أن (قاديان) هي ثالثة المقامات الثلاثة المقدسة، يقول محمود أحمد خليفة قاديان: «لقد قدس الله هذه المقامات الثلاث (مكة والمدينة وقاديان) واختار هذه الثلاث لظهور تجلياته» (الفضل ٣ سبتمبر سنة ١٩٣٥) وتتقدم القاديانية خطوة أخرى، فتطبق على (قاديان) مانزل من الآيات في بلد الله الحرام والمسجد الأقصي المبارك، يقول غلام أحمد - في حاشيته على (براهين أحمدية): - إن قوله تعالى: ﴿ومن دخله كان آمنا﴾ (^١) يصدق على مسجد قاديان (ص ٥٥٨)، ويقول في شعر ما ترجمته بالعربية: «إن أرض قاديان تستحق الاحترام، وأنها من هجوم الخلق أرض الحرم» (^٢) (در ثمين - مجموع كلمات غلام أحمد ص ٥٢) وجاء في صحيفة (الفضل) - المجلد العشرين عدد (٣٣) -: «أن المراد بالمسجد الأقصى في قوله تعالى: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله﴾ هو مسجد قاديان، وإذا كانت (قاديان) تناهض البلد الحرام، وربما تفوق عليه، فلا بد أن السفر إليها يساوى الحج بل يفوق عليه»، وقد جاء في صحيفة (الفضل) - المجلد العشرين - عدد (٦٦): «الحج إلى قاديان حج ظلي إلى البيت الحرام»، وزادت على ذلك صحيفة (بيغام صلح) لسان حال الفرع اللاهوري فنشرت: «إن الحج إلى مكة بغير الحج إلى قاديان حج جاف\n_________\n(^١) سورة آل عمران: ٩٧\n(^٢) أي أن المستعمرين الإنجليز لما كانوا في زمانه محتلين الديار الهندية تعهدوا له بحماية أرض (قاديان) من اقتحام المسلمين لها، فهي أرض حرم بحماية الإنجليز لها، كما أن مكة أرض الحرم بحماية الله لها.","vol":"2","page":214},{"text":"خشيب، لأن الحج إلى مكة اليوم لا يؤدي رسالته ولا يفي بغرضه (المجلد ٢١ عدد ٣٣) وهكذا ترشح القاديانية نفسها لتكون دينا عالمياله نبيه وأصحابه وخلفاؤه ومقدساته وتاريخه وشخصياته وأدبه، وتقطع صلة أتباعها ومعتنقيها عن التراث الإسلامي الخالد، وعن التاريخ الإسلامي، وعن الشخصيات الإسلامية، وعن منابع الإسلام الأولى ومصادره، وعن المقدسات الإسلامية، وعن مركز الإسلامي الروحي» (^١).\nوعندما ظهر هذا الرجل في الهند، وأخذ يدعو الناس إلى هذه الضلالات والخرافات تصدى علماء الإسلام في الهند له، وكشفوا للناس عن كذبه وافترائه وفساد دعواه، وحذروا الناس من طاعته واتباعه، ويشرح لنا العلامة أبو الحسن الندوي هذه الجهود المشكورة التي قام بها علماء المسلمين في الهند لمقاومة هذا الرجل الضال وكشف ألاعيبه وأكاذيبه فيقول: «وقد فزع لهذه الفتنة القاديانية علماء الإسلام وقادة الفكر في الهند فحاربوها بأقلامهم وألسنتهم وعلمهم، وذلك أقصى ما كان يمكن في عهد الدولة الإنجليزية التي تبنت هذه الديانة والجماعة، وكان في مقدمة هؤلاء المجاهدين الشيخ محمد حسن البتالوي، ومولانا محمد علي المونكيري مؤسس ندرة العلماء، والشيخ ثناء الله الأمر تسري». والشيخ أنور شاه الكشميري، ومن أنشط الجمعيات والجماعات في محاربة هذه الفئة الباغية جمعية الأحرار، وعلى رأسها وفي مقدمتها الخطيب المصقع السيد عطاء الله البخاري الأمر تسري، ومن هؤلاء الموفقين المعسكر الإسلامي العظيم الدكتور محمد إقبال الذي صرح في مؤلفاته بأن القاديانية ثورة على نبوة محمد ﷺ، ومؤامره ضد الإسلام، وديانة مستقلة، وأن القاديانية أمة وحدها ليست جزءا من الأمة الإسلامية العظيمة، ولا يخفى أن الدكتور محمد إقبال هو من كبار المثقفين المنورين الذين أنجبهم العالم الإسلامي في العصر الأخير، ومن كبار الدعاة إلى الاتحاد الإسلامي المتمسكين\n_________\n(^١) الحركات الهدامة - القاديانية ص ٣٩ وما بعدها.","vol":"2","page":215},{"text":"بمبدأ التسامح، ولكنه - بحكم المجاورة (^١) ولاطلاعه الواسع الدقيق على القاديانية وأهدافها ومراميها - كان من أكبر المنكرين عليها، وهو أول من دعا إلى فصل القاديانيين عن المسلمين، واعتبارهم أقلية غير مسلمة، وإلى القارئ بعض الملتقطات من محاضراته ومقالاته: قال الدكتور في رسالة وجهها إلى كبرى صحف الهند الإنجليزية التي أثارت هذه المسألة: (إن القاديانية محاولة منظمة لتأسيس طائفة جديدة على أساس نبوة منافسة لنبوة محمد ﷺ، وجاء في رده على كلمة البندت (جواهر لال نهرو) رئيس وزراء الهند الراحل الذي تساءل: لماذا يلح المسلمون على فصل القاديانية عن الإسلام، وهي طائفة من طوائف المسلمين الكثيرة؟) قال الدكتور: (إن القاديانية تريد أن تنحت من أمة النبي العربي ﷺ أمة جديدة للنبي الهندي) «وذكر أنها أشد خطرا على الحياة الاجتماعية للإسلام في الهند من عقائد (اسبنوزا) الفيلسوف اليهودي الثائر على نظام اليهود» (^٢).\nولا غرو في أن يتصدى علماء الإسلام للقاديانية كمذهب منحرف ونحلة شاذة، فإن القاديانية - بالإضافة إلى ما ذكرتا - صنيعة من صنائع السياسة الغربية، وقد حظيت القاديانية بأعظم رعاية من الإنجليز إبان حكمهم للهند، كما حظيت بالتعاطف والتأييد من الهندوس عباد البقر، فقد رحب الزعماء الوطنيون في الهند بالفكرة القاديانية، لأنها تفيض على الهند القداسة، وتولي وجه المسلمين شطر الهند عوضا عن الحجاز، فيتخذونها قبلة ومركزا روحيا، وقد كان بعض الصحف الهندوكية الكبيرة تذكر أن الخلاف في باكستان بين القاديانيين والمسلمين صراع وتنافس بين النبوة العربية وأتباعها والنبوة الهندية وأتباعها (^٣).\n_________\n(^١) يشترك (غلام أحمد) مؤسس القاديانية والدكتور محمد إقبال في أن كليهما من أقليم البنجاب بالهند، وصاحب البيت أدرى بما فيه (ولا ينبئك مثل خبير).\n(^٢) المصدر السابق ص ٢٧ وما بعدها.\n(^٣) المصدر السابق ص ٢٩ بالهامش.","vol":"2","page":216},{"text":"أما عن العوامل التي ساعدت على قيام هذا المذهب فيرى الدكتور محمد البهي أنه جاء كار لتوجيه الاستعمار الغربي، وأن الدعوة التي دعا إليها السيد أحمد خان في الهند باسم الإصلاح والتقدمية تعتبر مقدمة وتمهيدا لنشأة القاديانية، وفي ذلك يقول الدكتور محمد البهي: (بقيت تعاليم السيد أحمد خان وآراؤه ذات طابع إصلاحي، ولم تصبغ بصبغة العقيدة والمذهب الروحي، فمهما بلغت من التأثير فسيقي مجال للروح الإسلامية الصحيحة تظهر فيه، وتعمل عملها في عدم تنسيق العلاقة بين المسلمين وبين ولاتهم من المستعمرين الصليبين الغربيين، أدرك الإنجليز ذلك وأحسوا مع نشاط السيد أحمد خان وأثر تعاليمه في خلق جماعة بين المسلمين تتشكك في القيم الإسلامية، وتنازل مواطنيهم ومن هم على عقيدتهم منازل الخصومة الفكرية، فتتفرق الكلمة، وتبعد مشكلة الاستعمار الأجنبي عن أن تكون موضوعا من موضوعات هذه الخصومة ولو إلى حين، أدركوا وأحسوا أنهم بحاجة إلى تعديل في الروح الأصيلة وفي موقفها من غير المسلمين، على أن يكون هذا التعديل، أو على أن يصبح مذهبا وعقيدة، له سمة الإيمان والاعتقاد، بدلا من سمة الفكر والمنطق، وبذلك تصبح الفجوة بين المسلمين أعمق وأطول مدى، فإذا كان هذا التعديل لصالح الاستعمار فسيجد أعوانا من المسلمين أنفسهم على المسلمين، وتلك حالة مرغوب فيها الاطمئنان الاستعمار علي مصالحه حينئذ فترة طويلة، إلى أن يجد عامل آخر أقوى من الدين نفسه يجمع الكلمة المفرقة، وينسى المخصومة في المذهب والاتجاه الفكري، فقامت (القاديانية)، وسجل هذا المذهب رسميا في سنة ١٩٠٠ م وله أتباع في البنجاب وأفغانستان وإيران، ولسان حال هذه العقيدة (مجلة الأديان) بالإنجليزية، والتي تصدر كل شهر مرة في (قاديان) منذ ١٩٠٢، وصاحب هذا المذهب وهو ميرزا غلام أحمد - ألف كتابا سماه: (براهين الأحمدية) وخرج الجزء الأول منه سنة ١٨٨٠ وفي هذا الجزء ادعى المؤلف أنه المهدي، ويختلف هذا المذهب مع الإسلام الأصيل في جملة مسائل منها: أن عيسى هاجر بعد أن بعث من موته الظاهري إلى (كشمير) في الهند، لينشر تعليم الإنجيلي في البلاد،","vol":"2","page":217},{"text":"وأنه توفى بعد أن بلغ من العمر ١٢٠ سنة، وأن قبره لم يزل موجودا هناك، وفي ادعاء ميرزا غلام أحمد أنه المهدي يذكر أنه حل فيه عيسى ومحمد على السواء فهو نبي، ومن هذه المسائل أيضا مسألة الجهاد في سبيل الله، فليس الجهاد هو اللجوء إلى القسوة واستخدام أدوات الحرب، ضد غير المؤمنين، وإنما هو وسيلة سلمية للإقناع، وبرأي القاديانية في هاتين المشكلتين على هذا النحو قربوا شقة الخلاف بين المسيحية والإسلام، أو أدجموا أحدهما في الآخر، ثم من جهة أخرى أعلنوا إبطال الجهاد المعروف على عهد الرسول ﷺ وصحابته رضوان الله عليهم أجمعين» (^١).\nومن هذا يتبين لنا أن القاديانية وليد غير شرعي للسياسة البريطانية في الهند، وأنها صورة من صور الاتجاه الفكري الممالئ للاستعمار الغربي، ويشرح لنا العلامة أبو الحسن الندوي أبعاد هذه الصلة المشبوهة والعلاقة المريبة التي تربط غلام أحمد وجماعته بالإنجليز فيقول: «قد تحقق عالميا وتاريخيا أن القاديانية وليدة للسياسة الإنجليزية»، فقد أهم بريطانيا وأقلقها حركة المجاهد الشهير السيد الإمام (أحمد بن عرفان الشهيد (١٢٤٦ هـ)، وكيف ألهب شعلة الجهاد والفداء، وبث روح النخوة الإسلامية والحماسة الدينية في صدور المسلمين في الربع الأول من القرن التاسع عشر المسيحي، وكيف التف حوله وحول دعاته آلاف من المسلمين عانت منهم الحكومة الإنجليزية في الهند مصاعب عظيمة، وكانوا موضع اهتمامها، ورأت السيد محمد أحمد السوداني يقوم في السودان باسم الجهاد والمهدوية، فكاد يقضي على الحكم الإنجليزي في السودان، وكانت شرارة دينية حسب لها الإنجليز كل حساب، ثم رأت دعوة السيد جمال الدين الأفغاني تنتشر في العالم الإسلامي، كل ذلك رأته الحكومة الإنجليزية ودرسته، وعرفت أن طبيعة\n_________\n(^١) الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي للدكتور محمد البهى ص ١٧ و١٨ ط مخيمر.","vol":"2","page":218},{"text":"المسلمين طبيعة دينية، فالدين هو الذي يثيرها، والدين هو الذي يخدرها، وأن المسلمين لا يؤتون إلا من قبل العقيدة والإقناع الديني وما يكون له طابع ديني. واقتنعت أخيرا بأنه لا يؤثر في المسلمين وفي اتجاههم مثلما يؤثر قيام رجل منهم باسم منصب ديني رفيع، ويجمع حوله المسلمين، ويخدم سياسة الإنجليز، ويؤمنهم من جهة المسلمين وعائلتهم، وفي شخص مرزا غلام أحمد القادياني - الذي كان مضطرب الأفكار والعقيدة، وكان طموحا إلى أن يؤسس ديانة جديدة، ويكون له أتباع ومؤمنون ويكون له مجد واسم في التاريخ مثلما كان للنبي ﷺ وجد الإنجليز وكيلا لهم يعمل بين المسلمين لمصلحتهم، ولم يزل يتدرج من التجديد إلى المهدوية، ومن المهدوية إلى المسيحية، ومن المسيحية إلى النبوة، حتى ثم ما أراده الإنجليز، وقام القادياني بدوره وبما كلف به خير قيام، وحماه الإنجليز، ومكنوه من نشر دعوته، وحفظ القادياني هذه اليد، وعرف الفضل للإنجليز في ظهوره، وقد صرح في بعض كتاباته بأنه غرس غرسته الحكومة الإنجليزية، وقد ذكر في مؤلفاته بكل صراحة - بل بكل وقاحة - ما يدين به للحكومة الإنجليزية من الولاء والوفاء، وما قام لها به من خدمة مشكورة، وإليك ترجمته حرفيا: «لقد قضيت معظم عمري في تأييد الحكومة الإنجليزية ونصرتها، وقد ألفت في منع الجهاد ووجوب طاعة أولي الأمر الإنجليز من الكتب والنشرات ما لو جمع بعضها إلى بعض لملأ خمسين خزانة، وقد نشرت جميع هذه الكتب في البلاد العربية ومصر والشام وكابل والروم» (ترياق القلوب - تأليف غلام أحمد القادياني ص ١٥).\nويقول في محل آخر: «لقد ظللت منذ حداثتي - وقد ناهزت اليوم الستين - أجاهد بلساني وقلمي لأصرف قلوب المسلمين إلى الإخلاص للحكومة الإنجليزية والنصح لها، والعطف عليها، وأنفي فكرة (الجهاد) التي يدين بها بعض جهالهم، والتي تمنعهم من الإخلاص لهذه الحكومة»، (ملحق بكتاب: شهادة القرآن - من قلم غلام أحمد القادياني - الطبعة السادسة ص ١٠).","vol":"2","page":219},{"text":"ويقول في نفس الكتاب: «أنا مؤمن بأنه كلما ازداد أتباعي وكثر عددهم قل المؤمنون بالجهاد، لأنه يلزم من الإيمان بأني مسيح أو مهدي إنكار الجهاد\". (ص ١٧) وقال في محل آخر: «لقد ألفت عشرات من الكتب العربية والفارسية والأردية، وبينت فيها أنه لا يحل الجهاد أصلا ضد الحكومة الإنجليزية التي أحسنت إلينا، بل - بالعكس من ذلك - يجب على كل مسلم أن يطيع هذه الحكومة بكل إخلاص، وقد أنفقت على طبع هذه الكتب أموالا كبيرة، وأرسلتها إلى البلاد الإسلامية، وأنا عارف أن هذه الكتب قد أثرت تأثيرا عظيما في أهل هذه البلاد (الهند)، وقد كون أتباعي جماعة تفيض قلوبهم إخلاصا لهذه الحكومة والنصح لها، إنهم على جانب عظيم من الإخلاص، وأنا أعتقد أنهم بركة لهذه البلاد، ومخلصون لهذه الحكومة ومتفانون في خدمتها». (من رساله مقدمة إلى الحكومة الإنجليزية بقلم غلام أحمد) وقد أمدت هذه الحركة وهذه الفئة الحكومة الإنجليزية بخير الجواسيس لمصالحها، وبأصدقاء أوفياء، ومتطوعين متحمسين كانوا موضع ثقة الحكومة الإنجليزية ومن خيار رجالها، خدموا الحكومة الإنجليزية في الهند وخارج الهند، وبذلوا نفوسهم ودماءهم في سبيلها بسخاء، كعبد اللطيف القادياني الذي كان في (أفغانستان) يدعو إلى القاديانية، ويستنكر الجهاد، وخافت حكومة (أفغانستان) أن تقضي دعوته على عاطفة الجهاد والروح الحربية التي يمتاز بها الشعب الأفغاني فقتلته، كذلك الملأ عبد الحيم والملأ نور علي القاديانيان عثرت الحكومة الأفغانية عندهما على رسائل ووثائق تدل على أنها وكيلان للحكومة الإنجليزية، وأنهما يدبران مؤامرة ضد الحكومة الأفغانية، وكان جزاؤهما القتل، كما صرح بذلك وزير داخلية (أفغانستان) سنة ١٩٢٥ م ونقلت ذلك جريدة (الفضل) وهي صحيفة القاديانيين الرسمية بسرور وإعجاب في ٣ مارس من ذلك العام» (^١)\n_________\n(^١) الحركات الهدامة - القاديانية ص ٢٢ وما بعدها.","vol":"2","page":220},{"text":"هذا - وقد انقسمت القاديانية بعد وفاة علام أحمد وخليفته نور الدين - إلى فرقتين: فرقة (قاديان) وزعيمها محمود بن غلام أحمد، وفرقة (لاهور) ورئيسها محمد على مترجم القرآن إلى اللغة الانجليزية، أما فرقة (قاديان) فأساس عقيدتها أن غلام أحمد نبي مرسل، وأما فرقة (لاهور) فظاهر مذهبها أنها لا تثبت النبوة لغلام أحمد، بل تقول إنه مصلح ديني أو مجدد للإسلام، فهذه الفرقة تميل إلى الاعتدال بعض الشيء في عقيدتها، غير أن كتب غلام أحمد ورسائله تفيض بادعاء النبوة فماذا يصنعون؟\nقال الشيخ محمد الخضر حسين ﵀: (ولشعبة (لاهور) ضلالة يبنونها في كتبهم هى إنكار أن يكون المسيح ﵇ ولد من غير أب، وزعيم هذه الشعبة (محمد على) يصرح بأن عيسى ﵇ ابن يوسف النجار، ويحاول تحريف بعض الآيات لتوافق هذه العقيدة، ونشرت مجلتهم الإسلامية التي تصدر في (دو كنج) بانكلترة مقالا للدكتور (مركوس)، وفى هذا المقال: «أن محمدا ﵇ يصرح بأن يوسف أبو عيسى السلام» ولم يعلقوا على هذه الجملة كلمة لأنها جاءت على وفق نحلتهم، وكذلك كان محمد علي - في ترجمته للقرآن يذهب مذهب الترجمة الحرفية، ثم يضع في أسفل الصحيفة حواشي يؤول فيها ما ترجمه حرفيا، ويرتكب في تأويلها وجوها يحذو بها حذو نحلتهم، كما فعل في قوله تعالى: ﴿إنى أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا باذن الله وأبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى باذن الله﴾ (^١) فقد نحا في تأ يلها نحو منكرى المعجزات، وتصرف فى معانيها تصرف من لا يدرى أن القرآن قد نزل بلسان عربي مبين) (^٢).\n_________\n(^١) سورة آل عمران: ٤٩.\n(^٢) القاديانية لفضيلة الإمام الأكبر الشيخ محمد المخضر حسين ص ٣٠ - ٣١.\nط مجمع البحوث الإسلامية.","vol":"2","page":221},{"text":"ومما هو جدير بالذكر أن القاديانيين الآن يمثلون خطرا جسيما على الدولة الإسلامية في (باكستان)، فقد استطاعوا بمساعدة الإنجليز الذين قسموا الهند إلى دولتين أن يتغلغلوا في كثير من الوظائف في دولة (باكستان)، وأن يكونوا لهم إمارة خاصة بهم تسمي بالربوة (^١)، مما جعل المسلمين في (باكستان) يضجون بالشكوى من تسلط القاديانيين وتغلغلهم، ويطالبون الحكومة الباكستانية بفصل القاديانية عن المجتمع الإسلامي، واعتبارها أقلية غير مسلمة، وفي ذلك يقول الشيخ أبو الحسن الندوي: «وكان أشد من ذلك وأعظم خطرا أن القاديانيين تسربوا في الجيوش الباكستانية واحتلوا مناصب خطيرة في الجيش وفي البوليس، وفي مصلحة الطيران وكونوا فيها أكثرية ساحقة، بحيث يستطيعون أن يحدثوا ثورة في مصلحتهم، ويقبضوا على زمام الحكم متي شاءوا، وقد كونوا إمارة حرة في (بنجاب) تسمى (الربوة) وهي مستعمرة قاديانية لا توظف فيها الحكومة غير قادياني أبدا، حتي على محطة الربوة، ويمكن أن تشبه الربوة في باكستان بإسرائيل في فلسطين، وكلاهما جاثم على صدر المسلمين وقائم منهم بالمرصاد، كل ذلك أفزع المفكرين المسلمين في باكستان، ورأوا فيه الخطر المحدق على باكستان وسيفا مصلتا على رقبتها، ووكالة للمصالح البريطانية في صميم البلاد، وسوسا ينخر في الصرح الإسلامي، خلافا لقوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر﴾» (^٢). فرأوا أن الحل الحاسم لهذه المشكلة أن تفصل القاديانية المحتلة عن المجتمع الإسلامي، وأن تعاملها الحكومة كأقلية غير مسلمة، وهي الفكرة التي دعا إليها الدكتور محمد إقبال ﵀ بقوة وصراحة، وكررها\n_________\n(^١) سموها بالربية ليطبقوا عليها قوله تعالي: ﴿وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين﴾ وهذا هو المنطق القادياني المعروف.\n(^٢) سورة آل عمران: ١١٨.","vol":"2","page":222},{"text":"في محاضراته ومقالاته ورسائله، وقد صرح بأن القاديانية أبعد عن الإسلام من السك متعصبي الهنادك، وقد جعلتهم الحكومة الإنجليزية أقلية غير هندوكية رغم ما بين هذه الأقلية والهنادك من صلات اجتماعية ودينية وثقافية وأنهم يتناكحون فيما بينهم، بينما القاديانية تحرم مناكحة المسلمين ومصاهرتهم، وقد حظر عليهم مؤسسهم كل ارتباط بالمسلمين بقوله: «إن المسلمين لبن فاسد ونحن اللبن الطازج»، رأى المسلمون في باكستان كل هذا، وآمنوا بأنه لا يمكن أن تكون دولتهم حرة في سياستها وتصرفاتها وفي تنفيذ ما تقتضيه مصالحها السياسية وطبيعتها الإسلامية إلا إذا تحررت - في سياستها وداخليتها - من النفوذ الأجنبي ووكلائه، وقد كان لياقت علي خان ﵀ قد بدأ يشعر في آخر حياته بهذا الخطر، وكان غير مرتاح لهذا الوضع، ثم كان شعوره هذا من أسباب اغتياله كما يقول المطلعون، كل ذلك حمل الجماعات الإسلامية والأحزاب المختلفة، والشخصيات الدينية على الاهتمام بهذه المسألة، فاجتمع منهم ثلاثة وثلاثون ممثلا من رؤساء الجمعيات والجماعات الدينية وكبار علماء باكستان في يناير عام ١٩٥٣ في (كراتشي)، وطلبوا من الحكومة أن تجعل القاديانيين أقلية غير مسلمة لها حقوقها، وأن تخصص لهم ما يستحقون حسب عددهم من المقاعد في البرلمان الباكستاني، وما يستحقون من الوظائف في مختلف المصالح والإدارات حتي لا يستولوا على أداة الحكومة والجهاز الإداري في باكستان، ولا يضايقوا المسلمين في دولتهم التي أسسوها بدمائهم وأشلائهم (^١).\nوبعد: فاعلمك - بما قدمناه لك عن القاديانية - تكون قد وقفت على ضلالاتها والمزاعم الفاسدة التي نادت بها، وعرفت الظروف السياسية التي أوجدتها وأدت الى قيامها، وفهمت الأخطار التي تهدد المسلمين من وجودها في باكستان، وننتقل الآن إلى ذكر طرف من تحريفاتها في مجال التفسير، والله ولي التوفيق.\n_________\n(^١) الحركات الهدامة - القاديانية ص ٣٤ وما بعدها.","vol":"2","page":223},{"text":"<span data-type='title' id=toc-145>أمثلة من تحريفات القاديانية في التفسير</span>\nلطائفة القاديانية تحريفات كثيرة في مجال التفسير، ولا سيما بالنسبة لتفسير الآيات التي تتعلق بموضوع النبوة، والتي يزعم بعضهم أنها تؤيدهم فيما يعتقدون من نبوة (غلام أحمد)، ضاربين عرض الحائط بالآيات الصريحة والأحاديث الصحيحة التي تفيد - بصورة قاطعة - أن محمدا ﷺ هو خاتم النبيين، وأنه لا نبي بعده، وسنكتفي هنا بذكر أمثلة من تحريفاتهم في هذا المجال، ونكشف النقاب عن وجوه فسادها وبطلانها، حتى لا ينخدع بها مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإليك البيان:\n\n<span data-type='title' id=toc-146>المثال الأول:\nفي تفسير قوله تعالى: ﴿ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين﴾</span> (^١) ذهب أحد دعاة القاديانية إلى أن (خاتم النبيين) في الآية بمعنى أفضل النبيين أو زينتهم، وأورد في الاستدلال على ذلك أمورا، منها: أن النبي ﷺ قال للعباس ﵁ «أنت خاتم المهاجرين في الهجرة، وأنا خاتم النبيين في النبوة» ومنها: أن العلماء يقولون: فلان خاتم المحققين أو خاتم المجتهدين، والمراد أفضلهم، ومنها: أن الشيخ النحوي صاحب كتاب: (مجمع البحرين) يقول ما نصه: «ومحمد خاتم النبيين، يجوز فيه فتح الثاء وكسرها، فالفتح بمعنى الزينة مأخوذ من الخاتم الذي هو زينة للابسه» (^٢).\n_________\n(^١) سورة الأحزاب: ٤٠.\n(^٢) انظر القاديانية المرحوم الأستاذ الأكبر الشيخ محمد الخضر حسين ص ٧٣ وما بعدها.","vol":"2","page":224},{"text":"وقد قام الأستاذ الأكبر الشيخ محمد الخضر حسين بالرد علي هذا التأويل المنحرف للآية الكريمة، وفند هذه الشبهة التي أقيم عليها هذا التأويل، فقال ﵀ بالنسبة للاستدلال الأول: «وهذا الاستدلال مدفوع بأن الذي ورد في كتاب (أسد الغابة) أن العباس استأذن النبي ﷺ في الهجرة فقال له: (يا عم أقم مكانك الذي أنت فيه، فإن الله تعالى يختم به الهجرة كما ختم بي النبوة) وقرأنا في كتاب (الإصابة): أن العباس هاجر قبل الفتح بقليل، وقرأنا في غزوة الفتح من سيرة ابن هشام أن العباس ﵁ لقي رسول الله ﷺ ببعض الطريق، لقيه بالجحفة مهاجرا بعياله، وقد كان قبل ذلك مقيما بمكة على سقايته، ورسول الله ﷺ عنه راض، فصاحب كتاب (الإصابة) يقول عن العباس ﵁: إنه هاجر قبل الفتح بقليل وابن هشام يقول: لقي رسول الله ﷺ بالجحفة مهاجرا بعياله، فمتى ثبت حديث: (أنت خاتم المهاجرين) صح أن يكون العباس خاتم المهاجرين بمعنى آخرهم، أي آخر المهاجرين من مكة إلى المدينة، لقوله ﷺ: «لا هجرة بعد الفتح». وداعية القاديانية لم يأت بشاهد علي أن بعض المسلمين قد هاجر بعد العباس، حتى يمتنع أن يكون خاتم المهاجرين بمعنى آخرهم» (^١).\nثم قام الشيخ الخضر حسين ﵀ بالرد على الاستدلال الثاني فقال: «والداعية لم يورد في مقاله السابق شيئا من كلام العرب يشهد بأن الخاتم إذا أضيف إلى القوم أولى المناصب كان بمعنى أفضلهم أو سيدهم، وإنما أورد عبارات لمن لا يحتج عالم في تفسير كتاب الله تعالى بكلامهم، ولا تتجاوز تلك العبارات وصف أحد الرجال بأنه خاتم العلماء أو الأولياء أو الشعراء، وما هي إلا أقوال صدرت من بعض رجال القرون المتأخرة أو القريبة منها، وإنما يحتج في تفسير القرآن الكريم بكلام العربي الصميم، وهل رأيتم مجادلا أسخف قولا ممن يحتح في بيان معنى آية من كتاب الله تعالي بما كتبته المطبعة الأزهرية على أول الصحيفة الأولى من كتاب: (الإتقان) أعني قوله:\n_________\n(^١) المصدر السابق ص ٧٨، ٧٩","vol":"2","page":225},{"text":"الجزء الأول من كتاب الإتقان في علوم القرآن لخاتمة المحققين» (^١).\nوبعد ذلك فند المرحوم الشيخ محمد الخضر حسين الشبهة الأخيرة في هذا المجال فقال: «والواقع أن الشيخ النجفي قد صرح بأن النبي ﷺ آخر النبيين فقد قال قبل هذه الكلمة التي اقتطعها الداعية: (قوله تعالى: وخاتم النبيين) أي (آخرهم ليس بعده نبي) ثم قال: (ومحمد خاتم النبيين) يجوز فيه فتح التاء وكسرها، فالفتح بمعنى الزينة مأخوذة من الخاتم الذي هو زينة للابسه، (وبالكسر اسم فاعل بمعنى آخر) ولما كان صاحب (مجمع البحرين) يعتقد أن محمدا ﷺ آخر الأنبياء ليس بعده نبي، فقصارى أمره أن يكون أخطأ في تأويل (خاتم) على قراءة الفتح بمعنى الزينة فإنه مخالف لأقوال من هم أدرى منه بتفسير كتاب الله تعالى، وبوجوه استعمال الألفاظ العربية حقيقة أو مجازا، وهانحن أولاء نسوق إليكم طائفة من أقوال علماء اللغة الشاهدة بأن الخاتم - بفتح التاء أو كسرها - بمعنى الآخر، قال صاحب اللسان: (وخاتمهم وخاتمهم: آخرهم، ومحمد ﷺ خاتم النببين) وقال ابن سيده في كتاب المحكم: (وختام القوم وخاتمهم وخاتمهم: آخرهم) وقال: (وفي التنزيل: ﴿ولكن رسول الله وخاتم النبيين﴾ أي آخرهم) وقال الأزهري في كتاب التهذيب: (وخاتم كل شيء آخره، وقوله تعالى: (رسول الله وخاتم النبيين) معناه آخر النبيين) ولم يذكر أحد من هؤلاء الأئمة أو غيرهم كصاحب الصحاح وصاحب المصباح، وصاحب القاموس وصاحب أساس البلاغة أن الخاتم يكون بمعنى الزينة» (^٢).\nوإذن فالتفسير الصحيح للآية أن خاتم النبيين بمعنى آخرهم، سواء كان بفتح التاء أو بكسرها، لأن الخاتم - بالكسر - اسم فاعل من (ختم)،\n_________\n(^١) المصدر السابق ص ٧٣، ٧٤\n(^٢) المصدر السابق ص ٧٥، ٧٦","vol":"2","page":226},{"text":"وهو الذي ختم النبيين، والمراد به آخرهم، والخاتم - بالفتح - اسم آلة لما يختم به، كالطابع لما يطبع به، فمعنى خاتم النبيين: الذي ختم النبيون به، ومآله: آخر النبيين.\nوهذا المعنى هو الذي أجمع عليه المفسرون بل أجمع عليه علماء الإسلام قاطبة، وهو الذي يتطابق مع ماجاء في الأحاديث الصحيحة من أنه لا نبي بعد محمد ﷺ.\nفمن ادعي النبوة بعده ﵊ فهو دجال وكذاب، قال الحافظ ابن كثير: (وقد أخبر تعالى في كتابه، ورسوله في السنة المتواترة عنه أنه لا نبي بعده، ليعلموا أن كل من ادعى هذا المقام بعده فهو كذاب أفاك، دجال ضال مضل، ولو تخرق وشعبذ، وأتى بأنواع السحر والطلاسم والنيرجيات، فكلها محال وضلال عند أولى الألباب، كما أجرى الله ﷾ على يد الأسود العنسي باليمن، ومسيلمة الكذاب باليمامة، من الأحوال الفاسدة والأقوال الباردة ما علم كل ذي لب وفهم وحجا أنهما كاذبان ضالان، لعنهما الله، وكذلك كل مدع لذلك إلى يوم القيامة حتى يختموا بالمسيح الدجال) (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-147>المثال الثاني: كما زعم هذا الرجل كذلك أن قوله تعالى: ﴿وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن </span>قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين (١٢٤)﴾ (^٢) يدل على عدم انقطاع النبوة بعد محمد ﷺ، مما يفسح المجال لنبوة (غلام أحمد) وأمثاله من الأدعياء، فقال: «وعد الله في هذه الآية يجعل الإمامة في ذرية إبراهيم ما عدا الظالمين منها، فهل يظن المشايخ أن ذرية إبراهيم كلها صارت في زمرة الظالمين، لاسيما الأمة المحمدية، فحرمت من الإمامة الموعود بها، أي من النعمة الاجتماعية، ولا يظنن أحد من المشايخ\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير ج ٦ ص ٤٢٥\n(^٢) سورة البقرة: ١٢٤","vol":"2","page":227},{"text":"لأن غيرهم لا يتطرق إليه هذا الظن - أن المراد من الإمامة في الآية: الإمامة بالصلاة أو غيرها دون النبوة، لأن هذه الإمامة إمامة إبراهيمية، وهي النبوة دون شك، كما كان هو إماما بها ﵇، فالنبوة باقية في ذرية إبراهيم سوى الظالمين» (^١).\nوالحق أن الآية لا تدل من قريب أو بعيد على بقاء النبوة بعد محمد ﷺ ولا على عدم بقائها، وإنما تدل فقط على أن الله تعالى وعد إبراهيم ﵇ بأن يجعل من ذريته أئمة يدعون إلى الهدى، وأنباء مكرمين، بشرط أن لا يكونوا ظالمين، لأن الظالمين ليسوا أهلا للإمامة والنبوة، ويستفاد من ذلك أن النبوة إنما ينالها المؤمنون من ذريته فحسب، وقد تحقق ذلك بنبوة إسماعيل وإسحاق ويعقوب وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله عليهم أجمعين، وهؤلاء جميعا من ذرية الخليل إبراهيم ﵇، أما بقاء النبوة بعد محمد ﷺ أو عدم بقائها فهو أمر يرجع فيه إلى الدليل، وقد ثبت لدينا بالأدلة القطعية أن محمدا ﷺ هو خاتم النبيين وأنه لا نبي بعده، وانعقد إجماع المسلمين على ذلك، فكل من يدعى النبوة بعده ﷺ فهو ضال مضل وكذاب أشر.\nيقول المرحرم الشيخ محمد الخضر حسين - في مقام الرد على الفرية السابقة -: «ونحن لا نمانع من أن يكون المراد من الإمامة النبوة، ولكنا نفهم الآية على معنى أن إبراهيم ﵇ قد طلب من الله تعالى أن يجعل من ذريته أئمة أي أنبياء، إذ قال: ﴿ومن ذريتي﴾ ولم يقل: «وذريتي»، فأجابه الله تعالى بقوله: ﴿لا ينال عهدي الظالمين﴾، وفي هذا عدة له بأنه سيجعل من ذريته غير الظالمين أنبياء، فإنه نفى أن ينال العهد الذي هو الإمامة الظالمين، ولو قال في الجواب: (نعم) لأفاد أنه سيجعل من ذرية إبراهيم ﵇ أنبياء، من غير دلالة على أنهم سيكونون من المؤمنين، ولو قال\n_________\n(^١) القاديانية ص ٥٥","vol":"2","page":228},{"text":"في الجواب: (ينال عهدي المؤمنين) - مثلا - لم يكن فيه نص على أن الظالمين ليسوا بأهل للإمامة، ويؤخذ منه - على طريق دلالة المفهوم - أن النبوة تنال المؤمنين من ذريته، وقد قامت الأدلة القاطعة على أن من لم يكونوا ظالمين قد يرفعهم الله تعالى إلى مقام النبوة، كما رفع إليه إسماعيل وإسحاق ويعقوب وموسى وعيسي ومحمد عليهم الصلاة والسلام، وقد يبقى في منزلة دونها، ككثير من الصالحين الذين طهرهم الله تعالى من الظلم، ولم يدعوا النبوة في حال، فقول داعية القاديانية: (فهل يظن المشايخ أن ذرية إبراهيم كلها صارت ظالمة) إلخ. ضرب في غير مفصل، ورمي للكلام في غير مرمى، فإن المشايخ يقولون: إن الآية واردة للدلالة على أن النبوة تجعل في غير الظالمين، ويقولون مع هذا: الله أعلم أين يجعلها؟ وليس في الآية دليل على بقاء النبوة في سائر العصور، حتى في العصر الذي يستغنى فيه عن النبوة والرسالة بالكتاب الذي أودع الله تعالي فيه جلائل الهداية ودقائقها، وتكفل بحفظه وحمايته من أن يدخله تحريف، قال تعالى: ﴿ما فرطنا في الكتاب من شيء﴾ (^١) وقال تعالى: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ (^٢) ومن نفى عن أمة النبوة لعدم حاجتها إليها ولقيام الأدلة على انقطاعها لم يلزمه الحكم عليها بأنها كلها صارت ظالمة، ومن ألزمه هذا الحكم فقد خرج عن أدب البحث، ومشى في غير طريق» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-148>المثال الثالث:\nكذلك استدل دعاة القاديانية بقول الله تعالى: ﴿الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس﴾</span> (^٤) على عدم انقطاع النبوة والرسالة بعد محمد ﷺ، بدعوى\n_________\n(^١) سورة الأنعام: ٣٨\n(^٢) سورة الحجر: ٩\n(^٣) القاديانية ص ٥٥ وما بعدها.\n(^٤) سورة الحج: ٧٥","vol":"2","page":229},{"text":"أن الفعل المضارع هنا وهو (يصطفي) يفيد الاستقبال، ويقتضي استمرار الاصطفاء دائما، كما أن قول الله تعالى: ﴿ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء﴾ (^١) يدل على أن الله دائما يجتبي من رسله من يشاء، ومتى ثبت ذلك فإن نبوة (غلام أحمد) في زعمهم إنما جاءت مصداقا لهاتين الآيتين الكريمتين.\nوهذا الاستدلال فاسد، لأن الفعل المضارع هنا لا يراد به الاستقبال، وإنما يراد منه المضى، والقرينة التي تصرف المضارع عن معناه الحقيقي هنا إلى هذا المعنى المجازي هي ما ثبت - بالدليل القطعي من الكتاب والسنة - من أنه لا نبي بعد محمد ﷺ، والعدول عن الماضي إلى المضارع هنا للدلالة على تجدد الفعل فيما مضى واستمراره، واستحضار الصورة العجيبة في ذهن السامع، كأنها مشاهدة أمامه الآن.\nوقد أورد الشيخ محمد الخضر حسين شبهة القاديانية في هذا المجال، وأتبعها بالرد عليها فقال ﵀: «ينكرون - يعني القاديانيين - أن النبي ﷺ خاتم النبيين، ويوردون على هذا شبها لا تزن عنه أولي العلم جناح بعوضة، كما استدلوا بقوله تعالى: ﴿الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس﴾، متشبثين بأن قوله (يصطفي) فعل مضارع، والمضارع للاستقبال، ودفع هذه الشبهة أن الفعل الواقع في الماضي قد يعبر عنه بصيغة المضارع لمقتضيات بلاغية، منها أن يكون للمعنى البليغ غرابة، فإن المضارع من جهة دلالته على الحل يتوسل به المتكلم إلى موضوع إخراج الحادث الغريب في صورة الواقع في الحال، ليبلغ تعجب المخاطب من وقوعه مبلغ تعجبه من الصورة البديعة في حال مشاهدتها، وعلى هذا الوجه ورد قوله تعالى: ﴿إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون﴾ (^٢) قال: (فيكون) والموضع في الظاهر للماضي: (فكان)، لأن وجود إنسان من غير أب حادث غريب،\n_________\n(^١) سورة آل عمران: ١٧٩\n(^٢) سورة آل عمران: ٥٩","vol":"2","page":230},{"text":"فحاله يقتضي أن يعبر عنه بالمضارع لإحضاره في ذهن المخاطب، حتى كأنه مشاهد له، ومن دواعي التعبير عن الماضي بصيغة المضارع الإشارة إلى استمرار الفعل وتجدده فيما مضى حينا بعد حين، فإن الاستمرار التجددي يستفاد من المضارع على ما جرى عليه استعمال البلغاء، وصيغة الماضي لا تعرج على هذا المعنى، فالتعبير بصيغة المضارع في قوله تعالى: ﴿الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس﴾، يدل على معنى زائد على أصل الاصطفاء الذي يدل عليه الماضي ويقف عنده، وذلك المعنى هو أن اصطفاء الرسل كان يتجدد ويقع مرة بعد أخرى، والقرينة الشاهدة بأن (يصطفى) مراد منه الاصطفاء الواقع قبل نزول هذه الآية هي آية: ﴿وخاتم النبيين﴾ (^١) والأحاديث المستفيضة في إغلاق باب الرسالة والنبوة، فاستعمال المضارع موضع الماضي في كلام البلغاء خارج عن حد الإحصاء وآيات الكتاب يفسر بعضها بعضا، كما أن السنة تبين الكتاب» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-149>المثال الرابع:\nوأيضا استدل أحد دعاة القاديانية على بقاء النبوة بعد محمد ﷺ</span>- بقوله تعالى ﴿اهدنا الصراط المستقيم (٦) صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين (٧)﴾ (^٣) فقال: «هذا الدعاء يبشرنا بأن الله يجعل المؤمنين في مقام الذين أنعم عليهم سابقا، ويعطيهم كل نعمة أعطاها للأولين، ويتمها عليهم، والنعمة نعمتان: دينية ونهايتها النبوة، ودنيوية ونهايتها الحكومة والسلطة» (^٤).\nوالحق أن هاتين الآيتين التي استدل بهما هذا الضال لا دلالة فيهما على\n_________\n(^١) سورة الأحزاب: ٤٠\n(^٢) القاديانية ص ٢٢، ٢٣\n(^٣) سوره الفاتحة: ٦، ٧\n(^٤) القاديانية ص ٥٧","vol":"2","page":231},{"text":"ما يزعم من بقاء النبوة بعد محمد ﷺ، فكل الذي تفيده هاتان الآيتان هو أن ذلك دعاء من المؤمنين لربهم أن يوفقهم ويهديهم إلى طريق الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ولا يلزم من ذلك أن يرزقهم الله ما رزق بعض هؤلاء من النبوة، كيف وقد ختمت النبوة بمحمد ﵊، واستمع معي إلى فضيلة الأستاذ الأكبر الشيخ محمد الخضر حسين يرد على ما جاء في كلام هذا الضال من اللغو والهذيان، فيقول ﵀: غاب هذا الداعية عن الصواب، وانطلق يتحدث في غير علم، ومن ذا الذي يعرف شيئا من العربية الصحيحة أو المعتلة، ويقرأ قوله تعالى: ﴿اهدنا الصراط المستقيم (٦) صراط الذين أنعمت عليهم﴾، ويفهم منها أن المناجي لله بهذه السورة يطلب أن يكون هو أو غيره من المؤمنين في مقام النبوة، والآية لا تدل على أكثر من أن المؤمن يدعو الله تعالى في جملة المؤمنين بأن يهديه طريق من أنعم عليهم، ومن استقام على واجبات الدين وسننه جهد استطاعته فقد اهتدى طريق المنعم عليهم، ولا يلزم من اهتدائه لطريق المنعم عليهم من النبيين أن يرزق ما رزقوه من نعمة النبوة التي لا ينالها الناس بكثرة أعمالهم الصالحة، إذ النبوة مقام يختص به الله من يشاء من عباده، وما قاله هذا الداعية في هذه الآية أصله لكبيرهم الذي علمهم اللعب واللغو في تفسير القرآن الحكيم إذ قال في خطبته الإلهامية: (وأنا المنعم عليه الذي أشير إليه في الفاتحة عند ظهور الحزبين) يعني المغضوب عليهم والضالين، وقال: (إن سوره الفاتحة لتؤذن إيذانا بأن بعض الأفراد من هذه الأمة سيظهرون بمظهر الأنبياء من كل الوجوه) ومن نكد الدنيا أن نشتغل بحكاية أمثال هذا اللغو، وننفق وقتا في التنبيه على أنه هذيان في هذيان (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-150>المثال الخامس:\nومما هو شبيه بما تقدم </span>أن يستدل هذا الرجل كذلك على بقاء النبوة بعد\n_________\n(^١) القاديانية ص ٥٨","vol":"2","page":232},{"text":"محمد ﷺ بقوله تعالى: ﴿ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا﴾ (^١) زاعما أن قوله تعالي: ﴿من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين﴾، بيان لقوله تعالى: ﴿ومن يطع الله والرسول﴾، ومدعيا كذلك أن هذه الآية تصرح جليا بأن الأمة المحمدية تنال هذه الدرجات الأربع، وهي النبوة والصديقية والشهادة والصلاح، وعلى ذلك فإن من يطع الله والرسول قد ينال درجة النبوة، مثل (غلام أحمد) نبيهم الجديد.\nويعجبني في هذا المقام ما ذكره الإمام الأكبر الشيخ محمد الخضر حسين في تفنيد هذه المزاعم الفاسدة، والرد على هذا التأويل المنحرف حيث يقول: والصواب في فهم الآية أن قوله تعالى: ﴿من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين﴾ هو بيان لقوله: ﴿الذين أنعم الله عليهم﴾، والأصل في كلمة (مع) المصاحبة، والمصاحبة لا تستلزم المساواة في الرتبة، بل يكفي فيها الاشتراك في دار النعيم، مع تمكن كل واحد من رؤية الآخر وملاقاته متي يشاء، فالآية وردت لبيان ما يجازى به المطيع لله ورسوله، وهو مرافقة الأنبياء ومن ذكر بعدهم، وتأويلها على معنى أن من المطيعين أنبياء، ومنهم صديقين، ومنهم شهداء تأويل الآية على معنى لا يتقبله إلا نفوس تلوثت باعتقاد أن (غلام أحمد) وأذنابه أنبياء صادقون، وأما ما ذكره الداعية من أن قوله تعالى: ﴿من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين﴾ بيان لقوله تعالى: ﴿ومن يطع الله والرسول﴾ فحمل للآية على وجه تتجافى عنه قوانين البلاغة، ويكسبها تعقيدا يتبرأ منه كلام الفصحاء قبل أن يتبرأ منه كلام خالق الفصحاء، فعد هذا الوجه في أخطاء قائله أولى من حشره في شبه هي أوهى من نسج العنكبوت (^٢).\nوبعد: فها هي أمثلة من تحريفات القاديانية في التفسير، ذكرناها وكشفنا عن\n_________\n(^١) سورة النساء: ٦٩\n(^٢) القاديانية ص ٥٩، ٦٠","vol":"2","page":233},{"text":"وجوه فسادها وبطلانها، وكان بودنا أن نطلع على كتب هؤلاء المارقين أنفسهم حتى نقوم كذلك بالرد على ماجاء فيها من ضلالات وجهالات، وخرافات وافتراءات، ولكننا لم يتح لنا الاطلاع على شيء من ذلك، فالى أن يتاح لنا الإطلاع على هذه الكتب نكتفي بهذا القدر الذي ذكرناه عن هذا النوع من أنواع الدخيل في التفسير.\nولعلنا - بما قدمناه لك أيها القارئ الكريم من أنواع الدخيل في التفسير - في الجزئين الأول والثاني من كتابنا هذا ..\nنكون قد استعرضنا معك ما جاء من هذه الأنواع في القديم، أي قبل عصرنا هذا، أما النوع الحديث من أنواع الدخيل في التفسير وهو شطحات المفسرين العصريين فقد رأينا أن تخصص له الجزء الثالث من هذا الكتاب، ونسأل الله سبحانه تعالى أن يوفقنا لإتمام هذا العمل، وأن ينفع به طلاب العلم، وأن يكتب لنا السداد والرشاد، وأن يجعلنا من أولئك الذين يذبون عن كتابه، ويقومون على خدمته، ويسهرون على حراسته، إن ربى على ما يشاء قدير، وهو نعم المولى ونعم النصير، والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وصل اللهم على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.\nد/ عبد الوهاب عبد الوهاب فايد\nأستاذ التفسير المساعد بكلية أصول الدين بالقاهرة\n* * *","vol":"2","page":234}]}