{"ً":{"ٌ":30172,"ٍ":"غرر المحصول فى علم الأصول","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"shamela","files":["30172/30172.pdf"]},"ّ":"الكتاب: غرر المحصول فى علم الأصول\nالمؤلف: أبو محمد عبد الله بن أبي منصور البُرْزي الواسطي (ت ٦٥٧ هـ)\nالمحقق: عدنان العُبَيات\nالناشر: دار أسفار - الكويت\nالطبعة: الأولى، ١٤٤٠ هـ - ٢٠١٩ م\nعدد الصفحات: ٣٦٦\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":3182,"ٕ":11,"ٖ":1781462472,"ٗ":19},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مقدمة المحقق","level":1,"page":3},{"title":"ترجمة المؤلف","level":2,"page":3},{"title":"بين الغرر والتحصيل","level":2,"page":6},{"title":"وصف الأصل المعتمد في تحقيق الكتاب","level":2,"page":14},{"title":"طريقة إخراج الكتاب","level":2,"page":16},{"title":"مقدمة المصنف","level":1,"page":19},{"title":"الكلام في المقدمات","level":1,"page":21},{"title":"الفصل الأول: في تعريف أصول الفقه","level":2,"page":21},{"title":"الفصل الثاني مراتب الإدراك","level":2,"page":22},{"title":"الفصل الثالث: تعريف الحكم الشرعي","level":2,"page":22},{"title":"الفصل الرابع: تقسيم الأحكام","level":2,"page":23},{"title":"التقسيم الأول الحكم التكليفي الطلبي","level":3,"page":23},{"title":"التقسيم الثاني: في حد الحسن أو القبيح","level":3,"page":25},{"title":"التقسيم الثالث السبب والمانع","level":3,"page":26},{"title":"التقسيم الرابع الصحة والبطلان","level":3,"page":26},{"title":"القسيم الخامس الأداء والإعادة والقضاء","level":3,"page":27},{"title":"التقسيم السادس: العزيمة والرخصة","level":3,"page":28},{"title":"التقسيم السابع: في التحسين والتقبيح","level":3,"page":28},{"title":"التقسيم الثامن: شكر المنعم","level":3,"page":30},{"title":"التقسيم التاسع: في حكم الأشياء قبل ورود الشرع","level":3,"page":32},{"title":"أصول الفقه من فروض الكفايات","level":4,"page":34},{"title":"الكلام في اللغات","level":1,"page":35},{"title":"الباب الأول: في أحكام اللغات الكلية","level":2,"page":35},{"title":"النظر الأول: حقيقة الكلام","level":3,"page":35},{"title":"النظر الثاني: في إفادة اللفظ المعنى","level":3,"page":36},{"title":"النظر الثالث: في الموضوع","level":3,"page":38},{"title":"النظر الرابع خل لكل معنى لفظ؟","level":3,"page":39},{"title":"النظر الخامس: حكم تعلم لغة العرب","level":3,"page":39},{"title":"الباب الثاني: تقسيم الألفاظ","level":2,"page":40},{"title":"التقسيم الأول: دلالة اللفظ على المعنى","level":3,"page":40},{"title":"التقسيم الثاني: دلالة اللفظ على اللفظ","level":3,"page":41},{"title":"الباب الثالث: في الأسماء المشتقة","level":2,"page":41},{"title":"المسألة الأولى: حقيقة الاشتقاق","level":3,"page":41},{"title":"المسألة الثانية: لا يصدق بدون المشتق منه","level":3,"page":42},{"title":"المسألة الثالثة: بقاء المشتق منه شرط","level":3,"page":42},{"title":"المسألة الرابعة: يجب أن يشتق لمحل المعنى اسم منه","level":3,"page":43},{"title":"الخامسة: دلالة المشتق على الماهية","level":3,"page":44},{"title":"الباب الرابع: في الترادف والتوكيد","level":2,"page":44},{"title":"المسألة الأولى حقيقة الترادف والتوكيد","level":3,"page":44},{"title":"المسألة الثانية: وقوع الترادف في اللغة","level":3,"page":45},{"title":"المسألة الثالثة: إقامة أحد المترادفين مقام الآخر","level":3,"page":45},{"title":"المسألة الرابعة: تأكيد الشيء بنفسه","level":3,"page":46},{"title":"الباب الخامس: في الاشتراك","level":2,"page":46},{"title":"المسألة الأولى: حقيقة المشترك ووجوده","level":3,"page":46},{"title":"المسألة الثانية النسبة بين مفهومي المشترك","level":3,"page":47},{"title":"المسألة الثالثة: سبب وقوع الاشتراك الطريق إلى معرفته","level":3,"page":48},{"title":"المسألة الرابعة استعمال المشترك المفرد في معانيه على الجمع","level":3,"page":48},{"title":"المسألة الخامسة: الأصل عدم الاشتراك","level":3,"page":50},{"title":"المسألة السادسة: المشترك عن القرينة دام الإجمال","level":3,"page":51},{"title":"المسألة السابعة حصول المشترك في القرآن","level":3,"page":52},{"title":"الباب السادس: في الحقيقة والمجاز","level":2,"page":52},{"title":"المسألة الأولى في تفسير لفظي الحقيقة والمجاز لغة","level":3,"page":52},{"title":"المسألة الثانية: حد الحقيقة والمجاز اصطلاحا","level":3,"page":53},{"title":"المسألة الثالثة: الحقيقة والمجاز في معنييهما حقيقيان عرفا ومجازان لغة","level":3,"page":53},{"title":"القسم الأول: في الحقيقة","level":4,"page":54},{"title":"المسألة الأولى: الحقيقة اللغوية","level":5,"page":54},{"title":"المسألة الثانية: الحقيقة العرفية","level":5,"page":54},{"title":"المسألة الثالثة: الحقيقة الشرعية","level":5,"page":55},{"title":"فروع على القول بالنقل","level":6,"page":57},{"title":"القسم الثاني في المجاز","level":4,"page":59},{"title":"المسألة الأولى المجاز في المفرد أو المركب أو فيهما","level":5,"page":59},{"title":"المسألة الثانية: وجود المجاز","level":5,"page":59},{"title":"المسألة الثالثة: أقسام المجاز","level":5,"page":60},{"title":"المسألة الرابعة: موارد المجاز","level":5,"page":61},{"title":"المسألة الخامسة: توقف المجاز على السمع","level":5,"page":61},{"title":"المسألة السادسة: المجاز المركب عقلي","level":5,"page":62},{"title":"المسألة: السابعة المجاز في الكتاب والسنة","level":5,"page":62},{"title":"المسألة الثامنة: الداعي إلى التكلم بالمجاز","level":5,"page":63},{"title":"المسألة التاسعة غلبة المجاز على اللغة","level":5,"page":63},{"title":"المسألة العاشرة: المجاز خلاف الأصل","level":5,"page":64},{"title":"فرع الحقيقة المرجوحة أولى من المجاز الراجح","level":6,"page":64},{"title":"القسم الثالث في مباحث مشتركة بين الحقيقة والمجاز","level":4,"page":65},{"title":"الباب السابع: في التعارض الحاصل بين أحوال الألفاظ","level":2,"page":66},{"title":"الباب الثامن في تفسير حروف تشتد معرفة الفقيه إلى معرفتها","level":2,"page":68},{"title":"المسألة الأولى: «الواو» العاطفة","level":3,"page":68},{"title":"المسألة الثانية: «الفاء»","level":3,"page":70},{"title":"المسألة الثالثة: لفظة «في»","level":3,"page":71},{"title":"المسألة الرابعة لفظة «من»","level":3,"page":71},{"title":"المسألة الخامسة: لفظة «إلى»","level":3,"page":72},{"title":"المسألة السادسة: «الباء»","level":3,"page":72},{"title":"المسألة السابعة: لفظة «إنما»","level":3,"page":73},{"title":"الباب التاسع: في الاستدلال بالخطاب","level":2,"page":74},{"title":"المسألة الأولى: تكلم الله بما لا يفهم","level":3,"page":74},{"title":"المسألة الثانية: لا يحوز أن يعني الله بكلامه خلاف ظاهره ولا يدل عليه","level":3,"page":75},{"title":"المسألة الثالثة: هل تفيد الدلائل اللفظية اليقين؟","level":3,"page":76},{"title":"المسألة الرابعة: في كيفية الاستدلال بالنصوص","level":3,"page":76},{"title":"المسألة الخامسة: إذا تعذر حمل الخطاب على ظاهره","level":3,"page":77},{"title":"المسألة السادسة: ثبوت حكم الخطاب فيما يتناوله مجاز","level":3,"page":77},{"title":"الكلام في الأوامر والنواهي","level":1,"page":78},{"title":"المقدمة","level":2,"page":78},{"title":"المسألة الأولى: لفظ «الأمر حقيقة في لقول المخصوص","level":2,"page":78},{"title":"المسألة الثانية: في حد الأمر","level":2,"page":80},{"title":"المسألة الثالثة: ماهية الطلب","level":2,"page":80},{"title":"الأولى: تلك الماهية غير الإرادة","level":3,"page":81},{"title":"الثانية: تقسيم الطلب عقلا","level":3,"page":82},{"title":"فرع الأمر اسم اللفظ","level":4,"page":83},{"title":"الثالثة: دلالة الصيغة على الطلب يكفي في تحققها الوضع","level":3,"page":84},{"title":"الرابعة: تأثير إرادة المأمورة به في صيغة افعل","level":3,"page":84},{"title":"الخامسة: اعتبار علو رتبة الآمر واستعلاءه","level":3,"page":84},{"title":"السادسة: مجيء الأمر والنهي بلفظ الخبر","level":3,"page":85},{"title":"القسم الأول: في المباحث اللفظية","level":2,"page":86},{"title":"المسألة الأولى: وجوه استعمال صيغة «افعل»","level":3,"page":86},{"title":"المسألة الثانية: لفظة افعل» حقيقة الوجوب","level":3,"page":88},{"title":"المسألة الثالثة: الأمر الوارد بعد الحظر والإذن","level":3,"page":88},{"title":"المسألة الرابعة: دلالة الأمر المطلق على التكرار والفور","level":3,"page":92},{"title":"المسألة الخامسة: دلالة الأمر المعلق بالشرط والصفة على التكرار","level":3,"page":95},{"title":"المسألة السادسة مفهوم الشرط","level":3,"page":95},{"title":"المسألة السابعة مفهوم العدد","level":3,"page":97},{"title":"المسألة الثامنة مفهوم اللقب","level":3,"page":97},{"title":"المسألة التاسعة مفهوم الصفة","level":3,"page":98},{"title":"فرعان للمسألة التاسعة","level":4,"page":100},{"title":"الفرع الأول: التخصيص بالصفة عادة","level":5,"page":100},{"title":"الفرع الثاني: تعليق الحكم بالصفة في جنس","level":5,"page":100},{"title":"المسألة العاشرة: هل يدخل الأمر تحت الأمر؟","level":3,"page":100},{"title":"المسألة الحادية عشرة: الأمر عقيب أمر","level":3,"page":101},{"title":"القسم الثاني: في المباحث المعنوية","level":2,"page":103},{"title":"النظر الأول: في الوجوب","level":3,"page":103},{"title":"المسألة الأولى: في الواجب المخير","level":4,"page":103},{"title":"المسألة الثانية: في الواجب الموسع","level":4,"page":105},{"title":"المسألة الثالثة: في الواجب على الكفاية","level":4,"page":106},{"title":"النظر الثاني: في أحكام الوجوب","level":3,"page":107},{"title":"المسألة الأولى: فيما لا يتم امتثال الأمر إلا به","level":4,"page":107},{"title":"الفرع الأول: ما زاد على الواجب الغير مقدر","level":5,"page":107},{"title":"الفرع الثاني: إذا اختلطت منكوحة بأجنبية","level":5,"page":107},{"title":"المسألة الخامسة: الأمر بالشيء نهي عن ضده","level":4,"page":108},{"title":"المسألة السادسة: هل من شرط الوجب العقاب على الترك؟","level":4,"page":108},{"title":"المسألة السابعة فيما إذا نسخ الوجوب","level":4,"page":109},{"title":"المسألة الثامنة: ما يجوز تركه لا يجب فعله","level":4,"page":109},{"title":"الفرع الأول: هل المندوب مأمور به؟","level":5,"page":110},{"title":"الفرع الثاني: التطوع لا يجب بالشرع فيه","level":5,"page":110},{"title":"الفرع الثالث: هل المباح من التكليف؟","level":5,"page":111},{"title":"الفرع الرابع: هل المباح حسن؟","level":5,"page":111},{"title":"الفرع الخامس: هل المباح من الشرع؟","level":5,"page":111},{"title":"النظر الثالث: في المأمور به","level":3,"page":111},{"title":"المسألة الأولى تكليف ما لا يطاق","level":4,"page":111},{"title":"المسألة الثانية: تكليف الكافر بالفروع","level":4,"page":113},{"title":"المسألة الثالثة: فعل المأمور به يقتضي الإجزاء","level":4,"page":115},{"title":"المسألة الرابعة: هل القضاء يجب بأمر مجدد؟","level":4,"page":116},{"title":"المسألة الخامسة: الأمر بالأمر بالشيء","level":4,"page":117},{"title":"المسألة السادسة: الأمر بالماهية بالكلية هل هو أمر بجزئياتها؟","level":4,"page":117},{"title":"الطرف الرابع: في المأمور","level":5,"page":118},{"title":"المسألة الأولى: أمر المعدوم","level":6,"page":118},{"title":"المسألة الثانية: تكليف الغافل","level":6,"page":118},{"title":"المسألة الثالثة: قصد الامتثال على سبيل الطاعة","level":6,"page":119},{"title":"المسألة الخامسة: تكليف المكره","level":6,"page":120},{"title":"المسألة السادسة: متى يصير المكلف مأمورا","level":6,"page":120},{"title":"المسألة السابعة: تكليف من سيموت","level":6,"page":121},{"title":"القسم الثالث: في النواهي","level":2,"page":122},{"title":"المسألة الأولى: ظاهر النهي للتحريم","level":3,"page":122},{"title":"المسألة الثانية: دلالة النهي على التكرار","level":3,"page":122},{"title":"المسألة الثالثة: في كون الشيء مأمورا به ومنهيا عنه","level":3,"page":123},{"title":"المسألة الرابعة اقتضاء النهي الفساد","level":3,"page":124},{"title":"المسألة الخامسة اقتضاء النهي الصحة","level":3,"page":124},{"title":"المسألة السادسة: ما هو المطلوب بالنهي؟","level":3,"page":126},{"title":"المسألة السابعة: النهي على الجمع وعلى البدل","level":3,"page":127},{"title":"الكلام في العموم والخصوص","level":1,"page":128},{"title":"القسم الأول","level":2,"page":128},{"title":"الشطر الأول: في العموم","level":3,"page":128},{"title":"المسألة الأولى: حد العام","level":4,"page":128},{"title":"المسألة الثانية: وجوه إفادة اللفظ العموم","level":4,"page":128},{"title":"المسألة الثالثة: المطلق","level":4,"page":129},{"title":"المسألة الرابعة: لفظ: أي وما ومن وأين ومتى في الاستفهام والمجازاة وكل وجميع","level":4,"page":129},{"title":"المسألة الخامسة: الجمع المعرف بلام الجنس","level":4,"page":135},{"title":"المسألة السادسة: الجمع المضاف","level":4,"page":136},{"title":"المسألة السابعة: الجماعة إذا أمروا بصيغة الجمع","level":4,"page":136},{"title":"الشطر الثاني: في ما ليس من العموم","level":3,"page":136},{"title":"المسألة الأولى: الواحد المعرف","level":4,"page":136},{"title":"المسألة الثانية: في أقل الجمع","level":4,"page":137},{"title":"المسألة الثالثة: مسمى الجمع المنكر","level":4,"page":139},{"title":"المسألة الرابعة: نفي الاستواء","level":4,"page":139},{"title":"المسألة الخامسة: قوله: (يا أيها النبي) هل يتناول الأمة؟","level":4,"page":140},{"title":"المسألة السادسة: خطاب الذكور لا يتناول الإناث","level":4,"page":140},{"title":"المسألة السابعة: عموم الاقتضاء","level":4,"page":141},{"title":"المسألة الثامنة: عمل النية في غير الملفوظ","level":4,"page":141},{"title":"المسألة التاسعة ترك الاستفصال في حكاية الحال","level":4,"page":142},{"title":"المسألة العاشرة: العطف على العام","level":4,"page":143},{"title":"المسألة الحادية عشرة خطاب المشافهة هل يتناول المعدوم؟","level":4,"page":143},{"title":"المسألة الثانية عشرة: قول الصحابي: نهى النبي صلى الله عليه عن كذا وقضى كذا","level":4,"page":144},{"title":"المسألة الثالثة عشرة: قول الراوي: كان الرسول يجمع بين الصلاتين","level":4,"page":144},{"title":"المسألة الرابعة عشرة: قول الراوي: صلى رسول الله بعد الشفق","level":4,"page":144},{"title":"المسألة الخامسة عشرة: عموم المفهوم","level":4,"page":145},{"title":"القسم الثاني: في الخصوص","level":2,"page":146},{"title":"المسألة الأولى: حد التخصيص","level":3,"page":146},{"title":"المسألة الثانية: في الفرق بين التخصيص والنسخ","level":3,"page":146},{"title":"المسألة الثالثة ما يقلا التخصص وما لا يقبل","level":3,"page":147},{"title":"المسألة الرابعة: إطلاق لفظ العام لإرادة الخاص","level":3,"page":147},{"title":"المسألة الخامسة: فيما ينتهي إليه التخصيص","level":3,"page":148},{"title":"المسألة السادسة: العام المخصوص حقيقة أم مجاز؟","level":3,"page":148},{"title":"المسألة السابعة التمسك بالعام المخصوص","level":3,"page":149},{"title":"المسألة الثامنة: العمل بالعام قبل البحث عن مخصص","level":3,"page":150},{"title":"القسم الثالث: في تخصيص العام","level":2,"page":151},{"title":"الباب الأول: في الاستثناء","level":3,"page":151},{"title":"المسألة الأولى حد الاستثناء","level":4,"page":151},{"title":"المسألة الأولى: اتصال الاستثناء في الكلام","level":4,"page":151},{"title":"المسألة الثالثة: الاستثناء من غير الجنس","level":4,"page":152},{"title":"المسألة الثالثة: الاستثناء المستغرق","level":4,"page":153},{"title":"المسألة الرابعة الاستثناء من الإثبات ومن النفي","level":4,"page":154},{"title":"المسألة الخامسة: الاستثناءات إذا تعددت","level":4,"page":155},{"title":"المسألة السادسة: الاستثناء عقيب الجمل","level":4,"page":155},{"title":"الباب الثاني: التخصيص بالشرط","level":3,"page":157},{"title":"المسألة الأولى: حد الشرط","level":4,"page":157},{"title":"المسألة الثانية: صيغة الشرط","level":4,"page":157},{"title":"المسألة الثالثة: وجود الشرط دفعة ومتعاقبا","level":4,"page":158},{"title":"المسألة الرابعة: ترتب الجزاء على شرطين","level":4,"page":158},{"title":"المسألة الخامسة: الشرط الداخل على جمل","level":4,"page":158},{"title":"المسألة السادسة: اتصال الشرط بالكلام","level":4,"page":158},{"title":"المسألة السابعة: تقديم الشرط وتأخيره","level":4,"page":159},{"title":"الباب الثالث: في التخصيص بالغاية والصفة","level":3,"page":159},{"title":"القول في التخصيص بدليل منفصل","level":1,"page":160},{"title":"الفصل الأول: العقل","level":2,"page":160},{"title":"الفصل الثاني: الحس","level":2,"page":161},{"title":"الفصل الثالث: السمع المقطوع","level":2,"page":161},{"title":"الفصل الرابع: السمع المظنون","level":2,"page":163},{"title":"القول في بناء العام على الخاص","level":1,"page":168},{"title":"القول فيما ظن أنه من مخصصات العموم","level":1,"page":171},{"title":"المسألة الأولى: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب","level":2,"page":171},{"title":"المسألة الثانية: التخصيص بمذهب الراوي","level":2,"page":172},{"title":"المسألة الثالثة: تخصيص العام بذكر بعضه","level":2,"page":172},{"title":"المسألة الرابعة: التخصيص بالعادة","level":2,"page":173},{"title":"المسألة الخامسة: دخول المخاطب في الخطاب","level":2,"page":173},{"title":"المسألة السادسة: الخطاب المتناول للنبي صلى الله عليه والأمة","level":2,"page":173},{"title":"المسألة السابعة: الخطاب المتناول للكافر والعبد","level":2,"page":173},{"title":"المسألة الثامنة: العام في معرض المدح والذم","level":2,"page":174},{"title":"المسألة التاسعة عطف الخاص على العام","level":2,"page":174},{"title":"المسألة العاشرة: إذا تعقب العموم استثناء أو صفة أو حكم لا يتأتى إلا في بعضه","level":2,"page":174},{"title":"القسم الرابع: في حمل اللفظ المطلق على المقيد","level":2,"page":176},{"title":"القسم الرابع في المجمل والمبين","level":1,"page":178},{"title":"المقدمة في تفسير ألفاظ استعملت في هذا الباب","level":2,"page":178},{"title":"القسم الأول: في المجمل","level":2,"page":179},{"title":"المسألة الأولى: دخول الإجمال في أدلة الشرع","level":3,"page":179},{"title":"المسألة الثانية: ورود المجمل في كلام الله وكلام رسوله","level":3,"page":179},{"title":"القول فيما ظن أنه مجمل","level":4,"page":180},{"title":"المسألة الأولى: إضافة إلى التحليل والتحريم إلى الأعيان","level":5,"page":180},{"title":"المسألة الثانية: الإجمال في الأمر بمسح الرأس من آية الوضوء","level":5,"page":180},{"title":"المسألة الثالثة: دخول حرف النفي على الفعل","level":5,"page":181},{"title":"المسألة الرابعة: الإجمال في آية السرقة","level":5,"page":182},{"title":"المسألة الخامسة: حديث: «رفع عن أمتي الخطأ","level":5,"page":183},{"title":"القسم الثاني: في المبين","level":2,"page":183},{"title":"المسألة الأولى: إفادة اللفظ بنفسه","level":3,"page":183},{"title":"المسألة الثانية: بيان المجمل","level":3,"page":184},{"title":"المسألة الثالثة: هل يكون الفعل بيانا؟","level":3,"page":184},{"title":"المسألة الرابعة: رجحان القول على الفعل في البيان","level":3,"page":184},{"title":"المسألة الخامسة: بيان المعلوم بالمظنون","level":3,"page":184},{"title":"المسألة السادسة: يجب بيان المبين الواجب","level":3,"page":185},{"title":"القسم الثالث: في وقت البيان","level":2,"page":185},{"title":"المسألة الأولى: تأخير البيان عن وقت الحاجة","level":3,"page":185},{"title":"المسألة الثانية: الخطاب باللفظ المشترك","level":3,"page":188},{"title":"المسألة الثالثة: تأخير التبليغ إلى وقت الحاجة","level":3,"page":189},{"title":"القسم الرابع: في المبين له","level":2,"page":189},{"title":"المسألة الأولى: يجب بيان الخطاب لمن أريد فهمه دون غيره","level":3,"page":189},{"title":"المسألة الثانية: سماع العام من غير سماع ما يخصصه","level":3,"page":190},{"title":"الكلام في الأفعال","level":1,"page":191},{"title":"القسم الأول","level":2,"page":191},{"title":"المسألة الأولى: عصمة الأنبياء","level":3,"page":191},{"title":"المسألة الثانية فيما يدل عليه فعل النبي ﷺ","level":3,"page":192},{"title":"المسألة الثالثة: وجوب وجوب التأسي","level":3,"page":196},{"title":"القسم الثاني: في التفريع","level":2,"page":197},{"title":"المسألة الأولى: وجوه فعل النبي ﷺ","level":3,"page":197},{"title":"المسألة الثانية: الفعل إذا عارضه قول","level":3,"page":197},{"title":"القسم الثالث: هل كان النبي متعبدا بشرع من قبله","level":2,"page":199},{"title":"الكلام في النسخ","level":1,"page":202},{"title":"القسم الأول","level":2,"page":202},{"title":"المسألة الأولى: معنى النسخ في اللغة","level":3,"page":202},{"title":"المسألة الثانية: حد النسخ اصطلاحا","level":3,"page":203},{"title":"المسألة الثالثة: النسخ رفع أم بيان؟","level":3,"page":204},{"title":"المسألة الرابعة: في جواز النسخ","level":3,"page":205},{"title":"المسألة الخامسة النسخ في القرآن","level":3,"page":207},{"title":"المسألة السادسة: النسخ الشيء قبل وقت فعله","level":3,"page":208},{"title":"المسألة السابعة: النسخ لا إلى بدل","level":3,"page":210},{"title":"المسألة الثامنة: النسخ إلى أثقل","level":3,"page":210},{"title":"المسألة التاسعة: نسخ التلاوة دون الحكم وبالعكس","level":3,"page":211},{"title":"المسألة العاشرة: نسخ الخبر","level":3,"page":211},{"title":"المسألة الحادية عشرة: نسخ الحكم المقيد بتأبيد","level":3,"page":212},{"title":"القسم الثاني: في الناسخ والمنسوخ","level":2,"page":213},{"title":"المسألة الأولى: وجوه نسخ السنة بالسنة","level":3,"page":213},{"title":"المسألة الثانية: نسخ الكتاب بالكتاب، ونسخ السنة بالكتاب","level":3,"page":214},{"title":"المسألة الثالثة: نسخ الكتاب بالسنة المتواترة","level":3,"page":215},{"title":"المسألة الرابعة: نسخ الإجماع والنسخ به","level":3,"page":216},{"title":"المسألة الخامسة: نسخ القياس","level":3,"page":217},{"title":"المسألة السادسة: نسخ الأصل والفحوى","level":3,"page":217},{"title":"القسم الثالث: فيما يظن أنه ناسخ","level":2,"page":217},{"title":"المسألة الأولى: الزيادة على العبادة","level":3,"page":217},{"title":"المسألة الثانية: النقصان من العبادة","level":3,"page":219},{"title":"القسم الرابع فيما به يعرف الناسخ والمنسوخ","level":2,"page":220},{"title":"الكلام في الإجماع","level":1,"page":222},{"title":"القسم الأول","level":2,"page":222},{"title":"المسألة الأولى حد الإجماع","level":3,"page":222},{"title":"المسألة الثانية: الاتفاق على ما لا يعلم من الدين ضرورة","level":3,"page":222},{"title":"المسألة الثالثة: حجية الإجماع","level":3,"page":224},{"title":"المسألة الرابعة: الإجماع عند الشيعة","level":3,"page":231},{"title":"القسم الثاني: فيما هو من الإجماع وأخرج منه","level":2,"page":233},{"title":"المسألة الأولى: إحداث قول ثالث","level":3,"page":233},{"title":"المسألة الثانية: إذا لم تفصل الأمة بين مسألتين فهل لمن بعدهم الفصل؟","level":3,"page":233},{"title":"المسألة الثالثة: جواز الإجماع بعد الخلاف","level":3,"page":234},{"title":"المسألة الرابعة حجية الإجماع بعد الخلاف","level":3,"page":235},{"title":"المسألة الخامسة: إذا انقسمت الأمة شطرين","level":3,"page":236},{"title":"المسألة السادسة: انقراض العصر في الإجماع القولي","level":3,"page":236},{"title":"المسألة السابعة: انقراض العصر في الإجماع السكوتي","level":3,"page":237},{"title":"مسألة: الإجماع المروي بطريق الآحاد","level":3,"page":237},{"title":"القسم الثالث: فيما أدخل في الإجماع وليس منه","level":2,"page":238},{"title":"المسألة الأولى: الإجماع السكوني","level":3,"page":238},{"title":"المسألة الثانية: قول الصاحبي إذا انتشر ولم يعرف له مخالف","level":3,"page":239},{"title":"المسألة الثالثة: إذا تمسك أهل العصر بدليل أو تأويل فليس لمن بعدهم إبطالهما","level":3,"page":239},{"title":"المسألة الرابعة: إجماع أهل المدينة","level":3,"page":240},{"title":"المسألة الخامسة: إجماع العترة","level":3,"page":241},{"title":"المسألة السادسة: إجماع الخلفاء الأربعة","level":3,"page":242},{"title":"المسألة السابعة: إجماع الصحابة خالف التابعي","level":3,"page":243},{"title":"المسألة الثامنة: اعتبار قول المسلم المخطئ في الأصول","level":3,"page":244},{"title":"المسألة التاسعة الإجماع مع مخالفة الواحد والاثنين","level":3,"page":244},{"title":"المسألة العاشرة: الإجماع هل ينعقد بتخلف مجتهد؟","level":3,"page":246},{"title":"القسم الرابع: في مستند الإجماع","level":2,"page":246},{"title":"المسألة الأولى: لابد للإجماع من دلالة أو أمارة","level":3,"page":246},{"title":"المسألة الثانية: وقوع الإجماع عن أمارة","level":3,"page":246},{"title":"المسألة الثالثة: الإجماع الموافق لخبر لا يلزم أن يكون لأجله","level":3,"page":247},{"title":"القسم الخامس: في المجمعين","level":2,"page":247},{"title":"القسم السادس فيما ينعقد الإجماع عليه","level":2,"page":249},{"title":"القسم السابع: في حكم الإجماع","level":2,"page":250},{"title":"الكلام في الأخبار","level":1,"page":252},{"title":"المسألة الأولى: لفظ الخبر حقيقة في القول المخصوص","level":2,"page":252},{"title":"المسألة الثانية: حد الخبر","level":2,"page":252},{"title":"المسألة الثالثة: لا يفتقر الخبر إلى إرادة","level":2,"page":253},{"title":"المسألة الرابعة: مدلول صيغة الخبر الحكم بالنسبة لا ثبوتها","level":2,"page":253},{"title":"المسألة الخامسة: الخبر إما صدق وإما كذب","level":2,"page":253},{"title":"الباب الأول: في التواتر","level":3,"page":254},{"title":"المسألة الأولى: حد التواتر","level":4,"page":254},{"title":"المسألة الثانية: المتواتر يفيد العلم","level":4,"page":254},{"title":"المسألة الثالثة: العلم عقيب التواتر ضروري","level":4,"page":255},{"title":"المسألة الرابعة في شرائط التواتر","level":4,"page":255},{"title":"المسألة الخامسة في عدد التواتر","level":4,"page":256},{"title":"المسألة السادسة: قول الأربعة الصادقين هل يفيد العلم","level":4,"page":256},{"title":"الباب الثاني: في غير المتواتر من الأخبار الصادقة","level":3,"page":257},{"title":"القول في الطرق الفاسدة","level":4,"page":259},{"title":"الباب الثالث: في الأخبار التي يقطع بكذبها","level":3,"page":260},{"title":"مسألة: عدالة الصحابة","level":4,"page":262},{"title":"الباب الرابع: في الخبر الذي لا يعرف صدقه ولا كذبه خبر الواحد","level":2,"page":263},{"title":"الباب الخامس شرائط العمل بخبر الواحد","level":2,"page":265},{"title":"الباب السادس: في المخبر عنه","level":2,"page":270},{"title":"الباب السابع: في نقل الأخبار","level":2,"page":274},{"title":"المسألة الأولى: ألفاظ الصحابة في نقل الأخبار","level":3,"page":274},{"title":"المسألة الثانية: كيفية رواية غير الصحابي","level":3,"page":275},{"title":"المسألة الثالثة: المرسل","level":3,"page":276},{"title":"المسألة الرابعة إذا سمي الأصل باسم لا يعرف","level":3,"page":278},{"title":"المسألة الخامسة: نقل الخبر بالمعنى","level":3,"page":278},{"title":"المسألة السادسة: إذا انفرد أحد الراويين بالزيادة","level":3,"page":279},{"title":"الكلام في القياس وحده","level":1,"page":281},{"title":"مسألة في المقدمات","level":2,"page":281},{"title":"القسم الأول: في أن القياس الشرعي حجة","level":2,"page":283},{"title":"المسألة الثانية: النص على علة الحكم ليس أمرا بالقياس","level":3,"page":288},{"title":"المسألة الثالثة: القياس منه جلي","level":3,"page":289},{"title":"المسألة الرابعة: قد يكون الفرع أقوى من الأصل","level":3,"page":289},{"title":"القسم الثاني: في الطرق الدالة على أن الوصف علة","level":2,"page":290},{"title":"الباب الأول: فيما تعرف به علية الوصف","level":3,"page":290},{"title":"الأول: النص","level":4,"page":290},{"title":"الثاني: الإيماء","level":4,"page":291},{"title":"الثالث: المناسبة","level":4,"page":292},{"title":"الرابع: الوصف المؤثر","level":4,"page":295},{"title":"الخامس: الشبه","level":4,"page":296},{"title":"السادس: الدوران","level":4,"page":296},{"title":"السابع: السبر والتقسيم","level":4,"page":297},{"title":"الثامن: الطرد","level":4,"page":297},{"title":"التاسع: تنقيح المناط","level":4,"page":298},{"title":"العاشر: إثبات العلة بعجز الخصم عن إبطالها","level":4,"page":298},{"title":"الباب الثاني: في مفسدات العلة","level":3,"page":299},{"title":"الأول: النقض","level":4,"page":299},{"title":"الثاني: عدم التأثير والعكس","level":4,"page":301},{"title":"الثالث: القلب","level":4,"page":302},{"title":"الرابع: القول بالموجب","level":4,"page":302},{"title":"الخامس الفرق","level":4,"page":302},{"title":"الباب الثالث: في يظن أنه مفسد للعلة","level":3,"page":303},{"title":"المسألة الأولى: التعليل بمحل الحكم","level":4,"page":304},{"title":"المسألة الثانية: التعليل بالوصف الحقيقي","level":4,"page":305},{"title":"المسألة الثالثة: التعليل بالحكمة","level":4,"page":306},{"title":"المسألة الرابعة: التعليل بالعدم","level":4,"page":306},{"title":"المسألة الخامسة: التعليل بالوصف الإضافي","level":4,"page":307},{"title":"المسألة السادسة: التعليل بالحكم الشرعي","level":4,"page":307},{"title":"المسألة السابعة: التعليل بالوصف العرفي","level":4,"page":307},{"title":"المسألة الثامنة: التعليل بالوصف المركب","level":4,"page":308},{"title":"المسألة التاسعة التعليل بالاسم","level":4,"page":309},{"title":"المسألة العاشرة: التعليل بالعلة القاصرة","level":4,"page":309},{"title":"المسألة الحادية عشرة: التعليل بالصفات المقدرة","level":4,"page":310},{"title":"المسألة الثانية عشرة: قد يكون للعلة الواحدة أحكام كثيرة","level":4,"page":310},{"title":"المسألة الثالثة عشرة: الاستدلال بذات العلة","level":4,"page":311},{"title":"المسألة الرابعة عشرة: تعليل الحكم العدمي بالوصف الوجودي","level":4,"page":311},{"title":"المسألة الخامسة عشرة: هل من شرط علة الأصل الاتفاق عليها","level":4,"page":312},{"title":"القسم الثالث: في البحث عن الحكم والأصل والفرع","level":2,"page":313},{"title":"الباب الأول: في الحكم","level":3,"page":313},{"title":"المسألة الأولى: القياس في العقليات اللغات","level":4,"page":313},{"title":"المسألة الثانية: القياس في اللغات","level":4,"page":314},{"title":"المسألة الثالثة: القياس في الأسباب","level":4,"page":316},{"title":"المسألة الرابعة الاستدلال على النفي بقياس الدلالة","level":4,"page":316},{"title":"المسألة الخامسة: إثبات أصول العبادات بالقياس","level":4,"page":316},{"title":"المسألة السادسة: إثبات المقدرات والكفارات والحدود والرخص بالقياس","level":4,"page":316},{"title":"المسألة السابعة: إثبات ما طريقه العادة بالقياس","level":4,"page":317},{"title":"المسألة الثامنة: كل ما لا يتعلق به عمل لا يثبت بالقياس","level":4,"page":317},{"title":"المسألة التاسعة: القياس إذا خالف النص المتواتر","level":4,"page":318},{"title":"المسألة العاشرة: التعبد في جميع الشرع بالقياس","level":4,"page":318},{"title":"الباب الثاني: في حكم الأصل","level":3,"page":318},{"title":"القسم الأول: في شرائطه","level":4,"page":318},{"title":"القسم الثاني: إذا كان حكم الأصل على خلاف القياس","level":4,"page":319},{"title":"القسم الثالث: فيما جعل شرطا","level":4,"page":320},{"title":"الباب الثالث: في الفرع","level":3,"page":320},{"title":"خاتمة قياس التلازم","level":4,"page":321},{"title":"الكلام في التعادل","level":1,"page":322},{"title":"القسم الأول","level":2,"page":322},{"title":"المسألة الأولى: تعادل الأمارتين","level":3,"page":322},{"title":"المسألة الثانية: إذا وجد لمجتهد قولان","level":3,"page":324},{"title":"القسم الثاني: في مقدمات الترجيح","level":2,"page":325},{"title":"المسألة الأولى: حد الترجيح والتمسك به عند التعارض","level":3,"page":325},{"title":"المسألة الثانية: الترجيح في الأدلة اليقينية","level":3,"page":325},{"title":"المسألة الثالثة: الترجيح في العقليات","level":3,"page":326},{"title":"المسألة الرابعة: الترجيح بكثرة الأدلة","level":3,"page":326},{"title":"المسألة الخامسة: العمل بالدليلين المختلفين من وجه دون وجه","level":3,"page":327},{"title":"المسألة السادسة: الجمع بين الأدلة","level":3,"page":327},{"title":"القسم الثالث: في ترجيح الأخبار","level":2,"page":328},{"title":"القسم الرابع: في ترجيح الأقيسة","level":2,"page":334},{"title":"الكلام في الاجتهاد","level":1,"page":339},{"title":"المسألة الأولى: يجوز في أحكام الرسول صلى الله عليه ما صدر عن الاجتهاد","level":2,"page":339},{"title":"المسألة الثانية: لا يجوز الخطأ عليه فيما يجتهد فيه","level":2,"page":340},{"title":"المسألة الثالثة: التعبد بالاجتهاد في زمن النبي في حضرته وغيبته","level":2,"page":341},{"title":"المسألة الرابعة: للاجتهاد شروط","level":2,"page":342},{"title":"المسألة الخامسة تجزؤ الاجتهاد","level":2,"page":343},{"title":"المسألة السادسة: المجتهد فيه","level":2,"page":343},{"title":"المسألة السابعة: في تصويب المجتهدين في الأصول","level":2,"page":343},{"title":"المسألة الثامنة: في تصويب المجتهدين في الفروع","level":2,"page":344},{"title":"المسألة التاسعة: القول بالأشبه","level":2,"page":346},{"title":"المسألة العاشرة: تصويب الكل يؤدي إلى نزاع لا ينقطع","level":2,"page":346},{"title":"المسألة الحادية عشرة: إذا تغير اجتهاد المجتهد","level":2,"page":347},{"title":"الكلام في المفتى والمستفتى","level":1,"page":348},{"title":"القسم الأول: في المفتي","level":2,"page":348},{"title":"مسألة: إذا أفتى عن اجتهاد ثم سئل ثانيا عن تلك الحادثة","level":3,"page":348},{"title":"مسألة حكاية غير المجتهد عن غيره","level":3,"page":348},{"title":"القسم الثاني: في المستفتي","level":2,"page":349},{"title":"مسألة: يجوز للعامي تقليد المجتهد في فروع الشرع","level":3,"page":349},{"title":"المسألة الثالثة: التقليد في الفروع للعامي","level":3,"page":349},{"title":"المسألة الرابعة: في شرائط الاستفتاء","level":3,"page":350},{"title":"مسألة: الاستفتاء لا يجوز إلا ممن يغلب على ظنه أنه من أهل الاجتهاد والورع","level":4,"page":350},{"title":"المسألة الخامسة: تقليد العالم لغيره","level":3,"page":351},{"title":"المسألة السادسة: التقليد في أصول الدين","level":3,"page":353},{"title":"الكلام فيما اختلف فيه من أدلة الشرع","level":1,"page":354},{"title":"المسألة الأولى: حكم الأفعال بعد الشرع","level":2,"page":354},{"title":"المسألة الثانية: استصحاب الحال","level":2,"page":355}],"ٛ":{"1,4":1,"1,5":2,"1,7":3,"1,8":4,"1,9":5,"1,10":6,"1,11":7,"1,12":8,"1,13":9,"1,14":10,"1,15":11,"1,16":12,"1,17":13,"1,18":14,"1,19":15,"1,20":16,"1,21":17,"1,22":18,"1,27":19,"1,28":20,"1,29":21,"1,30":22,"1,31":23,"1,32":24,"1,33":25,"1,34":26,"1,35":27,"1,36":28,"1,37":29,"1,38":30,"1,39":31,"1,40":32,"1,41":33,"1,42":34,"1,43":35,"1,44":36,"1,45":37,"1,46":38,"1,47":39,"1,48":40,"1,49":41,"1,50":42,"1,51":43,"1,52":44,"1,53":45,"1,54":46,"1,55":47,"1,56":48,"1,57":49,"1,58":50,"1,59":51,"1,60":52,"1,61":53,"1,62":54,"1,63":55,"1,64":56,"1,65":57,"1,66":58,"1,67":59,"1,68":60,"1,69":61,"1,70":62,"1,71":63,"1,72":64,"1,73":65,"1,74":66,"1,75":67,"1,76":68,"1,77":69,"1,78":70,"1,79":71,"1,80":72,"1,81":73,"1,82":74,"1,83":75,"1,84":76,"1,85":77,"1,86":78,"1,87":79,"1,88":80,"1,89":81,"1,90":82,"1,91":83,"1,92":84,"1,93":85,"1,94":86,"1,95":87,"1,96":88,"1,97":89,"1,98":90,"1,99":91,"1,100":92,"1,101":93,"1,102":94,"1,103":95,"1,104":96,"1,105":97,"1,106":98,"1,107":99,"1,108":100,"1,109":101,"1,110":102,"1,111":103,"1,112":104,"1,113":105,"1,114":106,"1,115":107,"1,116":108,"1,117":109,"1,118":110,"1,119":111,"1,120":112,"1,121":113,"1,122":114,"1,123":115,"1,124":116,"1,125":117,"1,126":118,"1,127":119,"1,128":120,"1,129":121,"1,130":122,"1,131":123,"1,132":124,"1,133":125,"1,134":126,"1,135":127,"1,136":128,"1,137":129,"1,138":130,"1,139":131,"1,140":132,"1,141":133,"1,142":134,"1,143":135,"1,144":136,"1,145":137,"1,146":138,"1,147":139,"1,148":140,"1,149":141,"1,150":142,"1,151":143,"1,152":144,"1,153":145,"1,154":146,"1,155":147,"1,156":148,"1,157":149,"1,158":150,"1,159":151,"1,160":152,"1,161":153,"1,162":154,"1,163":155,"1,164":156,"1,165":157,"1,166":158,"1,167":159,"1,168":160,"1,169":161,"1,170":162,"1,171":163,"1,172":164,"1,173":165,"1,174":166,"1,175":167,"1,176":168,"1,177":169,"1,178":170,"1,179":171,"1,180":172,"1,181":173,"1,182":174,"1,183":175,"1,184":176,"1,185":177,"1,186":178,"1,187":179,"1,188":180,"1,189":181,"1,190":182,"1,191":183,"1,192":184,"1,193":185,"1,194":186,"1,195":187,"1,196":188,"1,197":189,"1,198":190,"1,199":191,"1,200":192,"1,201":193,"1,202":194,"1,203":195,"1,204":196,"1,205":197,"1,206":198,"1,207":199,"1,208":200,"1,209":201,"1,210":202,"1,211":203,"1,212":204,"1,213":205,"1,214":206,"1,215":207,"1,216":208,"1,217":209,"1,218":210,"1,219":211,"1,220":212,"1,221":213,"1,222":214,"1,223":215,"1,224":216,"1,225":217,"1,226":218,"1,227":219,"1,228":220,"1,229":221,"1,230":222,"1,231":223,"1,232":224,"1,233":225,"1,234":226,"1,235":227,"1,236":228,"1,237":229,"1,238":230,"1,239":231,"1,240":232,"1,241":233,"1,242":234,"1,243":235,"1,244":236,"1,245":237,"1,246":238,"1,247":239,"1,248":240,"1,249":241,"1,250":242,"1,251":243,"1,252":244,"1,253":245,"1,254":246,"1,255":247,"1,256":248,"1,257":249,"1,258":250,"1,259":251,"1,260":252,"1,261":253,"1,262":254,"1,263":255,"1,264":256,"1,265":257,"1,266":258,"1,267":259,"1,268":260,"1,269":261,"1,270":262,"1,271":263,"1,272":264,"1,273":265,"1,274":266,"1,275":267,"1,276":268,"1,277":269,"1,278":270,"1,279":271,"1,280":272,"1,281":273,"1,282":274,"1,283":275,"1,284":276,"1,285":277,"1,286":278,"1,287":279,"1,288":280,"1,289":281,"1,290":282,"1,291":283,"1,292":284,"1,293":285,"1,294":286,"1,295":287,"1,296":288,"1,297":289,"1,298":290,"1,299":291,"1,300":292,"1,301":293,"1,302":294,"1,303":295,"1,304":296,"1,305":297,"1,306":298,"1,307":299,"1,308":300,"1,309":301,"1,310":302,"1,311":303,"1,312":304,"1,313":305,"1,314":306,"1,315":307,"1,316":308,"1,317":309,"1,318":310,"1,319":311,"1,320":312,"1,321":313,"1,322":314,"1,323":315,"1,324":316,"1,325":317,"1,326":318,"1,327":319,"1,328":320,"1,329":321,"1,330":322,"1,331":323,"1,332":324,"1,333":325,"1,334":326,"1,335":327,"1,336":328,"1,337":329,"1,338":330,"1,339":331,"1,340":332,"1,341":333,"1,342":334,"1,343":335,"1,344":336,"1,345":337,"1,346":338,"1,347":339,"1,348":340,"1,349":341,"1,350":342,"1,351":343,"1,352":344,"1,353":345,"1,354":346,"1,355":347,"1,356":348,"1,357":349,"1,358":350,"1,359":351,"1,360":352,"1,361":353,"1,362":354,"1,363":355,"1,364":356,"1,365":357,"1,366":358},"ٜ":{"1":[4,366]},"ٝ":["1,4","1,5","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366"],"ٞ":{"3":[1,2],"6":[3],"14":[4],"16":[5],"19":[6],"21":[7,8],"22":[9,10],"23":[11,12],"25":[13],"26":[14,15],"27":[16],"28":[17,18],"30":[19],"32":[20],"34":[21],"35":[22,23,24],"36":[25],"38":[26],"39":[27,28],"40":[29,30],"41":[31,32,33],"42":[34,35],"43":[36],"44":[37,38,39],"45":[40,41],"46":[42,43,44],"47":[45],"48":[46,47],"50":[48],"51":[49],"52":[50,51,52],"53":[53,54],"54":[55,56,57],"55":[58],"57":[59],"59":[60,61,62],"60":[63],"61":[64,65],"62":[66,67],"63":[68,69],"64":[70,71],"65":[72],"66":[73],"68":[74,75],"70":[76],"71":[77,78],"72":[79,80],"73":[81],"74":[82,83],"75":[84],"76":[85,86],"77":[87,88],"78":[89,90,91],"80":[92,93],"81":[94],"82":[95],"83":[96],"84":[97,98,99],"85":[100],"86":[101,102],"88":[103,104],"92":[105],"95":[106,107],"97":[108,109],"98":[110],"100":[111,112,113,114],"101":[115],"103":[116,117,118],"105":[119],"106":[120],"107":[121,122,123,124],"108":[125,126],"109":[127,128],"110":[129,130],"111":[131,132,133,134,135],"113":[136],"115":[137],"116":[138],"117":[139,140],"118":[141,142,143],"119":[144],"120":[145,146],"121":[147],"122":[148,149,150],"123":[151],"124":[152,153],"126":[154],"127":[155],"128":[156,157,158,159,160],"129":[161,162],"135":[163],"136":[164,165,166,167],"137":[168],"139":[169,170],"140":[171,172],"141":[173,174],"142":[175],"143":[176,177],"144":[178,179,180],"145":[181],"146":[182,183,184],"147":[185,186],"148":[187,188],"149":[189],"150":[190],"151":[191,192,193,194],"152":[195],"153":[196],"154":[197],"155":[198,199],"157":[200,201,202],"158":[203,204,205,206],"159":[207,208],"160":[209,210],"161":[211,212],"163":[213],"168":[214],"171":[215,216],"172":[217,218],"173":[219,220,221,222],"174":[223,224,225],"176":[226],"178":[227,228],"179":[229,230,231],"180":[232,233,234],"181":[235],"182":[236],"183":[237,238,239],"184":[240,241,242,243],"185":[244,245,246],"188":[247],"189":[248,249,250],"190":[251],"191":[252,253,254],"192":[255],"196":[256],"197":[257,258,259],"199":[260],"202":[261,262,263],"203":[264],"204":[265],"205":[266],"207":[267],"208":[268],"210":[269,270],"211":[271,272],"212":[273],"213":[274,275],"214":[276],"215":[277],"216":[278],"217":[279,280,281,282],"219":[283],"220":[284],"222":[285,286,287,288],"224":[289],"231":[290],"233":[291,292,293],"234":[294],"235":[295],"236":[296,297],"237":[298,299],"238":[300,301],"239":[302,303],"240":[304],"241":[305],"242":[306],"243":[307],"244":[308,309],"246":[310,311,312,313],"247":[314,315],"249":[316],"250":[317],"252":[318,319,320],"253":[321,322,323],"254":[324,325,326],"255":[327,328],"256":[329,330],"257":[331],"259":[332],"260":[333],"262":[334],"263":[335],"265":[336],"270":[337],"274":[338,339],"275":[340],"276":[341],"278":[342,343],"279":[344],"281":[345,346],"283":[347],"288":[348],"289":[349,350],"290":[351,352,353],"291":[354],"292":[355],"295":[356],"296":[357,358],"297":[359,360],"298":[361,362],"299":[363,364],"301":[365],"302":[366,367,368],"303":[369],"304":[370],"305":[371],"306":[372,373],"307":[374,375,376],"308":[377],"309":[378,379],"310":[380,381],"311":[382,383],"312":[384],"313":[385,386,387],"314":[388],"316":[389,390,391,392],"317":[393,394],"318":[395,396,397,398],"319":[399],"320":[400,401],"321":[402],"322":[403,404,405],"324":[406],"325":[407,408,409],"326":[410,411],"327":[412,413],"328":[414],"334":[415],"339":[416,417],"340":[418],"341":[419],"342":[420],"343":[421,422,423],"344":[424],"346":[425,426],"347":[427],"348":[428,429,430,431],"349":[432,433,434],"350":[435,436],"351":[437],"353":[438],"354":[439,440],"355":[441]},"ٟ":[1,2,3,4,5,6,7,8,9,10,11,12,13,14,15,16,17,18]},"pages":[{"text":" «اللهم روح صدورنا بنسيم ودك واغمر أرجاء قلوبنا بغوامر من رفدك، وأذقنا حلاوة برك، وجد علينا بك، وجل أبصارنا إليك، وأسلفنا كرامتك، وسهل مقادتنا في الاستجابة لك والصبر معك، واجعل أرواحنا مغارس معرفتك، وألسنتنا قواطف وصفك في قدرتك وحكمتك».\n\nأبو حيان التوحيدي، «الإشارات الإلهية» (ص: ٦٥).","vol":"1","page":4},{"text":"﷽\nيسر «مشروع أسفار» أن يقدم للقارئ الكريم الإصدار الخامس عشر من إصدارات المشروع: كتاب (غرر المحصول)، وهو الكتاب الثاني من «سلسلة المحصوليات».\nحظي المحصول للرازي بعناية كبيرة من قبل المشتغلين بأصول الفقه من معاصري الرازي فمن جاء بعدهم، وربما غيب الزمان بعض أخبار تلك العناية، إلا أن خزائن المخطوطات لا تزال تكشف لنا على ممر الأيام شيئا مما قد اندرس من ذلك، فها هي تبعث إلينا مختصرا من مختصرات المحصول طوت كتب التراجم عنا ذكره وذكر مصنفه: أبي محمد عبد الله بن أبي منصور الواسطي البرزي (ت ٦٥٧ هـ).\nفرغبنا في إمداد المكتبة الأصولية بمختصر جديد، ذي صلة بالمحصول الذي هو من عمد علم الأصول، بما يثري للباحثين جانب الدراسات المتعلقة بجوانب التأثر والتأثير في المصنفات التعليمية من هذا الفن.\nوالله المسؤول أن يجزي مؤلف الكتاب ومحققه وكل من له إسهام في هذا المشروع خير الجزاء، وأن يسبغ عليهم من بركاته، ويهديهم سواء الصراط. والله تعالى الموفق، وهو المستعان.\n\nأسفار\nلنشر نفيس الكتب والرسائل العلمية\nدولة الكويت","vol":"1","page":5},{"text":"﷽\nتم نورك فهديت فلك الحمد، وعظم حلمك فعفوت فلك الحمد، وبسطت يدك فأعطيت فلك الحمد. ربنا وجهك أكرم الوجوه، وجاهك خير الجاه، وعطيتك أفضل العطية وأهنأها. تطاع - ربنا - فتشكر، وتعصى - ربنا - فتغفر، تجيب المضطر، وتكشف الضر، وتشفي السقيم، وتنجي من الكرب وتقبل التوبة، وتغفر الذنب، لا يجزي بالائك أحد، ولا يحصي نعماءك قول قائل (^١).\nأما بعد، فقد علمت من خبر كتاب «المحصول» لأبي عبد الله الرازي ما قد قصصنا عليك بعضه في تقدمة «المنتخب»، من عناية الناس به وصدورهم عنه حتى صار في هذا الفن إماما. وبين يديك أثر من آثار تلك العناية، ألا وهو «غرر المحصول في علم الأصول» للفقيه أبي محمد البرزي ﵀. والكتاب على فضله وحسن ترتيبه وحلاوة ألفاظه وتراكيبه، ينغص عليه أمران: أحدهما: قلة ما وصلنا من المعارف الكاشفة عن حال مؤلفه. والثاني: عدم العناية بالكتاب قديما وحديثا.\nأما أحوال المؤلف، فلم أقف له سوى على ترجمة واحدة ذكرها بعض أصحابه، وهو الحافظ جمال الدين أبو حامد ابن الصابوني (ت ٦٨٠ هـ) ﵀ (^٢).\n_________\n(^١) من دعاء علي ﵁، رواه الضبي في «الدعاء» (رقم: ٦٩)، والطبراني في «الدعاء» (رقم: ٧٣٤).\n(^٢) في كتاب «تكملة إكمال الإكمال» (ص: ٣٩) [ط المجمع العلمي العراقي]. ونقلها عنه ابن ناصر الدين الدمشقي في «توضيح المشتبه» (١/ ٤٣٦).","vol":"1","page":7},{"text":"وإليك ما وقفت عليه من خبر المصنف ﵀:\nهو أبو محمد عبد الله بن أبي منصور بن عمر بن الزبير بن المسيب (^١) البرزي (^٢) الواسطي (^٣) الفقيه. هكذا جاء نسبه في كتاب ابن الصابوني، وغاشية مخطوط «الغرر» وحلاه الناسخ بـ\"الشيخ الإمام الفقيه\".\nولا يعرف عن مكان وتأريخ ولادته ورحلاته وأسرته شيء. فيحتمل أنه ولد في برزى ثم انتقل منها إلى دمشق وتوفي فيها، - فهو دمشقي الوفاة كما سيأتي .. على عادة أهل العلم في الرحلة والخروج من أوطانهم في طلب العلم أو تحصيل الرزق (^٤).\nولا يعرف عن شيوخه ومبتدأ طلبه للعلم شيء. إلا أن من أصحابه الآخذين عنه: أبو حامد ابن الصابوني، فقد سمع منه أبياتا من شعره.\n_________\n(^١) الأصل في هذا الاسم أنه بفتح الياء المشددة، إلا في نسب سعيد بن المسيب بن حزن ﵁، ففيه اختلاف بين الفتح والكسر. انظر: «تبصير المنتبه» لابن حجر (٤/ ١٢٨٧)، ووفيات الأعيان لابن خلكان (٢/ ٣٧٨)، وتهذيب الأسماء واللغات للنووي (١/ ٥٢١) [ط كوشك].\n(^٢) ضبطه أبو حامد ابن الصابوني في «التكملة» (ص: ٣٨): \"بضم الباء الموحدة، وبعدها راء مهملة ساكنة نسبة إلى برزى قرية من عمل واسط\". وقال ياقوت في «معجم البلدان» (١/ ٣٨٣): \"برزة، بالضم … والعامة تقول: برزى ممال، قرية من نواحي واسط في أوائل نهر الغراف\". ولا أعلم عنها اليوم شيئا، إلا أن تكون هي مدينة الكوت عاصمة واسط، فإنها عند مبدء نهر الغراف.\n(^٣) نسبة لمدينة مشهورة ١٨٠ كم جنوب بغداد.\n(^٤) يذكر عن علي ﵁: \"ليس بلد أحق من بلد، خير البلاد ما حملك\"، انظر: «شرح نهج البلاغة» لابن أبي الحديد (٢٠/ ٩٠) [تـ محمد أبو الفضل إبراهيم]. ومن جملة ما درجت به الأمثال عند بعض أهل زماننا ما معناه: \"بلدك التي ترزق فيها وليس التي تولد فيها\".","vol":"1","page":8},{"text":"وأما معارفه وتحصيله في العلم ومصنفاته، فقد وصفه صاحبه ابن الصابوني بالفقه ولم يزد، مما يدل على شهرته وتخصصه في هذا العلم وغلبته عليه دون غيره وهو من جملة الشافعية كما يدل عليه كتابه هذا.\nومن جملة معارفه الشعر، فله شعر كأنه من جملة شعر الفقهاء، ولكن لم يصلنا منه ما نعرف به منزلته فيه على وجه تام، قال ابن الصابوني: \"له نظم حسن، كتبت عنه شيئا من شعره، أنشدني لنفسه بدمشق:\nكن واثقا بإله العرش معتمدا … عليه في حالتي يسر وإعسار\nفالله أرحم من تدعو وأكرم من … ترجو وأجود من يعطي بإكثار\nوأما تصانيفه، فليس نعرف منها سوى «الغرر»، وقد ذكر صاحبه أبو حامد: أنه حدث بشيء من تصانيفه، ولم يعين منها. فالله أعلم بعددها وما صنفت فيه من العلوم.\nوتوفي ﵀ بدمشق سنة سبع وخمسين وستمائة (٦٥٧ هـ). والله يرحمه ويغفر له ويتجاوز عنه ويجزيه خيرا.\nهذا الذي وقفت عليه من خبره، وكنت قبل النظر في كتاب «الغرر» على أمل أن أجد فيه ما يدل على شيء من أحواله، كبعض شيوخه ومصنفاته ونحو ذلك من نظر المصنف ومنزلته في هذا الفن، ولكن طبيعة الاختصار قد غلبت عليه، ولعله قصد بالكتاب أن يكون أشبه بما يسمى عندنا بالكتاب المدرسي.\nوأما أحوال الكتاب من جهة العناية به والاستفادة منه، فلم أقف له على","vol":"1","page":9},{"text":"ذكر في شيء من كتب التراجم أو الأصول وغيرها مع كثرة البحث والتحري، فكأن الكتاب لم يكتب. والله في خلقه شؤون.\n\n*<span data-type='title' id=toc-3> بين «الغرر»، و«التحصيل»</span>\nأشهر ما عرف من مختصرات كتاب «المحصول» في عصر للمؤلف: «الحاصل من المحصول» لتاج الدين أبو الفضائل محمد بن الحسين الأرموي ثم البغدادي (تـ ٦٥٣ هـ). وأتمه سنة (٦١٤ هـ) (^١).\nو«تحصيل الأصول من كتاب المحصول» (^٢) لسراج الدين أبي الثناء محمود بن أبي بكر الأرموي ثم الدمشقي (تـ ٦٨٢ هـ).\nوأشهر هذين الكتابين هو: «الحاصل»، لمكان مؤلفه من جهة صحبته لأبي عبد الله الرازي، ومعرفته التامة بأصول هذا الفن واقتداره على حل مشكلاته، وزد عليه: شهرة صاحبه بين أهل الفنون. ومنه أخذ البيضاوي كتابه «المنهاج» (^٣).\nولقرب العهد بين هؤلاء واشتراكهم في اختصار «المحصول»، قد ينقدح في الذهن استفادة أحدهم من الآخر. ولم يكن بين «الحاصل» وبين «التحصيل» أو «الغرر» - بعد المراجعة والبحث - صلة، مع تقدم تأليفه عنهما.\nفإن عطفت لتقارن بين «التحصيل» و«الغرر» ظهر لك القرب في اللفظ\n_________\n(^١) انظر: «كشف الظنون» للحاج خليفة (٢/ ١٦١٥).\n(^٢) هكذا سماه صاحبه في مقدمة كتابه (١/ ١٦٣). ولكن المحقق أعرض عن هذا وأثبت على صفحة العنوان «التحصيل من المحصول».\n(^٣) «نهاية السول» للإسنوي (١/¬٤).","vol":"1","page":10},{"text":"في مواطن كثيرة. حتى يخيل إليك أن أحدهما مأخوذ من الآخر، فليس بينهما كبير اختلاف سوى في ترتيب الجمل واختصار بعض المسائل.\nوبما أن صاحب «الغرر» توفي قبل سراج الدين الأرموي بخمس وعشرين سنة، فقد تقول: إن «الغرر» أصل «التحصيل». أو أنه استفاد منه.\nوقد يقوي هذا الظن: أنهما [البرزي والأرموي] سكنا دمشق واستوطناها مدة من الزمان، أما صاحبنا فتوفي فيها كما قد علمت مما سبق. وأما الأرموي، فقد سكن دمشق وصنف فيها جملة من كتبه - ومنها «التحصيل» حسبما رجح محققه -، ثم ارتحل عنها في آخر سنة (٦٥٥ هـ) إلى قونية من بلاد الروم [تركيا] وبقي فيها إلى أن توفي ﵀ (^١).\nإلا أن نظرة يسيرة تدخل في نفسك الريب، فإن سراج الدين الأرموي، وإن تأخرت وفاته، إلا أن تأليفه «التحصيل» متقدم جدا، ويدلك على هذا أن من النسخ التي وصلت إلينا من هذا الكتاب نسخة يرجع تأريخها إلى سنة (٦٥٥ هـ) (^٢). بنحو سنتين قبل وفاة صاحبنا. وقد رجح المحقق أنه فرغ منه قبل (٦٤٥ هـ) في دمشق على وجه التقريب والترجيح (^٣).\nفالظاهر (^٤) أن صاحبنا هو الذي استفاد من «التحصيل» في كتابه، ويقوي هذا: أن «الغرر» دون «التحصيل» بنحو الربع تقريبا في الحجم، وهذا\n_________\n(^١) انظر: «التحصيل» (١/ ١٢٥).\n(^٢) انظر: «التحصيل» (١/ ٨٥).\n(^٣) انظر: «التحصيل» (١/ ١٢٥).\n(^٤) استفادة صاحبنا من «التحصيل» أكاد أجزم بها، لما ذكرت من شواهد المقارنة، ولكن عبرت بالظاهر للاحتياط.","vol":"1","page":11},{"text":"نتيجة زيادة الأرموي كثيرا من الأسئلة على أدلة صاحب «المحصول».\nوتجاوز صاحب «الغرر» عن بعض الأدلة والوجوه التي كان الأرموي يذكرها تبعا «للمحصول»، وعلى كل حال فـ «الغرر» أقل ألفاظا من «التحصيل».\nوإليك مثالا تدرك به ما وراءه للمقارنة بين الكتابين في الفصل الأول:\n <table dir=rtl> <tr> <th>الغرر </th> <th>«التحصيل» (١/ ١٦٧ - ١٦٩) </th> </tr> <tr> <td>الأول: في أصول الفقه <br>معرفة المركب مرتبطة بمعرفة مفرداته من الوجه الذي وقع التركيب فيه. فالأصل: المفتقر إليه. <br>والفقه لغة: الفهم. وعند العلماء: العلم بالأحكام الشرعية العملية بحيث لا تعلم ضرورة من الشرع. <br>وما خرج بهذه القيود معلوم. <br>[وجعل الفقه علما لقطع المجتهد بوجوب العمل بظنه]، فالحكم معلوم، والظن </td> <td>المقدمة الأولى <br>أصول الفقه مركب، فيتوقف معرفته على معرفة مفرداته من حيث يصح تركبها. فالأصل هو المحتاج إليه. <br>والفقه عند العلماء: العلم بالأحكام الشرعية العملية التي لا يعرف بالضرورة كونها من الدين إذا حصل بالاستدلال على أعيانها. <br>وإنما جعل الفقه علما لقطع المجتهد بوجوب العمل بموجب ظنه فالحكم معلوم وقع الظن في طريقه. <br>وخرج عنه العلم بالذوات والصفات الحقيقية. وبالأحكام الشرعية العملية. العقلية والعلمية ككون الإجماع حجة </td> </tr> </table>","vol":"1","page":12},{"text":" <table dir=rtl> <tr> <td>واقع في طريقه. <br>وأصول الفقه: مجموع طرقه إجمالا وكيفية الاستدلال والمستدل بها. <br>[ونريد] بالكيفية الأولى: شرائط الاستدلال. وبالثانية: حد المفتي والمستفتي والمجتهد. <br>والطريق: ما يفضي النظر الصحيح فيه - وهو: ترتيب تصديقات يتوصل بها إلى [غيرها - إلى] علم أو ظن. <br>ويسمى الأول دليلا. والثاني أمارة. </td> <td>والعلم بوجوب الصوم والصلاة وعلم المستفتي. <br>*وإضافة اسم المعنى لغيره لاختصاص المضاف بالمضاف إليه في معنى لفظ المضاف*، فإذن أصول الفقه: جميع طرق الفقه من حيث هي طرق وكيفيتي الاستدلال وحال المستدل بها. <br>والطريق: ما يفضي النظر الصحيح - وهو ترتيب أمور مطابقة لمتعلقاتها في الذهن ليتوسل بها إلى غيرها - فيه إلى العلم أو الظن. <br>والأول يسمى دليلا والثاني أمارة. <br>والكيفية الأولى: بيان شرائط الاستدلال والثانية: بيان وجوب الاجتهاد على المجتهد والاستفتاء على المقلد. </td> </tr> </table>\nوأنت كما ترى، لم يصنع صاحبنا شيئا سوى أنه حذف ما بين النجمتين [**] من كلام صاحب «التحصيل»، وقدم في النص وأخر، وأبدل اللفظ في تعريف الأصل بغيره. وعلى هذا فقس في تالي فصول الكتاب. وليس يقال: إنهما صدرا عن «المحصول» فقد تجد بينهما هذا الشبه؛ لأنك إن","vol":"1","page":13},{"text":"رجعت إلى «المحصول» علمت حجم الفرق الذي بينه وبين لفظ هذين الكتابين.\nنعم، استقل صاحب «الغرر» عن «التحصيل» في النصف الثاني من الكتاب من بعض الوجوه من جهة التعبير، حتى ترى التمييز بينهما باديا بعض الشيء في آخر الكتاب، وإن كان في حالتيه لم ينفك عنه في الجملة. والتمييز الذي عنيت شيء تراكمي حصل في الكتاب شيئا فشيئا، لا تستطيع أن تعين الموطن الذي بدأ الافتراق فيه بينهما. فكأن المصنف بدأ وهو مقيد بكتاب «التحصيل» قد وقع في أسر ألفاظه وتراكيبه، ومع الاختصار والمضي في الكتابة وتكرار النظر والمراجعة استقل عنه في الشيء بعد الشيء، حتى نال منه حريته في آخر الكتاب وعتق من رقه.\nوإليك مثالا آخر للمقارنة بين الكتابين من (فصل المفتي والمستفتي) يثبت صدق ما ذكرت لك:\n <table dir=rtl> <tr> <th>«الغرر» </th> <th>«التحصيل» (٢/ ٣٠١) </th> </tr> <tr> <td>مسألة: إذا أفتى المجتهد مرة ثم سئل عنها مرة أخرى فإن ذكر طريق اجتهاده أفتى، وإلا استأنف الاجتهاد وأفتى وإن خالف الأول <br>ولقائل أن يقول: لما ظن أن </td> <td>المسألة الأولى: إذا أفتى مرة في واقعة بعد الاجتهاد، ثم سئل عنها أخرى وهو ذاكر لطريق اجتهاده أفتى وإلا استأنف الاجتهاد، فإن أدى اجتهاده إلى خلافه أفتى بموجبه. * والأحسن إعلام المستفتي أولا بذلك، كما فعله ابن </td> </tr> </table>","vol":"1","page":14},{"text":" <table dir=rtl> <tr> <td>الطريق الأول كان قويا لم يجب الاستئناف، لأن العمل بالظن واجب. <br>مسألة: إذا حكي عن الميت فتوى لم يجز العمل بها، إذ لا قول للميت، لانعقاد الإجماع مع خلافه. وإنما صدقنا كتب الفقه لاستفادة طرق الاجتهاد ومعرفة المتفق والمختلف منها. <br>وقيل: إذا روى ثقة فاهم عن مجتهد عالم ثقة حصل للعامي ظن أن حكم الله ما حكاه، والعمل بالظن واجب. وأيضا: انعقد الإجماع في زماننا على ذلك. <br>وإن حكى عن حي أو سمع منه جاز العمل به ولغيره بقوله، إذ رجع علي إلى حكاية المقداد عن النبي ﷺ في شأن المذي. وإن رواه عن كتاب موثوق بصحته جاز، وإلا فلا. والله أعلم. </td> <td>﵁ مسعود لئلا يبقى عملهم بغير موجب *. <br>وربما قيل: إنه إذا ظن أن الطريق الأول كان قويا لم يجب الاستئناف، إذ العمل بالظن واجب. <br>المسألة الثانية: اختلفوا في فتوى غير المجتهد بحكاية قول الغير. فنقول: ذلك الغير إن كان ميتا لم يجز الأخذ بقوله إذ لا قول لميت لانعقاد الإجماع على خلافه. وإنما صنفت كتب الفقه لمعرفة المتفق والمختلف واستفادة طرق الاجتهاد من تصرفهم. <br>وربما قيل: إذا كان المجتهد ثقة عالما والحاكي ثقة فاهما معنى كلامه حصل للعامي ظن أن حكم الله ما حكاه والظن حجة، وأيضا انعقد الإجماع في زماننا على هذا، إذ لا مجتهد فيه وإن كان حيا وسمع منه مشافهة فله العمل به ولغيره بقوله، إذ يجو ﵁ ز للمرأة أن تعمل في حيضها بنقل زوجها عن المفتي، ورجع علي إلى حكاية المقداد عن النبي ﷺ في شأن المذي، وإن رجع إلى كتاب موثوق به جاز أيضا. </td> </tr> </table>","vol":"1","page":15},{"text":"وعلى كل حال، فصاحب «الغرر» لا يخلو من أحد أمرين في النظر والعقل:\nإما أن يكون قد استعان في اختصاره «المحصول» بكتاب «التحصيل»، فكان ينظر في الكتابين وقد تغلب عليه عبارة الثاني في بعض المواطن. وإما أنه اختصر كتابه من «التحصيل» دون نظر لأصله.\nوإذا كنا في سعة الاحتمال ومجمل الحال، حملنا الأمر على الأول، فلنا في هذا مندوحة عن الاحتمال الثاني، صيانة للمؤلف وإحسانا للظن به أن يكون أتى بدلسة في كتابه أو أنه لم يف بما قال من أن كتابه اختصار «للمحصول». حتى تقوم بينة على خلاف هذا، فنحمل كلامه على أنه تأول شيئا ولم يصب فيه (^١). وعلى كل حال، فاستفادة المؤلف من «التحصيل» وإن كانت ظاهرة طاغية على الكتاب، لا تعني اقتصاره عليه وحده، بل لعل صواب العبارة أن يقال: أن المؤلف أثناء كتابته كان بين يديه «التحصيل» فتعجبه عبارته فيستفيد منها في كتابه، وقد يخالفه ويضع عبارة هي أولى عنده منها. ولم يزل هذا شأن الناس في العلم، يفيد بعضهم من بعض ويأخذ اللاحق من السابق.\nويبقى بعد هذا أمر لا يسعنا إلا أن نقر فيه بتقصير المؤلف سامحه الله، ألا وهو عدم ذكره - ولو بالإشارة الملغزة والتنبيه المبهم - لصاحب «التحصيل»، مع ما له عليه من منة الانتفاع بكتابه، والاستعانة به في عرض\n_________\n(^١) قال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"من أعظم التقصير: نسبة الغلط إلى متكلم مع إمكان تصحيح كلامه، وجريانه على أحسن أساليب كلام الناس\"، «مجموع الفتاوى» (٣١/ ١١٤).","vol":"1","page":16},{"text":"بضاعته. فكان حريا به أن يشير لصاحب الفضل ويدل على موطن الاستفادة ليبارك له فيما كتب ويكون قد أدى بذلك شكر العلم (^١).\nوإن كان في المقام ما يحتمل العذر للمصنف ﵀، فيقال: لعل المانع له من ذكر صاحب «التحصيل» زيادة على ما في المعاصرة الموجبة للنفرة، عظم الفرق بينهما في السن، فبين تاريخ وفاتيهما ربع قرن، وهذا يدل - في غالب الظن - على أن صاحبنا أسن من سراج الدين، فلعل هذا هو المانع له من عدم ذكره وإغفاله الإشارة إليه. على ما في هذا من منافاة أدب العلم وأخلاق العلماء وما هو اللائق بهم من نسبة الفضل لأهله والتواضع لهم فيه، ثم هبك سكت فلم تبين مأخذ كلامك، أفتحسب أن الكتاب ما عرفه غيرك؟! (^٢)، إلا أن هذا من طبائع نفوس بني آدم، يعسر عليهم التخلص منه، فتجد المرء تغالبه نفسه حتى تخرجه إلى نوع من التدليس والتعمية. والله يعفو بمنه وفضله.\n* * *\n_________\n(^١) قال أبو عبيد القاسم بن سلام: \"من شكر العلم أن تستفيد الشيء، فإذا ذكر لك قلت: خفي علي كذا وكذا، ولم يكن لي به علم حتى أفادني فلان، فهذا شكر العلم\"، «المنتظم» لابن الجوزي (١٥/ ١٣١)، وأبسط منه في «الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع» للخطيب البغدادي (رقم: ١٤٦٧). وانظر: «المزهر» للسيوطي (٢/ ٢٧٣).\n(^٢) وقف ابن حجر على كتاب شيخه ابن الملقن الذي ذيل به على «طبقات الشافعية» له، وتبين له أنه مأخوذ من «الطبقات الوسطى» لتاج الدين ابن السبكي، ولم يشر ابن الملقن لذلك، فعلق ابن حجر على طرة الكتاب ما نصه: \"أتراه ظن أن «طبقات» تاج الدين تدفن معه فلا تظهر؟ وما جوز قط أن ينقل منها نسخة أخرى؟ إن هذا لشيء عجيب\"، «الجواهر والدرر» للسخاوي (١/ ٣٩٢).","vol":"1","page":17},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-4> وصف الأصل المعتمد في تحقيق الكتاب</span>\nلا يعرف لكتاب «الغرر» سوى نسخة خطية واحدة من مودعات المكتبة الظاهرية بدمشق، تحت رقم: (٥\\ ٧٧٤) (^١). وعدد أوراقها: ٧١ ورقة في كل صفحة ٢٣ سطرا بخط دقيق حسن معجم. وفي آخر النسخة بعد تمام كتاب «الغرر» صفحتان في التنجيم والأرصاد.\nوهي نسخة قديمة جيدة، تاريخ نسخها: يوم الثلاثاء الرابع عشر من شهر جمادى الأولى سنة أربعين وسبعمئة (٧٤٠ هـ).\nوأصاب صفحة العنوان فيها بلل أو تمزق طمس به عنوان الكتاب، وبقي منه:\n\"اختصار الشيخ الفقيه الإمام أبي محمد عبد الله بن أبي منصور بن عمر بن الزبير بن المسيب الواسطي البرري (^٢) شكر الله [سعيه] \".\nوجاء في خاتمتها: \" [هذا] آخر مختصر المحصول في علم الأصول.\nواتفق الفراغ من نسخه يوم الثلاثاء الرابع عشر من شهر جمادى الأولى سنة أربعين وسبعمئة [من الهجرة] الطاهرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام على يد العبد الفقير إلى الله تعالى إبراهيم بن محمد بن مسعود الطبيق عفا الله عنه وعن والديه وعن مالكه وعن والديه وعن سائر المسلمين، وذلك\n_________\n(^١) وإنما وقفت على الكتاب وخبره من جهة الأخ محمد الفوزان شكر الله له.\n(^٢) كذا، وتقدم ضبط الكلمة.","vol":"1","page":18},{"text":"في قرية الخيالي (^١) حماها الله تعالى\".\nوعلى النسخة تملكات أثبت ما ظهر لي منها، ففي أعلى الصفحة من اليسار: \"من كتب العبد [الفقير] الحسن بن محمد [بن محمود] […] عفي عنه\".\nوتحته قريب من وسط الصفحة بخط فارسي قريب العهد: \"صار من جملة [ما] انتظم في سلك […] العبد الفقير عمر بن محمد […] بن مولانا محمد الشهير با [؟] ده كتب الله له الحسنى وزيادة. المدرس بمدرسة المرحوم إبراهيم باشا\".\nوفي طول الصفحة من اليساركتب هذا البيت من الشعر:\nويكفيك قول الناس فيما ملكته … لقد كان هذا مرة لفلان (^٢)\nوالنسخة في الجملة حسنة متقنة قليلة الخطأ والسقط، وخطها حسن، وكان ناسخها يثبت تراجم الأبواب والفصول في وسط الصفحة بقلم عريض للتمييز، ويكتب أوائل المسائل بقلم دونه أثناء السطر.\nوالنسخة مقابلة على الأصل المنسوخ منه، فكان الناسخ يثبت دائرة صغيرة عقب كل فقرة، وبعد المقابلة يضع في وسطها نقطة أمارة على تمام المقابلة، فكان من أثر هذه المقابلة والعرض على الأصل المنسوخ منه: لحق\n_________\n(^١) أحسبها من قرى ما يسمى اليوم تركيا.\n(^٢) ينسب لأبي محمد الحسن بن علي الأطروش (تـ ٣٠٤ هـ) من أئمة الزيدية في طبرستان، انظر: «كتاب المصابيح» لأبي العباس الحسني الزيدي (ص: ٦٠٤).","vol":"1","page":19},{"text":"وتصحيح يسير في هوامش النسخة، كما في: (٩ أ، ١٢ أ، ٢٣ أ، ٤٥ أ، ٥١ ب، ٥٢ ب، ٦٠ ب). ولا يظهر أن الناسخ قابلها على غير الأصل المنسوخ منه. ومع هذا يعيب هذه النسخة أمران:\nأهونهما: ما أصاب بعض أطرافها من تفشي الحبر والبلل الذي طمس بعض الجمل والكلمات. وقد تداركت جميع هذه الجمل والكلمات بحمد الله.\nوالآخر: سقوط الورقة التي قبل الأخيرة. وذهب بها معظم مسائل الفصل الأخير مع الأسف. وهذا نقص لا يتدارك.\n\n*<span data-type='title' id=toc-5> طريقة إخراج الكتاب</span>\nيعرف كل من له علم بتحقيق الكتب ما في إخراج الكتاب على نسخة واحدة من المخاطرة والجهد والتعب، فالنسخة في أحسن أحوالها إذا سلمت صورتها وقرئ خطها لم تسلم من تصحيف الناسخ وإغفاله وانتقال نظره أثناء النسخ فيذهب عليه بسبب ذلك كلمات وأحيانا جمل.\nوعلى كل حال، فنسختنا هذه على ما فيها من مواطن الطمس والبياضات التي تركها الناسخ، إلا أنها في الجملة لم يصعب العمل عليها بحمد الله، والذي ساعد في هذا أن الكتاب في أصله مختصر «للمحصول» ويستمد من «التحصيل» كما تقدم شرحه، فاستعنت بهما في استدراك الجمل والكلمات الساقطة والمطموسة.\nوليس عندي في طريقة إخراج هذا الكتاب زيادة على ما ذكرت في","vol":"1","page":20},{"text":" «المنتخب»، إلا في موطنين:\nالأول: أن الكتاب وإن كان حوى من المسائل أكثر مما في «المنتخب»، إلا أنه دونه في الحجم، وذلك لاختصاره في الألفاظ واقتصاده في التعبير عن معاني الكتاب وتجاوزه عن كثير من الأدلة. وعليه، فقد جعلت التعليق عليه من جهة العزو والتخريج على نحو ذلك. فأكتفي من ذلك بما يدل على المراد ويرفع اللبس، حتى لا ينقطع الناظر فيه عن تمام النظر بسبب الحواشي. فإن الكتاب من المختصرات التي تقصد بالشرح والحفظ، وإثقالها بالتعليق مخالف للقصد من وضعها.\nوالثاني: لم يكن بين يدي من الكتاب سوى نسخة واحدة، ولا تخلو من خطأ وسقط، وغالب هذا من الناسخ كما لا يخفى، فكان من أمري في تصحيح الكتاب:\n* ما كان من الجمل والكلمات قد أصابه الطمس، أثبته في الأصل بما ترجح عندي بعد المراجعة والنظر بين معقوفتين []. ولم أشر إلى ذلك في الحاشية لكثرته، فلا تكاد تخلو منه صفحة.\n* وما كان السقط فيه بسبب السهو وانتقال النظر، أو كان مما تركه الناسخ بياضا، فأثبته في الأصل بما ظهر لي بين معقوفتين أيضا []، ولكن مع بيان ذلك في الحاشية للتمييز.\n* وما كان في النسخة من تحريف وتصحيف، أثبت مكانه في الأصل ما حسبته صوابا ونبهت عليه في الهامش، وذكرت ما كان في الأصل. فإن","vol":"1","page":21},{"text":"كان لما في النسخة وجه - ولو كان بعيدا ـ، أبقيته على ما هو عليه، ونبهت عليه في الحاشية حتى لا يظن به الغلط بسبب الطباعة، خروجا من عهدته وبيانا لأمره.\nوبقي من معهود الفصول في المقدمة ما لم أر حاجة لذكره، إما لتقدمه\nفي مقدمة «المنتخب»، كمآخذ الكتاب وبناءه. وإما لعدم ما يوجبه ويقتضيه، كتعيين التسمية (^١). وأما بحث صحة النسبة، فليس عندي ما أذكره، والأصل صحة ما في غاشية الكتاب من النسبة حتى يقوم ما يدفعها.\nولا أنسى في ختام هذه التقدمة اليسيرة أن أشير لحق علي واجب قضاؤه لمن أعانني على نسخ الكتاب، بل نسخه كله إلا قليلا وأعني به أخي ووديدي مهند الشيباني وفقه الله وشكر له ويسر له ما رجاه.\nوبعد، فإليك من الأصول غررا كالبكر لم تفتض، والغانية لم تمس، فأكرم نزلها، وأحسن رفادتها. وأرجو أن أكون قد وفقت في إخراج الكتاب والعناية به، فلا أكون كمن أسراج مصباحا في شمس، أو أهدى حسناء إلى عنين، فإن كنت أصبت فيما أتيت، فمن الله، وإن أخطأت فمن نفسي ومن الشيطان، والله ورسوله منه بريئان.\n\"إلهي، أعوذ بك من مقال الكاذبين وإعراض الغافلين، إليك خضعت قلوب العارفين، وذلت هيبة المشتاقين. إلهي، هب لي جودك، وجللني سترك واعف عن توبيخي بكرم وجهك يا أرحم الراحمين\" (^٢).\n_________\n(^١) فقد كفانا المؤلف عناء البحث في هذا بنفسه إذ قال: \"وسميته بغرر المحصول في علم الأصول\".\n(^٢) من دعوات الإمام الشافعي ﵀، «مناقب الشافعي» للبيهقي (٢/ ١٧٦).","vol":"1","page":22},{"text":"﷽\n[وبالله تعالى نستعين]\nالحمد لله خالق الخلق ومنشئه، ومعدمه بقدرته ومشيئته، جاعل العلم منار السواد الأعظم، ومدار السداد الأسلم، وسبيل البت واليقين، ومزيل الشك والتخمين، فيه تمدح الأقوال وتحمد الأفعال، ويحسن الحال والمال، فأهله هم الوارثون لأنبياء الله وصفوته، وشهادتهم مقرونة بشهادته ﷻ وشهادة ملائكته، حمدا لا يبلغ مداه ولا يدرك منتهاه. والصلاة على من خص بالخلق العظيم والدين القويم، محمد المصطفى ونبيه المجتبى، وعلى آله وأصحابه أئمة الهدى ومصابيح الدجى، صلاة دائمة، وتحية على ممر الليالي نامية.\nوبعد، فإنه لم يصنف في أصول الفقه من المطولات أبلغ تحقيقا وأمعن تدقيقا، وأحسن ترتيبا وتلفيقا من «المحصول في علم الأصول». جزى الله مصنفه عن علماء المسلمين أفضل ما جازى به المحسنين.\nلكنه يستدعي همة عالية، ونية عن غير تحصيل العلوم خالية. وفي زماننا الهمم عنها تقاصرت، والنيات عن الاشتغال بها تفاترت، فرأيت أن اختصاره على قدر الهمم أيسر لحفظه، وأنشر لبديع فحواه ولفظه.\nفاستخرت الله تعالى في تلخيص ألفاظه ومعانيه، وتشييد قواعده","vol":"1","page":27},{"text":"ومبانيه، نازلا عن حد الإطناب الممل، مترقيا عن درجة الإيجاز المخل، فجاء بحمد الله ومنه - مع صغر حجمه - جامعا لسائر مقاصد الكتاب، حاويا لأغراض الطلاب، لم أخل فيه بأصل ولا فرع، ولا من الدلائل إلا ما ضعف أو كان قليل النفع.\nوسميته:\nبـ «غرر المحصول في علم الأصول»\nفالله تعالى ينفع المهتم بحفظه وتأمله، ويثيبنا على تقريبه ثواب من نيته خير من عمله، وبه أستعين وله أستكين.","vol":"1","page":28},{"text":"<span data-type='title' id=toc-7>الكلام في المقدمات</span>\nوفيه فصول:\nالأول: في أصول الفقه:\nمعرفة المركب مرتبطة بمعرفة مفرداته من الوجه الذي وقع التركيب فيه.\nفالأصل: المفتقر إليه.\nوالفقه لغة: الفهم. وعند العلماء: العلم بالأحكام الشرعية العملية بحيث لا تعلم ضرورة من الشرع. وما خرج بهذه القيود معلوم.\n[وجعل الفقه علما لقطع المجتهد بوجوب العمل بظنه]، فالحكم معلوم، والظن واقع في طريقه.\nوأصول الفقه: مجموع طرقه إجمالا وكيفية الاستدلال والمستدل بها.\n[ونريد] بالكيفية الأولى: شرائط الاستدلال. وبالثانية: حد المفتي والمستفتي والمجتهد.\nوالطريق: ما يفضي النظر الصحيح فيه - وهو: ترتيب تصديقات يتوصل بها إلى [غيرها - إلى] علم أو ظن.\nويسمى الأول دليلا. والثاني أمارة.","vol":"1","page":29},{"text":"الثاني: من تصور شيئا وحكم به على أمر، فهو تصديق، وإن لم يجزم وتساوى طرفاه فهو شك، وإلا، فالراجح ظن، والمرجوح وهم. وإن جزم، فإن لم يطابق، فجهل. وإن طابق لغير موجب، فتقليد. أو لموجب حسي فهو العلم بالمحسوسات، أو عقلي فهو البديهيات إن كفى تصور طرفيه، وإلا نظريا. أو مركب منهما، فهو المتواترات إن كان الحس السمع، أو من سائر الحواس والعقل فهو المجربات والحدسيات.\nولابد من تصور بديهي، دفعا للدور والتسلسل؛ لأن كل أحد يعلم ضرورة علمه بجوعه وشبعه. والتصديق مسبوق بالتصور. وكذا الظن.\nدقيقة: الفرق بين رجحان الاعتقاد واعتقاد الرجحان: أن الأول ظن، فإن طابق فصدق. وإلا فكذب. والثاني إن طابق فعلم وإلا فجهل. ونتيجة العلم علم، والظن ظن. وقد سبق تعريف الدليل والأمارة والنظر والتصديق.\n_________\nالثالث: الحكم الشرعي عندنا: الخطاب المتعلق بأفعال المكلفين باقتضاء أو تخيير.\nفإن قيل: يبطل من وجهين:\n* الأول: أنه يقتضي قدم الحكم، وذلك يمنع وصف الفعل بالحل، سو ومن صدق قولنا: المرأة حلت بعد أن حرمت. ولأنه يعلل بالحادث فيقال: أحل الوطء النكاح أو ملك اليمين.\n* الثاني: أن لا يتناول الشرطية والسببية، كالدلوك وإتلاف الصبي","vol":"1","page":30},{"text":"والمانعية والصحة والفساد.\nوالجواب: أن المعنى من حل الفعل قوله: رفعت الحرج عن فاعله، فلا يحصل له بذلك صفة، وإلا لحصل للمعدوم.\nوأما تعليقه بالمحدث، فمعناه التعريف.\nونعني بالسبب: إيجاب الفعل عنده.\nوبالصحة: الإذن في الانتفاع بالمعقود عليه.\nوبالفساد عكسه.\nوتعليق الضمان بفعل الصبي تكليف الولي بإخراجه من مال الصبي.\nالرابع: تقسيم الأحكام من وجوه:\nالأول: الخطاب: إن اقتضى جزم الفعل فإيجاب. أو الترك فتحريم.\nوبغير جزم فندب، أو كراهة. وإن لم يقتضهما فإباحة.\nوحد القاضي أبو بكر (^١) الواجب: ما يذم تاركه شرعا على بعض الوجوه. فقولنا: (يذم خير من يعاقب، ويتوعد بالعقاب، لجواز عفو الله تعالى. و«شرعا» جريا على مذهبنا (^٢). و«بعض الوجوه» ليدخل فيه الموسع\n_________\n(^١) في «التقريب والإرشاد» (١/ ٢٩٣)، و«التلخيص» (١/ ١٦٣)، وانظر: «الحدود» لابن فورك (ص: ١٣٦).\n(^٢) في كون الأحكام المقتضية للذم والمدح لا تثبت إلا من جهة الشرع، وسيأتي.","vol":"1","page":31},{"text":"والمخير وفرض الكفاية. ولا يدخل [فيه السنة وإن قوتل] عليها، لما سنجيب عنه إن شاء الله تعالى.\nوالفرض هو الواجب. وقالت الحنفية: الفرض دليله قاطع، والواجب دليله مظنون (^١). وقال أبو زيد (^٢): الفرض التقدير. والوجوب السقوط.\nفالأول نعلم تقديره علينا. والثاني نجهل سقوطه من الله تعالى.\nوهو ضعيف، إذ ليس الفرض المقدر قطعا، كما أن الواجب ليس الساقط قطعا.\nوالحرام: ما يذم فاعله شرعا. ويسمى محظورا ومعصية وذنبا ومزجورا عنه.\nوالمباح: ما أعلم أو دل فاعله أنه لا حرج في فعله وتركه شرعا، ولا [نفع] في الآخرة. ويسمى حلالا وطلقا. وقد يقال: «الحلال» لما لا ضرر في فعله، وإن حرم تركه، كدم المرتد.\nوالمندوب: ما جاز تركه وترجح فعله شرعا. فيخرج عنه: الأكل قبل ورود الشرع. وإنما ذم الفقهاء تارك جميع النوافل لاستدلالهم على استهانته في الطاعة.\nويسمى نفلا، أي غير واجب. [ومستحبا]، أي أن الله أحبه. وتطوعا،\n_________\n(^١) «الفصول» لأبي بكر الرازي (٣/ ٢٣٦)، و«أصول البزدوي» (ص: ٣٢٧) [ط البشائر]، و«السرخسي» (١/ ١١٠).\n(^٢) في (تقويم أصول الفقه وتحديد أدلة الشرع) (١/ ١٧٣) [ط دار النعمان].","vol":"1","page":32},{"text":"أي انقاد المكلف الله تعالى [فيه]. ومرغبا فيه، أي بعث على فعله بالثواب.\nوإحسانا، إذا كان نفعا للغير.\nوسنة بالعرف مختص بالمندوب. وقيل: يتناول ما وجب أو ندب بأمره ﵇، وبإدامة فعله؛ لأنها مأخوذة من الإدامة. [ولذلك] يقال: الختان من السنة (^١).\nوالمكروه: ما جاز فعله وترجح تركه. وهو مشترك بين المحظور وترك الأولى، كترك صلاة الضحى، لا لنهي ورد عنه.\n* التقسيم الثاني: الفعل حسن أو قبيح.\nوالحسن عندنا: ما لم ينه عنه، فيعم المباح وفعل الله تعالى وفعل الساهي والنائم والبهائم. والقبيح: ما نهي عنه شرعا.\nوقال أبو الحسين (^٢): القبيح هو: الذي ليس للقادر عليه العالم بحاله فعله. أو له فعله، وهو الحسن. أو يكونا على صفة يستحق لأجلها الذم أو المدح.\n_________\n(^١) انظر: «السنة» لمحمد بن نصر (ص: ١١٥) [ط العاصمة]، و«مجرد مقالات أبي الحسن الأشعري» لابن فورك (ص: ٢٦) [ط جيماريه]، و«المعتمد» لأبي الحسين البصري (١/ ٣٦٧) [ط المعهد الفرنسي]، و«العدة» لأبي يعلى (١/ ١٦٦)، و«إيضاح المحصول» للمازري (ص: ٢٤٠).\n(^٢) في «المعتمد» (١/ ٣٦٥ - ٣٦٦).","vol":"1","page":33},{"text":"والأول باطل، إذ يقال ذلك للعاجز عن الفعل، ولمن به نفرة طبيعية، وللممنوع عنه شرعا أو حسا. وشيء منها غير مراد.\nوالثاني أيضا باطل، إذ يقال: الأثر يستحق المؤثر، وبالعكس، أي يفتقر إليه لذاته. ويقال: المالك يستحق الانتفاع بملكه، أي يحسن منه. والأول باطل. والثاني دور، لتفسيره الحسن بالاستحقاق.\n* الثالث: قال الأصوليون: الخطاب قد يرد بجعل الشيء سببا ومانعا.\nفلله تعالى في الزاني حكمان: وجوب الحد، وجعل الزنا سببا له.\nولقائل أن يقول: إن عنيتم بالسبب المعرف، فهو صحيح، لكنه ليس حكما شرعيا. وإن عنيتم به المؤثر، فليس بصحيح، إذ الزنا محدث والحكم قديم، فلا يعلل به. ولأن [حقيقة الزنا بعد الجعل، إن بقيت كما كانت] لم تكن مؤثرة [كما] قبله. وإن لم تبق، فكذلك، إذ المعدوم لا يؤثر.\n* الرابع: الحكم يكون بالصحة والبطلان.\nوالمتكلمون يريدون بصحة العبادة: موافقة الشرع. والفقهاء: إسقاط القضاء. فصلاة من ظن أنه متطهر صحيحة عندهم، فاسدة عند الفقهاء.\nوالمراد بصحة العقود ترتب آثارها عليها. والبطلان والفساد عكس الصحة سواء.","vol":"1","page":34},{"text":"والفاسد مرادف للباطل عندنا. وعند الحنفية (^١): الفاسد ينعقد بأصله دون وصفه، كالربا.\nومعنى إجزاء العبادة: أن الإتيان بها كاف في سقوط التعبد. وقيل: الإجزاء سقوط القضاء (^٢).\nوهو باطل بإتيان العبادة بدون شرطها، فإنها غير مجزئة مع سقوط القضاء بالموت. ولأن القضاء يجب بأمر مجدد، لما سيأتي إن شاء الله.\nوإنما يوصف الفعل بالإجزاء إذا أمكن ترتب أثره عليه، كالصلاة والصوم، لا كمعرفة الله تعالى، ورد الودائع.\n* الخامس: العبادة إذا أديت في وقتها سميت أداء. ومرة أخرى مع خلا الأول إعادة. وبعد وقتها المضيق قضاء. إن وجد سبب [وجود] الأداء ولم يؤد، أو لم يجب الأداء لامتناعه عقلا، كالنائم والمغمى عليه، أو شرعا، كالحائض. أو يصح منه ولكن سقط وجوبه بسبب من جهته، كالسفر، أو من الله تعالى كالمرض.\nفرع: لو غلب على ظنه في الواجب الموسع أنه لو أخر مات، عصى.\n_________\n(^١) انظر: «الفصول» لأبي بكر الرازي (٢/ ١٧٨)، و«تقويم الأصول» (١/ ١١٢)، و«أصول البزدوي» (ص: ١٧٧)، و«أصول السرخسي» (١/ ٨٠)، و«ميزان الأصول» (ص: ٣٩، ٢٣٨).\n(^٢) هذا قول القاضي عبد الجبار، انظر: «المعتمد» (١/ ١٠٠).","vol":"1","page":35},{"text":"فإن لم يمت، وأتى به، فهو قضاء عند القاضي أبي بكر (^١)، لوقوعه بعد وقته المتعين [بظنه]. وأداء عند الغزالي (^٢)، إذ تبين خلاف ظنه.\n* السادس: ما جاز للمكلف فعله مع عدم المقتضي للمنع، كان عزيمة.\nومع قيامه، رخصة. وقد يجب علينا، كأكل الميتة، وقد لا يجب، كالإفطار والقصر في السفر.\n* السابع: لا نزاع في أن الحسن والقبح: بمعنى أنه ملائم للطبع ومنافر له. وكونه صفة كمال أو صفة نقص، كقولنا: العلم حسن والجهل قبيح، عقلي (^٣).\nوأما بمعنى ترتب الذم عاجلا والعقاب آجلا، فعندنا: شرعي (^٤). وعند المعتزلة: [عقلي] (^٥). بمعنى أن الفعل موصوف بصفة لأجلها استحق فاعله\n_________\n(^١) في «التقريب» (٢/ ٢٣١).\n(^٢) في «المستصفى» (١/ ٣٢١).\n(^٣) انظر: «نهاية المرام في دراية الكلام» لضياء الدين المكي (ص: ١٧٩).\n(^٤) انظر: «المجرد» (ص: ٩٤، ٩٦، ١٤١ - ١٤٣، ٣٣٥)، و«الرسالة إلى أهل الثغر» لابن مجاهد (ص: ١٣٧)، و«الإرشاد» لأبي المعالي (ص: ٢٢٨)، و«الغنية» لأبي القاسم الأنصاري (٢/ ٩٩٧). قال السمعاني في «القواطع» (٢/ ٨١٤) [ط الفاروق]، \"ونزعم أنه شعار أهل السنة\".\n(^٥) انظر: «زيادات شرح الأصول لابن خلاد لأبي طالب البطحاني (ص: ٢١٤)، و(المغني) لعبد الجبار (٦/¬١/¬٣)، والمجموع في المحيط» (١/ ٢٢٩)، و«شرح الأصول الخمسة» =","vol":"1","page":36},{"text":"العقاب والذم. والعقل يستقل بمعرفته، إما قطعا كالكذب الضار، أو ظنا كالكذب النافع. وقد لا يستقل بإدراكه، كحسن صوم رمضان، وقبح صوم العيد، فإن الشرع عرف اختصاصه بصفة لأجلها حسن وقبح.\nلنا: أن فاعل القبيح إن لم يتمكن من الترك كان اضطراريا. وإن تمكن، فإن لم يتوقف رجحان الفاعلية على مرجح كان اتفاقيا. وإن توقف، لم يكن المرجح من العبد، ويجب الفعل عنده، ولا يلزم التسلسل ولا خلاف ما فرض من المرجح التام. وحينئذ يكون اضطراريا، والاضطراري والاتفاقي لا يقبحان عقلا وفاقا.\nاحتجوا بوجوه:\nالأول: أنه لو لم [يختص] الفعل بما لأجله [ثبت] الحكم ترجح أحد الجائزين على الآخر بلا مرجح.\nالثاني: لو لم يعلم الحسن والقبح قبل الشرع لاستحال معرفته بالشرع، لعدم تعقله وتصوره.\nالثالث: أن العاقل في فطرته يختار الصدق على الكذب مع استواءهما وينفر طبعه عن الظلم ويستقبحه. وهذا يقتضي اتصافه بصفة لأجلها حسن وقبح.\nالرابع: لو حسن من الله تعالى كل شيء لحسن منه إظهار المعجزة على\n_________\n= (ص: ٢٩١) [وهبة، ٢٠١٣ م]، و«المعتمد» لابن الملاحمي (ص: ٨٢٥ - ٨٧٤)، و«الفائق» له (ص: ١١٩).","vol":"1","page":37},{"text":"يد الكاذب، فيلتبس النبي بالمتنبي. ولحسن منه الكذب، فلا تحصل الثقة بأخباره.\nوالجواب عن الأول: أن الرجحان إن افتقر إلى مرجح لزم الجبر كما سبق، وبطل القبح العقلي. وإن لم يفتقر، اندفعت الشبهة.\nوعن الثاني: أن الوقوف على الشرع ليس تصور الحسن والقبح، بل التصديق بهما، فافترقا.\nوعن الثالث: أن اختيار الصدق على الكذب ونفرة الطبع عن الظلم مع قبحه؛ لأنه لو لائمه لما أمكنه دفعه عن نفس، وإنما رغب فيه لمعارضة أخذ المال.\nوعن الرابع: أنه يجوز أن يخلق المعجز لا لغرض، أو لغرض غير التصديق، ولذا حسن الكذب.\n[وأيضا]، فوارد عليكم بحسن الكذب لإنقاذ نبيء، والخلف بالتوعد بالقتل ظلما.\n* الثامن: شكر المنعم غير واجب عقلا (^١). خلافا للمعتزلة (^٢).\n_________\n(^١) ذكر إلكيا أن هذه المسألة عين التي قبلها وليست فرعا عليها، «الإبهاج» للسبكي (١/ ٢٦١) [ط دار ابن حزم]. وانظر: «البرهان» (١/ ٩٤) [ط الديب]، و«الوصول» لابن برهان (١/ ٦٦) [ط الفاروق].\n(^٢) انظر: «المغني» (١٤/ ١٦٦)، و«شرح الأصول الخمسة» (ص: ٦٩ - ٨٠). قال القاضي=","vol":"1","page":38},{"text":"لنا وجوه:\nالأول: قوله تعالى: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾ [الإسراء: ١٥].\nالثاني: أنه تصرف (^١) في ملك الغير بغير إذنه ورضاه، فيحرم.\nالثالث: أن الشكر على نعم الله تعالى بمثابة شكر ملك عظيم على كسرة خبز.\n[الرابع]: أن الشكر منه قد لا يليق به تعالى.\nاحتجوا بوجوه:\nالأول: أن ذلك مقرر في بدائه (^٢) العقول، فالاستدلال على نقيضه لا يقدح فيه.\nالثاني: أن الشكر طريق آمن، والإعراض عنه مخوف، فكان الأول أولى عقلا.\nالثالث: الشكر لو لم يجب عقلا لما وجب النظر في المعجزة عقلا، فإنه لا فرق بين البابين، وأنه يفضي إلى إلجام الرسل؛ لأن المكلف يقول: لا أنظر في المعجزة ما لم يجب. ولا يجب إلا بالشرع، ولا يثبت الشرع إلا بالمعجزة.\n_________\n= عبد الجبار في «المغني» (١١/ ٤٢٠): \"أما الشكر، فهو: الاعتراف بنعمة المنعم مع ضرب من التعظيم\". وقال ابن الملاحمي: \"توطين النفس على تعظيم المنعم لأجل النعمة\" «الفائق» (ص: ٤١٨).\n(^١) في الأصل (تقرب).\n(^٢) في الأصل (بداية).","vol":"1","page":39},{"text":"والجواب عن الأول: أنه ممنوع في حق من لا يسره الشكر ولا يضره الكفر.\nوعن الثاني: أن الشكر طريق مخوف لما ذكرنا.\nوعن الثالث: أن الإفحام لازم على المذهبين؛ لأن العلم بوجوب النظر ليس [ضروريا بل نظريا، فللمكلف] أن يقول: لا أنظر في المعجزة ما لم يجب النظر، ولا يجب إلا بنظري، فلا أنظر.\n* التاسع: في حكم الأشياء قبل الشرع. ما يضطر المكلف إليه في الانتفاع كالتنفس، مأذون فيه قطعا، إلا إذا جوزنا تكليف ما لا يطاق.\nوما لا يكون اضطراريا، فعند معتزلة البصرة (^١) وطائفة من فقهاء الشافعية والحنفية: مباح (^٢).\nوعند معتزلة بغداذ (^٣) وطائفة\n_________\n(^١) انظر: «المغني» للقاضي عبد الجبار (١٧/ ١٤٥)، و«المعتمد» (٢/ ٨٦٨)، «المجزي» لأبي طالب البطحاني (٤/ ٣٢٩).\n(^٢) من أصحاب الشافعي: أبو حامد المروروذي، وأبو إسحاق المروزي، وابن سريج. «شرح اللمع» (٢/ ٩٧٧)، و«التبصرة» (ص: ٥٣٣)، و(القواطع) (٢/ ٨٢٢)، و«البحر المحيط» (١/ ١٤٥). ومن الحنفية الكرخي، «بذل النظر» (ص: ٦٦٣)، وأبو بكر الرازي في «الفصول» (٣/ ٢٤٨). قال أبو زيد في «التقويم» (٢/ ٩٦٦): \"قال علماؤنا بالإباحة حتى يقوم دليل الحظر\".\n(^٣) انظر ما تقدم. قال أبو إسحاق الإسفراييني في «شرح الترتيب»: \"كان أوائل القدرية يطلق أن البغداديين على الحظر، والبصريين علي الإباحة، وفصله أبو هاشم - وكان موفقا في تحقيق =","vol":"1","page":40},{"text":"من الإمامية (^١) وأبي علي بن أبي هريرة (^٢): محظور. وعند الأشعري والصيرفي وبعض الفقهاء (^٣): على الوقف، وله تفسيران: أحدهما: لا حكم. والثاني: لا نعلم (^٤).\nلنا: ما سبق من أن هذه الأحكام لا تثبت إلا بالشرع.\nحجة المباح: أنه انتفاع خال من المفسدة، ولا ضرر على المالك، فيحسن، لدوران الحسن معه في الاستظلال بحائط الغير والنظر في مرآته.\nحجة الحظر: أنه تصرف في ملك الغير بغير إذنه، فيقبح كما في الشاهد.\nوالجواب عن الأول: بمنع الحكم العقلي، وبتسليمه نقدح في الدوران بما سبق (^٥).\nوعن الثاني: أن الإذن معلوم بدليل العقل، كالاستظلال بحائط الغير.\nوأبطل الفريقان قولنا: \"لا حكم\"، بأن الحكم بالعدم حكم، ويكون متناقضا.\n_________\n= المذاهب -، فقال: الأشياء قبل الشرع عند البغداديين كالكعبي وأتباعه أنها على الحظر، في ما عدا ما للإنسان منه فكاك ولا يضطر إليه\". «البحر المحيط» (١/ ١٥٥).\n(^١) انظر: «العدة» لأبي جعفر الطوسي (٢/ ٧٤٢).\n(^٢) ما تقدم.\n(^٣) انظر: «المجرد» (ص: ٣٢) لابن فورك، وما تقدم.\n(^٤) ذكر القاضي أبو بكر - «التلخيص» (٣/ ٤٧٣) - أن أهل الحق: \"عبروا عن نفي الأحكام بالوقف، ولم يريدوا بذلك الوقف الذي يكون حكما في بعض مسائل الشرع، وإنما عنوا به: انتفاء الأحكام\". وانظر في تفسير الوقف: «القواطع» (٢/ ٨٢٨)، و«الميزان» (ص: ١٩٩)، و«النهاية» لضياء الدين المكي (ص: ٢٢٠)، و«رفع الحاجب» (١/ ٤٧٦)، و«البحر المحيط» (١/ ١٥٦)، و«التحرير» لابن العراقي (ص: ١٠٣).\n(^٥) كذا، وسيأتي في مسائل القياس.","vol":"1","page":41},{"text":"ولأن الفعل إن منع عنه فحظر، وإلا فمباح.\nوالجواب: لا تناقض في الإخبار. وليس المباح ما ذكرتموه، فإنه حاصل في فعل البهائم. بل ما سبق تعريفه (^١).\nثم هاهنا بحثان:\nالأول: معرفة أصول الفقه فرض؛ لأن معرفة حكم الله تعالى فرض إجماعا، وهو الطريق إلى معرفته، وما لا يتم [الواجب] المطلق إلا به وكان مقدورا، فهو واجب.\n* الثاني: أنه من فروض الكفايات لجواز الاستثناء.\n_________\n(^١) قال أبو منصور السمرقندي - «بذل النظر» (ص: ٦٦٣) -: \"التكلم في هذه المسألة ضائع؛ لأن زمانا لم يخل عن الشرع\". وانظر: «المقدمة» لابن القصار (ص: ١٥٦)، و«المحرر الوجيز» (١/ ١٦٢)، و«نكت المحصول» لابن العربي (ص: ٤٧٢) [ط ابن حزم]، و«الواضح» لأبي الوفاء (٣/ ١٩٥) [ط مقدسي]، و«مجموع الفتاوى» (٢١/ ٥٣٩)، و«البحر» (١/ ١٦٠).","vol":"1","page":42},{"text":"<span data-type='title' id=toc-22>الكلام في اللغات</span>\nوفيه أبواب:\n\nالأول: في أحكامها الكلية\nالنظر الأول: الكلام يقال بالاشتراك على: المعنى القائم بالنفس. وعلى الأصوات المقطعة. والبحث في الثاني.\nقال أبو الحسين (^١): هو المنتظم من حروف مسموعة متميزة متواضع عليها. صادرة عن قادر واحد. والاحترازات بهذه القيود معلومة. والحد يدخل الكلمة في الكلام. وهو قول الأصوليين. وأجمع النحاة على أن الكلام هو: \"الجملة المفيدة (^٢). و[قولهم فيه مرجح].\nقال ابن جني (^٣): يخرج (^٤) الكلام عن كونه كلاما: [بزيادة] «إن»\n_________\n(^١) «المعتمد» (١/¬١٤)، وليس فيه: (صادرة عن قادر واحد). وهل هذا القيد شرط؟! قال أبو حيان الأندلسي: \"لم ينقل عن نحوي، إنما قاله بعض من تكلم في علم الأصول\"، «التذييل والتكميل» (١/¬٣٩).\n(^٢) «الكتاب» لسيبويه (١/ ١٢٢)، وشرحه للسيرافي (١/ ٤٥٧) [ط دار الكتب العلمية]، و«شرح المفصل» (١/¬٤٦)، و«التذييل والتكميل» (١/¬٢٣)، و«ارتشاف الضرب» (٢/ ٨٣١).\n(^٣) في «الخصائص» (١/¬١٩ - ٢٠).\n(^٤) في الأصل (فلا يخرج)، ويفسد به المعنى.","vol":"1","page":43},{"text":"الشرطية على \"قام زيد\". وبالنقصان، كإسقاط زيد من ذلك.\nالثاني: في إفادة اللفظ المعنى. قال عباد الصيمري (^١): يفيده لذاته (^٢).\nمحتجا: بأنه لولا مناسبة بينهما لترجح الجائز من غير مرجح.\nوجوابه: أن الواضع إن كان الله تعالى، كان كتخصيص إيجاد العالم بوقت معين. وإن كان الناس، كان لخطور ذلك اللفظ في ذلك الوقت بالبال دون غيره. ثم لو كانت لذواتها لاعتدى إليها كل عاقل، ولما اختلفت بالنواحي والأمم.\nوقال الأشعري وابن فورك: دلالتها توقيفية (^٣)، لوجوه:\nالأول: قوله تعالى: ﴿وعلم آدم الأسماء كلها﴾ [البقرة: ٣١]. فيدل أنها توقيفية، فكذا الأفعال والحروف، لعدم القائل بالفرق. ولأنها إنما سميت أسماء لكونها علامة على مسمياتها.\n* الثاني: أن الله تعالى ذم قوما على إطلاقهم أسماء غير توقيفية بقوله\n_________\n(^١) في الأصل (عياد الضيمري)، مصحف.\n(^٢) عباد بن سليمان الصيمري، أبو سهل من أصحاب هشام بن عمرو الفوطي (تـ قـ ٣ هـ تقريبا).\nوالمنقول عنه في كتب أصحابه هو المنع من قلب الأسماء، كالحقيقة إلى المجاز والعكس.\n«التذكرة» لابن متويه (١/ ٢٠٥)، و«شرحها» (ص: ١٢١). فكأن هذا لازم قوله.\n(^٣) «المجرد» لابن فورك (ص: ٤١، ١٠٥، ١٤٩). وهو قول أبي القاسم الكعبي في أصحابه البغداديين، وأحد قولي أبي علي الجبائي، «التذكرة» لابن متويه (١/ ٢١٥) [ط جيماريه]، و«عيون المسائل» للجشمي (ص: ٣٢٧).","vol":"1","page":44},{"text":"تعالى: ﴿إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم﴾ الآية [النجم: ٢٣].\nالثالث: قوله تعالى: ﴿واختلاف ألسنتكم وألوانكم﴾ [الروم: ٢٢].\nوالمراد اختلاف لغاتكم، لا التأليف فإنه في غيرها أبلغ.\n* الرابع: لو كانت بالمواضعة لارتفع الأمان عن الشرائع، لجواز تبدل اللغات.\nوالجواب عن الأول: أن التعلم هو الفعل الصالح لتحصيل العلم، إذ يقال: علمته فما تعلم.\nوعن الثاني: لم لا يجوز أن يكون المراد من الأسماء: العلامات والصفات؟! فإن الاسم مشتق من السمة أو السمو. فكل ما يكشف عن حقيقة (^١) الشيء كان اسما. والاصطلاح عرف حادث.\nوعن الثالث: أن اللسان متروك بالإجماع، فيبقى مجازا، فنعارضه بمجاز آخر، وهو: الإقرار على اللغات.\nوعن الرابع: أن التغيير لو وقع لاشتهر. فلئن نقضوا بمعجزات الرسول والإقامة فرادى، فنجيب عنه في «الأخبار» إن شاء الله تعالى.\nوقال أبو هاشم وأتباعه: دلالة الألفاظ بالاصطلاح (^٢)، لقوله تعالى: ﴿وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه﴾ [إبراهيم: ٤]، دل على تقدم في اللغة على البعثة المتوقف عليها التوقيف.\n_________\n(^١) في الأصل (حقيقته).\n(^٢) كذا في «عيون المسائل» للحاكم الجشمي (ص: ٣٢٧). وانظر التعليق التالي.","vol":"1","page":45},{"text":"وجوابه: منع أن التوقيف متوقف على البعثة.\nوقيل: ابتداء اللغات وقع بالاصطلاح دون الباقي (^١). وقال الأستاذ أبو إسحاق عكسه (^٢).\nوالمحققون توقفوا في الكل (^٣)، لجوازها، وضعف أدلة القاطعين، ولأنه يجوز أن يضع الواحد اللفظة للمعنى، ويعرفه غيره بإيماء أو إشارة، ويساعده عليه غيره كتعليم الوالد ولده لغته.\nالثالث: في الموضوع. لما احتاج الإنسان إلى معين افتقر إلى تعريفه ما في ضميره، فوضعوا الألفاظ معرفات لما في الضمائر [سوى] الإشارة وغيرها، لسهولتها. ولأن التنفس ضروري، فالأولى صرفه إلى نفعه (^٤). ولوجودها عند الحاجة وانقضائها عند انقضائها.\n_________\n(^١) هذا هو المحقق عن أبي هاشم الجبائي في جماعة من البصريين، «التذكرة في أحكام الجواهر والأعراض» لابن متويه (١/ ٢١٥) [ط جيماريه]، و«شرحها» (ص: ١٢٥). ولم يذكر عبد الجبار سواه في «المغني» (٥/ ١٦٦). وعلى هذا يحمل النقل السابق عنه.\n(^٢) قال الأستاذ في أصول الفقه \"لابد أن يعلمهم أو يخلق لهم علما بمقدار ما يفهم بعضهم من بعض لمعنى الاصطلاح والوقوف على التسمية، فإذا عرفوه جاز أن يكون باقيه توقيفا وجاز أن يكون اصطلاحا\". «البحر» (٢/¬١٥). وانظر: «البرهان» (١/ ١٧٠)، و«الوصول» لابن برهان (١/ ١٢١).\n(^٣) اختاره القاضي أبو بكر، «التقريب» (١/ ٣٢١)، و«التلخيص» (١/ ١٧٥). ووافقه أبو المعالي في «البرهان» (١/ ١٧٠)، وابن برهان في «الوصول» (١/ ١٢١). وهذا أحد القولين لأبي علي الجبائي، (التذكرة لابن متويه (١/ ٢١٥). والتوقف: تجويز ما تقدم - خلا قول عباد ـ، للتعارض أو عدم الدليل المقتضي للقطع.\n(^٤) كذا في الأصل، والأحسن (منفعة).","vol":"1","page":46},{"text":"الرابع: لا يمكن أن يكون لكل معنى لفظ، لتناهي الألفاظ دون المعاني، فإن منها الأعداد. ثم المعنى إن اشتدت الحاجة إلى التعبير عنه، وجب وضع لفظ يدل عليه، للداعي التام والقدرة. ثم اللفظ المشهور عند الجميع، لا يجوز وضعه لمعنى خفي لا يعرفه إلا الخواص.\nوليس الغرض من وضع الألفاظ المفردة إفادة معانيها المفردة، لأن إفادتها إياها موقوف على العلم بها وهو دور. بل الغرض تفهيم ما تركب من المعاني بتركيب الألفاظ.\nوالألفاظ إنما وضعت للدلالة على المعاني الذهنية لا الخارجية، لتغير الأسامي عند تغير الصورة الذهنية واستمرار الخارجية والمركبة أيضا كذلك، فإن قولك: زيد قائم، إنما يفيد الحكم ثم يستدل بالحكم على الوجود الخارجي إذا سلم عن الخطأ.\nالخامس: معرفة العربية واجب، لتوقف معرفة شرعنا على القرآن والأخبار الواردين بها. وطريقها النقل، أو النقل والعقل. أما مجرد العقل، فلا، لما سبق أن اللغات وضعية.\nوالنقل إما متواتر يفيد العلم، أو آحاد يفيد الظن.\nفإن قيل: المتواتر ممنوع للاختلاف في الألفاظ المشهورة، كلفظ «الإله»، قيل: إنه سوري. وقيل: إنه عربي مشتق. وقيل: غير مشتق. واختلف في الإيمان والصلاة والزكاة. ولأن شرط صحته استواء الطرفين والواسطة،","vol":"1","page":47},{"text":"ولم يعلم. ثم اشتهر أن اللغة أخذت من جمع قليل، كالخليل والأصمعي وغيرهما، مع أنهم غير معصومين، وأنه قد قدح بعضهم في بعض، فكيف يقطع بشيء من مدلولاتي القرآن والأخبار؟!\nثم التمسك بالمركب موقوف على امتناع التناقض على الواضع، وهو مجهول. والإجماع فرع هذا الطريق، فإثباته [به] دور.\nوالجواب: أن العلم الضروري حاصل بأن الألفاظ المشهورة كـ «السماء» و«الأرض» كانت مستعملة زمن النبي ﷺ في معانيها المعلومة، وأكثر ألفاظ القرآن منها. وما ليست منها فإنما يثبت به الظن. ويثبت وجوب العمل بالإجماع. والإجماع يثبت بآية واردة بلغات معلومة لا مظنونة. وبهذا يزول الإشكال.\n\n<span data-type='title' id=toc-29>الباب الثاني تقسيم الألفاظ </span>من وجهين\nالأول: دلالة اللفظ على تمام مسماه مطابقة. وعلى جزئه تضمن. وعلى لازمه الخارجي التزام. ويعتبر فيه اللزوم الذهني لعدم الفهم بدونه. ولا الخارجي وهو شرط لا موجب. ويعتبر في التضمن والالتزام كونه كذلك، احتراز عما إذا دل عليه بالمطابقة على سبيل الاشتراك والدلالة الوضعية: المطابقة.\nوالباقيتان عقليتان، إذ الذهن ينتقل من المسمى إلى لازمه الداخل والخارج.\nثم اللفظ إن دل جزءه على جزء معناه، فمركب. وإن لم يدل، فمفرد، كالأبكم.","vol":"1","page":48},{"text":"الثاني: اللفظ إذا كان مدلوله لفظا، فالمدلول مفرد، أو مركب، دال على معنى، أو غير دال.\nفالأول: الكلمة.\nوالثاني: الخبر.\nوالثالث: الحرف المعجم الدال على لفظ لا يفيد.\nوالرابع: اللفظ الدال على لفظ مركب لم يوضع لمعنى، فالأشبه أنه غير موجود؛ لأن التركيب إنما يراد للإفادة، ولا إفادة.\n\n<span data-type='title' id=toc-32>الباب الثالث في الأسماء المشتقة</span>\nوفيه مسائل:\nالأولى: قال الميداني (^١): \"الاشتقاق أن تجد بين اللفظين تناسبا في المعنى والتركيب فترد أحدهما إلى الآخر\".\nوأركانه أربعة: اسم وضع لمعنى. وشيء آخر له نسبة إلى ذلك المعنى.\nومشاركتهما في الحروف الأصلية. وتغير يلحق ذلك الاسم في حرف أو حركة أو فيهما، بزيادة أو نقصان أو بهما.\n_________\n(^١) أبو الفضل أحمد بن محمد بن أحمد بن إبراهيم النيسابوري (تـ ٥١٨ هـ). ولم أقف على قوله. وانظر: الاشتقاق لابن السراج (ص: (٢٠)، و«الخصائص» (٢/ ١٣٣).","vol":"1","page":49},{"text":"الثانية: لا يصدق المشتق بدون المشتق منه، إذ المركب بدون المفرد محال. خلافا لأبي علي وأبي هاشم، إذ قالا: العلم والقدرة والحياة معان توجب العالمية والقادرية والحيية الثابتة لله تعالى دونها (^١).\nالثالثة: بقاء المشتق منه شرط. خلافا لابن سينا (^٢) وأبي هاشم (^٣)؛ لأنه يصدق بعد انقضاء الضرب أنه ليس بضارب، لصدق الأخص منه، وهو قولنا: ليس بضارب، [فـ] لم يصدق أنه ضارب، للتناقض.\nفإن قلت: لا يلزم من صدق قولنا: ليس بضارب في الحال، صدق قولنا ليس بضارب، إذ حكم الشيء يجوز وحده أن يكون مخالفا لحكمه مع غيره.\nثم هو معارض بوجوه:\nالأول: [أنه يصح تقسيم الضارب] إلى الضارب في الماضي والحال.\nالثاني: اتفق أهل اللغة على أن اسم الفاعل إذا كان بمعنى الماضي لا يعمل عمل الفعل، فسموا من وجد منه الفعل في الماضي فاعلا (^٤).\n_________\n(^١) انظر: «زادات شرح الأصول» (ص: ٩٣)، و«المعتمد» لابن الملاحمي (ص: ٣٤٧).\n(^٢) انظر: «العبارة من منطق الشفاء» لابن سينا (٣/¬١٧ - ٢٢) [ط المصرية].\n(^٣) انظر: «التذكرة» لابن متويه (١/ ٢٢٢ - ٢٢٣)، و«شرحه» (ص: ١٢٩).\n(^٤) انظر: «الكتاب» (١/ ١٣٠، ١٧٢)، و«المقتضب» (٤/ ١٤٨)، و«الأصول في النحو» (١/ ١٢٥). وفي حكاية الاتفاق نظر، انظر: شرح المفصل لابن يعيش (٦/ ١١٤) [ط سعد الدين]، والتذييل والتكميل» لأبي حيان (١٠/ ٣٢٤).","vol":"1","page":50},{"text":"الثالث: لو كان البقاء شرطا لما كان اسم المخبر والمتكلم حقيقة لعدم وجود معناهما دفعة، ولما سمي المؤمن مؤمنا إلا حال تلبسه بمعنى الإيمان.\nوالجواب عن الأول: أنه باطل بإجماع أهل اللغة، ثم نقول: مدلول الألفاظ المركبة ليس إلا التركيب الحاصل من المفردات التي هي مدلولات الألفاظ المفردة.\nوعن الثاني: أن النحاة أطلقوا ذلك على من سيفعل أيضا، وليس حقيقة.\nوعن الثالث: المعارضة باتفاقهم على أنه إذا كان بمعنى المستقبل عمل عمل الفعل.\nوعن الرابع: أن المعتبر حصول المشتق منه بتمامه إن وجد دفعة، وإلا فآخر جزء.\nوعن الخامس: أن تلك التسمية مجاز، إذ [لا] يقال لأكابر الصحابة كفرة، واليقظان نائم باعتبار ما مضى.\nالرابعة: يجب أن يشتق لمحل المعنى اسم منه، ولا يجوز أن يشتق لغير محله منه اسم. خلافا للمعتزلة فيهما (^١)، فإنهم قالوا: الله تعالى يخلق كلامه في جسم ولا يسمى ذلك الجسم متكلما. ولأن [الجارح] يسمى [جارحا] مع قيام الجرح بغيره.\n_________\n(^١) «التذكرة» لابن متويه (١/ ٢١٨). وانظر: «شرح الأصفهانية» لابن تيمية (ص: ١٩ - ٢٥) [ط المنهاج].","vol":"1","page":51},{"text":"وأيضا لفظ المكي والمدني والحداد واللابن مشتق مما يمتنع قيامه بمحل الاشتقاق.\nوأجيبوا عن الأول: أنه لو كان كذلك لسمي المحل متكلما.\nوعن الثاني: أن الجرح هو التأثير القائم بالجارح.\nوعن الثالث: أن الأصحاب لا تدعي ذلك إلا في المشتق من المصادر.\nالخامسة: المشتق لا يدل على حقيقة الماهية، بل أنه أمر ما له المشتق [منه].\n\n<span data-type='title' id=toc-38>الباب الرابع في الترادف والتوكيد</span>\nوفيه مسائل:\nالأولى: المترادفان هما: \"اللفظان المفردان الدالان على مسمى واحد باعتبار واحد\". واحترزنا \"بالإفراد\" عن الاسم والحد.\nوبالآخرين (^١) عن اللفظين الموضوعين لذاتين كالصارم والمهند.\nولذات وصفة، كالناطق والفصيح.\nوالتأكيد: \"ما أفاد تقوية ما يفهم من آخر\".\nوالتابع وحده لا يفيد بنفسه، والترادف يفيد بنفسه عين ما [أفاده الآخر، فوقع الفرق].\n_________\n(^١) في الأصل (وعن الآخرين). والمثبت هو الصحيح.","vol":"1","page":52},{"text":"الثانية: العلم الضروري حاصل في جواز التأكيد والترادف ووقوعهما باستقراء اللغات. وأنكر الملاحدة التأكيد. وقوم الترادف (^١)، وردوا ما نظن أنه من المترادفات إلى المتباينات تباين الصفتين، أو الصفة والموصوف.\n* لنا: صحة قولهم: \"أسد وليث\"، و\"خمر وسلاف\".\nثم الداعي إلى الترادف: التسهيل، والإقدار على الفصاحة برعاية الوزن والقافية وأصناف البديع، والتعبير بأحد اللفظين إذا نسي الآخر. وإن تعدد واضعه، كالقبيلين، فهو أكثر من الأول. وسيأتي فوائد التأكيد في «العموم» إن شاء الله تعالى.\nوقيل: الأصل عدم الترادف؛ لأنه يخل بالفهم. ولأنه يتضمن تعريف المعرف (^٢).\nالثالثة: يصح إقامة كل واحد من المترادفين مقام الآخر في أول النظر، لاتحاد المعنى وصحة الضم من عوارض المعاني دون الألفاظ، وليس كذلك، إذ لا يقام \"من\" من العربية مقام \"أز\" (^٣) من الفارسية. وإذا علم ذلك في لغتين جاز ذلك في لغة. والجلي من المترادفين يكون شرحا للخفي، وقد ينعكس الحال بالنسبة إلى آخرين.\n_________\n(^١) كابن الأعرابي، وثعلب، وابن الأنباري، وابن فارس، وابن درستويه، والعسكري، انظر: «الأضداد» لابن الأنباري (ص: ٧)، و«الصاحبي» (ص: ١١٤)، و«تصحيح الفصيح» (ص: (٧٠)، و«الفروق» للعسكري (ص: ١٢).\n(^٢) انظر: «البحر المحيط» (٢/ ١٠٨).\n(^٣) تصحف في الأصل إلى (أن). والمثبت هو الصواب. كما لا يخفى على من له معرفة بالفارسية.","vol":"1","page":53},{"text":"الرابعة: الشيء قد يؤكد بنفسه، كقوله ﷺ: «فنكاحها باطل باطل» (^١).\nوبغيره، فالمختص بالمفرد: \"النفس والعين\"، وبالمثنى: \"كلا وكلتا\"، وبالجمع: \"أجمعون وأكتعون وأبصعون\" و\"الكل\"، وهو أم الباب.\n\n<span data-type='title' id=toc-43>الباب الخامس في الاشتراك</span>\nوفيه مسائل:\nالأولى: المشترك هو اللفظ الموضوع لشيئين فصاعدا وضعا أولا من حيث هو كذلك. واحترزنا \"بالعدد\" عن اللفظ المفرد. و\"بالأولية\" عما يدل على واحد بالحقيقة وآخر بالمجاز. و\"من حيث هو\" عن المتواطئ، فإن تناوله للماهيات المختلفة إنما كان لاشتراكهما في المعنى الواحد لا من حيث هي مختلفة.\nثم قيل (^٢): وجوده واجب في اللغة لوجهين:\nالأول أن الألفاظ متناهية، والمعاني غير متناهية، فلو وزعت عليها لزم الاشتراك.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (رقم: ٢٠٧٢) [ط التأصيل]، والترمذي (رقم: ١١٢٥) [ط التأصيل]، وابن ماجه (رقم: ١٨٧٩) من حديث عائشة. قال أبو عيسى الترمذي: \"حديث حسن\".\nوتكلم فيه أبو داود. وانظر: «السنن الكبير» للبيهقي (١٤/ ٨٢) [ط هجر].\n(^٢) هذه الأقوال في الوجوب والامتناع، لم أقف على تعيين قائليها، والمشهور ذكرها على أنها احتمالات.","vol":"1","page":54},{"text":"الثاني: أن [اللفظ] العام - كـ «الوجود» و«الشيء» - واجب في اللغة، إذ وجود كل شيء عين ماهيته.\nوالجواب عن الأول: أن المعاني المقصودة بالتسمية متناهية، وغير المتناهي لا يخطر بالبال. ثم لا نسلم وجوب الاشتراك. سلمناه، لكن لم لا يجوز وضع الوجود لأمر عام.\nوقيل: وجوده ممتنع، لإخلاله بالفهم التام. وجوابه: أن الإخلال لا يوجب النفي كما في أسماء الأجناس.\nوالدليل على إمكانه أن الإنسان قد يؤثر تعريف الشيء إجمالا، لما في التفصيل من المفسدة، أو لأنه يعلم التفصيل. والمواضعة تابعة للغرض.\nومنهم من أنكر وقوعه (^١)، ونزل ما يظن مشتركا على المتواطئ، أو على أنه حقيقة في معنى مجاز في آخر كالعين، فإنه نقل من الجارحة المخصوصة إلى الدينار والشمس، لاشتراكهما في الضياء والصفاء. والأغلب عندنا وقوعه، لتردد الذهن عند سماع \"القرء\" بين الطهر والحيض بغير قرينة.\nالثانية: مفهوما المشترك إما متباينان، كالطهر والحيض المسميين بالقرء.\nأو بينهما تعلق، فإن كان أحدهما جزء الآخر لغير ممتنع وغير ضروري إذا\n_________\n(^١) كابن درستويه، «تصحيح الفصيح» (ص: ١٨٨)، وأبي علي الفارسي، والعسكري، «الفروق» (ص: ١٤)، و«المخصص» لابن سيده (١٣/ ٢٥٩). ومحل الخلاف: إذا اتحدت اللغة. وأما عند الاختلاف فجائز، انظر: «تصحيح الفصيح» (ص: ٧٠).","vol":"1","page":55},{"text":"قيل: الممكن عليهما، وإن لم يكن جزءه، فيكون صفة الآخر كالأسود إذا سمي به شخص أسود.\nدقيقة: إطلاق المشترك بين ثبوت الشيء ونفيه لا يفيد إلا التردد، وهو حاصل، فوضع اللفظ له عبث.\nالثالثة: سبب وقوع الاشتراك ما سبق. وطريق معرفته: سماع أهل اللغة بالتصريح به، أو وجود دليل على أن اللفظ حقيقة بالنسبة إلى معنيين.\nوقيل: يدل على الاشتراك: حسن الاستفهام لعدم الفهم. وقيل: باستعماله في حقيقتين. وسيأتي ضعفهما في باب العموم إن شاء الله تعالى.\nالرابعة: جوز الشافعي (^١) والقاضي أبوبكر (^٢)\n_________\n(^١) نقله عنه أبو المعالي في «البرهان» (١/ ٣٤٣). وانظر: «مناقب الشافعي» للرازي (ص: ١٧٩). واختلف في تحرير مذهبه، ولم أقف له على نص في هذا الباب. وقد نازع بعض المحققين في نسبته إليه، انظر: «زاد المعاد» (٦/ ٢٢٨) [ط المجمع]، و«البحر» (٢/ ١٣٤)، و«الفوائد السنية» للبرماوي (٢/ ٨٢١).\n(^٢) لأبي بكر في قوله تفصيل وتحرير، وجملة قوله في مقامين: الأول: في القصد، فالمشترك إما أن يدل على معاني متضادة، كـ «افعل» للأمر والإباحة والزجر، فمحال أن تقصد جميعا بلفظ واحد. وإما أن يدل على معاني مختلفة غير متضادة كـ «النكاح» للعقد والوطء، فلا خلاف عنده في صحة القصد إليها جميعا باللفظ الواحد في زمن واحد. الثاني: في الحمل، فالمشترك لفظ محتمل وسبيله عنده أن لا يحمل على معنييه أو معانيه أو واحد منها بل يتوقف فيه إلا بدليل يقترن به، ويفصح عن المراد منه. انظر: «التقريب الصغير» (١/ ٤٢٢ - ٤٢٧)، و«التلخيص» (١/ ٢٣٠ - ٢٣٤)، و«التحقيق والبيان» (١/ ٩١١)، =","vol":"1","page":56},{"text":"وعبد الجبار والجبائي (^١)، استعمال المشترك المفرد في معانيه على الجمع.\nومنع منه أبو هاشم وأبو الحسين البصري (^٢) والكرخي (^٣).\nوالمختار: أن المنع يرجع إلى الوضع لا إلى القصد (^٤). ويدل عليه: أن الموضوع للمفردات إن لم يوضع للمجموع لم يجز استعماله فيه، وإن وضع للمجموع، فإن استعمله فيه وحده كان مفيدا لأحد معانيه لا كلها، وإن استعمله فيه وفي كل فرد فهو متناقض، لحصول الاكتفاء بكل فرد، لاستعماله فيه. وعدم الاكتفاء بكل فرد، لاستعماله في المجموع.\nواحتج المجوزون بوجهين:\nالأول قوله تعالى: ﴿إن الله وملئكته يصلون على النبي﴾ [الأحزاب: ٥٦].\nوالصلاة من الله رحمة ومن الملائكة استغفار.\nالثاني قول سيبويه: قول القائل: \"ويل لك \" دعاء وخبر (^٥). جعله [مفيدا لهما].\nوالجواب: أن ما ذكرتم لو صح لكان اللفظ موضوعا للمجموع كما في\n_________\n= و\"نفائس الأصول\" (١/ ٣٩٨) [ط. العلمية].\n(^١) انظر: «المعتمد» لأبي الحسين (١/ ٣٢٥)، و«المجزي» لأبي طالب البطحاني (١/ ٣٣٦).\nونقل نص كلام عبد الجبار من العمد أبو جعفر الطوسي في «العدة» (١/ ٥٤).\n(^٢) انظر: ما تقدم.\n(^٣) انظر: «الفصول» (١/ ٧٦)، و«التقويم» (١/ ٢٢٠، ٢٨١)، و«أصول السرخسي» (١/ ١٦٢).\n(^٤) وهذا هو مذهب أبي الحسين البصري، واختاره الغزالي بحثا في «المستصفى» (٢/ ٧٦٠).\nوانظر ما تقدم.\n(^٥) «الكتاب» ١/ ٣٣٠). وانظر: «المقتضب» للمبرد (٣/ ٢٢٠).","vol":"1","page":57},{"text":"الآحاد، فيكون إعمالا له في بعض معانيه، لا في كلها لما بيناه.\nفرعان:\n* الأول: بعض من منع الاشتراك في المفرد [جوزه] في الجمع نفيا وإثباتا. والحق منعه؛ لأن قوله للمرأة \"اعتدي [بالأقراء معناه:] (^١) \"بقرء وقرء\"، والمفرد إنما يفيد فردا، فكذا جمعه. وأما في النفي، ففيه نظر لأنه لم يقم دليل قاطع أن الواضع ما استعمله لإفادتهما ويمكن جوابه بأن النفي يرفع مقتضى الإثبات وهو واحد فلو أريد به المسمى بهذا الاسم صار اللفظ كالمتواطئ.\n* الثاني: إذا جوزنا ذلك، فلا يجب. وقال الشافعي ﵁ (^٢) والقاضي أبوبكر ﵁ (^٣): يجب. وفيه نظر؛ لأن اللفظ إن لم يوضع للمجموع لم يجز استعماله فيه، وإن وضع - مع أنه أحد مفهوماته - لزم الترجيح بلا مرجح، فإن رجحت لكونه أحوط، فإنا نبطله.\nالخامسة: الأصل عدم الاشتراك، لوجوه:\n* الأول: حصول التفاهم من غير استكشاف.\n* الثاني: لولاه لما حصل الظن في الأدلة السمعية، واللازم منتف.\n_________\n(^١) ما بين المعقوفتين، ساقط من الأصل، أثبته لاختلال السياق من غيره.\n(^٢) انظر: «الإبهاج» (١/ ٤٤٥)، و«البحر» (٢/ ١٣٢)، و«التمهيد» للإسنوي (ص: ١٤٦) [ط الرسالة].\n(^٣) انظر: ما تقدم.","vol":"1","page":58},{"text":"* الثالث: الاشتراك يخل بفهم السامع إما لمهابة القائل أو لاستنكاف السامع عن السؤال.\nفإن قلت: الاشتراك واقع في الأسماء والأفعال والأوامر والحروف، والكلام يركب منها، والكثرة دليل الرجحان.\nقلت: الأصل في الألفاظ الأسماء، وأكثرها مفردة، وإلا لما حصل التفاهم. السادسة: المشترك إن تجرد عن القرينة دام الإجمال، لما بينا من امتناع حمله على الكل. وإن وجدت قرينة، فإن اعتبر بعض معانيه تعين. أو كلها، فإن تنافت نظر إلى المرجح، وإن لم تتنافى، قال بعضهم: ينظر إلى الترجيح بين دليل الحمل على جميع المعاني ودليل المنع. وهو خطأ؛ لأن الدليل المانع قاطع، فلا تعارض، وإن لم يتعارض حمل على كل المعاني. وإن ألغت القرينة بعضها والباقي (^١) واحد تعين. وإن كان أكثر بقي مجملا فيه.\nوإن ألغت جميعها، فإن تساوت الحقائق دون مجازاتها أو بالعكس حمل على المجاز الراجح أو مجاز الحقيقة الراجح. وإن تساوت الحقائق ومجازاتها، بقي مجملا. وإن لم تتساوى الحقائق ولا مجازاتها رجح مجاز الحقيقة الراجحة، إلا أن يكون مجازها مرجوحا فيطلب له مرجح.\n_________\n(^١) في الأصل (الثاني).","vol":"1","page":59},{"text":"السابعة: الاشتراك واقع في القرآن والأخبار لقوله تعالى ﴿قروء﴾ [البقرة: ٢٢٨]. وقوله تعالى: ﴿واليل إذا عسعس﴾ [التكوير]. فإنه مشترك بين الإقبال والإدبار.\nاحتج المانع: أن المشترك إن لم يرد منه [الإفهام، أو] أريد ولم يبين، فهو عبث. وإن بينه [مقارنا] كان تطويلا بلا فائدة. وإن لم يكن [مقارنا]، أمكن أن لا يصل إليه البيان، فيبقى الخطاب مجملا.\nوالجواب على أصلنا: أن الله يفعل ما [يشاء]. وعلى أصل المعتزلة يأتي في تأخير البيان. والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-51>الباب السادس في الحقيقة والمجاز</span>\nوفيه مسائل:\nالأولى: في تفسير لفظي الحقيقة والمجاز. والحقيقة (^١): [فعيلة] من الحق، وهو الثابت، فإنه يذكر في مقابلة الباطل المعدوم. والفعيل بمعنى الفاعل، أو المفعول. فعلى الأول معنى الحقيقة: الثابتة. وعلى الثاني: المثبتة.\nوالمجاز (^٢): مفعل من الجواز، إما بمعنى التعدي المختص بالجسم، فاستعماله في اللفظ مجاز للتشبيه، أو بالمعنى الذي هو قسيم الوجوب والامتناع، وهو راجع إلى الأول.\n_________\n(^١) انظر: «تهذيب اللغة» (٣/ ٢٤١)، و«الصحاح» (٤/ ١٤٦٠)، و«مقاييس اللغة» (٢/¬١٥).\n(^٢) انظر: «تهذيب اللغة» (١١/ ١٠٢)، و«الصحاح» (٣/ ٨٧٠)، و«مقاييس اللغة» (١/ ٤٩٤).","vol":"1","page":60},{"text":"الثانية: قال أبو الحسين (^١): الحقيقة ما أفيد بها ما وضعت له في أصل الاصطلاح الذي وقع التخاطب به. فيدخل فيه الحقيقة اللغوية والعرفية والشرعية. والمجاز: ما أفيد به معنى مصطلح عليه في تلك المواضعة التي وقع التخاطب بها لعلاقة بينهما.\nوقال أبو عبد الله البصري (^٢): الحقيقة ما أفيد بها ما وضعت له.\nوالمجاز: ما أفيد به غير ما وضع له.\nوقال ابن جني (^٣): الحقيقة ما أقرت في الاستعمال على أصل وضعها في اللغة. والمجاز: ضد ذلك.\nوالأصح الأول.\nالثالثة: لفظا الحقيقة والمجاز في معنييهما حقيقيان عرفا مجازان لغة (^٤)، لما ثبت أن الحقيقة: فعيلة من الحق، وهو الثابت. ثم نقل إلى العقد ثم إلى القول المطابقين، إذ هما أولى بالوجود. ثم إلى اللفظ المستعمل في الموضوع لتحقيق ذلك الوضع. والمجاز: مفعل من الجواز، وهو حقيقة في الأجسام. ولأن بناء المفعل للمصدر أو للموضع، فيكون للفاعل مجازا.\n_________\n(^١) في «المعتمد» (١/¬١٦). وتابعه عليه المرتضى في «الذريعة» (ص: ٣٥)، ويحيى بن حمزة العلوي في «الطراز» (١/¬٢٨).\n(^٢) انظر: «المعتمد» (١/¬١٧).\n(^٣) «الخصائص» (٢/ ٤٤٢)، وتابعه ابن سيده في «المحكم» (٢/ ٤٧٤).\n(^٤) انظر: «المجرد» لابن فورك (ص: ٢٦)، و«الطراز» (١/¬٢٨، ٣٦) لابن حمزة، و«البحر المحيط» للزركشي (٢/ ١٥٣).","vol":"1","page":61},{"text":"<span data-type='title' id=toc-55>القسم الأول: في الحقيقة</span>\nالمسألة الأولى: احتج الجمهور (^١) على إثبات الحقيقة اللغوية: بأن اللفظ إن استعمل في موضوعه الأصلي فهو الحقيقة، وإلا، فمجاز. ويلزم وجود الحقيقة؛ لأنه فرعها. وهو ضعيف، لما سنبين أن اللفظ في وضعه الأول ليس بحقيقة ولا مجاز. بل يدل عليه: أن ههنا ألفاظا استعملت في موضوعاتها، وهو المعني بالحقيقة.\nالثانية: الحقيقة العرفية: هي اللفظة المنتقلة عن معناها إلى غيره بعرف الاستعمال. والعرف يكون خاصا وعاما، وامكانهما متفق عليه. والنزاع في وقوعهما، والدليل عليه:\nأما الخاص، فما لكل طائفة من العلماء وأرباب الصنائع من ألفاظ تخصهم. وأما العام، فقد تصرف أهل العرف في ألفاظ اشتهرت في مجازاتها بحيث تستنكر معها الحقائق، كتسمية قضاء الحاجة بالغائط للموضع المطمئن من الأرض. وخصصوا الاسم ببعض مسمياته، كالدابة والجن والخابية والقارورة، فإنها مشتقة من الدبيب والاجتنان والقرار، ثم اختصت بشيء\n_________\n(^١) انظر: «التقريب» للقاضي (١/ ٣٥٨)، و«الطراز» (١/¬٣٠)، و«الإحكام» للقرافي (ص: ٢٢٠).","vol":"1","page":62},{"text":"معين. وأما على غير هذين الوجهين فلم يثبت.\nالثالثة: الحقيقة الشرعية: هي التي استفيد من الشرع وضعها للمعنى.\nوالقاضي أبوبكر منعها مطلقا (^١). والمعتزلة أثبتوها مطلقا (^٢). والحق أن إطلاقه على سبيل المجاز من الحقائق اللغوية (^٣). والدليل عليه: أن إفادتها لها لم تكن عربية لما كان القرآن جميعه عربيا؛ لأن كون اللفظ عربيا حكم يحصل له بإفادته لمعناه واللازم منتف لقوله تعالى ﴿قرآنا عربيا﴾ [يوسف: ٢].\nفإن قلت: هذا يقتضي كون هذه الألفاظ مستعملة في عين ما كانت العرب تستعملها فيه، وهذا منتف بالاتفاق. سلمناه، لكن الإفادة وإن لم تكن عربية، غير أن الكلمة تكلمت بها العرب، فكانت عربية.\nثم نقول: هي وإن كانت غير عربية، لكنها قليلة فلا يخرج القرآن بسببها عن كونه عربيا، إذ الثور الأسود مع شعرات بيض فيه، والشعر الفارسي مع كلمات عربية فيه، لا يخرج عن الأسود والفارسي.\nسلمناه، لكن القرآن يقال بالاشتراك على مجموعه وعلى بعضه،\n_________\n(^١) ونقله عن جميع السلف، انظر: «التقريب والإرشاد» (١/ ٣٨٧). وهو قول أبي الحسن الأشعري، «المجرد» (ص: ١٤٩). وتابعه جماعة كأبي حامد المروروذي، وابن القشيري، «البحر» (٢/ ١٦٠).\n(^٢) انظر: «المعتمد» لأبي الحسين (١/¬٢٣)، والفائق لابن الملاحمي (ص: ٥٢٩). ونقل الأستاذ أبو إسحاق إجماع أصحاب الشافعي على هذا سوى المروروذي والأشعري، «البحر» (٢/ ١٦٠)، وانظر: «القواطع» (١/ ٤١٥)، و«شرح اللمع» (١/ ١٧٢).\n(^٣) انظر: «البرهان» (١/ ١٦٧)، و«المستصفى» (٢/ ٥٩٦).","vol":"1","page":63},{"text":"لوجهين: الأول: لو حلف لا يقرأ القرآن، فقرأ آية حنث. الثاني: يصح قولنا: \"هذا كل القرآن\" و\"هذا بعضه\". والتكرار والنقص خلاف الأصل.\nسلمناه، لكن القرآن مشتمل على غير العربي، كالحروف في أوائل السور، والمشكاة والاستبرق والسجيل.\nثم ما ذكرتم معارض بوجهين: الأول: أن معاني الشرع حادثة، فلابد من حدوث أسمائها. الثاني: الإيمان لغة: التصديق. وشرعا: فعل الواجبات فتغايرا.\nوالجواب عن الأول: أنه يقتضي وضع هذه الألفاظ لمعان هي عند العرب حقائق فيها أو مجازات، فإنهم تكلموا بالمجاز كما تكلموا بالحقيقة، فإطلاقهم اسم الجزء على الكل مجاز مشهور، كما يقال للزنجي: أسود.\nوالدعاء أحد أجزاء المجموع المسمى بالصلاة.\nوعن الثاني: أن اللفظ إنما يصير من لغة، لأجل دلالته بذلك الوضع.\nوعن الثالث: أن ذلك الاطلاق مجاز، بدليل الاستثناء.\nوعن الرابع: أن الإجماع منعقد على أن الله تعالى لم ينزل إلا قرآنا واحدا.\nوالوجهان معارضان بصحة القول في كل آية وسورة إنه بعض القرآن.\nوعن الخامس: أن الحروف عندنا أسماء السور، ولا يمتنع أن توافق العربية لغة أخرى.","vol":"1","page":64},{"text":"وعن المعارضة: لا يكفي فيها المجاز، وهو تخصيص المطلق ببعض موارده، كما في الصلاة. والمراد من التضرع والمسألة: الصلاة.\n\n<span data-type='title' id=toc-59>فروع على القول بالنقل:</span>\n* [الأول:] والنقل خلاف الأصل، لوجوه:\nالأول: أنه يتوقف على ثبوت الوضع اللغوي ونسخه، ثم ثبوت وضع جديد. واللغوي يتم بوضع واحد، فكان الثاني أرجح. الثاني: ثبوت الحكم في الحال يفيد ظن البقاء، عملا بالاستصحاب. الثالث: أنه يخل بالفهم.\n* الثاني: في الأسماء الشرعية متواطئ بالاتفاق. وفي المشترك خلاف، والأقرب وقوعه؛ لأن لفظ \"الصلاة\" يستعمل في معان متفرقة، كصلاة الأخرس والجنازة والقاعد والصلاة بالإيماء عند الشافعي ﵁. وليس بين هذه الأشياء قدر مشترك. فيكون بالاشتراك (^١). والأظهر أن الترادف لم يوجد؛ لأنه خلاف الأصل، فيقدر بقدر الحاجة (^٢).\n* الثالث: الأقرب أنه لم يوجد الفعل والحرف الشرعي، للاستقراء.\n_________\n(^١) انظر: «نهاية الوصول» للصفي الهندي (٢/ ٣١٢)، و«البحر المحيط» (٢/ ١٧٤).\n(^٢) انظر: «نهاية السول» للإسنوي (١/ ٢٦٣).","vol":"1","page":65},{"text":"* الرابع: الأصح أن صيغ العقود إذا استعملت في الشرع لاستحداث الأحكام، إنشاءات. وهي إخبارات لغة وفاقا.\nبيان الأول من وجوه:\nالأول أنه لوكان قوله: \"أنت طالق\" إخبارا عن الماضي أو الحال، لامتنع تعليقه على شرط أو عن المستقبل، لما وقع الطلاق، كما لو صرح بقوله: \"ستصيرين طالقا\".\nالثاني أن الله تعالى أمر بالتطليق، فيستدعي القدرة عليه، ولا قدرة إلا على القول، فيكون هذا المؤثر في الطلاق.\nالثالث لو أضاف الطلاق إلى الرجعية وقع، وإن كان صادقا بدون الوقوع.","vol":"1","page":66},{"text":"<span data-type='title' id=toc-60>القسم الثاني: في المجاز</span>\nوفيه مسائل:\nالكلام في اللغات\nالأولى: المجاز إما أن يقع في مفردات الألفاظ فقط، كإطلاق الأسد على الشجاع. أو في التركيب فقط، كقوله (^١):\nأشاب الصغير وأفنى الكبيـ … ـــــر كر الغداة ومر العشي\nفإن مفردات هذا البيت مستعملة في موضوعاتها، لكن نسبة بعضها إلى بعض مجاز. أوفيهما معا، كقوله: \"أحياني اكتحالي بطلعتك\".\nالثانية: لا نشك في وجود المجاز، خلافا لقوم (^٢)؛ لأنهم استعملوا الأسد في الشجاع، والحمار في البليد. مع أنها ما وضعت لها، بل لمشابهة بينهما.\n_________\n(^١) البيت في «الحماسة» (١/ ٦٢٢)، ضمن مقطعة للصلتان العبدي من بني محارب، واسمه: قثم بن حبية.\n(^٢) حكي المنع عن الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني، «الوصول» لابن برهان (١/ ٩٧) [ط الفاروق]. قال أبو المعالي: \"الظن به أن ذلك لا يصح عنه\" «التلخيص» (١/ ١٩٣). وانظر: «البحر المحيط» (٢/ ١٨٠)، و«الإيمان» لابن تيمية (ص: ٢٧٦) [ط العاصمة]، و«الفتاوى» (٢٠/ ٤٠٠)، [وهو الذي تجرد للانتصار لهذا القول] و«مختصر الصواعق» (٢/ ٦٩٠).","vol":"1","page":67},{"text":"فإن قلت: إن اللفظ بدون القرينة لا يفيد المعنى المجازي، ومع القرينة يكون حقيقة، إذ لا يحتمل غيره. قلنا: اللفظ الذي لا يفيد إلا مع القرينة مجاز، ودلالة القرينة ليست وضعية حتى يجعل المجموع حقيقة.\nالثالثة: المجاز المفرد ينقسم اثني عشر وجها:\n* الأول: إطلاق اسم السبب على المسبب. والأسباب أربعة: القابل، كقولهم: \"سال الوادي\". والصورة، كتسمية اليد بالقدرة. والفاعل، كتسمية المطر بالسماء. والغاية، كتسمية العنب بالخمر.\n* الثاني: إطلاق اسم المسبب على السبب، كتسمية المذلة العظيمة بالموت. ويمكن إدخاله في المجاز للمشابهة. والأول أقوى.\n* الثالث: تسمية الشيء بما يشابهه ويسمى مستعارا.\n* الرابع: تسمية الشيء باسم ضده، كتسمية جزاء السيئة سيئة. ويمكن جعله مجازا للمشابهة.\n* الخامس: تسمية الجزء باسم الكل.\n* السادس: [تسمية] الكل باسم الجزء. والثاني أولى؛ لأن الأول يلازم الكل، ولا ينعكس.\n* السابع: إطلاق اسم وجود الشيء على إمكانه، كتسمية الخمر في الدن بالمسكر.\n* الثامن: إطلاق المشتق بعد زوال المشتق منه.","vol":"1","page":68},{"text":"* التاسع: الإطلاق بسبب المجاورة، كتسمية الشراب بالكأس.\nويمكن جعله مجازا بسبب القابل.\n* العاشر: المجاز بسبب أن أهل العرف نقلوا استعماله من معنى إلى معنى آخر، كتسمية الكلب بالدابة.\n* الحادي عشر: المجاز بسبب الزيادة والنقصان. وقد سبق مثالها.\n* الثاني عشر: تسمية المتعلق بالمتعلق كتسمية المقدور قدرة.\nالرابعة: المجاز إنما يدخل ابتداء في اسم الجنس؛ لأن الاسم العلم لا علاقة بين مسماه وبين الأصل، وهي شرط المجاز. ومجازية المشتق والفعل تابعة للمصدر والمشتق منه. والحرف معناه في غيره، فإن انضم إلى ما ينبغي ضمه إليه، كان حقيقة، وإلا فمجاز في التركيب.\nالخامسة: المجاز لا يكفي فيه المشابهة بل يتوقف على السمع (^١). خلافا لبعضهم (^٢)؛ لأن المشابهة لو كفت لجاز استعارة الأسد للأبخر، وهو ممتنع.\n_________\n(^١) قال أبو بكر الرازي: \"الأصل في ألفاظ المجاز أن طريقها السمع، وليس يجوز لنا أن نتعدى بها مواضعها التي تكلمت بها العرب\" «الفصول» (١/ ٣٦٧). وانظر: «التقريب» (١/ ٣٥٣)، و«التلخيص» (١/ ١٨٧)، و«المعتمد» (١/¬٣٧).\n(^٢) خالف في ذلك أبو زيد الدبوسي في «التقويم» (١/ ٢٧٦)، فاكتفى بوجود العلاقة دون النقل. وانظر: «أمالي ابن الحاجب» (٢/ ٧٩٠)، و«الإحكام» للآمدي (١/ ١٧٣)، و«شرح المختصر» للعضد (١/ ١٧٠) [ط ابن حزم]، و«البحر المحيط» (٢/ ١٩٣).","vol":"1","page":69},{"text":"فإن قلت: اتفقوا على أن استخراج وجوه المجاز تتوقف على تدقيق النظر، بخلاف النقل. قلت: الموقوف إنما هو جهات حسن المجاز لا نفسه.\nالسادسة: المجاز المركب عقلي، كقوله تعالى: ﴿وأخرجت الأرض أثقالها﴾ [الزلزلة]. إذ الإخراج مستند إلى الله تعالى. وهو حكم عقلي، فنقله إلى الأرض نقل لحكم عقلي لا للفظ لغوي.\nفإن قلت: لم لا يجوز أن يكون لفظ أخرج موضوعا لصدور الخروج عن القادر، فاستعماله في غيره يكون مجازا لغويا؟! ثم ما الفارق بين هذا المجاز وبين الكذب؟!\nقلت: لأن أمثلة الأفعال لو دلت على خصوصية المؤثر لكان لفظ أخرج خبرا تاما. وقولنا: \"أخرجه القادر\" تكرار. ثم القرائن الحالية والمقالية تفرق بينهما.\nالسابعة: المجاز جائز في الكتاب والسنة. خلافا لأبي بكر الأصفهاني (^١).\nلنا: قوله تعالى: ﴿جدارا يريد أن ينقض فأقامه﴾ [الكهف: ٧٧]، ﴿وجاء ربك﴾ [الفجر: ٢٢].\nواحتج بوجوه:\nالأول أنه لو خاطب بالمجاز لوصف بكونه متجوزا.\n_________\n(^١) نقل هذا عنه أبو عبد الله محمد بن أحمد بن سعيد الداوودي في «أصول الفتوى»، «البحر المحيط» (٢/ ١٨٧). وانظر: «الإحكام» لأبي محمد بن حزم (٤/¬٢٨).","vol":"1","page":70},{"text":"الثاني أنه يوجب الالتباس.\nالثالث يقتضي كونه عاجزا عن الحقيقة.\nوالجواب عن الأول: أن أسماء الله تعالى توقيفية. على أنها لو كانت اصطلاحية لأوهم لفظ التجوز أنه فاعل لما لا يجوز، وهو محال.\nوعن الثاني: [لا] التباس مع القرينة.\nوعن الثالث: إنما يعدل عن الحقيقة لأغراض أخر.\nالثامنة: إنما يعدل عن الحقيقة إلى المجاز: لاختصاص لفظه بالعذوبة، ومعناه بالتعظيم أو التحقير، أو لصلاحية الشعر والسجع وأصناف البديع، أو لزيادة البيان، أو تلطيف الكلام؛ لأن المجاز يوقف على مقصوده من وجه دون وجه، والحقيقة تنص على المقصود، فيبقى للنفس تشوق إلى المجاز دون الحقيقة. فلأجله كان التعبير بالمجاز آكد.\nالتاسعة: المجاز غير غالب على اللغات. وقال ابن جني (^١): أكثر اللغة مجاز، أما في الفعل، فلأن قولك: \"قام زيد\" معناه: أنه وجد منه المصدر المتناول لجميع الأفراد، ولم يوجد جميع القيام. [وهو ركيك]، إذ المصدر يدل على الماهية دون أشخاصها.\nوقال أيضا: قولك: \"ضربت زيدا ورأيته\" مجاز؛ لأنك ضربت ورأيت\n_________\n(^١) في «الخصائص» (٢/ ٤٤٧).","vol":"1","page":71},{"text":"بعضه. فنقول: زيد هو الموجود عند ولادته، فلعل الضرب وقع على جزء حادث.\nالعاشرة: المجاز خلاف الأصل لوجوه:\nالأول: أنه يتوقف بعد الوضع على النقل وعلته، بخلاف الحقيقة، فكان أندر.\nالثاني: أن الحقيقة أسبق إلى الفهم، فكانت أرجح.\nالثالث: إجماعهم على أن الأصل هو الحقيقة، قال ابن عباس: \"ما كنت أعرف معنى «فاطر»، حتى اختصم إلي اثنان في بئر، فقال أحدهما: فطرها أبي. [أي] اخترعها\" (^١). وقال الأصمعي: \"ما كنت أدري معنى «الدهاق»، حتى سمعت جارية تقول: اسقني دهاقا. أي ملأن\" (^٢).\nفرع: قال أبو حنيفة ﵀: الحقيقة [المرجوحة] (^٣) أولى من المجاز الراجح. وقال أبو يوسف بالعكس (^٤). وقيل: يستويان، لرجحان كل واحد منهما من وجه.\n_________\n(^١) أخرجه أبو عبيد في «فضائل القرآن» (رقم: ٧٤٨)، وأبو جعفر في «جامع البيان» (٩/ ١٧٥).\n(^٢) ولم أقف على هذا القول عنه. وفي «جامع البيان» لأبي جعفر (٤٠/¬٢٤ - ٤١): \" قال مسلم بن نسطاس قال ابن عباس لغلامه: \"اسقني دهاقا\"، قال: فجاء بها الغلام ملأى، فقال ابن عباس: \"هذا الدهاق\".\n(^٣) في الأصل (الموجود) كذا.\n(^٤) وقال محمد بقول أبي يوسف، وانظر أقوالهم ومآخذها في «أصول البزدوي» (ص: ٢٣٧).","vol":"1","page":72},{"text":"القسم الثالث: في مباحث مشتركة\nوفيه مسائل:\n* الأولى: اللفظ في أول وضعه ليس بحقيقة ولا مجاز؛ لأن الاستعمال الثاني شرط في الحقيقة والمجاز.\n* الثانية: اللفظ الواحد لا يكون حقيقة ومجازا إلا بالنسبة إلى معنيين أو وضعين، لامتناع احتمال النفي والإثبات من جهة واحدة.\n* الثالثة: المجاز إذا كثر استعماله صار حقيقة عرفية، والحقيقة إذا قل استعمالها صارت مجازا عرفيا.\n* الرابعة: يلزم من كون اللفظ مجازا في شيء كونه حقيقة في غيره، بأن استعمل في موضوعه. ولا ينعكس، إذ وجود العلاقة غير لازم.\n* الخامسة: يفرق بين الحقيقة والمجاز بنص الواضع عليهما. أو على أحدهما. أو بذكر خواصهما أو خواص أحدهما. أو بسبق المعنى إلى فهم أهل اللغة. أو بفهم المعنى من غير قرينة، فيعلم أنها حقيقة فيه. أو تعلق اللفظ بما يستحيل تعلقه به، فيعلم أنه مجاز فيه، كقوله تعالى: ﴿وسئل القرية﴾ [الكهف: ٨٢]. أو باستعماله فيما ترك استعماله، فيعلم أنه مجاز عرفي، شو كما تستعمل الدابة في الحمار.","vol":"1","page":73},{"text":"<span data-type='title' id=toc-73>الباب السابع في التعارض الحاصل بين أحوال الألفاظ</span>\n[وهو] من عشرة أوجه؛ لأن الاحتمالات المخلة بالفهم خمسة: الاشتراك والنقل والمجاز والإضمار والتخصيص.\nالمسألة الأولى: النقل أولى من الاشتراك؛ لأن عند النقل يكون اللفظ حقيقة منفردة في كل الأوقات، بخلاف الاشتراك.\nفإن قلت: الاشتراك لوجهين: الأول: أنه عند القرينة يعمل. وعند جهلها يتوقف، فالخطأ حينئذ أبعد. وعند الجهل بالنقل نحمله على الوضع الأول، فنخطئ. الثاني: أنه يقتضي نسخ الوضع الأول.\nوالجواب عنهما: أن الشرع إذا نقل لفظا عن وضعه، فلابد وأن يشتهر نقله تواترا.\nالثانية: المجاز أولى من الاشتراك، لكثرته في الكلام وحصول الفائدة منه وإن عدمت القرينة. فإن قلت: الاشتراك أولى، لما سبق في النقل بجوابه.\nالثالثة: الإضمار أولى من الاشتراك؛ لأن الاحتمال فيه يختص ببعض الصور. والاحتمال في الاشتراك عام فيها. ولأن الإضمار إيجاز، وهو من محاسن الكلام.","vol":"1","page":74},{"text":"الرابعة: التخصيص أولى من الاشتراك؛ لأنه أولى من المجاز الذي هو أولى من الاشتراك، لما سبق.\nالخامسة: المجاز أولى من النقل، لتوقفه على القرينة فقط [وهو] متيسر.\nوالنقل يتوقف على اتفاق أهل اللسان على تغير الوضع وذلك متعذر أو متعسر.\nفإن قلت: النقل إذا وجد يجب اشتهاره، فيحصل الغرض. والحقيقة إذا تعذرت قد يخفى وجه المجاز، فيحصل الجهل. قلت: الحقيقة تعين على فهم المجاز لتناسبهما. ثم هو معارض بفوائد المجاز.\nالسادسة: الإضمار أولى من النقل، لما ذكرنا في أن المجاز أولى.\nالسابعة: التخصيص أولى من النقل؛ لأنه أولى من المجاز الذي هو أولى منه. والله أعلم.\nالثامنة: المجاز والإضمار سواء، لاحتياج كل واحد منهما إلى قرينة مانعة لفهم الظاهر.\nالتاسعة: التخصيص أولى من المجاز، لحصول غرض المتكلم عند معرفة القرينة وجهلها، بأن يحمله على عمومه. والحقيقة إذا جهلت لم تحمل على المجاز، فلا يحصل الغرض.\nالعاشرة: التخصيص أولى من الإضمار؛ لأنه أرجح من المجاز المساوي له.","vol":"1","page":75},{"text":"فروع:\nالأول: الاشتراك راجح على النسخ الذي هو تخصيص في الأزمان. أما التخصيص في الأعيان، فإنه راجح على الاشتراك، إذ يحتاط في النسخ أكثر مما يحتاط في تخصيص العام. ولهذا لا يجوز النسخ بخبر الواحد والقياس، بخلاف التخصيص.\nالثاني: التواطؤ أولى من الاشتراك؛ لأن مسماه واحد بخلاف المشترك.\nوالإفراد أولى من الاشتراك، لما تقدم.\nالثالث: الاشتراك بين علمين، أو بين علم ومعنى أولى منه بين معنيين، لقلة الاختلاف بقلة الموارد.\nالرابع: اللفظ إذا تناول الشيء بجهتي التواطؤ والاشتراك، كان اعتقاد جهة التواطؤ أولى، كتناول الأسود الزنجي المسمى به.\n\n<span data-type='title' id=toc-74>الباب الثامن في تفسير حروف تشتد معرفة الفقيه إلى معرفتها</span>\nوفيه مسائل:\nالأولى: «الواو» العاطفة لمطلق الجمع. [وقيل: للترتيب] (^١).\n_________\n(^١) هذا قول أبي العباس بن سريج في «الودائع لمنصوص الشرائع» (١/ ١٤١). وحكي عن ابن عباس، «الاستذكار» (١/ ١٤٦)، و«التمهيد» لابن عبد البر (١١/ ٧٥) [ط التركي].\nوالشافعي، «البرهان» (١/ ١٨١). وأنكر نسبته إلى الشافعي جماعة من أصحابه كالأستاذ أبي إسحاق، «القواطع» (١/ ١١٣)، و«البحر» (٢/ ٢٥٥).","vol":"1","page":76},{"text":"لنا وجوه:\nالأول: إجماع النحاة عليه (^١). وذكره سيبويه في سبعة عشر موضعا من كتابه (^٢).\nالثاني: أنه لا يفيد الترتيب في قوله: ﴿واسجدي واركعي﴾ [آل عمران: ٤٣].\nالثالث: الترتيب ممتنع في قوله: تقاتل زيد وعمرو.\nالرابع: لوكان للترتيب لكان قوله: رأيت زيدا وعمرا بعده أو قبله. تكرارا أو نقضا.\nاحتج المخالف بوجهين:\nالأول أن الصحابة ﵃ فهموا منه الترتيب، بدليل قولهم لابن عباس: \"أتأمرنا بالعمرة قبل الحج وقد قال تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ [البقرة: ١٩٦] \" (^٣).\n_________\n(^١) قال أبو سعيد السيرافي \"أجمع النحويون واللغويون من البصريين والكوفيين أن «الواو» لا توجب تقدم ما قدم لفظه\"، «شرح الكتاب» (٢/ ٣٣٠). وانظر: «الإغفال» (١/ ٢٥٠)، و«التعليقة» لأبي علي الفارسي (٤/ ٢٤٤).\nتنبيه: حكي عن الفراء وثعلب وغلام ثعلب، وغيرهم، أنها تفيد الترتيب، «التذييل والتكميل» (١٣/ ٧٤)، و«الارتشاف» لأبي حيان (٤/ ١٩٨٢)، و«نهاية السول» (١/ ٢٩٧).\nولا يصح عنهم بل صريح كلامهم يدفعه، انظر: «معاني القرآن» (١/ ٣٩٦)، و«مجالس ثعلب» (٢/ ٣٨٦)، و«الفصول» للرازي (١/ ٨٦)، و«شرح المفصل» لابن يعيش (٨/ ١٦٥) [ط سعد الدين].\n(^٢) راجع بعضها في «الكتاب» (١/ ٤٣٧)، (٣/¬٤٢)، (٤/ ٢١٦). وانظر: «نتائج الفكر» للسهيلي (ص: ٢٠٨) [ط العلمية].\n(^٣) أخرجه الإمام الشافعي في (الأم) (٥/ ٢١٨) [ط الوفاء]. وانظر: «معرفة السنن» (رقم: ١٢٧٧٥)، و«السنن الكبير» للبيهقي (١٣/¬٢١).","vol":"1","page":77},{"text":"الثاني: لو قال لغير المدخول بها: \"أنت طالق وطالق\" طلقت واحدة.\nولو كانت للجمع لطلقت طلقتين.\n[والجواب] عن الأول: أن إنكار الصحابة معارض بأمر ابن عباس.\nوعن الثاني: أن الطلاق [الثاني] ليس مفسرا للأول فبانت به، بخلاف قوله: طلقتين. فإنه تفسير لقوله: أنت طالق. والكلام بآخره.\nالثانية: «الفاء» للتعقيب [حسب] ما يمكن، لإجماع أهل اللغة عليه (^١). ولأنها تدخل على الجزاء إذا لم يكن ماضيا أو مضارعا، لوجوب تعقيب الجزاء للشرط.\nاحتج المانع (^٢) بوجهين:\nالأول: قوله تعالى: ﴿لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم﴾ [طه: ٦١]، وقوله تعالى: ﴿ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة﴾ [البقرة: ٢٨٣]. مع أن الإسحات\n_________\n(^١) لم أقف على من نقل الإجماع من النحويين، ونسبه الأبذي في «شرح الجزولية» (١/ ٦٠٠)، وصاحبه أبو حيان في «التذييل» (١٣/ ٨٣)، و«الارتشاف» (٤/ ١٩٨٥) إلى الجمهور.\nوانظر: «الكتاب» (٤/ ٢١٧)، (٣/¬٤١)، و«المقتضب» (١/¬١٠)، و«الأصول» لابن السراج (٢/ ٥٥)، وحروف المعاني للزجاجي (ص: ٣٩)، و«الإيضاح» للفارسي (ص: ٢٨٦)، و«سر الصناعة» لابن جني (١/ ٢٦٢).\n(^٢) في «الإيضاح» للمازري (ص: ١٧٣): \"أنكر القاضي كونها للتعقيب في جواب الأمر والنهي … ورأى أنها إنما تقتضيه في النسق والعطف\". واختار الباجي في «الإحكام» (١/ ١٨٨)، عدم إفادتها التعقيب في الجواب. وانظر: «البحر» (٢/ ٢٦٥)، و«البرهان» (١/ ١٨٤).","vol":"1","page":78},{"text":"والرهن قد تأخر.\nالثاني: الفاء قد تدخل على التعقيب، والأصل عدم التكرار.\nوالجواب: أنه استدلال في مقابلة النص، فيجب حمل الأول على المجاز، والثاني على التأكيد.\nالثالثة: لفظة «في» للظرفية تحقيقا، كقوله: زيد في الدار. أو تقديرا، كقوله تعالى: ﴿ولا أصلبنكم في جذوع النخل﴾ [طه: ٧١]. لتمكن المصلوب على الجذع تمكن الشيء في المكان. وقولنا: فلان في الصلاة. وشاك في المسألة مثله تشبيها به. وقيل: إنها للسببية، لقوله ﵇ «في النفس المؤمنة مئة من الأبل» (^١). ولم يذكره أهل اللغة.\nالرابعة: المشهور أن لفظة «من» ترد لابتداء الغاية، نحو \"سرت من البصرة إلى الكوفة\". وللتبعيض، نحو \"خاتم من فضة\". وللتمييز، كقوله تعالى: ﴿فاجتنبوا الرجس من الأوثان﴾ [الحج: ٣٠]. وزائدة، نحو \"ما جاءني\n_________\n(^١) هذا حديث عمرو بن حزم المشهور، وأخرجه بهذا اللفظ - بزيادة «المؤمنة» - محمد بن نصر المروزي في «السنة» (رقم: ٢٤٦). وأصل الحديث أخرجه مالك في «الموطأ» (رقم: ٢٣٣٧) [ط المغرب]، ومن طريقه النسائي في «المجتبى» (رقم: ٤٩٠١) [ط التأصيل].\nقال الحافظ يعقوب بن سفيان في «المعرفة والتاريخ» (٢/ ٢١٦): \"لا أعلم في جميع الكتب كتابا أصح من كتاب عمرو بن حزم، كان أصحاب النبي ﷺ والتابعون يرجعون إليه ويدعون آراءهم\". وانظر: «التمهيد» (٢٠/ ٥٢٠) [ط التركي].","vol":"1","page":79},{"text":"من أحد\". والحق أنها للتمييز، لاشتراك الكل فيه.\nالخامسة: قيل: «إلى» لانتهاء الغاية (^١). وقيل (^٢): إنها مجملة، لاقتضائها دخول الغاية في قوله تعالى: ﴿إلى المرافق﴾ [المائدة: ٦]، وإخراجها في قوله تعالى: ﴿إلى اليل﴾ [البقرة: ١٨٧]. وهو ضعيف، لما بينا أن النقيضين لا يوضع لهما لفظ واحد. والحق: خروج الغاية إن تميزت بمفصل حسي، كما في الليل والنهار. ودخولها إن لم تتميز، كما في اليد والمرفق.\nالسادسة: «الباء» مع فعل متعد بنفسه للتبعيض (^٣). خلافا للحنفية (^٤). لأنا نعلم بالضرورة أن قولنا: \"مسحت بالمنديل\" للتبعيض. و\"مسحت المنديل\" للشمول.\nاحتج المخالف بقوله: \"كتبت بالقلم وضربت بالسيف\". وقال ابن جني (^٥): \"كون الباء للتبعيض لا يعرفه أهل اللغة\".\n_________\n(^١) انظر: «الكتاب» لسيبويه (٤/ ٢٣١)، و«المقتضب» (٤/ ١٣٩)، و«الأصول» (١/ ٤١١).\n(^٢) القائل هو القاضي، «التقريب» (١/ ٤١٤)، و«التلخيص» (١/ ٢٢٦).\n(^٣) قاله من أهل اللغة: ابن قتيبة في «أدب الكاتب» (ص: ٥١٥)، وكراع النمل في «المنتخب» (ص: ٦١٦)، وأبو بكر بن الأنباري في شرح القصائد السبع (ص: ٣٢٤)، وابن فارس في «الصاحبي» (ص: ١٣٢).\n(^٤) انظر: «أصول البزدوي» (ص: ٢٧٦)، و«السرخسي» (١/ ٢٢٧).\n(^٥) في «سر الصناعة» (١/ ١٣٤). وهو قول السواد من أهل اللغة، قال سيبويه: \"باء الجر إنما هي للإلزاق والاختلاط، فما اتسع من هذا في الكلام فهذا أصله «الكتاب» (٤/ ٢١٧).","vol":"1","page":80},{"text":"والجواب عن الأول: قوله: \"كتبت بالقلم\" لا يتعدى بنفسه، والنزاع في فعل يتعدى بنفسه. وعن الثاني: أنه شهادة على النفي فلا تسمع.\nالسابعة: «إنما» للحصر. خلافا لقوم (^١).\nلنا: قول الفرزدق (^٢):\nأنا الذائد الحامي الذمار وإنما … يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي\nوقال الأعشى (^٣):\nوإنما العزة للكاثر\nوقد نقله أبو علي الفارسي عن أهل اللغة (^٤). ولأن «إن» للإثبات،\n_________\n= وانظر: «المقتضب» (٤/ ١٤٢)، والأصول لابن السراج (١/ ٤١٢)، و«علل النحو» لابن الوراق (ص: ٢٠٩).\n(^١) المعروف عند أهل النحو، أنها لا تفيد الحصر وإنما قضيتها توكيد الإثبات، وإن دل السياق على الحصر فتلك قضية خارجة عما يدل عليه اللفظ في تركيبه، حتى قال أبو حيان في «البحر المحيط» (١/ ١٧٣) [ط الرسالة] وفي ألفاظ المتأخرين من النحويين وبعض أهل الأصول أنها للحصر. وكونها مركبة من «ما» النافية دخل عليها «إن» التي للإثبات فأفادت الحصر، قول ركيك فاسد صادر عن غير عارف بالنحو\".\n(^٢) انظر: «ديوان الفرزدق (٢/ ٣١٥) [ط إيليا الحاوي]، وشرح نقائض جرير والفرزدق (١/ ٢٩٨) [ط المجمع الثقافي]. وصدر البيت فيهما: \"أنا الضامن الراعي عليهم وإنما\".\nوالمشهور في كتب الأدب كما هو مذكور في الكتاب، فلعلها رواية أخرى.\n(^٣) «ديوان الأعشى» (١/ ٣٤٧) [ت الرضواني].\n(^٤) انظر: «الشيرازيات» (ص: ٤٨، ٢٥٣)، والحلبيات» (ص: ٢٢٨)، و«الشعر» =","vol":"1","page":81},{"text":"و«ما» للنفي، فعند التركيب يجب أن يبقى حكمهما، إذ الأصل عدم التغيير (^١).\nواحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم﴾ [الأنفال: ٢]. وجوابه: أنه للمبالغة.\n\n<span data-type='title' id=toc-82>الباب التاسع في الاستدلال بالخطاب</span>\nوفيه مسائل:\nالأولى: لا يجوز أن يتكلم الله تعالى ورسوله ﵇ بكلام لا يفهم (^٢).\nخلافا للحشوية (^٣).\n_________\n= (ص: ١٩٩). ونسبه ابن السيد البطليوسي إلى الكوفيين في «الاقتضاب» (١/ ٥٥).\nومأخذهم مختلف عما يذكره الفقهاء، كما شرحه ابن يعيش في «شرح المفصل» (٨/ ٩٨).\n(^١) كذا، وهو مشهور عند الأصوليين وغيرهم. وفيه نظر، كما تقدم في كلام أبي حيان. وقال أيضا: \"الذي تقرر في علم النحو أن «ما» الداخلة على «إن» وأخواتها، هي كافة لهن من العمل\"، «التذييل» (٢/ ٢٢٠). وانظر: «الكتاب» (٣/ ١٢٩)، و«شرح المفصل» (٨/ ٩٦).\n(^٢) وقع في هذا الموضع من «المحصول» و«المنتخب» إشكال، نبهت عليه في التعليق على «المنتخب» (ص: ١٥٨).\n(^٣) في نسبة الخلاف في هذه المسألة إلى الحشوية إزراء بطوائف من سلف هذه الأمة وخلفها، وما دخل هذا الاسم إلا من جهة المعتزلة، وهم يقصدون به من خالفهم في القدر وخلق أفعال العباد وإثبات الصفات، انظر: «متشابه القران» لعبد الجبار (١/¬١٣)، و«المغني» له (١٧/¬٤٠)، و«متشابه القرآن» للطريثيثي (ص: ١٢٦، ١٢٩). وانظر: «معرفة علوم الحديث» للحاكم (ص: ١١٥)، و«بيان تلبيس الجهمية» (٢/ ١٢٤). =","vol":"1","page":82},{"text":"لنا وجهان: الأول: أنه هذيان ونقص، وهو على الله تعالى محال.\nالثاني: أنه تعالى وصف القرآن بكونه هدى وبيانا وشفاء.\nاحتجوا بوجوه: الأول: الحروف التي في أوائل السور. والثاني: قوله تعالى: ﴿تلك عشرة كاملة﴾ [البقرة: ١٩٦]. الثالث: قوله تعالى: ﴿إلهين اثنين﴾ [النحل: ٥١]. مع أنه لا يفيد شيئا.\nوالجواب عن الأول: أنها أسماء السور. وعن الثاني: أنه للتأكيد.\nالثانية: لا يجوز أن يعني الله تعالى بكلامه خلاف ظاهره ولا يدل عليه.\nخلافا للمرجئة (^١).\nلنا: أنه مهمل بالنسبة إلى غير ظاهره، وقد بينا فساده. فإن قيل: المهمل ما لا فائدة فيه، والوعيد وإن لم يرد، يفيد منع الفسق. وجوابه: أن\n_________\n= إذا تبين هذا، فقد قال بهذا القول جماعة من متكلمي الصفاتية من أصحاب الأشعري وغيرهم، «مشكل الحديث وبيانه» لأبي بكر بن فورك (ص: ٣٠٦) [ط جيماريه]، و«العدة» لأبي يعلى (٢/ ٦٨٩)، و«شرح النووي على مسلم» (١٦/ ٢١٨) [ط إحياء التراث]. وبه قال أكثر أهل الحديث، «القواطع» لأبي المظفر السمعاني (١/ ٤٠٥). وهو ظاهر قول كل من أوجب الوقف على ﴿إلا الله﴾ في قوله تعالى ﴿وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به﴾ [آل عمران: ٧]. وفيهم جماعة من السلف. وهو لازم قول من أجاز تكليف ما لا يطاق، «الإحكام» للآمدي (١/ ١٦٨). فكيف يوصف المخالف بعد ذلك بالحشوي؟!\n(^١) انظر: «المغني» للقاضي عبد الجبار (١٧/¬٤٢). وقال الزركشي: \"الخلاف في آيات الوعيد والأحاديث الدالة على وعيد الفساق، لا غير، على ما فهم من أدلتهم. وأما الأمر والنهي فلا خلاف فيهما\"، «البحر» (١/ ٤٦٠). وانظر: «نهاية السول» (٢/ ١٩٤).","vol":"1","page":83},{"text":"ذلك ينفي الاعتماد على أخبار الشارع، لاحتمال ما ذكرتم.\nالثالثة: قال بعضهم (^١): الاستدلال بالألفاظ لا يفيد اليقين؛ لأنه مبني على نقل اللغة والنحو والتصريف، وعدم الاشتراك والمجاز والنقل والإضمار والتخصيص والتقديم والتأخير والناسخ والمعارض العقلي. وذلك ظني لما بينا من عدم عصمة الناقلين. ولما ذكره الجرجاني في «الوسائط» (^٢) من قدح بعضهم ببعض وتلحينهم. والمبني على الظني ظني. ومن أنصف يعلم أنه لا يقين فيها إلا إذا اقترن بالخطاب قرائن مشاهدة أو معلومة بالتواتر.\nالرابعة: الخطاب إذا استقل بالإفادة بمنطوقه وجب حمله أولا على المعنى الشرعي، ثم العرفي، ثم اللغوي الحقيقي، ثم المجازي. فإن دل على معنيين، حمله كل طائفة على معنى تعرفه. وإلا [لخاطبها] (^٣) بما لا تعرفه مع عدم القرينة.\nوإن استقل بالدلالة بمعناه، فهو الذي قدمناه من الدلالة الالتزامية. وإن لم يستقل، فقد ينضم إليه شيء يصير المجموع دليلا على الحكم، فالمضموم\n_________\n(^١) نسبه الكاتبي في «المفصل» (١/¬١٨) إلى المعتزلة وجمهور الأشعرية. كذا. وقال الأصبهاني في «الكاشف» (١/ ٩٤): \"مذهب المعتزلة وأكثر أصحابنا أنه يفيد القطع\". وهو أبصر من الكاتبي بمقالات المتكلمين. وانظر: «الإسعاد في شرح الإرشاد» لابن بزيزة (ص: ٩٣).\n(^٢) «الوساطة بين المتنبي وخصومه» (ص: ٤) فما بعدها.\n(^٣) في الأصل (لخطابها) كذا.","vol":"1","page":84},{"text":"قد يكون شهادة حال المتكلم، أو دليلا شرعيا، وهو نص أو إجماع أو قياس.\nالخامسة: الخطاب إذا تعذر حمله على ظاهره لقرينة - وكان خاصا - وجب حمله على المجاز المتعين في نفسه، صونا له عن الإلغاء. وإن دلت على غير ظاهره [حمل عليه. أو دلت على ظاهره] (^١) وغيره حمل عليها. وإن كان عاما تجرد عن قرينة حمل على العموم.\nوإن كان له قرينة، فإن دلت على ظاهره وغيره حمل عليهما، وإن دلت على أنه ليس ظاهره، وأن المراد غير ظاهره، فلابد من دليل يعين أن المراد بعض ما تناوله، أو شيء لم يتناوله، لتعذر اجتماعهما. وإن دلت على أن المراد هو البعض، خرج الباقي. وإن دلت على أن البعض مراد أو غير مراد، لم يخرج الباقي عن الإرادة، لعدم المنافاة.\nالسادسة: ثبوت حكم الخطاب فيما يتناوله مجاز لا يدل على أنه المراد بالخطاب. خلافا للكرخي (^٢).\nلنا: أنه يمكن ثبوت ذلك الحكم بدليل آخر، وحينئذ يجب إعمال الحقيقة. فإن قلت: لو كان عليه دليل غير الخطاب لنقل. قلت: لعلهم استغنوا بالإجماع عن نقله.\n_________\n(^١) مستدرك في حاشية الأصل.\n(^٢) ووافقه صاحبه أبو بكر الرازي، «الفصول» (١/¬٤٦ - ٥٠)، وأبو عبد الله البصري، «المعتمد» لأبي الحسين (٢/ ٩٢٤).","vol":"1","page":85},{"text":"<span data-type='title' id=toc-89>الكلام في الأوامر والنواهي</span>\nوفيه مقدمة [وأقسام]:\n\nأما<span data-type='title' id=toc-90> المقدمة،</span> ففيها مسائل:\nالأولى: لفظ الأمر حقيقة في القول المخصوص وفاقا (^١). وهو المختار.\nوعند [بعض] الفقهاء (^٢): [مشترك بينه وبين الفعل] (^٣). [و] عند أبي الحسين (^٤): مشترك بينهما، وبين الشيء والصفة والشأن.\nلنا: أنه حقيقة في القول إجماعا، فلا يكون حقيقة في غيره، دفعا للاشتراك. [و] احتج بعضهم بوجوه:\n_________\n(^١) هذا قول أصحاب أبي حنيفة، «أصول البزدوي» (ص: ١١٩)، و«الميزان» (ص: ٨١).\nوأكثر أصحاب أحمد، «العدة» (١/ ٢٢٢)، و«التمهيد» (١/ ١٣٩)، و«أصول ابن مفلح» (٢/ ٦٤٥). ونسبه السرخسي في «الأصول» (١/¬١٢)، وأبو الحسين في «المعتمد» (١/¬٤٥)، إلى جمهور الفقهاء. وبه قال القاضي أبو بكر، «التقريب» (٢/¬٩)، وابن خويز منداد من المالكية، «الإحكام» (١/ ٢٣٢).\n(^٢) كأبي الوليد الباجي ونسبه لأكثر أصحاب الشافعي، «الإحكام» (١/ ٢٣٢).\n(^٣) في الأصل وعند الفقهاء حقيقة في القول المخصوص ولعله اختلط على الناسخ.\n(^٤) في «المعتمد» (١/¬٤٥)، وقوله مختلف عما هو مذكور هنا، فإنه قال: \"أنا أذهب إلى أن قول القائل (أمر) مشترك بين الشيء والصفة، وبين جملة الشأن والطرائق وبين القول المخصوص\". وليس الفعل عنده من مسمى الأمر حقيقة.","vol":"1","page":86},{"text":"الأول: لو كان حقيقة في غير القول لسمي الأكل والشرب أمرا.\nالثاني: لاشتق (^١) منه الأمر والمأمور.\nالثالث: يصح نفي الأمر عن الفعل عرفا، فيقال: ما أمرته لكنه فعله.\nوالكل ممنوع، أما الأول: فيمتنع اطراد الحقيقة.\nوالثاني: يمتنع وجوب الاشتقاق.\nوالثالث: يمتنع العرف.\nواحتج الفقهاء بوجهين:\nالأول قوله تعالى: ﴿أتعجبين من أمر الله﴾ [هود: ٧٣]، ﴿وما أمر فرعون﴾ ﴿برشيد﴾ [هود: ٩٧]، أي فعله، إذ كلامه تعالى غير مخلوق. وقول الشاعر (^٢):\nلأمر ما يسود من يسود\nويقال: \"أمر مستقيم وأمر عظيم\" والأصل الحقيقة.\nالثاني: جمعه بمعنى الفعل على \"أمور\" دليل الحقيقة.\nواحتج أبو الحسين بأن [من] قال: \"هذا أمر\"، فإن السامع يتردد في الأمور كلها، وذلك دليل الحقيقة في الجميع.\nوالجواب عن الأول: من الآيتين (^٣) القول أو الشأن؛ لأنهما يصدقان\n_________\n(^١) كذا رسمها في الأصل، والمعنى: لصح أن يشتق منه … وأبين منه (لا يشتق منه).\n(^٢) البيت في «الكتاب» لسيبويه (١/ ٢٢٧) لرجل من خثعم. وهو أنس بن مدركة الخثعمي، انظر: «الحيوان» للجاحظ (٣/ ٨١)، و«الخزانة» للبغدادي (٣/ ٨٧).\n(^٣) تصحف في الأصل إلى (الأنين).","vol":"1","page":87},{"text":"على الفعل. وعن الثاني: أن الأمور جمع للأمر بمعنى الشأن.\nوجواب الثاني: منع تردد الذهن، بل السابق إلى الفهم: الأول، إلا إذا وجدت قرينة صارفة.\nالثانية: ذكر القاضي أبوبكر (^١) أن الأمر: هو القول المقتضي طاعة المأمور بفعل المأمور له. وارتضاه الأصحاب (^٢). وهو ضعيف؛ لأن المأمور والمأمور به مشتقان من الأمر، ومعرفتهما قبل معرفة الأمر ممتنع، فتعريف الأمر بهما دور.\nوقالت المعتزلة: هو قول القائل لمن دونه افعل أوما يقوم مقامه (^٣). وهو ضعيف، لما تبين أن الرتبة غير معتبرة على أن الأمر يوجد بدون هذا اللفظ بوضع لفظ غيره أو لغة أخرى.\nوالمختار: أنه القول الدال على طلب الفعل بالاستعلاء (^٤). ومنهم من أسقط القيد الأخير.\nالثالثة: تصور ماهية الطلب معلوم للعقلاء (^٥) ضرورة،\n_________\n(^١) في «التقريب والإرشاد» (٢/¬٥)، و«التلخيص» (١/ ٢٤٢).\n(^٢) انظر: «البرهان» (١/ ٢٠٣)، و«المستصفى» (٢/ ٦٥٣).\n(^٣) انظر: «التذكرة» لابن متويه (١/ ٢٠٧)، و«عيون المسائل» للجشمي (ص: ١٧٢)، و«المغني» لعبد الجبار (١٧/ ١٠٧).\n(^٤) انظر: «المعتمد» لأبي الحسين (١/¬٤٩).\n(^٥) في الأصل (وللعقلاء).","vol":"1","page":88},{"text":"لتفريقهم (^١) بين طلب الفعل والترك والمفهوم من الخبر. ويعلمون بالضرورة أن ما يصلح جوابا لأحدهما لا يصلح للآخر. ثم معنى الطلب ليس نفس الصيغة، إذ ماهية الطلب لا تختلف باختلافها، بل هي صفة المتكلم، كعلمه وقدرته، والصيغة الدالة عليها. ويتفرع عليها مسائل:\n* الأولى: أن تلك الماهية غير الإرادة. خلافا للمعتزلة (^٢).\nلنا: أنه تعالى أمر أبا جهل بالإيمان ولم يرده منه، لوجهين:\nالأول أن صدوره منه - مع علمه تعالى أنه لا يؤمن - محال، فلا يريده بالاتفاق. ولأن الإرادة صفة مرجحة لأحد الجائزين.\nالثاني: أن العاقل قد يأمر عبده بما لا يريده، إظهارا لسوء أدبه وإقامة عذره. ولأنه يصح أن يقول: \"أريد منك الفعل ولا (^٣) آمرك به\". فلو اتحدا لتناقضا.\nاحتجوا بوجهين:\nالأول: أن أهل اللغة وضعوا لفظة (افعل) للطلب المفهوم لكل عاقل، وغير الإرادة غير معلوم.\n_________\n(^١) في الأصل (لتفرقهم).\n(^٢) هذا قول من ينفي كون الإرادة أمرا زائدا على الداعية إلى الفعل، كأبي الهذيل العلاف، وأبي إسحاق النظام، وأبي عثمان الجاحظ، وأبي القاسم الكعبي، في جماعة من البغداديين، خلافا لأبي هاشم وأبي علي في أصحابهما البصريين. انظر: «المعتمد في أصول الدين» لمحمود الخوارزمي الملاحمي (ص: ٢١٨)، و«الفائق في أصول الدين» له (ص: ٤٢).\n(^٣) في الأصل (وإلا).","vol":"1","page":89},{"text":"الثاني: أن الإرادة لو لم تعتبر في الأمر لصح بالماضي والواجب والممتنع، كالخبر.\nوالجواب عن الأول: أن الطلب النفساني المغاير للإرادة معلوم للعقلاء.\nوعن الثاني: يطلب الجامع. على أن من يجوز تكليف ما لا يطاق يجوزه.\nالثانية: العقل يقسم الطلب ستة أقسام، ويجيز الحمل عليها أو على أحدها: الأول: أن الطلب يقتضي ترجيح الفعل أو الترك. الثاني: الترجيح (^١) المانع من النقيض. والثالث والرابع: مطلق اللفظ الدال على الأول والثاني.\nوالخامس والسادس: اللفظة العربية الدالة على الأول والثاني.\nأما بحسب اللغة، فجعل الأمر اسما للفظ لا للترجيح أولى، لوجوه:\nالأول: أهل اللغة قالوا الأمر [من] الضرب (^٢): «اضرب».\nالثاني: لو علق العتق على الأمر، ثم أشار بما يفيده لم يفد العتق.\nالثالث: المتبادر إلى الفهم عند سماع لفظ «الأمر» اللفظ دون المعنى.\nاحتج المخالف (^٣) بوجوه:\n_________\n(^١) في الأصل (أن الترجيح) ثم شطب على (أن).\n(^٢) في الأصل (الأمر والضرب).\n(^٣) المخالف هو القاضي أبو بكر، وينسب لأبي الحسن الأشعري في أصحابه الواقفية، فعندهم أن الأمر اسم للمعنى القائم بالنفس، وأن العرب ما صاغت لهذا المعنى صيغة مفردة تدل عليه بمجردها. انظر: «التقريب لأبي بكر (٢/¬١٠)، والتلخيص» (١/ ٢٤٣)، و«التبصرة» (ص: ٢٢)، و«شرح اللمع» (١/ ١٩٩)، و«البرهان» (١/ ٢١٢)، و«الإحكام» للباجي (١/ ١٩٦) و«المستصفى» (٢/ ٦٦٠)، و«الوصول» (١/ ١٣٩).\n=","vol":"1","page":90},{"text":"الأول قوله تعالى: ﴿إذا جاءك المنافقون﴾ الآية [المنافقون: ١]. كذبهم مع صدقهم في اللفظ.\nالثاني: قول عمر ﵁ \"زورت في نفسي كلاما \" (^١).\nالثالث قول الأخطل (^٢):\nإن الكلام لفي الفؤاد وإنما … جعل اللسان على الفؤاد دليلا\nوالجواب عن الأول: أن الشهادة هي الإخبار عن الشيء مع العلم به، فلما لم يكونوا كذلك كذبهم.\nوعن الثاني: معناه: جهزته وقدرته، كما يقال: قدرت في نفسي دارا.\nوعن الثالث: المنع، بأنه غير عربي. على أنه محمول على المقصود من الكلام.\nفرع: الصحيح أن الأمر اسم (^٣) اللفظ، عربيا كان أو فارسيا، بدليل أنه لو حلف أنه لا يأمر، حنث بالأمر بغير العربية. ولأن العرف يسميه أمرا.\n_________\n= قال السمعاني: \"هذا قول لم يسبقهم إليه أحد من العلماء\"، «القواطع» (١/ ١٢٩). وانظر:\n«روضة الناظر» (٢/ ٥٩٥)، «والواضح» (١٤/ ٦١)، و«التحبير» للمرداوي (٥/ ٢١٧٧).\n(^١) أخرجه البخاري (رقم: ٦٨٣٠) بمعناه.\n(^٢) البيت بلا نسبة في «البيان» للجاحظ (١/ ٢١٨). ومنسوب إلى الأخطل في «الموشى» لأبي الطيب الوشاء (ص: ٨) ولفظه: \"من الفؤاد\". وليس هو في أصول ديوانه، ذكر ذلك أبو حيان في «التذييل والتكميل» (١/¬٢٣). وانظر: «رسالة السجزي» (ص: ١٢٠)، و«الفصل» لابن حزم (٣/ ١٢٢).\n(^٣) في الأصل (باسم) كذا.","vol":"1","page":91},{"text":"* الثالثة: دلالة هذه الصيغة على الطلب يكفي في تحققها الوضع بغير إرادة أخرى. وقال أبو علي وأبو هاشم: لابد معه من إرادة (^١).\nلنا وجهان:\nالأول: القياس على سائر الألفاظ. الثاني: لو توقفت على الإرادة لتعذر الاستدلال بالصيغة على الطلب؛ لأن الإرادة أمر باطن.\nحجتهما: أنها تميز صيغة الطلب وصيغة التهديد، ولا مميز إلا الإرادة.\nوجوابه: أنها حقيقة في الطلب، مجاز في التهديد. والأصل الحقيقة.\nالرابعة: ذهب أبو علي وأبو هاشم إلى أن [إرادة] المأمور به [مؤثرة] في [صيرورة] صيغة (^٢) «افعل» أمرا (^٣). وهو ضعيف؛ لأن الإرادة هي مدلول الصيغة، فلا تفيدها صيغة، قياسا على سائر المسميات والأسماء.\n* الخامسة: المختار أنه لا يعتبر في الأمر على رتبة الأمر. خلافا للمعتزلة (^٤). لقوله تعالى - حكاية عن فرعون أنه قال لقومه -: ﴿ماذا تأمرون﴾ [الأعراف: ١١٠]. وقال عمرو بن العاص لمعاوية - وكان دونه - (^٥):\n_________\n(^١) هذا قول جماعة من البصريين، ومنهم: أبو علي وأبو هاشم. خلافا لأبي القاسم لكعبي في أصحابه،\nانظر: «التذكرة» لابن متويه (١/ ٢١١)، و«المعتمد» لأبي الحسين (١/¬٥٠)، و«الذريعة» (ص:\n٥٨)، و«المعتمد في أصول الدين» (ص: ٢١٨)، و«الفائق» للخوارزمي (ص: ٤٢).\n(^٢) في الأصل (الإرادة المأمور به مؤثر في صيغة) والنظم به، مختل فاجتهدت في إصلاحه.\n(^٣) انظر: ما تقدم.\n(^٤) انظر: «التذكرة» لابن متويه (١/ ٢٠٧)، و«عيون المسائل» للجشمي (ص: ١٧٢)، و«المغني» لعبد الجبار (١٧/ ١٠٧).\n(^٥) البيت وقصة ابن هاشم في «وقعة صفين» لنصر بن مزاحم (ص: ٣٤٩)، و«الفتوح» =","vol":"1","page":92},{"text":"أمرتك أمرا حازما فعصيتني … وكان من التوفيق قتل ابن هاشم\nولا الاستعلاء. خلافا لأبي الحسين البصري (^١) إذ يقال في العرف: \"فلان أمر فلانا على وجه الرفق واللين\".\nواحتج جمهور المعتزلة باستقباح أهل العرف قول القائل: \"أمرت الملك ونهيته\".\nواحتج أبو الحسين، بأنه لا يقال لمن أمر غيره على سبيل التضرع: إنه أمره. ويقال لمن أمر غيره على سبيل الاستعلاء - وإن كان أعلى رتبة منه: إنه أمره. ولهذا يستقبحونه ويصفونه بالجهل.\nوجوابه: منع الاستقباح.\n* السادسة: الأمر والنهي قد يجيئان بلفظ الخبر، كقوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن﴾ [البقرة: ٢٢٨]. وقوله ﵇: (لا تنكح [المرأة المرأة]) (^٢).\nوبالعكس، كقوله ﵇: «إذا لم تستحي فاصنع ما شئت» (^٣). معناه: صنعت ما شئت. ووجه المجاز: أن الأمر يدل على الوجود. والنهي على العدم، كدلالة الخبر عليهما، فتشابها من هذا الوجه.\n_________\n= لابن أعثم الكوفي (٣/ ١٢٥) [ط الأضواء]، و«الكامل» للمبرد (١/ ٣٤٥) [ط الدالي].\n(^١) انظر: «المعتمد» لأبي الحسين (١/¬٤٩).\n(^٢) أخرجه بهذا اللفظ أبو بكر بن زياد النيسابوري في «الزيادات على مختصر المزني» (رقم: ٤٣٧)، والدارقطني في «السنن» (رقم: ٣٥٤٠) من حديث أبي هريرة. ورواه ابن ماجه (رقم: ١٨٨٢) بلفظ: \"لا تزوج\". والأشبه أنه من قول أبي هريرة موقوفا عليه، انظر: «المسند» للبزار (١٧/ ٣٠٦)، و«العلل» للدارقطني (١٠/¬٢١)، و«التنقيح» لابن عبد الهادي (٤/ ٢٩٧).\n(^٣) رواه البخاري (رقم: ٣٤٨٤) من حديث ابن مسعود.","vol":"1","page":93},{"text":"<span data-type='title' id=toc-101>القسم الأول: في المباحث اللفظية</span>\nوفيه مسائل:\nالأولى: صيغة افعل تستعمل في خمسة عشر وجها:\nالأول: الإيجاب، كقوله تعالى: ﴿أقيموا الصلوة﴾.\nالثاني: الندب، كقوله تعالى: ﴿فكاتبوهم﴾ [النور: ٣٣]. ويقرب منه التأديب، كقوله ﵇: «كل مما يليك» (^١).\nالثالث: الإرشاد، ﴿واستشهدوا﴾ [البقرة: ٢٨٢].\nالرابع: الإباحة، ﴿وكلوا واشربوا﴾ [الأعراف: ٣١].\nالخامس: التهديد، ﴿اعملوا ما شئتم﴾ [فصلت: ٤٠]. ويقرب منه الإنذار، ﴿تمتعوا قليلا﴾ [المرسلات: ٤٦] (^٢).\nالسادس: الامتنان، ﴿فكلوا مما رزقكم الله﴾ [النحل: ١١٤].\nالسابع: الإكرام، ﴿ادخلوها بسلام﴾ [ق: ٣٤].\n_________\n(^١) رواه البخاري (رقم: ٥٣٧٦)، ومسلم (رقم: ٢٠٢٢)، من حديث عمر بن أبي سلمة.\n(^٢) في الأصل (قل تمتعوا …). ومن التنزيل ﴿قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار﴾ [إبراهيم: ٣٠]، ﴿قل تمتع بكفرك قليلا﴾ [الزمر: ٨].","vol":"1","page":94},{"text":"الثامن: التسخير، ﴿كونوا قردة﴾ [البقرة: ٦٥].\nالتاسع: التعجيز، ﴿فأتوا بسورة﴾ [البقرة: ٢٣].\nالعاشر: الإهانة، ﴿ذق إنك أنت العزيز الكريم﴾ [الدخان: ٤٩].\nالحادي عشر: التسوية، ﴿فاصبروا أو لا تصبروا﴾ [الطور: ١٦].\nالثاني عشر: الدعاء، ﴿رب اغفر لي﴾ [نوح: ٢٨].\nالثالث عشر: التمني، كقوله (^١):\nألا أيها الليل الطويل ألا انجلي\nالرابع عشر: الاحتقار، ﴿ألقوا ما أنتم ملقون﴾ [يونس: ٨٠].\nالخامس عشر: التكوين، ﴿كن فيكون﴾ [النحل: ٤٠].\nوقد اتفقوا أنها ليست حقيقة في الكل. واختلفوا في خمسة: الوجوب والندب [والإباحة] (^٢) والتنزيه والتحريم، فقيل: هي مشتركة بينها. وقيل: بين الثلاثة الأول. وقيل: هي حقيقة في أقل المراتب، وهي الإباحة (^٣).\nلنا: التفرقة الضرورية بين قوله: «افعل» «لا تفعل». و«إن شئت افعل» و«إن شئت لا تفعل». وليس ذلك من المترادفات على معنى واحد.\n_________\n(^١) لامرئ القيس من معلقته الذائعة، انظر: «ديوان امرئ القيس بشرح السكري» (١/ ٢٤١).\n(^٢) في الأصل (والندب) مرتين.\n(^٣) حكاه الشافعي في «الأم» (٦/ ٣٦٩) [ط الوفاء]، عن بعض أهل العلم، ولم ينكره. وستأتي حكاية بقية الأقوال.","vol":"1","page":95},{"text":"الثانية: الحق عند أكثر الفقهاء والمتكلمين أن الأمر للوجوب (^١). وعند أبي هاشم للندب (^٢). وقيل: مشترك بينهما (^٣). وقيل: حقيقة فيهما (^٤). وقيل بالوقف، وهو قول الغزالي (^٥).\n* لنا وجوه:\nالأول: أنه تعالى ذم إبليس على ترك السجود بقوله: ﴿ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك﴾ [الأعراف: ١٢]. وليس المراد منه الاستفهام وفاقا.\nالثاني: قوله تعالى: ﴿وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون﴾ [المرسلات: ٤٨].\nفإن قلت: إنما ذمهم لأنهم لم يعتقدوا حقيقة الأمر، لا لترك الركوع، بدليل قوله: ﴿ويل يومئذ للمكذبين﴾ [المرسلات: ٤٩]. قلت: استحقاق الويل بالتكذيب، لا بنفي استحقاق الذم بترك الركوع؛ لأن الكافر عندنا كما يعاقب بترك الإيمان يعاقب بترك العبادات.\nالثالث: قول بريرة للنبي ﷺ: \"أتأمرني\" فقال: «لا، إنما أنا شافع» (^٦).\n_________\n(^١) قال الأستاذ أبو إسحاق: \"المعروف من عصر الصحابة إلى وقتنا هذا أن الأمر على الوجوب\"، «البحر» (٢/ ٣٦٨)، وحكاه القاضي في «التقريب» (٢/¬٢٧) عن الدهماء من الفقهاء. وانظر: «التقويم» (١/ ٧٨)، و«القواطع» (١/ ١٣٧)، و«شرح اللمع» (١/ ٢٠٦)، و«الإحكام» للباجي\n(١/ ٢٠١)\n(^٢) انظر: «المعتمد» (١/ ٥٧)، و«المجزي» لأبي طالب (١/ ٩٧).\n(^٣) هذا قول الشريف المرتضى في «الذريعة» (ص: ٦٥).\n(^٤) انظر: «البحر المحيط» (٢/ ٣٦٨).\n(^٥) «المستصفى» (٢/ ٦٦٥). وانظر: «المجرد» لابن فورك (ص: ١٩٧)، و«التقريب» للقاضي (٢/¬٢٧)، و«التلخيص» (١/ ٢٦١).\n(^٦) أخرجه البخاري (رقم: ٥٢٨٣) من حديث ابن عباس.","vol":"1","page":96},{"text":"نفى الأمر وأثبت الشفاعة المندوبة.\nالرابع: أن الصحابة ﵃ تمسكوا بالأمر في قوله ﵇: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب» (^١)، وقوله: «فليصلها إذا ذكرها» (^٢)، على الوجوب، ولم يظهر مخالف، فكان إجماعا، لما يأتي في القياس إن شاء الله تعالى. فإن قلت: لم يوجبوه في قوله تعالى: ﴿فكاتبوهم﴾ [النور: ٣٣]، و﴿واصطادوا﴾ [المائدة: ٢]، و﴿وآنكحوا﴾ [النساء: ٣]، وأمثاله، فوقع التعارض. قلت: التمسك بما لا يفيد الوجوب عليه لا يجوز، وقد يتخلف الحكم عن مقتضيه لمانع.\n[الخامس] (^٣): تارك المأمور به عاص، لقوله تعالى: ﴿لا أعصي لك أمرا﴾ [الكهف]. والعاصي يستحق العقاب، لقوله تعالى: ﴿ومن يعص الله ورسوله﴾ [النساء: ١٤] الآية. فإن قيل: لو كان عاصيا لزم التكرار في قوله تعالى: ﴿ويفعلون ما يؤمرون﴾ [التحريم: ٦]. ولأن تارك المندوب تارك المأمور، وليس بعاص وفاقا. ثم قرينة الخلود تدل على أنه مختص بالكفار.\nوالجواب عن الأول: أنا نحمل قوله تعالى: ﴿ويفعلون ما يؤمرون﴾ [التحريم: ٦]، على المستقبل. وما قبله على الماضي.\n_________\n(^١) أخرجه مالك في «الموطأ» (رقم: ٧٥٩) [ط المغرب]، والشافعي في «الأم» (٥/ ٤٠٨)، وعبد الرزاق في «المصنف» (رقم: ١٠٧٦٢) [ط التأصيل]، وابن أبي شيبة في «المصنف» (رقم: ١٠٨٧٠) من حديث جعفر بن محمد عن أبيه. قال أبو عمر بن عبد البر: \"منقطع، ومعناه يتصل من وجوه حسان\" «التمهيد» (٨/ ٥١٥) [ط التركي]. وانظر: «العلل» للدارقطني (٢/ ١٨٣) [ط الدباسي]، و«فتح الباري» (٦/ ٢٦١).\n(^٢) أخرجه مسلم (رقم: ٦٨٤) من حديث أنس.\n(^٣) في الأصل (السادس). ويحتمل أن الخامس قد سقط على الناسخ.","vol":"1","page":97},{"text":"وعن الثاني: أن تسمية المندوب مأمورا به مجاز، محافظة على عموم قوله تعالى: ﴿ومن يعص الله﴾ [النساء: ١٤] الآية.\nوعن الثالث: أن الخلود هو المكث الطويل.\nواحتج منكر الوجوب بوجوه:\nالأول لو دل على الوجوب لدل إما العقل، وهو باطل إذ لا مجال له في اللغات. أو النقل المتواتر، وهو باطل أيضا، وإلا لعرفه كل واحد. أو (^١) الآحاد، وهو يفيد الظن، والمسألة [علمية]. وهذه حجة من يقول بالوقف.\nالثاني: قياس الأمر على السؤال، إذ لا فارق سوى الرتبة وقد أبطلناها.\nالثالث: ورد (^٢) للوجوب وللندب وللإباحة، ولا إشعار له بأحدها، فيجعل حقيقة في المشترك، دفعا للاشتراك والمجاز.\nوالجواب عن الأول: أنه يجوز أن يعرف الوجود بدليل يتركب من العقل والنقل. ثم يمنع كون المسألة علمية.\nوعن الثاني: أن السؤال عندنا يدل على الإيجاب، وإن لم يتحقق الوجوب. وعن المجاز: أن ما ذكرناه من الأدلة يدل عليه (^٣).\n_________\n(^١) ما بين المعقوفتين زدته تقديرا للضرورة. وقد سقط على الناسخ لانتقال النظر فيما يظهر. وفي الأصل (… المتواتر الثاني الآحاد).\n(^٢) أي الأمر.\n(^٣) يعني على المجاز.","vol":"1","page":98},{"text":"الثالثة: الأمر عقيب الحظر والإذن للوجوب. خلافا لبعض أصحابنا (^١).\nلنا: أن المقتضي للوجوب قائم لما سبق والمعارض الموجود لا يصلح معارضا لجواز الانتقال من الحضر إلى الوجوب كالانتقال منه إلى الإباحة وهو معلوم ضرورة.\nاحتج المخالف بوجهين:\nالأول: ورد في الكتاب للإباحة، كقوله تعالى: ﴿فإذا طعمتم فانتشروا﴾\n[الأحزاب: ٥٣]، ﴿وإذا حللتم فأصطادوا﴾ [المائدة: ٢]، وأمثاله. والأصل الحقيقة.\nالثاني: أن السيد إذا أمر عبده بعد منعه فهم الإباحة.\nوالجواب عن الأول: أنه معارض بقوله تعالى: ﴿فإذا أنسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين﴾ [التوبة: ٥]، فإنه يفيد وجوب الجهاد.\nوعن الثاني: المعارضة بقول الأب لابنه المحبوس: \"اخرج إلى المكتب\"، فإنه يفهم منه الوجوب.\n_________\n(^١) فقالوا بالإباحة، ونسبه إلى الشافعي بعض أصحابه وذكروا أنه ظاهر مذهبه «البحر المحيط» (٢/ ٣٧٨)، ولعل مرادهم من كلامه ما ذكره في تصاريف معنى الأمر في كتاب النكاح من «الأم» (٦/ ٣٦٨)، ففيه كلام محتمل لما ذكروه عنه. وهو قول أبي الفرج وأبي تمام وابن خويز منداد من المالكية، «الإحكام» للباجي (١/ ٢٠٦). وبه قال أكثر الحنابلة، «العدة» (١/ ٢٥٦)، و«التمهيد» (١/ ١٧٩)، و«الواضح» (٤/ ١١٢)، و«المسودة» (ص: ١٦)، «القواعد» لابن اللحام (٢/ ٧٣٧). وانظر: «التقريب» للقاضي أبي بكر (٢/ ٩٤).","vol":"1","page":99},{"text":"تنبيه: من قال: بأن الأمر عقيب الحظر للإباحة، اختلفوا في النهي الوارد عقيب الوجوب، فمنهم من قال: إنه للإباحة، طردا للقياس (^١). ومنهم من قال: للتحريم (^٢).\nالرابعة: الحق أن الأمر يفيد طلب الماهية من غير إشعار بالوحدة أو الكثرة، وتلك تحصل بالمرة الواحدة (^٣). وقيل: يفيد التكرار (^٤). وقيل: للمرة الواحدة لفظا (^٥). وقيل: التوقف (^٦). وقالت الحنفية: يفيد الفور (^٧). وقيل: التراخي (^٨).\n_________\n(^١) لم أقف على تعيين قائله.\n(^٢) كالأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني، «البرهان» (١/ ٢٦٥). وانظر: «البحر المحيط» (٢/ ٣٨٣).\n(^٣) هذا قول عامة أصحاب أبي حنيفة، كما في «الفصول» لأبي بكر (٢/ ١٣٥)، و«أصول البزدوي» (ص: ١٢٧) و«أصول السرخسي» (١/¬٢٠).\n(^٤) هذا قول عامة الحنابلة، «المسودة» (ص: ٢٠). وانظر: «العدة» (١/ ٢٦٤)، و«الواضح» (٤/ ١٢٨).\n(^٥) قال الشيخ أبو إسحاق: \"هو قول أكثر أصحابنا واختاره القاضي أبو الطيب الطبري والشيخ أبو حامد الإسفراييني\" «شرح اللمع» (١/ ٢٢٠). وبه قال عامة أصحابه، «المقدمة» لابن القصار (ص: ١٣٦)، و«الإحكام» للباجي (١/ ٢٠٨).\n(^٦) وهذا ظاهر قول الأشعري، «المجرد» (ص: ١٩٧)، والقاضي أبي بكر في «التقريب» (٢/ ١١٧).\n(^٧) نسبه أبو الحسن الكرخي إلى أصحابه، وانتصر له أبو بكر الرازي كما في «الفصول» (٢/ ١٠٥). والمعروف عند عامة أصحاب أبي حنيفة أنه على التراخي، «أصول البزدوي» (ص: ١٧٢)، و«أصول السرخسي» (١/¬٢٦). وانظر: «ميزان الأصول» (ص: ٢١٠).\n(^٨) هذا قول القاضي أبي بكر في التقريب (٢/ ٢٠٨)، وأبي علي وأبي هاشم، «المعتمد» =","vol":"1","page":100},{"text":"* لنا وجوه:\nالأول أنه قد جاء للتكرار وللفور ولغيرهما في الكتاب والعرف.\nوالأصل الحقيقة، وما ذاك إلا إدخال ماهية المصدر في الوجود. والدال على المشترك لا دلالة له على ما به الامتياز لا بالوضع ولا بالاستلزام، فالأمر لا يدل على شيء من أوصافه.\nالثاني: لو قال لغيره: \"افعل أبدا أو مرة واحدة، أو في الحال أو غدا\" لم يكن الأول تكرارا. ولا الثاني نقضا.\nالثالث: كونه للتكرار يقتضي استغراق العمر بفعل المأمور به، فإن اللفظ لا إشعار له بوقت دون وقت، وليس البعض أولى. وهو باطل بالإجماع.\nاحتج القائل بالتكرار بوجوه:\nالأول: أن أبا بكر ﵁ تمسك بقوله تعالى: ﴿وآتوا الزكاة﴾ [البقرة: ٤٣] على تكرارها، ولم ينكر أحد، فكان إجماعا.\nالثاني: التكرار أحوط، إذ فيه أمن المخالفة بتقدير [وجوبه].\nالثالث: القياس على النهي.\nوالجواب عن الأول: أن ذلك دليل خاص.\nوعن الثاني أن التكرار قد يفضي إلى المعصية، كما في شراء اللحم، ودخول الدار (^١).\n_________\n= (١/ ١٢٠)، و«المجزي» (١/ ١١٤). وبه قال القفال وابن أبي هريرة وأبو علي بن خيران، «القواطع» (١/ ١٥٨).\n(^١) يعني في من قال لعبده: \"اشتر اللحم\"، و\"ادخل الدار\". فتكرار ذلك قد يوقع في المحظور.","vol":"1","page":101},{"text":"وعن الثالث أن الانتهاء عن الفعل أبدا ممكن بخلاف الفعل.\nوحجة الفور وجوه:\nالأول: قوله تعالى: ﴿ما منعك ألا تسجد﴾ [الأعراف: ١٢]. ولولم يقتض الفور لما حسن ذمه في الحال.\nالثاني: قوله تعالى: ﴿وسارعوا إلى مغفرة﴾ [آل عمران: ١٣٣]، وقوله تعالى: ﴿فاستبقوا الخيرات﴾ [البقرة: ١٤٨].\nالثالث: التأخير لا إلى بدل ينافي الوجوب. وإلى بدل يسقط التكليف إذا أتى به؛ لأن البدل ما يقوم مقام المبدل من جميع الوجوه. وليس كذلك وفاقا.\nالرابع: القياس على النهي وعلى أمر السيد لعبده بالسقي.\nوالجواب عن الأول: أن الذم كان للقرينة.\nوعن الثاني: أنه مجاز، إذ المراد من المغفرة ما تقتضيها، وليس في اللفظ ما يعينه.\nوعن الباقي: النقض بالواجب الموسع. وبقوله: \"افعل في أي وقت شئت\".\nوحجة الاشتراك: [حسن الاستفهام] (^١) عن إرادتهما. وورود الأمر بهما. والأصل الحقيقة. والجواب: سيأتي في باب العموم إن شاء الله تعالى.\n_________\n(^١) بياض في الأصل، وزدته مقاربة للمعنى.","vol":"1","page":102},{"text":"الخامسة: من قال: المطلق لا يفيد التكرار، [اختلفوا في المعلق بالشرط والصفة، كقوله: \"إن كان زانيا فارجمه\"] (^١)، وكقوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ [المائدة: ٣٨]. والمختار أنه لا يفيده لفظا ويفيده قياسا.\nبيان الأول: قوله لعبده: اشتر اللحم إن دخلت السوق\". ولزوجته: \"أنت طالق إن دخلت الدار\"، فإنه لا يفيد التكرار. ولأن اللفظ إنما دل على تعليق شيء على شيء، وهو أعم من تعليقه عليه في الكل والبعض، ثم نقيس على [الخبر] (^٢) بجامع دفع ضرر التكرار.\nوأما الثاني، فلأن الله تعالى لو قال: \"إن كان زانيا فارجمه\" كان دليلا على أنه جعل الزنا علة للرجم؛ لأن ترتيب الحكم على الوصف يشعر بعليته له، وإلا لما قبح أن يقال: \"إن كان عالما فأهنه\"، وهو مستقبح والحكم يتكرر بتكرر العلة باتفاق القائسين. بخلاف العبد إذا قال: \"اعتقت غانما لسواده\" حيث لا يعتق سالم مع سواده وإن صرح بالعلة.\nالسادسة: الأمر أو الخبر المعلق على شيء بـ «إن»، عدم عند عدمه. خلافا لأكثر المعتزلة (^٣)، والقاضي أبي بكر (^٤).\n_________\n(^١) بياض في الأصل، انظر: «التحصيل» للأرموي (١/ ٢٩١).\n(^٢) في الأصل (الحر).\n(^٣) وهو قول أبي عبد الله البصري والقاضي عبد الجبار، «المعتمد» (١/ ١٥٢).\n(^٤) انظر: «التقريب» للقاضي أبي بكر (٣/ ٣٦٣)، و«التلخيص» (٢/ ١٩٩).","vol":"1","page":103},{"text":"* لنا وجهان:\nالأول: النحاة سموا كلمة «إن» حرف الشرط. والشرط: ما ينتفي الحكم عند انتفائه، بدليل قولهم: \"الوضوء شرط للصلاة\". و\"الحول شرط للزكاة\". والأصل الحقيقة. لا يقال: إنها علامات، لئلا يلزم منه المجاز في تسمية ما ليس بعلامة شرطا.\nالثاني: قول يعلى بن أمية لعمر بن الخطاب ﵄: \"ما بالنا نقصر الصلاة وقد أمنا؟! \" فقال: \"عجبت مما عجبت منه، فسألت النبي ﵇، فقال: «صدقة تصدق الله بها عليكم» (^١). وليس التعجب لأن الأصل الإتمام، فإن صلاة الحضر والسفر كانتا ركعتين، وإنما زيدت صلاة الحضر. نقلته عائشة ﵂ (^٢).\nاحتجوا بقوله تعالى: ﴿ولا تكرهوا فتيتكم على البغاء إن أردن تحصنا﴾ [النور: ٣٣]. والنهي قائم وإن لم يردن التحصن. وبقوله: ﴿ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة﴾ [البقرة: ٢٨٣]، ويجوز الرهن مع وجود الكاتب وأمثاله. ولأنه لا يجوز تنجيز الطلاق بعد تعليقه بشرط.\nوالجواب عن الأول: أنه لا يلزم من عدم الحرمة القول بالحل، فإنهن إذا لم يردن التحصن يردن البغاء، والإكراه على المراد ممتنع.\nوعن الثانية وأمثالها: إنما جوزنا مخالفة الظاهر لمعارض. وعن الطلاق: أن المنجز غير معلق.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (رقم: ٦٨٦).\n(^٢) أخرجه البخاري (رقم: ٣٥٠)، ومسلم (رقم: ٦٨٥).","vol":"1","page":104},{"text":"السابعة: الحكم المقيد بعدد لا يدل على نفيه عما زاد أو نقص، إلا (^١) لدليل منفصل (^٢). والحق أن الحكم متى تقيد بعدد [معين] علل به، تعدى إلى الزائد لوجود علته فيه. والناقص (^٣) عن ذلك العدد، إن دخل فيه - والحكم إيجاب أو إباحة - دخلا فيه. والحظر قد يدخل وقد لا يدخل. وإن لم يدخل، فالحظر قد يثبت فيه بطريق الأولى، والإيجاب والإباحة قد يدخلان، وقد لا يدخلان (^٤).\nواحتج المخالف: بأن الأمة عقلت من تحديد جلد القاذف بالثمانين نفي الزيادة. وجوابه: أن الزيادة منتفية بحكم الأصل.\n* * *\nالثامنة: الحكم المقيد بالاسم لا يدل على نفي الحكم عما عداه (^٥). خلافا لأبي بكر الدقاق (^٦).\n_________\n(^١) في الأصل (لا).\n(^٢) هذا اختيار بعض من لا يقول بدليل الخطاب كالقاضي وإمام الحرمين في آخرين، وسيأتي قولهم في مفهوم الصفة. وجمهور الفقهاء على الاحجتاج بمفهوم العدد، انظر: «البرهان» (١/ ٤٥٣ - ٤٥٤)، و«البحر المحيط» (٤/¬٤١).\n(^٣) في الأصل (التناقض).\n(^٤) أصل هذا التقسيم لأبي الحسين في «المعتمد» (١/ ١٥٧).\n(^٥) هذا هو قول السواد من أهل الأصول، انظر: «أصول البزدوي» (ص: ٣١١)، و«الوصول» لابن برهان (١/ ٣٣٢).\n(^٦) محمد بن محمد بن جعفر أبو بكر الفقيه الشافعي القاضي، المعروف بابن الدقاق، صاحب الأصول (تـ ٣٩٢ هـ). وانظر: «البرهان» (١/ ٤٦٨)، و«شرح اللمع» (١/ ٤٤١). وهذا المشهور عند الحنابلة، «العدة» (٢/ ٤٧٥)، و«المسودة» (ص: ٣٥٢). وقال الطوفي: =","vol":"1","page":105},{"text":"* لنا وجهان:\nالأول: جواز القول بأن زيدا أكل. مع العلم بأن غيره أكل.\nالثاني: لو دل عليه لبطل القياس؛ لأن عدم الحكم في الفرع يثبت بالقياس، وهو مقدم.\nحجته: لا فائدة للتخصيص إلا نفي الحكم عما عداه. وجوابه: لعل الغرض اختص بذكر أحدهما دون الآخر.\n* * *\nالتاسعة: الأمر المقيد بالصفة لا ينتفي الحكم عما عداه. خلافا للأشعري (^١) والشافعي (^٢) ومعظم فقهائنا (^٣).\n* لنا وجوه:\nالأول: أن الأمر قد يرد مع نفيه عما عداه وفاقا، ومع ثبوته، كقوله تعالى: ﴿ومن قتله منكم متعمدا فجزاء﴾ [المائدة: ٩٥]، فجعله في المشترك أولى، دفعا للاشتراك والمجاز.\nالثاني: لا يدل [عليه] بالمطابقة، إذ نفي الحكم عن صفة ليس نفس\n_________\n\"الأشبه الذي تسكن النفس إليه: أنه ليس بحجة، وأنه في المفهومات كالحديث الضعيف في المنطوقات\"، شرح مختصر الروضة (٢/ ٧٧٥).\n(^١) نقله عنه القاضي أبو بكر في «التقريب» (٣/ ٣٣٢)، وأبو المعالي في «البرهان» (١/ ٤٥٠). وانظر: «المجرد» لابن فورك (ص: ١٩٩).\n(^٢) انظر: «الأم» (٣/¬١٤) [ط الوفاء].\n(^٣) انظر: «شرح اللمع» (١/ ٤٤٠)، و«الإحكام» للباجي (٢/ ٥٢٠).","vol":"1","page":106},{"text":"ثبوته في أخرى. ولا بالالتزام، لعدم استلزام ثبوت الحكم في أحد الصورتين نفيه عن الأخرى.\nالثالث: القياس على تقييد الحكم بالاسم، عملا بالمشترك. وهو أن الغرض بالتخصيص نفي الحكم عما عداه.\nاحتج المخالف بوجوه:\nالأول: أنه يستقبح عرفا قول القائل: \"الإنسان الطويل لا يطير\" ويقال (^١): القصير أيضا كذلك، فالتخصيص بالطويل عبث. والنقل خلاف الأصل.\nالثاني: لابد للتخصيص من فائدة، ونفي الحكم عما عداه أصلح الفوائد، لمبادرة الذهن إليه عرفا.\nالثالث: ترتيب الحكم على الوصف يشعر بعليته والأصل تعليل الأحكام المتساوية.\nوالجواب عن الأول: أنه منقوض بقولهم: \"زيد الطويل لا يطير\". وبالاتفاق لا ينفي الحكم عما عداه.\nوعن الثاني: لا نسلم أن تخصيص القادر يتوقف على مرجح، فإن تخصيص وجود العالم وبعض الصور بالحكم ليس لمرجح.\nوعن الثالث: ما سيأتي في القياس، أن الأصل ليس ذلك.\n_________\n(^١) (يقال) مستدرك في الحاشية مصححا.","vol":"1","page":107},{"text":"فرعان:\n* الأول: المخالف وافق فيما إذا احتمل أن يكون سبب التخصيص العادة، كما في قوله تعالى: ﴿وإن خفتم شقاق بينهما﴾ [النساء: ٣٥]. وبقوله ﷺ: «أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها» (^١).\n* الثاني: تقييد الحكم بالصفة في جنس، كما في قوله ﵇: «في سائمة الغنم زكاة» (^٢)، إنما ينفي ذلك الحكم عما عداه في ذلك الجنس. خلافا لبعض فقهائنا (^٣).\n* لنا: أن دليل الخطاب نقيض النطق، وإن لم يتناول غير ذلك الجنس.\nاحتجوا بأن السوم يجري مجرى العلة لوجوب الزكاة، فينتفي الحكم حيث تنتفي العلة.\nوجوابه: أن المذكور سوم الغنم لا مطلق السوم.\n* * *\nالعاشرة: في أن الأمر هل يدخل تحت الأمر؟! قال أبو الحسين (^٤): يمكن أن يقول الإنسان لنفسه: \"افعل\" مريدا للفعل، لكنه لا يسمى أمرا؛ لأن\n_________\n(^١) تقدم.\n(^٢) لم أقف عليه بهذا اللفظ. ومعناه عند البخاري (رقم: ١٤٥٤).\nوانظر: «موافقة الخبر الخبر» (٢/ ١١٢).\n(^٣) انظر: «الوسيط» للغزالي (٣/¬٤٩) [ط القره داغي]، و«البيان» للعمراني (٣/ ١٤٩).\n(^٤) في «المعتمد» (١/ ١٤٧ - ١٤٨).","vol":"1","page":108},{"text":"الأمر يطلب الفعل قولا من الغير. والحق: أنه لا يحسن؛ لأن الفائدة منه إعلام طلب الفعل. ولو حكى أمر الغير بلفظ نفسه، فإن تناوله لكونه أن فلانا [يأمرنا] (^١) بكذا دخل فيه، وإلا فلا. وإن حكاه بلفظ ذلك الغير، كقوله تعالى: ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾ [النساء: ١١]، دخل فيه الكل، لعموم الخطاب.\n***\nالحادية عشرة: إن أمر عقيب أمر بحرف عطف أو بغيره، فالأمر الثاني إن تناول مخالف الأمر الأول [وجبا مفترقين]، إذا امتنع اجتماعهما عقلا، كالصلاة في مكانين. أو سمعا، كالصدقة والصلاة. وإن صح اجتماعهما لم يتعين الجمع والتفريق إلا بدليل منفصل. وإن [تناول] (^٢) مثل تناول الأول - وصح الزائد في المأمور به ولم يكن الثاني معطوفا عليه -، قال عبد الجبار (^٣): إنه يفيد ما أفاده الأول إلا أن تمنع منه العادة، كقوله: \"اسقني اسقني\". أو التعريف، كقوله: \"صل ركعتين، صل الصلاة\". وقال أبو الحسين (^٤): الأشبه الوقف.\nوالمختار الأول؛ لأن الأمر للإيجاب، وإيجاب الواجب محال. ولأن صرفه إلى متعلق الأول يفيد تأكيدا، وصرفه إلى غيره يفيد فائدة أصلية، فإن الثاني أولى.\n_________\n(^١) في الأصل (يأمر). والإصلاح من «المحصول» و«المعتمد».\n(^٢) أي الأمر الثاني.\n(^٣) انظر: «المعتمد» (١/ ١٧٤).\n(^٤) في «المعتمد» (١/ ١٧٥).","vol":"1","page":109},{"text":"وإن عطفه عليه ولم يكن معرفا له اقتضى شيئا آخر، إذ الشيء لا يعطف على نفسه، وإن كان معرفا كقوله: \"صل ركعتين وصل الصلاة\"، فعند أبي الحسين، الأشبه الوقف (^١)، لتعارض «لام» التعريف و«واو»، العطف. والعطف أرجح؛ لأن اللام قد تكون لتعريف الماهية أو لمعهود آخر سابق.\nوإن لم يصح الزائد في المأمور به، فقد يكون للعقل مرة وللسمع أخرى، ثم الأمران إن كانا عامين أو خاصين اتحد مأمورهما، والثاني يؤكد الأول. وإن كان أحدهما عاما والآخر خاصا، فإن لم يعطف الثاني على الأول، كان الخاص مؤكدا للعام. وإن عطف عليه كقوله: \"صم كل يوم وصم يوم الجمعة\". فقيل: يوم الجمعة لا يدخل [تحت] الأول، ليصح حكم العطف (^٢). والأشبه: الوقف (^٣)، لمعارضة (^٤) ظاهر العموم إياه. والله أعلم.\n_________\n(^١) «المعتمد» (١/ ١٧٦).\n(^٢) هذا قول القاضي عبد الجبار، «المعتمد» (١/ ١٧٦).\n(^٣) وهو اختيار أبي الحسين، «المعتمد» (١/ ١٧٦).\n(^٤) في الأصل (لمعارضته).","vol":"1","page":110},{"text":"<span data-type='title' id=toc-116>القسم الثاني: في المباحث المعنوية</span>\nوالنظر في ثلاثة أمور:\n* الأول: في الوجوب، وينقسم بحسب نفسه إلى معين ومخير، وبحسب وقته إلى مضيق وموسع وبحسب المأمور إلى فرض عين وفرض كفاية.\nالمسألة الأولى: وقالت المعتزلة: الأمر بالأشياء على التخيير يقتضي وجوب الكل على التخيير (^١). [و] قال الفقهاء: الواجب واحد لا بعينه (^٢). وهو خلاف في اللفظ دون المعنى؛ لأن كل طائفة عنت بقولها أنه لا يجوز الإخلال بالجميع، ولا يجب إتيان الجميع. وللمكلف أن يختار أي واحد كان.\nلكن ههنا مذهب يرويه أصحابنا عن المعتزلة، والمعتزلة عن أصحابنا، وهو: أن الواجب واحد معين عند الله تعالى غير معين عندنا، لكنه تعالى علم أن المكلف لا يختار إلا ذلك (^٣).\n_________\n(^١) انظر: «المغني» لعبد الجبار (١٧/ ١٢٣)، و«المعتمد» (١/ ٨٧)، و«المجزي» لأبي طالب (١/ ١٣٧).\n(^٢) انظر: «شرح اللمع» (١/ ٢٥٥)، و«القواطع» (١/ ١٨٣)، و«الإحكام» للباجي (١/ ٢١٤)، و«البحر» (١/ ١٨٦)، و«الفصول» لأبي بكر (٢/ ١٤٩)، و«التقريب» للقاضي (٢/ ١٤٧).\n(^٣) هذا يلقب بـ «قول التراجم»، ولا أعرف من قال به من الأعيان سوى أبي الخطاب من أصحاب أحمد ﵀، فقد ذكره في «التمهيد» (١/ ٣٣٧) بحثا. وانظر: «رفع الحاجب» (١/ ٥٠٨)، و«البحر» (١/ ١٨٧)، و«التحبير» للمرداوي (٢/ ٨٩٢).","vol":"1","page":111},{"text":"والدليل على فساده، أن معنى التخيير: يجوز ترك كل واحد بشرط الإتيان بالآخر. ومعنى التعيين: ينافي ذلك. والجمع بين جوازه وعدم جوازه متناقض.\nاحتجوا بأنه إذا أتى بالجميع دفعة أتى بالواجب واستحق ثوابه وسقط الفرض، فيجب أن يكون لواحد معين، إذ يمتنع أن يكون لكل واحد منهما أو لمجموعها، لعدم [وجوب] (^١) ذلك، والواحد غير معين لعدم وجوده.\nواحتج من قال الواجب واحد غير معين، بما لو قال: \"اعتقت عبدا من عبيدي؛ أو \"بعت قفيزا من هذه\" فالمعتق والمبتاع واحد غير معين يتعين باختياره.\nوالجواب عن الأول: أن كل واحد معرف لسقوط الفرض لا مؤثر، لئلا يجتمع المؤثران على أثر واحد، وكل واحد واجب على البدل، على ما فسرناه. وإنما استحقاق الثواب والعقاب بفعل الواجب، وتركه على البدل.\nوعن الثاني: أن كل واحد من العبيد والقفيزان مبتاع ومعتق، وإنما يتعين الملك ويعتق المختار باختياره.\nفرع: إذا أمرنا بأشياء، فقد تكون على الترتيب، أو على البدل. وعلى التقديرين، قد يحرم (^٢) الجمع بينهما، وقد يباح، وقد يكون مندوبا.\n_________\n(^١) مستدرك في الحاشية.\n(^٢) في الأصل (يخرج) كذا.","vol":"1","page":112},{"text":"الثانية: الفعل إن ساوى الوقت فظاهر. وإن زاد على الوقت امتنع الأمر به إلا إذا جوزنا تكليف ما لا يطاق. أو قصد به القضاء، كما لو طهرت الحائض - وقد بقي من الوقت قدر ركعة -. وإن نقص عنه، فهو الواجب الموسع، فمنهم من أنكر. وهؤلاء منهم من قال: الواجب يختص بأول الوقت، وما يأتي به بعده قضاء (^١). ومنهم من قال: إذا أتى به في أول الوقت وبقي مكلفا إلى آخره كان ما فعله واجبا، وإلا نفلا (^٢). ومنهم من قال: الواجب يختص بآخر الوقت، وما يأتي به قبله تعجيل. وهذا قول الحنفية (^٣).\nومنهم من جوزه، وهم جمهور أصحابنا (^٤)، وأبو علي وأبو هاشم وأبو الحسين (^٥). ثم منهم من قال: الوجوب متعلق بكل الوقت، وإنما يجوز التأخير إلى بدل وهو: العزم. وهو قول أكثر المتكلمين. ومنهم من قال: لا حاجة إلى هذا العزم. وهو قول أبي الحسين (^٦)، وهو المختار.\n* لنا: أن الأمر تناول جميع الوقت، ولم يتعرض لجزء منه، فوجب أن\n_________\n(^١) قد يتوهم هذا متوهم من عبارة الشيخ أبي إسحاق في «التبصرة» (ص: ٦٠)، بيد أنه قد بين مراده في «شرح اللمع» (١/ ٢٤٦)، بما لا يخرج عن قول أصحابه.\nوانظر: «الأم» للشافعي (٣/ ٢٩٤)، و«شرح المعالم في أصول الفقه» (١/ ٣٣٥)، «الإبهاج» (١/ ١٩٥) [ط ابن حزم]، و«البحر» (١/ ٢١٣)، و«نهاية السول» (١/ ١٧١).\n(^٢) هذا أحد الروايات عن أبي الحسن الكرخي ﵀، واختلف أصحابه في النقل عنه، انظر: «الفصول» لأبي بكر الرازي (٢/ ١٢٥)، و«الميزان» للسمرقندي (ص: ٢١٧).\n(^٣) انظر: «الفصول» (٢/ ١٢٤)، و«أصول السرخسي» (١/¬٣١)، و«أصول البزدوي» (ص: ١٦٢)، «تقويم الأصول» للدبوسي (١/ ١٤٥).\n(^٤) انظر: «التقريب» للقاضي (٢/ ٢٢٧)، و«القواطع» (١/ ١٧٤).\n(^٥) انظر: «المعتمد» (١/ ١٣٤)، و«المجزي» (١/ ١٤٤).\n(^٦) في «المعتمد» (١/ ١٤١).","vol":"1","page":113},{"text":"يتخير المأمور به إيقاعه في أي جزء أراده. فإن قيل: جواز الترك في أول الوقت ينافي وجوبه، فيحمل على البدل. قلنا: قد أبطلنا جواز التأخير إلى بدل.\nيدل على أنا نعني تعلق الوجوب بكل الوقت: عدم جواز خلاءه عن الفعل وعدم اشتغاله به فترجع حقيقة الموسع إلى المخير.\nفرع: الواجب الموسع في جميع العمر - كالقضاء والنذور -، إنما يجوز تأخيره إذا غلب على ظنه البقاء، وإن لم يبق. وقال أبو حنيفة ﵀: لا يجوز تأخير الحج إلى سنة؛ لأن البقاء إلى سنة لا يغلب على الظن (^١). والشافعي رحمه الله تعالى [يرى] البقاء إلى سنة غالب على الظن في حق الشاب الصحيح، دون الشيخ والمريض. والمعزر إذا غلب على ظنه السلامة، فهلك ضمن ولم يأثم.\n***\nالثالثة: إذا تناول الأمر جماعة، فإن كان على سبيل الجمع، فقد لا يكون فعل البعض شرطا في فعل البعض. وقد يكون، كصلاة الجمعة. وإن تناول على سبيل البدل، فهو فرض كفاية، وذلك إذا كان الغرض حاصلا بفعل البعض، كالجهاد. والتكليف فيه منوط بغلبة الظن، إذ الممكن تحصيل الظن بأن غيري ما قام بهذا الفعل، لا العلم.\n_________\n(^١) نقله عنه ابن شجاع الثلجي، واختلف أصحابه عنه، انظر: «التجريد» للقدوي (٤/ ١٦٦٨)،\nو«المبسوط» (٤/ ١٦٣).","vol":"1","page":114},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-121> النظر الثاني: في أحكام الوجوب</span>\n* مسألة: الأمر المطلق بالشيء أمر بما لا يتم إلا به إذا كان مقدورا. وقالت الواقفية: إن كانت المقدمة سببا للمأمور به كان أمرا بها، وإلا فلا (^١).\n* لنا: أن الأمر اقتضى إيجاب الفعل على كل حال، إذ الكلام فيه، فلو لم يقتض مقدمته لكان قد كلف بالفعل حال عدمها، وهو تكليف ما لا يطاق.\nفإن قلت: أمر بالفعل بشرط حضور المقدمة. قلت: ذلك خلاف الظاهر.\nثم يبطل بأمر السيد لعبده بسقي الماء، وهو على مسافة، فإنه لا يتقيد الأمر بحال قطع المسافة، وإلا لو قعد عن قطعها لم يتوجه الأمر إليه. وجوابكم عنه هو جوابنا.\nفرعان:\n* الأول: اختلفوا فيما زاد على الواجب الغير مقدر، كمسح الرأس والطمأنينة، فقيل باتصافه بالوجوب (^٢). وهو باطل، إذ جواز تركه ينافي وجوبه.\n* الثاني: إذا اختلطت منكوحة بأجنبية وجب الكف عنهما. ثم قيل: الحرام هو الأجنبية، والمنكوحة حلال (^٣). وهو باطل؛ لأن رفع الحرج عن\n_________\n(^١) انظر: «القواطع» (١/ ١٨٨)، و«شرح اللمع» (١/ ٢٥٩)، و«البحر المحيط» (١/ ٢٢٦).\n(^٢) انظر: «المسودة» (ص: ٥٨).\n(^٣) هذا قول الحنابلة، «التحبير» (٢/ ٩٤٣)، وانظر تخريج الطوفي لهذا القول في «شرح مختصر الروضة» (١/ ٣٤٦).","vol":"1","page":115},{"text":"الفعل ينافي حرمته. وإنما حرمت الأجنبية لكونها أجنبية، والمنكوحة لاشتباهها بالأجنبية (^١).\nأما إذا طلق إحدى زوجتيه، احتمل أن يقال بحلهما؛ لأن الطلاق شيء معين، فلا يحصل إلا في متعين. ومنهم من حرمهما إلى وقت البيان، تعليقا للحرمة.\n***\nالثانية: الأمر بالشيء نهي عن ضده. خلافا لجمهور المعتزلة (^٢) وبعض أصحابنا (^٣).\n* لنا: أن الدال على الشيء دال على ما هو من ضروراته، والمنع من الترك من ضرورات الطلب الجازم، فكان دالا عليه التزاما. ولأن الطلب الجازم يناقضه الإذن في الترك.\nفإن قلت: الآمر بالشيء قد يكون غافلا عن ضده. قلت: نحن ندعي أن الأمر بالشيء نهى عن ضده المشعور به، على أنه ينتقض بما سلمتموه من أن الأمر بالشيء أمر بمقدماته وإن غفل عنها.\n***\nالثالثة: ليس من شرط الوجوب تحقق العقاب؛ لأن العفو عن الكبائر\n_________\n(^١) انظر: «المستصفى» (١/ ٢٠٤).\n(^٢) انظر: «المعتمد» (١/ ١٠٦)، و«عيون المسائل» (ص: ١٧٥). عندهم أن الأمر لا يدل على\nذلك من جهة المعنى ولا من جهة اللفظ.\n(^٣) انظر: «التقريب» للقاضي (٢/ ١٩٨)، و«التلخيص» (١/ ٤١١)، «البرهان» (١/ ٢٥٠).","vol":"1","page":116},{"text":"جائز. وقال الغزالي به (^١)، وهو مناقض لما زيفه (^٢) من أن الوجوب ما يعاقب على تركه.\n* * *\nالرابعة: الوجوب إذا نسخ بقي الجواز. خلافا للغزالي (^٣). لنا: أن المقتضي للجواز قائم، وهو الأمر المقتضي للوجوب بمعنى الإذن في الفعل، إذ هو جزؤه. والمعارض لا يصلح مزيلا؛ لأنه إنما يقتضي زوال الوجوب بزوال المنع من الترك، فيبقى جواز الفعل، وهو المطلوب.\n* * *\nالخامسة: ما جاز تركه لا يجب فعله، لتنافيهما. وقال الكعبي (^٤) وأتباعه: المباح واجب؛ لأنه ترك الحرام، وهو واجب وجوابه: أن المباح ليس نفس ترك الحرام، بل هو فرد من أفراد ما يترك به الحرام.\nوقال كثير من الفقهاء: الصوم واجب على المريض والحائض والمسافر (^٥).\n_________\n(^١) في «المستصفى» (١/ ١٩٠).\n(^٢) انظر ما تقدم في تعريف الواجب.\n(^٣) في «المستصفى» (١/ ٢٠٧). وهذا اختيار القاضي أبي بكر، والقاضي أبي محمد عبد الوهاب البغدادي، وأبي الوليد الباجي، «التقريب» (٢/ ٢٥٣)، و«إحكام الفصول» (١/ ٢٢٦).\n(^٤) أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن محمود البلخي الكعبي (ت ٣١٩ هـ). وقوله شائع في كتب الأصوليين، ولكن لم أقف عليه في كتب أصحابه وانظر: «التقريب» للقاضي (٢/¬١٧)، و«درء التعارض» (١/ ٢١٣)، و«جامع الرسائل» (٢/ ١٦٥) [تـ رشاد].\n(^٥) قال ابن برهان: هو قول الفقهاء قاطبة\" «المسودة» (ص: ٢٩).\nوانظر: «العدة» (١/ ٣١٥)،\nو«البحر» (١/ ٢٣٨).","vol":"1","page":117},{"text":"وقيل: إنما يجب على المسافر فقط (^١). وعندنا: يجب صوم أحد الشهرين بدلا (^٢).\nاحتجوا بقوله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ [البقرة: ١٨٥]. ولأن المأتي به بعد زوال العدد يسمى قضاء. وينوى قضاء، فيحكي وجوبا سابقا. ولأنه يتقدر بقدره، فكان بدلا عنه، كغرامات المتلفات.\nوالجواب: أنه استدلال بالظواهر والأقيسة على الجمع بين النقيضين، فلا يسمع.\nفروع:\n*الأول: الحق أن المندوب غير مأمور به، لما سبق.\n*الثاني: التطوع لا يجب بالشرع فيه. خلافا لأبي حنيفة ﵁ (^٣). لنا قوله ﵇: «الصائم المتطوع أمير نفسه، إن شاء صام وإن شاء أفطر» (^٤).\n_________\n(^١) نقله في «شرح اللمع» (١/ ٢٥٤) عن أصحاب أبي حنيفة. ويدل عليه ما في: «البدائع» للكاساني (٢/ ٨٩). وفي «أصول البزدوي» (ص: ٧٣٤)، و«السرخسي» (٢/ ٣٣٩)، ما يخالفه.\n(^٢) نسبه الشيخ أبو إسحاق إلى الأشعرية [ما تقدم]، وانظر: «التقريب» (٢/ ٢٣٧)، و«التلخيص» (١/ ٤٢٢)، و«الوصول» (١/ ٩٠).\n(^٣) «أصول البزدوي» (ص: ٣٣٣)، و«أصول السرخسي» (١/ ١١٥).\nوانظر: «تخريج الفروع» للزنجاني (ص: ١٣٨).\n(^٤) رواه الترمذي (رقم: ٧٣٢)، والنسائي في «الكبرى» (رقم: (٣٢٨٨)، من حديث أم هانئ. قال الترمذي: \"في إسناده مقال\". وتكلم فيه النسائي.\nوانظر: «العلل» للدارقطني (١٥/ ٣٦٤)، و«الضعفاء» للعقيلي (١/ ٢٠٦).","vol":"1","page":118},{"text":"* الثالث: قال الأستاذ أبو إسحاق: المباح من التكليف، بمعنى أنه يجب اعتقاد إباحته (^١). وهو ضعيف؛ لأنه لم يرد تكليف بفعله، بل اعتقاده، وهما متغايران.\n* الرابع: المباح حسن إن عني به رفع الحرج عن فعله. وإن عني به ما يثاب عليه، فلا.\n* الخامس: قال بعضهم (^٢): المباح ليس من الشرع؛ لأن انتفاء الحرج عن الفعل والترك كان معلوما قبل الشرع.\nوالحق أنه إن عنى به أن الشرع أثبت حكما لم يكن، فليس كذلك. وإن عنى به أنه ورد خطاب من الشرع بتحققه، فهو كذلك؛ لأن جواز الفعل والترك ورفع الحرج عنهما إنما ثبت بالشرع، فإذا لم يرد الشرع بذلك انعقد الإجماع على أنه مباح.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-134>النظر الثالث: في المأمور به.</span>\nوفيه مسائل:\nالأولى: تكليف ما لا يطاق جائز. خلافا للمعتزلة (^٣).\n_________\n(^١) انظر: «البرهان» (١/ ١٠٢).\n(^٢) في «المغني» للقاضي عبد الجبار (١٧/ ١٤٥): \"الأقرب في الأدلة السمعية أنها إنما تدل على أحكام غير متقررة في العقول، دون الإباحة، وأن تكون الإباحة جارية على طريقة العقل لا المباحات التي لها مدخل في الألطاف، كذبح البهائم وما شاكله\".\nوانظر: «المسودة» (ص: ٣٦).\n(^٣) انظر: «الفائق في أصول الدين» للملاحمي (ص: ٢٢٩، ٢٤٦)، و«زيادات شرح الأصول» =","vol":"1","page":119},{"text":"* لنا وجوه:\nالأول: أن الله تعالى أمر الكافر بالإيمان بالنصوص، وهو منه محال لإفضائه إلى انقلاب العلم جهلا، وهو على الله تعالى محال. فإن قيل: لا تسلم أن الإيمان منه محال، بدليل أنه لو فرض الإيمان بدلا عن الكفر كان العلم في الأزل متعلقا به دون الكفر، فلم يلزم محال. قلت: علمه في الأول (^١) لما تعلق بعدم الإيمان، فلولا حصول متعلقه انقلب العلم جهلا في الماضي.\nالثاني: أنه تعالى أمر أبا جهل بالإيمان، ومن الإيمان: تصديق الله تعالى بكل ما أخبر عنه، ومما أخبر عنه: أنه لا يؤمن، فقد صار مكلفا بأن يؤمن وبأن لا يؤمن. وهو جمع بين الضدين.\nالثالث: أن صدور الفعل من العبد يتوقف على داعية يخلقها الله تعالى على ما سبق، وحينئذ يلزم الجبر (^٢).\nالرابع: أنه تعالى أمر بمعرفته، فالمأمور إما عارف بالله تعالى - وهو تحصيل الحاصل -. أو غير عارف (^٣) - وهو تكليف ما لا يطاق ـ، إذ علمه بالأمر فرع معرفته بالآمر.\n_________\n= لأبي طالب الهاروني (ص: ٢٥٦)، و«متشابه القرآن» للقاضي عبد الجبار (٢/ ٧٢٤)، والجز الحادي عشر من «المغني» عظمه في هذا. وهذا هو المشهور عند الشيخ أبي منصور الماتريدي وجل أصحابه، انظر: «كتاب التوحيد» للماتريدي (ص: ٣٤٩)، و«تأويلات القرآن» له (٢/ ٢٢٨) [ط الميزان تركيا] و«تبصرة الأدلة» (٢/ ٥٨٣)، و«التمهيد» لأبي شكور السالمي (ص: ٢٩٠).\n(^١) كذا، والأظهر (الأزل).\n(^٢) تصحف في الأصل إلى (الخبر).\n(^٣) في الأصل (الحاصل) ولا معنى له.","vol":"1","page":120},{"text":"احتج المخالف بوجوه:\nالأول: قوله تعالى: ﴿لا تكلف نفسا إلا وسعها﴾ [البقرة: ٢٨٦]، ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ [الحج: ٧٨].\nالثاني: أن في العرف من كلف الأعمى نقط المصحف عد عابثا، تعالى الله عن ذلك.\nالثالث: لو جاز الأمر بالمحال، لجاز أمر الجماد وبعثة الرسل إليها.\nوالجواب عن الأول: أن ظواهر النقل لا تعارض القواطع العقلية، على أنها تعلم أنها مأولة. ثم هو معارض بقوله تعالى: ﴿ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به﴾ [البقرة: ٢٨٦].\nوعن الثاني: إن عنيت بالعبث الخالي عن المصلحة، منعنا استحالته.\nوعن الثالث: أن الأمر عندنا الإعلام، وذلك يختص بالفاهم دون الجماد.\n***\nالثانية: قال الأكثرون منا (^١) ومن المعتزلة (^٢): الكفار مخاطبون بفروع الإسلام، بمعنى: أنهم يعاقبون على تركها. خلافا لجمهور الحنفية (^٣). وقيل:\n_________\n(^١) انظر: «التقريب» (٢/ ١٨٦)، و«شرح اللمع» (١/ ٢٧٧)، و«التبصرة» (ص: ٨٠)، و«القواطع» (١/ ١٩٤).\n(^٢) انظر: «المعتمد» (١/ ٢٩٤)، و«المجزي» (١/ ١٢٧).\n(^٣) هذا قول جماعة من حنفية سمرقند وبلاد ما وراء النهر، وأما أهل العراق منهم فعلى قول=","vol":"1","page":121},{"text":"يتناولهم النهي دون الأمر (^١).\n* لنا وجوه:\nالأول: المقتضي للوجوب قائم، وهو قوله تعالى: ﴿ياأيها الناس اعبدوا ربكم﴾ [البقرة: ٢١]. والكفر ليس بمانع، إذ يمكنه الإيمان أولا، ثم يأتي بالعبادات ثانيا، ولهذا قلنا: المحدث مأمور بالصلاة، والدهري مكلف بتصديق الرسول ﵇.\nالثاني: قوله تعالى: ﴿ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين﴾ [المدثر: ٤٢ - ٤٣]. عللوا دخولهم سقر بتركهم الصلاة وغيره ولم يكذبهم الله تعالى فيه.\nالثالث: تناولهم النهي، فكذا الأمر، بجامع تحصيل مصلحة التكليف. فإن قلت: العقاب إنما كان لمجرد التكذيب، فإنه سبب مستقل، فيحال الحكم عليه. سلمناه، لكن المراد من المصلين كما في قوله ﵇: «نهيت عن قتل المصلين» (^٢)، لئلا يلزم الكذب، فإن أهل الكتاب في سقر مع أنهم يصلون. ثم هو معارض بأنه لو وجبت عليه الصلاة مثلا لوجبت في حال الكفر، وهو\n_________\n= الجمهور كما في «الفصول» لأبي بكر (٢/ ١٥٨). قال السمرقندي في «الميزان» (ص: ١٩٤): \"قال بعض مشايخ ديارنا إنهم غير مخاطبين أصلا لا بالعبادات ولا بالمحرمات إلا ما قام دليل شرعي عليه تنصيصا أو استثني في عهود أهل الذمة كما في حرمة الربا ووجوب الحدود والقصاص وغيرها\".\n(^١) هذه رواية عن الإمام أحمد ﵀، انظر: «العدة» لأبي يعلى (٢/ ٣٥٩)، و«التمهيد» لأبي الخطاب (١/ ٢٩٩)، و«الواضح» (٤/ ٢٣٢ أ).\n(^٢) رواه أبو داود (رقم: ٤٩٢٨) من حديث أبي هريرة. قال الدارقطني: \"لا يثبت\"، «العلل» (١١/ ٢٣٠).","vol":"1","page":122},{"text":"ممتنع. أو بعده وهو باطل إجماعا. ولأنها لو وجبت لوجب قضاؤها بالقياس على المسلم.\nوالجواب عن الأول: أن حمله على المجموع أولى لئلا يخلو الذكر عن فائدة. والتكذيب وإن كان سببا مستقلا في دخول النار، لكن لا يقتضي موضعا معينا فيها.\nوعن الثاني: أنه تأويل لا يتأتى في قوله تعالى: ﴿ولم نك من المصلين﴾ [المدثر]. وأما الصلاة، فلما كانت في شرعنا عبارة عن الأفعال المخصوصة، لم يكن أهل الكتاب مصلين.\nوعن الثالث: أنه لا يرد علينا؛ لأنا عنينا به زيادة العقاب. وأما القضاء، فهو منقوض بالجمعة. ثم الفرق بينهما: أن وجوب القضاء ينفره عن الإسلام، بخلاف المسلم.\n***\nالثالثة: فعل المأمور به يقتضي الإجزاء، بمعنى سقوط الأمر. خلافا لأبي هاشم وأتباعه (^١).\n* لنا: أنه أتى بما أمر به - إذ الكلام فيه ـ، فوجب الخروج عن العهدة، إذ الأمر لم يتناول غير المأتي به بالأصل. ولأنه لو قال السيد لعبده: \"افعل هذا، فإذا فعلت لا يجزيك\" عد متناقضا.\n_________\n(^١) انظر: «المعتمد» (١/ ٩٩)، و«المغني» (١٧/ ١٢٥)، و«المجزي» لأبي طالب (١/ ١٥٢)،\nفلهم في ذلك تفصيل.","vol":"1","page":123},{"text":"احتجوا بوجوه: الأول: أن الأمر بالشيء إنما يفيد كونه مأمورا به، فكونه يقتضي الإجزاء لا يقتضيه الأمر.\nالثاني: أن النهي لا يقتضي الفساد، فالأمر لا يقتضي الإجزاء.\nالثالث أنه يجب إتمام الحج والصوم الفاسدين مع أنهما لا يجزئان.\nوالجواب عن الأول: أن الإتيان بالمأمور به يقتضي سقوط التكليف به وهو المعني بالإجزاء.\nوعن الثاني: على تقدير التسليم أن النهي لا ينفي كونه سببا لحكم آخر، بخلاف الأمر، فإنه إنما يقتضي فعل المأمور به، فيستحيل بقاؤه بعده.\nوعن الثالث: أنه يجزئ عن الأمر بإتمامهما، ولا يجزئ عن الأمر بالحج والصوم.\n***\nالرابعة: الإخلال بالمأمور به المقيد بوقت لا يوجب القضاء؛ لأن الأمر لم يتناول ما عدا ذلك الوقت، فلا يدل عليه بنفي ولا إثبات (^١).\nأما إذا كان الأمر مطلقا، كما إذا قال: \"افعل\"، فإذا لم يفعل في أول\n_________\n(^١) هذا قول جمهور أهل الفقه والكلام، ومنهم: أبو بكر الرازي في «الفصول» (٢/ ١٦٨). والقاضي أبو بكر في «التقريب» (٢/ ٢٣٣)، و«التلخيص» (١/ ٤٢٥)، وابن خويز منداد وأبو الوليد الباجي في «الإحكام» (١/ ٢٢٣)، من المالكية. والشيخ أبو إسحاق في «شرح اللمع» (١/ ٢٥٠)، وابن السمعاني في «القواطع» (١/ ١٧٩). من أصحاب الشافعي. وأبو الخطاب في «التمهيد» (١/ ٢٥٢)، وابن عقيل في «الواضح» (٤/ ١٨٦) من الحنابلة.","vol":"1","page":124},{"text":"وقت الإمكان، فهل يجب فعله فيما بعده، أو يحتاج إلى دليل آخر؟! أما نفاة الفور، فأوجبوا الفعل مطلقا. وأما مثبتوه، فاختلفوا فيه (^١). ومنشأ الخلاف: أن قوله: \"افعل\"، هل معناه: افعل في الزمن الثاني والثالث أبدا. أو معناه: افعل في الزمن الثاني من غير بيان الزمن الثالث والرابع، فحينئذ تصير المسألة لغوية.\n***\nالخامسة: الأمر بالأمر بالشيء، كقوله ﵇ «مروهم بالصلاة لسبع» (^٢)، لا يكون أمرا للصبي. أما لو قال: كل من أمرته بشيء فقد أمرته به، كان أمرا به، لكنه في الحقيقة إنما جاء من القول الثاني.\n***\nالسادسة: الأمر بالماهية الكلية ليس أمرا بشيء من جزءياتها، إذ الجزء غير الكل، فلم يدل اللفظ عليه بالمطابقة ولا بالتضمن ولا الالتزام. اللهم إلا إذا دلت قرينة على الرضا ببعض الجزءيات حمل عليه، كقوله لوكيله: بع. فإن شهادة العرف تقيده بثمن المثل.\n***\n_________\n(^١) انظر: «المعتمد» (١/ ١٤٦)، و«الميزان» (ص: ٢٢٢)، و«البحر» (٢/ ٤٠٥). وغالب كلام الأصوليين في الأمر المقيد بوقت.\n(^٢) أخرجه أبو داود (رقم: ٤٩٥)، من حديث عبد الله بن عمرو، بنحوه. ورواه أبو داود (رقم: ٤٩٤)، والترمذي (رقم: ٤٠٧)، من حديث سبرة عن أبيه عن جده. قال الترمذي: \"حديث حسن\".","vol":"1","page":125},{"text":"* النظر الرابع: في المأمور\nوفيه مسائل:\nالأولى: يجوز أمر المعدوم، بمعنى أن الشخص إذا وجد تعلق الأمر به. وإن وجد الأمر قبله (^١). خلافا لسائر الفرق (^٢).\n* لنا: أن الواحد منا مأمور بأمر الرسول ﷺ. والأمر موجود حال عدمنا.\nفإن قلت: أمر النبي ﵇ إخبار عن الله تعالى بأمر المكلف إذا وجد. ثم هو معارض بأنه تعالى لو أمر في الأزل مع عدم المأمور عد عابثا. ولا يجوز أن يكون خبرا لئلا يتطرق إليه التصديق والتكذيب، فيكون كمن أخبر نفسه، إذ ليس في الأزل غيره وهو عبث.\nوالجواب عن الكل: أنه مبني على التحسين والتقبيح العقليين، وقد أبطلناهما.\n***\nالثانية: تكليف الغافل لا يجوز، لقوله ﵇ «رفع القلم عن ثلاثة» (^٣).\n_________\n(^١) انظر: «التقريب» (٢/ ٢٩٨). ومأخذهم في هذه المسألة: إثبات كلام النفس وأنه معنى واحد قائم بالنفس أزلا، فيكون الأمر ثابتا أزلا ولا مأمور. ولذا فإن الغرض من هذه المسألة - كما يقول أبو الحسن الأشعري: - \"إثبات الأمر أزلا من غير مأمور، لا محاولة إثبات المنتفي مأمورا مع استمرار العدم\"، «البرهان» (١/ ٢٧٤).\n(^٢) ونقل هذا عن أبي العباس القلانسي - من قدماء متكلمة الصفاتية - كما في «البرهان» (١/ ٢٧٠).\nواختلف في تخريج قوله على وجوه تجدها في «التحقيق والبيان» للأبياري (١/ ٧٥٢).\n(^٣) أخرجه أبو داود في «السنن» (رقم: ٤٣٩٨)، والنسائي في «المجتبى» (رقم: ٣٤٢٣)، وابن ماجه في «السنن» (رقم: ٢٠٤١) من حديث عائشة ﵂. قال البخاري \"أرجو أن يكون=","vol":"1","page":126},{"text":"ولأن فعل الشيء مشروط بالعلم به، فحصول الأمر مع عدم العلم به تكليف ما لا يطاق.\nفإن قيل: لا نسلم. وبيانه من وجوه: الأول: أنه قد خوطب السكران وهو غافل - بقوله تعالى: ﴿يأيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾ [النساء: ٤٣]. الثاني: أن الصبي والمجنون والنائم غافلون، مع أن أفعالهم مضمونة عليهم. الثالث: ينتقض ما ذكرتم بالأمر بمعرفة الله تعالى، وبالأمر بالنظر، مع عدم علمه بهما.\nوالجواب عن الآية: أن المراد منها من ظهرت منه مبادئ النشاط.\nوقوله: ﴿حتى تعلموا﴾ [النساء: ٤٣]، أي حتى يتكامل فيكم العلم، كما تقول للغضبان: اصبر حتى تعلم ما تقول. وعن الثاني: أنه خطاب للولي في الحال، أو الصبي بعد البلوغ. وعن المعرفة: ما سبق في تكليف ما لا يطاق. وأما النظر، فقيل: العلم به ضروري. وهو ضعيف، بل تلك الصورة مستثناه.\n* * *\nالثالثة: يجب قصد إيقاع المأمور على سبيل الطاعة، لقوله ﵇: «إنما الأعمال بالنيات» (^١). ويستثنى عنه: الواجب الأول، وهو: النظر، لعدم العلم بوجوبه قبل الإتيان به. وقصد الطاعة، دفعا للتسلسل.\n_________\n= محفوظا\" «العلل الكبير» للترمذي (١/ ٢٢٥). وصححه أبو بكر بن المنذر في «الأوسط»\n(٤/¬١٦)، و«الإشراف» (٢/ ٨٣).\nوانظر: «البدر المنير» لابن الملقن (٣/ ٢٢٥)، و«إبراز الحكم» للسبكي (ص: ٢٨).\n(^١) أخرجه البخاري (رقم: ١)، ومسلم (رقم: ١٩٠٧)، من حديث عمر بن الخطاب ﵁.","vol":"1","page":127},{"text":"الرابعة: المكره الملجأ إلى الفعل لا يؤمر به ولا بتركه، لوجوب الفعل وامتناع الترك، وبين الإيقاع وعدمه تناف.\n***\nالخامسة: المأمور إنما يصير مأمورا بالفعل حال وقوعه، والموجود قبله إعلام له بأنه في الزمن الثاني يصير مأمورا (^١). وقالت المعتزلة: مأمور قبله (^٢).\n* لنا: أنه لو أمر بالفعل في الزمن الأول، فإن أمكن وقوعه كان مأمورا بالفعل حال إمكان وقوعه. وإن امتنع، فيكون مأمورا بالممتنع، وهو محال عندكم.\nفإن قيل: هو مأمور في الزمن الأول بإيقاعه في الزمن الثاني. ولأنه لا قدرة على الفعل حال وجوده، وإلا لكان تحصيلا للحاصل.\nقلنا: الجواب عن الأول: أن كونه موقعا للفعل إن كان عن القدرة أو غيرها - ولم يحصل في الزمن الأول - لم يوجد فيه إلا نفس القدرة. وإن حصل، كان مأمورا بالإيقاع زمان حصوله.\nوعن الثاني: أن الفعل حال القدرة والداعي مأمور به، مع كونه واجب الوقوع. والله أعلم.\n***\n_________\n(^١) انظر: «المجرد» لأبي بكر بن فورك (ص: ١١٢، ١٩٧)، والتقريب» للقاضي أبي بكر (٢/ ٢٨٨)، و«التلخيص» (١/ ٤٤٣).\n(^٢) انظر: «المعتمد» (١/ ١٧٩)، و«عيون المسائل» للجشمي (ص: ١٧٣).","vol":"1","page":128},{"text":"السادسة: إذا علم الله تعالى [أن زيدا] يموت غدا، فيجوز أمره بالصلاة غدا بشرط أن يعيش عند القاضي أبي بكر (^١) والغزالي (^٢). خلافا لجمهور المعتزلة (^٣).\nدليل المجوزين أن الأمر كما يحسن لمصلحة المأمور به، فكذلك يحسن لمصلحة تنشأ من نفس امتحان العبد وتوطين نفسه على الامتثال، فيكون لطفا (^٤) له عاجلا وآجلا.\n***\n_________\n(^١) في «التقريب» (٢/ ٢٧٤).\n(^٢) في «المستصفى» (٢/ ٦٩٤).\n(^٣) انظر: «المعتمد» (١/ ١٥٠).\n(^٤) في الأصل (لفظا).","vol":"1","page":129},{"text":"<span data-type='title' id=toc-148>القسم الثالث: في النواهي</span>\nوفيه مسائل:\nالأولى: ظاهر النهي للتحريم، والمذاهب فيه كما في أن الأمر للوجوب.\n* لنا: قوله تعالى: ﴿وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ [الحشر: ٧]، أمر بالانتهاء، ولا معنى لتحريم الفعل إلا وجوب الانتهاء عنه.\n***\nالثانية: النهي يفيد التكرار. ومنهم من منع (^١)، وهو المختار.\n* لنا وجهان:\nالأول: أنه ورد لغير التكرار كما يقال للمريض: لا تأكل. وللصبي: لا تلعب. أي في هذا اليوم. والأصل عدم الاشتراك والمجاز.\nالثاني: أنه يفيد بالدوام وعدمه وليس تكرارا ولا نقضا.\nاحتج المخالف بأن الصيغة لا تخصص وقتا، فيجب حمله على الدوام\n_________\n(^١) وهذا مشهور قول أبي الحسن الأشعري، والقاضي أبي بكر ومن وافقهما، «المجرد» (ص: ١٩٧)، و«التقريب» (٢/ ١٣١، ٣١٨). وهذا ملائم لمذهبهم في الوقف، وأن الأمر والنهي لا صيغة له تدل بمجردها على تكرار أو وجوب أو حظر إلا بدليل.","vol":"1","page":130},{"text":"لإمكانه، بخلاف الأمر، لوجود المشقة.\nوالجواب: أن النهي إنما دل على نفس الامتناع فقط.\nتنبيه: إن قلنا: إن النهي للتكرار أفاد الفور، وإلا فلا.\n***\nالثالثة: المأمور به لا ينهى عنه. وكذا عكسه؛ لأن المأمور: ما ليس في فعله حرج. والنهي ضده، فيتمانعان. والفقهاء جوزوه فيما له جهتان (^١)، كالصلاة في الدار المغصوبة، فإن جهة الصلاة تباين جهة الغصب، فيجوز تعلق الأمر بأحدهما والنهي بالأخرى. ولأنها صلاة، فتناولها الأمر بالصلاة. ولأن إجماع السلف منعقد على عدم قضائها. وهذا ضعيف، لأن متعلق الأمر إن كان لازم متعلق النهي، كان المأمور به منهيا عنه. وإن لم يتلازما، فلا خلاف فيه. فإن قلت: هما منفكان في الجملة، لكن تلازما في هذه الصورة. ولأن الحركة والسكون جزء ماهية الصلاة، وهما شغل الحيز، فشغل الحيز جزء الصلاة، وهو منهي عنه، فلا يكون مأمورا بها؛ لأن الأمر بالمركب أمر بجميع أفراده. وأما الآية (^٢)، إن سلمنا عمومها، فهو مخصوص بما ذكرنا. وإن صح الإجماع، فنقول: يسقط الفرض عندها لا بها، كما قال القاضي أبو بكر ﵀ (^٣).\n_________\n(^١) هذا اختيار أبي حامد الغزالي في «المستصفى» (١/ ٢١٦، ٢٩٩).\n(^٢) كذا في الأصل، ويقصد ما تقدم من ذكر الأمر بالصلاة.\n(^٣) في «التقريب» (٢/ ٣٥٥).","vol":"1","page":131},{"text":"الرابعة: قال أكثر الفقهاء: النهي لا يفيد الفساد (^١). ويفيده عند بعض أصحابنا (^٢). وقال أبو الحسين (^٣): يفيده في العبادات دون المعاملات. وهو المختار. ونعني بالفساد في العبادات: عدم الإجزاء. وفي المعاملات: عدم الملك.\n* لنا في العبادات: أنه لم يأت بالمأمور به؛ لأن المنهي عنه لا يؤمر به على ما بينا، فلا يخرج عن العهدة. فإن قيل: لم لا يكون المنهي عنه سببا للخروج عن العهدة، إذ الصلاة في الثوب والماء المغصوبين، وفي الأوقات المكروهة صحيحة. ولأنه لو اقتضى الفساد لزم الترك بالمقتضي لصحتها، وهو خلاف الأصل.\nوالجواب عن الأول: أن النهي في تلك الصور إنما تعلق بالمأمور به بالمجاورة إذ ليس ذلك جزءا من الصلاة.\nوعن الثاني أن المقتضي لصحتها فرع الأمر بها وقد بينا أن المنهي عنه لا يؤمر به.\n_________\n(^١) هذا قول المتكلمين من المعتزلة كأبي علي وأبي هاشم وأبي عبد الله البصري والقاضي عبد الجبار، وبعض الفقهاء، كحنفية ما وراء النهر، وأبي بكر القفال، وأبي جعفر السمناني، ورواية أبي عبد الله البصري عن الكرخي، «المغني» للقاضي عبد الجبار (١٧/ ١٣٦)، «التقريب» (٢/ ٣٤٠)، و«التلخيص» (١/ ٤٨١)، و«شرح اللمع» (١/ ٢٩٧)، و«المجزي» لأبي طالب للبطحاني (١/ ١٥٥) و«الإحكام» للباجي (١/ ٢٣٤)، و«القواطع» (١/ ٢٣٤)، وبذل النظر للأسمندي (ص: ١٨٤).\n(^٢) هذا قول أكثر العلماء والفقهاء، قديما وحديثا، كما في «أعلام الحديث» للخطابي (٢/ ١٠١٧)، و«الفصول» (٢/ ١٧٥)، و«التقريب» (٢/ ٣٣٩). و«العدة» (٢/ ٤٣٣). وما تقدم.\n(^٣) في «المعتمد» (١/ ١٨٤).","vol":"1","page":132},{"text":"وأما المعاملات، فلأن النهي إنما يدل على الزجر. ولا يمتنع أن نقول: \"لا تبع وإذا بعت أفادك الملك، فلم يدل عليه بلفظه ولا بمعناه إذ عدم الملك لا يلازم النهي.\nفإن قيل: هذا ينتقض بالعبادات. ثم نقول: يدل بمعناه لوجوه:\nالأول: أن الملك نعمة، والمنهي عنه معصية فيناسب.\nالثاني: المنهي عنه يشتمل على المفسدة الخالصة أو الراجحة أو المساوية، وإلا لما نهى عنه، فالإقدام عليه عبث.\nالثالث: المعارضة بإجماع الصحابة فإنهم تمسكوا في فساد الربا ونكاح المتعة بالنهي. ثم القياس على المنهيات الفاسدة.\nوالجواب عن الأول والقياس الأخير: ما بينا من تباين المعنيين.\nوعن الثاني والثالث: المذكور في الخلافيات.\nوعن الرابع: إنما تمسكوا بالنهي فيما ذكرتم للقرينة، فإنهم حكموا في كثير من المنهيات بالصحة.\n***\nالخامسة: القائلون بأن النهي في المعاملات لا يدل على الفساد، منهم من قال: إنه يدل على الصحة، وهو: أبو حنيفة ومحمد بن الحسن ﵏ (^١).\n_________\n(^١) انظر: «التقويم» (١/ ١١٢)، و«أصول البزدوي» (ص: ١٧٦)، وشرحه «كشف الأسرار» (١/ ٤٥٨)، و«أصول السرخسي» (١/ ٨٠)، و«المغني» للخبازي (ص: ٧٢)، و«أصول الفقه» للامشي (ص: ١٠٩).","vol":"1","page":133},{"text":"وأنكره أصحابنا، لقوله ﷺ: «دعي الصلاة أيام أقرائك» (^١)، ونهى عن بيع الملاقيح والمضامين (^٢)، مع عدم الصحة.\nاحتجوا: بأن النهي عن غير [المقدور] عبث. وجوابه: أنا نحمل النهي على النسخ، أو نصرفه إلى البيع اللغوي، وهو [مقدور] عليه. ثم ينتقض بما ذكرنا من النهي.\n***\nالسادسة: المطلوب عندنا بالنهي: فعل ضد المنهي عنه. وعند أبي هاشم: [نفس] أن لا يفعل المنهي عنه (^٣).\n* لنا: أن العدم المستمر غير مقدور عليه، والنهي تكليف، فلا يرد إلا بما يقدر عليه. فإن قلت: ترك المنهي عنه على العدم الأصلي مقدور عليه فيتناوله التكليف. ولأن العقلاء يمدحون من لم يزن على عدم الزنا، وإن لم\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد في «المسند» (رقم: ٢٥٦٨١)، والدارقطني في «السنن» (رقم: ٨٢٢). والمحفوظ فيه غير هذا اللفظ، انظر: «شرح علل الترمذي» لابن رجب (٢/ ٨٨٩)، و«البدر المنير» (٣/ ١٢٥).\n(^٢) رواه مالك في «الموطأ» (٢/ ٦٥٤)، وعبد الرزاق في «المصنف» (رقم: ١٤١٣٧) من حديث سعيد بن المسيب مرسلا. وروي موصولا عند المروزي في «السنة» (رقم: ٢١٠)، والبزار في «المسند» (رقم: ٧٧٨٥) من حديث أبي هريرة. وفيه نظر، انظر: «العلل» للدارقطني (٩/ ١٨٣)، و«البدر المنير» (٦/ ٤٩٣).\n(^٣) لم أقف على النقل عن أبي هاشم في كتب أصحابه. وظاهر كلام القاضي عبد الجبار في «المغني» (١٧/ ١٣٧) موافق للجمهور، ولم يحك خلافا. وانظر تحرير الكلام في: «التلخيص» لأبي المعالي (١/ ٤٨٠)، و«الإبهاج» للسبكي (٢/ ٧٩٠)، و«البحر» للزركشي (٢/ ٣٤٣).","vol":"1","page":134},{"text":"يخطر لهم الضد. قلت: الإبقاء على العدم إن كان عدما لم يكن مقدورا، وإن لم يكن عدما كان وجوديا، وهو فعل الضد. وإنما يمدحون على ما يقدر (^١) عليه، وهو الامتناع، وأنه وجودي.\n* * *\nالسابعة: قد ينهى عن الأشياء على الجمع، كقوله: \"لا تفعل هذا ولا ذاك\". وعن الجمع، كقوله: \"لا تجمع بينهما\". وعلى البدل، كقوله: \"لا تفعل هذا إن [فعلت] ذاك \". ويرجع إلى النهي عن الجمع وعن البدل. ويفهم منه شيئان: أحدهما: النهي عن جعل الشيء بدلا لغيره. والآخر: النهي عن فعل أحدهما دون الآخر. ثم ما كان منها ممكنا جاز التكليف به، والآخر دخل في تكليف ما لا يطاق. والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) في الأصل (ما لا يقدر).","vol":"1","page":135},{"text":"<span data-type='title' id=toc-156>الكلام في العموم والخصوص</span>\n* * *\nوفيه أقسام:\n* الأول: وله شطران:\n\nأحدهما: في العموم\nوفيه مسائل:\nالأولى: العام هو اللفظ المستغرق لكل ما يصلح له بحسب وضع واحد. واحتزرنا بالأولى: عن النكرات والتثنية والجمع ولفظ العدد. وبالثاني: عن المشترك والذي له حقيقة ومجاز، فإن عمومه لا يستغرق جميع المفهومات. وقيل: هو اللفظة الدالة على شيئين فصاعدا بلا حصر (^١).\n* * *\nالثانية: اللفظ إما أن يفيد العموم عقلا، كدليل الخطاب عند من يقول به. أو عرفا، كقوله تعالى: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ [النساء: ٢٣]. فإنه يفيد تحريم جميع وجوه الاستمتاع. أو لغة، إما على البدل كالنكرات. أو على الجمع، إما لما ينضم إليه، كالمعرف بالألف واللام والجمع المضاف.\n_________\n(^١) انظر: «الميزان» للسمرقندي (ص: ٣٩٦)، و«العقد المنظوم» للقرافي (١/ ١٧٧).","vol":"1","page":136},{"text":"وكالنكرة مع النفي. أو لأنه وضع للعموم، كـ «أي» و«ما» و«من» في المجازاة والاستفهام. و«كل» و«جميع» و«متى» و«أين» و«حيث». ثم هذه تارة تتناول من يعقل فقط، ومن يعقل وغيره ومن لا يعقل.\n* * *\nالثالثة: المطلق هو اللفظ الدال على الحقيقة من حيث هي هي عرية عن دلالة شيء من قيودها. وأما الدال عليها مع الكثرة المعينة، فهو اسم العدد. ومع غير معينة، فهو العام. ومع وحدة معينة، فهو المعرفة. ومع غير معينة، فهو النكرة. وقيل: المطلق هو اللفظ الدال على واحد لا بعينه. وهو خطأ فإن الوحدة وعدم التعيين قيدان زائدان.\n* * *\nالرابعة: ذهبت المعتزلة (^١) وجماعة الفقهاء (^٢) إلى أن لفظ «أي» و«ما» و«من» و«أين» و«متى» في الاستفهام والمجازاة و«كل» و«جميع» للعموم.\nوقال أكثر الواقفية (^٣): إنها مشتركة بينه وبين الخصوص .........\n_________\n(^١) انظر: «المعتمد» (١/ ٢٠٦، ٢١٠)، و«المجزي» (١/ ١٧١).\n(^٢) وكذا نسبه أبو يعلى في «العدة» (٢/ ٤٨٩) إلى جماعة الفقهاء. وقال أبو بكر الجصاص في «الفصول» (١/ ١٠٤): \"هو مذهب السلف في الصدر الأول ومن بعدهم ممن تابعهم\". وقال الزركشي في «البحر المحيط» (٣/¬١٨): \"هو مذهب الأئمة الأربعة وجمهور أصحابهم\".\nوانظر: «التبصرة» (ص: ١٠٥)، وشرح اللمع لأبي إسحاق الشيرازي (١/ ٣٠٨)، و«الإشارة» (ص: ١٨٦)، و«الإحكام» للباجي (١/ ٢٣٩)، و«القواطع» (١/ ٢٤٩).\n(^٣) كالأشعري في المشهور عنه، وتبعه القاضي أبو بكر في جماعة من أصحابه، «التقريب» (٣/¬٥٠)، و«التلخيص» (٢/¬١٩). واختلف في النقل عن الواقفية في صفة الوقف على وجهين، هذا أحدها، وهو التوقف في الصيغة لترددها في اللغة بين العموم والخصوص على=","vol":"1","page":137},{"text":"وتوقف فيه أقلهم (^١).\nوالكلام في فصول:\n* الأول: «من» و«ما» و«أين» و«متى» في الاستفهام للعموم إذا لم تكن قرينة صارفة؛ لأنها لو كانت للخصوص لما حسن [الجواب بذكر كل العقلاء. أو مشتركة بين الخصوص والعموم لوجب] (^٢) الاستفهام عن جميع مراتب الخصوص، لاحتمالها. ولم يجب، لقبحه عقلا ولغة فتعين العموم.\nفإن قلت: إنما حسن الجواب بالكل لإفادته المطلوب بكل تقدير. ثم قبح بعض الاستفهامات معارض بحسن بعضها.\nوالجواب عن الأول: أنه يلزم منه حسن الجواب بذكر النساء والرجال لو قال: من عندك من الرجال؟! إذ يجوز أن يتعلق غرضه بالسؤال عن الجنسين.\nوعن الثاني: أن حسن بعض الاستفهامات لا يدل على وقوع الاشتراك، لما نبين إن شاء الله تعالى أن للاستفهام فوائد غير الاشتراك.\n* * *\n_________\n= سبيل الاشتراك. وهو ظاهر قول أبي الحسن ﵀ في «اللمع» (ص: ١٢٧)، وكذا نقله عنه أبو بكر ابن فورك عنه في «المجرد» (ص: ١٦٥، ١٩١). ويدل عليه تصرف القاضي في «التقريب» (٣/¬٧)، (٣/ ٥١)، و«التمهيد» (ص: ٣٥٥) [ط مكارثي].\n(^١) هذا هو الوجه الثاني المنقول عن أبي الحسن في صفة الوقف، وهو عدم الحكم بشيء من عموم أو خصوص لهذه الألفاظ لعدم علمنا بذلك.\nانظر: «البرهان» (١/ ٣٢٢)، و«الوصول» (١/ ٢٠٥)، و«الميزان» (ص: ٢٧٨)، و«البحر» (٣/¬٢٣).\n(^٢) ما بيان المعقوفتين مستدرك في الحاشية مع التصحيح.","vol":"1","page":138},{"text":"* الثاني: صيغة «من» و«ما» في المجازات للعموم لوجهين (^١):\nالأول: أنها لو كانت مشتركة لما حسن الامتثال والإجابة إلا بعد الاستفهام عن الأقسام الممكنة، واللازم منتف.\nالثاني: أن «ما» يتناول العقلاء، بدليل قوله تعالى: ﴿وما خلق الذكر والأنثى﴾ [الليل: ٣]، وقوله تعالى: ﴿والسماء وما بنها﴾ [الشمس: ٥]. وعدم الإنكار على ابن الزبعرى لما قال للنبي ﷺ حين نزل قوله تعالى: ﴿إنكم وما تعبدون من دون الله﴾ الآية [الأنبياء: ٩٨]، أليس عبدت الملائكة وعيسى؟! حتى نزل قوله تعالى: ﴿إن الذين سبقت لهم منا الحسنى﴾ الآية [الأنبياء: ١٠١] (^٢).\nالثالث: أنه [يصلح] استثناء (^٣) الآحاد منها، والاستثناء يخرج ما لولاه لدخل فيه؛ لأن صحة الدخول معتبرة في الاستثناء من الجنس وفاقا. فإن قلت: ينتقض بالاستثناء من جموع القلة والسلامة، فإنه للقلة بنص سيبويه (^٤).\nثم لا نسلم صحة استثناء الملائكة والجن واللصوص. سلمناه، لكن يلزم من دليل اعتبار الوجوب في الاستثناء كون الجمع المنكر للعموم. ثم صحة الاستثناء ينفي العموم، لئلا يكون نقضا\n_________\n(^١) كذا، والمذكور ثلاثة.\n(^٢) ذكره ابن إسحاق في «السيرة» [رواية ابن هشام] (١/ ٣٥٩)، وعنه أخرجه أبو جعفر ابن جرير في «جامع البيان» (١٦/ ٤١٧). ورواه أبو جعفر الطحاوي في «شرح مشكل الآثار» (٣/¬١٥، ١٨)، والطبراني في «المعجم الكبير» (١٢/ ١٥٣)، والضياء في «المختارة» (١١/ ٣٥١) من وجوه عن ابن عباس ﵀.\n(^٣) في الأصل (الاستثناء).\n(^٤) في «الكتاب» (٣/ ٤٩١، ٥٧٨).","vol":"1","page":139},{"text":"قلت: أما النقض، فممنوع، إذ لا يحسن قوله: أكلت الأرغفة إلا ألف رغيف. وأما الجمع المنكر، فإذا لم يفد الوجوب [فيه]، فلم لا يفده في غيره. وأما خروج الملائكة والجن فلقرينة الحال. وعموم الجمع المنكر سبق جوابه. وأما أن الاستثناء ينفي العموم، فسيأتي جوابه.\n* * *\n* الثالث: صيغة «كل» و«جميع» للاستغراق، لوجوه:\nالأول: أن قوله: جاءني كل فقيه [يناقضه: ما جاءني كل فقيه] (^١).\nولولا الاستغراق لما تناقضا، إذ رفع الكل لا يناقض ثبوت البعض.\nالثاني: إذا قال: \"أعط من دخل داري درهما\" فاستوعب. سقط اللوم عنه. وتوجه عليه بالاقتصار على البعض. وذلك دليل العموم.\nالثالث: تكذيب عثمان للبيد في قوله:\nوكل نعيم لا محالة زائل\nبقوله: \"نعيم أهل الجنة لا يزول\" (^٢)، دليل العموم، وإلا لما توجه تكذيبه.\nالرابع أهل اللغة إذا أرادوا العموم فزعوا إلى لفظ الكل والجميع بخلاف الجموع المنكرة.\n_________\n(^١) ما بين المعقوفتين ساقط من النسخة، ولابد منه، وقد سقط على الناسخ لانتقال نظره.\n(^٢) انظر: «المغازي» لابن إسحاق [رواية ابن بكير] (ص: ١٧٩) [ط الفكر]، ورواية ابن هشام (١/ ٣٧٠)، و«المعجم الكبير» للطبراني (٩/¬٣٤).","vol":"1","page":140},{"text":"* الرابع: النكرة في سياق النفي تعم، لوجهين:\nالأول: أنه لولا عمومها لما كان قولنا: ﴿لا إله إلا الله﴾ نفيا للآلهة كلها غير الله تعالى.\nالثاني: قولنا: أكلت اليوم شيئا، يناقضه: ما أكلت اليوم شيئا. ولولا العموم لما تناقضا؛ لأن السلب الجزئي لا يناقضه الإيجاب الجزئي.\nتنبيه: النكرة في الإثبات إذا كانت خبرا لا تعم، وإن كانت أمرا عمت عند الأكثرين، للخروج عن العهدة بكل فرد.\n* * *\n* الخامس: احتج الواقفية بوجوه:\nالأول: العلم أن هذه الصيغ للعموم ليس ضروريا ولا عقليا؛ لأنه لا مجال للعقل في اللغات. ولا نقليا متواترا وإلا لعرفه الكل ولا آحادا لأنها (^١) إنما تفيد الظن، والمسألة علمية.\nالثاني: لو كانت للعموم لما حسن الاستفهام، إذ (^٢) [طلب] الفهم عند الموجب سفه.\nالثالث أن هذه الصيغ تؤكد فتكون تكريرا، وهو عبث. و[يستثنى] عنها بـ «إلا»، فيكون نقضا.\nالرابع لو كانت «من» للعموم لامتنع جمعها، لعدم الفائدة، وقد جمعت\n_________\n(^١) في الأصل (لا أنها).\n(^٢) في الأصل (وإذا).","vol":"1","page":141},{"text":"بقول الشاعر (^١):\nأتوا ناري فقلت: منون أنتم؟!\nفلا تكون للعموم لما سبق.\nوالجواب عن الأول: أنا بعد استقراء اللغات نعلم أنها للعموم ضرورة، على أنه يجوز أن يعلم بالعقل بواسطة النقل، كما سبق. وأما المسألة، فهي عندنا ظنية، وقد بينا أن القطع لا يوجد في اللغات إلا نادرا.\nوعن الثاني: أن الاستفهام قد يحسن لا عند الاشتراك، بأن نظنه ساه أو غير متحفظ في كلامه، أو ثم قرينة تقتضي التخصيص، أو طالبا لأقوى الدلالتين، وهو دلالة الخاص. فهذا كله فوائد الاستفهام.\nوعن الثالث: أنه معارض بتأكيد ألفاظ العدد، وتأكيد الشيء بنفسه من غير اشتراك. ومن فوائد التأكيد: إبعاد التجوز والتخصيص وتقوية الظن بالعموم.\nوعن الرابع: أن «منون» ليس جمعا، بل إشباع حركة (^٢) بالاتفاق (^٣).\n_________\n(^١) هو في «النوادر» لأبي زيد (ص: ٣٨٠)، و«شرح أبيات سيبويه» لأبي محمد السيرافي (٢/ ١٧٤) منسوبا لسمير أو شمير بن الحارث الضبي.\nوانظر: «المقاصد النحوية» (٤/ ٢٠٠٨). ونسب لتأبط شرا، جابر بن ثابت انظر: «خزانة الأدب» للبغدادي (٦/ ١٧٠)، و«ديوان تأبط شرا» لعلي شاكر (ص: ٢٥٤).\n(^٢) انظر: «الكتاب» (٢/ ٤١٠)، و«المقتضب» (٢/ ٣٠٧)، و«علل النحو» (ص: ٤٢٨)، و«الخصائص» (١/ ١٣٠)، و«اللسان» مادة (من).\n(^٣) في حكاية الاتفاق نظر، ففي كتاب «العين» (٨/ ٣٩٠)، و«المحكم» (١٠/ ٤٧٠)، وغيرهما أن منون للجميع.","vol":"1","page":142},{"text":"الخامسة: الجمع المعرف بلام الجنس للعهد ـــ إن كان ـــ، وإلا فللاستغراق. خلافا للواقفية وأبي هاشم (^١).\n* لنا وجوه:\nالأول: أن أبا بكر ﵁ لما طلب الأنصار الإمامة احتج عليهم بقوله ﵇:\n«الأئمة من قريش» (^٢).\nالثاني أنه يؤكد بـ «كل» و«جميع»، لقوله تعالى: ﴿فسجد الملائكة كلهم أجمعون﴾ [ص: ٣٠]، وذلك يفيد الاستغراق وفاقا، فكذا في أصله، إذ التأكيد تقوية الأصل. ولا ينتقض بتأكيد جمع القلة والنكرة؛ لأنا نمنع تأكيدهما على رأي البصريين، ثم ذلك محمول على المنكر، لما بينا.\nالثالث: صحة الاستثناء منه يدل على العموم، لما سبق.\nاحتجوا بأمور:\nأحدها: أنه لو كان للعموم لكان إذا استعملت في العهد أو في قولهم: جمع الأمير الصاغة يلزم إما الاشتراك أو المجاز. وهما خلاف الأصل.\nوثانيها: لو عم، لما كان قولنا: رأيت كل الناس، تكريرا. أو بعض الناس نقضا.\n_________\n(^١) انظر: «المعتمد» (١/ ٢٤٠)، و«المجزي» (١/ ١٨٧).\n(^٢) الحديث بهذا اللفظ مروي من وجوه أحسنها ما رواه النسائي في «السنن الكبرى» (رقم: ٥٩٠٩)، والإمام أحمد في «المسند» (رقم: ١٢٣٠٧)، وابن أبي عاصم في «السنة» (رقم: ١١٢٠)، والبزار في «المسند» (رقم: ٦١٨١) من حديث أنس. ولم أقف على احتجاج الصديق به. وفيه كلام من جهة إسناده، انظر: «العلل» للدارقطني (١٢/¬١٩)، و«بيان الوهم والإيهام» (٤/ ٣٥٨)، وتحفة الطالب لابن كثير (ص: ٢٠٩)، و«البدر المنير» (٨/ ٥٣٠)، و«التمييز» لابن حجر (٦/ ٢٦٩٧). وأما المعنى، فثابت من وجوه في الصحيحين وغيرها.","vol":"1","page":143},{"text":"والجواب عن الأول: أنه تخصيص بالعرف، كقولهم: من دخل داري أكرمته، لا يتناول الملائكة واللصوص.\nوعن الثاني: أن الأول تأكيد والثاني تخصيص.\n* * *\nالسادسة: الجمع المضاف، كقولنا: \"عبيد زيد\" للاستغراق، لما تقدم. وأما الكناية، فكقولنا: \"فعلوا\"، فتارة للاستغراق، وتارة لغيره، كالمكني عنه.\n* * *\nالسابعة: الجماعة إذا أمروا بصيغة الجمع، أفاد الاستغراق، بدليل توجه اللوم على المتخلف منهم. والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-166>الشطر الثاني في ما ليس من العموم</span>\nوفيه مسائل:\nالأولى: الواحد المعرف ليس للعموم. خلافا للجبائي (^١) والفقهاء (^٢) والمبرد (^٣)، لوجوه:\nالأول: لو قال: لبست الثوب وشربت الماء، لا يفهم منه الاستغراق.\n_________\n(^١) انظر: «المعتمد» (١/ ٢٤٤).\n(^٢) قال القاضي عبد الوهاب أبو محمد: \"هو قول جمهور الأصوليين وكافة الفقهاء\"، «البحر المحيط» (٣/ ٩٨).\n(^٣) انظر: «المجزي» لأبي طالب البطحاني (١/ ١٨٥).","vol":"1","page":144},{"text":"الثاني: لا ينعت بالجمع، ولا يؤكد به. وقوله تعالى: ﴿والنخل باسقات﴾ [ق: ١٠]، و﴿والطفل الذين لم يظهروا﴾ [النور: ٣١]، و﴿وكل الطعام﴾ [آل عمران: ٩٣]. وقولهم: \"أهلك الناس الدراهم البيض\"، مجاز لعدم اطراده.\nالثالث: لو قال: أنت الطلاق. لم تقع الثلاث إجماعا، فلا يفيد الاستغراق.\nاحتجوا بوجهين:\nالأول: أنه يجوز استثناء الآحاد منه، كقوله تعالى: ﴿والعصر إن الإنسان لفي خسر * إلا الذين آمنوا﴾ [العصر]، فيكون عاما، إذ الاستثناء أخرج ما لولاه لدخل.\nالثاني: ترتيب الحكم على الوصف مشعر بالعلية، فقوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع﴾ [البقرة: ٢٧٥]، مشعر بأنه حل لكونه تبعا، والحكم يعم لعموم علته.\nوالجواب عن الأول: أن عدم الاطراد يدل على أنه مجاز. وعن الثاني: أنه اعتبار مغاير للتمسك باللفظ، ونحن نسلمه.\n* * *\nالثانية: أقل الجمع ثلاثة عند أبي حنيفة (^١) والشافعي (^٢) -رحمهما الله-. وقال بعض\n_________\n(^١) نظر: «تقويم الأدلة» لأبي زيد (١/ ٣٧٤)، و«الميزان» (ص: ٢٩٣)، و«أصول البزدوي» (ص: ٢٠٢، ٢١٢) مع شرحه «كشف الأسرار» (٢/¬٢٨)، و«أصول السرخسي» (١/ ١٥١).\nحكاه ابن برهان عن الفقهاء قاطبة وأكثر الأصوليين، «الوصول» (١/ ٢٩٥).\n(^٢) في «الأم» (٤/ ٥٠٧) عن الثلاثة أنها \"أقل ظاهر الجمع في كلام الناس\".\nوانظر: «مجرد مقالات الشافعي في الأصول» (ص: ٣٠٢).","vol":"1","page":145},{"text":"الصحابة والتابعين (^١) والقاضي (^٢) والأستاذ أبو إسحاق (^٣): أقله اثنان.\n* لنا وجهان\nالأول: صيغة الجمع تنعت بالثلاثة، والتثنية بالاثنين، ولا ينعكس.\nالثاني: أن أهل اللغة فصلوا بين ضمير الواحد والتثنية والجمع.\nاحتجوا بقوله تعالى: ﴿إذ تسوروا المحراب﴾ [ص: ٢١]، وكانا اثنين، لقوله: ﴿خصمان بغى بعضنا على بعض﴾ [ص: ٢٢]. وبقوله تعالى: ﴿وكنا لحكمهم شاهدين﴾ [الأنبياء: ٧٨]، والمراد داود وسليمان. وبقوله ﷺ «الاثنان فما فوقهما جماعة» (^٤). ولأن الاجتماع حاصل في الاثنين.\nوالجواب عن الأولى: أن الخصمان للواحد والجمع، كالضيف قال تعالى: ﴿هؤلاء ضيفي﴾ [الحجر: ٦٨]. وعن الثانية: المراد الحاكم والمتحاكمين؛ لأن المصدر يضاف إلى الفاعل والمفعول. وعن الخبر، أنه محمول على إدراك فضيلة الجماعة. وقيل: هو تبيين للجماعة في جواز السفر. وعن المعقول، أن النزاع وقع في\n_________\n(^١) انظر: «التقريب» (٣/ ٣٢٢)، و«العدة» (٢/ ٦٥٢)، و«المستصفى» (٢/ ٧٦٩)، و«البحر المحيط» (٣/ ١٣٦).\n(^٢) في «التقريب» (٣/ ٣٢٤): \"الذي نختاره أن اسم الجمع يقع على الاثنين، وأن أقل الجمع اثنان\". وانظر: «التلخيص» (٢/ ١٧٣).\n(^٣) حكاه عنه أبو المعالي في «البرهان» (١/ ٣٤٩).\n(^٤) بهذا اللفظ أخرجه ابن ماجه (رقم: ٩٧٢)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (رقم: ٨٨١١)، والدارقطني في «السنن» (رقم: ١٠٨٧)، والحاكم في «المستدرك» (رقم: ٨١٧٠) من حديث أبي موسى. وضعفه ابن رجب في «فتح الباري» (٦/¬٣٨). ومعناه ثابت من وجوه أخرى.","vol":"1","page":146},{"text":"لفظ «الرجال» و«المسلمين» لا في لفظ «الجمع».\n* * *\nالثالثة: الجمع المنكر يحمل عندنا على أقل الجمع وهو ثلاثة. وعند الجبائي على العموم (^١).\n* لنا: أنه يمكن نعته بأي عدد شئنا، فوجب جعله للقدر المشترك بين الكل.\nواحتج الجبائي: بأن حمله على العموم حمل له على جميع حقائقه. وجوابه: ما بيناه أنه لا حقيقة له إلا القدر المشترك، لكن الثلاثة لابد منها فتعينها كذلك.\n* * *\nالرابعة: قوله تعالى: ﴿لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة﴾ [الحشر: ٢٠]، لا يقتضي عموم نفي الاستواء من جميع الأمور؛ لأن نفي الاستواء أعم من نفيه من كل الوجوه أو من بعضها. والدال على المشترك بين القسمين لا إشعار فيه بهما. ولأن قولنا: \"يستويان\" يقتضي استواءهما في جميع الصفات، وإلا لكان كل شيئين يستويان لاشتراكهما ولو في بعض السلوب. وقولنا: \"لا يستويان\" نقيضه، ونقيض الكل الجزئي.\n* * *\n_________\n(^١) انظر: «المعتمد» (١/ ٢٤٦). ونقل عنه أبو طالب البطحاني في «المجزي» (١/ ١٨٧) كقول أبي هاشم، وهو أنه يحمل على أقل الجمع ثلاثة.","vol":"1","page":147},{"text":"الخامسة: قوله تعالى: ﴿ياأيها النبي﴾ لا يتناول الأمة (^١). وقيل: ما ثبت في حقه ثبت في حق غيره، إلا ما خصه الدليل به (^٢). وهو باطل؛ لأنه إن زعم أنه مستفاد من اللفظ، فهو جهالة. وإن زعم أنه من دليل آخر (^٣)، فهو خروج عن هذه المسألة. وكذلك الخطاب الموضوع للأمة لا يتناول النبي ﵇.\n* * *\nالسادسة: اللفظ المختص بالرجال للذكور وبالنساء للإناث. وغير المختص إن لم يتبين فيه الذكور عن الإناث، كصيغة «من» تتناولهما، لانعقاد الإجماع على دخولهما في الوصية، وتعليق العتق وغيرهما. وقيل: يختص (^٤)، لقول العرب: «من ومنون ومنة». وجوابه: أنهم وإن جوزوه، لكنهم اتفقوا على استعمال «من» في الذكور والإناث.\nوعلامة الإناث لا تتناول الذكور. وما لا علامة فيه لا يتناول الإناث؛\n_________\n(^١) انظر: «التقريب» للقاضي أبي بكر (٢/ ١٨١)، و«اللمع» لأبي إسحاق الشيرازي (ص: ١٠٧) [ط الكتانية]، و«البحر المحيط» (٣/ ١٨٦).\n(^٢) هذا أول القولين لأبي إسحاق الشيرازي في «التبصرة» (ص: ٢٤٠). وهو قول أصحاب أبي حنيفة، كما «الفصول» (١/ ١٣٧). والإمام أحمد، كما في «العدة» (١/ ٣١٨)، وينسب للجمهور، «المسودة» (ص: ٣١). خلافا لأبي الحسن التميمي وأبي الخطاب، «التمهيد» (١/ ٢٧٥).\n(^٣) هذا ظاهر تصرف أبي المعالي في «البرهان» (١/ ٣٦٧).\n(^٤) في الأصل (لا يختص). وهو مفسد للمعنى. نسبه أبو المعالي في «البرهان» (١/ ٣٦٠)، للحنفية. والمعروف عندهم تشمل الإناث ولا يحكون في كتبهم خلافا، «أصول البزدوي» (ص: ٢٠٤)، و«أصول السرخسي» (١/ ١٥٥)، وفي «الميزان» (ص: ٢٧٧) أن إجماع أهل اللغة على ذلك.","vol":"1","page":148},{"text":"لأن «قام» لا يتناول المؤنث، فكذا: «قاموا (^١)» المضعف منه لا يتناولهن.\nوقيل: يتناولهن (^٢)؛ لأن النحاة اتفقوا على تغليب التذكير عند اجتماعهما.\nوجوابه: أنه متى أريد التعبير عن الفريقين بعبارة واحدة كان الواجب التذكير.\n* * *\nالسابعة: إذا تعذر حمل الكلام على ظاهره [إلا] بإضمار، وثم أمور صالحة له حمل على واحد منها. خلافا لقوم (^٣). وهو معنى قولهم: \"الاقتضاء لا عموم له\" (^٤)؛ لأن الدليل ينفي الإضمار، خالفناه في الواحد للضرورة. وللمخالف: أن إضمار أحد الحكمين ليس أولى من الآخر. ولابد من شيء يحمل عليه، فليضمر الكل.\n* * *\nالثامنة: قال فقهاؤنا (^٥): إذا قال: \"والله لا آكل\" عم جميع المآكل،\n_________\n(^١) في الأصل (أقاموا).\n(^٢) هذا قول أكثر الحنفية والحنابلة، وبه قال وابن خويز منداد من المالكية، «أصول السرخسي» (١/ ٢٣٤) و«بديع النظام» لابن الساعاتي (٢/ ٤١٢)، و«التقرير والتحبير» (١/ ٢١٣)، و«العدة» (٢/ ٣٥١)، و«الواضح» (١٤/ ٢٢٧)، و«التمهيد» لأبي الخطاب (١/ ٢٩٠)، و«أصول ابن مفلح (٢/ ٨٦٤)، والإحكام» للباجي (١/ ٢٥٠).\n(^٣) هذا قول الحنابلة في المشهور عندهم، «العدة» (٢/ ٥١٣)، و«الواضح» (٢٤/ ٣٩٣)، و«المسودة» (ص: ٩١).\n(^٤) هذا هو المعروف عند أصحاب الشافعي، «القواطع» (١/ ٢٧٤)، و«شرح اللمع» (١/ ٣٣٨)، و«المستصفى» (٢/ ٧٤٨). وأصحاب أبي حنيفة، «الفصول» (١/ ٢٦٠)، و«التقويم» (١/ ٣١٤)، و«أصول البزدوي» (ص: ٣٠٦)، «أصول السرخسي» (١/ ٢٤٨)، و«الميزان» (ص: ٣٠٧). واختاره القاضي في «التقريب» (٣/ ٨٨).\n(^٥) انظر: «التهذيب» للبغوي (٨/ ١٣٢)، و«المستصفى» (٢/ ٧٤٩).","vol":"1","page":149},{"text":"ويصح تخصيصه بالبعض بالنية. وبه قال أبو يوسف (^١). وقال أبو حنيفة: لا يصح (^٢). وهو المختار؛ لأن الملفوظ هو الأكل وهو ماهية واحدة؛ لأنها قدر مشترك بين أكل هذا أو غيره، فلا تتعدد، فلا تتخصص. نعم إذا اقترنت بها العوارض الخارجية حتى صارت هذا أو ذاك تعددت وقبلت التخصيص، لكنه لا يجوز؛ لأنها مع العوارض غير ملفوظة فيكون القابل لنية التخصيص شيئا غير ملفوظ، وهو القسم الثاني، لكنه وإن جاز عقلا، فهو باطل بالدليل الشرعي، وهو امتناع التخصيص بالمفعول به على امتناعه بالمكان والزمان، بجامع تعظيم اليمين. والشافعي قاس \"الأكل\" على قوله: \"أكلا\"، تصحيحا لنية التخصيص. والفرق أن \"أكلا\" منكر ليس بمصدر في الحقيقة فيقبل التعيين بالنية.\n* * *\nالتاسعة: قال الشافعي ﵁: \"ترك الاستفصال في حكاية الحال مع قيام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال (^٣)، لقوله ﵇ للذي أسلم على عشر نسوة: «أمسك أربعا وفارق سائرهن» (^٤) من غير سؤال هل ورد العقد عليهن\n_________\n(^١) في «غمز عيون البصائر» (٢/ ١٦٣): \"وعن أبي يوسف ﵇ أنه يصدق ديانة. وهي رواية «النوادر» وعليها اعتماد الخصاف\".\nوانظر: «المحيط البرهاني» (٤/ ٢٢١).\n(^٢) انظر: «شرح مختصر الطحاوي» (٧/ ٤٣٢)، و«أصول السرخسي» (١/ ٢٥٠)، و«المبسوط» (٨/ ١٧٧)، و«بدائع الصانع» (٣/ ٦٨).\n(^٣) نقلها عنه أبو المعالي في «البرهان» (١/ ٣٤٥)، وتبعه عليه الناس من بعده. وانظر: «الأشباه والنظائر» للسبكي (٢/ ١٣٧).\n(^٤) رواه مالك في «الموطأ» (٢/ ٥٨٦)، وعبد الرزاق في «المصنف» (رقم: ١٢٦٢١)، وأبو داود في «المراسيل» (رقم: ٢٣٤) من حديث محمد بن شهاب الزهري مرسلا. رواه ابن ماجه في «السنن» (رقم: ١٩٥٣)، والترمذي في «الجامع» (رقم: ١١٢٨)، وأحمد في.","vol":"1","page":150},{"text":"دفعة أو على الترتيب. وفيه نظر، لاحتمال أنه ﵇ ترك الاستفصال لمعرفته بخصوص الحال.\n* * *\nالعاشرة: العطف على العام لا يقتضي العموم؛ لأن مقتضاه نفس الجمع، وذلك جائز بين العام والخاص.\n* * *\nالحادية عشرة: خطاب المشافهة لا يتناول من يحدث إلا بدليل منفصل؛ لأنه ليس بمؤمن زمن الخطاب ولا بإنسان. والحق أنه يعم ضرورة من شرع محمد ﵇. وتمسك بعضهم بقوله تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا﴾ [سبأ: ٢٨]. وقوله ﵇: «بعثت إلى الأحمر والأسود» (^١)، وقوله: «حكمي على الواحد حكمي على الجماعة» (^٢). ولأنه ﵇ متى أراد التخصيص بين، فلما لم يبين دل على العموم.\n[والاعتراض على] النصوص أن «الناس» و«الجماعة» و«الأسود».\n_________\n= «المسند» (رقم: ٤٦٠٩)، من حديث معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه موصولا. وصححه ابن حبان (رقم: ٤١٥٦).\n(^١) الحديث بهذا اللفظ أخرجه أحمد في «المسند» (رقم: ١٤٢٦٤)، وأصله في «صحيح البخاري» (رقم: ٣٣٥)، و«صحيح مسلم» (رقم: ٥٢١) من حديث جابر.\n(^٢) قال ابن كثير في «تحفة الطالب» (ص: ٢٤٥): \"لم أر قط بهذا سندا، وسألت شيخنا الحافظ جمال الدين أبا الحجاج، وشيخنا الحافظ أبا عبد الله الذهبي مرارا، فلم يعرفاه بالكلية\".\nوانظر: «تذكرة المحتاج» لابن الملقن (ص: ٣٢)، و«موافقة الخبر الخبر» لابن حجر (١/ ٥٢٧).","vol":"1","page":151},{"text":"و«الأحمر» يختص بالموجودين. وجواب الثاني: إنما يحتاج إلى التخصيص لو قلنا أنه يتناول من سيوجد.\n* * *\nالثانية عشرة: قول الصحابي: \"نهى رسول الله عن بيع الغرر\"، و\"قضى بالشفعة للجار\"، لا يفيد العموم؛ لأن الحجة في المحكي لا في الحكاية. ولعله وقع في صورة خاصة ولجار معلوم، والألف واللام للعهد.\n* * *\nالثالثة عشرة: قول الراوي: \"كان الرسول يجمع بين الصلاتين في السفر\" لا عموم له؛ لأن لفظة \"كان\" لا تفيد إلا تقدم الفعل. وقيل: تفيد التكرار عرفا (^١)، إذ لا يقال: \"كان فلان يصلي الضحى\" إذا صلى مرة واحدة.\n* * *\nالرابعة عشرة: إذا قال الراوي: \"صلى رسول الله بعد الشفق\" منهم من حمله على الأحمر والأبيض. وهو خطأ، إذ المشترك لا يستعمل في مفهوميه معا. وكذا قوله: \"صلى الله في الكعبة\" لا يستدل به على جواز أداء الفرض والنفل فيها؛ لأن العام لفظ الصلاة لا فعلها.\n* * *\n_________\n(^١) هذا قول القاضي في «التقريب» (٣/ ٩٢). وانظر: «الوصول» لابن برهان (١/ ٣١٩)، و«العقد المنظوم» للقرافي (١/ ٥٥٤).","vol":"1","page":152},{"text":"الخامسة عشرة: قال الغزالي (^١): المفهوم لا عموم له؛ لأن العموم لفظ تتشابه دلالته بالنسبة إلى مفهوماته. وهو نزاع لفظي، وإلا فالحكم منتف عن كل ما عدا المذكور. والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) في «المستصفى» (٢/ ٧٥٧).","vol":"1","page":153},{"text":"<span data-type='title' id=toc-182>القسم الثاني: في الخصوص</span>\nوفيه مسائل:\nالأولى: حد التخصيص: إخراج بعض ما تناوله الخطاب عنه، وعند الواقفية: إخراج بعض ما صح أن يتناوله (^١). فقولنا: العام مخصوص، معناه: أنه استعمل في بعض ما يصح تناوله. وأما المخصص، فيقال بالحقيقة على قصد المتكلم إلى ذلك الاستعمال، وبالمجاز على من أقام الدلالة على التخصيص، وعلى من اعتقد أو وصفه به.\nالثانية: الحق أن التخصيص جنس، والنسخ والاستثناء نوعاه. والفرق بين التخصيص والنسخ فرق ما بين العام والخاص.\nوفرق بعضهم بينهما: بأن التخصيص إنما يصح فيما تناوله اللفظ، والنسخ قد يعلم بطريق آخر. ويجوز نسخ شريعة بأخرى ولا يجوز تخصيصها بها. والنسخ رفع الحكم الثابت. ويجب تراخي الناسخ، ولا يقع بخبر واحد\n_________\n(^١) قال أبو المعالي في «التلخيص» (٢/ ١٤١): \"التخصيص: إخراج بعض مقتضى اللفظ مع جوازه\nدخوله تحته\".\nوانظر: «التقريب» (٣/ ٧٦) «المستصفى» (٢/ ٧٧٤)، و«البحر المحيط» (٣/ ٢٤١)","vol":"1","page":154},{"text":"ولا قياس، بخلاف التخصيص.\nوفرقوا بينه وبين الاستثناء: أن [الاستثناء] مع المستثنى عنه كاللفظة الواحدة، ولا يثبت بقرائن الحال. ولا يجوز تأخيره عن اللفظ بخلاف التخصيص في الكل.\n* * *\nالثالثة: المتناول للواحد لا يخص لعدم تعقل التخصيص فيه. والمتناول للأكثر إن كان من حيث اللفظ جاز. ومن جهة المعنى، فالعلة الشرعية هل تخص؟! فيه كلام يأتي. ومفهوم المخالفة ومفهوم الموافقة، والأول يخص، وكذا الثاني إذا لم يعد بالنقض على الملفوظ.\n* * *\nالرابعة: يجوز إطلاق الخبر والأمر العامين لإرادة الخاص (^١). خلافا لقوم (^٢). كقوله تعالى: ﴿اقتلوا المشركين﴾ [التوبة: ٥].\nاحتج المخالف بأنه يوهم الكذب في الخبر والبداء في الأمر. والجواب: أن اللفظ لما احتمل التخصيص فقيام الدلالة عليه لا توجب ذلك.\n* * *\n_________\n(^١) انظر: «المعتمد» (١/ ٢٥٥)، و«شرح اللمع» (١/ ٣٤١)، و«القواطع» (١/ ٢٨٠).\n(^٢) نقله أبو بكر الجصاص في «الفصول» (١/ ١٣٧) عن بعض أصحابه وحجتهم في المنع تختلف عما ذكر المصنف. ولم يحك أبو الحسين وغيره الخلاف إلا في الخبر، ولكن ألزم من نفاه في الخبر أن يكون كذلك في الأمر؛ لأنه يوهم البداء.","vol":"1","page":155},{"text":"الخامسة: اتفقوا على جواز تخصيص ألفاظ الاستفهام والمجازاة إلى الواحد. واختلفوا في الجمع المعرف، فقيل: يكفي الواحد (^١). وقال القفال: يجب أن لا ينقص عن ثلاثة (^٢). وقال أبو الحسين (^٣): يجب الكثرة في الكل إلا إذا استعمل في الواحد للتعظيم، كقوله تعالى: ﴿فقدرنا فنعم القادرون﴾ [المرسلات: ٢٣] وهو المختار.\n* لنا: أنه لو قال: من دخل داري أكرمته. ثم قال: أردت زيدا أكرمته. ثم قال: أردت زيدا عابه أهل اللغة.\nاحتج المخالف: بأن التخصيص لا يختص بالبعض دون البعض، لعدم المزية، فجاز إلى الانتهاء إلى الواحد. وجوابه أن البعض أولى لما ذكرنا.\n* * *\nالسادسة: قال بعض الفقهاء العام المخصوص حقيقة (^٤). وقال أبوعلي وأبو هاشم: مجاز (^٥). والمختار تفصيل أبي الحسين (^٦)، وهو أن القرينة\n_________\n(^١) هذا قول الحنابلة وأكثر الشافعية، «العدة» (٢/ ٥٤٤)، و«المسودة» (ص: ١١٦)، و«التلخيص» لأبي المعالي (٢/ ١٨٠)، و«القواطع» (١/ ٢٨٨)، و«شرح اللمع» (١/ ٣٤٢)، و«البحر المحيط» (٣/ ٢٥٧).\n(^٢) قال القفال: \"جاز إلى أقل الجمع، وذلك إما ثلاثة أو اثنان على الخلاف\". «البحر المحيط» (٣/ ٢٥٦).\n(^٣) في «المعتمد» (١/ ٢٨٣).\n(^٤) انظر: «التقريب» (٣/ ٦٦)، و«القواطع» (١/ ٢٨٠)، و«شرح اللمع» (١/ ٣٤٤)، و«الوصول» لابن برهان (١/ ٢٣٣).\n(^٥) انظر: «المجزي» لأبي طالب البطحاني (١/ ١٩٠).\n(^٦) في «المعتمد» (١/ ٢٨٣).","vol":"1","page":156},{"text":"المخصصة عقلية أو لفظية إن استقلت فهو مجاز؛ لأنه مستعمل في غير موضوعه لقرينة. وإن لم يستقل، كالاستثناء والشرط والصفة فهو حقيقة؛ لأن لفظ العموم عند انضمام القرينة إليه إنما يفيد البعض، وإلا لم تفد القرينة، فلا يكون حقيقة ولا مجازا، بل لفظ العموم مع القرينة يفيد البعض حقيقة.\n* * *\nتنبيه: إذا قال تعالى: ﴿اقتلوا المشركين﴾ [التوبة: ٥]. ثم قال النبي ﷺ عقيبه: \"إلا زيدا\"، فهذا تخصيص بدليل متصل أو منفصل؟! فيه احتمال.\n* * *\nالسابعة: يجوز التمسك بالعام المخصوص عند الفقهاء (^١). ومنعه عيسى بن أبان وأبو ثور (^٢). وجوزه الكرخي إذا خص بدليل متصل (^٣). والمختار أن التخصيص إن كان [مجملا] لم يجز، وإلا جاز لوجهين:\nالأول أن المقتضي للحكم في غير محل التخصيص قائم وهو اللفظ العام والمعارض الموجود وهو عدم الحكم في هذه الصورة لا يصلح معارضا إذ عدم الحكم في البعض لا ينافي ثبوته في الآخر.\nالثاني تمسك علي ﵁ بقوله تعالى: ﴿أو ما ملكت أيمانكم﴾ [النساء: ٣]،\n_________\n(^١) انظر: «التقريب» (٣/ ٧٣)، و«التقويم» لأبي زيد (١/ ٢٤٩)، و«أصول السرخسي» (١/ ١٤٤)، و«الوصول» (١/ ٢٣١).\n(^٢) حكاه عنهما أبو الحسين في «المعتمد» (١/ ٢٦٨).\n(^٣) وكان يقول: \"هذا مذهبي ولا يمكنني أن أعزيه إلى أصحابنا\". ذكره عنه صاحبه أبو بكر في «الفصول» (١/ ٢٤٥).","vol":"1","page":157},{"text":"على جواز الجمع بين الأختين في ملك اليمين (^١)، مع أنه خص بالأخت والبنت، ولم ينكر أحد فكان إجماعا.\nاحتجوا بأن العموم لا يعمل بظاهره، وليس البعض أولى من البعض، فيصير مجملا. وجوابه أن حمله على الباقي أولى.\n* * *\nالثامنة: قال الصيرفي: يجوز التمسك بالعام ابتداء، إذ الأصل عدم المخصص، وأنه يوجب ظن عدم التخصيص (^٢). وقال ابن سريج: إنما يجوز بعد استقصاء الطلب؛ لأن قبل الطلب يحتمل كونه حجة في صورة التخصيص وألا يكون حجة فيها، والأصل أن لا يكون حجة (^٣). وجوابه: أن احتمال كونه حجة أرجح لما ذكرنا. ثم يبطل بالعمل بالحقيقة من غير طلب الصارف عنها إلى المجاز. والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) انظر: «المصنف» لعبد الرزاق (رقم: ١٢٧٢٩)، و«المصنف» لابن أبي شيبة (رقم: ١٦٢٥٣).\n(^٢) انظر: «التقريب» (٣/ ٤٢٥)، (٣/ ٣٠٥)، و«القواطع» (١/ ٢٦٦)، و«شرح اللمع» (١/ ٣٢٦).\n(^٣) انظر: «البحر المحيط» (٣/¬٤١)، ففيه النقل عن أبي بكر الصيرفي مطولا من كتابه «الدلائل».","vol":"1","page":158},{"text":"<span data-type='title' id=toc-191>القسم الثالث: في تخصيص العام</span>\nوفيه أبواب:\n\nالأول: في الاستثناء\nوفيه مسائل:\nالأولى: الاستثناء: إخراج بعض الجملة عنها بلفظ «إلا» وما يقوم مقامها. ويقال: ما لا يدخل في الكلام إلا لإخراج بعضه بلفظة، ولا يستقل بنفسه. وهو تعريف الاستثناء بالاستثناء.\n* * *\nالثانية: يجب اتصال الاستثناء بالمستثنى منه عادة. وقال ابن عباس ﵄: يجوز تأخيره (^١). ولعل مراده ما إذا نواه متصلا، ثم أظهره بعده فإنه يدين به.\n* لنا: لو جاز ذلك لما استقر شيء من الطلاق والعتاق والحنث،\n_________\n(^١) روى ابن جرير في «جامع البيان» (١٥/ ٢٢٥)، من حديث الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس في الرجل يحلف، قال: له أن يستثني ولو إلى سنة. وبنحوه عند الطبراني في «المعجم الأوسط» (رقم: ١١٩). وهذا الإسناد وإن كان ظاهره صحيح على رسم البخاري ومسلم، غير أن الأعمش قد دلسه عن ليث بن أبي سليم عن مجاهد - ذكر هو ذلك حين سئل عمن سمعه كما في رواية ابن جرير والطبراني -. وليث معروف بضعفه عند أهل الحديث.\nوانظر: «المعتبر» (ص: ١٦١)، و«موافقة الخبر الخبر» (٢/ ٥٩).","vol":"1","page":159},{"text":"لجواز ورود الاستثناء.\nوحجته: القياس على النسخ والتخصيص. وهو منقوض بالشرط وخبر المبتدأ ثم نمنع (^١) الجامع.\n* * *\nالثالثة: الاستثناء من غير الجنس باطل حقيقة صحيح مجازا (^٢)؛ لأنه لا يصح من اللفظ؛ لأنه لم يتناوله، فلا يحتاج إلى صارف عنه. ولا من المعنى، وإلا لجاز استثناء كل شيء من كل شيء؛ لأن الاشتراك من بعض الوجوه واقع بين كل شيئين.\nاحتجوا بقوله تعالى: ﴿وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ﴾ [النساء: ٩٢]، وقوله تعالى: ﴿فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس﴾ [الحجر: ٣٠ - ٣١]. و﴿ما لهم به من علم إلا اتباع الظن﴾ [النساء: ١٥٧]. وقول الشاعر (^٣):\nوبلدة ليس بها أنيس … إلا اليعافير وإلا العيس\nولأن الاستثناء تارة يقع عما يدل اللفظ عليه بالمطابقة أو التضمن. وتارة عما يدل عليه بالالتزام. فقوله: لفلان علي ألف إلا ثوبا. معناه: قيمة ثوب.\n_________\n(^١) في الأصل (لم نمنع).\n(^٢) في الأصل (مجاز).\n(^٣) الرجز لجران العود النميري، بنحوه، «ديوان جران العود» صنعة السكري (ص: ٥٢).","vol":"1","page":160},{"text":"والجواب عن الآية الأولى: أن «إلا» بمعنى لكن. أو يقال: معناه إلا إذا أخطأ فظنه صيدا أو كافرا مختلطا بالكفار. وعن الثانية: أن إبليس قيل: إنه من الملائكة. على أن الاستثناء إنما حسن لأنه أمر بالسجود. وعن الثالثة: أنه ليس باستثناء باتفاق النحاة، فإنه عند البصريين بمعنى «لكن» (^١). وعند الكوفيين بمعنى «سوى» (^٢) (^٣). وعن الشعر: أن الأنيس سواء فسرناه بالمؤنس أو المبصر، أمكن إدخال اليعافير والعيس فيه.\n* * *\nالرابعة: أجمعوا على فساد الاستثناء المستغرق. وقال القاضي (^٤): يجب أن يكون أقل. وقيل: يجب أن لا يكون المستثنى أكثر (^٥). والدليل على فسادهما: أنه لو قال علي عشرة إلا تسعة لزمه واحد. ولأن قوله تعالى: ﴿لأغوينهم أجمعين … إلا عبادك منهم المخلصين﴾ [ص: ٨٢ - ٨٣]، ينفي وجوب كونه أقل وإلا لزم كون كل واحد من المخلصين أقل من الآخر.\n_________\n(^١) انظر: «الكتاب» (٢/ ٣٢٢)، و«معاني القرآن» للفراء (١/ ٤٧٩)، و«معاني القرآن» للأخفش (١/ ١٢٢ - ١٢٣)، و«معاني القرآن» للزجاج (٢/ ١٢٨).\n(^٢) في الأصل (ليس). ولا معنى له.\n(^٣) انظر: «شرح التسهيل» لابن مالك (٢/ ٢٦٤).\n(^٤) في «التقريب» (٣/ ١٤١)، و«التلخيص» (٢/ ٧٤)، وليس فيه التصريح على اشتراط استثناء الأقل، وإن كان قد يفهم من سياق استدلاله. وانظر: «شرح اللمع» (١/ ٤٠٤)، و«المستصفى» (٢/ ٨١٣)، و«البحر المحيط» (٣/ ٢٩١).\n(^٥) هذا قول الحنابلة، «العدة» (٢/ ٦٦٦)، و«التمهيد» لأبي الخطاب (٢/ ٧٧)، و«أصول ابن مفلح» (٣/ ٩١٣). وبه قال عبد الملك بن الماجشون وابن خويز منداد من أصحاب مالك، خلافا لجمهور الفقهاء، «الإحكام» للباجي (١/ ٢٨٢).","vol":"1","page":161},{"text":"واحتج القاضي: بأن الدليل ينفي (^١) الاستثناء، خالفناه في القليل؛ لأنه في معرض النسيان لقلة التفات القلب إليه، وهو معدوم في الكثير، فلا يصح. والجواب: أن هذا عندنا لقوله على واحد.\n* * *\nالخامسة: الاستثناء من الإثبات نفي، ومن النفي إثبات. خلافا لأبي حنيفة في الأخير (^٢).\n* لنا: أنه لو لم يكن كذلك لما تم الإسلام بقوله: ﴿لا إله إلا الله﴾؛ لأنه لا يكون مثبتا للإله تعالى.\nوحجته: قوله ﵇: «لا نكاح إلا بولي» (^٣)، و«لا صلاة إلا بطهور» (^٤).\nولا يلزم تحقق النكاح والصلاة عند حصول الولي والطهور. ويمكن أن يقال:\n_________\n(^١) كذا قدرته، وفي الأصل (ااتي). ويحتمل (يأبى)، ولكنه بعيد عن معهود المؤلف. انظر: الحجة الأولى من حجج أبي حنيفة في المسألة السابعة.\n(^٢) انظر: «التقويم» لأبي زيد (١/ ٣٤٤)، و«أصول السرخسي» (٢/¬٣٦، ٤١)، و«الميزان» (ص: ٣١٦).\n(^٣) أخرجه أبو داود في «السنن» (رقم: ٢٠٨٥)، والترمذي في «الجامع» (رقم: ١١٠١)، وابن ماجه في «السنن» (رقم: ١٨٨١)، من حديث أبي موسى الأشعري. وله وجوه أخرى.\nانظر: «الجامع لعلوم الإمام أحمد» (١٥/¬٤٧)، و«سؤالات البرذعي» (٢/ ٦٨٨)، و«العلل الكبير» للترمذي (١/ ١٥٥).\n(^٤) لم أقف عليه بهذا اللفظ، ومعناه في «صحيح مسلم» (رقم: ٢٢٤) من حديث ابن عمر.\nواللفظ المعروف: «لا تقبل صلاة إلا بطهور»، «الجامع» للترمذي (رقم: ١)، و«السنن» لابن ماجه (رقم: ٢٧٢)، وصحيح ابن خزيمة (رقم: ٩).\nوانظر: «تخريج أحاديث الكشاف» (٢/ ٤٢٦)، وتحفة الطالب» (ص: ٢٦٣)، و«المعتبر» (ص: ١٦٥).","vol":"1","page":162},{"text":"إذا استثني عن النفي بالباء فهو إثبات للشرط، وكلامنا فيما إذا لم يكن بالباء.\n* * *\nالسادسة: الاستثناءات سواء عطفت بحرف العطف أو لم تعطف - لكن الثاني أكثر أو مساوي ـ، رجع إلى المستثنى منه. وإن كان أقل رجع إلى الاستثناء فقط، إذ لا يجوز أن يعود إلى المستثنى عنه فقط؛ لأن القرب إن لم يترجح، فلا أقل من المساواة. ولا إليهما، وإلا يلزم أن تكون نفيا وإثباتا، وهو محال. ولا إلى كل واحد منهما؛ لأنه باطل بالاتفاق، فتعين الأول.\n* * *\nالسابعة: الاستثناء عقيب الجمل يعود إليها عند الشافعي وأصحابه (^١). وإلى الأخيرة عند أبي حنيفة وأصحابه (^٢). ومشترك بينهما عند المرتضى (^٣). وتوقف القاضي (^٤). وهو المختار للمناظرة.\nاحتج الشافعي ﵁ بوجوه:\nالأول: القياس على مشيئة الله تعالى وعلى الشرط.\n_________\n(^١) قال الشافعي في «الأم» (٨/ ١١٠): \"الاستثناء في سياق الكلام على أول الكلام وآخره يجيع ما يذهب إليه أهل الفقه، إلا أن يفرق بين ذلك خبر\".\nوانظر: «الأم» (٨/ ٢٠٢)، و«القواطع» (١/ ٣٣٧)، و«البحر المحيط» (٣/ ٣٠٧).\n(^٢) انظر: «الفصول لأبي بكر الرازي (١/ ٢٦٥)، و«الميزان» (ص: ٣١٦)، و«أصول الفقه» للامشي (ص: ١٣٠)، و«بذل النظر» (ص: ٢١٧).\n(^٣) في «الذريعة» (ص: ١٩٧).\n(^٤) في «التقريب» (٣/ ١٤٧)، و«التلخيص» (٢/ ٨١).","vol":"1","page":163},{"text":"الثاني: أن العطف يجعل الجمل جملة واحدة.\nالثالث: لو قال: علي خمسة وخمسة إلا سبعة. عاد إليهما. والأصل الحقيقة الواحدة.\nواحتج أبو حنيفة ﵁ بوجهين:\nالأول: الدليل ينفي الاستثناء، لكونه مزيلا للعموم عن ظاهره، خالفناه في الواحد لئلا يلغو، وتلك هي الأخيرة؛ لأن القرب مرجح باتفاق البصريين على أن أقرب العاملين أولى بالعمل. (^١) ولأنه لا قائل بالفرق.\nالثاني: أن الاستثناء من الاستثناء يختص بالأخيرة، والأصل الحقيقة الواحدة.\nواحتج المرتضى بوجوه:\nالأول: حسن الاستفهام.\nالثاني: عاد إلى الكل تارة، وإلى الأخيرة أخرى. والأصل الحقيقة.\nالثالث: القياس على الحال وظرف الزمان والمكان، كقوله: ضربت غلماني قائما أو في الدار ويوم الجمعة، فإن احتمال عودها إلى الكل وإلى الأقرب ضروري عند أهل اللغة، إذ كل منها فضلة يأتي بعد تمام الكلام.\nوالجواب عن الأول: منع الحكم. ثم الجامع، فإنه لا يلزم من اشتراكهما في بعض الوجوه اشتراكهما في الكل.\n_________\n(^١) انظر: «الكتاب» (١/ ٧٤ - ٧٤)، و«معاني القرآن» للفراء (٢/ ١٦٠)، و«الإنصاف» لابن الأنباري (ص: ٧٩).","vol":"1","page":164},{"text":"وعن الثاني: أن الجملتين ليستا بواحدة فيلزمكم إبداء الجامع.\nوعن الثالث: إنما رجع إلى الكل ثم للضرورة ولا ضرورة ههنا.\nوعن أول أدلة أبي حنيفة: النقض بالشرط والاستثناء بالمشيئة. ثم يمنع كونه على خلاف الدليل، إذ قد بينا أن العموم مع الاستثناء يفيد البعض بالحقيقة. وعن الثاني: إنما لم يعد إليهما للفسادين المذكورين.\nوعن الأول والثاني من أدلة المرتضى: ما سبق في باب العموم. وعن الثالث: أن الحال والظرفين يعود إلى الكل عندنا، وإلى الأخيرة عند الحنفية (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-200>الباب الثاني التخصيص بالشرط</span>\nوفيه مسائل:\nالأولى: الشرط: ما يتوقف عليه المؤثر في تأثيره لا في ذاته. كالإحصان، فإنه شرط اقتضاء الزنا لوجوب الرجم. ولا يرد عليه العلة؛ لأنها نفس المؤثر. ولا جزؤها ولا شرط ذاتها؛ لأن العلة تتوقف عليه في ذاتها.\n* * *\nالثانية: صيغة الشرط «إن» و«إذا»، ويفترقان في أن «إن» مختص بالمحتمل، و«إذا» تدخل عليه وعلى المحقق.\n_________\n(^١) في الأصل (الحقيقة).","vol":"1","page":165},{"text":"الثالثة: الشرط قد لا يوجد إلا دفعة واحدة. وقد لا يوجد إلا متعاقبا، كالكلام والحركة. وقد يوجد تارة بمجموعه وتارة بتعاقب أجزاءه، فإن كان الشرط عدمها حصل الحكم في أول زمان عدمها في الثلاثة. وإن كان وجودها حصل المشروط في أول زمان وجود الشرط. وفي الثاني حصل عند حصول آخر جزء الشرط. وفي الثالث عند وجود أجزاءه دفعة واحدة؛ لأنه الوجود الحقيقي.\n* * *\nالرابعة: إذا رتب جزاء على شرطين على الجمع لم يحصل المشروط إلا عند حصولها. وعلى البدل، فأحدهما كاف. وإن رتب على شرط جزاءين على البدل، حصل أحدهما عنده، والقائل يعينه. وعلى الجمع حصلا عند حصوله.\n* * *\nالخامسة: اتفق الشافعي وأبو حنيفة ﵄ على أن الشرط إذا دخل على جمل رجع إلى الجميع (^١). وقال بعض الأدباء: يرجع إلى ما يليه، تقدم أو تأخر (^٢). والمختار: التوقف، كالاستثناء.\n* * *\nالسادسة: اتفقوا على وجوب اتصال الشرط بالكلام، لما مر في\n_________\n(^١) نقل السمرقندي في «الميزان» (ص: ٣١٦)، وأبو الخطاب في «التمهيد» (٢/ ٩٢) الإجماع على ذلك. وانظر: «الفصول» (١/ ٢٦٩)، و«بذل النظر» (ص: ٢٠٩).\n(^٢) كذا نقله ابن العارض المعتزلي في «النكت» ولم يعين. «البحر المحيط» (٣/ ٣٣٥).","vol":"1","page":166},{"text":"الاستثناء. وعلى حسن التقييد بشرط أن يكون الخارج أكثر، وإن اختلفوا فيه في الاستثناء.\n* * *\nالسابعة: يجوز تقديم الشرط وتأخيره، والأولى تقديمه، خلافا للفراء (^١)؛ لأنه متقدم على الجزاء في الرتبة، فهو متقدم طبعا فليتقدم وضعا. والله أعلم.\n\nالباب الثالث في التخصيص بالغاية\nوهي نهاية الشيء وطرفه. وألفاظها: «إلى» و«حتى». وحكم ما بعدها بخلاف ما قبلها، وإلا لم تكن غاية. والأولى التفرقة، بين أن تنفصل الغاية عن صاحبها بمفصل حسي أو لا.\nوقد يجوز اجتماع الغايتين، كما في قوله تعالى: ﴿ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾ [البقرة: ٢٢٢]، وحتى يغتسلن. لكن الغاية في الحقيقة الأخيرة، والأولى تسمى بها لاتصالها بها.\nوأما التخصيص بالصفة، فهي إن تعقبت شيئين وتعلق أحدهما بالآخر عادت إليهما، وإلا فتعود إلى الأخيرة. وإن تعلقت بشيء واحد عاد إليه، وللبحث فيه مجال، كما في الاستثناء.\n* * *\n_________\n(^١) نقله عنه ابن السراج في «الأصول» (٢/ ١٨٧)، وانظر: «البحر المحيط» (٣/ ٣٣٢).","vol":"1","page":167},{"text":"القول في التخصيص بدليل متصل\nوفيه فصول:\nالأول: العقل، فإنا نعلم بالضرورة تخصيص الله تعالى من قوله: ﴿الله خالق كل شيء﴾ [الزمر: ٦٢]. وبنظر العقل، كتخصيص الصبي والمجنون عن خطاب التكليف؛ لأنهما غير فاهمين. ومنهم من منع ذلك (^١). وهو خطأ؛ لأن دليل العقل إذا عارضه دليل النقل، فإن ثبت موجبهما، كان جمعا بين النقيضين. أو لا يثبتا، وهو رفع لهما. أو ثبت موجب النقل، وهو محال؛ لأن القدح في العقل لتصحيح النقل يوجب الطعن في النقل؛ لأنه أصله. فلم يبق إلا إثبات موجب العقل. وهو خلاف لفظي (^٢).\n_________\n(^١) ينسب إلى الشافعي ﵀، وتجد ما يدل عليه في «الرسالة» (ص: ٥٣)، ونسبه الأستاذ أبو منصور البغدادي لأصحاب الشافعي، «البحر» (٣/ ٣٥٦). ومأخذ هذا القول: أن التخصيص إخراج ما شمله لفظ العموم أو أمكن دخوله فيه، وما عرف امتناعه بالعقل فلا يشمله لفظ العام ولا يمكن دخوله فيه، فلا يكون خارجا منه. وعليه فالخلاف في تسميته تخصيصا لا في جوازه.\n(^٢) قال الإمام القاضي أبو بكر في «التقريب» (٣/ ١٧٤): \"ولسنا نعني بكون العقل مخصصا لذلك إلا علمنا من ناحيته بأنه لم يرد جميع من يقع عليه الاسم ولم يدخل في الخطاب. فإذا سلم - وجلا عنه - إحالة تخصص العام بدليل العقل هذه الجملة وقال: لا أسمي ذلك تخصيصا، صار مخالفا في العبارة لا طائل في المشاحة فيها مع تسليم المعنى\". وانظر: «التلخيص» (٢/ ١٠١)، و«البرهان» (١/ ٤٠٨)، و«الفصول» (١/ ١٤٧)، و«الميزان» (ص: ٣١٨)، و«الإبهاج» (٢/ ٩٦٥).","vol":"1","page":168},{"text":"فإن قيل: إذا خصصتم بالعقل، فهل تنسخون به؟! قلنا: [بلى] فإن من سقطت رجلاه سقط عنه فرض غسلهما. وما عرف ذلك إلا بالعقل.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-211>الفصل الثاني: الحس،</span> فإنا علمنا به تخصيص قوله تعالى: ﴿وأوتيت من كل شيء﴾ [النمل: ٢٣]. فإن العرش والكرسي لم يكن في يدها.\n* * *\nالثالث: السمع المقطوع، وفيه مسائل:\n* الأولى: يجوز تخصيص الكتاب بالكتاب، خلافا لبعض أهل الظاهر (^١).\n* لنا: قوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا المشركات﴾ [البقرة: ٢٢١]. مع قوله: ﴿والمحصنت من الذين أوتوا الكتب﴾ [المائدة: ٥]، امتنع إعمالها فلابد من ترك أحدهما، فالمتروك تخصيص أو نسخ له. وكل من جوز النسخ جوز التخصيص. وقوله تعالى: ﴿لتبين للناس﴾ [النحل: ٤٤]. معارض بقوله تعالى: ﴿تبينا لكل شيء﴾ [النحل: ٨٩]. على أن تلاوته ﵇ لآية التخصيص بيان (^٢).\n* الثانية: يجوز تخصيص السنة المتواترة بمثلها (^٣)، إذ لا يمكن العمل\n_________\n(^١) انظر: «الفصول» للجصاص (١/ ١٤١)، و«الإيضاح» للمازري (ص: ٣١٧). وأما أبو محمد بن حزم، فموافق للجمهور، «الإحكام» (١/ ٨١).\n(^٢) في الأصل (بيانا).\n(^٣) في الأصل (بمثله).","vol":"1","page":169},{"text":"بمقتضاهما ولا تركهما ولا ترجيح العام وفاقا، فتعين الخاص.\n* الثالثة: تخصيص الكتاب بالسنة المتواترة جائز قولا كانت أو فعلا، [وكذا عكسه]. ومن فقهائنا من لم يجز العكس (^١). ودليلهما التقسيم السابق. وأيضا وقوعه، فإن قوله تعالى: ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾ [النساء: ١١]، خص بقوله ﵇: «القاتل لا يرث» (^٢)، وخص آية الزنا برجمه ﵇ للمحصن.\n* الرابعة: تخصيص الكتاب والسنة المتواترة بالإجماع جائز، فإنهم خصصوا آية الإرث بالإجماع على أن العبد لا يرث. ولا يجوز العكس، للإجماع.\n* الخامسة: تخصيص الكتاب والسنة المتواترة بفعل النبي ﵇ جائز، وتحقيقه: أن العلم إن كان متناولا للرسول فهو مخصوص بفعله في حقه وحق غيره، إن علم بدليل أن حكم غيره كحكمه، لكن المخصص فعله مع ذلك الدليل. وإن كان متناولا للأمة فقط، فهو مخصوص بهذا المجموع بهذا\n_________\n(^١) لم أتبينهم، انظر: «البحر المحيط» (٣/ ٣٦٢). وهذه رواية عن الإمام أحمد ذكرها عنه ابن حامد «العدة» (٢/ ٥٧٠)، و«الروايتين والوجهين» (ص: ٤٧) [المسائل الأصولية].\nوانظر: و«المسودة» (ص: ١٢٢)، «التحبير» (٦/ ٢٦٥٦).\n(^٢) أخرجه بهذا اللفظ الترمذي (رقم: ٢١٠٩)، وابن ماجه (رقم: ٢٦٤٥)، من حديث أبي هريرة. قال الترمذي: \"هذا حديث لا يصح، والعمل على هذا عند أهل العلم\".\nوانظر: «التاريخ الكبير» للبخاري (١/ ٣٩٦)، «السنن الكبرى» للنسائي (رقم: ٦٣٣٥).\nوبمعناه أخرجه أبو داود (رقم: ٤٥٦٤)، والنسائي في «السنن الكبرى» (رقم: ٦٣٣٣)، وابن أبي عاصم في «الديات» (ص: ٦٣)، من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.\nوفيه نظر، والصواب فيه الإرسال انظر: «العلل» للدارقطني (٢/ ١٠٨). وعمدة الباب مراسيل متلقاة بالقبول.","vol":"1","page":170},{"text":"الشرط. ومنهم من منع مطلقا (^١)، محتجا بأن المخصص (^٢) قوله تعالى: ﴿واتبعوه﴾ (^٣) [الأعراف: ١٥٨]. وذلك أعم من العام المخصوص (^٤) بالفعل.\nوجوابه: أن المخصص هو قوله تعالى: ﴿واتبعوه﴾. وذلك الفعل، ومجموعهما أخص من العام المدعى تخصيصه بالفعل.\n* السادسة: عدم إنكار النبي ﵇ - على من خالف مقتضى العموم تخصيص في حق الفاعل وفي حق غيره إن ثبت أن حكمه على الواحد حكمه على الكل.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-213>الفصل الرابع: السمع المظنون</span>\nوفيه مسائل:\nالأولى: اتفق الشافعي وأبو حنيفة ومالك ﵃ على جواز تخصيص الكتاب بخبر الواحد (^٥). وقيل: لا يجوز أصلا (^٦). وقال عيسى بن أبان: يجوز\n_________\n(^١) ينمى هذا إلى أبي الحسن الكرخي ﵀، «العدة» (٢/ ٥٧٥)، و«الواضح» (٤/¬٢٢)، و«القواطع» (١/ ٢٩٨)، و«البحر» (٣/ ٣٨٧).\n(^٢) في الأصل (المخصوص).\n(^٣) في الأصل (فاتبعوه)، والآية بالفاء إنما هي في الأمر باتباع الكتاب، كما في قوله: ﴿وهذا كتب أنزلناه مبارك فاتبعوه﴾ [الأنعام: ١٥٥].\n(^٤) في الأصل (بالمخصوص).\n(^٥) هذا قول أكثر الفقهاء، «المعتمد» (٢/ ٦٤٤)، و«الوصول» (١/ ٢٥٦)، و«نكت المحصول» (ص: ٣٣٨). وفي النقل عن أبي حنيفة نظر.\n(^٦) هذا لازم لمذهب من أنكر وجوب العمل بخبر الواحد، «التقريب» (٣/ ١٨٣).","vol":"1","page":171},{"text":"إن خص قبله بدليل مقطوع (^١). وقال الكرخي: إن خص بدليل متصل قبله جاز (^٢). واختار القاضي الوقف (^٣).\n* لنا: أن خبر الواحد دليل أخص من العموم، فوجب تقديمه، وإلا يلزم إلغاؤه. واحتج الأصحاب (^٤) بإجماع الصحابة في خمس صور، منها: تخصيص قوله تعالى ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾ [النساء: ١١]، بخبر الصديق: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث» (^٥).\nواحتج المانعون بوجوه:\nالأول قوله ﵇: «إذا روي عني حديث فاعرضوه على كتاب الله فإن وافقه فاقبلوه وإلا فردوه» (^٦).\n_________\n(^١) انظر: «الفصول» (١/ ١٥٧)، ففيه النقل عن كتابه «الحجج الصغير».\n(^٢) انظر: «الفصول» (١/ ١٦٧)، وليس فيه تقييده بالمخصص المنفصل. وهذا هو مذهب أكثر الحنفية، أن العام لا يخصص بخبر الواحد إلا إذا ثبت خصوصه بالدليل، «الفصول» (١/ ١٥٦)، و«التقويم» (١/ ٢٢٥)، و«أصول البزدوي» (ص: ١٩١)، و«أصول السرخسي» (١/ ١٣٣، ١٤٢). وانظر: «الميزان» (ص: ٣٢٣) [مهم].\n(^٣) في «التقريب» (٣/ ١٨٥)، و«التلخيص» (٢/ ١٠٩).\n(^٤) كأبي إسحاق الشيرازي في «شرح اللمع» (١/ ٣٥٢)، وابن السمعاني في «القواطع» (١/ ٢٩٦)، (٢/ ٥٧٤)، وإلكيا الطبري - كما في «البحر» (٣/ ٣٦٨) -.\nوانظر: «الوصول» لابن برهان (١/ ٢٥٨).\n(^٥) أخرجه البخاري (رقم: ٣٠٩٣)، ومسلم (رقم: ١٧٥٩)، من حديث أبي بكر الصديق. وليس فيه: \"نحن معاشر الأنبياء\". قال ابن كثير في «تحفة الطالب» (ص: ٢١٣): \"بهذا اللفظ لم أجده في شيء من الكتب الستة\". وانظر: «المسند» (رقم: ٩٩٧٢)، و«السنن الكبرى» للنسائي (رقم: ٦٢٧٥) فلفظه فيهما: «إنا معاشر الأنبياء …».\n(^٦) روي هذا الحديث من وجوه بألفاظ مختلفة، من حديث علي وثوبان وأبي هريرة وبعض=","vol":"1","page":172},{"text":"الثاني إن الكتاب مقطوع، فليقدم على الخبر المظنون.\nالثالث لو جاز تخصيصه به لجاز نسخه به بجامع تقديم الخاص، ولا يجوز.\nوالجواب عن الخبر: أنه يقتضي أن لا يجوز تخصيصه بالمتواتر، وقد بينا جوازه.\nوعن الثاني: أن البراءة الأصلية اليقينية تترك بخبر الواحد. ولأن الخبر مقطوع الدلالة مظنون المتن والكتاب بعكسه، فاعتدلا.\nوعن الثالث: الفرق بأن التخصيص أهون من النسخ، إذ النسخ تخصيص في الأزمان، وذلك في الأعيان.\n* * *\nالثانية: اتفق الشافعي (^١) وأبو حنيفة (^٢) ..............\n_________\n= المراسيل. «الرد على سير الأوزاعي» لأبي يوسف القاضي (ص: ٢٤)، و«المعجم» لابن المقرئ (رقم: ١١٦٨)، و«المعجم الكبير» للطبراني (٢/ ٩٧)، و«السنن» للدارقطني (رقم: ٤٤٧٣، ٤٤٧٦)، و«الكفاية» للخطيب (٢/ ٢٥٥).\nوأنكره أئمة أهل الحديث، انظر: «الرسالة» للشافعي (ص: ٢٢٤)، و«الأم» (٨/¬٣٦)، و«المدخل إلى كتاب السنن» للبيهقي (١/ ١٣١)، و«جامع بيان العلم» لابن عبد البر (٢/ ١١٩١)، و«الأباطيل والمناكير» (١/ ٤٧٤).\n(^١) انظر: «شرح اللمع» (١/ ٣٨٤)، و«القواطع» (١/ ٣٠٢)، و«البحر» (٣/ ٣٧٠). وانظر: «الأم» (٨/ ١٩١).\n(^٢) في النقل عن أبي حنيفة خلل، ومذهب أصحابه هو المنقول عن عيسى بن أبان، قال أبو زيد في «التقويم» (١/ ٢٤١): \"عندنا لا يجوز تخصيص العام ابتداء بالقياس، وإنما يجوز إذا=","vol":"1","page":173},{"text":"ومالك (^١) وأبو الحسين (^٢) والأشعري (^٣) وأبو هاشم (^٤) أخيرا على جواز تخصيص عموم الكتاب والسنة المتواترة بالقياس. ومنع الجبائي وأبو هاشم أولا (^٥) منه مطلقا. وقال عيسى بن أبان والكرخي كقولهما في المسألة المتقدمة (^٦). وقال كثير من فقهائنا (^٧): يجوز بالقياس الجلي دون الخفي. ثم قيل: الجلي: قياس المعنى. والخفي: قياس الشبه. وقيل: الجلي ما ينقض القضاء بخلافه. وقيل: ما يفهم عليه. وقال الغزالي (^٨): إن تفاوتا في الرجحان عملنا بالراجح، وإلا توقفنا. وقال القاضي أبوبكر (^٩) وأمام الحرمين (^١٠) بالوقف.\nواعلم أن نسبة قياس الكتاب إلى عمومه، كنسبة قياس الخبر المتواتر إلى عمومه، وكنسبة قياس خبر الواحد إلى عمومه، والخلاف جار فيها، وكذا\n_________\n= ثبت خصوصه بدلالة يجوز رفع الكل بها من خبر ثابت بالإجماع، أو بالاستفاضة في السلف، أو بالإجماع نفسه. وانظر: «الفصول» (١/ ٢١١)، و«الميزان» (ص: ٣٢١).\n(^١) «المقدمة» لأبي الحسن بن القصار (ص: ٩٤، ١٠٢)، و«الإحكام» للباجي (١/ ٢٧١)، و«العقد المنظوم» (٢/ ٣٢٥).\n(^٢) في «المعتمد» (٢/ ٨١١).\n(^٣) انظر: «المجرد» (ص: ١٩٨)، و«التلخيص» (٢/ ١١٨)، وحكى القاضي أبو بكر عنه القولين، الوجوب والمنع في «التقريب» (٣/ ١٩٥)، وفي النفس منه شيء.\n(^٤) انظر: «المعتمد» (٢/ ٨١١).\n(^٥) انظر ما تقدم.\n(^٦) انظر: «الفصول» (١/ ١٥٦).\n(^٧) انظر: «البحر المحيط» (٣/ ٣٧٢)، و«الفوائد السنية» للبرماوي (٤/ ١٦٤٣).\n(^٨) في «المستصفى» (٢/ ٧٩٠).\n(^٩) في «التقريب» (٣/ ١٩٥)، و«التلخيص» (٢/ ١١٩).\n(^١٠) في «البرهان» (١/ ٤٢٨).","vol":"1","page":174},{"text":"القول في قياس الخبر المتواتر، بالنسبة إلى عموم الكتاب وبالعكس. وإن كان العام كتابا أوسنة متواترة، وأصل القياس خبر واحد، فالجواز أبعد.\nوعلى العكس أقرب.\n* لنا: الدليل المتقدم في المسألة السابقة ومعارضتها بجوابها.\nواحتج المانعون بوجوه:\nالأول: أن القياس فرع النص فلا يقدم عليه.\nالثاني: حديث معاذ (^١) يدل على تقديم النص.\nالثالث: القياس على النسخ، حيث لا يجوز بالقياس.\nوالجواب عن الأول: أن القياس المخصص يكون فرعا لنص آخر.\nوعن الثاني: أنه يقتضي أن لا يجوز تخصيص الكتاب بالسنة المتواترة، وهو فاسد.\nوعن الثالثة: ما تقدم.\n* * *\nالثالثة: المفهوم بتقدير أنه حجة لا يجوز تخصيص العام المنطوق به لأن دلالته أضعف.\n_________\n(^١) سيأتي في القياس.","vol":"1","page":175},{"text":"<span data-type='title' id=toc-214>القول في بناء العام على الخاص</span>\nإذا تعارض خبران، عام وخاص، فإن علم مقارنتهما، فالخاص يخص العام. وقيل (^١): يصير معارضا بقدره من العام.\n* لنا وجهان: الأول أن إعمال العام إلغاء الخاص ولا ينعكس. الثاني أن الخاص أقوى دلالة لأن العام يجوز إطلاقه بدون إرادة ذلك الخاص بخلاف الخاص.\nوإن علم تأخر الخاص، فإن ورد قبل وقت العمل بالعام كان تخصيصا للعام. ويجوز عند من يجيز تأخير البيان عن وقت الخطاب. وإن ورد بعد العمل كان نسخا له لا تخصيصا؛ لأن البيان لا يجوز تأخيره عن وقت الحاجة.\nو[إن علم] تأخر العام، فعند الشافعي (^٢) وأبي الحسين (^٣) يبنى العام على الخاص المتقدم. وهو المختار. وعند أبي حنيفة (^٤) والقاضي عبد الجبار (^٥)\n_________\n(^١) لم أقف على تعيين القائل.\n(^٢) انظر: «القواطع» (١/ ٣١٣، ٣١٥)، و«شرح اللمع» (١/ ٣٦٣) و«التبصرة» لأبي إسحاق الشيرازي (ص: ١٥٣).\n(^٣) في «المعتمد» (١/ ٢٧٩).\n(^٤) وهو قول العراق من أصحاب أبي حنيفة كما في «الفصول» للرازي (١/ ٣٨٥)، و«بذل النظر» للأسمندي (ص: ٢٣٢)، وخالف في ذلك جماعة من أهل سمرقند، كما في «أصول الفقه» للامشي (ص: ١٣٨). و«ميزان الأصول» (ص: ٣٢٤).\n(^٥) ما تقدم.","vol":"1","page":176},{"text":"العام ينسخ الخاص.\n* لنا: ما تقدم. ولهما: قول ابن عباس: \"كنا نأخذ بالأحدث فالأحدث\" (^١). ولأنه متأخر، فتقدم كالخاص المتأخر.\nوالجواب عن الأول: أن قول الصحابي ضعيف الدلالة، فيخص بما إذا كان الأحدث هو الخاص.\nوعن الثاني: أن ما ذكرنا من الأدلة هي الفرق.\nوإن لم يعلم التاريخ، فعند الشافعي: الخاص يخص العام (^٢)، لاتفاق فقهاء الأمصار في جميع الأعصار على ذلك. وأبو حنيفة يتوقف فيهما (^٣)، ويرجع إلى المرجح لأحدهما أو إلى غيرهما. وهذا سديد على أصله، إذ الخاص بين أن يكون منسوخا بالعام ومخصصا للعام، وناسخا مقبولا إن كان متواترا، أو مردودا إن كان أحادا والعام متواتر، كانت الاحتمالات قائمة، فيجب التوقف.\nتنبيه: الحنفية لما قالوا بالتوقف أو الترجيح، ذكر عيسى بن أبان (^٤) ثلاث ترجيحات: اتفاق الأمة على العمل بأحدهما. وعمل أكثر الأمة به مع\n_________\n(^١) أخرجه بنحوه مالك في «الموطأ» (١/ ٢٩٤)، ومسلم (رقم: ١١١٣)، من حديث ابن شهاب عن عبيد الله عن ابن عباس. وهو من قول ابن شهاب الزهري كما جاء مبينا في «صحيح البخاري» (رقم: ٤٢٧٦)، ومسلم (٢/ ٧٨٥).\nوانظر: «فتح الباري» (٤/ ١٨١).\n(^٢) ما تقدم.\n(^٣) ما تقدم.\n(^٤) انظر: «الفصول» (١/ ٤٠٧)، فما بعدها.","vol":"1","page":177},{"text":"عيبهم على من لم يعمل به. وأن روايته أشهر.\nوزاد أبو عبد الله البصري (^١) ترجيحين آخرين: أن يتضمن أحدهما حكما شرعيا. وأنه بيانا للآخر وفاقا. وقال أبو الحسين البصري (^٢): هذه الأمور أمارة لتأخر الخبرين، إذ لو كان مقدما منسوخا لما وجدت هذه الأمور.\n_________\n(^١) انظر: «المعتمد» (١/ ٢٨٢).\n(^٢) في «المعتمد» (١/ ٢٨٢).","vol":"1","page":178},{"text":"<span data-type='title' id=toc-215>القول فيما ظن أنه من مخصصات العموم</span>\nوفيه مسائل:\nالأولى: الخطاب الذي يرد جوابا للسؤال إن لم يستقل بنفسه، فإما لذاته أو للعادة، وهو يفيد مع سببه - والسبب مجرد فيه تقديرا ـ، وإلا لم يفد. والمستقل إذا ساوى السؤال فظاهر، وإن كان أخص جاز إن كان في المذكور تنبيه على حكم غيره، وأن يكون السائل مجتهدا، وأن لا تفوت المصلحة باجتهاده. وإن كان أعم، فالحق أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.\nخلافا للشافعي (^١) والمزني وأبي ثور (^٢).\n* لنا: إجماع الأمة على تعميم آية اللعان والظهار والسرقة وغيرها، مع إجماعهم على أنها نزلت في أقوام معينين.\nواحتجوا بأن المراد إن كان بيان ما سئل عنه فهو المراد. وإن كان بيان\n_________\n(^١) ذكر أبو المعالي أن هذا هو الذي صح عنده من مذهب الشافعي، «البرهان» (١/ ٣٧٢). وانظر: «التلخيص» (٢/ ١٥٤). ولا يصح هذا عن الشافعي ﵀، قال في «الأم» (٦/ ٦٥٤) \"لا تصنع الأسباب شيئا إنما تصنعه الألفاظ \". وانظر: «القواطع» (١/ ٣٠٧)، و«شرح اللمع» (١/ ٣٩٤)، و«مناقب الشافعي» للرازي (ص: ١٧٠)، و«الإبهاج» (٢/ ١٠٠٤)، و«البحر» (٣/ ٢٠٤).\n(^٢) نسبه لهما جماعة من أئمة أصحابهما كالشيخ أبي حامد والقاضي أبي الطيب وابن الصباغ وسليم الرازي، «البحر المحيط» (٣/ ٢٠٢).","vol":"1","page":179},{"text":"غيره وجب أن لا يتأخر البيان عن تلك الواقعة. والجواب: أنه يقتضي تخصيصه بذلك السائل وذلك الزمان والمكان.\nتنبيه: دلالة العام على موضع السؤال أقوى منها على غيرها، فليرجح بها.\nالثانية: لا يجوز تخصيص العموم بمذهب الراوي عند الشافعي (^١). خلافا لابن أبان (^٢).\nلنا: أن مخالفة الراوي قد تكون لدليل ظنه أقوى، وهو ضعيف فلا يعارض العموم.\nاحتج المخالف: بأن الظاهر من حال العدل المجتهد أن لا يخالف إلا عن طريق، والطريق لا يجوز أن يكون محتملا، وإلا لوجب ذكره إزالة للتهمة عن نفسه والشبهة عن غيره، فتعين القاطع. وجوابه: لعله ذكر ولم ينقل أو نقل ولم يشتهر.\nالثالثة: لا يجوز تخصيص العام بذكر بعضه. خلافا لأبي ثور (^٣).\n* لنا: أنه لا منافاة بين كل الشيء وبعضه، والمخصص مناف.\n_________\n(^١) انظر: «القواطع» (١/ ٣٠٠)، و«شرح اللمع» (١/ ٣٨٢)، و«الوصول» لابن برهان (١/ ٢٨٨).\n(^٢) انظر: «المجزي» (١/ ٢٥٤). وهذا مذهب جماعة من أصحاب أبي حنيفة، على تفصيل فيه، انظر: «الفصول» للرازي (٣/ ٢٠٣)، و«أصول البزدوي» (ص: ٤٣٨)، و«أصول السرخسي» (٢/¬٦ - ٧)، و«بذل النظر» (ص: ٤٨١)، و«ميزان الأصول» (ص: ٤٤٤)، و«المعتمد» (٢/ ٦٧٠).\n(^٣) تجد كلامه فيما نقله أبو عمر بن عبد البر في «التمهيد» (١٣/ ٢٤٦) [ط هجر].","vol":"1","page":180},{"text":"احتج: بأن تخصيصه البعض بالذكر يدل على نفي الحكم عما عداه، لما مر. وجوابه: أن دلالة العموم أقوى من دلالة المفهوم.\nالرابعة: العادة إن وجدت يقينا زمن النبي ﵇ ولم يمنعهم منها، صح التخصيص، وإلا فلا. لكن المخصص في الحقيقة هو تقرير النبي ﵇.\nالخامسة: كونه مخاطبا لا يقتضي خروجه عن الخطاب العام إن كان خبرا، إذ لا مانع من الدخول. وإن كان أمرا جعل جزءا، فالظاهر الخروج لقرينة الأمر.\nالسادسة: قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا﴾، و﴿ياأيها الناس﴾ يتناول النبي وأمته. وخصه بعضهم بالأمة (^١)؛ لأن منصبه ﵇ يقتضي إفراده بالذكر. وهو ضعيف، إذ لا مانع من دخوله فيه. وقال الصيرفي: يختص بالأمة إن كان الخطاب مصدرا بأمر الرسول بالتبليغ، كقوله تعالى: ﴿قل ياأيها الناس﴾. وإلا تناوله (^٢).\nالسابعة: الخطاب المتناول للكافر والعبد لا يخرجان منه، لما سبق أن الكافر مخاطب بالفروع. ولأن اللفظ عام (^٣)، والتخصيص بالعبودية خلاف الأصل. لكن الدليل الدال على وجوب خدمة السيد كالعام بالنسبة إلى الدال على وجوب الصلاة والصوم وغيرهما، لاختصاص كل عبادة بدليل، والخاص مقدم على العام.\n_________\n(^١) لم أقف على تعيينه، وانظر: «التمهيد» لأبي الخطاب (١/ ٢٧١).\n(^٢) انظر: «البرهان» لأبي المعالي (١/ ٣٦٦)، و«التلخيص» (١/ ٤٠٩).\n(^٣) في الأصل (العام).","vol":"1","page":181},{"text":"الثامنة: ذكر العام في معرض المدح والذم لا يخصه. خلافا لبعض فقهائنا (^١)؛ لأن دلالة الخطاب على المدح والذم لا يعارض مقتضى العموم.\nالتاسعة: عطف الخاص على العام لا يخصص العام. خلافا للحنفية (^٢)، فإنهم قالوا: قوله ﵇: «لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده» (^٣)، أي كافر. ثم الذي لا يقتل به ذو العهد هو الحربي، فكذا الذي لا يقتل به المسلم، تسوية بينهما (^٤).\nوجوابه: أن قوله-﵇: «ولا ذو عهد في عهده». كلام تام لا يحتاج إلى الإضمار الذي هو خلاف الأصل. سلمناه، لكن العطف لا يوجب اشتراك المعطوف والمعطوف عليه من كل الوجوه.\n* * *\nالعاشرة: ذهب القاضي عبد الجبار إلى أن العموم إذا تعقبه استثناء أو صفة أو حكم لا يتأتى إلا في بعضه، لا يخصص به (^٥). وقيل: يخصص به (^٦).\n_________\n(^١) كالقفال الشاشي والقاضي حسين والكيا الطبري، «البحر المحيط» (٣/ ١٩٥ - ١٩٦).\nوانظر: «المعتمد» (١/ ٣٠٢)، و«التبصرة» (ص: ١٩٣).\n(^٢) انظر: «الفصول» لأبي بكر الرازي (١/¬٤١)، و«بذل النظر» للأسمندي (ص: ٢٥٤).\n(^٣) أخرجه أبو داود (رقم: ٢٧٥١) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، بهذا اللفظ. وأخرجه أحمد (رقم: ٩٥٩) من حديث علي. وأصله في «صحيح البخاري» (رقم: ١١١) من حديث علي ﵀.\n(^٤) انظر: «شرح مختصر الطحاوي» للرازي (٥/ ٣٥٥)، و«التجريد» للقدوري (١١/ ٥٤٥٦).\n(^٥) انظر: «المعتمد» (١/ ٣٠٦).\n(^٦) هذه رواية عن الإمام أحمد، واختارها أبو يعلى في «الكفاية»، «المسودة» (ص: ١٣٨). =","vol":"1","page":182},{"text":"وقيل: بالتوقف (^١). وهو المختار، إذ مقتضى العموم الاستغراق، ومقتضى ظاهر الكناية الرجوع إلى جميع المتقدم، وليس أحدهما أولى، فوجب التوقف.\n_________\n= وانظر: «العدة» (٢/ ٦١٥)، و«التمهيد» (٢/ ١٦٧).\n(^١) هذا قول أبي الحسين البصري، «المعتمد» (١/ ٣٠٦).","vol":"1","page":183},{"text":"القسم الرابع: في حمل المطلق على المقيد\nالمسألة الأولى: إذا وردا واختلف حكمهما لم نحمل المطلق على المقيد إجماعا. وإن تماثلا، بأن كان سببهما واحدا وجب حمل المطلق على المقيد؛ لأنه جزء منه، فالعامل بالمقيد عامل بهما، والعامل بالمطلق تارك للمقيد، فكان الأول أولى به.\nفإن قيل: لا نسلم أن المطلق جزء المقيد، بل يضاده. سلمناه، لكن الإطلاق مقتضاه الإتيان بأي فرد شاء، والتقييد يزيله، فلم كان المطلق أولى من حمل المطلق على الندب؟!\nوالجواب عن الأول: أن المطلق نفس الحقيقة، والمقيد هي مع قيد، فالحقيقة جزء الحقيقة المقيدة. وعن الثاني: أن التقييد مدلول عليه لفظا بخلاف التمكن، فكان التقييد أولى بالرعاية.\nأما إذا اختلف سبب الحكمين، كتقييد الرقبة في كفارة القتل وإطلاقها في كفارة الظهار، فمن أصحابنا من قال: تقييد أحدهما يوجب تقييد الآخر لفظا (^١)؛ لأن الشهادة قيدت بالعدالة مرة واحدة، وأطلقت مرارا، وحمل المطلق على المقيد والجواب: أن ذلك قيد بالإجماع.\n_________\n(^١) انظر: «الحاوي» للماوردي (١٠/ ٤٦٢)، و«بحر المذهب» للروياني (١٠/ ٤٢١).","vol":"1","page":184},{"text":"وقالت الحنفية (^١): لا يجوز تقييده البتة؛ لأن التقييد بالقياس يزيل المكنة الثابتة بالنص، فيكون نسخا. وجوابه: أنه كان التقييد نسخا لما جاز تقييد الرقبة بالسلامة عن العيوب، وقد جوزتموه. ثم هو معارض بتخصيص العام بالقياس. والمحققون من أصحابنا (^٢) قالوا: إذا وجد القياس الصحيح، جاز التقييد به، وإلا فلا.\nتنبيه: إذا أطلق في موضع وقيد مثله في موضعين بقيدين متضادين حمل المطلق على ما كان القياس عليه. والحنفية قالوا: يبقى على إطلاقه، كقول الأولين من أصحابنا، لعدم مزية التقييد.\n_________\n(^١) «تقويم أصول الفقه» (١/ ٣٣٦)، و«أصول البزدوي» (ص: ٣٢٢)، و«أصول السرخسي» (١/ ٢٦٧)، و«ميزان الأصول» (ص: ٤١٠).\n(^٢) كأبي إسحاق الشيرازي في «شرح اللمع» (١/ ٤١٨)، والسمعاني في «القواطع» (١/ ٣٥٣)، والغزالي في «المستصفى» (٢/ ٨٢٢) و«تحصين المآخذ» (٣/ ٤٥٥). وانظر: «التقريب» للقاضي (٣/ ٣٠٩)، و«التلخيص» (٢/ ١٦٧)، و«البرهان» (١/ ٤٣١)، و«البحر المحيط» (٣/ ٤٢١).","vol":"1","page":185},{"text":"<span data-type='title' id=toc-227>القسم الرابع: في المجمل والمبين</span>\nوفيه مقدمة وأقسام:\nأما المقدمة، ففي تفسير ألفاظ استعملت في هذا الباب، وهي سبعة:\n* الأول: البيان، وهو الدلالة. يقال بين [تبيينا] وبيانا، إذا ذكر الدلالة عليه، كما يقال: كلم تكليما وكلاما. وفي اصطلاح الفقهاء: هو ما دل على المراد بخطاب لا يستقل في الدلالة عليه.\n* الثاني: المبين، ويقال لما كان مستغنيا عن البيان. ولما ورد عليه بانه.\n* الثالث: المفسر، ومعناه معنى المبين.\n* الرابع: النص، وهو كلام تظهر إفادته لمعناه ولم يتناول أكثر منه.\nوخرج بـ \"الكلام\" دليل العقل والقياس، والمجمل مع البيان، فإن البيان قد يكون فعلا. وبـ \"ظهور الإفادة\" المجمل.\n* الخامس: الظاهر، وهو ما لا يفتقر في إفادته لمعناه إلى غيره، وإن أفاد مع غيره. وبهذا امتاز عن النص امتياز العام عن الخاص.\n* السادس: المجمل، وهو ما يفيد شيئا من جملة أشياء معينا في نفسه، واللفظ لا يعينه.","vol":"1","page":186},{"text":"* السابع: المؤول والتأويل، هو احتمال يعضده دليل يصير به أغلب على الظن من المعنى الذي دل عليه الظاهر.\nوالمحكم والمتشابه، فسرناهما في اللغات.\n\n<span data-type='title' id=toc-229>القسم الأول: في المجمل</span>\nالمسألة الأولى: الدليل الشرعي إما أصل أو مستنبط منه - وهو القياس - ولا إجمال فيه. والأصل إن كان فعلا أمكن إجماله إن لم يقترن به ما يبينه، وإن كان قولا أمكن إجماله عند استعماله في موضوعه، كالمشترك والمتواطئ. وعند استعماله في بعض موضوعه، كالعام المخصوص بصفة مجملة أو استثناء مجمل أو دليل منفصل مجهول (^١). وعند استعماله لا في شيء من موضوعه، كالألفاظ الشرعية وما لا يجوز حمله [على] الحقيقة، وليس بعض مجازاته أولى من بعض.\nالثانية: يجوز أن يتكلم الله ورسوله ﵇ بالمجمل، ويدل عليه: وروده في آية العدة، وقوله تعالى: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ [الأنعام: ١٤١].\nاحتج المنكر (^٢): بأن المجمل إن اقترن بيانا كان تطويلا بلا فائدة. وإن لم يبين كان تكليف ما لا يطاق. والجواب: أنه ساقط على أصلنا؛ لأنه تعالى يفعل ما يشاء. وعند المعتزلة لا يبعد أن يكون في إرداف المجمل بالبيان مصلحة لا نعلمها. والله أعلم.\n_________\n(^١) (مجهول) مستدرك في الحاشية مع علامة التصحيح.\n(^٢) حكى أبو بكر الصيرفي الإنكار عن داود بن علي الظاهري، «البحر المحيط» (٣/ ٤٥٥).","vol":"1","page":187},{"text":"<span data-type='title' id=toc-232>القول فيما ظن أنه مجمل</span>\nوفيه مسائل:\nالأولى: ذهب الكرخي إلى أن إضافة التحليل والتحريم إلى الأعيان يقتضي الإجمال (^١). وعندنا: يفيد بحسب العرف تحريم الفعل المطلوب من تلك الأعيان.\n* لنا وجهان:\nالأول: أن الذهن يسبق عرفا إذا قيل الطعام حرام والمرأة حرام إلى تحريم الأكل والاستمتاع بها والأصل الحقيقة.\nالثاني: قوله ﷺ: «لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها أي أذابوها وباعوها» (^٢) يدل على تحريم أنواع التصرف المعتاد فيها.\nاحتج الكرخي بأن إجزاء اللفظ على ظاهره ممتنع، إذ العين لا تراد بالتحريم، بل تحريم فعل من الأفعال التي يتعلق بها. وليس البعض أولى من البعض، وإضمار الكل ممتنع؛ لأنه لا حاجة، فوجب التوقف في الكل، وهو الغرض. وجوابه: أن العرف يقتضي ترجيح البعض.\n* * *\nالثانية: قال بعض الحنفية (^٣): قوله تعالى: ﴿وامسحوا برءوسكم﴾ [المائدة: ٦]\n_________\n(^١) انظر: «المعتمد» (١/ ٣٣٣)، و«المجزي» (١/ ٣١٥)، و«كشف الأسرار» (٢/ ١٠٦).\n(^٢) أخرجه البخاري (رقم: ٣٤٦٠)، ومسلم (رقم: ١٥٨٢) من حديث عمر ﵁.\n(^٣) انظر: «شرح مختصر الطحاوي» لأبي بكر الرازي (١/ ٣١٨)، و«المبسوط» للسرخسي=","vol":"1","page":188},{"text":"مجمل؛ لأنه يحتمل مسح جميع الرأس وبعضه. وقال ابن جني (^١): لا فرق بين قوله - لغة -: مسحت الرأس ومسحت بالرأس. والرأس اسم للعضو، فيجب مسحه بتمامه. وقال بعض الشافعية: إنه يفيد مسح البعض (^٢). وقال آخرون (^٣): يفيد القدر المشترك بين الكل والبعض [وهو] مماسة اليد بجزء من الرأس. وهو قول الشافعي ﵁ (^٤)، فإن اللفظ مستعمل في البعض كالكل، يقال: مسحت يدي بالمنديل، وبرأس اليتيم. والأصل الحقيقة الواحدة.\n* * *\nالثالثة: قال أبو عبد الله البصري (^٥): إذا دخل حرف النفي على الفعل كان مجملا، كقوله ﷺ: «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب» (^٦). وحجته: حجة الكرخي في إضافة التحريم والتحليل إلى العين.\nوقيل (^٧): إن دخل على مسمى شرعي انتفى الإجمال. وقول القائل:\n_________\n= (١/ ٦٣)، و«أصول البزدوي» (ص: ٢٧٧)، و«أصول السرخسي» (١/ ٢٢٨)، و«البديع» لابن الساعاتي (٣/¬٤١).\n(^١) لم أقف عليه.\n(^٢) انظر: «الحاوي» للماوردي (١/ ١١٥)، و«التعليقة» للقاضي حسين (١/ ٢٧٣)، و«البيان» للعمراني (١/ ١٢٥)، و«المجموع» (١/ ٤٠٠).\n(^٣) كالقاضي عبد الجبار، نقله عنه صاحبه أبو الحسين في «المعتمد» (١/ ٣٣٤).\n(^٤) انظر: «الأم» (٢/ ٥٦).\n(^٥) انظر: «المعتمد» لأبي الحسين (١/ ٣٣٥)، و«المجزي» لأبي طالب (١/ ٣٢١).\n(^٦) لم أقف عليه بهذا اللفظ، وفي «صحيح مسلم» (رقم: ٣٩٦) «لا صلاة إلا بقراءة». وفي «البخاري» (رقم: ٧٥٦)، و«مسلم» (رقم: ٣٩٤) «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب». وفي الباب ألفاظ أخرى.\n(^٧) القائل هو أبو الحسين البصري ﵀ في «المعتمد» (١/ ٣٣٥).","vol":"1","page":189},{"text":"\"هذه صلاة فاسدة\" يحمل على المسمى الحقيقي توفيقا بينهما. وإن دخل على حقيقي - وله حكم واحد - انصرف النفي إليه. وإن كان له حكمان، كالجواز والفضيلة تعين الإجمال. وهو قول الأكثر.\nوقيل (^١): الأولى الحمل على الجواز، لوجوه:\nالأول: أن اللفظ يدل على نفي الذات مطابقة وعلى نفي الصفات [التزاما] (^٢)، فإذا ترك العمل به في الذات بقي معمولا به في الصفات.\nالثاني: أن المشابهة بين المعدوم وما لا يصح أكثر منها بينه وبين ما يصح والمشابهة بين طرق المجاز، فكان الأول أولى.\nالثالث: معنى قولنا: هذا لفلان، عود منافعه إليه. وقولنا: ليس له، سلب منفعته عنه، وأنه ينفي الصحة، وإلا لعادت منافعه.\n* * *\nالرابعة: قال بعضهم (^٣): آية السرقة مجملة في اليد؛ لأنها تطلق على العضو من المنكب ومن الزند، ومن الكوع وأصول الأنامل. وفي القطع أيضا؛ لأنه يطلق بإزاء الإبانة والشق.\nوالجواب عن الأول: أن اليد اسم للعضو من المنكب، إذ لا يقال قطعت يده بالكلية إلا إذا قطعت من المنكب.\n_________\n(^١) القائل هو صاحب الأصل أبو عبد الله الرازي ﵀.\n(^٢) تصحف في الأصل على الناسخ، فكتب (أكثر أما).\n(^٣) كأبي الحسن الكرخي، وصاحبه أبي بكر الرازي، «الفصول» (١/ ٦٨)، و«شرح مختصر الطحاوي» (٦/ ٢٤٦).","vol":"1","page":190},{"text":"وعن الثاني: أن القطع هو الإبانة، فإذا أضيف إلى الجلد أفاد إبانة تلك الأجزاء، وأطلق اسم اليد عليه مجازا (^١).\n* * *\nالخامسة: قيل (^٢): قوله ﵇: «رفع عن أمتي الخطأ» (^٣) مجمل، على ما تقدم بيانه. والأقرب أنه ليس مجمل؛ لأنه يفيد في العرف نفي المؤاخذة على الفعل كما يفيد قول السيد لعبده: \"رفعت عنك الخطأ\" نفي المؤاخذة بذلك الفعل.\n\n<span data-type='title' id=toc-238>القسم الثاني: في المبين</span>\nوفيه مسائل:\nالأولى: الخطاب المفيد بنفسه إما بالوضع، كقوله تعالى: ﴿وهو بكل شيء عليم﴾. أو بالتعليل، كمفهوم الموافقة، وكقوله: «إنها من الطوافين عليكم» (^٤). أو لا له (^٥)، كما يدل الأمر بالشيء على وجوب شرطه، ويحمل\n_________\n(^١) في الأصل (مجاز).\n(^٢) القائل هو أبو الحسين في «المعتمد» (١/ ٣٣٦).\nوانظر: «الفصول» (١/ ٢٦١)، و«تقويم أصول الفقه» (١/ ٣١٥).\n(^٣) لم أقف عليه بهذا اللفظ «رفع»، وبمعناه عند ابن ماجه (رقم: ٢٠٤٥)، والطبراني في «الأوسط» (رقم: ٨٢٧٣). وصححه ابن حبان (رقم: ٧٢١٩)، والحاكم (رقم: ٢٨٠١). وأنكره الإمام أحمد وأبو حاتم الرازي، «جامع العلوم والحكم» (٢/ ٣٦١)، و«العلل» لابن أبي حاتم (٤/ ١١٥).\n(^٤) رواه أبو داود (رقم: ٧٥)، والترمذي (رقم: ٩٢)، والنسائي (رقم: ٦٨)، وابن ماجه (رقم: ٣٦٧) من حديث أبي قتادة. قال الترمذي: \"حديث حسن صحيح\".\n(^٥) الضمير راجع إلى التعليل، والمعنى: أو لا يكون بالتعليل.","vol":"1","page":191},{"text":"ما تعذر حمله على ظاهره على الأولى به، كقوله تعالى: ﴿وسئل القرية﴾ [يوسف: ٨٢]، فإن إضمار أهلها متعين.\nالثانية: بيان المجمل إما باللفظ، وهو ظاهر. أو بالفعل، كالكتابة وعقد الأصابع والإشارة أو بشيء يتبع المواضعة، كقول النبي ﵇: هذا الفعل بيان هذه الآية. أو بالترك، فإنه ينفي الوجوب. أو بأن يسئل عن حادثة فيسكت فيعلم أنه لا حكم للشرع فيها. أو بأن الخطاب تناوله ولأمته، فيترك قبل فعله، فيعلم تخصيصه منه، أو بعده فيعلم نسخه عنه. ثم إن علم أن حكم أمته حكمه كان نسخا عنه وعنهم.\nالثالثة: قيل (^١): الفعل لا يكون بيانا؛ لأنه يطول فيتأخر البيان عن وقت الحاجة. وجوابه: أن القول قد يقع أطول إذ وصف الأفعال وفروضها مستقصى أطول من فعل ركعة.\nالرابعة: إذا ورد القول والفعل، فإن تطابقا في البيان، فالأول بيان والثاني تأكيد. وإن تنافيا، فالقول مقدم على الفعل؛ لأنه يدل بنفسه.\nالخامسة: الحق أنه يجوز بيان المعلوم بالمظنون، خلافا للكرخي (^٢)، كما جاز تخصيص الكتاب بخبر الواحد والقياس.\n_________\n(^١) هذا قول أبي الحسن الكرخي، فإنه يجعل أفعال النبي ﵇ مختصة به إلا ما قام الدليل على الاتباع فيها، انظر: «الفصول» (٣/ ٢١٥)، و«أصول البزدوي» (ص: ٥١٠)، و«أصول السرخسي» (٢/ ٨٦). وحكي ذلك عن أبي إسحاق المروزي. انظر: «التبصرة» للشيرازي (ص: ٢٤٧).\n(^٢) انظر: «المعتمد» (١/ ٣٤٠). وما تقدم في التخصيص بالمظنون.","vol":"1","page":192},{"text":"السادسة: قال قوم (^١): يجب بيان المبين الواجب. فنقول إن عنى به أنه بيان لصفة الواجب، فصحيح. وإن عنى به أنه دال على الوجوب، فباطل، إذ ليس فيه ما يدل على الوجوب. وإن عنى به أنه يجب بيانه على النبي، فباطل أيضا؛ لأن بيان المجمل واجب مطلقا، وإلا لزم التكليف بالمحال.\n\n<span data-type='title' id=toc-245>القسم الثالث: في وقت البيان</span>\nالمسألة الأولى: المانعون من تكليف ما لا يطاق منعوا جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة (^٢)، أما تأخيره عن وقت الخطاب، فإما أن يكون له ظاهر واستعمل في خلافه، كتأخير بيان التخصيص والنسخ والأسماء الشرعية واسم النكرة - إذا أريد بها شيئا معينا -. أولا ظاهر له، كالأسماء المتواطئة والمشتركة، فمذهبنا جواز ذلك كله إلى وقت الحاجة (^٣). ومنع منه جمهور المعتزلة إلا في النسخ (^٤). وجوز أبو الحسين (^٥) التأخير فيما لا ظاهر له. ومنع فيما له ظاهر. واكتفى (^٦) بالبيان الإجمالي كقوله: هذا عام مخصوص.\n_________\n(^١) انظر: «المعتمد» (١/ ٣٤٠).\n(^٢) انظر: «المغني» للقاضي عبد الجبار (١٧/ ٦٥)، و«المعتمد» (١/ ٣٤٢).\n(^٣) انظر: «التقريب» للقاضي (٣/ ٣٨٦)، و«التلخيص» (٢/ ٢٠٩)، و«البرهان» (١/ ١٦٦)، و«التبصرة» (ص: ٢٠٧)، و«المنخول» (ص: ٦٨)، و«العدة» لأبي يعلى (٣/ ٧٢٥).\n(^٤) انظر: «المغني» (١٧/ ٦٥ - ٦٧)، و«المعتمد» (١/ ٣٤٢)، و«المجزي» (١/ ٣٤٠)، و«الفصول» لأبي بكر الرازي (٢/¬٤٧)، و«تقويم أصول الفقه» (١/ ٥٠٣).\n(^٥) في «المعتمد» (١/ ٣٤٣).\n(^٦) تحرف على الناسخ في الأصل إلى (والنفي).","vol":"1","page":193},{"text":"* لنا: قوله تعالى: ﴿فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه﴾ [القيامة: ١٨ - ١٩]، و«ثم» في اللغة للتراخي.\nفإن قيل: كلمته «ثم» قد تجيء بمعنى الواو (^١)، كقوله تعالى: ﴿ثم الله شهيد﴾ [يونس: ٤٦]، ﴿ثم آتينا موسى الكتاب﴾ [الأنعام: ١٥٤]، فلم لا يجوز أن يكون المراد بالبيان إظهاره بالتنزيل؟! غايته أنه خلاف الظاهر، لكن تخصيص عود الضمير ببعض القرآن مع أن ظاهره العود إلى الجميع خلاف الظاهر أيضا. سلمناه، لكن المراد جمعه في اللوح المحفوظ، والبيان متأخر عنه. على أن الآية تدل على وجوب تأخير البيان، ولم يقل به أحد.\nوالجواب عن «ثم»: أن المراد تأخير الحكم.\nوعن قوله تعالى: ﴿فإذا قرأناه﴾: المراد إنزاله. وقوله: ﴿فاتبع قرآنه﴾، أمر للنبي ﷺ باتباع قرآنه، إذ لا يمكنه الإسلام إلا بعد الإنزال، فاستحال إرادته بالبيان. سلمنا الإمكان، لكن ظاهر الضمير لا يقتضي عوده إلى جميع القرآن، فإن لفظ القرآن يتناول بعضه حقيقة، بدليل أنه لو حلف لا يمسه أو لا يقرؤه، حنث بمس بعضه وقراءة بعضه.\nوعن الثالث: أنه تعالى أخر البيان عن القراءة الواجب على النبي اتباعها.\nوعن الرابع: نحن نقول به، ويدل على جوازه في النكرة، أنه تعالى أمر بني إسرائيل بذبح بقرة موصوفة لا منكرة، بدليل أن الهاء في قوله تعالى:\n_________\n(^١) في الأصل (الواحد).","vol":"1","page":194},{"text":"﴿إنها بقرة لا فارض﴾، ﴿صفراء﴾، ﴿لا ذلول﴾ [البقرة: ٦٨، ٦٩، ٧١]، ينصرف إلى ما أمروا بذبحه أولا إذ يطابق السؤال، والجواب واجب.\nفإن قيل: الآية تقتضي وجوب تأخير البيان عن وقت الحاجة، وأنه لا يجوز على أن الواجب ذبح بقرة مطلقة، لذمهم على السؤال بقوله تعالى: ﴿وما كادوا يفعلون﴾ [البقرة: ٧١]. ولما روى ابن عباس: \"لو ذبحوا أي بقرة كانت لأجزأتهم، لكن شددوا فشدد الله عليهم\" (^١). سلمناه، لكن يجوز تقديم البيان الإجمالي وتأخير البيان التفصيلي أيضا عند أبي الحسين.\nوالجواب عن الأول: أن الأمر لا يقتضي الفور.\nوعن الثاني: إنما ذمهم لتوقفهم بعد تمام البيان، وخبر ابن عباس لا يعارض الكتاب.\nوعن الثالث: أنه لو كان كذلك لذكره الله تعالى إزالة للتهم.\nوالدليل على جواز تأخير بيان المخصص وجهان:\nالأول أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿إنكم وما تعبدون من دون الله﴾ الآية [الأنبياء: ٩٨]، قال ابن الزبعرى: أليس عبدت الملائكة وعيسى؟! فتأخر بيانه حتى نزل قوله تعالى: ﴿إن الذين سبقت لهم منا الحسنى﴾ الآية [الأنبياء: ١٠١] (^٢) ولفظة «ما» تتناول من يعقل، لما سبق في العموم. ولاتفاق أهل اللغة، منهم: ابن الزبعرى.\n_________\n(^١) انظر: «جامع البيان» لأبي جعفر ابن جرير (٢/ ٩٨، ١٠٠)، و«تفسير ابن أبي حاتم» (١/ ١٣٧).\n(^٢) تقدم في أول مسائل العموم.","vol":"1","page":195},{"text":"الثاني: - وهو على أبي علي وأبي هاشم - جاز التخصيص في الأزمان، فيجوز في الأعيان، بجامع نفي إيهام العموم في المجمل. فإن فرقوا: بأن احتمال النسخ في المستقبل لا يمنع العمل في الحال بخلاف التخصيص. فنقول: إنما يظهر الفرق أن لو أخره عن وقت الحاجة.\nواحتج أبو الحسين على المنع من تأخير بيان ما استعمل في غير ظاهره: بأن العموم خطاب لنا في الحال بالإجمال، فإن لم يقصد إفهامنا انتقض كونه مخاطبا لنا - لأن الخطاب إنما يراد للإفهام -، ولكان عبثا. وإن قصد إفهامنا لظاهره فقد أراد (^١) منا الجهل. أو لغير ظاهره فقد أراد منا ما لا سبيل إليه.\nوجوابه: أنه منقوض بعدم جواز اعتقاد الاستغراق من العام وقت طلب الأدلة العقلية والسمعية. فإن قال: إن علم المكلف بكثرة السنن والأدلة كالإشعار بالتخصيص. قلنا: هذا التجويز كتجويز حدوث مخصص في ثاني الحال. ثم ينتقض بتأخير البيان بفعل طويل وزمان قصير وكلام طويل.\n* * *\nالثانية (^٢): يجوز الخطاب باللفظ المشترك، فإن فائدته ظاهرة من حيث أن المراد أحدهما. ولا يجب تعيين أحدهما في الحال. خلافا لبعضهم (^٣).\n* لنا وجهان:\nالأول أنه يحسن من السيد أن يقول لعبده: إني آمرك أن تخرج [إلى]\n_________\n(^١) تصحف في الأصل إلى (زاد) وكذا في الموضع الآتي.\n(^٢) في الأصل (الثالثة). والتي بعدها (الرابعة).\n(^٣) القول فيها كالتي قبلها، وانظر: «المعتمد» (١/ ٣٤٧).","vol":"1","page":196},{"text":"السوق يوم الجمعة لابتياع أشياء أبينها لك فيه، وغرضه التأهب للحاجة.\nالثاني: قد وضع في اللغة ألفاظ مبهمة وتأخير بيان المجمل مثله.\nفإن قيل: الغرض من التكليف الفعل. ثم لو حسن ذلك لحسن خطاب الزنجي بالعربية.\nوالجواب عن الأول: إنما يجب الفعل وقت الحاجة. وعن الثاني: أن الفهم حاصل، إذ أحدهما مفهوم بخلاف خطاب الزنجي بالعربية.\n* * *\nالثالثة: يجوز للنبي ﵇ تأخير التبليغ إلى وقت الحاجة. خلافا لقوم (^١).\n* لنا: أن التأخير قد يشتمل على المصلحة، فيجوز أن الله تعالى علم أن مصلحة المكلف فيه.\nاحتجوا بقوله تعالى: ﴿بلغ ما أنزل إليك﴾ [المائدة: ٦٧]. والأمر للفور.\nوجوابه: منع الفورية.\n\n<span data-type='title' id=toc-249>القسم الرابع: في المبين له</span>\n<span data-type='title' id=toc-250>المسألة الأولى: يجب بيان الخطاب لمن أريد فهمه دون غيره،</span> وإلا لكان تكليفا بالممتنع. ثم كل منهما قد يراد منه الفعل، كالعلماء بآية الصلاة والزكاة. والنساء بأحكام الحيض بعد الاستفتاء. وقد لا يراد، كالعلماء\n_________\n(^١) هذا وجه عند الحنابلة، اختاره أبو الخطاب في «التمهيد» (٢/ ٢٨٩)، وانظر: «المسودة» (ص: ١٨٠)، و«أصول الفقه» لابن مفلح (٣/ ١٠٣٦).","vol":"1","page":197},{"text":"بالحيض، وأمتنا بالنسبة إلى الكتب الماضية.\nالثانية: يجوز (^١) إسماع المكلف العام قبل مخصصه. ومنع أبو الهذيل والجبائي مما خص بالسمع لا بالعقل.\n* لنا وجوه:\nالأول: أن الصحابة ﵃ سمعوا قوله تعالى: ﴿اقتلوا المشركين﴾ [التوبة: ٥]. ولم يسمعوا المخصص، وهو قوله-﵇: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب» (^٢) إلى زمن عمر.\nالثاني: الواحد منا يسمع العام قبل مخصصه، فإنكاره مكابرة.\nالثالث: القياس على مخصص العقل، وإن لم يخطر له، بجامع التمكين من معرفة [المراد].\nاحتجوا بوجهين:\nالأول: أن دلالة العام مشروطة بعدم المخصص. وحينئذ يمتنع التمسك بالعام قبل طلب مخصصه، وذلك يفضي إلى إسقاط العمومات. الثاني: أنه إغراء بالجهل.\nوالجواب: إنما يفيد ظن العموم. والظن حجة في العمليات. والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) في الأصل (تجويز).\n(^٢) تقدم.","vol":"1","page":198},{"text":"<span data-type='title' id=toc-252>الكلام في الأفعال</span>\nالمسألة الأولى: قالت الشيعة: الأنبياء معصومون مطلقا عن الكبائر والصغائر (^١). وقيل بجوازه (^٢). وهؤلاء اختلفوا في الذنب الاعتقادي، فالخطأ منه غير الكفر منهم من جوزه، ومنهم من منعه لكونه منفرا. واتفقوا على أنه لا يجوز منهم الكفر. وقالت الفضلية من الخوارج: وقعت منهم ذنوب وكل ذنب عندهم كفر (^٣). وجوزت الشيعة إظهار الكفر منهم تقية (^٤). وقيل: لا يجوز تغيير التبليغ؛ لأنه ينافي الوثوق بقولهم. ولا خطأ وهم في الفتوى. وقيل بجوازهما سهوا. أما أفعالهم، فقيل: يجوز عليهم الكبيرة عمدا. ثم من هؤلاء الحشوية قالوا بوقوع هذا الجائز (^٥). ومنع من وقوعه القاضي أبوبكر سمعا (^٦).\n_________\n(^١) انظر: «الاعتقادات» للصدوق (ص: ٩٦)، و«أوائل المقالات» للمفيد (ص: ٦٢)، و«الذخيرة» للمرتضى (ص: ٣٣٧)، و«تمهيد الأصول» للطوسي (ص: ٤٦٤)، و«مناهج اليقين» للحلي (ص: ٤٢٥).\n(^٢) لم أقف على تعيين قائله، وانظر ما سيأتي من كتب المقالات.\n(^٣) انظر: «الحور العين» لنشوان الحميري (ص: ١٧٧)، «التنبيه» للملطي (ص: ١٧٩)، و«عصمة الأنبياء» للرازي (ص: ٣٩).\n(^٤) هذا النقل أنكره الرافضة انظر: «إحقاق الحق لنور الله التستري (١/ ٣١٣)، و«اللوامع الإلهية» للسيوري (ص: ٢٤٤).\n(^٥) لم أقف على معين أجاز ذلك، وينسب في كتب المقالات إلى الكرامية. «الفصل» (٤/¬٢)، و«الفرق بين الفرق» (ص: ٢٤٩)، و«أصول الدين» للبغدادي (ص: ١٦٨).\n(^٦) انظر: «التلخيص» (٢/ ٢٢٧)، و«الشفا» للقاضي عياض (ص: ٦٦٧) [ط كوشك].","vol":"1","page":199},{"text":"وقال الجبائي: لا يجوز أن يرتكبوا صغيرة ولا كبيرة عمدا، بل مؤولا (^١).\nوقيل: ولا مؤولا بل سهوا، ويؤاخذون به دون أمتهم لزيادة معرفتهم وتحفظهم (^٢). وقال أكثر المعتزلة: لا يجوز عليهم كبيرة وإن وقعت منهم صغائر عمدا وخطا ومؤولا، إلا ما ينفر، كالكذب والتطفيف (^٣).\nوالذي نقوله: أنه (^٤) لا يقع منهم ذنب عمدا، وقد يقع سهوا بشرط أن يتذكروه في الحال وينبهوا على أنه سهو.\n* * *\nالثانية: قال ابن شريح والاصطخري وابن خيران: مجرد فعل النبي ﵇ للوجوب (^٥). ونقل عن الشافعي ﵁ أنه للندب (^٦).\n_________\n(^١) انظر: «الفائق في أصول الدين» (ص: ٣٠٤)، و«المغني» (١٥/ ٣١٠)، و«المجموع في المحيط» (٣/ ٤٧٠).\n(^٢) نقله عبد القاهر البغدادي في «أصول الدين» (ص: ١٦٧) عن أصحابه، وانظر ما نقله ابن فورك عن أبي الحسن في «المجرد» (ص: ١٥٨، ١٧٦)، و«الإرشاد» (ص: ٣٦٧)، و«البرهان» (١/ ٤٨٥).\n(^٣) انظر: «زيادات شرح الأصول» للبطحاني (ص: ١٦٠)، و«المغني» (١٥/ ٣٠٠)، و«المجموع في المحيط بالتكليف» (٣/ ٤٦٤) و«الفائق» لابن الملاحمي (ص: ٣٠٢).\n(^٤) في الأصل (يقوله) ولما أحس بعض من نظر في الكتاب بقلق السياق غير (أنه) إلى (ألا). والوجه ما أثبته.\n(^٥) انظر: «التلخيص» (٢/ ٢٣١)، و«البرهان» (١/ ٤٨٩).\n(^٦) حكاه عنه الجويني وابن القشيري، «البرهان» (١/ ٤٨٩)، و«البحر» (٤/ ١٨٣). وذكر ابن السمعاني في «القواطع» (٢/ ٤٦٧) أن الأشبه بمذهبه الوجوب. وفي كلام الشافعي ما يدل عليه في «الأم» (٩/ ٢٥٩).","vol":"1","page":200},{"text":"وقال مالك: للإباحة (^١). وتوقف فيه الصيرفي (^٢) وأكثر المعتزلة (^٣). وهو المختار.\n* لنا: فعله يجوز أن يكون ذنب إن جوزنا الذنب عليه ومباحا ومندوبا وواجبا عاما أو خاصا به ومع الجواز يمتنع الجزم بأحدها.\nاحتج القائلون بالوجوب بوجوه:\nالأول: قوله تعالى: ﴿واتبعوه﴾ [الأعراف: ١٥٨] (^٤). وبقوله: ﴿إن كنتم تحبون الله فاتبعوني﴾ [آل عمران: ٣١]، والمتابعة فعل مثل فعل الغير. وقوله تعالى: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره﴾ [النور: ٦٣]، والأمر هو الفعل. وحرمة المخالفة توجب الموافقة.\nالثاني: أن الصحابة واصلوا الصيام لما واصل (^٥). وخلعوا نعالهم\n_________\n(^١) هذا النقل عن مالك فيه نظر، قال أبو العباس القرطبي: \"ليس معروفا عند أصحابه\" «البحر» (٤/ ١٨٣)، والمنقول عنه القول بالوجوب، نقله ابن خويز منداذ، وأبو الحسن بن القصار وأبو الفرج. وبه قال السواد من أصحابه انظر: «المقدمة» لابن القصار (ص: ٦١)، و«إحكام الفصول» للباجي (١/ ٣١٥)، و«الشفا» (ص: ٦٦٩)، و«تنقيح الفصول» (ص: ٤٠٥)، و«مفتاح الوصول» للتلمساني (ص: ٥٦٩).\n(^٢) قال الزركشي: \"رأيت التصريح به في كتاب «الدلائل» \"، «البحر» (٤/ ١٨٣). ونقل عنه أبو إسحاق وابن السمعاني القول بالندب، «شرح اللمع» (١/ ٥٤٦)، و«القواطع» (٢/ ٤٦٨).\n(^٣) انظر: («المغني») للقاضي عبد الجبار (١٧/ ٢٥١).\n(^٤) في الأصل (فاتبعوه)، والآية بالفاء إنما هي في الأمر باتباع الكتاب، كما في قوله: ﴿وهذا كتب أنزلناه مبارك فاتبعوه﴾ [الأنعام: ١٥٥].\n(^٥) رواه البخاري (رقم: ١٩٢٢، ١٩٦١)، ومسلم (رقم: ١١٠٢، ١١٠٤)، من حديث ابن عمر، وأنس.","vol":"1","page":201},{"text":"في الصلاة لما خلع (^١). ورجعوا بعد الاختلاف في التقاء الختانين إلى فعله مع عائشة (^٢). وحلقوا وذبحوا لما حلق وذبح عام الحديبية (^٣). وهذا دليل على [وجوب الرجوع إلى] (^٤) أفعاله.\nوالثالث: حمله على الوجوب أحوط، فيجب حمله عليه.\nوالجواب عن الآيتين الأولين: بمنع العموم فإنه يقتضي وجوب الفعل علينا، واعتقاد عدم وجوبه بتقدير أن لا يكون واجبا عليه، وذلك متناقض.\nوعن [الثالثة]: لا نسلم أن الأمر حقيقة في الفعل بل بالقول إجماعا، فيحمل الفعل بل بالقول إجماعا، فيحمل عليه دفعا للاشتراك. سلمنا أنه حقيقة فيهما لكن حمله على القول أولى؛ لأن تقدم الدعاء يدل عليه، بدليل أن من قال لعبده: \"لا تجعل دعائي كغيري، واحذر مخالفة أمري\" فهم من الأمر القول. ثم الله تعالى أقرب المذكورين فيحمل الضمير في «الهاء» عليه. وعن فعل الصحابة: أنها أخبار آحاد فلا تفيد العلم. ولأن أكثرها وردت في الصلاة والحج، فلعله ﵇-بين لهم أن حكمهم فيها كحكمه، فقد قال ﵇: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (^٥). وقال: خذوا عني مناسككم» (^٦). ومن ذلك الغسل بالتقاء الختانين. وأما الوصال،\n_________\n(^١) رواه أبو داود (رقم: ٦٥٠) من حديث أبي سعيد الخدري. وصححه ابن خزيمة (رقم: ٧٨٦)،. وابن حبان (رقم: ٢١٨٥). وانظر: «العلل» لابن أبي حاتم (٢/ ٢٢٥ - ٢٢٧)، و«العلل» للدارقطني (١١/ ٣٢٨)، (٨/ ١١١).\n(^٢) أخرجه الترمذي (رقم: ١٠٨)، وابن ماجه (رقم: ٦٠٨)، والنسائي في «الكبرى» (١٩٤) من حديث محمد بن القاسم عن أبيه عن عائشة. قال الترمذي: \"حسن صحيح\".\n(^٣) رواه البخاري (رقم: ٢٧٣١) من حديث أم سلمة.\n(^٤) ما بين المعقوفتين ليس في الأصل، والنظم بغيره قلق.\n(^٥) رواه البخاري (رقم: ٦٣١)، ومسلم (رقم: ٦٧٤) من حديث مالك بن حويرث.\n(^٦) رواه مسلم (رقم: ١٢٩٧) من حديث جابر.","vol":"1","page":202},{"text":"فلما ظنوه واجبا أنكر عليهم. وخلع النعل لم يعلم أنهم فعلوه وجوبا.\nوعن الثالث: أن الفعل قد يحرم علينا، فلا يكون فعله احتياطا.\nواحتج القائلون بالندب بوجهين:\nالأول: تطابق الخلق على التأسي بفعله.\nالثاني: أن فعله ﵇ ليس راجح العدم؛ لأنه ذنب (^١). ولا مساوي للعدم؛ لأنه عبث، وهو ممنوع منه بقوله تعالى: ﴿أفحسبتم أنما خلقنكم عبثا﴾ [المؤمنون: ١١٥]. فتعين رجحان وجوده. وعدم وجوده ثابت بالأصل، فثبت الندب.\nوالجواب عن الأول: يحتمل أنه كان لقرينة وجدت مع الفعل. وعن الثاني: أن الفعل المباح لغرض عاجل ليس بعبث.\nواحتج القائلون بالإباحة: أن فعله ليس بذنب، لما سبق، فانحصر في الواجب والندب والمباح، والمشترك بينها رفع الحرج عن الفعل. والأصل عدم رجحان الفعل، وهذا يقتضي إباحة كل أفعاله إلا ما خصه الدليل. وإذا كان مباحا في حقه فيكون كذلك في حقنا، عملا بآية التأسي.\nوالجواب لا نسلم أنه كذلك في حقنا. وآية التأسي نجيب عنها إن شاء الله تعالى.\n_________\n(^١) يعني أن راجح العدم ذنب.","vol":"1","page":203},{"text":"الثالثة: قال جمهور الفقهاء والمعتزلة: التأسي واجب (^١). ومعناه: إذا علمنا أنه ﷺ فعل فعلا على وجه تعبدنا بفعله على ذلك الوجه. وأوجب أبو علي بن خلاد التأسي في العبادات (^٢). وأنكره بعضهم مطلقا (^٣).\nواحتج أبو الحسين بقوله تعالى: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ [الأحزاب: ٢١]، وقوله تعالى: ﴿واتبعوه﴾ [الأعراف: ١٥٨] (^٤). والتأسي والاتباع:\nفعل مثل (^٥) فعل الغير على وجه فعل الغير. ولما سبق في المسألة قبلها. فإن قلت: إنه يفيد التأسي مرة واحدة، كقول القائل: لك في الدار ثوب حسن. قلت: هذا يدل على أن التأسي به واجب في الجملة. قلنا: لا نزاع في أن التأسي به واجب في الصلاة والحج لقوله ﵇: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، و«خذوا عني مناسككم».\n_________\n(^١) انظر: «القواطع» (٢/ ٤٦٨)، و«شرح اللمع» (١/ ٥٥٢)، والمغني» (١٧/ ٢٥٦، ٢٦٨) و«المعتمد» (١/ ٣٨٣)، و(المجزي) (٢/ ٣٦٨)، و«تقويم أصول الفقه» (٢/ ٥٤٩).\n(^٢) انظر: «المعتمد» (١/ ٣٨٣).\n(^٣) كأبي الحسن الكرخي الله وصاحبه أبو بكر الجصاص ونقله عن أصحابه في «الفصول» (٣/ ٢١٥)، وانظر: تقويم أصول الفقه (٢/ ٥٤٩)، و«أصول البزدوي» (ص: ٥١٠).\n(^٤) في الأصل (فاتبعوه)، وتقدم التنبيه على ذلك.\n(^٥) في الأصل (من) كذا.","vol":"1","page":204},{"text":"<span data-type='title' id=toc-257>القسم الثاني: في التفريع</span>\nالمسألة الأولى: إذا وجب التأسي بفعله ﵇-وجب معرفة وجه فعله، وذلك من ثلاثة أوجه الإباحة والندب والوجوب.\nفالإباحة تعرف إما بنصه ﵇ أنه مباح، أو يقع امتثالا أو بيانا لآية إباحة، ونفي الوجوب والندب بالاستصحاب.\nويعرف الندب بالثلاثة مع العلم بقصده القربة. أو قضاء المندوب. أو تمييزه بينه وبين مندوب آخر أو دام عليه مع الإخلال به من غير نسخ.\nويعرف الوجوب بالثلاثة الأول مع كونه مخيرا بينه وبين واجب آخر. أو قضاء لواجب آخر. أو وقع بأمارة الوجوب، كالصلاة بأذان وإقامة، أو جزاء لشرط موجب، كنذر. أو أنه غير جائز لولا الوجوب، كركوعين في صلاة الخسوف.\nالثانية: الفعل إذا عارضه قول، فإن ورد القول عقيبه وكان عاما له ولأمته أسقط حكم الفعل عنهما. وإن اختص به، خصصه عن عموم حكم الفعل المتقدم.\nوإن اختص بالأمة خصوا عنه دونه. وإن تراخى القول عنه كان ناسخا لحكم المتقدم في حق من تناوله القول، سواء اختص به ﵇ أو بأمته أو عمهما. وإن كان الفعل عقيب القول وعم القول له ولأمته خصصه عن عموم القول. وإن اختص به فهو يجوز إذا جوزنا نسخ الشيء قبل حضور وقته وإلا فلا. وإن","vol":"1","page":205},{"text":"اختص بالأمة وجب المصير إلى القول، لئلا يلغوا. وإن علم تراخي الفعل عن القول، فإن عمهما نسخ عنهما حكم القول. وإن تناول الأمة نسخ عنهم.\nوإن تناوله نسخ عنه دونهم. ثم يجب عليهم التأسي به، لآية التأسي. وإن جهل تقدم أحدهما رجح القول لاستغناء دلالته عن الفعل، من غير عكس.\nفرع: نهى النبي ﵇ عن استقبال القبلة واستدبارها في قضاء الحاجة (^١).\nثم استقبل فيه في البنيان بيت المقدس (^٢). فعند الشافعي ﵁ (^٣): أن فعله مخصص لنهيه في حق الكل؛ لأن فعله مع دليل وجوب التأسي أخص من عموم النهي. وعند الكرخي (^٤): أن فعله من خواصه، والنهي باق على عمومه. والقاضي عبد الجبار توقف فيه (^٥).\nوإن عارضه فعل آخر، بأن أقر ﵇ بعض الأمة على فعل ضده فيعلم خروجه عنه. أو فعل النبي ضد ما علم لزوم مثله إياه في ذلك الوقت ما لم رد ناسخ، فيعلم نسخه عنه.\nتنبيه: النسخ والتخصيص في الحقيقة إنما لحقا ما دل على أن ذلك الفعل لازم لغيره، وأنه لازم له (^٦) في المستقبل.\n_________\n(^١) رواه البخاري (رقم: ٣٩٤)، ومسلم (رقم: ٢٦٤) من حديث أبي قتادة.\n(^٢) رواه البخاري (رقم: ١٤٥)، ومسلم (رقم: ٢٦٦) من حديث ابن عمر.\n(^٣) انظر: «اختلاف الحديث من الأم» (١٠/ ٢١٩) [ط الوفاء]، و«الرسالة» (ص: ٢٩١)، و«الحاوي الكبير» (١/ ١٥١)، و«التعليقة» للقاضي حسين (١/ ٣٠٨).\n(^٤) انظر: «المعتمد» (١/ ٣٩١). وانظر ما تقدم عنه في مسألة التأسي.\n(^٥) انظر: «المعتمد» (١/ ٣٩١).\n(^٦) (له) تكرر في الأصل.","vol":"1","page":206},{"text":"القسم الثالث\nمن الناس (^١) من قال: إنه ﵇ لم يكن قبل نبوته متعبدا بشرع من قبله، محتجا بأنه لو كان كذلك لرجع إلى علماء تلك الشريعة ولافتخروا به، وكان يشتهر. فإن قلت: ولو لم يكن على شريعة لاشتهر. قلت: الفرق أن قومه ما كانوا على شريعة، فبقاؤه على غير شريعة لا يكون بدعا، فلم ينقل بخلاف العكس.\nومنهم من قال: كان متعبدا بشريعة (^٢)، محتجا بعموم الشرائع المتقدمة، وبأنه كان يركب البهيمة ويأكل اللحم ويطوف بالبيت.\nوالجواب عن الأول: منع عمومها ووصولها إليه بطريق يوجب العلم أو الظن، وهو المراد من زمن الفترة.\nوعن الثاني: أن الركوب والأكل حسن عقلا، إذ الركوب سبب حفظها ونفعها بالعلف. والأكل لا يضر بحيوان والطواف لا يحرم من غير شرع.\nثم اختلفوا أيضا بعد نبوته، فقال جمهور المعتزلة وكثير من الفقهاء: لم يكن متعبدا بشرع أحد (^٣). وقال قوم من الفقهاء: [كان] متعبدا بشرع من\n_________\n(^١) نسبه القاضي أبو بكر لجماهير المتكلمين، «التلخيص» (٢/ ٢٥٩)، وانظر: «المعتمد» (٢/ ٩٠٠)، و«البرهان» (١/ ٥٠٨).\n(^٢) هذا أشهر القولين عند الحنابلة، «العدة» (٣/ ٧٦٥)، و«التحبير» (٨/ ٣٧٦٨).\n(^٣) به قال أبو علي وأبو هاشم وأبو عبد الله البصري، «المجزي» (٢/ ٣٨٧)، و«المعتمد» (٢/ ٨٩٩). وهذا هو المشهور عند المتأخرين من أصحاب الشافعي، وهو آخر القولين=","vol":"1","page":207},{"text":"قبله إلا ما نسخه الدليل (^١). وقيل: كان على شرع إبراهيم. وقيل: على شرع [موسى]. وقيل: على شرع عيسى ﵉.\nواعلم أن من قال بتعبده بشرع غيره، إن أراد به أنه تعالى كان يوحى إليه بمثل أحكام ذلك الشرع [في جميع الأحكام] (^٢) فهو باطل، لمخالفة شرعنا شرع من قبلنا في كثير من الأحكام (^٣). أو بعضها، فصحيح، لكنه لا يقتضي إطلاق القول بأنه كان متعبدا بشرع غيره؛ لأنه يوهم التبعية مع أصالة شرعه ﵇. وإن أريد أنه تعالى أمره باقتباس الأحكام من كتبهم، فهذا حقيقة المسألة. وهو باطل أيضا لوجهين:\nالأول: لو تعبد بشرع أحد لراجع كتبهم ولم يتوقف على نزول الوحي، ولم ينقل، وإلا لاشتهر. ولأن عمر طالع ورقة من التوراة، فغضب ﵇ وقال: «لو أن موسى حي لما وسعه إلا اتباعي» (^٤). وأما رجوعه في الرجم إلى\n_________\n= لأبي إسحاق الشيرازي، انظر: «التلخيص» (٢/ ٢٦٥)، و«البرهان» (١/ ٥٠٣)، و«اللمع» (ص: ١٧٩)، و«القواطع» (٢/ ٤٨٣)، و«الوصول» (١/ ٣٧٤).\n(^١) هذا هو المشهور عند أصحاب أبي حنيفة، كما في «الفصول» لأبي بكر (٣/¬١٩)، و«تقويم أصول الفقه» (٢/ ٥٦٠)، و«الميزان» للسمرقندي (ص: ٤٦٩). وبه قال أصحاب مالك، كما في «المقدمة» لابن القصار (ص: ١٤٩)، و«إحكام الفصول» (١/ ٤٠١). وهو أشهر الروايتين عند أصحاب أحمد، وقال بها أبو الحسن التميمي وأبو يعلي، واستقر عليها المذهب، كما في «العدة» (٣/ ٧٥٣)، و«المسودة» (ص: ١٩٣)، و«التحبير» (٨/ ٣٧٧٨).\n(^٢) ما بين المعقوفتين ليس في الأصل، ويختل السياق بدونه.\n(^٣) في الأصل (أحكام).\n(^٤) أخرجه أحمد (رقم: ١٥١٥٦)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (رقم: ٢٦٤٢١) من حديث مجالد عن الشعبي عن جابر. قال البخاري: \"لا يصح\"، «التاريخ الكبير» (٥/¬٣٩)، (٨/¬٩)، وانظر: «الجامع لعلوم الإمام أحمد» (١٩/ ١٠١).","vol":"1","page":208},{"text":"التوراة، إنما كان ليبين لهم كذبهم وعنادهم لما أنكروا وجوده في التوراة، إذ لم يرجع في غيرها إليها.\nالثاني: أنه عليه ﵇ صوب معاذا في الحكم بالاجتهاد إذا فقد الكتاب والسنة. ولو كان متعبدا بشرع غيره لما صوبه، ولوجب الرجوع إلى كتبهم قبل الاجتهاد. والكتاب ينصرف إلى القرآن، لسبق الفهم إليه.\nاحتجوا بقوله تعالى: ﴿فبهدلهم اقتده﴾ [الأنعام: ٩٠]، وقوله تعالى: ﴿إنا أنزلنا التورة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون﴾ [المائدة: ٤٤]. وقوله تعالى: ﴿أن اتبع ملة إبراهيم﴾ [النحل: ١٢٣]، وقوله تعالى: ﴿إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده﴾ [النساء: ١٦٣].\nوالجواب عن الأولى: أن هداهم المضاف إلى كلهم هو الأصول إلا ما نسخ.\nوعن الثانية: أن ظاهرها متروك، إذ كل النبيين لم يحكموا بكل ما في التوراة، فنخص، إما النبيين، أو الحكم، وذلك لا يضرنا.\nوعن الثالثة: أن الملة هي الأصول دون الفروع، إذ يقال: \"ملة الشافعي وأبي حنيفة واحدة \". ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وما كان من المشركين﴾ [الأنعام: ١٦١].\nوعن الرابعة: أنه يقتضي تشبيه الوحي لا تشبيه الموحى به بالموحى به. والله أعلم.","vol":"1","page":209},{"text":"<span data-type='title' id=toc-261>الكلام في النسخ</span>\nوفيه أقسام:\nالأول\nوفيه مسائل:\nالأولى: النسخ عندنا: الإزالة (^١). وعند القفال: النقل (^٢).\nلنا: الاستعمال، يقال: نسخت الريح آثار القوم. والشمس الظل. إذا زال. والأصل كونه حقيقة فيه دون غيره، دفعا للاشتراك.\nفإن قيل: هذا مجاز؛ لأن المزيل هو الله تعالى، فلا يكون حقيقة في مدلوله. ثم نعارضه بأنه النقل والتحويل، ومنه نسخ الكتاب وتناسخ الأرواح والمواريث والقرون. والأصل كونه حقيقة فيه، دفعا للاشتراك، وعليكم الترجيح.\nفالجواب عن الأول: أن متمسكنا بإطلاق أهل اللغة لفظ النسخ على الإزالة، لإسنادهم الفعل إلى الريح والشمس إلى الظل. [وعن] الثاني: أن\n_________\n(^١) به قال أبو إسحاق الزجاج في معاني القرآن) (١/ ١٨٩)، وابن فارس في «الحلية» (ص: ٢٦)\n(^٢) وبه قال أبو جعفر بن جرير في جامع البيان (٢/ ٣٨٨)، وأبو جعفر بن النحاس في «الناسخ والمنسوخ» (١/ ٤٢٤).","vol":"1","page":210},{"text":"الزوال أعم من النقل فيجعل حقيقة فيه.\nالثانية: في حده اصطلاحا. الذي ذكره القاضي أبوبكر (^١)، وارتضاه الغزالي (^٢)، أنه الخطاب الدال على ارتفاع حكم ثابت بخطاب متقدم على وجه لولاه لكان ثابتا مع تراخيه عنه. وهو فاسد لوجوه:\nالأول: أن الخطاب ناسخ للحكم الأول، وليس بنسخ، إذ النسخ نفس الارتفاع.\nالثاني: أن الناسخ قد يكون فعلا، فتقييده بالخطاب خطأ.\nالثالث: تقييده بالرفع باطل، لما سيأتي إن شاء الله تعالى.\nالرابع: قوله: \"بخطاب متقدم\" باطل، بما لو ثبت بفعل متقدم ثم نسخ.\nوالأولى أن يقال: الناسخ طريق شرعي بين انتهاء حكم شرعي ثبت بطريق شرعي مع تراخيه عنه.\nونعني بـ \"الطريق\" القدر المشترك بين القول والفعل المنقولين عن الله تعالى ورسوله ﵇. ويخرج عنه: اتفاق الأمة على أحد القولين. والعقل والمعجز؛ لأنها ليست بطرق شرعية بهذا التفسير. ولا يلزم التقييد بالشرط والصفة والاستثناء؛ لأنها غير متراخية. والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: «التلخيص» (٢/ ٤٥٢).\n(^٢) في «المستصفى» (١/ ٢٨٧).","vol":"1","page":211},{"text":"الثالثة: قال القاضي أبوبكر ﵀ النسخ رفع (^١). بمعنى أنه يرفع ما لولاه لثبت بالخطاب الأول. وحاصله: أنه هل يجوز إعدام الضد بالضد وفيه خلاف.\nوقال الأستاذ أبو إسحاق ﵀: إنه بيان (^٢). بمعنى أنه نظر بأن النسخ أظهر أن الخطاب المتقدم انتهى في ذلك الوقت. وهذا قول بامتناع إعدام الضد بالضد. والدلائل في تلك المسألة نفيا وإثباتا عائدة إلى هذه.\nحجة المنكرين للرفع وجوه:\nالأول: أن كلام الله تعالى قديم، والقديم لا يرفع. فإن قلت: المرفوع تعلقه. قلت: تعلقه إما كونه عدميا، فممتنع رفعه. أو حادثا، فيلزم كونه تعالى محلا للحوادث. أو قديما، فيلزم عدم القديم. وكله محال.\nالثاني: أنه ليس زوال الباقي لطريان الطارئ أولى من العكس، ووجودهما معا وعدمهما معا محال.\nالثالث: طريان الطارئ مشروط بزوال المتقدم، فلو علل زوال المتقدم بطريان الطارئ لزم الدور.\nوحجة القائلين بالرفع وجهان:\nالأول: أن النسخ الإزالة لغة، فكذا شرعا؛ لأن الأصل عدم التغيير.\n_________\n(^١) فيما تقدم. وانظر: «البرهان» (٢/ ١٢٩٤).\n(^٢) قال أبو المعالي في «البرهان» (٢/ ١٢٩٤): \"صرح القاضي أبو إسحاق بأن النسخ تخصيص الزمان\".","vol":"1","page":212},{"text":"الثاني: تعلق الخطاب بالفعل ممتنع عدمه لذاته وإلا لما وجد، فلابد من مزيل وهو الناسخ.\nوالجواب عن الأول: أن الدليل الظني لا يعارض القطعي.\nوعن الثاني: أن الخطاب تعلق به إلى ذلك الوقت، فلا يفتقر بعده إلى معدم.\nالرابعة: النسخ جائز عقلا، وواقع سمعا. خلافا لبعض المسلمين (^١)، وبعض اليهود (^٢)، ومنعه بعضهم عقلا وبعضهم منعه سمعا.\nواحتج بعض المثبتين بوجوه:\nالأول: أن نبوة محمد ﷺ لا تصح إلا مع النسخ، وقد صحت.\nالثاني: إجماع الأمة عليه.\nالثالث: كان آدم ﵇ يزاوج الأخ من الأخت، ثم حرم على موسى (^٣).\n_________\n(^١) نسبه أبو إسحاق الشيرازي وأبو الخطاب وابن عقيل وغيرهم إلى أبي مسلم الأصبهاني، «شرح اللمع» (١/ ٤٨٢)، و«التبصرة» (ص: ٢٥١)، و«التمهيد» (٢/ ٣٤١)، و«الواضح» (٤/ ب ٤٤). وانظر: «أحكام القرآن» (١/ ٧٢)، و«الفصول» لأبي بكر الرازي (٢/ ٢١٧).\n(^٢) المحقق في كتبهم: إنكار نسخ شريعتهم وأنها أبدية «دلالة الحائرين» لموسى بن ميمون اليهودي (٢/ ٤١١)، و«تنقيح الأبحاث في الملل الثلاث» لابن كمونة الإسرائيلي (ص: ١٣٦) [ط طهران]. وانظر: «الأوسط في المقالات» للناشئ الأكبر (ص: ٧٤)، و«اعتقادات فرق المسلمين والمشركين» للمصنف (ص: ٨٢)، و«الفائق في أصول الدين» (ص: ٣٥٥).\n(^٣) انظر: «التثنية» (٢٢/¬٢٧).","vol":"1","page":213},{"text":"الرابع: أنه جاء في التوراة أنه تعالى قال لنوح عند خروجه من الفلك: \" أن قد جعلت كل دابة مأكلا لك ولذريتك وأطلقت ذلك لكم كنبات العشب ما خلا الدم، فلا تأكلوه (^١). ثم حرم كثيرا من الحيوان على موسى (^٢).\nوالوجهان الأخيران إلزامان على اليهود. وهذا ضعيف، إذ لا إجماع مع الخلاف. وكذا الباقي، لجواز تأقيت الشريعة المتقدمة إلى وقت ورود المتأخرة. وذلك لا يكون نسخا، بل يجري مجرى قوله تعالى: ﴿ثم أتموا الصيام إلى اليل﴾ [البقرة: ١٨٧]. والمسلمون الذين أنكروا النسخ عولوا على هذا الحرف وقالوا: ثبت في القرآن أن موسى وعيسى بشرا بشرع محمد ﵇، وأوجبا الرجوع إليه عند ظهور ملته. وهكذا جواب اليهود عن الإلزامين.\nوالمعتمد لنا قوله تعالى: ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها﴾ [البقرة: ١٠٦]. وجه الاستدلال أن جواز التمسك بالقرآن إن لم يتوقف على صحة النسخ تمسكنا بهذه الآية. فإن توقف، توقفت صحة نبوة محمد ﷺ عليه، وقد صحت نبوته فيصح النسخ.\nواحتج المنكرون عقلا: أن الفعل إن كان حسنا كان النهي عنه قبيحا، وإن كان قبيحا كان الأمر به قبيحا.\nوللمنكرين شرعا وجهان:\nالأول: أنه تعالى لما شرع ملة موسى-﵇، فإن بين دوامها كان النسخ\n_________\n(^١) انظر: «التكوين» (٣/¬٩).\n(^٢) انظر: «التثنية» (٤/¬١٤ - ٢٠).","vol":"1","page":214},{"text":"بعده تناقضا، وإن لم يبين، وجب أن ينقل تواترا وإلا لجاز ذلك في شرعنا. وحينئذ نستغني عن النسخ.\nالثاني: ثبت بالمتواتر أن موسى ﵇ قال: \"تمسكوا بالسبت أبدا\" (^١).\nوالجواب عن الحجة الأولى: أن الفعل يجوز أن يكون مصلحة وقت الأمر، مفسدة وقت النهي.\nوعن الثانية: ما سبق في تأخير البيان عن وقت الخطاب.\nوعن الثالثة مع التواتر: بأن (^٢) بختنصر لم يبق من اليهود عدد التواتر، ثم لفظ التأبيد جاء في التولي للمبالغة كقوله في البقرة التي أمروا بذبحها: \"يكون ذلك سنة أبدا\" (^٣). وفي العبد: \"يستخدم ست سنين، ثم يعتق في السابعة، فإن أبى العتق فلتثقب أذنه ويستخدم أبدا\" (^٤). ثم انقطع ذلك عندهم.\nالخامسة: يجوز نسخ القرآن. وفاقا. خلافا لأبي مسلم الأصفهاني (^٥).\n_________\n(^١) انظر: «الخروج» (٣١/¬١٦).\n(^٢) في الأصل (فإن) تصحيف.\n(^٣) انظر: «التثنية» الإصحاح: ٢١. وليس فيه لفظ التأبيد.\n(^٤) انظر: «التثنية» (١٥/¬١٧).\n(^٥) اختلف الناس في تحرير مقالة أبي مسلم، انظر: «التفسير الكبير» للرازي (٣/ ٦٣٩)، و«القواطع» (٢/ ٦٥٤)، و«الإبهاج» (٢/ ١٠٨٦)، و«رفع الحاجب» (٤/¬٤٧)، و«البحر المحيط» (٤/ ٧٢). قال أبو المظفر السمعاني في (القواطع) (٢/ ٦٥٣): \"هذا رجل معروف=","vol":"1","page":215},{"text":"• لنا وجوه:\nالأول: الآية المتقدمة.\nوالثاني: قوله تعالى ﴿وإذا بدلنا آية مكان آية﴾ [النحل: ١٠١] والتبديل: رفع الشيء وإقامة غيره مقامه.\nالثالث: نسخت آية الأمر بثبات الواحد العشرة بما بعدها.\nالرابع: نسخت آية التوجه إلى بيت المقدس بالتوجه إلى الكعبة وأمثاله كثير.\nواحتج أبو مسلم بقوله تعالى: ﴿لا يأتيه البطل من بين يديه ولا من خلفه﴾ [فصلت: ٤٢]، فلو نسخ لأتاه الباطل. وجوابه: أن معناه لم يتقدمه كتاب يبطله، ولا يأتيه بعده كتاب يبطله أيضا.\nالسادسة: يجوز نسخ الشيء قبل وقت فعله. خلافا للمعتزلة (^١) وكثير من الفقهاء (^٢).\nلنا: أنه تعالى أمر إبراهيم بذبح إسماعيل ثم نسخه قبل فعله.\n_________\n(^١) انظر: «المعتمد» (١/ ٤٠٧)، و«المجزي» (٢/¬٢٥).\n(^٢) كالصيرفي من أصحاب الشافعي، «شرح اللمع» (١/ ٤٨٥)، و«القواطع» (٢/ ٦٦٩). وأبي بكر الرازي وأبي زيد. «الفصول» (٢/ ٢٢٩)، و«تقويم أصول الفقه» (٢/ ٥٣٠). وأبي الحسن التميمي من أصحاب أحمد، «العدة» (٣/ ٨٠٨).","vol":"1","page":216},{"text":"فإن قيل: إنما أمر بالمقدمات، لقوله تعالى: ﴿قد صدقت الرؤيا﴾ [١٠٥: الصافات] ولو أمر بالذبح لقال: \"قد صدقت بعض الرؤيا\". فإن عارض بقوله تعالى: ﴿أفعل ما تؤمر﴾ [١٠٢: الصافات]، فإنه يجب عوده إلى شيء فيعاد إلى الذبح؛ لأنه المذكور أولا. ولأنه قال تعالى: ﴿إن هذا لهو البلؤا المبين﴾ [١٠٦: الصافات]. والمقدمات لا توصف بذلك. قلنا: قوله تعالى: ﴿أفعل ما تؤمر﴾ إنما يفيد في المستقبل لا في ما مضى.\nوعن الثاني: أن الإضجاع وأخذ المدية مع الظن الغالب بإنه مأمور بالذبح بلاء عظيم. على أنا نمنع النسخ، فإنه نقل أنه ذبح وكلما قطع موضعا وصله الله تعالى. ونقل أيضا أنه تعالى جعل على عنقه صفيحة حديد.\nثم ما ذكرتم يقتضي كون الشخص الواحد مأمورا منهيا عن فعل واحد في وقت واحد من وجه واحد، فإن الكلام فيه، وذلك محال؛ لأن الأمر إن علم الفعل لزم الأمر بالقبيح والنهي عن الحسن. وإن لم يعلم يلزم البداء، وذلك محال عليه تعالى.\nوالجواب عن الأول: أن تصديق اللزوم لا يدل على أنه أتى بكل المأمور، وإلا لما احتاج إلى النداء. وهذا جواب عن قوله: \"كلما قطع موضعا التحم\". وأما الصفيحة، فإنها تكليف ما لا يطاق.\nوعن الثاني: أنا لا نقول بالحسن والقبح العقليين. ثم قد يحسن الأمر لغير مصلحة تحصل من الفعل. مثاله: أن السيد قد يأمر عبده بالذهاب إلى بلده غدا راجلا. وغرضه توطين نفس العبد على الامتثال ورياضته، مع علمه بأنه سيرفعه عنه غدا.","vol":"1","page":217},{"text":"السابعة: يجوز نسخ الشيء لا إلى بدل خلافا لقوم (^١)؛ لأنه نسخ تقديم الصدقة لا إلى بدل. واحتجوا بقوله تعالى: ﴿ما ننسخ من آية﴾ الآية [البقرة: ١٠٦]. والجواب: أنه يفيد نسخ لفظ الآية لا الحكم. على أن نسخ الحكم قد يكون خيرا.\nالثامنة: يجوز نسخ الحكم إلى أثقل منه، خلافا لبعض أهل الظاهر (^٢)؛ لأنه نسخ التخيير بين الصوم والفدية بتعيين الصوم. وجواز تأخير الصلاة عند الخوف إلى إيجابها في القتال. وصوم عاشوراء لصوم رمضان. وإطلاق الخمر ونكاح المتعة ولحوم الحمر الأهلية إلى التحريم. وذلك أثقل.\nاحتجوا بقوله تعالى: ﴿ما نأت بخير منها أو مثلها﴾ [البقرة: ١٠٦]، وبقوله تعالى: ﴿يريد الله بكم اليسر﴾ [البقرة: ١٨٥].\nوالجواب عن الأول: أن الخير ما هو أصلح في المعاد. وعن الثاني: المراد اليسر في الآخرة، دفعا لتخصيصات كثيرة.\n_________\n(^١) نسب إلى المعتزلة كما في «البرهان» (٢/ ١٣١٣). والذي ذكره أبو الحسين الجواز ولم يحك خلافا عن أصحابه، «المعتمد» (١/ ٤١٥). وإنما هذا ظاهر كلام الشافعي في «الرسالة» (ص: ١٠٩)، قال: \"وليس ينسخ فرض أبدا إلا أثبت مكانه فرض\". ومع ذا فقد بين أصحابه مراده بما لا يخرج به إلى خلاف ما عليه الجمهور، انظر: «الإبهاج» (٢/ ١١٠٥)، و«البحر» (٤/ ٩٣).\n(^٢) انظر: «الإحكام» لابن حزم (٤/ ٩٣).","vol":"1","page":218},{"text":"التاسعة: يجوز نسخ التلاوة دون الحكم وبالعكس؛ لأنها عبادتان منفصلتان، فلا يبعد في العقل صيرورة أحدهما مفسدة دون الأخرى. والفائدة في بقاء التلاوة: العلم بأنه تعالى أزال ذلك الحكم رحمة منه وفضلا على عباده. وقد نسخ التلاوة دون الحكم فيما روي من قوله تعالى: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله) (^١). والحكم دون التلاوة، وكما تقدم.\nوالتلاوة والحكم، فيما روي أن عائشة ﵂ قالت: \"أنزل عشر رضعات فنسخت بخمس (^٢). وروي أن سورة الأحزاب كانت تعدل البقرة (^٣).\nالعاشرة: يجوز نسخ الخبر عما يجوز تغيره (^٤)، قياسا على الأمر، بجامع المصلحة. ولأن الدوام شرط النسخ، فلا ينافيه. وقال أبو علي وأبو هاشم (^٥) وأكثر المتقدمين (^٦): لا يجوز؛ لأن نسخ الخبر يوهم الكذب، ويفضي إلى\n_________\n(^١) جاء ذلك في بعض الأخبار كما رواه النسائي في «الكبرى» (رقم: ٧١١٢)، وعبد الله في زوائد المسند (رقم: ٢١٢٠٧)، من حديث عاصم عن زر عن أبي بن كعب. وصححه ابن حبان (رقم: ٤٤٢٩). وله وجوه أخرى ذكرها النسائي في «الكبرى» (٦/ ٤٠٦ - ٤١٤).\n(^٢) رواه مسلم (رقم: ١٤٥٢).\n(^٣) هو حديث أبي بن كعب الذي فيه: \"الشيخ والشيخة\" المتقدم.\n(^٤) وبه قال أبو عبد الله البصري والقاضي عبد الجبار، «المعتمد» (١/ ٤١٩)، و«المجزي» (١/ ٣٩٠). وانظر: «الوصول» (٢/ ٥٩).\n(^٥) انظر: «المعتمد» (١/ ٤٢٠)، و«المجزي» (١/ ٣٩٠).\n(^٦) هذا قول السواد من الفقهاء، انظر: فهم القرآن ومعانيه للحارث المحاسبي (ص: ١١٧، ١٣٤) [تـ خالد رمضان]، و«الفصول» (٢/ ٢٠٥)، و«ميزان الأصول» (ص: ٧١٠)، و«شرح اللمع» (١/ ٤٨٩)، و«القواطع» (٢/ ٦٥٦)، و«الإحكام» للباجي (١/ ٤٠٥) و«الواضح» (ب/ ٧١٤).","vol":"1","page":219},{"text":"التناقض. والجواب عن الأول: أن نسخ الأمر أيضا يوهم البداء. وعن الثاني: إنما يتناقضان لو اتحد الزمان، وليس كذلك.\nالحادية عشرة: إذا قال الله تعالى: افعلوا هذا الفعل أبدا. جاز نسخه خلافا لقوم (^١).\nلنا: أن لفظ التأبيد يتناول جميع الأزمنة المستقبلة، كالعموم لتناول الآي. والجامع: الحكمة الداعية إلى التخصيص.\nاحتجوا بأن لفظ الدوام يقوم مقام قوله: افعلوا في هذا الوقت وذلك الوقت. إلى أن يستوعب جميع الأوقات. وهذا لا يجوز نسخه، فكذا ذاك.\nولأنه لو جاز لا يبقى طريق العلم بالدوام.\nوالجواب عن الأول: النقض بجواز تخصيص العام. وعن الثاني: أن القطع لا يحصل إلا من القرائن. والله أعلم.\n_________\n(^١) هذا قول جماعة من أصحاب أبي حنيفة، «الفصول» (٢/ ٢٠٩)، و«تقويم أصول الفقه» (٢/ ٥٢٦)، و«أصول البزدوي» (ص: ٤٩٠)، و«أصول السرخسي» (٢/ ٦٠).\nقال عبد العزيز البخاري في «كشف الأسرار» (٣/ ١٦٦): \"لا طائل في هذا الخلاف؛ إذ لم يوجد في الأحكام حكم مقيد بالتأبيد أو التوقيت قد نسخ … فلا يكون فيه كثير فائدة\".\nوانظر: «ميزان الأصول» (ص: ٧٠٩).","vol":"1","page":220},{"text":"<span data-type='title' id=toc-274>القسم الثاني: في الناسخ والمنسوخ</span>\nوفيه مسائل:\nالأولى: يجوز نسخ السنة المتواترة بالمتواترة، والآحاد بالآحاد وبالكتاب والسنة المتواترة بالاتفاق. ويجوز نسخ المتواتر بالآحاد عقلا، ولم يقع سمعا. خلافا لبعض أهل الظاهر (^١).\nلنا: أن الصحابة ردت خبر الواحد الرافع لحكم الكتاب، قال عمر: \"لا نترك كتاب ربنا وسنة نبينا بقول امرأة لا نعلم صدقت أم كذبت\" (^٢).\nوهذا ضعيف؛ لأن رد هذا لا يدل على ردهم كل خبر ناسخ.\nاحتجوا بوجوه:\nالأول: أن آية الوصية للوالدين والأقربين نسخت بقوله ﵇: «لا وصية لوارث» (^٣).\n_________\n(^١) انظر: «الإحكام» (٤/ ١٠٧). وهي رواية عن الإمام أحمد، انظر: «الواضح» (٤/ ٨١ ب)، و«المسودة» (ص: ٢٠٦).\n(^٢) رواه مسلم (رقم: ١٤٨٠) من حديث الأسود عن عمر. ولفظه: \"لا ندري لعلها حفظت أو نسيت\".\n(^٣) رواه النسائي (رقم: ٣٦٤١)، والترمذي (رقم: ٢١٢١)، وابن ماجه (رقم: ٢٧١٢) من حديث عمرو بن خارجة. قال الترمذي: \"حسن صحيح\". وأخرجه أبو داود (رقم: ٢٨٧٠)، والترمذي (رقم: ٢١٢٠)، وابن ماجه (رقم: ٢٧١٣) من حديث أبي أمامة. قال الترمذي: \"حديث حسن\".","vol":"1","page":221},{"text":"الثاني: أن الرسول ﵇ لم ينكر على أهل قباء حين قبلوا نسخ القبلة بخبر الواحد.\nالثالث: القياس على التخصيص بجامع دفع الضرر المظنون.\nوالجواب عن الأولى: أنها مخصوصة بالحديث المتواتر؛ لأن الأمة تلقته بالقبول وأجمعوا عليه. ولإجماعهم ضعف نقله.\nوعن الثاني: لعل النبي ﵇ أعلمهم بذلك، أو علموه بالقرائن، نحو كون المسجد قريبا من الرسول.\nوعن الثالث: أن الصحابة أجمعت على الفرق بين التخصيص والنسخ. وللخصم منعه كما سبق.\nالثانية: يجوز نسخ الكتاب بالكتاب عند الأكثرين، لما ذكرنا في الرد على أبي مسلم. ونسخ السنة بالقرآن واقع، والشافعي منع جوازه (^١).\nلنا: أن تأخير صلاة الخوف إلى انجلاء القتال ثبت بالسنة، وقد نسخ بآية صلاة الخوف. وصوم رمضان نسخ صوم عاشوراء، وكان واجبا بالسنة. وقوله تعالى: ﴿فلا ترجعوهن إلى الكفار﴾ [الممتحنة: ١٠] نسخ ما [قرره] النبي ﵇ من الصلح والعهد. وهذا ضعيف، لجواز ثبوت تلك الأحكام بآيات نسخ تلاوتها كما نسخ حكمها.\n_________\n(^١) انظر: «الرسالة» (ص: ١٠٨، ١٨٣، ٢٢٠)، و«الأم» (١٠/¬٣٥).","vol":"1","page":222},{"text":"واحتج الشافعي ﵁ بقوله تعالى: ﴿لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ [النحل: ٤٤]. وهذا يدل على أن كلامه بيان للقرآن، فلو كان القرآن ناسخا لكلامه لزم كون كل واحد بيانا للآخر.\nوجوابه: أنه ليس في الآية ما يقضي أنه لا يتكلم إلا بالبيان. على أن المراد بالبيان: الإبلاغ، لئلا يلزم الإجمال والتخصيص.\nالثالثة: نسخ الكتاب بالسنة المتواترة واقع. خلافا للشافعي ﵁ (^١).\nدليل الأول أن آية حبس الزاني نسخت بآية الجلد، ثم نسخ ﵇ الجلد بالرجم. ونسخت آية الوصية للأقربين بقوله ﵇: «لا وصية لوارث».\nحجة الشافعي وجوه:\nالأول قوله تعالى: ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها﴾ [البقرة: ١٠٦]. وذلك أن المأتي به من جنس الأول، يؤكده قوله تعالى: ﴿ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير﴾ [البقرة].\nالثاني: قوله تعالى: ﴿قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي﴾ [يونس: ١٥].\nالثالث: أن ذلك يوجب التهمة والنفرة.\nوالجواب عن الأول: أنه يجوز أن يكون الخير شيئا مغايرا للناسخ\n_________\n(^١) انظر: «الرسالة» (ص: ١٠٦)، و«الأم» (١٠/¬٢٩)، و«البحر المحيط» (٤/ ١١٠).","vol":"1","page":223},{"text":"يحصل بعد حصوله.\nوعن الثاني: أن المبدل بالحقيقة هو الله تعالى، وإن كان الناسخ خبرا.\nوقوله: ﴿إن أتبع إلا ما يوحى إلي﴾ [يونس: ١٥] دال على أنه لا ينسخ إلا بوحي، وقد يكون خبرا لا قرآنا.\nوعن الثالث: أن النفرة زائلة بالدليل على أنه لا ﴿ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى﴾ [النجم].\nالرابعة: الإجماع إنما ينعقد بعد وفاة النبي ﵇؛ لأن زمانه لابد من قوله ﵇، وقوله مستقل بالإفادة. فعلى هذا، الإجماع لا ينسخ الكتاب والسنة، وإلا كان خطأ، لمخالفته النص. ولا ينسخ بهما؛ لأنهما لو وجدا كانت الأمة مجمعة على خلافهما، وهو خطأ ويستحيل حدوثهما. ولا ينسخ بإجماع آخر؛ لأن المتأخر لا عن دليل خطأ، وعن دليل يوجب خطأ المتقدم.\nولا ينسخ القياس؛ [لأن القياس] لا ينعقد على خلافه.\nوجوز عيسى بن أبان كون الإجماع ناسخا (^١). لنا: أن المنسوخ إما نص أو إجماع أو قياس. والأول باطل، لانعقاده على خلاف النص. وكذا الثاني؛ لأن الإجماع المتقدم إن أفاد الحكم مطلقا كان أحدهما خطأ، وإن أفاده مؤقتا إلى زمن ورود المتأخر لم يكن المتأخر ناسخا له؛ لأنه انتهى بنفسه. والثالث\n_________\n(^١) انظر: «المجزي» لأبي طالب (٢/¬٢١)، و«كشف الأسرار» لعبد العزيز البخاري (٣/ ١٧٥)، و«أصول السرخسي» (٢/ ٦٦)، و«أصول البزدوي» (ص: ٤٩٥).","vol":"1","page":224},{"text":"باطل، إذ شرط صحة القياس عدم الإجماع.\nالخامسة: القياس في زمن النبي ﵇-يجوز نسخه، بأن ينص ﵇-في الفرع بخلاف حكمه، وبالقياس بأن نص في صورة على خلاف ذلك الحكم، وتكون أمارة علتها أقوى. وأما بعد وفاته ﵇، فيجوز نسخه بالنص والإجماع، لما سبق. والقياس قد سبق القول فيه.\nالسادسة: يجوز نسخ الأصل والفحوى وفاقا. ونسخ الفحوى تبعا لنسخ الأصل. وأما نسخ الفحوى مع بقاء الأصل، منعه أبو الحسين (^١)؛ لأنه ينقض الغرض. وأما النسخ به فجائز وفاقا، لفظية كانت دلالته أو عقلية.\n\n<span data-type='title' id=toc-281>القسم الثالث: فيما يظن أنه ناسخ</span>\nوفيه مسائل:\nالأولى: اتفق العلماء على أن زيادة عبادة على العبادات أو صلاة على الصلوات لا يكون نسخا. وإنما جعل أهل العراق (^٢) زيادة صلاة نسخا لقوله تعالى: ﴿حافظوا على الصلوات والصلوة الوسطى﴾ [البقرة: ٢٣٨]، فإنها تجعل\n_________\n(^١) في «المعتمد» (١/ ٤٣٧).\n(^٢) انظر: «المعتمد» (١/ ٤٣٨). وفي «بذل النظر» للأسمندي (ص: ٣٥٤) الاتفاق على أن هذا ليس بنسخ.","vol":"1","page":225},{"text":"ما كان وسطى غير وسطى، وذلك يبطل بزيادة عبادة على العبادات الأخيرة، فإنها تجعلها غير أخيرة.\nوالزيادة التي ليست كذلك، فعند الشافعي (^١) وأبي علي وأبي هاشم (^٢) أنها ليست نسخا. خلافا للحنفية (^٣). ومنهم من قال (^٤): إفادة النص من جهة دليل الخطاب أو الشرط خلاف ما أفادته الزيادة كان نسخا، وإلا فلا. وقال القاضي عبد الجبار (^٥): إن غيرت الزيادة تغييرا شديدا بحيث لا يجري الأصل بعد الزيادة وحده، كزيادة ركعة على ركعتين، كانت نسخا، وإلا [فلا].\nوالأحسن تفصيل أبي الحسين (^٦): وهو أن الزيادة على النص تزيل شيئا، وأقله عدمها، فتلك الإزالة إن أزالت حكما شرعيا وكانت متراخية عنه سميت نسخا، وإلا فلا. ولا يجوز إثبات زيادة على النص بخبر الواحد والقياس، إن كانت الإزالة نسخا، وإلا فلا. فهذا حد البحث الأصولي.\nويتفرع عليه مسائل فقهية:\n* الأولى: زيادة التغريب على جلد ثمانين لا يزيل إلا نفي وجوب ما زاد عليها. وذلك حكم العقل؛ لأن البراءة الأصلية معلومة بالعقل، فيجوز قبول خبر الواحد والقياس فيه، ما لم يمنع مانع غير النسخ.\n_________\n(^١) انظر: «الرسالة» (ص: ١٦٧ - ١٧٥) [مهم]، و«شرح اللمع» (١/ ٥١٩)، و«القواطع» (٢/ ٦٨٣)\n(^٢) انظر: «المعتمد» (١/ ٤٣٧).\n(^٣) انظر: «الفصول» للرازي (٢/ ٣١٥)، و«أصول البزدوي (ص: ٥٠٧)، و«مسائل الخلاف» للصيمري (ص: ١٣٠)\n(^٤) انظر: «المعتمد» (١/ ٤٣٧).\n(^٥) انظر: «المعتمد» (١/ ٤٣٩).\n(^٦) في «المعتمد» (١/ ٤٤٢).","vol":"1","page":226},{"text":"* الثانية: تقييد الرقبة بالإيمان في معنى التخصيص، فإنه يزيل إجزاء الكافرة، فإن تأخر كان نسخا وإلا فلا.\n* الثالثة: إذا قطعت يد السارق وإحدى رجليه، ثم سرق، فإباحة قطع الأخرى يزيل حظره الثابت بالعقل، وليس بنسخ.\n* الرابعة: التخيير بين الواجب وغيره يزيل حظر تركه الثابت بالعقل، فلا يكون نسخا.\n* الخامسة: زيادة ركعة على ركعتين قبل التشهد نسخ للتشهد لا للركعتين، وكذلك زيادة شرط فيهما ليس نسخا لوجوبهما وإجزائهما، ولا لشرطية شرط سابق.\nواعلم أن هذه المسائل لو علمت ضرورة أنها من الدين، لم يجز رفعها بخبر الواحد والقياس.\n* السادسة: قوله تعالى: ﴿ثم أتموا الصيام إلى اليل﴾ [البقرة: ١٨٧]، يفيد كون أول الليل ظرفا وغاية له. وإيجاب الصوم إلى غيبوبة الشفق يزيل ذلك، فكان الثاني نسخا للأول، بخلاف قوله: \"صوموا النهار\"، فإن صوم أول الليل لا يجب؛ لأن اللفظ لا يتناوله.\n* الثامنة: النقصان من العبادة نسخ لما سقط. ونسخ ما لا تتوقف عليه العبادة، ليس بنسخ لها عند الكرخي (^١). وهو المختار. وقال القاضي عبد الجبار:\n_________\n(^١) انظر: «المعتمد» (١/ ٤٤٧)، و«بذل النظر» (ص: ٣٦١)، و«الميزان» للسمرقندي (ص: ٧٢٩)","vol":"1","page":227},{"text":"نقصان جزءها لا شرطها نسخ للباقي (^١).\n• لنا: أن المقتضي للكل متناول للجزئين، فخروج أحدهما لا يخرج الآخر، كأدلة التخصيص.\nاحتج: بأن نقصان الركعة يرفع وجوب تأخير التشهد، ويرفع إجزاء العبادة المنسوخة، وذلك نسخ.\nوالجواب: أن هذه أحكام الركعة الباقية، وهي مغايرة لذاتها، فنسخها مغاير لنسخ ذاتها. وأما نقصان الشرط المنفصل من العبادة، ليس نسخا لها؛ لأنهما عبادتان، فنسخ أحدهما ليس نسخا للأخرى، فعلى هذا نسخ الوضوء ليس نسخا للصلاة وإنما المرفوع نفي إجزائها بدون الطهارة. فإن عنى بهذا النسخ صح، لكنه يوهم أنها لم تبق واجبة ولا عبادة.\n\n<span data-type='title' id=toc-284>القسم الرابع: فيما به يعرف الناسخ والمنسوخ</span>\nويعرف باللفظ، بأن يقول: هذا [ينسخ هذا]. أو ينص على نقيض الحكم الأول، أو على ضده مع العلم بالتاريخ.\nويعلم بأن يقول: هذا [قبل] ذلك. أو هذا الخبر ورد سنة كذا والآخر سنة كذا. أو يعلق أحدهما بزمان معلوم التقدم والآخر بالعكس.\nأو يروي أحدهما رجل متقدم الصحبة والآخر متأخر، وانقطعت صحبة الأول عند ابتداء صحبة الآخر. ويتفرع على هذا مسألتان:\n_________\n(^١) انظر: «المعتمد» (١/ ٤٤٧).","vol":"1","page":228},{"text":"الأولى: قال القاضي عبد الجبار (^١): قول الصحابي في أحد الخبريين المتواترين إنه قبل الآخر مقبول، وإن لم يقبل قوله في النسخ المعلوم. كما تقبل شهادة الشاهدين في الإحصان، وإن لم تقبل في الرجم المرتب عليه.\nالثانية: قول الصحابي: كان هذا الحكم ثم نسخ غير مقبول، لجواز أنه قاله عن اجتهاد هو مخطئ فيه. وقال الكرخي (^٢): إن عين الناسخ لم يقبل، وإن لم يعين قبل؛ لأنه لولا ظهور النسخ فيه لما أطلق النسخ. وهو ضعيف، فلعله قاله لظن خطأ.\n_________\n(^١) انظر: «المعتمد» (١/ ٤٥١).\n(^٢) انظر: «المعتمد» (١/ ٤٥١).","vol":"1","page":229},{"text":"<span data-type='title' id=toc-285>الكلام في الإجماع</span>\nوفيه مسائل:\nالأولى: الإجماع في اللغة مشترك بين العزم والاتفاق، قال الله تعالى ﴿فأجمعوا أمركم وشركاءكم﴾ [يونس: ٧١]. وقال ﵇: «لا صيام لمن لم يجمع الصيام من الليل» (^١). ويقال: أجمع إذا صار ذا جمع، كما يقال: ألبن وأتمر إذا صار ذا لبن وتمر.\nوفي اصطلاح العلماء: اتفاق المجتهدين في الأحكام الشرعية من أمة محمد ﷺ على أمر من الأمور عن اعتقاد. ليتناول العقليات والشرعيات واللغويات.\nالثانية: منهم (^٢) من زعم أن اتفاقهم على ما لا يعلم (^٣) بالضرورة\n_________\n(^١) رواه أبو داود (رقم: ٢٤٥٤)، والترمذي (رقم: ٧٣٠)، والنسائي (٤/ ١٩٦) [ط أبو غدة]، وابن ماجه (رقم: ١٧٠٠) من حديث حفصة. وصححه ابن خزيمة (رقم: ١٩٣٣). ولكن قال الترمذي: \"روي عن نافع عن ابن عمر قوله وهو أصح\". وقال النسائي في «السنن الكبرى» (٣/ ١٧٢): \"الصواب عندنا موقوف، ولم يصح رفعه\". وانظر: «العلل الكبير» للترمذي (١/ ١١٧)، و«العلل» للدارقطني (٩/ ١٩٣) [ط الريان]، و«تنقيح التحقيق» (٣/ ١٧٨).\n(^٢) لم أقف على تعيينهم، وسيأتي ذكر مقالة من ينكر الإجماع.\n(^٣) في الأصل (يعلم إلا) وهو مفسد للمعنى.","vol":"1","page":230},{"text":"مستحيل، كاتفاقهم في الآن الواحد على الكلمة الواحدة، والمأكول الواحد.\nوجوابه: إنما يستحيل [ذلك فيما] (^١) يتساوى فيه الاحتمال (^٢)، دون ما يظهر فيه الرجحان، كاتفاق الجمع العظيم على نبوة محمد ﵇.\nومنهم (^٣) من جوزه ومنع من العلم بحصوله (^٤)؛ لأن طريق معرفة ما ليس بوجداني، إما النظر العقلي، ولا مجال له فيه. أو الحس أو الخبر، وإفادتهما تتوقف على معرفة المتكلم، وذلك متعذر، لتفرق العلماء شرقا وغربا. وبتقدير معرفتهم كيف نعلم عقائدهم؟! فقد يفتى تقية. وبتقدير العلم بعقائدهم، كيف نعلم اجتماعهم في الوقت الواحد؟! فإنه يحتمل أن بعضهم أثبت حال ما نفى الآخر، وبالعكس. وبتقدير اجتماعهم ورفع أصواتهم بالفتوى يحتمل - مع امتناعه - أن أحدهم خالف لكن خفي صوته، أو وافقهم خوفا من الجماعة أو السلطان الجامع لهم.\nفإن قلت: نعلم بالضرورة اتفاق المسلمين على نبوة محمد ﵇، أو على وجوب الصلوات الخمس. قلت: إن عنيتم بالمسلم المعترف بنبوة محمد ﵇، فيكون كقولك: المعترف بنبوته معترف بنبوته. وإن عنيت غير ذلك، منعنا حصول العلم باتفاقهم على ذلك، ويدل عليه: أن الإنسان قبل إحاطته بالمذاهب النادرة يجزم أن المسلمين يعترفون بأن ما بين الدفتين كلام الله تعالى، وبوجوب الصلوات الخمس، ثم إذا كشف عن المقولات الغريبة وجد\n_________\n(^١) في الأصل (دون ما) ولا معنى له.\n(^٢) في الأصل (احتمال).\n(^٣) لم أقف على تعيينهم، ويشبه أن يكون هذا التقرير لأبي عبد الله الرازي صاحب الأصل.\n(^٤) في الأصل (لحصوله).","vol":"1","page":231},{"text":"فيها اختلافا كثيرا، فإنه روي عن ابن مسعود إنكار أن المعوذتين من القرآن (^١). وعن الخوارج أن سورة يوسف ليست من القرآن (^٢). وأن الصلاة إنما تجب في طرفي النهار (^٣). وعن كثير من فقهاء الروافض أن هذا القرآن ليس الذي أنزل، بل غير وبدل (^٤). ومن أنصف علم أن الإجماع لم يحصل إلا في زمن الصحابة ﵃، حيث كانوا قليلين يمكن معرفتهم مفصلا.\nالثالثة: إجماع أمة محمد ﷺ حجة. خلافا للنظام (^٥)\n_________\n(^١) رواه الإمام أحمد وابنه عبد الله في «المسند» (٣٥/ ١١٣ - ١١٨). وابن أبي شيبة في «المصنف» (٦/ ١٤٦)، من وجوه عنه. وأصله في «صحيح البخاري» (رقم: ٤٩٧٧). قال الإمام سفيان بن عيينة - كما في «المسند» (رقم: ٢١١٨٩) -: \"كان يرى رسول الله ﷺ يعوذ بهما الحسن والحسين، ولم يسمعه يقرؤهما في شيء من صلاته، فظن أنهما عوذتان، وأصر على ظنه. وتحقق الباقون كونهما من القرآن، فأودعوهما إياه\". وانظر في تخريج قوله وبيان ما يمكن حمله عليه: «تأويل مختلف الحديث» (ص: ٧٦)، و«تأويل مشكل القرآن» لابن قتيبة (ص: ٢٤)، و«شرح مشكل الآثار» للطحاوي (١/ ١١١)، و«الانتصار للقرآن» لأبي بكر الباقلاني (١/ ٣٠٠).\n(^٢) يذكر في كتب المقالات عن العجاردة والميمونية من الخوارج، حكاه عنهم الكرابيسي، انظر: «الفرق بين الفرق» (ص: ٢٦٥)، و«الملل والنحل» للبغدادي (ص: ٦٩)، و«الفصل» (٢/ ٩٠)، و«الملل والنحل» للشهرستاني (١/ ١٢٨، ١٢٩)، و«اعتقادات فرق المسلمين» للرازي (ص: ٤٧). قال أبو الحسن الأشعري في «المقالات» (ص: ٩٥) [ت ريتر]: \"حكي لنا ما لم نتحققه أنهم يزعمون أن سورة يوسف ليست من القرآن\".\n(^٣) ذكره أبو الحسن الأشعري حكاية عن حاك لم يعينه، «مقالات الإسلاميين» (ص: ١٢٦)، ونسبه ابن حزم في «الفصل» (٤/ ١٤٤) إلى أبي إسماعيل البطيحي في أصحابه.\n(^٤) انظر: «أوائل المقالات» للمفيد (ص: ٨٠).\n(^٥) انظر: «الفصول المختارة من العيون والمحاسن للمفيد» للشريف المرتضى (ص: ٢٣٩)،","vol":"1","page":232},{"text":"والشيعة (^١) والخوارج (^٢).\n• لنا وجوه:\nالأول: قوله تعالى: ﴿ومن يشاقق الرسول﴾ [النساء: ١١٥] الآية. جمع بين مشاقة الرسول واتباع غير سبيل المؤمنين في الوعيد. فلو كان اتباع غير سبيل المؤمنين مباحا لما جمع بينه وبين المحظور. وما يختاره الإنسان لنفسه قولا وعملا يسمى سبيلا له، فحمل عليه، وإذا حرم ذلك كان متابعة سبيلهم واجبا.\nفإن قيل: إنما حرم اتباع غير سبيل المؤمنين بشرط المشاقة، فلم إذا حرم اتباع غير سبيلهم عند المشاقة كان اتباع سبيلهم واجبا عندها، فإن هاهنا واسطة وهي عموم الاتباع. سلمناه، لكن نمنع أن المشاقة هي الكفر؛ لأنها مشتقة من كون أحد الشخصين في شق والآخر في غيره، ويكفي فيه أصل المخالفة. سلمناه، لكن الحرمة مشروطة بتبين الهدى، تسوية بين المعطوف والمعطوف عليه، واللام للاستغراق. ودليل أهل الإجماع هدى، فيسقط الاستدلال. سلمناه، لكن لفظ «الغير» و«السبيل» مفرد، فلا يعم، فننزله على\n_________\n= و«تأويل مختلف الحديث» لابن قتيبة (ص: ٨٢)، و«المعتمد» (٢/ ٤٥٨)، و«المجزي» (٢/ ٤٠٦). وقد أنكر بعض البغداديين هذا عنه، انظر: «الانتصار» للخياط (ص: ١١٤) [ط الوراق].\n(^١) سيأتي النقل عنهم.\n(^٢) الموجود من كتب الخوارج ما صنفه الإباضية، والمشهور عندهم الإقرار بالإجماع، «مختصر العدل والإنصاف» (ص: ٤٥)، و«الدليل والبرهان» للورجلاني (٢/¬٣٥)، و«المعتبر» للكدمي (١/¬١٥). ومن المتقدمين من يقيده بإجماع الصحابة قبل وقوع الافتراق كما في «بدء الإسلام» لابن سلام (ص: ٧٩).","vol":"1","page":233},{"text":"واحد، وهو السبيل الذي صاروا به مؤمنين. ويدل عليه وجهان:\nالأول: أن قوله: \"لا تتبع غير سبيل الصالحين\" نفهم منه ما صاروا به صالحين.\nالثاني: أن الآية نزلت في رجل ارتد (^١)، فيكون الغرض من الآية المنع من الكفر.\nسلمنا أن المراد كل المؤمنين، لكن هم الموجودون إلى يوم القيامة أو الموجودون حين نزول الآية؟! والأول ممنوع، سلمناه لكن ليس المراد كل مؤمني أهل العصر، لخروج العوام والصبيان والمجانين، بل بعضهم، وهو الإمام المعصوم. سلمناه، لكن دليلكم ظني، والمسألة علمية فلا يدل عليها.\nوالجواب عن الأول: أن المعلق بالشرط إن لم يكن عدما عند عدمه حصل غرضنا، وإن كان لم تكن حرمة اتباع غير سبيل المؤمنين مشروطة بمشاقة الرسول، لئلا يجوز اتباع كل ما هو اتباع غير سبيل المؤمنين عند عدم المشاقة.\nوعن الثاني: لا نسلم أن العطف يقتضي الاشتراك في الاشتراط.\nسلمنا، لكن التبيين المشروط: دلائل التوحيد والنبوة، فإن الآية وردت مدحا للمؤمنين، إذ لا فضيلة لليهود والنصارى في الأخذ بهدئ علمناه بالدليل، وإن قالوه؛ لأنا غير متبعيهم، فإن المتابعة: الإتيان بمثل فعل الغير لأجل أن الغير فعله.\n_________\n(^١) انظر: «التفسير» لعبد الرزاق (١/ ٤٧٦)، و«تفسير الطبري» (٧/ ٤٥٨ - ٤٧٠)، و«تفسير ابن أبي حاتم» (٤/ ١٠٦٦).","vol":"1","page":234},{"text":"وعن الثالث: أنه عام لفظا ومعنى، إذ يفهم من قوله: \"من دخل غير داري أهنته\" العموم. ولأنه أكثر فائدة. ولأن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بالعلية. ثم العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.\nوعن الرابع: أن المؤمنين المصدقون، وهم الموجودون، فيكون حينئذ كل المؤمنين، فإذا أجمعوا على حكم كان حقا ولم يجز خلافه في عصر آخر.\nوعن الخامس: الاعتبار يومئذ بقول الرسول لا بقولهم.\nوعن السادس: أن حمل لفظ الجمع على الإمام خلاف الظاهر، فيحمل على كل المؤمنين إلا ما خصه الدليل في العوام وغيرهم.\nوعن السابع: أن المسألة عندنا ظنية، فلا نكفر مخالف الاجماع ولا نفسقه.\nالوجه الثاني: قوله تعالى: ﴿وكذلك جعلنكم أمة وسطا﴾ [١٤٣/ البقرة]. ووسط كل شيء خياره فلو أقدموا [على] محرم لما اتصفوا بذلك. فإن قلت: الآية ظاهرها يقتضي عدالة كل واحد منهم، وهو متروك، فيحمل على البعض، وهو الإمام المعصوم.\nسلمناه، لكن لا نعلم أن وسط الشيء خياره، إذ الوسط ما يتوسط شيئين، فلا يكون حقيقة في العدالة، لئلا يلزم الاشتراك. سلمناه، لكن نحمله على اجتنابهم الكبائر، والخطأ صغيرة. أو على أنهم عدول في الآخرة ليشهدوا على الأمم.","vol":"1","page":235},{"text":"والجواب عن الأول: أن حمل الجميع على الإمام المعصوم خلاف الظاهر، فيحمل على امتناع خلو الأمة عن العدول.\nوجواب المنع: قوله تعالى: ﴿قال أوسطهم﴾ [القلم: ٢٨]، أي أعدلهم، وقوله ﵇: «خير الأمور أوسطها» (^١)، أي أعدلها. وبالنقل عن أئمة اللغة، منهم الجوهري (^٢).\nوعن الثالث: أنه قيل: لا صغيرة إلا بالنسبة.\nوعن الرابع: أن جميع الأمم عدول في الآخرة، فلا يبقى في تخصيصهم فائدة، لكن قوله تعالى: ﴿تأمرون … وتنهون﴾ [آل عمران: ١١٠]، يتناول الحال والاستقبال.\nالوجه الثالث: قوله ﷺ: «لا تجتمع أمتي على خطأ» (^٣). ومنهم من\n_________\n(^١) رواه أبو نعيم في «معرفة الصحابة» (٦/ ٣١٧٠) من حديث معبد الجهني عن رجل من أصحاب النبي. وهو غريب. ورواه البيهقي في «السنن الكبير» (٣/ ٣٨٧)، و«الآداب» (رقم: ٤٨٤)، و«شعب الإيمان» (رقم: ٥٨١٩) بلاغا من حديث عمرو بن الحارث. وهو منقطع مرسل كما ذكر البيهقي. وهذا الحرف مروي عن جماعة من السلف ﵃، كمطرف بن عبد الله وأبي قلابة، انظر: «المصنف» لابن أبي شيبة (رقم: ٣٥١٢٨، ٣٥١٨٣)، و«حلية الأولياء» (٢/ ٢٨٦).\n(^٢) في «الصحاح» (٣/ ١١٦٧). وانظر: «العين» (٧/ ٢٧٩)، و«تهذيب اللغة» (١٣/¬٢١)، و«مقاييس اللغة» (٦/ ١٠٨).\n(^٣) لم أقف عليه بلفظ «الخطأ». والمعروف بلفظ: «ضلالة»، أخرجه ابن ماجه (رقم: ٣٩٥٠)، وعبد بن حميد في «المسند» (رقم: ١٢٢٠) من حديث أنس بن مالك. وفيه أبو خلف الأعمى، قال أبو حاتم: \"شيخ منكر الحديث ليس بالقوي\" «الجرح والتعديل» (٣/ ٢٧٩).\nوانظر: «أطراف الغرائب» (رقم: ١٣١٨). وله شاهد من حديث ابن عمر عند الترمذي (رقم: ٢١٦٧). قال الترمذي: \"حديث غريب\". وانظر: «العلل الكبير» (١/ ٣٢٣).","vol":"1","page":236},{"text":"ادعى الضرورة في تواتر معنى هذا الحديث، فإنه نقل بألفاظ مختلفة بلغت التواتر، كقوله ﵇: «سألت ربي أن لا تجتمع أمتي على ضلالة فأعطانيها» (^١)، «ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن» (^٢)، «عليكم بالسواد الأعظم (^٣)، يد الله على الجماعة» (^٤)، «من خرج عن الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه» (^٥) وأمثاله كثير.\nالوجه الرابع: أن مجموع هذه الآيات والأخبار يغلب على الظن أن الإجماع حجة. فيجب العمل به؛ لأن دفع الضرر المظنون واجب. وهذا الوجه أقوى الوجوه.\nفإن قيل: ما ذكرتم معارض بوجوه:\nالأول: جميع ما في الكتاب من منع الأمة من القول والعمل الباطلين،\n_________\n(^١) رواه أحمد (رقم: ٢٧٢٢٤) من حديث أبي بصرة الغفاري. والراوي عن أبي بصرة مبهم. (مجمع الزوائد) (٧/ ٢٢١). وله شاهد من حديث شريح الحضرمي عن أبي مالك الأشعري عند أبي داود رقم: (٤٢٥٣)، وابن أبي عاصم في «السنة» (رقم: ٩٢). وفيه انقطاع، «المراسيل» لابن أبي حاتم (ص: ٩٠). ومن حديث أبي هريرة عند إسحاق في «المسند» (رقم: (٤٢١)، والحارث بن أبي أسامة كما في «زوائد مسند الحارث» (رقم: ٥٩).\n(^٢) تقدم.\n(^٣) هذا جزء من حديث أنس المتقدم. ورواه ابن أبي عاصم في «السنة» (رقم: ٨٠) من حديث عبد الله بن عمر. وأخرجه عبد الله بن أحمد في «زوائد المسند» (رقم: ١٨٤٥٠) من كلام أبي أمامة الباهلي. وله وجوه أخرى.\n(^٤) رواه بهذا اللفظ «على الجماعة» الطبراني في «الأوسط» (رقم: ٤٨٥٢) من حديث أبي سعيد الخدري. قال الطبراني: \"تفرد به محمد بن جامع\". وهو ضعيف انظر: «الجرح والتعديل» (٧/ ٢٢٣)\n(^٥) أخرجه الترمذي (رقم: ٢٨٦٣) من حديث الحارث الأشعري. قال الترمذي: \"حديث حسن صحيح غريب\".","vol":"1","page":237},{"text":"كقوله تعالى: ﴿وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾ [الأعراف: ٣٣]، ﴿إن بعض الظن إثم﴾ [الحجرات: ١٢]. إلى غير ذلك، والنهي عن الشيء يستدعي تصوره وإلا لقبح.\nالثاني جميع ما في السنة، كقوله ﵇: «لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض» (^١). وقوله «لا تقوم الساعة إلا على شرار أمتي» (^٢).\n«إني امرؤ مقبوض وإن العلم سيقبض» (^٣). ولأن معاذا ترك ذكر الإجماع (^٤) في وقت الحاجة إلى ذلك\nوالمعقول وجهان: الأول: أن كل واحد يجوز أن يخطئ، فكذا الكل.\nالثاني: أن الإجماع بالتشهي باطل، وليس ثم دلالة، وإلا لوجب اشتهارها؛ لأنها واقعة عظيمة. ولا أمارة؛ لأن أحوال الناس مختلفة فيها، فيستحيل اتفاقهم على مقتضاها.\nوالجواب عن الآيات: أنها خطاب مع كل واحد، ونحن ندعي عصمة\n_________\n(^١) هذا حديث مشهور، رواه جماعة من الصحابة، كجرير وابن وعباس وأبي بكرة وابن عمر وغيرهم. انظر: «صحيح البخاري» (رقم: ١٢١، ١٧٣٩، ١٤٧١، ٤٤٠٢)، و«صحيح مسلم» (رقم: ٦٥، ٦٦).\n(^٢) أخرجه مسلم من حديث عبد الله بن عمرو (رقم: ١٩٢٤)، وابن مسعود (٢٩٤٩). وبمعناه عند البخاري (رقم: ٧٠٦٧) من حديث ابن مسعود.\n(^٣) رواه النسائي في «الكبرى» (رقم: ٦٢٧١، ٦٢٧٢)، والهيثم بن كليب في «المسند» (رقم: ٨٤٢)، والدارقطني في «السنن» (رقم: ٤١٠٣) من حديث عبد الله بن مسعود. والحديث مضطرب كما قال الترمذي في «السنن» عقيب (رقم: ٢٠٩١). وانظر: «العلل» للدارقطني (١١/¬٣١)، و«البدر المنير» (٧/ ١٨٣).\n(^٤) سيأتي تخريج حديثه في باب القياس.","vol":"1","page":238},{"text":"الكل، ثم النهي لا يقتضي تصور المنهي عنه، لما سبق. ولأنه تعالى نهى المؤمن عن الكفر مع علمه بأنه لا يكفر.\nوعن الأحاديث: أنها لا تدل أن الجميع أشرار، بل البعض. ثم قوله: «لا ترجعوا بعدي كفارا» ممنوع الصحة، أو أنه خطاب مع قوم معينين.\nوأما المعقول، فالأول ممنوع. والثاني إنما لم ينقل الدليل؛ لأن الإجماع كان لقوته. وعن حديث معاذ: أن الإجماع لم يكن حجة يومئذ.\nالثالثة: قالت الشيعة (^١) الإجماع حجة، بمعنى أنه لا يخلو زمان التكليف عن إمام معصوم، فيكون الإجماع كاشفا عن قوله. بيانه: أن الإمام لطف، لعلمنا أن الخلق إذا كان لهم رئيس يحثهم على الطاعات وينهاهم عن المنكرات فإن حالهم أحسن وأتم ضرورة. واللطف واجب؛ لأنه كالتمكين في إزالة عذر المكلف والتمكين واجب؛ لأن من دعا غيره إلى طعامه وغرضه نفعه وعلم أنه متى لم يتواضع له لا يتناوله، فإن تركه التواضع كرد الباب عليه. والإمام يجب عصمته، [وإلا لاحتاج] (^٢) إلى معصوم آخر وتسلسل. فحينئذ ظهر من هذا أن العلم بكون الإجماع حجة لا يتوقف على العلم بالنبوة أصلا، وأن إجماع الأمة حجة.\nوالسؤال عليه: منع المقدمات الثلاث، وبيانه: أنكم تدعون أنه لم يخل\n_________\n(^١) انظر: «أوائل المقالات» للمفيد (ص: ١٢١)، و«الذريعة» (ص: ٤٢٠)، و«الشافي في الإمامة» (١/ ٧٧)، و«العدة في أصول الفقه» لأبي جعفر الطوسي (٢/ ٦٠٢).\n(^٢) في الأصل (والاحتجاج) وهو غلط.","vol":"1","page":239},{"text":"زمان عن إمام، فقولكم: (نعلم تفاوت حال الخلق عند عدمه) متناقض، بل المجرب وجود هذه المفاسد عند خوف الإمام و[تقيته] (^١). سلمناه، لكن المفاسد إنما تزول بوجود إمام قاهر دون الضعيف الذي لا يعرف. وأنتم إنما توجبون أصل الإمام كيف كان، فلا يكون لطفا. سلمناه، لكن إنما يجب إذا خلا عن جميع جهات القبح.\nفإن قلت: هذا يشكل بمعرفة الله تعالى، فإنها لطف مع قيام الاحتمال.\nولأنه لا دليل على مفسدة الإمامة، فوجب نفيها. ولأن جهات القبح محصورة في الظلم والجهل والكذب وشبهها، وهي زائلة عنه.\nقلت: أما الأول، فإن المعرفة وجبت علينا لكونها لطفا، فقام ظن المصلحة فيها في حقنا مقام العلم، بخلاف الإمامة، فإنكم توجبونها على الله تعالى، فلابد من خلوها عن المفسدة قطعا. وأما الثاني، فلا يلزم من عدم وجدان الدليل عدمه، ولا من انتفائه انتفاء المدلول. وأما الثالث، فمنقوض بقبح صوم العيد، مع انتفاء ما ذكرتم من الجهات.\nسلمنا أنه لطف، لكن [لا] في كل زمان، فإنه قد يوجد زمان يستنكف فيه الناس عن طاعة الإمام ويقدمون على القبائح أكثر مما لم يكن ويكفي فيه الاحتمال.\nسلمنا، لكن في المصالح الدينية أو الدنيوية، وكلاهما تحصيل الأصلح، وذلك ليس واجبا على الله تعالى. سلمنا أنه لطف فيهما، فلم قلتم: إن كل لطف واجب عليه تعالى؟!\n_________\n(^١) في الأصل (تثبيته) تصحيف.","vol":"1","page":240},{"text":"قوله: (إنه كالتمكين). قلنا: هذا قياس، فلا يفيد اليقين. سلمناه، لكنه مبني على التحسين والتقبيح، وقد أبطلناهما.\nثم ما ذكرتموه منقوض بالقضاة والأمراء، فإنهم لو كانوا معصومين كان حال الخلق أكمل. وكذا لو كان الإمام يعلم الغيب ويطير في الهواء.\nسلمناه، لكن نمنع أن الإجماع كاشف عن قوله. ونمنع أن قوله صواب، إذ يجوز عندكم فتوى الإمام بالكفر والفسق وكذبه للخوف والتقية، فلعله خاف الخلق فأفتى بالباطل، وذلك فيه تنفير أعظم من جريان الصغائر عليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-291>القسم الثاني: فيما هو من الإجماع وأخرج منه</span>\nوفيه مسائل:\nالأولى: إذا اختلف أهل عصر على قولين، فليس لمن بعدهم إحداث ثالث مخالف. خلافا للظاهرية (^١)، لما فيه من إبطال إجماع مستقر. فإن قيل: هو جائز على القول بأن كل مجتهد مصيب. قلت: لا يجوز على القول بأن المصيب واحد ضرورة أن الحق واحد.\nالثانية: إذا لم تفصل الأمة بين مسألتين، فإن نصوا على أن لا فصل لم\n_________\n(^١) قال أبو الحسين في «المعتمد» (٢/ ٥٠٥) \" حكي عن بعض أهل الظاهر أنه لم يجعل ذلك اتفاقا على تخطئة ما سواهما\". وانظر: «الإحكام» لابن حزم (٤/ ١٥٦).","vol":"1","page":241},{"text":"يفصل من بعدهم. وإن لم ينصوا، فإن اتحد المأخذ لم يجز، وإلا فيجوز لوجهين:\nالأول: أنه ليس فيه مخالفة الإجماع في الحكم ولا في علته.\nالثاني: أنه لو امتنع لوجب على من وافق الشافعي في مسألة لدليل موافقته في الكل.\nفإن قلت: إنه إبطال ما أجمعوا عليه؛ لأن فيه جواز الأخذ بقول أي طائفة كانت. قلت: الإجماع ممنوع. والثاني سبق جوابه.\nوقيل: يجوز الفصل مطلقا (^١)، أخذا بقول الثوري: أن الجماع ناسيا يفطر، دون الأكل ناسيا (^٢). ففرق مع اتحاد طريقتهما.\nالثالثة: يجوز الإجماع بعد الخلاف. خلافا للصيرفي (^٣).\nلنا: إجماع الصحابة على إمامة أبي بكر بعد خلافهم. وإجماع التابعين على منع بيع أم الولد بعد الخلاف.\nوله: ما سبق بجوابه.\n_________\n(^١) القول بالجواز احتمال ذكره القاضي أبو الطيب الطبري، انظر: «شرح اللمع» (٢/ ٧٤١).\n(^٢) انظر: «المحلى» (٤/ ٣٥٧). وقد نقل عن الثوري التسوية بينهما في نفي القضاء، انظر: اختلاف الفقهاء لمحمد بن نصر المروزي (ص: ٢٠٠)، والإشراف» لابن المنذر\n(٣/ ١٢٦ - ١٢٧). ومحمد بن نصر أبصر بأقوال الثوري.\n(^٣) حكاه عنه القاضي عبد الجبار، «المعتمد» (٢/ ٥١٧)، و«المجزي» (٣/¬٣٥). وانظر: «البحر» (٤/ ٥٣٠).","vol":"1","page":242},{"text":"الرابعة: اتفاق أهل العصر الثاني على أحد قولي العصر الأول حجة (^١).\nخلافا لكثير من المتكلمين (^٢) وفقهاء الشافعية (^٣) والحنفية (^٤)؛ لأنه سبيل المؤمنين. وقياسا على الإجماع بعد التفكر والتردد.\nاحتجوا بوجوه:\nالأول: قوله: ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول﴾ [النساء: ٥٩] الآية. والاتفاق الحادث لا ينفي التنازع السابق، فوجب الرد.\nالثاني: قوله ﵇: «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم» (^٥).\n_________\n(^١) هذا قول أكثر المعتزلة كأبي علي وأبي هاشم أبي عبد الله البصري، والقاضي عبد الجبار وأبي الحسين، «المعتمد» (٢/ ٤٩٨)، و«المجزي» (٣/¬٣٦). وبه قال عامة أصحاب أبي حنيفة، «الفصول» (٣/ ٣٣٩)، و«أصول الفقه» للامشي (ص: ١٦٢)، و«الميزان» (ص: ٥٠٧). وجماعة أصحاب مالك، «الإحكام» للباجي (١/ ٤٩٨). وابن خيران والقفال من أصحاب الشافعي، «شرح اللمع» (٢/ ٧٢٦)، و«القواطع» (٢/ ٧٩٢).\n(^٢) كالقاضي أبي بكر الباقلاني، «التلخيص» (٣/ ٧٩).\n(^٣) هو قول عامة أصحاب الشافعي، «الجمع والفرق» لأبي محمد الجويني (١/¬٤٨)، و«شرح اللمع» (٢/ ٧٢٦)، و«القواطع» (٢/ ٧٩٢)، و«البحر» (٤/ ٥٣٣). وأكثر الحنابلة، «أصول ابن مفلح» (٢/ ٤٤٥)، و«العدة» (٤/ ١١٠٥)، و«الواضح» (٤ ب/ ٢٧٨).\n(^٤) كالقاضي أبي جعفر السمناني، «الإحكام» للباجي (١/ ٤٩٨). وهو معدود في المتكلمين، وحكي عن أبي حنيفة. انظر ما تقدم.\n(^٥) رواه الدارقطني في «المؤتلف والمختلف» (٤/ ١٧٧٨)، وابن عبد البر في «جامع بيان العلم» (رقم: ١٧٦٠) من حديث جابر. قال ابن عبد البر: \"هذا إسناد لا تقوم به حجة\". وللحديث وجوه أخرى ذكرها أبو عبد الله ابن بطة في «كتاب الإبانة» (٢/ ٥٦٣ - ٥٦٥). ولا يصح منها شيء، قال الإمام أحمد: \"لا يصح\"، المنتخب من علل الخلال لابن قدامة (ص: ١٤٣)، وقال البيهقي في «المدخل» (٢/ ٥٨١): \"هذا حديث متنه مشهور وأسانيده ضعيفة، لم يثبت في هذا إسناد\". وانظر: «تخريج أحاديث الكشاف» (٢/ ٢٢٩)، و«تحفة الطالب» (ص: ١٣٧).","vol":"1","page":243},{"text":"الثالث: أنه نسخ إجماعهم على جواز الأخذ بأحدهما.\nوالجواب عن الأول: أن المجمعين لم يتنازعوا، فلم يجب الرد.\nوعن الثاني: أنه مخصوص بحال الفكر.\nوعن الثالث: أن ذلك الإجماع مشروط بعدم القطع بعده.\nالخامسة: إذا انقسمت الأمة شطرين، ثم مات أحدهما أو كفر أو أجمع من بعدهم كان قول الثاني حجة عند من يقول بالإجماع في المسألتين المتقدمتين، وبل أولى؛ لأن الأول مرجوع [عنه بخلاف الثاني.\nومن لم يقل به، فمن اعتبر انقراض العصر منهم من جوزه] (^١). ومن لم يعتبر، اختلفوا فيه، فمنهم من أحاله (^٢)، ومنهم من جوزه، لكنه ليس بحجة (^٣). والحق أنه حجة (^٤)، لاندراجه تحت أدلة الإجماع. [ولإجماعهم على خلافة أبي بكر بعد خلافهم.\nالسادسة: لا يعتبر انقراض العصر في الإجماع. خلافا لقوم (^٥).\n_________\n(^١) ما بين المعقوفتين مستدرك في حاشية الأصل.\n(^٢) هذا قول القاضي أبي بكر، «البرهان» (١/ ٧١٠)، والغزالي في «المستصفى» (١/ ٤٩٨). وانظر: «شرح اللمع» (٢/ ٦٩٨، ٧٣٦).\n(^٣) انظر ما نقله الزركشي في «البحر» (٤/ ٥٣٠ - ٥٣١).\n(^٤) قال أبو المعالي في «البرهان» (١/ ٧١٠): \"ذهب إليه معظم الأصوليين\". وانظر: «القواطع» (٢/ ٧٨٩)، و«البحر» (٤/ ٥٣١).\n(^٥) هذا قول أصحاب أحمد، «العدة» (٤/ ١٠٩٥)، و«التمهيد» (٣/ ٣٤٦)، و«الواضح» =","vol":"1","page":244},{"text":"• لنا: أدلة الإجماع] (^١). ولأنه لو اعتبر لما حصل إجماع؛ لأنه ما من عصر إلا ويحدث فيه مجتهد.\n[احتجوا] بما نقل أن عبيدة السلماني قال لعلي كرم الله وجهه حين خالف عمر ﵁ في بيع أم الولد بعد اتفاقهما: \"رأيك في الجماعة أحب إلينا من رأيك وحده\" (^٢). فدل أن عليا خالف الإجماع. وبالقياس على قول النبي ﵇، فإنه لا يستقر كونه حجة في حياته.\nوالجواب عن الأول: إنما أراد بالجماعة عليا وعمر، لا كل الأمة.\nوعن الثاني: منع الجامع.\nالسابعة: من لم يعتبر الانقراض في الإجماع القولي اعتبره في السكوتي (^٣)، لزوال احتمال التفكر. وليس كذلك؛ لأن السكوت إن دل على الرضا دل في الموضعين، وإلا فلا.\nالثامنة: الإجماع المروي بالآحاد حجة. خلافا لأكثر الناس (^٤). لنا: (٤ ب/ ٢٧٠). وأبي الحسن الأشعري وأبي بكر ابن فورك، «مجرد مقالات أبي الحسن» (ص: ١٩٤)، و«البحر» (٤/ ٥١٠).\n_________\n(^١) ما بين المعقوفتين مستدرك في الحاشية.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في «المصنف» (رقم: ١٣٢٢٤).\n(^٣) اشترط انقراض العصر في الإجماع السكوتي: أبو علي الجبائي، «المعتمد» (٢/ ٥٣٨)، و«المجزي» (٣/ ٥٢). والأستاذ أبو إسحاق، «البرهان» (١/ ٦٩٣)، وأبو منصور البغدادي، «البحر» (٤/ ٥١٢).\n(^٤) هذا قول أبي عبد الله البصري، «المجزي» (٣/ ٢٠٠)، والقاضي أبي بكر، «التلخيص» =","vol":"1","page":245},{"text":"القياس على جواز التمسك بمظنون السنة. ولأنا بينا أن الإجماع قاعدة ظنية، فما ظنك في تفاصيله (^١)؟!\n\n<span data-type='title' id=toc-300>القسم الثالث: فيما أدخل في الإجماع وليس منه</span>\nوفيه مسائل:\nالأولى: قول البعض وسكوت الباقين ليس بحجة عند الشافعي ﵁ (^٢)؛ لأنه يحتمل الرضى والسخط والتفكر وحصول مانع، أو أنه لا يرى الإنكار فرضا، أو تركه صغيرة، أو لا يلتفت إليه، أو ظن أن غيره أنكر، فلا يدل على الرضا.\nوقال أبو هاشم: ليس بإجماع لكنه حجة (^٣)؛ لأن الناس في كل عصر\n_________\n= (٣/ ١٤٢)، والغزالي في «المستصفى» (١/ ٥٠٤)، وضياء الدين المكي في «نهاية المرام» (ص: ٦٥٤). وبعض الحنفية، «البديع» (٢/ ١٨٤). والذي حملهم على هذا أن الإجماع عندهم حجة قاطعة، فلا يثبت بالآحاد المقتضي للظن وانظر: «المعتمد» (٢/ ٥٣٤)، و«أصول السرخسي» (١/ ٣٠٢)، و«الواضح» (٤ ب/ ٣٢٧).\n(^١) قال أبو الحسن الكرخي: منازل الإجماعات مختلفة كمنازل النصوص، ويكون بعضها أكد من بعض\"، «الفصول» (٣/ ٣٤٠).\n(^٢) انظر: «التلخيص» (٣/ ٩٩)، و«البرهان» (١/ ٦٩٩)، و«البحر» (٤/ ٤٩٤). وحررت مذهب الشافعي في التعليق على «المنتخب» (ص: ٣٩٨). وجملته: أنه يحتج به ويعتضد به، وليس هو عنده بمنزلة الكتاب والسنة. ولكن لا يسميه إجماعا، لاختصاص الإجماع عنده بما لا يسع جهله من جمل العلم وفرائض الدين. قال في «الأم» (١٠/ ١١٣): \"متى كانت عامة من أهل العلم على شيء، قيل: يحفظ عن فلا وفلان كذا، ولم نعلم لهم مخالفا، ونأخذ به. ولا نزعم أنه قول الناس كلهم\". وهو كالمنقول عن أبي هاشم. هذا الذي بين أيدينا من كلامه ولعل من سبقنا وقف على غير ذلك. فالله أعلم.\n(^٣) انظر: «المغني» (١٧/ ٢٣٧)، والمعتمد» (٢/ ٥٣٣)، وهو اختيار أبي بكر الصيرفي،","vol":"1","page":246},{"text":"يحتجون بالقول المنتشر في الصحابة إذا لم يعرف له مخالف. وجوابه: المنع.\nوقال ابن أبي هريرة: هو إجماع وحجة من غير الحاكم (^١)؛ لأن عدم الإنكار على الحاكم يكون مجاملة عرفا، وعدمه على غيره رضى. وجوابه: أن ذلك بعد تقرر المذاهب، أما حال الطلب فلا.\nوقال الجبائي: هو إجماع وحجة بعد انقراض العصر (^٢)؛ لأن من اعتقد خلافا أظهره، إذ لا تقية؛ لأنها لم تنقل. وجوابه: ما ذكرناه من احتمال السكوت.\nالثانية: قول الصحابي إذا انتشر ولم يعرف له مخالف، فيه خلاف (^٣).\nوالحق أنه كالإجماع السكوتي فيما تعم به البلوى، وإلا فلا، لاحتمال ذهول البعض عنه.\nالثالثة: أهل العصر إذا تمسكوا بدليل أو تأويل ليس لمن بعدهم إبطالهما بمثلهما وفاقا، وإلا لكان قد أجمعوا على الباطل. نعم لهم ذكر دليل وتأويل\n_________\n= «شرح اللمع» (٢/ ٦٩١)، و«البحر» (٤/ ٤٩٧).\n(^١) انظر: «شرح اللمع» (٢/ ٦٩١). وعكس أبو إسحاق المروزي، «القواطع» (٢/ ٧٥٥)، وأبو محمد الجويني في «الجمع والفرق» (١/¬٤٩).\n(^٢) انظر: «المعتمد» (٢/ ٥٣٣)، و«المغني» (١٧/ ٢٣٦).\n(^٣) انظر: «المنتخب» (ص: ٦٠٦ - ٦٠٧). فقد مرت الأقوال فيه محررة بحمد الله.","vol":"1","page":247},{"text":"إن لم يبطل الأول؛ لأن أهل كل عصر يستخرجون أدلة وتأويلات ولم ينكر عليهم فكان إجماعا.\nفإن قلت: إنه غير سبيل المؤمنين. ولأنه لو صح الجديد لما ذهل الأولون عنه. قلت: وإبطاله غير سبيل المؤمنين. ولأن الدليل الواحد يغني، فلم يبطلوا غيره.\nالرابعة: إجماع أهل المدينة حجة عند مالك (^١)، لقوله ﷺ: «إن المدينة لتنفي خبثها» (^٢). وإنما ينتفي الخبث بانتفاء كل أفراده فينتفي الخطأ فإنه خبث.\nفإن قيل: ظاهر الخبر متروك، إذ قد خرج منها ثلاثمئة صحابي، منهم علي وعبد الله. على أنا نحمله على من كره المقام فيها، أو على الكفار. ثم هو معارض بوجوه:\nالأول: أن دليل الإجماع هو لفظ «المؤمنين» و«الأمة» لا يحصل بهم.\nالثاني: أن المكان وأهله لا تأثير لهما في كون القول حجة. ولأنه لو كان قولهم حجة فيها لكان حجة في غيرها، كقول الرسول ﵇.\n_________\n(^١) انظر: «المختصر» لأبي مصعب الزهري (ص: ١٤٤)، و«المقدمة» لابن القصار (ص: ٧٥)، و«شرح الرسالة» للقاضي عبد الوهاب (٢/¬٥٠)، و«الإحكام» للباجي (١/ ٤٨٦)، و«ترتيب المدارك» للقاضي عياض (١/ ٥٢ - ٥٩)، و«التحقيق والبيان» للأبياري (٢/ ٩١٧)\n(^٢) أخرجه مسلم (رقم: ١٣٨١)، من حديث أبي هريرة.","vol":"1","page":248},{"text":"والجواب عن الأول: أن معناه نفي الخبث، لا خبث المنفي.\nوعن الثاني: أن التقييد خلاف الأصل.\nوعن الثالث: أن ذلك الدليل لا ينفي ما ثبت بدليل آخر.\nوعن الرابع: أن أهل بلدة كأهل عصر.\nوعن الخامس: أنه قياس في مقابلة النص.\nالخامسة: إجماع العترة ليس بحجة خلافا للإمامية (^١) والزيدية (^٢)؛ لأن عليا لم يقل لمن خالفه إن قولي حجة.\nاحتجوا بقوله تعالى: ﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت﴾ [الأحزاب: ٣٣]. وقوله ﵇: «إني تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي» (^٣). ولأن الخطأ منهم أبعد، إذ هم مهبط الوحي.\nوالجواب عن الأول: أن المراد أزواجه؛ لأن الخطاب معهن، والتذكير لا ينفي إرادتهن.\nوعن الثاني: أن الحديث خبر واحد لا تعملون به (^٤). على أنه يفيد\n_________\n(^١) انظر ما تقدم عنهم من القول بالمعصوم.\n(^٢) انظر: «منهاج الوصول» لابن المرتضى (ص: ٥٩٣)، و«الأنوار الهادية» لأحمد بن يحيى الصعدي (ص: ٢٣٣)، و«هداية العقول» للحسين بن المنصور بالله (١/ ٥٠٩).\n(^٣) أخرجه الترمذي من حديث جابر (رقم: ٣٧٨٦)، وقال: \"حسن غريب\". ومن حديث زيد بن أرقم (رقم: ٣٧٨٨). قال الترمذي: \"حسن غريب\". وانظر «صحيح مسلم» (رقم: ٢٤٠٨).\n(^٤) انظر: «أوائل المقالات» (ص: ١٢٢)، و«التذكرة بأصول الفقه» للمفيد (ص: ٤٤)، و«الذريعة» للمرتضى (ص: ٣٧١).","vol":"1","page":249},{"text":"التمسك بمجموع الكتاب والعترة.\nوعن الثالث: هو منقوض بأزواجه ﵇. ولأن لفظ «أهل البيت» حقيقة فيهن لغة.\nالسادسة: قال أبو حازم (^١): إجماع الخلفاء الأربعة حجة. وقيل: إجماع الشيخين حجة (^٢).\nحجة الأول: قوله ﷺ: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي» (^٣). وحجة الثاني: قوله ﵇: «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر» (^٤).\nوجوابهما: أنه كقوله ﵇: «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم\n_________\n(^١) انظر: «الفصول» لأبي بكر الرازي (٣/ ٣٠١)، و«شرح مختصر الطحاوي» له (٤/ ١٢١).\nوتجد في التعليق على «المنتخب» (ص: ٤٠٤) ضبط (أبو حازم) وأنه بالخاء المعجمة، بالنقل عن أهل الضبط.\n(^٢) قال العلائي في «إجمال الإصابة» (ص: ٥١): \"نقله جماعة من المصنفين دون أن يسموا قائله \".\n(^٣) أخرجه أبو داود (رقم: ٤٦٠٧)، والترمذي (رقم: ٢٦٧٦)، وابن ماجه (رقم: ٤٢) من حديث العرباض بن سارية. قال الترمذي \"حسن صحيح\". وقال أبو نعيم في «المستخرج» (١/¬٣٦): \"حديث جيد من صحيح حديث الشاميين\".\n(^٤) أخرجه الترمذي (رقم: ٣٦٦٢)، وابن ماجه (رقم: ٩٧) من حديث ربعي عن حذيفة. قال الترمذي: \"حديث حسن\". وقال أبو جعفر العقيلي: \"يروى بإسناد جيد ثابت\"، «الضعفاء الكبير» (٤/ ٩٤). وفيه علة، وهي تدليس الثوري، انظر: «العلل الكبير» للترمذي (١/ ٣٧١)، و«العلل» لابن أبي حاتم (٦/ ٤٣٥)، و«الإرشاد» للخليلي (١/ ٣٧٨).","vol":"1","page":250},{"text":"اهتديتم» (^١)، وهو لا يفيد أن قول كل واحد حجة.\nالسابعة: إجماع الصحابة مع خلاف التابعي لا ينعقد. خلافا لبعضهم (^٢).\n• لنا: أن الصحابة رجعوا إلى قول التابعين، وروي أن [ابن] عمر سئل عن شيء، فقال: \"سلوها سعيد بن جبير\" (^٣). وسئل أنس عن شيء فقال: \"سلوها مولانا الحسن\" (^٤). وتابع ابن عباس فتوى مسروق في نذر ذبح الولد (^٥). ولولا اعتبار قولهم لما رجع أكثر الصحابة إليهم.\nاحتجوا بقوله تعالى: ﴿لقد رضي الله عن المؤمنين﴾ [الفتح: ١٨]. وبإنكار عائشة على أبي سلمة مخالفته لابن عباس في عدة المتوفى عنها زوجها (^٦).\n_________\n(^١) تقدم.\n(^٢) قال به الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه، واختارها من أصحابه القاضي أبو يعلى في «العدة» (٤/ ١١٥٢). وانظر: «الواضح» (٤ ب/ ٣٠٣)، و«التمهيد» (٣/ ٢٦٧).\n(^٣) رواه الإمام سفيان بن سعيد الثوري في «كتاب الفرائض» (رقم: ٥)، وابن سعد في «الطبقات الكبير» (٨/ ٣٧٦)، وابن وكيع في «أخبار القضاة» (٢/ ٤١١).\n(^٤) رواه ابن سعد في «الطبقات» (٧/ ١٧٦)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (رقم: ٣٥٥٩٥).\n(^٥) أخرجه محمد بن الحسن في «الآثار» (رقم: ٧٢٢)، وانظر: «الموطأ» (٢/ ٢٧٦).\n(^٦) مشهور بهذا السياق عند الأصوليين، وإنما دخل عليهم حديث في حديث، أما مخالفة أبي سلمة لابن عباس في عدة المتوفى عنها زوجها فأخرجه البخاري (رقم: ٤٩٠٩)، ومسلم (رقم: ١٤٨٥). وليس فيه إنكار عائشة عليه.\nوأما إنكار عائشة عليه فلأجل مخالفته لابن عباس ومماراته له، أخرج الربعي في «أخبار الأصمعي» [المنتقى] (رقم: ٧٨) عن الزهري قال: \"كان أبو سلمة ينازع ابن عباس في المسائل ويماريه، فبلغ ذلك عائشة، فقالت: إنما مثلك يا أبا سلمة مثل الفروج، سمع الديكة تصيح فصاح معها. يعني أنك لم تبلغ مبلغ ابن عباس وأنت تماريه\". وانظر: «تاريخ دمشق» (٢٩/ ٣٠٤).","vol":"1","page":251},{"text":"والجواب: الآية مختصة بأهل بيعة الرضوان، ولم يختصوا بالإجماع.\nوإنكار عائشة ﵂ ربما كان لأنه خالف الإجماع. على أن قولها ليس بحجة على الباقين.\nالثامنة: يعتبر قول المسلم المخطئ في الأصول إن لم نكفره؛ لأنه مؤمن. ثم لا يثبت كفره بإجماعنا؛ لأنه إنما خرج بكفره، فتكفيرنا له دور.\nالتاسعة: لا ينعقد الإجماع مع مخالفة الواحد والاثنين خلافا لبعضهم (^١)؛ لأن أبا بكر ﵁ خالف الصحابة في قتال مانع الزكاة. وابن مسعود وابن عباس خالفا الكل في مسائل الفرائض. ولم يقل أحد أن خلافهم غير معتبر.\nاحتجوا بوجوه:\nالأول: قوله ﵇: «عليكم بالسواد الأعظم» الحديث (^٢). وقوله:\n_________\n(^١) كأبي بكر الرازي المعروف بالجصاص في كتابه «الفصول» (٣/ ٢٩٨ - ٣٠٠). وأبي الحسين ابن الخياط من معتزلة بغداد، «المعتمد» (٢/ ٤٨٦).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (رقم: ٣٩٥٠)، وعبد بن حميد في «المسند» (رقم: ١٢٢٠) من حديث أنس بن مالك. وفيه أبو خلف الأعمى، قال أبو حاتم: \"شيخ منكر الحديث ليس بالقوي\"، «الجرح والتعديل» (٣/ ٢٧٩). ورواه ابن أبي عاصم في «السنة» (رقم: ٨٠) من حديث عبد الله بن عمر. وأخرجه عبد الله بن أحمد في «زوائد المسند» (رقم: ١٨٤٥٠) من كلام أبي أمامة الباهلي.","vol":"1","page":252},{"text":"«الشيطان مع الواحد» (^١).\nالثاني: أن لفظ الأمة والمؤمنين يتناولهم كما يقال للزنجي أسود مع بياض أسنانه وعينه.\nالثالث: أن الاعتماد في خلافة أبي بكر على الإجماع مع مخالفة سعد وعلي.\nالرابع: أنه يستحيل اتفاق الجمع العظيم على الكذب.\nو[الخامس]: القياس على ترجيح الخبر بكثرة العدد.\nوالجواب عن الأول: أن المراد منه الكل.\nوعن الثاني: أنه ليس المراد كل واحد؛ لأن قول الرسول وحده حجة.\nوعن الثالث: أنه مجاز، لصحة الاستثناء.\nوعن الرابع: أن البيعة كافية في الإمامة.\nوعن الخامس: أن الإجماع لا يحصل بقول كل بعض، بخلاف الخبر، فافترقا.\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (رقم: ٢١٦٥) من حديث عمر. واختلف فيه بين الوصل والإرسال على ما بينه أبو عبد الرحمن النسائي في «الكبرى» (٨/ ٢٨٤). وصحح البخاري وأبو حاتم وأبو زرعة والدارقطني: الإرسال من حديث يزيد بن الهاد عن ابن دينار عن الزهري عن عمر.\nانظر: «التاريخ الكبير» (١/ ١٠٢)، و«العلل» لابن أبي حاتم (رقم: ١٩٣٣، ٢٥٨٣، ٢٦٢٩)، و«العلل» للدارقطني (٢/ ٦٥).","vol":"1","page":253},{"text":"العاشرة: الإجماع لا ينعقد بتخلف مجتهد وإن كان خاملا؛ لأن قول من عداه قول بعض الأمة، فلا تتناوله أدلة الإجماع.\n\n<span data-type='title' id=toc-311>القسم الرابع: في مستند الإجماع</span>\nوفيه مسائل:\nالأولى: لابد للإجماع من دلالة أو أمارة. خلافا لبعضهم (^١)، وإلا لكان خطأ. فإن قالوا: أجمعوا على المعاطاة وأجرة الحمام. ولأنه ينفي فائدة الإجماع. قلنا: لعله عن دليل لم ينقل استغناء بالإجماع. وفائدة الإجماع الكشف عن الدليل، فيكونا دليلين.\nالثانية: قال ابن جرير: الإجماع الأمارة غير ممكن (^٢). وبعضهم منع وقوعه بها (^٣). والحق جواز وقوعه بها.\n* لنا: رجوع الصحابة كلهم إلى فتوى علي في حد الشرب، فإنه قال: \"إذا سكر هذى، وإذا هذى افترى … وحد المفتري ثمانون\" (^٤).\nفإن قلت: الأمارة خفية، فيستحيل اجتماع الخلق العظيم المختلف\n_________\n(^١) لم أقف على تعيينهم.\n(^٢) انظر: «إرشاد الأريب» لياقوت (٦/ ٢٤٥٨).\n(^٣) لم أقف على تعيينهم. وانظر: «الإحكام» للباجي (١/ ٥٠٦).\n(^٤) انظر: «السنن الكبرى» للنسائي (رقم: ٥٢٦٩)، و«الموطأ» (٢/ ٨٤٢)، و«المصنف» لعبد الرزاق (رقم: ١٣٥٤٢).","vol":"1","page":254},{"text":"الدواعي عليها، كاجتماعهم على الكلمة الواحدة والطعام الواحد في وقت واحد، بخلاف الدلالة. ولأن بعضهم لم يحكم بالأمارة. قلت: الخلاف في صحة القياس حادث. ثم ينتقض بالعموم وخبر الواحد.\nالثالثة: الإجماع الموافق لخبر لا يلزم أن يكون لأجله، لجواز قيام غيره.\nخلافا لأبي عبد الله البصري (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-315>القسم الخامس: في المجمعين</span>\nوفيه مسائل:\nالأولى: خطأ هذه الأمة جائز عقلا كسائر الأمم. ممتنع شرعا؛ لأن «المؤمنين» و«الأمة» عامان، فخروج البعض عنهما يحتاج إلى دليل.\nالثانية: لا عبرة بقول الخارج عن الملة، إذ لا يتناوله لفظ «المؤمنين» و«الأمة» في عرف شرعنا.\nالثالثة: لا يعتبر من سيوجد إلى يوم القيامة؛ لأن حصول الإجماع يوجب التمسك به في الحال، وتأخيره يضاده.\nالرابعة: لا عبرة بقول العوام. خلافا للقاضي أبي بكر (^٢)؛ لأن الصحابة\n_________\n(^١) وهو قول أبي هاشم. ومذهب أبي عبد الله فيه تفصيل، انظر: «المجزي» لأبي طالب البطحاني\n(٢/ ١١٨)، (٣/ ٢٠٣).\n(^٢) النزاع مع القاضي لفظي، انظر: «التلخيص» (٣/¬٤٠)، و«المستصفى» (١/ ٤٥٧)، و«الرد على السبكي في مسألة الطلاق» لابن تيمية (٢/ ٦٦٢) و«البحر المحيط» (٤/ ٤٦٢).","vol":"1","page":255},{"text":"﵃ أجمعوا على ترك الأخذ بقولهم. وقياسا على الصبي والمجنون. فإن قلت: أدلة الإجماع تقتضي متابعة الكل. قلت: متابعة الكل لا تنافي متابعة البعض.\nالخامسة: لا يعتبر في كل فن قول من ليس مجتهدا فيه؛ لأنه كالعامي.\nإلا الأصولي المجتهد فيه فقط، فإنه يعتبر قوله في الإجماع. خلافا لقوم (^١).\nبخلاف الحافظ للأحكام؛ لأن طريق الإدراك اجتهاد، وهو موجود.\nالسادسة: لا يعتبر في المجمعين حد التواتر، بل لو بلغت الأمة إلى واحد والعياذ بالله، كان قوله حجة، لدخوله تحت لفظ «المؤمنين» و«الأمة».\nالسابعة: ينعقد إجماع غير الصحابة. خلافا للظاهرية (^٢)، لوجود أدلة الإجماع.\nفإن قلت: هو معارض بوجوه:\nالأول: أن أدلة الإجماع إنما تتناول الصحابة.\nالثاني: أن الإجماع لا يعرف إلا من قوم محصورين كالصحابة.\nالثالث: يحتمل أن بعض الصحابة قال بخلاف قول التابعين، فيقع الشك في شرط صحة إجماعهم.\n_________\n(^١) هذا قول القاضي أبي بكر، «التلخيص» (٣/¬٤١)، ووافقه عليه الغزالي في «المستصفى» (١/ ٤٦٠)\n(^٢) انظر: «الإحكام» (٤/ ١٤٧)، و«النبذ» لابن حزم (ص: ١٧)، و«الحجة علي تارك المحجة» لابن طاهر المقدسي (٢/ ٥٦٧).","vol":"1","page":256},{"text":"والجواب عن الأول: أنه لو صح ذلك لتعذر الإجماع بموت أحد الصحابة الحاضرين.\nوعن الثاني: إنما نفرض الكلام فيما إذا أمكن وقوعه.\nوعن الثالث: لو وجد قول لنقل، والأصل عدمه.\n\n<span data-type='title' id=toc-316>القسم السادس: فيما ينعقد الإجماع عليه</span>\nوفيه مسائل:\nالأولى: كل ما لا يتوقف صحة الإجماع عليه، كإثبات الوحدانية وحدوث الأجسام يثبت بالإجماع؛ لأنه يمكن معرفة الإجماع قبل العلم بكونه تعالى واحدا. وما يتوقف العلم بكون الإجماع حجة على العلم به، كإثبات الصانع والنبوة، لا يمكن إثباته بالإجماع.\nالثانية: الإجماع حجة في الآراء و[الحروب] (^١) مطلقا. خلافا لقوم (^٢)، الإطلاق أدلة الإجماع.\nالثالثة: لا يجوز خطأ شطر الأمة في مسألة والشطر الآخر في أخرى. خلافا لقوم (^٣)، لئلا يلزم خطأ الكل.\n_________\n(^١) تصحف في الأصل إلى (الحدوث).\n(^٢) كالقاضي عبد الجبار في أحد القولين عنه، «المعتمد» (٢/ ٤٩٤)، وأبي إسحاق الشيرازي في «شرح اللمع» (٢/ ٦٨٨)، والسمعاني في «القواطع» (٢/ ٧٤٩).\n(^٣) كالغزالي في «المستصفى» (١/ ٤٩٥).","vol":"1","page":257},{"text":"الرابعة: لا يجوز إجماع الكل على الكفر؛ لأن اتباع سبيل المؤمنين واجب، فيستدعي وجوده. وجوزه قوم (^١)؛ لأنه لا يكون سبيلهم سبيل المؤمنين، ولا أمة محمد ﷺ، إذ كفروا.\nالخامسة: يجوز إجماعهم على عدم العلم بما لا يكلفوا به. خلافا لقوم (^٢)؛ لأنه لا يلزم منه محذور.\n\n<span data-type='title' id=toc-317>القسم السابع: في حكم الإجماع</span>\nوفيه مسائل:\nالأولى: جاحد المجمع عليه لا يكفر. خلافا لبعض الفقهاء (^٣)؛ لأن أصله مظنون. ولأنه ﵇ لم يوجب على من أسلم من الكفار معرفة كون الإسلام حجة.\nالثانية: الإجماع الصادر عن الاجتهاد حجة. خلافا للحاكم (^٤) (^٥).\n_________\n(^١) لم أتبينهم.\n(^٢) انظر: «البحر المحيط» (٤/ ٤٥٨)، و«نهاية الوصول» للهندي (٦/ ٢٦٧٧).\n(^٣) كأبي إسحاق الإسفراييني، «البحر» (٤/ ٥٢٥) وابن حامد وغيره من الحنابلة، «المسودة» (ص: ٣٤٤). وأطلقه الرافعي من أصحاب الشافعي في «العزيز» (٧/¬١٩) [ط جائزة دبي] وغيره، وتعقبه النووي في «الروضة» (١٠/ ٦٥) وغيره.\n(^٤) هو القاضي أبو الفضل محمد بن محمد بن أحمد الحنفي المروزي الوزير الحاكم الشهيد، صاحب كتاب «المختصر» - ويعرف بـ «المختصر الكافي كتاب جليل اختصر فيه كتاب محمد بن الحسن المبسوط» - (تـ ٣٣٤ هـ). له ترجمة فخمة ممتعة في «كتاب الأنساب» للسمعاني (٨/ ١٨٧ - ١٩٢).\n(^٥) انظر: «المعتمد» (٢/ ٤٩٥).","vol":"1","page":258},{"text":"• لنا: أنه سبيل المؤمنين.\nوله: أن سبيلهم إثباته بالاجتهاد.\nوجوابه: أن تعيين طريق إثباته غير معتبر إجماعا.\nالثالثة: لا ينعقد إجماع مخالف لإجماع قبله. خلافا لقوم (^١)؛ لأن أحدهما خطأ قطعا.\nالرابعة: لا يجوز أن يعارض الإجماع خبرا إذا علم ظاهر الخبر\nوالإجماع، للتناقض. وإن علم إرادة أحدهما الظاهر قدم. وإن جهلا قدم الأخص توفيقا بينهما. وإلا تساقطا للتعارض.\n_________\n(^١) كأبي عبد الله البصري، انظر: «المغني» (١٧/ ٢٢٠)، و«المعتمد» (٢/ ٤٩٧)، و«المجزي» (٣/¬٤٩). والمسألة في الجواز دون الوقوع، فتنبه.","vol":"1","page":259},{"text":"<span data-type='title' id=toc-318>الكلام في الأخبار</span>\nوفيه مسائل:\nالأولى: الخبر حقيقة في القول المخصوص، لسبق الفهم. ومجاز في غيره، كقوله (^١):\nتخبرني العينان ما القلب كاتم\nويخبرني الغراب.\nالثانية: اختلف في حده، فقيل (^٢): ما يدخله الصدق والكذب. وقيل (^٣): ما يحتمل التصديق والتكذيب. وقال أبو الحسين البصري (^٤): أنه كلام بنفسه يفيد إضافة أمر إلى أمر بنفي أو إثبات.\n_________\n(^١) لأبي جندب الهذلي، انظر: «شرح أشعار الهذليين» (١/ ٣٦٧)، صنعة أبي سعيد السكري، - ولفظه فيه: تحدثني عيناك ..\n(^٢) هذا قول عامة المعتزلة، انظر: «المعتمد» (٢/ ٥٤٢)، و«المغني» (١٥/ ٣١٩). ونسبه في «شرح اللمع» (٢/ ٥٦٧) إلى المتقدمين من جميع الطوائف.\n(^٣) هذا الحد لأبي حامد الغزالي في «المستصفى» (١/ ٣٤٤)، ونصره أبو البركات الخبوشاني في «الحدود الكلامية» (أ/ ٤٧).\n(^٤) في «المعتمد» (٢/ ٥٤٤).","vol":"1","page":260},{"text":"والكل باطل؛ لأن الصدق والكذب والتصديق والإثبات والنفي أنواع للخبر، فتعريف الخبر بها دور. والحق عندنا أن تصوره غني عن التعريف، إذ كل أحد يعلم بالضرورة أنه موجود، والخبر جزء من هذا الخبر. ويفرق بين موضعي حسن الخبر والأمر. فإن قلت: الخبر لفظ كيف يعلم تصوره؟! قلت: إذا علم المعنى علم ما يدل عليه.\nالثالثة: لا يفتقر الخبر إلى إرادة؛ لأن غرض المتلفظ بالصيغة بها تعريف غيره بما يقتضيه لفظه. وقيل: يفتقر (^١)، لصدورها عن الساهي والخاطئ. وقال أبو علي وأبو هاشم: الصيغة حال كونها خبرا صفة معللة بتلك الإرادة (^٢). وقد سبق إبطال قولهم في الأمر.\nالرابعة: مدلول صيغة الخبر الحكم بالنسبة لا ثبوتها، وإلا لم يكن الكذب خبرا. ثم ليس الحكم الذهني هو الاعتقاد ولا الإرادة، إذ قد يخبر الإنسان عن شيء لا يعتقده ولا يريده. وإذا تغايرا، فهو كلام النفس.\nالخامسة: [الخبر] إما صدق وإما كذب. خلافا للجاحظ (^٣). والخلاف\n_________\n(^١) هذا قول البصريين من المعتزلة، انظر: «التذكرة» (١/ ٢١٢). وما تقدم في ذكر اشتراط الإرادة في الأمر.\n(^٢) انظر ما تقدم.\n(^٣) انظر: «التذكرة» (١/ ٢٠٧)، و«المغني» (١٥/ ٣٢٧)، و«المعتمد» (٢/ ٥٤٤).","vol":"1","page":261},{"text":"لفظي؛ لأنه إن عنى بالصدق الخبر المطابق، وبالكذب الغير المطابق كيف كانا، فلا واسطة. وإن عنى بالمطابقة وغير المطابقة بالعلم (^١) تحققت الواسطة.\nللجمهور: أنا نكفر اليهود والنصارى في كفرهم مع جهلهم بصحته.\nجوابه: أن أدلة الإسلام جلية، فالمخبر يكون كالعالم به.\nواحتج له: أن من أخبر عن شيء ظانا وقوعه فخرج بخلافه، لا يقال إنه كذب. ولأن أكثر العمومات مخصصة، فلو اشترطنا التطابق في الخبر لزم الكذب فيها.\n\n<span data-type='title' id=toc-324>الباب الأول: في التواتر</span>\nوفيه مسائل:\nالأولى: التواتر في اللغة: مجيء واحد بعد واحد بفترة. قال تعالى: ﴿ثم أرسلنا رسلنا تترا﴾ [المؤمنون: ٤٤]، أي: رسولا بعد رسول بفترة. وفي اصطلاح العلماء: خبر قوم يفيد العلم لكثرتهم.\nالثانية: التواتر يفيد العلم عند الأكثرين. وقالت السمنية (^٢): يفيد الظن\n_________\n(^١) كذا في الأصل، والمراد: وإن عنى بهما - الصدق والكذب - المطابقة وعدم المطابقة مع العلم بذلك …\n(^٢) السمنية هم «البوذية» وكان لهم قديما قدم في خراسان وفارس والعراق إلى حدود الشام إلى أن نجم زرادشت، فانحسر مذهبهم إلى الهند والصين وما وراء النهر. وأمرهم اليوم لا يخفى.\nانظر: «تحقيق ما للهند من مقولة» للبيروني (ص: ٥، ١٥، ٣٠، ٦٨، ٩٣، ١٠٤، ١٢٠)، و«الفهرست» للنديم (٢/ ٤٢٢)، و«مروج الذهب» (١/ ١٣٦، ٢٢٢)، و«البدء والتاريخ» (١/ ١٩٧)، (٤/¬١٩)","vol":"1","page":262},{"text":"القوي (^١). وقيل: يفيد العلم في الأمر الحاضر دون الماضي (^٢).\n• لنا: أنا نجزم بوجود مكة وخراسان كجزمنا بوجود ما نشاهده.\nاحتجوا: بأن جزمنا بوجود حاتم دون جزمنا بأن الواحد نصف الاثنين، فيدل على احتمال نقيضه. ولأنه ليس أقوى من جزمنا بأن هذا زيد هو الذي رأيته بالأمس. وليس بيقيني، لاحتمال وجود مثله.\nوجوابه: أن ذلك تشكيك في الضروريات، فلا يجاب.\nالثالثة: العلم عقيب التواتر ضروري خلافا لأبي الحسين (^٣) وإمام الحرمين (^٤) والغزالي (^٥)؛ لأنه حاصل للعامة والصبيان والبله. فإن قلت: لو كان ضروريا لعلمنا بالضرورة كوننا عالمين به. ولأنه لو علم الغائب بالضرورة لعلم الشاهد بالدليل. قلت: قد يعلم أصل الشيء ضرورة دون كيفيته. ثم نمنع الجامع.\nالرابعة: في شرائط التواتر. وضبطه: أن من أفاده الخبر علما علم\n_________\n(^١) اختلف النقل عن السمنية، ولا تكاد تجد لهم عند الناس مقالة محررة، لعدم الوقوف على ما هم عليه. قال أبو المعالي في «التلخيص» (٢/ ٢٨٣): \"لا نزال ننقل مذهب السمنية ولم نر حزبا وفئة تكترث\". وانظر: «الرد على المنطقيين» لأبي العباس (ص: ٣٢٩)، و«التسعينية» (١/ ٢٥١)، و«لقطة العجلان بشرح زكريا» للزركشي (ص: ٥٤).\n(^٢) لم أتبين قائله.\n(^٣) في «المعتمد» (٢/ ٥٢٢). وهو قول البغداديين ومنهم أبو القاسم البلخي، انظر: «المجموع في المحيط» (٤/ ١٠١ بـ)، وزيادات شرح الأصول (ص: ١٥٠)، و«المجزي» (٢/ ٩٦).\n(^٤) انظر: «البرهان» (١/ ٥٧٩).\n(^٥) انظر: «المستصفى» (١/ ٣٤٦).","vol":"1","page":263},{"text":"تواتره وإلا فلا.\nوشرطه: أن لا يعلم السامع مخبره ضرورة. وشرط المرتضى (^١) أن لا يعتقد نقيضه لشبهة وتقليد، فإن نفي تواتر خبر إمامة علي كان لشبهة.\nوشرط المخبرين العدد وأن يكون المخبر به ضروريا، لجواز الالتباس في غيره.\nالخامسة: العدد. وفيه وجوه (^٢): قيل: اثنا عشر، عدد نقباء موسى. وقال أبو الهذيل: عشرون (^٣)، لقوله تعالى: ﴿إن يكن منكم عشرون صابرون﴾ [الأنفال: ٦٥]، فتخصيصهم في الجهاد يدل على إفادة قولهم العلم. وقيل: أربعون، لقوله تعالى: ﴿ومن اتبعك من المؤمنين﴾ [الأنفال: ٦٤]. وكانوا أربعين. وقيل: سبعين، عدد من اختارهم موسى للمناجاة. وقيل: ثلاثمئة وبضعة عشر، عدد أهل بدر. وقيل: ألف وخمسمئة وعشرون، عدد بيعة الرضوان. وقيل: أن لا يحصرهم عدد ولا بلد ولا دين ولا نسب. وأن يكون فيهم معصوم. ولا تعلق لشيء منها بالمسألة.\nالسادسة: قال القاضي أبو بكر (^٤): قول الأربعة الصادقين لا يفيد العلم؛ لأنه لو أفاده لاستغنى الحاكم عن تزكيتهم في الزنا؛ لأنه إن علم صدقهم قطع بصدقهم وإلا قطع بكذبهم. وتوقف في الخمسة.\n_________\n(^١) في «الذريعة» (ص: ٣٥٠).\n(^٢) انظر: «التلخيص» (٢/ ٣٠٠)، و«البرهان» (١/ ٥٦٩).\n(^٣) انظر: «طبقات المعتزلة» للقاضي عبد الجبار (ص: ٢٩٧). وانظر: «الفصول» (٣/¬٣٢).\n(^٤) انظر: «البرهان» (١/ ٥٧٠).","vol":"1","page":264},{"text":"فإن قيل: ما ذكرتموه لازم في الخمسة وعدد أهل القسامة، فوجب أن لا يفيد العلم. وجوابه: أنه إذا لم يحصل العلم بقول الخمسة لا تبطل الحجة، لجواز صدق أربعة منهم، ثم كل واحد من أهل القسامة يخبر عن غير ما يخبر الآخر.\nالسابعة: إذا كثرت الأخبار الجزئية في واحد، كسخاوة حاتم، فإنه يفيد التواتر، إذ راوي الجزئي بالمطابقة، راوي الكلي بالتضمن. والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-331>الباب الثاني: في غير المتواتر من الأخبار الصادقة</span>\nالأول: ما علم مخبره ضرورة.\nالثاني: ما علم بالدليل.\nالثالث: خبر الله تعالى، باتفاق الملل ودليله: العقل، إذ الصدق صفة كمال، والكذب صفة نقص، والله تعالى منزه عنه. وقال الغزالي (^١): يدل عليه وجهان: الأول: كلامه، فإنه قائم بذاته، فيمتنع الكذب عليه كامتناع الجهل.\nالثاني: في إخبار الرسول بتصديقه.\nوجواب الأول: أن كلامنا في أصول الفقه [في الكلام المسموع] دون كلام النفس. والثاني: دور، إذ تصديق الرسول علم بتصديق الله تعالى إياه.\nواستدلت المعتزلة بأن الكذب قبيح، وهو على الله تعالى محال.\n_________\n(^١) في «المستصفى» (١/ ٣٦١).","vol":"1","page":265},{"text":"وهو باطل؛ لأنه لا خبر يخالف المخبر عنه ظاهرا إلا ويصح بإضمار أو تغيير، ومثله لا يقبح من الله تعالى، فإن أكثر العمومات كذلك.\nالرابع: خبر النبي ﷺ. قال الغزالي (^١): دليله المعجزة؛ لأنها لو ظهرت على يد كاذب لعجز الله تعالى عن تصديق [رسله].\nوالاعتراض من وجهين: الأول: أنه لو تعذر عليه إظهار المعجز على يد الكاذب لكان عاجزا أيضا. والثاني: أن إظهار المعجز ممكن، فلو تعذر ظهوره على يد الكاذب لانقلب الممكن ممتنعا.\nالخامس: خبر الأمة، ودليل صدقه: دلائل الإجماع.\nالسادس: خبر الجمع العظيم فيما يجدوه من شهوة أو كراهة.\nالسابع: صدور أخبار مختلفة من أهل التواتر دليل صدق أحدها.\nالثامن: القرائن تدل على صدق الخبر. وهو مذهب إمام الحرمين (^٢) والغزالي (^٣) والنظام (^٤)؛ لأن من أخبر عن عطشه وظهر أمارته على وجهه ولسانه علم صدقه.\nاحتج المنكر بوجوه: الأول: أن خبر الموت للمريض مع البكاء وإحضار الكفن والجنازة قد يبطل، فيقال أغمي عليه أو أظهر ذلك لغرض.\n_________\n(^١) في «المستصفى» (١/ ٣٦١).\n(^٢) في «البرهان» (١/ ٥٧٤).\n(^٣) في «المستصفى» (١/ ٣٥٠).\n(^٤) انظر: «الفصول» (٣/¬٣٢) و(المغني) (١٥/ ٣٩٢)، و«المعتمد» (٢/ ٥٦٦).","vol":"1","page":266},{"text":"الثاني: لو كانت القرائن المفيدة لما حصل العلم بالتواتر عند عدمها. الثالث: لاطرد في كل واحد كالمتواتر.\nوالجواب عن الأول: أن القدح في واحد لا يقدح في كل واحد. وعن الثاني: لا تنافي بين أن تفيد القرائن وغيرها. وعن الثالث: الاطراد في الخبر مع القرائن لازم.\n\n<span data-type='title' id=toc-332>القول في الطرق الفاسدة</span>\nالأول: ما سمعه الرسول ﵇ فلم يكذبه صدق بشرط أن يكون عن أمر ديني لم يتقدمه بيان، وكونه جائز التغيير أو دنيوي لكنه استشهد النبي ﵇، أو ادعي علمه ﵇ بالواقعة. أو علم الحاضرون علمه ﵇ بها؛ لأن السكوت يوهم التصديق، وإيهام تصديق الكاذب لا يجوز.\nالثاني: سكوت الجماعة العظيمة تصديق للخبر، وهو يفيد الظن دون اليقين.\nالثالث: قال أبو هاشم والكرخي وأبو عبد الله البصري (^١): الإجماع على موجب الخبر دليل على صدقه. وهو باطل، إذ قد يعمل بالخبر المظنون صحته.\nاحتجوا بأن عادتهم فيما لا يعلموه أن يخالفه بعضهم مع عدم الصادق.\nوجوابه: منع العادة، إذ حكم المجوس ثبت بخبر عبد الرحمن.\n_________\n(^١) انظر: «المعتمد» (٢/ ٥٥٥).","vol":"1","page":267},{"text":"الرابع: قال بعض الزيدية (^١): بقاء النقل مع إيثار (^٢) إبطاله دليل صدقه، كخبر الغدير (^٣) والمنزلة (^٤)، إذ سلما في زمن بني أمية. وهو باطل، إذ الآحاد قد تشتهر بحيث يتعذر نفيها.\nالخامس: قال بعضهم (^٥): كل خبر تمسك به البعض وأوله البعض فهو صدق. وهو ضعيف، إذ خبر الواحد مقبول. والله أعلم\n\nالباب الثالث: في الأخبار الذي يقطع بكذبها\nالأول: ما نافي مخبره وجود ما علم ضرورة أو نظرا، كقول من لم يكذب: \"أنا كاذب\"؛ لأن المخبر عنه بكذبه ليس هذا الخبر، وإلا تأخر الشيء عن نفسه رتبة، بل ما قبله، وهو صادق فيه، فكاذب في هذا.\nالثاني: الخبر الذي ينافي الدليل القاطع، إن احتمل تأويلا قريبا حمل\n_________\n(^١) لم أظفر به.\n(^٢) كذا، والمعنى ظاهر من السياق.\n(^٣) «من كنت مولاه فعلي مولاه». رواه من الستة: الترمذي (رقم: ٣٧١٣)، من حديث حذيفة أو زيد بن أرقم، وقال: \"حسن غريب\". وابن ماجه (رقم: ١٢١) من حديث سعد بن أبي وقاص. وذكر النسائي طائفة من طرقه في «خصائص علي» من «كتاب السنن» (باب قول النبي ﷺ: «من كنت وليه فعلي وليه»). وهو حديث مشهور جدا، حتى قال الذهبي في «سير النبلاء» (٨/ ٣٣٥): \"متنه متواتر\". وجمع في طرقه جزءا حافلا. وانظر: «تخريج أحاديث الكشاف» (٢/ ٢٣٤).\n(^٤) «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى». رواه البخاري (رقم: ٣٧٠٦)، ومسلم (رقم: ٢٤٠٤) من حديث سعد بن أبي وقاص.\n(^٥) كأبي إسحاق الشيرازي في «شرح اللمع» (٢/ ٥٧٩).","vol":"1","page":268},{"text":"عليه، وإلا حكم أما بكذبه، أو بأن معه ما يصح به ولم ينقل.\nالثالث: الخبر الذي يروى بعد استقرار الأخبار ولم يوجد في بطن كتاب ولا في صدر راو (^١).\nالرابع: ما لم يتواتر مع توافر الدواعي على نقله متواترا كأصول الشريعة، أو لغرابته، أو لهما، كالمعجزات؛ لأنه لو جاز هذا لجاز وجود بلدة عظيمة بين البصرة وبغداد لم تنقل. وأن الواجب عشر صلوات والمنقول خمس.\nوجوز الشيعة ذلك (^٢) للتقية لوجهين: الأول: عدم تواتر إفراد الإقامة والجهر بالتسمية. الثاني: عدم تواتر المعجزات وقصص الأنبياء ﵈.\nوالجواب عن الأول: لعلمهم أن تركه لا يوجب كفرا ولا بدعة، فتساهلوا في نقله متواترا. وعن الثاني: ربما يشاهدها عدد التواتر. وقصص الأنبياء لا غرض ديني فيها، بخلاف النص الجلي على إمامة علي كرم الله وجهه.\nالخامس: بعض أخبار الآحاد كذب، إذ قد صح أنه ﵇ قال: «سيكذب علي» (^٣). فهذا كذب، وإلا فغيره. وقال شعبة: \"نصف الحديث كذب \" (^٤) والسلف لم تتعمد الكذب لنزاهتهم عنه، بل ربما بدل أحدهم لفظا\n_________\n(^١) في الأصل (راد).\n(^٢) انظر: «الذريعة» (ص: ٣٦٢)، و«العدة» للطوسي (١/ ٩٣).\n(^٣) قال السبكي: \"لا يعرف، ويشبه أن يكون موضوعا\"، «الإبهاج» (٢/ ١٢١٧) [ط ابن حزم].\n(^٤) لم أره بهذا اللفظ مسندا، وأشد منه عند الخطيب في «الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع» (رقم: ١٨٩٩).","vol":"1","page":269},{"text":"بآخر يعتقده في معناه ونسي بعض ما يصح به الخبر. أو ترك ذكر [سبب] الحديث. أو اعتقد خبر المتكلم قول النبي ﵇. فإن الإمامية يسندون ما صح عن بعض أئمتهم إلى النبي ﵇ عملا بقول جعفر بن محمد: \"إذا سمعتم عني حديثا فقولوا: قال النبي ﵇ \" (^١).\nأما الخلف فقد تعمدوه، نسبت الملاحدة الأباطيل إلى رسول الله ﷺ تنفيرا عنه. وأجازت الكرامية وضع الأخبار على المذاهب لترويج الحق (^٢).\nمسألة: الأصل عدالة الصحابة ﵃، إلا لمعارض، لقوله تعالى: ﴿لقد رضي الله عن المؤمنين﴾ [الفتح: ١٨]. وقوله ﵇: «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم» (^٣)، وقوله: «خير الناس قرني» (^٤). ثم قوله: «لا تسبوا أصحابي» (^٥).\nوقد طعن النظام (^٦) والخوارج فيهم محتجون بأن بعضهم كذب بعضا،\n_________\n(^١) أخرجه أبو جعفر الكليني الإمامي في «الكافي» (١/ ٥٣) [ط دار الكتب الإسلامية طهران].\n(^٢) يحكى عن بعض السالمية والخوارج، السمعاني، وأما الكرامية، فذكر أبو بكر أن بعضهم أجاز ذلك في الترغيب والترهيب، («الموضوعات») لابن الجوزي (١/ ١٣٤)، و(«معرفة أنواع علم الحديث») لابن الصلاح (ص: ١٠٠). وانظر: («المجروحين») لابن حبان (٢/ ٣٠٦)، و(«الإرشاد») للخليلي (٣/ ٨٧٥)، و(«الأباطيل») للجورقاني (١/ ٤٥٤)، و(«الحجة») لابن طاهر (٢/ ٦١٢).\n(^٣) تقدم.\n(^٤) رواه البخاري (رقم: ٢٦٥٢)، ومسلم (رقم: ٢٥٣٣) من حديث ابن مسعود.\n(^٥) رواه البخاري (رقم: ٣٦٧٣)، ومسلم (رقم: ٢٥٤١) من حديث أبي سعيد.\n(^٦) («تأويل مختلف الحديث») لابن قتيبة (ص: ٨٤)، وأجمع منه في («الفصول المختارة») (ص: ٢٠٤ - ٢٣٩). وعد القاضي عبد الجبار هذا من تخليط النظام، («المغني») (١٧/ ٢٩٨).\nوقد أنكر أبو الحسين الخياط النقل عن النظام، («كتاب الانتصار») (ص: ١٦٤) [ط الوراق].","vol":"1","page":270},{"text":"قال عمران بن الحصين: \"والله لو أردت لحدثت عن النبي ﵇ يومين متتابعين، فإني سمعت كما سمعوا وشاهدت كما شاهدوا، ولكنهم يحدثوا أحاديثا ما هي كما يقولون\" (^١). وهذا قدح في الكل. وكان علي ﵁ يستحلف الرواة (^٢). ولولا الاتهام العام وإلا لما حلفهم. وقبلوا خبر الواحد على خلاف الكتاب. ورووا الأحاديث بعد تطاول الزمان، مع أنهم ما كتبوها وما درسوها، وذلك قاطع بأنه غير مسموع.\nوالجواب عن المطاعن: أنها مروية بالآحاد، فلا تعارض الكتاب، وتخصيص الكتاب بخبر الواحد جائز كما سبق. والأصل أن العدل لا يروي إلا ما يظن صحته.\n\nالباب الرابع\nالخبر الذي لا يقطع بصدقه ولا كذبه يحتج به في الأمور الدنيوية بالاتفاق. وفي الشرعيات. خلافا لقوم (^٣).\n_________\n(^١) رواه الإمام أحمد في «المسند» (رقم: ١٩٨٩٣).\n(^٢) رواه ابن ماجه (رقم: ١٣٩٥). وانظر في تخريج معناه: «شرح مشكل الآثار» للطحاوي (١٥/ ٣٠٢)\n(^٣) نسب لجماعة من المعتزلة، «المجزي» (٢/ ١٢٨)، وهو ظاهر تصرف ضرار بن عمرو الغطفاني من أصحاب واصل بن عطاء في كتاب «التحريش». واشتهر عن ابن علية وشيخه الأصم، «القواطع» (٢/ ٥١٣). وهما اللذان انتصب الشافعي للرد عليهما في كتاب «الرسالة»، و«جماع العلم» وغيرهما، «مناقب الشافعي» للبيهقي (١/ ٢١١، ٤٥٧). وبه قال جماعة من الرافضة، انظر: «أوائل المقالات» (ص: ١٢٢)، و«التذكرة بأصول الفقه» للمفيد (ص: ٤٤)، و«الذريعة» للمرتضى (ص: ٣٧١). ونسب لأبي بكر القاساني من الظاهرية، «العدة» (٣/ ٨٦١)، و«شرح اللمع» (٢/ ٥٨٤)، و«الإحكام» للباجي (١/ ٣٣٦).","vol":"1","page":271},{"text":"• لنا وجوه:\nالأول: قوله تعالى: ﴿إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا﴾ [الحجرات: ٦]، أمر بالتثبت وعلل المنع بالفسق المفارق لمناسبته، فلو منعت الوحدة مع لزومها لعلل بها.\nالثاني: روي بالتواتر أنه ﵇ كان يبعث آحاد أصحابه لتعليم الأحكام.\nالثالث: رجع جمهور الصحابة إلى قول عائشة في وجوب الغسل بالتقاء الختانين (^١). وفي الربا إلى خبر أبي سعيد (^٢).\nالرابع: رجعوا إلى خبر الصديق: «الأئمة من قريش» (^٣). و«الأنبياء يدفنون حيث يموتون» (^٤)، و«نحن معاشر الأنبياء لا نورث» (^٥). والأخبار فيه كثيرة.\n_________\n(^١) تقدم.\n(^٢) رواه البخاري (رقم: ٣٦٧٣)، ومسلم (رقم: ٢٥٤١).\n(^٣) الحديث بهذا اللفظ مروي من وجوه أحسنها ما رواه النسائي في «السنن الكبرى» (رقم: ٥٩٠٩)، والإمام أحمد في «المسند» (رقم: ١٢٣٠٧)، وابن أبي عاصم في «السنة» (رقم: ١١٢٠)، والبزار في «المسند» (رقم: ٦١٨١) من حديث أنس. ولم أقف عليه من جهة الصديق.\n(^٤) رواه الترمذي (رقم: ١٠١٨)، من حديث عائشة. قال الترمذي: \"حديث غريب\". وله شاهد من حديث ابن عباس، رواه ابن ماجه (رقم: ١٦٢٨).\n(^٥) أخرجه البخاري (رقم: ٣٠٩٣)، ومسلم (رقم: ١٧٥٩)، من حديث أبي بكر الصديق. وليس فيه: \"نحن معاشر الأنبياء\". قال ابن كثير في «تحفة الطالب» (ص: ٢١٣): \"بهذا اللفظ لم أجده في شيء من الكتب الستة\". وانظر: «المسند» (رقم: ٩٩٧٢)، و«السنن الكبرى» للنسائي (رقم: ٦٢٧٥) فلفظه فيهما: «إنا معاشر الأنبياء …».","vol":"1","page":272},{"text":"الخامس: العمل به يدفع ضررا مظنونا؛ لأن رواية العدل باقتضاء الفعل يوجب تركه العقاب، فيجب فعله ضرورة، إذ العمل بهما وتركهما وترجيح المرجوح على الراجح ممتنع.\nاحتجوا بوجهين:\nالأول: لو وجب العمل بالظن في الرواية لوجب بالظن قبول مدعي النبوة إذا ظن صدقه.\nالثاني: لو جاز التعبد في الفرع بالظن لجاز في الأصل، كمعرفة الله تعالى. وباقي الأسئلة تأتي في القياس إن شاء الله تعالى.\nوالجواب: أنه منقوض بالفتوى والشهادات والأمور الدنيوية من الأغذية والأشربة والعلاجات وغيرها. وجواب ما يأتي في القياس أيضا. والله أعلم.\n\nالباب الخامس في الشرائط\nويشترط في المخبر التكليف، ليحصل الظن بقوله. ويمكنه الضبط، ويقبل فيما يحمله قبل البلوغ للإجماع. وكونه ضابطا، وقلة السهو غير مخلة.\nوكونه مسلما وإن كفرناه لبدعة، ما لم يجوز الكذب. خلافا للقاضي أبي بكر (^١) وعبد الجبار (^٢). لنا وجهان\nالأول: أن اعتقاده حرمة الكذب يزجره عنه.\n_________\n(^١) انظر: «التلخيص» (٢/ ٣٧٨).\n(^٢) انظر: «المعتمد» (٢/ ٦١٨).","vol":"1","page":273},{"text":"الثاني: أنهم قبلوا خبر الحسن وقتادة وعمرو بن عبيد مع تكفيرهم أياهم (^١).\nاحتجوا بقوله تعالى: ﴿إن جاءكم فاسق﴾ الآية [الحجرات: ٦]. وبالقياس على الخارج عن الملة، وجهله بكفره ليس بعذر؛ لأنه ضم جهل إلى كفر.\nوالجواب عن الأول: أن الفاسق في الشرع: المسلم. وعن الثاني: أن كفر المتأول أخف.\n_________\n(^١) هذه الحجة أصلها لأبي الحسين البصري في «المعتمد» (٢/ ٦١٨)، ولكن المصنف اختصر في نقلها فوقع في كلامه من الخلل ما نأى به عن سنن الصواب. قال أبو الحسين: \"أن كثيرا من أصحاب الحديث يقبلون كثيرا من أخبار سلفنا ﵃، كالحسن وقتادة وعمرو [بن عبيد].\nمع علمهم بمذهبهم وإكفارهم من يقول بقولهم\". وقوله: \"سلفنا\" يعني المعتزلة. وهذا أسد مما ذكر المصنف. ولا بأس أن نخرج عن عادتنا في الاختصار لننظر في هذه الحجة:\nفإن الحسن وقتادة من سادات التابعين في البصرة. وأما سبب كونهما سلفا لأبي الحسين، فالأمر راجع إلى ما نقل عنهما من القول في القدر. وهو مشهور عن قتادة ثابت عنه، انظر: «الطبقات» لابن سعد (٩/ ٢٢٨) [ط الخانجي]، و«المسند» لابن الجعد (ص: ١٦٤)، و«الثقات» للعجلي (ص: ٣٨٩)، والمعرفة والتاريخ للحسن بن سفان (٢/ ٢٧٧).\nوأما الحسن، فأهل الحديث يدفعون هذا عنه، ولما سئل أحمد عما نقل عنه في القدر قال: \"كذبوا، إنما تغفلوا الشيخ بكلمة فقالوا عليها\" «العلل» لعبد الله (رقم: ٢١٢٣). وروي عنه أنه ندم على كلامه في القدر، «العلل» لعبد الله (رقم: ٤٢٠٥). وله كلام موافق لغيره من أقرانه، انظر «السنن» لأبي داود (ص: ٩٤٤) [ط الصديق].\nوالناس وإن تكلموا في عمرو وتركوا حديثه وعابوا عليه قوله في القدر وموافقته لواصل، بل عدوه شيخ القدرية وأول المعتزلة، «المعارف» لابن قتيبة (ص: ٤٨٢)، و«تاريخ بغداد» للخطيب (١٤/ ٦٣)، و«الضعفاء» للنسائي (رقم: ٤٤٥)، و«الكامل» لابن عدي (٦/ ١٧٤)، والضعفاء لأبي نعيم (رقم: (١٦٤) إلا أنهم لم يحكموا عليه بالكفر، وقد روى عنه سفيان الثوري، مسائل ابن هانئ (رقم: ٢٠٦٧). وابن عيينة والأعمش ويحيى القطان - ثم تركه ــ في آخرين، «تهذيب الكمال» (٢٢/ ١٢٣).","vol":"1","page":274},{"text":"وكونه عدلا. والعدالة: هيئة راسخة في النفس تحمل على ملازمة التقوى والمروءة جميعا. وشرائطها مذكورة في الفقه. ولنذكر ههنا بعضها:\nمسألة: من أتى بفسق مظنون جاهلا به قبلت روايته، كالحنفي إذا شرب النبيذ. وكذا لو كان مقطوعا. خلافا للقاضي أبي بكر (^١)؛ لأن صدقه راجح فقبلت روايته.\nمسألة: لا نقبل من المخالف الذي نكفره إن ظهر عناده؛ لأنه يكذب مع العلم به. ولا من المجهول. خلافا لأبي حنيفة وأصحابه (^٢).\n• لنا وجهان:\nالأول: أن آي القرآن تنفي العمل بخبر الواحد، خالفناها في ظاهر العدالة [لقوته].\nالثاني: القياس على ظن وجود البلوغ والحرية والإسلام في الشهادة.\nاحتجوا بالقياس على قبوله في ذكاة اللحم، وطهارة الماء، والقبلة، ووضوءه إذا أم، ورق الجارية.\nوالجواب: أن منصب الرواية أعلى لشرعيته في حق الكل.\nمسألة: يشرط العدد في الجارح والمزكي في الشهادة دون الرواية؛ لأن\n_________\n(^١) انظر: «التلخيص» (٢/ ٣٧٨).\n(^٢) انظر: «الفصول» (٣/ ١٣٤ - ١٣٩)، و«تقويم أصول الفقه» (١/ ٤١٥)، و«أصول السرخسي» (١/ ٣٥٢، ٣٧٠)، و«أصول البزدوي» (ص: ٣٨٤). والمجهول الذي يقبل خبره مقيد عندهم بالقرون المفضلة دون غيرها.","vol":"1","page":275},{"text":"العدالة شرط الرواية، وشرط الشيء لا يزيد عليه، فالإحصان يثبت باثنين دون الزنا. وقيل: يشترط فيهما (^١). وقال القاضي: لا يشترط فيهما (^٢).\nمسألة: يجب ذكر سبب الجرح دون التعديل، للاختلاف فيه (^٣). وقيل بالعكس (^٤)، إذ مطلق الجرح يبطل الثقة بخلاف التعديل، لتسارعهم إلى الثناء على الظاهر. وقيل: يجب فيهما (^٥). وقيل: لا يجب فيهما (^٦)؛ لأنهما إنما يقبلان من بصير بهذا الشأن. وهو الحق، فلا معنى للسؤال.\nمسألة: يقدم الجرح وإن زاد عدد المزكي على الصحيح، لاطلاع الجارح على زيادة لم ينفها المزكي. فإن نفاها ثبت الجرح، إذ النفي لا يعلم. نعم لو قال: قتل، فقال المزكي: رأيته حيا، تعارضا.\nمسألة: التعديل: أن يحكم بشهادة، أو يقول: هو عدل عندي. أو يروي عنه خبرا - إن علم أنه ينقل عن عدل .. أو يعمل بخبره. ورد شهادته لا تمنع الرواية، إذ يشترط في الشهادة ما لا يشترط في الرواية.\n_________\n(^١) حكي عن طائفة من الأصوليين، «التلخيص» (٢/ ٣٦١)، وبعض الفقهاء، «شرح اللمع» (٢/ ٦٤١) و«الكفاية» (١/ ٢٥٩).\n(^٢) انظر: «التلخيص» (٢/ ٣٦٢).\n(^٣) هذا ظاهر كلام الشافعي في (الأم) (٧/ ٥٠٨ - ٥٠٩)، في باب الشهادة. وانظر: «الكفاية» (١/ ٢٧٧).\n(^٤) نسبه أبو المعالي في «البرهان» (١/ ٦٢١) للقاضي أبي بكر. وقد تعقب غير واحد هذا النقل، انظر: «إيضاح المحصول» (ص: ٤٧٧)، و«البحر» (٤/ ٢٩٤).\n(^٥) مال إليه المازري في «الإيضاح» (ص: ٤٧٨)، وذكره عن بعض أشياخه. وانظر: «الضروري» (ص: ٧٦).\n(^٦) هذا قول القاضي أبي بكر، انظر: «التلخيص» (٢/ ٣٦٦).","vol":"1","page":276},{"text":"فصل: إن علم أنه قرأه على شيخه أو حدثه به، رواه. وإن ظنه بناء على خطه، خلافا لأبي حنيفة (^١)؛ لأن الصحابة ﵃ عملوا بكتب رسول الله ﵇، وما علموا رواتها. ولأنه يفيد الظن.\nاحتج بأنه لا يؤمن كذبه. جوابه الظن كاف.\nوشرط الجبائي في خبر الواحد أن يعضده ظاهر أو يعمل به صحابي أو اجتهاد أو انتشار (^٢). واحتج: بأن النبي ﵇ لم يقبل خبر ذي اليدين حتى شهد له أبو بكر وعمر (^٣). [و] قياسا على الشهادة، مع أن الرواية أعم.\nجواب الأول: أن انفراده دونهم يوجب تهمة. وعن الثاني: الفرق، بأن الشهادة على معين. ثم هو منقوض بالحرية والزكاة. ومعارض بما سبق في الخبر المحتمل للصدق والكذب.\nمسألة: لا يشترط قبول الأصل. خلافا للحنفية (^٤). والضابط فيه: أنه متى تعادل قول الأصل بالفرع تساقطا، ومتى ترجح قول أحدهما على الآخر عمل به. لنا ولهم ما سبق.\nمسألة: لا يشترط كون الراوي فقيها. خلافا لأبي حنيفة ﵁ فيما يخالف\n_________\n(^١) نقله عنه أبو الحسين في «المعتمد» (٢/ ٦٢٨). وانظر: «أصول السرخسي» (١/ ٣٧٧)، و«أدب القاضي» للماوردي (١/ ٣٩٢).\n(^٢) انظر: «المعتمد» (٢/ ٦٢٢).\n(^٣) أخرجه البخاري (رقم: ٤٨٢)، ومسلم (رقم: (٥٧٣) من حديث أبي هريرة.\n(^٤) انظر: «الفصول» لأبي بكر الرازي (٣/ ١٨٣).","vol":"1","page":277},{"text":"القياس (^١)، لقوله ﵇: «نضر الله امرء سمع مقالتي» إلى قوله: «فرب حامل فقه ليس بفقيه» (^٢). ولأن خبره يفيد الظن. وله ما تقدم بجوابه.\nمسألة: تقبل رواية المحتاط في حديث الرسول المتساهل في غيره على الأظهر، لإفادة الظن. ورواية من لم يعرف العربية ولا معنى الحديث؛ لأن الحجة في اللفظ. ورواية من لم يرو إلا حديثا واحدا. فإن كثرت ولم تسعها صحبته لأهل الحديث ردت. ولا يشترط معرفة نسب الراوي، فلو كان له اسمان مشهوران، وجرح بأحدهما وعدل بالآخر، لم يقبل للتردد. والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-337>الباب السادس في المخبر عنه</span>\nوشرطه: سلامته عن معارض قاطع عقلي أو سمعي، [فإن وجد] ولم يمكن تأويل خبر الواحد [رد]؛ لأنهما أقوى منه فرجحا (^٣).\nوإذا اقتضى القياس تخصيص الخبر خص به، أو بالعكس، خص القياس إن جوز تخصيص العلة. وإن تعارضا، فإن ثبت القياس به رجح الخبر. وإن علم أصل القياس وتعليله بعلة ووجدت في الفرع رجح القياس لقوته. وإن ظن الكل رجح الخبر لقلة الظن فيه. وإن علم البعض وظن\n_________\n(^١) انظر: «تقويم أصول الفقه» (١/ ٤٠٩)، و«أصول البزدوي» (ص: ٣٦٨)، و«أصول السرخسي» (١/ ٣٣٨ - ٣٤٢).\n(^٢) رواه أبو داود (رقم: ٣٦٦٠)، والترمذي (رقم: ٢٦٥٦)، وابن ماجه (رقم: ٢٣٠)، من حديث زيد بن ثابت. قال الترمذي: \"حديث حسن\".\n(^٣) في الأصل (فرجح).","vol":"1","page":278},{"text":"البعض، فإن علم الحكم وظن تعليله، ووجود العلة في الفرع، فالشافعي يرجح الخبر (^١). ومالك القياس (^٢). وتوقف غيرهما (^٣).\n• لنا وجوه:\nالأول: قصة معاذ (^٤).\nالثاني: نقض أبوبكر حكمه برأيه لحديث بلال (^٥).\nالثالث: ترك عمر اجتهاده في الجنين (^٦)، وفي المنع من توريث المرأة من دية زوجها (^٧).\n_________\n(^١) في «الرسالة» (ص: ٥٩٩).\n(^٢) هذه رواية بعض البغداديين وغيرهم، ونسبت لأكثر أصحابه، انظر: «المقدمة» (ص: ١١٠)، و«عيون الأدلة لابن القصار البغدادي (٢/ ٦٢٥)، ومناهج التحصيل» (١/ ٩٧)، و«البيان والتحصيل» (١٧/ ٣٣١)، والمقدمات الممهدات (٣/ ٤٨٣)، و«الإحكام» للباجي (٢/ ٦٧٢) وحكي عنه تقديم الخبر، وهو اختيار أبي عبد الله المازري. وانتصر له القاضي عياض وأبو العباس القرطبي. انظر: التنبيهات المستنبطة للقاضي عياض (٣/ ١٢٨٨)، و«إكمال المعلم» له (٥/ ١٤٥)، و«شرح التلقين» للمازري (٣/¬١/¬٣٣٥)، (٣/¬٢/¬١٤٤)، و«المفهم» لأبي العباس القرطبي (٤/ ٣٧٢).\n(^٣) كالقاضي أبي بكر الباقلاني، انظر: «التقريب» للقاضي (٣/ ١٩٥) فما بعدها، و«الإحكام» للباجي (٢/ ٦٧٢).\n(^٤) سيأتي تخريجها في القياس.\n(^٥) لم أقف عليه مسندا، وأقدم من ذكره من الأصوليين أبو بكر الرازي في «الفصول» (٣/ ١٠٦)\n(^٦) انظر: «السنن» لأبي داود (رقم: ٤٥٧٣).\n(^٧) رواه أبو داود (رقم: ٢٩٢٧)، والترمذي (رقم: ١٤١٥)، وابن ماجه (رقم: ٢٦٤٢). قال الترمذي: \"حديث حسن صحيح\".","vol":"1","page":279},{"text":"مسألة: إذا عمل النبي ﵇ بخلاف خبر الواحد، فإن لم يتناوله، أو كان حكمه حكمنا لم يضر. وإن تناوله أو كان حكمنا حكمه، فإن أمكن تخصيص أحدهما بالآخر فعل ولم يرد الخبر، وإن تعذر رجح المتواتر، فإن فقد رجح بغيره.\nمسألة: لا يرد الخبر بعمل أكثر الأمة بخلافه، بل بضعفه. والحفاظ إذا خالفوا الراوي في بعض ما روى رد المخالف فيه فقط؛ إذ الظاهر أنهم حفظوا أو سها.\nمسألة: لا يجب عرض خبر الواحد على الكتاب إذا وجدت شروطه عند الشافعي ﵁ (^١)؛ لأن تكامل شروطه دليل على عدم مخالفته للكتاب. وقال ابن أبان: [يعرض] (^٢)، لقوله ﵇: «إذا روي لكم عني حديث فاعرضوه على كتاب الله، فإن وافق فاقبلوه وإلا فردوه» (^٣)، فيجب تأخير الناسخ.\nفإن علم أن خبر الواحد غير مقارن للكتاب رد؛ لأنه لا ينسخه. وإن شك فيه قبله القاضي عبد الجبار (^٤)؛ لأن الصحابة رفعوا بعض أحكام الكتاب به.\nمسألة: إذا خالف الراوي روايته، فعند الكرخي ظاهر الخبر أرجح (^٥).\n_________\n(^١) انظر: «الرسالة» [فهرس مواضيع الكتاب] (ص: ٦٦٥).\n(^٢) انظر: «الفصول» (٣/ ١١٣)، و«المعتمد» (٢/ ٦٤٣). وهذا قول عامة أصحاب أبي حنيفة، انظر: «أصول السرخسي» (١/ ٣٦٤)، و«ميزان الأصول» للسمرقندي (ص: ٤٣٣).\n(^٣) تقدم.\n(^٤) انظر: «المعتمد» (٢/ ٦٤٣).\n(^٥) انظر: «الميزان» (ص: ٤٤٤)، و«بذل النظر» (ص: ٤٨٢).","vol":"1","page":280},{"text":"وعند بعض الحنفية مرجوح (^١). وعند الشافعي (^٢): إذا رجح (^٣) أحد معنيي (^٤) اللفظ عمل به. وإلا فلا، [إذ] يجوز أن الراوي خالف لدليل ظنه.\nمسألة: لو اقتضى خبر الواحد علما وثم دليل قاطع يدل عليه قبل، لجواز أن يكون قد شافه الراوي. وإلا فيرد، إذ التكليف بالعلم مع أنه لا يفيده تكليف ما لا يطاق. وإن اقتضى عملا تعم به البلوى قبل خلافا للحنفية (^٥).\n• لنا: ما سبق. ورجوع الصحابة إلى عائشة في التقاء الختانين (^٦).\nاحتجوا بما سبق. وبرد أبي بكر خبر المغيرة في الجدة (^٧). وعمر خبر أبي موسى الأشعري في الاستئذان (^٨).\nالجواب: إنما ينفعكم أن لو لم تقبلوا إلا خبر التواتر. ثم النقض بأحكام القيء والرعاف والقهقهة في الصلاة، لثبوتها بخبر الواحد.\n_________\n(^١) لم أقف عليه، والذي عليه الحنفية: تقديم رأيه في ما لا يحتمل التأويل، وتقديم الخبر إن كان محتملا للتأويل، وكان فعله تبيينا لبعض محتملاته، ما لم يقع فعله قبل روايته أو لا يعلم التاريخ فيقدم الخبر، «الفصول» (٣/ ٢٠٣)، وتقويم «أصول الفقه» (١/ ٤٥٨)، و«أصول السرخسي» (٢/¬٥ - ٧).\n(^٢) انظر: «شرح اللمع» (٢/ ٦٥٦)، و«القواطع» (٢/ ٥٧٦).\n(^٣) في الأصل (ترجح).\n(^٤) في الأصل (معنى).\n(^٥) انظر: «الفصول» (٣/ ١١٣)، وتقويم أصول الفقه (١/ ٤٥١)، «الميزان» (ص: ٤٣٤)، و«بذل النظر» (ص: ٤٧٤).\n(^٦) تقدم.\n(^٧) رواه أبو داود (رقم: ٢٨٩٤)، والترمذي (رقم: ٢١٠١)، وابن ماجه (رقم: ٢٧٢٤)، من حديث قبيصة بن ذؤيب. قال الترمذي: \"حديث حسن صحيح\".\n(^٨) أخرجه البخاري (رقم: ٦٢٤٥)، ومسلم (رقم: ٢١٥٣) من حديث أبي سعيد.","vol":"1","page":281},{"text":"<span data-type='title' id=toc-338>الباب السابع في نقل الأخبار</span>\nوفيه مسائل:\nالأولى: إذا قال الصحابي: حدثني النبي ﵇، أو أخبرني، أو شافهني، فهو سماع منه. وإن قال: قال كذا، فظاهره من الصحابي السماع مع احتمال، إذ الواحد منا يقول كذلك.\nوإن قال: \"أمر بكذا\"، أو \"نهى\"، فالاحتمال الأول، مع اعتقاد ما ليس بإمر أمرا. وهو حجة عند الأكثرين، إذ ظاهر الإطلاق العلم بمراده ﵇.\nوإن قال: \"أمرنا\" أو \"نهانا\" أو \"أوجب علينا\" أو \"أباح لنا كذا\"، فهم منه ﵇ عند الشافعي ﵁ (^١)، خلافا للكرخي (^٢)؛ لأن غرض الصحابة تعليم الشرع، فيحمل على المشرع.\nوإن قال: \"من السنة\"، فسنة النبي، لما سبق. فإن احتج بقوله: «من سن سنة حسنة» (^٣). واشتقاق السنة من الاستنان. قلنا: ذاك بحسب اللغة، وما ذكرنا بحسب عرف الشرع.\nفإن قال: عن النبي كذا، فقيل: الأظهر السماع من النبي ﵇ (^٤). وقيل:\n_________\n(^١) انظر: «القواطع» (٢/ ٤٨٠).\n(^٢) انظر: «الميزان» للسمرقندي (ص: ٤٤٦). ووافقه صاحبه أبو بكر الرازي في «الفصول» (٣/ ١٩٧)\n(^٣) رواه مسلم (رقم: ١٠١٧) من حديث جرير بن عبد الله.\n(^٤) وسواء في ذلك الصحابي وغيره عند أهل الحديث، والقول بالاتصال هو المعروف بين أهل العلم بالحديث بحسب العرف، وقد حكي فيه الإجماع، انظر: «مقدمة الصحيح» لمسلم=","vol":"1","page":282},{"text":"كقول غير الصحابي (^١).\nوإن قال: \"كنا نفعل\" فهو تعليم للشرع.\nوإن قال قولا لا اجتهاد فيه، فالظاهر أنه عن سماع.\nالثانية: غير الصحابي إذا قال: أخبرني زيد. أو حدثني. أو سمعته.\nفللسامع أن يقول: حدثني، وأخبرني، وأسمعني الشيخ، إن قصد الشيخ إسماعه أو جماعة هو منهم. وإلا قال: سمعته يحدث.\nوإن قيل له: أسمعت الحديث، فقال: نعم. أو قرئ عليه، فقال: الأمر كما قرئ. فللسامع أن يقول: أخبرني، وحدثني، وسمعت.\nوإن كتب إلى غيره: سمعت كذا. فللغير إذا ظنه كتابه أن يقول أخبرني فقط. وإن أشار برأسه أو إصبعه. عمل به ولا يرويه.\nولو قيل له: حدثك فلان، فلم يقر ولم ينكر بإشارة ولا عبارة، عمل به وله روايته، خلافا للمتكلمين (^٢). وقيل: إنما يقول … ... … ... …\n_________\n= (١/¬٢٩)، و«معرفة علوم الحديث» للحاكم (ص: ٢٥) [ط الهندية]، و«الكفاية» لخطيب [ط ابن الجوزي] (٢/ ٥٣).\n(^١) لا أعلم من فرق بين رواية الصحابي وغيره في قولهم: عن فلان. وممن حكي عنه أن \"عن\" محمولة على الانقطاع: شعبة بن الحجاج، «العلل لأحمد» رواية عبد الله (٢/ ٤٥٥). ولكن ذكر ابن عبد البر في «التمهيد» (١/ ٣٠٨)، أن شعبة قد انصرف عن قوله هذا. وانظر: «المدخل» للبيهقي (١/ ٢٥٧).\n(^٢) لا أعرفه عن المتكلمين، وهو قول بعض الفقهاء المنتسبين للشافعي كالشيخ أبي إسحاق=","vol":"1","page":283},{"text":"أخبرني قراءة عليه (^١).\n• لنا: أن الخبر ما يفيد الخبرة والعلم. والسكوت كذلك. ولأن العرف كذلك. والخلاف جاز فيما إذا قال القارئ: أرويه عنك؟! فقال: نعم.\nحجة المتكلمين: أنه لم يسمع فقوله: سمعت أو حدثني كذب. وجوابه: أنه بعد نقل العرف ممنوع.\nوإن ناوله الشيخ كتابا وقال: سمعته. فله روايته. ولو قال: حدثه عني فقط، لم يحدثه. ولو سمع نسخة لم يرو غيرها، ولا يأذن في غيرها إلا أن يقابلها.\nولو قال الشيخ: أجزت لك أن تروي عني ما صح [عندي، فهو إباحة في الكذب، إلا أنه في العرف كقوله: ارو عني ما صح] (^٢) عندك إن سمعته.\nويجب العمل بهذه الطرق كلها لإفادتها الظن.\nالثالث (^٣): المرسل لا يقبل عند الشافعي (^٤) …\n_________\n= في «شرح اللمع» (٢/ ٦٥٢)، والسمعاني في «القواطع» (٢/ ٥٤٢). ونسب إلى بعض أهل الحديث وأهل الظاهر، انظر: «الكفاية» (٢/¬٣٨)، و«التلخيص» (٢/ ٣٨٨).\n(^١) هذا قول أبي نصر ابن الصباغ من أصحاب الشافعي، انظر: «المعرفة» لابن الصلاح (ص: ١٤١)، و«المنهل الروي» لابن جماعة (ص: ٢٦٠) [ط غراس]. ووافقه الغزالي في «المستصفى» (١/ ٤٢٢). وانظر: كتاب التسوية بين حدثنا وأخبرنا للطحاوي.\n(^٢) ما بين المعقوفين مستدرك في هامش الأصل مع التصحيح.\n(^٣) كذا في الأصل.\n(^٤) وإن قبله فبشروط وقرائن تعضده، انظر: «الرسالة» (ص: ٤٦١ - ٤٦٥)، و«الأم» =","vol":"1","page":284},{"text":"خلافا لأبي حنيفة (^١) ومالك (^٢) وجمهور المعتزلة (^٣)، لوجهين:\nالأول: أن عدالة الراوي مجهولة، فأشبه شاهد الفرع إذا لم يذكر الأصل.\nالثاني: أنه [يوجب] شرعا عاما، وفيه ضرر، فلم يقبل ما لم نعلم عدالته.\nاحتجوا بالإجماع، من وجوه:\nالأول: ما رواه أبو هريرة عنه ﵇، «من أصبح جنبا فلا صوم له». ثم قال: أخبرني به الفضل بن العباس (^٤). الثاني: قول البراء بن عازب: \"ليس كل ما حدثناكم به عن النبي سمعناه منه، غير أنا لا نكذب \" (^٥). الثالث: روى ابن عباس قوله-﵇: «لا ربا إلا في النسيئة». ثم أسنده إلى أسامة (^٦). ولم يظهر إنكار من أحد.\n_________\n= (٤/ ٣٩٠)، (١٠/¬٣٨، ١٨٤)، و«المدخل» للبيهقي (١/ ٣٧٤)، و«رسالة أبي داود لأهل مكة» (ص: ٢٤).\n(^١) انظر: «الفصول» (٣/ ١٤٦) و«التقويم» (١/ ٤٩٣)، و«أصول البزدوي» (ص: ٣٩٠)، و«أصول السرخسي» (١/ ٣٦٠). وكلامهم في مراسيل القرون المفضلة. وأما من بعدهم فاختلفوا فيهم.\n(^٢) انظر: «المقدمة» لابن القصار (ص: ٧١). و«التمهيد» لابن عبد البر (١/ ٢٩٤) [ط هجر]. وقال الباجي في «الإحكام» (١/ ٣٥٥): \"لا خلاف أنه لا يجوز العمل بمقتضاه إذا كان المرسل له غير محترز يرسل عن الثقات وغيرهم\".\n(^٣) انظر: «المعتمد» (٢/ ٦٢٨)، و«المجزي» (٢/ ١٨٢)، و«عيون المسائل» للجشمي (ص: ٢٠٧) [ط الإحسان].\n(^٤) رواه البخاري (رقم: ١٩٢٦)، ومسلم (رقم: ١١٠٩).\n(^٥) رواه أحمد في «العلل» (رقم: ٢٨٣٥) [رواية عبد الله]. والحسن بن سفيان في «المعرفة والتاريخ» (٢/ ٦٣٤) من حديث أبي إسحاق السبيعي عنه. وبمعناه في «المسند» (رقم: ١٨٤٩٣، ١٨٤٩٨)، و«العلل» (رقم ٣٦٧٥) [رواية عبد الله].\n(^٦) رواه البخاري (رقم: ٢١٧٨)، ومسلم (رقم: ١٥٩٦).","vol":"1","page":285},{"text":"والجواب: أن المسألة اجتهادية، فلعل بعضهم قال بها ولم ينكر الآخر.\nفروع:\n* الأول: المرسل أو الموقوف إذا أسنده أو وصله غيره قبل. ولو أسنده المرسل أو وصله قبل أيضا ما لم يطل الزمان، لبعد النسيان عادة. إلا أن يراجع كتابه. ولو أرسل خبرا جمعت الشرائط فيه قبل، كسعيد بن المسيب.\n* الثاني: أن من يرسل الأخبار إذا أسند خبرا، فمردود لضعف الأصل. ولأن ستره خيانة. وقبله من يقبل المرسل.\n* الثالث: من يقبل المرسل إنما يقبله بشرط أن يقول فيه: حدثني أو سمعت. ولو قال: أخبرني رد، لاحتماله غير المشافهة.\n* الرابعة: إذا سمى الأصل باسم لا يعرف به، فإن كان الشيخ مجروحا لم يقبل حديثه، لخيانته. وإن سكت لصغر سنه، فمن [يكتفى في] العدالة بمجرد الإسلام، أو يقبل المرسل قبله، وإلا فمرسل.\n* الخامسة: يجوز نقل الخبر بالمعنى - خلافا لابن سيرين وبعض - محدثين (^١) ـ، بشرط مطابقة الترجمة للأصل في الإفادة. والمساواة في الجلاء والخفاء وعدم الزيادة والنقصان، لوجوه:\n_________\n(^١) انظر: «العلل» لأحمد رواية عبد الله (٢/ ٣٩١)، و«المسند» للدارمي (١/ ٣٤٨)، و«المحدث الفاصل» للرامهرمزي (ص: ٥٥٣، ٥٥٧) [ط الذخائر]. وروي نحوه عن مالك، «مسند الموطأ» للجوهري (ص: ١٠٢)، ولكن أصحابه حملوه على الاستحباب والتحري دون الوجوب، انظر: «الإلماع» للقاضي عياض (ص: ٢٥٣). قلت: وهو الظاهر من كلام ابن سيرين أيضا.","vol":"1","page":286},{"text":"الأول: قوله ﷺ: (إذا أصبتم المعنى فلا بأس (^١).\nالثاني: أن الصحابة ما اعتادوا التكرار على ألفاظ الأحاديث، فروايتها بعينها بعيد مع قبولها.\nالثالث: القياس على شرح الشرع للعجم بلسانهم.\nاحتجوا بوجهين: قوله ﵇: «رحم الله امرءا سمع مقالتي» الحديث (^٢).\nالثاني: أنه لو جاز ذلك لجاز للثاني والثالث التبديل بلفظ آخر، فلا يبقى بين الأول والأخير مناسبة.\nوالجواب: أن من أدى تمام المعنى - ولو ترجمة - أدى كما سمع.\nالسادسة: إذا انفرد أحد الراويين بزيادة ولم تغير إعراب الباقي قبلت وإن اختلف المجلس، لاحتمال ذكرها في مجلس (^٣) دون مجلس.\nوكذا لو اتحد. خلافا لقوم (^٤). إلا أن يكون الساكت ممن يمتنع ذهوله عنها، أو أنه أضبط، أو صرح بنفي الزيادة للتعارض.\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في «المنتخب» (١١/ ٥٦٥)، والطبراني في «المعجم الكبير» (١٠/ ١٠٠) من حديث سليمان بن أكيمة الليثي. قال الجورقاني: \"حديث باطل وفي إسناده اضطراب\"، «الأباطيل» (١/ ٢٣٣). ومعناه روى عن جماعة من السلف، انظر: «العلم» لزهير بن حرب (ص: ٢٦)، والمحدث الفاصل (ص: ٥٥١) [ط الذخائر]، و«الكفاية» (١/ ٤٤٠).\n(^٢) تقدم.\n(^٣) (لاحتمال ذكرها في مجلس) تكرر في الأصل.\n(^٤) كأبي بكر الأبهري من المالكية، «البحر المحيط» (٤/ ٣٣١). وانظر: «الفصول» لأبي بكر الرازي (٣/ ١٧٧).","vol":"1","page":287},{"text":"وإن غيرت الزيادة إعراب الباقي لم تقبل. خلافا لأبي عبد الله البصري (^١)، لوجود التعارض.\nفرع: لو زاد الواحد مرة دون مرة، فإن اختلف المجلس قبلت.\nوإن اتحد، فإن [تغير] الإعراب لم تقبل، كما لو كانت مرات الزيادة أقل؛ لأن حمل الأقل على السهو أولى. إلا أن يقول: سهوت في الأكثر.\nولو استوى الزيادة وتركها، أو كانت الزيادة أكثر قبل، إذ نسيان ما سمع أكثر من توهم سماع ما لم يسمع.\n_________\n(^١) انظر: «المعتمد» (٢/ ٦١١).","vol":"1","page":288},{"text":"<span data-type='title' id=toc-345>الكلام في القياس وحده</span>\n[ذكر] القاضي أبوبكر أنه حمل معلوم على معلوم في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما بأمر جامع بينهما من حكم أو صفة أو نفيهما عنه (^١).\nواعترضوا عليه وقالوا: قوله: \"في إثبات حكم لهما\". مشعر بأن الحكم في الأصل والفرع يثبت بالقياس، وهو باطل. ثم أنه مخرج منه ثبوت الصفة بالقياس، والقياس الفاسد.\nوالأقرب ما ذكره أبو الحسين البصري (^٢)، وهو: تحصيل حكم الأصل في الفرع، لاشتباههما في علة الحكم عند المجتهد. ولا ينتقض بالتلازم والمقدمتين والنتيجة؛ لأنا نمنع كونهما قياسا، إذ القياس (^٣) تشبيه شيء بشيء، وهو معدوم فيهما.\nوالذي يشمل أنواع القياس: أن القياس قول مؤلف من أقوال إذا سلمت لزم عنها أقوال أخر.\n\n<span data-type='title' id=toc-346>مسألة في المقدمات:</span> الأصل في قياس الذرة على البر في الربا عند الفقهاء\n_________\n(^١) انظر: «التلخيص» (٣/ ١٤٥).\n(^٢) في «المعتمد» (٢/ ٦٩٧).\n(^٣) في الأصل (إذ لا لقياس). وهو غلط.","vol":"1","page":289},{"text":"هو البر (^١). وعند المتكلمين هو النص الدال على الحكم (^٢).\nوالحق أنه حكم البر وعلته؛ لأن حكم الذرة لا يتفرع على البر ما لم يثبت الحكم فيه بنص أو عقل. ثم نقول: الحكم أصل في محل الوفاق فرع في محل الخلاف؛ لأنا ما لم نعلم ثبوت الحكم في محل الوفاق لا نطلب علته. والعلة عكسه؛ لأنا نعرف العلة فيه ثم نفرع الحكم عليها. ثم إذا علمنا تعليل الأصل بوصف وعلمنا حصوله في الفرع كانت النتيجة معلومة وكان حجة بالاتفاق. وإن ظنناهما أو أحدهما كانت النتيجة ظنية وكان حجة في الأمور الدنيوية بالاتفاق، وفي الشرعيات فيه خلاف. ونعني بكونه حجة: وجوب العمل به والفتوى لغيره.\nوالجمع بين الأصل والفرع تارة باستخراج الجامع. وتارة بإلغاء الفارق. ويسمى الغزالي (^٣) الأول تخريج المناط، والثاني تنقيح المناط.\n_________\n(^١) انظر: «الحدود» للباجي (ص: ١٢١)، و«الحدود» للخبوشاني (١/ ٥٢)، و«القواطع» (٣/ ٩٤٢)، و«رفع الحاجب» (٤/ ١٥٧).\n(^٢) انظر: «المعتمد» (٢/ ٧٠٠)، و«المجزي» (٣/ ٣٤٧).\n(^٣) في «المستصفى» (٢/ ٨٧٦).","vol":"1","page":290},{"text":"<span data-type='title' id=toc-347>القسم الأول: في أن القياس الشرعي حجة</span>\nوفيه اختلاف (^١)، قيل: يجوز التعبد به سمعا. وقيل: عقلا. وهؤلاء اختلفوا في وقوعه. وقيل: لا يجوز عقلا. وقيل بالمنع عقلا وشرعا. والنظام خصص المنع بشرعنا؛ لأن مبناه على الجمع بين المختلفات والفرق بين المتماثلات، بدليل أنه فرق بين الأزمنة والأمكنة في الشرف مع استواء الحقائق. وسوى بين الماء والتراب في الطهورية، من أن التراب مشوه. وجعل الحرة الشوهاء محصنة دون الجارية الحسناء. وقطع سارق القليل دون غاصب الكثير. وفرق بين عدة الموت والطلاق. وقيل في القتل والكفر شاهدين، والزنا أربعة. وحينئذ يمتنع القياس؛ لأن مبناه على أن الصورتين لما اشتركتا في الحكمة لزم اشتراكهما في الحكم، وهو باطل.\nوجوابه: أن الصور القليلة لا تقدح في الظن الحاصل من الصور الغالبة الكثيرة.\nحجتنا وجوه:\nالأول: قوله تعالى: ﴿فاعتبروا يأولي الأبصار﴾ [الحشر: ٢]. والاعتبار من العبور، يقال: عبرت عليه. وعبر النهر. والمعبر ما يعبر فيه. والقياس: عبور من الأصل إلى الفرع.\nولا يقال: إنه الاتعاظ، إذ لا يقال للقايس الذي لم يتفكر في معاده: أنه\n_________\n(^١) انظر تحرير المذاهب في «المنتخب» (ص: ٤٧٩ - ٤٨٢).","vol":"1","page":291},{"text":"معتبر. وقوله تعالى: ﴿إن في ذلك لعبرة﴾ [النازعات: ٢٦]. ويقال: \"السعيد من اعتبر بغيره\"، والمراد الاتعاظ، لسبق الفهم إليه. على أنا لو حملنا قوله تعالى: ﴿يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين﴾ [الحشر: ٢]، \"فقيسوا الذرة على البر\". كان ركيكا. ثم المجاوزة مشتركة بين القياس الشرعي والدليل العقلي والنص والبراءة الأصلية. وهو عام فلا يدل عليه بلفظه ولا بمعناه.\nلأنا نقول: جعله حقيقة في المجاوزة أولى لوجوه: أولا: أنه يقال، فاتعظ. ثانيا: أن الركاكة إنما جاءت لعدم المناسبة بينهما. وثالثا: لابد له من نوع، وليس البعض أولى، فيجب الكل.\nالثاني: قوله ﷺ لمعاذ وأبي موسى - لما قالا: \"إذا لم نجد الحكم في النص نقيس الأمر بالأمر\" -: «أصبتما» (^١).\nالثالث: قوله ﵇ لابن مسعود: «اقض بالكتاب والسنة، فإن لم تجد فاجتهد رأيك» (^٢).\nفإن قلت: إنه يناقض قوله تعالى: ﴿ما فرطنا في الكتاب من شيء﴾\n_________\n(^١) كذا، وأصل هذا النقل في «الفصول» للرازي (٤/¬٤٩)، فقد علقه من حديث موسى بن عبيدة، عن عبد الله بن عتبة. ولم أقف عليه من هذا الوجه. وهو مشهور من حديث معاذ وحده، أخرجه أبو داود (رقم: ٣٥٩٢، ٣٥٢٣)، والترمذي (رقم: ١٣٢٨، ١٣٢٩)، من حديث الحارث بن عمرو وهو ابن أخي المغيرة، عن أناس من أصحاب معاذ بن جبل. قال الترمذي: \"لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وليس إسناده عندي بمتصل\". وقال البخاري: \"لا يصح، مرسل\"، «التاريخ الكبير» (٢/ ٢٧٧).\n(^٢) لم أقف عليه إلا موقوفا من قول عبد الله بن مسعود ﵁ بنحوه، أخرجه النسائي (رقم: ٥٣٩٧)، والدارمي في «المسند» (رقم: ١٧٣)، وابن المنذر في «الأوسط» (٦/ ٥٣٦). قال النسائي: \"هذا الحديث جيد جيد - مرتين ــ \".","vol":"1","page":292},{"text":"[الأنعام: ٣٨]. ثم الاجتهاد محمول على طلب الحكم من النص الخفي. وقوله: «فإن لم تجد»، لا ينفيه، لصحة الاستفهام. على أنا نحمله على البراءة الأصلية، أو على قياس النص على علته، أو على تحريم الضرب على تحريم التأفيف. ثم الخبر مرسل فلا حجة فيه.\nقلت: الجواب عن الأول: مراد الآية اشتمال الكتاب على كل الأمور ابتداء أو بواسطة، والكتاب يدل على المطلوب بواسطة.\nوعن الثاني: أنه عام، لصحة الاستثناء.\nوعن الثالث: أن ذلك معلوم من غير اجتهاد.\nوعن الرابع: أن القياسين لا يفيان بمعرفة الأحكام كلها، فنحمله على القياس الشرعي للإجماع على الحصر.\nوأما الحديث، فإن الأمة تلقته بالقبول.\nالرابع: أن بعض الصحابة ﵁ استعمل القياس ولم ينكر الباقون فكان إجماعا. روي أن عمر قال لأبي موسى الأشعري: \"اعرف الأشباه والنظائر، وقس الأمور برأيك (^١). وقد اجتهدوا في \"مسألة الحرام\" (^٢)، فقال أبو بكر\n_________\n(^١) أخرجه عمر بن شبة في (تاريخ المدينة) (٢/ ٧٧٥)، والبلاذري في «أنساب الأشراف» (١٠/ ٣٨٩)، ووكيع بن خلف في «أخبار القضاة» (١/ ٧٠، ٢٨٣)، والدارقطني في «السنن» (٥/ ٣٦٧ - ٣٧٠) في آخرين. وانظر: «معرفة السنن» (١٤/ ٢٤١)، و«مسند الفاروق» (٢/ ٤٣٥ - ٤٣٩)، و«إعلام الموقعين» (١/ ١٨٧).\n(^٢) انظر أقوالهم مسندة في: «المصنف» لعبد الرزاق (٥/ ٤٠٩) [ط التأصيل]، و«المصنف» لابن أبي شيبة (١٠/ ٢٠٥) [ط الشثري]، و«الأوسط» لابن المنذر (٩/ ١٨٨)، و«المحلى» لابن حزم (١٣/ ٣١٣) [ط ابن حزم].","vol":"1","page":293},{"text":"وعمر وعائشة: تبين. وعلي وزيد: ثلاث طلقات. وابن مسعود: طلقة واحدة. وابن عباس: ظهار. وفي \"الخلع\" (^١)، قال عثمان مرة: إنه طلاق. ومرة: ليس بطلاق، وبه قال ابن عباس. وذلك يدل على أنه عن اجتهاد لا عن نص (^٢)، وإلا لما تخالفوا. وأما أنه لم ينكر البعض، فلأن القياس أصل عظيم في الشرع، فلو أنكر بعضهم لنقل واشتهر، فلما لم ينقل دل على إجماعهم على جوازه، وإلا كانوا مجمعين على الخطأ، وذلك باطل.\nالخامس: العمل بالقياس يدفع ضررا مظنونا؛ لأن من ظن تعليل الحكم في الأصل بوصف وظن وجوده في الفرع ظن أن حكمه حكمه وعنده علم بأن مخالفة حكم الله سبب للعقاب فيظن أن مخالفة هذا يوجب العقاب، فيجب العمل به دفعا للضرر، إذ ترجيح الراجح واجب.\nفإن قيل: ينتقض بالشاهد الواحد في المال، والاثنين في الزنا. وبظن صدق مدعي النبوة، فإنه مغلب على الظن ولا عمل به. سلمناه، لكن إنما يجوز العمل بالظن إذا لم يمكن تحصيل العلم، [وذلك] يمكن بالرجوع إلى النصوص أو إلى إمام معصوم. ثم ما ذكرتموه معارض بوجوه:\nالأول: قوله تعالى: ﴿إن الظن لا يغني من الحق شيئا﴾ [النجم: ٢٨].\nالثاني: قوله تعالى: ﴿وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾ [الأعراف: ٣٣].\nالثالث: قوله ﷺ: «تعمل هذا الأمة برهة بالكتاب وبرهة بالسنة، فإذا\n_________\n(^١) انظر: «السنن» لسعيد (٢/ ٨٦)، و«الأوسط» (٩/ ٣٢١)، و«المحلى» (٥/¬١٤).\n(^٢) في الأصل (بعض).","vol":"1","page":294},{"text":"فعلوا ذلك فقد ضلوا» (^١).\nالرابع: قوله ﵇: «ستفترق أمتي» إلى قوله: «أعظمهم فتنة قوم ينسبون الأمور برأيهم» (^٢) الحديث.\nالخامس: أن بعض الصحابة ذم القياس، ولم ينكر البعض فكان إجماعا. روي أن أبا بكر قال: \"أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله برأيي؟ \" (^٣).\nوقال عمر: \"أياكم وأصحاب الرأي، فإنهم أعداء السنن\" (^٤). وقال علي: \"لو كان الدين يؤخذ قياسا لكان باطن الخف أولى بالمسح من ظاهره\" (^٥). وتمام التقرير ما ذكرتم.\nالسادس: أن العمل بالقياس يوجب النزاع، فإنه تمسك بالأمارات، والنزاع منهي عنه بقوله تعالى: ﴿ولا تنزعوا فتفشلوا﴾ [الأنفال: ٤٦].\nوالجواب عن النقض: أن عدم جواز العمل في تلك الصورة دل عليه\n_________\n(^١) أخرجه ابن عدي في «الكامل» (٣/¬٢٣)، وابن عبد البر في «جامع بيان العلم» (رقم: ١٩٩٩) من حديث أبي هريرة. أنكره الإمام أحمد جدا. انظر: «العلل» رواية عبد الله (١/ ٤٧٠)، و«الضعفاء» للعقيلي (١/ ٢٠٦).\n(^٢) أخرجه البزار في «المسند» (رقم: ٢٧٥٥)، والطبراني في «الكبير» (١٨/¬٥٠)، و«مسند الشاميين» (رقم: ١٠٧٢) من حديث عوف بن مالك. قال البزار: \"لا نعلم أحدا حدث به إلا نعيم بن حماد، ولم يتابع عليه\".\n(^٣) انظر: «فضائل القرآن» لأبي عبيد (ص: ٣٧٥)، و«جامع البيان» لأبي جعفر (١/ ٧٢).\n(^٤) انظر: «السنن» للدارقطني (رقم: ٤٢٨٠)، و«شرح أصول اعتقاد أهل السنة» للالكائي (١/ ١٣٨ - ١٣٩)\n(^٥) انظر: «السنن» لأبي داود (رقم: ١٦٢، ١٦٣، ١٦٤). وانظر في تحرير لفظه: «العلل» للدارقطني (٤/¬٤٤).","vol":"1","page":295},{"text":"دليل قاطع، بخلاف القياس.\nوعن الثاني: أن قبل ظهور العلم لابد من العمل بالظن الراجح؛ لأنه قائم مقامه في الشرعيات. وقد سبق الجواب عن الكتاب.\nوأما ذم النبي وأصحابه القياس، فمحمول على قياس لم تتم فيه شرائطه. وصريح الرد معارض بصريح الدلالة.\nوأما المعقول، فمنقوض بالعمل بالفتاوى والشهادة والأمور الدنيوية. والله أعلم.\nالثانية: النص على علة الحكم ليس أمرا بالقياس. خلافا لأبي الحسين والنظام وبعض الفقهاء (^١)؛ لأن قوله: \"حرمت الخمر لأنها مسكرة\" يحتمل أن تكون العلة إسكار الخمر، فلابد من أمر آخر بالقياس.\nفإن قيل: خصوص المحل لا يكون قيدا في العلة وإلا لانجر ذلك في كل قياس عقلي. ثم العرف أسقط اعتبار هذا الجائز، إذ قول الوالد لولده: \"لا تأكل الحشيشة؛ لأنها سم\" [يقتضي] منعه عن أكل كل حشيشة كذلك.\nواحتج البصري (^٢) بأن من نهى عن أكل رمانة لحموضتها عم الرمان الحامض. ومن أمر بأكل رمانة حامضة لا يعم.\n_________\n(^١) انظر: «المعتمد» (٢/ ٧٥٣).\n(^٢) البصري هو أبو عبد الله شيخ القاضي عبد الجبار. ولم يتقدم قوله، فلعل المؤلف سهى عنه، أو سقط على الناسخ ذكره. ومذهبه: أن التنصيص على العلة يقتضي الأمر بالتعبد بها في الترك دون الفعل. انظر: «المعتمد» (٢/ ٧٥٣).","vol":"1","page":296},{"text":"والجواب عن الأول: أن هذا الاحتمال متى وجد منع القياس. وعن الثاني: أن ذلك لقرينة الشفقة. وعن الثالث: منع العموم في النهي، لاحتمال اختصاص تلك الحموضة بالمنع. وأما عدم عموم الأمر، فذلك لعدم عموم الداعي والحاجة.\nالثالثة: القياس منه جلي، كقياس تحريم الضرب على تحريم التأفيف.\nوقيل (^١): المنع من التأفيف منقول بالعرف عن وضعه اللغوي إلى المنع من كل أذى؛ لأنه أثبته من لم يقل بالقياس.\nوالجواب عن الأول: أن اللفظ لم يدل عليه لغة، إذ التأفيف غير الضرب. فكذا عرفا، إذ النقل خلاف الأصل. وعن الثاني: أن القياس يقيني فلم يقدح فيه المعنى الظني.\nالرابعة: الفرع يكون أقوى من الأصل إذا كان الأصل ظنيا، كقياس تحريم الضرب على التأفيف.\n_________\n(^١) انظر: «المعتمد» (٢/ ٧٥٩).","vol":"1","page":297},{"text":"القسم الثاني: فيما به يعرف أن الوصف علة\nقال نفاة القياس: العلة إما مؤثر أو داعي أو معرف. والأول باطل؛ لأن الحكم خطاب الله تعالى القديم، فيمنتع تعليله بالمحدث. والثاني باطل؛ لأن الفاعل لغرض مستكمل به، وزواله ممكن، وذلك نقص. والثالث باطل أيضا؛ لأن النص يعرف حكم الأصل، ثم بعده يعرف علية الوصف.\nوالجواب: المعني بها عندنا: المعرف (^١)، وإنما يعرف الوصف من الحكم في الفرع دون الأصل. والله أعلم.\n• الباب الأول: فيما به تعرف علية الوصف، وهي عشرة:\n\n<span data-type='title' id=toc-353>الأول: النص،</span> إما بتصريح قاطع، كقوله: العلة كذا، أو لأجل كذا، أو بلفظ يحتمل العلية، وهو \"اللام\" و\"إن\" و\"الباء\"، قال الله تعالى: ﴿ذلك بأنهم شاقوا الله﴾ [الحشر: ٤].\nفإن قيل: \"اللام\" ليست للعلية لوجهين: الأول: أنها تدخل على العلة. الثاني: قوله تعالى: ﴿ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا﴾ [الأعراف: ١٧٩]. و\"أصلي الله\". وليس جنهم وذات الله عرضا.\nقلنا: مع تصريح أهل اللغة بأنها للعلية يكون هذا الاستعمال مجازا.\n_________\n(^١) في الأصل (العرف المعرف).","vol":"1","page":298},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-354> الثاني: الإيماء،</span> وهو خمسة أنواع:\nالأول: تعليق الحكم بالوصف بإدخال \"الفاء\"، فيدخل على الوصف والحكم المتأخرين.\nفرع: ترتيب الحكم على الوصف يشعر بعليته. وقال قوم (^١): إنما يشعر المناسب لنا. أنه يستقبح قوله: \"أكرم الجاهل وأهن العالم\" لجعله الجهل والعلم علة لذلك. وأن استحقاق ذلك بسبب آخر. ولأنه لم يوجد غير هذا الوصف بالأصل.\nالثاني: الحكم على السائل عند العلم بالوصف منه يشعر بالعلية، كقوله: أفطرت. فقال: عليك الكفارة. إذ السؤال معاد بالجواب.\nالثالث: أن يذكر في الحكم وصفا لو لم يصلح علة لضاع ذكره كقوله ﵇: «إنها ليست بنجسة إنها من الطوافين» (^٢). وقوله: «تمرة طيبة وماء طهور» (^٣).\nوقوله: «أينقص الرطب إذا جف» (^٤). وقوله: «أرأيت لو تمضمضت بماء» الحديث (^٥).\n_________\n(^١) كأبي المعالي وابن السمعاني والغزالي، انظر: «البرهان» (٢/ ٨٠٩)، و«القواطع» (٣/ ٩٩٨)، و«شفاء الغليل» (ص: ٦١) فما بعدها.\n(^٢) رواه أبو داود (رقم: ٧٥)، والترمذي (رقم: ٩٢)، والنسائي (رقم: ٦٨)، وابن ماجه (رقم: ٣٦٧) من حديث أبي قتادة. قال الترمذي: \"حسن صحيح\".\n(^٣) أخرجه أبو داود (رقم: ٨٤)، والترمذي (رقم: ٨٨) وابن ماجه (رقم: ٣٨٤) من حديث ابن مسعود. وضعفه الترمذي.\n(^٤) رواه أبو داود (رقم: ٣٣٥٩)، والترمذي رقم: ١٢٢٥)، والنسائي (رقم: ٤٥٤٥)، وابن ماجه (رقم: ٢٢٦٤) من حديث سعد ابن أبي وقاص. قال الترمذي: \"حسن صحيح\".\n(^٥) رواه أبو داود (رقم: ٢٣٨٥)، والنسائي في «الكبرى» (رقم: ٣٠٣٦). قال النسائي: \"حديث منكر\".","vol":"1","page":299},{"text":"الرابع: أن يقول الشارع في الحكم بين شيئين بذكر وصف لو لم يكن علة ضاع ذكره. وقد يكون في خطابين، كقوله ﷺ: «القاتل لا يرث» (^١) مع تقدم بيان الورثة. أو في خطاب وتقع التفرقة بلفظ الشرط، كقوله ﷺ: «إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم» (^٢). وبالغاية والاستثناء والاستدراك واستئناف صفة مؤثرة من صفاته.\nالخامس: النهي عن فعل ما يمنع واجبا بحيث يشعر أنه لكونه مانعا، كقوله تعالى: ﴿فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع﴾ [الجمعة: ٩].\nفرع: قد يترك ظاهر الإيماء، كتركنا إيماء قوله ﵇: «لا يقضي القاضي وهو غضبان» (^٣). [لعلمنا] أن المانع إنما هو المخل بالفكر، كالجوع والألم المبرحين، لا يسير الغضب.\n\n*<span data-type='title' id=toc-355> الثالث: المناسبة،</span> وقد عرفها من يعلل أحكام الله تعالى بالحكم بجلب المنفعة ودفع المفسدة والمنفعة اللذة، والمفسدة الألم، وتصورهما بديهي. ومن لم يعلل قال: إنه الملائم لأفعال العقلاء عادة، يقال: هذا القميص يناسب هذه العمامة.\nثم المناسب إما حقيقي أو إقناعي. والأول إما لمصلحة دينية، كتهذيب الأخلاق ورياضة النفس. أو دنيوية، وهي أما ضرورية، كحفظ النفس والمال والنسب والدين والعقل، ولكل منها حكم يحفظه، أو حاجية، كتزويج\n_________\n(^١) تقدم.\n(^٢) رواه مسلم (رقم: ١٥٨٧) من حديث عبادة.\n(^٣) أخرجه البخاري (رقم: ٧١٥٨)، ومسلم (رقم: ١٧١٧) من حديث أبي بكرة بنحوه.","vol":"1","page":300},{"text":"الصغيرة، أو لا، كالتحسينات والحث على مكارم الأخلاق. والإقناعي إما يظهر بأول نظر مناسبته ويزول عند التحقيق، كمناسبة النجاسة لحرمة البيع؛ لأنها تناسب الإهانة، وتجويزه يناسب الإكرام وبينهما تناقض.\nثم المناسب إما أن يعتبر الشارع [في] كل منها نوعه في نوع الحكم، كإثبات تحريم النبيذ بالمسكر، لاعتباره في تحريم الخمر. أو في جنسه كإثبات تقديم الأخ من الأب في ولاية النكاح بالأخوة من الأبوين لاعتبارها في ولاية الميراث. والأول أظهر، لقلة الاختلاف.\nأو جنسه في نوعه، كإثبات سقوط الصلاة عن الحائض بالمشقة، لاعتبارها في سقوط ركعتين في السفر. أو في جنسه، كإقامة حد الشرب مقام القذف، إقامة مظنة الشيء مقامه، قياسا على إقامة الخلوة مقام الوطء في الحرمة.\nأو يلغيه، وهو ساقط. أو يجهل حاله، فإنما يكون بحسب وصف أخص من كونه مصلحة، فيعتبر ويسمى مصلحة مرسلة.\nوالمناسب إما ملائم أوغير ملائم. والأول إما أن يشهد له أصل معين أو لا. والأول مقبول وفاقا والثاني مردود وفاقا. وإما وصف ملائم لم يشهد له أصل معين فمصلحة مرسلة. وإما وصف غير ملائم وشهد له أصل فمناسب غريب.\nمسألة: المناسبة لا تبطل بالمعارضة لوجهين:\nالأول: أن المتساويين في المصلحة والمفسدة يمتنع بطلان أحدهما","vol":"1","page":301},{"text":"دون الآخر، لعدم المقتضي للبطلان.\nالثاني: جواز اجتماع المصلحة والمفسدة فيهما، كالصلاة في الدار المغصوبة يفيد المطلوب؛ لأن المفسدة والمصلحة إن تساوتا اندفعتا فلم يحصل ذم ولا مدح، وإلا رجعت المرجوحية فلم يحصل الذم أو المدح.\nمسألة: المناسبة تقتضي العلية؛ لأن الله تعالى شرع الأحكام لمصلحة العبد، لوجوه:\nالأول: تخصيص الواقعة بالحكم المعين لمرجح عائد إلى العبد، وإلا لزم الترجيح من غير مرجح، وغيرها باطل بالإجماع.\nالثاني: أن الفعل من غير مصلحة عبث، والله تعالى منزه عنه إجماعا وبالآيات الدالة على نفيه.\nالثالث: أنا رأينا المصلحة دائرة مع شرع الحكم وجودا وعدما، والدوران يفيد العلية.\nالرابع: قوله تعالى: ﴿يريد الله بكم اليسر﴾ [البقرة: ١٨٥]. ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ [الحج: ٧٨]. وقوله ﵇: «لا ضرر ولا ضرار في الإسلام» (^١). وهذا مصلحة، فنظن أنه شرع الحكم له كالشاهد. أما المعتزلة،\n_________\n(^١) يروى من وجوه، منها حديث عبادة، أخرجه ابن ماجه (رقم: ٢٣٤٠)، وعبد الله في زوائد «المسند» (رقم: ٢٢٧٧٨). وحديث ابن عباس، عند ابن ماجه (رقم: ٢٣٤١)، والإمام أحمد (رقم: ٢٨٦٥). ورواه مالك (٢/ ٧٤٥) من حديث يحيى المازني مرسلا. قال ابن المنذر في «الأوسط» (٧/ ١٦٤): \"هذه اللفظة يرددها كثير من أهل العلم في كتبهم، ولا أعلم ذلك يثبت متصلا\".","vol":"1","page":302},{"text":"فقد صرحوا بالغرض. وصرح الفقهاء بأنه تعالى شرع الحكم لكذا، ويكفرون من يقول بالغرض، مع أنه لا فرق.\nفإن قيل: ماذكرتموه معارض بوجوه:\nالأول: أن الله تعالى خلق كفر العبد ومعصيته، فلابد له من مرجح، فإن كان فعل العبد واقعا بالله تعالى كان تعالى فاعلا لكفره ومعصيته، فيصدق أنه يفعل لغير مصلحة العبد. وإن وقع بالعبد، فإن لم يتمكن من الترك عاد المحذور. وإن تمكن، فلابد من مرجح مخلوق الله تعالى دفعا للتسلسل، فيعود المحذور.\nالثاني: تكليف ما لا يطاق (^١)، ركب الشهوة والغضب في خلقه حتى يقتل بعضهم بعضا، مع قدرته على خلقهم ابتداء معصومين. [فإن قلت] (^٢): ليعطيه العوض في الآخرة أولمصلحة مكلف آخر. قلت: لو أعطاه كان أصلح له، ولا يحسن إيلام مكلف لمصلحة آخر.\nوالجواب عن الأول: أنه قدح في التكليف، والقياس فرعه ولا يسمع ههنا. ولأنا لا نقول بتعليل أحكام الله تعالى. بل نقول: يفعل لمصلحة العبد تفضلا منه. ثم ينتقض بتعليل أفعالنا بالأغراض.\n\n<span data-type='title' id=toc-356>الرابع: الوصف المؤثر </span>في جنس الحكم يفيد العلية، كقولهم: الأخ من الأبوين مقدم في الميراث، فيقدم في النكاح. وهذا إنما يتم بالمناسبة أو السبر.\n_________\n(^١) كذا، وفي السياق قلق مع وضوح المراد منه.\n(^٢) في الأصل (الثالث) ولا معنى له.","vol":"1","page":303},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-357> الخامس: [الشبه]،</span> قال القاضي أبوبكر (^١): هو الوصف المستلزم لما يناسب الحكم بذاته. والحق أنه الذي يستلزم المناسب في [الصفة] (^٢) أو الحكم.\nوهو يفيد ظن العلية. خلافا له (^٣)، لاستلزامه إياه. ولأن إسناده إليه أغلب على الظن من غيره. والعمل بالظن واجب.\nاحتج القاضي بأن الوصف إن كان مناسبا فهو معتبر وفاقا. وإلا كان طرديا مردودا وفاقا.\nوجوابه المنع، فإن المستلزم للمناسب إذا عرف بالنص تأثير جنسه القريب في الجنس القريب لذلك الحكم فهو عندنا معتبر.\n\n*<span data-type='title' id=toc-358> السادس: الدوران </span>وجودا وعدما في صورة أو أكثر يفيد ظن العلية. خلافا لقوم (^٤).\nلنا وجهان:\nالأول: أن الحكم لابد له من علة، وغير المدار لم يوجد قبل الحكم،\n_________\n(^١) انظر: «التلخيص» (٣/ ٢٣٥).\n(^٢) تحرف في الأصل إلى (الصلاة).\n(^٣) يعني القاضي، انظر: «التلخيص» (٣/ ٢٣٦).\n(^٤) فلا يفيد عندهم الظن ولا اليقين، وهذا قول أبي الحسن الكرخي، «الفصول» (٤/ ١٦٠) وعليه أكثر أصحابه، «التقويم» (٢/ ٦٦٠). وإليه صار القاضي أبو بكر في من وافقه، وهو المنقول عن أصحاب مالك، «التلخيص» (٣/ ٢٥٧)، و«الإحكام» للباجي (٢/ ٦٥٥)، وجماعة من أصحاب الشافعي، كأبي إسحاق وابن السمعاني، «شرح اللمع» (٢/ ٨٦٤)، «القواطع» (٣/ ٩٧٥). وانظر: «شفاء الغليل» (ص: ٢٦٦)، و«الوصول» (٢/ ٢٧٨)، و«المقترح» للبروي (ص: ٢٣٦).","vol":"1","page":304},{"text":"وإلا لزم التخلف، والأصل بقاؤه على العدم.\nالثاني: أن من دعي باسم مرارا فغضب، وبغيره لا يغضب، ظن أنه غضب [للدعاء به].\nاحتجوا بوجهين:\nالأول: بعض الدوران لا يفيد ظن العلية، كدوران العلة مع المعلول، والحكم مع جزء العلة وشرطه، وأحد المضافين وأحد الحوادث مع الآخر، والعلم مع المعلوم، فكذلك الكل.\nالثاني: الطرد لا يفيد العلية وفاقا، والانعكاس لا يفيده شرعا، فكذا المجموع.\n\n<span data-type='title' id=toc-359>السابع: السبر والتقسيم،</span> فإما منحصر أو منتشر. فالأول معتبر في العقليات والشرعيات وفاقا، كقولنا: علة حرمة الربا الطعم والكيل إجماعا، وليس الكيل، فتعين الطعم. والثاني كما إذا لم يدع الإجماع فيما ذكرنا، فإنه يفيد ظن العلية.\nفإن قلت: أمنع الحصر ثم بعض الأحكام لا يعلل، كعلية العلة، دفعا للتسلسل.\nقلنا: إذا أمعن المجتهد في طلب العلل وفسدت عنده إلا أحدها، تعين عليه العمل بها. والمناظر تلوه. وجواب الثاني: ما سبق من تعليل الأحكام بالمصالح.\n\n<span data-type='title' id=toc-360>الثامن: الطرد،</span> وهو الوصف الذي لا يناسب الحكم ولا يستلزم ما","vol":"1","page":305},{"text":"يناسبه، مع مقارنة الحكم الوصف في كل ما عدا محل النزاع. [وهو] يفيد ظن العلية. وقيل: يكفي مقارنته له في صورة (^١).\nدليلنا وجهان: الأول: إلحاق النادر بالغالب. الثاني: إذا رأينا فرس القاضي بباب الأمير ظننا أنه عنده.\nاحتجوا بالحد مع المحدود والجواهر مع العرض وذات الله مع صفاته، والاقتران موجود ولا علية. وجوابه النقض بالغيم الرطب، والمناسبة والدوران والإيماء، فإن التخلف عنها لا يقدح ظاهرا.\n\n*<span data-type='title' id=toc-361> التاسع: تنقيح المناط،</span> وهو إلغاء الفارق. وقالت الحنفية: هو الاستدلال (^٢). ويورد بوجهين: أجودهما أن الحكم له علة وهو إما المشترك بين الأصل والفرع، أو المختص بالأصل، والثاني باطل فتعين الأول.\n* العاشر: بطلان قول من أثبت العلة بعجز الخصم عن إبطالها؛ لأنه ليس أولى من العكس. وأضعف منه قوله: \"هذا عبور من الأصل إلى الفرع، فيندرج تحت قوله: ﴿فاعتبروا﴾. أو أنه تسوية بينهما فيؤمر به، لقوله تعالى: ﴿إن الله يأمر بالعدل﴾ [النحل: ٩٠]. والكل باطل لانتفاء العلة. والله أعلم.\n_________\n(^١) لم أتبين القائل.\n(^٢) انظر: «الفصول» (٤/ ٢١٧).","vol":"1","page":306},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-363> الباب الثاني: في مفسدات العلة،</span> وهي أربعة:\n<span data-type='title' id=toc-364>[الأول: النقض]،</span> وهو أن تخلف الحكم عن الوصف قادح في العلية. وقيل: لا يقدح إن تخلف لمانع (^١). وقيل: بالعكس. وقيل: لا يقدح إن ثبتت عليته بالنص (^٢). وبهما (^٣) قال الأكثر.\nلنا: أن الوصف حصل في الأصل مع الحكم، وحصل مع الفرع بدون الحكم، فليس إلحاقه [بأحدهما] أولى من الآخر. ويتأكد هذا بأن إحالة عدم الحكم على عدم المقتضي أولى من إحالته على المنع.\nاحتجوا بأن علل الشرع أمارات فلا تفسد بالتخلف، كالغيم الرطب.\nولأن بعض الصحابة قال بتخصيص العلة، قال ابن مسعود: هذا حكم معدول به عن القياس. وعن ابن عباس مثله (^٤). ولم ينكر أحد فكان إجماعا.\nوالجواب عن الأول: أن الأمارة إنما تفيد ظن الحكم إذا غلب على الظن انتفاء ما يلازمه انتفاء الحكم. وذلك لا ينافي قولنا. وعن الثاني: أنهم لم يجوزوا التمسك به.\n_________\n(^١) كأن هذا من جنس التوفيق بين القولين وليس قولا مستقلا في المسألة. وانظر للكشف عن مآخذ هذه المسألة في «شفاء الغليل» للإمام أبي حامد (ص: ٤٥٨).\n(^٢) حكاه عن الأكثر أبو المعالي في «البرهان» (٢/ ٩٧٧، ٩٩٨). وانظر: «بذل النظر» للأسمندي (ص: ٦٣٥)، و«المعتمد» (٢/ ٨٢٢)، و«البحر» (٥/ ١٣٧، ٢٦٢).\n(^٣) أي إن تخلف لمانع، أو ثبتت عليته بالنص.\n(^٤) لم أقف عليهما.","vol":"1","page":307},{"text":"ثم دفع النقض بأحد أمرين:\nالأول: منع وجود الوصف، إما بوجود قيد فيه - ولو طردي ـ، فلو استدل المعترض على وجوده لم يمكن؛ لأنه انتقال إلى مسئلة أخرى، فإن قال: دليلك على وجوده في الفرع يقتضي وجوده فيها، فهذا لو صح كان سؤالا آخر.\nالثاني: منع عدم الحكم إن كان مذهب المعلل تحقيقا أو تقديرا، كما لو قال: ملك الأم علة لرق الولد، فينقض بولد المغرور بحريتها، فإنه حر.\nفيقول: رقية الولد مقدرة، بدليل القيمة، فأمنع، والمنع قد يكون جليا وخفيا.\nفروع:\n* الأول: إذا تخلف الحكم لغير مانع قدح في العلة. خلافا لقوم (^١)؛ لأن العلة إذا كانت مستلزمة للحكم بقيت أبدا حتى يوجد المزيل.\n* الثاني: لا يجب ذكر نفي المانع، إذ المقصود ذكر المؤثر. وقيل: يجب (^٢)، إذ المعرف الوصف السالم عن المانع، خالفناه في نفي كل مانع للمشقة، فيبقى المانع المجمع عليه.\n_________\n(^١) هذا قول بعض المعتزلة وحنفية العراق، انظر: (المغني) (١٧/ ٣٣٧)، و«المجزي» (٤/¬٣٢)، و«الفصول» (٤/ ١٦٢، ٢٥٥)، و«التقويم» (٢/ ٦٧٣)، و«الميزان» (ص: ٦٣٠)، و«كشف الأسرار» (٤/¬٣٢).\n(^٢) إليه ميل الغزالي له في «المنتخل» (ص: ٤٥٢)، وقال في «المستصفى» (٢/ ١٠٢٣): \"الخطب فيه يسير، فالجدل شريعة وضعها الجدليون، وإليهم وضعها كيف شاءوا. وتكلف الاحتراز أجمع لنشر الكلام\". وانظر: «شفاء الغليل» (ص: ٤٦٥).","vol":"1","page":308},{"text":"والنقض المستثنى اللازم لجميع المذاهب، كمسئلة العرايا، فإنها على جميع العلل، كالكيل والقوت والمال = لا يقدح عند قوم (^١)، لوروده على علة قطعنا بصحتها. وهل يجب الاحتراز عنه لفظا؟! فيه خلاف. والأولى الاحتراز (^٢).\nالثالث: الكسر نقض المعنى دون اللفظ، كقولنا في صلاة الخوف: صلاة يجب قضاؤها، فيجب أداؤها، فيظن أن لا تأثير للصلاة فينتقض بصوم الحائض فيحتاج المعترض إلى إلغاء القيد المحترز به.\nالثاني: عدم التأثير، وهو تخلف الوصف عن الحكم ابتداء ودواما. قادح في العلة إلا إذا قلنا: إنها المعرف، كتعريف العالم للباري تعالى. والعكس: وجود علة الحكم بعلة أخرى لا تفسدها. وبه قال المعتزلة (^٣). وأوجبه أصحابنا في العلل العقلية (^٤). وهو باطل باتفاق لوازم المختلفات. وجواز تعليل الأحكام المتساوية بالعلل المختلفة في الشرعيات. وسيأتي إن شاء الله تعالى.\n_________\n(^١) كالغزالي في «المستصفى» (٢/ ١٠١٧).\n(^٢) انظر ما تقدم.\n(^٣) انظر: كتاب المؤثرات ومفتاح المشكلات للحسن بن محمد الرصاص (ص: ٩ - ١٢، ٤١)\n(^٤) انظر: «الشامل» (ص: ٦٥٧)، و«المجرد» (ص: ٣٠٣)، و«التلخيص» (٣/ ٢٨٧)، و«الغنية» لأبي القاسم الأنصاري (١/ ٢٤١).","vol":"1","page":309},{"text":"<span data-type='title' id=toc-366>الثالث: القلب،</span> وهو أن يعلق على العلة في القياس نقيض الحكم المذكور، ويرد إلى ذلك بعينه لإثبات مذهب، أو لإبطال مذهب الخصم.\nوإنما يفارق المعارضة في عدم إمكان الزيادة والنقصان على علة المعلل.\nوأنه لا يمكن المستدل منع العلة في الأصل والفرع. ومنع قوم وقوعه؛ لأن الأصل الذي يرد إليه القياس، والقالب واحد، فيستحيل تنافي حكمه، فلا يقدح في العلية. ولأن الوصف الواحد يمتنع كونه مناسبا لحكمين متناقضين.\nوالجواب عن الأول: أنه يحتمل أن يختص الفرع بما يمنع الاجتماع. وعن الثاني: أن المناسبة قد لا تكون حقيقة، بل إقناعية، فيفسد القلب.\n\n<span data-type='title' id=toc-367>الرابع: القول بالموجب،</span> وهو تسليم النتيجة مع بقاء الخلاف. وهو إما في الإثبات، أو في النفي. فالأول بأن يكون اللازم عاما والنزاع في صورة خاصة. والثاني بأن يكون لازم دليل المعلل عدم موجبية شيء معين للحكم، فيسلمه المعترض ويمنع الحكم، فلو بين الحكم بعده كان منقطعا؛ لأنه ظهر أنه لم يذكر إلا بعض الدليل.\n<span data-type='title' id=toc-368>الخامس (^١): الفرق </span>مبني على مسألتين:\n* أحدهما: يجوز تعليل الحكم بعلتين منصوصتين (^٢). خلافا لبعضهم (^٣)؛\n_________\n(^١) في الأصل (السابع). وتقدم في عقد الباب أنها أربعة.\n(^٢) في الأصل (منقوضتين).\n(^٣) كأبي بكر الصيرفي في «كتاب الدلائل»، «البحر» (٥/ ١٧٥). وانظر: «التلخيص» (٣/ ٢٨١).","vol":"1","page":310},{"text":"لأن انفراد الردة والقتل يوجب حل الدم الواحد وفاقا، فإذا اجتمعا علل بهما.\nفإن قلت: هو معارض بوجوه: الأول: أن حله بالردة غير حله بالقتل. ولهذا لو أسلم يزول حكم الردة ويبقى الآخر فتعدد. الثاني: أنه يفضي إلى نقض العلة؛ لأنه لو ارتد حل دمه، فلو قتل لم يحصل حل ثان فيحصل النقض. [الثالث]: أنه يفضي إلى اجتماع مؤثرين على أثر واحد وإلى مناسبة واحد لمختلفين.\nوالجواب عن الأول: أن الإذن بإزهاق الروح الواحدة واحد. وعن الثاني والثالث: عندنا معرفة. وعن الرابع أن الواحد قد يناسب مختلفين بجهة مشتركة بينهما.\n* الثانية: تعليل الحكم بعلتين مستنبطتين غير جائز؛ لأن عمر سأل عبد الرحمن في المجهضة، فقال: \"ما عليك شيء\". فقال علي: \"إن لم يجتهد فقد غشك، وإن اجتهد فقد أخطأ، أرى عليك غرة\" (^١). شبهه عبد الرحمن بالتأديب. وفرق علي بأن التأديب لا يجوز المبالغة فيه إلى حد التلف، ولم ينكر أحد فكان إجماعا.\n\nالباب الثالث: فيما يظن أنه مفسد للعلة، ولنقدم تقسيمات العلل: الأول: العلة إما محل الحكم، أو جزء ماهيته، أو خارج عنه. والخارج عقلي أوشرعي أو عرفي أو لغوي. والعقلي إما وصف حقيقي أو إضافي أو\n_________\n(^١) رواه عبد الرزاق في «المصنف» (رقم: ١٨٠١٠)، والبيهقي في «السنن الكبير» (رقم: ١١٦٧٣) من حديث الحسن مرسلا. وانظر: «معرفة السنن» (٨/ ٣٤٣)، و«مسند الفاروق» (٢/ ٢٦٥).","vol":"1","page":311},{"text":"سلبي، أو ما يتركب من هذه الأقسام.\nالثاني: الحكم وعلته إما وجوديان أو عدميان متفق عليهما. أو الحكم ثبوتي والعلة عدمية وفيه نزاع. أو عكسه وتسميه الفقهاء تعليلا بالمانع.\nالثالث: العلة إما فعل المكلف، كالقتل. أو لا، كالبكارة.\nالرابع: الوصف المجعول علة إما لازم للموصوف، ككون البر مطعوما. وإما عارض ضرورة بحسب العادة، كانقلاب العصير خمرا، أو باختيار أهل العرف، أو الواحد.\nالخامس: العلة إما ذات أوصاف، كقولنا: قتل عمد عدوان. أو لا، كالطعم في التفاح.\nالسادس: العلة إما وجه المصلحة، ككون الصلاة ناهية. أو أمارتها، كجهالة أحد [المتبايعين] (^١)، فإن فساد البيع بالحقيقة معلل بتعذر التسليم.\nالسابع: الوصف قد يعلم وجوده ضرورة، ككون الخمر مسكرا. أو يعلم بالضرورة من دين محمد عليه [السلام]، ككون الجماع في نهار رمضان مفسدا للصوم. أو يعلم ذلك نظرا.\nالمسألة الأولى: يجوز التعليل بمحل الحكم بعلة قاصرة لا متعدية. خلافا لقوم (^٢)، إذ لا يبعد قول الشارع: \"حرمت الربا في البر لكونه برا\". أو يعرف\n_________\n(^١) كذا ظهر لي، وفي الأصل الكلمة مبهمة.\n(^٢) قال الهندي: \"الحق أنه مبني على جواز تعليل الحكم بالعلة القاصرة، فإن جوز ذلك جوز هنا\"، نهاية الوصول (٨/ ٣٤٩٢). وانظر: «الفائق في أصول الفقه» له (٢/ ٣٠٢)، و«تشنيف المسامع» للزركشي (٣/ ٢٢٨).","vol":"1","page":312},{"text":"مناسبة البر لها.\nاحتجوا بأن الشيء الواحد ممتنع أن يكون فاعلا وقابلا، لتغاير مفهومهما. جوابه: تقدم في كتبنا العقلية.\nالثانية: يجوز التعليل بالوصف الحقيقي إذا كان مضبوطا. وبالحكمة. خلافا لقوم (^١)؛ لأنا إذا ظننا أن الحكمة علة فظننا حصولها في الفرع وجب العمل.\nفإن قلت: لا يجوز لوجوه:\nالأول: استقراء الشرائع دليل على جواز التعليل بالأوصاف لظهورها دون الحكم.\nالثاني: أن علة الحكم متقدمة عليه. وحكمته متأخرة فلا تكون علة.\nالثالث: [أن الحكم لا يجوز تعليله بـ] الحاجة [المطلقة] (^٢) إجماعا، ولا بالخصوصية، لعسر معرفتها، والنص ينفي العسر والحرج.\nالجواب عن الأول: التعليل بالحكم كثير في الشرع، كالتوسط بين المهلك وغيره. والفرق بين العمل الكثير والقليل في الصلاة.\n_________\n(^١) هذا آخر القولين لأبي عبد الله الرازي في «المعالم» (ص: ٢٦٨). وعلى هذا أكثر المتأخرين، «الإحكام» للآمدي (٤/ ١٦٤٨).\n(^٢) ما بين المعقوفتين زدته تقديرا، والسياق بدونه مخل.","vol":"1","page":313},{"text":"وعن الثاني: أن تأخر العلة في الخارج لا في الذهن، فقد قيل: أول (^١) الفكر آخر العمل (^٢).\nوعن الثالث: الحكمة علة لعلية الوصف، فجعلها علة للحكم أولى.\nالثالثة: المعللون بالحكمة لما قيل لهم: إنها مجهولة القدر. فمنهم من أجاب: بأنا نعلل بالقدر المشترك بين الصورتين من المصلحة، إذ التعليل به مناسب لكونه مصلحة مطلوبة الوجود. فإذا قيل: ينتقض بالحاجة الفلانية. قالوا: إنما عللنا بالقدر المشترك، ونحن نمنع حصوله في صورة النقض.\nوهذا ضعيف، لاحتمال أن لا يكون اشتراك إلا في مسمى المصلحة، والتعليل به غير ممكن، وإلا انتقض بجميع المصالح المنفكة عن هذا الحكم. وأما الاشتراك بين المقدورين في أمر آخر وراء عموم كونه مصلحة فغير معلوم ولا مظنون.\nالرابعة: التعليل بالعدم جائز. خلافا لقوم (^٣)، لدوران الحكم معه. احتجوا بأن العلة ثبوتية؛ لأنها نقيض اللاعلية، فلا تقوم بالعدم. ولأن\n_________\n(^١) مكانه في الأصل (إن الفكر).\n(^٢) هذه من عبارات الفلاسفة، انظر: «أدب الكاتب» لابن قتيبة (ص: ٨) [ط الدالي]، و«البدء والتاريخ» (٢/ ٧٩)، و«الفتح على أبي الفتح» لابن فورجة البروجردي (ص: ٢٦٠).\n(^٣) كالقاضي أبي حامد المروروذي، «التبصرة» (ص: ٤٥٦). وهو ظاهر تصرف الدبوسي في «التقويم» (٢/ ٧٨٣)، وابن السمعاني في «القواطع» (٣/ ٩٦٦ - ٩٧٨).","vol":"1","page":314},{"text":"المجتهد يجب عليه سبر كل ما يمكن أنه علة، ولا يجب عليه سبر الأعدام، إذ لا نهاية له.\nوالجواب عن الأول: لو كانت ثبوتية لزم التسلسل. وعن الثاني: نمنع المقدمة الأولى. ثم نقول: الأوصاف العدمية متناهية.\nالخامسة: الوصف الإضافي عدم، فمن منع التعليل بالعدم له منع التعليل به دفعا للتسلسل.\nالسادسة: يجوز تعليل الحكم الشرعي بمثله. خلافا لقوم (^١). لنا: الدوران. ولهم: أن من شرط العلة تقدمها، وهو مجهول ههنا. ولأنه ليس جعل هذا علة أولى من الآخر.\nجوابه: ما تقدم. ثم نحن نفسر العلة بالمعرف، فلا يرد.\nفرع: إذا جوزنا ذلك جاز تعليل الحكم الحقيقي بالشرعي، كقولنا في حياة الشعر: \"يحرم بالطلاق ويحل بالنكاح، فكان حيا، كاليد\"، إذ العلة معرفة.\nالسابعة: يجوز التعليل بالوصف العرفي، كالشرب والكمال والخسة\n_________\n(^١) لم أقف عليه، والقول بالجواز عليه السواد، «البحر» (٥/ ١٦٤).","vol":"1","page":315},{"text":"والنقصان، إن انضبط ولم يختلف بالأوقات، حتى يعلم حصوله في زمن النبي ﷺ.\nالثامنة: يجوز التعليل بالوصف المركب عند الجمهور (^١).\n• لنا: الدوران. ولهم: أن كل جزء إن اتصف بالعلية فتحصل العلية في محال كثيرة، وإن قام بكل جزء انقسمت الصفة العقلية وهما محلان.\nولأن كل جزء ليس بعلة عند الانفراد، فكذا عند الاجتماع، دفعا للتسلسل.\nوالجواب عن الأول: أن العلية عدمية، فلا يصح تقسيمكم. وعن الثاني: أنه منقوض بالماهية المركبة.\nفرعان:\n• [الأول:] قيل: لا تزيد الأوصاف على سبعة. وقيل: هي خمسة. وهو تحكم (^٢).\n• الثاني: في الفرق بين جزء العلة ومحلها وشرطها. قيل: الشرط هو الذي يلزم من عدمه عدم الحكم، ولا يكون جزءا. وقيل: جزء العلة غير شرطها ومحلها. وقيل: العلة مجموع القيود من الشرط والإضافة إلى الأهل والمحل؛ لأنه المعرف. وقد يكون جزء أقوى من جزء، فيفيد إضافة الفعل إلى الأقوى.\n_________\n(^١) خلافا لأبي الحسين البصري في ظاهر كلامه في «المعتمد» (٢/ ٧٨٩). وأبي الفضل المالكي، وأبي منصور الطوسي، وحكي عن الأستاذ أبي إسحاق الإحكام» للباجي (٢/ ٦٤٥)، و«البحر» (٥/ ١٦٦).\n(^٢) انظر: «شرح اللمع» للشيرازي (٢/ ٨٣٧).","vol":"1","page":316},{"text":"التاسعة: لا يجوز التعليل بالاسم، كتعليل تحريم العنب حيث سمي خمرا، لعدم تأثيره. لكن لو عني بالاسم المسمى لكونه مخامرا للعقل كان تعليلا بالوصف.\nالعاشرة: يجوز التعليل بالعلة القاصرة. خلافا للحنفية في المستنبطة (^١).\n• لنا: أن صحة تعديها موقوف على صحتها. [فلو] وقفت صحتها على تعديها لزم الدور.\nاحتجوا بأنها إنما تعرف حكم الأصل، وهو معلوم بالنص. ولا (^٢) حكم غيره، لعدمها فيه، فيكون عبثا. ولأن العلة أمارة كاشفة، والقاصرة غير كاشفة لشيء.\nوالجواب عن الأول: بأنها إنما تعرف مطابقة الحكم الأصل، وهو معلوم بالنص. ولا حكم غيره للحكم المطابق أكثر (^٣). ثم هو منقوض بالتنصيص على العلة القاصرة. وعن الثاني: أنها تكشف عن المنع من استعمال القياس.\nفرع: قالت الحنفية في مورد النص: ثابت به لا بالعلة. لهم: أن الحكم معلوم، فلا يثبت بالمظنون. ولنا: أنا نعني بها المناسب المغلب على الظن،\n_________\n(^١) هذا قول العراقيين وأكثر المتأخرين منهم تبعا للقاضي أبي زيد، «التقويم» (٢/ ٦١٠)، و«مسائل الخلاف» للصيمري (ص: ٢٩١)، خلافا للمتقدمين من السمرقنديين، و«الميزان» (ص: ٦٣٦).\n(^٢) كذا في الأصل.\n(^٣) كذا في الأصل، ولم يبن لي وجه الكلام.","vol":"1","page":317},{"text":"فلا يمكن إنكاره.\nالحادية عشرة: لا يجوز التعليل بالصفات المقدرة. خلافا لقوم (^١)، كقولهم: الملك معنى مقدر شرعي في المحل، يظهر أثره في التصرفات. وربما قالوا: الملك حادث سببه: بعت واشتريت. وهي حروف لا بقاء لها حقيقة، بل قدر بقاؤها إلى حدوث الملك ضرورة. وقدروا في الأثر أيضا، فقالوا: الدين مقدر في الذمة. وهذا ضعيف، فإن الحكم قد تم، فلا يعلل بالمحدث. والدين معناه يمكن صاحبه من المطالبة.\nالثانية عشرة: قد يكون للعلة الواحدة أحكام كثيرة، فإن كانت متماثلة جاز ذلك في ذاتين، لامتناع اجتماع المثلين في محل. وإن اختلفت غير متنافية جاز، كاقتضاء الحيض تحريم الإحرام والصوم والصلاة. وإن تنافت، فإن توقف اقتضاؤها على شروط متنافية جاز، لامتناع اجتماع المتنافيين.\nالثاني (^٢): شرط العلة اختصاصها بمن له (^٣) الحكم. وقد تقتضي شرطا، كالزنا، يوجب الرجم بشرط الإحصان. وقد لا يكون.\nالثالث: العلة قد تثبت الحكم ابتداء، كالعدة في منع النكاح. وقد تثبته ابتداء ودواما، كالرضاع في إبطال النكاح. وقد تقوى على الدفع لا الرفع\n_________\n(^١) لم أتبينهم. ونسب في «المحصول» الخلاف لبعض فقهاء عصره.\n(^٢) كذا. والأول هو المتقدم في صدر المسألة.\n(^٣) في الأصل (بمنزلة) تصحيف.","vol":"1","page":318},{"text":"كالعدة. وقد تقوى عليهما.\nالثالثة عشرة: يصح الاستدلال بذات العلة، كقولنا: \"قتل عمد عدوان، فيوجب القصاص\". ولا يصح بعلية العلة، كقولنا: \"القتل العمد العدوان سبب لوجوب القصاص، وقد وجد فيجب؛ لأن العلية أمر إضافي يتوقف ثبوتها على ثبوت المضافين، فلو استفدنا ثبوت المعلول من ذكر العلة لزم الدور.\nالرابعة عشرة: تعليل الحكم العدمي بالوصف الوجودي لا يتوقف على وجود المقتضي. وإن جوزنا تخصيص العلة. خلافا لقوم (^١).\nلنا وجهان:\nالأول: أن مناسبة المانع والدوران معه يفيد ظن العلية.\nالثاني: أن المقتضي والمانع يتعارضان، ويجوز التمسك به فمع عدم المقتضي أولى.\nاحتجوا بوجهين:\nالأول: أن المعلل بالمانع ليس هو عدما مستمرا، لحصوله قبله، [بل] متجدد، فيستدعي أن الحكم كائن بعرضية الوجود. وذلك يستدعي\n_________\n(^١) انظر ما تقدم في مسألة التعليل بالمانع.","vol":"1","page":319},{"text":"قيام المقتضي.\nالثاني: أنه يتوقف عليه عرفا، فإنه لا يحسن أن يقال: الطير لا يطير؛ لأن القفص يمنعه إذا كان ميتا، إلا إذا كان حيا قادرا، فيتوقف عليه شرعا، لما سبق.\nوالجواب عن الأول: أن علل الشرع معرفات، والمعرف قد يتأخر عن المعرف.\nوعن الثاني: منع التوقف عرفا، فإنه يحسن تعليل عدم حضور زيد بوجود سبع في طريقه، وإن لم يخطر ببالنا سلامة أعضائه.\nفرع: إذا قلنا: يتوقف عليه، لم نحتج إلى بيان وجود المقتضي، بل يكفينا أن نقول: إن لم يوجد المقتضي في الفرع لزم عدم الحكم. وإن وجد فإنما يثبت لمصلحة كذا وأنها موجودة في الأصل، فيكون عدم الحكم فيه معللا بالمانع.\nالخامسة عشرة منهم من شرط في الوصف المجعول علة في الأصل أن يكون متفقا عليه، وهو ضعيف لحصول الغرض بثبوته بالدليل.","vol":"1","page":320},{"text":"<span data-type='title' id=toc-385>القسم الثالث: في البحث عن الحكم والأصل والفرع</span>\nوفيه أبواب:\n\nالأول في الحكم\nوفيه مسائل:\nالأولى: اتفق أكثر المتكلمين على صحة القياس في العقليات (^١). ومنه قياس الغائب على الشاهد. وقالوا: لابد من جامع عقلي، وهو أربعة: [العلة و] الحد والشرط والدليل. والجمع بالعلة أقوى.\nفنقول: اعتماد القياس على مقدمتين: ثبوت الحكم في الأصل لعلة كذا. ووجود تلك العلة في الصورة الأخرى. فإن كانتا معلومتين كان الحكم في الفرع معلوما. وإن كانتا مظنونتين كان مظنونا. نعم، تحصيل العلم بهما صعب، لاحتمال أن ما به الامتياز (^٢) جزء العلة أو شرطها أو مانع من الحكم.\nويستدلون على حصر العلة بطرق:\n_________\n(^١) انظر: «المجرد» (ص: ٢٨٨ - ٢٩١، ٢٩٦ - ٢٩٩، ٣١٠ - ٣١٥)، و«التمهيد» للقاضي (ص: ١٢)، و«مختصر المعتمد» لأبي يعلى (ص: ٤١)، و«نهاية الأقدام» (ص: ١٨٢)، و«أصول الدين» للبزدوي (ص: ١٨)، و«المختصر» لابن طلحة اليابري (ص: ١٥٠)، و«المتوسط في الاعتقاد» (ص: ١٨٧).\n(^٢) تحرف في الأصل إلى (الامتنان).","vol":"1","page":321},{"text":"الأولى: أنا إذا لم نجد بعد الطلب الشديد قسما آخر دل على الانحصار. وقياسا على المبصر إذا نظر في جوانب الدار نهارا بلا مانع فلم يبصر شيئا. والأول ضعيف، إذ رب موجود لم نعرفه والثاني: لو كان له جامع فهو إثبات القياس بالقياس.\nوثانيهما: الدوران، وإنما يفيد الذهني لا الخارجي؛ لأنه متى علمنا أن الخطاب أمر بالمحال علمنا قبحه. وإن لم نعلم ذلك لم نعلم قبحه، وذلك يفيد الجزم بالعلية.\nولم يذكر المتكلمون في تقرير المقدمتين شيئا. على أنه منقوض بجميع الإضافات، فإن العلم بالأب علم بالابن وليس أحدهما علة للآخر. أما القطع، فممنوع، لجواز وجود صفة تدل على قبحه.\nالثانية: يجوز القياس في اللغات، وهو قول ابن سريج (^١) وأكثر علماء العربية (^٢). خلافا لجمهور أصحابنا (^٣) وجمهور المعتزلة (^٤).\n_________\n(^١) «شرح اللمع» (٢/ ٧٩٧)، و«الوصول» (١/ ١٠٩). ونسبه ابن السمعاني في «القواطع» (١/ ٤٣٠) إلى أكثر أصحاب الشافعي. ثم قال (١/ ٤٣٣) باختصار: \"الأقرب: يجوز إثبات الأسامي شرعا ولا يجوز لغة. وهذا هو الذي اختاره ابن سريج\".\n(^٢) انظر: «الخصائص» لابن جني (١/ ٣٥٨).\n(^٣) انظر: «التلخيص» (١/ ١٩٤)، و«البرهان» (١/ ١٧٢)، و«التمهيد» (٣/ ٤٥٥). وهو اختيار القاضي في «التقريب» (١/ ٣٦١).\n(^٤) انظر: «المجزي» (٤/¬١٥).","vol":"1","page":322},{"text":"• لنا وجوه:\nالأول: أن تسمية [عصير العنب خمرا] دار مع الشدة المطربة، فيفيد ظن عليتها لها، فوجود الشدة في النبيذ يفيد ظن أنه مسمى بالخمر، فيفيد ظن حرمته. ثم دلائل القياس تدل على صحته. لا يقال: إنه لا مناسبة بين الاسم والمسمى فلا يعلل به. ولأن ما جعله العبد علة لا يترتب عليه حكم أينما وجد، إذ يجوز أن يكون هو الوضع؛ لأنا نعني بالعلة المعرف. وأما اللغات، فإنها توقيفية.\nالثاني: ما اعتمد عليه المازني وأبو علي الفارسي، أنه لا خلاف بين أهل اللغة أن كل فاعل مرفوع وكل مفعول منصوب إلا لمانع. وعلمنا استمرارهم عليه. وكذا جميع الإعراب.\nالثالث: اتفقوا على تعليل أحكام الإعراب بكون هذا شبه هذا، كرفعهم ما لم يسم فاعله لشبهه بالفاعل. وإجماعهم حجة فيه.\nاحتجوا بوجوه:\nالأول: أن اللغات كلها توقيفية لما سبق، فيمتنع فيها القياس.\nالثاني: ما سبق من عدم المناسبة.\nالثالث: سموا الفرس الأسود أدهم. والأبيض أشهب. دون غيرها.\nوالجواب عن الأول: أن التوقيف لا يمنع القياس. وعن الثاني: ما سبق. وعن الثالث: [امتناعه] في البعض لا يمنع في الباقي، كالقياس الشرعي.","vol":"1","page":323},{"text":"الثالثة: المشهور منع القياس في الأسباب؛ لأن الأصل والفرع إن اشتركا في الجامع، فالجامع هو الموجب. وإن لم يشتركا بطل القياس.\nالرابعة: الاستدلال على النفي الأصلي بقياس الدلالة وهو الاستدلال بعدم آثار الشيء، ممكن دون قياس العلة؛ لأن النفي سابق فلا يعلل بالمتأخر. وذلك مندفع، فإنا نفسر العلة بالمعرف. واختلفوا أيضا في الحكم الثبوتي المعلوم. واتفقوا على جواز القياس المظنون.\nالخامسة: يجوز إثبات أصول العبادات بالقياس، بإيماء قوله تعالى: ﴿فاعتبروا﴾ [الحشر: ٢]، [و] بما سبق. ومنع الكرخي ذلك (^١)، وبنى عليه أنه لا يجوز إثبات الصلاة بإيماء الحاجب بالقياس. ويمكن حمل الخلاف على وجوب اليقين فيه ببيان الشرع والنقل المتواتر، وهو منقوض بالوتر.\nالسادسة: يجوز إثبات المقدرات والكفارات والحدود والرخص بالقياس. خلافا للحنفية (^٢).\nلنا: ما سبق من أدلة القياس. وذكر الشافعي مناقضتهم، فإنهم أوجبوا\n_________\n(^١) انظر: «المعتمد» (٢/ ٧٩٤).\n(^٢) انظر: «الفصول» لأبي بكر الرازي (٤/ ١٠٥)، و«المسائل الخلافية» للصيمري (ص: ٢٦٣)، و«أصول السرخسي» (٢/ ١٦٥).","vol":"1","page":324},{"text":"الرجم بشهود الزوايا (^١) بالاستحسان. وقاسوا الإفطار بالأكل على الوقاع. وقتل الصيد ناسيا على العامد. وأثبتوا التقديرات في الدلو والبئر بالقياس. وكذا في الرخص حتى قاسوا العاصي بسفره على الطائع. وسائر النجاسات على نجاسة المحل في الاستنجاء بالحجر.\nاحتجوا بأن الحد يدرأ بالشبهة. والقياس إنما يفيد الظن، فتحصل الشبهة والمقدرات لا يهتدي العقل إليها. والرخص منح فلا يعدل عن مواضعها (^٢). والكفارات على خلاف الأصل، فإنها ضرر.\nوالجواب: أن ما ذكرتموه يجوز تخصيصه بخبر الواحد، فكذا بالقياس.\nالسابعة: قال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي (^٣) ﵀: ما طريقه العادة والخلقة - كقدر الحيض - لا يثبت بالقياس؛ لأن أسبابها مجهولة، فيرجع فيها إلى قول الصادق.\nالثامنة: كل ما لا يتعلق به عمل، كدخول النبي ﷺ مكة صلحا أو عنوة. وقرانه وإفراده، لا يثبت بالقياس، إذ المطلوب العلم لا العمل.\n_________\n(^١) في الأصل (الزنا).\n(^٢) وهو مذهب الشافعي في الرخص، انظر: «الرسالة» (ص: ٥٤٥)، و«مختصر البويطي» (ص: ١٠٥١) [ط المنهاج]، و«الأم» (٢/ ١٧٥).\n(^٣) في «شرح اللمع» (٢/ ٧٩٧).","vol":"1","page":325},{"text":"التاسعة: القياس إذا خالف النص المتواتر، فإن نسخه رد. وإن خصه، أو خالف الآحاد [بينهما] (^١).\nالعاشرة: التعبد في جميع الشرع جائز بالتنصيص عليه. ولا يجوز بالقياس؛ لأنه يتوقف على ثبوت الحكم في الأصل، وذلك دور. والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-397>الباب الثاني في حكم الأصل</span>\nوفيه أقسام:\nالأول: في شرائطه إذا كان على وفق الأصول، وهي ستة:\n[الأول:] ثبوت الحكم في الأصل.\nالثاني: معرفته بطريق سمعي.\nالثالث: أن لا يكون ذلك الطريق قياسيا.\nالرابع: أن لا يكون دليل حكم الأصل دليل حكم الفرع، وإلا لما اختص أحدهما بالأصل والآخر بالفرع.\nالخامس: أن يظهر تعليل حكم الأصل بوصف معين حتى يصح رد الفرع إليه.\n_________\n(^١) في الأصل (بيانهما).","vol":"1","page":326},{"text":"السادس: أن لا يكون حكم الأصل متأخرا عن حكم الفرع. وهو حق إن لم يكن للفرع دليل إلا القياس. وإن وجد غيره جاز.\nالقسم الثاني: إن كان حكم الأصل على خلاف قياس الأصول، فقد جوز قوم من الشافعية (^١) والحنفية (^٢) القياس عليه مطلقا. ولم يجوز الكرخي إلا إذا نص على علته (^٣)، أو وقع الإجماع على تعليله، أو كان القياس عليه موافقا للقياس على أصول أخر. والحق أنه إن كان مقطوعا به جاز القياس عليه كغيره؛ لأن العموم لا يمنع من قياس يخصصه، فالقياس عليه أولى بذلك.\nاحتجوا بأن الخبر يخرج من القياس ما ورد فيه، فيبقى ما عداه على حكم قياس الأصول. والجواب: قيام الأمارة على علته يقتضي إخراج ما شاركه فيها، ثم ليس شبهه بالأصول أولى من شبهه بالمنصوص.\nوإن لم يكن دليله مقطوعا به، فإن لم تكن علته منصوصة ولا قياس عليه أقوى من القياس على الأصول، فالراجح القياس على الأصول؛ لأن طريق حكمهما معلوم. وإن كانت منصوصة استوى القياسان؛ لأن طريق الحكم معلوم وطريق العلة معلوم.\n_________\n(^١) انظر: «المستصفى» (٢/ ٩٩٩).\n(^٢) انظر: «أصول السرخسي» (٢/ ١٤٩).\n(^٣) انظر: «الفصول» للرازي (٤/ ١١٦).","vol":"1","page":327},{"text":"<span data-type='title' id=toc-400>القسم الثالث: فيما جعل شرطا.</span> شرط عثمان البتي (^١) أنه لا يجوز القياس على أصل حتى يقوم الدليل عليه. وشرط المريسي انعقاد الإجماع على أن حكم الأصل معلل، أو التنصيص على عمل العلة (^٢). وقيل: لا يكون الأصل محصور العدد؛ لأن التخصيص بالذكر ينفي الحكم عما عداه (^٣).\nوالكل منقوض بجواز القياس على الأشياء الستة المذكورة في الربا. ولأن الصحابة استعملت القياس بدونها.\n\n<span data-type='title' id=toc-401>الباب الثالث في الفرع</span>\nوشرطه: أن يوجد فيه مثل حكم الأصل في الماهية والقدر. ومنهم من شرط العلم بحصول العلة في الفرع (^٤). وشرط أبو هاشم أن يكون ثبوت الحكم في الفرع جملة حتى يفصله القياس (^٥). وأدلة القياس تبطلهما. وشرط بعضهم عدم التنصيص على الفرع لقصة معاذ، وهو باطل، إذ قصة معاذ لا تنفي الجواز عند وجود النص. ولأن توارد الأدلة على المدلول الواحد جائز.\n_________\n(^١) هو أبو عمرو عثمان بن سليمان البتي الكوفي الفقيه، ثقة قليل الحديث، (تـ ١٤٣ هـ). وانظر: «شفاء الغليل» (ص: ٦٤٠).\n(^٢) انظر: «شفاء الغليل» (ص: ٦٤٠).\n(^٣) هذا قول أصحاب أبي حنيفة، «أصول السرخسي» (٢/ ١٧٠ - ١٧١)، و«المبسوط» له (٤/ ٩٠)، و«تحفة الفقهاء» لعلاء الدين السمرقندي (١/ ٤٢٢).\n(^٤) انظر: «المستصفى» (٢/ ١٠٠٣).\n(^٥) انظر: «المعتمد» (٢/ ٨١٠).","vol":"1","page":328},{"text":"<span data-type='title' id=toc-402>خاتمة: قياس التلازم </span>اشتهر في زماننا. ونظمه: لو ثبت الحكم في الفرع، فإن علل بالمشترك بين الأصل والفرع لزم النقض بالأصل، إذ لا حكم. وإن لم يعلل به لزم الترك بالمناسبة مع الاقتران.","vol":"1","page":329},{"text":"<span data-type='title' id=toc-403>الكلام في التعادل</span>\nالمسألة الأولى: منع الكرخي تعادل الأمارتين مطلقا (^١). وجوزه آخرون (^٢). ثم حكم بعضهم فيه بالتخيير (^٣). وبعضهم بالتساقط (^٤). والمختار أنه إن وقع في حكمين متنافيين والفعل واحد جاز عقلا، لجواز أن يخبرنا عدل بوجود شيء وعدل بعدمه. لكنه غير واقع شرعا؛ لأن العمل بهما وتركهما محال. وإن عمل بأحدهما دون الآخر، فهو ترجيح بلا مرجح. وعلى التخيير يكون إباحة للفعل والترك، فيكون تعيينا (^٥)، وقد (^٦) أبطلناه.\nفإن قيل: التخيير ليس بإباحة فيهما مطلقا، بل إن أخذ بأمارة التحريم حرم الفعل، وإن أخذ بأمارة الاباحة أبيح. ثم ما ذكرتم لا يتناول أمارتي الوجوب والتحريم. على أنا نقيس التعادل الخارجي على الذهني.\nوالجواب عن الأول: أن كلامنا في تعادل الأمارتين على حكمين\n_________\n(^١) انظر: «المعتمد» (٢/ ٨٥٣). وقال ابن السمعاني في (القواطع) (٣/ ١١٩١): \"مذهب الفقهاء أنه لا يجوز اعتدال الأمارات بحال\".\n(^٢) هذا مذهب القائلين بتصويب المجتهدين، انظر: «المستصفى» (٢/ ١١١١).\n(^٣) كالقاضي أبي بكر وأبي هاشم الجبائي، انظر: «التلخيص» (٣/ ٣٩١)، و«المعتمد» (٢/ ٨٥٣).\n(^٤) هذا قول أبي القاسم ابن كج الدينوري الشافعي، انظر: «البحر» (٦/ ١١٥).\n(^٥) يعني للإباحة. والعبارة في الأصل مشتبهة.\n(^٦) في الأصل (فقد).","vol":"1","page":330},{"text":"متنافيين لشيء واحد لا لشيئين كما ذكرتم. وعن الثاني: لا قائل بالفرق. وعن الثالث: أن المقصود من الأمارات في الخارج التوسل بها إلى المقصود، فإذا لم يكن كان الواضع عابثا، بخلاف الذهني، فإن امتناع التوسل يكون لقصور الذهن.\nوإن تعادلت الأمارتان في فعلين متنافيين والحكم واحد جاز، فإن من دخل الكعبة صلى إلى أي جانب شاء ويكون مستقبلا. ولأن إيجاب الفعلين المتنافيين يستدعي إيجابهما على البدل.\nواحتجوا بأن التخيير يقتضي إسقاطهما، إذ أمارة كل فعل اقتضت وجوبه مع جواز الإخلال به. جوابه أن المنع من الترك موقوف على عدم الدلالة على قيام غيره مقامه، فلم يكن التخيير مخالفا لمقتضاه.\nفرع هذا التعادل إن وقع للمجتهد في عمل نفسه يخير. أو للمفتي خير المستفتي كنفسه. أو للحاكم عين، لتنقطع الخصومة. ولا يمتنع عقلا أن يحكم الحاكم بإحدى الأمارتين مرة ثم يحكم بالأخرى مرة أخرى، كاستقبال القبلة عند استواء الجهات. لكن قوله ﵇ لأبي بكر (^١): «لا تقض (^٢) بشيء واحد بحكمين مختلفين» (^٣). يمنع منه. أما قول عمر في مسألة الحمارية: \"ذاك على ما قضينا، وهذا على ما نقضي (^٤). يجوز أن يكون قضاؤه أولا\n_________\n(^١) كذا في الأصل و«المحصول»، والصواب (أبو بكرة).\n(^٢) في الأصل (تقضي).\n(^٣) رواه النسائي (رقم: ٥٤٢١)، والدارقطني في «السنن» (رقم: ٤٤٦٩)، ولفظه: «لا يقضين أحد في قضاء قضاءين». وأصل الحديث عند البخاري (رقم: ٧١٥٨)، ومسلم (رقم: ١٧١٧). ولكن من غير هذه الزيادة.\n(^٤) رواه عبد الرزاق في «المصنف» (رقم: ١٩٠٠٥)، وابن أبي شيبة في «المصنف» =","vol":"1","page":331},{"text":"بأمارة ظنها قوية ثم ترجح عنده الثانية.\nالثانية: إذا وجد للمجتهد قولان في كتابين، فإن علم التاريخ فالثاني رجوع عن الأول ظاهرا. وإلا وجب نقل القولين من غير ترجيح. وإن وجد في كتاب واحد في مسألة واحدة، فإن عقب أحدهما بتقوية، كقوله: \"هذا أولى\"، أو فرع عليه، أو عرف له قول في نظير المسألة ولم يكن بينهما فرو جعل قولا له. وإن أطلق، فقد قيل: مقتضاه التخيير (^١). وقد أبطلناه. أويكون له فيه قول واحد، وهو التخيير. والحق حمله على توقفه.\nأما أقوال الشافعي المختلفة، فأكثرها من القسم الأول والثاني. وهي تدل على علو شأنه وغزارة علمه، لدلالته على اشتغاله أبدا بالبحث. وعلى رجحان دينه، لدلالته على الحق وترك التعصب لمذهبه. والقسم الثالث، فقد قال الشيخ أبو حامد: \"لم يوجد للشافعي قولان على هذا الوجه إلا في سبع عشرة\" (^٢).\nفيحتمل أن يكونا لغيره، وإنما ذكرهما (^٣) ليعلم أن الأخذ بأحدهما ليس خرقا للإجماع. ويحتمل أن مراده بالقولين احتمالين ظاهرين حيث ظهر بطلان غيرهما، وسماهما قولين لصلاحيتهما، كما يقال للخمر في الدن: \"مسكر\".\n_________\n= (رقم: ٣١٠٩٧). وانظر: «التاريخ الكبير» للبخاري (٢/ ٣٣٢).\n(^١) هذا قول القاضي أبي بكر في «التقريب» (ص: ٢٨) [ط الوعي].\n(^٢) انظر: «التبصرة» (ص: ٥١٢)، «اللمع» (ص: ٣٠٩). وفيهما: \"القاضي أبو حامد\". وهو المروروذي نزيل البصرة. وليس هو الشيخ أبو حامد الإسفراييني. كما نبهت عليه في «المنتخب» (ص: ٥٦٠).\n(^٣) في الأصل (ذكرناهما).","vol":"1","page":332},{"text":"<span data-type='title' id=toc-407>القسم الثاني: في مقدمات الترجيح</span>\nالمسألة الأولى: الترجيح تقوية طريق على مثلها. والأكثرون جوزوا التمسك به (^١). وقال بعضهم: يجب التوقف، أو التخيير عند التعارض (^٢).\nلنا: إجماع الصحابة، حيث قدموا خبر عائشة في التقاء الختانين على ما روى: «الماء من الماء» (^٣). وقوى علي خبر أبي بكر ﵄ حيث لم يحلفه. وكان يحلف غيره. وقوى أبوبكر خبر المغيرة في ميراث الجد لما وافقه محمد بن مسلمة (^٤). ومثله كثير. ولأن ترجيح الراجح متعين عرفا، فيتعين شرعا لما مر.\nاحتجوا بالقياس على البينات. ولأن قوله ﵇: «نحن نحكم بالظاهر» (^٥)، يلغي زيادة الظن.\nجوابه ما ذكرناه قطعي، فلا يعارضه الظني.\nالثانية: لا يجوز الترجيح في الأدلة اليقينية، إذ يستحيل تعارضها. ولأن\n_________\n(^١) قال الأبياري: \"الترجيح مما أجمعت عليه الأمة من حيث الجملة، ولا مبالاة بخلاف من شذ\" (التحقيق والبيان) (٤/ ١٩٤).\n(^٢) انظر: «البرهان» (٢/ ١١٤٢).\n(^٣) تقدم.\n(^٤) تقدما.\n(^٥) قال السبكي في (الإبهاج) (٣/ ١٧٢٣): \"لا أعرفه، وقد سألت عنه شيخنا الحافظ أبا عبد الله الذهبي فلم يعرفه\".","vol":"1","page":333},{"text":"اليقيني لا يحتمل النقيض، فلا يقبل التقوية.\nالثالثة: اشتهر أن العقليات لا يجري الترجيح فيها. والحق أنه إذا جوزنا للعوام التقليد في المعتقدات لم يمتنع.\nالرابعة: مذهب الشافعي الترجيح بكثرة الأدلة (^١). خلافا لبعضهم (^٢)، لوجوه:\nالأول: أن كثرة الأمارات تقوي الظن، بدليل خبر التواتر. وإلا يلزم اجتماع مؤثران مستقلان على أثر واحد.\nالثاني: الغلط والنسيان والكذب على الأكثر أقل.\nالثالث: العمل بأقوى الظنين واجب، كالترجيح بقوة الدليل.\nاحتجوا بالقياس على الفتوى والشهادة، وبترجيح الخبر الواحد على القياسات الكثيرة.\nوالجواب عن الأول: منع الأصل على رأي في الفتوى (^٣). وعند مالك في الشهود (^٤). ثم الفرق أن الشهادة شرعت لقطع الخصومات، والزيادة تطولها. وعن الثاني: أن القياسات إن اتحدت أصولها فهو قياس واحد فلا\n_________\n(^١) انظر: «الرسالة» (ص: ٢٨١، ٢٨٤، ٣٧٣)، و(الأم) (٨/ ٥١٣)، (١٠/ ١٦٧).\n(^٢) هذا قول عامة أصحاب أبي حنيفة، انظر: «الفصول» (٣/ ١٧٢)، و«أصول البزدوي» (ص: ٤٦٣)، «أصول السرخسي» (٢/¬٢٤)، و«الميزان» (ص: ٧٣٤).\n(^٣) انظر: «المعتمد» (٢/ ٦٧٧).\n(^٤) يعني في ترجيح الشهادة بكثرة العدد، وهذا في رواية مطرف عنه دون ابن القاسم، انظر: «النوادر» لابن أبي زيد (٩/¬٣٥)، و«الجامع لمسائل المدونة» لابن يونس (١٧/ ٥٠١).","vol":"1","page":334},{"text":"ترجيح، وإن تعددت رجحناها لما ذكرنا.\nالخامسة: إذا تعارض دليلان فالعمل بأحدهما من وجه أولى؛ لأن دلالة اللفظ على جزء مفهومه تابعة لدلالته على كله. وترك التبع أولى من ترك الأصل.\nالسادسة: إذا تعارض دليلان عامان أو خاصان، فإن كانا معلومين والتاريخ مجهول تساقطا وعمل بغيرهما، لاحتمال نسخ كل واحد بالآخر.\nوإن علم التاريخ، فإن اتفقا تخير إن أمكن. وإن اختلفا نسخ المتأخر المتقدم إن أمكن. وإلا عمل بغيرهما.\nوإن كانا مظنونين، فحكمه حكم المعلومين، إلا في الترجيح. وإن كان أحدهما معلوما - وهو متأخر -، نسخ المتقدم المظنون، وإلا عمل به لترجيحه.\nوإن كان عاما من وجه خاصا من وجه، كقوله تعالى: ﴿وأن تجمعوا بين الأختين﴾ [النساء: ٢٣]، مع قوله تعالى: ﴿أو ما ملكت أيمانكم﴾ [النساء: ٣].\nفإن علم تقدم أحدهما نسخ الأخير المتقدم إلا أن يكون مظنونا والمتقدم معلوما فحينئذ يرجع إلى الترجيح عند من يقول بأن العام المتأخر ينسخ الخاص المتقدم. أما من لا يقول بهذا، فيليق بمذهبه عدم النسخ في شيء من هذه الأقسام، لاحتمال أن المتأخر هو العام.\nوإن لم يعلم تقدم أحدهما - وهما معلومان -، لم يرجح أحدهما بقوة الإسناد، بل يرجح بما يرجع إلى الحكم، إذ ليس فيه طرح أحدهما، بخلاف","vol":"1","page":335},{"text":"المتعارضين من كل وجه. وإن تساويا (^١) خير بينهما.\nويرجح المظنون بالطريقين (^٢). وإن تساويا (^٣) خير. ويرجح المعلوم على المظنون لكونه معلوما. فإن ترجح المظنون بما يرجع إلى الحكم فقد يحصل التعارض، وإن لم يترجح فالحكم التخيير.\nوإن كان أحدهما عاما والآخر خاصا - وهما معلومان أو مظنونان ـ، نسخ الخاص المتأخر العام المتقدم. وينسخ العام المتأخر الخاص المتقدم عند الحنفية. وعندنا: يبنى عليه. وإن تقارنا خص العام بالخاص إجماعا.\nوإن جهل التاريخ، فعندنا يبنى العام على الخاص. وعند الحنفية: يتوقف فيه. ويقدم المعلوم على المظنون وفاقا، إلا إذا كان المظنون خاصا ووردا معا، ففيه اختلاف سبق في باب العموم. والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-414>القسم الثالث: في ترجيح الأخبار</span>\nوترجيح الخبر: بكثرة الرواة. [و] بعلو الإسناد؛ لأن قلة الرواة تقلل احتمال الكذب والغلط. وبفقه الراوي، لإمكانه التحفظ عن الخطأ. وقيل (^٤):\nلا يرجح به فيما يروى باللفظ، بل بالمعنى. وبزيادة الفقه؛ لأنه أقدر على التحرز وبعلمه بالعربية. وبزيادة العلم بها، لما ذكرنا. وبكونه صاحب\n_________\n(^١) بأن لم يترجح أحدهما على الآخر.\n(^٢) أي: وإن كانا مظنونين رجح أحدهما بالطريقين المتقدمين وهما: قوة الإسناد. وما يرجع إلى الحكم.\n(^٣) أي وإن لم يترجح أحد المظنونين على الآخر …\n(^٤) القائل هو أبو الحسين البصري في «المعتمد» (٢/ ٦٧٧).","vol":"1","page":336},{"text":"الواقعة، لزيادة اهتمامه. وبكثرة مجالسته للعلماء والمحدثين، لما سبق.\nوبكون طريق روايته أظهر، كمشاهدة زيد الظهر بالبصرة [بالنسبة] إلى مشاهدته وقت السحر ببغداد. وبظهور عدالته. وبمعرفة عدالته بالخبرة، لقوتها. وتزكية من هو أكثر بحثا عن أحوال الناس، أو كان أكثر عددا أو علما أو ورعا. وبما إذا ذكر معدله أسباب عدالته، أو عمل بخبره. وبكون الراوي غير مبتدع. وتيقظه وقلة نسيانه. وبزيادة الضبط وقلة النسيان، فلو كان الأشد ضبطا أكثر نسيانا تعارضا. وبزيادة حفظ الخبر؛ لأن به الحجة. وبجزمه فيما يرويه. وبدوام عقله. وبتعويله على الحفظ دون المكتوب. وبكونه من أكابر الصحابة، أو له منصب يمنعه من الكذب. وبكونه غير مدلس. وبأن لا يكون ذو اسمين يجرح بأحدهما. وبأن لا يكون رجاله ممن تلتبس أسماؤهم بأسماء قوم مجروحين. وبكونه مشهور النسب، أو له اسم واحد، دفعا للتلبيس في الكل. وبكونه لم يرو في الصبا، أو لم يتحمل فيه. وبأن رفع الخبر إلى النبي ﵇ متفق عليه. وبكونه ينسب الخبر إلى النبي ﵇ قولا لا اجتهادا، كما قيل: إنه وقع بين يديه ﵇ فلم ينكر. وبكونه يذكر سبب النزول. وبكونه يروي الحديث بلفظه، لما مر. وبأن يروي حديثا آخر يعضده. ويقدم إنكار راوي الأصل.\nويقدم المسند عند الشافعي. والمرسل عند عيسى بن أبان (^١). ويتساويان عند عبد الجبار (^٢).\nلنا: أن عدالة المرسل معلومة للراوي فقط. وعدالة المسند معلومة\n_________\n(^١) انظر: «الفصول» للرازي (٣/ ١٤٦).\n(^٢) انظر: «المعتمد» (٢/ ٦٧٧ - ٦٧٨).","vol":"1","page":337},{"text":"للكل فكان أرجح.\nاحتج: بأن الثقة لا يقول: قال النبي. إلا وهو قاطع بأنه قوله. والجواب: قول الراوي: قال الرسول. لا يمكن حمله على القطع؛ لأنه يقتضي الجزم بصحة خبر الواحد، فوجب حمله على الظن، فالإسناد حينئذ أولى لما سبق.\nوإذا قال المرسل: عن النبي. فالأظهر أنه مرجوح؛ لأنه في معنى قوله: روي عن النبي. وقد رجح قوم بالحرية والذكورة، كالشهادة (^١). وفيه احتمال.\nويرجح أيضا بكون الآية أو الخبر مدني. وبوروده عند قوة الرسول ﵇، فإنها في آخر العمر. وبتأخر إسلام الراوي فيما علم سماعه بعد إسلامه، إن علم موت المتقدم قبل إسلام الآخر، وعلم أن أكثر روايته قبل إسلام المتأخر.\nوبالمؤرخ المضيق. وبحصول العلم بسماع أحد المتقاربين في الإسلام بعد إسلامه. والتخفيف مرجح على التغليظ. وقيل: بالعكس (^٢). والعام الوارد ابتداء راجح [على] الوارد على سبب.\nالقول في الترجيح باللفظ: فيرجح بفصاحة لفظ الحديث. وقيل: لا يقبل، إذ لا يقوله أفصح العرب. والأصح أنه لا يقدم بزيادة الفصاحة، لتفاوتها. ولا بكونه حقيقة في الاستعمال؛ لأن دلالة المجاز الغالب أظهر.\nوبما اتفق على وضعه لمسماه. وبما لا يحتاج إلى إضمار. وبالمفيد بالوضع الشرعي أو العرفي. ويتجه: تقديم اللغوي؛ لأنه إذا لم ينقله الشرع فهو عرفي\n_________\n(^١) انظر: «المعتمد» (٢/ ٦٧٨).\n(^٢) انظر: «المحصول» (٣/ ١٤٠٩).","vol":"1","page":338},{"text":"شرعي، وذاك شرعي فقط. وبكون أحد المجازين أشبه بالحقيقة. وبأنه لم يدخله التخصيص. وبكثرة دلالته على المقصود. وبما ذكر مع العلة صريحا أو إيماء. وبما إذا نص على الحكم مع اعتبار محل آخر؛ لأنه إشارة إلى وجود علة جامعة. وبما دلالته مؤكدة. وبما كان فيه تنصيص على الحكم مع ذكر المقتضي لضده، لاقتضائه النسخ مرة واحدة. وبما كان مقترنا بتهديد أو بزيادة تهديد. وبما دلالته على الحكم بمنطوقه أو بغير واسطة.\nالقول في الترجيح بالحكم فيرجح الخبر الذي يقرر حكم الأصل. خلافا لجمهور الأصوليين (^١).\n• لنا: أن المقرر متأخر، إذ لو تقدم لكان قد ورد حيث لا يحتاج إليه، لاستقلال العقل بمعرفته.\nفإن قيل: الناقل يستفاد منه ما لا يعلم إلا منه. ولأن تقدمه على المنفي يقتضي النسخ مرتين، فإذا تأخر اقتضاه مرة واحدة، فكان أولى. الجواب عن الأول: ما ذكر في الدليل. وعن الثاني: أن دلالة الأصل مشروطة بعدم دلالة السمع، فلا يكون الناقل ناسخا له. وأيضا في تقدم المبقي نسخ ما ثبت بدليل العقل والسمع.\nوقال القاضي عبد الجبار: هذا ليس من باب الترجيح؛ لأنه قد عمل بالناسخ. قلنا: نحن لا نقطع بالتأخر ليكون نسخا. وقال أيضا (^٢): إذا كان\n_________\n(^١) انظر: «البحر» (٦/ ١٦٩).\n(^٢) انظر: «المعتمد» (٢/ ٦٨٢).","vol":"1","page":339},{"text":"أحد الخبرين نفيا وحكم الآخر إثباتا - وهما شرعيان - تساويا، لو اقتضى العقل الحظر والخبران الحظر والوجوب.\nوهذا يستقيم على مذهبنا دون مذهب المعتزلة؛ لأن عندهم العقل يستقل بالحكم، للقطع بمشاركة أحد الخبرين حكم العقل ولو من وجه، فيعود الكلام في أن المبقي أرجح أم الناقل؟! فمن رجح الناقل رجح في المثال الأول خبر المقتضي للوجوب؛ لأنه مخالف للحظر من وجهين. ومقتضى خبر الإباحة مخالف من وجه واحد. ومن رجح المبقي رجح مقتضى خبر الإباحة. وكذا القول في المثال الثاني، أما الثالث، فلا ترجيح فيه، إذ كل خبر يشارك حكم العقل من وجه، [و] يخالفه من وجه. وقال الكرخي وجماعة من الفقهاء (^١): خبر الحظر راجح على خبر الإباحة. ويتساويان عند أبي هاشم وابن أبان (^٢).\nاحتجوا بقوله-﵇: «ما اجتمع الحلال والحرام إلا وغلب الحرام الحلال» (^٣). وقوله-﵇: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» (^٤). ولأن ترك المباح أولى من فعل الحرام؛ لأنه أحوط.\n_________\n(^١) انظر: «الفصول» (٢/ ٢٩٦) وما بعدها، (٣/ ١٦٧)، و«إحكام الفصول» (٢/ ٧٦١).\n(^٢) انظر: «المعتمد» (٢/ ٦٨٥).\n(^٣) لم أقف عليه مرفوعا، وأخرجه عبد الرزاق في «المصنف» (رقم: ١٢٧٧٢)، من حديث جابر الجعفي عن الشعبي، من كلام عبد الله بن مسعود. قال البيهقي في «السنن الكبير» (١٣٩٦٩): \"جابر ضعيف، والشعبي عن ابن مسعود منقطع\".\n(^٤) أخرجه الترمذي في «السنن» (رقم: ٢٦٨٧) [ط التأصيل]، والنسائي في «المجتبى» (رقم: ٥٧٥٧) [ط التأصيل] من حديث الحسن بن علي. قال أبو عيسى الترمذي: \"حديث صحيح\".","vol":"1","page":340},{"text":"قال الكرخي: المثبت للطلاق والعتاق مقدم على النافي لهما، لتأيده بالأصل المنافي لملك اليمين والنكاح (^١). وقيل: هما سيان (^٢).\nوالنافي للحد مقدم على مثبته عند بعض الفقهاء (^٣). خلافا للمتكلمين (^٤)؛ لأن شرعيته على خلاف الأصل. ولأنه يفيد الشبهة فيسقط، للحديث. وقياسا على تعارض البينتين.\nالقول في الترجيح من خارج: إذا قال بعض أئمة الصحابة أو عمل بخلاف الخبر، أوجب نسخه أو رده عند بعضهم. والشافعي ﵁ يرجح ما ليس كذلك عليه (^٥). وما عمل به أكثر السلف ممن لا يجب تقليدهم راجح عند عيسى بن أبان (^٦)، لموافقتهم الصواب ظاهرا. وخبر الواحد فيما تعم به البلوى مرجوح؛ لأنه لو صح لاشتهر. وإذا عارض رجحان الكمية رجحان الكيفية فعلى المجتهد النظر في ترجيح أحدهما. والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: «الفصول» (٣/ ١٦٨ - ١٦٩).\n(^٢) قاله القاضي عبد الجبار، «المعتمد» (٢/ ٦٨٤)، والغزالي في «المستصفى» (٢/ ١١٤٩).\n(^٣) انظر: «الإحكام» للباجي (٢/ ٧٥٩) و«المعتمد» (٢/ ٦٨٣). وانظر: «البحر» (٦/ ١٧٢).\n(^٤) هما سيان عند القاضي عبد الجبار، «المعتمد» (٢/ ٦٨٣)، والغزالي في «المستصفى» (٢/ ١١٤٩).\n(^٥) تقدم النظر في هذا المسائل.\n(^٦) انظر: «الفصول» (٣/ ١٦٤)، و«المعتمد» (٢/ ٦٨٠).","vol":"1","page":341},{"text":"<span data-type='title' id=toc-415>القسم الرابع: في ترجيح الأقيسة</span>\nفيرجح أحد القياسين بتعليل أصله بوصف حقيقي؛ لأن التعليل به متفق عليه. وتعليله بالحكمة أولى من تعليله بالعدم والوصف الإضافي والتقديري والحكم الشرعي، إذ هو تعليل بنفس المؤثر. والعدم أولى من الحكم الشرعي، لكونه أشبه بالأمور الحقيقية، ويحتمل أن يرجح الحكم، لكونه أشبه بالموجود. والتعليل بالعدم أولى من التعليل بالوصف التقديري، لمحذورين: كونه معدوما وإعطاؤه حكم الموجود. وتعليل الموجود [بالموجود] أولى من تعليل العدم بالعدم، والعدم بالوجود، وبالعكس؛ لأنه لا يمكن التعليل إلا بتقدير وجوده، وهو محذور. وتعليل العدمي بالعدمي أولى من القسمين الباقيين، للمشابهة. والتعليل بالحكم أولى من الوصف المقدر، إذ التقدير خلاف الأصل. والعلة المفردة أولى من المركبة، لقلة الاحتمال فيها. وإذا قطعنا بوجود وصفي القياس في الفرع فلا ترجيح؛ لأن القطعيات لا تقبل الترجيح. وكلام أبي الحسين يدل على أنه يقبل (^١). وإن كان أحدهما معلوما يرجح على المظنون. وإن كانا ظنيين، فما كان مقدماته أقل كان أولى، لقلة الخطأ فيه. والأولى مقابلة كمية المقدمات بكيفية إفادتها للظن.\nالقول في الترجيح بما يدل على وجود العلة: فما ثبت عليته بالتنصيص عليه بلفظ لا يحتمل غيره، كقولنا: لعلة كذا، أو لأجل، أو من أجل، أو\n_________\n(^١) انظر: «المعتمد» (٢/ ٨٤٧).","vol":"1","page":342},{"text":"لسبب كذا، فهو مقدم على غيره. وما يحتمل غيره كـ «اللام» و«إن» و«الباء».\nو«اللام» مقدم لظهوره في التعليل. وفي «إن» و«الباء» احتمال. وإن ثبتت عليته بإيماء نص مناسب يرجح. وإيماء الدلالة اليقينية راجح. وإيماء الكتاب راجح على إيماء خبر الواحد.\nواتفق الجمهور على أن دلالة الإيماء راجحة على دلالة الطرق العقلية، من المناسبة والدوران والسبر. وفيه نظر؛ لأن الإيماء [لا] يدل على العلية بلفظ، بل بواسطة أحد الطرق العقلية. والأصل أرجح من الفرع. وما ثبت عليته بالمناسبة فهو أقوى من الدوران، ويسمى بالمطرد والمنعكس. خلافا لقوم.\n* لنا: أن تأثير الوصف في الحكم لمناسبته، لا لدورانه معه، إذ العلية قد توجد بدون الدوران إذا كانت العلة أخص من المعلول. ويوجد الدوران بدون العلية كما تقدم.\nاحتجوا بأن المطردة المنعكسة (^١) أشبه بالعلل العقلية. وجوابه: أن الطرد لا يجب في العلل العقلية.\nوإذا تعارضت دلالة المناسبة ودلالة التأثير، فالمناسبة أرجح لما سبق من الإشكال المذكور على التأثير. والسبر إن كان قاطعا في مقدماته تعين العمل به. وإن كان مظنونا فيها أو في بعضها كانت المناسبة راجحة؛ لأنها مستقلة بإنتاج العلية، والسبر ينتجها بعد مقدمات. والمناسبات أقوى من الشبه والطرد، وهذا ظاهر. وترجح المناسبة [التي] من باب الضرورة. ثم التي من\n_________\n(^١) بعده في الأصل (العقلية). ولا معنى لها.","vol":"1","page":343},{"text":"باب الحاجة. ثم التي من باب الزينة. ثم الوصف المناسب للحكم نوعه. ونوع الحكم راجح على المناسب نوعه لجنس الحكم. وجنسه لنوع الحكم. وجنسه لجنس الحكم. والثاني والثالث متقاربان وراجحان على الرابع. والجنس الأقرب مقدم على الأبعد. أما المناسبة الجلية - وهي التي يلتفت الذهن إليها في أول سماع الحكم -، كقوله ﵇: «لا يقضي القاضي وهو غضبان» (^١). فإن الذهن يلتفت عند السماع إلى أن المراد ما يمنع من استيفاء الفكر والمناسبة المؤيدة بغيرها. والتي تناسب من وجهين. والخالية عن المعارضة راجحة. والدوران في صورة واحدة راجح، كصورة العصير؛ لأنه يوجب القطع بأن باقي الصفات الثابتة في الأصول الثلاثة لا تصلح للعلية، وإلا لزم وجود العلة بدون الحكم، بخلاف الدوران في صورتين. والشبه في الصفة راجح على الشبه في الحكم الشرعي؛ لأنه أشبه بالعلل العقلية. والله أعلم.\nالقول في الترجيح بدليل الحكم في الأصل: فما ثبت أصله بدليل قاطع راجح على الظني. وإن كانا قطعيين، فلا ترجيح. وإن كانا ظنيين، فالإجماع أولى من الدلائل اللفظية؛ لأنها تقبل التخصيص والتأويل. وفيه إشكال من حيث أن الإجماع ثبت بها فكان أقوى. وما ثبت أصله بنص راجح على ما ثبت أصله بالقياس؛ لأنه أصل القياس.\n_________\n(^١) تقدم.","vol":"1","page":344},{"text":"القول في الترجيح بكيفية الحكم: فالقياس المثبت حكما شرعيا أولى من المثبت لحكم عقلي؛ لأن القياس دليل شرعي، فيجب أن يكون حكمه شرعيا. ولا تعد (^١) في استخراج علة شرعية من أصل عقلي، إذا لم يرد الشرع بنقلنا [عنه]. أما إذا كان أحدهما نفيا والآخر إثباتا، وهما شرعيان، فقيل: إنهما يتساويان. وقد [ذكر] نا حكمه في ترجيح الأخبار. والحظر إذا كان عقليا راجح لكونه حظرا، مرجوح لكونه [عقليا]. وقد سبق كيفية النقل عن حكم العقل. والمثبت للعتق والطلاق راجح على النافي. والمسقط للحد راجح على المثبت له. والموجب لزيادة الحكم الشرعي راجح، فيرجح المثبت للندب على المثبت للإباحة. والقياس الوارد على وفق قياس الأصول، أو الحكم المجمع على تعليله، أو الذي شهدت له أصول كثيرة، أو عضده قول صحابي، أو قياس آخر راجح. وما لزم منه محذور كتخصيص عام، أو ترك ظاهر أو ترجيح مجاز على الحقيقة راجح.\nالقول في الترجيح بمكان العلة: فالعلة المطردة أولى من المخصوصة.\n[و] التي تشهد لها أصول كثيرة أولى من المتعدية. [والمتعدية] أولى من القاصرة، للاتفاق عليها وأنكره بعض الشافعية (^٢)، وقال: إن التعدية فرع الصحة، والفرع لا يقوى الأصل. وجوابه: أنه يدل على قوته.\nوالتي فروعها أكثر أولى، لكثرة فوائدها. ومنع بعضهم، وقاس على\n_________\n(^١) كذا ظهر لي، والرسم محتمل.\n(^٢) كالأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني، «البرهان» (٢/ ١٢٦٥). وقواه الغزالي في «المستصفى» (٢/ ١١٥٨). وانظر: «التلخيص» (٣/ ٣٢٧).","vol":"1","page":345},{"text":"أعم الخطابين. وجوابه: أن العمل بأعم الخطابين يسقط الأخص، بخلاف ترجيح الأخص. والتي تثبت الحكم في كل الفروع أولى من المثبتة في البعض؛ لأن الدلالة على كل فرد كالدلالة على الكل، لعدم القائل بالفرق، ففيه تكثير الأدلة. والعلة التي ترد الفرع إلى جنسه أولى من التي ترده إلى غير جنسه. والله أعلم.","vol":"1","page":346},{"text":"<span data-type='title' id=toc-416>الكلام في الاجتهاد</span>\nوهو في اللغة: استفراغ الوسع في الفعل. وعند الفقهاء: استفراغه في النظر فيما لا يلحقه لوم مع استفراغه الوسع فيه، في الفروع دون الأصول.\nوفيه مسائل:\nالأولى: قال الشافعي وأبو يوسف رحمهما الله: يجوز في أحكام الرسول ﷺ ما يصدر عن اجتهاد (^١). ومنع أبو علي وأبو هاشم منه مطلقا (^٢). وجوز بعضهم في الآراء والحروب فقط (^٣).\nلنا وجوه:\nالأول: دخوله ﵇ في عموم قوله تعالى: ﴿فاعتبروا﴾ [الحشر: ٢].\nالثاني: قوله ﵇: «العلماء ورثة الأنبياء» (^٤). وإنما يرثوا منه الاجتهاد.\n_________\n(^١) نقله عنهما القاضي في «التقريب والإرشاد» (ص: ٧ - ٨) [ط الوعي]، وأبو الحسين في «المعتمد» (٢/ ٧٦١ - ٧٦٢). قال أبو الحسن الواحدي: \"الصحيح من مذهب الشافعي: أنهم يقيسون ويجتهدون\"، «البسيط في التفسير» (٨/ ١٥٣).\n(^٢) انظر: «المعتمد» (٢/ ٧٦١)، و«المجزي» (٢/ ٣٠٢ - ٣٠٣).\n(^٣) هذا قول أبي عبد الله البصري، وأحد القولين للقاضي عبد الجبار، انظر: «عيون المسائل» للحاكم الجشمي (ص: ٢٤٧).\n(^٤) رواه أبو داود (رقم: ٣٦٤١)، والترمذي (رقم: ٢٦٨٢)، وابن ماجه (رقم: ٢٢٣) من حديث أبي الدرداء. قال الترمذي: \"ليس عندي بمتصل\".","vol":"1","page":347},{"text":"وكان مجتهدا فيعم كل الاجتهادات، فتقييده بأركان الشرع خلاف الأصل.\nالثالث: اجتهد في أخذ الفدى عن أسارى بدر.\nاحتجوا بوجوه:\nالأول: قوله تعالى: ﴿وما ينطق عن الهوى﴾ [النجم: ٣].\nالثاني: أنه قادر على معرفة الحكم من الوحي.\nالثالث: لو جاز له الاجتهاد لما توقف إلى نزول الوحي، وقد توقف في اللعان والظهار.\nوالجواب عن الأول: أن الوحي لما دل على العمل بالقياس، فإذا قاس فقد عمل بالوحي.\nوعن الثاني: إنما يجتهد إذا لم يجد نصا.\nوعن الثالث: إنما كان يتوقف بمقدار ما يعرف أن الوحي ينزل فيه.\nالثانية: لا يجوز عليه الخطأ فيما يجتهد فيه. وجوزه قوم بشرط أن لا يقر عليه (^١).\nلنا: أنا مأمورون باتباعه في الحكم للنص، وذلك ينافي الخطأ.\nاحتجوا بقوله تعالى: ﴿عفا الله عنك لم أذنت لهم﴾ [التوبة: ٤٣]، وقوله\n_________\n(^١) نسبه الخطابي في «أعلام الحديث» (١/ ٢٢٥) إلى أكثر العلماء. وهو اختيار الشيخ أبي إسحاق في «شرح اللمع» (٢/ ١٠٩٥).","vol":"1","page":348},{"text":"تعالى: ﴿قل إنمآ أنا بشر مثلكم﴾ [الكهف: ١١٠]. وقوله ﵇: «لو نزل من الله عذاب لما نجا إلا عمر» (^١). وهذا يدل على خطئه في أخذ الفدية. وقياسا للقول على الغلط في الفعل.\nوالجواب: ذكرناه في عصمة الأنبياء.\nالثالثة: يجوز الاجتهاد عقلا بحضرة الرسول ﵇. ومنهم من منعه عقلا (^٢). ويجوز في زمانه عند غيبته. ومنع أبو علي وأبو هاشم وقوعه شرعا (^٣). وأجازه قوم بشرط الإذن (^٤).\nاحتج المجوزون عقلا بأنه لا يبعد أن يقول لإنسان: لقد أوحي إلي أن لك الاجتهاد والعمل بظنك.\nواحتج المانعون عقلا بأن الاجتهاد قد يقع فيه الخطأ، والنص آمن منه، فسلوكه قبيح عقلا. وجوابه: لما أذن فيه صار آمنا.\nواحتج المجوزون شرعا بحديث معاذ، وبأنه ﵇ حكم سعد بن معاذ في بني قريظة (^٥).\n_________\n(^١) رواه أبو جعفر الطبري في «الجامع» (١١/ ٢٨٣) [ط هجر]، وابن أبي حاتم في «التفسير» (رقم: ٩١٦٩) من حديث ابن زيد مرسلا.\n(^٢) لم أتبينهم.\n(^٣) انظر: «المجزي» (٤/ ٢٩١).\n(^٤) هذا قول أبي الخطاب من الحنابلة في «التمهيد» (٣/ ٤٢٣). وظاهر قول أبي بكر الرازي في «الفصول» (٤/ ٢٨٩).\n(^٥) أخرجه البخاري (رقم: ٣٠٤٣)، ومسلم (رقم: ١٧٦٨) من حديث أبي سعيد الخدري.","vol":"1","page":349},{"text":"واحتج منكروه بأنه لم ينقل اجتهادهم في عصره. ولأنهم كانوا يفزعون في الحوادث إليه.\nوالجواب عن الأول: لعله لم ينقل لقلته. وعن الثاني: أنه خبر واحد فلا يعمل به في مسألة علمية.\nالرابعة للاجتهاد شروط:\nمنها: أن يكون عالما بالاستدلال بالأدلة الشرعية على الأحكام، ومنها في الكتاب: خمسمئة آية، ولا يلزم حفظها. ويندرج فيه معرفة العام والخاص والسبب وظاهر اللفظ وقرائنه ومعناه ومقتضاه لغة وشرعا وعرفا وتقدمه وتأخره.\nومنها: العلم بمواقع الإجماع، لئلا يفتي بخلافه.\nومنها: العلم بأنا مكلفون بالتمسك بالقراءة الأصلية ما لم يصرفها صارف.\nومنها: معرفة شرائط الحد والبرهان. ومعرفة اللغة والنحو والتصريف. وهذا مقدم.\nومنها: معرفة الناسخ والمنسوخ والجرح والتعديل وأحوال الرجال.\nوهذا مؤخر. ثم لما عز ذلك في زماننا اكتفي بتعديل الأئمة الذين اتفق الناس على عدالتهم، كالبخاري ومسلم وأمثالهما.","vol":"1","page":350},{"text":"الخامسة: الحق جواز الاجتهاد في فن دون فن، ومسألة دون مسألة. خلافا لقوم (^١)؛ لأن من عرف ما ورد في الفرائض وأصولها تمكن من الاجتهاد فيها.\nالسادسة: المجتهد فيه: حكم شرعي لا قاطع فيه. وقال أبو الحسين (^٢): هو ما اختلف فيه المجتهدون من الأحكام الشرعية. وهو دور.\nالسابعة: ذهب الجاحظ (^٣) والعنبري (^٤) إلى أن كل مجتهد في الأصول مصيب، بمعنى رفع الأثم والخروج عن العهدة. لا بمعنى مطابقة الاعتقاد.\nوأنكره الباقون، لوجهين:\nالأول: أنه تعالى مكن العقلاء من العلم بهذه المطالب بما وضعه من الأدلة القاطعة عليها فلا يخرجون عن العهدة إلا بالعلم.\n_________\n(^١) لم أقف على من منع من تجزؤ الاجتهاد مطلقا. ولكن منهم من قيده في الفرائض دون غيرها. حكي ذلك عن ابن الصباغ، أدب الفتوى لابن الصلاح (ص: ٣٩). وهو ظاهر تصرف أبي الحسين البصري، ومأخذ ذلك عنده: أن \"أحكام الفرائض لا تستنبط من غيرها إلا نادرا. والذهاب عن النادر لا يقدح في الاجتهاد \"، «المعتمد» (٢/ ٩٣٢).\n(^٢) في «المعتمد» (٢/ ٩٨٨).\n(^٣) انظر: «الشفا» للقاضي عياض (ص: ٨٤٥).\n(^٤) انظر: «تأويل مختلف الحديث» (ص: ١٢١)، والوصول لابن برهان (٢/ ٣١٤). واختلف الناس في ما يحمل عليه قوله، انظر: الفصول للرازي (٤/ ٣٧٥)، و«التقريب» (٢/ ١٨٥)، و«العدة» (٥/ ١٥٤٠)، و«التلخيص» (٣/ ٣٣٥)، و«القواطع» (٣/ ١١٧٥)، و«البحر» (٦/ ٢٣٦).","vol":"1","page":351},{"text":"الثاني: أنا نقطع بأنه ﵇ ذم الكفار على إصرارهم على عقائدهم وقاتلهم عليها، مع القطع بأن العارف المعاند فيهم نادر.\nفإن قيل: ماذكرتم باطل باختلاف الخلق في الأديان والعقائد. وقتلهم إنما كان لإصرارهم على ترك التعلم بعد مبالغته ﵇ في الإرشاد إلى الحق، لا لجهلهم بالحق. على أنا نعلم أن النبي ﵇ كان يحكم بإسلام من لم يعلم هذه الأدلة والجواب عن شبهات الفلاسفة. ولأن الله تعالى لا يليق بسعة رحمته وكرمه تعذيب من أفنى عمره بالفكر والاجتهاد.\nوجواب الجمهور: ادعاء الإجماع على مذهبهم قبل هذا الخلاف (^١).\nالثامنة: قال جمهور المتكلمين منا (^٢) ومن المعتزلة (^٣): كل مجتهد في الأحكام الشرعية مصيب؛ لأنه ليس الله تعالى في الواقعة حكم معين. وقال بعض الفقهاء والمتكلمين: لله في كل واقعة حكم معين، لكن ليس عليه دليل، فإن أصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر لاجتهاده (^٤). وقال كافة\n_________\n(^١) انظر ما تقدم من الأصول. ولكن إن حمل قوله على ما ذكر المصنف، فحكاية الاتفاق معارضة بذكر الخلاف، بل بعضهم حكى الإجماع على خلاف ذلك. انظر: «الفصل» لابن حزم (٣/ ٢٩١)، و«منهاج السنة» لابن تيمية (٥/ ٨٤ - ٨٧).\n(^٢) انظر: «المجرد» (ص: ص: ٢٠١)، و«التلخيص» (٣/ ٣٤٠)، و«شرح اللمع» (٢/ ١٠٤٨)، و«نكت المحصول» لابن العربي (ص: ٥٢٣).\n(^٣) انظر: «المعتمد» (٢/ ٩٤٩)، و«المجزي» (٤/ ١٦٢ - ١٦٣). و«عيون المسائل» للجشمي (ص: ٢٤٣).\n(^٤) لم أظفر بقائله، وقد نسب للشافعي غلطا، كما شرحت ذلك في «المنتخب».","vol":"1","page":352},{"text":"الفقهاء: عليه دليل ظني، لكن لا تكليف بإصابته لخفائه، فالمخطئ يعذر ويؤجر (^١). وقيل: يكلف بطلبه، فإن ظن غيره عمل بظنه، وإلا أثم (^٢). وقيل: عليه دليل قاطع، فيجب عليه طلبه، فإن أخطأ أثم عند المريسي وحده. وينقض القضاء به عند الأصم وحده (^٣).\nوالمختار أن الله تعالى في الواقعة حكما معينا عليه دليل ظني، والمخطئ معذور، ولا ينتقض قضاؤه، لوجهين:\nالأول: أن أحد المجتهدين إذا اعتقد رجحان أمارته في نفس الأمر على أمارة خصمه كان اعتقادهما، أو اعتقاد أحدهما خطأ، فيلزم أن كل مجتهد ليس بمصيب بمعنى عدم المطابقة. ولأن الاعتقاد لغير المطابق جهل، وأنه غير مأمور به، فلا يكون إتيانا بالمأمور.\nالثاني: لابد للمجتهد من طريق؛ لأن الحكم بالتشهي باطل، فذلك الطريق إن تعين أو ترجح فذاك. وإن وقع تعارض بخبر أو أسقط وطلب غيرهما، فيتعين الحكم على كل تقدير، فمخالفه مخطئ.\nفإن قلت: إنما يجب العمل بالراجح لو علمه وعلم رجحانه. وقد يعتقد المجتهد رجحان المرجوح. قلت: مقدار الرجحان ممكن. وإلا لما كلف به.\n_________\n(^١) انظر: «الأم» (٩/ ٧٧ - ٧٨)، و«القواطع» (٣/ ١١٧٨)، و«شرح اللمع» (٢/ ١٠٤٩)، و«البحر» (٦/ ٢٤٧)، «الفصول» (٤/ ٢٩٨)، و«أصول البزدوي» (ص: ٦١٥ - ٦١٦).\n(^٢) نسبه للشافعي جماعة من أصحابه، انظر: «شرح اللمع» (٢/ ١٠٤٦ - ١٠٤٨)، و«القواطع» (٣/ ١١٨١)\n(^٣) انظر: «الفصول» (٤/ ٢٩٥)، و«المعتمد» (٢/ ٩٤٩)، و«المجزي» (٤/ ١٥٩)، و«عيون المسائل» للجشمي (ص: ٢٤٣).","vol":"1","page":353},{"text":"واستدل من قال أنه لا حكم في الواقعة: أنه لو كان فإما أن يكون عليه دليل، وهو باطل، إذ الحكم بغيره حكم بغير ما أنزل الله، فيكون كفرا أو فسقا، للآية. ومستحقا للعقاب، لتركه المأمور به وإن لم يكن فباطل أيضا؛ لأنه تكليف بما لا يطاق. ولأن المجتهد مأمور بالعمل بغلبة ظنه إجماعا، فيكون كل مجتهد مصيب لإتيانه بالمأمور.\nالتاسعة: من قال لا حكم في الواقعة، اختلفوا في الأشبه بمعنى أنه وجد ما لو حكم الله بحكم لما حكم إلا به (^١)؛ لأن المجتهد طالب، وليس مطلوبه معينا في الواقع، فيكون معينا تقديرا. ولأنه ﵇ قال: «إذا أخطأ المجتهد فله أجر» (^٢). ولا حكم واقع بخطئه، فيكون مقدرا.\nوجوابه: ما لم يتم عليه دلالة أو أمارة، ولم ينص عليه امتنع كونه مخطئا.\n* *\nالعاشرة: من قال المصيب واحد قال: تصويب الكل يؤدي إلى نزاع لا ينقطع، كما إذا قال المجتهد لزوجته المجتهدة: \"أنت بائن\". ثم راجعها وأدى اجتهاده جواز الرجعة بالكنايات دون المرأة، فله وطؤها، ولها الامتناع.\n_________\n(^١) قال في «التلخيص» (٣/ ٣٨٣): \"لم يقل بالأشبه إلا المصوبون … ثم إذا روجعوا في الأشبه اختلفت أجوبتهم في بيانه\". وانظر: ما تقدم.\n(^٢) رواه البخاري (رقم: ٧٣٥٢)، ومسلم (رقم: ١٧١٦) من حديث عبد الله بن عمرو.","vol":"1","page":354},{"text":"قال المصوبون (^١): إن المحققين منكم ساعدوا على أن المجتهد يجب عليه العمل بظنه الخطأ. ويعود المحذور. قلنا: الحادثة إذا نزلت بمجتهد أو مقلد مختصة به عمل باجتهاده، أو بفتوى المقلد. فإن استوت عنده الأمارات أو المفتون في العلم والورع تخير. وإن تعلقت بغيره، فإن جرى فيه الصلح، كالمال اصطلحا، أو رجعا إلى حاكم أو حكم. وإن لم يجز فيه الصلح رجعا إلى من يفصل بينهما.\nالحادية عشرة: إذا أدى اجتهاده إلى أن الخلع فسخ فنكح من خالعها ثلاثا. ثم تغير اجتهاده قبل حكم الحاكم بالصحة، لزمه تسريحها. وبعد الحكم يستمر. وإذا تغير حكم المقلد وجب على المقلد التسريح. بخلاف القضاء، فإنه مقرر. وإنما ينقض القضاء إذا خالف دليلا قاطعا. والله أعلم.\n_________\n(^١) في الأصل (المصيبون).","vol":"1","page":355},{"text":"<span data-type='title' id=toc-428>الكلام في المفتي والمستفتي</span>\n<span data-type='title' id=toc-429>القسم الأول: في المفتي</span>\nمسألة: إذا أفتى المجتهد مرة ثم سئل عنها مرة أخرى فإن ذكر طريق اجتهاده أفتى، وإلا استأنف الاجتهاد وأفتى وإن خالف الأول. ولقائل أن يقول: لما ظن أن الطريق الأول كان قويا لم يجب الاستئناف؛ لأن العمل بالظن واجب.\nمسألة: إذا حكي عن الميت فتوى لم يجز العمل بها، إذ لا قول للميت، لانعقاد الإجماع مع خلافه. وإنما صدقنا كتب الفقه لاستفادة طرق الاجتهاد ومعرفة المتفق والمختلف منها.\nوقيل: إذا روى ثقة فاهم عن مجتهد عالم ثقة حصل للعامي ظن أن حكم الله ما حكاه، والعمل بالظن واجب (^١). وأيضا: انعقد الإجماع في زماننا على ذلك.\nوإن حكى عن حي أو سمع منه جاز العمل به ولغيره بقوله، إذ رجع علي إلى حكاية المقداد عن النبي ﷺ في شأن المذي (^٢). وإن رواه عن كتاب\n_________\n(^١) القائل هو أبو عبد الله الرازي صاحب الأصل.\n(^٢) رواه البخاري (رقم: ١٧٨)، ومسلم (رقم: ٣٠٣).","vol":"1","page":356},{"text":"موثوق بصحته جاز، وإلا فلا. والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-432>القسم الثاني: في المستفتى</span>\n<span data-type='title' id=toc-433>مسألة: يجوز للعامي تقليد المجتهد في فروع الشرع.</span> خلافا لمعتزلة بغداد (^١). وجوز الجبائي في مسائل الاجتهاد (^٢).\n• لنا: الإجماع قبل حدوث المخالف. ولأن العامي إذا حدثت له حادثة، فإن أوجبتم عليه الاستدلال بالبراءة الأصلية فهو باطل إجماعا. أو بالأدلة السمعية وهو باطل إيضا؛ لأنه إن لزمه حال بلوغه منعه عن معاشه، وهو حرج. وإن لزمه حال حدوث الواقعة يلزم أن يكتسب صفة الاجتهاد عند حدوثها، وذلك غير مقدور له.\nولا يقال: معرفة ذلك يمنعه عن المعاش، فيجوز له التقليد في الأصول؛ لأن أدلتها أغمض، وهو باطل؛ لأنا نقول: الواجب على المكلف معرفة أدلة التوحيد والنبوة إجمالا، كالاستدلال بالحوادث على الصانع وأنها سهلة. وفي الفروع يحتاج إلى علوم كثيرة. ولا فرق بين المباحث الإجمالية والتفصيلية؛ لأن المستدل إن علم جميع مقدمات الدليل حصل له العلم النظري. وإن قلد في بعضها كان مقلدا في النتيجة.\n_________\n(^١) انظر: «المجزي» (٤/ ٢٤٨)، و«عيون المسائل» (ص: ٢٤٥)، و«المعتمد» (٢/ ٩٣٤).\n(^٢) انظر ما تقدم.","vol":"1","page":357},{"text":"احتجوا بوجوه:\nالأول: قوله تعالى: ﴿وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾ [الأعراف].\nالثاني: قوله ﵇: «اجتهدوا فكل ميسر لما خلق» (^١).\nالثالث: أن جواز التقليد يقتضي جواز تقليد من يمنع منه، فيفضي ثبوته إلى نفيه.\nالرابع: القياس على الأصول.\nوجواب الأسئلة: النقض بكل عمل مظنون، كخبر الواحد والأروش والقيم. وعن القياس: الفرق المذكور.\n\n<span data-type='title' id=toc-436>مسألة: الاستفتاء لا يجوز إلا ممن يغلب على ظنه أنه من أهل الاجتهاد والورع،</span> بأن يراه منتصبا للفتوى. فإن اختلف مفتيان في مسألة، قيل: يجب الاجتهاد في أعلمهم وأورعهم (^٢). وقيل: لا يجب؛ لأن العلماء لم ينكروا على العوام تركه (^٣). ثم إذا غلب على ظنه استواؤهم مطلقا، قيل: يسقط\n_________\n(^١) رواه البخاري (رقم: ٤٩٤٥)، ومسلم (رقم: ٢٦٤٧)، من حديث علي. ولفظه: «اعملوا». ولم أقف عليه بلفظ: «اجتهدوا».\n(^٢) هذا قول الحنفية، «الفصول» (٤/ ٢٨٢)، و«الميزان» (ص: ٦٧٦). والمالكية، «المقدمة» لابن القصار (ص: ٢٦)، و«النكت» (ص: ٥٢٨). وبه قال ابن سريج والقفال من أصحاب الشافعي، «التبصرة» (ص: ٤١٥).\n(^٣) هذا المشهور في مذهب الشافعية والحنابلة. انظر: «أدب المفتي» لابن الصلاح (ص: ١٥٩)، و«صفة المفتي» لابن حمدان (ص: ٢٧٤).","vol":"1","page":358},{"text":"التكليف، للتخير. وقيل: لا يقع، كاستواء أمارتي الحل والحرمة. وإن ظن الرجحان عمل به. وإن تساويا في ظنه بالعلم وتفاضلا في الدين وجب تقليد الأدين. وإن ظن بالعكس قلد الأعلم. وقيل: يتخير (^١). وإن ظن أحدهما أدين والآخر أعلم، فالأقرب تقليد الأعلم، إذ الحكم مستفاد من علمه. وقيل: بالعكس (^٢).\nمسألة: للعالم الذي ليس بمجتهد التقليد. وليس للمجتهد تقليد من يخالفه إذا اجتهد وفاقا. وكذا إن لم يجتهد عند أكثر أصحابنا (^٣). وجوزه أحمد (^٤) وابن راهويه وسفيان مطلقا (^٥). وقيل: يجوز لغير الصحابي تقليد الصحابي (^٦). وقيل: يجوز للعالم تقليد الأعلم (^٧). وقيل: يجوز فيما يخصه\n_________\n(^١) هذا القاضي في «التقريب» (ص: ٢٩٨)، و«التلخيص» (٣/ ٤٦٥). والشيخ أبو إسحاق في «شرح اللمع» (٢/ ١٠٣٩).\n(^٢) لم أقف على تعيينه. وانظر: «الورع» للمروزي (ص: ٧).\n(^٣) انظر: «التقريب» للقاضي (ص: ١٦٤) [ط الوعي]، و«المعتمد» (٢/ ٩٤٢). ونسبه في «التلخيص» (٣/ ٤٣٤) للشافعي ومعظم العلماء في غير تقليد الصحابي.\n(^٤) انظر: «التقريب» للقاضي (ص: ١٦٦)، و«التبصرة» (ص: ٤٠٣)، و«شرح اللمع» (٢/ ١٠١٣)، و«جامع بيان العلم» (٢/ ٩٠٩). وقد أنكر أصحاب أحمد هذا القول، قال أبو الخطاب في «التمهيد» (٤/ ٤٠٩): \"هذا لا نعرفه عن أصحابنا\". وانظر: «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٢٢٥).\n(^٥) انظر: «التقريب» للقاضي (ص: ١٦٦)، و«شرح اللمع» (٢/ ١٠١٣)، و«جامع بيان العلم» (٢/ ٨٩٨).\n(^٦) هذا قول أبي علي الجبائي، «المعتمد» (٢/ ٩٤٢).\n(^٧) هذا قول محمد بن الحسن في أحد القولين عنه، وذكره أبو الحسن الكرخي عن أبي حنيفة، «الفصول» (٤/ ٢٨٣). وانظر: (الضروري لابن رشد (ص: ١٤٤).","vol":"1","page":359},{"text":"دون ما يفتي به (^١). وقيل: فيما يخصه إن فاته الوقت لو اشتغل بالاجتهاد (^٢).\n* لنا وجهان: الأول: عموم قوله تعالى: ﴿فاعتبروا﴾ [الحشر: ٢]. الثاني: القياس على الأصول.\nفإن قلت: المطلوب في الفروع الظن، وفي الأصول اليقين، فافترقا. ثم ينتقض بقضاء القاضي، فإنه لا يجوز خلافه. قلت: المطلوب الظن القوي، وهو قادر عليه. وأما قضاء القاضي، فإنه لما ثبت بالدليل حرمة مخالفته كان العمل به عملا بالدليل.\nاحتجوا بوجوه:\nالأول: قوله تعالى: ﴿فسئلوا أهل الذكر﴾ [الأنبياء: ٧]. وقوله: ﴿وأولي الأمر منكم﴾ [النساء: ٥٩].\nالثاني: بايع عبد الرحمن بن عوف لعثمان على كتاب الله وسنة رسوله وسيرة الشيخين، فقبل. وعلي لم ينكر جوازه، لكن لم يقبل (^٣).\nالثالث: القياس على العامي، وعلى قبول خبر الواحد.\nوالجواب عن الآية الأولى: أنها تقتضي السؤال، ولا يجب إجماعا.\n_________\n(^١) حكاه ابن القاص عن ابن سريج، «البحر» (٦/ ٢٨٦ - ٢٨٧). وانظر: «التقريب» للقاضي (ص: ١٦٥). وانظر ما سيأتي.\n(^٢) حكاه الشيخ أبو حامد وغيره عن ابن سريج، «البحر» (٦/ ٢٨٧). ونسب للمزني، «التلخيص» (٣/ ٤٤٨). وانظر: «شرح اللمع» (٢/ ١٠١٢).\n(^٣) رواه عبد الله في «زوائد المسند» (رقم: ٥٥٧).","vol":"1","page":360},{"text":"وعن الثانية: أنها محمولة على الطاعة في الأقضية؛ لأن الطاعة في الحكم لا تجب. وعن الأثر: المراد طريقتهما في العدل والإنصاف. وأما القياس: فالعامي عاجز. وتمسك المجتهد ابتداء بخبر الواحد أقل احتمالا.\nمسألة: لا يجوز التقليد في أصول الدين (^١). خلافا لكثير من الفقهاء (^٢).\n• لنا: أن تحصيل العلم فيها واجب على الرسول، لقوله تعالى: ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله﴾ [محمد: ١٩]، فيجب علينا لقوله تعالى: ﴿واتبعوه﴾ [الأعراف: ١٥٨] (^٣).\nفإن قيل: لا نسلم إيجاب العلم بالله لما تقدم في الأوامر. ثم هو معارض بأنه ﵇ كان يحكم بإسلام من تلفظ بكلمتي الشهادة من غير سؤال عن حدث العالم وقدم الباري تعالى. وفي المسألة أبحاث مذكورة في علم الكلام.\nوالجواب: أن القرآن ورد بذم التقليد مطلقا. خالفناه في الفروع لما سبق، فيبقى في الأصول.\n_________\n(^١) انظر: «التقريب» للقاضي (ص: ١٣٢) [ط الوعي]، و«المعتمد» (٢/ ٩٤١)، و«أصول الدين» لأبي منصور البغدادي (ص: ٢٥٤).\n(^٢) نسبه ابن السمعاني لأكثر الفقهاء، وذكر الحجة لهم على المتكلمين، «القواطع» (٣/ ١٢٣٣).\nوانظر: «فيصل التفرقة» للغزالي (ص: ٧٥)، و«المفهم» لأبي العباس القرطبي (٦/ ٦٩٣)، و«مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٢٠٢) و«البحر المحيط» (٦/ ٢٧٧)، و«فتح الباري» لابن حجر (١٣/ ٣٤٩)\n(^٣) في الأصل (فاتبعوه)، وتقدم التنبيه على ذلك مرارا.","vol":"1","page":361},{"text":"<span data-type='title' id=toc-439>الكلام فيما اختلف فيه من أدلة الشرع</span>\nوفيه مسائل:\nالأولى: الأصل في المنافع الحل. وفي المضار الحرمة.\nأما الأول، فلوجوه:\nالأول: قوله تعالى: ﴿خلق لكم ما في الأرض جميعا﴾ [البقرة: ٢٩]. و«اللام» للاختصاص بجهة الانتفاع لعمومه، كقولهم: \"الجل للفرس\".\nفإن قلت: إنه يستعمل في غير المنافع، لقوله تعالى: ﴿وإن أسأتم فلها﴾ [الإسراء: ٧]. ثم يمنع العموم على أنه خطاب مشافهة. ثم نعارضه بقوله تعالى: ﴿لله ما في السموات والأرض﴾ [النور: ٦٤].\nالجواب: أنا إذا جعلناه حقيقة في الاختصاص النافع أمكن جعله مجازا في غيره. ولا ينعكس. وعن الثاني: التقييد على خلاف الأصل. وعن الثالث: يبطل بسائر الخطابات.\nالثاني: قوله تعالى: ﴿قل من حرم زينة الله﴾ [الأعراف: ٣٢]. أنكر على من حرم.\nالثالث: أنه انتفاع لا ضرر فيه على الله تعالى قطعا؛ لأنه المالك.","vol":"1","page":362},{"text":"ولا على المنتفع ظاهرا فيباح، كالاستظلال بحائط الغير.\nوأما الثاني، فلقوله ﷺ: (لا ضرر ولا ضرار في الإسلام) (^١). والضرر: تألم القلب، يقال: أضر به إذا شتمه، أو ضربه، أو فوت منفعته؛ لأنه معنى عام في موارد الاستعمال.\nفإن قلت: من هدم دار غيره ولا يعلم، أضر به ولا ألم، لعدم الشعور. ولأن عبادة الأصنام لا تضر الكافر، للآية. وتؤلم قلبه بالعقاب يوم القيامة. ثم تفويت المنفعة مشترك أيضا.\nقلت: أما الأول، فإن النفع: هو اللذة أو الوسيلة إليها. والضرر: الألم أو الوسيلة إليه. فيكون قد فعل ما لو علم لتضرر به. وأما الثاني: فالمراد نفي المضرة في الدنيا. وأما الثالث: فلأن البائع فوت على نفسه الانتفاع بالمبيع. ولا يسمى ضررا.\nالثانية: استصحاب الحال حجة. خلافا للحنفية (^٢) والمتكلمين (^٣). لنا: أن العلم بتحقق أمر في الحال يقتضي ظن بقائه؛ لأن الحادث\n_________\n(^١) تقدم.\n(^٢) لهم فيه تفصيل وتقسيم، ولا يرد عندهم مطلقا، انظر: «التقويم» (٢/ ٨٤٨)، و«أصول السرخسي» (٢/ ٢٢٣ - ٢٢٦)، و«الميزان» للسمرقندي (ص: ٦٥٧ - ٦٦٦).\n(^٣) انظر: «المعتمد» (٢/ ٨٨٤)، و«التلخيص» (٣/ ١٣٢)، و«إحكام الفصول» للباجي (٢/ ٧٠١ - ٧٠٢) و«البحر» (٦/¬٢٢).","vol":"1","page":363},{"text":"مفتقر إلى المؤثر وفاقا. والباقي مستغن عنه؛ لأن المؤثر إن كان أثره شيئا لم يكن موجودا، كان الأثر حادثا لا باقيا. وإن كان موجودا كان تحصيل الحاصل، وهو محال. وإذا استغنى من المؤثر كان وجوده أولى، فيكون بقاؤه مظنونا. والعمل بالظن واجب.\nفإن قيل: أثر المبقي هو البقاء، وهو حصوله في زمان بعد حصوله قبله. وأنه حادث. والبحث عن الأثر حادث أو مستمر خارج عن المقصود. ثم هو معارض بأن التسوية بين الوقتين في الحكم إن كان لاشتراكهما في المقتضي، فهو قياس وتسوية بغير دليل.\nوالجواب: أن الحصول ليس زائدا على الذات، وإلا يلزم التسلسل. والمعارضة مدفوعة، فإنا سوينا بينهما بالدليل الذي ذكرناه.\nواعلم أن الاستصحاب أصل في الشرع وفي اصطلاح الفقهاء، فإن من تيقن شيئا وشك عدمه، أخذ اليقين. وبنوا عليه مسائل كثيرة. وفي العرف، فإنهم يكتبون الكتب ويبعثون الرسل بناء على رجحان البقاء. ولعل أكثر مصالح العالم تبنى عليه.\nفرع: من قال: النافي لا دليل عليه (^١)، إن أراد أن العلم أو الظن حاصل بلا مؤثر، فهو باطل. وإن أراد به أن العلم بذلك العدم الأصلي يوجب بقاءه، فهو ما قلناه … ..\n_________\n(^١) هذا قول بعض الظاهرية وجماعة من أصحاب الشافعي، انظر: «الإحكام» لابن حزم (١/ ٧٦)، و«التبصرة» للشيرازي (ص: ٥٣٠).","vol":"1","page":364},{"text":"....... (^١) عليه فيه. ونعني بالحكم: أن المكلف مقول (^٢) [له]: إن لم تفعل هذا الفعل في هذا الآن عاقبتك. والأصل بقاؤه على العدم.\nالثاني: لو ثبت الحكم لثبت لدلالة أو أمارة. والأول باطل بالإجماع. وكذا الثاني، لقوله تعالى: ﴿وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾ [الأعراف: ٣٣].\nالثالث: لو ثبت الحكم لثبت لمصلحة العبد وهو باطل؛ لأنه تعالى قادر على إيصال المصلحة إليه ابتداء، فيكون توسط الحكم عبثا، ترك العمل به في المتفق، فيبقى في المختلف. أو لمصلحة الله تعالى، أو لا لمصلحة. وهما باطلان، فإنه تعالى منزه عن النفع والضر. والخالي عن المصلحة عبث.\nالرابع: هذه الصورة تفارق الصورة الفلانية في وصف مناسب، فيفارقها في الحكم. وإلا لو اشتركا فيه، فإما أن يضاف إلى المشترك فيلزم إلغاء الوصف المناسب. أو إلى غيره فيلزم تعليل المتماثلين بالمختلفين، وهو باطل؛ لأن استناد أحدهما إلى علة إن كان لذاته أو للازمها، لزم إضافة مماثله إليها أيضا. وإلا لامتنع استناده إليها لكونه مستغنيا في ذاته عنها.\nالخامس: لو ثبت هنا لثبت في كذا، بجامع دفع حاجة المكلف، واللازم منتف.\nوأما الحكم الوجودي فيثبت بأمور:\nأحدها: أن المجتهد الفلاني قال به، فيكون حقا، لقوله ﵇: «ظن\n_________\n(^١) هذه تتمة المسألة الأخيرة في هذا الفصل. وقد سقطت من هنا ورقة فذهبت بعظم هذا الفصل مع الأسف. وانظر: «المحصول» ومختصراته لمعرفة تتمة المسألة.\n(^٢) في الأصل: (مقولا).","vol":"1","page":365},{"text":"المؤمن لا يخطئ» (^١). ترك العمل به في العامي؛ لأن ظنه لا يستند إلى وجه صحيح. ولا يعارض بقول مجتهد ناف؛ لأن المثبت راجح لما سبق في الترجيح.\nوثانيها: ثبت الحكم في كذا، فيثبت ههنا، لقوله تعالى: ﴿فاعتبروا﴾ [الحشر: ٢]. وقوله تعالى ﴿إن الله يأمر بالعدل﴾ [النحل: ٩٠]. والعدل: التسوية.\nوثالثها: الحكم إنما ثبت ثم لحاجة المكلف ومصلحته، وهما موجودان ههنا، فيثبت الحكم بما يشتركان فيه من المصلحة. والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n[هذا] آخر مختصر المحصول في علم الأصول. واتفق الفراغ من نسخه يوم الثلاثاء الرابع عشر من شهر جمادى الأولى سنة أربعين وسبعمئة [من الهجرة] الطاهرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام على يد العبد الفقير إلى الله تعالى إبراهيم بن محمد بن مسعود الطبيق عفا الله عنه وعن والديه وعن مالكه وعن والديه وعن سائر المسلمين، وذلك في قرية الخيالي حماها الله تعالى.\n_________\n(^١) لم أقف عليه.","vol":"1","page":366}]}