{"ً":{"ٌ":30281,"ٍ":"ما قاله الثقلان في أولياء الرحمن","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"files":["https://archive.org/download/thaqalan/thaqalan.pdf"]},"ّ":"الكتاب: ما قاله الثقلان في أولياء الرحمن، شهادة القرآن وأهل البيت ﵈ في عدالة الصحابة ﵃\nالمؤلف: عبد الله بن جوران الخضير\nمراجعة: الشيخ راشد بن سعد الراشد\nالناشر: مبرة الآل والأصحاب، الكويت\nالطبعة: الرابعة، ١٤٣٢ هـ - ٢٠١١ م\nعدد الصفحات: ١٦٣\nقدمه للشاملة: «مبرة الآل والأصحاب»، جزاهم الله خيرا\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"4.0","ٔ":3133,"ٕ":1,"ٖ":1770156294,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"المقدمة","level":1,"page":5},{"title":"المدخل","level":1,"page":7},{"title":"المبحث الأول: تعريف لفظ «الصحابة»","level":1,"page":10},{"title":"أولا: تعريف لفظ «الصحابي» لغة","level":2,"page":10},{"title":"ثانيا: تعريف الصحابي اصطلاحا","level":2,"page":14},{"title":"المبحث الثاني: ثناء الثقلين على الصحابة - ﵃ -","level":1,"page":16},{"title":"المطلب الأول: ثناء الثقلين على أصحاب النبي - ﵌ -","level":2,"page":17},{"title":"الثناء على الصحابة - ﵃ - في كتاب الله","level":3,"page":17},{"title":"ثناء أهل البيت - ﵈ - على الصحابة الكرام - ﵃ -","level":3,"page":24},{"title":"المطلب الثاني: ثناء الثقلين على الخلفاء الثلاثة - ﵃ -","level":2,"page":30},{"title":"المطلب الثالث: ثناء الثقلين على المهاجرين والأنصار - ﵃ -","level":2,"page":33},{"title":"ثناء القرآن الكريم على المهاجرين والأنصار","level":3,"page":33},{"title":"ثناء النبي - ﵌ - والعترة على المهاجرين والأنصار - ﵃ -","level":3,"page":35},{"title":"المطلب الرابع: ثناء الثقلين على أهل بدر","level":2,"page":43},{"title":"المطلب الخامس: ثناء الثقلين على من أنفق وقاتل قبل الفتح وبعده","level":2,"page":45},{"title":"المبحث الثالث: كيف ظهرت الفتنة بين الصحابة - ﵃ -","level":1,"page":52},{"title":"أولا: من أشعل الفتنة بين المسلمين؟","level":2,"page":52},{"title":"ثانيا: بداية الفتنة بين الصحابة - ﵃ -","level":2,"page":57},{"title":"معركة الجمل","level":3,"page":58},{"title":"معركة صفين","level":3,"page":59},{"title":"ما بعد استشهاد الإمام علي ﵇","level":3,"page":64},{"title":"المبحث الرابع: المؤامرة ضد الإسلام والمسلمين","level":1,"page":66},{"title":"أولا: إسقاط عدالة أصحاب النبي - ﵌ -","level":2,"page":66},{"title":"ثانيا: تشويه سيرة الصحابة - ﵃ -","level":2,"page":73},{"title":"المبحث الخامس: الموقف الصحيح (الحق) من أصحاب النبي - ﵌ -","level":1,"page":74},{"title":"المبحث السادس: الأسماء والمصاهرات بين الصحابة وأهل البيت - ﵈ -","level":1,"page":78},{"title":"المبحث السابع سؤال وجواب","level":1,"page":89},{"title":"السؤال الأول: «القول بردة الصحابة»","level":2,"page":90},{"title":"السؤال الثاني: «حديث الحوض»","level":2,"page":93},{"title":"السؤال الثالث: «القول بذم الله طائفة من الصحابة»","level":2,"page":96},{"title":"السؤال الرابع: «القول بمخالفة الصحابة أمر النبي في صلح الحديبية»","level":2,"page":100},{"title":"السؤال الخامس: «رزية يوم الخميس»","level":2,"page":106},{"title":"السؤال السادس: «موقف أبي بكر من ميراث فدك»","level":2,"page":112},{"title":"السؤال السابع: «القول بإهانة أبي بكر لفاطمة»","level":2,"page":124},{"title":"السؤال الثامن: «موقف خالد بن الوليد من مالك بن نويرة وزوجته»","level":2,"page":129},{"title":"قبل الختام: شجون عابرة","level":1,"page":136},{"title":"قائمة المراجع","level":1,"page":141}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":2,"1,3":3,"1,5":4,"1,9":5,"1,10":6,"1,11":7,"1,12":8,"1,13":9,"1,15":10,"1,16":11,"1,17":12,"1,18":13,"1,19":14,"1,20":15,"1,21":16,"1,23":17,"1,24":18,"1,25":19,"1,26":20,"1,27":21,"1,28":22,"1,29":23,"1,31":24,"1,32":25,"1,33":26,"1,34":27,"1,35":28,"1,36":29,"1,37":30,"1,38":31,"1,39":32,"1,41":33,"1,42":34,"1,43":35,"1,44":36,"1,45":37,"1,46":38,"1,47":39,"1,48":40,"1,49":41,"1,50":42,"1,51":43,"1,52":44,"1,53":45,"1,54":46,"1,55":47,"1,56":48,"1,57":49,"1,58":50,"1,59":51,"1,61":52,"1,62":53,"1,63":54,"1,64":55,"1,65":56,"1,66":57,"1,67":58,"1,68":59,"1,69":60,"1,70":61,"1,71":62,"1,72":63,"1,73":64,"1,74":65,"1,75":66,"1,76":67,"1,77":68,"1,78":69,"1,79":70,"1,80":71,"1,81":72,"1,82":73,"1,83":74,"1,84":75,"1,85":76,"1,86":77,"1,87":78,"1,88":79,"1,89":80,"1,90":81,"1,91":82,"1,92":83,"1,93":84,"1,94":85,"1,95":86,"1,96":87,"1,97":88,"1,99":89,"1,101":90,"1,102":91,"1,103":92,"1,105":93,"1,106":94,"1,107":95,"1,109":96,"1,110":97,"1,111":98,"1,112":99,"1,113":100,"1,114":101,"1,115":102,"1,116":103,"1,117":104,"1,118":105,"1,119":106,"1,120":107,"1,121":108,"1,122":109,"1,123":110,"1,124":111,"1,125":112,"1,126":113,"1,127":114,"1,128":115,"1,129":116,"1,130":117,"1,131":118,"1,132":119,"1,133":120,"1,134":121,"1,135":122,"1,136":123,"1,137":124,"1,138":125,"1,139":126,"1,140":127,"1,141":128,"1,143":129,"1,144":130,"1,145":131,"1,146":132,"1,147":133,"1,148":134,"1,149":135,"1,151":136,"1,152":137,"1,153":138,"1,154":139,"1,155":140,"1,157":141,"1,158":142,"1,159":143,"1,160":144,"1,161":145,"1,162":146},"ٜ":{"1":[1,162]},"ٝ":["1,1","1,2","1,3","1,5","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,99","1,101","1,102","1,103","1,105","1,106","1,107","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162"],"ٞ":{"5":[1],"7":[2],"10":[3,4],"14":[5],"16":[6],"17":[7,8],"24":[9],"30":[10],"33":[11,12],"35":[13],"43":[14],"45":[15],"52":[16,17],"57":[18],"58":[19],"59":[20],"64":[21],"66":[22,23],"73":[24],"74":[25],"78":[26],"89":[27],"90":[28],"93":[29],"96":[30],"100":[31],"106":[32],"112":[33],"124":[34],"129":[35],"136":[36],"141":[37]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"مبرة الآل والأصحاب\nسلسلة العلاقة الحميمة بين الآل والأصحاب (٣)\n\nما قاله الثقلان في أولياء الرحمن\nشهادة القرآن وأهل البيت - ﵈ - في عدالة الصحابة - ﵃ -\n\nتأليف\nعبد الله بن جوران الخضير\n\nمراجعة وتنقيح\nمركز البحوث والدراسات بالمبرة","vol":"1","page":1},{"text":"فهرسة مكتبة الكويت الوطنية أثناء النشر\n\n٣٩٩. ٩٢٢ الخضير، عبد الله بن جوران\nما قاله الثقلان في أولياء الرحمن /عبد الله بن جوران الخضير -ط ٤ - الكويت: مبرة الآل والأصحاب، ٢٠١١.\n١٦٣ ص؛ ٢٤ سم - (سلسلة العلاقة الحميمة بين الآل والأصحاب؛ ٣)\nردمك: ٢ - ٧ - ٦٣٥/ ٩٩٩٩٠٦\n١ - الثناء المتبادل بين الآل والأصحاب\n٢ - آل البيت والصحابة.\n٣ - الصحابة والتابعون - تراجم.\nأ- العنوان.\nب- السلسلة.\nرقم الإيداع: ٤٨٧/ ٢٠٠٦","vol":"1","page":2},{"text":"حقوق الطبع محفوظة لمؤسسة التواصل بين المشرق والمغرب للنشر والتوزيع\nإلا لمن أراد التوزيع الخيري بشرط عدم التصرف في المادة العلمية\n\nالطبعة الرابعة\n١٤٣٢ هـ / ٢٠١١ م\nمبرة الآل والأصحاب\n\nهاتف: ٢٢٥٦٠٢٠٣ - ٢٢٥٥٢٣٤٠ فاكس: ٢٢٥٦٠٣٤٦\nص. ب: ١٢٤٢١ الشامية الرمز البريدي ٧١٦٥٥ الكويت\nE-mail: almabarrh@gmail.com\nwww.almabarrah.net\n\nالبريد الإلكتروني للمؤلف\nRamthan.alr@hotmail.com","vol":"1","page":3},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم","vol":"1","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>المقدمة</span>\nالحمد لله رب العالمين.. وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحبه الكرام البررة المهتدين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين...\nأما بعد:\nفإن من نعم الله السابغة ومننه البالغة أن أرسل إلينا رسولًا من أنفسنا، ليخرجنا من الظلمات إلى النور، ومن الشقاء إلى السعادة، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، فكان نبي الرحمة حقًا به أتم الله النعمة وبه كشف الغمة وختم الرسالات، وجعل شريعته باقية إلى يوم الدين.\nوبعد أن انتقل النبي - ﵌ - إلى الرفيق الأعلى حمل لواء هذه الدعوة المباركة من بعده عصبة، جاءت على اختيار واصطفاء من الله، علم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وهداهم إلى الصراط المستقيم، فكان همهم وغايتهم رضوان الله ونشر دعوة الإسلام وما تتضمنه من تحقيق العبودية لله فرضي عنهم وأرضاهم.\nوكان هذا الرضوان العظيم تزكية من الله لهم فلم يكن الله ليضلهم بعد أن هداهم ورضي عنهم وهو العالم بما يخفون وما يعلنون، فقد نطقت ألسنتهم بما في قلوبهم من الصدق والإيمان والإخلاص، وبذلوا مهجهم في سبيل الله، وسطروا في التاريخ بطولات وتضحيات جسيمة كل ذلك في سبيل الله ولإعلاء كلمته، ورغم ذلك نجد طائفة من الناس تتجرأت على الطعن فيهم، إما جهلًا باصطفاء الله لهم أو تناسيًا لرضوان الله عليهم مخالفين قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ [الحشر: ١٠].","vol":"1","page":9},{"text":"فهؤلاء لايعرفون حقيقة الصحابة، وربما كان أسلافهم الذين تأثروا بهم وورثوا عنهم الطعن في الصحابة - ﵃ - قريبي عهدٍ بالشرك فغطى ذلك على فهمهم وكشف ضحالة علمهم بالإسلام، ومنعهم من رسوخ الإيمان بُعدُهم عن الثقافة العربية التي هي وعاء شريعة الإسلام، أو لأنهم لم يستطيعوا التخلص مما بقي في صدورهم من الحقد على الإسلام وأهله وأرادوا تطبيق ما ورثوه من معتقدات على الإسلام.\nفلما وجدوا صلابة هذا الدين وصدق من نقله، قاموا بالسعي إلى تقويض أركانه بالنخر في أساسه، والسعي إلى نسف غراسه، وذلك بالطعن في نقلته (الصحابة)، وتستروا وراء حب أهل البيت - ﵃ -، ساعين إلى الوقيعة بينهم وبين جمهور الأمة.\nوهذه الوريقات فيها بيان شافٍ -بإذن الله- لما في القرآن الكريم من بيان فضل الصحابة (المهاجرين والأنصار - ﵃ -) وما يعتقده أهل البيت - ﵃ - فيهم، وأردت منه إظهار مكانة أولئك الأخيار، والصلة بينهم وبين أهل البيت - ﵃ -، وبيان محبتهم بعضهم البعض.\nوأعتذر لذوي الألباب من التقصير الواقع في هذا الكتاب وإن كنت قد قصرت في توضيح هذا الجانب أو ذاك، فالسبب - من وجهة نظري - هو أني تركت بعض التفاصيل لوضوحها لم أبينها، ولن أعدم من محب ناصح يوجهني إلى الصواب ويرشدني إلى أفضل المنطق والخطاب فيما لم أطلع عليه.","vol":"1","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>المدخل</span>\nمن هو الصحابي؟\nاختلط على كثير من الناس التفريق بين مفهوم الصحبة في اللغة ومفهومها في الاصطلاح الشرعي لعدة أسباب منها:\n١ - قلة فهمهم واطلاعهم على هذا الجانب، وعدم فقههم في اللغة العربية وخصائصها.\n٢ - عدم معرفتهم أن الإصطلاح الشرعي يخصص المعنى اللغوي؛ لأن بضاعتهم في اللغة العربية مزجاة وشحيحة.\n٣ - تصديق الروايات التي دسها أعداء الإسلام ونسبوها إلى الصحابة، أوفسروا كلامهم وحرفوه وفقًا لأهوائهم وسعيًا إلى تحقيق أهدافهم العدائية.\nحيث نسبوا لأصحاب النبي - ﵌ - كثيرًا من الأقوال والأفعال الباطلة، وافتروا عليهم الكثير من الاعتقادات الخطيرة كالنفاق والردة وغيرها، مستدلين على هذه المزاعم بما تشابه عليهم من الآيات أو من القرائن والدلالات التي وضعوها في سياقات مكذوبة أو مؤوَّلة تأويلًا باطلًا ينم عن فهم سقيم ونظر عقيم، حيث التقطوا كلمات متناثرة في أحاديث صحيحة متواترة، ومن ثَمَّ أَوَّلوها تأويلًا باطلًا، يدل على ضحالة علمهم ورداءة فهمهم وسوء نيتهم، حين لجأوا إلى الإستدلال على مبتغاهم بروايات ضعيفة أو موضوعة لم تثبت صحتها عن النبي - ﵌ -، فتمسكوا بها تمسك الغريق بحبال الوهم الباطلة.\nوحقيقة أمر هؤلاء أنه ليس لديهم علم بمصطلح الحديث، ولا علم الرواة، لأن ذلك العلم عدوُّهم الأكبر الذي أظهر كذبهم وتحريفهم فتجاوزوا قواعده المعتبرة.","vol":"1","page":11},{"text":"وقبل الشروع في بيان عدالة الصحابة، أود أن أبين ضمن هذا المبحث الأمور التالية:\n- من هو الصحابي؟\n- هل المنافقون من (الصحابة)؟\n- هل المرتدون بعد وفاة النبي - ﵌ - يشملهم مسمى (الصحابي)؟\n- وما هو موقف القرآن وأهل البيت - ﵈ - منهم؟\n- لماذا حدث الشقاق والخلاف فيما بينهم إن كان الله سبحانه قد رضي عنهم؟\n- ما الدليل على قُرب أو بُعد أهل البيت - ﵈ - من الصحابة - ﵃ -؟\nهذه التساؤلات ستجد لها جوابًا - بإذن الله - عند قراءتك لهذه الصفحات التي تتناول على وجه الخصوص شهادة وأقوال الثقلين: (كتاب الله وأهل البيت - ﵈ -) في عدالة ومكانة الصحابة رضوان الله عليهم ضمن المباحث الآتية:\nالمبحث الأول: تعريف لفظ الصحابي: لغة واصطلاحًا.\nالمبحث الثاني: ثناء الثقلين (كتاب الله والعترة) على الصحابة، وفق المطالب الآتية:\nالمطلب الأول: ثناء الثقلين على أصحاب النبي - ﵌ -.\nالمطلب الثاني: ثناء الثقلين على الخلفاء الثلاثة - ﵃ -.\nالمطلب الثالث: ثناء الثقلين على المهاجرين والأنصار - ﵃ -.\nالمطلب الرابع: ثناء الثقلين على أهل بدر - ﵃ - تحية طيبة وبعد\nالمطلب الخامس: ثناء الثقلين على من أنفق وقاتل قبل الفتح وبعده.\nالمبحث الثالث: كيف ظهرت الفتن بين الصحابة - ﵃ -؟ ومن هو أول من أشعلها؟\nالمبحث الرابع: المؤامرة ضد الإسلام والمسلمين.\nالمبحث الخامس: الموقف الصحيح من أصحاب النبي - ﵌ -.\nالمبحث السادس: الأسماء والمصاهرات بين الصحابة وأهل البيت - ﵈ -.","vol":"1","page":12},{"text":"المبحث السابع: شبهات وردود.\nالخاتمة: وفيها مجموعة من الخواطر التي تجول في ذهن المسلم بعد سماعه لما يقذف به الصحابة من دعاوى وشبهات ما أنزل الله بها من سلطان.","vol":"1","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>المبحث الأول:\nتعريف لفظ «الصحابة»</span>\nلزامًا علينا قبل الشروع في بيان الأدلة الدالة على عدالة الصحابة - ﵃ -، أن نبين مفهوم كلمة (الصحابة)؛ لأن جلاء المعنى لهذه الكلمة، وبيان حدود إطلاقها، ومن يتصف بها؟ ومن هو المعني بها؟ لأن ذلك فيه إزالة اللبس والغموض الذي يحيط بهذا المصطلح الشرعي فكان لابد من التمييز بين الصحبة الشرعية واللغوية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4>أولًا: تعريف لفظ «الصحابي» لغة:</span>\nالصحابي: نسبة إلى صاحب، وله معانٍ عدة تدور في جملتها حول الملازمة والانقياد (^١).\nوالصحبة في اللغة أعم وأشمل تعريفًا في الإصطلاح الشرعي، فاستخدام الصحبة في اللغة لا يندرج ضمن التعريفات الاصطلاحية الشرعية، إذ هي وفق التعريف اللغوي غير مقيدة بقيود محددة كما هو الحال في المصطلح الشرعي وفقًا لما سنعرفه لاحقًا.\nعلى سبيل المثال نورد جملة من معاني الصحبة اللغوية لدفع اللبس بينها وبين الصحبة في المصطلح الشرعي، ومن هذه الإطلاقات:\n١ - الصحبة المجازية: وهي التي تطلق على اثنين بينهما وصف مشترك، وقد يكون بينهما أمد بعيد، كقول النبي - ﵌ - لبعض أزواجه: (إنكن صواحب يوسف) (^٢).\n_________\n(^١) لسان العرب: (١/ ٥١٩).\n (^٢) انظر البخاري كتاب الأذان رقم: (٧١٢)، بحار الأنوار: (٢٨/ ١٣٧).","vol":"1","page":15},{"text":"٢ - الصحبة الإضافية: وهي التي تضاف للشيء لوجود متعلق به، كما يقال: (صاحب مال، صاحب علم... إلخ).\n٣ - صحبة القائم بالمسئولية: وهذا كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً﴾ [المدثر: ٣١].\n٤ - صحبة اللقيا: تطلق الصحبة على التلاقي الذي يقع بين اثنين، ولو لمرة واحدة لسبب ما، ثم ينقطع.\nوهذا كما جاء عن النبي - ﵌ - أنه قال: (البيِّعان بالخيار ما لم يتفرقا أو يقول أحدهما لصاحبه: اختر...) (^١)، فسمى - ﵌ - المشتري (صاحبًا) مع أن اللقيا وقعت مرة واحدة مع البائع حين يشتري منه السلعة وقد لا تتكرر.\n٥ - صحبة المجاورة: وهي التي تطلق على المؤمن والكافر والعكس، وهو مصداق ما جاء في قوله تعالى: ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (٣٧)﴾ [الكهف: ٣٧].\nوكما في قوله تعالى: ﴿فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا (٣٤)﴾ [الكهف: ٣٤].\nويجوز أن تطلق الصحبة على من لا يعرف صاحبه ولم يلتق به يومًا، كما قال عبد الرحمن ابن عوف - ﵁ - للغلامين من الأنصار اللذين كانا يبحثان عن أبي جهل في غزوة بدر يريدان قتله بسبب سبه للنبي - ﵌ -، فقال لهما: (هذا صاحبكما الذي تسألان عنه) (^٢).\n_________\n(^١) مصدر سني مستدرك الوسائل: (١٣/ ٢٩٩).\n (^٢) انظر صحيح مسلم برقم: (١٧٥٢)، بحار الأنوار: (١٩/ ٣٢٧).","vol":"1","page":16},{"text":"ووفق ما سبق ذكره يتضح أن مدلول الصحبة اللغوية لا يمكن انطباقه على الصحبة الشرعية ولا يمكن تعريفها طبقًا له، إذ لو كان (الصحابي) يُعرّف بالتعريف اللغوي للصحبة وفق الاستخدامات التي مرت، لكنّا نحن جميعًا في عداد الصحابة، ولكان اليهود والمنافقون والنصارى والمشركون الذين لقوا النبي - ﵌ - كذلك من باب أولى، إذ لا يشترط في اللغة للفظ المصاحبة اللقاء المستمر والإيمان بالله والموت على ذلك.\nومن ذلك على سبيل المثال نذكر قصة تطاول المنافق عبد الله بن أبي بن سلول على... النبي - ﵌ -، وطلب عمر - ﵁ - من النبي - ﵌ - أن يأذن له بضرب عنقه، فقال له - ﵌ -: (دعه؛ لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه) (^١).\nفالنبي - ﵌ - ذكر الصحبة للمنافق في هذا الحديث، لكنه قصد الاستعمال اللغوي لا الاصطلاحي، وهذا من بلاغته - ﵌ - وحكمته، وفق ما تعارف عليه العرب في لغتهم، ولم يكن هناك من محظور في فهم الإطلاق اللغوي، وذلك لأمرين:\nالأول: أن الإطلاق اللغوي لا يقصد منه التفريق بين الإيمان والنفاق؛ لأنه ليس له ضابط.\nالثاني: أن النبي - ﵌ - قال عن سبب منع عمر - ﵁ - عن قتله للمنافق: (حتى لا يتحدث الناس)، والناس المشار إليهم هنا هم فئة ليست من الصحابة وفقًا للمصطلح الشرعي؛ لأن القرآن حينما خاطب أهل الإيمان كان يخاطبهم بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وحينما كان يوجه الكلام للكفار أو لعموم الناس مؤمنهم وكافرهم كان خطابه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾.\n_________\n(^١) شرح أصول الكافي/ مولى محمد سالم المازندراني: (١٢/ ٤٨٧). وانظر: الصحيح من السيرة/ السيد جعفر مرتضى: (٦/ ١٦٣).","vol":"1","page":17},{"text":"ومن المعلوم بداهة أن الكفار هم أكثر الناس عداوة وحرصًا على الطعن في النبي - ﵌ - ودعوته، ولذلك حينما يقتل النبي - ﵌ - عبد الله بن أبي بن سلول، فلن يقول الكفار بأنه قد قتل منافقًا يستحق القتل، بل سيقال: (إن محمدًا يقتل أصحابه)، وسينتشر الخبر بين العرب ويتحقق ما يرمي إليه الكفار، وهو صد الناس عن قبول هذه الدعوة والالتفاف حول... رسول الله - ﵌ - ولم يكن هذا التحديد اللغوي في فهم معنى الصحابي عسيرًا أو مشكلًا عند الكفار أو المنافقين فضلًا عن سائر المسلمين الأوائل؛ لأنهم كانوا أهل اللغة وفرسانها والبارعين في دروبها وميادينها، فمن اقتدى بفهمهم وسار على دربهم، وفقه الله لفهم سديد ورأي رشيد لكثير من المعضلات والمبهمات.","vol":"1","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>ثانيًا: تعريف الصحابي اصطلاحًا:</span>\nتعددت العبارات الموضحة لتعريف الصحابي اصطلاحًا، وكان من أدقها وأوضحها وأشملها بيانًا هو: (من لقي النبي - ﵌ - مؤمنًا به ومات على الإسلام).\nقال الحافظ ابن حجر: (من لقي النبيّ - ﵌ - في حياته مسلما ومات على إسلامه) (^١).\nوقال الشهيد الثاني (^٢): (الصحابي: من لقي النبي - ﵌ - مؤمنًا به، ومات على الإسلام، وإن تخللت ردته بين لقيه مؤمنًا به، وبين موته مسلمًا على الأظهر، والمراد باللقاء ما هو أعم من المجالسة والمماشاة ووصول أحدهما إلى الآخر، وإن لم يكالمه ولم يره) (^٣).\nولتوضيح التعريف السابق أقول:\n (من لقي النبي - ﵌ -) أي: في حياته، سواء نظر إليه، أو من لم يستطع النظر إليه\nكعبد الله بن أم مكتوم؛ فإنه كان أعمى ولقي النبي - ﵌ - ولم يره، وأما من أسلم بعد وفاة النبي - ﵌ - ورآه قبل دفنه فلا يعد صحابيًا.\n (مؤمنًا به) أي: يشترط الإيمان بالنبي - ﵌ - وما جاء به، فمن لقي النبي - ﵌ - وهو على الكفر من أهل الكتاب والمنافقين وغيرهم، سواء أسلم بعد وفاة الرسول - ﵌ - أو لم يسلم فلا صحبة له.\n (مات على الإسلام) أي: أن من مات مرتدًا بعد وفاة النبي - ﵌ - فليس صحابيًا بالمعنى الشرعي الذي يستلزم العدالة.\n_________\n(^١) الإصابة في تمييز الصحابة: (٤/ ٣١).\n (^٢) العلامة/ زين الدين بن نور الدين العاملي الجبعي (ت: ٩٦٥ هـ).\n (^٣) الرعاية: (ص: ٣٣٩).","vol":"1","page":19},{"text":"الخلاصة:\nومما سبق يتضح لنا جليًا أهمية التعامل مع اللغة والاصطلاح في بيان المصطلحات الشرعية وفق فهم العلماء المتخصصين، بعيدًا عن التفسير بالرأي أو الهوى، ولأهمية هذا الجانب المؤسس للفهم الصحيح لما سيأتي أحببت أن أبينه كمدخل في المسألة، وذلك قبل الولوج في صلب الموضوع، وهو ثناء الثقلين (القرآن والعترة) على أولياء الرحمن (الصحابة - ﵃ -).","vol":"1","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>المبحث الثاني:\nثناء الثقلين على الصحابة - ﵃ </span>-\nيجب على كل مسلم أن يعتقد علو مكانة أصحاب النبي محمد - ﵌ -، وأنهم أفضل الأمم وأن خير قرون الإسلام قرنهم، وذلك لسبقهم للإسلام، وشرف اختصاصهم بصحبة خاتم الأنبياء وسيد المرسلين محمد - ﵌ -، والجهاد معه، وتحمل الشريعة عنه، وتبليغها لمن بعده.\nوأن يعتقد المسلم كذلك أن أصحاب النبي - ﵌ - ليسوا على درجة واحدة في الفضل والمرتبة، بل تتفاوت مرتبتهم في الفضل بحسب سبقهم إلى الإسلام والجهاد والهجرة وبحسب ما قاموا به - ﵃ - من أعمال تجاه نبيهم ودينهم، والله ﷾ هو الذي ينزل الناس منازلهم، وهذا التفضيل كتفضيل بعض الرسل على بعض مع عدم التفريق بينهم وعدم الانتقاص من أي منهم.\nفالمسلمون يقدمون المهاجرين على الأنصار، ويقدمون أهل بدر على أهل بيعة الرضوان ويقدمون من أسلم قبل الفتح وقاتل على غيرهم، وفق ما جاء ذكره وتفصيله عن الثقلين (كتاب الله والعترة الطاهرة - ﵈ -)، وقد شهد الثقلان على عدالة الصحابة من بعد رضا الله عنهم، واستفاضت الروايات الدالة على الثناء عليهم؛ لجميل أفعالهم وكريم أقوالهم.\nوذكر هذا الثناء وبيان من حازه هو محور البيان في هذا البحث، وفق المطالب الآتية:\nالمطلب الأول: ثناء الثقلين (القرآن والعترة - ﵈ -) على أصحاب النبي - ﵌ -.\nالمطلب الثاني: ثناء الثقلين على الخلفاء الثلاثة - ﵃ -.\nالمطلب الثالث: ثناء الثقلين على المهاجرين والأنصار - ﵃ -.\nالمطلب الرابع: ثناء الثقلين على أهل بدر - ﵃ -.\nالمطلب الخامس: ثناء الثقلين على من أنفق وقاتل قبل الفتح وبعده - ﵃ -.","vol":"1","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>المطلب الأول: ثناء الثقلين على أصحاب النبي - ﵌ </span>-:\nإن المسلم العاقل الذي يقرأ القرآن الكريم، ويتمعن في آياته، يجد إن الآيات القرآنية الكريمة قد استفاضت في ذكر فضائل ومناقب أصحاب النبي - ﵌ -، وكيف اختارهم الله واصطفاهم وعدلهم وزكاهم ووصفهم بأوصاف القبول والرضا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>الثناء على الصحابة - ﵃ - في كتاب الله:</span>\nقال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾ [الفتح: ٢٩].\nقال الشيخ عبد الرحمن السعدي:\nيخبر تعالى عن رسوله - ﵌ - وأصحابه من المهاجرين والأنصار، أنهم بأكمل الصفات، وأجل الأحوال، وأنهم ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ أي: جادون ومجتهدون في عداوتهم، وساعون في ذلك بغاية جهدهم، فلم يروا منهم إلا الغلظة والشدة، فلذلك ذل أعداؤهم لهم، وانكسروا، وقهرهم المسلمون، ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ أي: متحابون متراحمون متعاطفون، كالجسد الواحد، يحب أحدهم لأخيه ما يحب لنفسه، هذه معاملتهم مع الخلق، وأما معاملتهم مع الخالق فإنك ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ أي: وصفهم كثرة الصلاة، التي أجل أركانها الركوع والسجود. ﴿يَبْتَغُونَ﴾ بتلك العبادة ﴿فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ أي: هذا مقصودهم بلوغ رضا ربهم، والوصول إلى ثوابه. ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ أي: قد أثرت","vol":"1","page":23},{"text":"العبادة -من كثرتها وحسنها- في وجوههم، حتى استنارت، لما استنارت بالصلاة بواطنهم، استنارت [بالجلال] ظواهرهم. ﴿ذَلِكَ﴾ المذكور ﴿مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾ أي: هذا وصفهم الذي وصفهم الله به، مذكور بالتوراة هكذا.\nوأما مثلهم في الإنجيل، فإنهم موصوفون بوصف آخر، وأنهم في كمالهم وتعاونهم... ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ﴾ أي: أخرج فراخه، فوازرته فراخه في الشباب والاستواء.\n ﴿فَاسْتَغْلَظَ﴾ ذلك الزرع أي: قوي وغلظ ﴿فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾ جمع ساق، ﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ﴾ من كماله واستوائه، وحسنه واعتداله، كذلك الصحابة - ﵃ -، هم كالزرع في نفعهم للخلق واحتياج الناس إليهم، فقوة إيمانهم وأعمالهم بمنزلة قوة عروق الزرع وسوقه، وكون الصغير والمتأخر إسلامه، قد لحق الكبير السابق ووازره وعاونه على ما هو عليه، من إقامة دين الله والدعوة إليه، كالزرع الذي أخرج شطأه، فآزره فاستغلظ، ولهذا قال: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ حين يرون اجتماعهم وشدتهم على دينهم، وحين يتصادمون هم وهم في معارك النزال، ومعامع القتال.\n ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ فالصحابة - ﵃ - الذين جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح، قد جمع الله لهم بين المغفرة، التي من لوازمها وقاية شرور الدنيا والآخرة، والأجر العظيم في الدنيا والآخرة. (^١) انتهى.\n_________\n(^١) تيسر الكريم المنان: (١/ ٧٩٥)","vol":"1","page":24},{"text":"وقال محمد باقر الناصري:\nمُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ أي: يطلبون بذلك مزيد نعم الله عليهم ورضوانه عنهم، ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ علامتهم يوم القيامة أن تكون مواضع سجودهم أشد بياضًا، ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾ يعني: أن ما ذكر من وصفهم هو عين ما وصفوا به في التوراة، وكذلك ﴿فِي الْإِنْجِيلِ﴾ أي: فراخه... ﴿فَآزَرَهُ﴾ فاشتد وأعانه فغلظ ذلك الزرع فقام على ساقه وأصوله حتى بلغ الغاية، قال الواحدي: هذا المثل ضربه الله تعالى بمحمد وأصحابه، فالزرع محمد - ﵌ - والشطأ أصحابه والمؤمنون حوله، وكانوا في ضعف وقلة كما يكون أول الزرع ثم قوى بعضهم بعضًا، ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ أي: في ذلك غيظ الكفار بكثرة المؤمنين واتفاقهم على الطاعة (^١).\nوقال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠].\nقال ابن الجوزي: قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ﴾ فيهم ستة أقوال: أحدها: أنهم الذين صلوا إلى القبلتين مع رسول الله - ﵌ -، قاله أبو موسى الأشعري، وسعيد بن المسيب، وابن سيرين، وقتادة. والثاني: أنهم الذين بايعوا رسول الله - ﵌ - بيعة الرضوان، وهي الحديبية، قاله الشعبي. والثالث: أنهم أهل بدر، قاله عطاء بن أبي رباح. والرابع: أنهم جميع أصحاب رسول الله - ﵌ -، حصل لهم السبق بصحبته. قال محمد بن كعب القرظي: إن الله قد غفر لجميع أصحاب النبيّ - ﵌ - وأوجب لهم الجنّة محسنهم ومسيئهم في قوله تعالى:\n_________\n(^١) تفسير مختصر مجمع البيان، وانظر: جامع الجوامع، من وحي القرآن (سورة الفتح: ٢٩).","vol":"1","page":25},{"text":"وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ. والخامس: أنهم السابقون بالموت والشهادة، سبقوا إلى ثواب الله تعالى. ذكره الماوردي. والسادس: أنهم الذين أسلموا قبل الهجرة، ذكره القاضي أبو يعلى.\nوقال في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ من قال: إن السابقين جميع الصحابة، جعل هؤلاء تابعي الصحابة، وهم الذين لم يصحبوا رسول الله - ﵌ -. وقد روي عن ابن عباس أنه قال: والذين اتَّبعوهم باحسان إلى أن تقوم الساعة. ومن قال: هم المتقدمون من الصحابة، قال: هؤلاء تبعوهم في طريقهم، واقتدَوْا بهم في أفعالهم، ففضِّل أولئك بالسبق، وإن كانت الصحبة حاصلة للكل. وقال عطاء: اتباعهم إياهم باحسان: أنهم يذكرون محاسنهم ويترحَّمون عليهم.\nوقال في قوله تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ يعم الكل، قال الزجاج: رضي الله أفعالهم، ورضوا ما جازاهم به. (^١)\nوقال أمين ا لدين أبو علي الطبرسي:\nهم الذين صلوا إلى القبلتين، وقيل: الذين شهدوا بدرًا، ومن (الأنصار): أهل بيعة العقبة الأولى وكانوا اثني عشر رجلًا، وأهل العقبة الثانية وكانوا سبعين رجلًا، والذين حين قدم عليهم مصعب بن عمير فعلمهم القرآن (^٢).\nتنبيه:\nحاولت طائفة من أهل الفتن والأهواء إبعاد تلك الآية عن تأويلها الصريح الواضح بالثناء على الصحابة، وقالوا بأن تلك الآيات لا تفيد الثناء على عموم الصحابة؛ لأن الله\n_________\n(^١) زاد المسير (٢/ ٢٩٥)\n (^٢) تفسير جامع الجوامع، وانظر: تفسير من وحي القرآن، العياشي (سورة التوبة: ١٠٠).","vol":"1","page":26},{"text":"﵎ قال في نهاية الآية الأولى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾ [الفتح: ٢٩]، وقال تعالى في الآية الثانية: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ [التوبة: ١٠٠].\nفلفظ: (منهم) و(من) في الآيتين، يعني: من بعضهم، وليس جميع الصحابة.\nولبيان ذلك اللبس في الفهم، نبين الأمور الآتية:\nأولًا: أن الله ﵎ بيَّن أن في كتابه آيات محكمات -أي: صريحة- لا تأويل فيها ومن حاول أن يعبث في تأويلها فسينفضح أمره، وينكشف زيفه وتخبطه.\nومنها آيات متشابهة، أي: فيها اشتباه في الدلالة على كثير من الناس أو بعضهم. فالأصل في ذلك رد المتشابه إلى المحكم، فمن فعل ذلك اهتدى، ومن عكس انعكس مع أن هذه الآية ليست من المتشابه بل هي محكمة والتحريف وقع على معنى الآية، وفسرت بتفسير لا يمكن قبوله لعدم مراعاته قواعد الشرع واللغة.\nثانيًا: أن كلمة: (منهم) في قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾ [الفتح: ٢٩] وكلمة: (من) في قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ [التوبة: ١٠٠] ليست للتبعيض كما يتوهم البعض، وإنما جاءت في هاتين الآيتيين على أحد معنيين:\nالمعنى الأول: أن (من) بمعنى: من جنسهم، ومن أمثالهم.\nوهذا كما في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ","vol":"1","page":27},{"text":"الزُّورِ (٣٠)﴾ [الحج: ٣٠]، ولا يستقيم في المعنى أن الله أمرنا باجتناب بعض الأوثان، دون بعضها بل أمرنا أن نجتنب جميع الأوثان في قوله: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠)﴾ [الحج: ٣٠] أي: فاجتنبوا الرجس من جنس وأمثال هذه الأوثان.\nالمعنى الثاني: أن لفظ (من) تأتي لبيان الجنس ولا يقتصر معناها على التبعيض فقط.\nكما في قوله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢)﴾ [الإسراء: ٨٢].\n\nفهل هناك مسلم عاقل يفهم أن معنى الآية هو أن بعض القرآن شفاء ورحمة، وبعضه ليس كذلك؟\nلكن ببساطة سيفهم المسلم أن القرآن كله شفاء ورحمة، وأن الله أكّد في الآية الكريمة السابقة هذه الحقيقة وبينها أتمَّ بيان حتى لا تبقى هناك ثمة شبهة لحاقد أو معاند.\nثالثًا: أن سياق الآية الأولى فيه مدح وثناء على جميع الصحابة، وليس فيه ذم لبعضهم قال الله ﷿ في وصفهم: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ [الفتح: ٢٩] فزكى الله ﵎ ظاهرهم بالسجود والركوع والذل له، وزكى باطنهم أيضًا في قوله:\n ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الفتح: ٢٩].\nبل إن الله ﵎ إذا أراد أن يذم أقوامًا فإنه يبين ظاهرهم وباطنهم، لأن فساد النية مهما اجتهد صاحبه في إخفائه فإنه لابد وأن يظهر عليه إما في قسمات وجهه أو حركات جسده أو تعابير كلامه.","vol":"1","page":28},{"text":"كما قال تعالى عن المنافقين: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢)﴾ [النساء: ١٤٢].\nفبذلك يتبين لنا أن قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾ [الفتح: ٢٩] وقوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ [التوبة: ١٠٠] أن المعنى الصحيح للفظ (من) هو البيان أي: من جنسهم، أو للتأكيد على حالهم مع النبي - ﵌ -.","vol":"1","page":29},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>ثناء أهل البيت - ﵈ - على الصحابة الكرام - ﵃ </span>-:\nولأجل هذا الثناء المبارك في كتاب الله كانت البشارة من النبي - ﵌ - عظيمة لمن أدرك الصحابة، أو رأى واحدًا منهم، فقال النبي - ﵌ -: (طوبى لمن رآني، وطوبى لمن رأى من رآني وطوبى لمن رأى من رأى من رآني) (^١).\nولله در أمير المؤمنين علي - ﵇ - وهو الخبير بحال إخوانه، بعد أن جرّب أهل الكوفة ورأى خذلانهم له، قال متذكرًا ومادحًا أصحاب رسول الله - ﵌ -: (لقد رأيت أصحاب... محمد - ﵌ - فما أرى أحدًا يشبههم منكم، لقد كانوا يصبحون شعثًا غبرًا، وقد باتوا سجدًا وقيامًا يراوحون بين جباههم، ويقفون على مثل الجمر من ذكر معادهم، كأن بين أعينهم ركب المعزى من طول سجودهم، إذا ذُكِر الله هملت أعينهم حتى تبل جيوبهم، ومادوا كما يميد الشجر يوم الريح العاصف، خوفًا من العقاب ورجاء للثواب) (^٢).\nويصف أمير المؤمنين - ﵇ - حاله وحال أصحاب النبي - ﵌ - واستبسالهم جميعًا في وجه الأعداء بقوله:\n (ولقد كنا مع رسول الله - ﵌ - نقتُل آباءنا وأبناءنا وإخواننا وأعمامنا، ما يزيدنا ذلك إلا إيمانًا وتسليمًا ومضيّا على اللَّقَم، وصبرًا على مضض الألم، وجِدًّا في جهاد العدِّو، ولقد كان الرجل منا والآخر من عدونا يتصاولان تصاول الفحلين يتخالسان أنفسهما أيهما يسقي صاحبه كأس المنون، فمرة لنا من عدونا، ومرة لعدونا منا، فلما رأى الله صدقنا أنزل بعدونا الكبت وأنزل علينا النصر، حتى استقر الإسلام ملقيًا جرانه، ومتبوِّئًا أوطانه، ولعمري لو كنّا\n_________\n(^١) أمالي الصدوق: (ص ٤٠٠)، أمالي الطوسي: (ص: ٤٤٠)، الخصال: (٢/ ٣٤٢)، بحار الأنوار: (٢٢/ ٣٠٥).\n (^٢) نهج البلاغة: (ص: ١٤٣)، وانظر: الكافي: (٢/ ٢٣٦)، بحار الأنوار: (٦٦/ ٣٠٧).","vol":"1","page":31},{"text":"نأتي ما أتيتم -يعني أصحابه- ما قام للدين عمود، ولا اخضرَّ للإيمان عود، وأيم الله لتحتلبنها دمًا، ولتتبعنها ندمًا) (^١).\nوقال عبد الله بن عباس - ﵄ -: (إن الله - جل ثناؤه وتقدست أسماؤه - خص نبيه... محمدًا - ﵌ - بصحابة آثروه على الأنفس والأموال، وبذلوا النفوس دونه في كل حال، ووصفهم الله في كتابه فقال: ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾ قاموا بمعالم الدين وناصحوا الاجتهاد للمسلمين حتى تهذبت طرقه وقويت أسبابه وظهرت آلاء الله، واستقر دينه ووضحت أعلامه، وأذل بهم الشرك، وأزال رؤوسه ومحا دعائمه، وصارت كلمة الله العلياء، وكلمة الذين كفروا السفلى فصلوات الله ورحمته وبركاته على تلك النفوس الزكية، والأرواح الطاهرة العالية فقد كانوا في الحياة لله أولياء، وكانوا بعد الموت أحياء، وكانوا لعباد الله نصحاء، رحلوا إلى الآخرة قبل أن يصلوا إليها وخرجوا من الدنيا وهم بعد فيها) (^٢).\nوعلى هذا المنوال الجميل، والمنهج المستقيم سارت السلسلة الزكية من أهل بيت... النبي - ﵈ - في الثناء العاطر على رفقاء جدهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - ﵇ -.\nفهذا الإمام علي بن الحسين زين العابدين - ﵇ - يدعو في صلاته لأصحاب جده المصطفى - ﵌ -، ويقول: (اللهم وأصحاب محمد خاصة، الذين أحسنوا الصحبة، والذين أبلوا البلاء الحسن في نصره، وكانفوه وأسرعوا إلى وفادته، وسابقوا إلى دعوته، واستجابوا له حيث\n_________\n(^١) نهج البلاغة: (ص: ٩١)، بحار الأنوار: (٣٢/ ٥٤٩).\n (^٢) مروج الذهب ومعادن الجوهر: (٣/ ٧٥).","vol":"1","page":32},{"text":"أسمعهم حجة رسالته، وفارقوا الأزواج والأولاد في إظهار كلمته، وقاتلوا الآباء والأبناء في تثبيت نبوته وانتصروا به، ومن كانوا منطوين على محبته، يرجون تجارةً لن تبور في مودته والذين هجرتهم العشائر، إذ تعلقوا بعروته، وانتفت منهم القرابات إذ سكنوا في ظل قرابته فلا تنس لهم اللهم ما تركوا لك وفيك، وأرضهم من رضوانك وبما حاشوا الخلق عليك وكانوا مع رسولك دعاةً لك وإليك، واشكرهم على هجرهم فيك ديار قومهم وخروجهم من سعة المعاش إلى ضيقه، ومن كثَّرت في اعتزاز دينك من مظلومهم، اللهم وأوصل إلى التابعين لهم بإحسان الذين يقولون: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ [الحشر: ١٠] خير جزائك، الذين قصدوا سمتهم، وتحرَّوا جهتهم، ومضوا على شاكلتهم، لم يثنهم ريبٌ في بصيرتهم، ولم يختلجهم شك في قفوِ آثارهم والائتمام بهداية منارهم، مُكانفين ومُؤازرين لهم يدينون بدينهم، ويهتدون بهديهم، يَتّفقون عليهم ولا يتهمونهم فيما أدوا إليهم اللهم وصلِّ على التابعين من يومنا هذا إلى يوم الدين وعلى أزواجهم وعلى ذُرِّياتهم، وعلى من أطاعك منهم صلاةً تعصمهم بها من معصيتك وتفسح لهم في رياض جنَّتك، وتمنعهم بها من كيد الشيطان) (^١). انتهى.\nوعن الإمام الصادق - ﵇ -، عن آبائه، عن علي - ﵇ - قال: (أوصيكم بأصحاب نبيكم لا تسبوهم، الذين لم يحدثوا بعده حدثًا، ولم يؤووا محدثًا؛ فإن رسول الله أوصى بهم الخير) (^٢).\nومن المعلوم أن وجود النبي - ﵌ - خيرٌ لأهل الأرض، وكذلك الصحابة - ﵃ - من بعده، وذلك لعظيم شأنهم، وعلو قدرهم في التزامهم بهدي سيد البشر - ﵌ -، ومن ثمَّ استجاب الله دعاء هم لخير الأمة.\n_________\n(^١) الصحيفة السجادية: (ص: ٤٢).\n (^٢) بحار الأنوار: (٢٢/ ٣٠٥).","vol":"1","page":33},{"text":"فعن موسى بن جعفر - ﵇ - قال: قال رسول الله - ﵌ -: (أنا أمنة لأصحابي، فإذا قبضت دنا من أصحابي ما يُوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا قبض أصحابي دنا من أمتي ما يُوعدون، ولا يزال هذا الدين ظاهرًا على الأديان كلها ما دام فيكم من قد رآني) (^١).\nوعن موسى بن جعفر - ﵇ - عن آبائه - ﵈ - قال: قال رسول الله - ﵌ -: (القرون أربع: أنا في أفضلها قرنًا، ثم الثاني، ثم الثالث، فإذا كان الرابع التقى الرجال بالرجال والنساء بالنساء، فقبض الله كتابه من صدور بني آدم، فيبعث الله ريحًا سوداء، ثم لا يبقى أحد سوى الله تعالى إلا قبضه الله إليه) (^٢).\nودعا النبي - ﵌ - بالخير والرحمة لمن يخلفه في أمته من بعده من غير تعيين منه لأحد وترك الأمر شورى بين المسلمين كما هو مقرر في القرآن والسنة من الأمر بالشورى، وتطبيقه - ﵌ - لذلك في سيرته.\nفعن الرضا - ﵇ -، عن آبائه، قال: قال رسول الله - ﵌ -: (اللهم ارحم خلفائي -ثلاث مرات- قيل له: يا رسول الله، ومن خلفاؤك؟ قال: الذين يأتون من بعدي ويروون أحاديثي وسنتي، فيسلمونها الناس من بعدي) (^٣).\nتساؤل:\nلو سأل سائل: بم نال الصحابة كل هذا الثناء العطر من أهل بيت النبي - ﵌ - وحازوا هذه المراتب العلى؟\n_________\n(^١) بحار الأنوار: (٢٢/ ٣٠٩)، وانظر: نوادر الراوندي: (ص: ٢٣).\n (^٢) بحار الأنوار: (٢٢/ ٣٠٩).\n (^٣) بحار الأنوار: (٢/ ١٤٤).","vol":"1","page":34},{"text":"فالإجابة تأتي من الروايات الكثيرة الواردة عن أهل البيت - ﵈ -، والدالة على عظيم خلق وأدب وتوقير الصحابة الكبير للنبي - ﵌ -، وتبين الحب الجم له، ومنها:\nما ذكره المجلسي في بحاره عن القاضي في الشفاء في ذكر عادة الصحابة في توقيرهم للنبي - ﵌ -، من رواية أسامة بن شريك أنه قال: (أتيت النبي - ﵌ - وأصحابه حوله كأنما على رءوسهم الطير) (^١).\nوهذا عروة بن مسعود حين وجهته قريش عام القضية إلى رسول الله - ﵌ - ورأى من تعظيم أصحابه له، وأنه لا يتوضأ إلا ابتدروا وضوءه وكادوا يقتتلون (^٢) عليه، ولا يبصق بصاقًا ولا يتنخم نخامة إلا تلقوها بأكفهم فدلكوا بها وجوههم وأجسادهم ولا تسقط منه شعرة إلا ابتدروها، وإذا أمرهم بأمر ابتدروا أمره، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون النظر إليه تعظيمًا له، فلما رجع إلى قريش قال: (يا معشر قريش، إني أتيت كسرى في ملكه، وقيصر في ملكه، والنجاشي في ملكه، وإني والله ما رأيت ملكًا في قومه قط مثل محمد في أصحابه) (^٣).\nوعن أنس: (لقد رأيت رسول الله - ﵌ - والحلاق يحلقه وأطاف به أصحابه، فما يريدون أن تقع شعرة إلا في يد رجل) (^٤).\nوفي حديث: (فلما رأيت رسول الله - ﵌ - جالسًا القرفصاء أرعدت من الفرق هيبة له\n_________\n(^١) بحار الأنوار: (١٧/ ٣٢).\n (^٢) وفي الأصل: يقتلون.\n (^٣) المصدر نفسه.\n (^٤) المصدر نفسه.","vol":"1","page":35},{"text":"وتعظيمًا) (^١)، وفي حديث المغيرة: (كان أصحاب رسول الله - ﵌ - يقرعون بابه بالأظافر) (^٢).\nوقال البراء بن عازب - ﵁ -: (لقد كنت أريد أن أسأل رسول الله - ﵌ - عن الأمر فأؤخره سنين من هيبته.. ثم قال - ﵁ -: واعلم أن حُرمة النبي - ﵌ - بعد موته وتوقيره وتعظيمه لازم كما كان حال حياته، وذلك عند ذكره - ﵌ -، وذكر حديثه وسنته وسماع اسم سيرته ومعاملة آله وعترته، وتعظيم أهل بيته وصحابته) (^٣).\nفهل بلغ أسماعكم أو وقعت أعينكم على مثل هذا الأدب وذلك التوقير؟ وما أكثرها من دلالات حب من الصحابة - ﵃ - لسيد البشر - ﵌ -.\n_________\n(^١) المصدر نفسه.\n (^٢) المصدر نفسه.\n (^٣) المصدر نفسه.","vol":"1","page":36},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>المطلب الثاني: ثناء الثقلين على الخلفاء الثلاثة - ﵃ </span>-:\nبعد أن تبين لنا كيف استفاض المدح والثناء على الصحابة في كتاب الله عمومًا، جاء التخصيص لبعضهم كالخلفاء الراشدين الثلاثة الأُول، فخصهم أهل البيت - ﵈ - بمزيد الثناء والمدح والتكريم لتميزهم وانفرادهم بخصائص لم تتوفر في غيرهم من الصحابة وللعلاقة الوطيدة بين الخلفاء الثلاثة وأهل بيت النبي - ﵌ - التي كانت أقوى من أن تتهدم.\nفإضافة إلى العلاقة النسبيّة كانت هناك المصاهرة التي تعزز من هذه العلاقة وتضفي عليها طابع المودة والرحمة كما هو حاصل بين الخلفاء الثلاثة وأهل بيت النبوة، فقد تزوج النبي - ﵌ - عائشة وحفصة ابنتي أبي بكر وعمر - ﵄ -، بل لم يتزوج هاشمية وله إحدى عشرة امرأة، وزوَّج ابنتيه: رقية وأم كلثوم لعثمان بن عفان (^١) وزوَّج الإمام علي - ﵇ - ابنته أم كلثوم لعمر بن الخطاب (^٢)، وسمى أولاده بأسمائهم، وكذا أبناؤه (^٣).\nويمكن أن يستدل بهذا على حسن علاقة بعضهم ببعض، وعلى ما بينهم من مودة ومحبة وطاعة لله ولرسوله - ﵌ -، وإنما يظهر هذا جليًا لمن صلح قلبه، وزالت غشاوة التعصب عن بصره، وقلَّب بصره في كتب التاريخ ليخرج منها بأمور كثيرة وروايات عديدة، وسأكتفي ببعض الروايات التي ساقها العلماء في كتبهم عن الأئمة - ﵈ - الدالة على هذا الثناء.\nقال أمير المؤمنين علي - ﵇ -: (ولعمري إن مكانهما في الإسلام لعظيم، وإن المصاب بهما لجرح في الإسلام شديد، رحمهما الله وجزاهما بأحسن ما عملا) (^٤).\n_________\n(^١) انظر بحار الأنوار: (٢٢/ ٢٠٢)، إعلام الورى: (ص: ١٤١).\n (^٢) انظر الكافي: (٦/ ١١٥)، مرآة العقول: (٢١/ ١٩٩).\n (^٣) انظر: (ص: ٨٢) من هذا الكتاب.\n (^٤) انظر وقعة صفين: (ص: ٨٨)، شرح نهج البلاغة: (١٥/ ٧٦).","vol":"1","page":37},{"text":"وقال - ﵇ - مثنيًا على خلافة الثلاثة، وعلى من اختارهم:\n (إنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بايعوهم عليه، فلم يكن للشاهد أن يختار ولا للغائب أن يرد، وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار، فإن اجتمعوا على رجل وسموه إمامًا كان ذلك لله رضا، فإن خرج عن أمرهم خارج بطعن أو بدعة ردوه إلى ما خرج منه، فإن أبى قاتلوه على اتِّباع سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولى) (^١).\nوقال أمير المؤمنين علي - ﵇ - مثنيًا على عمر بن الخطاب: (لله بلاء فلان! فلقد قوّم الأود وداوى العمد، وأقام السُنّة، وخلف الفتنة، ذهب نقي الثوب، قليل العيب، أصاب خيرها وسبق شرها، أدى إلى الله طاعته، واتقاه بحقه) (^٢).\nوقال أيضًا لعمر بن الخطاب - ﵁ - في حياته، حين شاوره في الخروج إلى غزو الروم: (إنك متى تَسِرْ إلى هذا العدو بنفسك فتلقهم فتنكب لا تكن للمسلمين كانفة -ستر ووقاية- دون أقصى بلادهم، ليس بعدك مرجع يرجعون إليه، فابعث إليهم رجلًا مجربًا واحفز معه أهل البلاء والنصيحة، فإن أظهر الله فذاك ما تحب، وإن تكن الأخرى كنت رِدءًا للناس ومثابة للمسلمين) (^٣).\nوتجاوز التقدير من أهل بيت النبي - ﵌ - لأبي بكر وعمر - ﵄ - إلى ما بعد وفاتهما بوقت طويل، حيث إنهم مضوا على هديهما ولم يغيروا شيئًا أمرا به، بل كانوا ينهلون من علمهما وفتواهما - ﵄ -، ودليل ذلك: ما قاله الإمام علي - ﵇ - حين سُئِل في رد فدك -وكان حينئذٍ الخليفة-: (إني لأستحي من الله أن أرد شيئًا منع منه أبو بكر، وأمضاه عمر) (^٤).\n_________\n(^١) نهج البلاغة: (ص: ٣٦٦)، بحار الأنوار: (٣٣/ ٧٦).\n (^٢) نهج البلاغة: (ص: ٣٥٠).\n (^٣) نهج البلاغة: (ص: ١٩٢)، بحار الأنوار: (٣١/ ١٣٥).\n (^٤) شرح نهج البلاغة: (١٦/ ٢٥٢).","vol":"1","page":38},{"text":"وقد حث الإمام محمد الباقر - ﵇ - شيعته بأن يفعلوا مثل ما فعل، حين تعلم واقتدى بأبي بكر الصديق، وذلك عندما سُئل عن جواز حلية السيف، فقال: نعم، قد حلَّى أبو بكر الصديق سيفه بالفضة! فقال (أي: السائل): أتقول هذا؟ فوثب الإمام عن مكانه، فقال: (نعم الصديق، نعم الصديق، فمن لم يقل له: الصديق فلا صدّق الله قوله في الدنيا والآخرة) (^١).\nفهؤلاء أهل بيت النبي - ﵌ - وهم أقرب الناس عهدًا بالشيخين، لم يفتهم ما عملا ولا غاب عنهم ما فعلا، ألا تكفينا شهادتهم ورأيهم في أولئك النفر، أم نريد هديًا وقولًا غير هديهم وقولهم؟!!\n_________\n(^١) كشف الغمة: (٢/ ١٤٧).","vol":"1","page":39},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>المطلب الثالث: ثناء الثقلين على المهاجرين والأنصار - ﵃ </span>-:\nفضّل الله ﷾ المهاجرين والأنصار على سائر الصحابة - ﵃ -، وذلك لسبقهم في الاستجابة لدعوة النبي - ﵌ - للإسلام، ودخولهم فيها، وتحملهم الأذى لأجلها.\nوفضّل الله المهاجرين على الأنصار؛ لأن المهاجرين جمعوا بين الهجرة والنصرة، وقد تركوا أهلهم وأموالهم وأوطانهم، وخرجوا إلى أرض هم فيها غرباء طالبين فقط الأجر ونصرة الله ورسوله - ﵌ -.\nوأما الأنصار فقد أتاهم النبي - ﵌ - في بلادهم، فنصروه وقسموا أموالهم ونساءهم نصرة لله ولرسوله - ﵌ -.\nوقد شهد الثقلان (كتاب الله وعترة النبي - ﵌ -) على فضلهم والرضا عنهم، وتتابعت واستفاضت الآيات الكريمة الموضحة لحال الصحابة، المبينة لفضلهم الكبير ورضا رب العالمين عنهم، وتنوعت عبارات الأئمة من أهل البيت - ﵈ - المفسرة للآيات الواردة في هذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>ثناء القرآن الكريم على المهاجرين والأنصار:</span>\nقال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)﴾ [الحشر: ٨ - ٩].","vol":"1","page":41},{"text":"قال ابن الجوزي:\n ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ يعني بهم المهاجرين ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ﴾ أي: رزقًا يأتيهم وَرِضْوانًا رضى ربهم حين خرجوا إلى دار الهجرة ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ في إِيمانهم. ثم مدح الأنصار حين طابت نفوسهم عن الفيء، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ﴾ يعني: دار الهجرة، وهي المدينة ﴿وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ فيها تقديم وتأخير، تقديره: والذين تبوءوا الدار من قبلهم، أي: من قبل المهاجرين، والإيمان عطف على «الدار» في الظاهر، لا في المعنى، لأن «الإيمان» ليس بمكان يُتَبَوَّأُ، وإنما تقديره: وآثروا الإيمان، وإِسلام المهاجرين قبل الأنصار، وسكنى الأنصار المدينة قبل المهاجرين. وقيل: الكلام على ظاهره، والمعنى: تبوّءوا الدار والإيمان قبل الهجرة ﴿يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾ وذلك أنهم شاركوهم في منازلهم، وأموالهم... ﴿وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً﴾ أي: حسدًا وغيظًا مما أوتي المهاجرون. وفيما أوتوه قولان: أحدهما: مال الفيء، قاله الحسن. وذلك أنّ النبيّ - ﵌ - قسم أموال بني النضير بين المهاجرين، ولم يعط من الأنصار غير ثلاثة نفر. والثاني: الفضل والتقدّم، ذكره الماورديّ، قوله ﷿: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ يعني الأنصار يؤثرون المهاجرين على أنفسهم بأموالهم ومنازلهم ﴿وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ أي فقر وحاجة، فبيّن الله ﷿ أن إيثارهم لم يكن عن غنى. (^١).\nوقال محمد باقر الناصري:\n ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ إلى المدينة هربًا من مكة ومن غيرها ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ جاءوا ﴿يَبْتَغُونَ﴾ يطلبون ﴿فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ أي: وينصرون دين الله\n_________\n(^١) بتصرف: تفسير زاد المسير: (٤/ ٢٥٦).","vol":"1","page":42},{"text":"﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ﴾ يعني: المدينة حيث سكنها الأنصار قبل المهاجرين، أو قبل إيمان المهاجرين وهم أصحاب ليلة العقبة سبعون رجلًا بايعوا رسول الله على حرب الأبيض والأحمر، ﴿يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ﴾ وقد أحسنوا إلى المهاجرين، وأسكنوهم دورهم، وأشركوهم في أموالهم، ولا يجدون في قلوبهم حسدًا ولا غيظًا مما أعطي المهاجرون دونهم من مال بني النضير، ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ أي: مع فقرهم وحاجتهم ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾ أي: ومن يدفع بخل نفسه ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨)﴾ الناجحون الفائزون بثواب الله) (^١).\nوقال محمد السبزواري النجفي:\n ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ الذين تركوا مكة وقصدوا المدينة هجرة نبيهم - ﵌ - ومن دار الحرب إلى دار السلام، وهم ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ التي كانوا يملكونها\n ﴿يَبْتَغُونَ﴾ يطلبون.. ﴿فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ راغبين بفضله ورضاه ورحمته.. ﴿وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ﴾ أي: يهاجرون نصرة لدينه وينصرون.. ﴿وَرَسُولِهِ﴾ بتقويته على أعدائه ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ فعلًا؛ لأنهم قصدوا نصر الدين، واستجابوا لله تعالى ورسوله - ﵌ - وبعد أن مدح أهل مكة وغيرها من المهاجرين مدح الأنصار من أهل المدينة؛ لأنهم طابت أنفسهم من الفيء فرضوا تقسيمه على المهاجرين المحتاجين، فقال.. ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ﴾ أي: سكنوا المدينة، وهي دار الهجرة التي تبوأها الأنصار قبل المهاجرين ﴿وَالْإِيمَانَ﴾ إذ لم يؤمنوا قبل المهاجرين، بل آمنوا بعد هجرة النبي - ﵌ - إليهم إلا قليل منهم.\n_________\n(^١) تفسير مختصر مجمع البيان، وانظر: تفسير الكاشف، المنير: (سورة الحشر: ٨ - ١٠).","vol":"1","page":43},{"text":"أما عطف الإيمان على الدار في التبوّء، فهو عطف ظاهري لا معنوي؛ لأن الإيمان لا يتبوأ، وتقديره وآثروا الإيمان على الكفر ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يعني: قبل قدوم المهاجرين إليهم حين أحسنوا إليهم، بأن أسكنوهم بيوتهم وشاركوهم في أموالهم ﴿وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾ أي: لم يكن في قلوبهم حزازة ولا غيظ ولا حسد بسبب ما أخذ المهاجرون من الفيء الذي استولوا عليه من مال بني النضير، بل طابت به نفوسهم وكانوا ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: يقدمون المهاجرين ويفضلونهم على أنفسهم في العطاء ﴿وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ أي: ولو كانت بهم حاجة وفقر، وذلك رأفة بإخوانهم وطلبًا للأجر والثواب ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾ أي: الفائزون بثواب الله تعالى الرابحون لجنته ونعيمها (^١).\nوقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٧٤) وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال: ٧٤ - ٧٥].\nقال الشيخ عبد الرحمن السعدي:\nوهذه الآيات في بيان مدحهم وثوابهم، فقال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا﴾ أي: المؤمنون من المهاجرين والأنصار ﴿هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ لأنهم صدقوا إيمانهم بما قاموا به من الهجرة والنصرة والموالاة بعضهم لبعض، وجهادهم لأعدائهم من الكفار والمنافقين.\n ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ من الله تمحى بها سيئاتهم، وتضمحل بها زلاتهم، ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ أي: خير\n_________\n(^١) تفسير الجديد (سورة الحشر: ٨ - ١٠).","vol":"1","page":44},{"text":"كثير من الرب الكريم في جنات النعيم.\nوربما حصل لهم من الثواب المعجل ما تقر به أعينهم، وتطمئن به قلوبهم، وكذلك من جاء بعد هؤلاء المهاجرين والأنصار، ممن اتبعهم بإحسان فآمن وهاجر وجاهد في سبيل الله. ﴿فَأُولَئِكَ﴾ مِنْكُمْ لهم ما لكم وعليهم ما عليكم.\n (ثم قال): فهذه الموالاة الإيمانية - وقد كانت في أول الإسلام - لها وقع كبير وشأن عظيم، حتى إن النبي ﷺ آخى بين المهاجرين والأنصار أخوة خاصة، غير الأخوة الإيمانية العامة، وحتى كانوا يتوارثون بها، فأنزل الله ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ فلا يرثه إلا أقاربه من العصبات وأصحاب الفروض، فإن لم يكونوا، فأقرب قراباته من ذوي الأرحام، كما دل عليه عموم هذه الآية الكريمة، وقوله: ﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ أي: في حكمه وشرعه. ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ومنه ما يعلمه من أحوالكم التي يجري من شرائعه الدينية عليكم ما يناسبها. (^١)\nوقال محمد السبزواري النجفي:\n ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا﴾ أي: الذين صدقوا رسول الله - ﵌ - بما جاء به من عند الله، وأيقنوا بوجود الله ووحدانيته، وتركوا ديارهم فرارًا بدينهم مع رسول الله - ﵌ - وحاربوا معه لينصروا دينه وشريعته ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: ٧٤] هم المصدقون فعلًا، قولًا وعملًا، وقد حققوا إيمانهم حتى برهنوا أنه إيمان حق، فهؤلاء ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٧٤)﴾ أي: أعد الله لهم (مغفرة): تجاوزًا عن سيئاتهم، ورزقًا كريمًا: واسعًا عظيمًا لا\n_________\n(^١) تيسير الكريم المنان: (١/ ٣٢٧).","vol":"1","page":45},{"text":"ينغصه شيء من المكدرات ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا﴾ [الأنفال: ٧٥] أي: الذين آمنوا بعد فتح مكة، وقيل: هم الذين آمنوا بعد إيمانكم ﴿وَهَاجَرُوا﴾ إلى النبي - ﵌ - بعد هجرتكم الأولى ﴿وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ﴾ فقاتلوا الكفار والمشركين بجانبكم ﴿فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ﴾ فهم من جملتكم إيمانًا وهجرةً وجهادًا وحكمًا في الموالاة والميراث والنصرة، رغم تأخر إيمانهم وهجرتهم (^١).\nوقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠)﴾ [التوبة: ٢٠].\nقال الشيخ أبو بكر الجزائري:\nالذين آمنوا بالله وتركوا دار الكفر قاصدين دار الإسلام، وبذلوا أموالهم وأنفسهم في الجهاد لإعلاء كلمة الله، هؤلاء أعظم درجه عند الله، وأولئك هم الفائزون برضوانه (^٢).\nوقال محمد حسين فضل الله:\n ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا﴾ وتحملوا ما تحملوه من هجرة الوطن، إلى حيث يملك الإنسان حرية الحركة في الدعوة والجهاد، ويبتعد عن مواطن الضغط الذي قد يعرضه للفتنة في دينه، وذلك دليل الإخلاص العظيم لله فيما يمثله من التمرد على كل العواطف الذاتية والخصائص الحميمة، من أجل الله وحده، والذين جاهدوا ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ فيما بذلوه من أموالهم للدعوة وللجهاد، وفيما واجهوه من أخطاء مادية ومعنوية في\n_________\n(^١) تفسير الجديد، وانظر: الصافي، الوجيز، تقريب القرآن (سورة الأنفال: ٧٤).\n (^٢) التفسير الميسر (١/ ١٨٩).","vol":"1","page":46},{"text":"هذا الاتجاه، حيث فقدوا أي معنى للجانب الشخصي فيما يعيشون، وتحولوا إلى عنصر متحرك في نطاق الجوانب العامة المتصلة بالله، وبالحياة، أولئك ﴿أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾ من كل النماذج الأخرى التي قد تعمل الخير في المجالات المحدودة ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠)﴾ برحمته ورضوانه وجنته (^١).\nوقال تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (١٩٣) رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (١٩٤) فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ (١٩٥)﴾ [آل عمران: ١٩٣ - ١٩٥].\nقال الشيخ عبد الرحمن السعدي:\n ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ﴾ أي: أجاب الله دعاءهم، دعاء العبادة، ودعاء الطلب، وقال: إني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر وأنثى، فالجميع سيلقون ثواب أعمالهم كاملا موفرا، ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ أي: كلكم على حد سواء في الثواب والعقاب، ﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا﴾ فجمعوا بين الإيمان والهجرة، ومفارقة المحبوبات من الأوطان والأموال، طلبا لمرضاة ربهم، وجاهدوا في سبيل الله.\n ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ الذي يعطي عبده الثواب الجزيل على العمل القليل.\n_________\n(^١) تفسير من وحي القرآن، وانظر: التبيان، تقريب القرآن (سورة التوبة: ٢٠).","vol":"1","page":47},{"text":"﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾ مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فمن أراد ذلك، فليطلبه من الله بطاعته والتقرب إليه، بما يقدر عليه العبد. (^١).\nوقال عبد الله شبر:\n ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ﴾ ما طلبوا ﴿أَنِّي﴾ بأني ﴿لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ بيان لعامله ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ بجمع ذكوركم وإناثكم أصل واحد أو الإسلام\n ﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُوا﴾ الشرك أو أوطانهم أو قومهم للدين ﴿وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي﴾ من أجل ديني وبسببه ﴿وَقَاتَلُوا﴾ المشركين.. ﴿وَقُتِلُوا﴾ واستشهدوا، والواو لا توجب الترتيب، إذ المراد لما قيل لهم قاتلوا.. ﴿لَأُكَفِّرَنَّ﴾ لأمحون ﴿وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ يستحقونه منه.. ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾ على الأعمال لا يقدر عليه أحد سواه (^٢).\n_________\n(^١) تيسير الكريم المنان: (١/ ١٦١).\n (^٢) تفسير شبر (سورة آل عمران: ١٩٥).","vol":"1","page":48},{"text":"ثناء النبي - ﵌ - والعترة على المهاجرين والأنصار:\nتضافرت الروايات الصحيحة المستفيضة عن أهل البيت - ﵈ - الدالة على فضل المهاجرين والأنصار، نذكر منها ما يلي:\nعن جرير بن عبد الله - ﵁ - عن النبي - ﵌ - قال: (المهاجرون والأنصار بعضهم أولياء بعض في الدنيا والآخرة، والطلقاء من قريش، والعتقاء من ثقيف، بعضهم أولياء بعض في الدنيا والآخرة) (^١).\nوفي الخبر عن كعب بن عجرة: (إن المهاجرين والأنصار وبني هاشم اختصموا في رسول الله - ﵌ - أينا أولى به وأحب إليه، فقال - ﵌ -: أما أنتم يا معشر الأنصار فإنما أنا أخوكم فقالوا: الله أكبر! ذهبنا به ورب الكعبة! قال - ﵌ -: وأما أنتم معشر المهاجرين فإنما أنا منكم فقالوا: الله أكبر! ذهبنا به ورب الكعبة! قال - ﵌ -: وأما أنتم يا بني هاشم فأنتم مني وإلي فقمنا وكلنا راض مغتبط برسول الله - ﵌ -) (^٢).\nوعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - أنه سمع رسول الله - ﵌ - يقول: (إني تارك فيكم الثقلين إلا أن أحدهما أكبر من الآخر... وقال: ألا إن أهل بيتي عيني التي آوي إليها، ألا وإن الأنصار ترسي فاعفوا عن مسيئهم، وأعينوا محسنهم) (^٣).\nوهذه النصوص المباركة لم تكن غائبة عن أذهان أهل بيت النبي - ﵌ -، بل إنهم وعوها وحفظوها ومن ذلك ما كان من مدح الإمام علي - ﵇ - للمهاجرين في جوابه لمعاوية، فيقول:\n_________\n(^١) انظر مسند الإمام أحمد ابن حنبل رقم: (١٨٥)، أمالي الطوسي: (ص: ٢٦٨)، بحار الأنوار: (٢٢/ ٣١١).\n (^٢) المناقب: (٣/ ٣٣١)، بحار الأنوار: (٢٢/ ٣١٢).\n (^٣) مصدر سني بحار الأنوار: (٢٢/ ٣١١).","vol":"1","page":49},{"text":"(فاز أهل السبق بسبقهم، وذهب المهاجرون الأولون بفضلهم) (^١).\nوقال - ﵇ -: (وفي المهاجرين خير كثير نعرفه، جزاهم الله خير الجزاء) (^٢).\nوروى الحسن عن النبي - ﵌ - أنه قال: (من فرَّ بدينه من أرض إلى أرض، وإن كان شبرًا من الأرض استوجب الجنة، وكان رفيق إبراهيم ومحمد - ﵌ -) (^٣).\nوما سبق غيض من فيض، وقطرات من بحر عظيم يفيض على القلوب المحبة... لرسول الله - ﵌ - وأصحابه، فيكون بلسمًا شافيًا ونورًا هاديًا، يحيا به من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، ولله در أهل البيت - ﵈ - حين أثنوا على الصحابة - ﵃ - ولم يستثنوا من هذا الثناء والمديح أي أحد منهم.\n_________\n(^١) نهج البلاغة: (ص: ٣٧٤)، بحار الأنوار: (٣٣/ ١٠٤)، وقعة صفين: (ص: ١٤٩).\n (^٢) وقعة صفين: (ص: ٨٨)، بحار الأنوار: (٣٣/ ١١٠).\n (^٣) بحار الأنوار: (١٩/ ٣١)، مجموعة ورام: (١/ ٣٣)، تفسير الصافي: (١/ ٤٩٠)، تفسير نور الثقلين: (١/ ٥٤١).","vol":"1","page":50},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>المطلب الرابع: ثناء الثقلين على أهل بدر:</span>\nوبعد بيان المديح العام للصحابة - ﵃ - بِقِسميهِم: المهاجرون والأنصار - ﵃ - جاء التحديد لفئات محددة من الصحابة، لتميزهم بعمل عظيم أو موقف خاص أدى إلى أن يكون لهم فضل على غيرهم من الصحابة.\nفقد جعل الله ﷾ الأفضلية والمراتب العظيمة في الصحابة لمن شهد معركة بدر من المسلمين، وكانوا حينئذٍ قلة، ولم يستعدوا لقتال أو مواجهة ضد صناديد قريش بعددهم وعدتهم حين أتاهم المنادي لمواجهة قافلة الكفار.\nلكن تحقق النصر المبين بفضل الله ومنِّه على أيدي هؤلاء القلة، الذين أرهبوا العرب وأخافوهم، وجعلت هذه الغزوة لهم هيبة عظيمة بين القبائل العربية.\nوغزوة بدر لها مزية خاصة لأنها أول مواجهة بين الطليعة المؤمنة وجيش المشركين وفيها جنى المسلمون أولى ثمار دولتهم الناشئة، وفيها ظهرت بطولات وتضحيات من نوع فريد على أيدي القلة المؤمنة، وقد اطَّلع الله على أعمال هؤلاء الأطهار، وبشرهم بأنهم لن يموتوا على الكفر، وأن ذنوبهم مغفورة بإذنه سبحانه.\nوهذا ما أكده النبي - ﵌ - لعمر بن الخطاب - ﵁ - حينما أراد أن يضرب عنق حاطب بن أبي بلتعة - ﵁ - حين قال للنبي - ﵌ -: إنه: قد خان الله ورسوله والمؤمنين، فدعني فلأضرب عنقه، فقال - ﵌ -: (أليس من أهل بدر؟) ثم قال - ﵌ -: (لعل الله اطلع إلى أهل بدر؟ فقال: اعملوا ما شئتم، فقد وجبت لكم الجنة، أو: فقد غفرت لكم) فدمعت عينا عمر. (^١).\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٤/ ٧٦).","vol":"1","page":51},{"text":"وفي رواية لغيره، أن النبي - ﵌ - قال له: (وما يدريك -يا عمر- لعل الله اطلع على أهل بدر فغفر لهم، فقال لهم: اعملوا ما شئتم فقد غُفِرَ لكم) (^١).\nوهذه تزكية وشهادة أبدية من الله سبحانه على لسان رسوله - ﵌ - لأهل بدر، وإعلان صريح أنهم استحقوا رضوان الله تعالى ومغفرته.\n_________\n(^١) انظر: بحار الأنوار: (٢١/ ٩٢)، شرح نهج البلاغة: (١٧/ ٨٩).","vol":"1","page":52},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>المطلب الخامس: ثناء الثقلين على من أنفق وقاتل قبل الفتح وبعده:</span>\nوبعد ثناء الله ﵎ على أهل بدر - ﵃ -، لمسارعتهم إلى القتال مع النبي - ﵌ - رغم عدم تَهيِئَتِهِم لذلك عددًا وعدةً، اتسعت دائرة الثناء لتشمل أولئك الذين أنفقوا وقاتلوا قبل الفتح وبعده.\nوالمسلم يؤمن بأفضلية أولئك الذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا من الصحابة - ﵃ - على من أنفق من بعد الفتح وقاتل.\nوالفتح المقصود به (صلح الحديبية)، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١)﴾ [الفتح: ١].\nوالحديبية: بئر قرب مكة، وقعت عندها بيعة الرضوان، وصلح الحديبية تحت شجرة كانت هناك، حينما صدَّ المشركون رسول الله - ﵌ - وأصحابه عن دخول مكة فبايعوه على الموت.\nوخُص أصحاب الفتح أو صلح الحديبية بهذه الخصيصة من الفضل وعلو المكانة للحاجة القاهرة التي ألمت بالنبي - ﵌ - والصحابة في وقتها إلى العدد والعدة في ظروف عصيبة، وكان الصلح وما جرى بعده من مبايعة بين الصحابة رضوان الله عليهم... والنبي - ﵌ -، فتحا مبينا للنتائج الباهرة التي تبعته بعد ذلك.\nوقد بايع رسول الله - ﵌ - المسلمين، وكان عددهم يتجاوز ألف صحابي، ولعدم حضور عثمان في المبايعة- نتيجة ذهابه للوساطة من قبل النبي - ﵌ - إلى أهل مكة - ضرب النبي - ﵌ - بإحدى يديه الشريفتين على الأخرى مبايعًا لعثمان بن عفان - ﵁ - ويد رسول الله - ﵌ - خير من يد عثمان، بل إن رسول الله - ﵌ - دافع عنه في غيابه لما قال بعض المسلمين: طوبى لعثمان قد طاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة وأحلّ! فقال رسول الله - ﵌ -: (ما كان ليفعل، فلما","vol":"1","page":53},{"text":"جاء عثمان - ﵁ - قال له رسول الله - ﵌ -: أطفت بالبيت؟ فقال: ما كنت لأطوف بالبيت ورسول الله - ﵌ - لم يطف به) (^١).\nفسُميت هذه البيعة فتحًا، لما حصل بسببها وبعدها من الخير الكثير والنصر المبين للمسلمين، وقد أثنى الله ﵎ على هؤلاء الأطهار، وزكى ظاهرهم وباطنهم، فقال سبحانه: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (١٨)﴾ [الفتح: ١٨].\nقال الشيخ عبد الرحمن السعدي:\nيخبر تعالى بفضله ورحمته، برضاه عن المؤمنين إذ يبايعون الرسول - ﵌ - تلك المبايعة التي بيضت وجوههم، واكتسبوا بها سعادة الدنيا والآخرة، وكان سبب هذه البيعة -التي يقال... لها \"بيعة الرضوان\" لرضا الله عن المؤمنين فيها، ويقال لها \"بيعة أهل الشجرة\" - أن... رسول الله - ﵌ - لما دار الكلام بينه وبين المشركين يوم الحديبية في شأن مجيئه، وأنه لم يجئ لقتال أحد، وإنما جاء زائرا هذا البيت، معظما له، فبعث رسول الله ﷺ عثمان بن عفان لمكة في ذلك، فجاء خبر غير صادق، أن عثمان قتله المشركون، فجمع رسول الله - ﵌ - من معه من المؤمنين، وكانوا نحوا من ألف وخمسمائة، فبايعوه تحت شجرة على قتال المشركين، وأن لا يفروا حتى يموتوا، فأخبر تعالى أنه رضي عن المؤمنين في تلك الحال، التي هي من أكبر الطاعات وأجل القربات، ﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ من الإيمان، ﴿فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾ شكرا لهم على ما في قلوبهم، زادهم هدى، وعلم ما في قلوبهم من الجزع من تلك الشروط التي شرطها المشركون على رسوله فأنزل عليهم السكينة تثبتهم، وتطمئن بها قلوبهم، ﴿وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾\n_________\n(^١) انظر: الكافي: (٨/ ٣٢٥)، بحار الأنوار: (٢٠/ ٣٦٥).","vol":"1","page":54},{"text":"وهو: فتح خيبر، لم يحضره سوى أهل الحديبية، فاختصوا بخيبر وغنائمها، جزاءا لهم، وشكرا على ما فعلوه من طاعة الله تعالى والقيام بمرضاته. (^١)\nوقال أمين الدين أبو علي الطبرسي:\n (إنما سميت بيعة الرضوان بهذه الآية، (لأنهم) (^٢) بايعوا النبي - ﵌ - بالحديبية تحت الشجرة المعروفة وهي شجرة السَّمُرة ﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ من صدق النية في القتال والصبر والوفاء، وكان عددهم ألفًا وخمسمائة أو وثلاثمائة ﴿فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾ والضمير للمؤمنين، والسكينة هي اللطف المقوي لقلوبهم كالطمأنينة ﴿وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (١٨)﴾ يعني: فتح خيبر (^٣).\nوقال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٠)﴾ [الحديد: ١٠].\nقال الشيخ عبد الرحمن السعدي:\nالمراد بالفتح هنا هو فتح الحديبية، حين جرى من الصلح بين الرسول وبين قريش مما هو أعظم الفتوحات التي حصل بها نشر الإسلام، واختلاط المسلمين بالكافرين، والدعوة إلى الدين من غير معارض، فدخل الناس من ذلك الوقت في دين الله أفواجا، واعتز الإسلام عزا عظيما، وكان المسلمون قبل هذا الفتح لا يقدرون على الدعوة إلى الدين في غير البقعة التي أسلم أهلها، كالمدينة وتوابعها، وكان من أسلم من أهل مكة وغيرها من ديار المشركين يؤذى ويخاف، فلذلك كان من أسلم قبل الفتح وأنفق وقاتل، أعظم درجة وأجرا وثوابا ممن لم يسلم\n_________\n(^١) تيسير الكريم المنان: (١/ ٧٩٣).\n (^٢) لأنهم: زيادة ليتضح المعنى.\n (^٣) تفسير جامع الجوامع، وانظر: مقتنيات الدرر، تقريب القرآن (سورة الفتح: ١٨).","vol":"1","page":55},{"text":"ويقاتل وينفق إلا بعد ذلك، كما هو مقتضى الحكمة، ولذلك كان السابقون وفضلاء الصحابة، غالبهم أسلم قبل الفتح، ولما كان التفضيل بين الأمور قد يتوهم منه نقص وقدح في المفضول، احترز تعالى من هذا بقوله: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ أي: الذين أسلموا وقاتلوا وأنفقوا من قبل الفتح وبعده، كلهم وعده الله الجنة، وهذا يدل على فضل الصحابة [كلهم]، ﵃، حيث شهد الله لهم بالإيمان، ووعدهم الجنة، ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ فيجازي كلا منكم على ما يعلمه من عمله، ثم حث على النفقة في سبيله، لأن الجهاد متوقف على النفقة فيه، وبذل الأموال في التجهز له (^١)\nوقال محمد السبزواري النجفي:\n ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ﴾ أي: لا يتساوى ﴿مَنْ أَنْفَقَ﴾ من ماله في سبيل الله ﴿مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ الكفار، فإن ﴿أُولَئِكَ﴾ الفاعلين لذلك ﴿أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ أي: بعد فتح مكة أعزها الله، فالنفقة على جيش الإسلام مع الجهاد قبل فتحها، أعظم ثوابًا عند الله من النفقة والجهاد بعده ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ أي: وعد هؤلاء وهؤلاء بالجنة وإن تفاضلوا في درجاتها ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٣٤)﴾ أي أنه عليم بكل ما تفعلونه ولا يخفى عليه شيء من حالكم ومقالكم وإنفاقكم وجهادكم، بل هو أعلم بجميع تصرفاتكم ونياتكم) (^٢).\nوقد حكم الله ﵎ لمن وعد بالحسنى بالجنة بقوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١)﴾ [الأنبياء: ١٠١].\n_________\n(^١) تيسير الكريم المنان (١/ ٨٣٨).\n (^٢) تفسير الجديد، وانظر: تفسير الصافي، شبر، مقتنيات الدرر، الجوهر الثمين: في تفسير (سورة الحديد: ١٠).","vol":"1","page":56},{"text":"قال الشيخ عبد الرحمن السعدي:\nأي: سبقت لهم سابقة السعادة في علم الله، وفي اللوح المحفوظ وفي تيسيرهم في الدنيا لليسرى والأعمال الصالحة ﴿أُولَئِكَ عَنْهَا﴾ أي: عن النار ﴿مُبْعَدُونَ﴾ فلا يدخلونها، ولا يكونون قريبا منها، بل يبعدون عنها، غاية البعد، حتى لا يسمعوا حسيسها، ولا يروا شخصها (^١).\nوقال أبو جعفر الطوسي:\n ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ يعني: الوعد بالجنة... ثم قال: وأخبر تعالى أن من هذه صفته مبتعد عن النار ناءٍ عنها) (^٢).\nوقد تميزت غزوة تبوك ببيانٍ كاشفٍ للمنافقين وفاضحٍ لهم، والتوبة عن النبي - ﵌ - والمهاجرين والأنصار وعلى الثلاثة المخلفين، حيث جاء القرآن مبينًا ذلك، فقال تعالى عن الصحابة - ﵃ - الذين خرجوا مع رسول الله - ﵌ - في غزوة تبوك: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١١٧)﴾ [التوبة: ١١٧].\nقال الشيخ عبد الرحمن السعدي:\nيخبر تعالى أنه من لطفه وإحسانه تَابَ عَلَى النَّبِيِّ محمد - ﵌ - ﴿وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ فغفر لهم الزلات، ووفر لهم الحسنات، ورقاهم إلى أعلى الدرجات، وذلك\n_________\n(^١) تيسير الكريم المنان: (١/ ٥٣١).\n (^٢) تفسير التبيان، وانظر: تفسير الجديد: في تفسير (سورة الأنبياء: ١٠١).","vol":"1","page":57},{"text":"بسبب قيامهم بالأعمال الصعبة الشاقات، ولهذا قال: الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ أي: خرجوا معه لقتال الأعداء في وقعة تبوك وكانت في حر شديد، وضيق من الزاد والركوب، وكثرة عدو، مما يدعو إلى التخلف، فاستعانوا الله تعالى، وقاموا بذلك ﴿مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ﴾ أي: تنقلب قلوبهم، ويميلوا إلى الدعة والسكون، ولكن الله ثبتهم وأيدهم وقواهم. وزَيْغُ القلب هو انحرافه عن الصراط المستقيم، فإن كان الانحراف في أصل الدين، كان كفرا، وإن كان في شرائعه، كان بحسب تلك الشريعة، التي زاغ عنها، إما قصر عن فعلها، أو فعلها على غير الوجه الشرعي.\nوقوله ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ﴾ أي: قبل توبتهم ﴿إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ومن رأفته ورحمته أن مَنَّ عليهم بالتوبة، وقبلها منهم وثبتهم عليها. (^١).\nوقال محمد تقي المدرسي:\nلَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ توبة الله على النبي تعني المزيد من بركاته عليه، ولكن بالنسبة إلى المهاجرين والأنصار قد تعني أيضًا غفران ذنوبهم، ولكن بماذا وكيف غفرت ذنوبهم؟ بأنهم اتبعوا الرسول في ساعات الشدة، ولأن ذلك كان عملًا كبيرًا والله سبحانه يغفر بسبب الحسنات الكبيرة الذنوب الصغيرة، لذلك أكدت الآية على هذه الحقيقة ﴿الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ فالصبر في ساعة العسرة عمل عظيم يغفر الله تعالى بسببه سائر الأعمال الصغيرة) (^٢).\n_________\n(^١) تيسير الكريم المنان: (١/ ٣٥٤).\n (^٢) تفسيرمن هدي القرآن، وانظر: تفسير الجديد، من وحي القرآن (سورة التوبة: ١١٧).","vol":"1","page":58},{"text":"وقال الشيخ الطبرسي:\nتهيأ رسول الله - ﵌ - في رجب لغزو الروم، وكتب إلى قبائل العرب ممن دخل في الإسلام وبعث إليهم الرسل يرغبهم في الجهاد والغزو... فلما تهيأ للخروج قام خطيبًا فحمد الله تعالى وأثنى عليه، ورغب في المواساة وتقوية الضعيف والإنفاق، فكان أول من أنفق فيها عثمان بن عفان، جاء بأواني من فضة فصبها في حجر رسول الله - ﵌ -، فجهز ناسًا من أهل الضعف، وهو الذي يقال: إنه جهز جيش العسرة وقدم العباس على رسول الله - ﵌ - فأنفق نفقة حسنة وجهز وسارع فيها الأنصار وأنفق عبد الرحمن والزبير وطلحة، وأنفق ناس من المنافقين رياء وسمعة (^١).\nفكل ما سبق من الآيات والروايات الباهرة تدل دلالة واضحة على علو شأن أولئك الصحب الكرام الذين بذلوا كل شيء في نصرة دين الله ﷾، وإعلاءٍ لأمر... النبي - ﵌ -، ومن تَتَبَّع أقوال العلماء المحبين لأهل بيت النبي - ﵌ - الآنفة، ونظر بعين التعقل وبنور الإنصاف، استبان له فضل تلك العصبة المباركة ذات الأفعال المخلصة المستضيئة بنور النبوة من تمسكهم بسنة حبيبهم المصطفى - ﵌ -، ولهذا شهد لهم الثقلان بتلك المنزلة العالية.\n_________\n(^١) انظر إعلام الورى: (ص: ١٢١)، بحار الأنوار: (٢١/ ٢٤٤).","vol":"1","page":59},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>المبحث الثالث:\nكيف ظهرت الفتنة بين الصحابة - ﵃ </span>-\nبعد أن بيّنا الروايات الدالة على فضل الصحابة - ﵃ - ومكانتهم السامية ومنزلتهم الرفيعة عند الأئمة - ﵈ - والعلماء، وذلك من خلال الآيات القرآنية، والروايات المنقولة عن العترة - ﵈ -، يتبادر إلى أذهان فئة من المسلمين تساؤل هام: كيف إذًا وقع التفرق والخلاف بين الصحابة - ﵃ - وهم أهل الفضل والاتباع لدين الله؟ وهذا يتطلب منا الحديث عبر الملاحظات التالية: -\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>أولًا: من أشعل الفتنة بين المسلمين</span>؟\nإن العيش الهنيء الذي ساد مجتمع الصحابة - ﵃ -، وكثرة الفتوحات المباركة والانتصارات العظيمة على أعداء الله، ابتداءً بطرد اليهود من المدينة ثم من الجزيرة وما تبعه من تقويض عرش فارس، ودخول جماعات جديدة في دين الإسلام والعيش مع المسلمين وهم من أهل فكر وأعراف سابقة لم ينزعوها من أذهانهم، كل هذا أوجد تربة خصبة لبذر الشقاق والفرقة في صفوف الأمة المسلمة.\nفما سبق بيانه من رغد العيش وكثرة الفتوحات والتمكين لدين الله فإن كل ذلك لم يناسب أهل الأهواء، فحاولوا جاهدين بذر وسائل الفرقة في هذا المجتمع المبارك المثالي واستماتوا في إشعال نار التَّفرِقة والابتداع في الدين الإسلامي من خلال تفريق صفوف الصحابة - ﵃ -.\nفكانت أولى مداخل الشر إشعال نار الفتنة وزرع بذور الشبهة من خلال إغواء النفوس المريضة، فتم ابتداع قضية الطعن في أصحاب النبي - ﵌ -، حتى يوهن جمع الصحابة ويفرق","vol":"1","page":61},{"text":"صفوف المسلمين ويضعف قوتهم، فكان الذي تولى كبر هذا الأمر الشنيع ورفع راية ذلك المكر الخبيث، عبد الله بن سبأ اليهودي الذي أثار الناس ابتداءً بالخروج لقتل خليفة المسلمين عثمان بن عفان - ﵁ -، وبعد ذلك قام بالكذب على لسان الإمام علي - ﵇ -، ونسب إليه جملة من الأقوال والمعتقدات اليهودية، وروجها وأشاعها بين كثير من قاصري النظر وضعاف الإيمان ومحبي الفتن.\nولما تطاير شرر هذه البدع الخطيرة بين الناس، وزين الشيطان لهم سوء أعمالهم، تناهت أقوالهم إلى سمع وعلم أمير المؤمنين علي - ﵇ -، فغضب ولم يتهاون ولم يغض الطرف عن هذه المقولات الشنيعة، فما كان منه إلا أن حفر الأخاديد وأشعل فيها النيران وهدد بإحراق كل من لم يتراجع عن هذا الافتراء الخطير، فأحرق منهم عددًا، وأجلى قومًا آخرين.\nوقد نقل المجلسي في بحاره أن رجلًا قال لأمير المؤمنين - ﵇ -: (إن على باب المسجد قومًا يزعمون أنك ربهم! فدعاهم فقال: ويلكم! إنما أنا عبد الله مثلكم، آكل الطعام، وأشرب الشراب، فاتقوا الله وارجعوا.\nفأتوه في اليوم الثاني والثالث، فقالوا مثل ذلك، فقال لهم - ﵇ -: والله إن تبتم وإلا قتلتكم أخبث قتلة، فدعا قنبرًا وأتى بقدوم، وحفر لهم أخدودًا بين باب المسجد والقصر فدعا بالحطب فطرحه والنار فيه، وقال: إني طارحكم فيها أو ترجعون! فأبوا فقذف بهم فيها حتى احترقوا. وقال بعض أصحابه: لم يحرقهم، وإنما أدخن عليهم. ثم قال - ﵇ -:\nلما رأيت الأمر أمر منكرا... أوقدت ناري ودعوت قنبرا\nثم احتفرت حفرًا وحفرا... وقنبر يحطم حطمًا منكرا (^١)\n_________\n(^١) بحار الأنوار: (٣٤/ ٤١٤).","vol":"1","page":62},{"text":"فحذار أن يذهب بك التفكير - أيها القارئ الكريم- إلى أن هذه الشخصية التي حاكت المؤامرة الخبيثة كانت من نسج الخيال، أو جاءت من وهن المقال، بل كانت متواجدة في الساحة الإسلامية تدبر وتخطط، لذا لم يغفل عن بيان حالها العلماء، وكشفوا عوارها، فذكروا دورها الخبيث في تفريق صف الأسرة الإسلامية الواحدة، ونشر المفاسد الخطيرة في أذهان العوام.\nوقد ترجم لشخصية عبد الله بن سبأ كثير من العلماء، منهم:\n١ - سعد بن عبد الله الأشعري القمي (٣٠١ هـ): فقال: هذه الفرقة تسمى السبئية أصحاب عبد الله بن سبأ، وهو عبد الله بن وهب الراسبي الهمداني، وساعده على ذلك عبدالله بن حرسي وابن أسود، وهما من أجلّة أصحابه، وكان أول من أظهر الطعن على أبي بكر وعمر وعثمان والصحابة وتبرأ منهم (^١).\n٢ - النوبختي (٣١٠ هـ): فقال: أصحاب عبد الله بن سبأ، وكان ممن أظهر الطعن... على أبي بكر وعمر وعثمان والصحابة وتبرأ منهم، وقال: إن عليًا - ﵇ - أمر بذلك... فأخذه علي فسأله عن قوله هذا، فأقر به، فأمر بقتله، فصاح الناس إليه: يا أمير المؤمنين! أتقتل رجلًا يدعو إلى حبكم أهل البيت، وإلى ولايتك والبراء من أعدائك؟ فصيره إلى... المدائن إلى أن قال... ولما بلغ عبد الله بن سبأ نعي الإمام علي بالمدائن قال للذي نعاه: كذبت لو جئتنا بدماغه في سبعين صرة، وأقمت على قتله سبعين عدلًا لعلمنا أنه لم يمت ولم يقتل ولا يموت حتى يملك الأرض (^٢).\n_________\n(^١) المقالات والفرق: (ص: ٢٠).\n (^٢) فرق الشيعة: (ص: ٢٢).","vol":"1","page":63},{"text":"٣ - الكشي (٣٦٩ هـ): فقال: عن أبان بن عثمان قال: سمعت أبا عبد الله - ﵇ - يقول: لعن الله عبد الله بن سبأ إنه ادعى الربوبية في أمير المؤمنين - ﵇ -، وكان - والله- أمير المؤمنين - ﵇ - عبدًا لله طائعًا، الويل لمن كذب علينا، وإن قومًا يقولون فينا ما لا نقوله في أنفسنا، نبرأ إلى الله منهم، نبرأ إلى الله منهم.\nوقال أيضًا: ذكر بعض أهل العلم أن عبد الله بن سبأ كان يهوديًا فأسلم، ووالى عليًا - ﵇ -، وكان يقول وهو على يهوديته في يوشع بن نون وصي موسى بالغلو، فقال في إسلامه بعد وفاة رسول الله - ﵌ - في علي - ﵇ - مثل ذلك، وكان أول من أشهر القول بفرض إمامة علي وأظهر البراءة من أعدائه، وكاشف مخالفيه وكفرهم (^١).\n٤ - شيخ الطائفة أبو جعفر الطوسي (٤٦٠ هـ): حيث ترجم في رجاله عبد الله بن سبأ في باب (أصحاب علي - ﵇ -) وقال: عبد الله بن سبأ الذي رجع إلى الكفر وأظهر الغلو.\nوجاء في حاشية الكتاب: عبد الله بن سبأ - بالسين المهملة المفتوحة والباء المنقطة تحتها نقطة - غالٍ ملعون، حرقه أمير المؤمنين علي - ﵇ - بالنار، وكان يزعم أن عليًا - ﵇ - إله وأنه نبي (^٢).\n٥ - العلامة علي القهبائي (١٠١٦ هـ): قال في رجاله: عبد الله بن سبأ الذي رجع إلى الكفر وأظهر الغلو (^٣).\n٦ - العلامة الأربلي (١١٠١ هـ): قال: غال ملعون... وإنه كان يزعم ألوهية علي ونبوته (^٤).\n_________\n(^١) انظر: رجال الكشي: (ص: ١٠٧، ١٠٨).\n (^٢) رجال الطوسي: (ص: ٥١).\n (^٣) رجال القهبائي: (٣/ ٢٨٤).\n (^٤) جامع الرواة: (١/ ٤٨٥).","vol":"1","page":64},{"text":"٧ - ميرزا النوري الطبرسي (١٣٢٠ هـ) فقد ذكر في كتابه مستدرك الوسائل في باب (حكم الغلاة والقدرية) رواية عن عمار الساباطي، قال: قدم أمير المؤمنين - ﵇ - المدائن، فنزل بإيوان كسرى، وكان معه دلف بن مجير منجّم كسرى، فلما زال الزوال قال لدلف: قم معي... إلى أن قال: ثم نظر إلى جمجمة نخرة، فقال لبعض أصحابه: خذ هذه الجمجمة! وكانت مطروحة، وجاء إلى الإيوان وجلس فيه، ودعا بطست وصب فيه ماء، وقال له: دع هذه الجمجمة في الطست، ثم قال - ﵇ -: أقسمت عليك يا جمجمة أخبريني من أنا؟ ومن أنتِ؟ فنطقت الجمجمة بلسان فصيح، وقالت: أما أنت فأمير المؤمنين، وسيد الوصيين، وأما أنا فعبد الله، وابن أمة الله: كسرى أنوشروان، فانصرف القوم الذين كانوا معه من أهل ساباط إلى أهاليهم، وأخبروهم بما كان وبما سمعوه من الجمجمة، فاضطربوا واختلفوا في معنى أمير المؤمنين - ﵇ -، وحضروه وقال بعضهم فيه مثل ما قال النصارى في المسيح، ومثل ما قال عبدالله بن سبأ وأصحابه، فقال له أصحابه: فإن تركتهم على هذا كفر الناس! فلما سمع ذلك منهم، قال لهم: ما تحبون أن أصنع بهم؟ قال: تحرقهم بالنار، كما أحرقت عبد الله بن سبأ وأصحابه (^١).\nفهذا ما كتبه العلماء في بيان حقيقة المفسدين وهذه أقوالهم تجاه الغلاة الذين وضعوا في هذا الشرع المبارك الكذب والسم، فهل نعي هذا الحق الواضح وما قاله الأولون في حق أمير المؤمنين؟\n_________\n(^١) مستدرك الوسائل: (١٨/ ١٦٨)، مدينة المعاجز: (١/ ٢٢٦).","vol":"1","page":65},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>ثانيًا: بداية الفتنة بين الصحابة - ﵃ </span>-:\nإن وقوع الفتن والقتال بين صحابة النبي - ﵌ - إنما حصل بعد الانتهاء من المؤامرة التي أوقدها عبد الله بن سبأ اليهودي نتيجة نشره الحقد وبثه السموم بين الجهلة وضعاف الإيمان من مسلمة الأمصار، وقد أتت هذه المؤامرات بثمارها الخبيثة والتي قطفها الأوباش بالخروج على خليفة المسلمين عثمان بن عفان وقتله في داره.\nوازداد الأمر سوءًا بعد استشهاد عثمان - ﵁ -، فانتشرت جراثيم الشر في صفوف المسلمين لتنفث سمومها، ذلك أنه لما بويع علي - ﵁ - خليفة على المسلمين اندس هؤلاء الخوارج السبئيون بين صفوف أهل المدينة وجيش المسلمين، ولم يكن بمقدور أمير المؤمنين علي في وقتها إخراجهم وتصفيتهم، والأخذ بالثأر منهم في قتلهم لخليفة المسلمين عثمان بن عفان - ﵁ -، خشية تفاقم الفتن والقتلى بين أهل المدينة، مثلما فعل الخليفة المظلوم عثمان - ﵁ -.\nولما طالبه أهل المدينة بمعاقبة من أجلب على عثمان بن عفان - ﵁ - الشر، قال لهم أمير المؤمنين: (يا إخوتاه! إني لست أجهل ما تعلمون، ولكن كيف لي بقوة والقوم المجلبون على حد شوكتهم يملكوننا ولا نملكهم، وهاهم هؤلاء قد ثارت معهم عبدانكم، والتفت إليهم أعرابهم، وهم خلالكم ما شاءوا، وهل ترون موضعًا لقدرت على شيء تريدونه؟ إن هذا الأمر أمر جاهلية، وإن لهؤلاء القوم مادة - أي: عونًا - إن الناس من هذا الأمر - إذا حرك- على أمور: فرقة ترى ما ترون وفرقة ترى ما لا ترون، وفرقة لا ترى هذا ولا ذاك، فاصبروا حتى يهدأ الناس، وتقع القلوب مواقعها، وتؤخذ الحقوق مسمحة -أي: ميسرة- فاهدءوا عني، وانظروا ماذا يأتيكم به أمري، ولا تفعلوا فعلة تضعضع قوة وتسقط منه وتورث وهنًا","vol":"1","page":66},{"text":"وذلة وسأمسك الأمر ما استمسك، وإذا لم أجد بدًا فآخر الدواء الكي) (^١).\nمنذ تلك اللحظات بدأت الفتن تتغلغل بين أصحاب النبي - ﵌ - وأفضت إلى انقسامهم إلى طوائف، لما أنقسمت الآراء وتعددت الإجتهادات، فترى طائفة وجوب السرعة في الأخذ بالثأر من قتلة خليفة المسلمين عثمان بن عفان، وطائفة أخرى ترى وجوب التريث حتى يستتب الأمر لأمير المؤمنين، فاندس أهل الفساد والسوء بين تلك الأطراف المجتهدة.\n\nونتيجة لهذا التفرق لم يهدأ بال أهل الفساد من ترك الأمر على ما هو عليه، بل استغلوا كل مناسبة لتأجيج نار الفرقة والخلاف والنفخ في نار الفتنة والسوء، فانتهزوا فرصة خروج طائفة من الصحابة من مكة إلى البصرة، فأسرعوا بتهييج العواطف من أن هؤلاء أرادوا الشر وتفرقة صفوف الأمة.. ووقعت بعد ذلك..<span data-type=\"title\" id=toc-19> معركة الجمل</span>.\nمعركة الجمل:\nتشير الروايات التاريخية إلى أنه لم يخرج طلحة والزبير وأم المؤمنين عائشة - ﵃ - ومن معهم من مكة إلى البصرة مقاتلين، ولا داعين أو طامعين لنزع الخلافة من أمير المؤمنين... علي - ﵇ -، بل خرجوا إرادة الإصلاح وحسم الخلاف، وتجميع المسلمين بتوحيد كلمتهم والانتقام من قتلة خليفة المسلمين عثمان بن عفان - ﵁ - وإخراجهم من صفوف المسلمين هذا ما ذكرته كتب التاريخ، ولم تكن معركة الجمل هي الأخيرة ولكن تبعتها بعد فترة معركة صفين، ويمكن إجمال هذا الحدث الكبير في الآتي:\nلما اقترب موعد الاتفاق بين جيش علي وجيش طلحة والزبير - ﵃ - على إخراج هؤلاء الخوارج من الجيش وقتلهم، وانزوى كل صف إلى معسكره أبى أولئك الخوارج هذا التجمع المبارك والهدوء؛ لأنه اجتماع على قتلهم وقتالهم فسعوا في بث الفتنة بين الجيشين وإشعال\n_________\n(^١) نهج البلاغة: (ص: ٢٤٣)، بحار الأنوار (٣١/ ٥٠٢).","vol":"1","page":67},{"text":"القتال بينهم بمؤامرة أخرى تكشف عن مكرهم وغدرهم، فدبروا المؤامرة ليلًا، والتي تمثلت في قتلهم من كلا الجيشين أفرادًا، حتى ظن كل من الجيشين غدر الآخر وخفيت هذه المكيدة على الفريقين، فكانت سببًا في نشوب الحرب بين الصفين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>معركة صفين:</span>\nلم تكن معركة صفين مختلفة عن واقعة الجمل بأطرافها أو الغاية منها، لذا ذكر علماء التاريخ أن سبب الخلاف والقتال بين أمير المؤمنين علي ومعاوية في صفين لم يكن بسبب أن لمعاوية طمعًا وتطلعًا للخلافة كما يدعي ويروج له الكثير من الكتاب.\nفمعاوية لم يرفع إلى الخلافة رأسًا، ولم يبايع له بها أحد من المسلمين، ولم يقاتل عليًا على أنه خليفة، بل كان سبب الخلاف بين خليفة المسلمين علي بن أبى طالب وأمير الشام معاوية أنه لم يمتثل بما أمره به خليفة المسلمين من عزله من ولاية الشام والإقرار له بالخلافة.\nكان معاوية يريد إنفاذ القصاص في قتلة خليفة المسلمين المغدور به، وقد أشيع كذبًا عند أهل الشام أن الخليفة عليًا امتنع عن معاقبة وملاحقة قتلة عثمان عند توليه خلافة المسلمين وبدلًا من ذلك قاتل أهل الجمل، وأن في جيشه من هو متهم في قتل خليفة المسلمين السابق.\nوحرصًا من أمير المؤمنين على توضيح الأمر، وإبطال المزاعم المنشورة، وجمع شتات المسلمين، أرسل كتابًا لمعاوية، مبينًا فيه إثبات أحقية خلافته كما ثبتت خلافة من قبله مع تبرؤه من دم عثمان - ﵁ -، فقال: (إنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بايعوهم عليه، فلم يكن للشاهد أن يختار، ولا للغائب أن يرد، وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار، فإن اجتمعوا على رجل وسموه إمامًا كان ذلك لله رضًا، فإن خرج عن أمرهم خارج بطعن أو بدعة ردوه إلى ما خرج منه، فإن أبى قاتلوه على اتِّباع سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولى، ولعمري يا معاوية لئن نظرت بعقلك دون هواك لتجدني أبرأ الناس من دم","vol":"1","page":68},{"text":"عثمان، ولتعلمن أني كنت في عزلة عنه إلا أن تتجنى، فتجنّ ما بدا لك، والسلام) (^١).\nفلما نشب القتال بين صفوف المسلمين، وسالت الدماء فيما بينهم، انتهت المعركة برفع جيش معاوية - ﵁ - المصاحف، طالبين التحكيم فيما بينهم بما يرضي الله ﷿، فرضي خليفة المسلمين علي - ﵇ - بهذا الطلب ورجع إلى الكوفة، ورجع معاوية - ﵁ - إلى الشام بشروط اتفق عليها الطرفان.\nوقد قصّ أمير المؤمنين علي - ﵇ - للأمصار ما جرى بينه وبين أهل صفين، فقال: (وكان بدء أمرنا أنَّا التقينا والقوم من أهل الشام، والظاهر أن ربنا واحد، ونبينا واحد، ودعوتنا في الإسلام واحدة، ولا نستزيدهم في الإيمان بالله والتصديق برسوله ولا يستزيدوننا، والأمر واحد إلا ما اختلفنا فيه من دم عثمان، ونحن منه براء) (^٢).\nولم يكن الأمر سرًّا، أو ما جرى بين الصحابة في صفين في خفاء عن المسلمين، أو عن أحد من أهل بيت النبي - ﵌ -، بل كان الحدث جليًا معلومًا تتداوله ألسنة الأئمة فيما بينهم. فقد روى الإمام جعفر الصادق عن أبيه: أن عليًا - ﵇ - كان يقول لأهل حربه: (إنا لم نقاتلهم على التكفير لهم، ولم نقاتلهم على التكفير لنا، ولكن رأينا أنَّا على الحق ورأوا أنهم على الحق) (^٣).\nإن تلك الخلافات والفتن التي حدثت بين أصحاب النبي - ﵌ - من قتال فيما بينهم، مع بغي أحدهم على الآخر، وما حصل بينهم بعد ذلك من إصلاح وتحكيم بما يرضي الله ﷿، ثم قبول كل من الطرفين بهذا الحكم، إنما يذكرنا بقول الله ﵎: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ\n_________\n(^١) نهج البلاغة: (ص: ٣٦٦)، بحار الأنوار: (٣٣/ ٧٦).\n (^٢) نهج البلاغة: (ص: ٤٤٨)، بحار الأنوار: (٣٣/ ٣٠٦).\n (^٣) قرب الإسناد: (ص: ٤٥)، بحار الأنوار: (٣٢/ ٣٢٤).","vol":"1","page":69},{"text":"إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠)﴾ [الحجرات: ٩ - ١٠].\nقال الشيخ محمد على الصابوني - ﵀ -\n ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ أي وإنْ حدث أنَّ فئتين وجماعتين من إخوانكم المؤمنين جنحوا إلى القتال فأصلحا بينهما، واسعوا جهدكم للإِصلاح بينهما، والجمعُ ﴿اقْتَتَلُوا﴾ باعتبار المعنى، والتثنية بَيْنَهُمَا باعتبار اللفظ ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى﴾ أي فإِن بغت إحداهما على الأخرى، وتجاوزت حدَّها بالظلم والطغيان، ولم تقبل الصلح وصمَّمت على البغي ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ أي فقاتلوا الفئة الباغية حتى ترجع إلى حكم الله وشرعه، وتُقلع عن البغي والعدوان، وتعمل بمقتضى أخوة الإِسلام ﴿فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا﴾ أي فإن رجعت وكفَّت عن القتال فأصلحوا بينهما بالعدل، دون حيفٍ على إِحدى الفئتين، واعدلوا في جميع أموركم ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ أي يحبُّ العادلين الذين لا يجورون في أحكامهم (^١)\nوقال الشيخ محمد باقر الناصري في تفسيره:\n ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ أي: فريقان من المؤمنين قاتل أحدهما الآخر\n ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ وابذلوا الوسع في إصلاحهما، ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى﴾ بأن طلبت ما لا يحق لها، وقاتلت ظالمة معتدية، فانصروا الفئة المظلومة ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ لأنها ظالمة، ﴿حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ حتى ترجع إلى طاعة الله وتترك البغي والظلم، فإن رجعت وتابت فعودوا لإجراء الصلح بينهما، ﴿بِالْعَدْلِ﴾ دون ميل أو جور ﴿وَأَقْسِطُوا﴾ أي:\n_________\n(^١) تفسير صفوة التفاسير: (٣/ ٢١٧).","vol":"1","page":70},{"text":"اعدلوا ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ في الدين فأصلحوا بين الفريقين وأعينوا المظلوم وادفعوا الظالم عن ظلمه (^١).\nوالحرص على الإصلاح والسعي، وإلى جمع شعث المسلمين كان رجاء أمير المؤمنين... علي - ﵇ -، وكذلك البعد عن كل ما يوقع البغضاء والفرقة في نفوس المسلمين، لهذا سعى أمير المؤمنين علي - ﵇ - إلى البعد عن كل ما يثير الأحقاد ويفرق الصفوف ومن ذلك: القول السيئ، فنهى من كان في جيشه عن لعن وشتم جيش معاوية بن أبي سفيان، مع حدوث القتال فيما بينهم.\nفعن عبد الله بن شريك قال: (خرج حجر بن عدي وعمرو بن الحمق يظهران البراءة واللعن لأهل (^٢) الشام، فأرسل إليهما علي - ﵇ -: أن كفّا عما يبلغني عنكما. فأتياه فقالا: يا أمير المؤمنين، ألسنا محقين؟ قال: بلى. قالا: أوليسوا مبطلين؟ قال: بلى. قالا: فلم منعتنا من شتمهم؟ قال: كرهت لكم أن تكونوا لعانين شتامين يشهدون ويتبرءون، ولكن لو وصفتم مساوئ أعمالهم، فقلتم: من سيرتهم كذا وكذا، كان أصوب في القول، وأبلغ في العذر، وقلتم مكان لعنكم إياهم وبراءتكم منهم: اللهم احقن دماءنا ودماءهم، وأصلح ذات بيننا وبينهم واهدهم من ضلالتهم، حتى يعرف الحق منهم من جهله، ويرعوي عن الغي والعدوان من لهج به، كان هذا أحب إلي وخيرًا لكم) (^٣).\n_________\n(^١) تفسير مختصر مجمع البيان (٣/ ٣٠٨)، وانظر أيضًا: تفسير المعين، بيان السعادة، مقتنيات الدرر، الميزان، الكاشف في تفسير سورة الحجرات: (٩ - ١٠).\n (^٢) وفي الأصل: من أهل الشام.\n (^٣) مستدرك الوسائل: (١٢/ ٣٠٦)، بحار الأنوار: (٣٢/ ٣٩٩)، وقعة صفين: (ص: ١٠٢).","vol":"1","page":71},{"text":"وهذا النهي منه - ﵇ - لم يكن لخاصة شيعته فقط، بل جهر بنهيه - ﵇ - وأوصى جيشه بأكمله، قاصدًا أن يعمم هذا النهي لكل زمان ومكان، فقال لجيشه في صفين أيضًا: (إني أكره لكم أن تكونوا سبابين، ولكنكم لو وصفتم أعمالهم، وذكرتم حالهم، كان أصَوَب في القول وأبلغ في العذر، وقلتم مكان سبكم إياهم: اللهم احقن دماءنا ودماءهم، وأصلح ذات بيننا وبينهم) (^١).\nكانت هذه صفحات من تاريخنا الإسلامي رويت على غير مقصدها وعلى خلاف ما كانت عليه بعد أن لعبت فيها أيدي التشويه والتحريف، وكان لابد لنا من هذه الوقفة حتى نضع الأمور في نصابها الصحيح وموضعها اللائق بها، وحتى نُعذر إلى الله تعالى، ونبرأ مما لوَّثته أقلام حرَّكها الزيف، ومن ورائها قلوب ملأها الحقد على الإسلام وأهله.\n_________\n(^١) نهج البلاغة: (ص: ٣٢٣)، بحار الأنوار: (٣٢/ ٥٦١).","vol":"1","page":72},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-21>ما بعد استشهاد الإمام علي ﵇:</span>\nوبعدما قُتل أمير المؤمنين علي - ﵇ - شهيدًا على يد الخارجي الغادر ابن ملجم بويع لابنه الحسن - ﵇ - بالخلافة على المسلمين، فما كان منه إلا أن جمع صفوف المسلمين، وتحققت فيه معجزة النبي - ﵌ -.\nفعن أبي بكرة نفيع بن الحارث الثقفي قال: رأيت رسول الله - ﵌ - والحسن بن علي - ﵇ - إلى جنبه وهو يقبل على الناس مرة وعليه مرة، ويقول: (إن هذا ابني سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين عظيمتين) (^١).\nوقد جعل الإمام الحسن بن علي - ﵇ - أحد شروط الصلح مع معاوية، أن يحكم في الناس بالكتاب والسنة، وعلى سيرة الخلفاء الراشدين (^٢).\nوهنا يجدر بنا أن نلتفت الأنظار إلى شيء هام ألا وهو أنه على الرغم مما حدث بين أمير المؤمنين علي ومعاوية - ﵄ - إلا أن الروح السائدة التي كانت بينهما هي روح المودة والمحبة والتلاحم والترابط، ومما يدل على التلاحم الأخوي والتراحم الديني بين أمير المؤمنين علي ومعاوية - ﵄ - مع ما كان بينهما من اختلاف اجتهادي - فقد كان معاوية كلما تذكر عليًا بعد استشهاده بكى على فقده وترحم عليه.\nفعن الأصبغ بن نباتة قال: (دخل ضرار بن ضمرة النهشلي على معاوية بن أبي... سفيان - ﵁ -، فقال له: صف لي عليًا؟ قال: أو تعفيني؟ فقال: لا، بل صفه لي.\nقال ضرار: رحم الله عليًا! كان والله فينا كأحدنا، يدنينا إذا أتيناه، ويجيبنا إذا سألناه ويقربنا إذا زرناه، لا يغلق له دوننا باب، ولا يحجبنا عنه حاجب، ونحن -والله- مع تقريبه لنا\n_________\n(^١) كشف الغمة: (١/ ٥١٩)، بحار الأنوار: (٤٣/ ٢٩٨)، عوالي اللآلي: (١/ ١٠٢).\n (^٢) انظر: كشف الغمة: (١/ ٥٧٠)، بحار الأنوار: (٤٤/ ٦٤).","vol":"1","page":73},{"text":"وقربه منا لا نكلمه لهيبته، ولا نبتديه لعظمته، فإذا تبسم فمن مثل اللؤلؤ المنظوم.\nفقال معاوية: زدني في صفته. فقال ضرار: رحم الله عليًا كان -والله- طويل السهاد، قليل الرقاد، يتلو كتاب الله آناء الليل وأطراف النهار...\nقال: فبكى معاوية وقال: حسبك يا ضرار! كذلك والله كان علي، رحم الله أبا الحسن) (^١).\nهذا هو حال أخوة الدين وأخوة العقيدة، فلم يمنع الصحابة رضوان الله عليهم الاختلاف في الاجتهاد من التراحم والاعتراف بحسنات بعضهم البعض مما يدل على خلو قلوبهم من الغل والبغضاء، والتاريخ مليء بالشواهد الدالة على هذه الحقيقة الإيمانية الراسخة في قلوب الصحابة رضوان الله عليهم خاصة إذا رددنا تلك الروايات التي مبناها عاطفة مشوهة هوجاء تتقاذف بالمسلم في كل صوب فتؤدي بصاحبها إلى الزيغ والانحراف وتملأ قلبه من الشبهات فينطق لسانه بما يسخط الله تعالى من الوقوع في أعراض المسلمين.\n_________\n(^١) بحار الأنوار: (٤١/ ١٤)، أمالي الصدوق: (٦٢٤).","vol":"1","page":74},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-22>المبحث الرابع\nالمؤامرة ضد الإسلام والمسلمين</span>\nاتخذ المستشرقون ومن اغتر بهم ما وقع بين الصحابة في وقت الفتنة من الاختلاف والاقتتال سببًا وذريعة للوقيعة بين المسلمين، والنيل من عدالة الصحابة - ﵁ -.\nفقاموا بترويج ما كتبه زنادقة ذلك العصر وأعادوا بعثه من جديد وزادوا من عند أنفسهم، وقد تأثر بسمومهم هذه بعض الكتاب المتأخرين ممن اغتر بأقوال المستشرقين وعمي قلبه عن الحق وزين له سوء عمله، وأصبح هؤلاء الكتاب أشد حرصًا على ميراث المستشرقين من المستشرقين أنفسهم فجعلوا أنفسهم حكمًا بين أصحاب النبي - ﵌ - يصوبون بعضهم، ويخطئون البعض الآخر بلا دليل ولا حجة وإنما تقليدًا للمستشرقين واتباعًا للهوى.\nولتقوية باطلهم والتغطية على زيف كلامهم وضعوا شبهات وروجوا لها بأساليب ملتوية تؤدي إلى تشويه التاريخ الإسلامي، ومن ثم تحقيق غايتهم من زرع الفتن والبغضاء بين المسلمين عن طريق التشكيك في نقلة الشريعة الإسلامية بأساليب متعددة، ومن تلك الأساليب:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-23>أولًا: إسقاط عدالة أصحاب النبي - ﵌ </span>-:\nسعى المستشرقون وأتباعهم إلى إسقاط عدالة الصحابة من خلال وضع الشبهات حولهم ليزرعوا الشك في حملة الإسلام من خلال وضع التساؤلات التالية على سبيل المثال: -\nأيعقل أن يأخذ الإنسان دستوره القويم ومنهجه المستقيم المتمثل في القرآن والسنة النبوية من أناس قد وقعت منهم زلات وهفوات ولا يطمئن الإنسان إلى أحوالهم؟!","vol":"1","page":75},{"text":"وعندما يطرحون مثل هذه الشبهة فإنهم ينفثون السموم من خلالها على عوام المسلمين والواقع أن المستشرق بتسليطه الضوء وَكَيلِهِ الإتهام لا يقصد صحابيا لم يشتهر، ولم يفصّل التاريخ في خبره، أو يسهب في أثره، أو في صحابية من عامة الصحابيات زنت ثم اعترفت فرجمها النبي - ﵌ -، أو من رجل كان مبتلى بشرب الخمر فأقام النبي - ﵌ - عليه الحد، ولا يريد بشبهته تلك أمثال حاطب بن أبي بلتعة - ﵁ - الذي زل في رأيه ولم يوفق في اجتهاده، عندما أخبر قريشًا بقدوم النبي - ﵌ - فاتحًا، فكل أولئك - ﵃ - قد تابوا إلى الله ﷿، إما باستغفار وإنابة منهم، أو بإقامة حد دنيوي عليهم.\nلكنه يتخذ ذلك ذريعة لطعنه في كبار الصحابة من خلال اختلاق القصص حولهم وإبراز الخلافات فيما بينهم لتمهيد الطريق لإطفاء نور الله المبين الذي سار عليه المسلمون وإذا نجح المستشرق في إسقاط عدالة الصحابة عمومًا فإنه يسهل عليه الطعن في كتاب الله الذي نقلوه وحفظوه، ومن ثم سنة نبيه محمد - ﵌ -، التي فيها تفصيل التشريعات الربانية فيسهل بعد ذلك تفريق صفوف المسلمين وجعل الفتنة والبغضاء بينهم.\nلذلك يقوم المستشرقون بالإعتماد على ما كتبه زنادقة ذلك العصر باعتبارهم يمثلون الإسلام، واعتبار التاريخ والوقائع التي نقلوها وزوَّروها تعبر عن تلك المرحلة تعبيرًا صادقًا وهذا ملاحظ فيما يشاع بين المسلمين من ترويج ونشر للأحاديث المكذوبة على أصحاب النبي - ﵌ - المتناثرة في الكتب الجامعة للأحاديث والروايات الغير معتمدة والتي بحمد لله لم تصمد أمام القواعد والضوابط التي وضعها علماء الجرح والتعديل.\nوالدليل على ذلك أنك لن تجد في هذه الروايات الداعية إلى الفرقة والاختلاف بين الصحابة رواية واحدة صحيحة، متصلة السند عن رواة عدول عن مثلهم عن النبي - ﵌ - ولذلك فليطمئن المسلم على دينه وليكن على بينة من عدة أمور:","vol":"1","page":76},{"text":"١ - أن الثناء على الصحابة قد تحقق في كتاب ربنا، وفي سنة نبينا محمد - ﵌ - وكذا على لسان العترة - ﵈ - (^١).\n٢ - أن مقولة: (إن من الصحابة منافقين) كذبٌ، لأن المنافقين ليسوا من الصحابة حقيقة، والمنافقون كانوا معروفين للنبي - ﵌ - وأصحابه، إما بأعيانهم وإما بأوصافهم؛ لأن آيات القرآن قد بينت كل حركاتهم وسكناتهم، بل حتى خلجات نفوسهم.\nوإذا أخذنا غزوة تبوك مثلًا، وهي من أواخر غزوات الرسول - ﵌ -، نجد أن فيها بيانًا لحال المنافقين، فمنهم من تخلف عنها بأعذار واهية، أو بدعوى خشية الافتتان بنساء الروم وغيرها من الأعذار السَّمِجَة التي عادة ما يتعذر بها المنافقون حينما يكون هنالك جهاد في سبيل الله.\nومما يدل على أن المنافقين معلوم أمرهم وأنهم ليسوا من الصحابة، أن الله لم يذكر توبته عليهم ضمن من تاب عليهم من المؤمنين عامة، والثلاثة الذين خلفوا خاصة، قال تعالى:\n ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ [التوبة: ١١٧] إلى قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١١٨)﴾ [التوبة: ١١٨].\nومن الجدير بالذكر القول: إن آيات سورة التوبة قسمت أهل المدينة بعد غزوة تبوك إلى ثلاثة أصناف، ولم تتكلم عن طائفة رابعة، وهي التي أذِن لها النبي - ﵌ - بالتخلف أمثال الإمام علي وابن أم مكتوم، ونفر من الفقراء الذين لم يجدوا ما يستعينون به على الخروج.\n_________\n(^١) انظر: (ص: ٢٣ - ٥٠) من هذا الكتاب.","vol":"1","page":77},{"text":"فبينت آيات سورة التوبة أن الله تاب على الصحابة الذين شهدوا المعركة في الآية الأولى وهم الصنف الأول، واستثنى في الآية الثانية المنافقين من مجتمع المدينة، الذين تخلفوا عن الخروج وهم من الصنف الثاني، ثم قص الله علينا شأن ثلاثة من الذين تخلفوا عن المعركة من الصحابة، وأنه سبحانه قد تاب عليهم، بسبب صدقهم مع نبيه - ﵌ - وهم الصنف الثالث والأخير.\nفأين النفاق في أولئك، مع وضوح الآيات الدالة على حقيقة ما وقع؟! وماذا بعد الحق إلا الضلال، بل إن الصحابة - ﵃ - كانوا من أكثر الناس خوفًا من الله ﷿ خشية على أنفسهم أن يقعوا في النفاق.\nفعن سلام بن المستنير قال: (كنت عند أبي جعفر - ﵇ -، فدخل عليه حمران بن أعين فسأله عن أشياء، فلما همّ حمران بالقيام قال لأبي جعفر - ﵇ -: أخبرنا -أطال الله بقاءك لنا وأمتعنا بك- إنا نأتيك فما نخرج من عندك حتى ترق قلوبنا وتسلو أنفسنا عن الدنيا ويهون علينا ما في أيدي الناس من هذه الأموال، ثم نخرج من عندك، فإذا صرنا مع الناس والتجار أحببنا الدنيا.\nقال: فقال أبو جعفر - ﵇ -: إنما هي القلوب مرة تصعب، ومرة تسهل، ثم قال أبو جعفر - ﵇ -: أما إن أصحاب رسول الله - ﵌ - قالوا: يا رسول الله، تخاف علينا النفاق؟ قال: فقال لهم: ولم تخافون ذلك؟ قالوا: إنا إذا كنا عندك فذكرتنا ورغبتنا ووجِلنا، ونسينا الدنيا وزهدنا، حتى كأنّا نعاين الآخرة والجنة والنار ونحن عندك، فإذا خرجنا من عندك ودخلنا هذه البيوت وشممنا الأولاد ورأينا العيال والأهل والأولاد، يكاد أن نحوّل عن الحال التي كنا عليها عندك، وحتى كأنّا لم نكن على شيء، أفتخاف علينا أن يكون هذا النفاق؟ فقال رسول الله - ﵌ -: كلا إن هذه من خطوات الشيطان ليرغبكم في الدنيا، والله لو أنكم تدومون على الحاله التي وصفتم أنفسكم بها لصافحتكم الملائكة، ومشيتم على الماء، ولولا","vol":"1","page":78},{"text":"أنكم تذنبون فتستغفرون الله لخلق الله خلقًا لكي يذنبوا ثم يستغفروا، فيغفر لهم، إن المؤمن مفتّنٌ توابٌ، أما سمعت قول الله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢)﴾ [البقرة: ٢٢٢]، وقال تعالى: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ [هود: ٣]) (^١).\n٣ - أن الصحابة - ﵃ - معصومون في إجماعهم، فلا يمكن أن يجتمعوا على شيء من كبائر الذنوب أو صغيرها فيستحلوها ويفعلوها، وأما وقوع المعاصي من بعضهم ففيه الدلالة على عدم عصمة أفرادهم، ولا يضر هذا الزلل في عدالتهم، ولا يحطّ من مكانتهم.\nومما يدل على عدالتهم على وجه العموم، ما قام به الأئمة - ﵈ - من تمحيص لروايات الصحابة التي رووها عن النبي - ﵌ - فلم يجدوا بعد الفحص والنظر صحابيًا كذب كذبة واحدة على النبي - ﵌ -، ومع كثرة انتشار البدع في أواخر عهدهم كبدعة القدرية والخوارج والمرجئة، التي منشأها من تحكيم سقيم العقل وفساد الرأي، إلا أنه لم يوجد صحابي واحد في أولئك المبتدعة أبدًا، وهذا يدل على أن الله قد اصطفاهم ورعاهم، وميزهم واختارهم لصحبة نبيه - ﵌ - ونشر دينه القويم.\nقال أبو عبد الله - ﵇ -: (كان أصحاب رسول الله - ﵌ - اثني عشر ألفًا، ثمانية آلاف من المدينة، وألفان من مكة، وألفان من الطلقاء، ولم ير فيهم قدري ولا مرجئ ولا حروري ولا معتزلي ولا صاحب رأي، كانوا يبكون الليل والنهار، ويقولون: اقِْض أرواحنا من قبل أن نأكل خبز الخمير) (^٢).\n_________\n(^١) الكافي: (٢/ ٤٢٣)، بحار الأنوار: (٦/ ٤١)، تفسير العياشي: (١/ ١٠٩)، مجموعة ورام: (٢/ ٢١٠).\n (^٢) الخصال: (٢/ ٦٣٩)، بحار الأنوار: (٢٢/ ٣٠٥).","vol":"1","page":79},{"text":"وقد أثبت الإمام الصادق - ﵇ - عدالة أصحاب النبي - ﵌ - على صدق ما يروونه في حديثهم للنبي - ﵌ -.\nفعن منصور بن حازم قال: قلت لأبي عبد الله - ﵇ -: (ما بالي أسألك عن المسألة فتجيبني فيها بالجواب، ثم يجيئك غيري فتجيبه فيها بجواب آخر؟ فقال: إنا نجيب الناس على الزيادة والنقصان! قال: قلت: فأخبرني عن أصحاب رسول الله - ﵌ - صدقوا على محمد أم كذبوا؟ قال: بل صدقوا، قال: قلت: فما بالهم اختلفوا؟ فقال: أما تعلم أن الرجل كان يأتي رسول الله - ﵌ - فيسأله عن المسألة فيجيبه فيها بالجواب، ثم يجيبه بعد ذلك بما ينسخ ذلك الجواب، فنسخت الأحاديث بعضها بعضًا) (^١).\nولو جاء مدّعٍ وقوع كذب في الصحابة أو حدوث نفاق في قلوبهم لقيل له مباشرة: فأين الدليل الصريح على استثناء بعضهم من هذا الادعاء؟\n٤ - أنه لا يلزم من إثبات العدالة للصحابة - ﵃ - إثبات العصمة لهم من الأخطاء فهم بشر يخطئون ويصيبون، وإن كانت أخطاؤهم مغمورة في بحور حسناتهم.\nفلهم من السوابق والفضائل التي لن يلحقهم فيها أحد، فهم الذين نصروا النبي - ﵌ - حين اجتمع عليه العرب، وجاهدوا بأموالهم وأولادهم وأنفسهم، وقاتلوا آباءهم وإخوانهم وعشيرتهم، وبذلوا أرواحهم لإعلاء كلمة الله، وكانوا سببًا في نشر ووصول هذا الدين العظيم إلينا، فهذه - بإذن الله-توجب مغفرة ما صدر منهم، ولو كان من أعظم الذنوب ما لم يصل إلى الكفر، قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩].\n_________\n(^١) الكافي: (١/ ٦٥)، بحار الأنوار: (٢/ ٢٢٨).","vol":"1","page":80},{"text":"قال المجلسي: (وإذا زالت العدالة بارتكاب ما يقدح فيها، فتعود بالتوبة بغير خلاف ظاهر، وكذلك من حُدّ في معصية ثم تاب رجعت عدالته وقبلت شهادته، ونقل بعض الأصحاب إجماع الفرقة على ذلك) (^١).\nوقال السيد أبو القاسم الخوئي: (ترتفع العدالة بمجرد وقوع المعصية، وتعود بالتوبة والندم، وإنه لا يفرق في ذلك بين الصغيرة والكبيرة) (^٢).\nوقال السيد محمد حسين فضل الله عن عدالة أئمة الجماعات المعاصرين، والذين هم أدنى منزلة ممن أكرمه الله بصحبة رسول الله - ﵌ -: (العدالة ليست العصمة، فقد يعصي المؤمن العادل ثم يتوب بعد انتباهه لذلك، على هدي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١)﴾ [الأعراف: ٢٠١]، وأما كيف تثبت العدالة؟\nفذلك بحسب الظاهر في سلوكه العام في المجتمع، بحيث يرى الناس فيه الإنسان المستقيم في دينه، وفي أخلاقه الفردية، أو الاجتماعية المرتبطة بالحدود الشرعية، كما تثبت بالشياع المفيد للعلم أو الاطمئنان، وبخبر الثقة بعدالته، ولا قيمة لخبر الفاسق في العدالة سلبًا أو إيجابًا) (^٣).\n_________\n(^١) بحار الأنوار: (٨٥/ ٣٠).\n (^٢) منهاج الصالحين: (٢/ ١٢).\n (^٣) المسائل الفقهية: (٢/ ١٧٤).","vol":"1","page":81},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-24>ثانيًا: تشويه سيرة الصحابة ﵃:</span>\nعرفنا أن أعداء الإسلام من المستشرقين والمفرقين لشمل المسلمين في سبيل... سعيهم لإسقاط عدالة الصحابة، استخدموا لتحقيق هذه الغاية كل الوسائل لتشويه صورة الصحابة - ﵃ -، واستحلوا جميع المحرمات بألسنة حدادٍ أشحةٍ على الخير، مما أدى إلى نتائج وخيمة وعواقب أليمة كاستحلال لعن الصحابة وسبهم، وإلصاق كل قبيح بهم مثل: -\n١ - اختلاق القصص، سواء كانت على لسان صحابي أو عدة من الصحابة - ﵃ -.\n٢ - القيام بالزيادة في الحوادث الصحيحة أو النقصان منها، أو بإسنادها كذبًا إلى كتب حديثية غير موجودة فيها.\n٣ - القيام بتأويل الأحداث الصحيحة في آيات القرآن، والأحاديث النبوية الصحيحة تأويلًا باطلًا يتماشى مع أهوائهم ومعتقداتهم وبدعهم، كما قال الله ﷿: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧].\n٤ - التركيز على إظهار أخطاء الصحابة - ﵃ - التي صدرت منهم لقرب عهدهم - في بدء الدعوة والإسلام - بالجاهلية وتأثرهم بشيء منها في أول أمرهم، ومن ثم تغطية محاسنهم وتضحياتهم وجهادهم العظيم، بعد تمكّن التربية والإيمان في قلوبهم.\n٥ - القيام بتأليف أبيات من الأشعار ونسبتها لشخصيات بارزة، والتي تتماشى مع دعوتهم في نشر فتنتهم بين المسلمين وتقويتها، مثلما نُسِب كذبًا وزورًا لأمير المؤمنين - ﵇ - الكثير من الأقوال والأبيات الشعرية (^١)\n_________\n(^١) انظر: بحار الأنوار: (٢٠/ ٧٢، ١١٨، ١٤٦، ٢٣٨، ٢٦٤، ٢١/ ٣٥، ٢٥١)، مستدرك الوسائل: (٨/ ١١٩)، (١٣/ ٧٥).","vol":"1","page":82},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-25>المبحث الخامس:\nالموقف الصحيح (الحق) من أصحاب النبي - ﵌ </span>-\nإن الموقف الصحيح فيما حدث بين أصحاب النبي - ﵌ - هو موقف الاعتدال والوسط بعيدًا عن الإفراط والتفريط، والغلو والجفاء، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣].\nفالواجب علينا أن نتولى جميع أصحاب النبي - ﵌ -، لاسيما السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، وكذلك الذين اتبعوهم بإحسان، ونعرف فضلهم ومناقبهم ودرجاتهم كما ذكر الله ﷿ في كتابه، وما جاء في سنة النبي - ﵌ -، وأن نمسك عما شجر بينهم من خلاف، وأن نعلم أن ما وقع بينهم بعد مقتل خليفة المسلمين عثمان بن عفان - ﵁ - من فتنة وفرقة مرجعه إلى الاجتهاد، إذ كل واحد منهم يظن أنه على الحق دون غيره، مثلما كان يقول أمير المؤمنين علي - ﵇ - لأهل حربه: (إنا لم نقاتلهم على التكفير لهم، ولم نقاتلهم على التكفير لنا، ولكنا رأينا أنّا على الحق ورأوا أنهم على الحق) (^١).\nوعلينا أن نقتدي ونهتدي بهدي الأئمة - ﵈ - في ذلك، فلا نلعن ولا نسب أحدًا من أصحاب النبي - ﵌ - لنكون ممن قال الله تعالى فيهم: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ [الحشر: ١٠].\n_________\n(^١) قرب الإسناد: (ص: ٤٥)، بحار الأنوار: (٣٢/ ٣٢٤).","vol":"1","page":83},{"text":"قال الشيخ محمد علي الصابوني:\nبيَّن تعالى أن من شأن من جاء من بعد المهاجرين والأنصار أن يذكر السابقين بالرحمة والدعاء، فمن لم يكن كذلك بل ذكرهم بسوء فقد كان خارجًا عن جملة أقسام المؤمنين بمقتضى هذه الآيات (^١).\nوقال الشيخ محمد باقر الناصري:\n ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ يعني من بعد المهاجرين والأنصار إلى يوم القيامة\n ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا﴾ أي يدعون ويستغفرون لأنفسهم ولمن سبقهم بالإيمان ﴿وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا﴾ أي حقدًا وغشًا وعداوة للمؤمنين، ولا إشكال أن من أبغض مؤمنا وأراد به السوء لأجل إيمانه فهو كافر، وإذا كان لغير ذلك فهو فاسق (^٢).\nوقال الشيخ محمد السبزواري النجفي:\n ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ يعني من بعد هؤلاء وهؤلاء، وهم سائر التابعين لهم إلى يوم القيامة ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ أي أنهم يدعون لأنفسهم ولمن سبقهم من المؤمنين بالمغفرة والتجاوز عن الذنوب ﴿وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي لا تجعل فيها حقدًا ولا كرهًا ولا غشا، واجعل قلوبنا معصومة عند ذلك لا تحب لهم إلا الخير ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ أي متجاوز عن خطاياهم متعطف عليهم\n_________\n(^١) تفسير صفوة التفاسير: (٣/ ٣٣٣).\n (^٢) تفسير مختصر مجمع البيان، وانظر: تفسير الكاشف، المنير (سورة الحشر: ١٠).","vol":"1","page":84},{"text":"بالرزق والمغفرة (^١).\nولله در الإمام العابد الزاهد زين العابدين - ﵇ - حين سنّ لنا منهجًا مباركًا يسير... عليه أحبابه وشيعته، وذلك لما قدم إليه نفر من أهل العراق، فخاضوا في أبي بكر وعمر وعثمان - ﵃ -، فلما فرغوا من كلامهم، قال لهم: (ألا تخبروني، أنتم من الذين قال الله فيهم ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨)﴾ [الحشر: ٨]؟ قالوا: لا.\nقال: فأنتم من الذين قال الله فيهم: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩]؟ قالوا: لا.\nقال: أما أنتم قد تبرأتم أن تكونوا من أحد هذين الفريقين، وأنا أشهد أنكم لستم من الذين قال الله فيهم: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ [الحشر: ١٠] اخرُجُوا عني، فعل الله بكم) (^٢). انتهى.\nولنتذكر قول المولى سبحانه: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٤)﴾ [البقرة: ١٣٤].\n_________\n(^١) تفسير الجديد (سورة الحشر: ١٠).\n (^٢) كشف الغمة: (٢/ ٧٨).","vol":"1","page":85},{"text":"قال ابن كثير:\n ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ أي: مضت ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ﴾ أي: إن السلف الماضين من آبَائِكُمْ من الأنبياء والصالحين لا ينفعكم انتسابكم إليهم إذا لم تفعلوا خيرًا يعود نفعهُ عليكم، فإن لهم أعمالهم التي عملوها ولكم أعمالكم: ﴿وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (^١)\nوقال محمد جواد مغنية:\nهذه الآية تشير إلى مبدأ عام، وهو أن نتائج الأعمال وآثارها تعود غدًا على العامل وحده، لا ينتفع بها من ينتسب إليه إن تكن خيرًا، كما لا يتضرر بها غيره إن تكن شرًا، وقرر الإسلام هذا المبدأ بأساليب شتى، منها الآية (١٦٤) من سورة الأنعام: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾، ومنها الآية (٣٩) من سورة النجم: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ ... ومنها قول الرسول الأعظم - ﵌ - لوحيدته فاطمة (^٢): (يا فاطمة، اعملي ولا تقولي: إني ابنة محمد فإني لا أغني عنكم من الله شيئًا) وأمثال ذلك، والتبسط في هذا الموضوع إن دل على شيء فإنما يدل على أننا حتى اليوم نجهل أوضح الواضحات، وأظهر البديهيات (^٣).\nوإذا أردت أن ترى المنهج الواقعي في حياة أهل بيت النبي - ﵌ - في إظهار محبة الصحابة والترابط الذي كان بينهم فاقرأ ما يأتي.\n_________\n(^١) تفسير القرآن العظيم: (١/ ٢٣٠).\n (^٢) الثابت ثبوتا قطعيا أنها ليست وحيدته فمعها أم كلثوم، ورقية، وزينب وإن كانت الزهراء أفضلهن.\n (^٣) تفسير الكاشف: (سورة البقرة آية: ١٣٤).","vol":"1","page":86},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-26>المبحث السادس\nالأسماء والمصاهرات بين الصحابة وأهل البيت - ﵈ </span>-\nلم يستطع بعض الجهلة إخفاء الحقائق التاريخية الدالة على ما كان بين الصحابة وأهل البيت - ﵈ - من محبة ومودة فيما بينهم، ومن مظاهر ذلك تسمية بعضهم بأسماء بعض، أو ما وقع بينهم من مصاهرات.\nفهؤلاء الأطهار لم يسموا أو يزوجوا أولادهم لمصالح دنيوية، أو لإدراك مناصب فانية أو طمعًا في كثرة مال وعَرَض، لكنهم إنما سموا أولادهم بأسماء من يُقتدى بحالهم، وزوَّجوا بناتهم أناسًا فيهم صفات طيبة مباركة حرصوا على نيلها مثل سلامة الدين وصفاء القلوب وهذا الحرص كان نابعا من اتباعهم منهج سيد البشر المصطفى - ﵌ - وكانوا يفتون به لشيعتهم المخلصين.\nفعن إبراهيم بن محمد الهمداني قال: (كتبت إلى أبي جعفر؛ في التزويج، فأتاني كتابه بخطه، قال رسول الله - ﵌ -: إذا جاءكم من ترضون خلقه ودينه فزوجوه، ﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (٧٣)﴾ [الأنفال: ٧٣] (^١).\nوفي فقه الإمام الرضا - ﵇ -: (إن خطب إليك رجل رضيتم في دينه وخلقه فزوجوه ولا يمنعك فقره وفاقته، قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء: ١٣٠]) (^٢).\nوعن أبي عبد الله - ﵇ - قال: (إن الله ﷿ لم يترك شيئًا مما يحتاج إليه إلا علمه... نبيه - ﵌ - فكان من تعليمه إياه أنه صعد المنبر ذات يوم، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها\n_________\n(^١) الكافي: (٥/ ٣٤٧)، تهذيب الأحكام: (٧/ ٣٩٦)، وسائل الشيعة: (٢٠/ ٧٧).\n (^٢) فقه الرضا: (ص: ٢٣٥)، مستدرك الوسائل: (١٤/ ١٨٨)، بحار الأنوار: (١٠٠/ ٣٧٢).","vol":"1","page":87},{"text":"الناس: إن جبريل - ﵇ - أتاني عن اللطيف الخبير فقال: إن الأبكار بمنزلة الثمر على الشجر، إذا أدرك ثمارها فلم تجتن أفسدته الشمس ونثرته الرياح، وكذلك الأبكار إذا أدركن ما تدرك النساء فليس لهن دواء إلا البعولة، وإلا لم يؤمن عليهن الفساد لأنهن بشر. قال: فقام إليه رجل فقال: يا رسول الله! فمن أزوج؟ قال: الأكفاء. قال: يا رسول الله! من الأكفاء؟ فقال: المؤمنون بعضهم أكفاء بعض) (^١).\nوقال الصادق - ﵇ -: (الكفو أن يكون عفيفًا وعنده يسار) (^٢).\nوقد حذر العترة - ﵈ - من تزويج أولادهم من النواصب أو أصحاب الكبائر والمعاصي لا سيما الكفار والمنافقين المرتدين.\nفعن أبي عبد الله - ﵇ - قال: (لا يتزوج المؤمن الناصبة المعروفة بذلك) (^٣).\nوعن أبي عبد الله - ﵇ - أنه قال له الفضيل: (أتزوج الناصبة؟ قال: لا، ولا كرامة. قلت: جعلت فداك، والله! إني لأقول لك هذا، ولو جاءني ببيت ملآن دراهم ما فعلت) (^٤).\nوعن أبي عبد الله - ﵇ - أنه قال: (تزوج اليهودية والنصرانية أفضل، أو قال: خير من تزوج الناصب والناصبة) (^٥).\nوعن أحمد بن محمد رفعه قال: قال أبو عبد الله - ﵇ -: (من زوج كريمته من شارب خمر فقد قطع رحمها) (^٦).\n_________\n(^١) الكافي: (٥/ ٣٣٧)، تهذيب الأحكام: (٧/ ٣٩٧)، وسائل الشيعة: (٢٠/ ٦١).\n (^٢) من لا يحضره الفقيه: (٣/ ٣٩٤).\n (^٣) الكافي: (٥/ ٣٤٨)، الاستبصار: (٣/ ١٨٣)، وسائل الشيعة: (٢٠/ ٥٤٩).\n (^٤) الكافي: (٥/ ٣٤٨).\n (^٥) الكافي: (٥/ ٣٥١).\n (^٦) الكافي: (٥/ ٣٤٧)، تهذيب الأحكام: (٧/ ٣٩٨)، وسائل الشيعة: (٢٠/ ٧٩)، عوالي اللآلي: (٣/ ٣٤١).","vol":"1","page":88},{"text":"وقال رسول الله - ﵌ -: (من زوج كريمته بفاسق نزل عليه كل يوم ألف لعنة، ولا يصعد له عمل إلى السماء، ولا يستجاب له دعاؤه، ولا يقبل منه صرف ولا عدل) (^١).\nوقال أبو عبد الله - ﵇ - أيضًا (قال رسول الله - ﵌ -: شارب خمر لا يُزوج إذا خطب) (^٢).\nوقال الرسول - ﵌ -: (من زوج كريمته من شارب خمر فكأنما ساقها إلى الزنا) (^٣).\nوعن الحسين بن بشار الواسطي قال: (كتبت إلى أبي الحسن الرضا - ﵇ -: إن لي قرابة قد خطب إلي، وفي خلقه سوء! قال: لا تزوجه إن كان سيئ الخلق) (^٤).\nفهل يعقل بعد هذا أن يُقدِمَ أهل بيت النبي - ﵌ - على تزويج أولادهم من أناس مطعون في دينهم أو خلقهم بل مرتدين؟!\nومما يدل على مراعاتهم لهذه القضية الهامة نرى أبا بكر وعمر وعثمان ضمن الساعين إلى تزويج فاطمة لعلي ﵃ أجمعين.\nفعن الضحاك بن مزاحم قال: سمعت علي بن أبي طالب - ﵇ - يقول: (أتاني أبو بكر وعمر فقالا: لو أتيت رسول الله - ﵌ - فذكرت له فاطمة) (^٥).\nوهذا نصح من الصحابيين الجليلين للإمام علي - ﵇ - تظهر رغبة الصحابة في مصاهرة علي بن أبي طالب لرسول الله - ﵌ -.\nولما كان علي - ﵇ - معسرًا، قليل ذات اليد، لم يبخل أو يتقاعس عنه إخوانه بشيء عند\n_________\n(^١) إرشاد القلوب: (١/ ١٧٤)، مستدرك الوسائل: (٥/ ٢٧٩).\n (^٢) الكافي: (٥/ ٣٤٨)، تهذيب الأحكام: (٧/ ٣٩٨)، وسائل الشيعة: (٢٠/ ٧٩)، عوالي اللآلي: (٣/ ٣٤١).\n (^٣) مستدرك الوسائل: (١٤/ ١٩١)، عوالي اللآلي: (١/ ٢٧٢).\n (^٤) الكافي: (٥/ ٥٦٣)، من لا يحضره الفقيه: (٣/ ٤٠٩)، وسائل الشيعة: (٢٠/ ٨١)، مستدرك الوسائل: (١٤/ ١٩٢)، بحار الأنوار: (١٠٠/ ٢٣٤).\n (^٥) انظر: أمالي الطوسي: (ص: ٣٩)، بحار الأنوار: (٤٣/ ٩٣).","vol":"1","page":89},{"text":"زواجه، وممن شارك في مساعدة أمير المؤمنين علي - ﵇ - في زواجه من فاطمة الزهراء عثمان بن عفان - ﵁ -.\nيقول أمير المؤمنين علي - ﵇ - راويًا قال لي رسول الله - ﵌ -: (يا أبا الحسن انطلق الآن فبع درعك وأتني بثمنها حتى أهيئ لك ولابنتي فاطمة ما يصلحكما قال علي: فأخذت درعي فانطلقت به إلى السوق فبعته بأربعمائة درهم سود هجرية إلى عثمان بن عفان، فلما قبضت الدراهم منه، وقبض الدرع مني، قال: يا علي! ألست أولى بالدرع منك وأنت أولى بالدراهم مني؟! فقلت: بلى، قال: فإن هذا الدرع هدية مني إليك! فأخذت الدرع والدراهم وأقبلت إلى رسول الله، فطرحت الدرع والدراهم بين يديه وأخبرته بما كان من أمر عثمان، فدعا له النبي - ﵌ - بخير) (^١).\nولم يقتصر الأمر على ذلك، بل أمر النبي - ﵌ - بعض الصحابة بأن يشتروا للزهراء ما تحتاجه للعرس بإشراف من أبي بكر الصديق - ﵁ - (^٢).\nفالخلفاء الثلاثة - ﵃ - خاصة، وغيرهم من الصحابة، ممن ساهم واشترك بل وممن أشهدهم النبي - ﵌ - على زواج الإمام علي - ﵇ - من فاطمة الزهراء بنت رسول الله - ﵌ - كان لهم الدور الفعال في إتمام هذا الزواج المبارك.\nقال أنس - ﵁ -: قال - ﵌ -: (انطلق فادع لي أبا بكر وعمر وعثمان وعليًا وطلحة والزبير وبعددهم من الأنصار، قال: فانطلقت فدعوتهم له، فلما أخذوا مجالسهم قال: إني أشهدكم أني قد زوجت فاطمة من علي، على أربعمائة مثقال من فضة) (^٣).\n_________\n(^١) انظر كشف الغمة: (١/ ٣٥٨)، بحار الأنوار: (٤٣/ ١٣٠).\n (^٢) انظر: أمالي الطوسي: (ص: ٤٠)، بحار الأنوار: (٤٣/ ٩٤).\n (^٣) كشف الغمة: (١/ ٣٤٨)، بحار الأنوار: (٤٣/ ١١٩).","vol":"1","page":90},{"text":"ولا يخفى عليك -أيها القارئ الكريم- أن أهل البيت - ﵈ - من أحرص الناس على تزويج أولادهم من أهل الصلاح والتقى، وهم كذلك من أبعد الناس عن تزويج أولادهم للفساق والمنافقين ولا سيما النواصب والمرتدين، ومن ادعى أنهم زوجوا مرتدًا أو منافقًا أو فاسقًا فقد أعظم عليهم الفرية، واتهمهم بمخالفة أفعالهم أقوالهم وهو شيء مقته الله على بني إسرائيل وعلى غيرهم، قال ﵎: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٤٤)﴾ [البقرة: ٤٤]، والمحب يجلّ أهل البيت - ﵈ - من هذه الصفة، ويعتقد في حقهم أنهم ما زَوَّجوا إلا عدلًا صالحًا.\nوإليك أيها القارئ بعضًا من مصاهرات وأسماء أولاد أهل البيت - ﵈ -، لتعلم مقدار التداخل بين العترة والصحابة الدال على الحب والوفاق والود؛ لأنهم - ﵈ - يعتقدون صلاح أصحاب رسول الله - ﵌ - فزوجوهم، وتزوجوا منهم، وسموا أبناءهم بأسمائهم.\n١) الرسول - ﵌ -:\nمن زوجاته: عائشة بنت أبي بكر الصديق.\nحفصة بنت عمر بن الخطاب.\nرمله بنت أبي سفيان.\nأسماء من صاهروه: علي بن أبي طالب: وقد تزوج ابنته (فاطمة).\nعثمان بن عفان: وقد تزوج ابنتيه (رقية) ثم (أم كلثوم).\nأبو العاص بن الربيع، وقد تزوج ابنته (زينب).\n٢) علي بن أبي طالب - ﵇ -:\nمن زوجاته - بعد وفاة فاطمة ﵇-:\nأسماء بنت عميس (أرملة أبي بكر الصديق).","vol":"1","page":91},{"text":"أمامة بنت أبي العاص بن الربيع (أمها زينب بنت النبي - ﵌ -).\nمن أولاده: أبو بكر، عمر، عثمان.\nأسماء من صاهروه: عمر بن الخطاب، وقد تزوج ابنته (أم كلثوم).\nعبد الرحمن بن عامر بن كريز الأموي، وقد تزوج ابنته (خديجة).\nمعاوية بن مروان بن الحكم، وقد تزوج ابنته (رملة).\nالمنذر بن عبيدة بن الزبير بن العوام، وقد تزوج ابنته (فاطمة).\n٣) عقيل بن أبي طالب: من أولاده: عثمان\n٤) الحسن بن علي بن أبي طالب:\nمن زوجاته: أم إسحاق بنت طلحة بن عبيد الله التيمي.\nحفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر.\nمن أولاده: أبو بكر، عمر، طلحة.\nأسماء من صاهروه: عبد الله بن الزبير بن العوام، وقد تزوج ابنته (أم الحسن).\nعمرو بن الزبير بن العوام، وقد تزوج ابنته (رقية).\nجعفر بن مصعب بن الزبير، وقد تزوج ابنته (مليكة).\n٥) الحسين بن علي بن أبي طالب:\nمن زوجاته: ليلى بنت أبي مرة (أمها ميمونة بنت أبي سفيان).\nأم إسحاق بنت طلحة بن عبيد الله التيمي (^١).\nمن أولاده: أبو بكر، عمر.\nأسماء من صاهروه: عبدالله بن عمرو بن عثمان بن عفان، وقد تزوج ابنته (فاطمة).\nمصعب بن الزبير بن العوام، وقد تزوج ابنته (سكينة).\n_________\n(^١) وكان أخوه الحسن قد أوصاه عند موته أن ينكح أم إسحاق.","vol":"1","page":92},{"text":"٦) إسحاق بن جعفر بن أبي طالب:\nمن زوجاته: أم حكيم بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق.\n٧) عبد الله بن جعفر بن أبي طالب:\nمن أولاده: أبوبكر ومعاوية\nصاهره: عبدالملك بن مروان، وقد تزوج ابنته (أم أبيها)\n٨) علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (زين العابدين) ويكنى بأبي بكر (^١):\nمن أولاده: عمر.\n٩) زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب:\nصاهره: الوليد بن عبد الملك بن مروان، وقد تزوج ابنته (نفيسة).\n١٠) الحسين بن الحسن بن علي بن أبي طالب:\nمن زوجاته: أمينة بنت حمزة بن المنذر بن الزبير بن العوام.\n١١) الحسن (المثنى) بن الحسن بن علي بن أبي طالب:\nمن زوجاته: رملة بنت سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل العدوي.\nصاهره: الوليد بن عبد الملك بن مروان وقد تزوج ابنته (زينب).\n١٢) محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب:\nمن أولاده: عمر.\n١٣) محمد (الباقر) بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب:\nمن زوجاته: أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق.\n_________\n(^١) فرق الشيعة للنوبختي: (ص: ٥٣).","vol":"1","page":93},{"text":"١٤) موسى (الجون) بن عبد الله المحض بن الحسن بن علي بن أبي طالب:\nصاهره: ابن أخي المنصور العباسي، وقد تزوج ابنته (أم كلثوم).\n١٥) الحسين الأصغر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب:\nمن زوجاته: خالدة بنت حمزة بن مصعب بن الزبير بن العوام\n١٦) عبيد الله بن محمد بن عمر (الأطرف) بن علي بن أبي طالب:\nمن زوجاته: عمة أبي جعفر المنصور.\n١٧) جعفر بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب:\nمن أولاده: عمر\n١٨) الحسن بن علي بن الحسن بن علي بن أبي طالب:\nمن أولاده: عمر\n١٩) جعفر (الصادق) بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب:\nقال الإمام الصادق - ﵇ -: (ولدني أبو بكر مرتين) (^١)، وكان يقال له: (عمود الشرف) (^٢).\n٢٠) الحسن (الأفطس) بن علي بن علي زين العابدين بن الحسين:\nمن زوجاته: بنت خالد بن أبي بكر بن عبدالله بن عمر بن الخطاب\n٢١) محمد بن عمر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب:\nمن أولاده: عمر\n_________\n(^١) أي من قبل أمهاته: فأمه أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وجدته والدة أم فروة هي: أسماء بنت عبدالرحمن بن أبي بكر. انظر كشف الغمة: (٢/ ١٦١).\n (^٢) سر السلسلة العلوية: (٣٣) عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب: (١٩٥).","vol":"1","page":94},{"text":"٢٢) موسى بن عمر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب:\nمن زوجاته: عبيدة بنت الزبير بن هشام بن عروة بن الزبير بن العوام.\n٢٣) عبدالله بن الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب:\nمن زوجاته: أم عمرو بنت عمرو بن الزبير بن عروة بن عمر بن الزبير\n٢٤) محمد بن عوف بن علي بن محمد بن علي بن أبي طالب:\nمن زوجاته: صفية بنت محمد بن مصعب بن الزبير\n٢٥) محمد بن عبدالله بن الحسن المثنى بن الحسن بن علي بن أبي طالب:\nمن زوجاته: فاختة بنت فليح بن محمد بن المنذر بن الزبير\n٢٦) موسى الجون بن عبد الله بن الحسن المثنى بن الحسن بن علي بن أبي طالب:\nمن زوجاته: أم سلمة بنت محمد بن طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق.\n٢٧) جعفر بن عمر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب:\nمن زوجاته: فاطمة بنت عروة بن الزبير بن العوام.\n٢٨) عبد الله بن الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب:\nمن زوجاته: أم عمرو بنت عمرو بن الزبير بن عروة بن الزبير بن العوام.\n٢٩) الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب:\nمن أولاده: عمر\n٣٠) علي بن الحسين بن علي بن عمر بن علي بن أبي طالب:\nمن أولاده: عمر","vol":"1","page":95},{"text":"٣١) موسى (الكاظم) بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي:\nمن أولاده: عمر، عائشة.\n٣٢) يحيى بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب:\nمن أولاده: عمر.\n٣٣) علي (الرضا) بن موسى بن جعفر الصادق. ويكنى بأبي بكر (^١):\nمن زوجاته: أم حبيب بنت المأمون العباسي\nله من الأولاد خمسة ذكور وبنت واحدة واسمها: عائشة (^٢).\n٣٤) جعفر بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق:\nمن بناته: عائشة.\n٣٥) محمد (الجواد) بن علي بن موسى بن جعفر:\nمن زوجاته: أم الفضل بنت المأمون العباسي (^٣).\n_________\n(^١) ذكر النوري الطبرسي في كتابه / النجم الثاقب في ألقاب وأسماء الحجة الغائب: ١٤ - أبو بكر وهي إحدى كنى الإمام الرضا كما ذكرها أبوالفرج الأصفهاني في مقاتل الطالبيين.\n (^٢) كشف الغمة: (٢: ٢٦٧)\n (^٣) ذكر الشيخ / محمد تقي التستري في كتابه: تواريخ النبي والآل (ط - مؤسسة النشر الإسلامي - قم - ملحق بقاموس الرجال): وأما أزواج الرضا ﵇: فلم نقف على ذكر غير أم حبيب بنت المأمون، كما روى في العيون (عيون أخبار لرضا ﵇ ٢: ١٤٥، الباب: ٤٠، ح ١٩). وأما الجواد ﵇: فلم نقف أيضا على ذكر غير أم الفضل بنت المأمون أيضا.","vol":"1","page":96},{"text":"٣٦) علي (الهادي) بن محمد بن علي بن موسى:\nمن بناته: عائشة (^١).\nوهذا الترابط والتلاحم الأسري المبارك، بين آل بيت النبي - ﵌ - وبين الصحابة وغيرهم في التزاوج، وتسمية بعضهم بأسماء بعض، وكثرة المصاهرات بينهم، إنما تدل دلالة واضحة على مودتهم لبعضهم بعضًا، واستقامة دينهم ومنهجهم، وسلامة قلوبهم وألسنتهم فيما بينهم، لا كما يروج أصحاب الفتن والبغضاء، فتنبه رعاك الله.\n_________\n(^١) ومن أراد الإطلاع على هذه الحقائق فعليه أن يقرأ الكتب التي تتطرق للأنساب، وهي كالتالي:\n (عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب لابن عنبة، الأصيلي في أنساب الطالبيين لابن الطقطقي، سر السلسلة العلوية لأبي نصر البخاري، الإرشاد للشيخ المفيد، منتهى الآمال للشيخ عباس القمي، تراجم أعلام النساء لمحمد حسين الأعلمي الحائري، كشف الغمة في معرفة الأئمة للأربلي، الأنوار النعمانية لنعمة الله الجزائري، أعيان النساء للشيخ محمد رضا الحكيمي، تاريخ اليعقوبي لأحمد بن أبي يعقوب بن جعفر بن وهب بن واضح، بحار الأنوار محمد باقر المجلسي، مقاتل الطالبيين لأبي فرج الأصفهاني، أنساب الأشراف للبلاذري، نسب قريش لمصعب الزبيري).","vol":"1","page":97},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-27>المبحث السابع\nسؤال وجواب</span>\nنقدم لك - أيها القارئ الكريم - ونضع بين يديك مجموعة من التساؤلات والاستفسارات نسمعها وتسمعها من حين لآخر يضعها الغلاة وأهل الشبه، ممن يريدون أن يقذفوا بأحقادهم، وينفثوا بسمومهم في عقول المسلمين، ليستبيحوا الطعن في من صحبوا رسول الله - ﵌ - من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار الذين ﵃ في صريح الكتاب، الذين أفنوا زهرة شبابهم في سبيل الله، حبا لله ورسوله وجهادًا في سبيله وبادلهم الرسول - ﵌ - هذا الحب وتوفاه الله وهو عنهم راضٍ.\nهل يعقل أنهم بعد كل هذه التضحيات، يحبطون ثوا ب جهادهم وحجهم وعبادتهم مع رسول الله - ﵌ - من أجل البيعة لأبي بكر ولو كان مصيرهم بعد ذلك خلود في النار!\nإن مثل هذا الأمر لا يصدر من مسلم تربى في مدرسة رسول الله - ﵌ -، والذين يبثون هذه الروايات المكذوبة يريدون من ورائها أن يقطعوا الصلة بين المسلمين وذلك الجيل المشرق الذي صحب رسول الله - ﵌ - الله ويجهل هؤلاء أن طعنهم لا يضر تلك الجبال الراسية\nكناطح صخرة يومًا ليوهنها... فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل\nوما ستقع عليه عيناك هي مجموعة من هذه الشّبه التي يتعلق بها هؤلاء الذين غفلوا عن حقائق تاريخنا الإسلامي المشرق تجاه من سبقنا في اتباع منهج النبي - ﵌ -، وقد جعلت هذه الشّبهات على شكل أسئلة يلحق كل سؤال الجواب عليه ليستبين الحق بإذن الله تعالى.","vol":"1","page":99},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-28>السؤال الأول: «القول بردة الصحابة»:</span>\nكيف يمكن لنا أن نقول بعدالة الصحابة جميعًا، والله ﵎ قد صرح بردتهم جميعًا بعد وفاة نبيه إلا ثلاثة منهم (^١)، مثلما جاء في قوله ﵎: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (١٤٤)﴾ [آل عمران: ١٤٤].\nالجواب:\nأولًا: يجب على القارئ لكتب التفسير أن يختار من يقرأ له من المفسرين، فيتحرى أصحاب العقائد الصحيحة، ممن شهد له العلماء المجتهدون بالعلم والفضل، ويكون على إلمام بأصول التفسير كأسباب نزول القرآن، والناسخ والمنسوخ، والخاص والعام، وغيره حتى لا يفسر أو يؤّول كلام الله تعالى من غير علم.\nثانيًا: ذكر علماء التاريخ، وكذا المفسرون أن تلك الآية نزلت في واقعة محددة معلومة وهي انهزام المسلمين في غزوة أحد، وكانت هذه الواقعة من أوائل الغزوات التي قاتل فيها المسلمون، فكيف يكون ما نَزَل من القرآن في بداية الهجرة، وفي حادثة معينة محددة، دليلًا على ردة الصحابة بعد وفاة النبي - ﵌ -؟!\nقال ابن كثير في تفسيره: لما انهزم من انهزم من المسلمين يوم أحد وقتل من قتل منهم، نادى الشيطان: ألا إن محمدا قد قتل، ورجع ابن قَمِيئَةَ إلى المشركين، فقال لهم: قتلت محمدا، وإنما كان قد ضرب رسول الله - ﵌ - فشجه في رأسه، فوقع ذلك في قلوب كثير من الناس واعتقدوا أن رسول الله - ﵌ - قد قتل، وجوزوا عليه ذلك، ... فحصل ضعف ووهن\n_________\n(^١) انظر: رجال الكشي: (ص: ١١)، بحار الأنوار: (٢٨/ ٢٥٩) (٧١/ ٢٢٠)، الاختصاص (ص ٦).","vol":"1","page":101},{"text":"وتأخر عن القتال، ففي ذلك أنزل الله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ أي له أسوة بهم في الرسالة وفي جواز القتل عليه (^١)\nوقال الشيخ ناصر مكارم الشيرازي في تفسيره: سبب النزول، أن الآية الأولى من هاتين الآيتين ناظرة أيضًا إلى حادثة أخرى من حوادث معركة أحد، وهي الصيحة التي ارتفعت فجأة في ذروة القتال بين المسلمين والوثنين: أن قتلت محمدًا، قتلت محمدًا (^٢).\nوقال محمد جواد مغنية في تفسيره: تشير هذه الآية إلى واقعة معينة وهي واقعة أحد (^٣).\nثالثًا: سياق الآية لا يدل على ردة الصحابة، بل فيه معاتبة وإرشاد من الله ﷿ للصحابة على ما كان منهم من هلع وجزع في غزوة أحد، عندما قيل لهم: إن النبي - ﵌ - قد قُتل، فيخبر الله هؤلاء النفر: أن محمدًا بشر، اختاره الله لرسالته إلى خلقه وقد مضت قبله رسل، بعثهم الله لأقوامهم فأدوا الرسالة ومضوا وماتوا وقُتل بعضهم، وأنه - ﵌ - حاله كحال الرسل في الحياة والممات فقال تعالى مبيًا هذا المعنى بصيغة الاستفهام الإستنكاري: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٤] فمعناه: أفإن أمات الله نبيه، أو قتله الكفار ارتددتم كفارًا بعد إيمانكم؟! فسمي الارتداد انقلابًا على العقب: وهو الرجوع القهقرى لأن الردة رجوع إلى أقبح الأديان، كما أن الانقلاب رجوع عن الإقدام، والألف في قوله ﴿أَفَإِنْ مَاتَ﴾: ألف إنكار، صورته صورة الاستفهام، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (٣٤)﴾ [الأنبياء: ٣٤]، فهذه الآية ليست إخبارًا من الله بخلود\n_________\n(^١) تفسير القرآن العظيم: (٢/ ١١١).\n (^٢) تفسير الأمثل: (٢/ ١٦٩).\n (^٣) تفسير الكاشف: (٢/ ٥٥٤).","vol":"1","page":102},{"text":"الصحابة بعد موت النبي - ﵌ -، كما أن الآية الأولى ليست إخبارًا بردتهم بعده - ﵌ -.\nرابعًا: كيف نحكم على من انهزم من الصحابة بالردة وقد عفا الله عنهم بقوله:\n ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٥٥)﴾ [آل عمران: ١٥٥]؟!\nخامسًا: إن هذه الآية تذكرنا بموقف أبي بكر الصديق - ﵁ -، وشجاعته وقوة تعلقه بالله واستحضاره للأدلة القرآنية عند المواقف العصبية بعد موت رسول الله - ﵌ - بقوله: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (١٤٤)﴾ [آل عمران: ١٤٤]، حينما كان... أصحاب النبي - ﵌ - في صدمة من شدة الموقف، فمنهم من أنكر موت النبي - ﵌ - كعمر بن الخطاب - ﵁ - لشدة تعلق قلبه بحبيبه، ومنهم من التزم الصمت بسبب موت النبي - ﵌ -.\nسادسًا: من المعلوم أن الذي يرتد عن الإسلام بعد وفاة النبي - ﵌ - لا يقال عنه صحابي لأن الصحابي في الشرع كما أسلفنا هو من لقي النبي مؤمنًا به ومات على الإسلام، والذي يرتد عن الإسلام لا يكون منهم إلا إذا رجع إلى الإسلام من جديد.\nواختم هذا المبحث بتساؤل مهم ألا وهو: كيف يأتي الثناء العام من الله ﷾ - مثلما مرَّ معنا سابقًا - وكذا أهل بيت النبي - ﵌ - على عموم الصحابة، ثم يقع التغيير المخالف لهذه الأقوال المباركة... أليس هذا فيه طعن في علم الله السابق وأيضًا لعلم أهل بيت النبي - ﵌ - المستمد من كتاب الله وهدي المصطفى - ﵌ -؟!","vol":"1","page":103},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-29>السؤال الثاني: «حديث الحوض»:</span>\nكيف يمكن لنا أن نحكم على عدالة وصدق من حكم الله على ردتهم وتبديلهم لدينهم يوم القيامة، مثلما هو وارد في حديث الحوض، والذين قال فيهم النبي - ﵌ -: (أصحابي أصحابي)، ثم أتاه الجواب الحاسم من ربه: إنهم لم يزالوا مرتدين منذ فارقتهم؟\nالجواب:\nأنه وفقًا لما سبق بيانه من تعريف وتوضيح للمقصود (بالصحابي) فإن أهل البيت - ﵈ - والصحابة لما سمعوا حديث النبي - ﵌ - (الحوض) زادهم ذلك خوفًا من النفاق، فجدوا في إخلاص العمل لله تعالى، رغم أنهم يعلمون أن المقصود من قول النبي - ﵌ - (أصحابي أصحابي) أُناسٌ لهم أوصاف معلومة مخالفة لمنهج الحق هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى يمكن توجيه هذا الحديث إلى أن المراد (بالصحابي) أحد الأصناف التالية:\nأولًا: أن المراد بالأصحاب هنا هم المنافقون الذين كانوا يظهرون الإسلام في عهد... النبي - ﵌ -، كما قال الله ﵎: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١)﴾ [المنافقون: ١].\nوالمنافقون فيهم من عَلِمَ النبي - ﵌ - باطنه - وهم الأكثر- وفيهم من لم يعلمه وأولئك الذين قال فيهم النبي - ﵌ -: (أصحابي أصحابي) كانوا من المنافقين الذين خفي باطنهم على النبي - ﵌ -، كما قال تعالى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ (١٠١)﴾ [التوبة: ١٠١].","vol":"1","page":105},{"text":"فالذين قال فيهم (أصحابي) عند الحوض كانوا من المنافقين المتواجدين في المدينة والذين كان يظن - ﵌ - أنهم من الصحابة، ولم يكونوا كذلك، لعدم معرفته - ﵌ - للغيب وأحوال الناس الباطنة، وكان الحكم الشرعي يقتضي الحكم على الظاهر فقط.\nثانيًا: قد يكون المراد بالأصحاب هنا أولئك الذين ارتدوا بعد وفاة النبي - ﵌ -، كحال الكثير من العرب المرتدين، وممن أسلموا في السنوات الأخيرة.\nروى المجلسي في البحار عن السيد ابن طاوس أنه قال: ذكر العباس بن عبد الرحيم المروزي في تاريخه: لم يلبث الإسلام بعد فوت النبي - ﵌ - في طوايف العرب إلا في أهل المدينة وأهل مكة وأهل الطائف، وارتد ساير الناس.\nثم قال: ارتد بنو تميم والرباب واجتمعوا على مالك بن نويرة اليربوعي، وارتدت ربيعة كلها، وكانت لهم ثلاث عساكر، باليمامة مع مسيلمة الكذاب، وعسكر مع معرور الشيباني وفيه بنو شيبان وعامة بكر بن وايل وعسكر مع الحطيم العبدي، وارتد أهل اليمن ارتد الأشعث بن قيس في كندة، وارتد أهل مأرب مع الأسود العنسي وارتد بنو عامر إلا علقة بن علاثة (^١).\nثالثًا: قد يراد بكلمة (أصحابي) كل من صحب النبي - ﵌ - على هذا الطريق القويم، ولو لم يره، ويدل على هذا رواية: (أمتي، أمتي) ورواية: (إنهم أمتي).\nوأما قول النبي - ﵌ -: (أعرفهم)، فالنبي - ﵌ - قد بين أنه يعرف هذه الأمة من آثار الوضوء، وهذا كما قال الله ﷿ على لسان النبي - ﵌ -: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (٣٠)﴾ [الفرقان: ٣٠] فالنبي - ﵌ - لا يقصد بالقوم أصحابه ومن كان في\n_________\n(^١) بحار الأنوار (٢٨/ ١١).","vol":"1","page":106},{"text":"زمنه، بل هذا تحذير عام لجميع أمته من هجرهم القرآن بعده، فهؤلاء هم الذين يقول فيهم النبي - ﵌ -: (أصحابي أصحابي). فيقال له: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك.. أي: إنهم لم يزالوا مرتدين على أدبارهم منذ فارقتهم.\nوخلاصة ما سبق:\nيمكن القول بأن أهل البيت - ﵈ - قد فهموا مراد النبي - ﵌ - من الحديث، وهذا الفهم منهم ظهر جليًا في حياتهم بأقوالهم وأفعالهم مع الصحابة وذلك من خلال توثيق الصلة بهم تجلى ذلك في المصاهرات بين الصحابة وأهل البيت وهو أمر يدل على شيوع المحبة والمودة بينهم، كما أنه لم يثبت عن أي أحدٍ من أهل بيت النبي - ﵌ - أنه أطلق كلمة النفاق على أحدٍ من الصحابة - ﵃ -، وهذا فيه دلالة صادقة منهم على ترابطهم مع الصحابة بعيدًا عن المنافقين.","vol":"1","page":107},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-30>السؤال الثالث: «القول بذم الله طائفة من الصحابة»:</span>\nكيف تقول بعدالة الصحابة، والله قد ذمهم في عدة مواضع في كتابه بآيات صريحة:\nمثل قوله سبحانه عند تثاقلهم عن الجهاد: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (٣٨)﴾ [التوبة: ٣٨].\nوجاء وعيد الله وتحذيره لهم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٥٤)﴾ [المائدة: ٥٤].\nوأيضًا ذم الله عدم خشوع قلوبهم لذكره، كما في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (١٦)﴾ [الحديد: ١٦].\nأو عند تركهم للنبي - ﵌ - عند قدوم التجارة، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١)﴾ [الجمعة: ١١].\nالجواب:\nأولًا: يجب على المسلم أن يكون باحثًا عن الحق تاركًا للتعصب الفكري، طالبًا للهداية كما نقرأ في صلاتنا قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ [الفاتحة: ٦]، وأن يجتنب الباطل ولو كان صادرًا من عالم أو شيخ يقلده؛ لأن الله ذم أهل التعصب، الذين قالوا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا","vol":"1","page":109},{"text":"آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣)﴾ [الزخرف: ٢٣].\nثانيًا: لا بد أن نعلم أن أصحاب النبي - ﵌ - غير معصومين من الخطأ، والإسلام حفظهم من رذائل الجاهلية التي كانت متفشية في مجتمعاتهم.\nفلما أتاهم النبي - ﵌ - داعيًا إلى توحيد الله بفعل الطيبات، وترك ما كانوا عليه من مفاسد، استجابوا له وآمنوا به اختيارًا منهم، فَعَلَّمهم الله وَوَجَّههم إلى الخير والصلاح ونهاهم وحذرهم من المحرمات، فكان يناديهم في كتابه العزيز بقوله ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾.\nفالصحابة - ﵃ - قد تعلموا عن طريق الأخطاء الناتجة من بعضهم بسبب جهلهم بهذا الدين الجديد أو تأثرهم بالجاهلية، وهذا يشمل الصحابة من أهل بيت النبي - ﵌ - كالعباس وحمزة وجعفر الطيار وغيرهم من الصحابة من غير أهل البيت.\nوهذه الأوامر والنواهي والتحذيرات لم ولن تختص بأصحاب النبي - ﵌ - فقط بل هي حجة على الأمم المتبعة لهدي المصطفى - ﵌ -، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.\nثالثًا: لنفترض جدلًا أننا وإن لم نفهم القرآن ونفقه تفسيره، ماذا سيكون جوابنا حينما يقول لنا أحد المستشرقين المتعصبين: إن نبي الإسلام محمد بن عبد الله يطيع الكفار والمنافقين مثلما جاء في القرآن: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١)﴾ [الأحزاب: ١].\nبل يدعي على ديننا فيقول: إن نبيكم يحلل ما حرمه الله فقط لإرضاء زوجاته، مثل ما في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١)﴾ [التحريم: ١]، أو أن نبيكم كان يريد أن يصلي على المنافقين ليترحم عليهم: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ","vol":"1","page":110},{"text":"مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (٨٤)﴾ [التوبة: ٨٤] فلابد أن يكون جوابك أيها المحب بأن النبي - ﵌ - لا يعصي ربه فيما أمره به والآيات تفيد بأن الله تعالى يعلّم نبيه شرعه ودينه ليبلغه للناس، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥)﴾ [الأحزاب: ٤٥].\nرابعًا: ما جوابنا حينما يقول لنا ناصبي مبغض لأهل بيت النبي - ﵌ -: لماذا لم يقاتل النبي المنافقين ويغلظ عليهم، وقد أمره الله بذلك في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾؟\nثم لماذا لم يجاهد علي بن أبي طالب المرتدين والمنافقين من الصحابة بعد النبي - ﵌ - خاصة الذين غصبوا خلافته؟ (كما يزعم الغلاة).\nفهل عاملهم بغلظة كما ورد في الآية الكريمة؟! أم خالف القرآن وعامل الصحابة بلين ونصح ومشورة كما ثبت في التاريخ؟! أليس ما فعله النبي - ﵌ - وأمير المؤمنين - ﵇ - مخالف للقرآن؟!\nخامسًا: ما جوابنا حينما يسألنا الناصبي ويقول: إن عليا - ﵇ - هو المعني بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ [الممتحنة: ١]\nلأنه خالف القرآن واتخذ أعداء الله أولياء له! واستدل الناصبي لطعنه الباطل بظاهر القرآن والروايات الواردة عن النبي - ﵌ - أنه قال: (ما أنزل الله ﷿ آية وفيها قوله: ... ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلا وعلي - ﵇ - رأسها وأميرها) (^١).\n_________\n(^١) انظر اليقين في إمرة أمير المؤمنين: (ص: ١٧٤، ١٧٧)، بحار الأنوار: (٤٠/ ٢١).","vol":"1","page":111},{"text":"واستدل أيضًا بما ثبت في صحيفة الإمام الرضا - ﵇ - أن النبي - ﵌ - قال: (ليس في هذا القرآن ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلا في حقنا) (^١)، ثم يقول هذا الناصبي: إذًا: إن عليًا في رأس هذه الآية وغيرها!.\nألا يستحق هذا الناصبي أن نقول إنه أظهر عداوته وطعنه في أمير المؤمنين - ﵇ - وانكشف حقده الدفين على أهل السبق في الإسلام الذين عرفوا بجهادهم مع... رسول الله - ﵌ - والذين هم أقرب الناس إليه وأحبهم إلى قلبه من أمثال أمير المؤمنين... علي - ﵇ -.\nكما نقول: إن هذا الكلام باطل وتحريف كتحريف اليهود الذين يحرفون الكلم عن مواضعه وهو زيغ في قلوب الذين يتبعون المتشابه من الكلم، كما لايليق بأصحاب النبي - ﵌ - أن نصفهم بالردة والنفاق لأن ذلك يعد تحريفًا لكلام الله، وخلافا لظاهر القرآن، وخلافا لسنة النبي - ﵌ -، ومناف لمقتضى تكريم الله لنبيه - ﵌ -، حيث خصه بصحب كرام يرضى عنهم، كما أنه مخالف للعقل السليم وواقع الحال.\n_________\n(^١) المناقب: (٣/ ٥٣)، البرهان (سورة البقرة آية: ١٥٣).","vol":"1","page":112},{"text":"السؤال الرابع: «القول بمخالفة الصحابة أمر النبي - ﵌ - في صلح الحديبية»:\nكيف تقول بعدالة الصحابة، وهم قد عارضوا النبي - ﵌ - في صلح الحديبية، بسبب عصيانهم لأمره، عندما أمرهم أن يحلقوا وينحروا فلم يستجيبوا لأمره؟ بل إن عمر صرح بالمعارضة لقرار النبي - ﵌ - في اتفاقه وصلحه مع المشركين فقال للنبي: (ألست نبي الله حقا؟ قال: بلى، قال عمر: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى، فقال عمر: فلم نعط الدنية من ديننا إذًا)؟\nالجواب:\nأولًا: يجب على المسلم ألا يقذف التهم جزافًا من غير تبيين وتمحيص لأسباب الحوادث وينبغي عليه أن يكون منصفًا إن أراد الحق، ولا يشنع ويقسو ابتداءً على أحد، وخاصة أصحاب النبي - ﵌ - بغير علم، ولابد أن يعرف مقدار حب الصحابة لنبيهم، والذي تجلى واضحًا في أحوال ومناسبات عديدة، ومنها مبادرتهم إلى التبرك بأثره - ﵌ - من أخذ فضل وضوئه، ولم يكن ليبصق - ﵌ - بصاقًا ولا يتنخم نخامة إلا ويتلقونها بأكفهم فيدلكوا بها وجوههم وأجسادهم، ولم تسقط منه شعرة - ﵌ - إلا ويبتدرون إلى أخذها لنيل البركة منه مثلما جاء في رواية عروة بن مسعود (^١).\nثانيًا: الصحابة في صلح الحديبية لم يعصوا النبي - ﵌ - عندما أمرهم، بل كان لهم شوق عظيم لبيت الله الحرام، فتمنوا عندما أمرهم النبي - ﵌ - بقطع العمرة والتحلل بحلق رؤوسهم لو يغيّر النبي - ﵌ - من حكمه، أو ينزل الله ﵎ شيئًا من الوحي يأمر... نبيه - ﵌ - بأن يدخل مكة، فانتظروا جميعهم (بلا استثناء) لعل شيئًا من ذلك يقع!، ولذلك تمهلوا قليلًا في تنفيذ أمر النبي - ﵌ - رغبة في حدوث مثل هذا الرجاء، فلما خرج النبي - ﵌ -\n_________\n(^١) انظر: (ص: ٣٠) من هذا الكتاب.","vol":"1","page":113},{"text":"عليهم حالقًا وناحرًا هديه، علم الصحابة يقينًا حينئذ انقضاء رجائهم، وتحقق الأمر، فاستجابوا مباشرة عند ذلك لأمر الله ورسوله - ﵌ - فحلقوا رؤوسهم ونحروا هديهم دون تردد منهم فأنزل الله ﵎ فيهم:\n ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (١٨)﴾ [الفتح: ١٨].\nثالثًا: عمر بن الخطاب - ﵁ - لم يعارض قرار النبي - ﵌ - في الصلح، بل كان يتباحث معه ويشاوره في أمر الأمة، مثلما كانت عادة النبي - ﵌ - في مشاورته للصحابة وخاصة الكبار منهم، حيث إن المشاورة سنة يمتثلها النبي - ﵌ - مع أصحابه بأمر من الله ﷿، لما جاء في قوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩].\nقال أبو جعفر الطبري:\nوأولى الأقوال بالصواب في ذلك أن يقال: إن الله ﷿ أمرَ نبيه - ﵌ - بمشاورة أصحابه فيما حزبه من أمر عدوه ومكايد حربه، تألُّفًا منه بذلك من لم تكن بصيرته بالإسلام البصيرةَ التي يُؤْمَنُ عليه معها فتنة الشيطان وتعريفًا منه أمته مأتى الأمور التي تحزُبهم من بعده ومطلبها، ليقتدوا به في ذلك عند النوازل التي تنزل بهم، فيتشاوروا فيما بينهم، كما كانوا يرونه في حياته - ﵌ - يفعله.\nفأما النبي - ﵌ -، فإن الله كان يعرِّفه مطالب وجوه ما حزبه من الأمور بوحيه أو إلهامه إياه صوابَ ذلك. وأما أمته، فإنهم إذا تشاوروا مستنِّين بفعله في ذلك، على تصادُقٍ وتأخٍّ للحق، وإرادةِ (^١).\n_________\n(^١) تفسير جامع البيان: (٧/ ٣٤٥).","vol":"1","page":114},{"text":"وقال الفيض الكاشاني عن قوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾: في أمر الحرب وغيره، مما يصح أن يشاور فيه، استظهارًا برأيهم، وتطييبًا لنفوسهم، وتمهيدًا لسنة المشاورة للأمة عن النبي - ﵌ - لا وحدة أوحش من العُجب، ولا مظاهرة أوثق من المشاورة. وجاء في نهج البلاغة: (من استبد برأيه هلك، ومن شاور الرجال شاركها في عقولها، وفي الاستشارة عين الهداية، وقد خاطر من استغنى برأيه). وفي الخصال عن الصادق - ﵇ -: (وشاور في أمرك الذين يخشون الله). اهـ (^١).\nوفي تلك الحادثة أخذ النبي - ﵌ - مشورة عمر بن الخطاب - ﵁ -، في إرسال عثمان بن عفان - ﵁ - إلى أهل مكة للمفاوضة معهم.\nوقد ذكر الشيخ الطبرسي في تفسيره مجمع البيان صلح الحديبية مختصرة فقال عن ابن عباس: (إن رسول الله - ﵌ - خرج يريد مكة، فلما بلغ الحديبية، وقفت ناقته، وزجرها فلم تنزجر، وبركت الناقة. فقال أصحابه: خلأت الناقة. فقال - ﵌ -: ما هذا لها عادة، ولكن حبسها حابس الفيل، ودعا عمر بن الخطاب ليرسله إلى أهل مكة، ليأذنوا له بأن يدخل مكة ويحل من عمرته، وينحر هديه، فقال: يا رسول الله! ما لي بها حميم، وإني أخاف قريشًا لشدة عداوتي إياها. ولكن أدلك على رجل هو أعز بها مني، عثمان بن عفان! فقال: صدقت) (^٢).\nرابعًا: لماذا نشنع على عمر بن الخطاب - ﵁ - بسبب مشاورته للنبي - ﵌ - ونتهمه بمعارضة أمر النبي - ﵌ -، ونبني عليها طعونًا كثيرة، والنبي - ﵌ - لم ينهه عن ذلك الفعل، إن كان مستحقًا للنهي والزجر؟!\n_________\n(^١) تفسير الصافي، وانظر: تفسير مجمع البيان، الجوهر الثمين، تفسير معين، تفسير شبر: في تفسير (سورة آل عمران آية: ١٥٩).\n (^٢) تفسير مجمع البيان: (٩/ ١٩٤)، بحار الأنوار: (٢٠/ ٣٢٩).","vol":"1","page":115},{"text":"هل نحن أعلم وأفقه من نبينا - ﵌ - في تربية أصحابه، وفي كيفية تعاملهم مع كلامه؟!\nأو أننا علمنا أمرًا قد خفي على النبي - ﵌ -؟! أو أن هناك سببًا آخر يدعو للغيظ والحنق على ما فعله عمر؟\nإن مثل تلك المشاورة قد وقعت بين الإمام علي - ﵇ - وشيعته، من أمثال حجر بن عدي في معركة صفين، حينما نهى الإمام علي - ﵇ - جيشه عن لعن وسب معاوية - ﵁ - وجيشه وناقشه في هذه القضية حجر بن عدي وغيره، ومع ذلك لم يطعن الإمام علي - ﵇ - أو من جاء بعده على حجر بن عدي بسبب معارضته لأمر الإمام علي - ﵇ -.\nفعن عبد الله بن شريك قال: (خرج حجر بن عدي وعمرو بن الحمق يُظهران البراءة واللعن من أهل الشام، فأرسل إليهما علي - ﵇ -: أن كفّا عما يبلغني عنكما. فأتياه فقالا: يا أمير المؤمنين! ألسنا محقين؟ قال: بلى. قالا: أو ليسوا مبطلين؟ قال: بلى. قالا: فلم منعتنا من شتمهم؟ قال: كرهت لكم أن تكونوا لعانين شتامين يشهدون ويتبرؤون) (^١).\nخامسًا: لو سلمنا جدلًا بأن ما فعله عمر - ﵁ - كان مجانبًا للصواب بسبب معارضته لأمر النبي - ﵌ -، فماذا سيكون جوابنا إن قال لنا أحد النواصب: (إن عليًا - ﵇ - كان من رؤوس المعارضين للنبي - ﵌ - في صلح الحديبية، وقد عصى أمره مع سائر الصحابة في عدم حلق رؤوسهم وذبح هديهم؟\nبل إن رفض علي بن أبي طالب لأمر النبي - ﵌ - يفوق معارضة عمر بن الخطاب وذلك حينما طلب - ﵌ - منه أن يمسح اسمه عندما كان يكتب كتاب الصلح مع مندوب قريش سهيل بن عمرو فرفض علي بن أبي طالب الانصياع لأمر المصطفى - ﵌ -؟\n_________\n(^١) مستدرك الوسائل: (١٢/ ٣٠٦)، بحار الأنوار: (٣٢/ ٣٩٩)، وقعة صفين: (ص: ١٠٢).","vol":"1","page":116},{"text":"ودليل ذلك ما جاء عن أبي عبد الله - ﵇ -، في حديث طويل في قصة صلح الحديبية: ... (إن أمير المؤمنين - ﵇ - كتب كتاب الصلح: باسمك (^١) اللهم، هذا ما تقاضى عليه محمد رسول الله - ﵌ -، والملأ من قريش، فقال سهيل بن عمرو: لو علمنا أنك رسول الله... ما حاربناك اكتب هذا ما تقاضى عليه محمد بن عبد الله، أتأنف من نسبك يا محمد؟ فقال رسول الله - ﵌ -: أنا رسول الله وإن لم تقروا، ثم قال: امح يا علي! واكتب: محمد بن عبد الله، فقال أمير المؤمنين - ﵇ -: ما أمحو اسمك من النبوة أبدًا، فمحاه رسول الله - ﵌ - بيده...) الخبر (^٢).\nفبماذا سنرد على ذلك الناصبي حين يقول: لماذا يرفض علي بن أبي طالب أمر النبي - ﵌ - حينما طلب منه أن يمحو اسمه؟ أعلي بن أبي طالب أتقى وأحرص وأعلم من النبي - ﵌ - في عدم رغبته لمسح الاسم؟ بل تكررت منه المعارضة لأمر النبي - ﵌ - مثلما حصل في غزوة تبوك، حينما طلب منه النبي - ﵌ - أن يمكث بالمدينة، كحال بعض الصحابة من أهل الأعذار كابن أم مكتوم وغيره لأسباب معينة رآها النبي - ﵌ - لكنه خرج ولحق بالنبي - ﵌ - محاولًا أن يثنيه عن قراره ويأخذه معه للمعركة.\nفعن عبد الله، عن أبيه، عن أبي سعيد، عن سليمان بن بلال، عن جعيد بن عبد الرحمن عن عائشة بنت سعد، عن أبيها سعد أن عليًا - ﵇ - خرج مع النبي - ﵌ - حتى جاء ثنية الوداع وهو يبكي ويقول: تخلفني مع الخوالف؟ فقال: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا النبوة؟) (^٣).\n_________\n(^١) وفي المصدر: بسمك.\n (^٢) مستدرك الوسائل: (٨/ ٤٣٧).\n (^٣) بحار الأنوار: (٣٧/ ٢٦٢)، العمدة: (ص: ١٢٧).","vol":"1","page":117},{"text":"وبماذا نرد على الناصبي لو تساءل قائلًا: لماذا ينزعج علي بن أبي طالب من أمر... النبي - ﵌ - له بتركه بالمدينة في غزوة تبوك؟ أيعصي علي النبي - ﵌ - في أمره؟ هل كان علي يجهل أن استخلافه في المدينة منقبة وفضل له أم لا؟ فإن كان يجهل فهذه مصيبة، وإن كان يعلم فالمصيبة.. أعظم.\nوالرد على كل هذه التقولات على أمير المؤمنين - ﵇ -، هو من مثل ما بيناه في حق أمير المؤمنين عمر - ﵁ -.. فالحق واحد، وإن تعددت صور الافتراءات.","vol":"1","page":118},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-32>السؤال الخامس: «رزية يوم الخميس»:</span>\nماذا تقول من فعل الصحابة يوم الخميس قبل وفاة النبي - ﵌ - بأربعة أيام، وما حصل بينهم من خلاف، ورفع أصواتهم عليه وعصيانهم لأمره - ﵌ - في عدم إحضارهم الكتف والدواة ليكتب لهم كتابًا لن يضلوا بعده، واتهموه (بالهجر) وقال عنه عمر بن الخطاب: ... (قد غلب عليه الوجع وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله) حتى غضب عليهم النبي - ﵌ - وأخرجهم من بيته، وعبّر ابن عباس عن تلك الحادثة بأنها رزية؟\nالجواب:\nأولًا: لابد لنا أن نسأل أنفسنا أولًا: كيف كانت حالة النبي - ﵌ - الصحية في تلك الفترة؟ وما سبب خلاف الصحابة عنده؟\nإن تلك الحادثة حدثت قبل وفاة النبي - ﵌ - بأربعة أيام، وهو على فراشه، وكان يوعك وعكًا شديدًا من شدة الألم، بل كان - ﵌ - من قسوة الألم يغمى عليه تارة ويفيق تارة أخرى وقال للصحابة حينها: (ائتوني أكتب لكم كتابًا لن تضلوا بعدي أبدًا) فاختلف الصحابة فيما بينهم فمنهم من أراد أن لا يجهد النبي - ﵌ - في مرضه، وظن أن الأمر لم يكن بحتم واجب إنما كان على سبيل الاختيار والتذكير، ومنهم من أراد إحضار الكتف والدواة للكتابة.\nثانيًا: ليس بمقدور أي كائن بعد النبي - ﵌ - أن يتخيل ما دار في تلك اللحظة تخيلًا واضحًا، مثل أولئك الذين شهدوا تلك الحادثة، ونظروا إلى معاناة النبي - ﵌ - في مرض الموت، وخاصة أنه لم تمر عليهم حالة مشابهة من قبل فاختلفت آراؤهم لعدم سبق علم بها.\nثالثًا: التمسك بهذه الحادثة على أن فيها مغمزًا ومطعنًا في الصحابة - ﵃ - شيء جديد لم يسبق إليه أحد من قبل، ذلك أن الصحابة - ﵃ - مرت عليهم الواقعة مرور الكرام وعلموا","vol":"1","page":119},{"text":"أنها لم تتضمن أي شبهة في اتهام الصحابة بعضهم لبعض بالنفاق أو الكفر، فهل من تأخر عنهم يكون أعلم وأبصر من أولئك الجمع كلهم الذين عاشوا بعد النبي - ﵌ -؟!\nرابعًا: لو حصرنا النقاط التي يمكن أن يكون فيها مطعن في عدالة الصحابة - ﵃ - من هذه الحادثة، لأمكن حصرها في النقاط التالية:\nأ) رفض الصحابة الإذعان لأمر النبي - ﵌ -.\nب) اختلافهم عند النبي - ﵌ - وارتفاع أصواتهم الدالة على عدم التوقير.\nج) سوء كلام بعض الصحابة على مقام النبي - ﵌ - ووصفه بالهجر.\nد) رفض عمر بن الخطاب الانصياع لطلب النبي - ﵌ -.\nويمكن بيان الرد موجزًا على هذه الشبه بالآتي من القول:\n (رد أمر النبي - ﵌ -) الصحابة - ﵃ - لم يخالفوا طلب النبي - ﵌ -، ولكنهم كانوا يظنون أن المرض لربما غلب على النبي - ﵌ - مثل حال بقية الناس؛ لأنهم لم يرو النبي - ﵌ - على هذه الحالة من قبل، وكانوا يعلمون أن كتاب الله بين أيديهم، والدين قد تم بيانه وكمل تشريعه، فلذا كانوا مترددين لعدم علمهم بالمقصود من قول النبي - ﵌ -.\n (اختلافهم وارتفاع أصواتهم) ليس هناك من دليل صريح يدل على ارتفاع أصواتهم على صوت النبي - ﵌ -، ولو صدر هذا منهم لنزل الوحي بالتوبيخ واللوم من الله، وبخاصة وأن سورة الحجرات قد تم فيها تفصيل الأدب من حيث كيفية الكلام مع النبي - ﵌ -.\nوالصحابة لم يرفعوا أصواتهم فوق صوت النبي - ﵌ - بل رفعوا أصواتهم على بعضهم بسبب اختلافهم في الاستفسار وفي المقصود من طلب النبي - ﵌ - الكتابة لهم، فلما طال نقاشهم فيما بينهم نهرهم النبي - ﵌ - عن هذا الخلاف فقط، ولو كان هناك أمر يتجاوز هذا الحد لنزل بهم أمر من الله سبحانه يجتث الخطأ من أساسه.","vol":"1","page":120},{"text":"(مقولة بعض الحاضرين: أهجر) ينبغي علينا أولًا أن نعلم أن الرواية لم تحدد من قال هذه الكلمة، فلعله أحد المنافقين الحاضرين، أو صحابي استفسر مستفهمًا عن صحة... النبي - ﵌ - بعد مقولته عن الكتابة فقال: هل يقع منه الهجر كما يقع من أحدنا؟ فاختصر كل هذا القول بكلمة واحد، أو لعلها من استفهام القائل: كيف لا نأتي بالكتف والدواة؟! أيُظن أن النبي - ﵌ - يهجر بالكلام ويقول بالهذيان كغيره! لأنه ربما اختلط عليه سماع كلام... النبي - ﵌ - وذلك لبحَّة في صوته أو غلبة اليبس بالحرارة على لسانه، مثلما يقع في الحميات الحارة، وقد ثبت بإجماع أهل السير أن نبينا - ﵌ - كانت فيه بحة صوت عارضة له في مرض موته - ﵌ -.\nوعليه فالسبل التي يمكن أن توجه فيها هذه الكلمة كثيرة، ومن أراد فعليه الرجوع إلى كتب اللغة العربية ليستوضح دلالات هذه الكلمة، فليس هناك من يعرف على وجه الدقة من كان موجودا في ذلك الموقف قرب النبي - ﵌ - إلا عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن عباس، ويجب ألا يستغرب القارئ من كثرة هذه التعليلات تجاه هذه الكلمة، لأن من قيلت أمامهم هذه الكلمة لم ينكروها أو يذموا قائلها.\n (رفض عمر الامتثال لأمر النبي - ﵌ -) كيف يظن بعمر - ﵁ - أنه يرفض طلبًا يسيرًا للنبي - ﵌ -، وهو الذي لم يبخل بشيء طوال مرافقته للنبي - ﵌ -؟\nوأما قول عمر بن الخطاب للصحابة: (قد غلب عليه الوجع وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله) فيمكن أن يوجه كالتالي:\nأن عمر بن الخطاب - ﵁ - أراد من الصحابة أن لا يجهدوا النبي - ﵌ - بالكلام وكثرة الأسئلة، وهو في المرض الشديد، شفقة عليه، وهذا ما يبينه قوله: (وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله) أي إن الله أكمل دينه وبيّن شرائعه في قوله: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾","vol":"1","page":121},{"text":"وكما في قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ﴾.\nوالذي يظهر أنما أراد النبي - ﵌ - أن يكتبه هو من باب الإرشاد والإصلاح والتذكير وليس بالأمر الجديد الواجب تبليغه للأمة، إذ لو كانت الكتابة واجبة لألزم الصحابة بما يريد كتابته، ولكان حاله مثل حال الكتاب الذي سطّره أمير المؤمنين علي في صلح الحديبية حيث ألزمه النبي - ﵌ - بما أراد كتابته عند عقد الصلح مع قريش.\nويمكن القول إنه لو فهم أهل بيت النبي - ﵌ - أن هناك أمرًا واجبًا لا مناص منه لحرصوا على تدوينه وكتابته... لكنهم فهموا أن المراد هو التأكيد على أمور سبق للنبي - ﵌ - بيانها للأمة مثل التمسك بالتوحيد والصلاة.\nومن خلال ما سبق، يتبين لنا أنه لو كان النبي - ﵌ - مأمورًا بتبليغ شيء واجب بالنص لا غنى للأمة عنه، لبلغه في جميع الأحوال امتثالًا لقوله تعالى: ﴿بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٦٧] كما أنه ليس من عادته ترك التبليغ مراعات لخواطر الناس في بداية الدعوة، فكيف يترك ذلك في آخر حياته، وبعد أن مكن الله له وصارت الكلمة تنتهي إليه، فدل تركه - ﵌ - للكتابة على أنها لم تكن واجبة عليه، بل هو أمر محمول على الندب والتذكير لا على الوجوب والتشريع وقد عاش - ﵌ - أربعة أيام بعد ذلك، ولم يأمرهم بإعادة الكتابة.\nخامسًا: لابد للمسلم أن يُطهِّر قلبه من الحقد والبغض تجاه أصحاب النبي - ﵌ -، وأن يحبهم كما كان هدي الأئمة - ﵈ -، ونقول له: إن التبس عليك أمر في حق الصحابة - ﵃ - أو غيرهم، فالتمس لهم العذر، كما ثبت عن الأئمة - ﵈ - أنهم قالوا: (احمل أخاك المؤمن على سبعين محملًا من الخير.. الحديث). وقولهم - ﵈ - (كذّب سمعك وبصرك عن أخيك).\nوما روي في الكافي عن الحسين بن المختار عن أبي عبد الله - ﵇ - قال: قال أمير... المؤمنين - ﵇ - في كلام له: (ضع أمر أخيك على أحسنه حتى يأتيك ما يغلبك منه، ولا تظنن","vol":"1","page":122},{"text":"بكلمة -خرجت من أخيك- سوءًا؛ وأنت تجد لها في الخير محلًا) ... عن أبي بن كعب: (إذا رأيتم أحد إخوانكم في خصلة تستنكرونها منه فتأولوا لها سبعين تأويلًا..) (^١) انتهى.\nفمن الأولى بنا أن نسير على هدي الأئمة - ﵈ -، وأن نلتمس العذر لأصحاب النبي - ﵌ - وما كانوا فيه من هلع وحيرة عند مشاهدتهم لحبيبهم وما يعانيه من ألم مبرح.\nوقد أثنى الله ﵎ عليهم وقال عنهم: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠] وقد كانوا ينكرون على بعضهم في مسائل فقهية أقل من ذلك.\nلماذا الطعن الآن بعد مضي تلك القرون الكثيرة على أصحاب النبي - ﵌ - وعلى هذه الحادثة وغيرها؟! وما الهدف من ذلك؟\nأهؤلاء أعلم وأحرص على النبي - ﵌ - من نفسه؟!\nأم يحبون النبي - ﵌ - أكثر من أصحابه؟! أم هو إتباع هوى؟!\nسادسًا: أن وصف ابن عباس - ﵁ - لما جرى (بالرزية)، لم يكن وقت حصول الحادثة ولكنه قالها بعد ذلك بسنين عندما تذكر حزنه على وفاة النبي - ﵌ -.\nسابعًا: لو سرنا في دروب الطعن والتفتيش عن سراب الشبه، فماذا سيكون ردنا لو قال لنا أحد النواصب: إن علي بن أبي طالب هو سبب تلك المشاكل؛ لأنه كان في بعض الأحيان يعارض النبي - ﵌ -، ولا يمتثل لأمره ابتداءً، مثلما حدث منه في صلح الحديبية من عدم مسح اسم النبي - ﵌ -، وعدم حلق رأسه ونحر هديه كغيره من الصحابة، وعدم قبوله بالاستخلاف بالمدينة في غزوة تبوك.\nبل شارك في رفض أمر النبي - ﵌ - وهو على فراش الموت عندما طلب منه النبي - ﵌ -\n_________\n(^١) انظر: الحدائق الناضرة: (١٥/ ٣٥٣).","vol":"1","page":123},{"text":"ومن غيره أن يحضروا له الكتف والدواة حتى لا يضل المسلمون، فلم يستجب لذلك حتى مات النبي - ﵌ -، بل غيّر أحكام الشريعة الإسلامية في الحكم على الغلاة فعاقبهم بالإحراق بدلًا من القصاص الشرعي (^١).\nفبهذا السؤال يتضح لنا منهجية أعداء الإسلام ومن ناصب العداء لأهل بيت... النبي - ﵌ - ومن ناصب العداء لأصحاب النبي - ﵌ -.\n_________\n(^١) انظر: بحار الأنوار (٣٤/ ٤١٤).","vol":"1","page":124},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-33>السؤال السادس: «موقف أبي بكر من ميراث فدك»:</span>\nلو قال لنا قائل: ماذا ستقول أيها المسلم في موقف أبي بكر الصديق - ﵁ - حين لم يعط فاطمة حقها من ميراثها في أرض فدك وغيرها، بعد وفاة أبيها - ﵌ -، وماتت وهي لا تكلمه؟ مع أن الله ﵎ قرر الميراث في كتابه العزيز فقال: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]، وقرره كذلك بين الأنبياء، فقال عن زكريا - ﵇ -: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ [مريم: ٥ - ٦]، وقال تعالى عن سليمان - ﵇ -: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ [النمل: ١٦].\nوبسبب هذا التصرف تجاه سيدة نساء العالمين ﵇، فإنه يكون قد أغضب... النبي - ﵌ - لقوله في حقها: (إن فاطمة بضعة مني، من أغضبها أغضبني).\nالجواب:\nأولًا: ينبغي أن لا ننسى أن لفاطمة وزوجها - ﵈ - مكانة عظيمة عند أبي بكر الصديق - ﵁ - وغيره من الصحابة - ﵃ -.\nومن دلالة تلك المكانة أن أبا بكر - ﵁ - هو الذي أشار على أمير المؤمنين علي - ﵇ - بالزواج من الزهراء (^١)، وأمره النبي - ﵌ - بالإشراف على تجهيزها للزواج (^٢) وشاركته زوجته أسماء بنت عميس أيضًا في هذا التجهيز لفاطمة في يوم زفافها (^٣) ولما ماتت فاطمة الزهراء\n_________\n(^١) بحار الأنوار: (٤٣/ ٩٣) (١٩/ ١١٢).\n (^٢) بحار الأنوار: (٤٣/ ٩٤)، الأمالي للطوسي: (ص: ٤٠).\n (^٣) بحار الأنوار: (٤٣/ ١٣٨).","vol":"1","page":125},{"text":"﵇ قامت زوجة أبي بكر - ﵂ - نفسها بعد ذلك بتجهيز كفن الزهراء وتغسيلها (^١).\nثانيًا: لعل الكثير من المسلمين في الزمن المعاصر يجهل أن أرض فدك كانت فيئًا من الله على رسوله - ﵌ - من خيبر، والفيء ما يكون من غنيمة من غير حرب، والقصة مذكورة بتمامها في سورة الحشر قال تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].\nوما أفاءه الله على رسوله - ﵌ - فهو له، وقد جعلها النبي - ﵌ - لحاجته وأهل بيته وصدقته، وكان يشرف على هذه الأرض ويرعاها، ولم يورثها أحدًا من أهله، وهذا مسطور في كتب التاريخ، فلما توفي كان خليفته أبوبكر يقوم مقامه في ذلك، وفي خلافة عمر طلب الإمام علي بن أبي طالب والعباس أن يقوما بالإشراف عليها فوافق على طلبهما، حتى وصلت الخلافة إلى الإمام علي فاستمرت في يده في عهد عمر وعهد عثمان وعهده، وبعد وفاة الإمام علي أشرف عليها الإمام الحسن بن علي، ثم الإمام الحسين، ثم الحسن بن الحسن (الحسن المثنى)، ومعه علي بن الحسين، ثم زيد بن الحسن، ولم يتملكها أحد.\nثالثًا: أما عن قضية الميراث، فقد أخبر النبي - ﵌ - أصحابه بأن الأنبياء لا يورثون الأموال والدنانير بعد مماتهم كسائر الناس، فما تبقى عندهم من الأموال بعد مماتهم فهو صدقة، وهذا ما علِمه وبينه الأئمة - ﵈ - من بعده.\nفعن أبي هريرة ﵁، قال: قال قال رسول الله - ﵌ -: (من سلك طريقا يلتمس فيه\n_________\n(^١) بحار الأنوار: (٤٣/ ١٨٥).","vol":"1","page":126},{"text":"علما سهل الله له طريقا إلى الجنة). (^١).\nوعن أبي عبد الله - ﵇ - قال: قال رسول الله - ﵌ -: (من سلك طريقًا يطلب فيه علمًا سلك الله به طريقًا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا به وإنه يستغفر لطالب العلم من في السماء ومن في الأرض؛ حتى الحوت في البحر وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر النجوم ليلة البدر، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، ولكن ورثوا العلم، فمن أخذ منه أخذ بحظ وافر) (^٢).\nوقال أبو عبد الله - ﵇ - أيضًا: (إن العلماء ورثة الأنبياء، وذاك أن الأنبياء لم يورثوا درهمًا ولا دينارًا، وإنما أورثوا أحاديث من أحاديثهم، فمن أخذ بشيء منها فقد أخذ حظًا وافرًا) (^٣).\nوعن جعفر عن أبيه - ﵇ -: (إن رسول الله - ﵌ - لم يورث دينارًا ولا درهمًا، ولا عبدًا ولا وليدةً، ولا شاةً ولا بعيرًا، ولقد قُبِض رسول الله - ﵌ - وإن درعه مرهونة عند يهودي من يهود المدينة بعشرين صاعًا من شعير، استسلفها نفقة لأهله) (^٤).\nوقال أمير المؤمنين - ﵇ -: (العلم أفضل من المال بسبعة: الأول: أنه ميراث الأنبياء والمال ميراث الفراعنة، الثاني: العلم لا ينقص بالنفقة، والمال ينقص بها، الثالث: يحتاج المال إلى الحافظ، والعلم يحفظ صاحبه، الرابع: العلم يدخل في الكفن، ويبقى المال، الخامس: المال\n_________\n(^١) الحاكم في المستدرك: (١/ ١٦٥)،\n (ص: ٣)، ثواب الأعمال: (ص: ١٣١)، عوالي اللآلي: (١/ ٣٥٨).\n (^٢) الكافي: (١/ ٣٤)، بحار الأنوار: (١/ ١٦٤)، أمالي الصدوق: (ص: ٦٠)، بصائر الدرجات:\n\n (ص: ٣)، ثواب الأعمال: (ص: ١٣١)، عوالي اللآلي: (١/ ٣٥٨).\n (^٣) الكافي: (١/ ٣٢)، وسائل الشيعة: (٢٧/ ٧٨)، مستدرك الوسائل: (١٧/ ٢٩٩)، الاختصاص: (ص: ٤) بصائر الدرجات: (ص: ١٠).\n (^٤) قرب الإسناد: (ص: ٤٤)، بحار الأنوار: (١٦/ ٢١٩).","vol":"1","page":127},{"text":"يحصل للمؤمن والكافر، والعلم لا يحصل إلا للمؤمن خاصة، السادس: جميع الناس يحتاجون إلى صاحب العلم في أمر دينهم، ولا يحتاجون إلى صاحب المال، السابع: العلم يقوي الرجل على المرور على الصراط، والمال يمنعه) (^١). انتهى.\nرابعًا: وأما القول بأحقية فاطمة ﵇ في ميراث والدها استدلالًا بقوله تعالى:\n ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (٦)﴾ [مريم: ٦].\nوقوله تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ [النمل: ١٦]، فهذا الإستدلال مقطوع عن سياق الآية، وهو في غير محله لأن الوراثة في هاتين الآيتين وراثة نبوة وعلم وحكمة، وليست وراثة المال، ويتضح ذلك من خلال المناقشة التالية:\nالمبحث الأول: قوله تعالى: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ [مريم: ٦].\nوردت هذه الآية في سياق دعاء نبي الله زكريا - ﵇ - ربه بأن يهبه ولدًا رغم كبر سنه وعقم زوجته، وذلك بعد ما رأى من علامات التقوى والصلاح من مريم ﵇ فكان ذلك حافزًا له لأن يدعوا الله ﵎ أن يرزقه الذرية الطيبة الصالحة، فتوجه بهذا الدعاء إلى الله قال تعالى: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٨)﴾ [آل عمران: ٣٨]، وعلل رغبته هذه بالقول كما قال الله عنه ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ فكل هذا السياق يدل على أن بغية زكريا - ﵇ - أن يرزقه الله ابنًا صالحًا يرث علمه ونبوته.\nقال الشيخ عبد الرحمن السعدي: أي: عبدا صالحا ترضاه وتحببه إلى عبادك، والحاصل\n_________\n(^١) بحار الأنوار: (١/ ١٨٥).","vol":"1","page":128},{"text":"أنه سأل الله ولدا، ذكرا، صالحا، يبق بعد موته، ويكون وليا من بعده، ويكون نبيا مرضيا عند الله وعند خلقه، وهذا أفضل ما يكون من الأولاد، ومن رحمة الله بعبده، أن يرزقه ولدا صالحا، جامعا لمكارم الأخلاق ومحامد الشيم. فرحمه ربه واستجاب دعوته (^١).\nوقال السيد محمد حسين فضل الله في تفسيره: ليكون امتدادا للخط الرسالي الذين يدعو إلى الله ويعمل له، ويجاهد في سبيله، ولتستمر به الرسالة في روحه وفكره وعمله (^٢).\nأما تفسير هذه الآية بأن المراد وراثة مال فإنها تؤدي إلى الإشكالات التالية:\n١ - إن نبي الله زكريا - ﵇ - لم يكن غنيا حتى يُوَرِّث المال؛ بل كان نجارا يأكل من عمل يده، فهل الأولى أن نقول إن طلب نبي الله زكريا - ﵇ - ذرية طيبة وولدًا صالحًا يرثه يقصد منه وراثة المال الذي لا وجود له أصلًا؟ أم وراثة العلم والنبوة التي يتمتع بها زكريا - ﵇ - كما يفهم من سياق الآية: ﴿قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾.\n٢ - إذا قلنا إن وراثة يحيى لآل يعقوب وراثة مالٍ، فكيف يرث يحيى آل يعقوب، علمًا بأنها تطلق على بني إسرائيل جميعهم؟! والذي يجعلنا على يقين من أن قوله تعالى: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ يراد به العلم والنبوة هو ما كان عليه حال زكريا - ﵇ - من العلم والنبوة، ومن مقتضىت المنطق السليم أن نقول إن زكريا - ﵇ - إنما أراد أن يرث ابنه النبوة والحكمة، ودليل ذلك ما ذكره الله تعالى من منة على زكريا - ﵇ - حين أجاب دعاءه فقال: ... ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (٣٩)﴾ [آل عمران: ٣٩] فلم يذكر الله من بين هذه الأمور ما\n_________\n(^١) تيسير الكريم المنان: (١/ ٤٨٩).\n (^٢) تفسير من وحي القرآن (سورة مريم: ٦).","vol":"1","page":129},{"text":"يتعلق بوراثة المال، وإنما ذكر السيادة والصلاح والنبوة، وهذا ما يبتغيه زكريا - ﵇ -.\nالمبحث الثاني: قوله تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ [النمل: ١٦]\nأخبر الله تعالى عمّا خصَّ به نبيه سليمان - ﵇ - من ميراث للنبوة والملك من أبيه... داود - ﵇ - دون بقية أبنائه تفضلًا منه ﷾.\nقال الشيخ عبد الرحمن السعدي: أي: ورث علمه ونبوته فانضم علم أبيه إلى علمه، فلعله تعلم من أبيه ما عنده من العلم مع ما كان عليه من العلم وقت أبيه (^١).\nوقال الشيخ محمد السبزواري النجفي: أي ورث الملك والنبوة بأن قام مقامه دون سائر بنيه وهم تسعة عشر (^٢).\nهذا هو السياق الذي تدل عليه الآية، وتفسيرها على غير هذا الوجه كالقول بأن المراد وراثة مال مخالف لما تضمنته الآية من حكمة في اختصاص نبي الله سليمان - ﵇ - دون سائر إخوته، كما أنها مخالفة للوقائع التاريخية وتصطدم بالإشكالات التالية:\n١ - من المعلوم تاريخيًا أن نبي الله داود - ﵇ - له الكثير من الزوجات والجواري، وله العديد من الأبناء، فهل من العدل أن يرث داود - ﵇ - واحدٌ من أبنائه فقط؟!\n٢ - مما يؤيد أنَّ ميراث سليمان لداود ﵉ كان ميراث نبوة وملك، أنه لو كان متعلقًا بالمال لكان من الطبيعي أن يشترك فيه جميع الأخوة، ولما خُصَّ به سليمان من بين أبناء داود، ثم ما الفائدة من ذكر هذا الميراث الدنيوي في كتاب الله على سبيل الإخبار؟! لأنه من الطبيعي أن الولد يرث والده! فأين البلاغة أو الحكمة من ذكر شيء معلوم حدوثه ووقوعه\n_________\n(^١) تيسير الكريم المنان: (١/ ٦٠٢).\n (^٢) تفسير الجديد، وانظر: تفسير معين (سورة النمل: ١٦).","vol":"1","page":130},{"text":"بين الناس؟!\nوأخيرًا نقول: إنما سبق بيانه من نصوص يوضح لنا أن ميراث الأنبياء هو ما تركوه من علم وحكمة يهتدي بها الناس، وأن الله خص بعض أنبيائه بجعل النبوة في بعض ذريتهم ولأن نبينا محمد - ﵌ - هو خاتم الأنبياء والمرسلين فإن ما تركه من علم وحكمة هو لجميع أمته، ويتعزز هذا المعنى ويتضح مضمونه من خلال المناقشة التالية:\nخامسًا: قد يقف البعض متسائلًا: هل فاطمة الزهراء ﵇ طلبت فدك من... أبي بكر - ﵁ - على أنه من باب الإرث أم أنه كان هبة وهدية من أبيها - ﵌ - وهبها وأهداها إياها بعد فتح خيبر؟\nذلك أن المقصود من هذا التساؤل ستظهر ثمرته تحديدًا في نهاية القصة، فمن المتفق عليه أن فاطمة ﵇ بعد سؤالها لفدك من أبي بكر، وذكر أبو بكر دليله على المنع ذهبت ولم تكلمه، فهل كانت تريد هذا الشيء على أنه كان إرثًا أو هبة من أبيها - ﵌ -؟!\nفإن كان إرثًا فالأنبياء لا يورثون لا دينارًا ولا متاعًا كما بينا في القول، وإن كان هبة وهدية أهداها النبي - ﵌ - لفاطمة، فلنا وقفة وتساؤل أيضًا في هذا.. فنقول:\n١ - لم يعط النبي - ﵌ - فدك لفاطمة ﵇ في أي وقت من الأوقات، وقد علمت ذلك الزهراء ﵇ حين طلبت فدك من أبي بكر - ﵁ -، لأنها طلبته على أنه من باب الإرث، لا من باب الهبة، ومن المعلوم تاريخيًا أن فتح خيبر تم في أول السنة السابعة من الهجرة، وزينب بنت النبي - ﵌ - توفيت في السنة الثامنة، وأختها أم كلثوم توفيت في السنة التاسعة، فكيف يخص النبي - ﵌ - بالعطية فاطمة لوحدها ويدع أختها أم كلثوم وزينب عليهن السلام؟! فهذا اتهام صريح مباشر للنبي - ﵌ - من أنه كان يفرق بين أولاده، وحاشاه عن ذلك.","vol":"1","page":131},{"text":"٢ - وعلى سبيل الإفتراض، لو قلنا: إن أرض فدك كانت هبة لفاطمة ﵇ فهي إما أن تكون قد قبضتها وتصرفت فيها في حياة النبي - ﵌ - أو لم تقبضها؟\nفإن كانت قبضتها، فلماذا تأتي أبا بكر - ﵁ - وتطالبه بما هو تحت يدها؟\nوإن لم تكن قد تسلمتها فإن الهبة إذا لم تقبض تكون باطلة شرعًا، وتكون حينئذ للورثة بعد موت الواهب.\nسادسًا: من المعلوم في الفقه لدى محبي أهل البيت! أنه ليس للنساء ميراث في عقار الأراضي بل يؤخذ لهن من قيمته، وهذا ما يروى عن الأئمة - ﵈ -:\nفعن يزيد الصائغ قال: (سألتُ أبا عبد الله - ﵇ - عن النساء هل يرثن الأرض؟ فقال: لا ولكن يرثن قيمة البناء، قال: قلت فإن الناس لا يرضون بذا، فقال: إذا وُلينا فلم يرضوا ضربناهم بالسوط، فإن لم يستقيموا ضربناهم بالسيف) (^١).\nوعن أبان الأحمر قال: (لا أعلمه إلا عن ميسر بياع الزطي، قال: سألته - يعني أبا عبدالله- عن النساء ما لهن من الميراث؟ قال: لهن قيمة الطوب والبناء والخشب والقصب وأما الأرض والعقارات فلا ميراث لهن فيها، قال: قلت: فالثياب؟ قال: الثياب لهن نصيبهن قال: قلت: كيف صار ذا ولهذه الثمن ولهذه الربع مسمى؟ قال: لأن المرأة ليس لها نسب ترث به، وإنما هي دخيل عليهم، وإنما صار هذا كذا كي لا تتزوج المرأة فيجيء زوجها أو ولدها من قوم آخرين فيزاحم قومًا في عقارهم) (^٢).\nسابعًا: التعليل الصحيح لما جرى بين الزهراء وأبي بكر - ﵃ - هو الآتي:\nأن سيدة نساء أهل الجنة ﵇ طالبت بما ظنته حقًا لها، ولما بيّن لها أبو بكر - ﵁ -\n_________\n(^١) الكافي: (٧/ ١٢٩)، وانظر: وسائل الشيعة: (٢٦/ ٧٠)، تهذيب الأحكام: (٩/ ٢٩٩).\n (^٢) الكافي: (٧/ ١٣٠).","vol":"1","page":132},{"text":"سبب منعها من الميراث، ذهبت ﵇ ولم تكلمه في هذا الأمر مرة أخرى.\nوالذي يشهد لصواب ما ذهب إليه أبو بكر الصديق - ﵁ - ما سار عليه الإمام... علي - ﵇ - حيث لم يعط أولاده من فاطمة ﵇ فدك حينما استلم خلافة المسلمين، وعندما سُئل في رد فدك قال: (إني لأستحي من الله أن أرد شيئًا منع منه أبو بكر، وأمضاه عمر) (^١) فإذا كان الحكم على أبي بكر - ﵁ - أنه كان ظالمًا لمنعه حق الزهراء ﵇، فهل ينطبق هذا الحكم على الإمام علي - ﵇ - والعياذ بالله- لأنه لم يُرجع لأولاده الحق في ميراث والدتهم؟ والمحب لأهل البيت وللمسلمين ينزه الجميع عن الظلم، ويبتعد عن سوء الظن بأبي بكر - ﵁ - وغيره، وهذا ما تبينه النقطتان الآتيتان:\nثامنا: لم يدّع أبو بكر الصديق - ﵁ - هذا المال لابنته عائشة أو لغيرها من أمهات المؤمنين، بل تضمن تحريم الميراث جميع أهل بيت النبي - ﵌ - (^٢) وما فعل أبو بكر الصديق - ﵁ - هذا الفعل إلا عملًا بوصية النبي، فهل تمسك أبي بكر بوصية النبي - ﵌ - خطأ؟!\nتاسعا: لا يستلزم من عدم إعطاء أبي بكر الصديق - ﵁ - الميراث لفاطمة أن يكون مبنيًا على الكراهية والعداوة كما يروّج له أصحاب الفتن.\nفالنبي - ﵌ - كذلك لم يعط ابنته فاطمة خادمة تساعدها على شؤون المنزل حينما طلبت منه، وهذا من المباح في الشرع، وفق المتيسر أو ما يراه صاحب الأمر، فهل نطعن كذلك في عدالة نبي هذه الأمة - ﵌ -؟!\nقال الإمام علي - ﵇ - في حديث طويل: (... ثم قام رسول الله - ﵌ - لينصرف فقالت له فاطمة: يا أبتِ لا طاقة لي بخدمة البيت، فأخدمني خادمًا تخدمني وتعينني على أمر البيت\n_________\n(^١) شرح نهج البلاغة: (١٦/ ٢٥٢).\n (^٢) بحار الأنوار: (٢٩/ ٧٠).","vol":"1","page":133},{"text":"فقال لها: يا فاطمة! أولا تريدين خيرًا من الخادم؟ فقال علي: قولي: بلى، قالت: يا أبت! خيرًا من الخادم؟ فقال: تسبحين الله ﷿، في كل يوم ثلاثًا وثلاثين مرة، وتحمدينه ثلاثًا وثلاثين مرة، وتكبرينه أربعًا وثلاثين مرة، فذلك مئة باللسان وألف حسنة في الميزان) (^١).\nعاشرا: القول بأن النبي - ﵌ - كان يغضب لغضب فاطمة، قول صحيح ولا يختلف عليه اثنان، ولكن نقول إنَّ منع أبي بكر الصديق - ﵁ - لم يكن بقصد إغضابها؛ لأن المنع كان استجابة منه لأمر النبي - ﵌ -، وهذا لا يعيب أبا بكر الصديق - ﵁ -، ولا غيره إن فعله، كما لا يلزم منه أن كل غضب تغضبه الزهراء ﵇ يغضب لأجله النبي - ﵌ -.\nفقد حدثت خلافات أسرية بين الإمام علي والزهراء مثل ما يقع بين الأزواج عادة، فهل يمكن الطعن في عدالة الإمام علي - ﵇ - على هذا الأساس، ونقول إنه أغضب رسول الله - ﵌ - لإغضابه الزهراء؟! كما تدل عليه الروايات التالية:\nعن أبى ذر - ﵁ - قال: (كنت أنا وجعفر بن أبي طالب مهاجرين إلى بلاد الحبشة فأهديت لجعفر جارية قيمتها أربعة آلاف درهم، فلما قدِمنا المدينة أهداها لعلي - ﵇ -... تخدمه فجعلها علي - ﵇ - في منزل فاطمة، فدخلت فاطمة ﵇ يوما فنظرت إلى رأس علي - ﵇ - في حجر الجارية، فقالت: يا أبا الحسن! فعلتها؟ فقال: لا، والله! يا بنت محمد! ما فعلت شيئًا، فما الذي تريدين؟ قالت: تأذن لي في المصير إلى منزل أبي رسول الله - ﵌ -؟ فقال لها: قد أذنت لك. فتجلببت بجلبابها، وتبرقعت ببرقعها، وأرادت النبي - ﵌ -، فهبط... جبرائيل - ﵇ - فقال: يا محمد! إن الله يقرئك السلام، ويقول لك: إن هذه فاطمة قد أقبلت إليك تشكو عليًا فلا تقبل منها في علي شيئًا!!، فدخلت فاطمة فقال لها رسول الله - ﵌ -: جئت تشكين عليًا؟ قالت: إي؛ ورب الكعبة! فقال لها: ارجعي إليه، فقولي له: رغِم أنفي\n_________\n(^١) كشف الغمة: (١/ ٣٦٢)، بحار الأنوار: (٤٣/ ١٣٤).","vol":"1","page":134},{"text":"لرضاكَ) (^١).\nوعن جعفر بن محمد - ﵁ - قال: (شكت فاطمة إلى رسول الله - ﵌ - عليًا، فقالت: يا رسول الله! لا يدع شيئًا من رزقه إلا وزعه على المساكين! فقال لها: يا فاطمة! أتسخّطيني في أخي وابن عمي، إن سخطه سخطي، وإن سخطي سخط الله ﷿) (^٢).\nالحادي عشر: لنتذكر ابتداء أن من أهم أهداف أعداء الإسلام تفكيك وحدة المسلمين من خلال ترويج مقولات باطلة، ونشرأخبار مفتراة تتحدث عن وجود البغضاء والشحناء في الجيل الأول المبارك، ولوسألنا أنفسنا واستخدامنا عقولنا، ماذا سنستفيد من قصص تلوكها بعض الألسنة ويُرَدِّدها بعض المسلمين في مجالسهم سنويًا بقصد إثارة العواطف وتهييج النعرات للوصول إلى حالة نفسية نهايتها إثارة شائعات تروج لوجود عداوة مترسخة تجاه أهل بيت النبي - ﵌ -، ذلك أن المنصف العاقل لو فتش فيما فعله أبو بكر - ﵁ - تجاه فاطمة ﵇ عند مطالبتها بأرض فدك، لوجد أن ما حكم به أبو بكر الصديق تجاه فدك ما كان إلا بموجب نص شرعي مستقى من قول المعصوم - ﵌ - الذي طاعته أمر مفروض، فما ذنبه تجاه ما أمر به فانقاد إليه؟! ولذا ماذا سنقول لمن يطعن من النواصب في سيدة نساء أهل الجنة ويقول: غريب أمر فاطمة! تغضب وتخالف عموم المسلمين، حتى يصل خصامها وغضبها للهجر الأبدي الذي ينهى عنه الإسلام، وما كان ذلك إلا عن هوى وعناد في نفسها، رغبة في جمع المال وأوساخ الدنيا الفانية، كما حدث بينها وبين خليفة رسول الله أبي الصديق في طلبها للميراث، وعدم الامتثال لوصية أبيها النبي - ﵌ -، وكانت أيضا قبل ذلك كثيرة الإزعاج للنبي - ﵌ - في احتجاجها المتواصل على زواجها من علي بن أبي طالب بسبب فقره وقلة ماله\n_________\n(^١) علل الشرائع: (١/ ١٦٣)، المناقب: (٣/ ٣٤٢)، بحار الأنوار: (٣٩/ ٢٠٨).\n (^٢) بحار الأنوار: (٤٣/ ١٥٣)، وانظر كشف الغمة: (١/ ٤٧٣).","vol":"1","page":135},{"text":"في بداية زواجهما، وبعد ذلك، وهذا ما ذكرته الروايات الثابتة، فعن أبي إسحاق السبيع عن الحارث، عن علي قال: (إن فاطمة شكت إلى رسول الله - ﵌ -، فقال: ألا ترضين أني زوجتك أقدم أمتي سلمًا، وأحلمهم حلمًا، وأكثرهم علمًا؟ أما ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة، إلا ما جعل الله لمريم بنت عمران، وأن ابنيك سيدا شباب أهل الجنة) (^١).\nوعن أبي صالح عن ابن عباس: (أن فاطمة ﵇ بكت للجوع والعري، فقال النبي - ﵌ -: اقنعي -يا فاطمة- بزوجك، فوالله: إنه سيد في الدنيا سيد في الآخرة، وأصلح بينهما...) (^٢).\nفيا أيها المحب لأهل بيت النبي - ﵌ -: أترضى أن تكون في زمرة المبغضين الحاقدين لأهل البيت الطاهرين كالنواصب وغيرهم؟ أو أنك تدافع عن حمى أهل بيت نبيك - ﵌ - من خلال تمسكك بالهدي الصحيح المبارك، مع سلامة قلبك تجاه من كانوا مع سيد البشر محمد - ﵌ -؟ فأي الفريقين تختار؟\n_________\n(^١) أمالي الطوسي: (٢٤٨).\n (^٢) المناقب: (٣/ ٣١٩)، بحار الانوار: (٢٤/ ٩٩).","vol":"1","page":136},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-34>السؤال السابع: «القول بإهانة أبي بكر لفاطمة»:</span>\nلو قال لنا قائل: ماذا تقول فيما فعله أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وخالد بن... الوليد - ﵃ - بعد وفاة النبي - ﵌ - عند مهاجمتهم بيت الإمام علي - ﵇ -، وقيامهم بربطه، وضرب زوجته حتى كسروا ضلعها وأسقطوا جنينها، ثم أحرقوا منزلهم، على ما ذكرت الروايات التاريخية، فهل مثل هذه الأفعال المشينة تدل على الحب والوئام، أم على السخط والكراهية والشقاق لأهل بيت النبي - ﵌ -؟\nالجواب:\nأولًا: لا ينبغي لطالب الحق أن ينجرف بمجرد أن يقرأ رواية تاريخية وغيرها تتكلم عن أحبابه، ولا يعرف مصدرها، فضلًا عن أن يعلم صحيحها من سقيمها، ثم يحدث بها وينشرها بين العامة، والغريب أن نجد من يطلق العنان للعاطفة متأثرًا بهذه الروايات فيمتلئ قلبه حقدًا وبغضًا لأصحاب النبي - ﵌ - دون تأمل في سذاجة من افتراها، ودون تأمل لبيان مناقضتها لكرامة أمير المؤمنين وشجاعته المعروفة.\nلكن الواجب على من يحب أهل بيت النبي - ﵌ - أن يجتهد ويتحرى، حتى يكون دقيقًا في أخذه للروايات، فيتمسك بالصحيح الذي تنطبق عليه قواعد وشروط الحديث الصحيح ولا يغتر بكثرة الروايات الموضوعة في حادثة معينة ولو اشتهرت.\nثانيًا: إن هذه القصة من الأكذوبات التي يستخدمها أهل الفتن في تمزيق وتفريق صفوف المسلمين، لذلك فإننا نطالب كل باحث للحق أن يجتهد ويبحث عن رواية واحدة صحيحة تثبت وتسند تلك القصة المختلقة، وتنطبق عليها قواعد وشروط الحديث الصحيح، من اتصال في السند، ومن رواية العدل الإمامي الضابط في حفظه.","vol":"1","page":137},{"text":"ومن الغريب أننا نجد كثيرًا من المتمسكين بهذه القصة يؤمنون يقينًا بتلك الرواية، تبعًا للعاطفة ولا ينظرون في صحة الإسناد وضعفه!\nقال السيد هاشم معروف الحسني بعد ما أورد الروايات التي تتحدث عما جرى للزهراء ﵇.. إلى كثير من الروايات التي لا تثبت أسانيدها في مقابل النقد العلمي (^١).\nوقال أيضًا: ومهما كان الحال، فالحديث عن فدك وميراث الزهراء من أبيها ومواقفها من ذلك ومن الخلافة طويل وكثير، وبلا شك فإن الأصحاب والأعداء قد وضعوا القسم الأكبر مما هو بين أيدي الرواة ولا يثبت بعد التمحيص والتدقيق في تلك المرويات إلا قليل القليل (^٢).\nوقال كاشف الغطاء: ولكن قضية ضرب الزهراء، ولطم خدها، مما لا يكاد يقبله وجداني، ويتقبله عقلي، ويقتنع به مشاعري، لا لأن القوم يتحرجون ويتورعون من هذه الجرأة العظيمة، بل لأن السجايا العربية والتقاليد الجاهلية -التي ركزتها الشريعة الإسلامية وزادتها تأييدًا وتأكيدًا- تمنع بشدة أن تضرب المرأة (^٣).\nوقد سئل السيد الخوئي عن صحة رواية كسر ضلع الزهراء فأجابهم: على المشهور، ولم يحكم بصحتها (^٤).\nثالثًا: قد يقول قائل: إن عليا أُمِر بعدم مقاتلة الصحابة حين اعتدوا على زوجه سيدة نساء العالمين ﵇، لحفظ راية الإسلام من سقوطها وافتراق أهل الملة بعد وفاة... النبي - ﵌ -، وأمره بالصبر على أذاهم.\n_________\n(^١) انظر: سيرة الأئمة الاثني عشر: (١/ ١٣٣).\n (^٢) المصدر السابق: (١/ ١٤٠).\n (^٣) انظر: جنة المأوى: (ص: ١٣٥).\n (^٤) انظر: صراط النجاة: (٣/ ٣١٤).","vol":"1","page":138},{"text":"ويمكننا أن نقول: إن هذه المقولة أبعد ما تكون عن الصحة، وعلى فرض التسليم بصحتها فلنا أن نتساءل: لماذا قاتل أمير المؤمنين - ﵇ - يوم الجمل طلحة وأم المؤمنين عائشة لما خرجوا إلى الكوفة - وكان هو في مكة - ثم قاتل بعد ذلك جيش معاوية في صفين، وكذلك في النهروان قاتل الخوارج؟! ولم وقع منه كل هذا القتال وسفك الدماء أليس في تلك الفعال دلالة منه على نبذ وصية النبي - ﵌ - بعدم تفريق جماعة المسلمين؟!\nلكن الصحيح الذي يتسق مع مجريات الواقع أن عليًا لم يأمره أحد بعدم المقاتلة إن وقع عليه ظلمٌ أو انتهكت حرمات الله، ومن ذلك ما يُدَّعى من وقوع ظلم على زوجه الكريمة وأنه لم ينتصر لها، وهذه الرواية قبل أن يتلفظ بها لسان مسلم عليه أن يتذكر حال أمير المؤمنين وغيرتَه على دين الله، ثم على أهله، وقد ثبت أن النبي - ﵌ - قال: (من قتل دون ماله فهو شهيد) (^١).\nوعن الإمام الصادق - ﵇ - أنه قال: (من قُتِل دون مظلمته فهو شهيد) (^٢)، فهل هذا المعتقد خافٍ عن أمير المؤمنين وفارس الشجعان؟!\nوحذار أن يتلفظ مسلم عاقل بكلام يكون عليه لا له، وليس فيه نصرة لأهل بيت النبي - ﵌ - ذلك أن من يدعي أن عليًا قاتل جيش طلحة، ومن بعده أهل صفين نصرة لقضية الإمامة فلِمَ كان بعيدًا عن نصرة أهل بيته حين ضربوا حتى كادوا أن يموتوا؟!\nإن هذا الأمر يأنف منه ضعفاء البشر فضلًا عن فضلائهم وأصحاب المكانة.\nرابعا: يستطيع كل صاحب فتنة -لا يتقيد بالروايات الصحيحة- أن يروي روايات بلا أسانيد صحيحة، لمجرد وجودها وانتشارها في بعض الكتب التاريخية أو الأدبية، ويؤمن بها\n_________\n(^١) صحيح البخاري: (٣/ ١٣٦).\n (^٢) انظر الكافي: (٥/ ٥٢)، تهذيب الأحكام: (٦/ ١٦٧)، وسائل الشيعة: (١٥/ ١٢١).","vol":"1","page":139},{"text":"بعد ذلك، وتصبح عنده من المسلمات اليقينية التي لا تقبل التشكيك في صحتها.\nبل يستطيع كذلك كل مبغض وكاذب على العترة - ﵈ - أن يدعي أن قضية ضرب الزهراء وإسقاط جنينها وإحراق بيتها مؤامرة مدبرة، قام بها أبو بكر وعمر بالاشتراك مع زوجها الإمام علي، في سبيل القضاء على الزهراء ﵇.\nويكون هذا الهذيان والاتهام الباطل مبنيًا وفق زعم ذلك الحاقد على دلائل ومؤشرات يستنبطها من القصة المختلقة نفسها، وتكون وفق زعمه كالآتي:\n١ - قام أمير المؤمنين علي - ﵇ - بتمثيلية متقنة حين وافق على تقييده عن طريق الصحابة عند دخولهم المنزل وعلى ضربه، ليوهم أهل بيته بأنه ضحية هذا التجمع والتآمر، من... قبل شخص عمره تجاوز الستين، والآخر جاوز الثالثة والخمسين، مع العلم بأن قوة أمير المؤمنين - ﵇ - لا يقاومها أحد من الإنس والجن، مثل ما نقل عنه أنه اقتلع باب خيبر العظيم لوحده بينما لا يستطيع حمله أربعون رجلًا.\n٢ - أن اعتذار وتحجج أمير المؤمنين - ﵇ - عن عدم مقاومته للصحابة بسبب حرصه على حقن دماء المسلمين حجة واهية؛ لأن الصحابة قد ارتدوا بعد وفاة النبي إلا ثلاثة وفق ما تقرره الروايات عن أهل البيت - ﵈ -! فهل كان مقصود أمير المؤمنين - ﵇ - بدماء المسلمين هؤلاء الثلاثة فقط؟!! وهل دماء الصحابة أغلى وأزكى عنده من دم الزهراء ﵇ فلا يحافظ عليها ويدافع عنها؟!!\n٣ - تزوج أمير المؤمنين علي - ﵇ - بعد وفاة الزهراء بتسع ليال بامرأة من بني حنيفة ولقب ولدها بابن الحنفية، ووافق بعد ذلك على تزويج أم كلثوم ابنة الزهراء ﵇ لعمر بن الخطاب أحد أعضاء المؤامرة، مما يدل على حرصه على توثيق الصلة مع أعداء زوجته، وعلى عدم حبه ووفائه للزهراء ﵇.","vol":"1","page":140},{"text":"٤ - عندما أصبح الإمام علي قاضيًا ووزيرًا في زمن الخليفة الأول والثاني، كان هذا مثل المكافأة جزاء لما قام به من إتقانه للدور.\n٥ - حرصه على تسمية أولاده بأسماء أبي بكر (^١) وعمر وعثمان، وتزوجه بأرملة أبي بكر فيه الدلالة على حرصه وافتخاره بما صنعوا في الماضي وسعيه إلى تخليد ما قاموا به من أعمال ولو كانت ضد الزهراء.\n٦ - لم يعط أمير المؤمنين علي - ﵇ - أولاد فاطمة الزهراء ميراثهم من والدتهم من فدك حينما استلم خلافة المسلمين، وسار على طريقة أصحابه الخلفاء من قبله، بل ولم يمنع التراويح ولا أعاد المتعة.\nفهل يقبل المحب لأهل البيت - ﵈ - أن ينسب ناصبيٌ مبغضٌ مثل هذه التهم لأصحاب النبي - ﵌ - بضربهم للزهراء وإحراق بيتها، ثم يقول بتخاذل أمير المؤمنين عن نصرتها ويستند إلى مرويات مكذوبة، ليست لها عند التأمل قيمة علمية، أم ينافح ويبين الصواب والحق الذي يجمع ولا يفرق؟!\n_________\n(^١) تأمل أخي الكريم أن الاسم هنا كنية، وهذا تعبير جلي من أمير المؤمنين - ﵇ - عن حبه لعبدالله بن أبي قحافة... (الصديق) إذ أن هذه الكنية لم تشتهر لأحدٍ إلا له - ﵁ -.","vol":"1","page":141},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-35>السؤال الثامن: «موقف خالد بن الوليد من مالك بن نويرة وزوجته»:</span>\nماذا تقول عن موقف أبي بكر الصديق، وما وقع في أول خلافته من إرساله الصحابة بقيادة خالد بن الوليد وإستباحتهم دماء المسلمين لمجرد جهلهم المتمثل في عدم دفع الزكاة مثل ما فعلوا بقوم مالك بن نويرة، وقتل خالد له، ودخوله على زوجة مالك في نفس الليلة؟\nالجواب:\nأولًا: الزكاة أهم ركن من أركان الإسلام بعد الشهادتين والصلاة، وهي حق للفقراء والمساكين وغيرهم من مال الأغنياء، ولهذا كثيرًا ما يقرن الله ما بين الصلاة والزكاة في كتابه العزيز، مثل قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣]، وقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٠)﴾ [البقرة: ١١٠].\nوعن أبي جعفر - ﵇ - قال: (إن الله ﷿ قرن الزكاة بالصلاة فقال: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، فمن أقام الصلاة ولم يؤت الزكاة لم يقم الصلاة) (^١).\nوعن محمد بن مسلم وأبي بصير وبريد وفضيل كلهم عن أبي جعفر وأبي عبد الله - ﵁ - قالا: (فرض الله الزكاة مع الصلاة) (^٢)، لذلك فإن الحكم في تارك الزكاة كالحكم في تارك الصلاة ألا وهو القتل، وهذا ما أثبته الثقلان: (كتاب الله والأئمة - ﵈ -).\nقال تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ\n_________\n(^١) الكافي: (٣/ ٥٠٦)، من لا يحضره الفقيه: (٢/ ١٠)، وسائل الشيعة: (٩/ ٢٢).\n (^٢) الكافي: (٣/ ٤٩٧)، وسائل الشيعة: (٩/ ١٣).","vol":"1","page":143},{"text":"رَحِيمٌ (٥)﴾ [التوبة: ٥]، وعن أبان بن تغلب قال: قال لي أبو عبد الله - ﵇ -: (دمان في الإسلام حلال من الله، لا يقضي فيهما أحد حتى يبعث الله قائمنا أهل البيت، فإذا بعث الله ﷿ قائمنا أهل البيت حكم فيهما بحكم الله، لا يريد عليهما بينة: الزاني المحصن يرجمه، ومانع الزكاة يضرب عنقه) (^١).\nوعن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن إسماعيل بن مرار، عن يونس، عن ابن مسكان يرفعه، عن رجل، عن أبي جعفر - ﵇ - قال: (بينا رسول الله - ﵌ - في المسجد إذ قال: قم يا فلان! قم يا فلان! قم يا فلان! حتى أخرج خمسة نفر فقال: اخرجوا من مسجدنا لا تصلوا فيه وأنتم لا تزكون) (^٢).\nثانيًا: من المعلوم وفق الروايات التاريخية - التي رواها كبار العلماء - أنه قد ارتد الكثير من الأعراب عن الإسلام بعد موت النبي - ﵌ -، وترك بعضهم الزكاة وغيرها.\nوقد ذكر الطوسي في الأمالي عن إبراهيم بن مهاجر، عن إبراهيم، قال: ارتد الأشعث بن قيس وأناس من العرب لما مات النبي - ﵌ -، فقالوا: نصلي ولا نؤدي الزكاة، فأبى عليهم... أبو بكر ذلك، وقال: لا أحُلّ عقدة عقدها رسول الله - ﵌ -، ولا أنقصكم شيئًا مما أخذ منكم نبي الله - ﵌ - ولأجاهدنكم، ولو منعتموني عقالا مما أخذ منكم نبي لجاهدتكم عليه، ثم قرأ\n ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران: ١٤٤] (^٣).\nولتدارك هذا الموقف أرسل أبو بكر الصديق - ﵁ - جيوش المسلمين بقيادة خالد بن\n_________\n(^١) الكافي: (٣/ ٥٠٣)، من لا يحضره الفقيه: (٢/ ١٢)، وسائل الشيعة: (٩/ ٣٣)، مستدرك الوسائل: (٧/ ٢٥)، بحار الأنوار: (٥٢/ ٣٢٥).\n (^٢) الكافي: (٣/ ٥٠٣)، من لا يحضره الفقيه: (٢/ ١٢)، وسائل الشيعة: (٩/ ٢٤)، تهذيب الأحكام: (٤/ ١١١).\n (^٣) الأمالي للطوسي: (ص: ٢٦٢)، بحار الأنوار: (٢٨/ ١١).","vol":"1","page":144},{"text":"الوليد - ﵁ - لمحاربة هؤلاء المرتدين، ومن بين هؤلاء قوم مالك بن نويرة (^١)، الذين امتنعوا عن دفع الزكاة.\nثالثًا: شنع الكثير من أهل الأهواء والفتن على أبي بكر الصديق - ﵁ - في إرساله خالد بن الوليد في الغزوات والحروب، واتخذوا مسارعة وحزم خالد بن الوليد مع أعداء الإسلام ذريعة لاتهامه بقتل الناس واستباحة أموالهم زورا وبهتانًا، ومن ثم الطعن فيه وإخفاء حسناته بقصد تشويه تاريخه ومكانته في الإسلام.\nونقول لهؤلاء إن أبا بكر - ﵁ - فعل ذلك أسوة بالنبي - ﵌ - الذي أمَّر خالد بن الوليد في عدة سرايا وبعوثٍ خاصةً في آخر حياته - ﵌ -، كبعثه إلى الطائف، وأهل اليمن، وهدم العزى والبحرين، ودومة الجندل، وغيرها كثير، وهذه المزايا والصفات القيادية التي اتصف بها خالد بن الوليد - ﵁ -، تجعلنا نكرمه ونقدر دوره في دك معاقل الكفر، ولا ندعي الكمال والعصمة فيه ولا في غيره من الصحابة - ﵃ -.\nرابعًا: قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٥٥]، هذه الشروط الثلاثة التي ذكرها الله في الآية: (الاستخلاف في الأرض، والتمكين لدين الله، وإبدال الخوف بالأمن) توفرت في زمن الصحابة - ﵃ -، ولم يحصل ذلك إلا حينما قاتلوا المرتدين بعد وفاة النبي - ﵌ -، وأسقطوا دولتي فارس والروم.\nخامسًا: إن قصة قتل خالد بن الوليد - ﵁ - لمالك بن نويرة، جاء فيها ثلاث روايات:\n_________\n(^١) انظر: (ص: ٩٦) من هذا الكتاب.","vol":"1","page":145},{"text":"الأولى: أن خالد بن الوليد - ﵁ - جاء لمالك بن نويرة وقومه، فقال لهم: أين زكاة الأموال؟ ما لكم فرقتم بين الصلاة والزكاة؟\nفقال مالك بن نويرة: إن هذا المال كنا ندفعه لصاحبكم في حياته، فمات، فما بال أبي بكر؟ فغضب خالد بن الوليد وقال: أهو صاحبنا وليس بصاحبك؟ فأمر ضرار بن الأزور أن يضرب عنقه.\nوقيل: إن مالك بن نويرة قد تابع سجاح التي ادعت النبوة.\nوهناك رواية ثالثة وهي: أن خالد بن الوليد - ﵁ - لما كلم قوم مالك بن نويرة، وزجرهم عن هذا الأمر وأسَرَ منهم من أسر، قال لأحد حراسه: أدفئوا أسراكم؟ وكانت ليلة شاتية وكان من لغة ثقيف (أدفئوا الرجل) تعني: اقتلوه، فظن الحارس أن خالدًا - ﵁ - يريد القتل فقتلهم وفق فهمه بدون أمر خالد بن الوليد - ﵁ -.\nولو تمسكنا بأي رواية مما سبق، فإن كان الخطأ قد وقع من خالد بن الوليد في قتل مالك بن نويرة، فإن العذر يلحقه من باب قتله لمانع للزكاة، أو لمتابعة لسجاح الكذابة، أو أنه كان متأولًا، وهذا التأويل ليس بمسوغ لإقامة الحد والقصاص على خالد - ﵁ -. ومثل ما وقع فيه خالد - ﵁ - من خطأ، فإنه قد حدث مثله مع الصحابي الجليل أسامة بن زيد - ﵄ -، حينما تأول في قتل الرجل الذي قال: لا إله إلا الله، ولم يوجب النبي - ﵌ - عليه دية أو كفارة.\nقال القمي في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [النساء: ٩٤]: إنها نزلت لما رجع رسول الله - ﵌ - من غزوة خيبر، وبعث أسامة بن زيد في خيل إلى بعض قرى اليهود في ناحية فدك ليدعوهم إلى الإسلام، وكان رجل من اليهود يقال له: مرداس بن نهيك الفدكي في بعض القرى، فلما أحس بخيل رسول الله - ﵌ - جمع أهله وماله، وصار في ناحية","vol":"1","page":146},{"text":"الجبل، فأقبل يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فمر به أسامة بن زيد فطعنه وقتله، فلما رجع إلى رسول الله - ﵌ - أخبره بذلك، فقال له رسول الله - ﵌ -: (قتلت رجلا شهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله؟ فقال: يا رسول الله إنما قالها تعوذًا من القتل! فقال رسول الله - ﵌ -: فلا شققت الغطاء عن قلبه، لا ما قال بلسانه قبلت، ولا ما كان في نفسه علمت، فحلف أسامة بعد ذلك أنه لا يقاتل أحدًا شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله) (^١).\nسادسًا: القول بأن خالدا - ﵁ - قتل مالك بن نويرة، ثم تزوج امرأته في تلك الليلة قول باطل لا يستند إلى رواية صحيحة، وما قيل بشأن ذلك إتهام باطل.\nخاصة إذا علمنا ان أهل الأهواء والفتن لم تكن لهم قدوة حسنة في حبهم لأصحاب النبي - ﵌ -، ولا الإنصاف لهم أو حسن الظن بهم، بل إنهم يهرعون إلى الروايات الضعيفة المتناثرة في الكتب مع تحريفهم لمعانيها، وتأويلهم لها تأويلًا باطلًا، كما هو الحال في قصة زواج خالد بن الوليد - ﵁ - من امرأة مالك بن نويرة، إذ جعلوا خالدًا - ﵁ - يحرص على قتل مالك لأجل الظفر بزوجته، وهذا من البهتان.\nوهذا القول ليس بمستغرب على من يريد أن ينشر الفتنة في الناس من خلال الطعن في أصحاب النبي - ﵌ -، بل يستطيع كل صاحب فتنة أن يتأول ويحرف القصص والروايات والتاريخ على وفق ما يهواه من الكذب وغيره، من دون الرجوع إلى الأسانيد الصحيحة الموافقة للصواب، لهذا السبب نفسه استطاع المستشرقون أن يطعنوا في النبي - ﵌ - كما طُعن في خالد بن الوليد.\n_________\n(^١) تفسير القمي: (١/ ١٤٨)، بحار الأنوار: (٢١/ ١١)، مستدرك الوسائل: (١٦/ ٧٩).","vol":"1","page":147},{"text":"فماذا سنقول ونرد لو قال لنا أحد المستشرقين الحاقدين: إن النبي - ﵌ - قد نظر إلى امرأة زيد بن حارثة وهي تغتسل وأعجب بها، وطلقها من زوجها حتى تحل له.\nقال الرضا - ﵇ -: (إن رسول الله - ﵌ - قصد دار زيد بن حارثه بن شراحيل الكلبي في أمر أراده فرأى امرأته تغتسل فقال لها: سبحان الذي خلقك! وانما أراد بذلك تنزيه الباري ﷿ عن قول من زعم إن الملائكة بنات الله، فقال الله ﷿: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا (٤٠)﴾ [الإسراء: ٤٠] فقال النبي: لما رآها تغتسل: سبحان الذي خلقك أن يتخذ له ولدًا يحتاج إلى هذا التطهير والاغتسال، فلما عاد زيد إلى منزله أخبرته امرأته بمجيء رسول الله - ﵌ - وقوله لها: سبحان الذي خلقك! فلم يعلم زيد ما أراد بذلك، وظن أنه قال ذلك لما أعجبه من حسنها، فجاء إلى النبي - ﵌ - وقال له: يا رسول الله! إن امرأتي في خلقها سوء، وإني أريد طلاقها! فقال النبي - ﵌ -: أمسك عليك زوجك واتق الله.\nوقد كان الله ﷿ عرفه عدد أزواجه وأن تلك المرأة منهن فأخفى ذلك في نفسه ولم يبده لزيد وخشى الناس أن يقولوا: إن محمدًا يقول لمولاه: إن امرأتك ستكون لي زوجة، يعيبونه بذلك، فأنزل الله ﷿: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٣٧] يعنى بالإسلام، ﴿وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ يعني بالعتق، ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب: ٣٧] ثم إن زيد بن حارثة طلقها واعتدت منه، فزوجها الله ﷿ من نبيه محمد - ﵌ - وأنزل بذلك قرآنا، فقال ﷿: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٣٧)﴾ [الأحزاب: ٣٧]) (^١).\n_________\n(^١) عيون أخبار الرضا: (١/ ٢٠٣)، الاحتجاج: (٢/ ٤٣١)، بحار الأنوار: (٢٢/ ٢١٦).","vol":"1","page":148},{"text":"فالحاقدون من الكفار والمنافقين الظانين بالله ظن السوء يطيرون فرحًا بمثل هذه الأقاويل الواهية، لكن المحب للنبي - ﵌ - وصحابته لا يحرف الكلم، ولا يختلق القصص الباطلة والروايات الموضوعة، فينزه النبي - ﵌ - عن كل زلة أو هفوة تخل بعصمته، ويلتمس العذر لأصحاب النبي - ﵌ -، ويحسن الظن بهم إن وقع منهم ما يظن أنه زلة أو هفوة.\nأما إن ثبت من الصحابة - ﵃ - ما يفيد الخطأ برواية معتمدة مقبولة، فإن الواجب على المسلم أن لا يُظهر المساوئ ويطير فرحا بصيدها، بل عليه أن يقذفها في بحار حسناتهم ويغضُ الطرف عنها ويمسك اللسان عن بيانها؛ لأن دلالة الحب العفو والصفح والغفران لأهل الفضل والإيمان، وأما الروايات الباطلة، فهي كما قال الله ﵎: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً﴾ [الرعد: ١٧].","vol":"1","page":149},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-36>قبل الختام:\nشجون عابرة</span>\nلقد عرفنا بالأدلة العقلية والنقلية أن أصحاب النبي - ﵌ - هم خير جيل عرفته البشرية كلها فهم خير الخلق بعد الأنبياء والمرسلين، وقرنهم خير القرون، وقد خاطبهم الله بالقول:\n ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠].\nوهم الجيل الذي اصطفاه الله لصحبة نبيه - ﵌ - وتبليغ دعوته، وما كان الله ليختار لنبيه من لا يصلح لنشر الدعوة وحفظ الإسلام وحماية المسلمين.\nوالقول بردتهم لا يقبله مسلم عاقل، بل يستطيع كل مسلم عامي سليم المعتقد أن يبطل هذه المعتقدات الدخيلة على الإسلام ببعض التساؤلات والتأملات السطحية، ونورد من ذلك مثلا ما قد يُحدث به المرء نفسه دون أن يرجع إلى القرآن والسنة أو إلى عالم في الدين وهي بمثابة شجون وخواطر ترد على ذهن صاحب الفطرة السليمة، ومن تلك الخواطر أن يقول:\nأولًا: كيف يستقيم -عقلًا- أن يكون أصحاب خاتم الأنبياء والمرسلين كفارًا وقد أثنى عليهم الله في كتابه الكريم، وكذا نبيه محمد - ﵌ - وأهل بيته، وزكَّى ظاهرهم وباطنهم؟ (^١) فهل يثني الله ﷿ على منافقين وكفار ومرتدين؟! ألا يعلم ما سيؤول إليه حالهم؟! وهل يفعل ذلك الثناء النبي - ﵌ - وأهل بيته الطاهرون؟!!\nثانيًا: إن المرتد إنما يرتد لشبهة أو شهوة، ومعلوم أن الشبهات والشهوات في أوائل الإسلام كانت أقوى وأكثر، حيث كان المسلمون إذ ذاك مستضعفين، والكفار قد استولوا\n_________\n(^١) انظر: (٢٣ - ٥٠) من هذا الكتاب.","vol":"1","page":151},{"text":"على أرجاء الأرض، وكان المسلمون يؤذون بمكة، ويلقون من أقاربهم وغيرهم من المشركين من الأذى ما لا يعلمه إلا الله، وهم صابرون على الأذى متجرعون لمرارة البلوى، وقد... اتبعوه - ﵌ - وهو وحيد فرد في أمره، مقهور مغلوب وأهل الأرض يد واحدة في عداوته.\nوقد هاجر بعض المسلمين وتركوا ديارهم وأموالهم، وتركوا ما كانوا عليه من الشرف والسؤدد في قومهم حبًا لله ولرسوله - ﵌ -.\nوهذا كله إنما فعلوه طوعًا واختيارًا ورغبة تدل على أن الإيمان في قلوب هؤلاء كان راسخًا رسوخ الجبال الراسية لا تؤثر فيه حالة الضعف والعوز، فكيف سيكون إيمانهم بعد ظهور الإسلام وانتشار راياته؟! وصاروا هم أهله والأعِزَّةُ وغيرهم الذليل، فما الذي حملهم على معصية الرسول - ﵌ - فيما بعد، وهم يعلمون أن مخالفة أمره كُفر بربهم، ورجوع عن دينه؟! فهل يعقل أن يطيع المهاجرون والأنصار جميعهم أبا بكر - ﵁ - في الكفر بالله! ويتركوا اتباع قول رسول الله - ﵌ -، وهم الذين خرجوا من ديارهم يبتغون فضلا من الله ورضوانًا وينصرون الله ورسوله؟!\nثالثًا: كيف يكون يسيرًا على النفس الإقدام على الحكم بكفر الصحابة وردتهم، مع أن الإمام عليًا - ﵇ - وهو العالم الفقيه، لم يكفر أحدًا ممن قاتله من أهل الجمل وصفين، ولم يسبِ ذرية أحد منهم ولم يغنم أموالهم، لكنه كان من أبعد الناس عن ذلك، وهذا مع من قاتله فكيف بمن لم يقاتله.. كأبي بكر وعمر وعثمان وغيرهم؟!\nبل إنه لم يحكم على هؤلاء بحكم المرتدين، مثلما حكم أبو بكر - ﵁ - وسائر الصحابة في بني حنيفة وأمثالهم من المرتدين، وكان - ﵇ - ينادي المنادي في يوم الجمل ويقول له: (لا يتبع مدبر، ولا يجهز على جريح، ولا تكشف عورة، ولا يهتك ستر!) (^١).\n_________\n(^١) انظر: مستدرك الوسائل: (١١/ ٥٢)، بحار الأنوار: (٣٢/ ٢٥٢).","vol":"1","page":152},{"text":"وكما كان يقول الإمام علي - ﵇ - لأهل حربه: (إنا لم نقاتلهم على التكفير لهم، ولم نقاتلهم على التكفير لنا، ولكنا رأينا أنا على الحق، ورأوا أنهم على الحق) (^١).\nرابعًا: كيف يأمرنا النبي - ﵌ - بمجالسة الصالحين، وينهانا عن مجالسة أهل السوء، وقد جالس النبي - ﵌ - الصحابة المرتدين المنافقين -كما يزعمون! - فمن المخطئ يا ترى؟! وكيف لا يحمي الله نبيه - ﵌ - من هؤلاء المرتدين -كما يزعمون- في حياته وبعد موته؟!\nخامسًا: كيف يأمرنا النبي - ﵌ - بمصاهرة أهل الدين والخلق الحسن، وينهانا عن تزويج أهل الكبائر والذنوب، ثم يخالف هو بنفسه - ﵌ - هذا الأمر ويصاهر المرتدين ويصاهرونه كأبي بكر وعمر وعثمان؟! فهل أخطأ النبي - ﵌ - في مصاهرته لأولئك النفر؟\nسادسًا: لماذا يسمي أهل البيت - ﵈ - أبناءهم بأسماء كبار الصحابة؛ كأبي بكر وعمر وعثمان ويحرصون على ذلك؟ مع أن هذه الأسماء مهجورة في مجالس العزاء في هذا الزمان!\nفمن ادعى أنهم كفار ومرتدون فله أن يجيز التسمية بأسماء فرعون وقارون وغيرهم، إذ الأمر مرجعه واحد، والكفر ملة واحدة.\nونحن نعلم جميعًا أنه ليس ثمة دلالة في إظهار الحب لأهل البيت - ﵈ - إلا النهل من منهلهم المبارك، مع التقيد بعلمهم المبارك.\nسابعًا: كيف نجوّز اللعن والسب على من خالف الإمام عليًا - ﵇ - وقتله؟ وقد أنكر الإمام - ﵇ - بنفسه على شيعته لسبهم ولعنهم لمعاوية؟ وقال لهم: كرهت لكم أن تكونوا لعانين شتامين؟! (^٢).\nثامنًا: وفق ما يقرأه المنصف للتاريخ لم يثبت أن الصحابة نشروا فكرة باطلة في زمن\n_________\n(^١) قرب الإسناد: (ص: ٤٥)، بحار الأنوار: (٣٢/ ٣٢٤).\n (^٢) انظر: مستدرك الوسائل: (١٢/ ٣٠٦)، بحار الأنوار: (٣٢/ ٣٩٩)، وقعة صفين: (ص: ١٠٢).","vol":"1","page":153},{"text":"النبي - ﵌ -، أو ثاروا عليه عندما أسس الدولة الإسلامية وعزز أركانها.\nبل كانوا يحاولون جاهدين مساندته بأموالهم وأرواحهم، وبعضهم مات لأجل ذلك.. فهل المنافق يعمل كل ذلك؟ أم أنه يركن إلى حفظ نفسه، واقتناص الفرص لنيل حظوظ الدنيا؟!\nتاسعًا: الفتوحات والملاحم الإسلامية، أليست فيها الدلالة على الصدق والثبات على منهج النبي - ﵌ -؟ أم إنها دلالة على حب الصحابة للدنيا، وهوى النفس، وزهق للأرواح والأنفس في الباطل؟\nعاشرًا: مؤسسو الدول المعاصرة يختارون الأكفاء من الرجال لمساندتهم في إنشاء دولتهم..\nفهل يعقل أن الله أهمل نبيه - ﵌ - من الرعاية والعناية والتدبير، فيختار له- من غير حسن تدبير ولا تقدير لعواقب الأمور- حفنة من المنافقين ليعينوا نبيه - ﵌ - لنشر الدين، مع أنه خاتم الرسل، بل ويمكّن الله لهم في زمن الخلفاء الثلاثة، وغيرها من الدول الإسلامية؟!\nحادي عشر: للعامي المسلم الحق في الاستفسار عن قضية هامة: إذا كان الصحابة مرتدين مارقين مغيرين لدين الله.. فعلى هذا فإن كل ما نُقل عنهم فهو باطل! مثل الأحكام الشرعية وغيرها...\nإذًا: بأي شرع صحيح سوف نتعبد به ربنا؟! وكيف نعتمد على قرآن نقله هؤلاء؟!\nأيها القارئ الكريم: يجب علينا أن نعلم علم اليقين أن أعداء الإسلام ابتدعوا الطعن في أصحاب النبي - ﵌ -؛ لأنهم هم الذين نقلوا القرآن والسنة بالأسانيد المتواترة عن النبي - ﵌ - ولا توجد ديانة من الديانات على وجه الأرض يتوافر عندها إسناد متواتر لكتابها المقدس، ... أو لسنة نبيها -إن كانوا من أهل الكتب السماوية- إلا المسلمين، الذين يحبون أصحاب... نبيهم - ﵌ - ويوالونهم.","vol":"1","page":154},{"text":"فالقرآن العظيم وسنة النبي - ﵌ - وصلا إلينا عن طريق أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وإخوانهم - ﵃ -، ومن اتبعهم بإحسان وساروا على خطاهم وهديهم، وبهذا يتبين لنا بوضوح امتداد المخطط الحاقد الذي يستهدف هدم الدين، وإبعاد المسلمين عن إسلامهم واتباعهم ملة اليهود والنصارى، كما حذرنا ربنا ﵎ عنهم، فقال: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٠].\nوآخر دعوانا أن نقول ما كان يقوله نبينا وسيدنا محمد - ﵌ - في دعاء القيام:\n (اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم).\nآمين.. آمين.. آمين\nوآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين","vol":"1","page":155},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-37>قائمة المراجع</span>\n١ - القرآن الكريم.\n٢ - الاحتجاج - أبو منصور أحمد بن علي الطبرسي - نشر مرتضى مشهد مقدسي (١٤١٣ هـ).\n٣ - الاختصاص - محمد بن محمد النعمان الملقب (بالمفيد) - انتشارات كنكرة جهاني - قم - (١٤١٣ هـ).\n٤ - إرشاد القلوب - حسن بن أبي الحسن الديلمي - انتشارات شريف رضا - (١٤١٢ هـ).\n٥ - آراء حول القرآن - السيد الفاني الأصفاني - دار الهادي - بيروت.\n٦ - إعلام الورى - أمين الدين فضل بن حسن الطبرسي - دار الكتب الإسلامية - طهران.\n٧ - أمالي الصدوق - أبو جعفر محمد بن بابويه القمي المعروف (بالصدوق) - انتشارات كتابخانه إسلامية - (١٣٦٢ هـ).\n٨ - أمالي الطوسي - شيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي - انتشارات دار الثقافة - قم - (١٤١٤ هـ).\n٩ - بحار الأنوار - الشيخ محمد باقر المجلسي - مؤسسة الوفاء - بيروت - لبنان - (١٤٠٤ هـ).\n١٠ - بصائر الدرجات - محمد بن الحسن بن فروخ الصفار - مكتبة آية الله المرعشي - قم (١٤٠٤ هـ)\n١١ - تأويل الآيات الظاهرة - السيد شرف الدين حسين استرابادي - انتشارات جامعة مدرسين - قم - (١٤٠٩ هـ).","vol":"1","page":157},{"text":"١٢ - تهذيب الأحكام - أبو جعفر محمد عبد الحسن الطوسي - دار الكتب الإسلامية - طهران - (١٣٦٥ هـ).\n١٣ - تفسير الأمثل - ناصر مكارم الشيرازي - الطبعة الأولى - مؤسسة البعثة للطباعة والنشر - بيروت.\n١٤ - تفسير بيان السعادة - الحاج سلطان محمد الجنابذي، الطبعة الثانية، مطبعة جامعة طهران.\n١٥ - تفسير التبيان - أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي، الطبعة الأولى، تحقيق: أحمد حبيب العاملي، قم، مكتب الإعلام الإسلامي.\n١٦ - تفسير تقريب القرآن - السيد محمد الحسيني الشيرازي، الطبعة الأولى مؤسسة الوفاء - بيروت.\n١٧ - تفسير جامع الجوامع - أمين الدين أبو علي الفضل الطبرسي، الطبعة الثالثة، مؤسسة النشر والطبع، جامعة طهران.\n١٨ - تفسير الجديد - الشيخ محمد السبزواري النجفي، الطبعة الأولى، دار التعارف للمطبوعات - بيروت.\n١٩ - تفسير الجوهر الثمين - السيد عبد الله شبر، الطبعة الأولى، مكتبة الألفين - الكويت.\n٢٠ - تفسير شبر - السيد عبد الله شبر، الطبعة الأولى، دار البلاغة للطباعة والنشر - بيروت.\n٢١ - تفسير الصافي - المولى محسن الملقب بـ (الفيض الكاشاني)، الطبعة الأولى دار المرتضى للنشر - مشهد.\n٢٢ - تفسير العياشي - أبو النضر محمد بن مسعود بن عياش، طهران - المكتبة العلمية الإسلامية.","vol":"1","page":158},{"text":"٢٣ - تفسير القمي - علي بن إبراهيم القمي - الطبعة الثالثة - قم - مؤسسة دار الكتاب للطباعة والنشر.\n٢٤ - تفسير الكاشف - محمد جواد مغنية، الطبعة الثالثة، دار العلم للملايين.\n٢٥ - تفسير مجمع البيان - أمين الدين أبو علي الفضل الطبرسي، بيروت: دار إحياء التراث العربي، (١٣٧٩ هـ).\n٢٦ - تفسير مختصر مجمع البيان - الشيخ محمد باقر الناصري، الطباعة الثانية قم: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين.\n٢٧ - تفسير المعين - المولى نور الدين محمد بن مرتضى الكاشاني، الطبعة الأولى قم: مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي.\n٢٨ - تفسير مقتنيات الدرر - مير سيد علي الحائري الطهراني، طهران - دار الكتب الإسلامية.\n٢٩ - تفسير من هدي القرآن - السيد محمد تقي المدرسي، الطبعة الأولى، دار الهدى.\n٣٠ - تفسير المنير - محمد الكرمي، قم، المطبعة العلمية (١٤٠٢ هـ).\n٣١ - تفسير من وحي القرآن - السيد محمد حسين فضل الله، الطبعة الثالثة بيروت، دار الزهراء للطباعة والنشر.\n٣٢ - تفسير الميزان - السيد محمد حسين الطبطبائي، الطبعة الثالثة، طهران: دار الكتب الإسلامية.\n٣٣ - تفسير نور الثقلين - الشيخ عبد علي بن جمعة الحويزي، الطبعة الثانية - قم: المطبعة العلمية.\n٣٤ - تفسير الوجيز - علي بن الحسين بن أبي جامع العاملي - دار القرآن الكريم - قم - الطبعة الأولى.","vol":"1","page":159},{"text":"٣٥ - ثواب الأعمال - أبو جعفر محمد بن علي بن بابويه القمي - انتشارات شريف رضا - قم - (١٣٤٦ هـ).\n٣٦ - الحدائق الناضرة - المحقق البحراني - الناشر جماعة المدرسين - قم.\n٣٧ - الخصال - أبو جعفر محمد بن علي بن بابويه القمي (الصدوق) - انتشارات جامعة مدرسين - قم - (١٤٠٣ هـ).\n٣٨ - الدعوات - قطب الدين الراوندي - مدرسة الإمام المهدي (عج) - قم - (١٤٠٧ هـ).\n٣٩ - رجال ابن داود - ابن داود الحلي - مؤسسة النشر في جامعة طهران - (١٣٨٣ هـ).\n٤٠ - رجال الطوسي - أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي - منشورات الرحمن - قم، إيران.\n٤١ - رجال الكشي - محمد بن عمر بن عبد العزيز الكشي - انتشارات دانشكار - مشهد - (١٣٤٨ هـ).\n٤٢ - سر السلسلة العلوية - ابن نصر البخاري.\n٤٣ - سيرة الأئمة الاثني عشر - السيد هاشم معروف الحسيني - طبعة دار المعارف - الطبعة السادسة.\n٤٤ - شرح أصول الكافي - مولى محمد صالح المازندراني.\n٤٥ - شرح نهج البلاغة - عبدالحميد بن أبي الحديد المعتزلي - كتابخانه آية الله المرعشي - قم- (١٤٠٤ هـ).\n٤٦ - الصحيح من سيرة النبي الأعظم - ﵌ - العلامة المحقق السيد جعفر مرتضى العاملي - دار الهادي - بيروت - الطبعة الرابعة.\n٤٧ - الصحيفة السجادية - الإمام علي بن الحسين (ع) - نشر الهادي - قم - (١٣٧٦ هـ).\n٤٨ - صراط النجاة في أجوبة الاستفتاءات - آية الله العظمى السيد أبو القاسم الخوئي - دار المحجة البيضاء دار الرسول الأكرم - ﵌ - الطبعة الأولى.","vol":"1","page":160},{"text":"٤٩ - علل الشرائع: أبو جعفر محمد بن علي بن بابويه القمي (الصدوق) - انتشارات مكتبة الداوري - قم.\n٥٠ - العمدة: ابن بطريق يحيى بن حسن الحلي - انتشارات جامعة مدرسين - قم - (١٤٠٧ هـ).\n٥١ - عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب - جمال الدين أحمد الحسين بن علي بن مهنا «ابن عنبة» ت ٨٢٨ هـ - منشورات المطبعة الحيدرية - النجف.\n٥٢ - عوالي اللآلى: ابن أبي جمهور الأحسائي - انتشارات سيد الشهداء - ﵇ - قم - (١٤٠٥ هـ).\n٥٣ - عيون أخبار الرضا - ﵇ -: أبو جعفر محمد بن علي (الصدوق) - انتشارات جهان - (١٣٧٨ هـ).\n٥٤ - فرق الشيعة: الشيخ الحسن بن موسى النوبختي - الطبعة الثانية (١٤٠٤ هـ) - منشورات دار الأضواء - بيروت - لبنان.\n٥٥ - فقه الرضا (ع) - نشر المؤتمر للإمام الرضا (ع) - (١٤٠٦ هـ).\n٥٦ - قرب الإسناد - عبدالله بن جعفر الحميري - مكتبة نينوى - طهران.\n٥٧ - الكافي - محمد بن يعقوب الكليني - دار الكتب الإسلامية - (١٣٦٥ هـ).\n٥٨ - كشف الغمة في معرفة الأئمة: أبو الحسن علي بن عيسى الأربلي - جاب مكتبة بني هاشم تبريز - (١٣٨١ هـ).\n٥٩ - لسان العرب - العلامة أبي الفضل جمال الدين محمد بن مكرم ابن منظور - دار الفكر للطباعة والنشر - الطبعة الأولى.\n٦٠ - مجموعة ورام: ورام بن أبي فراس - انتشارات مكتبة الفقيه - قم.\n٦١ - مجمع الرجال: علي القهبائي - مؤسسة مطبوعاتي إسماعيلاتي.","vol":"1","page":161},{"text":"٦٢ - مدينة المعاجز: السيد هاشم البحراني - مؤسسة المعارف الإسلامية - قم. ط. الأولى.\n٦٣ - مستدرك الوسائل: حسين النوري الطبرسي - مؤسسة آل البيت - ﵈ - قم - (١٤٠٨ هـ).\n٦٤ - المقالات والفرق: سعد بن عبدالله الأشعري - نشر مؤسسة مطبوعاتي عطاني طهران (١٩٦٣ م).\n٦٥ - من لا يحضره الفقيه - الشيخ الصدوق - مؤسسة النشر الإسلامي - قم - (١٤١٣ هـ).\n٦٦ - مناقب آل أبي طالب - ﵇ -: أبو جعفر محمد بن علي بن شهر آشوب المازندراني - مؤسسة انتشارات العلامة - قم - (١٣٧٩ هـ).\n٦٧ - منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة: العلامة ميرزا حبيب الله الخوئي - مؤسسة دار الوفاء، بيروت.\n٦٨ - نهج البلاغة - من كلام أمير المؤمنين أبي الحسن علي بن أبي طالب - ﵇ - اختاره الشريف الرضي - انتشارات دار الهجرة - قم.\n٦٩ - النوادر: السيد فضل الله الراوندي - مؤسسة دار الكتاب - قم.\n٧٠ - وقعة صفين - نصر بن مزاحم بن سيار المنقري - مكتبة آية الله المرعشي - قم - (١٤٠٣ هـ).\n٧١ - وسائل الشيعة - محمد بن الحسن الحر العاملي - مؤسسة آل البيت - قم - (١٤٠٩ هـ).","vol":"1","page":162}]}