{"ً":{"ٌ":30185,"ٍ":"جامع أحكام صلاة الإمام","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"shamela","files":["30185/30185.pdf"]},"ّ":"الكتاب: جامع أحكام صلاة الإمام\n(دراسة حديثة فقهية مقارنة)\nتصنيف: أحمد الجابري\nراجعه وقدم له: مصطفى بن العدوي\nالناشر: دار اللؤلؤة، المنصورة - مصر\nالطبعة: الأولى، ١٤٤٥ هـ - ٢٠٢٤ م\nعدد الصفحات: ٤٨٩\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":3094,"ٕ":19,"ٖ":1772241873,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مقدمة الناشر","level":1,"page":1},{"title":"تقديم فضيلة الشيخ مصطفى بن العدوي","level":1,"page":3},{"title":"مقدمة","level":1,"page":4},{"title":"عملي في هذا الكتاب","level":2,"page":10},{"title":"طريقتي في التخريج","level":2,"page":11},{"title":"معنى الإمامة","level":1,"page":16},{"title":"الإمامة لغة","level":2,"page":16},{"title":"الإمامة اصطلاحا","level":2,"page":16},{"title":"الإمامة عند الفقهاء","level":2,"page":16},{"title":"١ - نية الإمامة","level":1,"page":18},{"title":"أولا: لا تجب نية الإمامة على الإمام مطلقا.","level":2,"page":18},{"title":"ثانيا: لا تجب إلا عند إمامة النساء.","level":2,"page":23},{"title":"ثالثا: لا تجب نية الإمامة إلا في خمسة مواضع: الجمعة، والجمع، والجنائز، والخوف، والاستخلاف.","level":2,"page":24},{"title":"رابعا: تجب النية مطلقا.","level":2,"page":25},{"title":"خامسا: تجب النية في الفرض دون النفل، ويستثنى في الفرض ما لو كان الإمام ينتظر أحدا.","level":2,"page":26},{"title":"٢ - الأحق بالإمامة","level":1,"page":27},{"title":"المبحث الأول: الأحق بالإمامة","level":2,"page":27},{"title":"القول الأول: يقدم الأفقه على الأقرأ، بشرط أن يعلم الحد الأدنى من القراءة.","level":3,"page":28},{"title":"القول الثاني: يقدم الأقرأ على الأفقه","level":3,"page":30},{"title":"المبحث الثاني: المقصود بأقرئهم","level":2,"page":33},{"title":"٣ - من أم قوما وهم له كارهون","level":1,"page":36},{"title":"القول الأول: يكره له ذلك كراهة تحريمية.","level":2,"page":36},{"title":"القول الثاني: يكره له ذلك تنزيها، ليس تحريما.","level":2,"page":41},{"title":"القول الثالث","level":2,"page":42},{"title":"٤ - إمامة الفاسق والمبتدع","level":1,"page":44},{"title":"المقصود بالفاسق","level":2,"page":44},{"title":"المقصود بالمبتدع","level":2,"page":44},{"title":"هل تصح إمامة الفاسق والمبتدع؟","level":2,"page":45},{"title":"القسم الأول: يرى صحة إمامته.","level":3,"page":45},{"title":"القسم الثاني: يرى عدم صحة إمامة الفاسق","level":3,"page":49},{"title":"١ - العدالة شرط في الإمامة.","level":4,"page":53},{"title":"٢ - قولوا: نمنع إمامته لما فيه من تكثير البدع بشهرة الإمامة.","level":4,"page":53},{"title":"٥ - إمامة الصبي","level":1,"page":57},{"title":"القول الأول: تصح إمامته مطلقا.","level":2,"page":57},{"title":"١ - حديث عمرو بن سلمة الجرمي","level":3,"page":58},{"title":"٢ - قوله ﵊: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله».","level":3,"page":59},{"title":"القول الثاني: لا تصح إمامته مطلقا.","level":2,"page":59},{"title":"١ - قوله ﵊: «وإذا حضرت الصلاة، فليؤذن لكم أحدكم، ثم ليؤمكم أكثركم قرآنا».","level":3,"page":60},{"title":"٢ - قول ابن عباس ﵁: «لا يؤم الغلام حتى يحتلم».","level":3,"page":61},{"title":"٣ - قول ابن مسعود ﵁: «لا يصلي خلف الغلام حتى تجب عليه الحدود»","level":3,"page":61},{"title":"شبهات القائلين بعدم جواز إمامة الصبي حول حديث عمرو بن سلمة","level":2,"page":63},{"title":"٦ - إمامة القاعد (الجالس)","level":1,"page":67},{"title":"أولا: هل تصح إمامة القاعد؟","level":2,"page":67},{"title":"القول الأول: تصح إمامته مطلقا.","level":3,"page":68},{"title":"القول الثاني: لا تصح مطلقا","level":3,"page":75},{"title":"القول الثالث: تصح إمامته بشرطين","level":3,"page":77},{"title":"ثانيا: كيف يصلي المأمومون خلف الإمام القاعد؟ قياما: أم قعودا؟","level":2,"page":78},{"title":"القول الأول: يصلون خلفه قياما، ولا يقعدون.","level":3,"page":78},{"title":"القول الثاني: يصلون خلفه قعودا، ولا يقومون.","level":3,"page":79},{"title":"القول الثالث: إذا ابتدأ الإمام الراتب الصلاة جالسا صلى من وراءه جلوسا.","level":3,"page":83},{"title":"القول الرابع: يصلي المأمومون قياما، ويجوز لهم القعود أيضا.","level":3,"page":85},{"title":"٧ - إمامة من لا يحسن الفاتحة","level":1,"page":89},{"title":"الأول: هل تصح إمامة من لا يحسن الفاتحة لمن يحسنها؟","level":2,"page":89},{"title":"القول الأول: لا تصح إمامته مطلقا.","level":3,"page":89},{"title":"القول الثاني: تصح إمامته في الصلاة السرية، أما في الجهرية فلا تصح.","level":3,"page":90},{"title":"القول الثالث: تصح في النوافل فقط.","level":3,"page":91},{"title":"القول الرابع: تصح مطلقا.","level":3,"page":91},{"title":"ثانيا: هل تبطل صلاة المأمومين والإمام؟ أم تبطل صلاة المأمومين فقط؟!","level":2,"page":93},{"title":"القول الأول: تبطل صلاة المأمومين، الذين يحسنون الفاتحة - فقط -.","level":3,"page":93},{"title":"القول الثاني: تبطل صلاة الإمام والمأمومين جميعا.","level":3,"page":94},{"title":"٨ - إمامة اللحان والألثغ ومن على شاكلتهما","level":1,"page":95},{"title":"تعريفه","level":2,"page":95},{"title":"اللحان","level":3,"page":95},{"title":"الألثع","level":3,"page":95},{"title":"التمتام","level":3,"page":96},{"title":"الفأفاء","level":3,"page":96},{"title":"أولا: إمامة اللحان","level":2,"page":96},{"title":"قول شهاب الدين القرافي المالكي","level":3,"page":96},{"title":"قول الإمام الشافعي","level":3,"page":96},{"title":"قول الإمام الشافعي","level":3,"page":97},{"title":"وأما اللحن في غير الفاتحة","level":3,"page":97},{"title":"ثانيا: إمامة الألثغ والأرت.","level":2,"page":98},{"title":"ثالثا: إمامة التمتام والفأفاء.","level":2,"page":99},{"title":"٩ - رجل صلى بقوم، ثم تبين أنه على غير طهارة","level":1,"page":101},{"title":"القول الأول: تصح صلاتهم، وليس عليهم شيء.","level":2,"page":101},{"title":"أثر عمر بن الخطاب ﵁","level":3,"page":109},{"title":"أثر عثمان بن عفان ﵁","level":3,"page":110},{"title":"أثر عبد الله بن عمر ﵁","level":3,"page":111},{"title":"أثر علي بن أبي طالب ﵁","level":3,"page":111},{"title":"القول الثاني: تبطل صلاة المأمومين، ويعيدونها.","level":2,"page":113},{"title":"١٠ - إمامة المسبوق","level":1,"page":118},{"title":"الصورة الأولى: أن يؤم هذا المسبوق مسبوقين مثله.","level":2,"page":118},{"title":"القول الأول: يجوز لهم ذلك.","level":3,"page":118},{"title":"القول الثاني: لا يجوز لهم ذلك.","level":3,"page":119},{"title":"الصورة الثانية: أن يؤم هذا المسبوق من لم يدرك الجماعة أصلا.","level":2,"page":120},{"title":"القول الأول: يجوز له أن يأتم بذلك المسبوق.","level":3,"page":121},{"title":"القول الثاني: لا يجوز له أن يأتم بذلك المسبوق.","level":3,"page":121},{"title":"١١ - إمامة المتنفل للمفترض","level":1,"page":123},{"title":"تمهيد","level":2,"page":123},{"title":"القول الأول: لا تصح إمامة المتنفل للمفترض.","level":2,"page":124},{"title":"القول الثاني: تصح إمامة المتنفل للمفترض.","level":2,"page":137},{"title":"القول الثالث: تصح إمامة المتنفل للمفترض للحاجة وهي كونه أحق بالإمامة.","level":2,"page":141},{"title":"١٢ - إمامة المفترض للمتنفل","level":1,"page":143},{"title":"قال ابن عبد البر","level":2,"page":143},{"title":"وقال ابن قدامة الحنبلي","level":2,"page":143},{"title":"وقال السرخسي الحنفي","level":2,"page":143},{"title":"١٣ - إمامة الأعمى","level":1,"page":151},{"title":"قال ابن المنذر","level":2,"page":151},{"title":"الأدلة العامة","level":2,"page":152},{"title":"الأدلة الخاصة","level":2,"page":152},{"title":"١ - أن النبي ﷺ استخلف ابن أم مكتوم على المدينة يصلي بالناس.","level":3,"page":152},{"title":"٢ - أن عددا من الصحابة قد أم الناس وهو أعمى، ومن هؤلاء.","level":3,"page":154},{"title":"أ) عتبان بن مالك ﵁","level":4,"page":154},{"title":"ب) جابر بن عبد الله ﵄","level":4,"page":154},{"title":"جـ) البراء بن عازب ﵁","level":4,"page":154},{"title":"د) عبد الله بن عباس ﵄","level":4,"page":155},{"title":"الحاصل من جميع ما سبق","level":2,"page":155},{"title":"القول الأول: البصير أولى.","level":2,"page":156},{"title":"القول الثاني: الأعمى أولى.","level":2,"page":157},{"title":"القول الثالث: كلاهما سواء.","level":2,"page":158},{"title":"١٤ - إمامة صاحب البيت","level":1,"page":159},{"title":"١) قال الكاساني الحنفي","level":2,"page":159},{"title":"٢) قال الإمام مالك","level":2,"page":159},{"title":"٣) قال الإمام الشافعي","level":2,"page":159},{"title":"٤) قال ابن قدامة الحنبلي","level":2,"page":159},{"title":"١٥ - إمامة المرأة للرجال","level":1,"page":165},{"title":"قال ابن حزم","level":2,"page":165},{"title":"القول الأول: لا تصح إمامة المرأة للرجال.","level":2,"page":166},{"title":"القول الثاني: تصح إمامة المرأة للرجال مطلقا.","level":2,"page":169},{"title":"القول الثالث: تصح إمامة المرأة للرجال في التراويح فقط.","level":2,"page":171},{"title":"١٦ - إمامة المرأة للنساء","level":1,"page":174},{"title":"أولا: هل تؤم المرأة النساء؟","level":2,"page":174},{"title":"القول الأول: يستحب للمرأة أن تؤم النساء، فرضا ونفلا.","level":3,"page":174},{"title":"القول الثاني: لا تصح إمامة المرأة للنساء، وبه قال المالكية. واستدلوا على ذلك بالأثر والنظر.","level":3,"page":179},{"title":"القول الثالث: تكره إمامة المرأة للنساء، فرضا ونفلا.","level":3,"page":180},{"title":"القول الرابع: يكره لها الإمامة في الفرض، ويجوز في النفل.","level":3,"page":181},{"title":"ثانيا: أين تقف المرأة من النساء المأمومات؟","level":2,"page":182},{"title":"ثالثا: هل تجهر بالقراءة في صلاتها؟","level":2,"page":185},{"title":"١٧ - تسوية الصفوف","level":1,"page":187},{"title":"المراد بتسوية الصفوف","level":2,"page":187},{"title":"جرى فعل الصحابة ﵃، بعد رسول الله ﷺ ومنهم","level":2,"page":192},{"title":"عمر بن الخطاب ﵁","level":3,"page":192},{"title":"عثمان بن عفان ﵁","level":3,"page":192},{"title":"بلال بن رباح ﵁","level":3,"page":193},{"title":"أنس بن مالك ﵁","level":3,"page":193},{"title":"القول الأول: وهو أن تسوية الصفوف واجبة.","level":2,"page":194},{"title":"القول الثاني: وهو أن تسوية الصفوف سنة مستحبة، ليست بواجبة.","level":2,"page":196},{"title":"١٨ - صلاة الإمام في مكان أعلى من المأمومين","level":1,"page":199},{"title":"الصورة الأولى: أن يصلي الإمام في مكان مرتفع ومعه بعض المأمومين، وباقي القوم في مكان أسفل منه.","level":2,"page":199},{"title":"القول الأول: يكره لمن بالأسفل الاقتداء بهذا الإمام، ولا يكره لمن معه في نفس المكان.","level":3,"page":199},{"title":"القول الثاني: يجوز للقوم أن يقتدوا بإمام يصلي في مكان أعلى منهم طالما أن معه مأمومين في نفس مكانه، بلا كراهة.","level":3,"page":204},{"title":"الصورة الثانية","level":2,"page":204},{"title":"١ - أن يكون ارتفاع الإمام عن المأمومين لحاجة وضرورة.","level":3,"page":205},{"title":"٢ - أن يكون الارتفاع يسيرا.","level":3,"page":207},{"title":"القول الأول: لا تصح الصلاة.","level":4,"page":208},{"title":"القول الثاني: تصح الصلاة.","level":4,"page":208},{"title":"١٩ - صلاة المأمومين في مكان أعلى من الإمام","level":1,"page":210},{"title":"الصورة الأولى: أن يصلي الإمام في مكان ومعه بعض المأمومين، ويأتم به البعض وهم في مكان أعلى منه - كسطح المسجد.","level":2,"page":210},{"title":"الصورة الثانية","level":2,"page":214},{"title":"القول الأول: يكره أن يكون موضع المأموم أعلى من موضع الإمام إلا لحاجة.","level":3,"page":214},{"title":"القول الثاني: جائز أن يكون موضع المأموم أعلى من الإمام بلا كراهة.","level":3,"page":215},{"title":"٢٠ - الإمام يفصل بينه وبين القوم حائط أو طريق","level":1,"page":217},{"title":"أولا: إذا كان الحائل بين الإمام والقوم في نفس المسجد.","level":2,"page":217},{"title":"ثانيا: إذا كان المقتدي خارج المسجد وبينه وبين الإمام حائط أو حائل.","level":2,"page":218},{"title":"الصورة الأولى: أن يمتلأ المسجد بالمصلين، وتكتمل الصفوف،","level":3,"page":218},{"title":"الصورة الثانية: أن يكون في المسجد مكان للمصلين،","level":3,"page":219},{"title":"القول الأول: يصح الائتمام بهذا الإمام.","level":4,"page":219},{"title":"يقول الحنفية","level":5,"page":220},{"title":"١) أثر عائشة ﵂","level":6,"page":221},{"title":"٢) أثر أنس بن مالك ﵁","level":6,"page":221},{"title":"٣) أثر إبراهيم النخعي ﵀","level":6,"page":222},{"title":"القول الثاني: لا يصح الائتمام بهذا الإمام.","level":4,"page":222},{"title":"١ - عمر بن الخطاب ﵁","level":5,"page":223},{"title":"٢ - عائشة ﵂","level":5,"page":223},{"title":"ثالثا: إذا كان الإمام في المسجد أو خارجه وبينه وبين المقتدي طريق","level":2,"page":223},{"title":"القول الأول: يصح الاقتداء والائتمام بهذا بالإمام.","level":3,"page":224},{"title":"القول الثاني: لا يصح الاقتداء.","level":3,"page":225},{"title":"رابعا: إذا كان الفاصل بين الإمام والمأمومين نهر","level":2,"page":227},{"title":"فعند الحنفية","level":3,"page":227},{"title":"وعند المالكية","level":3,"page":227},{"title":"وعند الشافعية","level":3,"page":228},{"title":"وعند الحنابلة","level":3,"page":228},{"title":"٢١ - المد الزائد في التكبيرات في الصلاة","level":1,"page":229},{"title":"القول الأول: يستحب حذفها وعدم المد فيها كما هو الشأن في تكبيرة الإحرام.","level":2,"page":230},{"title":"القول الثاني: يستحب مدها إلى أن يصل إلى الركن المنتقل إليه.","level":2,"page":230},{"title":"وممن ذهب إلى جواز ذلك أيضا","level":3,"page":233},{"title":"٢٢ - حذف السلام","level":1,"page":235},{"title":"لأهل العلم في تعريف «حذف السلام»، عدة أقوال","level":2,"page":235},{"title":"٢٣ - مواطن سكتات الإمام","level":1,"page":241},{"title":"القول الأول: للإمام أن يسكت سكتة واحدة بعد التكبير وقبل القراءة، يقول فيها: دعاء الاستفتاح، وليس له سكوت بعد ذلك.","level":2,"page":241},{"title":"الدليل الأول: حديث أبي هريرة ﵁.","level":3,"page":242},{"title":"الدليل الثاني: حديث علي بن أبي طالب ﵁.","level":3,"page":243},{"title":"الدليل الثالث: أثر عمر بن الخطاب ﵁.","level":3,"page":243},{"title":"القول الثاني: ليس للإمام أن يسكت في أي موطن، بل يكبر ثم يبتدئ القراءة.","level":2,"page":246},{"title":"الدليل الأول: حديث أنس ﵁","level":3,"page":247},{"title":"الدليل الثاني: حديث أبي هريرة ﵁.","level":3,"page":248},{"title":"القول الثالث: للإمام أن يسكت سكتتين.","level":2,"page":250},{"title":"القول الرابع: للإمام أن يسكت ثلاث سكتات","level":2,"page":255},{"title":"الدليل الأول: حديث سمرة بن جندب","level":3,"page":256},{"title":"الدليل الثاني: أثر أبي سلمة بن عبد الرحمن","level":3,"page":256},{"title":"الدليل الثالث: أثر إبراهيم النخعي","level":3,"page":257},{"title":"الدليل الرابع: أثر عمر بن عبد العزيز","level":3,"page":257},{"title":"القول الخامس: للإمام أن يسكت أربع سكتات","level":2,"page":259},{"title":"أقوال لبعض أهل العلم المعاصرين في المسألة","level":2,"page":260},{"title":"١ - اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء","level":3,"page":260},{"title":"٢ - سماحة الشيخ: عبد العزيز بن باز ﵀ [ت: ١٤٢٠ هـ].","level":3,"page":261},{"title":"٣ - فضيلة الشيخ: محمد بن صالح العثيمين ﵀ [ت: ١٤٢١ هـ].","level":3,"page":261},{"title":"٢٤ - جهر الإمام بالبسملة في الصلاة","level":1,"page":263},{"title":"القول الأول: لا تقرأ البسملة في أول الفاتحة في الصلاة المكتوبة سرا، ولا جهرا، ويجوز قراءتها في النافلة سرا.","level":2,"page":264},{"title":"القول الثاني: يقرأ الإمام البسملة في أول الفاتحة، ولكنه يخفيها ولا يجهر بها.","level":2,"page":267},{"title":"ورد عدم الجهر عن بعض الصحابة","level":3,"page":273},{"title":"١ - عمر بن الخطاب ﵁","level":4,"page":273},{"title":"٢ - علي بن أبي طالب ﵁","level":4,"page":274},{"title":"٣ - عبد الله بن مسعود ﵁","level":4,"page":274},{"title":"٤ - عبد الله بن عباس ﵁","level":4,"page":275},{"title":"٥ - عبد الله بن الزبير ﵁","level":4,"page":275},{"title":"وجاء عن بعض التابعين أيضا عدم الجهر بها، ومنهم","level":3,"page":275},{"title":"١) أبو وائل - شقيق بن سلمة -","level":4,"page":275},{"title":"٢) الحسن البصري","level":4,"page":276},{"title":"٣) محمد بن سيرين","level":4,"page":276},{"title":"٤) إبراهيم النخعي","level":4,"page":276},{"title":"القول الثالث: يستحب الجهر بالبسملة.","level":2,"page":277},{"title":"أثر عمر بن الخطاب ﵁","level":3,"page":298},{"title":"أثر على بن أبي طالب ﵁","level":3,"page":299},{"title":"أثر أبي بن كعب ﵁","level":3,"page":299},{"title":"أثر عبد الله بن عباس ﵁","level":3,"page":299},{"title":"أثر عبد الله بن الزبير ﵁","level":3,"page":300},{"title":"أثر عبد الله بن عمر ﵁","level":3,"page":300},{"title":"القول الرابع: يستحب الجهر بالبسملة في المدينة النبوية دون غيرها.","level":2,"page":302},{"title":"القول الخامس: يستحب الجهر بالبسملة جهرا خفيفا دون الجهر بالقراءة.","level":2,"page":302},{"title":"القول السادس: الإسرار تارة، والإعلان في بعض الأحيان.","level":2,"page":303},{"title":"القول السابع: الأمر في ذلك واسع، إن شاء جهر وإن شاء أسر.","level":2,"page":303},{"title":"قال ابن خزيمة ﵀","level":3,"page":304},{"title":"قال ابن حبان ﵀","level":3,"page":304},{"title":"قال الحازمي ﵀","level":3,"page":304},{"title":"قال ابن كثير ﵀","level":3,"page":305},{"title":"قال الشوكاني ﵀","level":3,"page":305},{"title":"قال الشيخ مقبل بن هادي ﵀","level":3,"page":305},{"title":"٢٥ - تأمين الإمام","level":1,"page":307},{"title":"القول الأول: يسن للإمام أن يؤمن إذا فرغ من قراءة الفاتحة.","level":2,"page":307},{"title":"أولا: يسن للإمام أن يجهر بالتأمين","level":3,"page":309},{"title":"ثانيا: يخفي الإمام التأمين ولا يجهر به.","level":3,"page":311},{"title":"القول الثاني: لا يؤمن الإمام بعد الفراغ من قراءة الفاتحة - في القراءة الجهرية -.","level":2,"page":320},{"title":"القول الثالث: الإمام مخير، فإن شاء أمن، وإن شاء لم يؤمن.","level":2,"page":321},{"title":"٢٦ - تنكيس القراءة في الصلاة","level":1,"page":323},{"title":"المقصود بالتنكيس","level":2,"page":323},{"title":"التنكيس لغة","level":3,"page":323},{"title":"التنكيس اصطلاحا","level":3,"page":323},{"title":"التنكيس له صورتان","level":2,"page":324},{"title":"الأولى: أن يقرأ من آخر السورة إلى أولها، آية بعد آية.","level":3,"page":324},{"title":"الثانية: أن يقرأ القرآن من آخره إلى أوله،","level":3,"page":324},{"title":"القول الأول: يجوز له أن يقرأ بخلاف ترتيب المصحف.","level":2,"page":326},{"title":"القول الثاني: يكره له أن يقرأ بخلاف ترتيب المصحف.","level":2,"page":328},{"title":"٢٧ - الإمام يمر بآية رحمة أو عذاب","level":1,"page":332},{"title":"القول الأول: يستحب للإمام أن يسأل الله الرحمة، أو يستعيذ به من العذاب، أو يسبحه فى النفل فقط","level":2,"page":332},{"title":"أ - علي بن أبي طالب ﵁","level":3,"page":334},{"title":"ب - أم المؤمنين عائشة ﵂","level":3,"page":334},{"title":"جـ - أسماء بنت أبي بكر ﵂","level":3,"page":335},{"title":"القول الثاني: يستحب للإمام أن يسأل الله الرحمة، أو يستعيذ به من العذاب، أو يسبحه، إذا مر بآية فيها شيء من ذلك = في الفرض والنفل.","level":2,"page":336},{"title":"أثر أبي موسى الأشعري","level":3,"page":336},{"title":"٢٨ - تخفيف الإمام الصلاة مع إتمامها","level":1,"page":338},{"title":"٢٩ - الفتح على الإمام","level":1,"page":342},{"title":"وأما عن حكمه","level":2,"page":342},{"title":"يقول الحنفية","level":2,"page":352},{"title":"ويقول المالكية","level":2,"page":353},{"title":"ويقول الشافعية","level":2,"page":354},{"title":"ويقول الحنابلة","level":2,"page":354},{"title":"٣٠ - قراءة الإمام من المصحف","level":1,"page":358},{"title":"أولا: القراءة من المصحف في النوافل - كقيام رمضان","level":2,"page":358},{"title":"القول الأول: يجوز للإمام أن يقرأ من المصحف.","level":3,"page":358},{"title":"ورد عن بعض التابعين ما يدل على ذلك","level":4,"page":361},{"title":"١ - الحسن البصري ومحمد بن سيرين","level":5,"page":361},{"title":"٢ - محمد بن مسلم بن شهاب الزهري","level":5,"page":361},{"title":"٣ - عائشة بنت طلحة بن عبيد الله","level":5,"page":362},{"title":"القول الثاني: يكره للإمام أن يقرأ من المصحف.","level":3,"page":363},{"title":"وممن جاء عنهم الكراهة لهذا من السلف","level":4,"page":364},{"title":"١ - سويد بن حنظلة ﵁","level":5,"page":364},{"title":"٢ - سعيد بن المسيب","level":5,"page":364},{"title":"٣ - الحسن البصري","level":5,"page":365},{"title":"٤ - مجاهد بن جبر","level":5,"page":365},{"title":"القول الثالث: لا يجوز للإمام أن يقرأ من المصحف، وتبطل الصلاة إذا فعل.","level":3,"page":366},{"title":"ثانيا: القراءة من المصحف في الفرض","level":2,"page":369},{"title":"القول الأول: يجوز للإمام أن يقرأ من المصحف.","level":3,"page":370},{"title":"القول الثاني: يكره للإمام أن يقرأ من المصحف.","level":3,"page":370},{"title":"القول الثالث: لا يجوز للإمام القراءة من المصحف، وإن فعل: بطلت الصلاة.","level":3,"page":370},{"title":"فصل: في حمل المأموم المصحف للفتح على الإمام","level":2,"page":372},{"title":"٣١ - عد الآي والتسبيح في الصلاة","level":1,"page":374},{"title":"القول الأول: لا بأس بعد الآي والتسبيح في الصلاة.","level":2,"page":374},{"title":"القول الثاني: يكره عد الآي والتسبيح في الصلاة","level":2,"page":376},{"title":"٣٢ - الاستخلاف","level":1,"page":378},{"title":"الاستخلاف لغة","level":2,"page":378},{"title":"واصطلاحا","level":2,"page":378},{"title":"القول الأول: وهو أن الاستخلاف جائز.","level":2,"page":378},{"title":"هيئة خروج الإمام من الصلاة واستخلافه","level":3,"page":385},{"title":"كيفية الاستخلاف","level":3,"page":386},{"title":"القول الثاني: لا يصح الاستخلاف بحال.","level":3,"page":387},{"title":"٣٣ - الإمام يطيل الركوع انتظارا للقادم","level":1,"page":391},{"title":"القول الأول: يستحب للإمام أن ينتظر القادم.","level":2,"page":391},{"title":"الدليل الأول: حديث صلاة الخوف","level":3,"page":392},{"title":"الدليل الثاني: حديث أبي قتادة الأنصاري ﵁","level":3,"page":392},{"title":"الدليل الثالث: حديث جابر بن عبد الله ﵁","level":3,"page":393},{"title":"الدليل الرابع: حديث أنس بن مالك ﵁","level":3,"page":393},{"title":"القول الثاني: يكره للإمام أن ينتظر القادم.","level":2,"page":394},{"title":"القول الثالث: يكره للإمام أن ينتظر القادم إن عرفه، وإن لم يعرفه: فلا بأس.","level":2,"page":396},{"title":"القول الرابع: يجوز للإمام أن ينتظر القادم.","level":2,"page":397},{"title":"٣٤ - الإمام يقوم من ركعتين ناسيا التشهد الأول","level":1,"page":398},{"title":"أولا: أن يتذكر قبل أن يفارق الأرض وقبل أن يقوم.","level":2,"page":398},{"title":"ثانيا: أن يتذكر بعد أن فارق الأرض وقام لكنه لم يستتم قائما.","level":2,"page":398},{"title":"أ - أنه يعود إلى التشهد ما لم يستتم قائما.","level":3,"page":398},{"title":"الدليل الأول: حديث المغيرة بن شعبة ﵁.","level":4,"page":399},{"title":"الدليل الثاني: أثر النعمان بن بشير ﵁.","level":4,"page":403},{"title":"الدليل الثالث: أثر أنس بن مالك ﵁.","level":4,"page":404},{"title":"ب - إذا كان الإمام إلى القعود أقرب يعود، وإن كان إلى القيام أقرب لا يعود.","level":3,"page":404},{"title":"ثالثا: أن يتذكر الإمام بعد أن يستتم قائما","level":2,"page":405},{"title":"أ - يحرم عليه أن يعود للقعود","level":3,"page":405},{"title":"الدليل الأول: حديث عبد الله بن مالك بن بحينة ﵁.","level":4,"page":405},{"title":"الدليل الثاني: حديث المغيرة بن شعبة ﵁","level":4,"page":406},{"title":"الدليل الثالث: حديث معاوية بن أبي سفيان ﵁","level":4,"page":406},{"title":"الدليل الرابع: حديث سعد بن أبي وقاص ﵁","level":4,"page":408},{"title":"الدليل الخامس: أثر عقبة بن عامر ﵁","level":4,"page":409},{"title":"ب - يجوز له أن يعود إلى القعود ما لم يشرع في القراءة، فإن شرع في القراءة فلا يجوز له الرجوع.","level":3,"page":410},{"title":"إذا عاد الإمام للقعود بعد أن استتم قائما","level":2,"page":411},{"title":"القول الأول: لا تبطل الصلاة إذا عاد للقعود بعد استتمامه قائما.","level":3,"page":411},{"title":"القول الثاني: إن عاد للقعود متعمدا عالما بتحريم الرجوع: بطلت صلاته، وإن عاد ناسيا أو جاهلا لم تبطل.","level":3,"page":412},{"title":"٣٥ - انصراف الإمام من مكانه بعد الصلاة","level":1,"page":414},{"title":"يكره للإمام أن يمكث على هيئته بعد الصلاة مستقبل القبلة","level":2,"page":414},{"title":"وقد كان هذا فعل أصحاب النبي ﷺ أيضا، ومنهم","level":3,"page":416},{"title":"أبو بكر الصديق ﵁","level":4,"page":416},{"title":"علي بن أبي طالب ﵁","level":4,"page":417},{"title":"عبد الله بن مسعود ﵁","level":4,"page":417},{"title":"عبد الله بن عمر ﵁","level":4,"page":417},{"title":"٣٦ - انصراف الإمام عن يمينه وشماله","level":1,"page":426},{"title":"كان بعض الصحابة يوصون بذلك، أي: أن ينصرف المصلي حيث شاء","level":2,"page":428},{"title":"علي بن أبي طالب ﵁","level":3,"page":429},{"title":"عبد الله بن عمر ﵁","level":3,"page":429},{"title":"عبد الله بن مسعود ﵁","level":3,"page":429},{"title":"٣٧ - تطوع الإمام في مكانه الذي صلى فيه الفريضة","level":1,"page":433},{"title":"القول الأول: يكره للإمام أن يتنفل في موضعه الذي صلى فيه الفريضة، ولا يكره للمأموم.","level":2,"page":433},{"title":"القول الثاني: يجوز للإمام أن يصلي النفل في موضعه الذي صلى فيه الفريضة.","level":2,"page":438},{"title":"الدليل الأول: أثر ابن عمر ﵁","level":3,"page":439},{"title":"الدليل الثاني: أثر عبد الله بن مسعود ﵁","level":3,"page":439},{"title":"٣٨ - أخذ المال على الإمامة","level":1,"page":442},{"title":"القول الأول: لا يجوز مطلقا أخذ الأجرة على الإمامة في الصلاة.","level":2,"page":444},{"title":"القول الثاني: لا يجوز أخذ الأجرة على الإمامة في الصلاة إلا للضرورة والحاجة.","level":2,"page":470},{"title":"القسم الأول: ما يدل على عدم الجواز في الأصل،","level":3,"page":470},{"title":"القسم الثاني: ما يدل على جواز الاستئجار على الإمامة للضرورة والحاجة.","level":3,"page":470},{"title":"القول الثالث: يجوز أخذ الأجرة على الإمامة مطلقا.","level":2,"page":472},{"title":"القول الرابع: يجوز أخذ الأجرة على الإمامة بشرط أن ينضم إليها الأذان، أو القيام على المسجد، فأما إذا كانت مفردة: فلا يجوز.","level":2,"page":482}],"ٛ":{"1,5":1,"1,6":2,"1,7":3,"1,8":4,"1,9":5,"1,10":6,"1,11":7,"1,12":8,"1,13":9,"1,14":10,"1,15":11,"1,16":12,"1,17":13,"1,18":14,"1,19":15,"1,20":16,"1,21":17,"1,22":18,"1,23":19,"1,24":20,"1,25":21,"1,26":22,"1,27":23,"1,28":24,"1,29":25,"1,30":26,"1,31":27,"1,32":28,"1,33":29,"1,34":30,"1,35":31,"1,36":32,"1,37":33,"1,38":34,"1,39":35,"1,40":36,"1,41":37,"1,42":38,"1,43":39,"1,44":40,"1,45":41,"1,46":42,"1,47":43,"1,48":44,"1,49":45,"1,50":46,"1,51":47,"1,52":48,"1,53":49,"1,54":50,"1,55":51,"1,56":52,"1,57":53,"1,58":54,"1,59":55,"1,60":56,"1,61":57,"1,62":58,"1,63":59,"1,64":60,"1,65":61,"1,66":62,"1,67":63,"1,68":64,"1,69":65,"1,70":66,"1,71":67,"1,72":68,"1,73":69,"1,74":70,"1,75":71,"1,76":72,"1,77":73,"1,78":74,"1,79":75,"1,80":76,"1,81":77,"1,82":78,"1,83":79,"1,84":80,"1,85":81,"1,86":82,"1,87":83,"1,88":84,"1,89":85,"1,90":86,"1,91":87,"1,92":88,"1,93":89,"1,94":90,"1,95":91,"1,96":92,"1,97":93,"1,98":94,"1,99":95,"1,100":96,"1,101":97,"1,102":98,"1,103":99,"1,104":100,"1,105":101,"1,106":102,"1,107":103,"1,108":104,"1,109":105,"1,110":106,"1,111":107,"1,112":108,"1,113":109,"1,114":110,"1,115":111,"1,116":112,"1,117":113,"1,118":114,"1,119":115,"1,120":116,"1,121":117,"1,122":118,"1,123":119,"1,124":120,"1,125":121,"1,126":122,"1,127":123,"1,128":124,"1,129":125,"1,130":126,"1,131":127,"1,132":128,"1,133":129,"1,134":130,"1,135":131,"1,136":132,"1,137":133,"1,138":134,"1,139":135,"1,140":136,"1,141":137,"1,142":138,"1,143":139,"1,144":140,"1,145":141,"1,146":142,"1,147":143,"1,148":144,"1,149":145,"1,150":146,"1,151":147,"1,152":148,"1,153":149,"1,154":150,"1,155":151,"1,156":152,"1,157":153,"1,158":154,"1,159":155,"1,160":156,"1,161":157,"1,162":158,"1,163":159,"1,164":160,"1,165":161,"1,166":162,"1,167":163,"1,168":164,"1,169":165,"1,170":166,"1,171":167,"1,172":168,"1,173":169,"1,174":170,"1,175":171,"1,176":172,"1,177":173,"1,178":174,"1,179":175,"1,180":176,"1,181":177,"1,182":178,"1,183":179,"1,184":180,"1,185":181,"1,186":182,"1,187":183,"1,188":184,"1,189":185,"1,190":186,"1,191":187,"1,192":188,"1,193":189,"1,194":190,"1,195":191,"1,196":192,"1,197":193,"1,198":194,"1,199":195,"1,200":196,"1,201":197,"1,202":198,"1,203":199,"1,204":200,"1,205":201,"1,206":202,"1,207":203,"1,208":204,"1,209":205,"1,210":206,"1,211":207,"1,212":208,"1,213":209,"1,214":210,"1,215":211,"1,216":212,"1,217":213,"1,218":214,"1,219":215,"1,220":216,"1,221":217,"1,222":218,"1,223":219,"1,224":220,"1,225":221,"1,226":222,"1,227":223,"1,228":224,"1,229":225,"1,230":226,"1,231":227,"1,232":228,"1,233":229,"1,234":230,"1,235":231,"1,236":232,"1,237":233,"1,238":234,"1,239":235,"1,240":236,"1,241":237,"1,242":238,"1,243":239,"1,244":240,"1,245":241,"1,246":242,"1,247":243,"1,248":244,"1,249":245,"1,250":246,"1,251":247,"1,252":248,"1,253":249,"1,254":250,"1,255":251,"1,256":252,"1,257":253,"1,258":254,"1,259":255,"1,260":256,"1,261":257,"1,262":258,"1,263":259,"1,264":260,"1,265":261,"1,266":262,"1,267":263,"1,268":264,"1,269":265,"1,270":266,"1,271":267,"1,272":268,"1,273":269,"1,274":270,"1,275":271,"1,276":272,"1,277":273,"1,278":274,"1,279":275,"1,280":276,"1,281":277,"1,282":278,"1,283":279,"1,284":280,"1,285":281,"1,286":282,"1,287":283,"1,288":284,"1,289":285,"1,290":286,"1,291":287,"1,292":288,"1,293":289,"1,294":290,"1,295":291,"1,296":292,"1,297":293,"1,298":294,"1,299":295,"1,300":296,"1,301":297,"1,302":298,"1,303":299,"1,304":300,"1,305":301,"1,306":302,"1,307":303,"1,308":304,"1,309":305,"1,310":306,"1,311":307,"1,312":308,"1,313":309,"1,314":310,"1,315":311,"1,316":312,"1,317":313,"1,318":314,"1,319":315,"1,320":316,"1,321":317,"1,322":318,"1,323":319,"1,324":320,"1,325":321,"1,326":322,"1,327":323,"1,328":324,"1,329":325,"1,330":326,"1,331":327,"1,332":328,"1,333":329,"1,334":330,"1,335":331,"1,336":332,"1,337":333,"1,338":334,"1,339":335,"1,340":336,"1,341":337,"1,342":338,"1,343":339,"1,344":340,"1,345":341,"1,346":342,"1,347":343,"1,348":344,"1,349":345,"1,350":346,"1,351":347,"1,352":348,"1,353":349,"1,354":350,"1,355":351,"1,356":352,"1,357":353,"1,358":354,"1,359":355,"1,360":356,"1,361":357,"1,362":358,"1,363":359,"1,364":360,"1,365":361,"1,366":362,"1,367":363,"1,368":364,"1,369":365,"1,370":366,"1,371":367,"1,372":368,"1,373":369,"1,374":370,"1,375":371,"1,376":372,"1,377":373,"1,378":374,"1,379":375,"1,380":376,"1,381":377,"1,382":378,"1,383":379,"1,384":380,"1,385":381,"1,386":382,"1,387":383,"1,388":384,"1,389":385,"1,390":386,"1,391":387,"1,392":388,"1,393":389,"1,394":390,"1,395":391,"1,396":392,"1,397":393,"1,398":394,"1,399":395,"1,400":396,"1,401":397,"1,402":398,"1,403":399,"1,404":400,"1,405":401,"1,406":402,"1,407":403,"1,408":404,"1,409":405,"1,410":406,"1,411":407,"1,412":408,"1,413":409,"1,414":410,"1,415":411,"1,416":412,"1,417":413,"1,418":414,"1,419":415,"1,420":416,"1,421":417,"1,422":418,"1,423":419,"1,424":420,"1,425":421,"1,426":422,"1,427":423,"1,428":424,"1,429":425,"1,430":426,"1,431":427,"1,432":428,"1,433":429,"1,434":430,"1,435":431,"1,436":432,"1,437":433,"1,438":434,"1,439":435,"1,440":436,"1,441":437,"1,442":438,"1,443":439,"1,444":440,"1,445":441,"1,446":442,"1,447":443,"1,448":444,"1,449":445,"1,450":446,"1,451":447,"1,452":448,"1,453":449,"1,454":450,"1,455":451,"1,456":452,"1,457":453,"1,458":454,"1,459":455,"1,460":456,"1,461":457,"1,462":458,"1,463":459,"1,464":460,"1,465":461,"1,466":462,"1,467":463,"1,468":464,"1,469":465,"1,470":466,"1,471":467,"1,472":468,"1,473":469,"1,474":470,"1,475":471,"1,476":472,"1,477":473,"1,478":474,"1,479":475,"1,480":476,"1,481":477,"1,482":478,"1,483":479,"1,484":480,"1,485":481,"1,486":482,"1,487":483,"1,488":484},"ٜ":{"1":[5,488]},"ٝ":["1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488"],"ٞ":{"1":[1],"3":[2],"4":[3],"10":[4],"11":[5],"16":[6,7,8,9],"18":[10,11],"23":[12],"24":[13],"25":[14],"26":[15],"27":[16,17],"28":[18],"30":[19],"33":[20],"36":[21,22],"41":[23],"42":[24],"44":[25,26,27],"45":[28,29],"49":[30],"53":[31,32],"57":[33,34],"58":[35],"59":[36,37],"60":[38],"61":[39,40],"63":[41],"67":[42,43],"68":[44],"75":[45],"77":[46],"78":[47,48],"79":[49],"83":[50],"85":[51],"89":[52,53,54],"90":[55],"91":[56,57],"93":[58,59],"94":[60],"95":[61,62,63,64],"96":[65,66,67,68,69],"97":[70,71],"98":[72],"99":[73],"101":[74,75],"109":[76],"110":[77],"111":[78,79],"113":[80],"118":[81,82,83],"119":[84],"120":[85],"121":[86,87],"123":[88,89],"124":[90],"137":[91],"141":[92],"143":[93,94,95,96],"151":[97,98],"152":[99,100,101],"154":[102,103,104,105],"155":[106,107],"156":[108],"157":[109],"158":[110],"159":[111,112,113,114,115],"165":[116,117],"166":[118],"169":[119],"171":[120],"174":[121,122,123],"179":[124],"180":[125],"181":[126],"182":[127],"185":[128],"187":[129,130],"192":[131,132,133],"193":[134,135],"194":[136],"196":[137],"199":[138,139,140],"204":[141,142],"205":[143],"207":[144],"208":[145,146],"210":[147,148],"214":[149,150],"215":[151],"217":[152,153],"218":[154,155],"219":[156,157],"220":[158],"221":[159,160],"222":[161,162],"223":[163,164,165],"224":[166],"225":[167],"227":[168,169,170],"228":[171,172],"229":[173],"230":[174,175],"233":[176],"235":[177,178],"241":[179,180],"242":[181],"243":[182,183],"246":[184],"247":[185],"248":[186],"250":[187],"255":[188],"256":[189,190],"257":[191,192],"259":[193],"260":[194,195],"261":[196,197],"263":[198],"264":[199],"267":[200],"273":[201,202],"274":[203,204],"275":[205,206,207,208],"276":[209,210,211],"277":[212],"298":[213],"299":[214,215,216],"300":[217,218],"302":[219,220],"303":[221,222],"304":[223,224,225],"305":[226,227,228],"307":[229,230],"309":[231],"311":[232],"320":[233],"321":[234],"323":[235,236,237,238],"324":[239,240,241],"326":[242],"328":[243],"332":[244,245],"334":[246,247],"335":[248],"336":[249,250],"338":[251],"342":[252,253],"352":[254],"353":[255],"354":[256,257],"358":[258,259,260],"361":[261,262,263],"362":[264],"363":[265],"364":[266,267,268],"365":[269,270],"366":[271],"369":[272],"370":[273,274,275],"372":[276],"374":[277,278],"376":[279],"378":[280,281,282,283],"385":[284],"386":[285],"387":[286],"391":[287,288],"392":[289,290],"393":[291,292],"394":[293],"396":[294],"397":[295],"398":[296,297,298,299],"399":[300],"403":[301],"404":[302,303],"405":[304,305,306],"406":[307,308],"408":[309],"409":[310],"410":[311],"411":[312,313],"412":[314],"414":[315,316],"416":[317,318],"417":[319,320,321],"426":[322],"428":[323],"429":[324,325,326],"433":[327,328],"438":[329],"439":[330,331],"442":[332],"444":[333],"470":[334,335,336],"472":[337],"482":[338]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"﷽\n\n<span data-type='title' id=toc-1>مقدمة الناشر</span>\nإن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\n﴿ياأيها الذين أمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾.\n﴿ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساء واتقواالله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا﴾.\n﴿ياأيها الذين أمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا * يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما﴾.\nأما بعد:\n* فلا يخفى على مسلم عاقل، فضلًا عن لبيب، ما للصلاة من أهمية في حياته، فهي عماد الدين، وعموده المتين، وحُقَّ لركن مثل هذا أنْ يُوليَه المسلمون مزيدَ عناية واهتمام، لا بالعمل فحسب، فهذا فرض عليهم، وإنما كذلك بالتَّفقُّهِ والتعلُّمِ، خاصَّة ونحن في زمان طغت فيه","vol":"1","page":5},{"text":"المادية على حياة المسلم الدينية، وتساهل كثير منهم في أداء الفرائض والأركان، إلا من رحم الله الرحيم الرحمن.\n* ومن أبواب الصلاة التي أولاها الفقهاء ﵏ مزيد عناية واهتمام؛ باب الإمامة. وذلك لعظم شأنها، وكثرة مسائلها، وحاجة المسلم إلى التعرف على الأحكام الخاصة بها. وذلك أنَّ أحدًا منّا لا ينفكُّ في وقت من الأوقات أنْ يكون إمامًا في الصلاة، في مسجد حيِّه تارة، أو في عمله تارة، أو بين أصحابه في سفره، أو …، أو …، إلى غير ذلك مما يَعْرِض له.\n* ورغبةً مِنَّا في المشاركة في نفع المسلمين، وإيصال هذه الأحكام المتعلقة بصلاة الإمام إليهم، وشعورًا بمسؤولية النشر الهادف؛ نُقدِّم اليوم للقارئ هذا الكتاب: «جامع أحكام صلاة الإمام». والذي اجتهد فيه مؤلِّفه في جمع وتقريب هذه الأحكام، لتكون عونًا - بإذن الله - على أداء تلك العبادة على الوجه الذي يُقرِّب إلى الله.\nراجين من الله الكريم النفع لنا ولكاتبه ولعموم المسلمين، وأن يعيننا على ما يحبه ويرضاه، وأن يتقبل منا أعمالنا بقبول حسن، وأن يجعل هذا الجهد من مُبيِّضات الوجوه يوم نلقاه، إنه نعم المولى ونعم المجيب.\nوالحمد لله رب العالمين.\nالناشر","vol":"1","page":6},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2>تقديم فضيلة الشيخ مصطفى بن العدوي</span>\nالحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله،\nوبعد؛\nفهذا بحثٌ جيدٌ ونافع في أحكام الإمامة في الصلاة، وما يتعلق بها، أعدَّه أخي في الله: أحمد الجابري -حفظه الله وبارك فيه-، وقد اعتنى -وفَّقه الله- بالناحيتين: الحديثية والفقهية على السواء، فاعتنى بتخريج الأحاديث والآثار، والحكم عليها بما تستحقه، مع النظر في أقوال علماء العلل في ذلك، كما اعتنى بنقل أقوال أئمة الفقه ﵏، فخرج بحثه جيدًا، موفقًا، نافعًا جدًّا في بابه، أحسبه كذلك، وقد قمت مع أخي بمراجعة ما كتبه؛ فألفيته -كما عهدتُه في أبحاثه- دقيقًا إلى حد كبير، متقنًا في عمله، ولا أزكّيه على الله.\nفاللهَ أسألُ أن يوفقه لمواصلة طلب العلم الشرعي، والتأليف، والبحث والتحرير، والدعوة إلى الله، وأن ينفع به وبكتابه الإسلام والمسلمين.\nهذا؛ وصلِّ اللهم على نبينا محمد وسلم.\nوالحمد لله رب العالمين.\nكتبه\nأبو عبد الله\nمصطفى بن العدوي","vol":"1","page":7},{"text":"﷽\n\n<span data-type='title' id=toc-3>مقدِّمة</span>\nالحمد لله الذي سهَّل لعباده المتقين إلى مرضاته سبيلًا، وأوضح لهم طريق الهداية وجعل اتباع الرسول عليه دليلًا، واتخذهم عبيدًا له فأقروا له بالعبودية ولم يتخذوا من دونه وكيلًا.\nوالحمد لله الذي أقام في أزمنة الفترات من يكون ببيان سنن المرسلين كفيلًا، واختص هذه الأمة بأنه لا تزال طائفة فيها على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمره ولو اجتمع الثقلان على حربهم قبيلًا (^١).\nأحمده -والتوفيق للحمد من نعمه-، وأشكره -والشكر كفيل بالمزيد من فضله وكرمه وقسمه-، وأستغفره وأتوب إليه من الذنوب التي توجب زوال نعمه وحلول نقمه.\nوأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة أشهد بها مع الشاهدين، وأدخرها عند الله عُدَّة ليوم الدين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الصادق الأمين، صلى الله عليه وآله وأصحابه والتابعين، ومن لزم طريقه واستن بسنته إلى يوم الدين.\nوبعد؛\nفإن الاشتغال بالعلم من أفضل القرب وأجلِّ الطاعات، وأهم أنواع الخير وآكد العبادات، وأولى ما أُنفقت فيه نفائسُ الأوقات، وشَمَّرَ في\n_________\n(^١) مختصر من مقدمة ابن القيم لـ «مفتاح دار السعادة».","vol":"1","page":8},{"text":"إدراكه والتمكُّن فيه أصحاب الأنفس الزكيات، وقد تظاهر على ذلك جمل من الآيات الكريمات، والأحاديث الصحيحة المشهورات، وأقاويل السلف ﵃ النيِّرات، ومن ذلك -مثالًا لا حصرًا-:\nقول الله تعالى: ﴿قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون﴾.\nوقوله تعالى: ﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات﴾.\nوقول النبي ﷺ: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين» (^١).\nوقوله ﷺ ﷺ: «إنَّ مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضًا، فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء، فأنبتت الكلأ (^٢) والعشب الكثير، وكان منها أجادب (^٣) أمسكت الماء فنفع الله بها الناس، فشربوا منها وسقوا وزرعوا، وأصاب طائفة منها أخرى إنما هي قيعان (^٤) لا تمسك الماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به، فعَلِم وعَلَّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا، ولم يقبل هدى الله الذي أُرسلت به» (^٥).\n_________\n(^١) متفق عليه: أخرجه البخاري (٧١)، ومسلم (١٠٣٧) من حديث معاوية بن أبي سفيان ﵄.\n(^٢) الكلأ والعشب والحشيش: كلها أسماء للنبات، لكن الحشيش: مختص باليابس، والعشب والكلأ: مختصان بالرطب، والكلأ -بالهمز-: يقع على اليابس والرطب.\n(^٣) أجادب: جمع جدب -على غير قياس-، وهي الأرض التي لا تنبت كلأ، وقال الخطَّابي في «أعلام الحديث» (١/ ١٩٨): \"صلاب الأرض التي تمسك الماء فلا يسرع إليه النضوب\".\n(^٤) قيعان: جمع قاع، وهو الأرض المستوية، وقيل الملساء، وقيل: التي لا نبات فيها، وهذا هو المراد في هذا الحديث، كما صرَّح به النبي ﷺ.\n(^٥) متفق عليه: أخرجه البخاري (٧٩)، ومسلم (٢٢٨٢) -واللفظ له- من حديث أبي موسى الأشعري ﵁.","vol":"1","page":9},{"text":"وقال الإمام الشافعي ﵀:\n\"كفى بالعلم فضيلة أن يدَّعيه من ليس فيه، ويفرح إذا نُسب إليه، وكفى بالجهل شينًا أن يتبرأ منه من هو فيه، ويغضب إذا نُسب إليه\" (^١).\nوالكلام في فضل العلم وشرفه والحثِّ عليه= متسع كبير، يحوي من الآيات والأحاديث والآثار -فوق ما ذُكر- الكثير والكثير.\nولله درُّ القائل:\nتعلم فليس المرء يولد عالمًا … وليس أخو علم كمن هو جاهل\nوأن كبيرَ القوم لا علم عنده … صغير إذا التفّت عليه المحافل\nثم إن شرف العلوم يتفاوت بشرف مدلولها، وقدرها يعظم بعظم محصولها، ولا خلاف عند ذوي البصائر أن أجلَّها ما كانت الفائدةُ فيه أعمَّ، والنفعُ به أتمَّ، والسعادةُ باقتنائه أدوم، والإنسان بتحصيله ألزم، كعلم الشريعة الذي هو طريق السعداء إلى دار البقاء.\nوعلوم الشريعة على اختلافها تنقسم إلى: فرض ونفل، والفرض ينقسم إلى: فرض عين، وفرض كفاية.\nولكل واحد منها أقسام وأنواع، بعضها أصول وبعضها فروع، وبعضها مقدِّمات وبعضها تتمات، وليس هذا موضعَ تفصيلها، إذ ليس لنا بغرض (^٢).\nومن العلوم التي يتعين على المسلم -والمسلمة- البالغ العاقل معرفتُها: علمه بكيفية الوضوء، والصلاة، وشبهها.\n_________\n(^١) «حلية الأولياء» لأبي نعيم (٩/ ١٤٦). ط. دار الكتاب العربي، وعزا النوويُّ هذا القول لعلي بن أبي طالب ﵁ «المجموع» (١/ ١٩). ط. دار الفكر.\n(^٢) مقدمة «جامع الأصول» لابن الأثير (١/ ٣٦)، وانظر للمزيد في ذلك ما ذكره النووي في مقدمته لـ «المجموع» (١/ ٢٤ - ٢٧).","vol":"1","page":10},{"text":"فلا يُعقل أن مسلمًا مُكلَّفًا يصلي لربه في كل يوم وليلة خمس مرات -على الأقل- ومع ذلك: لا يدري شيئًا عن أحكام هذه الصلاة، وكيفيتها، وقد قال ﵊: «صلوا كما رأيتموني أُصلي» (^١).\nهذا مع توافر الوسائل المساعدة على التعليم، والإرشاد والتقويم.\nولم أر في عيوب الناس عيبًا كنقص القادرين على التمام!\nوهذا الركن العظيم من أركان الإسلام، والذي تولى اللهُ ﷿ فرضه بنفسه بدون واسطة -أعني: ركن الصلاة- أفرد له الفقهاءُ ﵏، وجزاهم عنا خيرًا- كتابًا كبيرًا واسعًا من كتب الفقه، ضمنوه المسائل والأحكام التي كان يُحتاج إليها في عصرهم، بل حتى التي لم يكن يُسأل عنها في عصرهم!\nولكثرة الأحكام المتعلقة بالصلاة، والمسائل المتفرعة منها: قَسَّمَ العلماءُ كتاب الصلاة إلى كتب مصغَّرة وأبواب، فتجدهم في كتاب الصلاة يذكرون -على سبيل المثال-:\n* باب المواقيت. * باب صفة الصلاة.\n* باب سجود السهو. * كتاب صلاة الجماعة.\n* باب الإمامة. * كتاب صلاة الجمعة.\n* كتاب صلاة الخوف.\nإلى غير ذلك مما يذكر من الكتب والأبواب.\nوهذه الأبواب أيضًا تتشعَّب فيها المسائل وتكثر فيها التفريعات بحسب احتياجات المسلمين وأسئلتهم، وبحسب الأحكام المتعلقة بكل باب -في المقام الأول-.\n_________\n(^١) «صحيح البخاري» (٦٣١) من حديث مالك بن الحويرث ﵁.","vol":"1","page":11},{"text":"ومن هذه الأبواب التي يشتد الاحتياج إليها عن غيرها، ويكثر السؤال عن العديد من فروعها: باب الإمامة.\nذلك أن أحدًا منا لا ينفك أن يكون إمامًا في وقت من الأوقات على مدار حياته، بل على مدار يومه وليلته.\nفإن لم يكن إمامًا راتبًا في المسجد: فهو إمام لأصحابه في العمل، أو في الدراسة، أو في السفر، أو -على أقل حال- إمام لأهل بيته.\nومع هذا: فإن الكثيرين -إلا من رحم رب العالمين- يجهلون أكثر مما يعرفون من أحكام الإمامة وشؤونها!\nوإن تعجب أيها القارئ الكريم: فعجبٌ ما تشاهده هذه الأيام من تنافس كثير من الناس على مكان الإمامة، وحزنهم وخِصامِهم إذا لم يُقدَّموا لها (¬*)!!\nمع أنك قد تجد ذلك الحزين المخاصِم لأنه لم يُقَدَّم: فاسقًا ظاهر الفسق، أو لحَّانًا لا يجيد القراءة، أو لا يدري شيئًا عن أحكام الصلاة والإمامة، أو …، أو يجتمع فيه كل ما ذُكر!!\nوهنا يبدأ تقاطر الأسئلة:\n- هل مثل هذا يصلح أن يُقدَّم للإمامة؟!\n- وإذا تقدَّم من تلقاء نفسه: هل تصح الصلاة خلفه؟!\n- وماذا سيصنع ذلك الإمام إن نابه شيء في صلاته، إن أحدث -مثلًا-؟ أو قام من ركعتين ناسيًا التشهد الأول؟ أو …، أو غير ذلك مما قد يتعرض له الإمام سهوًا أو خطأً.\nأسئلة شتَّى تدور في خَلَدِ كثير من المسلمين، بعضهم يبحث عن جواب لها في أقرب مصدر فقه يقع بين يديه، وبعضهم يتركها حبيسة صدره!\n_________\n(¬*) يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في «شرح عمدة الفقه» (١/ ١٣٨) عن الإمامة في الصلاة: «وهي فتنة لما فيها من الشرف والرئاسة، حتى ربما كان طلبها مثل طلب الولايات والإمارات، الذي هو من إرادة العلو في الأرض، وهذا مُضرٌّ بالدين».","vol":"1","page":12},{"text":"سبب تأليف الكتاب:\nمع الحاجة إلى بحثٍ مستقل، أو كتاب مفرَدٍ يجمع هذه المسائل والأحكام؛ لم تتحرك نفسي للقيام بعبء هذا الأمر، خاصَّة وقد سبق إليه بعض المعاصرين (^١)، إلى أن جاء يوم وعرض عليَّ شيخنا الفاضل: أبو عبد الله مصطفى بن العدوي -حفظه الله ورعاه- أن أجمع شتات هذه المسائل المتعلقة بالإمامة، والتي يكثر السؤال عنها، ويحتاج المسلمون إليها.\n* فاستخرتُ الله في ذلك، ثم وافقته فيما عرض، وأجبته لما طلب، راجيًا من الله -جلَّ في علاه- النفع لنفسي وإخواني، ومن هنا كانت البداية.\nلم يكن الأمر يسيرًا كما هي العادة في أمثال هذه الأبحاث، وكما لا يخفى على القائمين عليها، ففي هذا الكتاب، ومع كل مسألة من مسائله -والتي بلغت ثمانيًا وثلاثين مسألة- كان عليَّ أن أجمع أقوال الفقهاء من المذاهب الأربعة، مع أقوال بعض العلماء المتأخرين (كشيخِ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، والشوكاني، … وغيرهم)، وبعض العلماء المعاصرين (كالشيخ ابن باز، والشيخ ابن عثيمين، .. وغيرهما) أحيانًا- وذلك بحسب ما تقتضي المسألة- (^٢).\nثم يأتي بعد ذلك النظرُ في أدلة كل قول، وتخريج الأحاديث والآثار المستدلِّ بها، مع تحقيقها وبيان مرتبتها -عند أهل الحديث- من حيث الصحة والضعف.\n_________\n(^١) من الأبحاث المعاصرة التي وقفتُ عليها في هذا الباب وقت كتابة البحث:\n- «أحكام الإمامة والائتمام في الصلاة» لعبد المحسن بن محمد المنيف، وهي رسالة علمية حصل بها المؤلِّف على درجة الماجستير، ومع اهتمام المؤلف بنقل أقوال المذاهب، والترجيح بينها؛ إلا أن البحث اعتراه ضعفٌ من ناحية الخدمة الحديثية للأدلة المذكورة من الأحاديث والآثار، كما أنه ذكر مسائل مهجورة في هذا الزمان، ذكرها الفقهاء في زمانهم.\n- «السراج المنير في أحكام صلاة الجماعة والإمام والمأمومين» للشيخ أحمد بن إبراهيم بن أبي العينين، وراجعه وقدَّم له فضيلة الشيخ مقبل الوادعي، وهذا البحث مع توسعه في نطاق الدراسة عن البحث السابق، أو بحثنا هنا؛ فإنا نجده على عكس سابقه، قد أولاه مؤلِّفه اهتمامًا زائدًا -عن سابقه- في الخدمة الحديثية؛ في مقابل الخدمة الفقهية، فلا يكاد يذكر اختلاف الفقهاء في المسائل، أو ينقل أقوال المذاهب، وإنما بنى الكتاب على الراجح من الأقوال عنده.\n(^٢) فالكتاب في أصله دراسة فقهية مقارنة بين المذاهب الأربعة، والزيادة على أقوال هذه المذاهب ليس أصلًا مطردًا هنا، بل أذكره لفائدة تبدو-غالبًا-.","vol":"1","page":13},{"text":"ثم تأتي المرحلة الأخيرة -وليست بأيسرَ مما سبقها- وهي: ترتيب هذه الأقوال، وعرض المسألة بشكل مُيسَّرٍ -قدر الاستطاعة- يتيح للقارئ تَصُّورَ المسألة، واستيعابَ الأقوال فيها.\n\n•<span data-type='title' id=toc-4> عملي في هذا الكتاب:</span>\nبعد أن طُفتُ -بحمد الله- على «كتاب الإمامة» (^١) في جُلِّ كتب الفقه المعتمَدة عند أهل المذاهب الأربعة، واستخرجت المسائل التي يُحتاج إليها في زماننا -فيما أرى- مسترشدًا في ذلك بنصائح شيخنا العدوي -حفظه الله-؛ جمعتُها ورتبتها في هذا الكتاب على النهج التالي:\n١ - قسَّمتُ الكتاب إلى أبواب، وكل باب يحوي مسألة واحدة -بفروعها-، وهو مع ذلك مستقلٌّ بذاته عن غيره، فلا يحتاج إلى سابقه أو لاحقه لتكتمل فائدته -غالبًا-، وإن كانت المسائل كلها تتواصل مع بعضها ليصل القارئ إلى معرفة ما يلزمه من أحكام تتعلق بصلاة الإمام. ولم ألتزم في ترتيب الأبواب بنهج معين.\n٢ - قمتُ بتخريج الأحاديث والآثار التي يستدل بها الفقهاء، مع تحقيقها والتوسع في الكلام عنها، ونقل أحكام الأئمة عليها، ليستبين للقارئ صحة الدليل من ضعفه، وهذه الخطوة من أهم ما يميز هذا الكتاب عما سواه، فإن غالب الأبحاث التي تناولت هذا الموضوع، أو جزءًا منه، أو ما يشابهه= تكون همةُ القائمين عليه -غالبًا- جمعَ أقوال الفقهاء وأدلتهم، ومناقشة تلك الأدلة، مع تخريج ضعيف،\n_________\n(^١) بعض كتب الفقه تجعل للإمامة «كتابًا»، وبعضها تجعل لها «بابًا».","vol":"1","page":14},{"text":"أو تعليق خفيف على الأحاديث والآثار المستدل بها (^١).\n\nو<span data-type='title' id=toc-5>طريقتي في التخريج </span>هي: أنَّ الحديث أو الأثر إن كان في الصحيحين أو أحدهما؛ فأكتفي بالعزو إليهما، دون ذكر باقي المصادر، إلا إن كانت هناك فائدة من ذكرها، فذِكْرُ الحديث في الصحيحين -أو أحدهما-، مع قبول الأمة له، وعدم انتقاد أحد من الأئمة له= كافٍ جدًّا لنا أن نقبل الحديث ونحكم بصحته، وعلى ذلك فعندها يكون ذكر باقي المصادر التي أخرجت الحديث من باب: «التعب الذي ليس من ورائه أرب».\n٣ - ليس من منهجي في هذا الكتاب أن أُرجِّح بين أقوال الفقهاء، إنما قمت بالجمع والتنسيق والترتيب، محاولًا في ذلك كله أن لا أضع شيئًا من عندي، أو أتدخل بقولي - إلا نادرًا-.\n٤ - ذيَّلتُ جُلَّ المسائل بقول شيخنا مصطفى العدوي -حفظه الله-، بعد أن استأذنته في ذلك فأذن -جزاه الله خيرًا-، ليكون ذلك بمثابة عون للقارئ على الوصول للراجح من الأقوال في كل مسألة.\nولما كان الكتاب يتناول أصالةً: أحكامًا تختص بالإمام -دون المأمومين- فلا أتعرض لشيء من أحكام صلاة المأمومين إلا في مواطن معينة، ولما كان ترتيبه كما ذكرت آنفًا على صورة أبواب تحوي مسائل مستقلة= فقد آثرت أن يكون اسم الكتاب:\n_________\n(^١) وليس في هذا انتقاص من قدر هؤلاء الأفاضل، أو ما قدَّموه -أستغفر الله-، بل هم قد بذلوا وُسعهم، وقدموا للمسلمين ما يُنتَفَع به -بإذن الله-، فجزاهم الله عن ذلك خيرًا، لكني أشير إلى ما يتم به النفع، وتكتمل به الفائدة، وما كان عمل الزيلعي في «نصب الراية»، والحافظ ابن حجر في «التلخيص الحبير»، وغيرهما، إلا محاولة لجمع الشمل بين الفقه والحديث.","vol":"1","page":15},{"text":"«جامع أحكام صلاة الإمام»\nوقد حاولت أن أضمنه المسائل التي يكثر السؤال عنها، وتدعو الحاجة إلى معرفتها.\nفإذا رأى القارئ أن هناك مسألة تختص بالإمامة ولم أُوردها هنا: فسبب ذلك لا يخرج -بإذن الله- عن أحد أمور ثلاثة؛ وهي:\nأ - أنني رأيت أن تلك المسألة ليس لها كبير فائدة، أو نفع، أو استخدام في تلك الأيام، ومثال ذلك: «إمامة العبد»، «إمامة ولد الزنا»، «الرجل يصلي بقوم عراة»، …، وغير ذلك من الأمثلة التي دونها الفقهاء في كتبهم، ووجودها في هذه الأيام نادرٌ جدًّا، إن لم يكن منعدمًا!\nب - أو أنني رأيت أن المسألة تلتصق بباب أو كتاب آخر من أبواب الفقه وكتبه أكثر من التصاقها بكتابنا هذا، ومثال ذلك: «إمامة المسافر للمقيمين»، حيث رأيت أنها تتعلق بـ «كتاب صلاة المسافرين»، و«خطيب الجمعة هل يصلي بنفسه أم يقدم آخر ليصلي بالناس»، فإنها تتعلق بـ «كتاب صلاة الجمعة»، إلى غير ذلك.\nجـ- فإن لم يكن سببُ الإغفال أحدَ السببين المذكورين آنفًا: فلا مناص من أن تجعله السبب الأخير، وهو: النسيان، الذي لا ينفك عنه بشرٌ أو إنسان!\nولله درُّ ابن حزم حين قال -وهو يتكلم عن وهم ونسيان بعض رواة الحديث، على جلالة قدرهم وحفظهم-:\n\"فإذا صح أن رسول الله ﷺ نسي آية من القرآن (^١)، فمن الزهري، ومن سُليمان، ومن يحيى حتى لا ينسى؟!\n_________\n(^١) انظر متن ذلك الحديث والكلام عليه في (ص ٣٤٧) من هذا الكتاب.","vol":"1","page":16},{"text":"وقد قال الله ﷿: ﴿ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي﴾ \" [طه: الآية ١١٥]. اهـ (^١).\nثم لا يخفى على القارئ الكريم أن هذا العمل جهد بشري، فحقيق أن يصدق فيه قول الله تعالى: ﴿ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا﴾ (^٢).\nبل إنك حين تطالع كتب سلف الأمة، تراهم أحيانًا -مع غزارة علمهم، وقلة أخطائهم، وشدة ورعهم- لا يفوتهم أن يذكروا بهذا الأمر، أعني: احتمال ورود الخطأ فيما كتبوه، فيستغفرون الله منه، ويعلنون تراجعهم عنه، ويلتمسون العذر من قارئه.\nيقول ابن القيم ﵀:\n\"فيا أيها الناظر فيه - أي: في كتابه -، لك غُنْمُه وعلى مؤلفه غُرْمُه، ولك صفْوُه وعليه كَدَرُه، وهذه بضاعته المزجاة تُعرَض عليك، وبنات أفكاره تُزَفُّ إليك، فإن صادفت كفؤًا كريمًا لم تعدم منه إمساكًا بمعروف، أو تسريحًا بإحسان، وإن كان غيره فالله المستعان، فما كان من صواب فمن الواحد المنان، وما كان من خطأ فمني ومن الشيطان، والله بريء منه ورسوله\" (^٣).\n_________\n(^١) «المحلي» (٩/ ٤٥٣) ط. «دار الفكر» - بتحقيق العلامة أحمد شاكر ﵀ ..\nولم أرغب أن أعلق بشيء بعد قول ابن حزم، حتى لا أذكر نفسي بعد ذكر هؤلاء الأعلام، فكما قال القائل:\nلا تعرضن بذكرنا مع ذكرهم ............. ليس الصحيح إذا مشى كالمقعد\n(^٢) وانظر تعليق الشافعي على تلك الآية، وإعلانه تراجعه عما وقع له من خطأ في كتبه في «تاريخ دمشق» (٥١/ ٣٦٥)، وكذلك انظر «صحيح ابن حبان» (٥/ ٤٩٦).\n(^٣) مقدمة «حادي الأرواح» (ص/ ٨) «العلمية»، وانظر كلام ابن خلدون حول نفس المعنى في «مقدمته» (١/ ٢٨٧).","vol":"1","page":17},{"text":"فأستغفر الله عما بدر مني في هذا الكتاب من خطأ فيه وقعت، وأسأله العون على ما قصدت، والتوفيق لصلاح النية والقصد فيما أردت، وأعول في أمري كله عليه، وأبرأ من الحول والقوة إلا إليه.\nوختامًا أقول:\nلقد كان من فضل الله ﷿ عليَّ -ولا يزال فضلُه بحمده قائمًا متصلًا- أن حبب إليَّ العلمَ وأهله، فشغلني بذلك عما شُغل به الكثيرون من أقراني وأبناء سني، فاللهم لك الحمد على هذه النعمة.\nثم كان من فضله عليَّ أيضًا: أن يسر لي اللقاء بذلكم الشيخ المبارك -بإذن الله- فضيلة شيخنا: أبي عبد الله مصطفى بن العدوي -حفظه الله ورعاه-، فشرفتُ بالأخذ عنه، والتلقي منه، والجلوس بين يديه، وكم صوَّبَ لي من خطإ في الفهم، وقوّم لي من اعوجاج في اللسان، وفتح الله لي على يديه أبوابًا من العلم ما كنت أراها قبل الوفود عليه.\nناهيك عما تعلمته من سمته ودماثة خُلُقه، وجوده وكرمه، وبذله نفسه ووقته لإخوانه وطلابه، فأحسبه -والله حسيبه، ولا أزكي على الله أحدًا- من الداعين إلى سنة رسول الله ﷺ وهديه بالفعل قبل القول.\nوإن نسيت كل هذا فلا أنسى أنه كان صاحب الفضل عليَّ -بعد الله، ثم والديّ- في أن أسلك هذا الطريق، طريق العلم والدعوة، فلا أدري -والله- كيف أشكره على ما تسبب لي فيه من الخير!\nفأترك مكافأته لله، فلا أنساه من دعائي -حين أدعو- أن يجزيه الله عني خيرًا، وأن يبارك له في عمره وأهله، وأن ينفع بعلمه المسلمين، وأن يلبسه ثوب الصحة والعافية والستر في الدارين، وأن يختم لنا وله بخاتمة السعادة أجمعين، اللهم آمين.\nكما أسأله -جلَّ في علاه- لإخواني الذين قدَّموا لي النصح،","vol":"1","page":18},{"text":"ومدوا إليّ يد العون، وشدوا من أزري، وما بخلوا عليَّ بما يستطيعون تقديمه= أن يجزيهم خير الجزاء، وإن لم أذكرهم هنا بأسمائهم فالله يعلمهم، ويسمع دعائي لهم، فأسأله كما جمعنا في الدنيا على طاعته أن يجمعنا في الآخرة في جنته، إخوانًا على سرر متقابلين، آمين.\nوأما أنتما: فرحمة من الله لي، ونعمة من الله -فوق نعمه- عليَّ، ورزق ساقه الله إليَّ، ولو سوَّدتُ صفحات هذا الكتاب كله بشكركما والثناء عليكما ما عَدَلَ ذلك عندي شكر فضلكما، فماذا عساي أن أقول في كلمات معدودات في أسطر قليلة؟!\nإني لأسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يتقبل منكما ما قدَّمتما -وهو أعلم بما قدمتما- بقبول حسن، وألا يحرمكما ثواب كل عمل صالح يوفقني إليه، وأن يقر أعينكما بما رجوتما، وأن يطيل في طاعته عمركما، وأن يعينني على بركما على الوجه الذي يرضيه عني ثم يرضيكما.\n﴿رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحًا ترضاه وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين﴾. [الأحقاف: الآية ١٥]\nنفعني الله وإخواني بما علمني، وأسأله التوفيق والرشاد لما فيه الحق والصواب، وأن يرزقني الصدق والإخلاص لوجهه الكريم، في القول والعمل، والسر والعلن.\nوالحمد لله رب العالمين، له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن الجميل، وصلى الله علي سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.\nوكتبه\nأحمد بن إبراهيم الجابريّ","vol":"1","page":19},{"text":"<span data-type='title' id=toc-6>معنى الإمامة</span>\n<span data-type='title' id=toc-7>الإمامة لغة:</span>\nتطلق على معان كثيرة، أهمها هنا: أنها بمعنى: القصد والتقدم، يقال: أمهم، وأم بهم: تقدمهم، وهي الإمامة (^١).\nوقال الفيومي: أمه أمًّا: من باب قتل: قصده وأممه، وتأممه أيضًا: قصده، وأمه، وأم به إمامة، صلى به إمامة (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-8>الإمامة اصطلاحًا:</span>\nتطلق على ثلاثة معان، وهي:\n١ - الإمامة الكبرى: وهي الخلافة أو الملك أو رئاسة الدولة.\n٢ - الإمامة الصغرى: وهي إمامة الصلاة، وهي التي نحن بصددها.\n٣ - الإمامة في الدين: والمراد العالم المقتدى به (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-9>الإمامة عند الفقهاء:</span>\nلم يهتم الفقهاء كثيرًا في كتبهم بذكر تعريف لها، ولعل ذلك لاشتهار المعنى، ووضوحه عند الجميع.\nلكن عرفها بعضهم بأنها «ربط صلاة المؤتم بالإمام» (^٤).\n_________\n(^١) القاموس المحيط (٤/ ٧٥ - ٧٦).\n(^٢) المصباح المنير (١/ ٢٣)، وانظر للمزيد [معجم مقاييس اللغة (١/ ٣٢ - ٣٤)].\n(^٣) أحكام الإمامة والائتمام في الصلاة - رسالة ماجستير - (ص ٦٢، ٦٣)، [لعبد المحسن ابن محمد المنيف].\n(^٤) قاله الحصكفي: كما في الدر المختار مع حاشية ابن عابدين [٢/ ٢٨٤ - العلمية].","vol":"1","page":20},{"text":"وعرفها آخرون بأنها «اقتداء الغير بالمصلي» (^١).\nوالأمر في ذلك قريب، وليس فيه اختلاف - بحمد الله -.\n_________\n(^١) «منحة الخالق» لابن عابدين [١/ ١٦٣].","vol":"1","page":21},{"text":"<span data-type='title' id=toc-10>١ - نية الإمامة</span>\nالمقصود من هذه المسألة: هو بيان هل يلزم لصحة الإمامة أن ينوي الرجل الإمامة أم لا يلزم؟\nقال ابن رشد ﵀ (^١):\nوقد اختلفوا: هل يجب على الإمام أن ينوي الإمامة أم لا؟.\nفذهب قوم إلى أنه ليس ذلك بواجب عليه لحديث ابن عباس: أنه قام إلى جنب رسول الله ﷺ بعد دخوله في الصلاة (^٢)، ورأى قوم أن هذا محتمل، وأنه لا بد من ذلك إذا كان يحمل بعض أفعال الصلاة عن المأمومين. اهـ.\nقلت: ما ذكره ابن رشد هو الإجمال في المسألة، وأما التفصيل فيها فدونك إياه:\nقد اختلف أهل العلم في هذه المسألة على خمسة أقوال، وهي:\n\n<span data-type='title' id=toc-11>أولًا: لا تجب نية الإمامة على الإمام مطلقًا.</span>\nوهو قول زفر (^٣)\n_________\n(^١) بداية المجتهد (١/ ١٤٨)، ط، دار الكتب العلمية\n(^٢) يأتي توضيحه وبيانه.\n(^٣) زفر بن الهذيل الكوفي - أبو الهذيل [١١٠ - ١٥٨ هـ]، ولد في أصبهان، وتوفي بالبصرة، كان من أصحاب الحديث، ثم غلب عليه الرأي، ومهر في القياس، حتى صار أقيس تلامذة أبي حنيفة، وأصحابه، وكان مجتهدًا مطلقًا.\n[طبقات الفقهاء للشيرازي: ١/ ١٤١ - ط دار القلم]، وللمزيد عنه انظر سير أعلام النبلاء للذهبي [٨/ ٣٨ - ط الرسالة].","vol":"1","page":22},{"text":"من الحنفية (^١)، ونُقل عن مالك (^٢)، وهو مذهب الشافعية، باستثناء الجمعة عندهم (^٣). ورواية عند الحنابلة (^٤).\n_________\n(^١) بدائع الصنائع للكاساني: (١/ ١٢٨)، طـ دار الكتب العلمية.\n(^٢) قال سحنون: قلت: ما قول مالك في الرجل يصلي الظهر لنفسه فيأتي رجل فيصلي بصلاته، والرجل الأول لا ينوي أن يكون له إمامًا، هل تجزئه صلاته؟\nقال - أي: عبد الرحمن بن القاسم: - بلغني عن مالك أنه رأى صلاته تامة، إذا قام عن يمينه يأتم به، وإن كان الآخر لا يعلم به.\nقلت: أرأيت لو أن رجلًا صلى الظهر وحده فأتى رجل فقام عن يمينه يأتم به؟ قال: صلاته مجزئة تامة، قلت له: وإن لم ينو هذا أن يكون إمامًا لصاحبه؟ قال: ذلك مجزئ عنه نوى أو لم ينو اهـ[المدونة: ١/ ٨٦ - ط دار الفكر].\nوقال النووي في مذاهب العلماء في نية الإمامة: ذكرنا أن المشهور من مذهبنا أنه لا يشترط لصحة الجماعة، وبه قال مالك وآخرون [المجموع: ٤/ ٢٠٣ - ط دار الفكر].\n(^٣) قال أبو حامد الغزالي: ولا تجب نية الإمامة على الإمام، وإن اقتدى به النساء. شرح الوجيز [٢/ ١٨٤]. ط. دار الكتب العلمية.\nقال الرافعي شارحًا: لا يشترط لصحة الاقتداء أن ينوي الإمام الإمامة [السابق: ٢/ ١٨٧]. وقال النووي: ينبغي للإمام أن ينوي الإمامة، فإن لم ينوها صحت صلاته وصلاة المأمومين، ثم قال: وبهذا قطع جماهير أصحابنا. اهـ. [المجموع: ٤/ ٢٠٢]، وقال في المنهاج: ولا تشترط نية الإمامة بل تستحب. اهـ.\nإلا أن الشافعية استثنوا من ذلك الجمعة، فأوجبوا النية فيها.\nقال الرافعي: وإذا لم ينو الإمامة في صلاة الجمعة، هل تصح جمعته؟ الأصح: أنه لا تصح، وبه قال القاضي حسين، وعلى هذا فقوله في الكتاب - أي الغزالي - «ولا تجب نية الإمامة على الإمام»، غير مجري على إطلاقه بل الجمعة مستثناة منه. اهـ. شرح الوجيز [٢/ ١٨٧].\nوعنه نقل النووي [المجموع: ٤/ ٢٠٣]، وانظر نهاية المحتاج [٢/ ٢١١ - ٢١٢ - ط دار الكتب العلمية]، للرملي.\n(^٤) قال المرداوي [الإنصاف: ٢/ ٢٧، ط ابن تيمية]. وعنه: لا يشترط نية الإمامة في الإمام في سوى الجمعة اهـ.","vol":"1","page":23},{"text":"واستدل هؤلاء بالأثر والنظر:\nأما استدلالهم بالأثر فهو:\nالدليل الأول: ما جاء في حديث ابن عباس ﵁ أنه قال: بت عند خالتي ميمونة بنت الحارث زوج النبي ﷺ، وكان النبي ﷺ عندها في ليلتها فصلى النبي العشاء، ثم جاء إلى منزله فصلى أربع ركعات، ثم نام، ثم قام، ثم قال: «نام الغليم»، أو كلمة تشابهها، ثم قام فقمت عن يساره، فجعلني عن يمينه، فصلى خمس ركعات ثم صلى ركعتين، ثم نام حتى سمعت غطيطه، ثم خرج إلى الصلاة (^١).\nوجه الدلالة:\nأن النبي ﷺ دخل الصلاة ولم ينو أن يكون إمامًا، ثم لحقه ابن عباس فائتم به، وأكمل النبي ﷺ صلاته، ولم ينه ابن عباس عن ذلك، فدلنا ذلك على أن نية الإمام لا تجب، وإلا لبين ذلك رسول الله ﷺ، إذ أنه: لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة.\nالدليل الثاني: عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ فِي حُجْرَتِهِ، وَجِدَارُ الْحُجْرَةِ قَصِيرٌ، فَرَأَى النَّاسُ شَخْصَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَامَ أُنَاسٌ يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ، فَأَصْبَحُوا فَتَحَدَّثُوا بِذَلِكَ، فَقَامَ اللَّيْلَةَ الثَّانِيَةَ، فَقَامَ مَعَهُ أُنَاسٌ يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ صَنَعُوا ذَلِكَ لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، حَتَّى إِذَا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَلَمْ يَخْرُجْ، فَلَمَّا أَصْبَحَ ذَكَرَ ذَلِكَ النَّاسُ فَقَالَ: «إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تُكْتَبَ عَلَيْكُمْ صَلَاةُ اللَّيْلِ» (^٢).\n_________\n(^١) متفق عليه: أخرجه البخاري (١١٧)، ومسلم (٧٦٣).\n(^٢) البخاري (٧٢٩).","vol":"1","page":24},{"text":"وجه الدلالة:\nأنه ﷺ دخل في صلاته ولم ينو إمامة أصحابة، ثم دخلوا معه في الصلاة مؤتمين به، ولما فرغ ما نهاهم عن ذلك ولا أمرهم بالإعادة، فدل ذلك على أن نية الإمام لا تجب.\nوقد اعترض على هذين الدليلين، بأن ذلك كان في النفل وليس في الفرض.\nوأجيب عن ذلك: بأن الأصل مساواة الفرض للنفل في النية (^١).\nوأن ما صح في النفل صح في الفرض إلا ما استثني بدليل، وقوى هذه الإجابة:\nالدليل الثالث: حديث جابر بن عبد الله ﵄، وفيه: «… ثُمَّ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْحَوْضِ، فَتَوَضَّأَ مِنْهُ ثُمَّ قُمْتُ فَتَوَضَّأْتُ مِنْ مُتَوَضَّإِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَذَهَبَ جَبَّارُ بْنُ صَخْرٍ يَقْضِي حَاجَتَهُ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِيُصَلِّيَ، وَكَانَتْ عَلَيَّ بُرْدَةٌ ذَهَبْتُ أَنْ أُخَالِفَ بَيْنَ طَرَفَيْهَا، فَلَمْ تَبْلُغْ لِي، وَكَانَتْ لَهَا ذَبَاذِبُ فَنَكَّسْتُهَا، ثُمَّ خَالَفْتُ بَيْنَ طَرَفَيْهَا، ثُمَّ تَوَاقَصْتُ عَلَيْهَا، ثُمَّ جِئْتُ حَتَّى قُمْتُ عَنْ يَسَارِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأَخَذَ بِيَدِي فَأَدَارَنِي حَتَّى أَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ، ثُمَّ جَاءَ جَبَّارُ بْنُ صَخْرٍ فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ جَاءَ فَقَامَ عَنْ يَسَارِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدَيْنَا جَمِيعًا، فَدَفَعَنَا حَتَّى أَقَامَنَا خَلْفَهُ» (^٢).\n_________\n(^١) قاله ابن قدامة [المغني: ٣/ ٧٤].\n(^٢) مسلم (٣٠١٠).","vol":"1","page":25},{"text":"وجه الدلالة:\nأن جابرًا وجبارًا أحرما مع النبي ﷺ، فصلى بهما، ولم ينكر فعلهما، فدل ذلك على عدم اشتراط نية الإمام للإمامة.\nيقول ابن قدامة (^١): والظاهر أنها كانت صلاة مفروضة؛ لأنهم كانوا مسافرين. اهـ.\nوأما استدلالهم من ناحية النظر فقالوا:\nإن الحاجة تدعو إلى نقل النية إلى الإمامة، وبيان الحاجة: أن المنفرد إذا جاء قوم فأحرموا وراءه فإن قطع الصلاة وأخبر بحاله قبح، وكان مرتكبًا للنهي في قوله تعالى: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾. وإن أتم الصلاة بهم ثم أخبرهم بفساد صلاتهم كان أقبح وأشق، لأن الانفراد أحد حالتي عدم الإمامة في الصلاة، فجاز الانتقال منها إلى الإمامة، كما لو كان مأمومًا (^٢).\nوقد ورد على أصحاب هذا القول سؤال، وهو:\nهل تحصل فضيلة الجماعة لهذا الإمام الذي لم ينو أم لا؟\nقال النووي (^٣): تحصل فضيلة الجماعة للمأمومين، وفي حصولها للإمام ثلاثة أوجه:\nأصحها وأشهرها: لا تحصل وبه قطع الشيخ الجويني وآخرون؛ لأن الأعمال بالنيات (^٤).\n_________\n(^١) المغني [٣/ ٧٣].\n(^٢) المغني [٣/ ٧٤].\n(^٣) المجموع [٤/ ٢٠٢].\n(^٤) ووافقه على هذا المرداوي - من الحنابلة - حيث قال: وعلى رواية عدم اشتراط النية:\nلو صلى منفردًا وصلى خلفه، ونوى من صلى خلفه الائتمام، صح، وحصلت فضيلة الجماعة للمقتدي دون المقتدى به [الإنصاف: ٢/ ٧٢]، وانظر أيضًا [مواهب الجليل: ٢/ ١٤٩].","vol":"1","page":26},{"text":"الثاني: تحصل؛ لأنها حاصلة لمتابعيه، فوجب أن تحصل له.\nالثالث: قاله القاضي حسين (^١): إن علمهم ولم ينو الإمامة لم تحصل، وإن كان منفردًا ثم اقتدوا به، ولم يعلم اقتداءهم، حصل له ثواب الجماعة. اهـ.\n\n<span data-type='title' id=toc-12>ثانيا: لا تجب إلا عند إمامة النساء.</span>\nوهو قول الحنفية (^٢)، واختلفوا في الجمعة والعيدين (^٣).\nوقد اعترض على هؤلاء بالقياس على ما إذا أم رجلًا، وإذا لم ينو الإمامة صحت صلاته، بخلاف المأموم، فإن صلاته إنما تبطل بتوقيفه إياها على أفعال من ليس إمامًا له: وها هنا أفعال الإمام غير مربوطة بغيره (^٤).\n_________\n(^١) هو القاضي حسين أبو علي محمد بن أحمد المروزي (ت: ٤٦٢ هـ)، انظر: طبقات الشافعية الكبرى (٥/ ١٦٥).\n(^٢) قال الكاساني: أما نية إمامة الرجال: فلا يحتاج إليها، ويصح اقتداؤهم به بدون نية إمامتهم، وأما نية إمامة النساء فشرط لصحة اقتدائهن به عند أصحابنا الثلاثة [يعني: أبا حنيفة وأبا يوسف ومحمد بن الحسن، ﵏]، اهـ[البدائع: ١/ ١٢٨].\nوقال السرخسي: وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة: أنها إذا وقفت خلف الإمام جاز اقتداؤها به - وإن لم ينو إمامتها - ثم إذا وقفت إلى جنبه فسدت صلاتها لا صلاة الرجل، وهذا قول أبي حنيفة الأول. اهـ. [المبسوط: ١/ ١٨٤ - ط المعرفة].\n(^٣) قال الكاساني: وأما في الجمعة والعيدين: فأكثر مشايخنا قالوا: إن نية إمامتهن شرط فيهما، ومنهم من قال: ليست بشرط. اهـ. [البدائع: ١/ ١٢٨].\nوقال ابن الهمام: واعلم أن اقتداءهن في الجمعة والعيدين عند كثير لا يجوز إلا بالنية، وعند الأكثر يجوز بدونها. اهـ. [فتح القدير: ١/ ٣٦٣، ط دار الفكر].\n(^٤) شرح الوجيز [٢/ ١٨٧].","vol":"1","page":27},{"text":"فأجابوا: بأن هذا القياس غير سديد؛ لأن المعنى يوجب الفرق بينهما وهو أنه لو صح اقتداء المرأة بالرجل، - أي: من غير نيته - فربما تحاذيه فتفسد صلاته، فيلحقه الضرر من غير اختياره، فشرط نية اقتدائها به حتى لا يلزمه الضرر من غير التزامه ورضاه (^١).\nثم اعترض عليهم بأن ما ذكروه منقوض بالجمعة (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-13>ثالثا: لا تجب نية الإمامة إلا في خمسة مواضع: الجمعة، والجمع (^٣)، والجنائز، والخوف، والاستخلاف.</span>\nوهذا قول المالكية (^٤).\nواستدلوا على ذلك بالنظر:\nفقالوا: السر في هذه الخمسة، من جهة الفقه شيء واحد، وهو: أن الإمامة فيها شرط، ولما كانت صلاة المنفرد مساوية لصلاة الإمام لم يحصل وصف الإمامة إلا بالنية (^٥).\n_________\n(^١) البدائع [١/ ١٢٨].\n(^٢) الذخيرة في الفقة المالكي للقرافي [٢/ ١٣٥ - ط دار الغرب الإسلامي].\nوالمقصود أنهم إن أجازوا ذلك في الجمعة بدون شرط فقد نقضوا مذهبهم.\n(^٣) قال الحطاب المالكي: وهذا في الجمع بين المغرب والعشاء في ليلة المطر، لا في كل جمع، ثم علل ذلك بقول أبي العباس القباب: وأما جمع عرفة أو جمع المسافر يجد به السير فيقدم، أو جمع المريض فلا يشترط فيه ذلك؛ لأن هذه الصلوات تصح فيها الصلاة بدون جماعة، اهـ[مواهب الجليل: ٢/ ١٤٥ - ط دار الفكر].\n(^٤) انظر المصدر السابق [٢/ ١٤٥ - ١٤٧]، والذخيرة [٢/ ١٣٥].\n(^٥) الذخيرة [٢/ ١٣٥].","vol":"1","page":28},{"text":"<span data-type='title' id=toc-14>رابعًا: تجب النية مطلقًا.</span>\nوهو الصحيح من مذهب الحنابلة، (^١) ونُقل عن الشافعي (^٢) وهو وجه عند الشافعية (^٣) وهو قول الثوري وإسحاق وأصحاب الرأى (^٤).\nواستدل هؤلاء بالنظر، فقالوا:\nإن الإمام إذا لم ينوها تكن صلاتهم فرادى (^٥) ولأن الجماعة تتعلق بها أحكام وجوب الاتباع، وسقوط السهو عن المأموم، وفساد صلاته بفساد صلاة إمامه، وإنما يتميز الإمام عن المأموم بالنية، فكانت شرطًا لصحة انعقاد الجماعة (^٦).\nوأجيب على هؤلاء: بأن الأثر الثابت عن رسول الله ﷺ لا يعارض\n_________\n(^١) قال المرداوي: أما المأموم فيشترط أن ينوي بلا نزاع، وكذا الإمام على الصحيح من المذهب مطلقًا، وعليه جماهير الأصحاب، وقطع به كثير منهم، وهو من المفردات. اهـ[الإنصاف: ٢/ ٢٧]، [شرح منتهى الإرادات: ١/ ٣٦٣، ط. الرسالة].\nقال ابن قدامة: وروي عن أحمد أنه قال: في النفس منها شيء [المغني: ٣/ ٧٤].\n(^٢) قال القرافي: وحكى الباجي عن الشافعي: أن الإمام يجب عليه أن ينوي مطلقًا، وليس كذلك اهـ. [الذخيرة: ٢/ ١٣٥].\n(^٣) قال ابن حجر الهيتمي، كما في «تحفة المحتاج» (٢/ ٢٦٦) ط. المكتبة التجارية، وبحث جمع اشتراط نية الإمامة، قال بعضهم: في الصبح والعصر، وقال أكثرهم: بل مطلقًا، وهو الأوجه، ثم ذكر ابن حجر كلام النووي مجيبًا عنه.\nوقال النووي: وفي وجه غريب حكاه الرافعي عن أبي الحسن العبادي عن أبي حفص والقفال أنهما قالا: يجب على الإمام نية الإمامة، وأشعر كلامه بأنهما يشترطانه في «صحة الاقتداء»، وهذا شاذ منكر. اهـ. [المجموع: ٤/ ٢٠٢]، [روضة الطالبين: ١/ ٤٧١]. ط. دار الكتب العلمية.\n(^٤) المغني [٣/ ٧٤].\n(^٥) «تحفة المحتاج» [٢/ ٢٦٦]، لابن حجر الهيتمي.\n(^٦) كشاف القناع: للبهوتي [١/ ٢٩٦، ط، عالم الكتب].","vol":"1","page":29},{"text":"بالنظر الذي يخطئ ويصيب.\n\n<span data-type='title' id=toc-15>خامسًا: تجب النية في الفرض دون النفل، ويستثنى في الفرض ما لو كان الإمام ينتظر أحدًا.</span>\nوهو رواية عن الإمام أحمد (^١).\nواستدل على عدم الإيجاب في النفل: بحديث ابن عباس (^٢).\nواستدل على الاستثناء المذكور في الفريضة بحديث جابر بن عبد الله (^٣).\nوأجيب على هذين الدليلين: بأن الأصل مساواة الفرض للنفل في النية، ثم إن هذا التفريق لم يرد عن رسول الله ﷺ ولا عن أصحابه، فبقي الأمر على الجواز في جميع الصلوات إذا جاز في بعضها، والله أعلم (^٤).\nوأخيرًا: قال شيخنا أبو عبد الله مصطفى بن العدوي - حفظه الله -:\nتصح، لحديث ائتمام ابن عباس بالنبي ﷺ.\n_________\n(^١) قال ابن قدامة، ولو أحرم منفردًا ثم جاء آخر فصلى معه، فنوى إمامته، صح في النفل، نص عليه أ حمد [المغني: ٣/ ٧٣]، [الإنصاف: ٢/ ٢٧].\nقال ابن قدامة، وأما في الفريضة: فإن كان ينتظر أحدًا، كإمام المسجد يحرم وحده وينتظر من يأتي فيصلى معه - فيجوز ذلك أ يضًا، نص عليه أحمد. اهـ. [المغني: ٣/ ٧٣].\n(^٢) تقدم (صـ ٢٤).\n(^٣) تقدم (صـ ٢٦).\n(^٤) وانظر للمزيد [الشرح الممتع للشيخ ابن عثيمين: (٢/ ٢٠٢) - ط. التوفيقية].","vol":"1","page":30},{"text":"<span data-type='title' id=toc-16>٢ - الأحق بالإمامة</span>\nوهذه مسألة طالما كثر السؤال عنها، ألا وهي:\nمن الأحق بالإمامة؟؟ هل هو أفقه القوم؟ أم أقرؤهم؟\nوما المقصود بأقرئهم؟\nفأقول - وبالله التوفيق -:\n\n<span data-type='title' id=toc-17>المبحث الأول: الأحق بالإمامة:</span>\nاختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين، وكتصور مبدئي لشكل هذا الاختلاف وسببه أسوق قول ابن رشد ﵀ حيث قال:\nاختلفوا فيمن أولى بالإمامة وسبب هذا الاختلاف: اختلافهم في مفهوم قوله ﵊: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ، فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ، فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً، فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً، فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً، فَأَقْدَمُهُمْ سِلْمًا، وَلَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ، وَلَا يَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ» (^١).\nوهو حديث متفق على صحته (^٢)، لكن اختلف العلماء في مفهومه، فمنهم من حمله على ظاهره، ومنهم من فهم الأقرأ هاهنا الأفقه؛ لأنه زعم أن الحاجة إلى الفقه في الإمامة: أمس من الحاجة إلى القراءة، وأيضًا فإن الأقرأ من الصحابة كان هو الأفقه ضرورة، وذلك بخلاف ما\n_________\n(^١) مسلم (٦٧٣)، عن أبي مسعود الأنصاري ﵁.\n(^٢) ليس المقصود من قول ابن رشد هنا: «متفق على صحته»، المعنى الاصطلاحي عند أهل الحديث: أنه متفق عليه بين الشيخين - البخاري ومسلم - إذ انفرد مسلم بإخراج هذا الحديث، لكن المعنى: أن أهل العلم اتفقوا على صحة هذا الحديث، والله أعلم.","vol":"1","page":31},{"text":"عليه الناس اليوم (^١) اهـ.\nكان هذا موجزًا قصيرًا عن المسألة، وإليك التفصيل بشيء من البيان:\nقد ذكرت أن أهل العلم اختلفوا في هذه المسألة على قولين، وهما.\n\n<span data-type='title' id=toc-18>القول الأول: يقدم الأفقه على الأقرأ، بشرط أن يعلم الحد الأدنى من القراءة.</span>\nوبهذا قال أبو حنيفة ومحمد بن الحسن (^٢)، بل هو الأصح عند الحنفية (^٣)، وبه قال المالكية (^٤) وهو الأصح عند الشافعية (^٥)، ورواية عند الحنابلة (^٦)،\n_________\n(^١) بداية المجتهد (١/ ١٤٤).\n(^٢) قال ابن الهمام: واختلف المشايخ في الاختيار، فمنهم - كالمصنف -، من اختار قول أبي حنيفة ومحمد، وهو أن الأعلم أولى بعد كونه يحسن القراءة المسنونة [فتح القدير: ١/ ٣٤٧ - ٣٤٨].\n(^٣) قال السرخسي: والأصح أن الأعلم بالسنة إذا كان يعلم من القرآن مقدار ما تجوز به الصلاة فهو أولى [المبسوط: ١/ ٤١].\nوانظر [بدائع الصنائع: ١/ ١٥٧].\n(^٤) قال الإمام مالك: يتقدم القوم أعلمهم إذا كانت حاله حسنة قال: وإن للسن حقًّا، قال ابن القاسم: قلت له: فأقرؤهم؟ قال: قد يقرأ من لا، قال: يريد بقوله من لا: من لا يرضى حاله. اهـ. المدونة [١/ ٨٤]. وانظر [الذخيرة: ٢/ ٢٥٣ - ٢٥٤]، و[الشرح الكبير: ١/ ٣٤٣].\n(^٥) قال الشيرازي: السنة أن يؤم القوم أقرؤهم وأفقههم، ثم قال: فإن زاد أحدهما في الفقه والآخر زاد في القراءة فالأفقه أولى. اهـ. [المجموع: ٤/ ٢٧٩]، وقال النووي شارحًا: وإن تعارضت الأسباب المرجحة في الإمامة ففيه خمسة أوجه:\n- أصحها عند جمهور أصحابنا وهو المنصوص الذي قطع به المصنف والأكثرون: أن الأفقه مقدم على الأقرأ والأورع وغيرهما، وبهذا قال أبو حنيفة ومالك والأوزاعي وأبو ثور، [السابق: ٤/ ٢٨٠]. وانظر [مغنى المحتاج: ١/ ٢٤٢].\n(^٦) قال المرداوي: وعنه: يقدم الأفقه على الأقرأ إن قرأ ما يجزئ في الصلاة، اختاره\nابن عقيل، [الإنصاف: ٢/ ٢٤٤]. الشرح الممتع [٤/ ١٤٧].","vol":"1","page":32},{"text":"واختاره الشيخ ابن عثيمين (^١).\nواستدلوا على ذلك بالأثر والنظر:\nأما استدلالهم بالأثر:\nفقوله ﷺ: «مروا أبا بكر يصلي بالناس» (^٢).\nوجه الدلالة: قالوا: قد كان في القوم من هو أقرأ من أبي بكر كأبي ابن كعب مثلًا، لكن لم يكن هناك أعلم من أبي بكر، كما قال أبو سعيد الخدري: وكان أبو بكر أعلمنا (^٣) وهذا آخر الأمرين من رسول الله ﷺ فيكون المعول عليه (^٤).\nوأما من ناحية النظر:\nفقالوا: إن القراءة يحتاج إليها في ركن واحد، والعلم يحتاج إليه في جميع الصلاة، والخطأ المفسد للصلاة في القراءة لا يعرف إلا بالعلم (^٥).\nوأجاب هؤلاء عن عمدة استدلال الفريق الثاني: وهو حديث: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ» (^٦) بقولهم:\nإن الصحابة كانوا في ذلك الزمان يتعلمون القرآن بأحكامه، فكان\n_________\n(^١) الشرح الممتع [٤/ ١٤٧].\n(^٢) متفق عليه: أخرجه البخاري (٦٧٩)، ومسلم [٤١٨]، عن عائشة ﵂.\n(^٣) متفق عليه: أخرجه البخاري (٤٦٦)، ومسلم (٢٣٨٢).\n(^٤) فتح القدير [١/ ٣٤٧، ٣٤٨].\n(^٥) المبسوط [١/ ٤١]، [المجموع: ٤/ ٢٧٩]، [الشرح الممتع: ٤/ ١٤٨].\n(^٦) تقدم (صـ ٣١).","vol":"1","page":33},{"text":"أقرؤهم أعلمهم، وأما في زماننا فقد يكون الرجل ماهرًا في القرآن ولا حظ له من العلم (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-19>القول الثاني: يقدم الأقرأ على الأفقه:</span>\nوبه قال فريق من الحنفية (^٢) كأبي يوسف، ونُقل عن أبي حنيفة (^٣)، وهو وجه عند الشافعية (^٤)، وهو مذهب أحمد، وعليه الحنابلة (^٥)، واختاره ابن حزم الظاهري (^٦).\nواستدلوا على ذلك بما يلي:\nالدليل الأول: قول النبي ﷺ: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ …» الحديث (^٧).\n_________\n(^١) قال السرخسي - زيادة على هذا - فالأعلم بالسنة أولى، إلا أن يكون ممن يطعن عليه في دينه فحينئذ لا يقدم؛ لأن الناس لا يرغبون في الاقتداء به [المبسوط: ١/ ٤١].\n(^٢) قال ابن الهمام: واختلف المشايخ في الاختيار، منهم من اختار قول أبي يوسف [وهو أن يقدم الأقرأ] وذلك للحديث. اهـ. وانظر [المبسوط: ١/ ٤١]، [فتح القدير: ١/ ٣٤٣].\n(^٣) قال ابن رشد: وقال أبو حنيفة والثورى وأحمد يؤم القوم أقرؤهم [بداية المجتهد ١/ ١٤٤] وبمثله قال الصنعاني [السبل: ٢/ ٤٠]، وهذا بخلاف ما نقله ابن الهمام الحنفي عنه - كما تقدم -، فلعلها رواية أخرى عن أبي حنيفة - والله أعلم -.\n(^٤) قال النووي - وهو يتكلم عن الأوجه الخمسة في الترجيح:\nالوجه الثاني: الأقرأ مقدم على الجميع، وهو قول ابن المنذر من أصحابنا، وبه قال الثوري وأحمد وإسحاق. اهـ. [المجموع: ٤/ ٢٨٠].\n(^٥) قال ابن قدامة: واختلف في أيهما يقدم على صاحبه؟ فمذهب أحمد: تقديم القارئ. اهـ. [المغني: ٣/ ١١]، وزاد المرداوي: هذا المذهب بلا ريب، نص عليه، وعليه جماهير الأصحاب، وقطع به كثير منهم [الإنصاف ٢/ ٢٤٤].\n(^٦) قال ابن حزم: والأفضل أن يؤم الجماعة في الصلاة أقرؤهم للقرآن، وإن كان أنقص فضلًا. اهـ. [المحلى: ٤/ ٢٠٧].\n(^٧) تقدم الحديث (صـ ٣١).","vol":"1","page":34},{"text":"وجه الدلالة: أن النبي ﷺ رتب الأسباب المرجحة للإمامة فجعل القراءة على رأسها، قبل الفقه والعلم (^١).\nالدليل الثاني: عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا كَانُوا ثَلَاثَةً فَلْيَؤُمَّهُمْ أَحَدُهُمْ، وَأَحَقُّهُمْ بِالْإِمَامَةِ أَقْرَؤُهُمْ» (^٢).\nوجه الدلالة: أن النبي ﷺ جعل التعويل على الأحقية بالإمامة القراءة، ولم يذكر سواها، فدلنا هذا على أن الأقرأ أولى مطلقًا.\nالدليل الثالث: حديث عمرو بن سلمة عن النبي ﷺ وفيه أنه قال: «صَلُّوا صَلَاةَ كَذَا فِي حِينِ كَذَا، وَصَلُّوا صَلَاةَ كَذَا فِي حِينِ كَذَا، فَإِذَا حَضَرَت الصَّلَاةُ، فَلْيُؤَذِّنْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا …»، فنظروا فلم يكن أحدٌ أكثر قرآنًا مني، لما كنت أتلقى من الركبان، فقدموني بين أيديهم، وأنا ابن ست أو سبع سنين، .... الحديث (^٣).\nوجه الدلالة: أن الصحابة ﵃ فهموا من قوله: «أكثركم قرآنا» الإطلاق، دون النظر إلى كثرة العلم، أو السن، ولذا قدموا عمرو بن سلمة على صغر سنه.\nالدليل الرابع: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄، قَالَ: كَانَ سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ يَؤُمُّ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ، وَأَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ فِي مَسْجِدِ قُبَاء، فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَأَبُو سَلَمَةَ، وَزَيْدٌ، وَعَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ» (^٤).\nوجه الدلالة: إجماع كبار الصحابة المهاجرين على تقديم سالم عليهم، وفيهم أبو بكر وعمر وزيد بن حارثة، ولا شك أن في هؤلاء من\n_________\n(^١) المبسوط [١/ ٤١].\n(^٢) مسلم (٦٧٢).\n(^٣) البخاري (٤٣٠٢).\n(^٤) البخاري (٧١٧٥).","vol":"1","page":35},{"text":"هو أعلم من سالم، فدل ذلك على تقديم الأقرأ مطلقًا.\nوأجاب هؤلاء عما استدل به الفريق الأول بما يلي:\n١ - أما حديث «مروا أبا بكر يصلي بالناس» (^١).\nقال الإمام أحمد: هو ليس بخلاف حديث أبي مسعود (^٢) وإنما قوله لأبي بكر «يصلي بالناس»، عندي للخلافة، يعني أن الخليفة أحق بالإمامة، فأمر النبي ﷺ أبا بكر بالصلاة يدل على أنه أراد استخلافه (^٣).\n٢ - قالوا أي أصحاب القول الثاني: وأما قولكم عن حديث أبي مسعود أنه قدم الأقرأ لأنه الأفقه.\nفالجواب: أن اللفظ عام، فالعبرة بعمومه، على أن في الحديث نفسه ما يبطل هذا التأويل، وهو قوله ﷺ: «فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة». ففاضل بينهم في علم السنة مع تساويهم في القراءة (^٤).\nتنبيه: قد يُستشكل على البعض ما قاله ﷺ لمالك بن الحويرث ﵁ وقومه: «… فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم» (^٥).\n_________\n(^١) صحيح: وقد تقدم.\n(^٢) يعني حديث «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ».\n(^٣) المغني [٣/ ١٤]، وأوله: قيل لأبي عبد الله حديث «مروا أبا بكر يصلي بالناس» أهو خلاف حديث أبي مسعود؟ قال: لا … إلخ.\n(^٤) السابق.\n(^٥) متفق عليه: أخرجه البخاري (٦٢٨)، ومسلم (٦٧٤)، ومتنه، «أتيت النبي ﷺ في نفر من قومي، فأقمنا عنده عشرين ليلة، وكان رحيمًا رفيقًا، فلما رأى شوقنا إلى أهالينا قال: «ارجعوا، فكونوا فيهم، وعلموهم، وصلوا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم».","vol":"1","page":36},{"text":"فهل يعني هذا تقديم الأكبر مطلقًا؟\nفالجواب: لا.\nوإنما الأمر كما قال الشافعي ﵀: هؤلاء قوم قدموا معًا، فأشبهوا أن تكون قراءتهم وتفقههم سواء، فأُمروا أن يؤمهم أكبرهم (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-20>المبحث الثاني: المقصود بأقرئهم:</span>\nقد اختلف أهل العلم في المراد من قوله ﵊: «يؤم القوم أقرؤهم»، على قولين:\nالأول: الأكثر حفظًا للقرآن.\nوهو رواية عند الحنابلة (^٢)، ورجحه الشوكاني (^٣)، وكذلك الصنعاني (^٤).\nواستدل هؤلاء بقول النبي ﷺ لوالد عمرو بن سلمة الجَرْمي: «وليؤمكم أكثركم قرآنًا» (^٥).\n_________\n(^١) الأم (٢/ ٣٠٠، طـ دار الوفاء).\nوبوب البخاري لهذا الحديث في صحيحه - في كتاب «الأذان» - بقوله: «باب إذا استووا في القراءة فليؤمهم أكبرهم».، وبمعنى ما قاله الشافعي قال ابن حزم (المحلى ٤/ ٢٠٧)، والنووي [شرح صحيح مسلم - ح (٦٧٤)]، وابن حجر (فتح الباري: ٢/ ٢٠٢، ط الريان)، وزاد على ما سبق، فليُنظر.\n(^٢) قال ابن قدامة: ويرجح أحد القارئين على الآخر بكثرة القرآن، [المغني: ٣/ ١٥]، وانظر الإنصاف [٢/ ٢٤٤].\n(^٣) [نيل الأوطار: ٣/ ٢٠٠ - طـ الوفاء].\n(^٤) قال الصنعاني: الظاهر أن المراد أكثرهم له حفظًا. [سبل السلام: ٢/ ٤٠ - ط دار الحديث].\n(^٥) صحيح: وقد تقدم.","vol":"1","page":37},{"text":"الثاني: الأجود قراءة.\nوبه قال: المالكية (^١)، والشافعية (^٢)، وهو الصحيح عند الحنابلة (^٣) واختاره الشيخ ابن عثيمين (^٤).\nوفي سؤالٍ وُجِّه للجنة الدائمة للإفتاء، نصه:\nهل معنى «أقرؤكم لكتاب الله»، أحفظكم أو أفقهكم؟\nفكان الجواب: معنى أقرؤكم: أحسنكم تلاوة وترتيلًا للقرآن، ويراد به أيضًا أكثركم قرآنًا (^٥).\nعضو عضو نائب الرئيس\nعبد الله بن قعود عبد الله بن غديان عبد الرزاق عفيفي\nالرئيس\nعبد العزيز بن عبد الله بن باز\n_________\n(^١) الشرح الكبير [١/ ٥٤٥ - طـ. دار الكتب العلمية].\n(^٢) قال الرملي: والأوجه أن مراده بالأقرأ الأصح قراءة اهـ[نهاية المحتاج: ٢/ ١٨١].\n(^٣) قال المرداوي: يقدم الأجود قراءة على الأكثر قرآنا على الصحيح من المذهب، [الإنصاف: ٢/ ٢٤٤].\n(^٤) قال الشيخ ابن عثيمين: هل المراد بالأقرأ الأجود قراءة؟\nوهو الذي تكون قراءته تامة يخرج الحروف من مخارجها ويأتي بها على أكمل وجه، أم: المراد بالأقرأ الأكثر قراءة؟\nالجواب: المراد بالأقرأ: الأجود قراءة، أي الذي يقرؤه قراءة مجودة، وليس المراد بالتجويد الذي يعرف الآن بما فيه من الغنة والمدود ونحوها، فليس بشرط أن يتغنى بالقرآن وأن يحسن به صوته، وإن كان الأحسن صوتًا أولى، لكنه ليس بشرط. اهـ. [الشرح الممتع: ٤/ ١٤٨].\n(^٥) فتاوى اللجنة الدائمة [٧/ ٣٤٧ - ٣٤٨ - ط دار المؤيد].","vol":"1","page":38},{"text":"وأخيرًا قال شيخنا أبو عبد الله - حفظه الله -:\nأحقهم بالإمامة أقرؤهم لكتاب الله، والأقرأ: الأكثر حفظًا، مع صحة القراءة (^١).\n_________\n(^١) كذا كتب لي شيخنا، ومن خطه نقلت.","vol":"1","page":39},{"text":"<span data-type='title' id=toc-21>٣ - من أم قومًا وهم له كارهون</span>\nاتفق الفقهاء على كراهة إمامة الرجل للقوم وهم كارهون له، ولكن نشأ الخلاف بينهم حول تلك الكراهة، هل هي تنزيهية؟ أم تحريمية؟.\nفالفقهاء على ثلاثة أقوال:\n\n<span data-type='title' id=toc-22>القول الأول: يكره له ذلك كراهة تحريمية.</span>\nوبهذا قال الحنفية (^١)، وهو رواية عند الحنابلة (^٢).\nواحتج هؤلاء بقول النبي ﷺ: «ثلاثة لا تجاوز صلاتهم رؤوسهم: رجل أم قومًا وهم له كارهون، والعبد إذا أبق حتى يرجع إلى مولاه، والمرأة إذا باتت مهاجرة لزوجها عاصية له» (^٣).\n_________\n(^١) قال الحصكفي: ولو أم قومًا وهم له كارهون لفساد فيه، أو لأنهم أحق بالإمامة منه كره له ذلك تحريمًا. اهـ.\nواعتمد ذلك ابن عابدين في حاشيته [الدر المختار مع حاشية ابن عابدين ٢/ ٢٩٧ - ط دار الكتب العلمية]، [البحر الرائق شرح كنز الدقائق: ١/ ٣٦٩، ط دار المعرفة].\n(^٢) قال المرداوي: وقيل: يفسد صلاته، نقل أبو طالب: لا ينبغي أن يؤمهم، قال الشيخ تقي الدين: أتى بواجب ومحرم يقاوم صلاته فلم تقبل، إذ الصلاة المقبولة ما يثاب عليها. [الإنصاف ٢/ ٢٧٣].\n(^٣) حسن بمجموع طرقه: هذا الحديث روي من طرق متعددة، لا يكاد يخلو طريق منها من مقال، كما أن هناك تغايرًا في بعض ألفاظه، ولبيان ذلك أقول - وبالله التوفيق:\nجاء الحديث بهذا اللفظ من طريق إسماعيل بن عياش، واختلف عليه.\nفرواه عنه عمرو بن عثمان [كما عند أبي داود في المراسيل، رقم (٢٨)]، عن أبي سلمة بن سليم عن يحيى بن جابر عن النبي ﷺ مرسلًا؛ لأن يحيى ثقة من الطبقة السادسة، فساق أول الحديث، ولم يسقه كاملًا.\nوهذا إسناد حسن إلى يحيى؛ لأن إسماعيل صدوق في روايته عن أهل بلده، مخلط =","vol":"1","page":40},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= في غيرهم، وشيخه هنا أبو سلمة دمشقي.\nورواه عنه بقية بن الوليد [كما عند البيهقي في السنن الكبرى (٣/ ١٢٨]، على وجهين.\nالأول: عنه عن عطاء عن أبي نضرة عن أبي سعيد عن النبي ﷺ، وهذا إسناد ضعيف جدًّا، لأن عطاء هذا وهو ابن عجلان الحنفي متروك، بل كذبه بعض الأئمة، كما نقل الحافظ في «التهذيب».\nالثاني: عنه عن الحجاج - وهو ابن أرطاة - عن قتادة عن الحسن عن النبي ﷺ - مرسلًا، وهذا إسناد ضعيف لما يلي.\n١ - للكلام في حجاج بن أرطاة - انظر ترجمته في «التهذيب».\n٢ - لأن في الإسناد بقية، وهو ابن الوليد - يدلس تدليس التسوية ولم يصرح بالتحديث بين إسماعيل والحجاج.\n٣ - أن بقية قد خولف في هذا الإسناد، فروى الثوري عن إسماعيل عن الحسن مباشرة، بإسقاط الحجاج وقتادة (كما عند عبد الرزاق في مصنفه ٢/ ٤١١)، بلفظ: «من أم قوما وهم له كارهون لم تجاوز صلاته ترقوته»، وهذا إسناد منقطع بين إسماعيل والحسن.\nإلا أن السند إلى الحسن البصري لهذا المتن قد صح من طرق أخرى عند (عبد الرزاق: ٢/ ٤١)، وعند ابن أبي شيبة [٤١٠٨، ٤١١١]، وفي رواية البيهقي (٣/ ١٢٨)، وهي من طريق عبد الرزاق، أسقط الحسن، وجعله مرسلًا عن قتادة.\nوقد جاء الحديث عن الحسن، موصولًا، عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ (كما عند الترمذي: ٣٥٨)، لكن في الطريق إلى الحسن: محمد بن القاسم (كذبه أحمد والدارقطني)، والفضل بن دلهم (قال أبو داود: ليس بالقوى)، ولذا قال الترمذي عقب هذه الرواية: حديث أنس لا يصح؛ لأنه قد روى هذا الحديث عن الحسن مرسلًا. اهـ. وكذا ضعف هذا الطريق ابن الجوزي [العلل المتناهية: ١/ ٤٣٦ - ط العلمية). ولكن الحديث جاء عن أنس من طريق آخر عند ابن خزيمة في صحيحه [١٥١٩] من طريق ابن وهب عن عمرو بن الحارث، عن يزيد بن أبي حبيب عن عمرو بن الوليد عن أنس. وهذا إسناد حسن إلى أنس؛ لأن الراوي عنه: عمرو بن الوليد المصري، وهذا الأخير وإن كان لم يرو عنه إلا يزيد بن أبي حبيب إلا أننا لم نقف على تضعيف له من أحد من الأئمة، بل قال فيه ابن يونس، وهو من أعلم الناس بالمصريين: كان من أهل الفضل والفقه، وذكره يعقوب بن سفيان في ثقات أهل مصر.\nومتن الحديث بالسند السابق قد استبدل فيه [رجل صلى على جنازة ولم يؤمر] بـ[العبد الآبق].","vol":"1","page":41},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=\nوأخرجه ابن خزيمة [١٥١٨]، من وجه آخر عن عطاء بن دينار الهذلي - مرسلًا - (وإن كان راوي الطريقين واحدًا، وهو عبد الله بن وهب)، وإسناده صحيح إلى عطاء.\nوجاء الحديث عن جماعة آخرين من الصحابة - مرفوعًا للنبي ﷺ -، وهم:\n١ - سلمان الفارسي:\nأخرجه ابن أبي شيبة (٤١١٢)، من طريق القاسم بن مخيمرة يذكر أن سلمان قدمه قومه يصلي بهم فأبى، فدفعوه، فلما صلى بهم قال: أكلكم راض؟ قالوا: نعم، قال: الحمد لله، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: … وذكر الحديث، إلا أنه قال عن المرأة: «المرأة تخرج من بيتها بغير إذنه» إلا أن هذا الإسناد منقطع - فيما يبدو - لقول ابن معين عن القاسم: لم نسمع أنه سمع من أحد من أصحاب النبي ﷺ.\n٢ - أبو أمامة:\nأخرجه الترمذي [٣٦٠]، وقال: حسن غريب من هذا الوجه، وابن أبي شيبة [٤١١٣]، ومن طريقه الطبراني في «الكبير» [٨/ ٢٨٤].\nكلهم من طريق الحسين بن واقد عن أبي غالب حزور عن أبي أمامة.\nوأبو غالب هذا: قال عنه أبو حاتم: ليس بالقوى، وقال ابن سعد: منكر الحديث. وضعفه النسائي، ووثقه الدارقطني، وصحح له الترمذي: وقال ابن معين: صالح الحديث. قال البيهقي [السنن: ٣/ ١٢٨]: وروي الحديث عن أبي غالب عن أبي أمامة، وليس بالقوى.\nقال النووي في الخلاصة: والأرجح هنا قول الترمذي. اهـ. [نيل الأوطار: ٢/ ٤٧٢].\n٣ - ابن عباس:\nأخرجه ابن ماجه [٩٧١]، وابن حبان [١٧٥٧]، والطبراني في الكبير [١١/ ٤٤٩]، وهذا الإسناد، عند هؤلاء، عن ابن عباس فيه ما يلي:\n١ - يحيى بن عبد الرحمن: قال عنه أبو حاتم: يروي عن عُبيدة - أي: ابن الأسود - أحاديث غرائب.\nقلت: وروايته هنا عن عُبيدة هذا، كما أن:\n٢ - عُبيدة بن الأسود: وإن كان وثقه أبو زرعة، وقال أبو حاتم: ما بحديثه بأس، قد قال عنه ابن حبان في الثقات: يعتبر حديثه إذا بين السماع وكان فوقه ودونه ثقات، وذكره الحافظ في الطبقة الثالثة من المدلسين. وعبيدة هنا لم يبين السماع، وإنما عنعن، كما أنه روى عن:\n٣ - القاسم بن الوليد.\nوهذا الرجل قد وثقه ابن معين والعجلي، وذكره ابن حبان في الثقات لكنه قال:","vol":"1","page":42},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= يخطئ ويخالف. وهذا الإسناد حسنه النووي [المجموع: ٤/ ٢٧٤]، وابن مفلح [الفروع: ٢/ ١١]، والعراقي [نقل ذلك في نيل الأوطار: ٢/ ٤٧٣]، وقال البوصيري [مصباح الزجاجة: ٣٥٤]: هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات. اهـ.\nولفظ حديث ابن عباس استُبدل فيه [أخوان متصارمان] بـ[العبد الآبق].\n٤ - عبد الله بن عمرو:\nأخرجه أبو داود [٥٩٣]، وابن ماجه [٩٧٠]، والبيهقي [السنن: ٣/ ١٢٨]، كلهم من طريق.\nعبد الرحمن بن زياد (الأفريقي)، وهو ضعيف في حفظه عن عمران بن عبد المعافري - وقد ضعفه ابن معين. فهذا سند ضعيف. قال البيهقي [معرفة السنن والآثار: ٢/ ٤٠٩]: وعبد الرحمن غير محتج به، وهو مع حديث أبي غالب ومرسل قتادة في الإمامة يقوى.\nوالثلاثة المذكورون في لفظ حديث ابن عمرو هم:\nمن تقدم قومًا وهم له كارهون، ورجل أتى الصلاة دبارًا والدبار: أن يأتيها بعد أن تفوته، ورجل اعتبد محرره.\n٥ - طلحة بن عبيد الله.\nأخرجه الطبراني في «الكبير» [١/ ١١٥]، عن موسى بن طلحة قال:\nصلى طلحة: بقوم، فلما انصرف قال: نسيت أن أستأمركم قبل أن أتقدمكم، أفرضيتم بصلاتي؟ قالوا: نعم، ومن يكره ذلك يا حواري رسول الله؟ قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أيما رجل أم قومًا وهم له كارهون لم تجز صلاته أذنه».\nوهذا الحديث من طريق: سليمان بن أيوب عن أبيه عن جده.\nقال الهيثمي [المجمع: ٢/ ٢١٢]: رواه الطبراني من رواية سليمان بن أيوب الطلحي، قال فيه أبو زرعة: عامة أحاديثه لا يتابع عليها، وقال صاحب الميزان: صاحب مناكير، وقد وثق. اهـ.\nوقال ابن عدي [في ترجمته في الكامل]: ولسليمان بن أيوب بهذا الإسناد - يعني عن أبيه عن جده - عشرون حديثًا غير ما ذكرت، وعامة هذه الأحاديث أفراد لهذا الإسناد، لا يتابع سليمان عليها أحد. اهـ.\n٦ - جنادة الأزدي:\nأخرجه الطبراني في الكبير [٢/ ٢٨٢]، من طريق أبي عبد الرحمن الصنعاني:\nأن جنادة الأزدي أم قومًا، فلما قام إلى الصلاة التفت عن يمينه فقال: أترضون؟ قالوا: نعم، ثم فعل مثل ذلك عن يساره، ثم قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من أم","vol":"1","page":43},{"text":"وجه الدلالة:\nأن نفي قبول الصلاة، وأنها لا تجاوز آذان المصلين دليل على التحريم (^١).\n_________\n= قومًا وهم له كارهون فإن صلاته لا تجاوز ترقوته».\nوإسناد هذا ضعيف جدًّا، لأن فيه أبا بكر الهذلي، وهو متروك الحديث - كما قال الحافظ - وقد ضعف الحافظ إسناده في الإصابة (١/ ٥٠٢).\n٧ - عمرو بن الحارث بن المصطلق.\nأخرجه الترمذي (٣٥٩)، وابن أبي شيبة (٤١١٠)، عن زياد بن أبي الجعد عن عمرو بن الحارث قال: «كان يقال: أشد الناس عذابًا يوم القيامة: اثنان: امرأة عصت زوجها، وإمام قوم وهم له كارهون».\nوهذا سند ضعيف، لأن زيادًا المذكور لم يوثقه إلا ابن حبان - فيما علمت - وقال عنه الحافظ: مقبول.\nذه هي الطرق التي وقفت عليها لهذا الحديث، وهي كما ترى فيها ما فيها، إلا أنها بمجموعها قابلة للتحسين، لا سيما والحديث لم أقف على قول لأحد من علمائنا الأولين بتضعيفه - إلا ما جاء عن الشافعي وسيأتي -، بل قواه البيهقي - كما نقلت في حديث ابن عمرو -، وقال الشوكاني [النيل: ٢/ ٤٧٣]: أحاديث الباب يقوي بعضها بعضًا. اهـ. بل وحسنه الترمذي، وصححه ابن خزيمة وابن حبان، وقد مر بنا تحسين النووي، والعراقي وغيرهما، وأيضًا صححه العلامة أحمد شاكر [تعليقه على الترمذي ٢/ ١٩٣]، والعلامة الألباني [الصحيحة: ح ٦٥٠]، ومحدث اليمن الشيخ مقبل بن هادي الوادعي [الجامع الصحيح مما ليس في الصحيحين: ٢/ ١٤٨]، وحسن الإسناد الشيخ شعيب الأرنؤوط في [شرح السنة: ٣/ ٤٠٤].\nوأما ما جاء من الموقوفات في هذا المعنى:\n١) فقد جاء عن العيزار بن جرول [وقد وثقه ابن معين كما في تعجيل المنفعة]: أن قومًا شكوا إمامًا لهم إلى علي، فقال له علي أي: ابن أبي طالب: إنك لخروط، [أي: متهور]، تؤم قومًا وهم كارهون؟!، [إسناده حسن].\nأخرجه ابن أبي شيبة [٤١٠٧] عن وكيع قال: حدثنا أبو موسى بن قيس الحضرمي عن العيزار بن جرول. وموسى هذا قال عنه الحافظ: صدوق رُمي بالتشيع. أهـ.\n(^١) نيل الأوطار (٢/ ٤٧٣).","vol":"1","page":44},{"text":"<span data-type='title' id=toc-23>القول الثاني: يكره له ذلك تنزيهًا، ليس تحريمًا.</span>\nوبه قال الشافعية (^١)، والحنابلة (^٢).\nوقد ذهب الشافعي ﵀ إلى تضعيف الحديث الذي استدل به الفريق الأول، فقال: «يقال: لا تقبل صلاة من أم قومًا وهم له كارهون، ولا صلاة امرأة وزوجها غائب عنها، ولا عبد آبق حتى يرجع، ولم أحفظ من وجه يثبت أهل العلم بالحديث مثله …» (^٣).\nقال الشيخ ابن عثيمين ﵀:\nوهذا الحديث ضعيف، ولو صح لكان فيه دليل على بطلان الصلاة، ومن ثم قال الفقهاء بالكراهة، وقد ذكر ابن مفلح في «النكت على المحرر»، أن الحديث إذا كان ضعيفًا، وكان نهيًا فإنه يحمل على الكراهة، لكن بشرط أن لا يكون الضعف شديدًا، وإن كان أمرًا فإنه يحمل على الاستحباب.\nفالحديث لضعفه لم يكن موجبًا للحكم الذي يقتضيه لفظه، ولو ردوه كان مثيرًا للشك، فكان الاحتياط أن نجعل حكمه بين بين. اهـ (^٤).\n_________\n(^١) قال النووي: قال أصحابنا: يكره، أن يؤم قومًا وأكثرهم له كارهون، ولا يكره إذا كرهه الأقل: اهـ[المجموع: ٤/ ٢٧٥].\nوقال الشافعي: «وصلاة المأموم في هذه الحالة مجزئة، ولا أعلم على الإمام إعادة؛ لأن إساءته في التقدم لا تمنعه من أداء الصلاة، وإن خفت عليه في التقدم. اهـ. [الأم: ٢/ ٣٠٦].\n(^٢) قال ابن قدامة: يكره أن يؤم قومًا أكثرهم له كارهون.\nوقال أحمد: إذا كرهه واحد أو اثنان أو ثلاثة فلا بأس حتى يكرهه أكثر القوم» اهـ[المغني: ٣/ ٧١] وانظر [الإنصاف: ٢/ ٢٧٣].\n(^٣) الأم [٢/ ٣٠٦].\n(^٤) الشرع الممتع [٤/ ١٨٢].","vol":"1","page":45},{"text":"<span data-type='title' id=toc-24>القول الثالث:</span> وفيه تفصيل:\nإذا كرهه قليل من القوم كره له ذلك تنزيهًا، وإذا كرهه أكثرهم أو أهل الفضل منهم: كره له ذلك تحريمًا.\nوبهذا قال المالكية (^١).\nوأخيرًا: قال لي شيخنا - حفظه الله -:\nالذي أراه أن الكراهة هنا تنزيهية، والله أعلم.\nتنبيه:\nقد اتفق الفقهاء على أن الكراهة هنا - أي كراهة المأمومين للإمام - مقيدة بسبب شرعي، أما الكراهة لغير الدين فلا عبرة بها.\nوبهذا قال: الحنفية (^٢)، والمالكية (^٣)، والشافعية (^٤)، والحنابلة (^٥).\n_________\n(^١) قال الشيخ الدردير، وكره [إمامة من يكره]، أي: كرهه أقل القوم غير ذوى الفضل منهم، وأما إذا كرهه كل القوم أو جلهم أو ذوو الفضل منهم - وإن قلوا: فيحرم، هذا هو التحقيق. اهـ. [الشرح الكبير: ١/ ٥٢٦ - طـ دار الكتب العلمية]. وانظر مواهب الجليل [٢/ ٤٣٠].\n(^٢) قال الحصكفى: «ولو أم قومًا وهم له كارهون لفساد فيه، أو لأنهم أحق بالإمامة: كره له ذلك تحريمًا، وإن هو أحق لا، والكراهة عليهم». اهـ. [الدر المختار: ٢/ ٢٩٧].\n(^٣) قال الحطاب المالكي: وقال في المدخل: وهذا بشرط أن تكون الكراهة على موجب شرعي، حذر أن تكون كراهة إمامته لحظ دنيوي، أو نفساني، أو ما أشبه ذلك، فإن كانت الكراهة شرعية فلا يتقدم. اهـ. [مواهب الجليل: ٢/ ٤٣٠].\n(^٤) قال النووي: وإنما تكره إمامته إذا كرهوه لمعنى مذموم شرعًا، كظالم، أو يمحق هيئات الصلاة، أو شبه ذلك، فإن لم يكن شيء من ذلك فلا كراهة، والعتب على من كرهه». اهـ. [المجموع: ٤/ ٢٧٥].\n(^٥) قال الإمام أحمد: وإن كان ذا دين وسنة فكرهه القوم لذلك، لم تكره إمامته. اهـ. [المغني: ٣/ ٧١]. وانظر [الإنصاف: ٢/ ٢٧٤].","vol":"1","page":46},{"text":"لكن الشيخ ابن عثيمين ﵀ ذهب إلى قول آخر، وهو أن الكراهة مطلقة، سواء كانت لسبب شرعي أو لا فقال: لكن ظاهر الحديث الكراهة مطلقًا، وهذا أصح، لأن الغرض من صلاة الجماعة هو الائتلاف والاجتماع، وإذا كان هذا هو الغرض فمن المعلوم أنه لا ائتلاف ولا اجتماع إلى شخص مكروه عندهم، وينبغي له إذا كانوا يكرهونه بغير حق أن يعظهم ويذكرهم ويتألفهم، ويصلى بهم حسبما جاء في السنة، وإذا علم الله من نيته صدق نية التأليف بينهم يسر الله له ذلك اهـ (^١).\nوقال شيخنا - حفظه الله -:\nإن الكراهة ينبغي أن تقيد بسبب شرعي، وأيضًا ينظر في حال الكارهين هل هم أهل العلم والفضل - فتعتبر كراهتهم - أم غيرهم. والله أعلم.\n_________\n(^١) الشرح الممتع (٤/ ١٨٣).\nوقال ابن تيمية: «ولو كان بين الإمام والمأمومين معاداة من جنس معاداة أهل الأهواء والمذاهب = لم يسغ له أن يؤمهم؛ لأن في ذلك منافاة لمقصود الصلاة جماعة». «مختصر الفتاوى المصرية» (ص ٦١٠).","vol":"1","page":47},{"text":"<span data-type='title' id=toc-25>٤ - إمامة الفاسق والمبتدع</span>\nوهذه مسألة يكثر السؤال عنها - لا سيما في تلك الأيام وهي: هل تصح إمامة الفاسق والمبتدع؟ أم لا؟\nوقبل الجواب عن هذا السؤال وذكر أقوال أهل العلم في تلك المسألة، أشير أولًا إلى المقصود بهاتين الكلمتين - الفاسق والمبتدع - عند أهل العلم.\nفأقول - وبالله التوفيق -:\n\n<span data-type='title' id=toc-26>المقصود بالفاسق:</span>\nلغة: أصل الفسق: الخروج من الشيء، قال الله تعالى عن إبليس ﴿ففسق عن أمر ربه﴾. أي: خرج من طاعته، والعرب تقول: فلان فاسق إذا كان عريانًا قد تجرد من أثوابه، وتقول: فسقت الرطبة: إذا خرجت من قشرها.\nاصطلاحًا: الفاسق في دينه: هو الخارج عن طاعة ربه ﷿ (^١).\nوقيل: الفاسق: من أتى كبيرة - وهي ما فيه حد في الدنيا أو وعيد في الآخرة - أو داوم على صغيرة (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-27>المقصود بالمبتدع:</span>\nلغة: المبتدع: - بضم الميم وكسر الدال - هو صاحب البدعة، وهي اسم من ابتدع الأمر إذا ابتدأه أو أحدثه، كالرفقة من الارتفاق، والخلفة\n_________\n(^١) الحاوي الكبير للماوردي [٢/ ٣٢٨ - ط دار الفكر].\n(^٢) كشاف القناع [١/ ٥٧١].","vol":"1","page":48},{"text":"من الاختلاف، ثم غلبت على ما هو زيادة في الدين، أو نقصان منه (^١).\nاصطلاحًا: المبتدع هو: من أحدث في الشريعة ما لم يكن في عهده ﷺ (^٢) وقيل: المبتدع: هو الذي يعتقد شيئًا مما يخالف أهل السنة والجماعة (^٣).\nوقيل: غير ذلك من تعريفات تتشابه مع ما ذكر هنا.\n\n<span data-type='title' id=toc-28>هل تصح إمامة الفاسق والمبتدع؟</span> (^٤)\nانقسم العلماء في هذه المسألة إلى قسمين:\n\n<span data-type='title' id=toc-29>القسم الأول: يرى صحة إمامته.</span>\nوهذا مذهب الحنفية (^٥)، والشافعية (^٦)، وإحدى الروايتين عن الحنابلة (^٧)،\n_________\n(^١) البحر الرائق [١/ ٣٧٠].\n(^٢) مغني المحتاج [٤/ ٥٨٢].\n(^٣) فتح الباري لابن حجر [٢/ ٢٢١]، وقريب من ذلك قول الحصكفى: المبتدع: أي صاحب البدعة، وهي اعتقاد خلاف المعروف عن الرسول ﷺ لا بمعاندة: بل بنوع شبهة اهـ. [الدر المختار مع حاشية ابن عابدين: ٢/ ٢٩٩].\n(^٤) والكلام هنا على من لم يكفر بفسقه أو ببدعته، فخرج من بحثنا من كفر بفسقه أو ببدعته.\n(^٥) قال السرخسى: تقديم الفاسق للإمامة جائز عندنا، ويكره، [المبسوط: ١/ ٤٠].\nوانظر [بدائع الصنائع: ١/ ١٥٦].\n(^٦) قال الإمام الشافعي: وكذلك أكره إمامة الفاسق، والمظهر للبدع، ومن صلى خلف واحد منهم أجزأته صلاته، ولم تكن عليه إعادة إذا أقام الصلاة اهـ. [الأم: ٢/ ٣٢٦].\nوقال النووي: قال أصحابنا: الصلاة وراء الفاسق صحيحة، ليست محرمة، لكنها مكروهة، وكذا تكره وراء المبتدع الذي لا يكفر ببدعته، وتصح اهـ[المجموع: ٤/ ٢٥٣].\n(^٧) قال المرداوي: والرواية الثانية: تصح - أي إمامة الفاسق وتكره وعنه تصح في النفل، جزم به جماعة، اهـ[الإنصاف: ٢/ ٢٥٢]. وانظر: المغني [٣/ ١٧].","vol":"1","page":49},{"text":"وهو قول عند المالكية (^١)، وبه قال ابن حزم (^٢)، وهو اختيار الشيخ ابن عثيمين (^٣).\nبل هذا القول هو رأي جمهور السلف ﵏، وإليك البيان:\n* قال الطحاوي:\nونرى الصلاة خلف كل بر وفاجر من أهل القبلة (^٤).\n* قال النووي:\nوذهب جمهور العلماء إلى صحتها - أي صحة الصلاة خلف الفاسق - (^٥).\n* قال ابن حزم:\nوذهبت طائفة الصحابة كلهم - دون خلاف من أحد منهم- وجميع الفقهاء من التابعين كلهم - دون خلاف من أحد منهم - وأكثر من بعدهم، وجمهور أصحاب الحديث، وهو قول أحمد والشافعي، وأبي حنيفة وداود وغيرهم = إلى جواز الصلاة خلف الفاسق الجمعة وغيرها (^٦).\n* قال الشوكاني:\nقد ثبت إجماع أهل العصر الأول من بقية الصحابة، ومن معهم من\n_________\n(^١) قال الشيخ الدردير: والمعتمد أنه لا تشترط عدالته، فتصح إمامة الفاسق بالجارحة، ما لم يتعلق فسقه بالصلاة. اهـ. [الشرح الكبير: ١/ ٣٢٦]. وانظر التاج والإكليل [٢/ ٩٣].\n(^٢) قال: وتجوز إمامة الفاسق كذلك، وتكره. اهـ. [المحلى: ٤/ ٢١٢].\n(^٣) قال ﵀: القول الراجح: صحة الصلاة خلف الفاسق، فالرجل إذا صلى خلف حالق لحيته أو شارب الدخان، أو آكل الربا، أو زان، أو سارق: فصلاته صحيحة اهـ[الشرح الممتع: ٤/ ١٥٧].\n(^٤) العقيدة الطحاوية (٢/ ٥٦٦)، طـ الرسالة.\n(^٥) المجموع (٤/ ٢٥٣).\n(^٦) «الفصل في الملل والأهواء والنحل» (٥/ ١٦).","vol":"1","page":50},{"text":"التابعين إجماعًا فعليًّا، ولا يبعد أن يكون قوليًّا = على الصلاة خلف الجائرين؛ لأن الأمراء في تلك الأعصار كانوا أئمة الصلوات الخمس، فكان الناس لا يؤمهم إلا أمراؤهم في كل بلدة فيها أمير، وكانت الدولة إذ ذاك لبني أمية، وحالهم وحال أمرائهم لا يخفى (^١). اهـ.\nواستدل هؤلاء بالأثر والنظر:\nأما الأثر، فهو:\n١) قوله ﵊: ««يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ» (^٢).\nوجه الدلالة:\nعموم الحديث يشمل الفاسق وغيره.\n٢) قوله ﵊ عن الأئمة -:\n«يُصَلُّونَ لَكُمْ، فَإِنْ أَصَابُوا فَلَكُمْ ولهم، وَإِنْ أَخْطَئُوا فَلَكُمْ وَعَلَيْهِمْ» (^٣).\nوجه الدلالة:\nأن خطأ الإمام يعود عليه، لا على من ائتم به، وعلى وجود خطئه: لم يمنع النبي ﷺ من إمامته.\n٣) قوله ﷺ لأبي ذر في أئمة الجور الذين يصلون الصلاة لغير وقتها:\n«صَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا، فَإِنْ أَدْرَكْتَهَا مَعَهُمْ فَصَلِّ، فَإِنَّهَا لَكَ نَافِلَةٌ» (^٤).\n_________\n(^١) نيل الأوطار [٢/ ٤٥٧].\n(^٢) صحيح: وقد تقدم.\n(^٣) أخرجه البخاري (٦٩٤)، عن أبي هريرة ﵁.\n(^٤) أخرجه مسلم (٦٤٨)، عن أبي ذر ﵁.","vol":"1","page":51},{"text":"وجه الدلالة:\nأن النبي ﷺ أذن بالصلاة خلفهم، وجعلها نافلة، وظاهره: أنهم لو صلوها في وقتها لكان مأمورًا بصلاتها خلفهم فريضة، فدل ذلك على صحة إمامتهم (^١).\n٤) قوله ﵊ لأبي ذر: «اسمع وأطع، ولو لحبشي كأن رأسه زبيبة» (^٢).\nوجه الدلالة:\nأن هذا يدخل فيه أن يكون الرجل المطاع إمامًا فاسقًا.\nواستدلوا أيضًا بأقوال الصحابة وأفعالهم، ومنها:\n٥) أن عدي بن الخيار دخل على أمير المؤمنين: عثمان بن عفان وهو محصور، فقال له: إنك إمام عامة، ونزل بك ما نرى ويصلي لنا إمام فتنة ونتحرج؟ فقال - أي عثمان -: الصلاة أحسن ما يعمل الناس، فإذا أحسن الناس فأحسن معهم، وإذا أساءوا فاجتنب إساءتهم (^٣).\n٦) كان ابن عمر - وغيره - يصلون خلف الحجاج بن يوسف الثقفي يقول عمير بن هانئ: شهدت ابن عمر، والحجاج محاصر ابن الزبير، فكان منزل ابن عمر بينهما، فكان ربما حضر الصلاة مع هؤلاء، وربما حضر الصلاة مع هؤلاء (^٤).\n_________\n(^١) سبل السلام (٢/ ٤٢).\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٩٦)، عن أنس بن مالك، وبه استدل البخاري على صحة إمامة الفاسق.\n(^٣) البخاري (٦٨٥).\n(^٤) إسناده صحيح: أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٢/ ٣٨٧)، وابن أبي شيبة في\nالمصنف [٧٥٥٩].","vol":"1","page":52},{"text":"٧) كان الحسن والحسين يسرعان إذا سمعا منادي مروان، وهما يشتمانه، ويصليان معه (^١).\nوأما الدليل النظري:\nقال الشيخ ابن عثيمين نقول: كل من صحت صلاته صحت إمامته، ولا دليل على التفريق بين صحة الصلاة وصحة الإمامة، فما دام هذا يصلي فكيف لا أصلي وراءه؟!؛ لأنه إذا كان يفعل معصية فمعصيته على نفسه، لكن لو فعل معصية تتعلق بالصلاة، بأن كان إذا دخل في الصلاة يبطلها = فلا تصح الصلاة خلفه؛ لأن صلاته لا تصح، لفعله محرمًا في الصلاة (^٢). اهـ.\nقال: وهذا القول لا يسع الناس اليوم إلا هو، لأننا لو طبقنا القول الأول: يعني اشتراط العدالة، على الناس: ما وجدنا إمامًا يصلح للإمامة اهـ.\n\n٢ -<span data-type='title' id=toc-30> القسم الثاني: يرى عدم صحة إمامة الفاسق.</span>\nنُقل هذا عن مالك (^٣) وهو ظاهر مذهبه (^٤)، بل نقل ذلك عن أبي\n_________\n(^١) إسناده صحيح: أخرجه عبد الرزاق، [٢/ ٣٨٦]، وابن أبي شيبة [٧٥٦٠، ٧٥٦٨].\n(^٢) الشرح الممتع [٤/ ١٥٧].\n(^٣) قال السرخسى: وقال مالك: لا تجوز الصلاة خلف الفاسق؛ لأنه لما ظهرت منه الخيانة في الأمور الدينية فلا يؤتمن في أهم الأمور، ألا ترى أن الشرع أسقط شهادته لكونها أمانة. [المبسوط: ١/ ٤٠].\n(^٤) قال القرافي: وأما الفاسق بجوارحه: فظاهر المذهب منعه، [الذخيرة: ٢/ ٢٣٨]. وقال الحطاب المالكي نقلًا عن الشبيبي في المذهب أربعة أقوال: مشهورها: الإعادة في الوقت، وقيل: أبدًا، وقيل: لا إعادة عليه، وقيل: إلا أن يكون الوالي الذي تؤدي إليه الطاعة، فلا إعادة حينئذ اهـ[مواهب الجليل: ٢/ ٩٤].","vol":"1","page":53},{"text":"حنيفة (^١)، وبعض الحنفية (^٢)، وهو رواية عند الحنابلة عليها أكثرهم (^٣).\nواستدل هذا الفريق بالأثر والنظر أيضًا:\nأما الأثر:\n١ - فقوله ﵊: «لا يؤمن فاجر مؤمنًا».\nوجه الدلالة: نهيه ﵊ عن إمامة الفاجر يقتضى التحريم، وعليه فلا تصح إمامته.\nوأجيب عليهم: بأن هذا الحديث لا يصح (^٤).\n_________\n(^١) قال ابن الهمام: وروى محمد عن أبي حنيفة وأبي يوسف أن الصلاة خلف أهل الأهواء لا تجوز اهـ. [فتح القدير: ١/ ٣٥١].\n(^٢) قال الكاساني: قال بعض مشايخنا: إن الصلاة خلف المبتدع لا تجوز وذكر في المنتقى رواية عن أبي حنيفة أنه كان لا يرى الصلاة خلف المبتدع. اهـ. [بدائع الصنائع: ١/ ١٥٧].\n(^٣) قال المرداوي في إمامة الفاسق:\nفيه روايتان: إحداهما لا تصح، وهو المذهب، سواء كان فسقه من جهة الاعتقاد، أو من جهة الأفعال من حيث الجملة، وعليه أكثر الأصحاب، قال الزركشي: هي المشهورة. اهـ. [الإنصاف: ٢/ ٢٥٢]، وانظر [المغني: ٣/ ١٧]، [كشاف القناع: ١/ ٥٧١].\nواستثنوا من ذلك: صلاة الجمعة والعيد.\n(^٤) إسناده ضعيف جدًّا:\nمدار هذا الحديث علي: على بن زيد عن سعيد بن المسيب عن جابر بن عبد الله، وقد رُوي عنه من عدة طرق كما يلي:\n١ - رواه بقية بن الوليد عن حمزة بن حسان عنه كما عند عبد بن حميد [١١٣٦]، وابن عساكر [تاريخ دمشق: ٦١/ ٣١١]. وهذا الإسناد - كما هو ظاهر - فيه بقية بن الوليد، وهو مدلس، بل يدلس تدليس التسوية، فلم يصرح بالتحديث لا بينه وبين شيخه، ولا حتى لشيخه، أضف إلى ذلك أن شيخه حمزة بن حسان هذا مجهول، ورواية بقية عن=","vol":"1","page":54},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= شيوخه المجهولين لا تقبل كما نص على ذلك الإمام أحمد وابن معين والعجلي وغيرهم.\n٢ - ورواه محمد بن عبد الرحمن بن غزوان عن أبيه عن حماد بن سلمة عنه كما عند ابن حبان [المجروحين - ت: محمد بن عبد الرحمن]، وهذا إسناد واه أيضًا، لأن محمدًا هذا قال عنه ابن خزيمة، وهو الراوي عنه لهذا الحديث: وأنا خائف أنه كذاب اهـ، وقال الدارقطني: كان يضع الحديث. اهـ.\nتنبيه: روى محمد بن عبد الرحمن هذا الحديث من طرق أخرى عند ابن حبان - في ترجمته - لم أذكرها لأن مدارها كلها عليه، وقد تبين حاله.\n٣ - ورواه الوليد بن بكير عن عبد الله بن محمد العدوي عنه، كما عند ابن ماجه [١٠٨١]، والبيهقي [٣/ ١٧١]، والطبراني في الأوسط [١٢٦١]، وعنه أبو نعيم في الحلية [ت. بشر الأمي] إلا أنه أسقط جابرًا.\nوعبد الله بن محمد العدوي هذا: قال فيه البخاري وأبو حاتم: منكر الحديث، وقال وكيع: بضع الحديث.\nبل قال ابن عبد البر - كما في التهذيب -: جماعة أهل العلم بالحديث يقولون: إن هذا الحديث، يعني الذي أخرجه له ابن ماجه - من وضع عبد الله بن محمد العدوي، وهو عندهم موسوم بالكذب اهـ.\nوانظر علل ابن أبي حاتم [س: ١٨٧٨]، حيث أنكر أبو حاتم الحديث.\nكما أن الوليد هذا قد اختلف عليه، فروى عنه مرة بالوجه المذكور آنفًا، ومرة روى عن محمد بن علي عن سعيد بن المسيب عن جابر، كما عند أبي يعلى [١٨٥٦]، لكنه قال فيه: عن الوليد رجل من أهل الخير، وجزم الزيلعي في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في تفسير الكشاف للزمخشرى = أنه ابن بكير، لكن الوليد هذا لا يتحمل مثل هذا الاختلاف، فقد قال عنه أبو حاتم: شيخ، وقال الدارقطني: متروك الحديث، وانظر علل الدارقطني (س: ١٧٢٧)، (س: ٣٢٤٤).\n٤ - ورواه مُهنا بن يحيى، وهو من كبار أصحاب الإمام أحمد قال حدثنا زيد بن أبي الزرقاء - وهو ثقة - عن سفيان الثوري عنه كما عند الخطيب [تاريخ بغداد - ت مهنى بن يحيى].\nوهذا الطريق وإن كان ظاهره الصحة، إلا أن الدارقطني قال فيه: هذا حديث غريب من حديث سفيان الثوري عن علي بن زيد بن جدعان، تفرد به زيد بن أبي الزرقاء عنه، وتفرد به مُهنَّا بن يحيى. اهـ.\nقال الخطيب، وهذا الحديث إنما يحفظ من رواية بقية بن الوليد عن حمزة بن حسان عن علي بن زيد، ولا نحفظه عن الثوري بوجه من الوجوه.","vol":"1","page":55},{"text":"قالوا: وعلى تقدير صحة الحديث فإن المراد بالفاجر الكافر، لقوله تعالى: ﴿وإن الفجار لفي جحيم * يصلونها يوم الدين * وما هم عنها بغائبين﴾ (^١)، والفاجر الذي لا يغيب عن جهنم كافر، لأن الفاجر الذي فيه إيمان يمكن أن يغيب عن جهنم.\n_________\n= وقد اتهم البعض مُهنا بهذا الحديث، فقال ابن عبد البر - كما في اللسان - ت مهنا: لهذا الحديث طرق ليس فيها ما يقوم به حجة: إلا أن مجموعها يدل على بطلان قول من حمل على العدوي - يعني عبد الله بن محمد، أو على مُهنا بن يحيى اهـ. [وانظر لزامًا تتمة كلام الحافظ هناك].\nتنبيه: قال الصنعاني في [سبل السلام: ٢/ ٤١]: وللحديث طريق آخر فيه: عبد الملك بن حبيب وهو متهم بسرقة الحديث، وتخليط الأسانيد. اهـ.\nقلت: ولم أقف على هذا الطريق.\nوانظر التلخيص الحبير (٢/ ٨٥)، وقد جاء الحديث مختصرًا دون ذكر الزيادة المستشهد بها، في مواطن أخر، قد ذكرها الشيخ الألباني ﵀ في الإرواء [٣/ ٥٠ - ٥٤]. فليراجعها من شاء.\nالخلاصة: بعد ذكر هذه الطرق - التي رأيت - فإن جميعها يؤول إلى علي بن زيد بن جدعان، وقد ضعفه أحمد وابن معين والنسائي وغيرهم، فالإسناد ضعيف وإن صح إلى علي هذا.\nثم إن متن هذا الحديث جاء مطولًا، أذكره بتمامه للفائدة والتنبيه على ضعفه، وهو كما في رواية ابن ماجه.\nقال جابر بن عبد الله: «خطبنا رسول الله ﷺ فقال: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ تُوبُوا إِلَى اللَّهِ قَبْلَ أَنْ تَمُوتُوا، وَبَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ قَبْلَ أَنْ تُشْغَلُوا، وَصِلُوا الَّذِي بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ رَبِّكُمْ بِكَثْرَةِ ذِكْرِكُمْ لَهُ، وَكَثْرَةِ الصَّدَقَةِ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ، تُرْزَقُوا وَتُنْصَرُوا وَتُجْبَرُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ قَدْ افْتَرَضَ عَلَيْكُم الْجُمُعَةَ فِي مَقَامِي هَذَا، فِي يَوْمِي هَذَا فِي شَهْرِي هَذَا مِنْ عَامِي، هَذَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَمَنْ تَرَكَهَا فِي حَيَاتِي، أَوْ بَعْدِي، وَلَهُ إِمَامٌ عَادِلٌ أَوْ جَائِرٌ اسْتِخْفَافًا بِهَا، أَوْ جُحُودًا لَهَا فَلَا جَمَعَ اللَّهُ لَهُ شَمْلَهُ، وَلَا بَارَكَ لَهُ فِي أَمْرِهِ، أَلَا وَلَا صَلَاةَ لَهُ، وَلَا زَكَاةَ لَهُ، وَلَا حَجَّ لَهُ، وَلَا صَوْمَ لَهُ، وَلَا بِرَّ لَهُ، حَتَّى يَتُوبَ فَمَنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، أَلَا لَا تَؤُمَّنَّ امْرَأَةٌ رَجُلًا، وَلَا يَؤُمَّ أَعْرَابِيٌّ مُهَاجِرًا، وَلَا يَؤُمَّ فَاجِرٌ مُؤْمِنًا، إِلَّا أَنْ يَقْهَرَهُ بِسُلْطَانٍ يَخَافُ سَيْفَهُ وَسَوْطَهُ».\n(^١) سورة الانفطار (١٤ - ١٦).","vol":"1","page":56},{"text":"فتبين الآن: أن الفاجر يطلق على الكافر، وحينئذ لا يكون في الحديث دليل على عدم صحة إمامة الفاسق، لأنه إن كان ضعيفًا لم يصح الاستدلال به، وإن لم يكن ضعيفًا كان محتملًا لوجهين، وإذا دخله احتمال الوجهين بطل الاستدلال به على تعيين أحدهما إلا بدليل (^١).\nوأما الدليل النظري، فقالوا:\n\n<span data-type='title' id=toc-31>١ - العدالة شرط في الإمامة.</span>\nوأجيب عليهم: بأنه لا دليل على هذا الشرط، بل الأدلة تخالفه.\n٢ - قالوا: نمنع إمامته لما فيه من تكثير البدع بشهرة الإمامة (^٢).\nوأجيب عليهم بأن هذا ليس محل النزاع، إنما النزاع في صحة إمامته لا في تقديمه أو تأخيره.\nوأخيرًا: قال شيخنا - حفظه الله -:\nإمامة الفاسق جائزة مع الكراهة (^٣).\nوالسؤال الذي يُطرح الآن:\nإذا وُجد رجل ظاهره العدالة يحفظ شيئًا من القرآن قل أو كثر، ورجل آخر معروف بفسقه، لكنه أقرأ من الأول، فأيهما يقدم؟!.\nوقبل أن نجيب عن هذا السؤال ينبغي أن نعلم أن الأئمة متفقون على كراهة إمامة الفاسق.\n_________\n(^١) الشرح الممتع (٤/ ١٥٦).\n(^٢) الذخيرة (٢/ ٢٣٨).\n(^٣) كذا كتب لي، ومن خطه نقلت.","vol":"1","page":57},{"text":"يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:\nإن الأئمة متفقون على كراهة الصلاة خلف الفاسق، لكن اختلفوا في صحتها اهـ (^١).\nوقال الشوكاني:\nواعلم أن محل النزاع إنما هو في صحة الجماعة خلف من لا عدالة له، وأما أنها مكروهة فلا خلاف في ذلك. اهـ (^٢).\nوبعد أن تقرر لدينا هذا أدلف إلى الجواب؛ فأقول:\nاختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:\nالقول الأول: تقديم العدل على الفاسق، وإن كان الأخير أفقه وأقرأ.\nوأرباب هذا القول أحد اثنين:\n- إما أنهم يقولون بعدم صحة إمامة الفاسق أصلًا (^٣).\n- وإما أنهم يقولون بصحتها، لكن يختارون تقديم العدل على الفاسق.\nيقول النووي: قال أصحابنا: ويقدم العدل على فاسق أفقه وأقرأ منه (^٤).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢٣/ ٣٥٨).\n(^٢) نيل الأوطار (٢/ ٤٥٧).\n(^٣) وهؤلاء هم أصحاب القول الثاني الذي تقدم في إمامة الفاسق، فراجعه لتعرف من هؤلاء.\n(^٤) المجموع (٤/ ٢٨٧).\nوقال الخطيب الشربيني: والعدل أولى بالإمامة من الفاسق، وإن اختص الفاسق بصفات مرجحة، لأنه لا يوثق به، وقال الشافعي: كفى به فاسقًا. اهـ[مغني المحتاج: ١/ ٣٦٨].","vol":"1","page":58},{"text":"واستدل هؤلاء بالنظر، فقالوا:\nإن الصلاة وراء الفاسق وإن كانت صحيحة، فهي مكروهة، وأما الصلاة وراء العدل وإن كان دونه في القراءة فلا خلاف في صحتها، ولم يقل أحد بكراهة إمامته (^١).\nكما أن تقديمهم للإمامة وصلاة أهل الصلاح والخير خلفهم يحمل الناس على تحسين الظن بهم، فإذا وُجدت فرصة لإبعادهم أبعدوا، وقدم غيرهم من أهل الصلاح (^٢).\nالقول الثاني: وهو تقديم الفاسق على العدل إن كان هو الأقرأ والأفقه.\nقال ابن حزم: وتجوز إمامة الفاسق ونكرهه، إلا أن يكون هو الأقرأ والأفقه، فهو أولى حينئذ من الأفضل إذا كان أنقص منه في القراءة أو الفقه، ولا أحد بعد رسول الله ﷺ إلا وله ذنوب (^٣).\nواستدل هؤلاء بعموم قوله ﵊: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ» (^٤).\nوفي سؤال وُجه للّجنة الدائمة للفتاوى كان نصه:\nرجل يحفظ القرآن ولكن ليس له لحية، وآخر يحفظ منه قليلًا وله لحية، أيهما يقدم إمامًا في الصلاة؟ (^٥).\n_________\n(^١) المجموع (٤/ ٢٨٧).\n(^٢) حاشية الشرواني على تحفة المحتاج (٢/ ٢٩٤).\n(^٣) المحلى (٤/ ٢١٢).\n(^٤) صحيح: وقد تقدم.\n(^٥) فتاوى اللجنة الدائمة [٧/ ٣٧٥ - ط دار المؤيد]، السؤال الثاني عشر من الفتوى\nرقم (٦٣٩١).","vol":"1","page":59},{"text":"فأجابت اللجنة:\nيقدم للإمامة في الصلاة من كان له لحية مع حفظه القليل من القرآن على من يحلق لحيته مع حفظ القرآن؛ لأن الأول غير آثم بقلة حفظه، والثاني آثم بحلق لحيته.\nالرئيس نائب الرئيس\nعبد العزيز بن باز عبد الرزاق عفيفي\nوأخيرًا: قال شيخنا - حفظه الله -:\nعند المفاضلة بين فاسق حافظ للكتاب، وبين عدل قليل الحفظ يلزم النظر في الأمرين:\n- درجة الفسق.\n- ودرجة قلة الحفظ، وهل يصاحبها عدم إتقان للقراءة أم لا؟\nوالله أعلم (^١).\n_________\n(^١) كذا كتب شيخنا، ومن خطه نقلت.","vol":"1","page":60},{"text":"<span data-type='title' id=toc-33>٥ - إمامة الصبي</span>\nالمقصود بالصبي هنا: الغلام الذي لم يبلغ، مع كونه يعقل الصلاة، ويقرأ (^١).\nوالسؤال الذي نجيب عليه في هذا الباب - إن شاء الله - هو: هل تصح إمامة الصبي للبالغين؟ أم لا؟.\nفأقول - مستعينًا بالله -:\nاختلف أهل العلم في إمامة الصبي على ثلاثة أقوال، وهي:\n\n<span data-type='title' id=toc-34>القول الأول: تصح إمامته مطلقًا.</span>\nوهذا مذهب الشافعية (^٢)، واختاره أبو مصعب من المالكية (^٣)، ورواية عند الحنابلة (^٤).\n_________\n(^١) الأم (٢/ ٣٢٦).\n(^٢) قال الشيرازي: إذا بلغ الصبي حدًّا يعقل وهو من أهل الصلاة صحت إمامته، وفي الجمعة قولان: قال في الأم - أي الشافعي -: لا تجوز إمامته؛ لأن صلاته نافلة، وقال في الإملاء - هو الشافعي -: تجوز. اهـ.\nقال النووي - شارحًا -: كل صبي صحت صلاته صحت إمامته في غير الجمعة بلا خلاف عندنا، وفي الجمعة قولان، أصحهما: الصحة، هكذا صححه المحققون اهـ. [المجموع مع المهذب ٤/ ٢٤٨]. لكن ينبغي أن نعلم أنه وإن كان الصبي تصح إمامته عند الشافعية إلا أن الشافعي يقول: والاختيار أن لا يؤم إلا بالغ. اهـ. وقال الخطيب الشربيني: ولكن البالغ أولى من الصبي، وإن كان الصبي أقرأ أو أفقه، للإجماع على صحة الاقتداء به، بخلاف الصبي، وقد نص في البويطي على كراهة الاقتداء بالصبي اهـ. [مغني المحتاج: ١/ ٣٦٦].\n(^٣) الذخيرة (٢/ ٢٤٢).\n(^٤) الإنصاف (٢/ ٢٦٦)، الكشاف [١/ ٤٢٩]، [مغني المحتاج: ١/ ٣٦٦].","vol":"1","page":61},{"text":"واستدل هؤلاء بالأثر والنظر:\nأما الأثر، فهو:\n\n<span data-type='title' id=toc-35>١ - حديث عمرو بن سلمة الجرمي:</span>\nعَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سَلِمَةَ قَالَ: قَالَ لِي أَبُو قِلَابَةَ (^١): أَلَا تَلْقَاهُ، فَتَسْأَلَهُ قَالَ: فَلَقِيتُهُ، فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: كُنَّا بِمَاءٍ مَمَرَّ النَّاسِ وَكَانَ يَمُرُّ بِنَا الرُّكْبَانُ، فَنَسْأَلُهُمْ مَا لِلنَّاسِ؟ مَا لِلنَّاسِ؟ مَا هَذَا الرَّجُلُ؟ فَيَقُولُونَ: يَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ أَوْحَى إِلَيْهِ، أَوْ أَوْحَى اللَّهُ بِكَذَا فَكُنْتُ، أَحْفَظُ ذَلِكَ الْكَلَامَ، وَكَأَنَّمَا يُقَرُّ فِي صَدْرِي وَكَانَت الْعَرَبُ تَلَوَّمُ بِإِسْلَامِهِم الْفَتْحَ، فَيَقُولُونَ اتْرُكُوهُ، وَقَوْمَهُ، فَإِنَّهُ إِنْ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ، فَهُوَ نَبِيٌّ صَادِقٌ، فَلَمَّا كَانَتْ وَقْعَةُ أَهْلِ الْفَتْحِ بَادَرَ كُلُّ قَوْمٍ بِإِسْلَامِهِمْ، وَبَدَرَ أَبِي قَوْمِي بِإِسْلَامِهِمْ، فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ: جِئْتُكُمْ وَاللَّهِ مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ ﷺ حَقًّا فَقَالَ: «صَلُّوا صَلَاةَ كَذَا فِي حِينِ كَذَا، وَصَلُّوا صَلَاةَ كَذَا فِي حِينِ كَذَا، فَإِذَا حَضَرَت الصَّلَاةُ، فَلْيُؤَذِّنْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا»، فَنَظَرُوا، فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَكْثَرَ قُرْآنًا مِنِّي لِمَا كُنْتُ أَتَلَقَّى مِنْ الرُّكْبَانِ، فَقَدَّمُونِي بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، وَأَنَا ابْنُ سِتٍّ، أَوْ سَبْعِ سِنِينَ، وَكَانَتْ عَلَيَّ بُرْدَةٌ كُنْتُ إِذَا سَجَدْتُ تَقَلَّصَتْ عَنِّي، فَقَالَتْ امْرَأَةٌ مِنْ الْحَيِّ: أَلَا تُغَطُّوا عَنَّا اسْتَ قَارِئِكُمْ، فَاشْتَزَوْا فَقَطَعُوا لِي قَمِيصًا، فَمَا فَرِحْتُ بِشَيْءٍ فَرَحِي بِذَلِكَ الْقَمِيصِ (^٢).\nوجه الدلالة: أن والد عمرو وقومه قدموا عمرًا للإمامة وهو صغير،\n_________\n(^١) قال الحافظ: هو مقول أيوب اهـ.\nوأيوب هو ابن أبي تميمة السختياني، وأبو قلابة: هو عبد الله بن زيد الجرمي.\n(^٢) صحيح: وقد تقدم.","vol":"1","page":62},{"text":"وكان ذلك في عهد النبي ﷺ، ولم ينه عن ذلك، ولم ينزل قرآن أو وحي في النهي، فدل التقرير على جواز إمامة الصبي.\n\n<span data-type='title' id=toc-36>٢ - قوله ﵊: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ»</span> (^١).\nوجه الدلالة: أنه ﵊ لم يذكر بالغًا ولا غير بالغ، والأخبار على العموم، لا يجوز الاستثناء فيها إلا بحديث رسول الله ﷺ، أو إجماع (^٢).\nوأما النظر، فقالوا:\nإن أذانه جائز للرجال، فجاز أن يؤمهم كالبالغ (^٣).\nوالأصل في هذا: أن من صحت صلاته لنفسه صحت لغيره.\n\n<span data-type='title' id=toc-37>القول الثاني: لا تصح إمامته مطلقًا.</span>\nوهو الصحيح من المذهب عند الحنفية (^٤)، ورواية عن مالك (^٥) وهو اختيار ابن حزم (^٦).\n_________\n(^١) صحيح: وقد تقدم.\n(^٢) الأوسط لابن المنذر [٤/ ١٥٢].\n(^٣) المغنى [٣/ ٧٠].\n(^٤) قال السرخسي: ولو قدم الإمام المحدث صبيًّا فسدت صلاتهم وصلاته، فالصبى لا يصلح خليفة للإمام في الفرض، كما لا يصلح للإمامة في هذه الصلاة أصلًا بنفسه.\nوأما الاقتداء بالصبى في التطوع: فالأصح عندنا أنه لا يجوز اهـ. [المبسوط - بتصرف يسير: ١/ ١٨٠]. وانظر [البدائع: ١/ ١٥٧]، و[فتح القدير لابن الهمام: ١/ ٣٥٨].\n(^٥) قال مالك: لا يؤم الصبي في النافلة، لا الرجل، ولا النساء. [المدونة: ١/ ٨٤].\n(^٦) قال ابن حزم: ولا تجوز إمامة من لم يبلغ الحلم، لا في فريضة، ولا نافلة، ولا أذانه. اهـ. [المحلى: مسألة ٤٩٠].","vol":"1","page":63},{"text":"واحتج هؤلاء بما يلي:\n\n<span data-type='title' id=toc-38>١ - قوله ﵊: «وَإِذَا حَضَرَت الصَّلَاةُ، فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، ثُمَّ لِيَؤُمَّكُمْ أَكثركُم قُرآَنًا»</span> (^١).\nوجه الدلالة:\nقالوا: فكان المؤذن مأمورًا بالأذان، والإمام مأمورًا بالإمامة بنص هذا الخبر، ولما كان القلم قد رفع عن الصغير حتى يحتلم، فهو غير مأمور ولا مكلف، فإذا هو كذلك: فليس هو المأمور بالأذان ولا بالإمامة، وإذ ليس مأمورًا بهما فلا يجزئان إلا من مأمور بهما، لا ممن لم يؤمر بهما، ومن ائتم بمن لم يؤمر أن يأتم به - وهو عالم بحاله - فصلاته باطلة (^٢).\nوأُجيب على هذا: بأن الحديث حجة عليكم لا لكم؛ لأن الأمر على عمومه يشمل الجميع.\nوقولكم: إن الصبي مرفوع عنه القلم: المراد منه رفع التكليف والإيجاب، لا نفي صحة الصلاة، والدليل على ذلك حديث ابن عباس: أنه صلى مع النبي ﷺ (^٣).\nوحديث أنس: أنه صلى هو واليتيم خلف النبي ﷺ (^٤).\nوحديث عمرو بن سلمة (^٥)، وغيرها (^٦).\n_________\n(^١) صحيح: وقد تقدم.\n(^٢) المحلى (٤/ ٢١٧).\n(^٣) صحيح: وقد تقدم.\n(^٤) متفق عليه: البخاري (٣٨٠)، مسلم (٦٨٥).\n(^٥) صحيح: وقد تقدم.\n(^٦) المجموع [٤/ ٢٤٣].","vol":"1","page":64},{"text":"<span data-type='title' id=toc-39>٢ - قول ابن عباس ﵁: «لا يؤم الغلام حتى يحتلم»</span> (^١).\nوجه الدلالة:\nأن ابن عباس - وهو من أوعية العلم -، نهي عن إمامة الصبي مطلقًا، فرضًا ونفلًا، ولو كان جائزًا في شيء لدل عليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-40>٣ - قول ابن مسعود ﵁: «لا يصلي خلف الغلام حتى تجب عليه الحدود»</span> (^٢)\nوجه الدلالة:\nأن ابن مسعود نهى عن الصلاة خلف الصبي حتى يبلغ، لأن الحدود لا تجب إلا بالبلوغ: فدل ذلك على عدم صحة إمامته.\nوقد أجيب على هذين الأثرين: بأن كليهما ضعيف.\nثم إن صح هذا فمعارض بالمروى عن عائشة ﵂ من صحة إمامة الصبيان (^٣).\n_________\n(^١) ضعيف الإسناد: أخرجه عبد الرزاق في مصنفه [١/ ٤٨٧]، والبيهقي في [٣/ ٢٢٥]، كلاهما من طريق إبراهيم بن محمد الأسلمي عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس، وهذا السند ضعيف من وجهين.\nالأول: أن إبراهيم هذا المذكور كذبه ابن معين ويحيى بن سعيد، وقال الحافظ: متروك.\nالثاني: أن داود بن الحصين، وإن كان ثقة إلا أن روايته عن عكرمة خاصة ضعفت، قال ابن المديني: ما روى عن عكرمة فمنكر الحديث، وقال أبو داود: أحاديثه عن عكرمة مناكير.\nوقد ضعف الحافظ هذا الإسناد في الفتح [٢/ ٢١٧]، وقال ابن رجب في شرح صحيح البخاري [٤/ ١٧١]: إسناده فيه مقال.\n(^٢) هذا الأثر لم أقف عليه مسندًا، لكن وقفت على تخريج ابن رجب له وحكمه عليه، حيث قال في فتح الباري [٤/ ١٧١]: أخرجه الأثرم بإسناد منقطع اهـ.\nوالمنقطع ضعيف كما هو معلوم.\n(^٣) يشير إلى ما جاء عن عائشة ﵂ أنها قالت: كنا نأخذ الصبيان من الكتاب ليقوموا بنا","vol":"1","page":65},{"text":"وإذا اختلف الصحابة لم يحتج ببعضهم (^١)\n٣ - قالوا: الصبى غير مكلف، فيشبه المجنون.\nوأجيب عليهم: بأنه يخالف المجنون، فالمجنون لا تصح طهارته. ولا يعقل الصلاة (^٢).\n٤ - قالوا: القياس يمنع إمامة الصبي، إذ أن صلاة الصبي نفل، وصلاة البالغ فرض، والفرض أعلى رتبة من النفل،\n_________\n=\nفي شهر رمضان، فنعمل لهم القلية، [وهي مرقة تتخذ من لحم الجزور وأكبادها]، والخشكنانج - معرب من خُشك نَانَك، وهو خبز يعمل من دقيق البر، ويعجن بزيت السمسم، كما في محيط أعظم. [إسناده ضعيف].\nأخرجه البيهقي (٢/ ٤٩٥)، وابن المنذر في الأوسط [٤/ ١٥٢]، كلاهما من طريق الحكم بن أبان عن عكرمة عن عائشة.\nوعكرمة مولى ابن عباس، وإن كان ابن المديني قال عنه: لا أعلمه سمع من أحد من أزواج النبي ﷺ كما في جامع التحصيل. اهـ. وقال أبو حاتم: لم يسمع من سعد بن أبي وقاص ولا من عائشة = فإن البخاري أثبت له السماع: كما في تاريخه الكبير - بل أخرج له عن عائشة في صحيحه، كما في «تهذيب الكمال»، وأضف إلى ذلك أن أبا حاتم نفسه أثبت له السماع، كما في «الجرح والتعديل» لابنه، وابن المديني قال: سمع من عائشة [كما في سير أعلام النبلاء، ت عكرمة]. فثبت بهذا سماعه عن عائشة، ولله الحمد والمنة.\nلكن بقي النظر في صحة الإسناد إلى الحكم بن أبان الراوي عن عكرمة وهو صدوق عابد له أوهام، كما قال الحافظ، فأقول أما عند البيهقي: فالراوي عنه حفص بن عمر العدني، ذكر ابن عدي في «الكامل»، في ترجمته هذا الحديث مع أحاديث أخر ثم قال: وهذه الأحاديث عن الحكم بن أبان يرويها عنه حفص بن عمر العدني والحكم بن أبان، وإن كان فيه لين فإن حفصًا هذا ألين منه بكثير، والبلاء من حفص لا من الحكم. اهـ.\nقلت: ولكن حفصًا قد توبع من إبراهيم بن الحكم بن أبان - وهو ضعيف -، وعبد السلام العرني - كما عند ابن المنذر، إلا أن الإسناد فيه من أبهم، حيث قال ابن المنذر: حدثونا عن إسحاق بن راهويه، ولم يسم أحدًا، وعلى ما سبق ذكره: فالإسناد إلى عائشة ضعيف، والله أعلم.\n(^١) المجموع (٤/ ٢٥٠).\n(^٢) المجموع (٤/ ٢٥٠).","vol":"1","page":66},{"text":"فإذا كان أعلى رتبة فكيف يكون صاحبه تابعا من هو أدنى منه رتبة؟!!.\nوأجيب عليهم: بأنه لا قياس في مقابلة النص؛ لأن القياس رأي يخطئ ويصيب، ولا يجوز القول في الدين بالرأى، فإذا كان لدينا حديث صحيح عند البخاري فإن الرأي أمامه ليس بشيء (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-41>شبهات القائلين بعدم جواز إمامة الصبي حول حديث عمرو بن سلمة:</span>\n١ - قالوا: لو علمنا أن رسول الله ﷺ: عرف هذا - يعني أمر عمرو بن سلمة - وأقره لقلنا به (^٢).\nوأجيب عليهم: بأنه إما أن نقول أنه ﷺ علم، أو أنه لم يعلم.\nفإن كان قد علم: فالاستدلال بهذه السنة واضح.\nوإن لم يعلم فإننا نقول: إن الله قد علم، وإقرار الله ﷿ للشيء في زمن نزول الوحي دليل على جوازه، وأنه ليس بمنكر، لأنه لو كان منكرًا لأنكره الله وإن كان الرسول ﷺ لم يعلم به، ودليل ذلك:\nأ - قوله تعالى: ﴿يستخون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطا﴾.\nفأنكر الله عليهم تبييتهم للقول مع أن الناس لا يعلمون به.\nب - الصحابة - رضوان الله عليهم - استدلوا على جواز العزل بأنهم كانوا يعزلون والقرآن ينزل (^٣) (^٤).\n_________\n(^١) الشرح الممتع [٤/ ١٦٢].\n(^٢) المغني [٣/ ٧٠]، المحلى [٤/ ٢١٧].\n(^٣) حديث جابر بن عبد الله ﵁، «كنا نعزل والقرآن ينزل» متفق عليه، أخرجه البخاري (٥٢٠٧)، ومسلم (١٤٤٠).\n(^٤) الشرح الممتع [٤/ ١٦١]، وفتح الباري (٢/ ٢١٧).","vol":"1","page":67},{"text":"وقد نُبه النبي ﷺ بالوحي على القذر الذي كان في نعله، فلو كان إمامة الصبي لا تصح لنزل الوحي بذلك (^١).\n٢ - قالوا: يحتمل أنه أي: عمرو بن سلمة - كان يؤمهم في النافلة دون الفريضة.\nوأجيب عليهم: بما قاله الحافظ، وهو:\nوسياق رواية المصنف - أي البخاري - تدل على أنه كان يؤمهم في الفرائض، لقوله ﷺ فيه: «صلوا صلاة كذا في حين كذا، وصلاة كذا في حين كذا، وإذا حضرت الصلاة …».\nوفي رواية لأبي داود (^٢): قال عمرو: «فما شهدت مشهدًا في جرم [هي قبيلته] إلا كنت إمامهم، وهذا يعم الفرائض والنوافل (^٣). اهـ.\n٣ - قالوا: يقدح في هذا الحديث قوله: أي عمرو «فكنت أؤمهم في بُردة موصولة فيها فتق، فكنت إذا سجدت خرجت استي». وهذا غير جائز في الصلاة (^٤).\nوأجيب عليهم (^٥): بأنه قد ثبت أن الرجال كانوا يصلون عاقدي أزرهم، ويقال للنساء لا ترفعن رؤوسكن حتى يستوى الرجال جلوسًا (^٦)، وزاد أبو داود: من ضيق الأزر (^٧).\n_________\n(^١) سبل السلام [٢/ ٤٠].\n(^٢) أبو داود [٥٨٧].\n(^٣) فتح الباري [٢/ ٢١٧].\n(^٤) المغني [٣/ ٧٠]، الجوهر النقي لابن التركماني [٣/ ٩١].\n(^٥) نيل الأوطار [٢/ ٢٥٧].\n(^٦) البخاري (٣٦٢)، ومسلم (٤٤١)، عن سهل بن سعد ﵁.\n(^٧) أبو داود [٦٣٠].","vol":"1","page":68},{"text":"القول الثالث: تصح إمامته في النفل دون الفرض.\nوهو رواية عن بعض الحنفية (^١) والرواية الثانية عن مالك (^٢)، وبه قال بعض المالكية (^٣)، وهو الصحيح من مذهب الحنابلة (^٤)\nواستدل هؤلاء بالنظر، فقالوا:\nإن الصبي متنفل، وهم متنفلون، كما أن النافلة يدخلها التخفيف، ولذلك تنعقد الجماعة به فيها إذا كان مأمومًا (^٥).\nوأجيب عليهم: بأن هذا دليل عليكم، فإن ما جاز في صلاة النفل جاز في صلاة الفرض، إلا ما استثناه الدليل، ولا دليل على الاستثناء المذكور (^٦).\nوأخيرًا قال شيخنا - حفظه الله -:\nقد دل الدليل على جواز إمامة الصبي، ألا وهو «حديث عمرو بن\n_________\n(^١) قال السرخسي: وأما الاقتداء بالصبي في التطوع فقد جوزه محمد بن مقاتل الرازي للحاجة إليه اهـ[المبسوط: ١/ ٣٨]، وقال ابن نجيم: ومشايخ بلخ جوزوا اقتداء البالغ بالصبي في غير الفرض قياسًا على المظنون. اهـ. [البحر الرائق: ١/ ٣٨١].\n(^٢) قال العبدري: قال مالك وأبو حنيفة: تصح إمامة الصبي في النفل دون الفرض اهـ[المجموع: ٤/ ٢٤٩].\n(^٣) قال الحطاب المالكي - بعد أن ذكر الرواية عن مالك في جواز إمامة الصبي في النافلة: هو ظاهر سماع أشهب، واستمر عليه العمل عندنا بأفريقية. اهـ. [مواهب الجليل: ٢/ ٩٩].\n(^٤) قال البهوتي: وتصح إمامة صبي لبالغ (في نفل)، كتراويح ووتر وصلاة كسوف واستسقاء [شرح منتهى الإرادات: ١/ ٥٦٧]. وانظر المغني [٣/ ٧١]، الإنصاف: [٢/ ٢٦٦].\n(^٥) المغني [٣/ ٧١]، شرح منتهى الإرادات [١/ ٥٦٧].\n(^٦) قال ابن حزم في الرد على من قال بهذا القول: هذا كلام لا وجه له أصلًا لأنه دعوى بلا برهان: اهـ. [المحلى: ٤/ ٢١٨].","vol":"1","page":69},{"text":"سلمة»، ولكن ينبغي أيضًا النظر في حال الصبي، وحال المأمومين، فهذا له اعتبار، فليس كل صبي، وليس كل مأموم، والله أعلم (^١).\n_________\n(^١) كذا كتب شيخنا، ومن خطه نقلت.","vol":"1","page":70},{"text":"<span data-type='title' id=toc-42>٦ - إمامة القاعد (الجالس)</span>\nالسؤال الذي نجيب عليه في هذا الباب - إن شاء الله - هو: هل تصح إمامة الرجل القاعد - لمرض أصابه - القادرين على القيام؟ وإذا صحت إمامته: فماذا يصنع المأمومون خلفه؟ أيصلون قعودًا؟ أم قيامًا؟!.\n\n<span data-type='title' id=toc-43>أولًا: هل تصح إمامة القاعد؟</span>\nوقبل الخوض في لُجّة هذا البحث وذكر ما حدث بين أهل العلم من خلاف حول هذه المسألة؛ أقول:\nإن أهل العلم (^١) قد استحبوا للإمام القاعد أن لا يتقدم، وأن يستخلف غيره، ولا مانع من أن أذكر هنا شيئًا من أقوالهم.\nقال النووي: قال الشافعي والأصحاب: يستحب للإمام إذا لم يستطع القيام استخلاف من يصلي بالجماعة قائمًا كما استخلف النبي ﷺ، لأن فيه خروجًا من خلاف من منع الاقتداء بالقاعد، لأن القائم أكمل، وأقرب إلى إكمال هيئات الصلاة (^٢). اهـ.\nقال ابن قدامة: المستحب للإمام إذا مرض وعجز عن القيام أن يستخلف؛ لأن الناس اختلفوا في صحة إمامته، فيخرج من الخلاف، ولأن صلاة القائم أكمل.\nفإن قيل: قد صلى النبي ﷺ قاعدًا بأصحابه ولم يستخلف؟!\nقلنا: صلى قاعدًا ليبين الجواز، واستخلف مرة أخرى.\n_________\n(^١) أعني من قال منهم بجواز إمامة القاعد.\n(^٢) المجموع [٤/ ١٦١].","vol":"1","page":71},{"text":"ولأن صلاة النبي ﷺ قاعدًا أفضل من صلاة غيره قائمًا. اهـ (^١).\nقال ابن عبد البر: وأجمع العلماء - مع اختلاف مذاهبهم في هذا الباب - على استحباب الاستخلاف للمريض من الأئمة من يصلي بالناس كما فعل رسول ﷺ حين مرض (^٢). اهـ.\nوبعد هذا التمهيد: ندلف سويًّا إلى أقوال العلماء - بشيء من التفصيل - في هذه المسألة فأقول:\nاختلف أهل العلم في صحة إمامة القاعد للقادرين على القيام على ثلاثة أقوال:\n\n١ -<span data-type='title' id=toc-44> القول الأول: تصح إمامته مطلقًا.</span>\nوهو مذهب الحنفية (^٣)، والشافعية (^٤)، ورواية عن مالك (^٥)، واختيار ابن حزم (^٦)، وكذا شيخ الإسلام ابن تيمية (^٧).\n_________\n(^١) المغني (٣/ ٦٠).\n(^٢) التمهيد [٤/ ٢٧٣].\n(^٣) قال السرخسى: وأما إذا كان الإمام قاعدًا والمقتدي قائمًا فيصح عند أبي حنيفة وأبي يوسف، استحسانًا. اهـ.\n[المبسوط: ١/ ٢١٣]، وانظر [فتح القدير: ١/ ٣٦٨].\n(^٤) قال الشيرازي: ويجوز للقائم أن يصلي خلف القاعد اهـ[المهذب مع المجموع: ٤/ ١٦١]، وانظر [الأم: ٢/ ٣٤٠].، [مغني المحتاج: ١/ ٣٦٦].\n(^٥) انظر [المحلى: ٣/ ٥٩]، [المغني: ٣/ ٦١]، [المجموع: ٤/ ٢٦٥]، [فتح الباري لابن رجب: ٤/ ١٥١].\n(^٦) قال ابن حزم: وقال أبو سليمان وأصحابنا: يؤم المريض قاعدًا الأصحاء. اهـ. [المحلى: ٣/ ٥٩].\n(^٧) الإنصاف [٢/ ٢٦٠].","vol":"1","page":72},{"text":"واستدل هؤلاء بما يلي:\n١ - قوله ﵊: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله» (^١).\nوجه الدلالة:\nعموم لفظ هذا الحديث يشمل القائم والقاعد ومن استثنى فعليه أن يأتي بدليل على الاستثناء.\n٢ - عن أنس ﵁ قال: «سَقَطَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ فَرَسٍ، فَجُحِشَ شِقُّهُ الْأَيْمَنُ، فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ نَعُودُهُ فَحَضَرَتْ الصَّلَاةُ، فَصَلَّى بِنَا قَاعِدًا، فَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ قُعُودًا، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ قَالَ: «إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، وَإِذَا صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا أَجْمَعُونَ» (^٢).\nوجه الدلالة:\nصلاته ﷺ إمامًا قاعدًا دلت على جواز إمامة القاعد، وأُكد ذلك بقوله ﵊، «وإذا صلى قاعدًا». فدل على أن الأمر ليس خاصًّا به ﷺ بل عام يشمل الجميع.\n٣ - ما جاء عن عائشة ﵂ وهي تصف مرض رسول الله ﷺ الأخير، وفي حديثها أنها قالت: «… ثم إن النبي ﷺ وجد من نفسه خفة، فخرج بين رجلين أحدهما العباس لصلاة الظهر، وأبو بكر يصلي بالناس، فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر، فأومأ إليه النبي ﷺ، بأن لا يتأخر\n_________\n(^١) صحيح: وقد تقدم.\n(^٢) متفق عليه: أخرجه البخاري (٦٨٩)، ومسلم (٤١١).","vol":"1","page":73},{"text":"قال: أجلساني إلى جنبه، فأجلساه إلى جنب أبي بكر، قال: فجعل أبو بكر يصلي وهو يأتم بصلاة النبي ﷺ، والناس بصلاة أبي بكر، والنبي ﷺ قاعد …» (^١).\nوجه الدلالة:\nقالوا: هذا فعله الأخير ﷺ قبل وفاته، وهو أنه صلى إمامًا قاعدًا، فدل هذا على صحة إمامة القاعد.\nوقد اعتُرِض على الاستدلال بهذا الحديث، ووجه الاعتراض أنه قد جاءت روايات أخرى فيها أن أبا بكر هو الإمام، والنبي ﷺ كان مأمومًا (^٢).\n_________\n(^١) متفق عليه: أخرجه البخاري (٦٨٧)، ومسلم (٤١٨).\n(^٢) جاء عن أنس بن مالك ﵁ أنه قال: «صلى رسول الله ﷺ في مرضه خلف أبي بكر قاعدًا في ثوب متوشحًا له».\nوفي لفظ «آخر صلاة صلاها رسول الله ﷺ مع القوم في ثوب واحد متوشحًا به، خلف أبي بكر».\nوالحديث مداره على حميد بن أبي حميد الطويل، واختلف عليه في إسناده، فرواه تارة عن ثابت عن أنس.\nرواه عنه محمد بن طلحة (كما عند الترمذي: ٣٦٣)، وسليمان بن بلال (كما عند ابن حبان في صحيحه: ٢١٢٥)، و(الضياء في المختارة: ١٧٠٦، ١٧٠٧)، ويحيى بن أيوب (كما عند الطحاوي في معاني الآثار: ١/ ٤٠٦].\nورواه تارة عن أنس مباشرة بإسقاط ثابت، وعلى هذا الوجه رواه عنه.\nسفيان الثوري كما عند أحمد (١٣٢٦٠)، وإسماعيل بن جعفر (كما عند النسائي في «المجتبى» (٧٨٥)، وأحمد (١٢٦١٧)، وعبد الله بن عمر كما في مصنف عبد الرزاق (١/ ٣٥٠)، والمعتمر بن سليمان (كما عند أبي يعلى: ٣٧٥١)، وعبد الوهاب الثقفي (كما عند أحمد: ١٣٤٤٤)، وعلى بن عاصم (كما عند أحمد: ١٣٥٥٦).\nومحمد بن جعفر بن أبي كثير (كما عند البيهقي في الدلائل ٧/ ١٩٢).\nوعنده التصريح عن حميد بالسماع من أنس بن مالك.","vol":"1","page":74},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وقد اختلف العلماء في ترجيح إحدى الروايتين على الأخرى، فذهبت طائفة إلى ترجيح الرواية الأولى التي فيها إثبات ثابت، ومن هؤلاء:\n١ - أبو حاتم الرازي (كما في العلل: ٣٣٣)، قال ابن أبي حاتم: قلت لأبي: أيهما أصح؟! قال: يحيى - أي: ابن أيوب - قد زاد رجلًا، ولم يقل أحد عن حميد: سمعت أنسًا ولا حدثني، وهذا أشبه، قد زاد رجلًا اهـ.\nقلت (القائل أحمد): وهذا تضعيف من أبي حاتم لرواية محمد بن جعفر التي فيها التصريح عن حميد بالسماع، أو قد يقول قائل: إن أبا حاتم لم يستحضرها، وهذا الأخير بعيد على مثل أبي حاتم، والاحتمال الأول - وهو الوهم في تلك الرواية - أولى، والله أعلم.\n٢ - الإمام الترمذي، حيث قال بعد ذكر الحديث:\nهذا حديث حسن صحيح، وقد رواه غير واحد عن أنس، ولم يذكروا فيه عن ثابت، ومن ذكر فيه عن ثابت فهو أصح. اهـ.\nوقد أخرج هذه الرواية ابن حبان في صحيحه، وعزف عن الأخرى، وصحح هذا الإسناد الضياء بإيراده له في المختارة، كما تقدم.\nبينما ذهبت طائفة أخرى إلى ترجيح الرواية الثانية، والتي فيها إسقاط ثابت، ومن هؤلاء:\n١) أبو زرعة الرازي (كما في العلل: ٢٢٦).\nقال ابن أبي حاتم: فقلت: يحيى بن أيوب يقول فيه ثابت، قال أي أبو زرعة: يحيى ليس بذاك الحافظ، والثوري أحفظ. اهـ.\nوهذه الرواية هي التي أخرجها النسائي في المجتبى، وأعرض عن الأخرى، وقال ابن كثير في البداية [٥/ ٣٤٠ - ط دار ابن رجب]، بعد أن ذكر رواية البيهقي: إسناده جيد على شرط الصحيح ولم يخرجوه. اهـ.\nبينما ذهب الحافظ ابن حجر إلى تصحيح الطريقين معًا، فقال: [كما في النكت الظراف: ١/ ١٣٣]: يحتمل أن يكون حميد سمعه من أنس، وكان استثبت فيه ثابتًا اهـ.\nوالخلاصة في هذا:\nأن الحديث على أي وجه كان من الوجهين فهو صحيح - إن شاء الله، قد صححه الترمذي وابن حبان والعقيلي وغير واحد [كما ذكر ابن رجب في فتح الباري: ٤/ ٢٣٨]، بل لم أقف على أحد ضعفه، وقد صححه الشيخ الألباني ﵀ من طريق الترمذي، وقال: وهو على شرط الشيخين اهـ[أصل صفة صلاة النبي ﷺ ١/ ٨٣ - ٨٤].\nوللحديث شاهد عن عائشة ﵂ لابد من ذكره أيضًا والتعليق عليه، وفيه أنها ﵂ قالت: «صلى النبي ﷺ خلف أبي بكر في مرضه الذي مات فيه».","vol":"1","page":75},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وقد روي هذا الحديث من طريق أبي وائل عن مسروق عن عائشة.\nواختلف على أبي وائل في متنه:\n١ - فرواه عنه نعيم بن أبي هند، واختلف عليه فيه:\nأ- فرواه عنه شعبة بن الحجاج، واختلف على شعبة:\nفرواه عنه شبابة بن سوار [كما عند الترمذي: ٣٦٢، وقال: حسن صحيح غريب، وابن حبان: ٢١١٩، وأحمد: ٢٥٢٥٧، وابن أبي شيبة: ٧١٦٨]، باللفظ المذكور آنفًا.\nتنبيه: جاءت رواية شبابة هذه من طريق أبي أمية الطرسوسي عند البيهقي في سننه (٣/ ٨٣)، بلفظ: أن أبا بكر صلى بالناس، والنبي ﷺ في الصف.\nورواه بكر بن عيسى عن شعبة [كما عند ابن خزيمة ١٦٢٠، وأحمد: ٢٥٢٥٦، والنسائي في المجتبى: ٧٨٦]، بلفظ أبي أمية الطرسوسي السابق ذكره.\nقال ابن رجب [فتح الباري له: ٤/ ٢٣٩]. وقد رجح الإمام أحمد رواية بكر بن عيسى على رواية شبابة، وذكر أنها مخالفة لها.\nقال ابن رجب: وقد يقال: ليست مخالفة لها، فإن المراد بالصف صف المأمومين، فهما إذن بمعنى واحد. اهـ.\n- ورواه عنه - أي: عن نعيم - سليمان بن طرخان، وعنه ابنه المعتمر، وعنه عبيد الله بن معاذ.\n- ولفظه «وجيء بالنبي ﷺ فوضع بحذاء أبي بكر، أو قالت في الصف».\n- لكن عبيد الله بن معاذ اختلف عليه:\n- فرواه عنه الحسن بن سفيان (كما عند ابن حبان ٢١٢٤). وفيه: عن أبي وائل أحسبه عن مسروق عن عائشة.\n- ورواه عنه يعقوب بن سفيان [كما في المعرفة: ١/ ٤٤٧ - ٤٤٨]، ومن طريقه البيهقي [٣/ ٨٢ - ٨٣]، وفيه: عن أبي وائل عن عائشة، بإسقاط مسروق، وهذا منقطع.\n- قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: أبو وائل سمع من عائشة؟ قال: لا أدري، ربما أدخل بينه وبينها مسروقًا. اهـ.\n-[المراسيل لابن أبي حاتم: ص ٨٨، جامع التحصيل: ١/ ١٩٧].\nورواه عنه - أي عن أبي وائل - عاصم بن بهدلة [كما عند ابن حبان: ٢١١٨، وابن أبي شيبة: ٧١٦٧، ويعقوب بن سفيان في المعرفة: ١/ ٤٥٣]، لكن بلفظ: فكان رسول الله ﷺ يصلي وهو جالس، وأبو بكر يصلي بصلاة رسول الله، والناس يصلون بصلاة أبي بكر.\nقال ابن رجب [فتح الباري له: ٤/ ٢٣٩]، بعد أن ذكر تلك الرواية: وعاصم ليس","vol":"1","page":76},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=\nبذاك الحافظ: اهـ.\nقلت (القائل أحمد): كأنه يوهن هذه الرواية لمخالفتها لما سبق.\nالخلاصة مما سبق:\nيتضح لنا من حديث أنس وعائشة - السابق ذكرهما - أن أبا بكر صلى إمامًا بالنبي ﷺ في مرض وفاته، وفي الصحيحين عن عائشة أن النبي ﷺ كان إمامًا لأبي بكر، على أنني يجب علي أن أقول:\nحتى الطرق التي في الصحيحين جاء من نفس مخرجها ما يصرح بأن أبا بكر كان الإمام، وهذا كما يقول الحافظ في الفتح [٢/ ١٨٢]، اختلاف شديد، ولكن أعرضت عن ذكر الخلاف في هذه الطرق لقناعتي بما اتفق عليه الشيخان وأخرجاه، وإعراضهما عن هذه الروايات المخالفة مع اتحاد المخرج.\nولا بأس أن نضرب مثالًا واحدًا لتوضيح ذلك:\n١ - حديث عائشة الذي فيه «فكان النبي ﷺ يصلي، وأبو بكر يصلي بصلاته، والناس يصلون بصلاة أبي بكر.\nوهذا من طريق الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عنها.\nرواه عن الأعمش على هذا الوجه جماعة، منهم.\nأبو معاوية [البخاري: ٧١٣، مسلم: ٤١٨]. وحفص بن غياث [البخاري: ٦٦٤]، وعبد الله بن داود، [البخاري: ٧١٢]، ووكيع، وعلي بن مسهر، وعيسى بن يونس [مسلم: ٤١٨].\nفكل هؤلاء رووه عن الأعمش بمثل هذا اللفظ المذكور.\nثم جاء شعبة فرواه عن الأعمش، فرواه عنه مسلم بن إبراهيم [كما عند ابن المنذر في الأوسط: ٤/ ٢٠٣] بلفظ: صلى النبي ﷺ خلف أبي بكر.\n- ورواه عنه - أي عن شعبة - أبو داود الطيالسي، ورواه عنه - أي: عن أبي داود: بندار بلفظين مختلفين.\nأحدهما [عند البيهقي: ٣/ ٨٢]، وفيه: قالت عائشة: من الناس من يقول: كان أبو بكر المقدم بين يدي رسول الله ﷺ في الصف، ومنهم من يقول: كان النبي ﷺ المقدم.\nوالآخر [عند ابن خزيمة: ١٦١٩]، وفيه: قالت عائشة: صلى أبو بكر بالناس ورسول الله ﷺ في الصف.\nفانظر إلى رواية الجماعة عن الأعمش والتي أخرجها الإمامان الكبيران، أفتعارض بمثل هذه الرواية التي يختلف على الراوي الواحد فيها على عدة أوجه - كما رأيت -؟!!.","vol":"1","page":77},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=\nنعم، الجمع بين الأحاديث ميسور وسهل - كما سأنقل لاحقًا عن الأئمة، لكن هذا حيث يتعدد المخرج.\nيقول الحافظ ابن حجر [كما في النكت: ١/ ١١٩]:\nإذا اختلفت مخارج الحديث وتباعدت ألفاظه، أو كان سياق الحديث في حكاية واقعة يظهر تعددها، فالذي يتعين القول به أن يجعلا حديثين مستقلين. اهـ.\nقلت (القائل أحمد): وهذا ما صنعه الأئمة في الجمع بين ما جاء عن عائشة في الصحيحين [وما جاء عنها خارج الصحيحين، لكن من مخرج آخر -، وما جاء عن أنس بن مالك].\nقال الإمام الشافعي [كما نقل عنه البيهقي في السنن ٣/ ٨٣]:\nلو صلى رسول الله ﷺ خلف أبي بكر مرة لم يمنع ذلك أن يكون صلى خلفه أبو بكر أخرى. اهـ.\nوبمثل هذا الجمع قال كل من:\n- ابن حبان في صحيحه [عقب حديث: ٢١١٩].\n- ابن حزم في المحلى [٣/ ٦٨].\n- البيهقي في السنن [٣/ ٨٣].\n- الزيلعي في نصب الراية [٢/ ٤٤ - ٤٨]، وابن الهمام في [فتح القدير: ١/ ٣٧٠].\n- ابن رجب في [فتح الباري له: ٤/ ٨٧].\n- ورجحه الشيخ الألباني في أصل صفة الصلاة [١/ ٨٤].\n- وأما من نظر إلى اختلاف الطرق عن عائشة فقط، وأن الحديث مع اتحاد مخرجه قد جاء بعدة ألفاظ مختلفة لا يمكن الجمع بينها: فقد أسقط الاحتجاج بالرواية كلها لشعوره باضطرابها، أو لمساورة الشك له في الاحتجاج بها.\n- كما فعل ابن خزيمة في صحيحه عقب حديث: (١٦٢١)، وتبعه على ذلك ابن المنذر في الأوسط [٤/ ٢٠٤].\n- بينما ذهب البعض كالطحاوي في شرح معاني الآثار [١/ ٤٦ - ٤٧] إلى ترجيح رواية الصحيحين على غيرهما.\n- وأخيرًا، يشهد لصحة هذا الجمع الذي قال به الأئمة السالف ذكرهم، وأن أبا بكر كان إمامًا للنبي ﷺ = ما أخرجه الإمام أحمد [١٨١٣٤]، من طريق إسماعيل بن علية أخبرنا أيوب، هو السختياني - عن محمد - هو ابن سيرين - عن عمرو بن وهب الثقفي قال: كنا مع المغيرة بن شعبة فسئل: هل أم النبيَّ ﷺ أحدٌ من هذه الأمة غير أبي بكر؟، فقال: نعم، …».","vol":"1","page":78},{"text":"وأجيب على هذا الاعتراض: بأنه لا مانع أن يكون النبي ﷺ صلى مرة خلف أبي بكر، وصلى أبو بكر خلفه مرة أخرى.\n٤ - أن الأصل المعتبر: أن من صحت صلاته صحت إمامته، إلا ما جاء دليل على استثنائه.\n\n<span data-type='title' id=toc-45>القول الثاني: لا تصح مطلقًا:</span>\nوهو رواية عن مالك (^١)، وبه قال المالكية (^٢)، واختاره محمد بن الحسن من الحنفية (^٣)، واختاره بعض الحنابلة (^٤).\nواستدل هؤلاء بـ:\n١ - حديث: «لا يؤمَّن أحد بعدي جالسًا».\nوجه الدلالة قالوا: وإن كان النبي ﷺ قد صلى قاعدًا في مرض موته فقد نهى عن أن يفعل ذلك بعده، والنهي يقتضي التحريم.\n_________\n- وهذا إسناد صحيح [وللمزيد حول هذا الحديث انظر كلام محققي المسند عند هذا الحديث في الموطن المذكور آنفًا].\nوالله تعالى أعلم بالصواب.\n(^١) قال مالك: لا ينبغي لأحد أن يؤم في النافلة قاعدًا، ومن نزل به شيء وهو إمام قوم حتى صار لا يستطيع أن يصلي بهم إلا قاعدًا: فليستخلف غيره يصلي بالقوم، ويرجع هو إلى الصف فيصلي بصلاة الإمام مع القوم اهـ. [المدونة: ١/ ٨١].\n(^٢) قال الخرشي: وبطلت - أي الصلاة - باقتداء القادر في فرض أو نفل بعاجز عن ركن. [شرح مختصر خليل: ٢/ ٢٤]. وانظر [التاج والإكليل: ٢/ ٩٧].\n(^٣) قال السرخسي: إذا كان الإمام قاعدًا والمقتدي قائمًا … وعند محمد لا يصح قياسًا. اهـ. [المبسوط: ١/ ٢١٣].\n(^٤) قال المرداوي: وقال القاضي (هو: أبو يعلى محمد بن الحسين الفراء، الملقب بأبي يعلى الكبير): لا تصح، ومنع ابن عقيل في المفردات الإمامة جالسًا مطلقًا. اهـ. [الإنصاف: ٢/ ٢٦٠].","vol":"1","page":79},{"text":"وأجيب عليهم: بأن الحديث ضعيف لا تقوم به حجة (^١).\nقال الشافعي: وهذا حديث رواه منقطع عن رجل مرغوب عن الرواية عنه، لا يثبت بمثله حجة على أحد. اهـ (^٢).\nوقال أصحاب القول الأول: لو صح هذا الحديث لم يكن فيه حجة، لأنه يحتمل أن يكون المراد منع الصلاة بالجالس، أي: يُعرب قوله جالسًا مفعولًا، لا حالًا (^٣).\n٢ - قالوا: القيام ركن، فلا يصح ائتمام القادر عليه بالعاجز عنه كسائر الأركان (^٤).\nوأجيب عليهم: بأن هذا رأى في مقابل النص، ولا يعارض النص بالرأي، فقد ثبت الحديث بصحة إمامة القاعد.\n_________\n(^١) الحديث أخرجه الدارقطني في سننه [١/ ٣٩٨]، وعنه البيهقي [٣/ ٨٠]، من طريق ابن عيينة عن جابر الجعفي عن الشعبي عن النبي ﷺ - هكذا مرسلًا-.\nقال الدارقطني بعد ذكره: لم يروه غير جابر الجعفي عن الشعبي وهو متروك، والحديث مرسل اهـ. وقال ابن عبد البر عنه [الاستذكار: ٥/ ٤٠٠]: منكر باطل، لا يصح من جهة النقل. اهـ. ومع ضعف جابر فقد حدث خلاف عليه:\nقال البيهقي [معرفة السنن: ٢/ ٣٦٢ - طـ العلمية]: وهو مختلف فيه على جابر الجعفي، فروى عن ابن عيينة عن جابر عن الشعبي، ورواه إبراهيم بن طهمان، عن جابر عن الحكم قال: كتب عمر ﵁: لا يؤمن أحد جالسًا بعد النبي ﷺ اهـ.\nقلت (القائل أحمد): ورواية عمر هذه أخرجها البيهقي مسندة في سننه [٨/ ٦١]، ثم قال: هذا منقطع، وراويه جابر الجعفي، وذكر العراقي في [طرح التثريب: ٢/ ٣٤٠] أنه روي أيضًا من طريق عبد الملك بن حبيب عمن أخبره عن مجالد عن الشعبي، قال العراقي: ومجالد ضعيف، وفي السند إليه من لم يُسم، فلا يصح الاحتجاج به. اهـ.\n(^٢) الرسالة: (ص ١١٣ ط الوفاء)، وقال ابن حزم: حديث الشعبي باطل. [المحلى: ٣/ ٦٢]. اهـ\n(^٣) فتح الباري (٢/ ٢٠٦).\n(^٤) المغني (٣/ ٦١).","vol":"1","page":80},{"text":"٣ - قالوا: بأن صلاته ﵊ قاعدًا كانت من خصائصه. وأجيب عليهم: بأنه لا دليل على هذا التخصيص.\n\n٣ -<span data-type='title' id=toc-46> القول الثالث: تصح إمامته بشرطين:</span>\n١ - أن يكون إمام الحي أي: الإمام الراتب.\n٢ - أن يكون مرضه يرجى زواله.\nوهذا مذهب الحنابلة (^١).\nواستدلوا على ذلك: بصلاة النبي ﷺ قاعدًا (^٢).\nوجه الدلالة: قالوا: والنبي ﷺ حين فعل ذلك كان هو الإمام الراتب، وكان يرجى بُرؤه.\nفإذا لم يكن هو إمام الحي: فلا حاجة: بالناس إلى تقديم عاجز عن القيام إذا لم يكن الإمام الراتب.\nوإذا لم يكن مرضه يُرجى زواله: أدى اتخاذه إمامًا راتبًا إلى تركهم القيام على الدوام، ولا حاجة إليه، والأصل في هذا كله فعل النبي ﷺ (^٣).\nوأجيب عليهم: بأن القاعدة الأصولية تقول: إن ما ورد عن الشارع (^٤) مطلقًا، فإنه لا يجوز إدخال أي قيد من القيود عليه إلا بدليل، فليس لنا أن نقيد ما أطلقه الشرع.\n_________\n(^١) المغني (٣/ ٦٤)، وقد ذكر المرداوي في [الإنصاف: ٢/ ٢٦٠]، رواية عن الحنابلة مفادها: أنه لو تخلف أحد الشرطين فالصلاة صحيحة أيضًا.\n(^٢) قد مر ذلك معنا في أدلة الفريق الأول، فراجعها إن شئت.\n(^٣) المغني: (٣/ ٦٤).\n(^٤) انظر معجم المناهي اللفظية للشيخ (بكر أبو زيد) [ص ٣١٤].","vol":"1","page":81},{"text":"فقوله ﵊: «إذا صلى قاعدًا» مطلق، ليس مقيدًا بشروط (^١).\nوأخيرًا: قال شيخنا - حفظه الله -:\nإمامة القاعد جائزة - للأدلة المذكورة في القول الأول.\nوالله تعالى أعلم بالصواب.\n\n<span data-type='title' id=toc-47>ثانيا: كيف يصلي المأمومون خلف الإمام القاعد؟ قيامًا: أم قعودًا؟</span> (^٢)\nاختلف أهل العلم في هذه المسألة على أربعة أقوال:\n\n<span data-type='title' id=toc-48>القول الأول: يصلون خلفه قيامًا، ولا يقعدون.</span>\nوبهذا قال الحنفية (^٣)، والشافعية (^٤)، وهو قول جمهور العلماء.\nقال ابن عبد البر: وقال جمهور أهل العلم: لا يجوز لأحد أن يصلي في شيء من الصلوات المكتوبات جالسًا وهو صحيح قادر على القيام، لا إمامًا، ولا منفردًا، ولا خلف القاعد المريض. اهـ (^٥).\n_________\n(^١) الشرح الممتع [٤/ ١٦٦].\n(^٢) هذا المبحث ألصق بأحكام المأمومين منه بأحكام الإمام، وإنما بحثته هنا بناءً على نصيحة شيخنا - حفظه الله -، وللحاجة إليه.\n(^٣) المبسوط [١/ ٢١٤]، فتح القدير [١/ ٣٧٠]، وعزاه النووي لأبي حنيفة [شرح مسلم، ح: ٤١٢].\n(^٤) قال الشافعي: لو صلى أحد يطيق القيام خلف إمام قاعد فقعد معه لم تجز صلاته، وكان عليه الإعادة اهـ.\n[الأم: ٢/ ٣٤٢]، [المجموع: ٤/ ٢٦٥].\n(^٥) التمهيد [٤/ ٢٧٠]، وعزاه كذلك النووي لجمهور السلف [كما في شرح مسلم، ح: ٤١٢]، وكذا ابن القطان [الإقناع في مسائل الإجماع: ١/ ١٤٩].","vol":"1","page":82},{"text":"واستدل هؤلاء بالأثر والنظر:\nأما الأثر:\nفصلاة النبي ﷺ قاعدًا، والصحابة خلفه قيامًا (^١).\nوأجابوا على حديث: «وَإِذَا صَلَّى قَاعِدًا فَصَلوا قُعُودًا أَجْمَعُونَ» بقولهم، إنه منسوخ، وإنما يؤخذ بالآخر فالآخر من فعل النبي ﷺ (^٢).\nوأما استدلالهم بالنظر فقالوا:\nإن القيام ركن قدر عليه المأموم، فلم يجز له تركه، كسائر الأركان، وأما الإمام فسقط عنه لعدم استطاعته، وعلى كل واحد منهما فرضه (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-49>القول الثاني: يصلون خلفه قعودًا، ولا يقومون.</span>\nوبه قال: ابن حزم (^٤)، ورجحه الشيخ ابن عثيمين (^٥).\n_________\n(^١) كما تقدم في حديث عائشة في أول الباب.\n(^٢) الأم [٢/ ٣٤١]، البخاري [٦٨٩].\n(^٣) الأم [٢/ ٣٤١]، والمغني [٣/ ٦١ - ٦٢].\n(^٤) قال ابن حزم: قال أبو سليمان وأصحابنا: يؤم المريض قاعدًا الأصحاء، ولا يصلون وراءه إلا قعودًا كلهم ولا بد، قال ابن حزم: وبهذا نأخذ، إلا فيمن يصلي إلى جنب الإمام يذكر الناس ويعلمهم تكبير الإمام فإنه مخير بين أن يصلي قاعدًا وبين أن يصلي قائمًا، اهـ[المحلى: ٣/ ٦٠].\nثم قال ابن حزم: وبمثل قولنا يقول جمهور السلف، [المحلى: ٣/ ٧٠].\n(^٥) الشرح الممتع [٤/ ١٦٤ - ١٦٦].","vol":"1","page":83},{"text":"واستدل هؤلاء بما يلي:\nقوله ﷺ: «وَإِذَا صَلَّى قَاعِدًا فَصَلوْا قُعُودًا أَجْمَعُونَ» (^١).\nوجه الدلالة:\nأمره ﷺ باتباع الإمام حتى في قعوده يوجب على المأموم القعود، كما يجب عليه القيام في حال قيام الإمام.\nوأجاب هؤلاء عن حديث عائشة في إمامة النبي ﷺ قاعدًا في مرض وفاته، وأبو بكر قائمًا بجانبه بقولهم:\nإن هذا الخبر قد اختلف فيه على من كان الإمام في تلك الصلاة، أهو النبي ﷺ؟ أم أبو بكر؟!.\nفأصبح أمره باتباع الإمام والصلاة قعودًا خلفه إذا قعد يقينًا، بينما إمامته في مرض وفاته شك، وغير جائز ترك اليقين بالشك (^٢).\nثم إذا صح الخبر: فإن فيه دليلًا على أن الصحابة لم يصلوا إلا قعودًا، وذلك لأن فيه أن الناس كانوا يقتدون بصلاة أبي بكر، وبالضرورة ندري أنهم لو كانوا قيامًا وأبو بكر قائم لما اقتدى بصلاته إلا الصف الأول فقط، وأما سائر الصفوف فلا؛ لأنهم كانوا لا يرونه، لأن الصف الأول يحجبهم عنه، فإذا في نص الخبر ولفظه «أنهم كانوا يقتدون بصلاة أبي بكر»، فهذا خبر عن جميعهم، فصح أنهم كانوا في حال يرونه كلهم، فيصح لهم الاقتداء بصلاته، ولا يكون ذلك البتة إلا في حال\n_________\n(^١) حديث أنس قد تقدم في أول الباب، وقد روي هذا المعنى أيضًا في حديث جابر بن عبد الله ﵁، عند مسلم [٤١٣]، وفي حديث عائشة ﵂ عند البخاري [٦٨٨]، ومسلم [٤١٢]، وفي حديث أبي هريرة ﵁ عند البخاري [٧٢٢]، ومسلم [٤١٤].\n(^٢) ابن خزيمة في صحيحه [ص ٢٧٩].","vol":"1","page":84},{"text":"قعودهم (^١).\nقالوا: ومما يؤكد أن هذا الأمر لم ينسخ عن النبي ﷺ: أن عمل الصحابة استمر عليه بعد موته ﷺ (^٢).\n_________\n(^١) ابن حزم في [المحلى: ٣/ ٦٤ - ٦٥]، ولم يطق الشيخ أحمد شاكر ﵀ صبرًا على هذا الكلام فقال في الحاشية - على الرغم من موافقته لابن حزم في صلاة المأمومين قعودًا:\nفي هذا الكلام مغالطة وتكلف غريبان، ثم ماذا يقول ابن حزم في كل الصلوات التي أم رسول الله ﷺ فيها الناس، وكان قائمًا وكانوا قيامًا؟! أيزعم أنه لم يكن يقتدي به إلا الصف الأول؟! اهـ. وانظر كذلك رد العراقي في طرح التثريب [٢/ ٣٣٧ - ٣٣٨]، والاعتبار للحازمي [١/ ٢٩٢] مع حاشية الشيخ أحمد شاكر هناك.\n(^٢) جاء هذا عن أبي هريرة وقيس بن قهد، وجابر بن عبد الله، وأسيد بن حضير ﵃.\nأ - أثر أبي هريرة كان يقول: الإمام أمير، فإن صلى قائمًا فصلوا قيامًا، وإن صلى قاعدًا فصلوا قعودًا». «إسناده صحيح».\nرواه إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن أبي هريرة، وهذا إسناده صحيح، إلا أنه اختلف على إسماعيل.\nفرواه عنه جماعة موقوفًا على أبي هريرة، منهم: وكيع [كما عند ابن أبي شيبة: ٧١٣٩]، ويعلى بن عبيد [كما عند ابن المنذر في الأوسط: ٤/ ٢٠٦].\nورواه عنه جماعة مرفوعًا إلى النبي ﷺ، منهم سفيان بن عيينة [كما عند الحميدي: ٩٥٨، وعبد الرزاق: ٢/ ٤٦٢].\nورجح الدارقطني في العلل [١٦٢٠]، الوقف.\nوقال الحافظ [٢/ ٢٠٧] عن الموقوف: إسناده صحيح اهـ.\nب - قيس بن قَهْد بن قيس الخزرجي ﵁:\nقال قيس «اشتكى إمامنا، فصلى قاعدًا، فصلينا بصلاته».\nوفي لفظ «فكان يؤمنا جالسًا ونحن جلوس».\n(إسناده صحيح).\nأخرجه عبد الرزاق [٢/ ٤٦٢]، وابن أبي شيبة [٧١٤٣]، والبخاري في التاريخ الكبير [ت: قيس بن قهد]، كلهم من طريق: إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن قيس بن قهد.\nوصحح الحافظ إسناده [الفتح: ٢/ ٢٠٧]، وكذا الحافظ العراقي، [كما في نيل الأوطار: ٢/ ٤٦٧].","vol":"1","page":85},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= جـ - جابر بن عبد الله الأنصارى ﵁:\nعن أبي الزبير: أن جابرًا اشتكى عندهم بمكة، فلما أن تماثل خرج، وإنهم خرجوا معه يتبعونه حتى إذا بلغوا بعض الطريق حضرت صلاة من الصلوات، فصلى بهم جالسًا، وصلوا معه جلوسًا.\n(إسناده صحيح).\nأخرجه ابن أبي شيبة [٧١٣٨]، وابن المنذر [الأوسط: ٤/ ٢٠٦]، وذكره ابن عبد البر في التمهيد [٤/ ٢٧٠]، كلهم من طريق يحيى بن سعيد عن أبي الزبير عن جابر.\nوصحح إسناده الحافظ في [الفتح: ٢/ ٢٠٧]، والشوكاني في [نيل الاوطار: ٢/ ٤٦٨].\nد - أسيد بن حضير ﵁:\nكان أسيد يؤم بني عبد الأشهل، وإنه اشتكى فخرج إليهم بعد شكواه، فقالوا له: تقدم، قال: لا أستطيع أن أصلي، قالوا: لا يؤمنا أحد غيرك ما دمت، فقال: اجلسوا، فصلى بهم جلوسًا.\n«صحيح بمجموع طرقه».\nأخرجه ابن أبي شيبة [٧١٤١]، عن يزيد بن هارون عن يحيى بن سعيد عن عبد الله بن هبيرة، وهذا إسناد رجاله ثقات، إلا أن عبد الله بن هبيرة ليست له رواية عن الصحابة، ومولده بعد وفاة أُسيد، فهذا إسناد منقطع.\nوخالف إبراهيم بن عبد الله، ابن أبي شيبة [كما عند ابن المنذر في الأوسط: ٤/ ٢٠٦]، فرواه عن يزيد بن هارون عن يحيى بن سعيد عن بشير بن يسار، وتابع يزيد على هذا الوجه سليمان بن بلال [كما ذكر ابن رجب في الفتح: ٤/ ١٥٣].\nوهذا إسناد صحيح - كما قال ابن رجب - وإن كان أسيد لم يذكر في شيوخ بشير إلا أن ابن سعد قال: كان بشير شيخًا فقيهًا، وكان قد أدرك عامة أصحاب رسول الله ﷺ. اهـ.\nوقد جاء المتن مختصرًا عن ذلك:\nكما عند الدارقطني في سننه [١/ ٣٩٧]، عن ابن إسحاق، وابن المنذر [٤/ ٢٠٧]، عن حماد بن سلمة، كلاهما عن هشام بن عروة عن كثير بن السائب [الذي ذكره ابن حبان في الثقات، وقال الحافظ: مقبول]، عن محمود بن لبيد [وقد عده، الحافظ من الصحابة - فيما نقله عن البخاري وابن حبان].\nوقد صحح الحافظ هذا الإسناد [كما في الفتح: ٢/ ٢٠٧].\nوخالف ابن عيينة [حمادًا وابن إسحاق].\nفرواه عن هشام بن عروة عن أبيه [كما عند عبد الرزاق: ٢/ ٤٦٢]، وهذا إسناد","vol":"1","page":86},{"text":"وأجيب علي هذا الاستدلال: بأن هؤلاء الصحابة لم يعلموا بالناسخ، فبقي الأمر عندهم على أوله، وعلم الخاصة يوجد عند بعض، ويعزب عن بعض (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-50>القول الثالث: إذا ابتدأ الإمام الراتب الصلاة جالسًا صلى من وراءه جلوسًا.</span>\nلكن إن ابتدأ بهم الصلاة قائمًا ثم اعتل فجلس ائتموا خلفه قيامًا.\nوهذا مذهب الحنابلة (^٢).\nواستدلوا على ذلك: بالجمع بين الحديثين، أي: الحديث الذي فيه الأمر بالقعود خلف القاعد، والآخر الذي فيه صلاة الصحابة قيامًا خلف النبي ﷺ وهو قاعد.\nوجه الدلالة: قالوا: في الحديث الأول: أمر النبي ﷺ أصحابه أن يصلوا قعودًا خلفه لأنه صلى بهم قاعدًا، وهذا من بداية الصلاة.\n_________\n= منقطع، فإن عروة بن الزبير ولد في أول خلافة عثمان، فهو لم يدرك أسيد بن حضير.\nوالله أعلم بالصواب.\nوأخيرًا: قال عبد الرزاق [٢/ ٤٦٣]، وما رأيت الناس إلا على الإمام إذا صلى قاعدًا صلى من خلفه قعودًا، وهي سنة عن غير واحد. اهـ.\nتنبيه: أورد أبو داود في سننه [٦٠٧]: من طريق حصين - من ولد سعد بن معاذ - عن أسيد ابن حضير أنه كان يؤمهم، قال: فجاء رسول الله ﷺ يعوده، فقالوا: يا رسول الله، إن إمامنا مريض، فقال: «إِذَا صَلَّى قَاعِدًا فَصَلوا قُعُودًا أَجْمَعُونَ»\nثم قال أبو داود: وهذا الحديث ليس بمتصل. اهـ.\n(^١) قاله الشافعي: [فتح القدير لابن الهمام: ١/ ٣٧٠].\n(^٢) المغني [٣/ ٦٠ - ٦٤]، [شرح منتهى الإرادات: ١/ ٥٦٣]. الإنصاف [٢/ ٢٦١].\nواختاره الشيخ أحمد شاكر - كما نص هو بنفسه على ذلك - في تعليقه على الاعتبار في الناسخ والمنسوخ في الآثار للحازمي [١/ ٢٩٢].","vol":"1","page":87},{"text":"وأما في الحديث الثاني: فأبو بكر كان الإمام أولًا، وابتدأ بهم الصلاة قائمًا، ثم جاء النبي ﷺ: فتحولت الإمامة إليه، فأتم الصلاة بهم جالسًا، وأتموا هم قيامًا، ولم يجلسوًا، ولهذا قلنا: إن الإمام إذا ابتدأ قائمًا ثم اعتل أكملوا هم قيامًا خلفه، ولأن القيام هو الأصل، فمن بدأ به الصلاة لزمه في جميعها إذا قدر عليه (^١).\nوأجاب هؤلاء عما احتج به أصحاب القول الأول من أن الحديث الأخير نسخ الأول بقولهم:\nإن دعوى النسخ قول ضعيف: وذلك لأنه لا يجوز الرجوع إلى النسخ إلا عند تعذر الجمع، فإن من المعلوم عند أهل العلم أنه يشترط للنسخ شرطان:\nالأول: العلم بتأخر الناسخ.\nالثاني: أن لا يمكن الجمع بينه وبين ما ادُّعي أنه منسوخ، وذلك أن القول بالنسخ يلغي أحد الدليلين ويبطل حكمه، وإلغاء الدليل ليس بالأمر الهين حتى نقول كلما أعيانا الجمع هذا منسوخ، فهذا غير جائز، والجمع هنا ممكن جدًّا، كما تقدم (^٢).\nلكن: قيل لأصحاب هذا القول - أي: الحنابلة - لو صلى المأمومون قيامًا خلف الإمام الذي ابتدأ الصلاة قاعدًا، فهل تصح صلاتهم؟!.\nفأجابوا: في ذلك وجهان:\nالأول: تصح صلاتهم، وهذا الصحيح من المذهب (^٣).\n_________\n(^١) المصادر السابقة.\n(^٢) المغني [٣/ ٦٣]، الشرح الممتع [٤/ ١٦٥].\n(^٣) المغني [٣/ ٦٤]، الإنصاف، [٢/ ٢٦١]، الفروع [٢/ ٢٥]، منتهى الإرادات [١/ ٥٦٤].","vol":"1","page":88},{"text":"واستُدل لذلك: بأن النبي ﷺ لما صلى وراءه قوم قيامًا لم يأمرهم بالإعادة.\nالثاني: لا تصح صلاتهم، وإليه يومئ كلام الإمام أحمد، حيث قال: إن صلى الإمام جالسًا والذين خلفه قيامًا لم يقتدوا بالإمام، وإنما اتباعهم له إذا صلى جالسًا أن يصلوا جلوسًا، وذلك لأن النبي ﷺ أمهم بالجلوس، ونهاهم عن القيام - كما في حديث جابر وغيره -. اهـ (^١).\nواستدل لذلك: بقوله ﵊: «إِذَا صَلَّى قَاعِدًا فَصَلوا قُعُودًا أَجْمَعُونَ» فهذا أمر، والأمر يقتضي الوجوب، ولأن ترك المأموم اتباع إمامه مع قدرته عليه أشبه تارك القيام في حال قيام إمامه (^٢).\nوقد دُفع هذا القول: بأن هذا الأمرَ نُقل إلى الاستحباب بدليل إقراره ﵊ للقائمين خلفه في إمامته قاعدًا حال مرض وفاته (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-51>القول الرابع: يصلي المأمومون قيامًا، ويجوز لهم القعود أيضًا.</span>\nوبهذا قال ابن حجر (^٤)، وأشار إليه ابن رجب (^٥)، وقال به\n_________\n(^١) المغني [٣/ ٦٣]، الإنصاف [٢/ ٢٦١]، وهناك قول ثالث ذكره ابن قدامة، والمرداوي، وهو: تصح صلاة الجاهل بوجوب القعود دون العالم بذلك.\n(^٢) المغني (٣/ ٦٤).\nوأما الحالة الثانية أعني: إن ابتدأ الصلاة قائمًا ثم اعتل فقعد - فلا نزاع في المذهب أنه يجب على المأمومين القيام، ولا يجوز لهم الجلوس: [الإنصاف: ٢/ ٢٦١]، [منتهى الإرادات: ١/ ٥٦٤].\n(^٣) انظر السابق.\n(^٤) فتح الباري [٢/ ٢٠٨].\n(^٥) قال ابن رجب: والجمع بين هذه الأحاديث من وجهين، فذكر هذا منها، والآخر ما\nعليه الحنابلة، [فتح الباري له: ٤/ ١٥٨]، ثم أشار ﵀ إلى وجه ثالث ظهر له.","vol":"1","page":89},{"text":"الصنعاني (^١)، وذكره الشوكاني (^٢).\nواستدل هؤلاء: بالأحاديث الصحيحة التي جاءت في الباب، وبأن هذا هو مقتضى الجمع بينها.\nفقالوا: الأمر بالجلوس في البداية كان للندب، وتقريره القيام بعد ذلك قرينة عليه، أو كان أمره في البداية على الوجوب، لكن نسخ هذا الوجوب بتقرير القيام بعد ذلك، وإذا نسخ الوجوب بقي الجواز، فيكون هذا جمعًا بين الروايتين، خارجًا عن المذهبين جميعًا (^٣)؛ لأنه يقتضي التخيير للمؤتم بين القيام والقعود (^٤).\nودفع هؤلاء قول القائلين بالنسخ بعدة أدلة، منها:\n١ - أن هناك قاعدة مطردة، وهي:\nإذا وجدنا حديثًا صحيحًا صريحًا في حكم من الأحكام فإنه لا يرد باستنباط من نص آخر لم يسق لذلك المعنى بالكلية، فلا ترد - مثلًا - أحاديث تحريم صيد المدينة، بما يستنبط من حديث النغير (^٥).\n٢ - مما يدل على أن الأمر بالقعود خلف الإمام القاعد غير منسوخ:\nأن النبي ﷺ علله بعلل لم تنسخ، ولم تبطل منذ شرعت، ومن هذه\n_________\n(^١) سبل السلام [٢/ ٣٥].\n(^٢) نيل الأوطار [٢/ ٤٦٧].\n(^٣) أي القائلين بوجوب القعود، والقائلين بوجوب القيام.\n(^٤) فتح الباري [٢/ ٢٠٨]، سبل السلام [٢/ ٣٥].\n(^٥) يشير إلى حديث أنس عند البخاري (٦٢٠٣)، ومسلم (٢١٥٠)، وفيه: قول أنس: كان لي أخ يقال له: أبو عمير، قال: أحسبه فطيمًا، وكان إذا جاء رسول الله ﷺ قال: «يا أبا عمير، ما فعل النغير» نغر كان يلعب به … الحديث.\nوالنغير: تصغير نغر، وهو طائر صغير، جمعه: نغران.","vol":"1","page":90},{"text":"العلل:\nأ - أن الإمام إنما جعل إمامًا ليؤتم به، ويقتدى به في أفعاله فقال ﷺ: «إذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعون».\nوما قبل أمره بالصلاة جلوسًا لم ينسخ منه شيء، فكذلك القعود؛ لأن الجميع مرتب على أن الإمام يؤتم به ويقتدى به.\nب - ومنها: أن النبي ﷺ جعل القيام خلف الإمام الجالس من جنس فعل فارس والروم بعظمائها، حيث يقومون وملوكهم جلوس، وشريعتنا جاءت بخلاف ذلك.\nوقد دل على هذا:\nما جاء عن جابر أنه قال: اشتكى رسول الله ﷺ فصلينا وراءه وهو قاعد، وأبو بكر يسمع الناس تكبيره، فالتفت إلينا فرآنا قيامًا، فأشار إلينا فقعدنا، فصلينا بصلاته قعودا، فلما سلم قال: «إِنْ كِدْتُمْ آنِفًا لَتَفْعَلُونَ فِعْلَ فَارِسَ وَالرُّومِ، يَقُومُونَ عَلَى مُلُوكِهِمْ وَهُمْ قُعُودٌ، فَلَا تَفْعَلُوا، ائْتَمُّوا بِأَئِمَّتِكُمْ، إِنْ صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا، وَإِنْ صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا» (^١) (^٢).\nوأخيرًا، قال شيخنا - حفظه الله -:\nالذي يظهر - والله أعلم - أن المأموم له الوجهان إذا صلى الإمام قاعدًا فله أن يصلي قائمًا؛ لأن هذا آخر أفعال الصحابة خلف رسول الله ﷺ، صلى قاعدًا وهم خلفه قيام، فهذا مجوز القيام.\n_________\n(^١) صحيح: وقد تقدم.\n(^٢) فتح الباري لابن رجب (٤/ ١٥٤ - ١٥٧)، بتصرف يسير.","vol":"1","page":91},{"text":"ولكن إن صلى قاعدًا تأسيًا بإمامه، واتباعًا، وإعمالًا لحديث: «وَإِذَا صَلَّى قَاعِدًا فَصَلوا قُعُودًا أَجْمَعُونَ».\nفصلاته أيضًا صحيحة.\nولكن: يُلحظ أمر: وهو عدم الاختلاف بين المأمومين، فالخلاف شر.\nوالله أعلم (^١).\n_________\n(^١) كذا كتب شيخنا، ومن خطه نقلت.","vol":"1","page":92},{"text":"<span data-type='title' id=toc-52>٧ - إمامة من لا يحسن الفاتحة </span>(^١)\nكلامنا في هذه المسألة يدور حول أمرين:\nالأول: هل تصح إمامة من لا يحسن الفاتحة؟ أم لا تصح؟\nالثاني: إن كانت إمامته لا تصح: فهل تبطل صلاة المأمومين خلفه وحدهم؟ أم تبطل صلاة الإمام والمأمومين جميعًا؟\n\n<span data-type='title' id=toc-53>الأول: هل تصح إمامة من لا يحسن الفاتحة لمن يحسنها؟</span>\nاختلف أهل العلم في هذه المسألة على أربعة أقوال وهي:\n\n١ -<span data-type='title' id=toc-54> القول الأول: لا تصح إمامته مطلقًا.</span>\nوبهذا قال الحنفية (^٢)، والمالكية (^٣)، وهو الصحيح من المذهب\n_________\n(^١) هذه المسألة تذكر في كتب الفقهاء باسم باب «إمامة الأمي»، وحينما عرضت الأمر على شيخنا طلب مني تغيير العنوان لما فيه من إيهام على القارئ، فأجبته عن قناعة وطيب نفس، وتتمة للفائدة أسجل هنا ما المقصود بالأمي عند الفقهاء، قال ابن قدامة: الأمي من لا يحسن الفاتحة أو بعضها، أو يخل بحرف منها وإن كان يحسن غيرها. [المغني: ٣/ ٢٩].\nوقال ابن الهمام الحنفي: الأمي عندنا من لا يحسن القراءة، وعند الشافعي من لا يحسن الفاتحة. [فتح القدير: ١/ ٣٦٧]، وانظر [المجموع: ٤/ ٢٦٧]، وقال الخطيب الشربيني: والأمي: نسبة إلى الأم، كأنه على الحالة التي ولدته أمه عليها، وأصله لغة: لمن لا يكتب، واستعمله الفقهاء مجازًا في قولهم اهـ. [مغني المحتاج: ١/ ٣٦٤].\n(^٢) قال الكاساني: لا يجوز اقتداء القارئ الأمي، والمتكلم بالأخرس: اهـ[بدائع الصنائع: ١/ ١٣٩]، وانظر [المبسوط: ١/ ١٨١].\n(^٣) قال سحنون: قلت لابن القاسم: فما قول مالك فيمن صلى وهو يحسن القرآن خلف من لا يحسن القرآن؟ قال: قال مالك: إذا صلى الإمام بقوم فترك القراءة انتقضت صلاته وصلاة من خلفه، وأعادوا وإن ذهب الوقت، قال: فذلك الذي لا يحسن القرآن أشد عندي من هذا، لأنه لا ينبغي لأحد أن يأتم بمن لا يحسن القرآن. اهـ. [المدونة: ١/ ٨٤].\nوقال خليل المالكي: وبطلت الصلاة باقتداء من بان كافرًا …، أو بأمي إن وجد قارئًا اهـ[مختصر خليل: ص ٤٠ - ط دار الفكر].","vol":"1","page":93},{"text":"عند الشافعية (^١)، وهو مذهب الحنابلة (^٢).\nدليلهم على قولهم:\n١ - قوله ﵊: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ الله» (^٣).\nوجه الدلالة منه: أن النبي ﷺ جعل القراءة من أوصاف الإمام المقدم، فكيف يتقدم من لا يحسن القراءة؟! (^٤).\n٢ - كما أن المأموم إذا ائتم بعاجز عن ركن سوى القيام، يقدر هو - أي المأموم - عليه، فلا يصح.\n٣ - ولأن الإمام يتحمل القراءة عن المأموم، وهذا عاجز عن التحمل للقراءة الواجبة على المأموم في صلاة الجماعة، وأعظم قراءة المأموم أن تكون مستحبة، ولا ينوب الفعل المستحب عن الواجب فلم يصح له الائتمام به لئلا يفضي إلى أن يصلي بغير قراءة (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-55>القول الثاني: تصح إمامته في الصلاة السرية، أما في الجهرية فلا تصح.</span>\n_________\n(^١) قال النووي: وإن اقتدى قارئ بأمي: ففيه قولان، أصحهما: وهو الجديد: لا يصح الاقتداء به، [المجموع: ٤/ ٢٦٧ - بتصرف يسير]، وانظر [الأم: ٢/ ٣٢٦]، [مغني المحتاج: ١/ ٣٦٤].\n(^٢) قال المرداوي: ولا تصح إمامة الأُمي، هذا المذهب، وعليه الأصحاب اهـ[الإنصاف: ٢/ ٢٦٦]، [المغني: ٣/ ٢٩]، [منتهى الإرادات: ١/ ٥٦٨].\n(^٣) صحيح: وقد تقدم.\n(^٤) الذخيرة [٢/ ٢٤٤].\n(^٥) المغني [٣/ ٣٠]، المجموع [٤/ ٢٦٦]، التاج والإكليل [٢/ ١١٦]، بدائع الصنائع [١/ ١٣٩].","vol":"1","page":94},{"text":"وبه قال الشافعية في القديم (^١).\nودليلهم: أن المأموم لا يقرأ في الجهرية، بل يتحمل الإمام عنه فيها (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-56>القول الثالث: تصح في النوافل فقط.</span>\nوهو رواية عند الحنابلة (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-57>القول الرابع: تصح مطلقًا.</span>\nوهو مذهب عطاء وقتادة (^٤)، وقول عند الشافعية (^٥)، ورواية عند الحنابلة (^٦).\nودليلهم: القياس على العاجز عن القيام، فهو قد عجز عن ركن، وهو القيام، وصحت إمامته، وهذا الأمي عجز عن ركن - وهو الفاتحة -، فتصح قياسًا (^٧).\nوأجيب عليهم: بأن هذا قياس مع الفارق، فلا يصح؛ لأن العجز عن القيام ليس بنقص، وجهل القراءة نقص، فهو كالكفر والأنوثة (^٨).\n_________\n(^١) المجموع [٤/ ٢٦٧]، مغني المحتاج [١/ ٣٦٤].\n(^٢) المصدر السابق.\n(^٣) الإنصاف [٢/ ٢٦٦]، الفروع [٢/ ٢٢].\n(^٤) المجموع [٤/ ٢٦٧].\n(^٥) قال به: أبو إسحاق المروزي، واختاره المزني وأبو ثور وابن المنذر: [المجموع: ٤/ ٢٦٨].\n(^٦) الإنصاف [٢/ ٢٦٦]، الفروع [٢/ ٢٢].\n(^٧) المجموع [٤/ ٢٦٨].\n(^٨) انظر السابق.","vol":"1","page":95},{"text":"وأخيرًا: قال شيخنا (^١) - حفظه الله -:\nهناك أمور محتملة، وأخرى لا تحتمل، فالتي لا تحتمل: كأن يخطئ أخطاءً تخل بالمعنى، فهذا لا تصح صلاته، لكن ثمة أخطاء أخرى تحتمل، والصلاة معها صحيحة، والله أعلم.\n_________\n(^١) ومن خطه أنقل.","vol":"1","page":96},{"text":"<span data-type='title' id=toc-58>ثانيًا: هل تبطل صلاة المأمومين والإمام؟ أم تبطل صلاة المأمومين فقط </span>(^١)؟!\nاختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين.\n\n<span data-type='title' id=toc-59>القول الأول: تبطل صلاة المأمومين، الذين يحسنون الفاتحة - فقط </span>-.\nوبهذا قال: أبو يوسف، ومحمد بن الحسن من الحنفية (^٢)، وهو مذهب الشافعية (^٣)، والحنابلة (^٤).\nواستدل هؤلاء بالنظر، فقالوا:\n١ - إن الإمام صاحب عذر، وقد اقتدى به من هو بمثل حاله ومن لا عذر له، فتجوز صلاته وصلاة من هو بمثل حاله، وتبطل صلاة من لا عذر له (^٥).\n_________\n(^١) وهذا السؤال يوجه إلى أصحاب القول الأول، القائلين بأنه لا تصح إمامة الأمي.\n(^٢) قال السرخسى: أمي صلى بقوم أميين وقارئين … عند أبي يوسف ومحمد صلاة الإمام والأميين تامة. اهـ. [المبسوط: ١/ ١٨١]، [البدائع: ١/ ١٣٩].\n(^٣) قال النووي: وإذا صلى القارئ خلف الأمي: بطلت صلاة المأموم، وصحت صلاة الإمام، وكذا المأمومون الأميون، هذا مذهبنا اهـ.\n[المجموع: ٤/ ٢٦٨]، [الأم: ٢/ ٣٢٧]، [مغني المحتاج: ١/ ٣٦٤].\n(^٤) قال الخرقي: وإن أم أمي أميًّا وقارئًا: أعاد القارئ وحده.\n[المغني: ٣/ ٢٩]، [الإنصاف: ٢/ ٢٦٧]، الفروع [٢/ ٢٢]، واستثنى الحنابلة صورة من هذا، فقالوا: وإن أم الأمي قارئًا واحدًا لم تصح صلاة واحد منهما؛ لأن الأمي نوى الإمامة، وقد صار فذًّا.\nقال بهذا ابن قدامة [المغني: ٣/ ٣٠]، ورجحه ابن مفلح [الفروع: ٢/ ٢٢].\n(^٥) بدائع الصنائع [١/ ١٣٩]، [المغني: ٣/ ٣٠].","vol":"1","page":97},{"text":"٢ - لأن الأصول المقررة متفقة على أن الفساد لا يتعدى من صلاة الإمام إلى المأموم (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-60>القول الثاني: تبطل صلاة الإمام والمأمومين جميعًا.</span>\nوبه قال أبو حنيفة (^٢)، وعليه المالكية (^٣)، وهو رواية عند الحنابلة (^٤).\nواستدل هؤلاء بالنظر أيضًا: فقالوا:\nإن المصلين لما جاءوا مجتمعين لأداء هذه الصلاة بالجماعة فالذي لا يحسن الفاتحة قادر على أن يجعل صلاته بقراءة صحيحة، وذلك بأن يقدم القارئ فيقتدى به، فتكون قراءته له، فإذا لم يفعل: فقد ترك أداء الصلاة بقراءة، مع القدرة عليها - ففسدت، بخلاف سائر الأعذار (^٥).\n_________\n(^١) المجموع [٤/ ٢٦٨].\n(^٢) قال الكاساني: وإذا أم الأمي القارئ والأميين فصلاة الكل فاسدة عند أبي حنيفة. اهـ. [البدائع: ١/ ١٣٩]، [المبسوط: ١/ ١٨١].\n(^٣) قال ابن المواق - محمد بن يوسف المالكي -:\nقال ابن المواز [هو محمد بن المواز الإسكندري، ت ٢٦٩ هـ]: ويعيد الإمام والمأموم أبدًا. اهـ.\n[التاج والإكليل: ٢/ ١١٦]، [الذخيرة: ٢/ ٢٤٤].\nقلت (القائل أحمد): لكن المالكية: يستثنون من هذا أن يكون المأمومون مثل الإمام، فعندها لا تفسد الصلاة، بل تصح صلاتهم جميعًا.\nقال سحنون: فإن ائتم به أميون مثله فصلاتهم تامة. اهـ.\n[المصدر السابق].\n(^٤) الإنصاف [٢/ ٢٦٦]، الفروع [٢/ ٢٣].\nوقال المرداوي: وقيل: تصح - أي صلاة المأموم - إذا لم يمكنه الصلاة خلف قارئ. اهـ.\n(^٥) بدائع الصنائع [١/ ٤٠١]، الذخيرة [٢/ ٢٤٤].","vol":"1","page":98},{"text":"<span data-type='title' id=toc-61>٨ - إمامة اللحان والألثغ ومن على شاكلتهما</span>\nوقبل عرض أقوال العلماء في هذه المسألة رأيت أن أضع بين يدي القارئ تعريفات العلماء للمصطلحات المستخدمة هنا، كالألثغ، والأرت، واللحان، وغيرها.\nفأقول:\n\n<span data-type='title' id=toc-63>اللحان </span>(^١):\nقال ابن الأثير: اللحن: الميل عن جهة الاستقامة، يقال: لحن فلان في كلامه إذا مال عن صحيح النطق اهـ.\nفاللحن الذي هو الخطأ في الإعراب يقال منه: لَحَنَ في كلامه - بفتح الحاء - يلحن لحنًا، فهو لحان ولحانة (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-64>الألثع:</span>\nبالمثلثة: من في لسانه لُثغة - بضم اللام -، وهو من يبدل حرفًا بآخر، كأن يبدل السين بالمثلثة، أو الراء بالغين، فيقول: «المثتقيم»، أو «غيغ المغضوب عليهم» (^٣).\nالأرت:\nبالمثناة: من في لسانه رُتة - بضم الراء -، وهو من يدغم في غير\n_________\n(^١) لها عدة معان في اللغة، ذكرت منها ما يتناسب مع بحثنا هنا.\n(^٢) لسان العرب (١٢/ ٢٥٥، طـ دار إحياء التراث العربي).\n(^٣) أسنى المطالب [١/ ٢١٧]، المغني [٣/ ٣٣].","vol":"1","page":99},{"text":"موضع الإدغام (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-65>التمتام:</span>\nمن يكرر حرف التاء (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-66>الفأفاء:</span>\nمن يكرر حرف الفاء (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-67>أولًا: إمامة اللحان:</span>\nاتفقت الكلمة عند المذاهب الأربعة على أن الذي يلحن في الفاتحة لحنًا يحيل المعنى = لا تصح إمامته.\nوإليك شيئًا من أقوالهم:\nقال شهاب الدين القرافي المالكي:\nوأما اللاحن: قال ابن القصار والقاضي عبد الوهاب: إن غير المعنى- نحو: (إياك نعبد) بكسر الكاف، و(أنعمت عليهم) بضم التاء - لم تجز إمامته. اهـ (^٤).\nقال الإمام الشافعي:\nوإن لحن - أي: الإمام -، في أم القرآن لحنًا يحيل معنى شيء منها لم أر صلاته مجزئة عنه، ولا عمن خلفه. اهـ (^٥).\n_________\n(^١) أسنى المطالب [١/ ٢١٧]، الإنصاف [٢/ ٢٧٠].\n(^٢) المغني [٣/ ٣٣].\n(^٣) السابق.\n(^٤) الذخيرة [٢/ ٢٤٥].\n(^٥) الأم [٢/ ٢٥١].","vol":"1","page":100},{"text":"قال ابن قدامة الحنبلي:\nفإن لحن لحنًا يحيل المعنى - كالذي يكسر الكاف من (إياك)، أو يضم التاء من (أنعمتُ) -، ولا يقدر على إصلاحه: فهو كالأمي، لا يصح أن يأتم به قارئ (^١) اهـ.\nوأما إن كان لحنه في الفاتحة لا يحيل المعنى: فإمامته جائزة مع الكراهة.\nقال الإمام الشافعي:\nوإن كان لحنه في أم القرآن لا يحيل المعنى: أجزأت صلاته وأكره أن يكون إمامًا بحال (^٢). اهـ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-71>وأما اللحن في غير الفاتحة:</span>\nفإن كان لا يحيل المعنى: فلا يبطل الصلاة (^٤).\nوإن أحال المعنى: فقد ذهب فريق من العلماء: إلى صحة صلاته أيضًا - مع الكراهة -.\nوقال بذلك: بعض الحنفية (^٥)، ............\n_________\n(^١) المغني [٣/ ٣٣]، بتصرف يسير، وانظر في مذهب الحنفية. فتح القدير [١/ ٣٢٢].\n(^٢) الأم [٢/ ٢٥١].\n(^٣) وانظر باقي الأقوال: - إن شئت - في: فتح القدير [١/ ٣٢٣]، المغني [٣/ ٣٣]، الإنصاف: [٢/ ٢٧٠].\n(^٤) وهذا من باب الأولى، فإن كان لحنه في الفاتحة - الذي لا يحيل المعنى - تصح معه الصلاة: فهو في غيرها لا يبطل الصلاة.\n(^٥) قال ابن الهمام: واختلف المتأخرون، أي: في فساد صلاة من لحن لحنًا أحال المعنى: فقال ابن مقاتل، ومحمد بن سلام، وأبو بكر البلخي، والحلواني: لا تفسد: اهـ.\n[فتح القدير: ١/ ٣٢٢].","vol":"1","page":101},{"text":"والمالكية (^١)، والشافعية (^٢)، والحنابلة (^٣).\nبينما ذهب بعضهم إلى فساد الصلاة.\nوبه قال المتقدمون من الحنفية (^٤)، وبعض المالكية (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-72>ثانيًا: إمامة الألثغ والأرت </span>(^٦).\nذهب المالكية (^٧)، وبعض الحنفية (^٨)، ووجه عند الحنابلة (^٩)، إلى صحة إمامة من كان هذا حاله.\n_________\n(^١) التاج والإكليل [٢/ ١٣٤]، الذخيرة [٢/ ٢٤٥].\n(^٢) قال الشافعي: إن لحن في غيرها -، أي: غير الفاتحة، وكلامه هنا على ما يحيل المعنى - كرهته، ولم أر عليه إعادة. [الأم: ٢/ ٢٥١].\n(^٣) قال ابن قدامة: فإن أحال المعنى في غير الفاتحة: لم يمنع صحة الصلاة، ولا الائتمام به، إلا أن يتعمده فتبطل صلاته اهـ. [المغني: ٣/ ٣٣]، الإنصاف [٢/ ٢٧٠].\n(^٤) قال ابن الهمام: وإن غير فاحشًا مما اعتقاده كفر، مثل: رفع لفظ الجلالة ونصب العلماء في «إنما يخشى الله من عباد العلماء». فسدت في قول المتقدمين.\nثم قال بعد أن ساق قول المتأخرين: وما قال المتقدمون أحوط. اهـ. [فتح القدير: ١/ ٣٢٢].\n(^٥) الذخيرة [٢/ ٢٤٥].\n(^٦) تقدم التعريف في أول الباب.\n(^٧) قال ابن المواق: قال ابن رشد: الألكن …، والألثغ …، وما أشبه ذلك = لا خلاف أنه لا إعادة على من ائتم بهم، وإن كان الائتمام بهم مكروهًا.\nوقال أبو محمد: الألثغ … إمامته صحيحة؛ لأنه ليس في ذلك إحالة معنى، وإنما هو نقصان في أداء الحروف اهـ. [التاج والإكليل: ٢/ ١٣٤].\n(^٨) قال ابن عابدين: وقيل إمامة الألثغ لغيره تجوز اهـ. [حاشية ابن عابدين: ٢/ ٣٢٦].\n(^٩) قال المرداوي: وظاهر كلام ابن البنا: صحة إمامتهما (الأرت والألثغ) مع الكراهة. اهـ. [الإنصاف: ٢/ ٢٧٠].","vol":"1","page":102},{"text":"بينما ذهب: الشافعية (^١)، والحنابلة (^٢)، وآخرون من الحنفية (^٣) إلى عدم صحة إمامة من كان هذا حاله.\n\n<span data-type='title' id=toc-73>ثالثًا: إمامة التمتام والفأفاء </span>(^٤).\nذهب الحنفية (^٥)، والمالكية (^٦)، والشافعية (^٧)، والحنابلة (^٨) إلى صحة إمامة من هذا حاله، مع كراهتها عندهم.\nبينما ذهب بعض الحنابلة إلى عدم صحة إمامة هؤلاء (^٩).\n_________\n(^١) المجموع [٤/ ٢٦٧]، مغني المحتاج [١/ ٣٦٤].\n(^٢) قال المرداوي: الصحيح من المذهب: لا تصح إمامة الأرت، والألثغ. [الإنصاف: ٢/ ٢٧٠]، المغني [٣/ ٣٣].\n(^٣) قال ابن عابدين: وقيل: إمامة الألثغ لغيره تجوز، وقيل: لا، ولكن الأحوط عدم الصحة، كما مشى عليه المصنف، وقال في فتاواه: الراجح المُفْتَى به عدم صحة إمامة الألثغ لغيره ممن ليس به لثغة، وقال:\nإمامة الألثغ للفصيح\nفاسدة في الراجح الصحيح\n[حاشية ابن عابدين: ٢/ ٣٢٦]. وانظر: فتح القدير [١/ ٣٢٤].\n(^٤) تقدم التعريف في أول الباب.\n(^٥) فتح القدير [١/ ٣٢٥].\n(^٦) شرح مختصر خليل للخرشي [٢/ ٣٢]، التاج والإكليل [٢/ ١٣٤].\n(^٧) قال الشافعي: ولو كانت بالرجل تمتمة لا تبين معها القراءة: أجزأته قراءته إذا بلغ منها ما لا يطيق أكثر منه، وأكره أن يكون إمامًا …، وكذلك الفأفاء أكره أن يؤم، فإن أم أجزأه اهـ[الأم: ٢/ ٢٥١].\n(^٨) قال ابن قدامة: وتكره إمامة التمتام، والفأفاء، وتصح الصلاة خلفهما؛ لأنهما يأتيان بالحروف على الكمال، ويزيدان زيادة هما مغلوبان عليها فعفي عنها، ويكره تقديمهما لهذه الزيادة اهـ. [المغني ٣/ ٣٣]، الإنصاف [٢/ ٢٧١].\n(^٩) قال المرداوي: وحكي قول: لا تصح إمامتهم، حكاه ابن تميم.\nوقال في المبهج: والتمتام والفأفاء تصح إمامتهم بمثلهم، ولا تصح بمن هو أكمل منهم.\nقلت (المرداوي): وهو بعيد. اهـ. [الإنصاف: ٢/ ٢٧١].","vol":"1","page":103},{"text":"وسألت شيخنا عن إمامة هؤلاء جميعًا، فقال لي:\nغيرهم أولى منهم بالإمامة، والله أعلم.","vol":"1","page":104},{"text":"<span data-type='title' id=toc-74>٩ - رجل صلى بقوم، ثم تبين أنه على غير طهارة </span>(^١)\nلم يختلف العلماء في أن هذا الإمام الذي صلى بالناس وهو على غير طهارة عليه إعادة الصلاة (^٢).\nلكنهم اختلفوا في صحة صلاة المأمومين خلفه، وسبب اختلافهم: هل صحة انعقاد صلاة المأموم مرتبطة بصحة صلاة الإمام؟ أم ليست مرتبطة؟\nفمن لم يرها مرتبطة قال: صلاتهم جائزة، ومن رآها مرتبطة قال: صلاتهم فاسدة (^٣).\nهذا موجز مسألتنا هنا، وأما التفصيل فدونك إياه.\nاختلف أهل العلم في صحة صلاة المأمومين من عدمها، على ثلاثة أقوال:\n\n<span data-type='title' id=toc-75>القول الأول: تصح صلاتهم، وليس عليهم شيء.</span>\nوبهذا قال الشافعية (^٤)،\n_________\n(^١) هذه المسألة تذكر في كتب الفقه تحت مسمى «إمامة الجُنب والمحدث»، وقد أشار عليَّ شيخنا - حفظه الله - بتغيير العنوان حتى تتضح المسألة من عنوانها، فأجبته لذلك، فجزاه الله خيرًا على توجيهه.\n(^٢) انظر: الإجماع لابن عبد البر [١/ ٨٢ - رقم ١٦٩].\n(^٣) بداية المجتهد [١/ ١٥٦].\n(^٤) قال الشافعي: «من صلى خلف رجل ثم علم أن إمامه كان جنبًا، أو على غير وضوء، وإن كانت امرأة أمت نساءً ثم علمن أنها كانت حائضًا = أجزأت المأمومين من الرجال والنساء صلاتهم، وأعاد الإمام صلاته. اهـ. [الأم: ٢/ ٣٢٩]، وانظر [المجموع: ٤/ ٢٦٠]،\n[الحاوي الكبير: ٢/ ٣٠٨].","vol":"1","page":105},{"text":"وابن حزم (^١)، وأشهب وابن عبد الحكم من المالكية (^٢) ورواية عند الحنابلة (^٣).\nبل عزا ابن عبد البر هذا القول إلى الجمهور (^٤).\nواستدل هؤلاء بالقرآن والآثر والنظر.\nأما استدلالهم بالقرآن فهو:\nقوله تعالى: ﴿ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾.\nوجه الدلالة:\nقالوا: ليس في وسع المأموم علم الغيب من طهارة إمامه من عدمها، وكل إمام يصلى وراءه في العالم ففي الممكن أن يكون على غير طهارة - عامدًا أو ناسيًا - فصح أن المأموم لم يكلف علم يقين طهارتهم، وكل أحد يصلي لنفسه (^٥).\nوأما استدلالهم بالأثر فهو:\n١ - خرج النبي ﷺ إلى الصلاة وكبر، ثم أشار إليهم فمكثوا، ثم\n_________\n(^١) قال ابن حزم: ومن صلى جنبًا أو على غير وضوء عمدًا أو نسيانًا، فصلاة من ائتم به صحيحه تامة. ثم قال: وقال الشافعي وأبو سليمان كما قلنا. اهـ. [المحلى: ٤/ ٢١٤ مسألة: ٤٨٩].\n(^٢) مواهب الجليل [٢/ ١١٤].\n(^٣) ذكرها المرداوي [الإنصاف: ٢/ ٢٦٦]، والنووي [المجموع: ٤/ ٢٦٠].\n(^٤) قال ابن عبد البر: وقال الشافعي: صلاة القوم جائزة تامة، ولا إعادة عليهم، وبهذا قال جمهور فقهاء الأمصار، وأهل الحديث، وإليه ذهب ابن نافع صاحب مالك. اهـ.\n[التمهيد: ٢/ ٣٢٣].\n(^٥) المحلى لابن حزم [٤/ ٢١٤ - ٢١٥].","vol":"1","page":106},{"text":"انطلق فاغتسل، وكان رأسه يقطر ماءً فصلى بهم، فلما انصرف قال: إني خرجت إليكم جنبًا، وإني نسيت حتى قمت في الصلاة (^١).\n_________\n(^١) ضعيف بهذا السياق:\nجاء هذا الحديث عن أبي هريرة من عدة طرق، مع اختلاف الألفاظ.\nفأخرجه البخاري (٢٧٥ - مع أطرافه)، ومسلم (٦٠٥)، من طريق الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة، ولكن: فيه أن النبي ﷺ انصرف قبل أن يدخل في الصلاة.\nواللفظ هو: فلما قام في مصلاه [عند البخاري: انتظرنا أن يكبر]، [وعند مسلم: قبل أن يكبر] = ذكر أنه جنب، فقال لنا: مكانكم، … الحديث.\nولكن: خالف محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان: أبا سلمة في اللفظ فرواه باللفظ المستدل به كما جاء عند ابن ماجه [١٢٢٠]، والدارقطني [١/ ٣٦١]، والبيهقي في سننه [٢/ ٣٩٧]، كلهم من طريق أسامة بن زيد الليثي عن عبد الله بن يزيد عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن أبي هريرة، وفيه: أنه ﵊ كبر ثم خرج.\nوعلة هذا الإسناد: أسامة بن زيد الليثي، فقد تُكلم فيه، وأنكروا عليه بعض أحاديثه، قال النسائي فيه: ليس بالقوي، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به، وقال فيه ابن معين: كان يحيى بن سعيد يضعفه، وقال مرة: ليس به بأس، وفي رواية: ثقة.\nقال البوصيري: إسناده ضعيف لضعف أسامة بن زيد، اهـ[مصباح الزجاجة: ١/ ١٤٤].\nقال الحافظ: في إسناده نظر، وأصله في الصحيحين بغير هذا السياق.\n[التلخيص: ٢/ ٨٧].\nولعل الإمام أحمد أشار إلى ضعف هذه الرواية - كما ذكر ابن رجب في الفتح [حديث: ٦٤٠]-، قال الحسن بن ثواب: قيل لأبي عبد الله - وأنا أسمع: النبي ﷺ حين أومأ إليهم أن امكثوا، فدخل فتوضأ ثم خرج، أكان كبر؟!\nفقال: يُروى أنه كبر، وحديث أبي سلمة: لما أخذ القوم أماكنهم في الصف. قال لهم: امكثوا، ثم خرج فكبر. اهـ.\nلكن ابن ثوبان قد توبع من ابن سيرين - على هذا اللفظ -، فرواه عنه ابن عون، واختلف عليه في الوصل والإرسال.\nفرواه أبو الربيع الحارثي عن الحسن بن عبد الرحمن الحارثي عن ابن عون عن ابن سيرين عن أبي هريرة.\nكذا أخرجه البيهقي (٢/ ٣٩٨)، والطبراني في الأوسط [٥/ ٣١٧]، وفي الصغير [٢/ ٧٤]، وقال عقبه: لم يروه عن ابن عون إلا الحسن بن عبد الرحمن، تفرد به أبو=","vol":"1","page":107},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الربيع الحارثي. اهـ.\nوقال الهيثمي في المجمع [٢/ ٢١٣]: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه غير واحد لم أجد من ذكرهم. اهـ.\n- وخالف ابن علية - وهو ثقة حافظ - وغيره: الحسن بن عبد الرحمن [والذي ذكره ابن حبان في الثقات، وكذا البخاري في تاريخه الكبير، وابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» ولم يذكرا فيه شيئًا]، فرواه عن ابن عون عن ابن سيرين عن النبي ﷺ مرسلًا، كما عند البيهقي [٢/ ٣٩٨].\n- وتابع ابن عون على الإرسال: أيوب وهشام، كما ذكر أبو داود [٢٣١].\n- وهذه الرواية المرسلة قال عنها البيهقي [٢/ ٣٩٨]: هذا هو المحفوظ. اهـ.\nوقد جاء الحديث بهذا اللفظ من طريقين آخرين مرسلًا، وهما:\n١ - عن عطاء بن يسار كما أخرج مالك في موطئه [١/ ٣٣ - ط التوفيقية]، عن: إسماعيل ابن أبي حكيم عن عطاء بن يسار عن النبي ﷺ مرسلًا.\n٢ - عن الربيع بن محمد: كما أخرج أبو داود [٢٣٢]، عن مسلم بن إبراهيم عن أبان بن يزيد عن يحيى بن أبي كثير عن الربيع بن محمد عن النبي ﷺ مرسلًا، إلا أن الربيع هذا في عداد المجهولين.\nوالذي يبدو لي - والله أعلم بالصواب - أن هذه الروايات المرسلة مع رواية ابن ثوبان لا تقوى على مواجهة رواية أبي سلمة المتصلة الإسناد، التي اتفق الشيخان على إخراجها في الصحيح، وهذا ما قاله لي شيخنا أبو عبد الله - حفظه الله - حيث قال: الرواية المتصلة المفصلة - يعني التي في الصحيحين - أصح. اهـ.\nإلا أنني يجب علي أن أقول:\nإن هذا المتن المخالف لما في الصحيحين لم يأت من طريق أبي هريرة وحده، بل جاء من طريق صحابة آخرين، وإن كان الإسناد إليهم متكلم فيه، وتفصيل ذلك فيما يلي.\nقد روي هذا الحديث عن كل من: أبي بكرة، وأنس، وعلي بن أبي طالب ﵁.\n١ - حديث أبي بكرة:\nرواه حماد بن سلمة عن زياد الأعلم عن الحسن عن أبي بكرة بلفظين متقاربين:\nأحدهما: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ فَأَوْمَأَ إليهم أَنْ مَكَانَكُمْ، ثُمَّ ذهب وجَاءَ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ فَصَلَّى بِهِمْ.\nرواه عن حماد بن سلمة بهذا اللفظ جماعة، تجدهم عند: أبي داود [٢٣٠]، ومن طريقه البيهقي [٢/ ٣٩٧]، وأحمد في مسنده [٢٠٤٢٦، ٢٠٤٥٩]. وابن المنذر في الأوسط","vol":"1","page":108},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= [٤/ ٢١٢]، والطحاوي [مشكل الآثار: ٦٢٣].\nواللفظ الآخر أن رسول الله ﷺ استفتح الصلاة فكبر، ثُمَّ أَوْمَأَ إليهم أَنْ مَكَانَكُمْ ثُمَّ دخل فخرج وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ فَصَلَّى بِهِمْ، فلما قضى الصلاة قال: «إنما أنا بشر، وإني كنت جنبًا».\nرواه عن حماد بهذا اللفظ جماعة، تجدهم بأسمائهم عند: أحمد [٢٠٤٢٠]، وابن خزيمة [١٦٢٨]، وابن حبان [٢٢٣٥]، ولكن بدون زيادة «إنما أنا بشر …»، وأبو داود [٢٣١]، وعنه البيهقي [٢/ ٣٩٧].\nوالكلام على هذا الإسناد من ثلاثة أوجه:\nأولًا: سماع الحسن من أبي بكرة ﵁ فالذي تطمئن إليه النفس وتميل إليه: ما ذهب إليه ابن المديني والبخاري وغيرهما من إثبات سماع الحسن من أبي بكرة، خلافًا للدارقطني ومن تبعه على إنكار السماع.\nوانظر لمزيد من التفصيل في ذلك، «التابعون الثقات المتكلم في سماعهم من الصحابة» لمبارك بن سيف الهاجري [١/ ٣٣٨ - ٣٥٣].\nثانيًا: حال حماد بن سلمة.\nفحماد - وإن كان من الثقات الأثبات - إلا أنه تغير حفظه بأخرة.\nيقول ابن التركماني [الجوهر النقي: ٢/ ٣٩٧]- معلقًا على تصحيح البيهقي لهذا الإسناد - الحديث مداره على حماد بن سلمة، وقال عنه البيهقي: ساء حفظه في آخر عمره، فالحفاظ لا يحتجون بما يخالف فيه، وقال عنه مرة: ليس بالقوي، … فالعجب من البيهقي كيف أطلق هذا القول في حماد بن سلمة مع جلالته، ثم ناقض نفسه فحكم على هذا الحديث بالصحة؟! اهـ.\nقلت (القائل أحمد): لم ينفرد البيهقي بهذا التصحيح، بل سبقه بالتصحيح ابن حبان، ولحقه بتصحيح الإسناد النووي [المجموع: ٤/ ٢٦١]، وأيضًا صحح إسناده العراقي [تخريج أحاديث الإحياء]، وابن الهمام الحنفي [فتح القدير: ١/ ٣٧٤].\nثالثًا: رواية حماد بن سلمة عن زياد الأعلم:\nقال يحيى بن سعيد القطان: حماد بن سلمة: عن زياد الأعلم وقيس بن سعد = ليس بذاك. اهـ.\nذكر ذلك ابن عدى في كامله، وابن حجر في «تهذيبه»، [ت: حماد بن سلمة]، وابن رجب [شرح علل الترمذي: صـ ٧٠٧، طـ، دار الرشد].\nثم أختم الكلام على هذا الإسناد بفائدة، وهي:\nأن ابن خزيمة قد أشار - من طرف خفي - إلى إعلال هذا الإسناد، وإن كان أخرجه =","vol":"1","page":109},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= في الصحيح، وذلك يتضح بما يلي: أنه صدر الباب عنده بحديث أبي هريرة المذكور بلفظه في الصحيحين ثم ثنى بعد ذلك برواية أبي بكرة هذه بسندها، ولكن:\nقدم ابن خزيمة المتن أولًا، ثم ساق الإسناد بعدها، فماذا يعني هذا؟!.\nيقول الحافظ ابن حجر:\n«تقديم الحديث على السند يقع لابن خزيمة إذا كان في السند من فيه مقال، فيبتدئ به ثم بعد الفراغ يذكر السند»، قال: «وقد صرح ابن خزيمة بأن من رواه على غير ذلك الوجه، [أي الوجه الذي ذكره ابن خزيمة عنده]، لا يكون في حل منه». اهـ.\nنقله عنه السيوطي [تدريب الراوي: ١/ ٥٥٧ - ط. دار طيبة]، وهو بمعناه في الفتح [٨/ ٤٢١].\nونقله السخاوي [فتح المغيث: ٣/ ١٩٠ - ط دار المنهاج]، وكذلك البقاعي [النكت الوفية: ١/ ٢٥٧ - ٢٥٨]. وكلام ابن خزيمة نفسه مسطر في صحيحه [١/ ٢٢٨].\nويقول الحافظ أيضًا: [إتحاف المهرة: ١٩٧٥]:\n«وقاعدة ابن خزيمة: إذا علق الخبر لا يكون على شرطه في الصحة، ولو أسنده بعد أن يعلقه». اهـ.\nوقال في موطن آخر: «هذا اصطلاح ابن خزيمة في الأحاديث الضعيفة والمعللة، يقطع أسانيدها ويعلقها ثم يوصلها، وقد بين ذلك غير مرة». اهـ. [إتحاف المهرة: ٦٨٤٩]، قلت: ولعله لذلك قال الحافظ في التلخيص [٢/ ٨٧]، بعد ذكره الحديث: صححه ابن حبان والبيهقي، ولم يذكر ابن خزيمة، فالله أعلم بالصواب.\n٢ - حديث أنس بن مالك ﵁:\nأخرجه الطبراني في الأوسط [٤/ ١٩٢]، والدارقطني في سننه [١/ ٣٦٢]، وكذا البيهقي في السنن [٢/ ٣٩٩]، كلهم من طريق عبيد الله بن معاذ عن أبيه عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس.\nوهذا إسناد ظاهره الصحة، يكاد الحديث يصحح به لولا ما يلي:\nالأول: مخالفة عبد الوهاب بن عطاء لمعاذ العنبري.\nفقد أخرج الحديث الدارقطني [١/ ٣٦٢]، عن عثمان بن أحمد الدقاق [والذي وثقه الدارقطني كما في الميزان]، عن يحيى بن أبي طالب [قال فيه أبو حاتم: محله الصدق، كما في «الجرح والتعديل»، ووثقه الدارقطني وغيره - كما في الميزان]، عن عبد الوهاب ابن عطاء عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة عن بكر بن عبد الله المزني [وهو ثقة ثبت من الطبقة الثالثة]، عن النبي ﷺ - مرسلًا.","vol":"1","page":110},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ورواية عبد الوهاب تقدم على رواية معاذ لسببين:\nأ - أن عبد الوهاب سلك غير الجادة في هذا الحديث، فرواه عن سعيد، عن قتادة، عن بكر ابن عبد الله، بينما سلك معاذ طريق الجادة، فرواه عن سعيد، عن قتادة، عن أنس.\nب - أن عبد الوهاب من أعلم الناس بحديث سعيد.\nقال ابن سعد عنه: لزم سعيد بن أبي عروبة، وعرف بصحبته، وكتب كتبه. اهـ.\nوقال الإمام أحمد: كان عبد الوهاب من أعلم الناس بحديث سعيد. [كما في التهذيب].\nوأما ما نقله ابن رجب [شرح علل الترمذي: ٢/ ٧٤٦]، عن يحيى بن معين أنه قال: قلت لعبد الوهاب: سمعت من سعيد في الاختلاط؟ قال: سمعت منه في الاختلاط وغير الاختلاط، فليس أميز بين هذا وهذا = فقد قام أهل الحديث بتبيين معنى هذا الكلام وتوجيهه، والحاصل من كلامهم، أن رواية عبد الوهاب عن سعيد مقبولة ولا ترد، بل يحتج بها، [انظر تفصيل ذلك في: إضاءات بحثية في علوم السنة النبوية وبعض المسائل الشرعية: ٢١٦ - ٢٢١].\nثانيًا: تفرد سعيد بن أبي عروية، عن قتادة بهذا الحديث -، على ما يحمله من حكم يحتاج إليه - من دون أصحاب قتادة [كهشام وهمام، وغيرهما] = أمر يجعل الباحث غير مطمئن لمثل هذا السند.\nقال أبو بكر البرديجي [ت ٣٠١ هـ]: «أحاديث شعبة، عن قتادة، عن أنس، عن النبي ﷺ كلها صحاح، وكذلك سعيد بن أبي عروية، وهشام الدستوائي، إذا اتفق هؤلاء الثلاثة على الحديث فهو صحيح، وإذا اختلفوا في حديث واحد: فإن القول فيه قول رجلين من الثلاثة، فإذا اختلف الثلاثة: توقف عن الحديث، وإن انفرد واحد من الثلاثة في حديث: نظر فيه، فإن كان لا يُعرف متن الحديث إلا من طريق الذي رواه: كان منكرًا اهـ. [شرح علل الترمذي لابن رجب: ٢/ ٦٩٧].\nقلت (القائل أحمد): فتأمل قوله: «وإن انفرد واحد من الثلاثة …» إلخ، مع ما قاله الطبراني عقب الحديث: لم يرو هذا الحديث عن قتادة إلا سعيد، ولا عن سعيد إلا معاذ تفرد به عبيد الله بن معاذ = يتبين لك وجه عدم الاطمئنان الذي ذكرته آنفًا، والله أعلم.\nهذا: وقد رجح شيخنا - حفظه الله - المرسل هنا، ومما ذكره لي - زيادة على ما تقدم -:\nأن مما يقوي تصحيح المرسل: تنكب أصحاب الكتب القريبة عن إخراج هذا الحديث بهذا السند، مع أنه - أي السند - على شرط كثير منها فنزول السند أيضًا غير مطمئن، والله أعلم.","vol":"1","page":111},{"text":"وجه الدلالة:\nأن الصحابة ظلوا على حالهم بعد خروج النبي ﷺ، ولما عاد أكمل الصلاة بهم، ولم يأمرهم أن يستأنفوا الصلاة، فدل ذلك على صحة صلاة المأمومين وإن بطلت صلاة الإمام.\n٢ - عموم قوله ﷺ: «يُصَلُّونَ لَكُمْ فَإِنْ أَصَابُوا فَلَكُمْ وَإِنْ أَخْطَئُوا فَلَكُمْ وَعَلَيْهِمْ» (^١).\n_________\n٣ - حديث علي بن أبي طالب ﵁:\nأخرجه أحمد في مسنده [٦٦٨، ٧٧٧]، والبزار [البحر الزخار: ٨٩٠]، والطبراني في الأوسط [٦/ ٢٧٢]، كلهم من طريق: ابن لهيعة عن الحارث بن يزيد، وعبد الله بن هبيرة [كذا بالجمع بينهما عند البزار والطبراني، وعند أحمد فرق بينهما]، عن عبد الله بن زرير، عن علي بن أبي طالب.\nقال البزار: هذا الحديث لا نحفظه يروى عن رسول الله ﷺ إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد. اهـ.\nوقال الطبراني لا يروى هذا الحديث عن علي إلا بهذا الإسناد، تفرد به ابن لهيعة اهـ.\nقال الهيثمي [المجمع: ٢/ ٢١٣]: مدار طرقه على ابن لهيعة، وفيه كلام. اهـ.\nقلت: ابن لهيعة هو: عبد الله بن لهيعة الحضرمي الفقيه، قاضي مصر، الراجح في حاله ما قاله الذهبي [الكاشف]: العمل على تضعيف حديثه، والله أعلم، وعلى هذا فالإسناد لا يصح.\nوالخلاصة -: أن الأحاديث الثلاثة [عن أبي بكرة وأنس وعلي]، كما رأيت ليس فيها إسناد يسلم، وعلى ذلك: فرواية الصحيحين مقدمة على هذه الروايات، إلا أن هناك بعض أهل العلم ممن رام التصحيح ذهب إلى الجمع بين الروايتين أي: ما جاء في الصحيح وغيره - وذلك بحكمه أنهما واقعتان مختلفتان، أبدى ذلك: القاضي عياض والقرطبي احتمالًا، وقال النووي: إنه الأظهر، وجزم به ابن حبان.\nقال الحافظ: بعد نقله لهذه الأقوال: فإن ثبت - أي ما في خارج الصحيحين -، وإلا فما في الصحيح أصح. اهـ[فتح الباري: ٢/ ١٤٤].\n(^١) صحيح: وقد تقدم.","vol":"1","page":112},{"text":"قال البغوي: فيه دليل على أنه إذا صلى بقوم محدثًا أنه تصح صلاة المأمومين، وعليه الإعادة اهـ (^١).\n٣ - إجماع الصحابة ﵃ (^٢)، فقد صلوا أئمة وهم على غير وضوء - ناسين - ثم أعادوا الصلاة ولم يأمروا المأمومين بالإعادة.\nوإليك ما جاء في هذا الصدد.\n\n<span data-type='title' id=toc-76>أثر عمر بن الخطاب ﵁:</span>\nصلى عمر بن الخطاب بالناس الصبح بالمدينة، ثم خرج إلى الجرف، فذهب يغتسل فرأى في فخذيه احتلامًا، فقال: ما أراني إلا قد صليت بالناس وأنا جنب، فاغتسل ثم أعاد الصلاة (^٣).\n_________\n(^١) شرح السنة [٣/ ٤٠٥].\n(^٢) المغني [٢/ ٥٠٤].\n(^٣) صحيح بمجموع طرقه: هذا الأثر قد روى من عدة طرق عن عمر لا يخل جُلّ مفاريدها من مقال، فقد:\n١) أخرجه مالك في موطئه [١/ ٣٣] عن: إسماعيل بن أبي حكيم ويحيى بن سعيد عن سليمان بن يسار عن عمر بن الخطاب.\nوهذا إسناد منقطع، فإن سليمان بن يسار وإن كان من كبار التابعين وسمع من جماعة من الصحابة = لكنه يرسل عن عمر بن الخطاب كما قال أبو زرعة في جامع التحصيل [١/ ١٩٠].\n٢) وأخرجه مالك من طريق آخر [١/ ٣٣]، عن هشام بن عروة عن أبيه عن زبيد بن الصلت قال: خرجت مع عمر، وقد خالف معمر مالكًا، فرواه عن هشام عن عروة، عن عمر بن الخطاب مرسلًا، لكن الراجح - والله أعلم - رواية مالك والتي في إسنادها زبيد بن الصلت [والذي ذكره ابن حبان في الثقات وقال: يقال إنه ولد في عهد رسول الله ﷺ وكذا ذكر الحافظ ابن حجر في ترجمته في الإصابة، قلت: وليست له رواية في الكتب الستة].\n٣) وأخرجه عبد الرزاق [٢/ ٣٤٨]، عن الثوري عن جابر الجعفي عن القاسم بن عبد الرحمن عن عمر، وهذا إسناد ضعيف.\nفالجعفى حاله من الضعف لا يخفى، كما أن القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود قال عنه ابن المديني: لم يلق من أصحاب النبي ﷺ غير جابر بن سمرة، [جامع التحصيل: ١/ ٢٥٢].\n٤) وأخرجه البيهقي [٢/ ٣٩٩]، من طريق: ابن وهب، عن إسحاق بن يحيى بن طلحة، عن عيسى بن طلحة، عن مطيع بن الأسود: ركبت أنا وعمر …، وهذا إسناد ضعيف فإن إسحاق بن يحيى: جُلُّ الأئمة على تضعيفه - كما في التهذيب -.\n٥) وأخرجه ابن المنذر [الأوسط ٤/ ٢١٢]، عن: علان بن المغيرة [وهو صدوق - كما قال الحافظ عنه]. عن عمرو بن الربيع [وهو ابن طارق المصري]، عن يحيى بن أيوب [الغافقي المصري]، عن عبيد الله بن عمر [بن حفص بن عاصم العمري]، عن الحكم بن عتيبة، عن إبراهيم النخعي، عن الأسود بن يزيد: كنت مع عمر.\nوهذا السند رجالة ثقات عدا يحيى بن أيوب، فقد اختلفت أقوال أئمة «الجرح والتعديل» فيه، قال عنه ابن عدى: هو عندي صدوق لا بأس به، وقال عنه الحافظ: صدوق ربما أخطأ.\nوعلى كل: فحديثه يصلح هنا في الشواهد - على أقل الأحوال -، إن لم يحسن استقلالًا.\n٦) وأخرجه ابن المنذر [الأوسط: ٤/ ٢١٢]، من طريق آخر: عن الربيع بن سليمان عن ابن وهب، عن أسامة، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن عيسى بن طلحة، عن الشريد الثقفي [وهو صحابي شهد بيعة الرضوان]، عن عمر.\nوفي هذا الإسناد: أسامة بن زيد، ولا أدري الآن هل هو الليثي أم ابن أسلم، فالأخير حاله أضعف من الأول.\nلكن عيسى بن طلحة قد توبع:\nفعند الدارقطني (١/ ٣٦٤)، ومن طريقه البيهقي [٢/ ٣٩٩]: عن أبي عبيد القاسم بن إسماعيل [نقل الخطيب توثيقًا له في تاريخ بغداد]، عن محمد بن حسان [هو الأزرق]، عن ابن مهدي، عن عبد العزيز بن عبد الله، عن عبد الله بن أبي سلمة، عن ابن المنكدر عن الشريد الثقفي. وهذا إسناد حسن.","vol":"1","page":113},{"text":"<span data-type='title' id=toc-77>أثر عثمان بن عفان ﵁:</span>\nصلى عثمان بالناس الفجر، فلما تعالى النهار رأى أثر الجنابة على فخذه، فقال: كبرت والله، كبرت والله، أجنبت ولا أعلم، وأعاد","vol":"1","page":114},{"text":"الصلاة ولم يأمرهم أن يعيدوا (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-78>أثر عبد الله بن عمر ﵁:</span>\nعن سالم بن عبد الله عن أبيه: أنه صلى بهم الغداة، ثم ذكر أنه صلى بغير وضوء، فأعاد ولم يعيدوا (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-79>أثر علي بن أبي طالب ﵁:</span>\nعن علي ﵁ أنه قال: إذا صلى الجنب بالقوم فأتم بهم الصلاة: آمره أن يغتسل ويعيد، ولم يأمرهم أن يعيدوا (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه الدارقطني [١/ ٣٦٤]، ومن طريقه البيهقي (٢/ ٤٠٠)، وأخرجه أيضًا عن غير الدارقطني، وابن المنذر [الأوسط: ٤/ ٢١٢].\nكلهم من طريق هشيم عن خالد بن سلمة المخزومي، عن محمد بن عمرو بن الحارث، وهذا الأخير لم أجد لأحد من الأولين فيه ثوثيقًا إلا ذكر ابن حبان له في «الثقات»، وقد ترجم له البخاري في تاريخه الكبير، وكذا ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل»، وذكر عن أبيه أنه قد روى عنه: خالد بن سلمة، وحجاج بن أرطاة، لكن: لم يذكرا - البخاري وأبو حاتم - فيه جرحًا أو تعديلًا.\nوقد سأل عبد الرحمن بن مهدي سفيان، عن هذا الحديث فقال: قد سمعته من خالد بن سلمة، ولا أجيء به كما أريد. اهـ. [العلل لأحمد: ٢/ ١١٠].\n(^٢) إسناده صحيح: أخرجه عبد الرزاق [٢/ ٣٤٨]، ومن طريقه البيهقي [٢/ ٤٠٠]، وأخرجه ابن أبي شيبة [٤٥٦٩]، والدارقطني [١/ ٣٦٥].\nكلهم من طريق معمر عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر.\nوقد توبع سالم من نافع مولى ابن عمر، كما عند الدارقطني [١/ ٣٦٥]، من طريق ابن مهدي، عن عبد الله بن عمر العمري، عن نافع، والعمري وإن كان ضعيفًا إلا أن روايته تصلح هنا للاعتبار بها في المتابعات، لا كأصل للاحتجاج.\n(^٣) إسناده ضعيف: أخرجه ابن أبي شيبة [٤٥٧٥]، ومن طريقه ابن المنذر [٤/ ٢١٢].\nمن طريق: حجاج، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي، وحجاج، هو ابن أرطاة، والحارث: كلاهما ضعيف.","vol":"1","page":115},{"text":"وبهذا القول قال سعيد بن جُبير (^١)، والحسن البصري (^٢)، وغيرهما من التابعين.\nوأختم هذه الآثار بقول عبد الله بن المبارك، حيث قال:\nليس في الحديث قوة لمن يقول: إذا صلى الإمام محدثًا يعيد أصحابه، والحديث بألا يعيدوا أثبت لمن أراد الإنصاف بالحديث (^٣). اهـ.\nأما استدلالهم بالنظر، فقالوا:\n١ - إن الحدث مما يخفى، ولا سبيل للمأموم إلى معرفته عن الإمام، والمأموم لم يكلف ما غاب عنه، وقد صلى خلف رجل مسلم في علمه فكان معذورًا في الاقتداء به (^٤).\n٢ - كما لا يجزئ عن المأموم فعل إمامه = فكذلك لا يفسد عليه فساد إمامه، (^٥) وبمعنى آخر: كما أن صلاة الإمام لا تُصح صلاة المأموم\n_________\n(^١) قال سعيد بن جُبير إذا صلى بهم وهو على غير وضوء أعاد ولم يعيدوا اهـ. [إسناده صحيح]، أخرجه عبد الرزاق [٢/ ٣٤٩]، عن هشيم، عن أبي بشر، [هو جعفر بن إياس: من أثبت الناس في سعيد]، عن سعيد، وأخرجه ابن أبي شيبة [٤٥٧٧]، عن قبيصة، عن سفيان، عن الشيباني - هو أبو إسحاق - عن بكير بن الأخنس، عن سعيد.\n(^٢) سئل الحسن، عن رجل أم قومًا في شهر رمضان وهو على غير وضوء، فصلى بهم صلاة العشاء وصلاة رمضان والوتر = فقال: يعيد ولا يعيد من خلفه. اهـ. [إسناده صحيح].\nأخرجه عبد الرزاق [٢/ ٣٤٩]، عن معمر، عن قتادة، عن الحسن، وأخرجه ابن أبي شيبة، [٤٥٧٢]، عن هشيم، عن يونس، عن الحسن.\n(^٣) أخرجه البيهقي: [٢/ ٤٠١]، من طريق: يحيى بن شاسويه، ثنا عبد الكريم السكري ثنا وهب بن زمعة نا سفيان بن عبد الملك، عن ابن المبارك.\nوهذا إسناد رجاله ثقات خلا: يحيى وعبد الكريم، فلم أقف لهما على ترجمة الآن.\n(^٤) الأم [٢/ ٣٢٩]، والمغني [٢/ ٥٠٤].\n(^٥) الحاوي الكبير [٢/ ٣٠٨].","vol":"1","page":116},{"text":"- إن بطلت -: فكذلك لا تبطل صلاةُ الإمام صلاة المأموم - إن صحت - (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-80>القول الثاني: تبطل صلاة المأمومين، ويعيدونها.</span>\nوبهذا قال الحنفية (^٢)، وهو رواية عند الحنابلة (^٣).\nواستدل هؤلاء بالأثر والنظر:\nأما الأثر:\n١ - فمنه ما روي عن النبي ﷺ: «من أم قومًا ثم ظهر أنه كان محدثًا أو جنبًا أعاد صلاته وأعادوا».\nوجه الدلالة: أن النبي ﷺ أمر الجميع بالإعادة، فلم يفرق بين الإمام والمأموم، وقد تم الاتفاق على بطلان صلاة الإمام، فيستلزم ذلك بطلان صلاة المأموم أيضًا.\nوأجيب عليهم بأن هذا الحديث لا يعرف عن النبي ﷺ (^٤).\n٢ - وقد روي عنه ﷺ أنه صلى بالناس وهو جنب، فأعاد وأعادوا.\nوجه الدلالة:\nأن الصحابة أعادوا الصلاة بعلم النبي ﷺ، ولو كانت صلاتهم صحيحة لنهاهم عن الإعادة، فدل ذلك على بطلان صلاة المأموم أيضًا.\n_________\n(^١) المحلى [٤/ ٢١٤].\n(^٢) قال السرخسي: إن حدث الإمام إذا تبين للقوم بعد الفراغ = فصلاتهم فاسدة، [المبسوط: ١/ ١٨٠]، وانظر: [البدائع: ١/ ٢٧٧]، [فتح القدير: ١/ ٣٧٣].\n(^٣) الإنصاف [٢/ ٢٦٦].\n(^٤) قال الزيلعي عنه: غريب [نصب الراية: ٢/ ٥٨] وقال الحافظ: لم أجده مرفوعًا، اهـ[الدراية في تخريج أحاديث الهداية: ١/ ١٧٣]، وقال عنه ابن الهمام: غريب، [فتح القدير: ١/ ٣٧٣].","vol":"1","page":117},{"text":"وأجيب عليهم: بأن هذا الخبر أيضًا، لم يصح عن رسول الله ﷺ (^١).\n٣ - وقد روي نحو هذا عن عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب ﵄.\nوأجيب عليهم: بأن هذا أيضًا كسابقيه، لا يصح عن عمر ولا علي (^٢).\n_________\n(^١) إسناده ضعيف جدًّا: أخرجه الدارقطني في سننه [١/ ٣٦٤]، وعبد الرزاق [٢/ ٣٥٠]، كلاهما عن أبي جابر البياضي عن سعيد بن المسيب عن النبي ﷺ، وهذا مع إرساله فيه البياضي، وهو محمد بن عبد الرحمن، له ترجمة سيئة في لسان الميزان [٧٧٢٧]، يكفي منها هنا قول ابن عبد البر: أجمعوا على أنه ضعيف متروك الحديث، ونسبه مالك إلى الكذب على سعيد. اهـ.\n(^٢) أثر عمر بن الخطاب:\nعن أبي أمامة: أن عمر صلى بالناس وهو جنب، فأعاد ولم يعد الناس، فقال له علي: قد كان ينبغي لمن صلى معك أن يعيدوا، قال: فنزلوا إلى قول علي. [إسناده ضعيف].\nأخرجه عبد الرزاق [٢/ ٣٥١]، بإسناد فيه: المطرح أبو المهلب، عن عبيد الله بن زحر، عن علي بن يزيد عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبي أمامة، والمطرح وعلي: كلاهما ضعيف، بل قال ابن معين: أحاديث عبيد الله بن زحر وعلي بن يزيد عن القاسم، عن أبي أمامة مرفوعة = ضعيفة اهـ[التهذيب - ت علي بن يزيد].\nوقال الحافظ - عن هذا الأثر: إسناده واه اهـ. [الدراية: ١/ ١٧٣].\nوقد روي هذا الأثر مختصرًا، عند ابن أبي شيبة [٤٥٧٠]، من طريق آخر، عن وكيع، عن الأعمش، عن إبراهيم، وهذا منقطع، فإن إبراهيم النخعي لم يلق أحدًا من أصحاب النبي ﷺ، كما قال ابن المديني [جامع التحصيل: ١/ ١٤١].\n* أثر علي بن أبي طالب: أنه صلى: بالقوم وهو جنب فأعاد، ثم أمرهم فأعادوا. [إسناده ضعيف جدًّا].\nأخرجه عبد الرزاق [٢/ ٣٥٠]، والدارقطني [١/ ٣٦٤]، وعنه البيهقي [٢/ ٤٠١]، من طريق عمرو بن خالد، عن حبيب بن ثابت، عن عاصم بن ضمرة، عن علي.\nوعمرو - المذكور - كذبه وكيع وابن معين وغيرهما، ولذا قال الحافظ في الدراية\n[١/ ١٧٣]: إسناده واه. اهـ.\nوأخرجه - مختصرًا - عبد الرزاق [٢/ ٣٥١]، وابن أبي شيبة [٤٥٧١]، من طريق إبراهيم ابن يزيد، عن عمرو بن دينار، عن أبي جعفر عن علي [وليس موجودًا عند ابن أبي شيبة عن علي].\nوهذا إسناد ضعيف أيضًا، فإن إبراهيم بن يزيد الأموي الخوزي قد جرحه عامة الأئمة من أهل النقد، فقال فيه أحمد: متروك الحديث، وكذا قال النسائي، وقال أبو زرعة وأبو حاتم: منكر الحديث، ضعيف الحديث.","vol":"1","page":118},{"text":"وأجاب هؤلاء عن حديث أبي هريرة الذي استدل به أصحاب القول الأول بقولهم:\nإن هذا لا يقتضى أن خروجه ﵊ من الصلاة كان بعد شروعهم فيها، لجواز كون التذكر كان عقيب تكبيره بلا مهلة قبل تكبيرهم (^١).\nوأجابوا عن أثر عمر - الذي تقدم في أدلة الفريق الأول - بقولهم:\nتأويل حديث عمر ما ذكره في بعض الروايات أنه رأى أثر الاحتلام في ثوبه بعد الفراغ، ولم يعلم متى أصابه، فأعاد صلاته احتياطًا، وعندنا في هذا الموضع لا يجب على القوم إعادة الصلاة (^٢).\nوأما استدلالهم بالقياس فقالوا:\nويثبت قولنا أيضًا بالقياس على ما لو بان أنه صلى بغير إحرام لا تجوز صلاتهم إجماعًا، والمصلي بلا طهارة لا إحرام له (^٣).\nوأجيب عن هذا بأنه قياس يصطدم مع ما جاء من فعل الصحابة، كعمر وابنه وعثمان وعلي ﵁، فلا يقدم القياس على إجماع هؤلاء\n_________\n(^١) فتح القدير [١/ ٣٧٣].\n(^٢) المبسوط [١/ ١٨٠].\n(^٣) فتح القدير [١/ ٣٧٣].","vol":"1","page":119},{"text":"الصحابة (^١).\nالقول الثالث: إذا كان الإمام يعلم بحدثه وصلى بهم: فصلاتهم جميعًا فاسدة، وإن لم يكن يعلم، فصلاة المأمومين صحيحة.\nوهذا مذهب المالكية (^٢)، والحنابلة (^٣)، وقول للشافعي (^٤).\nواستدلوا على ذلك بالقياس، فقالوا:\nولنا أنه ائتم بمن صلاته فاسدة مع العلم منهما أو من أحدهما، أشبه ما لو ائتم بامرأة (^٥).\nوأجاب عن هذا الدليل الماورديُّ ﵀ حيث قال:\nوأما قياسهم على المرأة فلا يصح؛ لأنه قد كُلف - أي المأموم -\n_________\n(^١) الإنصاف [٢/ ٢٦٦].\n(^٢) قال مالك: وإن فر غ - أي الإمام - من الصلاة ولم يذكر أنه جنب حتى فرغ فصلاة من خلفه تامة، وعليه أن يعيد هو وحده، وإن كان الإمام حين صلى بهم كان ذاكرًا للجنابة: فصلاة القوم كلهم فاسدة، اهـ.\n[المدونة: ١/ ٣٧]، وانظر: مواهب الجليل [٢/ ١١٤]، حيث قال: إن هذا هو مذهب مالك وأصحابه.\n(^٣) قال الخرقي: وإذا نسي فصلى بهم جنبًا أعاد وحده. اهـ.\nقال ابن قدامة - شارحًا -: وإذا علم بحدث نفسه في الصلاة، أو علم المأمومون لزمهم استئناف الصلاة، نص عليه: اهـ[المغني: ٢/ ٥٠٤].\nوانظر: [الإنصاف: ٢/ ٢٦٦]، حيث قال المرداوي: هو المذهب، وعليه الأصحاب. اهـ.\n(^٤) قال النووي: وقال الشافعي في كتاب «البويطي» - قبل كتاب الجنائز بأسطر: إن كان الإمام عالمًا بحدثه: لم تصح صلاة المأمومين، وإن كان ساهيًا صحت، ونقل صاحب التلخيص فيما إذا تعمد الإمام: قولين في وجوب الإعادة، وقال: هما منصوصان للشافعي. اهـ. [المجموع: ٤/ ٢٥٦].\n(^٥) المغني [٢/ ٥٠٥].","vol":"1","page":120},{"text":"معرفة حال الإمام في كونه رجلًا أو امرأة لقدرته على معرفة ذلك بظاهر الزي والهيئة، ولم يكلف معرفة طهارة إمامه لتعذر معرفتها، وعدم أمارة تدل عليها.\nثم قال:\nوإذا فرق مالك بين عمد الإمام ونسيانه فغلط؛ لأن ما نقض الطهر فحكم العمد والسهو فيه سواء اهـ (^١)\nثم أخيرًا: قال شيخنا - حفظه الله -:\nالظاهر - والله تعالى أعلم: أن من صلى وراء إمام محدث، ولا يدري أثناء الصلاة عن إحداث إمامه = أن صلاته (أي المأموم) صحيحة، لحديث: «فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطأوا فلكم وعليهم»، والقياس والنظر الصحيح يقتضي ذلك، ثم هو رأي الجمهور.\nولو علم المأموم أن إمامه كان محدثًا بعد الصلاة: فالصلاة صحيحة لا تعاد، والله أعلم. اهـ (^٢).\n_________\n(^١) الحاوي الكبير [٢/ ٣٠٩].\n(^٢) سطره شيخنا بيمينه، ومنه نقلت.","vol":"1","page":121},{"text":"<span data-type='title' id=toc-81>١٠ - إمامة المسبوق</span>\nمرادنا بالمسبوق: هو من لم يدرك أول صلاة الإمام، فهو قد أدرك صلاة الجماعة لكن فاته شيء من الصلاة يقوم لقضائه بعد تسليم الإمام (^١).\nوهناك صورتان - نناقشهما هنا - لإمامة من كان هذا حاله، وهما:\n\n<span data-type='title' id=toc-82>الصورة الأولى: أن يؤم هذا المسبوق مسبوقين مثله.</span>\nبمعنى: أن الإمام يسلم، وفي المأمومين مسبوقون، فهل يجوز لهم أن يقدموا رجلًا منهم ليؤمهم فيما فاتهم من صلاتهم؟\nفالجواب: أن أهل العلم اختلفوا في هذه المسألة على قولين:\n\n<span data-type='title' id=toc-83>القول الأول: يجوز لهم ذلك.</span>\nوهو الصحيح من المذهب عند الشافعية (^٢)، والحنابلة (^٣).\nواستدلوا بالنظر، فقالوا:\nيجوز ذلك؛ لأنه لما جاز أن يستخلف (^٤) الإمام إذا خرج من الصلاة\n_________\n(^١) فتح القدير [١/ ٣٩٠]، الموسوعة الفقهية الكويتية [٢/ ٣٥٣].\n(^٢) قال النووي: إذا سلم الإمام وفي المأمومين مسبوقون فقاموا لإتمام صلاتهم فقدموا من يتممها بهم واقتدوا به = ففي جوازه وجهان، أصحهما الجواز اهـ[المجموع: ٤/ ٢٤٤]، [الحاوي الكبير: ٢/ ٤٨٨].\n(^٣) قال المرداوي: وإن سبق اثنان ببعض الصلاة فائتم أحدهما بصاحبه في قضاء ما فاتهما = فعلى وجهين، أحدهما: يجوز ذلك، وهو المذهب اهـ.\n[الإنصاف: ٢/ ٣٦]، المغني [٢/ ٥١٠].\n(^٤) انظر باب «الاستخلاف».","vol":"1","page":122},{"text":"قبل تمام صلاته = جاز أن يستخلف إذا خرج منها قبل تمام صلاتهم (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-84>القول الثاني: لا يجوز لهم ذلك.</span>\nوبه قال الحنفية (^٢)، والمالكية (^٣)، وهو وجه عند الشافعية (^٤)، ورواية عند الحنابلة (^٥).\nواستدل هؤلاء بالأثر، والنظر.\nأما الأثر: فهو:\nأَنَ الْمُغِيرَة بْن شُعْبَةَ قَالَ: تَخَلَّفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَتَخَلَّفْتُ مَعَهُ، فَلَمَّا قَضَى حَاجَتَهُ قَالَ: «أَمَعَكَ مَاءٌ»، فَأَتَيْتُهُ بِمِطْهَرَةٍ، فَغَسَلَ كَفَّيْهِ وَوَجْهَهُ، ثُمَّ ذَهَبَ يَحْسِرُ عَنْ ذِرَاعَيْهِ فَضَاقَ كُمُّ الْجُبَّةِ فَأَخْرَجَ يَدَهُ مِنْ تَحْتِ الْجُبَّةِ، وَأَلْقَى الْجُبَّةَ عَلَى مَنْكِبَيْهِ، وَغَسَلَ ذِرَاعَيْهِ، وَمَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ وَعَلَى الْعِمَامَةِ، وَعَلَى خُفَّيْهِ، ثُمَّ رَكِبَ، وَرَكِبْتُ فَانْتَهَيْنَا إِلَى الْقَوْمِ، وَقَدْ قَامُوا فِي الصَّلَاةِ يُصَلِّي بِهِمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَقَدْ رَكَعَ بِهِمْ رَكْعَةً، فَلَمَّا أَحَسَّ بِالنَّبِيِّ ﷺ ذَهَبَ يَتَأَخَّرُ، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ فَصَلَّى بِهِمْ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ النَّبِيُّ ﷺ، وَقُمْتُ فَرَكَعْنَا الرَّكْعَةَ الَّتِي سَبَقَتْنَا (^٦).\n_________\n(^١) الحاوي الكبير [٢/ ٤٨٨]، المغني [٢/ ٥١٠].\n(^٢) قال السرخسي: وإذا اقتدى أحد المسبوقين بالآخر فيما يقضيان: فسدت صلاة المؤتم، اهـ[المبسوط: ١/ ٢٣١]، [تبيين الحقائق: ١/ ١٣٨].\n(^٣) الشرح الصغير [١/ ٤٣٤].\n(^٤) المجموع [٤/ ٢٤٤]، الحاوي الكبير [٢/ ٤٨٨].\n(^٥) قال المرداوي: - بعد أن ذكر الوجه الأول الذي سقناه آنفًا -:\nالوجه الثاني: لا يجوز، قال المجد في شرحه: هذا منصوص أحمد في رواية صالح، اهـ. [الإنصاف: ٢/ ٣٦].\n(^٦) أخرجه مسلم [٢٧٤].","vol":"1","page":123},{"text":"وجه الدلالة: أنه لما فرغ عبد الرحمن بن عوف من الصلاة: أتم النبي ﷺ لنفسه ولم يؤم المغيرة، فدل على أن الاستخلاف بعد فراغ الإمام غير جائز (^١).\nوأما استدلالهم بالنظر فقالوا:\nإن هذا المأموم المسبوق الذي ائتم بمسبوق مثله: اقتدى في موضع كان عليه الانفراد، ولأنه كان مقتديًا بالإمام الأول في بعض صلاته، والآخر ليس بخليفة الأول، فكان هذا أداء صلاة بإمامين، وذلك لا يجوز (^٢).\nوأجاب هؤلاء عن دليل الفريق الأول القائلين بالجواز، فقالوا:\nالفرق بين هذه الحالة وبين جواز الاستخلاف قبل فراغ الإمام هو: أن كمال الجماعة، لم يحصل بخروج الإمام قبل الفراغ فجاز أن يستخلف لتكمل فريضة الجماعة، وإذا خرج منها بعد الفراغ فقد حصل لهم كمال الجماعة، فلم يجز الاستخلاف بعد الكمال (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-85>الصورة الثانية: أن يؤم هذا المسبوق من لم يدرك الجماعة أصلًا.</span>\nبمعنى: أن الإمام بعد أن سلم وقام أحد المسبوقين يتم صلاته، فجاء رجل لم يدرك الجماعة، فهل يجوز له أن يأتم بذلك الرجل المسبوق؟\nفالجواب: أن أهل العلم اختلفوا في هذه المسألة - كسابقتها تمامًا -\n_________\n(^١) الحاوي الكبير [٢/ ٤٨٨].\n(^٢) المبسوط [١/ ٢٣١].\n(^٣) الحاوي الكبير [٢/ ٤٨٨].","vol":"1","page":124},{"text":"على قولين:\n\n<span data-type='title' id=toc-86>القول الأول: يجوز له أن يأتم بذلك المسبوق.</span>\nوبهذا قال الشافعية (^١)، والحنابلة (^٢)، ورجحه ابن تيمية [مجموع الفتاوى: ٢٣/ ٣٨٢].\nوأما عن دليهم على ذلك فقالوا: إن هذا المسبوق قد انقطعت صلته بإمامه، فصار حكمه كحكم الفذ، فإذا سها سجد لسهوه، وكذلك يجوز أن يؤم غيره.\n\n<span data-type='title' id=toc-87>القول الثاني: لا يجوز له أن يأتم بذلك المسبوق.</span>\nوبهذا قال الحنفية (^٣)، والمالكية (^٤).\nوأما عن دليلهم على ذلك فقالوا: إن هذا الإمام المسبوق في الأصل: تبع لغيره، فهو في موضع الاقتداء، والاقتداء بناء التحريمة على التحريمة، فالمقتدي عقد تحريمته لما انعقدت له تحريمة الإمام، فكلما انعقدت له تحريمة الإمام جاز البناء من المقتدي، وما لا فلا (^٥).\n_________\n(^١) قال الخطيب الشربيني: [إذا خرج الإمام من صلاته]، بحدث أو غيره [انقطعت القدوة] به لزوال الرابطة، وحينئذ فيسجد لسهو نفسه، ويقتدي بغيره وغيره به اهـ.\n[مغني المحتاج: ١/ ٣٩١].\n(^٢) المغني [٢/ ٥١٠]، كشاف القناع [١/ ٣٠٠].\n(^٣) قال ابن الهمام: فالمسبوق كالمنفرد إلا في أربع مسائل: إحداها: لا يجوز اقتداؤه ولا الاقتداء به اهـ. [فتح القدير: ١/ ٣٩٠].\n(^٤) قال الشيخ الدردير: [وكونه - أي الإمام - غير مأموم]: فلا تصح خلف مأموم، ومنه مسبوق قام لقضاء ما عليه فاقتدى به غيره، ولو لم يعلم بأن إمامه مأموم إلا بعد الفراغ من الصلاة، وليس منه من أدرك مع الإمام ما دون ركعة، فإذا قام لصلاته صح الاقتداء به، وينوي الإمامية بعد أن كان ناويًا المأمومية. اهـ. [الشرح الصغير مع حاشية الصاوي] (١/ ٤٣٤) ط. دار المعارف.\n(^٥) فتح القدير [١/ ٣٩٠]، الفقه الإسلامي وأدلته [٢/ ١٧٨].","vol":"1","page":125},{"text":"ثم أخيرًا: قال شيخنا - حفظه الله -:\nالمسبوق وإمامته له حالان:\nالأولى: أن يؤم قومًا كانوا مسبوقين معه فهذه - والله أعلم - لم أقف لها على دليل صريح مرفوع إلى النبي ﷺ ولا أنه رأى ذلك فأقره.\nأما عن الحكم: فالأولى - والله أعلم - تركها، إذ الكل بمنزلة واحدة، وقد أدركوا الجماعة الأولى [خاصة عند من يقول: إن الجماعة تدرك بأي شيء قبل التسليم].\nولكن إن فعلت: فالصلاة ليست بباطلة، إذ هي نوع استخلاف عند فريق من العلماء، وقد استخلف عمر عبد الرحمن بن عوف، وكذا استخلف أبو بكر رسول الله ﷺ، والله أعلم.\nالثانية: أن يكون الرجل قد صلى مأمومًا وعليه ركعات ثم بعد انقضاء الصلاة قام يأتي بها فائتم به قوم.\nفالظاهر: جواز ذلك - والله أعلم - لعموم صنيع ابن عباس مع النبي ﷺ إذ قد ائتم بالنبي ﷺ بعد قضاء النبي جزءًا من صلاته، والله أعلم.","vol":"1","page":126},{"text":"<span data-type='title' id=toc-88>١١ - إمامة المتنفل للمفترض </span>(^١)\n<span data-type='title' id=toc-89>تمهيد </span>(^٢):\nأصل الاختلاف بين أهل العلم في هذه المسألة: هو أنهم اختلفوا:\nهل من شرط نية المأموم أن توافق نية الإمام في تعيين الصلاة، وفي الوجوب حتى لا يجوز أن يصلي المأموم ظهرًا بإمام يصلي عصرًا؟ ولا يجوز أن يصلي الإمام ظهرًا يكون في حقه نفلًا وفي حق المأموم فرضًا؟!.\nفذهب مالك وأبو حنيفة: إلى أنه يجب أن توافق نية المأموم نية الإمام.\nوذهب الشافعي: إلى أنه لا يجب.\nوالسبب في اختلافهم: معارضة مفهوم قوله ﵊: «إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ». لما جاء في حديث معاذ: من أنه كان يصلي مع النبي ﷺ ثم يصلي بقومه (^٣).\nفمن رأى ذلك خاصًّا لمعاذ، وأن عموم قوله ﵊: «إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ». يتناول النية = اشترط موافقة نية الإمام للمأموم.\nومن رأى أن الإباحة لمعاذ في ذلك هي إباحة لغيره من سائر المكلفين وهو الأصل (^٤) = قال: لا يخلو الأمر في ذلك الحديث الثاني من أحد أمرين:\n_________\n(^١) المفترض أو الفارض: يقصدون به مصلي الفريضة، والمتنفل: مصلي النافلة.\n(^٢) نقلًا عن ابن رشد الحفيد [بداية المجتهد: ١/ ١٢٠].\n(^٣) حديث معاذ سيأتي قريبًا - إن شاء الله -.\n(^٤) هذا كلام ابن رشد.","vol":"1","page":127},{"text":"أ - إما أن يكون ذلك العموم الذي فيه لا يتناول النية؛ لأن ظاهره إنما هو في الأفعال، فلا يكون معارضًا.\nب - وإما أن يكون يتناولها، فيكون حديث معاذ قد خصص ذلك العموم.\nعرضت هذه الصور لأصل الاختلاف بين أهل العلم: لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، فإذا تكونت لديك الآن الصورة فأصقلها بأحكام الأئمة، وهي:\nاختلف أهل العلم في مسألة إمامة المتنفل للمتفرض على ثلاثة أقوال وهي:\n\n<span data-type='title' id=toc-90>القول الأول: لا تصح إمامة المتنفل للمفترض.</span>\nوبهذا قال الحنفية (^١)، والمالكية (^٢)، وهو الصحيح من المذهب عند الحنابلة (^٣).\nواستدل هؤلاء بالأثر والنظر.\nأما استدلالهم بالأثر، فاستدلوا بأدلة:\nالدليل الأول:\nعموم قوله ﵊: «إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَلَا\n_________\n(^١) قال السرخسي: فأما المفترض إذا اقتدى بالمتنفل عندنا فلا يصح الاقتداء اهـ. [المبسوط: ١/ ١٣٦]، البدائع [١/ ١٤٣].\n(^٢) قال الشيخ الدردير: فلا يصح فرض خلف معيد ولا متنفل، ولا مغاير صلاة الإمام، وإن كان الإمام يرى ذلك اهـ[الشرح الصغير: ١/ ٤٤٥]، [الشرح الكبير: ١/ ٣٢٢].\n(^٣) قال ابن قدامة: وفي صلاة المفترض خلف المتنفل روايتان، إحداهما: لا تصح، نص عليه أحمد في رواية أبي الحارث وحنبل واختارها أكثر أصحابنا. اهـ.\n[المغني: ٣/ ٦٧]، الإنصاف [٢/ ٢٧٦].","vol":"1","page":128},{"text":"تخْتَلفوا علَيهِ» (^١).\nوجه الدلالة: أن هذا المفترض المأموم قد خالف إمامه في نيته، فوقع فيما نهي النبي ﷺ في قوله: «فَلَا تخْتَلفوا علَيهِ».\nوقد ورد إشكال على أصحاب هذا القول في استدلالهم بهذا الحديث، وهو:\nقال الطحاوي:\nفإن قال قائل: فإنا قد رأيناهم لم يختلفوا أن للرجل أن يصلي تطوعًا خلف من يصلي فريضة (^٢)، فكما كان المصلي تطوعًا يجوز له أن يأتم بمن يصلي الفريضة: كان كذلك يجوز للمصلي فريضة أن يصليها خلف من يصلي تطوعًا = قيل له: إن سبب التطوع هو بعض سبب الفريضة، وذلك أن الذي يدخل في الصلاة ولا يريد شيئًا غير ذلك من نافلة ولا فريضة: يكون لذلك داخلًا في نافلة، وإذا نوى الدخول في الصلاة ونوى الفريضة: كان بذلك داخلًا في الفريضة، فصار يكون ذلك داخلًا في الفريضة بالسبب الذي دخل به في النافلة، وبسبب آخر، فلما كان ذلك كذلك: كان الذي يصلي تطوعًا وهو يأتم بمصل فريضة: هو في صلاة له في كلها إمام، والذي يصلي فريضة ويأتم بمن يصلي تطوعًا: هو في صلاة له في بعض سببها الذي به دخل فيها إمام، وليس له في بقيته إمام، فلم يجز ذلك اهـ (^٣).\n_________\n(^١) صحيح: وقد تقدم.\n(^٢) يشير إلى مسألة: إمامة المفترض للمتنفل، وهي عكس مسألتنا هذه، وستأتي قريبًا - إن شاء الله -.\n(^٣) شرح معاني الآثار [١/ ٤١٠].","vol":"1","page":129},{"text":"الدليل الثاني: قوله ﵊ «الإِمام ضامن» (^١).\n_________\n(^١) أسانيده ضعيفة:\nوتمام الحديث: «والمؤذن مُؤتمن فأرشد الله الأئمة، وعفا عن المؤذنين»، وفي لفظ: «وغفر للمؤذنين».\nهذا الحديث قد روي من طرق عدة عن جمع من الصحابة، ومنها:\nحديث عائشة وأبي هريرة:\nوهو من طريق أبي صالح ذكوان، واختلف عليه.\nفرواه نافع بن سليمان، عن محمد بن أبي صالح، حدثنا أبي أنه سمع عائشة، عن النبي ﷺ: الحديث.\n[كما عند أحمد [٢٤٣٦٣]، وابن راهويه [١١٢٤]، والبخاري في تاريخه الكبير [١/ ٧٨]، وابن خزيمة [١٥٣٢]، والطحاوي في المشكل [٥/ ٤٣٦]، وابن حبان [١٦٧١]، والترمذي في «علله الكبير» [٩٢]، وأبي يعلي [٤٥٦٢]، والبيهقي [١/ ٤٢٥].\nوخالف الأعمشُ: محمد بن أبي صالح، واختلف عليه.\nفرواه عنه سهيل بن أبي صالح، واختلف عليه أيضًا.\nفرواه روح بن القاسم [عند الطبراني في الأوسط: ٨٥٤٩، والطحاوي في مشكل الآثار: [٥/ ٤٣٣]، وعبد العزيز بن محمد [عند ابن خزيمة: ١٥٢٨، عن أحمد بن عبدة عنه].\nومحمد بن جعفر عند الطحاوي في [المشكل: ٥/ ٤٣٣]، والبيهقي: [١/ ٤٣٠].\nكلهم عن سهيل عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة.\n- وقد غلط ابن المديني: عبد العزيز في هذا الحديث، فقال: غلط عبد العزيز في حديث سهيل عن الأعمش. اهـ. [مقدمة الكامل: ١/ ١٢١]، ولعل الصواب عنه الرواية القادمة، وهي:\nما رواه عبد العزيز بن محمد - مرة أخرى -[عند أحمد: ٩٤٢٨، وابن حبان: ١٦٧٢ من طريق قتيبة بن سعيد عنه]، وعبد الرحمن بن إسحاق، ومحمد بن عمار [عند ابن خزيمة: ١٥٣١]، وابن عيينة [عند عبد الرزاق: ١/ ٤٧٧]، وغيرهم = عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه، عن أبي هريرة بإسقاط الأعمش.\nوقبل أن أواصل ذكر باقي الطرق عن الأعمش = أقف لأذكر أقوال أهل العلم في الاختلاف السابق - أعني: الاختلاف على سهيل.\nقال ابن المديني: لم يسمع سهيل هذا الحديث من أبيه، إنما سمعه عن الأعمش اهـ. [التلخيص: ١/ ٥١٢].","vol":"1","page":130},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= قال الإمام أحمد: هذا الحديث لم يسمعه سهيل من أبيه، إنما سمعه من الأعمش، اهـ[سنن البيهقي: ١/ ٤٣٠].\nوأما ابن حبان فنحا نحوًا آخر، فقال:\nوأما الأعمش: فإنه سمعه من أبي صالح، عن أبي هريرة موقوفًا، وسمعه من أبي صالح، عن أبيه [كذا بالأصل] عن أبي هريرة مرفوعًا، وقد وهم من أدخل بين سهيل وأبيه فيه الأعمش، لأن سهيلًا سمعه من الأعمش، اهـ[صحيح ابن حبان: ٤/ ٥٥٩].\nقلت (القائل أحمد): بمقارنة القولين السابقين: يبدو أن الأصوب: ما ذهب إليه إماما العلل - ابن المديني وأحمد - من أن سهيلًا لم يسمع هذا الحديث من أبيه، والله تعالى أعلم.\nثم نعود لذكر باقي الطرق عن الأعمش:\nفروى الحديث ابن عيينة - مرة أخرى [عند الحميدي: ٩٩٩، والشافعي ١/ ٥٩]، وزائدة [عند أحمد: ٩٤٧٨]، وأبو الأحوص وأبو معاوية [عند الترمذي: ٢٠٧]، والثوري [أحمد: ٩٩٤٢، ١٠٠٩٨، وعبد الرزاق: ١/ ٤٧٧، وابن خزيمة: ١٥٢٨، وقرن الأخيران مع الثوري معمرًا]، وصدقة بن أبي عمران [الطبراني في الأوسط: ٣٠٥٤، وسلام بن أبي مطيع [الأوسط للطبراني: ٨٥٨٧]، وشريك [أحمد: ٩٤٧٨، ابن الجعد: ٢١١٨]، وبحر السقاء [الكامل لابن عدي: ٢/ ٥٤] ومحمد بن عبيد [البيهقي: ١/ ٤٣٠].\nوأبو معاوية [الأوسط للطبراني: ٧٤، لكنه قرن أبا رزين مع أبي صالح] وغيرهم = كلهم عن الأعمش عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعًا.\nوتابعهم: أبو حمزة السكري [البزار: ٣٥٧ - كشف الأستار، وشرح مشكل الآثار: ٥/ ٤٤٣، والبيهقي: ١/ ٣٤٠]، لكنه زاد ما يلي: قال رجل: يا رسول الله، لقد تركتنا ونحن نتنافس الأذان بعدك زمانًا. قال: «إن بعدكم زمانًا سفلتهم مؤذنهم» وقال البزار عقبة: قد روى صدره عن الأعمش جماعة على اضطرابهم فيه، وفي إسنادهم، وتفرد بآخره أبو حمزة ولم يتابع عليه. اهـ. قال الدارقطني: ليست هذه الألفاظ محفوظة اهـ. [العلل: ١٠/ ١٩٥].\nوقال الحافظ:\nأشار ابن القطان إلى أن البزار هو المتفرد بها، وليس كذلك، فقد جزم ابن عدى بأنها من أفراد أبي حمزة، وكذا قال الخليلي وابن عبد البر، وأخرجه البيهقي من غير طريق البزار فبرئ من عهدتها، وأخرجها ابن عدى في ترجمة: عيسى بن عبد الله عن يحيى بن عيسى، عن الأعمش، واتهم بها عيسى: وقال: إنما تعرف هذه الزيادة بأبي حمزة، قال=","vol":"1","page":131},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ابن القطان: أبو حمزة ثقة، ولا عيب للإسناد إلا ما ذكر من الانقطاع اهـ. [التلخيص: ١/ ٥١٣].\nوقد خالف هؤلاء الرواة السابق ذكرهم في روايتهم عن الأعمش = كل من:\nأ - محمد بن فضيل [أحمد: ٧١٦٩، وعنه أبو داود: ٥١٧]، وإبراهيم بن حميد الرؤاسي [علل الدارقطني: ١٠/ ١٩٥] = فروياه، عن الأعمش، عن رجل عن أبي صالح، عن أبي هريرة، وفي رواية إبراهيم قال: وقد سمعته من أبي صالح.\nوقد أشار الحافظ إلى شذوذ رواية إبراهيم هذه في [نتائج الأفكار: ١/ ٣٣٨].\nب - عبد الله بن نمير [أحمد: ٨٩٧٠، وابن خزيمة: ١٥٢٩، وأبو داود: ٥١٨، وعنه البيهقي: ١/ ٤٣٠]، وشجاع بن الوليد [العلل للترمذي: ٩١، مشكل الآثار: ٥/ ٤٣٤] = فروياه، عن الأعمش قال: حدثت، عن أبي صالح عن أبي هريرة، في رواية ابن نمير قال: ولا أراني إلا قد سمعته.\nإذن هل سمع الأعمش هذا الحديث من أبي صالح أم لا؟\nقد ذهب فريق من أهل العلم إلى إثبات السماع، وهم:\nابن حبان - كما سبق نقله عنه -، والشوكاني [نيل الأوطار: ١/ ٤٨٧]، ونقله عن اليعمري، ونحا نحوهم الشيخ الألباني [صحيح سنن أبي داود: ٣/ ٣: ح ٥٣٠].\nومن أوضح ما استدل به أصحاب هذا القول: رواية عند الطحاوي [مشكل الآثار: ٥/ ٤٣٤] من طريق سريج بن النعمان، عن هشيم، عن الأعمش، حدثنا أبو صالح عن أبي هريرة.\nوأجيب عليهم: بأن المحفوظ، عن الأعمش ليس فيه تصريحه بالتحديث، وربما يكون الوهم من سريج، فإنه وإن كان ثقة: له أغاليط - كما قال الإمام أحمد.\nوقد نص الحافظ على شذوذ هذه الرواية في نتائج الأفكار [١/ ٣٣٨].\nوذهب فريق آخر إلى إنكار سماع الأعمش لهذا الحديث عن أبي صالح وهم:\nسفيان الثوري [الجرح والتعديل لابن أبي حاتم: ١/ ٨٢، وتاريخ ابن معين برواية الدوري: ٢٤٣٠]، وابن المديني [التلخيص: ١/ ٥١٢]، وابن معين [جامع التحصيل: ١/ ١٨٩]، والبيهقي [السنن الكبرى: ١/ ٤٣٠]، وابن الجوزي [العلل المتناهية: ١/ ٤٣٣]، وإليه يشير كلام الإمام أحمد [في مسائله لأبي داود: ١٨٧١] وكلام ابن خزيمة [عقب حديث: ١٥٣٢].\nوالذي تطمئن إليه النفس: ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني، فهم أئمة هذا الشأن وأهله، والتسليم لهم أولى من مناطحتهم، والله أعلم.","vol":"1","page":132},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وبعد هذا: فيكون كلا الطريقين، عن أبي صالح، [طريق عائشة، وطريق أبي هريرة]. لا يصح إسناده.\nفأما طريق محمد بن أبي صالح.\nففيه: نافع بن سليمان، قال عنه أبو حاتم [العلل: ٢١٧]، ليس بقوي. اهـ.\nوأما محمد بن أبي صالح: فقال عنه ابن معين: لا أعرفه. اهـ. وقال عنه الدارقطني: مجهول: [سؤالات البرقاني: ٤٧٠].\nوقال ابن خزيمة: الأعمش أحفظ من مائتين مثل محمد بن أبي صالح. اهـ.\nوأما طريق الأعمش فقد تبين ما فيه، والراجح أن في إسناده مبهمًا، فلا يصح سنده.\nإذا علمت هذا: تبين لك أن النقول الآتية عن الأئمة في تصحيح أحد الطريقين = يعني بها تصحيحًا نسبيًّا، صحة أحد الطريقين بالنسبة للآخر، ولا يقصد به الصحة المطلقة، وإليك تصحيحهم:\nذهب البخاري إلى أن حديث عائشة أصح من حديث أبي هريرة [علل الترمذي صـ ٦٨].\nبينما ذهب أبو حاتم [العلل: ٢١٧]، وأبو زرعة [علل الترمذي صـ ٦٨]، وابن خزيمة [صحيحه: ١/ ٧٤٠]، والدارقطني [العلل: ١٤/ ٣٩٢]، والعقيلي [التلخيص: ١/ ٥١٢] = إلى أن حديث أبي هريرة أصح من حديث عائشة.\nومما يؤكد أن هذا التصحيح نسبي: ما جاء عن بعض الأئمة من صريح القول في هذا الحديث.\nقال الإمام أحمد: ما أرى لهذا الحديث أصلًا. اهـ. [مسائل أحمد لأبي داود: ١٨٧١].\nقال الدارقطني: وقد اضطرب الحديث عن أبي صالح: اهـ[العلل: ١٩٦٨].\nوقال في موطن آخر: يترك هذا الحديث اهـ[سؤالات البرقاني: ٤٧٠].\nوقال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح اهـ. [العلل المتناهية: ١/ ٤٣٣].\nوقال إمام العلل علي بن المديني:\nلا يصح حديث عائشة، ولا حديث أبي هريرة.\nقال الترمذي - معقبًا - وكأنه رأى أصح شيء في هذا الباب عن الحسن، عن النبي ﷺ مرسلًا، اهـ. [علل الترمذي صـ ٦٨، وعلل الدارقطني: ١٩٦٨].\nقلت (القائل أحمد): رواية الحسن المرسلة التي رجحها ابن المديني: أخرجها البيهقي في [السنن: ١/ ٤٣٠]، من طريق ابن المديني عن محمد بن أبي عدى. وأخرجها في [معرفة السنن والآثار: ١/ ٤٥٠]، من طريق الشافعي عن عبد الوهاب الثقفي = كلاهما، عن يونس - هو ابن عبيد - عن الحسن، عن النبي ﷺ، وهذا إسناد صحيح، لكنه مرسل","vol":"1","page":133},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= من مراسيل الحسن، والمرسل: ضعيف.\nبل قال الإمام أحمد: ليس في المرسلات شيء أضعف من مرسلات الحسن وعطاء، فإنهما كانا يأخذان عن كل أحد. اهـ. [التهذيب، ت عطاء].\nهذا: وقد ذهب ابن حبان إلى تصحيح الطريقين جميعًا، طريق عائشة، وطريق أبي هريرة.!!\nوقد جاءت بعض المتابعات للأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، والتي شجعت بعض الأفاضل على تصحيح الحديث فنذكرها ونبين عورها - بإذن الله -:\nأما المتابعون للأعمش فهم:\nأ - أبو إسحاق السبيعي عمرو بن عبد الله:\nأخرج هذه المتابعة: أحمد [٨٩٠٩، ١٠٦٦٦]، وابن خزيمة [١٥٣٠]، والترمذي [العلل الكبير: ٩٠]، والبزار [٨٩٢٤]، والطبراني في الأوسط [٧٥٠]، والشهاب في مسنده [٢٣٤]، وغيرهم = كلهم من طريق موسى بن داود، عن زهير بن معاوية عن أبي صالح عن أبي هريرة.\nوزهير وإن كان ثقة إلا أن سماعه من أبي إسحاق كان بعد اختلاطه، نص على ذلك الأئمة: أحمد وأبو حاتم وأبو زرعة.\nويضاف لذلك: أن أبا إسحاق نعته ابن حبان في الثقات بالتدليس، وهو هنا قد عنعن، فيتطرق إلى القلب شك من هذه العنعنة لاحتمال التدليس.\nإلا أن هذا الشك يزول ويحل محله اليقين، بهذا النقل الثمين.\nقال الآجري: سألت أبا داود عن حديث زهير عن أبي إسحاق عن أبي صالح، عن أبي هريرة «الإمام ضامن»، فقال: لم يسمعه أبو إسحاق من أبي صالح، [سؤالات الآجرى: ٢٦٠].\nوقال البزار: وهذا الحديث إنما يعرف من حديث الأعمش، ولا أحسب أبا إسحاق سمعه من أبي صالح. اهـ. [البحر الزخار: ١٥/ ٣٥٣].\nثم نأتي على هذه المتابعة من قواعدها بكلام إمام عصره: الدارقطني، حيث قال:\nورواه - أي حديث «الإمام ضامن»، زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق السبيعي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال موسى بن داود عنه، فإن كان موسى حفظه فقد أغرب به، وحدث به الفضل بن محمد العطار، وكان ضعيفًا، عن أبي خيثمة مصعب بن سعيد عن زهير عن أبي إسحاق أيضًا، وقال غيرهما: عن زهير، عن الأعمش، وهو الصواب. اهـ. [العلل: ١٠/ ١٩٦].\nب - محمد بن جحادة:\nأخرج هذه المتابعة: الطبراني في الأوسط [٩٤٨٦]، وابن عدي [٢/ ٣٠٨]،=","vol":"1","page":134},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= والدارقطني [العلل: ١٠/ ١٩٧]، من طريق المنذر بن الوليد حدثنا أبي عن الحسن، عن محمد بن جحادة، عن أبي صالح عن أبي هريرة.\nقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن محمد بن جحادة إلا الحسن بن أبي جعفر، تفرد به المنذر بن الوليد الجارودي عن أبيه. اهـ.\nولكن ذكر ابن عدي [٢/ ٣٠٧] متابعًا للوليد، وهو: مسلم بن إبراهيم، ثم قال: وهذا الحديث لا يرويه عن ابن جحادة إلا ابن أبي جعفر. اهـ.\n* وهذا الأخير هو موطن العلة هنا، فقد قال عنه البخاري والساجي: منكر الحديث.\nوقال ابن عدي: وهو يروي الغرائب، وخاصة عن محمد بن جحادة. اهـ.\nقلت (القائل أحمد): وحديثه هنا عن محمد بن جحادة المذكور، ولذا فلا يفرح بهذه المتابعة.\nجـ - أبو هاشم الرماني:\nأخرج هذه المتابعة: الدارقطني [جزء أبي الطاهر: ١٤٢]، وأشار إليها في العلل [١٠/ ١٩٧]، من طريق خلف بن عبد الحميد، عن أبي الصباح، عن أبي هاشم الرماني، عن أبي صالح، عن أبي هريرة.\nقال الدارقطني: تفرد به أبو الصباح عبد الغفور بن عبد العزيز، عن أبي هاشم الرماني، عن أبي صالح عن أبي هريرة. اهـ. [أطراف الغرائب: ٥٨٥٢].\nوالآفة في هذا الإسناد من هذا المتفرد، أعني: أبا الصباح، فقد قال عنه ابن معين: ليس بشيء، وقال البخاري: تركوه، وقال ابن حبان: كان ممن يضع الحديث. [وانظر ترجمته في الميزان].\nانتهت هنا المتابعات للأعمش، ولكن بقى اختلاف أخير على الأعمش، نشير إليه ونختم به الكلام على هذا الطريق الأول = وهو:\nقال الحافظ:\nومن الاختلاف على الأعمش فيه: ما رواه إبراهيم بن طهمان عنه، عن مجاهد، عن ابن عمر، أخرجه السراج من طريقه، وصححه الضياء في المختارة. اهـ. [التلخيص: ١/ ٥١٢].\nقلت (القائل أحمد): الطريق المذكور أخرجه أيضًا البيهقي [١/ ٤٣١]، وفيه: قال ابن عمر: المؤذن يغفر له مدى صوته، ويصدقه كل رطب ويابس، قال أي: مجاهد: وسمعته يقول: إن رسول الله ﷺ قال: «الْإِمَامُ ضَامِنٌ وَالْمُؤَذِّنُ مُؤْتَمَنٌ».\nإلا أن إبراهيم قد خولف في المتن من عمار بن زريق [عند البيهقي ١/ ٤٣١]، فقد =","vol":"1","page":135},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= روي، الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عمر مرفوعًا «الْمُؤَذِّنُ يُغْفَرُ لَهُ مَدَى صَوْتِهِ وَيصدقه كُلُّ رَطْبٍ ويابس»، ولم يذكر الفقرة الثانية من الحديث الأول.\nولم يقف الاختلاف على المتن فقط، بل اختلف على الأعمش في الإسناد أيضًا، فرواه عمرو بن عبد الغفار عنه، عن مجاهد، عن أبي هريرة مرفوعًا بمثل حديث عمار بن زريق.\nورواه حفص بن غياث عنه، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعًا: بمثل المتن السابق.\nوقد سئل الدارقطني [العلل: ١٥٤٤]، عن حديث مجاهد، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ «المؤذن يغفر له مدى صوته …» الحديث.\nفقال: يرويه الأعمش، واختلف عنه:\nفرواه محمد بن عبيد الطنافسي وعمرو بن عبد الغفار، عن الأعمش، عن مجاهد، عن أبي هريرة، وقال عمار بن زريق: عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عمر، وقال غيرهم: عن الأعمش، عن مجاهد مرسل، والمرسل أشبه. اهـ.\nقلت (القائل أحمد): ومع كون المرسل أشبه - كما قال الدارقطني: فهو من رواية الأعمش عن مجاهد، وهي رواية متكلم فيها.\nقال يعقوب بن شيبة: ليس يصح للأعمش عن مجاهد إلا أحاديث يسيرة، قلت لعلي بن المديني: كم سمع الأعمش من مجاهد؟ قال: لا يثبت منها إلا ما قال سمعت، هي نحو من عشرة، وإنما أحاديث مجاهد عنده، عن أبي يحيى القتات، [التهذيب - ت الأعمش].\nوقال عبد الله بن أحمد، عن أبيه في أحاديث الأعمش، عن مجاهد قال: قال أبو بكر بن عياش: قال رجل للأعمش: ممن سمعته - في شيء رواه عن مجاهد قال: مركزازمر - بالفارسية - حدثنيه ليث عن مجاهد.\n[العلل لأحمد: ١/ ٢٥٥ - رقم ٣٦٤، ونقله الحافظ في التهذيب بالمعنى، وقد عيّن محقق العلل في الحاشية الليثَ بأنه ابن سعد، ولعل الصواب: ليث بن أبي سليم، فهو الذي يروي عن مجاهد]، وانظر تتمة لهذا الكلام، شرح علل الترمذي لابن رجب [٢/ ٨٥٣].\nحديث سهل بن سعد الساعدي ﵁:\nقال أبو حازم: كان سهل بن سعد يُقَدِّمُ فِتْيَانَ قَوْمِهِ يُصَلُّونَ بِهِمْ، فَقِيلَ لَهُ [وفي رواية: فقلت له]: تَفْعَلُ وَلَكَ مِنْ الْقِدَمِ مَا لَكَ؟! قَالَ: [وفي رواية: يا أبا حازم]، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «الْإِمَامُ ضَامِنٌ، فَإِنْ أَحْسَنَ فَلَهُ وَلَهُمْ، وَإِنْ أَسَاءَ يَعْنِي فَعَلَيْهِ، وَلَا عَلَيْهِمْ».\n[إسناده ضعيف].\nأخرجه الحاكم [٧٨٥] من طريق: سريج بن النعمان، وابن ماجه [٩٨١]، والروياني [١٠٥٨]، من طريق: سعيد بن سليمان = كلاهما عن عبد الحميد بن سليمان، عن أبي","vol":"1","page":136},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= حازم به.\nقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه بهذا اللفظ، اهـ.\nقلت: هذا وهم من الحاكم ﵀، فإن مسلمًا لم يخرج لعبد الحميد المذكور، وليس هذا فحسب: بل إن عبد الحميد، قد ضعفه النسائي والدارقطني، وقال البوصيري: هذا إسناد ضعيف، عبد الحميد اتفقوا على تضعيفه. اهـ. [مصباح الزجاجة: ٣٥٨].\nقال ابن رجب: وقد ذكر الإمام أحمد هذا الحديث فقال: ما سمعت بهذا قط، قال - أي: ابن رجب -: وهذا يشعر باستنكاره له. اهـ. [فتح الباري: ٦/ ١٨٢].\nوقد ضعفه مغلطاي في «شرح سنن ابن ماجه» (٥/ ٤٦٦).\n٣ - حديث جابر بن عبد الله ﵁:\nعن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: «الإمام ضامن، فما صنع فاصنعوا».\n[إسناده ضعيف].\nأخرجه الطبراني في الأوسط [٣٥٤٥]، والدارقطني [١/ ٣٢٢]، كلاهما من طريق: الحميدي، عن موسى بن شيبة، عن محمد بن كليب، عن جابر.\nقال الطبراني: لا يروى هذا الحديث، عن جابر إلا بهذا الإسناد، تفرد به الحميدي. اهـ.\nوالضعف في هذا الإسناد من قبل موسى بن شيبة وهو ابن عمرو بن عبد الله السلمي.\nقال عنه الإمام أحمد: أحاديثه مناكير، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال الحافظ: لين الحديث. اهـ. ولم يخرج له أحد من أصحاب الكتب الستة.\nوقال ابن رجب: في إسناده مقال. اهـ. [فتح الباري: ٦/ ٢٥٩].\n٤ - حديث أبي أمامة ﵁:\nعن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ: «الْإِمَامُ ضَامِنٌ وَالْمُؤَذِّنُ مُؤْتَمَنٌ».\n[إسناده ضعيف].\nأخرجه أحمد [٢٢٢٣٨]، والطبراني في الكبير [٨/ ٢٨٦]، وأبو يعلى في الكبير [إتحاف الخيرة: ١٠٩٤] = كلهم من طريق الحسين بن واقد، عن أبي غالب، عن أبي أمامة، وأبو غالب هذا: قيل اسمه حزوَّر، وقيل غير ذلك، وقد تباينت أقوال الأئمة فيه، والذي يبدو لي من مجموع هذه الأقوال - والله أعلم -: أنه يعتبر به، ولكن لا يصل إلى رتبة الاحتجاج به منفردًا، وفي حديثنا هذا: لم أجد له متابعًا في الرواية، عن أبي أمامة، بل: وحدث عليه اختلاف.\nفقد خالف حماد بن سلمة: الحسينَ بن واقد - كما عند البيهقي (١/ ٤٣٢)، فجعل الكلام موقوفًا على أبي أمامة، ولفظه: «المؤذنون أمناء المسلمين، والأئمة ضمناء» قال: - أي","vol":"1","page":137},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= أبو أمامة -: والأذان أحب إليَّ من الإمامة، وانظر علل الدارقطني [١٢/ ٢٧٥].\nوقد حسن المنذري إسناد الإمام أحمد [الترغيب والترهيب: ١/ ١١٠].\n٥ - حديث واثلة بن الأسقع:\nعن واثلة قال: قال رسول الله ﷺ: «الْإِمَامُ ضَامِنٌ وَالْمُؤَذِّنُ مُؤْتَمَنٌ، اللَّهُم اغفِر للمُؤذنين وَاهْد الأَئِمةَ». [إسناده ضعيف].\nأخرجه الطبراني في الكبير [٢٢/ ٨٤]، وتمام في فوائده [١٢١٣] = كلاهما من طريق عنبسة بن سعيد، عن حماد مولى بني أمية، عن جناح مولى الوليد، عن واثلة.\nأما جناح: فقد ضعفه الأزدي وذكره ابن حبان في الثقات، كما أن الراوي عنه - حمادًا - أسوأ حالًا، قال فيه الأزدي: متروك [انظر الميزان - ولسانه].\n٦ - حديث عقبة بن عامر:\nعَنْ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ أَمَّ النَّاسَ فَأَصَابَ الْوَقْتَ فَلَهُ وَلَهُمْ، وَمَنْ انْتَقَصَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعَلَيْهِ، وَلَا عَلَيْهِمْ». [إسناده ضعيف].\nالحديث مداره على أبي علي الهمداني ثمامة بن شفي، وقد اختلف عليه.\nفرواه محمد بن مخلد الحضرمي، عن محمد بن عبد الرحمن بن القارة أنه سمع أبا علي الهمداني سمع قبيصة بن ذؤيب قال: بلغني عن النبي ﷺ: الحديث، هكذا مرسلًا، أخرجه البخاري في تاريخه الكبير [١/ ١٦٠، ٢٤١].\nوهذا إسناد ضعيف فمحمد بن عبد الرحمن: ترجم له البخاري وابن أبي حاتم، ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا، وذكره ابن حبان في الثقات، وأما الحضرمي الراوي عنه فقد ضعفه الأزدي، وقال أبو حاتم: لا أعرفه وذكره ابن حبان في الثقات.\nوخالف عبدُ الرحمن بن حرملة: محمدَ بن عبد الرحمن بن القارة.\nقال البخاري: وقال غير واحد عن ابن حرملة، عن أبي علي الهمداني، عن عقبة عن النبي ﷺ. اهـ.\nقلت: وهذا الطريق الذي أشار إليه البخاري أخرجه كل من:\nأبو داود (٥٨٠)، وابن خزيمة (١٥١٣)، وابن حبان (٢٢٢١)، والحاكم (٧٥٩)، وقال: صحيح على شرط البخاري، ثم تناقض قوله فقال: بعد أن أخرج الحديث مرة أخرى [٧٧٢]: هذا حديث صحيح، فقد احتج مسلم بعبد الرحمن بن حرملة، واحتج البخاري ييحيى بن أيوب، ثم لم يخرجاه. اهـ.\nوأخرجه ابن ماجه (٩٨٣)، وأحمد (١٧٣٠٥)، وأبو يعلى (١٧٦١)، والبيهقي (٣/ ١٢٧) كلهم بزيادة قصة وهي:","vol":"1","page":138},{"text":"وجه الدلالة: أن قوله ﵊: «الإِمام ضامن» معناه:\n_________\n= عن أبي علي الهمداني أنه خرج في سفينة فيها عقبة بن عامر، فحانت صلاة من الصلوات، فأمرناه أن يؤمنا، وقلنا له: إنك أحقنا بذلك، أنت صاحب رسول الله ﷺ فأبى فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: … الحديث.\nوقد خالف عطاف بن خالد الرواة عن ابن حرملة، فرواه عنه عن رجل من جهينة، عن عقبة ابن عامر [أخرجه أحمد: ١٧٣٢٣]، إلا أن مجموع كلام الأئمة في عطاف لا يجعل روايته تقاوم رواية من خالفوه.\nوكاد الحديث أن يحسن بهذا الإسناد [الذي رواه الجمع عن عبد الرحمن بن حرملة].\nلولا ما ذكره الطحاوي في «مشكل الآثار» [٥/ ٤٣٩]، حيث قال: وأهل العلم بالحديث يقولون: إن الصواب في إسناد هذا الحديث أنه عن يحيى بن أيوب عن حرملة بن عمران، عن أبي علي الهمداني؛ لأن عبد الرحمن بن حرملة لا يعرف له سماع من أبي علي الهمداني. اهـ.\nثم ساق الطحاوي الحديث بهذا الإسناد، من طريق: يحيى بن أيوب، عن حرملة بن عمران عن أبي علي الهمداني، عن عقبة بن عامر.\nقلت: فهذا أمر واضح جلي من الطحاوي أنه يعل الطريق الأول بالثاني، وعليه فلا يصلح أن نقول: إن حرملة بن عمران تابع عبد الرحمن بن حرملة في روايته، عن أبي يعلى - كما فعل بعض الأفاضل -، إذ أن أحد الطريقين يعل الآخر، والله أعلم.\nوالطريق الذي ذكر الطحاوي أنه الصواب في إسناده يحيى بن أيوب الغافقي.\nقال المناوي:\nقال عبد الحق: فيه يحيى بن أيوب لا يحتج به، وقال ابن القطان: لولا هو: لكنا نقول: الحديث صحيح اهـ[فيض القدير: ٦/ ٨٨، طـ المكتبة التجارية].\nوهناك متابعة لحرملة بن عمران من عبد الله بن عامر الأسلي عند أحمد [١٧٤٠١]، والطبراني في الكبير [١٧/ ٣٢٩]، لكن عبد الله ضعيف.\nوالخلاصة في هذا الحديث - أعني حديث عقبة:\nأن أسانيده ضعيفة، وإن كان يشهد لمتنه ما جاء في الصحيح: «يُصَلُّونَ لَكُمْ، فَإِنْ أَصَابُوا فَلَكُمْ ولهم، وَإِنْ أَخْطَئُوا فَلَكُمْ وَعَلَيْهِمْ». سبق تخريجه.\nوأما عن حديثنا «الإمام ضامن» فالخلاصة فيه ما قال العجلوني:\n«وباب الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن» المروي بأسانيد عديدة = لم يصح فيه شيء. اهـ.\n[كشف الخفاء: ٢/ ٤٢٠]. والله أعلم بالصواب.","vol":"1","page":139},{"text":"تتضمن صلاته صلاة القوم.\nوتضمين الشيء فيما هو فوقه يجوز، وفيما هو دونه لا يجوز، وهو المعنى في الفرق، فإن الفرض يشتمل على أصل الصلاة والصفة، والنفل يشتمل على أصل الصلاة فإذا كان الإمام مفترضًا: فصلاته تشتمل على صلاة المقتدي وزيادة، فصح اقتداؤه به (^١)، وإذا كان الإمام متنفلًا فصلاته لا تشتمل على ما تشتمل عليه صلاة المقتدي فلا يصح اقتداؤه به؛ لأنه بنى القوي على أساس الضعيف (^٢).\nالدليل الثالث:\nعَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الْخَوْفِ بِإِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ رَكْعَةً، وَالطَّائِفَةُ الْأُخْرَى مُوَاجِهَةُ الْعَدُوِّ، ثُمَّ انْصَرَفُوا وَقَامُوا فِي مَقَامِ أَصْحَابِهِمْ مُقْبِلِينَ عَلَى الْعَدُوِّ، وَجَاءَ أُولَئِكَ، ثُمَّ صَلَّى بِهِمْ النَّبِيُّ ﷺ رَكْعَةً، ثُمَّ سَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ، ثُمَّ قَضَى هَؤُلَاءِ رَكْعَةً وَهَؤُلَاءِ رَكْعَةً (^٣).\nوجه الدلالة: أن النبي ﷺ جعل الناس طائفتين، وصلى بكل طائفة شطر الصلاة لينال كل فريق فضيلة الصلاة خلفه، ولو جاز اقتداء المفترض بالمتنفل لأتم الصلاة بالطائفة الأولى ثم نوى النفل وصلى بالطائفة الثانية، وذلك لينال كل طائفة فضيلة الصلاة خلفه من غير الحاجة إلى المشي وأفعال كثيرة ليست من الصلاة (^٤).\nوأما استدلالهم بالنظر، فقالوا:\nإن صلاة المأموم لا تتأدى بنية الإمام، أشبه صلاة الجمعة خلف من\n_________\n(^١) هذا وجه آخر للرد على الإشكال الذي أورده الطحاوي آنفًا وأجاب عليه.\n(^٢) المبسوط [١/ ١٣٧]، البدائع [١/ ١٤٣].\n(^٣) متفق عليه: أخرجه البخاري (٩٤٢)، ومسلم (٨٣٩)، واللفظ له.\n(^٤) البدائع [١/ ١٤٣].","vol":"1","page":140},{"text":"يصلي الظهر (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-91>القول الثاني: تصح إمامة المتنفل للمفترض.</span>\nوبه قال الشافعية (^٢)، وهو رواية عن الحنابلة (^٣)، واختاره ابن حزم (^٤).\nوقد قيد الحنابلة (^٥)، وكذا الشافعية - على الأصح عندهم (^٦) -، أي: الإمام والمأموم - ذلك بقيد، وهو: توافق نظم الصلاتين.\nفإن اختلف فعلهما - أي الإمام والمأموم، كمن يصلي صلاة مكتوبة خلف من يصلي صلاة الكسوف أو الجنازة: لم يصح الاقتداء، وذلك لمخالفة النظم، وتعذر المتابعة.\nواستدل أرباب هذا القول بالأثر والنظر.\nأما استدلالهم بالأثر فقالوا:\nالدليل الأول:\nعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: كَانَ مُعَاذٌ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، ثُمَّ يَأْتِي فَيَؤُمُّ قَوْمَهُ\n_________\n(^١) المغني [٣/ ٦٧].\n(^٢) قال الشافعي: وإذا صلى الإمام نافلة فائتم به رجل في وقت يجوز له فيه أن يصلي على الانفراد فريضة ونوى الفريضة: فهي له فريضة، اهـ[الأم: ٢/ ٣٥٠]، المجموع [٤/ ٢٦٩].\n(^٣) قال المرداوي: ويصح ائتمام المفترض بالمتنفل في إحدى الروايتين. اهـ.\n[الإنصاف: ٢/ ٢٧٦]، المغني [٣/ ٦٧].\n(^٤) المحلى [٤/ ٢٢٣]، مسألة [٤٩٤].\n(^٥) المغني [٣/ ٦٩].\n(^٦) قال الخطيب الشربيني: والشرط الخامس من شروط الاقتداء: توافق نظم الصلاتين في الأفعال الظاهرة كالركوع والسجود وإن اختلفا في عدد الركعات، فإن اختلف فعلهما في الصلاتين كمكتوبة وكسوف، أو مكتوبة وجنازة - لم تصح القدوة فيهما على الصحيح. اهـ[مغني المحتاج: ١/ ٣٨٥].","vol":"1","page":141},{"text":"فَصَلَّى لَيْلَةً مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الْعِشَاءَ، ثُمَّ أَتَى قَوْمَهُ فَأَمَّهُمْ، فَافْتَتَحَ بِسُورَةِ الْبَقَرَةِ فَانْحَرَفَ رَجُلٌ فَسَلَّمَ، ثُمَّ صَلَّى وَحْدَهُ وَانْصَرَفَ فَقَالُوا لَهُ: أَنَافَقْتَ يَا فُلَانُ؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ وَلَآتِيَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَلَأُخْبِرَنَّهُ فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا أَصْحَابُ نَوَاضِحَ نَعْمَلُ بِالنَّهَارِ، وَإِنَّ مُعَاذًا صَلَّى مَعَكَ الْعِشَاءَ، ثُمَّ أَتَى فَافْتَتَحَ بِسُورَةِ الْبَقَرَةِ، فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى مُعَاذٍ فَقَالَ: «يَا مُعَاذُ أَفَتَّانٌ أَنْتَ؟ اقْرَأْ بِكَذَا وَاقْرَأْ بِكَذَا» (^١).\nوجه الدلالة: أن الرجل حين حكى للنبي ﷺ فعل معاذ: لم ينكر عليه النبي ﷺ إلا التطويل، ولو كان فعل معاذ غير جائز لنهاه عنه النبي ﷺ، فلما سكت عن ذلك مع علمه به دل ذلك على الجواز، إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة (^٢).\nوقد حاول أصحاب القول الأول توجيه حديث معاذ هذا، فقالوا: لعل معاذًا كان يصلي مع رسول الله ﷺ نافلة وبقومه فريضة.\nوأجيب على توجيههم هذا من عدة أوجه (^٣):\nأولًا: أن هذا التوجيه مخالف لصريح الرواية.\nثانيًا: قال الشافعي: كيف يظن أن معاذًا مع كمال فقهه وعلو مرتبته يجعل صلاته مع رسول الله ﷺ التي لعل صلاة واحدة معه أحب إليه من كل صلاة صلاها في عمره ليست معه، وفي الجمع الكثير = نافلة (^٤)؟!\nثالثًا: قال الخطابي وغيره: لا يجوز أن يظن بمعاذ أنه يشتغل بعد إقامة الصلاة لرسول الله ﷺ ولأصحابه بنافلة، مع قوله ﵊\n_________\n(^١) متفق عليه: أخرجه البخاري (٧٠٥)، ومسلم (٤٦٥)، واللفظ له.\n(^٢) المجموع [٤/ ٢٧٠].\n(^٣) هذه الأوجه كلها ذكرها النووي [المجموع: ٤/ ٢٦٩ - ٢٧١].\n(^٤) وبمثل قول الشافعي قال الخطابي وخلائق من العلماء - كما ذكر النووي ﵀.","vol":"1","page":142},{"text":"«إِذَا أُقِيمَت الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إِلَّا الْمَكْتُوبَةُ» (^١).\nقالوا - أي: أصحاب القول الأول -: يحتمل أن يكون حديث معاذ كان في ابتداء الإسلام حين كان تكرار الفرض مشروعًا (^٢).\nوأجيب عليهم: بأن هذا احتمال لا دليل عليه.\nقال بعضهم: كان فعل معاذ للضرورة لقلة القراء في ذلك الوقت.\nوأجيب عليهم بأن هذا ضعيف؛ لأن القدر المجزئ في الصلاة كان حافظوه كثيرًا، وما زاد لا يكون سببًا لارتكاب أمر ممنوع منه شرعًا في الصلاة (^٣).\nالدليل الثاني: عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: أَقْبَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِذَاتِ الرِّقَاعِ قَالَ: كُنَّا إِذَا أَتَيْنَا عَلَى شَجَرَةٍ ظَلِيلَةٍ، تَرَكْنَاهَا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَسَيْفُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُعَلَّقٌ بِشَجَرَةٍ، فَأَخَذَ سَيْفَ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ، فَاخْتَرَطَهُ فَقَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَتَخَافُنِي؟ قَالَ: «لَا» قَالَ: فَمَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ: «اللَّهُ يَمْنَعُنِي مِنْكَ»، قَالَ: فَتَهَدَّدَهُ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَغْمَدَ السَّيْفَ، وَعَلَّقَهُ قَالَ: فَنُودِيَ بِالصَّلَاةِ فَصَلَّى بِطَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ تَأَخَّرُوا، وَصَلَّى بِالطَّائِفَةِ الْأُخْرَى رَكْعَتَيْنِ قَالَ: فَكَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ، وَلِلْقَوْمِ رَكْعَتَانِ (^٤).\nوجه الدلالة:\nقال النووي: معناه: أنه صلى بالطائفة الأولى ركعتين، وسلم\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٧١٠)، عن أبي هريرة.\n(^٢) البدائع [١/ ١٤٣].\n(^٣) ذكره الحافظ في الفتح [٢/ ٢٣١].\n(^٤) أخرجه مسلم (٨٤٣)، وأورده البخاري معلقًا في صحيحه (٤١٣٦)، بذكر الصلاة فيه، وأورده موصولًا [٢٩١٠ - مع أطرافه]، بدون ذكر الصلاة فيه.","vol":"1","page":143},{"text":"وسلموا، وبالثانية كذلك، فكان النبي ﷺ متنفلًا في الثانية وهم مفترضون (^١). اهـ.\nفدل ذلك على جواز ائتمام المفترض بالمتنفل.\nوأما استدلالهم بالنظر فقالوا:\nإن هذا يقاس على الإمام المسافر الذي ينوي أن يصلي الفرض ركعتين، فيصلي وراءه المقيم بنيته أربعًا (^٢).\nكما أنهما صلاتان اتفقتا في الأفعال، فجاز ائتمام المصلي في إحداهما بالمصلي في الأخرى - كالمتنفل خلف المفترض (^٣).\nوأجاب أصحاب هذا القول عن حديث: «إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ». الذي استدل به أصحاب القول الأول = بقولهم:\nالمراد ليؤتم به في الأفعال: لا في النية، بدليل قوله ﵊ في نفس الحديث: «فإذا ركع فاركعوا» (^٤).\nثم أجابوا عن حديث ابن عمر في صلاة الخوف - المستدل به عند أصحاب القول الأول: بأنه قد صح أيضًا عن النبي ﷺ غيره والذي نقله جابر ﵄، فسقط الاستدلال بحديث ابن عمر على المنع؛ لأن حديث جابر أجازه.\nوأما القياس الذي استدلوا به - أي أصحاب القول الأول - فأجيب عليهم: بأنه منقوض بالمسبوق في الجمعة يدرك أقل من ركعة، فينوي\n_________\n(^١) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج للنووي [٤/ ١٥٢ - طـ ابن الهيثم].\n(^٢) الأم [٢/ ٣٤٩]، المجموع [٤/ ٢٧١].\n(^٣) المغني [٣/ ٦٨].\n(^٤) المجموع [٤/ ٢٧١]، المغني (٣/ ٦٧).","vol":"1","page":144},{"text":"الظهر خلف من يصلي الجمعة (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-92>القول الثالث: تصح إمامة المتنفل للمفترض للحاجة وهي كونه أحق بالإمامة.</span>\nوهذا القول رواية ثالثة عن الإمام أحمد (^٢)، واختيار أبي البركات جد شيخ الإسلام ابن تيمية.\nوالدليل على هذا القول:\nأن النبي ﷺ صلى بأصحابه بعض الأوقات صلاة الخوف مرتين، وصلى بطائفة وسلم، ثم صلى بطائفة أخرى وسلم، فقد دعت الحاجة إلى ذلك (^٣).\nثم أخيرًا: قال شيخنا - حفظه الله -:\nقد ثبت أن معاذًا ﵁ كان يصلي مع رسول الله ﷺ العشاء ثم يرجع فيصلي بقومه، فهذا دال على جواز إمامة المتنفل للمفترض، والله أعلم (^٤).\nفائدة: ألحق الفقهاء بهذه المسألة مسألة أخرى، هي في الحقيقة فرع عنها، وهي:\nهل تصح إمامة مفترض لمفترض مع تغاير الفرضين؟، كمن يصلي الظهر مقتديًا بمن يصلي العصر - مثلًا؟.\n_________\n(^١) المغني [٣/ ٦٨].\n(^٢) ذكرها شيخ الإسلام [مجموع الفتاوى: ٢٣/ ٣٨٤]، ونقلها عنه المرداوي في الإنصاف [٢/ ٢٧٦].\n(^٣) انظر تتمة كلام شيخ الإسلام هناك [مجموع الفتاوى: ٢٣/ ٣٨٥].\n(^٤) من خطه نقلت.","vol":"1","page":145},{"text":"فالجواب أنهم اختلفوا في الإجابة على قولين:\nالأول: لا تصح الإمامة مع تغاير الفرضين.\nوبه قال الحنفية (^١)، والمالكية (^٢)، وهو الصحيح من المذهب عند الحنابلة (^٣).\nالثاني: تصح الإمامة ولو تغاير الفرضان.\nوبه قال الشافعية (^٤)، وهو رواية عند الحنابلة (^٥)، واختاره ابن حزم (^٦).\nوالخلاصه: كما قال الدكتور وهبة الزحيلي:\nإن أشد المذاهب في شرط اتحاد صلاتي الإمام والمأموم هو المالكي ثم الحنفي، ثم الحنبلي، ثم الشافعي (^٧).\n_________\n(^١) قال السرخسي: على أن تغاير الفرضين عندنا يمنع صحة الاقتداء، حتى إذا اقتدى مصلي الظهر بمصلي العصر أو مصلي عصر يومه بمصلي عصر أمسه = لم يجز الاقتداء اهـ.\n[المبسوط: ١/ ١٣٧].\n(^٢) قال الدسوقي المالكي: فلا يصح فرض خلف معيد ولا متنفل، ولا مغاير صلاة الإمام وإن كان الإمام يرى ذلك اهـ[الشرح الصغير].\n(^٣) المغني: [٣/ ٦٨]، الإنصاف [٢/ ٢٧٧].\n(^٤) قال النووي: وتصح قدوة المؤدي بالقاضي، والمفترض بالمتنفل، وفي الظهر بالعصر وبالعكس، وكذا الظهر بالصبح والمغرب، وهو كالمسبوق. اهـ.\n[مغني المحتاج: ١/ ٢٨٣ - ٢٨٤].\n(^٥) المغني [٣/ ٦٨]، الإنصاف [٢/ ٢٧٧].\n(^٦) المحلى [٤/ ٢٢٣].\n(^٧) الفقه الإسلامي وأدلته [٢/ ٢٧٧].","vol":"1","page":146},{"text":"<span data-type='title' id=toc-93>١٢ - إمامة المفترض للمتنفل</span>\nوهذه المسألة لا تختلف عن سابقتها في الصورة فحسب، بل تختلف عنها أيضًا من ناحية أقوال الفقهاء.\nفبينما وجدنا في إمامة المتنفل للمفترض خلافًا بين العلماء في صحتها كما مضى، نجد هنا اتفاق العلماء على جواز العكس، أي: جواز إمامة المفترض للمتنفل.\n\n<span data-type='title' id=toc-94>قال ابن عبد البر:</span>\nوقد أجمعوا أنه جائز أن يصلي النافلة خلف من يصلي الفريضة إن شاء. اهـ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-95>وقال ابن قدامة الحنبلي:</span>\nولا يختلف المذهب في صحة المتنفل وراء المفترض، ولا نعلم بين أهل العلم فيه اختلافًا. اهـ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-96>وقال السرخسي الحنفي:</span>\nاقتداء المتنفل بالمفترض، جائز بالاتفاق (^٣). اهـ.\nواستدل الفقهاء على ذلك بالأثر والنظر:\n_________\n(^١) التمهيد [٣/ ٢٣٨].\n(^٢) المغني [٣/ ٦٨]، والإنصاف [٢/ ٢٧٦].\n(^٣) المبسوط [١/ ١٣٦].\nوانظر: المجموع [٤/ ٢٦٩]، والذخيرة [٢/ ٢٤٣]، وكذلك الموسوعة الفقهية الكويتية [٦/ ٢٣].","vol":"1","page":147},{"text":"أما استدلالهم بالأثر فهو:\nالدليل الأول: قوله ﷺ لأَبِي ذَرٍّ: «كَيْفَ أَنْتَ إِذَا كَانَتْ عَلَيْكَ أُمَرَاءُ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا، أَوْ يُمِيتُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا» قَالَ: قُلْتُ: فَمَا تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: «صَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا، فَإِنْ أَدْرَكْتَهَا مَعَهُمْ فَصَلِّ، فَإِنَّهَا لَكَ نَافِلَةٌ» (^١).\nالدليل الثاني: حديث ابن مسعود ﵁: «… إنه ستكون عليكم أمراء يؤخرون الصلاة عن ميقاتها، ويخنقونها إلى شرق الموتى (^٢)، فإذا رأيتموهم قد فعلوا ذلك: فصلوا الصلاة لميقاتها، واجعلوا صلاتكم معهم سبحة (^٣)، …» (^٤).\nالدليل الثالث: عن يزيد بن الأسود العامري قَالَ: شَهِدْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ حَجَّتَهُ، فَصَلَّيْتُ مَعَهُ صَلَاةَ الصُّبْحِ فِي مَسْجِدِ الْخَيْفِ (^٥) قَالَ: فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ، وَانْحَرَفَ إِذَا هُوَ بِرَجُلَيْنِ فِي أُخْرَى الْقَوْمِ لَمْ يُصَلِّيَا مَعَهُ، فَقَالَ: «عَلَيَّ بِهِمَا»، فَجِيءَ بِهِمَا تُرْعَدُ فَرَائِصُهُمَا (^٦) فَقَالَ: «مَا مَنَعَكُمَا أَنْ\n_________\n(^١) صحيح: وقد تقدم.\n(^٢) يخنقونها: أي يضيقون وقتها، ويتركون أداءها إلى ذلك الحين.\nشرق الموتى، بفتح الشين والراء، قال ابن الأعرابي: فيه معنيان: أحدهما: أن الشمس في ذلك الوقت وهو آخر النهار إنما تبقى ساعة ثم تغيب، والثاني: أنه من قولهم شرق الميت بريقه: إذا لم يبق بعده إلا يسيرًا ثم يموت. [إكمال المعلم: ٢/ ٤٥٦]، شرح صحيح مسلم «المنهاج»، للنووي: (٣/ ٣٣٨، طـ ابن الهيثم).\n(^٣) سُبحة: أي نافلة.\n(^٤) أخرجه مسلم (٥٣٤).\n(^٥) «الخيف»، بفتح الخاء المعجمة، وإسكان الياء.\n(^٦) «تُرعد» بالبناء للمجهول: أي ترجف وتضطرب من الخوف.\n«فرائصهما»، جمع فريصة - بالصاد المهملة: وهي اللحمة التي بين الجنب والكتف، تهتز عند الفزع.","vol":"1","page":148},{"text":"تُصَلِّيَا مَعَنَا؟» فَقَالَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا قَدْ صَلَّيْنَا فِي رِحَالِنَا، قَالَ: «فَلَا تَفْعَلَا إِذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا، ثُمَّ أَتَيْتُمَا مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ فَصَلِّيَا مَعَهُمْ، فَإِنَّهَا لَكُمَا نَافِلَةٌ» (^١).\n_________\n(^١) إسناده صحيح: هذا الحديث مداره على: يعلى بن عطاء (وهو ثقة)، قال: حدثنا جابر ابن يزيد [سيأتي الكلام عليه لاحقًا]، عن أبيه.\nورواه عن يعلى جماعة، منهم:\n١) هُشيم بن بشير: كما عند الترمذي (٢١٩)، - وهذا لفظه - وعنده تصريح هشيم بالتحديث، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وأخرجه أحمد (١٧٤٧٤)، وابن خزيمة [١٢٧٩]، وابن حبان [١٥٦٥]، والنسائي [٨٥٨]، وابن أبي شيبة [٦٦٤٢، ٣٦١٧٧].\n٢) شعبة بن الحجاج: كما عند أحمد [١٧٤٧٨]، وابن حبان [١٥٦٤]، وأبي داود [٥٧٥]، والطيالسي [١٢٤٧]، والطبراني في الكبير [٢٢/ ٢٣٢]، والدارمي [١٣٦٧]، والبيهقي [٢/ ٣٠٠].\n٣) هشام بن حسان: كما عند أحمد [١٧٤٧٧]، وابن خزيمة [١٦٣٨]، وعبد الرزاق [٢/ ٤٢١].\n٤) أبو عوانة: كما عند أحمد [١٧٤٧٦]، والطبراني في الكبير [٢٢/ ٢٣٤].\n٥) حماد بن سلمة - كما عند الطبراني [٢٢/ ٢٣٣].\n٦) شريك بن عبد الله بن أبي نمر: كما عند ابن خزيمة [١٦٣٨]، والطبراني في الكبير [٢٢/ ٢٣٥].\n٧) غيلان بن حجاج: عند الطبراني في الأوسط [٤٣٩٨].\n٨) مبارك بن فضالة: عند الطبراني في الكبير [٢٢/ ٢٣٤].\n٩) سفيان الثوري: واختلف فيه على سفيان:\nفرواه عنه جُل أصحابه مثل: عبد الرحمن بن مهدي [أحمد: ١٧٤٧٥]، ووكيع، والحسين ابن حفص [البيهقي: ٢/ ٣٠١]، باللفظ المذكور.\nوخالف هؤلاء جميعًا، أي: أصحاب الثوري: ومن تابع الثوري ممن سبق ذكرهم في المتن: أبو عاصم النبيل في روايته عن الثوري [كما عند الدارقطني: ١/ ٤١٤، والبيهقي: ٢/ ٣٠١]، حيث زاد في روايته: «وليجعل التي صلى في بيته نافلة».\nوقد حكم الدارقطني والبيهقي على هذه الزيادة بأنها: ضعيفة: شاذة، مردودة لمخالفتها الثقات: [نصب الراية: ٢/ ١٥٠، تنقيح التحقيق: ١/ ٢٠٤].\nوممن روى هذا الحديث عن يعلى بن عطاء: حجاج بن أرطاة [الدارقطني ١/ ٤١٤]،","vol":"1","page":149},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= إلا أنه خالف في الإسناد، فرواه حجاج عن يعلى بن عطاء، عن أبيه عن عبد الله بن عمر عن النبي ﷺ: نحوه.\nوقال البيهقي: أخطأ حجاج بن أرطاة في إسناده وإن أصاب في متنه، والصحيح رواية الجماعة اهـ[السنن الكبرى: ٢/ ٣٠٢]، وانظر [الكامل لابن عدي، ت. حجاج].\nوذكر الشافعي في القديم - كما نقل البيهقي عنه -: احتج من احتج بحديث يعلى بن عطاء ثم قال: وهذا إسناد مجهول.\nقال البيهقي - معقبًا -: وإنما قال ذلك - والله أعلم - لأن يزيد بن الأسود ليس له راو غير ابنه جابر بن يزيد، ولا لجابر بن يزيد راو غير يعلى بن عطاء. اهـ.\nقلت (القائل أحمد): أما يعلى: فثقة من رجال مسلم، وأما جابر بن يزيد فنقف معه يسيرًا.\nهو جابر بن يزيد بن الأسود العامري، ثم السوائي.\nوثقه النسائي، وذكره ابن حبان في الثقات، وأخرج له أبو داود والنسائي والترمذي - وصحح حديثه، وكذا أخرج له ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيها ولم أجد ذكرًا له في كتب الضعفاء التي طالعتها، وقد حكم عليه الحافظ في «التقريب»، بأنه «صدوق»، وتعقبه صاحبا تحرير التقريب بقولهما: بل ثقة [١/ ٢٠٧].\nقال الحافظ بعد أن نقل كلام البيهقي السابق في تفرد يعلى بالرواية عن جابر: قد وجدنا لجابر بن يزيد راويًا غير يعلى، أخرجه ابن منده في المعرفة من طريق بقية عن إبراهيم بن ذي حماية عن عبد الملك بن عمير عن جابر. اهـ. [التلخيص: ٢/ ٧٣].\nقلت (القائل أحمد): لم أقف على ترجمة يزيد ولا هذا الحديث في معرفة الصحابة لابن منده المطبوع [طبعته جامعة الإمارات العربية المتحدة، بتحقيق د عامر حسن صبري]، لكن وجدت الحديث عند الدارقطني [١/ ٤١٤]، من طريق بقية، قال: حدثني إبراهيم بن ذي حماية حدثني عبد الملك بن عمير، عن جابر عن أبيه: الحديث.\nوكدت أن أتابع الحافظ على قوله السابق أن عبد الملك تابع يعلى في الرواية عن جابر = لولا أن بصرني الله بالآتى:\nأن بعض الأئمة قد نصوا على أن جابرًا تفرد عنه بالرواية يعلى بن عطاء ومن هؤلاء، علي بن المديني [التهذيب، ت جابر بن يزيد]، والإمام مسلم [المنفردات والوحدان صـ ١٦٦ رقم ٦٣٩]، والبيهقي: [كما مر آنفًا].\nبل إن الذين ترجموا لجابر: لم يذكر أحد منهم في الرواية عنه سوى يعلى، ومن هؤلاء: البخاري في تاريخه الكبير، وابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل»، وابن حبان في الثقات فلم يعد أمامنا إلا الترجيح بين قول هؤلاء الأئمة وقول الحافظ ابن حجر، ولا شك عندي","vol":"1","page":150},{"text":"الدليل الرابع: عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: جَاءَ رَجُلٌ وَقَدْ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «أَيُّكُمْ يَتَّجِرُ [وفي رواية: يتصدق] عَلَى هَذَا؟» فَقَامَ رَجُلٌ فَصَلَّى مَعَهُ (^١).\n_________\nأن قول هؤلاء القوم مجتمعين أرجح مما ذهب إليه الحافظ، ليس فقط لإمامتهم وسعة علمهم وكثرتهم ولكن أيضًا: لأن الدليل الذي اتكأ عليه الحافظ ينازع فيه ولا يسلم له.\nفالرواية التي ذكرها الحافظ، من طريق بقية بن الوليد، الذي يعرف عند الجميع بتدليسه وتسويته، والرواية المذكورة عن ابن منده ليس فيها تصريح بالسماع، لكن قد وجدنا التصريح بالتحديث عند الدارقطني - كما سبق - فقال بقية: حدثني إبراهيم بن ذي حماية حدثني عبد الملك بن عمير عن جابر عن أبيه.\nبيد أن هذا الطريق يطرأ عليه الشك والريبة من وجهين:\nالأول: أن يكون التصريح بالتحديث هنا وهم من الرواة عن بقية، وهما عمرو بن حفص الوصابي [مقبول]، ومحمد بن عمرو بن حنان [صدوق يغرب]، فيظل احتمال التدليس قائمًا.\nالثاني: أن يكون عبد الملك نفسه قد أرسل الحديث عن جابر، بعد أن سمعه من يعلى أو غيره - خاصة وأن عبد الملك كان يرسل عن بعض من لم يسمع منهم [كما في التهذيب، وجامع التحصيل]، بل عده البعض في المدلسين [كابن حجر، والحلبي في التبيين].\nثم وقفت بعد ذلك - على خلاف على إبراهيم بن ذي حماية [والذي ذكره ابن حبان في الثقات وقال: من فقهاء أهل الشام وصالحيهم]، حيث روى الجراح بن مليح [كما عند الطبراني في الأوسط: ٤٣٩٨]، عنه عن غيلان بن جامع، عن يعلى بن عطاء، عن جابر بن يزيد بن الأسود عن أبيه، [وفي الطريق إلى الجراح من لم أعرفه].\nفلعل الخطأ يكون عند إبراهيم - وهذا احتمال بعيد - أو ممن هو دونه، والله أعلم.\nالخلاصة:\nهذا الحديث إسناده صحيح، أو قد يحسن على أقل الأحوال، والحديث قد صححه الترمذي، وابن خزيمة، وابن حبان، وصححه ابن السكن [نقل ذلك عنه الحافظ في التلخيص: ٢/ ٧٣]، وقال البيهقي: هذا الحديث له شواهد، فالاحتجاج به وبشواهده صحيح، والله أعلم. اهـ. وسيأتي ذكره مختصرًا مرة أخرى (ص ٤٠٤).\n\n(^١) إسناده صحيح: والحديث مداره على: سليمان الأسود [وثقة ابن معين وابن المديني وغيرهما]، عن أبي المتوكل [علي بن داود: ثقة من رجال الصحيحين]، عن أبي سعيد.\nوقد رواه عن سليمان جماعة، هم:","vol":"1","page":151},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=١) وهيب بن خالد [ثقة ثبت - تغير بأخرة].\nوقد اختلف على وهيب، فرواه عنه موسى بن إسماعيل كما عند الحاكم (٧٥٨)، وقال صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وسليمان الأسود هذا هو سليمان بن سحيم، وقد احتج به مسلم اهـ، وتعقبه الشيخ الألباني بأنهما شخصان مختلفان، والأسود ليست له رواية عند مسلم. اهـ. وهو كما قال ﵀ وأبو داود (٥٧٤)، والبيهقي، [٣/ ٦٨ عن الحاكم]، وعبد الله بن معاوية، [كما عند ابن حبان: ٢٣٩٧، ٢٣٩٨]، وسليمان بن حرب [كما عند الدارمي ١٣٦٨، وابن الجارود: ٣٣٠]، وعفان بن مسلم، [كما عند أحمد: ١١٦١٣، والدارمي: ١٣٦٩] = كلهم، عن سليمان بهذا الإسناد.\nوخالف هؤلاء جميعًا: أحمد بن إسحاق الحضرمي.\nفروى الحديث عن وهيب عن خالد الحذاء، عن سليمان عن أبي المتوكل، عن أبي سعيد [كما عند الطبراني في الأوسط: ٢١٧٤].\nقال الطبراني: لم يدخل بين وهيب وسليمان الأسود خالدًا الحذاء أحد ممن روى هذا الحديث عن وهيب إلا أحمد بن إسحاق الحضرمي اهـ.\nوالذي يبدو - والله أعلم - أن رواية الجماعة تقدم على رواية أحمد بن إسحاق، فإنه أي الأخير - وإن كان ثقة: إلا أنه خالف هذا الجمع من الثقات، كما أن خالدًا الحذاء لم يذكر في الرواة عن سليمان، ولم أقف له على رواية، عن سليمان في غير هذه الرواية.\n٢) علي بن عاصم [كما عند أحمد: ١١٨٠٨]، وعلي هذا متكلم فيه، بل قال عنه الذهبي في الكاشف: ضعفوه، وقال الحافظ: صدوق يخطئ، ويصر. اهـ.\n٣) سعيد بن أبي عروبة: واختلف على سعيد: فرواه عنه أصحابه عن سليمان عن أبي المتوكل، عن أبي سعيد ومن هؤلاء: عبد الأعلى السامي [عند ابن خزيمة: ١٦٣٢]، وعبدة بن سليمان، [عند الترمذي: ٢٢٠، وقال: حديث أبي سعيد حديث حسن، وابن أبي شيبة: ٧٠٩٧]، ومحمد بن بشر العبدي [عند عبد بن حميد: ٩٣٦، والبيهقي: ٤/ ٦٩]، ومحمد بن جعفر، [عند أحمد: ١١٤٠٨].\nقلت: وهؤلاء جميعًا رووا عن سعيد قبل اختلاطه [انظر لذلك الرواة عن سعيد بن أبي عروبة في إضاءات بحثية للشيخ حاتم العوني: ١٩٠ - ٢٥٠].\nوأيضًا تابع هؤلاء عن سعيد: محمد بن أبي عدي [كما عند ابن حبان: ٢٣٩٩، وأحمد: ١١٠١٩، وأبي يعلى: ١٠٥٧]، وابن أبي عدي روى عن سعيد بعد الاختلاط.\nوقد خالف هؤلاء جميعًا: خالد بن عبد الله الواسطي، وعباد بن العوام [ولم أقف على روايتيهما مسندة].","vol":"1","page":152},{"text":"ووجه الدلالة في هذه الأحاديث:\nأن النبي ﷺ قد أمر من صلى الفرض قبل ذلك أن يعيده خلف من\n_________\n= قال الدارقطني [العلل: ١١/ ٣٤٧]، بعد أن سئل عن هذا الحديث:\nيرويه سليمان الأسود الناجي عن أبي المتوكل، عن أبي سعيد، رواه عنه وهيب وسعيد بن أبي عروبة، واختلف عن سعيد، فرواه عنه أصحابه عن سليمان الناجي.\nورواه خالد بن عبد الله الواسطي من رواية ابنه محمد عن سعيد عن قتادة، عن أبي المتوكل عن أبي سعيد، وتابعه سعدويه عن عباد بن العوام عن سعيد عن قتادة، وكلاهما وهم، والصحيح: قول من قال: عن سعيد عن قتادة عن سليمان الناجي. اهـ.\nقلت: سواء كان الراوي عن سليمان هو قتادة أو سعيد فإنه قد توبع من وهيب - كما سبق - فالإسناد صحيح - ولله الحمد -.\nوالحديث صححه النووي [المجموع: ٤/ ٢٢١]، وقال ابن كثير في إرشاد الفقيه [١/ ١٦٦]: إسناده جيد قوي. اهـ.\nوقد جاء الحديث من طرق أخرى تشهد لهذا الطريق، منها:\n١) ما رواه أبو داود [المراسيل: ٢٦، ٢٧] بسند صحيح عن مكحول والقاسم أبي عبد الرحمن عن النبي ﷺ مرسلًا، وكذلك في [٢٨] عن الحسن البصري مرسلًا.\n٢) ما رواه ابن أبي شيبة [٧٠٩٨]، عن هشيم وعبد الرزاق [٢/ ٢٩٤] عن معمر والثوري، كلهم عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان النهدي مرسلًا.\nوخالف ثابت البناني سليمان، فرواه عن أبي عثمان عن سليمان مرفوعًا إلى النبي ﷺ[كما عند البزار البحر الزخار ٢٥٣٨، وعنه الطبراني في الكبير: ٦/ ٢٥٤]، لكن الطريق إلى ثابت ضعيف، فيكون المرسل أصح، وقد أشار أبو داود إلى الرواية المرسلة عن أبي عثمان بعد ذكره الرواية المرسلة عن مكحول، والله أعلم.\n٣) وقد روي الحديث عن أبي أمامة الباهلي:\nأخرجه أحمد [٢٢١٨٩]، والطبراني في الكبير [٢١٢١٨]، وأبو يعلى [المطالب العالية: ٤٠٨]، ولكنه كما قال الهيثمي [٢/ ١٧٣]: له طرق كلها ضعيفة. اهـ.\nوقد ضعفه الحافظ في التلخيص [٣/ ٨٢].\nوثم شواهد أخر لم أذكرها، ففيما ذكر كفاية، ومن أراد زيادة على ما تقدم فلينظر ما ذكره محققو المسند عن الحديث [٢٢١٨٩].","vol":"1","page":153},{"text":"يصليه لأول مرة، وأخبر أن هذه الصلاة نافلة في حق من صلى قبل ذلك، فكان ذلك إقرارًا منه ﵊، بجواز إمامة المفترض للمتنفل.\nوأما استدلالهم بالنظر، فقالوا:\nإن إعادة الصلاة في جماعة أمر مشروع لتحصيل فضيلة الجماعة، كما أن الأدنى يتبع الأعلى من غير عكس، ولذا جاز ائتمام المتنفل بالمفترض (^١).\n_________\n(^١) الذخيرة [٢/ ٢٤٣]، والمبسوط [١/ ١٣٦].","vol":"1","page":154},{"text":"<span data-type='title' id=toc-97>١٣ - إمامة الأعمى</span>\nلم يختلف أهل العلم في جواز إمامة الأعمى، بل أجمعوا على صحة إمامته وجوازها.\n\n<span data-type='title' id=toc-98>قال ابن المنذر:</span>\nوأجمعوا على أن إمامة الأعمى كإمامة الصحيح (^١)، ومنع من ذلك أنس بن مالك (^٢)، وابن عباس (^٣)،\n_________\n(^١) يقصد في الصحة، لأنه قد حدث خلاف بين أهل العلم - سيأتي إن شاء الله - في أيهما أولى.\n(^٢) عن زياد النميري قال: سألت أنسًا عن الأعمى يؤم؟ قال: «ما أفقركم إلى ذلك».\n[إسناده لا بأس به].\nأخرجه ابن أبي شيبة [٦٠٧٨]، عن الفضل بن دكين عن حسن بن أبي الحسناء.\n[قال عنه الحافظ: صدوق، والذي يبدو لي - والله أعلم - أنه أعلى درجة من هذا فقد وثقه ابن معين والعجلى، وقال أبو حاتم: محله الصدق، وتكلم فيه الأزدي (وهو مجروح) بلا حجة] عن زياد النميري.\nوزياد هذا - وإن كان ضعفه بعض الأئمة: لكن ابن عدى ذكر [كما في التهذيب وغيره]، أن البلاء ممن يروي عنه لا منه، ولذا قال: وعندي إذا روى عن زياد النميري ثقة فلا بأس بحديثه. اهـ.\nوقد ذكرنا حال الراوي عنه - كما سبق -، فعلى هذا فإن الإسناد قابل للتحسين.\n(^٣) قال ابن عباس: «كيف أؤمهم وهم يعدلوني إلى القبلة؟!» [إسناده ضعيف].\nأخرجه ابن أبي شيبة [٦٠٧٧]، وعبد الرزاق [٢/ ٣٩٦]، كلاهما عن الثوري، عن عبد الأعلى بن عامر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس.\nوعبد الأعلى هذا: يبدو من مجموع أقوال الأئمة فيه أن حاله لا يحتمل التفرد بحديث، وإنما يصلح في الشواهد والمتابعات، فقد ضعفه أحمد وأبو زرعة.\nوقال النسائي: ليس بالقوي، ويكتب حديثه. اهـ. وقال الدارقطني: يعتبر به اهـ.\nوسيأتي عن ابن عباس - قريبًا - خلاف ذلك، فارتقبه.","vol":"1","page":155},{"text":"رواية ثابتة. اهـ (^١).\nواستدلوا على ذلك بأدلة كثيرة: عامة، وخاصة:\n\nأما<span data-type='title' id=toc-99> الأدلة العامة:</span>\nفكقوله ﵊: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ» (^٢).\nفعموم هذا النص يشمل الأعمى والصحيح، وإذا زعم أحد تفريقًا أو اسثناءً فهو مطالب بالدليل على ذلك (^٣).\nكما أننا قد علمنا - كما مر بنا آنفًا -: أن من صحت صلاته لنفسه صحت لغيره.\n\nوأما<span data-type='title' id=toc-100> الأدلة الخاصة:</span> فكثيرة، منها:\n<span data-type='title' id=toc-101>١ - أن النبي ﷺ اسْتَخْلَفَ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ (^٤) عَلَى الْمَدِينَةِ يُصَلي بِالنَّاس </span>(^٥).\n_________\nوما جاء عن أنس وابن عباس لا يخرق الإجماع المنقول، فكما قال ابن المنذر نفسه [في الأوسط: ٤/ ١٥٤]: وليس في قول أنس نهي عن إمامة الأعمى فيكون اختلافًا اهـ.\n(^١) الإجماع لابن المنذر [صـ ٩].\n(^٢) صحيح: وقد تقدم.\n(^٣) الأوسط لابن المنذر [٤/ ١٥٤].\n(^٤) هو: عمرو بن قيس بن زائدة بن الأصم، هذا قول الأكثرين، وقيل: اسمه عبد الله بن زائدة، والأول أكثر وأشهر، واسم أم مكتوم: عاتكة، قتل شهيدًا بالقادسية.\n[تهذيب الأسماء للنووي، والإصابة والتهذيب للحافظ].\n(^٥) صحيح: وقد جاء هذا الحديث عن: عائشة، وأنس، وابن عباس ﵃.\n١) أما حديث عائشة: فقد أخرجه ابن حبان (٢١٣٤)، والطبراني [الأوسط: ٢٧٢٣]، وأبو يعلى [٤٤٥٦]، كلهم من طريق أمية بن بسطام، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا حبيب المعلم عن هشام بن عروة عن عائشة، وهذا إسناد صحيح.\nقال الهيثمي [المجمع: ٢/ ٦٥]: رواه أبو يعلى والطبراني في الأوسط، ورجال أبي=","vol":"1","page":156},{"text":"وجه الدلالة: أن المدينة كان فيها من الصحابة مبصرون، وعلى الرغم من ذلك استخلف النبي ﷺ ابن أم مكتوم الأعمى، فدل ذلك على جواز\n_________\n= يعلى رجال الصحيح. اهـ.\n٢) حديث أنس: أخرجه أبو داود [٥٩٥، ٢٩٣١]، وعنه البيهقي [٣/ ٨٨]، وأخرجه أبو يعلى [٣١١٠]، وأحمد [١٢٣٤٤]، وابن الجارود [٣١٠]، وغيرهم = من طريق عمران القطان، عن قتادة، عن أنس. وهذا إسناد حسن - كما قال ابن الملقن في البدر المنير: (١/ ١٩١)، فإن عمران وإن كان متكلمًا فيه - إلا أنه كان من أخص الناس بقتادة - كما قال ابن شاهين -.\n٣) حديث ابن عباس: أخرجه الطبراني في الكبير [١١/ ١٨٣] من طريق: عبيد العجلى، عن عبد الله بن عمر بن أبان، عن عبد المجيد بن أبي رواد، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس.\nقال الحافظ [التلخيص: ٢/ ٩١]: إسناده حسن اهـ.\nقلت: يُخشى فيه من تدليس ابن جريج، لكن لعل تحسين الحافظ للشواهد التي جاءت عن عائشة، وأنس ﵄ ولمتابعة عكرمة لعطاء كما عند الطبراني في الأوسط [٥] من طريق: عفير بن معدان - وهو ضعيف عند أئمة «الجرح والتعديل»، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس.\nثم وجدت للحديث شاهدين مرسلين:\nأحدهما: من طريق ابن جريج نفسه، رواه عنه عبد الرزاق [٢/ ٣٩٥] على وجهين:\nأ - عن ابن جريج أخبرني سعد بن إبراهيم أن النبي ﷺ كان إذا سافر استخلف ابن أم مكتوم على المدينة.\nب - عن ابن جريج قال: أخبرني من أصدق أن النبي ﷺ خرج مخرجًا، فأمر عبد الله بن أم مكتوم أن يؤم أصحابه، ومن تخلف عن النبي ﷺ من الزمناء، ومن لا يستطيع خروجًا.\nالثاني: عن الشعبي - عامر بن شراحيل: أن النبي ﷺ استخلف ابن أم مكتوم يوم غزوة تبوك، فكان يؤم الناس وهو أعمى.\nأخرجه عبد الرزاق [٢/ ٣٩٥]، عن سفيان الثوري، عن أبي خالد وجابر، عن الشعبي، وأخرجه ابن أبي شيبة [٦٠٦٠]، عن وكيع، عن يونس، عن أبي إسحاق، عن الشعبي، وأخرجه أيضًا [٦٠٥٩]، عن أبي أسامة، عن مجالد، عن الشعبي، وفي هذه الرواية الأخيرة أن الاستخلاف كان يوم بدر.","vol":"1","page":157},{"text":"إمامة الأعمى لغير العماة (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-102>٢ - أن عددًا من الصحابة قد أم الناس وهو أعمى، ومن هؤلاء.</span>\n<span data-type='title' id=toc-103>أ) عتبان بن مالك ﵁:</span>\nفعن محمود بن الربيع: أن عتبان بن مالك كان يؤم قومه وهو أعمى، … الحديث (^٢)\n\n<span data-type='title' id=toc-104>ب) جابر بن عبد الله ﵄:</span>\nقال أبو جعفر الباقر: دخلنا على جابر وهو أعمى، فجاء وقت الصلاة فقام في نساجه ملتحفًا، كلما وضعها على منكبيه رجع طرفاها إليه من صغرها، ورداؤه إلى جنبه على المشجب = فصلى بنا (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-105>جـ) البراء بن عازب ﵁:</span>\nعن مهاجر الصائغ قال: كان البراء يصلي بنا وهو أعمى (^٤).\n_________\n(^١) الأم [٢/ ٣٢٤]، وانظر ترجمة ابن حبان لهذا الحديث في صحيحه، [الإحسان: ٥/ ٥٠٦].\n(^٢) البخاري [٦٦٧].\n(^٣) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة من طريقين، عن أبي جعفر الباقر وهو ثقة:\nأ - عن وكيع، عن حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن أبي جعفر - مختصرًا [٦٠٧٣].\nب - عن حاتم بن إسماعيل، عن جعفر الصادق، عن أبي جعفر - مطولًا باللفظ المذكور [٦٠٦٣].\n(^٤) إسناده فيه ضعف: أخرجه ابن أبي شيبة [٦٠٦٩]، عن محمد بن الحسن بن الزبير، عن شريك - وهو ابن عبد الله النخعي القاضي، عن مهاجر الصائغ - هو أبو الحسن التيمي الثقة.\nومحمد هذا: قد وثقه البزار والدارقطني، وضعفه يعقوب بن سفيان، وابن معين في رواية عنه، والراجح في حاله والله أعلم، أنه ممن يعتبر بحديثه، فهو صالح في الشواهد والمتابعات، ولا يبلغ مرتبة الاحتجاج إذا انفرد، كما قال أبو داود عنه: صالح يكتب حديثه. اهـ. وقال أبو حاتم: شيخ. اهـ. كما أن شيخه هنا هو شريك القاضي، ومعلوم الكلام في حفظ شريك.","vol":"1","page":158},{"text":"<span data-type='title' id=toc-106>د) عبد الله بن عباس ﵄:</span>\nعن سعيد بن جبير أنه قال: أمنا ابن عباس وهو أعمى (^١).\nوجه الدلالة: أن هؤلاء الصحابة جميعًا أموا الناس وفيهم - أي من المأمومين - البصير ومن يستطيع التقدم للإمامة، فدل ذلك منهم على صحة إمامة الأعمى وجوازها وإن كان في المأمومين بصراء.\nثم استدل الفقهاء أيضًا بالنظر بعد الأثر فقالوا:\nإن العمى: فقد حاسة لا يخل بشيء من أفعال الصلاة، ولا بشروطها، فأشبه فقد الشم (^٢).\nوقال شيخنا - حفظه الله -:\nلا بأس بإمامة الأعمى ما لم يخل بالقبلة، وقد استخلف رسول الله ﷺ ابن أم مكتوم على المدينة (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-107>الحاصل من جميع ما سبق:</span>\nأن أهل العلم لم يختلفوا في جواز إمامة الأعمى وصحتها، وإنما الخلاف بينهم في شيء آخر، ألا وهو:\n_________\n(^١) إسناده لا بأس به: أخرجه ابن أبي شيبة [٦٠٦٧]، عن محمد بن الحسن بن الزبير - الذي تقدمت ترجمته في الأثر السابق - عن شريك بن عبد الله - القاضي - عن أبي إسحاق السبيعي عن سعيد بن جبير.\nوقد توبع أبو إسحاق السبيعي من خلاد بن عبد الرحمن - وهو ثقة - كما عند عبد الرزاق [٢/ ٣٩٦]، عن همام بن نافع - هو والد عبد الرزاق صاحب المصنف، وثقة ابن معين وذكره ابن حبان في الثقات، وقال العقيلي: حديثه غير محفوظ، وأجمل الحافظ القول فيه بقوله: مقبول - عن خلاد عن سعيد بن جبير.\n(^٢) المغني [٣/ ٢٦].\n(^٣) من خطه نقلت.","vol":"1","page":159},{"text":"أيهما أولى أن يقدم للإمامة: الأعمى؟ أم البصير؟ أم أنهما سواء؟\nوهذا السؤال هو ما نجيب عنه - إن شاء الله - في السطور القادمة.\nمن الأولى أن يقدم للإمامة: الأعمى أم البصير؟\nاختلف أهل العلم في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:\n\n<span data-type='title' id=toc-108>القول الأول: البصير أولى.</span>\nوهذا مذهب الحنفية (^١)، ووجه عند الشافعية (^٢)، وهو مذهب الحنابلة (^٣).\nواحتج هؤلاء بما يلي:\n١) أن الأعمى يوجهه غيره إلى القبلة، فيصير في أمر القبلة مقتديًا بغيره، وربما يميل في خلال الصلاة عن القبلة، ولذا كان ابن عباس يمتنع عن الإمامة بعد ما كف بصره ويقول: «كيف أؤمهم وهم يعدلوني إلى القبلة»؟! (^٤)\n٢) كما أن الأعمى لا يمكنه التوقي عن النجاسات (^٥).\n٣) كما أنه قد يتوضأ بماء غير طاهر، أو يصلي بثوب نجس (^٦)، ولا\n_________\n(^١) قال الكاساني: البصير أولى، إلا إذا كان في الفضل لا يوازيه - أي الأعمى - في مسجده غيره، فحينئذ يكون أولى اهـ[البدائع: ١/ ١٥٧]، وانظر المسبوط [١/ ٤٠ - ٤١].\n(^٢) اختاره أبو إسحاق الشيرازي حيث قال: وعندي أن البصير أولى. اهـ.\nوحكاه النووي كوجه مشهور في المذهب [المجموع: ٤/ ٢٨٦].\n(^٣) المغني [٣/ ٢٦]، الإنصاف [٢/ ٢٥٠].\n(^٤) البدائع [١/ ١٥٧]، المبسوط [١/ ٤١]، المغني [٣/ ٢٦]، وأثر ابن عباس هذا قد تقدم آنفًا مع بيان ضعفه.\n(^٥) البدائع [١/ ١٥٧]، المبسوط [١/ ٤١]، المغني [٣/ ٢٦]، المجموع [٤/ ٢٨٦].\n(^٦) مواهب الجليل [٢/ ١١٣].","vol":"1","page":160},{"text":"يستطيع أن يمنع أحدًا من المرور بين يديه.\n٤) ثم إن مبنى الإمامة على الفضيلة، والأعمى لا فضيلة له على البصير (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-109>القول الثاني: الأعمى أولى.</span>\nوهذا وجه عند الشافعية (^٢)، ورواية عند الحنابلة (^٣).\nوالحجة عندهم في ذلك:\n١ - استخلاف النبي ﷺ لابن أم مكتوم مع وجود البصراء.\nوأجيب عليهم: بأن ذلك كان لفضل ابن أم مكتوم، والمسألة مفروضة عند التساوي في الفضل، فلا يسلم هذا الدليل.\n٢ - أن الأعمى أخشع؛ لأنه لا يشتغل في الصلاة بالنظر إلى ما يلهيه (^٤).\nوأجيب عليهم: بأن البصير لو أغمض عينيه كان مكروهًا، ولو كان ذلك فضيلة لكان مستحبًّا؛ لأنه يحصل بتغميضه ما يحصله الأعمى، ولأن البصير إذا غض بصره مع إمكان النظر كان له الأجر فيه؛ لأنه يترك المكروه مع إمكانه اختيارًا، وأما الأعمى فيتركه اضطرارًا، فكان أدنى حالًا، وأقل فضيلة (^٥).\n_________\n(^١) البدائع [١/ ١٥٧].\n(^٢) اختاره أبو إسحاق المروزي، وحكاه النووي كوجه مشهور في المذهب [المجموع: ٤/ ٢٨٦].\n(^٣) قال المرداوي: وقيل: الأعمى أولى من البصير، وهو رواية عن أحمد في «الرعاية» وغيرها. اهـ. [الإنصاف: ٢/ ٢٥٠].\n(^٤) المجموع [٤/ ٢٨٦]، المغني [٣/ ٢٦].\n(^٥) المغني: [٣/ ٢٦].","vol":"1","page":161},{"text":"<span data-type='title' id=toc-110>القول الثالث: كلاهما سواء.</span>\nفيستوي تقديم البصير أو الأعمى.\nوهو ظاهر كلام المالكية (^١)، والصحيح من المذهب عند الشافعية (^٢)، ورواية عند الحنابلة (^٣).\nوحجتهم في ذلك:\n١ - أن النبي ﷺ استخلف البصير، والأعمى (^٤).\n٢ - أن في كل منهما - الأعمى والبصير - فضيلة تميزه عن الآخر، فالأعمى: لا يرى ما يلهيه، والبصير: يجتنب النجاسة (^٥).\n_________\n(^١) قال مالك: لا بأس أن يتخذ الأعمى إمامًا راتبًا اهـ. [المدونة: ١/ ٨٥]. وانظر مواهب الجليل [٢/ ١١٣].\n(^٢) قال النووي: والصحيح عند الأصحاب: أن البصير والأعمى سواء - كما نص عليه الشافعي. اهـ. [المجموع ٤/ ٢٨٦]، وانظر [الأم: ٢/ ٣٢٤].\n(^٣) قال المرداوي: الوجه الثاني: هما سواء، اختاره القاضي، وقدمه في «المستوعب» اهـ.\n[الإنصاف: ٢/ ٢٥٠]، وانظر المغني [٣/ ٢٦].\n(^٤) الأم [٢/ ٣٢٤].\n(^٥) المجموع [٤/ ٢٨٦].","vol":"1","page":162},{"text":"<span data-type='title' id=toc-111>١٤ - إمامة صاحب البيت</span>\nاتفقت الكلمة عند المذاهب الأربعة على أن صاحب البيت أحق بالإمامة في بيته من غيره، إلا أن يأذن صاحب البيت لغيره (^١).\nوإليك شيئًا من أقوالهم:\n\n<span data-type='title' id=toc-112>١) قال الكاساني الحنفي:</span> ويكره للرجل أن يؤم الرجل في بيته إلا بإذنه …، ولو أذن له لا بأس به؛ لأن الكراهة كانت لحقه (^٢). اهـ.\n<span data-type='title' id=toc-113>٢) قال الإمام مالك:</span> وأولى بالإمامة صاحب الدار إذا صلوا في منزله، إلا أن يأذن في ذلك. اهـ (^٣).\n<span data-type='title' id=toc-114>٣) قال الإمام الشافعي:</span> وأكره أن يؤم أحد غير ذي سلطان أحدًا في منزله إلا أن يأذن له الرجل، فإن أذن له: فإنما أم بأمره، فلا بأس إن شاء الله تعالى اهـ (^٤).\n<span data-type='title' id=toc-115>٤) قال ابن قدامة الحنبلي:</span> فالجماعة إذا أقيمت في بيت: فصاحبه أولى بالإمامة من غيره، وإن كان فيه من هو أقرأ منه وأفقه، …، وإذا أذن المستحق لرجل في الإمامة: جاز. اهـ (^٥).\nواستدلوا على ذلك بالأثر والنظر:\n_________\n(^١) وهذا شريطة أن يكون الإمام يحسن قراءة ما تجزيه به الصلاة، وإلا فإن لم يكن يحسن ذلك فلا يتقدم، وليقدم غيره، انظر [الأم: ٢/ ٢٩٩]، [المغني: ٣/ ٤٢].\n(^٢) البدائع [١/ ١٥٨]، وانظر [الدر المختار: ٢/ ٢٩٧].\n(^٣) المدونة [١/ ٨٤]، وانظر [التاج والإكليل: ٢/ ١٢٩].\n(^٤) الأم [٢/ ٢٩٩]، وانظر [المجموع: ٤/ ٢٨٤].\n(^٥) المغني [٣/ ٤٢]، وانظر [الإنصاف: ٢/ ٢٤٤].","vol":"1","page":163},{"text":"أما الأثر فهو:\n١) قوله ﵊: «…، وَلَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ وَلَا يَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ» (^١).\nقال الإمام أحمد: أرجو أن يكون الإذن في الكل (^٢).\n٢) عن أبي عطية قال: أتانا مالك بن الحويرث، فحضرت الصلاة، فقيل له: تقدم، قال: ليؤمكم رجل منكم [وفي رواية: حتى أحدثكم لم لا أتقدم]، فلما صلوا قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «مَنْ زَارَ قَوْمًا، فَلَا يَؤُمَّهُمْ، وَلْيَؤُمَّهُمْ رَجُلٌ مِنْهُمْ» (^٣).\n_________\n(^١) صحيح: وقد تقدم، قال الأثرم: لا يعارض هذا صلاة النبي ﷺ في بيت أنس، - أي إمامًا - لأنه كان الإمام حيث كان. اهـ. [التلخيص: ٢/ ٩٨].\n(^٢) المغني (٣/ ٤٢).\n(^٣) إسناده ضعيف: والمتن يشهد له ما صح قبله.\nوالحديث أخرجه أبو داود [٥٩٦]، والترمذي (٣٥٦) [*]، والنسائي [٧٨٧]، وابن خزيمة [١٥٢٠]، وأحمد [١٥٦٠٢، ١٥٦٠٣]، وابن أبي عاصم [الآحاد: ٩٢٤]، والطبراني في الأوسط [١٠٣٢]، والبيهقي [٣/ ١٢٦ - وهو من طريق أبي داود]، كلهم، من طريق أبان بن يزيد العطار، عن بديل بن ميسرة العقيلي، عن أبي عطية مولى بني عُقيل.\nوهذا إسناد رجاله ثقات خلا أبي عطية المذكور.\nقال عنه أبو حاتم: لا يعرف ولا يسمى، وقال ابن المديني: لا يعرفونه، وقال أبو الحسن القطان: مجهول.\nوقال الذهبي [المغني في الضعفاء - ٧٦١٧]: أبو عطية، عن مالك بن الحويرث: لا يعرف، وخبره منكر، اهـ، وحكم الحافظ عليه في «التقريب»، بأنه «مقبول».\n[*] اختلف الحكم المنقول عن الترمذي في هذا الحديث، فنقل عنه أنه قال بعده: هذا حديث حسن صحيح، وهذا المثبت في جُل النسخ المطبوعة - مثل: نسخة الشيخ أحمد شاكر، وجمعية المكنز، والنسخة التي اعتمدها الشيخ الألباني ونقل منها [كما في صيح أبي داود ٣/ ١٤٩]، وتبعه الشيخ مشهور على ذلك في النسخة التي اعتنى بها، بل هذا الحكم أثبته المزي في التحفة [٨/ ٣٣٩]، وهذا خلاف ما نقله في تهذيبه كما سيأتي.\nونقل عنه قوله: «هذا حديث حسن»، وممن نقل عنه ذلك: المنذري [عون المعبود ٢/ ٢١٥]، والمزي [تهذيب الكمال - ت أبي عطية]، والحافظ [الفتح: ٢/ ٢٠٢].\nوهذا الحكم هو المثبت في مخطوط الكروخي [هو أبو الفتح عبد الملك بن أبي القاسم الكروخي، ت: ٥٤٨ هـ]، وللمزيد عنه وعن هذه النسخة انظر الحديث الحسن للدريس [١٠٢١ - ١٠٤٣]، ولعل هذا الحكم أشبه بحال الحديث، والله أعلم.","vol":"1","page":164},{"text":"قال الإمام الترمذي: والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم، قالوا: صاحب المنزل أحق بالإمامة من الزائر، وقال بعض أهل العلم: «إذا أذن له فلا بأس أن يصلي به». اهـ.\n٣) عن عبد الله بن يزيد الخطمي: وكان أميرًا على الكوفة قال: أتينا قيس بن سعد بن عبادة في بيته فأذن للصلاة، فقلنا لقيس: قم فصل لنا، فقال: لم أكن لأصلي بقوم لست عليهم بأمير، فقال رجل ليس بدونه يقال له عبد الله بن حنظلة بن الغسيل = قال رسول الله ﷺ: «الرجل أحق بصدر دابته، وصدر فراشه، وأن يؤم في رحله»، قال قيس بن سعد عند ذلك: يا فلان لمولى له: قم فصل لهم (^١).\n٤) عن أبي نضرة أن أبا سعيد صنع طعامًا [وفي رواية قال: تزوجت وأنا عبد مملوك] ثم دعا أبا ذر وحذيفة وابن مسعود، فحضرت الصلاة\n_________\n(^١) إسناده ضعيف: أخرجه الدارمي [٢٦٦٦]، واللفظ له، وابن أبي عاصم [الآحاد: ٢٢٤٦]، والبزار [٣٣٨٠]، والطبراني [الأوسط: ٩١٣]، والبيهقي [٣/ ١٢٥] = كلهم من طريق إسحاق بن يحيى بن طلحة، عن المسيب بن رافع ومعبد بن خالد، عن عبد الله بن يزيد الحطمي.\nقال البزار عقبه: وهذا الحديث لا نعلم له طريقًا عن عبد الله بن حنظلة إلا هذا الطريق اهـ.\nوقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن المسيب ومعبد إلا إسحاق، ولا يروى عن عبد الله ابن حنظلة إلا بهذا الإسناد اهـ.\nقلت: والضعف من قبل إسحاق هذا، فقد ضعفه كثير من الأئمة، وقال عنه الترمذي: ليس بذاك القوي عندهم، وقد تكلموا فيه من قبل حفظه. اهـ.","vol":"1","page":165},{"text":"فتقدم أبو ذر ليصلي بهم، فقال له حذيفة: وراءك رب البيت أحق بالإمامة، فقال له أبو ذر: كذلك يا ابن مسعود؟!، قال: نعم، قال: فتأخر أبو ذر، [وفي رواية: قال: فقدموني فصليت بهم وأنا عبد مملوك (^١).\n_________\n(^١) إسناده لا بأس به: أخرجه ابن أبي شيبة [١٧١٥٣، ٦١٠٤]، من طريق داود بن أبي هند، وابن حبان في الثقات [٥/ ٥٨٨]، من طريق معتمر بن سليمان عن أبيه، وعبد الرزاق من طريق إسماعيل بن عبد الله، والبيهقي [٣/ ١٢٦]، وعبد الرزاق [٢/ ٣٩٢]، من طريق قتادة = كلهم عن أبي نضرة - المنذر بن مالك القطعي - عن أبي سعيد مولى أبي أُسيد [وقد سقط أبو نضرة في رواية معمر، عن قتادة التي عند عبد الرزاق [٢/ ٣٩٢].\nوأبو سعيد هذا: قد ذكره ابن حبان في الثقات: وأخرج له في صحيحه، وكذا أخرج له ابن خزيمة في الصحيح وعده ابن منده في الصحابة ولكن خطأه الحافظ ابن حجر في الإصابة، وعلى ذلك فهو معدود في طبقة التابعين، وقد ذكره ابن معين [كما في تاريخه - رواية الدوري ٤٦٢٦]، وكذا ذكره مسلم في الكنى له [١٣٥٦]، ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا، ثم جاء الهيثمي فوثقه [المجمع ٧/ ٤٦٤].\nوقد روى أبو سعيد عن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، ﵃، وروى عنه: أبو نضرة، ولم أقف على أحد روى عنه غيره، وقد بحثت في المنفردات والوحدان عنه فلم أجد له ذكرًا، فالله أعلم هل روى عنه آخرون أم لا!.\nثم وقفت على (زوائد رجال صحيح ابن حبان ليحيى الشهري)، فإذا هو قد ترجم لهذا الرواي ترجمة وافية [انظرها: ٥/ ٢٦٩٢ - ٢٦٩٦]، لكنه أيضًا، لم يذكر في الرواة عنه سوى أبي نضرة.!!\nوهذا الخبر الذي رواه أبو سعيد ليس فيه ما يستنكر، بل قد وقفت على شاهدين عن ابن مسعود ﵁ يشهدان لما قاله لأبي ذر هنا، وهما:\nأ - قال إبراهيم - ابن يزيد النخعي -: أتى عبد الله أبا موسى فتحدث عنده، فحضرت الصلاة فلما أقيمت تأخر أبو موسى - هو الأشعري -، فقال له عبد الله - أي ابن مسعود -: لقد علمت أن من السنة أن يتقدم صاحب البيت، فأبى أبو موسى حتى تقدم مولى لأحدهما.\nأخرجه الطبراني [الكبير: ٩/ ٨٩]، عن محمد بن النضر الأزدي [ذكره ابن حبان في الثقات وقال: كتب عنه أصحابنا، ونقل الخطيب في تاريخه توثيقًا له عن عبد الله بن أحمد ومحمد بن عبدوس]، عن معاوية بن عمر عن زائدة، عن مغيرة قال: قال إبراهيم.","vol":"1","page":166},{"text":"فدلت هذا الآثار على أن الرجل الزائر - وإن كان فاضلًا - لا يتقدم صاحب البيت في الإمامة إلا بإذنه، فلا شك أن أبا ذر وابن مسعود وحذيفة أفضل من أبي سعيد مولى أبي أسيد، وعلى الرغم من ذلك فقد قدموه.\nوأما استدلالهم بالنظر فقالوا:\nفي تقدم الزائر على صاحب البيت ازدراء به بين عشائره وأقاربه، وهذا لا يليق بمكارم الأخلاق (^١).\nفائدة: إمام المسجد الراتب أولى بالإمامة من غيره، وذلك قياسًا على\n_________\n=\nوهذا إسناد رجاله ثقات [كما ذكر الحافظ في التلخيص: ٢/ ٩٨] إلا أن فيه كلامًا من وجهين.\nأحدهما: أنه من رواية مغيرة بن مقسم الضبي عن إبراهيم، وقد تكلم العلماء في رواية مغيرة، عن إبراهيم خاصة دون غيره بما حاصله أنه كان يدلس ويرسل عن إبراهيم ما لم يسمعه منه.\nوالثاني: أن إبراهيم لم يدرك ابن مسعود، ولكن هذا الأمر قد يدفع بقول: إبراهيم نفسه حيث قال: إذا حدثتكم عن رجل عن عبد الله فهو الذي سمعت، وإذا قلت: قال عبد الله: فهو عن غير واحد عن عبد الله. اهـ.\nب - قال عبد الله بن مسعود من السنة ألا يؤمهم إلا صاحب البيت.\nأخرجه الشافعي في مسنده [٣٢٠]، عن إبراهيم بن محمد، عن معن بن عبد الرحمن، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن مسعود.\nوهذا إسناد ضعيف جدًّا، فهو كما قال الحافظ [التلخيص: ٢/ ٩٨]: فيه ضعف وانقطاع. اهـ.\nأما الضعف: فهو من قبل إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي، فقد كذبه يحيى القطان وابن معين وابن المديني.\nوأما الانقطاع: فجلي ظاهر بين القاسم بن عبد الرحمن وجده ابن مسعود ﵁.\n(^١) البدائع [١/ ١٥٨].","vol":"1","page":167},{"text":"صاحب البيت، وقد نص على ذلك الأمر كثير من الفقهاء (^١).\nمسألة: إذا اجتمع مالك البيت والمستأجر، فأيهما أولى بالإمامة؟\nللفقهاء في هذه المسألة قولان:\nالأول: أن المستأجر أولى بالإمامة.\nوبهذا قال الحنفية (^٢)، والمالكية (^٣)، وهو الصحيح عند الشافعية (^٤)، والحنابلة (^٥).\nالثاني: أن المالك أحق بالإمامة.\nوهو وجه عند الشافعية (^٦)، ورواية عند الحنابلة (^٧).\n_________\n(^١) قال ابن قدامة: وإمام المسجد الراتب أولى من غيره؛ لأنه في معنى صاحب البيت والسلطان اهـ. [المغني: ٣/ ٤٢].\nوانظر [الدر المختار: ٢/ ٢٩٧]، و[التاج والإكليل: ٢/ ١٢٩].، و[المجموع: ٤/ ٢٨٤].\n(^٢) الدر المختار [٢/ ٢٩٧].\n(^٣) التاج والإكليل [٢/ ١٢٩].\n(^٤) المجموع [٤/ ٢٨٤].\n(^٥) المغني [٣/ ٤٢]، الإنصاف [٢/ ٢٤٨].\n(^٦) حكاه الرافعي، ونقله النووي [المجموع: ٤/ ٢٨٤].\n(^٧) الإنصاف [٢/ ٢٤٩].","vol":"1","page":168},{"text":"<span data-type='title' id=toc-116>١٥ - إمامة المرأة للرجال </span>(^١)\nكاد الإجماع أن ينعقد على عدم صحة إمامة المرأة للرجال، بل نقله البعض: كابن حزم وغيره.\n\n<span data-type='title' id=toc-117>قال ابن حزم:</span> «واتفقوا أن المرأة لا تؤم الرجال وهم يعلمون أنها امرأة، وإن فعلوا فصلاتهم فاسدة بإحماع». اهـ (^٢).\nإلا أن هذا الإجماع فيه نظر، وهو متعقب (^٣).\nفللعلماء في هذه المسألة ثلاثة أقوال: وهي:\n_________\n(^١) كدت أن أضرب صفحًا عن إيراد هذه المسألة في الكتاب، لولا أمران:\nالأول: أنه قد ظهر في زماننا من تعدى بالفعل القول في هذه المسألة، حيث ظهرت امرأة تعمل في جامعة (فرجينيا كومونولث الأمريكية) لتخطب وتصلي الجمعة بما يقارب مائة رجل وامرأة، وذلك في مدينة نيويورك الأمريكية، يوم الجمعة الموافق الثامن عشر من شهر مارس عام ٢٠٠٥ م، وفي غضون أسبوع من هذا الحدث: قامت امرأة أخرى بتجديد الأمر، وتحديدًا يوم الجمعة ٢٥/ ٣/ ٢٠٠٥ بمدينة بوسطن الأمريكية، فلما حدث ذلك: تساءل كثير من المسلمين عن جواز ذلك من عدمه، وعن مدى صحة هذه الصلاة، فكان إيراد المسألة هنا ملائمًا لما حدث في زماننا.\nوقد قلت في صدر الكلام: أن هؤلاء النسوة تعدين بالفعل القول، وذلك لأن العلماء الأولين الذين خالفوا الجمهور وقالوا بالجواز = ما أُثر عن أحدهم أنه قدم امرأة لتؤم الرجال، وإنما كان الأمر نقاشًا فقهيًّا، لم يصل إلى حد التطبيق.\nالثاني: أني سألت شيخنا أبا عبد الله - حفظه الله - عن إيراد المسألة هنا: فأجابني أن ذلك مطلوب إيراده في مسائل الإمامة، فشد ذلك من عضدى.\n(^٢) الإجماع لابن حزم [ص ٢٧]، وقد نقله أيضًا ابن القطان الفاسي [الإقناع في مسائل الإجماع: ١/ ١٤٤].\n(^٣) قد تعقب شيخ الإسلام ابن تيمية: ابن حزم في (نقد مراتب الإجماع ص ٢٨ وهو مطبوع بحاشية الإجماع لابن حزم)، فقال: «ائتمام الرجال الأميين بالمرأة القارئة في قيام رمضان = يجوز في المشهور عن أحمد، وفي سائر التطوع وجهان». اهـ.","vol":"1","page":169},{"text":"<span data-type='title' id=toc-118>القول الأول: لا تصح إمامة المرأة للرجال.</span>\nوبهذا قال الحنفية (^١)، والمالكية (^٢)، والشافعية (^٣)، وهو الصحيح من المذهب عند الحنابلة (^٤).\nوقد عُزي هذا القول إلى جمهور العلماء.\nقال النووي: «واتفق أصحابنا على أنه لا تجوز صلاة رجل بالغ ولا صبي خلف امرأة، …، هذا مذهبنا، ومذهب جماهير العلماء من السلف والخلف، وحكاه البيهقي عن الفقهاء السبعة فقهاء المدينة التابعين». اهـ (^٥).\nوقال ابن رشد الحفيد: «اختلفوا في إمامة المرأة، فالجمهور على أنه لا يجوز أن تؤم الرجال». اهـ (^٦).\nواستدل جمهور الفقهاء بالقرآن والأثر والنظر.\n_________\n(^١) قال الحصكفي: ولا يصح اقتداء رجل بامرأة، [حاشية ابن عابدين ٢/ ٣٢١]، المبسوط [١/ ١٨٠]، بدائع الصنائع [١/ ٢٢٧].\n(^٢) قال المازري: لا تصح إمامة المرأة عندنا، وليعد صلاته من صلى وراءها وإن خرج الوقت، قاله ابن حبيب اهـ. [التاج والإ كليل: ٢/ ١١٠]، المدونة [١/ ٨٥]، [الذخيرة: ٢/ ٢٤١].\n(^٣) قال الشافعي:\n«وإذا صلت المرأة برجال ونساء وصبيان ذكور: فصلاة النساء مجزئة، والصبيان والذكور غير مجزئة …، ولا يجوز أن تكون امرأة إمام رجل في صلاة بحال أبدًا». اهـ[الأم: ٢/ ٣٢٠]، [المجموع: ٤/ ٢٥٥].\n(^٤) قال الخرقي: وإن صلى خلف مشرك أو امرأة أو خنثى: أعاد الصلاة. اهـ.\n[مختصر الخرقي مع المغني: ٣/ ٣٥]، والإنصاف [٢/ ٢٦٣].\n(^٥) المجموع [٤/ ٢٥٥].\n(^٦) بداية المجتهد [١/ ١٤٥].","vol":"1","page":170},{"text":"أما استدلالهم بالقرآن فهو:\nقوله تعالى: ﴿الرجال قوامون على النساء﴾.\nوجه الدلالة: أن الله ﵎ لم يجعل القوامة للنساء، ولم يجعل الولاية إليهن فقصرهن عن أن يكن أولياء، بل جعلها للرجال (^١).\nوإمامة الصلاة نوع ولاية، فلا تصح إمامة المرأة بمن هو قيم عليها.\nوأما استدلالهم بالأثر فهو:\nالدليل الأول: قوله ﵊: «لا تؤمن امرأة رجلًا» (^٢).\nوهذا صريح العبارة، واضح الدلالة.\nالدليل الثاني: قوله ﵊: «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُم امْرَأَةً» (^٣).\nوجه الدلالة: أن الإمام في الصلاة يكون متوليًا أمر المأمومين، والنائب عنهم، فإذا أمت المرأة الرجال فقد ولوها أمرهم، فأصابهم الحديث، ونفي الفلاح يقتضي التحريم.\nالدليل الثالث: قوله ﵊: «خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا، وَشَرُّهَا آخِرُهَا، وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا، وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا» (^٤).\n_________\n(^١) الأم للشافعي [٢/ ٣٢٠].\n(^٢) إسناده ضعيف: وقد تقدم، وقال ابن عبد البر: ضعيف الإسناد صحيح المعنى. اهـ[التمهيد: ١/ ٥٨].\n(^٣) أخرجه البخاري (٤٤٢٥)، عن أبي بكرة ﵁.\n(^٤) أخرجه مسلم (٤٤٠)، عن أبي هريرة ﵁.","vol":"1","page":171},{"text":"وجه الدلالة: إذا كان صف النساء الأول الذي يلي الرجال هو شر الصفوف، فلا ريب أن تقدم المرأة على صفوف الرجال شر من ذلك.\nوقد يُستدل لأرباب هذا القول أيضًا بالآتي:\nالدليل الرابع: قوله ﵊: «التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ وَالتَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ» (^١).\nوجه الدلالة: إذا كان النبي ﷺ لم يجوز للنساء التسبيح، فمنعهن من القراءة والإمامة أولى.\nالدليل الخامس: قوله ﵊ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَقْطَعُ الصَّلَاةَ الْمَرْأَةُ وَالْحِمَارُ وَالْكَلْبُ الأَسوَد» (^٢).\nوجه الدلالة: إذا كان مرور المرأة بين يدي المصلي يقطع عليه الصلاة، فكيف يجوز وقوفها أمام الرجال لإمامتهم؟! (^٣).\nالدليل السادس: حديث ابن مسعود: «أخروهن حيث أخرهن الله» (^٤).\n_________\n(^١) متفق عليه: أخرجه البخاري (١٢٠٣)، ومسلم (٤٢٢)، عن أبي هريرة ﵁.\n(^٢) أخرجه مسلم (٥١١)، عن أبي هريرة ﵁.\nقال النووي في شرحه للحديث: قال مالك وأبو حنيفة، والشافعي وجمهور العلماء من السلف والخلف: لا تبطل الصلاة بمرور شيء من هؤلاء، ولا من غيرهم اهـ.\n(^٣) المحلى [٤/ ٢١٩].\n(^٤) إسناده صحيح: موقوف على عبد الله بن مسعود ﵁، ولا يصح مرفوعًا.\nأخرجه ابن خزيمة (١٧٠٠)، من طريق ابن عيينة، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله بن مسعود موقوفًا.\nوهذا إسناد صحيح.\nوقد رواه الأعمش من وجه آخر:\nفرواه الثوري [عبد الرزاق: ٣/ ١٤٩] وأبو معاوية [المطالب العالية: ٣/ ٦٣٣]. عنه عن إبراهيم عن أبي معمر - عبد الله بن سخبرة - عن ابن مسعود، وهذا إسناد صحيح.\nوخالفهما زائدة بن قدامة فرواه، عن الأعمش بإسقاط أبي معمر [البيهقي: ٩/ ٢٩٥].\nوزائدة - وإن كان ثقة إلا أن رواية أبي معاوية والثوري معًا تقدم على روايته.\nقال ابن خزيمة: هذا خبر موقوف غير مسند. اهـ.\nقال الزيلعي: حديث غريب مرفوعًا، وهو في مصنف عبد الرزاق، موقوفًا على ابن مسعود اهـ[نصب الراية: ٢/ ٣٦]، وقال الحافظ: لم أجده مرفوعًا، اهـ[الدراية: ١/ ١٧١].","vol":"1","page":172},{"text":"وأما استدلالهم بالنظر: فقالوا:\n* لو كان ذلك جائزًا لنقل عن الصدر الأول (^١)، ولكان أولى الناس به أمهات المؤمنين، وقد كان منهن الفقيهات البالغات، وعن بعضهن نقل كثير من الدين.\n* إن الإمامة في الصلاة من العبادات، والعبادات مبنية على التوقيف، والسنة العملية تدل على إمامة الرجل للرجال، فلا يجوز للمرأة أن تؤم الرجال؛ لأن ذلك خلاف ما علم من الشرع المطهر (^٢).\n* لما كانت المرأة لا تؤذن للرجال: لم يجز أن تؤمهم (^٣).\n* في إمامة المرأة للرجال ما يسبب افتتانًا بها (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-119>القول الثاني: تصح إمامة المرأة للرجال مطلقًا.</span>\nوبهذا قال: أبو ثور، والمزني، والطبري (^٥).\n_________\n(^١) بداية المجتهد [١/ ١٤٥].\n(^٢) لجنة الفتاوى الدائمة [٧/ ٣٩١].\n(^٣) المغني [٣/ ٣٦].\n(^٤) الموسوعة الفقهية الكويتية [٦/ ٢٠٤].\n(^٥) نقله النووي في المجموع [٤/ ٢٥٥].\nوأبو ثور: هو إبراهيم بن خالد البغدادي: أبو ثور الكلبي (ت ٢٤٠ هـ).\nوالمزني: هو أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني المصري، (ت ٢٦٤ هـ).\nوالطبري: هو شيخ المفسرين أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (ت ٣١٠ هـ).","vol":"1","page":173},{"text":"واستدلوا على ذلك بالأثر، وهو:\nعَنْ أُمِّ وَرَقَةَ بِنْتِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَوْفَلٍ الْأَنْصَارِيَّةِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا غَزَا بَدْرًا قَالَتْ: قُلْتُ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي فِي الْغَزْوِ مَعَكَ، أُمَرِّضُ مَرْضَاكُمْ، لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَرْزُقَنِي شَهَادَةً، قَالَ: «قَرِّي فِي بَيْتِكِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَرْزُقُكِ الشَّهَادَةَ»، قَالَ: فَكَانَتْ تُسَمَّى الشَّهِيدَةُ قَالَ: وَكَانَتْ قَدْ قَرَأَت الْقُرْآنَ فَاسْتَأْذَنَت النَّبِيَّ ﷺ أَنْ تَتَّخِذَ فِي دَارِهَا مُؤَذِّنًا فَأَذِنَ لَهَا، قَالَ: وَكَانَتْ قَدْ دَبَّرَتْ (^١) غُلَامًا لَهَا وَجَارِيَةً، فَقَامَا إِلَيْهَا بِاللَّيْلِ، فَغَمَّاهَا بِقَطِيفَةٍ لَهَا، حَتَّى مَاتَتْ، وَذَهَبَا فَأَصْبَحَ عُمَرُ فَقَامَ فِي النَّاسِ، فَقَالَ: مَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْ هَذَيْنِ عِلْمٌ، أَوْ مَنْ رَآهُمَا، فَلْيَجِئْ بِهِمَا فَأَمَرَ بِهِمَا، فَصُلِبَا فَكَانَا أَوَّلَ مَصْلُوبٍ بِالْمَدِينَةِ (^٢).\n_________\n(^١) التدبير: أن يعتق الرجل عبده عن دبر، أي: بعد موته، فيكون حرًّا بموت سيده.\n(^٢) إسناده ضعيف: أخرجه أبو داود [٥٩١]، وابن الجارود [المنتقى: ٣٣٣]، والبيهقي [٣/ ١٣٠]، وابن أبي شيبة [٣٣٦٥٧]، ومن طريقه الطبراني في الكبير [٢٥/ ١٣٥]، وابن أبي عاصم [الآحاد: ٣٣٦٦]، كلهم من طريق وكيع، عن الوليد بن جُميع، عن ليلى بنت مالك، وعبد الرحمن بن خلاد عن أم ورقة.\nقال الزيلعي: قال ابن القطان في كتابه: الوليد بن جميع، وعبد الرحمن بن خلاد = لا يعرف حالهما، انتهى، قلت (الزيلعي): ذكرهما ابن حبان في الثقات. اهـ. [نصب الراية: ٢/ ٣١].\nقلت: أما الوليد بن جميع فقد وثقة ابن معين وغيره، وقال العقيلي: مضطرب الحديث. وقال الحافظ: صدوق يهم، ورمي بالتشيع، وأما عبد الرحمن بن خلاد: فقد ترجم له البخاري في تاريخه الكبير، وابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل»، والذهبي في الكاشف = ولم يذكروا فيه جرحًا ولا تعديلًا، وقال عنه الحافظ: مجهول الحال.\nوليلى بنت مالك: شأنها شأن عبد الرحمن، وقال عنها الحافظ: لا تُعرف.\nوقد جاء الحديث بلفظ آخر مختصرًا هو: كان رسول الله ﷺ يزروها - أي: أم ورقة - في بيتها [وفي رواية: كان يقول: انطلقوا بنا نزور الشهيدة] وجعل لها مؤذنًا يؤذن لها، وأمرها أن تؤم أهل دارها، قال عبد الرحمن: فأنا رأيت مؤذنها شيخًا كبيرًا.\nأخرجه أبو داود [٥٩٢]، وابن خزيمة [١٦٧٦]، والحاكم [٧٣٠]، والدارقطني [١/ ٤٠٣]، والبيهقي [١/ ١٠٣] = كلهم من طريق الوليد بن جميع عن عبد الرحمن بن خلاد، عن أم ورقة.\nوقد سبق الكلام عن حال عبد الرحمن، والوليد، وقد ضعف شيخنا أبو عبد الله الحديث في جامع أحكام النساء [١/ ٣٤٤].","vol":"1","page":174},{"text":"وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أذن لها أن تؤم أهل بيتها، ومعلوم أن من الأهل رجالًا، فيكون هذا إقرارًا منه ﵊، بإمامة المرأة للرجال.\nوقد أجاب أصحاب القول الأول على هذا الحديث من عدة وجوه هي:\n١) أن الحديث لا يصح إسناده. قال أبو الوليد الباجي: هذا الحديث مما لا ينبغي أن يعول عليه. اهـ (^١).\n٢) في حديث أم ورقة: أنه إنما أذن لها أن تؤم نساء أهل دارها، كذلك رواه الدارقطني (^٢)، وهذه زيادة يجب قبولها (^٣).\n٣) لو قدر ثبوت ذلك لأم ورقة؛ لكان خاصًّا بها، بدليل أنه لا يشرع لغيرها من النساء، أذان ولا إقامة، فتختص بالإمامة، لاختصاصها بالأذان والإقامة (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-120>القول الثالث: تصح إمامة المرأة للرجال في التراويح فقط.</span>\nوهذا القول رواية عند الحنابلة (^٥).\n_________\n(^١) المنتقى شرح الموطأ [٢/ ٢٠٣، ط الكتب العلمية].\n(^٢) سنن الدارقطني [١/ ٢٧٩]، من طريق الوليد بن جميع عن أمه، عن أم ورقة وفي باقي الروايات عن جدته - هي ليلى بنت مالك: لا تعرف، فالإسناد أيضًا ضعيف.\n(^٣) المغني [٣/ ٣٥ - ٣٦].\n(^٤) المصدر السابق.\n(^٥) قال المرداوي: قال الزركشي: منصوص أحمد واختيار عامة الأصحاب: يجوز أن تؤمهم في صلاة التراويح. اهـ.\n[الإنصاف: ٢/ ٢٦٣]، المغني [٣/ ٣٥]، شرح منتهى الإرادات [١/ ٥٦٦]، وقد قيد بعض الحنابلة ذلك بكون المرأة حافظة قارئة وهم لا يقرأون، أو لا يحسنون القراءة، وزاد بعضهم: وأن تكون ذا رحم، وقال بعضهم: ذات رحم أو عجوز [الإنصاف: ٢/ ٢٦٣]، [منتهى الإرادات: ١/ ٥٦٦].\nوأما إمامتها للرجال في النفل مطلقًا عند الحنابلة = ففيه روايتان [كما تقدم في صدر المسألة عن شيخ الإسلام، وذكرها أيضًا المرداوي في الإنصاف: ٢/ ٢٦٣ - ٢٦٤].","vol":"1","page":175},{"text":"واستدلوا على ذلك: بحديث أم ورقة (^١).\nوأجيب عليهم بما أجيب به على أصحاب القول الثاني: وزيد عليه:\nأن تخصيص إمامتها للرجال بالتراويح: تحكُّم يخالف الأصول بغير دليل، فلا يجوز المصير إليه (^٢).\nتنبيه: قال المرداوي: حيث قلنا: تصح إمامتها بهم - يعني بالرجال في التراويح -: فإنها تقف خلفهم لأنه أستر، ويقتدون بها، وهذا الصحيح (^٣).\nثم قال: وعنه: تقتدي هي بهم في غير القراءة، فينوي الإمامة أحدهم، اختاره القاضي (^٤) في الخلاف فقال: إنما يجوز إمامتها في القراءة خاصة دون بقية الصلاة. اهـ (^٥).\nوأخيرًا في هذا الباب: قال شيخنا - حفظه الله -:\nلا تجوز إمامة المرأة للرجال - والله أعلم - للآتي ذكره.\n١) الإجماع المنقول على ذلك.\n_________\n(^١) قد تقدم قريبًا جدًّا.\n(^٢) المغني: [٣/ ٣٦].\n(^٣) وانظر شرح منتهى الإرادات [١/ ٥٦٦].\n(^٤) القاضي أبو يعلى: هو محمد بن الحسين الفراء، الملقب بأبي يعلى الكبير [ت ٤٥٨ هـ]، [طبقات الحنابلة: ٢/ ١٩٣].\n(^٥) الإنصاف: [٢/ ٢٦٤].","vol":"1","page":176},{"text":"٢) عدم ورود ذلك على عهد رسول الله ﷺ، ولا في القرون المفضلة - فيما علمنا -.\n٣) قول النبي ﷺ: «التَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ»، ومنعهن من التسبيح.\n٤) قوله ﷺ: «شر صفوف النساء أولها».\n٥) قوله تعالى: ﴿الرجال قوامون على النساء﴾ الآية.\nهذا، وينبغي النظر فيما إذا أمت المرأة أبناءها في البيت لعلة، فهذا يحتاج إلى بحث، والله أعلم. اهـ (^١).\n_________\n(^١) انتهى هنا الكلام بتمامه من خط الشيخ.","vol":"1","page":177},{"text":"<span data-type='title' id=toc-121>١٦ - إمامة المرأة للنساء</span>\nحديثنا في هذه المسألة - بإذن الله - ينتظم في ثلاثة أمور، وهي:\n<span data-type='title' id=toc-122>أولًا: هل تؤم المرأة النساء </span>أم لا؟\nثانيًا: إذا قلنا بجواز ذلك: فأين تقف منهن؟\nثالثًا: إذا كانت الصلاة جهرية: هل تجهر المرأة بالقراءة أم لا؟\nهذا موجز بما يدور عليه الكلام في هذا الباب، والآن: إليك الجواب.\n\nأولًا: هل تؤم المرأة النساء؟\nاختلف أهل العلم في هذه المسألة على أربعة أقوال، وهي:\n\n<span data-type='title' id=toc-123>القول الأول: يستحب للمرأة أن تؤم النساء، فرضًا ونفلًا.</span>\nوبه قال الشافعية (^١)، وهو الصحيح من المذهب عند الحنابلة (^٢)، ورواية عن مالك (^٣)، واختاره ابن حزم (^٤).\n_________\n(^١) قال الماوردي: مذهب الشافعي أنه يستحب لها - أي المرأة - أن تؤم النساء فرضًا ونفلًا اهـ.\n[الحاوي الكبير: ٢/ ٤٤٧]، الأم [٢/ ٣٢٢]، والمجموع [٤/ ١٩٩].\n(^٢) قال المرداوي: يستحب للنساء صلاة الجماعة على الصحيح من المذهب، وعليه الجمهور اهـ. [الإنصاف: ٢/ ٢١٢]، المغني [٣/ ٣٧].\n(^٣) ذكرها القرافي في الذخيرة [٢/ ٢٤٢] قال: وروي عنه تؤم النساء اهـ.\n(^٤) قال ابن حزم: وإن صلّيْن جماعة وأمتهن امرأة منهن = فحسن اهـ. [المحلى: ٣/ ١٢٦].","vol":"1","page":178},{"text":"واستدل هؤلاء بالأثر والنظر:\nأما استدلالهم بالأثر، فهو:\nالدليل الأول:\nحديث أم ورقة، وفيه: أن النبي ﷺ أذن لها في إمامة أهل بيتها، وفي رواية: أذن لها أن تؤم النساء من أهل بيتها (^١).\nوجه الدلالة:\nإقرار النبي ﷺ لأم ورقة، وإذنه لها يدل على الجواز.\nالدليل الثاني:\nأن أم المؤمنين عائشة ﵂ أمت نسوة في المكتوبة، فأمتهن فقامت بينهن وسطًا (^٢).\n_________\n(^١) إسناده ضعيف: وقد تقدم.\n(^٢) صحيح بمجموع طرقه: جاء هذا الأثر عن عائشة من عدة طرق:\n١) فأخرجه عبد الرزاق [٣/ ١٤١]، وأحمد [في العلل له: ٣٦١١]، وابن سعد في [الطبقات: ٨/ ٤٨٣]، والدارقطني [١/ ٤٤٠١]، والبيهقي [٣/ ١٣١]، وابن حزم [المحلى: ٤/ ٢١٩]، كلهم من طريق الثوري، عن ميسرة بن حبيب، عن ريطة الحنفية أن عائشة أمتهن وقامت بينهن في صلاة مكتوبة.\nوهذا إسناد رجاله ثقات، خلا: ريطة الحنفية، فلم أ جد فيها كبير كلام إلا قول العجلي: كوفيه تابعية ثقة اهـ، وقد قال الذهبي في الميزان: لا أعلم في النساء من اتهمن ولا تركت. اهـ. وقد صحح النووي هذا الإسناد في المجموع [٤/ ١٩٩]\n٢) وأخرجه عبد الرزاق [٣/ ١٤١]، عن ابن جريج قال: أخبرني يحيى بن سعيد أن عائشة كانت تؤم النساء في التطوع تقوم معهن في الصف.\nوهذا إسناد منقطع، فيحيى لم يدرك عائشة ﵂.\n٣) وأخرجه محمد بن الحسن في كتابه الآثار [نقله عنه ابن الهمام في فتح القدير: ١/ ٣٥٣]، قال: أخبرنا أبو حنيفة، عن حماذد بن أبي سليمان، عن إبراهيم النخعي: أن","vol":"1","page":179},{"text":"الدليل الثالث:\nأن أم المؤمنين أم سلمة ﵂ أمت النساء فقامت وسطًا (^١).\n_________\nعائشة كانت تؤم النساء في شهر رمضان فتقوم وسطًا.\nوإبراهيم وإن كان دخل على عائشة وهو صغير إلا أنه لم يسمع منها شيئًا - كما قال الرزايان -[جامع التحصيل: ١/ ١٤١].\n٤) وأخرجه الحاكم [٧٣١]، والبيهقي (٣/ ١٣١)، من طريق عبد الله بن إدريس عن ليث هو ابن أبي سليم - وأخرجه ابن أبي شيبة (٤٩٥٤)، عن وكيع، عن ابن أبي ليلى = كلاهما، عن عطاء، عن عائشة: أنها كانت تؤم النساء تقوم معهن في الصف.\nوعطاء المذكور في الإسناد هو ابن أبي رباح، قال عنه الإمام أحمد: روايته عن عائشة لا يحتج بها إلا أن يقول: سمعت اهـ[التهذيب، ت عطاء].\nقلت (القائل أحمد): وكلا الطريقين، عن عطاء بالعنعنة، عن عائشة، ليس في أحدهما تصريح بالسماع.\n٥) وأخرجه ابن حزم [المحلى: ٤/ ٢١٩]، من طريق: يحيى بن سعيد القطان ثنا زياد بن لاحق، عن تميمة بنت سلمة، عن عائشة أم المؤمنين: أنها أمت النساء في صلاة المغرب، فقامت وسطهن وجهرت بالقراءة.\nوتميمة هذه: ذكر الشيخ أحمد شاكر ﵀ في تعليقه على المحلى (٣/ ١٢٦)، أنه لم يجد ترجمة لها، وحُق له ذلك فيما كان بين يديه من الكتب، ثم وقفت - بحمد الله - على ذكر لها في سؤالات البرقاني للدارقطني (٦٢)، حيث قال - أي الدارقطني -: تميمة بنت سلمة عن عائشة: لا بأس بها. اهـ.\nوأما زياد بن لاحق - الراوي عن تميمة: فقد ترجم له البخاري في تاريخه الكبير وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ولم يذكرا فيه شيئًا، وذكره ابن حبان في ثقاته، ثم وجدت في العلل لأحمد [٢٥٠٣]، أنه قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن زياد بن لاحق، عن تميمة بنت سلمة، قال يحيى: الشيخ كوفي، روايته مع عمر بن ذر. اهـ.\nوعمر بن ذر: ثقة مرجئ.\nوالخلاصة:\nقال شيخنا العدوي - حفظه الله -: فبالجملة يصح أثر عائشة ﵂ بمجموع طرقه، والله تعالى أعلم اهـ[جامع أحكام النساء: ١/ ٣٤٦].\n(^١) إسناده حسن: جاء هذا الأثر عن أم سلمة ﵂ من طريقين:\n١) فأخرجه ابن أبي شيبة (٤٩٥٣)، وابن حزم [المحلى: ٤/ ٢٢٠]، كلاهما من","vol":"1","page":180},{"text":"قالوا: فهذا فعل أمهات المؤمنين، وهما أي عائشة وأم سلمة، من الفقه والعلم بمكانة لا تخفى، ولا نعرف مخالفًا لهما من أمهات المؤمنين، أو الصحابة (^١).\n_________\n=\nطريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أم الحسن: أنها رأت أم سلمة زوج النبي ﷺ تؤم النساء، تقوم معهن في صفهن.\nوهذا إسناد حسن لما يلي:\nسعيد بن أبي عروبة مجمع على توثيقه، وأما عن اختلاطه فلا يخشى منه هنا؛ لأن الراوي عنه، يحيى بن سعيد القطان [عند ابن حزم]، قد روى عنه قبل اختلاطه، وتابع يحيى: علي ابن مسهر [عند ابن أبي شيبة].\nوأما قتادة السدوسي: فلا تخفى مكانته، وقد صرح بتحديث أم الحسن له [كما عند ابن حزم].\n- وأما أم الحسن واسمها: خيرة، مولاة لأم سلمة ﵂.\n- قال عنها ابن سيرين: أما إنها - أي أم الحسن - كانت تخالطها - أي: أم سلمة - وتلج عليها، [العلل لأحمد: ١١٢٥].\n- وقد ذكرها ابن حبان في الثقات، وقال عنها ابن حزم: هي ثقة الثقات، وهذا إسناد كالذهب، اهـ[المحلى: ٤/ ٢٢٠]، وقال في موطن آخر: ثقة مشهورة [المحلى: ٣/ ١٢٧].\n- وقد أخرج لها الجماعة سوى البخاري، وقال عنها الحافظ: مقبولة.\n- وقول الحافظ عنها لا يضرها هنا، إذ أنها تنقل واقعة رأتها، ولا تنقل حكمًا مرفوعًا عن النبي ﷺ، والله أعلم.\n٢) وأخرجه ابن أبي شيبة [٤٩٥٢]، وعبد الرزاق [٣/ ١٤٠]، والدارقطني [١/ ٤٠٥]، والشافعي [المسند صـ ٥٣]، ومن طريقه البيهقي [٣/ ١٣١]، كلهم من طريق عمار بن معاوية الدهني عن امرأة من قومه يقال لها: حجيرة، عن أم سلمة ﵂ أنها أمتهن فقامت وسطًا.\n- وحجيرة هذه بنت حصين: لم أقف لها على ترجمة إلى الآن.\n- وقد صحح النووي هذا الإسناد [المجموع: ٤/ ١٩٩].\n- وهذا الأثر حكم عليه شيخنا العدوي بأنه صحيح لغيره [جامع أحكام النساء: ١/ ٣٤٦].\n(^١) المحلى [٤/ ٢٢٠].","vol":"1","page":181},{"text":"الدليل الرابع:\nقال ابن عباس: تؤم المرأة النساء تقوم في وسطهن (^١).\nوقد جاء الترخيص في ذلك عن عدد من التابعين أيضًا، مثل الحسن البصري (^٢)، وابن جريج (^٣)، وغيرهما.\nوأما استدلالهم بالنظر، فقالوا:\nإن المرأة لا تقطع صلاة المرأة إذا صلت أمامها، أو إلى جنبها، ولم يأت بالمنع من ذلك قرآن ولا سنة، وهو فعل خير، وقد قال تعالى: ﴿وافعلوا الخير﴾. وهو تعاون على البر والتقوى (^٤).\nولأن النساء من أهل الفرض فأشبهن الرجال، فجاز لهن ما جاز للرجال في الصلاة أي الجماعة (^٥).\n_________\n(^١) إسناده ضعيف جدًّا: أخرجه عبد الرزاق (٣/ ١٤٠)، والبيهقي [٣/ ١٣١] = كلاهما من طريق إبراهيم بن محمد عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس.\n- وإبراهيم بن محمد هو: ابن أبي يحيى الأسلمي = متروك، وأما داود بن الحصين: فقد قال عنه علي بن المديني: ما روى عن عكرمة: فمنكر الحديث. اهـ.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة [٤٩٥٥] عن الحسن بسند صحيح قال: تؤم المرأة النساء في صلاة رمضان، تقوم معهن في صفهن.\nهذا، وقد ذكر ابن قدامة [المغني: ٣/ ٣٧]، أن الحسن ممن قال: لا تؤم المرأة في فريضة ولا نافلة، قلت (القائل أحمد): ولم أقف على ذلك مسندًا إلى الحسن، وما وقفت عليه أثبته، فالله أعلم بالصواب.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق (٣/ ١٤٠)، عن ابن جريج قال: تؤم المرأة النساء من غير أن تخرج أمامهن، ولكن تحاذي بهن في المكتوبة والتطوع، قلت (عبد الرزاق): وإن كثرن حتى يكن صفين أو أكثر؟ قال: وأن تقوم وسطهن. اهـ.\n(^٤) المحلى [٤/ ٢٢٠].\n(^٥) المغني [٣/ ٣٧].","vol":"1","page":182},{"text":"<span data-type='title' id=toc-124>القول الثاني: لا تصح إمامة المرأة للنساء، وبه قال المالكية (^١). واستدلوا على ذلك بالأثر والنظر.</span>\nأما استدلالهم بالأثر فهو:\nالدليل الأول: حديث ابن مسعود: «أخروهن حيث أخرهن الله» (^٢).\nويجاب عنه بأنه من قول ابن مسعود ﵁ لا من قول النبي ﷺ، كما أنه لا يفيد منعها من إمامة النساء، وإنما قد يفيد تأخير صفوف النساء، وإن أفاد معنى ما يستدلون به: فهو مخالف بفعل أم سلمة وعائشة ﵄، فلا يكون قول ابن مسعود حجة عليهما.\nالدليل الثاني: قول علي بن أبي طالب «لا تؤم المرأة».\nويجاب عنه: بأنه ضعيف الإسناد، فلا يثبت عن علي (^٣).\nوأما استدلالهم بالنظر، فقالوا:\n* إنه يكره للمرأة الأذان، وهو دعاء الجماعة، فكره لها ما يراد الأذان له (^٤).\nويجاب عنه: بأنه قياس في مقابل نص عن الصحابة، فلا يقوى الاستدلال به.\n* وإن المرأة أسوأ حالًا من الصبي للأمر بتأخيرها في الصفوف،\n_________\n(^١) قال الخرشي: والمعنى أنه لا تصح إمامة المرأة، سواء أمت رجالًا أو نساءً، في فريضة أو نافلة اهـ[شرح مختصر خليل: ٢/ ٢٢]، الذخيرة [٢/ ٢٤١]، [بداية المجتهد ١/ ١٤٥].\n(^٢) صحيح: عن ابن مسعود، وقد تقدم.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة [٤٩٥٧]، من طريق ابن أبي ذئب عن مولى لبني هاشم عن علي.\n(^٤) المغني [٣/ ٣٧].","vol":"1","page":183},{"text":"بخلافه (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-125>القول الثالث: تكره إمامة المرأة للنساء، فرضًا ونفلًا.</span>\nوبهذا قال الحنفية (^٢).\nواستدلوا على ذلك بالنظر، فقالوا:\nإن جماعة النساء وحدهن لا تخلو عن ارتكاب مكروه، فإن إمامتهن إما أن تتقدم على القوم، أو تقف وسطهن، وفي الأول زيادة الكشف، وهي مكروهة، وفي الثاني ترك الإمام مقامه، وهو مكروه.\nوترك ما هو سنة أولى من ارتكاب مكروه (^٣).\nوأجاب هؤلاء عن الأدلة التي استدل بها الفريق الأول بأنها منسوخة بقوله ﷺ: «صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها، وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها» (^٤).\n_________\n(^١) الذخيرة [٢/ ٢٤٢]، وذلك لأن المالكية لا يرون إمامة الصبي، وانظر قولهم في تلك المسألة (إمامة الصبي).\n(^٢) قال ضياء الدين المرغيناني: ويكره للنساء وحدهن الجماعة. اهـ.\n[العناية شرح الهداية مع فتح القدير: ١/ ٣٥٢]، المبسوط [١/ ١٨٤].\n(^٣) [العناية مع فتح القدير: ١/ ٣٥٢].\n(^٤) أخرجه أبو داود (٥٧٠)، والبزار [البحر الزخار: ٢٠٦٠، ٢٠٦٣]، وابن خزيمة [١٦٨٨، ١٦٩٠]، والحاكم [٧٥٧]، وعنه البيهقي [٣/ ١٣١] = كلهم من طريق عمرو بن عاصم عن همام، عن قتادة، عن مورق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله - بن مسعود - عن النبي ﷺ.\nقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقد احتجا جميعًا بالمورق بن مشمرج العجلي. اهـ.\nقلت (القائل أحمد): أبو الأحوص هو عوف بن مالك، ولم يخرج له البخاري في صحيحه، وإنما أخرج له في «الأدب المفرد»، فلا يقال: إنه على شرطه، وإنما أخرج له مسلم، ولذا قال النووي في المجموع [٤/ ١٩٨]: رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط\nمسلم اهـ.\nوهذا الإسناد يكاد أن يصحح لولا ما يخشى من عنعنة قتادة، فإني لم أجده مصرحًا بالتحديث في الأماكن المذكورة، وقد علق ابن خزيمة في صحيحه الحكم على الحديث بالصحة بسماع قتادة الخبر من مورق، حيث قال: «باب اختيار صلاة المرأة في بيتها على صلاتها في حجرتها، إن كان قتادة سمع هذا الخبر من مورق» اهـ. فالله أعلم.\nولهذا الحديث بنفس الإسناد السابق لفظ آخر، مغاير للفظ المذكور شيئًا ما وهو «المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان، وأقرب ما تكون من [وجه] ربها وهي في قعر بيتها».\nأخرجه الترمذي [١٧٣]، بدون الفقرة الأخيرة - وقال: حسن غريب اهـ، وابن خزيمة (١٦٨٥)، وابن حبان [٥٥٩٩]، والطبراني في الكبير [١٠/ ١٠٨]، والبزار [البحر الزخار: ٢٠٦] = كلهم من طريق قتادة، عن مورق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود مرفوعًا. وقد حدث خلاف في إسناد هذا الحديث، وكذا في وقفه ورفعه.\n- وانظر أطراف الغرائب والأفراد للدارقطني [٣٩٠٧]، وكذلك العلل له [٩٠٥].\n- وللمتن شواهد انظرها في صحيح سنن أبي داود [٣/ ١٠٩].","vol":"1","page":184},{"text":"قالوا: ومعلوم أن المخدع لا يسع الجماعة، وكذا قعر بيتها، وأشده ظلمة.\nودعوى النسخ هذه كفانا الرد عليها ابن الهمام الحنفي نفسه، حيث قال: ولا يخفى ما فيه - أي في كلام القائلين بالنسخ -، وبتقدير التسليم فإنما يفيد نسخ السنية، وهو لا يستلزم كراهة التحريم في الفعل، بل التنزيه، ومرجعها إلى خلاف الأولى، ولا علينا أن نذهب إلى ذلك، فإن المقصود اتباع الحق حيث كان. اهـ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-126>القول الرابع: يكره لها الإمامة في الفرض، ويجوز في النفل.</span>\nوبه قال الشعبي والنخعي (^٢)، وهو الرواية الثانية عند\n_________\n(^١) فتح القدير [١/ ٣٥٤].\n- وتأمل قوله «فإن المقصود اتباع الحق حيث كان»، يتبين لك إنصاف الرجل، وترجيحه للثابت من السنة عنده ولو خالف مذهبه، فرحمه الله ما أنصفه!!\n(^٢) قال الماوردي: وقال الشعبي والنخعي: يكره لها الإمامة في الفرض دون\nالنفل. اهـ. [الحاوي الكبير: ٢/ ٤٤٧].\nقلت (القائل أحمد): الأثر عن إبراهيم النخعي والشعبي في المسألة - أخرجه ابن أبي شيبة (٤٩٥٥)، وعبد الرزاق (٣/ ١٤٠)، بسند صحيح عنهما، أنهما قالا: «لا بأس أن تصلي المرأة بالنساء في رمضان، تقوم في وسطهن».","vol":"1","page":185},{"text":"الحنابلة (^١).\nثم أخيرًا في هذا الجزء الأول من مسألتنا:\nقال شيخنا - حفظه الله -:\nلا بأس بإمامة المرأة للنساء، وقد ورد ذلك عن عائشة وأم سلمة ﵄ بأسانيد صحاح بجموع الطرق، والله أعلم (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-127>ثانيًا: أين تقف المرأة من النساء المأمومات؟</span>\nلا يكاد يوجد خلاف بين أهل العلم القائلين بإمامة المرأة للنساء في أنها تقف وسطهن (^٣).\nقال ابن قدامة:\nإذا صلت بهن قامت في وسطهن، لا نعلم فيه خلافًا بين من رأى لها أن تؤمهن. اهـ (^٤).\n_________\n(^١) قال المرداوي - نقلًا عن ابن عقيل: والرواية الثانية: يكره في الفريضة، ويجوز في النافلة اهـ[الإنصاف ٢/ ٢١٢]، المغني [٣/ ٣٧].\n(^٢) نقلته بحروفه كما كتبه لي.\n(^٣) لم أنف الخلاف مطلقًا - كما فعل ابن قدامة - لأنه وُجد من خالف في ذلك - كما سيأتي قريبًا إن شاء الله.\n(^٤) المغني [٢/ ٢١٣].","vol":"1","page":186},{"text":"قلت: ذهب إلى ذلك: الحنفية (^١)، والشافعية (^٢)، والحنابلة (^٣).\nواستدلوا على ذلك بالأثر والنظر.\nأما استدلالهم بالأثر، فهو:\nالدليل الأول: عن أسماء قالت: قال رسول الله ﷺ: «ليس على النساء أذان ولا إقامة، ولا جمعة ولا اغتسال جمعة، ولا تقدمهن امرأة، ولكن: تقوم في وسطهن» (^٤).\nالدليل الثاني: أن هذا فعل عائشة وأم سلمة ﵄ (^٥)، فلا يعدل عن فعلهما لسواه.\nوأما استدلالهم بالنظر، فقالوا:\nإن المرأة يستحب لها التستر، ولذلك لا يستحب لها التجافي، وكونها في وسط الصف أستر لها، لأنها تستتر بهن من جانبيها، فاستحب لها\n_________\n(^١) المبسوط [١/ ١٨٤]، [العناية مع فتح القدير: ١/ ٣٥٢].\n(^٢) الأم [٢/ ٣٢٢]، الحاوي الكبير [٢/ ٤٤٨]، المجموع [٤/ ٢٩٥].\n(^٣) المغني [٢/ ٢١٣]، منتهى الإرادات [١/ ٥٧٣].\n(^٤) إسناده ضعيف جدًّا: أخرجه البيهقي (١/ ٤٠٨)، من طريق: الحكم بن عبد الله الأيلي، عن القاسم، عن أسماء، وأخرجه ابن عدى في الكامل [٢/ ٢٠٣]، في ترجمة الحكم المذكور.\n- قال البيهقي: هكذا رواه الحكم بن عبد الله الأيلي، وهو ضعيف اهـ.\n- قلت: وضعفه شديد، بل نقل الذهبي عن النسائي والدارقطني وغيرهما قولهم: متروك الحديث، وقال البخاري: تركوه، وقال ابن معين: ليس بشيء اهـ. وعليه فحديثه - كما قال شيخنا -: لا تقوم له قائمة.\n(^٥) قد تقدمت الآثار عنهما ﵄.","vol":"1","page":187},{"text":"ذلك كالعريان (^١).\nلكن: ما العمل إن تقدمت المرأة على النساء ولم تقف وسطهن؟\nقد ذهب الحنفية (^٢)، والشافعية (^٣)، والحنابلة (^٤) - في رواية - إلى أن ذلك جائز لها.\nوقالوا: هو موقف في الجملة، ولهذا كان موقفًا للرجل (^٥).\nبينما ذهب الحنابلة في الرواية الأخرى - إلى أن هذا لا يجوز ولا يصح.\nقالوا: لأنها خالفت موقفًا أشبه ما لو خالف الرجل موقفه (^٦).\nوقال شيخنا:\nلا نعلم مانعًا لها من أن تتقدمهن، ولكن إذا لزمت فعل السلف فهو أفضل وهو خير اهـ (^٧).\nهذا وقد خالف الفقهاء ابنُ حزم في ذلك، فقال:\nما نعلم لمنعها من التقدم حجة أصلًا، وحكمها عندنا: التقدم أمام النساء (^٨)، وما نعلم لمن منع من إمامتها النساء حجة أصلًا، لا سيما\n_________\n(^١) المغني [٢/ ٢١٣]، الحاوي الكبير [٢/ ٤٤٨].\n(^٢) المبسوط [١/ ١٨٤]، [العناية شرح الهداية: ١/ ٣٥٢].\n(^٣) الأم [٢/ ٣٢٢].\n(^٤) المغني [٣/ ٣٨].\n(^٥) المصدر السابق.\n(^٦) السابق\n(^٧) جامع أحكام النساء [١/ ٣٥٢].\n(^٨) تأمل هذه الجملة جيدًا يتبين لك مخالفة ابن حزم لجمهور الفقهاء، فهو لا يرى مجرد جواز تقدم المرأة، بل يرى أن ذلك هو الأصل، وهناك فارق بين الأمرين: فتنبه.","vol":"1","page":188},{"text":"وهو قول جماعة من الصحابة لا مخالف لهم يعرف من الصحابة ﵃ أصلًا اهـ (^١).\nوقد تعقب شيخنا: ابن حزم في هذه المسألة، فقال: كان من اللائق أن يقف المؤلف ﵀ (وهو ابن حزم) عند ما حاول إلزام خصمه به، فلم يرد دليل عن الصحابيات أن من تؤم النساء تتقدمهن، بل الوارد عنهن أنها تقف وسطهن، صحيح لم يرد دليل يمنع: إلا أن فعل الصحابيات أولى وأليق، وبالله التوفيق. اهـ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-128>ثالثًا: هل تجهر بالقراءة في صلاتها؟</span>\nفي المسألة ثلاثة أقوال، وهي:\nالقول الأول: قال الشافعي: وتخفض صوتها بالتكبير والذكر الذي يجهر به في الصلاة من القرآن وغيره. اهـ (^٣).\nالقول الثاني: قال ابن قدامة الحنبلي: تجهر في صلاة الجهر، وإن كان ثم رجال لا تجهر إلا أن يكونوا من محارمها، فلا بأس (^٤).\n_________\n(^١) المحلى [٤/ ٢٢٠].\nوقد أوردت كلامه كاملًا لأن تتمة الكلام تلزمه بما فر منه في أوله - كما قال شيخنا -.\n(^٢) جامع أحكام النساء [١/ ٣٥١ - حاشية (٢)].\n(^٣) الأم [٢/ ٣٢٢].\n(^٤) المغني [٣/ ٣٨]، وقد استحسنه شيخنا العدوي - حفظه الله - بعد أن نقله، فقال: وهذا القول قول حسن، لأنه - أي ابن قدامة - بناه على الأصل في صلاة الجماعة، وهو الجهر في الصلاة الجهرية، ثم استثنى منه ما إذا كن بحضرة رجال، أو يسمعهن رجال، فقد قال رسول الله ﷺ: «التصفيق للنساء» وفي هذا بعد عن الافتتان بهن، والله تعالى أعلم. اهـ.","vol":"1","page":189},{"text":"القول الثالث: قال ابن حزم: والجهر والإسرار في قراءة التطوع ليلًا ونهارًا مباح للرجال والنساء، إذ لم يأت منع من شيء من ذلك، ولا إيجاب لشيء من ذلك في قرآن ولا سنة.\nفإن قيل: تخفض النساء؟ قلنا: ولم؟!، ولم يختلف مسلمان في أن سماع الناس كلام نساء رسول الله ﷺ مباح للرجال، ولا جاء نص في كراهة ذلك من سائر النساء، وبالله التوفيق. اهـ (^١).\nقال شيخنا - معقبًا على كلام ابن حزم -:\nحديث رسول الله ﷺ يمنع ذلك في حالة وجود الرجال، والله أعلم. اهـ (^٢).\n_________\n(^١) المحلى [٣/ ٥٥].\n(^٢) جامع أحكام النساء [١/ ٣٥٣]، يشير لحديث «التصفيق للنساء».","vol":"1","page":190},{"text":"<span data-type='title' id=toc-129>١٧ - تسوية الصفوف</span>\n<span data-type='title' id=toc-130>المراد بتسوية الصفوف:</span>\nإتمام الأول فالأول، وسد الفرج، ويحاذي القائمين فيها بحيث لا يتقدم صدر أحد ولا شيء على من هو بجنبه، ولا يشرع في الصف الثاني حتى يتم الأول، ولا يقف في صف حتى يتم ما قبله (^١).\nوقد كان من هدي النبي ﷺ أن يسوي الصفوف قبل أن يشرع في الصلاة، ويحث على ذلك، ويحذر من مخالفته، وعلى ذلك: جرى فعل الصحابة من بعده، أعني: من كان منهم يؤم الناس.\nوبين يديك جملة من الأحاديث الواردة في تسوية الصفوف، والألفاظ التي جاءت عن النبي ﷺ في ذلك، ثم يعقبها - بإذن الله - الكلام على فقهها.\nالحديث الأول: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «سَوُّوا صُفُوفَكُمْ، فَإِنَّ تَسْوِيَةَ الصَّفِّ مِنْ إقامة الصَّلَاةِ» (^٢).\nالحديث الثاني: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «… وَأَقِيمُوا الصَّفَّ فِي الصَّلَاةِ، فَإِنَّ إِقَامَةَ الصَّفِّ مِنْ حُسْنِ الصَّلَاةِ» (^٣).\nالحديث الثالث: عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قال: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُسَوِّي صُفُوفَنَا، حَتَّى كَأَنَّمَا يُسَوِّي بِهَا الْقِدَاحَ (^٤)، حَتَّى رَأَى أَنَّا قَدْ عَقَلْنَا عَنْهُ،\n_________\n(^١) المجموع [٤/ ٢٢٦].\n(^٢) متفق عليه: أخرجه البخاري (٧٢٣)، ومسلم (٤٣٣)، ولفظه: «من تمام الصلاة».\n(^٣) متفق عليه: أخرجه البخاري (٧٢٢)، ومسلم (٣٤٥).\n(^٤) القداح: هي خشب السهام حين تنحت وتبرى، واحدها: قدح والمعنى: يبالغ\nفي تسويتها حتى تصير كأنما تقوم بها السهام لشدة استوائها واعتدالها.","vol":"1","page":191},{"text":"ثُمَّ خَرَجَ يَوْمًا، فَقَامَ حَتَّى كَادَ يُكَبِّرُ فَرَأَى رَجُلًا بَادِيًا صَدْرُهُ مِنْ الصَّفِّ فَقَالَ: «عِبَادَ اللَّهِ لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ، أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ» (^١).\nالحديث الرابع: عن أبي مسعود الأنصاري قال: كان رسول الله ﷺ يمسح مناكبنا في الصلاة، ويقول: «استووا، ولا تختلفوا فتخلتف قلوبكم، ليليني منكم أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» (^٢) قال ابن مسعود: فأنتم اليوم أشد اختلافًا.\nالحديث الخامس: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ، فَأَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِوَجْهِهِ فَقَالَ: «أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ وَتَرَاصُّوا، فَإِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي»، قال أنس: وكان أحدنا يلزق منكبه بمنكب صاحبه، وقدمه بقدمه (^٣).\nوفي رواية كان يقول: «اعتدلوا في صفوفكم وتراصوا»، وفيها قال أنس: زيادة على ما ذكر: ولو ذهبت تفعل ذلك اليوم لترى أحدهم كأنه بغل شموس (^٤).\n_________\n(^١) متفق عليه: - أخرجه البخاري (٧١٧)، بدون ذكر كلام النعمان، ومسلم (٤٣٦).\nواختلف العلماء في تفسير قوله: «أو ليخالفن الله بين وجوهكم»، فقيل: هو على حقيقته، والمراد تسوية الوجه بتحويل خلقه عن وضعه، ويجعله موضع القفا، أو نحو ذلك، ومنهم من حمله على المجاز، فقال النووي: معناه يوقع بينكم العداوة والبغضاء واختلاف القلوب، كما تقول: «تغير وجه فلان عليّ»، أي ظهر لي من وجهه كراهية؛ لأن مخالفتهم في الصفوف مخالفة في ظواهرهم، واختلاف الظواهر سبب لاختلاف البواطن، وقيل غير ذلك [انظر فتح الباري: ٢/ ٢٤٣].\n(^٢) أخرجه مسلم (٤٣٢).\n(^٣) متفق عليه: أخرجه البخاري [٧١٨ - مع أطرافه] واللفظ له، ومسلم (٤٣٤)، بدون قول أنس.\n(^٤) إسنادها صحيح: هذه الرواية أخرجها أبو يعلى [٣٧٢٠]، عن أبي بكر بن أبي شيبة، وفي [٣٧٢١]، عن أبي خيثمة = كلاهما عن هشيم أخبرنا حميد عن أنس الحديث.","vol":"1","page":192},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وهذا إسناد صحيح، وحميد وإن كان يدلس عن أنس إلا أنه كما قال العلائي: على تقدير أن تكون أحاديثه مراسيل، قد تبين الواسطة فيها، وهو ثقة يحتج به. اهـ.\n- والواسطة بين حميد وأنس: هو ثابت بن أسلم البناني، فلا يضر ذكره من إسقاطه.\n- لكن الذي يستحق الوقوف معه: هو زيادة لفظة «اعتدلوا»، في هذه الرواية، فقد روى الحديث عن حميد جماعة، لم يذكروا هذه الزيادة - اللفظة -، وهم:\n- زائدة بن قدامة [عند البخاري: ٧١٩]، وزهير بن معاوية [عند البخاري: ٧٢٥] وإسماعيل بن جعفر [عند النسائي: ٨١٤]، وابن أبي عدي [عند أحمد: ١٢٠١١]. ويحيى القطان [عند أحمد: ١٢٨٨٤]، وعبد الله بن بكر [عند أحمد: ١٣٧٧٧].\nوزاد هذه اللفظة هشيم - كما تقدم -، وتابعه على زيادتها: سليمان بن حيان [عند أحمد: ١٢٢٥٥، ١٣٣٩٦]، وسليمان [أبو خالد الأحمر]، وإن كان قال البزار عنه: ليس ممن يلزم زيادته حجة لاتفاق أهل العلم بالنقل أنه لم يكن حافظًا = إلا أنه قد وثقة ابن المديني، وقال عنه أبو حاتم: صدوق، وعلى كل: فهو لم ينفرد بذكر هذه الزيادة، بل تابعه هشيمٌ عليها.\nثم وجدت متابعًا لحميد على ذكر هذه اللفظة عن أنس، وهو: محمد بن مسلم بن خباب فأخرج ابن حبان [٢١٦٨، ٢١٧٠]، وأحمد [١٣٦٦٩]، وأبو داود [٦٦٩، ٦٧٠]، ومن طريقه البيهقي [٢/ ٢٢]، وغيرهم = من طريق مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير قال: جئت فقعدت فقال محمد بن مسلم: جاء أنس بن مالك فقعد مكانك، فقال: إن عمر لما زاد في المسجد غفلوا عن العود الذي كان في القبلة، تدرون ما هذا العود؟! قلنا: لا، قال: إن رسول الله ﷺ كان إذا قام إلى الصلاة أخذه بيمينه ثم التفت فقال: «اعتدلوا، سووا صفوفكم»، ثم أخذ بيساره ثم قال: «اعتدلوا، سووا صفوفكم»، فلما هدم المسجد فقد، فالتمسه عمر - رضوان الله عليه - فوجده قد أخذه بنو عمرو بن عوف، فجعلوه في مسجدهم، فانتزعه فأعاده.\nوهذا إسناد ضعيف لضعف مصعب بن ثابت، فقد لينه الكثيرون، وشيخه هنا: ليس فيه إلا ذكر ابن حبان له في ثقاته - وكذا ذكره البخاري وابن أبي حاتم بدون تجريح أو تعديل -.\nوالخلاصة في هذه اللفظة «اعتدلوا».\nأنها جاءت من طريق هشيم وسليمان عن حميد، ولم يذكرها الباقون عن حميد، وتابع حميدًا على ذكرها محمد بن مسلم، وهو في عداد مجهولي الحال، ويبدو - والله أعلم - أنها زيادة مقبولة، إذ ليس فيها ما يخالف باقي النصوص، كما أن راويها عن حميد - أعني هشيمًا - ثقة، وقد توبع على ما ذكر.\nوالشموس: هو النفور من الدواب الذي لا يستقر لشغبه وحدته. [كما في اللسان].","vol":"1","page":193},{"text":"الحديث السادس: عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَخَلَّلُ الصُّفُوفَ مِنْ نَاحِيَةٍ إِلَى نَاحِيَةٍ، يَمْسَحُ مَنَاكِبَنَا، وَصُدُورَنَا وَيَقُولُ: «لَا تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ»، وَكَانَ يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الصُّفُوفِ الْمُتَقَدِّمَةِ» (^١).\nالحديث السابع: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَقِيمُوا الصُّفُوفَ، وَحَاذُوا بَيْنَ الْمَنَاكِبِ، وَسُدُّوا الْخَلَلَ، وَلِينُوا بِأَيْدِي إِخْوَانِكُمْ، وَلَا تَذَرُوا فُرُجَاتٍ لِلشَّيْطَانِ، وَمَنْ وَصَلَ صَفًّا وَصَلَهُ اللَّهُ، وَمَنْ قَطَعَ صَفًّا قَطَعَهُ اللَّهُ» (^٢).\n_________\n= تنبيه: لعل المقام هنا مناسب أن أقول: إن لفظة «استقيموا»، التي يستخدمها كثير من الأئمة: لم أقف عليها مسندة عن رسول الله ﷺ، لا في صحيح ولا ضعيف.\nنعم، الأمر في ذلك - أعني استخدام الألفاظ في تسوية الصفوف - واسع [كما قال شيخنا العدوي - حفظه الله]، ولكن أردت التنبيه لمن أراد أن يقتصر على الصحيح الوارد عن رسول الله ﷺ، والله الهادي إلى سواء السبيل.\n(^١) إسناده صحيح: أخرجه أبو داود [٦٦٤]، والنسائي [٨١١]، وابن خزيمة [١٥٥١]، وابن حبان [٢١٥٧]، وغيرهم = من طريق طلحة بن مصرف اليامي عن عبد الرحمن بن عوسجة عن البراء بن عازب، وصحح النووي إسناده [المجموع: ٤/ ٣٠١].\n(^٢) إسناده حسن: أخرجه أحمد [٥٧٢٤]، وأبو داود [٦٦٦]، ومن طريقه البيهقي [٣/ ١٠١]، وأخرجه الطبراني [مسند الشاميين: ١٩٥٨] = كلهم من طريق ابن وهب، عن معاوية بن صالح عن أبي الزاهرية [حدير بن كريب]، عن كثير بن مرة، عن ابن عمر.\nوصحح النووي الإسناد [المجموع: ٤/ ٣٠١]، وسكت عنه الحافظ [الفتح ٢/ ٢٤٥].\nوأخرج الجزء الأخير منه «من وصل صفًا …» إلخ، النسائي (٨١٩)، وابن خزيمة [١٥٤٩]، والحاكم (٧٧٤)، وقال: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه اهـ.\nكلهم من نفس الطريق السابق.\nوقول الحاكم: «على شرط مسلم»، فيه نظر؛ لأن كثير بن مرة أبا شجرة: لم يخرج له مسلم في الصحيح.\nوقد روى الحديث عن معاوية بن صالح أيضًا متابعًا لابن وهب: الليث بن سعد، إلا أنه لم يذكر ابن عمر، فجعله عن كثير بن مرة، عن النبي ﷺ مرسلًا، ولا ضرر - إن شاء الله -","vol":"1","page":194},{"text":"الحديث الثامن: عن أَنَسٌ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «رَاصُّوا صُفُوفَكُمْ وَقَارِبُوا بَيْنَهَا، وَحَاذُوا بِالْأَعْنَاقِ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، إِنِّي لَأَرَى الشَّيَاطِينَ تَدْخُلُ مِنْ خَلَلِ الصَّفِّ، كَأَنَّهَا الْحَذَفُ» (^١)\nالحديث التاسع: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَتِمُّوا الصَّفَّ الْمُقَدَّمَ، ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ، فَمَا كَانَ مِنْ نَقْصٍ، فَلْيَكُنْ فِي الصَّفِّ الْمُؤَخَّرِ» (^٢).\n_________\nفي ذلك، فلم يعل أحد - فيما علمت - رواية ابن وهب برواية الليث، بل صحح رواية ابن وهب: ابن خزيمة والحاكم والنووي، والإسناد حسن لبعض الكلام في معاوية بن صالح.\nورواية الليث أخرجها أبو داود [٦٦٦]، والدولابي [الكنى والأسماء: ٢٣٧].\nوللحديث شاهد ضعيف الإسناد عن أبي أمامة ﵁ [عند أحمد: ٢٢٢٦٣].\nتنبيه: ذكر أبو داود أن رواية ابن وهب ليس فيها: «ولينوا بأيدي إخوانكم»، وإنما في رواية الليث، لكني وقفت على ذكر هذه الزيادة في رواية ابن وهب أيضًا عند الإمام أحمد [٥٧٢٤]، بلفظ: «ولينوا في أيدي إخوانكم»، فثبتت الزيادة، والحمد لله على توفيقه.\nقال أبو داود: ومعنى: «ولينوا بأيدي إخوانكم»: إذا جاء رجل إلى الصف فذهب يدخل فيه فينبغي أن يلين له كل رجل منكبيه حتى يدخل في الصف. اهـ.\n(^١) إسناده صحيح: أخرجه أحمد [١٣٧٣٥، ١٤٠١٧]، وأبو داود [٦٦٧]، ومن طريقه البيهقي [٣/ ١٠٠]، وكذا أخرجه ابن خزيمة [١٥٤٥]، وابن حبان [٦٣٣٩]، والضياء [المختارة: ٧/ ٤١] = كلهم من طريق قتادة عن أنس.\nوعند النسائي: تصريح قتادة بالتحديث، وعند ابن حبان [٢١٦٦]، الراوي عن قتادة هو شعبة.\nقال النووي: إسناده صحيح على شرط مسلم اهـ. [المجموع: ٤/ ٢٢٧]، وانظر صحيح سنن أبي داود [٣/ ٢٤٥ - ٢٤٦].\nوالحذف: بحاء مهملة وذال معجمة مفتوحتين: غنم سود صغار تكون باليمن.\n(^٢) إسناده صحيح: أخرجه أحمد [١٢٣٥٢، ١٣٢٤٧، ١٣٤٣٤]، وأبو داود [٦٧١]، والنسائي [٨١٨]، وابن خزيمة [١٥٤٦]، وابن حبان [٢١٥٥]، والبيهقي [٣/ ١٠٢]، والضياء [المختارة: ٢٣٧٦، ٢٣٧٧، ٢٣٧٨] = كلهم من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، عن أنس.\nوسعيد - وإن اختلط بأخرة - قد روى عنه هنا بعض من سمع منه قبل الاختلاط، كخالد ابن الحارث [عند النسائي]، ومحمد بن بكر [عند الإمام أحمد]، وغيرهما.\nوقد حسن النووي إسناده. [المجموع: ٤/ ٢٢٧].","vol":"1","page":195},{"text":"وهذه الأحاديث السابقة - وغيرها مما لم يذكر - تفيد أن الإمام يقبل على الناس - قبل صلاته - ليأمرهم بتسوية الصفوف (^١).\n\nوعلى هذا:<span data-type='title' id=toc-131> جرى فعل الصحابة ﵃، بعد رسول الله ﷺ ومنهم:</span>\n<span data-type='title' id=toc-132>عمر بن الخطاب ﵁:</span>\nعَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قَالَ: إني لقائم ما بيني وبينه - أي: عمر بن الخطاب - إِلَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ غَدَاةَ أُصِيبَ، وَكَانَ إِذَا مَرَّ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ قَالَ: «اسْتَوُوا حَتَّى إِذَا لَمْ يَرَ فِيهِنَّ خَلَلًا تَقَدَّمَ فَكَبَّرَ، …» (^٢).\nوعن أبي عثمان النهدي قال: ما رأيت أحدًا كان أشد تعاهدًا للصف من عمر، إن كان يستقبل القبلة حتى إذا قلنا قد كبر: التفت فنظر إلى المناكب والأقدام، وإن كان يبعث رجالًا يطردون الناس حتى يلحقوهم بالصفوف (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-133>عثمان بن عفان ﵁:</span>\nعَنْ مَالِك بن أبي عامر أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ مَعَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، فَقَامَت الصَّلَاةُ، وَأَنَا أُكَلِّمُهُ فِي أَنْ يَفْرِضَ لِي، فَلَمْ أَزَلْ أُكَلِّمُهُ، وَهُوَ يُسَوِّي\n_________\n(^١) شرح السنة للبغوي [٢/ ٣٨٠].\n(^٢) أخرجه البخاري [٣٧٠٠].\n(^٣) إسناده حسن: أخرجه ابن أبي شيبة [٣٥٣٧]، عن أبي معاوية [محمد بن خازم الضرير]، عن عاصم [الأحول]، عن أبي عثمان.\nوهذا إسناد حسن للكلام في أبي معاوية.\nوقد أخرجه ابن أبي شيبة مختصرًا من وجه آخر عن أبي عثمان، فأخرجه [٣٥٣٠]، عن وكيع، عن عمران بن حدير، عن أبي عثمان قال: «كنت فيمن يقيم عمر بن الخطاب قدامه لإقامة الصف»، وصححه ابن حزم [المحلى: ٤/ ٤٠]، والحافظ [الفتح: ٢/ ٢٤٦].","vol":"1","page":196},{"text":"الْحَصْبَاءَ بِنَعْلَيْهِ، حَتَّى جَاءَهُ رِجَالٌ قَدْ كَانَ، وَكَلَهُمْ بِتَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ، فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ الصُّفُوفَ قَدْ اسْتَوَتْ، فَقَالَ لِي: اسْتَوِ فِي الصَّفِّ، ثُمَّ كَبَّرَ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-134>بلال بن رباح ﵁:</span>\nعن سويد بن غفلة قال: كان بلال يسوي مناكبنا و[يضرب] أقدامنا في الصلاة (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-135>أنس بن مالك ﵁:</span>\nعَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَقِيلَ لَهُ: مَا أَنْكَرْتَ مِنَّا مُنْذُ يَوْمِ عَهِدْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَ: مَا أَنْكَرْتُ شَيْئًا، إِلَّا أَنَّكُمْ لَا تُقِيمُونَ الصُّفُوفَ (^٣).\n_________\n(^١) إسناده صحيح: أخرجه مالك [الموطأ: ١/ ١٠٢]، عن عمه أبي سهيل بن مالك عن أبيه.\nوفي هذا الأثر عن عثمان، وسابقه عن عمر، دلالة على جواز أن يستعين الإمام ببعض المأمومين لتسوية الصفوف، وذلك إذا اتسع المسجد وكثرت الصفوف، والله أعلم.\n(^٢) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة [٣٥٣٤] عن ابن نمير عن الأعمش، عن عمران عن سويد.\n- وعمران الذي يروى عن سويد هو: عمران بن مسلم الجعفي، وثقه أبو حاتم وابن معين وغيرهما ولذا فالإسناد صحيح - إن سلم من تدليس الأعمش.\n- وقد أخرجه عبد الرزاق [٢/ ٤٧]، وابن حزم [المحلى: ٤/ ٥٩ - معلقًا] = كلاهما، عن الثوري، عن الأعمش، عن عمارة بن عمران الجعفي عن سويد، وقال العلامة أحمد شاكر - معلقًا -: ولم أجد ترجمة لعمارة بن عمران الجعفي، وأظنه خطأ في النقل، صوابه «عمران بن مسلم الجعفي»، فهو من هذه الطبقة، ويروي عن سويد، اهـ.\n- قلت: وبمثله قال الدكتور حبيب الرحمن الأعظمي في تعليقه على المصنف، ويبدو - والله أعلم - أنه كما قالا.\n(^٣) أخرجه البخاري [٧٢٤].","vol":"1","page":197},{"text":"وبعد هذه الثلة المباركة من الأحاديث والآثار الواردة في تسوية الصفوف = أقول: إن في السنة الكثير المشابه لما ذكر هنا، ولم يكن همي جمعه وإلا لطال الأمر، وحسبك قول أبي عمر بن عبد البر، حينما ذكر شيئًا من هذه الأحاديث، وعقب قائلًا: «وأما تسوية الصفوف في الصلاة، فالآثار فيها متواترة من طرق شتى صحاح كلها ثابتة في أمر رسول الله ﷺ بتسوية الصفوف، وعمل الخلفاء الراشدين بذلك بعده، وهذا لا خلاف بين العلماء فيه. اهـ (^١).\nوعلى هذا الكلام: اتكأ محمد بن جعفر الكتاني، فذكر في كتابه «نظم المتناثر»: أن الأمر بتعديل الصفوف، مما تواترت فيه الأحاديث، ونقل كلام ابن عبد البر السابق، مع كلام للحافظ من الفتح (^٢).\nولنبدأ الآن - بإذن الله - الحديث عما وعدنا به في أول الباب، وهو الحكم الفقهي الذي استنبطه علماء الأمة من هذه الأحاديث والآثار، فأقول: على الرغم من أن الأدلة المعتمد عليها في هذا الباب واحدةٌ تقريبًا - عند العلماء: إلا أن الأفهام تباينت، والأحكام اختلفت.\nوتلخيص ذلك: أن للعلماء في حكم تسوية الصفوف قولين مشهورين معروفين، وهما:\n\n<span data-type='title' id=toc-136>القول الأول: وهو أن تسوية الصفوف واجبة.</span>\nوبهذا قال ابن حزم (^٣)، والشوكاني (^٤)، والصنعاني (^٥)، وهو\n_________\n(^١) الاستذكار [٢/ ٢٨٨].\n(^٢) نظم المتناثر [صـ ٨٣ - ط دار الكتب السلفية].\n(^٣) المحلى [٤/ ٥٥ - ٦٠].\n(^٤) نيل الأوطار [٢/ ٤٨٦ - ٤٨٧].\n(^٥) سبل السلام [٢/ ٤٢].","vol":"1","page":198},{"text":"ظاهر كلام شيخ الإسلام (^١)، وكذا ظاهر صنيع البخاري في صحيحه (^٢)، ورجحه الحافظ ابن حجر (^٣)، وكذا الشيخ ابن عثيمين - من العاصرين - (^٤).\nواستدل هؤلاء على ما ذهبوا إليه بشيء من النصوص السالف ذكرها، فقالوا:\n١ - قوله ﵊: «لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ، أوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ» (^٥).\nقالوا: هذا فيه وعيد شديد، والوعيد لا يكون على ترك سنة، إنما يكون في كبيرة من الكبائر (^٦).\n٢ - قوله ﷺ: «سووا صفوفكم».\nقالوا: هذا أمر مفاده الوجوب، ولا صارف له عن ذلك (^٧).\n٣ - وقوله ﵊: «تَسْوِيَةُ الصُّفُوفِ مِنْ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ».\nقالوا: تسوية الصفوف إذا كان من إقامة الصلاة فهو فرض؛ لأن إقامة\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى [١١/ ٦٧٦].\n(^٢) حيث عقد ترجمة في صحيحه باسم «باب: إثم من لم يتم الصفوف»، يقول بدر الدين العيني معلقًا «وظاهر ترجمة البخارى يدل على أنه أيضًا يرى وجوب التسوية، والصواب هذا» اهـ[عمدة القارى: ٥/ ٢٥٧].\n(^٣) قال الحافظ: «وعلى هذا فهو واجب، والتفريط فيه حرام»، اهـ[فتح الباري: ٢/ ٢٤٢].\n(^٤) قال الشيخ: ولهذا كان القول الراجح في هذه المسألة: وجوب تسوية الصف، وأن الجماعة إذا لم يسووا الصف فهم آثمون، وهذا هو ظاهر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀. اهـ. [الشرح الممتع: ٣/ ٦].\n(^٥) صحيح: وقد تقدم، والأدلة التي ستذكر بعده تقدم ذكرها وعزوها آنفًا.\n(^٦) المحلى [٤/ ٥٥].\n(^٧) نيل الأوطار [٢/ ٤٨٦]، فتح الباري [٢/ ٢٤٦].","vol":"1","page":199},{"text":"الصلاة فرض، وما كان من الفرض فهو فرض.\n٤ - وفعل عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان في تسوية الصفوف كان في حضور الصحابة، ولم يخالفه أحد منهم، فهذا شبه إجماع منهم.\n٥ - وهذا بلال يضرب أقدام المصلين ليسوي الصف، وما كان بلال ليضرب أحدًا على غير الفرض.\n٦ - وقد أنكر أنس على السائلين له تركهم إقامة الصفوف، فدل على أن هذا غير مباح؛ لأن المباح لا يكون منكرًا (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-137>القول الثاني: وهو أن تسوية الصفوف سنة مستحبة، ليست بواجبة.</span>\nوبهذا قال جمهور العلماء (^٢).\nقال القاضي عياض: ولا يختلف فيه أنه من سنن الجماعات (^٣).\nوقال اليعمري (^٤): فما ذهب إليه الجمهور من الاستحباب أولى (^٥).\nواستدلوا على ما ذهبوا إليه بـ:\nقوله ﵊: «فَإِنَّ إِقَامَةَ الصَّفِّ مِنْ حُسْنِ\n_________\n(^١) المحلى [٤/ ٥٥ - ٦٠].\n(^٢) فتح القدير [١/ ٣٦٠]، المدونة [١/ ١٥٧]، المجموع [٤/ ٢٢٦]، المغني [٢/ ١٢٦]، مسائل أحمد [رواية أبي داود: صـ ٤٥].\n(^٣) نيل الأوطار [٢/ ٩]، إكمال المعلم [٢/ ٣٤٦].\n(^٤) هو أبو الفتح ابن سيد الناس محمد بن محمد اليعمري المصري [ت: ٧٣٤ هـ]، وهو صاحب «النفح الشذي في شرح سنن الترمذي».\n(^٥) نيل الأوطار [٢/ ٩].","vol":"1","page":200},{"text":"الصَّلَاةِ» (^١).\nقالوا: إن حسن الشيء زيادة على تمامه، وذلك زيادة على الوجوب.\nوأمًا قوله ﵊ «تَسْوِيَةُ الصُّفُوفِ مِنْ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ» (^٢). فإن إقامة الصلاة قد تقع على السنة كما تقع على الفريضة (^٣).\nكما أن لفظه: «مِنْ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ» لم تتفق عليها الروايات، بل اختلفت، كما هو واضح.\nوقال ابن دقيق العيد: قد يؤخذ من قوله: «تمام الصلاة» الاستحباب، لأن تمام الشيء في العرف أمر زائد على حقيقته التي لا يتحقق إلا بها، وإن كان يطلق بحسب الوضع على بعض ما لا تتم الحقيقة إلا به (^٤). اهـ.\nقلت: وبهذا صرف الجمهور الأمر الوارد في الأحاديث بتسوية الصفوف من الوجوب إلى الاستحباب.\nقال النووي: قوله ﵊: «فأقيموا صفوفكم» أمر بإقامة الصفوف، وهو مأمور به بإجماع الأمة، وهو أمر ندب اهـ (^٥).\nوأما استدلال القائلين بالوجوب بإنكار أنس بن مالك ﵁ على التابعين، فيقول ابن رشيد: هذا متعقب بأن الإنكار قد يقع على ترك السنة، فلا يدل ذلك على حصول الإثم (^٦).\n_________\n(^١) تقدم أول الباب.\n(^٢) تقدم أول الباب.\n(^٣) قاله ابن بطال في شرحه، وعنه نقل الحافظ في الفتح [٢/ ٢٤٥].\n(^٤) فتح الباري [٢/ ٢٤٥].\n(^٥) شرح النووي على صحيح مسلم [تحت حديث: ٤٠٤].\n(^٦) فتح الباري [٢/ ٢٤٥].","vol":"1","page":201},{"text":"وأما استدلالهم بأثر عمر وبلال في ضربهما الناس على تسوية الصفوف فأجاب الجمهور عن ذلك بقولهم:\nفي الاستدلال بذلك نظر، لجواز أن عمر وبلالًا كانا يريان التعزير على ترك السنة (^١).\nفائدة: قال الحافظ: ومع القول بأن تسوية الصفوف واجبة: فصلاة من خالف ولم يسو: صحيحة؛ لاختلاف الجهتين، ويؤيد ذلك أن أنسًا مع إنكاره عليهم لم يأمرهم بإعادة الصلاة، وأفرط ابن حزم فجزم بالبطلان. اهـ (^٢).\n_________\n(^١) فتح الباري [٢/ ٢٤٥].\n(^٢) المصدر السابق [٢/ ٢٤٦].\nوختامًا أقول:\nبعد هذا الاستعراض للأحاديث والآثار وأقوال الأئمة في مسألة تسوية الصفوف يتبين لنا مدى التقصير الذي نشاهده في كثير من مساجدنا، ما بين إهمال إمام، أو جهل مأموم وإعراضه عن الالتصاق بأخيه في الصف نفورًا منه، وكل هذه أمور قديمة حديثة، حتى أن ابن الهمام الحنفي يقول: بعد أن ساق الأحاديث في تسوية الصفوف: وبهذا يعلم جهل من يستمسك عند دخول داخل بجنبه في الصف، ويظن أن فسحه له رياء بسبب أنه يتحرك لأجله، بل ذاك إعانة له على إدراك الفضيلة، وإقامة لسد الفرجات المأمور بها في الصف اهـ. [فتح القدير: ١/ ٣٦٠].\nومن قبل ابن الهمام فقد أنكر أنس غياب هذا الأمر، ولذا فإنني أهيب بإخواني وآبائي جميعًا، أئمة ومأمومين، أن يحيوا هذه السنة من جديد، وأن يذكروا الناس بأحاديث رسول الله ﷺ الواردة في هذه الباب، ففي تسوية الصفوف والتحامها وتراص المسلمين فيها - علاوة على تطبيق السنة - أبلغ الأثر في تقارب القلوب وصفاء النفوس، فقد دلت الدراسات النفسية على أن ظاهر الإنسان يؤثر في باطنه.","vol":"1","page":202},{"text":"<span data-type='title' id=toc-138>١٨ - صلاة الإمام في مكان أعلى من المأمومين</span>\nمسألتنا في هذا الباب لها صورتان: إحداهما: يكثر وجودها في تلك الأيام، لا سيما في المساجد الكبيرة والأخرى: لا تكاد توجد في زماننا.\nالمسألة ابتداءً هي: أن يصلي الإمام في مكان يكون أعلى من المكان الذي يصلي فيه المأمومون.\nوأما عن صورتيها؛ فهما:\n\n<span data-type='title' id=toc-139>الصورة الأولى:\nأن يصلي الإمام في مكان مرتفع ومعه بعض المأمومين، وباقي القوم في مكان أسفل منه.</span>\nوهذه الصورة - كما ذكرت آنفًا، نشاهدها في المساجد الكبيرة التي تبنى على عدة طوابق، فيكون الإمام في طابق منها ومعه بعض المصلين، وآخرون في طوابق أسفل منه (^١).\nهذه الصورة اختلف العلماء في حكمها على قولين: وهما:\n\n<span data-type='title' id=toc-140>القول الأول: يكره لمن بالأسفل الاقتداء بهذا الإمام، ولا يكره لمن معه في نفس المكان.</span>\nوبهذا قال الحنابلة (^٢)،\n_________\n(^١) وأما عن صلاة المأمومين الذين هم أعلى من الإمام: فسيأتي الحديث عنها - إن شاء الله - في الباب التالي بعد هذا.\n(^٢) قال ابن قدامة: وإن كان مع الإمام من هو مساوٍ له، أو أعلى منه، ومن هو أسفل منه: اختصت الكراهة بمن هو أسفل منه، ويحتمل أن يتناول النهي الإمام، لكونه منهيًّا عن القيام في مكان أعلى من مقامهم، فعلى هذا الاحتمال: تبطل صلاة الجميع عند من أبطل\nالصلاة بارتكاب النهي اهـ. [المغني: ٣/ ٤٩]، الإنصاف [٢/ ٢٩٧].","vol":"1","page":203},{"text":"وبعض الحنفية (^١).\nواستدلوا على ذلك بالأثر، وهو:\n١) عن همام النخعي: أن حذيفة أم الناس بالمدائن على دكان (^٢)، فأخذ أبو مسعود بقميصه فجبذه، فلما فرغ من صلاته قال: ألم تعلم أنهم كانوا ينهون عن ذلك؟! قال: بلى، قد ذكرت حين مددتني (^٣) (^٤).\n_________\n(^١) بدائع الصنائع [١/ ٢١٦].\n(^٢) الدكان: هو الدكة المبنية للجلوس عليها.\n(^٣) مددتني: أي مددت قميصي وجذبته إليك.\n(^٤) إسناده صحيح: أخرجه أبو داود [٥٩٧]، والسياق له، والحاكم [٧٦٠]، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، والطبراني [١٧/ ٢٥٣]، والبيهقي [٣/ ١٠٨]، كلهم من طريق يعلى بن عُبيد.\nوأخرجه الشافعي [مسنده: ١/ ٥٩ - العلمية]، ومن طريقه ابن خزيمة [١٥٢٣]، وعنه ابن حبان [٢١٤٣] = من طريق سفيان بن عيينة، وفي متنه قال همام: صلى بنا حذيفة.\nوأخرجه ابن الجارود [المنتقى: ٣١٣]، من طريق عيسى بن يونس، ولفظه: قال أبو مسعود: أما علمت أن هذا يكره؟!.\nوأخرجه ابن أبي شيبة [٦٥٢٤] عن أبي معاوية، ولفظه: قال أبو مسعود: أما علمت أن أصحابك كانوا يكرهون أن يصلي الإمام على شيء وهم أسفل منه؟!.\nوأخرجه الطبراني [الكبير: ١٧/ ٢٥٢]: من طريقين: أحدهما: عن زائدة بن قدامة، ولفظه: «أليس هذا تذكره، ونُهي عنه؟»، والآخر: عن أبي عوانة، ولفظه: «ألم تعلم أنا كنا نهينا عن هذا»؟.\nستتهم [يعلى، وسفيان، وعيسى، وأبو معاوية، وزائدة، وأبو عوانة]، عن الأعمش، عن إبراهيم عن همام.\nوخالف هؤلاء: زياد بن عبد الله البكائي، فروى الحديث مرفوعًا إلى رسول الله ﷺ: ولفظه: قال أبو مسعود: ألم تعلم أن رسول الله ﷺ نهى أن يقوم الإمام فوق ويبقى الناس خلفه، يعني أسفل منه.\nأخرج هذا الطريق: الحاكم [٧٦١]، والبيهقي [٣/ ١٠٩]، وأخرج الدارقطني","vol":"1","page":204},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= [٢/ ٨٨] والجزء المرفوع فقط بدون القصة، وقال عقبه: لم يروه غير زياد البكائي، ولم يروه غير همام فيما نعلم. اهـ.\nوزياد هذا - كما قال عنه أبو زرعة: يهم كثيرًا، وهو حسن الحديث اهـ. [سؤالات البرذعي: ١/ ٣٦٨]. ولخص الحافظ حاله فقال: «صدوق ثبت في المغازي، وفي حديثه عن غير ابن إسحاق لين» اهـ.\nوقد رُوى من وجه آخر عن إبراهيم النخعي:\nفرواه ابن عون [عند ابن أبي شيبة: ٦٥٢٥]، وحماد بن أبي سليمان [في الآثار لمحمد بن الحسن: ١/ ٦٦ - العلمية، والسند ضعيف إليه] = كلاهما، عن إبراهيم قال: صلى حذيفة على دكان بالمدائن أرفع من أصحابه، فمده أبو مسعود، قال له: أما علمت أن هذا يكره؟!.\nهكذا روياه بدون ذكر همام، وهو قصور إما منهما أو من إبراهيم.\nعلى أن حمادًا قد خالف ابن عون هنا، حيث استبدل سلمان الفارسي بأبي مسعود.\nهكذا رواه عنه أبو حنيفة.\nويبدو - والله أعلم - أن هذا مما أخطأ فيه حماد، وذلك لسببين:\nالأول: أن حمادًا خالف عبد الله بن عون في الرواية عن إبراهيم، ولا شك أن ابن عون أثبت من حماد.\nالثاني: أن حمادًا اختلف عليه، فقد خالف الثوري: أبا حنيفة، فروى الأثر عن حماد، عن مجاهد لا عن إبراهيم [عند عبد الرزاق: ٢/ ٤١٣]، وفيه ذكر سلمان بدلًا من أبي مسعود، وبذلك يكون أبو حنيفة قد سلك الجادة خلافًا للثوري، ولا شك أن رواية الثوري تقدم على رواية أبي حنيفة، لتثبته وسلوكه غير الجادة.\nفيكون الصواب: أن حمادًا رواه عن مجاهد، وقد نص بعض أهل العلم على أن حمادًا إذا قال عن غير إبراهيم: أخطأ، [طبقات ابن سعد، والتهذيب].\nثم وجدت للأثر طريقًا آخر عن مجاهد، وفيه زيادة في المتن:\nأخرجه عبد الرزاق [٢/ ٤١٣]: عن معمر، عن الأعمش، عن مجاهد أو غيره [شك أبو بكر - هو عبد الرزاق]: أن ابن مسعود أو أبا مسعود: أنا أشك [قال محقق المصنف الشيخ الأعظمي: قائله عندي هو الدبري راوي الكتاب]، وسليمان [ذكر المحقق أنه كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب سلمان]، وحذيفة، صلى بهم أحدهم فذهب يصلي على دكان، فجبذه صاحباه وقالا: انزل عنه.\nقلت: وعندي أن هذه الرواية خطأ - والله أعلم - لما يلي:","vol":"1","page":205},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ١) الشك الذي اعترى الدبري [الراوي للمصنف كما قال المحقق]، واعترى عبد الرزاق نفسه، وعندنا من روى الأثر بلا شك.\n٢) أن الدارقطني نص على أن معمرًا سيئ الحفظ لحديث قتادة والأعمش. [علل الدارقطني: (١٢/ ٢٢١)، ونقله ابن رجب في شرح العلل: ٦٩٨].\nفيكون في النفس شيء مما ينفرد به معمر، عن الأعمش، فكيف بما خالف فيه ستة من الثقات - الذين تقدم ذكرهم -؟! فلا ريب أن روايتهم، عن الأعمش مقدمة على روايته.\nوالخلاصة: يكون الطريق الراجح من بين المذكور آنفًا هو الطريق الأول، والذي رواه جمع عن الأعمش، عن إبراهيم النخعي، عن همام النخعي، والله أعلم.\nوللحديث شاهد عن أبي سعيد الخدري ﵁، وهو:\nعن أبي سعيد: أن حذيفة بن اليمان أمهم على دكان بالمدائن، فجبذه سلمان، ثم قال له: ما أدري أطال بك العهد أم نسيت؟! أما سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يصلي الإمام على نشز مما عليه أصحابه».؟!\nأخرجه البيهقي [٣/ ١٠٩]، من طريق الليث بن سعد عن زيد بن جَبيرة عن أبي طُوالة [عبد الله بن عبد الرحمن]، عن أبي سعيد الخدري.\nقال البيهقي عقبه: كذا قال: سلمان بدل أبي مسعود اهـ.\nقال النووي: وأما قصة حذيفة وسلمان: فهكذا وقع في المهذب أن سلمان جذب حذيفة، وقد رواه البيهقي في السنن الكبير هكذا بإسناد ضعيف جدًّا، والمشهور المعروف فجذبه أبو مسعود، وهو البدري الأنصاري، هكذا رواه الشافعي وأبو داود، والبيهقي، ومن لا يحصى من كبار المحدثين ومصنفيهم، وإسناده [أي: حديث أبي مسعود] صحيح اهـ. [المجموع: ٤/ ٢٩٥].\nوقد سبق النوويَّ إلى تضعيف الحديث من هذا الطريق = أبو حاتم الرازي.\nقال ابن أبي حاتم:\nوسألت أبي عن حديث أبي سعيد، عن النبي ﷺ: «لا يصلي الإمام على أشرف مما عليه أصحابه؟» وحديث أبي مسعود: صلى حذيفة بالمدائن على دكان مرتفع، فأخذ بثوبه فجذبه، وقال: أما علمت أنه نُهي عن ذلك؟\nفقال أبي: حديث أبي طُوالة من رواية زيد بن جَبيرة [يعني حديث أبي سعيد]: ضعيف، وحديث أبي مسعود ليس كل أحد يوصله، وقد وصله زيادٌ البكائي. ومن رواية زيد بن أبي أُنيسة، عن عدي بن ثابت، عن رجل من بني تميم، عن أبي مسعود: مرفوع، وهو صالح اهـ. [العلل: ٢٠٠].","vol":"1","page":206},{"text":"٢) وعن عدي بن ثابت قال: حدثني رجل أنه كان مع عمار بن ياسر بالمدائن، فأقيمت الصلاة فتقدم عمار وقام على دكان يصلي والناس أسفل منه، فتقدم حذيفة فأخذ على يديه، فاتبعه عمار حتى أنزله حذيفة، فلما فرغ عمار من صلاته قال له حذيفة: ألم تسمع رسول الله ﷺ يقول: «إِذَا أَمَّ الرَّجُلُ الْقَوْمَ فَلَا يَقُمْ فِي مَكَانٍ أَرْفَعَ مِنْ مَقَامِهِمْ». أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ. قَالَ عَمَّارٌ: لِذَلِكَ اتَّبَعْتُكَ حِينَ أَخَذْتَ عَلَى يَدَيَّ (^١).\nقالوا: ففي الحديث نهي عام عن أن يكون الإمام أعلى من المأموم، بدون تفصيل أن يكون أحد معه أم لا، وهؤلاء الذين صلوا بأسفل كره لهم الائتمام به لأن المعنى موجود فيهم دون غيرهم (^٢).\nويُستدل لأصحاب هذا القول أيضًا بأثر ابن مسعود ﵁، وهو:\n٣) عن هُزيل بن شرحبيل قال: جاء ابن مسعود إلى مسجدنا، وأقيمت الصلاة فقيل له: تقدم، فقال: يتقدم إمامكم، قلنا: إمامنا ليس ههنا، قال: ليتقدم رجل منكم، فتقدم رجل فقام على دكان في قبلة المسجد، فنهاه عبد الله (^٣).\n_________\n= قلت: والرواية الأخيرة التي أشار إليها أبو حاتم تأتي في الحديث القادم، ولكن: ليس فيها ذكر أبي مسعود، وإنما فيها ذكر عمار، فلعل هناك طريقًا آخر لم أهتد إليه الآن ووقف عليه أبو حاتم من قبلنا.\n(^١) إسناده ضعيف: أخرجه أبو داود [٥٩٨]، ومن طريقه البيهقي [٣/ ٣٠٩]: من طريق ابن جريج أخبرني أبو خالد، عن عدي بن ثابت الأنصاري، حدثني رجل … الحديث.\nقال ابن عبد الهادي: في إسناد هذا الحديث رجل مبهم، وأبو خالد ليس بمعروف: ويحتمل أن يكون الدالاني، وفيه كلام اهـ. [التنقيح: ٢/ ٣٣].\n(^٢) المغني: [٣/ ٤٩].\n(^٣) إسناده حسن: أخرجه عبد الرزاق [٢/ ٤١٤]، والطبراني [الكبير: ٩/ ٣١١]، والبيهقي [٣/ ١٢٦] = كلهم من طريق شعبة، عن أبي قيس عبد الرحمن بن ثروان عن هُزيل، والإسناد حسن للكلام في أبي قيس.","vol":"1","page":207},{"text":"وجه الدلالة: أن عبد الله بن مسعود نهى الرجل عن الصلاة عاليًا عن المأمومين، ولو كان ذلك جائزًا بوجه من الوجوه، لأخبر به ابن مسعود، فدل ذلك على أنه يرى بكراهة الارتفاع للإمام عن المأمومين عمومًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-141>القول الثاني: يجوز للقوم أن يقتدوا بإمام يصلي في مكان أعلى منهم طالما أن معه مأمومين في نفس مكانه، بلا كراهة.</span>\nوبهذا قال: الحنفية (^١)، والمالكية (^٢)، والشافعية (^٣).\nوأجاب هؤلاء عما استدل به أصحاب القول الأول بقولهم:\nإن علة النهي التي ذكرت من أجلها الأحاديث الماضية هي: النهي عن أن يتميز الإمام عن المأمومين في المكان، وهذا يحدث إذا وقف في مكان مرتفع وحده، أما إذا كان معه أحد: فقد زالت العلة التي من أجلها ورد النهي، وعند ذلك فلا كراهة.\n\n<span data-type='title' id=toc-142>الصورة الثانية:</span> وهي التي تندر في زماننا.\nوفيها: يخصص للإمام مكان مرتفع عن مكان المأمومين، يقف فيه وحده عند الصلاة.\nوقد اتفقت المذاهب الأربعة - إجمالًا - على كراهة هذه\n_________\nوأخرجه ابن أبي شيبة [٦٥٢٦]، والطبراني [الكبير: ٩/ ٣١١]، كلاهما من طريق الثوري، عن أبي قيس عن هُزيل عن ابن مسعود: أنه كره أن يرتفع الإمام على أصحابه.\n(^١) قال ابن الهمام: قوله: ويكره أن يكون الإمام وحده على الدكان: احترازًا مما إذا كان معه بعض القوم فإنه لا يكره اهـ[فتح القدير: ١/ ٤١٣]، المبسوط [١/ ٤٠].\n(^٢) قال الدسوقي: ومحل الخلاف إذا لم يكن المحل العالي معدًّا للإمام والمأمومين، أما لو كان معدًّا لهما وكسل بعض المأمومين فصلى أسفل = فلا كراهة، ولا منع اتفاقا. اهـ.\n[حاشية الدسوقي على الشرح الكبير: ١/ ٣٣٧]، الذخيرة [٢/ ٢٥٧].\n(^٣) حاشية الجمل [١/ ٥٥٥] ط. دار الفكر.","vol":"1","page":208},{"text":"الصورة (^١).\nواستدلوا على الكراهة بالأثر والنظر:\nأما استدلالهم بالأثر، فهو:\nنفس الآثار التي استدل بها أصحاب القول الأول في الصورة الأولى.\nوأما استدلالهم بالنظر فقالوا:\nإن اختصاص الإمام بمكان عالٍ عن باقي المأمومين مكروه؛ لأن فيه تشبهًا بأهل الكتاب، فإنهم يخصون إمامهم بالمكان المرتفع (^٢).\nكما أن ذلك يُحوج المأمومين إلى تكلف النظر للإمام، وربما يشتبه حاله عليهم (^٣).\nواستثنى الفقهاء من الكراهة المذكورة آنفًا ما يلي:\n\n<span data-type='title' id=toc-143>١ - أن يكون ارتفاع الإمام عن المأمومين لحاجة وضرورة.</span>\nإن احتيج إلى مكان عالٍ للإمام لأجل تعليم المأمومين الصلاة، أو لوجود زحام وضيق في الأماكن = فعندها لا يكره ارتفاع الإمام عن المأمومين.\n_________\n(^١) المبسوط [١/ ٣٩]، فتح القدير [١/ ٤١٣]، المدونة [١/ ٨٢]، الشرح الكبير [١/ ٣٣٦ - ٣٣٧]، الأم [١/ ٢٦٥]، المجموع [٤/ ٢٩٥]، المغني [٣/ ٤٧]، الإنصاف [٢/ ٢٩٦].\n(^٢) فتح القدير [١/ ٤١٣]، المبسوط [١/ ٤٠].\nوبهذا النظر يستدل أصحاب القول الثاني في الصورة الأولى، القائلون بعدم الكراهة إذا كان مع الإمام أحد في المكان المرتفع، قالوا: لأن أهل الكتاب لا يشاركون الإمام في المكان، فزال معنى التشبه. [بدائع الصنائع: ١/ ٢١٦].\n(^٣) المبسوط [١/ ٤٠].","vol":"1","page":209},{"text":"وبهذا قال: المالكية (^١)، والشافعية (^٢)، وهو رواية عن أبي حنيفة (^٣)، ورواية عند الحنابلة (^٤).\nواستدلوا على ذلك بالأثر، وهو:\nعن سهل بن سعد ﵁، قال: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَامَ على المنبر فَكَبَّرَ، وَكَبَّرَ النَّاسُ وَرَاءَهُ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ، ثُمَّ رَفَعَ فَنَزَلَ الْقَهْقَرَى، حَتَّى سَجَدَ فِي أَصْلِ الْمِنْبَرِ، ثُمَّ عَادَ حَتَّى فَرَغَ مِنْ آخِرِ صَلَاتِهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي صَنَعْتُ هَذَا لِتَأْتَمُّوا بِي، وَلِتَعَلَّمُوا صَلَاتِي» (^٥).\nوجه الدلالة: أن النبي ﷺ كان يصلي دائمًا على الأرض في مستوى المأمومين، ولم ينقل عنه أنه صلى على المنبر إلا في هذا الحديث،\n_________\n(^١) مواهب الجليل [٢/ ١٢٠].\n(^٢) المجموع [٤/ ٢٩٥]، مغني المحتاج [١/ ٣٨١]، الأم [٢/ ٣٤٣].\n(^٣) عزاها إليه النووي [المجموع: ٤/ ٢٩٥].\nوقال الكاساني: في حالة العذر لا يكره كيفما كان لعدم إمكان المراعاة اهـ. [البدائع: ١/ ٢١٧].\n(^٤) قال ابن قدامة: وروي عن أحمد ما يدل على أنه لا يكره، فإن علي بن المديني قال: سألني أحمد عن حديث سهل بن سعد، وقال: إنما أردت أن النبي ﷺ كان أعلى من الناس، فلا بأس أن يكون الإمام أعلى من الناس بهذا الحديث. اهـ.\n[المغني: ٣/ ٤٧]، الإنصاف [٢/ ٢٩٦].\nقال ابن رجب: وهذا خلاف مذهبه المعروف عنه الذي نقله عنه أصحابه في كتبهم، ونقل حنبل ويعقوب بن بختان عن أحمد أنه قال: لا يكون الإمام موضعه أرفع من موضع من خلفه [فتح الباري لابن رجب: ٢/ ٢٣٦].\nقلت (القائل أحمد): لا تعارض - والله أعلم - فيما جاء عن أحمد، فالأصل أنه لا يجوز، ولكن حديث سهل يرخص في ذلك عند الحاجة والضرورة، وبهذا يُجمع بين الروايتين عن أحمد، والله أعلم.\n(^٥) متفق عليه: أخرجه البخاري [٩١٧]، مسلم [٥٤٤].","vol":"1","page":210},{"text":"والحكمة من ذلك قد بينها النبي ﷺ وهي: حتى يتعلم الناس صلاته، فدل ذلك على جواز مثل هذا الفعل عند الحاجة والضرورة (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-144>٢ - أن يكون الارتفاع يسيرًا.</span>\nفعند الحنفية: رُوي عن أبي يوسف، إذا كان الارتفاع دون القامة فلا يكره (^٢).\nوقال المالكية: إذا كان الارتفاع قدر شبرٍ أو ذراع أو أزيد قليلًا: فلا يكره (^٣).\nوقال الشافعية: إن المراد بالارتفاع هو الذي يظهر في الحس عرفًا، وإن لم يكن قدر قامة (^٤).\nوقال الحنابلة: لا بأس بالعلو اليسير كدرجة منبر ونحوها مما دون الذراع (^٥).\nواستدلوا على ذلك بالأثر والنظر:\nأما استدلالهم بالأثر فهو:\nحديث سهل بن سعد ﵁، وقد تقدم.\nوجه الدلالة: قالوا: الظاهر أنه ﵊ كان يقف على الدرجة السفلى، لئلا يحتاج إلى عمل كثير في الصعود والنزول، فيكون ارتفاعًا يسيرًا، وعليه فيجوز مثل ذلك (^٦).\n_________\n(^١) الأم [٢/ ٣٤٣].\n(^٢) بدائع الصنائع [١/ ٢١٦].\n(^٣) حاشية الدسوقي [١/ ٣٣٧]، المدونة [١/ ٨٢].\n(^٤) نهاية المحتاج [٢/ ٢٠٦]، حاشيتا قليوبي وعميرة [١/ ٢٤٣].\n(^٥) الإنصاف [٢/ ٢٩٧]، المغني [٣/ ٤٨].\n(^٦) كشاف القناع [١/ ٤٦٨].","vol":"1","page":211},{"text":"وأما استدلالهم بالنظر، فقالوا:\nإن النهي الذي ورد في الأحاديث: معلل بما يفضى إليه من رفع البصر في الصلاة، وهذا يخص الارتفاع الكبير للنظر الكثير، وعلى هذا يكون الارتفاع اليسير معفوًّا عنه (^١).\nيتبقى أمرٌ أخيرٌ وهو:\nإذا صلى الرجل في مكان مرتفع عن القوم، إمامًا لهم، بدون حاجة لذلك، وكان الارتفاع زائدًا على القدر المعفو عنه، فهل تصح الصلاة؟\nالجواب: أن في هذا خلافًا بين أهل العلم على قولين:\n\n<span data-type='title' id=toc-145>القول الأول: لا تصح الصلاة.</span>\nوهذا ظاهر المذهب عند المالكية (^٢)، ورواية عند الحنابلة (^٣).\nواستدلوا بالأحاديث التي جاءت في النهي عن ذلك، والنهي يقتضي الفساد (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-146>القول الثاني: تصح الصلاة.</span>\nوبهذا قال الحنفية (^٥)، والشافعية (^٦)، وهو قول عند المالكية (^٧)، ورواية عند الحنابلة (^٨).\n_________\n(^١) المغني [٣/ ٤٨].\n(^٢) المدونة [١/ ٨٢]، مواهب الجليل [٢/ ١١٩].\n(^٣) المغني [٣/ ٤٩]، الإنصاف [٢/ ٢٩٦].\n(^٤) المغني [٣/ ٤٩].\n(^٥) المبسوط للشيباني [١/ ١٩ - ٢٠].\n(^٦) الأم [٢/ ٣٤٤].\n(^٧) مواهب الجليل [٢/ ١١٩].\n(^٨) المغني [٣/ ٤٩]، الإنصاف [٢/ ٢٩٦].","vol":"1","page":212},{"text":"وأخيرًا: قال شيخنا أبو عبد الله - حفظه الله ورعاه -:\nعلى ما نقله أخونا أحمد - حفظه الله - عن الجمهور من أن الإمام إذا كان منفردًا فيمنع من الارتفاع عن المأمومين، وإذا كان معه فريق من المصلين، فلا بأس أن يرتفع هو وهم على سائر المصلين = فهذا رأي له وجاهته وقوته، والظاهر أنه المختار.\nوالله أعلم.","vol":"1","page":213},{"text":"<span data-type='title' id=toc-147>١٩ - صلاة المأمومين في مكان أعلى من الإمام</span>\nهذه المسألة عكس مسألتنا في الباب السابق.\nفالآن: المأمومون يصلون في مكان أعلى من مكان الإمام، ككونهم مثلًا: على سطح المسجد، والإمام بداخل المسجد.\nوهذه المسألة كسابقتها في التقسيم، أعني أن لها صورتين، هما.\n\n<span data-type='title' id=toc-148>الصورة الأولى: أن يصلي الإمام في مكان ومعه بعض المأمومين، ويأتم به البعض وهم في مكان أعلى منه - كسطح المسجد.</span>\nوهذه الصورة لم يقل أحد بكراهتها من المذاهب الأربعة - فيما علمت - إلا بعض الحنفية (^١).\nوحجتهم في ذلك - أعني الكارهين -: وجود بعض المخالفة، أي: اختلاف مكان الإمام عن المأموم مما قد يؤدي إلى عدم تمام المتابعة من المأموم للإمام (^٢).\nبينما ذهب: باقي الحنفية (^٣)، والمالكية (^٤)، والشافعية (^٥)،\n_________\n(^١) بدائع الصنائع [١/ ٢١٧].\n(^٢) بدائع الصنائع [١/ ٢١٧].\n(^٣) قال السرخسي: وإذا صلى فوق المسجد مقتديًا بالإمام أجزأه، وهذا إذا كان وقوفه خلف الإمام أو بحذائه، فإذا كان متقدمًا عليه لم يجزه، كما لو افتتحها في جوف المسجد اهـ. [المبسوط: ١/ ٢١٠]، البدائع [١/ ٢١٧].\n(^٤) هذا عندهم في غير الجمعة، قال مالك: لا بأس في غير الجمعة أن يصلي الرجل بصلاة الإمام على ظهر المسجد، والإمام في داخل المسجد، اهـ[المدونة: ١/ ٨٢]، حاشية الدسوقي [١/ ٣٣٧].\n(^٥) الحاوي الكبير [٢/ ٣٤٣ - ٣٤٤]، حاشية الجمل [١/ ٥٥٥].","vol":"1","page":214},{"text":"والحنابلة (^١) إلى جواز مثل هذه الصورة، شريطة أن يسمع المأموم صوت إمامه أو يراه أو يرى من خلفه.\nواستدلوا على ذلك بالأثر والنظر:\nأما استدلالهم بالأثر، فهو:\nعن صالح مولى التوأمة قال: صليت مع أبي هريرة فوق المسجد بصلاة الإمام وهو أسفل (^٢).\n_________\n(^١) المغني [٣/ ٤٩]، الإنصاف [٢/ ٢٩٧].\n(^٢) لا بأس به: أخرجه ابن أبي شيبة [٦١٥٩]، عن وكيع، عن ابن أبي ذئب، عن صالح.\nأما صالح: فهو ابن نبهان، مولى التوأمة، اختلفت فيه أقوال العلماء، فمنهم من ضعفه بإطلاق، مثل: مالك، ويحيى القطان، والنسائي، وأبي زرعة، وأبي حاتم، وغيرهم.\nبينما ذهب آخرون إلى توثيقه، مع القول بأنه تغير وخرف بعد أن كبر، [وعلى ذلك: فلا يرد حديثه بالكلية، بل يكون محل نظر، هل هو مما حدث به قبل اختلاطه، أم بعد اختلاطه].\nوبهذا قال كل من: ابن معين، والإمام أحمد، وابن المديني، والجوزجاني، وابن عدى وغيرهم.\nويبدو - والله أعلم - أن القول الأخير أشبه بالصواب، وذلك للآتي:\nأن مستند يحيى القطان في تضعيف صالح هو كلام الإمام مالك - فيما يبدو -.\nفعن يحيى القطان قال: سألت مالكًا عن صالح مولى التوأمة، فقال: لم يكن من القراء اهـ[التهذيب].\nوكذلك اعتمد النسائي على قول مالك، فقد سئل عنه مرة فقال: ليس بثقة، قاله مالك. اهـ. [التهذيب].\nويبدو - والله أعلم - أن قول مالك هو مستند من ذهب إلى تضعيف صالح.\nفلماذا ضعفه مالك؟!.\nقال ابن أبي مريم: سمعت يحيى بن معين يقول: صالح مولى التوأمة: ثقة حجة، قلت له: إن مالكًا ترك السماع منه، فقال لي: إن مالكًا أدركه بعد أن كبر وخرف وسفيان الثوري: إنما أدركه بعد أن خرف، … [الكامل لابن عدى: ٤/ ٥٥].\nوقال الإمام أحمد: روى عنه أكابر أهل المدينة، قال: وقول مالك: ليس بثقة لأنه =","vol":"1","page":215},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= إنما أدركه وقد كبر واختلط اهـ. [شرح علل الترمذي: صـ ٧٤٩]. وانظر قواعد في علوم الحديث للتهانوي [١٧٤ - ١٧٥].\nفإن قال قائل: إن هناك أحاديث رويت عن صالح من رواية الذين قيل فيهم: إنهم رووا عنه قبل الاختلاط = منكرة، فما التفسير لذلك؟!.\nفأقول: هناك ثلاثة أمور يجب أن توضع في الاعتبار عند النظر في هذه الروايات، وهي:\nأولًا: هل انعقدت كلمة الأئمة على أن هذا الراوي سمع منه قبل الاختلاط فقط، أم اختلفوا في ذلك، فإن كان ثم خلاف: فقد يترجح بنكارة الرواية قول من قال: إن هذا الراوي سمع منه قبل الاختلاط وبعده، أو بعده فقط.\nثانيا: هل يصح الإسناد إلى صالح، أم أن البلاء فيه ممن هو دونه، فلا يتحملها صالح.\nثالثًا: إن صح الإسناد، وكان الراوي ممن سمع من صالح قبل الاختلاط فقط، بلا خلاف بين الأئمة - ومع ذلك فالخطأ بين في الرواية، فعندها نقول: وما المانع أن يخطئ الثقة ويهم؟!!.\nوكما قال ابن معين: لست أعجب ممن يحدث فيخطئ، إنما أعجب ممن يحدث فيصيب. اهـ. [تاريخ ابن معين - رواية الدوري: ٥٢، مقدمة لسان الميزان: ١/ ٩٧، وانظر تتمة الكلام للحافظ].\nخلاصة ما ذكر هنا: أني أريد أن أقول: إن الراجح - عندي - أن صالحًا مولى التوأمة لم يكن بضعيف مطلقًا، وإنما هو من الثقات الذين ضعفوا في وقتٍ ما لاختلاطهم، وهذا ما رجحه ابن القيم في «جلاء الأفهام» والله أعلم بالصواب.\nويبقى النظر في رواية ابن أبي ذئب عنه: وهي مما اختلف فيه.\nفذهب قوم إلى أن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب سمع صالحًا قبل أن يخرف [ومنهم: ابن المديني، والجوزجاني، وأبو أحمد الحاكم].\nبينما نقل الترمذي عن البخاري، عن الإمام أحمد قوله: «من سمع من صالح قديمًا فسماعه حسن»، فعَلَّقَ البخاري قائِلًا: وابن أبي ذئب سمع منه أخيرًا، ويروي عنه مناكير. اهـ[علل الترمذي الكبير: ٣٥].\nوالراجح عندي - والله أعلم بالصواب، قول الإمام البخاري، فكون ابن أبي ذئب سمع قديمًا لا يمنع منه أن يكون سمع متأخرًا أيضًا، ويكون مع الإمام البخاري زيادة علم ليست عند غيره، ومن علم حجة على من لم يعلم.\nإذن: فابن أبي ذئب روى عن صالح بعد اختلاطه - على ما ذُكر -، فهل تضعف الرواية هنا؟\nالجواب: يبدو أنها لا تضعف - هنا خاصة - والله أعلم، وذلك لما يأتي.\nأولًا: أن الرواية ليس فيها شيء مرفوع إلى النبي ﷺ، بل موقف وحكاية حدثت مع =","vol":"1","page":216},{"text":"ووجه الدلالة: أن أبا هريرة ائتم بالإمام الذي في المسجد، وهو على سطح المسجد، ولو كان هناك نهيٌ يعلمه في ذلك لما فعله، ولم يُنقل عن غيره نهيٌ في ذلك، فبقي الأمر على الجواز.\nوقد جاء عن بعض التابعين أيضًا ما يدل على جواز ذلك، ومنهم.\nسالم بن عبد الله بن عمر:\nعن سعيد بن مسلم قال: رأيت سالم بن عبد الله صلى فوق ظهر المسجد صلاة المغرب، ومعه رجل آخر، يعني: يأتم بالإمام (^١).\nمحمد بن سيرين:\nعن عبد الله بن عون قال: سئل محمد عن الرجل يكون على ظهر بيت يصلي بصلاة الإمام في رمضان، فقال: لا أعلم به بأسًا إلا أن يكون بين\n_________\n= صالح نفسه، ونقلها، وقد قال الإمام أحمد: إذا كان في الحديث قصة دل على أن راويه حفظه. [هدي الساري: ٣٨٢].\nثانيًا: أن للقصة، عن أبي هريرة طريقًا آخر.\nفقد روى الأثر: البخاريُّ في صحيحه [١/ ٥٧٩ - مع الفتح] تعليقًا عن أبي هريرة جازمًا به، وذكر الحافظ في التغليق [٢/ ٢١٥]، طريقين لوصله، أحدهما: ما قد ذكرناه، والآخر: من طريق سعيد بن منصور، عن محمد بن عمار المؤذن، عن جده قال: رأيت أبا هريرة وسعد بن عابد المؤذن يصليان على ظهر المسجد.\nومحمد بن عمار: قال عنه الحافظ: لا بأس به، وأما جده: فقد روى عنه جماعة، وذكره ابن حبان في ثقاته، وحسن الترمذي حديثه، وقال الحافظ عنه: مستور، وعليه فإن هذا الإسناد مع طريق مولى التوأمة يرفع الأثر - بإذن الله - إلى التحسين، ولذا قال الحافظ: صالح فيه ضعف، لكن رواه سعيد بن منصور من وجه آخر عن أبي هريرة فاعتضد اهـ[الفتح: ١/ ٥٨٠].\nتنبيه: قد تابع ابن أبي ذئب في روايته عن صالح: إبراهيم بن أبي يحيى [عند عبد الرزاق: ٣/ ٨٣، والشافعي في مسنده: ١/ ٥٠]، لكن إبراهيم هذا: متروك.\n(^١) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة [٦١٦١] عن أبي عامر العقدي، عن سعيد.","vol":"1","page":217},{"text":"يدي الإمام (^١).\nولا يُتصور من هذه الآثار: أن أبا هريرة وسالمًا، وغيرهما يصلون على سطح المسجد والإمام يقف وحده في المسجد، بل العقل يقول: إنه كان هناك من يصلي مع الإمام في المسجد، ولذا لم ينزل أبو هريرة - وغيره، واكتفوا بائتمامهم به من أعلى المسجد، والله أعلم.\nوأما استدلالهم بالنظر، فقالوا:\nإن هذا الارتفاع للمأموم عن الإمام لا تأثير له في المنع من الاقتداء بالإمام، ولم يرد فيه نهي، ولا هو في معنى ذلك، فلم يمنع صحة الائتمام به، كالفصل اليسير (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-149>الصورة الثانية:</span> وهي نادرة في زماننا.\nوفيها: يصلي الإمام وحده في مكان، وباقي القوم يأتمون به وهو في مكان أعلى منه.\nوهذه الصورة، اختلف العلماء في حكمها على قولين: وهما:\n\n<span data-type='title' id=toc-150>القول الأول: يكره أن يكون موضع المأموم أعلى من موضع الإمام إلا لحاجة </span>(^٣).\nوبهذا قال: الحنفية (^٤)، والمالكية في رواية (^٥)، …\n_________\n(^١) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة [٦١٦٣] عن محمد بن أبي عدى، عن ابن عون.\n(^٢) المغني [٣/ ٤٤].\n(^٣) هذه الحاجة مثل: أن يبلغ المأموم القوم تكبيرات الإمام [المجموع: ٤/ ٢٩٥]. أو أن يكون هناك زحام شديد كما في الجمع والأعياد [بدائع الصنائع: ١/ ٢١٧].\n(^٤) [بدائع الصنائع: ١/ ٢١٧].\n(^٥) قال ابن القاسم: وكان آخر ما فارقنا مالكًا أنه كره أن يصلي الرجل خلف الإمام بصلاة الإمام وهو على ظهر المسجد. اهـ[المدونة: ١/ ٨٢]، مواهب الجليل [٢/ ١١٨].","vol":"1","page":218},{"text":"والشافعية (^١)، وهو رواية عند الحنابلة (^٢).\nواستدل هؤلاء على ذلك بالنظر، فقالوا:\nتقاس كراهة ارتفاع المأموم على كراهة ارتفاع الإمام، إذ العلة واحدة، وهي اختلاف الإمام والمأموم في المكان، إضافة إلى التشبه بأهل الكتاب، فإنهم لا يشاركون الإمام في المكان (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-151>القول الثاني: جائز أن يكون موضع المأموم أعلى من الإمام بلا كراهة.</span>\nوبهذا قال: بعض الحنفية (^٤)، والمالكية في الرواية الأخرى (^٥)، وهو الصحيح من المذهب عند الحنابلة (^٦).\nواستدلوا على ذلك بالأثر والنظر:\nأما استدلالهم بالأثر، فهو:\nالآثار المستدل بها في الصورة الأولى، عن أبي هريرة ﵁، وسالم، وابن سيرين.\nقالوا: فهذه الآثار يدل عمومها على جواز ارتفاع المأموم عن الإمام.\n_________\n(^١) المجموع [٤/ ٢٩٥]، مغني المحتاج [١/ ٣٧٩ - ٣٨٠].\nوقد فهم البعض من كلام الشافعي في كتابه [الأم: ٢/ ٣٤٤] أنه يرى الجواز، لكن الشبراملسي نقل الرد على هؤلاء، وأتى بكلام آخر عن الشافعي - أشار إليه ولم ينقله بلفظه [نهاية المحتاج مع حاشية أبي الضياء الشبراملسي: ٢/ ٢٠٥ - ٢٠٦].\n(^٢) الإنصاف [٢/ ٢٩٧]، حيث قال المرداوي: وعنه اختصاص الجواز بالضرورة.\n(^٣) بدائع الصنائع [١/ ٢١٧].\n(^٤) نقله عنهم الطحاوي كما ذكر في البدائع [١/ ٢١٦].\n(^٥) قال ابن القاسم - بعد نقل كلام مالك بالكراهة -: ولا يعجبني هذا من قوله، وقوله الأول به آخذ، اهـ. [المدونة: ١/ ٨٢]، مواهب الجليل [٢/ ١١٩].\n(^٦) المغني [٣/ ٤٤]، الإنصاف [٢/ ٢٩٧].","vol":"1","page":219},{"text":"وأما استدلالهم بالنظر؛ فقالوا:\nإن الموجب للكراهة التشبه بأهل الكتاب في صنيعهم، ولا تشبه ههنا، لأن مكان إمامهم لا يكون أسفل من مكان القوم (^١).\nوأما عن اختلاف المكان: فإنه غير مؤثر هنا طالما أن المأموم يتمكن من متابعة إمامه (^٢).\nوأخيرًا: قال شيخنا - حفظه الله -:\nأما ارتفاع المأمومين عن إمامهم: فنفس الحكم (^٣) فيما يبدو، والله أعلم.\n_________\n(^١) بدائع الصنائع [١/ ٢١٧].\n(^٢) المغني [٣/ ٤٥].\n(^٣) أي نفس الحكم في المسألة السابقة في ارتفاع الإمام عن المأمومين.","vol":"1","page":220},{"text":"<span data-type='title' id=toc-152>٢٠ - الإمام يفصل بينه وبين القوم حائط أو طريق</span>\nهذه المسألة من المسائل التي لا يكاد يوجد فيها شيء صحيح صريح عن النبي ﷺ، وهو الأمر الذي يؤدي تبعًا لتباين الآراء بين العلماء إلى الاختلاف الشديد.\nويمكن تلخيص هذه المسألة في أربعة أحوال رئيسة، يندرج تحتها كلام الفقهاء، وسأبدأ الكلام في كل حالة - إن شاء الله - بذكر ما اتفق عليه الفقهاء أولًا، ثم أذكر بعد ذلك ما نشأ بينهم من اختلاف - إن وُجد - وهذه الأحوال الأربع هي:\n\n<span data-type='title' id=toc-153>أولًا: إذا كان الحائل بين الإمام والقوم في نفس المسجد.</span>\nنقل النوويُّ الإجماعَ على صحة الصلاة إذا كانا - الإمام والمأموم - في مسجد واحد، مع علم المأموم بصلاة الإمام، سواء حال حائل أم لا.\nيقول النووي: للإمام والمأموم في المكان أحوال، منها:\nأن يكونا في مسجد: فيصح الاقتداء، سواء قربت المسافة بينهما أم بعدت لكبر المسجد، وسواء اتحد البناء أم اختلف، كصحن المسجد، وصُفّته وسرداب فيه، وبئر مع سطحه ومساحته، والمنارة التي هي من المسجد، تصح الصلاة في كل هذه الصور وما أشبهها، إذا علم صلاة الإمام ولم يتقدم عليه، سواء كان أعلى منه أم أسفل، ولا خلاف في هذا، ونقل أصحابنا فيه إجماع المسلمين (^١).\nوقال في موطن لاحق:\nإذا كانا في المسجد: صحت الصلاة إذا علم صلاته، سواء حال حائل\n_________\n(^١) المجموع [٤/ ٣٠٢].","vol":"1","page":221},{"text":"أم لا، وهذا لا خلاف فيه كما سبق. اهـ (^١).\nقلت: ويدخل في هذه المسألة التي نقل الإجماع عليها: المنابر التي نشاهدها في بعض المساجد، والتي يبالغ في بنائها حتى تصبح فاصلًا - أحيانًا - بين الصفوف.\nوقد سئل الإمام أحمد عن هذه المسألة بعينها، فقال - في المنبر -: إذا قطع الصف: لا يضر اهـ (^٢).\nوسئل شيخ الإسلام ابن تيمية عمن يصلي مع الإمام، وبينه وبين الإمام حائل بحيث لا يراه ولا يرى من يراه (^٣)، هل تصح صلاته أم لا؟\nفأجاب قائلًا:\nالحمد لله، نعم تصح صلاته عند أكثر العلماء، وهو المنصوص الصريح عن أحمد، فإنه نص على أن المنبر لا يمنع الاقتداء.\nوالسنة في الصفوف أن يتموا الأول فالأول، ويتراصون في الصفوف، فمن صلى في مؤخر المسجد مع خلو ما يلي الإمام: كانت صلاته مكروهة، والله أعلم. اهـ (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-154>ثانيًا: إذا كان المقتدي خارج المسجد وبينه وبين الإمام حائط أو حائل.</span>\nلهذه الحالة صورتان:\n\n<span data-type='title' id=toc-155>الصورة الأولى: أن يمتلأ المسجد بالمصلين، وتكتمل الصفوف،</span>\n_________\n(^١) المصدر السابق [٤/ ٣٠٨].\n(^٢) المغني [٣/ ٤٦].\n(^٣) في السؤال كلام محذوف مقدر يفهم من السياق، وهو: لكنه يسمع صوته، فيقتدي به اعتمادًا على الصوت فقط، وإلا فلو فقد الصوت فبأي شيء يقتدى المصلى بالإمام؟!!.\n(^٤) مجموع الفتاوى [٢٣/ ٤٠٨].","vol":"1","page":222},{"text":"فيصلي الناس خارج المسجد والصفوف متصلة ببعضها.\nفهذه الحالة: الصلاة فيها صحيحة جائزة باتفاق الأئمة (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-156>الصورة الثانية: أن يكون في المسجد مكان للمصلين،</span> فيصلي المقتدى بالإمام خارج المسجد، كأن يصلى في بيت ملاصق للمسجد، فيكون الفاصل بينه وبين الإمام والصفوف، حائل أو حائط أو جدار، فيقتدي بالإمام بسماع صوته دون رؤيته.\nوهذه الصورة: اختلف العلماء فيها على قولين:\n\n<span data-type='title' id=toc-157>القول الأول: يصح الائتمام بهذا الإمام.</span>\nوبهذا قال الحنفية (^٢)، والمالكية - لكن في غير الجمعة (^٣) -، ورواية عند الحنابلة (^٤).\n_________\n(^١) المصدر السابق [٢٣/ ٤٠٧].\n(^٢) قيد الحنفية ذلك بالحائط الذي لا يشتبه معه العلم بانتقالات الإمام، فلو كان الحائط ضخمًا كبيرًا، يشتبه معه العلم على المأموم، بانتقالات إمامه: لا يصح الائتمام به.\nبدائع الصنائع [١/ ١٤٥]، مراقي الفلاح [١/ ١٩٦ - مع حاشية الطحطاوي].\n(^٣) قال الإمام مالك: لو أن دورًا محجورًا عليها صلى قوم فيها بصلاة الإمام في غير الجمعة: فصلاتهم تامة، إذا كان لتلك الدور كوى أو مقاصير يرون منها ما يصنع الناس والإمام فيركعون بركوعه ويسجدون بسجوده، فذلك جائز، وإن لم يكن لها كوى ولا مقاصير يرون منها ما يصنع الناس والإمام إلا أنهم يسمعون الإمام فيركعون بركوعه ويسجدون بسجوده = فذلك جائز اهـ. [المدونة: ١/ ٨٣]، الشرح الكبير [١/ ٣٣٧].\nوقد استثنى المالكية الجمعة من كلامهم: لأن الجامع عندهم شرط في صحة الجماعة. [انظر الفقه الإسلامي وأدلته: ٢/ ٢٢٩].\n(^٤) قال ابن قدامة: فإن كان بين الإمام والمأموم حائلٌ يمنع رؤية الإمام أو من وراءه فقال ابن حامد: فيه روايتان، الثانية: يصح، قال أحمد في رجل يصلي خارج المسجد يوم الجمعة وأبواب المسجد مغلقة: أرجو أن لا يكون به بأس، وسئل عن رجل يصلي يوم الجمعة وبينه وبين الإمام سترة، قال: إذا لم يقدر على غير ذلك اهـ. يعني: لا بأس. [المغني: ٣/ ٤٦]، [الإنصاف: ٢/ ٢٩٦].","vol":"1","page":223},{"text":"<span data-type='title' id=toc-158>يقول الحنفية:</span>\nوعلى هذا الاقتداء في الأماكن المتصلة بالمسجد الحرام وأبوابها من خارجه صحيح إذا لم يشتبه عليهم حال الإمام بسماع أو رؤية، ولم يتخلل إلا الجدار، وكذا فيمن صلى على سطح بيته المتصل بالمسجد، أو في منزله بجنب المسجد وبينه وبين المسجد حائط مقتديًا بإمام المسجد وذلك بسماع التكبير من الإمام أو من المكبر = تجوز صلاته (^١).\nواستدل هؤلاء على ذلك بالأثر والنظر:\nأما استدلالهم بالأثر، فهو:\nالدليل الأول: عَنْ أَسْمَاءَ بنت أبي بكر قَالَتْ: خَسَفَت الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَدَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ، وَهِيَ تُصَلِّي فَقُلْتُ: مَا شَأْنُ النَّاسِ يُصَلُّونَ، فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا إِلَى السَّمَاءِ، فَقُلْتُ: آيَةٌ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، فَأَطَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْقِيَامَ جِدًّا، حَتَّى تَجَلَّانِي الْغَشْيُ (^٢)، فَأَخَذْتُ قِرْبَةً مِنْ مَاءٍ إِلَى جَنْبِي، فَجَعَلْتُ أَصُبُّ عَلَى رَأْسِي أَوْ عَلَى وَجْهِي مِنْ الْمَاءِ، قَالَتْ: فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَقَدْ تَجَلَّت الشَّمْسُ …» (^٣) الحديث.\nوجه الاستدلال:\nأن عائشة ﵂ صلت في بيتها صلاة الكسوف بصلاة النبي ﷺ بالناس، ومعها أختها أسماء ﵁، والبيت منفصل عن المسجد بجدار، فدل ذلك على الجواز (^٤)\n_________\n(^١) [بدائع الصنائع: ١/ ١٤٥]، [مراقي الفلاح: ١/ ١٩٦].\n(^٢) أي: علاني مرض قريب من الإغماء لطول تعب الوقوف.\n(^٣) متفق عليه: أخرجه البخاري [٨٦]، مسلم [٩٠٥].\n(^٤) المحلى [٥/ ٧٧].","vol":"1","page":224},{"text":"الدليل الثاني: عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قالت: كان رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يصَلّي من الليل في حجرته، وجدار الحجرة قصير، فرأى الناس شخص النبي ﷺ فقام أناس يصلون بصلاته، فأصبحوا فتحدثوا بذلك، فقام ليلة الثانية، فقام معه أناس يصلون بصلاته، صنعوا ذلك ليلتين أو ثلاثة، حتى إذا كان بعد ذلك جلس رسول الله ﷺ فلم يخرج، فلما أصبح ذكر ذلك الناس، فقال: «إني خشيت أن تكتب عليكم صلاة الليل» (^١).\nوجه الدلالة: أن الصحابة وإن رأوا النبي ﷺ في جزء من الصلاة، إلا أنهم لم يروه في باقي الصلاة، وإنما سمعوا صوته من وراء الجدار، فلم يمنعهم ذلك من الائتمام به، وقد علم النبي ﷺ فعلهم ولم ينكره عليهم، فلو كان ذلك غير جائز لما تأخر عن تبيينه.\nوقد ورد عن بعض الصحابة والتابعين أيضًا ما يدل على جواز ذلك، ومنه.\n\n<span data-type='title' id=toc-159>١) أثر عائشة ﵂:</span>\nعن القاسم بن محمد: عن عائشة: أنها كانت تصلي بصلاة الإمام في بيتها وهو في المسجد (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-160>٢) أثر أنس بن مالك ﵁:</span>\nعن حميد الطويل قال: كان أنس يجمع مع الإمام وهو في دار نافع بن عبد الحارث، بيت مشرف على المسجد له باب إلى المسجد، فكان يجمع فيه ويأتم بالإمام (^٣).\n_________\n(^١) متفق عليه: أخرجه البخاري [٧٢٩]، وهذا لفظه، ومسلم [٧٦١].\n(^٢) إسناده ضعيف: أخرجه عبد الرزاق [٢/ ٨٣]، عن إبراهيم بن محمد: وهو متروك، والمتن يشهد له ما قبله.\n(^٣) إسناده صحيح: - إن شاء الله -: أخرجه ابن أبي شيبة [٦١٥٨]، عن هشيم عن حميد، وهذا إسناد صحيح إن لم يكن هشيم دلسه.","vol":"1","page":225},{"text":"<span data-type='title' id=toc-161>٣) أثر إبراهيم النخعي ﵀:</span>\nعن منصور بن المعتمر قال: كان إلى جنب مسجدنا سطح عن يمين المسجد أسفل من الإمام، فكان قوم هاربين في إمارة الحجاج، وبينهم وبين المسجد حائط طويل، يصلون على ذلك السطح ويأتمون بالإمام، فذكرته لإبراهيم: فرآه حسنًا (^١).\nوأما استدلالهم بالنظر، فقالوا:\nإن المأموم أمكنه الاقتداء بالإمام، فيصح اقتداؤه به من غير مشاهدة، قياسًا على الأعمى، ولأن المشاهدة تراد للعلم بحال الإمام، والعلم يحصل بسماع التكبير فجرى مجرى الرؤية، ولا فرق بين أن يكون المأموم في المسجد أو في غيره (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-162>القول الثاني: لا يصح الائتمام بهذا الإمام.</span>\nوبهذا قال الشافعية (^٣)، وهو رواية عن أبي حنيفة (^٤)، وهو الصحيح من المذهب عند الحنابلة (^٥).\nواستدل هؤلاء على ذلك بالأثر، وهو ما جاء عن:\n_________\n(^١) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة [٦١٦٢] عن جرير عن منصور.\n(^٢) المغني [٣/ ٤٦].\n(^٣) قال النووي: لو صلى في دار أو نحوها بصلاة الإمام في المسجد، وحال بينهما حائل: لم يصح عندنا. اهـ. [المجموع: ٤/ ٣٠٩]، ونقله البيهقي بسنده عن الشافعي [معرفة السنن والآثار: ٢/ ٣٨٧]\n(^٤) قال السرخسي: فإذا كان بين الإمام وبين المقتدي حائط أجزأته، وفي رواية الحسن عن أبي حنيفة: لا تجزئه اهـ[المبسوط: ١/ ١٩٣].\n(^٥) ونقل ذلك عنهم المرداوي [الإنصاف: ٢/ ٢٩٦]، وذكره ابن قدامة [المغني: ٣/ ٤٦].","vol":"1","page":226},{"text":"<span data-type='title' id=toc-163>١ - عمر بن الخطاب ﵁:</span>\nعن نعيم بن أبي هند: عن عمر بن الخطاب: أنه قال في الرجل يصلي بصلاة الإمام قال: إذا كان بينهما طريق، أو نهر، أو جدار فلا يأتم به (^١).\nوأُجيب عليهم: بأن هذا لم يصح عن عمر، فلا حجة فيه لضعفه.\n\n<span data-type='title' id=toc-164>٢ - عائشة ﵂:</span>\nعن عطاء عن عائشة: أن نساءً صلين في حجرتها، فقالت: لا تصلين بصلاة الإمام، فإنكن في حجاب (^٢).\nوأُجيب عليهم: بأن هذا لم يصح عن عائشة، وقد صح عنها من فعلها خلافُ ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-165>ثالثًا: إذا كان الإمام في المسجد أو خارجه وبينه وبين المقتدي طريق:</span>\nابتداءً أقول: إذا كانت الصلاة خارج المسجد فإن الفقهاء يشترطون أن لا تطول المسافة بين الإمام والمأمومين.\nقال النووي ﵀: يشترط ألا تطول المسافة بين الإمام والمأمومين إذا صلوا في غير المسجد، وبه قال جماهير العلماء، وقدر الشافعي القرب\n_________\n(^١) إسناده ضعيف: أخرجه عبد الرزاق [٣/ ٨١]، وابن أبي شيبة [٦١٥٥] = كلاهما، عن نعيم عن عمر، وهذا إسناد ضعيف للانقطاع بين نعيم وعمر.\n(^٢) إسناده ضعيف: أخرجه البيهقي [معرفة السنن والآثار: ٢/ ٣٨٧] من طريق الشافعي، عن إبراهيم بن محمد، عن ليث، عن عطاء عن عائشة، وإبراهيم: متروك، والليث ابن أبي سليم ضعيف.","vol":"1","page":227},{"text":"بثلاثمائة ذراع، وقال عطاء: يصح مطلقًا وإن طالت المسافة ميلًا وأكثر إذا علم صلاته. اهـ (^١).\nثم نعود إلى مسألتنا هنا وهي:\nإذا فصل بين الإمام والمأمومين طريقٌ: فللعلماء في هذه المسألة قولان:\n\n<span data-type='title' id=toc-166>القول الأول: يصح الاقتداء والائتمام بهذا بالإمام.</span>\nوبهذا قال المالكية (^٢)، والشافعية (^٣)، ورواية عند الحنابلة (^٤)، بل هو قول الأكثرين (^٥).\nواستدل هؤلاء على ذلك بشيء من الأثر، وهو ما جاء عن:\n* أنس بن مالك ﵁:\nعن صالح بن إبراهيم أنه رأى أنس بن مالك صلى الجمعة في دار حميد بن عبد الرحمن بصلاة الوليد بن عبد الملك، وبينهما طريق (^٦).\nوجاء أيضًا عن بعض التابعين، مثل:\n_________\n(^١) المجموع [٤/ ٣٠٩].\n(^٢) قال مالك: وإذا كان بين الإمام وبين القوم طريق: فلا بأس بذلك. اهـ. المدونة [١/ ٨٣]، الشرح الكبير [١/ ٣٣٦].\n(^٣) قال النووي: لو حال بينهما طريق صح الاقتداء عندنا، وعند مالك، والأكثرين. اهـ. [المجموع: ٤/ ٣٠٩]، مغني المحتاج [١/ ٣٧٨].\n(^٤) [المغني: ٣/ ٤٧]، الإنصاف [٢/ ٢٩٥].\n(^٥) عزاه إليهم النووي كما تقدم قريبًا.\n(^٦) إسناده ضعيف: أخرجه عبد الرزاق [٣/ ٨٣]، والبيهقي [السنن والآثار: ٢/ ٣٨٥] كلاهما من طريق إبراهيم بن محمد، عن عبد المجيد بن سهيل عن صالح، وإبراهيم: متروك.","vol":"1","page":228},{"text":"١ - عروة بن الزبير:\nعن هشام بن عروة قال: جئت أنا وأبي مرة فوجدنا المسجد قد امتلأ، فصلينا بصلاة الإمام في دار عند المسجد بينهما طريق (^١).\nوفي رواية عن هشام: أن عروة كان يصلي بصلاة الإمام وهو في دار حميد بن عبد الرحمن، وبينهما وبين المسجد طريق (^٢).\n٢ - أبو مجلز: لاحق بن حميد:\nعن أبي مجلز قال: تصلي المرأة بصلاة الإمام، وإن كان بينهما طريق أو جدار بعد أن تسمع التكبير = فلا بأس (^٣).\nقالوا: ولم يأت في المنع نص (^٤)، ولا إجماع، ولا هو في معني ذلك، فبقي الأمر على الجواز (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-167>القول الثاني: لا يصح الاقتداء.</span>\nوبهذا قال الحنفية (^٦)،\n_________\n(^١) إسناده حسن: أخرجه عبد الرزاق [٣/ ٨٣] عن إبراهيم بن محمد ومعمر كلاهما، عن هشام، وإبراهيم متروك، ومعمر في روايته، عن هشام بعض الكلام، لكنه يزول هنا لمجيئه من الطريق القادم.\n(^٢) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة [٦١٦٤]، عن ابن مهدي، عن حماد بن سلمة، عن هشام.\n(^٣) إسناده صحيح: أخرجه البخاري تعليقًا جازمًا به [الصحيح مع الفتح: ٢/ ٢٥٠]، وقال الحافظ: وصله ابن أبي شيبة [قلت برقم: ٦١٦٠]، عن معتمر، عن ليث بن أبي سليم، عن أبي مجلز بمعناه، وليث ضعيف، لكن: أخرجه عبد الرزاق [قلت عنده في ٢/ ٨٣]، عن معتمر، عن أبيه عنه فإن كان مضبوطًا: فهو إسناد صحيح. اهـ. [فتح الباري: ٢/ ٢٥٠].\n(^٤) يعني: نصًّا مرفوعًا للنبي ﷺ.\n(^٥) المغني [٣/ ٤٧].\n(^٦) واشترطوا في ذلك أن يكون الطريق واسعًا تمر فيه العجلة (العربة)، أما إن كان صغيرًا ضيقًا ليس بممر: فلا بأس عندهم. [بدائع الصنائع: ١/ ١٤٥]، مراقي الفلاح [١/ ١٩٦].","vol":"1","page":229},{"text":"وهو رواية عند الحنابلة (^١).\nواستدلوا على ذلك بشيء من الأثر والنظر:\nأما استدلالهم بالأثر:\nفهو ما جاء عن بعض التابعين، مثل:\n١) عامر الشعبي:\nعن عيسى بن أبي عزة قال: سألت الشعبي عن المرأة تصلي بصلاة الإمام بينهما طريق، قال: ليس ذلك لها (^٢).\n٢) إبراهيم النخعي:\nعن الأعمش عن إبراهيم: أنه كان يَكرهُ أن يُصلي بصلاة الإمام إذا كان بينهما طريق أو نساء (^٣).\nوأما استدلالهم بالنظر؛ فقالوا:\nحتى يصح الاقتداء عامة: ينبغي أن يتحد مكان الإمام والمأموم؛ لأن الاقتداء يقتضي التبعية في الصلاة، والمكان من لوازم الصلاة فيقتضي التبعية في المكان ضرورة، وعند اختلاف المكان تنعدم التبعية في المكان فتنعدم التبعية في الصلاة لانعدام لازمها.\nفلو كان بينهما طريق عام يمر فيه الناس: فإن ذلك يوجب اختلاف\n_________\n(^١) المغني [٣/ ٤٧]، الإنصاف [٢/ ٢٩٤ - ٢٩٥].\n(^٢) إسناده صحيح: أخرجه عبد الرزاق [٢/ ٨٣]، وابن أبي شيبة [٦١٥٧] كلاهما، عن إسرائيل بن يونس، عن عيسى بن أبي عزة.\n(^٣) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة [٦١٥٦] عن ابن مهدي، عن سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم.","vol":"1","page":230},{"text":"المكانين عرفًا، مع اختلافهما حقيقة، فيمنع صحة الاقتداء، وأصل هذا: ما روي عن عمر بن الخطاب (^١) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-168>رابعًا: إذا كان الفاصل بين الإمام والمأمومين نهر:</span>\nاتفقت المذاهب الأربعة على أنه إذا كان بين الإمام والمقتدي نهر كبير تجري فيه السفن = لا يصح الاقتداء، وإذا كان صغيرًا: يصح الاقتداء.\nلكنهم اختلفوا في حد هذا الكبر أو الصغر، وكذا في تعريفه، ودونك التفصيل.\n\n*<span data-type='title' id=toc-169> فعند الحنفية:</span>\nقالوا: لو كان الفاصل بين الإمام والمقتدى نهرٌ عظيم: لا يصح الاقتداء، والمراد بالنهر: ما تجري فيه السفن، ولو زورق [نوع من السفن الصغار].\nقالوا: وأما ما دون ذلك بمنزلة الجدول: فلا يمنع صحة الاقتداء (^٣).\n\n*<span data-type='title' id=toc-170> وعند المالكية:</span>\nقالوا: لو كان الفاصل بين المقتدي والإمام نهر صغير لا يمنع من سماع الإمام أو مأمومه، أو رؤية فعل أحدهما: يصح الاقتداء.\nقالوا: وأما ما يمنع من سماع الإمام ومأمومه، ومن رؤية فعل أحدهما: فلا يجوز (^٤).\n_________\n(^١) يشير إلى قول عمر: «إذا كان بينهما طريق أو نهر …» الأثر، وقد تقدم مع بيان ضعفه.\n(^٢) بدائع الصنائع [١/ ١٤٥].\n(^٣) بدائع الصنائع [١/ ١٤٥]، المبسوط [١/ ١٩٣]، مراقي الفلاح [١/ ١٩٦].\n(^٤) [المدونة: ١/ ٨٣]، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير [١/ ٣٣٦]، حاشية الصاوي.","vol":"1","page":231},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-171> وعند الشافعية:</span>\nحد النهر الصغير الذي يصح مع وجوده بين الإمام والمقتدى الائتمام هو: أن يمكن العبور من أحد طرفيه إلى الآخر بالوثوب فوقه، أو المشي فيه، أو على جسر ممدود على حافتيه، قالوا: وفي حكمه النهر الصغير المُحِوج إلى السباحة، على الصحيح (^١).\n\n*<span data-type='title' id=toc-172> وعند الحنابلة:</span>\nقالوا: إذا كان الفاصل بين المقتدي والإمام نهرٌ تجري فيه السفن: لم يصح الاقتداء (^٢).\nثم أختم النقل في هذا الباب عمن بدأت بالنقل عنه أيضًا، وهو الإمام النووي حيث قال:\nويشترط لصحة الاقتداء علم المأموم بانتقالات الإمام، سواء صليا في المسجد أو غيره، أو أحدهما فيه والآخر في غيره، وهذا مجمع عليه.\nقال أصحابنا: ويحصل له العلم بذلك بسماع الإمام، أو من خلفه، أو مشاهدة فعله أو فعل من خلفه، ونقلوا الإجماع في جواز اعتماد كل واحد من هذه الأمور. اهـ (^٣).\nوأخيرًا: قال شيخنا - حفظه الله ونفع بعلمه -:\nلا أعلم في المسألة حديثًا صريحًا حاسمًا، ولكن تعددت أقوال العلماء، ما بين مانع ومجوز، وثم آثار عن الصحابة والتابعين بالتجويز، والمانع يلزمه الدليل، فالقول بالجواز وجهه واضح، ما لم تخرج عن حد الاعتدال، والله أعلم.\n_________\n(^١) المجموع [٤/ ٣٠٥]، مغني المحتاج [١/ ٣٧٨].\n(^٢) كشاف القناع [١/ ٤٦٧]، الإنصاف [٢/ ٢٩٣ - ٢٩٥].\n(^٣) المجموع [٤/ ٣٠٩].","vol":"1","page":232},{"text":"<span data-type='title' id=toc-173>٢١ - المد الزائد في التكبيرات في الصلاة</span>\n«الله أكبر»\nبها يدخل المسلم في الصلاة.\nوقد استحب الفقهاء (^١) لقائلها - إمامًا كان أو منفردًا - أن يبينها، وأن يحذفها أي: يأتي بها سريعًا بلا مد ولا تمطيط.\nويستدل الفقهاء على ذلك بالأثر والنظر.\nأما استدلالهم بالأثر؛ فهو:\nحديث إبراهيم النخعي «التكبير جزم» (^٢).\nوأما استدلالهم بالنظر؛ فقالوا:\nإن المد في أول التكبير لحن من حيث الدين، فمد همزة «الله» يجعلها\n_________\n(^١) أعنى فقهاء المذاهب الأربعة [الحنفية، المالكية، الشافعية، الحنابلة].\n(^٢) لا أصل له مرفوعًا: كذا قال الحافظ [التلخيص: ١/ ٢٢٥] والسخاوي في المقاصد [ح: ٣٤٥] وعنه نقل العجلوني [كشف الخفاء: ١/ ٣٧٤]، وأورده علي بن سلطان الهروي في [المصنوع في معرفة الحديث الموضوع: ١/ ٨٣]، وكلهم قال: هو قول إبراهيم النخعي، وقد نسبه الترمذي - قبلهم - إلى إبراهيم في جامعه [٢٩٧]، فقال: وروي عن إبراهيم النخعي أنه قال: «التكبير جزم، والسلام جزم». اهـ.\nقلت: والإسناد إلى إبراهيم ضعيف جدًّا، فهو عند عبد الرزاق [٢/ ٧٤]، عن يحيى بن العلاء، عن مغيرة عن إبراهيم، ويحيى هذا: قد رمي بالوضع.\nوقد ذكر السخاوي أن سعيد بن منصور أورده في سننه بزيادة: «والقراءة جزم، والأذان جزم». قلت (القائل أحمد): ولم أقف عليه في المطبوع، وللسيوطي رسالة بعنوان «الجواب الحزم عن حديث التكبير جزم» ضمن الحاوي لفتاويه، لم يذكر فيها شيئًا، عن طريق سعيد ابن منصور، وإنما أشار إلى طريق عبد الرزاق فقط، فالله أعلم.","vol":"1","page":233},{"text":"استفهامًا، والاستفهام يكون للشك، والشك في كبرياء الله تعالى كفر.\nوأما المد في آخره فإنه لحن أيضًا، فإن أكبر: على وزن أفعل، وأفعل: لا يحتمل المد لغة.\nكما أن «أكبار»، بالألف: جمع كبر، والكبر: هو الطبل، وبذلك فسد المعنى (^١)، ولذلك ذهب: الحنفية (^٢)، والمالكية (^٣)، والشافعية (^٤)، والحنابلة (^٥)، إلى أن هذا المد المذكور يفسد التكبير، ولا يجزأ صاحبه.\nوأما تكبيرات الانتقال في الصلاة: فللعلماء فيها قولان.\n\n<span data-type='title' id=toc-174>القول الأول: يستحب حذفها وعدم المد فيها كما هو الشأن في تكبيرة الإحرام.</span>\nوهذا قول الحنفية (^٦)، والمالكية (^٧)، وقول عند الشافعية (^٨)، وعليه الحنابلة (^٩).\nواستدلوا على ذلك: بما استُدل به في شأن تكبيرة الإحرام.\n\n<span data-type='title' id=toc-175>القول الثاني: يستحب مدها إلى أن يصل إلى الركن المنتقل إليه </span>(^١٠).\n_________\n(^١) بدائع الصنائع [١/ ١٩٩]، الذخيرة [٢/ ١٦٧]، المغني [٢/ ١٢٩].\n(^٢) المبسوط [١/ ٢٣]، البحر الرائق [١/ ٣٢٢]، حاشية ابن عابدين [٢/ ٥١٩].\n(^٣) الذخيرة [٢/ ١٦٧]، مواهب الجليل [١/ ٥٥٩]، الفواكه الدواني [١/ ١٧٦].\n(^٤) المجموع [٣/ ٢٩٢].\n(^٥) المغني [٢/ ١٢٩].\n(^٦) بدائع الصنائع [١/ ١٩٩]، المبسوط [١/ ٢٣].\n(^٧) الذخيرة [٢/ ١٦٧].\n(^٨) قال النووي: وأما تكبيرات الانتقال: ففيها قولان، القديم: يستحب أن لا يمدها اهـ[المجموع: ٣/ ٢٩٩]، فتح العزيز [٣/ ٣٨٨].\n(^٩) الروض المربع [صـ ٧٤].\n(^١٠) وهذا بعيد عن مد الهمزة في «الله»، أو الباء في «أكبر».","vol":"1","page":234},{"text":"وهذا هو القول الثاني عند الشافعية، وهو الجديد الصحيح عندهم (^١)، واختاره بعض الحنابلة (^٢).\nواستدلوا على ذلك بالنظر؛ فقالوا:\nوذلك حتى لا يخلو جزء من صلاته من ذكر (^٣).\nتتمة:\nوأما ما يفعله بعض الأئمة في زماننا من المغايرة والتمييز بين بعض التكبيرات، كالتكبير للتشهد الأول أو الأخير بنبرة مختلفة عن باقي التكبيرات، أو مد زائد في التكبير = فلم أقف فيه على شيء لعلمائنا الأولين!\nبل قال الشيخ العلامة بكر أبو زيد ﵀ في حديثه عن هذه المسألة: «تطلبت حل هذا الإشكال فلم أر فيه ما يشفي». اهـ (^٤).\nوعلى ذلك: فقد تباينت أقوال أهل العلم المعاصرين في هذه المسألة لفقد النص، بل لفقد أقوال العلماء السابقين (^٥).\nفمن قائل بجواز ذلك، مثل: سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀\nفقد أجابت اللجنة الدائمة - برئاسة سماحة الشيخ - عن سؤال حول هذه المسألة، ونصه:\n_________\n(^١) المجموع [٣/ ٢٩٩].\n(^٢) الإنصاف [٢/ ٥٩].\n(^٣) المجموع [٣/ ٢٩٩].\n(^٤) تصحيح الدعاء [٤١٣].\n(^٥) لم أجزم بانعدام الأقوال تحسبًا لظهور نص أو قول لاحقًا، فلا أ حد يدري، والأيام حُبلى بما لا ندري!.","vol":"1","page":235},{"text":"س:\nأفتونا يرحمكم الله عن كيفية أداء تكبيرات الصلاة، وهل من الأفضل تمييز التكبير بالتشهد الأوسط والأخير عن غيرهما بمد [الله أكبر]، لمعرفة المأمومين بالجلوس، خاصة العجزة؛ لأنه حصل بسبب ذلك - وهو أن بعض الأئمة ما يفرقون بين التكبيرات، ثم إن القريب من الإمام يلتفت للنظر هل هو قائم أو جالس، والبعيد عنه يقوم وهو من العجزة ومعه عصا ثم يكون مخالفًا لإمامه، ويرجع مع الكلافة، أما بعض الأئمة فهو يجعل فارقًا بين التكبيرات للتشهد الأوسط والأخير، ويعرف بذلك المأمومون ولو كانوا بعيدين عن الإمام، وذلك حينما يمد لفظ الجلالة «الله» وتكون فارقة عن غيرها.\nفما رأي فضيلتكم بأحد الأمرين؟\nفأجابت اللجنة: الأصل هو عدم التمييز بين التكبيرات في الصلاة، ونحن لا نعلم دليلًا شرعيًّا يدل على التمييز، وتكبيرات الصلاة من العبادات، والعبادات مبنية على التوقيف، ومن ادعى التمييز بينهما فهو مطالب بالدليل، ولكن: لا نعلم حرجًا في التمييز من أجل المصلحة التي ذكرت عملًا بعمومات الأدلة الشرعية الدالة على فضل التيسير والتسهيل والإعانة على الخير، وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم (^١).\nعضو عضو نائب رئيس اللجنة\nعبد الله بن قعود عبد الله بن غديان عبد الرزاق عفيفي\nالرئيس\nعبد العزيز بن عبد الله بن باز\n_________\n(^١) فتاوى اللجنة الدائمة [٧/ ١٩]، [س ٣٦٥٥].","vol":"1","page":236},{"text":"<span data-type='title' id=toc-176>وممن ذهب إلى جواز ذلك أيضًا:</span>\nفضيلة الشيخ: بكر أبو زيد ﵀ (^١).\nفضيلة الشيخ: ابن جبرين ﵀ (^٢).\nبينما ذهب فريق آخر إلى أن منع ذلك أولى، ومنهم.\nفضيلة الشيخ ابن عثيمين ﵀ حيث قال:\nقال العلماء: يكره تمطيط التكبير حتى في النهوض من السجود إلى القيام مع طول النهوض، وحتى في الهوي إلى السجود مع طول ما بين القيام والسجود، قالوا: لأن هذا لم ترد به السنة فيكون مكروهًا، هكذا نص عليه الفقهاء ﵏ ولكن: الظاهر - والله أعلم - أن الأمر في هذا واسع، ولكن ليس مدها بأفضل من قطعها، كما يتوهمه بعض الناس، فبعض الناس يقول: تجعل للركوع هيئة في التكبير، وللسجود هيئة، وللتشهد هيئة، لأجل أن يكون المأموم خلفك آلة متحركة، لأن المأموم إذا صارت التكبيرات تختلف: فإنه يتابع التكبير، حتى ولو كان سارح القلب، إن كبرت تكبيرة السجود سجد، وإن كبرت تكبيرة النهوض نهض.\nلكن: إذا قطعت التكبير كله: صار المأموم قد شد أعصابه وفكره، يخشى أن يقوم في موضع الجلوس، أو يجلس في موضع القيام، وأما المسبوق فقد يلتبس عليه الأمر، ولكن: هذا محذور يمكن إزالته بأن يقال: إن النبي ﷺ لم ينقل عنه أنه كان يفرق بين التكبيرات، بل إن ظاهر صنيعه ﵇ أنه لا يفرق، لأنه لما صنع المنبر صلى عليه، وقال: «إنما\n_________\n(^١) تصحيح الدعاء [٤١٣ - ٤١٥].\n(^٢) القول المبين في معرفة ما يهم المصلين [٤٥٦ جمع المسند].","vol":"1","page":237},{"text":"فعلت هذا لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي» (^١)، فلو كان يخالف بين التكبير لكان الناس يأتمون به ولو لم يكن على المنبر.\nثم قال الشيخ ﵀: وأهم شيء هو اتباع السنة، مع حصول الفائدة في كون المأموم يشد نفسه حتى يعرف عدد الركعات. اهـ (^٢).\nوشبيه بكلام الفقهاء هنا في هذه المسألة: كلامهم في مسألة أخرى مشابهة، فكما تقدموا عن لفظة «الدخول في الصلاة»، كذلك تكلموا عن لفظة «الخروج منها»، أعني: لفظة التسليم.\nوهذه مسألتنا التالية، والتي تعرف بـ:\n_________\n(^١) متفق عليه: أخرجه البخاري (٩١٧)، مسلم (٥٤٤) من حديث سهل بن سعد.\n(^٢) الشرح الممتع [٣/ ١٧ - ١٨].","vol":"1","page":238},{"text":"<span data-type='title' id=toc-177>٢٢ - حذف السلام</span>\n<span data-type='title' id=toc-178>لأهل العلم في تعريف «حذف السلام»، عدة أقوال </span>وهي:\n١) قالوا: معناه أن يدرج لفظ السلام، ولا يمده مدًّا (^١).\n٢) وقيل: معناه الجهر بالتسليمة الأولى وإخفاء الثانية (^٢).\n٣) وقيل: معناه أن لا يقول في السلام: ورحمة الله (^٣).\nوالمعنى المنشود من هذه الأقوال هنا، والذي يقصده الفقهاء: هو القول الأول.\nإذا علمت هذا: فاعلم أن جميع الفقهاء يستحبون حذف السلام، بلا خلاف بينهم.\nقال النووي ﵀: يستحب أن يدرج لفظة السلام ولا يمدها، ولا أعلم\n_________\n(^١) قال الترمذي (٢٩٧): قال علي بن حجر: قال عبد الله بن المبارك: يعني أن لا يمده مدًّا. ثم عقب الترمذي بقوله: وهو الذي يستحبه أهل العلم. اهـ.\n- وأسند الحاكم عن أبي عبد الله البوشنجي [هو محمد بن إبراهيم العبدري، شيخ أهل الحديث في عصره] أنه سئل عن حذف السلام فقال: لا يمد اهـ[المقاصد الحسنة: صـ ٢٦٣].\n- وانظر: المجموع [٣/ ٤٨٣]، والمغني [٢/ ٢٤٩].\n- وقال المرداوي وروي عنه - أي الإمام أحمد - أنه - أي حذف السلام -: لا يطوله ويمده في الصلاة وعلى الناس اهـ[الإنصاف: ٢/ ٨٣].\n- وفي سؤالات عبد الله بن أحمد لأبيه قال: وحذف السلام: أن يجيء الرجل فيقول: السلام عليكم، ومد بها أبو عبد الله صوته شديدًا، ولكن ليقل: السلام عليكم، وخفف بها أبو عبد الله صوته. اهـ. [السؤالات: ٢٠٣٣].\n(^٢) هذه رواية عن الإمام أحمد، كما في المغني [٢/ ٢٤٩]، والإنصاف [٢/ ٨٣].\n(^٣) عزاه السخاوي لبعض المالكية [المقاصد الحسنة: صـ ٢٦٣]، وانظر تتمة كلامه هناك.","vol":"1","page":239},{"text":"فيه خلافًا للعلماء. اهـ (^١).\nوقال الغزالي: ويجزم التسليم، ولا يمده مدًّا، فهو السنة. اهـ (^٢).\nواستدلوا على ذلك بالأثر، وهو\nعن أبي هريرة ﵁ قال: «حذف السلام سنة» (^٣).\n_________\n(^١) المجموع [٣/ ٤٨٣]، وانظر تحفة الأحوذي [٢/ ١٦٤ - ط العلمية]، وموسوعة الإجماع [صـ ٦٠٨].\n(^٢) الإحياء [١/ ١٥٥ ط دار المعرفة]، ونقله عنه السخاوي [المقاصد الحسنة: ص ٢٦٣].\n(^٣) ضعيف: هذا الحديث روي موقوفًا ومرفوعًا، ومداره في الحالين على الأوزاعي عن قرة بن عبد الرحمن، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.\nواختلف على الأوزاعي فيه، فرواه عنه:\n١) عمارة بن بشر المصيصي [عند ابن خزيمة: ٧٣٥].\n٢) أبو إسحاق الفزاري [تاريخ دمشق: ٥٧/ ١٠٢].\nوكلاهما روياه مرفوعًا.\n٣) محمد بن يوسف الفريابي.\nواختلف عليه، فرواه عنه:\n١) الإمام أحمد [في مسنده: ١٠٨٨٥]، وعنه، أبو داود [١٠٠٤] = مرفوعًا.\n٢) عمرو بن علي الصيرفي [عند ابن خزيمة: ٧٣٤، والحاكم: ٨٤٢] = مرفوعًا.\n٣) محمد بن يحيى الذهلي [عند ابن خزيمة: ٧٣٥] = موقوفًا.\n٤) العجلي [في الثقات: ٢/ ٤٣٣] = موقوفًا.\n٥) عبد الله بن المبارك.\nواختلف عليه، فرواه عنه:\n١) محمد بن عقبة الشيباني [عند البيهقي: ٢/ ١٨٠] = مرفوعًا.\n٢) حرمي بن عمارة، وعبد الرحمن بن مهدي [عند ابن خزيمة: ٧٣٥] = موقوفًا.\n٣) عبدان [عند الحاكم: ٨٤٣] = موقوفًا.\n٤) علي بن حجر [عند الترمذي: ٢٩٧، لكنه قرن: هقل بن زياد مع ابن المبارك] موقوفًا.\n٥) عيسى بن يونس [عند ابن خزيمة: ٧٣٥] =","vol":"1","page":240},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= موقوفًا.\nوهناك طرق أخرى ذكرها الدارقطني في علله [س: ١٧٣٦].\nونتيجة لهذا الاختلاف على الوقف والرفع: اختلفت أقوال العلماء في الترجيح بين الموقوف والمرفوع.\nفذهبت طائفة إلى ترجيح المرفوع، وهم:\n١) ابن خزيمة:\nفقد ساق في صحيحه الرواية المرفوعة مسندة بمتنها في أول الباب [باب: حذف السلام من الصلاة]، ثم ثنى بعد ذلك بذكر الرواية الموقوفة، إلا أنه قدم فيها المتن على الإسناد، وقد ذكرنا سابقًا [صـ]، أن هذه الطريقة يستخدمها ابن خزيمة لإعلال الرواية، فهنا قد أعل الموقوف، وارتضى المرفوع.\n٢) أبو عبد الله الحاكم:\nوهذا ظاهر صنيعه في مستدركه، حيث أورد الرواية المرفوعة، ثم قال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، فقد استشهد بقرة بن عبد الرحمن في موضعين من كتابه، وقد أوقف ابن المبارك هذا الحديث اهـ. [المستدرك: ١/ ٣٥٥ - ط العلمية].\nثم ساق الرواية الموقوفة، ولم يعلق عليها بشيء.\nوقبل أن نواصل المسير مع أقوال العلماء: نقف يسيرًا مع كلام الحاكم السابق، حيث جمع فيه شيئًا من الصواب مخلوطًا بشيء من الخطأ.\nأما الصواب في كلامه: فهو قوله عن الإمام مسلم: «فقد استشهد بقرة بن عبد الرحمن …»:\nقلت: هذا صحيح، فلم يحتج مسلم بقرة، ويؤيد هذا قول ابن القطان الفاسي: لم يخرج له مسلم محتجًّا به، بل مقرونًا بغيره اهـ. [بيان الوهم والإيهام: ٥/ ١٤٣]، وبمثله قال المزي في تهذيبه.\nوأما الخطأ في كلام الحاكم فهو قوله: «هذا حديث صحيح على شرط مسلم».\nإذ أن الأوزاعي ليست له رواية، عن قرة في صحيح مسلم، ولا لقرة رواية عن الزهري عند مسلم [كما يعرف ذلك من تهذيب الكمال] فكيف يكون هذا الحديث على شرط مسلم؟!!.\nثم هب أن هذا الإسناد موجود، ألم يقل الحاكم أن مسلمًا استشهد بقرة، ولم يقل أنه احتج به، فكيف تجعل رواية رجل استشهد به مسلم، وساق حديثه في المتابعات = أصلًا يحتج به زعمًا أنها على شرط مسلم؟!!\nولله در ابن الصلاح حيث قال: من حكم لشخص بمجرد رواية مسلم عنه في صحيحه بأنه من شرط الصحيح فقد غفل وأخطأ، بل ذلك متوقف على النظر في كيفية رواية مسلم","vol":"1","page":241},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= عنه، وعلى أي وجه اعتمد. اهـ.\n[صيانة صحيح مسلم صـ ١٠٠ - طـ دار الغرب الإسلامي - بيروت]، وعلى كل: فإن مثل هذه الأوهام من الحاكم ﵀ كثيرة في كتابه، وقد سبق إلى التنبيه عليها جمع من العلماء، كالحافظ ابن حجر وغيره، وما ذكرته هنا إنما هو تأكيد لكلامهم، والله أعلم بالصواب.\nثم نعود إلى متابعة ذكر من رجح الرواية المرفوعة على الموقوفة.\n٣) البيهقي:\nحيث قال: هكذا رواه الفريابي ومحمد بن بشر عن الأوزاعي مرفوعًا، ورواه عبدان عن ابن المبارك عن الأوزاعي فوقفه، وكأنه تقصير من بعض الرواة اهـ. [السنن الكبرى: ٢/ ١٨٠].\n٤) ابن عساكر:\nحيث قال: والصحيح أنه مرفوع اهـ[تاريخ دمشق: ٥٧/ ١٠٢].\nبينما ذهبت ثُلة أخرى إلى ترجيح الموقوف على المرفوع، وهم:\n١) عبد الله بن المبارك:\nقال أبو داود: قال عيسى - هو ابن يونس الرملي -: نهاني ابن المبارك عن رفع هذا الحديث. اهـ. [سنن أبي داود: ١٠٠٤، وتاريخ ابن معين للدوري: ٣/ ٨٩].\n٢) الإمام أحمد:\nقال أبو داود: سمعت عيسى بن يونس قال: لما رجع الفريابي من مكة ترك رفع هذا الحديث، وقال: نهاه أحمد بن حنبل عن رفعه اهـ[السنن: ١٠٠٤].\nقلت (القائل أحمد): وعلى ذلك فلا خلاف على الفريابي في الوقف والرفع، وإنما الصواب أن نقول: إنه كان يرفعه في البداية، ثم كان آخر الأمرين منه أن رواه على الوقف، وتكون روايته الأخيرة هي المعتمدة، والله أعلم.\n٣) يحيى بن معين:\nحيث نقل الدوري، عن ابن معين ذكره لقول ابن المبارك السابق، ولم يزد ابن معين عليه شيئًا، وسكت إقرارًا لكلامه، [تاريخ ابن معين - رواية الدوري: ٣/ ٨٩].\n٤) الترمذي:\nحيث ذكر في جامعه [٢٩٧] الرواية الموقوفة ثم قال: هذا حديث حسن صحيح. اهـ.\n[وحكمه هذا ثابت في المطبوع، ومخطوط الكروخي].\n٥) أبو داود:\nيتضح هذا من الكلام الذي نقله عن ابن المبارك وأحمد عقب ذكر الرواية","vol":"1","page":242},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= المرفوعة، واكتفى بكلامهما. [السنن: ١٠٠٤].\n٦) الدارقطني:\nحيث ذكر الحديث وطرقه والاختلاف بين الرواة على الوقف والرفع، ثم قال: والصحيح عن الأوزاعي أنه موقوف على أبي هريرة اهـ. [العلل: ١٧٣٦].\nوبعد ذكر القولين والقائلين بهما يتبين لنا رجحان القول الثاني لأمرين:\n١) كثرة القائلين به.\n٢) أن من بين هذه الكثرة - أعني: آحادهم، من له قدم السبق في هذا الشأن، والإمامة في علم العلل [كابن معين، وأحمد، والدارقطني]، فكيف وقد اجتمع هؤلاء جميعًا على قول واحد؟!!.\nفإلى أين يصل قول الحاكم والبيهقي وابن عساكر بجوار قول هؤلاء الأئمة السابقين!!.\nولذلك فإن من الإنصاف وإعطاء كل ذي حق حقه - فيما أرى -: الانتصار للقول الثاني: وهو أن الراجح في هذا الحديث الوقف على أبي هريرة ﵁.\nولكن:\nهل يصح الحديث عن أبي هريرة، وهل يصح الإسناد إليه؟\nفترجيح الموقوف على المرفوع لا يستلزم بالضرورة أن الموقوف صحيح الإسناد، نعم، قد حكم الترمذي على الموقوف بأنه «حسن صحيح»، ولكن قد خالفه غيره، وهم:\n١) الإمام أحمد: فقد سئل عن هذا الحديث فقال: هذا شيء رواه قرة، وهو ضعيف اهـ\n[سؤالات ابنه عبد الله: ٢٠٣٣].\n٢) أبو حاتم الرازي: حيث قال ابنه: قيل لأبي حديث أبي سلمة، عن أبي هريرة: حذف السلام سنة، منهم من يقول عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ؟ قال: ليته يصح، عن أبي هريرة.\nقلت: رواه ابن وهب عن عيسى بن يونس، وعبد الله بن المبارك، عن الأوزاعي، عن قرة ابن عبد الرحمن، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: حذف السلام سنة.\nفقال أبي: هو حديث منكر. اهـ. [علل ابن أبي حاتم: ٣٦٣].\n٣) أبو الحسن بن القطان الفاسي: قال عن هذا الحديث: لا يصح لا موقوفًا، ولا مرفوعًا، من أجل أنه في حاليه من رواية قرة بن عبد الرحمن بن حيوئيل، وهو ضعيف، اهـ.\n[بيان الوهم والإيهام: ٥/ ١٤٢ - ١٤٣].\n٤) الحافظ ابن حجر:\nقال - بعد أن نقل تصحيح الدارقطني للوقف على الرفع: وهو من رواية قرة بن عبد الرحمن وهو ضعيف: اختلف فيه اهـ. [التلخيص الحبير: ١/ ٥٥٠].","vol":"1","page":243},{"text":"قالوا: وإن كان هذا من قول أبي هريرة: إلا أنه مما يدخل في المسند عند أهل الحديث، أو أكثرهم، وعليه فيستحب للإمام أن يترك الإطالة في لفظ التسليم، ويسرع فيه (^١).\nوقال شيخنا - حفظه الله -:\nلم يثبت في حذف السلام حديث، لكن قول الأكثرين: أنه لا يمد السلام، والله أعلم.\n_________\nقلت: وقال أبو زرعة عن قرة: الأحاديث التي يرويها مناكير اهـ[التهذيب].\nولم أجد لأحد من أئمة الجرح والتعديل الأولين كبير تعديل فيه، بل جُلّهم على تضعيفه، ولما كان مدار الحديث عليه: فقد ذهب هؤلاء العلماء إلى تضعيف الحديث والله أعلم.\n(^١) تحفة الأحوذي [٢/ ١٦٤].","vol":"1","page":244},{"text":"<span data-type='title' id=toc-179>٢٣ - مواطن سكتات الإمام</span>\nحين يدخل الإمام في صلاة جهرية: فإنه أحيانًا ما يسكت بعد تكبيرة الإحرام يسيرًا، وقد يسكت أيضًا عقب قراءته الفاتحة، …، إلى غير ذلك من المواطن التي يتبين لمن خلفه سكوته فيها.\nوهذه السكتات: لم يتفق العلماء عليها، بل اختلفوا.\nوسبب الاختلاف بينهم: هو تعارض الآثار الواردة في هذا الباب عند بعضهم، أو الاختلاف في صحة الآثار الواردة في ذلك (^١).\nوتلخيص هذا الاختلاف:\nأن من العلماء من ذهب إلى أن الإمام ليس له سكوت، ومنهم من قال: بل له سكته واحدة، وقال آخرون: بل سكتتان، وزاد آخرون فقالوا: هي ثلاث سكتات، ووصل الأمر بالبعض أن أوصلوها إلى: أربع سكتات.\nفتحصل لدينا من ذلك أن لأهل العلم في مسألتنا خمسة أقوال: وهي:\n\n<span data-type='title' id=toc-180>القول الأول: للإمام أن يسكت سكتة واحدة بعد التكبير وقبل القراءة، يقول فيها: دعاء الاستفتاح، وليس له سكوت بعد ذلك.</span>\nوبهذا قال الحنفية (^٢).\nواستدلوا على ذلك بالأثر والنظر.\n_________\n(^١) بداية المجتهد [١/ ١٢٣].\n(^٢) بدائع الصنائع [١/ ٢٠٤]، فتح القدير [١/ ٢٨٨]، مجموع الفتاوى [٢٢/ ٣٣٨].","vol":"1","page":245},{"text":"أما استدلالهم بالأثر؛ فهو:\nما جاء من الأحاديث الصحيحة في أدعية الاستفتاح (^١)، مثل:\n\n<span data-type='title' id=toc-181>الدليل الأول: حديث أبي هريرة ﵁.</span>\nعن أبي هريرة قال: كان رسول الله ﷺ إذا كبر في الصلاة سكت هُنية (^٢)، قبل أن يقرأ، فقلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة، ما تقول؟ قال: «أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي (^٣)، كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني (^٤) من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد» (^٥) (^٦).\nوهذا الحديث - كما قال الحافظ: أصح ما ورد في ذلك (^٧).\n_________\n(^١) استفتاح الصلاة: هو الذكر الذي تُبدأ به الصلاة بعد التكبير، وسمي بذلك لأنه أول ما يقوله المصلي بعد التكبير، فهو يفتتح به صلاته أي: يبدؤها به. [الموسوعة الكويتية: ٤/ ٤٦ - ٤٧].\n(^٢) هُنية: بضم الهاء وفتح النون وتشديد الياء، أي: قليلًا من الزمان، وهو تصغير هَنَةَ، ويقال: هُنيهة.\n(^٣) أي: الأفعال التي لو فعلتها تصير خطايا، فالمطلوب: الحفظ والتوفيق للترك، أو: بين ما فعلته من الخطايا، والمطلوب المغفرة.\nوأمثال هذا السؤال منه ﷺ من باب إظهار العبودية وتعظيم الربوبية، وإلا فهو - مع عصمته - مغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر [أصل صفة الصلاة للألباني: ١/ ٢٤٠].\n(^٤) بالتشديد أي: طهرني منها بأتم وجه وأوكده.\n(^٥) بفتح الراء: حب الغمام، أي بأنواع المطهرات، والمراد: مغفرة الذنوب وسترها بأنواع الرحمة والألطاف.\n(^٦) متفق عليه: أخرجه البخاري (٧٤٤)، ومسلم (٥٩٨) واللفظ له.\n(^٧) كما في الفتح (٢/ ٢٦٩)، وسبقه بذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، نبه على ذلك الشيخ، الألباني [صفة الصلاة: ١/ ٢٤٠].","vol":"1","page":246},{"text":"<span data-type='title' id=toc-182>الدليل الثاني: حديث علي بن أبي طالب ﵁.</span>\nعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ قَالَ: «وَجَّهْتُ وَجْهِيَ (^١) لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ (^٢) حَنِيفًا (^٣) وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ، إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي (^٤) وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي (^٥) لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَنْتَ رَبِّي وَأَنَا عَبْدُكَ، ظَلَمْتُ نَفْسِي وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي جَمِيعًا، إِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، وَاهْدِنِي لِأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ، وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا لَا يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إِلَّا أَنْتَ، لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ، وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ أَنَا بِكَ وَإِلَيْكَ تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ …» (^٦) الحديث.\n\n<span data-type='title' id=toc-183>الدليل الثالث: أثر عمر بن الخطاب ﵁.</span>\nعن الأسود بن يزيد: أن عمر بن الخطاب ﵁ حين افتتح الصلاة كبر، ثم قال: سبحانك اللهم وبحمدك، تبارك اسمك وتعالى جدك (^٧)، ولا إله غيرك (^٨).\n_________\n(^١) أي: قصدت بعبادتي.\n(^٢) أي: ابتدأ خلقها.\n(^٣) قال الأكثرون: معناه مائلًا إلى الدين الحق، وهو الإسلام.\n(^٤) النسك: العبادة.\n(^٥) أي: حياتي وموتي.\n(^٦) أخرجه مسلم (٧٧١).\n(^٧) أي: علا جلالك وعظمتك.\n(^٨) إسناده صحيح: أخرجه عبد الرزاق [٢/ ٧٥]، وابن أبي شيبة [٢٣٨٩، ٢٣٩٥، ٢٤٠٤]، والدارقطني [١/ ٣٠٠، ٣٠١]، والبيهقي [٢/ ٣٤]، كلهم من طريق إبراهيم عن الأسود، عن عمر.","vol":"1","page":247},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=\n- وقد تابع إبراهيم: أبو وائل شقيق بن سلمة.\n- كما عند الدارقطني [١/ ٣٠٠]، وابن أبي شيبة [٢٣٨٧]، عن هشيم أخبرنا حصين، عن أبي وائل عن الأسود بن يزيد.\n- ورواه إبراهيم عن علقمة: أنه انطلق إلى عمر، فقالوا له: احفظ لنا ما استطعت، فلما قدم قال: فيما حفظت أنه توضأ مرتين، ونثر مرتين، فلما كبر أو فلما قام إلى الصلاة، قال: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك.\n- أخرجه ابن أبي شيبة [٢٣٩٠]، والدارقطني [١/ ٣٠٠] = كلاهما عن عبد الله بن عون، عن إبراهيم، عن علقمة.\n- وتابع ابن عون: أبو معشر زياد بن كليب.\n- كما عند الطحاوي [شرح معاني الآثار: ١/ ١٩٨]، والدارقطني: ١/ ٣٠١] = كلاهما من طريق سعيد بن أبي عروبة عن أبي معشر، عن إبراهيم عن علقمة، والأسود.\n- وقد تابع علقمة والأسود: حكيمُ بن جابر.\n- كما عند ابن أبي شيبة [٢٣٩٢]، من طريق: إسماعيل بن أبي خالد عن حكيم بن جابر أن عمر كان إذا افتتح الصلاة قال: سبحانك … الحديث.\n- وحكيم بن جابر ثقة، أثبت البخاري له السماع من عمر [في تاريخه الكبير].\n- وتابع هؤلاء الثلاثة [علقمة والأسود وحكيم]: عمرو بن ميمون.\n- كما عند الطحاوي [شرح معاني الآثار: ١/ ١٩٨]، من طريق شعبة عن الحكم عن عمرو ابن ميمون.\n- وقد أخرجه مسلم في صحيحه [طرق حديث ٣٩٩]، قال: حدثنا محمد بن مهران الرازي، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا الأوزاعي، عن عبدة أن عمر بن الخطاب: كان يجهر بهؤلاء الكلمات يقول: سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك، وعن قتادة أنه كتب إليه يخبره، عن أنس بن مالك أنه حدثه قال: صليت خلف النبي ﷺ … الحديث.\n- قال النووي: قال أبو علي الغساني:\n- هكذا وقع: عن عبدة عن عمر، وهو مرسل، يعني: أن عبدة - وهو ابن أبي لبابة، لم يسمع من عمر، قال: وقوله بعده عن قتادة - يعني الأوزاعي - عن أنس: هذا هو المقصود من الباب، وهو حديث متصل، هذا كلام الغساني.\nوالمقصود: أنه عطف قوله: وعن قتادة على قوله: عن عبدة، وإنما فعل مسلم هذا لأنه سمعه هكذا فأداه كما سمعه، ومقصوده الثاني المتصل دون الأول المرسل. اهـ.","vol":"1","page":248},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= [شرح مسلم للنووي: ٣/ ٢١٥ - ط ابن الهيثم].\nقلت (القائل أحمد): وقد جاء الأثر عن عمر مرفوعًا إلى النبي ﷺ.\n- كما عند الدارقطني [١/ ٢٩٩]، من طريق: عبد الرحمن بن عمر بن شيبة، عن أبيه، عن نافع عن ابن عمر عن عمر ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا كبر للصلاة قال: «سبحانك اللهم وبحمدك» الحديث.\n- ثم قال الدارقطني - عقب هذا الحديث: رفعه هذا الشيخ عن أبيه، عن نافع عن ابن عمر، عن عمر عن النبي ﷺ. والمحفوظ، عن عمر من قوله: كذلك رواه إبراهيم عن علقمة والأسود، عن عمر، وكذلك رواه يحيى بن أيوب، عن عمر بن شيبة، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر من قوله وهو الصواب. اهـ.\n- وانظر كذلك علل الدارقطني [س: ١٦٥]، وسنن البيهقي [٢/ ٤٠].\n- وقال الحاكم [المستدرك - ح ٨٦٠]:\nوقد أسند هذا الحديث عن عمر، ولا يصح اهـ.\n- ثم أقول بعد هذا = إن الحديث قد جاء من رواية صحابة آخرين مرفوعًا إلى النبي ﷺ، وهم أبو سعيد الخدري وعائشة، وأنس وجابر ﵁ [انظر تخريج هذه الطرق في صحيح سنن أبي داود: ١/ ٢٥٢ - ٢٥٧].\n- إلا أن هذه الطرق كلها لا يثبتها أئمة الحديث، وإنما يرجحون الموقوف عن عمر.\n- قال ابن خزيمة:\nفأما ما يفتتح به العامة صلاتهم بخراسان من قولهم: سبحانك اللهم وبحمدك … الحديث، فلا نعلم في هذا خبرًا ثابتًا عن النبي ﷺ عند أهل المعرفة بالحديث، وأحسن إسناد نعلمه روي في هذا: خبر أبي المتوكل عن أبي سعيد اهـ[صحيح ابن خزيمة: ١/ ٢٦٧].\nقلت: ولا يعني ابن خزيمة بهذا أن حديث أبي سعيد سالمٌ صحيح، وحتى تطمئن لذلك فإليك أقوال الأئمة في حديث أبي سعيد [الذي هو أحسنها إسنادًا كما قال ابن خزيمة].\nقال الترمذي - بعد أن أخرج الحديث في جامعه [٢٤٢]:\nوقد تكلم في إسناد حديث أبي سعيد، كان يحيى بن سعيد يتكلم في علي بن على الرفاعي [هو الراوي عن أبي المتوكل]، وقال أحمد: لا يصح هذا الحديث. اهـ\nوقال أبو داود - بعد روايته للحديث في سننه [٧٧٥]: وهذا الحديث يقولون: هو عن علي ابن علي [الرفاعي]، عن الحسن مرسلًا، الوهم من جعفر [هوالراوي عن علي بن علي]. اهـ.","vol":"1","page":249},{"text":"وقد اختار أبو حنيفة من أدعية الاستفتاح: هذا الأخير المروي عن عمر (^١).\nواختار أبو يوسف الجمع بين الدعائين الأخيرين (^٢).\nوأما استدلالهم بالنظر؛ فقالوا:\nإن سكوت الإمام في هذا الموطن ليس سكوتًا حقيقيًّا، إذ فيه دعاء وذكر - كما سبق - وأما السكوت بلا قراءة: فحرام، ولذلك يحرم عليه السكوت في غير الموطن المذكور (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-184>القول الثاني: ليس للإمام أن يسكت في أي موطن، بل يكبر ثم يبتدئ القراءة.</span>\n_________\nوقال البيهقي: وأصح ما روي فيه أي: في دعاء الاستفتاح المذكور - الأثر الموقوف على عمر بن الخطاب ﵁ [السنن الكبرى ٢/ ٣٤].\nوقال النووي: وروى الاستفتاح «سبحانك وبحمدك» جماعة، من الصحابة، وأحاديثه كلها ضعيفة اهـ. [المجموع: ٣/ ٣٢٠].\nوانظر للمزيد: علل ابن أبي حاتم [٣٧٤، ٤١٠]، العلل المتناهية [١/ ٤١٧]، خلاصة البدر المنير [١/ ١١٧]، نصب الراية [١/ ٣١٩ - ٣٢٢]، زاد المعاد [١/ ٢٠٥].\nوعود على بدء، يقول ابن خزيمة:\nوهذا صحيح عن عمر بن الخطاب لا عن النبي ﷺ، ولست أكره الافتتاح بقوله: «سبحانك اللهم وبحمدك»، على ما ثبت عن الفاروق ﵀ أنه كان يستفتح الصلاة، غير أن الافتتاح بما ثبت عن النبي ﷺ في خبر علي بن أبي طالب وأبي هريرة وغيرهما، بنقل العدل عن العدل موصولًا إليه ﷺ أحب إليَّ وأولى بالاستعمال، إذ اتباع سنة النبي ﷺ أفضل وخير من غيرها اهـ[صحيح ابن خزيمة: ١/ ٢٦٩].\n(^١) شرح معاني الآثار [١/ ١٩٨]، وهو اختيار الإمام أحمد أيضًا [المغني: ٢/ ١٤٥]، فتح الباري لابن رجب [٤/ ٣٤٦، ٧٣٢].\n(^٢) معاني الآثار [١/ ١٩٨]، واختاره الطحاوي.\n(^٣) بدائع الصنائع [١/ ٢٠٤]، الفروع [١/ ٤١٧].","vol":"1","page":250},{"text":"وبهذا قال مالك (^١)، وعليه المالكية (^٢).\nواستدلوا على ذلك بالأثر، وهو:\n\n<span data-type='title' id=toc-185>الدليل الأول: حديث أنس ﵁:</span>\nعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ، وَأَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ ﵄ كَانُوا يَفْتَتِحُونَ الصَّلَاةَ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (^٣).\nقالوا: فلم يذكر شيئًا عن دعائهم قبل القراءة، أو سكوتهم.\nوأجيب عليهم: بأن المراد أنهم يفتتحون القراءة - كما في رواية مسلم، ومعناه: أنهم كانوا يقرؤون الفاتحة قبل السورة، وليس المقصود أنه لا يأتي بدعاء الاستفتاح، وبين ذلك حديث عائشة ﵂ حين قالت: كان رسول الله ﷺ يستفتح الصلاة بالتكبير، والقراءة بالحمد لله رب العالمين (^٤).\nثم واصل المعترضون على دليل المالكية الكلام بقولهم:\nوإن كان الحديث كما تقولون: فليس فيه تصريح بنفي دعاء الاستفتاح، ولو صرح بنفيه كانت الأحاديث الصحيحة المتظاهرة بإثباته مقدمة، لأنها زيادة ثقات، ولأنها إثبات، وهو مقدم على النفي (^٥).\n_________\n(^١) قال الإمام مالك: ومن كان وراء الإمام، ومن هو وحده، ومن كان إمامًا فلا يقل: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك … الحديث، ولكن يكبروا ثم يبتدؤوا القراءة. اهـ. [المدونة: ١/ ٦٦].\n(^٢) مواهب الجليل [١/ ٥٩٣]، الذخيرة [٢/ ١٧٧، ١٨٧].\n(^٣) متفق عليه: أخرجه البخاري [٧٤٣]، واللفظ له، ومسلم [٣٩٩].\n(^٤) أخرجه مسلم (٤٩٨).\n(^٥) المجموع [٣/ ٣٢١].","vol":"1","page":251},{"text":"<span data-type='title' id=toc-186>الدليل الثاني: حديث أبي هريرة (^١) ﵁.</span>\nعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَدَخَلَ رَجُلٌ فَصَلَّى، ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرَدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ السَّلَامَ، قَالَ: «ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ»، فَرَجَعَ الرَّجُلُ فَصَلَّى كَمَا كَانَ صَلَّى، ثُمَّ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَعَلَيْكَ السَّلَامُ»، ثُمَّ قَالَ: «ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ»، حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَقَالَ الرَّجُلُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أُحْسِنُ غَيْرَ هَذَا عَلِّمْنِي قَالَ: «إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، …» (^٢) الحديث.\nقالوا: فها هو النبي ﷺ يعلم الأعرابي الصلاة، فيقول له: «إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ …». ولم يقل له: سبح - كما يقول أبو حنيفة -، ولا قل: وجهت وجهي - كما يقول الشافعي -، فلو كان هذا الاستفتاح من الصلاة لعلمه النبي ﷺ إياه؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز (^٣).\nوأجيب عليهم: بأن النبي ﷺ إنما علمه الفرائض فقط، وهذا ليس من الفرائض، ولذلك لم يذكره له (^٤).\nيقول النووي: - بعد إجابته على أدلة المالكية -:\nودليلنا أي: على دعاء الاستفتاح وسكتته - الأحاديث الصحيحة التي\n_________\n(^١) هذا الحديث مشتهر في كتب الحديث والفقه باسم خاص، وهو: حديث «المسيء صلاته»، وذلك لأن صاحبه الأعرابي أساء الصلاة فعلمه النبي ﷺ.\n(^٢) متفق عليه: أخرجه البخاري [٧٥٧]، ومسلم [٣٩٧].\n(^٣) تفسير القرطبي [٩/ ١٤١، طـ دار الرسالة].\n(^٤) المجموع [٣/ ٣٢١].","vol":"1","page":252},{"text":"ذكرناها، ولا جواب له [أي مالك]، عن واحد منها. اهـ (^١)\nقلت (القائل أحمد): هناك جوابان: أحدهما عن مالك، والآخر عن بعض المالكية.\nأما جواب مالك عن هذه الأحاديث:\nفإن مالكًا ﵀ كان يقول بها في خاصة نفسه لصحة الحديث، وإنما كان لا يراه للناس مخافة أن يعتقدوا وجوبه (^٢).\nوأما الجواب الآخر: وهو خاص بحديث من أحاديث الاستفتاح السالف ذكرها، - وهو حديث علي بن أبي طالب - فيقول القرطبي:\nفإن قيل: فإن عليًّا قد أخبر أن النبي ﷺ كان يقوله = قلنا: يحتمل أن يكون قاله قبل التكبير ثم كبر، وذلك حسن عندنا (^٣).\nفإن قيل: قد روى النسائي (^٤)، والدارقطني (^٥)، أن النبي ﷺ كان إذا افتتح الصلاة كبر ثم يقول: «وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض …» الحديث قلنا: هذا نحمله على النافلة في صلاة الليل، كما جاء عند النسائي (^٦)، عن أبي سعيد (^٧)، أو في النافلة مطلقًا، فإن النافلة أخف من الفرض (^٨).\n_________\n(^١) المجموع [٣/ ٣٢١].\n(^٢) الذخيرة [٢/ ١٨٧]، تفسير القرطبي [٩/ ١٤١].\n(^٣) وهذا الوجه اختاره بعض المالكية للعمل بالأحاديث الصحيحة التي جاءت في الاستفتاح، فقالوا: تقال بعد الإقامة وقبل الإحرام. [مواهب الجليل: ١/ ٥٩٣].\n(^٤) المجتبى [٨٩٧].\n(^٥) سنن الدارقطني [١/ ٢٩٦].\n(^٦) السنن الكبرى [٩٧٣]، وهو في المجتبي [٩٠٠]، لكن بدون التقييد بصلاة الليل.\n(^٧) قد سبق قريبًا بيان ضعفه وأقوال أئمة الحديث فيه.\n(^٨) تفسير القرطبي [٩/ ١٤٢].\nوفي تقييد هذا الدعاء بصلاة الليل دون صلاة الفريضة نزاع طويل بين أهل العلم، ليس هذا محل ذكره.","vol":"1","page":253},{"text":"<span data-type='title' id=toc-187>القول الثالث: للإمام أن يسكت سكتتين.</span>\nالأولى: بعد التكبير وقبل القراءة، والثانية بعد الفراغ من القراءة وقبل الركوع.\nوهذا قول الشافعي (^١)، والمنصوص عن أحمد (^٢)، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (^٣)، وتلميذه ابن القيم (^٤).\nأما السكتة الأولى: والتي هي لقراءة دعاء الاستفتاح: فقد تقدم عند أصحاب القول الأول الأدلة عليها، فلا حاجة للإعادة هنا.\nوأما السكتة الثانية: فاستدلوا عليها بالأثر، وهو:\nالدليل الأول: حديث سمرة بن جندب ﵁.\nعن الحسن عن سمرة عن النبي ﷺ: أنه كان يسكت سكتتين، إذا استفتح، وإذا فرغ من القراءة كلها.\nوفي رواية: عن الحسن قال: قال سمرة: حفظت سكتتين في الصلاة، سكتة إذا كبر الإمام حتى يقرأ، وسكتة إذا فرغ من فاتحة الكتاب وسورة عند الركوع، قال: فأنكر ذلك عليه عمران بن حصين، قال: فكتبوا في ذلك إلى أُبي [بن كعب]، فصدق سمرة (^٥).\n_________\n(^١) نسبه إليه شيخ الإسلام [مجموع الفتاوى: ٢٣/ ٢٧٨]، ولم يذكر موطن السكتة الثانية.\n(^٢) قال ابن قدامة: إذا فرغ من القراءة قال أحمد: يثبت قائمًا ويسكت حتى يرجع إليه نفسه قبل أن يركع اهـ. [المغني: ٢/ ١٦٩]، [مجموع الفتاوى: ٢٣/ ٢٧٨]، الإنصاف [٢/ ٢٣٠].\n(^٣) مجموع الفتاوى [٢٢/ ٣٣٨]، [٢٣/ ٢٧٧ - ٢٧٨].\n(^٤) الصلاة وحكم تاركها [صـ ١٧٦].\n(^٥) إسناده ضعيف: هذا الحديث قد اختلف في متنه، وتحديدًا: في تعيين موطن","vol":"1","page":254},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= السكتة الثانية، وإليك بيان ذلك بتفصيله:\nمدار الحديث على الحسن [هو ابن أبي الحسن البصري، الإمام المعروف]، عن سمرة وقد اختلف على الحسن، فجاء عنه، من ستة طرق، وهي:\n١) من طريق حفص بن غياث، عن عمرو، عن الحسن:\n[وهناك اثنان باسم عمرو يرويان عن الحسن البصري، أحدهما ابن ميمون الجزري الرقي، وهو ثقة، أما الآخر: فهو ابن عبيد، المعتزلي المشهور، وهو ضعيف، بل متهم بالكذب على الحسن، وقد رجح الشيخ الألباني أنه الأخير [كما في الإرواء: ٢/ ٢٨٧]، وما رجحه الشيخ جزم به - من قبله - أبو داود في سننه [عقب ح: ٧٨٠]، قال أبو عيسى الرملي: قال لنا أبو داود: رواه عمرو بن عبيد، فقال فيه: ثلاث سكتات اهـ، وانظر ترجمته في التهذيب ففيها الإشارة لهذا].\nأخرجه ابن أبي شيبة [٢٨٣٧].\n- وهذه الرواية منكرة سندًا ومتنًا.\n- أما السند: فقد خالف عمرو الرواة الخمسة - الآتي ذكرهم لاحقًا - عن الحسن، فجعل الحديث، عن الحسن، عن رسول الله ﷺ مرسلًا.\n- ويبدو أن هذا الإسقاط لسمرة، من الحديث وقع عمدًا بفعل عمرو هذا، فعند أبي داود بعد أن ذكر رواية عمرو بن عبيد - قال يحيى بن سعيد: فقلت له [كما في التهذيب]: عن سمرة؟ فقال: فعل الله بسمرة وفعل اهـ.\n- فيبدو من كلامه أنه كان في صدره ونفسه شيء من سمرة ﵁ فلم يشأ أن يذكره في الحديث، ولما ذكره به - يحيى بن سعيد أظهر ما في صدره على لسانه، ولا عجب من ذلك، فالرجل من أصحاب العقائد الفاسدة، وهذا من شيمهم.\n- وأما المتن: فقال: كان لرسول الله ﷺ ثلاث سكتات: إذا افتتح التكبير، حتى يقرأ الحمد، وإذا فرغ من الحمد حتى يقرأ السورة، وإذا فرغ من السورة حتى يركع.\n- وهذا مخالف لجميع الروايات، عن الحسن التي اتفقت على أنهما سكتتان فقط، (وإن اختلفت الروايات في تحديد موطن السكتة الثانية).\n٢) من طريق يونس بن عبيد عنه:\n- وقد اختلف على يونس فيه [*] إسنادًا ومتنًا كما يلي:\n===\n[*] وبهذا يتبين خطأ ابن القيم ﵀ حين قال: ولم يختلف على يونس. اهـ. [الصلاة وحكم تاركها: ١٧٦]، وقد نبه على ذلك الشيخ الألباني ﵀ كما في [الإرواء: ٢/ ٦٨٦].","vol":"1","page":255},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=- فرواه عنه:\nأ - عبد الأعلى بن عبد الأعلى [كما عند ابن أبي شيبة: ٢٨٤٢]، إلا أنه جعله موقوفًا على الحسن من قوله [وبهذا خالف عبد الأعلى: جميع الرواة - الآتي ذكرهم - عن يونس].\nوقال في موطن السكتة الثانية: إذا فرغ من السورة قبل أن يركع.\nب - يزيد بن زريع [كما عند أحمد: ٢٠١٢٧]، مرفوعًا [وكل التالي ذكرهم على الرفع].\nوقال في موطن السكتة الثانية: وإذا فرغ من قراءة السورة.\nجـ - إسماعيل بن عُلية، واختلف على إسماعيل فيه:\n- فرواه عنه يعقوب بن إبراهيم بن كثير [كما عند أبي داود: ٧٧٧]، ومحمد بن خالد بن خداش، وعلي بن الحسين بن إشكاب [عند ابن ماجه: ٨٤٥].\n- وقالوا في موطن السكتة الثانية: إذا فرغ من فاتحة الكتاب وسورة عند الركوع [وفي لفظ: وسكتة عند الركوع].\n- ورواه عنه: زياد بن أيوب والحسين بن سعيد [عند الدارقطني: ١/ ٣٣٦].\n- إلا أنهما قالا في موطن السكتة الثانية: إذا فرغ من فاتحة الكتاب.\nد - هشيم بن بشير [عند أ حمد: ٢٠٢٦٦، والدارقطني: ١/ ٣٣٦].\nوعنده موطن الستكة الثانية: وإذا قرأ ﴿ولا الضالين﴾: سكت سكتة.\n٣) من طريق منصور بن المعتمر عنه [عند أحمد: ٢٠٢٦٦].\n- رواه عنه هشيم قارنًا بينه [أي: منصور]، وبين يونس - صاحب الطريق السابق.\n- وموطن السكتة الثانية: وإذا قرأ ﴿ولا الضالين﴾: سكت سكتة.\n٤) من طريق أشعث (هو ابن عبد الملك)، [عند أبي داود: ٧٧٣].\n- وموطن السكتة الثانية عنده: إذا فرغ من القراءة كلها.\n٥) من طريق حميد الطويل [عند أحمد: ٢٢٠٢٨، والدارمي: ١٢٤٣، والبخاري في جزء القراءة رقم: ٢٧٨، وابن أبي شيبة: ٢٨٤٠، والطبراني في الكبير: ٧/ ٢٢٦].\n- وموطن السكتة الثانية: وإذا فرغ من القراءة.\n٦) من طريق قتادة:\n- رواه عنه سعيد بن أبي عروبة، وقد اختلف عليه، فرواه عنه:\n١ - يزيد بن زريع، والذي اختلف عليه أيضًا - كما يلي:\n- فرواه عنه مسدد بهذه الألفاظ:\n- عند أبي داود (٧٧٩): وإذا فرغ من قراءة ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾، عند البخاري في القراءة (رقم ٢٧٧) وسكتة إذا فرغ من قراءته.","vol":"1","page":256},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=- عند الحاكم [٧٨٠]، وسكتة إذا فرغ من قراءته عند ركوعه.\n- وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه اهـ.\n- ورواه عنه [أي عن يزيد]، محمد بن عبد الله بن بزيع [عند ابن خزيمة: ١٥٧٨، والحاكم: ٧٨٠].\n- ولفظه: وسكتة إذا فرغ من قراءته عند ركوعه، [هو نفس لفظ مسدد عند الحاكم].\n- ورواه عنه: محمد بن المنهال [ذكرها البيهقي تعليقًا في السنن: ٢/ ١٩٦].\n- ولفظه: إذا فرغ من القراءة: ولم يذكر الفاتحة.\n٢ - عبد الأعلى بن عبد الأعلى: [عند الترمذي: ٢٥١، وأبي داود: ٧٨٠، وابن ماجه: ٨٤٤، وابن حبان: ١٨٠٧].\n- قال الترمذي: حديث حسن. اهـ.\n- ولفظه: قلنا لقتادة: ما هاتان السكتتان؟! فقال: حين يكبر، وإذا فرغ من القراءة.\nثم قال بعد [وهذه ليست عند ابن حبان]: وإذا قال: ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾.\n٣ - مكي بن إبراهيم [البيهقي: ٢/ ١٩٦].\nولفظه: نفس لفظ عبد الأعلى السابق.\nوالخلاصة:\nأن رواية حميد وأشعث ويونس [من طريق ابن علية وابن زريع عنه]: على أن السكتة الثانية بعد الفراغ من القراءة كلها.\nوخالفهم في ذلك منصور، فذكر أن موطن السكتة الثانية: وإذا قرأ: ﴿ولا الضالين﴾، ولم أجد أحدًا روى عنه الحديث إلا هشيم، وقد قرنه هشيم بيونس بن عبيد - المذكور آنفًا.\nوأما قتادة: فالخلاف عليه واضح جلي.\nوعند الترجيح بين هذه الروايات: يبدو - والله أعلم - أن رواية حميد وأشعث [اللذين لم يختلف عليهما]، ويونس [فيما وافقهما] هي الأرجح، والتي فيها أن السكتة الثانية بعد الفراغ من القراءة كلها.\nوقد نقل شيخ الإسلام ابن تيمية: أن الإمام أحمد قد رجح هذه الرواية. [مجموع الفتاوى: ٢٣/ ٢٧٨].\nوذهب ابن القيم أيضًا إلى ترجيح هذه الرواية [الصلاة وحكم تاركها صـ ١٧٦].\nلكن: بعد هذا العرض والتفصيل والترجيح يبقى أن الحديث من رواية الحسن، عن سمرة.\nوهذه المسألة - أعني: سماع الحسن من سمرة - من المسائل المختلف فيها بين أهل العلم قديمًا وحديثًا، بل لا يخفى شهرة الخلاف فيها بين المشتغلين بهذا العلم.","vol":"1","page":257},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فها هو الدارقطني يقول: «الحسن مختلف في سماعه من سمرة»، [سنن الدراقطني: ١/ ٣٣٦].\nوالذهبي - بعده بأجيال وزمان - يقول: «اختلف النقاد في الاحتجاج بنسخة الحسن عن سمرة [سير أعلام النبلاء: ٤/ ٥٨٧].\nولا يتسع المقام هنا لذكر هذا الخلاف ومناقشته، والراجح عندي الآن - والله أعلم بالصواب - أن الحسن لم يسمع من سمرة.\nفإن قال قائل: طالما أنك لا ترى بسماع، الحسن من سمرة، فلم ذكرت هذه الطرق وهذا الخلاف، والذي هو دون الحسن؟!.\nفأقول: إن غيري يرى بإثبات رواية الحسن، عن سمرة، وعندها يستفيد - بإذن الله - من ذكر هذه الطرق والترجيح بينها.\nولذلك قال ابن القيم: ومن يحتج بالحسن، عن سمرة: يحتج بهذا. اهـ. [زاد المعاد: ١/ ١٩٤].\nوانظر لمسألة سماع الحسن، عن سمرة:\n١ - التابعون الثقات المتكلم في سماعهم من الصحابة - لمبارك الهاجري -[١/ ٢٣٨ - ٢٥٥].\n٢ - تحرير علوم الحديث - للجُديع -[١/ ١٥٥ - ١٦٠].\n٣ - المرسل الخفي وعلاقته بالتدليس - للشريف حاتم -[١١٧٤ - ١٤٢١، وانظر منه خاصة: ١٢٥٠ - ١٢٦٠ فهو متعلق بحديثنا]، وهو أوسع هذه المراجع المذكورة.\n٤ - منهج المتقدمين في التدليس - لناصر الفهد -[صـ ١٤].\nوانظر رأي الشيخ أحمد شاكر في حاشيته على المحلى [٤/ ٩٧]، والشيخ الألباني [الإرواء: ٢/ ٢٨٨].\nتنبيه: قد صحح ابن حبان هذا الحديث بطريقة لم يقل بها أحد سواه - فيما اطلعت -، حيث قال: الحسن لم يسمع من سمرة شيئًا، وسمع من عمران بن حصين هذا الخبر، واعتمادنا فيه على عمران دون سمرة اهـ[الإحسان: ٥/ ١١٢].\nوقد تقدم أن الدارقطني لما ذكر هذا الحديث قال بعده: «الحسن مختلف في سماعه من سمرة»، وتلاه الحاكم فقال: بعد أن أورد الحديث: وحديث سمرة لا يتوهم متوهم أن الحسن لم يسمع من سمرة، فإنه قد سمع منه اهـ[المستدرك: ١/ ٣٣٥ - ح: ٧٨٠].\nولم يعرجا على ذكر عمران بن حصين - مع ذكرهما له في الرواية المخرجة عندهما - والعلماء مختلفون أيضًا في سماع الحسن، من عمران بن حصين، فالله أعلم.","vol":"1","page":258},{"text":"وهذه السكتة الثانية فائدتها - كما قال الإمام أحمد:\nحتى يرجع إلى الإمام نفسه قبل أن يركع، ولا يصل قراءته بتكبيرة الركوع (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-188>القول الرابع: للإمام أن يسكت ثلاث سكتات،</span> ومواطنها هي:\nالأولى: بعد التكبير وقبل القراءة.\nالثانية: عقب قراءة الفاتحة، وقبل قراءة السورة.\nالثالثة: بعد الفراغ من القراءة وقبل الركوع.\nوبهذا قال الحنابلة (^٢)، واختاره الشوكاني (^٣).\nونُسب هذا القول إلى الشافعي، وأحمد (^٤).\nولكن شيخ الإسلام ابن تيمية رد نسبة هذا القول إلى أحمد - خاصة - فقال: ولم يستحب أحمد أن يسكت الإمام لقراءة المأموم، ولكن بعض أصحابه استحب ذلك (^٥).\nوفي موطن آخر: ذكر أن هذا القول - بالسكتات الثلاث - قال به طائفة من أصحاب الشافعي وأحمد (^٦).\nوأما عن الأدلة: فقد تقدم الدليل على السكتتين الأولى والثالثة [في القول الأول والثالث].\n_________\n(^١) المغني [٢/ ١٦٩].\n(^٢) المغني [٢/ ١٦٣، ١٦٩]، الإنصاف [٢/ ٢٣٠]، الفروع [١/ ٤١٧].\n(^٣) نيل الأوطار [٢/ ٩٥]، السيل الجرار [١/ ٢٢٥].\n(^٤) مواهب الجليل [١/ ٥٩٣]، نيل الأوطار [٢/ ٩٥]، بداية المجتهد [١/ ١٢٣]، ولم يذكر أحمد.\n(^٥) مجموع الفتاوى [٢٣/ ٢٧٨].\n(^٦) المصدر السابق [٢٢/ ٣٣٨].","vol":"1","page":259},{"text":"واستدل أصحاب هذا القول على السكتة الثانية بالأثر والنظر.\nوأما استدلالهم بالأثر؛ فهو:\n\n<span data-type='title' id=toc-189>الدليل الأول: حديث سمرة بن جندب:</span>\nحيث جاء في رواية للحديث أن السكتة الثانية كانت بعد قراءة الفاتحة، وفي رواية أخرى: كانت بعد الفراغ من القراءة قبل الركوع (^١).\nقالوا: فالسكتتات الثلاث دل عليها حديث سمرة باعتبار الروايتين المذكورتين (^٢).\nوأجاب عليهم شيخ الإسلام بقوله:\nليس في الحديث إلا سكتتان، وإحدى الروايتين - أي: المذكورتين أعلاه - غلط، وإلا كانت ثلاثًا. اهـ (^٣).\nوقال في موطن آخر:\nولم يقل أحد إنه كان له ثلاث سكتات، ولا أربع سكتات، فمن نقل عن النبي ﷺ ثلاث سكتات أو أربع: فقد قال قولًا لم ينقله عن أحد من المسلمين. اهـ (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-190>الدليل الثاني: أثر أبي سلمة بن عبد الرحمن:</span>\nعن أبي سلمة قال: للإمام سكتتان، فاغتنموا القراءة فيهما بفاتحة\n_________\n(^١) قد تقدم الحديث بألفاظه والكلام عليه.\n(^٢) نيل الأوطار [٢/ ٩٥].\n(^٣) مجموع الفتاوى [٢٢/ ٣٣٨].\n(^٤) المصدر السابق [٢٣/ ٢٧٧].","vol":"1","page":260},{"text":"الكتاب (^١).\nوجه الدلالة: أن السكتة الأولى ثبت فيها أحاديث صحيحة، وأما السكتة الثانية التي يستطيع المأموم أن يقرأ فيها فهي سكتة الإمام بعد الفاتحة وقبل القراءة، فدل هذا على وجود سكتة للإمام بعد الفاتحة.\n\n<span data-type='title' id=toc-191>الدليل الثالث: أثر إبراهيم النخعي:</span>\nعن مغيرة عن إبراهيم: أنه كان إذا كبر سكت هنيهة، وإذا قال: ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾: سكت هنيهة (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-192>الدليل الرابع: أثر عمر بن عبد العزيز:</span>\nعن عمرو بن مهاجر عن عمر بن عبد العزيز قال: كانت له وقفتان: وقفة إذا كبر، ووقفة إذا فرغ من أم الكتاب (^٣).\n_________\n(^١) إسناده حسن: أخرجه البخاري في جزء القراءة [رقم: ٢٤٧]، قال: حدثنا موسى، حدثنا حماد، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة قال: … الحديث، ثم قال البخاري: وزاد هارون [هو ابن الأشعث] حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدثنا حماد، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة به.\nقلت: وزيادة أبي هريرة هنا إما أن تكون من أبي سعيد عبد الرحمن بن عبد الله بن عبيد البصري، فقد خالف موسى بن إسماعيل التبوذكي - وهو ثقة ثبت، وأبو سعيد مع كونه وُثق فقد قال عنه الإمام أحمد: كان كثير الخطأ اهـ.\nوإما أن تكون هذه الزيادة من محمد بن عمرو نفسه، ويكون روى الأثر على وجهين، وقد قال عنه ابن معين: كان يحدث مرة، عن أبي سلمة بالشيء من رأيه، ثم يحدث به مرة أخرى عن أبي سلمة، عن أبي هريرة اهـ.\nوقد ذكر هذا الأثر ابن المنذر [الأوسط: ٤/ ٢٤٩]، والبيهقي [السنن: ٢/ ١٧١].\nوابن حزم [المحلى: ٣/ ٢٣٨] = كلهم تعليقًا، عن أبي سلمة من قوله.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة [١/ ٢٤٧]، قال: ثنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم.\nقلت: أما هشيم: فمدلس لم يصرح بالتحديث: وأما مغيرة - وهو ابن مقسم الضبي فمتكلم في روايته عن إبراهيم النخعي خاصة.\n(^٣) إسناده حسن: أخرجه ابن أبي شيبة [١/ ٢٤٧]، قال: نا إسماعيل بن عياش، عن\nعمرو بن مهاجر، عن عمر بن عبد العزيز.\nقلت: وإسماعيل بن عياش - كما ذكر أهل العلم - حديثه، عن الشاميين مستقيم، وهو هنا من هذا القبيل، فإن عمرو بن مهاجر دمشقي ثقة.","vol":"1","page":261},{"text":"فدل هذان الأثران على أن هناك سكتة للإمام بعد الفاتحة.\nوأما استدلالهم بالنظر؛ فقالوا:\nإن هذه السكتة الثانية مطلوبة حتى يتمكن المأموم من قراءة الفاتحة خلف الإمام ولا ينازعه فيها (^١).\nقالوا: ويستحب للإمام في هذه السكتة: أن يشتغل بالذكر، أو الدعاء، كما في حديث أبي هريرة في الاستفتاح، أو القراءة، وهي أولى؛ لأن الصلاة ليس فيها سكوت حقيقي للإمام (^٢).\nوأجيب على ما ذكروه: بأن السنة لم يأت فيها شيء من ذلك، إذ لو كان النبي ﷺ يسكت سكتة تتسع لقراءة الفاتحة: لكان هذا مما تتوافر الهمم والدواعي على نقله، فلما لم ينقل هذا أحد: علم أنه لم يكن.\nوأيضًا: لو كان الصحابة كلهم يقرأون خلفه، إما في السكتة الأولى وإما في الثانية، لكان هذا مما تتوافر الهمم والدواعي على نقله، فكيف\n_________\n(^١) المغني [٢/ ١٦٣]، فتح الباري [٢/ ٢٦٨].\n- ثم قال ابن قدامة: وهذا مذهب الأوزاعي والشافعي وإسحاق اهـ.\n- قلت: وقول الأوزاعي نقله البيهقي عنه بإسناده في [القراءة خلف الإمام للبيهقي: ٢١٥] من طريق العباس بن وليد بن مزيد [صدوق عابد]، أخبرني أبي [ثقة ثبت] قال: كان الأوزاعي يقول: «يحق على الإمام أن يسكت سكتة بعد التكبيرة الأولى: استفتاح الصلاة، وسكتة بعد قراءة الفاتحة: ليقرأ من خلفه بفاتحة الكتاب». اهـ.\n- وهذا إسناد حسن.\n(^٢) المجموع [٣/ ٣٦٤]، [تحفة المحتاج: ٢/ ٥٧]، الموسوعة الكويتية [٢٥/ ١٣٤] وفي هذا رد على الحنفية حيث يقولون: إن السكوت بلا قراءة حرام، ولذلك حرموا السكوت على الإمام في أي موطن غير الأول، فأجابوهم: بأن السكوت هنا كالسكوت الأول، لفظًا لا حقيقة.","vol":"1","page":262},{"text":"ولم ينقل هذا أحد عن أحد من الصحابة أنهم كانوا في السكتة الثانية خلفه يقرأون الفاتحة، مع أن ذلك لو كان مشروعًا لكان الصحابة أحق الناس بعلمه وعمله (^١).\nويقول شيخ الإسلام:\nوالجمهور لا يستحبون أن يسكت الإمام ليقرأ المأموم، وذلك أن قراءة المأموم عندهم إذا جهر الإمام: ليست بواجبة، ولا مستحبة، بل هي منهي عنها (^٢). اهـ.\n\n<span data-type='title' id=toc-193>القول الخامس: للإمام أن يسكت أربع سكتات:</span>\nثلاث منها مضى ذكرهم في القول السابق، وأما الرابعة فموطنها هو: بين قوله: ﴿ولا الضالين﴾، وآمين.\nوبهذا قال الشافعية (^٣).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى [٢٣/ ٢٧٧، ٢٧٨]، الصلاة وحكم تاركها لابن القيم [صـ ١٧٦].\n(^٢) مجموع الفتاوى [٢٢/ ٣٣٩]، [٢٣، ٢٧٧].\n(^٣) قال النووي: يستحب عندنا أربع سكتات للإمام في الصلاة الجهرية، ثم ذكر مواطنها [المجموع: ٣/ ٣٩٥].\nوهذه السكتات الأربع نص عليها أيضًا: الخطيب الشربيني [مغني المحتاج: ١/ ٢٥٠].\nوالرملي [نهاية المحتاج: ١/ ٤٩٤]، ثم قال: وعدها الزركشي خمسة:\n١ - بين تكبيرة الإحرام والافتتاح.\n٢ - بين الافتتاح والقراءة.\n٣ - بين ﴿ولا الضالين﴾، وآمين.\n٤ - بين التأمين وقراءة السورة.\n٥ - قبل تكبيرة الركوع.\nقلت (القائل أحمد): وأكثر عدد للسكتات وقفت عليه في كتب الفقه: ما ذكره الهيثمي [تحفة المحتاج: ٢/ ٥٧]، ووافقه عليه البجيرمي [في حاشيته على الخطيب ٢/ ١٨٣]، وكلاهما شافعي المذهب، حيث أوصلها إلى ست سكتات، فقال:\n- تسن سكتة يسيرة، وضبطت بقدر سبحان الله:\n١ - بين التحريم ودعاء الافتتاح.\n٢ - وبينه وبين التعوذ.\n٣ - وبينه وبين البسملة.\n٤ - وبين آخر الفاتحة وآمين.\n٥ - وبين آمين والسورة إن قرأها.\n٦ - وبين آخرها وتكبير الركوع، فإن لم يقرأ سورة فبين آمين والركوع.\nقال: ويسن للإمام أن يسكت في الجهرية قدر قراءة المأموم للفاتحة اهـ.","vol":"1","page":263},{"text":"قالوا: وهي سكتة لطيفة ليعلم أن آمين ليست من الفاتحة (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-194>أقوال لبعض أهل العلم المعاصرين في المسألة </span>(^٢)\n<span data-type='title' id=toc-195>١ - اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء:</span>\nس: هل هناك سكتة في الصلاة بعد الفاتحة للإمام؟\nفأجابت اللجنة:\nج: روى أبو داود وابن ماجه عن سمرة بن جندب أنه حفظ عن رسول الله ﷺ سكتتين: سكتة إذا كبر، وسكتة إذا فرغ من ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾، … الحديث.\nوبذلك تعلم مشروعية هاتين السكتتين، وبالله التوفيق (^٣).\n_________\n(^١) المجموع [٣/ ٣٧٣].\nوقد أشار إلى هذه السكتة بعض الحنابلة، فقال الحجاوي:\n«فإذا فرغ - أي الإمام قال آمين بعد سكتة لطيفة ليعلم أنها ليست من القرآن». اهـ.\n[كشاف القناع: ١/ ٣١٦]، الروض المربع [صـ ٧٦].\nوانظر الفقه الإسلامي وأدلته [١/ ٦٩٤ - ٦٩٥].\n(^٢) زدتها هنا تتمة للفائدة، ولتوافر مادتها لدي، حيث كان من المنتظر أن أفرد هذه المسألة في رسالة مستقلة، ولكن قدر الله أن تخرج ضمن هذا الكتاب، فلله الحمد على توفيقه.\n(^٣) فتاوى اللجنة الدائمة [٦/ ٤١٢].","vol":"1","page":264},{"text":"<span data-type='title' id=toc-196>٢ - سماحة الشيخ: عبد العزيز بن باز ﵀ [ت: ١٤٢٠ هـ].</span>\nس: هل يُشرع للإمام السكوت بعد قراءة الفاتحة لتمكين المأموم من قراءة الفاتحة؟\nقال ﵀:\nالسكتة بعد الفاتحة لم يصح منها شيء فيما أعلم، والأمر فيها واسع إن شاء الله فمن فعلها فلا حرج، ومن تركها فلا حرج؛ لأنه لم يثبت فيها شيء عن النبي ﷺ فيما أعلم، وإنما الثابت عنه ﷺ: سكتتان: إحداهما بعد تكبيرة الإحرام يُشرع فيها الاستفتاح، والسكتة الثانية: بعد الفراغ من القراءة وقبل أن يركع، وهي سكتة خفيفة تفصل بين القراءة والتكبير.\nوالله ولي التوفيق (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-197>٣ - فضيلة الشيخ: محمد بن صالح العثيمين ﵀ [ت: ١٤٢١ هـ].</span>\nس: ما هي السكتات التي يسكتها الإمام في القراءة الجهرية؟\nفأجاب ﵀ بقوله:\nللاستفتاح، وهذه ثابتة في الصحيحين من حديث أبي هريرة.\nوالسكتة الثانية: بعد قراءة الفاتحة، أخرجها أبو داود وغيره من أهل السنن، وقال الحافظ في الفتح: إنها ثابتة (^٢)، ولكنها سكتة ليست، كما قاله بعض الفقهاء أنها طويلة بحيث يتمكن المأموم من قراءة الفاتحة، بل هي سكتة يسيرة يتأمل الإمام فيها ما سيقرأ بعد الفاتحة، وينتظر شروع المأموم في قراءتها.\n_________\n(^١) تحفة الإخوان بأجوبة مهمة تتعلق بأركان الإسلام [صـ ٩٨ - ١٠٠].\n(^٢) قال الحافظ: والسكتة التي بين الفاتحة والسورة: ثبت فيها حديث سمرة عند أبي داود وغيره اهـ. [فتح الباري: ٢/ ٢٦٨].","vol":"1","page":265},{"text":"والسكتة الثالثة: وهي سكتة لا تكاد تذكر بعد القراءة التي بعد سورة الفاتحة قبل الركوع، لكنها سكتة يسيرة جدًّا، ولهذا حذفت من بعض الأحاديث (^١).\nثم أخيرًا، قال شيخنا أبو عبد الله - حفظه الله -:\nيبدو - والله أعلم - أن الأمر في ذلك واسع، وكل له دليله، ولا تثريب على من تقلد قولًا.\nوالله أعلم (^٢).\n_________\n(^١) فتاوى ابن عثيمين [١٣/ ١٤٨].\n(^٢) نقلته بتمامه وحروفه كما كتبه لي.","vol":"1","page":266},{"text":"<span data-type='title' id=toc-198>٢٤ - جهر الإمام بالبسملة (^١) في الصلاة</span>\nمن المسائل التي حدث فيها نزاع بين العلماء قديمًا وحديثًا: مسألتنا في هذا الباب، وهي:\nهل يجهر الإمام بالبسملة في بداية القراءة، أم يُسر بها؟\nوهذا النزاع - كما ذكرت آنفًا - نزاع قديم، بل قد وصل الخلاف في هذه المسألة في بعض العصور من الحدة والغلو والمبالغة إلى أن صار الحكام يلزمون الناس بما يرونه راجحًا فيها!.\nفهذا المقريزي يذكر في ترجمة: محمد بن الحسن المالكي أنه أم الناس بالجامع العتيق بمصر في شهر ربيع الآخر سنة ٣٥٩ هـ، وجهر بالبسملة على كره منه (^٢).\nوفي عصر الشوكاني: أُلزم الناس بترك الجهر، فأرسل بعض الفضلاء إلى الشوكاني برسالة يقول فيها:\nظهرت في جهتنا في هذه المدة القريبة من بعض الأعلام الأكابر، وأهل الأمر في تلك الجهة = الفتيا بترك الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، وإلزام الناس بذلك، زاعمًا أنه لم يصح فيه عن النبي ﷺ شيء من الحديث، وإنه لاحق بالبدعة، بل ربما يعاقب الجاهر بها!! (^٣)\n_________\n(^١) البسملة: لفظ منحوت من كلمتين أو أكثر، ويُسمى في فقه اللغة بـ «النحت»، وهو اشتقاق كلمة جديدة من كلمتين أو أكثر تدل على معنى ما اشتقت منه، وتعني هنا: بسم الله الرحمن الرحيم [فقه اللغة: ٢/ ٦٥٧].\n(^٢) المقفى الكبير للمقريزي [اختيار محمد اليعلاوي: صـ ٢١٨]، كذا ذكر محقق الإنصاف.\n(^٣) رسالة في حكم الجهر بالبسملة للشوكاني - مخطوط، وقد نقل عنه: عبد اللطيف\nابن محمد الجيلاني، محقق كتاب «الإنصاف فيما بين العلماء في قراءة «بسم الله الرحمن الرحيم»، في فاتحة الكتاب من الاختلاف»، لابن بعد البر [صـ ٨٦ - ٨٧، ط أضواء السلف]، وعنه نقلت.","vol":"1","page":267},{"text":"وبالغ بعض أهل العلم في هذه المسألة حتى عدها من مسائل الاعتقاد!! (^١).\nوكان بعضهم لا يتكلم من الفقه إلا في هذه المسألة خاصة، لأنه يرى أنها متعلقة بالأصول (^٢).\nولهذا: فقد أفرد جماعة من العلماء [كالخطيب البغدادي: وأبي عمر ابن عبد البر، وأبي شامة المقدسي، والشوكاني وغيرهم] هذه المسألة بتصانيف مستقلة (^٣).\nوبعد هذا التمهيد لمسألتنا: نبدأ في ذكر أقوال الفقهاء فيها، مع ذكر أدلتهم فأقول - مستعينًا بالله -:\nاختلف أهل العلم في مسألة الجهر بالبسملة على عدة أقوال: أشهرها ثلاثة، وهي:\n\n<span data-type='title' id=toc-199>القول الأول: لا تُقرأ البسملة في أول الفاتحة في الصلاة المكتوبة سرًّا، ولا جهرًا، ويجوز قراءتها في النافلة سرًّا.</span>\nوبهذا قال المالكية (^٤).\n_________\n(^١) نيل الأوطار [٢/ ٤٨].\n(^٢) ومن هؤلاء: أبو بكر بن الطيب الباقلاني، ذكر ذلك عنه أبو بكر بن العربي في [عارضة الأحوذي: ٢/ ٤٤].\n(^٣) لمعرفة أسماء بعض المؤلفات المفردة في هذا الموضوع: انظر مقدمة الإنصاف لابن عبد البر، والتي صنعها المحقق [ص: ٩٧ - ١٠٤].\n(^٤) قال ابن القاسم:\n- وقال مالك: لا يقرأ في الصلاة بسم الله الرحمن الرحيم في المكتوبة، لا سرًّا في نفسه، ولا جهرًا.\n- وقال مالك في قراءة بسم الله الرحمن الرحيم في الفريضة: الشأن ترك قراءة بسم الله الرحمن الرحيم في الفريضة، قال: لا يقرأ سرًّا ولا علانية، لا إمام ولا غير إمام، قال: وفي النافلة إن أحب فعل، وإن أحب ترك، ذلك واسع اهـ. [المدونة: ١/ ٦٨]، مواهب الجليل [١/ ٥٤٤]، الذخيرة [٢/ ١٧٦ - ١٨١].\n- وقد صرح المالكية بأنه لو قرأ البسملة لم تبطل صلاته، وإنما يكره له ذلك.\n- قال ابن عبد البر: وروي مثل قول مالك، عن الأوزاعي، وبذلك قال الطبري. اهـ. [الإنصاف: صـ ١٥٣].","vol":"1","page":268},{"text":"واستدلوا على ذلك بالأثر والنظر:\nأما استدلالهم بالأثر؛ فهو:\nالدليل الأول: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ، وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ فَكَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ بِالْحَمْد لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا يَذْكُرُونَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي أَوَّلِ قِرَاءَةٍ، وَلَا فِي آخِرِهَا (^١).\nوجه الاستدلال قوله «لَا يَذْكُرُونَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي أَوَّلِ قِرَاءَةٍ، وَلَا فِي آخِرِهَا» دال على نفي قراءة الآية بالكلية.\nالدليل الثاني: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿الرحمن الرحيم﴾، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ ﴿مالك يوم الدين﴾، قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي، وَقَالَ: مَرَّةً فَوَّضَ إِلَيَّ عَبْدِي، فَإِذَا قَالَ: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾، قَالَ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ: ﴿اهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾،\n_________\n(^١) أخرجه مسلم [٣٩٩].","vol":"1","page":269},{"text":"قَالَ: هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ» (^١).\nوجه الاستدلال: أنه لم يذكر البسملة في حديث القسمة، مع ذكره لباقي آيات الفاتحة، فدل ذلك على أنها لا تقرأ سرًّا، ولا جهرًا (^٢).\nوأما استدلالهم بالنظر فقالوا:\nلنا إجماع أهل المدينة على ذلك، فإن الصلاة تقام بينهم من عهده ﵇ إلى زمن مالك (^٣)، مع الجمع العظيم الذي يستحيل تواطؤهم على الكذب، فنقلهم لذلك بالفعل كنقلهم له بالقول، فيحصل العلم، فلا يعارضه شيء من أخبار الآحاد (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم [٣٩٥].\n(^٢) الذخيرة [٢/ ١٧٧].\n(^٣) قال ابن القاسم - بعد أن نقل عن الإمام مالك أنه لا يرى قراءة البسملة -:\nوقال مالك: وهي السنة، وعليها أدركت الناس اهـ[المدونة: ١/ ٦٨].\n(^٤) الذخيرة [٢/ ١٧٩].\nأقول (أحمد): والاستدلال بعمل أهل المدينة على شيء - خاصة إن خالف الأثر - أمرٌ غير مُسلَّمٍ به.\nيقول ابن القيم ردًّا على بعض المالكية في استدلالهم بعمل أهل المدينة:\nوهذا الأصل قد نازعهم فيهم الجمهور، وقالوا: عمل أهل المدينة كعمل غيرهم من الأمصار، ولا فرق بين عملهم، وعمل أهل الحجاز والعراق والشام، فمن كانت السنة معهم فهم أهل العمل المتبع، وإذا اختلف علماء المسلمين لم يكن عمل بعضهم حجة على بعض، وإنما الحجة اتباع السنة، ولا تترك السنة لكون عمل بعض المسلمين على خلافها أو عمل به غيرهم، ولو ساغ ترك السنة لعمل بعض الأمة على خلافها: لتركت السنن، وصارت تبعًا لغيره، فإن عمل بها ذلك الغير عمل بها وإلا فلا، والسنة هي المعيار على العمل، وليس العمل معيارًا على السنة، ولم تضمن لنا عصمة قط في عمل مصر من الأمصار دون سائرها، والجدران والمساكن والبقاع لا تأثير لها في ترجيح الأقوال، وإنما التأثير لأهلها وسكانها …، إلى آخر كلامه ﵀، فانظره في إعلام الموقعين [٢/ ٣٨٠]، زاد المعاد [١/ ٢٥٠].","vol":"1","page":270},{"text":"<span data-type='title' id=toc-200>القول الثاني:\nيقرأ الإمام البسملة في أول الفاتحة، ولكنه يخفيها ولا يجهر بها.</span>\nوبهذا قال: الحنفية (^١)، والحنابلة (^٢).\nوقال الزيلعي: وبه قال أبو حنيفة وجمهور أهل الحديث والرأي وفقهاء الأمصار، وجماعة من أصحاب الشافعي اهـ (^٣).\nواستدلوا على ذلك بالأثر والنظر:\nأما استدلالهم بالأثر؛ فهو:\nالدليل الأول: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ، وَأَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ ﵄ كَانُوا يَفْتَتِحُونَ الصَّلَاةَ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (^٤).\n_________\n(^١) قال محمد بن الحسن: وقال أبو حنيفة: لا ينبغي للإمام أن يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في شيء من صلاته اهـ. [الحجة على أهل المدينة: ١/ ٩٦ - طـ عالم الكتب]، المبسوط للسرخسي [١/ ١٥ - ١٦]، بدائع الصنائع [١/ ٢٠٤].\n(^٢) قال أبو داود: قلت - أي: للإمام أحمد -: إذا صلى بقوم في رمضان يقرأ عند كل سورة بسم الله الرحمن الرحيم؟ قال: نعم، ولا يجهر به، قلت: يقرأ به في نفسه؟ قال: نعم اهـ. [مسائل الإمام أحمد - رواية أبي داود: ٢١٤، وانظر: ٢١٥، ٢١٦، ٢١٧، ٢١٨]، المغني [٢/ ٤٩ - ٥٠].\n- وقال المجد ابن تيمية: الرواية لا تختلف في ترك الجهر، وإن قلنا هي من الفاتحة [الإنصاف: ٢/ ٤٧].\n(^٣) نصب الراية [١/ ٣٢٨]، وكان بعض المالكية يأتي بالبسملة تورعًا [مواهب الجليل/ ١/ ٥٤٤].\n(^٤) متفق عليه: أخرجه البخاري [٧٤٣]، مسلم [٣٩٩].\n- وقد ورد عند مسلم بزيادة «عثمان»، وأيضًا بزيادة «لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءة ولا في آخرها».\nوهذه الزيادة الأخيرة تكلم فيها بعض أهل العلم، من ناحية ثبوتها وصحتها، مما دفعني إلى جمع طرق هذا الحديث وألفاظه وكلام العلماء فيه، وهذا لأعرضه هنا تتمة للفائدة، ولكن بعد جمع غالب المادة المطلوبة لذلك، تجمع لدي كم كبير - مقارنة بحجم الكتاب -","vol":"1","page":271},{"text":"الدليل الثاني: عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْتَفْتِحُ الصَّلَاةَ بِالتَّكْبِيرِ، وَالْقِرَاءَةَ بـ ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ (^١).\nالدليل الثالث: عن أبي هريرة ﵁ قال: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا نَهَضَ مِنْ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ، اسْتَفْتَحَ الْقِرَاءَةَ بِـ ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ وَلَمْ يَسْكُتْ (^٢).\nالدليل الرابع: عَنْ ابْن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ قَالَ: سمعني أَبِي: وَأَنَا أَقْرَأُ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم * الحمد لله رب العالمين﴾ فَلَمَّا انْصَرَفَ، قَالَ: يَا بُنَيَّ إِيَّاكَ، وَالْحَدَثَ فِي الْإِسْلَامِ، فَإِنِّي صَلَّيْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَخَلْفَ أَبِى بَكْرٍ، وَخَلْفَ عُمَرَ، [وَعُثْمَانَ] رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، فَكَانُوا لَا يَسْتَفْتِحُونَ الْقِرَاءَةَ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، [وفي رواية: فلم أسمعها من أحد منهم، ولكن: إذا قرأت فقل الحمد\n_________\nمن الأوراق، مما جعلني في حيرة من أمري، هل أسكت عن تبيين الأقوال في هذا الحديث وطرقه بعد أن أضنيت نفسي وأتعبتها في ذلك؟ [*] أم أعرض ما جمعت هنا فيزيد حجم الكتاب، ويثقل ذلك الجزء المضاف على كثير من القارئين؛ لأنه في أصله مفيد للمتخصصين في علم الحديث؟!.\n- فاستشرت أحد إخواني: فنصحني - جزاه الله خيرًا - أن أنشر ما جمعت ولكن في جزء مستقل عن هذا الكتاب، جمعًا بين الأمرين، فانشرح صدري لقوله، وامتثلت لنصحه، فلم أشر هنا إلى الخلاف الواقع في إسناد هذا الحديث، وألفاظه، وطرقه، وفي نيتي أن أخرج ذلك لإخواني الباحثين في جزء مستقل، أسأل الله أن ييسر لي إتمامه وإخراجه في وقت قريب. آمين.\n(^١) أخرجه مسلم [٤٩٨]، وانظر «علل الدارقطني» (١٤/ ٣٩٧)، «غرر الفوائد» (٦٦).\n(^٢) أخرجه مسلم [٥٩٩] لكن بإيهام اسم شيخه، لكنه صح متصلًا عند ابن خزيمة [١٦٠٣]، وأبي عوانة [١٦٠١]، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» [١١٩٣].\n===\n[*] خاصة وقد ظهر لي بعد البحث أن الصواب في هذه الزيادة ربما يكون بخلاف ما ترسخ في أذهان الكثيرين.","vol":"1","page":272},{"text":"لله رب العالمين]. [قال: وَلَمْ أَرَ رَجُلًا قَطُّ أَبْغَضَ إِلَيْهِ الْحَدَثُ مِنْهُ] (^١).\n_________\n(^١) لا بأس به: هذا الحديث مداره على ابن عبد الله بن مغفل، فرواه عنه:\nأولًا: أبو نَعامة قيس بن عَباية (وهو ثقة):\n- وقد رواه عن أبي نعامة كل من:\n١ - عثمان بن غياث - وهو ثقة:\n- وروايته عند النسائي [٩٠٨]، وأحمد [٢٠٥٤٥]، والبخاري في تاريخه الكبير [٣٦٣٣]، والبيهقي [٢/ ٥٢].\n٢ - سعيد بن إياس الجريري - وهو ثقة اختلط قبل موته:\n- وروايته عند الترمذي [٢٤٤]، وأحمد [١٦٧٨٧]، وابن أبي شيبة [٤١٢٨]، وعنه ابن ماجه [٨١٥]، والطحاوي [معاني الآثار: ١/ ٢٠٢] = كلهم من طريق ابن علية.\n- وعند أحمد [٢٠٥٥٩]، والبخاري في جزء القراءة خلف الإمام [٩٢]، من طريق وهيب، وعند الطبراني في الكبير [كما نقل مغلطاي في شرحه لابن ماجه ٥/ ١٤٧]، من طريق خالد بن عبد الله.\n- كلهم [خالد، وابن علية، ووهيب]، عن الجريري، عن أبي نعامة، عن ابن عبد الله بن مغفل.\n- ولا يُخش هنا من اختلاط الجريري، فابن علية سمع من الجريري قبل اختلاطه، بل قال أبو داود: أرواهم عنه ابن علية.\n- وخالف [خالدًا، وابن علية، ووهيبًا]: معمرُ بنُ راشد:\n- فرواه عن الجريري قال: أخبرني من سمع ابن عبد الله بن مغفل.\n- وهذا الاختلاف لا يضر - إن شاء الله -، فما أُبهم في رواية معمر قد بُين في رواية غيره، وإن لم يكن ذلك: فرواية ابن علية ووهيب مقدمة على رواية معمر.\n- إلا أن الجريري وعُثمان: قد خولفا في ذلك الإسناد من:\n٣ - خالد الحذاء:\n- فروى خالد، عن أبي نعامة، عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر لا يقرؤون، يعني: لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم.\n- قال الحافظ: ولا يمتنع أن يكون لأبي نعامة فيه شيخان اهـ[النكت: ٧٥٢].\n- قلت (القائل أحمد): لكن البخاري ذهب في تاريخه [٨/ ٤٤١]، إلى ترجيح رواية","vol":"1","page":273},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= عثمان [وهي نفس رواية الجريري]، على رواية خالد، فقال: والأول [أي رواية عثمان] أصح اهـ، وعلى هذا فكلام البخاري أولى من كلام الحافظ ابن حجر.\n- أضف إلى ذلك: أن النسائي قد نص على أن الجريري أثبت من خالد الحذاء - عامة - فكيف وقد توبع الجريري على روايته ولم يتابع الحذاء؟!\n- وانظر للفائدة، عن حديث أنس هذا [النكت على ابن الصلاح للحافظ: ٧٥١].\n- وقد ذهب فريق من أهل العلم إلى أن أبا نعامة قد تفرد بهذا الحديث، عن ابن عبد الله بن مغفل، وعلى ذلك: فهذا الأخير مجهول لم يرو عنه إلا واحد.\n- وممن ذكر ذلك:\n١) ابن خزيمة:\nحيث قال: مدار الحديث على ابن عبد الله بن مغفل، وهو مجهول اهـ.\n[كتاب البسملة له، ونقله مغلطاي في شرحه لسنن ابن ماجه: ٥/ ١٤٦].\n٢) البيهقي:\nحيث قال: تفرد به أبو نعامة [معرفة السنن والآثار: ١/ ٥٢٦].\n٣) ابن عبد البر:\nحيث قال: وأما ابن عبد الله بن مغفل فلم يرو عنه إلا قيس فيما علمت، ومن لم يرو عنه إلا واحد فهو مجهول عندهم، والمجهول لا تقوم به حجة [الإنصاف له: صـ ١٦٧].\n٤) الخطيب البغدادي:\nفقال: ولكن ابن عبد الله مجهول اهـ[نقله عنه مغلطاي في شرح ابن ماجه: ٥/ ١٤٦].\n٥) الذهبي:\nفقال: ابن عبد الله بن مغفل: مجهول اهـ[تنقيح التحقيق له: ١/ ١٤٧ - دار الوطن].\n٦) الشوكاني:\nفقال: الحديث من أفراد ابن عبد الله بن مغفل، وعليه مداره، وهو مجهول، لا يعرف روى عنه إلا أبو نعامة اهـ[نيل الأوطار: ٢/ ٤٩].\n- وأبي ذلك آخرون من أهل العلم منهم:\nأ - الزيلعي [نصب الراية: ١/ ٣٣٢].\nب - علاء الدين مغلطاي [شرح سنن ابن ماجه: ٥/ ١٤٦ - ١٤٧].\nجـ - بدر الدين العيني [عمدة القاري: ٥/ ٢٨٣].\n- فقالوا: إن أبا نعامة لم يتفرد بهذا الحديث عن ابن عبد الله، وإنما تابعه عليه:\nثانيًا: عبد الله بن بريدة:","vol":"1","page":274},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= - وروايته أخرجها الطبراني في الكبير قال: ثنا ابن محمد الجذوعي القاضي، حدثنا عقبة ابن مكرم العمي، ثنا سالم بن نوح، عن الجريري، عن عبد الله بن بُريدة، عن ابن عبد الله ابن مغفل، عن أبيه.\n-[ذكرها مغلطاي مُسندة في شرحه: ٥/ ١٤٧، وليست في المطبوع من الطبراني].\n- قالوا: وعبد الله بن بُريدة أشهر من أن يثنى عليه [نصب الراية: ١/ ٣٣٣].\n- قلت (القائل أحمد): هذه المتابعة فيها نظر: وذلك للآتي ذكره:\n- هذه المتابعة من طريق الجريري، وهو نفسه الراوي، عن أبي نعامة، وعلى ذلك نستطيع أن نقول: إن الجريري اختلف عليه كالتالي:\n- فروى ابن علية ووهيب وخالد: الحديث عنه، عن أبي نعامة، عن ابن عبد الله.\n- وخالفهم سالم بن نوح، فرواه عنه عن عبد الله بن بريدة عن ابن عبد الله.\n- نعم، كان من الممكن أن نقول: إن للجريري شيخين في هذا الحديث، هذا لو أن الرواة، عن الجريري في نفس درجة التثبت والحفظ، والجريري نفسه ظل على حفظه حتى مات، لكن الأمر في حالتنا هذه ليس كذلك!.\n- فسالم بن نوح: صدوق له أوهام - كما قال الحافظ - فلا تقاوم روايته رواية ابن علية فكيف وقد توبع ابن علية، وتفرد سالم بذكر هذا الطريق؟!!.\n- ولعل هذا مما حدّث به سالم أثناء ضياع كتاب الجريري منه، فوهم فيه، وقد ضاع كتاب الجريري منه أربعين سنة [كما نقل ابن عدي في ترجمته، وكذا المزي والحافظ].\n- أضف إلى ما تقدم: أن الجريري نفسه اختلط قبل موته بثلاث سنين، ورواية سالم عنه لا يدرى متى كانت، قبل الاختلاط أم بعده، أم قبل وبعد، نعم: رواية سالم، عن الجريري عند مسلم، ولكنَّ مسلمًا - كما ذكر ابن رجب [شرح العلل: صـ ٧٨٣]، كان يخرج رواية هؤلاء مما تابعهم عليه الثقات، ووافقوهم عليه، لا ما انفردوا به، فتنبه لذلك.\nثالثًا: أبو سفيان السعدي، طريف بن شهاب:\n- روى هذه المتابعة عنه: أبو حنيفة [في مسنده لأبي نعيم: صـ ١٣٢ - الكوثر]، وحمزة الزيات [عند الخطيب في: رافع الارتياب في المقلوب من الأسماء والأنساب، ونقله عنه مغلطاي: ٥/ ١٤٧]، وذكر الزيلعي أن رواية طريف هذه عند الطبراني [نصب الراية: ١/ ٣٣٣].\nوأبو سفيان هذا: ضعيف، ولذا قال الزيلعي: وهو وإن تُكلم فيه: ولكنه يعتبر به ما تابعه عليه غيره من الثقات اهـ.\nقلت: والطريق الضعيف لا يستدرك به على من قال بتفرد أبي نعامة بالحديث؛ لأن =","vol":"1","page":275},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= أهل العلم - أحيانًا - ينفون المتابعات ويقصدون الصحيحة، دون الضعيفة [ولا يتسع المقام لذكر أمثلة]، فيكون المقصود: لم يرو هذا الحديث ثقة، عن ابن عبد الله إلا أبو نعامة، والله أعلم.\nتنبيه: ورد تسمية ابن عبد الله بن مغفل بـ «يزيد»، في رواية طريف السابقة، وكذا في رواية ابن علية، عن الجريري [عند أحمد: ١٦٧٨٧].\nوكناتج لهذا الاختلاف بين العلماء في تجهيل يزيد بن عبد الله بن مغفل من عدمه = اختلف حكمهم على هذا الحديث.\nفذهبت الطائفة الأولى منهم إلى تضعيفه.\nقال النووي: وقد ضعف الحفاظ هذا الحديث، كابن خزيمة، وابن عبد البر والخطيب وآخرون وقالوا: إن مداره على ابن عبد الله بن مغفل، وهو مجهول اهـ[خلاصة الأحكام له: ١/ ٣٦٩ - ط الرسالة].\nقال ابن خزيمة: هذا الحديث غير صحيح اهـ[نيل الأوطار: ٢/ ٤٩].\nقال ابن عبد البر: حديث ابن مغفل: ضعيف، لأنه لم يعرف ابن عبد الله بن مغفل اهـ[الاستذكار: ٤/ ٢٠٤].\n- وذهبت الطائفة الأخرى إلى تحسين الحديث، وعلى رأسهم:\n- الإمام الترمذي:\n- قال عقب الحديث: حديث عبد الله بن مغفل: حديث حسن اهـ.\n- قال النووي: وقد أنكر الحفاظ على الترمذي تحسينه، ونسب فيه إلى التساهل اهـ[الخلاصة: ١/ ٣٦٩].\n- قلت (القائل أحمد): على اصطلاح الترمذي في التحسين: لا يستنكر عليه تحسينه هنا.\n- يقول أبو الفتح اليعمري - في رده على من ضعف الحديث بجهالة ابن عبد الله:\n- وهذه الجهالة حالية لا عينية، للعلم بوجوده، فقد كان لعبد الله بن المغفل سبعة أولاد، سمى هذا منهم: يزيد، وما رُمي بأكثر من أنه لم يرو عنه إلا أبو نعامة، فحكمه حكم المستور قال: وليس في رواية هذا الخبر من يتهم بكذب، فهو جار على رسم الحسن عنده [أي: عند الترمذي]، وأما التعليل بجهالة المذكور: فما أراه يخرجه عن رسم الحسن عند الترمذي ولا غيره، وأما قول من قال: غير صحيح [قلت: كأنه يعني ابن خزيمة]: فكل حسن كذلك اهـ.\n- وكذلك حسن الحديث الزيلعي [نصب الراية: ١/ ٣٣٣].\n- مغلطاي [شرح سنن ابن ماجه: ٥/ ١٤٦].","vol":"1","page":276},{"text":"قالوا: والمراد من الأحاديث السابقة أن النبي ﷺ وأصحابه كانوا يخفون البسملة، لا يجهرون بها، وليس المقصود أنهم لا يقرؤونها (^١).\n\nوقد<span data-type='title' id=toc-201> ورد عدم الجهر عن بعض الصحابة،</span> مثل:\n<span data-type='title' id=toc-202>١ - عمر بن الخطاب ﵁:</span>\nعن الأسود بن يزيد قال: صليت خلف عمر سبعين صلاة فلم يجهر فيها ببسم الله الرحمن الرحيم (^٢).\nوعن معمر قال: سمعت أيوب يسأل عاصم بن أبي النجود: ما سمعت\n_________\n- الحافظ [النكت على ابن الصلاح: صـ ٧٦٩].\n- بدر الدين العيني [عمدة القاري: ٥/ ٢٨٣].\nوالخلاصة:\nهذا الحديث مداره على ابن عبد الله بن مغفل، وقد ترجم له البخاري في الكبير [٣٦٣٣]، وابن أبي حاتم [١٤٠٩]، ولم يذكرا فيه جرحًا، قال الحافظ: فهو مستور اعتضد حديثه اهـ[*].\nويشهد لحديثه ما في الصحيحين من حديث أنس ولذلك: فلا بأس بحديثه هنا، والله أعلم.\n(^١) [المبسوط: ١/ ١٥]، وفي هذا رد على فهم المالكية للحديث بأنه يقصد الإسرار لا الترك.\n(^٢) حسن: أخرجه ابن أبي شيبة [٤١٤٨]، ومن طريقه ابن المنذر [الأوسط: ٣/ ١٢٨] = عن إسحاق بن سليمان الرازي، عن أبي سنان، عن حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم، عن الأسود.\n- وحماد وأبو سنان وإن كان لهما أوهام - كما يقول الحافظ - إلا أن المتن هنا يشهد له ما سبقه من حديث أنس وابن مغفل، وكذلك ما يلحقه، عن أبي وائل، والله أعلم.\n===\n[*] ذكر ذلك في [النكت: ٧٦٦]، وتعقبه الدكتور ربيع المدخلي في الحاشية، بقوله: لم أجد له ترجمة في «تاريخ البخاري»، ولا في «الجرح والتعديل»، ولعل ذلك العزو سهو من الحافظ. اهـ.\n[قلت (أحمد): قد وقفت - بحمد الله - على ترجمة ابن عبد الله - كما هو مذكور بأعلى -، وبهذا يتبين صواب قول الحافظ، وأنه لم يسه ولم يخطئ، والله أعلم.","vol":"1","page":277},{"text":"في قراءة بسم الله الرحمن الرحيم؟ قال: أخبرني أبو وائل أنه سمع عمر ابن الخطاب يفتتح الحمد لله رب العالمين (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-203>٢ - علي بن أبي طالب ﵁:</span>\nعن أبي فاخته - سعيد بن علاقة -: أن عليًّا كان لا يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم (^٢).\nوعن أبي وائل: أن عليًّا وعمارًا كانا لا يجهران ببسم الله الرحمن الرحيم (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-204>٣ - عبد الله بن مسعود ﵁:</span>\nعن زر بن حبيش: عن عبد الله: أنه كان يفتتح القراءة بالحمد لله رب العالمين (^٤).\nوعن أبي وائل قال: كان عبد الله بن مسعود يخفي الاستعاذة، وبسم الله الرحمن الرحيم، وربنا ولك الحمد (^٥).\n_________\n(^١) إسناده حسن: أخرجه عبد الرزاق [٢/ ٩٣]، وعنه ابن المنذر [الأوسط: ٣/ ١٢٨] = عن معمر، وهذا إسناد حسن للكلام في عاصم من جهة حفظه، والمتن يشهد له ما مضى.\n(^٢) إسناده ضعيف: أخرجه ابن أبي شيبة [٤١٤٦]، عن وكيع، وعبد الرزاق [٢/ ٨٨] = كلاهما عن إسرائيل عن ثوير بن أبي فاختة، عن أبيه، وثوير هذا: ضعيف.\n(^٣) إسناده ضعيف: أخرجه ابن أبي شيبة [٢١٤٩]، ومن طريقه ابن المنذر [٣/ ١٢٨] = عن شاذان عن شريك [هو النخعي]، عن أبي إسحاق، عن أبي وائل، وهذا إسناد ضعيف لسوء حفظ شريك.\n(^٤) إسناده حسن: أخرجه ابن أبي شيبة [٤١٣٢]، عن يحيى القطان، عن ابن أبي عروبة، عن عاصم عن زر، وهذا إسناد حسن للكلام في عاصم بن أبي النجود.\n(^٥) إسناده ضعيف: مداره على أبي سعيد البقال - سعيد بن المرزبان -[وهو ضعيف مدلس]، عن أبي وائل، وقد اضطرب عنه في الحديث هنا، فرواه عنه:\n١ - هشيم بن بشير [عند ابن أبي شيبة: ٤١٣٧، وعنه ابن المنذر: ٣/ ١٢٨].\nباللفظ المذكور بأعلى.\n٢ - أبو بكر بن عياش، واختلف عليه:\n- فرواه عنه: علي بن معبد [عند الطحاوي: ١/ ٢٠٣]، وأبو كريب [عند الطبري في الآثار كما قال ابن التركماني في الجوهر النقي: ٢/ ٤٨] = بلفظ «كان عمر، وعلي لا يجهران ببسم الله الرحمن الرحيم، ولا بآمين»، ولم يذكر ابن مسعود.\n- ورواه عنه: أحمد بن يونس [عند الطبراني في الكبير: ٩/ ٢٦٢]، بلفظ: «كان علي وابن مسعود لا يجهران ببسم الله الرحمن الرحيم، ولا بالتعوذ، ولا بآمين».","vol":"1","page":278},{"text":"<span data-type='title' id=toc-205>٤ - عبد الله بن عباس ﵁:</span>\nعن ابن عباس قال: الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم فعل الأعراب (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-206>٥ - عبد الله بن الزبير ﵁:</span>\nعن هشام بن عروة عن أبيه وابن الزبير: أنهما كانا لا يجهران (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-207>وجاء عن بعض التابعين أيضًا عدم الجهر بها، ومنهم:</span>\n<span data-type='title' id=toc-208>١) أبو وائل - شقيق بن سلمة </span>-:\nعن عاصم قال: سمعت أبا وائل يستفتح القراءة بالحمد لله رب العالمين (^٣).\n_________\n(^١) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة [٤١٤٣]، وعبد الرزاق [٢/ ٨٩]، والطحاوي: [١/ ٢٠٤، ٢٠٥]، وابن المنذر [٣/ ١٢٨] = كلهم من طريق عبد الملك بن أبي بشير عن عكرمة، عن ابن عباس، وتابع عبد الملك: أبو سعد البقال [كشف الأستار: ٥٢٥]، وهو ضعيف.\nفال البيهقي في رده على هذا الأثر: قيل: إن ابن عباس أراد به أن الأعراب لا يخفى عليهم أن بسم الله الرحمن الرحيم من القرآن، وأنه يجهر بها، فكيف العلماء وأهل الحضر، قاله ابن خزيمة وغيره. اهـ. [معرفة السنن: ١/ ٥٢٢].\n(^٢) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة [٤١٣٩]، وعنه ابن المنذر [٣/ ١٢٨]، عن أبي أسامة، عن هشام.\n(^٣) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة [٤١٤١]، عن ابن مهدي، عن حماد بن سلمة عن عاصم.","vol":"1","page":279},{"text":"<span data-type='title' id=toc-209>٢) الحسن البصري:</span>\nعن يونس عن الحسن: أنه كان يفتتح القراءة بالحمد لله رب العالمين (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-210>٣) محمد بن سيرين:</span>\nعن عبد الله بن عون: عن ابن سيرين: أنه كان يخفى بسم الله الرحمن الرحيم (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-211>٤) إبراهيم النخعي:</span>\nعن إبراهيم قال: جهر الإمام ببسم الله الرحمن الرحيم بدعة (^٣).\nتوجيه العلماء القائلين بالجهر بالبسملة لقول إبراهيم: «بدعة».\nقال ابن عبد البر: بعض العلماء يطلق البدعة فيما هو مخالفة سنة. اهـ (^٤).\nوقال الرازي: لا ضرر في ذلك، فقد يقول بعض العلماء بدعة فيما هو مخالفة سنة، ألا ترى أن العقيقة وصلاة الاستسقاء هما سنة عند معظم العلماء، وروى بعضهم أنها بدعة؟!!، فكل مجتهد يعبر عن الحكم على ما وصل إليه اجتهاده وأداه إليه، فغاية ما ذكروه أنه مذهب\n_________\n(^١) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (٤١٣٥) عن يونس، وله شاهد عند عبد الرزاق [٢/ ٨٩] عن معمر قال: وكان الحسن وقتادة يفتتحان بالحمد لله رب العالمين، وشاهد آخر عنده [٢/ ٨٩] عن الثوري، عن أبي سفيان طريف بن شهاب عن الحسن: سألته عن بسم الله الرحمن الرحيم أجهر بها؟ قال: السنة الحمد لله رب العالمين، وإن كان الرأي: فالحمد لله أفضل من بسم الله.\n(^٢) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة [٤١٣٤]، عن هشيم أخبرنا ابن عون.\n(^٣) في إسناده مقال: أخرجه ابن أبي شيبة [٤١٣٨]، عن هشيم أخبرنا مغيرة عن إبراهيم، ومغيرة بن مقسم متكلم في روايته عن إبراهيم وقد عنعن هنا.\n(^٤) الاستذكار [٢/ ١٧٩].","vol":"1","page":280},{"text":"ذلك التابعي اهـ (^١).\nوأما استدلالهم بالنظر؛ فقالوا:\nلا يتصور أن يكون النبي ﷺ يجهر بالبسملة في صلاته في كل يوم، ولا ينقل ذلك عنه من وجه صحيح (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-212>القول الثالث: يستحب الجهر بالبسملة.</span>\nوبهذا قال الشافعية (^٣).\nوقال ابن عبد البر: كان ابن وهب يذهب إلى الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، ثم رجع إلى الإسرار بها. اهـ (^٤).\nوأما عن أدلتهم فقالوا:\nقد جهر بها النبي ﷺ كما رواه جمع من الصحابة قال ابن عبد البر: بلغت عدتهم أحدًا وعشرين صحابيًّا (^٥)، ومن هذه الأحاديث:\nحديث أبي هريرة ﵁:\nعن نعيم المجمر قال: كنت وراء أبي هريرة فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم، ثم قرأ بأم القرآن حتى بلغ: ﴿ولا الضالين﴾، قال: آمين،\n_________\n(^١) أحكام البسملة [صـ ٧٣].\n(^٢) مجموع الفتاوى [٢٢/ ٤١٩].\n(^٣) قال النووي: ولا خلاف عندنا أنها تجب قراءتها في أول الفاتحة، ولا تصح الصلاة إلا بها؛ لأنها كباقي الفاتحة، قال الشافعي والأصحاب: ويسن الجهر بالبسملة في الصلاة الجهرية في الفاتحة وفي السورة، وهذا لا خلاف فيه عندنا، اهـ.\n[المجموع: ٣/ ٣٣٣]، الأم [٢/ ٢٤٤]، حاشية الشرواني على تحفة المحتاج [٢/ ٣٥].\n(^٤) الإنصاف له [صـ ٢٩٣].\n(^٥) نظم المتناثر [١/ ٨٩].","vol":"1","page":281},{"text":"وقال الناس: آمين، ويقول كلما سجد: الله أكبر، ويقول إذا سلم: والذي نفسي بيده إني لأشبهكم صلاة برسول الله ﷺ (^١).\n_________\n(^١) إسناده صحيح: أخرجه النسائي [٩٠٥]، وابن خزيمة [٤٩٩]، وابن حبان [١٨٠١]، والطحاوي، [معاني الآثار: ١/ ١٩٩]، والدارقطني [١/ ٣٠٥ - ٣٠٦]، وابن الجارود [المنتقى: ١٨٤]، والحاكم [٨٤٩]، والبيهقي: [٢/ ٤٦، ٥٨] = كلهم من طريق الليث ابن سعد.\n- وأخرجه ابن خزيمة [٦٨٨]، وابن حبان [١٧٩٧]، والدارقطني [١/ ٣٠٦] = كلهم من طريق حيوة بن شريح.\n- كلاهما [الليث، وحيوة] عن خالد بن يزيد الجمحي، عن سعيد بن أبي هلال عن نعيم.\n- وهذا إسناد صحيح.\n- إلا أن بعض من راموا تضعيف الحديث تكلموا فيه من ناحية سعيد بن أبي هلال، فقالوا:\nقد حكى الساجي عن أحمد أنه اختلط، وكان أحمد يقول عنه: ما أدري أي شيء يخلط في الأحاديث اهـ. وقال ابن حزم عنه: ليس بالقوي. [التهذيب - ت سعيد].\n- وأجيب عن هذا بالآتي:\n- قال الحافظ: قد ذكره الساجي بلا حجة، ولم يصح عن أحمد تضعيفه اهـ[الهدي صـ ٤٨٦].\n- قلت (القائل أحمد): وقد جاء عن أحمد نصوص في شأن سعيد خاصة، منها:\n- قوله: سعيد بن أبي هلال: مدني لا بأس به اهـ. [المنتخب من العلل للخلال صـ ٢٨٥].\n- قال أبو داود: سمعت أحمد يقول: سعيد بن أبي هلال: سمعوا منه بمصر القدماء فخرج - زعموا - إلى المدينة، فجاءهم بعدل - أو قال: بوسق - كتب كتبت عن الصغار وعن كل، وكان الليث بن سعد سمع منه، ثم شك في بعضه، فجعل بينه وبين سعيد خالدًا، قلت (أبو داود): خالد بن يزيد ثقة اهـ[سؤالات أبي دود لأحمد: رقم ٢٥٤].\n- فيتبين لنا مما سبق:\nأ - أن النص الصريح عن أحمد ليس فيه تضعيف لسعيد «لا بأس به».\nب - أن أحمد يشكك في قصة تحديث سعيد، عن أي أحد، بقوله «زعموا».\nجـ - وإن صحت هذه القصة: فسماع من حمل عنه بمصر قديمًا مستثنى من ذلك، فالقصة المذكورة كانت بالمدينة، وخالد بن يزيد الراوي عن سعيد هنا = مصري.\nد - أن رواية الليث خاصة عن خالد بن يزيد عن سعيد: من الروايات التي تتأكد صحتها عن سعيد، فالليث سمع من سعيد، ثم ذهب فاستثبت من خالد، وما ذكره الإمام أحمد=","vol":"1","page":282},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= عن ذلك: ذكره أيضًا أبو حاتم الرازي [في العلل لابنه: ٢٤٠]، ويعقوب الفسوى [المعرفة والتاريخ: ١/ ١٢١].\n- فهذا فيما يتعلق بما نُسب لأحمد من تضعيف سعيد، ولعل لذلك أي لعدم ثبوت هذا الكلام عن أحمد: لم يذكره الذهبي في ميزانه، حيث قال في ترجمة سعيد: ثقة ثبت، ضعفه ابن حزم وحده. اهـ. ولم يشر لكلام أحمد.\n- وأما تضعيف ابن حزم فلعله اعتماد على كلام الساجي عن أحمد، كما يقول الحافظ، أو ربما شذوذ غير مستغرب من ابن حزم، ولم يقبل العلماء هذا من ابن حزم.\n- فقال الحافظ: وسعيد متفق على الاحتجاج به، فلا يلتفت إليه في تضعيفه. اهـ. [فتح الباري: ١٣/ ٣٦٩].\n- وسعيد قد وثقة: ابن سعد وابن خزيمة والدارقطني والعجلي وغيرهم.\n- وقال البرذعي [سؤالاته لأبي زرعة: ٢/ ٣٦١]: قال لي أبو زرعة: خالد بن يزيد المصري وسعيد بن أبي هلال = صدوقان، وربما وقع في قلبي من حسن حديثهما، قال أبو حاتم أخاف أن يكون بعضها مراسيل عن ابن أبي فروة وابن سمعان اهـ.\nقال ابن رجب معلقًا: يعني مدلسة عنهما. اهـ. [فتح الباري له: ٤/ ٣٦٧، وانظر كذلك شرح علل الترمذي له: ٨٦٧ - ٨٦٨].\nقلت (القائل أحمد): الحاصل من النقل السابق أن أبا حاتم يخشى من بعض أحاديث خالد وسعيد أن تكون مدلسة، ولا يرد حديثهما بالكلية.\nوهذا الشك من أبي حاتم يُدْفع هنا - خاصة - بأمرين:\nالأول: أن خالد بن يزيد قد توبع على روايته عن سعيد.\n- تابعه عمرو بن الحارث المصري [عند أحمد: ١٠٤٤٩] عن يحيى بن غيلان، عن رشدين عن عمرو بن الحارث، عن سعيد أن نعيمًا حدثه.\n- وهذا الإسناد وإن كان ضعيفًا، لضعف رشدين بن سعد - إلا أنه يُستأنس به هنا لرفع التفرد عن خالد بالحديث.\nالثاني: أن أحدًا من الأئمة لم يستنكر هذا الحديث على سعيد أو خالد - فيما علمت -، بل تتابعوا على تصحيحه، ومنهم:\n- ابن خزيمة، وابن حبان [أوردا الحديث في صحيحيهما محتجين به، ولم يعلاه بشيء].\n- قال الدارقطني: هذا صحيح، ورواته كلهم ثقات اهـ.\n- وقال الحاكم: صحيح على شرطهما ولم يخرجاه اهـ، وأخرجه ابن الجارود في المنتقى، وأحاديثه لا تنزل عن الحسن، - كما قال الذهبي.","vol":"1","page":283},{"text":"وأجاب أصحاب القول الثاني القائلون بالإسرار بالبسملة على هذا الحديث من وجهين، هما:\nالأول: أن نعيمًا قال: «قرأ بسم الله الرحمن الرحيم، ثم قرأ أم القرآن»، ولفظ القراءة محتمل أن يكون قرأها سرًّا، ويكون نعيم علم ذلك بقربه منه، ويمكن أن أبا هريرة أخبره بقراءتها (^١).\nالثاني: أن أبا هريرة لم يخبر عن النبي ﷺ أنه قرأها قبل أم الكتاب، وإنما قال في آخر الصلاة: «إني لأشبهكم صلاة برسول الله»، وفي الحديث أنه أمن وكبر في الخفض والرفع، وهذا ونحوه مما كان يتركه الأئمة، فيكون أشبههم برسول الله من هذه الوجوه التي فيها ما فعله رسول الله ﷺ وتركوه هم، ولا يلزم إذا كان أشبههم بصلاة رسول الله أن تكون صلاته مثل صلاته من كل وجه (^٢).\nحديث آخر عن أبي هريرة:\nوعنه قال: كان رسول الله ﷺ يجهر في الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم، [فترك الناس ذلك] (^٣).\n_________\nوكذا صححه الخطيب والنووي [المجموع: ٣/ ٣٤٥]، وصححه الحافظ [في التغليق: ٢/ ٣٢١].\n- وذهب قوم إلى إعلال الحديث بتفرد نعيم من بين أصحاب أبي هريرة بذكر البسملة.\n[انظر تفصيل ذلك في نصب الراية: ١/ ٣٣٦].\nوأُجيب عليهم بأن نعيمًا ثقة، فتقبل زيادته. [فتح الباري: ٢/ ٣١٢].\nتنبيه: هذا الحديث - كما يقول الحافظ: هو أصح حديث ورد في الجهر بالبسملة.\n[الفتح: ٢/ ٣١٢].\n(^١) مجموع الفتاوى [٢٢/ ٤٢٥]، نصب الراية [١/ ٣٣٧]\n(^٢) مجموع الفتاوى [٢٢/ ٤٢٥]، نصب الراية [١/ ٣٣٧]\n(^٣) إسناده ضعيف: الحديث مداره على أبي معشر نجيح السندي، وقد اختلف عليه:\n- فرواه يونس بن بكير [عند الدارقطني: ١/ ٣٠٧، والحاكم: ٨٥٠، والبيهقي: ٢/ ٤٧] عنه عن محمد بن قيس بن مخرمة عن أبي هريرة، مرفوعًا.\n- ورواه هشيم [عند بن ابي شيبة ١٤٥١] نا أبو معشر عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي=","vol":"1","page":284},{"text":"حديث ثالث عن أبي هريرة:\nوعنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا قرأتم الحمد لله: فاقرؤوا بسم الله الرحمن الرحيم، إنها أم القرآن وأم الكتاب والسبع المثاني، وبسم الله الرحمن الرحيم إحداها» (^١).\nحديث رابع لأبي هريرة:\nوعنه أن النبي ﷺ كان إذا قرأ وهو يؤم الناس افتتح الصلاة: ببسم الله الرحمن الرحيم، قال أبو هريرة: هي آية من كتاب الله، اقرؤوا إن شئتم فاتحة الكتاب، فإنها الآية السابعة (^٢).\n_________\n= هريرة، موقوفًا.\n- وقد رجح الدارقطني الوقف، وقال: وهو الصواب عن أبي معشر. أهـ. [العلل: ١٤٥٨].\n- قلت «القائل أحمد»: إلا أن ابا معشر نجيحًا السندي نفسه ضعيف، وعليه فحتى الموقوف لا يصح إسناده، والله أعلم. [وانظر: علل الترمذي لابن رجب: صـ ٨٠٥].\nتنبيه: وقع في إسناد الحاكم ورواية عند البيهقي اسم ابي معشر: [مسعر]، وذكر الدارقطني والبيهقي أن الصواب هو أبو معشر.\n(^١) لا يصح مرفوعًا، والموقوف إسناده حسن: أخرجه الدارقطني [١/ ٣١٢]، من طريق جعفر بن مكرم [قال عنه ابن أبي حاتم: صدوق] عن أبي بكر الحنفي عن عبد الحميد بن جعفر عن نوح بن أبي بلال، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة - مرفوعًا -، قال أبو بكر: ثم لقيت نوحًا، فحدثني، عن سعيد، عن أبي هريرة بمثله، ولم يرفعه.\n- وذكر الدارقطني في علله [١٤٦٨]، الطرق المرفوعة، والموقوفة، ثم قال بعد ذكر الموقوف: وهو أشبهها بالصواب. اهـ.\n- وقال الحافظ: هذا الإسناد رجاله ثقات، وصحح غير واحد من الأئمة وقفه على رفعه، وأعله ابن القطان بهذا التردد، وتكلم فيه ابن الجوزي من أجل عبد الحميد بن جعفر، فإن فيه مقالًا، ولكن متابعة نوح له تقويه. اهـ[التلخيص: ١/ ٥٧٣].\n(^٢) إسناده ضعيف: أخرجه الدارقطني [١/ ٣٠٦]، ومن طريقة البيهقي [٢/ ٤٧] = من طريق منصور بن مزاحم عن أبي أويس، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة.","vol":"1","page":285},{"text":"حديث خامس لأبي هريرة:\nوعنه قال: قال رسول الله ﷺ: «علمني جبريل الصلاة، فقام فكبر لنا، ثم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم فيما يجهر به في كل ركعة» (^١).\nحديث أنس بن مالك ﵁:\nعَنْ قَتَادَةَ قَالَ: سُئِلَ أَنَسٌ: كَيْفَ كَانَتْ قِرَاءَةُ النَّبِيِّ ﷺ؟ فَقَالَ: كَانَتْ مَدًّا، ثُمَّ قَرَأَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، يَمُدُّ بِبِسْمِ اللَّهِ، وَيَمُدُّ بِالرَّحْمَنِ وَيَمُدُّ بِالرَّحِيمِ (^٢).\nوأُجيب عن هذا: بأنه ليس فيه ذكر للصلاة، والنزاع في الجهر بها في الصلاة.\nحديث آخر عن أنس:\nوعنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يجهر ببسم الله الرحمن\n_________\n= - قال النووي: قال الدارقطني: رجال إسناده كلهم ثقات، وهذا الحديث ذكره الخطيب، لكنه قال بدل قرأ: جهر اهـ[المجموع: ٣/ ٣٤٥].\n- قال الحافظ: والمحفوظ عن أبي أويس: قرأ بدل جهر، على أن أبا أويس ليس بحجة إذا انفرد، فكيف إذا خالف؟! [الدراية: ١/ ١٣٣] وانظر [نصب الراية: ١/ ٣٤١]. وللحديث إسناد آخر في جزء بيبى بنت عبد الصمد [١/ ٨٢ - ط. دار الخلفاء]:\n- من طريق الدراوردي، عن محمد بن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ كان إذا افتتح الصلاة بدأ ببسم الله الرحمن الرحيم.\n- وهذا الإسناد ضعيف أيضًا، فمحمد بن عجلان وإن كان صدوقًا: إلا أن أحاديث أبي هريرة خاصة اختلطت عليه، والدراوردي فيه كلام من جهة حفظه، والله أعلم.\n(^١) إسناده ضعيف جدًّا: أخرجه الدارقطني [١/ ٣٠٧]، من طريق خالد بن إلياس، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة، وخالد هذا: متروك الحديث.\n(^٢) أخرجه البخاري [٥٠٤٦]، وظاهر من الحديث أن أنسًا لم يذكر موطن تلك القراءة، أهي في الصلاة أم خارجها، وهل قرأ البسملة على سبيل المثال، أم على سبيل النقل عن رسول الله ﷺ. انظر: فتح الباري لابن رجب [٤/ ٣٥٨ - ٣٥٩].","vol":"1","page":286},{"text":"الرحيم (^١).\nحديث ثالث عن أنس:\nوعنه قال: صليت خلف النبي ﷺ وأبي بكر وعمر، وخلف عثمان، وخلف علي، فكلهم كانوا يجهرون بقراءة بسم الله الرحمن الرحيم (^٢).\n_________\n(^١) إسناده ضعيف: أخرجه الدارقطني [١/ ٣٠٨]، من طريق عمر بن محمد بن عمر،\nعن حاتم بن إسماعيل، عن شريك بن أبي نمر عن إسماعيل المكي، عن قتادة، عن أنس.\n- والمكي هذا: قال عنه ابن معين: ليس حديثه بشيء [الميزان]، وقال ابن المديني: لا يكتب حديثه [تنقيح التحقيق لابن عبد الهادي: ١/ ٣٦٢].\n- وليس ضعفه فحسب هو العلة الوحيدة، بل مخالفته لأصحاب قتادة أيضًا، فقد قال الدارقطني عن روايته هذه: وهذا خلاف ما روى أصحاب قتادة اهـ[العلل: ١٢/ ٢٠٥].\n- وقد خالف أصبغُ بن الفرج: عمرَ بن محمد.\n- فروى الحديث [عند الحاكم: ٨٥٣]، عن حاتم، عن شريك، عن أنس [بإسقاط المكي وقتادة]. سالكًا الجادة، فإن كان أصبغ ضبطه: فالعهدة فيه على حاتم أو شريك، والله أعلم.\n- وللحديث طريق آخر عن أنس:\n- فأخرجه الدارقطني [١/ ٣٠٨]، والحاكم [٨٥٤]، كلاهما من طريق محمد بن أبي السري، وأخرجه الدارقطني [١/ ٣٠٨]، من طريق إبراهيم بن محمد القاضي.\n- كلاهما [ابن أبي السرى والقاضي]، عن معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن أنس قال: كان النبي ﷺ يجهر بالقراءة ببسم الله الرحمن الرحيم، [وفي رواية ابن أبي السري قصة].\n- وقد أعل الدارقطني هذا الطريق بقوله: وهذا مخالف لرواية أصحاب أنس عنه اهـ. [العلل: ١٢/ ٢٠٥].\n(^٢) إسناده ضعيف جدًّا: أخرجه الحاكم [٨٥٥]، من طريق سيف بن عمرو عن محمد بن أبي السري، عن إسماعيل بن أبي أويس، عن مالك، عن حميد، عن أنس.\n- قال الذهبي في تلخيصه: أما استحى المؤلف أن يورد هذا الحديث الموضوع؟!.\nفأشهد بالله والله بأنه كذب. اهـ.\n- قال ابن عبد الهادي: وقد قيل: إن الحديث صحيح ثابت، لكن سقط منه لفظة «لا».\n[تنقيح التحقيق: ١/ ٣٦٦].","vol":"1","page":287},{"text":"حديث علي بن أبي طالب ﵁:\nعن علي قال: كان النبي ﷺ يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم في صلاته. [يجهر بها في السورتين جميعًا] (^١).\nوعن علي وعمار ﵄: أن النبي ﷺ كان يجهر في المكتوبات ببسم الله الرحمن الرحيم، وكان يقنت في صلاة الفجر، وكان يكبر من يوم عرفة صلاة الغداة ويقطعها صلاة العصر آخر أيام التشريق (^٢).\n_________\n(^١) أسانيده ضعيفة: أخرجه الدارقطني [١/ ٣٠٢] من طريق سليمان بن عبد العزيز، عن عبد الله بن موسى بن عبد الله بن الحسن، عن أبيه عن جده، عن أبيه، عن الحسن بن علي عن علي.\n- قال الدارقطني: هذا إسناد علوي لا بأس به اهـ.\n- ولكن قال الزيلعي: وقال شيخنا المزي: هذا إسناد لا تقوم به حجة، وسليمان هذا لا أعرفه اهـ. [نصب الراية: ١/ ٣٢٥].\n- وأخرجه أيضًا: من طريق: محفوظ بن نصر، عن عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي قال: حدثنا أبي عن أبيه، عن جده عن علي.\n- وعيسى هذا: قال عنه الدارقطني: متروك الحديث، وقال ابن حبان: يروي عن آبائه أشياء موضوعة، اهـ[اللسان].\n- قال الحافظ عن هذا الحديث: رواه الدارقطني من وجهين عن علي من طريق أهل البيت، وهو بين ضعيف ومجهول اهـ[التلخيص: ١/ ٥٧٦].\n- وهناك طريق ثالث عند الدارقطني أيضًا [١/ ٣٠٢]، وفي إسناده: أحمد بن الحسن المقرئ، قال الدارقطني عنه: ليس بثقة اهـ.\n(^٢) إسناده ضعيف جدًّا: أخرجه الحاكم [١١١١] من طريق: سعيد بن عثمان، عن عبد الرحمن بن سعد، عن فطر بن خليفة، عن أبي الطفيل، عن علي وعمار.\n- قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ولا أعلم في رواته منسوبًا إلى الجرح، اهـ.\n- وتعقبه الذهبي بقوله: بل خبر واهٍ كأنه موضوع؛ لأن عبد الرحمن صاحب مناكير، ضعفه ابن معين، وسعيد: إن كان الكريزي = فهو ضعيف، وإلا فمجهول. اهـ.\n- قال ابن عبد الهادي: هو خبر منكر اهـ[التنقيح: ١/ ٣٦٦].\nوله طريق آخر عن أبي الطفيل:\n- أخرجه الدارقطني [١/ ٣٠٢]، من طريق عمرو بن شمر، وفي [١/ ٣٠٣]، من\nطريق محمد بن حسان السلمي = كلاهما، عن جابر الجعفي، عن أبي الطفيل عن علي وعمار.\nقال الحافظ: فيه عمرو بن شمر وهو متروك، وجابر اتهموه بالكذب، وله طريق أخرى [يقصد: الطريق السابق]، أخرجها الحاكم في المستدرك، قال البيهقي: إسناده ضعيف، إلا أنه أمثل من طريق جابر الجعفي اهـ. [التلخيص: ١/ ٥٧٦].","vol":"1","page":288},{"text":"حديث عبد الله بن عباس ﵄:\nعن ابن عباس قال: كان النبي ﷺ يفتتح صلاته ببسم الله الرحمن الرحيم (^١).\n_________\n(^١) ضعيف: أخرجه الترمذي [٢٤٥]، وأبو داود [*]، والبزار [كشف الأستار: ٥٢٦]، والدارقطني [١/ ٣٠٤]، والبيهقي [٢/ ٤٧ - بزيادة: يعني يجهر بها] = كلهم من طريق معتمر بن سليمان، عن إسماعيل بن حماد، عن أبي خالد، عن ابن عباس.\n- قال الترمذي: وليس إسناده بذاك اهـ.\n- قال أبو داود: حديث ضعيف. اهـ. [التلخيص الحبير: ١/ ٥٧٦].\n- قال البزار: تفرد به إسماعيل وليس بالقوي في الحديث، وأبو خالد أحسبه الوالبي. اهـ.\n- قال ابن عدي: وهذا الحديث لا يرويه غير معتمر، وهو غير محفوظ، سواء قال عن أبي خالد، أو عمران بن خالد، جميعًا مجهولين، اهـ[الكامل: ت إسماعيل بن حماد].\n- وقال العقيلي [في ترجمة إسماعيل]: حديثه غير محفوظ، ويحكيه، عن مجهول كوفي. اهـ.\n- وللحديث طريق آخر عن ابن عباس.\n- فأخرجه الحاكم [٧٥٠] من طريق عبد الله بن عمرو بن حسان، والدارقطني [١/ ٣٠٣]، من طريق أبي الصلت الهروي، عن عباد بن العوام = كلاهما [عبد الله، وعباد]، عن شريك (هو ابن أبي نمر)، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، ولفظه «كان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم».\nوهذا الطريق ضعيف لما يلي:\n- إسناد الحاكم: فيه عبد الله بن عمرو بن حسان، قال عنه أبو حاتم: ليس بشيء، =","vol":"1","page":289},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ضعيف الحديث، كان لا يصدق.\nوقال ابن المديني: كان يضع الأحاديث [ترجمته في اللسان].\n- وأما إسناد الدارقطني: ففيه أبو الصلت الهروي: متروك - كما قال الحافظ - وقال الزيلعي: كأن هذا الحديث مما سرقه أبو الصلت من غيره، وألزقه بعباد بن العوام، فإن غير أبي الصلت رواه عن عباد فأرسله اهـ[نصب الراية: ١/ ٣٤٥].\n- قلت (القائل أحمد): والمرسل المشار إليه: أخرجه أبو داود [المراسيل: ٣٦]، عن عباد ابن موسى (وهو ثقة): عن عباد بن العوام، عن شريك، عن سالم، عن سعيد بن جبير قال: كان رسول الله ﷺ يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم بمكة، قال: وكان أهل مكة يدعون مسيلمة الرحمن، فقالوا: إن محمدًا يدعو إلى إله اليمامة، فأمر رسول الله ﷺ فأخفاها، فما جهر بها حتى مات. اهـ.\nوهكذا أخرجه إسحاق في مسنده عن يحيى بن آدم، عن شريك، فلم يذكر ابن عباس في إسناده، قال الحافظ: وهو الصواب من هذا الوجه. اهـ. [التلخيص: ١/ ٥٧٧].\nوثم طريق ثالث عن ابن عباس:\nأخرجه الدارقطني [١/ ٣٠٤]، من طريق عمر بن حفص، والطبراني [الكبير: ١١/ ١٨٥] من طريق الأوقص = كلاهما عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس قال: لم يزل رسول الله ﷺ يجهر في السورتين ببسم الله الرحمن الرحيم حتى قبض.\nوهذا الإسناد أيضًا ليس بأحسن حالًا من سابقيه، ففيه ما يلي:\n١ - عنعنة ابن جريج التي لا يؤمن معها تدليسه.\n٢ - طريق الدارقطني: فيه عمر بن حفص القرشي، قال عنه الذهبي: لا يعرف، والخبر «لم يزل يجهر …» = موضوع. اهـ. [المغني في الضعفاء، ت: عمر بن حفص].\n٣ - وطريق الطبراني: فيه محمد بن عبد الرحمن بن هشام الأوقص، قال عنه العقيلي:\nيخالف في حديثه، وقال ابن عساكر: ضعيف [ترجمته في اللسان]، ومن دونه متكلم فيه أيضًا.\nوهناك طريق رابع عن ابن عباس:\nأخرجه الطبراني [الكبير ١٠/ ٢٢٧]، [الأوسط: ٣٥]، والدارقطني [١/ ٣٠٣] = كلاهما من طريق أحمد بن محمد بن يحيى بن حمزة، ثنا أبي عن أبيه قال: صلى بنا أمير المؤمنين المهدي المغرب، فجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، قال: فقلت: يا أمير المؤمنين، ما هذا؟!.\nفقال: حدثني أبي، عن أبيه، عن جده، عن ابن عباس: أن النبي ﷺ جهر ببسم الله","vol":"1","page":290},{"text":"حديث النعمان بن بشير ﵁:\nعن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ: «أمني جبرائيل ﵇ عند الكعبة، فجهر ببسم الله الرحمن الرحيم» (^١).\nحديث بريدة بن الحصيب ﵁:\nعن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم.\nقال عبد الله: وكان ابن عمر يجهر بها، وابن عباس، وابن الحنفية (^٢).\n_________\n= الرحمن الرحيم قال: قلت: نؤثره عنك؟ قال: نعم.\nوهذا إسناد ضعيف، فمداره على أحمد بن محمد بن يحيى بن حمزة، قال أبو أحمد الحاكم: فيه نظر، وقال الذهبي: عن أبيه له مناكير [الميزان].\nوأما أبوه: فقد ذكره ابن حبان في الثقات، وقال عنه: ثقة في نفسه، يتقى من حديثه ما روى عنه أحمد بن يحيى بن حمزة، وأخوه عبيد، فإنهما كانا يدخلان عليه كل شيء. اهـ.\nويضاف لأسباب الضعف هنا: عائلة المهدي.\n[*] رمز المزي في [تحفة الأشراف: ٥/ ٢٦٥]، لهذا الحديث بـ (د، ت)، وفي الاستدراك في الحاشية: أن حديث أبي داود في رواية أبي الطيب بن الأشناني، ولم يذكره أبو القاسم. اهـ.\n\n(^١) إسناده ضعيف جدًّا:\n- أخرجه الدارقطني [١/ ٣٠٩]: من طريق يعقوب بن يوسف الضبي، عن أحمد بن حماد الهمداني عن فطر بن خليفة، عن أبي الضحى عن النعمان بن بشير.\n- قال الزيلعي: هذا حديث منكر، بل موضوع، ويعقوب بن يوسف الضبي ليس بالمشهور، وقد فتشت عليه في عدة كتب من «الجرح والتعديل»، فلم أر له ذكرًا أصلًا، ويحتمل أن يكون هذا الحديث مما عملت يداه. اهـ. [نصب الراية: ١/ ٣٤٩].\n- قلت: وشيخه الهمداني ضعيف أيضًا.\n- وقد استنكر ابن عبد الهادي والزيلعي على ابن الجوزى إعلاله الحديث بفطر بن خليفة وذلك لقوة حاله عن هذين الرجلين الضعيفين، وكان الأولى الإعلال بهما.\n(^٢) إسناده ضعيف جدًّا:\n- أخرجه الدارقطني [١/ ٣١٠]، من طريق: عمرو بن شمر، عن جابر عن عبد الله بن بريدة.\n- وعمرو، وجابر: قد تقدم أنهما ضعيفان.","vol":"1","page":291},{"text":"حديث أُمِّ سَلَمَةَ:\nعَنْ أم سلمة أنها ذكرت قراءة رَسُول اللَّهِ ﷺ: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم * الحمد لله رب العالمين* الرحمن الرحيم * مالك يوم الدين﴾ يُقَطِّعُ قِرَاءَتَهُ آية آية (^١).\n_________\n(^١) إسناده ضعيف بزيادة ذكر البسملة في الحديث: أخرجه الترمذي [٢٩٢٧]، وفي الشمائل له [٣١٧]، وأبو داود [٤٠٠١]، وأحمد [٢٦٥٨٣]، والدارقطني [١/ ٣١٢]، والطبراني [الكبير: ٢٣/ ٢٧٨]، والحاكم [٢٩٠٩، ٢٩١٠]، والبيهقي [٢/ ٤٤ - من طريق أبي داود] كلهم من طريق يحيى بن سعيد الأموي.\n- وأخرجه ابن خزيمة [٤٩٣]، والدارقطني [١/ ٣٠٧]، والحاكم [٨٤٨ - من طريق ابن خزيمة]، والبيهقي [٢/ ٤٤] = كلهم من طريق عمر بن هارون البلخي.\n- وأخرجه الطحاوي [معاني الآثار: ١/ ١٩٩]، وابن أبي شيبة [٨٧٢٩]، وعنه أبو يعلى [١٢/ ٣٥٠]، والطبراني [الكبير: ٢٣/ ٣٩٢]، والحاكم [٨٤٧] = كلهم من طريق حفص ابن غياث.\n- وأخرجه أحمد [٢٦٧٤٢]، والبيهقي [٢/ ٤٤ - ٥٣] = من طريق همام بن يحيى.\n- كلهم [يحيى وعمر وحفص وهمام]، عن ابن جرير، عن ابن أبي مليكة، عن أم سلمة.\nوخالفهم كل من:\n١ - عبد الرزاق بن همام: كما في مصنفه [٣/ ٣٨]، وعنه أحمد [٢٦٦٢٥]، والطبراني [٢٣/ ٢٩٢].\n٢ - محمد بن بكر: عند أحمد [٢٦٥٤٧ - وقرن مع محمد: عبد الرزاق]، وإسحاق [في مسنده: ١٩٣٥].، وعنه ابن حبان [٢٦٣٩].\nكلاهما [عبد الرزاق، ومحمد]، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة عن يعلى بن مملك عن أم سلمة، فزادا في الإسناد: يعلى بن مملك.\nوهذه الطرق السالفة الذكر كلها فيها عنعنة ابن جريج، إلا ما كان في طريق محمد بن بكر [وهو صدوق قد يخطئ - كما قال الحافظ] من التصريح بالتحديث.\n- ويبدو لي - والله أعلم - أن هذا وهمٌ من ابن بكر البرساني، لسببين:\nالأول: أن الجمع الكثير رووه عن ابن جريج معنعنًا، وهم أثبت وأتقن من محمد بن بكر، كما أن الحديث جاء عن ابن بكر معنعنًا في رواية ابن حبان.\nالثاني: أن الحديث أخرجه النسائي [١٦٢٨]، وابن أبي الدنيا [التهجد: ٤٠٣]","vol":"1","page":292},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= من طريق الحجاج بن محمد، وأخرجه الطبراني [الكبير: ٢٣/ ٤٠٧]، والفريابي [فضائل القرآن: ١١١] من طريق أبي عاصم.\nكلاهما [الحجاج، وأبو عاصم]، عن ابن جريج، عن أبيه، أخبرنا ابن أبي مليكة أخبرني يعلى بن مملك قال: سألت أم سلمة عن قراءة النبي ﷺ … الحديث.\nفتبين أن هناك واسطة بين ابن جريج وابن أبي مليكة في هذا الحديث، وهو عبد العزيز بن جريج [وهو لين]، ويكون ابن جريج قد دلس هنا عنه.\nولقائل أن يقول: إن ابن جريج ربما سمعه من أبيه، ثم سمعه من ابن أبي مليكة، فيجتمع له فيه شيخان، فأقول: هذا جائز، ولكنه بعيد لافتقادنا تصريح ابن جريج بالتحديث، والله أعلم بالصواب.\nوسواء كان الراوي، عن ابن أبي مليكة هو ابن جريج أو أبوه = فهو متابع من الليث بن سعد.\n- أخرج هذه المتابعة:\n- الترمذي [٢٩٢٣]، والنسائي [١٦٢٩، وفي الكبرى: ١٣٧٥]، والبخاري [خلق أفعال العباد: ٥٢]، من طريق قتيبة بن سعيد.\n- وأبو داود [١٤٦٦]، من طريق يزيد بن خالد.\n- وابن خزيمة [١١٥٨]، والطحاوي [١/ ٢٠١]، من طريق شعيب بن الليث.\n- والبخاري [خلق أفعال العباد: ٥٢]، والحاكم [١١٦٥]، والبيهقي [٣/ ١٣] = من طريق يحيى بن بكير.\n- وابن المبارك [الزهد: ١١٩٥].\n- خمستهم [قتيبة، ويزيد، وشعيب، ويحيى، وابن المبارك]، عن الليث بن سعد عن ابن أبي مليكة، عن يعلى بن مملك قال:\nسألت أم سلمة، عن قراءة النبي ﷺ وصلاته بالليل، فقالت: ما لكم وصلاته، كان يصلي ثم ينام قدر ما صلى، ثم يصلي بقدر ما نام، ثم ينام قدر ما صلى حتى يصبح، ونعتت له قراءته، فإذا هي تنعت قراءة مفسرة حرفًا حرفًا.\nوقد تابع هؤلاء الخمسة: عبد الله بن صالح كاتب الليث، واختلف عليه:\n- فروى عنه البخاري [خلق أفعال العباد: ٥٢ قارنًا إياه بقتيبة]، موافقًا لروايتهم.\n- بينما روى عنه مطلب بن شعيب الأزدي [عند الطبراني: ٢٣/ ٢٩٢]، عن الليث","vol":"1","page":293},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ابن سعد، عن ابن لهيعة، عن ابن أبي ملكية، عن يعلى بن مملك عن أم سلمة.\nفزيادة ابن لهيعة هنا: مما تفرد به عبد الله بن صالح عن الليث، فإما أن تكون وهمًا منه، وإما من الراوي عنه: مطلب بن شعيب [انظر ترجمته في الكامل لابن عدى، واللسان للحافظ]. والأول أقرب، والله أعلم.\nوأما يعلى بن مملك: فلم أجد أحدًا روى عنه إلا ابن أبي مليكة، ولا أحدًا وثقة إلا ابن حبان، وقال عنه النسائي: ليس بذلك المشهور [في السنن الكبرى - بعد ح: ١٣٧٥]، وقال الحافظ: مقبول. اهـ.\nعلى أن الأئمة قد قبلوا حديثه هذا وصححوه، ومنهم:\n١ - الترمذي، حيث قال: هذا حديث حسن صحيح غريب [كذا في مخطوط الكروخي، والمطبوع].\n٢ - ابن خزيمة، حيث أورده في صحيحه محتجًّا به، ولم يعله بشيء.\n٣ - الحاكم، فقال بعد أن أخرجه: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه اهـ.\nقلت: وكلام الحاكم فيه نظر، فيعلى لم يخرج له مسلم.\nويبدو - والله أعلم - أن قبول الأئمة لهذا الحديث - مع حال يعلى المذكور -: لأن لمتنه شواهد صحيحة، وليس فيه ما يستنكر، فقراءة النبي ﷺ، مترسلًا، وقيامه كثيرًا من الليل = مروى من وجوه أخر.\nوأما رواية ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن أم سلمة، والتي فيها ذكر البسملة فقد أعلها الترمذي بالانقطاع، حيث قال بعد إخراجها:\n«هذا حديث غريب، وهكذا رواه يحيى بن سعيد وغيره، عن ابن جريج، عن ابن أبي ملكية عن أم سلمة، وليس إسناده بمتصل، لأن الليث رواه عن ابن أبي مليكة عن يعلى، عن أم سلمة، وحديث الليث أصح. اهـ.\nوللحديث طريق آخر عن ابن أبي مليكة:\n- أخرجه أحمد [٢٦٤٥١، ٢٦٤٧٠]، من طريق نافع بن عمر [وهو ثقة ثبت]، عن ابن أبي مليكة عن بعض أزواج النبي ﷺ - قال: نافع: أُراها حفصة - أنها سئلت عن قراءة رسول الله ﷺ، فقالت: إنكم لا تستطيعونها، قال: فقيل لها: أخبرينا بها، قال: فقرأت قراءة ترسلت فيها، قال نافع: فحكى لنا ابن أبي مليكة ﴿الحمد لله رب العالمين﴾، ثم قطع، ﴿الرحمن الرحيم﴾، ثم قطع، ﴿مالك يوم الدين﴾.\nوهذا الطريق أيضًا: ليس فيه ذكر البسملة، أو الصلاة.\nوانظر رد الزيلعي على استدلال الشافعية بهذا الحديث على الجهر بالبسملة في الصلاة.\n[نصب الراية: ١/ ٣٥٠].","vol":"1","page":294},{"text":"حديث عائشة ﵁:\nعن عائشة: أن رسول الله ﷺ كان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم (^١).\nحديث جابر بن عبد الله ﵁:\nعن جابر قال: قال لي رسول الله ﷺ: «كيف تقرأ إذا قمت إلى الصلاة؟»، قلت: أقرأ ﴿الحمد لله رب العالمين﴾، قال: قل ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ (^٢).\nحديث الحكم بن عمير:\nعن الحكم بن عمير قال: صليت خلف النبي ﷺ، فجهر في الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم، في صلاة الليل، وفي صلاة الغداة، وفي صلاة الجمعة (^٣).\n_________\n(^١) ضعيف جدًّا: أخرجه الدارقطني [١/ ٣١٠]، من طريق: يحيى بن حمزة، عن الحكم ابن عبد الله بن سعد عن القاسم بن محمد، عن عائشة.\nوفي إسناده الحكم، قال ابن عدي في ترجمته: أحاديث الحكم موضوعة، منها: أن النبي ﷺ كان يجهر. اهـ.\n(^٢) إسناده ضعيف: أخرجه الدارقطني [١/ ٣٠٨]، والبيهقي [الشعب: ٢/ ٤٣٦] = من طريق عبد الله بن نافع الصائغ عن الجهم بن عثمان، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر، وآفته: الجهم هذا، قال أبو حاتم: مجهول، وقال الأزدي: ضعيف، وقال الذهبي: لا يدرى من ذا، وبعضهم وهاه، وقال الحافظ: ذكره الطوسي في رجال الشيعة.\n(^٣) إسناده ضعيف جدًّا: أخرجه الدارقطني [١/ ٣١٠]، من طريق: أحمد بن موسى بن إسحاق عن إبراهيم بن حبيب، عن موسى بن أبي حبيب الطائفي، عن الحكم بن عمير - وكان بدريًّا.\n- قال الزيلعي: هذا من الأحاديث الغريبة المنكرة، بل هو حديث باطل لوجوه:\n- أحدها: أن الحكم بن عمير ليس بدريًّا، ولا في البدريين أحد اسمه الحكم بن عمير، بل لا يعرف له صحبة، فإن موسى بن حبيب الراوي عنه لم يلق صحابيًّا، بل هو مجهول لا يحتج به، … إلى آخر كلامه، [نصب الراية: ١/ ٣٤٩ - ٣٥٠].\n- وقال الحافظ: فيه إبراهيم بن إسحاق الضبي، وهو متروك، ووقع عند الدارقطني: إبراهيم بن حبيب، وهو تغيير اهـ[الدراية: ١/ ١٣٤].","vol":"1","page":295},{"text":"حديث عبد الله بن عمر ﵁:\nعن ابن عمر ﵁ قال: صليت خلف النبي ﷺ وأبي بكر، وعمر فكانوا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم (^١).\nقالوا: فهذه الجملة من الأحاديث وغيرها تدل على أن من السنة الجهر بالبسملة في الصلاة.\nقال ابن خزيمة:\nأما الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم: فقد ثبت وصح عن النبي ﷺ (^٢).\nوأبى أصحاب القول الثاني القائلون بالإسرار = قبول هذه الأحاديث.\nقال ابن الجوزي:\nوهذه الأحاديث في الجملة: لا يحسن بمن له علم بالنقل أن يعارض بها الأحاديث الصحاح.\nثم قال: ويكفي في هجرانها إعراض المصنفين للمسانيد والسنن عن\n_________\n(^١) إسناده ضعيف جدًّا: أخرجه الدارقطني [١/ ٣٠٥]، من طريق: أحمد بن عيسى عن ابن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب، عن نافع، عن ابن عمر.\n- قال الزيلعي: هذا باطل من هذا الوجه، لم يحدث به ابن أبي فديك قط، والمتهم به أحمد بن عيسى، وقد كذبه الدارقطني، وهو كما قال. اهـ. [نصب الراية: ١/ ٣٤٨].\n- قال الحافظ: أبو الطاهر أحمد بن عيسى العلوي: كذبه أبو حاتم وغيره، ومن دونه أيضًا ضعيف ومجهول، ورواه الخطيب في الجهر من وجه آخر عن ابن عمر، وفيه عبادة بن زيادة الأسدي: وهو ضعيف، وفيه مسلم بن حبان: وهو مجهول.\n- والصواب أن ذلك عن ابن عمر غير مرفوع اهـ. [التلخيص: ١/ ٥٧٥].\n- قلت (القائل أحمد): سيأتي أثر ابن عمر قريبًا، والخلاف في الرفع والوقف، فارتقبه.\n(^٢) [نظم المتناثر: ١/ ٨٩].","vol":"1","page":296},{"text":"جمهورها.\nقال: وقد حكى لنا مشايخنا أن الدارقطني لما ورد مصر سأله بعض أهلها تصنيف شيء في الجهر، فصنف فيه جزءًا، فأتاه بعض المالكية، فأقسم عليه أن يخبره بالصحيح من ذلك، فقال: كل ما روي عن النبي ﷺ من الجهر فليس بصحيح (^١)، فأما عن الصحابة: فمنه صحيح ومنه ضعيف. اهـ (^٢).\nتنبيه هام:\nقال ابن رجب - بعد أن نقل عن الدارقطني قوله السابق في عدم صحة أحاديث الجهر -: وما ينقل عنه في سننه من تصحيح أحاديث في هذا الباب = فلا توجد في جميع النسخ، بل في بعضها، ولعله من زيادة بعض الرواة. اهـ (^٣).\nوبمثل قول الدارقطني في عدم صحة أحاديث الجهر المرفوعة: قال بعض أهل العلم، ومنهم:\nالعقيلي:\nقال: ولا يثبت في الجهر بالبسملة حديث مسند. اهـ (^٤).\n_________\n(^١) وانظر: جنة المرتاب بنقد المغني عن الحفظ والكتاب لشيخنا أبي إسحاق الحويني - حفظه الله -[صـ ٢٥٧].\n(^٢) تنقيح التحقيق [١/ ٣٦٣]، وستأتي آثار الصحابة قريبًا - بإذن الله -.\n(^٣) فتح الباري لابن رجب [٤/ ٣٧٢].\n- وقد خالف مغلطاي ابن رجب في هذا، فهو يرى أن المصحح للأحاديث التي في السنن هو الدارقطني!.\nقال مغلطاي: وفي كتاب الدارقطني بإسناد حكم عليه هو بالصحة في بعض النسخ. اهـ. [شرح ابن ماجه: ٥/ ١٥٠].\n(^٤) الضعفاء الكبير [ت. إسماعيل بن حماد].","vol":"1","page":297},{"text":"ابن القيم:\nقال: صحيح تلك الأحاديث غير صريح، وصريحها غير صحيح، وهذا موضع يستدعي مجلدًا ضخمًا. اهـ (^١).\nالمجد الفيروز آبادي:\nقال - في خاتمة كتاب سفر السعادة -: باب الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم: لم يصح فيه حديث. اهـ (^٢)\nالعجلوني:\nحيث قال: وباب الجهر في الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم: لم يصح فيه حديث. اهـ (^٣).\nوأخيرًا: قال الزيلعي:\nوإنما كثر الكذب في أحاديث الجهر على النبي ﷺ. وأصحابه، لأن الشيعة ترى الجهر، وهم أكذب الطوائف، فوضعوا في ذلك أحاديث، وكان أبو علي بن أبي هريرة، أحد أعيان أصحاب الشافعي يرى ترك الجهر بها (^٤)، ويقول: الجهر بها صار من شعار الروافض، وغالب أحاديث الجهر نجد في روايتها من هو منسوب إلى التشيع. اهـ (^٥).\nواستدل الشافعية أيضًا على الجهر بالبسملة: بالآثار الواردة عن بعض الصحابة في ذلك، ومنها:\n_________\n(^١) زاد المعاد [١/ ١٩٤].\n(^٢) نظم المتناثر [١/ ٨٩]، وانظر مقدمة التحديث بما قيل لا يصح فيه حديث، للعلامة بكر أبو زيد ﵀ لمعرفة شيء عن كتاب الفيروزآبادي، وانظر كذلك (ص ٥٤) منه.\n(^٣) كشف الخفاء [٢/ ٥٦٦].\n(^٤) وهذا خلافًا لمذهب الشافعية.\n(^٥) نصب الراية [١/ ٣٥٧]، وكذلك قال شيخ الإسلام [مجموع الفتاوى: ٢٢/ ٤٢٣].","vol":"1","page":298},{"text":"١) أثر معاوية بن أبي سفيان ﵁:\nعن أنس بن مالك قال: صلى معاوية بالمدينة صلاة فجهر فيها بالقراءة، فقرأ فيها بسم الله الرحمن الرحيم لأم القرآن، ولم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم للسورة التي بعدها حتى قضى تلك القراءة، ولم يكبر حين يهوى حتى قضى تلك الصلاة، فلما سلم ناداه من شهد ذلك من المهاجرين من كل مكان: يا معاوية أسرقت الصلاة أم نسيت؟!، فلما صلى بعد ذلك قرأ بسم الله الرحمن الرحيم للسورة التي بعد أم القرآن، وكبر حين يهوي ساجدًا (^١).\n_________\n(^١) إسناده ضعيف: هذا الأثر مداره على: عبد الله بن عثمان بن خثيم، وقد اختلف عليه، فرواه عنه:\n١ - ابن جريج، واختلف عليه:\n- فرواه عنه: عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد [عند الشافعي ٢٢٣، ومن طريقه: الدارقطني: ١/ ٣١١، والحاكم: ٨٥١، وابن المنذر [٣/ ١٢٦]، والبيهقي: ٢/ ٤٩] عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن أبي بكر بن حفص بن عمر بن سعد [وهو ثقة]، عن أنس.\n- وخالف عبدَ المجيد: عبدُ الرزاق:\n- فأخرج الحديث [٢/ ٩٢]، عن ابن جريج، عن عبد الله بن عثمان، عن عبد الله بن أبي بكر بن حفص بن عمر: أن معاوية صلى بالناس … إلخ، ولم يذكر أنسًا.\n- وفي كلا الطريقين: تصريح ابن جريج بالتحديث.\n- وعبد الله بن أبي بكر هذا: ذكره ابن حبان في ثقاته [٥/ ٥٠]، وساق له هذا الخبر عن معاوية، ولم يذكر فيه شيئًا، وذكر المحققون للكتاب في الحاشية أن عبد الله هذا إن لم يكن هو أبو بكر نفسه = فلم يظفروا به.\n- وعلى ذلك: فيكون عبد الله هذا في عداد المجهولين - باستثناء ذكر ابن حبان له.\n- وقد ذهب ابن عبد البر إلى ترجيح الطريق الأول: فقال:\n- وعبد المجيد أقعد من ابن جريج، وأضبط لحديثه من عبد الرزاق، وقد ذكر الدوري، عن ابن معين أنه سئل عن عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد فقال: ثقة، كان أعلم الناس بحديث ابن جريج، وكان أصحابه يصلحون كتبهم بكتابه اهـ.","vol":"1","page":299},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= -[الاستذكار: ٤/ ٢١٧ - ٢١٨]، [تاريخ ابن معين: ٢٣٥، ٣٦١].\n- وقد خولف ابن جريج من باقي الرواة، عن ابن خثيم، وهم:\n٢ - إسماعيل بن عياش:\n- فروى الحديث [كما عند الدارقطني: ١/ ٣١٢]، عن ابن خثيم، عن إسماعيل بن عبيد ابن رفاعة، عن أبيه، عن جده: أن معاوية صلى … الحديث.\n- وهذا طريق ضعيف لأن إسماعيل بن عياش صدوق في روايته عن الشاميين، مخلط في غيرهم، وروايته هنا، عن ابن خثيم وهو مكي.\n٣ - إبراهيم بن محمد:\n- حيث روى الحديث [كما عند الشافعي: ٢٢٤، ومن طريقه البيهقي: ٢/ ٤٩]، عن ابن خثيم، عن إسماعيل بن عبيد، عن أبيه أن معاوية صلى … الحديث، ولم يذكر جد إسماعيل.\n- وهذا إسناد ضعيف جدًّا، لأن إبراهيم بن محمد الأسلمي: متروك.\n- لكنه قد توبع على هذا الإسناد بعينه من:\n٤ - يحيى بن سليم:\n- كما ذكر الشافعي [٢٢٥]، ومن طريقه البيهقي [٢/ ٤٩]، وقال الشافعي بعده:\nوأحسب هذا الإسناد أحفظ من الأول: اهـ[*].\n- وهذا السند فيه ضعف من قبل يحيى، فإنه كما قال الحافظ: صدوق سيئ الحفظ.\nوعلى ما ذُكر هنا من الطرق:\n- يكون أسلم طريق لهذا الحديث هو أول طريق.\n- لكن: يبقى أن المدار هنا على عبد الله بن عثمان بن خثيم.\n- يقول الزيلعي: وهو - أي: ابن خثيم - وإن كان من رجال مسلم لكنه متكلم فيه، أسند ابن عدي إلى ابن معين أنه قال: أحاديثه غير قوية، وقال النسائي: لين الحديث - وليس بالقوي فيه، وقال الدارقطني: ضعيف لينوه، وقال ابن المديني: منكر الحديث، وبالجملة فهو مختلف فيه، فلا يقبل ما تفرد به. =\n===\n[*] قال البيهقي: وإنما قال الشافعي ذلك لأن اثنين روياه عن ابن خثيم عن إسماعيل، وكذلك رواه إسماعيل بن عياش عن ابن خثيم [وزاد في ذكر الجد]، ورواه عبد الرزاق عن ابن جريج كما رواه عبد المجيد، وابن جريج حافظ ثقة، إلا أن الذين خالفوه - وإن كانوا غير أقوياء - عدد، ويحتمل أن يكون ابن خثيم سمعه على الوجهين. اهـ.","vol":"1","page":300},{"text":"وجه الاستدلال: أن أهل المدينة - وفيهم جمع من الصحابة - صلوا خلف معاوية، فأقروه على جهره بالبسملة في الفاتحة، وأنكروا عليه تركها في القراءة التي بعدها، فكان هذا بمثابة إجماع من أهل المدينة على الجهر بالبسملة (^١).\nقال الخطيب البغدادي: وهذا أجود ما يعتمد عليه في هذا الباب. اهـ (^٢).\nوقد أجاب أصحاب القول الثاني، القائلون بالإسرار بالبسملة عن هذا الأثر من عدة وجوه، منها:\n١) أن إسناده متكلم فيه (^٣).\n_________\n= - مع أنه قد اضطرب في إسناده ومتنه، وهو أيضًا من أسباب الضعف.\n- أما في إسناده: فتارة يرويه، عن أبي بكر بن حفص، عن أنس، وتارة يرويه، عن إسماعيل بن عبيد، عن أبيه، وقد رجح البيهقي الأولى في المعرفة لجلالة راويها وهو ابن جريج، ومال الشافعي إلى ترجيح الثانية، وكذلك رواه مرة، عن إسماعيل بن عبيد، عن أبيه، عن جده، فزاد ذكر الجد.\n- وأما الاضطراب في متنه: فإنه تارة يقول: صلى، فبدأ ببسم الله الرحمن الرحيم لأم القرآن ولم يقرأ بها للسورة التي بعدها، وتارة يقول: فلم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم حين افتتح القرآن وقرأ بأم الكتاب، وتارة يقول: فلم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم لأم القرآن ولا للسورة التي بعدها ومثل هذا الاضطراب في السند والمتن مما يوجب ضعف الحديث؛ لأنه مُشعر بعدم ضبطه.\nقال: كما أن هذا الحديث شاذ معلل، فإنه مخالف لما رواه الثقات الأثبات عن أنس، ولم يعرف عن أحد من أصحاب أنس المعروفين بصحبته أنه نقل عنه مثل ذلك. اهـ.\nنصب الراية [١/ ٣٥٣، ٣٥٤].\n(^١) معرفة السنن والآثار [١/ ٥١٨].\n(^٢) نصب الراية [١/ ٣٥٣].\n(^٣) وقد تقدم الكلام قريبًا على ما في الإسناد، وقد ذكر ابن تيمية شيئًا منه في مجموع فتاويه [٢٢/ ٤٣٠ - ٤٣٢]، وبدر الدين العيني [عمدة القاري: ٥/ ٢٨٩].\nوانظر التنبيه في الحاشية القادمة.","vol":"1","page":301},{"text":"٢) أن أنسا - ناقل القصة عن معاوية - كان مقيمًا بالبصرة، ومعاوية لما قدم المدينة لم يذكر أحدا أن أنسًا كان معه، بل الظاهر أنه لم يكن معه.\n٣) أن هذه القضية - بتقدير وقوعها - كانت بالمدينة وراويها أنس بن مالك - وكان بالبصرة -، وهي مما تتوافر الهمم والدواعي على نقلها، ومن المعلوم أن أصحاب أنس بن مالك المعروفين بصحبته، وأهل المدينة: لم ينقل أحد منهم ذلك، بل المنقول عن أنس وأهل المدينة نقيض ذلك.\n٤) كما أن معاوية لو كان رجع إلى الجهر في أول الفاتحة والسورة: لكان هذا أيضًا معروفًا من أمره عند أهل الشام الذين صحبوه، ولم ينقل هذا أحد عن معاوية (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-213>أثر عمر بن الخطاب ﵁:</span>\nعن عبد الرحمن بن أبزى قال: صليت خلف عمر بن الخطاب فجهر ببسم الله الرحمن الرحيم (^٢).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى [٢٢/ ٤٣١].\nتنبيه: قال الحاكم بعد إخراجه لهذا الحديث: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، وهو علة لحديث شعبة وغيره، عن قتادة [يعني حديث أنس: صليت خلف النبي ﷺ … الحديث] … إلخ كلامه.\nقلت: وفي كلامه نظر، فرواية ابن جريج، عن ابن خثيم، وكذا رواية ابن خثيم، عن أبي بكر بن حفص - لم يخرجها مسلم في صحيحه.\nثم كيف يعل الحاكم ﵀ حديثًا اتفق عليه الشيخان بمثل هذا الحديث الذي في إسناده ما قد علمت؟!!.\n(^٢) إسناده صحيح: أخرجه الطحاوي [١/ ٢٠٠]، من طريق أحمد أبي الوليد، وابن أبي شيبة [٤١٥٧]، ومن طريقه ابن المنذر [الأوسط: ٣/ ١٢٧]، عن خالد بن مخلد.\n- كلاهما [خالد وأبو الوليد]، عن عمر بن ذر، عن أبيه، عن سعيد بن عبد الرحمن\nابن أبزى، عن أبيه.\n- وتابعهما على ذلك: أبو نعيم، والفريابي [ذكر ذلك الدارقطني في علله: ٢/ ١٧٦].\nوخالف هؤلاء: ابنُ قتيبة [عند البيهقي: ٢/ ٤٨]، وسعدان بن يحيى اللخمي، وعايذ بن حبيب [ذكرهما الدارقطني في علله: ٢/ ١٧٦] = فرووا الحديث، عن عمر بن ذر، عن ابن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، ولم يذكرا ذرًّا في الإسناد.\n- قال الدارقطني: والقول الأول أصح. اهـ[العلل: ٢٠٠].\n- قلت: والأول: إسناده صحيح متصل، والله أعلم.","vol":"1","page":302},{"text":"<span data-type='title' id=toc-214>أثر على بن أبي طالب ﵁:</span>\nعن الشعبي قال: رأيت علي بن أبي طالب وصليت وراءه، فسمعته يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-215>أثر أبي بن كعب ﵁:</span>\nعن عبد الكريم أبي أمية: أن أبي بن كعب كان يفتتح ببسم الله الرحمن الرحيم (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-216>أثر عبد الله بن عباس ﵁:</span>\nعن ابن عباس: أنه كان يستفتح الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم\n_________\n(^١) في إسناده من لم أعرف: أخرجه البيهقي [٢/ ٤٨]، عن أبي عبد الله الحافظ، عن أبي بكر محمد بن أحمد الزيقي، عن أبي الحسن علي بن الحسن الزيقي، عن أحمد بن حفص بن عبد الله، عن أبيه، عن إبراهيم بن طهمان، عن عمر بن سعيد بن مسروق، عن أبيه، عن الشعبي.\n- أما أبو بكر الزيقي: فلم أقف له على ترجمة، وأما أبو الحسن الزيقي: بكسر الزاي وسكون الياء، فقد ذكره ابن الجزري في اللباب في تهذيب الأنساب [٢/ ٨٧] تحت نسب الزيقي، وقال: واشتهر بها أبو الحسن علي بن أبي علي الزيقي، سمع أحمد بن حفص ومحمد بن يزيد، حدث عنه أبو محمد الشيباني، وذكر أنه توفي سنة سبع عشرة وثلاثمائة. اهـ. وكذلك قال الحموي [معجم البلدان: ٣/ ١٦٤].\n(^٢) إسناده ضعيف: أخرجه عبد الرزاق [٢/ ٩٠]، عن ابن التيمي عن مطر [بن طهمان]، عن عبد الكريم أبي أمية، وهذا إسناد ضعيف لأن عبد الكريم، هو ابن أبي المخارق: ضعيف، ومطر الراوي عنه: صدوق كثير الخطأ.","vol":"1","page":303},{"text":"[ويقول: إنما هو شيء استرقه الشيطان من الناس] (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-217>أثر عبد الله بن الزبير ﵁:</span>\nعن الأزرق بن قيس قال: صليت خلف ابن الزبير فقرأ، فجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، [ثم قرأ الحمد لله رب العالمين، ثم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم] (^٢).\nوعن بكر بن عبد الله: أن ابن الزبير كان يستفتح القراءة في الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم، ويقول: ما يمنعهم منها إلا الكبر (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-218>أثر عبد الله بن عمر ﵁:</span>\nعن نافع عن ابن عمر: أنه كان لا يدع بسم الله الرحمن الرحيم لأم القرآن والسورة التي بعدها، [ويقول: ما كتبت في المصحف إلا\n_________\n(^١) إسناده صحيح: أخرجه ابن المنذر [الأوسط: ٣/ ١٢٦]، عن علي بن عبد العزيز البغوي، عن أبي النعمان [هو محمد بن الفضل]، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة عن ابن عباس.\n- وأخرجه عبد الرزاق [٢/ ٩٠] عن معمر عن أيوب عن عمرو بن دينار عن ابن عباس.\n- فإن كان معمر ضبط الحديث: فيكون لأيوب فيه شيخان، وإلا فرواية حماد أولى.\n- وقد أخرجه الطحاوي [١/ ٢٠٠]، من طريق شريك (النخعي)، عن عاصم عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أنه جهر بها، إلا أن شريكًا سيئ الحفظ، وشيخ الطحاوي هنا:\nفهد بن سليمان: ذكره ابن أبي حاتم، وابن عساكر، ولم يذكرا فيه شيئًا.\n(^٢) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة [٤١٥٤]، عن وكيع، والطحاوي [١/ ٢٠٠]، من طريق أبي زيد الهروي، وابن المنذر [الأوسط: ٣/ ١٢٧]، من طريق مسلم بن إبراهيم، والبيهقي [٢/ ٤٩] من طريق بشر بن عمر = كلهم، عن شعبة عن الأزرق بن قيس (وهو ثقة).\n(^٣) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة [٤١٥٦]، عن معاذ بن معاذ، وسهل بن يوسف، والبيهقي [٢/ ٤٩] من طريق معاذ بن معاذ = كلاهما عن حميد الطويل، عن بكر بن عبد الله.\n- قال الحافظ: رواته ثقات. اهـ. [الدراية: ١/ ١٣٥].","vol":"1","page":304},{"text":"لتقرأ] (^١).\nوأجاب القائلون بالإسرار عن هذه الآثار بقولهم:\nإن هذا الجهر بالبسملة من الصحابة كان لتعليم الناس أن قراءتها سنة، لا لأن الجهر بها سنة، وذلك كما جهر ابن عباس بالقراءة على الجنازة ليعلم الناس أنها سنة (^٢) (^٣).\n_________\n(^١) إسناده صحيح: هذا الأثر اختلف على نافع في وقفه ورفعه:\n- فرواه ابن جريج [عند عبد الرزاق: ٢/ ٩٠ - وعنده التصريح بالتحديث - والشافعي: والطحاوي: ١/ ٢٠٠]، وعبيد الله بن عمر [ابن أبي شيبة: ٤١٥٥، البيهقي: ٢/ ٤٨].\nوأيوب [سنن البيهقي: ٢/ ٤٨]، وعبد العزيز بن أبي رواد [الشعب: ٢/ ٤٣٩].\nوابن عون والحسن بن حر، والضحاك بن عثمان، ويزيد بن عياض، وعطاف بن خالد [كذا ذكرهم الدارقطني في العلل: ١٢/ ٣٠٨]، كلهم عن نافع، عن ابن عمر موقوفًا.\n- ثم رواه عبيد الله بن عمر، عن نافع، واختلف عليه.\n- فرواه عبد الرحمن بن عبد الله العمري - وهو متروك [عند الدارقطني: ١/ ٣٠٥، والطبراني في الأوسط (٨٠٠، ٨٤١)، والبيهقي: ٢/ ٤٨]، عن أبيه وعمه [هو عبيد الله بن عمر] عن نافع عن ابن عمر: مرفوعًا.\n- وخالفه: معتمر بن سليمان، وعقبة بن خالد، وأبو ضمرة أنس بن عياض، فرووه عن عبيد الله، عن نافع عن ابن عمر موقوفًا [علل الدارقطني: ١٢/ ٣٠٨].\n- وقد توبع نافعٌ على الوقف.\n- تابعه يزيد الفقير [عند الطحاوي: ١/ ٢٠٠]، [والبيهقي في المعرفة: ١/ ٥٢٠]، وابن أبي مليكة، وأبو الزبير [كما ذكر الدارقطني: ١٢/ ٣٠٨].\n- قال البيهقي: والصواب موقوف. اهـ. [السنن: ٢/ ٤٨].\n- وقال الحافظ: والصواب أن ذلك عن ابن عمر غير مرفوع. اهـ. [التلخيص ١/ ٥٧٥].\n- وانظر كذلك [علل الدارقطني: ٢٧٤٠].\n(^٢) أخرج البخاري [١٣٣٥]، عن طلحة بن عبد الله بن عوف قال: صليت خلف ابن عباس ﵁ على جنازة، فقرأ بفاتحة الكتاب، قال: ليعلموا أنها سنة.\n- وانظر أحكام الجنائز للألباني [صـ ١٥١، ط المعارف].\n(^٣) مجموع الفتاوى [٢٢/ ٤٢١].","vol":"1","page":305},{"text":"وقد أجاب الشافعي عن عمدة استدلال القائلين بالإسرار، وهو: حديث أنس الذي فيه «يستفتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين» = بقوله:\nهذا معناه: يبدءون بقراءة أم القرآن قبل ما يقرأ بعدها، والله تعالى أعلم، ولا يعني أنهم يتركون بسم الله الرحمن الرحيم. اهـ (^١).\nوأبى هذا التأويل بعض القائلين بالإسرار، قائلين: إن هذا فهم بعيد، لأن الافتتاح بالفاتحة علم ظاهر يعرفه العام والخاص (^٢).\nكانت هذه أشهر الأقوال في مسألة البسملة والجهر بها، وثم أقوال أخر في المسألة نسوقها - مختصرة - تتمة للفائدة (^٣)، وهي:\n\n<span data-type='title' id=toc-219>القول الرابع: يستحب الجهر بالبسملة في المدينة النبوية دون غيرها.</span>\nوهذا القول رواية عن أحمد (^٤).\nقال ابن كثير: وكأن الإمام أحمد استحب ذلك فيها لأن أهلها في زمانه كانوا لا يرون قراءتها بالكلية، ليبين لهم مشروعية قراءتها، أو لعله استحب ذلك فيها: لحديث معاوية حيث أسر بها، فأنكر عليه أهلها حتى جهر بها. اهـ (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-220>القول الخامس: يستحب الجهر بالبسملة جهرًا خفيفًا دون الجهر بالقراءة.</span>\n_________\n(^١) الأم [٢/ ٢٤٤].\n(^٢) نصب الراية [١/ ٣٣١].\n(^٣) هذه الأقوال - غالب مادتها - مستفادة من محقق كتاب «الإنصاف لابن عبد البر» في مقدمة كتابه المشار إليه. [٨٩ - ٩١].\n(^٤) قال ابن رجب: ونقل أبو طالب عن أحمد وسأله يُجهر بـ «بسم الله الرحمن الرحيم؟».\nقال: بالمدينة نعم. اهـ. [فتح الباري له: ٤/ ٣٨١]، والفروع [١/ ٤١٣].\n(^٥) الأحكام الكبرى لابن كثير [مخطوط].","vol":"1","page":306},{"text":"قال ابن كثير: وهو اختيار ابن خزيمة (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-221>القول السادس: الإسرار تارة، والإعلان في بعض الأحيان.</span>\nقال ابن كثير: وفي كلام ابن حبان ما يدل عليه، فإنه قال: «ذكر الخبر المدحض قول من زعم أن المصطفى ﷺ كان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم» (^٢).\nووجه هذا القول: أن أصحابه أرادوا الجمع بين الأحاديث الواردة في الجهر والإسرار، فذهبوا إلى أن الأحاديث ليست بمتعارضة لأنها لم تتوارد على محل واحد، فأمكن الجمع بينها، فإنه ﵇ تارة أسر، وتارة جهر، فأما أنه جهر لبيان الجواز، ويكون الإسرار هو المستحب، أو يكون الجهر هو المستحب ويكون إسراره لبيان الجواز.\nيقول ابن القيم: وكان النبي ﷺ - يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم تارة، ويخفيها أكثر مما يجهر بها، ولا ريب أنه لم يكن يجهر بها في كل يوم وليلة خمس مرات أبدًا، حضرًا وسفرًا، ويخفى ذلك على خلفائه الراشدين وعلى جمهور أصحابه وأهل بلده في الأعصار الفاضلة، هذا من أمحل المحال، اهـ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-222>القول السابع: الأمر في ذلك واسع، إن شاء جهر وإن شاء أسر.</span>\nحكاه أبو الطيب الطبري عن ابن أبي ليلى والحكم بن عتيبة، ونقله سليم الرازي عن الحكم والنخعي (^٤).\n_________\n(^١) المصدر السابق، وسيأتي قريبًا - بإذن الله - تصريح ابن خزيمة برأيه، وهو غير هذا، فلعل هذا الاختيار ذهب إليه ابن خزيمة في «جزء البسملة»، له، والله أعلم.\n(^٢) الإحسان بتقريب صحيح ابن حبان [٥/ ١٠٥].\n(^٣) زاد المعاد [١/ ١٩٤]، وكذا قال الصنعاني [سبل السلام: ١/ ١٤٢].\n(^٤) الأحكام الكبرى لابن كثير (مخطوط).","vol":"1","page":307},{"text":"وهذا القول يروى عن إسحاق (^١)، وهو قول ابن حزم (^٢).\nودافعهم إلى القول بهذا: تعارض أدلة الجهر والإسرار عندهم.\nبقى أخيرًا أن نقول: إن هذا الاختلاف بين العلماء في الجهر بالبسملة أو الإسرار بها = هو من الاختلاف السائغ المباح، ولا ينبغي لأحد تبنى رأيًا في تلك المسألة أن ينكر على من خالفه.\nودونك أيها القارئ الكريم شيئًا من نصوص أهل العلم في ذلك:\n\n<span data-type='title' id=toc-223>قال ابن خزيمة ﵀:</span>\nباب: ذكر الدليل على أن الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم والمخافتة به جميعًا مباح، ليس واحد منهما محظورًا، وهذا من اختلاف المباح. اهـ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-224>قال ابن حبان ﵀:</span>\nذكر ما يستحب للمرء الجهر بـ «بسم الله الرحمن الرحيم»، وإن كان الجهر والمخافتة بهما جميعًا طلقًا مباحًا (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-225>قال الحازمي ﵀:</span>\nوالصواب في هذا الباب أن يقال: إن هذا أمر متسع، والقول بالحصر فيه ممتنع، وكل من ذهب فيه إلى رواية فهو مصيب متمسك بالسنة، والله أعلم (^٥).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى [٢٢/ ٤٣٦]، الأوسط لابن المنذر [٣/ ١٢٩].\n(^٢) المحلى [٣/ ٢٥١].\n(^٣) صحيح ابن خزيمة [١/ ٢٥١].\n(^٤) صحيح ابن حبان [٥/ ١٠٤].\n(^٥) الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار [صـ ٢٣١].\n- وقد ساق الحازمي موقفًا حدث له حول هذا الاختلاف، فقال:\n- ومن أظرف ما شاهدت من الاختلاف أني حضرت جامعًا في بعض البلاد لقراءة شيء من بعض الحديث، وقد حضرني جماعة من أهل التمييز والعلم، وهم من المواظبين على الجماعة في الجامع، والمنصتين لاستماع قراءة الإمام، فسألتهم عن حال إمامهم في الجهر والإخفات [يعني: بالبسملة]، وكان صيتًا يملأ الجامع صوته، فاختلفوا عليه في ذلك، فقال بعضهم: يجهر، وقال آخرون: يخفت، وتوقف الباقون: اهـ.","vol":"1","page":308},{"text":"<span data-type='title' id=toc-226>قال ابن كثير ﵀:</span>\nفهذه مآخذ الأئمة في هذه المسألة، وهي قريبة، لأنهم أجمعوا على صحة صلاة من جهر بالبسملة ومن أسر، ولله الحمد والمنة. اهـ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-227>قال الشوكاني ﵀:</span>\nاعلم أن مثل هذه المسألة ليست من مواطن الإنكار على العامل بأي القولين، ولا يتصدى لإنكار ذلك من له نصيب من علم وحظ من عرفان، فقد اختلفت فيها الأدلة اختلافًا أوضح من شمس النهار، واختلف فيها أهل العلم من سلف هذه الأمة وخلفها اختلافًا لا ينكره المقصرون، فضلًا عن المتبحرين في المعارف العلمية. اهـ (^٢).\nوقال في مكان آخر:\nوأكثر ما في المقام: الاختلاف في مستحب أو مسنون، فليس شيء من الجهر وتركه يقدح في الصلاة ببطلان بالإجماع، فلا يهولنك تعظيم جماعة من العلماء لشأن هذه المسألة والخلاف فيها. اهـ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-228>قال الشيخ مقبل بن هادي ﵀:</span>\nإن الأمر - بحمد الله - واسع في هذه المسألة، والصلاة صحيحة سواء جهر بـ «بسم الله»، أم أسر، فهذا ما لا ينبغي تطويل الخلاف فيه،\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير [١/ ١٨ - ط دار الفكر].\n(^٢) رسالة في حكم الجهر بالبسملة للشوكاني (مخطوط).\n(^٣) نيل الأوطار [٢/ ٤٨].","vol":"1","page":309},{"text":"وإكثار القيل والقال، والتشنيع على من فعل أي ذين، وإن كانت أحاديث الإسرار أصح: فإن الأحاديث الواردة في الجهر لا يجوز إهدارها.\nثم قال: فالذي أرتضيه لنفسي هو الإسرار، ولا أنكر على من جهر، والله الموفق. اهـ (^١).\nوأما شيخنا أبو عبد الله - حفظه الله ورعاه -:\nفقد ذكر هذه المسألة في كتابه «مفاتيح الفقه في الدين»، تحت عنوان «مسائل يسع المسلمين فيها الخلاف»، وقال: بعد أن ذكر أقوال أهل العلم فيها: يتضح من هذا أن الأمر قريب، والعلم عند الله ﷾ (^٢).\n_________\n(^١) رياض الجنة في الرد على أعداء السنة [١/ ١٠٢].\n(^٢) مفاتيح الفقه في الدين [١٠٧ - ١١٠].\nوانظر - زيادة على ما تقدم -: مجموع الفتاوى [٢٢/ ٢٦٨، ٤٠٧، ٤٣٦].","vol":"1","page":310},{"text":"<span data-type='title' id=toc-229>٢٥ - تأمين الإمام</span>\nهل يؤمن الإمام [أي يقول: آمين]، بعد الفراغ من قراءة الفاتحة أم لا؟، أمر اختلف فيه الفقهاء منذ القدم، وحتى الذين قالوا: يؤمن، اختلفوا بعد ذلك هل يجهر الإمام بالتأمين أم لا.\nوفيما يلي - إن شاء الله - عرض لهذا الاختلاف، وسببه، وأقوال الأئمة فيه فأقول - مستعينًا بالله -:\nاختلف الفقهاء في مسألة تأمين الإمام على قولين، وهما:\n\n<span data-type='title' id=toc-230>القول الأول: يسن للإمام أن يؤمن إذا فرغ من قراءة الفاتحة.</span>\nوبهذا قال الحنفية (^١)، والشافعية (^٢)، والحنابلة (^٣).\nوهي رواية المدنيين عن مالك (^٤).\n_________\n(^١) قال الكاساني: فإذا فرغ من الفاتحة قال: آمين، إمامًا كان، أو مقتديًا، أو منفردًا، وهذا قول عامة العلماء. اهـ. [البدائع: ١/ ٢٠٧]، المبسوط [١/ ٣٢]، فتح القدير [١/ ٢٩٥].\n(^٢) قال الشافعي: فإذا فرغ الإمام من قراءة أم القرآن: قال آمين. اهـ. [الأم: ٢/ ٢٤٩]، المجموع [٣/ ٣٦٨ - ٣٧٠].\n(^٣) قال ابن قدامة: وجملته أن التأمين عند فراغ الفاتحة = سنة للإمام والمأموم. اهـ.\n[المغني: ٢/ ١٦٠ - ١٦٤]، الإنصاف [٢/ ٥٠]، كشاف القناع [١/ ٣١٦].\n(^٤) ومن هؤلاء: عبد الملك بن الماجشون، ومطرف بن عبد الله، وعبد الله بن نافع، وهو قولهم، قالوا: يقول آمين الإمام ومن خلفه، [التمهيد: ٣/ ٢٠٢]، الذخيرة [٢/ ٢٢٣]، بداية المجتهد [١/ ١٤٦].","vol":"1","page":311},{"text":"وعلى هذا جمهور العلماء (^١).\nواستدل الجمهور على ذلك بالأثر، وهو:\nالدليل الأول: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (^٢). قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «آمِينَ» (^٣).\nوجه الاستدلال: قوله ﵊: «إِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا»: نص دال على أن الإمام يؤمن (^٤).\nوقد ورد هذا من فعل بعض الصحابة وقولهم ﵃ أجمعين، ومن ذلك:\nالدليل الثاني: أثر ابن عمر ﵁:\nعن نافع: أن ابن عمر كان إذا ختم أم القرآن قال آمين، لا يدع أن يؤمن إذا ختمها، ويحضهم على قولها، قال: - أي: نافع - وسمعت منه في ذلك خيرًا (^٥).\n_________\n(^١) قال ابن رشد: وذهب جمهور الفقهاء إلى أن الإمام يؤمن كالمأموم سواء اهـ. [بداية المجتهد: ١/ ١٤٦]، وعزاه - من قبله - إلى الجمهور: ابن عبد البر [التمهيد: ٣/ ٢٠٢].\n(^٢) متفق عليه: أخرجه البخاري [٧٨٠]، مسلم [٤١٠]، وانظر علل الدارقطني [١٤٢٢].\n(^٣) قال الحافظ: هو متصل إلى ابن شهاب برواية مالك عنه، وأخطأ من ز عم أنه معلق، ثم هو من مراسيل ابن شهاب اهـ. [فتح الباري: ٢/ ٣١٠].\n(^٤) بداية المجتهد [١/ ١٤٦].\n(^٥) إسناده صحيح: أخرجه البخاري [٢/ ٣٠٦ - مع الفتح]، تعليقًا جازمًا به، ووصله الحافظ في التغليق [٢/ ٣٩]، من طريق يحيى بن معين: ثنا الحجاج [بن محمد]، عن ابن جريج، أخبرني نافع، وذكر في الفتح [٢/ ٣٠٧]، أنه عند عبد الرزاق عن ابن جريج أخبرنا نافع، والذي وقفت عليه عند عبد الرزاق [٢/ ٩٧] عن ابن جريج أخبرت [قال المحقق: وسقطت من هنا عن]، نافع، ويبدو لي - والله أعلم - أنه خطأ وتصحيف.","vol":"1","page":312},{"text":"وجه الاستدلال: قالوا: مواظبة ابن عمر على التأمين - مع اتباعه للسنة كما هو معلوم عنه، وحضه للناس عليه: دليل على أن التأمين مسنون ومستحب.\nثم اختلف أصحاب هذا القول - بعد ذلك - في جهر الإمام بهذا التأمين من إسراره به = على قولين، وهما:\n\n<span data-type='title' id=toc-231>أولًا: يسن للإمام أن يجهر بالتأمين:</span>\nوبهذا قال الشافعية (^١)، والحنابلة (^٢)، وأهل الحديث (^٣).\nبل هو قول جمهور العلماء (^٤)\nواستدلوا على ذلك بالأثر والنظر.\nأما استدلالهم بالأثر؛ فهو:\nالدليل الأول: قوله ﵊: «إِذا أَمنَ فَأَمنُوا» (^٥).\nوجه الاستدلال: قالوا: لو لم يكن الإمام يجهر به لما علق تأمين المأموم عليه، فلما كان هذا معلقًا بذاك: دل على أن الإمام يجهر بالتأمين (^٦).\nواستدلوا - أيضًا - بما ورد عن الصحابة في ذلك، ومنه:\n_________\n(^١) قال الشافعي: «ويرفع بها صوته ليقتدي به من كان خلفه». اهـ. [الأم: ٢/ ٢٤٩]، المجموع [٣/ ٣٦٨ - ٣٧٠].\n(^٢) المغني [٢/ ١٦٢]، الإنصاف [٢/ ٥٠].\n(^٣) نقله عنهم ابن عبد البر [التمهيد: ٣/ ٢٠٢].\n(^٤) عزاه للجمهور: الحافظ ابن حجر [فتح الباري: ٢/ ٣٠٨].\n(^٥) صحيح: وقد تقدم قريبًا.\n(^٦) المهذب [مع المجموع: ٣/ ٣٦٨]، لأبي إسحاق الشيرازي.","vol":"1","page":313},{"text":"الدليل الثاني: أثر عبد الله بن الزبير ﵄:\nعن ابن جريج قال: قلت لعطاء: أكان ابن الزبير يؤمن على إثر أم القرآن؟ قال: نعم، ويؤمن من وراءه حتى أن للمسجد للُجَّة، ثم قال: إنما آمين دعاء (^١).\nالدليل الثالث: أثر أبي هريرة ﵁:\nعن أبي هريرة: أنه كان مؤذنًا بالبحرين، فقال للإمام: لا تسبقني بآمين (^٢).\nوجه الاستدلال: قالوا: فهذا أبو هريرة وابن الزبير يعلنان جهر الإمام بالتأمين أمام الناس، ولا يعارضهما أحد، بل لا يُعرف لهما مخالف، فدل هذا على أن الجهر مسنون مستحب.\nوأما استدلالهم بالنظر؛ فقالوا:\nإن التأمين تابع للفاتحة، فكان حكمه حكمها في الجهر كالسورة (^٣).\n_________\n(^١) إسناده صحيح: أخرجه عبد الرزاق [٢/ ٩٦]، وأورده البخاري [٢/ ٣٠٦ - مع الفتح] تعليقًا جازمًا به عن عطاء.\n(^٢) صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة [٧٩٧٨]، عن أبي أسامة، عن هشام - بن حسان - عن محمد - بن سيرين، عن أبي هريرة، وهذا إسناد صحيح، وأخرجه ابن أبي شيبة [٧٩٦٢]، من وجه آخر عن وكيع عن كثير بن يزيد عن الوليد بن رباح، عن أبي هريرة.\nوأخرجه عبد الرزاق [٢/ ٩٦]، من وجه ثالث من طريق يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة عن أبي هريرة: أنه كان مؤذنًا للعلاء بن الحضرمي بالبحرين، فقال له: لتنظرني بآمين، أو لا أؤذن لك.\nوأخرجه البيهقي [٢/ ٥٩]، من وجه آخر - غير ما ذكر - عن أبي هريرة، لكنه فيه أنه كان يؤذن لمروان بن الحكم، وفي الجملة: فإن الأثر ثابت عن أبي هريرة - والله أعلم -.\n(^٣) المجموع [٣/ ٣٦٨]، والمغني [٢/ ١٦٤].","vol":"1","page":314},{"text":"<span data-type='title' id=toc-232>ثانيًا: يخفي الإمام التأمين ولا يجهر به.</span>\nوبهذا قال الحنفية (^١)، وهو رواية عن مالك (^٢).\nواستدلوا على ذلك بالأثر والنظر.\nأما استدلالهم بالأثر؛ فهو:\nالدليل الأول: عن وائل بن حجر ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا قرأ: ﴿ولا الضالين﴾ قال: «آمين»، وخفض بها صوته (^٣).\n_________\n(^١) قال الكاساني: والسنة فيه المخافتة عندنا اهـ[البدائع: ١/ ٢٠٧]، المبسوط [١/ ٣٢].\n(^٢) الذخيرة [٢/ ٢٢٣]، ونقله عن مالك النووي [المجموع: ٣/ ٣٧٣]، وابن قدامة [المغني: ٢/ ١٦٣].\n(^٣) ضعيف بهذا اللفظ: هذا جزء من حديث وائل بن حجر في وصف صلاة النبي ﷺ، وهو منثور الأجزاء والطرق في دواوين السنة، وليس المقام مناسبًا هنا للكلام عن هذا الحديث بطوله، ولذا: فسيكون الكلام حول طريق واحد من طرق هذا الحديث، والذي جاءت فيه هذه اللفظة المستشهد بها هنا وهي «آمين» وخفض بها صوته.\nفأقول - مستعينًا بالله -:\nجاءت هذه اللفظة من طريق سلمة بن كُهيل، عن حُجر أبي العنبس [وسيأتي الكلام عليه]، عن علقمة بن وائل، عن أبيه، وائل بن حُجر.\nوروى هذا الحديث عن سلمة كل من:\nأ - شعبة بن الحجاج.\n- وهو صاحب هذه الزيادة، والتي لم تأت إلا من طريقه، وقد روى الحديث عنه جماعة، فاختلفوا عليه في الإسناد، بل: وحتى في ذكر هذه اللفظة، وهؤلاء الرواة هم:\n١ - سليمان بن حرب\n- كما عند الحاكم [٢٩١٣]، وعنده ذكر خفض الصوت.\n- وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه اهـ.\n- قلت (القائل أحمد): وفيما قال نظر، فإن حُجرًا لم يخرج له البخاري ولا مسلم في الصحيح، وعلقمة لم يخرج له البخاري في صحيحه، والله أعلم.\n٢ - يزيد بن زريع.","vol":"1","page":315},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= - كما عند الدارقطني [١/ ٣٣٤]، وعنده ذكر خفض الصوت.\n٣ - وكيع بن الجراح:\n- كما عند الطبراني في الكبير [٢٢/ ٤٥]، وعنده ذكر خفض الصوت.\n٤ - عفان بن مسلم:\n- عند الطبراني في الكبير [٢٢/ ٩]، وعنده اللفظ المذكور.\n٥ - يحيى بن سعيد القطان.\n- عند مسلم في التمييز [ح: ٣٦]، ولم يسق المتن، لكنه أشار إلى وجود اللفظ المذكور.\n٦ - وهب بن جرير:\n- عند ابن حبان [١٨٠٥]، ولم يذكر خفض الصوت.\n٧ - عبد الصمد بن عبد الوارث.\n- عند ابن حبان [١٨٠٥ - مقرونًا مع وهب السابق]، وليس عنده خفض الصوت.\n٨ - محمد بن جعفر [غندر].\n- رواه عنه بندار [عند مسلم في التمييز: ح ٣٦، مقرونًا بيحيى بن سعيد]، وتقدم الكلام عنه في (٥).\n- ورواه عنه الإمام أحمد [المسند: ١٨٨٥٤]، وعنده ذكر خفض الصوت، ولكن وقع عنده الشك في الإسناد، فقال فيه:\n- «عن حجر أبي العنبس قال: سمعت علقمة يحدث عن وائل، أو سمعه حجر من وائل».\n٩ - أبو داود الطيالسي.\n- عنده في مسنده [١٠٢٤]، وعنده ذكر خفض الصوت، وفي إسناده قال حجر: سمعت علقمة يحدث عن وائل، وقد سمعت من وائل.\n١٠ - أبو الوليد الطيالسي.\n- وقد اختلف عليه إسنادًا ومتنًا.\n- فرواه عنه إسماعيل بن إسحاق [عند الحاكم: ٢٩١٣، قارنًا الطيالسي بسليمان بن حرب]، وعنده ذكر خفض الصوت، [انظر (١) والتعليق هناك].\n- ووافق معاذ بن المثنى [كما عند الطبراني: ٢٢/ ٤٣]، إسماعيل على المتن، وخالفه في الإسناد، حيث جعل الحديث من رواية حُجر أبي العنبس، عن وائل، بدون ذكر علقمة.\n- وتابع معاذًا على هذا الإسناد [بإسقاط علقمة]: إبراهيم بن مرزوق [عند البيهقي: ٢/ ٥٨]، إلا أنه خالفه في المتن، فقال: «قال: آمين، ورفع بها صوته».\n١١ - حجاج بن نصير:","vol":"1","page":316},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= - عند الطبراني [الكبير: ٢٢/ ٤٤]، وعنده ذكر خفض الصوت، ولم يذكر علقمة.\nوتابعه على ذلك:\n١٢ - أبو عامر العقدي.\n- عند مسلم في التمييز [ح: ٣٦].\nوخالف شعبة في الإسناد والمتن إمام حافظ، وهو:\nب - سفيان الثوري:\nفروى الحديث، عن سلمة بن كهيل عن حُجر بن العنبس، عن وائل بن حجر، مباشرة بدون ذكر علقمة -، وقال في المتن «قال: آمين، ورفع بها صوته أو: يمد بها صوته».\n- ورواه عن سفيان جمع لم يختلفوا عليه، ومن هؤلاء:\n١ - وكيع بن الجراح.\n- عند الإمام أحمد [١٨٨٤٢]، وابن أبي شيبة [٧٩٦٠]، ومسلم [التمييز: ٣٧].\n٢ - محمد بن كثير.\n- عند أبي داود [٩٣٢]، والدارمي [١٢٤٧]، وعند أبي داود قال: عن حُجر أبي العنبس.\n٣ - عبد الرحمن بن محمد المحاربي.\nعند الدارقطني [١/ ٣٣٣]، قارنًا وكيعًا به.\n٤ - محمد بن يوسف الفريابي، عند الدارقطني [١/ ٣٣٤].\n٥ - عبد الرحمن بن مهدي، عند الترمذي [٢٤٨].\n٦ - يحيى بن سعيد القطان، عند الترمذي [٢٤٨ - قارنًا له مع ابن مهدي]، وقال الترمذي: حديث حسن اهـ.\n٧ - خلاد بن يحيى، عند البيهقي [٢/ ٥٧].\n٨ - أبو داود الحفري، عند البيهقي [٢/ ٥٧ - قارنًا إياه مع خلاد].\nالاختلاف بين روايتي: شعبة والثوري.\nعلى ضوء ما تقدم ذكره: نستطيع أن نلخص الخلاف بين رواية شعبة ورواية الثوري في ثلاثة مواضع، اثنين في الإسناد، وواحد في المتن، ولنبدأ بالأخير.\n١ - الخلاف في المتن:\n- لم تختلف الرواية، عن سفيان في أن المتن هو «قال: آمين، ورفع بها [أو مد بها] صوته».\n- ولم تختلف الرواية، عن شعبة في أن المتن هو «قال: آمين، وأخفى [أو: وخفض] بها صوته»، إلا في موضعين، هما:\nأ - رواية وهب وعبد الصمد، حيث لم يذكرا هذه اللفظة من الأصل، وهذا ليس","vol":"1","page":317},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= بقادح، فقد زادها الجمع الكثير الثقات، فتقبل منهم.\nب - رواية إبراهيم بن مرزوق، عن أبي الوليد الطيالسي، ذكر فيها «رفع بها صوته»، وقد خالف معاذ بن المثنى، وإسماعيل بن إسحاق: إبراهيم في روايتهما عن أبي الوليد، فذكرا اللفظ الموافق لرواية الجماعة، وهما ثقتان [كما قال الخطيب في ترجمتهما في تاريخه]، بينما إبراهيم - وإن كان ثقة - إلا أنه عمي قبل موته، فكان يخطئ ولا يرجع، وعليه فروايتهما مقدمة على روايته لموافقتها للجماعة - والله أعلم -.\n- وقبل الانتقال للحديث عن الاختلاف الثاني: نذكر الراجح في هذا الاختلاف الأول نقلًا عن أهل العلم.\n- قال البخاري: أخطأ شعبة في مواضع من هذا الحديث، … ومنها، قال: وخفض بها صوته، وإنما هو: ومد بها صوته اهـ[نقله عنه الترمذي في جامعه].\n- وقال مسلم: أخطأ شعبة في هذه الرواية حين قال: وأخفى صوته، …، وقد تواترت الروايات كلها أن النبي ﷺ جهر بآمين. اهـ.\n- وقال الدارقطني: كذا قال شعبة: «وأخفى بها صوته»، ويقال: إنه وهم فيه؛ لأن سفيان الثوري، ومحمد بن كهيل وغيرهما [تأتي هذه الروايات قريبًا] رووه عن سلمة، فقالوا: «رفع صوته بآمين»، وهو الصواب. اهـ.\n[سنن الدارقطني: ١/ ٣٣٤].\n- قال البيهقي: بعد أن نقل كلام البخاري: أما خطؤه - أي شعبة - في متنه = فبين اهـ. [السنن الكبرى: ٢/ ٥٧].\n- وكذلك قال الحافظ [التلخيص: ١/ ٥٨٣].\n- وعلى ما ذكر: فتكون رواية خفض الصوت المستدل بها عند الحنفية ومن تابعهم على قولهم = خطأ لا تصح.\n٢ - وننتقل إلى الحديث عن الاختلاف في الإسناد، وهو في موضعين:\nأ - في تحديد أو ضبط اسم حُجر - شيخ سلمة بن كهيل - في هذا الحديث.\nلم تختلف الرواية، عن شعبة في تسمية هذا الراوي بـ: حُجر أبي العنبس.\n- ولم تختلف الرواية عن الثوري في تسمية هذا الراوي: حُجر بن العنبس، إلا في رواية عند أبي داود [٩٣٢]، عن محمد بن كثير قال فيها: عن حُجر أبي العنبس، وهذا إما وهم من محمد نفسه أو من أبي داود، وقد روى محمد بن كثير نفسه هذا الحديث عن الدارمي [١٢٤٧] فقال فيه: عن حجر بن العنبس، موافقًا باقي الرواة عن الثوري، ولا شك أن هذا أولى بالاعتماد.","vol":"1","page":318},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=\n- ولنذهب الآن - قبل الانتقال - إلى أقوال العلماء في الترجيح بين الروايتين في هذا الاختلاف:\n- قال ابن القطان الفاسي: وقال شعبة «حجر أبو العنبس»، وقال الثوري «حجر بن العنبس»، وصوب البخاري وأبو زرعة قول الثوري، وما أدري لِمَ لَمْ يصوبا القولين: حتى يكون حجر بن عنبس أبا العنبس، اللهم إلا أ ن يكونا - أعني البخاري وأبا زرعة قد علما له كنيه أخرى اهـ. [بيان الوهم والإيهام: ٣/ ٣٧٤].\n- قلت (القائل أحمد): نعم، قد عَلِمَ البخاري له كنية أخرى، فقال: وهو يعد أخطاء شعبة في هذا الحديث: وقال: «عن حجر أبي العنبس، وإنما هو حجر بن عنبس، ويكنى أبا السكن» اهـ.\n- وقال الحافظ بعد أن نقل كلام ابن القطان السابق: وبهذا جزم ابن حبان في الثقات، أن كنيتة - أي حُجرًا - كاسم أبيه [يقصد يكون هكذا: أبا العنبس حجر بن عنبس] اهـ. [التلخيص: ١/ ٥٨٢].\n- قلت: وكلام ابن حبان بنصه هو «حجر بن عنبس، أبو السكن الكوفي، وهو الذي يقال له حجر أبو العنبس» اهـ[الثقات: ٢٣٦٣]، وبمثل ما ذكر هنا قال ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل»، والخطيب البغدادي في تاريخه [ترجمة حجر]، وكذا ابن عبد البر في الاستيعاب، والذهبي في «المقتنى».\n- والذي يبدو - والله أعلم - أن ما ذهب إليه ابن أبي حاتم، وابن حبان ومن معهما من ذكر كنيتين للرجل أولى، وذلك للآتي:\nأولًا: أن البخاري وأبا زرعة يريان أن كنية حُجر هي: أبو السكن [وستأتي رواية له فيها هذه الكنية قريبًا]، وهذا ما قدمه ابن حبان في الترجمة.\nثانيًا: أن مسلمًا [في كتابه الكنى والأسماء] ذكر لحُجر كنية واحدة، وهي «أبو العنبس».\n- فجمعًا بين الأقوال: نقول ما قاله ابن القطان، وأشار إليه ابن حبان: أنه لا مانع أن يكون الرجل مشتهرًا بكنيتين، وهما «أبو السكن»، و«أبو العنبس»، وأما اعتماد كنية واحدة وتخطئة الأخرى، فيفضي إلى تخطئة إمام من هؤلاء …، ثم وجدت الدولابي قد ذكر حُجرًا فيمن كنيته «أبو السكن»، وفيمن كنيته «أبو العنبس»، فالحمد لله على توفيقه.\nتنبيه: قال الحافظ: عن طريق الثوري: سنده صحيح، وصححه الدارقطني، وأعله ابن القطان بحجر بن عنبس، وأنه لا يعرف، وأخطأ في ذلك، بل هو ثقة معروف، قيل: له صحبة وثقه ابن معين وغيره، وتصحف اسم أبيه على ابن حزم فقال: فيه حجر بن قيس وهو مجهول، وهذا غير مقبول منه» اهـ. [التلخيص الحبير: ١/ ٥٨١].","vol":"1","page":319},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ولنعد إلى ذكر الاختلاف الأخير بين الروايتين، وهو في الإسناد، وهو:\nب - في ذكر علقمة بن وائل بين حجر ووائل ﵁.\n- لم تختلف الرواية، عن الثوري في عدم ذكر علقمة، فالحديث عنده عن حُجر عن وائل.\n- وأما شعبة فاختلف عليه في ذكر علقمة على الأوجه التالية.\n١ - روى عنه أبو عامر وحجاج: بدون ذكر علقمة.\n٢ - وروى عنه غندر: بالشك في إثبات علقمة أو إسقاطه.\n٣ - وروى عنه أبو داود الطيالسي: بإثبات علقمة، وإسقاطه، أي جعل لحُجر في هذا الطريق شيخين، علقمة ووائلًا.\n٤ - وروى عنه الباقون [وهم الأكثر] [بإثبات علقمة].\nوقد أراد البيهقي أن يجمع بين الروايات، عن شعبة ويوفق بينها، فاعتمد على رواية الطيالسي والتي يثبت فيها الوجهين [ذكر علقمة وإسقاطه]، وبهذا ينتفي الخطأ عن شعبة، [السنن الكبرى: ٢/ ٥٧]، وبمثله قال الحافظ [التلخيص: ١/ ٥٨٢].\nوهذا جمع حسن من البيهقي ﵀ لولا ما يأتي:\n١ - أن غندرًا [وهو من أثبت الناس في شعبة - كما قال العجلي، بل قال ابن المبارك:\nإذا اختلف الناس في حديث شعبة، فكتاب غندر حكم بينهم]، قد روى الحديث عن شعبة بالشك، وهذه دلالة قوية على أن شعبة نفسه كان يشك في الحديث.\n٢ - أن ذكر علقمة في الحديث لم يتابع شعبة عليه، ولم يذكر علقمة من طريق حُجر إلا من طريق شعبة فتوبع شعبة على إسقاط علقمة، ولم يتابع على إثباته.\n٣ - أن الرواية التي فيها ذكر علقمة هي التي اعتمدها الأئمة - كالبخاري - عن شعبة، ونخلص من هذا:\n- أن ذكر علقمة في هذا الطريق محفوظ عن شعبة، وأنه كان أحيانًا يشك في ذكر علقمة في الحديث، بل قد يسقطه من الإسناد.\n- وأما عن قول أهل العلم في الترجيح بين الروايتين في هذا الاختلاف:\n- فقال البخاري - وهو يعد أخطاء شعبة هنا: وزاد فيه عن علقمة، عن وائل، وليس فيه، عن علقمة. اهـ.\n- وأخيرًا، وتتمة للفائدة:\n- أسباب ترجيح رواية الثوري عن شعبة في هذا الحديث:\nأولًا: أن الأئمة نصوا على خطأ شعبة فيه.\nقال أبو بكر الأثرم: اضطرب فيه شعبة في إسناده ومتنه، ورواه سفيان فضبطه، ولم","vol":"1","page":320},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= يضطرب في إسناده ولا متنه اهـ. [التلخيص الحبير: ١/ ٥٨٢].\n- وقد مرت بنا أقوال: البخاري - وعليه اعتمد الترمذي - ومسلم في تخطئة شعبة.\n- وقال الترمذي: سألت أبا زرعة عن هذا الحديث فقال: حديث سفيان في هذا أصح من حديث شعبة. اهـ.\nثانيًا: أن الثوري قد توبع على روايته - إسنادًا ومتنًا، وشعبة لم يتابعه أحد.\n- فقد تابع الثوري كل من.\n١) يحيى بن سلمة بن كهيل:\n- كما عند الدولابي [الكنى: ١٠٩٠]، عنه، - أي يحيى - عن أبيه، عن أبي سكن حجر بن عنبس قال: سمعت وائل بن حجر الحضرمي يقول: فذكر الحديث، وعنده رفع الصوت بالتأمين.\nوهذه المتابعة لا تفيد شيئًا لأن يحيى هذا: انعقدت الكلمة على تضعيفه.\n٢) محمد بن سلمة بن كهيل [أخو يحيى]- أي محمد بن سلمة - عن أبيه.\n- كما عند الطبراني [الكبير: ٢٢/ ٤٥]، عنه عن أبي السكن حجر بن عنبس قال: سمعت وائل بن حجر الحضرمي: فذكر الحديث، ولم يذكر التأمين.\n* وهذا إسناد ضعيف قابل أن يعتبر به.\n* فإن محمد بن سلمة - وإن كان السعدي قال عنه، وعن أخيه يحيى: واهيا الحديث [كما في الكامل لابن عدى]- فقد قال عنه أبو حاتم: كان مقدمًا على أخيه يحيى وأحب إليّ منه، وكذا ذكره ابن حبان في الثقات، ولذا فلا مانع من الاعتبار بروايته في باب الشواهد والمتابعات - والله أعلم.\n٣) العلاء بن صالح:\n* كما عند ابن أبي شيبة [٣٠٤٧]، وعند الترمذي [٢٤٩] عن محمد بن أبان، وعند الطبراني [الكبير: ٢٢/ ٤٥]، عن أبي كريب، ثلاثتهم عن ابن نمير، عن العلاء بن صالح، عن سلمة بن كهيل، عن حجر بن العنبس عن وائل … فذكر الحديث، وفي روايته رفع الصوت بالتأمين، وفي رواية الطبراني قرن [محمد بن بشر بابن نمير].\nتنبيه:\n* أخرج أبو داود [٩٣٣] الرواية السابقة، عن مخلد بن خالد الشعيري، عن ابن نمير، عن علي بن صالح [بدلًا من العلاء بن صالح]، عن سلمة عن حُجر، عن وائل.\n* قال المزي: وهم أبو داود في تسمية العلاء بن صالح فقال علي اهـ. [تهذيب الكمال - ت العلاء بن صالح].","vol":"1","page":321},{"text":"وأجاب القائلون بالجهر على هذا الدليل بقولهم: إن الحديث ضعيف بهذا اللفظ، والصحيح فيه: أنه رفع بها صوته، وهذا دليل عليكم، لا لكم.\nالدليل الثاني: قول ابن مسعود ﵁: «أربع يخفيهن الإمام: التعوذ، والتسمية، وآمين، وربنا لك الحمد» (^١).\n_________\n* قلت: ولعل الوهم من شيخ أبي داود، فهو المخالف ابتداءً للرواة الثلاثة، عن ابن نمير المذكورين آنفًا، والله أعلم.\nثالثًا: أن الأئمة يرجحون الثوري على شعبة - في العموم -.\n* يقول البيهقي: لا أعلم اختلافًا بين أهل الحديث أن سفيان وشعبة إذا اختلفا = فالقول قول سفيان اهـ. [إعلام الموقعين لابن القيم: ٢/ ٣٦٦ - وانظر تتمة كلامه هناك].\n* والنقول في ذلك كثيرة انظر للاطلاع عليها:\nمعرفة السنن والآثار للبيهقي [١/ ٥٣١]، شرح علل الترمذي لابن رجب [٤٤٨ - ٤٥٦] تهذيب التهذيب [ت سفيان الثوري]، عون المعبود [٣/ ١٤٥ - ١٤٦].\n* ثم أُذكِّر بما صدرت به الكلام عن الحديث، أن هذا الطريق وكذا المتن المذكور جزء من حديث وائل بن حجر ﵁ ومن أراد الاستزادة من ألفاظ وطرق الحديث عامة فلينظر رسالة أخينا في الله [محمد بن عبد الله]، والتي هي بعنوان «تحرير مطول لأسانيد وألفاظ حديث وائل بن حجر في صفة الصلاة»، والتي نشرها على الشبكة العنكبوتية، وتحديدًا على «ملتقى أهل الحديث»، وفق الله القائمين عليه لكل خير.\nوكنت قد راسلت أخانا محمدًا على بريده الإلكتروني لأسأله عما إذا كان طبع رسالته تلك أم لا، فأجابني - مشكورًا - أنها لم تطبع بعد، لكن في النية طبعها قريبًا إن شاء الله، فأسأل الله أن يُيسر له نشرها ليعم النفع الذي بها.\n\n(^١) لا يثبت عن ابن مسعود، وإنما هو من قول إبراهيم النخعي.\n* قال عنه الزيلعي: غريب اهـ[نصب الراية: ١/ ٣١]، وقال الحافظ: لم أجده هكذا. اهـ. [الدراية: ١/ ٣٢٥]، ثم ذكرا جميعًا أنه من قول إبراهيم النخعي.\n* وقول إبراهيم أخرجه محمد بن الحسن [في كتابه الآثار كما ذكر الحافظ]، عن أبي حنيفة، وعبد الرزاق [٢/ ٨٧] عن معمر = كلاهما عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم، فذكره، وإسناده حسن؛ لأن حمادًا صدوق له أوهام.\n- ثم وجدت متابعين لحماد وهما: مغيرة وحصين عند ابن أبي شيبة [٤١٣٦] قال:","vol":"1","page":322},{"text":"وأجاب القائلون بالجهر عليهم: بأن هذا لم يثبت عن ابن مسعود، وإن ثبت فالمرفوع إلى النبي ﷺ يقدم على الموقوف على الصحابي.\nوأجاب القائلون بإخفاء التأمين على حديث «رفع الصوت بالتأمين»، الذي يستدل به الفريق الأول بقولهم:\nهذا الحديث تأويله أن النبي ﷺ قالها اتفاقًا لا قصدًا، أو كان لتعليم الناس أن الإمام يؤمن كما يؤمن القوم فإنه دعاء، وفي قوله تعالى: ﴿أجيبت دعوتكما﴾ ما يدل عليه، فإن موسى ﵇ كان يدعو وهارون يؤمن (^١) (^٢).\nوأجيب عليهم: بأن رفع الصوت ثبت في حديث وائل بن حجر، وهو متأخر في إسلامه (^٣).\nوأما استدلالهم بالنظر؛ فقالوا:\nإن التأمين دعاء، والأصل في الدعاء الإخفاء لقول الله تعالى: ﴿ادعوا ربكم تضرعا وخفية﴾ (^٤).\nوأجاب القائلون بالجهر عليهم: بأن الآية دليل عام، وقد قام تخصيص التأمين من العام بالأحاديث الصحيحة في الجهر، كما أن قولكم يبطل\n_________\n= عن هشيم قال نا مغيرة وحصين، وبهذا يصح الإسناد إلى إبراهيم.\n- وقد أخرجه عبد الرزاق [٢/ ٨٧]، عن الثوري عن منصور، عن إبراهيم قال: خمس يخفين، فزاد عليها «سبحانك اللهم وبحمدك»، وهذا إسناد صحيح.\n- وأما ابن مسعود فجاء عنه، أنه كان يخفي بسم الله الرحمن الرحيم والاستعاذة وربنا لك الحمد [عند ابن أبي شيبة: ٤١٣٧]، لكن في إسناده سعيد بن المرزبان، ضعيف مدلس.\n(^١) قال الحافظ: هذا الحديث في الأصل لم يصح اهـ. [فتح الباري: ٢/ ٣٠٨].\n(^٢) المبسوط للسرخسي [١/ ٣٢].\n(^٣) فتح الباري [٢/ ٣٠٩].\n(^٤) المبسوط [١/ ٣٢].","vol":"1","page":323},{"text":"بآخر الفاتحة فإنه دعاء ويجهر به، ودعاء التشهد تابع للتشهد فيتبعه في الإخفاء، وهذا تابع للقراءة فيتبعها في الجهر (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-233>القول الثاني: لا يؤمن الإمام بعد الفراغ من قراءة الفاتحة - في القراءة الجهرية </span>-.\nوبه قال مالك - كما في رواية ابن القاسم والمصريين عنه - (^٢)، وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة (^٣).\nواستدل هؤلاء بالأثر، وهو:\nعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا قَالَ الْإِمَامُ ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾، فَقُولُوا: آمِينَ، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلَائِكَةِ: غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (^٤).\nوجه الاستدلال: قالوا: لو كان الإمام يؤمن: لما أُمر المأموم بالتأمين عند الفراغ من أم الكتاب قبل أن يؤمن الإمام، والقسمة في الحديث تقتضي أن الإمام لا يؤمن (^٥).\n_________\n(^١) المغني [٢/ ١٦٤].\n(^٢) قال مالك: إذا فرغ الإمام من قراءة أم القرآن فلا يقل هو آمين، ولكن يقول ذلك من خلفه، قال: وإذا قرأ هو وحده فقال: ولا الضالين، فليقل آمين اهـ. [المدونة: ١/ ٧٣]، الذخيرة [٢/ ٢٢٣]، بداية المجتهد [١/ ١٤٦].\nوجاءت رواية عن مالك أنه لا يؤمن مطلقًا، لا في سرية ولا جهرية [فتح الباري: ٢/ ٣٠٨].\n(^٣) المبسوط [١/ ٣٢].\n(^٤) متفق عليه: أخرجه البخاري [٧٨٢]، مسلم [٤١٠].\n(^٥) المبسوط [١/ ٣٢]، بداية المجتهد [١/ ١٤٦].","vol":"1","page":324},{"text":"وأجاب أصحاب القول الأول على هذا بقولهم:\nالحديث لا حجة فيه لما ذكرتم، فالقصد منه تعريف المأمومين موضع التأمين، وهو عقيب قول الإمام ﴿ولا الضالين﴾؛ لأنه موضع تأمين الإمام، وذلك ليكون تأمين الإمام والمأمومين في وقت واحد موافقًا لتأمين الملائكة (^١).\nوأجاب أصحاب القول الثاني على حديث «إذا أمن فأمنوا» بقولهم:\nهذا معناه: إذا بلغ موضع التأمين (^٢).\nأو يكون معناه: إذا دعا الإمام، والمراد دعاء الفاتحة من قوله «اهدنا» إلى آخره، وذلك لأن التأمين دعاء، وبذلك يكون المعنى: إذا دعا الإمام فأمنوا (^٣).\nولكن رفض أصحاب القول الأول هذا التأويل.\n* قال ابن العربي: هذا بعيد لغةً وشرعًا (^٤).\n* وقال ابن دقيق العيد: هذا مجاز، فإن وُجد دليل يرجحه عمل به، وإلا فالأصل عدمه (^٥).\nهذا، وهناك قول أخير في المسألة - وإن لم يكن مشهورًا -، وهو:\n\n<span data-type='title' id=toc-234>القول الثالث: الإمام مخير، فإن شاء أمن، وإن شاء لم يؤمن.</span>\nوبه قال الطبري (^٦)، وبعض المالكية (^٧).\n_________\n(^١) المغني [٢/ ١٦٢].\n(^٢) بداية المجتهد [١/ ١٤٦].\n(^٣) فتح الباري [٢/ ٣٠٨].\n(^٤) فتح الباري [٢/ ٣٠٨].\n(^٥) فتح الباري [٢/ ٣٠٨].\n(^٦) المصدر السابق.\n(^٧) قال القرافي: وفي التبصرة لابن بكير: هو مخير اهـ. [الذخيرة ٢/ ٢٣٢].","vol":"1","page":325},{"text":"واستدل هؤلاء على ذلك: بتعارض الأدلة، أي بتعارض قوله ﵊: «إذا أمن». مع قوله: «إذا قال غير المغضوب عليهم ولا الضالين» (^١).\nوأجاب أصحاب القول الأول عليهم بقولهم:\nهذا تعارض في الظاهر، وليس بتعارض في الحقيقة، فإن الخلاف بين الحديثين في موضع تأمين المأموم فقط، لا في هل يؤمن الإمام أو لا يؤمن (^٢).\nوقال شيخنا - حفظه الله -:\nالظاهر من الأمر - والله أعلم - أن التأمين مشروع للإمام والمأمومين على السواء، وكذا الجهر به من غير إخلال بالصلاة.\nدل على ذلك:\n١) قول النبي ﷺ: «إذا أمن الإمام فأمنوا».\n٢) وقوله ﵊: «مَا حَسَدَتْكُم الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ، مَا حَسَدَتْكُمْ عَلَى السَّلَامِ وَالتَّأْمِينِ» (^٣).\n٣) وكذلك فعل ابن الزبير ﵁.\n_________\n(^١) الذخيرة [٢/ ٢٣٢].\n(^٢) بداية المجتهد [١/ ١٤٦].\n(^٣) صحيح: أخرجه ابن ماجه [٨٥٦]، وابن خزيمة [٥٧٤، ١٥٨٥]، والبخاري في «الأدب المفرد» [٩٨٨] = كلهم من طريق سهيل بن أبي صالح، عن أبيه عن عائشة ﵂.\nوهذا إسناد حسن وله طريق آخر عن عائشة مطولًا:\n- أخرجه أحمد [٢٥٠٢٩]، والبيهقي [٢/ ٥٦]، والبخاري في التاريخ الكبير [ت: محمد ابن أشعث بن قيس] = كلهم من طريق محمد بن الأشعث عن عائشة.\n- وللحديث شواهد عن: عبد الله بن عباس، وأنس بن مالك، ومعاذ بن جبل ﵃ انظرها في: أصل صفة صلاة النبي ﷺ للعلامة الألباني ﵀ [٣٨٨ - ٣٩٠].","vol":"1","page":326},{"text":"<span data-type='title' id=toc-235>٢٦ - تنكيس القراءة في الصلاة</span>\nبداية: ينبغي أن نعلم ما<span data-type='title' id=toc-236> المقصود بالتنكيس:</span>\n<span data-type='title' id=toc-237>التنكيس لغة:</span>\nقال ابن منظور: النكس قلب الشيء على رأسه، نكسه ينكسه نكسًا فانتكس، ونكس رأسه: أماله، ونكسته تنكيسًا، اهـ (^١).\nوقال ابن فارس: نكس: النون والكاف والسين أصل يدل على قلب الشيء، منه النكس: قلبك شيئًا على رأسه، والولاد المنكوس: أن يخرج رجلاه قبل رأسه، والنكس: السهم الذي ينكسر فُوقُه، فيُجعلُ أعلاه أسفله. اهـ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-238>التنكيس اصطلاحًا:</span>\nقال أبو عبيد القاسم بن سلام: قوله: «يقرأ القرآن منكوسًا»، يتأوله كثير من الناس أنه نكس: أن يبدأ الرجل من آخر السورة فيقرأها إلى أولها، وهذا شيء ما أحسب أحدًا يطيقه، ولا كان هذا في زمان عبد الله ابن مسعود (^٣)، ولا أعرفه، ولكن وجهه عندي أن يبدأ من آخر القرآن من المعوذتين ثم يرتفع إلى البقرة، كنحو ما يتعلم به الصبيان في الكتاب (^٤).\nوقال الفيروز أبادي: ويقرأ القرآن منكوسًا: أي يبتدأ من آخره ويختم\n_________\n(^١) لسان العرب [٦/ ٢٤١ - ط بيروت].\n(^٢) معجم مقاييس اللغة [٥/ ٥٤٧ - ط اتحاد الكتاب العرب].\n(^٣) سيأتي قريبًا - إن شاء الله - قول ابن مسعود ﵁.\n(^٤) غريب الحديث [٤/ ١٠٣ - ط دار اتحاد الكتاب العرب].","vol":"1","page":327},{"text":"بالفاتحة، أو من آخر السورة فيقرؤها إلى أولها مقلوبًا. اهـ (^١).\n\nتبين لنا مما سبق أن<span data-type='title' id=toc-239> التنكيس له صورتان:</span>\n<span data-type='title' id=toc-240>الأولى: أن يقرأ من آخر السورة إلى أولها، آية بعد آية.</span>\n<span data-type='title' id=toc-241>الثانية: أن يقرأ القرآن من آخره إلى أوله،</span> فيقرأ سورة ثم يقرأ بعدها سورة أخرى تسبقها في ترتيب المصحف، كأن يقرأ - مثلًا [ألم نشرح]، ثم يقرأ [والضحى].\nفأما الصورة الأولى: فمتفق بين الفقهاء على منعها وذمها.\nقال النووي:\nوأما قراءة السورة من آخرها إلى أولها = فمتفق على منعه وذمه، لأنه يزيل بعض أنواع الإعجاز، ويزيل حكمة الترتيب. اهـ (^٢).\nوزاد البهوتي: أن ذلك التنكيس فيه مخالفة للنص، وتغيير للمعنى (^٣).\nقلت (القائل أحمد): وهذا الترتيب - أعني: ترتيب الآيات في كل سورة - توقيفي.\nقال القاضي عياض:\nولا خلاف أن ترتيب آيات كل سورة بتوقيف من الله تعالى على ما هي عليه الآن في المصحف، وهكذا نقلته الأمة عن نبيها ﷺ اهـ (^٤).\n_________\n(^١) القاموس المحيط [صـ ٧٤٦].\n(^٢) المجموع [٢/ ١٦٥]، وبمثله قال في التبيان في آداب حملة القرآن [صـ ٨٨]، ونقل فيه عن الإمام مالك أنه كان يعيب ذلك ويقول: هذا عظيم.\n(^٣) كشاف القناع [١/ ٣٢١].\n(^٤) إكمال المعلم [٣/ ١٣٧]، وقد نقل الإجماع أيضًا ابن حجر [الفتح: ٢/ ٣٠١].","vol":"1","page":328},{"text":"ولذلك قال شيخ الإسلام:\nترتيب الآيات واجب، لأن ترتيبها بالنص إجماعًا (^١). اهـ.\nيتبقى لدينا الصورة الثانية، وهي التي حدث فيها الخلاف، وليس الخلاف فيها بين الاستحباب والكراهة، وإنما الخلاف دائر بين الكراهة، والجواز.\nإذ إن الفقهاء قد اتفقوا على استحباب قراءة السور في الركعتين على نظم المصحف (^٢).\nقال النووي: والأولى أن يقرأ على ترتيب المصحف، سواء قرأ في الصلاة أم خارجها. اهـ (^٣).\nوقال ابن قدامة: والمستحب أن يقرأ في الركعة الثانية بسورة بعد السورة التي قرأها في الركعة الأولى في النظم، لأن ذلك هو المنقول عن النبي ﷺ. اهـ (^٤).\nإذن فالسؤال الآن: إذا قرأ الإمام في الصلاة بخلاف ترتيب المصحف، هل ذلك مكروه؟ أم جائز؟\nوالجواب: أن أهل العلم اختلفوا في هذه المسألة على ثلاثة أقوال،\n_________\n(^١) كشاف القناع [١/ ٣٢١]، الفروع [١/ ٤٢١]، ومجموع الفتاوى [١٣/ ٣٩٦].\nهناك صورة ثالثة لم أذكرها في أصل المسألة لانعدام وجودها - بحمد الله -، وهي تنكيس الكلمات في الآية الواحدة، فتقرأ الآية من آخرها إلى أولها، قال البهوتي: وهذا يحرم لإخلاله بنظم القرآن، وتبطل به الصلاة لأنه يصير بإخلال نظمه كلامًا أجنبيًّا اهـ. [كشاف القناع ١/ ٣٢٠].\n(^٢) الفقه الإسلامي وأدلته [١/ ٦٩٩]، والموسوعة الفقهية الكويتية [٢٥/ ٢٨٧].\n(^٣) المجموع [٢/ ١٦٥].\n(^٤) المغني [٢/ ١٦٩]، وانظر [مواهب الجليل: ١/ ٥٣٧]، عند المالكية، وانظر ما قاله الرملي [نهاية المحتاج: ١/ ٤٩٥]، فإنه مفيد.","vol":"1","page":329},{"text":"وهي:\n\n<span data-type='title' id=toc-242>القول الأول: يجوز له أن يقرأ بخلاف ترتيب المصحف.</span>\nوهو المشهور من المذهب عند المالكية (^١)، وبه قال الشافعية (^٢)، وهو رواية عند الحنابلة (^٣).\nبل قال ابن رجب الحنبلي: الأكثرون على أن ذلك غير مكروه. اهـ (^٤).\nواستدل هؤلاء بالأثر والنظر.\nأما استدلالهم بالأثر؛ فهو:\nالدليل الأول: عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَافْتَتَحَ الْبَقَرَةَ فَقُلْتُ: يَرْكَعُ عِنْدَ الْمِائَةِ، ثُمَّ مَضَى فَقُلْتُ: يُصَلِّي بِهَا، فِي رَكْعَةٍ فَمَضَى، فَقُلْتُ: يَرْكَعُ بِهَا، ثُمَّ افْتَتَحَ النِّسَاءَ فَقَرَأَهَا، ثُمَّ افْتَتَحَ آلَ عِمْرَانَ فَقَرَأَهَا، … الحديث (^٥).\n_________\n(^١) قال الحطاب المالكي: قال البرزلي: المشهور عدم كراهة قراءة سورة فوق السورة التي قرأها في الركعة الأولى اهـ[مواهب الجليل: ١/ ٥٣٨].\nوقال القاضي عياض - المالكي -: لا خلاف أنه يجوز للمصلي في الركعة الثانية أن يقرأ بسورة قبل التي صلى بها في الأولى، أو إنما يقع الكراهة بذلك في ذلك في ركعة واحدة اهـ. [إكمال المعلم: ٣/ ١٣٧]، فالخلاف عندهم: هل الأفضل أن يقرأ سورة بعد الأولى في الترتيب، أم لا فرق.\n(^٢) المجموع [٢/ ١٦٥].\n(^٣) قال ابن قدامة: فإن قرأ بخلاف ذلك - أي: بخلاف الترتيب - فلا بأس به، قال الإمام أحمد لما سئل عن هذه المسألة لا بأس به، أليس يعلم الصبي على هذا.\nوقال في رواية مهنا: أعجب إليّ أن يقرأ من البقرة إلى أسفل اهـ. [المغني: ٢/ ١٦٩].\n(^٤) فتح الباري لابن رجب [٤/ ٤٦٨].\n(^٥) أخرجه مسلم [٧٧٢].","vol":"1","page":330},{"text":"وجه الدلالة: أن النبي ﷺ قرأ النساء ثم بعدها آل عمران في ركعة واحدة، وهذا بخلاف ترتيب المصحف، فدل ذلك على الجواز.\nالدليل الثاني: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن شقيق قال: [صلى بنا الْأَحْنَفُ بن قيس الغداة] قرأ بِالْكَهْفِ فِي الْأُولَى، وَفِي الثَّانِيَةِ بِيُوسُفَ أَوْ يُونُسَ، وَذَكَرَ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ عُمَرَ ﵁ الصُّبْحَ بِهِمَا (^١).\nوجه الدلالة: أن عمر قرأ في صلاته بخلاف ترتيب المصحف، وكان ذلك على مسمع ومشهد من الصحابة، ولم ينكر ذلك أحد، فدل هذا على الجواز.\nوأما استدلالهم بالنظر؛ فهو:\nقال القاضي عياض: إن ترتيب السور اجتهاد من المسلمين حين كتبوا المصحف، ولم يكن ذلك من تحديد النبي ﷺ، وإنما وكله إلى أمته بعده، وهو قول جمهور العلماء (^٢).\nثم قال: والذي نقوله: إن تأليف السور ليس بواجب في الكتابة ولا في الصلاة، ولا في الدرس ولا في التلقين والتعليم، وإنه لم يكن من الرسول ﷺ في ذلك نص واحد لا يحل تجاوزه، فلذلك اختلف تأليفات المصاحف قبل مصحف عثمان، واستجاز النبي ﷺ والأمة\n_________\n(^١) إسناده صحيح: أخرجه البخاري (٧٧٤)، تعليقًا بصيغة الجزم عن الأحنف، وقال الحافظ [التغليق: ٢/ ٣١٣]: وصله الفريابي في كتاب الصلاة اهـ، ثم ساق إسناده إلى الفريابي: عن قتيبة، عن حماد بن زيد، عن بُديل بن ميسرة، عن عبد الله بن شقيق، وهذا إسناد صحيح.\n(^٢) وقد عزاه الحجاوي (ت: ٩٦٨ هـ) إلى الجمهور أيضًا في متن الإقناع له [كشاف القناع عن متن الإقناع: ١/ ٣٢١]، وكذا الرملي، [نهاية المحتاج: ١/ ٤٩٥]، وكذا ابن أبي العز الحنفي في «شرحه للعقيدة الطحاوية» (٢/ ٤٧٩)، وانظر «تفسير الطبري» (١/ ٥٦ - ٥٩).","vol":"1","page":331},{"text":"بعده في سائر الأعصار = ترك الترتيب للسور في الصلاة، والدرس والتلقين والتعليم. اهـ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-243>القول الثاني: يكره له أن يقرأ بخلاف ترتيب المصحف.</span>\nوهو قول عند المالكية (^٢)، ورواية عند الحنابلة (^٣)، ورجحه الشيخ ابن عثيمين (^٤).\nواستدل هؤلاء بالأثر والنظر:\nأما استدلالهم بالأثر؛ فهو:\nعن شقيق - هو ابن سلمة - قال: قيل لعبد الله - هو ابن مسعود ﵁: إن فلانًا يقرأ القرآن منكوسًا، فقال: ذاك منكوس القلب (^٥).\nقالوا: فكلام ابن مسعود يحمل في ثناياه ذم هذا الفعل، فدل ذلك على الكراهة.\nوأجاب أصحاب القول الأول عما ورد عن ابن مسعود بقولهم:\nهذا الذم محمول على صورة التنكيس الأخرى، حين يقرأ القارئ من آخر السورة آية بعد آية إلى أولها (^٦).\n_________\n(^١) إكمال المعلم [٣/ ١٣٧].\n(^٢) قال الحطاب المالكي: وعد في اللباب القراءة على ترتيب المصحف من الفضائل، والقراءة على خلاف الترتيب من المكروهات، والله أعلم، [مواهب الجليل: ١/ ٥٣٧].\n(^٣) قال ابن رجب: وعن أحمد رواية أنه يكره تعمد ذلك لمخالفته ترتيب المصحف اهـ.\n[فتح الباري له: ٤/ ٤٦٨]، [كشاف القناع: ١/ ٣٢١].\n(^٤) قال ﵀: ولكن القول بالكراهة قول وسط اهـ[الشرح الممتع: ٣/ ٦٥].\n(^٥) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة [٣٠٣٠٧]، عن أبي معاوية، وعبد الرزاق [٤/ ٣٢٣]، وعنه الطبراني في الكبير [٩/ ١٧٠]، عن الثوري = كلاهما عن الأعمش، عن شقيق، وقال الهيثمي: رجاله ثقات. اهـ. [٧/ ١٦٨].\n(^٦) إكمال المعلم [٣/ ١٣٧].","vol":"1","page":332},{"text":"قالوا: وإن عنى ابن مسعود بكلامه الصورة التي نتحدث عنها = فعندنا فعل النبي ﷺ، وهو دال على الجواز، وهذا لا يقاوم بقول ابن مسعود ﵁ الذي يعبر عن رأي رآه.\nوأجاب أصحاب القول الثاني عن فعل النبي ﷺ في صلاته بقولهم:\nلعل هذا كان قبل العرضة الأخيرة، لأن جبريل كان يعارض النبي ﷺ القرآن في كل رمضان، فيكون ما اتفق عليه الصحابة أو ما كادوا يتفقون عليه هو الذين استقر عليه الأمر، لا سيما وأن رسول الله ﷺ كان يقرن بين البقرة وآل عمران، مما يدل على أنهما قرينتان، فيكون تقديمه للنساء في حديث حذيفة قبل الترتيب الأخير (^١).\nلكن هذا القول يجاب عليه بأنه دليل محتمل للوجهين، نعم قد يكون هذا الفعل منه ﵊ قبل العرضة الأخيرة، ولكنه أيضًا قد يكون بعدها، وبما أن الدليل قد تطرق إليه الاحتمال = فيسقط به الاستدلال.\nوقد فعل عمر ﵁ فعل النبي ﷺ - في قراءته على خلاف الترتيب بعد موت النبي ﷺ، ولم ينكر أحد من الصحابة ذلك عليه.\nوأما استدلالهم بالنظر؛ فقالوا:\nإن الصحابة وضعوا المصحف الإمام الذي يكادون يجمعون عليه في عهد أمير المؤمنين عثمان بن عفان على هذا الترتيب، فلا ينبغي الخروج عن إجماعهم، ولأنه قد يكون فيه تشويش على العامة وتنقص لكلام الله ﷿ إذا رأوا أن الناس يقدمون ويؤخرون فيه (^٢).\n_________\n(^١) الشرح الممتع [٣/ ٦٦].\n(^٢) نهاية المحتاج [١/ ٤٩٥]، والشرح الممتع [٣/ ٦٥].","vol":"1","page":333},{"text":"ويجاب على هذا الكلام بأن ما ذكر يستدل به على استحباب القراءة على ترتيب المصحف، وهذا أمر متفق عليه - كما تقدم -، أما أن يستدل به على الكراهة: فهذا أمر فيه نظر، كيف وقد فعله النبي ﷺ، وتابعه عليه عمر ﵁!!.\nالقول الثالث: يكره له القراءة بخلاف ترتيب المصحف في الفرض دون النفل.\nوبهذا قال الحنفية (^١).\nواستدلوا على الكراهة في الفريضة بما استدل به أصحاب القول الثاني، وقالوا بالجواز في النفل: لأن فعل النبي ﷺ في قراءته على خلاف الترتيب كان في صلاة الليل.\nويجاب عليهم: بأن ما جاز في النفل جاز في الفرض إلا ما استثناه الدليل، ولا دليل هنا على الاستثناء، كما أن فعل عمر ﵁ كان في الفريضة.\nثم أخيرًا: قال شيخنا - حفظه الله -:\nأما عن التنكيس الذي هو قراءة آية متأخرة ثم بعد ذلك يقرأ ما قبلها في ركعة واحدة = فلا يشك في منعه، وعدم وروده عن رسول الله ﷺ ولا عن أحد من السلف، وقد نص عدد من أهل العلم على منع ذلك وذمه.\nوأما عن قراءة سورة من ترتيب المصحف في الركعة الأولى ثم في الثانية قراءة سورة سبقتها في المصحف = فهذا قد ورد ما يشهد لجوازه، وهو قراءة النبي ﷺ البقرة ثم النساء ثم آل عمران ثم يتأيد هذا بأن ترتيب\n_________\n(^١) فتح القدير [١/ ٣٤٣]، الدر المختار [٢/ ٢٦٩].","vol":"1","page":334},{"text":"المصحف على النحو الذي بين أيدينا لم يكن مجمعًا عليه في زمن رسول الله ﷺ.\nولكن في الجملة: يستحب عدم التنكيس أيضًا بهذا المعنى الأخير، وذلك لكثرة الرواية عن رسول الله ﷺ بخلافه، كقراءة: السجدة والإنسان (^١)، وكقراءة الأعلى والغاشية (^٢)، وكقراءة الكافرون والإخلاص (^٣)، وغير ذلك، والله أعلم.\n_________\n(^١) وذلك في صلاة فجر يوم الجمعة، كما عند البخاري [٨٩١]، ومسلم [٨٨٠]، عن أبي هريرة ﵁.\n(^٢) وذلك في صلاة الجمعة والعيدين، كما في صحيح مسلم [٨٧٨]، عن النعمان بن بشير ﵁.\n(^٣) وذلك في ركعتي الفجر، كما في صحيح مسلم [٧٢٦]، عن أبي هريرة ﵁.","vol":"1","page":335},{"text":"<span data-type='title' id=toc-244>٢٧ - الإمام يمر بآية رحمة أو عذاب</span>\nالإمام حين يقرأ في صلاته قد يمر بآية رحمة، أو آية عذاب، أو آية تسبيح، أو إلى غير ذلك.\nفهل يقف عند هذه الآيات: فيسأل الله الرحمة، أو يستعيذ به من العذاب، أو يسبح الله، أو ما شابه ذلك؟\nهذه هي مسألتنا في هذا الباب، فإلى الجواب.\nقد اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:\nالقول الأول: يستحب للإمام أن يسأل الله الرحمة، أو يستعيذ به من العذاب، أو يسبحه (^١)، إذا مر بآية فيها شيء من ذلك في النفل والتطوع، وأما في الفرائض فلا.\nففي الفرائض: قال الحنفية: يكره له ذلك، ولكن إن فعل لا تفسد الصلاة، لأنه زيادة في الخشوع، والخشوع زينة الصلاة (^٢).\nوأما المالكية: فعدوا هذا الفعل من مكروهات الصلاة (^٣).\n_________\n(^١) وقال الإمام أحمد: إذا قرأ: ﴿أليس ذلك بقادر على أن يحيى الموتى﴾، في صلاة وغيرها قال «سبحانك فبلى»، في فرض ونفل اهـ. [الإنصاف: ٢/ ١٠٩].\nوقال الشيخ عطية سالم ﵀: وقد اتفق المفسرون على رواية الترمذي لحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «من قرأ: ﴿والتين والزيتون﴾، فقرأ: ﴿أليس الله بأحكم الحاكمين﴾، فليقل: بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين». اهـ. [تتمة أضواء البيان: ٩/ ٣٤٠].\n(^٢) المبسوط [١/ ١٩٩]، بدائع الصنائع [١/ ٢٣٥]، وعزاه النووي لأبي حنيفة [المجموع ٤/ ٦٦].\n(^٣) مواهب الجليل [١/ ٥٤٤]، جواهر الإكليل [١/ ٥٣].","vol":"1","page":336},{"text":"وأما الحنابلة: فقالوا في رواية: يكره (^١)، وقال بعضهم: لا يستحب ذلك، (^٢) ذلك الأخير هو اختيار الشيخ ابن عثيمين، حيث قال: وأما في صلاة الفرض فليس بسنة وإن كان جائزًا. اهـ (^٣).\nواستدلوا على ذلك بالأثر والنظر:\nأما استدلالهم بالأثر؛ فقالوا:\nالدليل الأول: عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَافْتَتَحَ الْبَقَرَةَ فَقُلْتُ يَرْكَعُ عِنْدَ الْمِائَةِ، ثُمَّ مَضَى فَقُلْتُ: يُصَلِّي بِهَا فِي رَكْعَةٍ، فَمَضَى فَقُلْتُ يَرْكَعُ بِهَا، ثُمَّ افْتَتَحَ النِّسَاءَ فَقَرَأَهَا، ثُمَّ افْتَتَحَ آلَ عِمْرَانَ، فَقَرَأَهَا يَقْرَأُ مُتَرَسِّلًا إِذَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا تَسْبِيحٌ سَبَّحَ، وَإِذَا مَرَّ بِسُؤَالٍ سَأَلَ، وَإِذَا مَرَّ بِتَعَوُّذٍ تَعَوَّذَ …» الحديث (^٤).\nالدليل الثاني: عن عوف بن مالك ﵁ قال: قمت مع رسول الله ﷺ ليلة فقام فقرأ سورة البقرة، لا يمر بآية رحمة إلا وقف فسأل، ولا يمر بآية عذاب إلا وقف فتعوذ، قال: ثم ركع بقدر قيامه، يقول في ركوعه: «سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة»، ثم سجد بقدر قيامه، ثم قال في سجوده مثل ذلك، ثم قام فقرأ بآل عمران، ثم قرأ سورة سورة (^٥).\n_________\n(^١) الإنصاف [٢/ ١٠٩]، الشرح الكبير [١/ ٦٣٩].\n(^٢) قاله ابن قدامة [المغني: ٢/ ٢٣٩].\n(^٣) الشرح الممتع [٣/ ٢٣٦].\n(^٤) أخرجه مسلم [٧٧٢].\n(^٥) إسناده حسن: أخرجه أبو داود [٨٧٣]، ومن طريقه البيهقي [٢/ ٣١٠]، من طريق ابن وهب، وأحمد [٢٣٩٨٠]، والنسائي [١٠٤٩ - مختصرًا]، من طريق الليث بن سعد، والترمذي في الشمائل [٣٠٦]، والبزار [٢٧٥٠]، والطبراني في الكبير [١٨/ ٦١]، والروياني [٦٠٤]، من طريق عبد الله بن صالح = ثلاثتهم عن معاوية بن صالح، عن\nعمرو بن قيس، عن عاصم بن حميد، عن عوف بن مالك، وهذا الإسناد حسن لما يلي:\n- معاوية بن صالح: قال الحافظ عنه: صدوق له أوهام، وأما عاصم بن حميد: فقد وثقه الدارقطني [في التهذيب، وسؤالات البرقاني له: ٣٤١]، وذكره ابن حبان في الثقات، وأخرج له أبو داود والنسائي والترمذي في الشمائل وابن ماجه، إلا أن ابن القطان قال: لا نعرف أنه ثقة اهـ.\n- وقال البزار: روى عن عوف بن مالك، ولم يكن له من الحديث ما يعتبر به حديثه اهـ.\n- ولذا قال الحافظ عنه في تقريبه: صدوق مخضرم. اهـ.\n- قلت: وهو لم يرو شيئًا مستنكرًا هنا، فالمتن المذكور يشهد له حديث حذيفة المذكور قبله، والله أعلم.","vol":"1","page":337},{"text":"قالوا: فهذا رسول الله ﷺ قد فعل ذلك في صلاة الليل، فدل ذلك على أنه سنة مستحبة، وقد تأكدت تلك السنة بفعل أصحابه أيضًا، مثل:\n\n<span data-type='title' id=toc-246>أ - علي بن أبي طالب ﵁:</span>\nعن عبد خير الهمداني قال: سمعت عليًّا قرأ في صلاة ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾، فقال: سبحان ربي الأعلى (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-247>ب - أم المؤمنين عائشة ﵂:</span>\nعن مسروق: عن عائشة ﵂ أنها مرت بهذه الآية ﴿فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم﴾. فقالت: اللهم من علينا وقنا عذاب السموم، إنك أنت البر الرحيم.\nفقيل للأعمش، هو أحد رجال الإسناد، في الصلاة؟ فقال: في الصلاة (^٢).\n_________\n(^١) إسناده حسن: أخرجه عبد الرزاق [٢/ ٤٥١]، عن الثوري، عن السدي، عن عبد خير الهمداني، وعبد خير: ثقة، أما السدي إسماعيل بن عبد الرحمن: ففيه كلام.\n(^٢) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة [٦٠٣٦]، وعبد الرزاق [٢/ ٤٥١] = كلاهما، عن الأعمش، عن أبي الضحى - مسلم بن صبيح - عن مسروق، عن عائشة، وسقط عند عبد الرزاق مسروق.","vol":"1","page":338},{"text":"<span data-type='title' id=toc-248>جـ - أسماء بنت أبي بكر ﵂:</span>\nعن عباد بن حمزة قال: دخلت على أسماء وهي تقرأ ﴿فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم﴾، قال: فوقفت عليها فجعلت تستعيذ وتدعو، قال عباد: فذهبت إلى السوق فقضيت حاجتي ثم رجعت وهي فيها بعد، تستعيذ وتدعو (^١).\nقالوا: فهذه الآثار تشهد: مع الحديث، لما قلنا من استحباب ذلك الفعل في التطوع لا في الفريضة.\nوأما استدلالهم بالنظر:\nفإن الذين قالوا بالكراهة في الفريضة = قالوا:\nإن هذا الفعل في الفريضة ربما يسبب الملل للقوم، وذلك مكروه (^٢).\nكما أن النبي ﷺ لم يفعله في المكتوبات، ولا الأئمة من بعده إلى يومنا هذا، فكان من جملة المحدثات (^٣).\nوأما الذين قالوا بالجواز في الفريضة؛ فقالوا:\nلم نقل إنه سنة أو مستحب لأن الرسول الله ﷺ كان يصلي في كل يوم وليلة ثلاث صلوات جهرية، ويقرأ فيها آيات فيها رحمة وعذاب، ولم ينقل الصحابة أنه كان يفعل ذلك في الفرض، فلو كان سنة لفعله،\n_________\n(^١) إسناده ضعيف: أخرجه ابن أبي شيبة [٦٠٣٧]، عن عبدة عن هشام بن عروة عن عبد الوهاب بن يحيى عن عباد.\n- وعبد الوهاب المذكور قال عنه أبو حاتم: شيخ، وقال الحافظ: مقبول - يعني إذا توبع، وإلا فلين الحديث -.\n(^٢) المبسوط [١/ ١٩٩].\n(^٣) المغني [٢/ ٢٣٩]، المبسوط [١/ ١٩٩].","vol":"1","page":339},{"text":"ولو فعله لنقل.\nقالوا: وإنما قلنا بالجواز: لأن ترك النبي ﷺ له لا يدل على تحريمه، لأنه أعطانا قاعدة، وهي «إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن» (^١).\nوالدعاء ليس من كلام الناس فلا يبطل الصلاة، فيكون الأصل فيه الجواز، ولكن لا يندب إليه لما تقدم (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-249>القول الثاني: يستحب للإمام أن يسأل الله الرحمة، أو يستعيذ به من العذاب، أو يسبحه، إذا مرٍ بآية فيها شيء من ذلك = في الفرض والنفل.</span>\nوبهذا قال الشافعية (^٣)، والحنابلة في الرواية المشهورة عنهم (^٤).\nواستدلوا على ذلك بالدليل الأثري الذي استدل به أصحاب القول الأول:\nوقالوا: إن الأصل أن ما جاز في النفل جاز في الفرض، فطالما قلنا باستحبابه في النفل نقول باستحبابه في الفرض.\nزادوا على ما سبق ذكره من الأدلة:\n\n<span data-type='title' id=toc-250>أثر أبي موسى الأشعري:</span>\nعن عمير بن سعيد أن أبا موسى الأشعري قرأ في الجمعة: ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾، فقال: سبحان ربي الأعلى، و﴿هل أتاك حديث الغاشية﴾ (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم [٥٣٧] عن معاوية بن الحكم السلمي ﵁.\n(^٢) الشرح الممتع [٣/ ٢٣٥ - ٢٣٨].\n(^٣) المجموع [٤/ ٦٦].\n(^٤) كشاف القناع [١/ ٣٦١]، الإنصاف [٢/ ١٠٩]، الفروع [١/ ٤٨١].\n(^٥) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة [٥٤٥٧، ٨٦٤٠]، وعبد الرزاق\n[٢/ ٤٥١] = كلاهما، عن مسعر بن كدام، عن عمير بن سعيد، وفي رواية عبد الرزاق قال عمير: صليت خلف أبي موسى، ولم يذكر قوله «فقال سبحان ربي الأعلى».","vol":"1","page":340},{"text":"وأما فيما يتعلق بالمأمومين:\nفقد ذهب المالكية (^١)، والشافعية (^٢)، والحنابلة (^٣)، إلى أن المأموم يجوز له هذا الفعل سواء في الفرض أو النفل، لا سيما إذا توقف الإمام ليسأل أو يستعيذ.\nقالوا: لأن هذا دعاء، فاستوى فيه الإمام والمأموم كالتأمين (^٤).\nوأما الحنفية: فذهبوا إلى أن المأموم يستمع وينصت (^٥).\nقالوا: لأن القوم بالاستماع أُمروا، وإلى الإنصات نُدبوا، وعلى هذا وُعدوا الرحمة لقوله تعالى: ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون﴾.\nوقال لي شيخنا - حفظه الله -:\nعلى ما ورد - والله أعلم - أننا نقتصر على الوارد عن النبي ﷺ أما وقد ورد ذلك في النافلة: فلنتوقف. والله أعلم.\n_________\n(^١) المدونة [١/ ١٠٤]، مواهب الجليل [١/ ٥٤٤]، جواهر الإكليل [١/ ٥٣].\n(^٢) المجموع [٤/ ٦٦].\n(^٣) الإنصاف [٢/ ١٠٩].\n(^٤) المجموع [٤/ ٦٦].\n(^٥) المبسوط [١/ ١٩٩].","vol":"1","page":341},{"text":"<span data-type='title' id=toc-251>٢٨ - تخفيف الإمام الصلاة مع إتمامها</span>\nبين التطويل الممل والتقصير المخل: تذهب عن الصلاة روحها، وعن الناس خشوعهم فيها.\nوأهل السنة: بفضل الله دائمًا وسط بين طرفي النقيض، الإفراط والتفريط. لذا: فبداية نقول:\nإن الفقهاء اتفقوا على كراهية الإطالة للإمام في الصلاة، واستحباب التخفيف (^١)، لكن: مع إتمام الأبعاض والهيئات، والأركان والواجبات.\nونقل ابن عبد البر الإجماع على ذلك، حيث قال: «والتخفيف لكل إمام أمر مجتمع عليه، مندوب عند العلماء إليه، إلا أن ذلك إنما هو أقل الكمال، وأما الحذف والنقصان = فلا. اهـ (^٢).\nواستدل الفقهاء على ما ذهبوا إليه بجملة من الأحاديث، نسوق هنا - بإذن الله - بعضًا منها:\n١) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِلنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ، فَإِنَّ مِنْهُم الضَّعِيفَ، وَالسَّقِيمَ، وَالْكَبِيرَ، وَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِنَفْسِهِ، فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ» (^٣).\n٢) عن أبي مسعود الأنصاري ﵁ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لَأَتَأَخَّرُ عَنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ مِنْ أَجْلِ فُلَانٍ، مِمَّا يُطِيلُ بِنَا، فَمَا رَأَيْتُ\n_________\n(^١) واستثنى الفقهاء من ذلك: صلاة الكسوف، إذ السنة فيها التطويل.\n(^٢) التمهيد [٤/ ٢٥٧].\n(^٣) متفق عليه: أخرجه البخاري [٧٠٣]، ومسلم [٤٦٧].","vol":"1","page":342},{"text":"رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي مَوْعِظَةٍ أَشَدَّ غَضَبًا مِنْهُ يَوْمَئِذٍ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ، فَأَيُّكُمْ صَلَّى بِالنَّاسِ، فَلْيَتَجَوَّزْ فَإِنَّ فِيهِمْ الضَّعِيفَ، وَالْكَبِيرَ، وَذَا الْحَاجَةِ» (^١).\n٣) عَنْ أَنَس بْن مَالِكٍ قال: مَا صَلَّيْتُ وَرَاءَ إِمَامٍ قَطُّ أَخَفَّ صَلَاةً، وَلَا أَتَمَّ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ وَإِنْ كَانَ لَيَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ، فَيُخَفِّفُ مَخَافَةَ أَنْ تُفْتَنَ أُمُّهُ (^٢).\n٤) عَنْ جَابِر بْن عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: أَقْبَلَ رَجُلٌ بِنَاضِحَيْنِ (^٣)، وَقَدْ جَنَحَ اللَّيْلُ، فَوَافَقَ مُعَاذًا يُصَلِّي فَتَرَكَ نَاضِحَهُ، وَأَقْبَلَ إِلَى مُعَاذٍ، فَقَرَأَ بِسُورَةِ الْبَقَرَةِ أَوْ النِّسَاءِ، فَانْطَلَقَ الرَّجُلُ، وَبَلَغَهُ أَنَّ مُعَاذًا نَالَ مِنْهُ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَشَكَا إِلَيْهِ مُعَاذًا فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «يَا مُعَاذُ أَفَتَّانٌ أَنْتَ؟! (^٤) أَوْ أَفَاتِنٌ ثَلَاثَ مِرَارٍ، فَلَوْلَا صَلَّيْتَ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ، ﴿والشمس وضحاها﴾، ﴿والليل إذا يغشى﴾، فَإِنَّهُ يُصَلِّي وَرَاءَكَ الْكَبِيرُ، وَالضَّعِيفُ، وَذُو الْحَاجَةِ» (^٥).\n٥) عَنْ عُثْمَان بْن أَبِي الْعَاصِ ﵁ قَالَ: آخِرُ مَا عَهِدَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا أَمَمْتَ قَوْمًا، فَأَخِفَّ بِهِمْ الصَّلَاةَ» (^٦).\nواعتمادًا على هذه الأدلة - وغيرها - ذهب الحنفية (^٧)،\n_________\n(^١) متفق عليه: أخرجه البخاري [٩٠]، ومسلم [٤٦٦].\n(^٢) متفق عليه: أخرجه البخاري [٧٠٨]، ومسلم [٤٦٩].\n(^٣) ناضح: بضاد معجمة، ثم مهملة أي: بعير، قال ابن بطال: الناضح هو البعير أو الثور أو الحمار الذي يستقى عليه.\n(^٤) أي: منفر عن الدين وصاد عنه.\n(^٥) متفق عليه: أخرجه البخاري [٧٠٥]، ومسلم [٤٦٥].\n(^٦) أخرجه مسلم [٤٦٨].\n(^٧) المبسوط [١/ ٢٢، ١٦٢]، فتح القدير [١/ ٣٥١].","vol":"1","page":343},{"text":"والمالكية (^١)، والشافعية (^٢)، والحنابلة (^٣)، إلى كراهة الإطالة.\nوقال بعض الحنفية: والكراهة تحريمية (^٤).\nقالوا: لأن الأمر بالتخفيف الوارد في الأحاديث = للوجوب، إلا لصارف، ولإدخال الضرر على الغير (^٥).\nقالوا: - ولا يزال الكلام للحنفية القائلين بتحريم الإطالة -:\nوهذه الكراهة تشمل ما إذا كان القوم يُحصون أم لا، رضوا بالتطويل أو لا، لإطلاق الحديث (^٦).\nلكن الشافعية، والحنابلة أبوا ذلك، فقالوا:\nإن صلى الإمام بقوم محصورين يعلم من حالهم أنهم يؤثرون التطويل = لم يكره التطويل، وذلك لأن العلة المذكورة في أحاديث النهي عن الإطالة، وهي تنفير الناس قد انتفت.\nقالوا: وعلى ذلك تحمل الأحاديث الصحيحة التي جاءت عن النبي ﷺ في تطويل الصلاة في بعض الأوقات (^٧).\nوقال شيخنا - حفظه الله -:\nقد صح عن النبي ﷺ أنه أمر في آخر حياته بالتخفيف، وذلك في\n_________\n(^١) منح الجليل [١/ ٢٥٨]، التمهيد [٤/ ٢٦٢].\n(^٢) الأم [٢/ ٣٠٩]، المجموع [٤/ ٢٢٧].\n(^٣) المغني [٢/ ١٨١، ٢٤٠]، الإنصاف [٢/ ٢٣٩].\n(^٤) ذكره أبو البركات النسفي [كنز الدقائق]، وتعقبه ابن نُجيم في البحر الرائق [١/ ٣٧٢]، نقلًا عن آخرين من الحنفية.\n(^٥) البحر الرائق (١/ ٣٧٢).\n(^٦) المصدر السابق، وتعقبه أيضًا ابن نُجيم بنقل عن بعض الحنفية معترضين على ذلك.\n(^٧) المجموع [٤/ ٢٢٧]، المغني [٢/ ١٨١].","vol":"1","page":344},{"text":"حديث عثمان بن أبي العاص ﵁ (^١).\nثم إن ابن عبد البر نقل - كما هو مسطور - الإجماع على أن التخفيف مندوب إليه.\nفالظاهر - والله أعلم: أن التخفيف خاصة في الفريضة = حسن.\nلكن: يبقى النظر في حد التخفيف.\n_________\n(^١) تقدم حديث عثمان قريبًا جدًّا.","vol":"1","page":345},{"text":"<span data-type='title' id=toc-252>٢٩ - الفتح على الإمام</span>\nيقصد بالفتح على الإمام - اصطلاحًا: تلقين المأموم الإمام الآية عند التوقف فيها (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-253>وأما عن حكمه:</span>\nفأقول: ابتداءً الفتح على الإمام مشروع في الجملة، جائز عند عامة الفقهاء - وإن كان يقرنه بعضهم بالكراهة، ولا بأس بنقل شيء من أقوالهم - على اختلاف مذاهبهم.\nقال السرخسي الحنفي: والفتح على الإمام لا يفسد الصلاة»، يعني المقتدي. اهـ (^٢).\nقال الإمام مالك: فيمن كان خلف الإمام فوقف الإمام في قراءته: فليفتح عليه من هو خلفه. اهـ (^٣).\nقال النووي الشافعي: إذا أرتج على الإمام ووقفت عليه القراءة: استحب للمأموم تلقينه اهـ (^٤).\nقال ابن قدامة الحنبلي: إذا فتح على الإمام إذا أرتج عليه، أو رد عليه إذا غلط = فلا بأس في الفرض والنفل. اهـ (^٥).\n_________\n(^١) مغني المحتاج [١/ ٢٤٤]، الموسوعة الكويتية [٣٢/ ١٣].\n(^٢) المبسوط [١/ ١٩٣].\n(^٣) المدونة [١/ ١٠٣].\n(^٤) المجموع [٤/ ٢٨٣].\n(^٥) المغني [٢/ ٤٥٤].","vol":"1","page":346},{"text":"واستدل هؤلاء جميعًا على ما ذهبوا إليه بالأثر، وهو:\nالدليل الأول: عن عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ صلى صلاة فقرأ فيها، فلُبس عليه، فلما انصرف قال لأُبي: «أصليت معنا؟». قال: نعم، قال: «فما منعك؟». [وفي رواية: أن تفتح علي] (^١).\n_________\n(^١) إسناده ضعيف مُعلٌّ بالإرسال، والمتن صحيح بمجموع طرقه: أخرجه أبو داود [٩٠٧]، ومن طريقه البغوي [٦٦٥]، وأخرجه تمام [٢١٦]، من طريق هشام بن إسماعيل، وأخرجه ابن حبان [٢٤٢]، والطبراني في الكبير [١٢/ ٣١٣]، وفي مسند الشاميين [٧٧١]، والبيهقي: [٣/ ٢١٢]، من طريق هشام بن عمار = كلاهما [ابن إسماعيل وابن عمار]، عن محمد بن شعيب عن عبد الله بن العلاء، عن سالم بن عبد الله عن أبيه.\n* قال الخطابي: إسناده جيد اهـ. [معالم السنن: ١/ ٢١٦].\n* وقال النووي: رواه أبو داود بإسناد صحيح كامل الصحة، وهو حديث صحيح اهـ[المجموع: ٤/ ٢٤٠].\n* قلت: فيما قيل من تصحيح هذا الإسناد = نظر، وذلك للآتي ذكره.\n* سأل ابن أبي حاتم أباه عن هذا الحديث، فقال:\n«هذا وهم، دخل لهشام بن إسماعيل حديث في حديث، نظرت في بعض مصنفات محمد ابن شعيب فوجدت هذا الحديث رواه محمد بن شعيب، عن محمد بن يزيد البصري، عن هشام بن عروة، عن أبيه أن النبي ﷺ صلى فترك آية، هكذا مرسل ورأيت بجنبه حديث عبد الله بن العلاء، عن سالم، عن أبيه، عن النبي ﷺ: أنه سئل عن صلاة الليل، فقال: «مثنى، مثنى، فإذا خشيت الصبح …». فعلمت أنه سقط على هشام بن إسماعيل متن حديث عبد الله بن العلاء، وبقي إسناده، وسقط إسناد حديث محمد بن يزيد البصري، فصار متن حديث محمد بن يزيد البصري بإسناد حديث عبد الله بن العلاء بن زَبْر، وهذا حديث مشهور يرويه الناس، عن هشام بن عروة.\n* قال: فلما قدمت السفرة الثانية: رأيت هشام بن عمار يحدث به، عن محمد بن شعيب، فظننت أن بعض البغداديين أدخلوه عليه، فقلت له: يا أبا الوليد، ليس هذا من حديثك!!، فقال: أنت كتبت حديثي كله؟!، فقلت: أما حديث محمد بن شعيب فإني قدمت عليك سنة بضعة عشر، فسألتني أن أخرج لك مسند محمد بن شعيب، فكتبت لك مسنده، فقال: نعم، هي عندي بخطك، قد أعلمت الناس أن هذا بخط أبي حاتم، فسكت اهـ.","vol":"1","page":347},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= [العلل لابن أبي حاتم: س: ٢٠٧].\n* قال الحافظ ابن حجر - بعد أن ذكر كلام أبي حاتم السابق -: وقد خفت هذه العلة على ابن حبان فأخرج هذا الحديث في صحيحه. اهـ. [النكت الظراف: ٥/ ٣٥٧].\n* قلت: ولعل العلة خفت أيضًا على الشيخ الألباني ﵀ فصحح الحديث من طريق هشام ابن إسماعيل [كما في صحيح سنن أبي داود (الأم): ٤/ ٦٢ - ٦٣]، وتبعه على ذلك جاسم الدوسرى في [الروض البسام بترتيب وتخريج فوائد تمام: ١/ ٣٢٩]، فلم ينتبه لتلك العلة، وكذلك لم ينتبه لتلك العلة محمد منصور - المنتقد للروض البسام فلم يذكرها في كتابه [الإعلام بنقد كتاب الروض البسام]، مع تتبعه لصاحب الروض في مواطن مشابهة، فلله الحمد على توفيقه.\n* لكن: وإن كان الإسناد المذكور الصحيح فيه الإرسال عن عروة = فقد جاء الحديث من طرق أخرى يتقوى بها - إن شاء الله -، فالحديث مروي عن صحابة آخرين وهم عبد الرحمن بن أبزى، وأُبي بن كعب، وعبد الله بن عباس ﵃، وإليك ذكر هذه الطرق بألفاظها.\n١ - حديث عبد الرحمن بن أبزى ﵁:\nعن ابن أبزى: أن النبي ﷺ صلى الفجر فترك آية فلما صلى قال: «أفي القوم أبي بن كعب؟»، قال أبي: يا رسول الله نسيت آية كذا وكذا أو نسخت؟ قال: «نسيتها».\n* هذا الحديث مداره على سفيان الثوري عن سلمة بن كهيل عن ذر، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، بل تفرد الثوري بهذا الحديث، عن سلمة.\n* يقول الدارقطني عن هذا الحديث: غريب من حديث الثوري، عن سلمة بن كهيل، لم يسنده، عن أبي بن كعب غير يحيى بن سعيد القطان، وروي، عن إسحاق الأزرق، عن الثوري مرسلًا ومسندًا اهـ. [أطراف الغرائب والأفراد: ٦١٣].\n* وإليك تفصيل هذا الكلام - فيما وقفت عليه من الطرق:\n* قد روى هذا الحديث عن سفيان كل من:\n١) وكيع بن الجراح، كما عند ابن حزم [المحلى: ٩/ ٤٥٣]، وجعله من مسند ابن أبزى.\n٢) أبي نعيم الفضل بن دكين، كما عند البخاري في القراءة خلف الإمام [١٩٣] وجعله أيضًا من مسند ابن أبزى.\n٣) يحيى بن سعيد القطان، والذي نص الدارقطني على أنه تفرد بإسناد الحديث عن أُبي بن كعب.\n- رواه عنه هكذا: بندار [عند ابن خزيمة: ١٦٤٧، والضياء: ١٢٢٩]، وابن المثنى","vol":"1","page":348},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= [عند ابن خزيمة: ١٦٤٧، وليس عنده ذر في الإسناد، والضياء: ١٢٣٠].\n- ورواه عنه الإمام أحمد [المسند: ١٥٣٦٥]، وعمرو بن علي [النسائي في الكبرى: ٨٢٤٠] لكنهما جعلاه من مسند ابن أبزى، لا مسند أُبي.\n٤) إسحاق بن يوسف الأزرق، وقد نص الدارقطني على أنه رواه، عن الثورى مرسلًا، ومسندًا، والذي وقفت عليه هو الطريق المسند إلى أُبي بن كعب، عند عبد الله بن أحمد [زوائد المسند: ٢١١٤٠]، والضياء [١٢٣١].\nومما سبق: يتبين أن هذا الإسناد صحيح، وأما ما فعله يحيى القطان من رواية الحديث مرة من مسند أُبي ومرة من مسند ابن أبزى = فليس بضار، فكلاهما صحابي، ويحيى القطان، - مع تثبته وحفظه - متابع من وكيع وأبي نعيم على إسناد الحديث إلى ابن أبزى، ومتابع من إسحاق الأزرق على إسناده إلى أُبي.\nقال الهيثمي: رواه أحمد والطبراني، ورجاله رجال الصحيح. اهـ. [المجمع: ٢/ ٢١٤].\nتنبيه: لا يُخشى هنا من تدليس الثوري، فقد قال البخاري: لا أعرف لسفيان عن حبيب بن أبي ثابت، ولا عن سلمة بن كهيل، …، لا أعرف لسفيان عن هؤلاء تدليسًا، ما أقل تدليسه. اهـ. [شرح علل الترمذي: ٨٥٧].\n* وعلى صحة الإسناد - كما تقدم - فقد روي الحديث من طريق آخر مسندًا إلى أُبي بن كعب كما يلي:\n٢ - حديث أُبي بن كعب ﵁:.\nعن أُبي: أن رسول الله ﷺ صلى بالناس فترك آية، فقال: «أيكم أخذ عليَّ شيئًا من قراءتي؟»، فقال أبي: أنا يا رسول الله، تركت آية كذا وكذا، فقال رسول الله ﷺ: «قد علمت إن كان أحد أخذها علي فإنك أنت هو».\n* هذا الحديث مداره على حماد بن سلمة:\n* فرواه عبد الرحمن بن مهدي [أحمد: ٢١٢٨١]، وسليمان بن حرب [عبد بن حميد: ١٧٤]، وموسى بن إسماعيل [البخاري في القراءة: ١٩٢] وأبو سلمة الخزاعي [أحمد: ٢١٢٨١] وإبراهيم بن الحجاج [عبد الله بن أحمد في زوائده: ٢١٢٨١، ومن طريقه الضياء في المختارة: ١١٣٥] = جميعهم، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن الجارود بن أبي سبرة، عن أُبي بن كعب.\n* وخالفهم عفان بن مسلم [عند ابن أبي شيبة في مسنده]، وبشر بن السري [مسند ابن أبي عمر العدني]، فروياه عن حماد عن ثابت عن الجارود، عن النبي ﷺ مرسلًا.","vol":"1","page":349},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= [إتحاف الخيرة للبوصيرى: ١٥٤٥، ١٥٤٦].\n* والذي يبدو لي - والله أعلم بالصواب - أن كلا الطريقين ثابت عن حماد، وذلك لحفظ وتثبت الرواة عن حماد في الطريقين، وأن المسئول عن إرسال الحديث أو إسناده إلى أُبي هو = الجارود بن أبي سبرة!!.\n* وذلك لأنه إرسال منه في كلا الطريقين، فالجارود لم يسمع من أُبي!\n* قال ابن أبي خيثمة: سئل يحيى بن معين، عن حديث حماد بن سلمة، عن ثابت، عن الجارود بن أبي سبرة: قال: قال أُبي بن كعب، فقال: مرسل. اهـ.\n* وقال ابن خلفون: روى عن أُبي وطلحة، ولم يسمع عندي منهما. اهـ. [كما في التهذيب].\n* وقد توبع الجارود من أبي سلمة بن عبد الرحمن، [عند الدارقطني: ١/ ٤٠٠، والطبراني في الأوسط: ٦٤١٢]، لكن في الإسناد إلى أبي سلمة: سليمان بن أرقم قال عنه غير واحد من الأئمة: متروك الحديث.\nتنبيه:\n* في طريق الخزاعي [عند أحمد]، قال الجارود: قال لي أُبي بن كعب، ولم أجد في طريق آخر غير هذا تصريح الجارود بسماعه من أُبي، وهذا - فيما يبدو - تصحيف، أو زيادة من الناسخ، أو غير ذلك من أسباب الخطأ، والذي يؤكد خطأ هذه الرواية أمران:\nالأول: نص ابن معين وابن خلفون في أن الجارود لم يسمع أبيًّا.\nالثاني: أن طريق الخزاعي هذا أخرجه المزي [في تهذيبه - ترجمة أُبي]، وقال فيه: قال الخزاعي في حديثه: قال: قال أُبي بن كعب، بدون زيادة [لي].\nوالخلاصة:\nأن الحديث من رواية أُبي: ضعيف الإسناد، لكنه قد يحسن بشواهده التي سبقته ولحقته، والتي بقي منها شاهد أخير، وهو:\n٣ - حديث عبد الله بن عباس ﵄:\nعن ابن عباس قال: تردد رسول الله ﷺ في آية في صلاة الصبح، فلما قضى الصلاة أقبل على القوم بوجهه فقال: «أشهد الصلاة معكم أُبي بن كعب»؟ فقالوا: لا، قال: فرأى القوم أنه إنما تفقده ليفتح عليه.\n* الحديث أخرجه الطبراني في معجميه [الكبير: ١٢/ ١٢٦، والأوسط: ٥٩٣١]، والحارث بن أبي أسامة [مسنده: ١٤٨، وإتحاف الخيرة: ١٥٤٤]، والبزار [كما ذكر الهيثمي ٢/ ٢١٥] = كلهم من طريق قيس بن الربيع، عن الأغر بن الصباح، عن خليفة =","vol":"1","page":350},{"text":"وجه الاستدلال: قوله ﵊ لأبي: «ما منعك أن تفتح علي؟»، دال على مشروعية واستحباب أن يفتح المأموم على إمامه إذا لُبست عليه القراءة، أو نسي.\nالدليل الثاني: عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ قال: قال رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ نَابَهُ شَيْءٌ (^١) فِي صَلَاتِهِ فَلْيُسَبِّحْ، فَإِنَّهُ إِذَا سَبَّحَ الْتفِتَ [أي: الإمام] إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا التَّصْفِيح (^٢) لِلنِّسَاءِ» (^٣).\nوجه الاستدلال: يؤخذ من قوله ﵊: «مَنْ نَابَهُ شَيْءٌ فِي صَلَاتِهِ فَلْيُسَبِّحْ»، جواز الفتح على الإمام، لأنه إذا جاز التسبيح جازت التلاوة (^٤).\nالدليل الثالث: عَنْ الْمُسَوَّرِ بْنِ يَزِيدَ الْأَسَدِيِّ الْمَالِكِيِّ ﵁ قَالَ: شَهِدْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ فِي الصَّلَاةِ، فَتَرَكَ شَيْئًا لَمْ يَقْرَأْهُ، فَقَالَ لَهُ\n_________\n= ابن حصين، عن أبي نصر الأسدي، عن ابن عباس.\n* قال الهيثمي: رجاله ثقات، غير قيس بن الربيع، فإنه ضعفه يحيى القطان وغيره، ووثقه شعبة والثوري. اهـ.\n* وقال البوصيري: هذا إسناد حسن، قيس مختلف فيه، وباقي رجال الإسناد ثقات اهـ.\n* قلت (القائل أحمد): لكن في الإسناد علة أخرى، وهو أبو نصر الأسدي:\n* قال عنه أبو زرعة: كوفي ثقة، وكذا قال الذهبي في الكاشف، وقد مر بنا توثيق الهيثمي والبوصيري، أما الحافظ ابن حجر فقال عنه: مجهول!!، ولعله قال ذلك لأنه لم يذكر في الرواة، عن أبي نصر إلا خليفة بن حصين - والله أعلم-.\n* وعلى كل: ليست عدالته من عدمها هي العلة، وإنما العلة في قول البخاري:\n* وأبو نصر هذا لم يعرف سماعه من ابن عباس، اهـ. [التهذيب - ت أبي نصر].\n* ولذا يكون الإسناد فيه انقطاع، وعليه فهو ضعيف.\n\n(^١) نابه: أي أصابه شيء يحتاج فيه إلى إعلام الغير.\n(^٢) التصفيح: بمعنى التصفيق، وهو من ضرب صفحة الكف على صفحة الكف الآخر.\n(^٣) متفق عليه: أخرجه البخاري (٦٨٥)، ومسلم (٤٢١).\n(^٤) التمهيد لابن عبد البر [٥/ ١٠٢]، المغني [٢/ ٤٥٤].","vol":"1","page":351},{"text":"رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ تَرَكْتَ آيَةَ كَذَا وَكَذَا فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «هَلَّا أَذْكَرْتَنِيهَا؟»، [وفي رواية قال: كنت أراها نسخت، قال: «فإنها لم تنسخ» (^١).\nوجه الاستدلال: قوله ﵊ للرجل: «هَلَّا أَذْكَرْتَنِيهَا؟»، فيه دليل على استحباب فتح المأموم على الإمام إذا نسي شيئًا من قراءته.\nالدليل الرابع: عن أنس بن مالك ﵁ قال: كنا نفتح على الأئمة في\n_________\n(^١) إسناده ضعيف: أخرجه أبو داود [٩٠٧]، وابن خزيمة [١٦٤٨]، وابن حبان [٢٢٤٠، ٢٢٤١]، والبخاري [تاريخه الكبير: ٨/ ٤٠]، وابن أبي عاصم [الآحاد: ٨٧٢، ١٠٥٩، ٢٦٩٩]، وعبد الله بن أحمد [زوائد المسند: ١٦٦٩٢]، والطبراني [الكبير: ٢٠/ ٢٧]، والبيهقي [٣/ ٢١١]، وغيرهم = كلهم من طريق مروان بن معاوية، عن يحيى بن كثير الكاهلي، عن المسور بن يزيد المالكي.\n* قال النووي: رواه أبو داود بإسناد جيد، ولم يضعفه، اهـ. [المجموع: ٤/ ٢٤٠].\n* قلت: ولكن ابن أبي عاصم قال - بعد ذكر الحديث: ويحيى بن كثير: ضعيف، وقال في موطن آخر: لين الحديث اهـ.\n* وفي العلل لابن أبي حاتم [س ٤٤١]، قال: سألت أبي عن حديث رواه مروان بن معاوية الفزاري عن يحيى بن كثير قال: حدثني مسور بن يزيد المالكي قال: «شهدت …»، الحديث، فقال أبي: لم يرو هذا الحديث غير مروان، ويحيى بن كثير ومسور مجهولان». اهـ.\n* قلت: أما يحيى بن كثير: فقد ضعفه النسائي، وقال عنه أبو حاتم نفسه - في الجرح والتعديل -: شيخ، فهو المدخل لضعف الإسناد.\n* وأما المسور: فقد قال عنه البخاري في تاريخه: له صحبة، يعد في الكوفيين اهـ.\n* وقال الذهبي: صحابي، عنه يحيى بن كثير، لا يعرفان اهـ[الكاشف].\n* فقول أبي حاتم: مجهول، وقول الذهبي: لا يعرف، عن المسور بن يزيد: لا يضر في شيء، طالما ثبتت له الصحبة، ويبدو من قولهما - والله أعلم - أنهما يقصدان غير معروف بالرواية، وليس لديهما كبير علم عنه، يدل على ذلك: إثبات الذهبي الصحبة له في بداية الكلام، ثم قوله: لا يعرف.","vol":"1","page":352},{"text":"عهد رسول الله ﷺ (^١).\nوجه الاستدلال: فعل أنس والصحابة ﵃ من الفتح على أئمتهم، في زمن النبي ﷺ وعدم إنكاره عليهم = دليل على إقرار هذا الفعل، وبالتالي على مشروعيته واستحبابه.\nويؤيد ما ذكره أنس: فعل الصحابة وأقوالهم في هذا الباب، ومنها:\nالدليل الخامس: أثر علي بن أبي طالب ﵁:\nعن علي قال: إذا استطعمك الإمام فأطعمه (^٢).\n_________\n(^١) إسناده ضعيف: أخرجه الدارقطني [١/ ٣٩٩]، والحاكم [١٠٢٣]، وعنه البيهقي [٣/ ٢١٢]، من طريق الفضل بن العباس، عن يحيى بن غيلان، عن عبد الله بن بزيع، عن حميد، عن أنس.\n* قال الحاكم: يحيى بن غيلان، وعبد الله بن بزيع التستريان = ثقتان، هذا حديث صحيح وله شواهد، ولم يخرجاه اهـ.\n* كذا قال ﵀: وفيما ذكر نظر، فعبد الله بن بزيع، قال عنه الدارقطني: ليس بمتروك، وهذه إشارة إلى ضعفه وإن لم يشتد فيترك، وقال ابن عدي: ليس بحجة، عامة أحاديثه ليست بمحفوظة، وأما الساجي فقال: ليس بحجة، روى عنه يحيى بن غيلان مناكير. اهـ. قلت: وروايته هنا من طريق ابن غيلان عنه.\n* ولذا فتضعيف هذا الإسناد [كما فعل النووي في المجموع: ٤/ ٢٣٩]، أولى من تصحيحه، والله أعلم.\n* وقد توبع ابن بزيع من جارية بن هرم، كما عند الدارقطني [١/ ٤٠٠]، والحاكم [١٠٢٤]، وعنه البيهقي [٣/ ٢١٢]، ولفظه عندهم «كان أصحاب رسول الله ﷺ يلقن بعضهم بعضًا في الصلاة».\n* إلا أن هذه المتابعة لا تغني شيئًا، فجارية المذكور قال عنه الذهبي: بصري هالك اهـ. [انظر ترجمته في اللسان].\n(^٢) إسناده ضعيف: أخرجه ابن أبي شيبة [٤٧٩٤]، والبيهقي [٣/ ٢١٣]، وأحمد بن منيع في مسنده [كما في المطالب العالية: ٤٢٣] = كلهم من طريق عبد الأعلى بن عامر، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي.\n* وأبو عبد الرحمن السلمي هو: عبد الله بن حبيب، أثبت شعبة سماعه من علي،\nواعتمدها البخاري ومسلم في صحيحيهما، وباقي أصحاب الكتب الستة، وذلك خلافًا لأبي حاتم الذي قال: ليس تثبت روايته عن علي اهـ. [تحفة التحصيل: ١٧١ - ١٧٢].\n* فالآفة ليست في رواية السلمي عن علي وإنما في الراوي عنه: عبد الأعلى.\n* ولعل الراجح في حاله من مجموع أقوال الأئمة فيه: كما قال النسائي: ليس بالقوي، ويكتب حديثه اهـ.\nفتكون روايته استقلالًا ضعيفة لانفراده، وإنما كما قال الدارقطني: يعتبر به اهـ، ولم أجد له متابعًا هنا على ما ذكر، فيضعف الإسناد لأجله - والله أعلم -.","vol":"1","page":353},{"text":"الدليل السادس: أثر عبد الله بن عمر ﵁:\nعن نافع مولى ابن عمر قال: كنت ألقن ابن عمر في الصلاة، فلا يقول شيئًا (^١).\nوعنه أيضًا:\nصلى ابن عمر المغرب، فلما قرأ: ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾، جعل يقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم، مرارًا يرددها، فقلت: ﴿إذا زلزلت﴾، فقرأها، فلما فرغ لم يعب علي ذلك (^٢).\nالدليل السابع: أثر أبي هريرة ﵁:\nعن أبي جعفر القارئ قال: رأيت أبا هريرة يفتح على مروان\n_________\n(^١) إسناده صحيح: أخرجه عبد الرزاق [٢/ ١٤٣]، وعنه البيهقي [٣/ ٢١٢] = عن ابن جريج أخبرني نافع.\n(^٢) حسن: أخرجه عبد الرزاق [٢/ ١٤٣]، وعنه البيهقي [٣/ ٢١٢] = عن معمر عن أيوب عن نافع.\n* ومعمر متكلم في روايته عن العراقيين عامة، وأيوب بصري عراقي، ولكن هذا الكلام ينجبر - إن شاء الله - بطريق آخر عن نافع، عند ابن أبي شيبة [٤٨٠٢] عن ابن فضيل، عن أشعث، عن نافع قال: صلى بنا ابن عمر، قال: فتردد، قال: ففتحت عليه فأخذ مني.\n* وأشعث الذي يروي عن نافع هو ابن سوار، ضعيف يعتبر به، ولذا فروايته هنا يستشهد بها، وهي مع رواية ابن جريج عن نافع - المتقدمة - تشد من أزر رواية معمر، عن أيوب، ولذا فإنها تحسن - على أقل الأحوال -، والله أعلم.","vol":"1","page":354},{"text":"في الصلاة (^١).\nالدليل الثامن: أثر أنس بن مالك ﵁:\nعن ثابت البناني قال: كان أنس يصلي وغلامه يمسك المصحف خلفه، فإذا تعايا في آية فتح عليه (^٢).\nوجه الاستدلال: هذه الآثار كلها عن الصحابة من أقوالهم وأفعالهم، ولا يعرف مخالف لهم، أشبه ما تكون بإجماع منهم على مشروعية الفتح على الإمام وجوازه.\nقالوا: كما أن المقتدي يقصد إصلاح صلاته، فلم يأت بشيء محظور أو محرم.\nوليس لمن قال بالمنع دليل من الأثر إلا ما جاء عن علي بن أبي طالب ﵁ وهو:\nقال النبي ﷺ: «يا علي، لا تفتح على الإمام في الصلاة» (^٣).\n_________\n(^١) إسناده ضعيف: أخرجه البيهقي [٣/ ٢١٢]، من طريق أبي عبيد، عن هشيم أنبأ محمد ابن عبد الرحمن، عن أبي جعفر القارئ، والآفة هنا: محمد بن عبد الرحمن.\n* فقد ذكر المزي في تهذيبه في الرواة، عن أبي جعفر: [محمد بن عبد الرحمن]، فنسبه القرشي، وهذا القرشي في لسان الميزان اثنان، وكلاهما في عداد المجهولين، ولذا ضُعف الإسناد من أجله.\n(^٢) إسناده حسن: أخرجه ابن أبي شيبة [٧٢٢٣]، والبيهقي [٣/ ٢١٢] = كلاهما من طريق عيسى بن طهمان، عن ثابت البناني، وعيسى: صدوق يحسن حديثه.\n(^٣) إسناده ضعيف: أخرجه أبو داود [٩٠٨]، والبيهقي [٣/ ٢١٢] مطولًا، ولفظه: قال رسول الله ﷺ: «يا علي، أحب لك ما أحب لنفسي، وأكره لك ما أكره لنفسي، لا تقرأ وأنت راكع، ولا أنت ساجد، ولا تصل وأنت عاقص شعرك، فإنه كفل الشيطان، ولا تقع بين السجدتين، ولا تعبث بالحصباء، ولا تفترش ذراعيك، ولا تفتح على الإمام، ولا تختم بالذهب، ولا تلبس القسي، ولا تركب على المياثر».\n* وكلاهما [أبو داود والبيهقي] أخرجه من طريق أبي إسحاق عن الحارث، عن علي.\n* وهذا إسناده ضعيف من وجهين:\nالأول: الانقطاع بين أبي إسحاق والحارث الأعور، فقد قال: أبو داود عقيب الحديث: أبو إسحاق لم يسمع من الحارث إلا أربعة أحاديث، ليس هذا منها اهـ.\nالثاني: ضعف الحارث الأعور نفسه، قال البيهقي: والحارث لا يحتج به اهـ.","vol":"1","page":355},{"text":"وهو حديث ضعيف لا يحتج به، فضلًا عن أن يقاوم الأحاديث والآثار الثابتة في جواز الفتح على الإمام.\nهذا، وتبقى في مسألة الفتح على الإمام أمور متعلقة بها عند المذاهب الأربعة، ونظرًا لتباينها فإني أعرض هنا - على خلاف العادة المتبعة في هذا الكتاب - ما يراه كل مذهب في المسألة على حدة.\nفبعد أن اتفقت المذاهب الأربعة على مشروعية الفتح على الإمام في الجملة - كما تقدم - اختلفوا في بعض التفاصيل، كما يلي:\nأولًا: الحنفية:\nبداية أقول: ليُعلم أن أبا حنيفة كان يكره الفتح على الإمام، ولكن أصحابه هم الذين يقولون بالجواز (^١)، بل نقل عن أبي حنيفة قولان في بطلان الصلاة من عدمها إذا فتح على الإمام (^٢).\nفكلامنا هنا عن الحنفية يخرج منه أبو حنيفة؛ لأنه لا يرى بالفتح على الإمام.\n\n<span data-type='title' id=toc-254>يقول الحنفية </span>(^٣): غير المقتدي إذا فتح على المصلي: تفسد به\n_________\n(^١) قال ابن عبد البر: ذكر الطحاوي أن الثوري وأبا حنيفة وأصحابه كانوا يقولون: لا يفتح على الإمام، وروى الكرخي، عن أصحاب أبي حنيفة: أنهم لا يكرهون الفتح على الإمام، اهـ. [التمهيد: ٥/ ١٠٢].\n(^٢) قال ابن عبد البر - نقلًا عن أبي حنيفة ومن معه وقالوا: بأن لو فتح عليه لم تفسد صلاته اهـ. [المصدر السابق].\n* وقال ابن قدامة: وقال أبو حنيفة: تبطل الصلاة به اهـ. [المغني: ٢/ ٤٥٤].\n(^٣) نقلت هنا جُلَّ الأقوال عن المذاهب الأربعة، وتركت شيئًا يسيرًا، أرى أنه لا يفيد كثيرًا.","vol":"1","page":356},{"text":"صلاة المصلي، وكذلك المصلي على غير المصلي، لأنه تعليم وتعلم (^١).\nوأيضًا: لو كان الإمام انتقل إلى آية أخرى تفسد صلاة الفاتح وتفسد صلاة الإمام لو أخذ بقوله، وذلك لوجود التلقين والتلقن من غير ضرورة، وهذا على قول بعض المشايخ، وعامتهم على أنه لا يفسد وإن انتقل (^٢).\nوقالوا: لا ينبغي للمأموم أن يعجل بالفتح على الإمام، ولا ينبغي للإمام أن يحوجه إلى ذلك بل: يركع، أو يتجاوز إلى آية أو سورة أخرى (^٣).\nوينوي المأموم الفتح على الإمام، لا القراءة، لأن الأول مرخص فيه، والأخير منهي عنه خلف الإمام (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-255>ويقول المالكية:</span>\nإذا خلط الإمام آية رحمة بآية عذاب، أو غير آية تغييرًا يقتضي الكفر، أو وقف وقفًا قبيحًا = فيفتح عليه للتنبيه على الصواب (^٥).\nوإن وقف الإمام أو تردد: فيطلب من المأموم الفتح عليه حينئذ، وإلا فيكره له الفتح عليه، ولا تفسد الصلاة، وهذا في غير الفاتحة، وأما هي فيجب أن يفتح عليه مطلقًا (^٦).\n_________\n(^١) المبسوط [١/ ١٩٣]، بدائع الصنائع [١/ ٢٣٦].\n(^٢) فتح القدير [١/ ٤٠٠].\n(^٣) المبسوط [١/ ١٩٣]، بدائع الصنائع [١/ ٢٣٦].\n(^٤) المصدر السابق.\n(^٥) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير [١/ ٢٨١].\n(^٦) شرح مختصر خليل للخرشي [١/ ٣١٩ - ط دار الفكر].","vol":"1","page":357},{"text":"وتبطل الصلاة بفتح على غير الإمام، بأن يسمعه يقرأ فيتوقف في القراءة فيرشده للصواب، لأنها من باب المكالمة، بخلاف الفتح على إمامه (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-256>ويقول الشافعية:</span>\nيفتح المأموم على الإمام إذا سكت، ولا يفتح عليه ما دام يردد التلاوة، أو يسأل الله الرحمة، ويستعيذ به من العذاب، لقراءة آيتها (^٢).\nويقصد المأموم عند فتحه على إمامه القراءة فقط، أو القراءة مع الفتح، فإن قصد الفتح وحده، أو لم يقصد شيئًا أصلًا = بطلت صلاته على المعتمد (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-257>ويقول الحنابلة:</span>\nإذا أرتج على الإمام في الفاتحة: لزم من وراءه الفتح عليه، كما لو نسي سجدة لزمهم تنبيهه بالتسبيح (^٤).\nويكره أن يفتح من هو في الصلاة على من هو في صلاة أخرى، أو على من ليس في صلاة؛ لأن ذلك يشغله عن صلاته، لكن: إذا فعل لم تبطل صلاته. لأنه قرآن، وإنما قصد قراءته دون خطاب الآدمي بغيره، ولا بأس أن يفتح على المصلي من ليس معه في الصلاة (^٥).\nفائدة:\nنص بعض أهل العلم على أن الإمام إذا نسي الآية في القراءة\n_________\n(^١) الشرح الصغير مع حاشية الصاوي [١/ ٣٤٧].\n(^٢) مغني المحتاج [١/ ٢٤٤]، حاشية البجيرمي على الخطيب (٢/ ١٦٦، العلمية).\n(^٣) المصدر السابق.\n(^٤) المغني [٢/ ٤٥٤].\n(^٥) السابق [٢/ ٤٥٩]، وانظر للمزيد: الإنصاف [٢/ ١٠٠ - ١٠١].","vol":"1","page":358},{"text":"الجهرية: يكون الفتح عليه بتذكيره تلك الآية.\nوإذا نسي غيرها من الأركان: يكون الفتح بالتسبيح للرجال، والتصفيق للنساء (^١).\nوأخيرًا: قال شيخنا أبو عبد الله - حفظه الله -:\nالذي يظهر وتطمئن إليه النفس هو ما ذهب إليه الشافعية والحنابلة وغيرهما من استحباب الفتح على الإمام إذا لُبست عليه القراءة، ويُصوَّب هذا القول بحديث أبي بن كعب (^٢)، والله أعلم.\nوأما حديث: اقرأ ما لم تبدل آية رحمة بآية عذاب (^٣)، فأصله في مسلم من حديث أُبي بدونها، وإن ثبتت قلنا بمقتضاها، والله أعلم.\n_________\n(^١) المجموع [٤/ ٢٨٣]، نيل الأوطار [٢/ ٢١٢].\n(^٢) يشير إلى حديث ابن عمر «ما منعك أن تفتح علي»، وقد تقدم.\n(^٣) يشير الشيخ - حفظه الله - إلى حديث أُبي بن كعب الذي يقول فيه:\nقرأت آية وقرأ ابن مسعود خلافها، فأتيت النبي ﷺ فقلت: ألم تقرئني آية كذا وكذا؟ قال: «بلى»، فقال ابن مسعود: ألم تقرئنيها كذا وكذا؟ فقال: «بلى، كلاكما محسن مجمل»، قال: فقلت له، فضرب في صدري وقال: «يا أُبي إني أقرئت القرآن، فقيل لي: على حرف أو حرفين؟. فقال الملك: الذي معي: قل على حرفين، فقلت: على حرفين، أو ثلاثة؟ فقال الملك الذي معي: قل على ثلاثة، قلت: على ثلاثة، حتى بلغ سبعة أحرف، ثم قال: ليس منها إلا شاف كاف، إن قلت: سميعًا عليمًا، عزيزًا حكيمًا (فالله كذلك)، مالم تختم آية عذاب برحمة، أو آية رحمة بعذاب».\n- أخرجه أبو داود [١٤٧٧] عن أبي الوليد الطيالسي، وأحمد [٢١١٥٠] عن بهز، وفي [١١٤٩] ومن طريقه الضياء [١١٧٣] عن ابن مهدي، والطحاوي [مشكل الآثار: ٣١١٣] وعبد الله بن أحمد [زوائد المسند: ٢١١٥١] ومن طريقه الضياء [١١٧٤] من طريق هدبة ابن خالد، وأخرجه الطحاوي في موطن سابق [٣١١٢] من طريق الخصيب بن ناصح الحارثي، والبيهقي [٢/ ٣٨٤] من طريق الحسن بن محمد الزعفراني.\n* خمستهم: عن همام عن قتادة عن يحيى بن يَعْمر عن سليمان بن صُرَد (صحابي) عن أُبي ابن كعب.","vol":"1","page":359},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وفي رواية الزعفراني عند البيهقي: قال قتادة: حدثنا يحيى.\nولكن هذا التصريح بالتحديث المذكور آنفًا يبدو - والله أعلم - أنه وهم لسببين:\nالأول: أن باقي الرواة عن همام رووا الحديث عنه بعنعنة قتادة.\nالثاني: ما نُقل عن الإمام أحمد في نفي سماع قتادة من يحيى:\nقال الأثرم: قلت لأحمد بن حنبل: قتادة سمع من يحيى بن يعمر؟ قال: لا أدري، قد روى عنه، وعن رجل عنه. اهـ. [تحفة التحصيل: ٢٦٣].\n* وما توقف الإمام أحمد فيه هنا: جزم به في مكان آخر، حيث:\n* قال يعقوب بن سفيان: حدثنا الفضل قال: قال أبو عبد الله أحمد بن حنبل: ولم يسمع قتادة عن يحيى بن يعمر شيئًا. اهـ. [المعرفة والتاريخ: ٢/ ٨٥].\nويبدو أن الوهم الواقع هنا من التصريح بالتحديث مرده إلى أبي سعيد الأعرابي (أحمد بن محمد بن زياد) الراوي عن الزعفراني، فإنه مع حفظه له أوهام [كما ذكر الحافظ في ترجمته في اللسان]، ولعل هذا منها - والله أعلم -.\nوعلى ما ذكر: فيكون الحديث من هذا الطريق: منقطع الإسناد.\nإلا أن البخاري أثبت لقتادة السماع من يحيى في تاريخه الكبير [٨/ ٣١١] وعلى هذا: فيكون السند صحيحًا.\nوقد روى معمر الحديث عن قتادة: مرسلًا. [عند عبد الرزاق: ١١/ ٢١٩].\nوللحديث طريق آخر عن سليمان بن صُرد، ومدار هذا الطريق على أبي إسحاق السبيعي، واختلف عليه: فروى هذا الطريق:\n* إسرائيل عن أبي إسحاق عن سُقير العبدي عن سليمان عن أبي.\nأخرجه عبد الله بن أحمد [٢١١٥٢]، والشاشي [١٤٣٩]، والطبري [التفسير: ١/ ٣٢، إلا أنه قال فيه: عن فلان العبدي - ذهب عني اسمه].، وأبو عبيد [فضائل القرآن: صـ ٣٣٦].\n* وسقير هذا: ليس فيه كبير توثيق إلا ذكر ابن حبان له في الثقات، ولم أجد راويًا عنه إلا أبا إسحاق [تعجيل المنفعة].\n* وقد خالف إسرائيل في هذا الإسناد كلٌّ من:\n١) العوام بن حوشب: عند ابن منيع في مسنده [إتحاف الخيرة: ٧٩٥١، ومن طريقه الضياء: ١١٧٦]، والنسائي [الكبرى: ٦/ ١٧١ - العلمية]، وأبي عبيد [فضائل القرآن: صـ ٣٣٦].\n٢) شريك النخعي: عند عبد الله بن أحمد [٢١١٥٣]، والطبري [١/ ٣٠]، والطحاوي [شرح المشكل: ٣١١٤].","vol":"1","page":360},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ٣) زيد بن أبي أُنيسة: عند الطحاوي [المشكل: ٣١١٥]، والطبراني [الأوسط: ١١٦٧].\nثلاثتهم [العوام، وشريك، وزيد]، عن أبي إسحاق عن سليمان بن صرد عن أُبي، بدون ذكر سُقير العبدي.\nتنبيه: رواية زيد بن أبي أنيسة، ورواية شريك [عند الطبري والطحاوي] ورواية العوام [عند ابن منيع في إتحاف الخيرة: ٧٩٥٢] = ليس فيها ذكر أُبي، وإنما عن سليمان بن صُرد، عن النبي ﷺ.\nوأيًّا كان الطريق الصحيح عن أبي إسحاق، وأيًّا كان المتابع ليحيى بن يعمر [هل هو: أبو إسحاق، أم سقير] = فلن يفيدنا هنا شيئًا، فالروايات المذكورة عن أبي إسحاق ليس فيها الشاهد المطلوب، وهو قوله ﵊: «إن قلت سميعًا عليمًا …» الحديث.\nوينبغي أن نعلم: أن للحديث طرقًا عن أُبي بن كعب - غير ما ذكر هنا -، وأثبتها ما في صحيح مسلم [٨٢٠]، من طريق ابن أبي ليلى عن أُبي، وفيه قصة نزول القرآن على سبعة أحرف، دون ذكر الزيادة المطلوبة، والمشار إليها آنفًا!.\n* فالحديث عن أبي في قصة نزول القرآن على سبعة أحرف = ثابت بلا شك، إنما الكلام عن الزيادة المذكورة.\n* ولهذه الزيادة شاهد من حديث أبي بكرة ﵁، والذي أخرجه:\n* أحمد [٢٠٤٢٥، ٢٠٥١٥]، والطبري [١/ ٤٣]، وابن أبي شيبة [٣٠١٢٢]، والبزار [٣٦٢٢ - مسنده]، والطحاوي [مشكل الآثار: ٣١١٨] = كلهم من طريق حماد بن سلمة، عن علي بن زيد بن جدعان، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه عن النبي ﷺ قال: «أتاني جبريل وميكائيل ﵉ فقال جبريل ﵇: اقرأ القرآن على حرف واحد، فقال ميكائيل: استزده، قال: اقرأه على سبعة أحرف كلها شاف كاف ما لم تختم آية رحمة بعذاب أو آية عذاب برحمة».\n* ولكن هذا الإسناد ضعيف، لضعف علي بن زيد بن جدعان.\n* وللزيادة المذكورة: شاهد موقوف عن ابن مسعود.\n* أخرجه عبد الرزاق [٣/ ٣٦٤]، من طريق الثوري، عن الأعمش، عن إبراهيم قال: قال عبد الله بن مسعود: ليس الخطأ أن تقرأ بعض القرآن في بعض، ولا أن تختم آية غفور رحيم بعليم حكيم، أو بعزيز حكيم، ولكن الخطأ أن تقرأ ما ليس فيه، أو تختم آية رحمة بآية عذاب.\n* وفي قبول رواية إبراهيم النخعي، عن ابن مسعود = خلاف بين أهل العلم - هذا إذا قال إبراهيم: قال عبد الله، ولم يذكر الواسطة بينهما.","vol":"1","page":361},{"text":"<span data-type='title' id=toc-258>٣٠ - قراءة الإمام من المصحف</span>\nبعض الأئمة قد لا يكون حافظًا للكثير من القرآن، وهو مع ذلك: قد يحتاج إلى إطالة القراءة بالمصلين في بعض الأوقات، كما هو الحال في صلاة التراويح أو التهجد في رمضان، فعند ذلك: يحتاج أن يقرأ من المصحف.\nوهذه المسألة: أعني: قراءة الإمام من المصحف - مما تنازع في حكمه العلماء منذ القدم، وحتى نبين أقوالهم وأدلتهم نحتاج أن نفرق بين صلاة النفل وصلاة الفريضة، فأقول:\n\n<span data-type='title' id=toc-259>أولًا: القراءة من المصحف في النوافل - كقيام رمضان:</span>\nاختلف العلماء في حكم قراءة الإمام من المصحف في النافلة - كالتراويح مثلًا على ثلاثة أقوال، وهي:\n\n<span data-type='title' id=toc-260>القول الأول: يجوز للإمام أن يقرأ من المصحف.</span>\nوبهذا قال الشافعية (^١)، والحنابلة (^٢).\nوقال به المالكية بشرط أن يبتدئ القراءة من المصحف من أول الصلاة (^٣).\n_________\n(^١) قال النووي: لو قرأ القرآن من المصحف: لم تبطل صلاته، سواء كان يحفظه أم لا، بل يجب عليه ذلك إذا لم يحفظ الفاتحة، ولو قلب أوراقه أحيانًا في صلاته لم تبطل اهـ. [المجموع: ٤/ ٩٥]، [شرح الوجيز: ٤/ ١٣٠].\n(^٢) قال أبو داود: سمعت أحمد سئل عن الرجل يؤم في شهر رمضان من المصحف: فرخص فيه اهـ[مسائل أبي داود: صـ ٩١]، المغني [٢/ ٢٨٠ - ٢٨١]، الإنصاف [٢/ ١٠٩]، كشاف القناع [١/ ٣٦١].\n(^٣) قال سحنون: قال ابن القاسم: قلت لمالك في الرجل يصلي النافلة يشك في\nالحرف وهو يقرأ وبين يديه مصحف منشور، أينظر في المصحف ليعرف ذلك الحرف؟ فقال: لا ينظر ذلك الحرف، ولكن: يتم صلاته ثم ينظر في ذلك الحرف.\nقال: وقال مالك: لا بأس بقيام الإمام بالناس في رمضان في المصحف.\nقلت لابن القاسم: لو وسع مالك في هذا وكره للذي ينظر في الحرف؟ قال: لأن هذا ابتدأ النظر في أول ما قام به اهـ. [المدونة: ١/ ١٩٤]، التاج والإكليل [٢/ ٧٣].","vol":"1","page":362},{"text":"واستدلوا على ذلك بالأثر والنظر:\nأما استدلالهم بالأثر؛ فهو:\n* عن القاسم بن محمد قال:\nكان يؤم عائشة عبدها [ذكوان] يقرأ في المصحف (^١).\n_________\n(^١) صحيح: أخرجه البخاري [٢/ ٢١٦ - مع الفتح]، تعليقًا جازمًا به عن عائشة.\n* وأخرجه ابن أبي شيبة [٧٢١٦]، من طريق أيوب، وابن أبي داود [المصاحف صـ ١٩٢]، من طريق عبد الرحمن بن القاسم.\n* كلاهما [أيوب، وعبد الرحمن]، عن القاسم بن محمد عن عائشة.\n* وأخرجه ابن أبي شيبة [٧٢١٧]، وابن أبي داود [صـ ١٩٢]، ومن طريقه الحافظ ابن حجر [التغليق: ٢/ ١٩١] = من طريق هشام بن عروة، عن أبي بكر بن أبي مليكة: أن عائشة أعتقت غلامًا لها عن دَبر [أي: يكون حرًّا بعد موتها] فكان يؤمها في رمضان في المصحف.\n* وهذا إسناد ضعيف لما يلي:\n* قال ابن رجب: وذكر الإمام أحمد أن حديث عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه أصح من حديث ابن أبي مليكة، لأن هشام بن عروة لم يسمعه من ابن أبي مليكة، وإنما بلغه عنه، قال أحمد: أبو معاوية، عن هشام: نبئت، عن ابن أبي مليكة، فذكره. اهـ. [فتح الباري لابن رجب: ٤/ ١٦٦].\n* قلت (القائل أحمد): وقد بين ذلك ابن أبي داود في [المصاحف]، فقال بعد ذكره للإسناد السابق: حدثنا هارون بن إسحاق قال: أخبرنا عبدة، عن هشام، عن رجل، عن عائشة بهذا.\n* فتبين أن هناك مبهمًا بين هشام وابن أبي ملكية، يضعف الإسناد من أجله.\nوللأثر عن ابن أبي مليكة طريق متصل أصح من هذا، وهو:","vol":"1","page":363},{"text":"وجه الاستدلال: قوله «من المصحف»، فيه دلالة ظاهرة على جواز قراءة الإمام من المصحف (^١).\nومما يستدل به أيضًا لأصحاب هذا القول:\nالدليل الثاني: عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ بِنْتَ زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ولأَبِي الْعَاصِ بْنِ رَبِيعَةَ ابْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا وَإِذَا قَامَ حَمَلَهَا (^٢).\n_________\n= ما أخرجه ابن أبي داود [صـ ١٩٢]، والبيهقي [٢/ ٢٥٣]، والحافظ: [التغليق: ٢/ ٢٩١ من طريق ابن أبي داود] = من طريق جرير بن حازم [والحارث بن نبهان معه عند البيهقي]، عن أيوب السختياني، عن ابن أبي مليكة أن عائشة زوج النبي ﷺ كان يؤمها غلامها ذكوان في المصحف.\nوهذا إسناد حسن للكلام اليسير في جرير بن حازم.\nوقد حكم الحافظ على الأثر بالصحة [التغليق: ٢/ ٢٩١].\nوقد جاء الأثر عن عائشة ﵂ بلفظ آخر وفيه:\nأن عائشة كانت تقرأ في المصحف وهي تصلي.\n* هكذا بدون ذكر ذكوان وإمامته لها، ولكن إسناد هذا إلى عائشة: ضعيف فقد أخرجه ابن أبي داود [صـ ١٩٢]، من طريق: يونس بن يزيد الأيلى، عن الزهري، عن القاسم، عن عائشة.\n* ورواية يونس، عن الزهري مما تكلم فيه الأئمة:\n* قال الإمام أحمد: يونس كثير الخطأ عن الزهري، وقال أيضًا: في حديث يونس بن يزيد منكرات عن الزهري اهـ[التهذيب ت يونس].\n* كما أن هذا مخالف لما ثبت عن القاسم من إمامة ذكوان لعائشة ﵂.\n* وأخرجه عبد الرزاق [٢/ ٤٢٠]، عن المعتمر بن سليمان، عن أبيه أن عائشة كانت تقرأ … الأثر.\n* وهذا إسناد ضعيف أيضًا للانقطاع بين سليمان وعائشة ﵂.\n(^١) فتح الباري [٢/ ٢١٧]، عمدة القاري [٤/ ٤٠٨].\n(^٢) متفق عليه: أخرجه البخاري [٥١٦]، ومسلم [٥٤٣].","vol":"1","page":364},{"text":"وجه الاستدلال: دل حمل النبي ﷺ لأمامة ووضعه ورفعه لها عند السجود والقيام = على جواز الحركة في الصلاة لحاجة، فيقاس عليه: حمل الإمام المصحف، وتقليبه لصفحاته (^١).\n\nوقد<span data-type='title' id=toc-261> ورد عن بعض التابعين ما يدل على ذلك،</span> من قولهم وفعلهم، ومن ذلك:\n<span data-type='title' id=toc-262>١ - الحسن البصري ومحمد بن سيرين:</span>\nعن منصور: عن الحسن ومحمد قالا: «لا بأس به» (^٢).\nعن أيوب قال: كان محمد لا يرى بأسًا أن يؤم الرجل القوم يقرأ في المصحف (^٣).\nعن الحسن قال: لا بأس أن يؤم في المصحف إذا لم يجد، يعني من يقرأ ظاهرًا (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-263>٢ - محمد بن مسلم بن شهاب الزهري:</span>\nعن محمد بن عبد الله - ابن أخي ابن شهاب، قال: سألت ابن شهاب عن القراءة في المصحف يؤم الناس؟ فقال: لم يزل الناس منذ كان\n_________\n(^١) بهذا قال العلامة ابن باز ﵀، وقال: العمل الكثير إذا كان لحاجة ولم يتوال: لم يضر الصلاة، لحمله ﷺ أمامة بنت زينب في الصلاة، وتقدمه وتأخره في صلاة الكسوف، ولأدلة أخرى مدونة في موضعها، والله أعلم اهـ. [من تعليقه على فتح الباري: ٢/ ٢١٧].\n(^٢) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة [٧٢٢٠]، من طريق شعبة عن منصور.\n(^٣) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة [٧٢١٥]، عن الثقفي، عن أيوب.\n(^٤) حسن بمجموع طرقه: أخرجه ابن أبي شيبة [٧٢٢٢]، من طريق الربيع بن صبيح، وأخرجه ابن أبي داود. [صـ ١٩٢]، من طريقين: أحدهما عن المبارك بن فضالة، والآخر عن إسماعيل بن مسلم المكي ثلاثتهم [الربيع، ومبارك، وإسماعيل]، عن الحسن، والثلاثة متكلم فيهم، لكن الأثر يحسن - إن شاء الله - بمجموع الطرق الثلاثة، والله أعلم.","vol":"1","page":365},{"text":"الإسلام يفعلون ذلك (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-264>٣ - عائشة بنت طلحة بن عبيد الله:</span>\nعن ابن سيرين: عن عائشة ابنة طلحة: أنها كانت تأمر غلامًا - أو إنسانًا - يقرأ في المصحف يؤمها في رمضان (^٢).\nوأما استدلالهم بالنظر؛ فقالوا:\nإن النظر إلى المصحف هو نظر إلى موضع معين، فلا تبطل الصلاة به، كما لو كان حافظًا، وكالنظر إلى القلم (^٣).\nولأن ما جاز قراءته ظاهرًا، جاز نظيره، كالحافظ (^٤).\nكما أن النظر في المصحف عبادة (^٥)، والقراءة عبادة، وانضمام\n_________\n(^١) إسناده حسن: أخرجه ابن أبي داود [صـ ١٩٣]، وفي إسناده إبراهيم بن مروان الطاطري، وهو صدوق.\n(^٢) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة [٧٢١٨]، عن أزهر، عن ابن عون، عن ابن سيرين.\n(^٣) قيام رمضان للمروزي [صـ ٨٤]، المغني [٢/ ٢٨٠].\n(^٤) المغني [٢/ ٢٨١].\n(^٥) هذا الكلام قد روي مرفوعًا وموقوفًا، ولا يصح في الحالين.\nأما المرفوع: فأخرجه تمام في فوائده (١٣٠٤ - الروض البسام) من حديث البراء بن عازب قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «زينوا القرآن بأصواتكم …، والنظر في المصحف عبادة، …» الحديث.\nوهذا إسناد ضعيف، لأن فيه ثلاثة مجاهيل - كما قال صاحب الروض البسام (٤/ ١٠١) -.\nوأخرجه عفيف الدين أبو المعالي في فضل العلم (١/ ١١٥) وابن الجوزي في العلل المتناهية (١٣٨٦)؛ من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «خمس من العبادة؛ قله الطعام عبادة، والقعود في المساجد عبادة، والنظر الى الكعبة عبادة، والنظر في المصحف من غير أن يقرأ عبادة، والنظر في وجه العالم عبادة».\nوهذا إسناد ضعيف أيضا، قال ابن الجوزي: تفرد به همام - ابن مسلم - عن ابن جريج، ولم يروه عنه غير سليمان بن الربيع، قال ابن حبان: همام يسرق الحديث، ويروي\nعن الثقات ما ليس من حديثهم، فبطل الاحتجاج به.، وقال الدارقطني: وسليمان بن الربيع ضعيف، غَيّر أسماء مشائخ، وروى عنهم مناكير. اهـ.\nوذكره الخطيب في المؤتلف والمختلف كما نقل عنه الحافظ في الإصابة (٦/ ٥٩٣) من طريق أبي الوازع ذريح بن الوازع عن أبيه - وكانت له صحبة - قال: قال رسول الله ﷺ: «النظر في المصحف عبادة».\nولم أقف على ترجمة لذريح هذا!\nقال الحافظ: ولهذا المتن طريق أخرى أوردها أبو نعيم من حديث عائشة بسند واه، ولفظه: «كتاب الله»، بدل المصحف. ا. هـ\nوأخرجه ابن الفراتي كما ذكر السيوطي في اللآلئ المصنوعة (١/ ٣١٧) من حديث جابر ابن عبد الله ﵄ عن النبي ﷺ قال: «النظر في المصحف عبادة، ونظر الولد إلى الوالدين عبادة، والنظر إلى علي بن أبي طالب عبادة».\nوهذا إسناد ضعيف جدا، ففيه عباد بن كثير؛ متروك.\nوانظر السلسلة الضعيفة للألباني (٣٥٦، ١٧١٠).\nوأما الموقوف: فأخرجه البيهقي في الشعب (٧٤٧٦) والرافعي في أخبار قزوين (٣/ ٢٩٧) عن ابن مسعود ﵁؛ قال: «النظر إلى الوالدين عبادة، والنظر إلى الكعبة عبادة، والنظر في المصحف عبادة، والنظر إلى أخيك حبا له في الله تعالى عبادة».\nوإسناده ضعيف أيضا، ففيه عمار بن هارون المستملي؛ ضعيف.\nوللحديث طرق أخرى، لا تخلو أسانيدها من مقال، وليس فيها ذكر الشاهد المطلوب - أي: النظر في المصحف عبادة -، والله أعلم بالصواب.","vol":"1","page":366},{"text":"العبادة إلى العبادة لا يوجب الفساد (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-265>القول الثاني: يكره للإمام أن يقرأ من المصحف.</span>\nوبهذا قال أبو يوسف (^٢) ومحمد بن الحسن صاحبا أبي حنيفة - من الحنفية (^٣).\n_________\n(^١) بدائع الصنائع [١/ ٢٣٦].\n(^٢) هو قاضي القضاة يعقوب بن إبراهيم بن حبيب، أبو يوسف (ت ١٨٢ هـ).\n(^٣) قال الكاساني: ولو قرأ من المصحف فصلاته عند أبي يوسف ومحمد تامة، ويكره.\nاهـ. بتصرف يسير [البدائع: ١/ ٢٣٦]، المبسوط [١/ ٢٠١].","vol":"1","page":367},{"text":"ومن قال بهذا القول: لم يحرم القراءة من المصحف على الإمام لما مر من آثار دالة على الجواز، لكن يقول بالكراهة لعلة، وهي: أن في ذلك تشبهًا بأهل الكتاب.\nقال إبراهيم النخعي: كانوا يكرهون أن يؤمهم وهو يقرأ في المصحف فيتشبهون بأهل الكتاب (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-266>وممن جاء عنهم الكراهة لهذا من السلف:</span>\n<span data-type='title' id=toc-267>١ - سويد بن حنظلة ﵁:</span>\nعن عياش العامري: عن سويد بن حنظلة: أنه مر على رجل يؤم قومًا من مصحف، فضربه برجله (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-268>٢ - سعيد بن المسيب:</span>\nعن شعبة قال: سمعت قتادة يحدث عن سعيد في الرجل يصلي في رمضان فيقرأ في المصحف، قال: إذا كان معه ما يقرأ في ليلته فليقرأ به\n_________\n(^١) إسناده صحيح: أخرجه عبد الرزاق [٢/ ٤١٩]، عن الثوري، وابن أبي شيبة [٧٢٢٦]، عن أبي معاوية، كلاهما [الثوري وأبو معاوية]، عن الأعمش، عن إبراهيم النخعي.\n(^٢) إسناده ضعيف: أخرجه ابن أبي داود [صـ ١٩١]، من طريقين، عن وكيع، عن سفيان، عن عياش العامري.\n* وعياش العامري، وإن كان ثقة إلا أنه بعيد في طبقته [وهي الخامسة]، عن الصحابة ولم يذكر أحد ممن ترجم لعياش رواية له عن سويد.\n* والأثر أخرجه ابن أبي شيبة [٧٢٢٤]، أيضًا من طريق وكيع، ولكن تحرف عنده سويد إلى سليمان.\nتنبيه:\nذكر الحافظ في الإصابة [ت سويد بن حنظلة]، عن ابن عبد البر قوله: إنه لا يعلم لسويد غير حديث واحد: «وهو المسلم أخو المسلم …»، وذكر أن الأزدي قال: ما روى عنه إلا ابنته، ثم قال الحافظ: وروى الثوري عن عياش العامري، عن سويد بن حنظلة حديثًا غير هذا، ما أدري هو الصحابي أو غيره. اهـ.\nقلت: ولو لم يكن الصحابي فيزداد الإسناد ضعفًا للجهالة بحال سويد هذا. والله أعلم.","vol":"1","page":368},{"text":"[وفي لفظ: يردده ولا يقرأ في المصحف] (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-269>٣ - الحسن البصري:</span>\nعن الحسن: أنه كرهه، وقال: هكذا تفعل النصارى (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-270>٤ - مجاهد بن جبر:</span>\nعن مجاهد: أنه كرهه [وفي لفظ: كان يكره أن يؤم الرجل من المصحف] (^٣).\nوقد أجاب الشافعي ﵀ عن قولهم هذا - أي: في أنه تشبه بأهل الكتاب بقوله: ما نُهينا عن التشبه بهم في كل شيء، فإنا نأكل مما يأكلون. اهـ (^٤).\n_________\n(^١) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي داود [صـ ١٩٠]، عن بندار، عن غندر، عن شعبة، واللفظ الآخر، عنده أيضًا.\n* وأخرجه ابن أبي شيبة [٧٢٢٩]، عن وكيع، عن هشام، عن قتادة.\n(^٢) إسناده صحيح:\n* أخرجه ابن أبي شيبة [٧٢٣٠]، عن وكيع عن هشام، عن قتادة، عن الحسن.\n* ومن نفس الطريق أخرجه ابن أبي داود [صـ ١٩١].\n* يقول أخونا في الله: أسامة شديد - حفظه الله -[في رسالته حكم قراءة الإمام من المصحف صـ ٣٦، والتي استفدت منها كثيرًا في هذا الباب بعد أن استأذنته في ذلك فأذن جزاه الله خيرًا]:\n* ويمكن الجمع بين الروايتين [أي: ما جاء عن الحسن بالجواز، وجاء عنه بالمنع]، بأن يقال: يمنع إذا وُجد حافظ للقرآن، ويجوز إذا لم يجد الناس حافظًا لكتاب الله ﷿، والله أعلم.\n(^٣) إسناده صحيح: أخرجه عبد الرزاق [٢/ ٤١٩]، عن الثوري عن منصور، عن مجاهد.\n- واللفظ الآخر: أخرجه ابن أبي شيبة [٧٢٢٨]، وابن أبي داود [صـ ١٩٠] = كلاهما من طريق ليث بن أبي سليم، عن مجاهد، وليث وإن كان ضعيفًا لكن يشهد له الذي قبله.\n(^٤) بدائع الصنائع [١/ ٢٣٦].","vol":"1","page":369},{"text":"ويمكن أن يقال أيضًا: لو كان ذلك مكروهًا: ما فعلته عائشة ﵁.\n\n<span data-type='title' id=toc-271>القول الثالث: لا يجوز للإمام أن يقرأ من المصحف، وتبطل الصلاة إذا فعل.</span>\nوبهذا قال أبو حنيفة (^١)، وابن حزم (^٢)، وهو قول عند الحنابلة (^٣).\nواستدل هؤلاء على ذلك بالأثر والنظر:\nأما استدلالهم بالأثر؛ فهو:\nعن عبد الله بن مسعود: عن النبي ﷺ قال: «إن في الصلاة لشغلًا» (^٤).\nوجه الاستدلال:\nقالوا: فصح بهذا أن الصلاة شاغلة عن كل عمل لم يأت في إباحته نص، والنظر في المصحف مما لم يأت فيه نص، فكان الانشغال به عن الصلاة مفسدًا لها (^٥).\n_________\n(^١) قال الكاساني: ولو قرأ من المصحف فصلاته فاسدة عند أبي حنيفة اهـ.\nالمصدر السابق، المبسوط [١/ ٢٠١].\n(^٢) قال ابن حزم: ولا يحل لأحد أن يؤم وهو ينظر ما يقرأ به في المصحف، لا في فريضة ولا نافلة، فإن فعل عالمًا بأن ذلك لا يجوز: بطلت صلاته، وصلاة من ائتم به عالمًا بحاله، عالمًا بأن ذلك لا يجوز اهـ. [المحلى: ٤/ ٤٦، ٢٢٣].\n(^٣) الفروع [١/ ٤٧٩]، الإنصاف [٢/ ١٠٩].\n(^٤) متفق عليه: أخرجه البخاري [١١٩٩]، ومسلم [٥٣٨].\nوقد تكلم بعض أهل العلم في إسناد هذا الحديث، فانظر - تتمة للفائدة، علل ابن أبي حاتم [٢٧٤]، وعلل أحاديث مسلم للهروي [صـ ٨٥]، وفتح الباري لابن رجب [٦/ ٣٦٠ - ٣٦١]، وكذلك كلام أخينا أسامة - وفقه الله - في رسالته، [ص: ٤٣ - ٤٥].\n(^٥) المحلى [٤/ ٢٢٣].","vol":"1","page":370},{"text":"وقد يجاب عن هذا الاستدلال بما يلي (^١).\nأولًا: أن الحديث في النهي عن الكلام في الصلاة، ليس في النهي عن قراءة القرآن من المصحف في الصلاة.\nثانيًا: ثبت عن النبي ﷺ أنه حمل أمامة في الصلاة، يضعها إذا سجد، ويرفعها إذا رفع (^٢).\nثالثًا: ثبت عن النبي ﷺ أنه تقدم وتأخر في صلاة الكسوف (^٣).\nرابعًا: كما ثبت أنه أمسك شيطانًا في الصلاة وخنقه (^٤).\nوهذه كلها أدلة على أن العمل في الصلاة لا يبطلها مطلقًا.\nخامسًا: عُرف - عرفًا - أن القراءة من المصحف لا تشغل المصلي.\nسادسًا: ولو ثبت أن ذلك يشغل الإنسان حتى يسهو في صلاته فأيضًا ليس بمبطل لها، فقد قال النبي ﷺ: «إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ يُصَلِّي، جَاءَ الشَّيْطَانُ فَلَبَسَ عَلَيْهِ، حَتَّى لَا يَدْرِيَ كَمْ صَلَّى، فَإِذَا وَجَدَ ذَلِكَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ» (^٥).\nسابعًا: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى فِي خَمِيصَةٍ لَهَا أَعْلَامٌ، فَقَالَ: «شَغَلَتْنِي أَعْلَامُ هَذِهِ» (^٦)، ولم يرد عنه ﷺ أنه أعاد الصلاة.\nوكل هذه أدلة على أن الانشغال في الصلاة لا يبطلها - مطلقًا -، والله أعلم.\nواستدلوا أيضًا بما روي: عن ابن عباس ﵁ قال: «نهانا أمير\n_________\n(^١) هذا الجواب مستفاد من رسالة «حكم قراءة الإمام من المصحف» [صـ ٤٨].\n(^٢) صحيح: وقد تقدم تخريجه.\n(^٣) متفق عليه: أخرجه البخاري [١٢١٢]، مسلم [٩٠١]، عن عائشة ﵂.\n(^٤) متفق عليه: أخرجه البخاري [٤٦١]، مسلم [٥٤١]، عن أبي هريرة ﵁.\n(^٥) متفق عليه: أخرجه البخاري [١٢٣٢]، مسلم [٣٨٩]، عن أبي هريرة ﵁.\n(^٦) متفق عليه: أخرجه البخاري [٧٥٢]، مسلم [٥٥٦]، عن عائشة ﵂.","vol":"1","page":371},{"text":"المؤمنين عمر ﵁ أن يؤم الناس في المصحف» (^١).\nقالوا: لو كان جائزًا ما نهى عنه عمر، فدل النهي على عدم الجواز.\nوأجيب عليهم: بأن هذا ضعيف الإسناد إلى عمر، فلم يثبت عنه.\nوأما استدلالهم بالنظر؛ فقالوا:\nإن ما يوجد من الإمام من حمل المصحف، وتقليب الأوراق، والنظر فيه، أعمال كثيرة ليست من أعمال الصلاة، ولا حاجة إلى تحملها في الصلاة، فتفسد الصلاة.\nفإن قيل: قياس هذه الطريقة أنه لو كان المصحف موضوعًا بين يديه ويقرأ منه من غير حمل وتقليب الأوراق، أو قرأ ما هو مكتوب على المحراب من القرآن = لا تفسد صلاته لعدم المفسد وهو العمل الكثير.\nقلنا: هناك وجه آخر للبطلان، وهو:\nأن هذا الإمام يلقن من المصحف فيكون تعلمًا منه، فإن من يأخذ من المصحف يسمى مصحفيًّا، ومن لا يحسن قراءة شيء عن ظهر قلب يكون أميًّا يصلي بغير قراءة، فدل على أنه متعلم من المصحف، والتعلم من معلم مفسد للصلاة.\nوعلى هذا: فلا فرق بين أن يكون المصحف موضوعًا بين يديه، أو في يديه (^٢).\n_________\n(^١) إسناده ضعيف جدًّا: أخرجه ابن أبي داود [المصاحف: ١٨٩]، عن محمد بن إبراهيم، عن أبيه قال: سمعت نهشل بن سعيد يحدث عن الضحاك، عن ابن عباس.\n* أما نهشل: فهو متهم بالكذب، وأما الضحاك: فلم يسمع من ابن عباس - كما قال أبو زرعة وغيره -[جامع التحصيل: ١٩٩ - ٢٠٠].\n(^٢) بدائع الصنائع [١/ ٢٣٦].","vol":"1","page":372},{"text":"وقد أجاب القائلون بالبطلان على أدلة المجوزين بقولهم:\n* أما أثر ذكوان «أنه كان يقرأ من المصحف في الصلاة»:\nفإنما المراد منه بيان حاله، وأنه كان لا يقرأ جميع القرآن عن ظهر قلب، والمقصود بيان أن قراءة جميع القرآن في قيام رمضان ليس بفرض (^١).\nكما أن الأثر - إن صح - محمول على أن ذكوان كان يقرأ من المصحف قبل شروعه في الصلاة، أي: ينظر فيه، ويتلقن منه، ثم يقوم فيصلي.\nوقيل: تؤول بأنه كان يفعل بين كل شفعين، فيحفظ مقدار ما يقرأ في الركعتين، فظن الراوي أنه كان يقرأ من المصحف فنقل ما ظن.\nويؤيد ما ذكر: أن القراءة من المصحف مكروهة، ولا يظن بعائشة ﵂ أنه كانت ترضى بالمكروه، وتصلي خلف من يصلي بصلاة مكروهة (^٢).\nوأما حديث حمل النبي ﷺ لأمامة في الصلاة فقد قيل: إنه منسوخ، وقيل: إنه مخصوص بالنبي ﷺ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-272>ثانيًا: القراءة من المصحف في الفرض:</span>\nقريب من الاختلاف الناشئ بين العلماء في الحالة الأولى [في النوافل] = اختلافهم هنا.\nفقد اختلفوا أيضًا في حكم قراءة الإمام من المصحف في الفريضة\n_________\n(^١) المبسوط [١/ ٢٠٢].\n(^٢) البناية شرح الهداية [٢/ ٤٢١].\n(^٣) المصدر السابق، تبيين الحقائق [١/ ٣٩٧ - ٣٩٨ - بحاشية الشيخ الشبلي].","vol":"1","page":373},{"text":"على ثلاثة أقوال وهي:\n\n<span data-type='title' id=toc-273>القول الأول: يجوز للإمام أن يقرأ من المصحف.</span>\nوبهذا قال الشافعية (^١)، والحنابلة (^٢).\nواستدلوا على ذلك: بما استدل به المجوزون للفعل في صلاة النفل.\nقالوا: إن ما جاز في النفل جاز في الفرض، إلا ما استثناه الدليل، ولا دليل هنا على الاستثناء المذكور، فيبقى الأمر على عمومه.\n\n<span data-type='title' id=toc-274>القول الثاني: يكره للإمام أن يقرأ من المصحف.</span>\nوبهذا قال محمد بن الحسن وأبو يوسف من الحنفية (^٣)، وعليه المالكية (^٤)، وهو رواية عند الحنابلة (^٥).\nوأدلتهم هي نفسها المستدل بها عند القائلين بالكراهة في النافلة.\nومن قال منهم بالجواز في النفل كرهه هنا: للانشغال في الصلاة، ولأن النافلة يتجوز فيها ويتساهل فيها بما لا يحدث في الفرض.\n\n<span data-type='title' id=toc-275>القول الثالث: لا يجوز للإمام القراءة من المصحف، وإن فعل: بطلت الصلاة.</span>\n_________\n(^١) المجموع [٤/ ٩٥]، شرح الوجيز [٤/ ١٣٠].\n(^٢) قال البهوتي: (وله)، أي المصلي (القراءة في المصحف، ولو حافظًا) … والفرض والنفل سواء، قاله ابن حامد اهـ. [كشاف القناع: ١/ ٣٦١]، الإنصاف [٢/ ١٠٩].\n(^٣) بدائع الصنائع [١/ ٢٣٦]، المبسوط [١/ ٢٠١].\n(^٤) قال ابن القاسم: وكره [مالك]، ذلك في الفريضة اهـ. [المدونة: ١/ ١٩٤]، الذخيرة [٢/ ٤٠٨]، التاج والإكليل [٢/ ٧٣].\n(^٥) قال أبو داود: سمعت أحمد سئل عن الرجل يؤم في شهر رمضان في المصحف؟ فرخص فيه، قيل: في الفريضة؟ قال: يكون هذا؟!.\nقال أبو داود: على الإنكار اهـ. [مسائل أبي داود: صـ ٩١]، المغني [٢/ ٢٨١]، الإنصاف [٢/ ١٠٩].","vol":"1","page":374},{"text":"وبهذا قال أبو حنيفة (^١)، وابن حزم (^٢)، ورواية عند الحنابلة (^٣).\nوأدلتهم على ذلك: هي نفسها المستدل بها في حالة البطلان في النافلة.\nوقال شيخنا أبو عبد الله - حفظه الله ورعاه -:\nالذي يبدو لي: هو جواز القراءة من المصحف في صلاة النفل على وجه الخصوص مع أن الأولى: بلا شك، تقديم الأقرأ لكتاب الله كي يقرأ من حفظه.\nوالحامل لي على القول بالجواز: تقديم أم المؤمنين عائشة ﵂ مولاها ذكوان للصلاة بها، وأيضًا: الأقيسة على حمل النبي ﷺ أمامة بنت ابنته في الصلاة، فهذا وذاك يدفعان القول بالبطلان.\nولكن يبقى - بلا شك - فضل من قرأ من حفظه، لقول النبي ﷺ: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله»، ولقول النبي ﷺ: «أتقرؤهن عن ظهر قلب». ولقوله ﵊: «يقال لصاحب القرآن - يوم القيامة اقرأ وارتق ورتل، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها». اهـ (^٤).\n_________\n(^١) بدائع الصنائع [١/ ٢٣٦].\n(^٢) المحلى [٤/ ٢٢٣].\n(^٣) الفروع [١/ ٤٧٩]، الإنصاف [٢/ ١٠٩].\n(^٤) من مقدمة الشيخ لرسالة [حكم قراءة الإمام من المصحف: صـ ٥، ٦].","vol":"1","page":375},{"text":"<span data-type='title' id=toc-276>فصل: في حمل المأموم المصحف للفتح على الإمام</span>\nعن ثابت البناني قال: كان أنس يصلي يمسك المصحف خلفه، فإذا تعايا في آية «فتح عليه» (^١).\nقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين (^٢):\nالذي نرى أن المأموم لا يحمل المصحف إلا للضرورة إلى ذلك، مثل أن يقول الإمام لأحد من الناس: أنا لا أضبط القراءة، فأريد أن تكون خلفي تتابعني في المصحف، فإذا أخطأت ترد علي.\nأما فيما عدا ذلك فإنه أمر لا ينبغي، لما فيه من انشغال الذهن والعمل الذي لا داعي له، وفوات السنة بوضع اليد اليمني على اليسرى فوق الصدر، فالأولى أن لا يفعله الإنسان إلا للحاجة التي أشرت إليها. اهـ (^٣).\nوقال شيخنا - حفظه الله -:\nوأما ما يفعله بعض المصلين من كونهم هم الآخرون يتابعون الإمام وينظرون في المصاحف: فهذا صنيع لم أطلع عليه لسلفنا الصالحين\n_________\n(^١) إسناده حسن: أخرجه ابن أبي شيبة [٧٢٢٣]، عن يحيى بن آدم، البيهقي [٣/ ٢١٢]، من طريق: أبي نعيم = كلاهما، عن عيسى بن طهمان عن ثابت البناني.\n* وهذا إسناد حسن لبعض الكلام اليسير في عيسى، والله أعلم.\n* هذا: ومسألة الفتح على الإمام خاصة قد عقدت لها - بفضل الله - بابًا مستقلًّا في هذا الكتاب، وبينت فيه أقوال العلماء فيها، وإنما الكلام هنا على حمل المأموم المصحف - خاصة -، لا على الفتح على الإمام.\n(^٢) ردًّا على سؤال في هذه المسألة [فتاوى رمضان: ٢/ ٨١١].\n(^٣) نقلًا عن [حكم قراءة الإمام من المصحف: ٥٨ - ٥٩].","vol":"1","page":376},{"text":"﵏، وإن جوزنا فالتجويز للإمام، إذ الأصل في الصلاة الخشوع فيها، وعدم منازعة الإمام، وإن في الصلاة لشغلًا، كما قال النبي ﷺ (^١).\n_________\n(^١) المصدر السابق [صـ ٦].","vol":"1","page":377},{"text":"<span data-type='title' id=toc-277>٣١ - عد الآي والتسبيح في الصلاة</span>\nبداية: قبل ذكر أقوال الفقهاء في مسألتنا هنا = أبين ما الفائدة من ذكر هذه المسألة، ومن المحتاج إليها.\nيقول الشيخ ابن عثيمين ﵀:\nوهذا - أي: عد الآي - قد يكون له حاجة، وقد لا يكون له حاجة، فمن الحاجة: إذا كان الإنسان لا يعرف الفاتحة، وأراد أن يقرأ بعدد آياتها من القرآن فهو حينئذ يحتاج إلى العدد، وإلا: فالغالب أنه لا يحتاج إلى عد الآى.\nثم قال عن عد التسبيح:\nوهذا قد يحتاج إليه الإنسان، خصوصًا الإمام، لأن الإمام حدد الفقهاء التسبيح له بعشر تسبيحات، قالوا: أكثر التسبيح للإمام عشر، وأدنى الكمال ثلاث. اهـ (^١).\nولأن المسألة ليس لها كبير انتشار: فلن نطيل النفس فيها، وإنما نقول على عجالة وباختصار.\nللعلماء في مسألة عد الآي والتسبيح في الصلاة = قولان، وهما:\n\n<span data-type='title' id=toc-278>القول الأول: لا بأس بعد الآي والتسبيح في الصلاة.</span>\nوبهذا قال: أبو يوسف ومحمد بن الحسن من الحنفية (^٢)،\n_________\n(^١) الشرح الممتع [٣/ ٢٠٥].\n(^٢) بدائع الصنائع [١/ ٢١٦]، فتح القدير [١/ ٤١٨].","vol":"1","page":378},{"text":"والمالكية (^١)، والشافعية (^٢)، والحنابلة (^٣).\nواستدلوا على ذلك بما جاء عن التابعين من الأثر، وكذلك بالنظر.\nأما استدلالهم بالأثر: فهو ما جاء عن كل من:\n١ - سعيد بن جبير:\nعن يحيى بن عتيق عن سعيد: أنه كان يعد الآي في الصلاة (^٤).\n٢ - طاوس ونافع:\nعن أيوب قال: رأيت طاوسًا ونافعًا يعدان الآي في الصلاة (^٥).\n٣ - عبد الله بن أبي مليكة:\nعن إسماعيل بن عبد الملك قال: رأيت ابن أبي مليكة يعد الآي في الصلاة، فقلت له، فقال: إنه أحفظ (^٦).\n٤ - محمد بن سيرين:\nعن خالد الحذاء: عن ابن سيرين: أنه كان يعد الآي بشماله في الصلاة (^٧).\n_________\n(^١) منح الجليل [١/ ٢٧٢]، التاج والإكليل [١/ ٥٢٥].\n(^٢) قال النووي وقد نقل أصحابنا نص الشافعي: أنه لا بأس بعد الآيات، لكن قالوا: هو خلاف الأولى اهـ. [المجموع: ٤/ ٩٩].\n(^٣) المغني [٢/ ٣٩٧]، الإنصاف [٢/ ٩٥].\n(^٤) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة [٤٩٠٠]، عن وكيع، عن حماد بن سلمة، عن يحيى.\n(^٥) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة [٤٨٩٧]، عن ابن علية، عن أيوب.\n(^٦) إسناده حسن: أخرجه ابن أبي شيبة [٤٩٠٢]، عن وكيع، عن إسماعيل، وهذا إسناد حسن للكلام في إسماعيل.\n(^٧) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة [٤٨٩٨]، عن وكيع، عن سفيان، عن خالد.","vol":"1","page":379},{"text":"٥ - الحسن البصري:\nعن الحسن قال: لا بأس أن يعد في الصلاة إذا خاف النسيان (^١).\n٦ - إبراهيم النخعي:\nعن إبراهيم أنه لم يكن يرى بعد الآي في الصلاة بأسًا (^٢).\nقالوا: - أي أصحاب القول الأول - فهؤلاء التابعون جميعًا لا يعرف لهم مخالف في عصرهم، مع أن الظاهر أن ذلك ينتشر ولا يخفى، فيكون إجماعًا (^٣).\nوأما استدلالهم بالنظر؛ فقالوا:\nإن العد يحتاج المصلي إليه لمراعاة السنة في قدر القراءة، وعدد التسبيح (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-279>القول الثاني: يكره عد الآي والتسبيح في الصلاة:</span>\nوبهذا قال أبو حنيفة (^٥)، ونُقل عن الشافعي (^٦)، وهو وجه عند الحنابلة (^٧).\n_________\n(^١) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة [٤٨٩٤]، عن هشيم، عن يونس، عن الحسن وهذا إسناد صحيح - إن سلم من تدليس هشيم -، وله طريق آخر، عن الحسن عند ابن أبي شيبة أيضًا [٤٩٠٥].\n(^٢) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة [٤٨٩٩]، عن وكيع، عن سفيان، عن منصور عن إبراهيم، وله طريق آخر عنده [٤٨٩٣]، عن هشيم أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم.\n(^٣) المغني [٢/ ٣٩٧].\n(^٤) بدائع الصنائع [١/ ٢١٦].\n(^٥) المصدر السابق، ونقل الكاساني، عن أبي حنيفة رواية أخرى، وهي: أنه كره ذلك في الفرض، ورخص في التطوع.\n(^٦) نقله ابن قدامة [المغني: ٢/ ٣٩٧].\n(^٧) الإنصاف [٢/ ٩٥].","vol":"1","page":380},{"text":"واستدلوا على ذلك بالنظر؛ فقالوا:\nإن هذا العد ليس من أعمال الصلاة، فالقليل منه إن لم يفسد الصلاة فلا أقل من أن يوجب الكراهة، ولا حاجة إلى العد باليد في الصلاة، فإنه يمكنه أن يعد خارج الصلاة مقدار ما يقرأ، أو يعد بقلبه (^١).\nتنبيه:\nقال ابن الهمام الحنفي: محل الخلاف: فيما عد بالأصابع أو بخيط يمسكه، أما إذا أحصى بقلبه، أو غمز بأنامله = فلا كراهة. اهـ (^٢).\n_________\n= - ونقل ابن قدامة، عن أحمد قوله: أما عد الآي فقد سمعنا، وأما عد التسبيح فما سمعنا، وعلق ابن قدامة بقوله: وإنما توقف أحمد عن عد التسبيح؛ لأن المنقول عمن ذكرناهم - من التابعين - عد الآي. اهـ. [المغني: ٢/ ٣٩٧].\n- وقال ابن عقيل: لا يكره عد الآي وجهًا واحدًا، وفي كراهة عد التسبيح وجهان اهـ. [الإنصاف: ٢/ ٩٥].\n(^١) بدائع الصنائع [١/ ٢١٦].\n(^٢) فتح القدير [١/ ٤١٨].","vol":"1","page":381},{"text":"<span data-type='title' id=toc-280>٣٢ - الاستخلاف</span>\n<span data-type='title' id=toc-281>الاستخلاف لغة:</span>\nمصدر استخلف فلان فلانًا إذا جعله خليفة، ويقال: خلف فلان فلانًا على أهله وماله = صار خليفته، وخلفته: جئت بعده، فخليفة يكون بمعنى فاعل وبمعنى مفعول (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-282>واصطلاحًا:</span>\nهو استنابة الإمام غيره من المأمومين لتكميل الصلاة بهم لعذر قام به (^٢).\nفمسألتنا: حول رجل دخل في الصلاة إمامًا لقوم، ثم سبقه الحدث، أو طرأ له شيء منعه من إكمال الصلاة، فيقدم رجلًا من المأمومين مكانه لاستكمال الصلاة، أي: استخلف رجلًا مكانه.\nوهذه المسألة: - أعني: الاستخلاف - اختلف أهل العلم في جوازها من عدمه على قولين: وهما:\n\n<span data-type='title' id=toc-283>القول الأول: وهو أن الاستخلاف جائز.</span>\nوبهذا قال الحنفية (^٣)،\n_________\n(^١) معجم مقاييس اللغة، ولسان العرب، والمصباح المنير = مادة (خلف).\n(^٢) الشرح الصغير [١/ ٤٦٥].\n(^٣) بدائع الصنائع [١/ ٢٢٤]، المبسوط [١/ ١٧٧]، فتح القدير [١/ ١٧٧].\nونقل ابن حزم، عن أبي حنيفة تفصيلًا في المسألة، فقال: قال أبو حنيفة: إن أحدث الإمام وهو ساجد فرفع رأسه، ولم يكبر واستخلف = جاز ذلك، وصلاتهم كلهم تامة، فلو كبر ثم استخلف: بطلت صلاة الجميع اهـ. [المحلى ٤/ ٢٢٠].","vol":"1","page":382},{"text":"والمالكية (^١)، والشافعية على الأظهر (^٢) وإحدى الروايتين عند الحنابلة واختارها جمهورهم (^٣).\nواستدل هؤلاء بالأثر والنظر:\nأما استدلالهم بالأثر؛ فهو:\nالدليل الأول: عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَهَبَ إِلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ لِيُصْلِحَ بَيْنَهُمْ، فَحَانَت الصَّلَاةُ، فَجَاءَ الْمُؤَذِّنُ إِلَى\n_________\n(^١) المدونة [١/ ١٣٥]، الذخيرة [٢/ ٢٧٩]، الشرح الكبير [١/ ٣٤٩ - ٣٥٣]، التاج والإكليل [٢/ ١٥٩]، وهم يقولون: إنه مندوب في غير الجمعة، وواجب فيها؛ لأنه ليس للمأمومين أن يصلوا الجمعة فرادى.\n(^٢) قال النووي: قال أصحابنا: إذا خرج الإمام من الصلاة … ففي جواز الاستخلاف قولان، أظهرهما وهو الجديد: جوازه اهـ. [المجموع مع المهذب: ٤/ ٥٧٦]، فهذا قول الشافعي في الجديد وكذا نقل الخطيب الشربيني [مغني المحتاج: ١/ ٤٤٥].\nونص كلام الشافعي في الأم [٢/ ٣٥١]، مفاده أنه يرى الجواز، وإن كان يختار للمأمومين أن يتموا الصلاة فرادى بدلًا من الاستخلاف، ذكرت ذلك لأن هناك خطأ وقع في الموسوعة الكويتية [٣/ ٢٥٢]، حيث ذكروا أن هذا قول الشافعي في القديم، والصحيح المثبت هنا - والله أعلم -\n(^٣) المغني [٢/ ٥٠٧]، الإنصاف [٢/ ٣٠٢]، كشاف القناع [١/ ٣٠٠].\nتنبيه:\n* نقل ابن قدامة قائلًا: عن الإمام أحمد أنه قال: كنت أذهب إلى جواز الاستخلاف، وجبنت عنه اهـ.\n* وعلق ابن قدامة: قوله «جبنت عنه»، يدل على التوقف اهـ. [المغني: ٢/ ٥٠٧].\n* قلت (القائل أحمد): وقد فسر المرداوي معنى هذه الكلمة، فقال: إذا سئل الإمام أحمد عن شيء فقال: «أجبن عنه»، فجملة المذهب أنه إذن منه بأنه مذهبه، وأنه ضعيف لا يقوى القوة التي يقطع بها، ولا يضعف الضعف الذي يوجب الرد اهـ.\n[الفتح المبين في تعريف مصطلحات الفقهاء والأصوليين - د/ محمد الحفناوي: صـ ١٨٥ - ١٨٦].","vol":"1","page":383},{"text":"أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: أَتُصَلِّي بِالنَّاسِ، فَأُقِيمُ؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: فَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسُ فِي الصَّلَاةِ، فَتَخَلَّصَ حَتَّى وَقَفَ فِي الصَّفِّ، فَصَفَّقَ النَّاسُ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ لَا يَلْتَفِتُ فِي الصَّلَاةِ، فَلَمَّا أَكْثَرَ النَّاسُ التَّصْفِيقَ الْتَفَتَ فَرَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ امْكُثْ مَكَانَكَ، فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ يَدَيْهِ فَحَمِدَ اللَّهَ ﷿ عَلَى مَا أَمَرَهُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ اسْتَأْخَرَ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى اسْتَوَى فِي الصَّفِّ، وَتَقَدَّمَ النَّبِيُّ ﷺ فَصَلَّى، ثُمَّ انْصَرَفَ فَقَالَ: «يَا أَبَا بَكْرٍ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَثْبُتَ إِذْ أَمَرْتُكَ؟»، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا كَانَ لِابْنِ أَبِي قُحَافَةَ أَنْ يُصَلِّيَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا لِي رَأَيْتُكُمْ أَكْثَرْتُمْ التَّصْفِيقَ، مَنْ نَابَهُ شَيْءٌ فِي صَلَاتِهِ فَلْيُسَبِّحْ، فَإِنَّهُ إِذَا سَبَّحَ الْتُفِتَ إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا التَّصْفِيحُ لِلنِّسَاءِ» (^١).\nالدليل الثاني: عن عائشة ﵂: أن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أرسل إِلَى أَبِي بَكْرٍ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ في مرض موته، قَالَتْ فَصَلَّى بِهِمْ أَبُو بَكْرٍ تِلْكَ الْأَيَّامَ، ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَجَدَ مِنْ نَفْسِهِ خِفَّةً، فَخَرَجَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا الْعَبَّاسُ لِصَلَاةِ الظُّهْرِ، وَأَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ، فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بَكْرٍ ذَهَبَ لِيَتَأَخَّرَ، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ لَا يَتَأَخَّرَ، وَقَالَ لَهُمَا: «أَجْلِسَانِي إِلَى جَنْبِهِ»، فَأَجْلَسَاهُ إِلَى جَنْبِ أَبِي بَكْرٍ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي وَهُوَ قَائِمٌ بِصَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ، وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ …» الحديث (^٢).\nوجه الاستدلال: أن أبا بكر - في الحديثين - بعد أن كان إمامًا للناس، وحضر النبي ﷺ انتقل مأمومًا واستخلف النبي ﷺ ليؤم الناس ويتم الصلاة، ولم ينكر النبي ﷺ عليه ذلك، فلو كان الفعل غير جائز لنبه عليه النبي ﷺ إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة (^٣).\n_________\n(^١) متفق عليه: أخرجه البخاري (١٢٠١)، مسلم (٤٢١).\n(^٢) متفق عليه: أخرجه البخاري (٦٦٤)، مسلم (٤١٨).\n(^٣) المجموع [٤/ ٢٤٢].","vol":"1","page":384},{"text":"وكذلك استدلوا بما جاء عن بعض الصحابة أنفسهم، مثل:\nالدليل الثالث: أثر عمر بن الخطاب ﵁:\nعَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قَالَ: إِنِّي لَقَائِمٌ مَا بَيْنِي وَبَيْنَ عمر بن الخطاب إِلَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ غَدَاةَ أُصِيبَ، وَكَانَ إِذَا مَرَّ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ قَالَ: اسْتَوُوا، حَتَّى إِذَا لَمْ يَرَ فِيهِنَّ خَلَلًا تَقَدَّمَ فَكَبَّرَ، وَرُبَّمَا قَرَأَ سُورَةَ يُوسُفَ، أَوْ النَّحْلَ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى، حَتَّى يَجْتَمِعَ النَّاسُ، فَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ كَبَّرَ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: قَتَلَنِي، أَوْ أَكَلَنِي الْكَلْبُ حِينَ طَعَنَهُ …، وَتَنَاوَلَ عُمَرُ يَدَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فَقَدَّمَهُ، فَمَنْ يَلِي عُمَرَ فَقَدْ رَأَى الَّذِي أَرَى، وَأَمَّا نَوَاحِي الْمَسْجِدِ، فَإِنَّهُمْ لَا يَدْرُونَ غَيْرَ أَنَّهُمْ قَدْ فَقَدُوا صَوْتَ عُمَرَ، وَهُمْ يَقُولُونَ: سُبْحَانَ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ، فَصَلَّى بِهِمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ صَلَاةً خَفِيفَةً». الحديث (^١)\nوجه الاستدلال: قالوا: فهذا عمر أخذ بيد عبد الرحمن فقدمه، استخلافًا منه له ليتم الصلاة، وكان ذلك بمحضر من الصحابة وغيرهم، ولم ينكره منكر، فكان إجماعًا منهم (^٢).\nوقد جاء عن عمر نفسه آثار أخرى في الاستخلاف، منها:\nأنه كان يصلي يومًا للناس، فلما جلس في الركعتين الأوليين أطال الجلوس، فلما استقبل قائمًا نكص خلفه، وأخذ بيد رجل من القوم فقدمه مكانه، فلما خرج إلى العصر صلى للناس، فلما انصرف أخذ بجناح المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد أيها الناس، فإني توضأت للصلاة، فمررت بامرأة من أهلي، فكان مني ومنها ما شاء الله أن يكون، فلما كنت في صلاتي وجدت بللًا، فخيرت نفسي بين أمرين:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري [٣٧٠٠].\n(^٢) المغني [٢/ ٥٠٧].","vol":"1","page":385},{"text":"إما أن أستحيي منكم وأجترئ على الله، وإما أن أستحيي من الله وأجترئ عليكم، فكان أن أستحيي من الله وأجترئ عليكم = أحب إليَّ، فخرجت فتوضأت وجددت صلاتي، فمن صنع كما صنعته: فليصنع كما صنعت (^١).\nومنها أيضًا: أنه كان يصلي بأصحابه فرعف، فأخذ بيد رجل فقدمه، ثم ذهب فتوضأ، ثم جاء فصلى ما بقي عليه من صلاته، ولم يتكلم (^٢).\n_________\n(^١) في سنده مقال: أخرجه ابن المنذر [الأوسط: ٤/ ٢٤١]، والبيهقي [٣/ ١١٤]، وابن عساكر [تاريخ دمشق: ١٩/ ٤] = كلهم من طريق ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال، عن زرعة بن إبراهيم، عن خالد بن اللجلاج أن عمر بن الخطاب … الحديث.\n* أما خالد: فصدوق فقيه، وأثبت له البخاري [في تاريخه الكبير]، السماع من عمر، ثم جاء المزى فذكر أن روايته، عن عمر مرسلة، وعنه نقل العلائي في جامع التحصيل، ولم يبين المزي سلفه فيما قال أو مستندًا له، وعليه فقول البخاري أولى بلا شك.\n* لكن زرعة بن إبراهيم، قال عنه أبو حاتم: ليس بالقوي، يكتب حديثه، وقال ابن حبان: يعتبر بحديثه من غير رواية بقية عنه، لكن أبا نعيم قال: ليس بثقة ولا مأمون، ثم ذكر ابن عساكر في ترجمته: أنه كان يضع الحديث، وأنه كان يهوديًّا ساحرًا، ثم أسلم [انظر ترجمته في اللسان]، وعليه فهو علة الإسناد.\n* والأثر أخرجه ابن المنذر [٤/ ٢٤١]، من طريق آخر، وهو طريق أبي الوليد، عن محمد ابن ثابت، عن جبلة بن عطية، عن إسحاق بن عبد الله بن الحارث، عن ابن عباس قال: خرج علينا عمر لصلاة العصر، فلما دخل في الصلاة فكبر قدم رجلًا … وذكر الحديث.\n* وفي الإسناد: محمد بن ثابت العبدي، ملخص حاله - كما قال أبو أحمد الحاكم: ليس بالمتين عندهم.\n(^٢) إسناده ضعيف: أخرجه ابن المنذر [١/ ١٦٩]، من طريق حجاج بن أرطاة، عن خالد ابن سلمة، عن محمد بن الحارث بن أبي ضرار، وهذا إسناد ضعيف للكلام في حجاج ولأنه مدلس وقد عنعن، وابن أبي ضرار لم أقف على أحد وثقة، وإنما ذكره ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» فقط، ولم يذكر فيه شيئًا.","vol":"1","page":386},{"text":"الدليل الرابع: أثر علي بن أبي طالب ﵁.\nعن أبي رزين قال: صليت خلف علي بن أبي طالب فرعف، فالتفت فأخذ بيد رجل فقدمه فصلى، وخرج عليّ (^١).\nوأما استدلالهم بالنظر؛ فقالوا:\nإن المأمومين بهم حاجة إلى تمام صلاتهم بالإمام، وقد التزم الإمام بذلك، فإذا عجز عن الوفاء بما التزم بنفسه: يستعين بمن يقدر عليه نظرًا لهم، كي لا تبطل الصلاة عليهم بالمنازعة (^٢).\nقالوا: يستخلف الإمام قياسًا على ولاية القضاء وغيرها، بجامع تحصيل المصلحة ورفع المنازعة (^٣).\nوقال ابن حزم - في معرض استدلاله على استحسان الاستخلاف -:\nولأن فرضًا على الناس أن يصلوا في جماعة، فلا بد لهم من إمام، إما باستخلاف إمامهم، وإما باستخلاف أحدهم، وإما بتقدم أحدهم (^٤).\nومع اتفاق الفقهاء - السالف ذكرهم - على جواز الاستخلاف: فقد حدث بينهم شيء من التباين في أسباب هذا الاستخلاف:\nفيرى الحنفية أن سبب الاستخلاف:\nأن يسبق الإمام الحدث الذي لا اختيار له فيه، أو أن يعجز عن قراءة\n_________\n(^١) إسناده حسن: أخرجه البيهقي [٣/ ١١٤]، من طريق عبد الواحد بن زياد، وابن المنذر [٤/ ٢٤١]، من طريق عبد الرزاق، عن أبي بكر بن عياش = كلاهما [أبو بكر وعبد الواحد]، عن إسماعيل بن سميع، حدثنا أبو رزين - مسعود بن مالك-.\nوهذا إسناد حسن لأجل ابن سميع، فإنه: صدوق - كما قال الحافظ -.\n(^٢) بدائع الصنائع [١/ ٢٢٤].\n(^٣) الذخيرة [٢/ ٢٧٩].\n(^٤) المحلى [٤/ ٢٢٠].","vol":"1","page":387},{"text":"القدر المفروض على رأي أبي حنيفة وأبي يوسف.\nولا يجوز عندهم الاستخلاف مع الحدث العمد والكلام والقهقهة، وسائر نواقض الصلاة.\nوذكروا أن للاستخلاف شروطًا، وهي نفسها شروط البناء عندهم (^١)، إلا أنهم أضافوا عليها:\n١ - أن يكون الاستخلاف قبل خروج الإمام من المسجد، فلو خرج من المسجد قبل أن يقدم هو أو يقدم القوم إنسانًا أو يتقدم أحد بنفسه = فصلاة القوم فاسدة.\n٢ - أن يكون المقدم - المستخلف - صالحًا للخلافة، فلو قدم محدثًا (^٢)، أو صبيًّا (^٣)، أو امرأة (^٤) = فسدت صلاتهم (^٥).\nوأما المالكية: فسبب الاستخلاف عندهم هو:\nكل إمام خشى بتماديه في صلاته تلف مال [له أو لغيره]، أو نفس، أو منع الإمامة لعجز - عن ركن لا سنة - أو منع الصلاة برعاف، أو سبق حدث - خرج منه غلبة في صلاته، أو تذكر الحدث بعد دخوله فيها = له أن يستخلف (^٦).\nومما ذكر: يتبين أن المالكية أكثر سعة في سبب الاستخلاف من الحنفية، إلا أن أكثر المذاهب سعة في هذا الأمر هم:\nالشافعية: فإنهم أجازوا الاستخلاف بسبب حدث تعمده الإمام، أو\n_________\n(^١) وهي ثلاثة عشر شرطًا، عدها الحصكفي في «الدر المختار» [٢/ ٣٥١].\n(^٢) تقدم الكلام على حكم إمامة هؤلاء جميعًا، فانظر قول الحنفية وأدلتهم هناك.\n(^٣) تقدم الكلام على حكم إمامة هؤلاء جميعًا، فانظر قول الحنفية وأدلتهم هناك.\n(^٤) تقدم الكلام على حكم إمامة هؤلاء جميعًا، فانظر قول الحنفية وأدلتهم هناك.\n(^٥) بدائع الصنائع [١/ ٢٢٥ - ٢٢٦].\n(^٦) الشرح الكبير [١/ ٣٤٩ - ٣٥١].","vol":"1","page":388},{"text":"نسيه، أو سبقه، أو برعاف، أو بأي سبب آخر، بل: ويجوز الاستخلاف عندهم بلا سبب (^١).\nوأما الحنابلة: فيقولون: إن سبب الاستخلاف عندهم:\nحدوث مرض للإمام، أو خوف، أو عجز عن القراءة الواجبة ونحوه، كالتكبير، أو التسميع، أو التشهد، أو السلام، أو سبقه الحدث، وذلك على الرواية المذكورة هنا.\nأما إذا تذكر الحدث في الصلاة، أو سبقة الحدث فيها - على الرواية الثانية: فعند ذلك لا يصح منه الاستخلاف لبطلان الصلاة (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-284>هيئة خروج الإمام من الصلاة واستخلافه:</span>\nقال الفقهاء: وينبغي للإمام إذا أحدث أن يخرج من الصلاة محدوب الظهر واضعًا يده على أنفه، ليوهم أنه رعف، وتنقطع عنه الظنون (^٣).\nواستدلوا على ذلك بالأثر - زيادة على ما ذكروه من النظر -، وهو:\n* عن عائشة ﵂ قالت: قال النبي ﷺ: «إذا أحدث أحدكم في صلاته: فليأخذ بأنفه، ثم لينصرف» (^٤).\n_________\n(^١) المجموع [٤/ ٥٧٦]، مغني المحتاج [١/ ٤٤٤].\n(^٢) كشاف القناع [١/ ٢٩٩].\n(^٣) فتح القدير [١/ ٣٧٨]، الذخيرة [٢/ ٢٨١].\n(^٤) إسناده ضعيف: مُعل بالإرسال: أخرجه ابن خزيمة [١٠١٩]، وابن حبان [٢٢٣٨]، وابن ماجه [١٢٢٢]، والدارقطني [١/ ١٥٧] = كلهم من طريق عمر بن علي المقدمي، وأخرجه ابن الجارود [٢٢٢]، وابن حبان [٢٢٣٩]، والترمذي [العلل الكبير: ١٧٠]، والحاكم [٦٥٦]، والدارقطني [١/ ١٥٨] = كلهم من طريق: الفضل بن موسى، وأخرجه أبو داود [١١١٠]، والحاكم [٦٥٥]، والدارقطني [١/ ١٥٨]، والبيهقي [٣/ ٢٢٣] = كلهم من طريق ابن جريج، وأخرجه الدارقطني [١/ ١٥٧]، من طريق: محمد بن بشر العبدي، وأخرجه ابن أبي داود [مسند عائشة: ١/ ٧٣]، من طريق عبدة بن سليمان، وأخرجه ابن ماجه [١٢٢٢]، من طريق عمر بن قيس.","vol":"1","page":389},{"text":"وأما عن<span data-type='title' id=toc-285> كيفية الاستخلاف:</span>\nفللإمام أن يأخذ بثوب الرجل المستخلف إلى المحراب، أو يشير\n_________\n* جميعهم [المقدمي، والفضل، وابن جريج، وابن بشر، وعبدة، وابن قيس]، عن هشام ابن عروة، عن أبيه، عن عائشة.\n* قال الحاكم: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه اهـ.\n* وقال البوصيري: إسناده صحيح، ورجاله ثقات. اهـ. [الزوائد: ٤٣٤].\n* قلت: فيما قالاه - ووافقه عليهما غيرهما - نظر للآتي:\n* فقد خالف هؤلاء جماعةٌ آخرون، وهم:\n* الثورى - وحسبك به -[عبد الرزاق ١/ ١٤٠]، وحماد بن سلمة، وأبو أسامة [كما ذكر أبو داود عقب الرواية الأولى]، وشعبة وزائدة وابن المبارك وشعيب بن إسحاق وعبيدة بن سليمان [ذكرهم البيهقي: ٢/ ٢٥٤].\n* هؤلاء جميعًا رووا الحديث، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن النبي ﷺ مرسلًا، لم يذكروا عائشة!\n* قال الترمذي: هشام بن عروة، عن أبيه أن النبي ﷺ: أصح من حديث الفضل بن موسى [يعني المتصل]، اهـ[العلل الكبير: ١٧٠].\n* وبنظرة فاحصة إلى الطرفين [المتصل والمرسل]، أعني الرواة والمرجحين: لا نحتاج كبير وقت لنقدم المرسل، ولولا كلام الإمام الترمذي لقلنا: إن هشامًا رواه على الوجهين [انظر شرح علل الترمذي: ٧٦٩]، ولكن الترمذي حسم الأمر.\n* هذا، وثم اختلاف آخر - يسير - في المتن:\n* قال أبو داود: رواه حماد وأبو أسامة، عن هشام، عن أبيه عن النبي ﷺ: «إذا دخل والإمام يخطب» اهـ.\n* قلت: وقد أورده أبو داود في سننه في أبواب الجمعة، وترجم له بـ «باب استئذان المحدث للإمام»، خلافًا لابن ماجه، وابن خزيمة وابن حبان، حيث ترجموا له بـ «انصراف المصلي إذا أحدث».\n* وقال البيهقي: ورواه الثوري، عن هشام مرسلًا: «إذا أحدث أحدكم يوم الجمعة فليمسك على أنفه، ثم لينصرف». اهـ. [السنن: ٣/ ٢٢٣].\n* قلت: ورواية الثوري التي عند عبد الرزاق: ليست بهذا اللفظ، وإنما باللفظ المذكور في الأدلة، فالله أعلم بالصواب.","vol":"1","page":390},{"text":"إليه (^١).\nوإن استخلف بالكلام فلا شيء عليه، لأنه بالخروج خرج عن كونه إمامًا (^٢).\nويستخلف من الصف الذي يليه لقربه من التقدم إلى مقام الإمام، ولذلك قال ﵇: «ليليني منكم أولو الأحلام والنهى» (^٣) (^٤).\nوأما المستخلف: فإنه يتم الصلاة من الموضع الذي وصل إليه الإمام؛ لأنه قائم مقامه (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-286>القول الثاني: لا يصح الاستخلاف بحال.</span>\nوبهذا قال الشافعي في القديم، وهو القول الثاني للشافعية (^٦)، والرواية الأخرى عند الحنابلة (^٧).\nواستدلوا على هذا بالأثر والنظر.\nأما استدلالهم بالأثر؛ فهو:\nالدليل الأول: ما جاء عن النبي ﷺ أنه خرج إلى الصلاة وكبر، ثم أشار إليهم فمكثوا، ثم انطلق فاغتسل وكان رأسه يقطر ماءً فصلى بهم، فلما انصرف قال: إني خرجت إليكم جنبًا، وإني نسيت حتى قمت في\n_________\n(^١) فتح القدير [١/ ٣٧٨]، التاج والإكليل [٢/ ١٥٩].\n(^٢) المدونة [١/ ١٣٥]، الذخيرة [٢/ ٢٨٠].\n(^٣) أخرجه مسلم [٤٣٢]، عن أبي مسعود الأنصاري ﵁.\n(^٤) الذخيرة [٢/ ١٨١].\n(^٥) بدائع الصنائع [١/ ٢٢٥]، وقال المواق المالكي: قال ابن عرفة: يتم المستخلف قراءة الأول إن سمعه عند الجمهور. اهـ. [التاج والإكليل: ٢/ ١٥٩]، مغني المحتاج [١/ ٤٤٦].\n(^٦) المجموع [٤/ ٥٧٦]، مغني المحتاج [١/ ٤٤٥].\n(^٧) المغني [٢/ ٥٠٧]، الإنصاف [٢/ ٣٢]، كشاف القناع [١/ ٢٩٩].","vol":"1","page":391},{"text":"الصلاة (^١).\nوجه الاستدلال: أن النبي ﷺ لما تذكر أنه جنب، خرج من صلاته، ولم يستخلف أحدًا من الصحابة ليتم بهم الصلاة، ولو كان جائزًا لفعله رسول الله ﷺ (^٢).\nوأجاب أصحاب القول الأول عليهم بقولهم:\nإن الحديث بهذا السياق ضعيف، مخالف لما في الصحيحين.\nوإن صح الحديث: فهو دليل على أن تقدم الجنابة: - من الإمام - لا يمنع الاقتداء به - ناسيًا -، وإذا صح الاقتداء في الحالتين: صح الاستخلاف فيهما، قياسًا لإحداهما على الأخرى (^٣).\nالدليل الثاني: عن خالد بن عبد الله بن رباح السلمي: أنه صلى مع معاوية يوم طعن بإيلياء ركعة، وطعن معاوية حين قضاها، فأراد أن يرفع رأسه من سجوده، فقال معاوية للناس: أتموا صلاتكم، فقام كل امرئ فأتم صلاته، ولم يقدم أحدًا، ولم يقدمه الناس (^٤).\nوجه الاستدلال: أن معاوية لما طعن ما قدم أحدًا ليتم للناس الصلاة،\n_________\n(^١) ضعيف بهذا السياق: وقد تقدم في المسألة التاسعة من هذا الكتاب.\n(^٢) الذخيرة [٢/ ٢٧٩].\n(^٣) المصدر السابق.\n(^٤) إسناده ضعيف: أخرجه البيهقي [٣/ ١١٤]، والبخاري [التاريخ الكبير - ت خالد بن عبد الله بن رباح] كلاهما من طريق الوليد بن مسلم ثنا عبد الرحمن بن نمر، عن الزهري قال أخبرني خالد بن عبد الله بن رباح السلمي.\n* أما خالد بن عبد الله: فلم أقف على توثيق أو تجريح لأحد من العلماء فيه خلا ذكر ابن حبان له في الثقات، وأما البخاري فترجم له، ولم يذكر فيه شيئًا، وكذا فعل ابن أبي حاتم.\n* وفي الإسناد أيضًا: الوليد بن مسلم، يدلس ويسوي، فهو وإن صرح لنفسه بالتحديث إلا أنه عنعن لشيخه، فيخشى من تدليسه.\n* فذانك الأمران يجعلان الإسناد إلى معاوية يتوقف فيه ولا يصحح.","vol":"1","page":392},{"text":"ولم يقدموا هم أحدًا، ولم يتقدم أحد منهم، فلو كان الاستخلاف جائزًا، لفعله معاوية، أو من كان معه.\nويجاب على هذا بأن: إسناد هذا إلى معاوية: ضعيف.\nثم إن صح هذا عن معاوية: فهو مخالف بفعل عمر حين استخلف ابن عوف، وقد كان فعل عمر على مرأى ومسمع من الصحابة، فيقدم على فعل معاوية، ومن قبل عمر قد استخلف أبو بكر النبي ﷺ، وهذا العمدة في الباب.\nوأما استدلالهم بالنظر؛ فقالوا:\n١ - إن الإمام إذا بطلت صلاته - بحدث سبقه أو نسيه أو تعمده -: بطلت صلاة المأمومين تبعًا له، فكيف يصح الاستخلاف وقد بطلت الصلاة؟! (^١)\nوأجاب أصحاب القول الأول عليهم بقولهم:\nكلامكم هذا فيه نظر، والصواب: أن بطلان صلاة الإمام لا يلزم منه بطلان صلاة المأموم، فكما لا يجزئ عن المأموم فعل إمامه: فكذلك لا يفسد عليه فساد إمامه، وكما أن صلاة الإمام لا تُصح صلاة المأموم إن بطلت: فكذلك لا تبطل صلاة الإمام صلاة المأموم - إن صحت - (^٢).\n٢ - قالوا: لا يجوز الاستخلاف لأنها صلاة واحدة، فيمتنع فيها ذلك، كما لو اقتدى بإمامين معًا (^٣).\n_________\n(^١) المغني [٢/ ٥٠٧].\n(^٢) قد سبق الكلام عن هذا في المسألة رقم (٩).\n(^٣) مغني المحتاج [١/ ٤٤٥].","vol":"1","page":393},{"text":"وأجيب عليهم:\nبأن هذا نظر يعارضه الأثر، والأثر الثابت عن رسول الله ﷺ يقدم بلا شك - على النظر، إذ النظر والرأي يصيب ويخطئ.\nوأخيرًا قال شيخنا - حفظه الله -:\nقد ثبت أن أبا بكر ﵁ تأخر وقدم النبي ﷺ، وثبت أن عمر ﵁ تأخر لما طعن وقدم عبد الرحمن بن عوف.\nفعليه: لا مانع من الاستخلاف إذا عرض للإمام عارض يمنعه من إتمام صلاته، والله أعلم.","vol":"1","page":394},{"text":"<span data-type='title' id=toc-287>٣٣ - الإمام يطيل الركوع انتظارًا للقادم</span>\nمسألتنا في هذا الباب تتمثل صورتها في إمام كان في الركوع، وأحس بأن أحدًا قادم، أو دخل المسجد، فهل ينتظره أم لا؟!.\nأقول: إن أهل العلم اختلفوا في هذه المسألة على أربعة أقوال، وهي:\n\n<span data-type='title' id=toc-288>القول الأول: يستحب للإمام أن ينتظر القادم.</span>\nوهذا القول هو الأصح عند الشافعية (^١)، وعليه الحنابلة (^٢).\nإلا أنهم قيدوا ذلك الانتظار بشروط (^٣)، وهي:\n١) أن يكون المسبوق داخل المسجد حين الانتظار.\n٢) ألا يفحش طول الانتظار فيشق ذلك على المأموم.\n٣) أن يقصد بانتظاره هذا التقرب إلى الله تعالى، لا التودد إلى الداخل وتمييزه.\nواستدلوا على قولهم بالقرآن والأثر والنظر:\nأما استدلالهم بالقرآن؛ فهو:\nقوله تعالى: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى﴾.\nقالوا: وإدراك الصلاة - لا شك - من أعمال البر، فكان انتظار القادم\n_________\n(^١) المهذب مع المجموع [٤/ ٢٢٧]، مغني المحتاج [١/ ٣٥٥].\n(^٢) الإنصاف [٢/ ٢٤٠]، شرح منتهى الإرادات [١/ ٥٥١].\n- وفي مسائل الإمام أحمد لأبي داود [٢٤٧]، قال:\n- قلت لأحمد: الإمام يركع فيحس بالرجل يجيء من خلفه؟ قال: ينتظره بقدر ما لا يشق على من خلفه. اهـ. [وفي مسائل ابن هانئ: ٢٩٩، ومسائل عبد الله بن أحمد: ٤٠٠].\n(^٣) المجموع [٤/ ٢٢٧ - ٢٢٨]، المغني [٣/ ٧٨].","vol":"1","page":395},{"text":"وإعانته على إدراك الركعة داخل في عموم التعاون على البر المذكور في الآية.\nوأما استدلالهم بالأثر فهو:\n\n<span data-type='title' id=toc-289>الدليل الأول: حديث صلاة الخوف:</span>\nعَنْ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ، عَمَّنْ شَهِدَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ ذَاتِ الرِّقَاعِ، صَلَّى صَلَاةَ الْخَوْفِ، أَنَّ طَائِفَةً صَفَّتْ مَعَهُ وَطَائِفَةٌ وِجَاهَ الْعَدُوِّ، فَصَلَّى بِالَّتِي مَعَهُ رَكْعَةً، ثُمَّ ثَبَتَ قَائِمًا وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ انْصَرَفُوا فَصَفُّوا، وِجَاهَ الْعَدُوِّ، وَجَاءَت الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى، فَصَلَّى بِهِمْ الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ مِنْ صَلَاتِهِ، ثُمَّ ثَبَتَ جَالِسًا، وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ (^١).\nقالوا: فها هو النبي ﷺ قد سن للإمام أن ينتظر في صلاة الخوف لتدركه الطائفة الثانية، مراعاة منه لأحوال المأمومين، وعليه يقاس استحباب انتظار الإمام ليدركه الداخل (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-290>الدليل الثاني: حديث أبي قتادة الأنصاري ﵁:</span>\nعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ: عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ، كَانَ يُطَوِّلُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ، وَيُقَصِّرُ فِي الثَّانِيَةِ، وَيَفْعَلُ ذَلِكَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ (^٣).\n[وفي رواية: قال - أي: أبو قتادة: فظننا أنه يريد بذلك أن يدرك الناس الركعة الأولى] (^٤).\n_________\n(^١) متفق عليه: أخرجه البخاري (٤١٢٩)، ومسلم (٨٤٢).\n(^٢) المغني [٣: ٧٨].\n(^٣) متفق عليه: أخرجه البخاري [٧٥٩ - وفيه أطرافه]، ومسلم [٤٥١].\n(^٤) إسناده صحيح: أخرج هذه الزيادة ابن خزيمة في صحيحه [١٥٨٠]، وأبو داود [٨٠٠]، وعبد الرزاق [٢/ ١٠٤]، وعنه عبد بن حميد [١٩٨]، وأخرجه البيهقي\n[٢/ ٦٦ من طريق أبي داود]، كلهم من طريق معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله ابن أبي قتادة، عن أبيه.\n- وقد روى الحديث شيبان [البخاري: ٧٥٩]، وهشام [البخاري: ٧٦٢، ٧٧٩]، وهمام [البخاري: ٧٧٦]، والأوزاعي [البخاري: ٧٧٨]، والحجاج [مسلم: ٤٥١]، كلهم عن يحيى بن أبي كثير بدون ذكر هذه الزيادة.","vol":"1","page":396},{"text":"قالوا: فالنبي ﷺ كان يطيل الركعة الأولى ليدركها المتأخرون، وعلى ذلك يقاس تطويل الإمام الركوع ليدركه ذلك المتأخر (^١).\nوقد اعترض القرطبي على الاستدلال بهذا الدليل هنا، فقال: ولا حجة فيه، لأن الحكمة لا يعلل بها لخفائها أو لعدم انضباطها، ولأنه لم يكن يدخل في الصلاة يريد تقصير تلك الركعة ثم يطيلها لأجل الآتى، وإنما كان يدخل فيها ليأتي بالصلاة على سنتها من تطويل الأولى، فافترق الأصل والفرع فامتنع الإلحاق. اهـ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-291>الدليل الثالث: حديث جابر بن عبد الله ﵁:</span>\nعن جَابِر بْن عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالْهَاجِرَةِ، وَالْعَصْرَ وَالشَّمْسُ نَقِيَّةٌ، وَالْمَغْرِبَ إِذَا وَجَبَتْ، وَالْعِشَاءَ أَحْيَانًا وَأَحْيَانًا، إِذَا رَآهُمْ اجْتَمَعُوا عَجَّلَ، وَإِذَا رَآهُمْ أَبْطَوْا أَخَّرَ …». الحديث (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-292>الدليل الرابع: حديث أنس بن مالك ﵁:</span>\nقال: قال رسول الله ﷺ: «إِنِّي لَأَدْخُلُ فِي الصَّلَاةِ، وَأَنَا أُرِيدُ إِطَالَتَهَا، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلَاتِي، مِمَّا أَعْلَمُ مِنْ شِدَّةِ وَجْدِ أُمِّهِ مِنْ بُكَائِهِ» (^٤).\n_________\n(^١) فتح الباري [٢/ ٢٨٦]، المغني [٣/ ٧٨].\n(^٢) فتح الباري [٢/ ٢٨٦].\n(^٣) متفق عليه: أخرجه البخاري [٥٦٠]، ومسلم [٦٤٦].\n(^٤) متفق عليه: أخرجه البخاري [٧٠٧]، ومسلم [٤٧٠].","vol":"1","page":397},{"text":"الدليل الخامس: حديث أبي هريرة ﵁:\nعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِلنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ، فَإِنَّ مِنْهُم الضَّعِيفَ وَالسَّقِيمَ وَالْكَبِيرَ، [وذا الحاجة]، وَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ» (^١).\nووجه الدلالة: في هذه الأحاديث المذكورة آنفًا:\nأن النبي ﷺ كان يراعي أحوال المأمومين، فيعجل أحيانًا، يؤخر أحيانًا، ويطيل أحيانًا، ويقصر أحيانًا.\nوإطالة الركوع من هذا الباب، باب: مراعاة أحوال المأمومين.\nوأما استدلالهم بالنظر؛ فقالوا:\nإن هذه الإطالة فيها نفع وتحصيل مصلحة بلا مضرة، فشرعت كتطويل الركعة، وتخفيف الصلاة (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-293>القول الثاني: يكره للإمام أن ينتظر القادم.</span>\nوبهذا قال المالكية (^٣)، وهو قول للشافعية (^٤)، ورواية عند الحنابلة (^٥).\n_________\n(^١) متفق عليه: أخرجه البخاري [٧٠٣]، ومسلم [٤٦٧].\n(^٢) المغني [٣/ ٧٨]، شرح منتهى الإرادات [١/ ٥٥١].\n(^٣) قال الشيخ الدردير: «ولا يطال ركوع لداخل»، أي يكره للإمام أن يطيل الركوع لأجل داخل معه في الصلاة لإدراك الركعة إن لم يخش ضرر الداخل، أو فساد صلاته لاعتداده بالركعة التي لم يدرك ركوعها معه، وأما الفذ فله أن يطيل للداخل، [الشرح الكبير: ١/ ٣٢٣]، التاج والإكيل [٢/ ٨٧]، جواهر الإكليل [١/ ٧٧].\n(^٤) المجموع [٤/ ٢٢٧]، مغني المحتاج [١/ ٣٥٥]، الأم [٢/ ٢٥٦ - ٢٥٧].\n(^٥) الإنصاف [٢/ ٢٤٠].","vol":"1","page":398},{"text":"واستدل هؤلاء بالنظر، فقالوا:\nأ - إن من وراءه من المصلين أعظم عليه حقًّا ممن يأتي من المتأخرين (^١).\nوقد يجاب على ذلك: بأن القائلين بالاستحباب اشترطوا ألا يكون هذا الانتظار شاقًّا على المأمومين، فإن شق عليهم فتركه أولى، فالكلام هنا على الانتظار اليسير.\nب - إن في هذا الانتظار تشريكًا بين الله ﷿ وبين الخلق في العبادة، وقد قال الله تعالى: ﴿ولا يشرك بعبادة ربه أحدا﴾ (^٢).\nوأُجيب عليهم: بأن هذا الانتظار ليس كذلك، بل هو جمع بين القربتين لما فيه من الإعانة على إدراك القربة، ولو كان كما ظن: لكان تعليم العلم، والأمر بالمعروف، والأذان؛ رياء.\n* ثم ماذا تقولون في انتظار الإمام بقية الجماعة في صلاة الخوف؟! (^٣).\nكما أن الأحاديث التي جاءت عن النبي ﷺ من مراعاته أحوال المأمومين، حيث كان يطيل أحيانًا، ويقصر أحيانًا (^٤)، تبطل هذا القول (^٥).\nجـ - إن الانتظار وإن كان إعانة على إدراك الركعة ففيه إعانة للمتأخر على التكاسل وترك المبادرة والتهيؤ للصلاة قبل حضور وقتها، فالأولى\n_________\n(^١) المغني [٣/ ٧٨]، التاج والإكليل [٢/ ٨٧].\n(^٢) [المهذب مع المجموع: ٤/ ٢٢٧]، الأم [٢/ ٢٥٧].\n(^٣) التاج والإكليل [٢/ ٨٧].\n(^٤) انظر الأحاديث الواردة في ذلك في أدلة أصحاب القول الأول.\n(^٥) المغني [٣/ ٧٨].","vol":"1","page":399},{"text":"تركه (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-294>القول الثالث: يكره (^٢) للإمام أن ينتظر القادم إن عرفه، وإن لم يعرفه: فلا بأس.</span>\nوبهذا قال الحنفية (^٣)، وهو قول عند الشافعية (^٤).\nواستدل هؤلاء بالنظر، فقالوا:\nإن انتظار الإمام وإطالته الركوع لشخص يعرفه سيكون للتودد إليه، والتقرب إليه، واستمالة قلبه، لا للتقرب إلى الله والإعانة على الخير (^٥).\nقال أبو حنيفة: أخشى عليه أمرًا عظيمًا - يعني الشرك - (^٦).\nقالوا: وأما قولنا: إن لم يعرفه فلا بأس: لأن ترك الانتظار أفضل؛ لأن فعل العبادة لأمر فيه شبهة عدم إخلاصها لله تعالى = لا شك أن تركه أفضل (^٧).\n_________\n(^١) رد المحتار [٢/ ١٩٨].\n(^٢) فُسرت الكراهة عند الحنفية هنا بأنها تحريمية، [حاشية ابن عابدين: ٢/ ١٩٨].\n(^٣) قال الكاساني: ثم الإمام إذا كان في الركوع فسمع خفق النعل ممن دخل المسجد، هل ينتظره أم لا؟ قال أبو يوسف: سألت أبا حنيفة، وابن أبي ليلى، عن ذلك: فكرهاه اهـ.\n[بدائع الصنائع: ١/ ٢٠٩]، حاشية ابن عابدين [١/ ٤٧٢].\n(^٤) المجموع [٤/ ٢٢٧].\n(^٥) رد المحتار [٢/ ١٩٨]، مغني المحتاج [١/ ٣٥٥].\n(^٦) بدائع الصنائع [١/ ٢٠٩].\nوقد فسر ابن عابدين هذا الشرك فقال: الشرك الأصغر، وهو الرياء اهـ. [حاشية ابن عابدين: ١/ ٤٧٢].\n(^٧) «رد المحتار» [٢/ ١٩٨].","vol":"1","page":400},{"text":"<span data-type='title' id=toc-295>القول الرابع: يجوز للإمام أن ينتظر القادم </span>(^١).\nوهو قول عند الشافعية (^٢)، ورواية عند الحنابلة (^٣)، واختاره سحنون والقاضي عياض من المالكية (^٤).\nواستدل هؤلاء بعموم الأحاديث التي استدل بها أصحاب القول الأول، فقالوا: إنها دالة على جواز هذا الفعل (^٥).\nيقول الحافظ ابن حجر: وقد ذكر البخاري في جزء القراءة كلامًا معناه: أنه لم يرد عن أحد من السلف في انتظار الداخل في الركوع شيء، والله أعلم (^٦).\nوختامًا: قال شيخنا - حفظه الله -:\nالذي يظهر - والله أعلم - أن رأي من قال بجواز الانتظار حتى يدرك الشخص الركوع = رأي قوي.\nويشهد له دليل، وهو حديث النبي ﷺ: «إِنِّي لَأَدْخُلُ فِي الصَّلَاةِ، وَأَنَا أُرِيدُ إِطَالَتَهَا، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ، فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلَاتِي مِمَّا أَعْلَمُ مِنْ شِدَّةِ وَجْدِ أُمِّهِ مِنْ بُكَائِهِ» (^٧).\nوبهذا القول: قال كثير من العلماء، والله أعلم.\n_________\n(^١) المقصود: أن الفعل مباح، فلا يستحب ولا يكره.\n(^٢) المجموع [٤/ ٢٢٧].\n(^٣) الإنصاف [٢/ ٢٤٠].\n(^٤) التاج والإكليل [٢/ ٨٧]، مواهب الجليل [٢/ ٨٨]، المغني [٣/ ٧٩].\n(^٥) مواهب الجليل [٢/ ٨٧].\n(^٦) فتح الباري [٢/ ٢٨٦].\n(^٧) صحيح: وقد تقدم.","vol":"1","page":401},{"text":"<span data-type='title' id=toc-296>٣٤ - الإمام يقوم من ركعتين ناسيًا التشهد الأول</span>\nملخص مسألتنا في هذا الباب:\nإمام قام من ركعتين - في صلاة ثلاثية أو رباعية - ناسيًا التشهد الأول، ثم تذكر إما بنفسه، وإما بتسبيح المأمومين له، فهل له أن يقعد ليأتي بالتشهد أم لا؟!.\nوإن قلنا: ليس له أن يقعد، فهل تفسد صلاته إذا قعد أم لا؟\nهذا التلخيص، وإليك التفصيل:\nإن الإمام إذا نسي التشهد الأول ثم تذكر بنفسه أو بغيره = فله أحوال، وهي:\n\n<span data-type='title' id=toc-297>أولًا: أن يتذكر قبل أن يفارق الأرض وقبل أن يقوم.</span>\nفي هذه الحالة: لا خلاف بين العلماء أنه يستقر على حالته - أي: من القعود - ولا يقوم، ولا شيء عليه (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-298>ثانيًا: أن يتذكر بعد أن فارق الأرض وقام لكنه لم يستتم قائمًا.</span>\nوهذه الحالة: اختلف العلماء فيها على قولين، وهما:\n\n<span data-type='title' id=toc-299>أ - أنه يعود إلى التشهد ما لم يستتم قائمًا.</span>\nوهذا الأصح عند الحنفية (^٢)،\n_________\n(^١) فتح القدير [١/ ٥٠٨]، مواهب الجليل [٢/ ٢٤]، الأم [٢/ ٢٧٣].\n(^٢) قال ابن الهمام: وفي ظاهر المذهب فما لم يستو قائمًا يعود، قيل: وهو الأصح اهـ.\n[فتح القدير: ١/ ٥٠٨ - ٥٠٩]، المبسوط [١/ ٢٢٣]، الدر المختار [٢/ ٥٤٨].","vol":"1","page":402},{"text":"وبه قال الشافعية (^١)، وهو قول للمالكية (^٢)، وعليه الحنابلة (^٣).\nواستدلوا على ذلك بالأثر والنظر:\nأما استدلالهم بالأثر؛ فهو:\n\n<span data-type='title' id=toc-300>الدليل الأول: حديث المغيرة بن شعبة ﵁.</span>\nعن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إِذَا قَامَ الْإِمَامُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ: فَإِنْ ذَكَرَ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوِيَ قَائِمًا فَلْيَجْلِسْ، فَإِنْ اسْتَوَى قَائِمًا، فَلَا يَجْلِسْ، وَيَسْجُدْ سَجْدَتَي السَّهْوِ» (^٤).\n_________\n(^١) قال النووي: إذا تذكر قبل أن ينتصب قائمًا، قال الشافعي والأصحاب: يرجع إلى القعود للتشهد، …، هذا هو الصحيح، وبه قطع الجمهور اهـ. [المجموع: ٤/ ١٣١]، الأم [٢/ ٢٧٣]، مغني المحتاج [١/ ٣١٦].\n(^٢) مواهب الجليل [٢/ ٢٤].\n(^٣) الإنصاف [٢/ ١٤٣]، كشاف القناع [١/ ٣٨٠].\n(^٤) إسناده ضعيف بهذا اللفظ: أخرجه أبو داود [١٠٣٦]، وابن ماجه [١٢٠٨]، وأحمد [١٨٢٢٣]، والدارقطني [١/ ٣٧٨]، وعبد الرزاق [٢/ ٣١٠]، والبيهقي [٢/ ٣٤٣] = كلهم من طريق الثوري، عن جابر الجعفي، عن المغيرة بن شبيل، عن قيس بن أبي حازم، عن المغيرة، وقد تابع الثوري: جماعة، وهم:\n١ - شعبة بن الحجاج، واختلف عليه:\n- فرواه عنه حجاج - وهو المصيصي - عند أحمد [١٨٢٣١] موافقًا لرواية الثوري.\n- ورواه عنه أبو عامر العقدي كما عند الطحاوي [شرح معاني الآثار: ١/ ٤٤٠]، لكن بإسقاط المغيرة، ولا شك أن رواية الحجاج، عن شعبة الموافقة لرواية الثوري هي الأولى، لا سيما وهناك متابعة أخرى على هذا الوجه، والمتابع هو:\n٢ - إسرائيل بن يونس:\nعند الإمام أحمد [١٨٢٢٢]، عن أسود بن عامر، عن إسرائيل، وعنده زيادة قصة سهو النبي ﷺ وتسبيح الصحابة له.\n٣ - قيس بن الربيع، واختلف عليه:","vol":"1","page":403},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= - فرواه عنه يحيى بن آدم - كما عند الدارقطني [١/ ٣٧٨]- موافقًا لرواية الثوري.\n- ورواه عنه شبابة بن سوار - كما عند الطحاوي [شرح معاني الآثار: ١/ ٤٤٠] لكن بإسقاط جابر الجعفي.\n- وقد وقف العلامة الألباني ﵀ على هذا الطريق الأخير عند الطحاوي، ولم يقف على الذي قبله، فظن أن قيسًا قد تابع جابرًا الجعفي، ولذا صحح الحديث [كما في صحيح سنن أبي داود: ٤/ ١٩٥ - ١٩٦]، ولكن الأمر - كما رأيت - ليس كذلك، فرواية الدارقطني قد جلت الأمر، وبينت السقط في رواية الطحاوي، كما أن قيسًا معدود في تلاميذ جابر، لا في تلاميذ المغيرة بن شبيل، فتأمل.\n- ومما ساعد الشيخ ﵀ على الذهاب إلى تصحيح الحديث - غير الرواية الخطأ السابقة - ما رواه الطحاوي أيضًا [١/ ٤٤٠]، من طريق إبراهيم بن طهمان، عن المغيرة بن شبيل، عن قيس بن أبي حازم، عن المغيرة.\n- فاعتبر الشيخ أن إبراهيم وقيسًا متابعان لجابر، ولذلك قال بعد ذكر هاتين المتابعتين: ولقيس بن أبي حازم متابعون يأتي بعضهم في الكتاب، ولذلك فالحديث صحيح بلا ريب اهـ.\n- قلت: أما المتابعون لقيس بن أبي حازم: فسيأتي ذكرهم قريبًا - بإذن الله -، وسترى أنه لا متابع لقيس على نفس اللفظ المذكور: فارتقب ذلك.\n- وأما المتابعتان: فقد تبين خطأ إحداهما، وأما الأخرى - وهي رواية ابن طهمان، فالذي ينقدح في نفسي - والله أعلم بالصواب - أنها ليست بأحسن حالًا من أختها، أعني رواية قيس، فغالب الظن أن جابرًا سقط من رواية إبراهيم، ودل على ذلك قرائن، منها:\n١ - أن إبراهيم من الطبقة السابعة، وهي نفسها طبقة قيس بن الربيع، والأخير روايته الصحيحة عن جابر لا عن المغيرة.\n٢ - أن جابرًا الجعفي معدود في شيوخ إبراهيم، كما في «تهذيب الكمال»، وأما المغيرة بن شبيل، فلا.\n* إذا علمت ذلك تبين لك أن مدار الطرق كلها على جابر الجعفي، وهو جابر بن يزيد بن الحارث الجعفي، وهذا الرجل - كما قال الحافظ: ضعيف رافضي.\n* ولذا قال أبو داود عقب هذا الحديث: وليس في كتابي، عن جابر الجعفي إلا هذا الحديث اهـ.\n* قال البيهقي: وجابر هذا لا يحتج به، غير أنه - أي: حديث المغيرة - يروى من وجهين آخرين، وحديثه أشهرهما بين الفقهاء. اهـ.","vol":"1","page":404},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=\n* قلت: وإليك الوجهين الآخرين اللذين أشار إليهما البيهقي.\n١ - عن زياد بن علاقة قال:\nصلى بنا المغيرة بن شعبة فنهض في الركعتين، قلنا: سبحان الله، قال: سبحان الله [في رواية: فأشار إليهم أن قوموا] ومضى، فلما أتم صلاته وسلم سجد سجدتي السهو، فلما انصرف قال: رأيت رسول الله ﷺ يصنع كما صنعت.\n* أخرجه أبو داود [١٠٣٧]، والدارمي [١٥٠١]، وعنه الترمذي [٣٦٥]، والطحاوي [١/ ٤٣٩]، وأحمد [١٨١٦٣]، و[١٨٢١٦] = كلهم من طريق يزيد بن هارون، وأخرجه الطيالسي في مسنده [٦٩٥]، ومن طريقه الطحاوي [١/ ٤٣٩]، والطبراني في الكبير [٢٠/ ٤٢٢]، كلاهما أي: يزيد والطيالسي - عن المسعودي، عن زياد بن علاقة.\n* والمسعودي المذكور هو: عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة [*].\n* وأما عن حاله: فهو صدوق اختلط قبل موته - كما قال الحافظ - والرواة عنه هنا (يزيد، والطيالسي)، هما ممن روى عنه بعد الاختلاط [التهذيب، والكواكب النيرات: صـ ٥٤].\n* والمقرر في علم المصطلح أن الراوي المختلط إذا كان ثقة ينظر في الرواة عنه، فمن روى عنه قبل اختلاطه: قُبل حديثه، ومن روى عنه بعد اختلاطه: يتوقف في حديثه، وتنبه؟ لا يقول العلماء: يرد حديثه، وإنما: يتوقف فيه، نعم، ثمرة التوقف هي عدم العمل بالحديث، فآل إلى ما يؤول إليه الحديث الضعيف، ولكن: لا يحكم بداية على حديثه بالضعف، بل قد يذهب أهل العلم إلى تصحيح حديث المختلط وإن كان الراوي عنه ممن أخذ منه بعد اختلاطه = إذا تبين لهم أن هذا الحديث مما ضبطه ولم يهم فيه، ووافقه عليه غيره من الثقات.\n* ويبدو أن حديثنا هنا من هذا القبيل، دلت على ذلك قرائن، منها:\nأ - قول الترمذي - بعد إخراجه الحديث من هذا الطريق -: هذا حديث حسن صحيح. اهـ.\nب - أن المتن المذكور المرفوع إلى النبي ﷺ يشهد له ما سيأتي لاحقًا من حديث عبد الله ابن بحينة - وهو في الصحيحين -.\n===\n[*] وقد أخطأ محقق [المغني لابن قدامة]، في حاشيته [٢/ ٤٢١ - ط دار عالم الكتب]، حيث ذكر أن المسعودي المذكور هنا هو: أبو العميس عتبة بن عبد الله [أخو صاحبنا المذكور]، وأبو العميس لا يروي عن زياد، ولا يروي عنه يزيد، بل لا يشتهر بالمسعودي، إنما هي شهرة أخيه، والله أعلم.","vol":"1","page":405},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= * وقبل مواصلة ذكر القرائن أقف مع المتن هنا وقفه لأقول:\n* تأمل متن الصحيحين، وتأمل المتن المذكور هنا، وكذا الذي سيأتي بعد ذلك عن المغيرة وغيره، ثم قارن هذا كله بالمتن المروي من طريق جابر الجعفي - والذي سبق تضعيفه، وسترى أن كل ما ذكر لا يشهد لمتن جابر، فليس في واحد منها نص عن النبي ﷺ من قوله بأن الإمام إذا استتم فلا يقعد، وإن لم يستتم قعد، وإنما كلها تحكى فعلًا حدث للنبي ﷺ، أو لأصحابه.\n* ولذلك قال الترمذي عقب هذا الحديث: والعمل على هذا عند أهل العلم، أن الرجل إذا قام في الركعتين مضى في صلاته، وسجد سجدتين اهـ.\n* فعرج الترمذي على هذه الرواية ولفظها، وأما رواية جابر بما فيها من تفصيل - إذا استتم أو لم يستتم - فلم يعرج على ذكرها، لا من قريب ولا من بعيد!\n* وخلاصة هذا:\n* أن القيام من الركعتين مع نسيان التشهد الأول: صح فيه فعل النبي ﷺ، ولم يصح فيه قوله - الذي جاء فيه أمر منه وهناك فارق - يدركه أهل الفقه والأصول - بين قوله وفعله ﷺ: فانتبه لذلك.\nجـ - أن ذلك المتن المذكور، عن المغيرة لم ينفرد بنقله المسعودي.\n* قال الترمذي: حديث المغيرة بن شعبة، قد روي من غير وجه عن المغيرة. اهـ.\n* قلت: والوجه الآخر المشار إليه، من قِبل الترمذي والبيهقي: هو ما جاء عن:\n٢ - الشعبي:\n- قال: صلى بنا المغيرة بن شعبة فنهض في الركعتين، فسبح به القوم وسبح بهم، فلما صلى بقية صلاته سلم ثم سجد سجدتي السهو وهو جالس، ثم حدثهم أن رسول الله ﷺ فعل بهم مثل الذي فعل.\n_ أخرجه الترمذي [٣٦٤]، وأحمد [١٨١٧٣]، وابن أبي شيبة [٤٤٩٢]، والطبراني [٢٠/ ٤١١]، والبيهقي [٢/ ٣٤٤]، وعلقه أبو داود [٩٥٠]، كلهم عن ابن أبي ليلى، عن الشعبي.\n* وابن أبي ليلى: هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، متكلم فيه من قبل حفظه.\n* إلا أنه قد توبع من: علي بن مالك الرؤاسي.\n* كما عند الطحاوي [١/ ٤٣٩]، وعلى هذا إن كان هو: علي بن مالك الكوفي الذي يروي عن الشعبي والضحاك بن مزاحم = فقد قال عنه أبو حاتم: ليس بالقوي، وقال ابن معين: ليس حديثه بشيء، وإن لم يكن هو: فلا أعرفه.","vol":"1","page":406},{"text":"<span data-type='title' id=toc-301>الدليل الثاني: أثر النعمان بن بشير ﵁.</span>\nعن عامر الشعبي قال: صليت خلف النعمان بن بشير، فنهض في الركعتين، فسبح القوم فجلس، فلما فرغ: سجد سجدتي السهو وسجدنا معه (^١).\nقال البيهقي: وهذا عندنا على أنه لم ينتصب قائمًا.\n_________\n* وهناك طريق ثالث عن المغيرة إلا أنه من فعله موقوفًا عليه، وهو:\n* عن ثابت بن عبيد قال:\nصليت خلف المغيرة بن شعبة فقام في الركعتين فلم يجلس، فلما فرغ سجد سجدتين.\nأخرجه ابن أبي شيبة [٤٥٠١]، عن محمد بن بشر، عن مسعر بن كدام، عن ثابت، وهذا إسناد صحيح لا شك فيه.\n* وقد خالف أبو سعد البقال: مسعر بن كدام، فزاد في الحديث زيادة تشبه رواية جابر الجعفي، وهي:\n«ثم سلم، ثم التفت إلى القوم فقال: لو سبحتم قبل أن أستوي قائمًا جلست، ولكن هكذا صلى بنا رسول الله ﷺ.\nوهذه الرواية أخرجها الطبراني في معجمه الكبير [٢٠/ ٤١٥].\nوأبو سعد هذا هو: سعيد بن المرزبان، ضعفه أحمد وأبو زرعة وغيرهما، وقال البخاري: منكر الحديث.\nوعلى هذا فروايته لا يعتد بها إذا انفرد، فكيف وقد خالف ثقة حافظًا - كمسعر - فأتى بزيادة هامة مرفوعة يحتاج إليها!!!.\n(^١) إسناده حسن: أخرجه البيهقي [٢/ ٣٤٣]، قال: أخبرنا علي بن محمد بن عبد الله بن بشران أنبأ أبو جعفر الرزاز، ثنا أحمد بن الوليد الفحام ثنا عبد الوهاب أنبأ ابن عون، عن عامر.\nوهذا إسناد رجاله ثقات - قد وثق الخطيب في تاريخه علي بن محمد [١٣/ ٥٨١]، وأبا جعفر الرزاز [٤/ ٢٢٢]، والفحام [٦/ ٤٢٠]- خلا عبد الوهاب وهو الخفاف فإنه أنزل من مرتبة الثقات قليلًا.\n* وقد خالف أبو خالد الأحمر: عبد الوهاب [كما عند ابن أبي شيبة: ٤٤٩٦]، في المتن فقال: فسبح القوم فمضى [بدلًا من: فجلس]، ولكن بالمقارنة بين حال الرجلين - وهما متقاربان، فعبد الوهاب تقدم روايته على الأحمر، والله أعلم.","vol":"1","page":407},{"text":"<span data-type='title' id=toc-302>الدليل الثالث: أثر أنس بن مالك ﵁.</span>\nعن يحيى بن سعيد قال: كنا مع أنس فصلى العصر، فتحرك للقيام فسبحوا، فسجد سجدتي السهو (^١).\nوأما استدلالهم بالنظر؛ فقالوا:\nإن الإمام قد أخل بواجب ذكره قبل الشروع في ركن مقصود، فلزمه الإتيان به كما لو لم تفارق أليتاه الأرض (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-303>ب - إذا كان الإمام إلى القعود أقرب يعود، وإن كان إلى القيام أقرب لا يعود.</span>\nوبه قال بعض الحنفية (^٣)، وحُكي عن مالك (^٤).\nوأما عن دليلهم على ذلك؛ فقالوا:\nإن الإمام لما كان قريبًا من القعود صار كالقاعد، لذا فإنه يكون في حكمه فلا يقوم، وإذا كان أقرب إلى القيام، صار كمن استتم قائمًا،\n_________\n(^١) إسناده صحيح: أخرجه عبد الرزاق [٢/ ٣١١]، عن الثوري، عن يحيى بن سعيد.\nوقد علقه البيهقي بزيادة في لفظه، فقال: وروينا، عن يحيى بن سعيد، عن أنس بن مالك: أنه تحرك للقيام في الركعتين من العصر، فسبحوا به فجلس، ثم سجد سجدتي السهو وهو جالس، اهـ. [السنن: ٢/ ٣٤٣].\n(^٢) المغني [٢/ ٤١٩].\n(^٣) عزاه السرخسي إلى أبي يوسف [المبسوط: ١/ ٢٢٣]، وحكاه الكاساني في البدائع [١/ ١٧١].\n(^٤) قال النووي: وقال مالك: إن كان إلى القيام أقرب لم يعد، وإلا عاد. اهـ. [المجموع: ٤/ ١٤٠].\nقلت: المنقول عن مالك - بلفظه أو بلفظ غيره - ليس فيه هذا التقييد، يقول ابن عبد البر: وقد روي عن مالك أن المصلي إذا فارقت الأرض أليته وهم بالقيام مضى كما هو، ولا يرجع اهـ. [التمهيد: ١٠/ ١٤٩]، وانظر [المدونة: ١/ ١٣٠]، فالله أعلم.","vol":"1","page":408},{"text":"وعليه فلا يقعد (^١).\nوقد أجاب عليهم أصحاب القول الأول: بأن الدليل لا يساعد على هذا القول - يعني: الدليل الأثري - فالدليل يشير إلى أنه ما لم يستتم قائمًا يعود، دون هذا التفصيل المذكور (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-304>ثالثًا: أن يتذكر الإمام بعد أن يستتم قائمًا:</span>\nوهذه الحالة كسابقتها في اختلاف العلماء فيها، فقد اختلفوا على قولين:\n\n<span data-type='title' id=toc-305>أ - يحرم عليه أن يعود للقعود:</span>\nوبهذا القول قال كل من الحنفية (^٣)، والمالكية (^٤)، والشافعية (^٥) بل عزا النووي هذا القول إلى الجمهور (^٦).\nواستدل هؤلاء بالأثر والنظر.\nأما استدلالهم بالأثر؛ فهو:\n\n<span data-type='title' id=toc-306>الدليل الأول: حديث عبد الله بن مالك بن بُحينة ﵁.</span>\nعن عبد الله بن بُحينة ﵁ قال: صلى بنا رسول الله ﷺ الظهر، فقام\n_________\n(^١) المبسوط [١/ ٢٢٣].\n(^٢) فتح القدير [١/ ٥٠٩]، وانظر تعليق العلامة الألباني ﵀ على الحديث [٣٢١] في السلسلة الصحيحة.\n(^٣) بدائع الصنائع [١/ ١٧١]، فتح القدير [١/ ٥٠٩]، الدر المختار [٢/ ٥٤٩].\n(^٤) مواهب الجليل [٢/ ٢٤]، التمهيد [١٠/ ١٤٨].\n(^٥) المهذب مع المجموع [٤/ ١٣٠]، مغني المحتاج [١/ ٣١٦].\n(^٦) قال النووي:\nإذا تذكر بعد الانتصاب قائمًا: فيحرم العود إلى القعود، هذا هو المذهب، وبه قطع الجمهور، اهـ. [المجموع: ٤/ ١٣٠].","vol":"1","page":409},{"text":"وعليه جلوس، فلما كان في آخر صلاته سجد سجدتين وهو جالس (^١).\nوجه الدلالة: أن النبي ﷺ واصل صلاته بعد أن استتم قائمًا ولم يرجع للتشهد الأول، فلو كان الرجوع جائزًا ما تركه النبي ﷺ، فدل ذلك على أنه لا يحل لمن قام أن يعود مرة أخرى (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-307>الدليل الثاني: حديث المغيرة بن شعبة ﵁:</span>\nعن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إِذَا قَامَ الْإِمَامُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ، فَإِنْ ذَكَرَ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوِيَ قَائِمًا فَلْيَجْلِسْ، فَإِنْ اسْتَوَى قَائِمًا، فَلَا يَجْلِسْ، وَيَسْجُدْ سَجْدَتَي السَّهْوِ» (^٣).\nوجه الدلالة: أن النبي ﷺ نهى أن يعود الرجل للقعود إذا استتم قائمًا، وهذا النهي ظاهره التحريم، إذ لم تأت قرينة تصرفه عن ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-308>الدليل الثالث: حديث معاوية بن أبي سفيان ﵁:</span>\nعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ مَوْلَى عُثْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ يُوسُفَ، أَنَّ مُعَاوِيَةَ صَلَّى إَمَامَهُمْ فَقَامَ فِي الصَّلَاةِ وَعَلَيْهِ جُلُوسٌ، فَسَبَّحَ النَّاسُ فَتَمَّ عَلَى قِيَامِهِ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، وَهُوَ جَالِسٌ بَعْدَ أَنْ أَتَمَّ الصَّلَاةَ، ثُمَّ قَعَدَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ: [وفي رواية: هكذا رأيت النبي ﷺ يصنع]. إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ نَسِيَ شَيْئًا مِنْ صَلَاتِهِ، فَلْيَسْجُدْ مِثْلَ هَاتَيْنِ السَّجْدَتَيْنِ» (^٤).\n_________\n(^١) متفق عليه: أخرجه البخاري [٨٢٩]، ومسلم [٥٧٠].\n(^٢) التمهيد [١٠/ ١٤٨].\n(^٣) إسناده ضعيف: وقد تقدم.\n(^٤) إسناده حسن: أخرجه النسائي [١٢٦٠]، واللفظ له، والطحاوي [معاني الآثار: ١/ ٤٣٩]، والطبراني في الكبير [١٩/ ٣٣٦، ٣٣٧]، والبيهقي [٢/ ١٧٠]، (وعندهم الرواية الثانية) = كلهم من طريق محمد بن عجلان، عن محمد بن يوسف مولى عثمان،","vol":"1","page":410},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= عن أبيه.\n* ولم ينفرد به محمد بن عجلان، فقد تابعه في الرواية، عن محمد بن يوسف: بكير بن الأشج، كما عند البخاري في تاريخه الكبير [١/ ٢٦١] قال: قال لي أحمد بن عيسى، حدثنا ابن وهب قال: أخبرني مخرمة، عن أبيه، عن محمد بن يوسف، مولى عثمان بن عفان قال: سمعت أبي … الحديث.\n* ومعلوم أن مخرمة لم يسمع من أبيه، كما نص على ذلك غير واحد من الأئمة، وإنما هي كتب أبيه أخذ منها.\n* على أنه لم ينفرد بكير بمتابعة ابن عجلان، فتابعهما ابن جريج فقال: أخبرني محمد بن يوسف، عن أبيه بهذا، كما عند البخاري في تاريخه [١/ ٢٦٣]، تعليقًا حيث قال: وقال ابن جريج.\n* وعلى ذلك: فالطريق إلى محمد بن يوسف صحيح بهذه الطرق المذكورة.\n* بقي لنا النظر في حال محمد بن يوسف القرشي وأبيه.\n* أما الابن: فقد وثقه أبو حاتم والدارقطني، وأحمد بن صالح المصري، وابن شاهين. وذكره ابن حبان في الثقات، وروى عنه جمع، وروى له النسائي حديثًا واحدًا، وكذلك ابن ماجه، وقال عنه الذهبي: ثقة.\n* وعليه فالذي يبدو مما ذكر أن الرجل لا ينزل حديثه، عن مرتبة الحسن، لا سيما وهو لم يستنكر عليه شيء، بل لم يذكر في كتب الضعفاء.\n* وإنما أطلت النفس - شيئًا ما - في بيان حال الرجل لأن الحافظ أجمل فيه القول في التقريب بقوله: مقبول!!، وذلك - والله أعلم - فيه بخس لحق الرجل، ولذا تعقبه صاحبا تحرير التقريب [٣/ ٣٣٨] بقولهما: بل ثقة.\n* وأما أبوه يوسف: فقد قال عنه الدارقطني [كما في سؤالات البرقاني له: ٤٦٦]: لا بأس به، سمع من معاوية اهـ.\n* وذكره ابن حبان في الثقات، وقال عنه النسائي: يوسف هذا ليس بالمشهور. اهـ.\n* وترجم له البخاري في تاريخه الكبير [٨/ ٣٧٥]، وقال: سمع معاوية، روى عنه ابنه محمد، يعد في أهل المدينة اهـ.، وكذا ذكر ابن أبي حاتم، عن أبيه في الجرح والتعديل [٩/ ٢٣٥]، ولم أقف على أحد روى عنه سوى ابنه، وقال الحافظ عنه: مقبول.\n* والذي يبدو - والله أعلم - أن حديثه هنا يحسن لأمرين:\n١) أنه يحكي قصة حدثت شاهدها وحضرها، وأما المتن المرفوع إلى النبي ﷺ فقد ثبت من طرق أخرى صحيحة.","vol":"1","page":411},{"text":"<span data-type='title' id=toc-309>الدليل الرابع: حديث سعد بن أبي وقاص ﵁:</span>\nعن قيس بن أبي حازم قال: صلى بنا سعد بن أبي وقاص، فنهض في الركعتين، فسبح به الناس، فمضى في صلاته. [زاد أبو معاوية في روايته: ثم قال حين انصرف: صنعت كما رأيت رسول الله ﷺ صنع] (^١).\n_________\n٢) أنه متابع على هذه الرواية من قبل معن بن على.\nأخرج هذه المتابعة البخاري في تاريخه الكبير [٧/ ٣٨٩]- تعليقًا، والطبراني في معجمه الكبير [١٩/ ٣٦٢] = كلاهما من طريق عبيد الله بن عمرو، عن زيد بن أبي أنيسة، عن عياض بن مرة، عن أبي الفيض، عن معن بن علي السلمي قال: صلى بنا معاوية … الحديث.\n* ومعن هذا قد ترجم له البخاري - كما هو واضح - وابن أبي حاتم [الجرح والتعديل ٨/ ٢٧٦]، وذكره ابن حبان في الثقات، ولم يذكروا فيه جرحًا ولا تعديلًا.\n* وفي الإسناد إلى معن: من لم يذكر فيه شيئًا - كمعن -، مثل: عياض بن مرة، فالمعلوم عنه كالمعلوم عن معن، سواء بسواء.\n* وعلى كل: فإن كان الإسناد لا يسلم إلى معن: فهو متابع وليس الأصل المعتمد عليه، بل إن حال يوسف - فيما يبدو - أحسن منه، لكن هذه المتابعة ترفع عن يوسف تفرده بذكر الحديث والواقعة المنقولة عن معاوية.\n(^١) صحيح: موقوف على سعد والمرفوع منه ضعيف: هذا الحديث رواه عن قيس بن أبي حازم كل من:\n١) بيان بن بشر: كما عند ابن أبي شيبة [٤٤٩٣]، والطحاوي [شرح الآثار: ١/ ٤٤١] بذكر القصة الموقوفة على سعد فقط.\n٢) إسماعيل ابن أبي خالد، وقد اختلف عليه.\n* فرواه الثوري عنه - مع قرنه إياه ببيان - بالقصة الموقوفة فقط، كما عند عبد الرزاق [٢/ ٣١٠].\n* ورواه عنه وكيع بذكر الموقوف فقط أيضًا، كما عند أبي يعلى [٧٦٠].\n* ثم جاء أبو معاوية فرواه عنه - كما عند ابن خزيمة [١٠٣٢]، وأبي يعلى [٧٨٥، ٧٩٤]، والبزار [١٢١٧]، والحاكم [١٢٠٥]، والبيهقي [٢/ ٣٤٤]، مخالفًا من سلف ذكرهم بزيادة الجزء المرفوع.","vol":"1","page":412},{"text":"<span data-type='title' id=toc-310>الدليل الخامس: أثر عقبة بن عامر ﵁:</span>\nعن عبد الرحمن بن شِماسة المَهري قال: صلى بنا عقبة بن عامر، فقام وعليه جلوس، فقال الناس وراءه: سبحان الله، فلم يجلس، فلما فرغ من صلاته سجد سجدتين وهو جالس، فقال: إني سمعتكم تقولون: سبحان الله كيما أجلس: وليس تلك سنة، إنما السنة التي صنعته (^١).\nوجه الدلالة: أن هؤلاء الصحابة جميعًا [المغيرة، ومعاوية، وسعد، وعقبة ﵃]، اتفقوا على فعل واحد، وهو عدم الرجوع إلى القعود بعد\n_________\n* قال عمرو الناقد - كما عند أبي يعلي -: لم نسمع أحدًا يرفع هذا غير أبي معاوية اهـ.\n* وقال البزار: وهذا الحديث قد رواه غير واحد، عن إسماعيل، عن قيس، عن سعد موقوفًا. اهـ.\n* ولذا حكم الأئمة بالوهم على أبي معاوية في هذا الإسناد، وأن الموقوف هو الصحيح.\n* قال ابن خزيمة: لا أظن أبا معاوية إلا وهم في لفظ هذا الإسناد اهـ.\n* وقال الدارقطني [العلل: س ٦٤٢]- بعد أن ساق الخلاف: والموقوف هو المحفوظ اهـ.\nتنبيه:\nجاء في بعض الطرق المذكورة آنفًا ذكر الصحابي سعد بن أبي وقاص ﵁ باسمه تارة هكذا، وتارة بالتصريح باسم والده، فقيل: سعد بن مالك، ومالك هذا اسم والد سعد، وعليه، فسعد بن أبي وقاص = هو سعد بن مالك.\nويبدو أن الشيخ الألباني ﵀ لم ينتبه لهذا، فجعل أحد الطريقين شاهدًا للآخر [صحيح سنن أبي داود: ٤/ ١٩٩ - ٢٠٠]، وما هما في الأصل إلا عن صحابي واحد.\n(^١) إسناده صحيح: أخرجه ابن حبان [١٩٤٠]، والحاكم [١٢١٤]، وعنه البيهقي [٢/ ٣٤٤]، وأخرجه أبن أبي شيبة [٤٤٩٨]، والطبراني [١٧/ ٣١٤] = كلهم من طريق يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الرحمن بن شماسة المهري.\n* قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه اهـ.\n* وتعقبه الشيخ الألباني ﵀ [صحيح سنن أبي داود: ٤/ ٢٠٠]، والشيخ شعيب الأرناؤوط [الإحسان: ٥/ ٢٦٧]، بأنه على شرط مسلم فقط، فإن عبد الرحمن بن شماسة لم يخرج له البخاري، وهو كما قالا - والله أعلم. -","vol":"1","page":413},{"text":"القيام، ولا يعرف لهم مخالف من الصحابة في ذلك، وهذا أشبه بإجماع منهم على ذلك.\nوأما استدلالهم بالنظر؛ فقالوا:\nإن الإمام لما استتم قائمًا اشتغل بالفرض، وليس من الحكمة ترك الفرض لواجب أو مسنون، بخلاف ما قبل أن يستتم قائمًا (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-311>ب - يجوز له أن يعود إلى القعود ما لم يشرع في القراءة، فإن شرع في القراءة فلا يجوز له الرجوع.</span>\nوبهذا قال الحنابلة (^٢)، وهو وجه للشافعية (^٣).\nقالوا: لأنه لم يتلبس بركن مقصود؛ لأن القيام ليس بمقصود في نفسه، ولهذا جاز تركه عند العجز، بخلاف غيره من الأركان (^٤).\nوأجاب أصحاب القول الأول عليهم:\nبأن هذا التفريق لا دليل عليه، فحال النبي ﷺ لما استتم قائمًا ولم يرجع للقعود، ليس فيه ذكر لشروعه في الفاتحة من عدمه، بل إن المتأمل لحال الصحابة حيث يرفعون رؤوسهم ويسبحون للنبي ﷺ يرى أن هذا سيكون بمجرد انتصابه قائمًا، وفي الغالب قبل أن يقرأ، وهذا يدل\n_________\n(^١) المبسوط [١/ ٢٢٣]، المغني [٢/ ٤٢٠].\n(^٢) قال ابن قدامة: ذكر بعد اعتداله قائمًا، وقبل الشروع في القراءة = فالأولى له أن لا يجلس، وإن جلس جاز، نص عليه أحمد [المغني: ٢/ ٤١٩].\nوقد نص البهوتي على أن الرجوع وإن كان جائزًا إلا أنه مكروه [كشاف القناع ١/ ٣٨١].\n(^٣) قال النووي: وفيه وجه شاذ: أنه يجوز العود ما لم يشرع في القراءة، لكن الأولى أن لا يعود، حكاه الرافعي، وهو ضعيف أو باطل، والصواب تحريم العود. [المجموع: ٤/ ١٣٠]، مغني المحتاج [١/ ٣١٦].\n(^٤) كشاف القناع [١/ ٣٨٠].","vol":"1","page":414},{"text":"على أن العبرة باستتمامه قائمًا، لا بالشروع في القراءة (^١).\n\n*<span data-type='title' id=toc-312> إذا عاد الإمام للقعود بعد أن استتم قائمًا:</span>\nاختلف أهل العلم في هذه المسألة - هل تبطل صلاة الإمام أم لا إذا عاد - على ثلاثة أقوال:\n\n<span data-type='title' id=toc-313>القول الأول: لا تبطل الصلاة إذا عاد للقعود بعد استتمامه قائمًا.</span>\nاختاره ابن الهمام الحنفي (^٢)، وتابعه عليه علاء الدين الحصكفي من الحنفية (^٣)، وهو المشهور عن المالكية (^٤).\nبل عزاه ابن عبد البر إلى جمهور العلماء، فقال: ينبغي لكل من قام من اثنتين ألا يرجع، فإن رجع إلى الجلوس بعد قيامه: لم تفسد صلاته عند جمهور العلماء، وإن اختلفوا في سجود سهوه وحال رجوعه. اهـ (^٥).\nواستدل هؤلاء بالنظر؛ فقالوا:\nإن الأصل ما فعله من الإتيان بالتشهد، وغاية الأمر في الرجوع إلى القعود أن يكون زيادة قيام ما في الصلاة، وهو وإن كان لا يحل: لكنه بالصحة لا يخل، لما عرف أن زيادة ما دون الركعة لا تفسد (^٦).\n_________\n(^١) شرح زاد المستقنع للشيخ محمد بن محمد المختار الشنقيطي [الدرس رقم ٥٦ - ضمن دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية].\n(^٢) فتح القدير [١/ ٥٠٩].\n(^٣) الدر المختار [٢/ ٥٤٩].\n(^٤) قال مالك: من قام من اثنتين تمادى ولم يجلس، وسجد لسهوه قبل السلام، فإن عاد إلى الجلوس بعد قيامه هذا = فصلاته تامة، وتجزيه سجدتا السهو، [التمهيد: ١٠/ ١٤٨].\n(^٥) المصدر السابق.\n(^٦) فتح القدير [١/ ٥٠٩].","vol":"1","page":415},{"text":"وأما ترك النبي ﷺ الرجوع إلى القعود: فرخصة وتنبيه على أن الجلسة لم تكن فرضًا، والله أعلم (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-314>القول الثاني: إن عاد للقعود متعمدًا عالمًا بتحريم الرجوع: بطلت صلاته، وإن عاد ناسيًا أو جاهلًا لم تبطل.</span>\nوبهذا قال الشافعية (^٢)، والحنابلة (^٣).\nوأما عن أدلتهم فقالوا:\nإن الناسي أو الجاهل مرفوع عنه الحرج، وذلك لما جاء في الحديث:\n«… فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾، (قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ)، ﴿ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا﴾، (قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ)، ﴿واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا﴾ قَالَ: (قَدْ فَعَلْتُ)» (^٤).\nوأما العالم بالتحريم المتعمد للفعل: فتفسد صلاته، لزيادته فعلًا من جنسها عمدًا أشبه ما لو زاد ركوعًا (^٥).\nكما أنه خالف النهي الذي جاء في حديث المغيرة (^٦)، وهو نهي\n_________\n(^١) التمهيد [١٠/ ١٤٨].\n(^٢) المجموع [٤/ ١٣٠]، الشرح الكبير [٢/ ٧٧].\nوعند الشافعية وجه آخر في حالة الجاهل بالتحريم - ذكره النووي - وهو: أنه كالعامد، فتبطل صلاته لأنه مقصر بترك العلم، والأصح عندهم ما أثبتناه بأعلى.\n(^٣) كشاف القناع [١/ ٣٨١]، واختاره الشيخ ابن عثيمين [كما في فتاواه].\n(^٤) أخرجه مسلم [١٢٦]، عن ابن عباس ﵄.\n(^٥) شرح منتهى الإرادات [١/ ٤٧١].\n(^٦) قد تقدم بنصه وبيان ضعفه.","vol":"1","page":416},{"text":"تحريم، ومخالفته تقتضي فساد الصلاة (^١).\nالقول الثالث: إذا عاد للقعود بعد استتمامه قائمًا: تبطل الصلاة.\nوهو الأصح عند الحنفية (^٢)، واختاره سحنون من المالكية (^٣).\nوأما عن أدلتهم فقالوا:\nإنه قد خالف نهي النبي ﷺ في حديث المغيرة، وخالف فعله ﵊ أيضًا، بل وفعل عامة الصحابة ﵃.\nوارتكاب النهي يقتضي الفساد، والجاهل هو المقصر في حق نفسه بترك التعلم.\nكما أن هذا الذي عاد للقعود: قد رفض الفرض - وهو القيام - لما ليس بفرض - وهو التشهد الأول (^٤).\nثم أخيرًا: قال شيخنا - حفظه الله -:\nإذا نسي الإمام التشهد الأول واستتم قائمًا: لا يشرع له الرجوع ولكن: إن رجع فالصلاة لا تبطل، وبهذا قال الأكثرون، والله أعلم.\n_________\n(^١) الموسوعة الفقهية الكويتية [٢٤/ ٢٤٤].\n(^٢) فتح القدير [١/ ٥٠٩]، الدر المختار [٢/ ٥٤٩].\n(^٣) الموسوعة الكويتية [٢٤/ ٢٤٤].\n(^٤) الدر المختار [٢/ ٥٤٩].","vol":"1","page":417},{"text":"<span data-type='title' id=toc-315>٣٥ - انصراف الإمام من مكانه بعد الصلاة</span>\nبعد فراغ الإمام من الصلاة المكتوبة: قد يظل جالسًا في مصلاه، وقد ينصرف وهذا أمر اختلف العلماء فيه، أعني: هل الأفضل أن يظل في مصلاه، أم ينصرف منه؟\nوقبل عرض ما قيل في هذا: أشير ابتداءً إلى أمر قد اتفق فقهاء المذاهب عليه وهو.\n\n<span data-type='title' id=toc-316>يكره للإمام أن يمكث على هيئته بعد الصلاة مستقبل القبلة:</span>\nوبهذا قال: الحنفية (^١)، والمالكية (^٢)، والحنابلة (^٣).\nوأما الشافعية: فعندهم أن الانتقال بعد الصلاة عن المكان - للإمام - مستحب (^٤).\n_________\n(^١) قال الكاساني: يكره له المكث على هيئته مستقبل القبلة اهـ. [بدائع الصنائع: ١/ ١٥٩].\n* وقال بعض الحنفية: الجلوس مستقبلًا بدعة [البحر الرائق: ١/ ٣٥٥].\n(^٢) قال الحطاب المالكي: قوله: - أي: خليل في مختصره -: «وكره تنفله بمحرابه»: يريد وجلوسه فيه بلا صلاة، كما قال في الرسالة: وإذا سلم الإمام فلا يثبت بعد سلامه اهـ.\nقال ابن عرفة: ويكفي في ذلك تحويل الهيئة اهـ. [مواهب الجليل: ٢/ ١٠٧]، المدونة [١/ ١٣٥].\nونقل الحطاب عن بعض المالكية أن قعوده في مصلاه على الهيئة التي كان عليها في الصلاة: بدعة.\n(^٣) قال المرداوي مفهوم قوله: «ويكره للإمام إطالة القعود بعد الصلاة مستقبل القبلة»، أن القعود اليسير لا يكره، وهو صحيح، وهو المذهب، وعنه: يكره اهـ[الإنصاف: ٢/ ٢٩٩]، كشاف القناع [١/ ٤٦٨].\n(^٤) المجموع [٣/ ٤٨٩]، مغني المحتاج [١/ ٢٨٢].","vol":"1","page":418},{"text":"واستدل الفقهاء على ذلك بالأثر والنظر.\nأما استدلالهم بالأثر؛ فهو:\nالدليل الأول: عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا سَلَّمَ لَمْ يَقْعُدْ إِلَّا مِقْدَارَ مَا يَقُولُ: «اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْكَ السَّلَامُ تَبَارَكْتَ ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ» (^١).\nوجه الدلالة: قولها ﵂ «لم يقعد إلا مقدار ما يقول …»، فيه: أن هذا كان هديه ﵊ بعد الصلاة، وهو أن لا يجلس مستقبلًا القبلة، إلا يسيرًا، ولم ينقل عنه جلوسه مستقبلًا، فلو كان ذلك مستحبًّا أو جائزًا لعلمه أمته، ويتأيد هذا بما يلي:\nالدليل الثاني: عن سمرة بن جندب ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا صلى صلاة أقبل علينا بوجهه، …». الحديث (^٢).\nالدليل الثالث: عن يزيد بن الأسود ﵁ قال: صليت مع رسول الله ﷺ الفجر، فلما سلم انحرف (^٣).\nالدليل الرابع. عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ عَلَى إِثْرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنْ اللَّيْلَةِ،\n_________\n(^١) أخرجه مسلم [٥٩٢].\n(^٢) متفق عليه: أخرجه البخاري [٨٤٥]، مسلم [٢٢٧٥].\n(^٣) إسناده صحيح: وقد تقدم مطولًا في متنه عن هذا في باب «إمامة المفترض للمتنفل».\n* أخرجه النسائي [١٣٣٤]، وأبو داود [٦١٤]، ومن طريقه البيهقي [٢/ ١٨٢]، وأخرجه الطبري [تهذيب الآثار: ٧٧٩]، كلهم من طريق الثوري، وأخرجه ابن أبي شيبة [٣٠٩٣]، عن هشيم [قال: أخبرنا] كلاهما [الثوري وهشيم]، عن يعلى بن عطاء، عن جابر بن يزيد بن الأسود، عن أبيه.\n* قال ابن معين: في حديث هشيم: قال: انحرف، هذه الكلمة ليست من حديث هشيم اهـ. [رواية الدوري: ٤٩٨٢]، قلت: يبقى ثبوتها في حديث الثوري، والله أعلم.","vol":"1","page":419},{"text":"فَلَمَّا انْصَرَفَ، أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، …». الحديث (^١).\nالدليل الخامس: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: أَخَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الصَّلَاةَ ذَاتَ لَيْلَةٍ إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ، ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا، فَلَمَّا صَلَّى أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، …» الحديث (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-317>وقد كان هذا فعل أصحاب النبي ﷺ أيضًا، ومنهم:</span>\n<span data-type='title' id=toc-318>أبو بكر الصديق ﵁:</span>\nعن مسروق: أن أبا بكر كان إذا سلم عن يمينه وعن شماله قال: السلام عليكم ورحمة الله، ثم انفتل ساعتئذ، كأنما كان جالسًا على الرَّضْف (^٣) (^٤).\n_________\n(^١) متفق عليه: أخرجه البخاري [٨٤٦]، ومسلم [٧١].\n(^٢) متفق عليه: أخرجه البخاري [٨٤٧]، ومسلم [٦٤٠].\n(^٣) الرَّضْف: الحجارة التي حميت بالشمس أو النار، واحدتها: رَضْفة، وتُحرك.\n(^٤) إسناده حسن: أخرجه عبد الرزاق [٢/ ٢٤٢]، عن معمر والثوري، عن حماد وجابر، عن أبي الضحى [في المطبوع: وأبي الضحى، وهو خطأ بين]، عن مسروق.\n* وأخرجه محمد بن الحسن [الآثار: ١٥٦]، عن أبي حنيفة، والطحاوي [معاني الآثار: ١/ ٢٧٠]، عن الثوري = كلاهما، عن حماد، عن أبي الضحى.\n* أما جابر المذكور عند عبد الرزاق: فهو الجعفي، ضعيف رافضي.\n* وحماد هو ابن أبي سليمان، وإن كان له أوهام إلا أن ما رواه هنا له شاهد عند عبد الرزاق [٢/ ٢٤٢] عن معمر عن قتادة قال: كان أبو بكر إذا سلم كأنه على الرضف حتى ينهض اهـ.\nوله شاهد آخر:\nعند البيهقي [٢/ ١٨٢]، من طريق عبد الله بن فروخ أنبأ ابن جريج، عن عطاء عن أنس ابن مالك ﵁ قال: صليت مع رسول الله ﷺ، فكان ساعة يسلم يقوم، ثم صليت مع أبي بكر ﵁ فكان إذا سلم وثب مكانه كأنه يقوم عن رضف ثم قال البيهقي: تفرد به عبد الله بن فروخ، وله أفراد، والله أعلم، والمشهور: عن أبي الضحى عن مسروق اهـ.\n* قلت: قد خالف عبد الرزاق: عبد الله بن فروخ، فروى الحديث في مصنفه [٢/ ٢٤٦] عن ابن جريج قال: حُدثت، عن أنس بن مالك قال: فذكره.\n* قال ابن رجب: وهذا أصح اهـ[فتح الباري له: ٥/ ٢٥٩].","vol":"1","page":420},{"text":"<span data-type='title' id=toc-319>علي بن أبي طالب ﵁:</span>\nعن أبي رزين قال: صليت خلف علي، فسلم عن يمينه وعن يساره، ثم وثب كما هو (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-320>عبد الله بن مسعود ﵁:</span>\nعن أبي الأحوص قال: كان عبد الله إذا قضى الصلاة انفتل سريعًا، فإما أن يقوم، وإما أن ينحرف (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-321>عبد الله بن عمر ﵁:</span>\nعن ابن سيرين قال: قلت لابن عمر: إذا سلم الإمام انصرف؟ قال: كان الإمام إذا سلم انكفت (^٣)، وانكفتنا معه (^٤).\n_________\n(^١) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة [٣٠٨٢]، عن أبي أسامة، والطحاوي [معاني الآثار ١/ ٢٧٠ - بدون ذكر الوثب من المكان]، عن شعبة = كلاهما، عن الأعمش، عن أبي رزين.\n* وله شاهد عن طارق بن شهاب:\nأخرجه ابن أبي شيبة [٣٠٩٤]، عن وكيع، عن أبي عاصم الثقفي، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب: أن عليًّا لما انصرف استقبل القوم بوجهه، وإسناده حسن.\n(^٢) إسناده صحيح: أخرجه عبد الرزاق [٢/ ٢٤٣] عن إسرائيل، وابن أبي شيبة [٣٠٨٠]، عن أبي الأحوص سلام بن سليم = كلاهما، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص عوف بن مالك.\n* وتابعهما معمر [عند عبد الرزاق: ٢/ ٢٤٢]، لكن جعله من قول ابن مسعود لا من فعله، فقال أبو الأحوص: عن عبد الله بن مسعود قال: إذا سلم الإمام فليقم، وإلا فلينحرف عن مجلسه قلت: فيجزيه أن ينحرف عن مجلسه ويستقبل القبلة؟ قال: الانحراف أن يغرب أو يشرق.\n(^٣) الكفت: صرفك الشيء عن وجهه، كَفَتَه يَكْفِتهُ كَفتًا فانكفت. [اللسان].\n(^٤) إسناده صحيح: أخرجه عبد الرزاق [٢/ ٢٤٢]، عن أيوب، عن ابن سيرين.\n- وابن سيرين المذكور هنا: هو أنس بن سيرين، أخو محمد بن سيرين، هكذا سُمي عند ابن أبي شيبة [٣٠٨١]، فقال: عن هشيم، عن منصور، وخالد عن أنس بن سيرين، عن\nابن عمر قال: كان الإمام إذا سلم قام، وقال خالد: انحرف.\n- وهذا إسناد صحيح إن سلم من تدليس هُشيم، والله أعلم.","vol":"1","page":421},{"text":"فهذه الأحاديث والآثار - وغيرها مما جاء عن التابعين - دال على أن المسنون للإمام بعد انقضاء الصلاة المكتوبة أن يتحول عن مكانه، ويكون جلوسه على حالته الأولى مكروهًا بل قد روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: «جلوس الإمام بعد التسليم بدعة» (^١).\nوالخلاصة - كما يقول ابن رجب الحنبلي -:\nلم يرخص في إطالة استقبال الإمام القبلة بعد سلامه للذكر والدعاء = إلا بعض المتأخرين ممن لا يعرف السنن والآثار. اهـ (^٢).\nوأما استدلالهم بالنظر؛ فقالوا:\n١) إن مكث الإمام في مكانه يوهم الداخل أنه في الصلاة فيقتدي به، فيفسد اقتداؤه، فكان المكث تعريضًا لفساد اقتداء غيره به، فلا يمكث (^٣).\n٢) كما أن هذا المكث قد يوقعه هو أو من خلفه في الشك: هل سلم أم لا؟! (^٤).\n٣) كما أن تنحيه من مكانه فيه استكثار لشهوده، على ما روي أن مكان\n_________\n(^١) إسناده ضعيف: أخرجه ابن أبي شيبة [٣٠٨٣]، عن ابن مسهر، عن ليث، عن مجاهد، عن عمر بن الخطاب.\n- والإسناد ضعيف من وجهين: أحدهما: ضعف ليث بن أبي سليم، والآخر: الانقطاع بين مجاهد وعمر، حيث لم يسمع منه.\n(^٢) فتح الباري لابن رجب [٥/ ٢٦٠].\n(^٣) بدائع الصنائع [١/ ١٥٩]، المجموع [٣/ ٤٨٩].\n(^٤) المغني [٢/ ٢٥٥]، المجموع [٣/ ٤٨٩].","vol":"1","page":422},{"text":"المصلي يشهد له يوم القيامة (^١).\n٤) وقال الزين بن المنير: استدبار الإمام المأمومين إنما هو لحق الإمامة، فإذا انقضت الصلاة زال السبب، فاستقبالهم حينئذ يرفع الخيلاء والترفع على المأمومين، والله أعلم. اهـ (^٢).\nتنبيه:\nاستثنى الحنفيةُ من استقبال الإمام القومَ بعد الصلاة حالةً واحدة، وهي:\nإذا كان بحذاء الإمام أحد يصلي، قالوا: عندها لا يستقبل القوم بوجهه؛ لأن استقبال الصورة الصورة في الصلاة مكروه؛ لما روي أن عمر ﵁ رأى رجلًا يصلي إلى وجه غيره، فعلاهما بالدرة وقال للمصلي: أتستقبل الصورة؟ وللآخر أتستقبل المصلي بوجهك؟ (^٣) (^٤).\nبعد أن نقلنا عن الفقهاء كراهتهم للإمام أن يظل على هيئته بعد الصلاة، يبقى أن نعرف قولهم في انصرافه، أي هل يكفي أن ينحرف عن القبلة، أم الأولى أن يقوم من مكانه إلى مكان آخر؟\nفبداية أقول: إذا كان مع الإمام رجال ونساء:\n_________\n(^١) بدائع الصنائع [١/ ١٥٩].\n(^٢) فتح الباري للحافظ ابن حجر [٢/ ٣٩٠].\n(^٣) لم أقف عليه هكذا، وإنما الذي وقفت عليه هو:\nما أخرجه ابن أبي شيبة [٧٣٨٨]، عن وكيع، عن خارجة بن مصعب، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تستقبل الصورة الصورة».\nوهذا إسناد ضعيف جدًّا، فهو مع إرساله فيه خارجة بن مصعب، وهو متروك الحديث.\n(^٤) بدائع الصنائع [١/ ١٥٩].","vol":"1","page":423},{"text":"ففي هذه الحالة يستحب للإمام أن يثبت (^١) هو والرجال بقدر ما يرى أن النساء قد انصرفن، ويقمن هن عقب تسليمه.\nوبهذا يقول: الشافعية (^٢)، والحنابلة (^٣).\nواستدلوا على ذلك بالأثر والنظر:\nأما استدلالهم بالأثر؛ فهو:\nعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا سَلَّمَ يَمْكُثُ فِي مَكَانِهِ يَسِيرًا.\nقال الزهري - وهو أحد رواة هذا الحديث -:\nفنرى - والله أعلم - لكي ينفذ من ينصرف من النساء [وفي لفظ: قبل أن يدركهن الرجال] (^٤).\nوأما استدلالهم بالنظر؛ فقالوا:\nإن الإخلال بذلك من أحدهما: يفضي إلى اختلاط الرجال بالنساء، وهذا الاختلاط مظنة الفساد (^٥).\nوإذا كان مع الإمام رجال فقط:\nقال الحافظ ابن حجر: ومقتضى التعليل المذكور [أي: في حديث أم سلمة السابق]، أن المأمومين إذا كانوا رجالًا فقط أن لا يستحب هذا المكث. اهـ (^٦).\n_________\n(^١) المقصود أن يثبت قاعدًا بعد تغيير هيئته، لا الثبات على الهيئة الأولى، فذلك مكروه كما تقدم.\n(^٢) المجموع [٣/ ٤٨٩]، مغني المحتاج [١/ ٢٨٣].\n(^٣) المغني [٢/ ٢٥٥]، كشاف القناع [١/ ٤٦٨ - ٤٦٩].\n(^٤) أخرجه البخاري [٨٤٩].\n(^٥) المجموع [٣/ ٤٨٩].\n(^٦) فتح الباري [٢/ ٣٩٢].","vol":"1","page":424},{"text":"وهذا القول - أي: لا يستحب للإمام أن يمكث في مصلاه بعد الصلاة - قال به: الشافعية (^١)، والحنابلة (^٢)، وهو قول الإمام مالك (^٣).\nواستدلوا على ذلك بالأثر والنظر:\nأما استدلالهم بالأثر؛ فهو:\nعن البراء ﵁ قال: رمقت الصلاة مع محمد ﷺ، فوجدت قيامه فركعته فاعتداله بعد ركوعه، فسجدته، فجلسته بين السجدتين، فسجدته، فجلسته ما بين التسليم والانصراف قريبًا من السواء (^٤).\nوجه الاستدلال: قوله: «فجلسته ما بين التسليم والانصراف». فيه دليل على أن جلوسه ﵊ بعد صلاته كان يسيرًا، ولم يكن يطيل القعود.\nوأما استدلالهم بالنظر؛ فقالوا:\nإن جلوس الإمام بعد صلاته في مصلاه يكون لعلة ذكرها الزهري في\n_________\n(^١) قال الإمام الشافعي: وأستحب أن يذكر الإمام الله شيئًا في مجلسه قدر ما يتقدم من انصرف من النساء قليلًا، ثم يقوم، وإن قام قبل ذلك أو جلس أطول من ذلك فلا شيء عليه اهـ[الأم: ٢/ ٢٨٩]، المجموع [٣/ ٤٨٩]، مغني المحتاج [١/ ٢٨٣].\n(^٢) قال ابن قدامة: فإن لم يكن معه نساء، فلا يستحب له إطالة الجلوس، اهـ.\n[المغني: ٢/ ٢٥٥]، كشاف القناع [١/ ٤٦٨].\n(^٣) قال ابن القاسم: وقال مالك في إمام مسجد الجماعة، أو مسجد من مساجد القبائل = قال: إذا سلم فليقم ولا يقعد في الصلوات كلها، قال: وأما إذا كان إمامًا في السفر أو في فنائه، ليس بإمام جماعة: فإذا سلم فإن شاء تنحى، وإن شاء أقام اهـ. [المدونة: ١/ ١٣٥].\n(^٤) متفق عليه: أخرجه البخاري [٧٩٢ - بدون ذكر القيام والقعود]، ومسلم [٤٧١]، وهذا لفظه.","vol":"1","page":425},{"text":"حديث أم سلمة، وهي: انصراف النساء قبل خروج الرجال، فإذا انتفت هذه العلة: فليس هناك داعٍ لجلوس الإمام في مصلاه (^١).\nوقد جاء في السنة ما يدل على أن الجلوس في المصلى بعد الصلاة ليس بواجب وهو:\nعَنْ عُقْبَةَ بن الحارث قَالَ: صَلَّيْتُ وَرَاءَ النَّبِيِّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ الْعَصْرَ فَسَلَّمَ، ثُمَّ قَامَ مُسْرِعًا فَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ إِلَى بَعْضِ حُجَرِ نِسَائِهِ، فَفَزِعَ النَّاسُ مِنْ سُرْعَتِهِ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ فَرَأَى أَنَّهُمْ عَجِبُوا مِنْ سُرْعَتِهِ فَقَالَ: «ذَكَرْتُ شَيْئًا مِنْ تِبْرٍ عِنْدَنَا، فَكَرِهْتُ أَنْ يَحْبِسَنِي، فَأَمَرْتُ بِقِسْمَتِهِ» (^٢).\nقال الحافظ: وفي الحديث أن المكث بعد الصلاة ليس بواجب. اهـ (^٣).\nوقال أصحاب هذا القول:\nويستثنى من هذا [أي: استحباب القيام]، ما إذا قعد مكانه يذكر الله بعد صلاة الصبح إلى أن تطلع الشمس؛ لأن ذلك كان من هديه ﵊.\nفعن جابر بن سمرة ﵁ قال: كان النبي ﷺ لَا يَقُومُ مِنْ مُصَلَّاهُ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ الصُّبْحَ أَوْ الْغَدَاةَ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فَإِذَا طَلَعَتْ الشَّمْسُ قَامَ (^٤).\nوقالوا أيضًا:\nولو قعد الإمام في مصلاه ولم يقم منه - في أي صلاة - فلا شيء\n_________\n(^١) فتح الباري [٢/ ٣٩٢].\n(^٢) أخرجه البخاري [٨٥١].\n(^٣) فتح الباري [٢/ ٣٩٣].\n(^٤) أخرجه مسلم [٦٧٠].","vol":"1","page":426},{"text":"عليه، شريطة أن يتنحى أو ينحرف عن مكانه (^١).\nوقال آخرون: بل المستحب له أن يقعد في مصلاه بعد الصلاة.\nوبهذا قال المالكية (^٢).\nواستدلوا على ذلك بالأثر والنظر.\nأما استدلالهم بالأثر؛ فهو:\n١) عن سمرة ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا صلى صلاة أقبل علينا بوجهه (^٣).\nوجه الاستدلال:\nقوله: «أقبل علينا بوجهه»، فيه جواز جلوس الإمام في مصلاه الذي صلى فيه إذا أدار وجهه إلى الجماعة، بل هذا هو السنة، والصحابة لم يذكروا عن النبي ﷺ القيام، ولو قام لأخبروا به، لأنهم بأقل من هذا من فعله يخبرون به (^٤).\n٢) حديث جابر بن سمرة: في جلوسه ﵊ بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس (^٥).\nوجه الاستدلال:\nقالوا: فهذا نص جلىٌّ يؤكد ما ذكرنا من استحباب جلوس الإمام\n_________\n(^١) تقدم قول الشافعي في الأم: وإن قام قبل ذلك أو جلس أطول من ذلك: فلا شيء عليه، وقال ابن قدامة: فإن لم يقم: فالمستحب أن ينحرف عن قبلته، لا يلبث مستقبل القبلة.\nقال الأثرم: رأيت أبا عبد الله إذا سلم يلتفت ويتربع اهـ. [المغني: ٢/ ٢٥٥].\n(^٢) مواهب الجليل [٢/ ١٠٩].\n(^٣) صحيح: وقد تقدم.\n(^٤) مواهب الجليل: [٢/ ١٠٩].\n(^٥) تقدم قريبًا جدًّا.","vol":"1","page":427},{"text":"في مصلاه بعد الصلاة (^٣).\nوأما استدلالهم بالنظر؛ فقالوا:\nإن هذا الإمام الذي يقوم من مصلاه سريعًا بعد الصلاة جاعلًا ذلك من الدين يفوته خيران:\nأحدهما: استغفار الملائكة له ما دام في مصلاه الذي صلى فيه ما لم يحدث، يقولون: اللهم اغفر له اللهم ارحمه (^٤).\nالثاني: مخالفته لسنة رسول الله ﷺ التي هي نص الحديث، وفيه «كان إذا صلى صلاة أقبل علينا بوجهه». ولو كان القيام من هديه ﵊: لذكر (^٥).\nوقال قوم آخرون: إذا كانت الصلاة بعدها سنة: يكره للإمام المكث قاعدًا وإن لم يكن بعدها سنة: فإن شاء الإمام قام وإن شاء قعد.\nوبهذا قال الحنفية (^٦).\nواستدلوا على ذلك بالنظر؛ فقالوا:\nإن الصلاة التي ليس بعدها سنة - كالفجر والعصر، لن يتحرك الإمام للصلاة بعدها بل سيغير هيئته ويظل جالسًا، وأما التي يُصلَّى بعدها\n_________\n(^٣) مواهب الجليل: [٢/ ١٠٩].\n(^٤) متفق عليه: أخرجه البخاري [٤٤٥]، ومسلم [٦٤٩]، عن أبي هريرة ﵁.\n(^٥) مواهب الجليل [٢/ ١٠٩].\n(^٦) قال الكاساني:\nإن كانت صلاة لا تصلى بعدها سنة - كالفجر والعصر - فإن شاء الإمام قام، وإن شاء قعد في مكانه يشتغل بالدعاء.\nوقال: وإن كانت الصلاة بعدها سنة: يكره له المكث قاعدًا اهـ.\n[بدائع الصنائع: ١/ ١٥٩ - ١٦٠].","vol":"1","page":428},{"text":"السنة: فقد يشتبه الأمر على الداخل فيظن الإمام لا يزال يصلي، وهذه الشبهة لا توجد في الحالة الأولى (^١).\n_________\n(^١) المصدر السابق.","vol":"1","page":429},{"text":"<span data-type='title' id=toc-322>٣٦ - انصراف الإمام عن يمينه وشماله</span>\nبينَّا في الباب السابق اتفاق الفقهاء على استحباب انصراف الإمام بعد صلاته، وتنحيه عن مكانه، سواء قام أم قعد، ونعرض هنا - إن شاء الله - رأي الفقهاء في كيفية انصراف الإمام، أي: هل ينصرف عن يمينه أم عن شماله؟\nفقد اتفقت المذاهب الأربعة على أنه للإمام أن ينصرف عن يمينه أو شماله، كيف شاء، بلا إلزام له بشيء في ذلك (^١).\nوعزا ابن رجب الحنبلي هذا القول إلى جمهور العلماء.\nواستدلوا على ذلك بالأثر والنظر:\nأما استدلالهم بالأثر فهو:\nالدليل الأول: عن عبد الله بن عمرو ﵁ قال: رأيت النبي ﷺ ينفتل عن يمينه وعن يساره في الصلاة (^٢).\n_________\n(^١) قال الكاساني: وقال بعضهم: هو مخير، إن شاء انحرف يمنة، وإن شاء انحرف يسرة، وهو الصحيح اهـ. [بدائع الصنائع: ١/ ١٥٩].\n* وقال الإمام الشافعي: فإذا قام المصلي من صلاته - إمامًا أو غير إمام -:\nفلينصرف حيث أراد، إن كان حين يريد يمينًا أو يسارًا، أو مواجهة وجهه، أو من ورائه؛ انصرف كيف أراد لا اختيار في ذلك أعلمه. اهـ. [الأم: ٢/ ٢٩٠]، المجموع [٣/ ٤٩٠].\n* وقال ابن قدامة: وينصرف حين شاء عن يمين وشمال. اهـ. [المغني: ٢/ ٥٧].\n* وقال ابن عبد البر: وأما انصراف المصلي إذا سلم عن يمينه أو يساره: فإن السنة أن ينصرف كيف شاء. اهـ. [الاستذكار: ٦/ ٣٠٢].\n(^٢) إسناده حسن: أخرجه أحمد [٦٦٧٩]، عن يحيى القطان، وفي [٦٩٢٨]، عن عبد الواحد الحداد ويزيد بن هارون، وأخرجه ابن ماجه [٩٣١]، وأحمد=","vol":"1","page":430},{"text":"الدليل الثاني: عن هُلب الطائي ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يؤمنا فينصرف على جانبيه جميعًا، على يمينه وشماله (^١).\nالدليل الثالث: عن أوس بن أوس الثقفي ﵁ قال: أقمنا عند النبي ﷺ نصف شهر، فرأيته ينفتل (^٢) عن يمينه، ورأيته ينفتل عن\n_________\n[٦٦٢٧، ٧٠٢١]، من طريق سعيد بن أبي عروبة، وعند أحمد [٦٦٢٧] عن غندر، وأخرجه البزار [البحر الزخار: ٣٥١٢]، من طريق هارون بن موسى، ستتهم [عبد الواحد، ويزيد، وسعيد، وغندر، ويحيى، وهارون]، عن حسين المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، وهذا إسناد حسن؛ لأجل عمرو بن شعيب.\n* وقد تابع حسينًا: مطر الوراق [عند أحمد: ٦٦٦٠]، وحجاج بن أرطاة، [عند أحمد: ٦٧٨٣]، وفي بعض الطرق زيادات لم أتعرض لذكرها، وإنما الجزء المتفق عليه في الروايات هو ما عرضناه بأعلى، والله أعلم، وانظر علل ابن أبي حاتم [٤١٣].\n(^١) حسن بشواهده: أخرجه أبو داود [١٠٤١]، والترمذي [٣٠١]، وابن ماجه [٩٢٩]، وأحمد [٢١٩٦٧، ٢١٩٨١، ٢١٩٨٢]، وابن حبان [١٩٩٨]، والطيالسي [١٠٨٦]، وابن أبي شيبة [٣٠١٩]، والطبراني [الكبير: ٢٢/ ١٦٤]، والبيهقي [٢/ ٢٩٥]، وغيرهم = كلهم من طريق: سماك بن حرب، عن قبيصة بن هلب، عن أبيه.\n* قال الترمذي عقبه: حديث هُلب حديث حسن، وعليه العمل عند أهل العلم أنه ينصرف على أي جانبيه شاء، إن شاء عن يمينه، وإن شاء عن يساره اهـ.\n* قال ابن عبد البر: وهذا حديث صحيح: اهـ. [الاستيعاب، ت. هُلب].\n* وقال النووي: إسناده حسن اهـ. [المجموع: ٣/ ٤٩٠].\n* قلت (القائل أحمد): خلا الكلام في سماك نفسه: ففي الإسناد قبيصة، لم يرو عنه غير سماك [كما ذكر ابن المديني، ومسلم في المنفردات والوحدان]، وأما عن توثيقه:\n* فقد قال العجلي: كوفي تابعي ثقة، وذكره ابن حبان في ثقاته، وقال ابن المديني والنسائي: مجهول، وترجم له البخاري وابن أبي حاتم فلم يذكرا فيه شيئًا، وقال الحافظ: مقبول. اهـ. وعلى ما ذُكر فالإسناد قد يضعف استقلالًا، لكن بالنظر إلى ما يسبقه ويلحقه من شواهد - مذكورة هنا -: يرتقي الحديث من الضعف إلى التحسين بإذن الله، وقد اختلف العلماء في اسم هُلب الطائي، وذكروا أن هلبًا هذا لقب له، قيل: لأنه كان أقرع، فمسح النبي ﷺ رأسه، فنبت شعر كثير، فسمي الهُلب، [طبقات ابن سعد، معرفة الصحابة، الاستيعاب].\n(^٢) أي: ينصرف.","vol":"1","page":431},{"text":"يساره (^١).\nالدليل الرابع: عن أبي هريرة ﵁ قال: رأيت رسول الله ﷺ يصلي قائمًا وقاعدًا، وحافيًا وناعلًا، ورأيته ينفتل عن يمينه وعن شماله (^٢).\n\nولذلك<span data-type='title' id=toc-323> كان بعض الصحابة يوصون بذلك، أي: أن ينصرف المصلي حيث شاء،</span> ومن هؤلاء:\n_________\n(^١) حسن بشواهده: أخرجه الطيالسي [١١١٢]، والطبراني [الكبير: ١/ ٢١٩] = من طريق قيس بن الربيع، عن عمير بن عبد الله، عن عبد الملك بن المغيرة، عن أوس.\nوهذا إسناد فيه ضعف، لأن عبد الملك ليس فيه كبير توثيق، إلا ذكر ابن حبان له في ثقاته، وقد روى عنه جماعة، وأخرج له الترمذي وأبو داود في المراسيل، وقال عنه الحافظ مقبول، أي: حين يتابع وإلا فلين - كما نص الحافظ على ذلك، وأيضًا قيس بن الربيع متكلم في حفظه.\nإلا أن لهذا المتن شواهد يرتقي بها إلى الحسن، والله أعلم.\n(^٢) إسناده حسن: أخرجه أحمد [٧٣٨٤]، والحميدي [٩٩٧]، وعبد الرزاق [١/ ٣٨٥]، والشافعي [مسنده: ١/ ٤٥]، والبيهقي [٢/ ٢٩٥]، وغيرهم = من طريق ابن عيينة، عن عبد الملك بن عمير، عن أبي الأوبر الحارثي، عن أبي هريرة.\n* في رواية عبد الرزاق: قال عن عبد الملك بن عمير، عن رجل، عن أبي هريرة.\n* وكذلك عند الحميدي، إلا أنه قال عقب الحديث قال سفيان: قالوا: هذا أبو الأوبر.\n* وقد ساق الدارقطني في علله [٢٢٥٩]، طرقًا أكثر مما ذكر هنا، وبين الخلاف على تعيين المبهم في الإسناد، من أن بعضهم يقول: عن رجل، وبعضهم يقول: عن أبي الأوبر، ثم قال: والصحيح من ذلك قول من قال: عن عبد الملك، عن أبي الأوبر، واسمه زياد الحارثي، اهـ.\n* وأبو الأوبر هذا: ذكره ابن حبان في ثقاته، ونقل الحافظ في تعجيل المنفعة: توثيق ابن معين له، وقال عنه الهيثمي: لم أجد من ترجمه بثقة ولا ضعف [مجمع الزوائد: ٢/ ٥٤].\n* ثم قال عنه في موطن آخر: ثقة [المجمع: ٨/ ٢٩٢]، وذكره الذهبي في [المغني: ١/ ٢٤٥]. وقال: مدني تابعي لا يُعرف اهـ.\n* وعلى ما ذُكر: فيكون ظاهر الإسناد: الحسن، لتوثيق ابن معين لهذا الراوي، ولم أقف على أحد روى عنه إلا عبد الملك، والله أعلم بالصواب.","vol":"1","page":432},{"text":"<span data-type='title' id=toc-324>علي بن أبي طالب ﵁:</span>\nعن علي ﵁ قال: إذا قضيت الصلاة وأنت تريد حاجة، فكانت حاجتك عن يمينك أو يسارك فخذ نحو حاجتك (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-325>عبد الله بن عمر ﵁:</span>\nعن واسع بن حبان قال: كنت أصلي وابن عمر يسند ظهره إلى جدار القبلة، فانصرفت عن يساري، فقال: ما يمنعك أن تنصرف عن يمينك؟ قلت: لا، إلا أني رأيتك فانصرفت إليك، قال: أصبت، إن ناسًا يقولون: تنصرف عن يمينك، وإذا كنت تصلي فانصرف إن أحببت عن يمينك أو عن يسارك (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-326>عبد الله بن مسعود ﵁:</span>\nعَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: لَا يَجْعَلَنَّ أَحَدُكُمْ لِلشَّيْطَانِ مِنْ نَفْسِهِ جُزْءًا لَا يَرَى إِلَّا أَنَّ حَقًّا عَلَيْهِ، أَنْ لَا يَنْصَرِفَ، إِلَّا عَنْ يَمِينِهِ أَكْثَرُ مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَنْصَرِفُ عَنْ شِمَالِهِ (^٣).\nفهذه الأحاديث والآثار دالة على أنه لا إلزام للإمام بشيء حين ينصرف، بل حيث كانت حاجته انصرف ناحيتها.\n_________\n(^١) إسناده ضعيف: أخرجه ابن أبي شيبة [٣١١١]، عن أبي الأحوص، عن السبيعي، عن الحارث، عن علي.\n- والحارث هو الأعور، في حديثه ضعف.\n(^٢) إسناده صحيح: أخرجه مالك [١/ ١٠٩]، وابن أبي شيبة [٣١١٦]، وأبو يعلى [٥٧٤١] = كلهم من طريق يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن واسع بن حبان، وهذا سند صحيح.\n(^٣) متفق عليه: أخرجه البخاري [٨٥٢]، مسلم [٧٠٧]، واللفظ له.","vol":"1","page":433},{"text":"وأما استدلالهم بالنظر؛ فقالوا:\nإن المقصود من الانحراف هو زوال الاشتباه، وذلك يحصل بالأمرين جميعًا، سواء انصرف يمينًا أو شمالًا (^١).\nوبعد اتفاق الفقهاء على ما سبق: استحبوا للإمام أن ينصرف عن يمينه إن لم تكن له حاجة في الانصراف إلى الناحية الأخرى.\nقال الإمام الشافعي:\nوإن لم يكن له حاجة في ناحية، وكان يتوجه ما شاء = أحببت له أن يكون توجهه عن يمينه، لما كان النبي ﷺ يحب التيامن، غير مضيق عليه في شيء من ذلك (^٢).\nوكان الإمام أحمد يفعل ذلك (^٣).\nوقال ابن عبد البر:\nوأكثر أهل العلم على أنه الأفضل: الانصراف من الصلاة عن اليمين، وأنه كالانصراف على الشمال سواء.\nوأما أنه ﷺ كان يحب التيامن في أمره كله، في طهوره وانتعاله فقد بان أن ذلك في غير انصرافه من الصلاة، لأنه كان ينصرف منها عن يمينه وشماله. اهـ (^٤).\nويُستدل للفقهاء على ما ذكروه من استحباب الانصراف على اليمين = بالآتي:\n_________\n(^١) بدائع الصنائع [١/ ١٥٩].\n(^٢) الأم [٢/ ٢٩٠].\n(^٣) قال ابن قدامة: وقال أبو داود: رأيته أي: أحمد إذا كان إمامًا فسلم انحرف عن يمينه. اهـ. [المغني: ٢/ ٢٥٥]، وانظر كشاف القناع [١/ ٣٤١].\n(^٤) الاستذكار [٦/ ٣٠٢]، وانظر الدر المختار [١/ ٥٧٢] عند الحنفية.","vol":"1","page":434},{"text":"الدليل الأول: عَنْ الْبَرَاءِ ﵁ قَالَ: كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحْبَبْنَا أَنْ نَكُونَ عَنْ يَمِينِهِ، يُقْبِلُ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ … الحديث (^١).\nالدليل الثاني: عَنْ السُّدِّيِّ - إسماعيل بن عبد الرحمن - قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسًا كَيْفَ أَنْصَرِفُ إِذَا صَلَّيْتُ عَنْ يَمِينِي، أَوْ عَنْ يَسَارِي؟ قَالَ: أَمَّا أَنَا فَأَكْثَرُ مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَنْصَرِفُ عَنْ يَمِينِهِ (^٢).\nوأما ما جاء عن أنس ﵁ أنه كان ينفتل عن يمينه وعن يساره، ويعيب على من يتوقى أو من يعمد الانفتال عن يمينه (^٣).\nفلا يعارض ما جاء عنه سابقًا، وإنما كما قال الحافظ: يجمع بينهما بأن أنسًا عاب من يعتقد تحتم ذلك ووجوبه، وأما إذا استوى الأمران فجهة اليمين الأولى (^٤).\nويبقى التعارض الظاهري بين ما جاء عن ابن مسعود في كون النبي ﷺ أكثر ما كان ينصرف عن شماله، وبين ما جاء عن أنس في كونه ﷺ أكثر ما كان ينصرف عن يمينه، وقد أزال العلماء هذا الإشكال، وجمعوا بين القولين بأكثر من وجه، ومن ذلك:\n_________\n(^١) أخرجه مسلم [٧٠٩].\nقال الحافظ ابن رجب الحنبلي: ولكن روي تفسير هذه اللفظة بالبداءة بالتفاته إلى جهة اليمين بالسلام، خرجه الإسماعيلي في «حديث مسعر من جمعه»، ولفظه: كان يعجبنا أن نصلي مما يلي يمين رسول الله ﷺ، لأنه كان يبدأ بالسلام عن يمينه، وفي رواية أخرى له: أنه كان يبدأ بمن على يمينه فيسلم عليه اهـ. [فتح الباري له ٥/ ٢٧٦].\n(^٢) أخرجه مسلم [٧٠٨].\nوانظر للفائدة ما علق به ابن رجب على هذا الإسناد في الفتح له [٥/ ٢٧٧ - ٢٧٨].\n(^٣) إسناده صحيح: أخرجه البخاري [٢/ ٣٩٣ - مع الفتح]، تعليقًا جازمًا به، عن أنس ووصله الحافظ [التغليق: ٢/ ٣٤٠]، من طريق مسدد عن يزيد بن زريع، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة قال: الحديث.\n(^٤) فتح الباري لابن حجر [٢/ ٣٩٣ - ٣٩٤]، فتح الباري لابن رجب [٥/ ٢٧٧].","vol":"1","page":435},{"text":"قال النووي:\nيجمع بينهما بأنه ﷺ كان يفعل هذا تارة، وهذا تارة، فأخبر كل منها بما اعتقد أنه الأكثر. اهـ (^١)\nوقال الحافظ ابن حجر:\nويمكن أن يجمع بينهما بوجه آخر: وهو أن يحمل حديث ابن مسعود على حالة الصلاة في المسجد، لأن حجرة النبي ﷺ كانت من جهة يساره، ويحمل حديث أنس على ما سوى ذلك كحال السفر. اهـ (^٢).\nوقد بدا للحافظ وجه آخر للجمع غير ما تقدم، فقال: ثم ظهر لي أنه يمكن الجمع بين الحديثين بوجه آخر، وهو: أن من قال: كان أكثر انصرافه عن يساره نظر إلى هيئته في حال الصلاة، ومن قال: كان أكثر انصرافه عن يمينه نظر إلى هيئته في حالة استقباله القوم بعد سلامه من الصلاة. اهـ (^٣).\nالدليل الثالث: عموم قول عَائِشَةَ ﵂: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ فِي تَنَعُّلِهِ، وَتَرَجُّلِهِ، وَطُهُورِهِ، وَفِي شَأْنِهِ كُلِّه (^٤).\nوختام القول في الأحاديث والآثار الواردة عن النبي ﷺ في هذا الأمر = ما قاله ابن أبي حاتم، حيث قال: تدبرت الأحاديث التي رويت في استقبال النبي ﷺ الناس بوجهه، فوجدت انحرافه عن يمينه أثبت. اهـ (^٥).\n_________\n(^١) المصدر السابق.\n(^٢) المصدر السابق.\n(^٣) فتح الباري [٢/ ٣٩٤].\n(^٤) متفق عليه: أخرجه البخاري [١٦٨]، ومسلم [٢٦٨].\n(^٥) فتح الباري لابن رجب [٥/ ٢٧٦].\n- قال ابن رجب: وقال ابن أبي حاتم: سمعت يقول: فذكر الكلام.\n- وذكر المحقق [الشيخ طارق بن عوض الله]، أنه كذا، وقال: ولعل الصواب «سمعت\nأبي يقول» اهـ.","vol":"1","page":436},{"text":"<span data-type='title' id=toc-327>٣٧ - تطوع الإمام في مكانه الذي صلى فيه الفريضة</span>\nبعض الفرائض لها سنن بعدها، فإذا أراد الإمام أن يصلي النفل بعد الفرض هل يصلي في مكانه الذي صلى فيه الفرض؟ أم يتحول عنه؟\nبداية أقول: إن المذاهب الأربعة اتفقت على استحباب أن يتحول الإمام عن موضعه الذي صلى فيه الفريضة لصلاة النافلة، وإنما الخلاف بينهم - وهو يسير - فيما إذا صلى في نفس المكان.\nوتفصيل ذلك: أن العلماء لهم قولان في مسألة تنفل الإمام في موضعه الذي صلى فيه الفريضة، وهما:\n\n<span data-type='title' id=toc-328>القول الأول: يكره للإمام أن يتنفل في موضعه الذي صلى فيه الفريضة، ولا يكره للمأموم.</span>\nوبهذا قال الحنفية (^١)، والمالكية (^٢)، والحنابلة (^٣).\n_________\n(^١) قال الحصكفي: وفي الجوهرة: يكره للإمام التنفل في مكانه لا للمؤتم اهـ.\n[الدر المختار: ٢/ ٢٤٨]، بدائع الصنائع [١/ ١٥٩].\nوقال ابن رجب الحنبلي: كره ذلك أبو حنيفة، ومالك، وأحمد، اهـ. [فتح الباري له: ٥/ ٢٦٣].\n(^٢) قال ابن القاسم: وقال مالك: من سلم إذا كان وحده، أو وراء الإمام = فلا بأس أن يتنفل في موضعه، أو حيث أحب من المسجد، إلا يوم الجمعة، قال: - أي سحنون - وسألت ابن القاسم: هل فسر لكم مالك لم كره للإمام أن يتنفل في موضعه؟ قال: لا، إلا أنه قال: عليه أدركت الناس اهـ. [المدونة: ١/ ٩٧]، الشرح الكبير [١/ ٣٣٢].\n(^٣) قال ابن قدامة: قال أحمد: لا يتطوع الإمام في مكانه، ومن صلى وراء الإمام فلا بأس. اهـ. [المغني: ٢/ ٢٥٨]، الإنصاف [٢/ ٢٩٨]، واستثنى الحنابلة الضرورة من الكراهة.","vol":"1","page":437},{"text":"واستدلوا على ذلك بالأثر والنظر:\nأما استدلالهم بالأثر؛ فهو:\nالدليل الأول: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ إِذَا صَلَّى أَنْ يَتَقَدَّمَ، أَوْ يَتَأَخَّر عَنْ يَمِينِهِ، أَوْ عَنْ شِمَالِهِ؟» - يَعْنِي السُّبْحَةَ - (^١).\nالدليل الثاني: عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يصلي الإمام في الموضع الذي صلى فيه حتى يتحول» (^٢).\n_________\n(^١). ضعيف: الحديث مداره على ليث بن أبي سليم:\nفأخرجه أبو داود [١٠٠]، وأحمد [٩٤٩٦]، والبيهقي [٢/ ١٩٠]، وابن أبي شيبة [٦٠١١]، وعنه ابن ماجه [١٤٢٧] = كلهم من طريق ليث، عن الحجاج بن عبيد، عن إبراهيم بن إسماعيل [وعند البيهقي: إسماعيل بن إبراهيم، ونقل عن البخاري أن هذا أصح، من إبراهيم بن إسماعيل]، عن أبي هريرة.\nوأخرجه عبد الرزاق [٢/ ٤١٧] من طريق ليث، لكن عن عبد الرحمن بن سابط عن النبي ﷺ: مرسلًا.\n* قال البخاري: ولم يثبت هذا الحديث اهـ. [التاريخ الكبير - ت إسماعيل بن إبراهيم].\n* وقال في صحيحه بعد أن ذكر الحديث معلقًا تمريضًا: ولا يصح. اهـ.\n* ونقل البيهقي، عن البخاري قوله: والليث يضطرب فيه اهـ. [السنن: ٢/ ١٩٠].\n* وعقب البيهقي: قائلًا: وهو ليث بن أبي سليم، يتفرد به اهـ.\n* وقال الدارقطني: بعد أن ذكر الخلاف على ليث بن أبي سليم: ولا يصح الحديث، والاضطراب من ليث اهـ. [العلل: س ١٦٥١].\n* وقال الحافظ: حكى ابن قدامة عن أحمد: لا أعرفه أي: هذا الحديث - عن غير علي، انتهى فكأنه [الكلام للحافظ]: لم يثبت عنده حديث أبي هريرة اهـ. [فتح الباري: ٢/ ٣٩٠]، وسيأتي الأثر، عن علي بن أبي طالب - في أدلتهم قريبًا.\n(^٢) إسناده ضعيف: أخرجه ابن ماجه [١٤٢٨]، من طريق: عثمان بن عطاء [وهو ضعيف]، وأبو داود [٦١٢]، وعنه البيهقي [٢/ ١٩٠]، من طريق: عبد العزيز بن\nعبد الملك [وهو مجهول] = كلاهما [عثمان وعبد العزيز]، عن عطاء الخراساني، عن المغيرة بن شعبة.\n* قال أبو داود - عقب الحديث: عطاء الخراساني لم يدرك المغيرة بن شعبة اهـ.\n* وقال المنذري: وما قاله ظاهر، فإن عطاء الخراساني ولد في السنة التي مات فيها المغيرة، وهي سنة خمسين من الهجرة على المشهور، أو يكون ولد قبل وفاته بسنة على القول الآخر اهـ.","vol":"1","page":438},{"text":"الدليل الثالث: عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ عَطَاءِ بْنِ أَبِي الْخُوَارِ، أَنَّ نَافِعَ بْنَ جُبَيْرٍ أَرْسَلَهُ إِلَى السَّائِبِ ابْنِ أُخْتِ نَمِرٍ، يَسْأَلُهُ عَنْ شَيْءٍ رَآهُ مِنْهُ مُعَاوِيَةُ فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ: نَعَمْ صَلَّيْتُ مَعَهُ الْجُمُعَةَ فِي الْمَقْصُورَةِ، فَلَمَّا سَلَّمَ الْإِمَامُ قُمْتُ فِي مَقَامِي، فَصَلَّيْتُ فَلَمَّا دَخَلَ أَرْسَلَ إِلَيَّ فَقَالَ: لَا تَعُدْ لِمَا فَعَلْتَ، إِذَا صَلَّيْتَ الْجُمُعَةَ، فَلَا تَصِلْهَا بِصَلَاةٍ حَتَّى تَكَلَّمَ، أَوْ تَخْرُجَ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَنَا بِذَلِكَ، «أَنْ لَا تُوصَلَ صَلَاةٌ بِصَلَاةٍ، حَتَّى نَتَكَلَّمَ، أَوْ نَخْرُجَ» (^١).\nواستدلوا أيضًا ببعض الآثار الواردة عن الصحابة والتابعين، ومنها:\n٤ - أثر علي بن أبي طالب ﵁:\nعن علي قال: إذا سلم الإمام لم يتطوع حتى يتحول من مكانه، أو يفصل بينهما بكلام (^٢).\n٥ - أثر عبد الله بن عمر ﵁:\nعن الشعبي عن ابن عمر: أنه كره للإمام أن يتطوع في مكانه، ولم ير\n_________\n(^١) أخرجه مسلم [٨٨٣].\n(^٢) إسناده ضعيف: أخرجه ابن أبي شيبة [٦٠٢١، ٦٠٢٧]، وعبد الرزاق [٢/ ٤١٦]، والبيهقي [٢/ ١٩١] كلهم من طريق: المنهال بن عمرو، عن عباد بن عبد الله، عن علي بن أبي طالب.\n* وعباد بن عبد الله الأسدي: ضعفه ابن المديني، وقال البخاري: فيه نظر.","vol":"1","page":439},{"text":"به لغير الإمام بأسًا (^١).\n٦ - أثر عبد الله بن عمرو ﵁:\nعن مجاهد: عن عبد الله بن عمرو: أنه كره للإمام أن يصلي في مكانه الذي صلى فيه الفريضة (^٢).\n٧ - أثر ابن عباس، وابن الزبير ﵁:\nعن عطاء بن أبي رباح: أن ابن عباس وابن الزبير، وأبا سعيد وابن عمر كانوا يقولون: لا يتطوع حتى يتحول من مكانه الذي صلى فيه الفريضة (^٣).\nوجاء عن بعض التابعين أيضًا مثل ذلك، ومنهم.\nأ - سعيد بن المسيب:\nعن قتادة قال: ذكرت لابن المسيب: أن ابن عمر رأى رجلًا يصلي يوم الجمعة في مكانه تطوعًا، فنهاه ابن عمر عن ذلك وقال: لا أراك تصلي\n_________\n(^١) إسناده ضعيف: أخرجه ابن أبي شيبة [٦٠٢٢]، عن أبي خالد الأحمر، عن حجاج بن أرطاة، عن أبي إسحاق السبيعي، عن الشعبي، عن ابن عمر [وسيأتي عن ابن عمر مثل ذلك في الأثر السابع، وأثر ابن المسيب].\n* وحجاج - مع كثرة خطئه - موسوم بالتدليس، وقد عنعن هنا، وكذا شيخه أبو إسحاق.\n(^٢) إسناده ضعيف: أخرجه ابن أبي شيبة [٦٠٢٣]، من طريق حجاج [بن أرطاة]، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد، عن ابن عمرو، وهذا إسناد ضعيف للكلام في حجاج وعنعنته، وأيضًا فإن إبراهيم قال عنه الأكثرون: ليس بالقوي، كما أن رواية مجاهد عن ابن عمرو مختلف فيها، ونفى بعضهم السماع [كما في جامع التحصيل]، لكن الراجح - والله أعلم - أنه سمع منه، ورواية مجاهد عن ابن عمر أخرجها البخاري وابن خزيمة وابن حبان في صحاحهم.\n(^٣) إسناده صحيح إلى عطاء: أخرجه ابن أبي شيبة [٦٠١٢]، عن ابن علية، عن أيوب، عن عطاء.\n* وعطاء لم يسمع من ابن عمر وأبي سعيد [انظر تحفة التحصيل: ٢٢٨ - ٢٢٩].\n* لكنه سمع من ابن عباس [وروايته عنه في الكتب الستة]، وسمع من ابن الزبير [وروايته عنه عند مسلم].","vol":"1","page":440},{"text":"مكانك، فقال ابن المسيب: إنما كره ذلك للإمام (^١).\nب - عروة بن الزبير:\nعن هشام بن عروة قال: كان أبي إذا صلى المكتوبة: مال عن مكانه فسبح (^٢).\nوجاء مثل ذلك عن: إبراهيم النخعي (^٣)، والشعبي (^٤)، وابن\n_________\n(^١) إسناده صحيح إلى سعيد: أخرجه عبد الرزاق [٢/ ٤١٨]، عن معمر، عن قتادة، ولا يخشى هنا من سوء حفظ معمر لحديث قتادة لأنه توبع من هشام بن عروة كما عند ابن أبي شيبة [٦٠٢٠].\n* وأُنبِّه على أن قتادة لم يسمع من عبد الله بن عمر، بل شكك الإمام أحمد في سماعه من سعيد، فقال: أحاديث قتادة، عن سعيد بن المسيب ما أدري كيف هي، قد أدخل بينه وبين سعيد نحوًا من عشرة رجال لا يعرفون [جامع التحصيل: ٢٥٥]، إلا أن هذا لا يضر - إن شاء الله -، فقد أثبت له البرديجي السماع [جامع التحصيل]، بل أخرج الشيخان رواية قتادة، عن سعيد في صحيحيهما، ثم إنه في هذا الإسناد خاصة: يحكي حوارًا بينه وبين سعيد، فلا يخشى من تدليسه، والله أعلم.\n(^٢) إسناده حسن: أخرجه ابن أبي شيبة [٦٠١٤]، عن حاتم بن إسماعيل، عن هشام.\n* وهذا إسناد حسن للكلام في حاتم بن إسماعيل، وقد أدخل البخاري روايته عن هشام في صحيحه.\n(^٣) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة [٦٠٢٦، ٦٠٢٩]، وعبد الرزاق [٢/ ٤١٨] = كلاهما من طريق منصور، عن إبراهيم النخعي قال: «يكره للإمام أن يتطوع في مكانه الذي صلى فيه الفريضة».\n(^٤) إسناده حسن: أخرجه ابن أبي شيبة [٦٠١٣]، عن عبد الله بن إدريس عن حصين بن عبد الرحمن، عن الشعبي قال: «لا يتطوع حتى ينهض خطوة أو خطوتين».\n* وهذا إسناد حسن للتغير الذي طرأ على حصين بن عبد الرحمن السلمي، وهناك في طبقته أكثر من واحد بنفس اسمه [حصين بن عبد الرحمن]، ومنهم من يروي، عن الشعبي أيضًا، لكن الذي يروي عبد الله بن إدريس عنه = هو صاحبنا، ورواية حصين عن الشعبي في الصحيحين. ورواية عبد الله عنه في مسلم.","vol":"1","page":441},{"text":"أبي ليلى (^١).\nوأما استدلالهم بالنظر؛ فقالوا:\n* إن تنفل الإمام بمكانه الذي صلى فيه الفريضة: قد يؤدي إلى اشتباه الأمر على الداخل، فيظنه لا يزال يصلي، أو قد يظن من يشاهده من المأمومين أنه تذكر نقصًا في صلاته فقام ليأت به، ولذلك يكره له التنفل في موضعه، ويستحب له التنحي عنه (^٢).\n* وفي تنحي الإمام عن موضعه الأول: استكثار منه لمواضع السجود (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-329>القول الثاني: يجوز للإمام أن يصلي النفل في موضعه الذي صلى فيه الفريضة.</span>\nوهو ظاهر كلام الشافعية (^٤)، واختيار ابن عقيل من الحنابلة (^٥)، ورجحه البخاري في صحيحه (^٦).\n_________\n(^١) إسناده ضعيف: أخرجه ابن أبي شيبة [٦٠٢٤]، عن حفص بن غياث، عن حجاج [بن أرطاة]، عن الحكم [بن عتيبة]، عن ابن أبي ليلى: أنه كان يستحب للإمام إذا صلى أن لا يتطوع الإمام في مكانه الذي صلى فيه، أو قال: كان يكرهه.\n* وضعف الإسناد من قبل حجاج بن أرطاة، وتقدم الكلام عنه.\n(^٢) بدائع الصنائع [١/ ١٦٠].\n(^٣) بدائع الصنائع [١/ ١٥٩]، المجموع [٣/ ٤٩١].\n(^٤) قال النووي: قال أصحابنا: فإن لم يرجع - أي الإمام - إلى بيته وأراد التنفل في المسجد: يستحب أن ينتقل عن موضعه قليلًا، فإن لم ينتقل إلى موضع آخر فينبغي أن يفصل بين الفريضة والنافلة بكلام إنسان اهـ. [المجموع: ٣/ ٤٩٠].\n(^٥) الإنصاف [٢/ ٢٩٨]، فتح الباري لابن رجب [٥/ ٢٦٣].\n(^٦) حيث ذكر أثر ابن عمر - القادم - في صحيحه، وقال بعده: ويذكر عن أبي هريرة رفعه: لا يتطوع الإمام في مكانه، ولا يصح اهـ.","vol":"1","page":442},{"text":"واستدل هؤلاء بالأثر، وهو:\n\n<span data-type='title' id=toc-330>الدليل الأول: أثر ابن عمر ﵁:</span>\nعَنْ نَافِعٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُصَلِّي فِي مَكَانِهِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ الْفَرِيضَةَ، وَفَعَلَهُ الْقَاسِمُ (^١).\nقالوا: فلو كان مكروهًا ما فعله ابن عمر ﵄.\nوأجاب القائلون بالكراهة عن ذلك بقولهم:\nإن ابن عمر فعل هذا عندما كان مأمومًا، ولم يكن إمامًا (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-331>الدليل الثاني: أثر عبد الله بن مسعود ﵁:</span>\nعن عبد الله بن مسعود: أنه سئل عن الرجل يصلي في مكانه الذي صلى فيه الفريضة، قال: لا بأس (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري [٨٤٨]، قال: قال لنا آدم، حدثنا شعبة، عن أيوب، عن نافع فذكره.\nوالقاسم المذكور في الأثر: هو القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، أحد فقهاء المدينة، وسيأتي ذكره لاحقًا في أثر سالم بن عبد الله.\nفائدة: قال الحافظ - عن هذا الإسناد:\nقول البخاري «قال لنا آدم …»، هو موصول، وإنما عبر بقوله «قال لنا» لكونه موقوفًا مغايرة بينه وبين المرفوع، هذا الذي عرفته بالاستقراء من صنيعه اهـ. [فتح الباري: ٢/ ٣٨٩].\n(^٢) نقله ابن رجب، عن الإمام أحمد [الفتح له: ٥/ ٢٦٣].\n(^٣) إسناده ضعيف: أخرجه عبد الرزاق [٢/ ٤١٩]، وابن أبي شيبة [٦٠١٥] = كلاهما، عن أبي بحر عن شيخ، عن ابن مسعود.\n* أما أبو بحر: فقد قال الإمام أحمد: بلغني أن أبا بحر هو أبو فرات بن أحنف [تعجيل المنفعة]، ووافقه على ذلك البخاري في تاريخه الكبير، وهذا الرجل وثقه ابن معين، ولكن في الإسناد مبهم، وهو شيخ أبي بحر، وضعف الإسناد من أجله.\n* وبالاعتماد على قول أحمد والبخاري أن أبا بحر هو أبو فرات = نجد أنه سمى هذا المبهم عند البيهقي [٢/ ١٩٢]، باسم: عبد الله بن بشر الهلالي، وهذا الأخير ترجم له\nالبخاري في الكبير، وابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل»، وكلاهما أثبت له السماع من ابن مسعود، وكلاهما أيضًا لم يذكر فيه شيئًا، وعلى ذلك: بقي الإسناد ضعيفًا كما هو.","vol":"1","page":443},{"text":"وجاء عن بعض التابعين أيضًا مثل ذلك، منهم.\nأ - سالم بن عبد الله بن عمر:\nعن عبيد الله بن عمر قال: رأيت القاسم وسالمًا يصليان الفريضة، ثم يتطوعان في مكانهما، وأنبأني نافع أن ابن عمر كان لا يرى به بأسًا (^١).\nوجاء مثل ذلك عن:\nالحسن البصري (^٢)، ومحمد بن سيرين (^٣)، وعطاء بن أبي رباح (^٤).\nوأجاب أصحاب هذا القول عن الأدلة الأثرية التي استدل بها القائلون بالكراهة بقولهم:\nأما حديث أبي هريرة: فضعيف.\nوكذلك حديث المغيرة، فلا حجة فيهما (^٥).\nوأما حديث معاوية: فغاية ما يستدل به عليه: أن يفصل بين كل صلاتين، ولكن لا يستلزم ذلك الحركة، بل لو تكلم ولم يتحرك أجزأه،\n_________\n(^١) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة [٦٠١٧]، عن معتمر، عن عبيد الله بن عمر.\n(^٢) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة [٦٠١٩]، عن عبد الأعلى، عن هشام، عن الحسن [البصري]، ومحمد [ابن سيرين]: أنهما كانا يصليان التطوع في مكانهما الذي يصليان فيه الفريضة.\n(^٣) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة [٦٠١٩]، عن عبد الأعلى، عن هشام، عن الحسن [البصري]، ومحمد [ابن سيرين]: أنهما كانا يصليان التطوع في مكانهما الذي يصليان فيه الفريضة.\n(^٤) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة [٦٠١٨]، عن وكيع، عن مسعر قال: سألت عطاء، عن الرجل يتطوع في مكانه؟ فقال: لا بأس. اهـ.\n(^٥) ضعفهما النووي [المجموع: ٣/ ٤٩٠]، وقد تقدم بيان ضعفهما.","vol":"1","page":444},{"text":"وعندها لا تكون صلاته في مكانه مكروهة؛ لأن الفصل بين الصلاتين قد تم (^١).\nوأما ما جاء عن بعض الصحابة بالكراهة: فقد جاء عن غيرهم أيضًا الجواز.\nوإذا اختلف الصحابة لم يحتج بقول أحدهم على الآخر.\n_________\n(^١) المصدر السابق.","vol":"1","page":445},{"text":"<span data-type='title' id=toc-332>٣٨ - أخذ المال على الإمامة</span>\nلا خلاف بين العلماء في أن ما يعطاه الإمام في الصلاة من غير شرط = جائز، سواء كان ما يعطاه رِزقًا (^١)، أم وقفًا (^٢)، أم على سبيل الهدية والبر والصلة على إحسانه.\nوإليك شيئًا من أقوال العلماء في ذلك - على اختلاف مذاهبهم -:\nقال السرخسي الحنفي:\nفإن عرف القوم حاجته - أي الإمام - فواسوه بشيء: فما أحسن ذلك، بعد أن لا يكون عن شرط. اهـ (^٣).\nقال القرافي المالكي:\nقال صاحب الطراز: واتفق الجميع على جواز الرزقة. اهـ (^٤).\nقال الماوردي الشافعي:\nأعمال القرب تنقسم ثلاثة أقسام وذكر منها:\nوقسم لا يجوز أن يفعل عن الغير، لكن قد يعود نفعه على الغير،\n_________\n(^١) الرزق: بالكسر مأخوذ من: رَزَقَ بالفتح، وهو لغة: ما ينتفع به، والجمع أرزاق، وفي الاصطلاح: العطاء ويشمل ما يفرضه الإمام في بيت المال للمستحقين وغيره من التبرعات كالوقف والهبة وصدقة التطوع وغير ذلك مما يدفع بلا مقابل وقيل: إن كان يخرج كل شهر سُمى رزقًا، وإن كان يخرج كل عام سُمى عطاءً.\n[الموسوعة الفقهية الكويتية: [١٧/ ٢٤٢ - ٢٤٣، ٣٠/ ١٥٠].\n(^٢) الوقف: لغة: الحبس، واصطلاحًا: حبس العين والتصدق بالمنفعة. [المصدر السابق: ٣/ ١٠٧].\n(^٣) المبسوط [١/ ١٤٠]، وانظر البحر الرائق [١/ ٢٦٨].\n(^٤) الذخيرة [٢/ ٦٦]، وانظر الشرح الكبير [١/ ١٩٨].","vol":"1","page":446},{"text":"كالأذان أو الإقامة، والقضاء، فلا يجوز أخذ الأجرة عليه، ويجوز أخذ الرزق عليه (^١).\nقال ابن قدامة الحنبلي:\nوروي عنه (^٢) …، ولا بأس أن يدفعوا إليه من غير شرط (^٣). اهـ.\nقال ابن حزم الظاهري:\nوجائز أن يعطى (^٤) على سبيل البر، وأن يرزقه الإمام كذلك (^٥). اهـ.\nهذا فيما يتعلق بأخذ المال على الإمامة بدون شرط واتفاق.\nوأما أن يأخذ الإمام في الصلاة أجرًا عن شرط واتفاق سابق: فهذا ما وقع فيه الخلاف بين العلماء.\nوإليك التفصيل:\nاختلف أهل العلم في حكم الإجارة على الإمامة - الصغرى - على\n_________\n(^١) الحاوي الكبير [٢/ ٧٧ - ٧٨].\n(^٢) أي: الإمام أحمد، هذا ما يشير إليه كلام ابن قدامة، ويؤكده قول البهوتي (فإن دفع إلى الإمام شيء وبغير شرط: فلا بأس نصًّا …» [كشاف القناع ١/ ٤٥١]، فقوله «نصًّا»، يشير إلى نص الإمام أحمد.\n- وبهذا يتبين خطأ صاحب كتاب «أخذ المال على أعمال القرب» [الذي هو في الأصل رسالة ماجستير، وقد استفدت منه كثيرًا. في هذا الباب خاصة]، حيث عزا هذا القول إلى ابن قدامة [١/ ٢٠٧].\n(^٣) المغني [٣/ ٢٠].\n(^٤) كلامه هنا على المؤذن، وابن حزم جعل المؤذن والإمام في مسألة الإجارة على السواء - كما سيأتي عنه قريبًا بإذن الله.\n(^٥) المحلى [٣/ ١٤٥].","vol":"1","page":447},{"text":"أربعة أقوال وهي:\n\n<span data-type='title' id=toc-333>القول الأول: لا يجوز مطلقًا أخذ الأجرة على الإمامة في الصلاة.</span>\nوبهذا قال: أبو حنيفة وصاحباه والمتقدمون من الحنفية (^١)، وابن حبيب من المالكية (^٢)، وهو مذهب الشافعية في الفريضة والأصح عندهم في النافلة (^٣)، والمشهور من مذهب الحنابلة (^٤)، وبه قال ابن حزم (^٥).\nواستدل أرباب هذا القول بالأثر والنظر:\n_________\n(^١) عزاه إليهم: ابن عابدين في حاشيته [٦/ ٣٣٩]، وابن عبد البر [الاستذكار: ٥/ ٤١٨].\nوقال ابن نجيم: لا يحل للمؤذن ولا للإمام أن يأخذ أجرًا اهـ[البحر الرائق: ١/ ٢٦٨].\nوانظر: المبسوط [١/ ١٤٠]، والدر المختار [٩/ ٧٦].\n(^٢) نقله عنه القرافي في الذخيرة [٢/ ٦٦].\n(^٣) قال النووي: الاستئجار لإمامة الصلوات المفروضة = باطل، وكذا للتراويح وسائر النوافل على الأصح اهـ. [روضة الطالبين: ٤/ ٢٦٣].\nوانظر: فتح العزيز [٦/ ١٠٣]، الحاوي الكبير [٢/ ٧٧ - ٧٨]، الفقه الإسلامي وأدلته [٥/ ٣٨٢٠].\n(^٤) قال أبو داود: سمعت أحمد سئل عن إمام قال: أصلي بكم رمضان بكذا وكذا درهما؟ قال: أسأل الله العافية، من يصلي خلف هذا؟!!. [مسائل أبي داود: رقم ٤٤٢].\n- قال ابن قدامة: وروى عنه أنه قال: «…، لا تصل خلف من يشارط». [المغني: ٣/ ٢٠].\n- وقال ابن مفلح: ويحرم - أي أخذ الأجرة - على أذان وإمامة صلاة، وتعليم قرآن … اهـ. [الفروع: ٤/ ٤٣٥].\n- وانظر: المغني [٨/ ١٣٦]، الإنصاف [٦/ ٤٥ - ٤٦]، كشاف القناع [١/ ٤٥١].\n(^٥) قال ابن حزم: ولا تجوز الإجارة على الصلاة، ولا على الأذان، لكن: إما أن يعطيهما الإمام من أموال المسلمين على وجه الصلة، وإما أن يستأجرهما أهل المسجد على الحضور معهم عند حلول أوقات الصلاة فقط مدة مسماة، فإذا حضر: تعين الأذان والإقامة على من يقوم بهما اهـ. [المحلى: ٨/ ١٩١ - ١٩٢].","vol":"1","page":448},{"text":"أما استدلالهم بالأثر فهو:\nالدليل الأول: عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ ﵁ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اجْعَلْنِي إِمَامَ قَوْمِي، فَقَالَ: «أَنْتَ إِمَامُهُمْ، وَاقْتَدِ بِأَضْعَفِهِمْ، وَاتَّخِذْ مُؤَذِّنًا لَا يَأْخُذُ عَلَى أَذَانِهِ أَجْرًا (^١).\n_________\n(^١) صحيح: هذا الحديث جاء عن عثمان بن أبي العاص مطولًا ومختصرًا، فرواه عنه:\n١) سعيد بن المسيب:\n- عند مسلم [٤٦٨]، وأحمد [١٦٢٧٧] = كلاهما من طريق غندر، عن شعبة، عن عمرو ابن مرة، عن سعيد بن المسيب، عن عثمان … مختصرًا.\n- ولفظه: آخر ما عهد إلي رسول الله ﷺ: «إذا أممت قومًا فأخف بهم الصلاة».\n٢) أشياخ من ثقيف.\n- عند أحمد [١٦٢٧٥]: عن محمد بن بكر، عن شعبة، عن النعمان بن سالم، قال: سمعت أشياخنا من ثقيف قالوا: أنا عثمان بن أبي العاص - وساق الحديث -، وفيه الأمر بالتخفيف، وليس فيه ذكر المؤذن.\n٣) موسى بن طلحة:\n- رواه عنه عمرو بن عثمان، واختلف عليه في المتن، فرواه عنه.\nأ-عبد الله بن نمير [عند مسلم: ٤٦٨]، ووكيع [أحمد: ١٦٢٧٦]، ويحيى القطان، وأبو نعيم [أبو عوانة: ١٥٥٧، ١٥٥٨].\n- واللفظ المذكور عند هؤلاء: قال النبي ﷺ لعثمان: «أم قومك» قال: قلت: يا رسول الله، إني أجد في نفسي شيئًا، قال: «ادنه»، فأجلسني بين يديه، ثم وضع كفه في صدري بين ثديي، ثم قال: «تحول» فوضعها في ظهري بين كتفي، ثم قال: «أم قومك، فمن أم قومًا فليخفف، فإن فيهم الكبير، وإن فيهم الضعيف، وإن فيهم ذا الحاجة، وإذا صلى أحدكم وحده فليصل كيف شاء».\nولم يذكر فيه النهي عن اتخاذ المؤذن بأجرة.\nب-يعلى ومحمد ابنا عبيد:\n- عند أبي عوانة [١٥٥٧]، عن علي بن حرب قال: ثنا يعلى ومحمد ابنا عبيد.\n- وزاد فيه: «واتخذ مؤذنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا».\n- وهذا إسناد صحيح.","vol":"1","page":449},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=- فعلي بن حرب: قال عنه أبو حاتم: صدوق، وقال مسلمة بن قاسم: ثقة، وقال الخطيب: كان ثقة ثبتًا، وقال ابن السمعاني: كان ثقة صدوقًا.\n- وأما يعلى ومحمد ابنا عبيد:\n- فيكفي قول الدارقطني: بنو عبيد كلهم ثقات اهـ.، وقول ابن عمار الموصلي: أولاد عبيد كلهم ثبت، وأحفظهم يعلى، وأبصرهم بالحديث محمد اهـ.\n- قلت: وتتمة للفائدة: فإن يعلى قد ضعف ابنُ معين روايته، عن الثوري خاصة دون غيره.\n- فإن قال قائل: ألا يعد إخراج مسلم لهذا الحديث من نفس طريق أبي عوانة - الذي صححت إسناده آنفًا - بدون ذكر هذه الزيادة = إعلالًا لها؟!.\n- قلنا: ليس ذلك بشرط، فمسلم لم يلتزم بذلك، وأقوى دليل على ما ذكرنا: قول مسلم نفسه في صحيحه [عقب حديث: ٤٠٤]: وليس كل شيء عندي صحيح وضعته ها هنا، وإنما وضعت هَهُنا ما أجمعوا عليه. اهـ.\n- ويُشفع هذا الدليل بآخر، ألا وهو: أن هذه الزيادة لم تأت من طريق عمرو بن عثمان، عن موسى بن طلحة فقط، بل أتت من طريقين آخرين، فممن روى الحديث، عن عثمان بن أبي العاص - غير من تقدم ذكرهم -.\n٤) مطرف بن عبد الله بن الشخير:\nواختلف عليه في ذكر هذه الزيادة، فروى الحديث عنه كل من:\nأ-سعيد بن أبي هند (بدون ذكر الزيادة).\n- كما عند ابن ماجه [٩٨٧]، وأحمد [١٦٢٧٣]، وابن أبي عاصم [الآحاد: ١٥٣٠]، والطبراني في الكبير [٩/ ٥١]، كلهم من طريق محمد بن إسحاق، عن سعيد، عن مطرف، عن عثمان.\n- وابن إسحاق مدلس، وحديثه عند من سبق ذكرهم معنعنًا، إلا أن هناك طريقًا، عند الطبراني في الكبير [٩/ ٥١]، عن بشر بن موسى ثنا الحميدي ثنا سفيان ثنا محمد بن إسحاق سمعه من سعيد بن أبي هند سمعه من مطرف بن عبد الله سمعت عثمان.\n- وهذا إسناد حسن إن كان التصريح بالسماع محفوظًا، فمحمد بن إسحاق ممن يحسن حديثه إذا صرح بالتحديث، وأما بشر بن موسى = شيخ الطبراني: فقد ترجم له الخطيب في تاريخه، وقال عنه: كان ثقة أمينًا عاقلًا ركينًا. اهـ.\nب-أبو العلاء يزيد بن عبد الله بن الشخير [أخو مطرف].\n- فرواه عنه الجريري، وفيه ذكر الزيادة، بل هو باللفظ الذي ذكره أصحاب القول الأول في أدلتهم تمامًا بحروفه.","vol":"1","page":450},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=- والجريري: سعيد بن إياس وإن كان ثقة: إلا أنه اختلط قبل موته، ولكن الراوي عنه هنا حماد بن مسلمة.\n- كما عند [أحمد: ١٦٢٧١]، وأبي داود [٥٣١]، والحاكم [٧١٥، ٧٢٢]، وابن خزيمة [٤٢٣]، والنسائي [٦٧٢]، والطحاوي [معاني الآثار: ٤/ ١٢٨]، والطبراني [الكبير: ٩/ ٥٢]، والبغوي [٤١٧]، والبيهقي [١/ ٤٢٩].\n- وهناك رواية عند أحمد [١٦٢٧٠]، من طريق حماد أيضًا لكن بإسقاط مطرف، وهذا إما سقط، وإما طريق مرجوح برواية الجمع الكثير بإثبات مطرف.\n- بقول العجلي: إنما الصحيح عنه أي الجريري: حماد بن سلمة، والثوري، … [التهذيب، ت الجريري].\n- وقال الأبناسي: وممن سمع منه قبل التغيير: شعبة وسفيان الثوري والحمادان [الشذا الفياح: ٢/ ٧٥٣]، [الكواكب النيرات: صـ ٣٥].\n- قلت (القائل أحمد): لكن يعكر على قولهما ما ذكره مسلم في التمييز، ونقله ابن رجب في شرحه لعلل الترمذي، حيث قال:\n- «وحماد - أي ابن سلمة - يعد عندهم إذا حدث عن غير ثابت - كحديثه، عن قتادة وأيوب وداود بن أبي هند، والجريري، ويحيي بن سعيد، وأشباههم - فإنه يخطئ كثيرًا في حديثهم، وغير حماد في هؤلاء أثبت عندهم، كحماد بن زيد، وعبد الوارث، ويزيد بن زريع».\n- وعلق ابن رجب على ذلك بقوله.\n- ومع هذا: فقد خرج مسلم في صحيحه لحماد بن سلمة عن أيوب، وقتادة، …، والجريري، …، ولكن: إنما خرج حديثه، عن هؤلاء فيما تابعه عليه غيره من الثقات ووافقوه عليه، ولم يخرج له عن أحد منهم شيئًا تفرد به عنه، والله أعلم اهـ. [شرح علل الترمذي: صـ ٧٨٣].\n- ومع كلام الإمام مسلم الذي ذكرناه: فإنه يبدو أن حديث حماد، عن الجريري هنا: مما حفظه حماد بن سلمة خاصة، إذ أنه متابع على المتن تمامًا ممن هو أوثق منه، ومنصوص على صحة روايته عن الجريري - كما تقدم، وهو: حماد بن زيد، كما عند أحمد [١٦٢٧٢].\n- وحقيقة أقول: قد خالجني الشك في صحة هذا الطريق أعني: طريق حماد بن زيد - فإنني لم أجد له ذكرًا إلا عند الإمام أحمد، وراويه هو: عفان بن مسلم الصفار قد رواه أيضًا عن حماد بن سلمة [عند أحمد: ١٦٢٧١ - قبل طريق حماد بن زيد مباشرة]، فاجتمع لعفان","vol":"1","page":451},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= في هذا الإسناد شيخان، هما الحمادان، توبع عفان في روايته، عن حماد بن سلمة، ولم يتابع في روايته، عن حماد بن زيد.\n- وليس مصدر الشك عندي تفرد عفان، وأنني لم أقف على متابع له، فها هو الإمام أحمد: يسأله الحسن بن محمد الزعفراني قائلًا: من تابع عفان على حديث كذا وكذا؟ فقال أحمد: وعفان يحتاج إلى أن يتابعه أحد؟!!، أو كما قال. اهـ. [التهذيب].\n- وقد أخرج البخاري في صحيحه لعفان، عن حماد بن زيد [كما ذكر المزي في تهذيبه].\n- وفي العلل لأحمد [٣٨٩]: أن حماد بن زيد كان يسأل عفان، عن حديث حماد بن سلمة عن أيوب، وهذا دال على مكانة عفان عند حماد بن زيد.\n- كما أن راوي الحديث هنا، عن عفان هو الإمام أحمد: وهو أروى الناس عن عفان [كما ذكر ابن عدي في كامله، وعنه المزي في تهذيبه = كلاهما في ترجمة عفان].\n- لكن مصدر الشك عندي: أني خشيت أن يكون هناك تصحيفًا، أو خطأ أو ما شابه ذلك.\n- ولما كان من العسير أن أقف على نسخة خطية للمسند = فقد لجأت إلى المطبوع، وقلبت النظر في أكثر من نسخة [كالرسالة، وقرطبة، والمكتب الإسلامي]، فوجدتهم جميعًا أثبتوا حماد بن زيد، وكذا في [المسند الجامع].\n- وما كدت أهدأ قليلًا حتى عاد الشك يقرع بابي من جديد، وذلك بعد نظري في [أطراف المسند المعتلي بأطراف المسند الحنبلي: ٤/ ٢٩٦ - للحافظ ابن حجر]، حيث ذكر الحافظ روايات الحديث بطرقها، ولم يشر إلى رواية عفان، عن حماد بن زيد، وهذا الأمر ليس له عندي إلا تفسير من ثلاث:\n١) أن يكون هناك سقط في نسخة أطراف المسند المطبوعة.\n٢) أو: يكون الحافظ قد غفل عن هذا الطريق وقت إعداده الكتاب.\n٣) أو: ألا يكون هذا الطريق موجودًا من الأصل في المسند، أو تحديدًا: في النسخة التي كانت بين يدي الحافظ من المسند.\n- وأما الاحتمال الرابع - الذي لم أذكره هنا: وهو أن يكون ذكر حماد بن زيد تصحيفًا ليس إلا، والصواب مع الحافظ في عدم ذكره له، ويكون هذا تقوية للشك الذي خالجني منذ البداية = فقد هدمه الحافظ ابن كثير ﵀!.\n- حيث ذكر في كتابه [جامع المسانيد والسنن الهادي لأقوم سنن: ٩/ ٢٤، ح: ٦٣٥٤]، رواية عفان، عن حماد بن زيد.\n- وبهذا لم يعد أمامي إلا اعتماد رواية عفان، عن حماد بن زيد، وأن هذا طريق صحيح، يصحح به الحديث.","vol":"1","page":452},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= - وأما ما وقع في أطراف المسند للحافظ ابن حجر: فدونك التفسيرات الثلاثة المذكورة آنفًا، اختر منها أيها شئت!.\n- وقد صحح الحديث من هذا الطريق، أعني: طريق الجريري، عن أبي العلاء، عن مطرف - جماعة من أهل العلم، منهم.\n١) ابن خزيمة: حيث أودعه صحيحه، ولم يعله بشيء.\n٢) الحاكم: حيث قال بعد إخراجه: على شرط مسلم، ولم يخرجاه اهـ.\n٣) ابن عبد الهادي: حيث قال: رواه أبو داود والنسائي، من حديث حماد، وإسناده جيد اهـ[تنقيح التحقيق: ٣/ ٦٤].\n٤) الحافظ ابن حجر: قال: إسناده حسن، وأصله في مسلم. اهـ. [فتح الباري ٢/ ٢٣٣].\n٥) العجلوني: حيث قال: وهو عند أبي داود والنسائي بأسانيد صحيحة اهـ.\n[كشف الخفاء: ١/ ٥٦٣ - ٥٦٤].\n- ثم آخر من أذكرهم هنا من رواة الحديث، عن عثمان بن أبي العاص = هو:\n٥) الحسن البصري:\n- رواه عنه ثلاثة، وهم:\nأ-عَبيدة بن حسان: بدون ذكر زيادة المؤذن.\n- كما عند الطبراني في الكبير [٩/ ٥٧].\n- وهذا إسناد ضعيف من أجل عَبيدة المذكور، فقد ذكره الذهبي في الميزان، ونقل عن أبي حاتم قوله فيه: منكر الحديث، وقول الدارقطني: ضعيف.\nب-هشام بن حسان: بدون ذكر الزيادة.\n- كما عند الطبراني في الكبير [٩/ ٥٦]، والأوسط [٧٩٧٨]، عن موسى بن هارون، عن إسماعيل بن عبيد، عن محمد بن سلمة، عن ابن علاثة، عن هشام بن حسان.\n- ولا يعنينا كثيرًا هذان الإسنادان، إذ أن المتن المذكور فيهما ثابت من غير هذين الطريقين - كما تقدم - وإنما يعنينا الطريق القادم الذي رواه.\nجـ- أشعث: وفيه ذكر الزيادة:\n- ولكن: من أشعث الذي يروي عن الحسن؟\n- قال البرقاني: قلت للدارقطني: أشعث عن الحسن؟ فقال: هم ثلاثة يحدثون جميعًا عن الحسن:\n- أحدهم: الحمراني - منسوب إلى حمران - مولى عثمان، بصري، وهو أشعث بن عبد الملك، ثقة.","vol":"1","page":453},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= - وأشعث بن عبد الله الحداني، بصري أيضًا، يروي، عن أنس والحسن، يعتبر به.\n- وأشعث بن سوار الكوفي، يعتبر به، وهو أضعفهم، روى عنه شعبة حديثًا واحدًا اهـ. [سؤالات البرقاني: صـ ٥٥، ٥٦].\n- قلت (القائل أحمد): جاءت بعض الروايات بذكر أشعث مهملًا:\n- كما عند الترمذي [٢٠٩]، والحميدي [٩٠٦]، وعنه الطبراني [٩/ ٥٦]، وأخرجه ابن أبي شيبة [٢٣٦٩، وسقط أشعث من المطبوعة]، وعنه ابن ماجه [٧١٤].\n- وجاءت رواية فيها تنصيص على أن أشعث هو ابن عبد الملك.\n- أخرجها ابن حزم [المحلى: ٣/ ١٤٥]، لكن من طريق ابن أبي شيبة، والذي تقدم ذكره أنه ذكره مهملًا، وكذا فعل ابن ماجه في سننه، ذكره مهملًا.\n- وهذا التمييز لأشعث فيما يبدو - والله أعلم - هو من ابن حزم، أو ممن هو فوقه ودون ابن أبي شيبة، حيث قال ابن حزم:\n- حدثنا أحمد بن محمد بن الجسور، ثنا محمد بن عبد الله بن أبي دليم، ثنا ابن وضاح، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا حفص بن غياث، عن أشعث هو ابن عبد الملك الحمراني عن الحسن.\n- وعلى هذا التمييز لأشعث بأنه ابن عبد الملك = تابع ابنَ حزم كلٌّ من:\n- العلامة أحمد شاكر [في تعليقه على المحلى، والترمذي: ١/ ٤٠٩].\n- العلامة الألباني [كما في صحيح سنن أبي داود: ٣/ ٢٩].\n- ولذلك صححوا جميعًا الحديث!!.\n- ولكن يبدو - والله أعلم - أن كلامهم هذا فيه نظر، فقد نص غير واحد من أهل العلم على أن أشعث المذكور هنا هو: ابن سوَّار، منهم:\n- الطبراني: حيث سماه في رواية عنده في معجمه الكبير [٩/ ٥٦].\n- أبو نعيم الأصبهاني: فقد ذكره من نفس الطريق الذي ذكره الطبراني مسميًا إياه بابن سوَّار [كما في الحلية: ٨/ ١٣٤].\n- الدارقطني: حيث قال: تفرد به أشعث بن سوار، عن الحسن بهذه الألفاظ. [أطراف الغرائب والأفراد: ٤١٣٩].\n- ابن عبد الهادي: كما في «تنقيح التحقيق» [١/ ٢٩٦].\n- الزيلعي: كما في «نصب الراية» [٤/ ١٣٩].\n- المباركفوري: كما في «تحفة الأحوذي» [١/ ٥٢٧].\n- وعلى ما تقدم ذكره: يكون الراجح - والله أعلم - أن أشعث المذكور هو: ابن=","vol":"1","page":454},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= سوار، وهو كما قال الدارقطني: ضعيف يعتبر به اهـ.\n- هذا الذي يترجح في حاله من مجموع أقوال الأئمة فيه، بخلاف القول الآخر للدارقطني، الذي نقله عنه السلمي في سؤالاته [٧٩]، حيث قال عنه هناك: كوفي متروك اهـ.، فيبدو أن هذا القول فيه تشدد بعض الشيء، إذ لم ينص أحد على ترك أشعث، فالأخذ بقول الدارقطني الموافق لأقوال الأئمة الآخرين = أولى من قوله المخالف، والله أعلم.\nوقد نص على هذا المعنى: عثمان الدارمي، كما في الجرح والتعديل [٨/ ٣٣٩].\n- ولذلك قال الترمذي بعد إخراجه الحديث من طريق أشعث: حديث عثمان حديث حسن اهـ.\n[هذا الثابت بمخطوط الكروخي، وكذا في التحفة، ونقله جماعة من العلماء: كالنووي في المجموع (٣/ ١٢٦)، وابن قدامة في المغني [٨/ ١٣٨]، وابن رجب في فتحه [٣/ ٤٧٦]، وابن عبد الهادي في تنقيحه [١/ ٢٩٦]، والزيلعي في نصب الراية [٤/ ١٣٩]، والحافظ في البلوغ، خلافًا للمثبت في المطبوع من الترمذي وهو: حسن صحيح].\n- بقى في هذا الإسناد مسألة أخيرة، وهي:\n- هل سمع الحسن البصري من عثمان بن أبي العاص؟ أم لا؟\n- ذهب فريق من أهل العلم إلى أن الحسن لم يسمع من عثمان، وهم:\n١) الحاكم:\n- حيث قال في مستدركه [عقب حديث: ٦٢٤]: فإن الحسن لم يسمع من عثمان بن أبي العاص اهـ.\n٢) المنذري:\n- حيث قال: وقد قيل: إن الحسن البصري لم يسمع من عثمان بن أبي العاص» اهـ. [عون المعبود: ٨/ ١٨٦]، [مختصر أبي داود: ٤/ ٢٤٤].\n٣) ابن عبد البر:\n- قال في ترجمة عثمان «والحسن أروى الناس عنه، وقد قيل: إنه لم يسمع منه». اهـ. [الاستيعاب: ت عثمان بن أبي العاص].\n٤) المزي:\n- قال: وروى الحسن، عن عثمان بن أبي العاص، وقيل: لم يسمع منه اهـ.\n-[تهذيب الكمال - ت الحسن البصري].\n٥) علاء الدين مغلطاي:\n- نقل كلام الحاكم معتمدًا له، [شرح سنن ابن ماجه: ٥/ ٤٧٦].","vol":"1","page":455},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ٦) أبو زرعة العراقي:\n- حيث نقل في تحفة التحصيل [صـ ٧٦]، قول المزي السابق، ولم يعقب بشيء.\n٧) الحافظ ابن حجر:\n- قال: الحسن عن عثمان بن أبي العاص = منقطع اهـ. [التلخيص الحبير: ١/ ٤٤١].\n- بينما ذهب آخرون إلى إثبات سماع الحسن من عثمان، وهم.\n١) علي بن المديني:\n- قال: سمع الحسن من عثمان بن عفان، وهو غلام يخطب، ومن عثمان بن أبي العاص اهـ[العلل: صـ ٩٢ - ط غراس].\n٢) يحيي بن معين:\n- قال: يقال إنه رأى عثمان بن أبي العاص اهـ[رواية الدوري: ٤٢٥٧].\n- وقال أيضًا: سمع الحسن من أنس، وعبد الرحمن بن سمرة، وعبد الله بن مغفل، وعثمان بن أبي العاص اهـ. [رواية ابن مُحرز: ١/ ١٣٠، س: ٦٦١].\n٣) أبو بكر البزار:\n- نقل عنه الزيلعي أنه قال: «وروى الحسن، عن عثمان بن أبي العاص، وسمع منه». اهـ[نصب الراية: ١/ ٩٠].\n٤) ابن خزيمة:\n- حيث أدخل في صحيحه رواية الحسن، عن عثمان [١٣٢٨]، محتجًّا بها، ولم يعلها بشيء.\n- ولا أرى هناك داعيًا لكثير كلام للترجيح بين القولين، فاجتماع إمامين من أئمة العلل [أعني ابن المديني وابن معين]، على قول واحد لا يُعارض بقول الحاكم ومن لحقه، فالذي يبدو - والله أعلم - أن الحسن سمع من عثمان بن أبي العاص.\n- وقد كان يكفينا نصوص الأئمة في هذه المسألة، إلا أنني لن أبخل على القارئ بما وقفت عليه من قرائن تؤكد صحة ما ذهب إليه ابن المديني ومن تابعه، فأقول - مستعينًا بالله -:\n- بداية ينبغي أن نعلم: أن الحسن ولد لسنتين بقيتا من خلافه عمر بالمدينة، أي: سنة إحدى وعشرين من الهجرة، ثم خرج الحسن من المدينة أوائل سنة سبع وثلاثين، وكان عمره حينها: ست عشرة سنة، فوصل البصرة واتخذها مستقرًّا ومقامًا، ولذلك نسب إليها [*].\n===\n[*] انظر تفصيل ذلك في [المرسل الخفي: ١/ ٢٦٣ - ٢٧٥].","vol":"1","page":456},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= - وأما عثمان بن أبي العاص: فإنه - كما قال الحافظ في «الإصابة» أسلم في وفد ثقيف، فاستعمله النبي ﷺ على الطائف، وأقره أبو بكر ثم عمر، ثم استعمله عمر على عمان والبحرين سنة خمس عشرة، ثم سكن البصرة، حتى مات بها في خلافة معاوية، قيل: سنة خمسين، وقيل: سنة إحدى وخمسين اهـ.\n- وذهب ابن البرقي وخليفة ومصعب وابن قانع إلى أنه مات سنة خمس وخمسين [كما نقل الحافظ في التهذيب].\n- وقال العسكري: استعمله عمر على عمان، ومات سنة خمس وخمسين، أو نحوها [التهذيب].\n- ونقل الحافظ، عن ابن سعد أنه قال:\n«كتب إليه عمر: استخلف على الطائف، وأقبل، فاستخلف أخاه الحكم وأقبل إلى عمر، فوجهه إلى البصرة، فابتنى بها دارًا، وبقى ولده بها»، اهـ. [التهذيب].\nقلت: وكلام ابن سعد في طبقاته مخالف بعض الشيء لما نقله الحافظ عنه، فنص كلامه هو «…، فخلف عثمان أخاه الحكم بن أبي العاص على الطائف وقدم على عمر بن الخطاب فولاه البحرين، فلما عزل عن البحرين نزل البصرة، هو وأهل بيته …» اهـ.\n- فنخلص مما سبق بالآتى:\n١) أن عثمان دخل البصرة في حياة عمر، أو على أبعد تقدير بعد أن عُزل [وأغلب الظن أن ذلك في عهد عثمان بن عفان، لأن عمر لم يكن يحب عزله لأن رسول الله ﷺ أمَّره].\n٢) وظل عثمان بالبصرة، حتى مات بها سنة خمسين [وذلك على أقل سنة ذكرت لتأريخ وفاته].\n٣) وجاء الحسن فدخل البصرة سنة سبع وثلاثين [وكان عمره: ست عشرة سنة وعثمان بها].\nفعلى ذلك: يكون الحسن قد عاصر عثمان بالبصرة ما يقارب من ثلاث عشرة سنة [إن لم يكن أكثر].\nومع نشاط الحسن وسعيه في تحصيل العلم، ومع ما حظي به عثمان من شرف الصحبة فاحتمال اللقاء بينهما وسماع الحسن منه قوي.\nوهذا التنظير المذكور يقوى بالآثار والنصوص الآتي ذكرها، وهي:\n- عن الحسن قال: «كنا ندخل على عثمان بن أبي العاص، وكان له بيت [وفي رواية وقد أخلى بيتًا للحديث].\nذكره عبد الله بن أحمد عن أبيه [العلل ومعرفة الرجال - رواية عبد الله - ٢/ ١١]","vol":"1","page":457},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=واللفظ له، والبخاري في «التاريخ الكبير»، تعليقًا [وعنده الرواية الثانية]. كلاهما من طريق أبي داود الطيالسي قال: حدثنا أبو عامر، عن الحسن قال: فذكره.\nوهذا إسناد حسن فقط من أجل أبي عامر، صالح بن رستم الخزاز، فهو وإن كان قد ضعفه ابن معين، وقال أبو حاتم: شيخ يكتب حديثه ولا يحتج به، وقال الدارقطني: ليس بالقوي، وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالقوي عندهم، فقد وثقه أبو داود، والطيالسي، والبزار، ومحمد بن وضاح، وقال عنه أحمد: صالح الحديث، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال العجلي: جائز الحديث، وقال ابن عدي: روى عنه يحيى القطان مع شدة استقصائه، وهو عندي لا بأس به اهـ.\nوقد استشهد به البخاري في صحيحه، وروى له الباقون، وعلى ذلك فلا بأس بتحسين هذا الإسناد الذي بين أيدينا.\n٢) عن الحسن قال: «… ولقد رأيت عثمان بن أبي العاص صام يوم عرفة، يرش عليه الماء من إداوة معه يتبرد به».\n- أخرجه ابن أبي شيبة [٩٧٢٢]، حدثنا يزيد بن هارون، والطبراني في الكبير [٩/ ٤٣] من طريق معتمر = كلاهما عن حميد الطويل عن الحسن.\nوهذا إسناد صحيح، فإن حميدًا معدود في أصحاب الحسن، وقد قال أبو حاتم: أكبر أصحاب الحسن قتادة، وحميد اهـ[التهذيب]، وانظر كلام ابن معين في [شرح علل الترمذي: ٦٨٧].\n- وأما ما يُخشى من تدليس حميد: فإن أهل العلم: تكلموا عن تدليسه، عن أنس، ولم أر أحدًا منهم ذكره بالتدليس مطلقًا عن كل أحد!.\n- نعم، ذكره النسائي في المدلسين فقال: ذكر المدلسين: الحسن، قتادة، حجاج بن أرطاة، حميد، …، ولكن من سبق النسائي أو لحق به قيد ذلك التدليس بالرواية عن أنس، حتى أن الحافظ ابن حجر لما ذكره في كتابه طبقات المدلسين [في المرتبة الثالثة]، قال: «حميد الطويل، صاحب أنس، مشهور كثير التدليس عنه، …» إلخ ما قال. وعلى ضوء تلك النصوص: نفهم كلام النسائي ﵀ حين ذكر حميدًا في المدلسين [وانظر منهج المتقدمين في التدليس: صـ ١١٥].\n- وعليه فهذا إسناد صحيح إلى الحسن، والله أعلم.\n٣) كان الحسن يقول: ما رأينا أفضل منه، يعني عثمان بن أبي العاص.\n- ذكره عبد الله بن أحمد [العلل ومعرفة الرجال: ١٥٥٠]، قال: حدثني أبي قال: حدثنا سفيان قال: وكان الحسن يقول: فذكره.","vol":"1","page":458},{"text":"وجه الدلالة: قالوا: فمنع النبي ﷺ عثمان من اتخاذ المؤذن الذي يأخذ على أذانه أجرة، فإذا امتنع في الأذان: امتنع في الإمامة من باب أولى لكونها أدخل في باب القرب، والتعلق بالذمة، وكل منهما يتقرب به إلى الله (^١).\nالدليل الثاني: عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: عَلَّمْتُ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ الْكِتَابَ وَالْقُرْآنَ، فَأَهْدَى إِلَيَّ رَجُلٌ مِنْهُمْ قَوْسًا فَقُلْتُ: لَيْسَتْ بِمَالٍ، وَأَرْمِي عَنْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﷿، لَآتِيَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَلَأَسْأَلَنَّهُ، فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ رَجُلٌ أَهْدَى إِلَيَّ قَوْسًا، مِمَّنْ كُنْتُ أُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْقُرْآنَ، وَلَيْسَتْ بِمَالٍ، وَأَرْمِي عَنْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ: «إِنْ كُنْتَ تُحِبُّ أَنْ تُطَوَّقَ طَوْقًا مِنْ نَارٍ فَاقْبَلْهَا» (^٢).\n_________\n- وهذا إسناد ضعيف للانقطاع بين سفيان - بن عيينة - والحسن.\n- والخلاصة بعد ذكر هذه الأدلة مع ما سبق من أقوال الأئمة = أن الحسن سمع من عثمان ابن أبي العاص، والله أعلم بالصواب.\n- وعلى ما ذُكر: فيكون وجه الضعف في الحديث من طريق الحسن، بذكر زيادة المؤذن: وجود أشعث في الإسناد، وقد تقدم أنه مع ضعفه: يعتبر به.\n- والزيادة في الحديث قد تبين لك ثبوتها من طريق: مطرف، وموسى بن طلحة، فلا حرج أن يضاف إليهما طريق الحسن - على سبيل المتابعة والاستشهاد - ولله الحمد على توفيقه.\n[*] انظر تفصيل ذلك في [المرسل الخفي: ١/ ٢٦٣ - ٢٧٥].\n(^١) الذخيرة [٢/ ٦٦]، المحلى [٨/ ١٩١].\n(^٢) في إسناده مقال: هذا الحديث جاء عن عبادة من طريقين، ومدارهما على: عُبادة بن نُسي - وهو ثقة فاضل - والطريقان هما:\nالأول: ما أخرجه أحمد [٢٢٦٨٩]، وابن ماجه [٢١٥٧]، وأبو داود [٣٤١٦]، ومن طريقه البيهقي [٦/ ١٢٥]، وأخرجه الطحاوي [معاني الآثار: ٣/ ١٧]، والشاشي [١٢٦٦، ١٢٦٧]، وابن أبي شيبة [٢٠٨٤٣]، وعبد بن حميد [١٨٣]، والحاكم [٢٢٧٧]، وابن حبان [المجروحين: ١٠٣٠]، والطبراني في مسند الشاميين [٢٢٥٣] = كلهم من طريق المغيرة بن زياد عن عُبادة بن نُسي، عن الأسود بن ثعلبة، عن عبادة: باللفظ المذكور.","vol":"1","page":459},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وهذا إسناد ضعيف، دخله الضعف من اثنين، هما:\nأ) الأسود بن ثعلبة:\n- فهو وإن قال فيه الحاكم: شامي معروف، وذكره ابن حبان في ثقاته = فقد قال عنه ابن المديني: لا يُعرف، وعلى هذا اتكأ الحافظ ابن حجر فقال عنه في تقريبه: مجهول!!.\n- وقول ابن المديني هذا نقله الذهبي في ميزانه واعتمده الحافظ عن الذهبي في تهذيبه، ولا أدري هل هذا القول وقف عليه الذهبي نصًّا، أم أنه استنبطه مما ذكره البيهقي في سننه [٦/ ١٢٥] بسنده إلى ابن المديني أنه قال - عن هذا الحديث -: إسناده كله معروف إلا الأسود ابن ثعلبة، فإنا لا نحفظ عنه إلا هذا الحديث. اهـ.\n- وتعقب الحافظ ابن المديني فيما ذكره بأن للأسود ثلاثة أحاديث غير هذا، وذكر مواطنها، [كما في التلخيص: ٤/ ١٨]، ثم وجدت ابن حزم سبق الذهبي بهذا القول في مُحلاه [٨/ ١٩٤].\nوعلى كل - كان هذا عن ابن المديني نصًّا أو استنباطًا - فالرجل ليس فيه كبير توثيق لأحد من الأئمة، وحتى إن تساهل أحد فأخذ بذكر ابن حبان له في ثقاته: لن ينفعه ذلك كثيرًا، وهذا بسبب.\nب) المغيرة بن زياد:\n- فهو المعول عليه في تضعيف هذا الإسناد - عند كل من ضعفه - ويكفيك قول ابن عبد البر: هذا الحديث معدود في مناكير المغيرة اهـ[التمهيد: ١١/ ٥١].\n- وأورده ابن حبان في المجروحين وقال: كان ممن ينفرد عن الثقات بما لا يشبه حديث الأثبات، … إلخ كلامه، ثم ذكر له هذا الحديث.\n- وقال الجورقاني - بعد إيراده للحديث من هذا الطريق -: هذا حديث باطل. اهـ.\n- ثم أردف حكمه بقول ابن حبان، ولكن لم ينسبه إليه!! [الأباطيل والمناكير: ٢/ ١٦٤].\n- وقال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح عن رسول الله ﷺ، قال أحمد بن حنبل: المغيرة ابن زياد ضعيف الحديث، يحدث بأحاديث مناكير، وكل حديث رفعه فهو منكر اهـ.\n- وقال الحافظ: إسناده ضعيف اهـ. [الدراية: ٢/ ١٨٨].\n- بل إن الحاكم نفسه الذي قال عقب هذا الحديث: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه = هو القائل أيضًا: المغيرة بن زياد صاحب مناكير، لكنهم لم يختلفوا في تركه، ويقال: إنه حدث عن عبادة بن الصامت بحديث موضوع اهـ.\n- فقال المزي: أخطأ الحاكم في هذا القول وتناقض اهـ. [تنقيح التحقيق: ٣/ ٦٥].\n- وبعد ما قرأته آنفًا: أقول لك: مهلًا، لا تتسرع بالحكم على الحديث بالضعف ولعلك","vol":"1","page":460},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=ما نسيت ما ذكرته في أول الكلام من أن لهذا الحديث طريقًا آخر غير هذا، وهو:\nالثاني: أخرجه أحمد [٢٢٧٦٦]، وأبو داود [٣٤١٧]، ومن طريقه البيهقي [٦/ ١٢٥]، وأخرجه الحاكم [٥٥٢٧]، والطبراني [مسند الشاميين: ٢٢٣٧]، كلهم من طريق بشر بن عبد الله بن يسار عن عُبادة بن نسى، عن جنادة بن أبي أمية، عن عبادة قال:\nكان رسول الله ﷺ يشغل، فإذا قدم رجل مهاجر دفعه إلى رجل منا يعلمه القرآن فدفع إلي رسول الله ﷺ رجلًا فكان معي في البيت، أعشيه عشاء أهل البيت، فكنت أقرئه القرآن، فانصرف انصرافة إلى أهله، فرأى أن عليه حقًّا، فأهدى إلى قوسًا لم أر أجود منها، ولا أحسن منها عِطفًا [*] فأتيت رسول الله ﷺ فقلت: ما ترى فيها يا رسول الله؟!، قال: «جمرة بين كتفيك تقلدتها، أو تعلقتها».\nوهذا إسناد لا بأس به لما يلي:\nأما جنادة بن أبي أمية، فقد قال عنه العجلي: شامى تابعي ثقة من كبار التابعين وذكره ابن حبان في ثقاته، وقال: قيل له صحبة، وليس ذلك بصحيح اهـ.\n- والذي ذكر أن له صحبة = يحيى بن معين [كما في التهذيب، ورجح الحافظ [كما في الإصابة والتقريب]، أنهما اثنان أحدهما صحابي، والآخر تابعي، وهذا الأخير هو صاحبنا هنا، وروايته، عن عبادة أخرجها أصحاب الكتب الستة، وعلى ذلك:\n- فلا يخشى من جنادة في هذا الإسناد - خاصة -، أو في باقي الأسانيد - عامة. [وانظر: قواعد التهانوي: ٣٥٢].\n- وأما الذي نزل بالإسناد عن درجة الصحة = فهو.\n- بشر بن عبد الله بن يسار.\n- كان من حرس عمر بن عبد العزيز، ترجم له ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل»، ولم يذكر فيه شيئًا وسبقه إلى ذلك البخاري في «تاريخه الكبير»، وأثبت له فيه السماع من عُبادة بن نسى.\n- أما عن توثيقه: فلم أقف على أحد وثقه، إلا ذكر ابن حبان له في ثقاته.\n- ولم يروا له أحد من أصحاب الكتب الستة إلا ما كان من أبي داود، حيث أخرج له هذا الحديث فقط، وأيضًا: أخرج له الحاكم وصحح حديثه.\n- وأجمل الحافظ القول فيه فقال: صدوق!!، ولذلك فمن ذهب إلى تضعيف هذا الإسناد خاصة لانفراد بشر به، ولأن الحديث يحمل حكمًا هامًّا سيعمل به = فله وجه، ومن ذهب\n===\n[*] بكسر فسكون: سية القوس، وهو ما ثني من طرفيها.","vol":"1","page":461},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=إلى تحسينه لأن بشرًا ليس فيه تضعيف، والمتن الذي رواه له شواهد = فله وجه، والله أعلم.\nوقال الحافظ بعد أن ضعف الإسناد الأول: وأخرجه أبو داود والحاكم من وجه آخر أقوى منه. اهـ. [الدراية: ٢/ ١٨٨].\n- وقد ذكر الحديث ابنُ أبي حاتم في علله [١٧١٦]، بطريقيه، ولم ينقل شيئًا فيهما!!.\n- وللحديث شواهد عن صحابة آخرين، وفي مفاريدها مقال، وهي:\n١) حديث أبي بن كعب ﵁:\nعن أبُي قال: علمت رجلًا القرآن فأهدى إلي قوسًا، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: «إن أخذتها أخذت قوسًا من نار»، فرددتها.\nوقد روي عن أُبي من عدة طرق كلها ضعيفة، وهي:\nأ- ما أخرجه ابن ماجه [٢١٥٨]، والبيهقي [٦/ ١٢٥]، والضياء [١٢٥٣]، كلهم من طريق يحيى بن سعيد، عن ثور بن يزيد، عن عبد الرحمن بن سلم [أبي مسلم]، عن عطية الكُلاعي عن أُبي.\n- وقبل تبيين ما في الإسناد من ضعف = أنبه على خطأ في سنن ابن ماجه.\n- ففي السند عند ابن ماجه: زيادة (خالد بن معدان)، بين ثور، وعبد الرحمن بن سلم.\n- قال الحافظ [النكت الظراف: ١/ ٣٦]:\n- لم أقف في النسخ التي عن ابن ماجه على ذكر [خالد بن معدان]، بين ثور، وعبد الرحمن فيه، وكذا أخرجه الروياني في مسنده، عن بندار، عن يحيى بدونه، ولم يذكره ابن عساكر وهو سلف المزي، وكذا لم يرقم المزي في التهذيب لخالد بن معدان في الرواة، عن عبد الرحمن بن سلم اهـ.\n- وذكر في الحاشية [في نفس الصفحة]: استدراك: بخط ابن عبد الهادي «خالد بن معدان في هذا الإسناد فضلة لا يحتاج إليه، ولم يذكره الحافظ أبو القاسم» اهـ.\n- قلت (القائل أحمد): وقد نبه ابن عبد الهادي على هذا الوهم في التنقيح [٣/ ٦٥]، أيضًا.\nوأما عن ضعف السند فسببه:\n١ - عبد الرحمن بن سلم، فإنه مجهول - كما قال الحافظ - وقال ابن عبد الهادي: ليس بالمشهور، وقال الذهبي: ما روى عنه سوى ثور بن يزيد، وهذا إسناد مضطرب، وقال المزي: عنه ثور بن يزيد، وفي إسناد حديثه اختلاف كثير.\nوقد ضعفه ابن الجوزي في علله [١/ ٨٤]، وقال: هذا حديث لا يصح اهـ.\n٢ - الانقطاع بين: عطية بن قيس الكلاعي وأُبي بن كعب.","vol":"1","page":462},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= نص على ذلك: البيهقي [السنن: ٦/ ١٢٥]، والمزي [التهذيب: ت عطية]، والعلائي [جامع التحصيل: ٢٣٩]، وأبو زرعة والعراقي [تحفة التحصيل: ٢٣١]، والأخيران نقلًا عن المزي.\nإلا أن الحافظ اعترض على ذلك فقال:\nوقال المزي: أرسل عن أُبي، وكأنه تبع في ذلك البيهقي: وإلا فقد قال أبو مسهر:\nإن عطية ولد في زمن النبي ﷺ، فكيف لا يلحق أبيًّا؟!. اهـ[التلخيص: ٤/ ٧].\nقلت: لكن ابن حبان نقل في ثقاته أنه ولد في السنة السابعة عشرة، وقد ذكر ذلك الحافظ نفسه في «تهذيبه»، وعلى قول ابن حبان يكون هناك انقطاع بين عطية وأُبي الذي اختلف في سنة وفاته، فقيل: سنة تسع عشرة، وقيل: سنة اثنتين وعشرين، وقيل: غير ذلك، فالله أعلم بالصواب.\nوعلى كل: إن سلم من الانقطاع: ففيه عبد الرحمن بن سلم.\nوقد ضعف الإسناد ابن الملقن [خلاصة البدر المنير ٢/ ٢٥٤].\nوأما باقي الطرق عن أُبي = فهي:\nب - ما أخرجه الطبراني [الأوسط: ٤٣٩] من طريق: إسماعيل بن عياش، عن عبد الله بن سليمان بن عمير، عن الطفيل بن عمرو قال: أقرأني أُبي بن كعب القرآن، فأهديت إليه قوسًا، فغدا إلى النبي ﷺ وقد تقلده، فقال له النبي ﷺ: «تقلدها من جهنم»، قلت: يا رسول الله إنا ربما حضرنا طعامهم فأكلنا منه؟ فقال: «أما ما عمل لك فإنك إن أكلته فإنما تأكله بخلاقك، وأما ما عمل لغيرك فحضرته فأكلت منه = فلا بأس به».\n- قال الطبراني: لا يروى هذا الحديث، عن الطفيل بن عمرو إلا بهذا الإسناد، تفرد به إسماعيل بن عياش اهـ.\n- وقال الهيثمي: فيه عبد الله بن سليمان بن عمير، ولم أجد من ترجمه، ولا أظنه أدرك الطفيل اهـ.\n- قلت: يبدو أن الاسم تصحف عند الطبراني، فقد أخرج الحديث سعيد بن منصور [٢/ ٣٥٩]، عن إسماعيل عن عبد ربه بن سليمان بن زيتون عن الطفيل، وهكذا أخرجه البغوي في «معجم الصحابة»، [كما في الإصابة ٣/ ٥٢٢]، وكذا ذكره ابن حزم [المحلى: ٨/ ١٩٤].\n- وابن زيتون: لم أجد فيه توثيقًا إلا ذكر ابن حبان له في ثقاته، وقال عنه الحافظ: مقبول، وهناك علة أخرى ذكرها البغوي فقال: والذي روى عنه إسماعيل هذا الحديث: عبد ربه بن سليمان من أهل حمص، ولم يسمع من الطفيل بن عمرو، وهو حديث غريب اهـ.","vol":"1","page":463},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= جـ - وأخرج عبد بن حميد في مسنده [١٧٥]، عن أبي الوليد، عن همام بن يحيى، عن محمد بن جحادة، عن رجل يقال له: أبان عن أُبي: أنه علم رجلًا سورة من القرآن، فأهدى إليه ثوبًا، أو قال: خميصة، قال: فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: «لو أنك أخذته ألبست ثوبًا من النار».\n- وهذا سند ضعيف لجهالة أبان - الراوي المهمل في الإسناد، ذكره ابن حبان في ثقاته وقال: أبان شيخ يروى عن أُبي بن كعب، …، لا أدري من هو، ولا ابن من هو اهـ.\n- وكذلك هناك انقطاع، قال البخاري: أبان أن أُبي بن كعب: مرسل [التاريخ الكبير: ١٤٤٦]، فهذا انقطاع في الإسناد وكذلك ذكر ابن أبي حاتم، عن أبيه [الجرح والتعديل: ٢/ ٢٩٦] أنه مرسل.\n- وللحديث طريق آخر عند ابن أبي شيبة [٢٠٨٤٥]، من طريق: موسى بن علي بن رباح، عن أبيه أن أبي بن كعب كان يعلم رجلًا مكفوفًا، فكان إذا أتاه غداه، قال: فوجدت في نفسي من ذلك، فسألت رسول الله ﷺ فقال: «إن شيء يتحفك به فلا خير فيه، وإن كان من طعامه وطعام أهله فلا بأس». وهذا الطريق أشار إليه المزي [التحفة: ١/ ٣٦]، وقال عنه ابن عبد البر: هو منقطع (يعني بين علي بن رباح وأُبي)، [التمهيد: ١١/ ٥١].\n- وقد حكم الجورقاني على حديث أُبي هذا - بعد أن أورده من الطريق الأول - بقوله: هذا حديث باطل اهـ. [الأباطيل والمناكير: ٢/ ١٦٢].\n- وقال ابن القطان الفاسي: وقد رُوي حديث أُبي بن كعب من طرق، وليس فيها شيء يلتفت إليه اهـ. [بيان الوهم والإيهام: ٣/ ٥٣١ - ٥٣٢].\n- وتعقبه الحافظ بقوله: وفيما قال نظر [التلخيص: ٤/ ٧].\n- قلت: ولعل قول ابن القطان أشبه، فالطرق كلها - التي وقفتُ عليها - كما رأيتَ هنا = ليس فيها شيء يسلم، والله أعلم.\n٢) حديث أبي الدرداء ﵁:\n* عن أبي الدرداء، عن رسول الله ﷺ قال: «من أخذ على تعليم القرآن قوسًا قلده الله قوسًا من نار يوم القيامة».\n* أخرجه البيهقي [٦/ ١٢٦]، وابن عساكر [٨/ ٤٣٨]، كلاهما من طريق الوليد بن مسلم نا سعيد بن عبد العزيز، عن إسماعيل بن عبيد الله، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء.\n* وفي رواية ابن عساكر ذكر قصة حدثت لإسماعيل، حيث قال إسماعيل: قال لي عبد الملك بن مروان: يا إسماعيل علم ولدي، فإني مثيبك على ذلك، قال: قلت: يا أمير المؤمنين، وكيف وقد حدثتني أم الدرداء، عن أبي الدرداء، عن رسول الله ﷺ …","vol":"1","page":464},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الحديث، قال: يا إسماعيل إني لست معطيك على القرآن، وإنما أعطيك على النحو.\n* وذكر الهيثمي في المجمع [٤/ ١٧٠]، أن الطبراني أخرجه في الكبير من طريق يحيى بن عبد العزيز، عن الوليد بن مسلم، ولم أقف عليه.\n* وسعيد بن عبد العزيز - وإن كان ثقة - قد اختلط في آخر عمره ورواية الوليد عنه لا يعلم متى كانت، والوليد معروف من حاله أنه يدلس ويسوي، وهو هنا لم يصرح بالتحديث لشيخه، فيخشى منه، ولعله لذلك ضعف البيهقي إسناده.\n* وقد توبع سعيد من عمرو بن واقد، كما عند أبي نعيم [الحلية: ٦/ ٨٦]، وابن عساكر [٨/ ٤٣٨]، إلا أن عمرًا: متروك.\n* وقد قطع دُحيم الحافظ القول في هذا الحديث بقوله: حديث أبي الدرداء ليس له أصل اهـ[نقله عنه البيهقي مسندًا: ٦/ ١٢٦].\n* ولا تغتر بقول ابن التركماني [في الجوهر النقي ٦/ ١٢٦ بحاشية البيهقي]: أخرجه البيهقي هنا بإسناد جيد، فلا أدري ما وجه ضعفه وكونه لا أصل له؟!!، اهـ.\n* فإننا وإن لم يتبين لنا وجه كلام دحيم = إلا أننا نسلم له، فإنه من أئمة هذا الشأن.\n* فهذا الذهبي يقول: إسناده قوي مع نكارته اهـ. [البيان والتعريف: ٢/ ٢٠٨].\n* وابن حجر: بعد أن ذكر أن الإسناد على شرط مسلم إلا عبد الرحمن بن يحيى - الراوي، عن الوليد بن مسلم - فلم يخرج له مسلم، وقال فيه أبو حاتم: ما به بأس = نقل قول دُحيم خاتمًا به الكلام. [التلخيص: ٤/ ١٨].\n* وهذه القاعدة - أعني: ألا يعترض على قول الأئمة المتقدمين في التعليل وإن لم يتبين لنا وجه العلة - قد أشار إليها ابن الصلاح في مقدمته [صـ ٩٨]، وجرى عليها عمل الأئمة المتأخرين.\nبل يقول خاتمة الحفاظ ابن حجر ﵀:\n«فمتى وجدنا حديثًا قد حكم إمام من الأئمة المرجوع إليهم بتعليله؛ فالأولى اتباعه في ذلك كما نتبعه في تصحيح الحديث إذا صححه. اهـ. [النكت: ٢/ ٧١١]، وانظر [التلخيص: ٢/ ٣٠٤].\n* ثم عود إلى ذكر باقي الشواهد، وهي:\n٣) حديث عوف بن مالك ﵁:\n* عن عوف بن مالك: أنه كان معه رجل يعلمه القرآن، فقال لرسول الله ﷺ: صاحبي الذي تراه معي اشترى قوسًا وأهداها إلي، أفآخذها منه؟ فقال له النبي ﷺ: «لا»، فمكث حتى إذا كان على رأس الحول عاد، قال: آخذ تلك القوس يا رسول الله؟ قال: «لا»، ثم مكث","vol":"1","page":465},{"text":"وجه الدلالة: قالوا: الحديث نص في حرمة أخذ الهدية على تعليم القرآن، فالأجرة من باب أولى، والإمامة في معناه؛ لأن كلًّا منهما يتقرب به إلى الله.\nالدليل الثالث: عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِبْلٍ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «اقْرَءُوا الْقُرْآنَ، وَلَا تَغْلُوا فِيهِ، وَلَا تَجْفُوا عَنْهُ، وَلَا تَأْكُلُوا بِهِ، وَلَا\n_________\nحتى إذا كان على رأس الحول عاد، قال: آخذ تلك القوس يا رسول الله فتكون عدة في سبيل الله؟ قال: «لا، أتريد أن تلقى الله يا عوف يوم القيامة وبين كتفيك جمرة من جهنم؟!»،\n* أخرجه الطبراني في الكبير [١٨/ ٥٣]، من طريق: محمد بن إسماعيل بن عياش، عن أبيه، عن ضمضم بن زرعة [الحمصي]، عن شريح بن عبيد عن عوف بن مالك.\n* قال الهيثمي: فيه محمد بن إسماعيل بن عياش، وهو ضعيف اهـ. [مجمع الزوائد ٤/ ١٧٢].\n* قلت: وأيضًا ذكر أبو حاتم أنه لم يسمع من أبيه شيئًا، وإنما حملوه على أن يحدث فحدث [التهذيب].\n* وقد خالف سعيد بن منصور: محمد بن إسماعيل في إسناد هذا الحديث، فرواه في سننه [٢/ ٣٥٧]، عن إسماعيل بن عياش، عن صفوان بن عمرو [الحمصي]، عن عمير بن هانئ:\n* أن رجلًا كان يقرئ رجلًا القرآن، فحج ذلك الرجل، فأهدى للذي أقراه قوسًا، فأتى عوف بن مالك، فأخبره، فقال له: ألقها عنك، قال: إني أريد أن أغزو، فقال: ألقها عنك، فقال: إني أريد أن أغزو بها، فقال له عوف: أتريد أن تعلق قوسًا من نار، قال: فردها الرجل إلى صاحبها.\n* وهذا موقوف على عوف - ليس مرفوعًا إلى النبي ﵊.\n* والمدار في الطريقين على إسماعيل بن عياش، وإذا قلبت الصفحات - قليلًا - إلى الخلف: فستراه أيضًا هو راوي الطريق الثاني من حديث أُبي بن كعب، وبهذا يكون اختلف على إسماعيل على ثلاثة أوجه:\n١ - فمرة روى سعيد عنه، عن عبد ربه بن سليمان بن زيتون، عن الطفيل، عن أُبي.\n٢ - ومرة روى سعيد أيضًا عنه، عن صفوان بن عمرو، عن عمير بن هانئ موقوفًا على عوف ابن مالك.","vol":"1","page":466},{"text":"تَسْتَكْثِرُوا بِهِ» (^١).\nوجه الدلالة: قالوا: قوله ﵊: «لا تأكلوا به»: نهي، والنهي يقتضي التحريم، والذي لا يؤم الناس إلا بالأجرة داخل في عموم هذا النص.\n_________\n= ٣ - ومرة روى ابنه عنه، عن ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد، عن عوف مرفوعًا.\nفالذي يبدو - والله أعلم بالصواب - أن إسماعيل لا يتحمل مثل هذا الخلاف، وعليه: فيكون هو المدخل إلى تضعيف هذا الإسناد الأخير الموقوف.\n٤) حديث عبد الله بن بسر ﵁:\n* عن المثنى بن وائل قال: أتيت عبد الله بن بسر، فمسح على رأسي ووضعت يدي على ذراعه، فسأله رجل عن أجر المعلم، فقال: دخل رجل على رسول الله ﷺ منتكب قوسًا، فأعجبت النبي ﷺ فقال: «ما أجود قوسك، اشتريتها؟»، فقال: لا، ولكن أهداها إلي رجل أقرأت ابنه القرآن، فقال: «فتحب أن يقلدك الله قوسًا من نار؟»، قال: لا، قال: «فردها».\n* أخرجه الضياء في المختارة [٩/ ١٠٢] من طريق علي بن موسى بن الحسين عن محمد بن سهل التنوخي عن أحمد بن إبراهيم بن فيل عن محمد بن مصفى عن عصام بن المثنى قال: سمعت أبي يقول: أتيت عبد الله بن بسر … الحديث.\n* وقال الهيثمي في المجمع [٤/ ١٧٢]: رواه الطبراني في الكبير [ولم أهتد إليه في المطبوع]، والمثنى وولده ذكرهما ابن أبي حاتم، ولم يجرح واحدًا منهما، وبقية رجاله رجال الصحيح. اهـ.\n* قلت (القائل أحمد): نعم، ابن أبي حاتم لم يذكر فيهما جرحًا ولا تعديلًا، فلا يستفاد من ذكره لهما شيئًا، وقد نص هو نفسه - في مقدمة كتابه - على أن الرواة الذين أهملهم في الجرح والتعديل: إنما ذلك لأنه لم يقف فيهم على شيء من ذلك، فأوردهم رجاء أن يقف فيهم على جرح أو تعديل فيلحقه بهم.\n* وعلى ذلك: فالإسناد ضعيف للجهل بحال المثنى وولده والله أعلم.\n(^١) إسناده صحيح: أخرجه أحمد [١٥٦٧٠]، والطحاوي [معاني الآثار: ٣/ ١٨]، وأبو يعلى [١٥١٨]، والبيهقي [٢/ ١٧] = كلهم من طريق أبان، وأخرجه أحمد [١٥٦٦٨]، من طريق همام، والطحاوي [المشكل: ٤٣٣٢، معاني الآثار: ٣/ ١٨]، من طريق علي بن المبارك، ثلاثتهم [أبان وعلي وهمام]، عن يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلام، عن=","vol":"1","page":467},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\nجده أبي سلام، عن أبي راشد الحبراني، عن عبد الرحمن بن شبل.\n* وهذا إسناد صحيح، وعند الطحاوي [٣/ ١٨]، وأبي يعلى: تصريح يحيى بالتحديث.\n* وقد حدث بعض الخلاف على يحيى، لكنه لا يضر - إن شاء الله -، وإليك البيان.\n١ - فروى معمر الحديث، عن يحيى ولكنه بإسقاط أبي راشد الحبراني، كما عند الرزاق [١٠/ ٣٨٧]، وعنه أحمد [١٥٦٦٦]، وعبد بن حميد [٣١٤]، والبيهقي [٢/ ١٧].\nولا شك أن رواية الجماعة أولى من رواية معمر - وسيأتي تأكيد لذلك قريبًا فإما أن يكون ذلك وهمًا من معمر، وإما أن يكون من فعل أبي سلام جد زيد، فإنه كان يرسل، عن بعض الصحابة الذين لم يسمع منهم، والله أعلم.\n٢ - ورواه هشام الدستوائي، عن يحيى، عن أبي راشد، بإسقاط زيد وجده. كما عند أحمد [١٥٥٢٩، ١٥٥٣٥]، وابن أبي شيبة [٧٧٤٢].\n* ولعل هذا السقط من فعل يحيى بن أبي كثير، فإنه - كما قال الحافظ: كان يدلس ويرسل اهـ. فربما جاء بالحديث متصلًا كاملًا، وربما اختصره وأرسله.\n* ويؤكد هذا الاحتمال الرواية التالية:\n٣ - حيث روى أيوب، عن يحيى، عن أبي راشد، بإسقاط زيد وجده أيضًا كما عند الطبراني في الأوسط [٢٥٧٤].\n* وقد سأل ابن أبي حاتم أباه، عن الحديث من طريق أيوب - المذكور هنا - فقال له: رواه بعضهم فقال: عن يحيى، عن زيد بن سلام، عن أبي سلام، عن أبي راشد الحبراني، عن عبد الرحمن بن شبل، عن النبي ﷺ، كلاهما صحيح، غير أن أيوب ترك من الإسناد رجلين اهـ. [العلل: ١٦٧٤].\nهذا: وقد توبع يحيى على روايته المتصلة التي رواها عنه الجماعة = من معاوية بن سلام.\n* فأخرجه ابن أبي عاصم [الآحاد: ٢١١٦] عن دحيم عن محمد بن شعيب عن معاوية بن سلام عن أخيه - زيد بن سلام - عن جده عن أبي راشد عن عبد الرحمن بن شبل.\nوهذا إسناد صحيح.\nتنبيه:\n* ذهب ابن حزم إلى تضعيف هذا الحديث بقوله: وأما حديث عبد الرحمن بن شبل وفيه أبو راشد الحبراني، وهو مجهول. اهـ. [المحلى: ٨/ ١٩٦].\nكذا قال - غفر الله له - فالرجل قد ذكره أبو زرعة الدمشقي في الطبقة العليا التي تلي أصحاب رسول الله ﷺ، وقال العجلي: شامي تابعي ثقة، لم يكن بدمشق أفضل منه. اهـ.، وذكره ابن حبان في الثقات.","vol":"1","page":468},{"text":"الدليل الرابع: عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ ﵁ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا، وَنَحْنُ نَقْتَرِئُ (^١) فَقَالَ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ، كِتَابُ اللَّهِ\n_________\n* ثم نعود إلى ذكر باقي الخلاف عن يحيى.\nد - فأخرج الحديث كل من: الطبراني في الأوسط [٨٨٢٣]، وابن عدي في [الكامل: ٤/ ٩٧]، والدارقطني [العلل: ٢٧٩١٩] = ثلاثتهم من طريق أسد بن موسى عن الضحاك عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة.\nولما سئل الدارقطني عن هذا الطريق للحديث قال:\nرواه الضحاك بن نبراس وهو ضعيف عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة، ووهم فيه والصحيح عن يحيى عن أبي راشد عن عبد الرحمن بن شبل عن النبي ﷺ. اهـ.\nتنبيه:\n* قال الهيثمي: - عن هذا الطريق -: رواه الطبراني في الأوسط عن شيخه المقدام بن داود، وهو ضعيف. اهـ. [المجمع: ٧/ ١٦٨].\nقلت: الإعلال بالمقدام: إعلال ضعيف؛ لأن المقدام توبع من الربيع بن سليمان [عند ابن عدي]، وحبوش بن رزق الله [عند الدارقطني]، وكان الأولى لتضعيف الإسناد: الإعلال بالضحاك [كما فعل الدارقطني]، إذ أنه المتفرد بهذا الطريق [كما نص الطبراني]، وأيضًا ضعفه ابن عدي من طريق الضحاك به [في الكامل، ونقل ذلك الحافظ في الدراية: ٢/ ١٨٨]، والله أعلم.\nهـ - وجاء حماد بن يحيى فخالف الضحاك، فروى الحديث عن يحيى عن أبي سلمة عن أبيه [لا عن أبي هريرة]، كما عند البزار [البحر الزخار: ١٠٤٤].\n* وقد تفرد حماد بهذا الطريق [كما نص على ذلك الدارقطني في الأطراف: ٥٥٠].\n* قال البزار - عقب الحديث: وهذا الحديث خطأ، وإنما خطؤه من حماد بن يحيى؛ لأنه لين الحديث، والحديث الصحيح: إنما رواه يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلام، عن أبي راشد الحبراني، عن عبد الرحمن بن شبل، اهـ.\n* وبمثله قال الدارقطني [العلل: ٥٥٧] إلا أنه قال: عن زيد، عن جده.\nوعلى ضوء ما تقدم ذكره: تكون خلاصة الكلام:\nأن الطريق الصحيح لرواية هذا الحديث - كما نص الأئمة النقاد - ما رواه يحيى (وتابعه عليه معاوية بن سلام) عن زيد عن جده عن أبي راشد عن عبد الرحمن، وهذا إسناد صحيح، والله أعلم.\n(^١) نقترئ: نقرأ القرآن، من باب الافتعال من القراءة.","vol":"1","page":469},{"text":"وَاحِدٌ، وَفِيكُم الْأَحْمَرُ، وَفِيكُمْ الْأَبْيَضُ، وَفِيكُم الْأَسْوَدُ، اقْرَءُوهُ قَبْلَ أَنْ يَقْرَأَهُ أَقْوَامٌ يُقِيمُونَهُ كَمَا يُقَوَّمُ السَّهْمُ (^١) يتَعَجَّلُ [أحدهم] أَجْرهُ، وَلَا يُتَأَجَّلُهُ» (^٢).\n_________\n(^١) المراد: أنهم يصلحون ألفاظه وكلماته، ويتكلفون في مراعاة مخارجه وصفاته، فيبالغون في القراءة كمال المبالغة [كما يفعل صانع السهام في تجميلها وتحسينها]. لأجل الرياء والسمعة والشهرة [نقلًا عن: عون المعبود].\n(^٢) إسناده ضعيف: أخرجه عبد بن حميد [٤٦٦]، والطبراني [الكبير: ٦/ ٢٠٦]، وابن المبارك [الزهد: ٨١٣]، والبيهقي [الشعب: ٢/ ٥٣٩] = كلهم من طريق موسى بن عبيدة، عن أخيه عبد الله بن عبيدة، عن سهل بن سعد.\n* قال ابن عدي [في ترجمة عبد الله بن عبيدة]، بعد أن ساق له عدة أحاديث هذا منها: ولعبد الله بن عبيدة غير ما ذكرت من أحاديث، ولا أعلم يروي عنه إلا أخوه موسى بن عبيدة، وجميعًا يتبين على حديثهما الضعف اهـ.\n* وأيضًا: ضعف الحافظ هذا الإسناد [المطالب العالية: ٣٢٦٦].\n* وقد توبع عبد الله بن عبيدة من: وفاء بن شريح، كما عند ابن حبان [٦٧٢٥]، والطبراني [الكبير: ٦/ ٢٠٧]، من طريق ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، وعند ابن حبان [٧٦٠]، عن ابن وهب عن عمرو وآخر معه، عن بكر بن سوادة، عن وفاء بن شريح وهذا الآخر الذي لم يسم هو: عبد الله بن لهيعة، جاء منصوصًا عليه عند الروياني [١١١٧]، وأبي داود [٨٣١]، وعنه البيهقي [الشعب: ٢/ ٥٤٠]، والراوي عنه عندهم: عبد الله بن وهب.\n* وهذا إسناد ضعيف لأجل وفاء بن شريح، حيث لم يذكره أحد بتوثيق إلا ما جرى من ابن حبان حيث ذكره في ثقاته وأخرج له في صحيحه، وذكره البخاري في تاريخه الكبير ولم يذكر فيه شيئًا، لكن ذكر أن زياد بن نعيم روى عنه، وبهذا يكون قد روى عنه اثنان [بكر وزياد].\n* ويبدو أن ابن لهيعة قد اضطرب في هذا الحديث وما ذلك عنه ببعيد -، فقد روى الحديث على ثلاثة أوجه:\n١ - فرواه مرة عن بكر بن سوادة، عن وفاء بن شريح، عن سهل، موافقًا رواية عمرو كما عند أحمد [٢٢٨٦٥].\n٢ - ورواه ثانية، عن بكر عن وفاء الخولاني، عن أنس بن مالك [لا عن سهل بن سعد]. كما عند أحمد [١٢٤٨٤]، ولم أجد ترجمة لوفاء هذا.\n٣ - ثم رواه ثالثة، عن بكر، عن أبي حمزة الخولاني، عن أنس بن مالك، كما عند","vol":"1","page":470},{"text":"وجه الدلالة: قالوا: وهذا ظاهر في ذم من يطلب الأجر على قراءة القرآن، وفي معناه من طلب الأجر على الإمامة، بل هو داخل في عمومه؛ لأن أعظم أركان الصلاة هو قراءة القرآن فيها.\nوأما استدلالهم بالنظر؛ فقالوا:\n١ - إن الإمام عمله لله تعالى، والله تعالى يثيبه على هذه الطاعة، فنفع\n_________\n=\nأحمد [١٢٥٨١]، وأبو حمزة المذكور: قال عنه أبو زرعة: هو مصري، لا يعرف اسمه [الجرح والتعديل]:\n* وهذا كما ذكرت اضطراب من ابن لهيعة، وأولى الروايات التي تعتمد عنه هنا: ما وافقه عليها عمرو بن الحارث، وفي إسنادها ما قد علمت.\n* وللحديث شاهد، عن جابر بن عبد الله ﵄ حيث قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن نقرأ القرآن، وفينا الأعرابي والأعجمي، فقال: «اقرؤوا فكل حسن، وسيجيء أقوام يقيمونه كما يقام القدح، يتعجلونه ولا يتأجلونه».\n* لكن الصحيح في إسناد هذا الحديث - والله أعلم - الإرسال.\n* فمدار هذا الحديث على: محمد بن المنكدر، فرواه عنه:\n١) حميد الأعرج: كما عند أحمد [١٥٢٧٣]، وأبي داود [٨٣٠]، وعنه البغوي [٦٠٩]، وعند البيهقي [الشعب: ٢/ ٥٣٨]، وسعيد بن منصور [١/ ١٥٢].\n٢) أسامة بن زيد الليثي: عند أحمد [١٤٨٥٥]، وأبي يعلى [٢١٩٧]، والبيهقي [الشعب: ٢/ ٥٣٨].\nكلاهما [حميد وأسامة]، عن ابن المنكدر، عن جابر.\nوخالفهما جبلان في الحفظ، وهما:\n٣) سفيان الثوري: عند ابن أبي شيبة [٣٠٠٠٤]، والبيهقي [الشعب: ٢/ ٥٣٨].\n٤) سفيان بن عيينة: عند عبد الرزاق [٣/ ٣٨٢]، وسعيد بن منصور [١/ ١٥٠]، فرواه السفيانان، عن ابن المنكدر عن رسول ﷺ مرسلًا، ولم يذكرا جابرًا.\nوقد أشار البيهقي إلى روايتهما المرسلة بعد أن ذكر الروايتين المتصلتين وكأنه يشير إلى إعلال المتصل بالمرسل، وهذا واضح - كما ترى -.\nولم ينتبه الشيخ الألباني ﵀ إلى الرواية المرسلة، فذكر المتصلة فقط في سلسلته الصحيحة [٢٥٩]، وحسن الحديث اعتمادًا عليها.","vol":"1","page":471},{"text":"عمله لنفسه، فلا يصير مسلمًا إلى المستأجر، وعليه فلا يستحق الأجر عليه لقوله تعالى: ﴿من عمل صالحا فلنفسه﴾ (^١) (^٢).\nوقد أجاب المجوزون لأخذ الأجرة عن هذا بقولهم (^٣):\nنعم: نفع عمل الإمام له، ولكن المراد بهذا النفع هو الثواب لا الأجرة بدليل الآية المذكورة، والثواب غير أخذ الأجرة فافترقا، ثم إن نفع عمل الإمام يرجع إلى المأموم؛ لأنه بالإمامة يحصل ثواب الجماعة، وهذا نفع يرجع إليه بسبب عمل الإمام وهو الإمامة، وعليه فإن الإمام يستحق الأجرة على عمله.\n٢ - إن القربة متى حصلت: وقعت عن العامل، ولهذا تعتبر أهليته، فلا يجوز له أخذ الأجرة من غيره، كما في الصوم والصلاة (^٤).\nوأجاب المجوزون عن ذلك بقولهم:\nإن المراد بالقربة هنا الثواب، والكلام هنا على الأجرة، فافترقا.\nكما أن القياس على الصوم والصلاة قياس مع الفارق، فالإمامة لا تتعين عليه، وينتفع بها المأمومون، بخلاف الصوم والصلاة فإنهما يتعينان عليه، ولا يتعدى نفعهما غيره.\n٣ - إن من شرط الإمامة في الصلاة كونها قربة إلى الله تعالى، فلم يجز أخذ الأجرة عليها، كما لو استأجر قومًا يصلون خلفه الجمعة والتراويح (^٥).\n_________\n(^١) [سورة فصلت: ٤٦].\n(^٢) بدائع الصنائع [٤/ ١٩٢].\n(^٣) نقلت إجابات المجوزين هنا قبل ذكر أسمائهم ونصوص أقوالهم = تتمة للفائدة، وأما إجاباتهم عن الأدلة الأثرية فستأتي - إن شاء الله - عند ذكر قولهم في مكانه.\n(^٤) فتح القدير [٩/ ٩٨].\n(^٥) المغني [٨/ ١٣٩]، وقد يصلح الجواب عن الدليل السابق كجواب هنا أيضًا.","vol":"1","page":472},{"text":"٤ - إن هذه الأعمال يختص فاعلها أن يكون من أهل القربة إذ أنها تصح من المسلم دون الكافر، فلا يجوز إيقاعها إلا على وجه التقرب إلى الله تعالى، وإذا فعلت بعروض لم يكن فيها أجر بالاتفاق، لأن الله تعالى إنما يقبل من العمل ما أريد به وجهه، لا ما فعل لأجل عروض الدنيا (^١).\nيقول ابن المنذر: أخشى أن لا تجزئ صلاة من أم بِجُعْل، كما روي عن الحسن أنه قال: أخشى أن لا تكون صلاته خالصة لله. اهـ (^٢).\n٥ - إن الإمام في الصلاة خليفة للرسول ﷺ في الإمامة، والرسول ﷺ لم يأخذ أجرة على ذلك، قال تعالى: ﴿قل لا أسئلكم عليه أجرًا إلا المودة في القربى﴾ (^٣)، فكذلك خليفته - وهو الإمام - ينبغي أن يكون مثله، فلا يأخذ على إمامته أجرًا (^٤).\nوأجاب المجوزون عن ذلك بقولهم:\nقياس الإمام في الصلاة على رسول الله ﷺ قياس مع الفارق؛ لأن الرسول ﷺ هو المبلغ عن ربه، وهو الذي جاءنا بالحق، وعدم أخذه الأجرة على ذلك: إنما هو خاص به ﵊ بنص الآية.\nكما أن العلماء متفقون على جواز الرزق على الإمامة، والرسول ﷺ ما كان يأخذ رزقًا عليها، فدل ذلك على أن هناك فرقًا بين الرسول ﵊ وبين خلفائه على إمامة الصلاة ونحوها من الأعمال الدينية.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام [٢٤/ ٣١٥]، إعلام الموقعين لابن القيم [٢/ ١٦٣].\n(^٢) الأوسط لابن المنذر [٣/ ٦٤].\n(^٣) [الشورى: ٢٣].\n(^٤) المبسوط [١/ ١٤٠].","vol":"1","page":473},{"text":"ثم إن الآية خطاب لغير المسلمين، فهي لمشركي قريش ونحوهم، والضمير في قوله تعالى: ﴿عليه﴾، يراد به تبليغ دعوة التوحيد التي هي دين الإسلام لهؤلاء المشركين (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-334>القول الثاني: لا يجوز أخذ الأجرة على الإمامة في الصلاة إلا للضرورة والحاجة.</span>\nوبهذا قال المتأخرون من الحنفية (^٢)، وهو قول عند الحنابلة (^٣)، واختيار شيخ الإسلام (^٤).\nوأما عن أدلتهم فإنها تنقسم إلى قسمين:\n\n<span data-type='title' id=toc-335>القسم الأول: ما يدل على عدم الجواز في الأصل،</span> وأدلتهم على ذلك هي نفسها أدلة أصحاب القول الأول [الأثرية والنظرية]، وقد تقدمت.\n<span data-type='title' id=toc-336>القسم الثاني: ما يدل على جواز الاستئجار على الإمامة للضرورة والحاجة.</span>\nوقد استدلوا على هذا بالقرآن والأثر والنظر.\nأما استدلالهم بالقرآن؛ فهو:\nقوله تعالى: ﴿ومن كان غنيًا فليستعفف ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف﴾.\nقالوا: فيقاس الإمام على ولي اليتيم - المذكور في الآية، فلا يحل له\n_________\n(^١) هذه الردود للمجوزين مستفادة من رسالة «أخذ المال على أعمال القرب»، لعادل شاهين محمد.\n(^٢) البحر الرائق [١/ ٢٦٨]، الدر المختار [٩/ ٧٦]، حاشية ابن عابدين [٦/ ٣٣٩].\n(^٣) الإنصاف [٦/ ٤٥ - ٤٦]، الفروع [٤/ ٤٣٥].\n(^٤) المصدر السابق، مجموع الفتاوى [٣٠/ ٢٠٢ - ٢٠٧].","vol":"1","page":474},{"text":"أن يأخذ مع الغني، ويحل له عند الحاجة (^١).\nوأما استدلالهم بالأثر؛ فهو:\nعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ جِئْتُ لِأَهَبَ لَكَ نَفْسِي، فَنَظَرَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَصَعَّدَ النَّظَرَ إِلَيْهَا وَصَوَّبَهُ، ثُمَّ طَأْطَأَ رَأْسَهُ، فَلَمَّا رَأَت الْمَرْأَةُ أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ فِيهَا شَيْئًا، جَلَسَتْ فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ فَزَوِّجْنِيهَا فَقَالَ: «هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ؟»، فَقَالَ: لَا، وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «اذْهَبْ إِلَى أَهْلِكَ، فَانْظُرْ هَلْ تَجِدُ شَيْئًا؟»، فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا وَجَدْتُ شَيْئًا، قَالَ: «انْظُرْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ»، فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَا خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ، وَلَكِنْ هَذَا إِزَارِي قَالَ: سَهْلٌ مَا لَهُ رِدَاءٌ، فَلَهَا نِصْفُهُ فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا تَصْنَعُ بِإِزَارِكَ؟ إِنْ لَبِسْتَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا مِنْهُ شَيْءٌ، وَإِنْ لَبِسَتْهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ شَيْءٌ»، فَجَلَسَ الرَّجُلُ حَتَّى طَالَ مَجْلِسُهُ، ثُمَّ قَامَ فَرَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُوَلِّيًا، فَأَمَرَ بِهِ فَدُعِيَ، فَلَمَّا جَاءَ قَالَ: «مَاذَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ؟»، قَالَ: مَعِي سُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا، عَدَّهَا قَالَ: «أَتَقْرَؤُهُنَّ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِكَ؟»، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «اذْهَبْ فَقَدْ مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ» (^٢).\nقالوا: فجعل النبي ﷺ صداق هذه المرأة أن يعلمها ما معه من القرآن، وليس إكرامًا له، ففي لفظ مسلم قال: «فعلمها القرآن»، فيكون صداقها، وقد كان الرجل فقيرًا لا يملك شيئًا.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى [٢٤/ ٣١٦]، [٣٠/ ٢٠٧].\n(^٢) متفق عليه: أخرجه البخاري [٢٣١٠]، ومسلم [١٤٢٥].","vol":"1","page":475},{"text":"وأما استدلالهم بالنظر؛ فقالوا:\n١ - إن هذا المحتاج يتعين عليه الاكتساب لنفسه وعياله، والإمامة لا تتعين عليه فلا يمكن له ترك الواجب المتعين عليه لغير المتعين، فإذا نوى عمله هذا لله تعالى وأخذ الأجرة عليه ليستعين بها على العبادة وطاعة الله، وتوفير الكفاية لنفسه وعياله: فإنه في هذه الحالة يكون قد جمع بين عبادتين (^١).\n٢ - كما أن الكثير من الناس قد كسلوا عن الاحتساب، وظهر منهم التواني في الأمور الدينية فلو امتنع الجواز: تعطلت المساجد، وضاعت صلاة الجماعة، وهذا خلاف ما أمر به الشارع (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-337>القول الثالث: يجوز أخذ الأجرة على الإمامة مطلقًا.</span>\nوبه قال بعض المالكية (^٣)، وهو وجه عند الشافعية في النوافل (^٤)، ورواية عند الحنابلة (^٥).\nونسبه البعض إلى الشافعي وأصحابه (^٦).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى [٣٠/ ٢٠٦].\n(^٢) حاشية ابن عابدين [٦/ ٣٣٩].\n(^٣) قال القرافي: وعند ابن عبد الحكم الجواز فيهما - الأذان والإمامة - مطلقًا. اهـ. [الذخيرة: ٢/ ٦٦]، وبه قال ابن العربي المالكي [أحكام القرآن: ٢/ ٥٢٤]، وعنه نقل القرطبي في تفسيره [١٠/ ٢٦١].\n(^٤) فتح العزيز [٦/ ١٠٣]، روضة الطالبين [٤/ ٢٣٦].\n(^٥) الفروع [٤/ ٤٣٥]، الإنصاف [٦/ ٤٥ - ٤٦]، مجموع الفتاوى [٢٣/ ٣٧٦].\n(^٦) قال ابن عبد البر:\n- قال الشافعي: لا بأس بأخذ الأجرة على الإمامة في الصلاة النافلة والمكتوبة، ولا بأس بالصلاة خلفه.\n- وقال أصحاب الشافعي: أولى ما تؤخذ عليه الأجرة أعمال البر وعمل الخير، إذا لم","vol":"1","page":476},{"text":"واستدل أصحاب هذا القول بالقرآن والأثر والنظر:\nأما استدلالهم بالقرآن فهو:\nقوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم﴾ الآيات.\n_________\nيلزم المرء القيام به لنفسه، كمراقبة شهود الجماعة، والتزام الإمامة والأذان، ومثل ذلك اهـ. [الاستذكار: ١٦/ ٩٠ - ٩١].\n- وقال شيخ الإسلام: وهو يتكلم عن الاستئجار على الإمامة:\n- وقيل: ويجوز، وهو مذهب الشافعي ورواية عن أحمد اهـ. [مجموع الفتاوى: ٢٣/ ٣٧٦].\n- وكذلك ذكر ابن مفلح [الفروع: ٤/ ٤٣٥].\n- وحقيقة: قد أعياني البحث عن هذا القول في كتب الشافعية أنفسهم، ولكن دون جدوى، وكان قد سبقني إلى تقرير مذهب الشافعية على ما في كتبهم دون الإشارة إلى الرأي الأخير المذكور = كل من:\n١) الدكتور وهبة الزحيلي، حيث قال: الإمامة في الفروض لا يجوز فيها الإجارة عند الشافعية، اهـ[الفقه الإسلامي وأدلته: ٥/ ٣٨٢٠]، ولم يشر إلى القول الآخر!!.\n٢) عادل شاهين في كتابه [أخذ المال على أعمال القرب]، حيث لم يشر هو أيضًا إلى النقل الآخر عن الشافعية!!.\n* ثم وجدت فرجة في أحد كتب الشافعية المتأخرة، وهو [حاشيتا قليوبي وعميرة].\n* حيث ذُكر فيه عن الغزالي قوله: يصح الاستئجار على الإمامة، وله الأجر في مقابلة إتعاب نفسه بالحضور إلى موضع معين، والقيام بها في وقت معين اهـ. [٣/ ٧٦].\n* ولم أجد هذا القول للغزالي في كتبه التي خطها بنفسه، مع كلامه على المسألة بعينها حيث ذكر ما ذكره الشافعية في كتبهم فقط وانظر لمعرفة قوله: الوسيط [٤/ ١٦٤ - ط دار السلام]، الإحيا ء [٢/ ٧١ - ط دار القلم].\n* وعلى كل: فمفاد ما ذكر أن هناك قولًا آخر للشافعية في المسألة - بخلاف المشهور في كتبهم - ولعله لذلك قال القرافي، في حديثه، عن تلك المسألة وحكمها:\nوعند ابن حبيب المنع مطلقًا، وهو قول أبي حنيفة، وتردد النقل عن الشافعي اهـ. [الذخيرة: ٢/ ٦٦]، والله أعلم بالصواب.","vol":"1","page":477},{"text":"قال ابن العربي:\nقوله تعالى: ﴿والعاملين عليها﴾، يدل على مسألة بديعة، وهي: أن ما كان من فروض الكفايات فالقائم به يجوز له أخذ الأجرة عليه، ومن ذلك: الإمامة، فإن الصلاة وإن كانت متوجهة على جميع الخلق: فإن تقدم بعضهم بهم من فروض الكفاية، فلا جرم يجوز أخذ الأجرة عليها، وهذا أصل الباب، وإليه أشار النبي ﷺ بقوله: «ما تركت بعد نفقة عيالي ومؤنة عاملي فهو صدقة» (^١). اهـ (^٢).\nوأجاب المانعون: أي أصحاب القول الأول - على هذا بقولهم:\nإن قياس الإمام على عاملي الزكاة المذكورين في الآية = قياس مع الفارق، فلا يصح، فإن ما يأخذه العاملون على الزكاة منصوص عليه من الشارع - كما في الآية السابقة بخلاف الإمام في الصلاة، فإن الاستئجار عليها مختلف فيه.\nثم إن الإمامة في الصلاة - وإن كانت فرض كفاية - فإن الإمام فيها عامل لنفسه، فهو كالمنفرد، بخلاف العاملين على الزكاة فهم يعملون لغيرهم.\nكما أن الزكاة عبادة مالية تصح النيابة فيها فيجوز أخذ الأجرة عليها، بخلاف الصلاة فإنه، لا تجوز النيابة فيها، فلا يجوز أخذ الأجرة عليها.\nوأما استدلالهم بالأثر؛ فهو:\nالدليل الأول: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ: انْطَلَقَ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ\n_________\n(^١) متفق عليه: أخرجه البخاري [٢٧٧٦]، ومسلم [١٧٦٠]، ولفظه عندهما: «ما تركت بعد نفقة نسائي …» الحديث.\n(^٢) أحكام القرآن [٢/ ٥٢٤].","vol":"1","page":478},{"text":"ﷺ فِي سَفْرَةٍ سَافَرُوهَا، حَتَّى نَزَلُوا عَلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ، فَاسْتَضَافُوهُمْ فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمْ، فَلُدِغَ سَيِّدُ ذَلِكَ الْحَيِّ فَسَعَوْا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ لَا يَنْفَعُهُ شَيْءٌ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَوْ أَتَيْتُمْ هَؤُلَاءِ الرَّهْطَ الَّذِينَ نَزَلُوا لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ شَيْءٌ، فَأَتَوْهُمْ فَقَالُوا: يَا أَيُّهَا الرَّهْطُ إِنَّ سَيِّدَنَا لُدِغَ، وَسَعَيْنَا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ لَا يَنْفَعُهُ، فَهَلْ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْكُمْ مِنْ شَيْءٍ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: نَعَمْ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْقِي، وَلَكِنْ وَاللَّهِ لَقَدْ اسْتَضَفْنَاكُمْ فَلَمْ تُضَيِّفُونَا، فَمَا أَنَا بِرَاقٍ لَكُمْ، حَتَّى تَجْعَلُوا لَنَا جُعْلًا فَصَالَحُوهُمْ عَلَى قَطِيعٍ مِنْ الْغَنَمِ، فَانْطَلَقَ يَتْفِلُ عَلَيْهِ، وَيَقْرَأُ: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ فَكَأَنَّمَا نُشِطَ مِنْ عِقَالٍ، فَانْطَلَقَ يَمْشِي وَمَا بِهِ قَلَبَةٌ، قَالَ: فَأَوْفَوْهُمْ جُعْلَهُمْ الَّذِي صَالَحُوهُمْ عَلَيْهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: اقْسِمُوا، فَقَالَ الَّذِي رَقَى: لَا تَفْعَلُوا، حَتَّى نَأْتِيَ النَّبِيَّ ﷺ فَنَذْكُرَ لَهُ الَّذِي كَانَ فَنَنْظُرَ مَا يَأْمُرُنَا، فَقَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرُوا لَهُ فَقَالَ: «وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ»، ثُمَّ قَالَ: «قَدْ أَصَبْتُمْ اقْسِمُوا، وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ سَهْمًا» (^١).\nوجه الدلالة: أن النبي ﷺ أقرهم على أخذ الأجر على الرقية بالقرآن، والإمامة تقاس عليه، لأن أعظم أركان الصلاة هو قراءة القرآن فيها.\nوأجاب أصحاب القول الأول - المانعون - على ذلك بقولهم:\nهناك فرق بين الأمرين؛ لأن الرقية نوع مداواة، والمأخوذ عليها جعل، والمداواة يباح أخذ الأجر عليها، والجعالة أوسع من الإجارة، ولهذا تجوز مع جهالة العمل والمدة (^٢).\nالدليل الثاني: حديث سهل بن سعد، وفيه قول النبي ﷺ: «زوجتكها بما معك من القرآن» (^٣).\n_________\n(^١) متفق عليه: أخرجه البخاري [٢٢٧٦]، ومسلم [٢٢٠١].\n(^٢) المغني [٨/ ١٣٩].\n(^٣) صحيح: وقد تقدم كاملًا.","vol":"1","page":479},{"text":"وأجاب أصحاب القول الأول - المانعون - على ذلك بقولهم:\nليس في الخبر تصريح بأن التعليم صداق، فيحتمل أنه زوجه إياها بغير صداق إكرامًا له، كما زوج أبا طلحة أم سليم على إسلامه (^١).\nولكن يعترض على كلامهم هنا بأن لفظ الحديث عند مسلم: «فعلمها القرآن»، فيكون ذلك صداقها الواجب عليه، وليس إكرامًا له.\nالدليل الثالث: قول النبي ﷺ: «إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ» (^٢).\nوأجاب المانعون بقولهم: هذا، يعني به أيضًا الجعل في الرقية، لأن ذكر ذلك في سياق خبر الرقية (^٣).\nالدليل الرابع: عَنْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَيْرِيزٍ - وَكَانَ يَتِيمًا فِي حِجْرِ أَبِي مَحْذُورَةَ، حَتَّى جَهَّزَهُ إِلَى الشَّامِ - قَالَ: قلت لِأَبِي مَحْذُورَةَ إِنِّي خَارِجٌ إِلَى الشَّامِ، وَأَخْشَى أَنْ أُسْأَلَ عَنْ تَأْذِينِكَ، فَأَخْبَرَنِي أَنَّ أَبَا مَحْذُورَةَ قَالَ لَهُ: خَرَجْتُ فِي نَفَرٍ، فَكُنَّا بِبَعْضِ طَرِيقِ حُنَيْنٍ فقفل رَسُول اللَّه ﷺ مِنْ حُنَيْنٍ، فَلَقِيَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ، فَأَذَّنَ مُؤَذِّنُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالصَّلَاةِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَسَمِعْنَا صَوْتَ الْمُؤَذِّنِ، وَنَحْنُ عَنْهُ مُتَنَكِّبُونَ، فَظَلِلْنَا نَحْكِيهِ وَنَهْزَأُ بِهِ فَسَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الصَّوْتَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْنَا حَتَّى وَقَفْنَا بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَيُّكُم الَّذِي سَمِعْتُ صَوْتَهُ؟ قَدْ ارْتَفَعَ» فَأَشَارَ الْقَوْمُ إِلَيَّ وَصَدَقُوا، فَأَرْسَلَهُمْ كُلَّهُمْ وَحَبَسَنِي فَقَالَ: «قُمْ فَأَذِّنْ بِالصَّلَاةِ»، فَقُمْتُ فَأَلْقَى عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ التَّأْذِينَ هُوَ\n_________\n(^١) المغني [٨/ ١٣٩].\n(^٢) أخرجه البخاري [٥٧٣٧]، عن ابن عباس ﵄ وفيه قصة أبي سعيد التي تقدم ذكرها في الدليل الأول.\n(^٣) المغني [٨/ ١٤٠].","vol":"1","page":480},{"text":"بِنَفْسِهِ قَالَ: «قُلْ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: ارْجِعْ فَامْدُدْ صَوْتَكَ، ثُمَّ قَالَ: قُلْ: أَشْهَدُ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ»، ثُمَّ دَعَانِي حِينَ قَضَيْتُ التَّأْذِينَ، فَأَعْطَانِي صُرَّةً فِيهَا شَيْءٌ مِنْ فِضَّةٍ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مُرْنِي بِالتَّأْذِينِ بِمَكَّةَ، فَقَالَ: «أَمَرْتُكَ بِهِ»، فَقَدِمْتُ عَلَى عَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ عَامِلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ، فَأَذَّنْتُ مَعَهُ بِالصَّلَاةِ، عَنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (^١).\n_________\n(^١) إسناده ضعيف: وأصله في صحيح مسلم [٣٧٩]، لكن مختصرًا.\n- الحديث مداره على عبد الله بن محيريز - وهو ثقة عابد.\n- فرواه عنه - باللفظ المذكور - عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة.\nكما عند النسائي [٣٦٢]، وابن حبان [١٦٨٠]، وابن ماجه [٧٠٨]، وابن أبي عاصم [الآحاد: ٧٩١]، والشافعي [١٧٧]، وعنه البيهقي [١/ ٢٣٣]، وأخرجه أحمد [١٥٣٨٠]، والدارقطني [١/ ٢٣٣]، والطبراني [الكبير: ٧/ ١٧٢]، وأبو داود [٥٠٣]، وابن خزيمة [٣٧٩]، والطحاوي [معاني الآثار: ١/ ١٣٠]، [وهؤلاء الثلاثة المذكورون آخرًا ليس عندهم زيادة أخذ الصرة بعد التأذين] = كلهم من طريق ابن جريج حدثني عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة، عن عبد الله بن محيزيز، عن أبي محذورة.\n- وقد رواه عبد العزيز عن جده أبي محذورة مباشرة بإسقاط ابن محيريز كما عند ابن خزيمة [٣٧٨]، والنسائي [٦٢٩]، والترمذي [١٩١]، والبخاري [أفعال العباد: ٢٥] = كلهم من طريق إبراهيم بن عبد العزيز بن عبد الملك، عن أبيه وعبد الملك جميعًا، عن أبي محذورة [وليس في الحديث ذكر القصة، أو ذكر صرة الفضة، وإنما مقتصر على ألفاظ الأذان].\n- قال ابن خزيمة عقب هذا الحديث: عبد العزيز بن عبد الملك لم يسمع هذا الخبر من أبي محذورة، وإنما رواه عن عبد الله بن محيريز، عن أبي محذورة. اهـ.\n- قال الحافظ: فعلى هذا يكون إبراهيم بن عبد العزيز أدرج حديث أبيه على حديث جده، وأسقط شيخ أبيه، والله أعلم اهـ. [التهذيب - ت عبد العزيز].","vol":"1","page":481},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= - وقد جاءت الرواية، عن عبد الملك بن أبي محذورة، عن أبيه، بإفراده، عن عبد العزيز.\n- كما عند أبي داود [٥٠٤]، من طريق إبراهيم بن إسماعيل بن عبد الملك، وعند أحمد [١٥٣٧٩]، وأبي داود [٥٠٠]، وابن حبان [١٦٨٢]، من طريق محمد بن عبد الملك بن أبي محذورة = كلاهما [إبراهيم ومحمد] عن عبد الملك، عن أبيه [فذكر الحديث مقتصرًا على ألفاظ الأذان دون القصة].\n- إلا أن نافع بن عمر الجمحي - وهو ثقة ثبت - خالف إبراهيم ومحمدًا.\n- فروى الحديث، عن عبد الملك بن أبي محذورة، عن عبد الله بن محيريز، عن أبي محذورة [عند أبي داود: ٥٠٠٥]، فعاد الحديث مرة أخرى إلى ابن محيريز!!.\n- واختصارًا للكلام على الأسانيد السابقة: أذكر أمرين:\nالأول: قال محمد بن عثمان بن أبي شيبة: وسمعت عليًّا: يعني: ابن المديني - يقول: بنو أبي محذورة الذين يحدثون عن جدهم = كلهم ضعيف، ليس بشيء اهـ. [سؤالات ابن أبي شيبة له: ١٤٢].\nوعلى ذلك: فعبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة الذي تفرد - فيما علمتُ - بذكر القصة المذكورة، عن أبي محذورة، في أخذه الصرة = ضعيف.\nالثاني: أن الحديث ثابت صحيح، عن أبي محذورة بدون هذه القصة المذكورة.\n- فأخرجه مسلم [٣٧٩]، والترمذي [١٩١ - وقال: حسن صحيح]، والنسائي [٦٣٠، ٦٣١]، وأبو داود [٥٠٢]، وابن خزيمة [٣٧٧]، وابن حبان [١٦٨١]، وابن ماجه [٧٠٩]، والدارمي [١١٩٦]، وابن الجارود [١٦٢]، وغيرهم = من طريق عامر الأحول، عن مكحول، عن ابن محيريز، عن أبي محذورة.\n- وقد توبع ابن محيريز من: السائب الجمحي، مولى أبي محذورة، وأم عبد الملك بن أبي محذورة [زوج أبي محذورة].\n- كما عند النسائي [٦٣٣]، والدارقطني [١/ ٢٣٤، ٢٣٥]، وابن خزيمة [٣٨٥]، وأبي داود [١٥٠١]، والطحاوي [معاني الآثار: ١/ ١٣٤]، وأحمد [١٥٣٧٧ - لكن بدون ذكر السائب]، وغيرهم = كلهم من طريق عثمان بن السائب، عن أبيه، وأم عبد الملك، عن أبي محذورة، فذكر الحديث: وفيه قصة في بدايته، وليس فيه ذكر الصرة، وفيه من الزيادة: أن رسول الله ﷺ مسح على ناصية أبي محذورة وبارك عليه ثلاث مرات، فكان أبو محذورة لا يجز ناصيته ولا يفرقها؛ لأن رسول الله ﷺ مسح عليها.\n- لكن الإسناد ضعيف، فعثمان بن السائب: ذكره ابن حبان في ثقاته، وقال عنه ابن القطان: غير معروف اهـ.","vol":"1","page":482},{"text":"وجه الاستدلال: أن أبا محذورة لما انتهى من التأذين أعطاه رسول الله ﷺ صرة فيها شيء من فضة مقابل تأذينه، فدل ذلك على جواز أخذ الأجرة على الأذان وهو من أعمال القرب، وتقاس عليه أيضًا - لأنها في معناه -: الإمامة.\nوأجاب أصحاب القول الأول - المانعون - عن ذلك، بقولهم:\nولا دليل في ذلك لوجهين:\n١) أن قصة أبي محذورة أول ما أسلم، لأنه أعطاه حين علمه الأذان، وذلك قبل إسلام عثمان بن أبي العاص، فحديث عثمان متأخر (^١).\n٢) أنها واقعة يتطرق إليها الاحتمال، وأقرب الاحتمالات فيها أن يكون من باب التأليف لحداثة عهده بالإسلام، ووقائع الأحوال إذا تطرق إليها الاحتمال سلبها الاستدلال لما يبقى فيها من الإجمال (^٢).\nوعقب الشوكاني على ما سبق بقوله:\nوأنت خبير بأن هذا الحديث لا يرد على من قال: إن الأجرة تحرم إذا كانت مشروطة لا إذا أعطيها بغير مسألة، والجمع بين الحديثين (^٣)\n_________\n- وأبوه: ليس بأفضل حالًا منه، ذكره ابن حبان، وقال عنه الذهبي: لا يُعرف اهـ.\n- أما أم عبد الملك: فليس لها ذكر عند ابن حبان، ولم أجد لها ذكرًا عند غيره.\n- ولذلك فقد نعتهم الحافظ جميعًا بنعت واحد، وهو: مقبول، يعني عند المتابعة، وإلا فلين - كما نص هو في مقدمة التقريب -.\n- أما وقد تبين لك ما في إسناد قصة أبي محذورة وذكر الصرة: فلا يخفى عليك أن في قول الجورقاني عنه: هذا حديث صحيح [الأباطيل: ٢/ ١٦٩]، وقول البوصيري: هذا إسناد صحيح رجاله ثقات [المصباح: ٢٦٤] = ما فيه من النظر.\n(^١) يشير إلى حديث عثمان بن أبي العاص الذي تقدم ذكره في أول الباب.\n(^٢) قاله ابن سيد الناس، ونقله عنه السيوطي والسندي في حاشيتهما على النسائي [٢/ ٦]، وكذا الشوكاني [نيل الأوطار: ١/ ٥١٨].\n(^٣) حديث عثمان بن أبي العاص، وحديث أبي محذورة.","vol":"1","page":483},{"text":"بمثل هذا = حسن. اهـ (^١).\nوأما استدلالهم بالنظر؛ فقالوا:\nأولًا: يقاس الإمام في الصلاة على الخليفة في جواز الأجرة، بجامع أن كلًّا منهما عامل لمصلحة المسلمين (^٢).\nوأجاب أصحاب القول الأول - المانعون - عن ذلك بقولهم:\nإن قياس الإمام في الصلاة على الخليفة: قياس مع الفارق، فإن ما يأخذه الخليفة هو من قبيل الأرزاق، وهي مجمع على جوازها - كما تقدم في أول الباب - والخلاف إنما هو في الأجرة، والرزق خلاف الأجرة، فافترقا.\nوقالوا - مواصلين الإجابة:\nولو سلمنا أن ما يأخذه الخليفة على عمله هو أجرة، فإننا لا نسلم أن يأخذه على الإمامة، بل يأخذه على أعمال الخلافة والإمامة العظمى - وهي كثيرة جدًّا -، ثم هو قد حبس نفسه طوال الوقت لمصلحة المسلمين، والخلاف هنا حول الأجرة على ذات الإمامة ثم إن الإمام في الصلاة مصل لنفسه، فهو كالمنفرد، والصلاة تلزمه، بخلاف الخليفة فإن الخلافة لا تلزمه.\nثانيًا: إن الأجرة على إمامة الصلاة هي في مقابل التزامه للمكان المعين للصلاة والإتيان إليه، وتكلفة ذلك، وهو غير مأمور به عينًا، ولذا جاز أخذ الأجرة عليه (^٣).\n_________\n(^١) نيل الأوطار [١/ ٥١٩].\n(^٢) المصدر السابق.\n(^٣) الذخيرة [٢/ ٦٦].","vol":"1","page":484},{"text":"وأجاب المانعون عن هذا الدليل بقولهم:\nأ - إن هذا الدليل يلزم منه عدم جواز أخذ الأجرة على ذات الإمامة في الصلاة، وهذا ينقض المذهب القائل بالجواز.\nب - أن ما ذكر من تكلف الإمام الصلاة في مكان معين … إلخ = أمر زائد على ما نحن بصدده، إذ أن الخلاف حول ذات الإمامة وأخذ الأجرة عليها، وهذا يدخل فيه من كان مجاورًا للمسجد، وهو من أهله، فهل تقولون: إنه في هذه الحالة لا يجوز له أخذ الأجرة على الإمامة؟!.\nفإن قلتم ذلك فقد نقضتم مذهبكم، وإن قلتم بالجواز فقد أبطلتم دليلكم (^١).\nثم إن أصحاب القول الثالث - القائلين بالجواز - أجابوا على الأدلة الأثرية (^٢) التي استدل بها المانعون - أصحاب القول الأول - جملة وتفصيلًا.\nأما من ناحية الجملة فقالوا:\nإن هذه الأحاديث التي جاءت في النهي واستُدل بها على التحريم = ضعيفة لا حجة في شيء منها، ولا تقاوم ما جاء في الصحيح (^٣).\nوأما من ناحية التفصيل فقالوا:\n١) حديث عثمان بن أبي العاص (^٤).\nقالوا: هذا الحديث فيه دليل على إباحة الأجرة لا تحريمها، لأن في قوله ﵊: «اتخذ مؤذنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا»، دليلًا أن\n_________\n(^١) أخذ المال على أعمال القرب [١/ ٢٠٩].\n(^٢) وأما الإجابة على الأدلة النظرية فقد تقدمت هناك، فراجعها إن شئت.\n(^٣) الاستذكار [١٦/ ٨٩].\n(^٤) قد تقدم بتمامه والكلام عليه.","vol":"1","page":485},{"text":"هناك من يأخذ الأجرة، وإنما ذكره ذلك، ولو كان ذلك على الزجر لقال: لا تؤخذ الأجرة على الأذان، أو لا يجوز، أو ما شابه ذلك (^١).\n٢) وأما حديث عبادة بن الصامت (^٢) - وما شابهه - (^٣)\nقالوا: إن صح فهو محمول عند كثير من العلماء على أنه لما علمه لله لم يجز بعد هذا أن يعتاض عن ثواب الله بذلك القوس، فأما إذا كان من أول الأمر على التعليم - أو الصلاة - بالأجرة: فإنه يصح، كما في حديث اللديغ (^٤)، وحديث سهل بن سعد في الواهبة نفسها (^٥). وبهذا يجمع بين الأحاديث (^٦).\nوقال آخرون: وقد نقول: إن هذا الحديث منسوخ بحديث الرقية (^٧).\n\n<span data-type='title' id=toc-338>القول الرابع: يجوز أخذ الأجرة على الإمامة بشرط أن ينضم إليها الأذان، أو القيام على المسجد، فأما إذا كانت مفردة: فلا يجوز.</span>\nوإلى هذا: ذهب المالكية في المشهور عندهم في المذهب (^٨).\n_________\n(^١) الأباطيل والمناكير للجورقاني [٢/ ١٧١].\n(^٢) قد تقدم بتمامه والحكم عليه.\n(^٣) مثل: حديث أبي بن كعب، وأبي الدرداء، … وغيرهما من الأحاديث التي تشهد لحديث عبادة، والتي يراها بعض العلماء قضية عين لا يؤخذ منها حكم عام [نيل الأوطار: ٤/ ١٩٨].\n(^٤) حديث اللديغ: هو حديث أبي سعيد الخدري في الرقية بالقرآن.\n(^٥) تقدم حديث سهل.\n(^٦) تفسير ابن كثير [١/ ٨٥ - ط دار الفكر].\n(^٧) أشار إلى ذلك السيوطي في شرحه لسنن ابن ماجه [حاشية سنن ابن ماجه - تعليق محمد فؤاد عبد الباقي: ٢/ ٧٣٠]، وقد ذكر ذلك - قبل السيوطي - بدر الدين العيني [عمدة القارى: ١٢/ ٩٦].\n(^٨) قال ابن القاسم: وسألت مالكًا، عن الرجل يستأجر الرجل يؤذن في مسجده ويصلى\nبأهله، يعمره بذلك؟! قال: لا بأس به اهـ. [المدونة: ١/ ٦٥].\n- وقال القرافي: المشهور: المنع من الصلاة منفردة، والجواز في الأذان مفردًا، ومع الصلاة اهـ. [الذخيرة: ٢/ ٦٦]. وانظر: المدونة [٣/ ٣٩٧]، الاستذكار [١٦/ ٩٠].","vol":"1","page":486},{"text":"واستدل هؤلاء بالنظر، فقالوا:\nإن الإجارة على الإمامة انفرادًا لا تجوز، وإنما وقعت الإجارة هنا - حين ضُم الأذان مع الإمامة - على الأذان والإقامة، وقيامه على المسجد، لا على الإمامة في الصلاة، والأذان لا يلزمه، فيصح أخذ الأجرة عليه، فإذا ضم الأذان إلى الإمامة: قرب العقد من الصحة (^١).\nوأجاب المانعون عليهم بقولهم:\nإن مقتضى الدليل أن الأجرة على الإمامة منفردة = لا تصح، وهذا هو مشهور مذهبكم، فإذا انضم إلى الإمامة والأذان: صحت الإجارة على الأذان وبطلت في الإمامة في هذه الحالة كذلك.\nكما إنكم لم توقعوا الإجارة على الإمامة في الصلاة، وإنما أوقعتموها على الأذان والقيام على المسجد، والخلاف حول الإجارة على الإمامة، ليس على الأذان والقيام على المسجد.\nثم إن الإجارة على الأذان مختلف فيها، فإن قلنا: إن الإجارة على الأذان لا تصح: بطل ما ذهبتم إليه من صحة الإجارة على الإمامة في الصلاة تبعًا للأذان.\n_________\n(^١) الذخيرة [٢/ ٦٦]، الفروق [٣/ ٢]، المدونة [٣/ ٣٩٧].","vol":"1","page":487},{"text":"ثم أختم هذا البحث وهذه الأقوال بقول شيخنا - حفظه الله -، حيث قال:\nلا يوجد دليل [صحيح صريح]، في المسألة على المنع، وإذا تعاطى الإمام أو طلب مبلغًا من أجل تفرغه - لا من أجل إمامته -: فلا نعلم مانعًا، وذلك لانقطاعه لهذا العمل.\nأما إذا طلب بين يدي الصلاة - وهو قد كان معهم مصليًّا - مبلغًا من أجل إمامته: فلا يصح ذلك، والله أعلم. أهـ.\nوختامًا:\nفهذا ما يسَّر الله تعالى لي جمعه في هذا الكتاب، فله الحمد على ما وفَّق ويسَّر، ونسأله حسن الخاتمة والمآب؛ فإنه سبحانه الكريم الوهاب.\nسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.","vol":"1","page":488}]}